نبی الله إدریس علیه السلام

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

نبي الله إدريس علیه السلام

د . سلام كناوي عباس الإبراهيمي

• دراسة تاريخية -

مراجعة وتقديم

أ.د. خالد موسى عبد الحسيني

المراجعة اللغوية

أ.م.د. حيدر عبد الزهرة معيوف

العارف اللمطبوعات

الطبعة الأولى 2021

القياس:17 x24

عدد الصفحات: 16

ISBN 978-614-441-251-0

نشر وتوزيع

شركة العارف للأعمال ش.م.م.

بيروت - لبنان

هاتف: 00961 70 639 503

العراق - النجف الأشرف

محرر الرقمي: محمد مهدي فصيحي

اشارة

د . سلام كناوي عباس الإبراهيمي

نبي الله إدريس علیه السلام

• دراسة تاريخية -

مراجعة وتقديم

أ.د. خالد موسى عبد الحسيني

المراجعة اللغوية

أ.م.د. حيدر عبد الزهرة معيوف

العارف اللمطبوعات

محرر الرقمي: محمد مهدي فصيحي

نبي الله إدريس علیه السلام

د. سلام كناوي عباس الإبراهيمي

الطبعة الأولى 2021

القياس:17 x24

عدد الصفحات: 16

ISBN 978-614-441-251-0

نشر وتوزيع

شركة العارف للأعمال ش.م.م.

بيروت - لبنان

هاتف: 00961 70 639 503

العراق - النجف الأشرف

هاتف: 00964 7801327826

www.alaref.net

al-aref@live.com

جميع حقوق النشر محفوظة، ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة إصدار هذا الكتاب ، أو جزء منه ، أو نقله بأي شكل أو واسطة من وسائط نقل المعلومات، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكية، بما في ذلك النسخ أو التسجيل أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من أصحاب الحقوق.

All rights reserved. No part of this book may be reproduced, or transmitted in any form or by any means, electronic or me- chanical, including photocopyings. re- cording or by any information storage retrieval system, without the prior permis- sion in writing of the publisher.

هام جداً؛ إن جميع الآراء الواردة في الكتاب تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الناشر ...

بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(وَاذْكُرْ في الكتب إدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا )

صدق الله العي العظيم

[سورة مريم : الآيتان : 56-57].

الإهداء

عاجزة هي الألسن إن ... نطقت ...

... عاجزة هي الأقلام إن ...كتبت ...

... وقليل كل القلة إن بادرت بإهداء بحثي هذا إلى...

... مصدر الدفء والطمأنينة... أبي...

.. ينبوع الحنان ... أمي...

... ضوء العيون ... أساتذتي...

... شموع حياتي ... إخواني وأخواتي وزوجتي وأطفالي

حباً وتقديراً...

د. سلام كناوي عباس

تقديم

اخذت الدراسات الحديثة بعداً تاريخياً في رسم صورة الحدث التاريخي ومعالجة نص الرواية من حيث المقارنة والاستفهام حول مضمونها، ونقصد تحديداً في ذلك طابع الرواية الخاصة بدراسة الانبياء علیه السلام ، تلك اللفظة التي اخذت حيزاً في النصوص الدينية سيما اليهودية والمسيحية والإسلامية معتمدة على ذكر تسمية الانبياء ومضمون واهداف الرسالة التي نادوا من اجلها.

ومن هنا تعد دراسة تلك الاحداث الخاصة بالانبياء مشكلة بحد ذاتها ؛ لانها تعتمد على محور النص الديني وبهذا تكون المعالجة لمحتواها من الصعوبات الاساسية في دراسة النصوص الدينية فتحتاج الى فهم واستبصار لكيفية طرح آيات التوراة والانجيل والقرآن الكريم الى تلك الاحداث ثم المقارنة في ذلك لاستخراج ما يتطابق منها ومن ثم فهم معناها الحقيقي، وبهذا تكون محاولة جادة لوضع أسس رصينه لمثل تلك الروايات.

ودراسة النبي إدريس علیه السلام هي واحدة من الدراسات التي قدمت في ثناياها تلك الأمور من الاستقصاء والبحث عن الحقيقة بين النصوص الدينية ومعالجتها بالطرق البحثية العلمية الصحيحة للوصول الى فرضية الدراسة.

ومن هنا جاءت تقسيمات البحث وفق مشتركات التسمية بين النص الديني اليهودي والإسلامي كلاً حسب طريقة طرحه لشخصية النبي

إدريس علیه السلام ثم ما ذكره النص التاريخي عنه وما ارتبط معها من احداث تاريخية ضمن الاطار الزمني الذي عاش فيه محاولة من الباحث لاظهار ما تميزت به شخصية النبي إدريس علیه السلام لوضع اسس المنهج الالهي الصحيح.

ومن الله التوفيق

أ.د. خالد موسی عبد

المقدمة

الحمد لله الخلاق، فاطر السبع الطباق، ومقسم الآداب والأرزاق، الهادي لأحسن الخلاق احمده على آلائه الكثيرة التي تملأ الافاق، واشكره على نعمائه الجزيلة التي تطوق القلوب والأعناق، واشهد إله إلا الله وحده لا شريك له ، واشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق الداعي إلى الله تعالى بأقواله وسلوكه وآدابه على بصيرة أو إرفاق اللهم صل وسلم وزد وبارك على هذا النبي الكريم الذي طابت سريرته، وحمدت سيرته، وصلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ومن اهتدى بهدايته الى يوم الدين.

أما بعد :

يعد الأنبياء والرسل مشاعل النور ومصابيح الهداية، انتظمت بهم طريق الحياة الطويلة هداية للعباد ورشاداً للخلق، فكان لهم القدح المعلى والحظ الاسنى في رفيع الأقوال والأفعال فحفظت سنتهم و سُجلت مآثرهم وغدت سيرهم وآدابهم مثالا يُحتذى ونبراساً يُقتدى ؛ إذ هم صفوة البشر وخيارهم، فهم لهم الحظ الأوفر من الأدب الرفيع والخلق الجميل، واصطفاهم الله لحمل رسالته وتبليغ شرعته ودعوته فكانوا على أوج الكمال الأخلاقي، وأعظم الخلق الإنساني حتى يكونوا موائمين لما بعثوا ، مبينين له بسلوكهم وأقوالهم وأحوالهم فنشأوا على عظيم الخلق وكريم السجايا از كياء الروح، طاهرين الأردان ، انقياء السريرة ، شغوفين بمعالي الأمور، بعيدين عن دنايا الأخلاق، لم تعرف

لهم صبوة، ولم تحفظ لهم زلة ، ولا عثر لهم هفوة (صلوات الله عليهم أجمعين).

ومع ما كان عليه من الكمال الأدبي والأخلاقي، فان الشريعة السماوية والآداب الربانية التي جاء بها قد أضفت على كماله الخلقي كمالا ، وعلى جميل آدابه جمالا ، وعلى زكاة نفسه تزكية ونقاء، وذلك بتوجه لكل خير ، وإرشاده لكل معروف ، ودلالته على كل فضل، وتعليمه ما لم يعلم، وكان علیه السلام سريع الامتثال لتلك الآداب والأخلاق الشرعية السماوية، متحل بآدابها، متمثل لأخلاقها، مطبقا لإحكامها، حتى أضحى موضحا لتلك الشرائع، يترجم أخلاقها وأحكامها وتعاليمها بأوفى ما يكون البيان ، بالأقوال والأفعال والجنان حتى غدت في شخصه كامنة ، وفي ذاته وسلوكه مترجمة وافية.

عُني القرآن الكريم عناية كبرى بإخبار الأنبياء وأحوالهم، وذكر قصصهم وما فيها من آداب وأخلاق ،عظيمة كان لا بد من تتبع واستقراء تلك الآداب والشمائل النبوية الكريمة في القرآن الكريم، حتى تتم الهداية به على النحو الذي يرضى الرحمن (جل جلاله).

ولما لم يكن هذا المراد محققاً على شكل كتاب جامع يحتوي آداب النبي إدريس وأخلاقه وتمثلها وتطبيقها حتى يتم النفع بها في كل آن على وجه يعم نفعه بني الإنسان، وانطلاقا هذا وشبهه، رأينا إن نتناول موضوع وهو "نبي الله إدريس دراسة تاريخية" وهو موضوع جدير بالعناية والبحث، إذ إن الغاية من إرسال إدريس وغيره من الرسل علیه السلام هي دعوة الخلق وهدايتهم، وهذا لا يتأتى معرفته إلا بدراسة الجانب الذي يتناول تعامل إدريس مع الخلق ودعوته إلى الله تعالى ومن هذا تبرز أهمية هذا الموضوع.

وحينما نتحدث عن النبي إدريس علیه السلام فنحن أمام معالم شخصية فريدة ، يصعب معها الفصل بين الحقيقة والأسطورة ؛ لندرة الثوابت فيها ، وترك العنان للمؤرخين والمفسرين في سد ثغرات القصة قليلة المحتوى عبر تصورات وآراء ونظريات متنوعة.

حيث لم يكن أحد قام بذلك - فيما اعلم - كان علي وأنا ادرس کتاب الله وانشر هديه ، واقتفي أثره ، إن انتهز فرصة دراستي وان أقوم بهذه المهمة واجمع تلك الآداب في كتاب واحد يغني عن تشتت الذهن ويختصر الجهد لدى الباحثين وهي المهمة التي طالما ننشدها وينشدها کل داعية وطالب مثقف ومحب للمعرفة.

أسباب الكتابة في هذا الموضوع وأهميته : دراسة سيرة نبي الله إدريس ومعرفة أحواله خاصة فيما يتعلق بجانب دعوته وأثارها وآدابه ، وإبراز تلك الآداب بصورة تحقق مفهوم الاقتداء به، وحاجة المكتبة الإسلامية إلى مصنفات تعني بجانب أدب النبي إدريس من القرآن الكريم والمصادر الإسلامية وغير الإسلامية، والرغبة في معرفة أدب إدريس ومعرفة أبعاده وآثاره.

أمَّا أهمية دراسة هذا الموضوع من عدة جوانب ومنها : ان هذا الموضوع يتناول واحداً من أفضل البشر وأكملهم أدباً على الإطلاق وهو نبی الله إدريس ، وان طرح موضوع كهذا في المكتبات الإسلامية له أثره في نفوس المقتدين ؛ لان إبراز القدوة الصالحة للخلق يعينهم على المضي في طريق الهدى والاستقامة، إضافة إلى إن دراسة جانب الأدب عند إدريس هو الجوهر المقصود واللب المطلوب للعمل والاقتداء بهم.

النبي إدريس علیه السلام من الأنبياء الذين معرفتنا بهم يكتنفها الكثير من الغموض ؛ بسبب قلة المعلومات والكتابات عنه ، على الرغم من مكانته

العالية التي ذكرها الله سبحانه وتعالى: (وَاذْكُرْ فِي الكِتب إدريس إِنَّهُ كَانَ صِدِيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) (1)، فهو أول نبي مرسل بعد آدم علیه السلام عاش مُدَّة ما قبل الطوفان وقبل نوح علیه السلام(2).

وتشمل خطة الدراسة مقدمة وخمسة فصول وخاتمة، اما المقدمة ذكرنا فيها أسباب اختيار الموضوع وأهميته وخطة البحث ومنهج الباحث، اما الفصل الأول : "نسب النبي إدريس علیه السلام ومعنى اسمه - والأسماء التي عُرف بها "وفيه ثلاثة مباحث : المبحث الأول : نسبه ادریس علیه السلام في الروايات والمصادر اليهودية والإسلامية أولاً : نسبه في الروايات والمصادر اليهودية ثانياً : نسبه في الروايات والمصادر الإسلامية . ثالثاً : ربط نسب النبي إدريس بالنبي نوح علیه السلام، اما المبحث الثاني : معنى اسمه والأسماء التي عُرف بها : أولاً : معنى اسمه، ثانياً : الأسماء التي أطلقت على النبي إدريس علیه السلام 1 - أخنوخ 2 - أوزوريس، 3- حورس، 4 - هرمس، 5 - الياس، اما المبحث الثالث : ولادة النبي إدريس علیه السلام ونشأته وزواجه أولاً : ولادته، ثانياً : مكان ولادته ، ثالثاً : زواج إدريس علیه السلام وأولاده، رابعاً : عمل إدريس علیه السلام ، خامساً : لغة إدريس علیه السلام ، اما الفصل الثاني : "صفات النبي إدريس علیه السلام " وتضمن مبحثان : المبحث الأول : صفات النبي إدريس علیه السلام والمبحث الثاني : خصال النبي إدريس علیه السلام ومنها : أولاً : النبوة والحكمة والرهبنة ، ثانياً : رؤية الملائكة، ثالثاً : عِلْم النُّجُومِ وَالْحِسَابِ، رابعاً : الكتابة، خامساً : الخياطة ، سادساً : الجهاد، سابعاً : الأوزان المكاييل، ثامناً : الطب ، تاسعاً : بناء المدن ، عاشراً : تنظيم الري والزراعة إحدى عشر : الطوفان


1) سورة مريم : الآيتان : 56-57

2) الزرقاني، أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف أحمد بن بن شهاب الدين بن محمد المالكي (ت : 1122هـ / 1710م )، شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية دار الكتب العلمية، (بيروت : 1996م)، ج 12، ص 322 .

والنبي إدريس علیه السلام، اثنتى عشر : بناء الأهرامات والبرابي، وجاء الفصل الثالث ليسلط الضوء على : "صحف إدريس علیه السلام ودعوته " ، وتضمن مبحثان : المبحث الأول : صحف إدريس علیه السلام المنزلة من السماء والوحي، وانقسم الى : أولا : صحف إدريس علیه السلام المنزلة من السماء، وثانياً : الوحي والنبي إدريس ، وثالثاً : نبي الله إدريس علیه السلام وملك زمانه، وجاء المبحث الثاني ليحمل عنوان : دعوته وشريعته وقبلته : وركز على : أولاً: دعوة إدريس، ثانياً : ماذا كانت دعوته؟ ثالثاً قبلة نبي الله إدريس علیه السلام ، وحمل المبحث الثالث عنوان : اثر النبي إدريس من حيث : أولاً: التوحيد ونبذ عبادة الإسلاف علیه السلام ثانياً : الصلاة ثالثاً : الزكاة، رابعاً: الصيام ، خامساً: الحج، اما الفصل الرابع فسلط الضوء على : "معجزة رفع نبي الله إدريس علیه السلام" ، وتوزع الفصل على : المبحث الأول : مفهوم وأسباب الرفع، وفيه : أولاً : مفهوم معجزة الرفع ، ثانياً : أسباب الرفع ، ثالثاً : النبي إدريس علیه السلام وقصة هاروت وماروت، وجاء المبحث الثاني ليسلط الضوء على : عمر النبي عند رفعه ومعنى ومكان الرفع : أولاً : عمر النبي إدريس علیه السلام عند رفعه، وثانياً : معنى الرفع وثالثاً :

المكان الذي رفع إليه النبي إدريس، ورابعاً : وصية النبي إدريس علیه السلام قبل رفعه واخيراً ركز الفصل الخامس على : "حكم النبي إدريس علیه السلام ومواعظه "ومنها : دعوته إلى حسن الدعاء ، ودعوته إلى حسن الخلق، ودعوته إلى نبذ الحرص ودعوته إلى شكر الله وطاعته، ودعوته إلى محاربة هوى النفس ، وترك الجهالة مع الخالق والمخلوقين، ودعوته إلى القناعة والكفاف ، ودعوته إلى التقوى والعلم والحكمة، ودعوته إلى الاعتذار والوقار والسكينة والتوبة عند نبي الله إدريس علیه السلام ، ودعوته إلى عدم مخالطة الأشرار ، ومحاربته الرياء والنفاق ، والإكثار من الاستغفار والدعوة للعمل الصالح ، والدعوة إلى الجد وعدم الهزل، وعدم مجادلة الجهلة، ونصائحه إلى الملوك الحكام ، ومعرفة قدر الإنسان ، وموقفه علیه السلام من الحياء ودعوته إلى فعل الخير وقول الحق، وكذلك

دعوته إلى الجود، وموقفه علیه السلام من حمد الاشياء عند اهل السماء والارض لسان ناطق بالحق والعدل " .

الجهل ودعوته إلى الشورى وتقديم النصح، وموقفه من الحقد والحسد ، ودعوته إلى حسن المعاشرة ، ودعوته إلى الحلم ونبذ المزاح والغضب، واخيراً دعوته إلى ترك الدنيا.

اما الخاتمة فذكرنا فيها اهم ما توصلت اليه الدراسة من النتائج والتوصيات والمقترحات التي يفرزها البحث ان شاء الله تعالى ، واما الملاحق وتشتمل الدراسة على أربعة ملاحق.

كان المنهج الذي سرنا عليه في اعداد هذه الدراسة على النحو التالي : جمع ما ورد في القرآن الكريم من نصوص تشير إلى أدب النبي إدريس علیه السلام لتصريحاً أو تلميحاً، وبيان ما ذكره ائمة التفسير ومدلولاتها التي تتكلم عن الأدب النبوي ، والأحاديث وما ورد في كتب الحديث وكتب التفسير اضافة الى الكتاب المقدس وما ورد عن النبي اخنوخ ومقارنته مع الكتب والروايات الإسلامية ؛ لان العبرة انما هي للاراء والافكار لا الاشخاص.

كان هذا هو المنهج الذي توخيناه في إعداد هذه الدراسة وجمعها ، حتى تكامل نصابها واستوفت مباحثها واكتست حلتها يليق بشرف الموضوع، وأرجو من الله تعالى القدير ان يكون هذا الجهد خالصاً لوجهه الكريم، ونافعاً لي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى وآله الطيبين الطاهرين.

الفصل الأول : نَسَب النبي إدريس علیه السلام معنى اسمه - الأسماء التي عُرف بها

اشارة

المبحث الأول : نسب النبي إدريس علیه السلام في الروايات والمصادر اليهودية والمسيحية والإسلامية

أولاً: نسبه في الروايات والمصادر اليهودية والمسيحية

جاء في العهد القديم الروايات اليهودية نسب النبي إدريس علیه السلام باسم اخنوخ(1)، وَقَدْ ذُكِرَ أُخْنُوخُ فِي التَّوْرَاةِ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ جَدًّا لنوح (2)، ويرجع نسبه إلى آدم علیه السلام ، "شيتُ ، أَنُوسُ، فِينَانُ مَهْلَلْئِيلُ، يَارِدُ، أَخْنُوخُ ... وهو أَخْنُوخُ بْنِ يَارِدُ بْنِ مَهْلَلْئِيلَ بْنِ قِينَانُ بْنِ أَنُوسُ بْنِ شِيتُ بنِ آدَمُ "(3). وذكرَ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ وهو سبط شيث وجد أبي نوح علیه السلام (4)، وان لفظ ( الله اخذه قال المفسرين اليهود أي إن السماء وهي تقابل تأويل المسلمين برفعه إلى مكان علي فقالوا إلى السماء(5).


1) بالإنجليزية Enoch بالعبرية ، تقسيم الإسم: آخ نوخ - ومعناه (المُكرس) ينظر: ابن عاشور ، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي، التحرير والتنوير (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد) ، الدار التونسية للنشر (تونس : 1984م )، ج17، ص129؛ سجیف دافيد، قاموس عبري، دار شوکت اورشلیم: د.ت ص 579 ابن الشريف، محمد، معاني اسماء الانبياء، موقع لماذا الإسلام http://www.whyislamsa.com 5 ص 5 .

2) التكوين 5 : 18-25

3) اخبار الأيام 1 1-2

4) البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي (ت: 685هـ/ 1286م أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق : محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي (بيروت : 1997م)، ج 4، ص 13

5) التكوين : +21+25 ينظر ،درویش ،هدى نبي الله ادريس بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع (القاهرة: 2008م)،68

اما نسبه في العهد الجديد (الإنجيل) ورد نسب النبي إدريس (اخنوخ) في الإنجيل في رسالة يهوذا :" وَتَنَبَّأَ عَنْ هَؤُلَاءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابِعُ مِنْ آدَمَ قَائِلاً :"هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ، لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةٌ عَلَى الْجَمِيعِ وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمُ الَّتِي فَجَرُوا بِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ الصَّعْبَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا عَلَيْهِ خُطَاةً فجار" (1)، ويزعمون أنه عن شيث بن آدم ، وعن هرمس الأول، وهو إدريس وإن إدريس هو أوّل من تكلم في الجواهر العلوية والحركات النجومية، وبنى الهياكل ومجد الله فيها(2).

ونقل ابن إسحاق أنّ خنوخ الواقع اسمه في هذا النسب هو إدريس النبي صلوات الله عليه وهو خلاف ما عليه الأكثر من النسابين فإنّ إدريس عندهم ليس بجد لنوح ولا في عمود نسبه (3)، وقد زعم الحكماء الأقدمون أيضا أن إدريس هو هرمس المشهور بالإمامة في الحكمة عندهم، وكذلك يقال : أنّ الصابئة (4)، من ولد صابئ بن لامك وهو أخو


1) يهوذا : 14-16.

2) المقريزي تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر أبو العباس الحسيني العبيدي (ت: 845هـ / 1441م )، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار الكتب العلمية (بيروت : 1997م)، ج 1، ص 421 .

3) السهيلي، ابو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن احمد بن أبي الحسن الخثعمي (ت) : 581هـ/ 1185م)، الروض الانف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق وتعليق : مجدي منصور منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، (بيروت : د.ت)، ج 2، ص 208

4) الصابئة : من الديانات الحية وهم من الفرس ولهم اتباع في جنوب العراق امنوا بوحدانية الله، صنفهم فقهاء المسلمين اهل شبهة كتاب الذين عبدوا قوى الطبيعة وهم القائلون بالاصنام الارضية للارباب السماوية أي الكواكب متوسطون أي رب الارباب وينكرون الرسالة في صور البشرية عن الله تعالى ولا ينكرونها عن الكواكب ينظر : سورة البقرة: الآية : 62 سورة المائدة : الآية : 69 سورة الحج : الآية : :17 الاقفهي شهاب الدين بن العماد (ت: 808هـ / 1406م)، اخبار نیل مصر، تحقيق ووضع الحواشي : لبيبة ابراهيم ،مصطفی نعمات عباس محمد، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، (القاهرة: 2006م)، ص 63 المقريزي، الخطط، ج1، ص 261 262 السمحراني اسعد موسوعة الاديان الميسرة، دار النفائس، (بیروت : 2001) م، ص 327326؛ اسود، عبد الرزاق محمد، المدخل إلى دراسة الاديان والمذاهب (بيروت: د.ت ، ج 1، ص 114-115.

نوح عليه السلام . وقيل أن صابئ متوشلخ جده(1).

ثانياً : نسبه علیه السلام في الروايات والمصادر الإسلامية

لم يختلف النسابة العرب وكذلك اليهود في نسب نبي الله إدريس علیه السلام إلا في بعض الإضافات في شجرة النسب، فقال أكثرهم "وَهُوَ إِدْرِيسُ بْنُ بُرْدِ بْنِ مَهَلَابِيلَ بْنِ أَنُوشٍ بْنِ قَيْنَانَ بْنِ شِيتِ بْنِ آدم علیه السلام "(2)، وذكره آخرون هو " إدريس با یارد بن مهلائيل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم علیه السلام ابن التراب "(3)، وأورده البلاذري ضمن


1) ينظر: ابن خلدون، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي (ت: 808هـ / 1405م)، ، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، تحقيق : خليل شحادة دار الفكر، ط2، (بيروت : 1988م)، ج 2، ص 7؛ الحنفي، أبو محمد محمود بن أحمد حسين الغيتابي بدر الدين العيني (ت: 855هـ / 1451م)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي (بيروت: د.ت)، ج4، ص49

2) الصحاري أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي (ت: 511هـ / 1117م)، الأنساب، (بيروت : 1999م)، ج 1، ص66 114؛ الشافعي، أحمد بن محمد بن إبراهيم شهاب الدين أبو الحجاج الأشعري (ت: 600هـ / 1203م)، التعريف بالأنساب والتنويه بذوي الأحساب (بیروت: د.ت ج1، ص 33؛ ياقوت الحموي شهاب الدين أبو عبد الله بن عبد الله الرومي (ت: 626هـ / 1229م)، معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب)، تحقيق: إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت : 1993م، ج1، ص 449 أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (ت : 745هـ / 1344م)، البحر المحيط في التفسير، تحقيق: صدقي محمد جميل دار الفکر (بیروت : 2000م)، ج 10، ص 281

3) ينظر: الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الأملي (ت : 310هـ 922م )، تاريخ الرسل والملوك، ط2، دار التراث، (بيروت : 1967م) ، ج 1 ، ص 164؛ القلقشندي، أبو العباس أحمد بن علي (ت: 821هـ / 1418م)، قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان، تحقيق: إبراهيم الإبياري، ط2، دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني (بيروت : 1982م)، ج 1، ص 25

نسب النبي نوح علیه السلام بقوله : " أَخْبَرَنِي جماعة من أهل العلم بالكتب قالوا : نوح عليه السلام بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ -وهو إدريس علیه السلام بن یارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم " (1)، واضاف البعض إلى نسبه : "وهو إدريس علیه السلام ابن یادر بن هليل بن قنان بن انش بن شاث بن آدم - صلوات الله عليه، قال أبو عبد الله بن شات بن آدم الزبيري : ويقولون : نوح بن لامك "(2)، وأمه أشوت وَأدْركَ من حَيَاة آدم ثَلاثمائة سنة وثمان سنين (3)، وذكره السمعاني نسبه بقوله : " خنوخ وهو إدريس بن أدد بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم صلوات الله على الأنبياء أجمعين (4)، واسمه خنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ،قَالَ الزُّبَيْر بن بكار : وَهُوَ إدريس بن اليارد بن مهلائيل بن قينان بن الطاهر بن هبه ، وَهُوَ شيث بن آدم، وإنما قيل له إدريس لأنه أول من درس الوحي المكتوب، وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفِ الْخَشَابُ، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ


1) ص 164؛ القلقشندي، أبو العباس أحمد بن علي (ت: 821هـ / 1418م)، قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان، تحقيق: إبراهيم الإبياري، ط2، دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني (بيروت : 1982م)، ج 1، ص 25

2) مصعب الزبيري أبو عبد الله بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ت : 236هـ / 850م) ، نسب قريش، تحقيق : ليفي بروفنسال، دار المعارف، (القاهرة : د.ت)، ص 4

3) الحنفي، عمدة القاري، ج 15، ص 216.

4) السمعاني، أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي المروزي (ت : 562هـ/ (1167م) الأنساب، تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وغيره، مجلس دائرة المعارف العثمانية (حيدر آباد : 1962م)، ج 1، ص 13

سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعْدَ آدَمَ إِدْرِيسُ علیه السلام ، وَهُوَ حَنُوخُ بْنُ يَرْدَ، وَكَانَ يَصْعَدُ لَهُ فِي الْيَوْم من العمل ما لا يَصْعَدُ لِبَنِي آدَمَ فِي السَّنَةِ، فَحَسَدَهُ إِبْلِيسُ وَعَصَاهُ قَوْمُهُ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قُلْت : كَذَا في هذه الرواية (حنوخ) بالحاء المهملة ثم بالخاء المعجمة وبرذ بالذال المعجمة، ورويت الكلمة الأولى بخاءين معجميتين، ويرد بدال مهملة (1).

وهناك من ذكر نسب النبي إدريس علیه السلام (اخنوخ) من خلال ذكر نسب سيدنا ومولانا وحبيبنا نَبِي الرَّحْمَة وهادى الأمة محمد صلی الله علیه [واله] وسلم"....

خنوخ وَهُوَ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَام فِيمَا يَزْعُمُونَ وَهُوَ أول بني آدم أعطي النبوة وخط بالقلم بن يرد بن مهليل بن قينين بن يانش بن شيث بن آدم عَلَيْهِ السَّلَام "(2)، وهو أول نبي بعث إلى أهل الأرض فيما رُوي من بعد آدم (3).


1) المغربي، أبو القاسم الوزير الحسين بن علي بن الحسين (ت: 418 هـ / 1027م)، الإيناس بعلم الأنساب (القاهرة: 2001م)، ج 1، ص 41 ابن الجوزي جمال الدين أبي الفرج بن علي بن محمد عبد الرحمن (ت: 597هـ/ 1201م)، التبصرة، دار الكتب العلمية، بيروت) : (1986م)، ج 1، ص 57 ؛ ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت : 1992م)، ج 1، ص 233 ابن الجوزي مرآة الزمان في تواريخ الاعيان، تحقيق : محمد بركات ،وآخرون دار الرسالة العالمية، (دمشق : 2013م، ص 297

2) الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله (ت : 764هـ / 1363م)، الوافي بالوفيات، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى دار إحياء التراث، (بيروت : 2000م)، ج 1، ص 62.

3) ابن عطية، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام الأندلسي المحاربي (ت: 542هـ / 1147م)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية (بيروت : 2001م)، ج 4، ص 21

وقال ابن خلدون :" ويقال أخنوخ ، ويقال أشنخ، ويقال أخنخ وهو إدريس النبي فيما قاله ابن إسحاق ابن بيرد ويقال بيرد بن مهلائيل ويقال ماهلايل بن قاين ويقال قينن بن أنوش ويقال بانش بن شيث بن آدم ومعنى شيث عطية الله هكذا نسبه ابن إسحاق وغيره من الأئمة وكذا وقع في التوراة نسبه وليس فيه اختلاف بین الأئمة "(1).

يتضح مما سبق ان سلسلة نسب إدريس علیه السلام من آدم علیه السلام إلى حفيده يرد متصلة في على الانساب (2)،وهم الأوصياء على ما عاهد الله عليه آدم علیه السلام والأولياء، فقد تزوج شيث حزورة وتزوج ابنه انوش من اخته نعمة وولدت له قينان الذي تزوجه دينه ابنة براكيل التي ولدت له مهلائيل وولد لمهلائيل ابنة یرد،" فعاش مهلائيل بعد ما ولد له يرد ثمانمائة سنة وثلاثين سنة فولد له بنون وبنات ، فكان كل ما عاش مهلائيل ثمانمائة سنة وخمسا وتسعين سنة، ثم مات "(3)، وقد تزوج مهلائيل من خالته سمعن ابنة براكيل وتزوج يرد بن مهلائيل من بركنا ابنة الدرميل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم علیه السلام (4)، ويقال تزوج يرد اغثوث وقيل بزوره فولدت له (اخنوخ) إدريس علیه السلام (5)، عاش يرد بعد ما ولد له اخنوخ ثمانمائة سنة، وولد له بنون وبنات، فكان كل ما عاش يرد تسعمائة سنة واثنتين وستين سنة ثم مات، وقال غيره من أهل


1) ابن خلدون، ديوان المبتدأ ، ج 2، ص 7؛ ينظر : الفيروزآبادي، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب (ت: 817هـ / 1414م)، القاموس المحيط، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، أشراف: محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع ،ط8 (بيروت : 2005م)، ج 1، ص 250.

2) ينظر ملحق رقم (1) يمثل نسب إدريس علیه السلام ، ص 208

3) ينظر: ابن الجوزي التبصرة، ج 1، ص 57 ابن الجوزي ، المنتظم في تاريخ الامم ج 1، ص 233 ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 297.

4) محمد منصور عبد الكريم زوجات الانبياء والرسل المكتبة التوفيقية (القاهرة: د.ت)، ص 24

5) الديار بكري تاريخ الخميس، ج 1، ص 65

التوراة : ولد ليرد أخنوخ - وهو إدريس - فنبأه الله عز وجل، وقد مضى من عمر آدم ستمائة سنة واثنتان وعشرون سنة، وأنزل عليه ثلاثون صحيفة وهو أول من خط بعد آدم وجاهد في سبيل الله (1).

اما جد النبي إدريس فيقول الصحاري :" نكح مهلائل بن قينان بن أنوش بن شيث ابن آدم خالته سمعن بنت براكيل بن مخويل بن اخنوخ بن قابیل ابن آدم ، فولدت له یارد بن مهلائل فعاش مهلائيل بعد ما ولد له يارد ثمانمائة سنة وثلاثين سنة، وولد له بنون وبنات ، فكان جميع عاش مهلائيل ثمانمائة وخمسا وتسعين سنة، ثم مات ، وأما في التوراة فإنه ذكر أنه كان على منهاج أبيه قينان، غير أن الأحداث بدت في زمانه ، وعن ابن عباس أنه قال : ولد مهلائيل يَرَد وهو اليارد، ونفراً معه واليه الوصية، وكان وصى أبيه وخليفته ، وفيما كان والد مهلائيل أوصى إلى مهلائيل واستخلفه عليه بعد وفاته ، وكانت ولادة أمه إياه بعد ما مَضَى من عمر أبيه مهلائيل فيما ذكروا خمس وستون سنة، فقام من بعد مهلك أبيه من وصية أجداده وآبائه بما كانوا يقومون به أيام حياتهم، وولد اليارد أخنوخ ، وهو إدريس علیه السلام "(2).

اما والد النبي إدريس " وهو أخنوخ بن البارد، ثم نكح اليارد بن مهلائيل ابن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم . وهو ابن مائة سنة وستين سنة بركيا بنت الدرمسيل بن مخويل بن أخنوخ بن قابيل، فولدت له أخنوخ بن اليارد وهو إدريس النبي صلى الله عليه. وكان أول نبي بعد آدم أُعْطَي النبوَّة، فيما زعم ابن اسحاق - وخط بالقلم، فعاش يارد بعد ما وُلِدَ له أخنوخ ثمانمائة سنة وستين سنة، وولد بنين وبنات وكان


1) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 70.

2) الصحاري الأنساب، ج 1، ص 15

جميع ما عاش اليارد تسعمائة سنة واثنين وستين سنة ثم مات "(1).

ثالثاً : ربط نسب النبي إدريس بالنبي نوح علیه السلام

ذكر ابن الجوزي مَا بَين الْأَنْبِيَاء من السنين بقوله : " روى أبو صالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ من آدم إلى نوح ألفا سنة وَمِائَنَا سنة ومن نوح إِلَى إِبْرَاهِيم ألف وَمِائَة وَثَلاث وَأَرْبَعُونَ سنة وَمَن إِبْرَاهِيمَ إِلَى مُوسَى خَمْسمِائَة وَخَمْس وَسَبْعُونَ وَمَن مُوسَى إِلَى دَاوُد خَمْسمِائَة وتسع وَسَبْعُونَ وَمن دَاوُد إِلَى عِيسَى ألف وَثَلاث وَخَمْسُونَ وَمن عِيسَى إِلَى مُحَمَّد سِتّمَائَة سنة، وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق من آدم إلى نوح ألف وَمِائَنَا سنة ومن نوح إِلَى إِبْرَاهِيم ألف وَمِائَة وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة وَمَن إِبْرَاهِيمَ إِلَى مُوسَى خَمْسمِائَة وَخَمْس وَسِتُّونَ سنة وَمَن مُوسَى إِلَى دَاوُد خَمْسمِائَة وتسع وَتَسْعُونَ سنة وَمن دَاوُد إِلَى عِيسَى ألف وثلاثمائة وست وَخَمْسُونَ سنة وَمَن عِيسَى إِلَى مُحَمَّد سِمائة سنة ". (2).

وروي القنوجي أنّه كان بين آدم ونوح عشرة قرون (3)، كلهم على ملة الحق وأنّ الكفر إنّما حدث في القرن الذي فيه نوح وأنّه أول نبي بُعِثَ إلى الكفّار سنة وكسر، وقال المصريون ثمانية عشر ألف سنة، لأنّ الطوفان كان وقلب الأسد في أوّل درجة من السرطان ومقامه في كل برج ستة آلاف سنة وهي ثلاثة بروج صح وصفا(4)، وذكر البخاري في


1) ينظر: مصعب الزبيري نسب قريش، ص 4 الصحاري الأنساب، ج1، ص15.

2) ابن الجوزي تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم (بیروت: د.ت)، ص 12

3) القنوجي، أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري (ت: 1307هـ / 1889م ) فتح البيان في مقاصد القرآن، طباعة وتقديم ومراجعة : عبد الله بن إبراهيم الأنصاري المكتبة العصرية للطباعة والنشر، (صيدا بيروت : 1992م)، ج 4، ص 184.

4) ينظر : البكري، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد الأندلسي (ت : 487هـ / 1094م)، المسالك والممالك، دار الغرب الإسلامي، بیروت : 1992م)، ج 1، ص 74-76.

صحيحه " وَهُوَ جَدُّ أَبِي نُوحٍ، وَيُقَالُ جَدُّ نُوحٍ علیه السلام"(1)، وروى الكلبي ، عن زيد بن أسلم ، عن رسول الله صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم أنه قال: "إن إدريس جد أبی نوح "(2)، وَقَالَ الْمَازِرِي : "ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح (3)، وقال آخرون أن " إِدْرِيسَ علیه السلام هو من أجداد نوح علیه السلام (4)، بينما رأى البعض منهم أنهُ هُوَ جِد أبي نُوحٍ وَهُوَ أَخْنُوخُ (5)، إِدْرِيسَ هو نبي قبل نوح وبينهما على ما في المستدرك عن ابن عباس ألف سنة وهو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم علیه السلام ، وعن وهب بن منبه أنه جد نوح علیه السلام والمشهور أنه جد أبيه فإنه ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ (6)، وقال :الصحاري: وهو أبو جد نوح، ورفع


1) البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي (ت: 256هـ / 870م) ، صحيح البخاري (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأيامه، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ترقيم : محمد فؤاد عبد الباقي دار طوق النجاة، بيروت : 2001م)، ج 4 ص 135؛ ابن عجيبة، أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي الحسني الأنجري الفاسي الصوفي (ت : 1224هـ / 1809م)، البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، تحقيق: أحمد عبد الله القرشي رسلان، حسن عباس زكي، القاهرة: 1998م)، ج 2، ص 141.

2) ينظر : السمرقندي، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم (ت: 373هـ / ،983م ،بحر ،العلوم، بیروت: (د.ت، ج2، ص 379 ابن الجوزي، الثبات عند الممات، ص 86.

3) ينظر : الحفي، عمدة القاري، ج 4، ص 44 المنياوي أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف، الجموع البهية للعقيدة السلفية التي ذكرها العلامة الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان : مكتبة ابن عباس (القاهرة: 2005م)، ج 2، ص 481

4) ابن عطية المحرر الوجيز، ج4، ص21.

5) أبو حيان البحر المحيط، ج7، ص 267.

6) ينظر الذهبي شمس الدين أبو عبد الله محمد عثمان قايماز (ت 748هـ / 1347م)، سير أعلام النبلاء، دار الحديث (القاهرة: 2006م)، ج1، ص 144؛ الألوسي، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، تحقيق: علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية، (بيروت : 1985م)، ج8، ص422.

وهو ابن ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة (1).

رَوَى عكرمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى:( وَلَا تبرجن تبرج الْجَهِلِيَّةِ الأُولى ) (2)، قال : كان فيما بَيْنَ نوح وإدريس ، وكانت ألف سَنَة، وإن بطنين من ولد آدم ، كَانَ أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبال، وَكَانَ رجال الجبال صباحا وَفِي النِّسَاء دمامة، وَكَانَ نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة ، وأتى إبليس رجلا من أهل السهل في صورة غلام، فآجر نَفْسه منه، وَكَانَ إِبْلِيسُ يخدمه، فأخذ إبليس مثل الَّذِي يزمر فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله قبلغ ذَلِكَ من حولهم ، فانتابوهم يَسْمَعُونَ إِلَيْهِ، واتخذوا عيدا يجتمعون إِلَيْهِ فِي السنة، فتتبرج النِّسَاء للرجال ، قَالَ : وينزل الرجال لهن، وإن رجلا من أهْل الجبل هجم عَلَيْهِم وَهُمْ فِي عيدهم ذَلِكَ فرأى النِّسَاء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، ثم تحولوا (3).

واستند ابن العربي " إن إدْرِيسَ كان قبل نوح فقد وهم ، بدليل حديث الإسراء الصحيحين حين لَقِيَ النَّبِيِّ صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم آدَمَ وإدريس ، فقال له آدمُ :مرحباً بالنَّبِيِّ الصالح والابن الصالح وقال له إدريس : مرحباً بالنَّبيِّ الصَّالح، والأخ الصَّالح فلما قال له : " والأخ الصالح' "دلّ على أنَّهُ يجمع معه في نوح " (4)

، محمد معوض دار الكتب العلمية (بيروت : 1998م)، ج 9، ص 176؛ الزرقاني، شرح الزرقاني، ج 8، ص 33 الفنوجي فتح البيان، ج 4، ص 184.


1) الصحاري، ، الأنساب، ج 1، ص 15.

2) سورة الأحزاب : الآية : 33

3) ينظر : النيسابوري أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم ابن البيع الضبي الطهماني (ت : 405هـ / 1014م)، المستدرك على الصحيحين تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية (بيروت : 1990م ) ،ج2، ص 598 ابن الجوزي ،التبصرة، ج 1، ص 61؛ ابن الجوزي المنتظم في تاريخ الأمم، ج 1، ص 235.

4) الحنبلي، أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الدمشقي النعماني (ت : 775هـ 1373م) اللباب في علوم الكتاب، تحقيق : عادل أحمد عبد الموجود علي

وفسر البغوي قوله تعالى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ، وَهُوَ جَد أبِي نُوح (1)،والْجاهِلِيَّةِ الأولى هي القديمة التي يقال لها الجاهلية الجهلاء، وهي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم علیه السلام : كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشى وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال، وقيل: ما بين آدم ونوح ، وقيل : بين إدريس ونوح "(2).

يذكر العلماء المسلمون ان نوح من نسل إدريس وان اختلفوا في تحديد مدى البعد الزمني بينهما فالبعض يرى إن إدريس هو جد نوح كما في دائرة معارف القرن العشرين " وإدريس هو جد نوح "(3)، وكذلك ذكر الطبري "وإدريس جد نوح" (4)

الرسالة، (بيروت) : 2000م)، ج16، ص 73.

، وأيضاً عن الالوسي: "عن وهب بن منبه أن إدريس جد نوح "(5)، وقال المسعودي : " وكان أول نبي بعد إدريس علیه السلام "(6).

1) البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء الشافعي (ت: 510هـ/ 1116م)، معالم التنزيل في تفسير القرآن تفسير البغوي، تحقيق : عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي (بيروت : 2000م)، ج 3، ص 228.

2) ينظر: الزمخشري جار الله أبو القاسم محمود بن عمرو بن احمد (ت: 538هـ / 1143م)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ط3، دار الكتاب العربي، (بيروت : 1987م، ج 3، ص 537 ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير، تحقيق : عبد الرزاق المهدي دار الكتاب العربي (بيروت: 2001م)، ج 3، ص 461 الطباطبائي، محمد حسين الميزان في تفسير القرآن منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية (قم المقدسة : د.ت)، ج16، ص163.

3) البستاني بطرس، دائرة المعارف (بيروت : 1876م)، ج 1، ص 119

4) الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق : احمد محمد شاكر، مؤسسة

5) الالوسي روح المعاني، ج16، ص 96.

6) المسعودي، أبو الحسن على بن الحسين بن على ( ت : 346هـ / 975م)، أخبار الزمان ومن أباده المحدثان، وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع بيروت : 1996م، ص 112

بينما يرى آخرون إن إدريس علیه السلام أبو جد نوح بقوله : " وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبى نوح، وإبراهيم علیه السلام من ذرية من حمل مع نوح "(1)

/ المرتضى (بيروت: 2006 م ، ج 3 ، ص 519 الرازي أبو عبد الله خطيب فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي (ت: 606هـ/ 1209م)، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي، ط3، بيروت : 1993م)، ج 4، ص 387؛ البيضاوي، تفسير البيضاوي، ج 3، ص 163؛ ابو حيان البحر المحيط، ج6، ص 198 المراغي أحمد بن مصطفى تفسير المراغي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر القاهرة : 1946م)، ج16، ص 63.

، واضاف الزمخشري : " ولقد عاش إدريس ألف سنة في قومه إلى أن رفع إلى السماء وآمن به ألف إنسان منهم على عدد سنيه، وأعقابهم على التكذيب "(2).

ويرى آخرون انه جد أعلى النوح دون تحديد (3)، بينما حدد ابن عباس الفارق الزمني بينهما هو الف سنة (4)، وذكر المسعودي " وركب معه المؤمنون من ولد أبيه وجده إدريس علیه السلام(5).

ان الأقرب للمنطق هو ما ذكره القائلون بان إدريس هو جد اعلى لنوح أي هو من أجداده بصورة مطلقة وبدون تحديد ، اما ما ذكره


1) ينظر: ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (ت: 276هـ / 889م) ، المعارف، تحقیق: ثروت عكاشة، ط2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة : 1992م ص 21 الزمخشري الكشاف، ج 3، ص 25 الطبرسي، امين الله ابي علي الفضل بن الحسن (ت: 548هـ (1153م مجمع البيان في تفسير القرآن، دار

2) الزمخشري الكشاف، ج3، ص 447 الزمخشري تفسير القرآن، ج 3، ص 300

3) للمزيد، ينظر: النيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي (ت : /850هـ / 1446م)، غرائب القرآن ورغائب الفرقان تحقيق الشيخ زكريا عميرات الناشر دار الكتب العلميه (بيروت : 1996م، ج3، ص 267؛ الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني ، العَذْبُ النَّمِيرُ مِنْ مَجَالِسِ الشَّنْقِيطي في التَّفْسِيرِ، تحقيق: خالد بن عثمان السبت إشراف بكر بن عبد الله أبو زيد، ط2، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع (مكة المكرمة : 2005م)، ج 1، ص 454

4) الالوسي، روح المعاني، ج16، ص 96.

5) المسعودي اخبار الزمان، ص81

الالوسي من ان إدريس اقدم من نوح بـ (1000) سنة فهو رقم تخميني وانما يدل على مدى البعد الزمني الكبير بينهما(1)

ص 191

، أي ان النبي إدريس عاش في مصر وكان اقدم من نوح وطوفانه بكثير وقد عاش في زمن لا شك اقدم من (5000ق.م)، أي خلال العصر المسمى العصر الحجري الحديث (6000-5000ق.م) (2).

رابعاً : ترتيب النبي إدريس بين كبار الأنبياء

وقد اختلف مفسرو القرآن في إدريس (3)،هل سبق نوحا ام كان من ذرية نوح علیه السلام والمشهور عند الرواة ان اسمه في العبرية (اخنوخ) وانه اول نبي من ذرية ادم سابق على نوح وانهم من اخر على ان إدريس لفظ اعجمي لانه ممنوع من الصرف في القرآن لغير علة الا العجمة، وهو كدأبهم حين يفصل الاشتقاق عليهم والكثرة على انه من درس العربية فهو الدارس من المدارسة والتدارس على المبالغة الكثير العلم وليس في إدريس حديث صحيح يفصل في المسألة الا ما جاء في صحیح مسلم من حديث الاسراء قوله علیه السلام : " لما عرج بي اتيت على إدريس في السماء الرابعة " (4)، تفسيراً لقوله عز وجل في شأن ادريس


1) السيار ،ندیم قدماء المصريين اول الموحدين، ط2، القاهرة : 1995م)، ج1،

2) المصدر نفسه، ج 1، ص 192.

3) القرطبي، ابو عبد الله محمد بن احمد بن ابي بكر (ت: 671هـ / 1272م)، الجامع لاحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي ،الفرقان، تحقيق : عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، (بيروت : 2006م)، ج 11، ص 118.

4) الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك (ت : 279هـ / 892م)، الجامع الكبير - سنن الترمذي، تحقيق : بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي (بيروت : 1998م)، ج 5، ص 167.

(وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) (1)، وحَكَى القرطبي : قال ابن أبي خيثمة : منذ خلق الله آدم علیه السلام إلى أن بعث الله محمداً صلی الله علیه [واله] وسلم خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة ، وقيل : أكثر من ذلك وكان بينه وبين ذلك وكان بينه وبين نُوحٍ نُوحٍ ألف سنة ومائتا سنة، وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أمةً واحدة، على مِلَّةٍ واحدة متمسكين بالدين، تُصافحهم الملائكة، ودَامُوا على ذلك إلى أن رُفِعَ إدريس علیه السلام فاختلفوا (2)، ويقال : كان بين نوح وبين آدم عشرة آباء كلهم على الإسلام ، وكان إدريس جد أبي نوح ولم يكن بين آدم ونوح نبي مرسل (3)، و نوح أول نَبِي جَاءَ بعد إِدْرِيس علیه السلام (4)، وكان إدريس نبياً ولم يؤمر بدعوة الخلق، ويقال : أنزل عليه عشرون صحيفة، وقد آمن به كثير من الناس (5).

وهذا لا يفصل في الترتيب التاريخي لإدريس علیه السلام بین الأنبياء (صلوات الله عليهم )ولا يقطع أيضا بان إدريس رفع إلى السماء الرابعة ومات هناك، كما وقع في اسرائليات ابن عباس وكعب الاحبار وغيرهما من الناقلين عنهما، فقد التقى النبي محمد صلی الله علیه [واله] وسلم في معراجه بأنبياء غير إدريس ماتوا على هذه الأرض ودفنوا فيها (6).

(واذكر في الكتاب إدريس ) بالثناء عليه ، والنسابون يقولون : إنه جد أبى نوح علیه السلام (7)، وَنُوحٍ هُوَ أَوَّلُ الرُّسُلِ، وَهُوَ نُوحُ بْنُ لَامَكَ، وَالْعَرَبُ


1) سورة مريم : الآيتان : 56-57.

2) ينظر: الزمخشري، ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، مؤسسة الأعلمي، (بيروت : 1991م)، ج 1، ص 307 الحنبلي، اللباب في علوم الكتاب، ج 3، ص 502

3) السمرقندي، بحر العلوم، ج2، ص316

4) الحنفي، عمدة القاري، ج 1، ص 117.

5) السمرقندي، بحر العلوم، ج2، ص 316

6) ابو سعدة، رؤف العلم الاعجمي في القرآن مفسرا بالقرآن تعليق : محمود محمد الطناحي، دار الهلال (بیروت: د.ت)، ج 1، ص 224

7) ينظر : المراغي تفسير المراغي، ج16، ص 63 النجار، قصص الانبياء ج 1، ص 25

تَقُولُ : لَمَكُ بْنُ مُتُوشَالِحَ بْنِ أَخْنُونَ وَيُسَمِّيهِ الْمِصْرِيُّونَ هُرْمُسَ، وَيُسَمِّيهِ الْعَرَبُ إِدْرِيسُ بْنُ يَارِدَ بْنِ مَهْلَلْنِيلَ بْنِ قِينَانَ بْنِ أَنْوَسَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدم (1).

وقال ابن سعد:" أَوَّلُ نَبِيِّ بُعِثَ إِدْرِيسُ وَهُوَ خَنُوخُ بْنُ يَارِدَ بْنِ مَهْلَائِيلَ بْنِ قَيْنَانَ بْنِ أَنُوشٍ بْنِ بْنِ آدَمَ ثُمَّ نُوحُ بْنُ لَمْكِ بْنِ مُتَوَشْلِخَ بْنِ خَنُونَ وَهُوَ إِدْرِيسُ ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارِحَ بْنِ نَاحُورَ بْنِ سَارُونَ بْنِ ارغوا بْنِ فَالِعِ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالِحِ بْنِ أَرْفَخَشْدِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ "(2).

وكان قريب العهد بآدم علیه السلام وهو الذي قابله الرسول محمد صلی الله علیه [واله] وسلم ليلة المعراج في السماء الرابعة وسلم عليه ودعاه بالأخ الصالح (3)

،1994م )، ج 3، ص 31 الزرقاني شرح الزرقاني، ج8، ص 33.

، أتى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ : مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [واله]وَسَلَّمَ قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا إِدْرِيسُ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ (4)، وهو الذي قال النبي صلی الله علیه [واله] وسلم في حقه : وَأَخْنُوخُ وَهُوَ إِدْرِيسُ

1) ابن عاشور التحرير والتنوير، ج 6، ص 34

2) ابن سعد، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء البصري البغدادي ت : 230هـ / 845م) الطبقات الكبرى تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية (بيروت : 1990م)، ج 1، ص 54.

3) ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين (ت: 751هـ / 1350م ) زاد المعاد في هدي خير العباد مؤسسة الرسالة ط27، (بيروت :

4) ابن حيان، أبو حاتم محمد بن حيان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، التميمي الدارمي البستي (ت : 354هـ/965م الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، ترتيب: علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (ت : 739هـ / 1339م)، حققه وخرج وخرج أحاديثه وعلق عليه : شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ، (بيروت : 1988م)، ج 1، ص 228؛ ابن قدامة، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي (ت : 620هـ/ 1223م)، إثبات صفة العلو، تحقيق : أحمد بن عطية بن علي الغامدي مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة : 1988م ص 121 الزرقاني شرح الزرقاني، ج8، ص 33.

وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ... وَأُنْزِلَ عَلَى أَخْنُوخَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةٌ "(1).

وهو ليس من انبياء بني إسرائيل وجاء ذكره في القرآن الكريم مجملاً، حيث ذكره المولى (عز وجل) في سورتي مريم والانبياء، بانه صديق نبي مكرم برفعه الى مكان علي وانه من الصابرين حيث توقف معظم المفسرين وكتاب الانبياء عن سر تفاصيل قصته؛ لان معظم مصادرها جاءت عن اليهود (2).

وذكر ابن الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر كَانَ من بعد آدم شيث علیه السلام وَهُوَ وَصِي آدم وأنزل الله عَلَيْهِ خمسين صحيفة قَالَ مُحَمَّد جرير وَإِلَى شِيث تَنتَهِي أَنْسَاب بني آدم كلهم الْيَوْم وَذَلِكَ أن نسل ولد آدم غير نسل شيث انقرضوا فَلم يبق مِنْهُم أحد ثمَّ كَانَ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة وَكَانَ من بعد إِدْرِيس نوح ثمَّ هود ثمَّ صَالح ثمَّ إِبْرَاهِيم ثمَّ كَانَ لُقْمَانِ الْحَكِيم وَكَانَ مُوسَى بن مِيشَا ثمَّ من بعده مُوسَى بن عمران ثمَّ يُوشَع بن كالب بن يؤقنا ثمَّ حزقيل ثمَّ إِلْيَاس ثمَّ طالوت الملك ثمَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام ثمَّ سُلَيْمَان ثمَّ أَيُّوب ثمَّ يُونُس بن متى ثمَّ شعيا ثمَّ أمصيا ثمَّ زَكَرِيَّا ويحيى وَعِيسَى وأرميا وَكَانَ ذُو القرنين بين عِيسَى وَمُحَمّد في الفترة (3).


1) ينظر: ابن حبان الإحسان، ج2، ص 77 النيسابوري، غرائب القرآن، ج 3، م 267.

2) درویش نبي الله إدريس، ص 11.

3) ابن الجوزي ، تلقيح فهوم أهل الأثر، ص 12

المبحث الثاني معنى اسمه والأسماء التي عرف بها

أولاً : معنى اسمه علیه السلام

إِدْرِيسَ : اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ إِفْعِيلا مِنَ الدَّرْسِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ يَجِبُ صَرْفُهُ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ الْعَلَمِيَّةُ (1)، و(دَرَسَ): الدَّالُ وَالرَّاءُ وَالسِّينُ أَصْلُ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى خَفَاءٍ وَخَفْضِ وَعَفَاءٍ، فَالدَّرْسُ : الطَّرِيقُ الْخَفِيُّ، يُقَالُ دَرَسَ الْمَنْزِلُ : عفا ، ودرس الشيء معناه: بقي أثره ومنه درست الكتاب ودرست العلم أي : تناولت أثره بالحفظ (2)

1005م)، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر بیروت) : 1979م، ج 2، ص 267 حمود، باسل خلف، اسماء الانبياء في القرآن الكريم دراسة لغوية تحليلية مجلة كلية العلوم الإسلامية (بيروت : 2008م)، ، العدد : 3 مج 3، ص 36.

، ولا يكون ذلك إلا : بإعادة وتكرار ومعاهدة، إذ " يقال : طريق مدروس : إذا كثر مشي الناس فيه، حتى ذلّلوه وأثروا فيه .(3)

وقال الجوهري : إنما سمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله تعالی (4)، وأوحي إليه وأبوه يرذ حي قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الكِتب إدريس


1) أبو حيان البحر المحيط، ج 7، ص 267

2) ينظر: ابن فارس أبو الحسين أحمد بن زكريا القزويني الرازي (ت: 395هـ/

3) الأنباري، أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار (ت: 328هـ/ 940م)، الزاهر في معاني كلمات الناس تحقيق : حاتم صالح الضامن مؤسسة الرسالة، (بيروت : 1992م)، ج 2، ص 129

4) الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد الفارابي (ت : 393هـ/1003م)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور ،عطار، دار العلم للملايين، ط4 (بيروت : 1987م)، ج 3، ص 297

إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ) (1)، وقال الشيخ الصدوق " العلة التي من أجلها سمى إدريس إدريسا علیه السلام ... وإنما سمي إدريس لكثرة ما كان يدرس من حكم الله عز وجل وسنن الإسلام "(2)، واضاف الطوسي : وإنما سمي إدريس لكثرة درسه للكتب وصحف آدم وشيت وابنه أنوش (3)، وكان يحفظها عن ظهر قلب وكانت صحف آدم واحدا وخمسين صحيفة وصحف شيث عشرين صحيفة وصحفه ثلاثين صحيفة، وكان يحفظ الجميع ويدرسه (4).

وقد استعمل هذا المعنى لمن يقوم بتعلم العلوم وتذليلها وبكثرة تکرارها قسمي بالدارس بمعنى الفاهم والحافظ ؛ لأن مادة درس تستلزم التمكن من المفعول فلذلك صار درس الكتاب مجازاً في فهمه واتقانه والدراسة مصدر اخص من القراءة " وَقَالُوا: دَرَسَ الْكِتَابَ إِذَا قَرَأَهُ بِتَمَهُلٍ لِحِفْظِهِ، أَوْ لِلتَّدَبُّر "(5)، إذ يتضمن معنى الحفظ والفهم والتدبر


1) سورة مريم : الآية : 56

2) الشيخ الصدوق، ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابوية القمي (ت: 381هـ / 991م) علل الشرائع، تعليق : فضل الله الطباطبائي اليزدي، المطبعة العلمية (قم : 1891م)، ج 1، ص 37.

3) ابن طاووس، رضي الدين ابي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد الحسيني ت : 664هـ/ 1266م، فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم، منشورات الضي، (تم : 1944م)، ج 1، ص 16.

4) الفيروزآبادی، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب (ت: 817هـ / 1511م)، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق: محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة : 1973م)، ج 6، ص 51؛ القنوجي، فتح البيان، ج 7، ص 171؛ ابن الوردي، سراج الدين أبو حفص عمر بن المظفر البكري القرشي المعري ثم الحلبي (ت: 852هـ / 1448م)، خريدة العجائب وفريدة الغرائب، تحقيق : انور محمود زناتي، مكتبة الثقافة الإسلامية (القاهرة: 2008م)، ج 1، ص 395 الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 82

5) ابن عاشور، ، التحرير والتنوير، ج 3، ص 295.

اما القراءة فقد لا يكون فيها حفظ وفهم اي مجرد ترديد (1).

قال السيوطي : " اشتقاق إدريس من الدرس "(2)وَإِنَّ إِدْرَاسَ، لغه فِي إِدْرِيسَ ، كَإِبْرَاهَامَ فِي إِبْرَاهِيمَ " (3)، وإدريس قد صبر على دراسة الكتب (4)، وسُمِّيَ إِدْرِيسَ لِكَثْرَةِ دَرْسِهِ الْكُتُب (5)، وقوله عز وجل :( واذكر في الكتب إدريس ) يعني : خبر إدريس علیه السلام ، إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ، يعني : صادقاً يُخبر عن الله عز وجل (6)، وذكر عن وهب بن منبه أنه قال:" إنما سمي إدريس لكثرة ما يدرس من كتاب الله عز وجل والسنن، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة ، وهو أول من لبس ثوب القطن، وكانوا من قبل ذلك يلبسون جلود الضأن، واسمه أخنوخ ، ويقال: إلياس " (7)، موضع اليأس (8).

وذهب ابو حيان التوحيدي إلى ابعد من ذلك بقوله : "وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى إِدْرِيسَ فِي تِلْكَ اللُّغَةِ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ مَعْنَى الدَّرْسِ، فَحَسِبَهُ الْقَائِلُ مُشْتَقًا مِنَ الدَّرْسِ، وَالْمَكَانُ الْعَلِيُّ شَرَفُ النُّبُوَّةِ وَالزُّلْقَى عِنْدَ اللَّهِ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً انْتَهَى، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ وَهُوَ


1) حمود اسماء الانبياء، العدد : 3 مج 3، ص 37.

2) السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت: 911هـ / 1506م)، نواهد الأبكار وشوارد الأفكار (حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي)، جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين الرياض : 2005م)، ج 2، ص 188.

3) ينظر: این عطية المحرر الوجيز، ج4، ص 484 أبو حيان، البحر المحيط، ج9، ص 121.

4) التناري بلدا، مراح ليد لكشف معنى القرآن المجيد، ج 2، ص 59 ج2، ص59.

5) البغوي معالم التنزيل، ج 3، ص 228

6) ابن الجوزي الثبات عند الممات ص 86 ؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 4، ص 135.

7) ينظر : السمرقندي بحر العلوم، ج 2، ص 379 ابن الجوزي الثبات عند الممات ص 86.

8) ابن عجيبة البحر المديد، ج4، ص616.

رَفْعُ النُّبُوَّةِ وَالتَّشْرِيفِ وَالْمَنْزِلَةِ فِي السَّمَاءِ كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ "(1)، ويجوز أن يكون معنى إِدْرِيسَ في تلك اللغة قريبا من ذلك ، فحسبه الراوي مشتقا من الدرس ، المكان العلى : شرف النبوّة الزلفى عند الله (2)، وقيل سمى إدريس لكثرة درسه كتاب الله تعالى واسمه أخنوخ سبط شيث وجداً ابي نوح (3).

ويؤكد البعض ذلك : ومما يعزز اشتقاقه ووجه تسميته بذلك كون حروف اسمه غالبها من مادة عربية (درس) أو انه عرب فوافق هذا الجذر، والقرآن الكريم بلا شك يراعي تسمية أسماء الإعلام ما يتناسب مع أدوارهم في الحياة (4).

وهناك من فُسر اختلاف مسماه بأن الاسم العربي إدريس علیه السلام هو ترجمة لمعنى الجذر المشتق عنه الاسم الوارد في التوراة ، فالجذر العربي المرادف هو إدريس والاسم إدريس علیه السلام مشتق من (درس) يعني : الدارس الحاذق الذي درس لغيره وعلمه (5).

وذهب أكثر اللغويين والمفسرين الى ان إدريس اسم أجنبي وليس عربياً مشتقاً، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية (6)، لكنهم عندما ذكروا معناها قالوا : انه مشتق من الدرس والدراسة بمعنى القراءة سمي


1) أبو حيان البحر المحيط، ج 7، ص 267

2) القمي ابي الحسن علي بن ابراهيم تفسير القمي (بيروت: د.ت)، ج26، ص 6.

3) البسنوي، علاء الدين علي دده السكتواري (ت : 998هـ / 1580م)، محاضرة الاوائل ومسامرة ،الاواخر المطبعة الميرية ببولاق القاهرة : 1883م)، ص 6.

4) حمود، اسماء الانبياء، العدد : 3، مج 3، ص 37.

5) البدراوي، رشيد قصص الانبياء والتاريخ (القاهرة: 1996م)، ج 2، ص 45

6) ينظر: الفیروزآبادی، القاموس المحيط، ج 1، ص 544 الخالدي، صلاح قصص القرآن (عرض وقائع وتحليل احداث) دار القلم (دمشق : 1998م)، ج4، ص 91.

به لكثرة ما درس من كتب الله عز وجل (1)، وسنن الدين (2)فذكر صاحب غرائب القرآن "وأما إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مرارا في آدم ويعقوب وغيرهما. وقيل: افعيل من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله ، ولعل معناه بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقا منها " (3)، وكذلك إبليس أعجمي وليس من الإبلاس كما يزعمون ، ولا يعقوب من العقب ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت ، ومن لم يحقق ولم يتدرب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات ، ويجوز أن يكون معنى إِدْرِيسَ في تلك اللغة قريبا من ذلك، فحسبه الراوي مشتقا من الدرس (4).

وقد ناقش الزمخشري في كشافه الذين قالوا بأنه عربي مشتق " قيل : سمى إدريس لكثرة دراسته كتاب الله عزّ وجل، وكان اسمه أخنوخ ، وهو غير صحيح، لأنه لو كان أفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية، فكان منصرفا، فامتناعه من الصرف دليل العجمة " (5).

يتضح مما سبق إن معنى إدريس هو الجذر العربي المرادف لدرس


1) ينظر: الفارابي، أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن الحسين (ت : 350هـ / 962م)، معجم ديوان الأدب، تحقيق: أحمد مختار عمر مراجعة : إبراهيم أنيس مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر، (القاهرة : 2003م)، ج ا ص 295 حمود جاء اسماء الانبياء، العدد : 3 مج 3، ص 37.

2) ينظر : المسعودي أخبار الزمان ص 77 الزمخشري الكشاف، ج3، ص 25

3) الفارابي، معجم ديوان الأدب، ج 1، ص 278.

4) الزمخشري الكشاف، ج3، ص 23-24

5) ينظر : الزمخشري، الكشاف، ج 3، ص 2423 النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري (ت: 733هـ / 1333م)، نهاية الأرب في فنون الأدب، دار الكتب والوثائق القومية (القاهرة: 2002م) ج 13، ص 40 القنوجي فتح اليان، ج7، ص 171.

والاسم إدريس مشتق من درس بمعنى الدارس الحاذق الذي درس لغيره وعلمه وهو يساوي في المعنى اسم اخنوخ الوارد في التوراة المشهور ان إدريس هو الذي علم المصريين العلوم والحساب والنجوم والسياسة فضلا عن التعاليم الدينية فضلا عن التعاليم الدينية وعقيدة البعث للحياة الآخرة (1).

ثانياً : الأسماء التي أطلقت على النبي إدريس :

اختلفت مسميات إدريس علیه السلام والقابه باختلاف الشعوب والترجمات حتى قاربت العشرين اسماً من أبرزها إدريس علیه السلام الوارد في القرآن الكريم الذي يعني الدارس والمتعلم ، وحنوخ في العبرية واخنوخ في الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل ) وهرمس الحكيم في المصرية القديمة واليونانية، غير أن جمي المسميات تلك ترمز إلى شخص واحد وهو إدريس علیه السلام (2).

يعد النبي إدريس علیه السلام من الأنبياء الذين يكتنف معارفنا عنه الكثير من الغموض؛ بسبب ندرة الكتابات عنه على الرغم من مكانته العالية التي ذكرها الله (عز وجل) في كتابه العزيز، حيث ذكره المولى عز وجل ووصفه بالرفع اليه بقوله تعالى : (وَاذْكُرْ فِي الكِتَبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَليًّا ) (3)، فهو اول نبي مرسل بعد آدم علیه السلام عاش فترة ما قبل الطوفان وقبل نوح علیه السلام (4).


1) البدراوي قصص الانبياء، ج 1، ص 49.

2) حمود، اسماء الانبياء، العدد : 3 مج 3، ص 37.

3) سورة مريم : الآيتان : 56-57

4) ينظر: الزرقاني شرح الزرقاني ج12 ص 322 ،درویش نبي الله إدريس ،ص 11.

1 - أخنوخ

نالت شخصية (اخنوخ) شهرة كبيرة ، ولا سيما في مصر حيث نسب اليه الناس الكثير من الأقوال والحكم والكتب ووصل الأمر إلى درجة إن أو هرمس بات مصريا (1)، وهو شخصية توراتية هو سابع اباء اخنوخ العهد القديم ، هو ابن یارد ووالد متوشالح (2)، بعد ان سار اخنوخ الشيتي 365 سنة الرب أي عاش حياة ورعه نقل من الأرض (3)، أدى اخنوخ دوراً كبيراً في الاخبار اليهودية اللاحقة التي تركت بصماتها في العهد الجديد ولا سيما في سفر اخنوخ (4)، الذي امتدح ایمان اخنوخ (5)، وكذلك امتدح في القرآن الكريم إذ روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة ، وأنه أول من خط بالقلم وخاط ونظر في علم النجوم والحساب، إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (6).


1) زکار ،سهيل المحذوف من الثوراة كاملاً دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع (بيروت : 2006م)، ص 8

2) ينظر اليعقوبي، احمد بن ابي يعقوب بن جعفر بن وهب بن ابي واضح (ت : (292هـ 905م ) تاريخ اليعقوبي دار صادر (بیروت: 1060م)، ج 1، ص 11؛ / عبودي ،هنريس، معجم الحضارات السامية، ط2، دار جرنس برنس (طرابلس : 1991م)، ص 52-53

3) التكوين :5 -18 24 لوقا 3 37

4) سفر اخنوخ : احد اسفار كتاب العهد القديم ( الأبوكريفية) مترجم عن الحبشية، وقد عثر على مقتطفات منه باليونانية واللاتينية والارامية في مغار قمران يرجع تاريخ هذا السفر الى القرنين الاول والثاني قبل الميلاد وهو من عمل عدة مؤلفين اسلوبه رؤيوي وفيه ذكر للمعارف الدارجة فيها ولا سيما ما يتعلق منها بعلم الفلك، ينظر : يهوذا : -1514 الفعالي، الخوري ،بولس المحيط الجامع في الكتاب المقدس والشرق القديم، المكتبة البولسية ، ط2 (بيروت : 2990م)، ص 43

5) عبودي، معجم الحضارات السامية، ص 53.

6) البيضاوي أنوار التنزيل، ج4، ص 13 الحويزوي الشيخ علي بن جمعة العروسي (ت : 1112هـ / 1700م) تفسير نور الثقلين، تحقيق: علي عاشور، مؤسة التاريخ العربي (بيروت: د.ت ) ج9 ص 206؛ ابن الجوزي ،المدهش، تحقيق: مروان قباني ،ط2 دار الكتب العلمية، بيروت : 1985م)، ص 52

لم يرد في التوراة والإنجيل اسم إدريس ، وورد ان اسمه في التوراة (اخنوخ): "أخنوخ أحسن خدمة الله فرفعه الله اليه (1)، وذكر أيضاً عند اليهود ( حنوخ) (2)، وفي الكتابات اللاتينية (اينوخ)(3)، واسمه باليونانية (طرميس) (4)، و(أخنوخ) وفي الترجمة العربية للتوراة، وهو ابجهد وابن جهد وبوذا سيف عند الفرس (5)

الباقية عن القرون الخالية (بيروت : 1878م)، ص 204.

، في المصرية القديمة (حنوك) يعني المقرب أو الخليل أو المنعم عليه (6)، واخنوخ معنى اسمه : تكريس وقد كان اسماً على مسمى (7)، وأخنوخ وهو سليل يث بن آدم عاش في شركة مع الله حتى ان الكتاب المقدس لا يقول انه مات بل ان " الله نقله " الله نقله " (8)، اخنوخ هو ابن قايين ووالد عيراد في لائحة الشيتين (9).

مما تجدر الإشارة إليه إن لفظ الاسم في الأصل العبري (حنوك) ومعناه مكرس أو محنك ويترجم في العربية وهو نفسه اسم الابن الأكبر لقابين (حنوك) ابن يارد وابو متوشالح وهو السابع من آدم من نسل شيث "وَتَنَبَّا عَنْ هَؤُلَاءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابِعُ مِنْ آدَمَ قَائِلاً : هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فی رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ " (10).


1) ينظر: المسعودي ، اخبار الزمان ص 79 ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 304

2) التكوين 5: 24

3) التكوين :124185 الايام 3 : 41

4) ابن عاشور التحرير والتنوير، ج16، ص131.

5) البيروني ابو الريحان محمد بن احمد الخوارزمي (ت: 440هـ / 1048م)، الاثار

6) سجيف قاموس عبري ص 579

7) ذكي فريد شخصيات من الكتاب المقدس دار الاخوة للنشر،( بيروت : 2008)م، .6-5

8) التكوين :5 22 العبرانيين 11 : 5 موسوعة الكتاب المقدس دار منهل الحياة (بیروت : 1993م)، ص 11.

9) التكوين 5 1-25

10) يهوذا : 14.

اما القرآن الكريم ذكر إدريس علیه السلام وعده في زمرة من ذكرهم القرآن من النبيين والصديقين (1)، ولا خلاف في ذلك فعندما اطلق القرآن الكريم عليه اسم إدريس راعى تعريبه لكي ينسجم مع لغة الذين انزل عليهم القرآن ويكون معناها يدل على الدرس أو التعلم في اللغتين فعلى الرغم من اختلاف الالفاظ فان المسمى يبقى واحداً (2)، وقال ابن إسحاق :" واسمه أخنوخ ، وقيل: إنه أخنوخ "(3)، وهو ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم علیه السلام (4)، قال الفيروزبادي تحت باب : بصيرة في ذكر إدريس علیه السلام :" واسمه بالسريانية خنوخ ويُقال أخنوخ، ومعناه كثير العِبادة (5)، وذكره ابن النديم: أخنوخ وهو إدريس علیه السلام" (6).


1) ابو سعدة، العلم الاعجمي، ج 1، ص 224

2) حمود أسماء الانبياء، العدد : 3 مج 3، ص 37.

3) ينظر : اليعقوبي تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 11؛ الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 170 171 المسعودي مروج الذهب ومعادن الجوهر، دار الفكر (بیروت: د.ت)، ج 1، ص 73 ؛ الثعلبي ابو اسحاق احمد بن محمد بن ابراهيم ت : 427هـ / 1036م)، قصص الانبياء المسمى بـ (عرائس المجالس)، (بيروت : دت ص 50 ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الامم، ج1، ص 233؛ ابن الجوزي مرآة ،الزمان ص 297 ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري (ت: 630هـ/ 1233م)، الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، (بیروت : 1997م، ج1، ص 62 ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي البصري الدمشقي (ت : 774هـ / 1372م)، البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري فهرست : عبد الرحمن الشامي، دار إحياء التراث العربي (بيروت : 1988م)، ج1، ص 99.

4) أبن الجوزي مرآة الزمان ص.297

5) ينظر : الفيروزآبادي بصائر ذوي التميز، ج 6، ص 51.

6) ابن النديم أبو الفرج محمد بن إسحاق بن محمد الوراق البغدادي المعتزلي الشيعي (438هـ / 1046م)، الفهرست، تحقيق : إبراهيم ،رمضان ،ط2 دار المعرفة، (بيروت : 1997م)، ج 1، ص 38.

وهناك بعض المؤرخين عَدَّ ان اسم إدريس هو "أخنوخ " اسم عبري معناه "مُكَرَّس" أو "محنك " ولفظ الاسم في الأصل العبري هو نفس الاسم "حنوك" في الترجمة العربية وهو ابن يارد وأبو متوشالح؛ عاش ثلاثمائة وخمساً وستين سنة، وفى القرآن الكريم " إدريس "، ويربط الكثيرون من المؤرخين بينه وبين المعبود المصرى ، أوزوريس " (1).

وأورد ابن فاتك معنى التسمية اخنوخ " يَارَدُ بِيَاءِ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا، وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَحَنُوخُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَنُونٍ بَعْدَهَا وَاوّ ، وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَقِيلَ بِخَاتَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ " (2)، ويعني في الكنعانية المنتمي الى ديانة في لائحة القينيين (3)، واسمه في التوراة العبرية (خنوخ) وفي الترجمة العربية (اخنوخ)(4)، وفي اللغة اخنوخ هي إدريس فقد علمت ان الادريس هو الدارس الفاقه الحاذق ، واشتقاق إدريس من الدرس يرده منع صرفه ، نعم لا يبعد أن يكون معناه يكون معناه في تلك اللغة قريباً من ذلك فلقب به لكثرة درسه (5)، اما اخنوخ فأصلها العبري (حنوك) التي تنطق كافها خاء، فان اصلها العبري هو (حنوك) وفي العبرية اذا جاءت الكاف بعد حرف متحرك أو معتل تنطق خاء، أي ان حنوك تصبح حنوخ، وكلمة حنوك العبرية مشتقة من حنك وعي تقابل الحنكة في العربية بمعنى الثقافة وحسن التدبير وحنك العبرية فقهه وثقفه فهو حنوك أي حنوخ أو اخنوخ (6)، والرجوع الى الاسم الاجنبي الى


1) ابو سعدة العلم الاعجمي، ج1، ص 224

2) ابن فاتك ، ابو الوفاء المبشر عبد الله بن محمود بن محمد (500هـ / 1106م)، مختار الحكم ومحاسن الكلم، تحقيق : عبد الرحمن البدوي المؤسسة العربية، (بيروت : 1980م)، ص 10.

3) التكوين :4 17-24

4) النجار، عبد الوهاب قصص الانبياء (القاهرة : د.ت)، ج 1، ص 24

5) البيضاوي أنوار التنزيل، ج4، ص 13

6) ينظر: ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 1، ص 55؛ ابو سعدة، العلم الاعجمي، ج 1، ص 224 البدراوي قصص الانبياء، ج1، ص49

جذره ثم ترجمة الجذر أو اخذ المرادف في اللغة العربية واشتقاق الاسم منه فيكون للاسم العربي نفس معنى الاسم الاجنبي (1)، فهي عندهم حنوخ عربها العرب الى اخنوخ ، اما معنى حنوك العبرية هذه فهي المفعولية من الفعل العربي أي فقهه وثقفه وعلمه فهو المحنك المحنوك (2)، وقد جاء إدريس في القرآن الكريم على الترجمة لا غير تحاشيا لثقل اخنوخ التي شهر بها هذا الاسم العلم قبل القرآن (3).

اما لماذا كانت إدريس ممنوعة من الصرف في القرآن فبهذا من اعجاز القرآن الذي لم يفطن اليه الزمخشري وغيره من المفسرين والذين لم يستطيعوا الجمع بين عربية هذا الاسم في لفظة وبين عجمته في اصله الاعجمي وكأنه يوصيك بأن تتلمسه في اخنوخ لا في نبي مجهول من اسماعيل (4)، وَاسْمُهُ أَخْنُوخُ (5)، وأخنوخ- وهو إدريس عليه الصلاة والسلام -ويقال له : هرمس، وكان الملك في ذلك الوقت محويل بن أخنوخ بن قابيل ، وتنبأ إدريس عليه الصلاة والسلام وهو ابن أربعين سنة، وأراد به الملك سوءا فعصمه الله تعالى وأنزل عليه ثلاثين صحيفة (6).

واعلم أنّ الخلاف الذي في ضبط هذه الأسماء إنما عرض في


1) ابو سعدة، العلم الاعجمي، ج 1، ص 224

2) ينظر: ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 1، ص 55 ابو سعدة، العلم الاعجمي، ج 1، ص 225

3) ابو سعدة العلم الاعجمي، ج1، ص225.

4) المصدر نفه، ج 1، ص 226

5) البغوي معالم التنزيل، ج 3، ص 228

6) ينظر: مسلم النيسابوري ابن الحجاج أبو الحسن القشيري (ت: 261هـ / 874م) ، صحيح مسلم (المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي (بيروت : د.ت)، ج 2، ص 598؛ الألوسي روح المعاني، ج 3، ص 366.

مخارج الحروف فإنّ هذه الأسماء إنّما أخذها العرب من أهل التوراة و مخارج الحروف في لغتهم غير مخارجها في لغة العرب ، فإذا وقع الحرف متواسطا بين حرفين من لغة العرب فتردّه العرب ، تارة الى هذا وتارة الى هذا، وكذلك إشباع الحركات قد تحذفه العرب إذا نقلت كلام العجم، فمن هاهنا اختلف الضبط في هذه الأسماء (1)

يتضح ما سبق ان معنى إدريس في القرآن هو (اخنوخ) في التوراة يرد بالقطع الى يهود من اهل الكتاب عرفوا ان إدريس في العربية تكافيء اخنوخ في العبرية وربطوا بين ما جاء في القرآن عن إدريس " ورفعناه مكاناً علياً " وبين ما جاء في سفر التكوين في شأن اخنوخ ابي متوشالح : "وَعَاشَ أَخْنُوخُ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةٌ، وَوَلَدَ مَتُوشَالَحَ، وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ بَعْدَ مَا وَلَدَ مَتُوشَالَحَ ثَلَاثَ مِئَةِ سَنَةٍ وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ ، فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامٍ أَخْنُونَ ثَلَاثَ مِئَةٍ وَخَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةٌ، وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ. وَعَاشَ مَتُوشَالَحُ مِئَةً وَسَبْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةٌ، وَوَلَدَ لامك "(2).

ان سيرته "اخنوخ " مع الله يفيد بذاته الدارس والادريس تفيد "الصديقة" التي في قوله عز وجل : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نبیا ) (3)وعبارة ولم يوجد لان الله اخذه نجد صداها في قوله تعالى : (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) (4)، ولم يقطع القرآن في شان اي نبي على ارتفاع مكانهم الا في ادريس وهذا يدلل على انه ارتفاع سمي الموضع حقيقة لا مجازا لا يستثنى من هذا الا عيسى علیه السلام في قوله تعالى: (إذ


1) ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر، ج2، ص7.

2) التكوين 5 21-25

3) سورة مريم : الآية : 56

4) سورة مريم : الآية : 57

قال الله يَعِيسَى إني مُتَوَفِّيك ورافعك إلى ومظهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَى مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (1)ولهذا كل فنحن مع القائلين بان اخنوخ في التوراة هو نبي الله ادريس علیه السلام والله عز وجل بغيبه اعلم (2).

اما المستشرقون المنكرون الوحي على القرآن(3)، فلم يقولوا بهذا ولم يلتفتوا الى وحدة المعنى في إدريس واخنوخ وانما ذهبوا يتلمسون لاسم إدريس نظيراً اعجمياً في أقاصيص اهل الكتاب، فلما عياهم البحث رأى بعضهم ان اقرب الاسماء اليه اندرياس اليوناني وهذا عبث لا يليق بنا الالتفات اليه ، ناهيك عن مناقشته والافاضة فيه (4).

• الرواة اليهود وتطويع شخصية اخنوخ لخدمة الاحداث اليهودية :

تتدخل الرؤية اليهودية لقصة اخنوخ لتثبت النظرة الاستعلائية لليهود بتفردهم وتميزهم عن العالم اجمع، فنجد الرواة والقصاصين اليهود يقومون بتطويع قصة اخنوخ لخدمة اهدافهم واظهار انهم السادة في نهاية الزمان (5)، وحتى عبد الله بن عباس وغیره روی عدداً من الروايات عن إدريس وكان يرجع في رواياته الى اهل الكتاب الذين اسلموا فيأخذ


1) سورة آل عمران : الآية : 55

2) ابو سعدة، العلم الاعجمي، ج 1، ص 224.

3) للمزيد، ينظر : الحسيني، محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الوحي المحمدي، دار الكتب العلمية، (بيروت : 2005م) ص 25 ماضي محمود الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع ( الاسكندرية : 1996م)، ص 46

4) ابو سعدة، العلم الاعجمي، ج 1، ص 225

5) درويش ني الله إدريس، ص80.

عنهم بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل في كثير من المواقع الواردة في القرآن وفصلت في التوراة والإنجيل وهذا المواقف للقرآن هو من بقايا الوحي (1)

سعد احمد حطيط، عالم الكتب (يروت : 1992م)، مج 1، ص 58.

.

وفسر اليهود الربانيين للعهد القديم (المدارش)(2)، ما ورد في سفر التكوين بشأن اخنوخ : ان اخنوخ كان موجوداً منذ بدأ الخليقة، وانه كان يزور الهيكل في عيد الحانوكاه (3)، وفي اعياد اخرى كالفصح ، وكان يعلم ويرشد الانبياء مثل ايليا واشعياء وزكريا (4).


1) ينظر : الثعلبي عرائس المجالس ص 185؛ القرماني، أحمد بن يوسف (ت : 1019 هـ / 1610م)، أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ، دراسة وتحقيق : فهمي

2) المدارش : هو تأويل الربانيين للعهد القديم كتبه الشراح اليهود، ويتألف من المواعظ التي القوها في المعابد، وهو التفسير الباطني للاقوال المدونة في العهد القديم، اظافة الى معناها البسيط، متبعين الشرح القصصي على سبيل الوعظ من اهما : مدارش ربا ومدارش تنحوما، ومدارش شيموت ،ربا للمزيد ينظر: الشامي، رشاد، موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية المكتب المصري للتوزيع المطبوعات (القاهرة:2002 )ص 184 .

3) عيد الحانوكاه : هو من من الأعياد القديمة عند اليهود في اخامس والعشرين من الشهر التاسع، ويستمر ثمانية ايام وهو عيد (التدشين) وعرف بهذا الاسم نسبة إلى المناسبة التاريخية وهي دخول اليهود الحشموني أو المكابي للقدس واعادة معه المشعائر اليهودية في الهيكل ومن هنا كانت تسميته بعيد التدشين، وعرف بعيد الشموع لان في هذا العيد اشعال الشموع وهو الطابع المميز للاحتفال بهذا العيد ويستمر اشعال الشموع لمدة اسبوع للمزيد، ينظر: الشامي موسوعة المصطلحات الدينية، ص 135 ظاظا، حسن الفكر الديني الاسرائيلي اطواره ومذاهبه ( الاسكندرية: 1971 ) ص 172 .

4) عيد الفصح : وهو عيد الربيع عند اليهود، وهو ذكرى خلاص اليهود من الاستعباد في في الخامس عشر من نيسان ويحتفل اليهود بهذا العيد فيس كل ارجاء العالم، ويستمر لمدة سبعة ايام ويحرم العمل في اليومين الاول والاخير، وتقام الاحتفالات سبعة أيام، أما الأيام الأربعة الموسى فيتم فيها تناول خبز الفطير، للمزيد فال سحات النينية من 135ء فف. الفكر الديني. ينظر: الشامي من مصفحات

يعتقد اليهود ان اخنوخ سيظهر قبل أن يأتي المسيح المنتظر الذي ينتظره اليهود وفي نهاية العالم ، ومعه كل ملائكة السماوات ويكون هو قائدهم وأنه سوف يظهر في اشكال بشرية مثل إيليا أو اشعيا وغيرهما (1)، لان اسفار العهد القديم لم تخلُ من اشارة الى نبي يأتي في المستقبل ليعيد الى اسرائيل مجدها وعزها (2)، ويعتقدون ان اخنوخ سوف ينزل في فلسطين ومنها سيجوب العالم على اجنحة ألف كملاك كي يقضي على قادة الشياطين في كل العالم ، ويمهد لقدوم المسيح للعالم كي يحارب الاشرار من البشر فقط وأن الملائكة المحاربة الذين سوف يأتون مع المسيح هم انفسهم الملائكة الذين سيقودهم قبل مقدم المسيح وان اخنوخ سوف يعطي المسيح كل الكتب السرية التي علمها لابنائه كي يتغلب بها على اعدائه (3).

اما بالنسبة لرواة المشنا وتصورهم لاخنوخ فيقولون ان الرب خلق العالم بواسطة التوراة التي اعطاها لاخنوخ وبعثه ليسلمها الى موسى في جبل سيناء، وأنه اخبر موسى بأسرار لمك يشأ موسى ان يكتبها حتى يعرفها الا الخاصة من ابناء بني اسرائيل وكان من بينها المشنا والتشريعات الخاصة ببني إسرائيل (4).

ويقول المدارش أيضاً :" إن أخنوخ كان يزور الهيكل اليهودي عدة مرات في الأوقات التي يمر فيها الشعب اليهودي بمعنى أنه كان يبكي على سبي إسرائيل وما يصيبهم من محن ويدعو الرب أن يرحمهم ورفع


1) ينظر : العيد سليمان بن قاسم ، النبوة والانبياء عند اليهود في العهد القديم، جامعة الملك سعود للنشر العلمي والمطابع ، (الرياض : 2003م)، ص 44؛ درويش، نبي الله ادریس ، ص 80

2) ينظر : اشعياء 6 17 69-7

3) درویش ، نبي الله ادريس، ص 80

4) درويش، نبي الله ادريس، ص 80.

عنهم ظلم الأمم الأخرى، ويظهر لهم ليقدم الصبر والسلوان فيما يمرون به من ضوائق وكوارث وجاء أيضاً : إن أخنوخ كان يظهر في العديد من الاشتغال الملائكية لبني إسرائيل ولأنبيائهم، حيث نراه في شكل الرب بأعتباره صلة الوصل بين الرب والأنبياء ، ، احياناً في شكل مبلغ الناموس جديد أو يظهر في شكل نار كما هو الحال في قصة النبي موسى مع شجرة العليقة (1)

درویش ، نبي الله ادریس ، ص 80.

.

يتضح مما سبق انه على الرغم من قدم عهد اخنوخ وأنه ليس من أنبياء بني إسرائيل، إلا أن اليهود لم يتوانوا عن نسبته لأنفسهم وإخبارهم أنه هو المبلغ لموسى بالشريعة اليهودية ؛ وأنه الواسطة بين الرب وموسى ، وكذلك الادعاء بنزوله بفلسطين ، للتمهيد بمقدم المسيح في نهاية الزمان ، ويفسر هذا الكلام الحاجة الوجدانية الدائمية لدى اليهود للخلاص من شعور الاضطهاد الذي يواجههم في كل مكان وإثبات أنهم سادة العالم في نهاية الزمان.

2 - أوزوريس

رجح البعض أن إدريس هو اوزیریس ، ولعل تقارب الاسمين هو


1) شجرة العليقة : وهي شجرة مقدسة توجد بالمكان الذي كلم فيه موسى علیه السلام في وادي طوى في سيناء وَأَمَّا مُوسَى فَكَانَ يَرْعَى غَنَمَ يَتْرُونَ حَمِيهِ كَاهِنِ مِدْيَانَ، فَسَاقُ الغَنَمَ إِلَى وَرَاءِ الْبَرِّيَّةِ وَجَاءَ إِلَى جَبَلِ اللهِ حُورِبَ. وَظَهَرَ لَهُ مَلَالُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَيْقَةٍ. فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَفَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ فَقَالَ مُوسَى: أميلُ الآنَ لأنظر هذَا الْمَنْظَرَ الْعَظِيمَ لِمَاذَا لَا تَحْتَرِقُ الْعُلَّيْقَةُ؟" وكما ظهر في حقيقة النار لموسى في العليقة ولإبراهيم في حقيقة كبش فدى به ولده.... للمزيد، ينظر : الخروج 313 الصرصري أبو الربيع نجم الدين سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي (ت : 716هـ / 1316م)، الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية، تحقيق : سالم بن محمد القرني مكتبة العبيكان، (الرياض : 1999م)، ص 201.

الذي أوحى بهذه الفكرة (1)، وأن إدريس تعريب لكلمة (أوزريس) المصرية القديمة، كما أن يحيى تعريب يحيى تعريب لكلمة يوحنا وكلمة اليسع تعريب لكلمة اليشع ، وأنه هو الذي صيغت حوله أساطير كثيرة فهم يعتقدون أنه صعد إلى السماء وصار له فيها عرش عظيم، وكل من وزنت أعماله بعد الموت فوجدت حسناته ترجح سيئاته فإنه يلحق بأوزريس الذي جعلوه إلها لهم، وقد علمهم العلوم والمعارف قبل صعوده إلى السماء (2).

ولوجود هناك تشابه بين اوزريس وبين إدريس علیه السلام ما ينسبونه الى اوزريس من انه أول من علم الناس الكتابة والطب وعلم النجوم مثل ما فعله إدريس علیه السلام (3)، وبعد اوزيريس من أشهر الارباب المصرية وهو الإله الأكثر شهرة من كل الآلهة المصرية ومن أقدمها كذلك (4)، وينسب اليه كل التطورات التي تحدث على سطح الارض (5)، وقد سيطر سيطرة تامة على الاسطورة الدينية في مصر في مختلف صورها وتطوراتها، واعتقدوا أن أصله كان حاكماً بشرياً فعلاً في الحضارة الباكرة (6)، وعدت الاسطورة اوزريس ملكا على البشر يعلم الناس السلام والعدل ويعلمهم الزراعة والكتابة ولعل هذا مأخوذ عن قصة


1) البدراوي، قصص الانبياء، ج 1، ص 68.

2) سيد قطب، إبراهيم حسين الشاربي في ظلال القرآن ،ط17 دار الشروق، (بيروت القاهرة : 1991م)، ج 4، ص 241.

3) البدراوي قصص الانبياء، ج 1، ص 70.

4) ،آرامور ،روبرت آلهة مصر القديمة واساطيرها، ترجمة: مروة الفقي، مراجعة : محمد بكر، المشروع القومي للترجمة باشراف : جابر عصفور (القاهرة : 2005م)، ص 32.

5) ينظر : البدراوي، قصص الانبياء، ج 1، ص 68 ؛ إرمان، أدولف، ديانة مصر القديمة نشاتها وتطورها ونهايتها في اربعة الاف سنة، ترجمة : عبد المنعم أبو بكر، محمد انور شكري مكتبة مدبولي (القاهرة : 1995م)، ص 71

6) آرامور، آلهة مصر القديمة، ص32.

إدريس علیه السلام ؛ لانه أول من خط القلم فاحبه الناس وكان له دور كبير في صياغة الدين المصري القديم، وهو على يُعدُّ رب النماء والخصب والبعث، كما انه اله الخير والحياة الاخرة السعيدة(1).

يعد اوزريس عند سكان وادي النيل بطلاً ثقافياً علمهم فنون الزراعة والاشغال المعدنية (2)، فحضارة وادي النيل بدأت بإدريس مع إيزيس وأوزوريس، واشار ابن بطوطة إلى هذه الحقيقة معلومة لدى سكان وادي النيل وسكان الجزيرة العربية على السواء (3)، وقد كان لهؤلاء الثلاثة فعلاً فضل على العالم بأسره بنشرهم العلوم الانسانية، فهم من اسس حضارة في مصر في الألف الخامس قبل الميلاد ، علموا الناس الزراعة هناك والملاحة والكتابة والحساب والمدنية الاجتماعية والصناعية ، وعملوا على نبذ الهمجية تأسيس نظام الاسرة والمدنية الاجتماعية (4).

ويصف لنا كتاب الموتى الصفات التي اتسم بها اوزويريس من خلال ترنيمة الخاص به بقوله " المجد لك يا الوزير، إله ابيدوس العظيم ، ملك الخلود وسيد الحياة الابدية ، الاله الذي يمر خلال ملايين


1) ينظر : الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (ت: 413هـ / 1022م ) الاختصاص، منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، (بيروت : 2009م)، ص 25 البدراوي قصص الانبياء، ج 1، ص 68.

2) خشيم علي فهمي الهة مصر العربية الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والعلان، دار الافاق الجديدة الدار البيضاء : 1990م)، مج 1، ص 314.

3) هووك، صموئيل هنري، منعطف المخيلة البشرية( بيروت : 1998م)، ص 55؛ جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية الاسطورة توثيق حضاري، قسم الدراسات والبحوث دار كيوان للطباعة والنشر والتوزيع (دمشق : 2009م)، ص 81.

4) ينظر : ابن بطوطة، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي (ت : 779هـ / 1377م) رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الأسفار، دار الشرق العربي (بيروت) : د.ت)، ج 1، ص 29؛ بشروني سهيل مراد ،مسعودي تراثنا الروحي من بدايات التاريخ الى الاديان المعاصرة، ترجمة : محمد غنيم دار الاقي (بيروت: 2011م)، ص 50-51

السنين في وجودك ، أنت الابن لحرم نوت ، حدد جنسك جب، سليل الآلهة، أنت سيد تيجان الشمال والجنوب، وخاصة التاج الأبيض الأعظم، كأمير الآلهة والرجال تلقيت المذبة والكرباج (شارات الملك) وكذلك كرامة لإبائك المؤلهين، فليرض قلبك الذي في الجبل (في العالم الاخر) ... (1)، وقوله : "الجلال لك أيا ملك الملوك، سيد السادة ، امير الامراء، لقد حكمت العالم... . (2).

لعل القارئ يتساءل: ما دخل نبي الله إدريس علیه السلام وما شأنه باوزريس osinis أول الاله خنوخ (توت) Touth وهما اسمان راسخان في ثقافة المصريين وكثر ذكرهما في البرديات (3).

اعتبر البعض بأن إدريس علیه السلام هو تعريب أوزوريس الذي عبده المصريين القدماء؛ لأن إدريس النبي وأوزيريس الإله، كلاهما عاش بأرض مصر وحكمها، وعلّم الناس فنون الحياة وصعد إلى السماء (4)، رجلان ، كلاهما تربطه المصادر - على تنوعها - بمصر، وتضع كلا منهما في مكان «الملك العادل الملهم من السماء »،وتنسب لكل منهما تعليم الناس أمور بعينها هي الزراعة والتخطيط والكتابة والطب والحكمة ولبس المخيط، وكل منهما أقام المدن وعمّر البلاد وترك الدنيا مرتين، فإدريس عرج إلى السماء ليتعلم ثم هبط ليعلم الناس ثم رُفِعَ أخيرًا، وأوزيريس


1) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، الاسطورة توثيق حضاري، ص 81.

2) ام هرو ،برت كتاب الموتى الفرعوني (من) بردية آني بالمتحف البريطاني)، الترجمة عن الهيروغليفية : السير والس ،بدج الترجمة للعربية والتعليق : فيليب عطية، مكتبة مدبولي القاهرة: 1988م، ص 10-11

3) المصدر نفسه، ص 11.

4) أبو خليل، شوقي، أطلس القرآن أماكنُ ،اقوام ،اعلام)، دار الفكر المعاصر، (بيروت : 2003م)، ص 17

قُتِلَ ثم بُعِثَ ثم رُفِعَ إلها، وكلا من الجبتانا وسفر أخنوخ يتلقى بطله وعدًا إلهيا بأن يقوم شهيدًا على الناس يوم الحساب ، وأورث إدريس مُلكه ومكانته لابنه متوشالح ، بينما أورث أوزيريس نفس التركة لابنه حورس (1)

،جويجاتي اشراف : جابر عصفور المركز القومي للترجمة (القاهرة: 2010م) ص 83 بشروني تراثنا الروحي ص 50-51

.

يعد أوزوريس كأب رباني لشعب مصر النيل وهو بمثابة آدم الأب الأول المعلم للإنسانية، وتسجل الأسطورة في جانب منها وصية الأب المعلم الأخيرة لأبنائه حورس بإشعال الحرب بلا هوادة مع بإشعال الحرب بلا هوادة مع الشيطان المسمى فعله مع عندهم "سيت" فحين يسأل الاب ابنه : ما انبل ما تتمنون فعله الشيطان؟ فيقولون: نحاربه بضراوة وننتقم منه جزاء لما فعل في ابوينا (2).

لا يستطيع احد ان يتجاهل الارهاصات التي شهدها وادي النيل في الالف الرابع قبل الميلاد بولادة حضارة انسانية والخروج من حالة التخلف والهمجية بقيادة الملك الصالح اوزويریس وزوجته ايزيس (3)، وبمعاونة المعلم الرباني تحوت وهو النبي ادريس الذي احدث نقلة نوعية لاهل تلك البلاد بتعليمهم الكتابة وعلوم الحساب والهندسة والمساحة والعمارة، وهو كغيره من الانبياء لا بُدَّ انه وظف هذه العلوم في الدعوة الى عبادة الله الواحد الأحد، ونشر الأخلاق والفضيلة فالتوحيد موجود في هذه المنطقة منذ ذلك الحين (4).


1) لالویت ،کلیر الفراعنة في مملكة مصر (زمن الملوك الآلهة)، ترجمة : ماهر

2) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، الاسطورة توثيق حضاري ص 81.

3) ايزيس Isis : هي سيدة وادي النيل (مصر) في الألف الخامس قبل الميلاد، تتولى دور محاربة الهمجية وتكريس نظام الأسرة بدلاً من شريعة الامومة، ينظر : نعمة حسن، موسوعة ميثولوجيا وأساطير الشعوب القديمة ومعجم اهم المعبودات القديمة، دار الفكر العربي بيروت : 1999م ص 166 167 نورالدين عبد الحليم الديانة المصرية القديمة (المعبودات)، ط2 (القاهرة: 2010م ص 123

4) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، التوحيد عقيدة الامة منذ آدم، قسم الدراسات والبحوث دار كيوان للطباعة والنشر والتوزيع (دمشق : 2009م )، ص 68

كان النبي إدريس (ازويريس) صاحب الصولجان ورب البلاد وصاحب السيادة والسيطرة وزوجته ايزيس يمثلون فريقاً ثلاثياً متكاملاً، والنبي إدريس يرجع اليه الفضل الاكبر في ارساء قواعد الحضارة والعدالة وسن القوانين الإنسانية والأخلاقية وكرامة الانسان في بلاد النيل وفي غيرها من البلدان (1).

أصبح اوزويرس سيد الحاكمين في مملكة الموتى يتولى حساب الموتى حيث يجازي الاخيار ويعاقب الاشرار ، فقد كانت العقيدة المصرية كبيرة عندهم تسرد الاسطورة مشهد ما بعد موت اوزويريس ورحلته الى دار الأمن ومقر الارواح وعالم الموتى حيث يقيم منتظراً ذريته لحسابهم (2)

الاجتماعية، الاسطورة توثيق حضاري ص 81.

.

نجد في نصوص التراثية القديمة على لسان ايزيس ما يؤكد ذلك، ويشير البعض الى تلك الانجازات ودور النبي إدريس علیه السلام منها : "إنني أنا إيزيس ، عاهلة البلاد جميعاً، لقد تعلمت على يد هرمز وهو (إدريس)، وابتدعت بالاتفاق مع هرمز الكتابة الشعبية حتى لا يكتب كل شيء بحروف واحدة، لقد سننت للناس القوانين، وأبرمت ما لا يستطيع البشر نقضه... لقد أدلت دول الطغاة، وحملت الرجال على حب النساء، وجعلت العدالة أقوى من الذهب والفضة وقضيت بان يرى الناس الحق جميلاً "(3).

ان الدور التعليمي الكبير الذي قام به هؤلاء الثلاثة لم يقتصر على


1) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، التوحيد عقيدة الامة منذ آدم، ص 68.

2) ينظر : نورالدين الديانة المصرية القديمة، ص 112 جمعية التجديد الثقافية

3) ينظر : نورالدين الديانة المصرية القديمة ص 112 جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، التوحيد عقيدة الامة منذ آدم، ص69.

بلاد وادي النيل بل شمل منطقة واسعة حيث كانوا يجوبون الارض ويؤدون واجبهم في نشر العلم والفضيلة، هذا ما نفهمه من كتابة وجدت على قبر اوزوريس تقول : إن أبي هو كورنوس اصغر الآلهة أجمعين ، وأنني انا الملك الذي ادار الحب في انحاء الارض كلها حتى بقاع الهند الخاوية وحتى مناطق الشمال الى منابع الدانوب ، ثم إلى المحيط، إنني انا الابن الأكبر لكرونوس، وقد ولدت جنيناً من بيضة جميلة شريفة وليس في العالم مكان لم ابلغه ، وقد منحت الناس اجمعين ما وجدته "(1).

وسمي الأولون من الأنبياء "ارباباً " من معنى التربية التي مارسوها بالتعليم، كما سموا اصحاب التشريع والصولجان والسلطة سواء من الملائكة أو الملوك "اربابا" ولكن من معنى السيادة والسيطرة (2).

ليس نبي إدريس هو النبي الوحيد الذي انتهى به المطاف الى تأليهة، وهناك نبي مرسل قد الهه اتباعه منذ مئات السنين وحتى يومنا هذا بعد ان حارت عقولهم بعلمه وفعله وتقواه فقال له ربه : (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ ينعيسى ابن مريم و أنت قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُتِيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقِّ إن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَه تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَمُ الْغُيُوبِ ) (3)

آمن المصريون بأوزيريس كواحد من أهم آلهة «التاسوع» الإلهي (4)، وهو بمثابة مجلس سماوي يضم الآلهة الأعلى في


1) ارمان ديانة مصر القديمة ص 560-559؛ جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، التوحيد عقيدة الامة منذ آدم، ص 69.

2) جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية، التوحيد عقيدة الامة منذ آدم، ص 69.

3) سورة المائدة : الآية: 116

4) الناسوع : وهو أكثر المجموعات أهمية وهو شكل مكثف لصيغة جمع العدد ثلاثة ثلاث مرات، وهو مؤلف من (اتوم - شو – تقنوت – جب نوت اوزیر سبت، نفتيس)، ولا يشترط ان يثبت عدد اعضاء التاسوع عند العدد (تسعة) فأحياناً ما يكون (سبعة) فقط في حين نجده في حالات اخرى قد وصل الى العدد (خمس عشرة كما في طيبة للمزيد ينظر ملحق رقم (2) التاسوع المقدس هورنونج اريك ديانة مصر الفرعونية الوحدانية ،والتعددية ترجمة : محمود ماهر طاهر مصطفى ابو الخير مكتبة مدبولي القاهرة : 1995م، ص232 233 نور الدين الديانة المصرية، ج 1، ص 414.

مصر (1)، وكان ملكاً اعطى لشعبه دفعة حضارية بسنه القوانين وتنظيم الزراعة التي تمثلت في نهضة زراعية وثورة حضارية وثورة دينية، ولم يكن لدى المصريين كباقي الآلهة التي عبدوها والتي كانت تأخذ رمزاً لحيوان أو طائر ، بل عبده بشراً مؤلهاً (2).

توجد هناك رابطة بين إدريس وأوزريس ، فإدريس كان مصرياً، عاش في مصر، وأن ديانته تلتقي مع عقائد التوحيد التي نادى بها أوزوريس الى جانب عقائد الخلود والبعث والميزان والصراط والجنة والنار والشيطان ، ويرجعون هذا التشابه أيضاً إلى تزامن الوقت بين إدريس وأوزوريس لأن أوزوريس أقدم الارباب المصرية (3)، كذلك التقاء كل من إدريس علیه السلام وأوزوريس في بناء النهضة الحضارية والتي أكدها المؤرخون ان جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأول الساكن بصعيد مصر وهرمس هو إدريس (4).


1) نورالدین، الديانة المصرية القديمة، ج 1، ص 112

2) قاسم، قاسم عبده بين التاريخ والفلولكور، دار عين للدراسات، ط2، (القاهرة :2001 )

3) فريك تيموتي بيتر ،غاندي متون هرمس حكمة الفراعنة المفقودة، ترجمة: عمر الفاروق عمر اشراف : جابر عصفور، المجلس الاعلى للثقافة، (القاهرة : 2002م)، ص 14 درويش النبي أدريس، ص 89

4) ينظر: ابن جلجل أبو داود سليمان بن حسان الاندلسي (ت : 372هـ / 982م طبقات الاطباء والحكماء، تحقيق: فؤاد ،رشید ،ط2 مؤسسة الرسالة، (بيروت : 1985م ) ص 5؛ قاسم بين التاريخ والفلولكور، ص 66 67؛ درويش، النبي أدريس من 89

في مصادر التأريخ الفرعونية، كان أوزيريس من الملوك الآلهة، وعلم الناس الزراعة والبناء وسائر فنون الحياة، وكان من الآلهة حكموا مصر قبل الملوك البشر، كان أوزيريس هو الملك قبل الأخير منهم، وكان هو من علّم الناس الزراعة ومختلف فنون الحياة وأشهرها لبس المخيط والكتابة، وهو في الرسوم والنقوش المصرية يظهر مرتبا بالزراعة من خلال تصويره راقدًا وعيدان الزرع تبرز من جسده (1).

كان أوزوريس يتلقى من حين لآخر دعوة الآلهة فيصعد إلى السماء ويتعلّم فيها فنون البناء بالحجر والخط بالقلم والزراعة والحكمة وتخطيط المدن، وتصفه بأنّه أول من جعل "الجبتيين " أى المصريين يسكنون البيوت بعد أن كانوا يسكنون الكهوف خوفًا من الوحوش والمسوخ، كما أنّهُ أوّل من شيّد المعابد الضخمة، واهتم بتعليم الطب، وابتكر أدوات الزراعة والرى مثل المحراث والشادوف ، وازدهرت في عهده المدن والصناعات وعرف الناس لبس الأثواب الكتانية، وكان يتلقى وحى الآلهة ويرى الرؤى في نومه، وقد حكم مصر بالعدل حتى قَتَلهُ "ست "(2)

لأوزيريس أنه يتلقى من حين لآخر دعوة الآلهة فيصعد إلى السماء ويتعلم منها فنون البناء بالحجر والخط بالقلم والزراعة والحكمة وتخطيط المدن ، وتصفه بأنه أول من جعل الجبتيين (المصريين) يسكنون البيوت بعد أن كانوا يسكنون الكهوف خوفًا من الوحوش والمسوخ ، كما تنوه


1) ينظر : السمنودي ، مانيتون ، الجبتانا أسفار التكوين المصرية، تحقيق: علي الألفي (القاهرة: د.ت ) ص 41 ،قاسم بين التاريخ والفلولكور، ص 66 67 درویش 67؛ النبي أدريس، ص 89

2) ينظر : آرموار ، آلهة المصرين القديمة ، ص 56 السمنودي، الجبتانا اسفار التكوين المصرية، ج 1، ص 45-46

بأنه أول من شيّد المعابد الضخمة، واهتم بتعليم الطب، وابتكر أدوات الزراعة والري مثل المحراث والشادوف ، وازدهرت في عهده المدن والصناعات وعرف الناس لبس الأثواب الكتانية وكان يتلقى وحي الآلهة ويرى الرؤى في نومه ، وقد حكم مصر بالعدل حتى اغتاله بيت ثم عاد إلى الحياة ثم رفعته الإلهة إلى تاسوعها المقدس، وهو - وفقا للعقيدة المصرية القديمة - قاضي قضاة محكمة الآخرة (1).

وأما إدريس أخنوخ - فهو موضع التجلة والاحترام لدى قدماء المصريين وهو المسمى عندهم (أوزيس) ويزعم كثير من الناس أنه أول من خاط الثياب (2)

ص 66.

، ولبس المخيط، وكانوا من قبل يلبسون الجلود ، وأول من اتخذ السلاح عدة، وقد تقدم قصصه بإسهاب في سورة مريم (3).

ويرى بعض الباحثين فى الآثار المصرية أن إدريس تعريب لكلمة ( أوزريس- أموريس) وهو الذي ألف له المصريون القدماء رواية خلّدت في بطون تواريخهم ، ومنها أنه حصل بينه وبين أخيه تحاسد وشقاق أدى إلى قتله وتقطيعه إربا إربا ، فجمعت امرأته تلك القطع وحفظتها وحنطتها ، واتخذوه إلها بعد أن كان مصلحا عظيما، وهذا القصص الخرافي جعل المصريين يعنون بتحنيط الموتى، وقد أفاد هذا العمل صناعة التحنيط ورقاها حتى صارت مضرب الأمثال في الخافقين، وقد كان الملك والدين في عهد تلك الدولة أمرا واحدا، فالملك يجمع بين شؤون الدين والدنيا، فمن عصى الملك فقد عصى الله، ويعتقدون أن


1) السمنودي ، الجبتانا اسفار التكوين المصرية، ج 1، ص 45-46

2) ابن جلجل، طبقات الاطباء والحكماء، ص 6؛ الديار بكري، تاريخ الخميس، ج1،

3) المراغي، تفسير المراغي، ج17، ص 62.

أوزريس صعد إلى السماء وصار إلى العالم العلوي وله عرش عظيم في السماء، ويتمتع بأعظم الخيرات ، وكل من حفظ جسمه ووزنت أعماله بعد الموت وحكم القضاة وهم اثنان وأربعون قاضيا بأن حسناته غلبت سيئاته - يلحق بأوزريس وهذا النبي الذي جعلوه إلها بعد ذلك هو الذي علمهم العلوم والمعارف وينسبون الفضل فى ذلك إليه. وقد ارتقت الأمة المصرية فى العلوم والمعارف إلى حد لم تصل إليه أمة أخرى لا في القديم ولا في الحديث، وخدمت النوع البشرى خدمة جليلة، فارتفاع إدريس إلى السماء راجع إلى رقى تعاليمه وانتفاع أمته بها، فالنبي بأمته، ومن ثم تجد آثار أمته بادية للعيان ، بعد أن كانت خافية عن الأنظار (1).

ويرى بعض الباحثين فى الآثار المصرية أن إدريس تعريب لكلمة ( أوزريس- أموريس) وهو الذي ألف له المصريون القدماء رواية خلّدت في بطون تواريخهم ، ومنها أنه حصل بينه وبين أخيه تحاسد وشقاق أدى إلى قتله وتقطيعه إربا إربا ، فجمعت امرأته تلك القطع وحفظتها وحنطتها، واتخذوه إلها بعد أن كان مصلحا عظيما، وهذا القصص الخرافي جعل المصريين يعنون بتحنيط الموتى، وقد أفاد هذا العمل صناعة التحنيط ورقاها حتى صارت مضرب الأمثال في الخافقين، وقد كان الملك والدين في عهد تلك الدولة أمرا واحدا، فالملك يجمع بين شئون الدين والدنيا ، فمن عصى الملك فقد عصى الله ، ويعتقدون أن أوزريس صعد إلى السماء وصار إلى العالم العلوي وله عرش عظيم في السماء، ويتمتع بأعظم الخيرات، وكل من حفظ جسمه ووزنت أعماله بعد الموت وحكم القضاة وهم اثنان وأربعون قاضيا بأن حسناته غلبت


1) المراغي، تفسير المراغي، ج16، ص 64.

سيئاته - يلحق بأوزريس وهذا النبي الذي جعلوه إلها بعد ذلك هو الذي علمهم العلوم والمعارف وينسبون الفضل فى ذلك إليه (1).

3 - حورس

اختلف في مسمى إدريس علیه السلام باختلاف الثقافات والديانات المعاصرة لعهده ، كذلك أختلاف الترجمات المروية عنه والتي شكلت من الارامية والعبرية واليونانية والعربية والفارسية وغيرهما، فهو إدريس في القرآن والسنة الشريفة ، وفي المصرية القديمة (حوريس أو هوروس (2))(3).

وهو احد واهم واقدم المعبودات المصرية على الاطلاق ، وارتبط منذ ظهوره بالملكية وشرعية الحكم وذلك باعتباره الوريث الشرعي لابيه (اوزیر) وكذلك فان الملك كان يعني هو (حور) على الأرض وممثلا له على عرش مصر تمثيلا قلبيا أو رمزيا (4).


1) المصدر نفسه، ج16، ص 64.

2) حورس Horus اسمه باللغة المصرية القديمة (حر) أو (حور) وباليونانية (حورس) وبهذا الاسم الاخير شاع ذكره في مراجع المصريات، وكان لعبادته في العديد من الصور وهو أول معبودات المصرية في هيئة الصقر ناشراً جناحيه وعيناه الشمس والقمر، حيث صورا في هذه الهيئة على صلاية الملك وهو يقيد الاسرى وارتباطه بالعديد من الارباب وأماكن العبادة ان صار من الصعب حصر اماكن عبادته،، وفي العصر المتأخر اصبح حورس حاكماً لكل ارض مصر، ينظر : لوركر، مانفرد، معجم المعبودات والرموز في مصر القديمة ترجمة : صلاح الدين رمضان مراجعة : محمود ،ماهر مكتبة مدبولي القاهرة 2000م، ص 121 نور الدين الديانة المصرية، ص 222-221 .

3) ابو الفيض محمود الدين المقارن نهضة مصر، (القاهرة : 1990م )، ص 56

4) اسمه باللغة المصرية القديمة (حر) أو (حور) وباليونانية (حورس) وبهذا الاسم الاخير شاع ذكره في مراجع المصريات، وكان لعبادته في العديد من الصور وارتباطه بالعديد من الارياب وأماكن العبادة ان صار من الصعب حصر اماکن عبادته، ينظر : نور الدين الديانة المصرية ص 222-221

برر البعض ان تلك التسمية جاءت لان حورس هو أكثر الالهة المصرية تعقيداً واضطراباً فعرف خمسة عشراً شكلاً مختلفاً لهذا الاله (1)، واسماء بعض الملوك الاوائل ظهرت تدل على انهم في فترة حكمهم يعتقد على انهم حورس ، وهذا التمازج اعطى للملك القوة والسلطة ليكون الاله على الارض (2).

وتؤكد المصادر والنصوص المصرية ان ملوك مصر في القدم سموا ب (خدم حورس )، وان الاسرة الملكية خصت حوريس بتقديس على جميع الالهة في العصور التاريخية، واصبح حورس قبل كل شيء المثل الاعلى لملك، فهو الاله الذي كان أول من حكم الناس، وكل من اعقبه من الملوك خلفاءه وممثليه (3)، وهو لقب من اعظم الالقاب اما لقبا ملك مصر العليا ومصر السفلى فلم يكونا غير تعيين لوظيفة الدنيوية (4).

يتضح مما سبق على الرغم من اختلاف مسماه باختلاف الديانات والشعوب واختلاف الترجمات الا أن من المتفق عليه انه شخص واحد يحمل ذات الصفات والعلوم الإلهية.

4 - هرمس

اختلف في مسمى إدريس علیه السلام وعرف أيضاً بهرمس وسموه هرمس الهرامسة وهو اسم سرياني ، والهرموس : الصلب الرأي ، المجرب (5)، ويعني الحكيم (6)،فهو هرمس (7)، أو الكائن الإلهي (تحوت أو -


1) آرامور آلهة مصر القديمة، ص 69.

2) المصدر نفسه، ص 71.

3) السيار، قدماء المصريين، ج 1، ص 86-87

4) المصدر نفسه، ج 1، ص 87

5) أبو خليل أطلس القرآن، ص 17.

6) ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 297.

7) السيوطي، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ، تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه (القاهرة: 1967م)، ج 1، ص 30.

توت (1)

، معجم المعبودات ص8584 علي جواد المفصل في تاريخ العرب طه، دار الساقي، (بيروت : 2001م) ، ج 11، ص 317.

)، عند المصريين القدماء وكان كائن الهياً مقدساً عندهم، وهو حنوخ عند اليهود ، واخنوخ في الترجمة العربية للكتاب المقدس (2)، وفي التراث الإسلامي من القاب النبي إدريس علیه السلام حنوك (3)، وعد هرمس المثلث العظمة هو الصورة المحورة للإله تحوت الذي وحده الإغريق مع الإله هرمس، وعندما اتخذ حورس هذا الاسم في زمن متأخر لقي نجاحاً منقطع النظير في الادبيات الهرمسية (4).

يرى البعض أن سبب تعدد اسماء النبي إدريس علیه السلام أن اسم هرمس الذي انتقل مع تعاليمه الى الفرس واليونان والكلدان، ورأى أخر أن بعض تلاميذ هرمس الذين تفرقوا لقبوا أيضاً بالهرامسة تبعاً لمعلمهم (5)، وربط البعض من الكتاب بينه وبين النبي إدريس علیه السلام ربما يكون ذلك ناتجاً عن صفات العلم والحكمة التي ارتبطت في التراث الشعبي بهذا الاله المصري القديم ونظيره الاغريقي، ولان مقام هرمس هو المعادل الاغريقي للاله تحوت (توت) رب الحكمة عند قدماء


1) تحوت :Thoth هو إله مصري ويرمز إليه بصورة ،فرد ويمثله الإله "نيو" عند البابليين، ويمثل توت" هرمس و المريخ" Markus فهو الإله الكاتب. ويوصف عادة باعتباره لسان أو قلب (رع) وباعتباره المختص لحماية (أوزيريس) فقد اصبح أيضا معاوناً للموتى التي ادت بالاغريق الى تشبيه بهرمس للمزيد، ينظر : لوركر،

2) ينظر : لوركر، معجم المعبودات، ص 8584 دروش نبي الله إدريس، ص 11

3) ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 1، ص 57.

4) ينظر : فريك متون هرمس، ص 40؛ حجي طارق، نقد العقل العربي من عيوب تفكيرنا المعاصر، ط2، دار المعارف، (بیروت: د.ت)، ص 44؛ لالويت، الفراعنة في مملكة مصر ص 83.

5) درويش ، النبي ادريس، ص 90.

المصريين (1)، اما عند العرب قبل الإسلام فهو (هرمس) ولفظ (إرمس) وهو اسم عطارد، وسمى هرمس الأول وهرمس الهرامسة (2)، وعندما جاء الإسلام بالتوحيد حاول الكتاب والرواة ان ينسبوا الى النبي إدريس علیه السلام بأن جعلوه احياناً هو هرمس (3)

والفولكلور، ص 51 منير، الاساطير المتعلقة ، ص 53.

، وان اسم إدريس هو اقرب الاسماء لغوياً واشتقاقياً إلى إن يتخذ للدلالة على من عنى بالكتابة والدرس والصحف وهو هرمس (4).

وعلل البعض اسباب تضارب أقوال مؤرخي الإسلام والمفسرين في وصف هذا النبي إدريس علیه السلام أقدم من الإسلام والمسلمين، وقد وقع الخلط في أمره منذ بدأ الناس يكتبون عنه، أو عن الشخصية الاسطورية الأخرى المعروفة بأسم (هرميس)، فإن الكتابات التي كتبت عن هرميس في القرنيين الأولين بعد الميلاد ملأى بالفوضى والاضطراب ولا غرابة في ذلك فقد كان ذلك العصر أفضل عصور الثقافة الهلينية جميعها بأنواع المزج والتلفيق الفكري (5).

عرف هرمس عند الرومان (إرميس) وباليونانية هو (هرماكيس) ثم عرب بهرمس أو إرميس ومعناه عطارد ، وقال آخرون أسمه باليونانية


1) ينظر : قاسم بين التاريخ والفولكلور، ص 51؛ منير عمرو عبد العزيز، الاساطير المتعلقة بمصر في كتابات المؤرخين المسلمين، دار عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية (الجيزة : 2008م )، ص 53

2) ينظر: ابن ،جلجل طبقات الاطباء والحكماء، ص 5؛ علي المفصل في تاريخ العرب، ج11، ص 317.

3) ينظر این جلجل طبقات الاطباء والحكماء، ص 5؛ قاسم بين التاريخ

4) بدوي، عبد الرحمن الانسانية والوجودية في الفكر العربي، مكتبة النهضة المصرية، (القاهرة : 1947م )، ص 167-168

5) ابن عربي محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي (ت : 638هـ/ 1240م) فصوص الحكم تعليق : ابو العلا عفيفي، ط2، دار الكتاب العربي (بيروت : 1980م)، ج 2، ص 44-45 .

(اطرسمين) (1)، وقال الكندي وابن زولاق : كان بمصر هرمس وهو إدريس عليه الصلاة والسلام؛ وهو المثلث لأنه نبي، وملك، وحكيم وهو الذي صير الرصاص ذهبا بصاصا (2)، بينما عُده ابن عربي في فصوص الحكم: "كان هرميس عند الاغريق اسماً لعطارد الذين سموه فيما بعد بأسم (طوط ) الاله المصري القديم المعروف بإله القمر "(3)، وقال آخرون اسمه باليونانية (طرميس) (4)، ويسمونه حنوخ بن يرد بن مهلائيل بن أنوش بن شيث بن آدم علیه السلام (5)، ويسمونه هرمس الحكيم (6).

وتذكر المصادر الإسلامية : " والأقدمون من اليونانيين يزعمون أن أخنوخ هو (هرمس) وهو اسم لإله من آلهة اليونان ويلقب (طريسميجسطيس) أي ثلاثي التعليم لأنه كان يصف الباري تعالى بثلاث صفات ذاتية هي الوجود والحكمة والحياة (7)

والحكماء، ص 6

، والعرب تسميه إدريس "(8)، وذكر ابن جلجل : " أما هرمس ولفظه أرمس ومعنى

1) ابن أبي أصيبعة، أبو العباس موفق الدين أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس الخزرجي (ت: 668هـ/ 1269م)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق : نزار رضا، دار مكتبة الحياة (بيروت: د.ت)، ج 1، ص 32.

2) السيوطي، حسن المحاضرة، ج 1، ص 60.

3) ابن عربي فصوص الحكم، ج 2، ص 44.

4) القفطي، اخبار العلماء، ص 2.

5) القزويني اثار البلاد، ص 69

6) ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 1، ص 50

7) ينظر : المقدسي، المطهر بن طاهر (ت: 355هـ / 966م) ، البدء والتاريخ، مكتبة الثقافة الدينية بور سعيد : د.ت) ج 1، ص 7 ؛ ابن جلجل تاريخ الاطباء

8) ينظر: المقدسي، البدء والتاريخ، ج2، ص 97 ، 147؛ ابن جلجل، طبقات الاطباء والحكماء ص 5؛ الماوردي أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي (ت: 450هـ / 1058م، تفسير الماوردي (النكت والعيون تحقيق السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم دار الكتب العلمية (بيروت : د.ت)، ج 1، ص 16- 17 الشهرستاني أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر احمد (ت : 548هـ / 1153م) الملل والنحل، مؤسسة الحلبي، (بيروت : د.ت)، ج 2، ص 142؛ ابن العبري، أبو الفرج غريغوريوس يوحنا بن هارون بن توما الملطي (ت: 685هـ 1286م) تاريخ مختصر الدول، تحقيق : أنطون صالحاني اليسوعي، ط3، دار الشرق، (بيروت : 1992م، ص 11-12 ،العمري شهاب الدين أحمد بن يحيي بن فضل الله القرشي العدوي (ت : 749هـ / 1348م)، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار المجمع الثقافي،( أبو ظبي : 2002م)، ج 5، ص 278 حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله كاتب جلبي القسطنطيني المشهور الحاج خليفة (ت: 1067هـ / 1657م )، كشف الظنون عن أسامي الكتب ،والفنون مكتبة المثنى (بغداد : 1941م، ج1، ص 25-26

هرمس لقب كما يقال قيصر وكسرى، وَهُوَ اسْم عُطَارِد وَيُسمى عِنْد اليونانيين أطر سمين (1)، وعند الرومان باسم (mercurius) وهو عطارد عند العرب (2)، وتسميه الفرس ايهجل وتذكر الفرس ان جده جيومرث وتسميه العبرانيون خنوخ وهو عندهم ادريس ايضا (3)، ويزعم المصريون القدماء انه نفس الاله (تحوت) وينسبون اليه اختراع كل علم ، ويطلق عليه أيضا إدريس واخنوخ أو خنوخ وارمس وهرمس الهرامسة وهرمس المثلث بالنعمة (4)، وعند الْعَرَب إِدْرِيس وعند العبرانيين


1) ابن عربي فصوص الحكم، ج 2، ص 44-45

2) ينظر : المقدسي البدء ،والتاريخ ج 2 ص 97 147؛ ابن جلجل تاريخ الاطباء ج2، ، ص 5؛ الماوردي، تفسير الماوردي (النكت والعيون)، ج 1، ص 16-17؛ الشهرستاني، الملل والنحل، ج2، ص 142 ابن العبري تاريخ مختصر الدول ص 1211 العمري مسالك الابصار، ج5، ص 278 حاجي خليفة، كشف الظنون، ج1، ص 25-26

3) ينظر : القفطي، جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف (ت : 646هـ / 1248م)، أخبار العلماء بأخيار الحكماء تحقيق إبراهيم شمس الدين دار الكتب العلمية (بيروت : 2005م)، ص 13؛ دخيل، علي محمد علي، قصص الانبياء ، دار المرتضى (بيروت : 2002م)، ص 42.

4) ينظر : المقدسي البدء ،والتاريخ، ج2، ص97 147؛ ابن جلجل، طبقات الاطباء والحكماء، ص 5؛ الماوردي تفسير الماوردي (النكت والعيون)، ج 1، ص 16-17؛ ابن العبري تاريخ مختصر الدول، ص 1211 العمري مسالك الابصار، ج5، ص 278 حاجي خليفة كشف الظنون، ج 1، ص 25-26

أَخْنُوخ وَهُوَ ابْن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عَلَيْهِم السَّلام، ومولده بمضر فِي مَدِينَة منف مِنْهَا "(1)، واعتبر البعض ان إدريس (هرمس) يعني رمز للعقل الانساني في حال تجرده التام عن جميع علاقاته بالبدن ، أو هو العقل المحض المتجه نحو المعرفة الكاملة بالله ، وهذا المعنى قريب الشبه بالصورة التي صور بها اليونان هر مسهم (2).

تزعم الصابئة أنه هرمس الذي بنى عطارد (3)، وتسمي إدريس هرمس ، ومعناه : حكيم الحكماء، وتزعم أنه يملك الدنيا وينزل من السماء، وقد اشار الى هذا أبو العلاء المعري فقال :

إذا دخل الهرماس جلق واليا *** فما كذبت فيما تقولُ الهَرَامَسُ (4)

وهناك من اعتقد ان صورة هرمس الهرامسة وهو إدريس وانه كان رجلا آدم تام القائمة اجلج حسن الوجه كث اللحية مليح الشمائل والتخطيط تام الباع عريض المنكبين ضخمن العظام قليل اللحم براق العينين، كثير الصمت ، ساكن الاعضاء ، اذا مشى نظره الى الارض كثير الفكرة، اذا اغتاظ احتذ بحركة سبابته اذا تكلم ، وكانت مدة مقامه في الارض اثنين وثمانين سنة (5)، وان هرمس الأول وهو أخنوخ إدريس


1) ابن أبي أصيعة عيون الأنباء، ج 1، ص 31.

2) ابن عربي فصوص الحكم، ج 2، ص 44-45

3) المسعودي مروج الذهب، ج 1، ص 30.

4) ابو العلاء المعري ، أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي (ت : 449 هـ / 1057م)، اللزوميات لشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، تحقيق : أمين عبد العزيز الخانجي، منشورات مكتبة الهلال بيروت مكتبة الخانجي (القاهرة : 1923م)، ج 2، ص 16؛ ابن الجوزي مرآة الزمان ص.297.

5) القفطي، تاريخ العلماء، ص 2-4.

النبي صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم كان يسكن الصعيد الأعلى المتصل ببلاد السودان إلى الإسكندرية وحول الناس إليه وأنقذهم من الغرق (1).

قال ابن جلجل :"هرمس المثلث ويقال له إدريس عليه الصلاة والسلام؛ كان نبيا ، وحكيما ، وملكا ، وهرمس لقب كما يقال كسرى وقيصر، وهو أول من تكلم في الأشياء العلوية من الحركات النجومية (2)، وأول من بنى الهياكل ، ومجد الله فيها، وأول من نظر في الطب وتكلم فيه وأنذر بالطوفان؛ وكان يسكن صعيد مصر، فبنى هناك الأهرام والبرابي وصور فيها جميع الصناعات، وأشار إلى صفات العلوم لمن بعدحرصا منه على تخليد العلوم بعده، وخيفة أن يذهب رسم ذلك من العالم (3)، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، ورفعه إليه مكانا عليا (4).

يعد هرمس هو الاله الوحيد الذي كان ذا اثر ضخم في التطور الروحي والعلمي عند العرب، فلم يكن بينهم غيره من بين الآلهة كلهم فمن الطبيعي خصوصاً وهو صاحب الوحي والنبوة فيما يتصل بالمصير والمقدور وطوالع الناس والاحوال الكونية الرئيسية ان يهبوه صفة شرعية بحشره في زمرة الانبياء المعترف بهم في الإسلام (5).

وتزعم العرب أن الهرامسة ثلاثة : الأول : هرمس الساكن بصعيد مصر الأعلى، الذي كان قبل الطوفان (6)، وهو أول من تكلم في علم


1) المقدسي، البدء والتاريخ، ج2، ص 97.

2) ابن جلجل طبقات الاطباء والحكماء، ص5.

3) المصدر نفسه، ص 6.

4) السيوطي، حسن المحاضرة، ج 1، ص 62.

5) بدوي ، الانسانية والوجودية، ص 167-168.

6) ينظر : القفطي، أخبار العلماء بأخيار الحكماء، ص 13 دخيل، قصص الانبياء ص 42.

الهيئة والنجوم والجواهر العلوية (1)، وانذر بالطوفان؛ وذلك انه رأى إن آفة سماوية تلحق الأرض من الماء والنار (2)، وخاف ذهاب العلوم ودرس الصنائع (3)فبنى الأهرام وصور فيها جميع الصناعات والآلات، ورسـم فيها طبقات العلوم حرصاًمنه على تخليدها لمن بعده (4)، والثاني : هِرمس البابلي فإنه من أهل بابل سكن كلواذا مدينة الكلدانيين ، وكان بعد الطوفان، وهو أول من بنى مدينة بابل بعد نمرود بن کوش (5)، والثالث : هرمس المصري فإنه سكن مدينة مصر ؛ وكان بعد الطوفان (6)، وهو الذي يسمى (طريسميجسطيس) أي المثلث بالحكمة ؛ لأنه جاء ثالث الهرامسة الحكماء (7).

أدى هرميس دوراً مهماً في تطور الفكر الهليني المتأخر ونسب إليه عدد غير قليل من الكتب في الحكمة وعلوم الاسرار، كالسحر وعلم النجوم والكيمياء، وبعض هذه الكتب مزيج غريب من الفلسفة الأفلاطونية والفلسفة المصرية القديمة مع شيء من الأساطير اليونانية، فلما فتح العرب مصر والشام وجدوا تلك المؤلفات الهرميسية لا في صورتها الأصلية بل بعد أن عمل فيها التفكير اليهودي عمله وترك فيها


1) المقدسي، البدء والتاريخ، ج 1، ص 7؛ ابن ،جلجل تاريخ الأطباء والحكماء ص 6 ابن ایاس ابو البركات زين العابدين محمد بن احمد الحنفي، بدائع الزهور في وقائع الدهور (القاهرة: 1984م)، ج 1، ص 64.

2) ابن جلجل طبقات الاطباء والحكماء ص 5.

3) الفيروزآبادي القاموس المحيط، ج 1، ص 329

4) ينظر: ابن ،جلجل طبقات الاطباء والحكماء، ص 6؛ ابن العبري، تاريخ مختصر الدول، ، ج 1، ص 7.

5) ينظر : الفيروزآبادي القاموس المحيط، ج 1، ص 329 السيوطي، حسن المحاضرة، ج 1، ص 62.

6) السيوطي، حسن المحاضرة، ج 1، ص 63.

7) ينظر : المقدسي، البدء والتاريخ، ج 1، ص 7؛ ابن ،جلجل تاريخ الاطباء والحكماء، ص 6؛ ابن العبري تاريخ مختصر الدول، ص 11-12

طابعه الخاص وسرعان ما اقتبسوا منها وتمثلوا أفكارها واضافوا الى هذه الأفكار أو نقصوا منها، فبعد أن كان هناك هرميس واحد أصبح الهرامسة عند العرب ثلاثة " أن المصريين القدماء أضافوا الى مهماته مهمة اختبار أرواح الموتى لمعرفة أهليتها واستحقاقها للدخول في فلك الشمس "(1).

5 - الياس

وهناك من ذكر أن إلياس (2)، هو إدريس علیه السلام (3)، وقال ابن


1) ابن عربي ، فصوص الحكم، ج2، ص44-45.

2) وهو الياس بن يس سبط هارون، وقيل إلياس بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران علیه السلام ، بعثه الله تعالى الى اهل يعليك، وكانوا يعبدون صنعاً اسمه بعل بقوله تعالى : (أَتَدْعُونَ بعَلا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ المُخلِقِينَ) وكان طوله عشرين ذراعاً وملكهم يومئذ اسمه اجب واسم امرأته أربيل وكان يستخلفها على ملكه إذا غاب فتحكم بين الناس، وكانت كافرة قتالة للانبياء وقد قتلت منهم خلقاً كثيراً، وهي التي قتلت يخيى بن زكريا علیه السلام ، وكانت بنت ملك صيدا وعمرت دهراً طويلاً وتزوجها سبعة من ملوك بني إسرائيل، وما ملك الا وتقتله بالاغتيال وولدت سبعين ولداً، فلما تمادى قومه في الطغيان دعا عليهم الياس علیه السلام فامك الله تعالى الغيث عليهم ثلاث سنين حتى هلكت مواشيهم ودوابهم، فسألوه أن يدعو لهم فدعا أن يبذروا الملح في الارض ففعلوا فأنبت الله تعالى لهم الحمص، فلما رأوا ذلك لم يؤمنوا ولم يرجعوا عن كفرهم فدعا عليهم مرة ثانية للمزيد ينظر : سورة سبأ : الآية : 125؛ ابن قتيبة المعارف، ص 23 الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 461؛ الثعلبي، عرائس ج1، المجالس ص 223 ابن الجوزي مرآة الزمان ،ج 1، ص 459؛ ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 1، ص 118 ،النويري نهاية الأرب، ج 14، ص 9؛ ابن كثير، البداية ج14، والنهاية، ج 1، ص 337 القرماني اخبار الدول مج1، ص152 الحر العاملي أبو جعفر محمد بن الشيخ الحسن بن الحر (ت : 1104هـ / 693ام)، الدر الملوك في احوال الانبياء والاوصياء والملوك مؤسسة التاريخ العربي (بيروت : 2009م) ص 105

3) ينظر: البخاري ، صحيح البخاري، ج 3، ص 1216؛ ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي البصري ثم الدمشقي (ت : 774هـ / 1372م)، تفسير القرآن العظيم، تحقيق : سامي بن محمد سلامة، ط2، دار طيبة للنشر والتوزيع، (بیروت : 1999م) ج 4، من 20؛ محمد رضا الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي من اعلام القرن الثاني عشر)، تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، تحقيق : حسين در كاهي، منشورات مؤسسة شمس الضحى (طهران: 1967م)، ج8، ص 462

منظور :" والياس : اسْمٌ ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَه : أَراه عِبْرَانِيَّا جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ إدريس وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : وإِن إدريس، مكانَ: وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَمَنْ قرأَ : عَلى إِلْ ياسِينَ ، فَعَلى أَنه جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أولاده أو أعمامه إلياساً فَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَن يقرأ عَلَى الإِلْيَاسِين، وَرُوِيَتْ : سَلَامٌ عَلَى إِدْراسِين روايات عن اسم إلياس في القرآن (1)".

وذكر أبو الفداء ذلك بقوله : وقالوا خمسة من الأنبياء لهم اسمان الياس هو إدريس ويعقوب هو إسرائيل ويونس هو ذو النون وعيسى هو المسيح ومحمد هو احمد صلوات الله عليهم (2)، كان نبياً قبل نوح وقد رفعه الله مكاناً علياً فهو في قلبها الأفلاك ساكن وهو في فلك الشمس ثم بعث إلى قرية بعلبك، وبعل اسم صنم وبك اسم سلطان تلك القرية، وكان هذا الصنم المسمى بعلاً مخصوصاً بالملك، وكان إدريس علیه السلام الذي هو إلياس قد مثل به عن فرس من نار وجميع آلاته من نار، فلما رآه ركب عليه فسقطت عنه الشهوة ، فكان عقلاً بلا شهوة ، ولم يبعد له تعلق بما يتعلق به الأغراض النفسية "(3)

الديار بكري، تاريخ الخميس، ج 1، ص 67.

.

بينما عَدَّه اليهود تحريف اليهود تحريف لـ "إلياهو " العبري وهو اسم علم مذكر يوناني ، والسين فيه مضافة والمعنى: الله الأعلى، وإلهي يهوه، وهو


1) ابن منظور أبو الفضل محمد بن مكرم بن على جمال الدين الأنصاري الرويفعى الإفريقي (ت: 711هـ / 1311م)، لسان العرب دار صادر، ط3، (بيروت : 1993م)، ج6، ص 213

2) أبو الفداء، المولى إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي (ت: 1127هـ/ 1715م)، روح البيان دار الفکر، بیروت: د.ت)، ج 7، ص 481؛ ابن عجيبة، البحر المديد، ج 4، ص 616.

3) ابن عربي فصوص الحكم، ج 1، ص 181 الحنفي، عمدة القاري، ج4، ص 49

اسم مسيحي وإسلامي، حيث ورد في التوراة" إيليا " (1)، وسمّوا به كما أنّه اسم لنبي الله (إيليا بن إلياسين التَّشبي)؛ فقد ولد في تشب شمال فلسطين (2)، وورد ذكر اسمه في القرآن في قوله تعالى: (وَزَكَرِيّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْبَاسَ كُلَّ مِّنَ الصَّلِمِينَ ) (3)، وهو نبي الله الذي وضع في یده رزق قومه ؛ لأنهم أبوا الابتعاد عن عبادة الأصنام، فحبس عنهم المطر لمدّة ثلاث سنوات إلى أن هلكت الماشية والأشجار وتعب الناس لشدة الجفاف ، ثمّ غفر لهم وأرجع لهم الرزق على أمل التوبة لله إلا أنهم أبوا واستكبروا (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (4)هو إلياس بن ياسين من ولد هرون أخي موسى وقيل هو إدريس النبي صلی الله علیه [واله] وسلم وقرأ ابن مسعود رضی الله عنه وَإِنْ إِدْرِيسَ في موضع إلياس (5)، وقد اتصل اسم إلياس باسم مرض السل لأنه توفي بمرض السل، لذلك سمی مى العرب مرض السل بمرض إلياس (6).


1) إيليا : وهو من انبياء العهد القديم لم يترك أي أثر خطي، لكنه اشتهر بشجاعته في الدفاع عن التوحيد في وجه احاب وايزايل في القرن التاسع قبل الميلاد، وورد اسمه إلى جانب اسم موسى في رواية التجلي للمزيد، ينظر : املوك 1:17 17 24 18: 2، 8، 411 19: 1، 8، 219 ملوك 8 27؛ اليسوعي صبحي حموي، معجم الايمان المسيحي اعاد النظر من الناحية المسكونية : الاب جان ،کوریون ،2 دار المشرق، (بيروت : 1998م)، ص 87

2) ملوك 17: 1، 17، 24؛ 18: 2، 8، 11؛ 19: 1، 8، 19؛ 2 ملوك 8: 27

3) سورة الانعام : الآية : 85.

4) صورة الصافات: الآية : 123

5) النسفي أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين (ت: 710هـ / 1310م)، تفسير النسفي مدارك التنزيل وحقائق التأويل، حققه وخرج أحاديثه: يوسف علي بديوي راجعه وقدم له محيي الدين ديب مستو، دار الكلم الطيب (بيروت : 1998م)، ج 3، ص 135.

6) ينظر: ابن سيده أبو الحسن علي بن إسماعيل المرسي (ت: 458هـ / 1066م)، المخصص، تحقيق: خليل إبراهم جفال، دار إحياء التراث العربي، (بيروت : 1996م)، ج 1، ص 485 ابن منظور، لسان العرب، ج6، ص 260.

قَالَ الْبُخَارِيُّ وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاس أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ ادریس(1)،واستأنسوا في ذلك (2)، وعن قتادة وقيل : إِلْيَاسَ ابن ولد إدريس، وقيل إِلْيَاسَ من ولد هارون (3)، بينما ، بينما عُدَّ ابن خلدون "إدريس علیه السلام هو أخو إلياس أو الخضر . (4)، وهي ليست أخوان نسب كما قال القرآن عن مريم : (يَتَأْخْتَ هَرُونَ) (5)، وجاء وصف الأخوة هنا بسبب طول عمره، وجاء في الكتاب أنه هو إلياس وقرئ إدراس (6)، وجاء في معجم المنجد" إن اسم إدريس قد يكون مصوغاً من أندراوس وهو بعيد ، وقال بعضهم أن إدريس علیه السلام وإلياس والخضر


1) ينظر: ابن عطية المحرر الوجيز، ج 4، ص 21 البحصبي، أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون السبني ت : 544هـ (1149م، مشارق الأنوار على صحاح الآثار المكتبة العتيقة ودار التراث (بيروت: د.ت)، ج 1، ص 61؛ ابن قرقول أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن أدهم الوهراني الحمزي (ت : 569هـ/ (1174م) مطالع الأنوار على صحاح الآثار، تحقيق : دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (قطر: 2012م)، جاء ص 385 السمعاني تفسير القرآن، ج 2، ص 122؛ الزمخشري، تفسير القرآن، ج3، 300؛ ينظر: ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي الشافعي العقلاني (ت: 852هـ / 1449م)، فتح الباري شرح صحيح البخاري رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه : محب الدين الخطيب، تعليقات العلامة : عبد العزيز بن عبد الله بن باز دار المعرفة (بيروت : 1959م )، ج6، ص 375 ابن كثير، تفسير ابن كثير، ج 7، ص 36؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 17، ص 80 القشيري لطائف الإشارات، ج3، ص 240.

2) ابن كثير، البداية والنهاية، ج1، ص111-113.

3) ابن فورك، أبو بكر محمد بن الحسن الأنصاري الأصبهاني (ت: 406هـ / 1015م)، تفسير ابن فورك من أول سورة المؤمنون - آخر سورة السجدة دراسة وتحقيق: علال عبد القادر بندويش، جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية (الرياض : 2009م )، ج2، ص 247

4) ابن خلدون ديوان المبتدأ والخبر، ج2، ص5.

5) سورة مريم : الاية : 28

6) الزمخشري الكشاف، ج 4، ص 62.

ثلاثة أسماء لمسمى واحد "(1)

المطبعة الكاثوليكية (بيروت : 2010م)، ص 244.

.

ورد إدريس نبي كريم علیه السلام لمرتين في القرآن الكريم، ذكر إدريس في سورة الأنبياء، الأولى : ذكر مقروناً بإسماعيل وذي الكفل (2)، وقوله تعالى: (وَإِسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّبِرِينَ وَأَدْخَلْتَهُمْ فِي رحمينا إِنَّهُم مِّنَ الظَّلِمِينَ) (3).

واختلف علماء التفسير فيما بينهم " وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ إِلْيَاسُ بُعِثَ إِلَى قَوْمِهِ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيَعْمَلُوا مَا شاؤوا فأبوا وأهلكوا (4)

جا، ج 1، ص 67؛ ابن کثیر تفسیر ابن كثير، ج 5، ص 35.

، وقال: ان قوله تعالى: (وإلياس ):هو إدريس وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل، والصحيح أنه غيره ؛ لأن – تعالى – ذكره في ولد نوح، وإدريس جد أبي نوح ، وهذا إلياس بن يسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران (كُلٌّ مِّنَ الصَّلِحِينَ ) (5)، وقال محمد بن إسحاق : هو الياس بن سنا بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران ، وهذا هو الصحيح لأن أصحاب الأنساب يقولون : إن إدريس جد نوح لأن نوحا لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس ولأن الله تعالى نسب بن الياس في هذه الآية (6)

جاا م 418.

.

1) ينظر : القنوجي، فتح البيان، ج8، ص 172 ،معلوف لويس، المنجد في اللغة،

2) الخالدي قصص القرآن، ج 4، ص 85

3) سورة الانبياء : الآيتان : 85-86

4) ينظر : أبو حيان البحر المحيط، ج7، ص 267؛ الديار بكري، تاريخ الخميس

5) لحنبلي، اللباب في علوم الكتاب، ج8، ص 266.

6) الخازن أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي (ت : 741هـ / 1340م)، لباب التأويل في معاني التنزيل، تصحيح : محمد علي شاهين دار الكتب العلمية (بيروت : 1994م)، ج 2، ص 131؛ ؛ القنوجي، فتح البيان، ج11،

وقيل أنه هو إلياس المرسل إلى بعلبك ، قال أهل التحقيق لا يلزم من هذا الحلول ولا التناسخ كظهور جبريل في صورة دحية وميكائيل وعزرائيل علیه السلام في الآن الواحد في مائة ألف مكان بصور شتى وفيه مباحث شريفة عرفانية بين المحققين من أهل الله لا يسعه المقام (1).

وقال ابن الجوزي في تفسير (إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين) فيه قولان : حدهما : أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل، قاله الأكثرون، والثاني : أنه إدريس (2)، وذكر ابن عربي في الفتوحات المكية :" أن إدريس هو إلياس، وأنه ينزل كما ينزل عيسى بن مريم علیه السلام تشريفاً لشرف نبينا محمد صلی الله علیه [واله] وسلم، وله جولان في الارض وقطبية برية خلافة محمدية كما للخضر قطبية بحرية وبينهما اجتماع براً وبحراً عند سد يأجوج ومأجوج وفي مكة وعرفات "(3).

وذكر ابن الجوزي عن ابن عباس : أربعة من الأنبياء أحياء فيهم أرواحهم وهم: إدريس وعيسى في السماء، والياس والخضر في الأرض وكلهم يموتون إلا إدريس فإنه إذا مات الخلق أصابته دهشة فيبقى في عدد الموتى وهو حي(4)، وقيل: هو الذي يجيب الله تعالى إذا مات الخلق وقال : (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْم)(5)، فيقول إدريس : (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) "(6).


1) البسنوي، محاضرة الاوائل، ص6.

2) ابن الجوزي زاد المسير، ج 3، ص 550

3) ابن عربي ابو بكر محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن احمد بن عبد الله الحاتمي (ت: 638هـ / 1240م، الفتوحات المكية ضبط وتصحيح وفهرسة : احمد شمس الدين دار الكتب العلمية، (بيروت: د.ت)، ج 1، ص 73؛ القنوجي، فتح البيان، ج 4، ص 185.

4) ابن الجوزي مرآة الزمان، ج1، ص 279.

5) سورة غافر : الآية : 16.

6) سورة غافر : الآية : 16. ابن الجوزي مرآة الزمان، ص301

المبحث الثالث : ولادة النبي إدريس أولاً : معنى اسمه علیه السلام ونشأته وزواجه

أولاً: ولادته علیه السلام

هناك عدة آراء للعلماء اليهود والمسلمين حول ولادة ومكان ولادة النبي إدريس علیه السلام "قال ابن إسحاق : ولد إدريس في حياة آدم ، وَقَدْ مَضَى مِنْ عُمْرِ آدَمَ ستمائة سَنَةٍ وَاثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة "(1)

ابن عجيبة البحر المديد، ج 7، ص 289

، قال : وتوفى آدم علیه السلام بعد ان مضى من عمر اخنوخ ثلاثمائة سنه وثماني سنين ، تتمه تسعمائة وثلاثين سنة التي ذكرنا أنها عمر آدم (2)، وذكر الحنبلي ولادته بقوله :" ولد ليود حنوخ - بخاء مُهملة ونون وواو وخاء مُعْجَمَة - وَهُوَ إِدْرِيس علیه السلام وأدْركَ إِدْرِيس من حياة شيث جد جده عشرين سنة (3)، وأضاف: "ثم ولد لحنوخ متوشلح - بتاء مثناة من فوق وآخره حاء مهملة - عَاشَ تِسْعمائة وتسعاً وَسِتِّينَ سنة ثمَّ ولد لمنو شلح لامخ ولما صار لَهُ من العُمر مائة وثمان وَثَمَانُونَ سنة ولد له نوح (ذكر نوح علیه السلام ) واسمه عبد الغفار ولد بعد أن مضى ألف وستمائة وثنتان وَأَرْبَعُونَ سنة من هبوط آدم علیه السلام وَكَانَ بعد رفع إِدْرِيس إِلَى السَّمَاء بِمِائَة وَخَمْس وَسبعين سنة " (4).

1) ينظر: ابن الجوزي التبصرة، ج1، ص 58 ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 297؛

2) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 70.

3) الحنبلي، أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي (ت : 928هـ / 1522م) الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، تحقيق: عدنان يونس عبد المجيد نباتة مكتبة دنديس،( عمان : د.ت)، ص 41.

4) المصدر نفسه، ص 41.

قال ابن الجوزي: وَوُلِدَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَرُفِعَ إِدْرِيسُ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ (1)، وهو من الأنبياء الذين ولد من مختونا :" حدثنا عن كَعب الأخبار أنه قَالَ هم ثلاثة عشر آدم وشيث وَإِدْرِيس ونوح وسام وَلُوط ويوسف ومُوسَى وَشُعَيْب وَسليمان ويحيى وَعِيسَى وَالنَّبِي مُحَمَّد صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم (2).

و ولد إدريس قبل عصر الاسرات (3)قبل نوح (4)، وبعث قبل عصر الاسرات اي قبل عام (3200ق.م) (5)، ويذكر ابن ابي اطيبعة انه كان قبل الطوفان (6)، اي قبل نوح والطوفان (7)، ويتضح لنا من المصادر الإسلامية ان نبي الله إدريس علیه السلام عاش في المُدَّة التي بين آدم ونوح علیه السلام وهي مُدَّة ما قبل الطوفان أي اقدم من 5000 سنة قبل الميلاد خلال العصر المسمى بالعصر الحجري الحديث (6000 - 5000ق.م)(8).


1) ينظر: ابن الجوزي الموضوعات ضبط وتقديم وتحقيق : عبد الرحمن محمد عثمان، نشر : محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية (المدينة المنورة : 1966م )، ج 2، ص 202 ابن الجوزي بستان الواعظين ورياض السامعين، تحقيق: أيمن البحيري مؤسسة الكتب الثقافية (بيروت: د.ت)، ص 250

2) ابن الجوزي تلقيح فهوم أهل الأثر، ص 12

3) وهو الألف الخامس والألف الرابع ق.م وهو العصر الحجري الحديث (5000- 4000) وسادت فيها الطوطمية والهة محلية في هيئة نباتات وحيوانات وتجسيد وتبجيل الالهة الام للمزيد ينظر لوركر معجم المعبودات، ص 253

4) ينظر : النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج2، ص 595 السحار، عبد الحميد جودة أضواء على السيرة النبوية (بيروت: د.ت)، ج 1، ص 23؛ الفيومي، محمد أباهيم تاريخ الفكر الديني الجاهلي، 4 دار الفكر العربي (القاهرة : 1994م)، ط ص 122 .

5) السحار، اضواء على السيرة النبوية، ج 1، ص 45

6) ابن ظهیره ، ابو ساحاق برهان الدين ابراهيم بن علي المخزومي (ت: 891هـ / 1486م)، الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة تحقيق: مصطفى السقا كامل المهندس ملتقى لأهل الأثر (القاهرة : 1969م)، ص 31

7) المصدر نفسه، ص 154.

8) السيار، نديم ليو الهة ولكن ملائكة (القاهرة : 2003م)، ص.12.

اما في اسفار العهد القديم فذكرت ولادة اخنوخ بن یارد بن مهللئيل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم ، وكان عمر آدم لما ولد شيث 130 سنة "وَعَاشَ آدَمُ مِئَةٌ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ وَلَدًا عَلَى شَبَهِهِ كَصُورَتِهِ وَدَعَا اسْمَهُ شِيئًا، فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّام آدَمَ الَّتِي عَاشَهَا تِسْعَ مِئَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةٌ وَمَاتَ " (1)، وعمر شيث لما ولد انوش 105 سنة "وَعَاشَ شِيتُ مِئَةٌ وَخَمْسَ سِنِينَ ، وَوَلَدَ أَنُوش (2)، وعمر انوش لما ولد قينان 90 سنة ، وَعَاشَ أَنُوسُ تِسْعِينَ سَنَةٌ، وَوَلَدَ قِينَانَ " (3)، وعمر قینان لما ولد مهللئيل 70 سنة * وَعَاشَ قِينَانُ سَبْعِينَ سَنَةٌ، وَوَلَدَ مَهْلَلئِيلَ " (4)، وعمر مهللئيل لما ولد له يارد 65 سنة " وَعَاشَ مَهْلَلْيْلُ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةٌ، وَوَلَدَ يَارَدَ " (5)، وعمر يارد لما ولد اخنوخ 162 سنة ، وَعَاشَ يَارَدُ مِنَةٌ وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةٌ، وَوَلَدَ أَخْنُوخَ " (6)،وَعَاسٌ يَارَدُ بَعْدَ مَا وَلَدَ أَخْنُونَ ثَمَانِي مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ " (7)، ويتضح من ذلك ان اخنوخ لد لما كان عمر آدم 622 سنة، وهو السابع من نسل آدم ، وَتَنَبَّاً عَنْ هَؤُلَاءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابِعُ مِنْ آدم (8)، "وَعَاشَ أَخْنُوخُ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةٌ، وَوَلَدَ مَتُوشَالَحَ " (9)، وكان عمر نبي الله إدريس "فَكَانَتْ كُلَّ أَيَّامٍ أَخْنُونَ ثَلَاثَ مِئَةٍ وَخَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةٌ "(10).


1) التكوين 3:5-4

2) التكوين 6:5

3) التكوين 9:5

4) التكوين 5 12 لوقا 3 : 37

5) التكوين 15:5

6) التكوين 18:5

7) التكوين 19:5

8) يهوذا 1: 14

9) التكوين : 215

10) التكوين 23:5

ذكر العلماء أن آدم علیه السلام لما مرض الموت تمنى من ثمار الجنة فأتى جبريل علیه السلام بطبق من ثمار الجنة على رأس حورية فأكل منه وسأل الله تعالى أن يزوج تلك الحورية من شيث علیه السلام فأجابه الله تعالى فولدت إدريس ، ولهذا السر الجلي كان له تجرد ملكي وسياحة فلكي عرج إلى الأفلاك وشاهد أطوارها وأدوارها ، وصنف الكتب الكثيرة مما جاء به علیه السلام وأخذها فسقط من يده في البحر أكثرها لحكمة من الله سبحانه مما فيه إظهار أسرار الربوبية ، فاقتضت الحكمة الإلهية إخفاها من العامة (1).

ولما ولد إدريس علیه السلام أتى إبليس محويل الملك في صورة روحاني له جناحان، فأخبره أنه ولد ليارد مولود يكون عدوا للآلهة وسبب فسادها ، فقال له الملك : أتقدر أن تهلكه؟ قال: سأحرص على ذلك، فوكّل الله بإدريس ملائكة يحفظونه ، وأوصى إليه أبوه ، ونبأه الله بعد أربعين سنة من عمره(2).

ثانياً : مكان ولادته علیه السلام

اختلفت مصادر الحكماء والعلماء في شأن مكان ولادة ونشأة النبي إدريس علیه السلام وعمن اخذ العلم قبل النبوة؛ لأن القرآن لم يذكر شيئا مفصلا عن حياته وتعاليمه كما انه ليس هناك سنة تاريخي ثابت عن حياته، فقالت فرقة ولد بمصر وسموه هرمس الهرامسة ومولده بمنف منفس (منف (3))(4)

ص 7؛ النجار، قصص الانبياء، ج 1، ص 25.

، وان اصله مصري مرسل من الله الى

1) ينظر : ابن عربي فصوص الحكم، ج 1، ص 67؛ القرماني اخبار الدول، مجا، من 56.

2) البكري المسالك والممالك، ج 1، ص 74-76

3) ممفيس :(مَنْفُ): بالفتح ثم السكون وفاء اسم مدينة فرعون بمصر، أصلها بلغة القبط (مافه) فعربت فقيل منف، وهي احدى المدن المهمة وثاني عواصم الدولة المصرية المتحدة في تاريخ ال فرعون من حيث القدم أول من سكن مصر بعد أن أغرق الله تعالى قوم نوح علیه السلام ، بيصر بن حام بن نوح تسكن منف وهي أول مدينة عمرت بعد الغرق، وقد عرفت بهذا الاسم منذ أيام الاسرة السادسة وكانت من قبل ذلك تعرف بالقلعة البيضاء، ينسب بناؤها الى منا ما بين (3400-3200 ق.م) وقد أقامها يومئذ عند رأس الدلتا وبعض اطلالها وخرائبها ما زالت بادية عند القرية المعروفة (مين رهينة) من قرى البدرشين بمحافظة الجيزة، وان لها تاريخ دنيا الناس كافة، ودنيا المصريين بخاصة شهرة فائقة، كما أن لها من الاسماء والصفات، للمزيد، ينظر : ياقوت الحموي، معجم البلدان، ط2، دار صادر، بیروت : 1995م)، ج5، ص 214 بدري ،احمد في موكب الشمس لجنة التأليف والترجمة والنشر، (القاهرة : 1964م)، ج 2، ص 630 وما بعدها ؛ هيردوت هيردون يتحدث عن مصر، ترجمة: محمد صقر خفاجة، تقديم احمد بدوي دار القلم (القاهرة: 1966م)، ص 63-64

4) ينظر : القفطي، أخبار العلماء، ص 13 ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم

المصريين ، يذكر القفطي : إدريس النبي صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم قد ذكر اهل التواريخ والقصص واهل التفسير من اخباره وقد ولد بـ (مصر) (1)، ويذكر القرماني : إدريس علیه السلام كان نبياً عظيماً وقد ولد بمصر " (2)، وفي دائرة المعارف : واما ترجمة إدريس على قول العرب فهي انه كان نبياً عظيماً ولد بـ ( مصر )(3)، ويذكر الالوسي وكان إدريس قد ولد بـ (مصر) (4)، وذكره ابن ظهيرة في فضل من ولد بـ (مصر) ومن كان بها من الأنبياء ومنهم إدريس علیه السلام (5)، ويذكر احد الباحثين ان ولد في المصر (6)، وقال الكندي: دخل مصر من الانبياء ثلاثين نبياً علیه السلام ومنهم


1) النفطي، أخبار العلماء، ص 8.

2) القرماني، اخبار الدول مج 1، ص 43.

3) البستاني دائرة المعارف، مج2، ص 671

4) ينظر : الالوسي، روح المعاني، ج6، ص207 الزحيلي وهبة بن مصطفى التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، ط2، دار الفكر المعاصر، (دمشق : 1998م) ج16، ص 125؛ دخیل، قصص الانبياء، ص42.

5) ابن ظهيره الفضائل الباهرة، ص85.

6) الزهيري عبد الفتاح الموجز في تاريخ الصابئة، (بيروت: د.ت)، ص 37.

إدريس ويقال له هرمس " (1)،واقام إدريس ومن معه بمصر (2)،ويبدو أن رأي هؤلاء يرى أن إدريس ولد بمصر وعاش بمصر وتوجه بدعوته الى قدماء المصريين (3).

وقالت فرقة اخرى : ان إدريس ولد ببابل (4)، وبها نشا وانه اخذ العلم في اول عمره بعلم شيث بن آدم وهو جد ابيه لانه إدريس بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن انوش بن شيث (5)، قال الشهرستاني : ويقال " إن عاذيمون وهرمس :هما شيث وإدريس علیه السلام (6)، ولما كبر إدريس اتاه الله النبوة فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة آدم وشيث، فاطاعه اقلهم وخالفه جلهم، فنوى الرحلة عنهم وأمر من أطاعه منهم بذلك فثقل عليهم الرحيل عن أوطانهم فقالوا له : وأين نجد إذا رحلنا مثل بابل وبابل بالسريانية وكانوا عنوا بذلك دجلة والفرات ، فقال : إذا هاجرنا لله رزقنا غيره ، فخرج وخرجوا وساروا إلى ان وافوا هذا الاقليم الذي سمي بابليون (7)، أي نهر كنهركم، نهر كبير ونهر


1) ابن ایاس بدائع الزهور، ج 1، ص 29.

2) ينظر الطباطبائي الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 37؛ النجار، قصص : الانبياء، ج 1، ص 26؛ السيار، قدماء المصريين، ج 1، ص 187.

3) السيار، قدماء المصريين، ج 1، ص 188.

4) ينظر ملحق رقم (3) يوضح هجرة النبي إدريس علیه السلام من بابل إلى مصر، ص 210.

5) ينظر : القفطي، أخبار العلماء، ص 8؛ النجار، قصص الانبياء، ج 1، ص 25 السمحراني، موسوعة الاديان الميسرة، ص 64؛ الدبس المطران يوسف، تاريخ سورية الدنيوي والديني تاريخ شعوب سورية القدماء)، مراجعة وتدقيق : هارون رعد، اشراف : نظیر عبود دار نظیر عبود للنشر، (بيروت : 1994م)، ج 1، ص 74-75

6) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 103.

7) بابليون: الباء الثانية مكسورة، واللام ،ساكنة وياء مضمومة، وواو ساكنة، ونون : وهو اسم عام لديار مصر بلغة القدماء، وقيل هو اسم لموضع الفطاط خاصة، فذكر أهل التوراة أن مقام آدم علیه السلام كان بابل، فلما قتل قابيل هابيل مفت آدم قابيل فهرب ، قابيل بأهله إلى الجبال عن أرض بابل فسميت ،بابل يعني به الفرقة، فلما مات آدم علیه السلام ونبي إدريس علیه السلام ، وكثر ولد قابيل في تلك الأرض، وأفسدوا ونزلوا من جبالهم، وخالطوا أهل الصلاح، وفسدوا بهم دعا إدريس ربه أن ينقله إلى أرض ذات نهر مثل أرض بابل، فأري الانتقال إلى أرض مصر، فلما وردها وسكنها واستطابها اشتق لها اسما من معنى بابل وهو الفرقة، فسماها بابليون، ومعناها الفرقة الطيبة للمزيد، ينظر : ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج1، ص 311.

مبارك (1)، فرأوا النيل ورأوه واديا خاليا من ساكن فوقف على النيل وقال لجماعته بابليون واختلف في تفسيره فقيل نهر كنهر ، وقيل نهر كنهركم وقيل نهر مبارك، وقيل ان يون في السريانية مثل افعل التي للمبالغة في كلام العرب، وكان معناه نهر اكبر " (2).

ومما يؤيد رأي الفرقة الثانية وعَدَّهُ البعض من الأنبياء الذين دخلوا مصر، قال السيوطي: " من دخل مصر من الأنبياء إدريس وهو هرمس (3)، وقال الاسحاقي : وكان بمصر من الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) إبراهيم الخليل وإسماعيل ويعقوب واثنتا عشر سبطاً من أولاد يعقوب وولديهما من الأنبياء إدريس موسى 000" (4)، فقال السيوطي: فتمت عدة من دخل مصر باتفاق واختلاف اثنين وثلاثين نبيا غير النسوة الأربع، وقد نظمت ذلك في أبيات فقلت:

قد حل مصر على ما قد رووا زمر *** من النبيين زادوا مصر تأنيسا


1) بنظر : القفطي، أخبار العلماء، ص 8 ؛ الديار بكري، تاريخ الخميس، ج 1، ص 67؛ النجار، قصص الانبياء ، ج 1، ص 25؛ أبو خليل، أطلس القرآن، ص17.

2) ينظر : طبارة، عفيف عبد الفتاح مع الانبياء في القرآن الكريم (قصص ودروس وعبر من حياتهم)، 15 دار العلم للملايين (بیروت: 1985م ص 56؛ البار، محمد علي الله جل جلاله والانبياء علیه السلام في التوراة والعهد القديم دراسة مقارنة، الدار الشامية (بيروت : 1990م)، ص 6261 النجار، قصص الانبياء، ج 1، ص 26

3) السيوطي حسن المحاضرة، ج 1، ص 52.

4) الاسحاني، محمد عبد المعطي بن أبي الفتح احمد بن عبد المعني بن علي المنوفي (ت : 1060هـ / 1650م) اخبار الأول فيمن تعرف في مصر من ارباب الدول (القاهرة: د.ت)، ص 5

فهاك يوسف والأسباط مع أبه *** وحافدا وليل الله إدريسا

لوطا وأيوب ذا القرنين خضر سلیم *** ان أرميا يوشعا هارون مع موسى

وأمـــــه ســـــــارة لق قمان آسية *** و دانیال شعيبا مریما عیسی

شيئا ونوحا وإسماعيل قد ذكروا *** لا زال من ذكرهم ذا المصر مأنوسا (1)

وهناك من اعتبر هذا الافتراض غير صحيح اذ كيف وجد بابل؟ وما الطريق الذي سلكه اجداده حتى وصل الى العراق، وهل سلك ابناء شيت نفس الطريق الذي سلكه قابیل شرقا ، حتى وصل الى جنوب العراق، ثم وسطها ثم غربا الى فلسطين ثم جنوبا فغربا الى مصر، فما دام المقر الاخير الى مصر، فالاقرب الى العقل ان يكون طريق باب المندب هو اقصر الطرق الى مصر وكان المضيق جافا يسهل اجتيازه كما ان الاتجاه غربا رغبتهم في مغايرة الطريق الذي سلكه قابيل

(2). والأقرب إلى المنطق انه علیه السلام ولد يبابل، وأخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم علیه السلام ، وهو جد جد أبيه، وأقام بمصر يدعو الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الله عزّ وجلّ (3).


1) السيوطي، حسن المحاضرة، ج1، ص 57.

2) البدراوي قصص الانبياء، ج 1، ص 55.

3) ينظر: الزحيلي، التفسير المنير، ج16، ص 125 دخیل، قصص الانبياء، ص 142 المحراني موسوعة الاديان الميسرة، ص 64 الدبس تاريخ سورية، ج 1، ص 74 .75

ثالثاً : زواج إدريس علیه السلام وأولاده :

نكح أخنوخ وهو إدريس بن اليارد بن مهلائل قيتان بن نوش بن شيث بن آدم هَدَّانَة، ويقال أذانة بنت تاويل بن مخويل بن أخنوخ بن قابيل بن آدم ، وهو ابن خمس وستين سنة، فولدت له متوشلخ بن أخنوخ، فعاش بعدما وُلِدَ له متوشلخ ثلاثمائة سنة، وولد له بنون وبنات ، وكان جميع ما عاش أخنوخ ثلاثمائة سنة وخمسا وستين سنة، ثم رفعه الله إليه (1)، وَاسْتَخْلَفَهُ حَنُوخُ عَلَى أَمْرِ وَلَدِهِ، وَأَمْرِ اللَّهِ وَأَوْصَاهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ اللهَ سَوْفَ يُعَذِّبُ وَلَدَ قَابِيلَ وَمَنْ خَالَطَهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ" (2).

وولد لإدريس متوشلخ على ثلاثمائة سنة من عمره (3)، استخلفه لإدريس بأمر الله تعالى قبل رفعه ، وذكر أنه أول من ركب الخيل لأنه اقتفى رسم أبيه في الجهاد ، وعاش تسعماية سنة واثنتين وثمانين سنة ومات في أيلول في حياة آدم علیه السلام (4)، كان ابن النبي إدريس متوشلخ أول من ركب الجمل، وسلك طرائق الخير والصلاح، ولما عهد إليه إدريس عرفه بالنور الذي انتقل إليه منه، وعاش تسع مئة وتسعاً وستين سنة، ويقال : إنه ولد في حياة آدم (5)، قال ابن الجوزي:" وفي زمان متوشلخ كانت الجاهلية الأولى وهما بطنان من بني آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحاً وفي


1) ينظر: الصحاري ، الأنساب، ج1، ص 16؛ ابن الاثير الكامل في التاريخ، ج1، ص 85

2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 1، ص 85.

3) ينظر الصحاري الأنساب، ج 1، ص 15 ابن الاثير الكامل في التاريخ، ج1، ص 85

4) القرماني، أخبار الدول، مج 1، ص 59

5) ابن الجوزي مرآة الزمان، ص301

النساء دمامة، ونساء السهل صباحاً وفي الرجال دمامة، فجاء إبليس إلى رجل من السهل فأخذ زمارة فزمر بها فظهر له منها صوت لم يُسمع مثله، فاجتمع إليه الرجال والنساء ونزلوا من الجبل، فاختلطوا وتبرج النساء، فكثرت الفواحش حتى أغرقهم الطوفان وفيهم يقول الله تعالى : ( ولا تبرجن تبرج الْجَهِلِيَّةِ الأُولى) (1)وإبليس أول من زمر وناح " (2).

وأما غيره من أهل التوراة فإنه قال فيما ذكروا عن التوراة : ولد الأخنوخ متوشلخ، فاستخلفه أخنوخ على أمر الله (3)، وأوصاه وأهل بيته قبل أن يُرفع ، وأعلمهم أن الله سيعذب ولد قابيل ومن خالطهم ومال إليهم، ونهاهم عن مخالطتهم (4)، وولد متوشلخ لامك - وأهل الإنجيل يقولون لامن - وإليه الوصية . وولد للامك نوح، أمه فينوش من ذريّة قابيل بن آدم القاتل، وذلك بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة (5)، وفي زمانه كثرت الجبابرة من ولد قابيل وعاش لمك سبعماية سنة، وولد له غلام وعمره إذ ذاك مائة وسبع وثمانون سنة فسماه نوحاً والله أعلم " (6)، اما متوشالح بن أخنوخ فكان مولده سنة 687 لادم، ونبأنا الكتاب أنه عاش 187 سنة الى أن ولد لامك، وعاش بعد ولادته 782 سنة ولد فيها بنين وبنات فكانت سنوه 969 سنة (7).


1) صورة الأحزاب : الآية : 33

2) ابن الجوزي مرآة الزمان ص 302

3) اخبار الأيام 1 1-2

4) الصحاري، الأنساب، ج 1، ص 16

5) البكري المسالك والممالك، ج 1، ص 74-76.

6) ينظر: ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 1، ص 85؛ القرماني، أخبار الدول، مج 1، ص 59

7) الدبس تاريخ سورية الدنيوي، ج 1، ص 76.

ثم نكح متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس بن اليارد بن مهلائل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عَرْبا بنت عزازيل بن أنوشيل بن أخنوخ بن قابيل بن آدم، وهو ابن مائة وثلاثين سنة فولدت له لمك بن متوشلخ، فعاش بعدما وَلَد لمك سبعمائة سنة، وولدت له بنين وبنات ، وكان جميع ما عاش متوشلخ تسعمائة سنة وتسع عشرة سنة، ثم مات (1)، ومن اولاد متوشلخ مك ابو نوح علیه السلام وبربر وروس وصقلاب، وإليه تنسب الصقالبة، وصابي بن متوشلح بن إدريس عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام وإليه تنسب الصابئة (2)

أحمد محمد بن بن السيد رضوان المدني، مختصر فتح رب الأرباب بما أهمل في لب اللباب من واجب الأنساب، مطبعة المعاهد بجوار قسم الجمالية (القاهرة:

1926م)، ج 1، ص 33.

، وكان على الحنيفية الأولى (3). ولم ينتقل النور إلا إلى لَمْك ويقال لامك (4).

وقال أهل التوراة : ولد لمتوشلخ لمك، فأقام على ما كان عليه آباؤه من طاعة الله، وحفظ عهوده ، قالوا : فلما حضرت متوشلخ الوفاة استخلف لَمْك على قومه، وأمره وأوصاه بمثل ما كان آباؤه يوصون به (5).

قالوا : وكان لمك يعظُ قومه وينهاهم عن النزول إلى ولد قابيل، فلا يتعظون حتى نزل جميع من كان في الجبل إلى ولد قابيل، وقيل إنه


1) الصحاري الأنساب، ج 1، ص 16.

2) ينظر: ابن خلكان أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر البرمكي الإربلي (ت : 681هـ / 1282م وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق : إحسان عباس دار صادر، بیروت: 1900م، ج 1، ص 54؛ الشافعي، عباس بن

3) الشافعي مختصر فتح رب الأرباب، ج 1، ص 33.

4) ينظر: ابن الجوزي مرآة الزمان ص 301 ابن الاثير الكامل في التاريخ، جا ص 85.

5) الصحاري، الأنساب، ج 1، ص 16.

كان لمتوشلخ ولد آخر غير لمك يقال له صابي (1)، وقيل إن الصابئين به سموا صابئين ، وقيل غير ذلك، وكان عمر متوشلخ تسعمائة وستين سنة وكان مولد لمك بعد أن مضى من عمر متوشلخ مائة وسبع وثمانون سنة (2).

ونكح لَمْك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس بن اليارد بن مهلائيل ابن قيتان بن أنوش بن شيث بن آدم فينوش بنت براكيل بن مخويل بن أخنوخ بن قابيل بن آدم ، وهو ابن مائة وسبع وثمانين سنة، فولدت له غلاماً، فسماه نُوحاً، فعاش لمك بعدما وُلِد له نوح خمسمائة سنة وخمسا وتسعين سنة، وولد له بنون وبنات وكان جميع ما عاش لمك سبعمائة سنة واثنين وثمانين سنة ثم مات (3).

اما صاب وهو ابن إدريس علیه السلام(4)، واليه نسب الحنفاء فقيل لهم الصابئون (5)، وَقَالَ أَبُو الْمَعَانِي فِي كِتَاب الْمُنْتَهى هم جنس من أهل الكتاب يَزْعُمُونَ أَنهم من ولد صاب بن إِدْرِيس النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقيل نسبتهم إلى الصابي بن ماري وَكَانَ فِي عصر إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ النَّسَفِي فِي منظومته (6).


1) ابن خلكان وفيات الأعيان، ج1، ص 54.

2) الصحاري الأنساب، ج 1، ص 17؛ ابن حزم أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي القرطبي الظاهري (ت: 456هـ / 1064م)، الفصل في الملل والاهواء والنحل، تحقيق : ابراهيم خضر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، (بيروت: د.ت) ج 1، ص 37.

3) ينظر مصعب الزبيري نسب قريش، ج 1، ص 4 الصحاري الأنساب، ج1، ص 17.

4) الحنفي، ، عمدة القاري، ج 4، ص 33.

5) ينظر: ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 26 ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 1، ص 85.

6) ينظر : النسفي تفسير النسفي، ج2، ص 245 الحنفى عمدة القاري، ج4

اما اسقلبيوس وهو تلميذ أدريس (هرميس) وكان سافر معه، فلما خرجوا من بلاد الهند وجاءوا الى فارس خلفه بابل ليضبط الشرع فيهم، وسار فلما كان في اخر عمره اعتل ، واجتمع إليه جماعة من الحكماء فعادوه ، فلما رأى اجتماعهم علم أن الهياكل والمعابد قد خلت منهم، فقال لهم : هذا ما كنت اوصيكم به وأنهاكم عنه ؟ ! لكن الله المستعان عليكم، قد استعملتم الآراء الفاسدة لينفرد كل واحد منكم بشيء ويحصل له شرف ليكون له فيه مرتبة، وأطعتم جاهلاً من ملوككم ، واخترتم الدنيا على الآخرة، ولو كنتم تسلكون ما جاء به من اصطفاه الله جلّ اسمه واتخذه رسولاً إليكم مرتيباً لشرائعكم يعني ادريس النبي علیه السلام كان أولى وأحمد عاقبه (1).

رابعاً : عمل النبي إدريس علیه السلام

كثرت الروايات عما كان يعمل نبي الله إدريس علیه السلام فقد قال بعض العلماء بان إدريس علیه السلام كان يعمل راعي غنم وقال آخرون بان إدريس علیه السلام كان يعمل في مهنة جمع الحطب ولكن في حقيقة الأمر كان نبي الله إدريس يعمل في مهنة الخياطة فقد كان يعمل في هذه المهنة المتواضعة والتي قد ورثها عن والده وأخرج ابن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ:" أحدثك عن كَانَ دَاوُدُ زَرَّادًا وَكَانَ آدَمُ حَرَّانًا وَكَانَ نُوحٌ نَجَّارًا وَكَانَ إِدْرِيسُ خَيَّاطًا..."(2)، حيث كانت مهنة الخياطة والتي اشتهر فيها إدريس فكان يحيك الجلود والأقمشة للناس للمحيطين فيه، وبحسب الروايات فان النبي كان ماهر جدا في هذه المهنة، فكان هو أمهر وأشهر


1) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 28

2) ينظر: ابن حجر فتح الباري، ج 4، ص 306 ؛ السيوطي ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفکر ( بيروت: د.ت)، ج 1، ص 129.

من في المدينة التي يقنط فيها في مهنة الخياطة للجلود والأقمشة التي يصنع منها الملابس والأحذية وبعض المقتنيات والأدوات (1)

الكتاب، ج 13، ص 83 السيوطي، الدر المنثور، ج 5، ص517

.

يعد نبي الله إدريس علیه السلام من الأنبياء الذين كان لهم تأثير كبير في تواضع البشرية، فقد كان النبي إدريس خير مثال للإنسان المتواضع وذو الخلق العظيم ، حيث قال العلماء بان إدريس علیه السلام كان يعمل في مهنة بسيطة ومتواضعة فبدل ذلك على مدى عظمة أخلاقه وبساطة حاله ؛ عمل نبي الله إدريس بالحياكة الخياطة " وقيل انه اول من عمل بهذه المهنة ، وانه اول من استخدم الصوف وجلود الحيوانات في صناعة الملابس ، وأول من ابتكر الابرة واستخدمها في الخياطة ، وكان يعيش من كسب یده (2)، فضلا عن تعلمه العديد من العلوم كعلوم الفلك والحساب واللغات قال البغوي في تفسيره " وَكَانَ خَيَّاطًا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَم وَأَوَّلُ مَنْ خَاط الثياب ، ولبس الثياب المخيطة، وَكَانُوا مِنْ قَبْلِهِ يَلْبَسُونَ الْجُلُودَ، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ السّلاحَ ، وَقَاتَلَ الْكُفَّارَ، وَأَوَّلُ مَنْ نَظَرَ فِي عِلْمٍ النُّجُومِ وَالْحِسَابِ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا " (3)، قال المسعودي: "وقيل أكثر من ذلك، وهو أول من درز الدروز، وخاط بالإبرة (4).

على الرغم من عمل الرسل في الدعوة للعبادة الله وحده الا انهم يمتلكون أيضاً المهن المختلفة، كما أنهم يتصفون بالأمانة والإتقان والدقة في المهنة التي يعملون بها وذلك لانهم المثل الاعظم للعالم، كان النبي إدريس عليه الصلاة والسلام اول من يعمل في الخياطة


1) ينظر: ابو حيان البحر المحيط، ج 7، ص 276؛ النعماني، اللباب في علوم

2) النويري نهاية الأرب، ج13، ص 40.

3) ينظر: البغوي معالم التنزيل، ج 3، ص 238 النويري، نهاية الأرب، ج 13، ص 40 الديار بكري تاريخ الخميس، ج1، ص 66.

4) المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 10.

وصناعة الملابس المصنوعة من الصوف والكتان ، وكان في ذلك الوقت جميع الملابس التي يرتديها الاشخاص تصنع من جلود الحيوانات وقد ذكر الله تعالى سبحانه وتعالى بقوله : ( وَعَلَّمْتَهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَتَكِرُونَ ) (1).

لم تذكر التوراة ولا الروايات اليهودية عن عمل إدريس ، بينما تذكر المصادر الإسلامية أن عمل إدريس علیه السلام ارتبطت به عبادته وتقربه إلى الله، فكان خياطاً (2)، وهو أول من خط بالقلم وكان خياطا (3)وقطع الثياب وخاطها (4)عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ : أَنَّ إِدْرِيسَ كَانَ خَيَّاطًا، فَكَانَ لَا يَغْرِزُ إِبْرَةً إِلَّا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ، فَكَانَ يُمْسِي حِينَ يُمْسِي وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ أَفْضَلَ عَمَلًا مِنْهُ وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ كَالَّذِي قَبْلَهُ، أَوْ نَحْوَهُ (5)

ص 172.

، رُوِيَ أنه كان خياطا فكان لا يدخل الإبرة ولا يخرجها إلا بذكر الله، ورُوي أنه جاء إليه الشيطان يفتنه بفستق ، فقال له : هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا في هذه الفُسْتقة؟ فقال له علیه السلام :" الله قادر على أن يدخل الدنيا كلها في سم هذه الإبرة، ونخس عينه "(6).

ان قيمة العمل بكل مكان وزمان لا يختلف عليها اثنان ، بل العمل ضرورة للقيام بأمور الحياة ومعاشها، فكيف سيحيي البشر دون ان يضيفوا للعالم شيئاً ويسكبون المال في المقابل والانبياء بصفتهم قدوة و مرجع لنا في حياتنا دائما، يتوجب علينا معرفة الكثير عن حياتهم وعن


1) صورة الانبياء : الآية : 80

2) الزمخشري، ربيع الأبرار، ج3، ص107.

3) ابن عطية المحرر الوجيز، ج4، ص21.

4) ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم، ج 1، ص 234.

5) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 241؛ القنوجي، فتح البيان، ج8،

6) ابن عجيبة البحر المديد، ج 3، ص 344

ما هي اعمالهمم التي صنعت منهم تلك الشخصيات العظيمة التي نجلها ونقدرها ، وذكر الثعلبي كيفية عمل وتقوى نبي الله إدريس بقوله : "وَإِدْرِيسَ هو خنوخ وهو أول نبي بعثه الله تعالى من بني آدم وروي كان خياطا وكان يسبح الله تعالى عند إدخال الإبرة ويحمده عند إخراجها (1)، وأضاف ابن حيان: " هُوَ جِد أَبِي نُوحٍ وَهُوَ أَخْنُوخُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَظَرَ فِي النُّجُوم وَالْحِسَابِ، وَجَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ وَأَوَّلُ مَنْ خَطَ بِالْقَلَمِ وَخَاطَ الرِّيَابَ وَلَبِسَ الْمَخِيط ، وَكَانَ خَيَّاطًا وَكَانُوا قَبْلُ يَلْبَسُونَ الْجُلُودَ، وَأَوَّلُ مُرْسَلِ بَعْدَ آدَمَ وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْمَوَازِينَ وَالْمَكَابِيلَ وَالْأَسْلِحَةَ فَقَاتَلَ بَنِي قَابِيلَ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ إِلْيَاسُ بُعِثَ إِلَى قَوْمِهِ بأنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيَعْمَلُوا ما شاؤوا فأبوا وأهلكوا " (2).

خامساً : لغة النبي إدريس علیه السلام

كان أنبياء الله ورسله يتحدثون بلغات قومهم؛ لأن الرسل اصطفاهم الله سبحانه وتعالى وسطاء يحملون خطابه إلى الناس وما من رسول إلا وقد بلغ الناس بلغة يفهمونها (3)، حيث قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) (4)، قال القرطبي : " وحد اللسان، وإن


1) الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (ت: 427هـ / 1036م)، الكشف والبيان عن تفسير القرآن تحقيق ابو محمد بن عاشور مراجعة وتدقيق : نظير الساعدي، دار إحياء التراث العربي (بيروت : 2002م)، ج 6، ص 219؛ ابن عطية، المحرر الوجيز، ج4، ص95.

2) ينظر: ابو حيان البحر المحيط، ج 7، ص 276 ؛ النعماني، اللباب في علوم الكتاب، ج13، ص 83 السيوطي، الدر المنثور، ج 5، ص 517؛ الفنوجي، فتح البيان، ج7، ص171.

3) شحلان ،احمد ،وآخرون لغات الرسل وأصول الرسالات (موسی - عیسی عليهم الصلاة والسلام) (بيروت: د.ت)، ص 108.

4) سورة إبراهيم : الآية : 4

أضافه إلى القوم؛ لأن المراد به اللغة ، وقرأ العامة : بلسان بزنة كتاب ، أي : بلغة قومه " (1)، متكلماً بلغتهم لأنه إذا كان كذلك فهم عنه المرسل إليهم ما يقوله لهم ويدعوهم إليه وسهل عليهم ذلك بخلاف ما لو كان بلسان غيرهم فإنهم لا يدرون ما يقول ولا يفهمون ما يخاطبهم به حتى يتعلموا ذلك اللسان دهراً طويلاً ومع ذلك فلا بد أن يصعب عليهم ذلك بعض صعوبة، ولهذا علّل سبحانه ما امتن به على العباد بقوله : (ليبين) أي ليوضح (الهم) ما أمرهم الله به من الشريعة التي شرعها لهم ووحد اللسان لأن المراد بها اللغة (2)، وكان لكل نبي لغة مختلفة عن أو رسول أخر، وهناك مجموعة من الانبياء يشتركون في نفس اللغة؛ لأنهم ارسلوا لهداية نفس المناطق الى عبادة الله سبحانه وتعالى ، وكان الانبياء يمتازون ببراعتهم في اللغة وفي بلاغة احاديثهم وعذوبة منطقهم لأن كلامهم ما هو الا وحي من عند الله تعالى لخلقه (3).

يذكر المؤرخون العرب أن اللغة السريانية هي أقدم لغات العالم (4)، وكان لسان آدم العربية علیه السلام وهو لسان اهل الجنة فلما عصی ربه أبدله بالجنة ونعيمها الأرض والحرث وبلسان العربية السريانية" (5)، ويذكر الجهشياري: " أول من وضع الكتاب السرياني وسائر الكتب آدم علیه السلام (6)، وهي اللغة التي تكلم بها آدم علیه السلام إن


1) النعماني، اللباب في علوم الكتاب، ج 11، ص 335

2) القنوجي، فتح البيان، ج 7، ص 82.

3) شحلان لغات الرسل وأصول الرسالات، ص 108

4) عبده، سمير السريانية - العربية الجذور والامتداد، ط2، منشورات علاء الدين، (بیروت : 2002م)، ص 8

5) الشيخ المفيد، الاختصاص، ص 256

6) ينظر : الحميري، أبو محمد جمال الدين عبد الملك بن هشام بن أيوب المعافري (ت : 213هـ 828م)، التيجان في مُلوك حمير تحقيق مركز الدراسات والأبحاث / اليمنية، مركز الدراسات والأبحاث اليمنية (صنعاء : 1928م)، ص 29؛ الجهشياري، ابو عبد الله محمد بن عبدوس (ت : 331هـ / 943م)، الوزراء والكتاب مطبعة مصطفى البابي الحلبي، (القاهرة: 1938م)، ص 83

اللسان السرياني هو اللسان القديم ، لسان آدم علیه السلام وإدريس ونوح وإبراهيم ولوط علیه السلام وغيرهم، ثم تفرعت اللغة العبرانية والعربية من اللغة السريانية (1)، وفي زمانه تكلم الناس باثنين وسبعين لساناً (2)، ودعا الخلائق من اهل سائر الارض الى الباري عز وجل باثنين وسبعين لساناً (3)، وعلمه الله علیه السلام منطقتهم ليعلم كل فرقة منهم بلسانهم وإن إدريس علیه السلام كان يكلم أهل مصر بلسانهم " (4).

و قَالَ كَعْبِ الأَحْبَارِ : أول من وضع الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها آدم علیه السلام قبل موته بثلاث مائة سنة كتبها في الطين ثم طبخه فاستخرج إدريس ما كتب آدم وهذا هو الأصح واما أول من كتب خط الرمل فإدريس علیه السلام "(5)ثُمَّ قَالَ رسول الله: يَا أَبَا ذَرُ أَرْبَعَةٌ سِرْيَانِيُّونَ: آدَمُ، وَشِيلٌ، وَخَنُوخٌ - وَهُوَ إِدْرِيسُ - وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَم، وَنُوحٌ، وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ : هُوَدُ، وَصَالِحٌ، وَشُعَيْبٌ، وَنَبِيُّكَ يَا


1) ينظر: ابن صاعد الاندلسي، القاضي أبي القاسم صاعد بن احمد (ت : 462هـ / 1070م)، طبقات الامم، نشر وتذيل الحواشي بالرويات : الاب لويس شيخو اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية للاباء اليسوعيين بيروت : 1912م)، ص 14؛ الصعيدي، ماجد مصطفى هرمس في المصادر العربية دار الكرز للنشر والتوزيع، (القاهرة : 2007)م، ص 14.

2) ينظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 37؛ المحراني، موسوعة الاديان الميسرة ص 64؛ الدبس تاريخ سورية، ج1، ص 74-75.

3) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 9 النفطي، اخبار العلماء، ج 1، ص 9.

4) ينظر : القفطي، اخبار العلماء، ص 13؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 37.

5) أبو الفداء، روح البيان، ج10، ص 473

أَبَا ذَرِّ " (1)، وفي رواية اخرى: " أول ما وضع الكتاب العربي والسرياني في أنواع الألسن والأقلام وَالْكُتُبَ كُلَّهَا آدَمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل موته بثلاثمائة سَنَةٍ كَتَبَهَا فِي الطِّينِ ثُمَّ طَبَعَهُ فَلَمَّا أَصَابَ الأَرْضِ الْغَرَقُ أَصَابَ كُلَّ قَوْمٍ كِتَابُهُمْ فَكَتَبُوهُ فَكَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أصَابَ كِتَابَ العرب "(2)، وكان ذلك من معجزات آدم علیه السلام "(3)، أول من أسلم وكتب ، وأول من كتب بالعبرانية شيث بن آدم علیه السلام ، ثم كتب بعده إدريس علیه السلام ، وخلف سبعين كتاباً من كتب الحكمة والنجوم ، وقيل : إنه عرج به إلى السماء " (4).

وذكر السيوطي في المزهر وهذا أبعد مما قبله وفي رواية أن آدم علیه السلام كان يرسم الخطوط بالبنان وكان أولاده تتلقاها بوصيته منه وبعضهم بالقوة القدسية القابلة وكان أقرب عهد إليه إدريس علیه السلام فكتب


1) ينظر: ابن قتيبة المعارف، ص 13؛ الشيخ المفيد، الاختصاص، ص 256؛ الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (ت: 430هـ / 1039م)، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الكتب العلمية، (بیروت: 1974م)، ج 1، ص 167 ؛ القسطلاني أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك القتيبي المصري (ت : +923هـ / 1517م)، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية المكتبة التوفيقية (القاهرة: د.ت)، ج 2، ص 517؛ الحويزوي، تفسير نور الثقلين، ج6، ص 51.

2) ينظر : النَّحَّاس أبو جعفر احمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي ت : 338هـ / 949م) عمدة الكتاب، تحقيق : بسام عبد الوهاب الجابي، دار ابن هزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر، (القاهرة : 2004م)، ص 78 ؛ الجنائي، أبو القَاسِمِ الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ الحُسَيْنِ الدِّمَشْقِيُّ (ت : 459هـ / 1067م)، الجنائيات فوائد أبي القاسم الحنائي) تخريج النخشبي، تحقيق: خالد رزق محمد أبو النجا، أضواء السلف الرياض : 2008م)، ج 2، ص 1029.

3) القنوجي، أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري (ت: 1307هـ / 1889م )، أبجد العلوم، دار ابن حزم (بیروت : 2002م)، ص 95.

4) النَّحَّاس ، عمدة الكتاب، ص 365

بالقلم واشتهر عنه من العلوم ما لم يشتهر عن غيره ولقب بهرمس الهرامسة " (1)

1998م)، ج 1، ص 126

، واضاف الحنفي : كَانَ أول من كتب بالقلم وانتشر مِنْهُ بعده في أهل الدُّنْيَا " (2).

قال ابن كثير :" فَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ إِنَّهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله] وَسَلَّمَ عَنِ الْخَطْ بِالرَّمْلِ فَقَالَ : " إِنَّهُ كَانَ نَبِيٌّ يَخُطُ بِهِ فَمَنْ وَافَقَ خَطَهُ فَذَاكَ وربما المقصود بذلك الخط الكتابة، وان العهد ما قبل النبي إدريس كان لغة منطوقة غير كتابية ، وأن أول من بدأ في الكتابة هو النبي إدريس فربما انها كانت كتابات مرسومة فلم يذكر نوع الكتابة (3)، وَيَزْعُمُ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ التفسير وَالْأَحْكَام أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَيُسَمُّونَهُ هَرْمَسَ الْهَرَامِسَةِ وَيَكْذِبُونَ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٌ كَمَا كَذَبُوا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاء " (4)، وقال علماؤنا : إن أول من خط بالقلم إدريس علیه السلام(5)، و " أن من خط خطه علم علمه " (6)، واضاف القنوجي : وسمي قلماً لأنه يقلم أي يقطع وأول من خط به إدريس (7).

لما بُعِثَ إدريس علیه السلام إلى قومه علمه الله سبحانه وتعالى: " وشرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذين واحينا اليك " (8)، يقول


1) السيوطي ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت: 911هـ/1505م)، المزهر في علوم اللغة ،وأنواعها تحقيق: فؤاد علي منصور دار الكتب العلمية، (بيروت :

2) الحنفي، عمدة القاري، ج4، ص49

3) السيوطي، المزهر في علوم اللغة، ج2، ص302

4) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 111.

5) ينظر : الأصبهاني، حلية الأولياء، ج 1، ص 167؛ السيوطي، المزهر في علوم اللغة، ج 2، ص 302

6) الزمخشري تفسير القرآن، ج 5، ص 149.

7) القنوجي، فتح البيان، ج 15، ص 312

8) سورة الشورى : الآية : 13

الحسن البصري وهذه الأسماء أوحى اليه ان قلتهن سرا في نفسك ولا تبدهن للقوم فيدعوني بهن ، وبهن دعا فرفعه الله مكانا عليا، ثم علمهن الله تعالى لموسى، ثم علمهن لمحمد صلی الله علیه [واله] وسلم وبهن دعا في غزوة

الاحزاب (1).


1) دخیل قصص الأنبياء، ص 39.

الفصل الثاني : صفات النبي إدريس علیه السلام

اشارة

المبحث الأول : صفات النبي إدريس علیه السلام في الروايات اليهودية والإسلامية

أولاً: صفات النبي إدريس في الروايات اليهودية

دأب مؤلفي الروايات من اليهود يبحثون عن شخصيات شهيرة فيستدعون ميراث شخصيات التاريخ المقدس ويكتبون فيه وكانوا يعدون انفسهم ورثة لتلك الشخصيات المقدسة مثل "اخنوخ " إدريس وإبراهيم وغيرهما من الانبياء علیه السلام؛ لأن هدفهم هو تغيير النظرة الدينية للعالم (1).

لا شك إن اليهود شديدو الولع برواية القصص والأساطير الخرافية وخاصة المتعلقة بالشخصيات التاريخية المقدسة التي تمثل جزءاً مهماً في تراثهم الديني والثقافي؛ لان وجهة نظرهم اعتمدت على الأساطير مما جعل الاسفار المختلفة لها أهمية ثانوية ، بينما الأدب الرمزي له قيمة جوهرية، وحتى من ناحية الكم فان الأخير يوجد منه كم هائل(2)، ان بعض المؤرخين وعلماء الإسلام يفضلون البعد عن النصوص الإسرائيلية بسبب التحريفات التي ادخلها الكتاب والمدنون اليهود في النصوص تجنباً للوقوع في خطأ احداث التشويش للمتلقي، ويذكر البعض الأخر الاسرائليات بحرص للتأكد من موافقة ما يرويه منها مع نهج القرآن والسنة وآخرون يذكرون الإسرائيليات تاركين للمتلقي الحكم


1) نظر : عبد المعبود ،مصطفی علامات اخر الزمان في اليهودية، مكتبة النافذة، الجيزة : 2010م ص 22 درويش في الله ادريس، ص 75.

2) بيرج ، لویس جینز ، اساطير اليهود ترجمة: حسن مهدي، المراجعة اللغوية والتدقيق : طه عبد الرؤوف سعد، دار الكتاب العربي، (دمشق : 2007م)، ص 17

فيها، وهذا الامر يشكل خطورة كبيرة في امكانية حدوث نوع من البلبلة الفكرية التي تؤثر على العقيدة الصحيحة الإيمانية (1).

تعد قصة إدريس علیه السلام نموذجاً للقصص اليهودية التي دخلت على التفاسير الإسلامية والتي تبرز مدى تأثير الرواية اليهودية على كتابات فريق من علماء المسلمين الذين استهوتهم القصص اليهودية والحكايات الواردة في العهد القديم ووجدوا فيها تفاصيل ما اجمل ذكره في القرآن وذلك من خلال شخصية هذا النبي تلك الشخصية التي اكتنفها الغموض والاختلاف في الآراء حول علمه ومكانته من الله تعالى كما حيكت الكثير من المبالغات حول علاقته الحميمة بالملائكة سواء في المصادر اليهودية أو التفاسير الإسلامية (2).

عند بني إسرائيل فان إدريس (خنوخ) من الانبياء القلائل الذين نالوا تقديرا في المرويات اليهودية والتي تدأب على الحط من قدر الانبياء وتصفهم بصفات لا تليق بمكانتهم العالية فقد كان من الأهمية بمكان القاء الضوء على شخصية هذا النبي من خلال الكتابات اليهودية التي تناولته وأبرزت مكانته الرفيعة وجعلته حسبما زعموا ملاكا بل رئيسا للملائكة (3).

يعد إدريس عند الكتاب اليهود هو الإنسان الأول الذي لم يمت، فقد ذكرت قصته في سفر التكوين أول اسفار الكتاب المقدس، وانها لقصة رغم قصرها شيقة ومليئة بالتعاليم والدروس (4)، وهو الشخص الذي لم يمت وهذا الشخص لا تعرف عنه الكثير، فلم يذكر عنه سوى


1) ينظر : ظاظا، الفكر الديني ص 11 ،درویش نبي الله ادريس، ص12.

2) درويش، نبي الله ادريس، ص 12-13

3) ينظر : بيرج، اساطير اليهود، ص 141 ،درویش نبي الله ادریس ص 12-13

4) ذكی ، شخصيات من الكتاب المقدس، ص 5.

أربعة إعداد في سفر التكوين (1)، وعدد واحد في الرسالة إلى العبرانيين (2)، وعددين في رسالة يهوذا (3).

1 - السير مع الله

يخبرنا الكتاب المقدس ان اخنوخ سار مع الله : أي انه عاش في طاعة الله وشركه معه (4)، حياة مكرسة عاشها في شركة وثيقة مع الله (5)، وعاش ثلاثمائة وخمسا وستين سنة (6)، ويخبرنا الكتاب المقدس أنه لم يوجد بعد ذلك لان الله أخذه (7)، وقد فسر الرسالة إلى العبرانيين هذا القول بان الله نقله لكى لا يرى الموت (8)، ويمكن ان نرى هذه النبوة متكررة في سفر اخنوخ (9).

ان الجملة المقتضية التي وردت عن اخنوخ في العهد القديم " سار الله وأن الله اخذه " كانت دافعاً لإعمال الخيال وظهور هذا الزخم من القصص الخيالية اليهودية حول أخنوخ كما أن الاساطير اليهودية قد تدخلت بشكل مباشر على نص العهد القديم مما نتج منه تلك الاسفار والكتب التي احتوتها الاسفار الخارجية للتوراة والتي تسللت الى كتب


1) الشكوين 18:5-24

2) العبرانيين 11: 5.

3) يهوذا : 14-15

4) التكوين 225-24

5) دائرة المعارف الكتابية، ج 1، ص 127.

6) التكوين 5 23.

7) التكوين 5: 24

8) العبرانين 5:11

9) للمزيد ينظر : سفر اخنوخ : 65؛ قاموس الكتاب المقدس، تأليف نخبة من ذوي الاختصاص ومن اللاهوتبين هيئة التحرير : بطرس عبد الملك وآخرون، (بیروت: د.ت)، ص 91

التفاسير الإسلامية بسبب إسلام قلة من اليهود فنقلت عنها بعض ما ورد

فيها من إسرائيليات (1).

تعدُّ التوراة إدريس أحسن خدّام الله تعالى (2)، فرفعه الله إليه ، ولما رأى إدريس انهماك ولد قابيل في المعاصي سأل الله تعالى أن يرفعه إليه ويطهره من خطاياهم ، فأجابه الله إلى ذلك وأوحى إليه أن يلازم الهيكل أربعين يوما هو وشيعته ، وكانوا سبعين حبرا، فاغتسلوا ودخلوا هيكل الله المنصوب وقدّسوا الله فيه أربعين يوما، وأوحى الله إليه أن اجعل الوصيّة في متوشلخ فإنّي مخرج من ظهره نبيا أرضى فعله.

فلما رفع إدريس حزن عليه بنو آدم الحنقاء حزنا شديدا وكثر الاختلاف والتنازع، وأشاع إبليس أنه أراد الصعود إلى الفلك فاحترق ، وسرّ بعده محويل الملك وأظهر أن صنمهم الأكبر أهلكه فزادوا في عبادتها والتقرب إليها، ولزم متوشلخ الهيكل مع بني أبيه والأحبار السبعين (3).

ان النهج الذي سارت عليه القصص والروايات اليهودية في سفري اخنوخ تُبين ان مؤلفي السفر قد قاموا بتوسيع مادة نص العهد القديم في سفر التكوين والذي جاء فيه: " وسار اخنوخ مع الله ولم يوجد لان الله اخذه"(4)، فقاموا بوضع اضافات وتصورات وتفاصيل تمتزج برؤيتهم للنص طبقاً لزمان الذي دارت فيه الاحداث ، حيث بدأ سفر اخنوخ نصه الخطيئة التي ارتكبها مائتان من الملائكة المتمردين بحسب تصورهم والذين كانوا في عصر يرد والد اخنوخ ، وقاموا بأغواء بنات البشر (5).


1) ينظر : مخطوطات البحر الميت ترجمة : اندريه دوبون سومر، مارك فيلوننكو ترجمة : موسى ديب الخوري، دار الطليعة الجديدة، (دمشق : 1998م)، ج2، ص 114 ،درویش نبي الله ادريس، ص 82

2) المسعودي اخبار الزمان، ص 77.

3) البكري المسالك والممالك، ج 1، ص 74-76.

4) التكوين 5 :24

5) درویش، نبي الله ادريس ، ص 77.

وتصور الأساطير اليهودية شخصية اخنوخ تصوراً أسطورياً بأنه روح علوية قام بتطهير نفسه عن طريق صلواته وتقشفه حتى لم يبعد منه سوى الناحية الخيرة، ولذلك فقد وصل الى درجة الملائكة النورانية الامر الذي جعل الرب يقوم بتتويجه رئيسا على الملائكة واعطاه اسم الملاك ميتاترون(1)

ينظر : خان، التلمود تاريخه وتعاليمه ص 80 ،المدهون، الملائكة والجن ص 37 درويش نبي الله ادريس ص 77

.

ورد في ادوار الملائكة في الرواية اليهودية ان عزرائيل علم ابناء البشر صناعة الحرب والاسلحة الحربية ، وكانت مهمة رفائيل القيام بأسر عزائيل وتطهير الارض منه ، ومهمة ميكائيل أن يرسل شمازاي واقرآنه الى الهضاب حتى وقت النهاية وجبرائيل يحارب ابناء الرب الذين تدنسوا مع بنات البشر وانجبن لهم عمالقة ومهمة اوريئيل ان يخسر بالطوفان الذي سيأتي لاغراق البشر ويعلم اخنوخ المواقيت والازمنة


1) ميتاترون Melatron (بالعبرية ١١٦oon) وهو احد الملاك المقربين من العرش العظيم ورئيس الملائكة، وعده ابن حزم هو الرب الصغير عند الربانين اليهود هو رئيس هو ملاك رئيسي في الدين اليهودي ويختصه القدوس تبارك وتعالى بمهام خاصة، والذي عده يهود الأبوكريفيا العصور الوسطى بأنه إدريس (أنوش جد إبراهيم) والذي حوله الله إلى ملك سماوي لا يوجد أي ذكر في التناخ أو الكتابات المسيحية حول هذا التحول، وفي التوراة يذكر : وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد لأن الله أخذه"، وهناك ذكر لميتاترون بشكل متصرف في التلمود، إلا أنه شائع في كتابات اليهودية ؛ لان هو احد ملائكة الرحمة الذين يتلقون صلوات اليهود ويقدمونها امام العرش العظيم، ينظر : سفر التكوين :5 24؛ ابن حزم الفصل في الملل، جا، 223 الشامي موسوعة المصطلحات الدينية ص 189 خان، ظفر الإسلام التلمود تاريخه وتعاليمه، دار النفائس ،ط8 (بیروت: 2002 م )ص 80 ؛ المدهون، مي حسن محمد الملائكة والجن دراسة مقارنة في الديانات السماوية الثلاثة (اليهودية - النصرانية - الإسلام، اطروحة دكتوراه جامعة ام القرى، (مكة المكرمة : 2009 م)، ص 37.

وتنظيماتها وان اخنوخ كان رسولاً يأتي ويذهب بين الملائكة القضاة والساقطين لمحاكمتهم (1).

تصف الاسفار العهد القديم حياة اخنوخ بأنه عاش حياته في الحضرة الإلهية في كل يوم من ايام حياتك؟ وسار اخنوخ مع الله : تعبير عبراني يعني " السلوك مع الله "أي السيرة الحميدة المرضية (2)، مثلما سار يوسف مع الله فحفظه الله ، ودانيال سار مع الله فكان أميناً لله، وكذلك اخنوخ سار الله فرافقه الله (3).

ويبدو ان معنى السير الله وجود توافق بين الشخصين وبين الرب، وطبعاً لا بد ان يسبق هذا قبول المسيح بالايمان في القلب، اذ انه بدون هذه الخطوة يكون بعيداً عن الرب، إذ أقبله انال طبيعة جديدة تمكني من الشركة مع الرب والتلذذ بالعشرة معه وطاعته ، والسير مع الله يأتي نتيجة فرص الخلوة اليومية في قراءة الكلمة والصلاة، ومن خلال هذه الفرص استطيع ان اعرف ما الذي يُسرُّ الرب ويرضيه حتى افعله، وايضا ما الذي لا يحبه ولا يفرحه فأتجنبه وابتعد عنه، واخنوخ سار مع الله يوما فيوما طوال حياته واستمرت تلك المسيرة ثلاثمائة سنة " وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ بَعْدَ مَا وَلَدَ مَتُوشَالَحَ ثَلَاثَ مِئَةٍ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ "(4)، ولا شك انه لم يشعر خلالها بضجر أو سام بتعب أو ندم، ما اكثر بركات السير مع الله ، فيوسف سار مع الله فحفظه اله، ودانيال


1) المدهون، الملائكة والجن، ص 87 درویش نبي الله ادریس ص 79

2) ينظر : التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، نخبة من العلماء واللاهوتيين، ترجمة : وليم وهبة واخرون، شركة ماستر ميديا (القاهرة : 1986م ) ص 98؛ ذكي، شخصيات من الكتاب المقدس، ص 6

3) ينظر : التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ص 98 ذكي شخصيات من الكتاب المقدس، ص 6

4) التكوين 5 : 22

سار مع الله فكان امينا لله ، وكذلك اخنوخ سار مع الله فرافقه الله (1).

2 - أرضى مع الله

ان اعظم هدف يسعى اليه مؤمن هو ان ينال رضي الرب وان يشهد له الرب انه قد اكرمه ومجده في حياته، لقد شهد الله لكثيرين من الرجال الاتقياء في عصور مختلفة ، شهد عن ايوب بقوله : " هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الْأَرْضِ "(2)، ليس مثله في الأرض رجل كامل مستقيم ؛ وشهد عن داود بقوله : " وَجَدْتُ دَاوُدَ بْنَ يَسَى رَجُلاً حَسَبَ قَلْبي "(3)، وشهد عن دانيال اذ ارسل له قائلا :" يا دَانِيآلُ، أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمَحْبُوبُ "(4).

شهد له بأنه قد أرضى الله " مثلما شهد الله لداود بقوله : وَجَدْتُ دَاوُدَ بْنَ يَسَى رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِي " (5)، وشهد الله لأيوب بقوله " لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ، رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ (6)، وشهد الله لدانيال إذ وضعه في صف واحد مع نوح وأيوب : " وَكَانَ فِيهَا هَؤُلَاءِ الرِّجَالُ الثَّلَاثَةُ : نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ بِبِرهِمْ " (7)، وشهد الله لموسى بقوله : وَلَمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيُّ فِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى الَّذِي عَرَفَهُ الرَّبُّ وَجْهَا لِوَجْهِ " (8)، وشهد


1) ذكي، شخصيات من الكتاب المقدس، ص 6

2) ايوب 8.1

3) اعمال الرسل 13

4) دانیال: 10 11، 19.

5) ایوب 1 : 1 48 2 3

6) اعمال الرسل 13 :22

7) حزقیال 14: 14

8) التثنية: 34

الله للسيد المسيح بقوله : وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: "هذا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ "(1)، وشهد الله كذلك لأخنوخ بأنه حاز رضاه وأرضى الله أيضاً بأمانته ؛ لان الأمانة من الإيمان، كان اخنوخ أميناً في خدمته، كان أميناً في النبوة التي أعطاه إياها الله، كان أميناً الله، كان أميناً في إضرام الموهبة التي فيه ، إنها موهبة النبوة ، فلقد ذكر يهوذا في رسالته أن أخنوخ تنباً قائلاً :" وَتَنَبَّأَ عَنْ هَؤُلَاءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابِعُ مِنْ آدَمَ قَائِلاً : "هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ، لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةٌ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمُ الَّتِي فَجَرُوا بِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ الصَّعْبَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا عَلَيْهِ خُطَاةٌ فُجَّارٌ "(2)، فلولا يهوذا لما علمنا شيئاً عن موهبة أخنوخ.

ارضى الله ادريس علیه السلام لانه كان أميناً في بيته وبين أفراد عائلته فقد ربى أخنوخ أولاده تربية صالحة في ظل مخافة الله، وقد أطال الله بعمر ابنه البكر متوشالح حتى أنه عاش وعاش وعاش لدرجة أن الناس ظنوه لن يموت ، عاش 969 سنة (العمر كله ) ورأى أحفاده وأحفاد أحفاده وأحفاد أحفاد أحفاده. وهذا يتفق مع ما قاله :" مَخَافَةُ الرَّبِّ تَزِيدُ الأَيَّامَ، أَمَّا سِنُو الأَشْرَارِ فَتَقْصَرُ " (3).

يقول كاتب العبرانيين عن اخنوخ : " إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى الله "(4)، لقد شهد الله له بأنه حاز رضاه (5)، ان أهم شيء في الحياة هو ان ترضى الرب ، هذا اهم بكثير من رضى الناس، لقد صلى


1) متى :3 .17

2) يهوذا 1 14-15

3) الامثال 10: 27

4) العبرانيين 11 5

5) ذكي، شخصيات من الكتاب المقدس، ص7.

داود :" علمني ان اعمل رضاك، لانك انت الهي " (1)، استطاع اخنوخ ان يرضى الله بالإيمان لان: "بِدُونِ إِيمَانٍ لَا يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ "(2)، امن ان الله موجود ، وانه يجازي الذين يطلبونه (3)، وكان الرب نصيبه ورفيقه وحبيبه، وربما كان يردد كلمات تشبه التي قالها داود بعد ذلك: " جعلت الرب امامي في كل حين ، لانه عن يميني فلا اتزعزع "(4).

وجاء في كتب أكثر الاباء والمفسرين ان اخنوخ الذي يسميه العرب إدريس لم يمت بل حجبه الله عن مرآى الناس (5)، كما فعل بإيليا بعده " وبالإيمان نقل اخنوخ لكي لا يرى الموت ، ولم يوجد بعد لأن الله نقله ، إذ قبل نقله شهد له بأنه أرضى الله " (6).

3 - نقله الله

نقل اخنوخ الى السماء لانه كان كان عارفاً بكل اسرار السماء (7)، رفع اخنوخ وهو إدريس لما صار له من العمر ثلاث مائة وخمس وستون رفعه الله إلى السماء (8)، بعد ان عاش خُنُونَ (365) سنة (9)، " فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامٍ أَخْنُوخَ ثَلَاثَ مِئَةٍ وَخَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةٌ (10)، وجاء في سفر يشوع


1) مزمور 10 143

2) العبرانين 6:11

3) ذكي، شخصيات من الكتاب المقدس، ص7.

4) مزمور 8: 16

5) الديس تاريخ سورية، ج 1، ص 74-75.

6) ينظر : العبرانيين 11 5 ،الدبس تاريخ سورية، ج 1، ص 74-75

7) دائرة المعارف الكتابية تحرير : وليم وهبة ،بياوي دار الثقافة، (بيروت: د.ت)، ج 1، ص 127 .

8) ينظر: أبو الفداء، روح البيان، ج10، ص 473 الدبس، تاريخ سورية، ج1، .75-74

9) دائرة المعارف الكتابية، ج 1، ص 127.

10) التكوين 5 23؛ ينظر : المزامير 49 ، 73، 15، 5

بن سيراح (1)، في مديح الاباء والرجال النجباء ومنهم اخنوخ " اخنوخ ارضي الرب، فنقل ، وسينادي الأجيال إلى التوبة " (2)، كما جاء: "لم يخلق على الأرض أحد مثل اخنوخ الذي نقل عن الأرض الأرض " (3)، وكما جاء في رسالة العبرانيين قول بولس الرسول: " بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لَا يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأنَّ اللهَ نَقَلَهُ إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ . شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى الله " (4)، ان ما حدث مع اخنوخ سيحدث أيضاً قريباً جداً مع المؤمنين الإحياء عند مجيء المسيح الثاني "هُوَذَا سِرِّ أَقُولُهُ لَكُمْ : لَا نَرْقُدُ كُلُّنَا ، وَلكِتَنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ "(5).

وتتلخص حياته كلها في عبارة " وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ "(6)، وعبارة " بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لَا يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدُ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ، إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى الله "(7) ، اي ان الله نقله لا يرى الموت ، وفي رسالة يهوذا ان اخنوخ القضاء الذي يحل بالأشرار (8)، ويراد بذلك انه انتقل بغير انحلال الجسد ففيه كما في إيليا لبس الجسد العديم بقوة الله " لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ


1) سفر يشوع بن سراخ : وهو من الاسفار الأبوكريفا (الاسفار غير القانونية وجد منه نسخة في الاصل العبراني في مصر القديمة سنة (1896م) ويرجع الى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر الميلادي، وكتب نحو سنة (190-70 ق.م) في فلسطين وشبه في خط تأليفه خط سليمان للمزيد بنظر : قاموس الكتاب المقدس سليمان ايبودياكون باسم سفر حكمة يشوع بن سيراخ (يوناني - انكليزي - عربي)، ص 1071 ،( بیروت: د.ت)، ص 140.

2) يشوع 16:44.

3) يشوع 44: 16.

4) العبرانيين 11: 5.

5) كورنثوس 15

6) التكوين :245

7) العبرانيين 11 : 5

8) دائرة المعارف الكتابية، ج 1، ص 127

صُلِبَ مِنْ ضَعْفٍ، لكِنَّهُ حَيٌّ بِقُوَّةِ اللهِ، فَنَحْنُ أَيْضًا ضُعَفَاءُ فِيهِ، لَكِنَّنَا سَنَحْيَا مَعَهُ بِقُوَّةِ اللهِ مِنْ جِهَتِكُمْ " (1).

عاش اخنوخ وكأنه لم يكن من سكان الدنيا، عاش وكان رأسه في السماء ورجليه على الارض، عاش مع الله كونه بين البشر، لقد توطدت علاقته مع الرب يوماً فيوماً حتى انه اشتاق جداً ليكون معه هناك في سماء، وتولد في قلبه ايمان بأن الرب يستطيع ان ينقله حياً دون ان يموت، لا شك ان الشكوك هاجمته عن كيفية حدوث هذا، فجميع من كانوا قبله ماتوا ولم يحدث من بداية التاريخ ان شخصاً لم يمت ، لكن ایمان اخنوخ انتصر على كل الشكوكل وصدق كلام الرب له رغم المنطق والعيان، وجاءت اللحظة ونقل الرب اخنوخ حياً اليه (2)، ولم يوجد لان الله أخذه، وبالإيمان نقل اخنوخ لكي لا يرى الموت ، ولم يوجد لان الله نقلم (3).

ثانياً : صفات النبي إدريس علیه السلام في الروايات الإسلامية

كان من صفات النبي إدريس علیه السلام رجلاً آدم اللون، تام القامة ، اجلح حسن الوجه ، كث اللحية ، مليح التخاطيط، تام الباع ، عريض المنكبين ، ضخم العظام ، قليل اللحم براق العينين اكحل، متأنياً في كلامه ، كثير الصمت ، ساكن الاعضاء ، اذا مشى اكثر نظره الى الارض كثير الفكرة ، به جد وعبسه ، يحرك اذا تكلم سبابته (4)، وكان نبياً (5)،


1) 2 کورنٹورس 13 .4

2) ذكي، شخصيات من الكتاب المقدس، ص 8

3) ذكي، شخصيات من الكتاب المقدس، ص 8

4) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 10.

5) الحنفي، عمدة القاري، ج4، ص49

وملكاً عظيماً، ولد بمصر وسموه هرمس الهرامسة أي أسد الاسود وهو عطارد(1).

قال وهب : كان إدريس رجلا ابيض طويلا ضخم البطن عريض الصدر (2)، قليل شعر الجسد كثير شعر الرأس، وكانت إحدى أذنيه أعظم من الأخرى وكان في جسده نكته بيضاء من غير برص وكان رقيق الصوت دقيق المنطق قريب الخُطى إذا مشى (3)، وإنما سمى إدريس لكثرة ما كان يدرس من كتب الله وسنن الإسلام وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة (4)، وهو أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب ولبسها، وكان من قَبْله يلبسون الجلود (5)، واستجاب له ألف إنسان ممن كان يدعوه ، فلما رفعه الله إليه اختلفوا بعده وأحدثوا الأحداث إلى زمن نوح علیه السلام (6)، واضاف القنوجي كان إدريس علیه السلام "رجلا تام الخلقة


1) ينظر: ابن قتيبة المعارف، ص 10؛ القرماني، أخبار الدول مج1، ص 56.

2) للمزيد، ينظر: ابن قتيبة المعارف، ص 10؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى، جاء ص 40؛ الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 170 المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 29؛ الثعلبي عرائس المجالس، ص 42؛ النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج2، ص 598 ابن الجوزي مرآة الزمان، ج1، ص 226؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج1، ص 99 القلقشندي نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، تحقيق : إبراهيم الإبياري، ط2، دار الكتاب اللبنانين، (بيروت : 1980م)، ج 13، ص 38؛ الحنبلي، الانس الجليل، ج1، ص 419 الديار بكري، حسين بن محمد بن الحسن (ت : 966هـ / 1559م)، تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس، دار صادر، بیروت: د.ت)، ج 1، ص 65 القرماني، أخبار الدول، مج 1، ص 56.

3) ينظر: ابن قتيبة المعارف، ص10 القرماني، أخبار الدول، مج1، ص56.

4) ينظر: الزمخشري ربيع الأبرار، ج 5، ص 175 ؛ الحنفي، عمدة القاري، ج4، ص 49.

5) أبو هلال العسكري الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران (ت: 395هـ 1004م)، الأوائل، دار البشير طنطا : 1987م، ص 433

6) ينظر: ابن قتيبة المعارف، ص 20 الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص 137 البكري، المسالك والممالك، ج 1، ص 7674 الصحاري الأنساب، ج1، ص 15

حسن الوجه أجلح كث اللحية مليح الشمائل والتخاطيط تام الباع عريض المنكبين ضخم العظام قليل اللحم براق العين أكحلها متأنيا في كلامه كثير الصمت وإذا اغتاظ أخذ يحرك سبابته إذا تكلم وكانت مدة مقامه في الأرض اثنتين وثمانين سنة ثم دفعه الله مكانا عليا . (1).

وكان النبي إدريس علیه السلام المتأنياً في كلامه، كثير الصمت، ساکن الاعضاء له مواعظ ، وآداب نشير منها :" الصبر مع الإيمان يورث الظفر " (2)، وقوله : "حب الدنيا وحب الآخرة لا يجتمعان في قلب ابداً "(3)، وقوله : " وحياة النفس الحكمة " وقوله : "خير الدنيا وشرها ندم " وقوله : من تجاوز الكفاف لم يغنه شيء " وقوله : "لا تحسدوا الناس على مؤاتاة الحظ فان استمهالهم به قلیل "(4)، وكان رجلا صالحا يتبع ملة التوحيد وأضيفت أيضا هذه الاخبار على سيرته (5).

وكان على قص خاتمه الذي يلبسه في كل يوم : الايمان بالله يورث الظفر (6)، أو " الصبر مع الايمان بالله يورث الظفر " وعلى فص الخاتم الذي يلبسه في الاعياد : " تمام الفرح بالأعياد الإعمال الصالحة " وعلى فص خاتمه الذي يلبسه اذا صلى على ميت: "الاجل حصاد الأمل والموت رقيب غير غافل (7)، وعلى المنطقة التي يلبسها دائماً : النظر في العاقبة يورث سلامة النفس والبدن من الاعراض المؤذية " وعلى


1) القنوجي، ابجد العلوم، ج 1، ص 295

2) الزحيلي، التفسير المنير، ج16، ص 125.

3) ينظر : القفطي، أخبار العلماء، ص 13 ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 11.

4) ينظر : طبارة، مع الانبياء، ص 56 البار، الله جل جلاله والانبياء، ص 61 62 ؛ السمحراني موسوعة الاديان الميسرة، ص 64.

5) البدراوي، قصص الانبياء، ج 1، ص 60

6) ينظر : طبارة، مع الانبياء، ص 56 البار، الله جل جلاله والانبياء، ص 61-62

7) الزحيلي، التفسير المنير، ج16، ص 125.

المنطقة التي يلبسها في الاعياد: "حفظ الفروض والشريعة تمام الدين؛ وتمام الدين كمال المروة " وعلى المنطقة التي يلبسها وقت الصلاة على الميت: "من نظر لنفسه فاز ، وشفاعته عند ربه اعماله الصالحة " (1)، وعلى المنطقة التي يلبسها مع الايمان بالله وعلى المنطقة التي يلبسها في الاعياد حفظ الفروض والشريعة من تمام الدين وتمام الدين كمال المروءة وعلى المنطقة التي يلبسها وقت الصلاة على الميت السعيد من نظر لنفسه وشفاعته عند ربه واعماله الصالحة (2).

إدريس من الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن (3)، وفي هذه الآيات ثناء منه تعالى عليه جميل، فقد عده نبياً وصديقاً، نبياً وصديقاً، ومن الصابرين والصالحين، واخبر انه رفعه مكاناً عليا (4)، وصفه القرآن بصفات هي: الصبر ، والصدق ، ورفعة المنزلة (5)، وهو اول من نزل عليه جبريل بالوحي لهداية نسل قابيل ليرجعوا عن غيهم وكفرهم ويتوبوا الى الله ويسيروا حسب شريعته (6).

عرف الناس إدريس بأنه بريئا عن المدمات والآفات كلها كاملا فی الفضائل الممدوحات لا يقصر عما يسأل عنه مما في الأرض والسماء ومما فيه دواء وشفاء وأنه يكون مستجاب الدعوة في كل ما يطلبه ويكون مذهبه ودينه ما يصلح به العالم (7).


1) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 10.

2) القفطي، أخبار العلماء، ص 12.

3) سورة مريم : الآية : 56؛ سورة الانبياء : الآية : 85

4) ينظر : القنوجي، فتح البيان، ج 2، ص 86 ،فعال ،حسین القصص القرآنية وتاريخ الانبياء في تفسير الميزان للسيد العلامه محمد حسن الطباطبائي، ط2، دار الرسول الاكرم صلی الله علیه [واله] وسلم (بيروت : 2007م)، ص131

5) ينظر : طبارة مع الانبياء ص 56 البار، الله جل جلاله والانبياء، ص 61-62

6) ينظر : طبارة مع الأنبياء، ص 56 البار، الله جل جلاله والانبياء، ص 61-62.

7) القنوجي، ابجد العلوم، ج1، ص295

وكان من خصاله الصدق بقوله عز وجل: (وَاذْكُرْ فِي الكِتب إدريس ) ، يعني : خبر إدريس علیه السلام ، إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا، يعني: صادقاً يُخبر عن الله عز وجل (1)، فالصديق : هو لقب شرف مبارك، لكونه صادق اولاً في قوله وفعله، ثم هو صديق لكل صادقٌ ، بينهما صداقة ومودة، ثم هو صديق دائم الصدق والصداقة والتصديق (2)، وهو الذي يبالغ في تصديق كل ما يجي يجيء به الحق ويجعل الله تعالى له فرقاناً، بحيث إذ سمع الحق إذ سب يصدقه؛ لان الكلام إذا كان موافقاً للحق ومن الحق فلا يتصادم معه الشيطان في الدخول على العقل، فالشيطان يدخل بين الناس ولكن الشيء الوارد من الحق سبحانه لا يستطيع الشيطان ان يدخل منه (3)، وصفت الآية إدريس علیه السلام بوصفين : " إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا" وهما الوصفان اللذان وصف بهما إبراهيم علیه السلام : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كان صديقا نبيا ) (4)، مؤمناً موقناً صدوقاً نَبِيًّا رسولاً رفيعاً فإبراهيم صديق نبي وإدريس صديق نبي (عليهما الصلاة والسلام) ومقام الصديقية مقام للمقربين عند الله (5)، وفي صفة إدريس : (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِينًا ) مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ يعني إنك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة، وإن نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية ولا متوسط بينهما (6)، وصف


1) السمرقندي، بحر العلوم، ج2، ص 378.

2) الخالدي، القصص القرآن، ج 4، ص 87

3) لشعراوي، محمد متولي قصص الانبياء ومعها سيرة الرسول (ص)، اعتنى به : عبد الستار علي، محمد سماح عمر، الناشر : حسن محمود دار القدس، (بيروت : 2006م )، ص 25

4) سورة مريم : الآية : 41

5) ينظر : الثعلبي الكشف والبيان عن تفسير القرآن، ج9، ص 22؛ الخالدي، القصص القرآن، ج 4، ص 87.

6) القاسمي، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق، تفسير القاسمي (محاسن التأويل)، تحقيق محمد باسل عيون السود دار الكتب العلميه (بيروت : 1997م)، ج 3، ص 217

الله به نبييه الكريمين إبراهيم وإدريس علیه السلام ، ووصف به يوسف علیه السلام في قوله تعالى: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِيقُ أَفْتِنَا ) (1)، وهذا مقام قد يصل اليه السابقون من المؤمنون، قال تعالى: (وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أَوَلَيْكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) (2)، ويقول الله تعالى لنبيه محمد صلی الله علیه [واله] وسلم اذكر في الكتاب "الذي هو القرآن "إدريس" واخبرانه كان كثير التصديق بالحق، وكان :نبيا" معظما مبجلا مؤيدا بالمعجزات الباهرة . ثم أخبر تعالى أنه رفعه مكانا عليا (3).

وذكر عن وهب بن منبه أنه قال: "أخبرني الثقة بإسناده ، عن ابن عباس، أنه سئل كعب الأحبار عن إدريس فقال كعب : إن إدريس كان رجلاً خياطاً، وكان يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفتر عن ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وكان يكتسب فيتصدق بالثلثين "(4)، وذكر أيضاً أنه لم ينم ستة عشر سنة، ولم يأكل حتى بقي عقلاً مجرداً وروحانية في فلك الشمس، فهو أول من خالط الملائكة والأرواح المجردة وحصل له معراج انسلاخ البشرية (5).

ووصف الله من الأنبياء الثلاثة بأنهم صابرون: (وَاسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلِّ مِّنَ الصَّبِرِينَ) (6)، كما اخبر انه ادخلهم في رحمته، فرحمهم كما رحم الانبياء الذين قبلهم والذين جاءوا بعدهم : (وَأَدْنَ (وَأَدْخَلْتَهُمْ


1) سورة يوسف : الآية : 46.

2) سورة الحديد: الآية : 19.

3) الطوسي، ابو جعفر محمد بن الحسن (ت : 460هـ (1068م)، التبيان في تفسير ،القرآن تقديم : اغا بزرك الطهراني، دار احياء التراث العربي، (بيروت : دت)، ج 7، ص 133.

4) السمرقندي بحر العلوم، ج 2، ص 378 الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 179.

5) القرماني، أخبار الدول مج 1، ص 58.

6) سورة الأنبياء : الآية : 85

فی رحمينا ) (1)، ووصفهم بأنهم صالحون ومعلوم ان الانبياء اصلحُ الناس (إنهم بين الصلحين ) (2)، ويمكن ان نستخرج من هاتين الآيتين ما فيها من ثناء على إدريس علیه السلام صفاته، فنقول : كان إدريس علیه السلام صابراً ، صالحاً ، ومرحوماً ادخله الله في رحمته (3).


1) سورة الأنبياء : الآية : 86

2) سورة الأنبياء : الآية : 86

3) الخالدي، القصص القرآن، ج 4، ص 85.

المبحث الثاني : خصال النبي إدريس علیه السلام

أولاً : النبوة والحكمة والرهبنة

نبأ الله تعالى إدريس علیه السلام وكشف له الإسرار السماوية (1)، واتاه الله الحكمة فكلمهم بلغاتهم المختلفة وعلمهم وادبهم (2)، وانزل الله عليه ثلاثين صحيفة ونزل عليه جبريل أربع مرات (3)، وَكَانَ أَوَّلَ بَنِي آدَمَ أَعْطِيَ النُّبُوَّةَ بَعْدَ آدَمَ وَشِيت (4)،أول من أعطى النبوة من بني آدم إدريس علیه السلام (5)، وهو جد نوح يقال له أخنوخ وهو اسم سرياني وقيل عربي مشتق من الدراسة لكثرة درسه الصحف (6)، فلما رأى الله تعالى من أهل الأرض جورهم واعتدائهم في امر الله رفعه الله تعالى الى السماء السادسة وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة وقال ابن عباس: بين آدم وإدريس علیه السلام الف سنة (7).

قال ابن سعد بإسناده عن أبن عباس قال : وهو أول من أعطي


1) ينظر: ابن العبري، تاريخ مختصر الدول، ج1، ص 9؛ القرماني، أخبار الدول، مج 1، ص 56.

2) ينظر : القفطي، اخبار العلماء، ج 1، ص 9؛ ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 9

3) الحنبلي، الانس الجليل، ج1، ص 19؛ الديار بكري تاريخ الخميس، ج 1، ص 66.

4) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 11.

5) ابن حبيب أبو جعفر محمد بن أمية بن عمرو الهاشمي بالولاء البغدادي (ت : 245هـ / 859م)، المحبر، تحقيق إيلزة ليختن شتيتر، دار الآفاق الجديدة، (بيروت : د.ت)، ص 3.

6) الحنفي، عمدة القاري، ج4، ص49

7) ينظر : البسنوي، محاضرة الاوائل، ص 13 الديار بكري، تاريخ الخميس، ج، ص 58؛ الفنوجي، فتح البيان، ج2، ص 220.

النبوة، وبعثه الله بعد آدم وهو خَنُوخ بن يرد(1)، قال المسعودي : الصابئة تزعم أنه هرمس ومعنى هرمس عطارد ، نبأه الله عزّ وجلّ وأنزل عليه ثلاثين صحيفة (2)، وذكر النسفي في تفسيره :" ( واذكر في الكتب إدريس) هو أخنوخ أول مرسل بعد آدم علیه السلام (3)، وزعم ابن إسحاق أن إدريس أول نبي أعطي النبوة، وَقَدْ رَوَى أبو ذَرِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم أَنَّهُ قَالَ: " أَرْبَعٌ مِنَ الرُّسُلِ سِرْيَانِيِّونَ: أَدَمُ، وشيث، وأخنوخ وهو إدريس، ونوح " (4).

أما الحكمة يعد إدريس علیه السلام أول من استخرج الحكمة ونسبت اليه حكم منها (5)، وهو هرمس من الهرامسة الأول يقال له من قبل الحكماء هرمس المثلث إدريس علیه السلام لأنه نبي وملك وحكيم، وهو أول من جمع بين الملك والنبوة (6).

وإدريس علیه السلام أول من ترهب وتخلى من الملك والامم في الخلوة (11) ، وَقَالَ وَهُبٌ : كَانَ يُرْفَعُ لِإِدْرِيسَ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْعِبَادَةِ مِثْلَ مَا يُرْفَعُ لِجَمِيعِ أهل الأرض في زمانه (7).

قال الطبري : " وأخنوخ إدريس النبي، وكان أول بني آدم أعطي النبوة - فيما زعم ابن إسحاق (8)، ونبي الله إدريس علیه السلام أول من درس


1) البكري المالك والممالك، ج 1، ص 74-76

2) النسفي تفسير النسفي، ج2، ص 341.

3) ينظر: ابن الجوزي ، المنتظم في تاريخ الأمم، ج 1، ص 233؛ ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 298

4) أبو خليل أطلس القرآن، ص 1

5) البنوي، محاضرة الاوائل، ص18.

6) المصدر نفسه، ص 6.

7) البغوي معالم التنزيل، ج3، ص 228

8) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 70.

الكتب ونظر في العلوم وأنزل الله عَلَيْهِ ثلاثين صحيفة "(1)، وأنزل الله سبحانه وتعالى عليه ثلاثين صحيفة فتمت الصحف يومئذ ثمانين صحيفة (2)، وقال غيره من أهل التوراة إن الله أنزل عليه ثلاثين صحيفة (3).

وأول مرسل بعد آدم وقد أنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة (4)،وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا يعني شرف النبوة والزلفي عند الله تعالى ، وقيل : الجنة وقيل : في السماء الرابعة أو السادسة أو السابعة، والأول أصح (5)

ص 125 دخیل قصص الانبياء، ص 42

، إذ روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة (6).

ثانياً : رؤية الملائكة

ولما كانت الملائكة أجساماً تورانية لطيفة ، فإن العباد لا يستطيعون رؤيتهم، خاصة أن الله لم يعط أبصارنا القدرة على هذه الرؤية، وقد دلت النصوص على أن البشر يستطيعون رؤية الملائكة، إذا تمثل الملائكة في صورة بشر (7)، لأن بني آدم لا يطيقون رؤية الملائكة على


1) ينظر: ابن جلجل طبقات الاطباء والحكماء ص 6 الزمخشري، ربيع ج1، ص 307 القفطي، أخبار العلماء، ص.12

2) ينظر : المسعودي اخبار الزمان ص 78 البكري المسالك والممالك، ج1، .76-74

3) ينظر : الصحاري الأنساب، ج 1، ص 15؛ القمي، تفسير القمي، ج26، ص6.

4) ينظر : الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 144 الألوسي، روح المعاني، ج8، ص 422.

5) ينظر : القنوجي، فتح البيان، ج 7، ص 171؛الزحيلي، التفسير المنير، ج16،

6) ينظر :الزحيلي، التفسير المنير، ج16، ص 125؛ دخیل قصص الانبياء، ص 42.

7) العنيبي عمر بن سليمان بن عبد الله الأشقر، عالم الملائكة الأبرار، مكتبة الفلاح ط3، (الكويت : 1983م)، ص 10

خلقتهم التي خلقهم الله عليها (1).

وتذكر المصادر ان الملائكة كانت في زمن إدريس (صلوات الله عليه ) يصافحون الناس ويسلمون عليهم ويكلمونهم ويجالسونهم، وذلك لصلاح الزمان وأهله ولتدبير شؤون الناس (2)، كما ورد في سفر التكوين :" وَرَأَى حُلْمًا ، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلَائِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا "(3)، فلم يزل الناس على ذلك إلى أن كان زمن نوح عليه الصلاة والسلام وقومه، ثم انقطع ذلك(4).

وكان من امره ما كان مع ملك الموت حتى دخل الجنة، فقال ربه : أن إدريس إنما حاجك فحجك برحيي وأنا الذي هيأت له تعجيل دخول الجنة، فإنه كان ينصب نفسه وجسده يتعبهما لي، فكان حقاً على أن أعوضه من ذلك الراحة والطمأنينة وأن أبواه بتواضعه لي وبصالح عبادتي من الجنة مقعداً ومكاناً عليَّاً (5).

ثالثاً : عِلْمِ النُّجُومِ وَالْحِسَابِ

ما يتعلق بالنجوم وأنها صادرة من قدرة الله وأنه جل جلاله هو


1) ينظر : النعماني، اللباب في علوم الكتاب ص 538 الفوزان، صالح بن فوزان بن عبد الله، شرح الأصول الثلاثة، مؤسسة الرسالة، (بيروت : 2006م)، ص 212

2) الزمخشري، ربيع الابرار، ج 1، ص 307

3) التكوين 28 12

4) الراوندي، قطب الدين ابى الحسين سعيد بن هبة الله (ت: 573هـ/1177م) قصص الانبياء، تحقيق : عبد الحليم عوض الحلي، مكتبة العلامة المجلسي، (قم : 1912م)، ج 1، ص 247

5) ينظر : الراوندي قصص الانبياء، ج 1، ص 247 المجلي، محمد باقر بن محمد تقي (ت: 1111هـ / 1700م)، بحار الانوار الجامعة لدرر اخبار الائمة الاطهار، تحقيق : مؤسسة احياء الكتب الإسلامية (قم : 2007م)، ج 11، ص 270

الذي أطلع عباده على أسرارها وكشف لهم عن دلالاتها وآثارها وأنه واضع هذه النجوم والدال على سعودها ونحوسها وما يكون في المواليد بها وأن التدبير واحد لم يختلف متصل فيما بين السماء والأرض وما فيهما جعل الطريق إليه تعريف الله جل جلاله الأنبياء علیه السلام بالوحي وبما دلهم عليه وأصحاب النجوم على اختلاف طبقاتهم اتفقوا في رواياتهم بأن هذا العلم عن إدريس علیه السلام ومن يجري مجراه (1).

مدح الله تبارك وتعالى النجوم فلولا أن النجوم صحيحة ما مدحها الله عز وجل والأنبياء علیه السلام كانوا عالمين بها، قال الله عز وجل في إبراهيم خليله علیه السلام( وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَليَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (2)، وقال في موضع آخر (فَنَظَرَ نَظرَةٌ فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ) (3)، فلو لم يكن عالما بالنجوم ما نظر فيها ولا قال إني سقيم وإدريس علیه السلام كان أعلم أهل زمانه بالنجوم (4)، وَأَوَّلُ مَنْ نَظَرَ فِي عِلْمٍ النُّجُومِ وَالْحِسَابِ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (5)، وجعل الله تعالى ذلك من معجزاته على ما في البحر (6).

سال نبي الله إدريس علیه السلام الله تعالى فأراه الصور العالية، وكانت الأرواح تخاطبه، وعلم أسماء الصعود والهبوط، ودوار الفلك ووقف على سعود الكواكب ونحوسها ، وعرف ما يأتي من الوقائع فزبر ذلك


1) ابن طاووس فرج المهموم، ج 1، ص 16.

2) سورة الإنعام : الآية : 75

3) سورة الصافات: الآيتان : 89-90

4) ابن طاووس فرج المهموم، ج 1، ص 95

5) البغوي معالم التنزيل، ج3، ص 228

6) ينظر الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 144؛ الألوسي، روح المعاني، ج 8،

على الحجارة (1)، وإن كثيرا من المنجمين يذكرون أنهم عرفوا علم النجوم من إدريس النبي علیه السلام ومن أهل الهند الذين اقتضت الأخبار أنهم عالمون بها وعلى كل حال فإن علمهم وعلم أهل بيت من العرب بالنجوم دليل على أنه علم صحيح في نفسه جليل لاختصاصهم ومشروع لأنه من جملة فضائلهم (2)،

يعد إدريس علیه السلام اول من تكلم في الاشياء العلوية من الحركات النجومية ، وهو اول من بنى الهياكل ومجد الله فيها (3)، وصور فيها وحرصاً جميع الصناعات، وأشار الى صفات العلوم لمن بعده شفقة منه على تخليد العلوم بعده وخيفة أن يذهب رسم ذلك بين العالم هرمس الاول إدريس علیه السلام ، انزل عليه ثلاثين صحيفة ورفعه تعالى عليا (4).

وذكرت المصادر التاريخية أن إدريس علیه السلام وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ درس وأقام ونَظَرَ فِي النُّجُومِ وَالْحِسَابِ (5)، وكان اول من استخرج علم النجوم (6)، وذكروا أن أول من تكلم في النجوم إدريس (7)، وحكم بالنجوم (8)، وجعل الله ذلك من معجزاته (9)، يذكر ابن خلدون :


1) ابن وصيف الشيخ إبراهيم بن وصيف الشاء (ت : 599هـ / 1203م)، مختصر عجائب الدنيا، تحقيق: سيد كسروي ،حسن دار الكتب العلمية (بيروت: د.ت)، ص 46

2) ابن طاووس فرج المهموم، ج 1، ص 75.

3) ابن جلجل، طبقات الاطباء والحكماء، ص5.

4) ينظر: ابن جلجل، طبقات الاطباء والحكماء ص 6 البنوي محاضرة الأوائل، ص 18

5) ينظر : الماوردي، تفسير الماوردي (النكت والعيون، ج 3، ص 378؛ الصحاري، الأنساب، ج 1، ص 17؛ النسفي تفسير النسفي، ج 2، ص 341؛ القمي، ابو ج1، 19 القفطي، اخبار العلماء الحسن علي بن ابراهيم تفسير القمي (بيروت: د.ت)، ج26، ص 6.

6) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ج 1، ص 9.

7) ابن طاووس فرج المهموم، ج1، ص 83

8) القنوجي، ابجد العلوم، ج1، ص 295

9) ينظر : المراغي، تفسير المراغي، ج16، ص 63 ؛ النجار، قصص الانبياء، ج1،ص 25 الزحيلي، التفسير المنير، ج16، ص 125 دخيل قصص الانبياء، ص 42.

"ولقدم هذه الصنائع ينسبها العامة إلى إدريس علیه السلام وهو أقدم الأنبياء، وربما ينسبونها إلى هرمس وقد يقال إن هرمس هو إدريس "(1)، فأهل النجوم يقولون: مبادئ النجوم من هرمس ، ويقولون: هو الذي عرج بروحه إلى السماء واطلع على ذلك (2)، وقال ابن طاووس : " علم النجوم أهله مجمعون أنه من علوم إدريس وجماعة من الأنبياء علیه السلام "(3)، وقالوا اهل العلم : ان إدريس أول من تكلم بالنجوم والجواهر العلوية والحركات النجومية (4)، وقيل ان الله سبحانه علمه علم النجوم والحساب وعلم الهيئة وكان ذلك معجزة له (5)، فقد ألهمه الله عز وجل اسرار الفلك وترتيبه وتركيبه ، ونقط اجتماع الكواكب وافهمم عدد السنين والحساب ولولا ذلك لم تصل الخواطر باستقرائها الى ذلك (6)، وإن الله تبارك وتعالى أهبط آدم من الجنة وعرفه علم كل شيء فكان مما عرفه النجوم والطب وأول من أظهر علم النجوم ودل على ترتيبها وقدر مسير الكواكب وكشف عن وجوه تأثيرها هرمس وهو


1) ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر، ج 1، ص 517.

2) الراغب الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف (ت: 502هـ/ 1108م)، الذريعة إلى مكارم الشريعة، تحقيق : أبو اليزيد أبو زيد العجمي، دار السلام (القاهرة : 2007م)، ج 1، ص 272.

3) ابن طاووس فرج المهموم، ج 1، ص 67

4) ينظر : القرماني اخبار الدول مج 1، ص 56 الطبرسي، ميزرا حسين النوري (ت : 1320هـ / 1902م)، مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، تحقيق : مؤسسة ال البيت علیه السلام لاحياء التراث، ط3، بيروت : 1993م)، ج 12، ص 83.

5) ينظر : الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج6، ص 385؛ الجزائري، نعمة الله بن عبد الله بن محمد (ت: 1112هـ/ 1700م النور المبين في قصص الانبياءوالمرسلين، تقديم وتعليق : علاء الدين الأعلمي منشورات مؤسسة الاعلمي، ط2، (بيروت) : 2002م)، ص 69

6) البدراوي، قصص الانبياء، ج 1، ص 55.

إدريس (1)، وقيل انه أخذها من معلمه غوثاديمون أو أغثاذيمون المصري وتفسيره السعيد الجد قيل: وهو شيث (2)، وذكر البكري: " وقیل إنّ إدريسا أوّل من نظر في علم النجوم بعد آدم، وان أزرائيل الملك علّمه علم الفلك والكواكب وسعودها ونحوسها وصور البروج "(3)، بينما اعتبره المسعودي: "أن إدريس علیه السلام صب الرصاص ذهباً بصاصاً، وهو الذي يسمى المثلث لأنه نبي وملك وحكيم، ودفع إليه كتاب سر الملكوت الذي علمه زائيل الملك لأدم علیه السلام وكانوا يتوراثونه مختوماً لا ينظرون فيه، ولم يفتحه بعد شيث غير إدريس علیه السلام ، وإنما سمى إدريس لكثرة ما كان يدرس من كتب الإسلام وعلم النجوم وعلم الرياضة والمنطق والطبيعي والالهي وأسرار الفللك (4).

نظر إدريس علیه السلام في علم النجوم وسماها، ووضع أسماء البروج والكواكب السيّارة ورتَّبها في بيوتها ، وأثبت لها الشرف والوبال والحضيض والأوج والتربيع والتثليث والتسديس والمقاربة والرجوع والاستقامة ونحو ذلك، لأنه صعد الى السماء، وألهمه الله تعالى معرفة هذه الاشياء (5)، وان علماء المنجمين أن الذين يعلمون النجوم بالهند هم من من أولاد وصي إدريس علیه السلام(6).

قال القنوجي في ابجد العلوم :"واعلم أن منبع العلوم الحكمية النظرية وأستاذ الكل فيها إدريس علیه السلام آتاه الله الحكمة والنبوة وأنزل عليه


1) ابن طاووس فرج المهموم، ج 1، ص 40.

2) القنوجي ابجد العلوم، ج 1، ص 295

3) البكري المسالك والممالك، ج 1، ص 74-76 ج1،

4) ينظر ابن الجوزي مرأة الزمان ، ج 1 ، ص ،226 الديار بكري، تاريخ الخميس ج 1، ص 66 البسنوي، محاضرة الاوائل، ص 18-19

5) ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 298

6) ابن طاووس، فرج المهموم، ج 1، ص 75.

ثلاثين صحيفة وعلم النجوم، وأفهمه عدد السنين والحساب وعلمه الألسنة حتى تكلم الناس في زمنه باثنين وتسعين لسانا ولد بمصر وسموه هرمس الهرامس وباليونانية أرمس بمعنى عطارد وعرب بهرمس واسمه الأصلي هنوخ وعرب أخنوخ وسماه الله تعالى في كتابه العربي المبين إدريس لكثرة دراسة كتاب الله تعالى "(1).

رابعاً : الكتابة

اكدت اغلب المصادر الإسلامية بداية الكتابة على يد إدريس لانه أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَم (2)، قال تعالى: (عَلَّمَ الْإِننَ مَا لَوْ يعلم ) (3)قيل ان المراد بالإنسان إدريس علیه السلام لأنه أول من خط بالقلم (4)، وأن خَنُوخُ وَهُوَ إِدْرِيسُ وَإِدْرِيسَ وَهُوَ جَدُّ نُوحٍ (5)، وان تفسير قَوْله تَعَالَى: (وَاذْكُرْ في الكتب إدريس ) (6)، قيل : إِدْرِيس هُوَ أَبُو جد نوح. يُسمى إِدْرِيس لِكَثْرَة درسه الكتب، وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: هُوَ أول من خط بالقلم (7).


1) القنوجي ابجد العلوم، ج1، ص 295

2) ينظر: ابن قتيبة المعارف، ص 552 ابن الجوزي التبصرة، ج 1، ص 58؛ ابن ،طاووس فرج المهموم، ج 1، ص 16؛ الذهبي سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 144؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج2، ص 82 السيوطي الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير، تحقيق: يوسف النبهاني دار الفکر بيروت : 2003م)، ج1، ص (431 الألوسي، روح المعاني، ج8، ص 1422 الزحيلي، التفسير المنير، ج16، ص 125 دخیل قصص الانبياء، ص 42.

3) سورة العلق : الآية : 5

4) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج20، ص182.

5) ابن عاشور التحرير والتنوير، ج 9، ص 160 القنوجي، فتح البيان، ج4، ص 186.

6) سورة مريم : الآية : 56

7) سورة مريم : الآية : 56

وفي بعض الاخبار أنه أول من كتب من ولد آدم علیه السلام (1)، وذكر الطبري والنسفي في تفسيرهما هو أول من خط بالقلم (2)، وخط بعد آدم وكان يعد عدة خطوط (3)، وان إدريس علیه السلام وهو أول من خط (4).

قال ابن كثير :" وَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ إِنَّهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي حَدِيثٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِي لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله] وَسَلَّمَ عَنِ الْخَطْ بِالرَّمْلِ فَقَالَ : إِنَّهُ كَانَ نَبِيٌّ يَخُطُّ بِهِ فَمَنْ وَافَقَ خَطَهُ فَذَاكَ، وَيَزْعُمُ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ التفسير وَالْأَحْكَام أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَيُسَمُّونَهُ هَرْمَسَ الْهَرَامِسَةِ وَيَكْذِبُونَ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٌ كَمَا كَذَبُوا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ(5).

قال الفيروزآبادي : "وهو اول من وضع الخط وعلم الحساب والنجوم وقواعد سير الكواكب وتركيب السبائك بالنار فلذلك كان على الكيمياء ينسب إليه وأول من علم الناس الخياطة فكان هو مبدأ من وضع العلوم والحضارة والنظم "(6).


1) ينظر : المسعودي اخبار الزمان ص 78؛ ابن صاعد الاندلسي، طبقات الامم ص 18؛ الغزولي، علي بن عبد الله البهائي الدمشقي (ت: 815هـ / 1412م)، مطالع البدور ومنازل السرور (بيروت: د.ت)، ج 1، ص 290؛ السيوطي، حسن المحاضرة، ج1، ص 204.

2) ينظر : الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 70؛ النسفي، تفسير النسفي، ج2، ص 341.

3) البكري المسالك والممالك، ج 1، ص 74-76

4) ينظر : ابن العجمي، أبو ذر موفق الدين سبط أحمد بن إبراهيم بن محمد بن خليل ت : 884هـ / 1479م، كنوز الذهب في تاريخ حلب، دار القلم، (حلب : 1996م)، ج 2 ص 6 البستوي محاضرة الاوائل ص 6 الألوسي، روح المعاني، ج15، ص 403.

5) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 111.

6) الفيروزآبادي بصائر ذوي التمييز، ج 6، ص 51.

ويقولون إنه أول من خط بالقلم وخاط الثياب ولبس المخيط، وكانوا قبله يلبسون الجلود (1)

ص 25

، وَذَكَر ابن كثير ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ وَقَدْ أَدْرَكَ مِنْ حَيَاةِ آدَمَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَثَمَانِي سِنِينَ " (2)، أول من خط بالقلم إدريس (3).

خامساً : الخياطة

ما بعث الله نبيا إلا زارعا إلا ادريس علیه السلام فانه كان خياطا (4)، وعن ابن بابوية قال : اذا دخلت الكوفة فات مسجد السهلة (5)، فصل


1) ينظر: المراغي، تفسير المراغي، ج16، ص 63 ؛ النجار، قصص الانبياء، ج1،

2) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 111.

3) ينظر : أبو شجاع الديلمي شيرويه بن شهردار بن شیرو به بن فناخسرو الهمذاني (ت : 509هـ/ 1115م)، الفردوس بمأثور الخطاب، تحقيق: السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية (بيروت : 1986م ص 32 أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي العجلوني الدمشقي (ت : 1162هـ / 1749م)، كشف الخفاء ومزيل الإلباس، تحقيق: عبد الحميد بن أحمد بن يوسف بن هنداوي، المكتبة العصرية (بيروت : 2000م)، ج 1، ص 304

4) الطوسي، ابو جعفر محمد بن الحسن بن علي (ت : 465 هـ / 1073م)، تهذيب الاحكام في شرح المقنعة، تصحصح وتعليق : علي اكبر الغفاري، مكتبة الصدوق، (قم : 1963م)، ج 6، ص 37.

5) السَّهْلَةُ : مسجد بالكوفة وفيه لموضع البيت الذي كان يخط فيه إدريس علیه السلام ومنه رفع إلى السماء، وكان بيت إبراهيم صلوات الله عليه الذي خرج منه إلى العمالقة، وكان بيت إدريس علیه السلام الذي يخيط فيه وفيه صخرة خضراء فيها صورة وجوه النبيين، وفيه مناخ الراكب يعني الخضر علیه السلام، ثم قال : لو أن اتاه عمي حين خرج فصلى فيه واستجار بالله لأجاره عشرين سنة ؛ وما أتاه مكروب قط فصلى فيه ما بين العشاءين ودعا الله الا فرج الله عنه ينظر : الشيخ الصدوق ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت: 381هـ / 991م) من لا يحضره الفقيه، اشرف على تصحيحه : حسين الاعلمي ، منشورت مؤسسة الاعلمي للمطبوعات (بيروت : 1986م)، ج 1، ص 232 الطوسي تهذيب الاحكام، ج6، ص 37؛ الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج 3، ص 413؛ الراوندي، قصص الانبياء، ج 1، ص 248؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 3، ص 290؛ القزويني، زكريا بن محمد بن محمود (ت: 682هـ / 1283م)، آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر، (بیروت : درت)، ج 1، ص 251؛ ابن بطوطة رحلة ابن بطوطة، ج 1، ص 167؛ المجلي، ج1، بحار الانوار ج 46 ص 182 الحويزوي تفسير نور الثقلين، ج5، ص 278.

فيه واسأل الله حاجتك لدينك ودنياك ، فإن مسجد السهلة بيت إدريس علیه السلام الذي كان يخيط فيه ويصلي فيه ومن دعا الله فيه بما أحب قضى له حوائجه ورفعه يوم القيامة مكاناً علياً إلى درجة إدريس وأجاره من مكروه الدنيا ومكائد اعدائه (1).

واتاه الله العلم، فعلمه للناس وكان إدريس علیه السلام نبياً مُرْيَانياً خياطا (2)، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ وادخل الكتابة (3)، وهو أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم (4)، وَجَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ (5)، وَأَوَّلُ مَنْ خَاطَ الثياب (6)، فصنع القماش من الكتان ولبس المخيط (7)، وقطع الثياب وخاطها وقطع الثياب وخاطها (8)، ولبس الثياب وأظهر الأوزان والأكيال، وأنار علم النجوم (9)، فَكَانَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام أول من لبس السَّرَاوِيل وأول من فصل جِبْرِيل وأول من خاطه


1) ينظر : الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج 3 ، ص ،413 الراوندي، قصص الانبياء ج 1، ص 250 المجلسي، بحار الانوار، ج 11، ص 280؛ الجزائري، قصص الانبياء ، ص 77 الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 36.

2) الصحاري، الأنساب، ج 1، ص 17.

3) ابن الجوزي ، المنتظم في تاريخ الأمم، ج2، ص 246.

4) ينظر : ابن الجوزي التبصرة، ج 1، ص 57 ؛ المحراني موسوعة الاديان الميسرة، ص 63-64.

5) الصحاري، الأنساب، ج1، ص17.

6) ينظر ابن الجوزي التبصرة، ج 1، ص 58 السيوطي، الفتح الكبير، جا، ص 431؛القنوجي ابجد العلوم، ج 1، ص 295.

7) الصحاري الأنساب، ج 1، ص 17.

8) ينظر : الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 70؛ الصحاري، الأنساب، ج1، ص 15.

9) ينظر : النويري، نهاية الأرب، ج 13، ص 40.

سارة بعد إدريس علیه السلام (1)، وقد كانت حواء أمرت بالنسج والمغزل ، فغزلت القطن والكتان والوبر ونسجت وكست أولادها، وقد لبس آدم علیه السلام من غزل حواء (2)، وأول من طرز الطرز ، وخطّ بالرّمل (3)، ولبس الثياب المخيطة، وخاط اللباس (4)، وَكَانُوا مِنْ قَبْلِهِ يَلْبَسُونَ الْجُلُودَ (5)، وكان كلما خاط سبّح الله وهلله وكبره ووحده ومجده، وكان يصعد إلى السماء من عمله في كل يوم مثل أعمال أهل زمانه كلّهم (6).

سادساً : الجهاد

يعد نبي الله إدريس علیه السلام هُوَ أَوَّلُ مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (7)، وَأَوَّلُ مَن اتَّخَذَ السّلاحَ، وَقَاتَلَ الْكُفَّارَ (8)ونهى ارباب الفساد من بني آدم عن مخالفتهم شريعة آدم وشيث علیه السلام (9)، فأمره الله تعالى ان


1) الحنبلي، الأنس الجليل، ص 48

2) ينظر: المسعودي اخبار الزمان ص 78 ابن طاووس فرج المهموم، جا، ص 16.

3) ينظر: البكري المسالك والممالك، ج 1، ص 74 76 ابن الجوزي مرآة الزمان من 298.

4) النفي، تفسير النسفي، ج2، ص 341

5) ينظر: الماوردي، تفسير الماوردي (النكت والعيون ) ج 3 ص 378؛ الصحاري، ج3، الأنساب، ج 1، ص 17 البغوي معالم التنزيل، ج3، ص 228 الراوندي قصص الانبياء، ج 1، ص 247 ابن الجوزي ، المنتظم في تاريخ الأمم، ج2، ص 246؛ ابن الجوزي تلقيح مفهوم أهل الأثر، ص 11 ص 337؛ ابن الجوزي مرآة الزمان ص 297 ابن العجمي كنوز الذهب، ج2، ص 6؛ القمي، تفسير القمي، ج26 ص 6 الزحيلي، التفسير المنير، ج16، ص 125؛ دخیل قصص الانبياء، ص 42.

6) الراوندي، قصص الانبياء، ج 1، ص 247.

7) ينظر: ابن الجوزي مرآة الزمان ص 298 ابن الأثير الكامل في التاريخ، جا، ص 55.

8) البغوي معالم التنزيل، ج 3، ص 228 القنوجي فتح البيان، ج7، ص171.

9) ينظر: ابن قتيبة ،المعارف ص 10 ،الثعلبي عرائس ،المجالس، ص 42 البكري المسالك والممالك، ج 1، ص 7674 ابن جوزي مرآة الزمان، ج1، ص 226؛ السيوطي الوسائل الى معرفة الأوائل ص 79 البستوي محاضرة الأوائل ص 27؛ القرماني أخبار الدول، مج 1، ص 57.

يقاتلهم ويسبي نساءهم وأولادهم، فأطاعه قليل وعصاه كثير، وكان عددمن اطاعه ألف إنسان (1)، وسبى ولد قاين لما دعاهم إلى الله فلم يجيبوه (2)، وَأَوَّلُ مَنْ سَبَى مِنْ وَلَدٍ قَابِيلَ بنِ آدَمَ فَاسْتَرَتْ مِنْهُمْ (3)، وَكَانَ وَصِيَّ وَالِدِهِ يَرْدَ فِيمَا كَانَ آبَاؤُهُ وَضَوْا بِهِ إِلَيْهِ، وَفِيمَا أَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا (4)، واتخذ الأسلحة فقاتل بني قابيل (5).

وحكى عن وهب أنه أوّل من اتخذ السلاح (6)، وجاهد في سبيل الله وسبی (7)، وذكر أنه كان أول من رَكِبَ الخَيْل، لأنه اقتفى رسم أبيه في الجهاد كان إدريس علیه السلام هو اول من استخدم الخيول للهجرة بها (8)، وسلك في أيامه العَمْلَ بطاعة الله ، طريق آبائه، وكان عمر إدريس إلى أن رفع ثلاثمائة وخمسا وستين سنة. وولد له مُتوشلح بعد ما مضى من عمره خمس وستون سنة (9).


1) القرماني أخبار الدول، مج 1، ص 57.

2) البكري المسالك والممالك، ج 1، ص 74-76.

3) ينظر: الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 70 ابن الجوزي مرآة الزمان ج1، ص 297.

4) ينظر : ابن الاثير الكامل في التاريخ، ج 1، ص 50.

5) ينظر : النسفي، تفسير النسفي، ج2، ص 341؛ الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ج 1، ص 329

6) الماوردي، تفسير الماوردي (النكت والعيون)، ج 3، ص 378

7) الصحاري الأنساب، ج 1، ص 15

8) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 111-113

9) الصحاري الأنساب، ج 1، ص 15

سابعاً: الأوزان المكاييل

وأول من استعمل وضع واتخذ الموازين والمكاييل (1)، وأول مُرْسَلِ بَعْدَ آدَمَ وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْمَوَازِينَ وَالْمَكَابِيلَ وَالْأَسْلِحَةَ فَقَاتَلَ بَنِي قابيل (2)، وأول من اتخذ الموازين والمكاييل والأسلحة، فقاتل بني قابیل (3).

ثامناً : الطب

ذكر جماعة من العلماء أن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان انما صدرت عن هرمس الاول الساكن بصعيد مصر الاعلى والذي يسميه العبرانيون خنوخ بن یارد بن مهللئيل بن قينان ابن أنوش بن شيث بن آدم علیه السلام وهو إدريس النبي علیه السلام (4)، وبرع علیه السلام أيضاً بالطب والكيمياء وعلمهما لقومه، فلذلك يرجع سر الطب في مصر الى الملك الفرعوني الذي تعلم من علم إدريس في ذلك العهد، حيث كان يلقب علیه السلام في مصر بهرمس الهرامسة ( حكيم الحكماء) (5)، وله معرفة كذلك بالطب ومعرفة بالأدوية (6)، وأول من نظر في علم الطب وألف لأهل زمانه قصائد موزونة واشعار معلومة في الأشياء الأرضية والسماوية (7).


1) ينظر : الماوردي، تفسير الماوردي (النكت والعيون )، ج 3، ص 378؛ النسفي تفسير النسفي، ج2، ص 341 البدراوي قصص الانبياء، ج 1، ص 55.

2) أبو حيان البحر المحيط، ج 7، ص 267

3) ينظر : الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 144 ؛ الألوسي، روح المعاني، ج8، ص 422 الزحيلي، التفسير المنير، ج16، ص 125؛ دخیل قصص الانبياء، ص 42.

4) ابن صاعد الاندلسي، طبقات الامم، ص 39.

5) ابن كثير، البداية والنهاية، ج1، ص 111-113

6) الراغب الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، ج 1، ص 272.

7) ينظر: ابن جلجل طبقات الاطباء والحكماء ص 5؛ القرماني، اخبار الدول مج 1، ص 56.

تاسعاً : بناء المدن

تعود الى إدريس علیه السلام أول من وضع فكرة بناء البيوت في تجمعات على هيئة قرى أو مدن (1)، فبنت كل فرقة من الأمم مدناً في أرضها فكان عدة المدن التي بنيت في زمانه مائة وثمانين مدينة (2)، ويقال (3)، بينما ذكرها القفطي " وبنى لهم مائة مدينة وثمان مدن عظام اصغرها الرها (4)

الكلم ص 9 أبو خليل أطلس القرآن، ص 17.

" (5)، وهذا ما اكده المقدسي بقوله : "وقيل أن هرمس الأول بنى مائة وثمانين مدينة أصغرها الرها وسن للناس عبادة الله والصوم والصلاة والزكاة والتعييد لحلول السيارة ببيوتها واشرافها وكذلك كلما استهل الهلال وحلت الشمس برجا من الاثني عشر ، وان يقربوا قرابين من كل فاكهة باكورتها ومن الطيب والذبائح والخمور أنفسها، وحرّم السكر والمآكل (6).

وهو الذي رسم بعمارة المدن وجمع طلاب العلم وقرر لهم قواعد السياسة وعمارة المدن ، وكان يعلمهم كيفية تخطيط المدن (7)،


1) البدراوي، قصص الانبياء، ج 1، ص 56.

2) القرماني، أخبار الدول، مج1، ص 57.

3) البدراوي، قصص الانبياء، ج 1، ص 56. الرها : مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام بينهما سنة فراسخ سميت باسم الذي استحدثها، وهو الرهاء بن البلندي بن مالك ابن دعر وقال الكلبي في كتاب أنساب البلاد الرهاء بن سبند بن مالك بن دعر بن حجر ابن جزيلة بن لخم، وقال قوم: إنها سميت بالرها ابن الروم بن لنطي بن سام بن نوح ، قال بطليموس: مدينة الرها طولها اثنتان وسبعون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها سبع وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة للمزيد، ينظر : ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج3، ص 106

4) ينظر : القنطي، أخبار العلماء، ج 1، ص 9؛ ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن

5) ينظر : المقدسي البدء والتاريخ، ج 1، ص 7 ؛ ابن ،جلجل تاريخ الأطباء والحكماء ص 6.

6) القرماني، أخبار الدول مج 1، ص 57.

7) ينظر : الزحيلي، التفسير المنير، ج16، ص 125؛ دخیل قصص الانبياء، ص 42.

وقسم البلاد الى أربعة أقسام وجعل على كل منها حاكما يسوس الناس (1).

عاشراً: تنظيم الري والزراعة

تعود لإدريس علیه السلام أول من دبر جري النيل إلى مصر (2)، وكان يأتي في وقت الزراعة وفي غير وقتها، فلما عاد إدريس جمع أهل مصر، وصعد بهم إلى أول مسيل النيل، ودبر وزن الأرض ووزن الماء على الأرض، وأمرهم بإصلاح ما أرادوا من خفض المرتفع ورفع المنخفض وغير ذلك مما رآه في علم النجوم والهندسة والهيئة (3).

وكان أول من تكلم في هذه العلوم وأخرجها من القوة إلى الفعل ووضع فيها الكتب ورسم فيها العلوم ، ثم سار إلى بلاد الحبشة والنوبة وغيرها، وجمع أهلها، وزاد في مسافة جري النيل ونقصه بحسب بطئه، وسرعته في طريقه ، حتى عمل حساب جريه ووصوله إلى أرض مصر في زمن الزراعة على ما هو عليه الآن (4).

إحدى عشر : الطوفان والنبي إدريس علیه السلام

إن معجزات الأنبياء علیه السلام إخبارهم بالغيوب فكيف يقدر عليها غيرهم فيصير ذلك مانعا من أن يكون معجزا لهم جواب المنجمين فأما قوله كيف يقدر عليها غيرهم فالجواب عنه إذا كان الله جل جلاله هو الذي جعل النجوم دلالات وكانت من معجزات إدريس ع فجوابه عنه (5).


1) البدراوي، قصص الانبياء، ج 1، ص 56.

2) السيوطي، حسن المحاضرة، ج 1، ص 30.

3) المصدر نفسه، ج1، ص31.

4) السيوطي، حسن المحاضرة، ج 1، ص 30.

5) ابن طاووس فرج المهموم، ج 1، ص 41

يكاد الاجماع ينعقد بين الباحثين على ان خبر الطوفان الوارد في الكتب المقدسة ولا سيما التوراة هو الطوفان الوارد في مآثر حضارة وادي الرافدين نفسه (1)، لا شك ان حادثة الطوفان وقعت في العراق في القسم الجنوبي منه ويرجع زمنها في أغلب الاحتمالات الى اواخر العصر الحجري في أوائل عصر فجر السلالات أواخر الإلف الرابع قبل الميلاد في حين ان الباحث (وولى) ذهب الى ان الطوفان قد وقع في حدود (4000 ق.م) (2)، هذه نتائج ابحاث العلماء بناء على الحفريات والتنقيبات الأثرية التي أثبتت حدوث ذلك الطوفان كما امكن بالوسائل العلمية تحديد زمنه التقريبي بـ (4000 ق.م) (3).

ووجد معجزة العلم على مدى الاجيال ، وان اخنوخ هو نموذج البار والكاتب الذي نجد صداه في أسطورة عهد ما قبل الطوفان في التقليد البابلي ، كما نجد تلامذة اخنوخ يمثلونه بـ(ابن الانسان) الذي عاش على الارض ووصلت كشوفاته الى نوح وذلك بمعرفته بوقوع كارثة الطوفان وهو بحسب رؤيتهم القاضي في الاخرة الموجود قبل الوجود (4)، وهو ايضا مانح الحضارة للإنسانية (5)، وورد هذا المعنى على لسان الملاك المصاحب له فجاء النص : " انت ابن الانسان (6)

الحكم ومحاسن الكلم، ج1، ص223

،

1) باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات ج1، ص 302 303 السيار، قدماء المصريين، ص 190.

2) سوسة احمد تاريخ حضارة وادي الرافدين (بغداد :د.ت) ، ج 1، ص 205 206 السيار، قدماء المصريين، ص 190.

3) السيار، قدماء المصريين ص .190.

4) مخطوطات البحر الميت، ج 2، ص 11.

5) مخطوطات البحر الميت، ج2، ص 11.

6) ابن الانسان : يفسر ابن الانسان في اليهودية انه كان عجيباً غامضاً مقيماً بجوار الله حائزاً على البر، معلناً عن خيرات الخلاص المدمرة لنهاية الازمنة عنئذ سوف يتربع عرش مجده كديان للجميع ومخلص الأبرار ومتقم لهم وهم سوف يحيون بالقرب منه بعد قيامتهم من بين الأموات وتنسب له قصص سمات المسيح المنتظر وهو المختار من اجل الحكم للمزيد، ينظر : دانيال ؛ اضعيا 41 : 1؛ ابن فاتك مختار

انت الذي ولد من اجل الحق والحق قد حل عليك، إن عدل مبدأ الايام سينادي لاجلك السلام باسمي لقرن قادم " (1)، وكذلك قوله : كل سيتبع دربك والحق لن يتركك ابداً معك سيكون نصيبهم ولن ينفصلوا عنك للابد ولدهر الدهور وهكذا فان طول العمر سيرافق ابن الانسان هذا والسلام سيكون للابرار والاستقامة ستكون للابرار باسم رب الارواح والى دهر الدهور "(2).

يتضح ان ادريس (اخنوخ) هو البار والمتجسد لابن الانسان السابق الوجود، وانه سيبقى موجوداً بالروح بين اتباعه وانهم سوف يتوحدون به بعد الحساب وذلك باعلان الملاك له بملوم عصر سلام وازدهار يمنحه الله لاجل اخنوخ ومن معه ويقصد السكنى معه في السماوات (3).

استدل إدريس علیه السلام من أحوال الكواكب على كون الطوفان يعمّ الأرض، فأكثر من بنيان الأهرام وإبداعها الأموال وصحائف العلوم ، وما يشفق عليه من الذهاب والدروس حفظا لها واحتياطا عليها (4)، وكان قبل الطوفان الكبير الذي غرق الدنيا ، وهو الطوفان الاول، وكان بعده طوفان اخر غرق اهل مصر فقط (5).


1) مخطوطات البحر الميت، ج2، ص 74.

2) ينظر : ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ج1، ص 223؛ مخطوطات البحر : الميت، ج 2، ص 75.

3) مخطوطات البحر الميت، ج2، ص 144.

4) ينظر : ابو الصلت امية بن عبد العزيز (ت : 528هـ / 1134م)، الرسالة المصرية، تحقيق : عبد السلام ،هارونه ،ط2 مكتبة البابي الحلبي (القاهرة: 1973م)، ص 25 المقريزي ، المواعظ والاعتبار، ج1، ص223

5) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ج 1، ص 223

وهذا ما أكده ابن خلكان وياقوت الحموي بقوله : "ومن الناس من زعم أن هرمس الأول المدعو بالمثلث بالحكمة وهو الذي يسميه العبرانيون أخنوخ ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم وهو إدريس النبي ، علیه السلام، استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان فأمر ببنيان الأهرام وإبداعها الأموال وصحائف العلوم إشفاقا عليها من الذهاب والدروس وحفظا لها واحتياطا عليها ، وقيل إن الذي بناها سوريد بن سهلوق بن سرياق "(1)، وقال البحتري في قصيدة :

ولا بسنان بن المثلّل عندما *** بنی هرميها من حجارة لابها (2)

وأنذر بالطوفان وأول من بني الهياكل ومجد الله فيها وأول من نظر في الطب وأول من ألف القصائد والأشعار وهو الذي بنى أهرام بمصر وصور فيها جميع العلوم والصناعات وآلاتها خشية أن يذهب رسمها بالطوفان (3).

وقالوا : أنه أنذر بالطوفان ورأى أن آفة سماوية تلحق بالارض من الماء والنار فخاف من ذهاب العلم ودروس الصنائع فبنى الاهرام لبرابي في صعيد مصر الاعلى وصور فيها جميع الصنائع والآلات ورسم فيها صفات العلوم حرصاً منه على تخليدها لمن بعده أن يذهب رسمها من العالم (4).


1) ابن خلكان وفيات الأعيان، ج2، ص 235

2) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج5، ص402

3) القنوجي، ابجد العلوم، ج 1، ص 295

4) ينظر : ابن خلكان وفيات الأعيان، ج2، ص 235 القرماني، اخبار الدول، مجا، ص 56.

اثنتي عشر : بناء الأهرامات والبرابي

تعد الأهرامات من العجائب المذكورة على مر الدهور وللناس فيها كلام كثير وخوض في شأنها وأولية بنائها ويزعمون أن العلوم التي ظهرت قبل الطوفان أخذت من هرمس الأول الساكن بصعيد مصر الأعلى ويسمى اخنوخ وهو إدريس علیه السلام (1)، كان اليونانيون يعتقدون ان تحوت هو باني الاهرام وسار على نهج اليونانيين اليهود والمسيحيين وبعض متصوفة الإسلام؛ إذ إنهم وحدوا بين تحوت وهرمس وأخنوخ والنبي إدريس علیه السلام (2)، ويقال أن هرمس المثلث بالحكمة وهو الذي تسميه العبرانيون اخنوخ وهو إدريس علیه السلام استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان فأمر ببناء الأهرام وإبداعها الأموال وصحائف العلوم وما يخاف عليه من الذهاب والاندثار (3).

وأول من بنى الهياكل ومجد الله تعالى فيها (4)، وألهمه الله علم النجوم فدلته على أنه سينزل بالأرض آفة وأنه سيبقى بقية من العالم يحتاجون فيها إلى علم، فبني هو وأهل عصره الأهرام والبرابي وكتب علمه فيها (5)، فأمر حينئذ ببناء البرابي والأهرام العظام وصَوَّر فيها صور الكواكب ودرجها وما لها من الأعمال وأسرار الطبائع، والنواميس


1) ينظر: ابن صاعد الاندلسي، طبقات الامم ص 39 ابن عبد الحق، صفي الدين عبد المؤمن ابن شمائل القطيعي البغدادي الحنبلي (739هـ/ 1338م)، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع دار الجيل (بيروت : 1991م)، ج3، ص 1457؛ ابن بطوطة، رحلة ابن بطوطة، ج1، ص 29.

2) ينظر : فريك متون هرمس، ص 55 البدراوي قصص الانبياء، ج 1، ص 45

3) ينظر : ابن صاعد الأندلسي طبقات الأمم ، ص 18 ؛ الغزولي، مطالع البدور، جا، من 290 السيوطي، حسن المحاضرة، ج 1، ص 75.

4) القرماني اخبار الدول مج 1، ص 56.

5) ينظر: ابن صاعد الاندلسي، طبقات الامم، ص 18؛ المقريزي، المواعظ والاعتبار، ج 1، ص 222

وعمل الصنعة (1)، علم بطوفان نوح إما بالوحي أو بالاستدلال على ذلك من أحوال الكواكب، فأمر ببناء الأهرام وإبداعها الأموال وصحائف العلوم إشفاقاً عليها من الدروس ، واحتياطاً عليها وحفظاً لها (2).

وأنه أول من تكلم في الحركات الفلكية والجواهر العلوية وأول من بنى الهياكل ومجد الله تعالى وفيها أنذر الناس بالطوفان وخاف ذهاب العلم ودروس الصنائع فبنى الأهرام والبرابي وصور فيها جميع الصنائع والآلات ورسم العلوم فيها لتبقى مخلدة ويقال أن دار العلم والملك بمصر مدينة منف وهي على بريد من الفسطاط فلما بنيت الاسكندرية انتقل الناس إليها وصارت دار العلم والملك

(3). عد ياقوت الحموي أمر الهرمين الكبيرين من "عجائب مصر في جانبها الغربي ولا يعلم في الدنيا حجر على حجر أعلى ولا أوسع منها، طولها في الأرض أربعمائة ذراع في أربعمائة وكذلك علوها أربعمائة ذراع ، وفي أحدهما قبر هرمس وهو إدريس علیه السلام (4)، والصابئة تزعم أن هرمي هرمي مصر؛ أحدهما قبر شيث، والآخر قبر إدريس "(5).

أورد ابن الجوزي عدة آراء حول سبب بناء الاهرامات بقوله: " وزعم بعضهم أن الأهرام بمصر قبور ملوك عظام بها، آثروا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم، كما تميزوا عنهم في حياتهم ، وأرادوا أن يبقى ذكرهم بسبب ذلك على تطاول الدهور. وذكر محمد بن


1) السيوطي، حسن المحاضرة، ج 1، ص 75.

2) ينظر : القزويني، آثار البلاد، ج1، ص • 269 منبر الأساطير المتعلقة ، ص 99.

3) ينظر: ابن صاعد الاندلسي، طبقات الامم، ص 39 ابن عبد الحق مراصد الاطلاع، ج3، ص 1457؛ ابن بطوطة رحلة ابن بطوطة، ج1، ص 29.

4) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج5، ص 400

5) السيوطي، حسن المحاضرة، ج 1، ص 30.

العربي الملقب بمحيي الدين : ان القوم كانوا على دين التناسخ، فاتخذوا الأهرام علامة لعلهم عرفوا مدة ذهابهم ومجيئهم إلى الدنيا بعلامة ذلك، ومن الناس من يزعم أن هرمس الأول الذي يسميه اليونانيون أخنوخ بن یرد بن مهلائيل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم علیه السلام وهو إدريس (1).

وقال صاعد اللغوي في كتاب طبقات الأمم :" إن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأول الساكن بصعيد مصر الأعلى، وهو أوّل من تكلم في الجواهر العلوية والحركات النجومية، وهو أوّل من ابتنى الهياكل ، ومجد الله فيها، وأوّل من نظر في علم الطب وألف لأهل زمانه قصائد موزونة في الأشياء الأرضية والسماوية، وقالوا إنه أوّل من أنذر بالطوفان، ورأى أن آفة سماوية تصيب الأرض من الماء، والنار فخاف ذهاب العلم، واندراس الصنائع

فبنى الأهرام، والبرابي التي في صعيد مصر الأعلى، وصوّر فيها جميع الصنائع والآلات ورسم فيها صفات العلوم حرصا على تخليدها لمن بعده، وخيفة أن يذهب رسمها من العالم ، وهرمس هذا : هو إدريس علیه السلام "(2).

وذكر قوم أنه قد كتب على الهرمين بالمسند: إني بنيتهما فمن يدعي قوة في ملكه فليهدمهما فإن الهدم أيسر من البناء، وذكر أن حجارتهما نقلت من الجبل الذي بين طرا وحلوان ، وهما قريتان من مصر، وأثر ذلك باق إلى الآن (3)


1) ابن الجوزي، التبصرة، ج 1، ص 57.

2) ينظر: ابن صاعد الاندلسي، طبقات الامم ص 39؛ المقريزي، المواعظ والاعتبار، ج 1، ص 52.

3) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج5، ص 402

قال ابن بطوطة : " هي أهرام كثيرة ببلاد مصر، إلا أن المشهور منها اثنان ، هما في غربي مصر وهو بناء مربع مخروط الشكل ، به أربع مثلثات، طول كل ضلع من أضلاعه أربعمائة ذراع ، وارتفاعه أربعمائة ذراع ينتهي أعلاه إلى مثل مفرش حصير، قيل: في أحدهما قبر هرمس وهو إدريس علیه السلام وفي الآخر قبر تلميذه "أغانيمون"(1)، وهما من عجائب الدنيا ؛ لأنك إذا رأيتهما حسبتهما جبلين موضوعين ، ولا يدرى ما الغرض في بنائهما ؛ فلذلك كثرت الأقاويل فيها واختلفت (2)، في حين عَدَّهُ الآخرون امثال ابن كبريت إن أحد الهرمين "قبر هرمس علیه السلام والآخر قبر امرأته وقيل قبر ابنه ، وهرمس بلسان الحكماء هو إدريس علیه السلام ، وهو الجد الثالث لنوح " (3)، ولم يرجح السيوطي ذلك بقوله : والأصح ما هو إدريس؛ إنما هو مصر بن بيصر بن حام بن نوح "(4).


1) وهو تلميذ ادريس (هرمس) وهو من الحكماء في الزهور، ج 1، ص 29.

2) ابن بطوطة رحلة ابن بطوطة، ج 1، ص 29.

3) ابن کبریت، محمد بن عبد الله بن محمد، من ينظر : این اپاس بدائع أحفاد شرف الدين بن يحيى الحمزي الحسيني المولوي (ت: 1070هـ / 1660م، رحلة الشتاء والصيف، تحقيق وتقديم و فهرست : محمد سعيد الطنطاوي المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، (بيروت : د.ت)، ص 31.

4) السيوطي، حسن المحاضرة، ج 1، ص 30.

الفصل الثالث : صحف نبي الله إدريس علیه السلام ودعوته

اشارة

المبحث الأول صحف إدريس علیه السلام المنزلة من السماء والوحي

أولا : صحف إدريس علیه السلام المنزلة من السماء

سبقت الرسالات السماوية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى، صحف نزلت على آدم وشيث وإدريس وإبراهيم علیه السلام ؛ لأن لكل رسول كتاب، لان هذه الكتب السماوية تقرر القواعد العامة التي لا بد أن تعيها البشرية في مختلف العصور كقاعدة الثواب والعقاب (1)، ولم يخل قط جيل ولا أمة من کتاب (2)، قال الله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَب وَالْمِيزَانَ) (3)، وهذا يدل على أن كل رسول معه كتاب ، لكن لا نعرف كل الكتب (4)، ورد ذكرها في القرآن الكريم باسم الصحف الأولى، وقال تعالى : (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجَبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ) (5)، وذكر الطبري: " إن الله بعث إدريس وجمع له علم الماضيين وزاده مع ذلك ثلاثين صحيفة فذلك قوله تعالى : الصحف الأولى " (6)، إما تفسير


1) العتيبي، الرسل والرسالات، ص247.

2) المسعودي اخبار الزمان، ص 78.

3) سورة الحديد: الآية : 25

4) العثيمين محمد بن صالح بن محمد شرح العقيدة الواسطية، تحقيق : الصميل ،5 دار ابن الجوزي (الرياض: 1998م)، ج 1، ص 65

5) السمعاني، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزي التميمي الحنفي الشافعي (ت : 489هـ / 1096م) تفسير القرآن :تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم : بن عباس بن غنيم دار الوطن (الرياض : 1997)م، ج 5، ص 300.

6) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 171؛ النيسابوري، غرائب القرآن، ج 6، ص 56 القرطبي، الجامع لاحكام القرآن ج 11، ص 117؛ الزمخشري، الكشاف، ج 2، ص 227 النووي أبو زكريا الدين يحيى بن شرف( ت : 676هـ / 1277م)، جزء فيه ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات، تحقيق: أحمد بن على الدمياطي، مكتبة الأنصار للنشر والتوزيع (بيروت: د.ت)، ج 1، ص 135 الالوسي، روح المعاني، ج6، ص 306.

قوله تعالى: (بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ) (1)، وذكر وهب بن مُنَبِّه :" أَن الله تَعَالَى أنزل مائَة وَأَرْبَعَة كتب ؛ ثَلَاثُونَ صحيفة على شيث ، وَخَمْسُونَ على إِدْرِيس، وَعِشْرُونَ على إِبْرَاهِيم، وَأَرْبَعَة على مُوسَى وَدَاوُد وَعِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام "(2).

ويعني بالصحف الاولى الصحف التي نزلت على إدريس علیه السلام (3)، فيجب الإيمان بها على التفصيل ، والبقية إجمالا ، فهذه الكتب المنزلة من عند الله على أنبيائه ورسله يلتقى فيها النبي بقومه، وهي مجال الدعوة ، ومركز الثقل فيها، وفي هذا المجال يشتد الصراع ، وتحتدم الخصومات وتجتمع قوى الشر وجنود الباطل لتخفت صوت الحق، ولتطفئ نور الله ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يم نوره ولو كَرِهَ الْكَفِرُونَ )(4).

اتفقت المصادر اليهودية والإسلامية على نزول الصحف على نبينا إدريس علیه السلام فذكرت المصادر اليهودية انه نزلت على اخنوخ ألواح سماوية " ان اخنوخ نزلت عليه ألواح سماوية قرأ فيها وتعلم منها أعمال البشر كلها وجميع أبناء الجسد الأحياء على الأرض حتى الجيل الأخير " (5)، ويعزى إلى أخنوخ سفر لم تثبته الكنيسة الكاثوليكية بين


1) سورة الاعلى: الآيتان : 18-19

2) ينظر : الزمخشري، تفسير القرآن، ج5، ص 300؛ السمعاني، تفسير القرآن، ج5، ص 300

3) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 171.

4) سورة التوبة : الآية : 32 الحملاوي، عمر العرباوي كتاب التوحيد المسمى بـ (التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد مطبعة الوراقة العصرية، (بيروت : 1984م)، ج 1، ص 160.

5) مخطوطات البحر الميت، ج2، ص 84.

الأسفار المقدسة، على أن المشاهير الاباء لم يعتبروا من هذا السفر منزلاً الا هذه الفقرة لإثبات يهوذا الرسول لها في رسالته المعدودة من الاسفار الموحاة، وفسر كلمة اخنوخ بمعنى المبتدى (1)، اما في المصادر الإسلامية ورد نزول الثلاثين صحيفة (2)، من الله تعالى لإدريس علیه السلام وحياً عن طريق جبريل علیه السلام(3).

قال الحميري: " قال وهب: إدريس النبي أول من كتب بيده من أهل الدنيا أنزل عليه الكتاب السرياني وعلمه إياه جبريل، فأول من أنزل الله تبارك وتعالى عليه (بسم الله الرحمن الرحيم) في صحيفة وبعده في الصحيفة مكتوب شهد الله إنه لا اله إلا هو ، إلى آخر الآية ثم أنزل عليه أبجد إلى آخرها فكتب وقرأ ولما رفع الله إدريس استخلف ابنه متوشلح .... "(4).

قال المسعودي: "وأنزل عليه ثلاثون صحيفة، وكان قد نزل قبل ذلك على آدم إحدى وعشرون صحيفة ، وأنزل على شيث تسع وعشرون صحيفة فيها تهليل وتسبيح "(5)، وهو أوّل من بعث من بني آدم؛ وهو أوّل من خط بالقلم بعد شيث ، وأوّل من كتب في الصحيفة؛ وكان مشتغلا بالعبادة ومجالسة الصالحين حتى بلغ فأنفرد للعبادة فجعله الله تعالى نبيّا، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة ، وورثه صحف شيث وتابوت


1) الدبس تاريخ سورية، ج 1، ص 76.

2) الصحيفة : من صفح : صفحة الشيء وجهه وجانبه. وصفحة الورقة أحد وجهيها. وفي مادة صحف :الصحيفة ما يكتب فيه من ورق ونحوه. ويطلق على المكتوب فيها، ينظر الزيات أحمد وآخرون (مجمع اللغة العربية بالقاهرة)، المعجم الوسيط دار الدعوة (القاهرة: د.ت)، ج 1، ص 516.

3) مخطوطات البحر الميت، ج2، ص 84.

4) الحميري، التيجان في ملوك جمير، ص 29

5) المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 10.

آدم (1)، وكان أول من بعث إلى قومه فدعاهم إلى الدين (2)، واضاف النويري: " حتى أنت عليه أربعون سنة، فبعثه الله تعالى إلى أولاد قابيل، وكانوا جبابرة، وقد اشتغلوا باللهو والغناء والمزامير والطنابير وغير ذلك وعبدوا الأصنام ؛ وكان إدريس يدعوهم ثلاثة أيام، ويعبد الله أربعة "(3).

ذكر ابن سعد صاحب الطبقات الكبير في ترجمة وهب بن منبه أنه قال: " قَالَ حَدَّثَنِي محمد بن داود عن أبيه : سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهِ يَقُولُ : لَقَدْ قَرَأْتُ اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ كِتَابًا كُلُّهَا أُنْزِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ . اثْنَانِ وَسَبْعُونَ مِنْهَا فِي الْكَنَائِسِ وَفِي أَيْدِي النَّاسِ .وَعِشْرُونَ لا يَعْلَمُهَا إِلا قَلِيلٌ. وَجَدْتُ فِي كُلِّهَا: إِنَّ مَنْ أَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ المشية فقد كفر " (4)، وقال: " وفي مقدمة كتاب التيجان : قرأت ثلاثة وسبعين كتاباً مما أنزل الله على الأنبياء، فوجدت فيها أن الكتب التي أنزلها الله على النبيين مائة كتاب وثلاثة وستون كتاباً : أنزل صحيفتين على آدم بكتابين : صحيفة في الجنة وصحيفة على جبل لبنان، وعلى شيث بن آدم خمسين صحيفة، وعلى اخنوخ وهو إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى نوح صحيفتين، وعلى إبراهيم عشرين صحيفة وعلى موسى خمسين صحيفة وهي الألواح "(5).

أوردت المصادر الإسلامية رِوَايَةِ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:" دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ[واله] وَسَلَّمَ - جَالِسٌ وَحْدَهُ


1) ينظر: النويري، نهاية الأرب، ج13، ص 40 الديار بكري، تاريخ الخميس، ج1، ص 66 الغزولي مطالع البدور، ج 1، ص 204.

2) الطوسي، البيان في تفسير القرآن، ج 7، ص 93.

3) النويري نهاية الأرب، ج13، ص41.

4) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج6، ص 70.

5) ينظر: النيسابوري غرائب القرآن، ج 3، ص 267 الشيخ المفيد، الاختصاص، ص 25 الخازن لباب التأويل، ج 1، ص 143.

• فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله]وَسَلَّمَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ الْأَنْبِيَاءُ قَالَ: "مِائَةُ أَلْفِ وَعِشْرُونَ أَلْفًا قُلْتُ يَا رَسُولَ الله كم الرُّسُلَ من ذَلِك قَالَ : ثلثمائة وَثَلاثَة عشر جما غفيرا" قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ كَانَ أَوَّلُهُمْ قَالَ: آدم عَلَيْهِ السَّلام قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَبِيُّ مُرْسَلٌ قَالَ : نَعَمْ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَكَلَّمَهُ قِبَلا ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرُ أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ آدَمُ وَشِيثُ وَأَخْنُوخُ وَهُوَ إِدْرِيسُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَم وَنُوحٍ وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ هُودٌ وَشُعَيْبٌ وَصَالِحٌ وَنَبِيَّكَ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَهُ قَالَ: "مِائَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبِ أُنْزِلَ عَلَى شِيثُ خَمْسُونَ صَحِيفَةً وَأُنْزِلَ عَلَى أَخْنُوخُ ثَلاثُونَ صَحِيفَةٌ (1)، وَأُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرُ صَحَائِفَ وَأُنْزِلَ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشَرُ صَحَائِفَ وَأُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُور وَالْفرْقَان "(2).

أكدت الآيات القرآنية صحف إدريس علیه السلام وجاء في تفسير قول نوح لقومه :(أبلقكم رسلت ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون) (3)وَجَمَعَ رِسالاتِ بِاعْتِبَارِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَطَاوِلَةِ


1) ينظر: النيسابوري غرائب القرآن، ج 3، ص 267 الزمخشري، الكشاف، ج4، ص 741؛ الدِّيار بكري، تاريخ الخميس، ج 1، ص 7؛ الزرقاني، شرح الزرقاني، ج 8، ص 307

2) ينظر: ابن قتيبة المعارف، ص 56 الزمخشري ربيع الأبرار، ج5، ص 175؛ الهيثمي، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان (ت: 807هـ / 1404م)، موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، تحقيق : محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية، (بیروت: د.ت)، ج 1، ص 53 الحنبلي، اللباب في علوم الكتاب، ج 20، 287 الحنبلي شمس الدين أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني (ت : 1188هـ / 1774م ، لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، ط2، مؤسسة الخافقين ومكتبتها، (دمشق : 1982م)، ج 2، ص 264 المنياوي، الجموع البهية، ج 2، ص 417؛ الشريف محمود الاديان في ج2، القرآن ،5 مكتبات عكاظ للنشر والتوزيع (جدة : 1984م)، ص 137.

3) سورة الاعراف : الآيات : 63

أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالزَّجْرِ وَالْوَعْظِ وَالتَّبْشِيرِ وَالْإِنْدَارِ أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنْ قَبْلِهِ، قِيلَ: فِي صُحُفِ إِدْرِيسَ وَهِيَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةٌ وَفِي صُحُفِ شِيثٍ وَهِيَ خَمْسُونَ صَحِيفَةٌ (1)، اما النيسابوري فقال :" ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جده إدريس وهي ثلاثون صحيفة ، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة وَأَنْصَحُ لَكُمْ قال الفراء : العرب لا تكاد تقول نصحتك : وإن كان جائزا ولكن تقول نصحت لك "(2)، واضاف الزمخشري: "رِسالاتِ رَبِّي ما أوحى إلى في الأوقات المتطاولة، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والزواجر والبشائر والنذائر. ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جده إدريس، وهي ثلاثون صحيفة ، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة "(3).

ومنه ما قاله الشيخ عبد القادر المغربي في تفسير قوله تعالى: (إنا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ) (4)، حيث قال: "وجاء في كتب الأوائل أن في زمن" أنوش بن شيث بن آدم " ابتدأت عبادة الأوثان، وجعل الناس يسمون المخلوقات آلهة ، فكان أنوش يجمع أهل بيته وذويه للصلاة والتسبيح وعبادة الله وحده، وفي زمن إدريس علیه السلام وهو أخنوخ بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش - كثر النفاق ، وانغمس الناس في الآثام ؛ فأنزل عليه وحي في سفر هو صحف إدريس المشهورة ولم يبق من ذلك السفر سوى فِقْرَةٍ، يقولون : إنها وجدت في اطواء بعض الكتب المقدسة" (5).


1) ينظر: أبو حيان البحر المحيط، ج5، ص 82.

2) النيسابوري غرائب القرآن، ج 3، ص 267.

3) الزمخشري الكشاف، ج 2، ص 115.

4) صورة الاعراف : الآيات : 60

5) الرومي فهد بن عبد الرحمن بن سليمان اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر،طبع بإذن رئاسة إدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد في المملكة العربية السعودية، الرياض : 1986 م، ج 2، ص 761.

قال الطوسي (ت: 664هـ/ 1266م) : "وجدت هذه الصحف بنسخة عتيقة يوشك أن يكون تاريخها من مائتين من السنين بخزانة كتب مشهد مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ، وقد ذهب أولها وآخرها ، فكان الموجود منها نحو سبعة عشر كراساً، وقوائمه بقالب ربع الورقة الكبيرة "(1).

ثانياً : الوحي والنبي إدريس علیه السلام

أخبر المولى سبحانه وتعالى كيفية ابلاغ الوحي حين قال: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَاى حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ، يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمُ) (2)،ذکر ابن سعد : قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَوَّلُ نَبِي بُعِثَ إِدْرِيسُ " (3)، أول من نزل عليه الوحي (جبريل) بالوحي (4)، وَكَانَ قد نبأه الله وانكشف لَهُ الْأَسْرَار السماوية ونزل عَلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام أَربع مَرَّات وَلَه صحف (مِنْهَا) لا تروموا أن تحيطوا بِاللَّه خَبره فَإِنَّهُ أعظم وَأَعْلَى من أن تُدْرِكَهُ قطن المخلوقين إِلَّا من أثره (5).

قال ابن النديم في الفهرست في أسماء كتب الشرائع المنزلة على


1) سعد السعود للنفوس، ج 11، ص8.

2) سورة الشورى : الآية : 51

3) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 45 ؛ الديار بكري، تاريخ الخميس، جا ص 66.

4) طبارة، طبارة، مع الانبياء، ص 56.

5) ينظر: الحنبلي الأنس الجليل، ص 41 ابن عبد الباقي، تقي الدين ابن فقيه قصة عبد الباقي بن عبد القادر البعلي الأزهري الدمشقي (ت: 1071هـ/ 1660م)، العين والأثر في عقائد أهل الأثر تحقيق عصام رواس قلعجي، دار المأمون للتراث، (بيروت : 1986م)، ج 1، ص 61.

مذهب المسلمين ومذاهب أهلها :"قال محمد بن إسحاق قرأت في كتاب وقع إلى قديم النسخ: ".... فجميع الأنبياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي منهم المرسلون بالوحي شفاها ثلاثمائة وخمسة عشر نبيا وجميع ما أنزل الله تعالى من الكتب مائة كتاب وأربعة كتب من ذلك مائة صحيفة أنزلها الله تعالى "(1)، أن إدريس أول من أُعْطِي النبوة من ولد آدم "(2).

يروى أن جبريل - صلوات الله وسلامه عليه – نزل على آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام - اثنتي عشرة مرة ، وعلى إدريس أربع مرات، وعلى نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام - خمسين مرة وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة وعلى موسى أربع مرات ، وعلى عيسى عشر مرات، وعلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله]وَسَلَّمَ وعلى سائر الأنبياء أربعة وعشرين ألف مرة (3).

وجملة ما أنزل الله تعالى من الكتب مائة كتاب وأربعة كتب ، أنزلها الله تعالى فيما بين آدم ،وموسى فيما بين آدم وموسى ، فأول كتاب منها أنزله جل اسمه صحف آدم علیه السلام وهي إحدى وعشرون صحيفة والكتاب الثاني الذي أنزله الله على شيث علیه السلام وهو تسع وعشرون صحيفة والكتاب الثالث الذي أنزله الله على أخنوخ وهو إدريس علیه السلام وهو ثلاثون صحيفة والكتاب الرابع أنزله جل اسمه على إبراهيم علیه السلام وهو عشر صحائف والكتاب الخامس على موسى وهو عشر صحائف


1) ابن النديم، الفهرست، ص37.

2) ينظر : ابن الجوزي، التبصرة، ج 1، ص 57 ؛ السمحراني موسوعة الاديان الميسرة، ص 63-64.

3) ينظر : القسطلاني المواهب اللدنية، ج1، ص129؛ الحنبلي، اللباب في علوم الكتاب، ج 12، ص 47 الزرقاني، شرح الزرقاني، ج 1، ص 437.

فذلك خمسة كتب مائة صحيفة (1)، وكانت الامم تعتقد انها من السماء جاءهم به رسل من حكماء الماضي وهو مدخر في الصحف يتناقله الناس جيلا بعد جيل (2).

كان الملاك جبريل رسول وحى السماء الى عيسى ومحمد علیه السلام وهو نفسه الذي كان يتنزل على نبي المصرين القدماء بالوحي لهذه الكتب المقدسة

وهذا ما تؤكده جميع المصادر والمواجع الإسلامية والتاريخية(3).

وورد في دائرة المعارف : أن إدريس قد ملا (300) كتابا بالإلهامات التي الهم بها (4)، ودفع إدريس كتاب سر الملكوت فعرف اسرار الكون ولم يخف عليه شيء (5)، ولعل من اشهر ما أوحاه جبريل الى إدريس هو تلك الثلاثين صحيفة التي نجدها في جميع المصادر والمراجع الإسلامية (6)، لان إدريس بدفتيه النبوة وعلم عدة خطوط وأمر بجمع المصاحف وتركها في الهيكل وأمر بني آدم وغيرهم بدرسها، وفي بعض الأخبار أنهم كانوا يلبسون القمص من فاخر الحرير والخز وغيرهما من الملونات والمنسوجات بالذهب والمنظومات بالجوهر ويلبسون التيجان(7).


1) ابن النديم، الفهرست، ص 38

2) بدوي، احمد، تاريخ التربية والتعليم في مصر( القاهرة: د.ت)، ج 1، ص 160.

3) للمزيد، ينظر : النجار، قصص الانبياء، ج 1، ص 388؛ السيار، قدماء المصريين، ج 1، ص 196.

4) للمزيد، ينظر: البستاني دائرة المعارف، ج2، ص 639 ؛ السيار، قدماء المصريين، ج 1، ص 196.

5) القرماني، اخبار الدول، مج2، ص 671.

6) للمزيد، ينظر: ابن قتيبة المعارف، ص21200 النيسابوري، تفسير غرائب القرآن، ص 56؛ القرطبي، الجامع لاحكام القرآن، ج 11، ص 117؛ الزمخشري الكشاف ج 2، ص 227 الرازي مفاتيح الغيب ج 4 ص 387 الالوسي، روح المعاني ج 6، ص 306

7) المسعودي اخبار الزمان، ص 78.

وانقطع الوحي بعد إدريس علیه السلام ومات أولئك النقباء، فكلما مات واحد منهم صور بنوه وأهله صورته في بيت لهم ليذكروه ويستغفروا له، وكان متوشلخ( معنى اسمه مات الرسول وقيل سمي به لأن أباه إدريس مات وأمه حامل به )، أراد فساد تلك الصور فامتنعوا عليه، فلما حضرته الوفاة أوصى الى ابنه لمك (ومعنى لمك الجامع ) ، وعهد اليه أبوه ودفع اليه الصحف والكتب المختومة التي كانت لإدريس علیه السلام ، وكان عمر متوشلخ تسعمائة سنة (1).

وانتقلت الوصية الى لمك وهو أبو نوح علیه السلام وقد كان رأى أن ناراً أخرجت من فيه، فأحرقت العالم ورأى وقتاً آخر كأنه على شجرة في وسط بحر لا غير (2).

ثالثاً : نبی الله إدريس علیه السلام وملوك زمانه

عاصر نبي الله إدريس عدة ملوك لان ملك الارض كلها ذكرهم القفطي بقوله : "وخاصة اربعة ملوك وكل واحد منهم ولى بأمره علیه السلام الارض كلها ، فأولهم إيلاوس وتفسيره الرحيم " فكان ملكه نحوا من خمس عشرة سنة (3)، والثاني ابنه أوس . والثالث سقلبيوس والرابع أوس آمون وقيل أيلاوس أمون وقيل بسيلوخس وهو آمون الملك " (4)، واضاف: "واقام لكل اقليم سنة تليق بهم وتقارب آراءهم، وخدمته الملوك وأطاعه اهل الارض كلها واهل الجزائر التي في البحار "(5)


1) الحميري، التيجان في ملوك حمير، ص 29.

2) المسعودي اخبار الزمان، ص 80.

3) النويري، نهاية الأرب، ج 15، ص 259.

4) ينظر: ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ج 1، ص 9؛ القفطي، اخبار العلماء، ج 1، ص 9.

5) ينظر: الطوسي، سعد السعود للنفوس ،ج 28 ، ص 1؛ ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ج 1، ص 9 القفطي اخبار العلماء، ج 1، ص 9.

وذكرت المصادر الإسلامية قصة نبي الله إدريس مع ملك زمانه والتي من خلال يتضح لنا دعوة ونبوة إدريس علیه السلام " أخبرنا السيد أبو الصمصام ذو بن الفقار بن أحمد بن معبد الحسيني، حدثنا الشيخ أبو جعفر الطوسي، عن أبي جعفر صلوات الله عليه قال : كان نبوّة إدريس علیه السلام أنه كان في زمنه ملك جبار وأنه ركب ذات يوم في بعض نزهة، فمرّ بأرض خضرة نضرة لعبد مؤمن فأعجبته ، فسأل وزراء لمن هذه؟ فقالوا: لفلان، فدعا به، فقال له : أمتعني بأرضك هذه فقال: عيالي أحوج إليها منك، فغضب الملك وانصرف إلى أهله "(1).

وكانت له امرأة من الأزارقة (2)، يشاورها في الأمر إذا نزل به، فخرجت إليه فرأت في وجهه الغضب ، فقالت: أيها الملك انّما يغتم ويأسف من لا يقدر على التغيير ، فان كنت تكره أن تقتله بغير حجة، فأنا أكفيك أمره وأصيّر أرضه بيدك بحجة لك فيها العذر عند أهل مملكتك فقال : ما هي؟ قالت أبعث أقواماً من أصحابي الأزارقة حتى يأتوك به، فيشهدون لك عليه عندك أنّه قد بريء من دينكم ، فيجوز لك قتله وأخذ أرضه ، قال : فافعلي وكان أهلها يرون قتل المؤمنين فأمرتهم بذلك، فشهدوا عليه أنه بريء من دين الملك، فقتله واستخلص


1) ينظر: الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت: 381هـ/ 991م) كمال الدين وتمام النعمة تصحيح وتحقيق : علي اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين (قم المقدسة : 2008م)، ج 2، ص 158 159؛ الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص 38؛ الراوندي، قصص الانبياء، ج 1، ص 244239 الجزائري، النور المبين، ص 69-70 الحويزوي، تفسير نور الثقلين، ج5، ص 117؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 35

2) أي كانت بصفة الازارقة فكما أن الازارقة يرون غير أهل تحلتهم مشركا ويستحلون دمه وأمواله فكذلك هذه المرأة والازارقة فرقة من الخوارج، ينظر : المجلسي، بحار الانوار، ج11، ص 272

أرضه (1)، فغضب الله تعالى للمؤمن فأوحي إلى إدريس علیه السلام أن أنت عبدي الجبار فقل له : أما رضيت أن قتلت عبدي المؤمن ظلماً حتى استخلصت أرضه، فأحوجت عياله من بعده وأجعتهم أما وعزتي لانتقمن له منك في الآجل، ولأسلبنك ملكك في العاجل، ولأطعمن الكلاب لحمك فقد غرّك حلمي، فأتاه إدريس علیه السلام برسالة ربّه، وهو في مجلسه وحوله أصحابه (2)

للنفوس، ج28، ص 3 الراوندي قصص الانبياء، ج 1، ص 244239؛ الجزائري جا، النور المبين، ص 69 70 الحويزوي، تفسير نور الثقلين، ج5، ص 372؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 35.

، فقال الجبار : اخرج عني يا إدريس، ثم أخبر امرأته بما جاء به إدريس صلوات الله عليه ، فقال : لا تهولنك رسالة إدريس أرسل إليه من يقتله وأكفيك امره ، وكان لإدريس صلوات الله عليه أصحاب مؤمنون يأنسون به ويأنس بهم، فأخبرهم بوحي الله ورسالته إلى الجبار، فخافوا على إدريس منه (3).

ثم بعثت امرأة الجبار أربعين رجلاً من الازارقة ليقتلوا إدريس، فأتوه فلم يجدوه في مجلسه فانصرفوا ورآهم أصحاب إدريس، فأحسوا بأنهم يريدون قتل إدريس علیه السلام ، فتفرقوا في طلبه وقالوا له : خذ حذرك يا إدريس، وتنحى إدريس إلى كهف في جبل شاهق، ووكل الله تعالى ملكاً


1) ينظر : الطوسي، علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد العلوي الفاطمي (ت : 664هـ/ 1266م )، سعد السعود للنفوس تحقیق : فارس تبريزيان الحسون (قم : 1959م )،ج 28 ، ص 1 المجلسي، بحار الانوار، ج 11 ص 371 الحويزوي 28، 1؛ تفسير نور الثقلين، ج5، ص 371؛ الطباطبائي الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 35.

2) ينظر : الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص 38؛ الطوسي، سعد السعود

3) ينظر: الطوسي، سعد السعود للنفوس، ج28، ص 3؛ المجلسي، بحار الانوار، ج 11، ص 371 الحويزوي، الشيخ علي بن جمعة العروسي (ت: 1112هـ / 1700م) تفسير نور الثقلين، تحقيق : علي عاشور مؤسسة التاريخ العربي، (بيروت : ج 5، ص 371 الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 35.

يأتيه بالطعام عند كل مساء، وكان يصوم النهار، وظهر في المدينة جبار آخر، فسلب ملكه - أعني: الأول وقتله وأطعم الكلاب لحمه ولحم امرأته، فمكثوا بعد إدريس عشرين سنة لم تمطر السماء عليهم مطرة (1)

دعا إدريس صلوات الله عليه : أسألك أن لا تمطر السماء على أهل هذه القرية ،وإن خرجت وجهدوا وجاعوا، قال الله تعالى : إني قد أعطيتك ما سألته ، فأخبر إدريس أصحابه بما سأل الله من حبس المطر عليهم وعنهم ، وقال : اخرجوا من هذه القرية إلى غيرها من القرى فتفرقوا وشاع الخبر بما سأل إدريس علیه السلام (2).

فلما جهدوا ومشى بعضهم إلى بعض فقالوا : إنّ الذي نزل بنا مما ترون بسؤال إدريس علیه السلام ربّه، وقد تنحى عنا ولا علم لنا بموضعه ، والله أرحم بنا منه ، فأجمعوا أمرهم على أن يتوبوا إلى الله تعالى، فقاموا على الرّماد ، ولبسوا المسوح، وحنّوا على رؤوسهم التراب وعجوا إلى الله بالتوبة والاستغفار والبكاء والتضرع إليه (3).

فأوحى الله تعالى إلى الملك الذي يأتي إدريس علیه السلام بطعامه : أن أحبس طعامه عنه فجاع إدريس علیه السلام ليلة، فلما كان في ليلة اليوم الثاني لم يؤت بطعامه قلّ صبره وكذلك الليلة الثالثة، فنادى يا ربِّ حبست عنّي رزقي من قبل أن تقبض روحي (4).


1) ينظر: الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص 38 الراوندي، قصص الانبياء ج 1، ص 244239 ،الجزائري النور المين، من 69-70

2) ينظر : الشيخ الصدوق، كمال الدين، ج 2، ص 161 162؛ الجزائري، النور المبين، ص 69-70 الحويزوي، تفسير نور الثقلين، ج5، ص 273؛ الطباطبائي، الميزان في 170−69 تفسير القرآن، ج 14، ص 35.

3) ينظر : الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص 38؛ الطوسي، سعد العود للنفوس، ج 28 ، ص 4 الراوندي، قصص الانبياء، ج 1، ص 239- 244؛ الجزائري، - النور المبين ص 69 70 الحويزوي، تفسير نور الثقلين، ج5، ص 273.

4) ينظر : الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص 38؛ الطوسي، سعد السعودللنفوس ،ج 28 ص 4 الراوندي قصص الانبياء، ج 1، ص 239 - 244؛ الجزائري، النور المبين، ص 69 70 الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 35.

فأوحى الله إليه اهبط من موضعك ، واطلب المعاش لنفسك، فهبط إلى قرية فلما دخلها نظر إلى دخان بعض منازلها، فأقبل نحوه فهجم على عجوز كبيرة وهي ترفق قرصين لها على مقلاة فقال : بيعي مني هذا الطعام ، فحلفت أنّها ما تملك شيئاً غيرهما واحد لي وواحد لإبني، فقال : إنّ ابنك صغير يكفيه نصف قرصة فيحيى به ويجزيني النصف الآخر، فأكلت المرأة قرصها ، وكسرت القرص الآخر بين إدريس وبين ابنها، فلما رأى ابنها إدريس يأكل من قرصته اضطرب حتى مات، فقالت يا عبد الله : قتلت ابني جزعاً على قوته ، فقال لها إدريس علیه السلام : أحييه باذن الله ولا تجزعي (1).

ثم أخذ إدريس بعضد الصبي وقال : أيتها الروح الخارجة عن هذا الغلام ارجعي إليه وإلى بدنه باذن الله تعالى ، أنا إدريس النبي، فرجعت روح الغلام إليه، فقالت أشهد أنك إدريس النبي وخرجت ونادت في القرية بأعلى صوتها : أبشروا بالفرج قد دخل إدريس علیه السلام قريتكم (2).

ومضى إدريس حتى جلس على موضع مدينة الجبّار الأول وهي تل، فاجتمع إليه الناس من أهل قريته ، فقالوا مسنا الجوع والجهد في هذه العشرين سنة، فادع الله تعالى لنا أن يمطر علينا، قال إدريس علیه السلام : لا أدعو حتى يأتيني جبّاركم وجميع أهل قريتكم مشاة حفاة، فبلغ الجبار قوله، فبعث إليه أربعين رجال يأتوه بإدريس ، فأتوه وعنفوا به، فدعا


1) ينظر: الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص 38 الراوندي، قصص الانبياء ج 1، ص 244239 الجزائري النور المبين، ص 69-70

2) ينظر: الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص 38 الراوندي، قصص الانبياء، ج 1، ص 244239 الجزائري النور المبين ص 69 70 الحويزوي، تفسير نور الثقلين، ج 5، ص 273 الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص35.

عليهم فماتوا ، فبلغ الجبار الخبر، فبعث إليه خمسمائة رجل، فقالوا له : يا إدريس إنّ الملك بعثنا إليك لنذهب بك إليه، فقال لهم إدريس علیه السلام : انظروا إلى مصارع أصحابكم قالوا : متنا بالجوع فارحم وادع الله أن يمطر علينا فقال : حتى يأتي الجبار (1).

ثم إنهم سألوا الجبار أن يمضي معهم، فأتوه وقفوا بين يديه خاضعين، فقال إدريس علیه السلام : الآن ، فنعم . فسأل الله أن يمطر عليهم فاظلّتهم سحابة من السماء ، فأرعدت وأبرقت وهطلت عليهم (2).

ومن الملوك في زمن إدريس علیه السلام قال علماء السير: كان في زمانه طَهُمُورُتَ ، وعامة المؤرخين على انه طهمورت "وهو من ولد أوشهنج، وبينهما عدة آباء، وسلك سيرة جده وتنقل في البلدان، وبنى الموضع الذي جدّده بعد ذلك سابور من فارس ، ونزله ، وطلب الدعار ونفى الشياطين أعنى الأشرار، وهو أول من كتب بالفارسية، وسلك سبيل جده، فاستمر نظام الملك على حال واحدة من عموم الصلاح، واستقامة أحوال الجند والرعية ، إلى أن ملك بعده جم شيذ "(3).

وذكر ابن الجوزي ان "بيوراسب ملك الدنيا كلها في عهد إدريس، ويقال : بوراسب وَهُوَ الضحاك بن الأهبوب، وَهُوَ صديق إبليس، قبل إدريس ظهره، وظهرت في منكبه حيتان وَكَانَ دينه دين البراهمة، فيقي ملكا للأقاليم جميعا ألف سَنَة إلا نصف يَوْم "(4).


1) ينظر : الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص 38 ؛ الراوندي، قصص الانبياء ج 1، ص 24423 الجزائري النور المبين، ص 69-70

2) ينظر : المجلسي، بحار الانوار، ج11، ص 371؛ الطوسي، سعد السعود للنفوس ج 28 ص 3 الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 35

3) ابن الجوزي مرأة الزمان، ص 311

4) ينظر: ابن الجوزي ، المنتظم في تاريخ الأمم، ج 1، ص 235؛ الطباطبائي،الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 35.

وكان هناك ملكاً اخر وهو إسقلبيوس الحكيم وربما قيل إستقلابيوس وربما قيل اسقلبيادس وهذا هو أحد الملوك الأربعة الذين صحبوا هرمس وأخذوا عنه الحكمة وَكَانَ هَذَا أكثرهم أخذاً لها وأشهرهم بذكرها وولاه هرمس ربع الأرض المعمورة يومئذ وهذا الربع هو الَّذِي ملكته اليونانيون بعد الطوفان وَكَانَ هرمس لما رفعه الله إِلَيْهِ وبلغ إسقلبيوس هَذَا من أمره حزن لذلك حزناً شديداً تأسفاً عَلَى مَا فات أهل الأرض من بركته وعلمه وصر صورته في هيكل عبادته وَكَانَتْ الصورة عَلَى غاية ما يمكن من إظهار أهبة الوقار عَلَيْها والعظمة في هيأتها ثُمَّ صوره مرتفعاً إلى السماء وَكَانَ إِذَا دخل الهيكل جلس بين يدي الصورة معظماً لَها كحالته في حالة الوجود وَلَمْ يزل عَلَى ذَلِكَ إِلَى أن مات (1).

وارجع القفطي أن هَذَا سبب عبادة الأصنام فإن "صاب بن إدريس وقيل ابن ملك عظم الأصنام وجعلها آلهة لتعظيم إستقلبيوس لهذه الصورة التي وجدت في هيكله ولما استولى اليونانيون بعد الطوفان عَلَى الأرض الَّتِي بِهَا إسقلبيوس ملكاً ورأوا الهيكل والصورة في حالة جلوسها عَلَى كرسيها وحالة ارتفاعها إلى السماء ظنوا أنها صورة اسقلبيوس وبعد عليهم حديث هرمس فعظموا إسقلبيوس وظنوه أول من تكلم في الحكمة عَلَى الإطلاق ونسبوا أنه أول من تكلم بها في أرضهم " (2).


1) ينظر: ابن الجوزي ، المنتظم في تاريخ الأمم، ج 1، ص 235؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 35.

2) القفطي، أخبار العلماء، ج 1، ص 14.

رابعاً : مكانة إدريس علیه السلام في القرآن والسنة النبوية

1 - إدريس علیه السلام في القرآن الكريم

ورد ذكر إدريس علیه السلام في القرآن الكريم في سورتي مريم والانبياء ، في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الكِتب إدريس إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَيَا وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عليا ) (1)، وقوله تعالى : (وَإِسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الفت برين) (2)، حيث خصه الله تعالى بالنبوة والصديقية، وعلو المكانة والصبر والصلاح وجاء في شرح الطبري لقوله تعالى: (وَاذْكُرُ في الكتب إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِيقًا نَبِيا ) (3)يذكر الله (عز وجل) انه كان صديقا لا يقول الكذب ونبياً نوحي اليه من امرنا ما نشاء (4).

وفسر السمرقندي قوله عز وجل: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بعض ) (5)، "منهم من فضل الله بالكلام وهو موسى، ومنهم من خليلاً وهو إبراهيم علیه السلام ، ومنهم من اتخذه رفعه مكاناً عليا وهو إدريس، ومنهم من اصطفاه وهو محمد صلّى الله عليه [واله] وسلّم. وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً أي كتاباً "(6).

وهناك من علل عدم تكرار ذكر إدريس علیه السلام في القرآن الكريم أكثر من موضعين (7)سببه ان اتباعه لم يؤثر عنه انهم عارضوه بل انهم أمنوا به واتبعوه بل ان مبادئ الديانة التي أرسل بها أثرت فيهم تأثيراً عميقا


1) سورة مريم : الآيات : 56-58

2) سورة الانبياء : الآية : 85.

3) سورة مريم : الاية : 56

4) الطبري، جامع البيان، ج18، ص212.

5) سورة الاسراء : الآية : 55

6) السمرقندي، بحر العلوم، ج1، ص 526.

7) سورة مريم : الآية: 56 سورة الانبياء : الاية : 85

وبقى الدين محوراً رئيسيا في حياة قومه ولم يكن في قصتهم عبرة أو عظة لغيرهم من الامم اللاحقة (1).

كذلك كان ذكره في كتب قصص الانبياء مختصرا في بعضها لم يزد عن نصف صفحة والبعض الاخر توسع بإضافة ما كتب في التفاسير من أساطير عن تفسير قوله تعالى: (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) وفي كيفية رفعه الى السماء (2).

وذكر إدريس في سورة مريم بعد قصة عيسى وإبراهيم وموسى وهارون واسماعيل علیه السلام ، قال تعالى : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) (3)، الامر هنا صريح فرسول الله صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم ان يذكر إدريس علیه السلام (وَاذْكُرْ فِي الكِتب إدريس) وهذا الامر ينسحب على كل مسلم ذاكر متذكر من بعده (4).

والمراد بالكتاب في وقوله تعالى : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ إدريس ) القرآن كتاب الله الذي انزله على رسوله محمد صلی الله علیه [واله] وسلم والذي اخبره فيه عن قصص انبياء سابقين، وقد سبق هذه الآيات قوله تعالى : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَبِ بإبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ) (5)، في التذكير إبراهيم ، والتذكير (6)بموسى علیه السلام وقوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَب مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخلصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ) (7)، أي ان الله سبحانه وتعالى امر نبيه محمداً صلی الله علیه [واله ] وسلم ان يذكر


1) البدراوي، قصص الانبياء، ج1، ص45.

2) ينظر: ابن الجوزي مرآة الزمان ص 297؛ البدراوي، قصص الانبياء، جاء ص 45

3) سورة مريم : الآيتان : 56-57

4) الخالدي، القصص القرآن، ج 4، ص 86.

5) سورة مريم : الاية : 41.

6) الخالدي، القصص القرآن، ج 4، ص 86.

7) سورة مريم : الآية : 41

في القرآن كلاً من إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس علیه السلام، وكان الكلام قبل ذلك عن قصة ولادة ونبوة عيسى قصة ولادة ونيوة عيسى علیه السلام، وذكر هؤلاء الانبياء الخمسة في سورة مريم لتقرير حقيقة نبوة محمد صلی الله علیه [واله] وسلم ولإقامة الحجة على الطوائف الثلاثة الموجودة زمن النبي ( عليه الصلاة والسلام) وهي اليهود والنصارى والعرب المشركون (1).

2 - مكانته في السنة النبوية

وردت في حق النبي إدريس علیه السلام في السنة النبوية في حديثين : الأول: حديث الاسراء ومقابلة النبي من إدريس علیه السلام في الرابعة (2)، والثاني: حديث ابن حبان حيث يذكر في صحيحه ان ابا ذر سأل النبي صلی الله علیه [واله] وسلم كم كتابا انزله الله : "مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ كَم الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمَّا غَفِيرًا قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ كَانَ أَوَّلُهُمْ قَالَ آدَمُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَبِيُّ مُرْسَلٌ قَالَ نَعَمْ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَكَلَّمَهُ قِبَلًا ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَرِّ أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ آدَمُ وَشِيتُ وَأَخْنُوخُ وَهُوَ إِدْرِيسُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَ بِالْقَلَم وَنُوحٌ وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ هُودٌ وَشُعَيْبٌ وَصَالِحٌ وَنَبِئُكَ مُحَمَّدٌ صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللهُ قَالَ مِائَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبِ أُنْزِلَ عَلَى شِيءٍ خَمْسُونَ صَحِيفَةً وَأُنْزِلَ عَلَى أَخْنُوخَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً وَأُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشَرُ صَحَائِفَ وَأُنْزِلَ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشَرُ صَحَائِفَ وَأُنْزِلَ التَّوْرَاةُ والإنجيل والزبور والقرآن "(3).


1) الخالدي القصص القرآن، ج 4، ص 86.

2) ينظر: البخاري، صحيح البخاري، ج 5، ص 52؛ مسلم النيسابوري، صحيح مسلم، ج1، ج 1، ص 149؛ السمعاني تفسير القرآن، ج 3، ص 215 ابن الجوزي، التبصرة، ج 2، ص 35 السيوطي الفتح الكبير، ج 2، ص 13 ابن عجيبة، البحر المديد، ج 3، ص 180.

3) ينظر: ابن حبان ،الإحسان ، ج 2، ص 77 ؛ الديار بكري، تاريخ الخميس، ج 1، ص7.

المبحث الثاني : دعوته وشريعته وقبلته

أولاً: دعوة إدريس علیه السلام والخلاف في زمان دعوته

1 - دعوة إدريس

كان السكان الأوائل قريبي العهد بآدم وشيث وظلوا في الشدائد يلجؤون الى الله ويذكرونه ولعل الشيطان فيما بعد قد وسوس لهم كما وسوس لبني قابيل الذين ارتحلوا شرقا واغراهم بصنع تمثال على هيئة آدم حتى يظل في ذاكرتهم " أول مَا عُبِدَتِ الأَصْنَامُ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لما مَاتَ جعله بَنو شيث بن آدم في مغارة فِي الْجَبَلِ الَّذِي أهبط عَلَيْهِ آدم بِأَرْضِ الْهِنْدِ وَيُقَالُ لِلْجَبَلِ نوذُ وَهُو أَخْصَبُ جبل فِي الأَرْضِ "(1)، وَكَانَ بَنُو شيءٍ يَأْتُونَ جَسَدَ آدَمَ فِي الْمَغَارَةِ فَيُعَظْمُونَهُ وَيَتَرَحَمُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قَابِيلَ بنِ آدَمَ يَا بَنِي قَابِيلَ إِنَّ لبني شيت دوارا يدورون حوله ويعظمونه وَلَيْسَ لكم شيء (2)، فنحت لَهُم صنما فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَهَا ولعلهم كانوا يطوفون حوله ويذكرون الله ولكنهم بعد مدَّة نسوا ذكر الله ونسوا ادم ، وبدؤوا يقدسون التمثال نفسه (3)، فَنَحَتَ لَهُمْ صَنَمًا فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَهَا وأَخْبَرَنِي أبي ، قال : كان ود، وسواء، وبغوث، ويعوق، ونمر، قوما صالحين فماتوا في شهر فجزع عليهم أهاليهم وأقاربهم ،


1) ابن الكلبي، أبو المنذر هشام بن محمد أبي النضر ابن السائب ابن بشر (ت : 204هـ 819م) كتاب الأصنام تحقيق أحمد زكي باشا، ط4، دار الكتب المصرية (القاهرة: 2000م)، .

2) المصدر نفسه، ص 51.

3) البدراوي قصص الانبياء، ج 1، ص 53.

فَقَالَ رجل من بَنِي قابيل : يا قوم هل لكم أن أعمل لكم خمسة أصنام عَلَى صورهم ، غَيْر أني لا أقدر أن أجعل فيها أرواحا ، قَالُوا: نعم، فتحت لَهُمْ خمسة أصنام عَلَى صورهم ونصبها لَهُمْ ، وَكَانَ الرجل يَأْتِي أخاه وعمه وابن عمه ليعظمه ويسعى حوله حتى ذهب ذَلِكَ القرن الأول، وعملت على عهد يرد بن مهلائيل ، ثُمَّ جاء قرن آخر فعظموهم أشد من تعظيم القرن الأَوَّل، ثُمَّ جاء من بعدهم القرن الثالث، فَقَالُوا: ما عظم أولونا هَؤُلاءِ إلا وَهُمْ يرجون شفاعتهم عِنْدَ الله، فعبدوهم وعظم أمرهم واشتد كفرهم، فبعث الله إليهم إدريس، فدعاهم، وَلَمْ يزل أمرهم يشتد حَتَّى بعث نوحا وجاء الطوفان،فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حَتَّى قذفها إِلَى أرض جدة (1).

يقول ابن الكلبي :" فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي أَخَاهُ وَعَمَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ فَيُعَظْمُهُ وَيَسْعَى حَوْلَهُ حَتَّى ذَهَبَ ذَلِكَ الْقَرْنُ الأول وعملت على عهد يردى بن مهلايل بن قينان بن أنوش بن شيث ابن آدم، ثُمَّ جَاءَ قَرْنّ آخَرُ فَعَظْمُوهُمْ أَشَدَّ مِنْ تَعْظِيم الْقَرْنِ الأَوَّلِ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمُ الْقَرْنُ الثَّالِثُ فَقَالُوا مَا عَظَمَ أَوَّلُونَا هَؤُلاءِ إِلا وَهُمْ يَرْجُونَ شَفَاعَتَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ فَعَبَدُوهُمْ وَعَظُمَ أَمْرُهُمْ وَاشْتَدَّ كُفْرُهُمْ ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِم إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ أحنوخ بن یارد بن مهلاييل بن قينان نَبِيًّا فَدَعَاهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ مَكَانًا عليا "(2).

وكذلك فان كل جماعة كان يرأسها اكبرهم سنا، ينظم امورهم ويحكم بينهم، والكل يطيعونه ويهابونه وينغرس في نفس الصغار توقير الرجل المسن والخوف منه وكان عليهم الا يجلسوا مكانه ولا يلمسوا


1) ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم، ج 1، ص 232.

2) ابن الكلبي كتاب الأصنام، ص 51 ينظر: ابن الجوزي تلبیس ابلیس دار الفكر 51؛ للطباعة والنشر (بيروت : 2001م)، ص 50

درعه أو رمحه (1).

وظل الحال كذلك ما يقرب من خمسمائة عام وزداد طغيان الكهنة و ازداد الظلم ولعل الشعب المغلوب على امره وجد ان خير ما ينسيه همومه هو عصير العنب بعد ان يترك مدة ليختمر فانتشرت صناعة النبيذ (2).

وكان لكل جماعة معبودها تمثالا أو طوطما على هيئة انسان أو حيوان أو حتى نبات وكانت الصراعات تقوم بين الجماعات لاستلاب الحبوب أو الماشية وكثر الفساد وعم البلاد كلها وكان لابد أن تدخل العناية الالهية ، جماعة واحدة لما تصبها هذه الشرور هي جماعة يارد بن مللئيل بن قينان بن انوش بن شيث بن ادم ، وولد ليارد ولد سماه اخنوخ أو خنوخ أو ادريس اختاره الله لهذا الامر وبعثه نبيا (3).

خرج إدريس (هرميس) عن مصر ودار الارض كلها وعاد الى مصر ورفعه الله اليه بها، قال تعالى: (وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) وذلك بعد اثنتين وسبعين سنة (4)، وكانت دعوة نبي إدريس الى بني شيث الذين كانوا يعبدون الاصنام ان "ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا وهي الأصنام التي عبدت على عهد إدريس ونوح علیه السلام "(5)، قال ابن حبيب : "وفي عصره عبدت الأصنام "(6)، وذكر ابن الجوزي رواية عن سبب


1) البدراوي قصص الانبياء، ج 1، ص 53.

2) البدراوي، قصص الانبياء، ج 1، ص 54.

3) المصدر نفسه، ج 1، ص 55

4) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ج1، ص9؛ القفطي، اخبار العلماء، ج 1، ص 9.

5) ابن حبيب المنمق في أخبار قريش، تحقيق : خورشید احمد فاروق عالم الكتب (بیروت: 1985م )، ص 327

6) ابن حبيب المحبر، ص 3.

تلك العبادة بقوله :" كَانَ وَدُّ وسُواعَ وَيَغُوثُ ويعوق وَنَسْرٌ قَوْمًا صَالِحِينَ، فَمَاتُوا فِي شَهْرٍ ، فَجَزَعَ عَلَيْهِمْ ذَوُو أَقَارِبِهِمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قَابِيلَ: هَلْ لَكُمْ يَا قَوْمِ أَنْ أَعْمَلَ لَكُمُ خَمْسَةَ أَصْنَامٍ عَلَى صُوَرِهِمْ؟ قَالُوا : نَعَمْ. فَنَحَتَ لَهُمْ خَمْسَةَ أصنام على صُوَرِهِمْ فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي أَخَاهُ وَعَمَهُ وَابْنَ عَمِّهِ، فَيُعَظْمُهُ وَيَسْعَى حَوْلَهُ حَتَّى ذَهَبَ ذَلِكَ الْقَرْنُ، وَجَاءَ قَرْنُ آخَرُ فَعَظَمُوهُمْ أَشَدَّ مِنْ تَعْظِيمِ الْقَرْنِ الأَوَّلِ، ثُمَّ جَاءَ الْقَرْنُ الثَّالِثُ، فَقَالُوا: مَا عَظْمَ أَوَّلُونَا هَؤُلاءِ إِلا وَهُمْ يَرْجُونَ شَفَاعَتَهُمْ، فَعَبَدُوهُمْ وَعَظَمُوا أَمْرَهُمْ، وَاشْتَدَّ كُفْرُهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ إِدْرِيسَ، فَدَعَاهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَشْتَدُّ حَتَّى أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى نُوحًا وَجَاءَ الطُّوفَانُ "(1).

ويقال إنه لما ولد إدريس علیه السلام ضعف أمر عبادة الأصنام من أولاد قابيل ، وسقط عظيم من أصنامهم الذين كانوا يعبدونه ويعتكفون عليه ويذبحون، وكان ملكهم يومئذ يمحويل ، فاجتمعوا اليه ليتداولوا فيما ظهر لهم، فجاءهم ابليس في صورة شيخ قد كثر شيبه ، وكان الشيب عندهم عجيباً لأنهم لم يكونوا رأوه، إذ لم يكن قبل ذلك شيب ولا ظهر لهم إلا بعد نوح علیه السلام بعد الطوفان، وقيل أول من شاب إبراهيم علیه السلام ، فقال یا رب ما هذا؟ قال وقار، قال اللهم زدني وقار (2).

وكل الله سبحانه وتعالى ملائكة يحفظون إدريس علیه السلام من كيد الشيطان وجنوده، فلما ترعرع إدريس علیه السلام لجعله أبوه خازن الهيكل وعلمه الصحف التي أنزلت على آدم وشيث ، فكان يكثر من درسها ولهذا سمي إدريس، وكان حريصا على فرائض الله تعالى ونباه الله تعالى على رأس الأربعين ، ثم أن مخويل أرسل إلى برد ليرسل له ولده، فامتنع ،


1) ابن الجوزي التبصرة، ج 1، ص 45

2) المسعودي اخبار الزمان، ص 78.

فأرسل جيشا في طلبه فمنعه منه أعمامه، ولم يكن بعد شيث وحي حتى نبأ الله تعالى إدريس علیه السلام وكان عمر برد سبعمائة وخمسين سنة، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة ودفع إليه أبوه وصية جده وعلومه (1)، قال ابن الجوزي: وهو أول نبيَّ بعد آدم شيث، وقد ذكرنا أنَّ الله تعالى أنزل عليه صحائف (2).

وَقَالَ علماء السير : نبأ الله تَعَالَى إدريس في حياة آدم علیه السلام وَقَدْ مضى من عُمَر آدم ستمائة واثنتان وعشرون سنة (3)، بعث إلى قومه بأن يقولوا لا إله إلا الله (4)، وكان أهل الأرض يومئذ بعضهم مؤمناً وبعضهم كافراً (5)، وأنزل عَلَيْهِ ثلاثون صحيفة فدعا قومه ووعظهم وأمرهم بطاعة الله ومخالفة الشيطان ، وألا يلامسوا أولاد قابيل ، (6)، قال ابن عباس : وجمع بني آدم ووعظهم وأمرهم ونهاهم عن مدناة قابیل (7)، فخالفوا، فجاهدهم وسبى مِنْهُم واسترق (8)، وإدريس علیه السلام أول من استعبد وسبى بني قابيل ، وأنه لم يبعث بإهلاك أمة


1) ابن وصيف مختصر عجائب الدنيا، ص 46

2) ينظر : ابن الجوزي مرآة ،الزمان ص 297؛ الدِّيار بكري، تاريخ الخميس، جا، ص 66.

3) ينظر البكري المالك والممالك، ج 1، ص 74 76 ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم، ج1، ص 234 ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 1، ص 55؛

4) ابن عطية المحرر الوجيز، ج4، ص21.

5) ينظر: السمرقندي، بحر العلوم، ج2، ص 379 ابن الجوزي، الثبات عند الممات ص 86.

6) ينظر البكري المسالك والممالك، ج 1، ص 74 76 ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم، ج1، ص 234 ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 1، ص 55؛

7) ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 298.

8) ينظر : البكري المسالك والممالك ، ج 1 ، ص 74 76 ابن الجوزي، مرآة الزمان ص 298 ابن الجوزي المنتظم في تاريخ الأمم، ج 1، ص 234؛ ابن الأثير ج1، الكامل في التاريخ، ج 1، ص 55.

وإنما نبىء فقط (1)ولكن بسبب العصاة فإنه دعا عليهم أن يحبس عنهم الغيث فبقوا عشرين سنة لم يمطروا فدعوا الله جل جلاله فأجاب سؤالهم (2).

عاش اخنوخ وسط جيل شرير وفاجر اتصف بالتمرد على الله والعصيان العلني عليه ، كان الناس يفعلون الشر بكثرة، كانوا منغمسين في الدنس والنجاسة ، كما انهم كانوا قساة وظالمين ولذلك دائهم الرب بعد ذلك بالطوفان الذي اهلكهم جميعا (3).

عاش اخنوخ وسط هذا الجيل الفاسد لكنه انفصل عنهم اذ التصق بالرب، وقيل عنه مرتين في سفر التكوين : سار مع الله ، لا شك انه لم يكن أمرا سهلا على اخنوخ ان يجد الشر متزايداً والناس الفجار هم الأكثرية حوله، لكنه رغم ذلك سار مع الله، وهو يقدم لنا كشباب نموذجا حيا في هذا الأمر، فكثيرا ما يشتكي الشاب المؤمن من صعوبة الوسط المحيط به في المدرسة أو المعهد أو السكن، ويعتبر ان هذا عذر له في عدم تمكنه أن يحيا حياة الأمانة والتقوى، اما اخنوخ فقد سار مع الله رغم كل المعضلات المحيطة به (4).

وذكر القديس يهوذا الرسول نبوة ادريس (اخنوخ) بقوله : " وقد تنبأ على هؤلاء الائمة أيضاً أخنوخ سابع آدم (أي السابع بعده) حيث قال: يأتي الرب في ربوات قديسية ليجري القضاء على جميعهم، ويحج جميع المنافقين منهم على كل أعمال نفاقهم التي نافقوا بها " (5).


1) ابن عطية المحرر الوجيز، ج4، ص21.

2) ابن طاووس فرج المهموم، ج 1، ص 105.

3) ذكي شخصيات من الكتاب المقدس، ص 65

4) المصدر نفسه، ص 6.

5) الدبس، تاريخ سورية، ج 1، ص 76.

ودعا أخنوخ قومه ووعظهم ، وأمرهم بطاعة الله عز وجل ومعصية الشيطان ، وألا يلابسوا ولد قابيل ، فلم يقبلوا منه، وكانت العصابة بعد العصابة من ولد شيث تنزل إلى ولد قايين (1).

وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ أَيْ: قَوْمَهُ، وقيل: أهله جميع أُمَّتِهِ ، بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ أي الصدقات الواجبة (2)، أي كان يبدأ أهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم (3)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَهِيَ الْحَنِيفِيَّةُ الَّتِي افْتَرِضَتْ عَلَيْنَا، وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا قائما لله بطاعته وقيل : رَضِيَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنُبُوتِهِ ورسالته (4)، وكان هذا أشرف خصاله وأجلّ صفاته (5)، وتعد شريعته هي الملة الحنفية وتعرف أيضاً بدين "القيمة" الى مشارق الارض ومغاربها ، وشمالها وجنوبها ، وطبق الارض بأسرها حتى لم يبق على وجه الارض ادمي الا وهو يدين بها، وكانت قبلته الى حقيقة الجنوب على خط نصف النهار (6).

وهو بين أظهر قومه، ثم أنه فكر في عظمة الله جل جلاله، فقال ان لهذه السموات ، ولهذه الارضين، ولهذا الخلق العظيم ، والشمس والقمر ، والنجوم والسحاب والمطر، وهذه الاشياء التي تكون لربا


1) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 70.

2) التناري ،بلدا محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد، تحقيق: محمد أمين الصناوي، دار الكتب العلمية (بيروت : 1996م)، ج 2، ص 13.

3) القاسمي، تفسير القاسمي (محاسن التأويل)، ج 7، ص104.

4) البغوي معالم التنزيل، ج3، ص228

5) القشيري عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك (ت : 465هـ/1072م)، لطائف الإشارات (تفسير القشيري)، تحقيق: إبراهيم البسيوني ،3 الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة: د.ت)، ج 2، ص 434

6) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ج 1، ص 10

يديرها ويصلحها بقدرته ، فكيف لي بهذا الرب قاعيده حق عبادته؟ فخلا بطائفة من قومه ، فجعل يعظهم ويذكرهم ويخوفهم ويدعوهم إلى عبادة خالق هذه الاشياء ، فلا يزال يجيبه واحد بعد واحد ، حتى صاروا سبعة ، ثم سبعين إلى ان صاروا سبعمائة، ثم بلغوا الفا، فلما بلغوا الفا (1).وقال كعب الاحبار في التوراة: أنه استجاب لإدريس ألف إنسان ممن دعاهم إلى الله تعالى (2)، قال لهم تعالوا نختر من خيارنا مائة رجل ، فاختاروا من خيارهم مائة رجل واختاروا من المائة سبعين رجلا، ثم اختاروا من السبعين عشرة (من خيارهم ) ثم اختاروا من العشرة سبعة، قال لهم تعالوا فليدع هؤلاء السبعة ، فليؤمن بقيتنا، فلعل هذا الرب جل جلاله يدلنا على عبادته فوضعوا أيديهم على الارض ودعوا طويلا، فلم يتبين لهم شئ ثم رفعوا أيديهم إلى السماء، فأوحى الله عز وجل إلى إدريس علیه السلام ونياه، ودله على عبادته، ومن آمن معه فلم يزالوا يعبدون اله عز وجل لا يشركون به شيئا حتى رفع الله عز وجل إدريس إلى السماء وانقرض من تابعه على دينه إلا قليلا، ثم أنهم اختلفوا بعد ذلك واحدثوا الاحداث وابدعوا البدع حتى كان زمان نوح علیه السلام (3).

ذهب النبي إدريس علیه السلام قبل اكثر من (5000) سنة الى بلاد وادي النيل من جزيرة العرب لدعوتهم الى عبادة الله سبحانه ، واليه ترجع


1) ينظر : الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص 37 الراوندي، قصص الانبياء، ج 1، ص 246 الجزائري النور المبين، ص 69-70.

2) ينظر: البكري المالك والممالك ، ج 1 ، ص 74 76 الصحاري، الأنساب، ج1، ص 15؛ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص 37 ابن الجوزي مرآة الزمان ص 301.

3) ينظر: الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص 37؛ الصحاري، الأنساب، ج1، ص 15 الراوندي، قصص الانبياء، ج 1، ص 246؛ الجزائري، النور المبين جا، مي .70-69

اصول التوحيد التي يقرؤها علماء اللغات اليوم في البرديات القديمة عبر عصور مختلفة من تاريخ القبط (1).

واقام إدريس ومن معه يدعو الخلائق الى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الله عز وجل، كما قد قيل : انه دعا الى دين الله والقول بالتوحيد وعبادة الخالق وتخليص النفوس من العذاب بالعمل الصالح في الدنيا وحض على الزهد في الدنيا ، والعمل بالعدل وامرهم بصلوات ذكرها لهم على صفات بينها وامرهم بصيام ايام معروفة من كل شهر وحثهم على جهاد أعداء دينهم ، وأمرهم بزكاة اموالهم معونة للضعفاء (2)، ودفع إدريس وصيته لابنه (3)، وأوصى ولده عند وفاته ان يخلصوا عبادة الله وحده ويستعملوا الصدق واليقين في شؤون حياتهم ثم رفعه الله اليه (4)،

وقالوا : وجاب الأرض كلها ، ثم عاد الى مصر ورفعه الله اليه بها (5)، وذلك بعد اثنتين وثمانين سنه من عمره (6)

ص:56 ،البار، الله جل جلاله والانبياء، ص 61-62

، ورسم لهم تمدين المدن، فكانت عدة المدن التي انشئت في عهده مائة مدينة وثمانية وثمانين، وقسم الارض أربعة ارباع وجعل على كل ربع ملكاً وسماء الملوك هم : ايلاوس ،وزوس ، استقلبيوس ، وزورس أمون ، وامر

1) مجموعة باحثين، نداء الشراة، ص 69.

2) ينظر: القفطي تاريخ العلماء، ص 3 طبارة مع الانبياء، ص 56 البار، الله جل جلاله والانبياء، ص 61-62

3) ابن وصيف، مختصر عجائب الدنيا، ص46.

4) ينظر اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج1، ص 11؛ القفطي، تاريخ العلماء، ص 13 المغلوث سامي عبد الله اطلس تاريخ الانبياء والرسل، 6، مكتبة الملك فهد الوطنية للنشر، (الرياض) : 2005م، ص 71

5) ينظر : شكل رقم (2) يمثل المناطق التي بعث بها النبي إدريس علیه السلام ، ص

6) ينظر : النفطي، أخبار العلماء، ص 13 النجار، قصص الانبياء، ج 1، ص 25؛ طبارة مع الانبياء

بتقريب ثلاثة اشياء : البخور ، والذبائح والخمر(1).

ولم تقتصر دعوته على علوم الدنيا، فقد اتاه الله النبوة، وان الله انزل عليه ثلاثين صحيفة وكانت دعوته الى دين الله، وعبادة الخالق وتخليص النفوس من العذاب في الاخرة بالعمل الصالح في الدنيا، وبين أن عمل المرء محسوب عليه ، وأن الموت ليس نهاية المطاف، بل ان هناك حياة اخرى توزن فيها الاعمال ويحاسب عليها ، وحض الناس على الزهد في الدنيا والعمل بالعدل ، وامرهم بصلوات وصيام بضع ايام من كل شهر ، وأمرهم باعطاء بعض اموالهم الى الفقراء وغلظ عليهم في الطهارة من الجنابة وحرم المسكر من كل شيئ من المشروبات وجعل لهم اعياد كثيرة كان جلها مرتبطا بالكواكب مثل رؤية الهلال ودخول الشمس ورؤوس البروج (2).

ان المدن التي كانت بلغتها دعوة النبي إدريس وامنت به واتبعته، لعل الكثير منها بعد رفعه لم تظل متمسكة بالديانة الالهية التوحيدية، اذ لم تستطع عقولها هضم فكرة اله واحد لا تراه الاعين ، وكان الفكر البشري في هذا الطور البدائي من الحضارة لا يؤمن الا بما هو محسوس وواقع تحت بصره، لذلك فقد ارتدت بعض الجماعات وتلمت إلهاً فيما يقع عليه بصرها واتخذت كل قبيلة لها رباً وكان طور تعدد الآلهة وتعددت الارباب والآلهة ، لتصل الى العشرات بل المئات (3).

اما نسل إدريس علیه السلام فقد ظلوا على ايمانهم بالله الواحد الاحد


1) ينظر : الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 37؛ السمحراني، موسوعة الاديان الميسرة، ص 64؛ الدبس، تاريخ سورية، ج 1، ص 74-75

2) ينظر : القفطي، تاريخ العلماء، ص 3 ؛ الالوسي روح المعاني، ج8، ص 422؛ النجار، قصة الانبياء، ج 1، ص 25 البدراوي قصص الانبياء، ج 1، ص 55.

3) ينظر : الحنبلي، الأنس الجليل ص 41؛ البدراوي، قصص الانبياء، ج 1، ص 58.

ولعلهم لم يطيقوا العيش وسط الضلال الذي بدأ يحيط بهم فارتحلوا شمالاً حتى وصلوا الى الدلتا ثم الى سيناء شرقا، وقد ولد له متوشالح وعمره 65 سنة وفي اثناء ارتحالهم ولد لمتوشلح لامك عند عمر 187 سنة أي كانت قد مرت (252) سنة لتجوالهم، وصل لامك في نهايتها الى شمال العراق وبعد (182) سنة من عمره ولد له نوح الذي اصبح نبيا مرسلا الى اصل العراق (1).

ويوجز ابن اياس الملك وحياة النبي ادريس بقوله : وكان الملك في هذا الوقت محويل بن خنوخ بن قابيل، وتنبأ إدريس وهو ابن أربعين سنة وأراده الملك محويل بن أخنوخ بن قابيل بسوء فعصمه الله، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، ودفع إليه أبوه وصية جده ، والعلوم التي عنده وولده بمصر، وخرج منها، وطاف الأرض كلها ، وكان في رحلته إلى المشرق ملوكها ، وابتنى مائة وأربعين مدينة أصغرها الرهائم ثم عاد جميع فأطاعه ملكها ، وآمن به فنظر في تدبير أمرها ، وكان النيل يأتيهم سيحا، فينحازون من مساله إلى أعالي الجبل والأرض العالية حتى ينقص، فينزلون فيزرعون حيثما وجدوا الأرض ندية يأتي في وقت الزراعة وفي غير وقتها، فلما عاد إدريس جمع أهل مصر، وصعد بهم إلى أول مسيل النيل، ودبر وزن الأرض ووزن الماء على الأرض، وأمرهم بإصلاح ما أرادوا من خفض المرتفع ورفع المنخفض وغير ذلك مما رآه في علم النجوم والهندسة والهيئة (2).

وهناك من يرى أن نوحا علیه السلام أول رسول إلى الناس، وروي أن إدريس نبي من بني آدم إلا أنه لم يرسل قال الحنفي ان المرزياني قال:


1) البدراوي، قصص الانبياء، ج 1، ص 58.

2) البدراوي، قصص الانبياء، ج 1، ص 58.

"وَصَحْ أَن إِدْرِس كَانَ نَبِيا وَلم يُرْسل وانه فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (اثْتُوا نوحًا فَإِنَّهُ أول رَسُول بَعثه اإلى أهل الأرض) (1)، فرسالة نوح إنما كانت إلى قومه كسائر الأنبياء، وأما الرسالة العامة فلم تكن إلا لمحمد صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم (2)، وهذا ما اكده السهيلي يقوله : "وَحَدِيث أبي ذَر الطَّوِيل يدل على أن آدم وَإِدْرِيس رسولان "(3).

إلا إن مما لا شك فيه إن إدريس علیه السلام نبي مرسل بعد شيث علیه السلام بعثه الله الى اولاد قابيل (4)، وانه دعا الى الايمان بالبعث لأول مرة لدى المصريين في العصر نفسه خلال نفسه، وكذلك ظهور المعتقدات التي منها حساب الآخرة والميزان والجنة والنار وهي كلها معتقدات ظهرت في تلك الحقبة وكلها تنسب الى معرفة المصريين بها والنبي إدريس (5).

ويقال إنه أتاهم ابليس في صورة روحاني له جناحان، فقال لملكهم يمحويل إنه قد ولد الآن لمهلاييل ولد يكون عدواً للآلهة وعدواً للملك، وسبب فسادها ولذلك أصابكم ما أنتم به مشغولون، فقال يمحويل فهل تقدر على هلاكه؟ قال سأحرص على ذلك، فوكل الله بإدريس ملائكة يحفظونه فاذا أتاهم إبليس ومن معه من جنوده منعوهم منه وظهر في وقته كوكب من كواكب الذوائب أقام ظاهراً نيفاً وثلاثين يوماً، فجعله أبوه سالماً الهيكل، وعلمه الصحف ، وكان حريصا على دراستها وعلى الصوم والصلاة حتى شب فنبأه الله عز وجل على رأس أربعين سنة،


1) الحنفي، عمدة القاري، ج 4، ص 44

2) ابن عطية المحرر الوجيز، ج 3، ص 168.

3) الحنفي، عمدة القاري، ج 4، ص 44.

4) الحنفي، عمدة القاري، ج 1، ص 16.

5) السيار، قدماء المصريين، ج1، ص192-193.

فأتاه وراييل الملك يعلمه علم الفلك والكواكب وسعودها ونحوسها وصور الدرج والبروج (1).

وأقام إدريس ومن مع بمصر يدعو الخلائق إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الله عزّ وجلّ وتكلم الناس في أيامه باثنين وسبعين لسانا وعلمه الله عزّ وجلّ منطقهم ليعلم كل فرقة ورسم منهم بلسانهم تمدين المدن وجمع له طالبي العلم بكل مدينة فعرفهم السياسة المدنية وفرو لهم قواعدهم فبنت كل فرقة من الأمم مدناً في أرضها وَكَانَتْ عدة المدن التي أنشئت في زمانه مائة وثمان وثمانين مدينة وعلمهم العلوم، وهو أول من استخرج الحكمة وعلم النجوم (2).

قال ابن الاثير :" وَدَعَا إِدْرِيسُ قَوْمَهُ وَوَعَظَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْصِيَةِ الشَّيْطَانِ، وَأَنْ لا يُلابِسُوا وَلَدَ قَابِيلَ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ (3)، وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي زَمَانِهِ، وَجَمَعَ لَهُ عِلْمَ الْمَاضِينَ وَزَادَهُ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَلَكَ بِيوَرَاسِبُ فِي عَهْدِ إِدْرِيسَ ، وَكَانَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ آدَمَ، فَاتَّخَذَهُ سِحْرًا، وَكَانَ بِيوَرَاسِبُ يَعْمَلُ بِهِ " (4).

2 - الخلاف في زمن نبوة إدريس علیه السلام

اختلف المفسرون والإخباريون في زمان بعثه إدريس علیه السلام ، فذهب جمهور العلماء إلى أنه آدم ، وقبل نوح ، فهو عندهم النبي الثاني من حيث الوجود التاريخي، وعندما يعدون الأنبياء يعدونهم هكذا : آدم ،


1) المسعودي، اخبار الزمان، ص 78.

2) القفطي، أخبار العلماء، ص 9.

3) ابن الأثير الكامل في التاريخ، ج 1، ص 55.

4) المصدر نفسه، ج 1، ص 56.

إدريس ،نوح ، هود ، صالح... وهكذا، ولا يملك هؤلاء دليلاً على أنه كان بعد آدم وقبل نوح ، لا دليلاً من القرآن صريحاً، ولا حديثاً مرفوعاً صحيحاً، ولو وجد ذلك الدليل لما وقع الخلاف (1).

وذهب آخرون من العلماء المحققين إلى أن إدريس علیه السلام متأخر في الزمان ، وأنه من أنبياء بني إسرائيل، وقد يكون بعد داود وسليمان علیه السلام ، وهذا ما نميل إليه ونرجّحه والله أعلم، وهذا ما جرينا عليه في حديثنا عن قصص الأنبياء، فلم نتحدث عن قصة إدريس بعد حديثنا عن قصة آدم وقبل قصة نوح كما فعل الذين بحثوا في قصص الأنبياء في القرآن، وهو من الانبياء المتأخرين لبني إسرائيل ولعله بعد داود وسليمان وقبل زكريا ويحيى عليهم الصلاة والسلام (2).

اما الأدلة على ان بعثة إدريس متأخرة في بني إسرائيل فمن المبهمات في قصة إدريس علیه السلام نسبه وتحديد الزمن الذي بعث فيه، والقوم الذين بعث اليهم ، وعمره عندما بعث والكتاب الذي أنزله عليه وتفاصيل ما جرى بينه وبين قومه ، وكيف كانت نهايته ، وأين وكيف كانت وفاته، وتحديد الذين آمنوا به من قومه ، وتحديد نهاية الذين كفروا من قومه .

ومن الأدلة على هذا الترجيح أن القرآن أشار إلى قصته في سورة مريم بعد إبراهيم وموسى وإسماعيل (عليهم الصلاة والسلام) (3)، كذلك كان الحديث عنه عنه في سورة الأنبياء متأخراً، بعد الحديث عن إبراهيم ولوط وداود وسليمان وأيوب ، وبعده كان الحديث عن يونس


1) الخالدي، القصص القرآن، ج4، ص92.

2) الخالدي، القصص القرآن، ج4، ص92.

3) سورة مريم : الاية : 58.

وزكريا ويحيى وعيسى (عليهم الصلاة والسلام) (1)، والآية التي تحدثت عنه قرنته مع إسماعيل وذي الكفل ، مما يوحي بأنه كان بعد إسماعيل وقيل ذي الكفل (2).

ومما يدل على أنه كان متأخراً في التاريخ، وأنه بعث إلى أجيال متأخرة من بني إسرائيل حديث المعراج ، الذي سجل تحية إدريس لرسول الله صلی الله علیه [واله] وسلم (3)، فما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن ملك بن صعصعة زضی الله عنه : أنه لما مر رسول الله صلی الله علیه [واله] وسلم على آدم في السماء الأولى وسلم عليه، رد آدم علیه السلام ، وقال له : مرحباً بالنبي الصالح والأبن الصالح (4)، وَقَالَ النَّوَوِيّ : يحتمل أَنه قَالَ تلطفاً وتأدباً، وَهُوَ أخ وإن ة كَانَ ابْنا وَالْأَبْنَاء أخوة، والمؤمنون أخوة (5).

ولما حيا رسول الله عيسى علیه السلام في السماء الثانية، ردّ عليه التحية، وقال له : مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، ولما حيا يوسف علیه السلام في السماء الثالثة، ردّ عليه التحية ، ثم صعدنا إلى السماء الرابعة وإذا


1) سورة الانبياء : الآية : 85

2) سورة الانبياء : الآيتان : 85-86

3) ينظر : ابن الجوزي ،التبصرة، ج2، ص 435 الحنفى عمدة القاري، ج4، ص الخالدي، القصص القرآن، ج4، ص92.

4) الحنفي، عمدة القاري، ج 4، ص 44. ج4،

5) ينظر: ابن الجوزي ،التبصرة، ج 2 ص 35 ابن قدامة، إثبات صفة العلو، ص 121؛ ابن رجب زین الدین عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن، السلامي، البغدادي الدمشقي الحنبلي (ت: 795هـ (1393م، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محمود بن شعبان بن عبد المقصود ،واخرون، مكتبة الغرباء الأثرية المدينة النبوية، مكتب تحقيق دار الحرمين (القاهرة): 1996م)، ج 2، ص 309؛ الحنفى، عمدة القاري، ج4، ص 41 الزرقاني شرح الزرقاني، ج8، ص 33؛ الخالدي، القصص القرآن، ج4، ص92.

فيها رجل فقلت : من هذا يا جبرئيل؟ فقال هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا فسلمت عليه وسلم علي واستغفرت له واستغفر لي (1)، وقال له : مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، ولما حيا إدريس علیه السلام في السماء الرابعة ، رد عليه التحية ، وقال : مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح (2)، ولما حيا هارون علیه السلام في السماء الخامسة، ردّ عليه التحية ،وقال : مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح ولما حيا موسى علیه السلام السماء السادسة ، رد عليه التحية ، وقال مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح (3)، ولما حيا إبراهيم علیه السلام في السماء السابعة ، رد عليه التحية ، وقال : مرحباً بالنبي الصالح والأبن الصالح(4)، والشاهد في الحديث أن آدم وإبراهيم علیه السلام مخاطباً محمد بالنبوة صلی الله علیه [واله] وسلم ، وقالا له: مرحباً بالابن الصالح (5).

وقد اختلف في رؤية نبينا صلی الله علیه [واله] وسلم - لهؤلاء الأنبياء علیه السلام فحمله بعضهم على رؤية أرواحهم إلا عيسى ، لما ثبت أنه رفع بجسده، وقد قيل في إدريس أيضًا ذلك (6).


1) ينظر: ابن كثير تفسير ابن كثير، ج 5، ص 19؛ الحويزوي، تفسير نور الثقلين، ج 5، ص 117 الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 13، ص 6.

2) ينظر: ابن الجوزي ،التبصرة، ج 2، ص 35؛ ابن قدامة، إثبات صفة العلو، ص 121 الحنفى عمدة القاري، ج4، ص 41؛ الزرقاني، شرح الزرقاني، ج8، ص 33 الخالدي، القصص القرآن، ج4، ص 92.

3) ينظر : ابن كثير، تفسير ابن كثير، ج 5، ص 35 الحنفى، عمدة القاري، ج4، ص الزرقاني شرح الزرقاني، ج8، ص 33 ؛ الخالدي، القصص القرآن، ج 4، ص 93.

4) ينظر : ابن قدامة إثبات صفة العلو، ص121؛ الحنفى عمدة القاري، ج4، 41 الديار بكري تاريخ الخميس، ج 1، ص 48؛ الزرقاني، شرح الزرقاني ج1، ج 8، ص 33.

5) ينظر: الزرقاني شرح الزرقاني، ج8، ص 33 الخالدي، القصص القرآن، ج 4، من 94

6) ينظر: ابن کثیر تفسير ابن كثير، ج5، ص 35 الزرقاني، شرح الزرقاني، ج8، ص 152.

وممن قال بأن بعثه إدريس علیه السلام كانت متأخرة، وليست متقدمة قبل نوح علیه السلام القاضي ابو بكر ابن العربي (1)، ومن قال إن "إدريس كان قبل نوح ، من المؤرخين فقد وهم "(2).

والدليل على صحة وهمه الحديث الصحيح في الإسراء، حين لقي النبي صلی الله علیه [واله] وسلم آدم وإدريس ، فقال له آدم : مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصالح ، وقال له إدريس : مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح (3)، فلو كان إدريس أباً لنوح لقال : مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، فلما قال له : والأخ الصالح ، دلّ على أنه يجتمع معه في نوح (صلوات الله عليهم اجمعین) (4).

ثانياً : ماذا كانت دعوته؟

لقد كانت البشرية وما تزال في أولى خطواتها وكانت تحتاج الى كثير من علوم الدنيا لتمضى في رحلتها في الارض، كما كانت تحتاج لتعميق وتأصيل الإدراك بالحياة الآخرة والبعث والحساب، وكانت هذه هي دعوة نبي الله ادريس علیه السلام(5).

دعا الى دين الله والقول بالتوحيد وعبادة الخلق وتخليص النفوس


1) ينظر : الحنبلي، اللباب في علوم الكتاب، ج9، ص 176؛ ابن حجر، فتح الباري ج 6، ص 373 الحنفى عمدة القاري، ج4، ص 41؛ القنوجي، فتح البيان، ج4، ص 184.

2) ينظر: الحنفي، عمدة القاري، ج 4، ص 41 الخالدي، القصص القرآن، ج 4، ص 94.

3) ينظر : الحنفي، عمدة القاري، ج4، ص 41 الخالدي، القصص القرآن، ج4، ص 94.

4) ينظر : الحنفى عمدة القاري، ج 4، ص 41

5) البدراوي، قصص الانبياء، ج 1، ص 55.

من العذاب وحرض على الزهد في الدنيا (1)، والعمل بالعدل وطلب الخلاص في الاخرة وأمرهم بصلوات ذكرها لهم على صفات بينها لهم وصيام في أيام معروفات من كل شهر، والاقدام على الجهاد لاعداء الدين والزكاة عن الاموال، ومعونة الضعفاء بها، وغلظ عليهم في الظهارة من الجنابة والحيض ومس الموتى ، وأمرهم من كل شيء من المشروبات، وشدد فيه اعظم تشدد؛ جعل لهم اعياداً كثيرة في اوقات معروفة، وصلوات فيها وقربانات منها لدخول الشمس رؤس البروج، ومنها رؤية الهلال واوقات القرانات، وكلما صارت الكواكب الى بيوتها واشرافها أو ناظرت كواكب اخراً قربوا قرباناً، والقرابين فيما جاء به ثلاثة اشياء : البخور والذبائح والخمر ، ويقربون من باكورة الاشياء من الرياحين الورد ومن الحبوب الحنطة والشعير ومن الفاكهة العنب ، ومن الاشربة الخمر ووعدهم انه سيأتي بعده عدة انبياء وعرفهم ان صفات النبي المبعوث ان يكون بريئاً من المذمات والآفات كلها، كاملاً في الفضائل الممدوحات كلها ، لا يقصر عن مسألة يُسأل عنها مما في السموات والارضين ، وان يدل على ما فيه الشفاء من كل الم، وأن يكون مستجاب الدعوة في كل ما طلبه من انزال الغيث ورفع الافات وغير ذلك من المطالب ؛ وان يكون مذهبه ودعوته المذهب الذي يصلح به العالم وتكثر عمارته، ورتب الناس ثلاث طبقات: كهنة وملوكاً ورعية ومرتبة الكاهن فوق مرتبة الملك ، لان الكاهن يسأل الله في نفسه وملكه ورعيته، وليس الملك ان يسأل الله تعالى في شيء الا في نفسه ورعيته وليس الرعية ان تسأل اله شيئاً الا لنفسها فقط (2).


1) ينظر: الزحيلي، التفسير المنير، ج16، ص 125؛ دخیل، قصص الانبياء، ص 42.

2) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ج 1، ص 109 الديار بكري تاريخ الخميس، ج 1، ص 48

ولما رأى إدريس بني قابيل في المعاصي وعبادة الأصنام سأل الله ان يرفعه اليه ، وان يطهره من خطاياه فأجابه إلى ذلك، وأوحى الله اليه ان يلازم الهيكل هو وشيعته أربعين يوماً وأوصى إدريس الى ابنه متوشلخ لأن الله أوحى اليه ان اجعل الوصية في ابنك متوشلخ فإني سأخرج من ظهره نبياً ه نبياً يرتضي فعله، فقيل انه رفع الى السماء السابعة (1)، وقيل إنه كانت له قصة مع ملك الموت، وقد سأل الله ان يذيقه طعم الموت، ثم سأل الله ان يريه رضواناً ويدخله الجنة ففعل (2).

هذه قصة إدريس هي القصة السادسة من سورة مريم ، ذكرت للعبرة لأنه دعا إلى دين الله والتوحيد وعبادة الخالق ، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة بالعمل الصالح في الدنيا ، وحض على الزهد في الدنيا والعمل بالعدل، وأمر بالصلاة وبصيام أيام من كل شهر، وحث على جهاد الأعداء، وأمر بالزكاة معونة للضعفاء ، وغلظ في الطهارة من الجنابة والكلب والحمار ، وحرم المسكر من كل شيء، وهو وهو أول آدم أعطي النبوة بعد آدم وشيث علیه السلام . فهو من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبي نوح، وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح لأنه من ولد سام بن نوح، وجاء في صحيح مسلم في حديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم مر به في السماء الرابعة (3)، وهذا هو الصحيح، وأما ما ذكر في البخاري من أنه في السماء الثانية فهو وهم (4).

وأما متوشلخ فأقام مع أخوته وبني أخيه ، أمام الهيكل يعبدون الله


1) الحميري، التيجان في ملوك جمير، ص 29.

2) ينظر : أبو شجاع الديلمي الفردوس بمأثور الخطاب، ص 244؛ الديار بكري، تاريخ الخميس، ج 1، ص 48.

3) ينظر : النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج2، ص 598؛ الحنفي، عمدة القاري، ج4، ص 44 ابن رجب فتح الباري، ج2، ص 316

4) ينظر : الزحيلي، التفسير المنير، ج16، ص 125 دخیل قصص الانبياء، ص 42.

تعالى والنقباء السبعون معهم ولما رفع الله تعالى إدريس علیه السلام كثر الاختلاف بعده والتنازع وأشاع عليه إبليس أنه هلك، وأنه كان كاهناً أراد الصعود إلى الفلك فأحرق ، وحزن عليه ولد آدم المتمسكون بدينه حزناً شديداً، وأظهر ان صنمهم الأكبر أهلكه فزاد في عبادة الأصنام وتحليتها والذبائح لها، وعملوا عبداً لم يبق احد إلا حضره وكانت لهم يومئذ سبعة أصنام يغوث ويعوق ونسر وود وسواع ومزية وضمر، وسنذكرها عند ذكر المتعبدات (1).

ثالثاً : قبلة نبي الله إدريس

اما قبلة نبي الله إدريس فقال القنوجي : وكانت قبلة إدريس جهة الجنوب على خط نصف النهار(2)، بينما يرى الرازي أنَّها الْكَعْبَةَ لانها كَانَتْ مَوْجُودَةً زَمَانِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ لأن تَكْلِيفَ الصَّلَاةِ كَانَ لَازِمًا فِي دِينِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (أُوْلَيْكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهم من النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ عَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَاهيلَ وَمِمَّنْ هدينا وأجنبيّنا إذا ننلى عليهم انتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَيُكيا) (3)، فَدَلَّتِ الْآيَةُ تنالَى عَلَيْهِمْ وَايَنتُ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كَانُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ وَالسَّجْدَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ قِبْلَةٍ، فَلَوْ كَانَتْ قِبْلَةٌ شِيثٍ وَإِدْرِيسَ وَنُوحٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مَوْضِعًا آخَرَ سِوَى الْقِبْلَةِ لَبَطَلَ قَوْلُهُ : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى ببكة ) (4)، فَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ قِبْلَةَ أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ هِيَ الْكَعْبَةُ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْجِهَةَ كَانَتْ أَبَدًا مُشَرَّفَةً مُكَرَّمَةٌ وأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى مَكَّةَ أُمّ


1) المسعودي اخبار الزمان، ص 79.

2) الفنوجي، ابجد العلوم، ج 1، ص 296

3) سورة مريم : الآية : 58

4) سورة آل عمران : الآية : 9

الْقُرَى، وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ سَابِقَةٌ عَلَى سَائِرِ الْبِقَاعِ فِي الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ مُنْذُ كَانَتْ مَوْجُودَةٌ (1)

ج 20 ص 287 المنياوي الجموع البهية، ج2، ص 417.

.

1) ينظر : الرازي مفاتيح الغيب، ج8، ص 296 النعماني، اللباب في علوم الكتاب

المبحث الثالث : أثر النبي إدريس علیه السلام

اشارة

لا شك ان حاجة الناس إلى الرسل الأنبياء هم رسل الله تعالى إلى عباده يبلغونهم أوامره ويبشرونهم بما أعد الله لهم من النعيم إن هم أطاعوا أوامره، ويحذرونهم من العذاب المقيم إن هم خالفوا نهيه ، ويقصون عليهم أخبار الأمم الماضية، وما حَلَّ بها من العذاب والنكال في الدنيا بسبب مخالفتها أمر ربها (1).

لا يمكن أن تستقل العقول بمعرفتها هذه الأوامر والنواهي الإلهية؛ ولذلك شرع الله الشرائع، وفرض الأوامر والنواهي، تكريما لبني الإنسان وتشريفا لهم وحفظا لمصالحهم، لأن الناس قد ينساقون وراء شهواتهم فينتهكون المحرمات ويتطاولون على الناس فيسلبونهم حقوقهم، فكان من الحكمة البالغة أن يبعث الله فيهم بين آونة وأخرى رسلا يذكرونهم أوامر الله ويحذرونهم من الوقوع في معصيته، ويتلون عليهم المواعظ، ويذكرون لهم أخبار السابقين ، فإن الأخبار العجيبة إذا طرقت الأسماع، والمعاني الغريبة إذا أيقظت الأذهان، استمدتها العقول فزاد علمها ، وصح فهمها، وأكثر الناس سماعا أكثرهم خواطر ، وأكثرهم

خواطر أكثرهم ، تفكرا وأكثرهم تفكرا أكثرهم علما ، وأكثرهم علما أكثرهم عملا، فلم يوجد عن بعثة الرسل معدل ولا منهم في انتظام الحق بدل (2).


1) السحيم، محمد بن عبد الله بن صالح الإسلام أصوله ومبادؤه، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد (الرياض: 2000م)، ج 2، ص 71.

2) الماوردي، أعلام النبوة، ص 33.

أولاً: التوحيد ونبذ عبادة الأسلاف

إن أعظم ما يجب على الإنسان أن يعلمه في هذه الحياة معرفة ربه الذي أوجده من عدم وأسبغ عليه النعم، وإن أعظم غاية خلق الله الخلق لأجلها هي عبادته وحده سبحانه (1)، فكانت دعوة إدريس عليه الصلاة والسلام عندما "تنبأ إدريس وهو ابن أربعين سنة وطاف الأرض كلها ورجع فدعا الخلق إلى الله تعالى فأجابوه حتى عمت ملته الأرض، وكانت ملته الصابئة ، وهي توحيد الله تعالى والطهارة والصوم، وغير ذلك من رسوم التعبدات ، وكان في رحلته إلى المشرق قد أطاعه جميع ملوكها "(2).

كان إدريس أو من أرسل الى المصريين فعرفوا التوحيد قبل عصر الاسرات (3)، وقد بعث الله إدريس في مصر قبل عصر الاسرات يدعو الناس الى عبادة الله وحده ويقول لهم انهم مبعوثون ليوم عظيم فامن المصريون بالله واليوم الآخر وبنو حضارتهم على قيم روحية (4)، ويذكر ايضا : وحدث إدريس قدماء المصريين عن الله الواحد وعن البعث بعد الموت وعن الثواب والعقاب وما جاء في عقائد المصريين من كلمات عن الله الواحد (5).

أن غاية النبي والرسول الدعوة إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه؛ إذ هذه هي الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق، ودعا


1) السحيم، الإسلام أصوله ومبادؤه، ج2، ص 71.

2) الالوسي روح المعاني، ج 3، ص 366.

3) السحار، اضواء على السيرة النبوية، ج 1، ص 30.

4) اضواء على السيرة، ج1، ص 45

5) ينظر : السحار، اضواء على السيرة النبوية، ج 1، ص 23 السيار، قدماء المصريين، ج 1، ص 194؛ السحيم، الإسلام اصوله، ج 2، ص 74.

إدريس علیه السلام الناس الى عبادة الله الذي له ما في السموات والارض نامن قدماء المصريين بالله وبان إدريس عبده ورسوله وقد عرف قدماء المصريين منه التوحيد الصحيح قبل اخناتون بالاف السنين (1).

كانت رسالة إدريس علیه السلام دعوة الى عبادة الله الى الوحدانية (2)، وكان إدريس قد ولد بمصر وطاف الارض كلها فدعا الخلق الى الله تعالى فاجابوه حتى عمت ملته الارض وكانت ملته هي توحيد الله تعالى (3)، وهو أول من بنى الهياكل ومجد الله فيها (4)وسن ادريس للناس عبادة الله (5)، ودعا الى دين الله والقول بالتوحيد وعبادة الخالق (6).

ثانياً : الصلاة

الصلاة هي

تعبير عن الخضوع والتعبد لله عز وجل والوقوف بين يدي الله في صورة التذلل والخضوع والركوع بين يديه وهذا المعنى موجود لدى كل الانبياء وموجود في الديانات السماوية على اختلافها، وصلاة الانبياء (عليهم الصلاة والسلام ) كانت متقاربة في هيئتها وشكلها ومظهرها ومخبره وسرها وجوهرها ففي حديث ابن عباس وابن عمر النبي صلى الله عليه [واله]وسلم قال :" لا شك لا تختلف صلاة نبي الله ادريس علیه السلام عن باقي الانبياء والرسل من حيث عدد مرات الصلاة أي خمس صلوات


1) ينظر : السحار، اضواء على السيرة النبوية، ج 1، ص 23؛ السيار، قدماء المصريين، ج 1، ص 194.

2) السحار، اضواء على السيرة النبوية، ج 1، ص 23

3) الالوسي، روح المعاني، ج6، ص 307.

4) ابن ابي اطيبعة عيون الانباء، ص 32

5) ابن العبري، تاريخ مختصر الدول، ص7.

6) القفطي، اخبار العلماء، ص 4

وشروطها من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والوضوء قبل الصلاة

ويرعي فيه التثليث أي غسل الاعضاء ثلاث مرات وقبلتهم نحو الجنوب (1).

و من سنن إدريس علیه السلام : إذا دخلتم في الصلاة فاصرفوا إليها خواطركم وأفكاركم وادعوا الله دعاء ظاهرا منفرجا، وأسألوه مصالحكم ومنافعكم ، بخضوع وخشوع ، وطاعة واستكانة(2)، وجدت في صحف إدريس علیه السلام : إذا دخلتم في الصلاة فاصرفوا لها خواطركم (3).

ورد في كتاب متون هرمس صلاة وتسبيح ادريس علیه السلام والذي يحمل عنوان (تسبيح لاتوم ) وهو اسم لاله الواحد الاعلى عند قدماء المصريين صلوات هرمس (إدريس علیه السلام) وتسبيحه للاله وهي تكشف لنا عن جوانب روحية ومعرفية استولت على وجدانه وهي بكل المقايس تجليات الهية تتسم بكل معاني الخضوع والخشوع وقمة المعرفة والتحقق بالقدرة الالهية التي تسمو عن وصفها وذلك في توجهاته الى الاله الواحد الاحد يقول هرمس في صلاته وتسبيحاته :"اصلي في باحة مفتوحة للسماء مستقبلاً الشرق في الفجر، والغرب في الغسق حتى ينفتح الكون امامي ويستقبل الكون كله اصوات تسابيحي ، انفتحي ايتها الارض العظيمة و امسكي همسات اوراقك ايتها الاشجار فانا اهم بالترنم بمدائح الواحد الكل "(4).


1) درویش نبي الله ادريس، ص 219

2) ينظر: الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج4، ص 72؛ الطوسي، سعد السعود للنفوس ج 18، ص 6.

3) الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج 4، ص 83.

4) فريك، متون هرمس ص 99

ثالثاً : الزكاة

فَرَضَ الله سبحانه وتعالى الزَّكَاةَ وَجَعَلَهَا ثَالِثَ الأَرْكَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ الصِّيَامِ ؛ لِتُطَهَّرَ بِهَا الْأَمْوَالُ، وَتُزَكَّى بِهَا الْقُلُوبُ وَالْأَبْدَانُ، وَلِيَحْصُلَ بِهَا رِضَا الرَّحْمَنِ، وَمُوَاسَاةُ الْفُقَرَاءِ، قال سُبْحَانَهُ وتعالى : (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَتَيكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ) (1)، وَالزَّكَاةُ شُرِعَتْ فِي شَرَائِعِ النَّبِيِّينَ علیه السلام كَمَا شُرِعَتِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُ ، وَأَخَبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فَعَلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَرةِ) (2)، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْحَى لِلْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنَّهَا فَرْضٌ فِي الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ، حث إدريس علیه السلام على ضرورة الزكاة والتصدق للمساكين، يذكر ابن العبري: "سن إدريس علیه السلام للناس الزكاة "(3)، ويذكر القفطي ان ادريس علیه السلام امر قومه بزكاة المال ومعونة الضعفاء (4).

رابعاً : الصيام

كان الصيام مفروضاً على الامم السابقة كما ذكر الله في كتابه الكريم : (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتب عليكُمُ الصّيام كما كتب على الذين من قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (5)وذكر السيوطي : ان نبي الله ادم علیه السلام كان يصوم لله تعالى ثلاثة ايام من كل شهر (6).


1) سورة النساء : الآية : 124.

2) سورة الانبياء : الآية : 73

3) ابن العبري تاريخ مختصر الدول، ص 1

4) القفطي، اخبار العلماء، ص 4.

5) سورة البقرة : الآية : 183

6) السيوطي الوسائل الى معرفة الأوائل (مخطوطة) المحفوظة بدار الكتب القومية، رقم (319)، ص 13.

وجدت في صحيفة أدريس علیه السلام : إذا دخلتم في الصيام ، فطهروا نفوسكم من كل دنس ونجس، وصوموا لله بقلوب خالصة صافية، منزهة عن الأفكار السيئة ، والهواجس المنكرة، فإن الله يحبس القلوب الملطخة، والنيات المدخولة، ومع صيام أفواهكم من المأكل ، فلتصم جوار حكم من المأئم، فإن الله لا يرضى منكم أن تصوموا عن المطاعم فقط، لكن عن المناكير كلها ، والفواحش بأسرها (1).

وكان إدريس يصوم الدهر (2)، وروي الثعالبي : وكان إدريس يصوم الدهر " (3)، للأنبياء تعلق بالعبادة وعندما نقرأ سيرة نبينا إدريس ترى العجب من كثرة صيامه وعبادته (4)، وعن ابن عباس، وعن ابن عباس أنه سئل كعب الأحبار عن إدريس فقال كعب : " وكان يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفتر عن ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ وكان يكتسب فيتصدق بالثلثين فأتاه ملك من الملائكة علیه السلام يقال له إسرافيل، فبشره بالجنة وقال له : هل لك من حاجة؟ قال: وددت أني أعلم إلى متى أجلي فأزداد خيراً "(5)، وأمر إدريس قومه بالصيام بقوله : "وقال اذا دعوتم الله سبحانه فاخلصوا النية في الصيام والصلوات "(6)، ولا سيما الصيام الحسي بالامساك عن الطعام والشراب والكلام ومباشرة النساء وهي امور حسية والصيام الروحي يعني صوم العيون والاذان والافواه والقلوب والايدي والاجساد


1) الطبرسي، مستدرك الوسائل، ج 7، ص 274.

2) ينظر: ابن الجوزي، التبصرة، ج 1، ص 59 ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 298

3) الثعلبي عرائس المجالس، ص 20.

4) دخیل قصص الانبياء، ص 36.

5) ينظر: السمرقندي بحر العلوم، ج 2، ص 379 ابن الجوزي، الثبات عند الممات ص 86.

6) ينظر : القفطي، أخبار العلماء، ص 13 طبارة مع الانبياء ص 56؛ البار، الله جل جلاله والانبياء، ص 61-62

وتطهيرها جميعاً بالصوم وهو مستحق في طلب الغفران والتكفير عن الذنوب والخطايا وهذا الصيام هو الذي يؤكد عليه الإسلام (1).

وقال في حثه على القيام بعبادة الصيام نجد منظومة متكاملة موجهة الى الجوارح والشعور :" إذا دخلتم في الصيام؛ فظهروا نفوسكم من كل دَنَس ونجس، وصوموا لله بقلوب خالصة صافية متنزهة عن الأفكار السيئة والهواجس المنكرة ، فان الله يستنجس القلوب الملطخة والنيات المدخولة، ومع صيام أفواهكم من المآكل، فلتصم جوارحكم من المآئم، فان الله لا يرضى منكم بان تصوموا عن المطاعم فقط، لكن عن المناكير كلها ، والفواحش بأسرها ، ليت شعري ! ما يغني عنكم الصوم إذا كانت أفعالكم مذمومة وبصائركم مشوبة؟! وواظبوا في صيامكم على بيوت الله ، واعمروها بالصلاة والدعاء، ولا تستكثروا بالعبادة ، ولا ترموا بها السمعة والشهرة ، بل استعملوها بالتذلل لله (جل جلاله ) والاستكانة له ، وإذا أديتم فرائضكم ، وعيدتم أعيادكم وانقلبتم إلى منازلكم مسرورين يحرمكم وأولادكم؛ فاذكروا أهل الضر والمسكنة ، ومدوا أيديكم إليهم بالبر والمواساة " (2).

خامساً : الحج

حج الانبياء كلهم ( عليهم الصلاة والسلام) البيت من لدن آدم حتى محمد صلی الله علیه [واله] وسلم ، قال ابو المعالي الجويني: "أول من حج البيت آدم علیه السلام " وقيل : " ما من نبي إلا وقد حج هذا البيت " (3)وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ


1) ينظر : القفطي، اخبار العلماء، ص 4 ابن العبري تاريخ مختصر الدول، ص الالوسي، روح المعاني، ج6، ص207

2) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ج 1، ص 16؛ الصعيدي، هرمس، ص 83. 478هـ / 1085م) نهاية المطلب في دراية المذهب حققه وصنع فهارسه : عبد العظيم محمود الديب دار المنهاج (بيروت : 2007م)، ج 4، ص 125

3) أبو المعالي الجويني ركن الدين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد (ت :

عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ : مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ حَجَّ البَيْتَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ هُودٍ وَصَالِحٍ (1).

يذكر السيوطي: ان عقيدة الصابئة تؤكد ان الكعبة من بناء نبيهم إدريس علیه السلام وكان الأنبياء الذين من بعد آدم إلى زمان ابراهيم الخليل يعظمون البيت (الكعبة) ويحجونه ويطوفون به ويصلون عنده ويدعون (2)، ويذكر الازرقي عن ابن اسحاق عن عروة بن الزبير قال : " بلغني أن نوحا قد حج البيت وإدريس علیه السلام سابقاً لنوح (3).


1) ابن كثير، البداية والنهاية، ج2، ص 366 الهيتمي أبو العباس شهاب الدين شيخ الإسلام أحمد بن محمد بن علي بن حجر السعدي الأنصاري (ت : 974هـ/1566م)، الفتاوى الفقهية الكبرى، جمعها : عبد القادر بن أحمد بن علي الفاكهي المكي (ت : 982هـ / 1574م)، المكتبة الإسلامية (بيروت: د.ت)، ج 2، ص 120.

2) السيوطي اتحاف الأخصا بفضائل المسجد الاقصى، دار الكتب والوثائق القومية، (بيروت : 2005م)، ج 1، ص 180.

3) ينظر : السيوطي، الدر المنثور، ج 1، ص 316 العقاد ابراهيم ابو الانبياء نهضة (مصر القاهرة : 2001م)، ص 91 .

الفصل الرابع : معجزة رفع نبي الله إدريس علیه السلام

اشارة

المبحث الأول : مفهوم الرفع وأسبابه

أولاً: مفهوم معجزة الرفع

المعجزة: " فعل من أفعال الله خارق للعادة مقترنا بِدَعْوَى النُّبُوَّة موافقا لدعواه عند التحدي مَعَ عدم الْمُعَارِضَة " (1)، الْمُعْجِزَةُ : الآية التي لا يُطيقها إلا الأنبياء والبرهان الذي يثبت صدق أي نبي أو رسول في دعوته (2)، وَكَذَلِكَ هي : " إرساله الرُّسُلَ بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَةِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ نِعْمَةٌ مِنْهُ ظَاهِرَةٌ، فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقُ بِهَا وَرَدَّهَا فَقَدْ كَفَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ أَي سَتَرَهَا وَحَجَبَهَا عَنْ نَفْسِهِ "(3)، المعجزة: أمر خارق للعادة، داع إلى الخير والسعادة ، مقرون بدعوى النبوة قصد به إظهار صدق من ادعى أنه من رسول الله (4).

ان معجزة نبي الله إدريس علیه السلام هي رفعه إلى السماء قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَاذْكُرْ فِي الكِتب إدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَنَا وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) (5)، فَإِدْرِيسُ علیه السلام قَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَوَصَفَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَالصِّدِّيقِيَّة (6)، وقال الرازي


1) السيوطي، معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم تحقيق : محمد إبراهيم عبادة، مكتبة الآداب (القاهرة : 2004م)، ص 74

2) ينظر : الفارابي معجم ديوان الأدب ج1 ص 295 ،مبارد، سید، معجزات الانبياء ،والمرسلين المكتبة المحودية دار البيان للطباعة (القاهرة : 2004م)، ص5

3) ابن منظور، لسان العرب، ج 5، ص 147

4) الجرجاني علي بن محمد بن علي الزين الشريف (ت: 816هـ/1413م)، كتاب التعريفات، تحقيق وضبط وتصحيح : جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية (بيروت : 1983م)، ج 1، ص 219

5) سورة مريم : الآية : 57

6) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 111-113.

في تفسيره صديق : " لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم الا هذا الوصف، وهو كون الإنسان صديقاً وتدل الآية ترقية من الصديقية إلى النبوة " (1)، وقال بعض أهل العلم : ورفعناه مكاناً علياً أي إنه رفعه في النسب مكاناً علياً أن ليس بعد آدم وشيث نبي غيره والله أعلم (2)، ومن معجزاته وفضله دفع اليه كتاب سر الملكوت الذي علمه زرائيل الملك لأدم علیه السلام وكانوا يتوارثونه مختوماً لا ينظرون فيه، ولم يفتحه بعد شيث غير إدريس علیه السلام (3).

ثانياً : أسباب الرفع

وردت في كتب التفسير والروايات التاريخية ان هناك خمسة أقوال فِي سَبَبٍ رَفْعِهِ علیه السلام إِلَى السَّمَاءِ :

الْقَوْلُ الأول : أَنَّهُ كَانَ يَصْعَدُ لإدريس علیه السلام مِنَ الْعَمَلِ مِثْلُ مَا يَصْعَدُ لِجَميع بَنِي آدَمَ فتعجبت منه الملائكة ، فَأَحَبَّهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، واشتاق اليه، فَاسْتَأْذَنَ اللَّهَ تَعَالَى فِي خُلَّتِهِ وزيارته : فَأَذِنَ لَهُ، فَهَبَطَ إِلَيْهِ فِي صُورَةٍ آدمي، فبينما هو يسبح في عبادته إذ عرض له ملك الموت في صورة رجل في نهاية الجمال (4)، فقال له إدريس: من أنت؟ قال: عبد من عبيد الله أعبده كعبادتك كان إدريس النبي صلوات عليه يسبح النهار ويصومه، ويبيت حيث ما جنه الليل ، ويأتيه رزقه حيث ما أفطر، وكان يصعد له من العمل الصالح مثل ما يصعد لأهل الأرض كلهم، فسأل


1) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 10، ص 134.

2) الحميري التيجان في ملوك حمير، ج 1، ص 29.

3) القرماني، اخبار الدول مج 1، ص 56.

4) ينظر : النويري نهاية الأرب، ج 13، ص 40 الفنوجي، فتح البيان، ج8، ص172.

ملك الموت ربه في زيارة إدريس علیه السلام وأن يسلم عليه، فأذن له فنزل وأتاه فقال : إني أريد أن أصحبك فأكون معك فصحبه، وكانا يسبحان النهار ويصومانه، فإذا جنّهما الليل أتى إدريس فطوره فيأكل ويدعو ملك الموت إليه فيقول : لا حاجة لي فيه، لا والذي جعلك بشراً ما أشتهيه فطعم إدريس (1)، ثم يقومان يصليان وإدريس يصلي ويفطر وينام، وملك الموت يصلي ولا ينام ولا يفطر، فمكثا بذلك أياماً (2)، ثم أنهما مرا بقطيع غنم وكرم قد أينع ، فقال ملك الموت: هل لك أن تأخذ حملاً، أو من هذا عناقيد فنفطر عليه ؟ فقال : سبحان الله ! أدعوك إلى مالي فتأبى ، فكيف تدعوني إلى مال الغير؟! (3)، فقال إدريس : ما أرى صاحبه هاهنا فأشتريه منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن، ثم قال إدريس علیه السلام : قد صحبتني وأحسنت فيما بيني وبينك، من أنت؟ قال : أنا ملك الموت ، قال إدريس : لي إليك حاجة ، فقال: وما هي؟ قال: تصعد بی إلى السماء، فاستأذن ملك الموت ربه في ذلك، فأذن له فحمله على جناحه فصعد به إلى السماء (4).

وكان إدريس يصوم الدهر، فلما كان وقت افطاره دعاه الى طعامه ، فأبي أن يأكل معه فعل ذلك ثلاث ليل، فأنكره إدريس وقال له :من انت؟ فقال لا تخف ، انا ملك الموت استأذنت ربي في زيارتك وصحبتك فأذن لي (5)، قال له إدريس علیه السلام : إن لي حاجة إليك حاجة أخرى ، قال : وما هي؟ قال: بلغني من الموت شدة فأحب أن


1) ینظر : سمرقندی ، بحرالعلوم ، ج2،ص379؛ابن جوزی، الثبات عند الممات،ص86

2) الراوندي، قصص الانبياء، ج1، ص245.

3) ينظر : السمرقندي، بحر العلوم، ج2، ص 379 الراوندي، قصص الانبياء، ج 1، ص 245

4) الراوندي، قصص الانبياء، ج 1، ص 245.

5) ينظر: ابن الجوزي ، التبصرة، ج1، ص 59 ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 298

تذيقني منه طرفاً هو كما بلغني ، فاستأذن ملك الموت ربِّه، فأذن له، فأخذ بنفسه ساعة ثم خلى عنه ، فقال له : كيف رأيت؟ قال: بلغني عنه شدة وأنه لأشد مما بلغني، ولي إليك حاجة أخرى تريني النار، فاستأذن ملك الموت صاحب النار، ففتح له، فلما رآها إدريس علیه السلام سقط مغشياً عليه (1).

فَلَمَّا عَرَفَهُ قَالَ: إِنِّي أَسْأَلُكَ حَاجَةً، قَالَ: مَا هِيَ، قَالَ: تُذِيقُنِي الْمَوْتَ فَلَعَلِّي أَعْلَمُ شِدَّتَهُ فَأَكُونُ أَشَدَّ لَهُ اسْتِعْدَادًا، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ : أَنِ اقْبِضُ رُوحَهُ سَاعَةً ثُمَّ أَرْسِلْهُ فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : كيف رأيت الموت؟ قال: أشد مما بَلَغَنِي عَنْهُ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُرِيَنِي النَّارَ، وكان إدريس شديد الحرص على دخول الجنة وكان قد رأى في الكتب أنه لا يدخلها أحد دون الموت (2)، فَحَمَلَهُ فَأَرَاهُ إِيَّاهَا ثم قال: لي إليك حاجة أخرى تريني الجنة ، فاستأذن ملك الموت خازن الجنة فدخلها فَلَمَّا دَخَلَهَا وَطَافَ فِيهَا فانطلق إلى شجرة فتعلق بها ثم قال: والله لا أخرج حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني، فقال ملك الموت: إنه ليس حينها ولا زمانها ، ولكن طلبت إليهم لترى ، فانطلق بنا. فأبى عليه، قَالَ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ : اخْرُجْ .فَقَالَ : وَاللَّهِ لا أَخْرُجُ حَتَّى يَكُونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُخْرِجُنِي (3)، فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَلَكًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فَقَالَ : مَا تَقُولُ يَا إِدْرِيسُ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يقول : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (4)، وَقَدْ


1) ينظر : السمرقندي بحر العلوم، ج 2، ص 379 الراوندي، قصص الانبياء، ج1، ص245

2) ينظر : السهيلي الروض الانف، ج2، ص 208 النويري، نهاية الأرب، ج 13، ص 40؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 36.

3) أبو شجاع الديلمي الفردوس بمأثور الخطاب، ص 225.

4) سورة آل عمران : الآية : 185

ذُقْتُهُ، وَقَالَ : : (وَإِن يَنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) (1)، وَقَدْ وَرَدْتُ وَقَالَ لأهل الْجَنَّةِ: (وَمَا هُم مِّنْهَا بِسُخْرَمِينَ) (2)، فَوَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ يُخْرِجُنِي، فَسَمِعَ هَاتِفًا مِنْ فَوْقِهِ يَقُولُ: بِإِذْنِي دَخَلَ وَبِأَمْرِي فَعَلَ ما فعل، فَخَلٌّ سَبِيلَهُ، فتركه (3)، قال ابن الجوزي في دعاءه: أَلْهَمَ إِدْرِيسَ الاختيالَ عَلَى جَنَّتِهِ فَهُوَ يَتَنَاوَلُ مِنْ لَذَّاتِهَا وَيَلْبَسُ حُلي (4)، وَرَفَعَ إِدْرِيسَ إِلَى أعَالِي الْجِنَانِ (5)، وَبِحِيلَةِ الْعِلْمِ اتَّكَا إِدْرِيسُ فِي الْجَنَّةِ (6).

وقد روى ابن جرير عن يونس عن عَبْدِ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ سَأَلَ ابْنُ عَبَّاس كَعْبًا وَأَنَا حَاضِرٌ فَقَالَ لَهُ: مَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى لِإِدْرِيسَ (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا )فقال كَعْبٌ أَمَّا إِدْرِيسُ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنِّي أَرْفَعُ لَكَ كُلَّ يَوْمِ مِثْلَ جَمِيعِ عَمَلِ بَنِي آدَمَ (لَعَلَّهُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ) فَأَحَبَّ أَنْ يَزْدَادَ عَمَلًا فَأَتَاهُ خَلِيلُ لَهُ من الملائكة فقال له : إن الله أوحى إلى وكذا فكلم ملك الموت حَتَّى أَزْدَادَ عَمَلًا فَحَمَلَهُ بَيْنَ جَنَاحَيْهِ ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَلَمَّا كَانَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ تَلَقَّاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ مُنْحَدِرًا فَكَلَّمَ مَلَكَ


1) سورة مريم : الآية : 71

2) سورة الحجر : الآية : 48 ينظر: الراوندي، قصص الانبياء، ج 1، ص 245؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 37.

3) ينظر أبو شجاع الديلمي الفردوس بمأثور الخطاب، ص 225؛ ابن الجوزي التبصرة، ج 1، ص 59 ابن الجوزي مرآة ،الزمان ص 298 299 ابن الجوزي زاد المسير، ج 3 ، ص 136 ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم، ج1، ص 234؛ ابن الجوزي زاد المسير، ج 3، ص136.

4) ينظر: السمرقندي بحر العلوم، ج 2، ص 379 ابن الجوزي، التبصرة، ج1، ص 57 ابن الجوزي، المدهش ص129

5) ابن الجوزي التبصرة، ج 1، ص 207.

6) ينظر: السمرقندي، بحر العلوم، ج2، ص 379 ابن الجوزي، التبصرة، ج1، ص 227

الْمَوْتِ فِي الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ إِدْرِيسُ ، فَقَالَ : وَأَيْنَ إِدْرِيسُ؟ قَالَ هُوَ ذَا عَلَى ظَهْرِي فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ فَالْعَجَبُ بُعِثْتُ وَقِيلَ لِي اقْبِضُ رُوحَ إِدْرِيسَ فِي السَّماءِ الرَّابعة، فَجَعَلْتُ أَقُولُ : كَيْفَ أَقْبِضُ رُوحَهُ فِي السَّماء الرَّابعة وَهُوَ في الْأَرْضِ فَقَبَضَ رُوحَهُ هُنَاكَ فذلك قول الله عز وجل (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا علینا ) (1).

فَإِنْ قِيلَ : مِنْ أَيْنَ لإِدْرِيسَ هَذِهِ الآيَاتُ؟ فَقَدْ أَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ : كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَعْلَمَ إِدْرِيسَ وُجُوبَ الْوُرُودِ وَامْتِنَاعَ الْخُرُوجِ مِنَ الْجَنَّةِ فَقَالَ ذَلِكَ (2)، وفيه أيضاً دليل على قدم القرآن وأنهم قد كانوا يعرفون بعضه من اللوح المحفوظ ، واليه وقعت الإشارة بقوله : (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ) (3)، وأن لم يكن فيها بهذه العبارة (4)، ولم يخرج من الجنة ، ورفعه الله وهو ابن مائة وخمسين سنة (5).

الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ مَلَكًا مِنَ الْمَلائِكَةِ أحب إدريس علیه السلام ، فاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَهْبِطَ إِلَى إِدْرِيسَ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا عَرَفَهُ إِدْرِيسُ قَالَ : هَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ مَعْرِفَةٌ؟ قَالَ : ذَاكَ أَخِي مِنَ الْمَلائِكَةِ قَالَ : هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْفَعَنِي عِنْدَ مَلَكِ الْمَوْتِ؟ (6)، وهل تستطيع أن تنفعني عنده ليرفق بي


1) ينظر : السمرقندي بحر العلوم، ج 2، ص 379 ابن كثير، البداية والنهاية، جاء ص 111-113

2) ينظر: ابن الجوزي، التبصرة، ج 1، ص 59 ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 300؛ ابن الجوزي زاد المسير، ج 3، ص 136.

3) سورة الاعلى : الآيتان : 18-19

4) ينظر: ابن الجوزي مرآة الزمان ص 300 ابن الجوزي زاد المسير، ج3، ص 136.

5) المسعودي، اخبار الزمان، ص 79.

6) ينظر: ابن الجوزي ،التبصرة، ج 1، ص 59 ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 300؛ ابن الجوزي زاد المسير، ج 3، ص 136 الزمخشري، ربيع الأبرار، ج1، ج3، ص 308 السيوطي الحبائك في أخبار الملائك، تحقيق : أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني ،زغلول دار الكتب العلمية (بيروت : 1985م)، ص 146 الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص36.

عند الموت؟ قَالَ : نَعَمْ سَأَقُولُ لَهُ فِيكَ فَيَرْفُقُ بِكَ، ارْكَبُ بَيْنَ جَنَاحَيَّ. فَرَكِبَ إِدْرِيسُ فَصَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَقِيَ مَلَكَ الْمَوْتِ، جالساً على كرسي وبين يديه لوح فيه أسماء الخلائق، فَعَرَفَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَهُ كَمْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ، فَقَالَ الْمَلَكُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ : إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ. قَالَ أَعْلَمُ مَا حَاجَتُكَ. تُكَلِّمُنِي فِي إِدْرِيسَ وَقَدْ مُحِيَ اسْمُهُ مِنَ الصَّحِيفَةِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَجَلِهِ إِلا نِصْفُ طَرْفَةِ عَيْنٍ فَمَاتَ إِدْرِيسُ بَيْنَ جَنَاحَيِ الْمَلَكِ ، رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ (1).

وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا وَعِنْدَهُ فَقَالَ لِذَلِكَ الْمَلَكِ : سَلْ لِي مَلَكَ الْمَوْتِ كَمْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِي؟ فَسَأَلَهُ وَهُوَ مَعَهُ كَمْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَنْظُرَ، فَنَظَرَ فَقَالَ: إِنَّكَ لِتَسْأَلُنِي عَنْ رَجُلٍ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا طَرْفَةُ عَيْنٍ ، فَنَظَرَ الْمَلَكُ إِلَى تَحْتِ جَنَاحِهِ إِلَى إِدْرِيسَ فَإِذَا هُوَ قَدْ قُبِضَ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَهَذَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَفِي بَعْضِهِ نَكَارَةِ (2).

الْقَوْلُ اَلثَّالِثُ : ونقل الشيخ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي - رحمه الله - فى كتابه المترجم (بيواقيت البيان في قصص القرآن) وفي تفسيره أيضا في سبب رفع إدريس علیه السلام قال : وَكَانَ سَبَبُ رفع إدريس عَلَى مَا قَالَهُ كَعْبٌ وَغَيْرُهُ ، أَنَّ إِدْرِيسَ سَار يَوْمًا فِي الشَّمْسِ فَأَصَابَهُ وَهَجُهَا فَقَالَ : يا رب إني مشيت يوما واحدا فأصابني المشقة الشديدة من وهج الشمس وأضرني حرّها ضررا بليغا، فَكَيْفَ بِمَنْ يَحْمِلُهَا مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، اللَّهُمَّ خَفْفْ عَنْهُ مِنْ يُقلِهَا


1) ينظر: ابن الجوزي ،التبصرة، ج 1، ص 5 ابن الجوزي مراة الزمان، ص 300

2) ابن كثير، البداية والنهاية، ج1، ص 111-113

وَحَرِّهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الْمَلَكُ وَجَدَ مِنْ خِفَّةِ الشَّمْسِ وَحَرُهَا مَا لَمْ يَعْرِف (1)، فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّ عَبْدِي إِدْرِيسَ سَأَلَنِي أَنْ أَخَفِّفَ عَنْكَ حِمْلَهَا فَأَجَبْتُهُ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ اجْمَعْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاجْعَلْ بَيْنَنَا خُلَّةٌ فَأَذِنَ لَهُ فَأَتَاهُ ، فَكَانَ يَسْأَلُهُ إِدْرِيسُ ، فَقَالَ لَهُ يوما إِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّكَ أَكْرَمُ الْمَلَائِكَةِ وَأَمْكَنُهُمْ عِنْدَ مَلَكِ الْمَوْتِ ، فَاشْفَعْ لِي إِلَيْهِ لِيُؤَخِّرَ أَجْلِي، فَأَزْدَادَ شُكْرًا وَعِبَادَةٌ، فَقَالَ الْمَلَكُ : لَا يُؤَخِّرُ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أجلها، وأنا مكلمه في ذلك إن شاء الله فقال له ارفعني إلى السماء فَرَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَوَضَعَهُ عِنْدَ مَطْلِع الشَّمْسِ ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُ إِدْرِيسُ : اشْفَعْ لي إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ أَنْ يُؤَخَّرَ أَجَلِي قَالَ : إِن اللَّهِ تَعَالَى لا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا، وَلَكِنْ أَكَلِّمُهُ فِيكَ، فَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَفْعَلَ فَعَلَ، ثُمَّ حَمَلَهُ الْمَلَكُ عَلَى جَنَاحِهِ فَوَضَعَهُ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ أَتَى مَلَكَ الْمَوْتِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَيْسَ ذَاكَ إِلَيَّ، وَلَكِنْ إِنْ أَحْبَيْتَ أَعْلَمْتُهُ مَتَى يَمُوتُ، فَنَظَرَ فِي دِيوَانِهِ فَقَالَ: إِنَّكَ كَلَّمْتَنِي فِي إِنْسَانٍ مَا أَجِدُهُ يَمُوتُ إِلا عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، قَالَ: فَإِنَّهُ خلفته هُنَاكَ قَالَ : انْطَلِقُ فَمَا تَجِدُهُ إِلا مَيْتًا، فو الله مَا بَقِيَ مِنْ أَجَلِ إِدْرِيسَ شَيْءٌ، فرجع فوجده ميت (2).

الْقَوْلُ الرابع: عن ابن بابويه قال : قال رسول الله صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم إن ملكاً من الملائكة كانت له منزلة ، فأهبطه الله تعالى من السماء الى الارض ، فأتى إدريس النبي فقال له : اشفع لي عند ربك، قال: فصلى ثلاث ليال لا يفتر ، وصام ايامها لا يفطر، ثم طلب الى الله تعالى في السحر


1) ينظر: النويري، نهاية الأرب، ج 13، ص 40 السيوطي، الحبائك في اخبار الملائك، ص 47؛ التناري ،بلدا مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد، ج2، ص .13

2) ينظر: البغوي معالم التنزيل، ج 3، ص 228؛ ابن الجوزي، التبصرة، ج1، ص 59 ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 300 301 الديار بكري، تاريخ الخميس ج 1، ص 66.

للملك، فأذن له في الصعود الى السماء، فقال له الملك: أحب أن اكافيك،فاطلب إلي حاجة ، فقال : تريني ملك الموت لعلي أنس به، فإنه ليس يهنا إلي مع ذكره شيء فبسط جناحيه ثم قال : اركب، فصعد به ، فطلب ملك الموت في السماء الدنيا، فقيل له : إنه قد صعد فاستقبله بين السماء الرابعة والخامسة ، فقال الملك لملك الموت: مالي أراك قاطباً ، قال : أتعجب أني كنت تحت ظل العرش حتى أؤمر أن اقبض روح إدريس بين السماء الرابعة والخامسة، فسمع إدريس ذلك فانتفض مكانه (1)من جناح الملك وقبض ملك الموت روحه مكانه ، وفسر المفسرون قوله تعالى: (أُولَيْكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمَمَنْ حَمَلْنَا نوج ومن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَ يلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْنَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ وَبَنتُ الرَّحْمَنِ وَإِسْرَاءِيلَ خَرُوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ) (2)، وَالْمَرَاد من ذُرِّيَّة آدم : إِدْرِيس (3)، أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ، أَي إِدْرِيسَ وَنُوحًا (4)، إلى إدريس ( الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّنَ) من للبيان لأن جمیع الأنبياء منعم عليهم (مِن ذُرِّيَّةِ عَادَمَ ) من للتبعيض وكان إدريس من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبي نوح (5)، فرجع ملك الموت إلى ربه عز وجل وقال : إلهى قد علمت ما قال إدريس ،قال الله تعالى : إنه حاجك بكلامي ، قذره في جنتي. فذلك قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صديقاً نَبِيًّا وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (6).


1) ينظر الراوندي، قصص الانبياء، ج 1، ص 243 244؛ الديار بكري، تاريخ الخميس، ج 1، ص 66.

2) سورة مريم : الآية : 58

3) ينظر : السمعاني، تفسير القرآن، ج 3، ص 301 ؛ ابن عجيبة، البحر المديد، ج3، ص 345 المنياوي الجموع البهية، ج 2، ص 284.

4) البيضاوي أنوار التنزيل، ج 4، ص 14

5) ينظر: الحميري، التيجان في مُلوك جمير، ص 29؛ البغوي معالم التنزيل، ج3، ص 239 التناري ،بلدا مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد، ج 2، ص 13.

6) النويري، نهاية الأرب، ج13، ص 40.

الْقَوْلُ الخامس: حدثني أبي عن محمد بن ابي عمير عمن حدثه عن ابي عبد الله علیه السلام قال : ان الله تبارك وتعالى غضب على ملك من الملائكة فقطع جناحه وألقاه في جزيرة من جزائر البحر فبقي ما شاء الله ذلك البحر فلما بعث الله إدريس علیه السلام جاز ذلك الملك اليه فقال : يا نبي الله ادع الله ان الله ان يرضى عنى ويرد علي جناحي، قال نعم فدعا إدريس فرد الله عليه جناحه ورضي عنه قال الملك لإدريس ألك إلي حاجة قال : نعم أحب أن ترفعني إلى السماء حتى أنظر إلى ملك الموت فانه لا عيش لى مع ذكره، فأخذه الملك على جناحه حتى انتهى به إلى السماء الرابعة فاذا ملك الموت يحرك رأسه تعجبا فسلم إدريس على ملك الموت وقال له : مالك تحرك رأسك ؟ قال : إن رب العزة أمرني ان اقبض روحك بين السماء الرابعة والخامسة فقلت : يا رب وكيف هذا وغلظ السماء الرابعة مسيرة خمسمائة عام ومن السماء الرابعة إلى السماء الثالثة مسيرة خمسمائة عام ومن السماء الثالثة إلى الثانية خمسمائة عام وكل سماء وما بينهما كذلك فكيف يكون هذا ثم قبض روحه بين السماء (1).

ثالثاً : النبي إدريس علیه السلام وقصة هاروت وماروت

وهما اسمان سُريانيان لا ينصرفان للعجمة والتعريف، وكانت قصتهما على ما ذكره ابن مسعود وابن عباس والمفسرون: أنَّ الملائكة رأت ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة، وذلك في زمان إدريس، فعيَّروهم بذلك، ودعوا عليهم وقالوا : يا ربنا هؤلاء الذين اخترتهم وجعلتهم في الأرض خلفاء وهم يعصونك، فقال الله تعالى : لو أنزلتكم إلى الأرض وركَّبت فيكم ما ركبت فيهم لارتكبتم


1) ينظر : القمي، تفسير القمي، ج28، ص 5؛ الحريزوي، تفسير نور الثقلين، ج5، ص 273

ما ارتكبوا ، فقالوا : سبحانك ما كان لنا أو ما ينبغي لنا أن نعصيك ، فقال لهم الله تعالى : فاختاروا ملكين من خياركم اهبطهما إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت ، وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم (1).

قال الكلبي : قال الله : اختاروا ثلاثة ، فاختاروا عزائيل، ووعز وهو هاروت وعزايا وهو ماروت ، ولإنما غُيَّر اسمهما لما قارفا الذنب كما غُيَّر اسم ابليس وكان اسمه عزرايل ، قال : فركب فيهم الشهوة وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق، ونهاهم عن القتل والزنا، والشرك وشرب الخمر (2).

فأما عزائيل فإنه لما وقعت الشهوة في قلبه استقال، وسأل الله أن يرفعه إلى السماء ، فأقله ورفعه ، وسجد أربعين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء حياءً من الله تعالى ، وقيل : إنه بقي على حاله (3).

وأما الآخران فإنهما ثبتا على ذلك، وكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم، فصعدا إلى السماء، فما مرَّ عليهما شهر حتى افتتنا (4).

قالوا جميعاً : وذلك أنه أختصم إليهما ذات يوم الزهرة، وكانت من أجمل النساء، قال علي كرم الله وجهه : كانت من أهل فارس، وكانت ملكة في بلدها، فلما رأياها أخذت بعقولهما أو بقلوبهما فراوداها عن


1) ينظر: ابن الجوزي مرآة الزمان ص 303 ابن عجيبة البحر المديد، جا، ص .144.

2) ينظر: ابن الجوزي مرآة الزمان ص 303 ابن الجوزي الموضوعات، جا، ص 187؛ ابن عجيبة البحر المديد، ج 1، ص 144.

3) ينظر: ابن الجوزي مرآة الزمان ص 303 ابن الجوزي، الموضوعات، ج1، ص 187

4) ينظر: ابن الجوزي مرآة الزمان ص 303 ابن الجوزي الموضوعات، ج1، ص 187 ابن عجيبة البحر المديد، ج1، ص 144.

نفسها ، فأبت ثم انصرفت ، ثم عادت في اليوم الثاني، ففعلا مثل ذلك ، فأبت وقالت : لا إلَّا أن تعبدا ما أعبد وتصليا لهذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا الخمر، فقالا : لا سبيل لنا إلى هذه الأشياء، فإنَّ الله تعالى نهانا عنها، فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها ، فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت لهما بالأمس ، فقالا : الصلاة لغير الله عظيم وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر فشربا الخمر فانتشيا ، ووقعا على المرأة ،فزنيا فلما فرغا رأهما الشاب فقتلاه (1).

قال الطبري : كانت الزُّهَرَة امرأة جميلة من أهل فارس، وأنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت ، فراوداها عن نفسها، فأبت إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تُكُلّم به يعرج به إلى السماء. فعلماها، فتکلمت به ، فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبا (2).

قال الربيع بن أنس: وسجدا للصنم ؛ فمسخ الله الزهرة كوكبا (3)، كان النبي صلّى الله عليه [واله] وسلّم إذا رأى سهيلا قال: لعن الله سهيلا إنّه كان عشارا باليمن ولعن الله الزهرة فإنّها فتنت ملكين (4)، وقال ابن عمر إذا رأى الزهرة قال : لا مرحبا بها ولا أهلا (5).


1) ينظر: البغوي معالم التنزيل، ج1، ص 100 101 ابن الجوزي، مرآة الزمان، ص .304-303

2) الطبري، جامع البيان ،ج2، ص 429 ينظر : السيوطي، الحبائك في أخبار الملائك، ص 72.

3) ابن الجوزي مرآة الزمان ص 303 السيوطي، الحبائك في أخبار الملائك ص 72.

4) ينظر : الثعلبي، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، ج 1، ص 247؛ ابن الجوزي، مرآة الزمان، ص 303

5) ينظر : الثعلبي الكشف والبيان عن تفسير القرآن، ج 1، ص 247؛ ابن الجوزي، مرآة الزمان ص 303 السيوطي، الحبائك في أخبار الملائك، ص 72.

روى عن الامام علي بن ابي طالب علیه السلام :" انها قالت لهما : لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به الى السماء، فقالا : باسم الله الاكبر ، قالت : فما انتما بمدركي حتى تعلماني إياه، فقال أحدهما للآخر : علّمها ، قال : إني أخاف الله ، قال الآخر: فأين رحمة الله؟ فعلماها ذلك، فتكلمت به، وصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكباً "(1).

قال الثعلبي : " وأنكر الآخرون هذا القول وقالوا : إن الزهرة من الكواكب السبعة السيارة التي جعلها الله قواماً للعالم أنفسهم بها فقال : (فلا أقيم بالخنيس الْجَوَارِ الكُنَّ) (2)، وإنما كانت هذه التي فتنت هاروت و ماروت امرأة تسمى الزهرة من جمالها ، فلما بغت جعلها الله شهاباً، فما رأى رسول الله صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم الزهرة ، ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين فلعنها، وكذا سهيل العشار كان رجلاً باليمن فلما رأى رسول الله صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم النجم ذكره فعلته (3)، يدل عليه ما روى قيس بن عباد عن ابن عباس قال : كانت الزهرة امرأة فضلت بالحسن على الناس كما فضلت الزهرة على سائر الكواكب "(4).

قال الربيع بن أنس: لما ذهب عن هاروت وماروت السكر عرفا ما وقعا فيه من الخطيئة وندما وأرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا ولم


1) ينظر : الثعلبي الكشف والبيان عن تفسير القرآن، ج۱، ص 246؛ ابن الجوزي، مرآة الزمان، ص 303

2) سورة التكوير : الآيتان : 15-16

3) ينظر: ابن أبي حاتم أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي (ت : 327هـ / 939م)، تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم، تحقيق : أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط3، (الرياض : 1998م)، ج1، ص 189 ابن الجوزي مرآة الزمان ص 305.

4) ينظر : الطبري، جامع البيان، ج2، ص 429 الثعلبي عرائس المجالس، ص 53؛ الثعلبي الكشف والبيان عن تفسير القرآن، ج1، ص 246.

يؤذن لهما فبكيا بكاء طويلا وضاقا ذرعا بأمرهما، ثم أتيا إدريس علیه السلام وقالا له: ادع لنا ربك فإنا سمعنا بك تذكر بخير في السماء فدعا لهما فاستجيب له وخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة، وروي أن الملائكة لما قالوا لله - تبارك وتعالى : (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاءَ ) (1)، طافوا حول العرش أربعة آلاف عام يعتذرون إلى الله - عز وجل - من اعتراضهم (2).


1) سورة البقرة : الآية : 30

2) ابن قدامة كتاب التوابين الناشر دار ابن حزم (بیروت : 2003م)، ص 11.

المبحث الثاني : عمر النبي علیه السلام عند رفعه ومعنى ومكان الرفع

أولاً: عمر النبي إدريس علیه السلام عند رفعه

تباينت الروايات حول عمر إدريس علیه السلام عند رفعه وَرُوِيَ أَنَّ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَاشَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ، فَآمَنَ بِهِ أَلْفُ إنسان على عدد سنيه، وَبَاقِيهِمْ عَلَى التَّكْذِيب (1)، بينما ذكر المسعودي في مروجه : " كانت حياته في الأرض ثلاثمائة سنة"(2)، بينما ذكر آخرون " رفع كان عمره ثلاثمائة سنة "(3)، ولم يخرج من الجنة ورفعه الله وهو ابن مائة وخمسين سنة (4)، وقيل ابن فاتك :" وكانت مدته على الأرض اثنين وثمانين سنة " (5)، وقال القرطبي في تفسيره: رفع وهو ابن ثلاثمائة وخمس وستين سنة وعاش قبل الطوفان (6)، وقال البكري: رفع وهو ابن ثلاثمائة وخمس ستين سنة "(7)،وَعَاشَ أَبُوهُ آدَمُ بَعْدَ ارْتِفَاعِهِ مِائَةٌ وَخَمْسًا وَثَلاثِينَ سَنَةٌ (8)، أقام في الأرض اثنتين وثمانين سنة (9)، لما


1) أبو حيان البحر المحيط، ج8، ص 348

2) ينظر اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 11؛ المسعودي، مروج الذهب، ج1، ص 10.

3) ابن وصيف، مختصر عجائب الدنيا، ص46.

4) المسعودي اخبار الزمان، ص 79.

5) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ج1، ص 10

6) ينظر: الزمخشري الكشاف، ج2، ص 107؛ القرطبي، الجامع لاحكام القرآن، ج16، ص 5؛ الحنفي، عمدة القاري، ج 4، ص 44.

7) البكري المسالك والممالك، ج 1، ص 74-76.

8) ابن الجوزي مرآ الزمان، ص 299

9) ينظر : الزحيلي، التفسير المنير، ج16، ص 125؛ دخیل، قصص الانبياء، ص 42.

صار لَهُ من الْعُمر ثَلاثمائة وخمْس وَسِتُّونَ سنة رفعه الله إِلَى السَّمَاء (1).

قال الصحاري " في التوراة إن الله رفع إدريس بعد ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة مضت من عمره وعاش أبوه بعد ارتفاعه أربعمائة سنة وخمسا وثلاثين سنة تمام تسعمائة سنة واثنين وستين سنة وكان عمر يارد تسعمائة واثنين وستين سنة ومولد أخنوخ وقد مضى من عمر يارد مائة واثنتان وستون سنة (2)، وذكر أنّه رفع في حياة أبيه وأن أباه يارد عاش بعد رفع إدريس أربعمائة سنة وثلاثين سنة (3)

إن الله تبارك وتعالى رفع ادريس بعد ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة مضت من عمره ، وبعد خمسمائة سنة وسبع وعشرين سنة مضت من عمر ابيه ، فعاش أبوه بعد ارتفاعه أربعمائة وخمسا وثلاثين سنه تمام تسعمائة واثنتين وستين سنه ، وكان عمر يارد تسعمائة واثنتين وستين سنة، وولد أخنوخ وقد مضت من عمر يارد مائة واثنتان وستون سنة (4).

ويحدد لنا سفر اخنوخ عمر النبي عند رفعه وظهور الملائكة للنبي اخنوخ بقوله : "قال اخنوخ : في ذلك الوقت حيث أتممت 365 سنة في


1) الحنبلي، الأنس الجليل، ص 41

2) الصحاري الأنساب، ج 1، ص 16.

3) يعلل التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ذلك بقوله : كيف عاش هؤلاء الناس هذا العمر الطويل؟ يعتقد البعض أن الأعمار المدونة هنا كانت أعمار الأسرات وليست أعمار أفراد أما الذين يؤمنون بأنها أعمار حقيقية، فيقدمون ثلاثة احتمالات رئيسية : (1) كانت السلالة البشرية مازالت نقية في ذلك العصر المبكر، فلم يكن هناك الكثير الأمراض التي تميت الإنسان (2) لم يكن قد مطل مطر على الأرض، كما أن بخار الماء من فوق حجز الأشعة الكونية الضارة، فقلت عوامل البيئة الضارة بالإنسان (3) أعطى الله الناس أعمارا طويلة لتكون أمامهم فرصة ليملأوا الأرض" وليكثر شعب الله للمزيد ينظر : التكوين 1: 7-8 28؛ التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ص 102.

4) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 70.

الشهر الاول في اليوم المذكور من الشهر الاول كنت في بيتي وحدي باكياً بعيني وحزيناً، كنت مرتاح على سريري، فرقدت فظهر لي رجلان كبيران جداً ما رأيت مثلهما على الأرض كان وجهاهما كالشمس المضيئة وعيناهما كمصابيح تشتعل وخرجن نار من فيمهما ، كانت ثيابهما من الريش المتنوع، واذرعهما كأجنحة ذهبية على رأس سريري نادياني باسمي فاستيقظت ووقف الرجلان حقاً بقربي، فنهضت بسرعة وسجدت امامهما ، فتغطى وجهي بالجليد من الرعب ، فقال لي الرجلان : تشجع يا أخنوخ ولا تخف ! فالرب الازلي أرسلنا إليك، وأنت اليوم تصعد معنا إلى السماء، قل لأبنائك ولأهل لتك ما يجب عليهم أن يصنعوا على الأرض، فلا يبحث عنك أحد من بيتك إلة أن يعيدك الرب إليهم؛ أطعتهما ودعوت إبني متوشالح ورجيم وأخبرتهما بكل ما قال لي الرجلان "(1)، يتضح لنا ان موت اخنوخ وقالت انه عاش مدة اذا نظرنا اليها نجدها اقل من الانبياء الذين عاشوا في عصره أو بعده؛ وذلك لان الرب أراد تعويض اخنوخ عن قصر عمره فأعطاه الخلود في السماوات وأن يعيش في الاعالي دون ان تنزع روحه منه (2).

وذكر ابن الجوزي" ورفع إدريس وهو ابن ثلاثمائة وخمس وستين سَنّة، وأبوه حي، فعاش أبوه بعد ارتفاعه مائة وخمسا وثلاثين سنة "(3)، ولما رفعه الله تعالى كان عمره اثنتين وثمانين سنة، وقيل: رفع وهو ابن ثلاثماية وخمس وستين سنة ، وعاش أبوه بعد ارتفاعه خمسماية سنة وخمساً وثلاثين سنة، فلما رفعه الله عز وجل (4)،


1) مجهول، مؤلف، سفر اخنوخ (بيروت: د.ت)، ص3.

2) مخطوطات البحر الميت، ج 2، ص 72.

3) ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم، ج 1، ص 234

4) القرماني، أخبار الدول مج1، ص 59

اختلفوا بعده وأحدثوا الأحداث إلى زمن نوح علیه السلام (1).

ثانياً : معنى الرفع

اختلف المفسرون في معنى الرفع هل كان روحياً ام جسدياً، فلا ندري هل رفعه الله بجسمه وروحه إلى السماء، كما رفع عيسى علیه السلام ، أم مات إدريس موتاً طبيعياً على الأرض ودُفن فيها كما دُفِنَ باقي الأنبياء ورفع الله روحه مكاناً عليا؟ (2)، اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ حَيٌّ فِي السَّمَاءِ أَمْ مَيِّتُ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ مَيِّتٌ (3)، وَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ حَيٌّ، وَقَالُوا : أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْأَحْيَاءِ اثْنَانِ فِي الْأَرْضِ : الْخَضِرُ وَ إِلْيَاسُ، وَاثْنَانِ فِي السَّمَاءِ : إِدْرِيسُ وَعِيسَى (4)، وفي مرآة الزمان نجد قول ابن عباس أنه رفع إلى السماء مثل عيسى علیه السلام ويقول القرماني : إنه مات الخلق اصابته دهشة فيبقى في عداد الموتى وهو حي (5)، فقال بعضهم أن إدريس علیه السلام مات على الأرض موتاً طبيعياً كباقي الأنبياء، وهذا ما نرجحه (6)رفع إدريس علیه السلام الى السماء فمات بها ، وقال الحسن البصري و( وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال : الجنة (7)، وإن المراد برفعه إليه رفعه بروحه وجسده حيا إلى السماء على ما يشعر به ظاهر القرآن الشريف أن السماء أي الجسمانية هي مقام القرب من الله سبحانه ، ومحل نزول البركات ، ومسكن


1) المصدر نفسه مج1، ص 59

2) الخالدي، قصص القرآن، ج4، ص89

3) الزمخشري تفسير القرآن، ج 3، ص 300.

4) ينظر: البغوي معالم التنزيل، ج 3، ص 228 الحنفي، عمدة القاري، ج4، ص 44 النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج2، ص 595؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج13، ص 185.

5) القرماني اخبار الدول، ج 1، ص 228

6) الخالدي قصص القرآن، ج 4، ص 91.

7) ابن كثير، تفسير، ج 2، ص 471.

الملائكة المكرمين، ولعلنا توفق للبحث عن معنى السماء فيما سيأتي إن شاء الله تعالى ، والتطهير من الكافرين حيث أتبع به الرفع إلى الله سبحانه أفاد معنى التطهير المعنوي دون الظاهري الصوري فهو إبعاده من الكفار وصونه عن مخالطتهم والوقوع في مجتمعهم المنقذر بقذارة الكفر والجحود (1).

ان تفسير قوله تعالى : (وَرَفَعَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) (2)، فيه قولان : الاول : انه من رفعة المنزلة كقوله تعالى لمحمد صلی الله علیه [واله] وسلم : (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) (3)، حيث شرفه الله بالنبوة ، وانزل عليه ثلاثين صحيفة وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب واول من خاط الثیاب (4)، وقطع الثياب وحاكها(5).

والثاني : ان الرفعة في المكان أي موضع عال ، قال الزرقاني:" ورفع إلى مكان لم يرفع إليه غيره (6)، وهو عند البعض من المفسرين الاولى ، وهذا اولى فتكون الرفعة في المكان لا في الدرجة ، ثم اختلفوا فقال بعضهم ان اله رفعه الى السماء والى الجنة وهو حي لم يمت، وقال آخرون بل رفعه الى السماء وقبض روحه فيها (7).


1) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص 116.

2) سورة مريم : الآية : 57

3) سورة الشرح : الاية : 4

4) ينظر اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 11 الرازي، مفاتيح الغيب، ج10، ص 134؛ القنوجي فتح البيان، ج 7، ص 171 ؛ الديار بكري، تاريخ الخميس ج 1، ص 66 ابن العجمي، كنوز الذهب، ج2، ص 6؛ الطباطبائي، الميزان في جا، تفسير القرآن، ج 2، ص 82

5) ابن العجمي، كنوز الذهب، ج2، ص 6.

6) الزرقاني شرح الزرقاني، ج 7، ص 80.

7) ينظر : الرازي، مفاتيح الغيب، ج 10 ص 134؛ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج 6، ص 385

وميز ابن عربي في كتابه (فصوص الحكمة ) بين علو المكان وعلو المكانة بقوله : " العلو نسبتان : علو مكان ، وعلو مكانة ، فعلو المكان ، ذكر في قوله تعالى: (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) (1)، واعلى الأمكنة : المكان الذي تدور عليه رحى عالم الافلاك وهو فلك الشمس، فجعل (علياً) نعتاً للمكان والعمل يطلب المكان والعلم يطلب المكانة فجمع بين الرفعتين : علو المكان بالعمل وعلو المكانة بالعلم ، والمكانة هی المنزلة، فبدل المعنى على ان ادريس علیه السلام جمع بين العمل والعلم " (2).

وفسر الطبري قوله تعالى : واذكر يا محمد في كتابنا هذا إدريس (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا) لا يقول الكذب (نَبِيًّا) نوحي إليه من أمرنا ما نشاء، (وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) يعني به إلى مكان ذي علق وارتفاع وقال بعضهم: رفع إلى السماء السادسة، وقال آخرون : الرابعة (3).

وجاء في تفسير النسفي (وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) هو شرف النبوة والزلفى عند الله وقيل معناه رفعته الملائكة إلى السماء الرابعة وقد رآه النبي صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم ليلة المعراج فيها وعن الحسن إلى الجنة لا شيء أعلى من الجنة وذلك أنه حبب لكثرة عبادته إلى الملائكة فقال لملك الموت أذقني الموت بهن علي ففعل ذلك بإذن الله فحيى وقال أدخلني النار أزدد رهبة ففعل ثم قال أدخلني الجنة أزدد رغبة ثم قال له اخرج فقال قد ذقت الموت ووردت النار فما أنا بخارج من الجنة فقال الله عز وجل بإذني فعل وبإذني دخل فدعه (4).


1) سورة مريم : الاية : 57

2) ابن عربي فصوص الحكم، ج 1، ص 75 76

3) الطبري، جامع البيان، ج18، ص 212

4) ينظر: أبو شجاع الديلمي الفردوس بمأثور الخطاب، ص 224؛ النسفي تفسير النسفي، ج2، ص 341

وقال أهل التفسير : أي رفع إلى الجنة وقيل رفعه إلى السماء السابعة، روى أنه أذيق الموت ساعة ثم أخرج وأدخل الجنة وقيل صعد به إلى السماء ومات بين جناحيه ثم أحيى وهو أول من حمل السلاح وقاتل الكفار وأول من نظر في علم الحساب وأول من خط بالقلم وأول من لبس ثوب القطن ومن خاط الثياب وكانوا يلبسون الجلود (1).

ويذكر وهب استناداً على ما جاء في التوراة: أنه حي إلى موت الخلق وموت الملائكة، فيذوق الموت حتماً مقضياً، وأنه عاش في الأرض ثلاثمائة سنة وخمساً وستين ، ثم رفعه الله إلى السماء السابعة فهو مع الملائكة (2)، ويرى وهب أنه وبرى وهب أنه حي في السماء فيقول: "فبقي بها بعناية الله تعالى، فهو حي هناك فتارة يعبد الله في السماء الرابعة وتارة يتنعم في الجنة (3).

ورد في سفر اخنوخ الأول في كتاب الحكم في مخطوطات البحر الميت: أن اخنوخ رفع حياً الى رب الارواح وسحب من بين سكان اليابسة (4)، وارتكزت الاعراف الكاثوليكية القديمة على النص المذكور في سفر التكوين (5)، وان اخنوخ غادر هذه الدنيا دون ان يذوق كأس الموت، الا ان التفسير الحديث للكتاب المقدس يعبر ما تقدم من باب التعبير الرمزي ولا يقر بانتقال اخنوخ حياً من هذه الارض (6)، وقال


1) البسنوي، محاضرة الاوائل، ص 19؛ ؛ الديار بكري، تاريخ الخميس، ج 1، ص 66.

2) الحميري، التيجان في ملوك جمير، ص 29.

3) ينظر: القرطبي، الجامع لاحكام القرآن ج 11، ص 118؛ الطباطبائي، الميزان في ج11، تفسير القرآن، ج 14، ص 37.

4) مخطوطات البحر الميت، ج2، ص 72.

5) التكوين 5 22-24

6) عبودي، معجم الحضارات السامية، ص 52-53

كعب الاحبار : قبض روحه في السماء الرابعة (1)، تطابق المعنى الذي جاء ذكره القرآن الكريم أن إدريس هو (اخنوخ) في التوراة في قوله تعالى : (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيّا )، وكان رفعا حقيقيا وليس معنويا إذ إن جميع الأنبياء لا شك في ارتفاع مكانتهم المعنوية وارتفاع قدرهم عند الله، إلا انه لم يوصف احد منهم بذلك إلا إدريس علیه السلام وكذلك عيسى علیه السلام في قوله : ( يَعِيسَى إِنِّي مُتوفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَى ) (2).

ذكرت مصادرنا الإسلامية أن إدريس علیه السلام لم يمت على الارض ، بل رفع حياً إلى السماء والى الجنة (3)، وقال ابن عباس وَقَالَ مَكْحُولُ عَنْ كَعْبٍ أَرْبَعَةُ أَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ اثْنَانِ فِي الْأَرْضِ إِلْيَاسُ وَالْخَضِرُ، وَاثْنَانِ فِي السماء إدريس وعيسى علیه السلام (4)، وقوله مكاناً علياً : أي عالياً رفيع الشأن برسالات الله تعالى (5)، بمعنى أنه يحيا في السماء حتى نهاية الخلق والملائكة جميعاً، ثم يذوق الموت ، وهذه الاقاويل تستند إلى قول الله سبحانه وتعالى (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) إلّا أنَّ الآية الشريفة لم توضح كيفية الرفع إن كان إلى السماء، أو هو ارتفاع مقام، وكل ما قيل يرجع إلى تأويلات وشروح يمكن أن تكون صحيحة أو غير ذلك ولا يعلمها إلا الله سبحانه، لذا فأننا نلتزم الوقوف عند حد الآية الشريفة وهي المكان العلي الذي يعلمه الله وحده (6)، وكلهم يموتون إلَّا إدريس، فإنه إذا مات الخلق أصابته دهشة ، فيبقى في عداد الموتى وهو


1) ابن كثير، تفسير ابن كثير، ج 3، ص 127.

2) التكوين 5:

3) النيسابوري غرائب القرآن، ج4، ص 494

4) ابن كثير، البداية والنهاية، ج1، ص 394

5) ينظر : الطبرسي، مجمع البيان، ج6، ص 329 - 330؛ الجزائري، النور المبين ص 69.

6) درویش نبي الله آدرس ص 97-98

حیَّ (1)، وقيل: هو الذي يجيب الله تعالى إذا مات الخلق (2)، وتفسير قوله تعالى في سورة مريم: (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) مكاناً عليا يقصد به مكانا في السماء أو رفعة معنوية أو حسية لأن الذي خلقه اخبرنا بذلك (3)، أي رفع إلى السماء حياً، وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلی الله علیه [واله] وسلم في حديث الاسراء مرّ على إدريس علیه السلام في السماء الرابعة (4)، وعن ابن عباس (وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال : رفع الى السماء السادسة فمات فيها (5).

وبعدما اثنى الله على إدريس بأنه صديق نبي، اخبرنا بأنه رفعه عنده إلى مكان عليّ : (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) (6)، وَرَفَعْناهُ مكاناً عَلِيًّا، يعني: الجنة، وقال مجاهد : يعني في السماء الرابعة (7)، والمكانُ العَليَّ هو عالي القدر والمنزلة ، وكل الأنبياء مكرمون عند الله، وكلهم رفعهم الله إلى مقام ومكان عليَّ عنده سبحانه، ومقام النبوة هو اعلى مقام ومنزلة عنده (8).

عن ابن عباس ومجاهد: رفع إدريس كما رفع عيسى وهو حي لم یمت (9)، وقال آخرون : إنه قبض روحه بين السماء الرابعة والخامسة ، ذلك عن أبي جعفر علیه السلام وقيل المعنى ورفعنا محله ومرتبته


1) ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 301

2) ابن عاشور التحرير والتنوير، ج 9، ص 160.

3) الشعراوي قصص الانبياء، ص 25

4) البخاري صحيح البخاري ص 268 الحنفى عمدة القاري، ج 4، ص 44. ج4،

5) الطبري، جامع البيان، ج16، ص 96.

6) سورة مريم : الاية : 57

7) ينظر : السمرقندي بحر العلوم، ج2، ص 379 ابن الجوزي، الثبات عند الممات ص 86 الحنفى عمدة القاري، ج4، ص 44.

8) الخالدي قصص القرآن، ج 4، ص 88

9) النيسابوري غرائب القرآن ج 4 ص 494؛ القنوجي، فتح البيان، ج8، ص 172

بالرسالة ولم يرد رفعه المكان (1)، يعني : الجنة. ويقال: وَرَفَعْناهُ في القدر والمنزلة، ويقال : وَرَفَعْناهُ في النبوة والعلم (2).

وهناك من فرق بينهما من خلال الفرق في التعبير القرآني عن رفع عيسى ورفع إدريس علیه السلام ، فلما أخبر عن رفع عيسى علیه السلام عدى الرفع بحرف الجر (إلى) وذلك في قوله :" بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ "، وفي قوله : (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَى )، بينما لم يذكر حرف الجر (إلى) في رفع إدريس علیه السلام وإنما ذكر ظرف المكان (مكاناً) وهو مفعول فيه منصوب (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَليًّا )(3).

فقال جماعة من العلماء هو رفع النبوة والتشريف والمنزلة وهو في السماء كما سائر الأنبياء ، وقالت فرقة : بل رفع إلى السماء (4)، وأنه نقل حيّا إلى السماء لئلا يرى الموت (5)، قال ابن عباس : كان ذلك بأمر الله كما رفع عيسى وهنالك مات (6)، وقال ابن كثير بسنده الى ابن عباس : أربعة من الانبياء أحياء فيهم أرواحهم : إدريس علیه السلام وعيسى في السماء، وإلياس والخضر في الارض، وكلهم يموتون إلا إدريس علیه السلام (7)، وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قوله (وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا قَالَ إِدْرِيسُ رُفِعَ وَلَمْ يَمُتْ كَمَا رُفِعَ عِيسَى (8)، إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ


1) ينظر: الطبرسي، مجمع البیان، ج 6، ص 329 - 330؛ الجزائري، النور المبين، ص .69

2) السمرقندي، بحر العلوم، ج2، ص 379-380.

3) الخالدي قصص القرآن، ج4، ص90.

4) ابن عطية، المحرر الوجيز، ج4، ص21.

5) القاسمي، تفسير القاسمي (محاسن التأويل)، ج 6، ص 436.

6) ابن عطية المحرر الوجيز، ج4، ص21.

7) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 2، ص 470 ج2،

8) ينظر: ابن عطية المحرر الوجيز، ج4، ص 21 السيوطي، الدر المنثور، ج 5، ص 519.

يَمُتْ إِلَى الْآنِ فَفِي هَذَا نَظَرْ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ رُفِعَ حَيَّا إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قُبِضَ هُنَاكَ فَلَا يُنَا فِي مَا تقدَّم عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ * وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاس في قوله (وَرَفَعْنَتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَمَاتَ بِهَا، وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّالُ (1).

ولعل هذا الفرق في الإخبار يوحي بأن رفع إدريس غير رفع عيسى علیه السلام (2)، فعيسي رفع حقيقياً مادياً بروحه وجسمه إلى السماء الثانية، ولهذا عدى الفعل بحرف (إلى) الذي يدلُّ على مزيد من التخصيص والتكريم، ويوحي بالرفع المادي الحقيقي (3)، وإسقاط (إلى) من الإخبار عن رفع إدريس علیه السلام يوحي بأن رفعه ليس كرفع عيسى المادي، وإنما هو رفع معنوي يقوم على رفع المنزلة والمقام (4)، فهل كان رفع إدريس علیه السلام إلى السماء الرابعة هكذا؟، اورد بن كثير في تفسيره اقوال بعض المفسرين من التابعين كمجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم وابن عباس رضی الله عنه ، فقال مجاهد : (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) رَفَعَهُ اللهُ إلى السماء الرابعة، فإدريس رفع ولم يمت، كما رُفع عيسى علیه السلام(5).

وَ الراجح أن رفع إدريس ليس كرفع عيسى علیه السلام وعندما ننظر في آيات القرآن، فسوف نرى أنها أخبرت عن رفع نبيين كريمين هما: إدريس وعيسى علیه السلام ، قال الله تعالى عن عيسى علیه السلام : (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا بل رفعه الله إليه وكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) (6)، وخاطب الله (عز وجل)


1) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 111-113.

2) الخالدي قصص القرآن، ج 4، ص 90.

3) الخالدي، قصص القرآن، ج 4، ص 91.

4) الخالدي قصص القرآن، ج 4، ص 91.

5) ابن كثير، تفسير ابن كثير، ج 3، ص 124؛ ؛ الحنفى عمدة القاري، ج 4، ص 44.

6) سورة النساء : الايتان : 157-158

عیسی علیه السلام :(إذ قَالَ اللهُ يَعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَى ومظهرك من الَّذِينَ كَفَرُوا ) (1)، وجمهور المسلمين على ان الله رفع عيسى علیه السلام إلى السماء بروحه وجسمه، وذلك لما أراد اليهود والرومان صلبه فحماه الله منهم ، ورفعه إلى السماء الثانية، وهو هناك حي بروحه وجسمه، وسينزل قبيل قيام الساعة (2)، اذ اورد صاحب كتاب الفتن رواية تؤكد ذلك بقوله :" قَالَ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعِ : وَحَدَّثَنِي جَرَّاحٌ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: " الدَّجَّالُ بَشَرٌ وَلَدَتْهُ امْرَأَةٌ، وَلَمْ يَنْزِلْ شَأْنِهِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَلَكِنْ ذُكِرَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ يُولَدُ فِي قَرْيَةٍ بِمِصْرَ يُقَالُ لَهَا قُوصُ، يَكُونُ بَيْنَ مَوْلِدِهِ وَمَخْرَجِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةٌ، فَإِذَا ظَهَرَ خَرَجَ إِدْرِيسُ وَخُنُوكُ يَصْرُخَانِ فِي الْمَدَائِنِ وَالْقُرَى : إِنَّ الدَّجَالَ قَدْ خَرَجَ، فَإِذَا أَقْبَلَ أَهْلُ الشَّامِ لِخُرُوجِهِ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْمَشْرِقِ "(3).

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ كَمَا رُفِعَ عِيسَى كَانَ لَهُ خَلِيلٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَحَمَلَهُ عَلَى جَنَاحِهِ وَصَعِدَ بِهِ حَتَّى بَلَغَ السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَلَقِيَ هُنَالِكَ مَلَكَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ قِيلَ لِيَ اهْبِطُ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَاقْبِضْ فِيهَا رُوحَ إِدْرِيسَ وَإِنِّي لَأَعْجَبُ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ الصَّاعِدُ : هَذَا إِدْرِيسُ مَعِي فَقَبَضَ رُوحَهُ (4).

وقد اختلف في رؤية نبينا صلی الله علیه [واله] وسلم لهؤلاء الأنبياء علیه السلام ، فحمله بعضهم على رؤية أرواحهم إلا عيسى ، لما ثبت من رفع جسده. وقد قيل في إدريس أيضا ذلك (5).


1) سورة آل عمران : الآية : 55

2) الخالدي قصص القرآن، ج 4، ص 89-90.

3) المروزي، أبو عبد الله نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي (ت: 228هـ) (843م كتاب الفتن تحقیق سمير امين ،الزهيري مكتبة التوحيد (القاهرة: 1991م)، ج 2، ص 541 الزرقاني شرح الزرقاني، ج8، ص129

4) أبو حيان البحر المحيط، ج7، ص 267 الحنفي، عمدة القاري، ج4، ص44.

5) القسطلاني، المواهب اللدنية، ج 2، ص 471.

ويذكر أن إدريس : "كان يرفع لإدريس علیه السلام كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه حتى اشتاق إليه ملك الموت فاستأذن الله عز وجل في زيارته فأذن له وطلب أن يذيقه الموت فأذاقه بإذن الله تعالى ثم لأحياه الله تعالى ، ثم سأله أن يورده النار فأورد إياها (1)، ثم سأله أن يدخله الجنة، فلما دخل الجنة أبى أن يخرج منها محتجا بأن الله تعالى قال: (كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ ) (2)، وقد ذقته وقال: (وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) (3)وقد وردتها وقال: (وَمَا هُم ينها هناك بمخرجين ) (4)، فلست أخرج ، فبقي بها بعناية الله تعالى فهو حي هناک،فتارة يعبد الله تعالى في السماء الرابعة وتارة يتنعم في الجنة، قيل: أسكنه قلب الأفلاك وهو فلك الشمس وعُلّم دور الافلاك وطبائع الكواكب وخواصها (5).

فقال له : ما أعلمه، ولكن إن شئت حملتك إلى السماء، قال: فحمله إلى السماء، فلقي ملك الموت فسأله أجله، ففتح كتاباً معه فقال : لم يبق من أجلك إلا سِتَّ سَاعَاتٍ أو سَبْعَ ساعات، وقال: أمرتُ أن أقبض نفسك هاهنا ، فقبض نفسه في السماء، فذلك قوله : رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (6).

ووصفه الله بـ (الصدق ) والوجه أن يحمل ذلك على العموم في


1) ابن الجوزي مرآة الزمان، ج1، ص 279.

2) سورة آل عمران : الآية : 185؛ ينظر: سورة الأنبياء: الآية : 35؛ سورة العنكبوت : الآية : 57

3) سورة مريم : الآية : 71

4) سورة الحجر : الآية : 48.

5) القرماني، أخبار الدول، مج1، ص 58-59

6) ينظر السمرقندي بحر العلوم، ج 2، ص 379 ابن الجوزي، الثبات عند الممات، ص 86.

الأحاديث والأعمال (1)، انَّهُ كانَ صِدِّيقاً، أي ملازما للصدق في جميع أحواله ، نَبِيًّا، وهذا مخصص للخبر الأول، إذ ليس كل صديق نبيا (2).

لم ينتبه المستشرقون الى اختلاف اسم النبي كما ورد في القرآن الكريم (ادريس) عن الاسم الوارد في التوراة اخنوخ اذ هم يعتقدوا ان الاسمين هما لشخص واحد ، والا لكانوا طنطنوا وافاضوا كما فعلوا في اسما ابراهيم علیه السلام (3).

قال المفسرون في تفسير قوله تعالى: (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) (4). وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا يعني شرف النبوة والزلفى عند الله (5)، وقيل الجنة، وقيل السماء السادسة أو الرابعة "(6)؛ لأنه هناك توفي ولم تكن له تربة في الأرض (7)، وقد أكد حديث المعراج ان إدريس علیه السلام في السماء الرابعة حيث وجده رسول الله صلی الله علیه [واله] وسلم(8).

وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قوله (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قَالَ إِدْرِيسُ رُفِعَ وَلَمْ يَمُتْ كَمَا رُفِعَ عِيسَى (9)، ويكون قائما بالحق للحق ، ولا يكون فيه نفس لغير الله (وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) : درجة عظيمة في التربية لم يساوه فيها أحد (10)


1) التناري بلدا، مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد، ج2، ص13.

2) ينظر : السمرقندي بحر العلوم، ج2 ، ص 379 ابن الجوزي، الثبات عند الممات ص 86.

3) البدراوي قصص الانبياء، ج 1، ص 48

4) سورة مريم : الاية : 57.

5) النيسابوري غرائب القرآن، ج4، ص494.

6) ينظر : الزمخشري ،الكشاف، ج 3، ص 2423 البيضاوي، أنوار التنزيل، ج4، ص 14.

7) الزرقاني، شرح الزرقاني، ج8، ص 150.

8) ينظر: البخاري صحيح البخاري ص 2968 الحنفى عمدة القاري، ج4، ص 44.

9) ابن كثير، البداية والنهاية، ج1، ص 112.

10) القشيري لطائف الإشارات (تفسير القشيري)، ج 2، ص 434.

ثالثاً : المكان الذي رفع إليه النبي إدريس علیه السلام

كما اختلف العلماء في معنى رفع النبي إدريس علیه السلام اختلفوا في الْمَكَانِ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ قَالَ مُقَاتِلٌ :" هُوَ مَيِّتُ فِي السَّمَاءِ " (1)، وَقِيلَ:" بَلْ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ "(2)، هل هو في السماء أو في الجنة وَكَذَلِكَ هِيَ رتبتُهُ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَعَنِ الْحَسَنِ : إِلَى الْجَنَّةِ لَا شَيْءٍ أَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ (3)، وعن النابغة الجعدي : أنه لما أنشد عند رسول الله صلی الله علیه [واله] وسلم الشعر الذي آخره:

بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا *** وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا (4)

أي إلى إلى الجنة لا شيء أعلى من الجنة (5)، ولم يبين القرآن كيفية رفع إدريس إلى المكان العليَّ، وإنزاله في السماء الرابعة، علماً أن الإسرائيليات قد أوردت تفاصيل غريبة منكرة باطلة عن ذلك، ونقلها عنها بعض المفسرين (6).

وَفِي الْمَكَانِ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ : القول الأول: في السماء الرابعة : أَحَدُهَا أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ (7)، وفي قوله تعالى: (وَرَفَتَهُ


1) ينظر أبو حيان البحر المحيط، ج 7، ص 267 الالوسي، روح المعاني، ج8، ص 423

2) أبو حيان البحر المحيط، ج 7، ص 267

3) أبو حيان البحر المحيط، ج7، ص 267.

4) الزمخشري الكشاف، ج3، ص 23-24

5) المصدر نفسه، ج 3، ص 24.

6) الخالدي قصص القرآن، ج4، ص89

7) ينظر : الحنفى عمدة القاري، ج4، ص 44؛ ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 298؛ النيسابوري غرائب القرآن، ج4، ص494.

مَكَانًا عَلِيّاً ) (1)، اي ان اله رفعه وهو حي في السماء الرابعة، ويعني الى مكان ذي علو وارتفاع (2)، وكذلك قال وهب وقال كعب الأحبار لابن عباس كان له خليل من الملائكة فحمله على جناحه وصعد به حتى بلغ السماء الرابعة فلقي هنالك ملك الموت فقال له إنه قيل لي اهبط إلى السماء الرابعة فاقبض فيها روح إِدْرِيسَ وإني لأعجب كيف يكون هذا، فقال له الملك الصاعد هذا إِدْرِيسَ معي فقبض روحه وروي أن هذا كله كان في السماء السادسة قاله ابن عباس، وكذلك هي رتبته في حديث الإسراء في بعض الروايات وحديث أنس بن مالك وأبي هريرة في الإسراء يقتضي أنه في السماء الرابعة، وقوله تعالى : (أُولَيْكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم ) الإشارة أُولئِكَ إلى من تقدم ذكره (3)، وقوله (مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ) يريد إدريس ونوحا وممن حمل مع نوح إبراهيم علیه السلام ، وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ومن ذرية إسرائيل موسى وهارون وزكرياء ويحيى ومريم . وقوله (4).

وذكر الطبري رواية يحدد فيها مكان الرفع بقوله: "سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر ، فقال له : ما قول الله تعالى لإدريس (وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال كعب : أما إدريس ، فإن الله أوحى إليه : إني رافع لك كلّ يوم مثل عمل جميع بني آدم ، فأحب أن تزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة، فقال : إن الله أوحى إلي كذا ، وكذا فكلم لي ملك الموت، فليؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه ، ثم صعد به إلى في السماء ؛ فلما كان السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت منحدرا، فكلم ملك الموت في


1) سورة مريم : الاية : 57

2) ينظر: الرازي مفاتيح الغيب، ج 10، ص 134 ،درویش نبي الله ادريس ص 70. ج10، ص70

3) الزمخشري تفسير القرآن، ج 3، ص 300

4) ابن عطية المحرر الوجيز ، ج4، ص 21 ؛ ؛ الفنوجي، فتح البيان، ج8، ص 172

الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال : هو ذا على ظهري ، قال ملك الموت : فالعجب بعثت أقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول : كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله تبارك وتعالى (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عليا ) "(1).

وفي رواية القرطبي، أن ملك الموت قبض روحه ورفعها الى الجنة ودفنت الملائكة جثته في السماء الرابعة فذلك قوله تعالى : (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عليا (2)وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله] وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ رَأَى إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ (3)، أن في السماء الأولى؛ آدم ، وفي الثانية يحيى وعيسى وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون وفي السادسة موسى وفي السابعة إبراهيم (4)،وإنما كان إدريس علیه السلام في السماء الرابعة لأنه هناك توفى ولم تكن له تربة فى الأرض على ما ذكر (5).

وَرَفَعْناهُ مكاناً عَلِيًّا، قيل : هي الْجَنَّةَ، وَقِيلَ : هِيَ الرِّفْعَةُ بِعلُو الرتبة في الدنيا، وقيل : أَنَّهُ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ (6)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ( وَرَفَعْتَهُ مكانا عليا ) هُوَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ


1) ينظر: الطبري، جامع البيان، ج18، ص 212 الحنفي، عمدة القاري، ج4، ص 44

2) القرطبي، الجامع لاحكام القرآن، ج 11، ص 118.

3) ينظر : البخاري صحيح البخاري ص 3207 ،مسلم صحيح مسلم ص 164؛ ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 298-299

4) ينظر: القسطلاني، المواهب اللدنية ، ج 2، ص 464 الزرقاني، شرح الزرقاني، ج8، ص 130.

5) القسطلاني، المواهب اللدنية، ج2 ، ص 470

6) البغوي معالم التنزيل، ج3، ص 228 الحنفى عمدة القاري، ج 4، ص 44.

224

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [واله] وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ فِي السَّماء الرَّابِعَةِ (1).

رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكِ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله]وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَأَى إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ (2)، ولمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ رُفِعَ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى سلَّم عَلَى إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ في السَّماء الرابعة (3)، وإنما كان إدريس علیه السلام في السماء الرابعة؛ لأنه هناك توفي ، ولم تكن له تربة في الأرض على ما ذكر " عن كعب الأحبار : أن الملك الموكل بالشمس ،كان صديقا لإدريس ، فسأله أن يريه الجنة ، فإذن الله له في ذلك، فرفعه فلما كان في السماء الرابعة رآه ملك الموت فعجب ، وقال : أمرت أن أقبض روحه في السماء الرابعة فقضبه (4).

وقد رفع الله إدريس علیه السلام الى السماء، بدليل اخبار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله]وَسَلَّمَ ، بدليل إخبار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله]وَسَلَّمَ حدث أنه لما عُرج به إلى السماء الرابعة ؛ ليلة المعراج، روى البخاري ومسلم عن انس بن مالك (ضي الله عنه ) أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله]وَسَلَّمَ حَدَّث، أنه لما عرج به إلى السماء قال:"أتيتُ على إدريس في السماء الرابعة "(5)، وهذه رواية مجملة، نص فيها على أنه قابل إدريس علیه السلام و في السماء الرابعة (6).

وهناك رواية تذكر ما جرى في السماء الرابعة: روى البخاري


1) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 113111 ؛ ؛ الحنفى، عمدة القاري، ج4، من 44.

2) البغوي معالم التنزيل ، ج 3 ، ص 228 الحنفى عمدة القاري، ج 4، ص 44.

3) ابن كثير، البداية والنهاية، ج6، ص 317.

4) الزرقاني شرح الزرقاني، ج8، ص 150 الطباطبائي الميزان في تفسير القرآن، ج 14، ص 37.

5) البخاري صحيح البخاري، ج 5، ص 52 ،مسلم صحیح مسلم، ج1، ص 149 ج5،

6) الخالدي قصص القرآن، ج4، ص88.

ومسلم عن ملك بن صعصعة رضی الله عنه هل هلاله عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله]وَسَلَّمَ انه قال في حديث المعراج : " ....ثم صعد بي حتى اتى السماء الرابعة، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله] وَسَلَّمَ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله] وَسَلَّمَ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ : فَفَتَحَ لَنَا، وَقَالَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، ... فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ،

فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ "(1).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه يرفعه إنه رفع إلى السماء الرابعة (2)ثم صعدنا إلى السماء الرابعة ، واذا فيها رجل، قلت من هذا يا جبرئيل؟ قال هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا فسلمت عليه وسلم علي واستغفرت له واستغفر لي (3).

وَالْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ فِي السَّماء الرَّابعة أَصَحُ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قَالَ إِلَى الْجَنَّةِ وَقَالَ قَائِلُونَ رُفِعَ فِي حياة أبيه يرد بن مهلاييل وَاللهُ أَعْلَمُ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ إِدْرِيسَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ نُوحٍ بَلْ فِي زَمَانِ بَنِي إِسْرَائِيلَ (4).

قال السهيلي: ولكون رفعه حيًا إلى ذلك المقام خاصا به قال تعالى : (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَليًّا ) فلا ينافي رؤيته إبراهيم وموسى في مكان أعلى منه، ومر عن الحافظ ؛ أن هذا من الإسرائيليات والله أعلم بصحته، وأن


1) ينظر : البخاري، صحيح البخاري، ج5، ص 52؛ مسلم النيابوري، صحيح مسلم، ج 1، ص 149؛ ابن الجوزي التبصرة، ج2، ص 35 السيوطي، الفتح الكبير، 4 ج 2، ص 13 الزرقاني شرح الزرقاني، ج 7، ص 80.

2) الزمخشري الكشاف، ج 3، ص 24

3) ينظر: القمي، تفسير القمي، ج26، ص6 ،الحويزوي، تفسير نور الثقلين، ج5، ص 273

4) ابن كثير، البداية والنهاية، ج1، ص 111-113

رفعه وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية (1)، وقال ابن المنير : اختلف في إدريس هل رفع إلى السماء بعد موته كغيره من الأنبياء، أو إنما رفع حيا، وهو إلى الآن حي كعيسى، وجاء في القصص، أن إدريس أحبته الملائكة لكثرة عبادته ، ومن معجزاته: انه كان يرى الملائكة في الهواء حين يظهرون ، وكان كلما يدعو السحاب أجابه بلغته وسمعه الناس يتكلم مع السحاب (2)، فسأل ملك الموت أن يذيقه الموت ليهون عليه، فأذاقه، ثم حيي فسأل أن يورده النار ليزداد رهبة ،فأوردها، ثم أخرج، فسأل أن يدخل الجنة ليزيد رغبة فأدخلها، فقيل له : اخرج ، قال : لا يارب إني ذقت الموت ووردت النار ودخلت الجنة، وقد وعدت من دخلها على ذلك أن لا يخرج منها أبدا، فأوحى الله إلى الخازن أن دعه، فبإذني فعل ما فعل فبقي في الجنة في الرابعة على هذا الوجه انتهى ، فتأمله، " وإنما كان هارون علیه السلام في السماء الخامسة؛ لأنه ملازم لموسى علیه السلام (3). .

وَالْقَوْلُ الثَّانِي : وقال بعضهم رفع إلى السماء السادسة، وقال آخرون انه رفع منزلة (4)، وأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاس (5)، وقيل انه رفع إلى السماء السادسة (6)، وَرُوِيَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ كَانَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسِ (7)، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسِ فِي قَوْلِهِ :


1) السهيلي الروض الانف، ج2، ص206.

2) القرماني، اخبار الدول، مج 1، ص 56.

3) الزرقاني، شرح الزرقاني، ج8، ص 150.

4) ينظر : الرازي، مفاتيح الغيب، ج10، ص 134 ،درویش نبي الله آدرس ص 70.

5) ينظر: البخاري صحيح البخاري ص 3207؛ مسلم، صحیح مسلم، ص 1164 ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 298-299

6) ينظر : الطبرسي، مجمع البیان، ج 6، ص 329 - 330؛ الجزائري، النور المبين ج6، ص .69

7) أبو حيان البحر المحيط ، ج7، ص 267

(وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قَالَ : رفع إِلَى السَّمَاء السادسة فمات فيها " (1)وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : (وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قَالَ: رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَمَاتَ بِهَا وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزاحم، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَغَيْرُهُ ، فِي قَوْلِهِ : (وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قَالَ: الْجَنَّةُ (2)، وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى الجنة ولا شيء أعلى منها، أولئك المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ (3)، و(من) للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ هي للتبعيض وكذا في قوله : وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع نوح إبراهيم علیه السلام لأنه من ولد سام بن نوح وبذرية إبراهيم إسماعيل ، وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم؛ لأن مريم من ذريته (4).

وَالْقَوْلُ الثالث: في السماء السابعة أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، حَكَاهُ أبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ (5)، وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْبُدُ اللَّهَ مَعَ الْمَلائِكَةِ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَتَارَةً يُرْفَعُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُ(6).

رابعاً : وصية النبي علیه السلام إدريس قبل رفعه

حسب سفري اخنوخ الوارد في مخطوطات البحر الميت نجد قصة مفادها ان اخنوخ الجد السابع لجيل ما قبل الطوفان كان قد أوصى أبناءه


1) ابن أبي حاتم تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 217

2) ابن كثير تفسير القرآن العظيم، ج5، ص 241.

3) الزمخشري، تفسير القرآن، ج 3، ص300.

4) النيسابوري غرائب القرآن، ج 4، ص 494

5) ابن الجوزي مرآة الزمان، ص 299

6) أبو حيان البحر المحيط، ج 7، ص 267

بتوزيع كتبه على أولادهم من جيل الى جيل (1).

وكان وصي والده يرد فيما كان آباؤه أوصوا به إليه، وفيما أوصى به بعضهم بعضا وذلك كله من فعله في حياه آدم(2)، وعهد بوارد إلى خنوخ ورفع إليه وصية أبيه وعلمه العلوم التي كانت عنده ودفع اليه مصحف السر فلم يدفعه بعد شيث غير إدريس علیه السلام (3).

وَقَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: وَكَانَ إِدْرِيسُ قَدْ أَوْصَى قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى وَلَدِهِ متوشلَخَ، وَكَانَ وَلَدًا صَالِحًا ولد على مضي ثلاث مئة سنة من عمر والده إدريس (4)، وَوُلِدَ لِمتوشلخَ لَمَكُ، وَوُلِدَ لِلمَكَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَكَانَ مِنَ الملوك في زمن إدريس طهمورت مَلِكُ الأقاليم كُلِّهَا ، وَنَفَى الأَشْرَارَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَاتَّخَذَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ والكلاب لحفظ الموشي، وَاسْتَمَرَّتْ أَحْوَالُهُ عَلَى الصَّلاح: ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ "جم شيدُ " وَتَفْسِيرُ جم شيدَ : سَيْدُ الشُّعَاعِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّهُ كَانَ وَضِينًا جَمِيلا ، فَمَلَكَ الأَقَالِيمَ كُلَّهَا وَسَارَ السِّيرَةَ الْجَمِيلَةَ، وَابْتَدَعَ عَمَلَ السُّيُوفِ وَالسَّلاحِ وَصَنْعَةَ الْقَزِّ ، وَجَعَلَ النَّاسَ أَرْبَعَ طَبَقَاتٍ : طَبَقَةٌ مُقَاتِلَةٌ، وَطَبَقَةٌ فُقَهَاءَ، وَطَبَقَةٌ كُتَابًا وَصُنَاعًا وَحَرَّاثِينَ، وَطَبَقَةٌ خَدَما . وَعَمِلَ أَرْبَعَ خَوَاتِيمَ : خَاتَمَا لِلْحَرْبِ وَالشَّرَطِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ : الأَناةُ (5).


1) مخطوطات البحر الميت، ج2، ص 95

2) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1، ص 70

3) المسعودي، اخبار الزمان، ص 78.

4) ينظر: ابن الجوزي، التبصرة، ج 1، ص 60 ابن الجوزي مرآة الزمان، ص301

5) ابن الجوزي التبصرة، ج 1، ص 60.

الفصل الخامس : حكم النبي إدريس علیه السلام ومواعظه

اشارة

حكم النبي إدريس علیه السلام ومواعظه

اشارة

عرفنا ان نبي الله إدريس علیه السلام إدريس اتاه الله من فضله الكثير؛ فكان له شرف الانتساب إلى آدم علیه السلام فورث عنه علوماً حظي بها وطبقها في حياته مع قومه مجاهداً عابداً عاملاً ، فبث فيهم المعرفة بالله والعلم به، وذكرت المصادر الإسلامية مكانة هذا النبي الرفيعة وحكمته وعلومه (1)، وإِنَّ إِدْرِيسَ كَتَبَ الْحِكْمَةَ فِي صُحُفٍ وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ (أَخْنُونَ) ويدعوه القبط (توت) وَيَدْعُوهُ الْحُكَمَاءُ (هُرْمُسَ) (2)، لما كانت النبوة وسيلة إلى معرفة أشرف العلوم ، والقيام بأشرف الأعمال وأجلها، كان من رحمته سبحانه أن جعل لهؤلاء الأنبياء علامات تدل عليهم ويستدل بها الناس عليهم، ويعرفونهم من خلالها - وإن كان كل من ادعى دعوة ظهر عليه من القرائن والأحوال ما يبين صدقه إن كان صادقا، ويفضح كذبه إن كان كاذبا (3)، وهذه العلامات كثيرة من أهمها المواعظ والحكم والتأملات التي جاءت على لسان هرمس (إدريس) هي مواعظ ونصائح وأقوال عرفانية تنم عن خلاصة الحكمة والمعرفة الإلهية الحقة، ومنها :


1) ينظر الديار بكري تاريخ الخميس، ج 1، ص 66؛ درويش، النبي إدريس، ص 224

2) ينظر : ابن عاشور التحرير والتنوير، ج 7، ص 357؛ الدِّيار بكري، تاريخ الخميس، ج 1، ص 66.

3) السحيم، الإسلام أصوله ومبادؤه، ج 2، ص 71.

1 - دعوته علیه السلام إلى حسن الدعاء

يتصف الأنبياء والرسل علیه السلام ومنهم إدريس علیه السلام بكمال العقل، وسلامة الفطرة والصدق في القول والعمل ، والأمانة في تبليغ ما عهد إليهم، والعصمة من كل ما يشوه السيرة البشرية وسلامة الأبدان مما تنبو عنه الأبصار، وتنفر منه الأذواق السليمة (1)، وقد زكاهم الله في أنفسهم وأخلاقهم، فهم أكمل الناس خلقا ، وأزكاهم أنفسا ، وأكرمهم يدا ، جمع الله لهم مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، كما جمع لهم الحلم والعلم ، والسماحة والكرم والجود ، والشجاعة والعدل حتى تميزوا في هذه الأخلاق بين أقوامهم (2).

يقول إدريس علیه السلام في فضائل الصفات التي يجب للإنسان التحلي بها والالتزام بالطاعة حتى يكون قريباً من الله : "لا ترفعوا دعاءكم إلى الله بالجهالة ولا بالنيات المدخولة، ولا تعصوه ولا تتعدوا حدوده و نوامیسه ، ولا يجرين احد منكم في معاملة اخيه إلى ما يكره ان يعامل بمثله واتفقوا وتحالوا وثابروا على الصوم والصلاة جماعة ببصائر صافية نقية غير منقسمة ولا مشوبة وتوادوا على طاعة الله عز وجل ، والتقوى به واسعوا للخير واجتهدوا به ، ولتكن تأديتكم فرائض الله عليكم بالتمام والكمال والخشوع والخضوع من غير عجب ولا استكبار ، وإياكم والتفاخر والتكاثر وعليكم بالاخبات والتواضع لكيما تستمروا ثمار الخير من اعمالكم " (3)، ومن دعاء ادريس : يا بديع البدايع ومعيدها بعد فنائها بقدرته (4).


1) السفاريني، لوامع الأنوار البهية، ج2، ص 265.

2) السحيم، الإسلام أصوله ومبادؤه، ج2، ص 72.

3) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ج 1، ص 12

4) الحويزري، تفسير نور الثقلين، ج9، ص 206

وَرُوِيَ صاحب الإنس الجليل " أن إدْرِيس النَّبِي صل الله عَلَيْهِ [واله] وَسلم كَانَ يَدْعُو بِهَذِهِ الدَعْوَة وَيَأْمُر أن لا يعلموها السُّفَهَاء فيدعوا بها فَكَانَ يَقُول يَا ذا الجلال وَالْإِكْرَام يا ذا الطول لا إِله إِلَّا أَنت ظهر اللاجيئن وجار المستجيرين وما من الْخَائِفِينَ اللَّهُمَّ إِن كنت كتبتني أم الكتاب شقياً أو محروماً أو مقتراً عَلي فِي رِزْقِي فامح اللَّهُمَّ فضلك شقاوتي وحرماني وإقتار رِزْقِي وأثبتني عندك في أم الكتاب سعيداً مرزوقاً موفقاً لِلْخَيْرَاتِ مَسْتُورا مكفياً مُؤنَة من يُؤْذِينِي إِنَّكَ قلت وقولك الحق في كتابك المنزل على لسان نبيك الْمُرْسَل ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ ويُنبتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ) (1)، وقد رَأَيْت مَنْقُولا إِنَّه يستجيب الدُّعاء بِهَذَا فِي لَيْلة النصف من شعبان (2).

وقوله علیه السلام : اذا دعوتم الله سبحانه اخلصوا النية، وكذا الصيام والصلوات فافعلوا (3)، ولا تحلفوا كاذبين، ولا تهجموا الله سبحانه باليمين ، ولا تحلفوا الكاذبين فتشاركوهم في الإثم وتجنبوا المائم الدنيئة، واملؤوا أفواهكم بحمد لله حياة النفوس الحكمة، ولا تحدوا الناس على موتاة الحظ فان استمتاعهم به قليل، ومن تجاوز الكفاف لم يغنه شيء (4)، وقال : الحظ طرف الضمير (5).

2 - دعوته علیه السلام إلى حسن الخلق

دعا إدريس علیه السلام الى حسن الخلق التي هي : "السَّجِيَّةُ والطَّبْعُ،


1) سورة الرعد : الآية : 39

2) الحنبلي، الأنس الجليل، ص 243

3) ينظر : طبارة، مع الانبياء، ص 56 البار، الله جل جلاله والانبياء، ص 61-62

4) ينظر: القفطي، أخبار العلماء، ص 12؛ دخيل قصص الانبياء، ص 42.

5) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ج1، ص 19.

والمروءة والدين " (1)، والخلق الحسن من اعظم روابط الايمان واعلى درجاته لقوله رسولنا الاكرم صلی الله علیه [واله] وسلم : " أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ": (2)، وقوله صلی الله علیه [واله] وسلم :" لَيْسَ شَيْءٌ فِي الْمِيزَانِ أثْقَل مِنْ حُسْنِ الْخُلُق " (3)، الخُلُقُ وحقيقتُه أَنَّهُ لِصُورة الإنسانِ الْبَاطِنَةِ وَهِيَ نفْسُه وأوصافها ومعانيها المُخْتصَّة بِهَا بِمَنْزِلَةِ الخَلْقِ لِصُورته الظَّاهِرَةِ وأوصافها ومعانيها، وَلَهُمَا أَوْصَافٌ حَسَنة وقبيحة (4)، ودعا إدريس علیه السلام إلى حسن الخلق بقوله : "مَنْ سَره مودّة الناس إياه ومعونتهم له وحسن القول منهم فيه حقيق بأن يكون على مثل ذلك لهم " (5)، وقال : لا تقطع أخاك إلا بعد عجز الحيلة عن استصلاحه؛ ولا تُتبعه بعد القطيعة وقيعة فتسد طريقه عن الرجوع إليك ؛ ولعل التجارب أن تردّه عليك وتُضلحه لك (6).

وقال علیه السلام : خير الأصحاب من نسى ذنبك فلم يُقرعُك به، ومعروفه (7)عندك فلم يمنُنْ به عليك ، وقال علیه السلام : اعط الحقِّ من نفسك؛ فإن لم تعطه منها كان الحكم خصمك (8)، وقال: كفى للمذنب بالظفر شفيعاً


1) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ج 1، ص 881

2) الترمذي، الجامع الكبير - سنن الترمذي، ج2، ص 457

3) ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري (ت: 606هـ / 1209م، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق طاهر أحمد الزاوي - محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية، (بيروت : 1979م)، ج 2، ص 70.

4) ينظر: ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج2، ص 70؛ القحطاني، سعيد علي وهف الخلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة مكتبة الملك فهد الوطنية للنشر الرياض : 2010م)، ص 5.

5) ينظر : الشهرستاني، الملل والنحل، ج2، ص 106؛ ابن فاتك، مختار الحكم و محاسن الكلم، ص 16.

6) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 21

7) ينظر: الشهرستاني الملل والنحل ج 2 ص 105 این فانك مختار الحكم و محاسن الكلم، ص 21

8) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 21

للمذنب إلى الحكيم (1)، وقال علیه السلام : كل شيء يطاق تغييره الا الطباع ، وكل شيء يقدر على اصلاحه غير الخلق السوء (2)، وقال: احذروا مصاحبة الأشرار والحصاد والمشتملين على العداوة والأحقاد والسُّكارى والجُهّال ، وإذا هممتم بالخير فقدموا فعله لئلا يعارضكم سواء فتوقفوا عنه (3)، وقال علیه السلام : نَفَسوا عن المكروبين، فرجوا عن المحزونين افتدوا الأسارى، عالجوا المرضى، اكسوا العُراة أضيفوا الغرباء، أطعموا الجياع ، أرووا العِطاش ، عَزّوا المُصاب، خَلّصوا المظلومين ممن يظلمهم (4).

3 - دعوته علیه السلام إلى نبذ الحرص

نهى إدريس علیه السلام عن الحرص وعدم الطمع فيما في أيدي الناس ، فان الاخلاص لا يجتمع في القلب ومحبة المدح والثناء فيما في ايدي الناس الا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت ، فاذا حدثتك نفسك بطلب الاخلاص فاقبل على الطمع اولا فاذبحه بسكين الياس مما في ايدي الناس ويسهل ذبح الطمع العلم يقينا انه ليس من شيء يطمع فيه الا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره ولا يؤتي العبد منها شيئا سواه (5)، قال علیه السلام :" أوثق الإسار الحرص" (6)، وسئل عن شيخ له


1) ينظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ج2، ص 105 ؛ ابن فاتك مختار الحكم و محاسن الكلم، ص 21

2) الشهرستاني، الملل والنحل، ج2، ص 105.

3) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 15

4) المصدر نفسه، ص 16

5) ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين (ت: 751هـ / 1350م الفوائد، دار الكتب العلمية، ط2، (بيروت : 1973م)، ج 1، ص 149

6) الشهرستاني، الملل والنحل، ج2، ص 104

زوجة فقال علیه السلام : مَن لا يقدر على أن يسبح في البحر كيف يقدر على أن يحمل على عنقد أخر ؟ ! (1).

4 - دعوته علیه السلام إلى شكر الله وطاعته

يعد الأنبياء علیه السلام من أسبق الناس إلى كل خير وأقربهم من كل فضل وأعلمهم بعظمة المولى، وفضل الخالق، وقدر العظيم وان إدريس علیه السلام من أوائل الأنبياء الخاضعين والمتوجهين للخالق دائماً بالشكر والعرفان، لذا فهو دائما ما يوجه تعاليمه للبشر بضرورة التوجه إلى الله بالشكر على نعمه الكثيرة الظاهرة والباطنة، فيقول في هذا الشأن: لن يستطيع أحدكم أن يشكر الله (جل جلاله) على نعمه بمثل الإنعام بها خلقه "(2)، وعُرف إدريس علیه السلام النبي المثلث بالنبوة والحكمة والملك (3)، قال : لن يستطيع احدكم ان يشكر الله عز وجل على نعمه بمثل الانعام بها على خلقه (4).

ومن أقواله علیه السلام : لن يستطيع احد ان يشكر الله على نعمة بمثل الانعام على خلقه (5)، وقال علیه السلام : إن يكن من أحدكم فرطة وارتكب منكراً فليقلع عنها، ولا تحمله السلامة عنها على المعاودة إليها، بل على التوبة والإقلاع عنها ؛ فإنها وان سترت عليه في الدنيا فانه يفتضح بها يوم الدين ويجازي عنها بعقوبة لا رحمة معها " (6)، وقال علیه السلام :" التكن أفواهكم مملوءة بحمد الله وشكره عند الشدة والرخاء ، والفقر


1) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 20.

2) الصعيدي هرمس، ص 73.

3) ابن ایاس بدائع الزهور، ج 1، ص 31

4) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم ص .11

5) ينظر : طبارة مع الانبياء ص 56 البار، الله جل جلاله والانبياء، ص 61-62

6) لصعيدي هرمس، ص 76

والغناء "(1): " وليكن همكم مصروفاً إلى الله ربّ السماء والأرض سبحانه وارفعوا إليه صلواتكم ودعاءكم بصفاء من ضمائركم وعلى غير شوب من خواطركم، وأجهدوا أن تناجوه بقلوب سليمة واعتقادات مستقيمة يسمع منكم ويستجب لكم ويبلغكم آمالكم ويفتح لكم أبواب الرّشد في مساعيكم ومتوجهاتكم، ويعصمكم من أفكار السوء ويحفظ أنفسكم من المكاره ، ويُنجكم من فخاخ الآثام ويردّ عنكم المخاوف ويكُبَّ رؤوس أعدائكم تحت أقدامكم " (2).

5 - دعوته علیه السلام إلى محاربة هوى النفس.

دعا علیه السلام الى محاربة الهوى اذ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْهَوَى فِي مَوْضِع مِنْ كِتَابِهِ إِلا ذَمَّهُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إِنَّمَا سُمِّيَ هوى لأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ (3)، وقال إدريس علیه السلام : " أيها الإنسان إذا اتقيت ربك وحذرت الطرق المؤدية الى الشر لم تقع فيه "، وقال : لا تمل مع الهوى حلاوة الدنيا الصادة لك عن الشغل بمعادك فتكون كالغريق المشتغل عن التدبير لخلاص نفسه بحمل بضاعة ثقيلة قد اغتر بحسنها وهي سبب عطبه " (4).

وقال علیه السلام : " لا تمل مع الهوى وحلاوة الدنيا لك عن الشغل بمعادك فتكون كالغريق المشتغل عن التدبير لخلاص نفسه بحمل بضاعة ثقيلة قد اغتر بحسنها وهي سبب عطبه "(5).


1) الصعيدي هرمس، ص 79

2) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 15-16

3) ابن الجوزي ذم الهوى، تحقيق: مصطفى عبد الواحد مراجعة محمد الغزالي (بیروت: د.ت ) ص 12

4) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، صاا.

5) الصعيدي ، هرمس ، ص 102.

6 - دعوته علیه السلام لترك الجهالة مع الخالق والمخلوقين.

ان العلم النافع هو أعظم أركان الحكمة التي من اوتيها فقد أوتي خيراً كثيراً ؛ ولان العلم لا بد فيه من اقرار القلب ومعرفته بمعنى ما طلب منه علمه وتمامه ان يعمل بمقتضاه (1)، وقال علیه السلام : من اراد بلوغ العلم وصالح العمل فليترك من يده أداة الجهل وسيء العمل، كما ان الصانع الذي يعرف الصنائع كلها اذا أراد الخياطة اخذ آلتها، وترك آلة النجارة؛ وإذا أراد الكتابة اخذ آلتها وترك آلة الخياطة، فحب الدنيا وحب الآخرة لا يجتمعان في قلب ابداً (2)، وقال خير الدنيا حسرة وشرها ندم (3)، وقال: من أوكد أسباب الحلم رحمة الجهال (4)،ومن ذلك قوله : لن يستطيع احد ان يشكر الله على نعمه بمثل الانعام على خلقه (5)، وقال علیه السلام :" لا تروموا أن تحيطوا بالله خبرة ، فإنه أعظم وأعلى أن تدركه فطن المخلوقين " (6).

وقال علیه السلام : ابعدوا عن مخالطة الفسقة ومبتغي الضلال ومقابح الإعمال ، وقال : لا تحلفوا كاذبين ، ولا تهجموا على الله باليمين، واعتمدوا الصدق حتى يكون نعم من قولكم نعم و (لا) وتورعوا عن تحليف الكذابين بالله جل ذكره ؛ إياكم ان تشاركوهم في الاثم اذا علمتم منهم الحنث، وليكن الأثر في نفوسكم أن تكلوهم إلى الله عالم السرائر


1) القحطاني، الخلق الحسن، ص 64.

2) ينظر : القفطي، أخبار العلماء، ص 13 ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 11.

3) القفطي، أخبار العلماء بأخيار الحكماء، ص 13.

4) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19.

5) القفطي، أخبار العلماء بأخيار الحكماء، ص 13.

6) ابن عبد الباقي العين والاثر، ج 1، ص 61.

فسحبكم به من حاكم بعدل ، وناطق بفصل يوم يجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته (1).

7 - دعوته علیه السلام إلى القناعة والكفاف.

توجد علاقة متينة بين القناعة والزهد والرضي ولذلك عرفها بعض علماء اللغة " وَيَقُولُونَ : قَنِعَ قَنَاعَةٌ ، إِذَا رَضِيَ " (2)، والْقَنَاعَةُ : الرِّضَا بِالْقَسْمِ يُقَالُ : قَنِعَ الرَّجُلُ قَنَاعَةً ، إِذَا رَضِيَ، وَقَالَ أَبُو ذُويْبِ الْهُذَلِيُّ :

وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَبْتَهَا *** وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلِ تَقْنَعُ (3)

وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ واله وَسَلَّمَ ) قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضْلَ عَلَيْهِ فِي المَالِ وَالخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ (4)، كَتَبَ رَجُلٌ مِنَ الْحُكَمَاءِ إِلَى أَحْ لَهُ، كَانَ حَرِيصًا عَلَى الدُّنْيَا : أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ أَصْبَحْتَ تَخْدُمُ الدُّنْيَا وَهِيَ تَزْجُرُ عَنْ نَفْسِهَا بِالإِعْرَاضِ، وَالأَمْرَاضِ، وَالآفَاتِ، وَلَعَلَّكَ كَأَنَّكَ لَمْ تَرَ حَرِيصًا مَحْرُومًا ، وَلا زَاهِدًا مَرْزُوقًا، وَلا مَيْتًا عَنْ كَثِيرٍ، وَلا مُتَبَلِّغا مِنَ الْبَسِيرِ، حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْهَا لَمْ يَأْلَمْ فَقِيرٌ بِفَقْرِهِ، وَلَمْ يَنْتَفِعُ غَنِيٌّ بِغِنَاهُ، مَهْجُورِينَ تَحْتَ تُرَابِ الْأَرْضِ مَنْسِيِّينَ فِيهَا بَعْدَ النِّعْمَةِ (5)، وقال صلی الله علیه [واله] وسلم : فَمَا تَصْنَعُ بِدَارٍ هَذِهِ صِفَتُهَا ،


1) این فانك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 12

2) ينظر: ابن فارس معجم مقاييس اللغة، ج5، ص 33 الحقيل ابراهيم بن محمد، القناعة - مفهومها - منافعها - الطريق اليها، (بيروت: د.ت)، ص3.

3) ابن الدُّني أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن بُدَيْح الدينوري (ت : 364هـ / 974م ) القناعة السني، تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع مكتبة الرشد (الرياض : 1988م )، ص 40

4) البخاري، صحيح البخاري، ج8، ص102.

5) ابن أبي الدنيا القناعة والتعفف، ص 61.

وَيْلِي إِنِ اسْتَقْصَرْتُ لَيْلَهَا وَنَهَارَهَا ، وَاغْتَنَمْتُ مُرُورَ سَاعَتِهَا ، فَنِعْمَ الدَّارُ هِيَ لَكَ، وَإِنَّ امْرَأَ حَنَّهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَاسْتَقْبَلَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ بِالْفَنَاءِ لَحَرِيٌّ أَنْ يُقِيلَ نَوْمَهُ، وَأَنْ يَتَوَفَّعَ يَوْمَهُ " (1).

ومن حكم إدريس علیه السلام قوله : من تجاوز الكفاف لم يغنه شيء (2)، وقوله : حياة النفس في الحكمة (3)، وقوله : خير الدنيا حسرة، وشرها ندامة (4)، وقال: خير الدنيا حسرة وشرها ندم (5)، وقال: "الغنى وطن ، والفقر غربة ، والطمع رق، واليأس حرية "(6).

وقال اخنوخ : " انفع الأمور للناس القناعة والرضى وأضرها الشره والسخط، وإنما يكون كل السرور بالقناعة والرضى ، وكل الحزن بالشره والسخط" (7)وقال: ليكن الفقر مع الاستقامة أحب إليكم من الثروة مع الإثم، فان المال يفنى وأعمال البر والخير تبقى " (8).

8 - دعوته علیه السلام إلى التقوى

التقوى في اللغة هي من : التُّقاةُ والتَّقِيَّةُ والتَّقْوى والانقاء كُلُّه واحد "(9)، وأَن الزَّادِ هُوَ التَّقْوَى وَأَن التَّقْوَى شَرطهَا خلو الْقَلب عَن


1) ينظر : طبارة مع الانبياء ص 56 البار، الله جل جلاله والانبياء، ص 61-62

2) ينظر : طبارة مع الانبياء ص 56 البار، الله جل جلاله والانبياء، ص 6261 دخيل قصص الانبياء، ص 42.

3) دخیل قصص الانبياء، ص 42.

4) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 11.

5) ينظر: ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 25؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 96.

6) ينظر: ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 25؛ الصعيدي، هرمس في لمصادر العربية، ص 96.

7) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 105.

8) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 79.

9) ابن منظور، لسان العرب، ج 15، ص 420.

الدُّنْيَا فَلْيَكُن الجهد في تخليته عن حبها وَطَرِيقه أن يعرف الْإِنْسَان عيب الدُّنْيَا وآفتها ويعرف شرف السَّعَادَة فِي الدَّارِ الْآخِرَة وزينتها (1)، قال الله تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) (2)، وَقَالَ صلی الله علیه واله وسلم : الْإِيمَان عُرْيَان ولباسه التَّقْوَى . (3)، قال الراغب الأصفهاني :" التَّقْوَى جعل النفس في وِقَايَةٍ مما يخاف ، هذا تحقيقه، ثم يسمّى الخوف تارة تقوّى والتَّقْوَى خوفاً حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه والمقتضي بمقتضاه وصار التَّقْوَى في تعارف الشرع حفظ النّفس عمّا يؤثم، وذلك بترك المحظور "(4)، إما في الاصطلاح : التقوى : هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل (5).

دعا إدريس علیه السلام الهداية البشر بالعلم والمعرفة بقوله: "لم يكن البشر ليهتدوا إلى معرفة عظمة الله عز وجل لولا ان عرفهم نفسه وهداهم الى عبادته بوساطة من أنبيائه وحملة وحيه المختارين المصطفين الناطقين عن روح القدس المرشدين الى تقوى الله وسبيل طاعته الموقفين لنا على حدود أوامره وزواجره و حفظ نواميسه وسنته والسلوك في مذاهب رضاه المؤدية إلى الحياة الدائمة والنعيم المتصل "(6).


1) الطوسي، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: 505هـ/ 1111م)، فضائح الباطنية، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية (الكويت : (د.ت)، ص 197.

2) سورة الاعراف : الآية : 29

3) الطوسي، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: 505هـ / 1111م)، قواعد العقائد، محمد علي، ط2، عالم الكتب (بيروت : 1998م)، ص 275

4) الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد (ت: 502هـ / 1108م)، المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان عدنان الداودي دار القلم الدار الشامية تحقيق: موسى (دمشق- بیروت : 1991م)، ص 88.

5) الاشقر، عمر سليمان عبد الله التقوى تعريفها وفضلها ومحذوراتها وقصص من احوالها، دار النفائس للنشر والتوزيع (عمان : 2011م)، ص 11.

6) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 11؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية ، ، ص 74.

وقال علیه السلام : اعلموا واستيقنوا أن تقوى الله سبحانه هی الحكمة الكبرى والنعمة العظمى والسبب الداعي إلى الخير والفاتح لأبواب الفهم والعقل، لان الله سبحانه وتعالى لما أحب عباده وهب لهم العقل واختص أنبياءه ورسله بروح القدس ، فكشفوا لهم سرائر الديانة وحقائق الحكمة لينتهوا عن الضلال ويتبعوا الرشاد (1).

9 - دعوته علیه السلام إلى الحكمة

الْحِكْمَة : مَا يَتَرَتَّب على ربط الحُكم بعلته أو سببه، من جلب مصلحة أو دفع مضرة (2)، قال تعالى: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتى خيرا كَثِيرا ) (3)، يَعْنِي : الْإِصَابَة فِي الْقَهم والسداد في القَوْل وَالْعَمَل وحسبك بهما نعْمَة (4)، وقوله : (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (5)، فبينت هذه الآية أن الحكمة خير كثير في جنب علم العالمين وهي قليل في جنب كلمات الله (6).

دعا إدريس علیه السلام بقوله : " وقال : اجمعوا بين محبة الديانة والحكمة ، وقفوا نفوسكم على تعليمها ، وإن قدرتم على أن يكون زمان


1) ينظر: ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 4112 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 75-76

2) حکیم محمد طاهر، رعاية المصلحة والحكمة في تشريع نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (المدينة المنورة : 2002م)، ص 202.

3) سورة البقرة : الآية : 269

4) حكيم، رعاية المصلحة والحكمة، ص 208.

5) سورة الاسراء : الآية : 85

6) الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي (ت : 471هـ / 1076م ) ، دَرْجُ الدور في تفسير الآي والسُّوَر، دراسة وتحقيق: وليد بن صالح الحُسَيْن، إياد عبد اللطيف القيسي، مجلة الحكمة (بريطانيا : 2008م)، ج3، ص 1378.

مقامكم في هذه الدنيا مصروفاً بأسره الى ذلك دون غيره فافعلوا، ومتى کنتم بهذه الصفة سهل عليكم ما يصعب على غيركم ، وكان ما يحصل لكم من شرف الفضيلة انفع من ذخائر الذهب والفضة وسائر أصناف القنية، إذ كانت عروض الدنيا تفنى ولا تبقى ، وثواب الله يبقى ولا یفنی " (1).

وقال علیه السلام : حياة النفس في الحكمة ، والحكمة في الإيمان بالله عزّ وجلّ في حفظ الدين أولا تعلمون أن الحكمة والإيمان بالله لا يفترقان : إن وجد أحدهما وجد الآخر، وإن عُدم عُدم؟ (2)، وقال : أعظم الناس مصيبةٌ في الدنيا والآخرة من لم يكن له عقل ولا حكمة ولا له في الأدب رغبة (3)، وقال علیه السلام : الحكمة إنما هي كالجواهر في الصدف في قعور البحار فلا تُنال إلّا بالغواصين الحذاق ، وقال علیه السلام : لا تمدح بكمال العقل من لم يكمل عقله ولا بكمال العلم من لم يكمل علمه (4)، وقال علیه السلام : الأدب صورة العقل، فحسّن عقلك ما قدرت (5)، وقال علیه السلام : العاقل لا تدعه عيوبه يفرح بما ظهر من محاسنه (6).

وقال: "لا ينبغي لطالب الحكمة أن يكون طلبه إياها ورغبته فيها لثواب عليها أو ثمن لها ، ولكنه ينبغي أن يكون ذلك منه رغبة لنفسه فيها


1) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 14.

2) ينظر: الشهرستاني الملل والنحل ج2 ص 106 ابن فاتك مختار الحكم و محاسن الكلم، ص15.

3) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 16.

4) المصدر نفسه، ص 20.

5) ينظر: الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 106؛ ابن فاتك، مختار الحكم و محاسن الكلم، ص 20

6) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 20

لفضلها على كل شيء سواها"(1).

وقال : حقيق أن يطلب المرء الحكمة ويثبتها في نفسه؛ ولا يجزع من المصائب التي تعم الأخيار ؛ ولا يأخذ بالكبر ولا فيما يبلغ من سرف ولا يزهو بحال الغنى والسلطان ؛ ويعدل بين نيته وقوله وفعله؛ وتكون سنته لا عيب فيها، وديته غير مختلف وحجته لا تنقض ؛ فما يغير الله ما به الأمن له ولعقبه "(2).

وقال : لا يستطيع أحد أن يجد الخير والحكمة إلّا أن تخلص نفسه فی المعاد، ولا خلاص له منه إلا أن تكون له ثلاثة أشياء : وزير ، وولي، وصديق، فوزيره عقله ، ووليه عفته، وصديقه عمله الصالح (3)، وقال علیه السلام : إذا كانت الحكمة خالصة فهي معدن كل سعادة، ومظهر كل أدب وما حقه كل سوء (4).

10 - دعوته علیه السلام إلى العلم واحترام العلماء

وقال علیه السلام : ما أقل منفعة المعرفة مع غلبة الشهوة ! وما أكثر قلة المعرفة مع ملك النفس ! (5)، وقال : لا تستقل شيئاً من زيادة الله عز وجل لك فتستغفر بقيتها منك (6)، وقال : إقتص من شهوة خالفت عقلك بالخلاف عليها (7).


1) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 85.

2) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 25

3) ينظر: ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 25 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 101.

4) الصعيدي هرمس في المصادر العربية، ص 85

5) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19.

6) المصدر نفسه، ص 19.

7) المصدر نفسه، ص 19.

وقال علیه السلام : "مَنْ منّع ما عنده من العلم والأدب للصالحين قوى

له بذلك أجهل الأشرار ؛ ومن منع العلم المستحقة منعه الله منفعته في الدنيا والآخرة"(1).

وسئل : ما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء ؟ فقال علیه السلام : المعرفة العلماء بفضل الغنى، ولجهل الأغنياء بفضل العلم، وإن العلم ممدوح بكل لسان، متزيَّن به في كل مكان (2).

وقال : العقل بغير أدب كالشجرة العاقر ، والعقل مع الأدب كالشجرة المثمرة (3)، وقال : العلم بالخير والشر هو تمام العلم، وبتمام العلم يكون تمام الحكمة وتمام الحكمة سلامة العاقبة (4).

وقال : ما ينبغي للعالم أن يطلب طاعة غيره وطاعة نفسه ممتعة عليه (5)، وقال: من عرف الجهل كان عاقلاً، ومن جهله كان جاهلاً، ومن جهل صورة الحكمة جهل صورة ذاته ، ومن جهل ذاته كان بغير ذاته أجهل (6).

وقال : أفضل ما خلق الله تعالى في هذا العالم الناس؛ وأفضل ما في الناس العقل، وأفضل أمور العقل تدبر صاحبه بالعدل وكف نفسه عن


1) ينظر: الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 106 ابن فاتك مختار الحكم و محاسن الكلم، ص 16.

2) اين فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19.

3) ينظر: الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 106 ابن فاتك مختار الحكم و محاسن الكلم، ص 19.

4) ينظر الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 106؛ ابن فاتك مختار الحكم و محاسن الكلم، ص 19.

5) ينظر: الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 107 ابن فاتك، مختار الحكم و محاسن الكلم، ص 19.

6) اين فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 20.

الذنوب (1)، وقال : غاية النفس المنطقية المعرفة الحقيقية، وغاية فعل القوة الشهانية المحبة ، وغاية فعل القوة الغضبية السلامة (2).

وقال علیه السلام :" زلة العالم تكسر السفينة تُغرق وتُغرق خلقاً كثيراً " (3)وقال : مَنْ فَضَّل العلماء وقصد العدلِ واستفاد العمل الصالح واجتهد في طلب الحكمة وتزيّن بالأدب ، أصاب ما يرغب فيه من خير الدنيا والآخرة (4)، وقال : لا يبخل بالعلم على مستحقيه الأجاهل قليل العلم؛ وإن لم يكن قليل العلم فهو دنيء الهمة حساد (5).

وقال علیه السلام : من جاد بالعلم والحكمة فهو أفضل ممن جاد بالمال له وأبق الذكره ، لأن المال يفنى والعلم يبقى (6)، قال اخنوخ : " المرء حقيق له ان يطلب الحكمة ويثبتها في نفسه أولاً : بأن لا يجزع من المصائب التي تعم الاخيار، ولا يأخذه الكبر فيما يبلغه من الشرف، ولا احداً بما هو فيه ولا يغيره الغنى والسلطان، وان يعدل بين نيته وقوله حتى لا يتفاوت ، وان تكون سنته ما لا عيب فيه ، وان يكون دينه ما لا يختلف ، وحجته ما لا ينتقض " (7)، وهذه المعاني تقابل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُختالاً فَخُورًا) (8)، وقال لتلميذه


1) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 21-22

2) ينظر: الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 108؛ ابن فاتك مختار الحكم و محاسن الكلم، ص 22

3) ينظر: ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 25 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 95

4) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 16

5) ينظر الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص109 ابن فاتك مختار الحكم و محاسن الكلم، ص 16.

6) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 16.

7) الشهرستاني، الملل والنحل، ج2، ص104.

8) سورة النساء : الآية : 36

فواطيلس : أفهمت ما قلتُ لك؟ قال: نعم، قال: لا أرى عليك أثر الفهم، قال: وكيف ذلك؟ قال : لا أراك مسروراً، والدليل على الفهم السرور (1).

وقال : تأدبوا بآداب الله التي دعاكم اليها وامركم بحفظها ؛ واتبعوا الحكماء والعلماء، وخذوا عنهم الفضائل ؛ ولتكن شهواتكم مصروفة الى طلب الحمد واستحقاق المدح ، ولا تصرفوها الى الشرور وقبائح الامور (2)، وقال: روضوا أولادكم بالتعليم من الصغر وقبل أن يكبروا لئلا يتمرّدوا عليكم الى الشرور ويلحقكم الإثم فيهم (3).

11 - دعوته علیه السلام إلى الاعتذار والوقار والسكينة

الاعتذار في اللغة : محو أثر الذنب (4)، اما فِي الشَّرْعِ يقول ابن حجرالعسقلاني : تَرْكُ الذَّنْبِ لِقُبْحِهِ وَالنَّدَمُ عَلَى فِعْلِهِ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَم الْعَوْدِ وَرَدُّ الْمَظْلِمَةِ إِنْ كَانَتْ أَوْ طَلَبُ الْبَرَاءَةِ مِنْ صَاحِبِهَا وَهِيَ أَبْلَغَ ضُرُوبِ الاِعْتِذَارِ"(5)؛ لان إرادات القلوب هي كالبحر الذي لا ساحل له ويقيد الخوف من النفاق الأكبر (6)، قال إدريس علیه السلام : إعادة


1) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 23

2) ينظر الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 109؛ ابن فاتك، مختار الحكم : و محاسن الكلم، ص13.

3) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 15 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 81.

4) ابن منظور، لسان العرب، ج4، ص 552

5) ينظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 11، ص 103 الحمد، محمد بن إبراهيم بن أحمد مصطلحات في كتب العقائد درا بن خزيمة (الرياض : د.ت)، ص 183.

6) التميمي، عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان، فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، تحقيق : محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية (القاهرة : 1957م)، ج 1، ص 437.

الاعتذار تذكير للذنب " (1)، وقال: ما عفا عن الذنب من قرع به (2).

اما دعوته علیه السلام إلى الوقار لكون الوقار العظمة ، والسكينة : المهابة والرزانة والوقار (3)، قال الله تعالى : (وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الذين يمشون على الْأَرْضِ هَوْنًا) (4)، أي هينين أو مشياً هيناً بسكينة ووقار من غير جبروت واستكبار، لا مشى المرضي فإنه مكروه وهو مبتدأ خبره الذين يمشون أو الذين صفته والخبر - أولئك يجزون الغرفة (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سلاما ) (5)، أي خاطبهم بما يكرهونه قالُوا سَلاماً سداداً من القول يسلمون فيه من الإثم أو تسليماً منكم لا خير بيننا ولا شر (6)، وقال علیه السلام : استشعروا الحكمة واتبعوا الديانة وعودوا أنفسكم الوقار والسكينة ، وتحلوا بالآداب الحسنة الجميلة، ترووا في أموركم ولا تعجلوا ، ولا سيما في مجازاة المسيء ؛ واجعلوا الحياء ملء وجوهكم ، والخفية من الله حشو جنوبكم، وتدبروا بالصحة والاستقامة، واحذروا عواقب الندامة، فبسلوك هذه السبل تصير النفس حُرَّة معتوقة من رِقّ الجهالة وعبودية الحداثة (7)، وقال : " الملوك تحتمل الأشياء كلها إلا ثلاثة : قدح في الملك ، وافشاء للسر، وتعرض للحرمة " (8).


1) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 20 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 89.

2) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 20.

3) ابن ،علان محمد علي بن محمد بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي (ت: 1057هـ / 1647م) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين اعتنى بها : خليل مأمون شيحا، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع ،ط4 (بيروت: 2004م)، ج5، ص175.

4) سورة الفرقان : الآية : 63.

5) سورة الفرقان : الآية : 63.

6) ابن ،علان دليل الفالحين، ج5، ص175.

7) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 13 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 76.

8) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 106.

12 - التوبة عند إدريس علیه السلام

التّوبَةُ : تدل على الرجوع عن الذنب، يقال: تاب وأناب إذا رجع عن ذنبه " (1)، والتوبة : هي الرجوع إلى الله، بحل عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بكل حقوق الرب ( سبحانه وتعالى ) ، والثَّوْبُ والتَّوْبَةُ معناهما ،واحد ، والمراد : ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار (2)، اما في الشرع : ترك الذنب مخافة الله، واستشعار قبحه ، وندم على المعصية من حيث هي معصية والعزيمة على الا يعود إليها إذا قدر عليها، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة (3)، وَأَنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ وَلَوْ فِي شِدَّةِ مَرَضِ الْمَوْتِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْمُعَايَنَةِ (4)، وَفَسَّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْعَدْلَ بِالتَّوْبَةِ قَالَ لأَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تَنْفَعُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَالْمَشْهُورُ مَا رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ تعدل كل عدل لا يُؤْخَذ مِنْهَا أَي لَوْ جَاءَتْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ فَجَعَلَهُ مِنَ الْعِدْلِ (5)، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ التَّوْبَةَ تُكَفُرُ الْمَعَاصِيَ الْكَبَائِرَ (6).

اكد نبي الله إدريس علیه السلام على التوبة بقوله : " وان يكن من أحدكم فرطة (اثم) وارتكب منكراً فليقلع عنها، ولا تحمله السلامة عنها على المعاودة اليها ، بل على التوبة والاقلاع عنها؛ فأنها وان سترت عليه في


1) ابن فارس معجم مقاييس اللغة، ج 1، ص 357.

2) السدلان صالح بن غانم بن عبد الله بن سليمان بن علي التوبة إلى الله معناها حقيقتها، فضلها، شروطها دار بلنسية للنشر والتوزيع، ط4، (الرياض : 1995م)، ص 11.

3) ابن فارس معجم مقايس اللغة، ج 1، ص 357.

4) ابن حجر، فتح الباري، ج7، ص 169

5) المصدر نفسه، ج 8 ص 290. ،

6) المصدر نفسه، ج 10، ص 33

الدنيا فانه يفتضح بها يوم الدين ويجازي عنها بعقوبة لا رحمة معها (1).

وقال علیه السلام : وتحرزوا واهربوا من المآكل الخبيثة، واحتشموا المكاسب الدنيَّة فانها وان ملأت اكياسكم من المال فأنها تفرغ قلوبكم من الايمان ، وعوَّدوا نفسوكم إكرام الاخيار والاشرار : اما الاخيار فمن اجل خيرهم ، واما الاشرار فلاستكفاف شرّهم (2).

وقال علیه السلام : ليس العجب ممن امتنعت عليه الشهوات أن يكون فاضلاً، وإنما العجب ممن الشهوات مقرونة به ويكون فاضلاً (3)، وقال علیه السلام : الحازم من لم يشغله البطر بالنعمة عن العمل للعاقبة والهم بالحادثة عن الحيلة لدفعها " (4).

13 - دعوته علیه السلام إلى عدم مخالطة الأشرار.

نهى الله سبحانه وتعالى عن مخالطة الأشرار للتخلص من شرور البيئة فقال تعالى : (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ وَايَنتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بها وَيُسْنَها بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) (5)، وقال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ (6)،


1) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 13

2) المصدر نفسه، ص 13.

3) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص25.

4) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص92.

5) سورة النساء : الآية : 140

6) سورة الانعام : الآيتان : 68-69

وقال رسول الله صلی الله علیه [واله] وسلم - : " مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ ، فَحَامِلُ المِسْكِ : إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِعُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةٌ "(1)، فنشأة الإنسان في بيئة خبيثة من القدر الغالب الذي لا سلطان له عليه ، وأما محاولة التخلص من شرها ففي وسعه، ومن أجل ذلك كلفه الله تعالى إياها (2).

قال إدريس علیه السلام : تحفظوا من مخالطة القوم الذين لا يهتدون الى الحق ولا يكلمون معرفته ، ولا يتعلقون منه بعصمة، غير انهم يسمعونه سماعاً ولا يعقلونه فعالاً ، لا تنصبوا لمكاره الناس الحبائل، ولا تبغوا لهم الغوائل، ولا تسعوا لهم في المضرة ، فان ذلك لا يخفى؛ ومتى خفي في الأول لم يخف في المستأنف ، وارفعوا أنفسكم عن أن تفعلوا هذا الفعال وتقوموا هذا المقام (3).

14 - دعوته علیه السلام إلى نبذ الرياء والنفاق

سمّى الله الرياء في الطاعات شركاً، مع أنَّ فاعل الطاعة ما قصد بها إلَّا الله تعالى ، وإنَّما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس ، فالمرائي عبد الله لا غيره ، لكنَّه خَلَط عبادته بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل له عبادة وسماها شركاً (4)، وأن الإخلاص هو ترك 9


1) البخاري صحيح البخاري، ج7، ص 96.

2) الحملاوي، كتاب التوحيد، ص 220

3) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 13

4) الشوكاني، محمد بن إسماعيل الصنعاني، محمد بن علي بن محمد ، تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد ويليه شرح الصدور في تحريم رفع القبور، تحقيق: عبد المحسن بن حمد العباد البدر، مطبعة سفير (الرياض : 2003م)، ص 59

الرياء (1)، وهو شرك أصغر (2)، وهو نظير الإحسان من أعمال القلوب، فمن أخلص في توحيد الله وعبادته ، فقد دخل في هذه البشرى الصادقة (3)، كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:" قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [واله] وَسَلَّمَ: "قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ "(4).

قال إدريس علیه السلام : " ساووا بين باطنكم وظاهركم في المخاطبات بينكم ، ولا تكن ألسنتكم مخالفة لضمائرهم " (5). وقال: اجتنب مصاحبة الكذاب ، فإنه مثل السراب يلمع ولا ينفع (6).

اما النفاق قَالَ ابْن عَبَّاس عن رسول الله صلی الله علیه [واله] وسلم :" النِّفَاق يبدو لمعة سَوْدَاء فِي الْقلب فكلما ازْدَادَ النِّفَاق ازْدَادَ ذَلِك السواد فَإِذا اسْتَكْمل النّفَاق القلب كُله وأيم الله لو شققتم عَن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولوشققتم عَن قلب مُنَافِق لوجدتموه أسود "(7).


1) الجوهري، الصحاح تاج اللغة، ج 3، ص 1037

2) النجدي محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (ت: 1206هـ/1791م)، الرسالة المفيدة، تحقيق: محمد بن عبد العزيز المانع، رئاسة إدراة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد (الرياض : د.ت)، ص 44.

3) ابن الوزير أبو عبد الله عز الدين محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي (ت : 840هـ / 1436م) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه وعلّق عليه : شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، ط3،( بيروت : 1994م)، ج9، ص 212.

4) مسلم صحیح مسلم ،ج 4، ص.2289

5) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 14 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 79.

6) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 21

7) العسقلاني أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي (ت : 377هـ / (987م التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع تحقيق : محمد زاهد بن الحسن الكوثري المكتبة الأزهرية للتراث (القاهرة: د.ت)، ج 1، ص 155.

وقال إدريس علیه السلام : "من تجرأ لك تجرأ عليك (1)" وقال علیه السلام : " من كثر حقده قل عتابه (2)" وقال : من مدحك بما ليس فيك ، فلا تأمنه أن يذمك بما ليس فيك " (3)وقال علیه السلام : " لا أشجع من بريء، ولا اجبن من مريب "(4).

15 - دعوته علیه السلام إلى الإكثار من الاستغفار والدعوة للعمل الصالح

الاسْتِغْفَار هُوَ طلب الْمَغْفِرَة وطلبها لمن قد غفر لَهُ كتمان نعْمَة الغفران وَذَلِكَ كفران النِّعْمَة بل حق ذَلِك الشُّكْر وَالْحَمْد (5)، قَالَ تَعَالَى: (وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (6)، لَكِنَّ الاسْتِغْفَارَ تَارَةٌ يُذْكَرُ وَحْدَهُ ، وَتَارَةً يُقْرَنُ بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ ذُكِرَ وَحْدَهُ دَخَلَ مَعَهُ التَّوْبَةُ، كَمَا إِذَا ذُكِرَتِ التَّوْبَةُ وَحْدَهَا شَمَلَتْ الاِسْتِغْفَارَ، فَالنَّوْبَةُ تَتَضَمَّنُ الاسْتِغْفَارَ، وَالاسْتِغْفَارُ يَتَضَمَّنُ التَّوْبَةَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْآخَرِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا عِنْدَ افْتِرَانِ إِحْدَى اللَّفْظَتَيْنِ بِالْأُخْرَى فَالِاسْتِغْفَارُ : طَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ مَا مَضَى ، وَالتَّوْبَةُ : الرُّجُوعُ وَطَلَبُ وِقَايَةِ شَرْ مَا يَخَافُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِ (7).


1) ينظر : ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 21؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص92.

2) الصعيدي هرمس ص 93

3) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 21؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 92.

4) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19؛ الصعيدي، هرمس، ص 13.

5) الماتريدي، أبو منصور محمد بن محمد بن محمود (ت: 333هـ/944م)، التوحيد، تحقيق : فتح الله ،خليف دار الجامعات المصرية، (الإسكندرية : د.ت)، ص 326.

6) سورة الانفال : الآية : .33

7) الدمشقي، صدر الدين محمد بن علاء الدين علي بن محمد ابن أبي العز الحنفي الأذرعي الصالحي (ت : 792هـ / 1390م)، شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق : أحمد شاكر وزارة الشؤون الإسلاميةوالأوقاف والدعوة والإرشاد (الرياض : 1997م)، ج 1، ص 309.

وقال إدريس علیه السلام : ولتكن أفواهكم مملوءة بحمد الله وشكره عند الشدة والرخاء والفقر والغناء (1)، وقال علیه السلام : أجدر الاشياء ان لا يندم عليه صاحبه ، العمل الصالح "(2)، وهذا يقابل معنى قوله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأَوَلَتَبكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا )(3)، وقال علیه السلام : لا تتفاضلوا إلا بأعمالكم، ولا تجوروا في الحكم ، ولا تستعملوا النفاق ، ولا تزكوا الخونة، ولا تخونوا الازكياء، وليكن الفقر مع الاستقامة أحب إليكم من الثروة مع الاثم، فإن المال يفنى وأعمال البرّ والخير تبقى (4)، وقال علیه السلام : لا يمكن ان يكون الإنسان عادلاً وهو غير خائف من الله (جل جلاله) وإنما يكون العدول عدولاً اذا استكثروا من خشية الله، وبذلك يكتسب روح القدس في يوم القيامة ويفتح له أبواب الفردوس وعالم النور حتى تسبح أنفسهم مع النفوس المطهرة العاملة مع الله (جل جلاله) المستحقة للحياة الأبدية "(5).

16 -دعوته علیه السلام إلى الجد وعدم الهزل

الهزل : خلاف الجد ، وصفته : أن يتكلم بكلام فيه الهزل والاستهزاء والعيب إما بالله أو بالكتب أو بالرسل، وأن الهزل والاستهزاء بالله مناف لأصل التوحيد، وكفر مخرج من الملة أن


1) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 14.

2) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 81.

3) سورة النساء : الآية : 124

4) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 14

5) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 15؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 81.

الاستهزاء - وهو الاستنقاص واللعب والسخرية - يكون بالله - جل جلاله - أو يكون بالرسل والانبياء وكتبهم وهذا هو الذي جاء فيه النص قال (جل وعلا) : (وَلَين سالَتَهُمْ لَيَقُولُنَ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ إن قُلْ أَبِاللَّهِ وَايَنِهِ، وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِهُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيسنيك تقف عن طايفة منكم تهذب طايفه بأنهم كانوا بجرمين) (1)، فمن استنقص الله - جل وعلا-، يعني : حينما ذكر الله جل وعلا- استهزأ وهزل ولم يظهر التعظيم (2).

قال إدريس علیه السلام : لا تحبوا كثرة الضحك والهزل ، ولا تطنزوا (تخروا ) بالناس ، وان ظهتم من أحدٍ على عاهة أو عورة أو حالة مذمومة فلا تعيبوه ، ولا تضحكوا منه ، بل اعتبروا وارجعوا إلى الله، فإن البشرية تجمعكم وانتم وهو من طينة واحدة خلقتم ؛ وليس الضاحك منه بأمن من أن يناله مثله في المستأنف والواجب عليكم إذا رأيتم ذوى البلوى أن ترفعوا نواظركم إلى الله سبحانه وتحمدوه على العافية وتسألوه الإعادة (3)، وقال علیه السلام ، وقال :" الفرصة سريعة الفوت ، بطيئة العودة "(4)، وقال علیه السلام : الفرصة سريعة الفوت بطيئة العودة (5).

17 - دعوته علیه السلام إلى عدم مجادلة الجهلة.

المجادلة : هي نوع من انواع التخاطب ومراجعة الكلام ، يقوم على


1) سورة التوبة : الآيتان : 65-66

2) آل الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم التمهيد لشرح كتاب التوحيد، محاضرات طبعت بدار التوحيد (الرياض : 2003م)، ص 481.

3) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 14

4) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 89-90.

5) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19.

احكام الحجة لغرض الغلبة عند الخصام (1)، قال صاحب تهذيب اللغة : " جادلتُ الرجل فَجَدَلْتُهُ جَدْلاً إِذا غَلَبْتَهُ " (2)، وأنكر الأنبياء والرسل والعلماء الْجِدَال والمراء في الدين وَالْخُصُومَة فِي الْقدر والتنازع فيه (3)، وَقَالَ النَّخْمِيُّ في قوله تعالى: (وَالْقِينَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ والْبَغْضَاءَ ) (4)، قال : الجدال والخصومات في الدين (5)، وقال الشاعر :

لا تفن عمرك في الجدال مخاصما *** إن الجدال يخل بالأديان

وأحذر مجادلة الرجال فإنها *** تدعو إلى الشحناء والشنان(6)

وقال إدريس علیه السلام : إذا جادلكم المخالفون لكم في الدين بالفظاظة وسوء القول فلا تقابلوهم بمثل ذلك، بل الرفق والدلالة والهداية ولطف


1) عادل نور الدين مجادلة اهل الكتاب في القرآن الكريم والسنة النبوية، مكتبة الرشيد ،ناشرون (الرياض: 2007م)، ص 35

2) الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد بن الهروي (ت: 370هـ / 980م)، تهذيب اللغة، تحقيق: محمد عوض مرعب دار إحياء التراث العربي (بيروت : 2001م) ج 10، ص 344

3) الكلاباذي، أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب البخاري الحنفي (ت) : 380هـ / 990م التعرف لمذهب أهل التصوف دار الكتب العلمية، (بيروت : د.ت)، ص 58.

4) سورة المائدة : الآية : 64.

5) ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عاصم النمري القرطبي (ت : 463 هـ / 1071م) جامع بيان العلم وفضله، تحقيق : أبو الأشبال الزهيري دار ابن الجوزي، (الرياض : 1994م)، ج 2، ص 931

6) القحطاني، لعله أبو عبد الله محمد بن صالح المعافري الأندلسي المالكي (ت: 378هـ (988م القصيدة النونية للقحطاني، تحقيق: عبد العزيز بن محمد بن منصور الجربوع دار الذكرى (الرياض : د.ت)، ص 44.

المخاطبة واعتصموا بالله وقولوا بأجمعكم : اللهم أصلح بريتك واخر عليهم من قضائك وقدرك ما يقودهم إلى الألفة والسلم والإيمان والهدی (1)، وهذا ما دعا اليه الله سبحانه وتعالى بقوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلَهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (2)لذلك دعا القرآن إلى اتخاذ أحسن الطرق وأفضلها في الحوار؛ لان المجادلة بالتي هي احسن يمنحان الناس الفرصة في التعبير عن آرائهم ويمنعهم من التشرذم والتقوقع؛ مما يفتح آفاق رحبة للدعوة ويمنع التنازع والانشقاقات التي تحدث داخل الجماعة (3).

وقال علیه السلام : اكثروا من الصمت في المحافل، ولا تطلقوا ألسنتكم بحضرة المتحفظين عليكم بما عسى أن يجعلوه سلاحاً يضربونكم به، وأقلوا المراء والهذر والفضل من القول (4)، وقال : علیه السلام رب كلام جوابه السكوت ؛ ورب عمل الكف عنه أفضل ؛ ورب خصومه الإعراض عنها أصوب "(5).

18 - نصائحه علیه السلام إلى الملوك والحكام

إن معرفة قدر نعمة الله تَعَالَى تديم رِضَاهُ عن اسمه الَّذِي يكون في الْإِحْسَان الى الخلق ونشر العدل بينهم فَفِي دُعَاء النَّاسِ بِالْخَيرِ تثبيت للملك وازدهاره ومدعاة لتمتع الملك بسلطانه وملكه فيكسب بِهَذَا


1) این فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص15.

2) سورة النحل : الآية : 125

3) العقيل، عبد الله ادب الحوار والمجادلة مركز الاعلام العربي (الجيزة : ، 2008م)، ص14، ص 17

4) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 15

5) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 21 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 93.

السمعة الْحَسَنَة فِي الدُّنْيَا والفوز فِي الْآخِرَة ويكون حسابه يسيرا، وورد في الأثر عَن النَّبِي صلی الله علیه [واله] وسلم أَنه سيؤتى يَوْمِ الْقِيَامَة بِكُل من كَانَت لَهُ على النَّاسِ حُكُومَة وسلطة مغلول الْيَدَيْنِ فَإِن كَانَ عادلا فعدله هُوَ الَّذِي يفك قيده ويدخله الجنّة وَإِن كَانَ ظَالِما فجوره هُوَ الَّذِي يبقيه مكبلا ويلقي به في النَّار (1).

قدم إدريس علیه السلام عدد من النصائح والتوجيهات للملوك والحكام في زمانه وتحاكي تلك التوجيهات حكام وملوك كل العصور بقوله علیه السلام :" اخير الملوك شرفاً من بدل سنة السوء في ملكته الى السنة الصالحة، وشرهم من بدل السنة الصالحة الحسنة إلى السنة السوء "(2)، وقال : علیه السلام " إذا لم يكن الملك يقدر على قهر حواسه وغلبة شهواته، فكيف يقدر على ضبط رعيته وما بعد عن مملكته ؟! فسبيل الملك أن يبتدئ بسلطانه على نفسه ليستقيم له سلطانه على غيره " (3).

وقال علیه السلام : ينبغي لملوك وذوي السلطان أن لا يملكوا ويُسلطوا إلّا من له رحمة ومودة لكل أحدٍ مثل ما يكون عند الأب الرحيم المحبّ للولد الكريم عليه (4)، وقال علیه السلام : مَن لم يكن موضعاً فيه سلطان قاهر عادل ، قاض عاد، وطبيب عالم وسوق قائم ونهر جار فقد ضيع نفسه وأهله وماله وولده (5).


1) نظام الملك، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي الملقب بقوام الدين (ت : 485هـ 1092م)، سیاست نامه أو سير الملوك، تحقيق : يوسف حسين بكار، ط2، دار الثقافة (قطر: 1986م )، ص 48

2) الصعيدي هرمس في المصادر العربية، ص 86.

3) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 25 26 ؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 103.

4) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 22

5) المصدر نفسه، ص 23

وأوصى إدريس علیه السلام بسيلوخيس وهو آمون الملك وصية بالنصيحة والحكمة الحسنة إلى جميع الملوك الحكام والرؤساء الذين يولون أمر شعوبهم بقوله : " أول ما آمرك به تقوى الله عزّ وجل وإيثار طاعته، ومَنْ تولى أمر الناس يجب عليه أن يكون ذاكراً ثلاثة أشياء : أولها : أن یده مُطلقة على قوم كثير ؛ والثاني: أن الذين يده مطلقة عليهم أحرار لا عبيد ؛ والثالث: أن سلطانه إنما يثبت مدة يسيرة، فسبيلك أن تظهر نفسك بحُسن النية والقول بالحق ، وإيّاك أن تُمهل الحرب والجهاد لمن لا يؤمن بالله جل اسمه ويتبع سنتي وشريعتي لما يرغب إليه من دخولهم في طاعة الله عز وجل، واحذر أن ترغب في أخذ أموالهم وتركهم على طغيانهم، فإن المال لا رغبة فيه إلا من حِلّه وما لله - جل اسمه - فيه رضاً، واعلم ان الرعيَّة تسكن إلى مَنْ أحسن إليها ولا تحسن المملكة إلا بالرعية، فمتى ما لم تكن للسلطان رعية حصل سلطان نفسه إذا سلم منهم وإياك والغفلة عن النظر في أمورهم وأمور مملكتك ثم نفسك، وقدم ما تصلح به آخرتك ينصلح أمر دنياك، وسبيلك إذا لقيت حرباً أن تكون حازم الرأي في جميع أمرك، واحذر الهزيمة فإنها إذا وقعت بعسكر ليس يشد حزاماً ريعاً، وأكثر الجواسيس لتكون أخبار أعدائك معك وقتاً فوقتاً، واحذر من حيلة تعمل عليك، وإذا أمرت بأمر فاسأل عنه بعد ذلك ولا تقصر فيه فيلحقك من ذلك نقصان الهيبة، وإذا أمرت أن يُكتب لك كتاب فاحذر ختمه وإنفاذه دون أن تقرأه أنت لأن الحيل تقع بالملوك ؛ وما أنت أول ملك أهل لهذا الأمر، وإياك أن تأنس ألى أحدٍ وتكشف إليه سرّك بل يكون خواصك ورعيتك يأنسون إليك بحسن سياستك لهم " (1).


1) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 24؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 103.

وأضاف علیه السلام : " واجعل النوم لك بقدر راحة جسمك، ولا تشغل نفسك إلا يجد الأشياء ليكون أمرك كله جداً بلا هزل، وإذا هممت فافعل ؛ وإذا ظفرت فابق، وإذا أبقيت فاحذر، وإياك والغفلة عن الكيمياء العظمى وسياسة أهلها وميل قلوبهم والمسامحة لهم وهم الفلاحون، وإن الكيمياء عمارة الأرض بالزرع والنبات ، فإن الرعيّة بها يسكنون ، والجيد منها يكثرون، وبيوت الأعمال منها تعمر ، والدولة بها تثبت ، فليس سبيلك ان تغفل عن أمر هذا عُقباه، وسبيلك أن تكرم أصحاب المراتب المذهب من كل إنسان على قدر أهله وعلمه، وانتهز إكرامهم لئلا تجهل الرعية حقوق أهل الفضل، ومن يطلب العلم فأكرمه واعرف حقه وفوض الإحسان إليه لتزيد همته فيه ويلطف عقله ويصفو ذهنه ويقل همه في أمر دنياه، تنتفع به إن شاء الله ، وعجل العقوبة على المفسدين في الأرض بعد أن يصح عندك جرمهم وتتضح جنايتهم "(1).

قال إدريس علیه السلام : " ومَنْ قَدح في ملكك فاضرب عنقه وأشهره ليحذر غيره ، ومَنْ سرق فاقطع يده ، ومَن تلصص في طريق فاضرب عنقه واصلبه ليشتهر بذلك وامن سبلك، ومن وجد مع ذكر مثله يفسق به فحرقه بالنار واجب ، ومَنْ وجد مع امرأة يزنی بها فاضربه خمسین جلدة ، وارجم المرأة مائة حجر بعد إقامة البيئة الثقة على ذلك، واحذر أن تسمع قول ساع؛ بل إذا صح عندك سعايته فعجَّل عليه العقوبة وأشهره ترخ قلبك أن يشتغل بالمحال، وإياك التخلي أطلقت سبيله بعد الإحسان إليه ، وإن استحق العقوبة عجّلت عليه ، ومن استحق أن يمهل عليه إلى أن يكشف عن حاله رددته فيه ، واحذر الإعجاب برأيك ؛ والزم المشاورة لمن حَسُن عقله وطعن في سنّه لكثرة ما مرّ عليه من التجارب ،


1) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 24 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 100

وحصل آراءهم؛ فإن رأيت في أحدهم سداداً، وإلا فاعقد أنت من جميعهم رأياً سديداً ترشُدُ وبالله التوفيق "(1).

19 - دعوته علیه السلام إلى معرفة قدر الإنسان

لا شك ان من أنفع الطرق لسد باب الغيبة انشغال الإنسان يعيب نفسه وعدم التفرغ لتتبع عيوب الناس، لكف عن أعراض الناس، والوقوع في الغيبة، وقد رُوي عن النبي صلی الله علیه [واله] وسلم أنه قال: " طوبى لمن شغنه عيبه عن عيوب الناس " (2)، وقال ابن الجوزي: " إذا رأيتم الرجل موكلاً بعيوب الناس ناسياً لعيبه فاعلموا أنه قد مكر به " (3).

قال إدريس علیه السلام : من لم يعرف عيب نفسه فلا قدر لنفسه عنده " (4)، وقال علیه السلام : ادحض الناس حجة من شهد على نفسه بدحوض حجته " (5)، وهذا يقابل معنى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُحجون فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ مُجَنَّهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَنَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ ) (6).

20 - موقفه علیه السلام من الحياء

الحياء خلق جميل يتحلى به من اراد الله به خيراً من الناس اما


1) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 24-25

2) الألباني، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري، ضعيف الجامع الصغير وزيادته، أشرف على طبع : زهير الشاويش المكتب الإسلامي (بيروت: د.ت)، ج 1، ص 533.

3) ابن الجوزي صفة الصفوة، ج 2، ص 147.

4) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 104.

5) ينظر : الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 105 ابن الجوزي صفة الصفوة ج 2، ص 147.

6) سورة الشورى : الآية : 16.

طبعاً وجبلة أو ان يجاهد نفسه ليصل لهذا الخلق الجميل عن عمران بن حصين ان رسول الله صلی الله علیه [واله] وسلم قال : " الحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ"(1)، وأفضل الحياء الحياءٌ من الله بان يحفظ العبد الرأس وما وعى والبطن وما حوى ويذكر الموت والبلى ، فمن اتصف بهذا الحياء هان عليه الحياء من الخلق (2)، قال إدريس علیه السلام :" الحياء في الصبا أجمل من الخوف؛ لان الحياء يدل على العقل ، والخوف يدل على الرهبة " (3).

21 - دعوته علیه السلام إلى فعل الخير وقول الحق

دعا جميع الانبياء والرسل (صلوات الله عليهم) الى فعل الخير؛ لان من أسمى الغايات وأنبل المقاصد أن يحرص الإنسان على فعل الخير، وسارع إليه، وبهذا تسمو إنسانيته، ويتشبه بالملائكة، ويتخلق بأخلاق الأنبياء والصديقين لذلك قال تعالى: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُوا وَأَسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (4).

قال إدريس علیه السلام :" أحمد الأشياء عند أهل السماء والأرض لسان ناطق بالحق والعدل "(5)، وأضاف علیه السلام : "ولسان صادق ناطق بالعدل . والحكمة والحق في الجماعة " (6)، وقال علیه السلام : السلامة الأ يعادى المرء أحداً ولا تكون منه إساءةٌ إلى مَن عاداه وأضرَّ به، بل يحسن إليه


1) البخاري، صحيح البخاري، ج8، ص29.

2) الفيفي، علي بن جابر حلية الوقار لجيل عطر الادب دار الحضارة للنشر والتوزيع، (الرياض: 2017م)، ص 12

3) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 23 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص94.

4) سورة الحج : الآية : 77.

5) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 22 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 94.

6) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 105.

ويلين له القول، فإن من أفضل أعمال العلماء ثلاثة أشياء : أن يبدلوا العدوصديقاً، والجاهل عالماً والفاجر براً (1).

وقال علیه السلام : الصالح من خيره خيرٌ لكل واحد ومن يعد خير كل أحد لنفسه خيراً (2)، وقال علیه السلام : مَنْ أحبّ أن يُجاد عليه عند فاقته فَليجد مما وسع له فيه على أهل الحاجة إليه (3)، ويحكى عن اخنوخ فيما كتبه أن أصل الضلال والهلكة لاهله ، أن يعد ما في العالم من الخير من عطية الله جل جلاله ومواهبه ، ولا يعد ما فيه من الشر والفساد من عمل الشيطان ومكايده ، ومن افترى على أخيه فرية لم يخلص من تعبتها حتى يجازي بها، فكيف يخلص من اعظم الفرية على الله (جل جلاله) ان يجعله سبباً للشرور وهو معدن الخير "(4)، وهذا المعنى يقابل قوله تعالى: (فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَبهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ) (5)وقال علیه السلام : " الخير والشر واصلان إلى الناس لا محالة؛ فطوبى والويل لمن جري وصولهما إلى الناس على يديه والويل لمن جرى وصول الشر إليه وعلى يديه " (6). وقال : " تزوّد من الخير وأنت مقبل خيرٌ من أنت تتزوّد منه وأنت مُدير " (7)وهذا يقابل المعنى بقوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ ) (8)


1) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 18

2) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19.

3) المصدر نفسه، ص 16.

4) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 105

5) سورة الذاريات : الآية : 59

6) ينظر : الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 105؛ ابن فانك مختار الحكم ومحاسن ،الكلم ص 22 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 94.

7) ينظر: ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 23 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 95

8) سورة فصلت : الآية : 46.

22 - دعوته علیه السلام إلى الجود

ينبغي للأنبياء والدعاة ان يتحلوا في دعوتهم بكل انواع الجود والكرم، وان يعطوا العطاء ابتغاء مرضاة الله عز وجل وترغيباً للناس التوحيد وتأليفاً لقلوبهم (1)، وسُئِل إدريس علیه السلام عن الجود فقال علیه السلام : " هو أن تجود بمالك، وتصون نفسك عن مال غيرك "(2)، وهذا يقابل معنى قوله تعالى: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَجِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (3)، أى يعطى حق الله من ماله (4)، أي ومن يوق حرص نفسه وبخلها على شيء هو غير الله وغير ذكره، فأولئك هم الباقون مع الله حياة طيبة بحياة طيبة (5)، ، وقال علیه السلام :" الشريف من استعمل الفضائل ، واعظم الشرف ؛ العدل والفقه ، والجود قبل الطلب" (6)، وقال علیه السلام : " يدل على غريزة الجود السماحة عند العسرة ، وعلى غريزة الورع الصدق عند الشره وعلى غريزة الحلم العفو عند الغضب"(7).


1) القحطاني، الخلق الحسن، ص 17.

2) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 22؛ الصعيدي هرمس في المصادر العربية، ص 94.

3) سورة الحشر الآية : 1046.

4) مقاتل بن سليمان أبو الحسن بن بشير الأزدي البلخي (ت: 150هـ / 767م تفسير مقاتل بن سليمان، تحقيق : عبد الله محمود شحاته، دار إحياء التراث، (بيروت : 2002م)، ج 4، ص 354

5) التستري أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس بن رفيع (ت: 283هـ / 896م)، تفير التستري جمعها: أبو بكر محمد البلدي، تحقيق: محمد باسل عيون السود منشورات محمد علي ،بيضون، دار الكتب العلمية (بيروت : 2002م)، ج 1، ص 166.

6) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 95.

7) ينظر : الشهرستاني الملل والنحل، ج 2، ص 106؛ ابن فاتك، مختار الحكم و محاسن الكلم، ص 25

23 - موقفه علیه السلام من الجهل

يعد الجهل آفة الآفات في المجتمعات ، ومصيبة المصائب؛ فعندما يحل الجهل في أمة من الأمم، لا يكون مصيرها إلَّا الهلاك والبوار، لأنها لا تستطيع على شيء، وعندما لا تستطيع على شيء، فإنها ستكون عرضة دائماً وأبداً لبغي الأعداء، لذا حذر الأنبياء علیه السلام من مغبة الجهل، قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألباب) (1)، و روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم أنه قال : طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ " (2).

وصف نبي الله إدريس علیه السلام الجاهل بقوله :" نعمة الجاهل كروضة على مزبلة " (3)لأن للجهل عواقب وخيمة، وأنه يجلب الويلات والخراب والدمار لكل أمة إذا تفشى وطغى وعم وقال علیه السلام : "الاحمق لا يحس بشيء من القبيح، والجاهل الذي إذا أحس بشيء ظنه غيره، والجبان الذي لا يخاف ما لا يحس به " (4).

وقال علیه السلام : " لا ينبغي لعاقل ان يستخف أقوام : السلطان والعلماء والاخوان ، فان من استخف بالسلطان افسد عليه عيشه، ومن استخف بالعلماء افسد عليه دينه، ومن استخف بالاخوان افسد عليه مروءته " (5)، وقال علیه السلام : "الجهل والحق للنفس بمنزلة الجوع والعطش


1) سورة الزمر : الآية : 7.

2) السخاوي، شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد (ت: 902هـ / 1496م)، المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تحقيق : محمد عثمان الخشت دار الكتاب العربي (بيروت): 1985م)، ص 440

3) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 21 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 93

4) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 22 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص94.

5) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 104.

للبدن؛ لان هذين خلاء النفس ، وهذين خلاء البدن " (1)، وقال علیه السلام : " لا تكن أيها الإنسان كالصبي إذا جاع ضغا ، ولا كالعبد اذا شبع طغى ، ولا كالجاهل اذا ملك بغى "(2).

24 - دعوته علیه السلام إلى الشورى وتقديم النصح

الشورى في اللغة : هي الأمر الذي يتشاور فيه، كما في قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (3)، قال الراغب " التشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم: شرت العسل إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه، وشرت العسل وأشرته : أخرجته " (4)، اما اصطلاحاً طلب الرأي من أهله، وإجالة النظر فيه ، وصولاً إلى الرأي الموافق للصواب (5)لأن لا معين أقوى من المشورة ولا عون أنفع من العقل، فالمشورة تقوي العزم وتمنح النجاح وتوضح الحق وتبسط العذر وتزحزح عن مواقف الندامة، والعقل يهدي صاحبه إلى الأخذ بثمرة المشورة (6)، قال النبي صلی الله علیه [واله] وسلم : " ما ندم من استشار ، ولا شقي من استخار "(7).


1) ينظر : الشهرستاني الملل والنحل، ج 2، ص 105 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 94.

2) الشهرستاني، الملل والنحل، ج2، ص 106

3) سورة الشورى : من الآية : 38

4) الراغب الأصفهاني، المفردات، ص 470

5) المهدي، القاضي حسين بن محمد الشورى في الشريعة الإسلامية، تقديم : عبد العزيز المقالح سجل هذا الكتاب بوزارة الثقافة، مكتبة المحامي: أحمد بن محمد المهدي (بيروت: د.ت ) ص 28

6) المهدي الشورى في الشريعة الإسلامية، ص 12

7) ابن عبد ربه أبو عمر شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه ابن حبیب ابن حدير بن سالم الأندلسي (ت : 328هـ / 940م) العقد الفريد دار الكتب العلمية، (بيروت : 1984م)، ج 1، ص 58.

اكد نبي الله إدريس علیه السلام على الشورى لكون:" المستشير على طرف النجاح " (1)، وقال علیه السلام : لا تشيرن على عدو ولا صنيق لا بالنصيحة، فإما الصديق فتقضي بذلك من واجبه حقه، وما تعوقه اذا عرف نصيحتك اياه هابك وحسدك وان صح عقله استحي منك وراجعك" (2)، قال علیه السلام : النصح بين الملا تقریع (3)

ينظر : ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 20 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 86.

، وقال علیه السلام : من سره مودة الناس له ومعونتهم اياه وحسن القول منهم فيه حقيق بان يكون على مثل ذلك لهم "(4).

25 - موقفه علیه السلام من الحقد والحسد

الحقد إمساك الْعَدَاوَةِ فِي الْقَلْبِ وَالتَّرَبُّصُ لِفُرْصَتِها، والحقد : الضَّغْنُ، وَالْجَمْعُ أَحقاد (5)، نهى الله سبحانه وتعالى الأنبياء والرسل عن التباغض بينهم في غير الله تعالى ، بل على أهواء النفوس؛ لان الله جعلهم إخوة ، والأخوة يتحابون بينهم ، ولا يتباغضون ، أما البغض في الله فهو من أوثق عرى الإيمان وليس داخلاً في النهي (6)، قَالَ رَسُول


1) ينظر : ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19؛ الصعيدي هر المصادر العربية، ص 86

2) الشهرستاني، الملل والنحل، ج2، ص107.

3) تقريع: قرع فلانٌ فلانًا بعضا المَلامَةِ إذا بالغَ فِي عَذْلِهِ، وَلِذَلِكَ قِيل للتوبيخ تفريح، ينظر: ابن منظور، لسان العرب، ج 5، ص 66.

4) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 106.

5) ابن منظور، لسان العرب، ج 3، ص 154.

6) القحطاني سعيد بن علي بن وهف سلامة الصدر وخطر الحقد والحسد والتباغض والشحناء، والهجر، والقطيعة ،مفهوم ،وأسباب وآداب وأحكام، وعلاج في ضوء الكتاب والسنة (الرياض : 2005م)، ص 21

الله ص صلی الله علیه [واله] وسلم : لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا " (1).

قال علیه السلام :" أمر الدنيا أكثر من أن تطاع فيها الاحقاد "(217) ، وقال علیه السلام: من كثر حقده قل عتابه (2)المصدر نفسه، ص 21 ص21. (3)، وقال : عار الفضيحة يكدّر لذتها (4).

اما موقفه من الحسد قال إدريس علیه السلام : لا تحسدوا الناس على مؤاتاة الحظ فان استمتاعهم به قلیل " (5)، وقال علیه السلام : لا تخبطوا الفاسق على أن يواتيه الحظ، فإن استمتاعه قليل وعاقبته الوبال ، والله لا يُصلح أعماله (6)لكون الحسد مرض ، خطير، مهلك، للقلوب، والأمم ، والجماعات ، والأسر، بل للدين والأخلاق، وهو مرض قديم من أمراض القلوب في الأمم ؛ لقوله علیه السلام : " دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ : الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ " (7).

وقال إدريس علیه السلام : " الحاسد يكثر وده في اللقاء وبغضه في المغيب، واسمه صديق ومعناه عدو" ، وقال علیه السلام : " كأن الحاسد إنما خُلق ليغتاظ " (8)

المصادر العربية ، ، ص 86

، وقال : " الميت يقل الحاسد له، ويكثر الكذاب

1) الترمذي، الجامع الكبير، ج 3، ص 393.

2) الصعيدي هرمس في المصادر العربية، ص94

3) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 21

4) ينظر : طبارة مع الانبياء، ص 56 البار، الله جل جلاله والانبياء، ص 61-62

5) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 15

6) الترمذي، الجامع الكبير (سنن الترمذي)، ج4، ص245

7) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية ص 89

8) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19؛ الصعيدي، هرمس في

عليه "(1)، وقال علیه السلام : " يكفيك من الحاسد انه يغتنم وقت سرورك " (2).

26 - دعوته علیه السلام إلى حسن المعاشرة

لا شك ان الله سبحانه وتعالى اكد في الكثير من الآيات القرآنية الكريمة على حسن المعاشرة بقوله تعالى : (وَإِذَا حَيْتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَلُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كان على كل شيء حسيبا ) (3)، وكف الأذى العامة بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (4)، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَنَا وَإِثْنا مبینا ) (5)، وجاء في حسن المعاشرة قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بعض يأمرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ ويطيعون الله وَرَسُولَهُ أُولَيكَ سَرحَمُهُمُ الله إن الله عزيز حكيم ) (6)، واكدت احاديث الرسول محمد صلی الله علیه [واله] وسلم على ذلك بقوله صلی الله علیه [واله] وسلم : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه"(7)وقوله : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى


1) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 20؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 92.

2) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 20؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 92.

3) سورة النساء : الآية : 86

4) سورة المائدة : الآية : 2

5) سورة الاحزاب : الآية : 58.

6) سورة التوبة : الآية : 71.

7) القنوجي، أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد (الرياض: 2000م )، ص 146

منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " (1).

وقال إدريس علیه السلام : الاخاء الدائم الذي لا يقطعه شيء؛ اثنان: احدهما محبة المرء نفسه في امر معاده وتهذيبه اياها في العلم الصحيح والعمل الصالح، والأخر مودته لأخيه في دين الحق؛ فان ذلك مصاحب اخاه في الدنيا بجسده وفي الآخرة بروحه " (2)، وهذا يقابل معنى قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم ترحمون ) (3).

وقال علیه السلام : من كان دينه السلامة والرحمة والكف عن الاذى فدينه دين الله (جل جلاله) وخصمه شاهد له بفلج حجته، ومن كان دينه الاهلاك والفظاظة والاذى فدينه دين الشيطان وهو بدحوض حجته شاهد على نفسه " (4)، ويظهر ذلك في قوله تعالى: (وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَنا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )(5)، وقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ معَ الْمُتَّقِينَ ) (6)وقوله تعالى : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ولين صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّبِرِينَ ) (7).

ان لهرمس المحمودة اثاره والمرضية اقواله وافعاله الذي يعد من الانبياء الكبار، ويقال هو ادريس النبي علیه السلام ومن حكمه لحسن المعاشرة: " أول ما يجب على المرء الفاضل بطباعه المحمودة المرضي


1) الراغب الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، ص 265

2) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 105.

3) سورة الحجرات : الآية : 10

4) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 105

5) سورة الشوري : الآية : 40.

6) سورة البقرة : الآية : 194.

7) سورة النحل : الآية : 126

في عادته ، المرجو في عاقبته ، تعظيم الله جل جلاله وشكره على معرفته ، وبعد ذلك فللناموس عليه حق الطاعة له ، والاعتراف بمنزلته وللسلطان عليه حق المناصحة والانقياد ، ولنفسه عليه حق الاجتهاد والدأب في فتح باب السعادة؛ ولخلصائه عليه حق التجلي لهم بالود والتسارع اليهم بالبذل ، فاذا احكم هذه الاسس لم يبق عليه الا ثلاثة : كف الأذى عن العامة وحسن المعاشرة وسهولة الخلق " (1)، قال علیه السلام : " اجتنب مصاحبة الكذاب، فإنه مثل السراب يلمع ولا ينفع " (2)، قال علیه السلام : من سره مودة الناس اياه ومعونتهم له وحسن القول منهم فيه حقيقي بان يكون على مثل ذلك لهم " (3)، وقال علیه السلام : الدليل على غريزة الجود السماحة عند العسرة، وعلى غريزة الورع الصدق عند السخط ، وعلى غريزة الحلم العفو عند الغضب " (4)، وقال علیه السلام : اطيعوا الله واطيعوا رؤساءكم واخضعوا لسلطانكم وأكرموا كبراءكم وبروا مؤدبيكم ، ولتغلب عليكم محبة الله والحق، ولا تخالفوا الرأي والصواب ومشاورة النصحاء لتأمنوا الندامة وتسلموا من الملامة (5)، وقال علیه السلام : أعط الحق من نفسك؛ فإن لم تعطه منها كان الحكم خصمك " (6)، وقال علیه السلام :" اخوان السوء كشجرة النار يحرق بعضها بعضاً" (7).


1) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص104.

2) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص92.

3) المصدر نفسه، ص 86

4) المصدر نفسه، ص 86

5) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 14.

6) الصعيدي هرمس في المصادر العربية، ص93.

7) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 21؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 93.

ومثلما أكد القرآن الى الاصلاح وحسن المعاشرة بقوله تعالى : (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَيْهُمَا عَلَى الأُخرى فقتلوا التي تبغي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (1)، كذلك قال اخنوخ: " مودة الاخوان ان لا تكون لرجاء منفعة أو لدفع مضرة، ولكن لصلاح فيه وطباع له "(2).

قال علیه السلام : خير الاصحاب من نسي ذنبك فلم يُقرعك به، ومعروفة عندك ؛ فلم يمنن به عليك " (3)، وقال علیه السلام : السلامة الا يعادي المرء احداً، ولا تكون منه إساءة الى من عاداه واضر به ، بل يحسن اليه ويلين له القول ، فان من افضل اعمال العلماء ثلاثة اشياء: ان يبدلوا العدو صديقاً، والجاهل عالماً والفاجر براً "(4)، وقال علیه السلام : الجاهل صغير وإن كان شيخاً، والعالم كبير وإن كان حدثاً (5)، وقال : غضب الجاهل في قوله ، وغضب العاقل في فعله (6).

وقال علیه السلام : الصالح من خيره لكل واحد ومن يعد خير كل احدٍ لنفسه خيراً " (7)، وقال : علیه السلام" لا تقطع أخاك الا بعد عجز الحيلة عن استصلاحه ولا تتبعه بعد القطيعة وقيعة فتسد طريقه عن الرجوع اليك، ولعل التجارب أن ترده عليك وتصلحه لك " (8).


1) سورة الحجرات : الآية : 9

2) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 93.

3) المصدر نفسه، ص 93.

4) المصدر نفسه، ص 85

5) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 20.

6) المصدر نفسه، ص 20

7) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 85.

8) المصدر نفسه، ص 93

27 - دعوته علیه السلام إلى الحلم ونبذ المزاح والغضب

قال علیه السلام : من أوكد أسباب الحلم، رحمة الجهال " (1)، وقال علیه السلام : " قابل غضبك بحلمك، وجهلك بعلمك، ونسيانك بذكرك " (2)، وقال علیه السلام : لا خير فيمن يستر وجه العفو يمكروه التقريع " (3). وقال علیه السلام : " لا تعاجل الذنب بالعقوبة، واجعل بينهما للاعتذار طريقاً " (4)،

قال علیه السلام : المزاح يفني الهيبة، كما تفني النار الحطب " (5)، نهى الأنبياء ومنهم إدريس علیه السلام عن الغضب والدعوة الى التحمل وتجاوز اللحظة والقدرة على اطر النفس والتغلب عليها في ميدان تتصاعد فيه انفاس الطين فتغلبها انفاس العقل والأناة ؛ قال رسول الله صلی الله علیه [واله] وسلم : " لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ " (6).

قال إدريس علیه السلام : لا تبدر منكم عند الغضب كلمة الفحش؛ فأنها تزيدكم العار والمنقصة وتلحق بكم العيب والهجنة، وتجر عليكم المآثم والعقوبة (7)، وهذا ما اكده الله سبحانه تعالى بقوله: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي الشرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ والله يحب


1) المصدر نفسه، ص 86

2) المصدر نفسه، ص 94.

3) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 25 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 95

4) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 25 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 95

5) ينظر : ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 86.

6) البخاري صحيح البخاري ج 8 ص 28 الفيفي حلية الوقار، ص13. ج8،

7) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 85.

المحسنين (1)، وقال علیه السلام : " هب ما انكرت لما عرفت ، واغفر ما أغضبك لما ارضاك " (2)، وقال علیه السلام :" كفى للمذنب بالظفر شفيعاً للمذنب إلى الحكيم "(3)، وقال اخنوخ :"من افضل البر ثلاثة : الصدق في الغضب ، والجود في العسرة ، والعفو عند المقدرة "(4).

وقال علیه السلام : الغضب يصدئ العقل حتى لا يرى صاحبه حسناً فيفعله ، أو قبيحاً فيجتنبه (5).

وقال علیه السلام :" من كظم غيظه وقيد لفظه ونظف منطقه وظهر نفسه

فقد غلب الشر كله "(6).

وقال علیه السلام : الدليل على غريزة الجود السماحة عند العُسرة، وعلى غريزة الورع الصدق عند الحظ، وعلى غريزة الحلم العفو عند الغضب (7).

وقال علیه السلام : إن الغضب إذا كان له سبب يُعرف كان الرضا سهلاً يسيراً، وإذا كان بلا سبب كان الرضا صعباً مستعصباً وذلك لأن المحال غير موجود على كل حال (8).

وسئل علیه السلام : ما الذي يَهُدُّ الرجل؟ فقال : الغضب والحسد ؛ وأبلغ منهما الهم (9).

جكمه ومواعظه


1) سورة آل عمران : الآية : 134

2) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 94.

3) المصدر نفسه، ص 94.

4) الشهرستاني الملل والنحل، ج4، ص194.

5) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 21 الصعيدي، هرمس المصادر العربية، ص 93.

6) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ص 85.

7) ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 16.

8) المصدر نفسه، ص 19.

9) المصدر نفسه، ص 19.

وقال علیه السلام : " إن الغضب إذا كان له سبب يُعرف كان الرضا يسيرا ؛ وا إذا كان بلا سبب كان الرضا صعباً مستعصباً ؛ وذلك لأن المحال غير موجود على كل حال " (1)، وسئل ما الذي يهد؟ فقال: الغضب والحسد ؛ وأبلغ منهما الهم (2)، وقال علیه السلام :" غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله " (3)، وقال اخنوخ : من أفضل البر ثلاثة : الصدق في الغضب ، والجود في العسرة ، والعفو عند المقدرة " (4)،

وقال علیه السلام : هَبْ ما أنكرت لما عرفت ، واغفر ما أغضبك لما أرضاك(5).

وقال علیه السلام : قابل غضبك بحلمك، وجهلك بعلمك، ونسيانك بذكرك (6).

قال علیه السلام : " الغضب سلطان الفظاظة ، والحرص سلطان الفاقه ، وهما منشأ كل سيئة ومفسدا كل جسد ، ومهلكا كل روح " (7)، وهذا ما أكده رسولنا محمد الله صلی الله علیه [واله] وسلم عن أبي هريرة أن رجلاً قال للنبي قال له علیه السلام : لا تغضبفردد مراراً قال : لا تغضب " (8)، وقوله علیه السلام : الصَّبْرُ عِنْدَ الغَضَبِ وَالعَفْوُ عِنْدَ الإِساءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمَهُمُ اللَّهُ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوهُمْ (9)" .


1) المصدر نفسه، ص 89-90.

2) الصعيدي هرمس في المصادر العربية، ص89-90

3) المصدر نفسه، ص 89-90

4) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص104.

5) ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 22

6) المصدر نفسه، ص 22

7) الشهرستاني الملل والنحل، ج2، ص 105.

8) البخاري، صحيح البخاري، ج3، ص611.

9) البخاري، صحيح البخاري، ج6، ص127.

28 - دعوته علیه السلام إلى ترك الدنيا

دعا إدريس علیه السلام الى نبذ التكالب على الدنيا وملذاتها بقوله : " خیر الدنيا حسرة وشرها ندم " (1)، وقال علیه السلام : أمر الدنيا أقصر من ان تطاع فيها الأحقاد (2)، وقال علیه السلام : الدنيا تهين مَنْ كانت تكرمه، والأرض تأكل مَنْ كانت تطعمه (3)، وقال علیه السلام : تحرزوا واهربوا من الماكل الخبيثة والمكاسب الدنية فإنها وان ملأت أكياسهم من المال، فإنها تفرغ قلوبكم من الإيمان ، وعودوا نفوسكم إكرام الأخيار والأشرار، أما الأخيار فمن اجل خيرهم، وأما الأشرار فلاستكفاف شرهم " (4)، وقال: " الموت كسهم مُرسل وعُمرك بقدر مسيره نحوك " (5)، قال علیه السلام : ربما شرق شارب الماء قبل ربِّه ؛ ومن تجاوز الكفاف لم يُغنه الإكثار " (6)، وقال علیه السلام : " الساعي كاذب إلى من سعى إليه، أو خائن لمن سعى فيه " (7)، وقال علیه السلام : " مَنْ جرى في عنان أمله عشر بأجله " (8)، وقال : " الناس اثنان : طالب لا يجد، وواجد لا يكتفي " (9)، وقال علیه السلام : " الدنيا تهين من كانت تكرمه، والارض تأكل


1) الصعيدي هرمس في المصادر العربية، ص 74.

2) أبن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 22

3) المصدر نفسه، ص 20.

4) الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ج 2، ص 76-77.

5) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ج 2، ص 76-77.

6) ينظر: ابن فاتك ، مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 19 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ج2، ص 76-77

7) ابن فاتك ، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19.

8) ينظر: ابن فاتك مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 19 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ج2، ص89

9) ينظر: ابن فاتك ، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 19 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ج2، ص 90.

من كانت تطعمة " (1): " الحازم من لم يشغله البطر بالنعمة عن العمل للعاقبة، والهم بالحادثة عن الحيلة لدفعها " (2)، وقال علیه السلام : لكل شيء حيلةٌ غير الموت؛ وكل شيء فانٍ غير الإثم؛ وكل شيء يبيد غير العمل الصالح ؛ وكل شيء يطاق تغييره غير الطباع ؛ وكل شيء يقدر على إصلاحه غير الخلق السوء؛ وكل شيء يستطاع دفعه غير القضاء " (3)، وقال علیه السلام : ليس العجب ممن امتنعت عليه الشهوات أن يكون فاضلاً ، وإنما العجب ممن الشهوات مقرونة به ويكون فاضلاً "(4)، وقال علیه السلام : " الاستخفاف بالموت أحد فضائل النفس " (5).


1) الصعيدي، هرمس، ج 2، ص 90

2) ينظر : ابن فاتك، مختار الحكم ومحاسن الكلم ص 21 الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ج2، ص93.

3) ينظر: ابن فاتك ، مختار الحكم ومحاسن الكلم، ص 25؛ الصعيدي، هرمس في المصادر العربية، ج2، ص102.

4) الصعيدي هرمس في المصادر العربية، ج2، ص102.

5) المصدر نفسه، ج2، ص102.

الخاتمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى من اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

بعد الانتهاء بعون العلي القدير من هذه الدراسة التي كرست لدراسة " نبي الله إدريس علیه السلام دراسة تاريخية " يمكننا إن نوجز أهم النتائج التي توصلنا إليها وظهرت جلية واضحة من خلال البحث وهي كالأتي:

•

استطاعت الدراسة التعرف على كثير من آداب وشمائل إدريس علیه السلام مما تفنى الاعمار في تحريرها ، ولا تزال فيها فيوض المستدرك على سابقيه، أو متعقب على من عني بالتأليف فيها، وقد أثبتت الدراسة ولله الحمد والمنة بفضل منه وتوفيق بمفردات تلك الآداب والأخلاق العظيمة لنبينا إدريس مما كان لها دلالة صريحة ، أو اشارة في القرآن الكريم، الا ما ند الفكر عنها، أو غفل الانسان عن موضعها كما هو الشان في احوال البشر عامة من القصور والنسيان. "

•

توصلت الدراسة إلى إن دعوة وأدب إدريس علیه السلام تمثل أعظم الاداب واكرمها في ذاته وسلوكه مع ربه ونفسه، في بيته ومجتمعه وقومه، كاوفي ما يكون التمثل وأعظمه وبذلك وافق الخير واتضح لنا ما كان خافيا عن الإدراك والنظر وتجلت لنا حقائق كثيرة ما كان عندنا فيها خير .

•

كشفت الدراسة إلى إن إدريس علیه السلام هو الرسول المصدق لآيات الله خلقه وهو نموذج العابد العامل الخاضع لأوامر الله واجتناب نواهيه، وهو الصابر المجاهد مع قومه في سبيل الله وتعاليمه طرق الوصول للمعرفة الإلهية الحقة (1)، وهو من الأنبياء الذين أنعم الله عليهم بالاجتباء والهداية من ذرية آدم علیه السلام وهو الذي شرفه الله بالرفع الى المكان العلي، فقال تعالى في حقه : (وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) .

•

أكدت الدراسة إن منزلة النبي إدريس علیه السلام ومكانته المرموقة عند اليهود والمسلمين ويتضح ذلك من اهتمام التوراة والقرآن الكريم البالغ بذكر قصصه ومجريات اخباره التي اخبرتنا عن تلك الاداب العظيمة والأخلاق الكريمة المكتسبة برداء النبوة وثوب الرسالة.

•

اشارت الدراسة إلى إن اسم النبي إدريس علیه السلام يشهد تبايناً بين الأديان والحضارات المختلفة، إلا أن اتفاقاً حول طبيعة الدور المؤثر الذي أداه عبر التاريخ الإنساني جعله مخلداً يصرف النظر عن الاسم الحقيقي لهذا النبي الحكيم، فهو هرمس الهرامسة وأوزوريس عند قدماء المصريين ، وأخنوخ في الإنجيل والتوراة وإدريس -علیه السلام - في القرآن الكريم

•

أثبتت الدراسة ان الغاية من بعث الله إدريس علیه السلام تزكية اداب وأخلاق الأمم، وعظم المكانة والمنزلة التي يتبوؤها النبي إدريس علیه السلام صاحب الأخلاق الفاضلة والآداب السامية.

•

أظهرت لنا هذه الدراسة شمول دعوة النبي إدريس علیه السلام وآدابه لجميع نواحي الحياة الدينية والدنيوية بحيث لم يبق حال من احوال حياة قومه الا وقد صبغه بصبغة الآداب والأخلاق، كما دلت على


1) ينظر ملحق رقم (4) يوضح تعاليم النبي إدريس علیه السلام، ص211

ذلك الدلائل الكثيرة والمواقف في القصص والروايات التي ذكرتها الكتب السماوية والروايات التاريخية.

•

أكدت لنا الدراسة إن عظمة وآداب نبي الله إدريس علیه السلام وأخلاقه كانت معلومة منذ ان شب وترعرع حيث ادبه الله عز وجل وانشاءه على مكارم الاخلاق حتى بعثه واصطفاه بالنبوة والرسالة والحكمة التي زادت اخلاقه العظيمة كمالاً ورسوخاً وتأسيساً وتفصيلاً.

•

كشفت لنا الدراسة الى ان نبي الله إدريس علیه السلام مترجم الوحي الإلهي والتشريع السماوي بسلوكه وادابه في باطنه وظاهره وأقواله وأفعاله وأحواله وان سلوكه كله كان مرآة لعظمة ذلك التشريع ورقيه حتى رفعه الله سبحانه وتعالى مكانا علياً.

•

أكدت لنا الدراسة إن ثبات نبوة وحكمة إدريس علیه السلام ثابتاً راسخا مدة حياته حتى رفعه بحيث لم يحصل منه ما يناقض أخلاقه وآدابه العظيمة في اي حال في أي حال من الأحوال مع القريب والبعيد والصديق والعدو، وانه ترك علیه السلام عظيم الأثر في نفوس مشاهديه أو متابعي سيرته في حياته وبعد رفعه علیه السلام .

الملاحق

ملحق رقم (1)يوضح نسب النبي إدريس علیه السلام

إدریس

ياريد

مهلائيل

قنین

أنوش

شیت

سلسله نسب

آدم ( أبو البشر )

نصب نبي الله إدريس

عليه السلام

آدم ( أبو البشر ) عليه السلام


1) المغلوث ، اطلس تاريخ الانبياء والرسل، ص 71.

ملحق رقم (2) يمثل التاسوع المقدس عند المصريين القدماء (1)


1) آرامور ، آلهة مصر القديمة واساطيرها، ص 17

ملحق رقم (3) يوضح خارطة هجرة النبي إدريس علیه السلام من بابل إلى مصر (1)

(بيروت: 2003م ) ، ص 17

.


1) أبو خليل شوقي، أطلس القرآن ( اماکن ،اقوام ،اعلام)، دار الفكر المعاصر،

ملحق رقم (4) يوضح بردية قبطية من الكتاب المسمى في الغرب " بكتاب الموتى " تكشف تعاليم ربانية ليوم النشور والحساب بعد الموت كما جاء في تعاليم أدريس علیه السلام الشعب الأقباط العريق (1).


1) مجموعة باحثين، نداء السراة (اختطاف جغرافية الانبياء)، ط2، جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية (القاهرة : 2006م )، ص 70.

المصادر والمراجع

•

القرآن الكريم

•

الكتاب المقدس دار المشرق ، (بیروت: 1986م)

أولاً : المخطوطات

1 ) مخطوطات البحر الميت ، ترجمة : اندريه دوبون سومر مارک فیونکو ترجمه درس ديب الخوري ، دار الطليعة الجديدة ، (دمشق: 1998ء).

2 ) السیوطي ، الوسائل إلى معرفة الأوائل (مخطوطة) المحفوظة بدار الكتب القوية، ورق 200

ثانياً : المصادر

1 ) ابن الأثير، مجد الدين أبو العادات المبارك بن محـ الكريم الشيباني الجزري (ت: 606هـ/ 1209م).

النهاية في غريب الحديث والأثر ، تحقيق : طاهر أحمد الزاوى - محمود الطناحي، المكتبة العلمية ، (بيروت: 1979م).

2 ) ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري (ت: 630هـ / 1233م).

الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام ،تدمري دار الكتاب العربي، (بيروت:

1997م).

3 ) ابن أبي أصيبعة، أبو العباس موفق الدين أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس الخزرجي (ت: 668هـ/ 1269م).

عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق : نزار رضا ، دار مكتبة الحياة، (بيروت: د.ت).

4 ) الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد بن الهروي (ت: 370هـ/ 980م).

تهذيب اللغة، تحقيق: محمد عوض مرعب ، دار إحياء التراث العربي، (بيروت: 2001 ) .

5 ) الاسحاقي، محمد عبد المعطي بن أبي الفتح احمد بن عبد المعني بن علي المنوفي (ت: 1060هـ / 1650م).

اخبار الأول فيمن تعرف في مصر من أرباب الدول، (القاهرة: د.ت).

6 ) الأصبهاني، أبو نعيم احمدبن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسی بن مهران (ت: 1039/430م ).

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الكتب العلمية، (بيروت: 1974م).

7 ) الاقفهي شهاب الدين بن العماد (ت: 808هـ / 1406م).

اخبار نيل مصر، تحقیق ووضع الحواشي: لبيبة ابراهيم مصطفى ، نعمات عباس محمد، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية ، (القاهرة: 2006م).

8 ) الأنباري، أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار (ت: 328هـ/ 940م).

الزاهر في معاني كلمات الناس تحقيق : حاتم صالح الضامن ، مؤسسة الرسالة، (بيروت: 1992م).

9 ) البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي (ت: 256هـ / 870م).

صحيح البخاري (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم وسنته وأيامه ) ، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر ، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، دار طوق النجاة (بيروت: 2001م).

10 ) البسنوي، علاء الدين علي دده السكتواري (ت: 998هـ/ 1580م).

محاضرة الاوائل ومسامرة الأواخر المطبعة الميرية ببولاق، (القاهرة: 1883م).

11 ) ابن بطوطة ، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي (ت: 1377/779 م) .

رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الأسفار، دار الشرق العربي (بيروت: د.ت) .

12. البغوي ، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء الشافعي (ت: 510هـ / 1116م).

معالم التنزيل في تفسير القرآن (تفسير البغوي)، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي ، (بيروت : 2000م).

13 ) البكري أبـ البكري، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد الأندلسي (ت: 487 / 1094م).

المالك والممالك، دار الغرب الإسلامي (بيروت: 1992م).

14 ) البلانُري، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود (ت: 279هـ / 892م).

جمل من أنساب الأشراف، تحقيق: سهيل زكار ورياض الزركلي، دار الفکر، (بيروت:

1996م).

15. البيروني ابو الريحان محمد بن احمد الخوارزمي (ت: 440هـ / 1048م).

الآثار الباقية عن القرون الخالية، (بيروت: 1878م).

16 ) البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي (ت: 655هـ/ 1286م).

أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي، (بيروت : 1997م).

17 ) الترمذي، أبو عیسی محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك (ت: 279هـ / 892 م ) .

الجامع الكبير - سنن الترمذي، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي،

(بيروت: 1998م).

18 ) التُتري، أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس بن رفيع (ت: 283هـ / 896م). نسير التستري ، جمعها : أبو بكر محمد البلدي، تحقيق: محمد باسل عيون السود

، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، (بيروت: 2002م).

19 ) الثعلبي، ابو اسحاق احمد بن محمد بن ابراهيم (ت: 427هـ / 1036م).

قصص الانبياء المسمى بـ (عرائس المجالس)، (بیروت: د.ت).

الكشف والبيان عن تفسير القرآن، تحقيق: أبو محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق : نظير الاعدي، دار إحياء التراث العربي ، (بيروت: 2002م).

20 ) الجرجاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي (ت: 471هـ / 1076م).

دَرْجُ الدرر في تفسير الآي والسُّور، دراسة وتحقيق: وليد والشور دراسة وتحقيق وليد بن أحمد بن صالح الحُسَيْن ، إياد عبد اللطيف القيسي، دار مجلة الحكمة، (بريطانيا: 2008م).

21 ) الجرجاني، علي بن محمد بن علي الزين الشريف (ت: 816هـ/1413م).

كتاب التعريفات ، تحقيق وضبط وتصحيح : جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية (بيروت: 1983م).

22 ) الجزائري، نعمة الله بن عبد الله بن محمد (ت: 1112هـ / 1700م).

النور المبين في قصص الانبياء والمرسلين، تقديم وتعليق: علاء الدين الاعلمي ، منشورات مؤسسة الاعلمي، ط2، (بيروت: 2002م).

23 ) الجهشياري، ابو عبد الله محمد بن عبدوس (ت: 331هـ / 943م).

الوزراء والكتاب، مطبعة مصطفى البابي الحلبي ، (القاهرة: 1938م).

24 ) ابن الجوزي ، جمال الدين أبي الفرج بن علي بن محمد عبد الرحمن (ت: 597هـ / 1201م).

المدهش، تحقيق: مروان قباني ط 2 ، دار الكتب العلمية، (بيروت: 1985م).

التبصرة، دار الكتب العلمية، (بيروت: 1986م).

الموضوعات، ضبط وتقديم وتحقيق : عبد الرحمن محمد عثمان، نشر: محمد عبد المحسن صاحب المكتبة السلفية (المدينة المنورة: 1966م ).

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية ، (بيروت: 1992م).

تلبیس ابلیس ، دار الفكر للطباعة والنشر، (بيروت: 2001م).

زاد المسير في علم التفسير ، تحقيق : عبد الرزاق المهدي ، دار الكتاب العربي، (بیروت: 2001م).

مرآة الزمان في تواريخ الاعيان، تحقيق : محمد بركات ،وآخرون، دار الرسالة العالمية، (دمشق: 2013م).

بستان الواعظين ورياض السامعين ، تحقيق : أيمن البحيري ، مؤسسة الكتب الثقافية ، (بیروت: د.ت) .

ذم الهوى ، تحقيق : مصطفى عبد الواحد ، مراجعة : محمد الغزالي، (بيروت: د.ت). تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير ، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم ، (بیروت: د.ت) .

25 ) الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد الفارابي (ت: 393هـ/1003م).

الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين ، 4، (بيروت: 1987م).

26 ) حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله كاتب جلبي القسطنطيني المشهور الحاج خليفة (1657/1067ت) .

کشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ، مكتبة المثنى، (بغداد: 1941م).

27 ) ابن أبي حاتم، أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي (ت: 327هـ / 939م).

تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب، ط3، مكتبة نزار مصطفى الباز ، (الرياض 1998م).

28 ) ابن حبان ، أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، التميمي الدارمي البستي (ت: 354هـ/965م).

الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ، ترتيب : علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (ت: 739هـ / 1339م)، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه : شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، (بيروت: 1988م).

29 ) ابن حبيب ، أبو جعفر محمد بن أمية بن عمرو الهاشمي بالولاء البغدادي (ت: 245هـ / 859 ).

المحبر، تحقيق: إيلزة ليختن شتيتر، دار الآفاق الجديدة ، (بيروت: د.ت).

المنمق في أخبار قريش ، تحقیق : خورشید احمد فاروق ، عالم الكتب، (بيروت: 1985م).

30 ) ابن حجر أبو الفضل أحمد بن علي الشافعي العقلاني (ت: 852هـ / 1449م). فتح الباري شرح صحيح البخاري رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه : محمد فواد عبد الباقي ، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه : محب الدين الخطيب ، تعليقات العلامة : عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، دار المعرفة (بيروت: 1959م).

31 ) ابن حزم ، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي القرطبي الظاهري (ت: 456هـ/ 1064م).

الفصل في الملل والاهواء والنحل ، تحقيق : ابراهيم خضر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، (بیروت: د.ت)

32 ) ابن جلجل ، ابو داود سليمان بن حسان الاندلي (ت: 372هـ / 982م).

طبقات الأطباء والحكماء، تحقيق: فؤاد رشيد، ط2، مؤسسة الرسالة، (بيروت:

1985 ) .

33 ) الحر العاملي، ابو جعفر محمد بن الشيخ الحسن بن الحر (ت: 1104هـ / 1693م).

الدر المسلوك في احوال الانبياء والاوصياء والملوك، مؤسسة التاريخ العربي، (بيروت: 2009 م) .

34 ) الحميري ، أبو محمد جمال الدين عبد الملك بن هشام بن أيوب المعافري (ت:

828/213 )

التيجان في ملوك ،حميّر تحقيق : مركز الدراسات والأبحاث اليمنية، مركز الدراسات والأبحاث اليمنية ، ( صنعاء: 1928م).

35 ) الجنائي، أبو القَاسِمِ الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ بنِ الحُسَيْنِ الدِّمَشْقِيُّ (ت: 459/ 1067 ) .

الحنائيات (فوائد أبي القاسم الحنائي)، تخريج النخشبي، تحقيق: خالد رزق محمد جبر أبو النجا، أضواء السلف (الرياض: 2008م).

36 ) الحنبلي، أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الدمشقي النعماني (ت: 775هـ/ 1373 ) .

اللباب في علوم الكتاب ، تحقيق : عادل أحمد عبد الموجود ، علي محمد معوض، دار الكتب العلمية ، (بيروت: 1998م) .

37 ) الحنبلي ، شمس الدين أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني (ت: 1188هـ/ 1774 م ) .

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة

المرضية، ط2، مؤسسة الخافقين ومكتبتها (دمشق: 1982م)

38 ) الحنبلي ، أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي (ت: 1522/928م)

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، تحقيق: عدنان يونس عبد المجيد نباتة، مكتبة دندیس ، (عمان :د.ت ) .

39 ) الحنفي، أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي بدر الدين العيني (ت: 855هـ / 1451م).

عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي، (بيروت: د.ت)

40 ) الحويزوي، الشيخ علي بن جمعة العروسي (ت: 1112هـ / 1700م).

تفسير نور الثقلين ، تحقيق : علي عاشور، مؤسسة التاريخ العربي ، (بيروت: د.ت). 41 ) أبو حيان ، محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (ت: 745هـ / 1344م).

البحر المحيط في التفسير، تحقيق: صدقي محمد جميل ، دار الفکر، (بیروت: 2000م).

42 ) الخازن ، أبو الحسن علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي (ت:

741هـ / 1340م).

لباب التأويل في معاني التنزيل ، تصحيح : محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية

(بیروت: 1994م).

43 ) ابن خلدون ، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد ، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي (ت: 808هـ / 1405م).

ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر ، تحقيق خليل شحادة، دار الفكر، ط2، (بیروت: 1988م) .

44 ) ابن خلكان ، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر البرمكي الإريلي (ت: 681هـ / 1282م).

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ، تحقيق : إحسان عباس ، دار صادر، (بیروت 1900م).

45 ) الدمشقي ، صدر الدين محمد بن علاء الدين علي بن محمد ابن أبي العز الحنفي الأذرعي الصالحي (ت: 792هـ / 1390م).

شرح العقيدة الطحاوية ، تحقيق : أحمد شاكر ، وزارة الشؤون الإسلامية، والأوقاف

والدعوة والإرشاد ، (الرياض: 1997م).

46 ) الديار بكري ، حسين بن محمد بن الحسن (ت: 966هـ / 1559م).

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس، دار صادر، (بیروت: د.ت).

تعلام النبلاء دار الصيت القاهرة االله (4) الرازي أبو عبد اسمه خصيب صغر المين مح 61269606 :-)

مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي، فذ، (بيروت: 1995م)

49 ) الراغب الأصفهاني ، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف (ت: 502هـ/ 1108م).

الذريعة إلى مكارم الشريعة، تحقيق: أبو اليزيد أبو زيد العجمي، دار السلام ، (القاهرة: 2007م).

المفردات في غريب القرآن ، تحقيق : صفوان عدنان الداودي، دار القلم ، الدار الشامية ، (دمشق- يروت: 1991م).

50 ) الراوندي، قطب الدين ابي الحسين سعيد بن هبة الله (ت: 573هـ/1177م). قصص الأنبياء، تحقيق: عبد الحليم عوض الحلي، مكتبة العلامة المجلسي،( قم:

1912 م) .

51 ) ابن رجب ، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن ، السلامي، البغدادي الدمشقي الحنبلي (ت: 795هـ / 1393م).

فتح الباري شرح صحيح البخاري ، تحقيق : محمود بن شعبان بن عبد المقصود وآخرون، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية، مكتب تحقيق دار الحرمين (القاهرة: 1996م).

52 ) الزرقاني ، أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن شهاب الدين بن محمد المالكي (ت: 1122هـ/ 1710م).

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، دار الكتب العلمية، (بيروت:

1996م).

53 ) الزمخشري ، جار الله أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد (ت: 538هـ / 143 ام).

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ط3، دار الكتاب العربي، (بيروت: 1987م). ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، مؤسسة الأعلمي، (بيروت: 1991م).

54 ) السخاوي ، شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد (ت: 902هـ / 1496م).

المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تحقيق: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي، (بيروت: 1985م).

55 ) ابن سعد، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء البصري البغدادي (ت: 845/230 م ) .

الطبقات الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، (بيروت : 1990م).

56 ) السمرقندي، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم (ت: 373هـ / 983م).

بحر العلوم ، (بيروت: د.ت).

57 ) السمعاني، أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي المروزي (ت: 562هـ / 1167م).

الأنساب، تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وغيره ، مجلس دائرة المعارف العثمانية ، (حيدر آباد: 1962م) .

58 ) السمعاني، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزي التميمي الحنفي الشافعي (ت : 489هـ / 1096م).

تفسير القرآن، تحقيق : ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم ، دار الوطن ، (الرياض: 1997م).

59 ) ابن السُّني، أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط بن عبد الله بن إبراهيم بن بديح الدينوري (ت: 364هـ / 974م).

القناعة السني، تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع ، مكتبة الرشد ، (الرياض: 1988م).

60 ) أبن سيده ، أبو الحسن علي بن إسماعيل المرسي (ت: 458هـ / 1066م). المخصص، تحقيق : خليل إبراهم جفال، دار إحياء التراث العربي، (بيروت: 1996م)

61 ) السهيلي، ابو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن احمد بن أبي الحسن الخثعمي (ت: 581هـ / 1185م).

الروض الانف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام ، تحقيق وتعليق: مجدي منصور ، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، (بيروت: د.ت).

62 ) السيوطي ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت: 911هـ / 1506م).

حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي ،وشركاء (القاهرة: 1967م).

الحبائك في أخبار الملائك، تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية (بيروت 1985م).

المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، تحقيق : فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية ، (بيروت: 1998م).

الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير، تحقيق: يوسف النبهاني، دار الفكر ، (بيروت: 2003م).

معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم ، تحقيق: محمد إبراهيم عبادة، مكتبة الآداب، (القاهرة: 2004م) .

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار (حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي)، جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين ، (الرياض: 2005م).

اتحاف الأخصا بفضائل المسجد الاقصى ، دار الكتب والوثائق القومية (بيروت:

2005م).

63 ) الشافعي، أحمد بن محمد بن إبراهيم شهاب الدين أبو الحجاج الأشعري (ت: 600هـ/ 1203م).

التعريف بالأنساب والتنويه بذوي الأحساب ، (بيروت: د.ت).

64 ) أبو شجاع الديلمي، شيرويه بن شهردار بن شيرو به بن فناخسرو الهمذاني (ت: 509هـ/ 1115م).

الفردوس بمأثور الخطاب، تحقيق : السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية،

(بيروت: 1986م).

65 ) الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد (ت: 548هـ / 1153م).

الملل والنحل ، مؤسسة الحلبي ، (بيروت: د.ت).

66. الشيخ الصدوق، ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت: 381هـ/ 991م).

من لا يحضره الفقيه، اشرف على تصحيحه : حسين الأعلمي، منشورت مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ، (بيروت: 1986م).

67 ) الشيخ الصدوق، ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابوية القمي (ت: 991/381 م).

علل الشرائع ، تعليق : فضل الله الطباطبائي اليزدي، المطبعة العلمية (قم: 1891م).

68 ) الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت: 381هـ/ 991م).

كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح وتحقيق : علي اكبر الغفاري ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين (قم المقدسة : 2008م).

69 ) الشيخ المفيد ، محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي (ت: 413هـ / 1022م).

الاختصاص، منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ، (بیروت: 2009م).

70 ) ابن صاعد الاندلسي، القاضي ابى القاسم صاعد بن احمد (ت: 462 / 1070م). طبقات الامم، نشر وتذيل الحواشي بالراويات : الاب لويس شيخو اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية للاباء اليسوعيين ، (بيروت: 1912م).

71. الصحاري، أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي (ت: 511هـ / 1117م).

الأنساب ، (بیروت:1999م ).

72 ) الصرصري ، أبو الربيع نجم الدين سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي (ت: 716هـ / 1316م).

الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية ، تحقيق : سالم بن محمد القرني، مكتبة العبيكان، (الرياض : 1999م).

73 ) ابو الصلت ، امية بن عبد العزيز (ت: 528هـ / 1134م).

الرسالة المصرية، تحقيق: عبد السلام هارونه ،ط2 مكتبة البابي الحلبي، (القاهرة: 1973م).

74. الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله (ت: 764هـ / 1363م).

الوافي بالوفيات ، تحقيق : أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث، (بيروت : 2000م).

75 ) ابن طاووس ، رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد الحسيني (ت: 664هـ/1268م).

فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم، منشورات الضي، (قم : 1944م).

76 ) الطبرسي، امين الله ابي علي الفضل بن الحسن (ت: 548هـ / 1153م).

مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المرتضی ، (بیروت: 2006م).

77 ) الطبرسي، ميزرا حسين النوري (ت: 1320هـ / 1902م).

مستدرك الوسائل ومتنبط المسائل، تحقيق: مؤسسة ال البيت علیه السلام لاحياء التراث ط3، (بيروت: 1993م)

78 ) الطبري، أبو جعفر جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الأملي (ت: 310هـ / 922م).

تاريخ الرسل والملوك، ط2، دار التراث، (بیروت: 1967م).

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، تحقيق : أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، (بيروت 2000م).

79 ) الطوسي ، ابو جعفر محمد بن الحسن (ت: 460هـ/ 1068م).

التبيان في تفسير القرآن ، تقديم : اغا بزرك الطهراني، دار احياء التراث العربي، (بیروت: د.ت).

80 ) الطوسي، ابو جعفر محمد بن الحسن بن علي (ت: 465هـ / 1073م).

تهذيب الاحكام في شرح المقنعة، تصحصح وتعليق : علي اكبر الغفاري، مكتبة الصدوق، (قم: 1963م).

81. الطوسي، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: 505هـ / 1111م).

قواعد العقائد، تحقيق: موسى محمد علي ط 2 ، عالم الكتب (بيروت: 1998م). فضائح الباطنية ، تحقيق : عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية ، (الكويت: د.ت) .

82 ) الطوسي، علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد العلوي الفاطمي (ت: 664هـ/ 1266م).

سعد السعود للنفوس، تحقيق: فارس تبريزيان الحون، (قم: 1959م).

83 ) ابن ظهيره ، ابو ساحاق برهان الدین ابراهيم بن علي المخزومي (ت: 891هـ / 1486م).

الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة، تحقيق: مصطفى السقا، كامل المهندس ، ملتقى لأهل الأثر، (القاهرة: 1969م).

84 ) ابن عبد الباقي ، تقي الدين ابن فَقيه قصة عبد الباقي بن عبد القادر البعلي الأزهري الدمشقي (ت: 1071هـ / 1660م).

العين والأثر في عقائد أهل الأثر، تحقيق: عصام رواس قلعجي، دار المأمون للتراث، (بيروت: 1986م).

85 ) ابن العجمي، أبو ذر موفق الدين سبط أحمد بن إبراهيم بن محمد بن خليل (ت: 1479/884 ) .

كنوز الذهب في تاريخ حلب، دار القلم ، (حلب: 1996م).

86 ) ابن ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عاصم النمري القرطبي (ت: 1071/463 ) .

87 ) ابن عبد الحق، صفي الدين عبد المؤمن ابن شمائل القطيعي البغدادي الحنبلي (739هـ/ 1338 ).

مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، دار الجيل (بيروت: 1991م).

88. این ابن عبد ربه ، أبو عمر شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه ابن حبيب ابن حدير بن سالم الأندلسي (ت: 328هـ/ 940م).

العقد الفريد، دار الكتب العلمية، (بيروت: 1984م).

89 ) ابن عجيبة، أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي الحسني الأنجري الفاسي الصوفي (ت : 1224هـ / 1809م).

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ، تحقيق : أحمد عبد الله القرشي رسلان، حسن عباس زكي ، (القاهرة: 1998م).

90 ) این عربي ، ابو بكر محي الدين محمد بن علي بن محمد بن احمد بن عبد الله الحاتمي (ت: 638هـ / 1240م).

الفتوحات المكية ، ضبط وتصحيح وفهرسة : احمد شمس الدین ، دار الكتب العلمية، (بیروت: د.ت).

فصوص الحكم ، تعليق : ابو العلا عفيفي ،ط2 دار الكتاب العربي (بيروت : 1980م).

91 ) ابن عطية، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام الأندلسي المحاربي (ت: 542هـ / 1147م) .

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية (بيروت : 2001م).

92. ابو العلاء المعري، أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي (ت: 449 هـ / 1057 ) .

اللزوميات لشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء ، تحقيق : امين عبد العزيز الخانجي، منشورات مكتبة الهلال بيروت ، مكتبة الخانجي، (القاهرة: 1923م).

93 ) ابن علان ، محمد علي بن محمد بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي (ت: 1057هـ/ 1647م).

دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ، اعتنى بها : خليل مأمون شيحا، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، ط4، (بيروت: 2004م).

94 ) ابن العبري، أبو الفرج غريغوريوس يوحنا بن هارون بن توما الملطي (ت: 685هـ/ 1286م).

تاريخ مختصر الدول ، تحقيق : أنطون صالحاني اليسوعي، ط3، دار الشرق، (بيروت: 1992م).

95 ) العسقلاني، أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن المَلطي (ت: 377هـ / 987م).

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، تحقيق: محمد زاهد بن الحسن الكوثري المكتبة الأزهرية للتراث، (القاهرة: د.ت).

96 ) العمري ، شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله القرشي العدوي (ت: 749هـ / 1348م).

مالك الأبصار في ممالك الأمصار، المجمع الثقافي ، (أبو ظبي : 2002م).

97. الغزولي، علي بن عبد الله البهائي الدمشقي (ت: 815هـ / 1412م).

مطالع البدور ومنازل السرور، (بيروت: د.ت).

98 ) الفارابي، أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن الحسين (ت: 350هـ / 962م).

معجم ديوان الأدب، تحقيق: أحمد مختار عمر ، مراجعة : إبراهيم أنيس ، مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر ، (القاهرة: 2003م).

99 ) ابن فاتك، أبو الوفاء المبشر عبد الله بن محمود بن محمد (500هـ/ 1106م).

مختار الحكم ومحاسن الكلم، تحقيق: عبد الرحمن البدوي، المؤسسة العربية (بیروت: 1980م).

100 ) ابن فارس ، أبو الحسين أحمد بن زكريا القزويني الرازي (ت: 395هـ/1005م). معجم مقاييس اللغة ، تحقيق : عبد السلام محمد ،هارون دار الفکر، (بیروت: 1979م).

101 ) أبو الفداء المولى إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي

(ت: 1127هـ / 1715م).

روح البيان ، دار الفكر ، (بيروت: د.ت).

102 ) أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي العجلوني الدمشقي (ت: 1162هـ/ 1749م).

كشف الخفاء ومزيل الإلباس، تحقيق: عبد الحميد بن أحمد بن يوسف بن هنداوي ، المكتبة العصرية ، (بيروت: 2000م).

103 ) ابن فورك، أبو بكر محمد بن الحسن الأنصاري الأصبهاني (ت: 406هـ / 1015م).

تفسير ابن فورك من أول سورة المؤمنون - آخر سورة السجدة، دراسة وتحقيق: علال القادر بندويش، جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية ، (الرياض: 2009م).

104 ) الفيروز آبادی، مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب (ت: 817هـ / 1414م). القاموس المحيط ، تحقيق : مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، أشراف: محمد نعيم العرقوسي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع ط8 (بيروت: 2005م)

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق: محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، لجنة إحياء التراث الإسلامي، (القاهرة: 1973م).

105 ) ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (ت: 276هـ / 889م). المعارف ، تحقیق : ثروت عكاشة ، ط2، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، (القاهرة:

1992م).

106. القحطاني، لعله أبو عبد الله محمد بن صالح المعافري الأندلسي المالكي (ت: 378هـ / 988م).

القصيدة النونية للقحطاني، تحقيق: عبد العزيز بن محمد بن منصور الجربوع، دار

الذكري ، (الرياض: د.ت).

107 ) ابن قدامة ، أبو محمد موفق الدين عبد الله أحمد بن بن محمد المقدسي (ت: 620هـ / 1223م).

إثبات صفة العلو، تحقيق : أحمد بن عطية بن علي الغامدي ، مكتبة العلوم والحكم، (المدينة المنورة : 1988م).

108. القرطبي، ابو عبد الله محمد بن احمد بن ابي بكر (ت: 671هـ / 1272م). الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، (بيروت: 2006م).

109 ) ابن قرقول ، أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن أدهم الوهراني الحمزي (ت: 569هـ/ 1174م).

مطالع الأنوار على صحاح الآثار، تحقيق : دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث،

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (قطر: 2012م).

110 ) القرماني، أحمد بن يوسف (ت: 1019هـ / 1610م).

أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ، دراسة وتحقيق : فهمي سعد، احمد حطيط، عالم الكتب، (بیروت: 1992م)

111 ) القزويني، زكريا بن محمد بن محمود (ت: 682هـ / 1283م).

آثار البلاد وأخبار العباد ، دار صادر،( بیروت: د.ت)

112 ) القسطلاني ، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك العتيبي المصري (ت: 923هـ / 1517م).

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، المكتبة التوفيقية (القاهرة: د.ت).

113 ) القشيري ، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك (ت: 465هـ / 1072م).

لطائف الإشارات (تفسير القشيري)، تحقيق: إبراهيم البسيوني، ط3، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، (القاهرة: د.ت)

114 ) القفطي، جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف (ت: 646هـ / 1248م).

أخبار العلماء بأخيار الحكماء ، تحقيق : إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، (بيروت: 2005م).

115 ) القلقشندي ، أبو العباس أحمد بن علي (ت: 821هـ / 1418م).

قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان ، تحقيق : إبراهيم الإبياري، ط2، دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني (بيروت: 1982م).

نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، تحقيق: إبراهيم الإبياري، ط2، دار الكتاب اللبنانين ، (بيروت: 1980م)

116 ) ابن قيم الجوزية ، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين (ت: 751هـ / 1350م).

زاد المعاد في هدي خير العباد، مؤسسة الرسالة ،ط27، (بيروت: 1994م).

الفوائد، دار الكتب العلمية، ط2، (بيروت : 1973م).

117. ابن كبريت ، محمد بن عبد الله بن محمد ، من أحفاد شرف الدين بن يحيى الحمزي الحسيني المولوي (ت: 1070هـ / 1660م).

رحلة الشتاء والصيف، تحقيق وتقديم وفهرست : محمد سعيد الطنطاوي، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، (بيروت: د.ت ).

118 ) الكلاباذي، أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب البخاري الحنفي (ت: .990/380 م).

التعرف لمذهب أهل التصوف، دار الكتب العلمية، (بيروت: د.ت).

119. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي البصري ثم الدمشقي (ت: 774هـ / 1372 ).

تفسير القرآن العظيم ، تحقيق : سامي بن محمد سلامة، ط2، دار طيبة للنشر والتوزيع، (بیروت: 1999م) .

البداية والنهاية ، تحقيق : علي شيري ، فهرست : عبد الرحمن الشامي، دار إحياء التراث العربي ، (بيروت: 1988م).

120. الكلبي، أبو المنذر هشام بن محمد أبي النضر ابن السائب ابن بشر (ت: 204هـ 819 ).

كتاب الأصنام، تحقيق: أحمد زكي باشا ،ط4 دار الكتب المصرية (القاهرة: 2000 ).

121.

الماتريدي، أبو منصور محمد بن محمد بن محمود (ت: 333هـ / 944م). التوحيد، تحقيق: فتح الله خليف دار الجامعات المصرية (الإسكندرية : د.ت).

122.

الماوردي ، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي (ت: .1058/450 ).

تفسير الماوردي (النكت والعيون)، تحقيق : السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية (بيروت: د.ت).

123. المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي (ت: 1111هـ / 1700م).

بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ، تحقيق : مؤسسة احياء الكتب

الإسلامية، (قم: 2007م).

124. محمد رضا ، الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي (من اعلام القرن الثاني عشر).

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب ، تحقيق: حسین در کاهي ، منشورات مؤسسة شمس الضحى ، (طهران: 1967م).

125. المروزي، أبو عبد الله نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي (ت: 228هـ

843 م).

كتاب الفتن، تحقيق: سمير أمين الزهيري ، مكتبة التوحيد ، (القاهرة: 1991م).

126. المسعودي، أبو الحسن على بن الحسين بن على (ت: 346هـ/ 975م).

أخبار الزمان ومن أباده الحدثان، وعجائب البلدان والغامر بالماء والعمران، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، (بيروت: 1996م).

مروج الذهب ومعادن الجوهر ،دار الفكر ، (بيروت: د.ت).

127. مسلم النيسابوري ، ابن الحجاج أبو الحسن القشيري (ت: 261هـ / 874م). صحيح مسلم (المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه [واله]وسلم)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي ، (بيروت: د. ت) .

128 ) مصعب الزبيري، أبو عبد الله بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير (ت850/236 م)

نسب قريش ، تحقيق : ليفي بروقتال دار المعارف، (القاهرة: د.ت).

129. أبو المعالي الجويني ، ركن الدين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد (ت:

.61085/478

نهاية المطلب في دراية المذهب، حققه وصنع فهارسه: عبد العظيم محمود الذيب، دار المنهاج (بيروت: 2007م).

130 ) المغربي ، أبو القاسم الوزير الحسين بن علي بن الحسين (ت: 418هـ / 1027م). الإيناس بعلم الأناب، (القاهرة: 2001م).

131. مقاتل بن سليمان ، أبو الحسن بن بشير الأزدي البلخى (ت: 150هـ / 767م).

تفسير مقاتل بن سليمان ، تحقيق : عبد الله محمود شحاته، دار إحياء التراث ، (بيروت: 2002م).

132. المقدسي، المطهر بن طاهر (ت: 355هـ / 966م).

البدء والتاريخ ، مكتبة الثقافة الدينية ، (بور سعيد د.ت).

133. المقريزي ، تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني العبيدي (ت: 1441/845 ).

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، دار الكتب العلمية (بيروت: 1997م).

134. ابن منظور، أبو الفضل محمد بن مكرم بن على جمال الدين الأنصاري الرويفعى الإفريقي (ت: 711هـ / 1311م).

لسان العرب ، دار صادر ،ط3، بيروت: 1993م).

135 ) النجدي، محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (ت: 1206هـ/1791م).

الرسالة المفيدة، تحقيق: محمد بن عبد العزيز المانع، رئاسة إدراة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ، (الرياض: د.ت).

136. النَّحَّاس ، أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (ت: م949/ه338 ).

عمدة الكتاب ، تحقيق : بسام عبد الوهاب الجابي، دار ابن حزم - الجفان والجابي للطباعة والنشر (القاهرة: 2004م).

137 ) النسقي ، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين (ت: 710هـ/ 1310م). تفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل)، حققه وخرج أحاديثه: يوسف علي بديوي ، راجعه وقدم له : محيي الدين ديب مستو ، دار الكلم الطيب ، (بيروت: 1998م).

138 ) نظام الملك، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي الملقب بقوام الدين (ت: 485هـ / 1092م).

سیاست نامه أو سير الملوك، تحقيق: يوسف حسين ،بكار ط2، دار الثقافة (قطر:

1986م).

139. ابن النديم ، أبو الفرج محمد بن إسحاق بن محمد الوراق البغدادي المعتزلي الشيعي (1046/438) .

الفهرست، تحقيق: إبراهيم رمضان، ط2، دار المعرفة، (بيروت: 1997م) .

140. ابن الوردي ، سراج الدين أبو حفص عمر بن المظفر البكري القرشي المعري ثم الحلبي (ت: 852هـ / 1448م).

خريدة العجائب وفريدة الغرائب، تحقيق : أنور محمود زناتي، مكتبة الثقافة الإسلامية، (القاهرة: 2008م).

141. ابن الوزير ، أبو عبد الله عز الدين محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي (ت: 840هـ / 1436م).

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم ، حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه وعلّق عليه : شعيب الأرنؤوط، مؤسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، ط3، (بيروت: 1994م).

142. ابن وصيف ، الشيخ إبراهيم بن وصيف الشاء (ت: 599هـ / 1203م).

مختصر عجائب الدنيا، تحقيق: سيد كروي حسن، دار الكتب العلمية (بيروت: د.ت).

143. النووي ، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف (ت: 676هـ / 1277م). جزء فيه ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات، تحقيق : أحمد بن على الدمياطي ، مكتبة الأنصار للنشر والتوزيع، (بيروت: د.ت).

144 ) النويري ، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري (ت: 733هـ / 1333م).

نهاية الأرب في فنون الأدب، دار الكتب والوثائق القومية (القاهرة: 2002م).

145 ) النيسابوري ، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم ابن البيع الضبي الطهماني (ت: 405هـ / 1014م).

المستدرك على الصحيحين ، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، (بيروت: 1990م).

146 ) النيسابوري ، نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي (ت: 850هـ / 1446م).

غرائب القرآن ورغائب الفرقان،تحقيق : الشيخ زكريا عميرات، الناشر، دار الكتب العلميه ، (بيروت: 1996م).

147. أبو هلال العسكري، الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران (ت: 395هـ / 1004م).

الأوائل، دار البشير ، (طنطا: 1987م ).

148 ) الهيتمي ، أبو العباس شهاب الدين شيخ الإسلام أحمد بن محمد بن علي بن حجر السعدي الأنصاري (ت: 974هـ / 1566م).

الفتاوى الفقهية الكبرى ، جمعها : عبد القادر بن أحمد بن علي الفاكهي المكي (ت: 982هـ / 1574م)، المكتبة الإسلامية، (بيروت: د.ت)

149 ) الهيثمي، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان (ت: 807هـ / 1404م).

موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية ، (بيروت: د.ت).

150 ) ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبد الله بن عبد الله الرومي (ت: 626هـ / 1229م). معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب)، تحقيق: إحسان عباس دار الغرب الإسلامي (بيروت: 1993م).

معجم البلدان ،ط2 ، دار صادر، (بيروت: 1995م).

151. اليحصبي ، أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون السبتي (ت: 544هـ/ 1149 م).

مشارق الأنوار على صحاح الآثار ، المكتبة العتيقة ودار التراث، (بيروت: د.ت).

152 ) اليعقوبي ، احمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن ابي واضح (ت: 292هـ / 905م).

تاريخ اليعقوبي، دار صادر، (بيروت: 1060م).

ثالثاً : المراجع

1 ) آرامور، روبرت.

آلهة مصر القديمة واساطيرها ، ترجمة : مروة الفقي ، مراجعة : محمد بكر، المشروع القومي للترجمة باشراف : جابر عصفور ، (القاهرة: 2005م)

2 ) إزمان، أدولف.

ديانة مصر القديمة نشأتها وتطورها ونهايتها في اربعة الاف سنة، ترجمة: عبد المنعم ابو بکر، محمد انور شكري ، مكتبة مدبولي ، (القاهرة :1995م ).

3 ) الألباني، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم

الأشقودري .

ضعيف الجامع الصغير وزيادته، أشرف على طبع : زهير الشاويش ، المكتب الإسلامي ، (بيروت :د.ت ).

4 ) اسود، عبد الرزاق محمد .

المدخل الى دراسة الاديان والمذاهب ، (بیروت: د.ت) .

5. الاشقر ، عمر سليمان عبد الله.

التقوى تعريفها وفضلها ومحذوراتها وقصص من احوالها، دار النفائس للنشر والتوزيع ، (عمان: 2011م).

6 ) آل الشيخ ، صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم.

التمهيد لشرح كتاب التوحيد محاضرات طبعت بدار التوحيد (الرياض :2003م)

7 ) الالوسي، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني.

الالوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، تحقيق: علي عبد الباري عطية ، دار الكتب العلمية، (بيروت: 1985م).

8 ) ابن ایاس ، ابو البركات زين العابدين محمد بن أحمد الحنفي.

بدائع الزهور في وقائع الدهور ، (القاهرة: 1984م).

9 ) ام هرو، برت.

كتاب الموتى الفرعوني (من بردية آني بالمتحف البريطاني)، الترجمة عن الهيروغليفية: السير والس بدج، الترجمة للعربية والتعليق: فيليب عطية ، مكتبة مدبولي، (القاهرة: 1988م).

10. البار، محمد علي.

الله جل جلاله والانبياء علیه السلام في التوراة والعهد القديم دراسة مقارنة، الدار الشامية ، (بیروت: 1990م).

11. البدراوي، رشيد .

قصص الانبياء والتاريخ ، (القاهرة : 1996م ) .

12. بدوي، احمد.

تاريخ التربية والتعليم في مصر، (القاهرة: د.ت).

في موكب الشمس ، لجنة التأليف والترجمة والنشر، (القاهرة :1964م ).

13 ) بدوي، عبد الرحمن .

الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، مكتبة النهضة المصرية، (القاهرة: 1947م).

14 ) البستاني، بطرس.

دائرة المعارف ، (بیروت: 1876م)

15 ) بشروئي، سهيل ، مراد مسعودي .

تراثنا الروحي من بدايات التاريخ الى الاديان المعاصرة، ترجمة: محمد غنيم ، دار

الساقي ، (بيروت: 2011م).

16 ) بيرج ، لويس جينز .

اساطير اليهود ، ترجمة: حسن مهدي ، المراجعة اللغوية والتدقيق : طه عبد الرؤوف سعد ، دار الكتاب العربي ، (دمشق : 2007م).

17 ) التميمي ، عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، (القاهرة: 1957م)

18 ) التناري بلدا، محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما.

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد، تحقيق: محمد أمين الصناوي، دار الكتب العلمية ، (بيروت: 1996م)

19. جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية.

التوحيد عقيدة الامة منذ آدم ، قسم الدراسات والبحوث ، دار كيوان للطباعة والنشر والتوزيع ، (دمشق: 2009م)

الأسطورة توثيق حضاري، قسم الدراسات والبحوث ، دار كيوان للطباعة والنشر

والتوزيع ، (دمشق : 2009م).

20 ) حجي، طارق.

نقد العقل العربي من عيوب تفكيرنا المعاصر، ط2، دار المعارف، (بیروت: د.ت).

21. الحسيني، محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن مثلا علي خليفة القلموني.

الوحي المحمدي، دار الكتب العلمية ، (بيروت: 2005م).

22. الحقيل الحقيل، ابراهيم بن محمد.

القناعة - مفهومها - منافعها - الطريق اليها ، (بيروت: د.ت)

23. حكيم، محمد طاهر.

رعاية المصلحة والحكمة في تشريع نبي الرحمة (صلى ‌الله‌ عليه [وآله] ‌وسلم)، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، (المدينة المنورة: 2002م).

24 ) الحمد، محمد بن إبراهيم بن أحمد.

مصطلحات في كتب العقائد ، درا بن خزيمة، (الرياض: د.ت).

25 ) الحملاوي، عمر العرباوي.

كتاب التوحيد المسمى بـ (التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد) مطبعة الوراقة العصرية، (بيروت: 1984م)

26. الخالدي، صلاح.

قصص القرآن (عرض وقائع وتحليل احداث ) دار القلم، (دمشق: 1998م).

27 ) خان ، ظفر الإسلام .

التلمود تاريخه وتعاليمه ، دار النفائس ، ط8 ، (بیروت: 2002 م).

28 ) خشيم، علي فهمي.

آلهة مصر العربية، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والعلان ، دار الافاق الجديدة ، (الدار البيضاء: 1990م).

29. أبو خليل ، شوقي.

أطلس القرآن (أماكنُ ، اقوام اعلام)، دار الفكر المعاصر، (بيروت: 2003م).

دائرة المعارف الكتابية ، تحرير : وليم وهبة بباري ، دار الثقافة، (بيروت: د.ت).

30 ) الديس ، المطران يوسف.

تاريخ سورية الدنيوي والديني (تاريخ شعوب سورية القدماء)، مراجعة وتدقيق : هارون رعد، اشراف : نظیر عبود ، دار نظیر عبود للنشر، ( بيروت: 1994م ).

31 ) دخیل، علي محمد علي.

قصص الأنبياء علیه السلام ، دار المرتضی (بیروت: 2002م).

32 ) درويش، هدى.

نبي الله إدريس بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، (القاهرة 2008م ).

33. ذكي، فريد.

شخصیات من الكتاب المقدس، دار الاخوة للنشر ، (بیروت: 2008م).

34 ) الرومي، فهد بن عبد الرحمن بن سليمان.

اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، طبع بإذن رئاسة إدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد في المملكة العربية السعودية ، (الرياض: 1986م).

35. الزحيلي، وهبة بن مصطفي .

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، ط2، دار الفكر المعاصر، (دمشق:

1998م).

36 ) زکار، سهیل .

المحذوف من التوراة كاملاً، دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع، (بيروت: 2006م).

37. الزهيري، عبد الفتاح .

الموجز في تاريخ الصابئة ، (بيروت: د.ت).

38 ) الزيات، أحمد، وآخرون (مجمع اللغة العربية بالقاهرة).

المعجم الوسيط ، دار الدعوة ، (القاهرة: د.ت).

39 ) سجيف، دانید.

قاموس عبري ، دار شوکت ، (اورشلیم: د.ت).

40 ) السحار، عبد الحميد جودة.

اضواء على السيرة النبوية ، (بيروت: د.ت).

41 ) السحيم، محمد بن عبد الله بن صالح.

الإسلام أصوله ومبادئه، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

، (الرياض 2000م).

42 ) السدلان صالح بن غانم بن عبد الله بن سليمان بن علي.

التوبة إلى الله - معناها ، حقيقتها ،فضلها ، شروطها ، دار بلنسية للنشر والتوزيع، ط4 ، (الرياض : 1995م).

43 ) سلیمان ، ایبودیاکون باسم .

سفر حكمة يشوع بن سيراخ (يوناني - انكليزي - عربي)، (بيروت: د.ت).

44 ) ابو سعدة، روؤف

العلم الاعجمي في القرآن مفرا بالقرآن ، تعليق : محمود محمد الطناحي، دار الهلال، (بیروت: د.ت).

45. السمحراني، أسعد.

موسوعة الاديان الميرة، دار النفائس، (بیروت: 2001م).

46. السمنودي، مانيتون.

الجبنانا أسفار التكوين المصرية، تحقيق: علي الألفي ،(القاهرة: د.ت)

47 ) السيار، ندیم .

قدماء المصريين اول الموحدين ،ط2 (القاهرة: 1995م) .

لیو آلهة ولكن ملائكة ، (القاهرة: 2003م)

48 ) سيد قطب ، إبراهيم حسين الشاربي.

في ظلال القرآن، 17 دار ، الشروق ، (بيروت- القاهرة: 1991م).

49 ) الشافعي، عباس بن محمد بن أحمد بن السيد رضوان المدني.

مختصر فتح رب الأرباب بما أهمل في لب اللباب من واجب الأنساب، مطبعة المعاهد بجوار قسم الجمالية ، (القاهرة: 1926م).

50 ) الشامي ، رشاد .

موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية ، المكتب المصري للتوزيع المطبوعات ، (القاهرة: 2002 ).

51. شحلان ، احمد، وآخرون .

لغات الرسل وأصول الرسالات (موسی ـ عيسى - محمد عليهم الصلاة والسلام)،

(بیروت: د.ت)

52 ) الشريف، محمود .

الأديان في القرآن ،ط 5 ، مكتبات عكاظ للنشر والتوزيع، (جدة: 1984م).

53 ) الشعراوي، محمد متولي.

قصص الأنبياء ومعها سيرة الرسول (ص)، اعتنى به عبد الستار علي ، محمد سماح عمر، الناشر: حسن محمود، دار القدس ، (بيروت: 2006م).

54 ) الشوكاني، محمد بن إسماعيل الصنعاني، محمد بن علي بن محمد.

تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد ويليه شرح الصدور في تحريم رفع القبور، تحقيق: عبد المحسن بن حمد العباد البدر، مطبعة سفير ، (الرياض: 2003م). 55 ) الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني.

العَذْبُ النَّمِيرُ مِنْ مَجَالِسِ الشَّنْقِيطي فِي التَّفْسِيرِ، تحقيق: خالد بن عثمان السبت، إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد، ط2، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، (مكة

المكرمة : 2005م).

56 ) الصعيدي، ماجد مصطفى.

هرمس في المصادر العربية، دار الكرز للنشر والتوزيع، (القاهرة: 2007م).

57 ) طبارة، عفيف عبد الفتاح .

مع الأنبياء في القرآن الكريم (قصص ودروس وعبر من حياتهم )، 15 دار العلم

للملايين ، (بیروت : 1985م) .

58 ) الطباطبائي، محمد حسین .

الميزان في تفسير القرآن، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية (قم المقدسة : د.ت).

59 ) ظاظا، حسن .

الفكر الديني الإسرائيلي أطواره ومذاهبه ، (الاسكندرية : 1971م).

60 ) عادل ، نور الدين.

مجادلة اهل الكتاب في القرآن الكريم والسنة النبوية ، مكتبة الرشيد ناشرون ، (الرياض: 2007 م).

61 ) ابن عاشور ، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي.

التحرير والتنوير (تحرير المعنى الديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد)، الدار التونسية للنشر (تونس : 1984م).

62 ) عبد المعبود، مصطفى.

علامات اخر الزمان في اليهودية ، مكتبة النافذة ، (الجيزة: 2010م).

63 ) عبده، سمير .

السريانية – العربية الجذور والامتداد ،طر2 منشورات علاء الدين (بيروت: 2002م).

64 ) عبودي، هنريس.

معجم الحضارات السامية، ط2، دار جرنس ،برنس (طرابلس :1991م).

65 ) العتيبي ، عمر بن سليمان بن عبد الله الأشقر.

عالم الملائكة الأبرار، مكتبة الفلاح، ط3، (الكويت : 1983م).

66 ) العثيمين، محمد بن صالح بن محمد.

شرح العقيدة الواسطية، تحقيق: سعد فواز الصميل ، 5 دار ابن الجوزي ، (الرياض:

1998م ).

67 ) العقاد، إبراهيم.

أبو الأنبياء ، نهضة مصر ، (القاهرة: 2001م).

68 ) العقيل، عبد الله.

ادب الحوار والمجادلة ، مركز الاعلام العربي ، (الجيزة: 2008م).

69. علي ، جواد.

المفصل في تاريخ العرب، ط 4 ، دار الساقي، (بيروت: 2001م).

70 ) العيد ، سليمان بن قاسم.

النبوة والانبياء عند اليهود في العهد القديم ، جامعة الملك سعود للنشر العلمي والمطابع ، (الرياض 2003م).

71 ) فريك تيموثي بيتر غاندي.

متون هرمس حكمة الفراعنة المفقودة، ترجمة: عصفور المجلس الأعلى للثقافة (القاهرة: 2002م).

72 ) فعال ، حسين .

القصص القرآنية وتاريخ الانبياء في تفسير الميزان للسيد العلامه محمد حسن الطباطبائي ، ط2، دار الرسول الاكرم صلی الله علیه [واله] وسلم، (بيروت: 2007م).

73. الفعالي، الخوري بولس.

المحيط الجامع في الكتاب المقدس والشرق القديم المكتبة ، البولسية، ط2، (بيروت: 2990 م).

74 ) الفوزان ، صالح بن فوزان بن عبد الله.

شرح الأصول الثلاثة ، مؤسسة الرسالة، (بيروت: 2006م).

75 ) ابو الفيض ، محمود .

الدين المقارن ، نهضة مصر، (القاهرة: 1990م).

76 ) الفيفي، علي بن جابر.

حلية الوقار لجيل عطر الادب، دار الحضارة للنشر والتوزيع ، (الرياض: 2017م).

77. الفيومي، محمد إبراهيم.

تاريخ الفكر الديني الجاهلي ،ط4 دار الفكر العربي، (القاهرة: 1994م ).

78 ) قاسم ، قاسم عبده.

بين التاريخ والفلولكور، دار عين للدراسات ط2، (القاهرة: 2001م).

79 ) القاسمي، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق.

تفسير القاسمي (محاسن التأويل)، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلميه (بیروت: 1997م) .

80 ) القحطاني، سعيد بن علي بن وهف.

سلامة الصدر وخطر الحقد ،والحسد ، والتباغض ، والشحناء، والهجر، والقطيعة مفهوم ،وأسباب ، وآداب ، وأحكام ، وعلاج في ضوء الكتاب والسنة، (الرياض: 2005م).

الخلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة، مكتبة الملك فهد الوطنية للنشر، (الرياض: 2010 م).

81. القمي ، ابو الحسن علي بن ابراهيم.

تفسير القمي ، (بيروت: د.ت).

82. القنوجي، أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري.

فتح البيان في مقاصد القرآن، طباعة وتقديم ومراجعة : عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، (صيدا - بيروت : 1992م).

قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر ، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ، (الرياض: 2000م).

أبجد العلوم، دار ابن حزم ، (بيروت: 2002م).

83 ) لالويت ، كلير .

الفراعنة في مملكة مصر (زمن الملوك الآلهة) ترجمة : ماهر جويجاني، اشراف: جابر عصفور ، المركز القومي للترجمة ، (القاهرة: 2010م).

84 ) لورکر، مانفرد.

معجم المعبودات والرموز في مصر القديمة ، ترجمة : صلاح الدين رمضان، مراجعة : محمود ماهر ، مكتبة مدبولي ، (القاهرة : 2000م)

85 ) ماضي، محمود.

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع (الاسكندرية :1996م ).

86 ) مبارد، سید.

معجزات الانبياء والمرسلين، المكتبة المحودية، دار البيان للطباعة ، (القاهرة: 2004م).

87 ) مجموعة باحثين.

نداء السراة (اختطاف جغرافية الانبياء)، ط2، (القاهرة: 2006م).

88 ) محمد ، منصور عبد الكريم.

زوجات الأنبياء والرسل ، المكتبة التوفيقية، (القاهرة: د.ت)

89 ) المراغي، أحمد بن مصطفى.

تفسير المراغي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، (القاهرة: 1946م)

90. معلوف ، لویس .

المنجد في اللغة ، المطبعة الكاثوليكية ، (بيروت: 2010م).

91 ) المغلوث، سامي عبد الله.

أطلس تاريخ الأنبياء والرسل ، ط6 مكتبة الملك فهد الوطنية للنشر، (الرياض:

2005 م).

92 ) میر، عمرو عبد العزيز.

الاساطير المتعلقة بمصر في كتابات المؤرخين المسلمين ، دار عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية ، (الجيزة: 2008م).

93 ) المهدي، القاضي حسين بن محمد.

الشورى في الشريعة الإسلامية ، تقديم : عبد العزيز المقالح ، سجل هذا الكتاب بوزارة الثقافة، مكتبة المحامي : أحمد بن محمد المهدي ، (بيروت: د.ت).

94 ) موسوعة الكتاب المقدس ، دار منهل الحياة (بيروت: 1993م) .

95 ) المنياوي، أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى بن عبد اللطيف.

الجموع البهية للعقيدة السلفية التي ذكرها العلامة الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان : مكتبة ابن عباس ، (القاهرة: 2005م).

96 ) النجار، عبد الوهاب.

قصص الانبياء ، (القاهرة: د.ت).

97 ) نخبة من العلماء واللاهوتين.

التطبيقي للكتاب المقدس ، ترجمة : وليم وهبة ،وآخرون شركة ماستر ميديا ، (القاهرة: 1986م).

98 ) نخبة من الأساتذة ذوي الاختصاص ومن اللاهونين.

قاموس الكتاب المقدس، هيئة التحرير: بطرس عبد الملك وآخرون، (بیروت: د.ت).

99 ) نعمة، حسن .

موسوعة ميثولوجيا وأساطير الشعوب القديمة ومعجم اهم المعبودات القديمة، دار الفكر العربي ، (بيروت: 1999م).

100 ) نور الدين ، عبد الحليم.

الديانة المصرية القديمة (المعبودات)، ط2، (القاهرة: 2010م).

101. هورتونج ، اريك.

ديانة مصر الفرعونية الوحدانية والتعددية ، ترجمة : محمود ماهر طاهر، مصطفی ابو الخير ، مكتبة مدبولي ، (القاهرة: 1995م)

102. هووك، صموئيل هنري.

منعطف المخيلة البشرية ، (بيروت: 1998م).

103. هیر دوت ، صموئيل .

هیر دوت يتحدث عن مصر، ترجمة: محمد صفر خفاجة ، تقديم : احمد بدوي، دار

القلم ، (القاهرة: 1966م).

104. اليسوعي ، صبحي حموي.

معجم الايمان المسيحي، أعاد النظر من الناحية المسكونية : الاب جان کوربون، ط2، دار المشرق ، (بیروت: 1998م).

رابعاً : الرسائل والدوريات

1 ) حمود، باسل خلف.

أسماء الأنبياء في القرآن الكريم دراسة لغوية تحليلية ، مجلة كلية العلوم الإسلامية، (بيروت : 2008م).

2 ) المدهون، مي حسن محمد .

الملائكة والجن دراسة مقارنة في الديانات السماوية الثلاثة (اليهودية - النصرانية - الإسلام)، أطروحة دكتوراه ، جامعة أم القرى ، (مكة المكرمة : 2009 م).

خامساً: مواقع الانترنيت

1 ) ابن الشريف ، محمد ، معاني اسماء الانبياء ، موقع لماذا الإسلام،

http://www.whyislamsa.com

المحتويات

الإهداء ... 7

تقديم ... 9

المقدمة ... 11

الفصل الأول

نسب النبي إدريس علیه السلام

معنى اسمه - الأسماء التي عُرف بها

المبحث الأول : نسب النبي إدريس علیه السلام في الروايات والمصادر

اليهودية والمسيحية والإسلامية ... 19

أولاً نسبه علیه السلام في الروايات والمصادر اليهودية والمسيحية ... 19

ثانياً : نسبه علیه السلام في الروايات والمصادر الإسلامية ... 21

ثالثاً : ربط نسب النبي إدريس بالنبي نوح علیه السلام ... 26

رابعاً : ترتيب النبي علیه السلام إدريس بين كبار الأنبياء علیه السلام ... 31

المبحث الثاني : معنى اسمه والأسماء التي عُرف بها ... 35

أولاً : معنى اسمه علیه السلام ... 35

ثانياً : الأسماء التي أطلقت على النبي إدريس علیه السلام ... 40

المبحث الثالث: ولادة النبي إدريس علیه السلام ونشأته وزواجه ... 76

أولاً : ولادته علیه السلام ... 76

ثانياً : مكان ولادته علیه السلام ... 79

ثالثاً : زواج إدريس علیه السلام وأولاده ... 84

رابعاً: عمل النبي إدريس علیه السلام ... 88

خامساً : لغة النبي إدريس علیه السلام ... 91

الفصل الثاني صفات النبي إدريس علیه السلام

المبحث الأول: صفات النبي إدريس علیه السلام في الروايات اليهودية والإسلامية ... 99

أولاً: صفات النبي إدريس علیه السلام في الروايات اليهودية ... 99

1 - السير مع ... 101

2 - أرضى الله ... 105

3 - نقله الله ... 107

ثانياً : صفات النبي إدريس علیه السلام في الروايات الإسلامية ... 109

المبحث الثاني: خصال النبي إدريس علیه السلام ... 116

أولاً: النبوة والحكمة والرهبنة ... 116

ثانياً : رؤية الملائكة ... 118

ثالثاً : عِلْمِ النُّجُومِ وَالْحِسَابِ ... 119

رابعاً : الكتابة ... 124

خامساً : الخياطة ... 126

سادساً : الجهاد ... 128

سابعاً: الأوزان المكاييل ... 130

ثامناً: الطب ... 130

تاسعاً : بناء المدن ... 131

عاشراً: تنظيم الري والزراعة ... 132

إحدى عشر : الطوفان والنبي إدريس علیه السلام ... 132

اثنتي عشر: بناء الأهرامات والبرابي ... 136

الفصل الثالث

صحف نبي الله إدريس علیه السلام ودعوته

المبحث الأول : صحف إدريس علیه السلام المنزلة من السماء والوحي ... 143

أولا : صحف إدريس علیه السلام المنزلة من السماء ... 143

ثانياً : الوحي والنبي إدريس علیه السلام ... 149

ثالثاً : نبي الله إدريس علیه السلام وملوك زمانه ... 152

رابعاً : مكانة إدريس علیه السلام في القرآن والسنة النبوية ... 159

المبحث الثاني: دعوته وشريعته وقبلته ... 162

أولاً: دعوة إدريس علیه السلام والخلاف في زمان دعوته ... 162

ثانياً : ماذا كانت دعوته؟ ... 178

ثالثاً : قبلة نبي الله إدريس ... 181

المبحث الثالث: أثر النبي إدريس علیه السلام ... 183

أولاً: التوحيد ونبذ عبادة الأسلاف ... 184

ثالثاً : الزكاة ... 187

رابعاً: الصيام ... 187

خامساً : الحج ... 189

الفصل الرابع

معجزة رفع نبي الله إدريس علیه السلام

المبحث الأول : مفهوم الرفع وأسبابه. ... 193

أولاً: مفهوم معجزة الرفع ... 193

ثانياً : أسباب الرفع ... 194

ثالثاً : النبي إدريس علیه السلام وقصة هاروت وماروت ... 202

المبحث الثاني : عمر النبي علیه السلام عند رفعه ومعنى ومكان الرفع ... 202

أولاً: عمر النبي إدريس علیه السلام عند رفعه ... 207

ثانياً : معنى الرفع ... 210

ثالثاً : المكان الذي رفع إليه النبي إدريس ... 221

رابعاً : وصية النبي إدريس علیه السلام قبل رفعه ... 227

الفصل الخامس

حكم النبي إدريس علیه السلام ومواعظه

حكم النبي إدريس علیه السلام ومواعظه ... 231

1 - دعوته علیه السلام إلى حسن الدعاء ... 232

2 - دعوته علیه السلام إلى حسن الخلق ... 233

3 - دعوته علیه السلام إلى نبذ الحرص ... 235

4 - دعوته علیه السلام إلى شكر الله وطاعته ... 236

5 - دعوته علیه السلام إلى محاربة هوى النفس ... 237

6 - دعوته علیه السلام لترك الجهالة الخالق والمخلوقين. ... 238

7 - دعوته علیه السلام إلى القناعة والكفاف. ... 239

8 - دعوته علیه السلام إلى التقوى ... 240

9 - دعوته علیه السلام إلى الحكمة ... 242

10 - دعوته علیه السلام إلى العلم واحترام العلماء ... 244

11 - دعوته علیه السلام إلى الاعتذار والوقار والسكينة ... 247

12 - التوبة عند إدريس علیه السلام ... 249

13 - دعوته علیه السلام إلى عدم مخالطة الأشرار. ... 250

14 - دعوته علیه السلام إلى نبذ الرياء والنفاق ... 251

15 - دعوته علیه السلام إلى الإكثار من الاستغفار والدعوة للعمل الصالح ... 253

16 - دعوته علیه السلام إلى الجلد وعدم الهزل ... 254

17 - دعوته علیه السلام إلى عدم مجادلة الجهلة. ... 255

18 - نصائحه علیه السلام إلى الملوك والحكام ... 257

19 - دعوته علیه السلام إلى معرفة قدر الإنسان ... 261

20 - موقفه علیه السلام من الحياء ... 261

21 - دعوته علیه السلام إلى فعل الخير وقول الحق .... 262

22 - دعوته علیه السلام إلى الجود ... 264

23 - موقفه علیه السلام من الجهل ... 265

24 - دعوته علیه السلام إلى الشورى وتقديم النصح ... 266

25 - موقفه علیه السلام من الحقد والحسد ... 267

26 - دعوته علیه السلام إلى حسن المعاشرة ... 269

27 - دعوته علیه السلام إلى الحلم ونبذ المزاح والغضب ... 273

28 - دعوته علیه السلام إلى ترك الدنيا ... 276

الخاتمة ..... 279

الملاحق ... 283

المصادر والمراجع ... 289