بحوث فی علم الاصول جلد 6

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

المؤلف: السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي

الناشر: المجمع العلمي للشهيد الصدر

المطبعة: مكتب الإعلام الإسلامي

الطبعة: 1

الموضوع : أصول الفقه

تاريخ النشر : 1405 ه.ق

الصفحات: 368

المكتبة الإسلامية

بحوث في علم الأصول

مباحث الحجج والأصول العملية

الجزء الثالث

الإستصحاب

تقريرات الشهيد السعيد الأستاذ آية اللّه العظمی السيد محمد باقر الصدر طاب ثراه

تأليف: آية اللّه السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

المحرّر الرّقمي: محمّد علي ملك محمّد

اشارة

الكتاب: بحوث في علم الأصول - ج6

المؤلف: آية اللّه السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

الناشر: مؤسسة الفقه ومعارف أهل البيت عليهم السلام

الطبعة: الأولی 1433 ه 2012 م

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

بسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الأنام محمد وآله البررة الكرام الطيبين الطاهرين ..

وبعد .. فهذا هو الجزء السادس من كتابنا في أصول الفقه الّذي الّذي يمثل الجزء الثالث من مباحث الحجج والأصول العملية المشتمل على مبحث الاستصحاب منها وحيث انا كنا قد أصدرنا الجزء السابع - تعارض الأدلة الشرعية - قبل اثني عشر عاما ، فقد تم بذلك تقرير دورة كاملة من بحوث هذا العلم والتي استفدناها من دروس أستاذنا الأعظم الإمام الشهيد السيد الصدر ( قدس سره الشريف ).

وقد قدر اللّه سبحانه وتعالى ان تخرج هذه الدورة إلى النشر بعد استشهاد ذلك الرّجل الرباني الصالح وفي ظروف الهجرة إلى بلاد إيران الإسلام في ظل الحكومة الإسلامية المباركة وبقيادة قائد الأمة وأمل المستضعفين في العالم الإمام الخميني « متع اللّه الإسلام والمسلمين بطول عمره الشريف ».

وكان من جراء ذلك ان بقيت جملة من كتاباتي لبحوث هذا الجزء في العراق لدى السيد الشهيد نفسه عند ما كان يكتب على ضوئها الحلقات الأصولية الدراسية الثلاث والتي ذهبت تلك الكتابات مع غيرها من مؤلفات السيد الشهيد الخطبة الثمينة وجملة معتد بها من كتاباتي لبحوثه الفقهية على العروة الوثقى ضمن ما سلبته يد الخيانة والطغيان البعثي الفاشي حيثما أقدمت على الجناية التاريخية العظمى في هذا العصر فاعتقلت أستاذنا إلى محراب شهادته

وصارت مكتبة وكل ما كان فيها من نفائس الفكر والتراث ما أحوج الإسلام في عصرنا الحاضر إليها ومن أنفس ما كان ضمن تلك الكتابات دراسة حديثة تفصيلية عن الفلسفة الإسلامية المعمقة مقارنا مع أدق وأحدث نظريات الفكر الفلسفي القديم والمعاصر كان قد شرع في تحريرها في ضوء منطق الاستقراء الّذي أسس مناهجه وقواعده ، من أجل ذلك اضطررت في ملء نقاط الفراغ من بحوث هذا الجزء ان أستعين بجملة من كتابات إخواني وأحبتي من فضلاء تلاميذ سيدنا الشهيد الذين هيئوا لي هذه الفرصة الثمنية فأتحفوني بكتاباتهم في نقاط الفراغ ، وأخص بالذكر منهم أخي الكبر العلامة حجة الإسلام والمسلمين السيد كاظم الحائري « حفظه اللّه تعالى » وأخي العزيز العلامة حجة الإسلام الشيخ محمد الأصفهاني « حفظه اللّه تعالى » فجزاهم اللّه عنا وعن سيدنا الأستاذ الشهيد خيرا وحشرنا وإياهم مع صاحب هذه المدرسة العلمية والرسالية الفريدة في مستقر رحمته الواسعة مع الأولياء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ..

والحمد اللّه رب العالمين

السيد محمود الهاشمي

قم المقدسة 1406 ه

الاستصحاب

اشارة

المقدمة

•

شرح حقيقة الاستصحاب جعلا واستدلالا واصطلاحا.

•

البحث عن الاستصحاب مسألة أصولية.

•

الفرق بين الاستصحاب وقواعد أخرى مشابهة.

الاستصحاب

والبحث عن قاعدة الاستصحاب نورده ضمن مقدمة وفصول وخاتمة.

المقدمة

وتشتمل على مباحث ثلاثة :

المبحث الأول - في شرح حقيقة الاستصحاب جعلا واستدلالا واصطلاحا ، ويظهر من خلال البحث ما يراد بكل واحد من هذه العناوين ، فالحديث يقع ضمن ثلاث نقاط :

النقطة الأولى - في بيان الكيفية المعقولة ثبوتا لجعل الاستصحاب كحكم شرعي ظاهري ، وبهذا الصدد لا بد وان نستذكر حقيقة الحكم الظاهري إجمالا ضمن امرين :

1 - ان الحكم الظاهري حكم شرعي طريقي يجعله المولى نتيجة التزاحم الواقع بين الأحكام الإلزامية والأحكام الترخيصية الواقعية المشتبهة في مقام الحفظ التشريعي فيرجح المولى ما هو الأولى منها ملاكا وأهمية على غيره بجعل حكم ظاهري على طبقه إلزاما أو ترخيصا ، وقد سمينا هذا النحو من التزاحم بالتزاحم الحفظي في قبال التزاحم الامتثالي الّذي نقحه الميرزا (قدّس سرّه) ، والتزاحم الملاكي الّذي سار عليه المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه).

2 - ان ترجيح الأحكام الواقعية المتزاحمة تارة يكون على أساس كيفي أي قوة نوع المحتمل وأهميته كما إذا كانت الأغراض الواقعية اللزومية أهم لدى

المولى من أغراضه الترخيصية فيجعل إيجاب الاحتياط عند الشك ، وأخرى يكون على أساس كمي أي قوة الاحتمال بلحاظ مجموع الأحكام التي تتضمنها تلك الدائرة كما إذا كانت الأغراض اللزومية في دائرة الشبهات قبل الفحص أكثر من الترخيصية مثلا وان كانت نوع غرض لزومي واحد ليس بأهم من غرض ترخيص واحد فيجعل إيجاب الاحتياط فيها أيضا تحفظا على الكمية الأكبر من تلك الأغراض ، وثالثة يكون على أساس كمي أي قوة الاحتمال ولكن لا بلحاظ النّظر المجموعي إلى ما ضمن تلك الدائرة من الأحكام بل بلحاظ النّظر الاستغراقي إلى كل مورد فيرى ان هناك قوة لأحد الاحتمالين على الآخر فيجعل الحكم الظاهري على طبق ذلك الاحتمال والّذي قد يكون إلزاميا وقد يكون ترخيصيا كعنوان ما أخبر به الثقة ، وهذا القسم من جعل الحكم الظاهري هو الّذي تكون مثبتاته حجة على القاعدة كما سوف يأتي البحث عنه مفصلا في موضعه بخلاف القسمين السابقين.

ثم انه ربما لا يوجد مرجح كيفي ولا كمي في شبهة فحينئذ قد تصل النوبة إلى إعمال المولى لمرجحات ذاتية أي غير مربوطة بالواقع المشتبه بل لخصوصيات نفسية ونحوها فيرجح أحد الحكمين على أساس ذلك ولا محذور في ذلك ، ولا ينافي ذلك مع طريقية الحكم الظاهري كما لا يستلزم التصويب لأن هذا الترجيح كان في طول التساوي بين الحكمين الواقعيين المتزاحمين في مقام الحفظ.

وعلى ضوء ذلك نقول في المقام بان جملة من الأصحاب ذكروا ان الاستصحاب غير ناظر إلى الأحكام الواقعية وملاكاتها وانما هو مجرد تعبد ظاهري صرف كأصالة الإباحة.

وهذا الكلام غير صحيح لما عرفت من ان مثل أصالة الإباحة أيضا مجعول لحفظ الملاكات والأغراض الواقعية الترخيصية المتزاحمة مع الأغراض اللزومية ولكن لا على أساس قوة الاحتمال بل على أساس نوعية المحتمل - المرجح الكيفي -.

وذكر آخرون ان الاستصحاب كأصالة الاحتياط في التحفظ على الواقع بقطع النّظر عن مسألة الأمارية والكاشفية.

وهذا التعبير يرجع بحسب تعبيراتنا إلى ان الاستصحاب جعل على أساس المرجح الكيفي لا الكمي. وهذا أيضا غير صحيح ، لأن جعل حكم ظاهري على

أساس المرجح الكيفي انما يعقل في مثل أصالة الاحتياط أو الحل لا الاستصحاب الّذي لا يكون نوع المحتمل مشخصا فيه لأن الاستصحاب قد يكون استصحابا لحكم إلزاميّ وقد يكون استصحابا لحكم ترخيصي فلا تميز لنوع الحكم في موارد جريان الاستصحاب ليعقل ان يكون الترجيح على أساسه.

والصحيح : انه يمكن ان يكون جعل الاستصحاب كحكم ظاهري على أساس الترجيح بقوة الاحتمال بالنظر المجموعي بان يكون المولى معتقدا بقاء أكثر الحالات السابقة المتيقنة في دائرة اليقين السابق والشك اللاحق. ويمكن ان يكون على أساس الترجيح بقوة الاحتمال بالنظر الاستغراقي أي أمارية الحالة السابقة أو اليقين السابق على البقاء في نفسه. ويمكن ان يكون على أساس الترجيح بعامل ذاتي لا موضوعي بعد فرض التساوي في المرجحات الموضوعية الكيفية والكمية في موارد اليقين السابق والشك اللاحق ولتكن النكتة الذاتيّة للترجيح هي الانسجام مع الميل والرغبة الشخصية للمكلف للسير على وقف يقينه السابق.

النقطة الثانية - اعتاد الأصحاب على جعل الحجة في مقام الاستدلال بالاستصحاب نفس الاستصحاب كما يجعل خبر الثقة دليلا في مقام الاستدلال على حكم ولم يجعلوا صحيحة زرارة الدالة على الاستصحاب مثلا دليلا على الحكم.

وهذا التعبير ليس جزافا بل قد يرتب عليه أثر عملي هو انه عند ما يكون الدليل نفس خبر الثقة فإذا وجد في قباله معارض فلا بد وان تلحظ النسبة بينه وبين الخبر لا دليل حجيته كآية النبأ فإذا كان الخبر أخص منه قدم عليه ولو كانت النسبة بينه وبين آية النبأ العموم من وجه مع انه لا يكون الأمر كذلك في باب الاستصحاب فان المعارض تلاحظ نسبته إلى صحيحة زرارة لا إلى نفس الاستصحاب الّذي جعل دليلا على الحكم.

ونقل عن السيد بحر العلوم (قدّس سرّه) انه لا وجه للتفكيك بين خبر الواحد والاستصحاب بل اللازم فيه أيضا اعتبار الاستصحاب معارضا مع الدليل الاخر فنخصص قاعدة الحل بالاستصحاب ولا نلحظ النسبة بين كل شيء حلال وبين صحيحة زرارة. وكأنه يرى إلحاق خصوص الاستصحاب بخبر الثقة دون الأصول

العملية الأخرى وقد يكون بارتكازه يرى فرقا بينهما سوف يأتي شرحه عن بعض المتأخرين.

واعترض الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) على كلام السيد بحر العلوم (قدّس سرّه) بان قياس الاستصحاب بخبر الواحد غير سديد ، لأن الاستصحاب بنفسه الحكم ببقاء ما كان لا الدليل على الحكم وهذا بخلاف خبر الثقة (1).

وهذا الكلام بهذا المقدار لا يكفي لحل الإشكال إذ يمكن للسيد ان يجعل اليقين السابق دليلا على الحكم ومخصصا للقاعدة فيكون بمثابة خبر الثقة.

وذهب بعض الاعلام من المتأخرين إلى ان الاستصحاب ان كان فيه شوب أمارية كان حاله حال خبر الثقة فلا بد وأن تلاحظ النسبة بينه وبين معارضه ، وان جردناه عن الأمارية وكان أصلا صرفا كأصالة الحل لم يكن حاله حال خبر الثقة لأنه حكم صرف وليس كاشفا ودليلا على الحكم لتلحظ نسبته إلى دليل حكم آخر ، وحيث ان الاستصحاب فيه نحو كاشفية ولو بنحو التنزيل فهو كخبر الثقة يكون دليلا على الحكم وبهذا حاول ان يوافق السيد بحر العلوم (قدّس سرّه) في كلامه (2).

أقول : تقديم خبر الثقة على العام المعارض له ليس على أساس كونه أمارة فحسب ، كيف وهناك أمارات لا تتقدم على معارضاتها كما إذا تعارضت بينتان إحداهما أخص من الأخرى فانه لا يقدم الأخص منهما على الأعم. وانما الملاك في التقديم ان الخبر الواحد ينقل كلام المعصوم الصادر منه العام وكل كلامين صادرين عن شخص واحد يكون الأخص منهما قرينة على المراد من الأعم فيقدم عليه ، وهذه النكتة لا تكون محفوظة في البينتين ولا في الاستصحاب إذا تعارض مع دليل اخر.

وهكذا يتضح ان المسألة غير مرتبطة بكون الدليل أصلا أو أمارة ، بل مرتبطة بما إذا كان هناك كلامان صادران من متكلم واحد وكان الدليلان ينقلان ذلك ، فالصحيح ما مشى عليه الأصحاب بحسب ارتكازهم من عدم ملاحظة النسبة بين الاستصحاب وبين معارضة العام بل بين صحيحة زرارة وبين العام كما هو الحال


1) فرائد الأصول ص 320

2) الرسائل ج 1 ، ص 74

أيضا في أدلة سائر الأصول والأمارات بعضها مع البعض ، وأما التعبير عن الاستصحاب بالدليل فباعتبار كاشفيته أو منجزيته ومعذوريته للحكم الواقعي المحفوظ في مورده فانه دليل عليه ومثبت له ولو إثباتا تنجيزيا أو تعذيريا.

النقطة الثالثة - عرف الاستصحاب اصطلاحا بأنه إبقاء ما كان أي الحكم ببقائه ، وقد أثير حول هذا التعريف إشكالات عديدة نشير إلى أهمها وهو اثنان :

1 - ما أفاده السيد الأستاذ من ان تعريف الاستصحاب يختلف باختلاف المباني في حجيته فلا وجه لإعطاء تعريف عام ، والتعريف المذكور ينسجم مع مبنى كون الاستصحاب أصلا عمليا ولا ينسجم مع كونه أمارة ، فانه حينئذ ليس حكما شرعيا ببقاء ما كان بل ينبغي تعريفه بأنه اليقين السابق والشك اللاحق.

وفيه : أولا - كان ينبغي له على هذا المنهج ان يعرف الاستصحاب بناء على الأمارية بالحدوث أو الثبوت في الحالة السابقة ، لأنه الملازم غالبا مع البقاء ، واليقين كاشف عنه كاليقين بخبر الثقة ، واما الشك اللاحق فهو موضوع لكل حكم ظاهري.

وثانيا - ان أريد بهذا الكلام دعوى ان مبنى الأمارية يستلزم جعل الاستصحاب اسما لليقين السابق ومبنى الأصلية يستلزم جعله اسما للحكم بالبقاء فمن الواضح عدم وجود مثل هذه الملازمة ، فانه يمكن ان يجعل اليقين السابق أمارة على البقاء ومع ذلك يسمى نفس الحكم بالبقاء ظاهرا بالاستصحاب ويمكن ان يجعل الحكم بالبقاء في مورد اليقين السابق ومع ذلك يسمى اليقين السابق بالاستصحاب. وان أريد بهذا الكلام استظهاره من كلام الأصحاب الذين قالوا مثلا ان الاستصحاب أمارة فتعبيراتهم لا يترتب عليها أثر مهم في المقام على انه قد يكون تعبيرهم بالاستصحاب عن حرمة النقض والحكم بالبقاء وقد يكون تعبيرهم به عن اليقين السابق حتى عند النافين لأماريته.

2 - ما اعترضه المحقق الأصفهاني من ان المراد بالإبقاء ان كان هو الإبقاء العملي فهذا لا ينسجم مع حكم العقل الّذي هو أحد مدارك الاستصحاب لأنه يدرك البقاء ظنا مثلا وليس للعقل أحكام عملية ، وان كان المراد الإبقاء الحكمي التشريعي فهو لا ينسجم مع البناء العقلائي الّذي هو مدرك اخر من مدارك الاستصحاب فانهم انما يبنون عمليا على البقاء ويسيرون عليه.

والجواب : إمكان اختيار الإبقاء العملي وافتراض ان العقل يدرك لزوم الإبقاء العملي بمعنى حق الطاعة والمولوية في مورد الاستصحاب الإلزامي وإمكان اختيار الإبقاء الحكمي التشريعي ومع ذلك يستدل عليه بالبناء العقلائي لأن المقصود من بنائهم العملي بناؤهم بما هم موالي فيكون لهم أحكام وتشريعات ، عملي ان الحجة عندنا ليس هو نفس البناء العملي العقلائي بل إمضاؤه من قبل الشارع وهو يستبطن الحكم الشرعي لا محالة.

والتحقيق : انه ان أريد بتعريف الاستصحاب تعريف ما اصطلح عليه الأصحاب بالاستصحاب فهذا يتوقف على تتبع كلماتهم وهي مختلفة ومتطورة تدريجا حسب تطور تاريخ هذا البحث الأصولي. وان أريد بذلك تحديد ما يصلح ان يكون محورا للبحث وموردا للنفي والإثبات على اختلاف المباني والمشارب في فهم الأدلة المستدل بها في هذا البحث فأفضل تعبير يصلح لذلك هو مرجعية الحالة السابقة ولعله المراد أيضا من التعبير بإبقاء ما كان (1).

المبحث الثاني : وقع البحث بينهم في أصولية هذه المسألة ، والواقع ان هذه النقطة ترتبط بالتعريف الّذي يتبنى في تعريف علم الأصول وقواعدها فبناء على تعريفها بما يقع كبرى في طريق الاستنباط يكون الاستصحاب قاعدة أصولية لأنه في الشبهات الحكمية تقع كبرى لذلك. كما انه بناء على مختارنا في تعريف علم الأصول من انه العلم بالقواعد المشتركة في الأبواب الفقهية المتنوعة يكون الاستصحاب منها أيضا لعدم تقييده بباب فقهي خاص بل يجري في تمام الأبواب ، وعليه فلا ينبغي الإشكال في أصولية هذا البحث.

المبحث الثالث : في الفرق بين الاستصحاب وقواعد أخرى مشابهة له وهي قاعدة الاستصحاب القهقرائي المسمى بأصالة الثبات في اللغة وقاعدة اليقين وقاعدة المقتضي والمانع.

اما الاستصحاب القهقرائي - أصالة الثبات - والّذي هو أصل عقلائي في


1) وان كان المقصود تعريف ما هو المجعول في مورد الاستصحاب من حقيقة الحكم الظاهري ثبوتا فلا بد من الرجوع إلى ما بيناه في النقطة الأولى من هذا المبحث والتي عقدناها لشرح حقيقة الاستصحاب جعلا. وان كان المقصود تعريف ما هو المجعول في الاستصحاب بحسب مقام الإثبات ولسان الأخبار فالأنسب التعبير بحرمة النقض العملي لليقين أو التعبد ببقائه على ما سوف يأتي في شرح مفاد الأخبار.

اللغة فقد ذكروا في وجه الفرق بينه وبين الاستصحاب بان المتيقن في الاستصحاب سابق على المشكوك بينما يكون المشكوك هو المتقدم زمانا على المتيقن في أصالة الثبات حيث يعلم بالمدلول اللغوي في الحال ويشك فيه في زمان صدور النص فيبنى على الثبات وان هذا المعنى بنفسه كان ثابتا في السابق.

والواقع ان هذا الأصل العقلائي مرجعه إلى أصالة الثبات وغلبة بقاء اللغة على معناها ولو من جهة بطء تغير المداليل اللغوية عبر الحياة المنظورة لإنسان واحد ، فمرجع هذا الاستصحاب إلى استصحاب بقاء الحالة السابقة غاية الأمر باعتبار أمارية ذلك عند العقلاء وثبوت لوازمها إذا كان المدلول اللغوي معلوما اليوم وشك في مدلوله في الزمن السابق ثبت بالملازمة انه كان نفس المدلول والا لزم وقوع النقل والتغيير في اللغة.

واما قاعدة اليقين فقد ذكروا ان فرقها عن الاستصحاب ان الأخير متقوم بالشك في البقاء بعد القطع بالحدوث واما قاعدة اليقين فيسري الشك فيها إلى نفس ما تعلق به اليقين أي المتيقن السابق ويصيره مشكوكا.

وهذا الفرق صحيح وان كان ينبغي تمحيصه بان الاستصحاب لا يتقوم بالشك في البقاء بل بالشك في شيء فرغ عن ثبوته ، وثمرته تظهر فيما إذا علمنا إجمالا بحدوث شيء اما الآن أو قبل ساعة وعلى تقدير حدوثه قبل ساعة يحتمل بقاؤه فانه هنا يجري الاستصحاب رغم ان الشك في البقاء ليس فعليا على كل تقدير ، لأنه شك في ثبوت شيء فرغ عن ثبوته وهو يكفي لصدق نقض اليقين بالشك ، نعم لو كان الشيء اما ثابتا في الزمن الأول فقط أو في الزمن الثاني لم يمكن إجراء الاستصحاب لإثبات وجوده في الزمن الثاني لأن هذا الشك يرى عرفا مقوما للعلم الإجمالي حيث ان أحد طرفي العلم الإجمالي ثبوته في الآن الأول المساوق بالفرض لعدم ثبوته في الآن الثاني فلا يصدق نقض اليقين بالشك إذا ما رفع يده عن ذلك (1).

كما ان هناك فرقا بين قاعدة اليقين والاستصحاب في ملاك الاعتبار


1) سوف يأتي في استصحاب اليوم الأول من الشهر كفاية هذا المقدار أيضا في جريان الاستصحاب وصدق نقض اليقين بالشك فلا يحتاج إلى البقاء على أحد التقديرين.

والحجية ، فان الملاك في الاستصحاب فان الملاك في الاستصحاب بناء على أماريته هو الملازمة الغالبة بين نفس الحدوث والبقاء بينما الملاك في قاعدة اليقين غلبة مطابقة اليقين السابق للواقع وعدم الاعتناء بالتشكيكات اللاحقة الطارئة عليه.

واما قاعدة المقتضي والمانع فذكروا ان الفرق بينها وبين الاستصحاب وحدة متعلق اليقين والشك ذاتا في الاستصحاب وانما الاختلاف في الحدوث والبقاء وتعدده في القاعدة ، حيث ان اليقين فيها يتعلق بالمقتضي للحكم والشك في اقترانه بالمانع عن تأثيره في إيجاد المقتضى - بالفتح -.

وهذه التفرقة صحيحة أيضا وان كانت بحاجة إلى تعميق من ناحية انه قد يتصور عدم الفرق بين القاعدة وبين استصحاب عدم المانع عند الشك فيه المثبت للحكم بعد إحراز مقتضية - بناء على الأمارية -.

والصحيح في الإجابة عن ذلك بان ملاك الحجية في قاعدة المقتضي والمانع على القول بها أمارية ثبوت المقتضي بنفسه على ثبوت الحكم ولو لغلبة عدم اقتران المقتضيات مع موانعها بينما ملاك حجية الاستصحاب غلبة البقاء على تقدير الثبوت وحينئذ إذا لاحظنا القاعدة مع استصحاب عدم المانع أو استصحاب بقاء الممنوع عند الشك في انقطاعه بالمانع بعد سبق وجوده بوجود مقتضية من دون مانع فهما متوافقان وان كانا بنكتتين ، واما إذا لاحظنا استصحاب عدم الممنوع المسبوق بالعدم وقسناه بقاعدة المقتضي والمانع فيما إذا وجد مقتضية ولكن احتمل اقتران المانع معه فسوف يكونان متعارضين ولكنه تقدم القاعدة على الاستصحاب لكونها في طرف العلة وحسابها مقدم على حساب المعلول وحاكم عليه.

وبهذا ينتهي البحث عن المقدمة ونشرع في صلب الموضوع من خلال ما يلي :

1 - الفصل الأول - في استعراض الأدلة على حجية الاستصحاب.

2 - الفصل الثاني - الأقوال في حجية بالاستصحاب.

3 - الفصل الثالث - مقدار ما يثبت بالاستصحاب.

4 - الفصل الرابع - تطبيقات للاستصحاب وقع البحث فيها.

5 - خاتمة - في النسبة بين الأمارات والأصول العملية

الاستصحاب

أدلة حجية الاستصحاب

1 - حجيته على أساس افادته للظن.

2 - حجيته على أساس السيرة العقلائية.

3 - حجيته على أساس الاخبار المعتبرة.

•

صحيحة زرارة الأولى وكيفية الاستدلال بها - صحيحته الثانية وكيفية الاستدلال بها.

•

جهات من البحث حول هذه الصحيحة وما يستفاد منها في باب الطهارة الخبثية.

•

صحيحة زرارة الثالثة وكيفية الاستدلال بها.

•

جريان الاستصحاب في الشك في الركعات - الاستدلال برواية محمد بن مسلم وأبي بصير في الخصال على الاستصحاب.

•

الاستدلال بمكاتبة القاساني على الاستصحاب.

•

الاستدلال بصحيحة عبد اللّه بن سنان على الاستصحاب.

•

الاستدلال بروايات الظهار الطهارة والحل الظاهريتين على الاستصحاب.

4 - أركان قاعدة الاستصحاب.

الفصل الأول : « أدلة حجية الاستصحاب »

اشارة

ويمكن تصنيف الأدلة التي يستدل بها على حجية الاستصحاب إلى ثلاثة أنواع كما يلي :

1 - حجيته على أساس إفادة الظن.

2 - حجيته على أساس السيرة العقلائية.

3 - حجيته على أساس الاخبار المعتبرة.

الدليل الأول - وتقريبه ان الحالة السابقة تورث الظن بالبقاء فيكون حجة اما من باب حجية الظن الشخصي أو الظن النوعيّ فيكون معتبرا حتى إذا لم يورث الظن في مورد لمانع.

ونقطة الفراغ الواضحة في هذا الاستدلال هي كبرى حجية مثل هذا الظن فانها بحاجة إلى دليل فلا بد اما من ضم دليل الانسداد على حجية كل ظن أو ضم أحد الأدلة القادمة ، واما صغرى حصول الظن من الحالة السابقة فقد يستشهد عليها بالسيرة العقلائية القادمة فانهم لا يبنون عادة على شيء من باب التعبد الصرف بل من باب الأمارية والكاشفية ولو النوعية فتكون شاهدا على إفادة الاستصحاب للظن ولو النوعيّ.

ويرد على هذا الاستدلال منع الصغرى والكبرى معا.

اما الصغرى فلعدم كون الحالة السابقة لو خليت وطبعها مورثة للظن ، فان هذا الظن ينشأ من حساب احتمالات مختلفة جدا باختلاف الموارد والأشخاص ومقدار البقاء وغير ذلك من الأمور على ما تقدم في بحوث سابقة عن كيفية نشوء الظن في الأمارات وملاكه واما الاستدلال بالسيرة العقلائية على حصول الظن فغير سديد ، لأن ذلك لا يعلم كونه على أساس الكاشفية الموضوعية وحصول الظن بل من المحتمل قويا ان يكون على أساس الحالة الذاتيّة الوهمية والأنس الذهني ببقاء الحالة السابقة ولهذا قيل بثبوت الجري على الحالة السابقة حتى في الحيوانات ولهذا أيضا تتأكد هذه الحالة الذاتيّة كلما كانت الحالة السابقة أكثر التصاقا بالإنسان وكان أكثر ابتلاء بها وممارسة لها.

واما الكبرى فلعدم دليل على حجية مثل هذا الظن لو سلم حصوله لا بدليل الانسداد العام لعدم تماميته ولا بدليل خاص لعدم ثبوته ، اللّهم الا ان يراد الرجوع إلى أحد الأدلة القادمة وهي غير متوقفة على الظن.

الدليل الثاني : التمسك بالسيرة وبناء العقلاء عملا على بقاء الحالة السابقة. وقد ناقش في ذلك جملة من المحققين بان هذه السيرة ليست على أساس مرجعية الحالة السابقة واعتبارها بل يكون العمل والبناء على الحالة السابقة لو فرض على أساس نكتة أخرى كالاطمئنان بالبقاء كما في التاجر الّذي يرسل الأموال إلى وكيله في بلاد بعيدة فانه مطمئن عادة ببقائه ولهذا لو شكك في ذلك لما أرسلها أو الرجاء والاحتياط في بعض الموارد أو الغفلة عن انتقاض الحالة السابقة رأسا كالخارج من داره حيث يرجع إليه من غير توجه منه إلى احتمال خرابه أصلا.

ولكن الصحيح ثبوت أصل السيرة والبناء العقلائي على العمل طبق الحالة السابقة في الجملة ولو على أساس الوهم والأنس الذهني الّذي يميل الإنسان على أساسه إلى افتراض بقاء الحالة السابقة ، بل نفس ما ذكروه من الغفلة يكون منشئها عادة ذلك الوهم والأنس الذهني ، ولهذا نجد انهم يجرون على طبق الحالة السابقة في موارد قد لا يكتفي فيها حتى بالظن فكأن ذلك الأنس الذهني أوجب سكون النّفس وعدم اعتنائها باحتمال الخلاف ، ويشهد على ثبوت أصل البناء العقلائي ذكر كثير من

العلماء لها حتى قال بعضهم انه لولاه لاختل نظام المعاش وهو كذلك إذ كثير من الأمور تمشي ببركة هذه الغفلة ولولاه لاضطرب نظام المعاش بين الناس لو أريد إقامته على أساس الاحتياط أو الظن المعتبر.

هذا ولكن لا بد من البحث في ان هذه السيرة كيف يمكن تصويرها بحيث يكون عدم الردع عنها دليلا على إمضاء الاستصحاب شرعا ، فنقول بالإمكان تصوير ذلك بأحد أنحاء ثلاثة :

1 - دعوى سريان السيرة والجري العملي الثابت لدى العقلاء في أغراضهم التكوينية إلى موارد الأفعال والأحكام الشرعية بعد دخولها في محل ابتلاء الناس وإن هذا حصل في عصر الشارع نفسه.

2 - دعوى إن تلك السيرة وان فرض عدم الجزم بسريانها إلى دائرة الأحكام الشرعية الا انها على أية حال تشكل خطرا على أغراض المولى لكونها في معرض أن تسري إليها فلو لم يرض الشارع بذلك لردع عنها في هذا المجال.

3 - دعوى ثبوت هذه السيرة عند العقلاء في دائرة الأحكام الثابتة بين الموالي العرفية كأوامر الأب لابنه أو السيد لعبده ، وهذا أيضا بنفسه يهدد الأغراض الشرعية المولوية فلو لم يكن الشارع راضيا بذلك لردع عنها.

والتحقيق : ان الدعوى الأولى والثالثة لا جزم بهما ، وقد يستشهد على ذلك بدعوى الأخباريين الإجماع على عدم حجية الاستصحاب الا ان التقريب الثاني يكفي لإثبات صغرى السيرة.

هذا كله في صغرى السيرة ، واما الكلام في الكبرى فما يتصور كونه رادعا عن السيرة انما هو الأدلة الناهية عن العمل بغير العلم وأدلة البراءة أو الاحتياط ، والمحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) قد اعترف في المقام بإمكان رادعية هذه الأدلة عن السيرة رغم إنكاره ذلك في بحث حجية خبر الواحد ، ومن هنا اعترض المحقق النائيني (قدّس سرّه) عليه بأنه لا وجه للتفرقة بين المقامين.

اقول : اما البحث عن رادعية هذه الأدلة فقد فصلنا الكلام فيه في مبحث خبر الواحد ، وانما نبحث هنا عن إمكان رادعيتها عن السيرة المدعاة على الاستصحاب بعد الفراغ عن عدم رادعيتها عن السيرة على حجية خبر الواحد لإثبات الفرق بين

المقامين ، وهذا ما يمكن تصويره بأحد وجوه :

الأول - ان السيرة كلما كانت أعمق وأكثر رسوخا في وجدان العقلاء وارتكازهم كانت بحاجة إلى ردع أقوى وأوضح بحيث قد لا يكتفي لبعض مراتبها بمثل العمومات والمطلقات الكلية بل لا بد من الصراحة والتنصيص ، ويدعى ان السيرة العقلائية على حجية خبر الثقة قد بلغت من الرسوخ والارتكاز إلى تلك الدرجة بخلاف السيرة على الاستصحاب.

الثاني - ما أفاده السيد الأستاذ من ان الأدلة المذكورة بعد عدم إمكان جعلها رادعة للسيرة ولا مخصصة بها يشك في حجية خبر الثقة فيمكن استصحابها لثبوت الإمضاء في أول التشريع وقبل صدور تلك الأدلة (1)فتثبت الحجية هناك ، واما هنا فحيث ان البحث في حجية الاستصحاب فبعد الشك والتردد لا يمكن إثبات نتيجة الحجية بالاستصحاب.

وهذا الوجه غير تام إذ يرد عليه :

أولا - ان مدرك الاستصحاب خبر الثقة فكيف يمكن إثبات حجية خبر الثقة به.

وثانيا - ان خصوص أصالة عدم النسخ ثابتة بالإجماع ونحوه من الأدلة اللبية حتى إذا أنكرنا حجية كبرى الاستصحاب فيمكن التعويل عليه في المقامين.

الثالث - ان أدلة النهي عن العمل بالظن لا ربط لها بنفي الحجية الثابتة بالسيرة لا في المقام ولا في خبر الثقة لأنها تطلب الركون في النهاية إلى العلم وهذا حاصل في موارد الحجج أيضا وانما المهم في الردع مثل اخبار البراءة وهي باعتبارها ثابتة بخبر الواحد فلا يمكن ان يكون رادعا عن حجيته بخلاف المقام بعد الفراغ عن حجية خبر الثقة.

وهذا الوجه مبني على القول بكفاية عدم ثبوت الردع في حجية السيرة والا لم تثبت حجية خبر الثقة أيضا لاحتمال رادعية اخبار البراءة.

الرابع - ان السيرة على العمل بخبر الثقة على ما يستفاد من كلام المحقق


1) يمكن ان يناقش في ثبوت الإمضاء في صدر التشريع خصوصا لمثل السيرة على الاستصحاب الّذي لا يحرز ثبوته في الأحكام المولوية والشرعية ، نعم الثابت في صدر التشريع عدم الردع وهو غير الإمضاء ، فأصل هذا الوجه محل إشكال.

الخراسانيّ (قدّس سرّه) نفسه كانت سارية إلى مجال الأحكام الشرعية ومعمولا بها لدى أصحاب الأئمة ، وهذا بنفسه يكون كاشفا عن عدم الردع وعدم صلاحية الأدلة المذكورة لذلك ، واما في المقام فحيث ان السيرة على الاستصحاب لم يعلم سريانها إلى مجال الأحكام الشرعية وعمل العقلاء بها في الأحكام فلا يمكن إثبات عدم الردع بذلك بل يحتمل ان تكون هذه الأدلة رادعة عنها.

الخامس - إمكان دعوى ان ارتكازية حجية خبر الثقة في زمن المعصومين علیهم السلام يوجب على الأقل إجمال دليل البراءة وعدم إطلاقها لمورد قيام خبر الثقة على الإلزام فيثبت الإلزام بناء على مسلك حق الطاعة ومثل هذا الارتكاز غير ثابت في حق الاستصحاب.

السادس - ما هو ظاهر بعض عبائر الكفاية من ان السيرة العقلائية بين الموالي والعبيد على حجية خبر الثقة وكفايته في مقام التنجيز والتقدير توجب قصورا في حق الطاعة بحيث لا يثبت ذلك في موارد وجود خبر ثقة على الترخيص ، نعم لو تم الردع عن السيرة وثبت ذلك كان التعويل على خبر الثقة مخالفة قطعية مشمولة لحق الطاعة. وهكذا يثبت انه في باب خبر الثقة لا حاجة إلى إثبات عدم الردع بخلاف الاستصحاب الّذي لم يثبت ارتكاز العمل به في باب الموالي وبلحاظ التنجيز والتعذير وانما كان من جهة احتمال سريان خطر العمل به إلى مجال الأحكام فانه لا بد من إثبات عدم الردع فيه ، وهذا الوجه وان كان مبناه غير تام عندنا الا ان المظنون أنه المقصود للمحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه).

السابع - ما يناسب مباني مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) من دعوى ان المجعول في باب حجية خبر الثقة عند العقلاء هو الطريقية والعلمية فيكون حاكما على أدلة الردع ورفع ما لا يعلمون بخلاف الاستصحاب الّذي لم يجعل فيه الا المنجزية والمعذرية فلا يكون حاكما على تلك الأدلة فتصلح للرادعية عنه.

« الاستدلال بالأخبار على قاعدة الاستصحاب »

اشارة

الدليل الثالث : الروايات العديدة الواردة في أبواب فقهية مختلفة والتي يستفاد منها كبرى كلية هي قاعدة الاستصحاب وعدم جواز نقض اليقين بالشك ، وفيما يلي نستعرض هذه الروايات :

الرواية الأولى - صحيحة زرارة الواردة في باب الوضوء ( قلت له : الرّجل ينام وهو على وضوء ، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ، فقال : يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن فإذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء ، قلت فان حرك على جنبه شيء ولم يعلم به؟ قال : لا ، حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجيء من ذلك امر بين والا فأنه على يقين من وضوئه ، ولا تنقض اليقين أبدا بالشك وانما تنقضه بيقين آخر ) (1).

ودلالتها على الاستصحاب والبناء على الحالة السابقة واضحة ، وانما نوقش فيها بإبداء احتمال اختصاص مدلولها بباب الوضوء مطلقا أو عند الشك في النوم فتدل على حجية الاستصحاب فيه بالخصوص لا مطلقا.

وللتفصي عن هذا الإشكال وحله كلمات وتعبيرات مختلفة من قبل المحققين في المقام :

منها - ما ذكره المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) من أن الأصل في اللام ان يكون للجنس ما لم تقم قرينة على خلافه.


1) وسائل الشيعة ج 1 ، أبواب نواقض الوضوء 14 ، وقد يناقش في السند بالإضمار ، ولكن سوف يأتي في التعليق على سند الصحيحة الثانية لزرارة علاج هذه النقطة.

وفيه : انه انما يتم لو فرض ان اللام موضوع للاستغراق الجنسي وهو ممنوع على ما حقق في محله ، ولهذا لا يكون اسم الجنس المحلى باللام دالا على العموم والاستغراق وضعا وهذا يعني انه يتردد معناه بين ان يكون موضوعا للتزيين - كما ذكر المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) - أو انه مشترك لفظي أو معنوي بين التعيين الجنسي والعهدي ، وعلى كل حال لا يمكن إثبات الاستغراق حتى بالإطلاقات ومقدمات الحكمة لأنه في خصوص المقام محفوف بما يصلح للقرينية وهو سياق العهد والإشارة إلى اليقين بالوضوء في الحديث.

ومنها - دعوى ان قوله ( ولا ينقض اليقين بالشك ) تعليل لجزاء محذوف فان قوله ( والا فانه على يقين من وضوئه ) ليس جزاء بل الجزاء مستتر ، أي والا فلا يجب عليه الوضوء لأنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك ، والتعليل يقتضي التعميم وعدم الاختصاص بالمورد فتكون كبرى كلية.

وهذا المقدار من البيان لا يكفي لإثبات التعميم ، لأن الكلام في اليقين إذا كان للعهد والإشارة إلى اليقين بالوضوء فالعلة مخصوصة بباب الوضوء لا محالة كما إذا صرح بان اليقين بالوضوء لا ينقض بالشك لأن العلة انما تعمم بمقدارها لا أكثر فلا بد في المرتبة السابقة من تحديد المراد من العلة.

هذا ولكن المحقق العراقي (قدّس سرّه) غير الصياغة وأفاد ان المنساق عرفا من التعليل في المقام هو الشكل الأول من القياس فيجب ان يكون اليقين المحكوم عليه بعدم النقض أوسع من اليقين بالوضوء ليتم الشكل الأول.

وعكس المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) ذلك فأفاد في المقام ان الأوسط في الكبرى يجب ان يكون مساويا مع الأوسط في الصغرى ، وفي المقام الأوسط المتكرر هو اليقين وهو في الصغرى مقيد بالوضوء فيجب ان يكون المراد باليقين في الكبرى المقيد به أيضا فإذا أريد استفادة كبرى الاستصحاب من الحديث فلا يكفي دعوى ان اللام في اليقين للجنس بل لا بد من إثبات ان اليقين في قوله ( فانه على يقين من وضوئه ) أيضا غير مقيد بالوضوء فعندئذ يتجه الاستدلال بالحديث على الاستصحاب.

والحق مع المحقق العراقي (قدّس سرّه) ، وتوضيح ذلك يكون بذكر مقدمتين :

الأولى - ان الشكل الأول له ثلاثة حدود متغايرة ولا يمكن ان يكون الحد الأصغر

منها نفس الحد الأوسط كقولك الإنسان إنسان ، والإنسان حيوان ، فالإنسان حيوان ، فان هذا ليس استدلالا وانما مرده إلى قضية واحدة هي الإنسان حيوان.

الثانية - ان العرف في موارد وضوح ثبوت الأوسط للأصغر قد يقلب التعبير فبدل ان يثبت الحد الأوسط للأصغر بنحو مفاد كان الناقصة يثبت الحد الأصغر بنحو مفاد كان التامة مثال ذلك قولنا الحيوان الناطق حيوان ، والحيوان يجوع ، فالحيوان الناطق يجوع ، فان العرف يبدله إلى قوله هو حيوان ناطق ، والحيوان يجوع ، فهو يجوع.

وفي ضوء هاتين المقدمتين يتضح في المقام ان الحد الأوسط ان فرض هو اليقين لا اليقين بالوضوء تم الشكل الأول بالنحو الّذي ذكرناه ، لأن الصغرى كانت هكذا ( اليقين بالوضوء يقين ) وحيث ان ثبوت مثل هذا الأوسط للأصغر كان واضحا لكونه مستنبطنا فيه بدل ذلك بمقتضى ما ذكرناه في المقدمة الثانية إلى إثبات الحد الأصغر بنحو مفاد كان التامة فقيل ( فانه على يقين من وضوئه ) فيتم الشكل الأول للقياس كما أفاد المحقق العراقي (قدّس سرّه) ، واما إذا فرضنا الحد الأوسط اليقين بالوضوء فانه لا يتم قياس إذ ما ذا يكون الحد الأصغر حينئذ؟ فان كان هو اليقين بوضوئه أيضا المفروض في سؤال الراوي لزم ان تكون الصغرى ( اليقين بوضوئه يقين بوضوئه ) وهذا كما ذكرنا في المقدمة الأولى لغو لا معنى له ، وان كان الحد الأصغر اليقين الجزئي في مورد شخصي معين فهذا لا وجه له فانه لم يسبق في الحديث ذكر يقين جزئي معين وانما المذكور فرضية لليقين وكونه متعلقا بالوضوء وهذا نفس الحد الأوسط (1).

ومنها - ان مناسبة الحكم والموضوع تقتضي التعميم ، لأن النقض انما أسند لليقين باعتبار ما لليقين من جهة استحكام وإبرام ، وهذه خصوصية في ذات اليقين مع قطع النّظر عن متعلقه وانه الوضوء أو غيره فيتعدى إلى مطلق اليقين السابق.

وفيه : انه خلط بين مناسبة الحكم والموضوع ومناسبة استعمال كلمة النقض واسناده إلى اليقين بحسب عالم اللغة ، فان هذه المناسبة تصحيح للإسناد والاستعمال سواء كان المسند إليه جامع اليقين ( اليقين بلا قيد ) أو حصة منه ( اليقين بالوضوء )


1) يمكن ان يقال : ان المفروض في مورد السؤال اليقين بالوضوء والشك في النوم أي اليقين بالوضوء في مورد الشك بطرو النوم بالخصوص فهذا يرجع إلى نحو تقييد لليقين بالوضوء في مورد احتمال هذا الناقض فيمكن حينئذ جعل الحد الأوسط مطلق اليقين بالوضوء في قبال الحصة الخاصة منه وتستفاد قاعدة خاصة بباب الوضوء أيضا ولكنه أوسع من مورد الشك في ناقضية النوم.

فعدم دخالة القيد في تلك المناسبة لا يبطل صحة اسناده إلى المقيد كما هو واضح.

نعم هناك بيان آخر لهذه المناسبة سوف تأتي الإشارة إليها ، ولعلها المقصود من هذا الوجه.

ومنها - ان التعبير بعدم نقض اليقين بالشك ونحوه قد تعدد وروده في أبواب عديدة من الفقه فيستكشف من ذلك انها قاعدة كلية وان المقصود من اليقين فيها جنس اليقين لا خصوص اليقين بالوضوء.

والإنصاف ان هذا وان أوجب الظن بكبرى الاستصحاب لدى الشارع الا انه ما لم يشكل ظهورا في خطاب شرعي لا فائدة فيه ، إذ لا دليل على حجية مثل هذا الظن الحاصل من استقراء ناقص.

ومنها - ان سياق التعليل سياق التقريب إلى الذهن ، وهو انما يفهم في المقام بلحاظ خصوصية في نفس اليقين السابق واقتضائه للثبوت مع قطع النّظر عن متعلقه ، فان اليقين بالوضوء بما هو يقين بالوضوء لا اقتضاء له لعدم النقض فبهذا الاعتبار تلغى خصوصية الوضوء.

وفيه : انَّ هذا المقدار غير كاف لاستفادة التعميم أيضا ، إذ يمكن ان يكون ملاك التعليل إعطاء قاعدة أعم من مورد السؤال لا أكثر وهي في المقام قاعدة الاستصحاب في باب الوضوء خاصة أي حرمة نقض اليقين بالطهور بالشك فيه سواء كان من ناحية الشك في النوم - كما هو المورد للصحيحة - أو غيره.

والصحيح : تتميم هذا الوجه ببيان ان التعليل إذا كان بشيء مركوز في أذهان العرف فلا محالة يكون ظاهرا في التقريب والإشارة إلى النكتة المركوزة بحدودها سعة وضيقا ، والمركوز في الأذهان هو عدم نقض اليقين بما هو يقين بلا خصوصية لتعلقه بالوضوء أو بغيره ، ومن هنا يستفاد الإطلاق والتعميم.

الا ان هذا البيان غير واضح بناء على إنكار صغرى انعقاد السيرة والارتكاز على الاستصحاب كما تقدم عن السيد الأستاذ.

وعند ما أوردنا عليه ذلك في مجلس بحثه حاول التخلص عنه بان المقصود ارتكازية قاعدة عقلية هي عدم رفع اليد عن سلوك طريق قطعي مطمئن به بطريق مشكوك لأن التعبير ورد بعنوان لا ينقض اليقين بالشك وهذا امر مركوز مقبول عند كل أحد ولا خصوصية فيه لمتعلق اليقين.

ويرد على هذا الجواب :

أولا - ان أريد تطبيق هذه القاعدة العقلية على مورد الاستصحاب حقيقة فمن الواضح ان اليقين السابق منقوض فيه ، وان أريد تطبيقه تعبدا فهذا خلاف ظهور التعليل في انه تعليل بأمر حقيقي لا تعبدي فانه لا يناسب التعليل.

وثانيا - على فرض كون التطبيق تعبديا فلا يمكن التعدي من المورد إلى غيره وان كانت القاعدة المطبقة ارتكازية ، إذ لعل هذا التطبيق خاص بباب الوضوء وحيث انه تعبدي لا حقيقي فلا يكون ملاكه مفهوما ليصح التعدي إلى غيره.

هذا ولكن يمكن ان يقال في المقام بان الاستصحاب وان لم نحرز انعقاد السيرة على العمل به كدليل الا انه لا إشكال في ان الميل النفسيّ إلى البناء على الحالة السابقة - ولو لم يبلغ مرتبة العمل الفعلي - لا يفرق فيه بين كون اليقين متعلقا بالوضوء أو بغيره ، والصحيحة على كل حال ترديد إثبات اعتبار ذلك فيكون ظاهرها التعميم وجعل اليقين السابق حجة.

ومنها - دعوى ان التعليل ظاهر عرفا في التعميم وإلغاء خصوصية المورد فإذا قال لا تشرب الخمر لأنه مسكر أو لإسكاره استفيد من ذلك حرمة كل مسكر وألغيت خصوصية المورد وهو الخمر فكذلك في المقام تلغى خصوصية الوضوء المنتزعة من المورد.

وفيه : ان كبرى هذا الاستظهار لو سلمت فصغراها غير متحققة في المقام ، لأن الحكم المعلل هو عدم وجوب الوضوء المستفاد من قوله ( والا فانه على يقين من وضوئه ) فكأنه قال ( والا فلا يجب عليه الوضوء لأنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك ) وهذا يعني ان خصوصية كون اليقين متعلقا بالوضوء ليس هو الحكم المعلل بل هو التعليل نفسه لعدم وجوب الوضوء في المورد فلا وجه لإلغاء هذه الخصوصية الواردة في التعليل.

ومنها - ما ذكره المحقق النائيني (قدّس سرّه) من ان اليقين من الصفات الحقيقية ذات الإضافة التي يستحيل انفكاكها عن المضاف إليه ، ولذا ذكر له في المقام مضاف إليه وهو الوضوء ، وهذا الكلام لا ينبغي ان يحمل على ان عدم ذكر الوضوء في المقام

يوجب انفكاك المضاف عن المضاف إليه ليشكل عليه بأنه من الخلط بين وجود اليقين في عالم النّفس وذكر مفهوم اليقين في عالم اللفظ ، بل المقصود ان ذكر الوضوء ليس ظاهرا في خصوص المقام في التقييد لمفهوم اليقين بل لعله من جهة كون اليقين من الصفات ذات الإضافة فلا يرى في ذكره مئونة تقييد ، وعلى هذا الأساس يكون قوله ( ولا ينقض اليقين بالشك ) باقيا على عمومه لأن مجرد ذكر اليقين بالوضوء قبله - ولو فرض مجملا - لا يصلح لأن يجعل اللام للعهد عرفا.

ومنها - ما ذكره المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) من احتمال ان يكون ( من وضوئه ) متعلقا بالظرف لا باليقين فكأنه قال ( فانه من وضوئه على يقين ) ومعه لا وجه لاحتمال التقييد في جملة ( فانه على يقين من وضوئه ) فضلا من جملة ( ولا ينقض اليقين بالشك ).

وهذا الوجه ينحل إلى مطلبين :

الأول - عدم رجوع ( من وضوئه ) إلى اليقين بل إلى الظرف.

الثاني - إجراء ذلك في استفادة التعميم من الصحيحة.

اما المطلب الأول فهو صحيح ، لأن الظاهر من أمثال هذا التركيب في اللغة كقوله ( على سلامة من ديني ، على بينة من ربي ، على بصيرة من ديني ) ان الجار والمجرور متعلق بالظرف لا بالمجرور الأول فكذلك قوله ( على يقين من وضوئه ) ، بل اليقين لا يضاف إلى متعلقه بمن فلا يقال أتيقن من وضوئي وانما يقال أتيقن بوضوئي ، وجعل من بمعنى الباء خلاف الظاهر ، بل في بعض هذه التراكيب لا يمكن ان يكون الجار والمجرور متعلقا بالمجرور لعدم استقامة المعنى بذلك فقوله ( على بينة من ربه ) لا يقصد به بينة الرب وظهور وجوده له وكذلك ( على سلامة من ديني ) فان السلامة لا تضاف إلى الدين بل إلى الإنسان من ناحية دينه.

واما المطلب الثاني ، فقد حاول المحقق العراقي (قدّس سرّه) المناقشة فيه بان الجار والمجرور إذا تعلق بالظرف لا باليقين فعلى كل حال يكون قيدا لليقين ولو من ناحية منشئه لا متعلقه وهذا يوجب عدم الإطلاق في قوله ( لا ينقض اليقين بالشك ) لاحتمال عهدية اللام والإشارة به إلى اليقين الخاصّ ولو من ناحية منشئه.

وفيه : إذا كان الجار والمجرور متعلقا بالظرف لا باليقين كان معنى الجملة ان

الظرف - وهو الكون - قد طرأ عليه قيدان أحدهما من وضوئه والاخر على يقين ، والقيدان عرضيان ، ولو فرض ان التقييدين طوليان أي تقييد الكون على يقين بأنه من ناحية وضوئه ، ومع عرضية القيدين لا يكون هناك تقييد لمفهوم اليقين ومعه يبقى اللام في لا ينقض اليقين بالشك على إطلاقه حتى إذا حمل على العهد والإشارة إلى اليقين المذكور سابقا ، ومما يشهد على ذلك اننا إذا قدمنا الجار والمجرور وقلنا ( فانه من وضوئه على يقين ، ولا ينقض اليقين بالشك ) استفيد منه الإطلاق من دون تردد.

وهكذا يتضح تمامية دلالة الصحيحة على كبرى الاستصحاب كقاعدة عامة غير مختصة بباب الوضوء وان كان مورد الصحيحة ذلك.

وفي ختام البحث عن دلالة هذه الصحيحة ينبغي الإشارة إلى أمور.

الأمر الأول - في فقه قوله ( فانه على يقين من وضوئه ) من حيث انها جملة خبرية أو إنشائية وانها هي الجزاء أو ما بعدها وهو قوله ( ولا تنقض اليقين بالشك أبدا ) هو الجزاء أو ان الجزاء محذوف ، وان هذه الاحتمالات والفروض هل لها تأثير على الاستدلال بالحديث لكبرى الاستصحاب أم لا ، فهذه نقاط ثلاث لا بد من معالجتها في هذا الأمر.

اما النقطة الأولى - فلا شك في ان الظاهر الأولي للجملة هو الاخبار عن وجود اليقين له كما اعترف به المحقق النائيني (قدّس سرّه) نفسه الّذي حملها على الإنشاء نعم هي صالحة للحمل على الإنشاء خلافا لما ذكره السيد الأستاذ من ان الجملة الخبرية التي تستعمل للإنشاء ينبغي ان تكون فعلية وهذه جملة اسمية.

ويرد عليه - ان هذا الكلام ان تم ففي موارد الإنشاء الطلبي كما في قوله ( يسجد سجدتي السهو ) بمعنى اسجد ، واما في الجمل الخبرية المستعملة لإنشاء الأمور الاعتبارية فيمكن ان تكون الجملة اسمية كما في مثل ( أنت طالق ) لإنشاء الطلاق والمدعي في المقام الإنشائية بهذا المعنى أي اعتبار المكلف على يقين من وضوئه تعبدا ، نعم هذا خلاف الظاهر الأولي للجملة الخبرية كما ان حمل اليقين على التعبدي لتكون الجملة اخبارا عنه أيضا خلاف الظاهر في نفسه فلا بد لمدعي الإنشائية من إبراز قرينة على ذلك ، وما يمكن ان يكون مبررا لهذا الحمل هو ظهور الجملة في فعلية اليقين المخبر عنه وهذا لا ينسجم مع الاخبار عن اليقين الوجداني إذ لا يقين وجداني بالوضوء فعلا

وانما كان له اليقين سابقا وان شئت قلت : ان لوحظ اليقين مضافا إلى متعلقه مع تجريد الذهن عن حيثية الحدوث والبقاء فبهذا اللحاظ لا يقين بالفعل للمكلف لأنه قد زال يقينه بذات الوضوء ، وان لوحظ اليقين مضافا إلى متعلقه مع أخذ الزمان فيه أي اليقين بالحدوث فاليقين بالحدوث وان كان فعليا الا ان هذا لا ينسجم مع ما بعده من قوله ( ولا تنقض اليقين بالشك أبدا ) إذ لا بد وان يراد باليقين فيه نفس اليقين بالجملة الأولى أي اليقين بالحدوث ومعه لا يصح اسناد النقض إليه لأن الشك لا ينقض اليقين بالحدوث لعدم وحدة متعلقهما عند لحاظ الحدوث والبقاء فيهما ، وهذا بخلاف ما إذا حملنا الجملة على الإنشاء أو اليقين التعبدي.

ويرد على هذا البيان :

أولا - ما سيأتي من صحة اسناد النقض إلى اليقين والشك حتى مع ملاحظة حيثيتي الحدوث والبقاء في متعلقهما بعناية سوف يأتي بيانها.

ثانيا - ان غاية ما يلزم مما ذكر وقوع التعارض بين الظهور في فعلية اليقين والظهور في الاخبار عن اليقين الوجداني ولو لم ندع أقوائية الظهور الثاني بحيث يرفع اليد به عن الأول فلا أقل من الإجمال.

ثالثا - عدم صحة الحمل على الإنشاء في نفسه ، إذ لو حمل اليقين على التعبدي منه فما ذا يقال عن اليقين في الجملة الثانية؟ فهل يحمل على اليقين الوجداني أو التعبدي ، والأول خلاف ظاهر السياق بل خلاف صراحة التركيب في تأليف قياس من صغرى وكبرى وهذا لا يكون الا مع وحدة المعنى المراد باليقين في الجملتين بل على هذا تكون الجملتان بمعنى واحد وتكون الجملة الثانية تكرارا صرفا للجملة الأولى ولكن بلسانين.

والثاني يلزم منه ركاكة الجملة الثانية إذ ترجع إلى ان اليقين التعبدي أي الحجة لا ينبغي نقضه بالشك وهذا أشبه بالقضية بشرط المحمول بل يلزم نحو تهافت في اللحاظ ، فان فرض شك المكلف يقينا تعبديا أولا يناقض التعبير عنه بالشك ثانيا كما لا يخفى. فالصحيح هو التحفظ على ظهور الجملة في الاخبار عن اليقين الوجداني خلافا لما ذهب إليه المحقق النائيني (قدّس سرّه).

واما النقطة الثانية - فالاحتمالات في قوله ( فانه على يقين من وضوئه ) ثلاثة :

1 - ان يكون جوابا كما يناسبه دخول الفاء عليه.

2 - ان يكون متمما للشرط أو من مقدمات الجواب ، واما الجواب فهو قوله ( لا تنقض اليقين بالشك ).

3 - ان يكون الجواب محذوفا والأصل هكذا ( والا فلا يجب عليه الوضوء فانه على يقين من وضوئه ) فتكون الجملة من متممات الجواب المحذوف وأدلته.

ولا بد من ملاحظة هذه الاحتمالات على كل من التقديرين السابقين في النقطة الأولى أي تقدير خبرية الجملة وإنشائيتها فنقول :

اما بناء على الخبرية فالاحتمال الثالث موافق مع الذوق وأساليب التعبير العرفي فيكون هو المتعين ، وما قد يثار بوجهه من الإشكال تارة بأنه يلزم تكرار الجواب لأنه ذكر أولا نفي الوضوء بقول ( لا حتى يستيقن انه قد نام ) ، وأخرى بان التقدير خلاف الأصل. مدفوع بعدم لزوم التكرار الفعلي مع الحذف بل هذا هو موجب التقدير ومصححه وبأن ما هو خلاف الأصل انما هو اعتماد تقدير غير مفهوم مما تقدم من الكلام لا مثل المقام الّذي يفهم الجواب المقدر من التصريح أولا بعدم الوجوب بقوله ( لا حتى يستيقن انه قد نام ) ومن التعبير بقوله ( والا ) الظاهر في الشرطية والنّظر إلى نفس الجواب المتقدم فلا مئونة في هذا الاحتمال أصلا.

واما الاحتمال الثاني ، فبعيد عن الذوق العرفي إذ لو فرضت الجملة مقدمة للجواب ، والجواب قوله ( ولا تنقض اليقين بالشك ) لزم دخول الواو على جواب الشرط ، ولو فرضت تتمة للشرط لزم مضافا إلى ذلك دخول الفاء على متمم جملة الشرط ، وكلا الأمرين على خلاف أساليب المحاورة العرفية.

واما الاحتمال الأول - فقد ناقش فيه المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) بان الجزاء لا بد وان يكون مرتبطا بالشرط وكونه على يقين من وضوئه غير مرتبط بعدم استيقانه بالنوم.

وعلق عليه المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) بان الربط بينهما من جهة ملازمة اليقين بالوضوء لعدم اليقين بالنوم وترتبه عليه.

والتحقيق ان يقال : ان أريد باليقين اليقين بالوضوء حدوثا أو اليقين بذات الوضوء فهذا ثابت في نفسه بمجرد اليقين بالحدوث سواء فرض الشك في النوم أو اليقين به أو بعدمه ، وان أريد اليقين بالوضوء بالفعل أي بقاء فهذا غير محفوظ على كل

حال الا ان يراد من اليقين اليقين التعبدي وهو خلف فرض خبرية الجملة الّذي نتحدث بناء عليه الآن. وهذا يعني انه لا يمكن افتراض الاحتمال الأول بناء على الخبرية.

نعم يمكن ان يفترض مجموع الجملتين جزاء للشرط المقدر ولكن لا بلحاظ مرحلة الثبوت بل بلحاظ مرحلة الإثبات والاستدلال فكأنه يقول ( وان لم يستيقن انه قد نام فسوف يصدق في حقه القياس المذكور ) ولكنه لا يخلو من العناية أيضا.

واما بناء على الإنشائية فالاحتمال الأول هنا معقول من دون حاجة إلى التوجيه الأخير وملاحظة مرحلة الإثبات ، لأن ثبوت اليقين التعبدي الإنشائي فرع عدم اليقين بالنوم فالربط بين الشرط والجزاء محفوظ على هذا التقدير ولكنه مبتلى بما ذكرناه في النقطة الأولى من لزوم التكرار المخل ومن عدم الانسجام مع اليقين في الجملة الثانية الا أن هذين الإشكالين كما عرفت لا زمان لإنشائية الجملة الأولى « فانه على يقين من وضوئه » على كل المحتملات الثلاثة والمفروض في هذه النقطة التنزل عنهما.

واما الاحتمال الثاني فهو غير عرفي أيضا بنفس النكتة المشار إليها بناء على الخبرية.

واما الاحتمال الثالث - فقد يقال في مقام التعليق عليه بأنه مع إنشائية الجملة لا وجه لافتراض الجزاء مقدرا والجملة من متمماته بل يمكن جعلها بنفسها الجزاء لأن التقدير خلاف الأصل مهما أمكن ، فيكون الاحتمال الأول هو المتعين بناء على الإنشائية.

الا ان الإنصاف عدم العناية في تقدير الجزاء على هذا التقدير أيضا ، لما تقدم من ظهور التعبير بقوله ( والا ) في النّظر إلى نفس الجواب والحكم المبين أولا فان هذا من أساليب التقدير والإشارة إلى الحكم المذكور فيما تقدم من الكلام فهذا الاحتمال هو المستظهر على كل تقدير.

واما النقطة الثالثة - فحاصلها دعوى عدم إمكان اقتناص كبرى كلية من الحديث بناء على جعل ( لا تنقض اليقين بالشك ) جوابا للشرط لأن الجزاء انما يكون بمقدار الشرط سعة وضيقا لا أكثر من ذلك فتختص قاعدة الاستصحاب بباب الوضوء.

ويرد على هذه الدعوى :

أولا - عدم تماميتها بناء على جعل الجزاء مجموع الجملتين بحسب مرحلة الإثبات ، إذ يكون قوله ( ولا تنقض اليقين بالشك ) غير مربوط بخصوص اليقين بالوضوء كما تقدم شرحه.

وثانيا - من وجوه اقتناص الكبرى الكلية إعمال المناسبات والارتكازات المقتضية لانعقاد ظهور في الحديث في إمضاء كبرى كلية مركوزة ولو بمرتبة ضعيفة فحتى لو لم يكن في النص إطلاق بحسب ما هو حاق اللفظ كفانا ذلك في اقتناص كبرى كلية من مثل هذا السياق. وهكذا يتضح ان هذه الاحتمالات التي أبرزت في كلمات المحققين في فقه الحديث لا أثر لها في استفادة قاعدة الاستصحاب منه.

الأمر الثاني : قد يناقش في الاستدلال بالحديث على الاستصحاب بإبراز احتمال نظره إلى قاعدة المقتضي والمانع لا الاستصحاب ولا أقل من الإجمال ومأخذ هذه الدعوى يمكن ان يكون أحد تقريبين :

التقريب الأول - اسناد اليقين في الحديث إلى الوضوء حيث قال ( فانه على يقين من وضوئه ) ومن الواضح ان الوضوء ليس شيئا يمكن ان يدوم ليشك في بقائه وعدمه ، نعم هو مقتض لأثر الطهارة التي يعقل فيها الحدوث والبقاء طالما لم يأت المانع وهو النوم وهذا يعني ان موضوع القاعدة المبينة في الحديث انما هو اليقين بمقتضي الحكم الشرعي والشك في طرو مانعه وهذا يناسب قاعدة المقتضي والمانع لا الاستصحاب.

ويرده : ان الوضوء على ما يستفاد من إطلاقه الشرعي والمتشرعي في الروايات قد اعتبر بنفسه امرا قابلا للدوام والاستمرار فالمكلف بعد إيقاع فعل الوضوء يكون على وضوء بحيث يعتبر نفس وضوئه امرا باقيا تعبدا واعتبارا ومن هنا يسند إليه النقض في أدلة النواقض وأيضا في نفس الحديث قد عبر في صدره الرّجل ينام وهو على وضوء فكلمة الوضوء في ألسنة الروايات لا بد وان تحمل على هذا المعنى ومعه تكون أركان الاستصحاب أعني اليقين والشك مما يمكن افتراض تعليقهما بالوضوء بهذا المعنى.

بل حمل الحديث على قاعدة المقتضي والمانع خلاف الظاهر ، لأن مقتضى سياق

حذف متعلق اليقين والشك في الجملة الثانية وكذلك اسناد النقض إليهما وحدة متعلقهما ، وفي قاعدة المقتضي والمانع لا يكون المتعلق واحدا كما لا يخفى.

التقريب الثاني - لو كان النّظر إلى الاستصحاب كان مقتضى القاعدة إجراء استصحاب عدم النوم الّذي هو أصل موضوعي حاكم على استصحاب الطهارة الحكمي ، وهذا بخلاف ما لو كان النّظر إلى قاعدة المقتضي والمانع فانه لا يوجد أصل موضوعي حاكم عليه.

وقد يجاب عليه : بان الصحيحة ناظرة إلى فرض الشبهة المفهومية في تحقق النوم حيث قيل فيها ( فان حرك في جنبه شيء وهو لا يعلم ) وفي الشبهة المفهومية لا يجري الاستصحاب الموضوعي وانما يتعين الاستصحاب الحكمي.

الا ان هذا الجواب لا يمكن المساعدة عليه ، لأن السائل سأل أولا عن الشبهة المفهومية وأجابه الإمام علیه السلام بتفصيل وانه قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن فجعل الميزان نوم القلب والاذن ، ثم سال السائل عن فرضية شبهة مصداقية فأجابه الإمام علیه السلام بالاستصحاب ، ولو كان السؤال الثاني عن الشبهة المفهومية أيضا كان اللازم على الإمام علیه السلام ان يبين للسائل حدود المفهوم المأخوذ في الحكم الواقعي ولا معنى لا حالته إلى الاستصحاب لأن الشبهة المفهومية شبهة حكمية من وظيفة الإمام علیه السلام بيان الحكم الواقعي فيها لا الا حالة إلى القواعد الظاهرية كما لا يخفى.

والتحقيق في الإجابة على هذا التقريب ان يقال :

أولا - ما سوف يأتي في محله من عدم حكومة الأصل السببي على المسببي الا إذا كانا متنافيين وهما في المقام متوافقان.

الثاني - لو سلم حكومة الأصل السببي على المسببي - بناء على تصورات جعل الطريقية - فظهور هذه الصحيحة في جريان استصحاب الطهارة بنفسه يكون دليلا على عدم الحكومة في صورة التوافق على الأقل ، إذ لا يمكن رفع اليد عن ظهورها في الاستصحاب.

الثالث - ان يقال بان عدم النوم حد للطهارة المجعولة لا قيد مأخوذ في موضوعها بقاء فاستصحاب عدم النوم لا يثبت الطهارة الا بالملازمة العقلية لا بالترتب الشرعي

فلا يكون أصلا موضوعيا حاكما على استصحاب الطهارة.

وفيه : أولا - ان العرف لا يتعقل التفكيك بين الأمرين بل يستفيد من كون عدم النوم حدا انه دخيل في موضوع الحكم بالطهارة.

وثانيا - بلحاظ عالم الحب والبغض الّذي هو روح الحكم ويكون هو المنجز ، عقلا لا محالة يكون عدم النوم قيدا في الموضوع والا لما جعل النوم نهاية وحدا للحكم فيجري استصحاب عدم النوم بلحاظ روح الحكم (1).

الرابع - ان يقال بان الطهارة من الأمور التكوينية التي كشف عنها الشارع وليس حكما شرعيا ليترتب بالاستصحاب الموضوعي.

وفيه : بطلان المبني فقهيا على ما حققناه في محله.

الأمر الثالث - آثار الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) شبهة في المقام حاصلها : احتمال ان يكون قوله ( ولا تنقض اليقين بالشك ) سلبا للعموم لا عموم السلب فلا يدل على الاستصحاب بنحو القضية الكلية ، ثم استظهر كونه عموم السلب. وهذه الشبهة في نفسها لم تكن تستحق الذّكر لو لا إشارة الشيخ وتعليق المحقق النائيني (قدّس سرّه) عليه وتفصيل الكلام بشأنه ولعله لإعطاء الضابط الكلي للفرق بين سلب العموم وعموم السلب.

فذكر ان العموم إذا كان مستفادا بنحو المعنى الاسمي أمكن توجيه السلب إليه لأنه يلحظ استقلالا ، واما إذا كان مستفادا بنحو المعنى الحرفي من قبيل اللام بناء على افادته للعموم أو من سياق النفي كما في قوله ( لا تنقض اليقين ) فلا يمكن ان يكون السلب فيه سلبا للعموم بل يتعين ان يكون عموم السلب ، لأن المعنى الحرفي لا يلحظ مستقلا لكي يمكن توجيه السلب إليه ، والعموم المستفاد من سياق النفي أو النهي انما هو بحكم العقل وبقانون ان الطبيعة لا تنتفي الا بانتفاء تمام افرادها ، ومثل هذا العموم يكون في طول السلب.


1) بل يجري بلحاظ الحكم المجعول أيضا لأن فعلية المجعول الشرعي عند عدم تحقق غايته وحده ترتب شرعي كفعليته بتحقق موضوعه فانه لم يرد دليل خاص يدل على أن الترتب الشرعي لا بد وان يكون بملاك ترتب الحكم على الموضوع والمسبب على سببه وان شئت قلت : كما ان إحراز الموضوع شرط في تنجز الحكم المجعول كذلك يكون إحراز عدم الغاية بهذا المعنى شرطا في تنجزه والاستصحاب يجري في كل ما يكون إحرازه شرطا في التنجيز إثباتا أو نفيا.

وفي تقريرات المحقق الكاظمي قرر هذا المطلب بنحو آخر لا يخلو من تشويش حيث ذكر الفرق بين العموم والإطلاق وان الأول معنى اسمي مستقل فيصح توجه السلب إليه بينما الثاني معنى حرفي لا يلحظ استقلالا ، ثم بين في وجه ذلك ان الإطلاق لكونه بالإطلاق ومقدمات الحكمة فيكون في طول الحكم فيستحيل توجه السلب إليه.

وهذا البيان مضافا إلى التشويش فيه بين الصدر والذيل على خلاف مباني المحقق النائيني (قدّس سرّه) في باب العموم من انه أيضا في طول الإطلاق ومقدمات الحكمة فإذا كان الإطلاق في طول الحكم استحال سلب العموم في العمومات أيضا.

وأيا ما كان فأصل هذا التفصيل في غير محله ، وتوضيح ذلك :

ان سلب العموم ليس معناه لحاظ العموم بنحو المعنى الاسمي المستقل وتوجيه النفي إليه وانما معناه نفي العام بما هو عام لا بذاته بان تكون حيثية العموم ملحوظة قبل طرو النفي كما هو الحال في نفي أي قيد حرفي كما إذا أريد نفي تقيد الجلوس بالمسجد فقيل ما جلست في المسجد فقد نفي هنا النسبة الظرفية بين الجلوس والمسجد ولكن لا بمعنى توجيه النفي ابتداء إليها ليقال ان المعنى الحرفي لا يلحظ مستقلا بل بمعنى توجيه النفي إلى الجلوس الخاصّ بما هو خاص فينفي التقييد لا محالة.

ومنه تعرف الإجابة على الفقرة الثانية في كلامه من ان العموم إذا كان بقانون عقلي وهو انتفاء الطبيعة بانتفاء تمام افرادها فلا يمكن ان يكون بنحو سلب العموم لأنه في طول النفي ، فان العقل انما يحكم بان انتفاء ما وقع مدخولا للنفي لا يكون الا بانتفاء تمام افراده ، واما كون المدخول ذات الطبيعة أو المقيدة بحيثية - ولو كان هو العموم - فهذا لا ربط له بالقانون العقلي المذكور بل لا بد من تعيينه بدال اخر.

نعم ما ذكر من التفصيل بين الإطلاق والعموم صحيح بمعنى ان السلب في المطلقات لا محالة يتوجه إلى ذات المطلق لا المطلق بما هو مطلق ، لأن الإطلاق مدلول تصديقي وليس تصوريا مأخوذا في مدلول مدخول السلب ليكون النفي سلبا للإطلاق بخلاف العموم.

ومنه يظهر ان قوله ( ولا تنقض اليقين بالشك ) لا يمكن ان يكون سلبا للعموم ، بل

يتعين ان يكون عموم السلب لكون العموم فيه بالإطلاق ومقدمات الحكمة (1).

الأمر الرابع - من جملة ما ذكرناه في مأخذ استفادة قاعدة الاستصحاب الكلية من هذه الصحيحة هو التمسك بالارتكاز العرفي. وبناء عليه قد يقال بعدم إمكان استفادة التعميم منها للزوم الاقتصار فيه على القدر المتيقن من الارتكاز وهو ما إذا لم يكن على خلاف الاستصحاب ظن بالخلاف مثلا لأن الارتكاز دليل لبي.

وفيه : ان الارتكاز العرفي في المقام يلغي خصوصية المورد في مقام فهم الحديث وفي طوله يجري الإطلاق ومقدمات الحكمة في نفي اية خصوصية أخرى غير اليقين والشك في الحكم فيثبت التعميم لا محالة.

الرواية الثانية : صحيحة ثانية لزرارة الواردة في الصلاة ( قال : قلت له أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من المني فعلمت اثره إلى ان أصيب له الماء فحضرت الصلاة ونسيت ان بثوبي شيئا فصليت ثم أني ذكرت بعد ذلك؟ قال تعيد الصلاة وتغسله ، قلت : فان لم أكن رأيت موضعه وعلمت انه قد اصابه فطلبته ولم أقدر عليه فلما صليت وجدته؟ قال : تغسله وتعيد ، قلت : فان ظننت انه اصابه ولم أتيقن فنظرت ولم أر شيئا فصليت فرأيت فيه؟ قال : تغسله ولا تعيد ، قلت : لم ذلك؟ قال لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت وليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك أبدا ، قلت : فاني علمت انه قد اصابه ولم أدر أين هو فأغسله؟ قال : تغسل ثوبك الناحية التي ترى انها قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك ، قلت : فهل علي ان شككت انه اصابه شيء أن أنظر فيه؟ قال : لا لكنك انما تريد ان تذهب بالشك الّذي وقع في نفسك ، قلت : ان رأيته في ثوبي وانا في الصلاة؟ قال : تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته وان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شيء أوقع عليك فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ) (2).

وهي تتكفل عدة أسئلة سألها زرارة عن الإمام علیه السلام وأجاب عنها الإمام


1) مضافا إلى ان سياق التعليل في الحديث الظاهر في التعميم وتأكيد العموم بقوله ( أبدا ) يصح ان يكون قرينة على إرادة عموم السلب لا سلب العموم.

2) التهذيب ، الباب 22 من أبواب تطهير البدن والثياب من النجاسات ، حديث - 8 -

نستعرضها فيما يلي لتوضيح فقه الرواية.

السؤال الأول - إذا صلى الإنسان في ثوب نجس نسيانا بعد علمه بالنجاسة أولا؟

وجوابه : وجوب إعادة الصلاة. وقد ورد هذا الحكم في روايات أخرى أيضا وعلل في بعضها بان الناسي تهاون في التطهير دون الجاهل.

السؤال الثاني - لو علم إجمالا بالنجاسة في بعض جوانب الثوب ولم يتمكن من تشخيص موضعه بالفحص فهل يكفي ذلك للصلاة فيه بالرغم من علمه الإجمالي بالنجاسة أم لا. والجواب : وجوب غسل الثوب وإعادة الصلاة أيضا ، والمقصود من قوله في هذه الفقرة ( لم أقدر عليه ) عدم إمكان تشخيصه مع الفراغ عن أصله لا زوال العلم وحصول الشك بخلاف ما لو قال ( لم أره ) فانه يمكن ان يدعي إرادة ذلك منه.

السؤال الثالث - لو ظن الإصابة ففحص ولم ير النجاسة فصلى فيه ورأى فيه فما هو حكمه؟ وجواب الإمام علیه السلام ( تغسله ولا تعيد لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت وليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ). وهذه الفقرة مع فقره تأتي هما موضوع الاستدلال بالصحيحة على كبرى الاستصحاب. وتوجد بشأن هذا السؤال بدوا احتمالات أربعة :

الأول - ان يكون مقصوده من الفحص وعدم الرؤية حصول العلم بعدم الإصابة حيث لم يكن يعلم بها من أول الأمر وانما كان يظن ذلك ويحتملها فيزول الاحتمال بالفحص ثم عند ما وجدها بعد الصلاة علم بأنها نفس النجاسة التي كان قد ظن بها من أول الأمر ، الا ان هذا الاحتمال غير متجه لأنه بناء عليه لا يكون المورد مصداقا لقاعدة نقض اليقين بالشك ولا صحة الصلاة مستندة إليها سواء أريد بها الاستصحاب أو قاعدة اليقين لأنه لم يكن شاكا لا في حال الصلاة ولا بعدها بل كان عالما بالطهارة في الأثناء وعلم بالنجاسة بعد ذلك مع ان الإمام علیه السلام يفترض وجود شك ليطبق عليه القاعدة في مقام التصحيح فيعلم عدم إرادة هذا المعنى جزما.

الثاني - ان يحصل له العلم بعدم الإصابة بعدم الفحص ولكنه عند ما وجد النجاسة احتمل انها نجاسة طارئة بعد الصلاة وبناء على هذا الاحتمال يكون شاكا بعد الصلاة في وقوعها مع النجاسة وعدمه فيكون موردا لعدم نقض اليقين بالشك سواء أريد به الاستصحاب أو قاعدة اليقين لأنه كان على يقين حين الصلاة بالطهارة أيضا

وانما حصل له الشك الساري بعد الصلاة ، فالشك الحاصل بعد الصلاة بلحاظ اليقين بالطهارة المتولد من الفحص حين الصلاة يكون موضوعا لقاعدة اليقين وبلحاظ اليقين بالطهارة الثابت قبل ظن الإصابة يكون موضوعا لقاعدة الاستصحاب.

الثالث - ان يفترض عدم حصول العلم له بالطهارة من عدم الرؤية حين الصلاة ولكنه بعد ان وجد النجاسة بعد الصلاة علم بأنها هي التي ظنها من أول الأمر وانها كانت سابقة على الصلاة.

وهنا يصدق في حقه عدم نقض اليقين بالشك بمعنى الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة لأنه كان عالما بالطهارة قبل الصلاة شاكا فيها حين العمل وان انكشف له خلاف ذلك بعد الصلاة واما قاعدة اليقين فلا تصدق في حقه لعدم حصول اليقين بالطهارة حين الصلاة بحسب الفرض.

الرابع - ان يفترض عدم حصول العلم بالطهارة حين الصلاة وعدم حصول العلم - بعد الصلاة ووجدان النجاسة - بأنها كانت السابقة على الصلاة وهنا تجري قاعدة الاستصحاب أيضا بلحاظ حال الصلاة وحال السؤال معا ولا تجري قاعدة اليقين كما هو واضح.

السؤال الرابع - لو علم إجمالا بالإصابة ولم يشخص موضعها فما ذا يصنع؟ والجواب : انه لا بد وان يغسل أطراف العلم الإجمالي حتى يحصل اليقين بالطهارة.

السؤال الخامس - عند الشك في أصل الإصابة هل يجب الفحص؟ والجواب : عدم وجوبه الا إذا أراد الاحتياط ونفي الشك من نفسه.

السؤال السادس - لو رأى النجاسة في أثناء الصلاة؟

وقد أجاب الإمام علیه السلام بالتفصيل بين صورتين ( انه إذا كنت قد شككت في موضع منه أولا ثم رأيته تنقض الصلاة وتعيد وإذا لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شيء أوقع عليك ولا ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ).

وفي هذا الجواب احتمالان :

الأول - ان يراد بالشك الشبهة البدوية ويكون المقصود حينئذ إذا كنت قد شككت في موضع منه ثم رأيته فيه بحيث علمت بأنه من السابق أعدت الصلاة

واما إذا لم يكن لك شك ثم رأيته فلعله شيء أوقع عليك في الأثناء فيحكم بصحة ما تقدم من صلاتك بمقتضى قاعدة عدم نقض اليقين بالشك وتغسل الثوب لما تبقى من الصلاة وتبني عليها.

الثاني - ان يراد بالشك الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي أي الشك في موضع من الثوب بعد فرض العلم بأصل النجاسة فيكون المنفي بقوله وان لم تشك في الشرط الثاني من الجواب أيضا نفي الشبهة المقرونة بالعلم ويفهم على هذا التقدير حكم الشبهة البدوية مع العلم بان ما وجده كان هو المشكوك أولا من مفهوم التعليل في قوله ( لأنك لا تدري لعله شيء أوقع عليك ) الّذي يعني بطلان الصلاة مع العلم بأنها كانت من أول الأمر.

ويقرب الاحتمال الأول عدة أمور.

منها - ظهور الشك في الشبهة البدوية خصوصا في جملة وان لم تشك فانه لم يقيده بموضع منه ليتوهم قرينيته على إرادة العلم الإجمالي.

ومنها - ظهور الجملة في دخالة رؤية النجاسة بعد الشك في البطلان ، ومع فرض العلم الإجمالي بالنجاسة تكون الصلاة باطلة به ولا ربط لرؤية النجاسة في ذلك.

ومنها - لزوم التكرار إذا أريد من الشك الشبهة المقرونة بالعلم لأنه قد بين في السؤال الرابع حكم العلم الإجمالي بالنجاسة ولزوم الغسل فيه الّذي هو وجوب شرطي لا نفسي أي يرجع إلى بطلان الصلاة مع العلم الإجمالي بنجاسة الثوب ولا فرق بين ان يكون العلم الإجمالي بذلك حاصلا قبل الدخول في الصلاة أو في أثنائها.

وفي قبال ذلك قد يقرب الاحتمال الثاني بإحدى نكتتين :

إحداهما - ظهور تقييد الشك بموضع من الثوب في الفراغ عن أصل النجاسة وانما الشك في موضعها.

الثانية - ان فرضية الشبهة البدوية لا تساوق بطلان الصلاة لو رأى النجاسة بعد ذلك إذ مجرد ذلك لا يستلزم العلم بالنجاسة من أول الأمر بل يعقل فيه أيضا فرضية الشك وانه شيء أوقع عليه في الأثناء ، فتخصيص الإمام علیه السلام ذكر هذه النكتة في الشرط الثاني أعني ما إذا لم يشك بنفسه قرينة على إرادة الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي والفراغ عن أصل النجاسة في الشرط الأول.

والإنصاف عدم تمامية شيء من النكتتين.

اما الأولى - فلأنه لو كان المذكور ( ان شككت في موضع النجاسة أو في الموضع منه ) كان ظاهره ما ذكر من المفروغية عن أصلها ولكن المذكور ( ان شككت في موضوع منه ). وهذا يناسب الشك البدوي أيضا وتكون نكتة التقييد بموضع منه انه في حال رؤية النجاسة بعد ذلك في نفس الموضع يحصل العلم غالبا بكونها نفس النجاسة المشكوكة من أول الأمر بخلاف ما إذا كان الشك في إصابة النجاسة للثوب إجمالا.

وبهذا ظهر اندفاع النكتة الثانية فان فرض الشك في موضع منه ثم رؤيته فيه مساوق عادة مع العلم بكون المرئي نفس النجاسة السابقة هذا مضافا إلى احتمال ورود السؤال السادس من زرارة في مورد سؤاله الخامس أعني ما إذا شك في انه اصابه شيء وكونه تتمة له فالضمير في قوله : ان رأيته في ثوبي وانا في الصلاة راجع إلى نفس ذلك الشيء الّذي شك في اصابته قبل الصلاة ومعه يكون ظاهره العلم بأنه رأى فيه نفس النجاسة السابقة وهو الشطر الأول الّذي حكم فيه الإمام بالبطلان واما الشرط الثاني فيكون فرعا زائدا تبرع به الإمام علیه السلام .

ثم ان الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) ادعى نحو تهافت بين جواب الإمام علیه السلام على السؤال السادس ببطلان الصلاة مع انكشاف وقوع جزء منها مع نجاسة مجهولة في الأثناء وبين ما تقدم في جواب السؤال الثالث بناء على الاحتمال الثالث فيه من الحكم بصحة الصلاة مع وقوع تمامها مع النجاسة فانه لا يمكن ان يكون وقوع بعض الصلاة مع النجاسة المجهولة أسوأ حالا من وقوعها بتمامها كذلك.

وأجاب عليه السيد الأستاذ بأنا لا نعلم ملاكات الأحكام التعبدية فلعل المصلحة الواقعية بنحو تقتضي ذلك.

وهذا الجواب لا يشفي الغليل ولا يدفع الإشكال إذا كان المقصود منه دعوى التهافت العرفي بلحاظ الدلالات المستفادة من الرواية بدعوى ان العرف يتعدى من جواب السؤال الثالث إلى حكم السؤال السادس ويفهم كبرى كلية تعم الصورتين معا بنحو بحيث لا يتعقل التفكيك بينهما وبالتالي يحصل نحو إجمال وتهافت بين الفقرتين من الرواية بحسب مقام الإثبات.

والصحيح في الإجابة على هذا الإشكال إبراز نكتة يحتمل العرف على أساسها

الفرق بين الصورتين وفي المقام إذا وجد المصلي نجاسة سابقة في أثناء صلاته تكون له عدة خصوصيات :

الأولى - وقوع مقدار من صلاته مع نجاسة مجهولة.

الثانية - علمه بهذه النجاسة وتنجزه عليه في الأثناء.

الثالثة - حالة كونية للصلاة في الثوب النجس مع العلم به من دون الاشتغال بعمل صلاتي.

الرابعة - الإتيان بباقي الصلاة في ثوب طاهر.

ولا إشكال في ان الخصوصية الرابعة لا يعقل دخالتها في البطلان وان يكون حال هذا المصلي أسوأ ممن أتى بكامل صلاته مع النجاسة جهلا.

والخصوصية الثالثة وان كان يحتمل العرف دخالتها في البطلان الا ان الشارع قد حكم بصحة الصلاة في صورة عدم العلم بسبق النجاسة مما يعني ان مجرد نجاسة الثوب في حالة كونية للصلاة لا يكون مانعا.

ودعوى : احتمال كون المانع في الكون الصلاتي النجاسة بوجودها البقائي لا الحدوثي يدفعها : أولا - عدم عرفية ذلك فيلزم محذور التهافت إثباتا.

وثانيا - انه خلاف ظاهر تعليل الإمام علیه السلام الحكم بالصحّة في هذه الصورة بالاستصحاب مما يعني ان المصحح هو نفس عدم النجاسة السابقة لا ما يلزم منه من عدم كون النجاسة الفعلية بقائية حتى إذا قلنا بحجية الأصل المثبت في مورد هذه الصحيحة.

والخصوصية الأولى أيضا لا يحتمل العرف دخالتها في البطلان لأن الأكثر منها حاصل في مورد السؤال الثالث وقد حكم فيه بالصحّة. فيتعين ان تكون الخصوصية الثانية هي الفارق بين الصورتين وهو امر معقول عرفا فان تنجز النجاسة على المكلف في أثناء الصلاة في مورد السؤال السادس وعدم تنجزها وعدم انكشافها الا بعد انتهاء الصلاة في مورد السؤال الثالث يقبل العرف ان يكون له الدخالة في التفصيل المذكور فيكون مقتضى الجمع العرفي بين أدلة مانعية النجاسة وروايات صحة الصلاة مع النجاسة جهلا - ومنها الفقرة الثالثة من هذه الصحيحة بناء على نظرها إلى ذلك - ان المانع هو النجاسة المتنجزة على المكلف قبل انتهاء الصلاة ولو بوجودها البقائي وحيث

ان هذا القيد لم يكن حاصلا في مورد السؤال الثالث حكم الإمام علیه السلام بالصحّة فيه وحيث انه كان حاصلا في مورد السؤال السادس فصل الإمام علیه السلام بين ما إذا علم بسبق النجاسة فقد تنجزت عليه في الأثناء فتبطل الصلاة وبين ما إذا لم يعلم بذلك فيجري استصحاب عدم النجاسة. وهل يكون الثابت بالاستصحاب حينئذ الصحة الواقعية أو الظاهرية؟ جوابه : ان المانع ان كان هو تنجز النجاسة السابقة ولو بوجودها البقائي بحيث يكون مركبا من جزءين وجود النجاسة سابقا وتنجزها بالعلم ونحوه فالاستصحاب ينفي الجزء الأول ظاهرا فتكون الصحة ظاهرية وان كان المانع هو تنجز نفس النجاسة السابقة ولا يكفي تنجز وجودها البقائي في المانعية فالاستصحاب يرفع هذا التنجز واقعا فتكون الصحة واقعية لا ظاهرية.

وبعد ان اتضح فقه هذه الرواية يقع البحث في كيفية الاستدلال بها على قاعدة الاستصحاب.

الاستدلال بالصحيحة الثانية على الاستصحاب

وقد اتضح ان هناك موضعين فيها يمكن ان يستدل بهما على كبرى الاستصحاب لأن جملة ( فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ) قد ورد في موردين من الصحيحة الأول في جواب السؤال الثالث والثاني في الجواب عن السؤال الأخير.

ولا إشكال في ظهور الصحيحة في إعطاء قاعدة كلية وظهورها في ذلك أوضح وأصرح من الصحيحة الأولى لكونها صريحة في التعليل بهذه القاعدة لأن زرارة سأل صريحا عن علة الحكم وضابطته وكذلك التعبير بقوله ( ليس ينبغي ) أظهر في الدلالة على التعليل بكبرى كلية مركوزة مما تقدم في الصحيحة الأولى. وهذا لا كلام فيه وانما الكلام في ان تلك القاعدة الكلية هل هي الاستصحاب أو قاعدة اليقين وفي كيفية استفادة ذلك.

ولا ينبغي الإشكال في ظهور المورد الثاني من الصحيحة في قاعدة الاستصحاب لا اليقين لأن التعبير بقوله ( وان لم تشك ثم رأيته ) وان كان يمكن حمله على إرادة عدم الشك بمعنى العلم بالطهارة في أثناء الصلاة الا ان هذا لا قرينة عليه ولا موجب لتقييده بذلك فاليقين الّذي هو ركن قاعدة اليقين لم يفرض لا في كلام السائل ولا الإمام علیه السلام

في هذا المورد بخلاف اليقين الّذي هو ركن الاستصحاب فان المصلي كان عالما بالطهارة قبل الصلاة يقينا بل لعل ارتكازية قاعدة الاستصحاب دون قاعدة اليقين وظهور المورد الأول في ذلك - على ما سوف نثبته - قرينتان أيضا على إرادة الاستصحاب لا قاعدة اليقين ، فالمورد الثاني لا كلام في دلالته على كبرى الاستصحاب.

وانما البحث في المورد الأول حيث أثير حوله في كلمات المحققين تارة إشكال عدم وضوح دلالته على قاعدة الاستصحاب في قبال قاعدة اليقين وأخرى بان النقض في مورده نقض لليقين لا بالشك للعلم بوقوع الصلاة مع النجاسة فكيف طبق الإمام علیه السلام قاعدة نقض اليقين بالشك فيه.

وفيما يلي نتحدث حول هذه الفقرة من الصحيحة ضمن نقاط عديدة :

النقطة الأولى - في أصل دلالتها على قاعدة الاستصحاب في قبال قاعدة اليقين ولا ينبغي الإشكال في ذلك لأن أركان الاستصحاب واضحة في فرض السائل بخلاف أركان القاعدة وجواب الإمام علیه السلام انما يتطابق مع سؤال الراوي وبلحاظ ما يفترضه من اليقين والشك.

اما استفادة أركان الاستصحاب من فرض السائل فاليقين السابق بالطهارة يستفاد فرضه من قوله ( ظننت انه قد اصابه ) الظاهر في انه كان قبل ذلك عالما بالطهارة بل المفروض ان الثوب قبل إصابة دم الرعاف الّذي محور أسئلة زرارة في هذه الرواية كان طاهرا وانما يجيء المانع من ناحية إصابة الدم المعلومة أو المظنونة حسب اختلاف الفروع التي سأل عنها.

واما الشك اللاحق فهو مفروض على كل تقدير في السؤال ولهذا طبق الإمام علیه السلام عليه قاعدة من قواعد الشك - مع قطع النّظر عما سوف يأتي في النقطة القادمة -.

واما عدم استفادة أركان القاعدة من كلام زرارة فلأن ذلك مبني على افتراض ان زرارة يفترض حصول اليقين له بالطهارة عند ما فحص عن النجاسة ولم يجدها ، وعند ما وجدها بعد الصلاة شك في انها نفس النجاسة أو شيء جديد. وهذا يعني انه لا بد من حمل قوله ( فنظرت ولم أر شيئا ) على حصول اليقين بالطهارة وقوله ( فصليت فرأيت فيه ) على الشك الساري إلى متعلق اليقين.

والجملة الثانية وان أمكن دعوى ظهورها في سريان الشك في النجاسة لحال

الصلاة حيث لم يقل ( فرأيته فيه ) ليكون ظاهرا في العلم بسبق النجاسة الا ان الجملة الأولى لا وجه لحملها على ما إذا حصل له اليقين بالطهارة من مجرد النّظر وعدم رؤية النجاسة الا بافتراض إعمال الإمام لعلمه الغيبي.

ودعوى - غلبة حصول العلم بالعدم عند الفحص وعدم الرؤية.

مدفوعة - مضافا إلى منعها خصوصا مع ظن الإصابة لا يعلم اعتماد السائل على الغلبة المذكورة بنحو بحيث يفهم منه افتراض حصول مثل هذا اليقين وإرادته فالصحيح ان الرواية في هذا المورد أيضا ناظرا إلى قاعدة الاستصحاب لا اليقين.

النقطة الثانية - ان الاستصحاب الّذي أجراه الإمام علیه السلام في هذا المورد هل يكون بلحاظ حال الصلاة أي بلحاظ الشك الحاصل أثناء الصلاة في نجاسة الثوب وعدمه ولو علم بعد الصلاة ورؤية النجاسة في الثوب انها كانت من أول الأمر أو يكون الاستصحاب بلحاظ ما بعد الصلاة والّذي لا ينسجم الا مع فرض احتمال طرو النجاسة بعد الصلاة؟

لا يبعد تعين الاحتمال الثاني لما تقدم من ان جملة ( فصليت فرأيت فيه ) غير ظاهرة في افتراض العلم بان المرئي نفس النجاسة السابقة المحتملة فافتراض ان مقصوده ذلك وان شكه بلحاظ حال الصلاة لا شاهد عليه من كلام السائل فلو كان نظر الإمام علیه السلام إلى ذلك كان من باب إعمال علم الغيب ولا يمكن حمل الخطاب عليه (1)

الا ان التحقيق ان المقام ليس من موارد التمسك بالإطلاق لتعيين المراد لا من جهة ورود الجملتين في كلام السائل دون الإمام علیه السلام ليقال بان ظاهر الجواب إمضاء ما افترضه السائل وجعل الحكم عليه فكأنه قد تكرر موضوع السؤال في كلام الإمام علیه السلام فيجري فيه الإطلاق ، بل لأن الإمام علیه السلام في هذه الصحيحة قد طبق قاعدة عدم النقض على ما افترضه السائل من اليقين والشك فلا بد من تعيين يقين وشك مشخصين للسائل لكي يفهم جواب الإمام علیه السلام فلا معنى للإطلاق من ناحيتهما وتعين اليقين والشك المشخصين في المقام انما يكون بلحاظ ما يستظهر من افتراض السائل نفسه من حالتي اليقين والشك فإذا لم يفترض اليقين بالطهارة أثناء الصلاة زائدا على اليقين بالطهارة قبل ظن الإصابة المفروض على كل حال كان المراد من اليقين الّذي طبقه الإمام علیه السلام اليقين الّذي هو ركن الاستصحاب وإذا لم يستظهر رؤيته لنفس النجاسة السابقة بل استظهر شكه بعد الصلاة كان المراد من الشك الّذي لاحظه الإمام علیه السلام الشك بلحاظ ما بعد الصلاة.

.

1) لو فرض عدم ظهور السياق في إرادة رؤية نفس النجاسة السابقة فقد يقال : ان مقتضى الإطلاق حينئذ شمول كلا الفرضين أي حالة حصول العلم بسبق النجاسة وحالة الشك كما ان مقتضى الإطلاق في جملة ( فنظرت ولم أر شيئا ) شمول حالتي حصول العلم وعدمه أثناء الصلاة ونتيجة الإطلاق الأخير نظر الحديث إلى قاعدة الاستصحاب دون اليقين ونتيجة الإطلاق الأول ان يكون الاستصحاب بلحاظ الحالتين معا أي حال الصلاة ولو كان عالما بسبق النجاسة وحال ما بعد الصلاة لو كان شاكا فيه.

بخلاف ما إذا كان نظره إلى الشك بعد الصلاة فان الجملة الثانية صالحة لأن تكون دالة عليه ، بل لعل تغيير السائل لتعبيره الوارد في سؤاله السابق حيث قال فيه ( فوجدته ) وأما هنا فغير التعبير وقال ( فرأيت فيه ) ولم يقل فرأيته فيه بنفسه شاهد على إرادة أصل الرؤية للنجاسة من دون العلم بكونها هي النجاسة السابقة ويؤيده مجيء هذه النكتة في كلام الإمام علیه السلام في ذيل الرواية.

ودعوى - استبعاد جهل زرارة بحكم المسألة بل استغرابه عنه فيما إذا كان يحتمل وقوع النجاسة عليه بعد الصلاة مدفوعة - بعدم معرفة تاريخ سؤال الراوي فلعله كان في بداية امره - خصوصا والرواية عن الإمام الباقر علیه السلام - كما يشهد عليه سؤاله في نفس الرواية عن أحكام أخرى ربما يدعى وضوحها كعدم وجوب الفحص ومنجزية العلم الإجمالي بنجاسة الثوب ، كما يحتمل ان يكون زرارة في مقام التدقيق والتشقيق لأجل مزيد الاستفادة من الإمام علیه السلام واستدراجه إلى ذكر القواعد والنكات العامة كما تناسبه كثرة التشقيقات والفروض التي افترضها في نفس الرواية ، ولو أبيت عن كل ذلك أمكن توجيه استغراب زرارة من ناحية انه كان يظن عدم الإصابة وكان يعتمد عليه في دخوله في الصلاة وقد سلب منه ذلك بعد رؤية النجاسة بعد الصلاة ولو للظن بأنها نفس النجاسة السابقة.

وهكذا يظهر ان هذا المورد من الصحيحة يتكفل أيضا قاعدة الاستصحاب وبلحاظ الشك في طهارة الثوب الحاصل بعد الصلاة وبذلك لا يبقى موضوع للإيراد المعروف على الصحيحة بعد حمل جملة ( فرأيت فيه ) على رؤية النجاسة السابقة بان المورد ليس من موارد نقض اليقين بالشك بل باليقين بالنجاسة فكيف طبق الإمام علیه السلام الاستصحاب عليه.

النقطة الثالثة - في علاج الرواية بناء على التفسير المشهور لها من حصول العلم بعد الرؤية بوقوع الصلاة مع النجاسة. والبحث في هذه النقطة يقع في جهات ثلاث :

الجهة الأولى - ان هذه المشكلة لو فرض استعصاؤها على الحل بحيث لم نجد تفسيرا لها فهل يضر ذلك بأصل دلالة هذه الفقرة من الصحيحة على كبرى الاستصحاب أم يمكن التفكيك بين دلالتها على الكبرى وتطبيقها في المورد فتبقى الصحيحة حجة من الناحية الأولى وان فرض إجمالها من الناحية الثانية؟.

أفاد صاحب الكفاية (قدّس سرّه) ان الإشكال لو لم يكن حله مع ذلك لم يضر باستفادة كبرى الاستصحاب منها لأن هذا الإشكال ليس مختصا بفرض حملها على الاستصحاب ليكون قرينة على حملها على قاعدة اليقين مثلا لأن المفروض حصول العلم بوقوع الصلاة مع النجاسة فكما لأن نقض لليقين بالشك بلحاظ الاستصحاب لا نقض لليقين بالشك بلحاظ القاعدة.

وقد اعترض عليه المحققون بان حمل الرواية على قاعدة اليقين لا يكون الا بإرادة الشك بلحاظ ما بعد الصلاة وعدم العلم بسبق النجاسة ليكون الشك ساريا إلى العلم بالطهارة الحاصل حين الصلاة بناء على استفادته من الجملة الأولى وهذا يعني ان حمل الرواية على القاعدة يساوق ارتفاع موضوع الإشكال رأسا.

وهذا الاعتراض غير سديد لأن المقصود ان هذه المشكلة ليست ناشئة من حمل الرواية على الاستصحاب لتكون قرينة على صرفها إلى قاعدة اليقين بل المشكلة تنشأ من دعوى ظهور جملة ( فصليت فرأيت فيه ) في رؤية نفس النجاسة المظنونة سابقا المساوق مع حصول العلم بعد الصلاة بوقوع الصلاة مع النجاسة فلا يكون نقض اليقين السابق بالشك في النجاسة بل باليقين فهذا الظهور لو سلم به فالإشكال وارد سواء أريد تطبيق الاستصحاب أو القاعدة بل لا يعقل تطبيق القاعدة على هذا التقدير حتى بنحو عنائي وبضم كبرى أخرى ، ولو فرض عدم التحفظ على هذا الظهور بان استظهر إرادة الشك في سبق النجاسة كان التطبيق صحيحا سواء أريد قاعدة الاستصحاب أو اليقين فالإشكال لا ربط له بإرادة الاستصحاب من الصحيحة كما ان رفع اليد عن الظهور المستلزم للإشكال لا يعني إرادة القاعدة في قبال الاستصحاب.

الا انه كان لا بد لصاحب الكفاية ان يبين وجه بقاء دلالة الرواية على الاستصحاب مع عدم انطباقه في المورد.

وهنا ينبغي ان يقال : بان استفادة الاستصحاب من هذه الفقرة ان كان مستندا إلى الظهور المدعى لجملة ( رأيت فيه ) في رؤية النجاسة السابقة ولو من جهة انه على هذا التقدير ينتفي احتمال إرادة قاعدة اليقين من قوله علیه السلام ( لا تنقض اليقين بالشك ) بخلاف الاستصحاب إذ يمكن تطبيقه بلحاظ الشك حال الصلاة كان العجز عن حل الإشكال مخلا بالاستدلال لأن الإشكال على نفس هذا الظهور فلو رفعنا اليد عنه

كانت نسبة الصحيحة إلى الاستصحاب والقاعدة على حد واحد فتكون مجملة على الأقل.

واما إذا كان الوجه في استفادة الاستصحاب منها ما تقدم منا من ان أركان الاستصحاب مفروضة في كلام السائل بخلاف أركان القاعدة سواء كان المقصود العلم بالنجاسة السابقة أو الشك فيها فبقاء الإشكال لا يضر بظهور الصحيحة في إفادة كبرى الاستصحاب لأن مورد الإشكال ظهور لا ربط له باستفادة الاستصحاب بل سواء كان التطبيق حقيقيا وبلحاظ ما بعد الصلاة برفع اليد عن الظهور المدعى أو كان عنائيا وبلحاظ حال الصلاة فكبرى الاستصحاب مستفادة منها على كل حال.

هذا الا ان الإنصاف مع استفحال الإشكال ووقوع التهافت بين كبرى الاستصحاب المبينة وبين مورد التطبيق يطمئن أو يظن بوجود خلل في الرواية بحيث لو لم يكن ذلك الخلل لعله كان يتغير ظهوره وتختلف دلالاته على الكبرى أيضا ومع هذا الظن بالخلل فضلا عن الاطمئنان لا تكون شهادة الراوي حجة في إثبات الدلالة على الكبرى - على ما نقحناه في محله من اشتراط عدم وجود أمارة نوعية على الخلاف في حجية خبر الثقة - (1).

الجهة الثانية - فيما أجاب به المشهور على الإشكال ، وقد اشتهرت إجابتان عليه بعد الفراغ عن ان التطبيق بلحاظ الشك حال الصلاة ولتصحيح دخول المكلف في الصلاة عند الشك والالتفات إلى احتمال النجاسة حيث لا بد له من مؤمن عنها حال الصلاة.

الأولى - ان تعليل عدم الإعادة بذلك انما كان بلحاظ المفروغية عن ان الشرط في الصلاة هو الأعم من الطهارة الواقعية أو الظاهرية كالطهارة الاستصحابية فالطهارة الواقعية وان لم تكن موجودة في المورد للعلم بسبق النجاسة الا ان المكلف حيث كان متيقنا بالطهارة سابقا وشاكا فيها حين الصلاة فتكون له طهارة ظاهرية استصحابية


1) لو حصل الاطمئنان بالخلل تم ما ذكر ، واما مجرد الظن فلا يكفي لإسقاط الشهادة بصدور ما ظاهره كبرى الاستصحاب عن الحجية لأن هذا الظن ناشئ من مجرد التهافت الداخليّ في فهم دلالات الحديث وظهور ( فرأيت فيه ) في العلم بسبق النجاسة وليس ناشئا من أمارة نوعية كأعراض المشهور مثلا على خلاف الشهادة فتكون الشهادة حجة وتثبت كبرى الاستصحاب وان لم يعلم كيفية انطباقها على المورد.

حين الصلاة ولهذا علل الإمام علیه السلام الصحة وعدم لزوم الإعادة بذلك. وهذا ما ذكره المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه).

الثانية - ان التعليل انما كان بلحاظ اجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي ولو انكشف خلافه وهذا ما أفاده الشيخ (قدّس سرّه).

وناقش فيه المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) بان هذا فيه عناية لأن المناسب عندئذ التعليل بقاعدة الاجزاء الا ان يفرض مفروغية بين السائل والإمام علیه السلام .

وعلق على ذلك المحقق النائيني (قدّس سرّه) بعدم الفرق بين الوجهين من هذه الناحية لأن كبرى الاجزاء أو كبرى توسعة الشرطية وكفاية الطهارة الظاهرية إذا فرض مفروغيتها بين السائل والإمام علیه السلام أو فرض حذفها مستساغا عرفا صحت الإجابتان معا والا لم يصح شيء منهما. وقد اختار (قدّس سرّه) استساغة ذلك في تمام موارد التعليل كما يقال لا تشرب الخمر لأنه مسكر فان كبرى - وكل مسكر حرام - مقدر فيه فكذلك في المقام.

وعلق عليه السيد الأستاذ ان هذين الجوابين جواب واحد بحسب الحقيقة إذ لا معنى لكبرى اجزاء الحكم الظاهري في المقام الا توسعة الشرطية والا لم يكن الحكم الظاهري مجزيا بعد انكشاف الخلاف أو يقال بالتصويب المحال (1).

هذا ولكن يرد على ما أفاده الأستاذ : بالفرق لبا وروحا بين الجوابين إذ لا ينحصر وجه اجزاء الحكم الظاهري في توسعة الشرطية ودائرة الواجب والّذي يعني حصول ملاك الواجب بكل من الطهارتين. بل يمكن ان يكون بمعنى تضييق دائرة الوجوب وتقييد وجوب الصلاة مع الطهور الواقعي بمن لم يصل مع الطهارة الظاهرية لكونه مفوتا للملاك ومانعا عن إمكان تحصيله وقد تقدم تفصيل ذلك في بحث الاجزاء.

ويرد على ما أفاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) من عدم إمكان التفصيل بين الوجهين في الصحة والبطلان بصحة الفرق بناء على مباني المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) في مبحث الاجزاء حيث أفاد هناك بأنه يمكن استفادة التوسعة في دائرة الشرط الواقعي من نفس دليل أصالة الطهارة والحل والاستصحاب في وجه قوي فانه بناء عليه يكون


1) مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 57

التعليل بكبرى الاستصحاب في المقام بيانا لصغرى الطهارة الظاهرية وكبرى التوسعة معا فلا حذف بناء على الجواب الأول بخلافه على الجواب الثاني.

ويرد على أصل الوجهين انهما وان كانا وجهين معقولين ثبوتا الا انهما لا يرفعان التهافت وعدم الانسجام بين ظاهر السؤال وظاهر الجواب في الحديث المستلزم للظن بوقوع خلل فيه لأن ظاهر جواب الإمام علیه السلام لا ينسجم مع شيء من الجهتين. وذلك لعدة نكات :

منها - ظهوره في التعليل بالحكم الظاهري بما هو حكم ظاهري طريقي لا بما هو موضوع الحكم الواقعي كما هو لازم الوجهين.

ومنها - ظهور التعليل في ان الحكم بعدم إعادة الصلاة بنفسه مصداق لعدم نقض اليقين بالشك لا انه مصداق لكبرى أخرى تكون هذه الكبرى توطئة لها.

ومنها - ان افتراض كبرى أخرى محذوفة تكون هي العلة سواء كانت كبرى اجزاء الحكم الظاهري أو كبرى التوسعة بناء على غير مبنى المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) بنفسه خلاف الظاهر جدا وما أفاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) من استساغة ذلك في ساير موارد التعليل كقولنا ( لا تشرب الخمر لأنه مسكر ) غير سديد فان استساغة حذف كبرى كل مسكر حرام لكونه مستفادا من نفس التعليل لأن ذكر كل من الحكم المعلل وهو حرمة الخمر والتعليل أعني ما علل به وهو الإسكار الظاهر في التعميم يدل لا محالة على ان كل مسكر حرام فكأنه لا يوجد محذوف لذكر كل من الحد الأكبر وهو الحرمة والحد الأصغر وهو الخمر والحد الأوسط وهو الإسكار في الكلام مع إفادة التعليل للتعميم والكلية فتفهم تلك الكبرى المقدرة لا محالة ، واما فيما نحن فيه فنحن بحاجة إلى تقدير كبرى أخرى تكون حدا أوسط وعلة للحكم بعدم الإعادة والا لم يتم التعليل لأن مجرد حرمة نقض اليقين بالشك لا يكفي علة لنفي الإعادة كما هو المفروض فالقياس في غير محله.

ومنها - ان نظر الإمام علیه السلام في نفي الإعادة لو كان إلى كبرى التوسعة أو الاجزاء كان المناسب التعليل بها أو الإشارة إليها لا الاكتفاء بما يحقق صغراها فقط خصوصا مع كونها كبرى تعبدية غير ارتكازية فكيف يذكر الصغرى دون اية إشارة إلى تلك الكبرى؟ بل ظهور الجواب في ان التعليل بأمر ارتكازي لا ينبغي مخالفته بنفسه ينفي

كان الجوابين ، فالإنصاف ان هذا الإشكال لا جواب عليه بناء على التفسير المشهور للجملة.

الجهة الثالثة - في تحقيق كيفية اعتبار الظهور من الخبث في الصلاة والبحث عن ذلك يقطع ضمن أمور :

الأمر الأول - في انه هل يوجد فرق بين اعتبار الطهارة شرطا في الصلاة أو اعتبار النجاسة مانعة عنها أم لا؟

ذكر المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) بان الطهارة والنجاسة لو افترضناهما ضدين وجوديين كان هناك فرق بين شرطية الطهارة ومانعية النجاسة إذ الأول يعني شرطية أحد الضدين والثاني يعني شرطية عدم الضد الاخر وأحدهما غير الاخر.

ولكن حيث ان الطهارة ليست الا عبارة عن عدم النجاسة فمانعية النجاسة عبارة أخرى عن شرطية الطهارة لأنها عين عدم النجاسة.

والسيد الأستاذ حاول إنكار الفرق بين شرطية الطهارة ومانعية النجاسة من الناحية العملية لأنه بعد الفراغ عن جريان أصالة الطهارة في موارد الشك والفراغ عن صحة الصلاة مع النجاسة جهلا تترتب نفس النتائج الفقهية على كلا التقديرين.

ويرد على كلام المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) :

أولا - ان الطهارة وان افترضناها عبارة عن عدم النجاسة الا انه لا تكون عدما تحصيليا بل نعتيا لا محالة أي اتصاف ثوب المصلي أو بدنه بعدم النجاسة والا فالشيء غير الموجود لا يتصف بالطهارة أيضا كما لا يتصف بالنجاسة فإذا كانت النجاسة مانعة كان معنى ذلك تقيد الصلاة بعدمها التحصيلي وإذا كان الطهارة شرطا كان معنى ذلك تقيد الصلاة بعدمها النعتيّ وشرطية العدم النعتيّ غير شرطية العدم التحصيلي كما لا يخفى.

وثانيا - ان النجاسة لها إضافة إلى الثوب ولها إضافة إلى الصلاة - وان كان طرف التقييد في الواجب هو الصلاة على كل حال - وحينئذ قد يفرض المانع الثوب النجس لا نجاسة الثوب ويقابله شرطية الطهارة بمعنى شرطية الثوب الطاهر ويكون أحدهما غير الاخر كما لا يخفى ، وأخرى يفرض ان المانع عن الصلاة نجاسة الثوب فيكون معناه تقيد الصلاة بعدمها فإذا كانت الطهارة عبارة عن عدم النجاسة رجعت شرطيتها إلى ذلك

• مع قطع النّظر عما تقدم في الاعتراض الأول - ، وثالثة يفرض ان النجاسة في ثوب المصلي مانعة في الصلاة - ولعل هذا مقصود من قال بان عدم النجاسة شرط في لباس المصلي لا في الصلاة ابتداء - ومعنى ذلك مانعية الإضافة الموجودة بين النجاسة وبين ثوب المصلي عن الصلاة - سواء لو حظت تلك الإضافة بنحو المعنى الحرفي أو الاسمي المنتزع عنه - وبناء على هذا أيضا تختلف شرطية الطهارة عن مانعية النجاسة إذ المانعية تعني شرطية عدم تلك الإضافة بينما شرطية الطهارة تعني شرطية عدم المضاف بتلك الإضافة أي عدم نجاسة الثوب أو تعني شرطية اتصاف الثوب بعدم النجاسة وكلاهما معنيان مباينان مع المعنى الأول كما لا يخفى.

ويرد على ما ذكره الأستاذ من إنكاره الثمرة العملية سواء كانت الطهارة امرا وجوديا أو عدم النجاسة لجريان قاعدة الطهارة في موارد الشك على كل حال ، انه يمكن إبراز الثمرة بين القولين في أحد موضعين :

الأول - فيما إذا فرضنا العلم الإجمالي بنجاسة الثوب مثلا أو نجاسة الماء الّذي توضأ به سابقا فان أصالة الطهارة في كل منهما تسقط بالمعارضة وتصل النوبة إلى الأصول الطولية ففي جانب الوضوء والطهور الحدثي تجري أصالة الاشتغال بلحاظ الصلاة لأنه شك في الامتثال واما بالنسبة إلى الثوب فعلى القول بشرطية الطهارة تجري أصالة الاشتغال أيضا (1)

ثم انه قد يقال : على المبنى المتقدم في بحث ملاقي الشبهة المحصورة من فعلية المانعية قبل وجود المانع والنجاسة خارجا ينبغي التفصيل بين ما إذا كان الثوب النجس مانعا وبين ما إذا كانت النجاسة أو كون الثوب نجسا مانعا عن الصلاة فانه في الصورة الأولى يكون الشك في نجاسة الثوب شكا في تكليف زائد لأنه شك في اتصاف الثوب بكونه نجسا ومانعا بنحو مفاد كان الناقصة وهو شرط في فعلية المانعية فيكون مجرى للبراءة واما في الصورتين الثانية والثالثة والثالثة فلا يكون الشك في نجاسة الثوب الا شكا في وجود المانع بنحو مفاد كان التامة وقد تقدم ان ذلك لا يمنع عن فعلية الحرمة والمانعية وتنجزها لأن حرمة الصلاة في نجاسة الثوب معلومة وانما الشك في تحقق المانع والحرام خارجا لا في الحرمة أي يكون لا شك في الامتثال بحسب الحقيقة نظير ما إذا علم بحرمة قتل زيد لكونه مؤمنا وشك في ان إطلاق الرصاص هل يحقق قتله أم لا فانه لا يجوز إطلاقه.

ولكن الصحيح خلاف ذلك لأن فعلية الحرمة والمانعية وان لم تكن موقوفة على وجود المانع ولكنه موقوف على اتصاف الفعل بكونه متعلق الحرمة بنحو مفاد كان الناقصة ولو لم يكن للمتعلق متعلق فحرمة الكذب مشروطة بكون الكلام كذبا بنحو مفاد كان الناقصة والا لم يحرم ـ على ما تقدم في بحث الشبهة الموضوعية من الجزء السابق ـ. وفي المقام أيضا تكون حرمة الصلاة مشروطة باتصافها بكونها على تقدير وجودها صلاة في النجاسة والمفروض الشك في ذلك وباعتبار ان المانعية انحلالية فتجري البراءة.

ثم انه قد يقال : على المبنى المتقدم في بحث ملاقي الشبهة المحصورة من فعلية المانعية قبل وجود المانع والنجاسة خارجا ينبغي التفصيل بين ما إذا كان الثوب النجس مانعا وبين ما إذا كانت النجاسة أو كون الثوب نجسا مانعا عن الصلاة فانه في الصورة الأولى يكون الشك في نجاسة الثوب شكا في تكليف زائد لأنه شك في اتصاف الثوب بكونه نجسا ومانعا بنحو مفاد كان الناقصة وهو شرط في فعلية المانعية فيكون مجرى للبراءة واما في الصورتين الثانية والثالثة والثالثة فلا يكون الشك في نجاسة الثوب الا شكا في وجود المانع بنحو مفاد كان التامة وقد تقدم ان ذلك لا يمنع عن فعلية الحرمة والمانعية وتنجزها لأن حرمة الصلاة في نجاسة الثوب معلومة وانما الشك في تحقق المانع والحرام خارجا لا في الحرمة أي يكون لا شك في الامتثال بحسب الحقيقة نظير ما إذا علم بحرمة قتل زيد لكونه مؤمنا وشك في ان إطلاق الرصاص هل يحقق قتله أم لا فانه لا يجوز إطلاقه.

ولكن الصحيح خلاف ذلك لأن فعلية الحرمة والمانعية وان لم تكن موقوفة على وجود المانع ولكنه موقوف على اتصاف الفعل بكونه متعلق الحرمة بنحو مفاد كان الناقصة ولو لم يكن للمتعلق متعلق فحرمة الكذب مشروطة بكون الكلام كذبا بنحو مفاد كان الناقصة والا لم يحرم ـ على ما تقدم في بحث الشبهة الموضوعية من الجزء السابق ـ. وفي المقام أيضا تكون حرمة الصلاة مشروطة باتصافها بكونها على تقدير وجودها صلاة في النجاسة والمفروض الشك في ذلك وباعتبار ان المانعية انحلالية فتجري البراءة.

لأنه من الشك في الامتثال حيث ان تقيد الواجب بالشرط محرز على

1) هذا على فرض كونها امرا وجوديا أو كان الشرط الصلاة في الثوب الطاهر واما بناء على كونها امرا عدميا فشرطيتها تعني شرطية عدم النجاسة والأمر الضمني به فيكون انحلاليا لأن نكتة الانحلالية ذلك على ما نقح في مباحث الألفاظ.

كل حال ، واما على القول بمانعية النجاسة فحيث ان المانعية انحلالية دائما يكون الشك فيها مجرى للبراءة لأنه شك في تكليف ونهي زائد على ما حقق ذلك في محله فتجوز الصلاة فيه.

الثاني - إذا شك في النجاسة الذاتيّة لشيء كما إذا شك في نجاسة الحديد مثلا أو شك في ان الثوب مصنوع من جلد حيوان نجس ذاتا وقلنا بعدم جريان قاعدة الطهارة في موارد احتمال النجاسة الذاتيّة - كما هو الصحيح فقهيا - فسوف يظهر الفرق أيضا بين اعتبار النجاسة مانعة أو الطهارة شرطا لأنه على التقدير الأول يجري استصحاب عدم النجاسة ولو بنحو العدم الأزلي لنفي المانع وتصحيح الصلاة بينما لا يجري ذلك بناء على اشتراط الطهارة لكونه امرا وجوديا أو مطعما به على الأقل ولا حالة سابقة له في مورد احتمال النجاسة الذاتيّة.

الأمر الثاني - في صور المانعية أو الشرطية المعقولة ثبوتا بنحو يلائم صحة الصلاة عند الجهل بالنجاسة ، واما البحث الإثباتي عما هو المستظهر من الأدلة ففي ذمة الفقه فنقول يقع البحث تارة في تصوير مانعية النجاسة وأخرى في تصوير شرطية الطهارة فالحديث في مقامين :

المقام الأول - في مانعية النجاسة وقد صورها المحقق النائيني (قدّس سرّه) بأحد نحوين :

الأول - ان تقيد المانعية بوصول النجاسة وكونها معلومة.

الثاني - ان تقيد بتنجيز النجاسة.

وفي كلام النحوين يمكن فرض التركيب وان المانع هو النجاسة الواقعية مع الوصول أو التنجز كما يمكن فرض المانع نفس الوصول أو التنجز وثمرته صحة الصلاة على التقدير الأول إذا تحقق قصد القربة من المكلف مع تنجز النجاسة عليه حين العمل ثم انكشف عدمها واقعا بعد العمل - كما لعله المشهور والصحيح فقهيا - وكلا الوجهين وقع موردا للإشكال.

اما النحو الأول من هذين النحوين فيرد عليه : انه مع الشك في النجاسة سوف يقطع بعدم المانعية فلا معنى لإجراء استصحاب عدم النجاسة سواء أريد باشتراط الوصول العلم الوجداني أو الأعم منه ومن العلم التعبدي بناء على مبناه من كون الأمارات علما تعبديا ، اما على الأول فواضح ، وأما على الثاني فلأنه اما ان يشترط وصول العلم التعبدي بالوجدان ولو بعد توسط عدة علوم تعبدية أو يكتفي بوجود علم تعبدي - أي حجة على النجاسة - واقعا ولو لم يصل إلى المكلف كما إذا كانت هناك بينة على النجاسة لا يعلم بها المكلف - وان كان هذا خلاف مباني المحقق النائيني (قدّس سرّه) نفسه - فعلى الأول يلزم عند الشك وعدم وصول حجة على النجاسة القطع بعدم المانعية وانتفاء موضوعها فلا معنى للاستصحاب وعلى الثاني يلزم بطلان الصلاة في النجس جهلا مع وجود بينة غير واصلة على نجاستها وهو خلاف ما هو ثابت فقهيا من صحة الصلاة مع الجهل بالنجاسة (1)

وان شئت قلت : يلزم منه خروج الأصل في طول جريانه عن كونه حكما ظاهريا طريقيا بالنسبة إلى الأثر الشرعي الّذي يجري بلحاظه وصيرورته حكما واقعيا وهذا مضافا إلى كونه محالا بقانون ان ما يلزم من وجوده عدمه محال لا يمكن استفادته من دليل جعل الحكم الظاهري الطريقي ـ مع قطع النّظر عن ورود الصحيحة في هذا المورد ـ.

لا يقال : التنجز المأخوذ في موضوع المانعية لا يراد به التنجز الفعلي الّذي يرتفع بالاستصحاب بل التنجز التعليقي أي لو لا الاستصحاب ولو من باب الاحتياط العقلي وقاعدة حق الطاعة أو كون الشبهة قبل الفحص أو تمامية موضوع أصل منجز وهذه القضية التعليقية ثابتة بقطع النّظر عن جريان استصحاب الطهارة ولا تنتفي بجريانه لأنه ينفي التنجز الفعلي لا التعليقي فان صدق القضية التعليقية لا يرتبط بصدق طرفها.

فانه يقال : يلزم من ذلك أولا ـ حكومة أي أصل مؤمن عن المانعية ولو البراءة العقلية ـ على القول بها ـ على الاستصحاب لأنه بجريانه يرتفع موضوع المانعية وهو التنجز لو لا الاستصحاب.

وثانيا ـ يلزم عدم الاجزاء إذا صلى معتمدا على استصحاب الطهارة ثم انكشف الخلاف بعد الصلاة لتمامية موضوع المانعية المركب من النجاسة الواقعية والقضية التعليقية المذكورة لأنها لا ترتفع بالاستصحاب بحسب الفرض.

والصحيح في جواب هذه الشبهة ما سوف يأتي في التعليق على النحو الثاني من المانعية من أن المأخوذ في مانعية النجاسة تنجز النجاسة لا تنجز المانعية ولكن بنحو القضية التعليقية أي إذا كانت النجاسة حكما تكليفيا كان منجزا على المكلف ولا مانع من أخذ تنجز حكم في موضوع حكم آخر وصدق هذه القضية التعليقية منوط بتمامية أمرين :

أحدهما ـ تمامية أركان الاستصحاب في النجاسة أو الطهارة إثباتا ونفيا.

والآخر ـ تمامية كبرى الاستصحاب وحجيته في نفسه والا لم تكن النجاسة متنجزة حتى إذا كانت حكما تكليفيا.

وبجريان استصحاب الطهارة بمعنى تمامية أركانه فيها يرتفع موضوع المانعية واقعا لارتفاع القضية التعليقية المذكورة والّذي يكون في طول حجية كبرى الاستصحاب وهذا هو معنى جريان الاستصحاب في الطهارة والنجاسة بلحاظ المانعية إثباتا ونفيا وتكييفه الثبوتي هنا وان كان تعبيره الإثباتي واحدا في جميع المقامات فتأمل جيدا.

..

1) قد يمكن تصحيح النحو الأول من النحوين أيضا بافتراض ان المانع هو النجاسة التي لم يصل عدمها إلى المكلف لا بالوصول الوجداني ولا التعبدي فمع الشك في النجاسة لا وصول لعدمها فيكون هذا الجزء محرزا وجدانا فإذا أريد نفي المانعية كان لا بد من انتفاء جزئها الآخر الواقعي فيجري استصحاب عدم النجاسة لنفي المانعية كما انه يجري استصحاب النجاسة لترتيبها ظاهرا إذا كانت الحالة السابقة هي النجاسة فهذا الوجه يعالج الموقف بنحو ينسجم مع الفتاوى الفقهية كما انه ينسجم مع الفتوى بصحة الصلاة في النجاسة الواقعة في حال الغفلة وتأتي القربة من المكلف إذا أردنا بعدم الوصول الاحتمال والشك أي أخذنا الالتفات قيدا الا أن أخذ عدم وصول النجاسة إلى المكلف بالمعنى الأعم من الوصول الوجداني والتعبدي يرجع بحسب الروح إلى أخذ التنجيز أو عدم التأمين في موضوع المانعية وهو النحو الثاني القادم وان اختلف عنه في الصياغة واللفظ ، نعم هنا إشكال آخر يتوجه على جميع الصور المذكورة للشرطية أو المانعية التي يؤخذ الوصول بالمعنى الأعم أو التنجز قيدا فيهما وهو يختص باستصحاب الطهارة وحاصله : انه يلزم في طول جريان استصحاب الطهارة أو عدم النجاسة ارتفاع الجزء الثاني للمانعية أو تحقق فرد من الشرط واقعا وحقيقة فيرتفع الشك الوجداني بلحاظ الأثر التكليفي المراد ترتيبه بالأصل العملي وارتفاع ذلك وان كان في طول جريان الأصل ولكنه يلزم منه ارتفاع موضوع الأصل لأن موضوعه وان كان الشك في النجاسة وهو محفوظ الا ان جريانه يكون بلحاظ الشك في الأثر التكليفي العملي وهو المانعية أو الشرطية فلا يعقل جريانه مع ارتفاعه يقينا.

واما النحو الثاني من النحوين فهو وان كان سليما عن الاعتراض المتقدم اما باعتبار منجزية الاحتمال عقلا لو لا الأصل المؤمن - كما هو المختار عندنا - أو لكون الشك في الامتثال بناء على الشرطية أو لكون جعل الاستصحاب أو القاعدة بنفسه إبراز لعدم شدة اهتمام المولى وعدم تنجيزه للواقع عند الشك دفعا لتوهم التنجز الّذي قد يحصل لدى بعض الناس (1).

ولكنه مع ذلك يمكن ان يورد على هذا النحو من تصوير المانعية بان تقييدها بالتنجيز يوجب المحذور العقلي في جعل الاستصحاب بنحو ما يمكن تقريره في عالم الجعل تارة والتنجز ثانية والتعبد ثالثة. وتوضيح ذلك : انه يلزم من ذلك في عالم الجعل محذور أخذ التنجز الحكم في موضوع شخصه وهو محال كأخذ العلم بالحكم الفعلي في موضوعه إذ لا يراد في المقام من تنجز النجاسة الا تنجز المانعية نفسها لأن النجاسة كحكم وضعي لا معنى لتنجزها ، وتنجز حكم تكليفي آخر مترتب عليها كحرمة الشرب والأكل لو فرض لا يفيد في المقام إذ قد يفترض عدم ترتب حكم كذلك أو عدم تنجزه على تقدير ثبوته فيلزم صحة الصلاة في الثوب النجس مع العلم بالنجاسة حينئذ وهو خلف.

ويلزم في عالم التنجز استحالة منجزية العلم بالنجاسة للمانعية لأن العلم بها ليس علما بتمام الموضوع للمانعية ليتنجز بالعلم سواء على مسلك العلية أو الاقتضاء


1) هذا الوجه الأخير لا يكفي لدفع إشكال القطع بعدم المانعية في موارد عدم التنجز وانما قد يفيد في دفع إشكال اللغوية وهو مطلب آخر.

وبعد تعارض الأصول وتساقطها في الأطراف لأن جريانها في الأطراف يلزم منه ارتفاع موضوع التكليف والمنجزية لا المخالفة القطعية.

ويلزم في مرحلة التعبد الاستصحابي ان الاستصحاب الجاري في جزء الموضوع انما ينجز ذلك الأثر معلقا على تحقق جزئه الاخر وهذا في المقام يعني تنجز المانعية على تقدير تنجزها ومن الواضح انه على تقدير المنجزية لا معنى للمنجزية كما هو واضح.

الا ان كل هذه - المحاذير والتي ترجع روحا ولبا إلى محذور واحد باعتبارات متعددة يمكن تفاديها بأخذ المنجزية الثانية قيدا في المانعية لا المنجزية الفعلية أي الموضوع صدق قضية شرطية هي أنه لو كانت النجاسة حكما تكليفيا لتنجز بالاستصحاب وصدق الشرطية لا يستلزم صدق طرفيها فيكون جعل المانعية أو تنجزها أو التعبد الاستصحابي بها متوقفا على صدق هذه القضية الشرطية وصدقها لا تتوقف على فعلية المانعية وتنجزها ليلزم الدور والمحال بل هي صادقة بنفس تمامية أركان الاستصحاب وموضوعه في المقام فيتم كلا جزئي الموضوع من دون محذور في شيء من المراحل الثلاث.

ثم ان تقريري بحث المحقق النائيني (قدّس سرّه) اختلفا في ترتب ثمرة فرق بين الوجهين المذكورين لتصوير المانعية وعدمه ففي فوائد الأصول ادعى ترتب الفرق بينهما في موارد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الثوبين فصلى فيهما احتياطا ثم انكشف نجاستهما معا فانه بناء على مانعية وصول النجاسة لا تبطل أكثر من صلاة واحدة لعدم وصول أكثر من نجاسة واحدة وبناء على مانعية النجاسة المنجزة بطلتا معا لسقوط الأصل المؤمن في الطرفين معا وتنجز النجاسة فيهما.

ولكن في أجود التقريرات حكم بطلان إحدى الصلاتين فقط على كلا التقديرين إذ كما لا يكون أكثر من نجاسة واحدة معلومة كذلك لا تنجز لأكثر من مانعية واحدة لأن التنجز بمقدار العلم ، ثم ذكر ان الصلاة الباطلة في المقام تتعين في الأولى منهما لأن المعلوم الإجمالي صرف وجود النجاسة فنعلم بطلان إحدى الصلاتين بنحو صرف الوجود وهو ينطبق على أول الوجود لا محالة.

ويرد على ما ذكره أخيرا : ان هذا كأنه قياس للمقام بموارد الأمر بصرف الوجود الّذي يقال فيه بانطباقه على أول الوجود في مقام الامتثال وهو غير سديد لأن هذا

الانطباق القهري هناك كان من ناحية الأمر وسقوطه بتحقق ملاكه فلا يمكن ان يبقى لكي ينطبق على الوجود الثاني ، واما في المقام فالعلم الإجمالي بالجامع نسبته إلى كل من الفردين على حد واحد فلا معنى لأن يقال بانطباق معلومه على أحد الفردين دون الاخر وان كان أول الوجود.

هذا مضافا : إلى ان الكلام في المقام في تعيين المانع عن صحة الصلاة المعلوم إجمالا في أحد الثوبين مع قطع النّظر عن مرحلة الامتثال والمفروض ان نسبة المعلوم إلى كل من الفردين على حد واحد.

واما ما ذكره أولا من عدم وجود أكثر من نجاسة واحدة منجزة فالظاهر ان حاق مقصوده ان الأصل المؤمن وان سقط في كل من الطرفين بعنوانه التفصيليّ من جهة العلم الإجمالي الا انه يجري عن نجاسة غير المعلوم إجمالا على إجماله فيؤمن من ناحيتها فتكون إحدى الصلاتين صحيحة.

وهذا الكلام وان كنا فينا الا انه بحاجة إلى تمحيص ، توضيح ذلك ان النجاسة المعلومة بالإجمال إذا كان لها تعين واقعي كما إذا كانت نجاسة الدم مثلا والأخرى نجاسة البول فهذا الكلام متين واما إذا لم يكن لها أي تعين واقعي كما إذا كان الثوبان معا نجسين بنجاسة الدم ولم يكن قد أخذ في المعلوم الإجمالي خصوصية لها تعين واقعي فسوف نواجه إشكالا فنيا في كل من الحكم الظاهري وإجراء الأصل المؤمن عن النجاسة الأخرى بعنوانها الإجمالي قبل العمل وكذلك الحكم الواقعي بصحة إحدى الصلاتين بعد انكشاف الخلاف.

اما بالنسبة إلى الحكم الظاهري قبل العمل فلان المكلف يحتمل نجاسة الثوب الاخر بحسب الفرض وهي نجاسة على تقدير ثبوتها لا ميز لها عن النجاسة المعلومة بالإجمال ومعه لا تجري الأصول الشرعية المؤمنة فيها لأنها بحاجة إلى موضوع لها متعين في الخارج وليست كالبراءة العقلية التي يكون موضوعها الوجود العملي المتعين على كل حال فالبراءة العقلية في المقام تعني نفي عقاب زائد على ما يعلمه المكلف - سواء كان له مطابق خارجي أم لا - واما الأصول الشرعية فباعتبارها أحكاما مجعولة من قبل الشارع على الموضوعات الخارجية فلا بد من تعين موضوعها واقعا في الخارج والمفروض عدم تعين النجاسة المشكوكة ، فإذا أريد إجراء الأصل المؤمن في العنوان

الإجمالي فهو غير متعين على تقدير وجوده بحسب الفرض وان أريد إجراؤه في كل من الطرفين بعنوانه التفصيليّ ولكن بلحاظ الشك في النجاسة الأخرى غير النجاسة الأولى المعلومة بالإجمال فهو أيضا غير معقول لأن النجاسة المعلومة بعد ان كانت غير معينة فغيرها أيضا لا يكون معينا ليمكن تعيين الشك فيها في كل طرف. وان أريد إجراؤها في كل من الطرفين عن مطلق النجاسة ولكن مشروطا بنجاسة الاخر وحيث يعلم بنجاسة أحدهما فيعلم بتحقق شرط أحد الترخيصين على الأقل ولا محذور من تحقق الترخيصين الظاهريين فيما إذا كانا معا نجسين لاستحالة وصولهما معا إلى المكلف معا فلا يلزم التعارض بينهما ، فهذا يرد عليه ما تقدم في بحوث أصالة الاشتغال من عدم مساعدة الأدلة على استفادة التخيير في جريان الأصول العملية في أطراف العلم الإجمالي والا لتمت شبهة المحقق العراقي (قدّس سرّه) من لزوم إجراء الأصل الترخيصي في كل طرف مشروطا بترك الطرف الاخر (1)

أولا ـ الصحة جريان الأصل المؤمن في كل من الطرفين مشروطا بكون الآخر نجسا ولا يقاس ذلك بجريان الأصل فيه مشروطا بترك الاخر الّذي لم نقبله فيما سبق فان هذا الأخير ترخيص تخييري بحسب الحقيقة بين الطرفين ومن هنا قلنا انه لا يمكن استفادته من أدلة الترخيص باعتبار ان الملاكات الإلزامية والترخيصية الواقعية تعينية وليست تخييرية واما في المقام فالأصل الترخيصي الجاري في كل من الطرفين تعييني أي يؤمن عن نجاسة ذلك الطرف تعيينا وانما المقدار المحرز جريان أحد الأصلين الترخيصيين التعينيين في الطرفين لا أكثر فالتخييرية في إحرازنا وعلمنا لا في مؤدى الأصل العملي وهذا واضح.

وثانيا ـ لو سلم وجود قصور إثباتي في شمول قاعدة الطهارة الظاهرة في جعل حكم وضعي هو الطهارة وهي صفة للموضوع الخارجي لا العلمي فلا وجه لدعوى القصور في أدلة البراءة الشرعية بل والاستصحاب في شمول غير المعلوم بالإجمال بعنوانه الإجمالي لأن الظاهر منها انها تجعل التأمين الشرعي على وزان التأمين العقلي في هذه الموارد والّذي يكون الميزان فيها الوصول والوجود العلمي إثباتا ونفيا فتأمل جيدا.

.

واما بلحاظ الحكم الواقعي بصحة إحدى الصلاتين بعد انكشاف الخلاف فلانا وان فرضنا شمول دليل معذورية الجهل بالنجاسة للمقام وتخصيص المانعية فيها سنواجه إشكالا ثبوتيا في كيفية تصوير ذلك فانه لو أريد الحكم بصحة أحدهما المعين فالمفروض ان نسبتهما إلى الدليل على حد واحد وان أريد الحكم بصحة أحدهما المردد فلا وجود خارجي للفرد المردد ، وان أريد الحكم بصحة كل منهما كان معناه ان فرض نجاسة كليهما أحسن حالا من فرض نجاسة أحدهما وهو غير محتمل كما انه مخالف لمنجزية العلم الإجمالي ووصول إحدى النجاستين ودعوى : رجوع ذلك إلى تقييد الأمر


1) ببالي ان السيد الأستاذ ( قدس سره الشريف ) تراجع عن هذا الإشكال في بحوثه الفقهية وهو الصحيح وذلك :

بالصلاة بعدم إيقاعها في هذا وحده أو في الاخر وحده لتنجز نجاسة كل منهما بل لا بد من إيقاعها في غيرهما أو بينهما معا بنحو الاحتياط ويكون المجموع امتثالا. يدفعها : مضافا إلى انه خلاف ظاهر الدليل بحيث يكون استفادة كون المجموع امتثالا عناية فائقة لا يساعد عليها مقام الإثبات ، لا يدفع الإشكال في موارد إيقاع صلاتين كصلاة الظهر والعصر كل منهما في أحد الثوبين فان لازمه بطلان الصلاتين معا ولزوم إعادتهما لوقوع كل منهما في أحد الثوبين والمفروض تنجز نجاسته.

وقد ظهر من مجموع ما تقدم ان الإشكال لا يختص بما إذا أخذ التنجز قيدا في المانعية بل إذا كان الوصول قيدا فيها أيضا اتجه الإشكال بلحاظ الحكم الواقعي بالصحّة في موارد عدم تعين النجاسة المعلومة بالإجمال ونجاستهما معا فان نسبة المانعية إلى كل منهما على حد واحد نعم يختلف هذا الوجه عن الوجه الاخر في عدم حاجته إلى إجراء الأصل المؤمن قبل انكشاف الخلاف إذ لا يعلم بأكثر من نجاسة واحدة فيعلم عدم مانعية أخرى حتى إذا كان الثاني نجسا.

المقام الثاني - في تصوير شرطية الطهارة - وقد استظهرها صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من الأدلة على ما يظهر من عباراته - وهنا لا بد من فرض توسعة في الشرط على عكس ما تقدم في المانعية لكي تصح الصلاة في النجس مع الجهل بنجاسته ومن هنا نواجه في هذا المقام إشكالا لم نكن نواجهه في المقام السابق لأن النجاسة الواقعية هناك كان يمكن إبقاؤها دخيلة في موضوع المانعية ولو كجزء الموضوع بأخذ قيد الوصول أو التنجز معها بينما هنا يلزم من توسعة الشرط خروج الطهارة الواقعية وعزلها عن دائرة الشرطية حتى كجزء الموضوع وسوف يأتي تحقيق هذه النقطة.

وقد ذكر المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) ان الشرط هو إحراز الطهارة ولو بالأصل وعبر المحقق النائيني (قدّس سرّه) ان الشرط هو العلم بالطهارة ولعله يقصد الأعم من الطهارة الواقعية والظاهرية وأيا ما كان فيمكن تصوير التوسعة في الشرطية بأحد أنحاء :

1 - ان يكون الشرط العلم الوجداني بالجامع بين الطهارتين الواقعية والظاهرية. ولا يخفى ان هذا لا يفي بتصحيح الفتاوى الفقهية إذ يلزم منه بطلان الصلاة مع طهارة واقعية غير واصلة كما إذا صلى رجاء بلا مؤمن بداعي الفحص فيما بعد ثم تبين طهارة الثوب.

2 - ان يكون الشرط الجامع بين الطهارتين فيندفع الإشكال المتقدم ولكنه يستوجب بطلان الصلاة في مورد القطع الوجداني بالطهارة فيما إذا انكشف الخلاف وهو أيضا خلاف الفتوى المسلمة فقهيا.

3 - ان يكون الشرط مطلق المؤمن وهنا لو أريد بالمؤمن خصوص الواصل إلى المكلف رجع إلى الوجه الأول ولو أريد ما يعم المؤمن الواقعي ظهر فرقه عنه فيما إذا كان في البين أمارة أو أصل على الطهارة لم يعرفه المكلف فتصح الصلاة على هذا الوجه وعلى كل حال لا يرد على هذا الوجه ما أورد على الوجه الثاني ولكن يرد عليه : بطلان الصلاة مع الطهارة الواقعية وعدم المؤمن - كما في موارد القطع بالنجاسة بنحو الجهل المركب أو قيام أمارة أو أصل على النجاسة مع انكشاف الخلاف بعد ذلك -.

4 - ان يكون الشرط هو الجامع بين الطهارة الواقعية والمؤمن الأعم من العلم الوجداني أو المؤمن الشرعي ، وهذا الوجه سليم عن كل الاعتراضات المتقدمة وينسجم مع الفتاوى الفقهية (1).

وكافة هذه الوجوه تشترك في توسعة الشرطية وبالتالي عزل الطهارة الواقعية عن دائرة الشرطية وان اختلفت في مقدار العزل ، فالوجه الأول والثالث مثلا يعزلانها عن الشرطية مطلقا فلا تكون محققة حتى لمصداق الشرط بخلاف سائر الوجوه ، والإشكال الّذي لا بد من علاجه على جميع هذه الوجوه انه ما معنى استصحاب الطهارة أو أصالة الطهارة بعد فرض انعزالها عن الدخالة في موضوع الشرطية ، وهذا الإشكال يمكن تقريبه من جهات مختلفة :

1 - لغوية الاستصحاب لعدم ترتب أثر على المستصحب المتعبد به.

وهذا التقريب للإشكال يمكن دفعه بان الأثر يترتب على الاستصحاب لكونه حكما ظاهريا بالطهارة وهو كاف في دفع اللغوية.

2 - ان المستصحب لا بد ان يكون حكما شرعيا أو موضوعا لحكم شرعي والطهارة المستصحبة في المقام ليست كذلك ولعل نظر المحقق العراقي (قدّس سرّه) كان إلى هذا المعنى


1) وإذا افترضنا فقهيا صحة الصلاة في النجس مع الغفلة عنها بمعنى عدم الالتفات وعدم العلم بها سابقا وسعنا المؤمن بما يشمل الغفلة وعدم الالتفات أيضا وكذلك الحال فيما إذا كان الجاري المؤمن العقلي لا الشرعي كما في بعض الصور والتقديرات المتقدمة في المقام السابق.

حينما أفاد بان الإشكال يندفع إذا قلنا بان الطهارة الخبيثة حكم شرعي أيضا.

وهذا التقريب يندفع أيضا - ولو افترضنا الطهارة الخبيثة حقيقة تكوينية كشف عنها الشارع - بما سيأتي من ان جريان الاستصحاب يكفي فيه ترتب أثر عملي عليه ولا يشترط فيه ان يكون المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا لحكم شرعي.

3 - ان جريان الاستصحاب وان لم يكن مشروطا بكون المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا له ولكنه مشروط بان يكون المستصحب قابلا للتنجيز والتعذير ليكون له أثر وجري عملي يصدق بلحاظه النقض العملي الّذي هو مفاد دليل الاستصحاب والطهارة الواقعية بناء على عزلها من دائرة الشرطية لا يكون لها أثرا عملي ليجري الاستصحاب بلحاظه وقد حاول المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) ان يجب على هذا الإشكال تارة بان الطهارة الواقعية وان لم تكن موضوعا للشرطية الا انها قيد لموضوع الشرطية لأن الشرط إحراز الطهارة فيجري الاستصحاب فيها بهذا الاعتبار ، وأخرى بان الطهارة لها شرطية اقتضائية وهي تكفي لتصحيح جريان الاستصحاب.

ويرد الأول : ان ما يكون قيدا للشرطية انما هو الوجود العنواني اللحاظي للطهارة لا الواقعي والا لبطلت الصلاة من دون طهارة واقعا وما هو المستصحب انما هو الوجود الواقعي للطهارة لا اللحاظي فلا بد من ترتب أثر عليها كما هو واضح.

ويرد الثاني - ان الشرطية الاقتضائية ان أريد منها وجود مصلحة وملاك في جعل الشرطية للطهارة ولكنها ناقصة غير فعلية فهذا لا يكفي في جريان الاستصحاب لعدم توفر المنجزية والمعذرية الا بالحكم الفعلي لا الاقتضائي ، وان أريد منها انها شرط في حال إحرازها والعلم بها فهذا أيضا لا يجدي في مورد الشك الّذي هو موضوع الاستصحاب لأن معناه عدم ترتب الأثر عليها في فرض جريان الاستصحاب.

والصحيح في الإجابة على هذا الإشكال : انه يكفي كون الطهارة الواقعية أحد افراد الشرطية ومحققا للشرط فهذا الإشكال انما يتسجل بناء على الوجهين الذين كانا يعزلان الطهارة الواقعية عن الشرطية بالمرة.

4 - ما أفاده المحقق العراقي (قدّس سرّه) من ان استصحاب ما يكون فردا لجامع ذي أثر وان كان جاريا في سائر المقامات ولكنه في خصوص المقام لا يمكن ذلك لأنه لو أريد به استصحاب الفرد بما هو فرد فهو غير تام لا هنا ولا في سائر المقامات لأن

الخصوصيات الفردية المشخصة لا دخل لها في الأثر بحسب الفرض والتعبد الاستصحابي لا يكون الا بمقدار ما فيه الأثر.

وان أريد به استصحاب الحصة من جامع الطهارة المتحقق ضمن الطهارة الواقعية والتي بها يتحقق الشرط والامتثال فمثل هذه الحصة انما يترتب عليها الأثر العملي في فرض سبق وجودها الموجب لكونها فرد صرف الجامع الموضوع للحكم وهذا المعنى يلازم مع مطابقة الاستصحاب للواقع والا ففي فرض مخالفته للواقع لا يكون لمثل هذه الحصة أثر عملي الا على فرض عدم جريان الاستصحاب إذ مع جريان الاستصحاب يكون الأثر للحصة الأخرى من الجامع المتحقق ضمن الفرد التعبدي وهذا يعني ان جريان الاستصحاب في الحصة موقوف اما على عدم جريانه ليكون ثبوت الطهارة الواقعية في مثل ذلك له أثر لأنها الحصة الأولى للجامع أو على مطابقته للواقع ليكون ثبوت الطهارة الواقعية له أثر لأنها الحصة الأولى الأسبق من الجامع أو المقارن مع الطهارة الأخرى وكلاهما محال ، اما الأول فلأنه يلزم من وجوده عدمه ، واما الثاني فلان الأصل إنما يجعل ليكون حجة في فرض الصدق والكذب معا ليؤخذ به في فرض الشك ولا يعقل تخصيص حجيته بفرض صدقه فلا بد بلحاظ الحصة من الالتزام بجريان الاستصحاب بلحاظ ما يترتب على نفس الاستصحاب وهو كما ترى ، وان أريد استصحاب الجامع بين الطهارة الواقعية والظاهرية ورد عليه :

أولا - استحالة انطباق الجامع المستصحب على ما يترتب على نفس استصحابه فعلى كل تقدير لا استصحاب في البين حتى يتحقق به إحدى فردي الجامع فيترتب عليه صحة الصلاة واقعا.

وثانيا - امتناع كون الشرط في أمثال المقام الجامع بين الطهارة الواقعية والاستصحابية فانه مع تأخر الاستصحاب عن المستصحب رتبة يستحيل قابلية الجامع للانطباق على ما يتحقق من قبل نفس الاستصحاب المتأخر عنه رتبة كما هو ظاهر (1).

وتعليقنا على ما ذكره بالنسبة إلى استصحاب الحصة :

انه وقع خلط بين لزوم ترتب الأثر على المستصحب خارجا بالفعل أي بنحو مفاد


1) راجع نهاية الأفكار ، القسم الأول من الجزء الرابع ، ص 51

كان التامة وبين لزوم ثبوت الأثر له لو كان موجودا بنحو مفاد كان الناقصة ، فالحصة الواقعية من الطهارة لو كانت موجودة في الخارج حين الصلاة كان يترتب عليها الأثر لكونها حصة سابقة رتبة أو مقارنة مع الطهارة الأخرى فليست مسبوقة بحصة أخرى على كل تقدير فينطبق عليها صرف الوجود ويكون لها الأثر وقد اعترف المحقق بنفسه بذلك حينما قال باشتراط جريان الاستصحاب بمطابقته للواقع الا ان هذا يعني ضرورة صدق القضية الشرطية أي اشتراط صدق مفاد كان الناقصة في جريان الاستصحاب كما هو الحال في تمام الموارد إذ لا يتوقف جريان الاستصحاب في مورد على ترتب الأثر فعلا وبنحو مفاد كان التامة على المستصحب خارجا كيف وهذا إبطال للاستصحاب ويكون تحصيلا للحاصل المحال ، فاللازم صدق مفاد كان الناقصة أي القضية الشرطية وهو حاصل في المقام كما اعترف به هو أيضا والاستصحاب يثبت تعبدا تحقق الشرط استطراقا إلى ترتب الجزاء فلا يتوقف جريان الاستصحاب في الحصة على ثبوت المستصحب أو على عدم جريانه ليكون محالا (1).

وتعليقنا على ما ذكره بالنسبة إلى استصحاب الجامع ، اما بلحاظ الإشكال الأول الّذي ينظر فيه إلى دليل الاستصحاب والحكم الظاهري فهذا بحسب الحقيقة فيه احتمالان وتفسيران :

الأول - ان الاستصحاب كاشف من الكواشف كالعلم والظن والاحتمال والكاشف لا بد وان يكون لمنكشفه ثبوت بقطع النّظر عنه لا به ولهذا يستحيل تعلق العلم والظن بحكم متفرع على شخص ذلك الظن والعلم وفي المقام يلزم من إجراء الاستصحاب في الجامع بحده الجامعي ذلك حيث يكون المستصحب متولدا بنفس الاستصحاب.

ويرد عليه : ان الشك والاحتمال الّذي هو موضوع التعبد الاستصحابي متعلق


1) يمكن ان يناقش في أصل إجراء الاستصحاب في الحصة بنفس ما تقدم في إجرائه في الفرد فان الحصة غير المسبوقة بغيرها في موارد صرف الوجود وان كان يترتب عليها الأثر الا ان ترتبه ليس باعتباره حصة بل باعتبار تحقق الجامع الّذي هو متعلق الأمر فالاستصحاب لا بد وان يجري بلحاظ الجامع لأنه المأخوذ تحت الأمر - وان شئت قلت : ان الأثر المنظور إليه في المقام هو إحراز الامتثال وتحقق الواجب ببركة الاستصحاب فيكون مركب الاستصحاب ما هو متعلق الوجوب وهو الجامع لا محالة وان كان في طول الإحراز يتحقق الواجب وينطبق على تلك الحصة من الجامع قهرا فلا يوجد لدينا مركبان للاستصحاب بحسب الحقيقة.

بجامع الطهارة أيضا ضمن تعلقه بفرد منه وهو الطهارة الواقعية وهو امر ثابت بقطع النّظر عن الشك وليس نفسه لأنه جامع بين الطهارة الواقعية والطهارة الاستصحابية التي هي حكم شرعي ظاهري لا نفس الشك الكاشف والحاصل لو أريد بكون الاستصحاب كاشفا ان موضوعه وهو احتمال البقاء كاشف فهذا صحيح الا انه غير ضائر ، لأن البحث في تعلق التعبد الاستصحابي بالجامع وان أريد ان التعبد الاستصحابي كاشف فهذا غير تام فان التعبد ليس الا حكما شرعيا لا كشفا ومجرد التعبير عنه بالحجة أو الطريق لا يجعله كشفا أو له صفات الكشف وآثاره التكوينية كما هو واضح ، وان أريد ان التعبد الاستصحابي لا بد وان يكون على وزان موضوعه وهو المستصحب المشكوك فإذا كان احتمال البقاء متعلقا بالطهارة الواقعية التي هي فرد أو حصة من ذلك الجامع فلا بد وان يكون التعبد الاستصحابي متعلقا بنفس ما تعلق به الاحتمال لا بجزء منه فهذا واضح البطلان ولا يلتزم به أحد كيف ولازمه عدم جريان الاستصحاب في موارد تعلق الاحتمال بالفرد وترتب الأثر على الجامع.

الثاني - ان التعبد الاستصحابي وان لم يكن كاشفا تكوينيا الا انه حكم شرعي موضوعه المستصحب المشكوك فيكون المستصحب بحسب لحاظ الجاعل متقدما رتبة على الاستصحاب نفسه تقدم الموضوع أو المتعلق على حكمه فيستحيل ان يكون المستصحب مشتملا على فرد ينطبق على نفس الاستصحاب المتأخر رتبة فان هذا يوجب التهافت بحسب عالم الجعل والتعبد ، وفرق هذا التفسير عن سابقه انه إشكال بلحاظ مرحلة الجعل وعالم التصور لا الفعلية وعالم الصدق.

والجواب - ان لحاظ الجامع المستصحب انما يكون برفض الخصوصيات الفردية فلا يلزم منه لحاظ الافراد المنطبق عليها ذلك الجامع ليقال بالتهافت في اللحاظ إذا كان شاملا للفرد المتحقق بنفس الاستصحاب في الرتبة المتأخرة.

واما الإشكال الثاني الّذي أورده على استصحاب الجامع والّذي ينظر فيه بحسب الحقيقة إلى دليل الشرطية لا الاستصحاب فان له تفسيرين أيضا.

الأول - ان الطهارة الاستصحابية في طول جريان الاستصحاب الّذي هو في طول ترتب الأثر على المستصحب الّذي هو نفس الشرطية في المقام - حيث يفترض عدم ترتب أثر آخر - فيستحيل ان يكون مثل هذا الفرد الّذي هو في طول الشرطية فردا

للشرط ومحققا للشرطية.

وهذا مرجعه اما إلى التهافت في دليل الشرطية إذا كان المنظور فيه عالم الجعل واللحاظ وانه كيف يجعل الشرطية لجامع أحد فرديه متوقف على لحاظ نفس الشرطية ومتأخر عنها ، وقد عرفت جوابه وان لحاظ الجامع لا يستلزم لحاظ افراده - لا الطولية ولا العرضية - فلا تهافت. واما إلى لزوم الدور في مرحلة الفعلية لأن الشرطية تتوقف فعليتها على وجود موضوعها خارجا فلا يعقل ان يكون موضوعها متوقفا عليها.

وجوابه : ان الشرطية ليست فعليتها متوقفة على وجود الشرط إذ ليس الشرط موضوعا للحكم بل قيدا في المتعلق ولا يتوقف الحكم على متعلقه (1)

والجواب : ان التعبد الاستصحابي ليس في طول وجود ذلك الجامع والشرط خارجا ليستحيل ان ينطبق عليه ويتحقق به بل في طول عنوانه ولحاظه وان شئت قلت في طول اتصاف المستصحب بكونه ذلك الجامع بنحو مفاد كان الناقصة فلا تهافت في عالم الصدق والفعلية أيضا.

.

الثاني - استحالة شرطية الجامع في المقام لاستحالة تصوير الجامع لأنه انما يكون عن طريق لحاظ الافراد ثم تجريدها عن الخصوصيات وفي المقام يستحيل تصوير الجامع بين الطهارة الواقعية والطهارة الاستصحابية لأن تصويره متوقف على تصور كل من الفردين وتجريدهما عن الخصوصيات والمفروض ان أحد الفردين وهو الطهارة الاستصحابية في طول تصوير الجامع فيكون تصوير الجامع في المقام متوقفا على تصويره وهو دور محال.

ويكفي في الإجابة على هذا الإشكال ان يقال : بان تصوير الجامع غير موقوف على تصوير تمام الافراد بل يكفي تصور فرد واحد وإلغاء خصوصياته المشخصة فيبقى الجامع ، نعم تصوير كون هذا الجامع يجمع هذا الفرد وذاك الفرد متوقف على تصور تلك الافراد الا انه يكفينا في المقام مجرد تصور الجامع لاستصحابه بلا حاجة إلى لحاظ كونه جامعا ينطبق على الفرد الاستصحابي.

وهكذا يتضح عدم تمامية شيء من الاعتراضات على توسعة الشرطية وجعلها للأعم من الطهارة الواقعية والمؤمن.


1) الأولى تغيير هذا الجواب بشبه الجواب المتقدم في الإشكال الأول إذ ليس المقصود تقريب الدور بلحاظ موضوع الشرطية بل بلحاظ فعلية الشرط خارجا فان التعبد الاستصحابي إذا كان في طول الجامع فكيف يمكن ان يكون محققا له ومصداقا للشرط.

الأمر الثالث - ان ما تقدم في تصوير مانعية النجاسة أو شرطية الطهارة كان مبتنيا على تضييق المانعية أو توسعة الشرطية بنحو بحيث يكون الواجب مع الطهارة الواقعية امتثالا للواجب الواقعي خطابا وملاكا ، وهناك وجهان آخران يمكن على أساسهما تخريج الفتاوى الفقهية ثبوتا مع فرض كون الشرط الطهارة الواقعية أو عدم النجاسة الواقعية من دون توسعة أو تضييق وانما يسقط الإعادة عن المكلف في موارد انكشاف الخلاف بملاك الاجزاء على أساس فوات الملاك وعدم إمكان تداركه وذلك بأحد نحوين :

1 - الالتزام بان المأتي به يفوت مصلحة الواقع بمناط المضادة بحيث لا يمكن مع الإتيان به استيفاء المصلحة الكاملة في المأمور به الواقعي حتى لو أعاده.

2 - نفس الصورة مع فرض ان المأتي به واف بمقدار معتد به من ملاك الواقع ولكنه يفوت مقدارا لزوميا ومرتبة من المصلحة الواقعية أيضا بحيث لا يمكن تداركه.

ونتيجة الوجهين ان يكون الواجب الواقعي والشرط هو الطهارة في أول صلاة يصليها المكلف - ولا بد من تقييده بان لا يكون مع العلم بالنجاسة لوضوح ان الصلاة في النجس مع العلم بها لا يرفع وجوب الإعادة -.

ويرتكز الوجهان على نكتة ثبوتية واحدة ولكن الوجه الثاني يمتاز على الأول بحسب مقام الإثبات حيث ان ظاهر أدلة معذورية الجاهل بالنجاسة والاجتزاء بما جاء به صحة عمله ووفائه بشيء من الملاك على الأقل ان لم يدفع ظهورها في الوفاء بكامل الملاك.

وبهذا ينتهي البحث عن دلالة الصحيحة الثانية لزرارة على الاستصحاب ولا بأس بالإشارة إلى ان هذه الصحيحة من حيث السند وان نقلت مضمرة في التهذيب والاستبصار كالصحيحة الأولى الا ان الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) رواها في العلل مسندا إلى أبي جعفر علیه السلام وان كان الإضمار خصوصا من مثل زرارة لا يقدح بالرواية لانعقاد ظهور في نفس الإضمار واسناد الحديث إلى الضمير في الوسط الشيعي في ان المقصود بالضمير هو من يؤخذ منه التشريع عندنا وهو المعصوم والا كان يذكر المسئول عنه يقينا وكان ينقله الراوي عنه أيضا ، هذا إذا افترضنا ان هذا الإضمار كان في تعبير الراوي والأقرب أنه حصل نتيجة تقطيع أصحاب الكتب للروايات وتوزيع

مضامينها على الأبواب الفقهية دون ان يكون إضمار في أصل الرواية من قبل زرارة ، وعليه فلا مجال لمثل هذه التشكيكات.

الرواية الثالثة : صحيحة الثالثة لزرارة يرويها عن أحدهما علیهماالسلام « قال : قلت له من لم يدر في أربع هو أم في اثنتين وقد أحرز الاثنتين ، قال يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شيء عليه وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها ركعة أخرى ولا شيء عليه ولا ينقض اليقين بالشك ولا يدخل الشك في اليقين فيبنى عليه ولا يعتد بالشك في حال من الحالات » (1)وجه الاستدلال بها ورود نفس الفقرة ( لا ينقض اليقين بالشك ) فيها ، ولتوضيح نكات الاستدلال بهذه الصحيحة نتحدث أولا في محتملاتها وما يستظهر من ألفاظها في نفسه ، ثم نتحدث فيما أثير بوجه الاستدلال بها على قاعدة الاستصحاب من الشبهات والموانع فالبحث في مقامين :

اما المقام الأول - فتوضيح الحال فيه : ان جملة ( ولا ينقض اليقين بالشك ) الواردة فيها يحتمل بشأنها عدة أمور :

الأول - ان يراد بها قاعدة الاستصحاب بان يراد من اليقين اليقين بعدم الإتيان بالرابعة قبل دخوله في الركعة المشكوك كونها ثالثة أو رابعة وهذا الاحتمال وان كان منطبقا على الفقرة التي يراد الاستدلال بها ولكن يبقى في النّفس وسوسة بلحاظ الفقرات الأخرى التي يكرر فيها الإمام علیه السلام اليقين والشك كجملة ( ولا يدخل الشك في اليقين ) وجملة ( لا يخلط أحدهما بالاخر ) وجملة ( ولكن ينقض الشك باليقين ) وجملة ( ولا يعتد بالشك في حال من الحالات ) فان هذه الدرجة من التطويل لم يكن لها ملزم ولا مناسبة لو كان النّظر إلى قاعدة الاستصحاب المركوزة فلا حاجة إلى مثل هذه الاستعارات والكنايات.

الثاني - ان يراد بها قاعدة البناء على اليقين في مقام تحصيل الفراغ اليقيني من اشتغال الذّمّة بالتكليف ، وقد أفاد الشيخ (قدّس سرّه) ان هناك اصطلاحا يستفاد من ألسنة الروايات يعبر به عن قاعدة الاشتغال ولزوم تحصيل الفراغ اليقيني وهو اصطلاح البناء


1) وسائل الشيعة ، الباب 10 من الخلل ، ج 5 ، ص 321

على اليقين ، ففي بعض الروايات عند ما يسأل الراوي عمن يشك في صلاته يجيب الإمام علیه السلام بقوله يبني على اليقين ، وبناء على هذا الاحتمال يراد من النهي عن نقض اليقين بالشك النهي عن رفع اليد عن اليقين بالفراغ بالاكتفاء بعمل يشك معه في الفراغ بل لا بد من عمل يحصل معه اليقين بالفراغ ويتم عليه ، وبهذا تعالج أيضا نقطة الاستغراب المثارة بشأن التكرار المتقصد لهذا المضمون بجملات عديدة في الرواية.

الا ان هذا الاحتمال خلاف الظاهر وذلك :

أولا - لأن اليقين بالفراغ غير موجود بالفعل للمصلي وانما يراد تكليفه بتحصيله وإيجاده مع ان ظاهر السياق المفروغية عن وجوده وتكليفه بعدم نقضه بالشك ولهذا كان التعبير المعهود في الروايات لوظيفة الشك عنوان ابن علي اليقين لا عنوان لا تنقض اليقين.

وثانيا - ان الاكتفاء بالفراغ الاحتمالي ليس نقضا لليقين بل نقض لقاعدة الاشتغال وحكم العقل بلزوم تحصيل اليقين بالفراغ وظاهر التعبير اسناد النقض إلى نفس اليقين.

الثالث - ان يراد باليقين اليقين بإتيان ثلاث ركعات وبالشك الشك في انضمام الركعة الرابعة إليها والمقصود النهي عن عمل يشك معه في صحة ركعات الثلاث فيزول يقينه بإتيان ثلاث صحيحة بسبب شكه في إتيان الرابعة فانه لو أتى بالرابعة متصلة فسوف يزول يقينه بالثلاث الصحيحة لاحتمال زيادة ركعة وهي مبطلة للصلاة فلا يخلط أحدهما بالاخر وانما يتم على يقينه ويأتي بركعة منفصلة ، وان كانت هذه الحيثية غير مصرح بها في هذه الرواية ، ويكون التكرار والتطويل لإفادة ذلك ولو كناية كما كان على الاحتمال السابق (1)

ويرد عليه : ان هذا المعنى لعدم نقض اليقين بالشك غير الاستصحاب المبحوث عنه والّذي عبر عنه بعدم نقض اليقين بالشك ، توضيح ذلك : ان نقض اليقين بصحة الثلاثة بالمعنى المذكور نقض حقيقي بمعنى زوال لليقين بصحتها فعلا إذا لم يأت بالركعة المفصولة بل جاء بالركعة الموصولة أو لم يأت بركعة أصلا ، وهذا بخلاف نقض اليقين في مورد الاستصحاب فانه لا يراد به النقض الحقيقي لليقين بالشك لأن اليقين حقيقة منتقض بالشك ـ إذا لاحظنا ذات المتيقن ـ وغير منتقض به ولا ينتقض به على كل حال إذا لاحظنا تعلق اليقين بالحدوث ، ولهذا كان لا بد من حمل النهي عن نقضه إما على الكناية والتعبد ببقاء اليقين أو النهي عن النقض في مقام العمل والجري ، وكلا المعنيين مباينان مع المعنى المذكور كما هو واضح.

.

1) وقد تصور بعض الاعلام أنه يمكن الجمع بين هذا المعنى وكبرى حجية الاستصحاب وعدم نقض اليقين بالشك ، لأن عدم نقض اليقين بصحة الثلاثة بالشك في صحتها يتوقف على الإتيان بالركعة مفصولة والا كان نقضا لليقين بالشك عملا.

وهذا الاحتمال أيضا بعيد ، لأن نقض اليقين يعني رفع اليد عما يقتضيه واليقين بالثلاث الصحيحة يقتضي الفراغ من ناحية الثلاث فلو رفع اليد عن صحة الصلاة من ناحيتها كان قد نقض هذا اليقين والمفروض انه يريد ان يرفع يده عن صحة ، ما أتى به ولا يكتفي به من ناحية الركعة الرابعة المشكوكة وليس هذا نقضا لليقين بالثلاث الا بضرب من المسامحة.

مضافا إلى ان النّظر لا بد وان يكون إلى اليقين بالوظيفة التامة إثباتا ونفيا لا اليقين بالثلاث الصحيحة فان هذا اليقين وحده لا يكفي للمكلف إذا لم ينضم إليه سائر اجزاء الواجب ويحصل اليقين بما هو تمام الواجب والوظيفة.

الرابع - ان يراد باليقين المتيقن وبالشك المشكوك أي لا تنقض الركعات الثلاث المتيقنة بركعة رابعة مشكوكة بل يقتصر عليها ويأتي بالرابعة مفصولة ولا يدخلها في الثلاث وبهذا يندفع ما اعترضنا به على الاحتمال السابق ولكن يبقى هذا الاحتمال بعيدا أيضا وذلك :

أولا - لأن حمل اليقين والشك على المتيقن والمشكوك خلاف الظاهر.

وثانيا - ان هذا الاحتمال لا يناسب جملة ( ولكن ينقض الشك باليقين ) فيلزم التفكيك في معنى اليقين والشك بين فقرات الرواية اللّهم الا بضرب من التأويل والمسامحة.

وهكذا يتضح ان المتعين من هذه الاحتمالات الأربعة هو الأول منها أي ان الأوفق مع ظاهر فقرة الاستدلال من الرواية إرادة قاعدة الاستصحاب ، واما ما آثرناه في قباله من عدم المناسبة في التكرار والتطويل في التعبيرات المتلاحقة في ذيلها فيمكن ان يكون من جهة ان تطبيق كبرى الاستصحاب في المقام كان مقرونا بإفادة نكتة إضافية هي لزوم الفصل بين الركعة المشكوكة والركعات المتيقنة فكأن الإمام علیه السلام أراد ان يفيد ذلك مع تطبيق كبرى قاعدة الاستصحاب فكان التكرار والتمطيط بلحاظ إفادة تلك الخصوصية الإضافية التي لا تستفاد من الاستصحاب في نفسها بل لا بد من افادتها مستقلا رغم التأكيد على كبرى الاستصحاب وانطباقها بلحاظ أصل الركعة الرابعة في المقام. ثم انه على تقدير ظهورها في قاعدة الاستصحاب فلا ينبغي الإشكال في إمكان استفادة التعميم من سياقها ببعض النكات المتقدمة في

استفادة كبرى الاستصحاب من الصحيحتين السابقتين.

المقام الثاني - في استعراض ما أثير بوجه استفادة الاستصحاب من الصحيحة وهي مجموعة محاذير ثلاثة :

المحذور الأول - ما أفاده الشيخ (قدّس سرّه) من ان الاستصحاب يقتضي الإتيان بالركعة الرابعة موصولة وهذا مضافا إلى كونه خلاف ظاهر قوله علیه السلام ( قام وأضاف إليها ركعة أخرى ) على ما سوف يأتي تفصيله ، لا يحتمل فقهيا عندنا فلا بد من حمل الرواية على التقية عندئذ ومعه لا يصلح الاستدلال بها على الاستصحاب أيضا.

وقد تصدى المحققون لحل هذا الإشكال من خلال معالجات عديدة :

المعالجة الأولى - ما أفاده جملة من المحققين من ان غاية ما يلزم حملها على التقية بلحاظ مرحلة تطبيق الاستصحاب على المورد دون أصل الكبرى والتفكيك بين الكبرى والتطبيق متعارف في الروايات كما في حديث الإمام الصادق علیه السلام للمنصور ( ذلك إلى امام المسلمين ان صام صمنا وان أفطر أفطرنا ) وكحديث الرفع المطبق في بعض الروايات على مسألة الحلف بالطلاق والعتاق مكرها مع ان الحلف باطل في الموردين في نفسه عندنا بخلاف العامة ، ولعله لذلك أيضا وقع ذلك التكرار والتمطيط في الصحيحة في مجال التطبيق فكأنه كان يتقي ولا يريد الإفصاح عن لزوم الركعة المفصولة رغم الاحتفاظ بكبرى الاستصحاب.

والمحقق العراقي (قدّس سرّه) بعد تقريره لهذا العلاج وجه اعتراضا عليه ثم حاول الإجابة عنه.

حاصل الاعتراض : ان أصالة الجد وعدم التقية في الكبرى معارض بأصالة الجد في التطبيق مع كون الكبرى صورية فيقع التعارض بين الأصلين اللفظيين ولا معين لأحدهما قبال الاخر فيتساقطان.

وحاصل جوابه : ان أصالة الجد في التطبيق متيقنة السقوط على كل حال إذ لا يترتب عليها أثر بعد فرض صورية الكبرى وعدم صحتها فتجري أصالة الجد في الكبرى بدون معارض (1).


1) نهاية الأفكار ، القسم الأول من الجزء الرابع ، ص 57 - 58

ولا يقال : ان الأصلين المعارضين هنا متصلان في كلام واحد فيوجب الإجمال.

لأنه يقال : التعارض نشأ من العلم الخارجي ببطلان الركعة الموصولة فلا يضر بانعقاد أصل الظهور.

والتحقيق : عدم صحة شيء من الأمور الثلاثة أعني العلاج والاعتراض عليه والجواب عن الاعتراض.

إذ يلاحظ على الجواب المذكور : ان أصالة الجد أصل لفظي تثبت لوازمه العقلية فلا يقاس المقام بالتعارض بين الأصول العملية ليقال بعدم ترتب أثر على أصالة الجد في التطبيق بعد فرض صورية الكبرى إذ يكفي في الأثر إيقاع المعارضة مع أصالة الجد في الكبرى.

ويلاحظ على الاعتراض : عدم جريان أصالة الجد في التطبيق لأن التطبيق يعلم بصوريته وعدم مطابقته للواقع على كل تقديرا إذا أريد بذلك جدية وجوب الركعة الموصولة بإطلاق دليل الاستصحاب ، واما إذا أريد به كون الركعة الموصولة مصداقا حقيقيا الكبرى الاستصحاب ولو لم تكن حجة فهذا أيضا مقطوع به ولا حاجة فيه إلى أصالة الجد.

ويلاحظ على أصل العلاج : بان في الصحيحة قرائن تأبى عن الحمل على التقية وإرادة الركعة الموصولة تقية.

منها - ظهور قوله علیه السلام ( قام فأضاف إليها ركعة أخرى ) في انفصال الركعة لأنه ورد عقيب قوله علیه السلام فيمن شك بين الاثنين والأربع ( يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ) وهو كالصريح في الركعتين المفصولتين للتصريح فيه بلزوم فاتحة الكتاب في الركعتين مع ان المركوز الواضح عند الشيعة عدم اشتراط ذلك في الأخيرتين وان كان جملة من العامة ذهبوا إلى تعين الفاتحة فيهما أيضا الا ان ذلك لا يمنع عن ظهور ذكر الإمام علیه السلام لفاتحة الكتاب في الركعتين إرادة الركعتين المفصولتين ، هذا مضافا إلى ظهور نفس التفصيل من قبل الإمام علیه السلام في بيان خصوصيات الركعتين وانهما بركوعين وأربع سجدات وتشهد وانهما من قيام في إرادة صلاة مستقلة مفصولة والا فالإتيان بالأخيرتين المتصلتين لا يحتاج إلى مثل هذا التفصيل لمعلوميتهما لدى المكلف. ومع ظهور ذلك في إرادة الركعتين المفصولتين يكون عطف جملة ( قام فأضاف

إليها ركعة أخرى ) أيضا ظاهرا في إرادة نفس المنهج من الإضافة أي الركعة المنفصلة الإضافية لا الإتيان بالركعة الأخيرة المتصلة كما لا يخفى فحمل الجملة على إرادة الركعة المتصلة تقية خلاف الظاهر جدا.

ومنها - انه من المستبعد في نفسه ان يكون الإمام علیه السلام قد ذكر أولا حكم الشك بين الاثنين والأربع على خلاف مذهب العامة وبلا تقية ثم عند ما تبرع ببيان حكم الشك بين الثلاث والأربع واجه محذور التقية في الأثناء خصوصا وان هذا الفرع قد تبرع به الإمام علیه السلام بنفسه ولم يكن قد سأل عنه السائل ليكون ملزما بالإجابة عليه في ظرف التقية.

ومنها - إصرار الإمام علیه السلام في الحديث على إضافة الركعة وعدم نقض اليقين بالشك وعدم إدخال الشك في اليقين وغير ذلك من التعبيرات فان هذا اللسان أيضا لا يناسب مع فرض وجود ظرف التقية والّذي يختزل ويقتصر فيه الكلام عادة ، اللّهم الا بإرادة المتيقن والمشكوك من اليقين والشك وان المقصود بذلك إفادة انفصال الركعة وهو يضر بأصل الاستدلال واستفادة الكبرى منها.

المعالجة الثانية - ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من اننا نحمل الحديث على إرادة الركعة المفصولة لا الموصولة وغاية ما يلزم من ذلك تقييد إطلاق الاستصحاب لا أكثر فانه كان يقتضى أثرين : أحدهما الإتيان بركعة أخرى والاخر الإتيان بها موصولة ومانعية التشهد والتسليم والتكبيرة وقد ثبت بهذه الصحيحة وغيرها انتفاء الأثر الثاني مع بقاء الأثر الأول على حاله ، وصحة تطبيق الاستصحاب عليه.

وكان ينبغي له ان يفترض ان انتفاء الأثر الثاني وخروجه عن الاستصحاب تخصصي لا تخصيصي أي ان يفرض انتفاؤه واقعا لا ظاهرا فحسب والا يلزم بطلان عمله للقطع بذلك مع كون التكليف الواقعي الركعة الموصولة ومانعية التشهد والتسليم والتكبير فكيف يمكن ترك ذلك فضلا من ان تكون الركعة المفصولة يقينا بالفراغ وصحة الفريضة على كل تقدير كما هو ظاهر هذه الصحيحة وغيرها من الروايات الباب (1)

لو فرض ان صلاته لم تكن أربع ركعات موصولة.

فانه يقال : مضافا إلى انه خلاف ظاهر الروايات من ان الركعة التي يأتي بها مفصولة تكون رابعته على تقدير النقص ان الاكتفاء بما أتى به والبناء على الأكثر ليس الا من أجل الإتيان بالركعة الرابعة بعد ذلك فالحكم الظاهري انما هو الإتيان بها لا الاكتفاء بما أتى به ليقال بأنه حكم ظاهري مجز واما الإتيان بالركعة المفصولة فيقطع بعدم مطابقته للواقع فلو كان واجبا كان حكما واقعيا لا ظاهريا ليتوهم إجزاؤه.

ثم ان هذا التفسير المذكور في المتن لكلام صاحب الكفاية يجعله نفس المعالجة القادمة من مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) فراجع وتأمل.

.

وأيا ما كان فقد أورد عليه المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) بان هذا يستلزم انتفاء الأثرين


1) قد يقال : يمكن افتراض ان الحكم الواقعي هو لزوم الاتصال والمانعية وانما لم تجب الإعادة باعتبار اجزاء الحكم الظاهري.

للاستصحاب معا فلا تكون الركعة المفصولة مصداقا للاستصحاب في شيء إذ ليست النتيجة مجرد سقوط التشهد والتسليم والتكبير عن المانعية - التي هي بأمر جديد عنده دائما - بل إضافة إلى ذلك لا بد من افتراض جزئيتها ومعه يتبدل الأمر الاستقلالي بالمركب لا محالة فلا يكون الأمر بالركعة الرابعة نفس الأمر الأول بل امر جديد.

وهذا الاعتراض قابل للدفع بافتراض ان التكليف من أول الأمر متعلق بجامع الركعة الرابعة بشرط لا عن الزيادات في فرض العلم والركعة الرابعة بشرط تلك الزيادات في فرض الشك فيكون الأمر بالركعة الرابعة الّذي هو الأثر الأول للاستصحاب نفس التكليف الأول لا تكليفا جديدا كما لا يخفى.

هذا ولكن أصل هذه العلاج لا يمكن المساعدة عليه لأن هذا معناه ان الحكم بالركعة المفصولة بخصوصياتها لم يكن بملاك الاستصحاب وعدم نقض اليقين بالشك مع ان ظاهر الصحيحة انها مستنبط من كبرى عدم نقض اليقين بالشك وهذا انما يناسب مع إرادة قاعدة البناء على اليقين الّذي هو حكم واقعي لا قاعدة الاستصحاب الّذي هو حكم ظاهري فان هذه الظاهرية غير محفوظة هنا الا بلحاظ ذات الركعة لا الخصوصيات الكثيرة الأخرى ، وان شئت قلت : ان ظاهر الصحيحة استخراج الركعة المفصولة بخصوصياتها من مجرد كبرى عدم نقض اليقين بالشك ومن الواضح انه لو أريد بذلك الاستصحاب وإبقاء نفس الحالة الثابتة للسائل قبل الشك وعند اليقين بعدم الإتيان بالرابعة فذلك مباين عرفا مع الركعة المفصولة بالنحو المذكور فهذا يقدح في أصل استفادة كبرى الاستصحاب منها (1).


1) يمكن المناقشة في ذلك بملاحظة ان المهم في نظر السائل والإمام علیه السلام هو أصل الركعة الرابعة واما الخصوصيات الأخرى فقد استفادة السائل من جواب الإمام علیه السلام أولا على الشك بين الثلاثة والأربع ولزوم كونها مفصولة فالمهم إحراز الإتيان بالركعة الرابعة وهو مستنبط من قاعدة الاستصحاب ولعل ظاهر السياق أيضا ان المنظور إليه في قوله ( ولا تنقض اليقين بالشك ) الّذي هو بمثابة التعليل أصل الأمر بلزوم إضافة ركعة.

المعالجة الثالثة - ما افادته مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) من ان تطبيق الاستصحاب بملاحظة ما ثبت بالأخبار الخاصة من الاجزاء في المقام يثبت الركعة المفصولة لا الموصولة إذ المستفاد من هذه الصحيحة ومن الاخبار الخاصة انقلاب وظيفة المكلف عند الشك وعدم إتيانه بالركعة الرابعة إلى لزوم الإتيان بالركعة المفصولة ويكون موضوع وجوب الركعة المفصولة مركبا من جزءين كونه شاكا وهذا محرز بالوجدان وعدم إتيانه بالركعة الرابعة وهذا ما يحرزه الاستصحاب. وعدم ثبوت هذا الأثر قبل الشك لا يضر بجريانه لأن اللازم ان يكون للمستصحب أثر حين الاستصحاب لا قبله (1).

ويمكن ان تناقش هذه المعالجة من وجوه :

الأول - وهو مبني على مسالك هذه المدرسة في جعل الطريقية للاستصحاب وقيامه مقام القطع الموضوعي وحاصله : انه بناء على ذلك يستحيل جريان هذا الاستصحاب لأنه وان كان يحرز أحد جزئي الموضوع للركعة المفصولة وهو عدم الإتيان بالرابعة ظاهريا ولكنه ينفي الجزء الاخر وهو الشك ويبدله إلى العلم بعدم الإتيان لكون الاستصحاب علما تعبدا فينفي وجوب الركعة المفصولة ويثبت موضوع وجوب الركعة الموصولة وهو خلف. وان شئت قلت : انه يلزم من جريانه عدم جريانه وكل شيء يلزم من وجوده عدمه محال.

ويمكن الإجابة عن هذا الوجه : بان الاستصحاب وان استفيد من دليله حكومته على أدلة الأحكام الواقعية التي أخذ في موضوعها الشك وعدم العلم الا انه في خصوص هذا الأثر وهو وجوب الركعة المفصولة على الشاك الّذي لم يأت بالركعة الرابعة لا تتم هذه الحكومة لأن شرطها ان لا يلزم من إطلاق الحاكم سقوط الدليل المحكوم وعدم بقاء مورد له والا كان الدليل المحكوم أخص ومقدما على إطلاق الحاكم ومقامنا من هذا القبيل إذ يلزم من تقديم استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة ان لا يبقى مورد للحكم بوجوب الركعة المفصولة على الشاك في صلاته لأنه دائما مسبوق باليقين بالعدم (2).


1) راجع مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 64

2) هذا الجواب تام بناء على الحكومة بمعنى التنزيل بحيث يكون للدليل الحاكم إطلاقان مستقلان أحدهما بلحاظ أثر المؤدى أي الواقع والآخر بلحاظ أثر العلم والشك فيكون الإطلاق الثاني بحسب الحقيقة هو الساقط بالدليل المحكوم مع بقاء الإطلاق الأول على حجيته. واما بناء على مسالك هذه المدرسة في الحكومة أي جعل ما ليس بعلم علما واعتباره طريقا فليس هناك بحسب الحقيقة الا إطلاق واحد لدليل حجية الاستصحاب بلحاظ الأثرين معا فإذا سقط ذلك بالتخصيص لم يبق ما يثبت المؤدى والمستصحب أيضا.

الثاني - ما أفاده المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) من ان إيجاب الركعة المفصولة على الشاك الّذي لم يأت بالرابعة غير معقول في نفسه لأنه لا يقبل الوصول إلى المكلف ليكون بعثا وتحريكا بالحمل الشائع والجعل ما لم يكن قابلا لذلك لا يكون حكما حقيقة - بناء على مسالكه في حقيقة الحكم - والوجه في عدم قابلية مثل هذا الإيجاب للوصول وبالتالي للمحركية ان وصول الحكم يكون بوصول موضوعه وهو هنا عدم الإتيان بالرابعة والمفروض انه إذا علم به المكلف ارتفع شكه فانتفي الجزء الأخرى من موضوع الحكم فيستحيل وصوله لاستحالة وصول موضوعه.

ويرده : مضافا إلى إفساد المبني في نفسه ، انه يكفي في الوصول والمحركية إمكان الوصول الاحتمالي إذا كان قابلا للتنجيز بأصل عقلي أو شرعي كما في المقام.

الثالث - وهو مبني على ما سنشير إليه في بعض البحوث القادمة من ان المستفاد من ألسنة أدلة الاستصحاب جعل الشك خلفا لليقين فيما كان يحرك نحوه وهذا في المقام غير معقول للزوم التهافت إذ المفروض ان الحكم مع الشك غيره في فرض اليقين فلا يصدق جعله خلفا له وعدم نقضه به.

ويرده : ان اللازم صدق خلفية الشك لليقين بلحاظ أثر المتيقن لا أثر اليقين والشك نفسه والمستصحب هنا - وهو عدم الإتيان بالرابعة - جزء الموضوع لوجوب الركعة المنفصلة أي لقضية شرطية مفادها انه كلما تحقق جزؤه الاخر وهو الشك وجبت ركعة منفصلة واليقين السابق بهذا الجزء له اقتضاء التحريك نحو هذا المؤدى بمقداره وانما لم يكن تحريكه فعليا لعدم توفر الجزء الاخر حين اليقين وتوفره مع الشك فالخليفة بلحاظ المؤدى وأثر المتيقن محفوظ في المقام أيضا.

الرابع - ما تقدم من الإشكال الإثباتي على العلاج المتقدم من عدم صدق بقاء اليقين عرفا وعدم نقضه بالشك بالإتيان بالركعة المفصولة بحيث يكون هذا مستنبطا من قاعدة حرمة نقض اليقين بالشك بلا ضم كبرى أخرى أو عناية إضافية تثبت بملاحظة

حكم نفس الشك والاستصحاب (1).

وهكذا ثبت ان المحذور الّذي يثيره الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لا يخلو من وجاهة لعدم تمامية شيء من المعالجات المذكورة من قبل المحققين بنحو تطمئن إليه النّفس.

المحذور الثاني - ما أثاره المحقق العراقي (قدّس سرّه) من عدم صحة تطبيق الاستصحاب في باب الشك في الركعات على أي حال حتى إذا أريد الإتيان بالركعة الموصولة ، لأن استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة لا يثبت ان ما يأتي به ركعة رابعة الا بناء على الأصل المثبت ومعه لا يمكن تصحيح العمل لأنه بالنسبة إلى الأمر بالركعة الرابعة وان كان يكفي إحراز الإتيان به ولا يشترط إحراز ان المأتي به رابعة ولكنه بالنسبة إلى الاجزاء الأخرى كالتشهد والتسليم يشترط إحراز وقوعهما في الركعة الرابعة وقد عرفت ان ذلك لا يثبت بهذا الاستصحاب (2).

وأجاب عنه السيد الأستاذ : بأننا نثبت كون الشخص في الركعة الرابعة بالاستصحاب أيضا لأنه يعلم انه دخل فيها اما في الركعة السابقة أو في ركعة الاحتياط ويشك في خروجه عنها فيستصحب بقاؤها (3).

وهذا الجواب غير تام وذلك :

أولا - لأن المفروض عند هذا المحقق اشتراط وقوع التشهد والتسليم في الركعة الرابعة لا وقوعهما حال كون المصلي في الرابعة فكأنه وقع خلط بين المطلبين.

وثانيا - ما سوف يأتي في محله من ان هذا الاستصحاب معارض بمثله إذ كما يعلم المكلف إجمالا بأنه في إحدى الركعتين كان في الركعة الرابعة كذلك يعلم إجمالا بأنه 2


1) ويمكن ان يناقش العلاج المقدم من قبل مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) أيضا بأن المقصود ان كان وجوب الركعة المفصولة على الشاك كتكليف جديد لا ربط له بالفريضة فهذا واضح البطلان فقهيا ، وان كان المقصود استكشاف ان التكليف الواقعي من أول الأمر متعلق بالجامع بين إتيان الركعة الموصولة أو الركعة المفصولة المقيدة بالشك فهذا وان كان معقولا بل هو المستفاد من الروايات الا ان هذا يؤدي إلى عدم جريان استصحاب عدم الإتيان بالركعة كاستصحاب موضوعي لعدم كونه موضوعا لحكم بل متعلقا فبناء على عدم جريان استصحاب عدم الامتثال لا يتم هذا العلاج ، ولو فرض جريانه فائضا لا يكون المتعلق الركعة الموصولة بعنوانها وانما هو الجامع المذكور فلا بد من إجراء الاستصحاب بلحاظه ، وعلى كل تقدير لا يكون الحكم المذكور في الرواية مترتبا على الاستصحاب بل لا بد من افتراضه ثابتا بقطع النّظر عن الاستصحاب ليجري استصحاب عدم امتثاله وهذا خلاف ظهور الرواية في ترتب هذا الحكم ببركة الاستصحاب.

2) نهاية الأفكار ، القسم الأول من الجزء الرابع ، ص 60

3) مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 62

لم يكن فيها في إحدى الركعتين فيجري استصحاب عدم كونه في الرابعة ويعارض استصحاب الكون فيها هذا كله لو فرض عدم اشتراط اتصال زمان اليقين بالشك في الاستصحاب كما سوف يأتي البحث عنه مفصلا.

وقد حاول المحقق العراقي (قدّس سرّه) بنفسه دفع المحذور الّذي أفاده بأنا نلتزم بحجية الأصل المثبت في خصوص المقام لكونه مورد الصحيحة فمن جهة حفظ تطبيق الإمام علیه السلام عن اللغوية لا بد من الالتزام بحجية المثبت ولو باستكشاف تنزيل اخر في المرتبة السابقة عن هذا التطبيق يكون أثرا شرعيا للمستصحب ليترتب عليه ترتبا شرعيا ولا محذور في استفادة ذلك في خصوص المقام لأن ما تسالموا عليه من عدم حجية الأصل المثبت انما هو لأجل قصور الدليل لا لوجود محذور عقلي أو قيام دليل شرعي على عدم الحجية.

ثم أجاب عن ذلك : بان هذا يستلزم سقوط استصحاب عدم الإتيان بالرابعة إذ لو فرضنا في المقام استكشاف التنزيل المسبق أي تنزيل ركعة الاحتياط منزلة الركعة الرابعة فسوف يرتفع الشك تعبدا عن وجود الرابعة بل يعلم بعدم إتيانها فلا يبقى فيه شك حتى يجري الاستصحاب فيلزم من جريان استصحاب العدم في الركعة الرابعة عدم جريانه فيها وهو محال ولا يقاس ذلك بسائر المثبتات كنبات اللحية بالقياس إلى الحياة فان كشف التنزيل في الرتبة السابقة على تقدير الحياة لا يقتضي رفع الشك بالنسبة إلى الحياة (1).

ويرد عليه أولا - عدم تمامية أصله الموضوعي فان إمكان حجية الأصل المثبت لا يتوقف على فرض التنزيل المسبق.

وثانيا - ان أريد بلغوية الاستصحاب في المقام في طول استكشاف التنزيل المسبق ان التعبد برابعية ركعة الاحتياط بنفسه تعبد بالفعل بعدم إتيانها بلا حاجة إلى استصحاب عدم إتيانها ، ففيه : ان المفروض تعليق التنزيل والتعبد برابعية ركعة الاحتياط على عدم الإتيان بالرابعة كما في سائر المثبتات فليس هذا التنزيل المستكشف فعليا بل معلق على ثبوت المستصحب. وان أريد انه في طول جريان


1) نهاية الأفكار ، القسم الأول من الجزء الرابع ، ص 61 - 62

استصحاب عدم الإتيان بالرابعة وإثبات المعلق عليه يثبت عدم الإتيان بالرابعة فيرتفع موضوع الاستصحاب ففيه : ان موضوع الاستصحاب الشك في الرابعة الواقعية لا التعبدية وهو محفوظ حتى بعد التعبد برابعية ركعة الاحتياط ، نعم في طول إثبات ذلك يعلم وجدانا عدم الإتيان بالركعة الرابعة التعبدية الا ان هذا ثابت في طول جريان الاستصحاب وفي تمام موارد الاستصحاب.

والصحيح في دفع هذا المحذور الّذي أثاره المحقق العراقي (قدّس سرّه) إنكار أصله الموضوعي الفقهي فانه لا دليل على اشتراط وقوع التشهد والتسليم في الركعة الرابعة بما هي ركعة رابعة ، وانما الواجب هو الترتيب بمعنى اشتراط وقوع التشهد الأخير والتسليم بعد الركعات الأربع مع شرطية عدم المنافي في البين على ما هو محقق في محله من الفقه ولتكن هذه الصحيحة بنفسها من أدلة عدم اشتراط ذلك.

المحذور الثالث - ما أفاده المحقق العراقي (قدّس سرّه) أيضا من ان الشك في المقام متعلق بعنوان الرابعة لا بواقعها فان ذات الركعة التي جاء بها لا يشك فيها وانما يشك في وصف كونها رابعة أو ثالثة ، والأثر الشرعي مترتب على الإتيان بواقع الركعة الرابعة لا عنوانها وواقع الرابعة مردد بين مقطوع التحقق إذا كانت تلك الركعة رابعة ومقطوع العدم إذا كانت ثالثة فهو نظير الاستصحاب في الفرد المردد (1).

ويكفي في رد هذا المحذور إجراء استصحاب عدم ذات الأربعة لا ذات الرابعة وذات الأربعة مشكوكة إذ لا يتذكر انه جاء بذوات أربع ركعات وانما يعلم انه قد جاء بذوات ثلاث ركعات بل ما هو موضوع الأثر الشرعي انما هو ذات الأربعة لا الأولى والثانية والثالثة والرابعة ، وبتعبير آخر يشك المكلف في تحقق أحد الذوات الأربع لا محالة ومقتضى الاستصحاب عدمه.

مضافا إلى ان هذا المحذور لا يضر بالتمسك بالصحيحة إذ يمكن ان تكون دليلا على كفاية هذا المقدار من الشك الموجود في موارد الفرد المردد في جريان التعبد الشرعي.

تتميم : ولا بأس بالبحث في ذيل التعليق على هذه الصحيحة عن استصحاب عدم الإتيان بالركعة المشكوكة مع قطع النّظر عن تطبيق الإمام علیه السلام الوارد في هذه


1) المصدر السابق ، ص 62

الصحيحة وذلك بالبحث ضمن جهتين :

الجهة الأولى - في إمكان تصحيح الصلاة التي بيده مع قطع النّظر عن استصحاب عدم الإتيان بالركعة المشكوكة وعن الاخبار الواردة في صلاة الاحتياط وذلك بدعوى : ان المصلي كانت ذمته مشغولة بأربع ركعات وهو يحرز إتيانه ثلاثا منها فيقوم ويضم إليها ركعة أخرى ويتم صلاته فيقطع بإتيان أربع ركعات فالنقيصة مقطوعة العدم ويشك في مانعية الركعة التي أضافها بنحو الشبهة المصداقية الا ان هذا الخلل المحتمل يمكن علاجه بأحد تقريبين :

التقريب الأول - إجراء البراءة عن المانعية المحتملة بناء على ما هو الصحيح من ان المانعية انحلالية تجري عنها البراءة.

وقد يناقش في ذلك بأحد وجهين :

1 - اننا نعلم إجمالا اما بمانعية الركعة الزائدة أو جزئيتها فتكون البراءة عن مانعيتها معارضة بالبراءة عن وجوب الإتيان بها وبعد التساقط يجب الاحتياط فيه لأن الوجوب والحرمة هنا ضمنيان وليسا استقلاليين ليكون من الدوران بين المحذورين فلا بد من الاحتياط بإعادة العمل تحصيلا لليقين بالفراغ.

ويرد عليه : ان البراءة لا تجري عن الجزئية في نفسها لأن الشك في الجزئية والشرطية شك في الامتثال لا في أصل التكليف بخلاف الشك في المانعية على ما حقق في محله.

2 - ان لنا علما إجماليا اخر بمانعية الركعة الزائدة أو مانعية التشهد والتسليم قبل الإتيان بها إذ لو كان قد صلى ثلاث ركعات كان التشهد والتسليم الآن زيادة مبطلة والا كانت الركعة المضافة زيادة مبطلة فالبراءة عن مانعية الركعة تعارض البراءة عن مانعية التشهد والتسليم قبلها فيجب الاحتياط بالإعادة.

وهذا الاعتراض لا جواب عليه بناء على مبانينا في منجزية العلم الإجمالي (1). نعم بناء على القول بان المنجزية فرع تساقط الأصول من جهة لزوم الترخيص في المخالفة القطعية الممكنة ففي المقام لا يمكن ذلك لأن المكلف على كل حال يحتمل الموافقة


1) بناء على عدم مبطلية التشهد والتسليم الزائدين من غير علم وعمد - كما قد يستفاد ذلك من نفس اخبار ركعة الاحتياط المفصولة - لا يتم هذا الوجه للمنجزية أيضا كما لا يخفى وعهدة إثبات ذلك على علم الفقه.

اللّهم الا ان يقطع صلاته وتلك مخالفة قطعية تفصيلية.

التقريب الثاني - التمسك باستصحاب عدم الزيادة الّذي يجري بعد العمل وإحراز الإتيان بكامل الاجزاء والشرائط وبذلك يحرز عدم المانع (1)وهذا غير استصحاب عدم إتيان الركعة الرابعة فانه لا يثبت عدم الزيادة الا بنحو الأصل المثبت أو دعوى ان المبطل فقيها ليس عنوان الزيادة بل الإتيان بما لم يتعلق به الأمر ويدعى ان استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة يثبت تعلق الأمر بالركعة المضافة وكلا المطلبين غير تام لأن الثابت في الفقه مبطلية الزيادة بعنوانها كما ان استصحاب عدم الإتيان بالرابعة لا يثبت الأمر بالركعة الزائدة.

الجهة الثانية - في جريان استصحاب عدم إتيان الركعة الرابعة بداعي تنجيز الركعة الزائدة وإيجاب الإتيان بها تأكيدا لقاعدة الاشتغال العقلية وهذا الاستصحاب بحسب الحقيقة من الاستصحاب في مرحلة الامتثال حيث يتعبد على أساسه بعدم تحقق الامتثال ولزوم التحرك نحوه سواء أريد التحريك نحو ركعة متصلة أو منفصلة.

وقد يتوهم انه بناء على وجوب الركعة المنفصلة يكون من الاستصحاب الموضوعي حيث يحرز باستصحاب عدم الإتيان بالرابعة موضوع وجوب الركعة المنفصلة كما تقدم عن المحقق النائيني (قدّس سرّه).

وفيه : ان هذا معناه التوسعة في الجعل من أول الأمر وانه الأعم من الركعات الثلاث مع ركعة متصلة أو ركعة مفصولة على تقدير الشك لا أمر جديد بالركعة المفصولة فيكون الواجب هو الجامع المذكور ويكون استصحاب عدم الإتيان بالرابعة من استصحاب عدم الامتثال.

ان قلت : يمكن افتراض ان هناك ملاكا اخر في الركعة المنفصلة أو بتعبير أدق في الجامع بين الركعة المفصولة أو إعادة العمل على تقدير قطع الصلاة وهو ملاك مستقل عن ملاك الركعة المتصلة والتي يفترض فواته بالشك واجزاء الحكم الظاهري.


1) باعتبار ان المانعية انحلالية لا بد من نفي احتمال مانعية الموجود أعني نفي احتمال مانعية الركعة الزائدة وهذا لا يثبت باستصحاب عدم الزيادة الا على القول بالأصل المثبت كما ان استصحاب عدم زيادية هذه الركعة بنحو العدم الأزلي أو استصحاب عدم الزيادة بناء على إثباته عدم زيادتها معارض من أول الأمر بالبراءة أو استصحاب عدم مانعية التشهد والتسليم قبل الإتيان بالركعة فتأمل جيدا.

قلنا - مضافا إلى كونه خلاف صريح الروايات الواردة بشأن ركعة الاحتياط المفصولة وانها امتثال لنفس الفريضة الواقعية وخلاف ما لعله المسلم فقهيا من وجود ملاك واحد وفريضة واحدة على الجميع. ان هذه الفرضية لو فرض تعلقها ثبوتا فهي غير مربوطة باجزاء الحكم الظاهري بملاك التفويت لأن المفروض جريان استصحاب عدم الامتثال لا استصحاب الامتثال فالتفويت ليس بسبب الحكم الظاهري كما هو واضح.

فالصحيح : ان استصحاب عدم الإتيان بالركعة المشكوكة من استصحاب عدم الامتثال سواء أريد إثبات وجوب الركعة المتصلة به أو الركعة المنفصلة.

وعندئذ قد يناقش جريانه من وجوه :

الوجه الأول - دعوى عدم جريان استصحاب عدم الامتثال في نفسه باعتبار لغويته على ما سوف يأتي في بحث قادم.

وهذا الوجه لا بد من افتراض عدم صحته أصلا موضوعيا في المقام وان استصحاب عدم الامتثال يجري وينجز وجوب الإتيان بالواجب وسوف يأتي تحقيق المطلب في صحة التعبد بعدم الامتثال في ذلك البحث إن شاء اللّه.

الوجه الثاني - ان استصحاب عدم الامتثال وان كان جاريا في سائر المقامات لإثبات بقاء الوجوب مثلا وعدم سقوطه ولكن في خصوص المقام حيث ان وجوب الركعة الرابعة وجوب ضمني ارتباطي لا استقلالي فلا شك في عدم سقوطه لكي نجري استصحاب عدم إتيان الركعة فأركان الاستصحاب غير تامة هنا في نفسه وبهذا يظهر محذور اخر يمكن إضافته على المحاذير الثلاثة السابقة في تطبيق الصحيحة للاستصحاب على الركعة المشكوكة.

وهذا الوجه غير تام لأنه مبتن على امرين كلاهما باطل :

أحدهما - ان الامتثال مسقط للأمر ورافع لفعليته.

الثاني - ان الاستصحاب لا بد وان يجري دائما في حكم شرعي أو موضوع ذي حكم.

وقد تقدم بطلان الأمر الأول في بحوث سابقة حيث قلنا بان التكليف لا تسقط فعليته بالامتثال وليس عدم الإتيان به قيدا فيه وانما الساقط فاعليته فحسب.

كما انه سوف يأتي عدم تمامية الأمر الثاني إذ لا يشترط في جريان الاستصحاب أكثر من ترتب الأثر العملي عليه تنجيزا أو تعذيرا ولا إشكال في معقولية التنجيز أو التعذير في مرحلة الامتثال كما في قاعدة الفراغ المؤمنة في مرحلة الامتثال فيعقل جريان استصحاب عدم الامتثال لإثبات التنجيز وتأكيد الاشتغال العقلي ، وان في انه مأخوذ في تنجزه وهو يكفي في صحة التعبد الاستصحابي وجعله.

هذا مضافا إلى انا لو سلمنا كلا الأمرين المذكورين مع ذلك قلنا بان استصحاب عدم الجزء أو الشرط في الواجب الارتباطي وان لم يكن جاريا بلحاظ الوجوب الضمني المتعلق به بالخصوص ولكنه يجري بلحاظ الوجوب الاستقلالي المتعلق بالكل بعد الفراغ عن العمل وعدم الإتيان بذلك الجزء فالمكلف يجب عليه الإتيان به تفريغا لذمته عن تنجيز وجوب المركب الّذي يثبته هذا الاستصحاب بعد الفراغ من عمله إذا لم يأت به في أثناء العمل.

كما ان هذا الإشكال انما يتوجه بناء على ما هو الصحيح من وحدة الوجوب الارتباطي جعلا وفعلية وسقوطا واما إذا قيل بالسقوط التدريجي للوجوب الارتباطي مطلقا أو مشروطا بشرط متأخر هو إكمال العمل والإتيان بجزئه الأخير فلا موضوع لهذا الإشكال عندئذ ، الا ان هذه المباني فاسدة وغير محتملة في نفسها لا من جهة عدم إمكان الإعادة في صورة أداء العمل باطلا لكي يقال بتحدد الأمر أو تعلقه بالجامع بين الإتيان بباقي الاجزاء فيما بدأ به أو الإعادة بل لما تقدم في بحث الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين من وحدة الواجب الارتباطي جعلا وفعلية وسقوطا وعدم تكثره بلحاظ إجزاءه الا في مرحلة التحليل الدهني.

الوجه الثالث - ان استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة لا يمكن ان يثبت وجوب الإتيان بها لأن هذا التكليف ككل تكليف اخر لا بد وان يكون منوطا بالقدرة عليه وفي المقام لا قدرة على الإتيان بالركعة الرابعة في هذه الصلاة الا إذا كان الاستصحاب مصيبا للواقع أي إذا كان واقعا لم يأت بالرابعة والا فلا تقع ركعته رابعة حتى إذا جاء بها وهذا يعني ان ترتب الأثر على الاستصحاب منوط بمطابقته للواقع ومن الواضح ان جعل حكم ظاهري مشروط بمطابقته مع الواقع غير معقول في نفسه

لاستحالة وصوله حينئذ.

ويرده أولا - عدم تماميته بناء على ما أشرنا إليه في رد الوجه السابق من جريان الاستصحاب في مطلق ما يترتب عليه تنجيز وتعذير فان معنى استصحاب عدم الركعة حينئذ تأكيد الاشتغال العقلي شرعا أي تنجيز احتمال التفويت من ناحية عدم الإتيان بالركعة واهتمام الشارع بذلك ، فليس المستصحب حكما أو موضوعا لحكم شرعي ليقال باشتراط القدرة في موضوعه.

وثانيا - بناء على ضرورة إثبات الوجوب بالاستصحاب أيضا لا محذور في المقام باعتبار ان متعلق الوجوب الضمني طبيعي الركعة الجامع بين إتيانه في هذه الصلاة أو في غيرها وهو قادر على هذا الجامع على كل حال.

ودعوى : انها على تقدير زيادتها تكون مبطلة لهذا الفرد فيكون الوجوب متعلقا بالرابعة في هذه الصلاة ويشك في قدرته عليها.

مدفوعة : بان عدم الإتيان بالركعة موضوع لوجوبها وهو متعلق بالجامع والطبيعي لا محالة إذ يستحيل ان لا يكون متعلق الوجوب كليا على ما حقق في محله ، واما مبطلية الزيادة فهي تعني وجود تكليف ضمني آخر بعدم المانع له موضوعه ولا يراد باستصحاب عدم الرابعة تنجيزه أو التأمين عنه.

وثالثا - لو فرضنا تعلق الوجوب الضمني برابعة هذه الصلاة مع ذلك قلنا بجريان استصحاب عدم الامتثال لإثبات وجوبها من ناحية هذا القيد - كما هو المفروض - غاية الأمر يبقى الشك في فعلية الوجوب من ناحية احتمال عدم القدرة على المستصحب وهو قيد اخر بحسب الفرض ولكنه منجز اما باستصحاب بقاء القدرة - فان الحكم الظاهري يمكن جعله في موارد الشك في القدرة رغم ان الحكم الواقعي منوط بالقدرة واقعا على ما تقدم في بحث الخروج عن محل الابتلاء - أو بأصالة الاشتغال العقلية الثابتة في موارد الشك في القدرة ، وعلى كل حال لا محذور في جريان استصحاب عدم الإتيان بالركعة الرابعة لإثبات فعلية وجوبها من ناحية عدم الامتثال دون ان يلزم من ذلك إناطة جعل الحكم الظاهري بمطابقته للواقع كما هو واضح.

وهكذا يتلخص من مجموع ما تقدم : ان استصحاب عدم الإتيان بالركعة المشكوكة

لتنجيز وجوب الإتيان بها يجري في نفسه لو بني على جريان استصحاب عدم الامتثال كبرويا.

الرواية الرابعة - رواية إسحاق بن عمار عن أبي الحسن علیه السلام ( قال علیه السلام : إذا شككت فابن علي اليقين ، قلت هذا أصل؟ قال نعم ) (1).

وقد عبر عنها بالمعتبرة لأن الصدوق ينقلها في الفقيه عن إسحاق بن عمار وطريقه إليه معتبر.

الا ان المذكور في الفقيه ( روي عن إسحاق بن عمار ) فتندرج في البحث المعروف ان مشيخة الفقيه هل تشمل ذلك أيضا أو تختص بمن يبدأ به الشيخ الصدوق في الفقيه ويسند الرواية عنه مباشرة.

والشيخ (قدّس سرّه) فرغ عن دلالة هذه الرواية على قاعدة البناء على الأكثر وتحصيل اليقين بالفراغ لا الاستصحاب بل جعل ذلك دليلا على إرادة القاعدة من صحيحة زرارة المتقدمة أيضا.

وناقش في ذلك الأستاذ مدعيا ظهورها في الاستصحاب ، وإذا أضفنا إلى هذين الاحتمالين احتمال إرادة القاعدة المصطلحة لدى الأصوليين بقاعدة اليقين أصبحت محتملات الرواية ثلاثة ويمكن ان يجعل ظهور الأمر بالبناء على اليقين لا بتحصيله قرينة على نفي احتمال الشيخ (قدّس سرّه) إذ لو كان المقصود ذلك كان ينبغي ان يأمر بتحصيله لا البناء على يقين مفروغ عنه - كما يقتضيه سياق الأمر بفعل متعلق بموضوع خارجي - كما انه لم يرد في لسانها أي إشارة إلى كون الشك في الفراغ عن الصلاة ومجرد ذكر الشيخ الصدوق لها في باب الخلل في الصلاة لا يصلح ان يكون شاهدا على ذلك إذ لعله كان من أجل التطبيق على الصلاة.

فيدور الأمر بين إرادة الاستصحاب أو قاعدة اليقين ولكن لا إشكال في تعين احتمال إرادة الاستصحاب على القاعدة لظهور السياق كما قلنا في فعلية اليقين حين الشك والأمر وهو يناسب اليقين في الاستصحاب لا القاعدة لأن اليقين فيها ليس


1) وسائل الشيعة ، الباب 8 من أبواب الخلل ، ج 5 ، ص 318

فعليا بل كان فعليا قبل الشك (1).

كما ان ارتكازية الاستصحاب وكثرة وتوفر ركنيه بخلاف اليقين والشك الساري إليه في قاعدة اليقين وكذلك ارتكازية حجية الاستصحاب وثبوته في الجملة في الفقه ولو بالروايات السابقة كل ذلك يصلح ان تكون مؤيدات على إرادة الاستصحاب. وتمتاز هذه الرواية على سابقتها بظهورها بل صراحتها في العموم والكبروية وقد التفت إلى ذلك السائل فسأل الإمام علیه السلام أن هذا أصل فأجابه انه أصل وقاعدة.

الرواية الخامسة - رواية الخصال في حديث الأربعمائة عن محمد بن مسلم وأبي بصير عن الصادق علیه السلام ( من كان على يقين ثم شك فليمض على يقينه فان الشك لا ينقض اليقين ) (2). وفي رواية أخرى ( فان اليقين لا يدفع بالشك ) (3).

وسندها ضعيف بقاسم بن يحيى الّذي لا طريق لإثبات وثاقته بل ضعفه العلامة.

واما الدلالة فقد اختلفوا أيضا في استفادة الاستصحاب منها أو قاعدة اليقين ، وقد أبرز في الرواية ظهورات ثلاثة تختلف في كونها بصالح قاعدة اليقين أو الاستصحاب.

الظهور الأول - ظهورها في كون زمان اليقين قبل زمان الشك لأن التعبير جاء بسياق الماضي ( من كان على يقين فشك ) وقد استند الشيخ إلى هذا الظهور لمنع دلالتها على الاستصحاب لأن اليقين فيه لا يشترط أن يكون متقدما على زمان الشك وانما هذه الخصوصية تناسب قاعدة اليقين وهذا الظهور قد يراد به مجرد الدلالة على لزوم ولادة اليقين قبل الشك ، وأخرى يراد به ان الشك تولد بعد اليقين وفي محله بحيث انتهى به اليقين وزال. واستفادة قاعدة


1) ما ذكر لا يقتضي أكثر من ظهور كل قضية في ان موضوعها ملحوظ بنحو مفروغ عنه اما كونه اليقين المأخوذ في القاعدة أو في الاستصحاب أي كونه اليقين الّذي كان ثم زال ويكون الإطلاق بلحاظ ما قبل الانقضاء أو اليقين الّذي لا يزال باقيا فهذا ما لا يعينه الظهور المذكور ، ولعل الأولى استبعاد احتمال إرادة قاعدة اليقين بان مجرد ذكر اليقين والشك لا يكفي لإفادة ركنيها بل لا بد من أخذ عناية تعلق الشك فيها بنفس ما تعلق به اليقين أي لا بد من ملاحظة خصوصية الزمان والحدوث والبقاء وأن الشك قد تعلق بالمتيقن في زمان حدوثه لا بذات المتيقن كما في الاستصحاب فان اليقين والشك فيه يضافان إلى ذات الشيء مع تجريده عن الزمان ومن هنا كان التعبير بأني كنت على يقين بشيء فشككت فيه في موارد الاستصحاب صحيحا واضحا لا مجملا مرددا بينه وبين القاعدة فتأمل جيدا.

2) وسائل الشيعة ، الباب - 1 - من أبواب نواقض الوضوء ، حديث - 5 -

3) البحار ، الباب - 33 - من أبواب ما يستنبط من الآيات والاخبار

اليقين على التقدير الثاني واضح واما التقدير الأول فهو ينسجم في نفسه مع الاستصحاب إذ يمكن ان يكون اليقين الاستصحابي متولدا أيضا قبل الشك بل هذا هو الغالب في موارد الاستصحاب ، فالاستناد إلى هذا الظهور لنفي إرادة الاستصحاب مبني على ضم دعوى ان وضوح عدم لزوم تقدم حصول اليقين على الشك في الاستصحاب بخلاف القاعدة يكون قرينة على إرادتها ، أو يكون المقصود مجرد النقض على من يرى حجية الاستصحاب مطلقا حتى مع تقدم الشك على اليقين أو تقارنه معه فيقال انه لو دار الأمر بين إرادة الاستصحاب بهذا الوجه والقاعدة تعينت القاعدة.

وقد أجاب المحققون عن هذا الاستظهار بوجوه :

الأول - ان ورود هذه الخصوصية ليس بملاك التقييد بل بملاك الغلبة نظير قوله تعالى ( وربائبكم اللاتي في حجوركم ) الّذي أخذ فيه الكون في الحجر من جهة الغلبة لا الشرطية.

وهذا الجواب انما يتم إذا كان منظور الشيخ (قدّس سرّه) استظهار التقدير الأول لا الثاني فانه لو جعل الترتيب قرينة على إرادة موت اليقين وحل الشك محله فهذا لا ينسجم إلا مع القاعدة لا الاستصحاب كما لا يخفى.

الثاني - ما جاء في كلمات المحقق العراقي (قدّس سرّه) من عدم دلالة التعبير على أكثر من لزوم التقدم الأعم من الزماني أو الرتبي كقولك ادخل البلد فمن كان عالما فأكرمه ومن كان عاصيا فاضربه (1).

وفيه : ان أريد فرض الترتب الرتبي بين اليقين والشك وبين لزوم المضي على اليقين وعدم نقضه - الّذي هو الحكم الاستصحابي - فهذا صحيح الا انه لا ربط له بالاستظهار إذ المفروض دلالة الرواية على الترتب بين اليقين والشك وتأخر الشك عن اليقين وليس الكلام في الترتب بين الاستصحاب وموضوعه. هذا مضافا إلى ظهور قوله ( من كان على يقين فشك ) في ان حدوث الشك كان بعد حدوث اليقين وهو يساوق مع التقدم الزماني.


1) نهاية الأفكار ، القسم الأول من الجزء الرابع ، ص 63

الثالث - ما ذكره المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) من ان اليقين والشك حيث انهما من الصفات الإضافية المرآتية فيكتسبان في مورد الاستصحاب صفة متعلقهما وهي تقدم المتيقن على المشكوك فأسند ذلك إليهما بهذا الاعتبار.

وفيه : ان المرآتية والفناء انما هو لليقين والشك الحقيقيّين أي لواقع اليقين والشك لا لمفهوميهما والمفروض اسناد الترتب إلى مفهومهما كما لا يخفى.

الرابع - ان خصوصية الترتب وتقدم اليقين على الشك محفوظ في موارد الاستصحاب أيضا بعد إعمال عناية لا بد من إعمالها في أدلة الاستصحاب جميعا وهي تجريد متعلق اليقين والشك عن خصوصيتي الحدوث والبقاء وإضافتها إلى ذات الشيء فانه بهذه العناية المصححة لإسناد النقض إليهما يكون اليقين كأنه زال وحل محله الشك ولهذا نجد ان من كان يعلم بعدالة زيد ثم احتمل زوالها يقول كنت على يقين بعدالته فشككت دون اية عناية وبهذا يظهر انسجام هذا الظهور مع الاستصحاب حتى لو أريد به التقدير الثاني أي زوال اليقين بالشك والّذي لعله الظاهر من التعبير ولو من جهة ارتكازية التضاد والتنافر بين صفتي اليقين والشك.

ان قلت : على هذا لا بد من تخصيص حجية الاستصحاب بموارد سبق اليقين.

قلنا - بل يستفاد التعميم اما بدعوى صدق التقدم بالاعتبار العرفي المذكور ولو فرض تعاصر حصول نفس اليقين والشك أو - لو فرض عدم وضوحه - باعتبار ارتكاز التعميم وعدم الفرق لأن هذه الخصوصية انما نحتاجها لمجرد تصحيح اسناد مفهوم النقض واستعماله في الدلالة الاستصحاب وهي خصوصية ترتبط بمرحلة الاستعمال ونكتة تعبيرية لا بمرحلة الثبوت والمراد الجدي المستفاد مع قطع النّظر عن الخصائص التعبيرية.

الظهور الثاني - ما ذكرته مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) من ظهور الجملة في فعلية اليقين ومعاصرته مع زمان الشك ووجوب المضي على اليقين وهذا لا يكون الا في الاستصحاب لا القاعدة ، والطريف انه ذكر في وجه هذا الاستظهار ان العناوين الاشتقاقية وان وقع خلاف في صدقها بعد الانقضاء إلا ان عناوين المبادئ كاليقين والشك لا يشك أحد في عدم صدقها بعد الانقضاء الا بنحو من المجاز غير العرفي.

وفيه : ان استفادة قاعدة اليقين منها لا تعني إطلاق اليقين بلحاظ ما بعد الانقضاء

بل بلحاظ زمان فعليته وهو الزمان السابق وهذا واضح ، واما دعوى ظهورها في تعاصر زمان الحكم وهو المضي مع زمان اليقين فهذا لا موجب له فان غاية ما يقتضيه الأمر بالمضي على اليقين السابق لزوم افتراض وجود يقين سابق والفراغ عنه لأن كل حكم يجعل في فرض الفراغ عن موضوعه الا ان هذا لا يعين ان يكون الموضوع هو اليقين الاستصحابي لا اليقين في القاعدة فان كلا من اليقينين صالح لأن يكون موضوعا للحكم بالمضي الظاهري غاية الأمر في الاستصحاب يكون موضوع هذا الجعل الظاهري اليقين المتعلق بالمتيقن السابق وفي القاعدة يكون موضوع الجعل الظاهري نفس اليقين السابق والّذي حل محله الشك ، نعم في مثل أكرم العالم لا بد من ان يكون المكرم عالما حين وجوب الكرامة الا ان ذلك من جهة عدم صدق عنوان إكرام العالم على إكرامه - بناء على ظهور المشتق في المتلبس - ولهذا لو كان العنوان أكرم من كان عالما نجد صدقه على إكرام المنقضي علمه لصدق الاتصاف بما أخذ موضوعا مفروغا عنه في الجعل.

الظهور الثالث - ظهور الرواية في وحدة متعلقي اليقين والشك والوحدة من تمام الجهات حتى الزمان تناسب قاعدة اليقين لا الاستصحاب.

وفيه : ان هذه الوحدة لم يدل عليها لفظ خاص إذ لم يقل ( من شك في نفس ما تيقن به ) وانما استفيد ذلك من حذف المتعلق لليقين والشك وهو كما يناسب مع وحدة المتعلق من جميع الجهات يناسب مع وحدته من غير ناحية الزمان وإضافة اليقين والشك إلى ذات الشيء كما أشرنا.

ومن هنا قد يعكس الأمر فيتمسك بإطلاق اليقين والشك إذا لم يكن زمان متعلقهما واحدا وبذلك يعين الاستصحاب دون القاعدة.

وفيه : ان الإطلاق فرع تحديد المدلول الاستعمالي في مرحلة الإثبات وانه هل لوحظ في اسناد النقض إلى اليقين والشك وحدتهما من جميع الجهات أو من غير جهة الزمان ولا يمكن إحراز أحد التقديرين بالإطلاق كما لا يخفى (1)

ولا يحضرني جواب على هذه الشبهة سوى دعوى ظهور الروايات المذكورة جميعا في أنها بصدد علاج الموقف العملي لزمان الشك وتحديد الوظيفة العملية فيه على ضوء ما كان في زمان اليقين وكما إذا كان متيقنا في زمان الشك وهذا يناسب مع الاستصحاب لا القاعدة فان الأثر العملي الّذي يسري إليه الشك في موردها إنما هو الوظيفة الصادرة في زمن اليقين السابق ولعل التعبير بالنقض أو المضي على اليقين أيضا يناسب هذا المعنى لا الشك الساري إلى عمل صادر سابقا.

هذا مضافا : إلى إمكان دعوى أن كبرى حجية الاستصحاب ملاكا وجعلا مباين مع كبرى حجية القاعدة ثبوتا فيكون الجمع بينهما جدا في خطاب واحد ـ وان كان مدلوله الاستعمالي واحدا ـ غير عرفي فانه يشبه استعمال اللفظ في أكثر من معنى بلحاظ مرحلة المدلول الجدي وهو على حد تعدد المعنى المستعمل فيه من حيث كونه على الأقل خلاف الظاهر وأساليب المحاورة العرفية. وحيث ان إرادة الاستصحاب من هذه الروايات معلومة إجمالا لمجموع القرائن الداخلية والخارجية المتقدمة فلا محالة يكون مفادها حجية الاستصحاب دون القاعدة.

.

1) هذا المقدار لا يكفي لدفع شبهة الإطلاق في ألسنة الروايات الظاهرة في سبق اليقين على الشك كما في الصحيحة الثانية لزرارة أيضا بل كل الروايات التي ليست صريحة في فعلية اليقين - كما لعله كذلك في الصحيحة الأولى - وهذه نقطة كان المناسب طرحها مستقلا للبحث عن أنه هل يمكن ان يستفاد من مثل هذه الألسنة عدم نقض اليقين بالشك سواء كان متعلق الشك ذات المتيقن مع تجريده عن خصوصيتي الحدوث والبقاء أو متعلقة المتيقن بخصوصيته الحدوثية فتكون النتيجة حجية الاستصحاب والقاعدة معا وتقريب استفادة ذلك : أن المنهي عنه في هذه الروايات هو نقض اليقين بالشك وهو اما ان يحمل على النقض الحقيقي فيكون كناية عن التعبد بعدم انتقاض اليقين وبقائه واما أن يحمل على النقض العملي باعتبار انه من مقتضيات اليقين وكلام المعنيين يصدقان في مورد القاعدة حقيقة وفي مورد الاستصحاب بعد فرض ان العرف يلغي خصوصية الحدوث والبقاء ويضيف الشك إلى ذات المتيقن ، الا أن هذا الإلغاء ليس بمعنى أخذ بقاء اليقين بلحاظ الحدوث شرطا في صدق هذا العنوان ليكون هنا لك معنيان استعماليان بل بمعنى التوسعة في مجال صدق عنوان النقض والاكتفاء بوحدة المتعلقين من حيث الذات سواء كانا متحدين من حيث خصوصية الزمان أم لا فتكون النتيجة حجية الاستصحاب والقاعدة معا بمقتضى هذا الإطلاق العرفي.

وقد يقال بالإجمال وتردد الرواية بين الاستصحاب والقاعدة لعدم تعين ما أريد من حذف المتعلق في المقام ، ولعله من أجل ذلك ذهب المحقق العراقي (قدّس سرّه) إلى إجمالها.

ولكن الصحيح تعين إرادة الاستصحاب منها باعتبار دعوى ان العرف يتعامل مع زمان اليقين والشك بلحاظ زمان متعلقهما فمن يقول كنت على يقين من عدالة زيد في يوم الجمعة يفهم من كلامه انه على يقين بعدالته في يوم الجمعة لا قبله أو بعده فيكون ظاهر قوله من كان على يقين فشك تقدم المتيقن على المشكوك وهذا يناسب الاستصحاب لا القاعدة خصوصا مع ملاحظة ارتكازية الاستصحاب ودلالة الروايات الأخرى عليه بخلاف القاعدة.

الرواية السادسة : مكاتبة علي بن محمد القاساني قال : كتبت إليه وانا بالمدينة عن اليوم الّذي يشك فيه من رمضان هل يصام أم لا؟ فكتب علیه السلام ( اليقين لا يدخل فيه الشك صم للرؤية وأفطر للرؤية ) (1).

وقد فضلها الشيخ على الروايات السابقة في الدلالة على الاستصحاب ولعله من


1) وسائل الشيعة الباب - 3 - من أبواب أحكام شهر رمضان ج 7 ص 184.

جهة عدم تطرق احتمال إرادة قاعدة اليقين أو عدم احتمال عهدية اللام في اليقين والشك.

وأيا ما كان فقد نوقش الاستدلال بها بوجهين :

الأول - ما ذكره المحقق النائيني (قدّس سرّه) من احتمال إرادة المشكوك والمتيقن من الشك واليقين والمعنى لا تدخل اليوم المشكوك في شهر رمضان المبارك ولا تجعله مع أيام هذا الشهر المتيقنة لأن إرادة الاستصحاب منها تتوقف على ان يراد النقض من قوله اليقين لا يدخله الشك وهو خلاف ظاهر هذه المادة.

وفيه : ان المعنى الّذي ذكره وان كان واردا في جملة من الروايات الا ان حمل هذه الرواية عليه خلاف الظاهر وذلك :

أولا - حمل اليقين والشك على المتيقن والمشكوك خلاف الظاهر خصوصا مع كون السياق سياق بيان قاعدة عامة وإرادة تطبيقها في المقام ولهذا قلنا بعدم تطرق احتمال العهد فيها واما إرادة النقض من مادة الدخول فهو ليس بأبعد من إرادة إدخال المشكوك في المتيقن خصوصا مع ورود استعمال نفس المادة في النقض في الصحيحة الثالثة لزرارة.

وثانيا - ما ذكره السيد الأستاذ من أن هذا المعنى خلاف ظاهر التفريع ( صم للرؤية وأفطر للرؤية ) فان هذا التفريع انما ينسجم مع الاستصحاب الّذي يجري في أول الشهر وآخره واما لو أريد منها ما ذكر لزم عدم إدخال يوم الشك من آخر رمضان في شهر رمضان أيضا لأنه مشكوك (1).

الثاني - ما ذكره المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) من ان من يلاحظ روايات الباب يشرف على القطع بإرادة معنى آخر في المقام وهو ان اليقين بدخول الشهر هو الموضوع لترتيب حكم ذلك الشهر فاليقين بدخول رمضان هو موضوع وجوب الصوم واليقين بهلال شهر شوال هو موضوع وجوب الإفطار وعدم الاعتماد على الظنون والاحتمالات وعدم الأخذ بالشك وعدم إدخاله في اليقين بمعنى عدم إلحاقه به في حكمه ، وهذا التفسير لا يرد عليه ما تقدم بالنسبة للتفريع بل هذا التفريع أنسب مع ما ذكر من ان المناط هو


1) مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 67

اليقين بدخول الشهر ورؤية الهلال كما لا يخفى.

ويرده أولا - ما ذكرناه من ظهور السياق في ان الإمام علیه السلام يريد تطبيق كبرى كلية على المقام بينما هذا التفسير يجعل المراد باليقين والشك خصوص اليقين والشك بدخول الشهر من دون ما يدل على إرادة ذلك الخصوص.

وثانيا - حمل الدخول في قوله ( اليقين لا يدخله الشك ) على مجرد المغايرة بين الشك واليقين في الحكم غير عرفي بخلاف ما إذا أريد به النقض الّذي هو نحو إفساد لشيء بإدخال ما ليس من جنسه واستحكامه فيه. واما ما ذكره من ان الملاحظ للروايات يشرف على القطع بإرادة معنى اخر ، فان أريد أخذ اليقين موضوعا للحكم فهذا الأثر له في شيء من الروايات بل لا إشكال في كون اليقين هنا طريق أيضا إلى موضوع وجوب الصوم والإفطار وان أريد نفي حجية الظنون والتخمينات في قبال اليقين الطريقي فهذا وان كان ثابتا في نفسه ولكنه لا يصلح حمل الرواية عليها لأنها تعطي زائدا على ذلك قاعدة عدم وجوب الصوم يوم الشك في آخر شعبان ووجوبه يوم الشك اخر شهر رمضان وهذا لا يكون الا من جهة الاستصحاب.

ثم ان المحقق العراقي (قدّس سرّه) أفاد في المقام بان استصحاب عدم دخول شهر رمضان أو شهر شوال لا ينفي موضوع وجوب الصوم أو الإفطار لأن موضوعهما ليس دخول الشهر بنحو مفاد كان التامة بل اتصاف هذا اليوم بأنه من رمضان أو شوال بنحو مفاد كان الناقصة وهو لا يثبت الا بالملازمة ومن هنا وافق على حمل الرواية على ما ذكره المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) (1).

ويلاحظ على ما أفاده : أولا - ان هذا لا ينبغي ان يكون مانعا عن الأخذ بظهور الرواية على الاستصحاب لو تم في نفسه لما تقدم منه أيضا من ان عدم حجية الأصل المثبت لقصور دليل الحجية لا لمحذور ثبوتي أو إثباتي بل يؤخذ بالظهور ويحكم بحجيته في خصوص المورد.

وثانيا - ما سوف يأتي في محله من إمكان نفي مفاد كان الناقصة في الزمان والزمانيات باستصحاب عدم مفاد كان التامة.


1) نهاية الأفكار القسم الأول من الجزء الرابع ، ص 65

وثالثا - المنع عن أخذ مفاد كان الناقصة قيدا في الوجوب بل في الواجب فقط ، واما شرط فعلية الوجوب فهو نفس دخول الشهر - كما لعله ظاهر الآية المباركة - فيكفي نفي دخوله بنحو مفاد كان التامة لنفي وجوب الصوم وكذلك نفي وجوب الإفطار ، نعم إثبات كون الصوم في يوم الشك من شوال امتثالا للواجب لا يثبت باستصحاب بقاء شهر رمضان بنحو مفاد كان التامة.

وهكذا يثبت تمامية هذه الرواية دلالة لإثبات الاستصحاب ، نعم هي ضعيفة سندا بعلي بن محمد القاساني.

الرواية السابعة : صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : ( سأل أبي عبد اللّه علیه السلام وانا حاضرا اني أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي فاغسله قبل ان أصلي فيه؟ فقال أبو عبد اللّه علیه السلام : صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك فانك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه ) (1)وربما توجد هناك روايات أخرى بهذا المضمون (2)الا ان هذه أحسنها. وهي تدل على الاستصحاب لأنه قد علل الحكم فيها بعدم غسل الثوب الّذي أعاره للكافر باليقين بالطهارة السابقة وعدم اليقين بالانتقاض لا بمجرد عدم العلم بالنجاسة لتحمل على قاعدة الطهارة وهي وان كانت واردة في خصوص الطهارة الخبثية الا انه يمكن استفادة الكلية والتعميم منها بدعوى ظهور سياقها في التعليل وإلقاء القاعدة الكلية خصوصا إذا فرضنا ارتكازية الاستصحاب.

والإنصاف ان هذه الصحيحة من خيرة أحاديث هذه القاعدة الشريفة وهي تمتاز على ما سبق من الروايات بعدة امتيازات :

منها - عدم ورود التعبير باليقين فيها ليتطرق إليها احتمال إرادة قاعدة اليقين وانما ظاهرها أخذ الحالة السابقة نفسها موضوعا للحكم الظاهري بالبقاء وهو صريح في الاستصحاب.

ومنها - ما يتفرع على ذلك من كون موضوع التعبد الاستصحابي فيها نفس الحالة السابقة لا اليقين بها وهذا قد يتفرع عليه بعض النتائج والثمرات من قبيل جريان الاستصحاب .


1) وسائل الشيعة ، ج 2 ، ص 1095 ، النجاسات ، ب 74 ، ح 1

2) من قبيل موثق بكير ( إذا استيقنت انك توضأت فإياك ان تحدث وضوء حتى تستيقن انك لحدثت ).

في موارد ثبوت الحالة السابقة بإحدى الأمارات لا باليقين فان دليل حجية تلك الأمارة بنفسها تنقح موضوع التعبد الاستصحابي بلا حاجة إلى التكلفات التي ارتكبها الأصحاب على ما سوف يظهر.

ومنها - عدم اشتمالها على كلمة النقض فنستريح من شبهة اختصاص الاستصحاب بموارد الشك في المانع لا المقتضي فلو فرض عدم استفادة الإطلاق من تلك الروايات لموارد الشك في المقتضي باعتبار عدم صدق النقض فيها مثلا كفانا إطلاق هذه الصحيحة لإثبات التعميم.

الاستدلال على الاستصحاب بروايات أصالة الحل والطهارة :

ومن جملة ما استدل به على حجية الاستصحاب روايات حلية وطهارة ما لم تعلم حرمته أو نجاسته ، كرواية عمار ( كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر ) ( وكل شيء حلال حتى تعرف انه حرام )

والحديث عن سند رواية عمار وغيرها من روايات القاعدة ذكرناه مفصلا في بحوثنا من الفقه كما ان البحث عن سند روايات الحلية قد تقدم مفصلا في بحوث البراءة الشرعية من الجزء السابق ، وانما البحث هنا عن دلالة هذه الروايات ، وقد اختلف المحققون في مقدار ما يستفاد منها وانه قاعدة واحدة أو أكثر إلى اتجاهات ثلاثة :

الاتجاه الأول - ما ذهب إليه المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) في حاشيته على الرسائل من استفادة قواعد ثلاث منها ، الحكم بالطهارة والحلية الواقعيتين والظاهرتين واستصحابهما.

الاتجاه الثاني - استفادة قاعدتين منها وقد ذهب إلى ذلك المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) أيضا في كفايته فاختار استفادة الحكم الواقعي مع الاستصحاب منها. ونسب الشيخ إلى صاحب الفصول القول باستفادة الطهارة والحلية الظاهريتين والاستصحاب منها.

الاتجاه الثالث - استفادة قاعدة واحدة منها لا أكثر وقد ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء وان اختلفوا في تشخيص القاعدة المستفادة فالمشهور انه قاعدة الطهارة والحلية

الظاهرتين ، وذهب صاحب الحدائق (قدّس سرّه) في حديث الطهارة إلى استفادة الطهارة الواقعية لكل ما لا يعلم نجاسته ، ومال الشيخ إلى استفادة الاستصحاب من مثل قوله علیه السلام ( الماء كله طاهر حتى تعلم انه نجس ) الوارد في خصوص المياه.

اما الاتجاه الأول - فقد ذكر المحقق الخراسانيّ في حاشيته على الرسائل انه بالإمكان استفادة الحكم الواقعي والظاهري من إطلاق الصدر - المغيا - في هذه الأحاديث واستفادة الاستصحاب من ذيلها وهو قوله علیه السلام ( حتى تعلم انه قذر أو حرام ) ومن هنا ينبغي البحث في جهتين :

الجهة الأولى - في إمكان استفادة الحكم الواقعي والظاهري من إطلاق المغيا ويمكن ان يقرب هذا المدعى بأحد تقريبين.

التقريب الأول - التمسك بعموم ( كل شيء ) الأفرادي في هذه الأحاديث للشيء الملازم مع الشك في نجاسته أو حليته كما إذا شك في النجاسة الذاتيّة للحديد مثلا وبإثبات الطهارة أو الحلية فيه - وهي حلية ظاهرية لا محالة - نثبت ذلك في ما لا يكون ملازما مع الشك دائما كموارد النجاسة العرضية المحتملة بالملازمة وعدم احتمال الفرق.

وهذا التقريب واضح الضعف فان شمول العموم لما يلازم الشك في نجاسته الذاتيّة أو حرمته كالكبريت مثلا يثبت طهارته أو حليته واقعا بعنوان كونه كبريتا أي يكون دليلا على الحكم الواقعي ولو فرض الشك فيه مع قطع النّظر عن هذا الإطلاق ومجرد ثبوت هذا الشك فيه أولا لا يجعل الحكم الثابت فيه بعنوان كونه شيئا حكما ظاهريا منوطا بالشك كما لا يخفى.

التقريب الثاني - التمسك بالإطلاق الأحوالي في هذه الأحاديث لحال طرو الشك في نجاسة أو حرمة الشيء وحيث ان هذا الإطلاق الأحوالي يثبت الحكم في هذه الحالة بما هي حالة الشك فيكون ظاهريا لا محالة.

وقد نوقش هذا الكلام من قبل المحققين بمناقشات عديدة :

المناقشة الأولى - ما أفاده جملة من الاعلام من ان الإطلاق رفض للقيود وليس جمع لها فشمول الإطلاق الأحوالي لحال الشك في نجاسة شيء أو حليته لا يعني ثبوت؟ الحكم فيه بعنوان كونه مشكوكا ليكون الشك مأخوذا في موضوع الحكم فيكون

ظاهريا بل هو ثابت لعنوان الشيء بلا أخذ أي قيد من القيود فيه فلا مأخذ لاستفادة الحكم الظاهري من هذا الإطلاق (1).

وهذا الاعتراض صحيح بالمقدار المبين في التقريب ولكنه يمكن ان يطور التقريب بنحو يسلم عن هذا الاعتراض وذلك بان يقال : ان قضية كل شيء طاهر أو حلال بعد ان كان صالحا في نفسه لشمول حالات الشك في نجاسة شيء أو حرمته فلا موجب لرفع اليد عن إطلاقه لحال الشك في الحكم بالنجاسة أو الحرمة الواقعيين الثابتين بدليلهما فدليل حرمة الخمر أو نجاسته مثلا يخرج عن العموم خصوص حالة العلم بالنجاسة أو الحرمة ويتقيد الجعل في العام بالشيء غير المعلوم نجاسته أو حرمته لأن العام لا بد وان يتقيد بنقيض الخاصّ لا محالة ومن هنا يكون قيد الشك وعدم العلم مأخوذا في الحكم بالطهارة والحلية فيستفاد منه الحكم الظاهري في مورد الشك.

الا ان هذا التقريب غير تام أيضا لأن العام بعد ان لم يكن قد أخذ فيه الشك بحسب الفرض يكون ظاهرا في الجعل الواقعي كالخاص فيقع المنافاة بينهما ويجمع بالتخصيص الّذي يعني الكشف عن أخذ نقيض العنوان الخاصّ قيدا في العام فيكون حكما واقعيا أيضا وهذا يعني انه لا بد في المرحلة السابقة من إعمال تقييد في الجعل المنكشف بالعامّ بأخذ نقيض العنوان الخاصّ قيدا فيه لكونه حكما واقعيا مرتبا على واقع الخاصّ فلو كان العام كاشفا عن الجعل الواقعي أيضا كان القيد المأخوذ فيه لا محالة عدم واقع الخاصّ لا عدم العلم به ، وان شئت قلت : ان ظهور الخطاب العام في الواقعية لم يكن في طول إطلاقه لمورد العلم بالعنوان المخصص بل كان في عرضه ولعدم أخذ الشك في لسان دليله ومعه لا محالة يتقيد الجعل بعدم واقع المخصص ومن هنا لم يستشكل أحد في ذلك فقهيا في مورد من الموارد ولم يتوهم فقيه ان يكون أكرم كل عالم مثلا بعد ورود لا تكرم الفاسق مقيدا بالعالم الّذي لا يعلم حرمة إكرامه أو فسقه ليكون حكما ظاهريا في مورد الشك وهذا واضح.

المناقشة الثانية - ما نقله المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) من كتاب الدرر للشيخ


1) بل حتى إذا افترضنا الإطلاق كالعموم يلحظ فيه كل حال حال مع ذلك لم يستفد من ذلك الحكم الظاهري لأن استفادة ذلك انما تكون من جهة أخذ الشك في موضوع الجعل لا المجعول فما لم يرد عنوان الشك في لسان الدليل المتكفل لبيان الجعل لا يمكن استكشاف كونه ظاهريا وهذا الجواب يدفع هذا التقريب حتى بعد تطويره بما في المتن.

الحائري (قدّس سرّه) من لزوم لغوية جعل الطهارة أو الحلية الظاهرية بعد فرض استفادة جعل الطهارة الواقعية لكل شيء إذ لا يبقى مورد يشك في نجاسته أو حرمته.

ويلاحظ عليه : أولا - ان الّذي يوجب لغوية الطهارة أو الحلية الظاهرية وصول الجعل الواقعي المطلق لا ثبوته والعام انما يدل على جعله لا وصوله فقد لا يصل إطلاق الجعل الواقعي في مورد لمعارض أو مخصص أو غير ذلك.

وثانيا - ان أريد إبراز محذور ثبوتي حاصله : ان جعل الحكم الظاهري الترخيصي مع ثبوت الترخيص الواقعي لكل شيء لغو ثبوتا فجوابه : ان الشارع لعله يعلم بان جعله الواقعي ليس مطلقا فالخمر الواقعي المشكوك نجاسته أو حرمته لا ترخيص واقعي فيه فيجعل الترخيص الظاهري من أجل هذه الموارد ، وان أريد إبراز محذور إثباتي حاصله : ان الترخيص الواقعي المطلق وان كان غير مقصود واقعا في تمام الموارد الا ان العموم دال عليه إثباتا ومعه لا يمكن استفادة الترخيص الظاهري من نفس هذا الدليل للتنافي بينهما. فجوابه : ان هناك قرينة متصلة على عدم ثبوت الترخيص الواقعي المطلق متمثلة في ذيل الحديث وهو قوله ( حتى تعلم انه قذر ) بل وفي الارتكاز المتشرعي القائم على ثبوت النجاسة والحرمة في الجملة.

المناقشة الثالثة - ما أفيد من قبل جملة من الاعلام من ان الحكم الظاهري باعتباره في طول الحكم الواقعي فلا يعقل استفادتهما من دليل واحد وجعل واحد ، وقد اختلفت كلماتهم في كيفية تقرير هذه الطولية ووجه استحالة الجمع بينهما في خطاب واحد وبالإمكان تلخيصها ضمن بيانات ثلاثة.

البيان الأول - ما يظهر من عبارات تقرير بحث المحقق النائيني (قدّس سرّه) من ان الحكم الظاهري لكونه منوطا بالشك في الحكم الواقعي فيكون موضوعه متأخرا عن الحكم الواقعي بمرتبتين فلو اتحدا في جعل واحد لزم كون المتأخر متقدما وهو خلف.

وعلق عليه السيد الأستاذ بأنه انما يتم بناء على مسلك صاحب الكفاية (قدّس سرّه) الّذي يرى إيجادية المعاني الإنشائية حيث يقال عندئذ يستحيل إيجاد شيئين طوليين بجعل واحد واما على ما هو الصحيح من ان الإنشاء ليس الا عبارة عن إبراز الاعتبار

النفسانيّ فلا مانع من ان يبرز حكمين طوليين بمبرز واحد (1).

وكل من التعليق والمعلق عليه مما لا يمكن المساعدة عليه.

اما التعليق فلأن قوله ( كل شيء نظيف أو حلال ) تارة يفرض جملة خبرية بمعنى الاخبار عن جعل اخر للطهارة أو الحلية وأخرى يفرض انه بنفسه دليل هذا الجعل فعلى التقدير الأول كما يرتفع الإشكال بناء على مسلكه يرتفع على مسلك صاحب الكفاية أيضا وهو تقدير على خلاف ظاهر الخطاب على كل حال.

وعلى التقدير الثاني فكما يقال بعدم صحة إيجاد إنشاءين طوليين بإيجاد واحد كذلك يقال بعدم صحة إبراز اعتبارين نفسانيين طوليين بإبراز واحد فانه نظير استعمال اللفظ في معنيين.

واما المعلق عليه فلان هذه الطولية لا تمنع عن إمكان جعل الترخيصين الواقعي والظاهري بخطاب واحد ، وذلك :

أولا - لأن الحكم الظاهري ليس في طول واقع الحكم الظاهري بل في طول عنوانه لأن منشأ هذه الطولية أخذ الشك في الواقع في موضوع الظاهر ومن الواضح ان أخذ الشك في الحكم الواقعي موضوعا للحكم الظاهري لا يتوقف على فرض وجود الحكم الواقعي بل مجرد لحاظه فلا طولية بين نفس الجعلين.

وثانيا - لو فرضت الطولية بينهما فليس كل طوليين لا يمكن وجودهما بإيجاد واحد فالكل والاجزاء بينهما طولية رغم انهما يوجدان بوجود واحد ، نعم لو كان ملاك الطولية العلية والتأثير استحال وجودهما بإيجاد واحد. هذا كله لو كان المنظور إليه عالم الجعل كما هو الظاهر واما إذا كان النّظر إلى عالم المجعول اتجه عليه مضافا إلى ما ذكر :

ان غاية ما يلزم في المقام وحدة الجعلين لا المجعولين فان فعلية المجعول يتبع مرحلة الانحلال وتعدد الموضوع خارجا سواء كانا طوليين أم لا.

البيان الثاني - ان الجعل واحد في المقام وهو اما ان يؤخذ في موضوعه الشك أم لا فعلى الأول يكون المستفاد حكما ظاهريا فقط وعلى الثاني يكون واقعيا فحسب فلا يعقل الجمع بينهما.


1) مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 71

وهذا البيان يكون اعتراضا جديدا على فرض كون المناقشة الأولى المتقدمة من ان الإطلاق ليس جمعا للقيود إثباتيا فقط حيث يقال بأنا حتى لو فرضنا الإطلاق جمعا بين القيود إثباتا مع ذلك لا يمكن استفادة الحكمين الواقعي والظاهري من الإطلاق لأن الجعل المنكشف ثبوتا واحد على كل حال وهو اما ان يؤخذ فيه الشك أم لا ولا شق ثالث وعلى كل منهما لا يثبت الا أحد الحكمين لا كلاهما ، واما إذا فرضت تلك المناقشة ثبوتية أيضا كما هو الصحيح - فيرجع هذا البيان إلى تلك المناقشة وان الجمع بين القيود بالنحو المطلوب في المقام يؤدي إلى تعدد موضوع الجعل ثبوتا والجمع بين تعدد الموضوع بهذا المعنى ووحدة الجعل والحكم تهافت كما انها لا ترد هذه المناقشة بناء على التطوير المتقدم منا لكلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه) لأن المأخوذ في الجعل الواحد ان لا يكون الشيء خمرا معلوم النجاسة مثلا فإذا لم يكن خمرا كانت طهارته واقعية لا ترتفع بالشك وان كان خمرا مشكوك النجاسة كانت طهارته ظاهرية (1).

البيان الثالث - لزوم التهافت بحسب عالم الجعل واللحاظ لأن جعل الحكم الظاهري يستدعي لحاظ الحكم الواقعي مفروغا عنه ليفرض الشك فيه بينما جعل الحكم الواقعي يستلزم لحاظه غير مفروغ عنه ليوجد بنفس هذا الجعل فلو أريد استفادة الحكمين من دليل جعل واحد لزم التهافت في كيفية لحاظ الحكم الواقعي حيث لا بد من تصوره في لحاظ واحد بنحوين تارة بما هو شيء لإثبات طهارته واقعا وأخرى بما هو مشكوك طهارته الواقعية لإثبات طهارته ظاهرا وهذا تهافت محال.

وهذا البيان انما يرد بناء على تقريب صاحب الكفاية (قدّس سرّه) حيث كان يرى شمول الحديث لكل شيء مرتين مرة بعنوان كونه شيئا لإثبات حكمه الواقعي وأخرى


1) الإنصاف انه يمكن إرجاع هذا البيان إلى مناقشة جديدة غير ما تقدم وحاصلها : أنه لا يمكن الجمع بين الحكمين الظاهري والواقعي في خطاب واحد حتى إذا افترضنا الإطلاق جمعا بين القيود لأن الخطاب الواحد سواء كان مطلقا أو عاما لا يتكفل الا جعلا واحدا. وحينئذ ان أريد استفادة الحكمين الواقعي والظاهري على أساس ان هناك جعلين مستقلين ثبوتا قد أبرزا بخطاب واحد فهذا خلف ما افترضناه من أن الخطاب الواحد لا يتكفل الا جعلا واحدا وان أريد استفادة ذلك على أساس تصوير جعل واحد جامع بين المطلبين ولو بعنوان طهارة ما لا يكون معلوم النجاسة - كما في الصيغة المطورة لكلام صاحب الكفاية - ويكون هذا الجعل الواحد في مورد غير الخمر الواقعي طهارة واقعية وفي مورد الخمر الواقعي المشكوك طهارة ظاهرية فمثل هذا الجعل الواحد تكون وحدته في عالم الصياغة والتلفيق فقط والا فروح الحكم في مورده متعدد لتباين روح الحكم الواقعي عن الحكم الظاهري فلا يمكن استفادتهما معا من خطاب واحد عرفا فانه أشبه باستعمال اللفظ الواحد في معنيين بلحاظ مرحلة المدلول الجدي.

بعنوان كونه مشكوكا لإثبات حكمه الظاهري وأما بناء على التقريب المتقدم منا لتطوير كلامه فلا يلزم أي تهافت لأن الجعل مقيد بما لا يكون خمرا معلوم النجاسة وهذا في مورد عدم الخمرية له إطلاق واحد يثبت طهارة واقعية لا غير وفي مورد الخمر المشكوك أيضا له إطلاق واحد يثبت طهارة ظاهرية لا غير وكونها أخذ في موضوعها الشك في الحكم الواقعي لا ينبغي توقفها على جعل ذلك الحكم الواقعي بل على لحاظه وتصوره ولو لم يكن مجعولا أصلا.

المناقشة الرابعة - ما أفاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) من لزوم التهافت بلحاظ الغاية أي قوله ( حتى تعلم انه قذر أو حرام ) فانه بناء على استفادة الجعل الواقعي للطهارة والحلية لا بد وان تحمل الغاية على الطريقية وبناء على استفادة الجعل الظاهري لا بد وان تحمل على الموضوعية لأن عدم العلم مأخوذ في موضوع الحكم الظاهري دائما فاستفادة الحكمين معا يلزم منه الجمع بين اللحاظين المتهافتين في طرف الغاية.

وهذا الاعتراض انما يتجه لو جعلت الغاية راجعة إلى الصدر لا إلى حكم ثالث هو الاستصحاب كما هو مرام صاحب الكفاية في حاشيته على الرسائل ، نعم إرجاعها إلى ذلك لا إلى الحكم المبين في الصدر في نفسه خلاف الظاهر على ما سوف يأتي.

ثم ان هنا مناقشة أخرى قد تثار وهي دعوى لزوم استعمال لفظ طاهر أو حلال في معنيين أحدهما الطهارة الواقعية الحقيقية والأخرى الظاهرية الاعتبارية وهما مختلفان حتى إذا فرضنا الطهارة الواقعية امرا اعتباريا كالحلية الواقعية لأنه يختلف على كل حال عن الحكم الظاهري الّذي هو مجرد تعبد وتنزيل.

الا ان هذا الاعتراض غير متجه لأن المدلول اللفظي للكلمة واحد على كل حال مهما فسرنا واقع المعنى وحقيقته الخارجية فلا يلزم استعمال اللفظ في غير معنى واحد كما لا يخفى.

وهكذا يتضح في الجهة الأولى عدم إمكان استفادة الترخيص الواقعي والظاهري معا من المغيا في هذه الأحاديث.

الجهة الثانية - في استفادة الاستصحاب من ذيلها وقد أفاد المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) في وجهه : ان كلمة ( حتى ) تدل على الاستمرار فكأنه قال كل شيء طاهر وطهارته مستمرة إلى العلم بالقذارة وحيث ان الغاية هي العلم فتدل على ان الاستمرار المذكور

تعبدي لا واقعي.

ولنا حول هذا الكلام تعليقات عديدة :

التعليق الأول - إنكار أصل دلالة حتى على مفهوم الاستمرار وانما تدل على غائية ما بعدها المستلزمة عقلا للاستمرار وهذا يعني ان الاستمرار يستفاد كلازم عقلي منتزع عما هو مدلول اللفظ وليس مفادا مطابقيا له ليقال بان الشارع قد جعل هذا الاستمرار وارجع إليه القيد فيأتي احتمال إرادة الاستصحاب منه الّذي هو نحو استمرار تعبدي.

التعليق الثاني - لو سلمنا دلالة ( حتى ) على الاستمرار لغة كمدلول مطابقي للكلام فلا ينبغي الشك في ان الاستمرار المفاد بها هو الاستمرار بنحو المعنى الحرفي النسبي الناقص لا بنحو المعنى الاسمي الملحوظ استقلالا وهذا ما يمنع عن إمكان إرادة الاستصحاب منه لعدة محاذير ثبوتية :

منها - ان الاستمرار الحرفي مدلول غير مستقل وجزء تحليلي ونسبة ناقصة بين الغاية والمغيا فيستحيل إرجاع قيد عدم العلم إليه ليكون بمعنى التعبد بالاستمرار والاستصحاب ما دام لم يعلم لأن رجوع القيد إلى معنى فرع ان يكون ذلك المعنى ملحوظا لحاظا استقلاليا نعم لو كانت النسبة الاستمرارية تامة كالنسبة التامة في طرف الجزاء أمكن تقييدها بالشرط كما في الجملة الشرطية وقد نقحنا ذلك مفصلا في مباحث الألفاظ.

ومنها - ان الاستمرار بنحو المعنى الحرفي بعد ان كان نسبة ناقصة تكون لا محالة استمرارا حقيقيا للمغيا وحدا له وهذا يناقض إرادة الاستمرار الاستصحابي لأنه استمرار عنائي وتعبدي للمستصحب وهذا أيضا من نتائج كون الاستمرار المفاد بحتى مدلولا ناقصا آليا.

ومنها - ان الاستمرار الاستصحابي العنائي لا بد من أخذ الشك في الحكم الواقعي في موضوعه فيستحيل ان يفاد ذلك بما يدل على جزء تحليلي وحد للحكم الواقعي نفسه فان هذا يحتاج إلى لحاظ مستقل للاستمرار.

التعليق الثالث - لو فرضنا استفادة الاستمرار بنحو المعنى الاسمي المستقل من الأداة في المقام كما إذا قال ( كل شيء طاهر طهارة مستمرة إلى ان تعلم بالقذارة ) مع ذلك لا يمكن استفادة الاستصحاب مع الحكم الواقعي منه إذ لو أريد استفادتهما معا

ضمن جعل واحد فهذا فيه المحاذير المتقدمة في استفادة القاعدة والطهارة الواقعية لأن الجعل الاستصحابي مأخوذ في موضوعه الشك في بقاء المستصحب والفراغ عنه فيستحيل ان يكون جعله بنفس جعل المستصحب وإيجاده بل لا بد من وجود جعلين مستقلين ثبوتا ، ولو أريد استفادته ضمن جعلين من دليل واحد كما إذا قال ( كل شيء طاهر وهذه الطهارة مستمرة إلى ان تعلم انه قذر ) فهذا وان كان معقولا في نفسه الا انه يتوقف على ان يتضمن الكلام نسبتين تامتين ويكون هناك حذف في الجملة كما في التعبير المذكور مع انه لا إشكال في ان جملة ( كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر ) لا تشتمل الا على نسبة تامة واحدة لا نسبتين ، وافتراض الحذف المذكور وإرجاع القيد إليه خلاف الظاهر جدا ، وحينئذ اما ان تكون هذه النسبة بإزاء المستصحب أي الطهارة المجعولة لكل شيء أو بإزاء الاستصحاب ، ولا إشكال عرفا ولغة في ان المستفاد منها جعلها بإزاء الطهارة المجعولة لكل شيء وكون الغاية قيدا لها على ما سوف يأتي مزيد شرح لذلك.

لا يقال - هذه التعليقات الثلاث انما ترد إذا أريد استفادة الاستصحاب من كلمة ( حتى ) واما إذا أريد استفادته من إطلاق طاهر أو حلال الأحوالي في ( كل شيء طاهر أو حلال ) الشامل لحال الشك في البقاء أو بقرينة الغاية فيكون الإطلاق في غير مورد الشك منتجا لحكم واقعي وفي مورد الشك في البقاء منتجا لحكم استصحابي فلا يرد شيء من الكلمات الثلاث.

فانه يقال - بل ترد التعليقات الثلاث على هذا التقريب أيضا لأن الإطلاق ليس مدلولا لفظيا مطابقيا للكلام على ما نقح في محله بل هو مدلول تصديقي يكشف عن عدم أخذ قيد ثبوتا زائدا على ما ذكر إثباتا ولهذا كان الإطلاق رفضا للقيود لا جمعها ولحاظها ، فلا يمكن ان يستفاد من الإطلاق إفادة الاستمرار إثباتا ليرجع القيد إليه كما انه استمرار حقيقي للمستصحب بنحو المعنى الحرفي غير الملحوظ استقلالا فلا يمكن استفادة الاستمرار التعبدي الّذي يحتاج إلى اللحاظ الاستقلالي منه كما انه لا يجدي في إثبات تعدد الجعل الّذي لا يمكن استفادة الاستصحاب الا على أساسه.

ثم انه يرد على صاحب الكفاية في هذا الاتجاه الّذي اختاره في الحاشية ما سوف نورده على اتجاه صاحب الفصول (قدّس سرّه) من لزوم إرجاع الغاية قيدا لكل من الاستمرار

الاستصحابي والحكم بالطهارة لكل شيء أي للاستمرار والمستمر معا لكي يمكن استفادة الطهارة الظاهرية من الصدر أيضا وهذا بنفسه محذور اخر سوف يأتي الحديث عنه.

كما ان لازم استفادة الحكم الواقعي والظاهري معا في طرف المغيا إرجاع الاستمرار التعبدي الاستصحابي إليهما معا فكما يجري استصحاب الطهارة الواقعية عند الشك في بقائها يجري استصحاب الطهارة الظاهرية عند الشك في بقائها ، ولكن الشك في بقاء الطهارة الظاهرية لا يتعقل الا بنحو الشك في النسخ أو الشك في وجود حاكم على الطهارة الظاهرية بنحو الشبهة الحكمية - كما لو شك في حجية مطلق الظن بالنجاسة وافترض ان الثابت الطهارة الظاهرية بنحو القضية المهملة - أو بنحو الشبهة الموضوعية كما لو شك في قيام خبر الثقة على ذلك ، وكل الصور الثلاثة لا يناسب إرادة شيء منها في المقام.

اما الشك في نسخ الطهارة الظاهرية فلان الغاية لها عندئذ ليس هو العلم بالقذارة بل بالنسخ واما الشك في جعل حكم ظاهري على خلافها بنحو الشبهة الحكمية فائضا يكون المناسب حينئذ جعل العلم بالنجاسة الظاهرة التعبدية أي بالحجة على النجاسة غاية لا العلم بالنجاسة الواقعية على ان المغيا بنفسه بصدد بيان الحكم الظاهري بالطهارة أو الحلية فلا يناسب ان يبين حكم الشك في حدودها بنحو الشبهة الحكمية.

واما الشك في قيام أمارة بنحو الشبهة الموضوعية فمضافا إلى لزوم جعل الغاية العلم بقيام الحجة على القذارة ، ان هذا بنفسه يستبطن افتراض وجود قيد للطهارة الظاهرية ترتفع به وهو خلاف إطلاق المغيا في إثبات الطهارة الظاهرية وعدم كونها مهملة من هذه الناحية.

وعندئذ يقال : لو أريد إرجاع الاستمرار الاستصحابي إلى الطهارة الواقعية المستفادة من المغيا فقط كان خلاف الظاهر إذ معناه رجوع الغاية إلى جزء مدلول المغيا وان أريد إرجاعه إلى الطهارة الظاهرية المستفادة منه أيضا ، فقد عرفت انه لا توجد صورة مناسبة للشك في بقاء الطهارة الظاهرية يمكن ان يكون العلم بالقذارة غاية لها وان أريد إرجاعه إلى الجامع بين الطهارتين وان كلي الطهارة ثابتة مستمرة

عند الشك حتى يعلم بالقذارة بدعوى ان عمر الجامع الاستصحابي أطول لا محالة فحتى مع العلم بارتفاع الطهارة الظاهرية يبقى مجال لاستصحاب الطهارة الواقعية ما لم يعلم بالنجاسة ، فهذا مضافا إلى عدم جدواه في مورد احتمال النجاسة من أول الأمر ، خلاف الظاهر أيضا فان ظاهر الغاية رجوعها إلى تمام المغيا لا صرف الوجود منه ، وان أريد إرجاع الغاية وهي العلم بالنجاسة إلى الطهارة الواقعية لإفادة الاستمرار الحقيقي وبيان حد الطهارة الظاهرية وانها لا ترتفع الا بالعلم بالنجاسة ، فهذا أيضا خلاف الظاهر إذ يشبه استعمال اللفظ في معنيين لأن الاستمرار العنائي غير الاستمرار الحقيقي (1).

وهكذا يظهر ان الاتجاه الأول والّذي كان يهدف استفادة الطهارة أو الحلية الواقعية والظاهرية والاستصحاب من هذه الأدلة غير تام.

واما الاتجاه الثاني الّذي كان يهدف استفادة امرين من الأمور الثلاثة المتقدمة في الاتجاه السابق ففيه قولان :

أحدهما - للمحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) في الكفاية وهو دعوى استفادة الحكم الواقعي والاستصحاب.

والاخر - استفادة الحكم الظاهري والاستصحاب وقد نسبه الشيخ (قدّس سرّه) إلى صاحب الفصول.

اما القول الأول فقد اتضحت نكاته ووجه الاستدلال فيه عند البحث عن الاتجاه الأول حيث عرفت ان استفادة الاستصحاب من الذيل بحاجة إلى افتراض دلالة ( حتى ) أو الإطلاق في المغيا بلحاظ الغاية أو فرض تقدير وحذف في الجملة على إرادة الاستمرار الاستصحابي ، وكل هذه الوجوه غير تامة كما لا يساعد عليه مقام الإثبات.

واما القول الثاني المنسوب إلى صاحب الفصول فيرد عليه : مضافا إلى ما تقدم من محاذير الجمع بين جعلين في خطاب واحد ونسبة تامة واحدة وعدم معقولية الشك في


1) ظهور الغاية في الرجوع إلى تمام المغيا لا جزؤه انما يصح إذا كانت النسبة التامة في الجملة واحدة واما بناء على افتراض تعددها واستفادة جعلين فلا موضوع لأصل هذا الإشكال بل يكون الجعل الثاني حينئذ ان الطهارة - سواء كانت واقعية أم ظاهرية - كلما تحقق الشك في بقائها فهي مستمرة وهي قضية مستقلة مجعولة على نهج القضية الحقيقية الشرطية.

بقاء الحكم الظاهري بنحو يكون العلم بالقذارة غاية له. ان الغاية وهي عدم العلم بالقذارة لا بد من إرجاعها على هذا القول تارة كحد مأخوذ في موضوع المغيا ليدل على الحكم الظاهري فيكون الاستمرار له حقيقيا ، وأخرى إلى نفس الاستصحاب عند الشك في بقاء ذلك الحكم الظاهري وهذا بنفسه يتضمن محذورا جديدا زائدا على ما تقدم ، إذ مضافا إلى انه أشبه باستعمال اللفظ في معنيين مختلفين للتباين بين الاستمرارين يلزم التهافت في اللحاظ ، لأن الغاية لا بد من إرجاعها مرة إلى المغيا لاستفادة الحكم الظاهري منه ، ومرة أخرى وفي طول ذلك لاستفادة الاستمرار الاستصحابي عند الشك في بقاء ذلك الحكم الظاهري.

نعم لو أريد استفادة الاستمرار الاستصحابي من إطلاق الحكم بالطهارة أو الحلية لمرحلة الشك في البقاء مع افتراض رجوع الغاية إلى موضوع الحكم الظاهري المستفاد من المغيا لم يرد هذا المحذور الا انه في نفسه تقريب غير صحيح كما تقدم وجهه.

واما الاتجاه الثالث والصحيح الّذي كان يهدف استفادة مطلب واحد من هذه الروايات ففيه أقوال ثلاثة :

القول الأول - استفادة الطهارة الواقعية وحدها من قوله ( كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر ) وقد ذهب إلى ذلك صاحب الحدائق (قدّس سرّه) (1)وقد يقرب هذا المدعى بأن التقابل في الحديث بين كلمتي نظيف وقذر يقتضي إرادة معنى واحد منهما وحيث انه لا إشكال في إرادة القذارة الواقعية من الذيل فيراد بكلمة نظيف النظيف الواقعي أيضا.

ويلاحظ على هذا القول : إن فرض العلم بالقذارة طريقيا بان كانت الغاية نفس القذارة فهذا مضافا إلى كونه خلاف الظاهر الأولى في الموارد التي يمكن ان يكون اليقين والشك مأخوذا فيها على نحو الموضوعية كما في المقام ، غير معقول ثبوتا ولغو عرفا لأن معناه أخذ عدم أحد الضدين أو النقيضين في موضوع الاخر اللّهم الا مع تأويلات وتكلفات غير عرفية.

وان فرض العلم بالقذارة موضوعا في الحكم بالطهارة الواقعية فهو غير معقول ثبوتا وغير عرفي إثباتا.


1) الحدائق الناظرة ، ج 1 ، ص 136

اما وجه عدم معقوليته فباعتبار لزوم أخذ العلم بالنجاسة في موضوعها وهو محال ، اما إذا قلنا بان النجاسة امر تكويني كشف عنه الشارع فواضح ، واما على القول بكونها مجعولا اعتباريا فلاستحالة أخذ العلم بالحكم بمعنى المجعول في موضوع نفسه على ما حقق في محله ، نعم أخذ العلم بالجعل في موضوع فعلية المجعول معقول في نفسه كما حققناه ولكنه خلاف ظاهر الدليل فان ظاهره أخذ العلم بالقذارة المجعولة غاية للحكم بالطهارة لا أخذ العلم بجعل النجاسة وتشريعها ، واما وجه عدم العرفية فلان المرتكز لدى العرف ان النجاسة والطهارة الواقعيتين امران مطلقان لا يختلفان من شخص إلى آخر - كما في الأحكام الظاهرية - وأخذ بالعلم بالقذارة موضوعا للطهارة الواقعية يجعلها كذلك وهو غير عرفي في الأحكام الواقعية.

القول الثاني - استفادة الاستصحاب وحده ، وقد احتمله الشيخ في مثل الماء كله طاهر حتى تعلم انه قذر ، وهذا يستلزم ان يفرض طهارة الشيء في نفسه مفروغا عنها ويراد الحكم ببقائها واستمرارها عند الشك.

وفيه : انه خلاف الظاهر لوضوح ان قوله ( كل شيء نظيف ) بل وهكذا ( الماء كله طاهر ) قد جعل فيه الحكم بالطهارة محمولا وطرفا للنسبة التامة فيراد جعله بنفس هذا الجعل لا انه فرض مفروغا عنها ليجعل استمرارها.

هذا مضافا إلى ان النّظر لو كان إلى جعل الاستمرار التعبدي عند الشك في البقاء كان ينبغي افتراض الشك في ذلك مع اليقين بالحالة السابقة أو الإشارة إلى الفراغ عن ثبوتها لدى المكلف للإحالة عليه وجعله مرجعا عند الشك ، وكل ذلك لا عين له ولا أثر في لسان الحديث ، بل ظاهره كفاية نفس الشك وعدم العلم بالقذارة في الحكم بالطهارة كما صرح بذلك في ذيل الحديث ( فإذا علمت انه قذر فليس عليك شيء ) فحمل الحديث على الاستصحاب بعيد غاية البعد.

القول الثالث - استفادة قاعدة الطهارة والحلية الظاهريتين فقط. وهذا هو الصحيح سواء جعلنا الغاية ( حتى تعلم ) قيدا للموضوع أو للمحمول بان يكون المجعول هو الطهارة أو الحلية المغياة بذلك ، فانه بعد ما اتضح بطلان الأقوال والاحتمالات السابقة يتعين هذا القول في مفاد هذه الروايات. بل وتدل عليه ما ورد في ذيلها ( فإذا علمت أنه قذر فليس عليك شيء ) و ( حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه ) فان هذه

الجمل كالصريحة في الدلالة على ان النّظر إلى بيان الوظيفة العملية عند الشك وتردد الحكم الواقعي فيكون المستفاد منها القاعدة الظاهرية (1)

هذا ولكن الصحيح عدم تمامية هذا الاستظهار أيضا لأن من المحتمل ان المراد جعل طهارة ظاهرية في خصوص باب المياه لأهمية المصالح الترخيصية فيها بالخصوص وأولويتها على المصالح الإلزامية وهذا الحكم الظاهري بالطهارة يكون الماء بخصوصية موضوعا له وبهذا يحافظ على ظهور أخذ العنوان في الموضوعية وظهور الذيل المغيا بالعلم في ان المجعول هو الطهارة الظاهرية لا الواقعية.

على أنه لو سلم ما ذكر فالنتيجة نفس النتيجة أيضا لأن الصدر لا بد وان يكون مجرد إشارة إلى الطهارة الواقعية المفروغ عنها ولا يمكن أن يكون بصدد جعلها للزوم محذور الجمع بين الجعلين الطوليين كما تقدم فما يكون بصدد جعله هو الطهارة المغياة بالعلم بالقذارة وهي الطهارة الظاهرية واما الاستصحاب والاستمرار فلا دال عليه في هذه الألسنة فلا وجه لاستفادته منها.

. ولو فرض إجمال الحديث وعدم وضوح دلالتها على الحكم الظاهري أمكننا ان نعين ذلك بضم إطلاق أدلة الأحكام الواقعية الّذي يقتضي انحفاظها حال الشك فينتج بالملازمة ان الحكم المفاد بهذه الروايات طهارة وحلية ظاهريتين لا واقعيتين.

وبهذا ينتهي استعراض الأدلة المتنوعة على الاستصحاب وقد ظهر تمامية الدليل على حجيته كبرويا.


1) هذا في مثل كل شيء نظيف أو حلال واضح لا غبار عليه واما قوله ( الماء كله طاهر ) فحيث أسند فيه الحكم إلى الماء الّذي هو عنوان واقعي خاص فقد يقال بظهور صدره في بيان الحكم الواقعي لطهارة الماء لا الظاهري لأن الطهارة الظاهرية موضوعها الشيء المشكوك لا الماء بالخصوص فظهور الصدر في موضوعية الماء بعنوانه في الحكم بالطهارة المستلزم لكون الطهارة المجعولة فيه واقعية لا ظاهرية لا وجه لرفع اليد عنها ولعله لهذا اختار الشيخ دلالته على الاستصحاب بحمل الصدر على الإشارة إلى الطهارة الواقعية للماء والفراغ عنها وبذيلها على التعبد باستمرار الطهارة حتى العلم بالقذارة.

أركان الاستصحاب :

اشارة

يستفاد من كلامهم عادة ان للاستصحاب أربعة أركان هي اليقين بالحدوث ، والشك في البقاء ، ووحدة القضية المتيقنة والمشكوكة ، وكون الحالة السابقة في مرحلة البقاء ذات أثر عملي مصحح للتعبد بها. وينبغي تمحيص حال هذه الأركان.

اما بالنسبة إلى اليقين بالحدوث فالمشهور ركنيته في قاعدة الاستصحاب ومعنى ذلك ان المجرد ثبوت الحالة السابقة لا يكفي لجريان الاستصحاب وانما يجري الاستصحاب إذا كانت الحالة السابقة متيقنة ، ووجه ركنية هذا الركن أخذ اليقين في ألسنة الروايات الظاهر في موضوعيته للتعبد الاستصحابي لا طريقيته.

وهذا الكلام لئن كان صحيحا بالنسبة إلى صحاح زرارة المتقدمة فهو غير تام بالنسبة إلى صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة كما أشرنا إلى ذلك آنفا ، لأن التعبد الاستصحابي بناء على استفادته منها قد جعل موضوعه نفس الحالة السابقة حيث قال الإمام علیه السلام فيها ( لأنك أعرته إياه وهو طاهر ) وظاهره ركنية ذات المتيقن لا اليقين ، وحينئذ تصلح لأن تكون قرينة على حمل اليقين في سائر الروايات على الطريقية الّذي هو أمر عرفي أيضا في نفسه لأن اليقين والعلم والظن من العناوين التي تصلح في نفسها لأخذها على نحو الطريقية وان كان في باب الأحكام الظاهرية يصلح أخذها على نحو الموضوعية أيضا. وقد ذكرنا ان من آثار أخذ المتيقن موضوعا لا اليقين جريان الاستصحاب في موارد ثبوت الحالة السابقة بالأمارة وسوف يأتي تفصيل البحث عن

ذلك في موضعه.

واما الركن الثاني وهو الشك في البقاء فيمكن ان يستند في ركنيته إلى أحد وجهين :

1 - ان الاستصحاب حكم ظاهري وهو متقوم بالشك فان فرض الشك في الحدوث كان موردا لقاعدة اليقين فلا بد وان يفرض الشك في البقاء لا محالة.

2 - استظهار ذلك من ألسنة الروايات المتقدمة.

هذا ، والتحقيق ، ان بين المستندين فرقا من ناحية ان الوجه الأول لا يقتضي أكثر من ركنية الشك بنحو لا يكون ساريا إلى اليقين سواء كان شكا في البقاء أم لا ، وهذا بخلاف الوجه الثاني فانه يثبت لزوم كون الشك في البقاء ، ويترتب على ذلك ثمرتان :

إحداهما - ان الاستصحاب لا يجري في الفرد المردد كما إذا علمنا بوجود زيد أو عمر في المسجد ونشك في بقائه من جهة انا رأينا زيدا خارج المسجد بالفعل فانه هنا تارة يكون الأثر مترتبا على وجود طبيعي الإنسان في المسجد فيجري استصحاب الكلي وهو من القسم الثاني ويترتب عليه الأثر ، وأخرى يفرض ان الأثر مرتب على الافراد بما هي افراد لا الجامع فقد وقع البحث في إمكان إجراء استصحاب واقع ذاك الفرد الّذي علم إجمالا دخوله إلى المسجد حيث انه بهذا العنوان الإجمالي يحتمل بقاؤه فيه وهذا هو المراد باستصحاب الفرد المردد ، والصحيح عدم جريانه لانثلام هذا الركن فيه لأننا حينما نلحظ الافراد بعناوينها التفصيلية لا نجد شكا في البقاء على كل تقدير إذ لا يحتمل بقاء زيد بحسب الفرض ، وإذا لاحظناها بعنوان إجمالي كالإنسان أو أي عنوان إجمالي آخر فالشك في البقاء محفوظ فيه الا ان المفروض عدم ترتب الأثر على هذا العنوان الإجمالي فالركن الرابع غير متوفر ، وسوف يأتي مزيد توضيح لذلك في بحوث قادمة ، والّذي نريد توضيحه هنا : ان عدم جريان استصحاب الفرد المردد انما هو من نتائج ركنية الشك في البقاء بالوجه الثاني أي استنادا إلى ظهور الدليل ولا يكفي فيه الوجه الأول إذ لا يأبى العقل عن تعبد الشارع ببقاء الفرد الواقعي مع احتمال قطعنا بخروجه فمجال جعل الحكم الظاهري محفوظ فيه.

الثانية - ان زمان المتيقن قد لا يكون متصلا بزمان المشكوك وسابقا عليه بل يكون

مرددا بين ان يكون نفس زمان المشكوك أو الزمان الّذي قبله كما إذا حصل العلم إجمالا بأن هذا الثوب اما تنجس الآن أو كان قد تنجس قبل ساعة وطهر ، فالنجاسة معلومة التحقق في هذا الثوب أساسا ولكنها مشكوكة فعلا وزمان المشكوك اللحظة الحاضرة وزمان النجاسة المتيقنة لعله نفس زمان المشكوك ولعله قبله فلا يكون زمان المتيقن متصلا بزمان المشكوك وسابقا عليه على كل تقدير ، وفي مثل ذلك قد يستشكل في جريان الاستصحاب لأن من المحتمل وحدة زماني المشكوك والمتيقن وعلى هذا التقدير لا يكون أحدهما بقاء للآخر فلا يحرز كون الشك فيه شكا في البقاء وبذلك يختل هذا الركن من أركان الاستصحاب فلا يجري الاستصحاب في كل الحالات التي يكون زمان المتيقن فيها مرددا بين زمان المشكوك وما قبله ، وهذا أيضا من نتائج أخذ الشك في البقاء في الاستصحاب بالوجه الثاني لا الأول.

ولكن الصحيح ان الشك في البقاء لو كان مأخوذا بهذا العنوان صريحا في ألسنة الروايات صح ما ذكر ولكنه ليس مأخوذا كذلك وانما يستفاد ذلك من أخذ الشك بعد اليقين فيها وهو يلائم كل شك متعلق بما يفرغ عن كونه متيقنا سواء صدق عليه الشك في البقاء بعنوانه أم لا. وبهذا البيان سوف يظهر جريان الاستصحاب في موارد توارد الحالتين في نفسه غاية الأمر سقوطه بالتعارض وسيأتي الحديث عنه مفصلا.

ثم انه قد يصاغ الركن الثاني بصياغة أخرى فيقال : ان الاستصحاب متقوم بان يكون رفع اليد عن الحالة السابقة نقضا لليقين بالشك ، ويفرع على ذلك بأنه متى ما لم يحرز ذلك واحتمل كونه نقضا لليقين باليقين فلا يشمله النهي في عموم دليل الاستصحاب ، وقد مثل ذلك بما إذا علم بطهارة الإناءين ثم علم بنجاسة أحدهما فان المعلوم بالعلم الإجمالي لما كان مرددا بين تلك الأشياء فكل واحد منهما يحتمل ان يكون معلوم النجاسة وبالتالي يحتمل ان يكون رفع اليد عن الحالة السابقة فيه نقضا لليقين باليقين فلا يجري الاستصحاب في نفسه بقطع النّظر عن المعارضة.

ونلاحظ على ذلك أولا - ما تقدم مرارا من ان العلم الإجمالي لا يتعلق بالواقع بل بالجامع فلا يحتمل ان يكون أي واحد منهما معلوم النجاسة.

وثانيا - لو سلمنا ان العلم الإجمالي يتعلق بالواقع فهو يتعلق به على نحو يلائم مع

الشك فيه ويجتمع معه ودليل الاستصحاب مفاده انه لا يرفع اليد عن الحالة السابقة في كل مورد يكون بقاؤها فيه مشكوكا وهذا يشمل محل الكلام حتى لو انطبق العلم الإجمالي بالنجاسة على نفس المورد أيضا.

فان قيل : بل لا يشمل لأننا حينئذ لا ننقض اليقين بالشك بل باليقين.

كان الجواب : ان الباء هنا لا يراد بها النهي عن النقض لسبب الشك والا للزم إمكان النقض بالقرعة أو الاستخارة بل يراد بذلك انه لا نقض في حالة الشك وهي محفوظة في المقام.

واما الركن الثالث وهو وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة فالوجه فيه انه مع تغاير القضيتين لا يكون الشك شكا في البقاء بل في حدوث قضية جديدة ، الا ان هذا بحسب الحقيقة ليس ركنا جديدا مضافا إلى الركن السابق بل هو مستنبط منه وتعبير اخر عنه. وقد طبق هذا الركن على الاستصحاب في كل من الشبهات الموضوعية والحكمية وواجه في كل من المجالين بعض المشاكل والصعوبات كما نرى فيما يلي.

أولا - تطبيقه في الشبهات الموضوعية.

جاء في إفادات الشيخ الأنصاري ( قدس اللّه روحه ) التعبير عن هذا الركن بالصياغة التالية : انه يعتبر في جريان الاستصحاب إحراز بقاء الموضوع إذ مع تبدل الموضوع لا يكون الشك شكا في البقاء فلا يمكنك مثلا ان تستصحب نجاسة الخشب بعد استحالته وصيرورته رمادا لأن موضوع النجاسة المتيقنة لم يبق ، وهذه الصياغة سببت الإشكال في جريان الاستصحاب فيما إذا كان المشكوك أصل وجود الشيء بقاء لأن موضوع الوجود الماهية ولا بقاء للماهية الا بالوجود فمع الشك في وجودها بقاء لا يمكن إحراز بقاء الموضوع فكيف يجري الاستصحاب؟

وكذلك سببت الاستشكال أحيانا فيما إذا كان المشكوك من الصفات والمحمولات الثانوية المتأخرة عن وجود الشيء كعدالة زيد ، وذلك لأن زيدا العادل تارة يشك في بقاء عدالته مع العلم ببقائه حيا ففي مثل ذلك يجري استصحاب العدالة بلا إشكال لأن موضوعها وهو حياة زيد معلوم البقاء ، وأخرى يشك في بقاء زيد حيا ويشك أيضا في بقاء عدالته على تقدير حياته وفي مثل ذلك كيف يجري استصحاب

بقاء العدالة مع ان موضوعها غير محرز؟

وهذه الاستشكالات نشأت من الصياغة المذكورة وهي لا مبرر لها ومن هنا عدل صاحب الكفاية عنها إلى القول بان المعتبر في الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة وهي محفوظة في موارد الإشكال الآنفة الذّكر ، واما افتراض المستصحب عرضا وافتراض موضوع له واشتراط إحراز بقائه فلا موجب لذلك ، وما ورد في تعبيرات الشيخ (قدّس سرّه) من استحالة قيام العرض في الخارج بلا موضوع ، واضح الجواب فان الاستصحاب ليس الا تعبدا ببقاء المستصحب حتى إذا كان عرضا حقيقيا فضلا عما إذا كان امرا اعتباريا ولا يشترط في هذا التعبد عدى ترتب الأثر على المتعبد به بقاء فإذا فرض ترتبه على ثبوت قضية ( زيد عادل ) المتيقنة سابقا أمكن التعبد الاستصحابي ببقائه سواء كان تمام الموضوع في ثبوت هذا الأثر عدالة زيد أي وجود تلك العدالة أو كان الموضوع مركبا من وجود زيد وعدالته ، فالميزان على كل حال وحدة القضية المشكوكة والمتيقنة المبرر لصدق نقض اليقين بالشك.

وثانيا - تطبيقه في الشبهات الحكمية.

وعند تطبيق هذا الركن على الاستصحاب في الشبهات الحكمية نشأت بعض المشاكل أيضا إذ لوحظ انا حين نأخذ بالصياغة الثانية له التي اختارها صاحب الكفاية (قدّس سرّه) نجد ان وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة لا يمكن افتراضها في الشبهة الحكمية الا في حالات الشك في النسخ بمعنى إلغاء الجعل - أي النسخ بمعناه الحقيقي - واما حيث لا يحتمل النسخ فلا يمكن ان ينشأ شك في نفس القضية المتيقنة وانما يشك في بقاء حكمها حينئذ إذا تغيرت بعض القيود والخصوصيات المأخوذة فيها وذلك بأحد وجهين : اما بان تكون خصوصية ما دخيلة يقينا في حدوث الحكم ويشك في إناطة بقائه ببقائها فترتفع الخصوصية ويشك حينئذ في بقاء الحكم كالشك في نجاسة الماء بعد زوال تغيره ، واما بان تكون خصوصية ما مشكوكة الدخل من أول الأمر في ثبوت الحكم فيفرض وجودها في القضية المتيقنة إذ لا يقين بالحكم بدونها ثم ترتفع فيحصل الشك في بقاء الحكم ، وفي كل من هذين الوجهين لا وحدة بين القضية المشكوكة والمتيقنة.

كما أنا حين نأخذ بالصياغة الأولى لهذا الركن نلاحظ ان موضوع الحكم عبارة عن مجموع ما أخذ مفروض الوجود في مقام جعله والموضوع بهذا المعنى غير محرز البقاء في الشبهات الحكمية لأن الشك في بقاء الحكم ينشأ من الشك في انحفاظ تمام الخصوصيات المفروضة الوجود في مقام جعله والا لم يقع شك في الحكم.

وللإجابة عن هذه الشبهة طريقان :

الطريق الأول - ان يقال بان اشتراط بقاء الموضوع أو وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة ليس معناه إحراز ان المشكوك على تقدير وجوده في الواقع عين المتيقن على كل حال ليقال بان النجاسة وانما تكون بقاء لو كان موضوعها الماء المتغير فثبوتها بعد زوال التغير لا يكون بقاء لتلك النجاسة وانما تكون بقاء لو كان موضوعها الماء الّذي حدث فيه التغير ولو آنا ما ، اذن فلا يكون المستصحب بقاء للمتيقن على كل حال ، وانما معناه شرطية احتمال بقاء المتيقن فكلما احتملنا بقاء نفس المتيقن صدق حرمة نقض اليقين بالشك ، ومن الواضح اننا في الشبهات الحكمية نحتمل بقاء المتيقن لاحتمال كون الخصوصية بحدوثها دخيلة لا ببقائها فيكون الحكم بشخصه باقيا.

بل لو اشترط إحراز كون المشكوك بقاء للمتيقن على كل تقدير - أي المعنى الأول للبقاء - لزم عدم جريان الاستصحاب حتى فيما يسميه الأصحاب بتبدل الحيثيات التعليلية - على ما سوف يأتي شرحها - لأن هذه الحيثية التعليلية على تقدير دخلها حتى بقاء في الحكم يكون جعل النجاسة بعد زوال التغير لا محالة جعلا اخر غير جعلها للمتغير فيتعدد الحكم ومع تعدده لا يمكن فرض وحدة القضيتين المتيقنة والمشكوكة حتى بالمسامحة العرفية.

فالحاصل : الصحيح كفاية احتمال بقاء المتيقن في صدق حرمة نقض اليقين بالشك وهذا حاصل في المقام بل على هذا الوضوء يعرف ان مقتضى القاعدة جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية حتى إذا كانت الحيثية تقييدية بحسب المصطلح الّذي سوف يأتي شرحه لأن تلك الحيثية التقييدية انما يحتمل دخالتها في الحكم ولا يقطع بذلك وهو يساوق دائما مع احتمال عدم دخالتها وبقاء شخص الحكم حقيقة ودقة فلا بد وان يجري الاستصحاب ، وهذا يعني اننا لا بد ان نسير على عكس ما صنعه الأصحاب فنفتش عن وجه للمنع عن جريان الاستصحاب في موارد الحيثيات

التقييدية المحتمل دخالتها في الحكم.

لا يقال - ان الاستصحاب موضوعه الشك في البقاء ومحمولة التعبد بالبقاء بنحو مفاد كان التامة بعد الفراغ عن كونه بقاء بنحو مفاد كان الناقصة فما يكون بقاء يعبدنا دليل الاستصحاب بثبوته فلا بد وان يحرز ان المتعبد به على تقدير ثبوته بقاء للمتيقن على كل تقدير لكي يشمله دليل الاستصحاب ومع الشك فيه تكون الشبهة مصداقية له فلا يمكن التمسك به.

فانه يقال : التعبد ببقاء المتيقن بنحو مفاد كان التامة يتوقف على صدق القضية الشرطية في مفاد كان الناقصة أي لو كان المتيقن موجودا كان بقاء لا القضية الفعلية وهذه القضية الشرطية لمفاد كان الناقصة صادقة في المقام أيضا فان شخص الحكم المتيقن لو كان موجودا في الآن الثاني كان بقاء لا محالة وانما الشك في معقولية بقائه أي إمكان بقائه واستحالته فانه إذا كان ثابتا للمتصف بتلك الخصوصية حدوثا وبقاء استحال بقاء شخصه ومن الواضح ان احتمال استحالة البقاء لا ينافي التعبد به (1).

الطريق الثاني - انه هذا الإشكال ينشأ من الخلط بين عالم الجعل والمجعول أي لحاظ الحكم بالحمل الشائع ولحاظه بالحمل الأولي ونوضح هذا المطلب من خلال مقدمتين :

الأولى - اننا لو لاحظنا عالم المفاهيم فمفهوم الماء والماء المتغير والماء الفاقد للتغير مفاهيم ثلاثة متباينة ليس شيء منها بقاء وامتداد للآخر ، واما إذا لاحظنا عالم المصاديق والوجودات الخارجية فمصداق الماء والماء المتغير متحدان كما ان الماء الفاقد للتغير امتداد وبقاء للماء المتغير ، والميزان في جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية - على ما سوف يأتي في محله مفصلا - ملاحظة الحكم بالحمل الأولي أي بما هو صفة


1) الإنصاف ان هذا الطريق للجواب غير كاف لأنه لو أريد استصحاب الحكم الثابت سابقا كحكم شخصي ثابت لذات الموضوع فهو غير صحيح إذ لا يحرز ان موضوعه ذات الشيء لا الشيء المتصف بالخصوصية فليست القضية المتيقنة والمشكوكة واحدة وان أريد استصحاب جامع الحكم فهذا مضافا إلى كونه من استصحاب كلي الحكم المردد بين الفرد القصير والطويل وهو غير منجز في الأحكام التكليفية أكثر إشكالا من استصحاب الكلي من القسم الثاني لأن التردد بحسب الحقيقة فيما هو معروض الحكم كالنجاسة مثلا فلا يمكن ان يشار إلى هذا الماء ويقال ان كلي النجاسة كان ثابتا له لأن موضوعها لو كان هو المتغير بما هو متغير وكانت الحيثية تقييدية لم تكن النجاسة ثابتة لنفس الماء الّذي زال عنه تغيره.

وعرض لموضوعه الخارجي لا بما هو مفهوم وجعل بالحمل الشائع والا لم يجر الاستصحاب في الشبهة الحكمية رأسا.

الثانية - كما ان الاعراض الخارجية كالحرارة مثلا لها معروض هو الجسم وعلة هي النار أو الشمس وهي تتعدد بتعدد الجسم المعروض لها فحرارة الخشب غير حرارة الماء ولا تتعدد بتعدد الأسباب والحيثيات التعليلية فحرارة الماء سواء كانت بالنار حدوثا وبالشمس بقاء أو بغير ذلك فهي حرارة واحدة لها حدوث وبقاء ، كذلك الأحكام الشرعية كالنجاسة مثلا فان لها معروض وهو الماء وعلة هي التغير وتعددها يكون بتعدد معروضها لا تعدد الحيثيات التعليلية ، وهذا يعني ان الخصوصية التي سبب زوالها الشك في بقاء الحكم إذا كانت على فرض دخالتها بمثابة العلة والشرط فلا يضر زوالها بوحدة الحكم ولا تستوجب دخالتها كحيثية تعليلية مباينة الحكم بقاء للحكم حدوثا ، واما إذا كانت الخصوصية الزائلة مقومة لمعروض الحكم كخصوصية البولية الزائلة عند تحول البول بخارا فهي توجب التغاير بين الحكم المذكور والحكم الثابت بعد زوالها.

وهكذا نستنتج على ضوء المقدمتين انه كلما كانت الخصوصية غير المحفوظة في الموضوع أو في القضية المتيقنة حيثية تعليلية فلا ينافي ذلك وحدة الحكم حدوثا وبقاء ومعه يجري الاستصحاب ، وكلما كانت الخصوصية مقومة للمعروض كان انتفاؤها موجبا لتعذر جريان الاستصحاب لأن المشكوك حينئذ مباين للمتيقن.

ان قلت : ان مصداق الماء الّذي هو موضوع للنجاسة الخارجية وان لم يتبدل الا ان حكمه وهو النجاسة يحتمل تبدله بقاء كما إذا كانت النجاسة السابقة مجعولة للماء المتغير بالفعل فتكون النجاسة بعد زوال تغير الماء جعلا آخر وتعدد الجعل يوجب تعدد الحكم لا محالة.

قلنا : مع فرض كون النّظر إلى عالم المجعولة الخارجي وبالحمل الأولي فسوف تكون النجاسة الخارجية موضوعها ذات الماء المتغير المحفوظة بقاء أيضا وتكون كل الحيثيات التقييدية للجعل تعليلية للمجعول فالنجاسة السابقة ولو فرضت بجعل اخر تكون من قبيل حرارة الماء بالنار وحرارته بالشمس بقاء لشخص النجاسة السابقة فيجري

الاستصحاب فيها (1)

مع انه يرد هنا نفس البيان المصحح لجريان الاستصحاب الشخصي فان النجاسة المجعولة كعرض خارجي لذات الماء واحدة حدوثا وبقاء وتعدد الجعل تعدد في العلة وهو لا يوجب تعدد المستصحب وكون الجعلين المتردد بينهما طوليين في عمود الزمان أو عرضيين لا يمكن ان يكون سببا لصيرورة تعدد الجعل حيثية تقييدية في الأول وتعليلية في الثاني.

ولعل هذا الإشكال نشأ من ملاحظة المجعول على طريقة مدرسة الميرزا (قدّس سرّه) أي بما هو أمر جزئي في الخارج واما إذا أخذناه بما هو جعل ملحوظ بالحمل الأولي حينئذ قلنا ان تعدد الجعل يوجب تعدد المستصحب عرفا وعقلا الا ان المستصحب في الشبهة الحكمية نفس الجعل الشخصي المشكوك في سعته بمنظار الحمل الأولي فتأمل جيدا.

.

ثم انه يبقى السؤال عن كيفية التمييز بين الحيثية التعليلية والحيثية التقييدية المقومة لمعروض الحكم وان المعيار في ذلك النّظر العقلي أو العرفي أو بحسب ما يستفاد من الدليل الشرعي.

فقد يقال : بان مرجع ذلك هو الدليل الشرعي لأن أخذ الحيثية في الحكم وكيفية هذا الأخذ تحت سلطان الشارع فالدليل الشرعي هو الكاشف عن ذلك فإذا وورد بلسان ( الماء إذا تغير تنجس ) فمنها ان التغير اتخذ حيثية تعليلية وإذا ورد بلسان ( الماء المتغير متنجس ) فهمنا ان التغير حيثية تقييدية وعلى وزان ذلك ( قلد العالم ) أو ( قلده ان كان عالما ) وهكذا.

والصحيح : ان أخذ الحيثية في الحكم وكذلك كيفية أخذها انما يكون بيد الشارع في عالم الجعل إذ في عالم الجعل يستحضر المولى مفاهيم معينة كمفهوم الماء والتغير والنجاسة فبإمكانه ان يجعل التغير قيدا للماء وبإمكانه ان يجعله شرطا في ثبوت النجاسة تبعا لكيفية تنظيمه لهذه المفاهيم في عالم الجعل غير ان استصحاب الحكم في الشبهات الحكمية لا يجري بلحاظ عالم الجعل بل بلحاظ عالم المجعول فينظر إلى الحكم بما هو صفة للأمر الخارجي لكي يكون له حدوث وبقاء كما تقدم ، وعليه فالمعروض محدد واقعا وما هو داخل فيه وما هو خارج عنه لا يتبع في دخوله وخروجه كيفية أخذه في عالم الجعل بل مدى قابليته للاتصاف بالحكم خارجا فالتغير مثلا لا يتصف بالنجاسة والقذارة في الخارج بل الّذي يوصف بذلك ذات الماء والتغير سبب الاتصاف بينما التقليد وأخذ الفتوى يكون


1) يلزم من ذلك جريان الاستصحاب حتى إذا علم بدخالة الحيثية الزائلة في الحكم ولكن احتمل ثبوت حكم آخر من سنخه من حين زوال الحكم الأول مع انه لا إشكال في عدم جريانه وكونه من القسم الثالث للكلي حيث يقال بأن النجاسة التي كانت ثابتة باعتبار التغير قد زالت قطعا واحتمال نجاسة أخرى مجعولة من حين زوال التغير منفي بالأصل.

من العالم بما هو عالم أو من علمه بحسب الحقيقة ، وهذا يعني ان التغير حيثية تعليلية للنجاسة ولو أخذت تقييدية جعلا ودليلا والعلم حيثية تقييدية لوجوب التقليد ولو أخذ شرطا وعلة جعلا ودليلا.

فيبقى الترديد بين النّظر العقلي والعرفي أي ان المعروض واقعا بأي نظر نشخصه هل بالنظر الدّقيق العقلي أو بالنظر المسامحي العرفي؟ فإذا أردنا مثلا في الشبهة الحكمية ان نستصحب اعتصام الكر بعد زوال جزء يسير منه فيما إذا احتملنا كبرويا بقاء الاعتصام وعدم انثلامه بزوال ذلك الجزء فكيف نشخص معروض الاعتصام فاننا إذا أخذنا بالنظر الدّقيق العقلي وجدنا ان المعروض غير محرز بقاء لأن الجزء اليسير الّذي زوال من الماء يشكل جزءا من المعروض بهذا النّظر وإذا أخذنا بالنظر العرفي وجدنا ان المعروض لا يزال باقيا ببقاء معظم الماء لأن العرف يرى انه نفس الماء السابق ، والشيء نفسه نواجهه عند استصحاب الكرية بعد زوال الجزء اليسير من الماء في الشبهة الموضوعية.

والجواب : ان المتبع هو النّظر العرفي لا العقلي لأن دليل الاستصحاب خطاب عرفي منزل على الأنظار العرفية.

وقد يقال : ان المفروض في محله عدم حجية النّظر العرفي في تشخيص المصاديق وانما يتبع العرف في مجال تحديد أصل المفهوم ونحن لا شك لنا في مفهوم الوحدة وانما الشك والمسامحة العرفية في مجال التطبيق فقط فكيف يكون نظر العرف حجة فيه؟

والجواب : يمكن ان يكون بعدة تقريبات وتعبيرات :

منها - ان دليل الاستصحاب لم يؤخذ فيه مفهوم الوحدة لكي يقال ان مسامحة العرف في تطبيق هذا المفهوم ليست بحجة وانما الوارد في أدلة الاستصحاب النهي عن نقض اليقين بالشك وصدق النقض يتوقف على توارد اليقين والشك على موضوع واحد من دون ان يكون مفهوم الوحدة واردا في الدليل فلا بد وان يلاحظ صدق عنوان النقض ومفهومه ، ومن الواضح انه مع انحفاظ الموضوع بحسب الأنظار العرفية يكون مفهوم نقض اليقين بالشك شاملا للمورد فيرجع هذا النّظر إلى باب المفاهيم وسعة انطباق المفهوم في دليل الاستصحاب.

ومنها - لو فرض أخذ الوحدة فلا إشكال في انه لم يؤخذ بذكر كلمة الوحدة وانما يراد استفادة ذلك من حذف المتعلق ومن الواضح ان حذف المتعلق لا يدل على أكثر من لزوم الوحدة العرفية فانها تكفي لتبرير حذف المتعلق الّذي هو أسلوب عرفي لإفادة لزوم وحدة المتعلق.

ومنها - إمكان دعوى توسعة مفهوم الوحدة عرفا لما يشمل الواحد في النّظر العرفي فان الأنظار العرفية التطبيقة يمكن ان تكون بدرجة من الرسوخ بحيث تؤثر على المفهوم ، نظير ما يقال من أخذ كم معين في صدق مفهوم الدم فما يرى بالمجهر من جزئيات الدم لا يكون دما عرفا بمعنى ان المفهوم لا يشمله حقيقة.

منها - ان المسامحة العرفية إذا كانت مما تخفي على العرف وتفوته غالبا بحيث لا يمكن التفاته إلى أنها مسامحة وان فرض عدم سرايتها إلى المفهوم الا انها تؤثر في فهم المقصود من الكلام وتشكيل الدلالة التصديقية الحالية التي هي الحجة نظير القرائن الحالية والارتكازية التي تكتنف بالألفاظ فتوسع أو تضيق فيما هو المراد منها رغم عدم تأثيرها على المدلول الوضعي اللغوي (1).

ومنها - ان المسامحة العرفية توجب انعقاد إطلاق مقامي للخطاب في التحويل والاعتماد على النّظر العرفي والا كان لا بد عليه ان ينبه إلى ذلك ويلفت إلى ما هو مقصوده لكي لا ينساق العرف مع نظره ، نعم هذا يتوقف على ان لا يكون موارد الغفلة والمسامحة العرفية نادرة وقليلة والا لما انعقد الإطلاق المقامي.

ثم انه بما ذكرنا يتضح أيضا حال استصحاب الحكم الجزئي أي في الشبهات الموضوعية عند عدم جريان الاستصحاب الموضوعي فانه كلما كانت الحيثية المشكوك في وجودها خارجا حيثية مقومة للحكم بحيث لو كان يشك في دخالتها بقاء لم يكن يجري الاستصحاب الحكمي فكذلك لا يجري استصحاب الحكم الجزئي لتغير الموضوع والا جرى الاستصحاب في الحكم الجزئي. فما عن السيد الأستاذ من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الجزئية لعدم إحراز بقاء


1) هذا الوجه يختص بما إذا كانت المسامحة ملازمة مع أصل المفاد كما إذا كان الخطاب واردا في موردها ولا يتم فيما إذا كانت تلك المسامحة في مورد إطلاق لما هو مفاد الدليل كما هو كذلك في المقام فتأمل جيدا

الموضوع واتحاد القضيتين المتيقنة والمشكوكة على إطلاقه في غير محله (1).

واما الركن الرابع للاستصحاب وهو وجود الأثر العملي المصحح لجريانه فمستنده ان الاستصحاب حكم ظاهري فلا بد من انتهائه إلى أثر عملي والا كان لغوا. هذا ولكن هذا الركن يمكن بيانه بإحدى صيغ ثلاث تختلف في بعض النتائج والثمرات :

الصيغة الأولى - ما ذكرناه من ان الاستصحاب يتقوم بلزوم انتهاء التعبد فيه إلى أثر عملي إذ لو لم يترتب على التعبد الاستصحابي أي أثر عملي كان لغوا ومدرك هذا التقييد قرينة الحكمة التي تصرف إطلاق دليل الاستصحاب عن مثل ذلك.

وهذه الصياغة لهذا الركن تعني المحافظة على إطلاق دليل حجية الاستصحاب بأوسع ما يمكن حيث تسمح بجريان الاستصحاب حينئذ حتى فيما إذا لم يكن المستصحب أثرا شرعيا ولا ذا أثر شرعي أو قابلا للتنجيز والتعذير بوجه من الوجوه على شرط ان يكون لنفس التعبد الاستصحابي به أثر يخرجه عن اللغوية ، كما إذا أخذ القطع بموضوع خارجي لا حكم له تمام الموضوع لحكم شرعي وقلنا بقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي باعتبار جعل الطريقية له فانه بالإمكان حينئذ جريان الاستصحاب لترتيب حكم القطع وان لم يكن للمستصحب أثر وهذا معنى إمكان قيامه مقام القطع الموضوعي دون الطريقي في بعض الموارد.

الصيغة الثانية - ان الاستصحاب يتقوم بان يكون المستصحب قابلا للتنجيز والتعذير ولا يكفي مجرد ترتب الأثر على نفس التعبد الاستصحابي ولا فرق في قابلية المستصحب للمنجزية والمعذرية بين ان يكون ذلك باعتباره حكما شرعيا أو عدم حكم شرعي أو موضوعا لحكم أو دخيلا في متعلق الحكم كالاستصحابات الجارية لتنقيح شرط الواجب مثلا إثباتا ونفيا. ومدرك هذه الصيغة التي هي أضيق من الصيغة السابقة استظهار ذلك من نفس دليل الاستصحاب لأن مفاده النهي عن نقض اليقين بالشك والنقض هنا ليس هو النقض الحقيقي لأنه واقع لا محالة ولا معنى للنهي عنه وانما هو النقض العملي ، وفرض النقض العملي لليقين هو


1) مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 232

فرض ان اليقين بحسب طبعه له اقتضاء عملي لينقض عملا والاقتضاء العملي لليقين انما يكون بلحاظ كاشفيته ، وهذا يفترض ان يكون اليقين متعلق بما هو صالح للتنجيز والتعذير لكي يشمله إطلاق دليل الاستصحاب ، وهذا البيان يتوقف على استظهار إرادة النقض العملي من النقض ولو بقرينة تعلق النهي به ولا يتم إذا استظهرنا إرادة النقض الحقيقي مع حمل النهي على كونه إرشادا إلى عدم إمكان ذلك بحسب عالم الاعتبار ، فان المولى قد ينهى عن شيء إرشادا إلى عدم القدرة عليه كما يقال في ( دعي الصلاة أيام أقرائك ) غاية الأمر ان الصلاة غير مقدور للحائض حقيقة والنقض غير مقدور للمكلف ادعاء واعتبارا لتعبد الشارع ببقاء اليقين السابق. وبناء على هذا الاستظهار يكون مفاد الدليل جعل الطريقية ولا يلزم في تطبيقه على مورد تصوير النقض العملي والاقتضاء العملي وسوف يأتي مزيد توضيح لهذا البحث غير انه يكفي لتعيين الصيغة الثانية في مقابل الأولى إجمال الدليل وتردده بين الاحتمالين الموجب للاقتصار على المتيقن منه وهو الصيغة الثانية.

الصيغة الثالثة - ان الاستصحاب متقوم بان يكون المستصحب حكما شرعيا أو موضوعا لحكم شرعي وهذه أضيق من السابقتين كما هو واضح ، وبناء عليه يقع الإشكال في كيفية جريان الاستصحاب في متعلق الأوامر كاستصحاب الطهارة الشرط في الصلاة لأن قيد الواجب ليس حكما شرعيا ولا موضوعا يترتب عليه حكم شرعي إذ الوجوب يترتب على موضوعه لا متعلقه ، ومن هنا حاول البعض دفع الإشكال بناء على هذه الصيغة كما تقدم بان المتعلق مسقط للأمر فهو موضوع لعدمه فيجري استصحابه لإثبات عدم الأمر وسقوطه ، وهو متوقف على توسعة المقصود من الحكم الشرعي بجعله شاملا لعدم الحكم أيضا ، وعلى التسليم بكبرى ان وجود المتعلق تسقط فعلية الأمر لا فاعليته.

والأولى في دفع الإشكال رفض أصل هذه الصيغة ، إذ لو كان مستنده ان المستصحب لا بد وان يكون مربوطا بالشارع فمن الواضح ان كل ما ينتهي فيه إلى التنجيز والتعذير يكون مربوطا بالشارع ويعقل فيه التعبد ومنه وقوع الامتثال إثباتا أو نفيا ، وان كان مستنده ان مفاد الاستصحاب جعل الحكم المماثل ظاهرا فلا بد ان

يكون المستصحب حكما أو موضوعا له ليعقل جعل مماثله فهذا المبنى لا مأخذ له في نفسه وليس لسان دليل الاستصحاب ظاهرا في ذلك ، بل كما عرفت لسان النهي عن النقض الظاهر في النقض العملي وهو شامل لكل ما يعقل فيه التنجيز والتعذير عملا.

الاستصحاب

الأقوال في حجية الاستصحاب

1 - التفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية.

2 - التفصيل بين كون المستصحب ثابتا بالدليل العقلي أو الشرعي.

3 - التفصيل بين الشك في المقتضي والرافع.

الفصل الثاني : « الأقوال في الاستصحاب »

اشارة

وقع البحث لدى المحققين في مقدار ما يمكن ان يستفاد على ضوء الأدلة المتقدمة من حجية الاستصحاب فذهب المشهور إلى استفادة حجيته مطلقا ، وذهب آخرون إلى التفصيل بين بعض الموارد وبعض ، وقد اختلفت الأقوال في كيفية التفصيل ، ونحن نقتصر فيما يلي على ذكر ثلاثة أقوال للمفصلين تتكفل التفصيلات الرئيسية في الاستصحاب :

1 - التفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية

اشارة

وقد اختاره جملة من المحققين منهم السيد الأستاذ وقد مرت على نظريته أدوار مختلفة فكان يرى في البداية عدم جريان استصحاب الحكم مطلقا سواء في الشبهات الحكمية أو الموضوعية ، غاية الأمر في الشبهة الموضوعية حيث يوجد استصحاب موضوعي فهو يغنينا عن استصحاب الحكم ، ثم بنى على جريان استصحاب الحكم في الشبهة الموضوعية وبتعبير آخر جريان استصحاب الحكم الجزئي وانما المانع يمنع عن جريان استصحاب الحكم الكلي فقط ، وأخيرا تقلص المانع فأصبح الممنوع خصوص استصحاب الحكم الكلي الإلزامي

وما بحكمه لا الترخيصي فيجري استصحاب الحكم الترخيصي حتى في الشبهات الحكمية.

ومدرك هذا التفصيل ليس هو قصور الأدلة المتقدمة فان أغلبها كانت تتضمن إطلاقا أو عموما شاملا للشبهتين معا وان فرض مورد الروايات المتقدمة جميعا الشبهة الموضوعية ، وانما مأخذ التفصيل ما ذكره المحقق النراقي (قدّس سرّه) من وقوع المعارضة دائما في الشبهات الحكمية بين استصحاب بقاء الحكم في الآن الثاني مع استصحاب عدم جعل الحكم فيه بنحو العدم الأزلي.

وهذا المقدار من البيان اعترض عليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) بان الزمان الثاني ان كان مفردا للحكم فلا يجري استصحاب بقاء الحكم لعدم إحراز وحدة الموضوع وان لم يكن مفردا له بل مجرد ظرف للحكم غير معدد لموضوعه فلا معنى لاستصحاب عدمه لأنه بهذا اللحاظ يكون مسبوقا بالوجود.

من هنا حاول السيد الأستاذ توضيح مرامه بنحو فني سليم عن هذا الاعتراض ، وحاصل ما ذكره : ان الشك في الحكم الشرعي تارة : يكون راجعا إلى مقام الجعل ولو لم يكن المجعول فعليا لعدم تحقق موضوعه في الخارج كما إذا شك في بقاء أصل جعل وجوب القصاص مثلا وهذا هو المسمى باستصحاب عدم النسخ وهو خارج عن محل الكلام.

وأخرى : يكون راجعا إلى المجعول والشك فيه مرجعه إلى أحد امرين لا ثالث لهما لأن الشك في بقاء المجعول اما ان يكون لأجل الشك في دائرة المجعول سعة وضيقا من قبل الشارع ، كما إذا شككنا في ان المجعول من قبل الشارع هل هو حرمة الوطء حين وجود الدم فقط أو إلى حين الاغتسال والشك في سعة المجعول وضيقه يستلزم الشك في الموضوع لا محالة فانا لا ندري ان الموضوع للحرمة هل هو وطئ واجد الدم أو المحدث بحدث الحيض ويعبر عن هذا الشك بالشبهة الحكمية ، واما ان يكون الشك لأجل الأمور الخارجية بعد العلم بحدود المجعول سعة وضيقا من قبل الشارع فيكون الشك في الانطباق كما إذا شككنا في انقطاع الدم بعد العلم بعدم حرمة الوطء بعد الانقطاع ولو قبل الاغتسال ، ويعبر عن هذا الشك بالشبهة الموضوعية وجريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية

مما لا إشكال فيه ولا كلام.

واما الشبهات الحكمية فان كان الزمان مفردا للموضوع وكان الحكم انحلاليا فلا يمكن جريان الاستصحاب فيها حتى على القول بجريان استصحاب الحكم الكلي في نفسه لأن الشك بحسب الحقيقة في حكم فرد غير الفرد المتيقن ، وان لم يكن الزمان مفردا ولم يكن الحكم انحلاليا كنجاسة الماء القليل المتمم كرا فان الماء شيء واحد غير متعدد بحسب امتداد الزمان في نظر العرف ونجاسته حكم واحد مستمر ومن هذا القبيل الزوجية والملكية فهنا لا يجري الاستصحاب لابتلائه بالمعارض لأنه بالنظر إلى المجعول وان كان يجري استصحاب النجاسة لكونها متيقنة الحدوث مشكوكة البقاء ولكنه بالنظر إلى الجعل يجري استصحاب عدم النجاسة لكونه أيضا متيقنا وذلك لليقين بعدم جعل النجاسة للماء القليل في صدر الإسلام لا مطلقا ولا مقيدا بعدم التتميم ، والقدر المتيقن انما هو جعلها للقليل غير المتمم اما جعلها مطلقا حتى للقليل المتمم فهو مشكوك فيه فنستصحب عدمه ويكون المقام من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر فنأخذ بالأقل لكونه متيقنا ونجري الأصل في الأكثر لكونه مشكوكا فيه ، فتقع المعارضة بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل وكذا الملكية والزوجية (1).

ثم أفاد بان هذا التقريب لا يرد عليه شيء من الاعتراضات والمناقشات المثارة من قبل المحققين على كلام النراقي (قدّس سرّه) وأهمهما أربعة :

1 - ما اعترض به الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من أنه مع مفردية الزمان لا معنى لاستصحاب الحكم ومع ظرفيته لا معنى لاستصحاب عدم البقاء.

والجواب : ما أوضح من وقوع المعارضة مع عدم كون الزمان مفردا ووحدة الموضوع لأن المستصحب عدم الجعل الزائد لا عدم بقاء المجعول.

2 - ما اعترض به المحقق النراقي (قدّس سرّه) من انه يعتبر في الاستصحاب اتصال زمان الشك بزمان اليقين وفي استصحاب عدم الجعل الزائد لا اتصال بين الزمانين ، لأن اليقين بعدم الجعل الثابت أولا يفصل بينه وبين زمان الشك زمان ثالث هو


1) مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 37 - 38

زمان العلم بالنجاسة حين فعلية موضوعها.

وجوابه : نفس ما تقدم في جواب السابق من ان المستصحب في استصحاب عدم الجعل ليس هو عدم المجعول بل عدم الجعل الزائد وهو مشكوك من أول الشريعة فزمان اليقين بعدم الجعل الزائد متصل بزمان الشك فيه.

3 - ما أفاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) من ان استصحاب عدم الجعل غير جار في نفسه لعدم ترتب الأثر العملي عليه ، لأن الجعل عبارة عن إنشاء الحكم في مقام التشريع والأحكام الإنشائية لا تترتب عليها الآثار الشرعية بل ولا الآثار العقلية من وجوب الطاعة وحرمة المعصية مع العلم بها فضلا عن التعبد بها بالاستصحاب وانما يترتب ذلك على المجعول فلو فرض العلم بالجعل من دون قيد المجعول لم يحكم العقل بوجوب الإطاعة.

والجواب - ان الأثر العقلي أعني المنجزية يترتب إذا أحرز الجعل - الكبرى - وتحقق الموضوع - الصغرى - فإذا انتفى أحدهما انتفى التنجيز لا محالة. فكما يجري استصحاب بقاء الجعل في موارد الشك في النسخ لإثبات التنجيز عند إحراز تحقق موضوعه خارجا كذلك يكفي استصحاب عدمه في إثبات عدم فعليته كما في المقام.

4 - ما أوردناه نحن عليه من ان استصحاب عدم جعل الوجوب أو النجاسة مثلا معارض باستصحاب عدم جعل الإباحة أو الطهارة للعلم إجمالا بتشريع أحدهما لا محالة بعد انتهاء عصر التشريع.

والجواب عنه من وجوه :

فأولا - لا مجال لاستصحاب عدم جعل الحلية والرخصة لأنها كانت متيقنة في صدر الإسلام ولو بالإمضاء وانما شرعت الأحكام الإلزامية بالتدريج فعدم جعل الإباحة والرخصة يعلم بانتقاضه في صدر الشريعة فلا يجري استصحابه.

وثانيا - عدم التعارض على تقدير الجريان لعدم لزوم المخالفة القطعية العملية وعدم التنافي بنحو التناقض - أي التناقض في المنجزية - بينهما كما هو واضح.

وثالثا - لو فرض التعارض فغايته وجود طرف ثالث للمعارضة فاستصحاب عدم

جعل الوجوب الزائد يعارض استصحابين أحدهما استصحاب جعل الإباحة والاخر استصحاب عدم بقاء المجعول فيسقط الجميع أيضا (1).

هذا حاصل ما أوضحه السيد الأستاذ في شرح مرامه من التفصيل في جريان الاستصحاب بين الشبهات الحكمية والموضوعية. وقبل الشروع في التعليق عليه لا بأس أن نضيف في توضيحه ملاحظات ثلاث تدفع بها شبهات أخرى قد تثار بوجه هذا التفصيل.

الملاحظة الأولى - ليس المقصود باستصحاب عدم الجعل استصحاب عدم اللحاظ الزائد حين الجعل ليقال بان التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل السلب والإيجاب أو العدم والملكة لا الضدين وانما المقصود استصحاب عدم نفس الوجوب والجعل ، ولو كان المقصود استصحاب عدم اللحاظ لاتجه عليه حتى بناء على افتراض ان التقابل بين الإطلاق والتقييد من التضاد - كما هو مختاره - بان استصحاب عدم لحاظ الإطلاق لا يثبت عدم الجعل الزائد الا بنحو الأصل المثبت لأن نسبة لحاظ المولى إلى جعله كنسبة حياته إليه يكون شرطا تكوينيا فيه.

الملاحظة الثانية - قد يتصور انه لا معنى لاستصحاب عدم الجعل الزائد لعدم الدوران بين الأقل والأكثر في عالم الجعل بل بين المتباينين لأن الجعل الزائد انما يتصور بأحد نحوين.

الأول - ان يفرض جعول متعددة مستقلة يقطع ببعضها ويشك في البعض الاخر ، وهذا خلاف الفرض ولو فرض لم يجر فيه استصحاب بقاء المجعول لتعدده بتعدد الجعول لا محالة.

الثاني - ان يفرض جعل واحد ولكن تعلق بالحصص بشكل تفصيلي فكأنه جعل النجاسة حين تغير الماء بعنوانه ويشك في جعلها له حين زوال تغيره مثلا فيكون الجعل دائرا بين الأقل والأكثر بلحاظ ذاتي الجعلين بغض النّظر عن حديهما نظير ما يقال في بحث الأقل والأكثر في المتعلق.

الا ان هذا أيضا خلاف الفرض فان الإطلاق والعموم لا يريان الحصص بعناوينها


1) راجع مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 40 - 44

التفصيلية بل الإطلاق لا يرى الا ذات الجامع على ما تقدم ، فالأمر يدور بين جعل على الجامع بنحو الإطلاق والعموم أو جعل على الحصة الأولى وهما دائران بين متباينين لا أقل وأكثر فلا معنى لاستصحاب عدم الجعل الزائد.

الا ان هذا التصور غير تام وكأنه ينشأ من تعبير الأستاذ وتشبيهه للمقام بباب الأقل والأكثر والا فحاق مقصوده إرادة استصحاب عدم جعل يشمل الحصة الثانية سواء كان بنحو الجعول التفصيلية أو بنحو الجعل على الجامع المنطبق على الحصة الثانية ولا يعارض باستصحاب عدم جعل متعلق بالحصة الأولى فقط إذ لا أثر لهذا الاستصحاب فانه ان أريد به نفي أصل الحكم في الحصة الأولى فهو مقطوع به وان أريد إثبات تعلق الجعل بالمطلق فهو تعويل على الأصل المثبت كما هو واضح.

الملاحظة الثالثة - قد يناقش في شبهة التعارض بان استصحاب بقاء المجعول يثبت إطلاق المجعول في الحكم المعلوم للحصة الثانية واستصحاب عدم الجعل ينفي ثبوت جعل على الحصة الثانية بالخصوص وهذان ليسا متنافيين أصلا.

وفيه : أولا - ما عرفت من ان استصحاب عدم جعل زائد لا يراد به نفي جعل مخصوص بالحصة الثانية بل نفي جعل يشمل الحصة الثانية ولو بإطلاقه وهو مناف مع استصحاب بقاء المجعول للحكم المعلوم كما لا يخفى.

وثانيا - ان استصحاب بقاء المجعول لا يثبت إطلاق المجعول أصلا بل يثبت بقاء المجعول على إهماله ، لأن بقاؤه وان كان مستلزما لإطلاق الحكم ولكنه استلزام عقلي لا يمكن إثباته بالأصل.

هذا غاية ما يمكن توضيحه في الدفاع عن هذا التفصيل الّذي ذهب إليه المحقق النراقي (قدّس سرّه) ووافقه عليه السيد الأستاذ.

وللتعليق على هذا التفصيل لا بد وان نبدأ بإثارة مشكلة لم يثرها أحد في استصحاب بقاء المجعول فيما عدا المحقق العراقي (قدّس سرّه) - على ما نعلم - حيث آثار جانبا منها في بحث اشتراط وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة كما سوف يأتي الحديث عنه ، وهذه المشكلة كان ينبغي التعرض لها وحلها مسبقا ليفهم المعنى المعقول لاستصحاب بقاء المجعول قبل الدخول في مسألة التعارض بينه وبين

استصحاب عدم الجعل الزائد ، وسوف يظهر انه بالالتفات إلى فذلكة حل الإشكال تنحل شبهة التعارض أيضا ، كما ان عدم خطور الإشكال المذكور على ذهن الاعلام بنفسه يؤكد ما سوف نبينه في مقام حله من ارتكازية نظرة خاصة إلى فعلية الحكم بمعنى المجعول تجري على أساسه استصحاب بقاء المجعول دون استصحاب عدم الجعل الزائد.

وحاصل المشكلة : ان الاستصحاب يعتبر فيه كون المشكوك امتدادا وبقاء للمستصحب ومتفرعا عليه ، اما إذا كان المشكوك معاصرا زمانا مع المتيقن ولا طولية بينهما أصلا فلا يكون التعبد به استصحابا ولا تشمله أدلته ، وفي باب المجعول حيث ان المجعول والمعتبر ليس امرا حقيقيا بل وهميا فهو في الحقيقة يوجد بوجود جعله رأسا فليس هناك تدرج في وجود شيء في الخارج ، وهذا يعني انه بالدقة تكون الحصة الثانية المشكوكة من المجعول على تقدير ثبوتها معاصرة مع الحصة الأولى وليس بقاء لها بل هما موجودتان بجعل واحد وفي آن واحد فلا معنى لإثباتها بالاستصحاب.

وهذه المشكلة يمكن ان تعالج بأحد وجوه :

الأول - ما يخطر في الذهن ابتداء من قياس القضايا الحقيقية المجعولة بالقضايا الشرطية الخارجية كقولنا النار حارة من أن هناك نحوين من الثبوت للمحمول في هذه القضايا ، الثبوت التقديري المعلق على فرض تحقق موضوعه والّذي يكون صدقه تاما ولو لم يتحقق موضوع في الخارج بعد ، وهذا ما يسمى بالجعل ، وثبوت فعلي عند فعلية الموضوع في الخارج ويسمى بالمجعول ، والجعل يوجد بوجود القضية التقديرية بينما المجعول لا يوجد الا بوجود موضوعه في الخارج ، والحصة الثانية المشكوكة من الحكم إذا أريد بها الوجود الأول التقديري له فلا يكون بقاء للحصة الأولى واما إذا أريد بها الوجود الثاني الفعلي فهي لا محالة بقاء وامتداد للحصة الأولى فيكون التعبد بها استصحابا.

وهذا العلاج قد أوضحنا مرارا عدم تماميته ، حيث قلنا في محله من بحوث الواجب المطلق والواجب المشروط ان قياس القضايا المجعولة بالقضايا الحقيقية الخارجية غير صحيح ، وان الحكم الّذي يتحقق في طول الجعل والاعتبار لا يعقل

ان يكون له وجود ثان وراء نفس الجعل يتحقق خارجا عند تحقق موضوعه ، لأن هذا الوجود الثاني ان أريد به الوجود الخارجي فهو واضح الفساد ، وان أريد به وجود اعتباري في نفس المولى فمن الواضح عدم تحقق شيء في نفس المولى عند تحقق الموضوع خارجا ، بل قد لا يكون المولى ملتفتا أو عالما بتحقق موضوع جعله بل يستحيل ذلك على ما قرر في محله.

على انه إذا كان مركز الاستصحاب الوجود الفعلي بهذا المعنى للحكم لزم عدم جريان استصحاب المجعول الا عند ما يتحقق هذا الوجود للحكم فلا يمكن للمجتهد ان يجري استصحاب بقاء النجاسة في الماء المتغير بعد زوال تغيره الا إذا تحقق ماء متغير في الخارج فوجدت نجاسته الفعلية وشك في بقاءها (1)

والحاصل : إفتاء المجتهد بالحكم الاستصحابي مربوط بكلية الحكم المراد استصحابه أو جزئيته فانه إذا كان حكما للطبيعي وكان يشك في بقائه أو زواله بعد حدوثه كلما تحقق لم يتوقف جريان الاستصحاب فيه على انتظار تحقق مصداق من الموضوع خارجا لتحقق الشك في البقاء في القضية الكلية بنحو مفاد كان الناقصة من أول الأمر ، وان كان المشكوك حكما جزئيا كما في الشبهة الموضوعية توقف استصحابه على تمامية أركانه في ذلك الحكم الجزئي ولا تتم الا بعد تحقق الموضوع المشكوك خارجا.

لأن حال هذا الاستصحاب عنده حال استصحاب بقاء أي وجود خارجي يشك في بقائه ، وهذا خلاف ما هو المرسوم والمرتكز في محله فقهيا من ان المفتي في الشبهات الحكمية يفتي بالمستصحب على أساس الاستصحاب في الحكم الكلي كما إذا دل عليه دليل اجتهادي لا انه يفتي مقلديه بالرجوع إلى الاستصحاب عند تحقق الحكم الفعلي في حقهم وشكهم في بقائه.

الثاني - ما أفاده المحقق العراقي (قدّس سرّه) حينما آثار شبهة عدم وجود الحكم بمعنى المجعول في الخارج مع انه يشترط في الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة


1) لا وجه لذلك لأن الحكم المشكوك ليس جزئيا وخاصا بالموضوع الّذي يتحقق في الخارج وانما هو حكم الطبيعي الموضوع فالماء المتغير الزائل عنه تغيره مشكوك النجاسة من أول الأمر حتى إذا قلنا بالتفكيك بين الجعل والمجعول والمفروض ان هذه الحصة من الحكم على تقدير ثبوته يكون في طول الحصة الأولى فالمجتهد متيقن بان كل ماء متغير يكون نجسا أولا وشاك في بقاء نجاسته إلى ما بعد زوال التغير وهذا هو يقين بالحدوث وشك في البقاء سواء وجد مصداق للمتيقن والمشكوك بالفعل خارجا أم لا فيجري الاستصحاب بلحاظه. وان شئت قلت : ان الشرط في جريان الاستصحاب اتصاف التعبد الاستصحابي على تقدير ثبوته بأنه بقاء للمتيقن بنحو مفاد كان الناقصة لا التامة وهذا حاصل في المقام فالمجتهد يجري بنفسه الاستصحاب لأنه يرى حكم الشارع تعبدا وظاهرا ببقاء كل حكم فرغ عن حدوثه ، ونجاسة الماء المشكوك بعد زوال تغيره منه ، نعم توجد هنا شبهة أخرى تقدم علاجها في بحوث القطع وهي ان اليقين والشك في المقام للمجتهد لا للمقلدين فكيف يثبت التعبد الاستصحابي لهم وهذه حيثية أخرى عولجت فيما تقدم.

والمشكوكة وجودا وخارجا ولا تكفي وحدتهما ماهية ونوعا - وسوف يأتي تفصيل الشبهة - فأجاب بان الأحكام والمجعولات الشرعية وان كان ظرف عروضها الذهن الا ان ظرف اتصافها هو الخارج وهذا قسم وسط من الاعراض بين ما يكون ظرف عروضها واتصافها معا الخارج كالبياض وبين ما يكون ظرف عروضها واتصافها معا الذهن كالنوع والجنس - وقد تقدم شرح هذه الأنواع المختلفة للاعراض في بحوث سابقة - وبناء على ذلك يقال بان المجعول كنجاسة الماء المتغير حيث يكون الاتصاف به خارجيا صح إجراء الاستصحاب فيه لأن الوحدة المعتبرة في الاستصحاب أعني الوحدة الخارجية في الاتصاف محفوظة فيه.

وهذا الجواب قد يحاول إسراؤه إلى المقام لحل المشكلة المثارة من قبلنا ببيان أن العارض وهو الحكم وان لم يكن له حدوث وبقاء لكن الاتصاف به يكون له حدوث وبقاء تبعا للمتصف والمعروض الّذي هو امر خارجي فيجري فيه الاستصحاب بهذا الاعتبار.

وفيه : بطلان مبنى هذا الجواب في نفسه لما ذكرناه في محله من عدم معقولية هذا القسم الثالث للعروض بان يكون ظرف العروض ذهنيا وظرف الاتصاف خارجيا ، لأن ظرف الاتصاف هو نفس ظرف العروض وما توهم الحكماء كون ظرف العروض به ذهنيا وظرف الاتصاف به خارجيا نشأ من الخلط بين الاعراض الواقعية والاعراض الوجودية على تحقيق وتفصيل متقدم في محله.

هذا مضافا إلى ان هذا الوجه أيضا يبتلى بنفس المحذور الّذي ذكرناه على الوجه السابق في الإفتاء في الشبهات الحكمية فلا يمكن للمجتهد ان يفتي فيها استنادا إلى الاستصحاب الا بالحكم الجزئي عند تحقق الموضوع خارجا.

الثالث - يمكن ان يجعل تعبيرا عرفيا لما اراده المحقق العراقي (قدّس سرّه) في حل مشكلة وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة بعيدا عن التصورات الفلسفية المذكورة في باب العروض وحاصله : ان الحكم وان كان دقة وحقيقة من العوارض المتعلقة بالصور الذهنية لا الخارج الا ان عروضه على الصور الذهنية يكون باعتبار مرآتيتها وحكايتها عن الخارج لا باعتبار نفسها فالنوعية مثلا تعرض على مفهوم الإنسان بما هو مفهوم لا بما هو مرآة عن زيد وعمرو في الخارج ولكن النجاسة تعرض على الماء

المتغير في الذهن بما هو مرآة عن الماء الخارجي واما صورة الماء ومفهومه فلا معنى لنجاسته ، وهذا يعني ان الحكم كأنه عارض على الموضوع الخارجي فتتحد القضية المتيقنة مع المشكوكة بلحاظ المعروض بالعرض ، ويكفي هذا المقدار من الوحدة بين القضيتين أي الوحدة بينهما بلحاظ المحكي والمعروض بالعرض في جريان الاستصحاب لأن دليل الاستصحاب أيضا ناظر إلى الأحكام بما هي عارضة على الخارج بالعرض والمجاز.

وهذا الجواب بهذا المقدار من البيان لئن تم في علاج مشكلة الوحدة المعتبرة في الاستصحاب فهو لا يعالج مشكلتنا لأن هذا العروض المسامحي هو عين العروض الحقيقي الّذي يحصل دفعة بلحاظ كل حصص الموضوع فلا تكون الحصة المشكوكة منها بقاء للحصة المتيقنة.

الرابع - اننا وان أنكرنا ثبوت مجعول حقيقي في الخارج قبال الجعل الا انه لا إشكال في طرفية الشيء الخارجي للحكم ، فيقال مثلا ان هذا الماء المتغير كان طرفا للحكم بمعنى الجعل ويشك بعد زوال تغيره في طرفيته أو زوالها فنستصحب طرفيته له.

وفيه : مضافا إلى ان هذا الوجه لجريان الاستصحاب الحكمي أيضا يتوقف على تحقق الموضوع خارجا لتتحقق الطرفية ، ان الطرفية للجعل ليست موضوعا لحكم العقل بالتنجيز ليجري الاستصحاب فيها ، على ان الطرفية لو أريدت بالنسبة إلى الحكم والجعل بالحمل الشائع فلا طرفية بينهما وان أريدت بالنسبة إلى الحكم بالحمل الأولي فهذا يعني بالدقة ملاحظة الجعل بالحمل الأولي التي بها يصح استصحاب الحكم ابتداء على ما سوف يظهر في الوجه القادم.

الخامس - ما بيناه في بحوث عديدة متقدمة من ان القضية المجعولة لها اعتباران ولحاظان ، لحاظ بالحمل الشائع فتكون صورة في نفس الجاعل والمولى ، ولحاظ بالحمل الأولي فيكون صفة ثابتة للموضوع الملحوظ بذلك اللحاظ وجاريا عليه ، من دون فرق في ذلك بين العوارض الاعتبارية أو الخارجية ، وهذان لحاظان واقعيان ثابتان لكل وجود ذهني كما حققناه في بحوث متقدمة ، وهذا هو منشأ ما يتراءى من ان ظرف العروض غير ظرف الاتصاف فتأمل جيدا. وبناء عليه يقال بان المجعول كنجاسة

الماء المتغير إذا لاحظناه بالحمل الشائع فهو اعتبار نفساني قائم بنفس المولى وهو بهذا اللحاظ يوجد دفعة واحدة وله خصائص الوجود الذهني ، وإذا لاحظناه بالحمل الأولي فهو صفة وقذارة قائمة بالماء المتغير وجارية عليه ولهذا تكون حادثة بحدوث التغير ولعلها باقية بعد زواله أيضا ، فبهذه النظرة صار للحكم حدوث وبقاء وهذه النظرة وان كانت نظرة أولية إلى عنوان القضية المجعولة لا إلى واقعها بالحمل الشائع وحقيقتها الا ان المعيار في تطبيق دليل الاستصحاب على الأحكام التي يراد التعبد الاستصحابي بها هذه النظرة لا النّظر إليها بالحمل الشائع ، ومما يشهد على ذلك انه لم يخطر على بال أحد من أيام العضدي والحاجبي وإلى زماننا هذا الإشكال في استصحاب الحكم بعدم تصور الحدوث والبقاء فيه بل حتى من أنكر جريانه فيه كالمحقق النراقي (قدّس سرّه) والسيد الأستاذ قد اعترف بجريانه في نفسه وتمامية أركان الاستصحاب فيه وانما وجده معارضا مع استصحاب اخر. وهذا الجواب كما يحل أصل الشبهة التي آثرناها في استصحاب الحكم يعالج مشكلة إفتاء المجتهد في الشبهة الحكمية استنادا إلى الاستصحاب لأن الحدوث والبقاء العنواني الثابت بالحمل الأولي للمجعول الكلي من أول الأمر بهذا النّظر بلا حاجة إلى انتظار تحققه في الخارج كما هو واضح (1).

وعلى ضوء علاج المشكلة التي آثرناها في معقولية استصحاب المجعول في نفسه نأتي إلى دراسة شبهة المعارضة التي أثارها المحقق النراقي وبنى عليه السيد الأستاذ بين هذا الاستصحاب وبين استصحاب عدم الجعل الزائد فنقول : تارة نبني على الوجه المختار في معنى استصحاب بقاء الحكم وبناء عليه يكون من الواضح اندفاع شبهة التعارض ، لأننا إذا وافقنا على ان الميزان في تطبيق دليل الاستصحاب بقاء المجعول دون استصحاب عدم الجعل الزائد ، لأنه مبني على ملاحظة الحكم بالحمل الشائع ، ولو لم نوافق على ذلك واعتبرنا لزوم ملاحظة الحكم بالحمل الشائع الحقيقي فائضا


1) الحكم بالحمل الأولي حدوثه يكون بحدوث موضوعه أيضا لا قبله ، فان أريد بالحدوث والبقاء العنواني مفهوم الحدوث والبقاء فمن الواضح انه ليس ملاكا في جريان الاستصحاب وان أريد به الحدوث والبقاء بنحو مفاد كان الناقصة فقد عرفت ان هذا ثابت على القول بالتفكيك بين الجعل والمجعول حقيقة أيضا.

لا تعارض إذ يجري عندئذ استصحاب عدم الجعل الزائد دون استصحاب بقاء المجعول لعدم الشك في بقاء ما هو الحكم بالحمل الشائع ، وهذا يعني انه لا بد من تحكيم أحد النظرين دائما ولا يعقل تحكيم كليهما - كما فعل الأستاذ - فانه تهافت.

لا يقال : لما ذا لا نحكم كلا النظرين ونجري الاستصحابين معا أحدهما بالنظر الحقيقي الدقي والآخر بالنظر الأولي العرفي فيتعارضان.

فانه يقال : التعارض انما يكون بلحاظ مدلول دليل الاستصحاب وشموله لليقين والشك بالبقاء في المقام وباعتبار التهافت بين النظرين ذاتا لا بد من جري دليل الاستصحاب على أحد النظرين وهو الّذي يساعد عليه العرف ولا إشكال في انه النّظر الأولي لا الشائع.

ان قيل : على هذا لا يجري استصحاب عدم الجعل عند الشك في أصل جعل حكم من الأحكام.

قلنا : بل يجري استصحاب عدم الجعل بمعنى المجعول الكلي أيضا فان الشيء المشكوك حرمته مثلا كشرب التبغ يجري فيه استصحاب عدم ثبوت الحرمة كمجعول شرعي لنفيه عنه كما يجري استصحاب بقاء المجعول لإثباته.

وأخرى : نبني في معنى استصحاب الحكم على التفكيك بين الجعل والمجعول بافتراض المجعول أو الاتصاف به امرا خارجيا حقيقيا ، وبناء عليه أيضا لا تتم شبهة المعارضة رغم فساد المبنى في نفسه لأننا نسأل عن ترتب المجعول حينئذ على الجعل حين تحقق موضوعه هل يكون شرعيا أو عقليا؟ فان قيل بالأول كان استصحاب عدم الجعل الزائد حاكما على استصحاب بقاء المجعول لا محالة فلا تعارض ، وان قيل بالثاني - كما هو الصحيح - فنسأل عن ان المنجز عقلا هل الجعل أو المجعول أو كل منهما أو مجموعهما وشيء منها لا ينتج التعارض ، لأنه ان قيل بان المنجز هو الجعل كما هو ظاهر كلامه في رد إشكال المحقق النائيني (قدّس سرّه) فلا معنى لاستصحاب بقاء المجعول إذ لا يترتب عليه التنجيز بنفسه وإثبات إطلاق الجعل به من الأصل المثبت ، وان قيل بان المنجز هو المجعول كما ذهب إليه المحقق النائيني (قدّس سرّه) في اشكاله على المعارضة فلا معنى لاستصحاب عدم الجعل إذ لا أثر له بنفسه ولا يمكن إثبات المجعول به ، وان قيل بان المنجز كل من الجعل أو المجعول جرى الاستصحابان بلا تعارض بينهما إذ يكون استصحاب

عدم الجعل الزائد نافيا للتنجيز من ناحية الجعل وهو لا ينافي التنجيز من ناحية المجعول الّذي يثبته استصحاب المجعول ، وان قيل بان المنجز مجموعهما كان الجاري استصحاب عدم الجعل الزائد من دون معارضة أيضا لأن استصحاب بقاء المجعول وحده لا يكفي في إثبات التنجيز بحسب الفرض والمركب ينتفي بانتفاء أحد اجزائه. وهكذا يتضح ان شبهة التعارض بين الاستصحابين لا تتم على شيء من المباني في فهم حقيقة المجعول ومعنى استصحابه.

ثم ان الاعتراض الّذي أوردناه على السيد الأستاذ من إيقاع المعارضة بين استصحاب عدم الجعل الزائد مع استصحاب عدم الإباحة (1)يمكن تسجيله عليه بناء على مبانيه بنحو لا يتم عليه الأجوبة التي ذكرها ، وتوضيح ذلك :

اما فيما يتعلق بالجواب الثالث من ان إيقاع التعارض بين الاستصحابات الثلاثة وتساقطها جميعا فجوابه : انه بناء على مبانيه المتقدم شرحها في تنبيهات العلم الإجمالي وملاقي الشبهة المحصورة من عدم سقوط الأصل المتأخر زمانا بالأصل المتقدم إذا لم يكن معلوما من أول الأمر سوف يبقى استصحاب بقاء المجعول سليما عن المعارض ، لأن استصحاب عدم الجعل الزائد يسقط مع استصحاب عدم جعل الإباحة بمجرد شك المجتهد بنحو الشبهة الحكمية في الجعل واما استصحاب بقاء المجعول فهو انما يجري بناءً على توهم التفكيك بين الجعل والمجعول - كما هو مبنى شبهة المعارضة - في زمان متأخر أعني زمان فعلية الموضوع في الخارج على ما شرحناه آنفا فلا وجه لسقوطه بالمعارضة مع تأخر زمان جريانه.

واما فيما يتعلق بالجواب الثاني من عدم التعارض بين استصحاب عدم الجعل الزائد واستصحاب عدم جعل الإباحة لعدم لزوم المخالفة القطعية العملية وعدم التنافي بينهما في المنجزية ، فيمكن ان يقال بأنه بناء على مبانيه من جعل الطريقية والعلمية في الاستصحاب وقيامه مقام القطع الموضوعي سوف يترتب أثر عملي ومخالفة قطعية في المقام حيث يلزم من جريان الاستصحابين جواز الإفتاء بعدم جعل الإلزام ولا الإباحة


1) هذه المعارضة فرع القول بقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي وعدم توقف قيامه مقام القطع الموضوعي على قيامه في المرتبة السابقة مقام القطع الطريقي في التنجيز والتعذير والا فليس للمستصحب أي أثر تنجيزي كما لا يخفى.

مع العلم إجمالا بحرمة أحد الإفتائين (1).

وقد يناقش هذا الكلام بأحد أمور :

1 - ان استصحاب عدم جعل الإلزام يترتب عليه أثران جواز الإفتاء والتعذير في مقام العمل ، واما استصحاب عدم الإباحة فلا يترتب عليه الا أحد الأثرين وهو جواز الإفتاء دون الاخر لأنه لا يثبت الإلزام الا بالملازمة العقلية غير الثابتة بالأصول العملية وعندئذ نطبق في المقام قاعدة ادعاها الميرزا (قدّس سرّه) في بعض كلماته من انه كلما كان للأصلين المتعارضين أثر مشترك يترتب على كل منهما وكان لأحدهما أثر مختص بمورده جرى الأصل بلحاظ الأثر المختص من دون معارض ، وهذه القاعدة تقتضي جريان استصحاب عدم جعل الإلزام الزائد بلحاظ الأثر المهم في المقام وهو عدم التنجيز.

وهذه المناقشة مبنية على تمامية تلك القاعدة وسوف يأتي عدم صحتها وان الاستصحاب بلحاظ الأثر المختص أيضا يعارض الاستصحاب في الطرف الاخر بلحاظ الأثر المشترك فيه.

2 - ان حرمة الإفتاء أو اسناد ما ليس من الدين إلى الدين ليس موضوعها الإسناد


1) بل الصحيح لزوم المعارضة بملاك التنافي والتكاذب أيضا لأن ترتيب الأثر الموضوعي للقطع بالاستصحاب انما يكون بدليل حجية الاستصحاب لا بالاستصحاب لأن حكومة دليل حجية الاستصحاب على دليل الأثر الموضوعي للقطع واقعي لا ظاهري وبناء عليه يكون العلم الإجمالي بحرمة أحد الإسنادين في المقام موجبا للتكاذب بين إطلاقي دليل الاستصحاب لكل من الاستصحابين بلحاظ حرمة الإسناد فلا نحتاج إلى إبراز المخالفة العملية القطعية ، نعم هذا مبني على القول بثبوت حرمة أحد الإسنادين ولو من جهة العلم إجمالا بان أحدهما خلاف الواقع ، واما إذا قلنا بان الحرام اسناد ما لا يعلم لا الكذب الواقعي فلا تكاذب بين الاستصحابين لتحقق موضوع جواز الإسناد حقيقة. هذا ولكن بناء على الالتفات إلى هذه النكتة قد يدفع إشكال المعارضة بين هذين الاستصحابين حتى على مباني جعل الطريقية للاستصحاب ، بدعوى : ان استصحاب عدم الإباحة إذا فرض عدم جريانه لعدم قيامه ، مقام القطع الموضوعي في المقام فلا معارضة ، وان فرض جريانه بلحاظ هذا الأثر فحيث انه يثبت بالأمارة وهي دليل حجية الاستصحاب فلا محالة يكون حاكما على استصحاب عدم الإلزام بلحاظ أثره الطريقي أعني التعذير لأن لوازم الأمارة حجة فيثبت في المقام بضم العلم الإجمالي بحرمة اسناد عدم الإباحة أو ثبوت الإلزام إلى دليل حجية الاستصحاب الإلزام لا محالة فلا يجري استصحاب عدم الإلزام بلحاظ اثره الطريقي لكونه محكوما لدليل حجية استصحاب عدم الإباحة بلحاظ الأثر الموضوعي ، وهذا يعني إمكان الرجوع إليه بعد سقوط الاستصحابين في الطرفين بلحاظ الأثر الموضوعي بالتكاذب بلا محذور ، الا ان هذا الكلام غير صحيح لأنه بناء على كون الحرمة موضوعها عدم العلم لا الكذب الواقعي لا علم إجمالي بحرمة اسناد عدم الإباحة أو ثبوت الإلزام بل يمكن ثبوتهما معا واقعا لأن حكومة الاستصحاب بلحاظ الأثر الموضوعي للقطع واقعي كما أشرنا ، نعم إذا لاحظنا الإسنادين معا فقد يقال بحرمة إضافية فيتنافى الاستصحابان كما سيأتي في المتن.

غير المطابق مع الواقع وانما موضوعها اسناد ما لا يعلم انه من الدين ولو كان منه واقعا ومن هنا كان قيام الاستصحاب مقامه موضوعيا ، وبناء عليه يكون استصحاب عدم الإلزام واستصحاب عدم الإباحة رافعين تعبدا لموضوع هذه الحرمة في الطرفين بناء على قيامه مقام القطع الموضوعي فيقطع بعدم حرمة هذين الإسنادين ، ولا يضر العلم الإجمالي بكذب أحدهما واقعا لأن موضوع الحرمة لم يكن هو الكذب والإسناد غير المطابق واقعا وانما الموضوع عدم العلم المرتفع بالعلم التعبدي.

ودعوى : العلم الإجمالي بأن أحد الإسنادين اسناد لما يعلم بأنه ليس من الدين وكل منهما وان كان يعلم تعبدا انه من الدين الا ان دليل حرمة اسناد ما لا يعلم من الدين يفهم منه بالالتزام عرفا حرمة مجموع إسنادين يعلم إجمالا بان أحدهما ليس من الدين أيضا.

مدفوعة : بان هذا غايته سقوط الاستصحابين بلحاظ الأثر الموضوعي للعلم في الطرفين وهو حرمة الإسناد واما الأثر الطريقي لاستصحاب عدم الإلزام أعني التعذير فلا وجه لسقوط إطلاق دليل الاستصحاب فيه إذ لا يعلم إجمالا بحرمة اسناد عدم الإباحة أو ثبوت الإلزام لأن المفروض ان موضوع الحرمة ليس هو الواقع فتأمل جيدا.

وفيه : اننا لو سلمنا صحة هذا التفكيك في الآثار بلحاظ دليل الاستصحاب فلا ينبغي الإشكال في ان حرمة الكذب والإسناد غير المطابق للواقع ثابتة أيضا حتى إذا فرضنا ثبوت جهة أخرى لحرمة نفس الإفتاء بغير علم باعتباره تشريعا مثلا.

3 - ما أفاده السيد الأستاذ من ان العلم الإجمالي بمخالفة أحد الإفتائين للواقع لا ضير فيه إذا لم يلزم منهما مخالفة عملية قطعية بدليل ان الفقيه يعلم عادة ان بعض فتاواه المعتمدة على القواعد والأحكام الظاهرية قد يكون مخالفا للواقع إذ لا يحتمل مطابقة كل الأمارات والأصول للواقع ومع ذلك جاز له الإفتاء بهما جميعا.

وفيه : أولا - إنكار حصول مثل هذا العلم الإجمالي ، ومما ينبه على ذلك ان فرض وجود مثل هذا العلم الإجمالي يترتب عليه محاذير أخرى طريقية مع قطع النّظر عن مسألة الإفتاء ، إذ لو فرض هذا العلم الإجمالي في دائرة الترخيصيات لزم تساقط الأحكام الترخيصية الظاهرية ولزوم الاحتياط فيها - ولو في غير موارد الأمارة على الترخيص - للعلم الإجمالي بالإلزام في دائرتها ، اللّهم الا ان يفرض عدم منجزيته لكون أطرافه غير

محصورة ، الا ان السيد الأستاذ يرى منجزية العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة أيضا ، وان فرض هذا العلم الإجمالي في دائرة الأحكام الإلزامية بان علم إجمالا بثبوت ترخيص واقعي فيها فهذا يوجب التكاذب فيما بينها بناء على مبنى الأستاذ من عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية الالتزامية إذ تكون جميعا ثابتة بالأمارة وهي لوازمها حجة فيقع التكاذب فيما بينها والتساقط ، وان فرض العلم الإجمالي في مجموع الشبهات لا الأمارات الإلزامية بالخصوص كانت الأمارات الإلزامية دالة بالالتزام على ان المعلوم الإجمالي بعدم مطابقته للواقع ضمن الترخيصات التي لا أمارة فيها على الترخيص فيكون من العلم الإجمالي بالحجة على الإلزام وهو منجز أيضا.

وثانيا - لو فرضنا حصول مثل هذا العلم الإجمالي على نحو لم يضر بجريان الأحكام الظاهرية الإلزامية والترخيصية مع ذلك نمنع عن جواز الإفتاء بالواقع في مواردها استنادا إليها لوقوع التعارض فيما بينها بلحاظ هذا الأثر الموضوعي للعلم وهو حرمة الإفتاء الّذي هو محل ابتلاء المجتهد في تمام الفقه وانما اللازم عندئذ الإفتاء بالحكم الظاهري الثابت وجدانا في مواردها.

لا يقال : يعلم إجمالا إما بحرمة الإفتاء بالواقع في دائرة الإلزاميات أو بثبوت إلزام في دائرة الترخيصات وهذا علم إجمالي منجز.

فانه يقال : المفروض الفراغ عن عدم منجزية العلم الإجمالي المذكور بلحاظ الآثار الطريقية للواقع اما لكون أطراف الشبهة غير محصورة أو لكون المجتهد ليس مبتلى بكافة تلك الشبهات الترخيصية أو لكون حرمة الإفتاء بالواقع في الإلزاميات بعد فرض تساقط القواعد والأصول بلحاظها تثبت على كل حال ولو لكونه تشريعا وإفتاء لما لا يعلم انه من الدين لا وجدانا ولا تعبدا فينحل العلم الإجمالي المذكور.

وثالثا - إن العلم الإجمالي بعدم مطابقة بعض الأحكام الظاهرية للواقع في مجموع الشبهات لا يكون حجة في نفسه ، أما إذا أريد به الاطمئنان الإجمالي فلما تقدم في بحث الخبر المتواتر من ان الاطمئنان الحاصل من تجميع المضعفات الكمية في الأطراف الكثيرة غير المحصورة ليس بحجة عند العقلاء ، واما إذا أريد به العلم واليقين والوجداني فلما تقدم في تنبيهات العلم الإجمالي من عدم منجزية العلم الإجمالي ذي الأطراف

الكثيرة غير المحصورة (1).

واما فيما يتعلق بالجواب الأول من ان استصحاب عدم جعل الإباحة لا يجري في نفسه لثبوت الإباحة ولو بالإمضاء في أول الشرع فلا معنى لاستصحاب عدم جعل الإباحة للحصة المشكوكة ليعارض مع استصحاب عدم جعل الحرمة بل يجري استصحاب بقاء الإباحة. فيرد عليه :

ان الشك في بقاء الإباحة الثابتة في أول الشرع بالنسبة للحصة المشكوكة من الشك في النسخ واحتمال ارتفاع تلك الإباحة بالحرمة بحسب الحقيقة ، واستصحاب عدم النسخ عند السيد الأستاذ معارض باستصحاب عدم جعل الحصة الزائدة من الحكم المحتمل نسخه لأن النسخ تقييد أزماني للحكم فكما يكون استصحاب بقاء المجعول معارضا عنده باستصحاب عدم الجعل الزائد كذلك استصحاب عدم النسخ وبقاء المنسوخ معارض باستصحاب عدم جعله للزمان الثاني ، ، وهذا يعني جريان استصحاب عدم جعل الحصة الزائدة من الإباحة في المقام فيعارض استصحاب عدم جعل الحرمة.

وقد أجاب على هذا الإيراد سيدنا الأستاذ بان استصحاب عدم جعل الإلزام والحرمة حاكم على استصحاب عدم جعل الحصة الزائدة من الإباحة لأن الإباحة قد قيدت في أدلة كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي أو اسكتوا عما سكت اللّه عنه بعدم الحرمة والنهي واستصحاب عدم الغاية حاكم على استصحاب عدم المغيا لأنه بمثابة أصل موضوعي بالنسبة إلى المغيا.

وقد أوردنا عليه بان هذا ان أريد ظاهره فهو محال باعتبار استحالة أخذ عدم أحد الضدين غاية للضد الأخرى حتى في باب الأحكام الشرعية - كما يعترف بذلك في غير المقام - فأجاب : بان القيد والغاية بيان الحرمة والنهي لا واقعها فيستصحب عدم بيانها ولا محذور.


1) ليس الميزان في عدم منجزية العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة مجرد كثرة الأطراف بل ينبغي ان لا يكون ابتلاء المكلف بها واقتحامه لها جميعا ميسورا له كما في المقام حيث ان المجتهد يفتي بالشبهات جميعا دفعة واحدة رغم كثرتها ، والحاصل : هذا العلم الإجمالي بالنسبة إلى حرمة الإفتاء في مجموع الشبهات منجز لكونه شبهة محصورة بحسب الحقيقة وان كان غير منجز بلحاظ الآثار الطريقية لنفس الشبهات لكونها غير محصورة.

الا ان هذه النتيجة غير سديدة أيضا وذلك :

أولا - لأن هاتين الروايتين مضافا إلى ضعف سنديهما بالإرسال لا تدلان على جعل النهي أو بيانه غاية للخلية الواقعية في الأشياء ليكون استصحاب عدم جعل النهي أو عدم بيانه حاكما عليها بل قوله ( كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي ) تقدم ان المراد من الورود فيه هو الوصول فيكون ظاهرا في جعل الإباحة الظاهرية ، على انها واردة عن الإمام الصادق علیه السلام على تقدير صحتها سندا ومن الواضح انه لا معنى لتفسيرها بالإباحة الواقعية قبل الشرع وجعلها مغياة بورود النهي وانما تناسب إرادة الإباحة الظاهرية منها ، واما قوله ( اسكتوا عما سكت اللّه عنه ) المنقول عن أمير المؤمنين علیه السلام فهي أجنبية عن مسألة الإباحة وانما مفادها النهي عن السؤال والتفحص والتشكيك والّذي قد يوجب التشديد من قبل المولى كما أوجبه على بني إسرائيل في موضوع البقرة على ما تقدم في بحث أدلة البراءة (1)

وقد يقال : بأنا لو فرضنا ان الإباحة الواقعية الثابتة قبل الشرع كانت مغياة في دليلها بتشريع الحرمة ـ بناء على إمكان ذلك ـ أو بورود النهي فكما يحكم استصحاب عدم تشريع الحرمة أو عدم بيانها على استصحاب الإباحة الزائدة كذلك يحكم على استصحاب بقاء المجعول ـ أعني بقاء الحرمة أو النجاسة بعد زوال التغير ـ لأن دليل الإباحة الواقعية المغياة بذلك دليل اجتهادي يحكم على استصحاب المجعول بعد ضم استصحاب عدم جعل الحرمة الزائدة إليه.

ولا يتوهم ـ جريان استصحاب بقاء الحرمة المجعولة وإثبات الغاية به ، لأن المفروض ان الغاية عبارة عن بيان الحرمة أو تشريعها بمعنى جعلها لا الحرمة المجعولة لأن المناسب لأن يكون غاية للإباحة قبل الشرع انما هو ذلك لا المجعول الّذي هو أمر وهمي تصوري.

الا ان هذا البيان غير سديد ، لأن استصحاب عدم تشريع الحرمة أو عدم ورود النهي لا يثبت موضوع الإباحة الواقعية المغياة بذلك وقعا وحقيقة ليكون التمسك بالدليل الاجتهادي الدال عليها وانما يثبت ذلك ظاهرا وتعبدا أي يترتب أثره في مقام العمل والمفروض ان استصحاب بقاء المجعول أيضا يرتب الحرمة في مقام العمل فيتعارضان لا محالة.

.

وثانيا - ان لازم هذا الكلام الالتزام بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية لكل حكم ثابت في أول الشرعية بالإمضاء كما في الملكيات والاعتبارات العقلائية الثابتة قبل الشرع ، فلو شك في بقاء المجعول في مورد من موارد هذه الأحكام لم يكن يجري استصحاب عدم الجعل الزائد فيها ليكون معارضا مع استصحاب بقاء المجعول


1) يمكن ان يقال : بان المقصود ان الدليل الّذي سلم ثبوته على الحلية قبل الشرع لكل شيء بنفسه يتضمن تقييد ذلك بما لم يشرع الإلزام والنهي ولو ارتكازا ولبا فكان هذا هو المستفاد من إمضاء الإباحة قبل الشرع مع التدرج في بيان الإلزامات فكلما لم يشرع فيه إلزام باق على إباحته قبل الشرع فتتم الحكومة المذكورة بلحاظ هذا الدليل لا محالة الا ان عهدة إثبات مدرك واضح على مثل هذه الدعوى على مدعيها.

لأن أصل جعل تلك الأحكام وتشريعها في أول الشرع ثابت ولو بالإمضاء ، وكان السيد الأستاذ التزم بذلك من خلال البحث وجعله استثناء آخر من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية.

وثالثا - لو فرض ان المجعول الإلزامي كالحرمة المراد استصحابه مما يعلم بعدم إباحته وانما يحتمل تبدله إلى الكراهة أو الاستحباب فاستصحاب عدم الجعل الزائد للإلزام يعارض باستصحاب عدم جعل الكراهة أو الاستصحاب لا محالة (1)

لأنه يقال : استصحاب عدم جعل الإلزام الزائد يثبت الترخيص بالمعنى الأعم لا الاستصحاب أو الكراهة بالخصوص فاستصحاب عدم جعلهما لا حاكم عليه.

.

وفي خاتمة البحث عن التفصيل في جريان الاستصحاب بين الشبهات الحكمية والموضوعية تبقى نكات إضافية يجدر الإشارة إليها ضمن تنبيهات.

تنبيهات حول شبهة المعارضة في الشبهة الحكمية :

التنبيه الأول - أشرنا فيما سبق إلى ان السيد الأستاذ كان يرى في البداية عدم جريان استصحاب الحكم بمعنى المجعول حتى في الشبهة الموضوعية لمعارضته مع استصحاب عدم الجعل الزائد الشامل له وانما الّذي يجري هو الاستصحاب الموضوعي المثبت لأثر الحكم ، وهذا البيان غير تام وذلك :

أولا - انه مناف لمورد صحيحة زرارة حيث استصحب الإمام علیه السلام فيها الطهارة عند الشك في حصول النوم - وهو شبهة موضوعية - ولم يستصحب عدم النوم فحتى لو فرض تمامية الشبهة لا بد من رفع اليد عنها وتقديم استصحاب المجعول على استصحاب عدم الجعل باعتباره مورد الصحيحة.

وقد أجاب السيد الأستاذ عن هذا الاعتراض عند ما وجهناه إليه بأن الصحيحة لا بد وان تحمل على محمل آخر على كل تقدير لأن المفروض حكومة الأصل الموضوعي على الحكمي باعتباره سببيا فلا يجري استصحاب المجعول في موردها سواء كان له معارض أم لا.


1) لا يقال : هذا مبني على ان لا يكون المستفاد من أدلة تقييد الإباحة بعدم جعل الحرمة أو ورود النهي أخذه غاية للإباحة بالمعنى الأعم أي مطلق الترخيص والا أيضا كان استصحاب عدم جعل الإلزام الزائد حاكما عليه.

ولكن من الواضح ان هذا الإيراد مبني على القول بحكومة الأصل السببي على الأصل المسببي حتى إذا كانا متوافقين وهو محل منع على ما سوف يأتي ، بل ورود الصحيحة في الأصل المسببي بنفسه يكون دليلا على عدم الحكومة في فرض توافق الأصلين السببي والمسببي في المفاد.

وثانيا - لو فرض جريان استصحاب عدم الجعل الزائد ومعارضته مع استصحاب الحكم في الشبهة الموضوعية أدى ذلك إلى دخول الاستصحاب الموضوعي أيضا في المعارضة ، وبعبارة أخرى : يكون استصحاب عدم الجعل الزائد معارضا مع أصلين في عرض واحد استصحاب المجعول الجزئي والاستصحاب الموضوعي ، والوجه في ذلك ان الاستصحاب الموضوعي لا يكون حاكما على استصحاب عدم الجعل الزائد وانما يكون حاكما - على القول بحكومة الأصل السببي - على المسببي - على استصحاب المجعول لأن ترتب عدم الجعل الزائد على الاستصحاب الموضوعي ليس شرعيا كما هو واضح. وهذا يعني ان شبهة المعارضة تؤدي إلى إنكار الاستصحاب رأسا.

وثالثا - وهو المهم - ان شبهة المعارضة لا موضوع لها في الشبهة الموضوعية لأن الشك فيها ليس في الجعل وحدوده لنجري استصحاب عدم الجعل الزائد وانما الشك في تحقق مصداقه خارجا وعدمه - كما إذا شك في بقاء تغير الماء أو زواله - ومن الواضح ان الجعل لا يتسع ولا يتضيق بسعة مصاديقه وقلتها في الخارج ، فجعل النجاسة للماء المتغير ما دام متغيرا لا يزداد ولا ينقص بزوال تغير الماء وعدمه فلا شك في جعل زائد لكي يستصحب عدمه.

لا يقال - الجعل بعنوانه التفصيليّ وان كان كما ذكر الا انه يمكن إجراء الاستصحاب بعنوان إجمالي مشير إلى القضية المجعولة بأن يقال لا ندري هل جعل المولى الحكم على طبيعة يشتمل هذا الفرد المشكوك خارجا أم لا ولو من باب الشك في شمول الجعل له موضوعا فنستصحب عدمه.

فانه يقال : لا شك في العنوان والطبيعة التي جعل عليها الحكم بحسب الفرض وانما الشك في شمولها لهذا الفرد ، فان أريد استصحاب عدم جعل الحكم على الطبيعة فهو مقطوع به ولا شك في الحكم ولا في متعلقه وما جعل عليه ليطبق بلحاظه الاستصحاب ، وان أريد استصحاب عدم شمول الطبيعة المجعول عليها الحكم للفرد

المشكوك - ولو بنحو العدم الأزلي - فشمول الجعل ليس ملاكا للتنجيز وانما المنجز اما الحكم بمعنى المجعول أو الحكم بمعنى الجعل مع إحراز موضوعه على ما تقدم.

التنبيه الثاني - ان المستصحب في الشبهة الحكمية تارة يكون الزمان طرفا له كما في نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره ، وفي مثل ذلك يكون تصوير الحدوث والبقاء للحكم بمعنى المجعول الكلي بلحاظ الجعل بالحمل الأولي واضحا ، وأخرى : يكون الزمان قيدا في متعلق الحكم ونشك في حدوده كما في وجوب الوقوف بعرفة من الزوال إلى الغروب فلو شك في ان الواجب هو الوقوف إلى سقوط القرص أو زوال الحمرة مثلا كان مقتضى الاستصحاب الثاني ، وفي مثل هذا الفرض قد يناقش في انطباق النكتة المذكورة حيث ان الزمان أصبح في مثل هذا الحكم المشكوك قيدا في متعلق الحكم لا ظرفا له ، فالجعل بالحمل الأولي أيضا لا يكون له حدوث وبقاء بلحاظ الزمانين لأنهما يلحظان معا من أول الأول في الجعل في عرض واحد ولا يلحظان ظرفا للمجعول ليقال بان الحصة الثانية من الوجوب امتداد وبقاء للحصة الأولى.

هذا والصحيح انطباق تلك النكتة في المقام أيضا لأن منشأ لحاظ الحصة الثانية من الوجوب امتدادا وبقاء للحصة الأولى بالحمل الأولي ملاحظة الحكم تابعا لمتعلقه وعارضا عليه ، فكما يكون للمتعلق امتداد وحدوث وبقاء يكتسب الحكم المجعول بالحمل الأولي نفس الحالة فيرى له حدوث وبقاء بالتبع.

التنبيه الثالث - ان استصحاب المجعول في الشبهة الموضوعية هل يجري في نفسه بناء على مبنانا من إنكار الوجود الفعلي للمجعول ومباينته مع الجعل أم لا؟ قد يقال بعدم جريانه إذ لو أريد إجراء الاستصحاب في امر فعلي يتحقق بتحقق الموضوع في الخارج ويزول بزواله ، فهذا مبنى على فكرة التفكيك بين الجعل والمجعول بالحمل الشائع والحقيقة وقد عرفت بطلانه ، وان أريد إجراؤه في الجعل بالحمل الأولي فقد تقدم ان الجعل لا شك في بقائه أو ارتفاعه في الشبهات الموضوعية وانما يتصور ذلك في الشبهة الحكمية وبالعناية المتقدم شرحها.

والصحيح : جريان الاستصحاب في المجعول حتى في الشبهة الموضوعية لأن لحاظ الحكم والجعل بالحمل الأولي كما يقتضي تصور الحدوث والبقاء لحصص المجعول بهذا الجعل في الشبهة الحكمية كذلك يقتضي ان يكون هناك ثبوت للمجعول وفعلية عند

تحقق موضوعه في الخارج لأن الملاحظ من خلال العنوان يرى المعنون في الخارج فكأن هناك امرا يتحقق بتحقق الموضوع ويزول بزواله خارجا ، وهذا وان كان مجرد لأمر اعتباري ووهمي لا حقيقي الا انه يكفي لصدق دليل الاستصحاب وجريانه فيه. وان شئت قلت : ان المجعول وان كان امرا وهميا لا حقيقيا الا ان هذا الأمر الاعتباري وفي طول اعتباره وجعله يكون له حدوث وبقاء حقيقي فينطبق عليه دليل الاستصحاب حقيقة.

التنبيه الرابع - ان للسيد الأستاذ اعتراضا آخر على الاستصحاب في بعض أقسام الشبهة الحكمية غير إشكال المعارضة وحاصله : ان الاستصحاب يعتبر فيه وحدة الموضوع المستصحب له الحكم وهذا في مثل استصحاب بقاء النجاسة للماء المتغير بعد زوال تغيره وان كان محفوظا حيث لا يكون الزمان الا ظرفا للماء المتغير الا انه غير متوفر فيما إذا كان الشك في مرحلة البقاء متعلقا بافراد أخرى من ذلك الموضوع ، كما إذا لاحظنا حرمة ملامسة المرأة في أيام حيضها وشك في ان الحيض يرتفع بانقطاع الدم أو بالاغتسال فان الفرد المشكوك في حرمته وهو المس قبل الاغتسال وبعد انقطاع الدم غير الفرد المقطوع بحرمته فلا يجري الاستصحاب ، وان شئت قلت : ان أريد استصحاب حرمة المس المعلوم حرمته وهو الواقع قبل انقطاع الدم فلا شك في حرمته لكي يستصحب وان أريد استصحاب حرمة المس الواقع بعد الانقطاع فلا يقين بحرمته من أول الأمر وان أريد استصحاب الحرمة لطبيعي المس فهو من القسم الثالث من استصحاب الكلي كما هو واضح.

وهذا الإشكال غير تام أيضا وذلك لأنه لو أريد تعدد الموضوع للمستصحب باعتبار ان خصوصية المس قبل انقطاع الدم دخيلة في الحكم فهذا خلف فرض ظرفية الزمانين وكون الحيثيتين تعليليتين لا تقييديتان وان أريد التعدد من ناحية التباين الوجوديّ والمصداقي لافراد المس قبل الانقطاع وبعده فهذا وان كان صحيحا الا انه لا يقدح في جريان استصحاب الحكم لأن ما هو معروض الحكم وموضوعه ليس هو المصداق الخارجي وافراد المس بل الحيثية المشتركة بين تلك الافراد وهي محفوظة في القضيتين المتيقنة والمشكوكة ، ففرق بين دخول زيد في المسجد والشك في بقاء جامع الإنسان فيه ضمن عمرو بعد خروج زيد وبين المقام فان الدخول في المثال عارض

على زيد وعروضه على جامع الإنسان يكون بحسب الحقيقة عروضا على الجامع المتشخص والضمني ومن هنا لا يكون استصحاب بقاء جامع الإنسان في المسجد جاريا واما حرمة المس فهي عارضة على طبيعي المس في حال الحيض ابتداء لا على الافراد والمصاديق الخارجية بما لها من المشخصات فتكون حرمته بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال بقاء لنفس تلك الحرمة على موضوعها بعد إلغاء خصوصية الزمان والحيثيات التعليلية فلا يكون من استصحاب الكلي ولا من تغير الموضوع في الاستصحاب الشخصي كما هو واضح.

التنبيه الخامس - لا إشكال في جريان استصحاب عدم النسخ عند الشك فيه وهو من استصحاب بقاء المجعول في الشبهة الحكمية ، ويرد فيه كلا الإشكالين المتقدمين من السيد الأستاذ في استصحاب بقاء المجعول في الشبهات الحكمية ، لأن الشك في النسخ يرجع لبا إلى الشك في أخذ قيد الزمان الأول في الحكم حيث يستحيل النسخ الحقيقي في حق اللّه سبحانه وتعالى بلحاظ روح الحكم ومبادئه ، فيرجع الشك إلى احتمال اختصاص المجعول بالزمان الأول فيجري استصحاب بقاؤه وهو كالاستصحاب بقاء المجعول في سائر الشبهات الحكمية فيقال فيه حينئذ تارة : بالمعارضة مع استصحاب عدم الجعل الزائد للحصة الزمنية الثانية ، وأخرى : بأن الفعل في الزمان الثاني أو المكلف في الزمان الثاني فرد آخر غيره في الزمان الأول فقد تبدل موضوع المستصحب بلحاظ الافراد ، والجواب عليهما ما عرفت في دفع الشبهتين آنفا.

الا ان استصحاب عدم النسخ يختص باعتراض ثالث لا يرد في الشبهات الحكمية الأخرى وحاصله ، إيقاع المعارضة بين استصحاب عدم النسخ وبين استصحاب عدم فعلية المجعول المحتمل نسخه قبل تحقق موضوعه ، فلو شك في نسخ نجاسة الماء المتغير مثلا جرى استصحاب عدم نجاسته الثابت قبل تغيره فيكون معارضا باستصحاب بقاء النجاسة المجعولة لطبيعي الماء المتغير وعدم نسخها وهو أيضا من الاستصحاب في مرحلة فعلية الحكم والمجعول إثباتا أو نفيا.

وجواب هذه الشبهة : ان استصحاب عدم فعلية المجعول المحتمل نسخه قبل تحقق موضوعه لا يجري ، لأنه لو أريد به عدم المجعول الجزئي أي الثابت للفرد المشكوك بما هو فرد فمن الواضح ان هذا الفرد بما هو فرد يعلم بعدم جعل الحكم له فلا شك في عدم

الجعل له لكي يستصحب ، وان أريد به عدم المجعول الكلي الطبيعي الموضوع كالماء قبل تغيره فالمفروض ان طبيعي الموضوع الّذي هو امر واحد بحسب الفرض وان تعددت مصاديقه وافراده - على ما تقدم - قد انتقض فيه عدم النجاسة بجعل النجاسة عليه في الزمن الأول فيكون الجاري استصحاب بقاء المجعول لا عدمه.

لا يقال - بناء على هذا البيان لا بد من المنع عن استصحاب الحكم في الشبهة الموضوعية كاستصحاب طهارة الماء المشكوك ملاقاته مع النجاسة أيضا إذ لو أريد فيها استصحاب الحكم المجعول للفرد المشكوك بما هو فرد فهذا مما يقطع بعدمه وان أريد استصحاب الحكم المجعول لطبيعي الماء مثلا فهو مما يعلم بانتقاضه بجعل النجاسة للماء الملاقي مع النجس.

فانه يقال - المستصحب في الشبهة الموضوعية هو الحكم الجزئي المجعول بجعل الطهارة على الماء غير الملاقي للنجس حيث يشك في بقاء مجعول هذا الجعل بينما في المقام ليس الشك في بقاء الطهارة المجعولة للماء قبل التغير ، لأن هذا يعلم بانتقاضه وارتفاعه موضوعا حيث لا شك فيه لا كبرى ولا صغرى وانما الشك في بقاء مجعول جعل آخر وهو بقاء النجاسة المجعولة لطبيعي الماء المتغير في العصر الثاني فيجري استصحاب بقائه.

وليعلم ان مقصودنا بهذه التحليلات تفسير الظهور الإطلاقي الثابت في دليل الاستصحاب في نفسه والّذي ارتكز في أذهان الفقهاء دون تشكيك من قبل أحد منهم خلال مئات من السنين حيث كانوا يستصحبون عدم النسخ وكذلك يستصحبون بقاء الحكم في الشبهة الحكمية قبل ان تثار شبهة المعارضة بل وبعد إثارتها أيضا لم يستشكل من قبل المشككين في أصل جريان استصحاب الحكم ، فليس المقصود إثبات ظهور أو إطلاق غير ثابت في نفسه لو لا هذه التحليلات ليستشكل في عرفيتها مثلا ، وقد أوضحنا سابقا في منهج البحوث التحليلية اللفظية ضمن مباحث الدليل اللفظي ان هدف الأصولي قد يكون تفسير ظواهر ودلالات لا إشكال في ثبوتها في نفسها غاية الأمر قد وقع فيها التشويش أو الالتباس والتناقض في مجال التطبيق لدى المحققين مما يضطرنا إلى إبراز نكاته وتحليلاته ضمن نظرية متكاملة تستطيع ان تفسر كل تلك الظواهر وتوفق فيما بينها وترفع التناقض

والتشويش فيها ، وهذا منهج علمي تبرز الحاجة إليه في مجالات عديدة وكثيرة من البحوث الأصولية.

2 - التفصيل بين المستصحب الثابت بالدليل الشرعي أو بحكم العقل

وقد ذهب إلى هذا التفصيل الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) فإذا كان الحكم ثابتا بحكم العقل لم يجر استصحابه ووافقه على السيد الأستاذ في الجملة وخالفه أكثر المحققين من المتأخرين وما يستخلص من مجموع كلماتهم في الاستدلال على هذا التفصيل وجوه ثلاثة :

الوجه الأول - ما يقال من ان الحكم الشرعي إذا كان تابعا لحكم العقل ومستكشفا به فلا يعقل الشك فيه إذ لا يعقل الشك في حكم العقل فلا تتم أركان الاستصحاب في مثل هذه الأحكام.

وهذا الوجه ان تم مبناه فهو يختص بالحكم الشرعي المستكشف بقانون الملازمة بين ما حكم به العقل العملي وما حكم به الشرع أعني المستقلات العقلية ولا يجري فيما قد يستكشف بحكم العقل النظريّ في باب تشخيص المصلحة اللزومية لوضوح إمكان الشك في بقاء تلك المصلحة المدركة من قبل العقل بنحو الشبهة الحكمية أو الموضوعية كما قد يشك العقل في أي أمر موضوعي اخر.

ومبنى هذا الوجه تصور ان العقل العملي لا يتصور في حقه الشك في موضوع حكمه ، وهذا في الحقيقة يرتبط بالمباني المختلفة في تفسير مدركات العقل العملي ، وفيما يلي نستعرض هذه المباني من دون الدخول في تقييمها في نفسها بل لملاحظة ما يترتب على كل منها في المقام.

المبنى الأول - ما اختاره المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) تبعا لجملة من الحكماء من ان هذه الأحكام من المشهورات العقلائية المجعولة لحفظ النظام والمصالح العامة. وبناء عليه قد يقال بعدم معقولية الشك في مثل هذه الأحكام لأن الإنسان هو أحد العقلاء ومنهم وبالتالي لا يعقل ان يشك في حكمه ، بل ذهب هذا المحقق إلى انه لا يعقل الشك في أحكام العقل العملي حتى بنحو الشبهة الموضوعية بدعوى ان موضوع التحسين والتقبيح العقليين هو الفعل الاختياري والاختيارية فرع العلم والوصول فمع

الشك يقطع بارتفاع الحكم العقلي.

ويمكن ان يناقش ذلك :

أولا - إذا افترضنا التحسين والتقبيح من أحكام العقلاء ومجعولاتهم فمن المعقول الشك فيهما نتيجة عدم وضوح جعلهم وتشخيصهم للمصالح والمفاسد عند شخص ما ، وكون القضية عقلائية وهو منهم لا يمنع عن حصول الشك لديه فيما إذا لم تكن المصلحة التي دعت العقلاء قبله إلى جعله بدرجة كافية من الوضوح والبداهة في نفسها ، ولهذا قد يقع الشك في الأوضاع اللغوية الموضوعة من قبل العرف والعقلاء لدى الإنسان العرفي أيضا.

وثانيا - إمكان فرض الشك في الحكم الشرعي المستكشف بالحكم العقلي فان مجرد فرض ان الشارع من العقلاء بل سيدهم وفرض عدم الشك في الحكم العقلائي لا يستلزم عدم الشك في الحكم الشرعي إذ لعل الجعل الشرعي يكون أوسع من الجعل العقلائي ولو باعتبار أن الشارع أكمل عقلا وإدراكا للمصالح الواقعية والتي لم يدرك العقلاء الا جانبا منها.

وثالثا - ما ذكر من عدم إمكان الشك حتى بنحو الشبهة الموضوعية في هذه الأحكام غير صحيح وذلك لما تقدم في بحوث التجري من منع كون الاختيارية تابعة للعلم والوصول لكي يكون الحسن والقبح تابعين له خصوصا إذا فرضناهما من المجعولات المشهورة بين العقلاء.

المبنى الثاني - ما اختاره المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) في حاشيته على الرسائل من ان التحسين والتقبيح العقليين حالتان ذاتيتان للإنسان فهو يلتذ وينجذب نحو الفعل الحسن ويتنفر من الفعل القبيح فليس الحسن والقبيح الا تلك اللذة المعنوية وهذا الاشمئزاز النفسيّ.

وبناء على هذا المبنى في تفسير الحسن والقبيح إذا كان الحكم الشرعي منوطا بنفس الحالتين الذاتيتين الفعليتين فلا يعقل الشك في ذلك لا محالة فان الإنسان بمراجعة وجدانه يستطيع تشخيص الحالة الذاتيّة فيما عدا حالات الوسوسة والتردد ، واما إذا أنيط الحكم الشرعي بالمصلحة أو المفسدة المستكشفة بتلك الحالة الذاتيّة فمن الواضح معقولية الشك في دائرة المصالح والمفاسد المستكشفة بها وبالتالي إمكان

الشك في الحكم الشرعي المستكشف أيضا.

المبنى الثالث - ان الحسن والقبح واقعان موضوعيان يدركهما العقل كما يدرك الواقعيات الأخرى غاية الأمر ليس عالم تحققهما عالم الوجود بل عالم الواقع الأوسع من لوح الوجود ، وبناء على هذا المبنى يعقل الشك في الحسن والقبح فضلا عن الحكم الشرعي المستكشف بهما.

المبنى الرابع - ما ذهب إليه السيد الأستاذ من ان الحسن والقبح لهما معنيان الأول استحقاق المدح أو الذم من العقلاء ، والاخر منشأ هذا الاستحقاق ، وكلا الأمرين موضوعيان الا ان الأول منهما قد أخذ فيه العلم بالمنشإ موضوعا فلا يذم الجاهل بكون فعله ظلما أو ضربا لليتيم مثلا. وبناء عليه لا بد من ملاحظة ان التلازم هل هو بين حكم الشارع وبين الأمر الأول أو الثاني ، فان قيل بالأول فلا يعقل الشك فيه لأن المفروض ان موضوع الاستحقاق العلم بالظلم أو العدل أي العلم بوقوع الفعل موقعه المناسب وعدمه فمع الشك فيه لا استحقاق ، وان قيل بالثاني كان الشك فيه معقولا لأن منشأ الاستحقاق امر واقعي موضوعي فيعقل الشك فيه على حد الشك في المدركات الواقعية الأخرى.

الوجه الثاني - ان أحكام العقل العملي أي الحسن والقبح لا معنى للشك فيه بنحو الشبهة الحكمية الا إذا لم يحرز الموضوع وحدوده ، كما إذا شك مثلا ان قبح الكذب ثابت للكذب مطلقا أو الكذب المضر مثلا أو غير النافع ، ومع الشك واحتمال دخالة هذا القيد في الحكم العقلي لا معنى للاستصحاب لعدم إحراز وحدة الموضوع لأن القيود في أحكام العقل العملي تقييدية لا تعليلية.

وهذا الوجه غير تام أيضا فان تقييدية القيود في أحكام العقل العملي وان كان صحيحا الا ان الميزان في جريان الاستصحاب وحدة القضيتين وعدم تبدل الموضوع بحسب الفهم العرفي والمناسبات المحكمة على دليل الاستصحاب لا على دليل الحكم سواء كان لفظيا أو عقليا ، فقد تكون الحيثية المأخوذة في الدليل تقييدية ومع ذلك يجري الاستصحاب لأن العرف يرى بقاء موضوع الحكم المستصحب رغم زوال تلك الحيثية على ما سوف يأتي تحقيقه مفصلا في محله.

الوجه الثالث - ما ذهب إليه المشهور من ان الحسن والقبح بالذات منحصر في

العدل والظلم واما غيرهما فباعتبار انطباق أحدهما عليه يتصفان بالحسن والقبح. وعندئذ يقال بان الشك في الحسن والقبح يرجع لا محالة إلى الشك في العدل والظلم ومعه لا يمكن الاستصحاب لأن عنواني العدل والظلم من الحيثيات التقييدية حتى بنظر العرف.

وفيه : ما تقدم في بحوث القطع من أن قضيتي حسن العدل وقبح الظلم ليستا قضيتين أوليتين حقيقيتين بل هما مشيرتان إلى قضايا أولية قبلهما ، إذ ليس العدل الا إعطاء ذي الحق حقه والظلم سلب ذي الحق حقه فلا بد من فرض حق واستحقاق في المرتبة السابقة ، وهذا يعني انهما تجميع لقضايا أخرى قبلهما كقبح الخيانة والكذب وهتك المولى وحسن الصدق والوفاء وإطاعة المولى فيكون ثبوتهما لتلك العناوين والتي قد لا يرى العرف تقييديتها.

وهكذا يتبرهن عدم صحة التفصيل في الاستصحاب بين الأحكام الشرعية المستكشفة بدليل العقل العملي وبين غيرها.

3 - التفصيل بين الشك في المقتضي والرافع

اشارة

وهذا ما ذهب إليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) وتبعه عليه المحقق النائيني (قدّس سرّه) وقد أفاد الشيخ بان أول من تنبه إلى ذلك هو المحقق الخوانساري (قدّس سرّه) ولعل مقصوده ان أول من طبق ذلك على مفاد اخبار الاستصحاب وإلا فأصل التفصيل ثابت قبل ذلك ، وببالي ان المحقق في المعارج له كلام يشعر بهذا التفصيل حيث أفاد بان فرض عدم بقاء المستصحب اما يكون من باب احتمال عدم المقتضي أو وجود المانع والأول خلاف المفروض لأن الكلام بعد الفراغ عن وجوده والثاني معارض باحتمال عدمه فكأن فكرة الاستصحاب عنده منوط بإحراز المقتضي وكون الشك في الرافع.

وقد وقع البحث تمهيدا في المقصود من المقتضي والرافع بما لا فائدة مهمة في التعرض إليه بعد ما سيظهر من بطلان أصل التفصيل. من هنا نقتصر في تقرير هذا التفصيل على ما نقحه المحقق النائيني (قدّس سرّه) في بيان ضابطته وحاصله : ان الشيء إذا كان بحيث لو بقي هو وعمود الزمان لم يرتفع وانما يرتفع لحدوث حادث يؤثر عليه كان الشك في الرافع كالنجاسة الّذي لا ترتفع الا بمزيل وكالإنسان الشاب الّذي لا يموت

عادة الا بعارض واما إذا كان الشك في نفس امتداد الشيء ومقدار استعداده للبقاء في عمود الزمان كان من الشك في المقتضي ، كان الخيار الّذي قد يزول بالتأخير بناء على فوريته وكالشك في موت إنسان كبير السن لاحتمال انتهاء قوته واستعداده ، فليس المراد من المقتضي الملاك والمصلحة ولا السبب في قبال الشرط وعدم المانع ولا الموضوع كما توهم بل ما ذكرناه من استعداد الاستمرار والبقاء لو لا المزيل وهذا كما يجري من استصحاب الوجود يجري في استصحاب العدم أيضا كما لا يخفى.

وقد استدل على هذا التفصيل بأدلة ثلاثة رئيسية :

الدليل الأول - ويتألف من مقدمتين :

الأولى - ان الاستصحاب يعتبر فيه وحدة القضية المتيقنة والقضية المشكوكة.

الثانية - ان الوحدة الحقيقية غير موجودة لأن المتيقن هو الحصة الحدوثية والمشكوك الحصة البقائية فلا وحدة بالدقة فلا بد من فرض عناية على أساسها يفترض المتيقن كأنه هو المشكوك وتلك العناية اما هي عناية تيقن المشكوك باعتبار اليقين ببقاء المقتضي أي بان يعتبر اليقين بالمقتضي مسامحة يقينا بالمقتضى واما بان يفرض بالعناية نفس اليقين بالحدوث يقينا بالبقاء باعتباره يقينا بشيء فيه اقتضاء البقاء وكلتا العنايتين توجبان اختصاص الحكم بفرض إحراز المقتضي وكون الشك في الرافع.

وناقش في ذلك المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) بان العناية المستوجبة للوحدة عرفا انما تكون بنفس تجريد خصوصية الزمان فيرى المشكوك عين المتيقن.

وهذا الكلام يحتمل فيه أحد امرين :

الأول - ان يكون منظوره ملاحظة الجامع بين الحصة الحدوثية والحصة البقائية فيتحد المتيقن مع المشكوك بهذا الاعتبار.

وفيه : ان الجامع بين الحصتين لا شك فيه حتى يجري الاستصحاب بلحاظه.

الثاني - ان يكون منظوره - كما ذكر المحقق العراقي (قدّس سرّه) في تفسير كلام أستاذه - إلغاء خصوصية الزمان والتغافل عنه ولحاظ ذات الشيء فكان حدوثه عين بقائه وكأن ذات الشيء كان متيقنا ثم شك فيه.

وفيه : ان هذا يستلزم ان يكون مفاد أدلة الاستصحاب قاعدة اليقين حينئذ وان

الشك إذا تعلق بما تعلق به اليقين فلا يعتنى به وهذا مصداقه الحقيقي قاعدة اليقين غاية الأمر يقال بان الاستصحاب أيضا فرد عنائي لهذه الكبرى.

هذا وهناك احتمال اخر في كلام المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) وهو ما سنذكره نحن في إبطال هذا الدليل وان كانت عبارته لا تنطبق عليه.

والتحقيق في الإجابة على هذا الدليل ان يقال :

أولا - هذا الدليل يستبطن إرجاع مفاد الأدلة إلى قاعدة اليقين لا الاستصحاب إذ فرض فيه انها تدل على الحجية في فرض وحدة المتيقن والمشكوك بان يكون الشك متعلقا وساريا إلى نفس المتيقن ، غاية الأمر فرض وجود العلم بالمقتضي والشك في المقتضى بقاء من ناحية احتمال المانع فردا عنائيا لقاعدة اليقين مثلا وهذا غير قاعدة الاستصحاب لبا وروحا.

وثانيا - ان هذا الاستدلال نشأ من تسليم ظهور الدليل في لزوم الوحدة المطلقة بين المتيقن والمشكوك مع ان هذا لا وجه له ، فانه إذا كان وجهه حذف متعلق اليقين والشك ، ففيه : ان حذف المتعلق لو سلم ظهوره في وحدة متعلقهما من جميع الجهات في نفسه ففي المقام حيث طبق ذلك في نفس الحديث على اليقين بحدوث الطهارة والشك في بقائها فلا يكون الظهور المذكور مقتضيا للوحدة من هذه الناحية. وان كان وجهه كلمة النقض واسناده إليهما حيث لا معنى لأن يكون الشك في شيء نقضا لليقين بشيء آخر فهذا أيضا لا يقتضى لزوم الوحدة من جميع الجهات حتى الزمان بل يكفي الوحدة من غير ناحية الزمان ، بل مفهوم النقض لا بد في صدقه من فرض ان المشكوك بقاء للمتيقن ورفع له والا لو كان المشكوك نفس المتيقن حتى من حيث الزمان فلا يصدق النقض بينهما بلحاظ المتيقن المشكوك وان كان قد يصدق بلحاظ نفس اليقين والشك إذا كان اليقين سابقا على الشك ، وقد تقدم في البحوث السابقة كيف ان اليقين والشك يكتسبان صفة متعلقهما من المتيقن والمشكوك من هذه الناحية فيكون اسناد النقض إليهما بهذا الاعتبار.

الدليل الثاني - وله تقريبان :

1 - ان جملة ( ولا ينقض اليقين بالشك ) كان يحتمل فيه العهدية وإرادة اليقين بالطهارة والشك في الحدث وانما تعدينا من ذلك إلى غيره بضم ارتكاز عدم الفرق

فلا بد من الاقتصار في التعدي على المقدار المتيقن عدم الفرق بينه وبين المورد ، فإذا كان في المورد خصوصية يحتمل دخالتها في الفرق لم يكن يمكن إلغاؤها في التعدي ، ومن الواضح ان المورد وهو اليقين بالطهور والشك في الحدث فيه خصوصية إحراز المقتضي والشك في الرافع فلا يمكن إلغاؤها.

وفيه : مضافا إلى وجود أدلة مشتملة على الإطلاق اللفظي ، ان ارتكازية عدم الفرق في المقام توجب إلغاء المورد وهو اليقين بالطهور والشك في التناقض بكل ماله من الخصوصيات التحليلية والضمنية والتي منها مثلا كونه من الشك في الرافع لا المقتضي ومع إلغاء المورد بالارتكاز ينعقد إطلاق لفظي على الاستصحاب ، وان شئت قلت : ان الارتكاز يوجب حمل المورد على انه صغرى للكبرى المعلل بها وهي النهي عن نقض اليقين بالشك وهي كبرى مطلقة تشمل موارد الشك في المقتضي أيضا.

2 - ان الكلام الصادر من المولى إذا كان في مورده ارتكاز خاص يقتضي التوسعة أو التضييق تأطر الكلام وتحدد بمقدار ذلك الارتكاز لا محالة فيدعى في المقام ان الارتكاز يقتضي الاختصاص بفرض إحراز المقتضي.

وفيه : منع الصغرى فان هذا الارتكاز لو سلم فليس بتلك المرتبة التي تصلح للبيانية على تحديد الإطلاق اللفظي وتخصيص حجية الاستصحاب بموارد إحراز المقتضي فقط. والدليل الثالث - وهو الّذي اعتمد عليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) ناسبا له إلى المحقق الخوانساري (قدّس سرّه) وهو استفادة الاختصاص من كلمة النقض الوارد في الحديث ويمكن تحليل هذا الاستدلال إلى مقدمتين :

الأولى - ان النقض مسند واقعا ولبا إلى المتيقن لا اليقين وان كان بحسب اللفظ قد أضيف إلى اليقين.

الثانية - ان اسناد النقض إلى المتيقن لا يصح الا إذا فرض إحراز المقتضي له بقاء. ولنؤجل البحث عن المقدمة الأولى إثباتا ونفيا ونقدم البحث عن المقدمة الثانية فنقول : استند الشيخ (قدّس سرّه) في إثبات المقدمة الثانية إلى كلمة النقض الوارد في الحديث حيث انه مقابل الإبرام وهو لا يصدق الا إذا كان هناك هيئة اتصالية يراد

قطعها فيقال نقضت الحبل بمعنى ، قطعته ، وهذا المعنى وان لم يكن صادقا على المتيقن حقيقة إذ ليست هنا لك هيئة اتصالية بينه وبين المشكوك حقيقة فالنقض مستعمل فيه مجازا ، الا ان المجاز أيضا بحاجة إلى علاقة ومناسبة بين المعنى المجازي والحقيقي وهي هنا افتراض وجود المقتضي لبقاء المتيقن فيكون المشكوك استمرارا للمتيقن وكأنه متصل به ومبروم معه فيصح اسناد النقض بهذه المناسبة ، وحيث ان هذه العلاقة لا تكون محفوظة في موارد الشك في المقتضى فلا يكون الدليل شاملا لأكثر من موارد الشك في الرافع مع إحراز المقتضي.

ويرد على هذا البيان :

أولا - ان النقض وان كان ضد الإبرام الّذي هو مصدر آخر للبرم بمعنى الفتل والإبرام إجادته وأحكامه فيكون النقض بمعنى حل البرم والفتل ، إلا ان مجرد افتراض المقتضي للمتيقن لا يصحح اسناد النقض إليه لأنه لا يحقق علاقة البرم والهيئة البرمية اللازمة في المقام وان كان يوجب أرجحية البقاء والاستمرار فان الاستمرار والبقاء غير البرم والفتل ، على ان مجرد افتراض مناسبة وعلاقة في الذهن من دون ما يدل على أخذها وملاحظتها إثباتا لا يكفي لتصحيح النسبة والإسناد.

وثانيا - ان النقض ليس مطلق حل الفتل بل حله بشدة فقولك نقضت الحبل يعطي معنى الحل الشديد للحبل ويستعمل مجازا في مطلق الرافع إذا أريد تطعيم مفهوم الرافع بالشدة والقوة وهي العلاقة والمناسبة مع المعنى الحقيقي ، وهذه الشدة تارة ، يكون من ناحية شدة المرفوع واستحكامه كما في نقضت الحبل من مكانه ، وأخرى : يكون من ناحية شدة المرفوع واستحكامه كما في نقضت الحبل من مكانه ، وأخرى : يكون من ناحية ورفعتها تماما رغم ان الشبهة ليس فيها ضعف ووهن ، والظاهر ان اسناد النقض إلى اليقين بالشك يكون على أساس هذه النكتة البلاغية ، فكأنه أريد إبراز فظاعة رفع اليد عن المتيقن بالمشكوك فعبر بالنقض الّذي يعطي معنى شدة الرفع لإظهار شناعة هذا الرفع فيكون أبلغ ، بل سوف يأتي ان النقض مستند إلى اليقين نفسه لا المتيقن ، وبناء عليه تكون المناسبتان معا محفوظتين أي إبراز شدة المرفوع وهو اليقين باعتباره امرا مستحكما مبروما مع متعلقه عرفا ، وإبراز شدة الرفع وفظاعته عند ما يرفع اليد عنه

بالشك ، ولعله لهذه المناسبة عبر باليقين لا بالعلم فان لفظ اليقين أبلغ في الدلالة على الاستحكام والثبات والإبرام بين الكاشف والمنكشف بخلاف لفظ العلم.

وهكذا اتضح عدم صحة المقدمة الثانية من هذا الدليل (1).

واما المقدمة الأولى وهي اسناد النقض إلى المتيقن فيمكن ان يقرب بأحد وجوه :

الوجه الأول - ان يدعى استعمال اليقين وإرادة المتيقن مجازا اما باعتبار ان النهي عن النقض يستدعي القدرة عليه ونقض اليقين بما هو يقين غير مقدور وانما المقدور نقض المتيقن ، أو بدعوى ان النقض لو كان مسندا إلى اليقين لزم ان يكون المقصود ترتيب آثار اليقين والأحكام الشرعية المترتبة عليه لا على المتعلق أي ترتيب آثار القطع الموضوعي فقط دون الطريقي فلا بد وان يراد المتيقن من اليقين.

وهذا الوجه بكلا تقريبيه غير تام ، اما الأول فيرده : ما أشير إليه في الكفاية من أن النقض لو أريد به النقض الحقيقي فهو غير معقول لا بالنسبة إلى اليقين ولا بالنسبة إلى المتيقن في أكثر الموارد ، بل ولو كان معقولا فليس المقصود النهي الحقيقي عنه ، ولو أريد به النقض العملي فهو معقول بالنسبة إلى اليقين أيضا بأن لا يجري على طبقه.

واما الثاني فقد أورد عليه في الكفاية : بأن اليقين قد لو حظ بما هو مرآة إلى المتيقن وفان فيه فكأنه يرى المتيقن به فيرتب آثاره.

وناقش في ذلك المحقق العراقي (قدّس سرّه) بان هذا هدم لمبناه في كيفية تصحيح اسناد النقض إلى اليقين ، إذ لو كان اليقين قد لوحظ فانيا في المتيقن فلا يرى الا المتيقن فكيف يمكن ان يكون مصحح استعمال النقض استحكام اليقين؟ ثم أجاب عليه : بان اليقين وان كان مرآة إلى المتيقن الا ان المرئي قد يكتسب لونا من المرآة كالنور الّذي يكتسب لون الزجاجة المنعكس فيها.

وهذا الجواب أشبه بالشعر والأدب منه إلى الأصول ، إذ لا يعني فناء عنوان ولحاظه


1) ولكن لو فرض ان النقض كان مسندا إلى المتيقن كما إذا قيل لا تنقض المتيقن فلا ينبغي الإشكال في عدم الإطلاق لموارد الشك في أصل استعداد المتيقن للبقاء لأن مفهوم النقض أو الرفع بنفسه يستبطن ثبات المنقوض والمفروغية عنه لو لا النقض وهذا لا يصدق مع محدودية المتيقن في نفسه ، فالأولى جعل المقدمة الأولى كافية في إثبات الاختصاص لتمامية الثانية على هذا التقدير ، وما يرى من صدق النقض في قولنا نقضت الشبهة رغم وهنها لا ينافي ما ذكرناه فان النقض هنا انما استعمل باعتبار بقاء الشبهة وثباتها واستفحالها لو لا النقض.

مرآة الا عدم الالتفات إليه والغفلة عنه فلا وجه لتشبيهه بمسألة طبيعية كما لا يخفى ، فإشكال التهافت مع المبنى الّذي أورده على جواب صاحب الكفاية باق على حاله ، والصحيح في دفع أصل التقريب ان يقال بأنه لا مانع من إرادة نقض آثار اليقين وانطباق ذلك على آثار المتيقن لأن المراد نقض الآثار العملية لليقين ولا إشكال في ان آثار المتيقن هي الآثار العملية التي يتطلبها اليقين المتعلق به ، هذا مضافا إلى ان أصل هذا الوجه ضعيف في نفسه عرفا لأنه لا يناسب مع عبارة الحديث ( كنت على يقين من وضوئك ولا ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ) إذ لو أريد باليقين في الجملة الثانية غير اليقين في الجملة الأولى مع وحدة السياق وكونهما بمثابة الصغرى والكبرى فهذا من التفكيك الركيك جدا ، وان أريد بهما معنى واحدا فليس هو الا اليقين لا المتيقن إذ لا يصح ان يقال ( كنت على المتيقن من وضوئك ).

الوجه الثاني - ما يمكن استفادته من مبنى جواب صاحب الكفاية على الوجه السابق وحاصله : ان اليقين وان استعمل في معناه الحقيقي ولكن يكون اسناد النقض إليه بلحاظ المتيقن لا بلحاظ نفسه لكون عنوان اليقين من العناوين الآلية المرآتية ذات الإضافة فلوحظ مفهوم اليقين مرآة لمفهوم المتيقن من باب ان مصاديقه مرآة لمصاديق المتيقن.

ويرد عليه : ان معنى فناء العنوان في المعنون على ما شرحناه مرارا كون الشيء له لحاظان لحاظ بالحمل الأولي ولحاظ بالحمل الشائع وهو بأحد اللحاظين غيره باللحاظ الاخر ، وهذا يكون في المفاهيم والوجودات الذهنية التي هي بالحمل الشائع غيرها بالحمل الأولي فمفهوم الحيوان بالحمل الأولي حيوان لأنه عنوانه وصورته ولكنه بالحمل الشائع صورة في الذهن وهذا يجعل التعامل معه بنحو الفناء بمعنى ان الأحكام والمحمولات تحمل عليه بما هو بالحمل الأولي لا بالحمل الشائع ، فيقال ان ذلك العنوان أو المفهوم لو حظ فانيا في معنونه ومصداقه أي ليس الحكم عليه بما هو وبالحمل الشائع فهذا هو المعنى المعقول لفناء العنوان والمفهوم في معنونه ومصداقه.

وعلى أساس هذا التوضيح يظهر :

أولا - بطلان ما تقدم عن المحقق العراقي من تشبيه المقام بموارد النور الّذي يكتسب لون الزجاجة المنعكس فيها لأن الفناء هنا لا يعني وجود شيئين يكتسب أحدهما من

الآخر لونا ، بل هناك شيء واحد في الذهن إذا لو حظ بالحمل الأولي كان عين المصداق والمفني فيه ، وإذا لو حظ بالحمل الشائع كان غيره ، واحد اللحاظين والحملين لا يمكن ان يختلط بالاخر ، وحيث ان الأحكام تكون على الوجود الذهني بالحمل الأولي فيكتسب الفاني دائما لون المغني فيه لا العكس لأن الفاني بالحمل الأولي عين المفني فيه.

وثانيا - بطلان ما ذكر في هذا الوجه من ان مفهوم اليقين بلحاظ فانيا في مفهوم المتيقن من باب ان مصداق اليقين فان في المتيقن فان مصداق اليقين أعني التصديق والعلم يكون فانيا في المتيقن بالنكتة التي شرحناها ، أي عند ما يلحظ اليقين بعدالة زيد كوجود ذهني بالحمل الشائع فهو غير المتيقن وعند ما يلحظ بالحمل الأولي يرى عدالة زيد وهو عين المتيقن ، الا ان هذه النكتة لا يمكن ان تكون بين مفهوم اليقين والمتيقن فانه ليس عبارة عن المتيقن لا بالحمل الأولي ولا بالحمل الشائع ، وكون مفهوم اليقين فانيا في مصاديقه بالحمل الأولي لا يحقق الفناء لأنه لا يجعله عين المتيقن بالحمل الأولي بل عين اليقين.

الوجه الثالث - ما ذكره المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) في حاشيته على الرسائل من ان اليقين استعمل كناية عن المتيقن فالمدلول الاستعمالي وان كان هو اليقين الا ان المراد الجدي هو المتيقن كما في ( زيد كثير الرماد ).

وفيه : مضافا إلى بطلان هذه الكنائية وكونها خلاف الظاهر ، ان هذا الوجه لا يجدي في إثبات المقصود من المقدمة الأولى إذ المقصود إثبات اسناد النقض إلى المتيقن بحسب مرحلة المدلول الاستعمالي ليختص بموارد الشك في المقتضي ، وهذا الوجه يجعل المسند إليه النقض بحسب مرحلة الاستعمال نفس اليقين وهو امر مستحكم سواء كان اقتضاء المتيقن محرزا أم لا.

الوجه الرابع - ما ذكره المحقق النائيني (قدّس سرّه) في إثبات الاحتياج إلى إحراز المقتضي وهو لا يتوقف على إثبات المقدمة الأولى أعني اسناد النقض إلى المتيقن بل يثبت الاختصاص حتى مع كون النقض مسندا إلى اليقين ، وعبارة التقريرين لكلام هذا المحقق لا يخلو من تشويش وإبهام ونحن نورد في توضيح مرامه احتمالين :

1 - ان النقض بحاجة إلى إبرام وإحكام في متعلقه ولو مسامحة وعناية ، وهذا انما

يكون في موارد إحراز المقتضي للمتيقن لأن مقتضي المتيقن مقتض لليقين فيكون بقاؤه كأنه بقاء لليقين أيضا فلا ينقض بالشك بخلاف موارد الشك في أصل المقتضي لبقاء المتيقن.

وفيه : أولا - ما تقدم في وجه اسناد النقض إلى اليقين من مناسبة شدة التفاف اليقين بمتعلقه وشدة الرفع وفظاعته بلا حاجة إلى فرض استحكام وإبرام من ناحية المتيقن.

وثانيا - ان مقتضي اليقين عبارة عن إحراز العلة التامة للمتيقن من المقتضي والاستعداد والشرط وعدم المانع وفقدان أي واحد منها يسلب اليقين بالمقتضى - بالفتح - على حد واحد ، فدعوى ان مقتضي المتيقن مقتض لليقين مجرد تلاعب بالألفاظ.

2 - ان المراد من النقض في المقام هو النقض العملي أي نقض الجري العملي على اليقين فلا بد من فرض استحكام وإبرام ولو مسامحي في الجري العملي وذلك انما يكون ببقاء مقتضي الجري العملي والا لم يكن نقضا ، وحيث ان الجري العملي يكون بلحاظ المتيقن المنكشف باليقين فلا بد من فرض إحراز مقتضية في مرحلة البقاء وان المتيقن له الدوام والثبات لو لا الرافع والا لم يصدق النقض العملي لليقين.

وفيه : أولا - ما تقدم من ان استحكام اليقين ومقتضية لا ربط له بمقتضي المتيقن وان اليقين كما يكون له استحكام واقتضاء لمتعلقه بلحاظ الانكشاف كذلك يكون له ذلك بلحاظ عالم الجري العملي ، والمفروض اسناد النقض إليه لا إلى المتيقن.

وثانيا - ان إرادة النقض العملي في المقام لا يقصد به اسناد النقض في الحديث إلى الجري العملي كما إذا قال ( لا تنقض العمل ) بل المقصود به ان مفهوم النقض أريد به النقض عملا فالعملية صفة للنقض ومأخوذ فيه في قبال النقض الحقيقي فلا يحتاج إلى استحكام وإبرام في الجري العملي أصلا (1)

وقد يجاب على هذا التقريب للاختصاص بان المفروض إلغاء خصوصية الحدوث والبقاء في متعلق اليقين والشك وإضافتهما إلى ذات الشيء مع قطع النّظر عن الزمان ، ومعه يكون النقض العملي صادقا حتى في موارد الشك في المقتضي لأن اليقين بذات المتيقن يقتضي الجري العملي كلما تحقق فيكون رفع اليد عنه بالشك نقضا عمليا لا محالة.

الا ان هذا الجواب غير تام أيضا لأن خصوصية الحدوث والبقاء وان كانت ملغية الا ان عدم صدق النقض في موارد الشك في المقتضي ليس من ناحية هذه الخصوصية بل من ناحية ما يلازمها من انتفاء موضوع المتيقن ومقتضي الجري العملي ، وإلغاء خصوصية الزمان لا يعني إلغاء ما يلازمها من الخصوصيات المانعة عن صدق النقض العملي ، فالحاصل عدم صدق النقض العملي إذا كان من ناحية الحدوث والبقاء فهو ملغى في دليل الاستصحاب وان كان من ناحية انتفاء مقتضى العمل وموضوعه فهذا ما لا يلغيه دليل الاستصحاب.

والتحقيق ان يقال : في مقام الجواب عن هذا التقريب الّذي يظن بأنه هو حاق مقصود الميرزا (قدّس سرّه) بان النهي عن نقض اليقين بالشك تارة يفترض فيه انه نهي عن النقض الحقيقي لليقين بالشك إرشادا إلى التعبد ببقاء اليقين ، كما في النهي عن الصلاة أيام القرء إرشادا إلى بطلانها ، وأخرى يفترض فيه بأنه نهي عن النقض العملي بان يؤخذ نفس تعلق النهي به قرينة على إرادة ذلك.

اما على الأول ـ فمن الواضح انه لا وجه لدعوى الاختصاص كما لا موضوع لهذا التقريب إذ ليس المراد من النقض النقض العملي ليلحظ المتيقن ، ولعله كان الأنسب مع مباني الميرزا (قدّس سرّه) في استفادة جعل العملية والطريقية في الاستصحاب اختيار هذا الوجه في تفسير الحديث.

واما على الثاني ـ فأيضا لا يتم التقريب المذكور إذ لو أريد عدم صدق النقض العملي في موارد الشك في المقتضي من جهة عدم الاستحكام والإبرام لليقين في هذه الموارد لكي يصح اسناد النقض إليه.

فيرد عليه : أولا ـ ما تقدم من ان الصحيح هو استحكام اليقين وإبرامه بلحاظ تعلقه والتفافه حول متعلقه سواء كان مقتضي المتعلق محرزا أم لا.

وثانيا ـ ما عرفت من ان ثبوت المقتضي للمتيقن بمعنى الثبات والاستعداد لبقائه ليس كافيا لصحة اسناد النقض لأن مصححه الحالة الإبرامية لا البقاء والاستمرار ولهذا لا يصح استعمال النقض لمجرد قطع حالة الاستمرارية فلا يقال نقضت قيامي أو قعودي كما يقال نقضت اليقين أو العهد واليمين.

وان أريد عدم صدق النقض العملي من جهة ان النقض يعني رفع ما هو ثابت لو لا النقض والناقض فلا بد من فرض ثبات الجري العملي لو لا النقض ، وهذا ما لا يحرز في موارد الشك في المقتضي للمتيقن لأن الجري العملي انما يثبت بلحاظ المتيقن وثباته فالجواب : ان النقض قد أسند إلى اليقين بحسب الفرض فلا بد من فرض اليقين وجريه العملي ثابتا لو لا الشك وهذا صادق حتى في موارد الشك في المقتضي ولا اختصاص له بموارد الشك في الرافع ، نعم لو كان التعبير ( لا تنقض الجري العملي لليقين بالشك ) فقد يدعى عدم صدقه في موارد الشك في المقتضي واحتمال محدودية المتيقن الا ان هذا معناه بحسب الحقيقة اسناد النقض إلى المتيقن والجري العملي وهو خلف المدعى وخلاف الظاهر ، ومجرد كون المراد بالنقض النقض العملي لا يستبطن ذلك. والظاهر ان روح مقصود سيدنا الأستاذ ( قدس سره الشريف ) من الإيرادين ما شرحناه فتدبر.

.

1) هذا التعبير محل تأمل لأن المدعى للميرزا (قدّس سرّه) ان عنوان النقض المطعم بالعملية لا يصدق في موارد عدم المقتضي للمتيقن بقاء فانه يكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع لكون النقض يراد به العملي لا الحقيقي ، والنقض العملي انما يتعلق باليقين بلحاظ كشفه عن متيقنه لا بلحاظ نفسه. وبهذا يظهر المناقشة في الإيراد الأول أيضا فان اقتضاء اليقين لمتعلقه بلحاظ الانكشاف يختلف عن اقتضائه له بلحاظ الجري العملي ، لأن الأخير يرتبط بالمنكشف ومقدار اقتضائه واستمراريته فلا يصدق النقض العملي مع محدودية المنكشف في نفسه وانتفائه فيكون عدم الجري العملي من باب السالبة بانتفاء الموضوع لا النقض.

وهكذا يتضح ان شيئا من الأدلة لإثبات اختصاص الاستصحاب بموارد الشك في الرافع مع إحراز المقتضى غير تام.

ونضيف هنا : بأنا لو فرضنا اختصاص الأحاديث المشتملة على كلمة النقض بالشك في الرافع كفانا ما لم يرد فيه التعبير بالنقض من الروايات خصوصا مثل

صحيحة عبد اللّه بن سنان ورواية إسحاق بن عمار ( إذا شككت فابن علي اليقين ) فلئن أمكن التشكيك في إطلاق مثل خبر محمد بن مسلم عن الصادق علیه السلام ( من كان على يقين فشك فليمض على يقينه فان اليقين لا يدفع بالشك ) بإرجاع الدفع إلى ما يشبه النقض فان الخبرين الأولين لا بأس بالتمسك بإطلاقهما.

ودعوى : اختصاص مورد صحيحة عبد اللّه بن سنان بالشك في الرافع حيث عبر فيه بقوله ( حتى تستيقن انه نجسه ) ولا يمكن إلغاء هذه الخصوصية في مجال التعدي والتعميم.

مدفوعة : بان التعبير بالتنجيس أعم من الشك في الرافع مفهوما وان فرض ان الفرد المتعارف خارجا للتنجيس يكون من باب الرافع.

وان شئت قلت : ان المستفاد منها عرفا ان علة الحكم الظاهري الاستصحابي هو ثبوت الطهارة سابقا وعدم العلم بالنجاسة سواء كان من ناحية فعل المستعير أو غيره ، فالإنصاف تمامية الإطلاق فيها من هذه الناحية.

وبهذا ينتهي البحث عن الأقوال المفصلة في الاستصحاب ، وقد ظهر ان الصحيح عموم جريان الاستصحاب وعدم اختصاصه بالشبهات الموضوعية ولا بالشك في الرافع ولا بالاحكام الثابتة بدليل شرعي.

الاستصحاب

مقدار ما يثبت بالاستصحاب

1 - قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي.

2 - حدود ما يثبته الاستصحاب من آثار القطع الطريقي.

الفصل الثالث : « مقدار ما يثبت بالاستصحاب »

اشارة

ونبحث تحت هذا العنوان عن مسألتين أساسيتين :

إحداهما - ان الاستصحاب هل يثبت آثار القطع الموضوعي أيضا أو يختص بترتيب آثار القطع الطريقي؟ وهذا ما يصطلح عليه بقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي.

الثانية - ان الاستصحاب هل يثبت من آثار القطع الطريقي ما يكون مترتبا على لوازم المستصحب أو ملزوماته العقلية كالأمارات أو يختص بالآثار الشرعية المترتبة على المستصحب؟ وهذا ما يصطلح عليه بالأصل المثبت ، وفيما يلي نتحدث عن كل من المسألتين تباعا.

قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي

لا إشكال في قيام الاستصحاب مقام القطع الطريقي ، أي إثبات التنجيز والتعذير المترتب على المتيقن ، وانما البحث في إثباته للأثر الشرعي المترتب على نفس العلم - القطع الموضوعي - ولهذا البحث ثمرات مهمة عملية وفنية نشير إلى بعضها :

فمنها - ترتب الأحكام الشرعية المتفرعة على العلم بشيء لا على واقع ذلك الشيء

من قبيل جواز الإفتاء بالمؤدى بناء على انه من أحكام العلم بالواقع لا الواقع والا كان من آثار القطع الطريقي.

ومنها - حكومة الاستصحاب على الأصول العملية المغياة بالعلم.

ومنها - حكومة الاستصحاب السببي على المسببي على بيان يأتي في محله.

والبحث عن قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي في المقام لا بد ان يفرغ فيه عن امرين :

الأول - الفراغ ثبوتا عن إمكان استفادة قيام حجة ما مقام القطع الطريقي والموضوعي معا من دليل واحد. وهذا ما بحثناه مفصلا في بحوث القطع.

الثاني - عدم إرادة المتيقن من اليقين في أحاديث الاستصحاب وإلا يكون استفادة قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي وترتيب آثار اليقين الموضوعي بحاجة إلى ارتكاب عنايات فائقة واضحة البطلان ، فانه بناء على ذلك سواء كان المراد النهي عن نقض المتيقن أم الاخبار عن عدم انتقاضه بالشك والتعبد ببقائه لا وجه عرفي لاستفادة التعبد ببقاء اليقين بل غايته التعبد ببقاء المتيقن وتنزيله منزلة الواقع وهو لا يقتضي أكثر من ترتيب آثار القطع الطريقي لا الموضوعي.

ومنه يظهر ان مثل الشيخ (قدّس سرّه) ومن يحذو حذوه في اسناد النقض في الحديث إلى المتيقن لا اليقين من الصعب عليهم استفادة قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي من أدلته.

وبعد الفراغ عن تمامية هذين الأمرين يقطع البحث عن إمكان استفادة قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي من أحاديث الاستصحاب. ويمكن ان يذكر في وجهه عدة تقريبات :

التقريب الأول - ما يتراءى من عبائر السيد الأستاذ من أن مفاد أدلة الاستصحاب هو التعبد ببقاء اليقين وعدم انتقاضه ومقتضاه ترتب كلا نوعي آثار اليقين الطريقي والموضوعي معا.

وهذا البيان بهذا المقدار مبهم لا يتضمن تبيين فذلكة الدلالة ولا يعلم ان المقصود منه كون المدلول المطابقي لأحاديث الاستصحاب هو التعبد ببقاء اليقين أو هو مدلول التزامي.

والتحقيق : ان استفادة التعبد ببقاء اليقين وعدم انتقاضه كمدلول مطابقي لأحاديث الاستصحاب يكون في إحدى صورتين :

1 - ان يكون مفاد الحديث النفي لا النهي فيكون اخبارا عن عدم انتقاض اليقين بالشك.

2 - ان يكون مفاد الحديث النهي عن النقض الحقيقي التكويني لليقين إرشادا إلى عدم الانتقاض نظير النهي عن الصلاة أيام الحيض إرشادا إلى بطلانها.

وكلا الأمرين خلاف الظاهر ، إذ لا ينبغي الإشكال في ظهور أحاديث الاستصحاب في النهي عن نقض اليقين بالشك بل صراحة جملة من فقراتها في ذلك ، بل لو فرض إرادة النفي كان المناسب ان يعبر بعدم الانتقاض لا النقض ، كما ان المراد من النقض أيضا النقض العملي لا التكويني غير المقدور مع فرض حصول الشك وانتقاض اليقين ، كما يشهد بذلك أيضا سياق التعليل بأمر مركوز والتعبير بأنه لا ينقض اليقين بالشك أبدا أو لا يدفع بالشك أو ابن علي اليقين فان ما هو الارتكازي انما هو عدم النقض العملي كما ان التأبيد والدفع والبناء كلها تناسب النقض العملي لا الحقيقي.

التقريب الثاني - ما ذكره المحقق العراقي (قدّس سرّه) بعد تسليم إرادة النهي من أدلة الاستصحاب لا النفي وانه نهي عن النقض العملي لا الحقيقي فتدل على حرمة النقض العملي لليقين ووجوب الجري عليه بقاء وكأنه متيقن ، فانه مع ذلك استفاد قيامه مقام القطع الطريقي والموضوعي معا من باب ان الجري العملي على اليقين يقتضي الجري على وفق آثاره الطريقية والموضوعية معا فلا وجه لتخصيص عدم النقض بأحدهما دون الاخر.

ويرد عليه : أولا - المنهي عنه في أدلة الاستصحاب انما هو نقض اليقين بالشك وهذا انما يصدق في حق الأثر الطريقي لليقين حيث يكون مشكوكا واما الأثر الموضوعي فارتفاعه يقيني بالشك وليس مشكوكا فهو من نقض اليقين باليقين لا بالشك ، وكون اليقين بالارتفاع متولدا من الشك في الواقع وبسببه لا يجعل ارتفاع هذا اللون من الآثار من نقض اليقين بالشك بل باليقين كما هو واضح.

وثانيا - ان النقض كما تقدم ضد الإبرام ومصحح اسناده إلى اليقين ما أشرنا إليه

من التفاف اليقين وشدة تعلقه بالمتيقن وثباته ، وهذه المناسبة والعلاقة انما تكون بلحاظ الآثار الطريقية لليقين لا الآثار الموضوعية لانتفاء هذه النكتة فيها.

وثالثا - اسناد النقض العملي إلى اليقين انما يكون بلحاظ ما يقتضيه من التنجيز والتعذير أي الآثار الطريقية لا بلحاظ ما قد يقع اليقين موضوعا له من الآثار الشرعية ، لأن ما يقتضي الجري ليس هو ذات الموضوع للحكم الشرعي وانما هو إحرازه واليقين به ، ولهذا لا يناسب ان يقال لا تنقض أو لا ترفع الماء بالتغير بمعنى لا ترفع اليد عن أحكامه وآثاره ، وكون اليقين الواقع موضوعا لأثر شرعي مستلزما لإحراز ذلك الأثر لكون اليقين باليقين عن اليقين نفسه لا يصحح اسناد النقض إلى اليقين بما هو موضوع لأثر شرعي بل بما هو طريق فلا يكون مفاد الأدلة أكثر من ترتيب الآثار الطريقية لليقين وعدم وجود نظر فيها إلى الآثار الموضوعية.

التقريب الثالث - حمل النهي في أدلة الاستصحاب على الكنائية والإرشاد إلى عدم انتقاض اليقين نظير إرشادية النهي عن صلاة الحائض ، اما من جهة كونه متعلقا بالنقض الحقيقي وهو غير مقدور فلا يعقل تعلق النهي الحقيقي به فيكون قرينة على الإرشادية ، أو باعتبار ان النقض حتى لو أريد به النقض العملي لا الحقيقي فمن الواضح عدم إرادة تحريم النقض العملي في موارد الاستصحاب ، كيف وقد يكون الاستصحاب لحكم غير إلزامي أو لحكم وضعي كما في مورد بعض روايات الاستصحاب ولا معنى لتحريم النقض في مثل ذلك ، فلا محالة لا بد وان يحمل النهي على انه كناية عن عدم الملزوم أي عدم الانتقاض باعتبار ان النقض العملي لازم الانتقاض الحقيقي لليقين بالشك. ولعل هذا هو حاق مقصود المحقق النائيني (قدّس سرّه) حينما استفاد جعل الطريقية والعلمية للاستصحاب بالرغم من حمله للنقض على النقض العملي لا الحقيقي.

وقد يناقش هذا التقريب بكلتا صيغتيه بأنَّ استفادة جعل العملية والطريقية للاستصحاب مستحيل ثبوتا لأن الشك قد أخذ موضوعا لهذا الجعل في لسان دليل الاستصحاب والموضوع لا بد وان ينظر إليه مفروغا عنه أي بنظر فراغي وهذا يتهافت مع كون النّظر إلى إلغائه وجعله علما ويقينا (1)

وهذه خصوصية مفهومه عرفا فلا يبقى تهافت فيمكن ان يكون الاستصحاب من هذا الباب كما إذا صرح بان من كان على يقين وشك فشكه ليس بشك. ويكون الجواب على أصل التقريب عندئذ بمنع ظهور أدلة الاستصحاب في الإرشاد إلى بقاء اليقين لا بالصيغة الأولى لظهور النقض في النقض العملي لا الحقيقي ، ولا بالصيغة الثانية لأن النهي عن الجري العملي يكون كناية عن بقاء الحجية بمعنى المنجزية والمعذرية وثبوت نفس الأثر العملي الّذي كان ثابتا قبل الشك فان هذا المعنى ان لم يكن هو المتعين في مفاد هذه الأحاديث عرفا فلا إشكال في انه المتيقن من مفادها بحيث يحتاج إفادة التعبد ببقاء اليقين إلى مزيد بيان ومئونة ، ولا أقل من الإجمال ولا يمكن التمسك بالإطلاق لنكتة سوف يأتي شرحها في المتن ، نعم هذا الكلام لا يتم على مباني الميرزا في جعل الطريقية على ما سوف يظهر.

.

1) يمكن الإجابة على هذا التهافت بان ظاهر الخطاب في أمثال هذه الموارد الفراغ عن وجود الشك مع قطع النّظر عن الجعل لا مطلقا فقوله علیه السلام لا شك لكثير الشك أو إذا شككت فشكك ليس بشيء قد فرغ فيه عن الشك في المرتبة السابقة عن هذا الجعل.

وجواب هذه المناقشة ما قد يستفاد من بعض عبائر المحقق النائيني (قدّس سرّه) من الفرق بين الطريقية المجعولة للأمارات والطريقية المجعولة للاستصحاب من حيث ان الأمارات قد جعلت علما من حيث صفة الكاشفية وإراءة الواقع التي تثبت للعلم بينما الاستصحاب جعل علما من حيث صفة الاقتضاء للجري العملي والمحركية الثابتة للعلم زائدا على كاشفيته ، فان هذا التحليل يمكن ان يستفاد منه الجواب على المناقشة المذكورة بدعوى عدم - التهافت لأن قوله ( لا تنقض اليقين بالشك ) قد فرغ فيه عن وجود الشك خارجا بلحاظ مرحلة الانكشاف وادعي عدم وجوده بلحاظ عالم الجري العملي والمحركية فلا منافاة ولا تهافت.

الا ان هذا يستوجب انهيار أصل التقريب لأن قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي يعني قيامه مقام ما هو ظاهر أدلة القطع الموضوعي من أخذه بما هو كاشف في موضوع ذلك الأثر لا بما هو محرك ومنجز والا قام كل منجز أو معذر شرعي مقامه ، وان كان يعقل أخذ المحركية الخاصة الناشئة عن العلم موضوعا للأثر الموضوعي فلا يقوم مقامه الا ما ينزل منزلته في هذه المحركية الخاصة ولكنه على كل حال خلاف ظاهر أدلة القطع الموضوعي فان ظاهرها أخذ القطع بما هو كاشف وطريق موضوعا للحكم الشرعي.

ثم ان المحقق العراقي (قدّس سرّه) أورد على المحقق النائيني (قدّس سرّه) في المقام بالتناقض بين موقفه هنا وموقفه في البحث السابق لإثبات اختصاص الاستصحاب بالشك في الرافع ، لأنه وان لم يختر هناك إرادة المتيقن من اليقين بل أسند النقض إلى اليقين ولكنه أراد به النقض العملي الّذي يكون بلحاظ المتيقن فكأنه أسند نقض آثار المتيقن إلى اليقين ، وبناء عليه لا موجب لاستفادة قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي

لأن الجري العملي على طبق المتيقن لا ربط له بآثار اليقين الموضوعي ان فرض إرادة نقض المتيقن عملا ، وان أريد نقض اليقين بما هو يقين لا بلحاظ الجري العملي فلا وجه لاشتراط إحراز المقتضي للمتيقن في المقام السابق فالجمع بين قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي والاختصاص بالشك في الرافع يستبطن تناقضا.

وهذا الإشكال نشأ من تصور ان المحقق النائيني يحمل النهي في أدلة الاستصحاب على النهي التحريمي عن النقض العملي ، مع انك عرفت في التقريب الثالث المتقدم انه يحمله على الكنائية والإرشاد إلى التعبد ببقاء اليقين فلا تهافت ، توضيح ذلك : ان النقض وان أريد منه نقض الجري العملي الّذي هو من آثار المتيقن الا ان النهي عن نقض الجري العملي لا يراد منه نهي تحريم بل نهي إرشاد وكناية عن التعبد بالبقاء ، والأمر المرشد إليه وان كان يمكن ان يكون بقاء المتيقن لا اليقين ومعه لا يترتب آثار القطع الموضوعي على الاستصحاب الا ان المحقق النائيني (قدّس سرّه) يشخص المرشد إليه في بقاء اليقين ، باعتبار ان الحجيات المجعولة عقلائيا يكون بمعنى جعل الطريقية والعلمية فكأن ارتكازية ذلك في موارد يراد فيها جعل الحجية بمعنى إثبات الواقع بنفسها القرينة على تعيين ان المراد الجدي هو التعبد ببقاء اليقين والعلم وجعله لا التعبد ببقاء المتيقن ظاهرا (1)فيترتب عليه آثار القطع الطريقي والموضوعي معا لا محالة في الوقت الّذي يكون المدلول المطابقي غير شامل لموارد الشك في المقتضي لأن المراد بنقض اليقين نقض الجري العملي لليقين المتوقف بحسب الفرض على إحراز مقتضي البقاء للمتيقن.

وقد يناقش التقريب المتقدم عن المحقق النائيني (قدّس سرّه) لقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي بأن مفاد الحديث بعد ان كان كنائيا وإرشادا إلى التعبد ببقاء اليقين فلا دليل على إرادة أكثر من التعبد ببقاء اليقين في إثارة الطريقية والجري العملي منه ، واما التعبد ببقائه بلحاظ الأثر الموضوعي فبحاجة إلى مئونة زائدة لا شاهد عليها ولا يمكن إثباتها بالإطلاق ومقدمات الحكمة لأن الإطلاق ينفي القيد عن المدلول


1) هذا الارتكاز في باب جعل الطريقية والعلمية وتتميم الكشف كما في الأمارات معقول الا ان المفروض ان المجعول في باب الاستصحاب حتى عند الميرزا المحركية والجري العملي ومن هنا لم تكن مثبتاته حجة ومثل هذا الجعل ليس ارتكازيا عند العقلاء لأنه من التعبد الصرف.

ولا يثبت أصل المدلول الكنائي وانه هذا المعنى أو ذاك فليس المقام من موارد التمسك بالإطلاق.

وهذا النقاش أيضا يمكن للمحقق النائيني (قدّس سرّه) الإجابة عليه حسب مبانيه في باب جعل الحجية فأنه يرى استحالة جعل المنجزية والمعذرية ابتداء لأنهما من أحكام العقل والشارع لا يمكنه ان ينزل شيئا منزلة أحكام غيره وانما المعقول جعلهما بتبع جعل موضوعهما واعتباره أي جعل ما ليس بعلم علماء واعتباره طريقا دون حاجة إلى ملاحظة الآثار المترتبة عليه ، وهذا الاعتبار امر بسيط واحد يترتب عليه كل آثار العلم الطريقية والموضوعية.

وهذا المبنى وان كان فاسدا في نفسه على ما تقدم مفصلا في بحوث القطع الا انه بعد الفراغ عنه ثبوتا لا يبقى مزيد إشكال في المقام إثباتا.

وهكذا يتضح عدم قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي.

حدود ما يثبته الاستصحاب من آثار القطع الطريقي

اشتهر بين المحققين مطلبان :

1 - الفرق بين الأصول العملية والأمارات من حيث ان الأمارات تثبت لوازمها مهما تعددت الوسائط بينها وبين المدلول المطابقي للأمارة بخلاف الأصول.

2 - ان الاستصحاب يترتب عليه آثار المستصحب الشرعية إذا كانت تترتب عليه بلا واسطة أو بواسطة أثر ولازم شرعي لا عقلي.

ورغم اشتهار المطلبين شهرة عظيمة بل وارتكازية الالتزام بهما في الفقه لم تذكر في كلماتهم أدلة واضحة تناسب تلك المرتبة من وضوح الفكرتين ، وأيا ما كان فيقع البحث في مقامين :

المقام الأول - في الفرق المذكور بين الأمارات والأصول العملية ، ولتوضيح هذا الفرق وتخريجه يوجد منهجان.

المنهج الأول - ما ذهب إليه المحقق النائيني (قدّس سرّه) من افتراض فرق ثبوتي بينهما استلزم هذه النتيجة أي ان سنخ المجعول في باب الأمارات يختلف عنه في الأصول العملية بحيث يترتب عليه هذا الفرق.

المنهج الثاني - ما يظهر من بعض كلمات صاحب الكفاية من قصور لسان جعل الحجية للأصول العملية عن ترتيب أكثر من الأثر الشرعي المطابقي بخلاف أدلة جعل الحجية للأمارات ، وهذا يعني ان الفرق المذكور بين الأمارات والأصول العملية يرجع

إلى عالم الإثبات ومقدار دلالة دليل الحجية لا عالم الثبوت ، ولازم هذه المنهجة انه يمكن ان يفرض عدم استفادة حجية لوازم أمارة من الأمارات إذا فرض قصور دلالة دليل حجيتها عن إثبات حجية لوازمها وهذا ما تبناه السيد الأستاذ وفيما يلي نتكلم عن كل من المنهجين.

اما المنهج الأول - فقد أفاد المحقق النائيني (قدّس سرّه) في تقريبه ان العلم له آثار وخصائص أربع مترتبة :

1 - الخصيصة الصفتية من حيث كونه حالة سكون واستقرار نفسي.

2 - خصيصة الطريقية وانكشاف الواقع به.

3 - خصيصة التحريك العملي باتجاه الواقع الّذي تعلق به.

4 - خصيصة التنجيز والتعذير.

والأثر الأول من مختصات العلم تكوينا ولا يمكن ان يقوم شيء مقامه الا بأن يكون علماء حقيقة ، والأثر الثاني هو المجعول في باب الأمارات حيث ان الشارع يحكم فيها بتتميم الكشف اعتبارا وجعلها علما وطريقا فتقوم الأمارات مقام العلم في هذه الخصيصة وتترتب عليه الآثار والخصائص الأخرى ، والأثر الثالث هو المجعول في باب الأصول العملية غاية الأمر تارة : يجعل الأصل كالعلم في التحريك والجري العملي على طبق الشيء على انه هو الواقع تنزيلا وتعبدا وهذا هو المجعول في باب الأصول التنزيلية أو المحرزة ، وأخرى : يجعل الأصل كالعلم في المحركية من دون افتراض مؤداه هو الواقع وهذا هو المجعول في الأصول غير التنزيلية ، وعلى كل حال يكون ترتب الأثر الرابع على الحجة بالتبع لا بالاستقلال لأنه يرى استحالة جعل المنجزية والمعذرية لكونهما من أحكام العقل ولا يعقل للشارع تنزيل شيء منزله حكم غيره.

وبناء على هذا التصنيف يثبت الفرق المذكور بين الأمارات والأصول العملية إذ جعل الطريقية والعلمية في باب الأمارة يعني تتميم كاشفيتها ومن الواضح ان الكاشفية الثابتة بالنسبة إلى المدلول المطابقي في باب الأمارة بنفسها ثابتة بالنسبة إلى ملازماتها فلا محالة تثبت جميعا بتتميم كشفها ، وهذا بخلاف الأصول لأن المجعول فيها ليس هو تتميم الكشف بل مجرد الجري العملي وهو لا يستلزم التعبد بالجري العملي على طبق اللوازم التي لم تتم أركان الأصل العملي فيه.

وناقش ذلك السيد الأستاذ : بأنه كما لا تلازم بين جعل الجري العملي على طبق شيء وجعل الجري العملي على طبق لوازمه كذلك لا تلازم بين جعل اليقين التعبدي بشيء واليقين التعبدي بلوازمه وانما التلازم بين اليقين الحقيقي بشيء واليقين الحقيقي بلوازمه ولا يوجد في باب الأمارات الا اليقين التعبدي ، ومن هنا اتجه الأستاذ إلى التفتيش عن الفرق بين الأمارات والأصول بالمنهج الثاني الإثباتي وملاحظة لسان أدلة جعل الحجية في كل مورد.

ولنا حول هذا النقاش تعليقان :

الأول - ان إنكار المنهج الأول وانه لا فارق ثبوتي بين حجية الأمارات وحجية الأصول غير صحيح فان الفرق بينهما بالمقدار المذكور من قبل المحقق النائيني (قدّس سرّه) وان كان يرد عليه ما أفيد الا انه سوف يظهر وجود فرق ثبوتي فني بينهما سليم عن هذا الاعتراض.

الثاني - يمكن للمحقق النائيني (قدّس سرّه) ان يدعي الفرق بين الأمارات والأصول مبنيا على اختلاف المجعول فيهما بأحد تقريبين لعله روح مقصوده وان كانت عبائر التقريرات قاصرة عنه.

1 - ان يريد دعوى الملازمة العرفية بين جعل الطريقية وتتميم الكشف تعبدا بالنسبة إلى شيء وجعل الطريقية وتتميم الكشف تعبدا بالنسبة إلى لوازمه بخلاف ما إذا كان المجعول مجرد المحركية والجري العملي ، ونكتة ذلك ان إعطاء الكاشفية لشيء حقيقة يستلزم كاشفيته بلحاظ اللوازم بخلاف إعطاء المحركية واقتضاء الجري العملي وانه لا يستلزم المحركية نحو اللوازم لأن المحركية نحو اللوازم في القطع الوجداني من نتائج الكاشفية نحوها لا من نتائج المحركية نحو اللزوم كما هو واضح. وحيث ان التعبدية ملحوظة في جانب الجعل لا المجعول أي ان الجعل تعبدي واعتباري واما المجعول فهو نفس الكاشفية والطريقية فلا محالة تنعقد دلالة التزامية على جعل الكاشفية للوازم أيضا في باب الأمارات دون الأصول.

2 - لو افترضنا عموم التنزيل في الحجية في أدلة كل من الأمارات والأصول بمعنى دلالتها على التعبد بترتيب جميع الآثار الشرعية والعقلية المترتبة على المجعول في كل من الأمارات والأصول مع ذلك بقي الفرق بينهما من ناحية ان المجعول في الأمارات حيث

كان هو الطريقية والكاشفية فيترتب عليها لا محالة حجية اللوازم لكون كاشفية العلم بشيء عن لوازمه من الآثار العقلية المترتبة على كاشفيته لذلك الشيء بخلاف اقتضاء العلم للجري العملي على طبق المعلوم المجعول في باب الأصول فان الجري العملي على طبق اللوازم ليس من آثار الجري العملي على طبق المعلوم بل بينهما تلازم من باب الملازمة بين مقتضيهما أعني العلم بالشيء والعلم بلوازمه.

الا ان هذا التقريب لا ينسجم مع تصورات المحقق النائيني (قدّس سرّه) في باب جعل الطريقية ، لأنه يفترض تنزيل الأصل والأمارة منزلة العلم في الآثار واللوازم الشرعية والعقلية وهو لا يرى ذلك لاستحالة التنزيل بلحاظ أحكام غير الشارع من قبل الشارع ، وانما يرى ان المجعول هو الطريقية والعلمية ابتداء لا بملاك التنزيل والنّظر إلى الآثار ، نظير المجاز الادعائي السكاكي ، وعندئذ يترتب عليه تلك الآثار للعلم التي تكون أثرا للجامع بين الفرد الحقيقي والتعبدي منه ومنها المنجزية والمعذرية دون انكشاف اللوازم فانه أثر للانكشاف الحقيقي دون التعبدي.

والصحيح : وجود فرق جوهري ثبوتي بين الأمارات والأصول يصلح ان يكون منشأ للفرق بينهما في مسألة حجية مثبتات الأمارة دون الأصل ، وليس الفرق المذكور من ناحية جعل الطريقية والكاشفية أو المحركية والجري العملي ، بل قد عرفت بما لا مزيد عليه في بحوث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي وبحث حقيقة الأصل العملي ان هذه الفروق المدعاة في كلمات الميرزا (قدّس سرّه) ليست فروقا جوهرية بل صياغية ترتبط بلسان الدليل ، وهذه الفروق الصياغية وان كان قد يترتب عليها بعض النتائج الا ان هذه المسألة ليس منها.

وانما الفرق الثبوتي بين الأمارات والأصول ما أشرنا إليه في بحث حقيقة الحكم الظاهري من انه عبارة عن الحكم الصادر من قبل المولى في مقام الحفظ على الأهم من الملاكات والأغراض المولوية الواقعية الإلزامية والترخيصية المتزاحمة فيما بينها وترجيح الأهم منهما على المهم ، الا ان هذا الترجيح قد يكون على أساس قوة الاحتمال محضا بحيث يكون الحكم الظاهري نسبته إلى الأحكام الإلزامية والترخيصية على حد واحد فكما يثبت حكما ترخيصيا يثبت حكما إلزاميا ولا تكون اية خصوصية غير درجة الكشف دخيلة في جعله ، وهذا هو حقيقة الأمارة سواء جعلت بلسان

جعل العلمية أو بلسان جعل المنجزية والمعذرية أو بأي لسان آخر ، وان كان قد يفرض ان صياغة جعل العلمية أنسب أو أوفق بالمرتكزات العرفية ، وقد لا يكون الترجيح بين الأغراض الواقعية الترخيصية والإلزامية المتزاحمة على هذا الأساس بل على أساس ملاحظة نوعية الحكم والغرض الواقعي المحتمل اما صرفا أو مع ملاحظة درجة الكاشفية أو ملاحظة خصوصية نفسية مع درجة الكاشفية أي نوعية الكاشف لا المنكشف فليست قوة الاحتمال هي الملحوظة صرفا في جعل الحكم الظاهري في هذه الموارد وهذا هو حقيقة الأصل العملي.

وعلى هذا الأساس يتضح ان حجية المثبتات في الأمارة تكون على القاعدة باعتبار هذه النكتة الثبوتية الجوهرية في باب الحكم الظاهري الأماري فان تمام ملاك الحجية فيها عند ما كان درجة الكاشفية محضا فهذه الدرجة من الكاشفية نسبتها إلى كل من المدلول المطابقي والالتزامي على حد واحد فلا محالة تكون حجة في إثبات اللوازم بنفس العلة والملاك للحجية في المدلول المطابقي.

واما الأصول العملية فحيث ان الملاك في جعلها ليس هو الترجيح بدرجة الكاشفية وقوة الاحتمال صرفا بل لنوعية الحكم المنكشف أو نوعية الكاشف وخصوصيته دخل في الترجيح به سواء كان لقوة الاحتمال والكاشفية دخل أيضا كما في الأصول المحرزة أم لا. فلا تثبت لوازمها على القاعدة وانما يحتاج إثباتها إلى دليل يقتضي ذلك بحسب مقام الإثبات ، لأن تمام ملاك الحجية أو جزئه بحسب الفرض وهو نوعية المحتمل أو نوعية الاحتمال - الكاشف - غير متوفر في اللازم ، نعم لو فرض توفرهما فيه أيضا ثبت به لا محالة الا ان هذا ليس من الأصل المثبت عندئذ بل هذا معناه توفر أركان ذلك الأصل العملي في اللازم ابتداء كما لا يخفى.

هذا هو الضابط الفني بحسب مقام الثبوت ، وعلينا بعد ذلك بحسب مقام الإثبات إحراز أحد الملاكين للترجيح من أدلة اعتبار الأمارات أو الأصول. فنقول :

لا إشكال في مثل خبر الثقة أو الظهور ان المستفاد من دليل اعتبارهما ملاحظة قوة الاحتمال ودرجة الكشف صرفا فيهما من دون دخالة لنوع المحتمل ولا لخصوصية ذاتية للكاشف في اعتبارهما ، اما الأول فلأن الخبر والظهور لا يقتضيان نوع حكم واحد بل قد يقومان على الإلزام وقد يقومان على الترخيص ولم يؤخذ فيهما أدائهما إلى نوع حكم خاص ، واما

الثاني فلأن هذا هو المستفاد من لسان أدلة الحجية وهو المتطابق مع الارتكاز العقلائي الّذي هو الأساس في إثبات حجيتهما فانه يقضي بان تمام الملاك في الحجية انما هو درجة الكاشفية النوعية وقوتها من دون دخالة نكتة نفسية في ذلك أصلا.

كما انه لا إشكال في مثل أصالة الحل والاحتياط ان الملحوظ في جعلهما نوعية الحكم المحتمل من الحلية في الأول والإلزام في الثاني فلا يمكن إثبات لوازمهما على مقتضى القاعدة ، فلو فرض الملازمة بين حلية العصير العنبي ووجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلا فلا يثبت الثاني بإجراء أصالة الحل في الأول لاختلاف نوعية الحكم ، وأصالة الحل ترجيح للحكم الترخيصي على الإلزامي في موارد الاشتباه لأهمية فيه وهو ليس محفوظا في اللازم وليس دليل أصالة الحل يقتضي أكثر من إثبات الحلية المحتملة في مورد الشك.

واما مثل قاعدة الفراغ فقد لوحظ فيها كل من قوة الاحتمال ونوع المحتمل وهو الصحة ولكن قد أخذ في موضوعه الفراغ عنه مما يمكن ان تكون لها مدخلية في الحكم بالصحّة ، ولهذا لا يمكن التعدي إلى الحكم بصحة صلاة لم يفرغ بعد منها ولو فرضت الملازمة بين صحتها واقعا وصحة الصلاة التي فرغ عنها ، وكذلك أية خصوصية أخرى نفسية أو طريقية احتمل دخالتها في الحكم الظاهري بالصحّة المجعول في القاعدة فانه بانتفائها في اللازم لا يمكن الحكم بالصحّة فيه وان فرض وحدة نوع المحتمل ، كما انه لا ظهور في دليل القاعدة يقتضي ترتيب كل تلك اللوازم.

واما الاستصحاب وان لم يكن قد لوحظ فيه نوعية المحتمل لأنه لا بشرط من حيث نوع الحكم المؤدي إليه كالخبر والظهور ، كما انه ربما تكون قوة الاحتمال والكشف النوعيّ ولو الضعيف ملحوظا في حجيته ، الا ان احتمال أخذ خصوصية ونكتة نفسية في حجيته ولو نكتة الثبوت سابقا أو اليقين السابق بحيث لا يمكن إلغاء ذلك بعد ان كان دليل حجيته ظاهرا في اعتباره متجه كما ان الارتكاز لا يقتضي إلغاء ذلك ان لم نقل باقتضائه ملاحظته ، حيث تقدم ان بناء العرف على الاستصحاب لا يستبعد ان يكون لما فيه من حالة الأنس والانسباق مع الوضع السابق والميل النفسيّ نحوه لا لمجرد الكاشفية وقوة الاحتمال ، وهكذا يثبت حجية مثبتات الأمارات على القاعدة دون

الأصول باعتبار نكتة ثبوتية فالمنهج الأول في بيان هذا الفرق تام (1).

واما المنهج الثاني الإثباتي - فقد ذكر المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) في بيانه ان دليل حجية الأمارة ظاهر في جعل الحجية للحكاية والكشف وخبر الثقة مثلا كما يحكي عن المدلول المطابقي يحكى عن المدلول الالتزامي فيكون اخبارا به أيضا وفردا آخر لدليل الحجية بخلاف الأصول العملية.

وناقشه السيد الأستاذ بأن الاخبار والحكاية فرع القصد والمخبر قد لا يقصد ذلك بل قد لا يعلم بأصل الملازمة فكيف يمكن ان يكون دليل الحجية شاملا للمدلول الالتزامي باعتباره اخبارا وحكاية أخرى؟ (2)وانما الصحيح ان يقال ان دليل حجية الخبر حيث كان هو السيرة العقلائية وهي قائمة على العمل بالمدلول المطابقي والالتزامي معا من هنا كانت مثبتاته حجة وهذا بخلاف الأصول العملية.

والتحقيق : ما عرفت من ان حجية مثبتات الأمارة غير مرتبطة بمقام الإثبات ولهذا تكون مثبتات الشهرة الفتوائية مثلا حجة لو فرض حجيتها مع عدم صدق عنوان الشهرة عليها وعدم ثبوت حجيتها بالسيرة العقلائية العملية ، نعم في غير الأمارات لا بأس بالبحث عن أن مقدار ما يثبت بدليل حجيته هل يمكن ان يشمل اللوازم لنكات إثباتية أم لا ، ولا إشكال في عدم ذلك في مثل أصالة الحل والاحتياط والطهارة ، نعم في خصوص الاستصحاب قد يتوهم ان مفاد دليل حجيته ترتيب آثار المتيقن مطلقا ولو كانت بوسائط عقلية وهذا ما نبحث عنه في المقام الثاني.

المقام الثاني - في ان الاستصحاب لا يثبت به الا الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب بلا واسطة أو بواسطة أثر شرعي لا عقلي ، والإشكال بحسب الحقيقة في


1) لا ينبغي الإشكال في ان الأمارات والطرق قد أخذ في حجيتها نكات ذاتية أيضا من قبيل كونها ظهورا أو اخبارا من ثقة ولهذا لا يمكن أن يتعدى إلى كاشف آخر ربما يفترض فيه نفس المرتبة من درجة الكشف الشخصي أو النوعيّ وليس ذلك الا من جهة أخذ خصوصية ذاتية في الحجية من قبيل غلبة حصول هذا الكاشف أو معهوديته لدى العقلاء أو إمكان الاكتفاء به أو أية حيثية ذاتية أخرى. وبناء على ذلك يقال : اننا نحتمل ان تكون لنفس خصوصية كون المدلول مطابقيا لا التزاميا دخل في الحجية ولو كحيثية ذاتية لا ترتبط بالكاشفية ولا طريق لنفي هذا الاحتمال الا بمراجعة المنهج الإثباتي واستظهار إلغاء هذا الاحتمال من أدلة الحجية.

2) الحجة وان كانت الدلالة التصديقية للاخبار لا التصورية الا انها ليست بمعنى قصد الاخبار بل النسبة التصديقية التي يعتقد بها المخبر سواء قصد الاخبار عنها أم عرفناها بدون ذلك فيقال بان التصديق بشيء تصديق بلوازمه ولو تقديرا أي على تقدير العلم بالملازمة وموضوع الحجية هو هذا التصديق التقديري عند إحراز المعلق عليه.

كيفية ترتيب الأثر الشرعي غير المباشر إذا كانت الواسطة بينه وبين المستصحب شرعية - كحلية أكل الطعام المغسول بماء مستصحب الطهارة فانها تثبت به مع ترتبها على طهارة الطعام المترتب على طهارة الماء المغسول به - وعدم ترتيبه إذا كانت الواسطة عقلية - كصحة الوضوء اللازم لغسل الموضع المشكوك وجود الحاجب عليه اللازم لاستصحاب عدم الحاجب - مع ان دليل التعبد الاستصحابي إذا كان له إطلاق لكل آثار المستصحب فلا بد من ترتيبها جميعا في الموردين والا فلا بد من عدم ترتيبها في الموردين.

وفي مقام حل هذا الإشكال يوجد افتراضان رئيسيان تختلف صيغة الحل بناء على كل منهما.

الافتراض الأول - ان يكون المجعول في دليل الاستصحاب تنزيل المشكوك منزلة المتيقن أو جعل الحكم المماثل ، والمقصود ان المجعول فيه ترتيب أثر الواقع على المستصحب وجعله كأنه الواقع كتنزيل الطواف منزلة الصلاة غاية الأمر ان التنزيل هناك واقعي وهنا ظاهري ، ولعل هذا هو مختار صاحب الكفاية (قدّس سرّه).

وأصحاب هذا المسلك يحاولون تخريج التفصيل المذكور بان دليل الاستصحاب انما ينزل المستصحب منزلة الواقع فيما هو أثر شرعي مجعول من قبل الشارع نفسه دون اللوازم والآثار العقلية فانها لا ربط لها بالشارع ، وبناء عليه لو أريد ترتيب اللازم العقلي والتنزيل بلحاظه ولو مقدمة لترتيب اثره الشرعي - وهو صحة الوضوء في المثال - فهذا خلف ما ذكر من أن التنزيل لا يمكن ان يكون الا بلحاظ أحكام الشارع نفسه ، ولو أريد ترتيب الأثر الشرعي المترتب على اللازم العقلي وتنزيله في مورد الاستصحاب من دون تنزيل اللازم العقلي فهذا وان كان ممكنا ثبوتا الا انه لا دال عليه إثباتا ، لأن ذلك الأثر الشرعي ليس أثرا للواقع مباشرة ودليل التعبد الاستصحابي ينظر إلى ما هو أثر المتيقن أي الأثر المباشر ولا يشمل الأثر غير المباشر.

وهذا المقدار من البيان قد يورد عليه : بان لازم هذا الانصراف أو الاختصاص بالأثر المباشر عدم ترتب الأثر غير المباشر حتى إذا كان بواسطة شرعية لأن الأثر المباشر لم يثبت حقيقة وواقعا لكي يتبعه اثره لأن التنزيل ظاهري لا واقعي فكيف نثبت ذلك الأثر الشرعي المترتب بواسطة الأثر المباشر؟.

وقد أجيب عليه في كلمات المحقق النائيني (قدّس سرّه) بعبارة موجزة مبهمة هي ان الآثار الشرعية الطولية إذا كانت كلها شرعية أو عقلية أي من سنخ واحد كان أثر الأثر أثرا لذلك الشيء أيضا ، واما إذا لم تكن من سنخ واحد فلا يكون أثر الأثر أثرا لذلك الشيء. وهذا الكلام لا يفهم له وجه ما لم نرجعه إلى معنى اخر بعيد عنه جدا سيأتي التعرض له.

والصحيح في دفع هذا الإيراد بنحو ينسجم مع مباني أصحاب مسلك التنزيل وجعل الحكم المماثل ان يقال : بان الأثر الشرعي المترتب على الأثر المباشر يثبت بالتنزيل أيضا لأن إثبات الأثر المباشر الظاهري كان مرجعه إلى تنزيله منزلة الأثر المباشر الواقعي وهذا يستتبع ثبوت الأثر الشرعي الثاني تنزيلا والا لم يكن الأثر الأول مماثلا للواقع وهكذا.

وان شئت قلت : ان دليل تنزيل الأثر المباشر يدل على انه مماثل للأثر المباشر الواقعي وانه كأنه هو ، وهذا ليس مجرد تشبيه ادعائي بل مرجعه إلى التنزيل المولوي وتشبيه صادر من المولى بما هو مولى أي تنزيله منزلته في آثاره وأحكامه أيضا ، فيكون مفاد دليل الاستصحاب منحلا إلى تنزيلات عديدة يكون المرتب في كل واحد منها الأثر المباشر (1).

وقد يناقش هذا البيان بوجهين :

الأول - ان التنزيل الظاهري ليس الا بمعنى ترتيب أثر على المنزل يعتبر انه من سنخ الأثر الواقعي في ترتيب آثاره سواء كان مماثلا معه واقعا أم لا ، وهذا الاعتبار معقول حتى إذا كان الأثر عقليا وذلك يوجب ترتب كل الآثار الشرعية على الاستصحاب


1) هذا انما يتم إذا كان الدليل يتضمن بيان ان الحكم الظاهري المجعول مماثل للحكم الواقعي أو مشابه له ليتمسك بإطلاق المماثلة مثلا لترتيب آثاره أيضا ، الا ان هذا ليس مستبطنا في مسلك جعل الحكم المماثل أو التنزيل فانه لا يعني ذلك وانما يعني النّظر إلى حكم المنزل عليه وإسراؤه واقعا أو ظاهرا إلى المنزل فينتزع عن ذلك المماثلة أو التنزيل ، وهذا يعني ان التنزيل والمماثلة في طول مقدار نظر الدليل إلى الآثار وإسرائها إلى المنزل فإذا فرض ان الدليل ينصرف عن النّظر إلى غير الأثر المباشر فلا معنى لأن يستفاد إطلاق النّظر والإسراء عن إطلاق التنزيل والمماثلة ، وبعبارة أخرى : ان هذا الانحلال في المقام ليس من قبيل الانحلال في عقد الموضوع لدليل حجية الخبر الشامل للاخبار مع الواسطة الّذي هو انحلال على القاعدة وانما هو انحلال وتوسعة في عقد المحمول والحكم المجعول به وهذا انما يكون في طول إطلاق التنزيل والنّظر فمع فرض عدم الإطلاق فيه لا وجه لاستفادة الانحلال المذكور.

ولو كانت بواسطة عقلية.

والحاصل : مقتضى التنزيل انما هو افتراض ان هذا الأكثر كأنه من سنخ الأثر الواقعي في ترتب آثاره عليه اما ان يكون مماثلا مع الأثر الواقعي من غير ناحية الواقعية والظاهرية بأن يكونا معا شرعيين مثلا أو غير ذلك من الخصوصيات فهذه مئونة زائدة ليست دخيلة في قوام التنزيل فتكون منفية بالإطلاق.

الثاني - ورود النقض بموارد تكون الواسطة الواقعية شرعية ولكنها خارجة عن محل ابتلاء المكلف الا ان أثرها داخل في محل الابتلاء ، كما إذا لاقى شيء مستصحب النجاسة مع ثوبي وكان فعلا خارجا عن محل ابتلائي فانه لا إشكال في ثبوت نجاسة الثوب بالاستصحاب نجاسة الإناء مع ان الواسطة وهو نجاسة الإناء كحكم واقعي خارج عن محل الابتلاء ، فانه في مثل هذه الموارد يكون الأثر المترتب بالاستصحاب الأثر غير المباشر ابتداء بدون تنزيل موضوعه وهو الأثر المباشر لكونه خارجا عن محل الابتلاء فيكون حاله حال الواسطة العقلية من أنه لو أريد ترتيب اثره بلا تنزيل الواسطة فهو خلف اشتراط المباشرة وان كان بتوسطه فهو غير معقول لكونه عقليا أو خارجا عن ابتلاء المكلف.

الا ان كلا هذين الاعتراضين انما يتجهان فيما إذا لم ندع انصراف مفاد دليل التنزيل أو جعل المماثل إلى كل أثر من قبل الشارع ولو كان خارجا عن محل الابتلاء أي إلى أحكام نفس المنزل - بالكسر - ولو باعتبار ان هذا هو المناسب مع مقام المولوية والتشريع المكتنف بخطاب الشارع فانه بالجمع بين هذا الانصراف والانصراف إلى الأثر المباشر يثبت ما يريده أصحاب هذا المسلك.

هذا ولكن أصل الافتراض المبني عليه هذا المسلك غير تام فان مفاد دليل الاستصحاب ليس هو جعل الحكم المماثل والتنزيل ، بل مفاده اما التعبد ببقاء اليقين وجعل الطريقية في مورد الاستصحاب فيما إذا فرض الحديث نفيا للانتقاض أو نهيا عن النقض الحقيقي كناية عن عدم الانتقاض ، واما يكون مفاده النهي عن النقض العملي لليقين بالشك الّذي أيضا يكون إرشادا اما إلى جعل الطريقية بلحاظ الجري العملي أو جعل المنجزية والمعذرية ، وعلى كل حال لا موجب لاستفادة التنزيل أو جعل الحكم المماثل من أدلة الاستصحاب ، وهذا فيما أخذ فيه اليقين السابق

كصحاح زرارة واضح ، واما ما لم يؤخذ فيه كصحيح عبد اللّه بن سنان فأيضا كذلك إذ لم يصرح فيها بالكبرى وانما صرح بالصغرى والنتيجة والتعليل بأنك أعرته إياه وهو طاهر ، وانما يفهم منه ان الكبرى هو عدم رفع اليد عن الحالة السابقة اما هل يكون ذلك بملاك التنزيل أو جعل الطريقية والعلمية فلا يمكن إثباته إذ لا دال على شيء منهما فيكون المقدار المتيقن استفادته منها ثبوت أصل المنجزية والمعذرية والجري العملي على طبق الحالة السابقة.

الافتراض الثاني - ان لا يكون مفاد دليل الاستصحاب التنزيل بل التعبد ببقاء اليقين بجعل الطريقية له أو النهي عن النقض العملي لليقين إرشادا إلى ثبوت محركيته تنجيزا أو تعذيرا ، والجامع إبقاء اليقين عملا. وبناء على هذا المسلك قد يستشكل في ترتيب الآثار الشرعية غير المباشرة وان كانت الواسطة شرعية إذ لا تنزيل في ناحية المستصحب على هذا التقدير ليتوهم الإطلاق بل التعبد في نفس اليقين أو اقتضائه للجري العملي وغايته كون اليقين بالحالة السابقة باقيا تعبدا بلحاظ كاشفيته أو محركيته ، ومن الواضح ان اليقين بشيء انما يكون طريقيا أو محركا إلى متعلقه ومصبه لا إلى آثار متعلقه وانما يقع ذلك في صراط توليد اليقين بتلك الآثار فيكون اليقين المتولد هو الّذي له الطريقية إلى تلك الآثار ، وما دامت طريقية كل يقين تختص بمتعلقه ومصبه فكذلك منجزيته ومحركيته ، وعليه فالتعبد ببقاء اليقين بالحالة السابقة أو النهي عن نقضه العملي انما يقتضى توفير المنجز والمحرك بالنسبة إلى الحالة السابقة مباشرة لا بالنسبة إلى آثارها حتى إذا كانت شرعية.

ودعوى : ان من يكون على يقين من شيء يكون على يقين من آثاره ويتحرك على طبقها.

مدفوعة : بان اليقين التكويني بشيء يلزم منه اليقين التكويني بما يعرفه الشخص من آثاره فيكون التحرك نحو الآثار من جهة اليقين الثاني المتولد ، الا ان هذا في اليقين التعبدي بشيء غير لازم لأن امره تابع سعة وضيقا لمقدار التعبد والمفروض ان دليل الاستصحاب لا يدل على أكثر من التعبد باليقين بالحالة السابقة وما لها من الأثر الشرعي بل ما لها من المنجزية والمعذرية ولو لم يكن حكما شرعيا كما في مورد الصحاح حيث ان المستصحب فيها الطهارة الحدثية أو الخبثية بلحاظ إحراز

الامتثال ، فكل ما يكون من التنجيز والتعذير لمصب اليقين ومتعلقه بحيث كان اليقين طريقا ومحركا إليه يترتب بدليل الاستصحاب لا أكثر ، لأن اليقين السابق ليس طريقا إلى غير ذلك ولا متعلقا ولا هو المحرك نحوه حقيقة ودليل الاستصحاب يثبت الطريقية أو المحركية والمنجزية بالمقدار الّذي كان لليقين لا أكثر والمفروض ان طريقية اليقين ومحركيته بمقدار متعلقه ومصبه.

والتحقيق في الإجابة على هذه الشبهة ان يقال : ان هذه المشكلة انما استفحلت بناء على التصور المتعارف من افتراض شيء اسمه الأثر والحكم الشرعي الفعلي مع انه قد عرفت ان الأثر الشرعي الفعلي بهذا المعنى امر وهمي غير واقعي وليس المنجز هو اليقين بالحكم الفعلي المتولد من اليقين بصغرى الجعل وبكبراه ، بل الحكم يتنجز بمجرد وصول كبراه وهي الجعل وصغراه وهي الموضوع ، فاليقين التعبدي بموضوع الأثر بنفسه منجز لذلك الأثر والحكم وان لم يسر إلى الحكم ، كما ان الجري على طبق حكمه يكون داخلا في دائرة اقتضائه العملي فيلزم بمقتضى النهي عن النقض العملي لليقين.

ان قيل : إذا كان اليقين بالموضوع كافيا لتنجز الحكم المترتب عليه مباشرة فما ذا يقال عن الحكم الشرعي المترتب على هذا الحكم وكيف يتنجز مع انه لا تعبد باليقين بموضوعه وهو الحكم الأول؟

قلنا - ان الحكم الثاني الّذي أخذ في موضوعه الحكم الأول لا يفهم من لسان دليله الا ان الحكم الأول بكبراه وصغراه موضوع للحكم الثاني ، والمفروض انه محرز كبرى وصغرى جعلا وموضوعا ، وهذا هو معنى اليقين بموضوع الحكم الثاني فيتنجز الحكم الثاني كما يتنجز الحكم الأول.

وان شئت قلت : ان الموضوع المستصحب يكون تمام الموضوع بالنسبة للحكم المباشر وجزء الموضوع للآثار الشرعية المترتبة على الحكم المباشر وجزؤه الآخر الجعول المعلومة وجدانا لتلك الآثار فيكون من إحراز جزء الموضوع للتنجيز بالتعبد وجزئه الاخر بالوجدان ، وبهذا يتم ما تقدم من ان أثر الأثر إذا كان كلاهما شرعيين بمعنى ان موضوع الموضوع في الشرعيات كما ان علة العلة علة في التكوينيات ولكن علة الموضوع ليس بموضوع فإذا كان مقصود المحقق النائيني (قدّس سرّه) مما مضى هذا المعنى

فهو امر صحيح لطيف الا ان هذا بعيد عن تصوراته في باب الجعل والمجعول (1)

1 ـ الكلمة الأولى ـ وهي توسعة لهذا التخريج والعلاج للمشكلة وحاصله :

ان هذا التخريج يمكن إيراده حتى على الافتراض الأول في دليل الاستصحاب أي افتراض ان مفاد دليل الاستصحاب هو التنزيل ولكن بعد تعديل وتمحيص لمعنى التنزيل فانه ليس المقصود بالتنزيل جعل حكم شرعي مماثل بالخصوص بل يعم تنزيل المشكوك منزلة الواقع في الأثر العملي بمعنى التنجيز والتعذير أيضا بناء على ما حققناه في بحوث القطع من إمكان ذلك ، لأن هذه كلها صياغات اعتبارية معقولة مع كون روح الحكم الظاهري في جميع ذلك امرا واحدا تقدم شرحه في حقيقة الحكم الظاهري.

وبعد هذا التعديل نقول ان مرجع التنزيل في المقام إلى اعتبار المستصحب بمنزلة الواقع في ترتيب ما يترتب عليه من التنجيز والتعذير ، والمفروض ان المستصحب اما تمام الموضوع أو جزؤه لتنجيز كل تلك الآثار والأحكام الشرعية الطولية المترتبة إذا كانت الوسائط شرعية فتترتب بخلاف ما إذا كانت الواسطة عقلية فلا تترتب وهذا يعني ان روح هذا العلاج لا يختص بالافتراض الثاني دون الأول.

2 ـ الكلمة الثانية ـ وهي مناقشة في صحة هذا العلاج وحاصلها : منع ما يستبطنه من ان دليل الأثر الشرعي غير المباشر ظاهره ان الحكم الأول بكبراه وصغراه موضوع للحكم الثاني بل ظاهر الدليل ترتبه على فعلية الحكم الشرعي الأول وان كان واقعه امرا وهميا فان هذا الأمر الوهمي هو الّذي يفهمه العرف ويتعامل معه في فهم دلالات الخطابات سعة وضيقا فلا بد من إحراز هذا الأمر الوهمي اما وجدانا أو تعبدا والأول غير موجود في مورد الاستصحاب والثاني لا يمكن استفادته منه بحسب التفسير المتقدم لمفاد دليله.

بل نترقى أكثر ونقول : ان هذا الفهم العرفي الوهمي هو المحكم حتى على دليل الاستصحاب نفسه بناء على ما تقدم في دفع شبهة التعارض بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم الجعل الزائد فلو لا ان الأحكام الشرعية ينظر إليها بما هي خارجية وان ظرف الاتصاف بها هو الخارج وتحكيم هذا النّظر على دليل الاستصحاب لاستفحلت شبهة المعارضة هناك ومع تحكيم هذا النّظر لا يكون اليقين بموضوع الأثر الشرعي الأول محركا بنفسه نحو الأثر الشرعي الثاني بل يقع في صراط توليد اليقين بذلك الأثر فلا يمكن ترتيبه بالتعبد ببقاء اليقين الأول.

لا يقال ـ بعد ان كان العقل يكتفي في التنجيز بإحراز الصغرى والكبرى كفى ذلك في جريان الاستصحاب وان لم يكن ذلك مفهوما عرفا لأن هذا الفهم العرفي يرجع بحسب الحقيقة إلى عدم تشخيص المصداق للنقض العملي لا المفهوم وهو ليس بحجة. وان شئت قلت : ان الأثر الشرعي غير المباشر أصبح حقيقة أثرا شرعيا مباشرا غاية الأمر قد لا يدركه العرف وهو غير ضائر نظير ما إذا لم يعلم العرف بانتقاض الطهور بالنوم فان هذا لا يمنع عن جريان استصحاب عدمه عند من يعرف ترتب الأثر الشرعي عليه.

فانه يقال ـ أولا ـ ان تم هذا الكلام جرى في شبهة المعارضة أيضا وادى ذلك إلى جريان استصحاب عدم الجعل الزائد ومعارضته مع استصحاب بقاء المجعول غاية الأمر أحدهما يكون بالنظر الدقي والآخر بالنظر العرفي.

وثانيا ـ ما أجبنا به على هذا الاعتراض في تلك المسألة من ان هذين النظرين متهافتان في المرتبة السابقة على تطبيق دليل الاستصحاب بحيث لا بد من حمل الدليل على أحدهما فإذا فرض تحكيم النّظر العرفي ـ كما هو المتعين ـ فكما لا يجري استصحاب عدم الجعل الزائد لا يجري استصحاب الموضوع لترتيب الآثار الطولية غير المباشرة عليه لعدم كونها من اقتضاءات اليقين بذلك الموضوع.

3 ـ الكلمة الثالثة ـ انه لا محيص من سلوك منهج صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من دعوى انصراف دليل الاستصحاب إلى النهي عن نقض اليقين بلحاظ ما هو الأثر الشرعي سواء كان مفاده التعبد ببقاء المتيقن أو اليقين أو النهي عن النقض العملي ـ ولكن لا بالتقريب المتقدم من استفادة تنزيلات طويلة متعددة إذ قد عرفت المناقشة فيه ، بل بتقريب ان النقض وان كان مسندا إلى اليقين الا ان المنظور إليه على كل التقادير في تفسير الحديث عدم رفع اليد عما يستتبعه المتيقن من الموقف العملي والوظيفة تجاه المولى وحينئذ يقال : بان الآثار الشرعية الطولية إذا لم تتوسط بينها وبين الأثر المباشر واسطة عقلية تعتبر جميعا مواقف عملية مستتبعة للمتيقن اما باعتبار عرفية النكتة التي أشير إليها في كلام المحقق النائيني (قدّس سرّه) من ان أثر الأثر إذا كان من سنخ واحد يعتبر عرفا أثرا لنفس الشيء ، أو باعتبار عدم احتمال الفرق عرفا فيما بينها لكونها جميعا مواقف عملية تجاه الشارع مستتبعة لنفس الموضوع المستصحب وهذا بخلاف الأثر المترتب على الواسطة العقلية. وان شئت قلت : إذا كان تنجز الأثر الشرعي الطولي والوظيفة العملية تجاهه مترتبا على تنجز الأثر الشرعي المتقدم والوظيفة العملية تجاهها فيترتب عليها وهذا بخلاف ما إذا كان الأثر مترتبا على واسطة عقلية. وان أبيت عن قبول ذلك أمكننا ان ندعي الملازمة العرفية بين تنجز الأثر الشرعي الأول وتنجيز الأثر الشرعي الثاني المترتب عليه بحيث يكون دليل التعبد الاستصحابي دالا بالمطابقة على الأول وبالالتزام على الثاني ، وهذا من لوازم الأمارة لأنه ملازمة بين الحكمين الظاهريين بخلاف ما إذا كان الأثر الطولي مترتبا على واسطة عقلية فانه لا ملازمة بين التعبد الظاهري بالأثر الشرعي المباشر والتعبد به لعدم كونه مترتبا عليه.

لا يقال ـ قد لا يكون الأثر الشرعي المباشر منجزا ولو لخروجه عن محل الابتلاء فكيف نثبت الأثر غير المباشر حينئذ؟

فانه يقال : تكفي منجزيته لو كان للمستصحب أثر مباشر أي تكفي المنجزية التعليقية في الملازمة والاستتباع.

.

1) يخطر في الذهن كلمات ثلاث :

وفي خاتمة البحث عن الأصل المثبت ينبغي التنبيه على أمور :

الأمر الأول - قد ينفد الأصل المثبت عن طريق إيقاع المعارضة بينه وبين استصحاب آخر يجري في الواسطة العقلية لنفي أثرها كما في استصحاب عدم نبات لحية زيد المشكوك حياته فانه حتى إذا فرض إمكان ترتيب أثر نبات لحيته باستصحاب حياته يدعي معارضته مع استصحاب عدم نبات لحيته النافي لذلك الأثر فيتساقطان.

واعترض على ذلك الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) بأنه على القول بالأصل المثبت يكون استصحاب بقاء الحياة حاكما على استصحاب عدم نبات اللحية لكونها من الأصل السببي والمسببي والأصل السببي حاكم على الأصل المسببي.

وتستحصل من كلمات المحقق العراقي (قدّس سرّه) فروض ثلاثة في المقام يختلف الحكم باختلافها :

الأول - ان يبني على حجية مثبتات الاستصحاب سواء كانت في سلسلة معلولاته أو علله فكما ان استصحاب العلة يثبت المعلول كذلك استصحاب عدم المعلول يثبت عدم العلة وبناء على هذا يحصل توارد بين الاستصحابين لأن كل واحد منهما ينفي موضوع الاخر تعبدا.

الثاني - ان يبنى على حجية الاستصحاب المثبت بمعنى إثباته لجميع معلولاته ولوازمه دون الملزومات والعلل وعلى هذا الفرض يكون الأصل المثبت حاكما على

استصحاب عدم اللازم العقلي لأنه يرفع موضوعه والشك في تحقق ذلك اللازم تعبدا دون العكس.

الثالث - ان يبنى على حجية الأصل المثبت بمعنى إثبات اللوازم فقط ولكن لا بمعنى إثبات اللازم العقلي والتعبد به بل بمعنى إثبات اثره الشرعي ابتداء وكأنه لا واسطة عقلية في البين ، وبناء على هذا يقع تعارض بين الاستصحابين لأن شيئا منهما لا يرفع مورد الشك في الآخر وانما يتنافيان في الأثر فيتعارضان.

وقد أضاف السيد الأستاذ على هذه الفرضيات فرضية رابعة هي ما إذا قلنا بأمارية الاستصحاب وحجيته من باب الظن فحكم بتقدم الأصل المثبت وحكومته على استصحاب عدم الواسطة العقلية وينبغي تمحيص الكلام في هذه الفروض فنقول :

اما الفرضية الأولى - فقد يناقش فيما ذكره المحقق العراقي (قدّس سرّه) بشأنها من توارد الاستصحابين بأن استصحاب عدم نبات اللحية لا يرفع الشك في حياة زيد لأنه لو أريد نفي حياته لترتب أثر آخر غير المترتب على نبات لحيته فهذا خارج عن البحث وقد يفرض انه لا أثر آخر مترتب على حياته ، وان أريد نفي حياته لنفي نبات لحيته استطراقا إلى نفي اثره من وجوب التصدق مثلا فهذا لا معنى لا لأن نفي نبات لحيته بنفسه مدلول مطابقي للاستصحاب بلا حاجة إلى الرجوع إلى الوراء وإثباته بالملازمة فانه أشبه بتحصيل الحاصل ، وعليه فيكون استصحاب الحياة حاكما على استصحاب عدم نبات اللحية لأنه يرفع الشك فيه دون العكس.

وهذا الاعتراض يمكن الإجابة عليه بوجهين :

1 - ان استصحاب الحياة بناء على الفرضية الأولى ويثبت جميع اللوازم والملازمات ومنها أثر نبات اللحية ، أعني وجوب التصدق لأنه من ملازمات الحياة ، فاستصحاب الحياة يثبت وجوب التصدق رأسا لكونه ملازما له بلا حاجة إلى إثبات نبات لحيته استطراقا إلى إثباته ، فان هذا انما يكون بناء على ان الاستصحاب يثبت اللوازم فقط دون الملازمات وعليه يكون الأصلان متعارضين لا متواردان كما تصور المحقق العراقي (قدّس سرّه).

2 - ان نبني على مبنى المحقق النائيني (قدّس سرّه) من انه يكفي في جريان الاستصحاب

ترتب الأثر على نفس الاستصحاب كجواز الإفتاء مثلا ولو لم يكن أثر لمؤداه - وقد تقدم وجهه في بعض البحوث السابقة - وبناءً عليه يكون كل من الاستصحابين واردا على الآخر إذ ينفي بالملازمة مورد الشك في الآخر ولو بلحاظ جواز الإسناد فيتساقطان بالتوارد فيتم ما ذكره المحقق العراقي (قدّس سرّه) في هذه الفرضية.

واما الفرضية الثانية - فما أفاده المحقق العراقي (قدّس سرّه) فيها من تقدم الأصل المثبت وحكومته على استصحاب نفي الواسطة العقلية صحيح على المباني المشهورة في تقدم الأصل السببي على المسببي.

واما الفرضية الثالثة - فائضا يصح فيها ما أفاده هذا المحقق من التعارض بين الاستصحابين اللّهم الا إذا قيل بمجموع مطلبين :

1 - إذا دار الأمر بين تخصيص عموم دليل بإخراج فرد من موضوعه أو تقييد إطلاقه الأحوالي بإخراج حالة من أحوال فرد تقدم العموم الأفرادي على الإطلاق الأحوالي.

2 - تمامية العموم الأفرادي في بعض أدلة الاستصحاب ولو مثل ما جاء في الصحيحة الثالثة ( ولا يعتد بالشك في حال من الحالات ).

فانه عندئذ يقال يدور الأمر في المقام بين رفع اليد عن العموم الأفرادي في هذه الصحيحة للاستصحاب الجاري في نفي الواسطة العقلية أو الإطلاق فيها للأصل المثبت بلحاظ إثبات أثر الواسطة فيما لو فرض وجود أثر اخر له غير هذا الأثر. وحيث ان العموم مقدم على الإطلاق يتعين التقييد دون التخصيص فيجري الاستصحاب في نفي الواسطة العقلية دون ان يعارضه الأصل المثبت فضلا من ان يحكم عليه.

واما الفرضية الرابعة - فقد أفاد السيد الأستاذ فيها بان استصحاب الحياة حاكم على استصحاب عدم نبات اللحية لأن المفروض فيها ان حجية الاستصحاب تكون من باب الأمارية والظن وإذا حصل الظن بالحياة فقد حصل الظن باللحية ومعه يستحيل حصول الظن بعدمها (1).

والظاهر ان مقصوده الظن الشخصي والا فالظن النوعيّ لا استحالة في حصول


1) راجع مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 156

التقابل في مصداقين منه.

وعلى كل حال فهذا البيان بهذا المقدار لا يخلو من نقص ، إذ كما يمكن ان يقال بان الظن بالحياة يوجب الظن بنبات اللحية ، فيستحيل حصول الظن بعدمها كذلك يمكن العكس وان الظن بعدم اللحية يوجب الظن بعدم الحياة ومعه يستحيل حصول الظن بالحياة ، إذ كما ان الظن بالعلة يستلزم الظن بالمعلوم كذلك العكس ، كما ان مجرد كون أحد المتلازمين علة للآخر لا يعني حكومة الأمارة في طرف العلة على الأمارة المخالفة في طرف المعلول الا ترى عدم حكومة الخبر الدال على حياة زيد على الخبر الحاكي لعدم نبات لحيته بل هما متعارضان.

والتحقيق : ان الاستصحاب إذا كان حجة من باب الأمارية وافادته الظن - سواء كان نوعيا أو شخصيا - فهذا مبني على أساس حساب الاحتمالات الكاشفة عن نكتة مشتركة وطبيعة في الأشياء تقتضي بقاءها ودوام حالاتها وعدم تغيرها غالبا ، وهذه النكتة في كل من العلة والمعلول ثابتة فالكشفان فعليان غاية الأمر يوجد منافاة بين تأثير المنكشفين ، وحيث ان جانب العلة هو المؤثر في جانب المعلول فيقدم عليه في مقام فعلية الكشف لا محالة شبيه ما إذا أخبر ثقة بوقوع النار في البيت وأخبر ثقة آخر بنزول المطر الغزير أو السيول على البيت في تلك الساعة فيؤخذ بالخبرين معا ويحكم بان الماء غلب النار وان البيت لم يحترق ، وان شئت قلت : ان حساب الاحتمالات الموجب للظن ببقاء الأشياء في طرف العلة يحكم على حساب الاحتمالات في طرف المعلول فكأن قاعدة ان الأشياء غالبا تبقى على حالاتها السابقة يستثنى منها المعلولات فانها تابعة لعللها والغلبة المحكمة فيها ، وهذا هو الوجه الفني لما ارتكز في ذهن السيد الأستاذ من حكومة استصحاب الحياة على استصحاب عدم نبات اللحية بناء على الأمارية.

الأمر الثاني - لا إشكال في عدم حجية الاستصحاب في إثبات آثار اللوازم العقلية الواضحة عقلا وعرفا ولكن وقع الإشكال فيما إذا كانت الواسطة العقلية خافية على العرف ، فقد ذهب الشيخ (قدّس سرّه) إلى انه مع خفائها يجري الاستصحاب في طول المسامحة العرفية ووافق عليه المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) وخالف في ذلك المحقق النائيني (قدّس سرّه) مدعيا بأن خفاء الواسطة أو المناسبات والمرتكزات العرفية ان أوجب ظهورا في دليل الأثر الشرعي يقتضي ترتبه على نفس المستصحب لم نحتج في إثباته

بالاستصحاب إلى إثبات الواسطة أصلا ليكون من الأصل المثبت بل هو أثر للمستصحب حقيقة وهذا خارج عن البحث ، والا بأن كان مفاد الدليل ترتب الأثر على تلك الواسطة لا المستصحب فلا عبرة بمسامحة العرف وخطأه في إدراك الواسطة فان إنظار العرف حجة في مقام اقتناص المفهوم والظهور للدليل لا في مقام التطبيق ، فإذا فرض عدم تأثير الخفاء والمسامحة العرفية على ظهور دليل الأثر فلا وجه لاتباع نظره في مجال تطبيق دليل الاستصحاب على ما هو موضوع الأثر الشرعي.

والتحقيق ان يقال : انه لا بد من الرجوع إلى المباني المتقدمة للقول بعدم حجية الأصل المثبت فان النتيجة تختلف باختلافها فنقول :

1 - اما بناء على المبني الّذي نحن اخترناه من كفاية إحراز صغرى الجعل وكبراه في التنجيز وصيرورة المستصحب موضوعا مباشرا لذلك فمن الواضح عدم جريان الاستصحاب في موارد الواسطة العقلية وان كانت خافية فان خفائها لا يجعلها أحسن حالاً من الأثر المباشر ، والاستصحاب بمدلوله اللفظي لا يثبت الأثر المباشر غاية الأمر ان العقل يحكم بترتب التنجيز كلما أحرز صغرى الجعل وكبراه فلا بد من إحرازهما بالوجدان أو التعبد ، والمفروض ان المستصحب ليس صغرى لكبرى ذلك الأثر لوجود الواسطة بينهما وان فرضت خفية (1).

2 - ان يفرض توهم ترتيب الأثر غير المباشر في موارد الاستصحاب بنفس دليل ذلك الأثر بعد إحراز موضوعه بالاستصحاب تعبدا ، وعلى هذا المبنى أيضا لا يثبت أثر الواسطة وان كانت خفية لأن المفروض ان دليل ذلك الجعل والحكم الشرعي ظاهر في جعله على الواسطة لا على المستصحب ودليل الاستصحاب ليس له نظر إلى الآثار لترتيبها كي يتوهم إطلاقها لهذا الأثر ولو مسامحة.


1) إذا كان مأخذ مدعى الشيخ ومن تابعه ان أثر الواسطة الخفية يعتبر أثرا للمستصحب عرفاً ودليل استصحاب يترتب آثار المستصحب فهذا لا يتم على أساس المبنى المختار ، ولكن يمكن أن يكون لمدعى الشيخ مآخذ أوسع من ذلك بحيث يتم حتى عند القائلين بان مفاد دليل الاستصحاب ليس هو التنزيل وجعل الآثار المماثلة بل التعبد ببقاء اليقين إذ يقال بان خفاء الواسطة يجعل ترتيب ذلك الأثر من مقتضيات اليقين بالمستصحب ابتداء لخفاء الواسطة فيكون التعبد ببقاء اليقين بحسب الحقيقة إسراء لنفس ذلك الأثر في مورد الاستصحاب لأن ترتب الأثر على كل حال لا بد من استفادته من نفس دليل التعبد ببقاء اليقين لا من دليل آخر إذ ليست الحكومة واقعية أو ورودا بل حكومة ظاهرية تنزيلية ، نعم هذا الكلام يتم على المبنى الثاني والّذي يكون التمسك فيه بدليل الأثر الشرعي المفروض أخذ الواسطة في موضوعه فتأمل جيدا.

3 - ما اختاره صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من ان دليل الاستصحاب يثبت الأثر الشرعي المباشر فقط وانما تثبت الآثار الطولية بالانحلال وإثبات كل أثر لأثره إذا كانت الآثار شرعية ، وبناء على هذا المبنى قد يقال بأن الواسطة إذا كانت خفية فبحسب النّظر العرفي يكون الأثر في المقام كأنه أثر مباشر لخفاء الواسطة.

والجواب : ما تقدم في بحث اشتراط الموضوع من ان نظر العرف المسامحي انما يكون حجة في موردين :

الأول - في باب المفاهيم وتحديد الدلالات.

الثاني - في باب التطبيق إذا كان نظره إنشائيا لا إخباريا كما إذا قلنا بان أسامي المعاملات وضعت بإزاء المسببات لا الأسباب ، فان العرف لو شخص صحة معاملة المعاطاة مثلا كانت بيعا ، واما في المقام فحيث ان النّظر العرفي إخباري في مجال التطبيق فمع خطأه دقة وعقلا لا حجية لنظره (1)

نعم يمكن الإشكال في أصل معقولية خفاء الواسطة بنحو لا يوجب سعة في دليل الحكم الشرعي المرتب على الواسطة ولكن يوجب شمول دليل الاستصحاب وصدق النقض العملي لو لم يرتب ذلك الأثر على المستصحب فان العرف إذا كان يميز بين الواسطة وذي الواسطة بلحاظ دليل ذلك الحكم الشرعي فهو يميز بينهما بلحاظ دليل الاستصحاب لا محالة أيضاً ولعل هذا هو مقصود المحقق النائيني (قدّس سرّه) في المقام.

.

4 - ان يبنى على ان دليل الاستصحاب ينظر ابتداءً وفي عرض واحد إلى كل الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب غاية الأمر يدعى انصرافها عن الأثر الشرعي المترتب على واسطة عقلية.

وبناءً على هذا المبنى ان ادعي ان الانصراف أوجد قيدا في لسان الدليل لبا هو عدم الواسطة كان حاله حال المبنى السابق من ان مسامحة العرف في عدم رؤية الواسطة في المقام تكون في مرحلة تطبيق القيد وتشخيص مصداقه فلا يكون حجة ، وان لم يدع ذلك بل ادعي الانصراف عن موارد وجدان الواسطة كان الاستصحاب حجة


1) افتراض ان نظر العرف في باب التطبيق بنحو الإخبار ليس بحجة أصلاً لا يخلو من إشكال وقد اعترف سيدنا الأستاذ ( قدس سره الشريف ) بذلك في بعض الموارد في الفقه من قبيل مفهوم الدم الّذي لا يصدق على ما يكون دماً بالدقة ولكن لا يدركه العرف لضآلته وصغر حجمه ، فقد أفاد السيد الأستاذ (قدّس سرّه) في بحوثه الفقهية ان الكم والمقدار ربما يكون مأخوذاً في مفهوم الدم ، وعليه ففي المقام أيضاً ربما يقال بأن مفهوم النقض أو النقض العملي لليقين قد أخذ فيه درجة من التحرك تصدق في موارد خفاء الواسطة على اليقين بالمستصحب نفسه بحيث يعد رفع اليد عنه نقضاً لليقين بالشك كما تقدم من الأستاذ في مسألة اشتراط وحدة القضيتين.

في إثبات الأثر الشرعي في موارد خفاء الواسطة لا محالة.

ثم انهم ذكروا لموارد خفاء الواسطة تطبيقات فقهية نقتصر على فرعين رئيسين منها :

الفرع الأول - موارد استصحاب بقاء الشهر - كشهر رمضان - إلى يوم الشك لترتيب أثر اليوم الأول من الشهر الآخر على اليوم الّذي يليه مع ان هذا من الأصل المثبت فان اللازم العقلي لكون اليوم المشكوك من شهر رمضان مثلا ان يكون اليوم الّذي يليه عيدا فيقال ان هذا من خفاء الواسطة.

وأجاب عن ذلك السيد الأستاذ بأن إثبات اليوم الأول من الشهر الاخر كيوم العيد لا يكون بهذا الاستصحاب بل باستصحاب آخر تام الأركان ، ذلك لأنه بدخول ذلك اليوم يعلم إجمالا بتحقق يوم العيد أو اليوم الأول من الشهر القادم اما في هذا اليوم أو في يوم الشك السابق فيستصحب بقاؤه ، ولا يقدح عدم صدق كون المتيقن بقاء للمشكوك على تقدير ثبوته ولا احتمال عدم اتصال زمان الشك باليقين لاحتمال كون العيد هو اليوم السابق وقد فصل بينهما الليل فان كل ذلك لا يضر بأركان الاستصحاب المستفاد من أدلته على ما سوف يأتي الحديث عنه ، كما ان دعوى : ان هذا الاستصحاب لا يثبت كون هذا اليوم هو يوم العيد فانه لازم عقلي لبقاء يوم العيد ، يدفعها : ان الآثار الشرعية تترتب على وقوع العمل في يوم العيد مثلا بنحو مفاد كان التامة لا الناقصة ومفاد كان التامة يثبت بالاستصحاب. وهذا الاستصحاب كما يجري في أول كل شهر يجري في الليلة الأولى وفي سائر الأيام والليالي من الشهور لو كان في البين أثر شرعي ، فإذا شك في يوم انه التاسع من ذي الحجة مثلا - أي يوم عرفة أم لا - حكمنا بكونه يوم عرفة بنفس التقريب (1).

وهذا البيان رغم طرافته غير تام ، لأن الاستصحاب الّذي أبرزه الأستاذ معارض دائما باستصحاب مثله ، إذ كما يعلم في اليوم الواحد والثلاثين مثلا بدخول اليوم الأول من شهر شوال اما هذا اليوم أو في اليوم السابق فيجري استصحابه كذلك يعلم بأن أحد اليومين ليس اليوم الأول من شوال فيجري استصحاب عدمه فيتعارضان


1) راجع مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 165

ويتساقطان ، والوجه في ذلك ان هذا العلم الإجمالي انما هو علم إجمالي دائما بأن أحد اليومين هو ذلك اليوم والآخر ليس ذلك اليوم فكما يعلم إجمالا بتحقق ذلك اليوم في أحد الزمانين كذلك يعلم إجمالا بعدم تحققه في أحد الزمانين فيكون هذا الاستصحاب مبتلى بالمعارض دائما ، بل لو كان الأثر الشرعي مترتبا على عنوان النهار الأول أو الليلة الأولى لا اليوم الّذي هو لمجموع الليل والنهار جرى استصحاب عدم النهار الأول الثابت ليلة الواحد والثلاثين أو عدم الليلة الأولى الثابت نهار الثلاثين ، وهذا الاستصحاب أحسن حالا من استصحاب بقاء النهار الأول أو الليلة الأولى المعلوم تحققه إجمالا لأنه لا يبتلى بمحذور انقطاع زمان الشك عن اليقين كما هو واضح.

وقد تناقش هذه المعارضة بأحد وجهين (1):

الوجه الأول - ان استصحاب عدم يوم العيد مثلا في اليوم الواحد والثلاثين معارض باستصحاب عدمه في يوم ثلاثين حيث كان يشك أيضا في انه يوم العيد أم لا مع العلم إجمالا بان أحدهما يوم عيد فهذا الاستصحاب العدمي معارض بمثله من أول الأمر.

وفيه : أولا - لا معارضة بين هذين الاستصحابين العدميين ذاتا وانما المعارضة بملاك العلم الإجمالي بكذب أحدهما ، وهذا العلم الإجمالي انما يوجب التعارض بين الأصلين إذا كان يلزم من جريانهما مخالفة عملية ، كما في المثال حيث يلزم منهما جواز صومهما معا مع العلم بحرمة صوم أحدهما ، الا انه ليس دائما يترتب على استصحاب عدم تحقق أول الشهر الجديد أو غير ذلك مخالفة حكم إلزاميّ معلوم كما هو واضح ، ففي مورد عدم لزوم الترخيص في المخالفة القطعية لتكليف إلزاميّ لا تعارض بين الاستصحابين.

وثانياً - أن هذا غايته إيقاع التعارض بين أحد الاستصحابين العدميين مع كل من الاستصحاب العدمي والاستصحاب الوجوديّ فيسقط الجميع بالمعارضة ، بل ربما يقال بسقوط الاستصحاب الوجوديّ وهو استصحاب بقاء العيد المعلوم تحققه إجمالا مع استصحاب عدمه المعلوم إجمالا وجريان استصحاب عدم العيد في يوم الثلاثين ، لأن


1) هذان الوجهان قد ذكرهما السيد الخوئي في دورته الأخيرة عند ما نقلت إليه إشكال المعارضة فأجاب عليهما السيد الأستاذ (قدّس سرّه) فأضفت ذلك داخل البحث.

المعارضة بينهما بنحو التناقض الّذي تكون استحالته بمثابة المقيد المتصل بدليل الاستصحاب بخلاف المعارضة بين الأصلين العدميين فان استحالته بملاك الترخيص في المخالفة القطعية وهو بمثابة المقيد المنفصل عند السيد الأستاذ ، والمقيد المتصل يرفع أصل الظهور بخلاف المنفصل ، وهذا يعني عدم انعقاد أصل الإطلاق في دليل الاستصحاب للاستصحابين المتعارضين بنحو التناقض فيبقى إطلاقه للاستصحاب العدمي الأول بلا مزاحم.

الوجه الثاني - ان استصحاب عدم العيد المعلوم إجمالا بحسب روحه من استصحاب الكلي من القسم الثالث لأنه مردد بين عدم العيد الثابت قبل يوم الثلاثين إلى يوم الثلاثين بناء على كونه من رمضان ، وهذا مقطوع الارتفاع على كل حال ، وبين عدمه المتحقق بعد انتهاء يوم الثلاثين ودخول اليوم الواحد والثلاثين ، وهذا مشكوك الحدوث من أول الأمر ، فلا يجري هذا الاستصحاب العدمي الكلي وانما الجاري استصحاب بقاء العيد المعلوم تحققه إجمالا ، وهذا نظير من كان محدثا بالأصغر وخرج منه بلل مشتبه فانه لا يجري في حقه استصحاب كلي الحدث بعد الوضوء لأنه من المردد بين مقطوع الحدوث والارتفاع وهو الحدث الأصغر وبين مشكوك الحدوث من أول الأمر وهو الحدث الأكبر بل يجري استصحاب بقاء الحدث الأصغر وعدم الحدث الأكبر الحاكم على استصحاب كلي الحدث والمثبت ان وظيفته الوضوء لا الغسل.

وهذا الوجه غير تام أيضا إذ يلاحظ عليه :

أولا - ان الاستصحاب العدمي المذكور كالاستصحاب الوجوديّ ليس من استصحاب الكلي أصلا بل استصحاب شخص حصة عدمية معلومة بالإجمال في أحد اليومين ، نعم الحالة العدمية للعيد الثابتة قبل دخول يوم الثلاثين نعلم بارتفاعها الا اننا لا نريد استصحابها وانما نشير إلى الحالة العدمية المعلومة في أحد اليومين الثلاثين والواحد والثلاثين وهي شخص حالة عدمية واحدة معلومة إجمالا كالوجود المعلوم إجمالا للعيد المردد بينهما ، وهي إذا كانت في يوم الثلاثين فقد ارتفعت الآن وإذا كانت في يوم الواحد والثلاثين فهي باقية فأركان الاستصحاب تامة فيها كتماميتها في طرف الوجود وكلاهما من الاستصحاب الشخصي المعلوم إجمالا ، نظير ما إذا علم

بدخول زيد في الدار وقد انهدم الجانب الغربي منه ولا ندري هل كان زيد في ذلك الجانب فقد مات أو في الجانب الشرقي فهو لا يزال حيا فنستصحب بقائه.

وثانيا - ان ما ذكر في مثال المحدث بالأصغر عند خروج بلل مشتبه منه أيضا أجنبي عن محل الكلام كيف وهو من استصحاب كلي الحدث من القسم الثاني للكلي إذ يعلم إجمالا قبل الوضوء بأنه محدث اما بالأصغر أو الأكبر بناء على ان البلل لو كان منيا فقد تبدل حدثه إلى الأكبر ، وسوف يأتي ان استصحاب عدم الفرد الأكبر لا يحكم على استصحاب الكلي من القسم الثاني لأنه مثبت ، وانما يحكم في المورد بجريان استصحاب عدم الحدث الأكبر وكفاية الوضوء بنكتة فقهية أخرى حاصلها : ان المستفاد من دليل مطهرية الوضوء ان موضوعه كل من قام إلى الصلاة أي كان محدثا بالأصغر ولم يكن جنبا بنحو التركيب ، وهذا ثابت في المقام بضم الوجدان إلى الأصل لأنه كان محدثا بالأصغر وجدانا ولم يصبح جنبا بالاستصحاب فيتنقح في حقه موضوع مطهرية الوضوء بمقتضى الآية المباركة.

وهكذا يتضح ان الاستصحاب الّذي أبرزه السيد الأستاذ لإثبات أيام الشهور من دون الابتلاء بمشكلة الأصل المثبت غير تام ، فليس أمامنا إلا استصحاب عدم دخول الشهر في يوم الثلاثين والمفروض انه لا يثبت كون اليوم الواحد والثلاثين أول الشهر القادم الا بالملازمة العقلية فيقال ان ذلك من موارد خفاء الواسطة مثلا ، ولكنك قد عرفت عدم حجية الاستصحاب حتى مع خفاء الواسطة.

ولكن يبقى في المقام كلامان ينبغي تمحيصهما :

الأول - ان يقال بان عنوان أول الشهر مثلا لعله وضع لمعنى مركب من مجموع امرين ؛ ان يهل هلال الشهر الجديد ، وان لا يهل قبل هذا اليوم ، فكونه هل ليلة الواحد والثلاثين محرز وجدانا وكونه لم يهل قبله بالاستصحاب فيثبت عنوان أول الشهر أو العيد أو غير ذلك عن طريق ضم التعبد إلى الوجدان ، الأمر المتبع في تمام الموضوعات التركيبية.

ولتمحيص هذا الكلام ينبغي البحث تارة : عن معقوليته في نفسه ثبوتا ، وأخرى : في مساعدة مرحلة الإثبات والفهم العرفي عليه.

اما البحث الثبوتي فقد أفاد المحقق النائيني (قدّس سرّه) بأنه يستحيل وضع لفظ لجزءين

بنحو التركيب بحيث يمكن إحراز أحدهما بالوجدان والاخر بالتعبد ، وتوضيح مرامه (قدّس سرّه) ان اللفظ إذا أريد وضعه لمعنى مركب لا بد في مقام الوضع الواحد بإزاء المفهوم من إلباس اجزاء ذلك المعنى ثوب الوحدة المفهومية ليكون مفهوما واحدا ، وذلك يكون اما بانتزاع مفهوم بسيط عن مجموع الاجزاء أو بالتخصيص والتقييد فيما بينها ، وعلى كلا التقديرين لا يمكن إثبات ذلك المعنى البسيط الوحدانيّ أو المخصص بنحو التقييد بضم التعبد إلى الوجدان ، ومن دون إعمال أحد الأمرين لا يكون المعنى الموضوع له واحدا بل متكثرا ومتعددا لا محالة.

هذا ولكن يمكن ان يقال ان الوضع بإزاء المعنى المركب كوضع واحد كما يمكن ان يكون بأحد النحوين المذكورين يمكن ان يكون بنحو التقييد ولكن لا بنحو التوصيف وأخذ الارتباط قيدا بل على نحو الاقتطاع والاستثناء ، كما في قولنا ( المرأة الا القرشية ) فهذا التعبير ينسبق منه إلى الذهن معنى وحداني يضيق عن الانطباق على فاقد القيد ، أعني موارد الاستثناء ، ولكنه ليس بملاك التقييد وأخذ الارتباط ولا بنحو انتزاع مفهوم ثالث بسيط بل بنحو الاستثناء الّذي مدلوله السلب التحصيلي لا النعتيّ فيمكن إثباته بالاستصحاب حتى الأزلي بناءً على جريانه (1)فيقال في المقام بان اليوم الأول هو كل يوم هل فيه هلال الشهر الا اليوم الّذي هل الهلال قبله ، وهذا ما يمكن إثباته بضم الوجدان إلى الأصل.

واما البحث الإثباتي ، فلا ينبغي الشك في ان الفهم العرفي يقضي بان عنوان أول الشهر أو آخره أو العيد أو عرفة ونحو ذلك كلها عناوين بسيطة منتزعة عن مجموع امرين أو أكثر على نحو الانتزاع أو التقييد والتخصيص ، فليس المعنى لهذه العناوين تركيبات محضا لكي يمكن إثباته بضم التعبد إلى الوجدان.

الثاني - ان يدعى بأن المفهوم وان كان بنحو التخصيص أو الانتزاع الا ان الأثر الشرعي مرتب على منشأ الانتزاع لأن العرف يلغي هذه الخصوصية بحسب ارتكازه في فهم موضوع الحكم الشرعي ويرى ان موضوعه الواقع ومنشأ التخصيص أو الانتزاع


1) تقدم في البحوث اللغوية التحليلية من مباحث الألفاظ ان النسبة الاستثنائية تامة وليست ناقصة أي يكون الاستثناء دائما عن الحكم وبلحاظ النسبة التامة كالعطف فلا يعقل الاقتطاع والاستثناء كمفهوم وحداني حتى بنحو التخصيص والتقييد الّذي هو نسبة ناقصة تحليلية فراجع وتأمل.

وهو مجموع الأمرين أو الأمور.

وهذا الكلام في التقييدات الواردة في لسان الأدلة صحيح في الجملة وبهذا الارتكاز والقرينة العامة نحمل الموضوعات المقيدة على المركبة في أبواب الفقه ، الا انه في العناوين والمفاهيم الوحدانية بحسب النّظر العرفي وبحسب اللفظ أيضا كعنوان العيد أو الأول أو النصف ونحو ذلك مما لا يساعد عليه العرف ولا ارتكاز يقتضيه ، نعم قد يدعى استفادة ذلك في خصوص باب أيام الشهور مطلقا أو في خصوص شهر رمضان وشوال من الروايات التي دلت على ثبوت العيد أو الشهر برؤية الهلال أو مضى ثلاثين يوما فيستفاد ان الآثار الشرعية في خصوص عناوين الأيام ملحوظة بنحو التركيب لا التقييد.

الفرع الثاني - إذا لاقى شيء نجسا وكان الملاقي أو الملاقى رطبا قبل الملاقاة فشككنا في ان الرطوبة كانت باقية حين الملاقاة أم لا فتمسكوا باستصحاب الرطوبة وحكموا بنجاسة الملاقي مع ان السراية لازم عقلي لبقاء الرطوبة ، فيقال بخفاء الواسطة مثلا ، وفصل المحققون بين ما إذا قلنا بان موضوع التنجيس مركب من الملاقاة مع النجس والرطوبة في أحد الطرفين فيجري استصحاب الرطوبة ويحرز موضوع التنجيس جزؤه بالوجدان وجزؤه الآخر بالتعبد ، وبين ما إذا قلنا بان موضوع التنجس سراية الرطوبة من أحد المتلاقيين إلى الآخر فالاستصحاب يبتلي بمشكلة الإثبات لأن السراية لازم عقلي لبقاء الرطوبة لا شرعي.

وتفصيل الكلام عن هذا الفرع بالحديث في جهتين :

الجهة الأولى - في استصحاب الرطوبة كما إذا كانت النجاسة معلومة أو مستصحبة أيضا وجهة الشك انما هي الرطوبة وعدمها حين الملاقاة.

الجهة الثانية - في استصحاب النجاسة كما إذا كانت الرطوبة وجدانية والشك في نجاسة الملاقى.

اما الجهة الأولى - فقد عرفت ما ذكره المحققون من التفصيل بين ما إذا كان موضوع التنجيس السراية فلا يجري الاستصحاب ، أو ذات الرطوبة في أحد المتلاقيين فيجري ، ولا إشكال في صحة هذا الكلام في شقه الأول ، سواء بني على ان الرطوبة هي المنجسة دائما بسرايتها من النجس إلى غيره أو بني على ان المنجس هو الجسم والشرط

وجود الرطوبة المسرية ، فانه على كلا التقديرين لا يجري الاستصحاب لإثبات التنجس ، إذ لو أريد بذلك استصحاب بقاء الرطوبة فهو مثبت لأن لازم ذلك عقلا حصول السراية ، ولو أريد به استصحاب القضية التعليقية القائلة بأنه لو كان قد لاقاه سابقا لتنجس والآن كما كان فهذا استصحاب تعليقي في الموضوعات والصحيح عدم جريانه ، ولا يصححه جعل الجزاء في القضية التعليقية النجاسة بان يقال هذا لو كان قد لاقاه سابقا لتنجس فان الاستصحاب التعليقي في الأحكام انما يجري إذا كان الحكم معلقا على نفس موضوعه الّذي جعل عليه بحكم الشارع لا على ملازمه والا لم يجر لنفس نكتة عدم جريان الاستصحاب التعليقي في الموضوعات.

واما الشق الثاني وهو ما إذا كان المنجس هو الجسم والشرط ذات الرطوبة الصالحة للسريان في نفسها لا بقيد السريان الفعلي - حيث ان الرطوبة غير البالغة هذه المرتبة لا إشكال فقهيا في عدم التنجيس في موردها - فما أفاده المحققون من جريان استصحاب الرطوبة على هذا التقدير مطلقا في غير محله فانه هنا يوجد استثناء ان ينبغي التعرض لهما.

1 - ان يبنى على ان التنجيس يحصل برطوبة النجس بما هو نجس أي بالرطوبة بما هي مضافة إلى النجس لا إلى ذات الشيء ، فانه بناء على ذلك لا يجري الاستصحاب الا إذا كانت الحالة السابقة للرطوبة انها رطوبة النجس بما هو نجس ، كما إذا علمنا بان النجس من المتلاقيين كان رطبا سابقا والا فلا يمكن إثبات هذه الإضافة الا بالملازمة العقلية وهو مثبت ، كما إذا كانت الرطوبة سابقا في غير النجس من المتلاقيين فعلا أو كانت نجاسة النجس المرطوب سابقا نجاسة استصحابية فترطب ثم شك في بقاءها.

الا ان هذا الاستثناء غير صحيح لعدم تمامية مبناه لما ذكرناه من ان الارتكاز العرفي يجعل الموضوعات المقيدة في أمثال هذه الموارد مركبة فيكون المستفاد من دليل الانفعال ان الموضوع للتنجيس هو نجاسة الملاقى وكون أحدهما رطبا.

2 - ان يبنى على اشتراط الرطوبة في التنجيس بدرجة معتد بها بحيث تكون لها جرمية كالماء أو تكون الرطوبة المحتملة بهذه المرتبة لا بمرتبة أخف تعتبر عرضا للجسم ، فانه في مثل ذلك يكون استصحاب الرطوبة مثبتا ، إذ لو أريد به إثبات تنجيس

الملاقى بالملاقاة لنفس الرطوبة المستصحبة فهو من أوضح أنحاء الأصل المثبت ، وان أريد به إثبات تنجس الملاقي بالملاقاة للجسم ذي الرطوبة فهذا مقطوع العدم سواء كانت الرطوبة باقية أم لا ، اما على الثاني فواضح ، واما على الأول فلأن الملاقي يتنجس بالرطوبة باعتبارها جرما قبل ان يصل إلى الجسم المرطوب لأن ملاقاته لها أسبق زمانا والمتنجس لا يتنجس ثانية.

وقد نقل هذا الإشكال إلى السيد الأستاذ فأجاب عليه في دورته الأخيرة بان ليس المقصود إثبات نشوء النجاسة من الملاقي - بالفتح - وانما المقصود إثبات أصل نجاسة الملاقي لتحقق كلا جزئي الموضوع لنجاسته سواء كانت ناشئة من الملاقى - بالفتح - أو من رطوبتها ، وأصل النجاسة في الملاقى ليست مقطوعة العدم فيمكن إثباتها تعبدا.

وهذا الكلام غير تام لأن المفروض إثبات النجاسة بأصل موضوعي لا حكمي ومعنى ذلك اننا نريد إثبات فرد من افراد موضوع نجاسة الملاقى وهذا ما لا يمكن إثباته ، لأن موضوع نجاسة الملاقي له فردان : أحدهما الملاقاة الأولى للماء النجس ، والآخر الملاقاة الأولى للجسم المتنجس المرطوب ، والأول لا يمكن إحرازه الا بنحو الأصل المثبت والثاني مقطوع العدم إذ يعلم بانتفاء أحد قيدين منه اما عدم الرطوبة أو عدم كون الملاقاة معه ملاقاة أولى مع النجس. نعم إذا كانت الرطوبة بدرجة لا جرمية لها عرفا فقد يقال بأن الملاقاة معها ومع الجسم في وقت واحد عرفا فينجس لا محالة.

وقد يدفع هذا الإشكال : بان مقتضى إطلاق دليل السراية ان الوجود الثاني للملاقاة منجس كالوجود الأول ، ولا يلزم من ذلك تعدد التطهير والغسل الواجب لأن أصالة عدم التداخل انما تجري في الأوامر المولوية لا الأوامر الإرشادية إلى النجاسة لوضوح ان تعدد الإرشاد إلى النجاسة لا يستوجب تعدد النجاسة المرشد إليها على ما أوضحناه أكثر من مرة ، وانما لا يلتزم بالإطلاق المذكور في دليل السراية ، للّغوية بعد معلومية وحدة الغسل وهذا انما يتم فيما إذا لم يكن للمتنجس الثاني أثر عملي كما في المقام حيث يمكن بلحاظه إثبات النجاسة بالاستصحاب.

غير ان دفع اللغوية بمثل هذا الأثر قد لا يكون في محله لأن المقصود بها اللغوية

العرفية لا العقلية واللغوية العرفية لا تندفع الا بأثر عرفي واقعي يصحح في مرتكزات العرف للجعل المذكور وليس الأثر العملي الظاهري في المقام من هذا القبيل. على انه لو سلم الدليل على تنجيس المتنجس فيشكل إطلاقه - حتى بقطع النّظر عن اللغوية - للوجود الثاني من الملاقاة كما يظهر بالتتبع (1).

ومنه يظهر الحال في مسألة الشك في زوال النجاسة من بدن الحيوان حين الملاقاة كما إذا شرب الطير من الماء وشككنا في بقاء الدم على منقاره ، فانهم ذكروا انه بناء على عدم نجاسة بدن الحيوان لا يمكن إثبات التنجيس لأن استصحاب بقاء الدم لا يثبت ملاقاة الماء له ، واما بناء على القول بنجاسة بدن الحيوان ولكنها ترتفع بزوال عين النجاسة فيمكن استصحاب بقاء عين النجاسة أو النجاسة على بدنه إلى حين الملاقاة مع الماء أو مع الجسم الرطب وبذلك ننقح موضوع تنجيسه ، فان هذا الاستصحاب مبتل بالإشكال الّذي آثرناه. هذا مضافا إلى نكتة أخرى فقهية يمكن ان تدعى في خصوص بدن الحيوان وهي قصور دليل منجسية النجس الجامد المتمثل في روايات الأمر بغسل الأواني والفراش لبدن الحيوان بناء على القول بنجاسته لأن المفروض انه يطهر بمجرد زوال العين عنه بلا حاجة إلى غسل فلعلها نحو نجاسة تبعية غير منجسة من ناحيتها وانما المنجس عين النجاسة لو فرض وجودها على بدنه.

واما الجهة الثانية - وهي استصحاب النجاسة عند الشك فيها مع إحراز الرطوبة ، فالمعروف جريانه وإحراز موضوع التنجيس به ، وهذا موقوف على تركيبية الموضوع لا تقييديته كما هو الصحيح ، فالاستثناء الأول على القول به يجري في المقام أيضا.

الأمر الثالث - ان اللازم العقلي تارة : يكون لازما للمستصحب بوجوده الواقعي ، وأخرى : يكون لازما للتعبد الاستصحابي كحكم ظاهري شرعي ، وثالثة : يكون لازما للحجية والمنجزية أو المعذرية ، والأول هو الّذي وقع الكلام عنه في بحث الأصل المثبت ، واما الثاني والثالث فلا إشكال في ثبوته ، اما الثاني فلأنه بحسب الحقيقة من لوازم الأمارة لا الأصل وهي حجة في إثباتها ، واما الثالث فهو مقطوع به لأن المفروض القطع بالمنجزية والمعذرية في مورد الاستصحاب وهذا واضح ، وانما الكلام في بعض


1) هذا الإشكال والجواب تعرض إليه السيد الأستاذ - قدس سره الشريف - بهذا التفصيل في بحوثه الفقهية عند تعرضه لهذا الفرع.

المصاديق حيث ان ترتب بعض اللوازم العقلية للتعبد الاستصحابي - القسم الثاني - انما يتم على بعض المسالك في الاستصحاب دون بعض.

توضيح ذلك : ان اللازم قد يكون لازما تصديقيا للجعل الاستصحابي ، وقد يكون لازما تصوريا للمستصحب كالمتضايفين مثل البنوة والأبوة ، اما في القسم الثاني فقد يقال فيه بان الملازمة التصورية بينهما توجب انعقاد ظهور في دليل الاستصحاب على ان التعبد بأحدهما يلازم التعبد بالاخر ، لأن الدلالة التصورية تستتبع الدلالة التصديقية وراءها.

الا ان هذا الكلام غير تام ، لأن دليل الاستصحاب لو كان واردا في الأبوة أو البنوة بالخصوص فقد يصح هذا التقريب ، ولكن دليل الاستصحاب غير وارد في هذا العنوان المضايف وانما ورد بعنوان عام هو النهي عن نقض اليقين بالشك وهذا العنوان ليس له دلالة تصورية على البنوة كي يتوهم تحولها إلى دلالة تصديقية.

واما في القسم الأول وهو ما يكون لازما تصديقيا لجعل الاستصحاب فهذا يكون بأحد نحوين :

1 - ما يكون لازماً لجعل الاستصحاب على جميع المباني في تفسير حقيقته ، من قبيل ما إذا ادعي الملازمة بين أبعاض الماء الواحد في الحكم بالطهارة والنجاسة حتى الظاهرية ولو باعتبار عدم تعقل العرف بحسب مرتكزاته التفكيك بينها في ذلك أو قيام إجماع تعبدي على ذلك ، فالماء النجس المتمم كرا يجري استصحاب النجاسة في الجزء الّذي كان نجسا منه قبل الكرية وبه نثبت نجاسة اجزائه الأخرى ، وكذلك يجري استصحاب طهارة تلك الأجزاء الأخرى إذا كانت حالتها السابقة الطهارة فنثبت طهارة الجزء الأول لأن هذا لازم لنفس الحكم الاستصحابي الظاهري فيتعارضان.

ويمكن ان يمثل لذلك أيضا بترتب المجعول الظاهري عند تحقق موضوعه خارجا في موارد استصحاب الحكم في الشبهات الحكمية ، كما إذا وجد خارجا ماء متغير زال عنه تغيره ، فان استصحاب بقاء نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره بنحو القضية الكلية يلزم منه فعلية المجعول الاستصحابي عند تحقق موضوعه بناء على التفكيك بين عالم الجعل والمجعول - كما هو المبنى المشهور - فانه كما ان الجعل الواقعي حينما يوجد موضوعه

خارجاً يصبح فعلياً بالملازمة كذلك الجعل الظاهري وهذا من لوازم الأمارة (1).

2 - ما يكون لازماً تصديقياً للحكم الاستصحابي على بعض المباني من قبيل وجوب المقدمة أو حرمة الضد للشيء المستصحب وجوبه ، فان لازم ثبوت الوجوب الظاهري له وجوب مقدمته وحرمة ضده كذلك ، إلاّ ان هذا مبني على كون المجعول في باب التعبد الاستصحابي الحكم المماثل وان تكون الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته أو حرمة ضده بلحاظ عالم الجعل والاعتبار أيضاً لا بلحاظ المبادئ وإلاّ لم يتم ذلك لما عرفت في محله من ان الحكم الظاهري ليس له مبادئ مستقلة عن المبادئ الواقعية.

وعلى ضوء ما تقدم في هذا الأمر والأمر المتقدم يظهر الحال فيما ذكره المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) من عطف موارد جلاء الواسطة على خفائها من حيث حجية الأصل المثبت فيه وذكر في وجه ذلك تقريبين :

أولهما - ان العرف في موارد جلاء الملازمة ووضوحها لا يتعقل التفكيك بينهما حتى بحسب الظاهر لشدة الالتصاق بينهما فالأبوة والبنوّة لا يمكن ان يكون بينهما تفكيك حتى في مرحلة التعبد والحكم الظاهري فيكون الدليل على أحدهما دليلاً على الآخر.

ثانيهما - ان شدة الالتصاق والتلازم ووضوحه يجعل العرف يرى الأثر الشرعي للواسطة أثراً مرتبطاً بملازمه أيضاً فكأنما هما وجهان لحقيقة واحدة ينظر إليه من جانب فيقال أبوّة ومن جانب آخر فيقال بنوّة.

وبين التقريبين فرق واضح ، فان الأول منهما يرجع إلى ما ذكرناه في هذا الأمر ، بينما الثاني منهما يرجع إلى ما تقدم في وجه حجية الأصل المثبت ، ويترتب على ذلك فرق عملي أيضاً حيث انه بناءً على الأول منهما لا بد من ترتب أثر عملي على استصحاب الأبوة مثلاً أولا لكي نثبت البنوّة ثانياً اما إذا لم يكن الأثر مترتباً إلاّ على البنوّة فلا يمكن إثباتها باستصحاب الأبوة لعدم تمامية أركان الاستصحاب في البنوّة ابتداءً وعدم ترتب أثر عملي على الأبوة ليثبت لازمه ، وهذا بخلاف التقريب الثاني فانه بناءً عليه يكون أثر البنوة أثراً للأبوة المستصحبة نفسها.


1) الا ان تسمية ذلك باللازم لا يخلو من مسامحة لأن المجعول الفعلي مدلول تضمني لدليل الجعل بحسب الدقة لا التزامي كما لا يخفى وجهه.

وأياً ما كان فقد عرفت بطلان التقريب الثاني سواء جعل ملاكه خفاء الواسطة أم جلائها ، كما ان التقريب الأول إذا تمت صغراه فلا إشكال في كبراه ، الا ان الشأن في ان مجرد جلاء الواسطة يكفي سببا لذلك بحيث تتم ملازمة تصديقية عرفية بين التعبد بأحدهما والتعبد بالآخر.

الأمر الرابع - أفاد المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) بان الأثر الشرعي لو كان مترتبا على عنوان كلي وشك في فرد منه فيمكن ترتيبه باستصحاب الفرد إذا كان كليا ذاتيا كالإنسان أو عرضا بنحو الخارج المحمول لا المحمول بالضميمة ، ويقصد بالخارج المحمول العناوين التي ليس بإزاء مبادئها شيء في الخارج بل انتزاعية كالفوق والزوج والملك ونحوها ، ويقصد بالمحمول بالضميمة ما تكون مبادئها خارجية كالأسود والأبيض فان البياض والسواد لهما وجود خارجي زائداً على الذات ، فذكر في القسم الأول وهو الكليات الذاتيّة أن استصحاب حياة زيد مثلا يترتب عليه آثار الإنسان لأن الواسطة في المقام وهي عنوان الإنسان نفس الفرد في الخارج لا شيء آخر ملازم معه.

وهذا الكلام يمكن تعميمه إلى القسمين الآخرين إذا كما يكون مفهوم الإنسان بالنسبة إلى ما يصدق عليه ذاتيا كذلك عنوان الفوق أو الأسود بالنسبة إلى ما يصدق عليه من حيث انه يصدق عليه ذاتي وليس امراً زائداً عليه.

وأياً ما كان فقد اعترض السيد الأستاذ على صاحب الكفاية بان جريان استصحاب حياة زيد مثلا لترتيب الأثر الشرعي المترتب على الكلي ليس استثناءً من الأصل المثبت بل هو خارج عنه موضوعاً ، لأن العنوان الكلي إذا لو حظ بنحو المعنى الاسمي فهو مباين مع الفرد فيأتي فيه شبهة المثبتية واما إذا لو حظ بما هو فانٍ في الخارج فهو عين الافراد فتثبت تلك الأحكام لا محالة باستصحاب الفرد.

والتحقيق : ان أصل هذه المنهجة لا يخلو من تشويش ، فانه ينبغي تحديد مصب الاستصحاب ومركزه ليرى هل ان هذا الاستصحاب من استصحاب الفرد أصلا أم لا؟ فنقول ، تارة : يراد بالفرد واقع الوجود العيني الّذي لا يمكن إدراكه ولا يمكن مجيئه إلى الذهن ، وأخرى : يراد به المفهوم الجزئي كمفهوم زيد مثلا.

فان أريد الأول كان من الواضح ان الاستصحاب لا يجري فيه لأنَّ موضوعه

ما يكون مصباً لليقين والشك وهو المفاهيم لا الأعيان الخارجية ، وان أُريد الثاني فتارة :

يفرض انَّ المفهوم الجزئي مركب من تجميع مفاهيم عديدة منها ذلك العنوان الكلي ، فزيد عبارة عن ذلك الإنسان الطويل الأبيض الجالس في هذا المكان مثلاً ، وأخرى :

يفرض عدم اشتمال المفهوم الجزئي على المفهوم الكلي بل هو مفهوم آخر في عرضه ينطبقان معاً على العين الخارجية كعنوان المولود في الساعة الفلانية مثلاً الّذي لا يستبطن مفهوم الإنسان وان كان صادقاً عليه.

ففي الفرض الثاني لا يمكن إثبات الأثر المترتب على الكلي بإجراء الاستصحاب في العنوان الآخر لأنه من استصحاب عنوان لإثبات أثر عنوان آخر اتفق اجتماعهما في الصدق وهو من أوضح أنحاء الأصل المثبت (1).

فلا يبقى إلاّ الفرض الأول وهو مستبطن لليقين بالعنوان الكلي فيكون الاستصحاب بحسب الحقيقة استصحاباً لنفس ذلك العنوان الكلي ، اللّهم إلاّ إذا فرض ترتب أثر على العناوين الأخرى المنضمة فيجري الاستصحاب فيها أيضاً بلحاظه (2)

اما في الفرض الأول فلا معنى لأصل هذا البحث فيه إذا الحكم المشكوك انما هو الحكم الجزئي المتعلق بذلك الفرد نفسه فيكون استصحابه استصحاباً فيما هو موضوع الحكم الشرعي مباشرة لا بواسطة الجامع والكلي لأن المفروض انحلال الحكم إلى أحكام عديدة بعدد المصاديق والوجودات الخارجية ويكون المجعول في كل منها مستقلاً عن المجعول في الآخر فيجري الاستصحاب بلحاظه ، وأوضح من ذلك استصحاب بقاء خمرية العصير المشكوك صيرورته خلا لإثبات حرمة شربه فإن هذا ليس من استصحاب الفرد لإثبات حكم الكلي أصلاً فان حرمة كل مائعٍ منوط بخمريته بنحو مفاد كان الناقصة والمستصحب هنا خمرية.

هذا المائع لا وجود فرد من الخمر.

وامَّا في الفرض الثاني فلا معنى لاستصحاب الفرد بل يستصحب الكلي لأن الحكم الشرعي وهو وجوب الصدقة في المثال مرتب على وجود الإنسان مثلاً لا وجود زيد بالخصوص ووضوح ان استصحاب بقاء الفرد لإثبات الجامع كاستصحاب عدمه لنفيه من أوضح أنحاء الأصل المثبت ولا ربط لهذا بمسألة ملاحظة الكلي بما هو فان في الخارج كما قيل في رد صاحب الكفاية لوضوح ان خارجية الكلي أيضا غير خارجية الفرد والجزئي والظاهر ان هذا هو مقصود الأستاذ قدس سره.

.

1) الفرد لا يختلف عن الكلي في المفهوم التصوري ولا هو يحصل بتجميع الكليات بعضها إلى بعض فان تقييد كلي بكلي لا يجعله جزئياً وانما الفرد والجزئي الحقيقي يحصل بإشارة الذهن بالمفهوم إلى واقع عيني خارجي المعبر عنه بالتشخص وهذا ما أكد عليه سيدنا الأستاذ ( قدس سره الشريف ) في بحوث أخرى أيضا ، وعندئذ ينبغي ان يقال : انه لو فرض ان الأثر كان مترتباً على جزئي فمعنى ذلك انه مرتب على واقع معين مشار إليه بحيث تكون الإشارية المقومة للجزئية مقومة للأثر أيضاً وفي مثل ذلك لو أحرز ذلك الواقع ولو بعنوان آخر تفصيلي أو إجمالي سابقا صحّ إجراء الاستصحاب فيه لأنَّ مصب الأثر أو الاستصحاب ليس هذا العنوان الإجمالي بل ذلك المعنون المشار إليه ويكون هذا العنوان الإجمالي مشيراً إلى ما هو مصب الأثر ومصب الاستصحاب في نفس الوقت ، وان شئت قلت : ان الاستصحاب ركنه اليقين بما هو موضوع للأثر والوظيفة وهذا هنا ذلك الواقع المشار إليه بأي عنوان بحسب الفرض فلو شك في بقائه جرى التعبد الاستصحابي فيه من خلال هذا العنوان الإجمالي رغم ان هذا العنوان ليس هو مركب الاستصحاب فتأمل جيداً.

2) تارة : يكون النّظر إلى استصحاب الفرد لإثبات الحكم المتعلق به كاستصحاب بقاء زيد لإثبات وجوب إكرامه أو البقاء على تقليده ، وأخرى : لا يكون الفرد متعلقاً للحكم وانما محقق لشرط فعلية الحكم كما إذا وجب الصدقة على الفقير على تقدير بقاء زيد مثلاً.

وذكر المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) في القسمين الآخرين أعني الخارج المحمول والمحمول بالضميمة ان استصحاب بقاء منشأ الانتزاع في الخارج المحمول يكفي لإثبات الأثر الشرعي المترتب على الأمر الانتزاعي ، لأن ذلك الأمر الانتزاعي لا حقيقة له وراء منشأ انتزاعه بخلاف المحمول بالضميمة فلا يمكن إثباته باستصحاب الذات لكونه من الأصل المثبت.

وهذا الكلام إذا أريد منه استصحاب فرد نفس العنوان الخارج المحمول أو المحمول بالضميمة فقد عرفت انه يرجع إلى القسم الأول والظاهر ان هذا ليس هو المراد ، وان أريد منه استصحاب منشأ الانتزاع لإثبات العنوان الانتزاعي فقد أورد عليه الأستاذ بأنه أيضاً من الأصل المثبت ، فلو علمنا بأن المرأة على تقدير بقائها قد تزوجها زيد لا يمكن إثبات زوجيتها باستصحاب حياتها ، وكذلك إذا استصحبنا بقاء شيء لو كان باقيا كان فوق الأرض مثلاً لا يمكن إثبات فوقيته به إلاّ بنحو الأصل المثبت ، فلا فرق بين الخارج المحمول والمحمول بالضميمة.

هذا ويمكن أَن يكون مقصود المحقق الخراسانيّ كما يظهر من حاشيته على الرسائل انَّ العناوين الانتزاعية أو بحسب تعبيره الخارج المحمول لا يستظهر من دليل الأثر الشرعي المترتب عليه أكثر من ترتب ذلك الأثر على ذات الشيء فأحكام الزوجية تترتب على ذات المرأة بشرط وقوع العقد عليها لا انَّ هناك امراً يتحقق خارجاً وتتصف بها كما في المحمول بالضميمة (1)ومدرك هذا الاستظهار امَّا ان يكون بتصور ان الأمور الاعتبارية أو الانتزاعية لا واقع لها فلا يمكن ان تكون دخيلة في الحكم ، أو دعوى إلغاء العرف بحسب مرتكزاته لدخالتها في الحكم الشرعي.


1) هذا لا يكفي وحده في جريان الاستصحاب بل لا بد وان يضاف إلى ذلك تركيبية هذه العناوين الانتزاعية ، فالفوق يعني مجموع امرين وجود ذات الشيء وكون الشيء الآخر تحته والزوج يعني ذات الرّجل أو المرأة وإنشاء العقد والا لم يثبت بالاستصحاب أيضاً ، وقد تقدم ان هذه العناوين وحدانية بسيطة فلا يمكن ان تكون تركيبية.

وكلا المدركين غير تام لوضوح ان الأمور الانتزاعية ليست خيالية بل واقعية ، ولهذا لا يمكن للعقل ان لا ينتزع اعتبار الفوقية للفوق ، ولو فرضت اعتبارية فهذا لا يعني عدم إمكان دخالتها في الحكم الشرعي إذ ليس المقصود من الدخالة العلية والإيجاد على ما حقق في محله ، كما ان الارتكاز والفهم العرفي على العكس يرى واقعية هذه الصفات ويتعامل معها كما يتعامل مع المحمولات بالضميمة ويوليها أهمية وخطورة كبيرة.

واستعرض المحقق الخراسانيّ أمثلة لموارد استصحاب منشأ الانتزاع وترتيب آثار العنوان الانتزاعي لا بأس بذكرها والتعليق عليها.

منها - استصحاب بقاء حياة ذات الزوج أو الزوجة وترتيب آثار الزوجية.

وفيه : ان الزوجية بنفسها حكم شرعي وضعي موضوعه ذات الزوج أو الزوجة فيترتب على استصحاب حياتهما بلا ربط بمسألة الأمر الانتزاعي ولا بالأصل المثبت.

ومنها - الملكية التي تترتب باستصحاب حياة ذات المالك.

وفيه : ما تقدم من ان الملكية حكم شرعي موضوعها ذات المالك فتترتب أيضاً بلا ربط بمسألة الأصل المثبت.

ومنها - ما جاء في الحاشية من الملكية في باب الوقف ، ولعله يقصد ان استصحاب بقاء حياة ذات الموقوف عليه كالبطن الأول مثلاً لا يثبت عنوان كونه الموقوف عليه لو لا ما تقدم منه من انه أمر اعتباري ليس له ما بإزاء في الخارج.

وفيه : ان دليل إمضاء الوقف يثبت شرعاً نفس ما أثبته الواقف من التمليك على ذات الموقوف عليه لا الموقوف عليه بما هو موقوف عليه فان هذا العنوان ينتزع في طول الوقف.

ومنها - ما لو نذر التصدق ما دام ابنه حياً مثلا فان استصحاب بقاء ابنه لا يثبت عنوان النذر الّذي يجب الوفاء به إلاّ على أساس ما تقدم.

وفيه : انَّ وجوب الوفاء بالنذر ان اعتبرناه كوجوب الوفاء بالعقد والوقف فموضوعه ذات الشيء المنذور والنذر حيثية تعليلية فيكون استصحاب الحياة منقحاً لموضوع وجوب التصدق في المثال ، وان كان عنوان النذر حيثية تقييدية أمكننا استصحاب بقاء النذر وعدم انتهاء أمده فان النذر كتعهّد والتزام أيضاً له حدوث وبقاء بحسب النّظر العرفي فيتنقح موضوع وجوب الوفاء به.

الاستصحاب

تطبيقات

1 - جريان الاستصحاب مع الشك التقديري.

2 - موارد ثبوت الحالة السابقة بغير اليقين.

3 - استصحاب الكلي.

4 - استصحاب الزمان والأمور التدريجية.

5 - الاستصحاب التعليقي.

6 - استصحاب عدم النسخ.

7 - الاستصحاب في متعلقات الأحكام.

8 - الاستصحاب في الموضوعات المركبة.

شبهة انفصال زمان اليقين عن الشك.

9 - الاستصحاب في حالات توارد الحالتين.

10 - عموم العام أو استصحاب عدم المخصص.

الفصل الرابع : « تطبيقات »

اشارة

وقع البحث عن تمامية أركان الاستصحاب في جملة من التطبيقات ، وقد ذكرنا فيما سبق انَّ للاستصحاب على ما يستفاد من أدلته أربعة أركان ، اليقين بالحدوث ، والشك في البقاء ، والأثر العملي في مرحلة البقاء ، ووحدة القضية المتيقنة والمشكوكة. وقد تقدم البحث عن وجه اشتراط هذه الأركان ، وفيما يلي نتحدث عن موارد وقع البحث بين الاعلام في حجية الاستصحاب فيها نتيجة التشكيك في انطباق بعض الأركان المذكورة فيها.

1 - جريان الاستصحاب مع الشك التقديري :

لا إشكال في ركنية الشك في موضوع الاستصحاب ، وانما البحث في اختصاص ذلك بما إذا كان لدى المكلف شك فعلي ملتفت إليه أو يكفي أَن لا يكون له يقين لو التفت وإن لم يلتفت بالفعل لكونه غافلا.

ذهب المشهور إلى عدم كفاية ذلك وضرورة فعلية الشك واليقين في جريان الاستصحاب ، وقد استندوا في ذلك إلى أحد وجهين ، أحدهما ثبوتي والآخر إثباتي.

الوجه الأول - وهو الوجه الثبوتي ، انَّ الاستصحاب حكم ظاهري ، والأحكام الظاهرية ليست لها ملاكات واقعية وانما تجعل لمجرد التنجيز والتعذير عن الواقع

ولذلك تكون متقومة بالوصول فمع عدم إمكان الوصول ولو للغفلة والنسيان يلغو جعلها.

وفيه : ما تقدم في محله من واقعية الأحكام الظاهرية جعلاً وملاكاً وعدم تقومها بالوصول ، نعم ملاك الحكم الظاهري ليس ملاكاً مستقلاً عن الملاكات الواقعية وانما هو درجة الحفظ والاهتمام بها في حالات التزاحم الحفظي وهذا لا يجعله متقوماً بالوصول ، فلا أساس لهذا الوجه.

الوجه الثاني - وهو الوجه الإثباتي - ما جاء في كلمات المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) من ظهور أدلة الاستصحاب في اشتراط الشك الفعلي لأنه قد عبر فيها بلا تنقض اليقين بالشك وظاهر كل عنوان يؤخذ في لسان جعل على نحو القضية الحقيقية أخذ الوجود الفعلي منه موضوعاً للمجعول وهذا يعني قصور مقام الإثبات عن حجية الاستصحاب في موارد الشك التقديري ولو فرض معقوليتها ثبوتا.

وفيه : أولا - لا قصور في مقام الإثبات لتمامية الإطلاق اللفظي في جملة من أدلة الاستصحاب ، ففي الصحيحة الأولى قد ورد ( لا تنقض اليقين بالشك بل تنقضه بيقين آخر ) ممّا يعني انَّ القاعدة المضروبة عدم نقض اليقين بغير اليقين ، فليست فعلية الشك لها دخل في هذا التعبد فيشمل كل ما لا يكون يقيناً ، وفي المقام لا يقين بالانتقاض ، وكذلك التعبير الوارد في صحيحة ابن سنان ( لأنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجسه ) أو التعبير الوارد في روايات قاعدة الحل والطهارة بناءً على إمكان استفادة الاستصحاب منها أيضا فانها جميعا جعلت الغاية العلم بالانتقاض.

وثانياً - لو فرض عدم تمامية الإطلاق اللفظي فلا ينبغي الإشكال في انَّ مناسبات الحكم والموضوع المفهومة عرفاً تقتضي إلغاء مدخلية فعلية الشك في حجية الاستصحاب ، لأنَّ ملاكها وهن الشك وقوة اليقين وهذا الوهن لا يختص بفرض فعلية الشك بل لعله أكثر وهناً في حال كونه تقديرياً فينعقد إطلاق عرفي يشمل تمام موارد عدم اليقين بالانتقاض ، نعم لا يشمل موارد اليقين التقديري بالانتقاض بحيث يفرض انه غافل ولكنه يتيقن بالانتقاض لو التفت إلى نفسه ، والوجه في ذلك نفس المناسبة. العرفية التي ذكرناها.

ثم انهم فرعوا على هذا البحث فرعين :

الفرع الأول - ما ذكره الشيخ وتبعه المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) من ان من كان محدثاً

فغفل ثم صلى وشك بعد الفراغ انه تطهر وصلّى أم لم يتطهر يجري في حقه استصحاب الحدث بالنسبة إلى الأفعال الآتية بلا كلام ، ولكن بالنسبة لما فرغ منه إن لم نقل بحجية الاستصحاب في الشك التقديري جرت قاعدة الفراغ ويحكم بصحة صلاته بناءً على عدم قدح الغفلة وعدم اشتراط احتمال الذّكر حين العمل في جريانها ، وامَّا إذا قلنا بجريان الاستصحاب في الشك التقديري كان المكلف حين العمل محكوماً بالحدث ظاهراً ومعه لا تجري القاعدة ، لأنَّ موضوعها من لم يحكم عليه ظاهراً بالبطلان حين العمل ولهذا لا يشك أحد في عدم جريانها مع شكه في بقاء الحدث حين الصلاة.

ويلاحظ عليه : انه لا دليل على أخذ القيد المذكور في موضوع القاعدة ، لأننا إذا لاحظنا ذيلها فهو يدل على ما هو المختار عندنا في الفقه من اشتراط احتمال الأذكرية حين العمل فلا موضوع للقاعدة في أمثال المقام ، وإن لم نلحظ ذلك وجمدنا على عنوان الفراغ في كل مورد فرغ فيه عن عمل واحتمل صحته ولو صدفة واتفاقاً فلا وجه لأخذ قيد زائد على ذلك وانما لا تجري القاعدة في مورد الشك الفعلي في العمل باعتبار عدم تحقق عنوان الفراغ المأخوذ فيها. وبعبارة أخرى موضوع القاعدة الشك الحاصل بعد العمل بنحو لا يكون العمل حينه محكوماً بالبطلان بحسب نظر المكلف ، وهذا القيد حاصل في المقام ولو كان الاستصحاب جارياً في شكه التقديري لأنه غير واصل إليه بحكم غفلته وتقديرية شكه بخلاف موارد الشك الفعلي.

وهكذا يتضح جريان الاستصحاب في المقام وعدم حكومته على القاعدة. وهل يحكم بتقدم القاعدة عليه أم لا؟ قد يقال بتقدمها من باب عدم اجتماعهما في زمان واحد ، فانه حين العمل يجري الاستصحاب دون القاعدة وبعد العمل تجري القاعدة وتحكم على الاستصحاب بعد الفراغ عن العمل ، والاستصحاب الجاري حين العمل لا يكون منجزا لما بعد الفراغ من العمل فانَّ الاستصحاب ينجز بجريانه بلحاظ زمان جريانه لا أكثر ، وهذا من قبيل من قلد مجتهداً يحكم ببطلان صلاته ثم مات فقلد مجتهداً آخر يحكم بصحة صلاته فانه لا تجب عليه الإعادة.

إلاّ انَّ الصحيح : وقوع المنافاة بينهما ، لأنَّ التفكيك بين الوجود الحدوثي للاستصحاب والوجود البقائي له غير معقول في خصوص المقام ، لأنَّ لازمه اختصاص هذا التعبد الاستصحابي بصورة الغفلة بحيث يرتفع بمجرد الالتفات وجعل مثل هذا

الحكم الظاهري لغو عقلاً أو عقلائياً وعرفاً على أقل تقدير وهذا يعني ان دليل التعبد الاستصحابي بالحدوث يلازم التعبد الاستصحابي بقاءً أيضاً فيقع التنافي بينه وبين القاعدة (1)وحينئذ لو قلنا بأنَّ تقدم القاعدة على الاستصحاب الجاري في موردها بعد العمل يكون بملاك الحكومة ورفعها للشك فهذا الوجه لا يتم هنا لأنها لا ترفع الشك حين العمل والتعبد الاستصحابي بعد العمل لازم دليل الاستصحاب لا نفس الاستصحاب فيكون التعارض بحسب الحقيقة بين دليل التعبدين بلحاظ ما بعد الفراغ عن العمل ، وإنْ قلنا بأنَّ تقدم القاعدة على الاستصحاب بملاك التخصيص وتقدم ظهور دليلها على ظهور دليله كما هو الصحيح فهذا يجري في المقام أيضاً فيحكم بصحة الصلاة بالقاعدة على كل حال.

الفرع الثاني - ما ذكره المحقق العراقي (قدّس سرّه) ، من ان المكلف إذا كان عالماً بالطهارة ثم شك في بقائها ثم غفل وصلى وبعد الصلاة حصل له العلم بتوارد الحالتين عليه من الطهور والحدث قبل الصلاة مع عدم معرفة المتقدم منهما عن المتأخر فانه في مثل هذا الفرض لا تجري قاعدة الفراغ لأنَّ موضوعها الشك بعد الفراغ وهو هنا عرفاً نفس الشك المتقدم على العمل وليس شكاً جديداً ، كما انَّ استصحاب الطهارة بلحاظ ما بعد الصلاة لا يجري لتوارد الحالتين فلا يبقى إلاّ استصحاب الطهارة بلحاظ الشك التقديري حال الصلاة ، فان قيل بجريانه صحت صلاته وإن قيل بعدم جريانه وجبت الإعادة بناء على شرطية الطهور في الصلاة.

ويلاحظ عليه : أولا - ان هذا الشك فعلي حين العمل وليس تقديرياً ، لأنَّ الشك كالعلم والظن تارة يكون ملتفتاً إليه وأخرى لا يكون ملتفتاً إليه بعد حصوله ولكنه موجود في أعماق النّفس وعدم الالتفات إلى ما في النّفس لا يرفعه لا دقة ولا عرفاً ولهذا قيل بعدم شمول قاعدة الفراغ لهذا المكلف بعد العمل لكون شكه نفس الشك السابق. فإذا كان الدليل على عدم جريان الاستصحاب في الشك التقديري عدم فعلية الشك فهو غير تام في المقام ، نعم لو كان المدرك الوجه الثبوتي الّذي ذكره


1) انَّ فرض لغوية جعل التعبد الاستصحابي في حال الغفلة فهذا معناه انَّ جعل الحكم الظاهري الاستصحابي في مورد الشك التقديري لغو عقلائياً وهذا يؤدي إلى عدم شمول دليل الاستصحاب للشك التقديري لا شموله له وثبوت لازم يخرجه عن اللغوية فانَّ الدليل لم يكن وارداً في الشك التقديري لتتم فيه دلالة الاقتضاء مثلاً.

المتأخرون من عدم معقولية الحكم الظاهري مع عدم الوصول والتنجز كما في حال الغفلة والنسيان فهذا الوجه جار هنا أيضاً.

وثانياً - ما أشرنا إليه آنفاً من ان المنجز في كل آن هو الحجة المعذرة للمكلف والنافية عنه الإعادة والقضاء في ذلك الآن واستصحاب الطهارة في الفرع المذكور قد فرض انقطاعه بعد الفراغ عن العمل لحصول العلم بتوارد الحالتين فلا معذر بيد المكلف بعد الفراغ ليعتمد عليه ، والتعبد الاستصحابي حين العمل لا يعذر عن الواقع إلاّ بلحاظ زمانه وظرفه.

إن قلت : قد تقدم قبول الملازمة بين ثبوت التعبد الاستصحابي في الشك التقديري حين العمل وثبوته بلحاظ ما بعد الفراغ وإلاّ كان لغواً عقلاً أو عقلائياً.

قلنا - لو فرض عدم توارد الحالتين بعد الفراغ جرى استصحاب الطهارة بلحاظه ، ولو فرض التوارد كما هو المفروض كان المدلول الالتزامي المذكور بنفسه معارضاً مع استصحاب الحدث الّذي هو تعبد استصحابي بالحدث يثبت بنفس دليل الاستصحاب ، وهذا يعني انَّ التعارض بحسب الحقيقة بين هذا المدلول لدليل الاستصحاب مع مدلولين آخرين أحدهما استصحاب الطهارة الجاري بعد الصلاة والآخر المدلول الالتزامي للتعبد الاستصحابي الجاري حين العمل ، وتسقط المداليل جميعاً.

نعم لو بني على عدم جريان الاستصحاب في موارد التوارد في نفسه لا للمعارضة تم هذا البيان ، إلاّ انَّ أصل هذا المبنى غير صحيح على ما سوف يأتي في محله.

ولا بأس بتفصيل الكلام في الشقوق المتصورة في هذا الفرع على ضوء الأصول الأربعة التي اثنان منها مؤمّنان وهما استصحاب الطهارة وقاعدة الفراغ واثنان منها منجزان وهما استصحاب النجاسة والاشتغال ملاحظين في الاستصحاب ما ذكره المشهور من عدم جريانه في موارد الشك التقديري ، وفي القاعدة ان يكون الشك حادثاً بعد الفراغ لا من قبل وان يحتمل كونه حال الصلاة أحسن منه بعد الصلاة وهو ما يعبر عنه بالأذكرية ، وأَن لا تكون صلاته حين العمل محكومة بالبطلان شرعاً أو عقلاً - وهذا الشرط لم نقبله بهذه الصيغة نعم قبلناه بما يرجع إلى الشرط الأول بحسب الروح كما عرفت - فنقول الفروض المتصورة هنا في هذا الفرع ثلاثة لأنَّ الحالة السابقة

المتيقنة قبل العمل امَّا أَن تكون الطهارة أو الحدث أو الطهارة والحدث بأَن يكون عالماً بهما معاً ولكن يشك في المتقدم والمتأخر منهما ، وكل واحد من هذه الفروض ينحل إلى شقوق ثلاثة فيكون المجموع تسعة ، وفيما يلي حكم كل فرع :

الفرض الأول - أَن يكون قبل العمل عالماً بالطهارة ، وشقوقه الثلاثة كما يلي :

1 - أَن يعلم بالطهارة ثم يشك في بقائها ويصلي في حال الشك وبعد الصلاة يبحث عن حكم صلاته ، وهنا لا إشكال في عدم جريان القاعدة في حقه لانتفاء الشرطين الأول والثاني من الشروط المتقدمة لجريانها ، وامَّا استصحاب الطهارة فيجري في حقه إن لم يحصل له العلم بتوارد الحالتين.

2 - أَن يعلم بالطهارة قبل العمل ثم يغفل ويصلي ويكون له شك تقديري في حال الغفلة بحيث لو التفت لشك في بقاء طهارته ويلتفت بعد الفراغ ، وهنا لا تجري القاعدة لفقدان الشرط الثاني ويجري استصحاب الطهارة بعد الفراغ إن لم يحصل له العلم بتوارد الحالتين وإلاّ لم يجر ووجبت الإعادة في الوقت ، وامَّا خارج الوقت فوجوب القضاء مبني على جريان قاعدة الحيلولة في أمثال المقام ، وامَّا استصحاب الطهارة بلحاظ الشك التقديري حين العمل فلا أثر لجريانه لما عرفت من انه لا يؤمن إلاّ بلحاظ زمان العمل لا أكثر كما عرفت.

3 - أَن يعلم بالطهارة قبل العمل ثم يشك ثم يغفل فيصلي ، وهذا هو الّذي ذكره المحقق العراقي (قدّس سرّه) ، وهنا لا تجري القاعدة لفقدان الشرط الأول والثاني معاً ويجري استصحاب الطهارة بلحاظ ما بعد الفراغ إذا لم يحصل له العلم بتوارد الحالتين ولا أثر لاستصحابها بلحاظ حال الصلاة.

الفرض الثاني - أَن يكون عالماً بالحدث قبل الصلاة ، وشقوقه الثلاثة كما يلي :

1 - أَن يعلم بالحدث قبل العمل فيشك ثم يصلي ولو رجاءً فيبحث عن حكم صلاته ، وهنا لا تجري القاعدة لفقدان الشروط الثلاثة معاً وانما يجري استصحاب الحدث إن لم يحصل له العلم بتوارد الحالتين وإلاّ جرت أصالة الاحتياط.

2 - أَن يعلم بالحدث قبل العمل ثم يغفل بنحو بحيث لو التفت لشك في بقائه

ويصلي ثم يلتفت فيحصل له الشك ، وهذا هو الفرع الّذي فرضه الشيخ والمحقق الخراسانيّ لثمرة القول بجريان الاستصحاب في الشك التقديري حيث جعلوا جريان استصحاب الحدث بلحاظ الصلاة رافعاً لموضوع القاعدة بعد الفراغ. وقد عرفت عدم تمامية أصل هذه الشرطية وعدم جريان القاعدة على كل حال لفقدان شرطها الثاني فسواءً جرى استصحاب الحدث أم لا يحكم بوجوب الإعادة ولا تظهر الثمرة ، ولو فرض جريان القاعدة حتى مع عدم احتمال الأذكرية - أي انتفاء الشرط الثاني - فأيضاً لا تظهر الثمرة لجريان القاعدة وتقدمها على الاستصحاب حتى إذا قلنا بجريانه في الشك التقديري.

3 - أَن يعلم بالحدث قبل العمل ثم يشك ثم يغفل ويصلي ثم يلتفت - والمفروض عدم احتمال صدور الطهور منه حال الغفلة - وقد ذكر الشيخ هنا انه لا معنى لجريان القاعدة بعد الفراغ لأنه يقطع بأنه قد صلى مع الحدث الاستصحابي إذ لا يحتمل صدور الطهور منه حال الغفلة.

واعترض الاعلام على هذا الكلام بأنَّ الحدث الاستصحابي قد زال بزوال موضوعه وهو الشك إذ ليس الشك أحد النواقض التي لا يزول أثرها إلاّ بالطهور وانما هو موضوع لحكم ظاهري يزول بارتفاعه.

وهذا الاعتراض وإن كان وارداً على الشيخ (قدّس سرّه) إلاّ انَّ أصل افتراض انَّ هذا من موارد الشك التقديري غير صحيح لما عرفت من انَّ الشك كالعلم والظن بعد حصوله لا يتقوم بالالتفات والتوجه التفصيليّ نحوه فالاستصحاب في المقام يجري - بناءً على انَّ المحذور إثباتي لا ثبوتي - في شك فعلي إلاّ انه لا يفيد في التنجيز إلاّ بمقدار زمان جريانه فلو حصل له العلم بتوارد الحالتين بعد الفراغ وجب الاحتياط بالإعادة لأنَّ قاعدة الفراغ لا تجري هنا لفقدان شروطها الثلاثة كما لا يخفى.

الفرض الثالث - أَن يكون عالماً قبل الصلاة بالطهارة والحدث معاً ولا يدري المتقدم منهما عن المتأخر حين يلتفت إلى نفسه ، وشقوقه الثلاثة كما يلي :

1 - ان يصلي في حال التردد والشك في المتقدم منهما والمتأخر ، وهنا لا تجري القاعدة لفقدان الشروط المتقدمة لجريانها حتى الثالث إذا قلنا به في موارد الاشتغال العقلي ، كما لا يجري الاستصحاب لا بلحاظ حال الصلاة ولا بعده امَّا في نفسه أو

للتعارض فينتهى إلى قاعدة الاشتغال.

2 - أَن يعلم بالحالتين ثم يغفل غفلة لو التفت إلى نفسه فيها لشك في المتقدم والمتأخر منهما ويصلي ثم يلتفت ، والحكم بالصحّة هنا يرتبط بقبول الشرط الثاني للقاعدة وعدمه ، لأنَّ الشرط الأول متوفر فيه لعدم حصول الشك قبل العمل كما انَّ الشرط الثالث على القول به متوفر أيضاً لأنَّ الاشتغال والتنجيز العقلي لا معنى له في حال الغفلة ، واستصحاب الحدث لو قيل بجريانه في الشك التقديري معارض باستصحاب الطهارة لأنَّ المفروض انه لو التفت حين العمل إلى نفسه حصل له الشك بنحو التوارد ، وعليه فلو قلنا بعدم اشتراط الأذكرية جرت القاعدة لتصحيح الصلاة وإلاّ وجب الاحتياط.

3 - أَن يعلم بالحالتين ويشك في المتقدم منهما والمتأخر قبل العمل ثم يغفل ويصلي ثم يلتفت ، والحكم هنا هو البطلان لعدم جريان القاعدة بعد فقدان الشرطين الأول والثاني من شروطها الثلاثة ، وعدم جريان الاستصحاب للتوارد فيجب الاحتياط بحكم قاعدة الاشتغال.

وهكذا يظهر انَّ الثمرة التي حاول الأصحاب ترتيبها على جريان الاستصحاب في الشك التقديري غير تامة بلحاظ الصلاة.

نعم يمكن تصوير الثمرة لجريان الاستصحاب في الشك التقديري فيما إذا ترتب أثر شرعي على نفس التعبد الاستصحابي حين العمل لا على الواقع كجواز الإسناد ، بناء على انَّ موضوعه ليس هو الواقع بل العلم وقيل بقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي إلاّ انَّ هذا مجرد فرض لا واقع فقهي له.

ثم انَّ هذا البحث أعني جريان الاستصحاب في مورد الشك التقديري وعدمه يمكن إيراده بلحاظ الركن الأول للاستصحاب أيضاً أعني اليقين بالحدوث فانه ربما يفترض غفلته عنه بنحو بحيث إذا التفت لتيقن فهل يجري الاستصحاب في مثل ذلك أم لا؟

توضيح الحال في ذلك يكون بالبحث في جهتين :

الأولى - في أصل شرطية اليقين بالحدوث في جريان الاستصحاب ، وقد عرفت ورود ذلك في لسان جملة من أدلة الباب كصحاح زرارة ، وظاهر ذلك أخذه بنحو

الموضوعية في هذا الحكم الظاهري لكونه حكماً ظاهرياً يناسب أخذ اليقين في موضوعه إلاّ انَّ جملة أخرى من الروايات كصحيحة ابن سنان وروايات أصالة الحل والطهارة بناء على مبنى المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) من إمكان استفادة كبرى الاستصحاب منها أيضاً لم يؤخذ في لسانها إلاّ ذات الحدوث وثبوت الحالة السابقة وحينئذٍ إن احتملنا تعدد الجعل في نفسه شرعاً وعدم إباء الارتكاز العرفي على وحدة القاعدة في موارد الاستصحاب أمكن الالتزام بوجود قاعدتين ظاهريتين أخذ في إحداهما اليقين بالحدوث وفي الأخرى نفس الحدوث ، وإلاّ كانت الطائفة الثانية قرينة على كفاية الحدوث واقعاً فهو الركن الأول في الاستصحاب لا اليقين به.

الثانية - بعد الفراغ عن أخذ اليقين في موضوع القاعدة لا ينبغي الإشكال في انَّ المستظهر من دليل الاستصحاب عندئذ انَّ الموضوع هو اليقين بوجوده الفعلي لا التقديري ، لأنَّ هذا هو ظاهر كل لفظ يؤخذ في لسان دليل ، ولا يتم هنا شيء من التقريبين المتقدمين في الشك كما هو واضح.

2 - موارد ثبوت الحالة السابقة بغير اليقين :

اشارة

لا إشكال في جريان الاستصحاب فيما إذا كانت الحالة السابقة ثابتة باليقين والعلم الوجداني. وقد وقع البحث في كيفية جريانه إذا كانت الحالة السابقة ثابتة بأمارة أو أصل عملي حيث قد يشكك في جريانه عندئذ من جهة انتفاء الركن الأول من أركان الاستصحاب وهو اليقين بالحدوث ، ولتفصيل البحث عن ذلك نورد مقامين :

المقام الأول - موارد ثبوت الحالة السابقة بالأمارة
اشارة

، وقد ذكر المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) انَّ الإشكال انما يرد بناءً على انَّ المجعول فيها المنجزية والمعذرية لا الحكم المماثل وإلاّ جرى استصحابه لكونه معلوماً باليقين والعلم الوجداني.

وفيه : انَّ الحكم الظاهري المتيقن ثبوته متيقن ارتفاعه أيضاً ، لأنَّ الأمارة بحسب الفرض بمقدار الحدوث لا أكثر وإلاّ لم يكن بحاجة إلى الاستصحاب ، فالإشكال بصورته البدائية جار على جميع المسالك في باب الحكم الظاهري.

وقد تصدى المحققون لدفع هذا الإشكال بوجوه عديدة :

الوجه الأول - استصحاب الجامع بين الحكمين الواقعي أو الظاهري المعلوم حدوث أحدهما إجمالاً والمحتمل بقاءه ولو ضمن الحكم الواقعي.

ويرده : إنَّه تارة يقال - بأنَّ الحكم الظاهري جعل مماثل للواقع مستقل عن الواقع قد يصادفه فيماثله وقد لا يصادفه ، وأخرى يقال - بأنَّ الحكم الظاهري ليس له وجود مستقل في مقابل الواقع بل هو مجرد أمر طريقي بحت كما هو المنسجم مع تصورات مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) ، وثالثة يقال - بأنَّ الحكم الظاهري عند مصادفته للواقع يكون مندكاً فيه وعند عدم مصادفته يكون مستقلاً.

فعلى الأول ، يكون المورد من استصحاب الكلي من القسم الثالث ، إذ يعلم بتحقق الحكم الظاهري المستقل في قبال الواقع كما يعلم بارتفاعه وانما يشك في بقاء الجامع ضمن الفرد الواقعي المحتمل وجوده من أول الأمر. والتحقيق عدم جريان الاستصحاب فيه وإن ذهب إليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه).

وعلى الثاني ، لا يجري استصحاب الجامع لأنه مشكوك الحدوث من أول الأمر والحكم الظاهري لا يحقق فرداً منه بحسب الفرض.

وعلى الثالث ، وإن كان استصحاب الجامع من القسم الثاني لأنَّ الواقع إذا كان فالجامع باقٍ وإلاّ فالجامع مرتفع ضمن فرد قصير هو الحكم الظاهري المماثل ويعلم إجمالاً بأحد الفردين لا أكثر إلاّ انَّ هذا معناه العلم إجمالاً بحدوث حكم اما هو الواقعي الباقي أو الظاهري المخالف للواقع المرتفع ، ومثل هذا العلم بالجامع ليس بحجة وذلك :

أولا - لما تقدمت الإشارة إليه في بعض البحوث السابقة وسوف يأتي في بحث استصحاب الكلي من أنَّ العلم بجامع حكم مردد بين ما هو مرتفع فعلاً أو باق لا يكون علماً بحكم منجز لكي يجري استصحابه فينجز لأنَّ أحد فردي هذا الجامع للحكم غير قابل للتنجيز فيكون الجامع بينه وبين ما يقبل التنجيز غير منجز أيضاً.

وثانياً - ان الحكم الظاهري المخالف للواقع بما هو مخالف للواقع غير قابل للتنجيز أيضاً بناءً على الطريقية في جعل الأحكام لا السببية فيكون هذا العلم الإجمالي علماً بالجامع بين ما لا يقبل التنجيز وما يقبل فلا يكون منجزاً من هذه الناحية أيضاً.

الوجه الثاني - ما أفاده صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من انا نمنع أخذ اليقين بالحالة السابقة في الاستصحاب ، وعبارته لا تخلو من تشويش حيث انَّ صدرها ظاهر في عدم ركنية اليقين في الاستصحاب وانما الركن نفس الحدوث وهو يثبت بالأمارة ، وذيلها ظاهر في انَّ الحدوث أيضاً غير لازم في الاستصحاب وانما اللازم أَن يكون الشك في البقاء على تقدير الحدوث ، ومن هنا يوجد لمرامه احتمالان :

الأول - انَّ الحدوث ليس شرطاً بعنوانه في جريان الاستصحاب بل فرض ذلك لتحقيق الشك في البقاء باعتبار انه لا يتحقق إلاّ بعد الفراغ عن الحدوث فيكون الحدوث شرطاً لتصوير الشك في البقاء لا للاستصحاب.

الثاني - انَّ التعبد الاستصحابي تعبد بالحصة البقائية لا الحدوثية أو كليهما أي تعبد بإلغاء احتمال الانتقاض والعدم بعد الوجود.

وأصل مدعاه من عدم أخذ اليقين في موضوع الاستصحاب وان المأخوذ ثبوت الحالة السابقة وإن كان صحيحاً ولكنه لا بالتقريب الّذي أشار إليه في الكفاية من مرآتية اليقين إلى المتيقن فانَّ هذا مضافاً إلى كونه خلطاً بين مفهوم اليقين وواقعه وكونه خلاف ظاهر مقام الإثبات - كما اعترف به بنفسه في مباحث الاجتهاد والتقليد - لا ينسجم مع تفسيره لروايات نقض اليقين وكون النقض مسنداً إليه باعتبار الاستحكام الثابت فيه ، وانما الصحيح في إثبات ذلك ما أشرنا إليه من ظهور بعض أدلة الاستصحاب كصحيحة ابن سنان وروايات أصالة الحل والطهارة التي استفاد منها صاحب الكفاية الاستصحاب أيضاً في كفاية ثبوت الشيء سابقاً في الحكم ببقائه (1).

وامّا ما أضافه في الذيل من عدم أخذ الحدوث أيضاً في الاستصحاب بل يكفي الشك في البقاء على تقدير الحدوث فغير تام بكلا احتماليه.

امّا الاحتمال الأول ، فلأنَّ المقصود من الشك في البقاء اما أَن يكون مجموع


1) وبناءً على هذا يجري الاستصحاب على تمام المسالك في حقيقية جعل الأمارية والحجية ، فما جاء في تقريرات المحقق العراقي (قدّس سرّه) ص 108 ج 4 من عدم جدوى هذا الوجه على مبنى صاحب الكفاية القائل بأنَّ المجعول في الأمارة هي الحجية من دون إثبات انَّ المؤدى هو الواقع ولا إثبات العلم بالواقع غير تام لوضوح انَّ الأمارة على جميع تلك المباني تثبت المنجزية والمعذرية لآثار المؤدى وإلاّ لم يكن معنى لحجيتها ودليل الاستصحاب بناءً على هذا الوجه يجعل من جملة آثار المؤدى وأحكامه التعبد الظاهري بالبقاء فيثبت التنجيز أو التعذير بلحاظ مرحلة البقاء على الأمارة ببركة دليل التعبد الاستصحابي ولا يقصد بجريان الاستصحاب إلاّ هذا المعنى كما هو واضح.

احتمالين فقط وهما احتمال الوجود بعد الوجود والعدم بعد الوجود ، أو يكون مطلق احتمال الوجود بعد الوجود سواء كان معه احتمال العدم بعد العدم الّذي يعني عدم الحدوث أم لا. فان أُريد الأول كان من الواضح انه متوقف على اليقين بالحدوثِ ولا يكفي ثبوت الحدوث واقعاً في انتفاء احتمال العدم بعد العدم ولا تكون الأمارة على الحدوث رافعةً لهذا الاحتمال حقيقة ليجري الاستصحاب. وإن أُريد الثاني كان الشك في البقاء متوقفاً على احتمال الحدوث لا اليقين به ولا ثبوته واقعاً وهذا معناه جريان الاستصحاب بمجرد ذلك ولو لم تقم أمارة على الحدوث ، وهذا ما لا يحتمل أحد استفادته من دليل الاستصحاب ولا يلتزم به المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) ولا غيره.

واما الاحتمال الثاني ، والّذي لعله هو الأقرب إلى عبارة صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من انَّ دليل الاستصحاب يعبدنا بالبقاء على تقدير الحدوث فكأنه ينفي لنا احتمال الانتقاض والعدم بعد الحدوث ، فهذا المطلب يمكن تحليله بعدة صيغ :

الصيغة الأولى - أَن يكون المجعول هو التعبد بالبقاء على تقدير الحدوث.

وهذه الصياغة من الواضح كون الحدوث موضوعاً فيها للتعبد الاستصحابي كأي حكم واقعي أو ظاهري يجعل على تقدير حيث يكون ذلك التقدير شرطاً وموضوعاً لذلك الحكم بنحو قيد الوجوب لا قيد الواجب وإلاّ لانحل التعبد المذكور إلى التعبد بالحدوث أيضاً وهو خلف.

الصيغة الثانية - أَن يجعل ابتداء الملازمة بين الحدوث والبقاء ، والملازمة كالعلية لا تكون متوقفة على وجود طرفها.

وهذه الصياغة إن أُريد بها جعل الملازمة حقيقة بين الحدوث والبقاء الظاهري فمن الواضح انَّ الملازمة الواقعية كالسببية والشرطية لا تكون مجعولة الا بتبع جعل منشئها وهو البقاء الظاهري على تقدير الحدوث فيكون الحدوث موضوعاً لهذا التعبد لا محالة.

وإن أُريد بها جعل الملازمة بين الحدوث والبقاء ابتداءً بحيث يكون المجعول الاعتباري نفس عنوان الملازمة بين الحدوث والبقاء فهذا الجعل وإن كان معقولاً على مستوى عالم الاعتبار والتعبد الّذي هو سهل المئونة إلاّ انه لا بدَّ وأَن يكون المقصود من ورائه تنجيز البقاء على تقدير الحدوث وإلاّ كان لغواً إذ لا يترتب على جعل ذلك شيء عند تحقق طرف الملازمة الاعتبارية حتى ظاهراً بل لا بدَّ من تحقق طرف الملازمة

الواقعية مع الحكم الظاهري والمنجزية والّذي يعني تحقق موضوعها.

لا يقال : كما يترتب بجعل العلمية والطريقية التنجيز والتأمين عقلاً لأنهما مترتبان على الأعم من العلم الوجداني والعلم التعبدي فلتكن الملازمة أيضاً كذلك.

فانه يقال - مضافاً إلى بطلان أصل هذا المنهج الّذي سارت عليه مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) وقد أوضحناه مفصلاً في البحوث المتعلقة بجعل الطريقية والعلمية. انَّ هذا الكلام لو كان له صورة ففي باب جعل العلمية لا المقام ، فانه هناك ولو باعتبار المغالطة التي كشفنا عنها في ذلك البحث قد يتوهم انَّ حكم العقل بالمنجزية والمعذرية يترتب على الأعم من العلم الحقيقي والتعبدي ، واما هنا فحيث انَّ المطلوب فعلية اللازم على تقدير فعلية الملزوم وهذا حكم عقلي نظري لا عملي فمن الواضح انه من دون ثبوت ملازمة واقعية بين الحدوث والبقاء ولو التعبدي الظاهري لا يتحقق اللازم لكي يثبت التنجيز والتعذير فتأمل جيداً. وبهذا يظهر انَّ ما جاء في بعض التقريرات من انَّ الملازمة الاعتبارية قابلة للجعل لا يعني الاستغناء عن موضوعية الحدوث للتعبد بالبقاء فيرجع إلى الصياغة السابقة.

الصيغة الثالثة - انَّ دليل الاستصحاب يلغي لنا احتمال الانتقاض والعدم بعدم الوجود لا أكثر ، وهذا لا يتوقف على الحدوث فضلاً من اليقين به ، فكلما كان هناك احتمال الانتقاض نفيناه ، تعبداً بدليل الاستصحاب ، واما احتمال عدم الحدوث وما يستلزمه من العدم بعد العدم فهو منفي بالأمارة فيترتب أثر الوجود بعد الوجود لا محالة وهو المقصود بالتعبد الاستصحابي.

وهذه الصياغة مضافاً إلى كونها لا تنسجم مع تصورات المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) وانما تناسب تصورات مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) في جعل الطريقية وإلغاء الاحتمال ، لا بدَّ وأَن ترجع إلى الصياغة الأولى سواءً على تصورات هذه المدرسة أم على ما هو الصحيح المختار لدينا في حقيقة الحكم الظاهري ، امَّا بناءً على تصورات المحقق النائيني (قدّس سرّه) فلأنَّ مجرد إلغاء احتمال من احتمالات العدم لا يكفي لترتب المنجزية والمعذرية عند هذه المدرسة بل لا بدَّ من اعتبار العلمية وهذا لا يكون الا بأخذ الحدوث موضوعاً فيه وإلاّ كان التعبد بالبقاء مستبطناً للتعبد بالحدوث ضمناً ولم نكن بحاجة إلى إثباته حتى بالأمارة وهو واضح البطلان ، وامّا بناء على المختار فلأنَّ هذه

الاعتبارات كلها صياغات لا أكثر ، وروح التعبد الاستصحابي انما هو الاهتمام بحفظ الأغراض والملاكات الواقعية المتزاحمة في مرحلة الحفظ على طبق الحالة السابقة فيكون الحدوث لا محالة موضوعاً وشرطاً في هذا الاهتمام لأنه متفرع عليه.

وهكذا يتضح انه لا محيص من أخذ الحدوث على الأقل شرطاً وركناً في التعبد الاستصحابي فتكون الأمارة على الحدوث بنفسها منجزة لأثر هذا التعبد الظاهري لأنها تنقح موضوعه بحسب الحقيقة.

ثم انَّ السيد الأستاذ في مقام الإيراد على مقالة صاحب الكفاية ذكر مطلباً غريباً حاصله : انه إن قصد من التعبد بالملازمة الواقعية بين الحدوث والبقاء بان يكون مفاد دليل الاستصحاب الاخبار عن الملازمة بينهما فهذا مع كونه مخالفاً للواقع يجعل الاستصحاب أمارة لا أصلاً عملياً إذ يكون في طول هذه الملازمة الأمارة الدالة على الملزوم وهو الحدوث دالة على اللازم وهو البقاء فيثبت البقاء بالأمارة لا بالأصل وان قصد الملازمة الظاهرية بين الحدوث والبقاء فلازمه الملازمة الظاهرية بين حدوث التنجيز وبقائه ولا يمكن الالتزام به ، إذ في موارد العلم الإجمالي بالحرمة مثلاً يكون التكليف منجزاً ثم لو قامت بينة على حرمة بعض الأطراف بخصوصه ينحل العلم الإجمالي وبانحلاله يرتفع التنجيز فانه تابع للمنجز وبقدره فلا ملازمة بين حدوث التنجيز وبقائه ولا يلتزم بها صاحب الكفاية أيضاً (1)

أقول : امَّا بالنسبة إلى النقض بلزوم حجية قاعدة اليقين فقد عرفت جوابه بما في المتن ، وامَّا ما ذكره من الإشكال في أَن يكون الحدوث الواقعي موضوعاً للتعبد بالبقاء من لزوم جريان الاستصحاب بمجرد احتمال البقاء في فرض الثبوت واقعاً ولو لم يعلم به المكلف ، فجوابه : انَّنا تارة نبني على انَّ الأحكام الظاهرية متقومة بالوصول ـ كما هو مختاره ـ وأخرى نبني على ثبوتها واقعاً كالأحكام الواقعية ـ كما هو المختار ـ فعلى الأول لا يلزم ما ذكر فانَّ حدوث النجاسة وإن كان ثابتاً في المثال إلاّ انَّ عدم وصوله مساوق لارتفاع التعبد الاستصحابي بالنجاسة حين الشك فتكون الطهارة الظاهرية جارية حقيقية ، وعلى الثاني يلتزم بجريان الأصل المؤمن الطولي أي بلحاظ الشك في الواقع وعدم وصول التعبد الاستصحابي بالنجاسة بناءً على ما تقدم في محله من جريان الأصل الطولي في مرتبة الشك في الحكم الظاهري ولو لم نقل بذلك فيلتزم بعدم جريان الأصل المؤمن واقعاً في المثال وانَّما تخيل جريانه ولا محذور في الالتزام به.

.

1) مصباح الأصول ج 3 ص 98 ، جاء في تقريرات الدراسات للسيد الوالد (قدّس سرّه) المخطوط مضافاً إلى ما ذكر ( كما انه يلزم منه حجية قاعدة اليقين أعني الشك الساري ، وتوهم كون المراد بالملازمة التعبد ببقاء ما ثبت واقعاً تيقن به المكلف أو لم يتيقن فاسد فانَّ لازمه مضافاً إلى مخالفته لظاهر الأدلة وعدم إمكان اسناده إلى المحقق المزبور جريان الاستصحاب بمجرد احتمال البقاء في فرض الثبوت واقعاً ولو لم يعلم به المكلف فإذا شك في نجاسة شيء وجرى فيه قاعدة الطهارة ثم بعد مدة علم بأنه كان نجساً سابقاً قبل زمان الشك في نجاسته انكشف به نجاسته من حين الشك للاستصحاب وهذا ما لا يمكن الالتزام به ).

ويلاحظ عليه : أولا : بالإمكان اختيار الشق الثاني ، ودعوى انَّ التلازم بين تنجز الحدوث وتنجز البقاء لا حدوث التنجز وبقاء التنجز وهذا يعني انه في كل آن انما يتنجز البقاء إذا كان الحدوث متنجزاً وبعد انحلال العلم الإجمالي في المثال يرتفع تنجز الحدوث فلا تنجز للبقاء أيضاً.

وثانياً - انَّ أصل هذا الإيراد غريب من نوعه ، فانَّ المدعى ليس هو الملازمة بين الحدوث والبقاء الواقعيين ولا بين التنجيز حدوثاً وبقاء وانما المدعى التعبد بالملازمة بين الوجود الواقعي للحدوث والوجود الظاهري للبقاء فلا يكون ثبوت البقاء بالأمارة بل بالأصل وهو الحكم الظاهري بالبقاء فلا تكون لوازمه حجة كما انَّه لا بد من إحراز الحدوث الواقعي وتنجيزه في كل آن لترتب البقاء الظاهري وتنجيزه بلحاظ ذلك الآن وهذا واضح.

ونستخلص من مجموع ما تقدم انَّ أصل هذا الوجه لتصحيح جريان الاستصحاب في موارد ثبوت الحالة السابقة بالأمارة تام حيث استفدنا من بعض أدلة الاستصحاب على الأقل كفاية ثبوت الحالة السابقة واقعاً في التعبد الظاهري بالبقاء فتكون الأمارة على الحدوث منقحة لموضوع الاستصحاب (1).

الوجه الثالث - ويتألف من مقدمتين :

الأولى - قد تقدم في محله انَّ حقيقة الحكم الظاهري على اختلاف صياغاته امر واحد وهو إبراز درجة اهتمام الشارع بملاكاته الواقعية المتزاحمة في مرحلة الحفظ ، وهذا امر ثبوتي محفوظ في موارد الحكم الظاهري وموضوع للتنجيز أو التعذير عند وصوله للمكلف على حد الملاكات والأحكام الواقعية.

الثانية - انَّ موارد قيام الأمارة على الحالة السابقة وان كان يعلم فيها بارتفاع موضوع الحكم الظاهري بقاءً حيث انَّ الأمارة تدل على الحدوث فقط ولا دلالة لها على البقاء إلاّ انَّ روح الحكم الظاهري وحقيقته وهو اهتمام الشارع بالحكم المتيقن


1) وينبغي أَن يعلم بأنَّ هناك فرقاً أساسياً بين هذا العلاج وسائر الوجوه لعلاج الإشكال من حيث انَّ هذا الوجه يثبت نتيجة جريان الاستصحاب بنفس الأمارة وحجيتها لا بدليل الاستصحاب أي انَّ حكومة الأمارة وتنقيحها لموضوع التعبد بالبقاء - الّذي هو الاستصحاب - ظاهري هنا بخلافه بناءً على الوجوه الأخرى فاننا في تلك الوجوه جميعاً كما سوف يظهر نتمسك بإطلاق دليل الاستصحاب حقيقة ونثبت به التعبد بالبقاء بعد إحراز موضوع التعبد الاستصحابي حقيقة ولو في طول استفادة توسعته وإرادة ما يعم اليقين الوجداني والتبعدي منه فانَّ هذه التوسعة سواء كانت بالورود أو بالحكومة تكون واقعية لا ظاهرية فتأمل جيداً.

حدوثاً مما يحتمل بقاؤه بشخصه ، لأنَّ قيام الأمارة ونحوه ليس إلاّ سبباً لشدة الاهتمام وليس موضوعاً له.

ويترتب على تمامية هذين الأمرين إمكان إجراء الاستصحاب في الحكم الظاهري بمعنى روح الحكم الظاهري وحقيقته لتمامية أركان الاستصحاب فيه حينئذ من اليقين بحدوثه والشك في بقائه بشخصه.

وهذا الوجه تام لو لا وجود حاكم على استصحاب شدة الاهتمام أعني استصحاب الحكم الظاهري اللزومي وهو يتمثل في دليل البراءة الشرعية الدالة على عدم الاهتمام فانَّ استصحاب شدة الاهتمام بحسب الحقيقة ينافي مدلول دليل البراءة الدال على عدم الاهتمام وهو أمارة مقدمة على الاستصحاب ففرق بين استصحاب الحكم الواقعي عند الشك فيه فانه لا ينافي مدلول دليل البراءة لأنَّ البراءة ليست أمارة على الواقع فيكون الاستصحاب والبراءة من هذه الناحية في عرض واحد فيؤخذ بالاستصحاب لتقدم دليله على دليلها وبين المقام الّذي يكون استصحاب شدة الاهتمام منافياً مع دليل البراءة ونافياً لما يدل عليه بالإطلاق من عدم الاهتمام فيتقدم عليه دليل البراءة لكونه أمارة.

وإن شئت قلت : انَّ المقام يدخل في كبرى دوران الأمر بين الرجوع إلى استصحاب حكم المخصص أو العموم الأزماني للعام ، لأن دليل البراءة دل على عدم الاهتمام في تمام الشبهات حدوثاً وبقاءً ودليل صدق العادل اخرج منه حالة قيام الأمارة على الإلزام فإذا قامت الأمارة على حدوث الإلزام خصص عموم دليل البراءة الدال على عدم الاهتمام بلحاظ الحدوث ، وامّا بلحاظ البقاء فالمفروض عدم دلالة الخبر عليه فبانتهاء المدة التي دلّ عليها الخبر تنتهي دلالة المخصص للعام وانما يراد إثبات شدة الاهتمام - لا الواقع - بالاستصحاب فيكون معارضاً مع العموم الأزماني للعام الدال على عدم الاهتمام في كل شبهة وهو مقدم على استصحاب حكم المخصص (1)

فانه يقال : البراءة عن كل حكم مشكوك مقيد بعدم وجود استصحاب مثبت لذلك الحكم لا لحكم آخر فلو كان الاستصحاب مثبتاً للحكم الواقعي تقدم على البراءة ولم يكن يصح التمسك بدليلها للتخصيص المذكور ، وامَّا إذا كان الاستصحاب مثبتاً للحكم الظاهري وشدة الاهتمام كما هو المفروض في المقام فهذا الاستصحاب كما ذكر في المتن معارض مع مدلول دليل البراءة لا نفس البراءة ، ودليل البراءة أمارة على البراءة وعدم الاهتمام ، ودليل الاستصحاب مقيد بأَن لا يكون على خلاف المستصحب أمارة فتأمل جيداً.

ثم انه يمكن ان يمنع عن أصل جريان استصحاب شدة الاهتمام الّذي يعني استصحاب الحكم الظاهري بأحد وجهين :

الأول ـ دعوى انَّ شدة الاهتمام الّذي هو روح الحكم الظاهري مهما كانت صياغته متقوم عرفاً بالأمارة أي شدة اهتمام بالكاشفية وقوة الاحتمال مثلاً وهذا مقطوع الارتفاع بحيث لو فرض بقاء الاهتمام كان بملاك آخر فهو حكم ظاهري آخر واهتمام مباين مع الاهتمام الثابت بلحاظ الحدوث عرفاً ، والميزان في تطبيق دليل الاستصحاب وصدق البقاء لا بد وان يكون بالنظر العرفي.

الثاني ـ انَّ الحكم الظاهري وإن فرض غير متقوم بدرجة الكشف والاحتمال أو المحتمل ولكن لا إشكال في تقومه بالحكم الواقعي المشتبه الّذي يراد التأمين عنه أو تنجيزه ، ومن الواضح انَّ الحدوث المشكوك غير البقاء المشكوك والأمارة أو الأصل انَّما يؤمنان أو ينجزان عن حدوث الحكم المحتمل بحسب الفرض وامَّا بقاؤه أو انتقاضه بعد حدوثه فهو موضوع آخر للحكم الظاهري.

وان شئت قلت : انَّ الحكم الظاهري الثابت يعني التأمين أو التنجيز للحكم المحتمل من ناحية حدوثه وهذا مقطوع البقاء فانه في مرحلة البقاء أيضاً يقطع بالتأمين أو التنجيز عن الحدوث وانَّما الشك في طرو حكم آخر بقاءً وهو موضوع آخر غير ما يؤمن أو ينجز عنه الحكم الظاهري الأول.

.

1) لا يقال دليل البراءة وهو العام وفي المقام مخصص بحسب الفرض بأَن لا يكون على خلافه استصحاب فكيف يمكن التمسك به.

الوجه الرابع - ما اختاره جملة من المحققين من البناء على قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي وحيث انَّ اليقين قد أخذ موضوعاً للاستصحاب فتقوم الأمارة على الحدوث مقامه فيجري الاستصحاب بهذا الاعتبار.

وتقريب قيام الأمارة هنا مقام القطع الموضوعي المأخوذ في دليل الاستصحاب يكون بأحد نحوين :

الأول - دعوى قيامها مقامه بالورود ، لأنَّ دليل الاستصحاب قد أخذ فيه اليقين بالحدوث بما هو حجة ومنجز موضوعاً للتعبد بالبقاء ، والأمارة حجة كذلك فيتحقق موضوع التعبد الاستصحابي وجداناً وحقيقة وهو معنى الورود.

وفيه : أولا - انَّ اليقين في لسان أدلة الاستصحاب ظاهر في إرادة ذات اليقين لا مطلق المنجز كما لا يوجد اصطلاح شرعي أو عرفي لليقين بمعنى مطلق المنجز.

ودعوى : انَّ مقتضى الارتكاز العرفي عدم الفرق بين اليقين وغيره من المنجزات في لزوم الجري على ما كان يجري عليه الشخص حدوثاً.

مدفوعة : بالمنع عن وجود ارتكاز من هذا القبيل بل يحتمل اختصاص ارتكاز الجري على الحالة السابقة ولو ببعض مراتبه باليقين الّذي فيه استحكام مخصوص وقد تقدم انَّ أصل مركوزية الاستصحاب ليست على أساس محض الطريقية والكاشفية بل

لعلها من أجل أنس الذهن ونزوع النّفس إلى الحكم بالبقاء مما يكون لليقين بما هو منشأ لسكون النّفس دخل فيه.

وثانياً - لو أُريد باليقين في دليل الاستصحاب مطلق المنجز فاما أَن يحمل الشك المأخوذ فيه على ما يقابل اليقين أو ما يقابل المنجز أي عدم المنجز ، فعلى الأول يلزم مخالفة ظهور السياق في انَّ المراد بالشك ما يقابل المراد باليقين ، وعلى الثاني يلزم تقدم كل منجز على الاستصحاب.

وان شئت قلت : يلزم أَن يكون مفاد الاستصحاب انَّ الحجة لا يرفع اليد عنها إلاّ بالحجة وهذه قاعدة عقلية محكومة لكل قاعدة تجعل شرعاً ، فيكون مفاد أدلة الاستصحاب الإرشاد إلى هذا الحكم العقلي لا جعل قاعدة شرعية ، وهو واضح البطلان ولا يقول به أحد.

الثاني - دعوى قيامها مقامه بالحكومة من باب انَّ مفاد دليل الأمارة بشكل عام قيامها مقام القطع الموضوعي والطريقي معاً. وتحقيق حال كبرى هذا البيان وما تستبطنه من مبان وافتراضات ثبوتية وإثباتية تقدم الحديث عنها في مباحث القطع ، وقد أثبتنا هناك عدم تماميتها إلاّ اننا نزيد هنا بان تلك الكبرى ولو فرضنا تماميتها في ساير موارد القطع الموضوعي فلا تتم هنا لاحتمال أَن يكون اليقين المأخوذ موضوعاً في دليل الاستصحاب قد لو حظت فيه جنبته الصفتية أيضاً مضافاً إلى كاشفيته لما أشرنا إليه من انَّ مفهوم اليقين يختلف عن العلم في انه مستبطن لمرتبة الاستحكام والاستقرار والثبات الموجودة في العلم الوجداني ، ومن هنا صحّ اسناد النقض إلى اليقين دون العلم ، وهذه وإن كانت نكتة بلاغية في مرحلة الاستعمال لا ثبوتية إلاّ انها توجب على الأقل احتمال أخذ اليقين ثبوتاً في موضوع التعبد بالبقاء بما له من خصوصية صفتية ، وأصحاب مسلك جعل الطريقية يقبلون بأنَّ الأمارات لا تقوم مقام القطع الموضوعي الملحوظ بنحو الصفتية.

تلخيص وتعميق :

قد يتصور انَّ هذا الإشكال المثار في هذه المسألة جار في جميع الموارد والحالات التي تثبت فيها الحالة السابقة بالأمارة ويحتمل انتقاضها بقاء فيحتاج في حل

الإشكال إلى اختيار أحد الأجوبة المتقدمة.

إلاّ انَّ التحقيق عدم مواجهة الإشكال في أكثر الفروض واختصاصه ببعضها.

توضيح ذلك : انَّ الأمارة تارة تثبت الموضوع كالأمارة الدالة على حياة زيد ، وأخرى تثبت الحكم ، فإذا كانت الأمارة دالة على موضوع حدوثا وشك في بقائه على تقدير حدوثه - كما إذا احتمل موت زيد في المثال بعد حياته - جرى الإشكال المتقدم واحتجنا إلى أحد الأجوبة المتقدمة.

واما إذا كانت الأمارة دالة على الحكم الكلي أو الجزئي حدوثاً وشك في انتقاضه بقاءً لطرو الناقض الشرعي فهنا صور أربع :

1 - ان تكون الأمارة دالة على الحدوث بنحو الشبهة الموضوعية والشك في البقاء بنحو الشبهة الموضوعية أيضاً كما إذا كان الثوب متنجساً بالبول فقامت البينة على تطهيره ثم شك في تنجسه بالدم.

وفي هذه الصورة لا نحتاج إلى استصحاب الطهارة الثابتة حدوثاً بالأمارة ليقال بعدم اليقين بها بل يمكن ابتداءً استصحاب عدم الملاقاة مع الدم لنفي النجاسة الحاصلة منه ، وهذا استصحاب موضوعي.

وان شئت قلت : انَّ الأمارة كما تدل على الطهارة حدوثاً تدل بالالتزام على بقاء الطهارة المجعولة على تقدير عدم الملاقاة مع الدم ، وهذا المدلول الالتزامي للأمارة حكم ظاهري أيضاً أخذ في موضوعه عدم الملاقاة مع الدم فيتنقح باستصحاب عدمها المقطوع سابقاً.

2 - أَن تكون الأمارة دالة على الحدوث بنحو الشبهة الحكمية كما إذا قامت الأمارة على كفاية غسل الثوب النجس مرة واحدة في تطهيره فغسلناه مرة ثم شككنا في ملاقاته مع نجاسة أخرى.

والكلام في هذه الصورة نفس الكلام السابق ، والسر في ذلك انه في هاتين الصورتين يكون منشأ الشك هو احتمال طرو حكم مناقض مع الحكم الثابت بالأمارة حدوثاً بطرو موضوعه فينفي لا محالة باستصحاب عدمه الموضوعي.

3 - أَن تكون الأمارة دالة على الحكم حدوثاً بنحو الشبهة الموضوعية ولكن شك في بقائها بنحو الشبهة الحكمية كما إذا كان الماء المتغير نجساً وقامت أمارة على تغير هذا

الماء ثم زال عنه تغيره وشك في انَّ زوال التغير هل يوجب زوال النجاسة الحاصلة به أم لا وهذه شبهة حكمية.

وقد يتصور انَّ هذه الصورة يتم فيها الإشكال بحيث نحتاج إلى أحد الأجوبة المتقدمة ، ولكن الصحيح اننا في هذه الصورة أيضاً نستغني عن الأجوبة المتقدمة ، فانَّ الشك في المقام بنحو الشبهة الحكمية وهذا يعني ان المجتهد من أول الأمر يجري استصحاب بقاء النجاسة في الماء المتغير بعد زوال تغيره وهو استصحاب للمجعول الكلي في الشبهة الحكمية فلا ينتظر فيه تحقق الموضوع له خارجاً - على ما تقدم شرحه مفصلاً - وتكون الأمارة على حدوث التغير في هذا الماء دالة بالالتزام على بقاء النجاسة المثبتة بالاستصحاب كحكم ظاهري كلي بعد زوال التغير أيضاً بلا حاجة إلى استصحاب النجاسة الجزئية الظاهرية الثابتة حدوثاً بالأمارة.

4 - أَن تكون أمارة دالة على حدوث الحكم بنحو الشبهة الحكمية وشك في بقائها بنحو الشبهة الحكمية أيضاً كما إذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة في عصر الحضور وشك في بقاء الوجوب في عصر الغيبة ، وهنا يجري الإشكال ويحتاج في دفعه إلى الرجوع إلى أحد الأجوبة المتقدمة.

هذا تمام الكلام في ثبوت الحالة السابقة بالأمارة.

المقام الثاني - فيما إذا ثبتت الحالة السابقة بالأصل العملي واحتمل انتقاضه بعد ذلك فأريد إبقاؤه بالاستصحاب ، والإشكال في جريان الاستصحاب في المقام تارة يكون بلحاظ الركن الأول من أركان الاستصحاب أي عدم اليقين بالحدوث ، وأخرى بلحاظ الركن الثاني وهو عدم الشك في البقاء.

اما الإشكال من الناحية الأولى فالكلام فيه ما تقدم في المقام السابق غاية الأمر لا بد من ملاحظة انَّ الأجوبة والمعالجات المتقدمة فيما إذا كانت الحالة السابقة ثابتة بالأمارة لا يجري هنا إلاّ إذا كان الأصل المثبت للحالة السابقة تنزيلياً بأَن يثبت الواقع وآثاره الشرعية أو يقوم مقام القطع الموضوعي المأخوذ في دليل الاستصحاب ليمكن إجراء الاستصحاب بلحاظ الحكم الواقعي. نعم إجراء استصحاب الحكم الظاهري الثابت بالأصل أو استصحاب الجامع بين الواقع والظاهر لا يتوقف على ذلك.

وامّا الإشكال من الناحية الثانية فتقريبه : انَّ الأصل الجاري بلحاظ الشك في مرحلة الحدوث بنفسه يجري في الشك بلحاظ مرحلة البقاء أيضاً فلا شك في البقاء.

وهذا الإشكال انما يتجه فيما إذا أُريد استصحاب الحكم الظاهري أو الجامع بينه وبين الحكم الواقعي لا ما إذا أُريد استصحاب الحكم الواقعي الثابت بالأصل التنزيلي في مرحلة الحدوث كما هو واضح (1)

فانه يقال ـ المفروض عدم حكومة الأصول التنزيلية بعضها على بعض لأخذ الشك في لسان أدلتها جميعاً وهذا يعني انها تثبت أثر اليقين السابق في مورد الشك ولا تنفي الشك ومن آثار اليقين التعبدي الثابت بالأصل الأول بقاؤه بعد الشك الثاني كما انه لا منافاة بين جريان الأصل التنزيلي بقاء وجريان الاستصحاب في الحكم الواقعي بالملاك المتقدم لأنهما متوافقان فيجزيان معاً.

لا يقال ـ دليل الأصل التنزيلي الأول إذا كان نفس الاستصحاب الجاري ثانياً بلحاظ اليقين الوجداني كان جريانه بلحاظ اليقين التعبدي لغواً لأنَّ التعبد الاستصحابي الأول بنفسه ثابت ما لم يعلم بانتقاض اليقين الوجداني فلا معنى لجعله موضوعاً لاستصحاب ثان. وهذا البيان لا يفرق فيه بين ان نقول بأن موضوع الاستصحاب هو اليقين بالحدوث ولكن يقوم الأصل التنزيلي مقامه أو نقول بأن موضوع الاستصحاب نفس الحدوث فيترتب بكل ما يحرز الحدوث.

فانه يقال ـ لو أريد ان إطلاق دليل الاستصحاب بلحاظ الانتقاض الأول المحتمل بنفسه يثبت البقاء بلحاظ احتمال الانتقاض الثاني فهذا غير صحيح إذ التعبد بالبقاء بلحاظ كل انتقاض محتمل غيره بلحاظ الانتقاض الآخر فيكون هناك إطلاقان في دليل الاستصحاب بلحاظ مرحلة الانحلال والفعلية بحسب الحقيقة فلا مانع من ان يكون أحد الإطلاقين يقع بنفسه موضوعاً للإطلاق الآخر أيضاً ، وان أريد ان ثبوت التعبد الاستصحابي بلحاظ الانتقاض الثاني المحتمل بعد أن كان بإطلاق في دليل الاستصحاب الاجتهادي فلا معنى لإثباته بالاستصحاب الّذي هو أصل عملي ، فالجواب : انَّ قيام الأصل التنزيلي مقام القطع الموضوعي حكومة واقعية لا ظاهرية بحيث يكون جريان الاستصحاب في مورد اليقين التعبدي بالحدوث بإطلاق في دليل الاستصحاب الاجتهادي أيضاً. على أنه قد تقدم منَّا مراراً عدم المنافاة بين الأصل والأمارة المتوافقين في المؤدى.

فالحاصل : إطلاق دليل الاستصحاب بلحاظ احتمال الانتقاض الأول يحقق موضوعاً لإطلاق آخر في دليل الاستصحاب عند احتمال الانتقاض الثاني وان كان اليقين الوجداني بنفسه موضوعا أيضاً للتعبد بالبقاء بلحاظ الانتقاض الثاني المحتمل فلا لغوية في البين لعرضية الإطلاقين كما إذا ثبت الحدوث بأمارتين أو أصلين محرزين وقيل بقيامهما مقام القطع الموضوعي.

.

وقد أجاب المحقق النائيني (قدّس سرّه) عن هذا الإشكال بوجهين ارتضى أحدهما دون الآخر.

الوجه الأول - انَّ الاستصحاب في المقام مقدم على الأصل الجاري بلحاظ مرحلة البقاء فيما إذا كان غير تنزيلي كأصالة الطهارة أو الحل.

وأجاب عنه : بأنَّ حكومة الاستصحاب على القاعدة فرع جريانه الّذي هو فرع تحقق موضوعه ، والمفروض انَّ القاعدة ترفع موضوعه وهو الشك في البقاء.

وهذا الجواب وان كان يمكن إرجاعه إلى نكتة صحيحة في نفسها وذلك ببيان انَ


1) لا يقال - بناءً على جريان استصحاب الحكم الواقعي بملاك قيام الأصل التنزيلي مقام القطع الموضوعي المأخوذ في دليل الاستصحاب كما يكون جريان الأصل التنزيلي حدوثاً محققاً لفرد من اليقين الّذي هو موضوع الاستصحاب كذلك جريانه بقاء ينفي الشك في الواقع فينتفي موضوع الاستصحاب.

أحد الدليلين إذا كان حاكماً على الآخر أي رافعاً لموضوعه تعبداً وكان الآخر رافعاً لموضوع الأول وجداناً أي وارداً عليه تقدم الثاني على الأول لا محالة ، وقد أوضحنا ذلك مفصلاً في بحوث التعارض والنسبة بين الدليلين ، إلاّ انَّ تطبيق هذه النكتة في المقام غير صحيح ، فانه لو أُريد بالاستصحاب الحاكم على القاعدة استصحاب الحكم الواقعي وهو الطهارة الواقعية في المثال فهذا لا يرتفع بالقاعدة لا وجداناً ولا تعبداً لأنها لا تثبت الواقع ولو فرض انها تثبت الواقع بأن كان تنزيلياً فلا وجه لتقدمها على الاستصحاب لكونه أيضاً تنزيلياً.

وان أريد استصحاب الحكم الظاهري فهو ليس بحاكم على القاعدة بل نسبته إلى دليلها تشبه نسبة الأصل إلى الدليل الاجتهادي لأنه يثبت الطهارة الظاهرية في كل شبهة فلا شك في عدم انتقاض الطهارة الظاهرية ، فكأنه وقع خلط بين استصحاب الحكم الواقعي واستصحاب الحكم الظاهري فعند ما حكم بتقدم الاستصحاب وحكومته على القاعدة لاحظ الأول وعند ما حكم بانتفاء الشك بقاء لاحظ الثاني فتدبر.

الوجه الثاني - انَّ الحكم الظاهري الثابت حدوثاً بالأصل ليس ثابتاً في مرحلة البقاء دائماً بل قد يكون مختصاً بمرحلة الحدوث كما إذا أجرينا أصالة الصحّة في تطهير الثوب بالماء عند الشك في وقوعه طبق الشرائط فحكمنا بطهارته حدوثا ثم شك في نجاسته من ناحية احتمال إصابة النجاسة به بعد ذلك فانَّ أصالة الصحة لا تنفي هذه النجاسة المحتملة بقاءً فلا بد من الاستصحاب.

وأضاف على ذلك السيد الأستاذ ببيان الضابط لكون الحكم الظاهري الثابت حدوثا مقطوع البقاء ، وحاصله : انَّ الأصل إذا كان جارياً في نفس مورد الشك كان مقطوع البقاء ما دام الشك باقياً ولم يعلم بالخلاف كما إذا شك في طهارة ثوب حدوثاً فحكمنا بطهارته بالقاعدة أو الاستصحاب ثم شككنا في بقاء طهارته فانه تجري القاعدة أو الاستصحاب بقاء أيضاً كالحدوث. وان كان الأصل جارياً في سبب المشكوك وموضوعه لا في مورد الشك نفسه لم يكن مقطوع البقاء كما إذا شككنا في طهارة ماء فحكمنا بطهارته بالقاعدة أو الاستصحاب ثم غسلنا به الثوب النجس فانه لو لا ذلك لكان مقتضى استصحاب بقاء نجاسة الثوب الحكم بنجاسته ولكنه حيث

انه مسبب عن طهارة الماء فيجري الأصل في الماء ويكون حاكماً على الاستصحاب في مورد الشك إلاّ انَّ هذا الأصل الجاري في سبب المشكوك لا يدل على ثبوت الطهارة في الثوب بقاءً عند احتمال ملاقاته للدم مثلاً (1).

امّا الضابط المذكور فيمكن المناقشة فيه : بأنَّ الأصل قد يكون جارياً في السبب ومع ذلك يكون مقطوع البقاء كما انه قد لا يكون جارياً في السبب ومع ذلك لا يكون مقطوع البقاء. مثال الأول نفس المثال المذكور من قبل السيد الأستاذ فانَّ أصالة الطهارة إذا كانت جارية في الماء المشكوك فهو جار في الثوب أيضاً لعدم احتمال الفرق فتكون الطهارة الظاهرية مقطوعة البقاء فيه أيضاً.

وان شئت قلت : ان أُريد هنا استصحاب الطهارة الظاهرية الثابتة في الثوب حدوثاً بما هي حصة خاصة من الطهارة الظاهرية فلا يترتب الأثر على تلك الحصة من الطهارة ، وان أُريد استصحاب مطلق الطهارة الظاهرية فهو ليس مشكوكاً بقاءً بل يقطع به لجريان القاعدة بقاء في نفس الثوب ، لأن الطهارة الظاهرية لا يحتمل اختصاصها بالماء أو بمرحلة الحدوث ، وهذا يعني انَّ الطهارة الظاهرية لو كانت ثابتة حدوثاً في الثوب فهي ثابتة بقاءً أيضاً. نعم انما يتم هذا فيما إذا كان دليل الحكم الظاهري الثابت في مرحلة الحدوث غير ما في مورد الشك في البقاء كما في مثال أصالة الصحة المتقدم.

ومثال الثاني ما لو شك في صحة الصلاة بلحاظ جزء قد تجاوز محله فحكم بالصحّة بقاعدة التجاوز ثم شك في جزء آخر لم يتجاوزه بعد فانه يمكنه استصحاب بقاء الصحة الثابتة سابقاً بالقاعدة بناءً على جريانه لعدم القطع ببقائها لعدم جريان القاعدة في المحل رغم انَّ الشك ليس مسبباً (2).

وامّا أصل كلام المحقق النائيني (قدّس سرّه) من انه قد لا يكون الأصل جارياً في الشك .


1) راجع مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 101

2) الّذي يظهر من مراجعة التقريرات انه لا يقصد إعطاء ضابطة بقدر ما يقصد انَّ الأصل الجاري في مرحلة الحدوث لو كان جارياً في نفسه بلحاظ الشك في البقاء فلا معنى لإجراء الاستصحاب لثبوت الحكم بالأصل الثابت في مرحلة الحدوث بقاءً أيضاً وإلاّ فيبقى مجال لاستصحاب الحكم الثابت حدوثا فقط ، وحينئذ كان المناسب الاعتراض عليه بأنه لا مانع من إثبات الحكم بقاءً بأمرين دليل الأصل الجاري حدوثاً ودليل الاستصحاب إذا كان الأصل الجاري بلحاظ الحدوث تنزيلياً.

في مرحلة البقاء فهذا صحيح بمعنى انه إذا لم يكن الأصل جارياً إلاّ بلحاظ الحدوث فهو يثبت الحكم الظاهري حدوثاً فعند الشك في بقائه يمكن استصحاب الحكم الظاهري المتيقن ثبوتاً ، إلاّ انَّ هذا ينبغي أَن يشترط فيه عدم القطع بارتفاع ذلك الحكم الظاهري.

وتوضيح ذلك : على ضوء ما تقدم من الصور الأربع في المقام السابق انَّ الشك في البقاء قد يكون بنحو الشبهة الموضوعية ، وأخرى يكون بنحو الشبهة الحكمية ، وعلى كل منهما تارة يكون ثبوت الحكم الظاهري حدوثاً وبأصل جار في الشبهة الموضوعية ، وأخرى يكون بأصل جار في الشبهة الحكمية ، وهذه هي الصور الأربع المتقدمة ويتصور فيها جميعاً استصحاب الحكم الظاهري.

امّا الصورة الأولى والثانية فكما إذا ثبتت الطهارة في الثوب المغسول بالماء المشكوك تارة في نجاسته بنحو الشبهة الموضوعية كما لو شك في إصابة عين النجس له ، وأخرى بنحو الشبهة الحكمية كما لو شك في انفعاله بملاقاته مع المتنجس فجرى فيه أصالة الطهارة وحكمنا بطهارة الثوب المغسول به ثم شك في ملاقاته مع الدم فانه يمكن إجراء استصحاب الطهارة الظاهرية الثابتة في الثوب بعد غسله بذلك الماء لأنه من الشك في انَّ الطهارة الحاصلة فيه بعد الغسل هل لا تزال مستمرة إلى الآن أم انها انتقضت فيجري استصحابها.

واما الصورة الثالثة والرابعة فكما إذا شك في ناقضية المذي للوضوء الّذي أثبتنا صحته من ناحية طهارة الماء المتوضأ به مثلاً تارة بقاعدة الفراغ وهذه شبهة موضوعية ، وأخرى بأصالة الطهارة وعدم انفعاله بالملاقاة مع النجس وهذه شبهة حكمية فانه يمكن في الصورتين إجراء استصحاب الطهارة الظاهرية من الحدث الثابتة حدوثا ، لأنه بخروج المذي كما يمكن إجراء استصحاب الطهارة الواقعية بتقريب تقدم في الصورة الثالثة في المقام السابق كذلك يمكن إجرائه في الطهارة الظاهرية لأنه يشك لا محالة في إطلاقها واستمرارها وعدمه فيجري الاستصحاب بهذا الاعتبار (1)

الأول ـ ما تقدم في تعليق سابق من عدم جريان الاستصحاب في الحكم الظاهري الثابت في مرحلة الحدوث لتبدل القضيتين بل لا بدَّ من إجراء الاستصحاب : لحاظ الحكم الواقعي الثابت حدوثاً وهذا يتوقف على أَن يكون الأصل الجاري بلحاظ الحدوث تنزيلياً ليترتب عليه التعبد الاستصحابي اما باعتبار انَّ موضوعه واقع الحدوث وقد أحرزه الأصل التنزيلي أو باعتبار قيامه مقام القطع الموضوعي والأصل السببي بلحاظ حكمه المسبب عنه تنزيلي لأنه يثبته بحسب الفرض. ولو فرضنا جريان الاستصحاب في الحكم الظاهري فلا فرق بين ثبوته في مرحلة الحدوث بالأمارة أو بالأصل في الصور الأربع فلا وجه للتفصيل بين المقامين.

الثاني ـ انَّ موارد الشك في البقاء بنحو الشبهة الموضوعية يجري فيها دائماً استصحاب موضوعي بلحاظ الحكم الواقعي وهو استصحاب عدم تحقق الموضوع الناقض كملاقاة الدم في المثال وأركان الاستصحاب من اليقين الوجداني بالحدوث والشك في البقاء تامة فيه.

.

1) يوجد هنا كلامان :

وقد يفرض القطع بارتفاع الحكم الظاهري فلا يجري استصحابه كما إذا شك في كرية الماء بعد نقصان شيء منه بمقدار قليل يتسامح فيه العرف فيجري استصحاب الكرية على المشهور ، فلو فرض استمرار النقصان حتى يبلغ درجة لا يتسامح فيها العرف بل يرى انَّ هذا الماء غير ذلك الماء الّذي كان كرّاً يقيناً فهنا لا يجري استصحاب الكرية الواقعية ولكنه قد يقال بجريان استصحاب الكرية الظاهرية الثابتة قبل قليل - ولو بمعنى أحكام الكرية المترتبة ظاهراً لأنَّ المقدار الناقص بلحاظ زمان الكرية الاستصحابية ليس فاحشاً فلا يوجب تبدل الموضوع عرفاً إذا لاحظنا موضوع الكرية الاستصحابية وإن كان بلحاظ موضوع الكرية الواقعية قد تبدل الموضوع فيجري استصحاب الكرية الظاهرية.

ولكن الصحيح عدم جريانه للقطع بارتفاع الكرية الظاهرية التي كانت ثابتة قبل دقائق ، إذ المفروض عدم جريان استصحاب الكرية الواقعية فما كان ثابتا بعنوان الكرية الاستصحابية لا يحتمل بقاؤه فكيف يستصحب (1).

3 - استصحاب الكلي :

ويقصد به التعبد ببقاء الجامع بين فردين من الحكم أو الجامع بين شيئين خارجيين إذا كان له أثر عملي.

وقد وقع النقاش في جريان الاستصحاب فيه تارة في أصل جريانه ، وأخرى في


1) الكرية الاستصحابية الظاهرية بعنوان الكرية الاستصحابية للواقع وإن كان غير محتمل البقاء ولكنه بعنوان الكرية الظاهرية أعني مطلق الحكم الظاهري أو روحه محتمل البقاء والمفروض عدم تبدل الموضوع فيه فيجري الاستصحاب بناءً على جريانه في الحكم الظاهري.

اقسامه وما يصح إجراء الاستصحاب فيه وما لا يصح ، ومرد البحث في كل ذلك إلى التشكيك في تمامية أركان الاستصحاب من تعلق اليقين والشك بشيء واحد أو ترتب أثر عملي عليه. ومن هنا نورد البحث في جهتين ، تارة في أصل جريان استصحاب الكلي ، وأخرى في اقسامه.

الجهة الأولى - في أصل إجراء استصحاب الكلي ، إذ قد يعترض على ذلك في باب الأحكام تارة ، وفي باب الموضوعات أخرى.

اما في باب الأحكام فالاعتراض ينشأ من المبنى القائل بأنَّ المجعول في دليل الاستصحاب هو الحكم المماثل للمستصحب حيث يقال انَّ المستصحب إذا كان هو الجامع بين الوجوب والاستصحاب أو بين وجوبين اقتضى ذلك جعل المماثل له بدليل الاستصحاب وهو باطل لأنَّ الجامع بحده لا يعقل جعله إذ يستحيل وجود الجامع إلاّ ضمن فرده ومع الخصوصية والجامع في ضمن أحد فرديه بالخصوص ليس محطاً للاستصحاب ولا تتم فيه أركانه ليكون مصباً للتعبد الاستصحابي ومشمولاً لدليله.

ومن الواضح انَّ هذا الاعتراض لا يرد بناءً على غير مبنى جعل الحكم المماثل من كونه إبقاءً لليقين وجعلاً للطريقية والعلمية بمقدار الجامع فيكون كالعلم الإجمالي بالجامع أو جعلاً للمنجزية والمعذرية بقدر الجامع أو إبرازاً لشدة اهتمام الشارع بمقداره ، فالإشكال مبني على أَن يكون مفاد دليل التعبد الاستصحابي جعل حكم يماثل الواقع المشكوك حيث يستحيل عندئذ جعل الجامع المماثل من دون جعل الخصوصية وجعله ضمن الخصوصية أكثر من محط الاستصحاب.

وقد يجاب على هذا الاعتراض بأحد وجوه :

الأول - ما ذكره المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) من انَّ المماثلة بين الحكم الظاهري والواقعي لا يعني بها المماثلة في كل شيء حتى في الملاك والإرادة بل مجرد التماثل في الإنشاء والطلب والوجوب والاستحباب وكذلك الحرمة والكراهة متماثلان في أصل الطلب فيكون جعل طلب الفعل في الجامع بين الاستحباب والوجوب وجعل طلب الترك أو الزجر عن الفعل في الجامع بين الكراهة والحرمة مماثلاً للجامع المشكوك على كل حال.

وفيه : أولاً لو فرض وحدة الطلب والمجعول في الاستصحاب والوجوب فما ذا يقال في

استصحاب الجامع بين فردين من الوجوب أو الحرمة المختلفين من حيث المتعلق كالجمعة والظهر فانه لا يمكن أَن يجعل وجوب جامع بينهما كما انَّ وجوب الجامع بين الفعلين ليس مماثلاً كما لا يخفى.

وثانياً - لو فرض انَّ الوجوب والاستحباب وكذلك الحرمة والكراهة لا يختلفان في مرحلة الإنشاء والجعل وفرض انَّ المماثلة لا يشترط فيها إلاّ المماثلة بحسب مرحلة الجعل لا الملاك والإرادة فكيف يمكن إثبات الوجوب أو الحرمة باستصحابهما في موارد استصحاب الفرد فضلاً عن الكلي فلعل المجعول هو الطلب الاستصحابي أو الكراهة (1).

الثاني - أَن نبني على مبنى المحقق العراقي (قدّس سرّه) من تعلق العلم الإجمالي بالواقع لا الجامع وانما الإجمال في الصورة فيكون الاستصحاب من استصحاب الفرد بحسب روحه ، غاية الأمر الفرد المبهم المعلوم إجمالاً لا المعلوم تفصيلاً ، وهذا وإن لم يكن علاجاً لاستصحاب كلي الحكم أصوليا إلاّ انه يجري فقهياً في استصحاب الحكم في موارد العلم الإجمالي به.

وفيه : مضافاً إلى بطلان المبنى على ما تقدم في محله انَّ المعلوم بالإجمال ربما لا يكون له تعين حتى واقعاً فيرد المحذور.

الثالث - انَّ الكلي وان كان لا يوجد إلاّ ضمن الخصوصية والخصوصية ليست محطاً للاستصحاب الا انَّ الكلي محط للاستصحاب بحسب الفرض فيثبت ولو في ضمن خصوصية من باب الملازمة بين جعل الكلي المماثل وجعل الخصوصية ويكون هذا من لوازم الأمارة وهو دليل حجية الاستصحاب لا الأصل.

وفيه : انَّ دليل الاستصحاب لو كان وارداً في مورد استصحاب الجامع صح مثل هذا الكلام ولكنه ليس كذلك وانما يراد إثباته بإطلاق الخطاب والمفروض انَّ ما هو محط الاستصحاب وواجد لأركانه لا يمكن جعل الحكم المماثل الاستصحابي فيه وما يمكن جعله فيه لا تتم أركان الاستصحاب فيه فلا يشمله الخطاب.

وان شئت قلت : ان إطلاق الخطاب انما يثبت المقدار الممكن من مدلوله ، وما هو


1) لو فرض البناء على مسلك المحقق النائيني (قدّس سرّه) من انَّ الوجوب والحرمة بحكم العقل عند عدم ثبوت الترخيص في الترك لارتفع هذا الإشكال فانه لو فرض ثبوت الاذن بالترك سابقاً جرى استصحابه أيضا فنثبت الاستصحاب وإلاّ ثبت الوجوب بنفس استصحاب الطلب أو هو مع استصحاب عدم الاذن في الترك.

ممكن في المقام ليس مدلولا لخطاب الاستصحاب وما هو محطه ومدلوله لا يكون ممكناً فلا يتم الإطلاق.

الرابع - أَن يبنى على انَّ موضوع التعبد الاستصحابي ليس هو اليقين بالحدوث بل نفس الحدوث وحيث انَّ حدوث الجامع كان ضمن خصوصيته فيمكن التعبد ببقائه ظاهراً كحكم مماثل للحادث الّذي هو الجامع مع الخصوصية. فالحاصل : إذا كان اليقين موضوعاً للحكم المماثل فحيث انه لا علم بالخصوصية والجامع المعلوم بما هو جامع لا يمكن جعل مماثله فلا يشمله دليل الاستصحاب ، وامّا إذا كان الموضوع واقع الحدوث المعلوم فحيث انَّ الخصوصية موجودة واقعاً فيكون موضوع الحكم المماثل المجعول هو الجامع مع الخصوصية فيمكن جعله ويشمله دليل الاستصحاب لا محالة.

وفيه : انَّ المحذور وان ارتفع بلحاظ اليقين بالحدوث ولكنه يبقى على حاله بلحاظ الشك في البقاء إذ المفروض ان المحتمل بقاؤه انما هو الجامع لا الفرد فانه ربما يكون الفرد مردداً بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع - كما في استصحاب الكلي من القسم الثاني - فانه حينئذ يرد الإشكال بأنه لو أُريد جعل حكم مماثل طبق الفرد فهو غير مشكوك ، وان أُريد جعل جامع مماثل من دون خصوصية فهو غير معقول.

وهكذا يتضح انَّ الإشكال لا جواب عليه بناءً على قبول مبنى جعل الحكم المماثل وانما ينحصر حل الإشكال بإنكار أصل المبنى (1).

وامّا في باب الموضوعات فالاعتراض ينشأ من انَّ الأحكام الشرعية انما تترتب على الكلي بما هو مرآة وحاكٍ عن الخارج لا بما هو مفهوم في الذهن ، والمتحقق في الخارج انّما هو الافراد والمصاديق فلا بد وأَن يرجع الاستصحاب دائماً إلى استصحاب الفرد والمصداق الخارجي ولا معنى لاستصحاب الكلي.

وللإجابة على هذا الاعتراض يمكن أَن نورد تصورات ثلاثة :

التصور الأول - أَن يبنى على مسلك الرّجل الهمداني لوجود الكلي في الخارج ، أعني


1) لو كان صاحب هذا المسلك يرى انَّ مدلول خطاب الاستصحاب هو جعل الحكم المماثل كان لهذا الإشكال مجال ، واما إذا افترضنا انَّ مدلول الخطاب هو التعبد ببقاء اليقين أو المتيقن في كل ما يكون له أثر عملي واما مسألة جعل الحكم المماثل فهي لمجرد علاج مشكلة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي وتصحيح إمكان التعبد بغير العلم فسوف يكون الحكم المماثل المجعول في مورد التعبد بمثابة الملاك والإرادة التي لا يشترط تطابقها مع مدلول الخطاب في الخصوصيات ، فتأمل جيداً.

دعوى التعدد في الواقع الخارجي وانَّ للكلي واقعاً سعياً منحازاً عن واقعيات الافراد تكون نسبته إليها نسبة الأب الواحد إلى الأبناء ، وهي طريقة الرّجل الهمداني في تصور الكلي الطبيعي.

وهذه الإجابة غير صحيحة لما ثبت في محله من انَّ الكلي موجود بعين وجود الافراد وانَّ نسبته إليها نسبة الآباء إلى الأبناء.

التصور الثاني - ما يظهر من كلمات المحقق العراقي (قدّس سرّه) من انَّ المستصحب في استصحاب الكلي انما هو الحصة ، فانَّ كل مصداق ووجود خارجي للفرد يشتمل على حصة من الكلي لا فرق فيها بين الافراد إلاّ من ناحية تعدد الوجود العيني وعلى مشخصات عرضية ، واستصحاب الكلي عبارة عن استصحاب ذات الحصة ، واستصحاب الفرد عبارة عن استصحاب الحصة مع المشخصات.

وهذه الإجابة أيضاً غير تامة ، فانَّ وجود الحصة غير وجود الكلي بمعنى انه أزيد منه ولهذا قد يكون الأثر مترتباً على الجامع بنحو صرف الوجود من دون دخالة خصوصية هذه الحصة أو تلك فيه.

التصور الثالث - انَّ الاستصحاب باعتباره تعبداً وحكماً شرعياً يجري في الجامع بما هو مرآة للخارج ولا معنى لجريانه في الخارج ابتداءً وبلا توسط عنوان من العناوين من دون فرق بين الكلي والجزئي فكما انَّ العنوان التفصيليّ يجري فيه الاستصحاب بما هو مرآة للخارج كذلك العنوان الإجمالي الكلي وهذا يعني انَّ أركان الاستصحاب ومصب التعبد إن تم في الواقع المرئي بعنوان تفصيلي مشير إليه فهذا استصحاب الفرد ، وان كان مصبه الواقع المرئي بعنوان جامع مشير إليه فهذا هو استصحاب الكلي على الرغم من وحدة الواقع المشار إليه بكلا العنوانين في مرحلة الوجود العيني ؛ والّذي يحدد إجراء الاستصحاب بهذا النحو أو بذاك كيفية أخذ الأثر الشرعي في لسان دليله.

وهكذا يتضح الجواب الفني على هذا الاعتراض من دون حاجة إلى دعوى التعدد في الواقع الخارجي أو إرجاع الكلي إلى الحصة ، وسوف يظهر فيما يأتي الثمرات المترتبة على كل واحد من هذه التصورات الثلاثة.

الجهة الثانية : في أقسام استصحاب الكلي ، ويمكن تقسيم الشك في بقاء الكلي إلى قسمين تحت كل قسم منهما توجد حالتان فيكون مجموع الأقسام أربعة. لأنَّ الشك في

بقاء الكلي تارة لا يكون ناشئاً من جهة الشك في حدوث فرد ، وأخرى يكون من جهة الشك في حدوث الفرد ، وعلى كل من التقديرين تارة يكون الكلي معلوماً ضمن فرد تفصيلاً ، وأخرى يكون معلوماً ضمن أحد فردين إجمالاً. وفيما يلي نستعرض كل قسم من هذه الأقسام الأربعة.

القسم الأول - أَن يكون الكلي معلوماً ضمن فرد تفصيلا ويُشك في بقائه ضمن نفس الفرد ، كما لو علم بدخول الإنسان مثلاً ضمن زيد في المسجد وشك في خروجه فيستصحب الكلي إذا كان الأثر الشرعي مترتباً عليه كما يجري استصحاب الفرد إذا كان يترتب عليه الأثر لتمامية أركان الاستصحاب في كل منهما ، واستصحاب الكلي في هذه الحالة جار على كل حال سواء فسرنا استصحاب الكلي وفرقنا بينه وبين استصحاب الفرد على أساس كون المستصحب هو الوجود السعي للكلي على طريقة الرّجل الهمداني - التصور الأول - أو الحصة - التصور الثاني - أم الخارج بمقدار مرآتية العنوان الكلي - التصور الثالث - إذ على كل هذه الوجوه تعتبر أركان الاستصحاب تامة.

القسم الثاني - ان يكون الكلي معلوماً إجمالاً ضمن أحد فردين ويشك في بقائه على كلا تقديريه ، كما ذا علم بوجود زيد أو خالد في المسجد ويشك في بقائه سواء كان زيداً أم خالداً. والحديث عن هذا القسم يقع ضمن نقاط :

النقطة الأولى - في جريان استصحاب الكلي في هذا القسم على التصورات الثلاثة المتقدمة ، ولا إشكال في جريانه بناء على التصور الأول والثالث لتمامية أركان الاستصحاب من اليقين بالحدوث والشك في البقاء في الكلي بناء على إرجاعه إلى استصحاب الوجود السعي أو استصحاب الواقع بمقدار مرآتية العنوان الإجمالي. واما بناءً على التصور الثاني الّذي كان يرجع استصحاب الكلي إلى استصحاب الحصة فلا يمكن إجراء استصحاب الكلي ، لأنه لا يقين بحدوث أي واحدة من الحصتين وانما يعلم بالجامع بينهما فكيف يجري استصحابها (1)اللّهم إلاّ ان تلغى ركنية اليقين


1) الحصة من الإنسان الموجودة ضمن زيد أو الموجودة ضمن خالد وان لم يكن هناك يقين بها تفصيلاً إلاّ ان الحصة من الإنسان يعلم بتحققها تفصيلاً في المسجد لأنَّ الحصة لا تزداد على الكلي بقيد مفهومي ، وتمايز الحصص ليس بذلك بل باختلاف طرف الإشارة إلى الوجودات العينية الخارجية فاليقين بحدوث حصة من الإنسان في المسجد تام أيضا.

وتستبدل بركنية الحدوث أو يقال بتعلق العلم الإجمالي بالواقع لا بالجامع كما هو مبنى المحقق العراقي (قدّس سرّه).

النقطة الثانية - في جريان استصحاب الفرد في هذا القسم إذا كان الأثر مترتباً عليه كما في موارد العلم الإجمالي المنجز لأثر الفردين فهل يمكن تنجيزه بقاءً بالاستصحاب أم لا. والجواب ما عرفت من انَّ جريانه يتوقف على القول بأحد المبنيين المشار إليهما في النقطة السابقة من تعلق العلم الإجمالي بالواقع أو كفاية الحدوث في جريان الاستصحاب ، وحيث يعلم بحدوث أحد الفردين فيعلم ببقاء أحدهما تعبداً فيكون من العلم الإجمالي بالحجة وإلاّ فكل من الفردين والحصتين لا يقين بحدوثه وانما اليقين بالجامع بينهما (1).

النقطة الثالثة - في انَّ استصحاب الكلي هل يكفي في إثبات الأثر المترتب على الفرد بمعنى الحصة أم لا؟

قد يقال بعدم اجزاء ذلك عن استصحاب الفرد لعدم ترتب الأثر على الجامع بحسب الفرض ولأنَّ إثبات الفرد بالجامع كنفي الجامع بنفي الفرد يكون من الأصل المثبت.

إلاّ انَّ الصحيح هو التفصيل بين أَن يكون مفاد دليل الاستصحاب التعبد ببقاء المتيقن وآثاره أو التعبد ببقاء نفس اليقين وانه ينبغي ترتيب نفس النتيجة التي كانت تثبت باليقين في حال الشك أيضاً ، فعلى الأول لا يمكن إثبات أثر الفرد إلاّ في حال تمامية أركان الاستصحاب فيه ، واما على الثاني فالعلم الإجمالي وان كان متعلقاً


1) إذا كان الأثر مترتباً على كلّ حصص الجامع بنحو مطلق الوجود فلا إشكال في جريان استصحاب الحصة الموجودة للكلي والمعلومة تفصيلاً لترتب ذلك الأثر لأنَّ خصوصية الحصة الموجودة ضمن زيد أو ضمن خالد وان لم تكن معلومة تفصيلاً إلاّ إنَّ تحقق حصة من الإنسان في المسجد معلوم فانَّ الحصة لا فرق بينها وبين الكلي في المفهوم فيجري الاستصحاب لترتب ذلك الأثر بلا إشكال على كل المسالك ، وامَّا إذا كان الأثر مترتباً على كل من الفردين بخصوصيته بحيث تنجز ذلك بالعلم الإجمالي فائضاً يمكن إجراء الاستصحاب في ذلك الفرد المعلوم بالإجمال على إجماله حيث يحتمل بقاؤه فيكون هذا العنوان الإجمالي مشيراً إلى ما هو محط الاستصحاب ومركزه لا انه بنفسه محط الاستصحاب ليقال بأنَّ الأثر غير مترتب عليه ، وكون ذلك الفرد غير معلوم بعنوانه التفصيليّ لا يضر بجريان الاستصحاب لأنَّ المستظهر من دليل الاستصحاب انَّ الركن الأول فيه انَّما هو إحراز ما يترتب عليه الأثر العملي سواء كان بعنوان تفصيلي أم إجمالي مشير إليه فانَّ هذا هو المراد من اليقين واثره العملي فلا موجب لتقييده بان يكون يقيناً بنفس العنوان الواقع موضوعا للأثر الشرعي تفصيلاً فلو علم بأنَّ زيدا مثلاً يجب إكرامه على كل حال مع الشك في كون ذلك من جهة العلم أو العدالة فشك في بقائه جرى استصحاب بقائه لترتيب وجوب إكرامه.

بالجامع لا بالحصة والفرد إلاّ انه منجز لأثر الحصة بحسب الفرض فيكون دليل الاستصحاب دالاً على بقاء هذا اليقين ومنجزيته في حال الشك أيضا ، وحيث انّا نستظهر من دليل الاستصحاب الّذي ورد فيه عنوان اليقين التعبد ببقاء اليقين فنرتب أثر الحصة في المقام على استصحاب الجامع رغم عدم تمامية أركان الاستصحاب في الحصة كما انّا استظهرنا من بعض الروايات كفاية الحدوث في الاستصحاب فيجري استصحاب الحصة أيضاً في النقطة السابقة لتمامية إطلاق مثل هذه الروايات في المقام بلحاظ الحصة وأثرها ولو لم يكن مفادها التعبد ببقاء اليقين (1)

وثانياً ـ ما أشرنا إليه في التعليق السابق من تمامية أركان الاستصحاب هنا في الفرد أيضاً سواء أُريد به الحصة أم الفرد المعلوم إجمالاً حتى إذا كان اليقين بالحدوث موضوعاً وقلنا بتعلق العلم الإجمالي بالجامع وقلنا بأنَّ دليل الاستصحاب يعبدنا ببقاء المتيقن لا اليقين إذ لا دليل على انه يعبد ببقاء المتيقن التفصيليّ دون الإجمالي ، فتأمل جيداً.

وثالثاً : انَّ هذا المبنى تظهر ثمرته فيما إذا كان المعلوم بالإجمال لا شك في بقائه بالعنوان التفصيليّ كما في القسم القادم حيث يمكن أَن يقال فيه ـ على ما سوف يأتي ـ إجراء الاستصحاب في العنوان الإجمالي الانتزاعي لتمامية أركان الاستصحاب فيه من اليقين بحدوثه والشك في بقائه وان لم يكن الشك في البقاء محفوظاً بلحاظ واقع الفرد وعنوانه التفصيليّ وسيأتي مزيد تعليق على هذه النقطة.

.

ثم انَّ كلا هذين القسمين من استصحاب الكلي يصطلح عليهما في كلماتهم بالقسم الأول من استصحاب الكلي.

القسم الثالث - أَن يكون الكلي معلوماً ضمن أحد فرديه إجمالاً ويشك في بقائه من جهة الشك في حدوث أي الفردين المسبب للشك في بقاء الكلي بأَن علم إجمالاً بحدوث أحد فردين طويل العمر وقصيره ، كالعلم إجمالاً بتحقق الحدث الأكبر غير الزائل بالوضوء أو الحدث الأصغر الّذي يزول به فيكون الشك في بقاء كلي الحدث مسبباً عن الشك في حدوث أي من الفردين المعلوم إجمالاً حدوث أحدهما وقد اصطلحوا عليه بالقسم الثاني من استصحاب الكلي ، والمعروف جريان الاستصحاب فيه لترتيب الأثر المترتب على الجامع ، ولتفصيل الكلام في ذلك نورد البحث ضمن نقاط :

النقطة الأولى - في جريان استصحاب الجامع بين الفردين لترتيب الأثر المشترك المترتب على الجامع بينهما بقاءً ، والصحيح : جريانه لتمامية أركانه فيه وعدم تمامية


1) يمكن أَن يلاحظ : أولا - ما تقدم عند التعرض لروايات الاستصحاب استبعاد تعدد القاعدة المجعولة بحيث يكون الموضوع لإحداهما اليقين بالحدوث ومضمونها التعبد ببقاء اليقين وموضوع الأخرى نفس الحدوث ومضمونها التعبد ببقاء المتيقن.

شيء من الشبهات التي أثيرت للمنع عنه.

توضيح ذلك : انه قد اعترض على استصحاب هذا القسم من الكلي بوجوه :

منها - انه لا يقين بالحدوث ، وهو اعتراض مبني على إرجاع استصحاب الكلي إلى استصحاب الحصة وحيث لا علم بالحصة حدوثاً فلا يجري الاستصحاب لعدم اليقين بالحدوث (1)بل لعدم الشك في البقاء أيضاً ، إذ لا شك في الحصة بقاءً بل إحدى الحصتين معلومة الانتفاء والأخرى معلومة البقاء. وقد تقدم انَّ استصحاب الكلي ليس بمعنى استصحاب الحصة بل هو استصحاب للواقع بمقدار ما يرى بالعنوان الإجمالي للجامع ، وهذا معلوم بالعلم الإجمالي حدوثاً.

ومنها - انه لا شك في البقاء لأنَّ الشك ينبغي أَن يتعلق بنفس ما تعلق به اليقين ولما كان اليقين هنا علماً إجمالياً والعلم الإجمالي متعلق بالمردد فلا بدَّ وأَن يتعلق الشك بالواقع على ترديده أيضاً ، وهذا انما يتواجد فيما إذا كان الواقع مشكوك البقاء على كل تقدير - كما في القسم السابق - مع انه ليس كذلك لأنَّ الفرد القصير من الجامع لا شك في بقائه.

والجواب - انَّ العلم الإجمالي لا يتعلق بالواقع المردد بل بالجامع وهو مشكوك إذ يكفي للشك في بقاء الجامع التردد في كيفية حدوثه.

ومنها - انَّ الوجود القصير للكلي لا يحتمل بقاؤه والوجود الطويل له لا يحتمل ارتفاعه وليس هناك في مقابلهما إلاّ المفهوم الذهني الّذي لا معنى لاستصحابه.

والجواب : انَّ الشك واليقين انما يعرضان على الواقع الخارجي بتوسط العناوين الحاكية عنه فلا محذور في ان يكون الواقع بتوسط العنوان التفصيليّ مقطوع البقاء أو الانتفاء وبتوسط العنوان الإجمالي مشكوك البقاء ، ومصب التعبد الاستصحابي دائماً العنوان بما هو حاك عن الواقع تبعاً لأخذه موضوعاً للأثر الشرعي بما هو كذلك.

نعم إذا أرجعنا استصحاب الكلي إلى استصحاب الحصة أمكن المنع عن جريانه في المقام ، لأنه يكون من استصحاب الفرد المردد نظراً إلى انَّ إحدى الحصتين مقطوعة الانتفاء فعلاً.


1) قد تقدم ثبوت اليقين بحدوث حصة من الكلي ، وانَّما الصحيح عدم الشك في بقاء الحصة.

ومنها - انَّ استصحاب الكلي يحكم عليه استصحاب عدم حدوث الفرد الطويل ، لأنَّ الشك في بقاء الكلي مسبب عن الشك في حدوث هذا الفرد.

والجواب : ما هو واضح من انَّ التلازم بين حدوث الفرد الطويل وبقاء الكلي عقلي وليس شرعياً فلا يثبت باستصحاب عدم الأول انتفاء الثاني إلاَّ بناءً على الأصل المثبت.

ومنها - انَّ استصحاب الكلي معارض باستصحاب عدم الفرد الطويل إلى ظرف الشك في بقاء الكلي ، لأن عدم الكلي عبارة عن عدم كلا فرديه ، والفرد القصير معلوم الانتفاء بالوجدان والفرد الطويل يحرز انتفائه فعلاً بالاستصحاب فهذا الاستصحاب بضمه إلى الوجدان المذكور حجة على عدم الكلي فعلاً فيعارض الحجة على بقائه المتمثل في استصحاب الكلي.

والتحقيق : انه تارة يكون وجود الكلي بما هو وجود له كافياً في ترتب الأثر على نحو لو فرض - ولو محالاً - وجود الكلي لا في ضمن حصة خاصة لترتب عليه الأثر. وأخرى لا يكون الأثر مترتباً على وجود الكلي إلاّ بما هو وجود لهذه الحصة ولتلك الحصة على نحو تكون كل حصة موضوعاً للأثر الشرعي بعنوانها.

فعلى الأول يجري استصحاب الكلي لإثبات موضوع الأثر ولا يمكن نفي صرف وجود الكلي باستصحاب عدم الفرد الطويل مع ضمه إلى الوجدان ، لأنَّ انتفاء صرف وجود الكلي بانتفاء هذه الحصة وتلك عقلي وليس شرعياً.

وعلى الثاني لا يجري استصحاب الكلي في نفسه ، لأنه لا ينقح موضوع الأثر بل ينفي موضوع ذلك الأثر باستصحاب عدم الفرد الطويل مع ضمه إلى الوجدان القاضي بعدم الفرد الآخر ، لأنَّ الأثر أثر للحصص فينفي بإحراز عدمها ولو بالتلفيق من التعبد والوجدان. وهكذا اتضح جريان استصحاب الكلي في هذا القسم إذا كان الأثر مترتباً عليه.

النقطة الثانية - في جريان استصحاب الفرد في هذا القسم إذا كان الأثر مترتباً على الفرد سواء أُريد به الحصة أم المشخصات الخارجية.

والصحيح : عدم جريانه لعدة مناقشات ونقاط ضعف بعضها يتم على بعض المباني وبعضها يتم على كل حال ، وهي كما يلي :

منها - عدم اليقين بالحدوث بالنسبة إلى الفرد ، لأنَّ اليقين الإجمالي قد تعلق بالجامع ، وهذه النقطة للضعف يمكن التخلص عنها بأخذ الحدوث موضوعاً أو افتراض مبنى المحقق العراقي (قدّس سرّه) من انَّ العلم الإجمالي يتعلق بالواقع.

ومنها - عدم الشك في البقاء ، وتوضيح ذلك : انَّ استصحاب الفرد في المقام تارة يراد به استصحاب واقع الفرد بان يكون محط الاستصحاب أحد الفردين بعنوانه التفصيليّ ، وأخرى يراد به استصحاب عنوان الفرد بأن يكون العنوان الانتزاعي المذكور هو محط الاستصحاب ، فان أُريد الأول كان من الواضح انَّ واقع الفرد - سواء أُريد به الحصة أم هي مع المشخصات - لا شك في بقائه بل يقطع بارتفاع أحدهما ويقطع ببقاء الآخر على تقدير حدوثه ، وهذا هو الفرق بين هذا القسم والقسم السابق ، حيث انه هناك كما نحتمل بقاء نفس ذلك الفرد المعلوم تحقق الكلي ضمنه إجمالاً فيجري الاستصحاب بلحاظه ، وإن شئت قلت : يعلم بجريان الاستصحاب بلحاظ أحد العنوانين التفصيلين فيكون من العلم بالحجة إجمالاً.

ومنه يعرف انَّ هذا الإشكال لا يختص بما إذا كان أحد الفردين مما يقطع ببقائه على تقدير حدوثه بل حتى إذا كان مما يشك ويحتمل بقاؤه مع ذلك لا يجري الاستصحاب في الفرد ، لأنَّ واقع ذلك الفرد المعلوم حدوثه إجمالاً مما يحتمل كونه الفرد المقطوع ارتفاعه.

وان أُريد الثاني ، فإذا كان المقصود من إجراء الاستصحاب في عنوان الفرد ترتيب الأثر عليه فالمفروض انَّ هذا العنوان الانتزاعي ليس هو موضوع الأثر الشرعي ليترتب عليه ولو فرض تمامية أركان الاستصحاب فيه ، وان كان المقصود التعبد ببقاء اليقين به فيكون كالعلم الإجمالي بالجامع الانتزاعي منجزاً ، كان الجواب : انَّ العلم الإجمالي بالجامع بين فردين يقطع وجداناً بانتفاء أحدهما - وهو الفرد القصير - لا يمكن تنجيز طرفه الآخر لأنَّ منجزية العلم الإجمالي لطرفيه على حد سواء ، وان شئت قلت : انه لو فرض محالاً بقاء العلم الإجمالي الوجداني بأحد الفردين مع العلم بانتفاء الفرد القصير لم يكن مثل هذا العلم الإجمالي منجزاً فكيف بالعلم الإجمالي التعبدي بذلك.

ومنها - لو افترضنا جريان الاستصحاب في أحدهما المردد بالعنوان التفصيليّ بان

أغمضنا النّظر عن إشكال عدم الشك في البقاء واكتفينا بالحدوث في موضوع الاستصحاب مع ذلك نقول انَّ النتيجة العلم إجمالاً بثبوت أحد الاستصحابين في العنوانين التفصيلين ، إلاّ انَّ مثل هذا العلم الإجمالي ليس بحجة ، لأنَّ الأثر المترتب على أحد الفردين وهو الفرد القصير مما يقطع بعدمه فلا يكون التعبد الاستصحابي بلحاظه منجزاً ، وهذا يعني عدم منجزية مثل هذا العلم الإجمالي بأحد الاستصحابين فيكون جعل مثل هذا التعبد الاستصحابي لغواً وغير معقول (1).

ومنها - لو افترضنا جريان الاستصحاب في أحدهما المردد بالعنوان الإجمالي بأَن فرضنا منجزية التعبد ببقاء العلم الإجمالي بالجامع لحكم الفرد الطويل بقاءً مع ذلك نقول : انَّ هذا الاستصحاب لا يجدي في إثبات التنجيز للأثر المترتب على الفرد الطويل امّا على مسلك الاقتضاء في منجزية العلم الإجمالي فلأنَّ منجزية هذا العلم الإجمالي الاستصحابي فرع عدم جريان الأصل الترخيصي في أحد أطرافه كالعلم الإجمالي الوجداني وفي المقام يجري استصحاب عدم الفرد الطويل أو البراءة عن حكمه بلا معارض لأنَّ الطرف الآخر - وهو الفرد القصير - لا يجري عنه الأصل الترخيصي في نفسه فيكون الأصل الترخيصي عن الفرد الطويل حاكماً على منجزية استصحاب الجامع ، وامّا على مسلك العليّة في منجزية العلم الإجمالي فلوقوع المعارضة بين استصحاب عدم الفرد الطويل بالعنوان التفصيليّ واستصحاب الجامع الإجمالي ، لأنَّ كلاًّ منهما يجري في عنوان غير ما يجري فيه الآخر وهما متنافيان وليس أحدهما رافعا لموضوع الآخر.

النقطة الثالثة - في أقسام الفرد المردد بلحاظ عناصر ثلاثة ، الفرد القصير المقطوع انتفائه والعلم بحدوث الجامع وما هو موضوع الحكم ، فانه تارة يكون الفرد القصير معلوماً تفصيلاً كما إذا علم بخروج زيد وحينئذ لا بدّ وأَن نفرض العلم بحدوث الجامع إجمالياً لا تفصيلياً وإلاّ لم يبق شك في شيء ، وأخرى يكون الأمر بالعكس بأَن نعلم بخروج زيدا أو عمر فيكون الفرد القصير معلوماً إجمالاً لا تفصيلاً والعلم بحدوث الجامع


1) هذا الاعتراض مبني على أَن يكون جريان استصحاب الفرد المردد في المقام بالنحو المذكور أي بإرجاعه إلى مجموع استصحابين في العنوانين التفصيلين اللذين يعلم بتحقق موضوع أحدهما ، وامَّا إذا كان بمعنى استصحاب واحد يجري في تلك الحصة المعلوم تحققها إجمالاً لتنجيز حكمها بقاء فلا مجال له.

معلوماً تفصيلاً. وثالثة يكون كل من الفرد القصير والجامع الحادث معلوماً إجمالاً. فهذه أقسام ثلاثة للفرد المردد وفي كل منها بلحاظ العنصر الثالث تارة يكون الحكم متعدداً أي ثابتاً لكل من الفردين سواء كانا من سنخ واحد أم من سنخين ، وأخرى يكون الحكم ثابتاً على أحدهما لا كليهما ، وعلى كل من التقديرين تارة يكون ما هو موضوع كل من الحكمين أو الحكم الواحد معلوما تفصيلاً بأَن علم انَّ دخول زيد موضوع لوجوب الصدقة مثلاً وانَّ دخول عمرو موضوع لوجوب الصلاة ، وأخرى يكون معلوماً إجمالاً بأَن علم ان أحدهما تجب فيه الصدقة والآخر تجب فيه الصلاة أو علم انَّ أحدهما تجب فيه الصدقة ، فهذه حالات أربع للتردد بلحاظ العنصر الثالث تجري في كل من الأقسام الثلاثة ، ولنشرع في بيان حكم كل قسم من حيث جريان استصحاب الفرد فيه وعدمه فنقول :

اما القسم الأول : وهو ما إذا كان الفرد القصير معلوما تفصيلاً كما لو علم بخروج زيد بالخصوص من المسجد وعلم بدخول زيد أو خالد في المسجد فالحكم يختلف باختلاف الحالات الأربع للشك بلحاظ العنصر الثالث وتفصيل ذلك كما يلي :

1 - أَن يكون الحكم متعدداً أي لكل منهما حكم يخصه - سواء كانا من سنخين كوجوب الصدقة والصلاة أو من سنخ واحد - وكان موضوع كل من الحكمين معلوماً تفصيلاً بأَن علم انَّ دخول زيد في المسجد موضوع لوجوب الصدقة مثلاً ودخول خالد موضوع لوجوب الصلاة.

وهذه الحالة هي التي كنا نتحدث عنها في النقطة السابقة وأثبتنا عدم جريان استصحاب الفرد فيه.

2 - أَن يكون الحكم واحداً مرتباً على أحد الفردين ومعلوم تفصيلاً ، كما إذا علم بوجوب الصدقة على تقدير دخول خالد في المسجد - ولا بد من افتراضه الفرد الطويل وإلاّ لم يكن يشك في بقاء الحكم كما هو واضح - وهنا لا يجري استصحاب الفرد لعدم اليقين بحدوث التكليف وان كان يعلم بحدوث الجامع ، إذ المفروض انَّ موضوع الأثر هو الفرد الطويل بالخصوص ، فعلى جميع المسالك لا يجري استصحاب الفرد لعدم إحراز ما هو موضوع الحكم ولو إجمالاً حتى لو قيل بجريانه في الحالة السابقة بل الجاري استصحاب عدم الفرد الطويل.

3 - أَن يكون الحكم متعدداً ومعلوماً إجمالاً بأَن نعلم انَّ أحدهما موضوع لوجوب الصدقة والآخر موضوع لوجوب الصلاة إجمالاً وعلم إجمالاً بدخول أحدهما في المسجد كما علم تفصيلاً بخروج زيد منه. ومقتضى الصناعة في هذه الصورة جريان الاستصحاب في الفرد لا بعنوانه التفصيليّ ليقال باحتمال انطباقه على الفرد القصير المتيقن انتفاؤه فلا يكون من نقض اليقين بالشك بل بعنوانه الإجمالي الانتزاعي بناءً على ما تقدم من استفادة التعبد ببقاء اليقين السابق من دليل الاستصحاب إذا كان يترتب عليه أثر عملي من تنجيز أو تعذير ، فانه في المقام يكون التعبد ببقاء العلم الإجمالي مفيداً في التنجيز بخلاف الحالة الأولى لأنه في هذه الحالة لا يعلم بارتفاع أحد الحكمين تفصيلاً فلا وجوب الصدقة معلوم الارتفاع ولا وجوب الصلاة بل كل منهما محتمل فيمكن للمولى أَن لا يرفع يده عن الواقع المحتمل ويحافظ عليه على كل تقدير فيكون العلم الإجمالي التعبدي منجزاً لكلا الحكمين ، والعلم بانتفاء أحد الحكمين إجمالا في الآن الثاني لا يمنع عن تنجيز العلم الإجمالي لأنَّ العلم الإجمالي بالترخيص لا يمنع عن منجزية العلم الإجمالي بالإلزام كما إذا علمنا بنجاسة أحد الإناءين وطهارة الآخر إجمالاً ، وهذه من نتائج ما استظهرناه في أدلة الاستصحاب من ان مفادها التعبد ببقاء اليقين (1)

وإن شئت قلت : انَّ الشك هنا ليس في بقاء المتيقن بل يقطع بأنَّ المتيقن منتف على تقدير وباق على تقدير آخر وانما الشك بحسب الحقيقة في كون الحادث ما قطع بانتفائه أم لا فلا يصدق نقض اليقين بالشك بلحاظ ما يكون اليقين طريقاً إليه وهو واقع المتيقن ، وامَّا الشك في عنوان الفرد الانتزاعي فهو لا يكفي لصدق النقض العملي لليقين بالشك لعدم كونه موضوعاً للأثر ليكون اليقين طريقاً إليه وان كان متعلقاً به فانَّ تعلق اليقين بالعنوان الإجمالي طريق منجز عقلاً لحكم العنوان التفصيليّ بحسب الفرض فلا بدَّ وأَن يكون النقض بالشك بلحاظه أيضاً فتأمل جيدا.

.

4 - أَن يكون الحكم واحداً ولكن موضوعه مردد معلوم بالإجمال كما إذا علمنا بوجوب الصدقة عند دخول زيد أو عمرو في المسجد وعلمنا بدخول أحدهما إليه في الآن الأول وعلمنا بعد ذلك بخروج زيد لو كان هو الداخل. وهذه الحالة ملحقة بالحالة الثانية فيما إذا لم يحرز وحدة المعلومين الإجماليين أي انَّ المعلوم دخوله في المسجد


1) يمكن أَن يقال : انَّ التعبد ببقاء اليقين فرع صدق نقض اليقين بالشك ، وهذا يعني انه لا بد في المرتبة السابقة من ملاحظة مدى انطباق هذا العنوان وحينئذ نقول : انَّ نقض اليقين بالشك انما يصدق فيما إذا كان الشك في بقاء ما يكون اليقين طريقاً إليه ومنجزاً له وهو واقع المتيقن لا العنوان الإجمالي الانتزاعي - كما في المقام -.

إجمالاً هو موضوع وجوب الصدقة المعلوم إجمالاً ، لأنه حينئذ لا يحرز أصل التكليف حدوثاً لكي يمكن التعبد ببقائه وهي ملحقة بالحالة الثالثة إذا أحرز وحدة المعلومين الإجماليين.

وامّا القسم الثاني وهو ما إذا كان الفرد القصير أي الخارج عن المسجد معلوماً إجمالاً ولكن الجامع يعلم بتحققه ضمن أحد الفردين تفصيلاً والمفروض انه موضوع الأثر الشرعي. وفي هذا القسم يجري استصحاب الفرد بعنوانه التفصيليّ لتمامية أركان الاستصحاب من اليقين بالحدوث والشك في البقاء فيه.

وامّا القسم الثالث وهو ما إذا كان الفرد القصير الخارج معلوماً إجمالاً والجامع المعلوم تحققه في المسجد معلوماً إجمالاً أيضاً ، والحكم في تمام صور هذا القسم جريان الاستصحاب فيما إذا فرض إحراز موضوع الحكم حدوثاً حيث يمكن إجراء الاستصحاب في العنوانين التفصيليين مشروطاً بحدوثه كما يمكن إجراؤه في العنوان الإجمالي من دون محذور لعدم القطع بانتقاض شيء من العنوانين التفصيليين ، وامّا العلم الإجمالي بخروج أحدهما فلا ينافي الشك في العنوان التفصيليّ كما هو واضح.

النقطة الرابعة - في معيار كون الاستصحاب من الفرد المردد. فقد جاء في أحد تقريري بحث المحقق النائيني (قدّس سرّه) التمثيل لاستصحاب الفرد المردد بما إذا علمنا بدخول زيد في الدار الّذي قد انهدم جانبه الشرقي مثلاً وشككنا في انَّ زيداً هل كان في الجانب الشرقي أو الغربي فان كان في الجانب الشرقي فقد هلك قطعاً وان كان في الجانب الغربي فهو لا يزال حيّاً ، معلقاً على ذلك بأن كون زيد في الجانب الشرقي أو الغربي لا يجعله كليّاً ليكون المثال مصداقاً لاستصحاب الكلي من القسم الثاني بل هو من استصحاب الفرد المردد بين مقطوع البقاء ومقطوع الانتفاء (1).

والصحيح : انه من استصحاب الفرد المعين لا المردد ومجرد القطع بموته إذا كان في الجانب الشرقي بنحو القضية الشرطية لا يجعل الاستصحاب من الفرد المردد فانَّ معيار كون الاستصحاب من الفرد المردد أَن يتردد الأمر بين فردين يقطع بنحو القضية التنجزية بانتفاء أحدهما وامّا إذا كان الفرد معينا غاية الأمر يقطع بانتفائه على تقدير


1) فوائد الأصول ، الجزء الرابع ، ص 154

بنحو القضية الشرطية فالمستصحب وهو الفرد لا يقطع بانتفائه بالفعل وانما يحتمل ذلك فيه والقطع بالقضية الشرطية لا يوجب تعدد الفرد وانما هو منشأ للشك في بقائه وارتفاعه كما هو واضح.

النقطة الخامسة - قد يستغنى عن استصحاب الفرد المردد لترتب اثره بحكم العقل توضيح ذلك : انَّ المكلف قد يحصل له العلم الإجمالي بتحقق أحد الفردين قبل ارتفاع الفرد القصير ، وأخرى يحصل له ذلك بعد أَن ارتفع الفرد القصير على تقدير حدوثه.

امّا الحالة الأولى فيتصور فيها ثلاث صور :

الصورة الأولى - أَن يعلم المكلف منذ حصول علمه الإجمالي بتحقق أحد الفردين انَّ أحدهما على تقدير كونه الحادث سوف يبقى إلى الآن الثاني ، والمفروض انَّ كلا من الفردين القصير والطويل له أثر حدوثاً. وفي هذه الصورة يتشكل للمكلف علم إجمالي آخر بترتب أثر الفرد القصير الآن أو أثر الفرد الطويل في الزمن الثاني وهو من العلم الإجمالي بالتدريجيات التي تقدم منجزيته فيكون أثر الفرد الطويل بقاءً متنجزاً من أول الأمر بالعلم الإجمالي بتحقق أحد الفردين فلا نحتاج إلى استصحاب الفرد المردد بل لا يعقل جعله بعد أَن كان جريانه باعتبار انتهائه إلى منجزية العلم الإجمالي التعبدي بقاءً فانَّ هذا الأثر العملي ثابت بنفسه فيكون التعبُّد به لغواً (1)

أولا ـ لأنه مبني على أَن يكون استصحاب الفرد المردد من باب التعبد ببقاء اليقين لا المتيقن المردد على إجماله كما لا يخفى وجهه.

وثانياً ـ حتى على القول برجوعه إلى التعبد ببقاء اليقين الّذي هو نفس العلم الإجمالي في المقام لا لغوية لأنَّ ثبوت هذا التعبد الظاهري يعني حكم المولى واهتمامه بالواقع المحتمل في المقام وهذا لم يكن ثابتاً بالعلم الإجمالي المنجز عقلاً هذا لو أُريد باللغوية تحصيل الحاصل ، وامَّا لو أُريد بها في المقام دعوى عدم الشك في التنجيز وترتب هذا الأثر العملي ليراد إثباته بالتعبد لكونه ثابتاً بالوجدان فالجواب : انَّ الشك الّذي هو موضوع التعبد الاستصحابي هو الشك فيما هو موضوع للأثر العملي أي ما يرجع إلى الشارع لا نفس الأثر والوظيفة العملية التي تكون ثابتة عقلاً في كلّ مورد امَّا بنحو الاشتغال أو البراءة وإلاّ لزم لغوية جعل الاستصحاب في كل مورد يكون مؤداه من التنجيز أو التعذير ثابتاً عقلا لولاه ، وما هو موضوع للأثر العملي في المقام سواء كان موضوعا للحكم الشرعي أو نفسه أو متعلقه ليس مقطوعاً به كما هو واضح.

.

الصورة الثانية - نفس الصورة مع فرض انَّ المكلف يشك في بقاء الفرد الطويل على تقدير حدوثه إلى الآن الثاني ، وحكم هذه الصورة حكم الصورة السابقة بناءً على ما نقحناه من كفاية الحدوث في جريان الاستصحاب فانه حينئذ يعلم المكلف إجمالاً


1) يمكن أن يقال بعدم اللغوية وذلك :

امّا بأثر الفرد القصير في حقه الآن أو بأثر الفرد الطويل ظاهراً في الآن الثاني الثابت بالاستصحاب ، وهذا علم إجمالي منجز أيضاً. نعم مثل هذا العلم الإجمالي لا يمنع عن جريان استصحاب الفرد المردد لو قيل بجريانه في الآن الثاني لأنه في عرض استصحاب الفرد الطويل على تقدير الحدوث ينجز ان الواقع في مرتبة واحدة فلا معنى لفرض أحدهما لغواً دون الآخر.

الصورة الثالثة - أَن يفرض عدم ترتب أثره على الفرد القصير حدوثاً وانما الأثر مترتب عليه وعلى الفرد الطويل في مرحلة البقاء بحيث لو علم إجمالاً بأحدهما في الآن الثاني كان منجزاً ، وفي هذه الصورة لا يمكن تنجيز هذا الأثر إلاّ باستصحاب الفرد المردد على القول بجريانه كما لا يخفى.

واما الحالة الثانية ، وهي ما إذا كان العلم الإجمالي بأحد الفردين حاصلاً بعد ارتفاع الفرد القصير فهذا كالصورة الثالثة من الحالة الأولى من حيث الاحتياج إلى استصحاب الفرد المردد على تقدير جريانه إذ لا يوجد علم إجمالي منجز لأثر الفرد الطويل من الأول الأمر كما لا يخفى.

النقطة السادسة - مما تقدم في استصحاب الفرد المردد يظهر الوجه في عدم جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية كما إذا شك في صدق مفهوم العادل على فاعل الصغيرة سواء أُريد استصحاب الموضوع أو الحكم.

توضيح ذلك : انَّ الشك في موارد الشك الشبهات المفهومية ليس في الواقع بل في ما هو مدلول اللفظ ، ومن الواضح انَّ مدلول اللفظ بما هو مدلول اللفظ ليس موضوعاً للحكم الشرعي ليجري الاستصحاب فيه والواقع لا شك فيه بل يقطع بعدم ارتكاب الكبيرة ويقطع بارتكاب الصغيرة فلا معنى للاستصحاب بنفس البيان المتقدم في استصحاب الفرد المردد.

النقطة السابعة - في معالجة الشبهة المعروفة بالشبهة العبائية وهي شبهة أثارها جدنا السيد إسماعيل الصدر ( قدس سرّه ) كنقض على استصحاب الكلي من القسم الثاني وحاصلها : انّا لو فرضنا عباءة عُلم إجمالاً بنجاسة أحد طرفيها وغسلنا الطرف الأيمن منها مثلاً ثم لاقت يدنا مع الطرف الأيسر فالحكم هو طهارة اليد لأنها لاقت مع أحد طرفي العلم الإجمالي بعد خروج طرفه الآخر ولكن لو فرض ملاقاتها ثانياً مع الطرف الأيمن

المغسول كانت النتيجة الحكم بنجاستها لجريان استصحاب كلي النجاسة في أحد الطرفين من العباءة المعلومة قبل غسل الطرف الأيمن ، ويترتب على ذلك نجاسة اليد الملاقية مع الطرفين لأنه الأثر الشرعي لبقاء النجاسة في العباءة ، وهذا يعني انَّ ملاقاة اليد مع الطاهر توجب النجاسة ووجوب الاجتناب وهو مقطوع البطلان فقهياً وغريب عرفاً ومن اللوازم التي لا يمكن الالتزام بها فقهياً على القول بجريان استصحاب الكلي من القسم الثاني في المقام.

وقد التزم السيد الأستاذ بهذه النتيجة الغريبة بدعوى انه لا مانع في باب الأحكام الظاهرية من التفكيك بين المتلازمين حسب اختلاف مؤديات الأصول العملية فيحكم بطهارة الملاقى دون ملاقيه.

وتحقيق الكلام حول هذه الشبهة تارة بتحديد مورد هذه الشبهة ، وأخرى بكيفية علاجها.

امّا مورد هذه الشبهة فظاهر من تعرض لها انه لا فرق فيها بين ما إذا كانت الملاقاة مع الجانب غير المغسول أولا ثم مع الجانب المغسول من العباءة أو بالعكس ، مع انَّ الصحيح انَّ الشبهة تختص بالفرض الأول ولا تجري في الثاني.

توضيح ذلك : انه في الفرض الثاني يجري استصحاب الطهارة المتيقنة بين الملاقاتين حيث انه بعد ملاقاة اليد مع الطرف الطاهر يقطع بطهارتها وعدم طروِّ نجاسة عليها فتستصحب إلى ما بعد ملاقاتها مع الطرف الآخر المشكوك ، وهذا الاستصحاب في اليد الملاقية ليس محكوماً لاستصحاب كلي النجاسة في الملاقي - بالفتح - بل معارض معه لوضوح ان النجاسة المرددة بين الطرفين على تقدير ثبوتها ترفع الطهارة الثابتة للملاقي قبل الملاقاتين معاً وامّا الطهارة الثابتة في الملاقي يقيناً بين الملاقاتين فبقاؤها ليس محكوماً لتلك النجاسة المرددة وانما يكون محكوماً لنجاسة الطرف المشكوك وهي لا تثبت باستصحاب كلي النجاسة إلاّ بنحو الأصل المثبت.

وإن شئت قلت : انَّ الطهارة الثابتة بين الملاقاتين والتي استصحبناها لا يكون زوالها مسبباً عن نجاسة الجامع بين الطرفين وانما يكون زوالها مسبباً عن نجاسة خصوص

الطرف غير المغسول والتي لا يمكن إثباتها باستصحاب الكلي (1)

وان شئت قلت : ان أُريد من استصحاب طهارة اليد الاستصحاب الحكمي فهو محكوم لاستصحاب الجامع الموضوعي وان أُريد منه استصحاب عدم الملاقاة مع النجس الموضوعي فالمفروض العلم بالملاقاة مع نجس مردد ثابت نجاسته بالتعبد. وان أريد منه استصحاب تلك الحصة من الطهارة الثابتة بين الملاقاتين فثبوت الحصة من الطهارة لا ينافي ثبوت النجاسة من ناحية استصحاب الكلي وملاقاة اليد مع النجاسة المرددة.

.

وقد يعمم هذا البيان للفرض الأول أيضاً بأحد تقريبين :

التقريب الأول - اننا نستصحب طهارة اليد إلى ما بعد ملاقاتها مع الطرف المشكوك وهذا الاستصحاب غير محكوم لاستصحاب نجاسة الجامع كما ذكرنا ثم نستصحب الطهارة الثابتة لليد بالاستصحاب إلى ما بعد الملاقاة الثانية مع الطرف الآخر المغسول حيث انه يحتمل وجداناً بقاؤها فيكون الشك في البقاء محفوظاً ، كما انَّ اليقين بالحدوث بين الملاقاتين محرز بالاستصحاب الأول امّا باعتبار قيامه مقام القطع الموضوعي أو باعتبار كفاية الحدوث في جريان الاستصحاب فيكون جريان الاستصحاب الثاني من آثار الاستصحاب الأول.

ويرد عليه : أولاً - انَّ الطهارة الثابتة بين الملاقاتين في الفرض الأول بالاستصحاب لا يشك في بقائها بل يقطع ببقائها - على تقدير ثبوتها - إلى ما بعد الملاقاة بالطرف المغسول ، وهذا يعني انه لا يشك في بقاء المستصحب في الاستصحاب الثاني وانما الشك في وجودها فلو استظهر من دليل الاستصحاب اشتراط كون الشك في البقاء فلا يشمل المقام.

وثانياً - انَّ الشك بعد الملاقاتين في الطهارة هو نفس الشك بين الملاقاتين وليس شكاً جديداً لعدم احتمال طرو النجاسة بعد ذلك وهذا يعني انه نفس الشك في بقاء الطهارة الثابتة قبل الملاقاتين والّذي تقدم انه محكوم لاستصحاب النجاسة المرددة بين الطرفين لأنَّ زواله مسبب عنها (2).

التقريب الثاني - اننا باستصحاب بقاء الطهارة إلى ما بعد الملاقاة مع الطرف


1) هذا غاية ما يثبت طهارة اليد وعدم نجاستها من ناحية ملاقاة هذا الطرف ولا يثبت الطهارة المطلقة أي عدم نجاسة اليد من ناحية ملاقاة النجاسة المرددة الثابتة لأحد الطرفين بالاستصحاب لأنَّ انتفاء الجامع بانتفاء الافراد أيضا عقلي ولو سلم يجري في تمام موارد استصحاب الكلي.

2) وقد عرفت جواباً آخر على أصل شبهة المعارضة يتم في الفرضين.

المشكوك نثبت طهارته بقاءً بعد الملاقاتين معاً أيضا إذ لا يحتمل طرو نجاسة في البين فبهذا الاستصحاب نثبت طهارة اليد بعد الملاقاة الأولى وبضمه إلى وجدانية عدم طرو النجاسة بعد ذلك نثبت طهارتها بعد الملاقاة الثانية أيضاً لكونها من آثار حدوثها وحيث انَّ هذا الاستصحاب ليس محكوماً لاستصحاب النجاسة المرددة فيكون معارضا معه.

ويرده : ان بقاء الطهارة ليس أثراً شرعياً لحدوثها لكي يترتب بالاستصحاب الأول ، بل المستفاد من الأدلة انَّ الطهارة حدوثا وبقاء مجعولة في عرض واحد على الشيء ما لم يلاق نجساً فلا بد من إحرازها في كل آن بالوجدان أو بأصل يجري بلحاظه.

وهكذا يتضح انَّ الشبهة العبائية موردها ما إذا لاقت اليد مع الطرف غير المغسول أولا ثم لاقت مع الطرف المغسول.

واما كيفية علاج هذه الشبهة والجواب عنها فحاصله : انَّ استصحاب النجاسة المرددة في العباءة لا يجري ، إذ لو أُريد به استصحاب واقع النجاسة المرددة بين الطرفين فهو من استصحاب الفرد المردد الّذي تقدم عدم جريانه في أمثال المقام لعدم تمامية أركان الاستصحاب فيه ، وان أُريد به استصحاب جامع النجاسة أي النجاسة المضافة إلى العباءة بلا ملاحظة هذا الطرف أو ذاك فهذا الاستصحاب وان كانت أركانه تامة إلاّ انه لا يترتب على مؤداه نجاسة اليد الملاقية مع الطرفين إلاّ بالملازمة العقلية ، لأنَّ نجاسة الجامع لو فرض محالاً وقوفها على الجامع وعدم سريانها إلى هذا الطرف أو ذاك فلا تسري إلى الملاقي ، لأنَّ نجاسة الملاقي موضوعها نجاسة هذا الطرف أو ذاك الطرف لا الجامع بما هو جامع ، وإثبات نجاسة أحد الطرفين بخصوصه بنجاسة الجامع يكون بالملازمة العقلية ، ولعل هذا هو مقصود المحقق النائيني (قدّس سرّه) من جوابه على هذه الشبهة بأنه من الأصل المثبت.

النقطة الثامنة - في استصحاب الجامع بين الحكمين المردد بين القصير والطويل ، والحكمان تارة يكونان متباينين من حيث المتعلق كوجوب الجمعة أو الظهر ، وأخرى ينصبان على مصب واحد كوجوب الجلوس ساعة أو ساعتين. ففي القسم الأول لا يجري استصحاب الجامع بالبيان المتقدم في استصحاب الجامع بين الموضوعين فانه. لو أريد استصحاب الواقع المردد كان من استصحاب الفرد المردد ولو أُريد استصحاب

الجامع بينهما فهو جامع بين ما يقبل التنجيز وما لا يقبل التنجيز فلا يكون قابلاً للتنجيز.

وامّا القسم الثاني فتارة تكون الشبهة فيه حكمية كما إذا علم بصدور أحد جعلين لوجوب الجلوس في المسجد اما جعل قصير ولمدة ساعة أو طويل ولمدة ساعتين ، وأخرى تكون الشبهة موضوعية كما إذا علم بوجوب الجلوس يوم الجمعة ساعة ويوم السبت ساعتين وشك في انَّ هذا اليوم جمعة أو سبت ، أو علم بوجوب الجلوس ساعة إذا جاء زيد وساعتين إذا جاء خالد وعلم بمجيء أحدهما.

اما النحو الأول ، فليس من استصحاب الكلي أصلاً بل هو من استصحاب شخص الحكم المردد بين كونه طويلاً أو قصيراً من جهة الشك والتردد في كيفية جعله ، كيف وإلاّ كان استصحاب الحكم في تمام موارد الشبهات الحكمية من استصحاب الكلي.

وامّا النحو الثاني - فقد يقال فيه بعدم جريان الاستصحاب لأنه من موارد الشك والتردد في انَّ الوجوب الّذي صار فعلياً هل هو الجعل القصير أو الطويل وحيث يعلم بوجود جعلين ويشك في ما هو الفعلي منهما يكون لا محالة من استصحاب الكلي والجامع بين الفردين فيجري عليه ما قلناه من انه جامع بين ما يقبل التنجيز وما لا يقبل التنجيز وهو لا يقبل التنجيز.

ولكن الصحيح جريان الاستصحاب في هذا النحو وذلك بأحد بيانين :

البيان والأول - انَّ الجامع بين الحكمين يقبل التنجيز في المقام لكون متعلق الوجوبين شيء واحد وهو الجلوس في المسجد وليس من قبيل وجوب الجمعة والظهر فانَّ جامع الوجوب فيه لا يكون له متعلق متعين إذ ليس متعلقاً بأحدهما بالخصوص وإلاّ لم يكن جامعاً ولا بالجامع بينهما وإلاّ كان واجباً تخييرياً ، اما في المقام فجامع الوجوبين متعلق بجامع الجلوس بحيث لو فرض محالاً تحقق هذا لجامع بدون خصوصية كان منجزاً لمتعلقه وداخلاً في العهدة فيمكن إثباته بالتعبد الاستصحابي (1).


1) هذا كأنه قياس للمقام بما يقال في بحث الأقل والأكثر من انَّ الّذي يدخل في الذّمّة ذات الوجوب مع قطع النّظر عن حده وخصوصيته إلاّ انه قياس في غير محله لأنَّ المفروض هناك وجود جعل واحد مردد بينما في المقام يوجد جعلان يقطع بانتفاء موضوع أحدهما ويشك في حدوث موضوع الآخر فيجري استصحاب عدمه ، والمتنجز بحسب الدقة انما هو الجعل مع إحراز موضوعه على ما تقدم والعلم بتحقق أحد الموضوعين لا يكون إلاّ علماً بالجامع بين ما لا يقبل التنجيز وما يقبل التنجيز وهو غير منجز عقلاً ، وهذا بخلاف موارد الدوران بين الأقل والأكثر التي يحرز فيها وجود جعل شخصي متعلق بالأقل على كل تقدير.

البيان الثاني - ما تقدم في تخريج استصحاب الحكم في الشبهات الموضوعية من جريانه بلحاظ عالم المجعول الفعلي لا الجعل فكأنَّ هناك امراً خارجياً علم بحدوثه ويشك في بقائه فيستصحب ، واختلاف الجعل بلحاظ فعلية المجعول يكون كاختلاف الحيثيات التعليلية لا التقييدية ، وهذا يعني انَّ المستصحب الملحوظ بالنظر العرفي المسامحي شخصي لا كلي (1).

النقطة التاسعة - في تطبيقين لاستصحاب الكلي من هذا القسم أعني الجامع بين الفرد القصير والطويل وقع البحث فيهما عند المحققين.

التطبيق الأول - ما إذا خرج من المكلف بلل مشتبه لا يدري هل هو بول فيكون محدثاً بالأصغر أو منيّ فهو محدث بالأكبر فيقال باستصحاب بقاء جامع الحدث بعده الوضوء المقتضي للإتيان بالغسل أيضا.

وقد قسم المحقق العراقي (قدّس سرّه) هذا الفرع إلى صور أربع.

الصورة الأولى - أَن تكون حالته قبل خروج البلل المشتبه الطهارة من الحدثين ثم خرج منه البلل المشتبه ، والحكم هنا وجوب الإتيان بالوضوء والغسل معاً لمنجزية العلم الإجمالي ولجريان استصحاب بقاء جامع الحدث الموضوع لحرمة المس والمانعية ونحوها من الآثار المشتركة ولا كلام فيه زائداً على ما تقدم في استصحاب كلي الموضوع.

الصورة الثانية - أَن يكون محدثاً بالأكبر قبل خروج البلل المشتبه ، ولا كلام هنا في وجوب الغسل عليه دون الوضوء لعدم ترتب أثر على خروج البول منه بعد الجنابة كما هو واضح.

الصورة الثالثة - أَن لا تكون حالته السابقة معلومة ، وحكم هذه الصورة حكم الصورة الأولى للعلم الإجمالي بأنه محدث اما بالأصغر أو الأكبر من دون يقين سابق بعدم أحدهما بالخصوص قبل خروج البلل المشتبه.


1) هذه مصادرة إضافية على ما تقدم في تخريج استصحاب الحكم في الشبهة الموضوعية وهي محل تأمل وإشكال ، فانه كما يكون اختلاف المتعلق معدداً عقلاً وعرفاً للحكم المجعول كذلك تعدد الجعل ، فالاستصحاب من استصحاب الكلي حتى بحسب النّظر العرفي وإلاّ لورد النقض بلزوم المصير إلى جريان استصحاب المجعول حتى إذا كان العلم بفعلية أحد الجعلين بنحو الكلي من القسم الثالث كان علم بتحقق موضوع الجعل القصير وهو الجلوس ساعة وانتهائه وشك في تحقق موضوع الجعل الطويل من أول الأمر أو حين ارتفاع الأول فانَّ الجعل يكون بمثابة الحيثية التعليلية غير المقومة للمجعول الفعلي الشخصي بحسب النّظر العرفي حينئذ ولا يظن الالتزام به.

الصورة الرابعة - أَن يكون محدثاً بالأصغر قبل خروج البلل المشتبه ، وقد شقق الحكم في هذه الصورة إلى فروض حسب اختلاف المباني الفقهية في النسبة بين الحدثين وإمكان اجتماعهما وعدمه :

الأول : أَن يفترض عدم التضاد بين الحدثين بحيث يمكن اجتماعهما معاً على المكلف ، وحكم في ذلك بأنَّ استصحاب بقاء كلي الحدث هنا يكون من القسم الثالث للكلي لا الثاني لأنَّ الحدث الأصغر مقطوع به على كل حال وانما يشك في تحقق الحدث الأكبر والأصل عدمه فيكتفي بالوضوء كما هو الحال في سائر موارد استصحاب القسم الثالث للكلي.

وقد يعلق على ذلك بجريان استصحاب بقاء الحدث الأصغر المعلوم سابقاً بناءً على المبنى المشهور والصحيح فقيهاً من انَّ الحدث الأصغر لا يرتفع بالوضوء إذا كان مع الأكبر فمع الشك في كون البلل المشتبه منيّاً يشك لا محالة في ارتفاع الحدث الأصغر بمجرد الوضوء فيجري استصحاب بقائه وهو من استصحاب الشخص لا الكلي.

إلاّ انَّ هذا الكلام غير تام ، لأنَّ استصحاب عدم تحقق الحدث الأكبر يكون حاكماً على هذا الاستصحاب الشخصي ، لأنه ينقح موضوع ارتفاع الحدث الأصغر بالوضوء حينئذ ، واما استصحاب جامع الحدث فالمفروض انه من القسم الثالث بل سوف يأتي ان استصحاب عدم الحدث الأكبر ينقح موضوع الطهارة الفعلية.

الثاني - أَن يفترض التضاد بين الحديثين بحسب المرتبة والحد لا بحسب الذات كالسواد الشديد مع السواد الضعيف ، وقد أفاد المحقق العراقي (قدّس سرّه) في هذا الفرض جريان استصحاب الشخص فضلاً عن استصحاب كلي الحدث حيث يشك في ارتفاع المرتبة الضعيفة من الحدث الثابتة قبل خروج البلل المشتبه ، إذ لو كان منيّاً فقد اشتد الحدث ولا يرتفع بالوضوء وإلاّ فقد ارتفع به.

ويرده : مضافاً إلى ما سوف يأتي من حكومة استصحاب عدم الحدث الأكبر بحسب ما يستفاد من دليل الطهارة ، انه يوجد في المقام أيضاً استصحاب حاكم على هذا الاستصحاب الشخصي وهو استصحاب بقاء الحدث على مرتبته الخفيفة حيث يشك بعد خروج البلل في اشتداده أو بقائه على مرتبته ليكون حكمه الشرعي الارتفاع بالوضوء فباستصحاب عدم اشتداده ينقح موضوع الطهارة بالوضوء.

لا يقال : الاشتداد ليس صفة للحدث الأصغر بل يعني بحسب الدقة إضافة مرتبة من الحدث عليه مع بقاء ذات الحدث الأصغر فالجاري استصحاب بقائه بعد الوضوء.

فانه يقال : دليل رافعية الوضوء للحدث الأصغر لا بدَّ وأَن يكون قد أخذ في موضوعه عدم الاشتداد أو قل عدم طرو الحدث الأكبر فيكون استصحاب عدمه منقحاً لموضوع الرافعية فيحكم على استصحاب بقاء الحدث الأصغر كما قلنا في الصورة السابقة.

الثالث - أَن يفترض التضاد بين الحدثين وقد أفاد جريان استصحاب الكلي من القسم الثاني في هذه الفرضية حيث يتحقق علم إجمالي بحصول الحدث الأكبر أو الأصغر بعد خروج البلل المشتبه فيجري استصحاب مطلق الحدث ويجب الغسل والوضوء وحيث انَّ الفتوى المشهورة في الفقه كفاية الوضوء استظهر من ذلك انَّ المشهور لا يرون التضاد بين الحدثين.

إلاّ انَّ هذا الاستظهار في غير محله ، فانَّ الصحيح ما افادته مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) في المقام في تخريج هذه الفتوى من انَّ المستفاد من آية الطهور ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ... إلخ ) انَّ موضوع مطهرية الوضوء ورافعيته مركب من جزءين أحدهما القيام إلى الصلاة من النوم الّذي هو كناية عن الحدث الأصغر والثاني أَن لا يكون جنباً بحكم ذيل الآية الوارد فيه تقسيم المقسم وهو المحدث بالأصغر إلى الجنب وغير الجنب ، وهذا الموضوع المركب يحرز جزؤه الأول بالوجدان وجزؤه الثاني باستصحاب عدم الأكبر - أي عدم الفرد الطويل - فيتنقح موضوع رافعية الوضوء للحدث ومطهريته ، وهذه نكتة خاصة جعلت استصحاب عدم الفرد الطويل في خصوص هذا الفرع الفقهي حاكماً على استصحاب الكلي من القسم الثاني لكونه منقحاً لموضوع المطهرية الفعلية.

الرابع - أَن يفرض الشك في التضاد بين الحدثين فلا يدري هل يجتمعان معاً أم لا. وقد أفاد انَّ استصحاب جامع الحدث في هذه الصورة وان كان من القسم الثاني للكلي لأنَّ احتمال التضاد يؤدي إلى العلم إجمالا بتحقق أحد الحدثين على الأقل بعد خروج البلل المشتبه إلاّ انه رغم ذلك حكم بعدم جريانه باعتبار ان المستصحب لا بد وأَن يكون على تقدير مطابقته للواقع نفس المتيقن للزوم وحدة متعلق اليقين والشك ،

فلو فرض التضاد بين الحدثين كان بقاء الحدث مساوقاً لكون المعلوم حدوثه هو الأكبر فيكون المتيقن والمشكوك واحداً ، وامّا إذا لم يكن تضاد بين الحدثين فلعل المتيقن إجمالاً هو الحدث الأصغر رغم طرو الحدث الأكبر وبقائه لعدم التضاد بينهما فلا يحرز كون المستصحب نفس المتيقن ومع عدم إحراز ذلك لا يحرز صدق نقض اليقين بالشك الّذي هو مفاد دليل الاستصحاب ، بل الجاري هنا استصحاب بقاء الحدث الأصغر بحده بضميمة أصالة عدم الحدث الأكبر المنقح لرافعية الوضوء كما في الفرضية الأولى (1).

وهذا الكلام منه غريب في بابه ، حيث يستفاد منه تفصيل في جريان استصحاب الكلي من القسم الثاني بين ما إذا كان العلم الإجمالي بنحو مانعة الجمع فيجري استصحاب الكلي ، وما إذا كان بنحو مانعة الخلو فقط فلا يجري استصحاب الكلي لعدم إحراز وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة لاحتمال أَن يكون المتيقن منطبقاً واقعاً على أحد الفردين والباقي هو الفرد الآخر. ويرد على هذا التفصيل :

أولا - ما تقدم مراراً من انَّ نسبة العلم الإجمالي إلى الطرفين على حد واحد وانه متعلق بالجامع بينهما لا بهذا بالخصوص ولا بذاك ، بل يستحيل ذلك ، ومعه يكون المتيقن والمشكوك شيئاً واحداً وهو الجامع بين الفردين.

وثانياً - لو سلمنا الأصول الموضوعية لهذا التفصيل مع ذلك قلنا انَّ علمنا الإجمالي في المقام علم إجمالي بنحو مانعة الجمع غاية الأمر أطرافه ثلاثة لا اثنان وهي الحدث الأصغر وحده - إذا كان الخارج بولا - أو الأكبر وحده - إذا كان الخارج منيّاً وكان بينهما التضاد - أو مجموعهما - إذا كان الخارج منيّاً ولم يكن بينهما تضاد - فانَّ هذه الأطراف الثلاثة بخصوصياتها مانعة الجمع كما هو واضح والمكلف يعلم إجمالاً بأحدهما أي بالجامع فيما بينها فيجري استصحاب هذا الجامع الّذي هو ذات الحدث بلا قيد الأصغر والأكبر ولا قيد الوحدة والتعدد.

الا انَّ من نتائج ذلك انه لو كان الواقع هو الشق الثالث أي مجموع الحدثين لا بد وأَن يقال بتعلق العلم الإجمالي بمجموعهما وهو واضح السخف وجداناً إلاّ انَّ هذا


1) القسم الأول من الجزء الرابع من نهاية الأفكار ، ص 140

بحسب الحقيقة من نتائج القول بتعلق العلم الإجمالي بالواقع بهذا المعنى.

وثالثاً - انَّ الشرط في صدق نقض اليقين بالشك احتمال بقاء المتيقن وهذا يكفي فيه احتمال كون المستصحب هو المتيقن أي اليقين بشيء واحتمال بقاء ذلك الشيء لا الشك في بقاء شيء وإحراز انه هو المتيقن على كل تقدير ، فانَّ هذا لا وجه لاستفادته من دليل الاستصحاب ، وعليه فالوحدة المعتبرة في صدق نقض اليقين بالشك محفوظة في المقام حتى لو قيل بتعلق العلم الإجمالي بالواقع لليقين إجمالاً بالحدث واحتمال بقائه.

ورابعاً - المفروض فقهياً عدم ارتفاع الحدث الأصغر بالوضوء عند اجتماعه مع الحدث الأكبر بناءً على عدم التضاد بينهما ، وهذا يعني انه في المقام يجري استصحاب الكلي امّا للتضاد بين الحدثين فيكون المستصحب على تقدير وجوده نفس المتيقن لكون العلم الإجمالي بنحو مانعة الجمع ، أو لعدم التضاد بين الحدثين فيكون الحدث المستصحب على تقدير وجوده نفس الحدث المتيقن حدوثاً سواء كان هو الأكبر أو الأصغر لأنَّ الوضوء لا يرفع الحدث الأصغر مع وجود الأكبر بحسب الفرض فعلى كل حال يكون المستصحب على تقدير مطابقته للواقع نفس الحدث المتيقن سواء كان تضاد بين الحدثين أم لم يكن.

وهكذا يتضح انَّ الصحيح جريان استصحاب الكلي الحدث في هذه الفرضية أيضاً لترتيب الأثر المشترك لكونه من استصحاب الكلي من القسم الثاني كما في الفرضية الثالثة. ولكنك عرفت انَّ هذا الاستصحاب محكوم لاستصحاب موضوعي حاكم عليه في خصوص هذا الفرع الفقهي ، وهو استصحاب عدم الحدث الأكبر المنقح لموضوع مطهرية الوضوء في حق من كان محدثاً بالأصغر ، وهذا أحد موارد حكومة استصحاب عدم الفرد الطويل على استصحاب الجامع.

التطبيق الثاني - لو علم إجمالاً بملاقاة شيء مع البول أو الدم ثم غسل مرة واحدة فيشك لا محالة في ارتفاع نجاسته بالغسل مرة واحدة وعدمه ، إذ لو كانت النجاسة بولية فهي لا ترتفع إلاّ بغسلتين وإلاّ فترتفع بغسلة واحدة ، فيقال بجريان استصحاب كلي النجاسة بعد الغسلة الأولى وهو من استصحاب الكلي القسم الثاني فيما هو موضوع لأحكام تكليفية وهو النجاسة ، أو من استصحاب الشخص إذا تعاملنا مع المسبب

الشرعي كما نتعامل مع المسبب التكويني من حيث افتراض سببه حيثية تعليلية ، لأنَّ مصب الحكمين واحد على التقديرين كما تقدمت الإشارة إليه فيما سبق ، فلا إشكال في تمامية أركان الاستصحاب في المقام ، وانما البحث في حكومة استصحاب عدم الفرد الطويل عليه أعني استصحاب عدم الملاقاة مع البول ، لكون الشك في بقاء النجاسة بعد الغسلة الأولى وارتفاعها مسبباً عن الشك في الملاقاة مع البول فيكون من موارد حكومة استصحاب عدم الفرد الطويل على استصحاب الكلي.

والبحث تارة في أصل جريان الاستصحاب الحاكم وهو استصحاب عدم الفرد الطويل في المقام ، وأخرى في معارضته مع أصل آخر في عرضه.

امّا الاستصحاب الحاكم فالصحيح جريانه ، لأنَّ المفروض ثبوت مطهرية الغسلة الأولى لكل متنجس ملاق مع النجس إلاّ البول ، وهذا يعني انَّ موضوع الحكم الشرعي بالمطهرية مركب من جزءين بأحد نحوين :

الأول - أَن يكون ملاقياً مع النجس وَأَن لا يكون ملاقياً مع البول فيكون الحاكم استصحاب عدم الملاقاة مع البول ، وهذا من استصحاب العدم غير الأزلي.

الثاني - أَن يكون ملاقياً مع النجس وأَن لا يكون النجس بولاً فيكون الحاكم استصحاب عدم كون الملاقي بولاً ، وهذا من استصحاب العدم الأزلي.

والصحيح فقهياً هو التركيب بالنحو الثاني بناءً على القاعدة العامة من إرجاع الموضوعات المقيدة إلى المركبة بحسب الارتكاز العرفي ، فيكون مفاد دليل التعدد في البول المخصص لأدلة المطهرية مركباً من جزءين ان يلاقي شيئاً وأَن يكون الملاقي بولاً فيتقيد موضوع المطهرية بنقيض الجزء الثاني لا محالة ، ومنه يعرف أَنَّ من لا يقول بجريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية كالمحقق النائيني (قدّس سرّه) لا يتم لديه الاستصحاب الحاكم في المقام.

وامّا توهم وجود المعارض للاستصحاب الحاكم فقد ذكر المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) بأنّا نعلم إجمالاً اما بوجوب غسلة يجوز الاقتصار عليها أو وجوب غسلة لا يجوز الاقتصار عليها ، واستصحاب عدم الملاقاة مع البول ينفي الأثر الثاني كما انَّ استصحاب عدم الملاقاة مع الدم ينفي الأثر الأول فيتعارضان ويتساقطان للعلم إجمالاً بأحد الوجوبين

فيرجع بعد ذلك إلى استصحاب بقاء جامع النجاسة بعد الغسلة الأولى (1).

ويلاحظ عليه : انَّ استصحاب عدم الملاقاة مع الدم لا يجري ، لأنه لو أريد به التأمين عن أصل النجاسة ووجوب الغسل ولو مرة واحدة فهو مقطوع العدم تفصيلاً للعلم بأصل النجاسة ووجوب الغسل كذلك على كل حال ، وان أُريد به نفي جواز الاقتصار على غسلة واحدة فهذا حكم ترخيصي لا إلزاميّ فلا يتشكل منه ومن وجوب الغسل مرة أخرى علم إجمالي بالتكليف ليوجب تساقط الأصول النافية في أطرافه ، كما انَّ استصحاب عدم الملاقاة مع الدم لا ينفي مطلق الترخيص ليثبت الإلزام إلاّ بنحو الأصل المثبت.

وبهذا نختم البحث عن هذا القسم من استصحاب الكلي.

القسم الرابع - أَن يكون الشك في بقاء الكلي من جهة الشك في حدوث الفرد مع كون حدوث الكلي معلوماً ضمن فرد تفصيلي علم بارتفاعه أيضاً ، كما إذا علم بوجوده ضمن زيد في المسجد وعلم بخروجه ولكن احتمل بقاء الكلي لاحتمال حدوث فرد آخر مقارناً مع خروج الأول أو قبله في المسجد وهو باق ، وقد اصطلح عليه باستصحاب القسم الثالث للكلي لأنه قد وقع في كلام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) قسماً ثالثاً بحسب الترقيم.

والصحيح : عدم جريان استصحاب هذا القسم من الكلي إلاّ على مبنى ، الرّجل الهمداني المرفوض ، حيث يكون بناءً عليه للكلي وجود وحداني مستقل في الخارج مسبب عن وجود الافراد فتتم أركان الاستصحاب فيه لا محالة ، وامّا بناء على إرجاع استصحاب الكلي إلى استصحاب الحصة الخارجية - كما عن المحقق العراقي (قدّس سرّه) - أو استصحاب الخارج بمقدار مرآتية العنوان الكلي فلا يجري الاستصحاب في المقام لعدم تمامية أركانه.

امّا على الأول فواضح ، فانَّ الحصة من الكلي التي علم بحدوثها علم بارتفاعها أيضاً ، والحصة المحتملة لا يقين بحدوثها.

وامّا على الثاني ، فقد يقال بناء على التصور المشهور من انَّ الكلي والجامع له وجود


1) نهاية الدراية ، المجلد الثالث ، ص 76

ضمني بوجود الفرد فكأنّه يوجد في الخارج بوجود الفرد امران المفهوم الجزئي وهو زيد وكلي الإنسانية المتضمنة فيه ، بجريان الاستصحاب في المقام لأنَّ الّذي علم بانتفائه في الخارج انما هو وجود الإنسان الجزئي وهو زيد وامّا الإنسانية العامة الموجودة ضمناً فيحتمل بقاؤها ولو ضمن فرد آخر بنفس العنوان والمفهوم العام فتتم فيه أركان الاستصحاب.

وإن شئت قلت : انَّ لنا علمين علم بالفرد وعلم بالجامع ضمناً ، والّذي علم بارتفاعه انما هو العلم الأول ، واما العلم الثاني فلا علم بانتقاضه فيستصحب ، وهذا الكلام لا جواب عليه إلاّ أَن ندعي ما ذكره المحقق العراقي (قدّس سرّه) من اشتراط وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة في الوجود الخارجي ولا تكفي الوحدة الذاتيّة والمفهومية بينهما ، وهذا الاستظهار وإن كان صحيحاً إلاّ انه لنكتة يرتفع على أساسها أصل الإشكال كما سوف يظهر.

إلاّ انَّ أصل هذا التصور لوجود الكلي في الخارج غير تام ، وانما الصحيح ما تقدم من انَّ الموجود في الخارج ليس إلاّ إنسانية واحدة وانما يختلف نحو تلقي الذهن لها فتارة يشير إليها بالمفهوم المجرد فيسمى بالكلي ، وأخرى يشير إليها بمفهوم متعين فيسمى بالجزئي ، وبناءً عليه فليس في المقام إلاّ يقين واحد من خلال المفهوم المتعين وقد علم بانتقاضه فلا معنى للاستصحاب ، إذ لو أُريد إجراؤه في المفهوم المشار به إلى الخارج فقد علم بانتقاضه فلا يكون من نقض اليقين بالشك بل باليقين ، وان أُريد إجراؤه في المفهوم المجرد فلم يكن العلم والإشارة إلى الواقع الخارجي من خلاله بل من خلال المفهوم المتعين الّذي علم بزواله.

وقد يقال : انَّ الإشارة بالمفهوم الجزئي تتضمن الإشارة بالمفهوم المجرد العام ضمناً فليكتفي بذلك في جريان الاستصحاب في المفهوم الكلي ، إذ لم يؤخذ في موضوع الاستصحاب أكثر من اليقين بحدوث شيء ولو ضمن خصوصية زائدة فأركان الاستصحاب تامة في الكلي على هذا المسلك أيضاً ، بل يمكن افتراض انَّ العلم بالحدوث كان من خلال العنوان العام ابتداءً كما إذا علم بتحقق الجامع ضمن فرد من الإنسان إجمالاً وعلم بخروج ذلك الفرد على إجماله أيضاً ولكن احتملنا بقاء الجامع ضمن فرد آخر كان مقارناً مع الأول أو حدث بعده فانَّ العنوان الكلي المجرد

هنا هو متعلق العلم واليقين حدوثاً كما انه هو متعلق الشك بقاءً ، فلا بدَّ من القول بجريان الاستصحاب في هذا القسم من الكلي.

والجواب عنه يتضح من خلال بيان أمور :

الأول - انَّ الكلية والجزئية في باب المفاهيم ليست بملاك الإطلاق والتخصيص فيها بأَن يكون الكلي عبارة عن المفهوم المجرد من القيود والجزئي عبارة عن المفهوم المقيد بمجموعة خصوصيات ببرهان انَّ إضافة مفهوم إلى مفهوم وتحصيصه به يستحيل أَن يجعله جزئياً حقيقياً بمعنى امتناع الصدق على كثيرين ولو فرض انتفاء مصداقه خارجاً بل يبقى المفهوم مهما ضيق وحصص بمفهوم آخر صالحاً للانطباق على كثيرين فلا يصبح بذلك جزئياً حقيقياً ، وانما الكلية والجزئية تنشأ من كيفية ملاحظة الذهن واستخدامه للمفهوم المنطبع فيه ، فانه تارة يلحظه بما هو ومن دون إضافة له إلى حصة فيكون كلياً صالحاً للانطباق على كثيرين ، وأخرى يلحظه بما هو مضاف إلى حصته - مع قطع النّظر عن وجودها وعدمها في الخارج - فيكون جزئياً يمتنع صدقه على كثيرين ، وهذا يعني ان النسبة بين الكلي والجزئي ليست نسبة الأقل إلى الأكثر والمطلق إلى المقيد كما هو الانطباع الساذج والأولي في الأذهان ، وقد تقدم شرح ذلك في بعض البحوث السابقة.

الثاني - انَّ الفرق بين التصور والتصديق ليس في الصورة الذهنية بل في امر وراءها وهو الإشارة الفعلية بالصورة إلى خارج الذهن وعدمه ، فانَّ الذهن تارة لا يستطيع أَن يشير بالصورة الذهنية إلى واقع موضوعي خارج الذهن فيكون مجرد تصور ، وأخرى يستطيع أَن يشير به إلى واقع موضوعي خارج الذهن ويكشف به عنه فيكون تصديقاً ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في بعض البحوث السابقة أيضاً.

الثالث - يظهر مما تقدم انَّ تعدد العلوم والتصديقات يكون بحسب الدقة بتعدد الإشارة الفعلية بالصور الذهنية إلى الخارج ، فكلما كانت هناك إشارات فعلية متعددة إلى الخارج كانت المعلوم متعددة وكلما كانت الإشارة الفعلية إلى الخارج واحدة فالعلم واحد مهما تركب الصورة التي بها الإشارة إلى الخارج بحيث يزول ذلك العلم بزوال تلك الإشارة ولا يبقى إلاّ التصور المحض. وبناءً على ذلك يتضح انه في المقام حيث انَّ الإشارة والعلم بوجود الإنسان في المسجد كان من خلال إشارة فعلية واحدة

إلى الفرد المعلوم تحققه في المسجد تفصيلاً أو إجمالاً والمفروض زوال تلك الإشارة الواحدة بقاءً فلا يمكن إجراء الاستصحاب ، إذ لو أُريد تطبيقه على اليقين بوجود زيد فالمفروض اليقين بانتقاضه أيضاً ، ولو أُريد تطبيقه على اليقين بوجود الإنسان الكلي ضمن زيد فالإنسان الكلي لم يكن موجوداً آخر وراء زيد ولا الإشارة به إلى الخارج إشارة أخرى غير تلك الإشارة الواحدة المحققة لليقين بالحدوث والمفروض انتفاؤها فليس بعد انتفائها إلاّ ذات مفهوم الإنسان وصورته الذهنية وهو تصور لا تصديق ، فلا تتم أركان الاستصحاب في المقام ، وهذا التحليل تعبيره العرفي المسامحي ما تقدم من انَّ الكلي الّذي يعلم به ضمن زيد علم بانتفائه وهو ضمن فرد آخر لا يقين بحدوثه فلا يجري الاستصحاب ، وهذا هو فذلكة ما استظهره المحقق العراقي (قدّس سرّه) من شرطية وحدة الوجود الحقيقي للمتيقن والمشكوك وعدم كفاية الوحدة المفهومية والذاتيّة بينهما في صدق نقض اليقين بالشك ، فانَّ متعلق الشك لا بدَّ وأَن يكون هو متعلق اليقين واليقين قوامه بالإشارة الفعلية إلى واقع موضوعي خارجي فلا بد وأَن يكون الشك في بقاء هذه الإشارة أي بقاء طرفها الموضوعي ، واما مع العلم بانتفائها ولو مع تعلق الشك بنفس المفهوم والصورة الذهنية فيكون من نقض اليقين باليقين لا الشك لانتقاض ذلك اليقين بزوال الإشارة كما ذكرنا.

وهكذا يتضح عدم جريان استصحاب هذا القسم من الكلي. ويوجد استثناء ان عن ذلك كلاهما من باب التخصص لا التخصيص.

الأول - ما إذا احتملنا بقاء الكلي ضمن فرد يعتبر مرتبة كانت مندكة في الفرد المعلوم حدوثه وارتفاعه ، وهذا يكون في التشكيكيات كما إذا علم بياض الجسم بمرتبة شديدة مثلاً وعلم بزوالها بتلك المرتبة ولكن احتمل بقاء ذات البياض ولو ضمن المرتبة الضعيفة فيجري استصحاب كلي البياض.

إلاّ انَّ الجاري هنا استصحاب الشخص أيضا ، لأنَّ المعلوم زواله انما هو حد البياض لا ذاته فشخص المرتبة الضعيفة للبياض يحتمل بقاؤها أيضاً فيستصحب لا محالة وليس ذلك فرداً آخر لذات البياض فهذا ملحق بالقسم الأول بحسب الحقيقة.

الثاني - أَن يكون المستصحب حالة وصفة للنوع والطبيعة وكانت لها حالة سابقة متيقنة وحالة لا حقة مشكوكة كما إذا افترضنا انَّ سواد بشرة الأفريقي كان من

اقتضاءات نوع الإنسان الأفريقي وشك في بقاء ذلك في هذا الجيل منهم مثلاً فانه يمكن إجراء استصحاب سواد بشرة الإنسان الأفريقي رغم انه لو لوحظت الافراد المتيقنة فهي يعلم زوالها والافراد المشكوك سواد بشرتهم من هذا الجليل يشك في حدوث السواد لهم من أول الأمر إلاّ انه مع ذلك يجري الاستصحاب بلحاظ النوع والطبيعة ، وسوف يأتي انَّ النظرة العرفية ترى وحدة القضيتين في المقام وانَّ منشأ الشك لو كان هو مرور الزمان بحيث لو كان الفرد موجوداً سابقاً كان أسود البشرة جرى الاستصحاب بلحاظ القضية الكلية لصدق أركانه فيها بحسب النّظر العرفي فيكون بهذا المنظار من استصحاب الشخص لا الكلي على تفصيل يأتي في بحث قادم.

ثم انَّ السيد الأستاذ أفاد انَّ هنا قسماً آخر لاستصحاب الكلي سمّاه بالقسم الرابع غير الأقسام الثلاثة التي جرى عليها اصطلاح الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) وقد مثل له بما إذا علمنا بجنابة يوم الخميس وعلمنا بالاغتسال منها يقيناً ثم وجدنا يوم الجمعة جنابة على الثوب مثلاً بحيث علم بتحقق جنابة بها إجمالاً ولكن شك في انَّ الجنابة الحاصلة بها هل هي نفس الجنابة التي كانت يوم الخميس وقد ارتفعت يقيناً أو انها جنابة أخرى ، وهذا بحسب الحقيقة على عكس القسم الثاني الّذي كان العلم فيه متعلقاً بجامع مردد بين فردين حيث يعلم في المقام بفردين أحدهما بعنوان تفصيلي والآخر بعنوان إجمالي يحتمل انطباقه على نفس الفرد الأول ، وفرقه عن القسم الثالث انه لا يوجد في القسم الثالث إلاّ علم واحد بفرد واحد مع احتمال بقاء الكلي ضمن فرد آخر مشكوك الحدوث واما في هذا القسم فيوجد علمان بفردين بعنوانين تفصيلي وإجمالي يمكن انطباقه على الفرد التفصيليّ. وقد حكم فيه بجريان استصحاب الجنابة المعلومة إجمالا لتمامية أركان الاستصحاب فيه من اليقين بتحقق جنابة مرددة واحتمال بقائها من جهة عدم العلم بكونها هي الجنابة التفصيلية المعلوم ارتفاعها ، نعم هذا الاستصحاب يكون معارضاً مع استصحاب الطهارة المتيقنة يوم الخميس بعد الاغتسال فيتعارضان ويتساقطان ويرجع إلى أصالة الاشتغال في تحصيل الطهارة المشترطة في العبادة (1).


1) مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 118

والتحقيق : اننا لو لاحظنا كلي الجنابة بلا إضافتها إلى العنوان الانتزاعي وهو الحادث من ذلك الأثر فالعلم بكلي الجنابة يكون من القسم الثالث حيث يعلم بتحققها ضمن فرد تفصيلاً كما يعلم بارتفاع ذلك الفرد ويشك في بقائها ضمن فرد آخر مشكوك الحدوث. وإذا لاحظنا الكلي بالعنوان الانتزاعي كعنوان الجنابة الحادثة من ذلك الأثر كان من القسم الثاني ، لأنَّ هذا من العلم الإجمالي بعنوان انتزاعي يمكن أَن ينطبق على الفرد المعلوم تفصيلاً ، وفرقه عمّا تقدم في القسم الثاني انه هناك لم يكن يعلم بتحقق أحد الفردين امّا هنا فيعلم بتحقق أحد الفردين تفصيلاً وحيث انَّ العنوان المعلوم بالإجمال فيه خصوصية ولو انتزاعية فلا يكون منحلاً بالعلم التفصيليّ بأحد الفردين ، وعلى كل حال فهذه الفرضية تندرج حسب تقسيمنا الفني المتقدم في العلم بالجامع والشك في بقائه من ناحية الشك في حدوث الفرد هذا من ناحية الموضوع والتحاق هذه الفرضية بالقسم الثاني أو الثالث من الكلي ، وامّا من ناحية الحكم فالصحيح عدم جريان استصحاب الجامع فيها وذلك :

أولا - للنقض بموارد الشك البدوي ، فانه يمكن تشكيل علم إجمالي انتزاعي كالعلم المذكور فيها كما إذا تيقن البول فتوضأ ثم شك بخروج البول منه ثانية فانه يمكنه أَن يشكل علماً إجمالياً بعنوان انتزاعي هو عنوان الحدث عند آخر بول خرج منه فانه لو كان آخر بول خرج منه البول الأول فالحدث الحاصل به مرتفع جزماً ، وان كان آخر بول خرج منه بعد الوضوء فالحدث الحادث به باق لا محالة فعنوان آخر بول بما هو آخر مردد بين الفردين المعلوم أحدهما تفصيلاً كما يعلم بارتفاعه والمشكوك أصل حدوث الآخر فلا بدَّ من القول بجريان استصحاب كلي الحدث في المقام ، وهذا ما لا يمكن الالتزام به بل هو خلاف مورد أدلة الاستصحاب.

وثانياً - النقض أيضا بموارد الكلي من القسم الثالث ، فانه يمكن تصوير جامع انتزاعي غير منحل فيه أيضاً كعنوان الفرد الّذي لم يدخل بعده غيره ، أو لا يكون بعد فرد آخر ، أو عنوان الفرد الّذي ليس معه فرد آخر غير متيقن ، فانَّ هذا العنوان الإجمالي مردد بين زيد المعلوم انتفائه إذا لم يكن غيره فرد أو غيره إذا كان فرد آخر حيث انه لا ينطبق هذا العنوان مع وجود فرد آخر إلاّ عليه لا على زيد فلا بدَّ من القول بجريان استصحاب هذا الكلي الانتزاعي المعلوم بالإجمال.

وثالثاً - الحل ؛ وحاصله : انه لو أُريد إجراء الاستصحاب في العنوان الّذي هو موضوع الأثر الشرعي وهو الحدث أو الجنابة فقد عرفت انَّ هذا العنوان علم بتحققه ضمن فرد وزواله ويشك في بقائه ضمن فرد آخر لا يقين بأصل حدوثه ، وان أُريد إجراؤه في العنوان الإجمالي الانتزاعي كعنوان الجنابة الحادثة بذلك الأثر أو الحدث الحاصل بآخر موجب أو الفرد الّذي لا يكون بعده فرد آخر فهذا العنوان ليس موضوعاً للأثر الشرعي ليكون هو مركب الاستصحاب هذا إن أُريد جعله محط الاستصحاب حقيقة ، وان أُريد اتخاذه مشيراً إلى الواقع لجعله محط الاستصحاب أو بتعبير آخر التعبد ببقاء نفس العلم الإجمالي بلحاظ منجزيته فقد عرفت انَّ هذا من استصحاب الفرد المردد ومن العلم الإجمالي غير المنجز للعلم تفصيلاً بارتفاع أحد طرفيه. وهكذا يتضح انَّ ما أفاده السيد الأستاذ من وجود قسم رابع يجري فيه استصحاب الكلي غير تام لا موضوعاً ولا حكماً.

4 - استصحاب الزمان والأمور التدريجية :

اشارة

المستصحب تارة يكون وجوداً قاراً لم يؤخذ فيه التدرج والحركة لا ذاتاً ولا عرضاً كما في استصحاب بقاء الإنسان ، وأخرى يكون امراً تدريجياً امّا بذاته كالزمان والحركة أو باعتبار إضافته إلى ذلك وتقيده به كالجلوس في النهار مثلاً. وقد وقع البحث والإشكال في جريان الاستصحاب في هذا النوع من الأمور للتشكيك في تمامية أركان الاستصحاب وتوهم عدم وحدة المتيقن والمشكوك فيها. وفيما يلي نورد البحث في مقامين :

المقام الأول - في استصحاب الزمان والزمانيات أي الأمور التي تكون متحركة وغير قارة بطبيعتها. ولنبدأ البحث عن استصحاب الزمان كاستصحاب بقاء النهار فنقول تارة يراد استصحاب الزمان بنحو مفاد كان التامة كاستصحاب بقاء النهار أو بقاء الشهر ، وأخرى يراد استصحاب الزمان بنحو مفاد كان الناقصة أي استصحاب كون هذا الآن نهاراً أو هذا اليوم من رمضان.

امّا النحو الأول من استصحاب الزمان فقد يستشكل فيه بأنَّ الزمان يحدث شيئاً فشيئاً وكلما حدث جزء منه انصرم وقضى ، بل ليس إلاّ عبارة عن التجدد والحدوث

بعد الحدوث فلا يكون قابلاً للاستصحاب ، لأنَّ الجزء المشكوك منه غير الجزء المتيقن والّذي انصرم يقيناً فلم تتحد القضية المتيقنة والقضية المشكوكة. وهذا هو أساس الإشكال في استصحاب الزمان والزمانيات لا عدم كون الشك شكاً في البقاء ليمكن ان يقال في جوابه بعدم اشتراط كون الشك في البقاء في جريان الاستصحاب.

وأيّاً ما كان فهذا الإشكال غير تام لا عقلاً ولا عرفاً ، امّا عقلاً فلما يبرهن عليه في الحكمة من استحالة أَن يكون الزمان مجموعة تجددات وحدوث بعد حدوث فانه يلزم منه امّا القول بالجزء الّذي لا يتجزأ أو القول بانحصار ما لا نهاية له بين حاصرين وكلاهما محال.

وامّا عرفاً - والّذي هو المهم في المقام - فباعتبار انَّ العرف يرى الزمان امراً واحداً له حدوث وبقاء وزوال ، فالنهار مثلاً الّذي هو اسم لقطعة معينة من الزمان يفهمه العرف بما انه أمر يتحقق منذ تحقق أول آن من آناته ويبقى إلى أَن ينصرم آخر اجزائه وهو يرى الاتصال بين هذه الآنات بحيث يعتبرها ويراها شيئاً واحداً يوجد بهذا النحو من الوجود فلا يكون كل آن جزئيا وفرداً مستقلاً للنهار ليكون من القسم الثالث للكلي ولا كل آن جزء في مجموعة كلها تسمى بالنهار لكي لا يصدق النهار إلاّ بعد تحققها جميعا. بل نسبة الزمان إلى الآنات نسبة الشيء إلى اجزائه ولكن بنحو يختلف عن الكل والجزء في الأمور القارة والتي لا يوجد الكل إلاّ اجزائه بعد تحقق جميع الأجزاء لأنَّ هذا الوجود متحرك ومرن بطبعه فهو يوجد حقيقة بالجزء الأول ويبقى واحداً ومتصلاً وممتداً حتى ينتهي آخر الأجزاء ، وبهذا الاعتبار يكون استصحاب الزمان جارياً لانحفاظ الوحدة المعتبرة في صدق نقض اليقين بالشك فانَّ الميزان في ذلك بالمتفاهم العرفي فحتى إذا قلنا بعدم الوحدة والاتصال عقلاً - ولا نقول به - كفانا الوحدة بحسب النّظر العرفي ، والدليل على الوحدة عرفا ما نلاحظه من تسمية العرف وتقطيعه للزمان إلى قطعات متعددة لكل قطعة منها وجودا وبقاء وانقضاء على حد الأمور القارة.

والمحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) حاول تفادي الإشكال ببيان آخر حاصله : انَّ الحركة إذا كانت حركة توسطية لا قطعية أي حركة صادقة بين المبدأ والمنتهى ونسبة الشيء إلى ما يتحقق بين المبدأ والمنتهى نسبة الكلي إلى افراده جرى الاستصحاب بخلاف ما إذا كانت الحركة قطعية.

إلاّ انَّ هذا البيان لا يكفي لدفع الإشكال ، فانَّ مجرد توسطية الحركية بمعنى كون

المتحرك نسبته إلى اجزائه نسبة الكلي إلى افراده لا يصحح جريان الاستصحاب إذا لم يفرض وحدة الاجزاء واتصالها وكونها وجوداً واحداً ممتداً للمتحرك سواء كانت الحركة توسطية أو قطعية وإلاّ كان من استصحاب القسم الثالث للكلي الّذي علم بوجوده ضمن فرد ويشك في بقائه ضمن فرد آخر مشكوك الحدوث.

ثم إنا لو فرضنا قيام البرهان على وحدة اجزاء الحركة والزمان واتصالها فهل يكفي ذلك في جريان الاستصحاب في الزمان ولو لم يكن العرف يدرك الوحدة أم لا؟

الصحيح هو التفصيل بين ما إذا كان عدم درك العرف للوحدة من جهة تشكيكه أو عدم اعترافه بالوحدة وما إذا كان ذلك من جهة عدم إدراكه لوجود الواحد بحيث انه على تقدير إدراكه لوجود تلك الاجزاء يعترف بوحدته. فعلى الأول لا يجري الاستصحاب لعدم صدق نقض اليقين بالشك بخلاف الثاني فانه يكون من باب جهل العرف بالمصداق مع اعترافه بصدق مفهوم النقض على تقدير وجود المصداق.

ثم انَّ منا شيء الوحدة في الموضوع بالنحو المعتبر في الاستصحاب يمكن أَن يكون أحد أمور.

1 - الثبات والقرار في الوجود ومن هنا تكون الموجودات القارة واحدة حدوثاً وبقاء وعقلاً وعرفاً.

2 - الاتصال والتلاصق بين اجزاء الوجود حقيقة كما هو كذلك في الحركة فانه بذلك يكون وجوداً واحداً عقلاً وعرفاً.

3 - الاتصال بالنظر العرفي المسامحي وإن لم يكن متصلاً عقلاً ودقة كما في حركة عقرب الساعة التي بالدقة تتكون من مجموعة حركات متقطعة تفصل بينها وقفات ضئيلة ولكنها لا تلحظ عرفاً وهذا وان كان من باب خطأ العرف في تشخيص الوحدة ولهذا لا يكون مفهوم الواحد منطبقاً حقيقةً إلاّ انَّ اشتراط الوحدة في الاستصحاب ليس من جهة ورود هذا المفهوم في لسان دليله ، بل من جهة مفهوم النقض وحذف متعلق اليقين والشك وهذا لا يقتضي أكثر من اعتبار الوحدة العرفية على ما تقدم مزيد شرح وتفصيل له.

4 - الاتصال العنائي الناشئ من توسعة مفهوم الشيء بنحو بحيث يشتمل الفواصل المتخللة ويحتويها كما في المفهوم الكلام والخطابة ، فانه يشمل الفجوات

والفواصل المتخللة بين كلمات المتكلم أو جمله ولكنها عرفاً وعناية تعتبر من شئون. الكلام ويكون مفهوم الكلام أو الخطاب منتزعاً بلحاظ أصل تلبس الإنسان بهذه الهيئة فلو شك في بقاءه جرى استصحاب بقاء الكلام رغم الفواصل الحقيقية المتخللة في البين.

5 - التكرر المتواصل المستمر كما إذا شك مثلاً في بقاء الدراسة مثلاً في الحوزة أو الجامعة بمعنى بقاء الأستاذ يلقي الدرس كل يوم فانه هنا أيضاً يجري استصحاب بقاء الدراسة رغم انَّ الدرس في كل يوم ليس متصلاً بالدرس في اليوم الآخر لا عقلاً ولا عرفاً وليست الفاصلة بينهما خفية أو قليلة لا يراها العرف ولكنه مع ذلك يرى العرف للدراسة حدوثاً وبقاءً وامتدادا كالأمور القارة بحيث عند الشك في انتقاضها يعيش العرف نفس نكتة الاستصحاب المرتكزة لديه في الأمور القارة تماماً وليس ذلك إلاّ من جهة حالة التكرر المقتضية للاستمرار.

ولا يقال - بأنَّ هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم الدرس مثلاً الثابت قبل ساعة الدرس كحالة ثابتة واضحة عقلاً وعرفاً.

فانه يقال - ما تقدم نظيره في بعض البحوث السابقة من انَّ العرف هنا بحسب النظرة التي أشرنا إليها يرى صدق البقاء والامتداد لأنه يرى كأن لحالة العدم الثابت قبل ساعة الدرس حالة سابقة أخرى هي حالة الانتقاض بالدرس فكأن هنا حالة سابقة مركبة لا بسيطة فالاستصحاب يقتضي بقاء الانتقاض للعدم بالوجود واستمرار الدرس في موعده لأنه البقاء للحالة السابقة ومقتضياتها بحيث يكون رفع اليد عنها نقضاً لليقين بالشك ، نعم إذا انتقضت العادة المتكررة وشك في عودها من جديد جرى استصحاب العدم عندئذ ، وهكذا يتضح ان منا شيء الوحدة المعتبرة في صدق نقض اليقين بالشك عديدة ومتنوعة كما اتضح انَّ هذه المسألة بحسب الحقيقة من تطبيقات شرطية وحدة القضية المتيقنة والقضية المشكوكة الّذي هو أحد أركان قاعدة الاستصحاب التعبدية.

هذا كله في استصحاب الزمان بنحو مفاد كان التامة.

وامّا استصحابه بنحو مفاد كان الناقصة لإثبات انَّ هذا الآن نهار أو ليل أو من شهر رمضان ونحو ذلك فقد ذهب فيه المحققون ما عدى المحقق العراقي (قدّس سرّه) في

تقريراته (1)إلى عدم جريانه لأنَّ الزمان المشكوك لم يكن قد وجد نهاراً فيما سبق لتستصحب هذه الصفة له وإثبات نهاريته باستصحاب بقاء النهار يكون من الأصل المثبت نظير إثبات كرية هذا الماء باستصحاب بقاء الكر.

والتحقيق : جريان استصحاب الزمان بنحو مفاد كان الناقصة أيضاً بنفس نكتة جريانه في مفاد كان التامة. توضيح ذلك : انَّ المفروض اتصال آنات الزمان ووحدتها عقلاً وعرفاً وهذا يعني أنَّ هذا الآن متصل ومتحد مع الآن السابق المفروض اتصافه بكونه نهاراً أو ليلاً فنستصحب صفة النهارية أو الليلية له ، إذ يكون رفع اليد عنه نقضاً لليقين بالشك في صفة شيء واحد.

فالحاصل : إذا فرضنا انَّ العرف يرى آنات الزمان في النهار أو الليل متصلة بحيث يعد كلها شيئاً واحداً فكما يجري استصحاب بقاء النهار بنحو مفاد كان التامة لصدق نقض اليقين بالشك فيه كذلك يجري استصحاب بقاء نهارية الزمان بنحو مفاد كان الناقصة ، وإذا فرضنا انَّ العرف يقطع هذا الآن عن الآنات السابقة ويلحظها كموضوع مستقل حادث فكما لا يجري استصحاب النهارية بنحو مفاد كان الناقصة كذلك لا يجري استصحاب بقاء النهار بنحو مفاد كان التامة لأنَّ هذا الحادث غير النهار المتيقن سابقاً.

وان شئت قلت : - اننا نلحظ الزمان بالمفهوم الأوسع من قطعة الفجر أو النهار أو الليل والّذي هو أيضاً وجود زماني متصل وواحد ، فنقول انَّ الزمان كان فجراً أو نهاراً أو ليلاً فالآن كذلك وهو مفاد كان الناقصة فتكون أركان الاستصحاب تامة فيه بهذا الاعتبار.

امّا ترتيب آثار مفاد كان الناقصة فيتوقف على أخذه بنحو التركيب جزءً لموضوع الأثر الشرعي الملحوظ لا بنحو التقييد وإلاّ لم يثبت إلاّ بنحو الأصل المثبت ، وسوف يأتي مزيد توضيح لهذه النقطة في المقام القادم. هذا كله في استصحاب الزمان.

وامّا استصحاب الزماني أي الحركات كالجريان والدوران وغيرهما فقد اتّضح حاله ممّا تقدم في استصحاب الزمان ، لأنَّ الإشكال فيه انما هو من ناحية توهم عدم


1) راجع النهاية الأفكار ، القسم الأول من ج 4 ، ص 148

انحفاظ الوحدة لحالة التجدد والانصرام الثابتة لاجزاء الحركة الواحدة وقد عرفت انها لا تضر بالوحدة المعتبرة في الاستصحاب عقلاً فضلاً عنه عرفاً ، فلا وجه للتشكيك في صدق نقض اليقين بالشك وجريان الاستصحاب.

المقام الثاني - في استصحاب الأمور المقيدة بالزمان كالجلوس في النهار مثلاً

فلو شك في بقاء النهار ليكون الجلوس فيه نهارياً وعدمه جرى استصحاب بقاء المقياس الجلوس النهاري أو بقاء التقييد بالنهارية لانحفاظ الوحدة والاتصال المعتبر في الاستصحاب في كل من القيد والمقيد بالبيان المتقدم.

إلاّ انَّ جريان مثل هذا الاستصحاب موقوف على تمامية أمرين :

1 - أَن يكون للمقيد بما هو مقيد حالة سابقة بأَن كان الجلوس النهاري ثابتاً قبل الآن المشكوك ، وامّا إذا لم يكن ثابتاً وأُريد إثبات نهارية الجلوس الآن فلا يتم بالاستصحاب لعدم الحالة السابقة للتقيد أو المقيد بما هو مقيد ، واستصحاب بقاء القيد لا يثبت التقيد إلاّ بنحو الأصل المثبت.

والغريب ما جاء في تقريرات المحقق العراقي (قدّس سرّه) من محاولة تصحيح ذلك باستصحاب تعليقي مفاده انَّ الجلوس لو كان واقعاً قبل الآن كان نهارياً فالآن كذلك (1)، مع وضوح انَّ هذا من الاستصحاب التعليقي في الموضوعات والأمور التكوينية وهي من أوضح أنحاء الأصل المثبت والملازمات العقلية على ما سوف يأتي في بحث الاستصحاب التعليقي.

2 - أَن لا يؤخذ كل آن آن من ذلك الزمان قيداً مستقلاً وإلاّ كانت هنا لك تقييدات عديدة فيتعدد المقيد لا محالة وهذا واضح.

ثم انه ينبغي البحث عن مدى جدوى استصحاب الزمان في التكاليف الموقتة والمقيدة بالزمان وعدم الاكتفاء بالكبريات المذكورة في استصحاب الزمان أو الزمانيات ليرى مدى إمكان الاستفادة منها في الفقه.

فنقول : انَّ الزمان تارة يكون مأخوذاً في طرف موضوع التكليف فيكون من قيود الوجوب ، وأخرى في متعلقه فيكون من قيود الواجب ، وعلى كل من التقديرين تارة


1) نهاية الأفكار ، القسم الأول من الجزء الرابع ، ص 150

يؤخذ بنحو مفاد كان التامة ، وأخرى بنحو مفاد كان الناقصة ، وعلى جميع التقادير قد تكون الشبهة الموضوعية ، وقد تكون حكمية ، والبحث أساساً في الشبهة الموضوعية التي يراد فيها استصحاب الموضوع وهو الزمان أو الزماني لا الشبهة الحكمية إلاّ انهم أضافوها هنا أيضاً وذكروا فيها أموراً لا ترتبط بصميم هذا البحث على ما سوف نشير إليه.

فإذا كان الزمان مأخوذاً في موضوع التكليف أي قيداً للوجوب لا للواجب بنحو مفاد كان التامة كأن يقول إن كان النهار فتصدَّق أو إن كان الجلوس في النهار فتصدَّق أو بنحو مفاد كان الناقصة (1)بأَن يقول إن كان الجلوس في زمان يكون نهاراً أو كان الزمان نهاراً فتصدَّق فشك في بقاء النهار وعدمه ، فهنا حالتان :

الحالة الأولى - أَن يكون الزمان مأخوذاً في موضوع الحكم بنحو التركيب ، فموضوع الحكم هو أَن يكون جلوس في زمان ويكون ذلك الزمان نهاراً.

الحالة الثانية - أَن يكون مأخوذاً في موضوع الحكم بنحو التقييد ، فالجلوس النهاري بما هو جلوس مضاف إلى النهار يكون موضوعا للحكم.

ففي الحالة الأولى يثبت الموضوع باستصحاب الزمان ويكون من باب تتميم الموضوع بضمّ التعبد إلى الوجدان. وامّا في الحالة الثانية فلا يمكن إثبات الموضوع بالاستصحاب إلاّ على القول بالأصل المثبت ، لوضوح انَّ إثبات نهارية هذا الآن لا يثبت نهارية الجلوس إلاّ بالملازمة العقلية وهذه المثبتية لا ربط لها بالمثبتية التي تقدمت عن المحققين في أصل استصحاب الزمان بنحو مفاد كان الناقصة كما توهمه في تقريرات المحقق النائيني (قدّس سرّه).

فالحاصل : إذا أخذ في موضوع الحكم إضافة الجلوس مثلاً إلى صفة النهارية - سواء كانت مأخوذة بنحو مفاد كان التامة أو الناقصة - لم يجر استصحاب بقاء النهار أو نهارية هذا الآن لأنه لا يثبت الإضافة المذكورة ، نعم إذا كان المقيد بما هو مقيد له حالة


1) جاء في كلمات المحقق النائيني (قدّس سرّه) الإشكال في معقولية أخذ الزمان بنحو مفاد كان الناقصة في موضوع الحكم بدعوى لزوم تحصيل الحاصل لأنَّ معناه أَن يكون الشرط في الأمر بالصلاة النهارية مثلاً أَن تكون الصلاة نهارية وهذا من أخذ الواجب قيداً في الوجوب وهو محال ، وهذا الإشكال غريب في بابه ولعل نظره إلى انَّ أخذ النهار قيدا في الوجوب يستلزم أخذه قيداً في الواجب أيضاً تبعاً ، فان قيود الوجوب تحصص الواجب أيضاً إلاّ انَّ هذا لا يعني أخذ تحقق الواجب قيداً في الوجوب ليلزم المحال كما هو واضح.

سابقة بأَن كان الجلوس النهاري ثابتاً سابقاً واحتمل بقاؤه جرى الاستصحاب فيه وأثبت الموضوع للحكم لا محالة.

وهذا الإشكال لا دافع له إلاّ برفع موضوعه فقهياً بأَن يستظهر من أدلة الموضوعات المقيدة التركيب ولو بقرينة عرفية عامة ، وبذلك يكون موضوع الحكم مركباً دائماً ما لم تقم قرينة خاصة تقتضي أخذ الإضافة التقييدية في موضوع الحكم.

وبهذا ظهر انَّ ما جاء في الكفاية من انَّ الزمان لو كان دخيلاً في الوجوب جرى استصحاب الزمان واستصحاب المقيد بما هو مقيد فساق كلا الاستصحابين مساقاً واحداً غير فني ، فانه إذا كان النهار أو الليل مأخوذاً في موضوع الوجوب بنحو التقييد فالجاري هو استصحاب المقيد إذا كانت له حالة سابقة دون استصحاب القيد وهو النهار ، وان كان مأخوذاً بنحو التركيب فالجاري استصحاب القيد ولو لم يكن للمقيد بما هو مقيد حالة سابقة ولا معنى لاستصحاب المقيد فيه لعدم كونه الموضوع للحكم وانما الموضوع المجموع المركب من ذات المقيد المحرز وجداناً وذات القيد المحرز بالتعبد ، هذا كله في أخذ الزمان دخيلاً في الوجوب.

وامّا إذا أخذ دخيلاً في الواجب كما إذا وجب صوم النهار ، أو صوم الزمان النهاري فشك في بقاء النهار وعدمه ، فالصحيح : انه لا يجري استصحاب النهار ولا استصحاب الصوم النهاري في هذا القسم خلافاً لمشهور المحققين.

توضيح ذلك : انه لو أُريد استصحاب الصوم النهاري فتارة يراد به إثبات انَّ الصوم في هذا الآن لو وقع كان نهارياً فيجب ، وأخرى يراد به إثبات انَّ صومه النهاري باق ولا ينقطع. امّا الأول فهو من الاستصحاب التعليقي في الموضوعات التكوينية كما تقدم في مناقشة مع المحقق العراقي (قدّس سرّه). واما الثاني فلأنَّ الشك في بقاء الصوم النهاري بنحو القضية التنجزية أمر بيد المكلف رفعه وليس موضوعاً للأثر والمنجزية وانما الّذي يتنجز ويوجب الإمساك ثبوت القضية التعليقية.

وإن أريد استصحاب النهار فهو لا يثبت تقيد الصوم واتصافه بكونه في النهار ، نعم إذا كان دخالة الزمان في الواجب على نحو التركيب بأَن يكون الواجب الصوم في زمان وكون ذلك الزمان نهاراً أمكن إحراز ذلك بالاستصحاب كما هو في سائر قيود الواجب المأخوذة فيه بنحو التركيب ، إلاّ انَّ هنا إشكالاً في معقولية التركيب في قبال التقييد

فانَّ لازمه أَن ينبسط الأمر والوجوب على مجموع جزءين الصوم في زمان وكون ذلك الزمان نهاراً ، وواضح انَّ الجزء الثاني وهو كون الزمان نهاراً امر غير اختياري وخارج عن قدرة المكلف فلا يعقل الأمر به عقلاً ولا عرفاً وانما المعقول والاختياري تقيد الصوم بكونه في النهار فهذه النكتة تجعل أخذ الزمان في الواجب بنحو التركيب غير عرفي على الأقل (1).

وهذا الإشكال لا يندفع بما ذكره المحققون في المقام لتخريج استصحاب الزمان فمدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) أفادت بأنَّ الأثر إذا كان لمجموع شيئين فان كانا من قبيل العرض ومحله رجع إلى التقييد وإلاّ رجع إلى التركيب وبما انَّ الزمان والصوم عرضان لمعروضين وليسا من قبيل العرض ومحله فلا محالة يكون الربط بينهما بنحو التركيب لا التقييد فيجري فيه الاستصحاب.

وفيه : انَّ هذا انما يصحح التركيب في مورد يعقل فيه ذلك ، وقد عرفت انَّ المقام فيه محذور آخر يلزم من التركيب وهو التكليف بغير المقدور.

والمحقق العراقي (قدّس سرّه) ذكر كلامين ، أحدهما يرجع بحسب الروح إلى مقالة المحقق النائيني (قدّس سرّه) حيث أفاد بأنَّ التقيد بالزمان ينحل بحسب نظر العرف إلى التركيب بين جزءين.

والآخر : انَّ أخذ النهار قيداً بنحو الظرفية للصوم فيه مئونة زائدة منفية بالإطلاق ، وانما الأمر منصب على نفس الصوم في شهر رمضان مجتمعاً مع النهار.

وهذا البيان غير تام لا ثبوتاً ولا إثباتاً.

امّا إثباتاً ، فلأنَّ المئونة المدعاة ثابتة ، فان كلمة ( في ) تدل بنفسها على أخذ الظرفية قيداً في متعلق الأمر بحيث يحتاج إلغاء خصوصية التقييد إلى قرينة ، ولهذا ذكرنا فيما سبق انَّ رفع اليد عن التقييد يكون على أساس قرينة ارتكازية عرفية وإلاّ فظاهر الخطاب هو التقييد ، وتلك القرينة لا تتم في المقام كما أشرنا.

وامّا ثبوتاً - فلأنَّ تغيير قيد الظرفية إلى قيد المعية أو الاجتماع أو المصاحبة لا يدفع المحذور ، فان هذا التقييد لا يمكن إثباته بالاستصحاب ، ورفع اليد عنه يعني الأمر بجعل


1) مرجع هذا التركيب إلى لزوم جعل الزمان الّذي يقع فيه الصوم بهذا العنوان الكلي نهاراً ، وهذا امر اختياري وانما غير الاختياري جعل الزمان الحقيقي الّذي ليس بنهار نهاراً فلا محذور في التركيب لا عقلاً ولا عرفاً.

والزمان نهاراً وهو غير اختياري.

والمحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) ذكر في المقام انه تارة يفرض انَّ الواجب تحصيل العنوان الانتزاعي الّذي يحصل من مجموع الصوم والنهار وتقيد أحدهما بالآخر ، وأخرى يفرض انه لا يطلب شيء غير منشأ الانتزاع ، فان فرض الأول لم يجر الاستصحاب إلاّ بناءً على القول بالأصل المثبت لأنَّ ترتب العنوان الانتزاعي على منشأ الانتزاع يكون بالملازمة العقلية ، وان فرض الثاني جرى الاستصحاب وترتبت النتيجة حيث يكون ذات التقيد والقيد ثابتين ولا يقصد امر وراءهما ، واما تقيد الصوم بالنهار وظرفيته له فهذا ثابت بالوجدان لأننا باستصحاب الزمان كما نثبت الزمان الواقعي تعبداً كذلك نثبت الزمان التعبدي واقعاً ووجدانا فيثبت كون الصوم في الزمان التعبدي بالوجدان (1).

ويلاحظ عليه : أولا - هذا موقوف على كفاية ترتب الأثر على نفس الاستصحاب في جريانه ، إذ المفروض ثبوت الظرفية للزمان التعبدي الّذي هو في طول الاستصحاب لا للزمان الواقعي.

وثانياً - لو فرض ثبوت نسبة الظرفية بين الصوم وبين الزمان التعبدي واقعاً ووجداناً فلما ذا التفصيل بين أخذ العنوان الانتزاعي أو منشأ الانتزاع ، فانه على التقديرين تثبت العلاقة مع الزمان الثابت تعبداً وجداناً وواقعاً سواءً أُريد العلاقة الانتزاعية أو الظرفية.

وثالثاً - انَّ إثبات الزمان بالتعبد لا يثبت بملاكه الظرفية بين الصوم والزمان ، لوضوح انَّ الزمان التعبدي ليس زماناً حقيقياً ليتعقل أَن يكون ظرفاً للصوم ، فكأنه وقع وهم نتيجة الألفاظ والتعبير عن المستصحب بالزمان التعبدي وإلاّ فحقيقة الأمر انَّ الزمان التعبدي ليس إلاّ عبارة عن الحكم والاعتبار الشرعي ولا معنى لافتراضه ظرفاً للصوم كما هو واضح ، نعم يعقل أَن يجعل القيد للواجب هو الأعم من الزمان الواقعي والاعتبار الشرعي الظاهري للزمان إلاّ انَّ هذا غير الظرفية.

ورابعاً - لو فرضنا ان القيد هو الأعم من الزمان والتعبد به لزم من ذلك صحة العمل واقعاً في موارد الاستصحاب لا ظاهراً فقط وهذا ما لا يلتزم به أحد.


1) نهاية الدراية المجلد الثالث ، ص 81

وهكذا يتضح انَّ استصحاب الزمان بلحاظ قيود الواجب لا يمكن إجراؤه لإحراز تحقق الواجب به وتنجيزه إلاّ بنحو الأصل المثبت ، وجميع المحاولات المذكورة من قبل الأصحاب لا تدفع الإشكال في خصوص المقام.

نعم يمكن الانتهاء إلى تنجيز نفس الأثر والوجوب الشرعي الّذي كان يقصد تنجيزه من استصحاب الزمان بنحو آخر وتوضيحه :

انَّ الزمان المأخوذ قيداً في الواجب تارة يكون بنحو صرف الوجود كما في الصلاة بين الزوال والغروب ، وأخرى يكون بنحو مطلق الوجود أي يجب الفعل في تمام آنات ذلك الزمان كالصوم الواجب في النهار.

ففي الفرض الأول تارة يفرض انَّ الصلاة وجبت على المكلف ولكنه أخرها إلى حين الشك في بقاء الوقت ، وأخرى يفرض انه لم تجب عليه الصلاة إلاّ من حين الشك في بقاء الوقت كما إذا لم يكن بالغاً قبله مثلاً.

ففي التقدير الأول تجري قاعدة الاشتغال ، لأنَّ الشك بحسب الحقيقة في الفراغ عن التكليف من ناحية الشك في القدرة عليه بعد اليقين بأصل التكليف واشتغال الذّمّة به ، والشك في القدرة مجرى لقاعدة الاشتغال (1).

وفي التقدير الثاني يجري استصحاب بقاء الوقت لإثبات فعلية الوجوب ، فانَّ الوقت إذا أخذ قيداً في الواجب أصبح قيداً في الوجوب أيضاً لا محالة لكونه غير اختياري فيستصحب بقاءه ، وبذلك يحرز فعلية الوجوب عليه واشتغال الذّمّة به غاية الأمر يشك في القدرة على تحققه وقد عرفت انه مورد للاشتغال وهذا الاستصحاب لم نحتج إليه في التقدير السابق لثبوت الاشتغال فيه وجداناً ابتداءً بلا حاجة إلى التعبد الاستصحابي (2)

والجواب : لو فرض ذلك وعدم استظهار أخذ نفس الزمان قيداً في الوجوب مع ذلك أمكن إجراء استصحاب القدرة أو القضية الشرطية فانها كانت صادقة سابقاً ويشك في صدقها فيستصحب.


1) الأثر المطلوب في هذا التقدير ليس هو تنجز الوجوب ليقال بأنه ثابت بقاعدة الاشتغال ، بل هناك أثر آخر مهم هو إحراز تحقق الامتثال بما يأتي به لكونه صلاة بالوجدان وفي الوقت بالتعبد فإذا لم يمكن إثبات ذلك كما هو المفروض كان من الشك في تحقق الامتثال والأصل عدمه فيترتب عليه آثاره من لزوم القضاء لو قيل به.

2) قد يقال : أخذ قيد غير اختياري في الواجب لا يجعله قيداً في الوجوب بحسب الدقة وانما القيد هو القدرة عليه المعبر عنها بقضية شرطية هي انه لو صلى كان في الوقت فلو فرض محالاً انه إذا صلى كان في الوقت مع عدم تحقق الوقت بالفعل كان الوجوب فعلياً في حقه ، ومن الواضح انَّ هذه القضية الشرطية لا يمكن إحرازها باستصحاب الوقت سواء كان الزمان مأخوذاً في الواجب بنحو صرف الوجود أو مطلق الوجود.

لا يقال : قاعدة الاشتغال في المقام محكومة لأصالة البراءة ، حيث انه في هذه الفرضية يشك المكلف في أصل تكليفه بالفعل في هذا الآن بالصلاة فتجري البراءة الشرعية في حقه وتكون حاكمة على الاشتغال العقلي.

فانه يقال : البراءة تنفي في حقه تكليفاً في هذا الآن بعنوانه واما تكليفه بالصلاة ما بين الحدين لمن أدرك الوقت فالمفروض ثبوته بالاستصحاب الموضوعي الحاكم على البراءة فلا يمكن نفيه بالبراءة بل يثبت هذا الوجوب بالاستصحاب ويجب الخروج عنه بقاعدة الاشتغال.

واما في الفرض الثاني الّذي يكون الزمان قيداً في الواجب بنحو مطلق الوجود كالصوم في النهار - مع فعلية الوجوب من أول الأمر بحسب الفرض -. فتارة يكون الشك في سعة النهار وضيقه كما إذا شك في انه اثنتا عشرة ساعة أم أكثر ، وأخرى يحرز مقداره ولكن يشك في انتهائه وعدمه ففي التقدير الثاني يكون أيضاً من الشك في الفراغ بعد العلم باشتغال الذّمّة بالصوم في تلك المدة المعينة فيجب الصوم.

وفي التقدير الأول وان كان يشك في وجوب صوم المدة المشكوكة وهو مجرى للبراءة في نفسها إلاّ انَّ استصحاب بقاء النهار ينقح موضوع وجوب الصوم لأنَّ النهار إذا أخذ قيداً في الواجب بنحو مطلق الوجود كان معنى ذلك اشتراط وجوب صوم كل آن بكونه نهاراً - سواء كان صوم كل النهار الواجب مركباً استقلالياً أم ارتباطياً - فباستصحاب نهارية الزمن المشكوك ننقح موضوع وجوب صومه هذا إذا لم تأخذ إضافة الصوم إلى نهارية ذلك الآن بنحو التقييد وإلاّ بأَن كان الواجب صوم ذلك الآن بما هو نهار كان من موارد الشك في القدرة على الامتثال الّذي هو مجرى للاشتغال العقلي فيكون الاستصحاب منقحاً لموضوع الاشتغال كما تقدم في الفرضية الأولى.

هذا تمام الكلام في الشك في الزمان المأخوذ في التكاليف بنحو الشبهة الموضوعية ، وامّا الشبهة الحكمية في التكاليف الموقتة ، فقد ذكر المحققون تحت هذا العنوان أبحاثاً في المقام كلها لا ترتبط بمسألة استصحاب الزمان أو الزماني وانما ترجع إلى تردد مفهوم الزمان بين الفترة القصيرة أو الطويلة ، أو تردد الموضوع مع وضوح المفهوم أو العلم بكون الموضوع هو الفترة القصيرة والشك في تحقق موضوع آخر للحكم

باق في الزمن الثاني ، وكل هذه الأبحاث لا تختص بالزمان بل يرد في القيود الأخرى فلا خصوصية للبحث عنها في المقام ، كما انهم بحثوا عن انَّ مضي الزمان هل يغير الموضوع ويعدده أم لا ، وهذا أيضاً بحث راجع إلى مبحث الشك في بقاء الموضوع ، وبحثوا عن معارضة استصحاب بقاء الوجوب في الزمن الثاني المشكوك باستصحاب عدم جعل الوجوب الزائد فيه ، وهذا أيضاً لا يختص بباب الزمان ، وقد تقدم البحث عن كبرى هذه المعارضة فيما سبق ، وعليه فلا موجب للدخول في تلك الأبحاث التي تقدم أو يأتي تنقيح نكاتها في مظانها.

5 - الاستصحاب التعليقي :

الشك في الحكم تارة ينشأ من الشك في تحقق موضوعه وصغراه خارجاً وهذه هي الشبهة الموضوعية ، وأخرى ينشأ من الشك في نفس الحكم وكبراه وهذه هي الشبهة الحكمية وهي تارة تكون بمعنى الشك في بقاء الجعل والتشريع أو انتفائه وهذا هو المسمى بالشك في النسخ ، وأخرى يكون الجعل معلوماً ولكن يشك في سعة المجعول به وضيقه لاحتمال أخذ قيد فيه وهذا هو المصطلح عليه بالشبهة الحكمية في قبال الشك في النسخ.

وهذا النحو من الشبهة الحكمية أعني الشك في سعة الحكم المجعول وضيقه تارة يشك في بقاء الحكم المجعول فيها بلحاظ ظرف مسبوق بفعلية الحكم المجعول قبله كما في مثال الشك في بقاء نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره وهذا هو الاستصحاب التنجيزي ، وأخرى يشك في فعلية مجعولة في ظرف مسبوق بظرف آخر لو كان يتحقق ما يتحقق في الظرف اللاحق من قيود الحكم فيه لكان فعلياً وهذا هو الاستصحاب التعليقي المبحوث عنه ، وبتعبير آخر قد نحرز كون الحكم منوطاً في مقام جعله بخصوصيتين وهناك خصوصية ثالثة يحتمل دخلها في الحكم أيضاً وفي هذه الحالة يمكن أَن يفترض انَّ إحدى الخصوصيّتين معلومة الثبوت والثانية معلومة الانتفاء واما الثالثة المحتمل دخلها فهي ثابتة وهذا يعني انَّ الحكم ليس فعلياً ولكنه يعلم بثبوته على تقدير تحقق الخصوصية الثانية فالمعلوم هو الحكم المعلق والقضية الشرطية فإذا افترضنا انَّ الخصوصية الثانية وجدت بعد ذلك ولكن بعد ان زالت الخصوصية الثالثة

حصل الشك في بقاء تلك القضية الشرطية لاحتمال دخل الخصوصية الثالثة في الحكم ، وهذا هو موضوع البحث في الاستصحاب التعليقي ، ومثاله المعروف حرمة العصير العنبي المنوطة بالعنب وبالغليان ويحتمل دخل الرطوبة وعدم الجفاف فيها فإذا جف العنب ثم غلى كان مورداً لاستصحاب الحرمة المعلقة على تقدير الغليان.

وقد كان المشهور قبل المحقق النائيني (قدّس سرّه) جريان هذا الاستصحاب إلاّ انَّ هذا المحقق الكبير برهن على عدم جريانه فأصبح المشهور بعده عدم الجريان.

والبحث عن جريان هذا الاستصحاب وعدمه نورده في مقامين :

المقام الأول - في تمامية أركان الاستصحاب ومقومات جريانه في هذا الاستصحاب في نفسه.

المقام الثاني - في وجود معارض له وعدم وجوده.

امّا المقام الأول - فهناك اعتراضان رئيسان يوجهان إلى هذا الاستصحاب يستهدفان فان المنع عن جريان هذا الاستصحاب في نفسه.

الاعتراض الأول - ما أفاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) من عدم تمامية ركني الاستصحاب من اليقين بالحدوث والشك في البقاء في مورد الاستصحاب التعليقي أو الحكم المعلق ، وقد اختلف فهم الأصحاب لمقالة هذا المحقق نتيجة التأثر ببعض العبائر الواردة في بيانه وبرهانه على هذا المدعى.

فتصور المحقق العراقي انَّ مقصود الميرزا اشتراط أَن يكون المستصحب امراً خارجياً أي محمولاً ثابتاً لموضوع خارجي حتى يمكن استصحابه ، والحكم المعلق ليس له وجود في الخارج بعد لكي يستصحب ، فنقض عليه بأنّا نجري استصحاب عدم النسخ وبقاء الجعل مع انه ليس امراً في عالم الخارج.

وفيه : ان الميرزا (قدّس سرّه) لا يشترط في المستصحب أَن يكون امراً في الخارج ، كيف وهو يرى جريان الاستصحاب في الاعدام أيضاً ، وانما يقصد - على ما سوف نشرح - انَّ الحكم المستصحب في المقام إن أُريد به الجعل فلا شك فيه ، وان أُريد به المجعول فلا فعلية له قبل تحقق الغليان ويشترط في استصحاب الحكم بمعنى المجعول العلم بفعليته خارجاً لكي يستصحب.

وكذلك تصور في المستمسك معنى آخر لمقالة الميرزا (قدّس سرّه) بعد أَن اختار تبعاً

لصاحب العروة التفصيل بين ما لو قال المولى ( العنب المغلي يحرم ) أو قال ( العنب إذا على يحرم ) مدعياً ان القيد إذا كان راجعاً إلى الموضوع كما في الأول لم يجر الاستصحاب ، وإذا كان راجعاً إلى الحكم كما في الثاني جرى ، لأنه في الأول لا يحصل اليقين بالحكم لعدم تحقق موضوعه بخلاف الثاني ، ولا يقال انَّ الشيء الثابت انما هو الجعل ولم يتحقق للحكم ثبوت في مرحلة الوجود الخارجي بلون من الألوان ، فانَّ هذا تفكيك بين الجعل والمجعول وهو مستحيل ، بل أوضح استحالة من التفكيك بين العلة والمعلول ، لأنَّ الجعل عين المجعول حقيقة ، وأردف ذلك بأنَّ المحقق النائيني (قدّس سرّه) قال بعدم جريان الاستصحاب التعليقي رأساً من باب انَّ القيد دائماً يرجع إلى الموضوع وإن كان بحسب الظاهر قيداً للحكم فالقضية الشرطية مرجعها إلى الحملية والشرط يرجع إلى الموضوع حيث برهن على انَّ انفكاك الحكم عن الموضوع وتأخره عنه محال. ثم اعترض عليه : بأنه لو كان المراد إرجاع القضية الشرطية - قيد الحكم - إلى الحملية - قيد الموضوع - بحسب مرحلة الإثبات ومعنى القضية فذلك خلاف الظاهر ، وإن كان المدعى انَّ مفاد القضية الشرطية مطابق لبّا لمفاد القضية الحملية فالمدار في جريان الاستصحاب على مفاد القضية الشرعية لا إلى ما تؤول إليها ومرجعها بحسب اللب ، ولهذا نجد جريان استصحاب الزمان إذا قال ( إن كان شهر رمضان فصم ) وعدم جريانه إذا قال ( صم في شهر رمضان ) لأنه لا يثبت كون الصوم في شهر رمضان بنحو مفاد كان الناقصة في حين انَّ مفاد القضيتين لبّا واحد (1).

وفيه : أولا - انَّ ما بنى عليه من انَّ الجعل عين المجعول ويستحيل التفكيك بينهما يقتضي عدم التفصيل في جريان الاستصحاب بين كون القضية مجعولة بنحو القضية الحملية أو الشرطية أي كون القيد من قيود الموضوع أو الحكم - كما ذهب إلى ذلك أصحاب هذا المبنى كالمحقق الخراسانيّ والعراقي ( قدهما ) - لأنَّ الجعل والمجعول ثابتين في كلا الموردين حيث يستحيل الانفكاك بينهما فالجمع بين المبنى الأصولي المذكور والتفصيل الّذي ذهب إليه صاحب العروة في الفقه غير سديد.

وثانياً - لو سلم ما نسبه إلى الميرزا من وجود برهان على رجوع قيود الحكم إلى


1) راجع المستمسك ، ج 1 ، ص 416 - 419

الموضوع لبّا وروحاً وسلم عدم جريان الاستصحاب التعليقي إذا كان الغليان قيداً للموضوع لا للحكم كان لا بدَّ من القول بعدم جريان الاستصحاب التعليقي مطلقاً ولا معنى لما ذكر من ملاحظة ظاهر القضية الشرعية ، لأن الاستصحاب انما يجري بلحاظ ما يستفاد من ظاهر اللفظ لبّا وواقعاً بعد تحكيم كل المناسبات والقرائن اللفظية والعرفية والعقلية على الخطاب الشرعي والمفروض انها تقتضي قيدية الغليان لموضوع الحكم ، وقياس المقام بمثال الصوم في شهر رمضان بنحو مفاد كان الناقصة مع الفارق لتعدد المفاد وروح القضيتين في هذا المثال حتى بحسب عالم اللب والثبوت.

اللّهم إلاّ أَن يقصد من اتحاد القضية الحملية والشرطية بحسب عالم اللب عالم الملاكات والمبادئ لا عالم الثبوت والمدلول الجدي إلاّ انه من الواضح حينئذ كون ذلك أجنبياً عن مقالة الميرزا (قدّس سرّه).

وثالثاً - بطلان أصل النسبة فانَّ الميرزا (قدّس سرّه) لم يذكر في مقام فضلاً من أَن يقيم برهاناً عليه ، أَنَّ قيود الحكم لا بدَّ وأَن ترجع إلى قيود الموضوع ، كيف وقد فصل بنفسه في بحث المفاهيم بين ما إذا كان القيد راجعاً للحكم فيثبت المفهوم والانتفاء عند انتفائه وما إذا كان راجعاً إلى الموضوع فلا مفهوم ، وجعل هذا ضابطة المفهوم فلو ارجع كل قيود الحكم إلى الموضوع لأنسد باب المفهوم عليه.

نعم هو يسمى كل القيود بقيود الموضوع في مقام آخر إلاّ انه لا يقصد هذا المعنى من الموضوع الّذي فهمه في المستمسك أعني ما هو معروض الحكم بحسب لسان الدليل وانما يقصد انَّ كل القيود المأخوذة في الحكم ومنها الموضوع بمعنى معروض الحكم لا بدَّ من أخذه مقدر الوجود في مقام جعل الحكم إذ المولى لا يجعل السببية حقيقة بين هذه الأسباب وبين الحكم وانَّما يجعل بنفسه الحكم عليها فالحكم مجعول ومخلوق للمولى ، كما انَّ هذا الجعل ليس بمعنى انه كلّما تحقق موضوع وسبب للحكم جعل المولى وأنشأ حكماً عليه بل الجعل يكون بنحو القضية الحقيقية التي ترجع إلى قضية شرطية موضوعها مقدار الوجود ، ومن هنا ادعى رجوع القضايا الحملية المجعولة إلى قضايا شرطية لكونها قضايا حقيقية.

وامّا ما جاء في تعبير الميرزا في مقام المنع عن الاستصحاب التعليقي هنا من انَّ قيود الحكم ترجع إلى الموضوع فهو يرمي من ذلك إلى توضيح انه لا فرق بين كون القيد

راجعاً إلى الحكم بحسب ظاهر القضية أو إلى الموضوع من حيث انَّ الحكم بمعنى المجعول الفعلي لا تحقق له قبل تمامية موضوع الحكم وقيوده في الخارج لكي يمكن استصحابه ، فليس المقصود ما فهمه في المستمسك من كلامه ، كما انه ليس المقصود ما جاء في فوائد الأصول من انَّ مراده بذلك التحرز عن مبنى كون الأحكام مجعولة للأسباب الشرعية لا للمولى بنحو القضايا الحقيقية للموضوعات المقدرة فأشكل عليه في الحاشية بأنه لا فرق بين ما إذا قلنا بأنَّ الحكم مجعول للمولى بنحو القضية الحقيقية على الموضوعات المقدرة الوجود أو قلنا بأنه مجعول للأسباب الشرعية فانه على الثاني أيضا ليس للحكم وجود قبل وجود السبب حتى يستصحب (1).

فانه مضافاً إلى ما ذكرنا في وجه هذا التقييد الوارد في كلام الميرزا (قدّس سرّه) لو فرض انَّ ما جاء في التقرير هو مقصوده لم يرد عليه إشكال الحاشية إذ السببية سوف تكون شرعية فيصح استصحابها.

والصحيح في توضيح مقالة الميرزا (قدّس سرّه) أَن يقال : انَّ المراد من استصحاب الحكم التعليقي إن كان استصحاب الجعل فالمفروض انه لا شك في ارتفاع الجعل وبقائه لكي يراد استصحابه ، وان كان المراد استصحاب المجعول الفعلي فلا يقين بحدوثه لأنَّ الحكم الفعلي كالحرمة لا يثبت إلاّ بعد تحقق تمام قيود الحكم وفعليتها في الخارج والمفروض في المقام عدم تحقق بعضها في مورد الاستصحاب التعليقي ، وان كان المراد استصحاب الحرمة الثابتة على نهج القضية الشرطية فهذا امر منتزع عن جعل الحرمة على موضوعها المقدر الوجود ولا أثر للتعبد به وانما الأثر والتنجيز يترتب على منشأ انتزاعه وهو الحكم الشرعي من الجعل أو المجعول.

ثم انَّ هذه المقالة قد أثير في قبالها مجموعة شبهات لا بأس بالتعرض إلى أهمها :

1 - انّا نستصحب سببية الغليان للحرمة وهي حكم وضعي فعلي امرها بيد الشارع إثباتاً ونفياً كالشرطية والمانعية وهي معلومة حدوثاً مشكوكة بقاءً فتستصحب.

وفيه : انَّ الاستصحاب لا يكفي فيه أَن يكون المستصحب امراً شرعيا تحت سلطان الشارع ، بل لا يشترط ذلك على ما تقدم مراراً ، وانَّما يشترط أَن يكون منتهياً إلى أثر


1) فوائد الأصول ، ج 4 ، ص 171

عملي من تنجيز أو تعذير ، وفي المقام لو أُريد باستصحاب السببية إثبات الحرمة فعلاً فهو غير ممكن لأنَّ الحرمة ليست من الآثار الشرعية للسببية بل من الآثار الشرعية لذات السبب الّذي رتب الشارع عليه الحرمة ، وان أُريد بذلك الاقتصار على التعبد بالسببية فهو لغو لأنها بعنوانها لا تصلح للمنجزية والمعذرية.

وقد حاول المحقق العراقي تصحيح استصحاب السببية بناء على بعض المسالك في الحكم الظاهري وهو مسلك جعل الحكم المماثل بأَن يقال انَّ المجعول عندئذ هو السببية الظاهرية المماثلة للواقع المشكوك ، وبما انَّ السببية يستحيل جعلها ابتداءً فيستكشف لا محالة جعل منشئها بالملازمة لنفس الحكم الظاهري لا للمؤدى ليكون من الأصل المثبت ، ومنشئها هو الحكم

الشرعي الظاهري بحرمة الزبيب إذا غلى فيكون منجزاً لا محالة.

ويلاحظ عليه : أولا - بعد أَن كان المدلول المطابقي لدليل الاستصحاب النهي عن النقض العملي ولهذا كان مختصاً بما يترتب عليه أثر عملي ، والسببية لا يترتب عليها أثر عملي فهذا لازمه عدم شمول إطلاق دليل الاستصحاب للسببية لا شموله لها واستكشاف مطلب آخر بالملازمة لتصحيح هذا الشمول لأنَّ الإطلاق بحسب الفرض مقيد بأَن يكون المورد ممّا يترتب عليه أثر عملي والمفروض ان السببية لا منجزية لها فلا ينعقد الإطلاق في هذا المورد.

وثانياً - انَّ ثبوت منشأ السببية ظاهراً لا يحقق سببية ظاهرية مماثلة للسببية الواقعية المحتملة بل سوف تتحقق سببية واقعية بين الغليان والحرمة الظاهرية ، وهذا مطلب آخر غير جعل الحكم المماثل الظاهري. اللّهم إلاّ أَن يقال بكفاية المماثلة بين منشأ السببية الظاهري ومنشأ السببية الواقعي وان كانت السببيتان واقعيتين.

2 - ما ذكرته مدرسة المحقق العراقي (قدّس سرّه) من أنَّ الاعتراض المذكور من قبل الميرزا (قدّس سرّه) على الاستصحاب التعليقي يقوم على أساس انَّ المجعول لا يكون فعلياً إلاّ بوجود تمام اجزاء الموضوع خارجاً قياساً لباب الأحكام والقضايا التكليفية بالقضايا الحقيقية والتي لها مرحلة الإنشاء والجعل ومرحلة الفعلية ، فانه حينئذ يتعذر استصحاب المجعول في المقام إذ لم يصبح فعلياً ليستصحب ، ولكن الصحيح انَّ المجعول ثابت بنفس ثبوت الجعل لأنه منوط بالوجود اللحاظي للموضوع لا بوجوده الخارجي -

على ما حقق ذلك في محله من بحث الواجب المشروط والإرادة المشروطة - فهو فعلي قبل تحقق الموضوع خارجاً.

وقد أردف المحقق العراقي (قدّس سرّه) ناقضاً على المحقق النائيني (قدّس سرّه) بأنه أليس المجتهد يجري الاستصحاب في المجعول الكلي قبل أَن يتحقق الموضوع خارجا؟ (1).

ويلاحظ عليه : انَّ المجعول - سواء أُريد به الأمر الاعتباري أو الإرادة - إذا لوحظ بما هو أمر ذهني وبالحمل الشائع والحقيقي فهو نفس الجعل المنوط بالوجود اللحاظي للشرط وللموضوع على ما تقدم شرحه في الواجب المشروط إلاّ انَّ المجعول بهذا اللحاظ لا يجري فيه استصحاب الحكم ، إذ لا شك في البقاء حينئذ وانما الشك في حدوث الجعل الزائد على ما عرفت في بحث سابق. وإذا لوحظ المجعول بما هو صفة للموضوع الخارجي وبالحمل الأولي والوهمي فهو منوط في هذا اللحاظ بالخارج فما لم يوجد الموضوع بالكامل ولو تقديراً وافتراضاً لا يرى للمجعول فعلية وثبوتاً لكي يستصحب ، وقد تقدم تفصيل ذلك في دفع شبهة المعارضة بين استصحاب المجعول وعدم الجعل الزائد ، ومن ذلك يعرف حال النقض المذكور ، فانَّ المجتهد يفترض تحقق الموضوع بالكامل فيشك في البقاء مبنياً على هذا الفرض ، وأين هذا من إجراء استصحاب الحكم بمجرد افتراض جزء الموضوع. وبكلمة أخرى : انَّ كفاية ثبوت المجعول على فرض وجود موضوعه في تصحيح استصحابه في نفس الفرض والتقدير شيء وكفاية الثبوت التقدير لنفس المجعول في تصحيح استصحابه دون تواجد تمام الموضوع لا خارجاً ولا تقديراً شيء آخر فلا ينبغي الخلط بينهما كما هو واضح.

3 - ما قد يستفاد من بعض تعبيرات المحقق العراقي (قدّس سرّه) من انَّ العلم بالسببية والملازمة بين الغليان والحرمة يتولد منه علم مشروط بالحرمة الفعلية على تقدير الغليان ومعلقاً عليه ، وهذا علم منوط ومشروط يتبعه الشك المنوط حينما يصير العنب زبيباً فيجري استصحابه والتعبد ببقائه في فرض الزبيبية أيضاً.

ويلاحظ عليه : انه لا يوجد إلاّ علم واحد بالملازمة والسببية ، واما العلم بفعلية الجزاء ففرع العلم بالصغرى والكبرى معاً بل يستحيل العلم المنوط ، فانَّ الإناطة والاشتراط


1) نهاية الأفكار ، قسم 1 من ج 4 ، ص 163 - 168

في عالم المفاهيم والتصور تعني التخصيص والتقييد ، وهذا غير معقول في المقام ، وفي عالم الحقائق والوجودات التصديقية تعني السببية والعلّيّة ومن الواضح انَّ العلم بالحرمة علّته وسببه دليله وبرهانه من العلم بالصغرى والكبرى لا الغليان لا بوجوده اللحاظي ولا الخارجي.

4 - ما ذكره المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) في تفسير مراد أستاذه صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من امره بالفهم : انَّ حرمة العنب المغلي مجعولة على نهج القضية الحقيقية لا الخارجية ، وهذا يعني انها مجعولة على الافراد المقدرة الوجود فالحرمة فعلية على العنب المغلي المقدر ، ولا يقصد بذلك ما تقدم في المناقشة الثانية من انَّ الشرط للحكم هو الوجود اللحاظي لا الخارجي بل هو يتكلم عن الغليان الخارجي والحرمة الجزئية الثابتة له لا الحرمة الكلية التي يجعلها المولى بمجرد لحاظ الغليان ، ولكنه يرى انَّ الغليان الخارجي كما تكون افراده المحققة مشمولة للحكم كذلك تكون افراده المقدرة مشمولة للحكم فلتستصحب تلك الحرمة الجزئية الثابتة بلحاظ الغليان المقدر الوجود.

ويلاحظ عليه : أولاً - انَّ معنى شمول الحكم في القضية الحقيقية للافراد المقدرة انَّ الحكم لو لوحظ بالحمل الأولي لا الشائع فيرى ثبوت الحرمة لكل ما يفرض انه عنب مغلي فتثبت حرمة جزئية لكل ما يفرض عنباً فعلياً ، إلاّ انَّ هذا انما يكون بعد فرض موضوع الحكم بتمام قيده في المنظور بهذا المنظار أي بعد فرض عنب مغلي فيكون المستصحب بقاء حرمة العنب المغلي بلحاظ ما بعد غليانه لو شك في ارتفاع الحرمة عنه لا أَن تستصحب بقاء الحرمة المعلقة على الغليان للزبيب الّذي هو امتداد لذات العنب لا للعنب المغلي فانه بهذا المنظار وفي هذا الأُفق لا يكون لذات العنب حرمة جزئية لكي تستصحب.

وثانياً - انَّ هذا التفسير لكلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه) أساساً مما لا يرضى به صاحبه فانه قد ذكر بنفسه في حاشيته على الرسائل معنى آخر حاصله : انَّ حرمة العصير تارة يؤخذ فيها الغليان بنحو قيد الوجوب والتكليف ، وأخرى يؤخذ فيها الغليان بنحو قيد الواجب والمكلف به فتكون الحرمة فعلية ولكن الحرام هو الشرب الخاصّ وهو الشرب حال الغليان ، فانَّ قيود الحرمة يمكن أخذها في الحرام بدلاً عن الحرمة حتى إذا كانت غير اختيارية على خلاف باب الوجوب حيث لا بدَّ وأَن تؤخذ القيود

غير الاختيارية في الوجوب لا الواجب ، وعليه فيجري استصحاب حرمة الشرب الخاصّ بعد جفاف العنب أيضاً إلاّ انه كما أشار بنفسه يكون من الاستصحاب التنجيزي لا التعليقي (1).

وهكذا يتضح انَّ تمام ما أثير حول مقالة المحقق النائيني (قدّس سرّه) واعتراضه على الاستصحاب التعليقي لا يرجع إلى محصل.

إلاّ انَّ التحقيق - مع ذلك هو التفصيل بين ما إذا كان كل قيود الموضوع مأخوذة في عرض واحد ، وبين ما إذا كان بعضها مأخوذاً في موضوع البعض الآخر فلا يجري الاستصحاب في الأول ويجري في الثاني.

توضيح ذلك : اننا وان كنا نوافق على ما أفاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) من رجوع قيود الحكم كلها إلى الموضوع بمعنى ما يؤخذ مقدر الوجود في جعل الحكم بنحو القضية الحقيقية الا انه لا برهان يقتضي انَّ تلك القيود لا بدَّ وأَن تؤخذ جميعاً في عرض واحد مقدرة الوجود ، بل كما يمكن إناطة الحرمة مثلاً بخصوصية الغليان في عرض إناطتها بخصوصية العنبية كذلك يمكن أَن تكون إناطتها بالغليان مترتباً وطولياً بمعنى انَّ الحكم يقيد بالخصوصية الثانية وبما هو مقيد بها يناط بالخصوصية الأولى سواءً باستخدام قضية شرطية بأَن قيل ( العنب إذا غلى حرم ) أو قضية حملية ظاهرة في طولية القيدين بأَن قيل ( العنب يحرم المغلي منه ) فانَّ العنب هنا يكون موضوعاً للحرمة المنوطة بالغليان خلافاً لفرضية عرضية القيدين بأَن قيل ( العنب المغلي حرام ) حيث كان العنب المغلي بما هو كذلك موضوعاً للحرمة. ففي الحالة الأولى يتجه اعتراض المحقق النائيني (قدّس سرّه) ولا يجري الاستصحاب في القضية الشرطية لأنها امر منتزع عن الجعل وليست هي الحكم المجعول ، واما في الحالة الثانية فلا بأس بجريان الاستصحاب في نفس القضية الشرطية التي وقع العنب موضوعاً لها لأنها مجعولة من


1) الا انه على هذا التقدير سوف تكون الحرمة غير مقيدة لا بوجود الغليان ولا بوجود العنب بل تكون فعليته قبل وجود العنب حيث يحرم شرب العنب المغلي ، وعندئذ لا يجري الاستصحاب لمحذور آخر هو انَّ الشك لا يكون في بقاء الحرمة بل في مقدارها وانَّ الحرام هل هو شرب العنب المغلي بالخصوص أو الأعم منه ومن ماء الزبيب المغلي وهذا من الشك في مقدار المجعول والّذي يجري فيه عدم جعل الحرمة الزائدة ، فالحاصل تصوير كون الشك في بقاء الحرمة بنحو الشبهة الحكمية في المقام مبني على فرض الحرمة صفة للعنب المغلي ومنوطاً به لكي يرى بمنظار الحمل الأولي الشك في بقائها تبعاً لبقاء العنب وجفافه فتدبر جيداً.

قبل الشارع بما هي شرطية ومرتبة على عنوان العنب ، فالعنب موضوع للقضية الشرطية حدوثاً يقيناً ويشك في استمرار ذلك بقاءً فتستصحب تلك القضية الشرطية ويكون حالها حال الحرمة الفعلية المستصحبة في سائر الشبهات الحكمية من غير فرق بينِ أَن يكون جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية بمعنى استصحاب الحكم الجزئي بعد فعلية موضوعه في الخارج أو بمعنى استصحاب الحكم الكلي الّذي يفترضه المجتهد بافتراض موضوعه الكلي وإجراء الاستصحاب فيه ، وتمام فذلكة الموقف تتلخص في انَّ القضية الشرطية أو الحملية الطولية تصبح هي المجعولة والمترتبة شرعاً على الموضوع فيكون حالها حال الحرمة المترتبة على موضوعها عند الشك في بقائها من حيث تمامية أركان الاستصحاب فيها (1).

الاعتراض الثاني - انّا إذا سلمنا تواجد ركني الاستصحاب في القضية الشرطية فلا نسلم جريان الاستصحاب مع ذلك لأنه انما يثبت الحكم المشروط وهو لا يقبل التنجيز وامّا ما يقبل التنجيز فهو الحكم الفعلي فما لم يكن المجعول فعلياً لا يتنجز الحكم وإثبات فعلية المجعول عند وجود الشرط باستصحاب الحكم المشروط متعذر لأنَّ ترتب فعلية الجزاء عند فعلية الشرط في القضية الشرطية المستصحبة عقلي وليس شرعياً.

والجواب على هذا الاعتراض.

أولاً - انَّ دليل الاستصحاب إذا بنينا على تكلفله لجعل الحكم المماثل كان مفاده في المقام ثبوت حكم مشروط ظاهري ، وتحول هذا الحكم الظاهري إلى فعلي عند وجود شرطه لازم عقلي لنفس التعبد الظاهري المذكور لا للمستصحب ، وقد مرّ بنا سابقاً انَّ اللوازم العقلية لنفس الاستصحاب لا يكون من الأصل المثبت.

وثانياً - النقض بموارد استصحاب بقاء الجعل وعدم النسخ عند الشك فيه مع انَّ المستصحب فيه القضية الحقيقية الشرطية والتي لا تتحول إلى الحكم الفعلي عند وجود


1) بعد أَن كان المنجز عقلاً وعرفاً هو المبرز بالخطاب والجعل لا نفس الخطاب والإنشاء وبعد وضوح انَّ تغيير كيفية التقييد بكل من الخصوصيّتين والقيدين لا يغير روح الحكم والإرادة المبرزة بالخطاب من حيث كونها إرادة منوطة بتحقق القيدين معاً - كما أفاد المحقق النائيني (قدّس سرّه) فلا يمكن تطبيق دليل الاستصحاب على القضية التعليقية في المقام لأنَّ دليل الاستصحاب لم يرد فيه ما يدل على النّظر إلى الصياغات الإنشائية للحكم وانَّما يدل على النهي عن النقض العملي لكل يقين تترتب عليه المنجزية والمعذرية والمفروض انَّ المنجزية والمعذرية انما تكون بلحاظ روح الحكم والإرادة التشريعية التي هي واحدة في الحالتين.

شرطها إلاّ بناءً على الأصل المثبت.

وثالثاً - الحل - بأنَّ هذا الاعتراض نشأ من تصورات مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) من انَّ فعلية المجعول أمر يتحقق وراء مرحلة الجعل وانَّ المنجز عقلاً انَّما هو إحراز المجعول الفعلي مع انه قد تقدم انه لا واقع حقيقي وراء الجعل وانَّ مرحلة فعلية المجعول مرحلة وهمية تصورية تنشأ من ملاحظة الجعل بمنظار الحمل الأولي ، وانَّ التنجيز يكفي فيه إيصال الحكم المشروط مع إحراز الشرط لأنَّ وصول الكبرى والصغرى معاً كاف لحكم العقل بوجوب الامتثال فكلما كان أحدهما محرزاً صحّ إحراز الآخر بالتعبد لترتب التنجيز عليه بحسب الفرض (1)

وبهذا ظهر الفرق بين استصحاب عدم النسخ وبقاء الجعل بمعنى الإرادة التشريعية وبين المقام فلا يتوجه النقض المذكور ، كما انه ظهر وجه اندفاع الجواب الأول فانَّ ثبوت قضية شرطية ظاهراً وان كان يستلزم فعلية جزائها عند تحقق الشرط إلاّ انَّ جعل الحكم المماثل في مورد فرع كون المشكوك منجزاً وقد عرفت انَّ القضية الشرطية في المقام ليست صالحة للتنجيز وان كانت اعتبارية وجعلية لعدم رجوعها إلى إرادة أخرى وراء الإرادة التشريعية المنوطة بمجموع القيدين.

.

المقام الثاني - انَّ استصحاب الحكم المعلق معارض باستصحاب الحكم المنجز ففي مثال العنب كما يعلم بالحرمة المعلقة على الغليان سابقاً كذلك يعلم بالحلية الفعلية المنجزة قبل الغليان فتستصحب ويتعارض الاستصحابان.

وقد وجد عند الاعلام اتجاهان للجواب على هذا الاعتراض :

الاتجاه الأول - ما ذكره صاحب الكفاية (قدّس سرّه) ووافقه عليه السيد الأستاذ من انه لا معارضة بين الاستصحابين إذ كما انَّ الحرمة كانت معلقة فتستصحب بما هي معلقة كذلك الحلية في العنب كانت مغياة بالغليان ومعلقة على عدمه فتستصحب بما هي مغياة ولا تنافي بين حلية مغياة وحرمة معلقة على الغاية إذ لا يلزم اجتماعهما في آن واحد ليقع بينهما المنافاة.

ونلاحظ على ذلك : انَّ الحلية التي نريد استصحابها هي ذات الحلية الثابتة بعد الجفاف وقبل الغليان ولا علم بأنها مغياة لاحتمال عدم الحرمة بالغليان بعد الجفاف ، وإن شئت قلت المستصحب هو الحلية التنجيزية لا المغياة.


1) هذا الكلام انَّما يتم في إحراز الكبرى بمعنى الإرادة التشريعية التي هي روح الحكم المبرز بالخطاب وواضح انه في المقام لا توجد إرادة تشريعية أخرى بإزاء القضية الشرطية الاعتبارية وانما هناك إرادة واحدة منوطة بمجموع القيدين ، وامَّا القضية الشرطية فمحض صياغة في مرحلة الإثبات فإحرازها ليس إحرازاً للكبرى المنجزة عقلاً.

فان قيل : انَّ الحلية الثابتة قبل الجفاف نعلم بأنها كانت مغياة ونشك في تبدلها إلى الحلية غير المغياة بالجفاف فنستصحب تلك الحلية المغياة المعلومة قبل الجفاف.

كان الجواب : انَّ استصحابها لا يعين حال الحلية التنجيزية المعلومة بعد الجفاف ولا يثبت انها مغياة إلاّ بالملازمة للعلم بعدم إمكان وجود حليتين وما دامت الحلية المعلومة بعد الجفاف لا مثبت لكونها مغياة فبالإمكان استصحاب ذاتها إلى ما بعد الغليان.

الاتجاه الثاني - ما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) وأوضحه المحقق النائيني (قدّس سرّه) بأنَّ الاستصحاب التعليقي حاكم على الاستصحاب التنجيزي لأنه يلغي الشك في الحكم التنجيزي فيكون حاكماً عليه ، وهذا الكلام لإجماله أصبح مورداً للنقد من قبل الاعلام فانه بعد أَن لم تكن نسبة الحكم التنجيزي إلى التعليقي نسبة الحكم إلى موضوعه والمسبب الشرعي إلى سببه فلما ذا يفترض حكومة الاستصحاب التعليقي على الاستصحاب التنجيزي.

ويمكن أَن يقال في توجيه مدعى المحقق النائيني (قدّس سرّه) : انَّ استصحاب القضية الشرطية للحكم امّا أَن يفترض انه يثبت فعلية الحكم عند تحقق الشرط واما أَن لا يثبت ذلك ، فان لم يثبت لم يجر في نفسه إذ أي أثر لإثبات حكم مشروط لا ينتهي إلى الفعلية ، وان أثبت ذلك تم الملاك لتقديم استصحاب الحكم المعلق على استصحاب الحكم المنجز وحكومته عليه وفقاً للقاعدة المشار إليها من انه كلما كان أحد الأصلين يعالج مورد الأصل الآخر دون العكس قدم الأصل الأول على الثاني فانَّ مورد الاستصحاب التنجيزي مرحلة الحكم الفعلي ومورد الاستصحاب التعليقي مرحلة الثبوت التقديري للحكم والمفروض انَّ استصحاب الحكم التعليقي يثبت الحرمة الفعلية وهو معنى نفي الحلية الفعلية ، وامّا استصحاب الحلية الفعلية فلا ينفي الحرمة التعليقية ولا يتعرض إلى الثبوت التقديري له.

ولكن هذا التوجيه لا يتم بناءً على ما هو الصحيح في تخريج الاستصحاب التعليقي ، حيث تقدم انَّ جريانه ليس بملاك إثبات الحكم الفعلي بالقضية المشروطة بل من أجل كفاية وصول الكبرى والصغرى في حكم العقل بوجوب الامتثال ، فانَّ استصحاب الحكم المعلق على هذا الأساس لا يعالج مورد الاستصحاب الآخر ليكون حاكماً عليه.

نعم لو قلنا بمسلك الجعل الحكم المماثل وهو القضية التعليقية ظاهراً في المقام كانت الحرمة الفعلية لازمة لنفس التعبد الاستصحابي فتكون من لوازم الأمارة فتتقدم على استصحاب الحلية ، إلاّ انَّ هذا المسلك أيضاً لم يكن هو المختار عندنا ، فهذا الاتجاه أيضاً لم يتم في دفع اعتراض المعارضة.

والتحقيقي في الإجابة على هذا الاعتراض أَن يقال : بأنَّ استصحاب الحكم التعليقي إذا جرى فلا يجري استصحاب الحلية التنجيزية عندئذ لا من جهة الحكومة أو عدم المنافاة بل لعدم تمامية أركان الاستصحاب بحسب هذا النّظر العرفي فيه حينئذ وذلك بنكتة تقدمت الإشارة إليها في بحث سابق. وتوضيح ذلك : انه متى ما كانت عندنا حالتان سابقتان لشيء واحد فان كانت إحداهما فقط تجمع أركان الاستصحاب فالاستصحاب يجري فيها دون الأخرى ، وان كانت كل منهما في حد ذاتها مستجمعة لأركانه فتارة تكون الحالتان في عرض واحد كما في موارد توارد الحالتين فالاستصحابان يتعارضان ، وإن كانتا طوليتين ونقصد بذلك انَّ إحداهما تكون حاكمة على الأخرى وناسخة له فهنا تكون الحالة الناسخة هي التي يجري فيها الاستصحاب لا الحالة المنسوخة ، وان شئتم قلتم : تكون الحالة السابقة مركبة بحسب الحقيقة وتكون للحلية السابقة حالة سابقة هي زوالها بالغليان فالحالة السابقة تكون هي الحرمة بالغليان لا الحلية ، نظير الأستاذ الّذي يدرس كل يوم في الساعة المحدودة فانه لو شك في انقطاعه عن الدرس كان المستصحب استمراره في التدريس ولم يكن ذلك معارضاً باستصحاب عدم التدريس الثابت بنحو القضية الفعلية يقيناً قبل ساعة الدرس لأنَّ دليل الاستصحاب لا بدَّ وان يصرف إلى الفهم العرفي والارتكازي لمفاد نقض اليقين بالشك والفهم الارتكازي يقتضي ما أشرنا إليه.

ويؤيد ذلك ما ارتكز لدى أكثر المحققين من جريان الاستصحاب التعليقي وارتكز لديهم كافة عدا المحقق العراقي عدم وجود معارض له على تقدير القول بجريانه وان اختلفوا في كيفية تخريجه وانه هل هو من جهة الحكومة أو عدم المنافاة ، فهم قد أصابوا في ارتكازهم عدم المعارضة وان أخطئوا في المحاولة الفنية لتخريج هذا الارتكاز.

وفي ختام البحث عن الاستصحاب التعليقي تجدر الإشارة إلى عدة أمور :

الأول - ظهر ممّا ذكرنا انَّ الاستصحاب التعليقي على القول به انما يتم في الأحكام لا الموضوعات كما إذا شك في انَّ صومه الآن هل يكون في النهار أم لا وقيل بعدم جريان الاستصحاب في الزمان فأريد استبدال ذلك باستصحاب تعليقي مفاده انه لو كان قد صام قبل الآن كان صومه في النهار فالآن كذلك.

وعدم جريان الاستصحاب فيه واضح لأنَّ القضية التعليقية هنا تكوينية شرطاً وجزاء فلا منشأ لتوهم ترتب شرعي لكي يستصحب ، فلو أُريد استصحاب نفس. السببية بينهما فلا أثر عملي يترتب عليه ، وان أريد إثبات الجزء باستصحاب القضية التعليقية فهو من أوضح أنحاء الأصل المثبت ، ولا يرد هنا شيء من التخريجات المتقدمة للاستصحاب التعليقي من دعوى فعلية المجعول بنفس الجعل أو انَّ المجعول نفس القضية التعليقية وإحرازها كاف في التنجيز ، فانَّ ذلك كله مخصوص بما إذا كانت القضية التعليقية شرعية لا تكوينية كما لا يخفى. نعم لو تمّ ما تقدم في بعض الوجوه السابقة من تصور وجود علم بالجزاء منوط ومشروط بتحقق الشرط جرى هنا أيضاً ولكنه كان بمكان من الضعف (1).

الثاني - انَّ المثال المدرسي المعروف للاستصحاب التعليقي وهو العصير الزبيبي عليه ملاحظة فقهية حاصلها : انَّ الوارد في لسان الدليل حرمة العصير العنبي المغلي لا حرمة العنب المغلي ليتوهم ان الزبيب عنب أيضاً غاية الأمر انه قد جف والجفاف لا يضر بوحدة الموضوع عرفاً ، ومن الواضح ان العصير العنبي يعني الماء المتخذ من العنب بينما العصير الزبيبي ليس ماءً للزبيب وانما هو ماء خارجي يضاف إلى الزبيب فيغلي والتعدد بينه وبين العصير المتخذ من العنب واضح عقلاً وعرفاً فلا مجال للاستصحاب


1) كما ويظهر من التأمل فيما سبق عدم جريان الاستصحاب التعليقي في الشبهة الموضوعية ، أعني الحكم الجزئي كما إذا شك في جفاف العنب وعدمه فلا يمكن استصحاب الحكم المعلق الجزئي بأَن يقال هذا العنب كان إذا غلى يحرم فالآن كذلك رغم انَّ القضية التعليقية مجعولة شرعاً. والوجه في ذلك انَّ الوجه المقبول لجريان الاستصحاب التعليقي كان أساسه كفاية إحراز نفس القضية الشرطية مع إحراز موضوعها للتنجيز ومن الواضح انَّ هذا انما يعقل في الشبهة الحكمية التي يشك فيها في نفس القضية الشرطية فيراد إحرازها بالاستصحاب ، وامَّا في المقام فلا شك في القضية الشرطية وانما الشك في صغراها ، واستصحاب المجعول الجزئي بمعنى القضية الشرطية الجزئية لا أثر له في التنجيز بناءً على هذا المسلك لأنَّ التنجيز لا يدور مدار المجعول الفعلي الوهمي فلا يجري استصحاب الحكم التعليقي في الشبهة الموضوعية أيضاً ، وسوف يأتي في بعض البحوث القادمة إشارة من السيد الأستاذ قدس سره يمكن أَن يستفاد منها هذا المعنى فانتظر.

التعليقي فيه ولو سلمت كبراه.

الثالث - ذكر المحقق النائيني (قدّس سرّه) انَّ العقود التعليقية كالوصية المعلقة على موت الموصي والجعالة المعلقة على العمل المجعول عليه الجعل لو شك في لزومها وعدمه أمكن استصحاب اللزوم فيها من دون أَن يكون تعليقياً لأنَّ المستصحب عند الشك في الانفساخ نفس القرار المعاملي والمنشأ بالعقد لا النتيجة المترتبة خارجاً ليقال بأنه لم يمكن ثابتاً بالفعل بل كان معلقاً على تحقق شرط غير حاصل فيكون الاستصحاب تعليقياً.

وقد جاء في كلمات السيد الأستاذ انا نستصحب الحق الثابت قبل حصول المعلق عليه بأن يتملك الجعل مثلاً بالعمل فيترتب عليه النتيجة.

والتخريج الأول مبني على أَن يختار في باب اللزوم مبنى للمحقق النائيني من انَّ الالتزام العقدي له حدوث وبقاء وانَّ العاقد لا ينشئ مجرد التمليك بل ينشئ أيضاً التزاماً متبادلاً بين الطرفين بمقتضى الملكية يكون له دوام في نظر العرف والعقلاء ويكون منه اللزوم ويكون رد هذا الالتزام هو الخيار ، فانه بناءً على هذه التصورات يكون هناك منشأ اعتباري معاملي يمكن استصحابه ويكون حاله حال القضية التعليقية الشرعية ، وامّا إذا أنكرنا ذلك وقلنا بأنَّ الفسخ أخذ عدمه قيداً في الملكية المجعولة بالعقد لا انه رفع لذلك القرار الوضعي المعاملي فلا مجال للاستصحاب المذكور.

والتخريج الثاني مبني على افتراض استفادة إنشاء حق أَن يملك الجعل بالعمل مثلاً من الجعالة زائداً على إنشاء التمليك المشروط بأداء العمل ، وهو محل منع وانما هذا الحق امر منتزع من نفس القضية التعليقية المنشأة من قبل الجاعل.

6 - استصحاب عدم النسخ :

والبحث تارة عن أصل جريان استصحاب عدم النسخ ، وأخرى عن استصحاب عدم النسخ حكم الشريعة السابقة ، فالبحث في مقامين :

المقام الأول - في جريان استصحاب عدم النسخ ، ولا إشكال في انَّ النسخ بمعناه الحقيقي مستحيل بالنسبة إلى مبادئ الحكم من الإرادة والكراهة لاستلزامه البداء المستحيل على اللّه سبحانه وتعالى ولكنه معقول بالنسبة إلى الحكم في عالم الجعل والاعتبار بأَن يعتبر الوجوب أو الحرمة ويكون لنفس هذا الاعتبار بقاء

واستمرار ما لم يقرر خلافه ويلغى ، كما انه يمكن أَن يكون الجعل مقيداً بالزمان الأول أو مقيداً بعدم جعل الحكم المضاد - ولو بمعنى إنشائه أو إبرازه لئلا يلزم أخذ عدم أحد الضدين في موضوع الآخر - وعليه فالشك في النسخ يتصور بأحد أنحاء.

1 - أَن يشك في بقاء نفس الجعل وعدمه بمعنى احتمال إلغاء المولى له ، وهذا يكون قسماً مستقلاً من الشبهة غير الشبهة الحكمية ، لأنَّ الشك هنا في نفس بقاء الجعل حقيقة لا في سعة المجعول وحدوده.

2 - أَن يشك في سعة المجعول وشموله من الناحية الزمانية بمعنى احتمال انَّ الجعل تعلق بالحكم المقيد بزمان قد انتهى أمده وبهذا يكون من الشبهة الحكمية في دائرة المجعول.

3 - أَن يعلم بتقيد الجعل بعدم جعل الحكم المضاد أو انه مغيا به ويشك في تحقق الغاية فيكون من الشك في موضوع الحكم المجعول كسائر الشبهات الموضوعية وان كانت هذه الشبهة الموضوعية في حكم الشبهة الحكمية لأنَّ القيد المأخوذ في الحكم راجع إلى المولى وليست نسبة العبد والمولى إليه على حد واحد ، نعم جريان الاستصحاب في هذه الحالة أوضح وأسلم عن المناقشات لتمامية أركانه في القيد المشكوك حصوله فيجري استصحاب عدم تحقق القيد أو الغاية ويترتب عليه بقاء المجعول ترتب الحكم على موضوعه. وهكذا يتضح أن الشك في النسخ يرجع روحاً ولباً إلى أحد نحوين امّا الشك في بقاء نفس الجعل وإلغائه ، أو الشك في دائرة المجعول وسعته أو ضيقه.

وعلى هذا الأساس نقول : إذا كان الشك في النسخ بالنحو الثاني أي الشك في سعة المجعول جرى استصحاب بقاء المجعول الكلي على حد الاستصحاب في سائر الشبهات الحكمية ، وإذا كان الشك في النسخ بالنحو الأول أي الشك في بقاء نفس الجعل جرى استصحاب بقاء الجعل كأمر اعتباري ، ويوجد بإزاء كل من الاستصحابين مناقشات مختصة أو مشتركة بينهما.

اما الاستصحاب بصيغته الأولى فيمكن أَن يورد عليه :

أولا - معارضته مع استصحاب عدم الجعل الزائد للفترة الزمنية المحتمل فيها النسخ ، وهذا نفس إشكال المعارضة الّذي تقدم في استصحاب الحكم الكلي وقد

عالجناه في محله من البحوث المتقدمة.

وثانياً - ما أثاره الشيخ (قدّس سرّه) في المقام من انَّ المتيقن ثبوت الحكم على المكلفين في الزمان الأول والمشكوك ثبوته على افراد آخرين وهم المكلفون الذين يعيشون في الزمان الثاني فمعروض الحكم متعدد إلاّ بالنسبة إلى شخص عاش كلا الزمانين بشخصه.

وهذا الإشكال يمكن علاجه تارة بأنَّ الحكم المشكوك في نسخة ليس مجعولاً على نهج القضية الخارجية التي تنصب على الافراد المحققة خارجا مباشرة ليحتمل تعدد الموضوع بل على نحو القضية الحقيقية التي تنصب فيها الحكم على الموضوع الكلي المقدر الوجود ، وفي هذه المرحلة لا فارق بين القضية المتيقنة والقضية المشكوكة موضوعا الا من ناحية الزمان وتأخر الموضوع للقضية المشكوكة زماناً عن الموضوع للقضية المتيقنة وهذا يكفي لانتزاع عنواني الحدوث والبقاء عرفا على نحو يعتبر الشك المفروض شكاً في بقاء ما كان فيجري الاستصحاب من دون فرق بين كون القضية المجعولة بنحو الإطلاق أو العموم بأَن لوحظ كل فرد فرد موضوعاً للحكم لأنَّ المفروض عدم خصوصية لكل فرد في قبال الافراد الأخرى في القضية الحقيقية.

وأخرى يعالج هذا الإشكال بالتعويض عن الاستصحاب المذكور التنجيزي باستصحاب تعليقي بأن يشار إلى الفرد المكلف المتأخر زماناً ويقال انَّ هذا كان حكمه كذا على تقدير وجوده ولا يزال كما كان ، وبذلك يتم التخلص عن مشكلة تعدد معروض الحكم ، إلاّ انَّ هذا الاستصحاب يتوقف على تمامية امرين :

1 - أَن تكون القضية المجعولة حقيقية لا خارجية وإلاّ لم يكن يحرز أَنّ هذا الفرد لو كان موجوداً قبل زمان النسخ كان حكمه نفس ذلك الحكم لأنَّ موضوعه الافراد الموجودين آنذاك بخصوصياتهم الخارجية لا الحقيقية.

2 - أَن يستظهر من دليل جعل الحكم انَّ المجعول قضية شرطية تعليقية مفادها إن وجد مكلف في ذلك الزمان كان حكمه كذا ليمكن ان نستصحب القضية التعليقية ، واما إذا كان المجعول قضية حملية تنجيزية ينتزع منها عقلا قضية تعليقية لم يجر الاستصحاب فيه.

وثالثاً - انَّ استصحاب بقاء الحكم سواء بصيغته التنجيزية أو التعليقية معارض

باستصحاب العدم المنجز الثابت لآحاد المكلفين الذين يعيشون في الزمان المحتمل وقوع النسخ فيه ، وهذا الاستصحاب يشبه الاعتراض على الاستصحاب التعليقي عموماً بمعارضته بالاستصحاب التنجيزي ، ويكون الجواب المتقدم هناك جواباً عليه في المقام أيضاً.

وهكذا يتضح جريان استصحاب عدم النسخ بصيغته الأولى الثابتة في تمام الشبهات الحكمية.

وامّا استصحاب عدم النسخ بصيغته الثانية أعني استصحاب بقاء نفس الجعل والقرار الشرعي - بناءً على استظهار ذلك من أدلة الأحكام المقررة شرعاً - فيمتاز الاستصحاب بهذه الصياغة على الصيغة السابقة انه في مورده لا يمكن التمسك بالأصل اللفظي أعني التمسك بإطلاق الدليل اللفظي لنفي النسخ بهذا المعنى ، لأنَّ هذا المعنى للنسخ لا يرجع إلى تقييد مفاد الدليل حتى يمكن نفيه بالإطلاق بل مفاد الدليل هو الجعل المطلق والمستمر وانما هو رفع لعالم الثبوت والمدلول لا تكذيب للدلالة بخلاف مورد الاستصحاب بالصيغة السابقة فانه كان يرجع إلى احتمال التقييد في مفاد الدليل.

كما انَّ هذا الاستصحاب لا يرد عليه المناقشتان الأولى والثانية من المناقشات الثلاثة المتقدمة ، إذ ليس المستصحب هو المجعول ليقال باستصحاب عدم جعل المقدار الزائد أو يقال بأن موضوع المجعول بقاء غيره حدوثاً ، وانما المستصحب نفس القرار والجعل الشرعي كأمر شخصي متيقن الحدوث ومشكوك البقاء فيستصحب.

ولكن يرد على هذا الاستصحاب.

أولا - المناقشة الثالثة المتقدمة على الصيغة الأولى وهي المعارضة مع استصحاب العدم المنجز الثابت لآحاد المكلفين الذين يعيشون زمن النسخ المحتمل فنحتاج هنا أيضاً إلى العلاج المتقدم لهذا الإشكال.

وثانياً - انَّ ترتب المجعول على الجعل بهذا المعنى ليس شرعياً بل عقلي فإثباته باستصحاب الجعل غير ممكن.

والجواب : انّا بعد أَن فرضنا وجود اعتبار عقلائي وصياغة عرفية للحكم بهذا النحو في مقام إيصال المولى لمراداته إلى المكلفين فلسنا بحاجة إلى إثبات شيء وراء نفس

الجعل في مقام التنجيز لما تقدم من كفاية وصول الكبرى والصغرى في ترتب المنجزية والمعذرية (1)

ولو فرضنا تنزيل دليل الاستصحاب على الحكم بهذا المعنى بحيث تكون المسامحة العرفية منقحة لظهور في دليل الاستصحاب في تطبيقه على الحكم بهذا المعنى وانه نحو إيصال لروح الحكم من خلال إيصال هذا الأمر الاعتباري ـ وان كان هذا بحاجة إلى ورود دليل الاستصحاب في الحكم بمعنى المجعول ـ مع ذلك قلنا بأنه وان كان استصحاب هذا الأمر الاعتباري جارياً ومنجزا للحكم بقاء لكنه يكون معارضاً مع استصحاب عدم الجعل الزائد بمعنى الإرادة التشريعية التي هي روح الحكم منظوراً إليه بالحمل الشائع لا الأولي ، فيكون إشكال المعارضة على تقدير تماميته وارداً على هذه الصيغة أيضاً.

.

وهكذا يظهر تمامية كلتا الصيغتين لاستصحاب عدم النسخ.

المقام الثاني - في استصحاب حكم الشريعة السابقة عند الشك في انتساخه بهذه الشريعة ، والبحث هنا بعد الفراغ عن تمامية أركان الاستصحاب في استصحاب عدم النسخ حيث يمكن أَن يستشكل في استصحاب عدم نسخ حكم الشرائع السابقة بأحد اعتراضين آخرين :

الاعتراض الأول - مانعية العلم الإجمالي بثبوت نسخ أحكام الشريعة السابقة. إجمالاً فتتعارض الاستصحابات وتتساقط.

وأُجيب عليه بانحلال العلم الإجمالي هذا بالعلم التفصيليّ بنسخ جملة من أحكامها بالاحكام المعلومة تفصيلاً من شريعتنا أو بالعلم الإجمالي الأصغر دائرة - كما هو الصحيح -.

والصحيح : انَّ هذا العلم الإجمالي حتى مع فرض عدم انحلاله لا أثر له في المقام ، لأنَّ تأثيره في إبطال استصحاب عدم النسخ منوط بأن تتم ثلاثة أمور :

1 - أَن يكون الحكم المراد استصحاب عدم نسخه ترخيصياً إذ لو كان إلزامياً فالاستصحاب منجز له والعلم الإجمالي بالترخيص لا يوجب سقوط الأصول الإلزامية في الأطراف كما حقق في محله.


1) الاتصاف انَّ مجرد افتراض اعتبار العقلاء بقاء الحكم والجعل بهذا المعنى كما في التعهدات والقرارات العقلائية لا يكفي لجريان الاستصحاب لأنَّ ما هو موضوع لحكم العقل بالتنجيز ليس هو هذا الأمر الاعتباري الوضعي وانَّما المنجز واقع الحكم وروحه من الإرادة وما يضاهيها ودليل الاستصحاب لم يؤخذ في موضوعه الحكم أو الجعل الشرعي ليتمسك بإطلاقه وانما جاء بلسان النهي عن النقض العملي لليقين فلا بد من أن يكون اليقين متعلقا بما هو مصب التنجيز والوظيفة العملية كما تقدم في التعليق على الاستصحاب التعليقي فلا بد من إجراء الاستصحاب دائماً في الجعل بما هو كاشف عن روح الحكم ولو بالحمل الأولي فيرجع إلى الصيغة الأولى.

2 - أَن يكون العلم الإجمالي بانتساخ جملة من الأحكام علماً إجمالياً بنسخ بعض الترخيصات بالخصوص وأما إذا علم إجمالاً بالنسخ في الدائرة الأوسع من الأحكام الترخيصية أو الإلزامية فلا أثر تنجيزي لمثل هذا العلم الإجمالي ليوجب تساقط الاستصحابات الترخيصية في أطرافه.

3 - فعلية الشك والالتفات إلى أطراف العلم الإجمالي بنحو يترتب الأثر عليها ويجري الاستصحاب فيها جميعا فتتعارض الاستصحابات امّا إذا لم يكن يعلم من أحكام الشريعة السابقة إلاّ حكماً واحداً كالجعالة مثلاً المستفادة من قصة يوسف في القرآن الكريم من غير اطلاع على سائر أحكام شريعة يوسف فلا بأس بإجراء الاستصحاب فيه وان علم بنسخ أحكام تلك الشريعة إجمالاً.

الاعتراض الثاني - ما ذكره المحقق النائيني (قدّس سرّه) من أنّا تارة نفرض انَّ مجيء شريعة جديدة تعتبر بمثابة نسخ للشريعة السابقة بتمامها وانما تشرع الأحكام في تلك الشريعة والملة من جديد ، وأخرى يفرض انَّ الشريعة الجديدة ليست بمجردها نسخاً لتمام أحكام الشريعة السابقة وانما تنظر إليها لتمضي ما توافق عليه من أحكامها وتنسخ ما تنسخه منها ، فعلى الأول يكون من الواضح عدم جريان استصحاب عدم النسخ في شيء من أحكام الشريعة السابقة لعدم الشك في بقائها ، وعلى الثاني أيضاً لا فائدة في استصحاب عدم النسخ لأنَّ مجرد ثبوت حكم من أحكام الشريعة السابقة واستمراره لا يكون منجزاً علينا ما لم يحرز إمضائها من قبل الشريعة الجديدة وإثبات ذلك بالاستصحاب يكون تعويلاً على الأصل المثبت.

وأورد السيد الأستاذ على ذلك بأنَّ إمضاء الشارع لذلك الحكم في شريعتنا يثبت بنفس استصحابه لأنه حكم ظاهري من أحكام هذه الشريعة.

والظاهر ان مقصود المحقق النائيني (قدّس سرّه) اشتراط ثبوت الحكم والتكليف في كلّ ملّة بوصولها من قبل مولودية النبي المرسل لتلك الشريعة ومن الواضح ان مولوية موسى علیه السلام أو عيسى علیه السلام غير ثابتة في حقّنا حتى إذا أثبتنا بالاستصحاب أن جعلهما كان مطلقاً اللّهم إلاّ بالملازمة العقلية ومن باب انَّ ثبوت الإطلاق في جعلهما يعني فعلية الملاك لجعله حتى في هذه الشريعة فلا دافع لهذا الاعتراض إلاّ بإنكار أصله الموضوعي وانَّ الاستصحاب لا يجري في حكم موسى أو عيسى وانما يجري في حكم اللّه الثابت

مولويته ذاتاً سواء ثبت حكمه من خلال المرسل بشريعة أم لا فتكون أركان الاستصحاب تامة فيه حينئذ (1).

7 - الاستصحاب في متعلقات الأحكام :

ارتكز في الذهن الأصولي انَّ المستصحب لا بدَّ وأَن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي ليكون امر جعله ورفعه بيد الشارع فيرجع التعبد به إلى جعل ذلك الحكم والأثر الشرعي ، وانطلاقاً من ذلك نلاحظ انَّ الاعلام كثيراً ما يناقشون في التمسك بالاستصحاب في بعض الموارد بانثلام هذا الشرط وانَّ المستصحب ليس حكماً ولا موضوعاً لحكم شرعي ، ومن جملة الموارد التي لوحظ عليها ذلك إجراء الاستصحاب في متعلقات الأحكام كاستصحاب الطهور أو الاستقبال أو غير ذلك فانها ليست موضوعاً للحكم الشرعي ولا حكماً شرعياً بل فعل خارجي يصدر من المكلف يتحقق به الامتثال.

وقد ذكر المحقق الخراسانيّ هذا الإشكال ضمن بحوث الأصل المثبت المتقدمة إلاّ انَّ الأجدر جعله بحثاً مستقلاً ، لأنَّ منشأ الإشكال في استصحاب متعلقات الأحكام ما أشرنا إليه وليست المثبتية على وجه التحديد كما سوف يظهر.

ويمكن أَن يستخلص من مجموع ما قيل أو يمكن أَن يقال في حل هذا الإشكال أجوبة ثلاثة :

الجواب الأول - ما أفاده المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) من انَّ متعلقات الأحكام أيضاً تكون موضوعاً للأثر الشرعي ولكنه أثر وضعي هو الشرطية والجزئية والمانعية لا تكليفي ، ولا يقدح في ذلك كون الشرطية أو المانعية منتزعة عقلاً وليست مجعولة ابتداء وأصالة من قبل الشارع فانه يكفي كونها منتزعة من الحكم الشرعي فيكون أمر وضعها ورفعها بيد الشارع من خلال وضع أو رفع منشأ انتزاعها.

وقد يلاحظ على هذا الكلام بأنَّ متعلق الحكم كالقبلة مثلاً ليس موضوعاً للحكم الوضعي كالشرطية أيضاً ، فانَّ شرطية القبلة في الصلاة ثابتة لطبيعي الصلاة


1) بالإمكان إيراد اعتراض آخر على استصحاب عدم نسخ حكم شريعة سابقة هي احتمال كون الحكم مجعولاً فيها على نهج القضايا الخارجية المحدودة بتلك الفترة والأمة والشريعة لأنَّ تلك الشرائع كانت مرحلية ولم تكن كشريعتنا خاتمة ودائمة ومعه لا يحرز وحدة الموضوع للحكم المستصحب على ما تقدم في تقريب أصل جريان استصحاب عدم النسخ.

سواءً وجد استقبال في الخارج أم لا ، وهكذا سائر القيود فلا تكون متعلقات الأحكام موضوعاً لفعلية حكم وضعي لكي تستصحب (1).

إلاّ انَّ هذه مناقشة لفظية ، فانه يمكن تغيير التعبير بنتيجة الشرطية أو المانعية ، وان شئت قلت : انَّ تحقق متعلق الحكم خارجا موضوع للحكم بالصحّة التي هي أيضاً حكم وضعي منشأه بيد الشارع رفعاً ووضعاً.

ونقطة الضعف في جواب المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) انَّ الإشكال في استصحاب متعلقات الأحكام إن كان من جهة انَّ امر وضعها ورفعها ليس بيد الشارع أمكن الجواب عليه بذلك بل لم نكن نحتاج إلى تبعيد المسافة في الجواب بهذا النحو ، وانَّما نقول بأنَّ الاستصحاب تعبد بالبقاء وليس إبقاء حقيقياً لكي يقال بأنه غير معقول من المولى بما هو مولى في الأمور التكوينية. وان كان من جهة انَّ استصحاب متعلق الحكم إن أُريد به إثبات الحكم الوضعي الانتزاعي فهذا لغو لا ثمرة له ، وان أُريد إثبات منشأ الانتزاع وما هو المهم للمكلف من تعلق الوجوب بهذا الفرد أو سقوط الأمر كان من الأصل المثبت فمثل هذا الإيراد لا يدفع بالجواب المذكور كما هو واضح.

الجواب الثاني - انَّ متعلقات الأحكام أيضاً تكون موضوعاً للحكم الشرعي وهو سقوط الأمر وعدم لزوم الإعادة أو القضاء ، وذلك لأنَّ التكليف بشيء مقيد بعدم إتيان متعلقه بتمام شروطه وقيوده وإلاّ لزم بقاء التكليف حتى بعد إتيان متعلقه فيجب الإعادة عليه دائماً. وان شئت قلت : انَّ التكليف بلحاظ متعلقه لا بد وأَن يكون امّا مطلقا أو مقيدا بعدمه أو مهملاً ، والأول يلزم منه بقاء التكليف ولزوم تكرار المكلف به دائماً ، والثالث مستحيل في عالم الثبوت كما قرر في محله ، فيتعين الثاني وهو يعني أخذ عدم المتعلق في موضوع التكليف فيكون على حد سائر قيود التكليف من حيث جريان الاستصحاب فيه.

وهذا الجواب مبني على أصله الموضوعي المشار إليه ، وقد تقدم غير مرة بطلان ذلك وان تحقق الامتثال ليس مسقطاً لفعلية التكليف ويستحيل أخذ عدمه قيداً فيه وانما هو مسقط لفاعليته مع إطلاق الحكم من ناحيته.


1) مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 173

الجواب الثالث - ما هو الصحيح في علاج هذه الشبهة من وجود خطأ في صيغة الشرطية المرتكزة في الذهن الأصولي ، فانه لم يرد ما يدلّ على انَّ المستصحب لا بدَّ وأَن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي ، فانَّ الاستصحاب مجرد تعبد ظاهري ، وامر التعبد والاعتبار سهل يمكن تعلقه بالأمور التكوينية والشرعية معاً (1)

والجواب ـ انَّ القائل بجعل الحكم المماثل في الأحكام الظاهرية لا بد وأَن يقول بذلك في مجال الحكم الظاهري المجعول في مورد الشك في فعلية التكليف لا في الشك في الامتثال ـ كما في قاعدة الفراغ والتجاوز ـ فما يصوره في تفسير الأحكام والقواعد الظاهرية المجعولة لموارد الشك في الامتثال بنفسه جار في المقام أيضاً فلا فرق بين المسالك في هذه النقطة.

غاية الأمر يلزم من شمول هذا التعبد للأمور التكوينية الصرفة اللغوية فلا بد من أثر عملي يترتب على التعبد المذكور ، بل ما ذكرناه من ظهور دليل الاستصحاب في النقض العملي أيضاً يقتضي أَن يكون المستصحب يعقل فيه نقض عملي فلا بد من معقولية موقف عملي في مورد الاستصحاب أي لا بد من المنجزية أو المعذرية في مورده لكي يعقل جعل التعبد والحكم الظاهري الاستصحابي فيه ، ومن الواضح انَّ المنجزية والمعذرية كما تتصور بلحاظ قيود الحكم وموضوعه كذلك تتعلق بلحاظ متعلقه وفي مرحلة الامتثال أيّاً كانت صياغته الاعتبارية فتكون مرحلة الحكم الظاهري وملاكه وهو التحفظ على أغراض المولى معقولة في المجالين ، ومن هنا كانت القواعد والأصول التعبدية الظاهرية التي جعلها الشارع بعضها في المجال الأول كالبراءة وبعضها في المجال الثاني كقاعدة الفراغ والتجاوز وبعضها في المجالين حسب المقدار المستفاد من لسان دليله ، ولا إشكال في انَّ مفاد دليل الاستصحاب وهو النهي عن النقض العملي لليقين بالشك صالح لشمول المجالين فيكون مقتضى إطلاقه ثبوت التعبد فيهما معاً.

ودعوى : انَّ التعبد في المجال الثاني أعني مرحلة الامتثال ينبغي أَن يكون بعنوان إحراز الامتثال والتعبد بتحقق المتعلق نظير قوله علیه السلام بل قد ركعت أو شكك ليس بشيء لا التعبد ببقاء اليقين والكاشف فانه يناسب المجال الأول.

مدفوعة : بما تقدم في محله من أنَّ هذه مجرد ألسنة وصياغات لفظية أو اعتبارية للكشف عن محتوى واحد وهو روح الحكم الظاهري وملاكه المحفوظ في المجالين وهو


1) قد يقال : انه بناء على مبنى جعل الحكم المماثل لا بدَّ وان يكون مفاد الاستصحاب حكماً شرعاً أو موضوعاً لحكم شرعي لكي يعقل جعل المماثل له.

التحفظ على الأهم من الأغراض الشرعية المتزاحمة تزاحماً حفظياً ، وانه وقع خلط لدى الاعلام بين الأمور الصياغة وما هو روح الحكم الظاهري فراجع.

وهكذا يتضح انَّ الصحيح جريان الاستصحاب في متعلقات الأحكام إثباتاً ونفياً كجريانه في الموضوعات.

8 - الاستصحاب في الموضوعات المركبة :

اشارة

إذا كان الموضوع للحكم الشرعي بسيطاً وتمت فيه أركان الاستصحاب جرى استصحابه بلا إشكال ، وامّا إذا كان الموضوع مركباً من عناصر عديدة فتارة نفترض انَّ هذه العناصر لوحظت بنحو التقييد أو انتزع منها عنوان بسيط وجعل موضوعاً للحكم كعنوان ( المجموع ) أو ( اقتران هذا بذاك ) ونحو ذلك ، وأخرى نفترض ان هذه العناصر بذواتها أخذت موضوعاً للحكم الشرعي بدون أَن يدخل في الموضوع أي عنوان انتزاعي من ذلك القبيل.

ففي الحالة الأولى لا مجال لإجراء الاستصحاب في ذوات الاجزاء لأنه إن أُريد به إثبات الحكم مباشرة فهو متعذر لترتبه على العنوان البسيط المتحصل فلا بدَّ من إحرازه ، وان أُريد به إثبات الحكم بإثبات ذلك العنوان المتحصل فهو غير ممكن لأنَّ عنوان الاجتماع أو الاقتران ونحوه لازم عقلي لثبوت ذوات الاجزاء فلا يثبت باستصحابها ، فالاستصحاب في هذه الحالة يجري في نفس العنوان البسيط المتحصل فمتى شك في حصوله جرى استصحاب عدمه حتى ولو كان أحد الجزءين محرزاً وجداناً والآخر معلوم الثبوت سابقاً ومشكوك البقاء فعلاً.

وامّا الحالة الثانية فلا بأس بجريان الاستصحاب في الجزء إثباتاً أو نفياً إذا تواجد فيه اليقين بالحالة السابقة والشك في بقائها. ومن هنا يعلم بأنَّ الميزان في جريان الاستصحاب في اجزاء الموضوعات المركبة توفر شرطين :

1 - كون الأثر مترتباً على ذوات الأجزاء.

2 - توفر اليقين بالحدوث والشك في البقاء.

هذا على سبيل الإجمال ، وتفصيل البحث على وجه كامل يقع ضمن ثلاث نقاط :

إحداهما - في أصل الكبرى القائلة بجريان الاستصحاب في اجزاء الموضوع ضمن الشرطين ، فانَّ هناك إشكالا على أصل هذه الكبرى لا بدَّ من علاجه.

الثانية - في تحقيق صغرى الشرط الأول وانه متى يكون الأثر مترتباً على ذوات الاجزاء.

الثالثة - في تحقيق صغرى الشرط الثاني وانه متى يكون الشك في البقاء محفوظاً.

امّا النقطة الأولى - فالمعروف عند المحققين انه متى ما كان الموضوع مركباً وافترضنا انَّ أحد جزئيه محرز بالوجدان أو بتعبد ما فبالإمكان إجراء الاستصحاب في الجزء الآخر لإحرازه ، لأنه ينتهي إلى أثر عملي وهو تنجيز الحكم المترتب على الموضوع المركب.

وهذا الكلام يواجه اعتراضاً حاصله : ان الاستصحاب الموضوعي لا بدَّ وأَن يثبت لنا المجعول الفعلي المترتب على ذلك الموضوع ليكون منجزاً - سواء كان بلسان جعل الطريقية أو المنجزية أو الحكم المماثل أو أي لسان آخر - لأنَّ المنجز بحسب الحقيقة هو الحكم الفعلي ، ومن الواضح ان المستصحب هنا - وهو الجزء - ليس له حكم ليتعبد به في دليل الاستصحاب وما له حكم - وهو المركب - ليس مصباً للاستصحاب.

وهذا الاعتراض لا أساس له بناء على ما هو الصحيح والمختار عندنا من انَّ المجعول الفعلي لا واقعية له وانما هو أمر وهمي وانَّ المنجزية موضوعها وصول الحكم بكبراه - الجعل - وصغراه - الموضوع - فانه على هذا لا نحتاج في جعل استصحاب الجزء ذي الأثر العملي إلى التعبد بالمجعول الفعلي ، بل مجرد وصول أحد الجزءين تعبداً مع وصول الجزء الآخر بالوجدان أو بتعبد آخر كاف في تنجيز الحكم الواصل كبراه لأنَّ إحراز الموضوع بنفسه منجز لا بما هو طريق إلى إثبات فعلية الحكم المترتب عليه تصوراً ووهماً.

واما بناءً على المنهج المعروف من انَّ المنجز هو الحكم الفعلي وانه لا بدَّ من إثباته بالتعبد الاستصحابي اما مباشرة أو بتوسط ما هو مترتب عليه (1)فيصعب التخلص الفني


1) هذا الاعتراض يتوجه على مبنى جعل الحكم المماثل فقط دون سائر المباني ، لأنَّ المفروض عند تلك المباني انَّ إحراز الموضوع للمجعول الفعلي منجز له على كل حال سواء من جهة كفاية نفس إحراز الموضوع لذلك ، أو من جهة افتراض ان إحرازه اعتبر ولو عرفاً وبحسب ما استفيد من دليل التعبد إحرازاً للمجعول الفعلي وإلاّ لاتجه الإشكال على كل استصحاب موضوعي وان كان بسيطاً لا مركباً ، لأنَّ المنجز فيه أيضا ليس هو العلم بالموضوع بل العلم بالمجعول الفعلي المتولد بالملازمة من مجموع العلم بالكبرى والصغرى وليس هو مصب الاستصحاب بحسب الفرض ، فما يجب به أصحاب جعل الطريقية أو المنجزية على هذا الاعتراض في استصحاب الموضوع البسيط بنفسه يكون جواباً لهم في المقام ، وانَّما يختص هذا الاعتراض بالمبنى القائل بلزوم إثبات مماثل الحكم الشرعي المرتب على الموضوع بالتعبد الاستصحابي ، ولعله لذلك أناط السيد الشهيد ( قدس سره الشريف ) في الحلقات هذا الاعتراض بالمسلك المذكور.

عن هذا الاعتراض ، وما يمكن أَن يجاب به عن هذا الاعتراض أحد وجوده ثلاثة :

الأول - انَّ الحكم بعد وجود أحد جزئي موضوعه وجداناً لا يكون موقوفاً شرعاً إلاّ على الجزء الآخر فيكون حكماً له ومنوطاً به في هذه الحالة.

ونلاحظ عليه : انَّ مجرد تحقق أحد الجزءين خارجاً لا يخرجه عن الموضوعية وإناطة الحكم به شرعاً ، لأنَّ وجود الشرط للحكم لا يعني بطلان الشرطية ، ولا ينقلب الحكم إلى كونه حكما للجزء الآخر خاصة كما لا ينقلب الواجب المشروط عن كونه مشروطاً بتحقق شرطه خارجاً على ما حقق مفصلاً في بحث الواجب المطلق والمشروط.

الثاني - انَّ الحكم المترتب على الموضوع المركب ينحل تبعاً لاجزاء موضوعه فينال كل جزء مرتبة وحصة من وجود الحكم ، واستصحاب الجزء يقتضي ترتب ذلك الحكم الضمني التحليلي الّذي يناله ذلك الجزء.

ونلاحظ عليه : انَّ هذا التقسيط والتحليل للحكم انما يعقل في حق اجزاء متعلق الحكم - كما تقدم في بحث الواجب الارتباطي - ولا يعقل في حق اجزاء موضوع الحكم لوضوح انَّ الحكم ليس له إلاّ وجود واحد لا يتحقق إلاّ عند تواجد اجزاء موضوعه جميعاً فلا معنى لتقسيطه تبعاً لاجزاء الموضوع.

الثالث - ان كل جزء موضوع لحكم مشروط وهو الحكم بالوجوب مثلاً على تقدير تحقق الجزء الآخر فاستصحاب الجزء يتكفل ترتيب هذا الحكم المشروط عليه والمفروض تحقق شرطه.

ونلاحظ عليه : أولا - انَّ هذا الحكم المشروط ليس مجعولاً من قبل الشارع وانما هو منتزع عن جعل الحكم على المركب.

وثانياً - انا إذا افترضنا مجعولية هذه القضية كما إذا كان تقييد الحكم بأحد الجزءين طولياً فقد تقدم عدم جريان الاستصحاب التعليقي عند المشهور. كما انه لا يجري عندنا أيضاً هنا لأنه لو أُريد به إثبات المجعول الفعلي فهو مثبت ، وان أُريد

الاكتفاء بإحراز صغراه وكبراه فهذا رجوع إلى المبنى الآخر الّذي قلنا انه بناء عليه لا موضوع للإشكال لأن الكبرى محرزة بالوجدان والصغرى يحرزها التعبد الاستصحابي بلا حاجة إلى إثبات الحكم الفعلي.

وهكذا يتضح عدم وجود مخلص فني عن الاعتراض المذكور بناء على المنهج والتصورات المشهورة للمحققين في المقام ، وهذا بنفسه كاشف إجمالي عن وجود خلل في ذلك المنهج بعد عدم إمكان إلغاء الاستصحاب في الموضوعات المركبة.

واما النقطة الثانية - فقد ذكر المحقق النائيني (قدّس سرّه) انَّ الموضوع تارة يكون مركباً من العرض ومحله كالإنسان العادل ، وأخرى يكون مركباً من عدم العرض ومحله كعدم القرشية والمرأة ، وثالثة يكون مركباً على نحو آخر كالعرضين لمحل واحد مثل العلم والعدالة في المفتي أو العرضين لمحلين كموت الأب وإسلام الابن في الإرث.

ففي الحالة الأولى يكون التقييد مأخوذاً لأنَّ العرض يلحظ بما هو وصف لمحله ومعروضه وحالة قائمة به فالاستصحاب يجري في نفس التقيد إذا كان له حالة سابقة ، وكذلك في الحالة الثانية يكون تقيد المحل بعدم العرض مأخوذاً في الموضوع ، لأنَّ عدم العرض إذا أخذ مع موضوع ذلك العرض لوحظ بما هو نعت ووصف له وهو ما يسمى بالعدم النعتيّ تمييزاً له عن العدم المحمولي الّذي يلاحظ فيه العدم بما هو ، وقد أقام برهاناً تقدم في أبحاث سابقة على انَّ عدم العرض ومحله لا بد وأَن يكون مأخوذاً على نحو النعتية ، ويترتب على ذلك ان الاستصحاب انما يجري في نفس التقيد والعدم النعتيّ لأنه الدخيل في موضوع الحكم فإذا لم يكن العدم النعتيّ واجداً لركني اليقين والشك وكان الركنان متوفرين في العدم المحمولي لم يجر استصحابه لأنَّ العدم المحمولي لا أثر شرعي له بحسب الفرض ، ومن هنا بنى هذا المحقق على عدم جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية كما إذا شك في قرشية المرأة وعدمها الثابت لها قبل وجودها بنحو العدم المحمولي.

واما في الحالة الثالثة فلا موجب لافتراض أخذ التقيد واتصاف أحد جزئي الموضوع بالآخر ، لأنَّ أحدهما ليس محلاً وموضوعاً للآخر بل بالإمكان أَن يفرض ترتب الحكم على ذات الجزءين وفي مثل ذلك يجري استصحاب الجزء ، وبالإمكان أَن يفرض ترتب الحكم على المقيد منهما بأخذ إضافة أحدهما إلى الآخر من خلال مفهوم

آخر كمفهوم المجموع أو نحو ذلك ولكن حيث انَّ أخذ مفهوم إضافي من هذا القبيل خلاف الإطلاق في مقام الإثبات فيكون مقتضى الأصل هو التركيب فيجري الاستصحاب في الجزء لا محالة.

أقول - امّا البرهان الّذي أقامه على لزوم التقييد في العرض ومحله وعدم العرض ومحله فقد تقدم تفصيله ونقده في بحث استصحاب العدم الأزلي ، وقد أثبتنا هناك انه ثبوتاً كما يعقل التقييد في ذلك يعقل التركيب ، ومن هنا تكون دخالة العدم المحمولي في موضوع الحكم معقولة بحيث يمكن إجراء استصحاب العدم الأزلي ، نعم بحسب مقام الإثبات يكون موارد أخذ العرض ومحله في موضوع حكم ظاهراً في التقييد ما لم تكن قرينة على الخلاف ، فالمقطع الأول من هذا الكلام لا ندخل في التعليق عليه.

وامّا المقطع الثاني منه وهو انَّ الموضوع المركب من غير العرض ومحله يكون من باب التركيب بحسب مقام الإثبات فهذا الكلام وان كان صحيحاً لأنَّ أخذ التقييد في مثل ذلك بحاجة إلى إدخال عنصر ثالث كالتقارن أو الاجتماع والمعية إلاّ انه مع ذلك يمكن أَن يدعى وجود ما يدلّ على أخذ التقييد بحسب مقام الإثبات في أكثر الموارد ان لم تبرز نكتة عرفية حاكمة عليه نقتصر فيما يلي على ذكر ثلاثة موارد له :

المورد الأول - ما إذا أخذ العرضان بنحو طولي لا في عرض واحد كما إذا قيل اغسله بالماء الطاهر فأخذت طهارة الماء في طول الغسل لا بمعنى إضافة الغسل إلى الطهارة ليقال لا معنى لعروض عرض على عرض ، وأخذ مفهوم آخر كالتقارن ونحوه بينهما مئونة زائدة لا دليل عليها بل بمعنى انَّ الظاهر تعلق الغسل وإضافته إلى الماء الطاهر بما هو طاهر لا إلى ذات الماء فلا بد من إثبات تحقق الغسل بالماء الطاهر بما هو طاهر وهذا لا يثبت باستصحاب طهارة الماء إلاّ بالتعويل على الأصل المثبت. وهذه الملاحظة قلّما يشذ عنها مورد من الموضوعات المركبة إلاّ ما ثبت التقييد فيها بدليل منفصل كالتخصيص.

المورد الثاني - الشرائط والقيود المأخوذة في متعلقات الأحكام كشرطية الاستقبال والطهور في الصلاة ، فانه على ما حقق في محله يكون القيد خارجاً والتقيد داخلاً مع انَّ التقيد لا يمكن إثباته باستصحاب الشرط إلاّ بالتعويل على الأصل المثبت مع انَّ المفروض ورود روايات الاستصحاب في مثل ذلك كما لا يخفى.

المورد الثالث - انه مهما يفرض من اجزاء للموضوعات المركبة لا بد من فرض أخذ

ما يدل على الربط فيما بينها ولا أقل من حرف العطف بأَن يقول إذا غسلت يدك بالماء وكان طاهراً زالت النجاسة ، وهذا الربط أيضاً مفهوم زائد على ذاتي الجزءين لا يمكن إثباته بالاستصحاب إلاّ بالتعويل على الأصل المثبت.

والجواب عن كل ذلك بأنَّ الإضافة والربط بين الجزءين تارة تكون بعنوان من العناوين التي لها ما بإزاء في الخارج ويعتبرها العرف مما يحتمل دخالتها في الحكم ، وأخرى لا تكون إلاّ لمحض الربط التصوري بين الجزءين وجمعهما في مركب ذهني واحد مع كون الغرض والنّظر إلى ذاتي الجزءين بحسب المتفاهم العرفي ، ففي الحالة الأولى لا محيص عن إثبات ذلك العنوان الثالث زائداً على ذاتي الجزءين فإذا لم تكن له حالة سابقة لم يجد الاستصحاب في ذاتي الجزءين لإثبات الموضوع المركب ، واما في الحالة الثانية فالعرف يلغي بحسب مقام الإثبات كل تلك الإضافات والعلاقات فيما هو موضوع للحكم لبّا وثبوتاً ويعتبرها مجرد وسائل لإناطة الحكم بذات الاجزاء ، وهذا فهم عرفي عام يحكم على جميع الموارد ، وبهذا ينحل الإشكال في المورد الأول والثالث. واما في المورد الثاني فيقال بأنَّ العرف حيث لا يرى الطهور عرضا لنفس الصلاة لعدم كونها محلاً له فهو يفهم التركيب بينهما بمعنى كون الصلاة في زمان يكون المكلف طاهراً ولا يفهم ارتباطاً آخر أكثر من ذلك بين الوصفين والعرضين ، ومن هنا يكون مقتضى مقام الإثبات هو التركيب في الموضوعات المركبة لا التقييد إلاّ إذا أخذ في لسان الدليل حيثية لها ما بإزاء موضوعي في الخارج بحيث احتمل العرف انَّ أخذها في الموضوع لدخالتها في الحكم لا لمجرد تجميع الاجزاء تصوراً وذهناً في مقام جعل الحكم على المركب.

وامّا النقطة الثالثة - فتوضيح الحال فيها انَّ الجزء الّذي يراد إجراء الاستصحاب فيه تارة يكون معلوم الثبوت سابقاً ويشك في بقائه إلى حين إجراء الاستصحاب ، وأخرى يكون معلوم الثبوت سابقاً ويعلم بارتفاعه فعلاً ولكن يشك في بقائه في فترة سابقة هي فترة تواجد الجزء الآخر من الموضوع ومثاله الحكم بانفعال الماء فانَّ موضوعه مركب من ملاقاة النجس للماء وعدم كريته فنفترض انَّ الماء كان مسبوقاً بعدم الكرية ويعلم الآن بتبدل هذا العدم وصيرورته كرّاً ولكن يحتمل بقاء عدم الكرية في فترة سابقة هي فترة حصول ملاقاة النجس لذلك الماء. ففي الحالة الأولى

لا شك في توفر اليقين بالحدوث والشك في البقاء فيجري الاستصحاب.

وامّا في الحالة الثانية فقد يستشكل في جريان الاستصحاب في الجزء بدعوى عدم توفر الركن الثاني وهو الشك في البقاء لأنه معلوم الارتفاع فعلاً بحسب الفرض فكيف يجري استصحابه؟

وقد اتجه المحققون في دفع هذا الاستشكال إلى التمييز بين الزمان في نفسه والزمان النسبي أي زمان الجزء الآخر فيقال : انَّ الجزء المراد استصحابه إذا لو حظ حاله في عمود الزمان المتصل إلى الآن فهو غير محتمل البقاء للعلم بارتفاعه فعلاً ، وإذا لوحظ حاله بالنسبة إلى زمان الجزء الآخر فقد يكون مشكوك البقاء إلى ذلك الزمان مثلاً عدم الكرية في المثال المذكور لا يحتمل بقاؤه إلى الآن ولكن يشك في بقائه إلى حين وقوع الملاقاة فيجري استصحابه إلى زمان وقوعها.

وتفصيل الكلام في ذلك : انه إذا كان زمان ارتفاع الجزء المراد استصحابه - وهو عدم الكرية في المثال معلوماً وكان زمان تواجد الجزء الآخر - وهو الملاقاة في المثال - معلوماً أيضاً فلا شك لكي يجري الاستصحاب ، ولهذا لا بد أَن يفرض الجهل بكلا الزمانين أو بزمان ارتفاع الجزء المراد استصحابه خاصة أو بزمان تواجد الجزء الاخر خاصة ، فهذه صور ثلاث للشك في تقدم أحد الحادثين وتأخره في الموضوعات المركبة.

وقد اختلف المحققون في حكم هذه الصور الثلاث إلى ثلاثة أقوال ، فذهب جماعة منهم السيد الأستاذ إلى جريان الاستصحاب في نفسه في الصور الثلاث وإذا وجد له معارض سقط بالمعارضة ، وذهب بعض المحققين إلى جريان الاستصحاب في صورتين هما صورة الجهل بالزمانين أو الجهل بزمان ارتفاع الجزء المراد استصحابه وعدم جريانه في صورة العلم بزمان الارتفاع. وذهب صاحب الكفاية إلى جريان الاستصحاب في صورة واحدة وهي صورة الجهل بزمان الارتفاع مع العلم بزمان تواجد الجزء الآخر ، واما في صورتي الجهل بكلا الزمانين أو العلم بزمان الارتفاع فلا يجري الاستصحاب فهذه أقوال ثلاثة :

اما القول الأول - فقد علّله أصحابه بما أشرنا إليه آنفاً من انَّ بقاء الجزء المراد استصحابه إلى زمان تواجد الجزء الآخر مشكوك حتى لو لم يكن هناك شك في بقائه إذا لو حظت قطعات الزمان بما هي ، كما إذا كان زمان الارتفاع معلوماً ويكفي في

جريان الاستصحاب تحقق الشك في البقاء بلحاظ الزمان النسبي لأنَّ الأثر الشرعي مترتب على وجوده في زمان وجود الجزء الآخر لا على وجوده في ساعة كذا بعنوانها.

ونلاحظ على هذا القول : انَّ زمان ارتفاع عدم الكرية في المثال إذا كان معلوماً فلا يمكن إجراء استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة لأنَّ الحكم الشرعي اما أَن يكون مترتباً على عدم الكرية في زمان الملاقاة بما هو زمان الملاقاة أو على عدم الكرية في واقع زمان الملاقاة بمعنى انَّ كلا الجزءين لو حظا في زمان واحد دون أَن يقيد أحدهما بزمان الآخر بعنوانه ، فعلى الأول لا يجري استصحاب بقاء الجزء في جميع الصور لأنه يفترض تقيده بزمان الجزء الآخر بهذا العنوان وهذا التقيد لا يثبت بالاستصحاب وقد شرطنا منذ البداية في جريان استصحاب الجزء في الموضوعات المركبة عدم أخذ التقيد بين اجزائها في موضوع الحكم ، وعلى الثاني لا يجري استصحاب بقاء الجزء فيما إذا كان زمان الارتفاع معلوماً ولنفرضه الزوال مثلاً لأنَّ استصحاب بقائه إلى زمان وجود الملاقاة - التي هي الجزء الآخر في المثال - إن أُريد به استصحاب بقائه إلى زمان وجود المعنون بأنه زمان الملاقاة بما هو زمان الملاقاة فهذا الزمان بهذا العنوان وان كان يشك في بقاء عدم الكرية إلى حينه ولكن المفروض انه لم يؤخذ عدم الكرية في موضوع الحكم مقيداً بالوقوع في زمان الجزء الآخر بما هو كذلك ، وان أُريد به استصحاب بقائه إلى واقع زمان الملاقاة على نحو يكون قولنا ( زمان الملاقاة ) مجرد مشير إلى واقع ذلك الزمان فهذا هو موضوع الحكم ولكن واقع هذا الزمان يحتمل أَن يكون هو الزوال للتردد في زمان الملاقاة والزوال زمان يعلم فيه بارتفاع عدم الكرية فلا يقين اذن بثبوت الشك في البقاء في الزمان الّذي يراد جر المستصحب إليه أي لا يحرز كونه من نقض اليقين بالشك بل لعله من نقض اليقين باليقين وهذا يعني انه شبهة مصداقية لدليل الاستصحاب نظير ما تقدم في وجه المنع عن جريان الاستصحاب في الفرد المردد (1).

وعلى هذا الضوء نعرف انَّ ما ذهب إليه القول الثاني من عدم جريان استصحاب بقاء الجزء في صورة العلم بزمان ارتفاعه هو الصحيح بالبيان الّذي حققناه.


1) ولعل هذا هو مقصود المحقق العراقي من بيان له في تقريرات بحثه وان كانت العبارة توحي بغير ذلك فراجع نهاية الأفكار ، القسم الأول من الجزء الرابع ، ص 206.

إلاّ انَّ هذا البيان يجري بنفسه أيضاً في بعض صور مجهولي التاريخ ولا يختص بمعلوم التاريخ ، وذلك فيما إذا كان زمان التردد بين الحادثين متطابقاً كما إذا كانت الملاقاة مرددة بين الساعة الواحدة والثانية وكذلك ارتفاع عدم الكرية بحدوثها ، فانَّ هذا يعني انَّ ارتفاع عدم الكرية بحدوث الكرية مردد بين الساعة الأولى والثانية ولازم ذلك أَن تكون الكرية معلومة في الساعة الثانية على كل حال وانما يشك في حدوثها وعدمه في الساعة الأولى ، ويعني أيضاً انَّ الملاقاة متواجدة اما في الساعة الأولى أو في الساعة الثانية ، فإذا استصحب عدم الكريّة إلى واقع زمان تواجد الملاقاة فلعل هذا الواقع هو الساعة الثانية التي يعلم فيها بالكرية وانتفاض عدمها فيكون من نقض اليقين باليقين لا بالشك.

ومن هنا يتبين انَّ ما ذهب إليه القول الثالث من عدم جريان استصحاب بقاء عدم الكرية في صورة الجهل بالزمانين وصورة العلم بزمان ارتفاع هذا العدم هو الصحيح. وامّا صورة الجهل بزمان الارتفاع مع العلم بزمان الملاقاة فلا بأس بجريان استصحاب عدم الكرية فيها إلى واقع زمان الملاقاة إذ لا علم بارتفاع هذا العدم في واقع هذا الزمان جزماً.

هذا ولكننا نختلف عن القول الثالث في انا نرى جريان استصحاب عدم الكرية في مجهولي التاريخ مع افتراض ان فترة تردد زمان الارتفاع أوسع من فترة تردد حدوث الملاقاة في المثال المذكور ، فإذا كانت الملاقاة مرددة بين الساعة الأولى والثانية وكان تبدل عدم الكرية بالكرية مردداً بين الساعات الأولى والثانية والثالثة ، فلا محذور في إجراء استصحاب عدم الكرية إلى واقع زمان الملاقاة لأنه على أبعد تقدير يكون هو الساعة الثانية ولا علم بالارتفاع في هذه الساعة لاحتمال حدوث الكرية في الساعة الثالثة فليس من المحتمل أَن يكون جر بقاء الجزء إلى واقع زمان الجزء الآخر جرّاً له إلى زمان اليقين بارتفاعه أبداً فلا يحتمل فيه أَن يكون من نقض اليقين باليقين.

والحاصل : انَّ الاستصحاب في الجزء المجهول انما يجري فيما إذا كان دائرة التردد فيه أوسع من الآخر بحيث يحتمل تأخره عنه لا ما إذا كان مساوياً أو أضيق منه وإلاّ كان من احتمال انتقاض اليقين باليقين. وهذا هو معيار عدم جريان الاستصحاب وضابطه الفني حتى في معلوم التاريخ بلحاظ مجهول التاريخ لأنَّ معلوم التاريخ هو

الأضيق دائرة ومجهول التاريخ هو الأوسع فلا يجري استصحاب عدم معلوم التاريخ إلى واقع زمان مجهول التاريخ.

لا يقال : انَّ الشك في انتقاض اليقين باليقين غير معقول لأنَّ اليقين والشك امران وجدانيان حاضران لدى النّفس فلا معنى للشك فيهما إلاّ في حالات الوسوسة والخروج عن المتعارف.

فانه يقال : هذا خلط بين المتيقن والمشكوك بالذات والمتيقن والمشكوك بالعرض ، فانَّ الّذي لا يعقل الشك فيه انما هو انتقاض العنوان الّذي تعلق به اليقين والشك حقيقة وذاتاً وامّا مطابقه الخارجي أي المعلوم بالعرض فيعقل الشك فيه ، وذلك فيما إذا كان هناك عنوانان وكان الحكم بلحاظ أحد العنوانين معلوماً وبلحاظ العنوان الآخر مشكوكاً لاحتمال انطباق ذلك العنوان الأول عليه وعدمه ، كما إذا علم بموت ابن زيد وشك في موت أبو عمرو من باب احتمال أَن يكون أبو عمرو هذا بنفسه المكنى بابن زيد فانه هنا وان كان المتيقن بالذات وهو عنوان ابن زيد غير المشكوك بالذات وهو أبو عمرو قطعاً إلاّ انَّه بلحاظ المتيقن والمشكوك بالعرض يشك في وحدتهما لا محالة فكذلك المقام بعد أَن كان الميزان واقع الزمان أي الزمان الحقيقي لا الإضافي النسبي.

شبهة انفصال زمان اليقين عن الشك :

بقي علينا أَن نشير إلى انَّ ما اخترناه وان كان قريباً جداً من القول الثالث الّذي ذهب إليه صاحب الكفاية (قدّس سرّه) غير انه قد فسّر موقفه واستدل عليه بتعبير آخر حاصله : انَّ الاستصحاب لا يجري في مجهولي التاريخ لعدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين.

وقد اختلف المفسرون والمحققون في تفسير هذا الكلام ، فيكون في كلامه احتمالات وتفسيرات.

أحدها - ما نحتمله نحن من أَن يكون مقصوده ما ذكرناه من احتمال نقض اليقين باليقين رغم انَّ عبائره لا تطابق ذلك ، كما انه بناء عليه كان ينبغي التفصيل في مجهولي التاريخ بين الحالتين اللتين فصلنا بينهما.

الثاني - انّا إذا افترضنا العلم إجمالاً بحدوث الملاقاة في أحد الزمانين - الساعة الأولى أو الثانية بعد الزوال مثلاً - وعلمنا بحدوث الكرية في الزمان الآخر مع الشك في المتقدم منهما والمتأخر فهناك معلومان إجماليان يعلم بتحقق أحدهما في إحدى الساعتين وتحقق الآخر في الساعة الأخرى ، وحينئذ استصحاب عدم الكرية مثلاً إلى حين الملاقاة إن كانت الملاقاة في الساعة الأولى فهذا لا محذور فيه لأنَّ الساعة الأولى متصل بالزوال الّذي هو زمان اليقين بعدم الكرية فيكون زمان الشك وهو الساعة الأولى متصلاً بزمان اليقين ، وامّا إذا كانت الملاقاة في الساعة الثانية كان معناه انَّ زمان الشك الّذي يراد جر عدم الكرية إليه بالاستصحاب هو الساعة الثانية وزمان اليقين بعدم الكرية هو الزوال وامّا الساعة الأولى فهي زمان الكرية المعلومة إجمالاً وهذا يؤدي إلى انفصال زمان اليقين بعدم الكرية عن زمان الشك فيه بزمان اليقين بالكرية وما دام هذا التقدير محتملاً فلا يجري الاستصحاب ، لعدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين على كل تقدير ، ومنه يظهر جريان هذا البيان حتى إذا احتمل التقارن بين الحادثين أيضاً.

ونلاحظ على ذلك :

أولاً - انَّ الساعة الأولى على هذا التقدير هي زمان الكرية واقعاً لا زمان الكرية المعلومة بما هي معلومة ، لأن العلم بالكرية كان على نحو العلم الإجمالي من ناحية الزمان وهو علم بالجامع فلا احتمال للانفصال إطلاقاً ، بل حتى إذا افترضنا العلم الإجمالي علماً بالواقع فلا بد من افتراض مجامعته مع الشك في كل من الأطراف وإلاّ لكان علماً تفصيلاً ويكفي في الاستصحاب هذا الشك ، ولهذا يرى صاحب الكفاية جريان الاستصحابين الإلزاميين في طرفي العلم الإجمالي بالترخيص ولا يرى انَّ ذلك من نقض اليقين باليقين خلافاً للشيخ الأعظم (قدّس سرّه).

وثانياً - انَّ البيان المذكور لو تم لمنع عن جريان استصحاب عدم الكرية حتى في الصورة التي اختار صاحب الكفاية جريان الاستصحاب فيها وهي صورة الجهل بزمان حدوث الكرية مع العلم بزمان الملاقاة وانه الساعة الثانية مثلاً وشك في انَّ الكرية حدثت قبل الملاقاة أو بعدها ، فان استصحاب عدم الكرية إلى حين الملاقاة أيضاً

يحتمل فيه انفصال زمان اليقين عن الشك لأنَّ الكرية معلومة إجمالاً في هذه الصورة أيضاً ويحتمل انطباقها على الساعة الأولى فإذا كان انطباق الكرية المعلومة بالإجمال على زمان يوجب تعذر استصحاب عدم الكرية إلى ما بعد ذلك الزمان جرى ذلك في هذه الصورة أيضاً وتعذر استصحاب عدم الكرية إلى الساعة الثانية لاحتمال الفصل بين زمان اليقين وزمان الشك بزمان العلم بالكرية ، بل يرد النقض بالاستصحاب في كل مورد علم بانتقاض الحالة السابقة المراد استصحابها الآن ولكن شك في انتقاضها بلحاظ زمن سابق فأُريد إثباتها فيه بالاستصحاب لثبوت هذا العلم الإجمالي بالانتقاض في أحد الزمانين فيه أيضاً.

الثالث - وهو أكثر انسجاماً مع عبائر صاحب الكفاية (قدّس سرّه) : انَّ ظرف اليقين بعدم الكرية في المثال السابق هو الزوال وظرف الشك مردد بين الساعة الأولى بعد الزوال والساعة الثانية ، لأنَّ عدم الكرية له اعتباران فتارة نأخذه بما هو مقيس إلى قطعات الزمان وبصورة مستقلة عن الملاقاة ، وأخرى نأخذه بما هو مقيس إلى زمان الملاقاة ومقيد به ، فإذا أخذناه بالاعتبار الأول وجدنا انَّ الشك فيه موجود في الساعة الأولى وهي متصلة بزمان اليقين مباشرة فبالإمكان أَن نستصحب عدم الكرية إلى نهاية الساعة الأولى ، ولكن هذا لا يفيدنا شيئا لأنَّ الحكم الشرعي وهو انفعال الماء ليس مترتباً على مجرد عدم الكرية بل على عدم الكرية في زمان الملاقاة ، وإذا أخذنا عدم الكرية بالاعتبار الثاني أي مقيساً ومنسوباً إلى زمان الملاقاة فمن الواضح انَّ الشك فيه انما يكون في زمان الملاقاة إذ لا يمكن الشك قبل زمان الملاقاة في عدم الكرية المنسوب إلى زمان الملاقاة وإذا تحقق انَّ زمان الملاقاة هو زمان الشك ترتب على ذلك انَّ زمان الشك مردد بين الساعة الأولى والساعة الثانية تبعاً لتردد نفس زمان الملاقاة بين الساعتين وهذا يعني عدم إحراز اتصال زمان الشك بزمان اليقين لأنَّ زمان اليقين هو الزوال وزمان الشك محتمل الانطباق على الساعة الثانية ومع انطباقه عليها يكون مفصولاً عن زمان اليقين بالساعة الأولى.

ونلاحظ على ذلك :

أولاً - انَّ الأثر الشرعي إذا كان مترتباً على عدم الكرية المقيد بالملاقاة أي على

اجتماع أحدهما بالآخر فقد يتبادر إلى الذهن انَّ الشك في هذا العدم المقيد بالملاقاة لا يكون الا في زمان الملاقاة ، وامّا الشك قبل زمان الملاقاة في عدم الكرية فهو ليس شكّا في عدم الكرية المقيد بالملاقاة ، ولكن الصحيح انَّ الأثر الشرعي مترتب على عدم الكرية والملاقاة بنحو التركيب بدون أخذ التقيد والاجتماع وإلاّ لما جرى استصحاب عدم الكرية رأساً كما تقدم ، وهذا يعني انَّ عدم الكرية بذاته جزء الموضوع لا فرق في ذلك بين ما كان منه في زمان الملاقاة أو قبل زمانها غير انه في زمانها يكون الجزء الآخر موجوداً أيضاً ، وعليه فعدم الكرية مشكوك منذ الزوال وإلى زمان الملاقاة وان كان الأثر الشرعي لا يترتب فعلاً إلاّ إذا استمر هذا العدم إلى زمان الملاقاة فيجري استصحاب عدم الكرية من حين ابتداء الشك في ذلك الزمان الواقعي للملاقاة ، وبهذا نثبت بالاستصحاب عدما للكرية متصلاً بالعدم المتيقن وان كان الأثر الشرعي لا يترتب على هذا العدم الا في مرحلة زمنية معينة قد تكون متأخرة عن زمان اليقين فانَّ المناط اتصال المشكوك الّذي يراد إثباته استصحاباً بالمتيقن لا اتصال فترة ترتب الأثر بالمتيقن ، فإذا كنت على يقين من اجتهاد زيد فجراً وشككت في بقاء اجتهاده بعد طلوع الشمس ولم يكن الأثر الشرعي مترتباً على اجتهاده عند الطلوع إذ لم يكن عادلاً وانما أصبح عادلاً بعد ساعتين أفلا يجري استصحاب الاجتهاد إلى ساعتين بعد طلوع الشمس؟ فكذلك في المقام.

ثانياً - انَّ ما ذكر لو تمّ لمنع عن جريان استصحاب عدم الكرية فيما إذا كان زمان حدوثها مجهولاً مع العلم بتاريخ الملاقاة لأنه يواجه نفس الشبهة الآنفة الذّكر ، لأنَّ الشك في عدم الكرية المنسوب إلى زمان الملاقاة انما هو في زمان الملاقاة بحسب تصور هذه الشبهة أي بعد ساعة من الزوال مع انَّ زمان اليقين بعدم الكرية هو الزوال.

ثم انَّ السيد الأستاذ قد أورد على صاحب الكفاية (قدّس سرّه) اعتراضين آخرين :

الأول - ما أشرنا إليه من دعوى انَّ الشك في انتقاض اليقين باليقين غير معقول لأنَّ اليقين والشك من الوجدانيات.

وهذا الكلام كما عرفت غير وارد لا على البيان الّذي تقدم منّا ولا على المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) امّا الأول فلما تقدم من انَّ المنظور إليه المتيقن والمشكوك بالعرض لا بالذات ، وامّا الثاني فلأنَّ المفروض عند من يجعل العلم الإجمالي متعلقاً بالواقع

إمكان اجتماعه مع الشك على مصب واحد وإلاّ لانقلب إلى العلم التفصيليّ (1).

الثاني - انه لا دليل على اشتراط اتصال زمان اليقين بالشك بل يمكن أَن يكون زمان اليقين نفس زمان الشك كما إذا حصلا في آن واحد.

وهذا الاعتراض مبني على تصور انَّ المحقق الخراسانيّ يريد اتصال زمان نفس اليقين والشك مع انه يقصد اتصال زمان المتيقن بالمشكوك ، والتعبير عنهما باليقين والشك متعارف ، والقرينة على إرادته ذلك انه عبر في وجه عدم جريان الاستصحاب بلزوم عدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين بانفصاله عنه بحدوثه ، واتصال زمان المتيقن بالمشكوك ليس شرطاً جديداً بل هو مستبطن في شرطية صدق نقض اليقين بالشك لا باليقين.

نعم هذا الاعتراض يمكن إيراده على كلام يذكره المحقق النائيني (قدّس سرّه) لا ربط له بهذا البحث رغم التشابه الاسمي ، وكان الأجدر ذكره كتنبيه مستقل والتعليق عليه ، وحاصله :

انّا إذا علمنا عند الزوال مثلاً بنجاسة إناءين ثم علمنا إجمالاً بطهارة أحدهما فحصول هذا العلم الإجمالي يتصور بأحد أنحاء :

1 - أَن يفترض العلم بطهارة أحدهما المعين كإناء زيد مثلاً ثم اختلط بالآخر فتكون علم إجمالي.

2 - أَن يفترض العلم بأنَّ زيدا غسل إناءه ولكنا لا ندري أيهما لزيد فحصل علم إجمالي بطهارة أحدهما.

3 - أن يحصل العلم الإجمالي بالطهارة ابتداءً وبلا توسط علم بعنوان تفصيلي كما إذا أخبرنا صادق بطهارة أحدهما.

ففي الفرض الثالث لا توجد شبهة انفصال زمان اليقين عن زمان الشك بل كل إناء نشير إليه نقول بأنا كنّا نعلم بنجاسته عند الزوال وبعد الزوال حصل الشك في


1) يمكن توجيه هذا الاعتراض وتأويله بنحو يكون وارداً على المحقق الخراسانيّ ، وذلك بأَن يكون المقصود انَّ مجرد العلم بما يكون نقيضاً واقعاً للمعلوم السابق لا يكفي في صدق انتقاض اليقين باليقين بل لا بدَّ في صدقه من العلم بأنَّ متعلق هذا اليقين ناقض لمتعلق اليقين الآخر بحسب مطابقه الخارجي ، وامَّا مجرد احتمال ذلك فلا يمنع من صدق نقض اليقين بالشك ، وهذا الإيراد صحيح وسوف يأتي وروده على المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه).

بقاء نجاسته وعدمه ، وهو شك مسبب عن العلم الإجمالي الحاصل بطهارة أحدهما فيجري الاستصحاب فيه لو لا محذور آخر غير مربوط بهذا البحث.

وامّا في الفرض الأول فلا يجري الاستصحاب ، لأنا وان كنّا نعلم بالنجاسة في كل منهما عند الزوال ونشك في نجاسته الآن إلاّ انه قد تخلل في البين اليقين بطهارة واحد منهما تفصيلاً وبعد ذلك حصل الشك لأجل الاختلاط فلعل هذا الفرد هو الّذي تيقنت بطهارته ، وعلى هذا التقدير يكون قد انفصل زمان يقيني بالنجاسة عن زمان الشك باليقين بالطهارة فلا يحرز اتصال زمان اليقين بزمان الشك.

وامَّا الفرض الثاني فهو من ناحية يشبه الفرض الثالث لعدم تشخيص إناء زيد ، ومن ناحية يشبه الفرض الأول للعلم بطهارة إناء زيد ، ثم رجح إلحاقه بالفرض الأول لتوسط العلم بطهارة إناء زيد فلو كان المستصحب نجاسته إناء زيد واقعاً فقد انتقض اليقين فيه باليقين لا بالشك.

وهذا الكلام يرد عليه : أولا - ما ذكره السيد الأستاذ من عدم الدليل على اشتراط اتصال زماني في نفس اليقين والشك كشرط جديد زائداً على صدق نقض اليقين بالشك وهو حاصل في المقام ، فانَّ كل إناء نشير إليه يشك في بقاء نجاسته الثابتة في حقه عند الزوال ، والعلم التفصيليّ بطهارة إناء زيد المشتبه ليس إلاّ منشأ للشك في بقاء نجاسة شخص هذا الإناء وزواله فيجري الاستصحاب في واقع الإناء بلا محذور.

وثانياً - لو سلمنا وجود دليل على هذه الشرطية فالمفروض إلحاق الفرضية الثانية بالثالثة لا بالأولى ، لأنَّ اليقين بطهارة إناء زيد قد تعلق بطهارة هذا العنوان الإجمالي الّذي يجتمع مع الشك في كل من الإناءين فلم ينفصل زمان اليقين بالنجاسة عن زمان الشك في كل منهما إطلاقاً.

وهكذا يتلخص من مجموع ما تقدم انَّ الاستصحاب في جزئي الموضوع الحادثين الّذي يشك في المتقدم منهما والمتأخر يجري في مجهول التاريخ بلحاظ زمان الآخر إذا كان معلوماً أو أضيق دائرة منه ولا يجري في الآخر بلحاظ الأول.

ثم انَّ هذا الّذي ذكرناه انَّما هو في كبرى استصحاب بقاء الجزء إلى حين تحقق الجزء الآخر لترتيب أثر الموضوع المركب كاستصحاب عدم الكرية - القلة - إلى حين الملاقاة لإثبات الانفعال بالنجاسة. وقد يستصحب عدم الجزء الآخر كالملاقاة إلى

حين انتفاء الجزء الأول وهو القلّة لنفي ذلك الأثر بنفي موضوعه فيجعل ذلك معارضاً مع الاستصحاب الأول.

ونلاحظ على هذا الاستصحاب :

أولا - ما تقدم من عدم جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ بالنسبة إلى زمان المجعول ولا في مجهول التاريخ بالنسبة إلى زمان المجهول الآخر إذا كانت دائرة التردد في الآخر مساوياً أو أضيق منه. وهذا يعني انه لا يمكن أَن يجري الاستصحابان المثبت والنافي معاً ، إذ لو فرض انَّ زمان أحد الجزءين من الملاقاة وعدم الكريّة معلوماً فلا يجري الاستصحاب في المعلوم إثباتاً أو نفياً ، وان كانا معاً مجهولين فامّا أَن تكون دائرة التردد في أحدهما أضيق من الآخر أو يكونا متساويين ففي الأول لا يجري الاستصحاب إلاّ فيما تكون دائرة التردد فيه أضيق بالنسبة إلى زمان الأوسع دون العكس ، وفي الثاني لا يجري الاستصحاب فيهما معاً. نعم فرضية التعارض تكون معقولة على أحد القولين الأول أو الثاني من الأقوال الثلاثة المتقدمة ، وقد عرفت عدم تماميتهما.

وثانياً - انَّ استصحاب عدم أحد الجزءين - وهو الملاقاة في المثال - إلى حين انتفاء الجزء الآخر - وهو القلّة أو عدم الكرية - لا يجري في نفسه حتى على القولين الآخرين لأنه مثبت. وهذه نكتة دقيقة ربما يغفل عنها.

توضيح ذلك : انَّ هناك فرقاً بين استصحاب جزء الموضوع المركب إلى حين تحقق جزؤه الاخر لترتيب الأثر المرتب على ذلك المركب وبين استصحاب عدم ذلك الجزء إلى حين انتفاء جزئه الآخر لنفي حكمه ، فانَّ الأول ليس مبتلى بإشكال الإثبات لأنه يحرز بحسب الحقيقة كلا جزئي موضوع الحكم أحدهما بالوجدان والآخر بالتعبد ، وامّا الثاني فهو مبتلى بإشكال المثبتية لأنَّ المطلوب فيه نفي الحكم بنفي موضوعه ، ومن الواضح انَّ موضوع الحكم انما هو تحقق صرف وجود الجزءين معاً وهذا لا ينفى بالاستصحاب المذكور إلاّ بالتعويل على الأصل المثبت ، لأنه ينفي بحسب الحقيقة تحقق فرد من الموضوع إلى زمان انتفاء الجزء الأول وبضمه إلى وجدانية انتفائه بعد ذلك لانتفاء الجزء الأول يراد إثبات انتفاء صرف الوجود ، وقد تقدم انَّ نفي الجامع

وصرف الوجود بنفي الفرد من الأصل المثبت ، ومن هنا لم يكن استصحاب عدم حدوث الفرد الطويل نافياً لموضوع الحكم المرتب على الجامع.

نعم إذا كان الشك في تحقق صرف الوجود وعدمه كما إذا شك في أصل ملاقاة الماء القليل مع النجاسة جرى استصحاب عدم تحقق أصل الملاقاة وفي تمام الأزمنة إلى الوقت الحاضر بمعنى نفي صرف وجود الموضوع المركب رأساً لا حصة منه.

وعلى ضوء النكات الموضحة في هذا البحث لا بأس بالتعرض إلى التطبيق الفقهي المعروف لهذه المسألة الأصولية والّذي ينحل إلى مسألتين :

المسألة الأولى - الكر المسبوق بالقلّة إذا علم ملاقاته للنجاسة ولم يعلم السابق من الملاقاة أو الكريّة.

المسألة الثانية - القليل المسبوق بالكرية إذا علم بملاقاته للنجاسة ولم يعلم السابق من الملاقاة والقلّة.

امَّا المسألة الأولى - فقد عرفت على ضوء ما تقدم انه لا يجري استصحاب عدم الكرية - وهو أحد جزئي الموضوع - إلى حين الملاقاة إلاّ إذا كان زمان الملاقاة معلوماً وزمان الكرية مجهولاً أو كلاهما مجهولاً مع كون دائرة التردد في زمان الكرية أوسع منها في زمان الملاقاة فيجري الاستصحاب عندئذ وتثبت النجاسة لإحراز موضوعها المركب بضم التعبد إلى الوجدان وفي غير ذلك يحكم بالطهارة بالرجوع إلى الأصول الحكمية. ولا يعارض باستصحاب عدم الملاقاة إلى زمان الكريّة لنفي الانفعال لما تقدم من الوجهين آنفاً.

إلاّ انَّ للسيد الأستاذ اتجاهاً آخر للمنع عن جريان هذا الاستصحاب النافي من انه كلما ترتب حكم على موضوع مركب من جزءين وكان أحدهما معلوم الوجود سابقاً ولكن يشك في بقائه إلى حين وجود الجزء الآخر فيجري استصحاب بقائه إلى حين وجود الجزء الآخر وبذلك يحرز موضوع الحكم ما دام الموضوع مأخوذاً بنحو التركيب لا بنحو التقييد ولا يجري استصحاب عدم حدوث الجزء الآخر إلى حين ارتفاع الجزء الأول لكي يكون نافياً للحكم ومعارضاً للاستصحاب الأول ، وقد جاء في تقريرات أبحاثه الفقهية والأصولية وجهان لإثبات هذا المدعى.

أحدهما - نقضي ، وهو انَّ لازم جريان استصحاب عدم الجزء الآخر إلى حين

ارتفاع الجزء الأول ومعارضته لاستصحاب بقاء الأول إلى حين وجود الآخر إيقاع المعارضة بين الاستصحاب حتى في مورد صحيحة زرارة وهو الشك في بقاء الطهارة إلى حين الصلاة إذ يعارض استصحاب بقائها إلى حين الصلاة باستصحاب عدم وقوع الصلاة في زمان وجود الطهارة.

ثانيهما - حلي وهو انَّ المفروض انَّ الحكم مترتب على ذات الجزءين أي على وجودهما في زمان دون أَن يؤخذ في الموضوع عنوان التقييد ومعه فباستصحاب أحد الجزءين إلى زمان وجدانية وجود الجزء الآخر في ذلك الزمان نحرز موضوع الحكم ، وامَّا استصحاب عدم الجزء الآخر في زمان الجزء الأول فلا يجري لأنَّ الأثر غير مترتب على وجود الجزء الآخر المقيد بأَن يكون في زمان الجزء الأول بل على ذات الجزءين فما يستصحب عدمه إن كان ذات الجزء الآخر فهو غير معقول للقطع بوجوده ، وان كان المستصحب عدم وجوده المقيد - بان يكون في زمان الجزء الأول - فهذا ليس موضوعاً للحكم الشرعي لأنَّ المفروض انَّ موضوع الحكم الشرعي أخذ بنحو التركيب لا بنحو التقييد (1).

ويلاحظ على هذا الاتجاه :

امّا فيما يتعلق بالوجه النقضي : فلأنَّ زرارة في مورد الرواية لو كان قد فرض وقوع صلاة وحدث مجهولي التاريخ ومع هذا أجرى الإمام له استصحاب عدم الحدث إلى حين الصلاة ولم يجر استصحاب عدم الصلاة إلى حين الحدث لكان نظير ما نفرضه في المقام من حدوث كريّة وملاقاة مجهولين في تاريخهما فيجري استصحاب عدم الكرية إلى حين الملاقاة على حد استصحاب عدم الحدث إلى حين الصلاة ولا يعارض باستصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكريّة كما لا يعارض استصحاب عدم الحدث باستصحاب عدم الصلاة إلى حين الحدث ، غير انَّ زرارة لم يفرض حدثاً وصلاة مجهولي التاريخ بل الصلاة في مورد الرواية معلومة التاريخ في عمود الزمان وانما يشك في بقاء عدم الحدث إلى حينها ، فهو من قبيل ما إذا كانت الملاقاة معلومة التاريخ ويشك في


1) راجع التنقيح ، الجزء الأول ، ص 210 - 211 ، ومصباح الأصول ، ج 3 ، ص 203 - 205

بقاء الكريّة إلى حينها فعدم إيقاع المعارضة بين الاستصحابين في مورد الصحيحة لعله بلحاظ انَّ أحد الحادثين معلوم التاريخ والآخر مجهوله فيجري الاستصحاب في طرف المجهول خاصة على ما هو الصحيح (1).

وامَّا فيما يتعلق بالوجه الحلي فتوضيح الحال فيه : ان المستصحب عدمه من الجزء الآخر ليس هو وجوده في نفسه إلى الزمان الحاضر ليقال انَّ وجوده معلوم فكيف يستصحب عدمه - ولا وجوده المقيد بوجود الجزء الأول ليقال انَّ الوجود المقيد بما هو مقيد ليس موضوعاً للحكم لينفى بنفيه ، بل المستصحب عدم وجود الجزء الآخر في زمان وجود الجزء الأول بنحو يكون المقصود الإشارة إلى واقع زمان وجود الجزء الأول وأخذ هذا العنوان معرفاً إلى واقع ذلك الزمان وبهذا يكون المنفي بنفسه جزء موضوع الحكم فينفي الحكم بنفيه - مع قطع النّظر عمّا ذكرناه من إشكال المثبتية - وهذا البيان بنفسه هو المصحح لإجراء استصحاب بقاء الجزء الأول إلى زمان وجود الجزء الآخر ، فانَّ المراد بذلك ليس إثبات وجود للجزء الأول مقيد بأَن يكون في زمان وجود الجزء الآخر لأنَّ من الواضح انَّ هذا الوجود المقيد ليس له حالة سابقة لتستصحب بل المراد إثبات وجود للجزء الأول في واقع زمان وجود الجزء الآخر بنحو نجعل عنوان زمان الاخر معرفاً صرفاً إلى واقع الزمان الّذي نريد جر الجزء الأول إليه بالاستصحاب فكما انَّ استصحاب بقاء الجزء الأول إلى زمان الجزء الآخر يحرز جزء الموضوع دون أَن يثبت الوجود المقيد بما هو مقيد كذلك استصحاب عدم الجزء الآخر في زمان وجود الجزء الأول ينفي جزء الموضوع دون أَن ينفي المقيد بما هو مقيد.

وهكذا يتضح عدم تمامية هذا الاتجاه الّذي سار عليه السيد الأستاذ في المنع عن الاستصحاب النافي.

نعم هناك نكتة فقهية خاصة لو تمت منعت أيضاً عن جريان استصحاب عدم


1) بل لو فرض جريان الاستصحاب في معلوم التاريخ أيضاً ورد على النقض المذكور بأنَّ استصحاب عدم وقوع الصلاة في زمان وجود الطهارة لا يجري لأنه لم يفرض وقوع الحدث أصلاً ، نعم لو أحدث بعد الصلاة أمكنه أَن ينتزع عنواناً إجمالياً كعنوان آخر حدث فيجري استصحاب عدم وقوع الصلاة إلى حين تحقق آخر حدث منه إلاّ انه قد تقدم بطلان مثل هذا الاستصحاب في بحث سابق.

الملاقاة إلى حين الكريّة وحاصلها : انَّ موضوع انفعال الماء بملاقاة النجاسة بعد فرض خروج الماء الكرّ منه يمكن أَن يتصور بأحد وجهين :

الأول - أَن يقيد الماء في موضوع دليل الانفعال بعدم الكرية فيكون مركباً من امرين أحدهما ملاقاة النجس للماء والآخر عدم كريّة الماء.

الثاني - أَن تقيد الملاقاة بأَن لا تكون ملاقاة للكر فيكون موضوع الانفعال مركباً من امرين ملاقاة النجس للماء وعدم كون الملاقاة ملاقاةً للكر.

فإذا بنينا على التصور الثاني لم يمكن إجراء استصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكريّة ، لأنَّ المراد نفي موضوع الانفعال ، وموضوع الانفعال بناءً على هذا الوجه لا يمكن نفيه بهذا الاستصحاب لأنَّ أحد جزئيه ملاقاة الماء للنجس وهي وجدانية والجزء الآخر عدم كون الملاقاة ملاقاة للكر ، ونفي هذا الجزء انما يكون بإثبات نقيضه أي انَّ الملاقاة ملاقاة للكر وهذا لا حالة سابقة له ولا يمكن إثباته باستصحاب عدم وقوع الملاقاة ما دام الماء قليلاً إلاّ بنحو مثبت ، بل بناءً على جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية يجري استصحاب عدم كون هذه الملاقاة ملاقاة للكر فيكون مثبتاً للنجاسة أيضاً.

الا انَّ مبنى هذا الكلام غير تام فقهياً ، إذ الظاهر من مثل رواية أبي بصير الواردة في سؤر الكلب ( ولا يُشرب سؤر الكلب إلاّ أَن يكون حوضاً كبيراً يستقى منه ) (1)تركب موضوع الانفعال من ملاقاة للماء وعدم الكريّة.

فالصحيح جريان استصحاب عدم الكرية - أو القلة - إلى حين الملاقاة لإثبات النجاسة - إذا كان زمان الملاقاة معلوماً أو أضيق من زمان تردد الكرية - ولا يعارض باستصحاب عدم الملاقاة إلى حين الكريّة أو في حال القلة - حتى لو قيل بجريانه في معلوم التاريخ - لأنَّه لا ينفي ما هو موضوع الحكم الشرعي وهو صرف وجود الموضوع القابل للانطباق على قطعات طولية من الزمان إذ لا يكفي لنفي الحكم نفي حصة من وجود الموضوع وهي وجوده في واحدة من تلك القطعات.

وتوهم - انَّ الاستصحاب وان كان ينفي حصة من صرف الوجود لموضوع الحكم


1) وسائل الشيعة ، ج 1 ، ص 163 الطبعة الحديثة

بالنجاسة إلاّ انَّ الحصة الأخرى من وجود الموضوع منتفية وجداناً فبضم الوجدان إلى التعبد ننفي الحكم.

مدفوع : بأنَّ الحكم بالنجاسة ليس أحكاماً متعددة مجعولة على الحصص بحيث يكون للملاقاة مع عدم الكريّة في الزمان الأول حكم وللملاقاة مع عدم الكريّة في الزمان الثاني حكم آخر وهكذا بل هناك حكم واحد مجعول على جامع الملاقاة مع عدم الكريّة بحيث يلحظ الجامع بنحو صرف الوجود ويجعل الحكم عليه فلا بد في نفي هذا الحكم من نفي صرف الوجود ، وقد عرفت انَّ نفيه بنفي حصة وفرد منه بالتعبد مع ضمه إلى انتفاء سائر افراده بالوجدان ، وقد عرفت انَّ نفيه بنفي حصة وفرد منه بالتعبد مع ضمه إلى انتفاء سائر افراده بالوجدان من أوضح أنحاء الأصل المثبت ، ومن هنا لم يلتزم أحد بجريان استصحاب عدم الفرد الطويل بعد وجدانية انتفاء الفرد القصير للجامع بقاءً لإثبات انتفاء الجامع.

وهكذا يثبت انَّ استصحاب عدم الملاقاة متى ما كان جارياً بنحو ينفي بنفسه صرف وجود الملاقاة جرى كما هو الحال في موارد الشك في أصل الملاقاة ، ومتى ما أُريد إجراؤه لنفي حصة من الملاقاة ويضم إليه إحراز انتفاء الحصة الأخرى وجداناً فلا يجري ولا يصلح لنفي الحكم المترتب على صرف الوجود الجامع بين الحصتين.

نعم لو فرض ثبوت حكمين شرعيين أحدهما نجاسة الماء المركب من جزءين الملاقاة وعدم الكريّة والآخر الطهارة المطلقة أي حتى بعد الملاقاة المعبر عنه بالاعتصام للماء المركب من جزءين الكرية وعدم الملاقاة مع النجاسة قبل الكريّة بدعوى انَّه المستفاد من دليل اعتصام الكرّ وانَّ الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شيء يدل على الطهارة المطلقة ، وموضوعه وإن كان هو الماء الكرّ إلاّ انَّا حيث نعلم من الخارج بنجاسة الماء النجس المتمم كرّاً فنعلم انَّ موضوع الطهارة المطلقة مركب من جزءين أحدهما الماء الكرّ والثاني أَن لا يكون ملاقياً مع النجاسة قبل الكرية فحينئذ يجري استصحاب عدم الملاقاة قبل الكريّة لإحراز موضوع الطهارة المطلقة فيكون معارضاً مع استصحاب عدم الكريّة إلى حين الملاقاة لكونهما معاً حينئذ من استصحاب جزء الموضوع إلى حين تحقق الجزء الآخر لا الاستصحاب النافي للحكم ليكون مثبتاً.

وفيه : بطلان المبنى الفقهي المذكور ، فانه لا توجد لدينا أحكام ثلاثة ، النجاسة في الماء القليل الملاقي مع النجس والطهارة غير المطلقة في الماء القليل غير الملاقي والطهارة

المطلقة في الماء الكرّ غير الملاقي قبل الكريّة ، بل هنا حكم واحد هو النجاسة وموضوعها مركب من جزءين الماء الملاقي مع النجس وعدم الكريّة حين الملاقاة ، فانَّ دليل عدم انفعال الكر بالملاقاة مع النجاسة مخصص بحسب الحقيقة لأدلة الانفعال فيكون موضوع الانفعال مركباً من نقيض العنوان الخارج بالتخصيص ولا بد في نفيه من نفي صرف وجود هذا الموضوع المركب ، وقد عرفت انه لا يثبت باستصحاب عدم الملاقاة في زمان القلة إلاّ بنحو الأصل المثبت.

ثم انه في الصور التي لا يتم فيها جريان الاستصحاب المثبت للانفعال ربما تطبق قاعدة تقدمت عن المحقق النائيني (قدّس سرّه) من انه إذا ثبت حكم إلزامي بعام وخرج منه عنوان وجودي كعنوان الكرّ في المقام فشك في مورد في تحقق ذلك القيد وعدمه ولم يمكن إحرازه أو إحراز عدمه بالاستصحاب يحكم بالاحتياط ظاهراً ففي المقام إذا لم يمكن إثبات موضوع الانفعال لكون الكرية معلوم التاريخ مثلاً ولا نفيه لأنَّ استصحاب عدم الملاقاة في زمان القلّة على القول بجريانه مثبت يحكم بالنجاسة احتياطاً ولا يجوز الرجوع إلى أصالة الطهارة التي هي أصل حكمي طولي.

إلاّ انه قد نقحنا في بعض البحوث السابقة عدم تمامية هذه القاعدة الميرزائية ، فالصحيح هو الحكم بالطهارة فيما إذا كان تاريخ الكرية معلوماً أو مجهولاً ولكنه أضيق دائرة من دائرة التردد للملاقاة.

وامَّا المسألة الثانية - أعني الماء القليل المسبوق بالكرية والملاقاة مع الشك في تاريخهما ، فقد يقال بجريان استصحاب بقاء الكرية إلى حين الملاقاة لنفي الانفعال وقد يعارض باستصحاب عدم الملاقاة إلى حين القلة المثبت للانفعال.

والصحيح : عدم جريان شيء من الاستصحابين على كل حال ، امَّا استصحاب الكرية إلى حين الملاقاة فلما تقدم من انَّ الأصل النافي في المقام مثبت لأنه لا يثبت انتفاء صرف الوجود إلاّ بالملازمة العقلية ؛ وامَّا استصحاب عدم الملاقاة إلى حين القلة فلأنه لا يثبت وقوع الملاقاة بعد القلة إلاّ بالملازمة العقلية الواضحة حيث انَّ اللازم. العقلي لثبوت أصل الملاقاة وعدم كونها في حال الكريّة وقوعها في حال القلة.

ثم انَّ صاحب الكفاية قد حشر في هذا التنبيه أبحاثاً لا ترتبط بصلب البحث عن جريان الاستصحاب في الموضوعات المركبة من قبيل تشقيق البحث إلى ما إذا أخذ

حيثية التقارن بين الجزءين أو التقدم أو التأخر في الموضوع وبنحو مفاد كان التامة تارة والناقصة أخرى وبنحو مفاد ليس التامة ثالثة أو بنحو مفاد ليس الناقصة رابعة وانه هل يمكن إثبات ذلك بالأصل أو تكون من الأصل المثبت والتي هي أبحاث يرتبط بعضها بمبحث الأصل المثبت وبعضها بمبحث الاستصحاب في العدم الأزلي ، ولهذا لا مناسبة فنية للتعرض إليها بعد أَن كانت ترجع إلى تطبيق نكات تقدمت برمتها.

9 - الاستصحاب في حالات توارد الحالتين :

قد يشك في بقاء حكم وعدمه مع ثبوت حالة سابقة واحدة لذلك الحكم سابقاً إثباتاً أو نفيا فيجري الاستصحاب وهذا لا إشكال فيه. وأخرى يشك في حكم وعدمه نتيجة انَّ الحالة السابقة متعددة بأَن يعلم بثبوته في فترة سابقة كما يعلم بعدمه أو ثبوت خلافه سابقاً أيضاً ولكن لا يعلم بالوارد والمورود من الحالتين فيشك تبعا لذلك في الحكم إثباتاً ونفياً ، وهذا ما يسمّى بتوارد الحالتين كما إذا علم بأنه توضأ كما يعلم بأنه قد أحدث ولكنه لا يدري المتقدم منهما والمتأخر فيشك في كونه متطهراً الآن أو محدثاً ، فهل يجري هنا استصحاب كل من الحالتين ويتعارضان أو لا يجري في شيء منهما أو يجري في معلوم التاريخ منهما دون مجهوله ، وجوه :

لا ينبغي الإشكال في جريان استصحاب الحالة المعلوم تاريخها في نفسه كما إذا علمنا بالطهارة عند الفجر وعلمنا إجمالاً بالحدث امّا قبل الفجر أو بعده ، فانَّ هذا لا يمنع عن جريان استصحاب الطهارة لعدم ورود شيء من الاعتراضات والمناقشات المتصورة فيه عدا توهم انَّ العلم الإجمالي يتعلق بالواقع وعلى تقدير كون معلومه بعد الفجر تكون الطهارة منتقضة باليقين ، إلاّ انَّ هذا التوهم باطل مبنى وبناءً على ما تقدم.

وامّا الاستصحاب في الحالة المجهول تاريخها سواء كان الآخر مجهول التاريخ أم معلومه ، فالصحيح أيضاً جريان الاستصحاب فيه من دون محذور ، وما ذكر أو يمكن أَن يذكر من الاعتراضات لا يتم شيء منها كما نستعرضه فيما يلي :

الاعتراض الأول - ما ذكرناه في التطبيق السابق من انه إذا كانت إحدى الحالتين - كالطهارة مثلاً - معلوم التاريخ وأُريد استصحاب الحدث المجهول تاريخه كان من

استصحاب الفرد المردد ، لاحتمال أَن يكون الحدث واقعا قبل الطهارة المتيقنة عند الفجر فسحبه بالاستصحاب لعلّه جر للحدث إلى زمان يقطع فيه تفصيلاً بالانتقاض وتحقق الطهارة ، نعم هذا المحذور غير وارد فيما إذا كانا معاً مجهولي التاريخ ، والحاصل : كما كنّا نقول هناك انَّ استصحاب عدم الكرية إلى حين الملاقاة لا يجري إذا كان تاريخه معلوماً لأنه لو أُريد إجراؤه بلحاظ الزمان النسبي وهو زمان الملاقاة فليس موضوعاً للأثر ، وان أُريد إجراؤه بلحاظ زمان الملاقاة الواقعي فيحتمل أَن يكون زمان الملاقاة الواقعي هو الزمان الّذي يقطع فيه تفصيلاً بانتقاض عدم الكرية ، كذلك نقول هنا لو أُريد إجراء استصحاب الحدث في عمود الزمان الواقعي فيحتمل كونه في الزمن الّذي يقطع فيه بالطهارة تفصيلاً وهو الفجر ، وان أُريد إجراؤه في الزمان النسبي أعني الزمن الإجمالي فليس هو موضوع الأثر ، نعم يوجد فرق بين المقامين من ناحية انَّ الإشكال والتردد هناك كان بلحاظ مرحلة الشك والانتهاء وهنا بلحاظ مرحلة اليقين والابتداء.

وفيه : انَّ المفروض في المقام العلم إجمالاً بتحقق الحالة المجهول تاريخها وهو الحدث في المثال سابقاً واحتمال بقائها حقيقة في هذا الزمان الواقعي والّذي يكون هو موضوع الأثر ، فأركان الاستصحاب من اليقين بالحدوث والشك في البقاء تامة ، ولا وجه لتوهم شبهة الفرد المردد بلحاظ المستصحب إذ لا يعلم بانتقاض هذه الحالة في هذا الآن حتى بعنوان آخر إجمالي فضلاً عن تفصيلي كما هو في موارد الفرد المردد وفي استصحاب عدم الكرية إلى زمان الملاقاة الواقعي. نعم هنا شبهة أخرى هي احتمال انتقاض الحالة السابقة من الحدث المعلومة إجمالاً باليقين التفصيليّ بالطهارة عند الفجر على تقدير كون الحدث قبل الفجر واقعاً ، إلاّ انَّ هذا هو شبهة صاحب الكفاية المعبر عنها بانفصال زمان اليقين عن الشك وهذه الشبهة تجري حينئذ في استصحاب مجهول التاريخ سواءً كان الآخر معلوم التاريخ أو مجهوله.

وجوابه : أولا - ما تقدم من انَّ العلم الإجمالي يقف على الجامع ولا يسري إلى الواقع ، وعلى تقدير السريان لا ينافي الشك في الفرد والحصة الّذي هو موضوع الاستصحاب. وهذا الجواب ينفع في استصحاب مجهول التاريخ إذا كانت الحالة الأخرى مجهولة التاريخ أيضاً لا معلومة وإلاّ كان العلم متعلقاً بالواقع لا الجامع.

وثانياً - لا يكفي في انتقاض اليقين باليقين مجرد تعلق اليقين بنقيض المتيقن السابق واقعاً وانَّما ينتقض إذا علم بتعلقه بنقيضه أي علم بالانتقاض وذلك لا يكون إلاّ إذا تعلق اليقين الثاني بنفس العنوان الّذي تعلق به اليقين الأول أو علم بأنَّ مطابقهما الخارجي واحد ، وإلاّ فقد يجتمع يقينان متعاكسان بالرغم من تناقض متعلقهما واقعاً من دون أَن ينتقض أحدهما بالآخر عند القاطع كما إذا كان أحدهما بعنوان والآخر بعنوان آخر فعلم بنجاسة ثوبه عند الغروب وعلم بطهارته عند نزول المطر وكان في واقع الأمر نزول المطر عند الغروب أيضاً ولكنه لا يدري بذلك.

فالحاصل : لا إشكال في عدم صدق نقض اليقين باليقين لمجرد احتمال انطباق المعلوم بأحد اليقينين على معلوم اليقين الآخر سواءً كان أحدهما تفصيليا أم كلاهما إجمالياً ، فلا شبهة من هذه الناحية أيضاً ، وأركان الاستصحاب تامة في الحالتين المتواردين مطلقاً.

الاعتراض الثاني - ما أثاره المحقق العراقي (قدّس سرّه) من انه لا شك في البقاء ، لأنه لو أُريد طهارة الساعة الأولى مثلاً فنحن نعلم بارتفاعها على تقدير حدوثها ، وان أُريد طهارة الساعة الثانية فنعلم ببقائها على تقدير حدوثها فأي الطهارتين تستصحب؟ (1).

والجواب : أولا - انَّ المستصحب هو الجامع بين الحصتين للطهارة وهو يشك في بقائها كما هو الحال في موارد استصحاب الجامع بين الفرد القصير والطويل فانَّ هذا منه بحسب الحقيقة.

وثانياً - انَّ الصحيح عدم اشتراط كون الشك في عنوان البقاء بل يكفي في صدق نقض اليقين بالشك الشك بعد الفراغ عن اليقين بحدوث الشيء سواءً صدق الشك في البقاء أم لا على ما تقدم سابقاً.

الاعتراض الثالث - ما أثاره المحقق العراقي (قدّس سرّه) أيضاً من عدم وجود اليقين بالحدوث ، فانه لا يوجد زمان سابق يمكن أَن نصعد إليه قهقرائياً على حد تعبيره ونكون على يقين فيه بالطهارة ، ويشترط في الاستصحاب اليقين السابق أي وجود زمن سابق تفصيلي يتيقن فيه بالحدوث (2).


1) نهاية الأفكار ، القسم الأول من الجزء الرابع ، ص 215

2) نهاية الأفكار ، القسم الأول من الجزء الرابع ، ص 216

والجواب : لا وجه لاشتراط أَن يكون اليقين السابق أو اليقين بالحدوث مشخصاً من حيث الزمان ، وانما اللازم أصل اليقين بالحدوث سواءً كان تفصيلياً من حيث الزمان والفرد أم كان إجمالياً ، فان دليل الاستصحاب مطلق لفظاً ولا نكتة تقتضي الانصراف إلى ذلك.

هذا مضافاً إلى ورود نقض حينئذ أورده بنفسه وأجاب عنه بما لا يكون صحيحاً (1).

امَّا النقض ، فبما إذا كان يعلم إجمالاً بالطهارة في إحدى الساعتين من دون علم بالانتقاض في الأخرى بل مع احتمال الانتقاض إذا كانت في الساعة الأولى فلا يكون من موارد توارد الحالتين ، بل من موارد الحالة الواحدة الجاري فيها الاستصحاب مع انه يرد فيه ما ذكر من عدم وجود زمن سابق يمكن أَن يشار إليه ليقال كنّا على يقين بالطهارة فيه.

واما جوابه : فبأنا نستصحب الطهارة على تقدير ثبوتها في الساعة الأولى بناء على كلام تقدم عنه من انَّ العلم بالقضية الشرطية يستلزم ثبوت العلم المنوط بالجزاء فإذا كانت الطهارة ثابتة في الساعة الأولى فهي تثبت الآن بالاستصحاب ، وان كانت ثابتة في الساعة الثانية فهي ثابتة الآن وجداناً فيعلم إجمالاً بطهارة الآن امَّا واقعية أو استصحابية ، وهذا الجواب غير وارد في موارد توارد الحالتين كما هو واضح.

وهذا الجواب غير تام ، لما تقدم من بطلان العلم المنوط نعم بناءً على كفاية نفس الحدوث في الاستصحاب من دون دخالة اليقين به في موضوع الاستصحاب تم هذا الجواب عن النقض إلاّ انه حينئذ يندفع أصل الاعتراض أيضاً لأنَّ الحدوث ثابت في زمن سابق معين عند اللّه.

الاعتراض الرابع - انَّ التعبد الاستصحابي تعبد بالمستصحب بمقدار المعلوم فإذا كان المعلوم الطهارة في زمان إجمالي لا تفصيلي فالذي يثبت بالاستصحاب الطهارة المضافة إلى الزمان الإجمالي النسبي لا الزمان التفصيليّ الواقعي ، والمفروض ان الأثر مترتب على الطهارة في واقع الزمان لا في الزمان النسبي الإجمالي (2).


1) نفس المصدر ، ص 217

2) ولعل هذا الاعتراض يستفاد أيضاً من ذيل كلام المحقق العراقي (قدّس سرّه) على ما في تقريرات بحثه ، فراجع نهاية الأفكار ، القسم الأول من الجزء الرابع ، ص 217.

وفيه : مضافاً إلى ما تقدم من كفاية نفس الحدوث في الاستصحاب ان هذا خلط بين العنوان الثانوي النسبي وبين الجامع بين فردي الزمان فانَّ الطهارة تارة نضيفها إلى واقع الزمان ولكن بقدر الجامع بين فردين وحصتين في أحد الزمانين وبغض النّظر عن خصوصية الفردين ، وهذا يترتب عليه كل آثار الطهارة المطلوبة ، لأنها طهارة ثابتة في واقع الزمان الحاضر ، وأخرى نضيف الطهارة إلى عنوان نسبي كعنوان وقت نزول المطر ، وهذا هو الّذي يقال انه لا أثر له لكون الأثر مترتباً على الطهارة في الزمان الواقعي لا النسبي.

وهكذا يتضح تمامية أركان الاستصحاب في حالات توارد الحالتين في مجهول التاريخ ومعلومة ، فيجري الاستصحاب فيهما معاً ، غاية الأمر انهما يتعارضان ويتساقطان.

10 - عموم العام أو استصحاب حكم المخصص :

اشارة

عقد الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) وتابعه عليه المحققون تنبيهاً تحت عنوان ما إذا ورد دليل له عموم أو إطلاق أزماني وخرج منه بالتخصيص فرد في قطعة زمنية معينة فبعد انقضاء تلك القطعة هل يرجع إلى العموم الأزماني لذلك الدليل الاجتهادي أو إلى استصحاب حكم المخصص.

والبحث في هذا التطبيق عن مدى تمامية أركان الاستصحاب في مثل هذه الموارد ، وسيتضح انه لا نكتة جديدة تستدعى عقد بحث مستقل غير ما تقدم فيما سبق ويأتي من نكات الاستصحاب.

وأيّا ما كان فقد ذكر الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) انه إذا كان الزمان مأخوذاً في العام بنحو المفرِّدية بأَن لوحظ الموضوع في كل آن فرداً مستقلاً في قبال الآخر ، فلا مجال لاستصحاب حكم المخصص ، بل يتعين الرجوع إلى العموم الأزماني للعام ، لأنَّ الموضوع في الزمان الثاني فرد آخر غيره في الزمان الأول ويشترط في جريان الاستصحاب وحدة الموضوع فلا يجري الاستصحاب ويجري العموم لتمامية موضوعه.

وان لوحظ الزمان في الموضوع بما هو ظرف مستمر ، فلا مجال للتمسّك بالعامّ حينئذ ، لأنَّ الموضوع كان فرداً واحداً للعام وقد خرج منه بالتخصيص فلو شمله مرة

أخرى كان خلف لحاظه فرداً واحداً بينما يصحّ التمسك حينئذ باستصحاب بقاء حكم المخصص لتمامية أركانه.

وعلق على ذلك المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) بأَن لحاظ الزمان بنحو المفرِّدية والقيدية وعدمها لا بدَّ وأَن يلحظ في جانب الخاصّ أيضا ، فان لوحظ بنحو القيدية في العام والخاصّ معاً فلا مقتضي للاستصحاب لتعدد الموضوع ويمكن التمسك بالعامّ ، وان لم يلحظ كذلك في شيء منهما فلا مقتضي للتمسك بالعامّ ويجري الاستصحاب ، وان لوحظ مفرِّداً للعام دون الخاصّ فالعموم تام في نفسه واستصحاب حكم الخاصّ تام أيضاً لعدم تعدد الموضوع بالنسبة إلى حكم الخاصّ ويقدم العام على الاستصحاب بالحكومة ، وان لوحظ بالعكس فلا مقتضي للتمسك بالعامّ ولا الاستصحاب.

وقد وقع البحث في المقصود من أخذ الزمان مفرِّداً وقيداً للحكم في العام وعدمه بحيث يصح التمسك بالعموم الأزماني بناءً على أخذه كذلك ولا يصح فيما إذا لم يؤخذ ، فبرزت تفسيرات عديدة.

التفسير الأول - ما ذكره السيد الأستاذ من انَّ المراد بأخذ الزمان مفرِّداً استغراقية العام بحيث ينحل إلى أحكام عديدة بعدد الآنات واللحظات يكون لكل منها امتثال وعصيان مستقل ، والمراد بأخذه غير مفرِّد مجموعية العام بحيث يكون مفاده حكماً واحداً له امتثال واحد وعصيان واحد بحيث لو عصى في زمان التعذر الامتثال ولم يمكن الرجوع إلى دلالة العام بل يرجع إلى استصحاب حكم المخصص.

ثم اعترض على هذا التفصيل بأنّا أثبتنا في مبحث العام والخاصّ حجية العام في الباقي بعد التخصيص مطلقاً سواءً كان استغراقياً أم مجموعياً.

وما ذكره من عدم الفرق في حجية العام في الباقي بين كونه استغراقياً أو مجموعياً. وان كان صحيحا على ما تقدم في بحوث العام والخاصّ ، وتقدم الوجه الفني له. إلاّ انه من المستبعد جداً أَن يكون المقصود من التفصيل المذكور في المقام هذا التفصيل ، فانهم ينظرون إلى خصوصية تختص بالعموم الأزماني للعام لا بأصل العموم بعد التخصيص والّذي لا يفرق فيه بين التخصيص الا زماني والأفرادي ، وإلاّ لم يكن وجه لذكره في المقام بل كان يناسب بحث العام والخاصّ مع انَّ ظاهرهم الفراغ عن حجية العام في الفرد الباقي ، بل ظاهرهم المفروغية عن حجية العام في الفرد المخصص بلحاظ قطعة

من الزمان بالنسبة إلى ما قبل زمان التخصيص ، فهذا التفسير لا يمكن أَن يكون هو مبنى التفصيل المذكور.

التفسير الثاني - ما أفاده المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) من انَّ المراد التفصيل بين ما إذا كان الزمان ملحوظاً بنحو العموم فالموضوع في كل آن ملحوظ كفرد للعام أو ملحوظاً بنحو الإطلاق ، والفرق بين العموم والإطلاق ليس من ناحية انحلال الحكم إلى أحكام عديدة وعدمه ، فانَّ المطلق أيضاً ينحل إلى أحكام عديدة ، وانما الفرق بينهما في مقام الإثبات وكيفية لحاظ موضوع الحكم ، ففي المطلق لا يلحظ إلاّ طبيعي الحكم الطبيعي الموضوع في طبيعي الزمان من دون قيد بخلاف العام فانَّ الملحوظ فيه كل فرد فرد من الطبيعي أو زمان زمان ، وعليه فإذا كان الدليل العام بلحاظ عموم الزمان ملحوظاً بنحو العموم صحّ الرجوع إليه بالنسبة إلى الزمان الّذي لم يشمله المخصص لأنه فرد وموضوع جديد كان مشمولاً له من أول الأمر ، وامَّا إذا كان ملحوظاً بنحو المطلق فلا يمكن التمسك بالعامّ بعد انتهاء أمد التخصيص لأنَّ زمان التخصيص يصبح فاصلاً بين ما قبله وما بعده من الحكم ونحن نعلم انَّ تخلل العدم يساوق التعدد فيلزم أَن يكون الموضوع الواحد ملحوظاً فيه مرتين وكفردين في عمود الزمان وهو خلف الإطلاق.

وعلى هذا التفسير يكون ما جاء في كلمات أستاذه صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من التفصيل بين ما إذا كان التخصيص من المبدأ أو المنتهى أو من الوسط واضحاً ، فانه على الأول والثاني يصح التمسك بالعامّ على كل حال لعدم لزوم لحاظ الفرد الواحد مرتين وكفردين في عمود الزمان بخلاف الثالث.

كما ان مناسبة هذا التفسير للمقام دون بحث العام والخاصّ واضحة ، فانَّ هذه النكتة مخصوصة بالإطلاق الأزماني حيث انه إذا خصص من الوسط يلزم أَن يكون الفرد الواحد فردين ولا يرد في التخصيص الأفرادي ، لأنَّ الافراد العرضية متعددة من أول الأمر وتخصيص واحد منها لا يلزم تخلل العدم المستلزم لتعدد الحكم وكونهما فردين بلحاظ عمود الزمان.

نعم قد يقال انَّ لازم ذلك عدم حجية العام في القطعة السابقة على زمن التخصيص أيضاً ، إذ أي ترجيح لشموله له دون القطعة اللاحقة لزمن التخصيص

بدلاً فانه لو شمل كل منهما بدلاً عن الآخر كان فرداً واحداً من الحكم لا فردين ولا مرجح لأحدهما على الآخر.

إلاّ انه يمكن للمحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) أَن يقول انَّ أسبقية القطعة الأولى توجب نحو انصراف للعام وشموله لها بخلاف العكس فانه مستبعد ومستهجن عرفاً.

وهذا التفسير أيضاً غير صحيح ، فانه خلط بحسب الحقيقة بين عالم الوجود الخارجي والفعلية وعالم اللحاظ والجعل ، فانَّ ما يلزم من تخصيص الحكم الواحد في القطعة الوسطى من الزمان وتخلل العدم فيه هو تعدد الحكم في مرحلة الفعلية والانحلال لا تعدده في مرحلة اللحاظ والجعل بل ما عدا المطلق ما خرج بدليل التخصيص سواءً في التخصيص الأفرادي أم الأزماني يبقى تحت المطلق بلحاظ واحد وعنوان واحد فلو كان المخرج عن وجوب إكرام العلماء مثلاً يوم الجمعة بالخصوص يكون مفاد الدليل وجوب إكرام العالم في غير يوم الجمعة وهو يشمل ما بعد التخصيص وما قبله بلحاظ واحد وامّا التعدد والانحلال في مرحلة الفعلية فالمفروض انه مشترك بين العام والمطلق كما تقدم.

التفسير الثالث - أَن نفترض انَّ إسراء الحكم إلى الحصص والافراد يكون من خلال ملاحظتها حتى في المطلق أي انَّ الإطلاق يكون جمعاً للقيود لا رفضاً لها ونفترض انَّ الزمان كما يمكن تقطيعه إلى حصص وآنات متعددة متكثرة كذلك يمكن أخذه بتمامه قيداً واحداً في موضوع الحكم باعتباره امراً واحداً متصلاً ومستمراً فيتسع الحكم الواحد الشخصي وينبسط تبعاً لاتساع موضوعه ، هنالك يقال بأنه إذا خرج فرد في زمان عن عموم الحكم فان كان الزمان ملحوظاً بنحو متكثر أمكن الرجوع في القطعتين السابقة واللاحقة لزمن التخصيص إلى العام لأنهما من افراده ، وان كان الزمان ملحوظاً كقيد واحد يتسع معه الحكم الواحد فلا يمكن الرجوع إلى العام في الزمن السابق فضلاً عن اللاحق لزمن التخصيص لإثبات الحكم فيهما ، إذ هل يكون إثباته لهما بنحو رفض القيود فهذا خلف ما افترضناه من انَّ إسراء الحكم لا يكون إلاّ بجمع القيود ولحاظها ، أو يكون بنحو جمع القيود مع لحاظ الزمان متكثراً فهذا خلف ما افترضناه من أخذ الزمان كله قيداً واحداً متسعاً ، أو يكون بأخذ الزمان كله قيداً واحداً فهذا خلف إخراج القطعة المتوسطة من الزمان ، ولا يمكن لحاظ الزمنين

المنفصلين زمناً واحداً كما هو واضح ، وهذا بخلاف ما إذا استثنى قطعة من آخر الزمن أو أوله فيمكن أَن يكون قرينة على لحاظ الزمن الباقي المتصل قيداً واحداً. والحاصل لا يمكن شمول الحكم للقطعتين المنفصلتين في هذه الفرضية ، نعم يمكن شمول العام لأحدهما بدلاً كقيد واحد فيمكن أَن يرجح الأول بالتقريب المتقدم في تفسير سابق.

ويلاحظ على هذا التفسير أيضاً ما تقدم في محله من انَّ إسراء الحكم إلى الحصص كما يمكن أَن يكون بنحو جمع القيود فيسمى بالعموم عند الأصوليين كذلك يمكن أن يكون بنحو رفض القيود ويسمى بالإطلاق الحكمي فإذا استثنيت قطعة من الوسط سرى الحكم إلى القطعة السابقة واللاحقة عليها سواء فرضت المفردية في الزمان أم لا ، فانه ان لوحظت القيود وجمعت صار الزمان مفرداً وسرى الحكم إلى القطعتين بالعموم ، وان رفضت القيود في عالم اللحاظ سرى الحكم أيضاً إلى القطعتين بالإطلاق فلا مأخذ لهذا التفصيل.

هذا مضافاً إلى انَّ شمول الحكم واستمراره في الزمان - الّذي هو المقصود في المقام - لا يكون إلاّ بأحد النحوين المشار إليهما أي لحاظ كل آن آن فيكون من العموم ، أو رفض ذلك ولحاظ الطبيعي بلا قيد زمان معين فيكون من السريان بملاك رفض القيود ، فافتراض سريان ثالث لا يكون من باب الجمع للقيود ولا رفضه غير معقول في نفسه كما يفترض في هذا التفسير سواء فرض الحكم الساري أحكاماً عديدة انحلالية أم حكماً واحداً.

التفسير الرابع - انَّ الحكم إذا ثبت في حصص الزمان سواء كان بالعموم أم بالإطلاق فتارة يثبت بنحو دال واحد ومدلول واحد وفي مثله يرجع إلى العموم الأزماني بعد التخصيص ، وأخرى يثبت بنحو تعدد الدال والمدلول بأَن يكون مفاد العام أو المطلق ثبوت الحكم في الزمن الأول فقط أو في الزمن في الجملة بلا ملاحظة الاستمرار غاية الأمر يدلّ دليل آخر على استمرار الحكم الّذي يثبت في الآن الأول وعدم انقطاعه ، وحينئذ إذا لم يثبت مخصص في الوسط أثبتنا الحكم في الزمن الأول بالدليل الأول وفي الزمن الثاني بدليل الاستمرار ، وامَّا إذا فرض مخصص في الوسط فلا يمكن إثبات الحكم فيما بعد زمن التخصيص لا بالدليل الأول لعدم شموله لغير الزمن الأول بحسب الفرض ولا بالدليل الثاني لأنه يدل على عنوان الاستمرار وعدم الانقطاع وقد

حصل ذلك على كل حال ، نعم يبقى انه يلزم منه عدم إمكان إثبات الحكم فيما عدا زمن التخصيص إذا كان التخصيص في القطعة الأولى من الزمان أيضاً ، لأنَّ المفروض ان الدليل الأول يدلّ على الحكم في الزمن الأول فقط ، اللّهم إلاّ أَن يدعى ولو بالمناسبات إرادة أول الوجود أي الوجود الحدوثي فيتم تفصيل صاحب الكفاية (قدّس سرّه) حينئذ.

وهذا التفسير وان كان معقولاً ثبوتاً إلاّ انه غير واقع إثباتاً عادة ، فانه حتى إذا أخذ عنوان الاستمرار في الدال الثاني فانه لا يفهم منه عرفاً المعنى الاسمي للاستمرار بل واقع الاستمرار والامتداد فيرجع القسم الثاني عرفاً إلى القسم الأول الّذي يرجع فيه إلى العام بعد انتهاء أمد التخصيص. نعم لو فرض ورود ما يدلّ على لزوم عنوان الاتصال والاستمرار بنحو المعنى الاسمي تمَّ عندئذ هذا التفصيل إلاّ انَّه فرضية ليس إلاّ فلا يناسب عقد تنبيه في المقام لمثل هذه الفرضية الخيالية.

التفسير الخامس - ما ينسب إلى المحقق النائيني (قدّس سرّه) في تفسير كلام الشيخ (قدّس سرّه) من انَّ العموم الأزماني تارة يكون في متعلق الحكم وتحته بأن يعرض الحكم على المتعلق المستمر وأخرى يكون في نفس الحكم وفوقه بان يعرض عليه ويكون قيداً له فيكون الحكم الثابت لمتعلقه مستمراً ، وهذا امر معقول فان الحكم ربما يعقل فيه الإطلاق والاستمرار بقطع النّظر عن متعلقه كما في الأحكام الوضعيّة نظير لزوم العقد وجوازه. ففي القسم الأول يجوز التمسك بالعامّ بعد انتهاء أمد التخصيص الأزماني ، لأنَّ دليل الحكم بنفسه يثبت العموم والاستمرار لمتعلقه ، وقد تقدم في محله حجية العام فيما عدا مقدار التخصيص من غير فرق بين العام الاستغراقي أو المجموعي وبين العام الأصولي والمطلق وبين أخذ الزمان قيداً أو ظرفاً ، وامَّا في القسم الثاني فلا يجوز التمسك بالعامّ بعد انتهاء أمد التخصيص بل يتعين الرجوع فيه إلى الاستصحاب ان تمت أركانه ، والوجه في ذلك ان الاستمرار الطارئ على الحكم ليس مفاداً لنفس دليل الحكم بل هو في طول ثبوته يثبت بدال آخر يقتضي استمرار ما ثبت ولو كان هو قرينة اللغوية كما يقال مثلاً في مثل دليل لزوم العقد بأنَّ لزومه آناً ما لغو ، ويقال في دليل التحريم انَّ تحريم شيء آناً ما لغو ، فلا محالة يثبت بذلك الاستمرار في نفس الحكم الا انَّ هذا الاستمرار والعموم عارض على الحكم ويكون الحكم بمثابة موضوعه.

ويترتب على ذلك امران :

أحدهما - انَّ دليل الحكم لا يكون دليلاً على هذا الاستمرار لما تقدم من انه فوق الحكم وعارض عليه بل لا بد من دال آخر.

ثانيهما - انَّ الدال على الاستمرار حيث انه قد أخذ في موضوعه ثبوت أصل الحكم فلا يمكن التمسك به لإثبات الاستمرار والعموم إلاّ إذا ثبت أصل الحكم ، ونتيجة ذلك انه لو خصص الحكم في قطعة من الزمان فلا يمكن الرجوع إلى العموم في الزمن الباقي ، إذ لو أُريد الرجوع إلى دليل الحكم نفسه فقد عرفت انه لا يدل على الاستمرار ولو أُريد الرجوع إلى الدليل الدال على استمرار الحكم فالمفروض انه يثبت الاستمرار فيما إذا ثبت أصل الحكم لكونه مأخوذاً في موضوعه والدليل لا ثبت موضوعه. ثم تعرض لبيان ضابط كون العموم والاستمرار مأخوذاً في المتعلق وتحت الحكم أو في الحكم وفوقه (1).

واعترض السيد الأستاذ على هذا الكلام بأنه خلط بين مرحلتي الجعل والمجعول ، فانَّ الّذي لا يتكفله دليل الحكم استمرار الجعل وعدم نسخه وهو خارج عن محل الكلام ، واما إطلاق الحكم واستمراره بمعنى سعة المجعول فيتكفله دليل الحكم لأنه بهذا المعنى من قيود المجعول المدلول لدليل الحكم كسائر قيوده فلا مانع من إثباته بنفس الدليل (2).

والمظنون انَّ مقصود المحقق النائيني (قدّس سرّه) ملاحظة الحكم بمعنى المجعول لا الجعل غاية الأمر يفترض انَّ الاستمرار والعموم الطارئ على الحكم انَّما يعرض عليه بنحو المعنى الاسمي وهذا لا يمكن استفادته من دليل الحكم نفسه.

والأولى أَن يقال في مناقشة هذا التفصيل :

أولا - انه هل يقصد من العموم والاستمرار الطارئ على الحكم الاستمرار بنحو المعنى الاسمي أو الاستمرار بنحو المعنى الحرفي ، فان كان المقصود الاستمرار بنحو المعنى الحرفي فهذا من شئون نفس الحكم كسائر حالاته وكيفياته فلا يحتاج إلى دال


1) راجع أجود التقريرات ، ج 2 ، ص 440. فوائد الأصول ، ج 1. ص 202. مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 220

2) مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 222

آخر بل يكون الدال عليه نفس الدال على الحكم ، فكما انَّ حدوث الحكم لا يحتاج إلى دال آخر ، إذ هو نفس الحكم كذلك استمراره بهذا المعنى ، فإذا فرض دلالة الخطاب على الحكم المستمر وثبت تخصيص له في قطعة من الزمان كان ظهور الخطاب في ثبوت الحكم المستمر حجة في ما عدا مقدار التخصيص حاله في ذلك حال العموم في متعلق الحكم.

وان كان المقصود الاستمرار بنحو المعنى الاسمي فهذا كما ذكر لا يمكن استفادته من دليل الحكم إلاّ أنَّ هذا النحو من الاستمرار كما لا يمكن استفادته من دليل الحكم إذا كان قيداً للحكم وطارئاً عليه كذلك لا يمكن استفادته من دليل الحكم إذا كان قيداً للمتعلق وتحت الحكم ، فلا وجه للتفصيل بين الحكم ومتعلقه هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى لا حاجة إلى الاستمرار بهذا المعنى بل يكفي الاستمرار بالمعنى الحرفي والّذي تقدم استفادته من دليل الحكم نفسه (1).

وثانياً - لو فرض انَّ العموم والاستمرار كان بدال آخر وقد أخذ في موضوعه ثبوت الحكم مع ذلك أمكن الرجوع إليه بعد التخصيص ، إذ لا يكون الموضوع هو ثبوت الحكم المستمر فانه لا معنى للحكم باستمرار الحكم المستمر وانما المقصود لا بدَّ وَان يكون أخذ ثبوت الحكم بنحو القضية المهملة في موضوع الدلالة على الاستمرار ، والقضية المهملة ثابتة بحسب الفرض فيمكن التمسك بدليل الاستمرار على كل حال فيما عدا المقدار الخارج بالتخصيص (2).


1) يمكن أَن يقال : بأنه قد تقدم في بعض الأبحاث السابقة أنَّ مقدمات الحكمة والإطلاق الحكمة والإطلاق لا يجري في المحمول بمعنى انَّ الخطاب لو كان متكفلاً لإثبات حكم على موضوع كإثبات اللزوم أو الخيار في العقد فما هو مدلول الخطاب ليس أكثر من ثبوت صرف وجود اللزوم أو الخيار في الجملة فكما لا يدل على الإطلاق والشمول بلحاظ الافراد العرضية كما إذا فرضنا انَّ هناك نوعين من اللزوم والخيار لزوم حكمي ولزوم حقي فلا يمكن التمسك بإطلاقه لإثبات كلا النوعين من اللزوم أو الخيار ، كذلك لا يمكن التمسك بإطلاقه للافراد أو الأحوال الطولية أي إثبات الاستمرار فيكون استفادة ذلك في طرف الحكم بحاجة دائماً إلى دال آخر ولو قرينة الحكمة ودفع اللغوية ، والّذي يكون بحسب الحقيقة من لوازم المدلول الأول وهو ثبوت الحكم بنحو صرف الوجود وليست دلالة إطلاقية أو عمومية لتندرج تحت كبرى حجية العام في الباقي بعد التخصيص ، فإذا ثبت في مورد التخصيص وانتفاء المدلول الأول فلا يمكن إثبات استمرار الحكم بعد ذلك بالخطاب من دون فرق بين كون الاستمرار ملحوظاً بنحو المعنى الاسمي أو الحرفي لأنَّ الميزان في حجية العموم والإطلاق كونها دلالة مستقلة عرضية لا طولية كما تقدم في محله ، وبهذا يرجع هذا التفصيل إلى معنى صحيح ولكنه يختص بالاحكام التي لا يكون إطلاقها وعمومها بلحاظ إطلاق متعلقاتها بل بلحاظ نفسها كما في المثال المتقدم.

2) اتضح على ضوء التقرير المتقدم لكلام الميرزا عدم وجاهة هذه المناقشة أيضاً ، فانه ليس المقصود ثبوت القضية المهملة بمعنى الحكم في زمان ما بل المقصود انَّ الدال الثاني ليس دالاً مستقلاً وانما هو من لوازم ثبوت الحكم في مورد أو زمان فمع التخصيص وعدم الدليل على ثبوت أصل الحكم في الزمن الثاني لا يمكن الرجوع إلى الخطاب لإثبات استمرار الحكم فيه.

وثالثاً - انَّ إطلاق الحكم واستمراره يستحيل أَن ينفك عن إطلاق متعلقه ، لأنه إذا ثبت الاستمرار وعموم الحكم ولو بقرينة الحكمة ودال آخر ثبت انَّ المولى كان في مقام البيان من ناحيته ولا يعقل عرفاً كون المولى في مقام البيان من ناحية الحكم مع كونه مهملاً من ناحية المتعلق فانَّ المتحصل من الحكم ومتعلقه شيء واحد ، فإذا فرض كونه في مقام البيان ثبت الإطلاق في المتعلق والّذي يصح التمسك به فيما بعد التخصيص بحسب الفرض ، نعم لو بني على انَّ الإطلاق في المتعلق كالتقييد في المقام فيه مئونة زائدة وانه أخف في قبال التقييد لا في قبال الإهمال فليبقى المتعلق مهملاً في المقام للاستغناء عنه بعموم الحكم ، إلاّ انَّ هذا المبنى غير صحيح لأنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة عنده وتقابل السلب والإيجاب عندنا فإذا لم يكن تقييد في المتعلق - لعدم إمكانه مع عموم الحكم - تعين الإطلاق في المتعلق لا محالة (1)

وثانياً ـ لو فرض إمكان الإطلاق والاستمرار بلحاظ عمود الزمان للمتعلق فهذا الإطلاق في المقام تابع لإطلاق الحكم واستمراره فانا إذا ميزنا بين عموم الحكم وعموم المتعلق فلو أريد استفادة الإطلاق في المتعلق من باب استحالة إطلاق الحكم وتقييد المتعلق ، فالجواب انَّ هذا الإطلاق تبعي يسقط بسقوط عموم الحكم بالتخصيص ، وان أُريد استفادة إطلاق المتعلق مستقلاً ومن باب انَّ تمامية ملاك العموم في الحكم ملازم عرفاً مع تمامية ملاكه في المتعلق فهو ممنوع لأنَّ أحد العمومين مباين مع الآخر ومختلف دلالة ومدلولاً فلا وجه لدعوى تمامية العموم في المتعلق.

وثالثاً ـ قد عرفت انَّ الدال على عموم الحكم ليس هو أدوات العموم أو مقدمات الإطلاق وانما الدلالة دلالة التزامية ولو عرفية بحيث يكون بابه باب دلالة المدلول على المدلول ، ومن الواضح انَّ تمامية ذلك في الحكم لا يستلزم تمامية ملاك العموم أو الإطلاق في المتعلق بوجه من الوجوه.

.

وهكذا يتضح انه لا يبقى تفسير معقول للتفصيل في الرجوع إلى العموم الأزماني أو استصحاب حكم المخصص إذا فرض تمامية أركانه في نفسه ، نعم لو فرض عدم تمامية العموم ولا مقدمات الإطلاق في العموم الأزماني وصلت النوبة إلى الأصول العملية والتي منها الاستصحاب وليس في ذلك نكتة جديدة ، وقد تقدم البحث عن ذلك مفصلاً في بحوث التخصيص من مباحث الألفاظ.

كما انَّ ما أضافه المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) في المقام من انَّ الزمان إن كان مأخوذاً في موضوع الحكم الخارج بالتخصيص بنحو التقييد فلا يجري الاستصحاب ، وان كان


1) يمكن أَن يناقش في ذلك : أولا - بأنَّ مورد العموم والاستمرار الطارئ على الحكم هو الأحكام الوضعيّة ونحوها مما لا يكون للحكم متعلق وانما يكون له موضوع كالعقد مثلاً فيكون العموم والاستمرار في نفس ثبوت الحكم لموضوعه.

ملحوظاً بما هو ظرف جرى الاستصحاب فهو تطبيق لكبرى متقدمة في بحث استصحاب الزمان أو في بحث اشتراط وحدة الموضوع في القضية المشكوكة والمتيقنة.

وهكذا يتضح وجه ما أشرنا إليه في مستهل هذا البحث من انه لا جديد للبحث تحت هذا التنبيه الّذي عقده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) وتابعه عليه المحققون.

الاستصحاب

النسبة بين الأمارات والأصول العملية

1 - تقدم الأمارات على الأصول العملية.

2 - العلاقة فيما بين الأصول العملية.

« خاتمة » : النسبة بين الأمارات والأصول العملية

اشارة

لا إشكال في تقدم الأمارات على الأصول العملية كما لا إشكال في تقدم الأصول العملية بعضها على البعض الآخر على ما سوف يأتي تفصيل ذلك. والمقصود بالبحث هنا توضيح وجه هذا التقديم وتخريجه الفني على ضوء الكبريات المنقحة في بحث التعارض من نظريات الورود والحكومة والتخصيص والجمع العرفي ، وقبل الشروع في ذلك تجدر الإشارة إلى مجمل ملاكات تقديم أحد الدليلين على الآخر ونكاته الأساسية تاركين تفصيل ذلك إلى بحوث تعارض الأدلة ، فنقول :

انَّ تقدم أحد الدليلين على الآخر يكون له أحد ملاكين رئيسين :

الملاك الأول - الورود ، ويعني رفع أحد الدليلين لموضوع الدليل الآخر حقيقة ، وقد قسمنا ذلك في موضوعه إلى خمسة أقسام لأن الدليل الوارد تارة يرفع موضوع الآخر بجعله ، وأخرى بفعلية مجعوله ، وثالثة بوصوله ، ورابعة بتنجيزه ، وخامسة بامتثاله ، وذكرنا هناك أحكام كل قسم وخصوصياته تفصيلا بما لا ربط له بالمقام ، وانما المنظور هنا تقسيم آخر للورود من حيث انَّ رفع الموضوع تارة يكون بلسان الاخبار كما لو قال أكرم العلماء ثم أخبر بأنَّ زيداً ليس بعالم وهذا ما يسمى بالتخصص اصطلاحا ، وأخرى يكون بلسان الإنشاء والتعبد كما لو قال متى ما لم تقم حجة على الإلزام فأنت في سعة -

البراءة - ثم حكم بوجوب شيء أو حرمته أو أقام حجة عليه ، وهذا هو الورود بالمعنى الأخص ، وهذا أيضاً تارة يكون وروداً بحسب الطبع اللغوي العام بنحو تتضيق دائرة الدليل المورود بالوارد حقيقة كما في المثال المذكور ، وأخرى يكون بالادعاء السكاكي بأَن يجري المتكلم في كلامه على ادعاءات سكاكية مختصة به كما إذا قال أكرم العالم ثم قال الفاسق ليس بعالم ، وهذا النوع من الورود قد ادعتها مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) في باب الأمارات والأصول وان عبرت عنها بالحكومة إلاّ انه لا مشاحة في الاصطلاح وانما المهم انَّ نكتة التقدم هنا هو الورود ورفع الموضوع حقيقة ولكن في طول ادعاء سكاكي يجري عليه الشارع في مجال مداليل الألفاظ.

الملاك الثاني - القرينية وتعني كشف المراد من أحد الدليلين وتفسيره بالدليل الآخر ، فانَّ هذا يوجب تقدم المفسر والقرينة على المفسر لا محالة ، وكبرى هذه النكتة أعني كبرى التفسير والأخذ بالمفسر من القضايا التي تكون قياساتها معها ، وقد شرحنا ذلك في موضعه ، وانَّما البحث في صغرى القرينية والتفسير فانها على قسمين :

الأول - القرينية الشخصية وذلك بأَن يكون الكلام معداً من قبل المتكلم شخصه لتفسير كلامه الآخر وشرح المراد منه ، وهذا هو الحكومة ويكون بأحد الإشكال التالية :

1 - أَن يكون بلسان التفسير كما إذا قال أعني من ذلك الكلام هذا المعنى ، وكما في قوله تعالى بشأن المحكمات ( هنّ أم الكتاب ) أي انها المرجع في تفسير المتشابهات ، وهذه حكومة تفسيرية.

2 - أَن يكون بلسان التنزيل بأَن يقول الطواف بالبيت صلاة أي انه منزل عندي منزلة الصلاة فيكون ناظراً إلى مفاد الدليل المحكوم من خلال التنزيل ، وهذه حكومة تنزيلية.

3 - أَن يكون مضمون أحد الدليلين بحسب مناسبات الحكم والموضوع المكتنفة به ناظراً إلى مفاد الدليل الحاكم وبحكم الاستثناء والتحديد له وقد اصطلحنا عليه بالحكومة المضمونية كما في أدلة نفي العسر والجرح ولا ضرر بالنسبة لأدلة سائر الأحكام. وبهذا يعرف انَّ الدليل الحاكم مناف ومعارض حقيقة مع الدليل المحكوم بخلاف الورود ، فما عن السيد الأستاذ من انَّ الدليل الحاكم حيث انه ينظر إلى عقد

موضوع دليل المحكوم لنفيه أو إثباته تعبداً لا يكون منافياً مع الدليل المحكوم لأنَّ الدليل لا ينظر إلى عقد موضوعه بل ينظر إلى إثبات الحكم على تقدير تحقق الموضوع (1)غير سديد ، فان الدليل المحكوم وان كان يثبت الحكم على تقدير تحقق الموضوع إلاّ انَّ الموضوع هو الفرد الحقيقي لا التعبدي فيكون محفوظا في مورد الدليل الحاكم ، وقد شرحنا ذلك مفصلاً في بحوث التعارض.

الثاني - القرينية النوعية - بأَن لا يكون تفسير أحد الدليلين للآخر على أساس أعداد شخصي من قبل المتكلم نفسه بل على أساس جعل وأسلوب عرفي عام كتخصيص العام بالخاص ، ومقتضى عرفية المتكلم متابعته للعرف في ذلك فيثبت بأصالة المتابعة كون المتكلم قد أعد القرينية لتفسير ذي القرينة غير انَّ إعداده لذلك منكشف بكاشف نوعي لا شخصي كما هو الحال في الحكومة ، وبهذا يتبين انَّ ملاك تقدم القرينة على ذي القرينة والجمع العرفي نفس ملاك تقدم الحاكم على المحكوم حقيقة ، لأنَّ مجرد كون الكاشف عن نكتة التقدم شخصياً أو نوعيا لا يغير من جوهرها ، نعم حيث انَّ التفسير المباشر من قبل شخص المتكلم يكون اقرب إلى الواقع وأضمن كانت الحكومة أقوى من التخصيص وسائر وجوه الجمع العرفي ومقدمة عليها ، ثمَّ انَّ القرينية النوعية قد تكون في مرحلة المدلول التصوري للكلام ، وقد تكون في مرحلة المدلول الاستعمالي ، وقد تكون في مرحلة المدلول التصديقي الجدي ، وتفاصيل هذه الشقوق وأحكامها متروكة إلى محلها من بحوث التعارض.

وعلى ضوء هذه النكات الأساسية لتقديم أحد الدليلين على الآخر نورد البحث في مقامين :

المقام الأول - في تقدم الأمارات على الأصول العملية.

المقام الثاني - في النسبة بين الأصول العملية بعضها إلى بعض.

1 - تقدم الأمارات على الأصول :

اشارة

هناك اتجاهان رئيسيان في تقديم الأمارات على الأصول العملية ، اتجاه يقول


1) مصباح الأصول ، ج 3 ، ص 254

بالتقديم بالملاك الأول من الملاكين المتقدمين - أي الورود - وان عبر عنه بالحكومة واتجاه يقول بالتقديم على أساس الملاك الثاني أي القرينية.

تقديم الأمارة بالورود :

امَّا الاتجاه الأول أعني التقديم بملاك الورود ورفع الموضوع فيمكن ان يقرب ذلك تارة على أساس الورود الحقيقي وأخرى على أساس الورود الادعائي.

امَّا الأول فيمكن تقريبه بأحد وجهين :

أولهما - أن يقال بأن المتفاهم عرفاً من العلم المأخوذ غاية في أدلة الأصول العملية مطلق الحجة لا خصوص القطع الوجداني والأمارة حجة حقيقية.

ثانيهما - أن يقال بأنَّ المراد بالعلم وان كان خصوص العلم الوجداني إلاّ انَّ المراد بالحكم كالحرمة مثلاً في قوله ( حتى تعلم انه حرام ) الأعم من الحرمة الواقعية أو الثابتة بالحجة ، وهذا حاصل حقيقة في مورد الأمارة.

وكلا الوجهين غير تام ، لأن حمل العلم على الأعم من الحقيقي والتعبدي مئونة زائدة على خلاف الظاهر الأولى كما ان حمل الحكم والحرام على الأعم من الحكم الواقعي وما أدّت إليه الأمارة خلاف الظاهر فلا يمكن المصير إلى شيء منهما من دون قرينة ، وكأنه نشأ ذلك عن مجرد التشابه والاصطلاح وتسمية ذلك باليقين التعبدي أو بالحكم المماثل وإلاّ فلا ربط بين المعنيين ولا شبه بينهما ، وامَّا الثاني أعني دعوى الورود الادعائي فيمكن تقريبه بأحد وجهين أيضاً.

أولهما - أن يقال بأن الشارع له اعتبارات خاصة في باب العلم ومراده من العلم المجعول غاية للأصول العملية ما يكون علماً حسب اعتباره ونظره ويستفاد من كلمات مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) ان هذا نوع من الحكومة وقد عرفت انَّ هذه التسمية غير دقيقة فانه إذا كان مراده من العلم ما يعتبره هو علماً في مصطلحه الخاصّ كان التقديم بملاك الورود وارتفاع الموضوع حقيقة في طول ذلك الاعتبار فهو ورود لبّا وروحاً لا حكومة وإلاّ فمجرد اعتبار غير العلم علماً من دون أَن يكون مراده من العلم اعتباراته الخاصة لا قيمة له أصلاً ولا يوجب تقدم أحد الدليلين على الآخر.

ثانيهما - أَن يقال ان الشارع له اعتبارات خاصة في الحكم ومتعلق العلم فهو يريد

بالعلم بالحرمة العلم بما حكم عليه بالحرمة سواءً كان واقعياً أو ظاهرياً ويقال بجعل الحكم المماثل في مورد الأمارات ، فيكون العلم بها علماً بالحكم بهذا المعنى حقيقة فيكون وروداً ، ولا نحتاج إلى تنزيل العلم بهذا المؤدى منزلة العلم بالواقع على هذا التقدير كما لا يخفى.

والتحقيق : انَّ تمامية الورود موقوفة على افتراض ثلاثة أمور :

1 - انَّ الشارع حينما يطلق كلمة العلم يقصد بها ما يراه علماً بحسب اصطلاحه واعتباره ؛ وهذا شيء تقدم في بحوث سابقة حيث قلنا هناك انه لا دليل على ذلك بل لا يحتمل ذلك.

2 - افتراض انَّ جعل الحجية في الأمارات يكون بمعنى جعل العلم ، وهذا شيء مضى تحقيقه في بحث الأحكام الظاهرية أيضاً ، وقد اتضح انَّ هذا مجرد لسان وتعبير ليس إلاّ.

3 - افتراض الفرق بين الأمارات وبين الأصول التي يمكن فيها دعوى جعل العلم واليقين كما في الاستصحاب ، وهذا ما ينبغي التحدث عنه هنا ، فانه لما ذا افترض انَّ دليل حجية خبر الثقة يجعله علماً وغاية للاستصحاب دون العكس فيكون التوارد من الطرفين ويتعارضان.

وهذا الإشكال يمكن الجواب عليه بوجهين :

الأول - انَّ دليل الأمارة وارد في مورد الأصول العملية ، لأنَّ مهم المدرك على حجية خبر الثقة والظهور هو السيرة وهي ثابتة في موارد الأصول فيجب أَن يكون موضوعهما بنحو لا ينتفي بالأصول.

ويلاحظ على هذا الوجه انه يثبت التقديم بملاك القرينية لا الورود ورفع الموضوع الّذي هو المبحوث عنه ، نعم في طول فرض التقديم يمكن البحث النظريّ عن انَّ الأمارة هل ترفع موضوع الأصل أم لا إلاّ انه لا قيمة له.

الثاني - انَّ دليل حجية الأصل قد أخذ في موضوعه الشك وعدم العلم بخلاف دليل حجية الأمارة ، وهذا الوجه قد يقرب كوجه ثبوتي فيقال بأنَّ موضوع الأمارة غير مقيدة بالشك وعدم العلم حتى لبّا وثبوتاً وانَّما تكون الأمارة في مورد الشك بخلاف الأصل ، وقد يقرب كوجه إثباتي وبحسب مفاد دليل الحجية.

امَّا الوجه الثبوتي والّذي كان رائجاً قبل الميرزا وقد يستفاد من بعض عبائره فيرد عليه : انه إن أُريد عدم أخذ الشك قيداً مقدر الوجود للحكم بالحجية في مورد الأمارة فهذا مستحيل ، إذ لازمه حجية الأمارة حتى مع العلم بالخلاف ، وقد تقدم في بحوث القطع استحالته.

وان أُريد انه لم يؤخذ قيداً في موضوع الأمارة الحجة وان كان قيداً في الحكم بالحجية فهو حيثية تعليلية لا تقييدية ، فهذا لا أثر له في المقام ، فانه على كل حال إذا أنيط الحكم به كان دليل الأصل صالحاً لرفعه وبالتالي رفع الحكم المنوط به حقيقة.

وامَّا الوجه الإثباتي فيمكن تقريبه بنحوين :

الأول - انَّ دليل الأصل حيث جاء في لسانه الشك وعدم العلم والمفروض إرادة العلم بحسب اعتبارات الشارع الخاصة كان دليل جعل العلمية للأمارة رافعاً لموضوع دليل الأصل حقيقة فيكون وارداً عليه ، وامَّا دليل الأمارة فحيث لم يؤخذ في لسانه الشك وعدم العلم فلا دليل على أخذ العلم بهذا المصطلح الخاصّ في موضوعه فيتمسك بإطلاق الحجية حتى لمورد العلم الخاصّ الثابت بالأصل حيث يمكن جعل الحجية للأمارة فيه وانما المحال جعلها في مورد العلم الوجداني ، وبهذا يكون إطلاق دليل حجية الأمارة رافعاً حقيقة لموضوع دليل حجية الأصل دون العكس فيكون وارداً عليه لا محالة.

وهذا التقريب انَّما يتم لو لم ندع أخذ عدم العلم قيداً في أدلة الحجية ارتكازاً أو عقلاً بحيث يعد مخصصاً متصلاً في مرحلة المدلول الاستعمالي للكلام ، فكأنَّه أخذ مفهوم عدم العلم فيه لا مجرد إخراج صورة الاستحالة والعلم الوجداني جداً.

الثاني - انَّ دليل الأصل يقترن بقرينة متصلة تمنعه عن إفادة جعل العلمية فلا يكون رافعاً لموضوع الأمارة بخلاف العكس ، وتلك القرينة المتصلة هي أخذ عدم العلم والشك في موضوع الأصل فانَّ هذا لا يناسب مع إرادة إلغاء الشك وجعل العلمية وإلاّ وقع تهافت بين الموضوع والمحمول.

ونلاحظ على هذا التقريب : انَّ الموضوع انما هو عدم العلم من غير ناحية هذا الجعل لا مطلقاً فلا تهافت حتى في اللحاظ ، هذا الا انَّ أصل افتراض انَّ أدلة حجية الأمارات لم يؤخذ في شيء منها عدم العلم وأدلة حجية الأصول أخذ فيها جميعاً عدم

العلم غير تام ، فإنَّا بمراجعة أدلة الأمارات نجد انَّ بعضها قد أخذ في موضوعها عدم العلم كقوله تعالى ( فاسئلوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون ) (1)وأدلة الأصول العملية فيها ما لم يرد في لسانها الشك وعدم العلم كما في قاعدة اليد والسوق ، وهذا بنفسه يكشف انَّ وجه التقديم لا يمكن أَن يرجع إلى مثل هذه الخصوصية الصورية الإثباتية.

على انَّ هناك اعتراضاً لنا على أصل نظرية ورود الأمارات على الأصول يأتي في ذيل البحث عن اتجاه القرينية لأنه مشترك يرد على دعوى التقديم بملاك الورود أو الحكومة. وهكذا يتلخص انَّ تقدم الأمارات على الأصول بملاك الورود غير تام.

وامَّا الاتجاه الثاني أعني تقديم الأمارة بملاك القرينية فقد عرفت : انَّ القرينة إذا كانت شخصية فهي حكومة ، وإذا كانت نوعية فهي جمع عرفي ، فلا بدَّ من تطبيق كل منهما في المقام ليرى هل يتم شيء منهما أم لا.

تقديم الأمارة بالحكومة :

امَّا التقديم بالحكومة فقد عرفت انه بحاجة إلى إثبات نظر الدليل الحاكم إلى الدليل المحكوم في مقام تفسيره امَّا نظراً تفسيراً صريحاً أو تنزيلياً أو مضمونياً ، وهذه هي الأقسام الثلاثة المتقدمة للحكومة. وبعد وضوح انه لا صراحة في أدلة الأمارة لتفسير أدلة الأصول فينحصر منشأ دعوى الحكومة بأحد القسمين الثاني أو الثالث أي الحكومة التنزيلية أو المضمونية ، وحيث انَّ القسم الثالث وهو الحكومة المضمونية يكون لها تقريب يتوقف على فهم نكات تأتي في القرينيّة النوعية فنقتصر هنا في تقريب حكومة الأمارات على القسم الثاني أعني الحكومة التنزيلية ، وسوف نعود على الحكومة المضمونية في خاتمة البحث عن القرينيّة النوعية فنقول :

يمكن ان يدعى حكومة دليل الأمارات على الأصول العملية من باب التنزيل لأنه ينزل الأمارة منزلة العلم في الأحكام والتي من جملتها ارتفاع حكم الأصل العملي ، والفروق بين هذا الوجه للتقديم والتقديم بالورود الّذي قد تعبّر عنه مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) بالحكومة أيضاً عديدة ومهمة وقد تلتبس في تعبيرات هذه المدرسة ، وفيما


1) سورة الأنبياء الآية (7)

يلي نشير إلى ثلاثة فروق تميز التقديم بملاك الورود عن التقديم بملاك الحكومة.

1 - انَّ حكومة الأمارة على الأصل بنحو التنزيل يعني بحسب الحقيقة قيامها مقام القطع المأخوذ عدمه في موضوع الأصل ، فيكون هذا النحو من التقديم صغرى بحسب الحقيقة لمسألة قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي بنفس دليل الحجية ، فيرد عليه ما أشكل به المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) هناك من استحالة ذلك للزوم التهافت والجمع بين النّظر الآلي والاستقلالي في كيفية ملاحظة الأمارة والقطع.

وهذا الإشكال وان عالجناه في محله الا انَّ المقصود إبراز امتياز تقديم الأمارة على الأصل بالورود. على تقديمها عليه بالحكومة التنزيلية ، فانَّ الورود لا يبتلى بمثل هذا الإشكال لأنه ليس تنزيلاً ليحتاج إلى ملاحظة حكم المنزل عليه أصلاً.

2 - انَّ إثبات الأثر في مورد الورود يكون بالتمسك بالدليل المورود حقيقة لتحقق موضوعه واقعاً على حد سائر افراده ، وامَّا في مورد الحكومة التنزيلية فإثبات أثر المنزل عليه يتوقف على التمسك بإطلاق دليل التنزيل وشموله لذلك الأثر في مقام التنزيل لأنه ليس فرداً حقيقياً من موضوع ذلك الحكم ليمكن التمسك بدليله مباشرة ، ويتفرع على ذلك انه في موارد الحكومة لا بد في مقام ترتيب أي أثر من تمامية إطلاق التنزيل في دليله ليمكن إثبات ذلك الحكم فإذا كان دليل الحجة مثلا لبّياً لا لسان له ليمكن إجراء الإطلاق فيه - كما هو كذلك في أكثر الأمارات - فلا يمكن إثبات الحكم المشكوك بالتنزيل وهذا بخلاف الورود.

3 - انَّ الورود كما يتم بتقريب إرادة العلم بحسب اعتبارات الشارع في موضوع الأصل كذلك يتم بإرادة الحكم المتيقن الأعم بحسب اعتبارات الشارع من الواقعي والظاهري كما تقدم ، وامَّا الحكومة فلا تتم الا بتنزيل الأمارة منزلة العلم بالواقع لا تنزيل المؤدى منزلة الواقع لأنَّ تنزيل المؤدى منزلة الواقع كما ذكر صاحب الكفاية (قدّس سرّه) لا يلازم تنزيل العلم بالمؤدى منزلة العلم بالواقع ، اللّهم إلاّ أَن يرجع ذلك إلى نحو من التركيب بأَن تكون الغاية العلم بعنوان الحرمة وأَن تكون تلك الحرمة واقعية والجزء الأول ثابت بالوجدان والجزء الثاني يثبت بالتنزيل.

وسوف يأتي مزيد شرح وتفصيل للفروق بين نظريتي الورود والحكومة في بحوث التعارض. وعلى كل حال لا وجه لدعوى حكومة دليل الأمارة على الأصل بالتنزيل ،

لأنه يرد على ذلك - كما يرد على دعوى الورود أيضاً - انَّ دليل حجية الأمارة لو سلمت دلالتها على جعل العلمية والطريقية وانَّ لسانها لسان تنزيل ما ليس بعلم منزلة العلم فسوف يكون لسان أدلة الأصول العملية الترخيصية أيضا لسان نفي العلمية والتنزيل ، وهذا نظير ما ذكرناه في بحث حجية خبر الثقة وراد عليه أدلة النهي عن العمل بغير العلم في قبال من كان يدعي حكومة دليل جعل الخبر علما على ذلك بأنَّ دليل النهي أيضاً ينفي العلمية والحجية فلا حكومة لأحدهما على الآخر فقوله ( كل شيء حلال حتى تعرف انه حرام ) يكون بصدد نفي كل أنحاء التسجيل والتنجيز ونفي الحجية والطريقية فيما إذا لم يكن عالماً بالحرمة فيكون في عرض دليل تنزيل الأمارة منزلة العلم (1).

لا يقال : هذا الاعتراض في البابين انما يتم على الحكومة لا الورود لأن معنى رفع ما لا يعلمون على الورود رفع ما لا يراه علماً بحسب اصطلاحه ودليل حجية الخبر يجعله علماً بحسب اصطلاحه.

فانه يقال : المفروض ان الحجية معناها عند هذه المدرسة جعل العلم والطريقية ورفع ما لا يعلمون يعني عدم جعل الحجية أي عدم جعل العلمية والطريقية فلا بد وأن يكون المقصود من رفع ما لا يعلمون رفع ما لا يكون علماً حقيقياً أي عدم علمية ما لا يكون علماً حقيقياً لا علماً بحسب اعتباره وإلاّ لأصبح لغواً وان ما لا يراه علماً لا يراه علماً. ومعه يكون المدلولان في دليل الأمارة والأصل في عرض واحد ، فلا حكومة لأحدهما على الآخر.

تقديم الأمارة بالقرينية النوعية :

وامَّا تقديم الأمارة على الأصول بملاك القرينية العامة كالتخصيص والتقييد


1) يمكن دعوى الفرق بين المقام وبين أدلة النهي عن العمل بالظن من حيث ان المنظور فيها نفي اعتبار الظن فيكون مناسباً مع إرادة نفي العلمية والحجية والتنزيل فيكون في عرض مفاد دليل الحجية فيتعارضان وهذا بخلاف ألسنة أدلة الأصول فان ظاهرها نفي التبعة وإطلاق العنان وهو أعم من نفي العلمية والطريقية ، هذا مضافاً إلى ما سوف يأتي في بحث قادم من انَّ مركوزية وجود طرق وكاشفيات أخرى للشارع إجمالاً غير العلم الوجداني يمنع عن انعقاد ظهور في مثل أدلة الأصول العملية المرخصة على انها بصدد نفي أية كاشفية معتبرة أخرى. نعم هنا كلام آخر نظير ما تقدم في فرضية الورود من ان مثل الاستصحاب من الأصول العملية لما ذا لا يكون المجعول فيها تنزيل الشك منزلة العلم في الآثار فتكون الحكومة التنزيلية من الطرفين بحسب ظاهر الدليلين فيتعارضان.

والأظهرية ونحوها فتصل النوبة إليه بعد عدم تمامية الورود ولا الحكومة ، والبحث عن نكات هذا الملاك يقتضي بسط البحث بلحاظ الأمارة مع دليل كل أصل أصل فيقع الكلام في جهات :

الجهة الأولى - تقديم الأمارة على أصالة البراءة والوجه فيه أخصية دليل حجية الأمارة عن البراءة ، ولا يتوهم ان النسبة بينهما عموم من وجه لحجية الأمارة في مورد الترخيص أيضاً وجريان البراءة في مورد فقدان الأمارة أيضاً لأنه ليس المقصود التخصيص الحرفي وانما المقصود ملاك التخصيص فان دليل حجية الأمارة لو ألغينا إطلاقه للأمارة الملزمة لزم إلغاء مفادها رأساً إذ ثبوت الترخيص في مورد الأمارة الترخيصية ليس بملاك الأمارة لكفاية الشك وعدم ثبوت الإلزام في التأمين فتكون حجية الأمارة أشبه باللغو عرفاً.

هذا مضافا إلى ان أكثر أدلة حجية الأمارة واردة في مورد الأمارة الإلزامية الّذي هو مورد البراءة لو لا الأمارة كما في الإنذار الوارد في آية النفر والإصابة في آية النبأ وروايات الأمر بإطاعة الثقات من أصحابهم فيكون أخص أو تكون الأمارة على الإلزام هو القدر المتيقن منه على أقل تقدير.

هذا إذا لاحظنا الأدلة اللفظية وامَّا الأدلة اللبية أعني السيرة العقلائية أو المتشرعية فمن الواضح ان المتيقن منها الأمارات الإلزامية ومنه ظهر حال حجية الظهور أيضاً.

الجهة الثانية - تقديم الأمارة على الاستصحاب وهنا أيضاً تتم الأخصية بالمعنى المتقدم لأن تخصيص دليل حجية الأمارة بموارد عدم الحالة السابقة أو تواردهما أو تساقط الاستصحابات بعلم إجمالي ونحوه أمر غير عرفي لندرته بخلاف العكس فيكون دليل حجية الظهور والخبر بمثابة الأخص.

لا يقال : بعد سقوط الأصول ومنها الاستصحاب في الشبهات الحكمية بالعلم الإجمالي الكبير تبقى موارد كثيرة للأمارة الإلزامية.

فانه يقال : هذا العلم الإجمالي كان منحلاً أو غير موجود في زمن المعصومين الّذي هو زمن صدور دليل الحجية فالأخصية محفوظة في زمان الصدور على الأقل فيخصص دليل الاستصحاب بدليل الأمارة.

الجهة الثالثة - تقديم الأمارة على أصالة الطهارة وهنا لا تتم الأخصية المتقدمة لكثرة موارد افتراق الأمارة حتى الإلزامية عن مورد قاعدة الطهارة ولكنه مع ذلك يمكن إثبات التقديم بنكات تأتي جملة منها في سائر القواعد والأصول العملية أيضاً.

منها - ان يدعى عدم احتمال الفرق بين باب النجاسة وسائر الأبواب في حجية الأمارة فلو فرض حجيتها في غيرها كان حجية فيها أيضاً فتكون حجية الخبر الدال على النجاسة مثلاً مدلولاً لأصل دليل الحجية فيكون بحكم الأخص.

ومنها - انَّ من جملة أدلة حجية الخبر والظهور السيرة العقلائية وهي لا يحتمل فيها الفرق بين باب النجاسة وغيرها فلا يبقى وجه لرفع اليد عن هذه السيرة في باب النجاسة إلاّ إطلاق قاعدة الطهارة وهو لا يصلح للردع على ما تقدم في بحث السيرة.

ومنها - ان من جملة الأدلة على الحجية السيرة المتشرعية وهي قطعية لا تحتاج إلى عدم الردع لأنها متلقاة من الشارع وكاشفة عن نظره والمتشرعة أيضاً لا يفرقون بين باب النجاسة وغيرها وهذا يعني انا نقطع بحجية الأمارة في قبال القاعدة.

ومنها - لو فرضنا التعارض بنحو العموم من وجه قدم دليل حجية الأمارة لكونه قطعي السند على دليل قاعدة الطهارة اما لكونه قرآنا أو سنة قطعية متواترة ولو إجمالاً بخلاف دليل القاعدة وهذا يثبت حجية الأمارة في الشبهة الحكمية لأنه القدر المتيقن منها ، نعم الخبر في الشبهة الموضوعية قد لا يكون داخلاً في المتيقن.

ومنها - لو فرض التعارض والتساقط في مورد الاجتماع رجعنا إلى استصحاب حكم الحجية للأمارة الثابت في أول الشريعة ولو بالإمضاء وعدم الردع قبل تشريع قاعدة الطهارة.

ونكتفي بهذا المقدار من البحث عن الأصول والقواعد العملية الأخرى لأن ما ذكرناه من النكات والخصوصيات تتم فيها أيضاً على سبيل مانعة الخلو.

وينبغي أن نشير في ختام بحث تقدم الأمارات على الأصول إلى أمور ثلاثة :

الأول - ذهب المشهور إلى انَّ الأمارة تتقدم على الأصل حتى إذا كان موافقاً معه لأنها ترفع موضوع الأصل.

وهذا الكلام لا يتم مبنى ولا بناء اما من حيث المبنى فلما عرفت من انَّ تقدم الأمارة على الأصول لم يكن بملاك رفع الموضوع بل بملاك القرينية وهي فرع التنافي

بين الدليلين ولا تنافي بين المدلولين المتوافقين.

وامَّا من حيث البناء فلانا لو سلمنا الورود أو الحكومة فغاية ما يفترض أخذه في موضوع حجية الأصل العلم بالخلاف للحرمة في البراءة والنجاسة في القاعدة ونقيض الحالة السابقة في الاستصحاب وهكذا ، وفي مورد الأمارة الموافقة لا علم بالخلاف ، وامَّا العلم بنفس الحكم الّذي يؤديه الأصل فلم يكن عدمه مأخوذاً في لسان الدليل ، نعم صورة العلم الوجداني بذلك يكون خارجاً بالمخصص اللبي إلاّ انه قد تقدم منهم في وجه تقديم الأمارة على الأصل انه يقيد الإطلاق بمقدار الاستحالة وهو مورد العلم الوجداني الموافق لا العلم التعبدي.

وبهذا البيان نفسه نمنع عن تقدم الأصول بعضها على بعض إذا كانت متوافقة أيضاً فينهار ما بناه المشهور ورتبوه على ذلك من الآثار والنتائج في بحث الأصول الطولية وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في مواضعها أيضاً.

الثاني - انَّ حكومة الأمارة على الأصل بالحكومة المضمونية - القسم الثالث للحكومة - قد تقرب على ضوء ما تقدم من ورود دليل الأمارة في مورد الإلزام ان المستفاد من ذلك ان الشارع يفترض عدم الإلزام وثبوت التأمين لو لا جعل الحجية للأمارة في ذلك المورد وإلاّ لم تكن حاجة إلى جعلها وهذا يعني انَّ دليل حجية الأمارة الإلزامية فرضت مضمون الأصل الترخيص في المرتبة السابقة لتخصصه أو تحدده فتكون حاكمة عليه.

ونلاحظ على ذلك : انه يكفي في إشباع الحاجة إلى افتراض التأمين المسبق ان يكون النّظر إلى قاعدة قبح العقاب - على القول بها - أو البراءة الشرعية المحكومة التي هي في رتبة القاعدة - على ما استفدناها في مبحث البراءة من بعض الأدلة - فلا يتوقف ذلك على افتراض ثبوت مضمون الأصول الشرعية.

الثالث - انَّ تقديم الأمارات على الأصول العملية العقلية انَّما يكون بالورود لأنَّ حكم العقل العملي في باب الإطاعة والعصيان سواء بالبراءة أم الاشتغال انما يكون معلقاً على عدم تصدّي المولى بنفسه لإبراز شدة اهتمامه بملاكاته الواقعية الإلزامية أو الترخيصية من دون ارتباط ذلك بلسان الجعل الظاهري من كونه بصيغة جعل العلمية أو الحجية أو المنجزية أو الكلفة أو أي لسان آخر ، وقد تقدم تفصيل ذلك في محله من

بحوث أصالة البراءة ، ويلحق بالأصل العقلي الأصل الشرعي الّذي هو في مرتبة الأصل العقلي أي ما أخذ عدم الحجة على الخلاف في موضوعه كما قد يدعى ذلك في مثل رواية مسعدة بن صدقة الدالة على أصالة الحلّ ، لما ورد في ذيلها من التعبير بان الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير هذا أو تقوم به البينة بناءً على انَّ المقصود بها مطلق الحجة أو شهادة العدلين.

وبهذا ينتهي البحث عن المقام الأول وهو تقديم الأمارات على الأصول ويتضح بالتأمل في النكات الأساسية التي شرحناها هنا وسيأتي مزيد تعرض لها أيضاً في بحوث التعارض مدى التشويش والخلط الواقع في كلمات الأصحاب في أمثال المقام فراجع وتأمل.

2 - العلاقة فيما بين الأصول العملية :

اشارة

الأصلان العمليان تارة يكونان متوافقين وأخرى يكونان متنافيين. والمتنافيان تارة يكون التنافي بينهما في مرحلة الجعل وبالذات وأخرى يكون في مرحلة الجعل ولكن بالعرض أي الطرو العلم الإجمالي بكذب أحدهما ، وثالثة يكون تنافيهما في مرحلة الامتثال والتزاحم كما إذا استصحب وجوب الصلاة مع وجوب الإزالة في وقت لا قدرة للمكلف على الجمع بينهما ، وفيما يلي نتحدث عن هذه الأقسام في ثلاثة مقامات :

1 - تقدم الأصل المحرز والسببي على غير المحرز والمسببي :

المقام الأول - في الأصلين المتوافقين أو المتنافيين ذاتاً وقد اختارت مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) في هذين القسمين حكومة أحد الأصلين على الآخر إذا توفر فيه أحد شرطين :

1 - ان يكون ملغياً بحسب لسان دليله للشك المأخوذ في موضوع الآخر كما في تقدم استصحاب الطاهرة أو النجاسة على أصالة الطهارة أو الحل ، ويسمى ذلك بالأصول المحرزة وانه في مثل ذلك يكون الأصل المحرز حاكماً على غير المحرز لأنه يرفع موضوعه تعبداً وهو معنى الحكومة.

2 - ان يكون سببياً والآخر مسببياً أي جارياً في موضوعه الشرعي فيقدم الأصل الجاري في السبب على الجاري في المسبب بالحكومة ولو كان الأصل السببي لا يلغي الشك والأصل المسببي يلغيه ، ومن هنا تكون أصالة الطهارة في الماء المغسول به الثوب فضلاً من استصحابها مقدماً على استصحاب النجاسة في الثوب بعد الغسل ، والوجه فيه انَّ الأصل الجاري في السبب يعبدنا بحكمه وهو المسبب فيلغي الشك المأخوذ في موضوع الأصل المسبب بخلاف العكس.

ولنا حول هذا الّذي تبنته هذه المدرسة الأصولية كلمات ثلاث.

الكلمة الأولى - تتعلق بالأصلين المتوافقين ، فانه قد تقدم انه لا صحة لما صورته هذه المدرسة من إلغاء الأصل المحرز أو الأمارة لموضوع الأصل غير المحرز الموافق معه في المؤدى فان أصل مبنى الحكومة ورفع الموضوع لم يكن تاماً ، كما انه على تقرير تماميته فلا يتم ذلك في المتوافقين لأن الغاية هو العلم بالخلاف لا مطلق العلم كما عرفت ذلك مفصلاً في البحث السابق.

ونضيف هنا ان الالتزام بتقديم أحد المتوافقين على الآخر يترتب عليه محاذير عديدة لا يمكن الالتزام بها :

منها - ما يلزم من تقدم استصحاب الطهارة على قاعدة الطهارة حيث يلزم اختصاص القاعدة بفرض نادر كموارد توارد الحالتين مثلاً إذ في غير ذلك يجري امَّا استصحاب الطهارة أو النجاسة فلا تجري القاعدة.

ومنها - ما يلزم من تقدم استصحاب الحل والترخيص على البراءة وأصالة الحل الظاهرين بحسب مفاد دليلهما في الامتنان على الأمة فانه لا يبقى لدليل البراءة مورد إلا مثل توارد الحالتين فكأن هذه الأصول العملية الامتنانية على الناس وردت لعلاج مشكلة توارد الحالتين.

ومنها - ما يلزم من تقدم الاستصحاب السببي على المسببي المتوافقين فان هذا على خلاف مورد أدلة الاستصحاب ورواياته فانها أجرت الاستصحاب المسببي وهو الطهارة من الحدث أو من الخبث رغم وجود الاستصحاب السببي في المورد وهو استصحاب عدم النوم أو عدم إصابة الدم.

ولا يتوهم ان الحدث والطهارة أو النجاسة والطهارة متضادان فاستصحاب عدم

أحدهما لا يثبت الآخر لما ثبت في الفقه من ان الطهارة والنجاسة أحكام شرعية مرتبة على موضوعاتها من عدم النوم والبول والغائط وعدم الملاقاة مع الدم وهكذا ، فيكون الاستصحاب الموضوعي سببياً في مورد صحيحتي زرارة فلو كان حاكماً على استصحاب الطهارة المسببي فكيف أجرى الإمام الأصل المسببي وترك السببي؟ فهذا بنفسه دليل على بطلان مبنى الحكومة في الأصلين المتوافقين ولعل اختيار الإمام علیه السلام للأصل المسببي في مورد الصحيحتين لكونه ألصق بالمراد وأوضح في افهام السائل وتقريب ذهنه إلى مقصوده مما إذا كان يذكر الأصل السببي.

الكلمة الثانية - وتتعلق بحكومة الأصل السببي على المسببي فانا وان كنا لا نستشكل في أصل تقدم الأصل السببي على المسببي ولذلك ترى الفقهاء منذ مئات السنين يقدمون بحسب ارتكازهم في الفقه الأصل السببي ، على المسببي ، إلاّ ان الكلام حول التكييف الّذي ذكروه للتقديم وهو الحكومة باعتبار انَّ الأصل السببي يلغي الشك في مورد الأصل المسببي دون العكس ، فان هذا المبنى مضافاً إلى عدم صحته كما تقدم ، لا يصلح لتفسير حكومة الأصل السببي إذا لم يكن محرزا ، وملغياً للشك كما في تقديم أصالة الطهارة في الماء المغسول به الثوب على استصحاب نجاسة الثوب.

وقد عدل السيد الأستاذ عن الأخذ بهذا التخريج إلى بيان آخر للحكومة وهو ان أصالة الطهارة في الماء تنقح موضوع الدليل الدال على كبرى المطهرية فان موضوعها الغسل بماء ويكون طاهراً والجزء الأول محرز بالوجدان والجزء الثاني تحرزه أصالة الطهارة فيتحقق موضوع دليل المطهرية فيتمسك به لإثبات الطهارة وهو باعتباره أمارة يحكم على استصحاب النجاسة (1).

ونلاحظ على ذلك : ما تقدم في البحث السابق من ان الآثار والأحكام في باب الحكومة لا تثبت بإطلاق الدليل المحكوم بل بالتمسك بإطلاق الدليل الحاكم نفسه ، بل قد تقدم في غير موضع ان حكومة الأصول والأمارات المنقحة لموضوع حكم شرعي على دليل كبرى ذلك الحكم حكومة ظاهرية وليست واقعية فلا يعقل ان يكون التمسك بدليل المطهرية في المقام بل المثبت لطهارة الثوب المغسول نفس أصالة الطهارة


1) مصباح الأصول ، ج 2 ، ص 256

ولذا تكون طهارة ظاهرية وهي منافية مع النجاسة الظاهرية التي يثبتها الاستصحاب.

وقد عدل السيد الأستاذ عن هذا التخريج أيضاً إلى بيان ثالث حاصله : ان أصالة الطهارة في الماء بقرينة لغوية جعل ذات الطهارة في الماء دون آثارها تكون ناظرة إلى آثارها لترتيبها في كل مورد تجري فيه قاعدة الطهارة ومن جملة هذه الآثار طهارة الثوب المغسول بذلك الماء فانه من آثار طهارة الماء فيكون دليل أصالة الطهارة حاكماً بملاك النّظر على استصحاب النجاسة في الثوب دون العكس.

ونلاحظ على ذلك : انَّ دليل أصالة الطهارة ناظر إلى الأحكام الواقعية المترتبة على الطهارة ولهذا تلغو أصالة الطهارة إذا فرض انتفاء تلك الآثار فتكون حاكمة على دليل الآثار الواقعية حكومة ظاهرية وليست ناظرة إلى الأحكام والآثار الظاهرية والتعبدية المترتبة في المسبب لتكون حاكمة على الاستصحاب الجاري فيه وهذا واضح جداً.

والصحيح في تكييف تقدم الأصل السببي على المسببي عدة أمور :

منها - ما يختص بتقدم الاستصحاب المسببي على المسببي وحاصله : انه قد تقدم ارتكازية كبرى الاستصحاب بمرتبة من المراتب كما تشير إليه تعبيرات الإمام في صحاح زرارة ، سواءً كان ذلك لوجود كاشفية في الحالة السابقة أم اليقين بها للبقاء أو لأجل الأنس والميل الفطري لدى الإنسان إلى ذلك ، وهذا الارتكاز لا إشكال في انه يقتضي الجري على طبق الاستصحاب الجاري في السبب دون المسبب فلو شك في مجيء زيد من جهة الشك في حياته لا يستصحب عدم مجيئه المسبب بل يستصحب العرف الّذي يعيش ارتكازية الاستصحاب حياته ويميل إلى افتراض مجيئه ، وهذا الفهم الارتكازي بعد تحكيمه على دليل الاستصحاب يقتضي إطلاقه في مورد السبب والمسبب على السبب وانصرافه عن المسبب عرفاً.

ومنها - ما يختص بتقدم أصالة الطهارة السببي بالنسبة إلى الأصل المسببي من وجود نوع أخصية لدليلها على دليله لأن نفس عدول الإمام في رواية كل شيء طاهر أو الماء كله طاهر حتى تعلم انه قذر من التامين بلحاظ أثر من آثاره كجواز شربه إلى التعبد بطهارته الموضوع لكل تلك الآثار يعني النّظر إلى تلك الآثار بقصد ترتيبها فلو فرض ان

تلك الآثار لم تكن تترتب لكونها فيما عدى مثل موارد توارد الحالتين تكون مسبوقة باستصحاب العدم الثابت قبل استعمال ذلك الماء لزم لغوية القاعدة عرفاً وهذا بخلاف العكس.

ومنها - ما يتم في كل أصل سببي مع المسببي وحاصله : انَّ العرف بسذاجته ومسامحته العرفية يسرِّي الناقضية من مرحلة الثبوت إلى مرحلة الإثبات فكما تكون طهارة الماء المغسول به الثوب ناقضاً ثبوتاً لنجاسة الثوب ورافعاً له دون العكس كذلك يرى العرف ان الدال على طهارة الماء إثباتاً مقدم وناقض لإثبات النجاسة في الثوب باستصحاب النجاسة.

لا يقال : على هذا يجب تقديم الأمارة الجارية في السبب على معارضها الجاري في المسبب مع وضوح عدم إمكان المصير إلى ذلك.

فانه يقال : ان الأمارة باعتبار حجية مثبتاتها تدل لا محالة على حكم السبب والمسبب معاً فتتعارضان ولا ملاك لتقديم إحداهما على الأخرى.

الكلمة الثالثة - وتتعلق بالأصلين العرضيين والمتنافيين وقد ذهبت مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) إلى تقديم ما كان منهما ملغياً للشك على الآخر كالاستصحاب وأصالة الطهارة بالحكومة وان لم يكن شيء منهما كذلك أو كانا معاً يلغيان الشك تعارضاً وتساقطاً.

وقد تقدم عدم تمامية الحكومة أو الورود بملاك إلغاء الشك وجعل الطريقية وان تقدم الاستصحاب على البراءة أو قاعدة الطهارة يكون بنكتة أخرى من نكات الجمع العرفي التي تقتضي تقدم دليله على دليلها.

وقد ذكر المحقق العراقي (قدّس سرّه) في المقام وجهاً آخر لتخريج حكومة الاستصحاب حاصله : ان مفاد دليل الاستصحاب هو الأمر بالجري العملي على طبق آثار اليقين والنهي عن نقض آثاره ، وبتعبير آخر : تنزيل الشك منزلة اليقين في الجري العملي وهذا مطلق يشمل الأثر العملي لليقين الطريقي المقتضي للجري نحو الواقع المنكشف به والأثر العملي لليقين الموضوعي المقتضي لترك العمل بالأصول المغياة بالعلم ، وبهذا يكون دليل الاستصحاب ناظراً إلى كل تلك الآثار الواقعية الطريقية والظاهرية الموضوعية فيكون حاكماً على أدلتها حكومة مضمونية ، نعم هذه الحكومة بالنسبة

للآثار الواقعية تكون ظاهرية وبالنسبة للأحكام الظاهرية تكون واقعية ولا بأس بذلك.

ونلاحظ على ذلك : انَّا لو استظهرنا من أدلة الاستصحاب التعبُّد ببقاء اليقين ولو بلحاظ الجري العملي فهذا لا يعني إلاّ النّظر إلى الجري العملي الّذي يقتضيه اليقين الطريقي وامَّا أثر القطع الموضوعي فليس جرياً عملياً لليقين على ما تقدم ذلك مفصلاً في بحث سابق.

وهكذا يتضح انه لا يتم شيء ممّا ذكره المحققون في وجه تقديم الاستصحاب على غيره من الأصول العملية المتنافية معه بالورود والحكومة التنزيلية أو المضمونية.

وانَّما الصحيح ان يقال : إذا كان الأصلان العرضيان المتنافيان ثابتين بدليل الواحد كالاستصحاب في موارد توارد الحالتين بناءً على جريانهما حصل التعارض الداخليّ والإجمالي في دليل الحجية فلا يشمل شيئاً منهما ، وإذا كانا بدليلين فان وجدت نكتة تقتضي الأخصية وما بحكمها لأحدهما بالنسبة إلى الآخر قدم عليه وإلاّ تعارضا وتساقطا.

وعلى هذا الضوء يقال : امّا الاستصحاب مع قاعدة الطهارة فقد أثبتنا في الفقه ان دليل القاعدة لا يعلم إطلاقه لمورد العلم بالنجاسة سابقاً في نفسه ، لأنها إذا استفيدت من الروايات الخاصة في الموارد المتفرقة فمن الواضح عدم الإطلاق فيها لفرض اليقين بالنجاسة سابقاً ، وان استفيدت من رواية كل شيء نظيف حتى تعلم انه قذر فهي مجملة يحتمل أن تكون الغاية فيها فعلاً لا وصفاً فلا يشمل أيضاً مورد حصول العلم بالقذارة سابقاً.

واما الاستصحاب مع قاعدة اليد والفراغ والتجاوز فهذه القواعد مقدمة عليه بالأخصية عرفا لثبوت الاستصحاب المخالف لها في مواردها عادة بحيث لا يمكن تخصيصها بغير ذلك ، بل قد وردت جملة منها في مورد الاستصحاب المخالف فيكون دليلها كالنص في تخصيص حكم الاستصحاب.

وامَّا الاستصحاب مع البراءة الشرعية فقد يقال بعدم وجود نكتة تقتضي تقديم دليله على دليلها لأنَّ النسبة بينهما العموم من وجه ، ولكن الصحيح انه في الشبهات

الموضوعية يكون الاستصحاب الموضوعي مقدماً على البراءة لكونه سببياً ، وفي الشبهات الحكمية يتقدم الاستصحاب على دليل البراءة الشرعية امَّا إذا كانت البراءة على مستوى حكم العقل فلما تقدم من الورود ، واما البراءة الشرعية التي هي في مستوى الاحتياط الشرعي فيقدم دليل الاستصحاب على دليلها بالأظهرية لأنه كالصريح في العموم والتأكيد بأنه لا ينقض اليقين بالشك أبداً وهذا بخلاف الإطلاق في أدلة البراءة والعام أو الأظهر مقدم على المطلق أو الظاهر.

هذا مضافاً : إلى ان العرف لا يحتمل التفكيك بين الاستصحاب في مورد الإباحة مع الاستصحاب في مورد التحريم بحيث يكون الأول جارياً دون الثاني بخلاف البراءة حيث يحتمل عدم حجيتها في مورد اليقين السابق بالحرمة لاحتمال دخالة ذلك في الإلزام وهذا يجعل مدلول دليل الاستصحاب أخص لا محالة من دليل البراءة.

ثم انه لو سلم ان المجعول في الاستصحاب هو الطريقية وإثبات الواقع أمكن ان يقال فيه وفي كل ما يكون المجعول فيه الطريقية والعلمية في قبال ما لم يجعل فيه ذلك بالتقديم بتقريب حاصله : انه قد ارتكز في ذهن المتشرعة انَّ الشارع لا تنحصر وسيلة الإثبات عنده بالعلم الوجداني لوضوح ثبوت طرق معتبرة إلى الواقع لدى الشارع إجمالاً غير العلم ، لا أقل من الظهورات والأمارات العقلائية التي أمضاها الشارع منذ البداية ولم يكن ديدنه وذوقه على إلغائها مطلقاً ، وهذا الارتكاز على إجماله وإجمال حدوده يجعل مثل دليل البراءة منصرفاً عن كونه بصدد نفي جعل الطريقية وإلغاء أية وسيلة أخرى للكشف عن الحرمة عدا العلم الوجداني فيكون كل دليل مثبت للطريقية وارداً بحسب الحقيقية على مثل دليل البراءة لأن مفاده سيكون التأمين عن الحرمة المحتملة عند عدم ثبوته بطريق شرعي معتبر ، بل هذا يؤدي إلى عدم إمكان التمسك بإطلاق دليل البراءة في كل مورد احتمل طريقية شيء فيه ولو لم يحرز ذلك كما إذا احتملنا حجية الشهرة مثلا لأنه يكون من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية ، نعم يمكن التمسك باستصحاب عدم جعل الطريقية لها المنقِّح لموضوع البراءة أو التمسك بالبراءة الطولية الجارية عن الواقع في مرحلة الشك في الحجية المحتملة وهي ليست محكومة على ما تقدم تفصيله في بحوث البراءة.

2 - التعارض بالعرض بين الأصول العملية :

المقام الثاني - فيما إذا كان التنافي بين الأصلين بالعرض وعلى أساس العلم الإجمالي ، وقد مضى في بحوث العلم الإجمالي انه إذا كان علماً إجماليا بالتكليف فهو يوجب التعارض والتساقط بين الأصول في الأطراف لأنه لا يمكن جريانها فيها جميعاً للزوم الترخيص في المخالفة القطعية ولا في بعضها تعييناً لأنه ترجيح بلا مرجح ولا تخييراً لأنه لا يمكن استفادته من أدلتها وقد مضى تحقيق ذلك كله في محله.

والّذي يجدر بحثه هنا انه إذا كانت الأصول في أطراف العلم الإجمالي لا تستلزم المخالفة القطعية كما إذا كان العلم الإجمالي علماً بالترخيص والطهارة وجري استصحاب النجاسة في الأطراف فقد يقال بالتعارض فيما بينها إذا كانت محرزة كالاستصحاب رغم عدم لزوم محذور الترخيص في المخالفة القطعية.

ومأخذ هذا الكلام ما ذكره الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من ان الاستصحابين يسقطان في المثال لمحذور إثباتي حاصله : أن أدلة الاستصحاب بحسب صدرها تدلّ على النهي عن نقض اليقين بالشك مطلقاً وهي سالبة كلية ولكنها بحسب ذيلها تدلّ على لزوم نقضه بيقين آخر ، فلو كنَّا نحن والصدر كنَّا نحكم بأنَّ اليقين بالنجاسة في كل طرف لا ينقض بالشك فيه ولكن الذيل دلّ على انه إذا كان هناك يقين آخر لزم نقض اليقين الأول به وهذه موجبة جزئية تناقض تلك السالبة الكلية إذ يتعين حينئذ جعل اليقين بالطهارة إجمالاً ناقضاً لأحد اليقينين في الطرفين فيقع التعارض بين الصدر والذيل.

وأورد على ذلك المحققون بأنا لو سلمنا التعارض بين الصدر والذيل حصل الإجمال في هذه الرواية ورجعنا إلى الروايات التي لا تشتمل على مثل هذا الذيل فتكون سليمة عن هذا الإشكال ، وان فرض عدم الإجمال وان المراد باليقين الناقض هو اليقين التفصيليّ المتعلق بنفس ما تعلق به اليقين المنقوض - كما هو الظاهر - فلا موضوع لأصل الإشكال.

ومن هنا عدل المحقق النائيني (قدّس سرّه) عن هذا البيان إلى تقريب آخر يبرز به بحسب الحقيقة محذورا ثبوتياً يمنع عن جريان الأصول التنزيلية على خلاف العلم الإجمالي

مطلقاً وما يمكن ان نستنتجه من مجموع كلماته بهذا الصدد أحد بيانين :

الأول - ان الأصل التنزيلي أو المحرز حيث ان المجعول فيه الطريقية والعلمية وحيث ان جعلها يعني تتميم الكشف الناقص الثابت فيه كان جعل الاستصحابين معاً غير معقول لأنه يستحيل الكشف الذاتي حتى الناقض لهما معا بان يفيد كلاهما الظن لأنه مع العلم الإجمالي بانتقاض أحدهما لا يمكن حصول الكشف والظن فيهما معاً.

ونلاحظ على ذلك : انه مضافاً إلى ورود النقض بما إذا كانت الأطراف أكثر من اثنين فيمكن ان يحصل الظن في كل طرف لما تقدم في محله من عدم المناقضة بين الظن في الأطراف مع العلم الإجمالي بخلافه ، ان العبرة لو كانت بالظن الشخصي كان لما ذكر مجال ولكنه غير محتمل وانما الميزان الكاشفية النوعية بحيث لو خلي الطريق ونفسه كان مفيداً للظن وهذا محفوظ حتى مع العلم الإجمالي بالخلاف.

الثاني - انَّ ما تجعل له العلمية والطريقية يشترط فيه احتمال المطابقة للواقع وعدم القطع بالكذب فانه لا يعقل جعل ما يقطع بكذبه طريقاً وحاكياً عن الواقع وهذا لا يفرق فيه ان يكون القطع بالكذب وعدم الحكاية تفصيلياً أو في أحد الطريقين إجمالاً وان شئت قلت : انه لا بدَّ من احتمال المطابقة في كل من الطريقين المجعولين في عرض واحد لا بدلاً عن الآخر وفي المقام لا يحتمل حجية الأصلين ومطابقتهما معاً للواقع وانما يحتمل ذلك بدلاً.

ونلاحظ عليه : انه لا مأخوذ لشرطية زائدة على ما هو اللازم عقلاً من انحفاظ مرتبة الحكم الظاهري وما هو المأخوذ في دليل الحجية ظاهراً من الشك في الواقع وامَّا احتمال المطابقة لكلا الكشفين عرضاً بمعنى مطابقة المجموع فلا دليل على لزومه واشتراطه.

هذا مضافاً : إلى انه يرد على أصل هذا المدعى ما تقدم في محله من ان الاستصحاب ليس المجعول فيه الكاشفية والحكائية لا بالمعنى الثبوتي الّذي يجعله أمارة ولا بالمعنى الإثباتي والصياغتي.

نعم قد يقال بتعارض الاستصحابين وتساقطهما بناءً على القول بقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي من ناحية ان كلاًّ من الاستصحابين يثبت لنا

جواز اسناد المستصحب إلى المولى مع العلم بكون أحدهما كذباً وتشريعاً فنقع في المخالفة القطعية.

إلاّ انَّ هذا مضافاً إلى عدم تمامية مبناه الأصولي ولا الفقهي غاية ما يقتضيه تساقط الاستصحابين بلحاظ أثر جواز الإسناد الموضوعي دون الآثار الطريقية وقد تقدم شطراً من الكلام عن ذلك في بحوث سابقة.

3 - التزاحم بين الأصلين في مرحلة الامتثال :

المقام الثالث - فيما إذا وقع التنافي بمعنى التزاحم بين الأصلين في مرحلة الامتثال من دون تناف بينهما في أصل الجعل كما إذا استصحبنا وجوب الصلاة ووجوب الإزالة مع عدم القدرة على الجمع بينهما.

وقد أفادت مدرسة المحقق النائيني (قدّس سرّه) انه لا تعارض في المقام بين الاستصحابين ولا يسري التنافي إليهما لأنه من باب التزاحم الّذي لا يسري فيه المنافاة إلى الحكمين أصلاً ، وهذا يعني ان نفس ما يقال في الحكمين الواقعين عند التزاحم بينهما يقال أيضاً في حق الحكمين الظاهريين فكما ان الحكمين الواقعيين موضوعهما القادر والّذي يثبت في مورد التزاحم بدلاً لا جمعاً ويكون صرف القدرة في كل منهما رافعاً لموضوع الآخر كذلك الحال في الحكمين الظاهرين.

وروح هذا الكلام وان كان صحيحا عندنا ولكنه على تصورات هذه المدرسة والتي ترى المنجز عقلاً فعلية المجعول لا الجعل والقضية الحقيقية الشرطية وترى المجعول كأنه امر خارجي لا بد من تطبيق دليل الاستصحاب عليه لا بدَّ من ان يكون مصب الاستصحاب هو المجعول الفعلي فيكون بينهما تناف لا محالة بمعنى انه لا يجري إلاّ أحدهما وامَّا الآخر فيعلم بانتفائه امَّا لانتهاء أمده أو لارتفاع موضوعه بالاشتغال بالآخر.

وبهذا نختم البحث عن النسبة فيما بين الأصول العملية وقد رأينا حذف جملة من البحوث المتعلقة بقواعد فقهية كقاعدة الفراغ والتجاوز وأصالة الصحّة لعدم ارتباط لها بمباحث هذا العلم وانَّما تطلب من مظانّها في علم الفقه ، وبذلك ينتهي مبحث الاستصحاب.

والحمد لله ربّ العالمين.

فهرست الموضوعات

الاستصحاب... 1 - 362

مقدمة... 7

المقدمة... 9

المبحث الأول - في شرح حقيقة الاستصحاب جعلا واستدلالا واصطلاحا... 9 - 14

المبحث الثاني : الاستصحاب مسألة اصولية... 14

المبحث الثالث : الفرق بين الاستصحاب وقواعد أخرى مشابهة... 14 - 16

حجية الاستصحاب... 17

الفصل الأول : أدلة حجية الاستصحاب... 17 - 124

1 - حجية الاستصحاب على أساس إفادة الظن... 19 - 20

2 - حجية الاستصحاب على أساس السيرة العقلائية... 20 - 23

3 - حجية الاستصحاب على أساس الاخبار المعتبرة... 25 - 110

صحيحة زرارة الأولى وكيفية الاستدلال بها... 25 - 39

صحيحة زرارة الثانية وكيفية الاستدلال بها... 39 - 69

جهات من البحث حول هذه الصحيحة وما يستفاد منها في باب الطهارة الخبثية ... 48 - 69

صحيحة زرارة الثالثة وكيفية الاستدلال بها... 69 - 86

جريان الاستصحاب في الشك في الركعات... 80 - 86

الاستدلال برواية اسحق بن عمار على الاستصحاب... 86 - 87

الاستدلال برواية محمد بن مسلم وابي بصير على الاستصحاب... 87 - 91

الاستدلال بمكاتبة القاساني على الاستصحاب... ... 91 - 94

الاستدلال بصحيحة عبداللّه بن سنان على الاستصحاب... ... 94 - 95

الاستدلال بروايات اصالة الطهارة والحل على الاستصحاب... 95 - 110

4 - أركان قاعدة الاستصحاب :... 111 - 124

الأقوال في حجية الاستصحاب... 125

الفصل الثاني : الأقوال في الاستصحاب... 125 - 164

1 - التفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية... 127 - 151

تنبيهات حول التفصيل المذكور... 145 - 151

2 - التفصيل بين المستصحب الثابت بالدليل الشرعي أو بحكم العقل... 151-154

3 - التفصيل بين الشك في المقتضي والرافع... 154 - 164

مقدار ما يثبت بالاستصحاب... 165

الفصل الثالث : مقدار ما يثبت بالاستصحاب... 165 - 208

المسألة الأولى : قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي... 167 - 173

المسألة الثانية:حدود ما يثبته الاستصحاب من آثار القطع الطريقي... 175- 208

المقام الأول : في الفرق بين الاصول العملية والامارات من حيث ان الامارات تثبت لوازمها مهما تعددت الوسائط بينها وبين المدلول المطابقي للامارة بخلاف الاصول... 175 - 181

المقام الثاني : في ان الاستصحاب لا يثبت به الّا الاثار الشرعية المترتبة على المستصحب بلا واسطة اثر شرعي لا عقلي... 181 - 208

تطبيقات... 209

الفصل الرابع : تطبيقات... 209 - 338

1 - جريان الاستصحاب مع الشك التقديري... 211 - 219

2 - موارد ثبوت الحالة السابقة بغير اليقين... 219 - 235

تلخيص وتعميق... 228 - 235

3 - استصحاب الكلي... 235

الجهة الأولى : في أصل إجراء استصحاب الكلي... 236 - 239

الجهة الثانية : في أقسام استصحاب الكلي... 239 - 268

القسم الأول : أن يكون الكلي معلوماً ضمن فرد تفصيلا ويشك في بقائه ضمن نفس الفرد... 240

القسم الثاني : أن يكون الكلي معلوماً اجمالاً ضمن احد فردية ويشك في بقائه على كلا تقديريه

... 240 - 242

القسم الثالث : أن يكون الكلي معلوماً ضمن احد فردية اجملاً ويشك في بقائه من جهة الشك في حدوث الفرد مع كون حدوث الكلي معلوماً ضمن فرد تفصيلي علم بارتفاعه أيضاً... 242 - 262

القسم الرابع : أن يكون الشك في بقاء الكلي من جهة الشك في حدوث الفرد مع كون حدوث الكلي معلوماً ضمن فرد تفصيلي علم بارتفاعه ايضاً... 262 - 268

4 - استصحاب الزمان والأمور التدريجية :... 268 - 280

المقام الأول : في استصحاب الزمان والزمانيات... 268 - 273

المقام الثاني : في استصحاب الأمور المقيدة بالزمان... 273 - 280

5 - الاستصحاب التعليقي :... 280 - 294

المقام الأول : فى تمامية اركان الاستصحاب ومقومات جريانه في القضية التعليقية... 281 - 290

المقام الثانى : في وجود معارض للاستصحاب التعليقي... 290 - 294

6 - استصحاب عدم النسخ :... 294 - 300

المقام الأول : في جريان استصحاب عدم النسخ... 294 - 298

المقام الثانى : في استصحاب حكم الشريعة السابقة عند الشك في انتساخه... 298 - 300

7 - الاستصحاب في متعلقات الأحكام :... 300 - 303

8 - الاستصحاب في الموضوعات المركبة :... 303 - 325

شبهة انفصال زمان اليقين عن الشك :... 312 - 325

9 - الاستصحاب في حالات توارد الحالتين :... 325 - 329

10 - عموم العام أو استصحاب حكم المخصص :... 329 - 338

النسبة بين الأمارات والأصول العملية... 339

خاتمة : النسبة بين الأمارات والأصول العملية... 339 - 362

1 - تقدم الأمارات على الأصول :... 343 - 353

تقديم الأمارة بالورود... 344 - 347

تقديم الأمارة بالحكومة... 347 - 349

تقديم الأمارة بالقرينية النوعية... 349 - 351

الجهة الأولى : تقديم الأمارة بالقرينية على اصالة البرائة... 350

الجهة الثانية : تقديم الأمارة بالقرينية على الاستصحاب... 350

الجهة الثالثة : تقديم الأمارة بالقرينية على اصالة الطهارة... 351

2 - العلاقة فيما بين الأصول العملية :... 353 - 362

المقام الأول : تقدم الأصل المحرز والسببي على غير المحرز والمسببي :... 353 - 359

المقام الثاني : التعارض بالعرض بين الأصول العملية :... 360 - 362

المقام الثالث : التزاحم بين الأصلين في مرحلة الامتثال :... 362