المجتهد مکانته ووظائفه

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

المجتهد

مكانته ووظائفه

الشيخ على عيسى الزواد

بهدى ولا يباع

الطبعة الأولى

1429ه- / 2008م

محرر الرقمی:محمد رضا راهجو

اشارة

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ

غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ»

«يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»(المجادلة: من الآية11)

مقدمة

الحمد لله خالق الخلق، وباسط الرزق، ذي الجلال والإكرام، والفضل والإحسان، الذي بعد فلا يرى، وقرب فشهد النجوى، تبارك وتعالى. والصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، صاحب المقام المحمود والحوض المورود، الحميد الأحمد أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الهادين المهديين، ولاسيّما الاسم الأعظم الإلهي، الحاوي للعلم غير المتناهي، الحجة القائم الغائب النائي. واللعنة على أعدائهم ومنكري فضائلهم وشرف مقامهم، إلى يوم يدعى كل أناس بإمامهم.

لقد كثر وذاع وشاع الاختلاف بين الناس في هذه الأعصار، فبين من يرى فقيهاً لا قيمة له، ولا اعتبار بآرائه، ولا نفع لأقواله، ولا جدوى من اجتهاده، وبين من يرى فقيهاً مُعيّناً إماماً تجب طاعته

مطلقاً ولا يقبل في حقّه الخطأ والسهو، وله الولاية العامّة كافر من خالفه، مشرك من ردّ عليه.

كما أنّ البعض لا يعلم في أيّ أمر يكون التقليد، وفي أيّ مورد لا يصحّ، وقد يشتبه على البعض أيضاً أي الموضوعات التي لا يصحّ التقليد فيها، وأيّ الموضوعات التي هي من شأن الفقيه وعلى المقلِّد أن يتّبع المجتهد في تشخيص ذلك الموضوع.

فالناس في ذلك بين إفراط وتفريط، فأردت أن أزيح الغمام عن وجه بعض الأنام، ليكونوا على بينة من أمرهم، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍوَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}(الأنفال: من الآية42)، أسأل الله تعالى أن أكون موفّقاً لإزالة اللثام، عن وجه هذه الحقيقة بحقّ الإله الخالق العلاّم. فهو حسبي ونعم الوكيل.

تمهید

اشاره

لقد اهتمّ أهل البيت علیهم السلام بالفقيه اهتماماً بالغاً، لأنّه الصادع بالحق المبلّغ له، وهو المنقذ للناس من الضلال والانحراف، وهو الذي إذا صلح صلح الناس، وإذا فسد فسد الناس، وتنوّعت وتعددت معايير تحديد الفقيه على لسان أئمة الهدى علیهم السلام، وكلّها تُعطيك نتيجة واحدة وهي أهميّة ما يقوم به الفقيه من دور كبير خطير.

ففي جانب تعاطيه مع الناس نجد أنّ الفقيه مطلوب منه أن لا يُقنط الناس من الرحمة ولا يؤمنهم العذاب، فيجعلهم بين الخوف والرجاء قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (السجدة:16).

كما على الفقيه أن لا يُرخّص للناس في معصية الله تعالى، فيميل إلى الفتاوى التي فيها تيسير وسهولة وخفّة على الناس وإن

كانت فيها معصية لله تعالى.

ففي الكافي ج1 ص36 بسنده عن أبي عبد الله علیه السلام، قال: (قال أمير المؤمنين علیه السلام: ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه؟ من لم يُقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره... ).

كما اعتبر في الفقيه أن يكون زاهداً في الدنيا، منصرفاً عنها، لا تغرّه الدنيا، فإن وجد المأكل الطيِّب الشهي أكله، وإن لم يحصل لم يأسف عليه، وإن وجد الملبس الفاخر قد يلبسه، وإن فقده لم يتحسّر عليه، ففي الخصال عن الإمام الصادق علیه السلام أنّه قال:( لا يكون الرجل فقيهاً حتى لا يبالي أي ثوبيه ابتذل، وبما سدّ فورة الجوع).

قال الشيخ المجلسي (رحمه الله) في بحاره ج2 ص49 – بعد إيراد الحديث المتقدم -:

(المراد أن لا يبالي أي ثوب لبس؟ سواء كان رفيعاً أو خسيساً، جديداً أو خلقاً، ويمكن أن يقرأ ابتذل على البناء للمفعول، أي لا يباليأي ثوب من أثوابه بلى وخلق؟ وفورة الجوع: غليانه وشدته).

كما أنّ بعض الروايات قد اعتبرت في الفقيه أمراً عظيما جليلاً، فورد فيها عن أهل البيت علیهم السلام: ( انه لا يكون الفقيه فقيها

حتى نلحن له بالقول فيعرف ما نلحن له)((1)) (اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنّا، فإنّا لا نعدّ الفقيه منهم فقيهاً حتى يكون محدثاً، فقيل له: أو يكون المؤمن محدثاً؟ قال: يكون مفهّماً، والمفّهم المحدّث)((2)).

وكيف لا يكون كذلك وهو بتلك المنزلة من التقوى والصلاح ومخالفة الهوى والطاعة لمولاه جلّ وعلا، فإنّ الله تعالى يفيض على العباد إذا جاهدوا نفوسهم واتقوا الله تعالى، والفقيه العارف المجاهد لنفسه، المطيع لله تعالى على بصيرة من أمره هو أولى بذلك الفيض، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت:69) {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(البقرة: من الآية282).

كما أنّ المجتهد هو نائب عن الإمام الحجّة المنتظر في غيبته، وتلك النيابة هي نيابة عامّة لا خاصّة، بمعنى أنّ الإمام لم يجعل هذا الفقيه بخصوصه نائباً عنه، كما حدث ذلك في زمان ظهورهم علیهم السلام، بل أطلقوا النيابة بشرائط معينة، وكل من انطبقت عليه تلك الشرائط كان نائباً عامّاً عنه، وعُرفت تلك النيابة في الجملة من خلال النصوص الشرعيّة الواردة في حق الفقيه في موارد متعددة التي منها:


1) جواهر الكلام للشيخ الجواهري ج12 ص401.

2) وسائل الشيعة (آل البيت ) للحر العاملي ج27 ص149.

في الكافي للشيخ الكليني بسنده عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحل ذلك؟ قال: (من تحاكم إليهمفي حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ}((1)) قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنِّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنَّما استخف بحكم الله، وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله... الحديث)((2)).

وفي إكمال الدين وإتمام النعمة بسنده عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان علیه السلام: (أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك - إلى أن قال: - وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم


1) النساء: من الآية60.

2) الكافي 1: 54 / 10 و 7: 412 / 5. ونقله في الاحتجاج ص355. ورواه الشيخ الطوسي في التهذيب 6: 218 / 514، و301 / 845. وعنهم وسائل الشيعة للحر العاملي ج72 ص136.

حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم... الحديث)((1)).

وغيرها من الأحاديث التي استفاد منها العلماء ودلّت على وجود بعض الصلاحيّات الجليلة للفقيه كما سنوافيك ببيانها وتفصيلها - إن شاء الله تعالى - فيما يأتي من مباحث.

المخطئة والمصوبة

وكلّنا يعلم أنّ هذه الطائفة الحقّة هي من المخطّئة، بمعنى أنّ الفقيهيمكن أن يصيب الواقع كما يمكن أن يُخطأه، لأنّ الواقع محفوظ، ولذا لا تكون كلّ أقواله مصيبة للواقع وبهذا المعنى امتلأت كتب أصول الفقه، وهذا أمر يدركه العامّة قبل الخاصّة، واتفق عليه جمهور العقلاء ما عدا الأشاعرة، وبعض المعتزلة، وليس حديثنا معهم.

ولتأكيد هذا الأمر البديهي - حيث أصبحت البديهيّات بحاجة إلى إثبات، لوجود التشكيك في كلّ شيء ما عدا الباطل - لا بأس بأن نورد مقطعاً من بعض تقريرات بحث آية اللّه الخوئي(رحمه الله) حيث قال((2)): (تبيّن أنّ المجتهد قد يصيب في استنباطاته فيطابق رأيه الواقع وقد يخطئ).

وبما أنّ الفقيه إنسان غير معصوم لذا يصحُّ في حقِّه الخطأ


1) إكمال الدين: 484 / 4. والغيبة للشيخ الطوسي 176. والاحتجاج 469. وعنهم وسائل الشيعة للحر العاملي ج27 ص140.

2) التنقيح ج1 ص43.

والسهو، بخلاف المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فعله وقوله وتقريره حقّ، ومصدر شرعي يعمل العباد على حذوه، قال تعالى:

{...وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَهَ إِنَّ اللَهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(الحشر: من الآية7).

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران:31)

ولتجويز الخطأ في حقِّ المجتهد كان لابُدّ أن تكون ولايته وصلاحيّاته محدودة ومنضبطة بضوابط، لعدم عصمته، كما سيأتي إنشاء الله تعالى.

الفُتيا

اشاره

الإفتاء: هو الحكم الكلّي على موضوع يستخرجه ويستنبطه الفقيه من الأدلّة الشرعيّة.

فيحكم الفقيه بنجاسة الدمّ مثلاً، وبحرمة الميتة مثلاً، وهذا حكم كلّي يجري على مصاديقه وأفراده، لكن الحكم جزئيّاً على موضوع مُعيّن - كالحكم على أنّ هذا السائل دمّ وحرام - ليس من شؤون المفتي، وكذلك الحكم في القضاء والمنازعة بين الناس فإنّ الحكم فيها حكم جزئي شخصي على موضوع وليس هذا من شأن الفقيه بما هو مفتي وإنّما هو من شأنه بما هو قاض.

ولا يحقّ لأي عالم أن يُفتي حتّى تجتمع فيه شرائط، فليس كلّ عالم يصحُّ له أن يُفتي كما أنّه ليس كلّ من تصدّى للمرجعية جاز تقليده، بل لابُدّ من توافر شرائط بها يكون أهلاً للفُتيا كما يكون أهلاً للمرجعيّة.

فيشترط في قبول قول من يدّعي المرجعيّة شروط، نذكر أهمّ ثلاثة شروط أساسية مذكورة في جميع الرسائل العملية((1)) وهي:

الأوّل: الإجتهاد:

وقد عُرِّف الاجتهاد بتعاريف متعددة ومنها((2)):

1- استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي.

2- ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية.3- تحصيل الحجة على الحكم الشرعي.

ولا يثبت اجتهاد المجتهد بمجرّد دعواه، أو التفاف المصلحيين حوله، بل لابد من حصول أحد أمور ثلاثة:

1- العلم: بحيث يكون الشخص من أهل الخبرة والمعرفة والإستدلال، فيكون قادراً بنفسه على تشخيص المجتهد من غيره.

2- الشياع: بين أهل العلم المفيد للإطمئنان، ولا يعتبر الشياع بين العوام من الناس ما لم يكن مستنداً إلى أهل العلم، وكذلك لا يعتبر الشياع بين فئة حزبية أو غيرها وإن تزيت بزي أهل العلم، لأنّ المرجعية لا تقوم على أساس قرار سياسي أو حزبي.

3- البيّنة: بأن يشهد شاهدان مؤمنان عدلان باجتهاد شخص،


1) راجع كلام السيّد الخوئي في منهاج الصالحين الجزء الأوّل في التقليد، نقلناه بتصرّف.

2) كتاب الاجتهاد والتقليد للسيد الخوئي ص20.

ويشترط فيهما أن يكونا من أهل الخبرة في استنباط الأحكام الشرعيّة من مداركها، فلا تقبل شهادة الشخصين ما لم تثبت عدالتهما وإن كانا من أهل الخبرة.

الثاني: العدالة:

وهي عبارة عن الاستقامة في جادّة الشريعة المقدّسة، وعدم الانحراف عنها يميناً وشمالاً بأن لا يرتكب معصية بترك واجب أو فعل حرام من دون عذر شرعي، ولا فرق في المعاصي من حيث تحقق العدالة بين الصغيرة والكبيرة.

وتثبت العدالة بأحد أمور ثلاثة:

1- العلم اليقيني: الحاصل بالاختبار أو بغيره بحيث يكون هناك يقين وجزم لا يداخله شكّ في العدالة.

2- شهادة العدلين: بأنّ فلاناً عادل، ولا يبعد ثبوتها بشهادة العدل الواحد، بل بشهادة مطلق الثقة.

3- حسن الظاهر: والمراد حسن معاشرته مع الآخرين وسلوكهالديني المعروف بين الناس، بحيث لو سألت الناس عنه لقيل لك: لم نر منه إلاّ خيراً.

الثالث: الإيمان:

والمراد به أن يكون اثني عشريّاً، عرف منه الولاء للأئمة

الطاهرين علیهم السلام، معتقداً فيهم ما تعتقده الطائفة الحقّة، فلو كان غير معتقد بعصمتهم مثلاً ولو بالشّك في ذلك فيقول – مثلاً -: الظاهر أنّ أهل البيت معصومون، فلا يعتبر مؤمناً لأنّه يشترط في الإيمان الجزم والقطع بذلك، وكلمة الظاهر تُنبئ عن الشكّ لا اليقين.

ولا بأس بنقل كلام أستاذ مراجع عصرنا السيّد الخوئي(رحمه الله) فيما يتعلّق بالشرطين الثاني والثالث حيث قال((1)):

(إلاّ أنّ مقتضى دقيق النظر اعتبار العقل والإيمان والعدالة في المقلَّد بحسب الحدوث والبقاء، والوجه في ذلك؛ أن المرتكز في أذهان المتشرعة الواصل ذلك إليهم يداً بيد عدم رضى الشارع بزعامة من لا عقل له، أو لا إيمان أو لا عدالة له.

بل لا يرضى بزعامة كل مَن له منقصة مسقطة له عن المكانة والوقار، لأن المرجعية في التقليد من أعظم المناصب الإلهية بعد الولاية، وكيف يرضى الشارع الحكيم أن يتصدى لمثلها من لا قيمة له لدى العقلاء والشيعة المراجعين إليه، وهل يحتمل أن يرجعهم إلى رجل يرقص في المقاهي والأسواق، أو يضرب بالطنبور في المجامع والمعاهد، ويرتكب ما يرتكبه من الأفعال المنكرة والقبائح، أو من لا يتدين بدين الأئمة الكرام، ويذهب إلى مذاهب باطلة عند الشيعة المراجعين إليه؟!!


1) التنقيح ج1 ص223.

فإنّ المستفاد من مذاق الشرع الأنور عدم رضى الشارع بإمامة من هو كذلك في الجماعة، حيث اشترط في إمام الجماعة العدالة، فما ظنك بالزعامة العظمى، الّتي هي من أعظم المناصب بعد الولاية، إذاً احتمال جواز الرجوع إلى غير العاقل أو غير العادل مقطوع العدم، فالعقل والإيمان والعدالة معتبر في المقلَّد حدوثاً، كما أنها معتبرة فيه بحسب البقاء، لعين ما قدمناه في اعتبارها حدوثاً).

التقليد في الأحكام الشرعيّة:

التقليد هو الاستناد في مقام العمل على فتوى المجتهد، فيكون التقليد في الأحكام الشرعية الفرعيّة، فغير المجتهد والمحتاط يعمل على طبق فتوى مقلَّده الحاوي على شرائط التقليد.

والأحكام الشرعيّة على قسمين:

أحكام شرعيّة تكليفيّة، وتنقسم إلى خمسة، الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة.

وأحكام شرعيّة وضعيّة، مثل الصحّة والبطلان، والنجاسة والطهارة، وكون الذبيحة ميتة أو مذكّاة... وغير ذلك.

والتقليد ليس في الأحكام الشرعيّة التكليفيّة فقط بل يشمل الأحكام الشرعيّة الوضعيّة أيضاً، وسنذكر مزيد بيان حول ذلك

عند الحديث عن التقليد في الموضوعات.

ومسألة التقليد ليست تقليديّة، فإنّ المكلّف لا يُقلِّد في أصل التقليد، وإلاّ لزم أن يتوقف تقليده على تقليده.

وخير بيان لذلك هو قول أستاذ فقهاء عصرنا السيّد الخوئي (رحمه الله) حيث يقول((1)):(إنّا قد اسبقنا، أنّ كل مكلف يعلم - علماً إجمالياً- بثبوت أحكام إلزامية في الشريعة المقدّسة، من وجوب أو تحريم، وبه تنجزت الأحكام الواقعية عليه، وهو يقتضي الخروج عن عهدتها، لاستقلال العقل بوجوب الخروج عن عهدة التكاليف المتوجهة إلى العبد من سيده.

والمكلف لدى الامتثال، إما أن يأتي بنفس الواجبات الواقعية، ويترك المحرمات، وإما أن يعتمد على ما يعذّره على تقدير الخطأ - وهو ما قطع بحجيته - إذ لا يجوز لدى العقل الاعتماد على غير ما علم بحجيته، حيث يحتمل معه العقاب.

وعلى هذا يترتب أنّ العامي لابد - في استناده إلى فتوى المجتهد - أن يكون قاطعاً بحجيتها في حقه، أو يعتمد في ذلك على ما يقطع بحجيته، ولا يسوغ له أن يستند في تقليده على ما لا يعلم بحجيته، إذ معه يحتمل العقاب على أفعاله وتروكه، وعليه لا يمكن أن تكون مسألة التقليد تقليدية، بل لا بد أن تكون


1) التنقيح ج1 ص82.

ثابتة بالاجتهاد.

نعم، لا مانع من التقليد في خصوصياته...).

ضروريّات المذهب ويقينيّاته:

لا يصحّ التقليد في ضروريّات المذهب؛ للقطع بأنّها من الشرع ويجب الإعتقاد بها، ويخرج المنكر لها عن حريم التشيُّع.

والمراد من الضروري هو كل ما تسالم عليه أبناء الطائفة، حتّى عرفه عالمهم وجاهلهم، كوجوب الحج إلى بيت الله في شهر ذي الحجّة، وصوم شهر رمضان المبارك، والصلوات الخمس، وعدد ركعاتها وما إلى ذلك مما لا يصح فيه التقليد، ولا يصحّ لمجتهد أن يجتهد فيها فيقول بخلاف الضرورة، فيكون بذلك قد خرج من التشيّع، إن لم يخرج بذلك عن الإسلام فيما إذا أنكر ضرورة من ضروريّات الإسلام.

وأيضا لا يصحّ التقليد في اليقينيّات، كمشروعيّة إحياء الشعائرالحسينيّة في الجملة، فإنّ التقليد إنّما هو للجاهل، ومع العلم والقطع لا حاجة إلى التقليد، وكيف يعمل بالتقليد الذي هو ظن بالحكم الشرعي مع علمه بخلافه.

قال السيد الخوئي في كتاب الاجتهاد والتقليد ص76: (إنّ مورد التقليد وأخويه((1)) إنما هو ما يحتمل المكلف فيه العقاب.


1) المراد منهما: الاجتهاد والاحتياط.

وأما ما علم بإباحته أو بوجوبه أو حرمته فلا، لعدم كونها مورداً لاحتمال العقاب كي يجب دفعه لدى العقل بالتقليد أو بغيره، لجزمه بعدم العقاب أو بوجوده، فعلى ذلك لا حاجة إلى التقليد في اليقينيات فضلاً عن الضروريات).

الأمور الإعتقاديّة:

لاشكّ ولا شبهة في أنّه لا يجوز التقليد في الأمور الإعتقاديّة التي يكون المطلوب فيها القطع واليقين، ولو صحّ ذلك لصححنا أعمال واعتقادات جميع الملل والنحل، ملحدةً وغيرها، فلا حق يعرف، ولا باطل يتميّز، حتّى من نصب العداء لأهل بيت العصمة علیهم السلام عن تقليد.

بل لا معنى للتقليد في الاعتقادات التي يُطلب فيها اليقين إذ لا يتمّ اليقين بمجرّد التقليد للغير.

نعم لو قام الدليل الصحيح على أمر اعتقادي وجب التسليم به لقيام الحجّة المعتبرة، وإنكاره موجب لردِّ قول المعصوم وتكذيبه، وهو مروق عن هذا الدين القويم.

التقليد في الموضوعات:

اشاره

تقدّم بيان الحكم بقسميه التكليفي والموضوعي عند الكلام على التقليد في الأحكام الشرعيّة، والحديث هنا عن موضوعات

الأحكام، أي الأمور التي يتعلّق بها الحكم الشرعي، ونسميها موضوعات الحكم الشرعي.

والموضوعات تنقسم إلى قسمين رئيسيين:

1 – الموضوعات الصرفة:

وهي التي لا تحتاج إلى نظر واستدلال، ككون هذا المائع بولاً أو خمراً أو ماءً طاهراً أو نجساً.

ولا يجوز التقليد في الموضوعات الصرفة، فتحديد أنّ هذا المائع خمر أم لا بيد المكلّف لا بيد الفقيه، نعم لو أخبر الفقيه بذلك فيُمكن قبول قوله لا من حيث كونه فقيهاً وإنّما من حيث كونه إخبار الثقة.

في كتاب الاجتهاد والتقليد للسيد الخوئي ص412:

(التقليد في الموضوعات الصرفة: إذا رأى المجتهد أن المايع المعين خمر - مثلا - أو أنه مما أصابته نجاسة فهل يجب على من قلده متابعته في ذلك ويعامل مع المايع المعين معاملة الخمر أو ملاقي النجاسة؟

لا ينبغي التوقف في عدم جواز التقليد في الموضوعات الصرفة، لان تطبيق الكبريات على صغرياتها خارج عن وظائف المجتهد حتى يتبع فيها رأيه ونظره فان التطبيقات أمور حسية والمجتهد والمقلد فيها سواء بل قد يكون العامي أعرف في

التطبيقات من المجتهد فلا يجب على المقلد أن يتابع المجتهد في مثلها.

نعم إذا أخبر المجتهد عن كون المايع المعين خمراً أو عن إصابة النجس له وكان إخباره إخباراً حسّيّاً جاز الاعتماد على إخباره إلا أنه لا من باب التقليد بل لما هو الصحيح من حجية خبر الثقة في الموضوعات الخارجية، ومن ثمة وجب قبول خبره على جميع المكلفين وان لم يكونوا مقلدين له كسائر المجتهدين).

2- الموضوعات المستنبطة:

وهي التي تحتاج إلى نظر واستدلال، ومنها ما هو شرعي كتحديد الصلاة التي هي موضوع للحكم الشرعي التكليفي الوجوبي. ومنها ما هو عرفيّ كتحديد الغناء.

والموضوعات المستنبطة بقسميها الشرعي والعرفي هي من شأن الفقيه، ويجب التقليد فيها أو الاحتياط، وليست هي من شأن المقلِّد.

في كتاب الاجتهاد والتقليد للسيد الخوئي ص412:

(التقليد في الموضوعات المستنبطة: كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها... أو الموضوعات العرفية واللغوية كما في الغناء ونحوه فإذا بنى المجتهد على أن السورة لا تعتبر في مسمى الصلاة وأنها

اسم للأجزاء والشرائط غير السورة، أو أن الغناء هو الصوت المطرب لا ما اشتمل على الترجيع من غير طرب فهل يجب على العامي أن يقلده فيهما أو أن الموضوعات المستنبطة من الشرعية والعرفية وغيرهما خارجة عن الأحكام الشرعية ولا يجرى فيها التقليد بوجه؟ الصحيح وجوب التقليد في الموضوعات المستنبطة الأعم من الشرعية وغيرها وذلك لان الشك فيها بعينه الشك في الأحكام، ومن الظاهر أن المرجع في الأحكام الشرعية المترتبة على تلك الموضوعات المستنبطة هو المجتهد، فالرجوع فيها إليه عبارة أخرى عن الرجوع إليه في الأحكام المترتبة عليها. - مثلا - إذا بنى المجتهد على عدم صحة صلاة الرجل إذا كانت بحياله امرأة تصلى أو العكس، إلا أن يكون الفاصل بينهما عشرة اذرع فمعنى ذلك أن الصلاة اسم للأجزاء والشرائط التي منها عدم كونها واقعة بحذاء امرأة تصلى، كما أن المجتهد إذا كتب في رسالته أن الغناء هو الصوت المشتمل على الترجيع سواء أكان مطربا أم لم يكن فمعناه أن الحرمة الشرعية إنما ترتبت على الأعم من الصوت المطرب وغيره مشروطا بان يشتمل على الترجيع، والمتحصل أن الرجوع في الموضوعات المستنبطة إلى المجتهد رجوع إليه في أحكامها والتقليد فيها من التقليد في الفروع).

نتيجة البحث:

تبيّن مما سبق مَن الذي يحقّ له الفتيا ومن ليس كذلك، وفي أي الموارد يكون الإفتاء، فليس كلّ من يدّعي الفقاهة فقيهاً، وليس كلّ من يدّعي العدالة عادلاً، وليس كلّ من يدّعي الإيمان مؤمناً، ولا يصحّ التقليد في كلّ شيء.

ولذا ورد عن أهل بيت العصمة علیهم السلام أنّه لا يجوز أن يُقلّد كلّ من يدّعي الفقاهة، وذكروا لنا ذلك في مقام التحذير حتّى لا يأتي المكلف في يوم القيامة ويقول إنّ فلاناً كان فقيهاً، فهذه رواية الإمام العسكريعلیه السلام، وإن اعتبرت من حيث السند ضعيفة، إلاّ أنّها عالية المضمون، ومؤيّدة في مضمونها بالروايات الأخرى.

وقد عبّر عنها الشيخ الأنصاري (رحمه الله) - شيخ الفقهاء في عصره وإلى زماننا هذا حيث أنّ كتبه محلّ درس وبحث إلى الآن - بعد إيراد الرواية الآتية ب- : (هذا الخبر الشريف اللآئح منه آثار الصدق)((1)).

ويدرك هذا ويحس به كلّ من عاش مع أهل بيت العصمة علیهم السلام بحسّه ووجدانه، ويكفي هذا الرواية الشريفة أنّه مع وجود الفاصل الزمني بيننا وبين زمانها إلاّ أنّها تتحدّث وكأنّ المتحدّث قالها في زماننا لشدّة ملابستها لواقعنا الحالي، وهذا شأن كلام أهل بيت العصمة علیهم السلام حيّ ونور على مدى العصور.


1) فرائد الأصول ج1 ص 200.

أمّا الرواية، فيرويها الطبرسي (رحمه الله) في الإحتجاج((1))، وهي طويلة جدّا نقتطف منها ما يناسب نقله في هذا البحث، وسنورد بعض التعليق في أثناء نقله، مساهمة في إيضاح الأمر، إن شاء اللّه تعالى:

روي عن مولانا الإمام الحسن العسكريعلیه السلام انّه قال:

(وكذلك عوام أُمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقاً، وبالترفرف بالبر والإحسان على من تعصبوا وإن كان للإذلال والإهانة مستحقاً)

نرى هذا الصنف يتقرّب للأغنياء أصحاب الأموال، ومن له مصلحة شخصيّة معه، تزيده شهرة وأتباعاً، وهذا ما يفرزه المفهوم الحزبي في عصرنا، فإنّ كلّ من كان معهم ومنتمياً لجماعتهم فهو حريٌّ بالبر والإحسان وإن كان فاسقاً فاجراً للإهانة مستحقاً، ومن كان على غير هواهم وليس منتمياً إليهم فلا يستحق عندّهم شيئاً ويهان وإن كان مؤمناً خيّراً مستحقاً للبرّ والصلة.

(فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمهم اللّه بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأمّا مَن كان مِن الفقهاء


1) الإحتجاج للطبرسي ص457.

صائناً لنفسه، حافظاً لدينه مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإنّه من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة العامة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئاً، ولا كرامة، وإنّما كثر التخليط فيما يتحمل عنا أهل البيت لذلك، لأنَّ الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره بجهلهم، ويضعون الأشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم، وآخرون يتعمدون الكذب علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم.

ومنهم قوم نصّاب لا يقدرون على القدح فينا، يتعلمون بعضعلومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا)

يدرسون في الحوزات مثلاً، أو يقرؤون أحاديث أهل البيت علیهم السلام، فيعرفون شيئاً من علوم محمّد وآل محمّد صلی الله علیه و آله و سلم ، فبذلك يصبحون وجهاء عند الشيعة، وينصّبون أنفسهم رموزاً قياديّة - حسب المصطلح العصري - ومراجع للتقليد.

(وينتقصون بنا عند نصابنا، ثم يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيتقبله المستسلمون من شيعتنا، على أنه من علومنا، فضلوا وأضلوا، وهم أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي’ وأصحابه، فإنهم يسلبونهم الأرواح والأموال، وهؤلاء علماء السوء الناصبون، المتشبهون بأنهم لنا موالون، ولأعدائنا

معادون، ويدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا، فيضلونهم ويمنعونهم عن قصد الحق المصيب)

وما أكثر الشبهات والتشكيكات في هذا العصر من هؤلاء، فتارة يشككون في ظلم الزهراء علیها السلام ، وتارة يشككون في الولاية التكوينيّة والعصمة، وتارة يشككون في الزيارة الجامعة وزيارة عاشوراء وغير ذلك من الموارد العقائدية والفقهيّة أيضاً حتّى تجلّت فيها الإباحيّة جناية على علوم محمّد وآله صلی الله علیه و آله و سلم ، واللّه عزّ وجل ينقذ ضعفاء الشيعة الّذين لا وضوح عندهم للحق ويريدون الحق صادقين لا يتركهم في تلبيس هذا المتلبّس.

(لا جرم أنَّ من علم اللّه من قلبه من هؤلاء القوم أنه لا يريد إلاّ صيانة دينه، وتعظيم وليّه، لم يتركه في يد هذا المتلبس الكافر، ولكنَّه يقيّض له مؤمناً يقف به على الصواب، ثم يوفقه اللّه للقبول منه، فيجمع اللّه له بذلك خير الدنيا والآخرة، ويجمع على من أضله لعناً في الدنيا وعذاباً في الآخ-رة).

ومن الواضح أنّ الرواية لكونها من الإمام العسكريعلیه السلام، وزمانه قريب من زمان الغيبة، تنبئ عن أن المراد من الفقهاء فيها هم الّذينفي مثل زماننا من أزمنة الغيبة، لعدم جدوى ذلك في زمانهم صلوات اللّه وسلامه عليهم فإنّ أي انحراف في ذلك الزمان يتم تمييزه عن الصلاح ببلاغ صريح من قبل الإمامعلیه السلام حتّى ينتهي كلّ شيء، وإنّ الذي يكفيه العمومات هو زمان الغيبة.

أمّا العلماء العاملون، والمدافعون عن حريم الولاية،

والمجنّدون أنفسهم رباطاً في سبيل اللّه، فلم يخلُ زمان منهم، فمنهم من قضى نحبه ولقي ربّه مشكوراً على عمله، ومنهم من ينتظر لقاء ربّه ليجزيه بما عمل من خير، وما بدّلوا في دين اللّه عزّ وجل، بل شيّدوه ساهرين الليالي في إعلاء كلمة الحق، أولئك الّذين عناهم اللّه عزّ وجل بقوله:{...يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ((1)) {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}((2)).

وهم خير خلق اللّه عزّ وجل بعد أئمة الهدى (صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين) كما روي عن أمير المؤمنينعلیه السلام حيث قيل له: من خير خلق اللّه بعد أئمّة الهدى، ومصابيح الدّجى؟ فقال: (العلماء إذا صلحوا)((3)).


1) المجادلة: من الآية11.

2) البقرة:157.

3) الإحتجاج ص458.

القضاء:

اشاره

هو من المناصب العظيمة الجليلة الخطيرة، التي فيها إحقاق الحق وإبطال الباطل ونصرة المظلوم، وفضّ النزاع والخلاف بين العباد. وقد منّ أهل البيت علیهم السلام على الفقيه بذلك، فعيّنوه نائباً عامّاً عنهم في القيام بشؤون القضاء وفصل الخصومة بين الناس.

وقد ورد عنهم علیهم السلام في ذلك عدّة روايات ومنها ما تقدّم من مقبولة عمر بن حنظلة التي يقول فيها الإمام الصادق علیه السلام: (... من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنِّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنَّما استخف بحكم الله، وعلينا ردّ، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله... الحديث)((1)).


1) الكافي 1: 54 / 10 و 7: 412 / 5. ونقله في الاحتجاج ص355. ورواه الشيخ الطوسي في التهذيب 6: 218 / 514، و301 / 845. وعنهم وسائل الشيعة للحر العاملي ج72 ص136.

ومنها صحيحة أبي خديجة قال: قال لي أبو عبد الله علیه السلام (... ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنِّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه).

إلى غير ذلك من الروايات.

وحكم الحاكم إنّما يكون معتبراً بأمرين:

الأوّل: أن يكون جامعاً للشرائط الّتي منها ما تقدّم في المفتي من اشتراط الإجتهاد والعدالة والإيمان.

الثاني: أن لا يُعلم بمخالفته للواقع، أو كان ذلك الحكم صادراً عن تقصير في المقدّمات. فإنّ حكم الحاكم هنا إذا علم بمخالفته للواقع لا يجوز لمن أخذ الحق ظلماً أن يتصرّف فيه، كما لا يجوز لصاحبالحق أن يردّ حكم الحاكم إلاّ إذا علم بالإخلال بمقدمات القضاء، كما إذا اعتمد في حكمه على شهادة النساء في غير ما تصح فيه شهادتهن.

في كتاب الاجتهاد والتقليد للسيد الخوئي ص388: (وأما لو حكم من دون أن يراعي الموازين الشرعية - قصوراً أو تقصيراً - كما إذا استند في حكمه إلى شهادة النساء في غير ما تصح فيه شهادتهن، أو استند إلى بينة المنكر دون المدعي، أو حكم بما هو ضروري الخلاف الكاشف عن قصوره في الاستنباط، وعدم قابليته للقضاء، فلا مانع من الترافع بعده، إلا أن هذا ليس بنقض

للحكم - حقيقة - لأنّ الخصومة لم تنفصل واقعاً حتى يجوز وصلها أو لا يجوز. فإنّ الحكم غير الصادر على الموازين المقررة كالعدم فلا حكم لينقض).

ولقد وردت التعاليم الكثيرة من أهل البيت علیهم السلام في حدود القضاء وشرائطه وآدابه وليس هنا محلُّ ذكرها.

ولقد سطّر علماؤنا الأبرار رضوان الله عليهم في كتبهم الكثير من مباحثه وأولوه الغاية في الإهتمام، والغرض هنا أن نذكر أنّ القضاء من شأن الفقيه الجامع للشرائط، وأنّه ليس مُطلَق العنان، بل لا بُدّ أن لا يتجاوز الحق، فإذا التزمه كان لزاماً على جميع الناس الالتزام به، ولا يجوز نقضه، وحكمه نافذ ليس فقط على مقلديه، بل يجري حتّى على غير مقلديه، بل حتّى الفقهاء أيضاً.

الأمور الحسبية

(هي الأمور التي لابد من حصولها في الخارج، ولم يعين من يتوجه إليه التكليف بالخصوص، كما لو مات شخص ولم ينصب قيِّماً على الطفل أو المجنون، وكذا الحال في مال الغائب، والأوقاف والوصايا، التي لا وصي لها، وأمثال ذلك، فالقدر المتيقن للتصدي لها هو الفقيه الجامع للشرائط، أو المأذون من قبله، هذا فيما كانت القاعدة في ذلك عدم جواز التصرف، كالأموال والأنفس والأعراض)((1)).

وهذه الولاية تُسمّى بالولاية الخاصّة، في قبال تلك الولاية العامّة التي هي ثابتة للنبي والأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ولاية الفقيه العامة

لقد شاع وذاع الحديث عن ولاية الفقيه العامّة في هذا الزمان، وتشدد البعض في تشييدها، وحاول إثباتها، حتّى وصل الأمر إلى عامّة الناس وبعض الطلبة حتّى جعلوها أصلاً من أصول الدين، وكفّروا كلّ مَن لم يقرّ بها ويعترف بثبوتها، وما دروا أنّهم أخرجوا بذلك جُل المؤمنين إن لم يكونوا كلّهم عن ربقة هذا الدين القويم.


1) صراط النجاة للميرزا جواد التبريزي ج3 ص358.

وهذا البعض من الجُهّال تشددوا فيها وهم لا يعرفون المراد منها، فوجدناهم عندما يُقال لهم ما المراد من ولاية الفقيه العامّة فإمّا أن يُنكر أن يكون ذلك معناها، وإمّا أن يتراجع عن التسليم بها لأنّ إيمانه يأباها، ويقينه يرفضها.

كما أنّ بعض المنتسبين إلى العلم، المدعين للمعرفة، يُراوغون ويخدعون الناس في تصويرها ومعناها، فيقولون للناس ويكتبون لهم بأنّ هناك ضرورة في أن يقوم الفقيه بأمور الناس وإدارة أمورهم، وإذالم يقم الفقيه بإدارة شؤون الأمة فإنّ الظالم هو من سيقوم عليها وسيمارس كل الظلم والعدوان على الدين وأهله.

فإن إدارة شؤون الأمّة وإن كانت مختلفاً فيها إلا أنّه ليس المراد من ولاية الفقيه العامّة ذلك، بل إنّ بعض من ينكر ولاية الفقيه العامّة من الفقهاء يُسلّم بصحة قيام الفقيه بشؤون الأمة من باب الحسبة وهي الولاية الخاصّة لا الولاية العامّة، فهذا الشيخ الميرزا جواد التبريزي (قدس الله نفسه) لا يقول بولاية الفقيه العامّة ومع ذلك يقول بقيام الفقيه بشؤون إدارة الأمة من باب الحسبة.

ففي صراط النجاة في سؤال موجّه للسيِّد الخوئي (رحمه الله) عن ولاية الفقيه العامّة أجاب السيد الخوئي:

(أما الولاية على الأمور الحسبية، كحفظ أموال الغائب واليتيم إذا لم يكن من يتصدى لحفظها كالولي أو نحوه، فهي ثابتة

للفقيه الجامع للشرائط، وكذا الموقوفات التي ليس لها متولي من قبل الواقف، والمرافعات، فإن فصل الخصومة فيها بيد الفقيه، وأمثال ذلك، وأما الزائد على ذلك فالمشهور بين الفقهاء على عدم الثبوت، والله العالم.

وأجاب الشيخ التبريزي: ذهب بعض فقهائنا إلى أن الفقيه العادل الجامع للشرائط نائب من قبل الأئمة علیهم السلام في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل، والذي نقول به هو أن الولاية على الأمور الحسبية بنطاقها الواسع، وهي كل ما علم أن الشارع يطلبه ولم يعين له مكلفاً خاصاً، ومنها بل أهمها إدارة نظام البلاد وتهيئة المعدات والإستعدادات للدفاع عنها، فإنها ثابتة للفقيه الجامع للشرائط، يرجع في تفصيله إلى كتابنا (إرشاد الطالب) وكذا للفقيه القضاء في المرافعات وفصل الخصومات، والله العالم).

المراد من ولاية الفقيه العامّة:

لكي نتعرّف على محلّ النزاع لا بُدّ أن نتعرّف على معنى الولايةومن ثمّ نبحث عن أقسامها فنقول:

الولاية: هي السلطنة على الغير، نفساً كان أو مالاً أو كليهما.

فعندما يكون شخص له الولاية على شيء فهو له حق التصرف فيه وإدارته، بحسب ما يثبت له من الولاية عليه عموماً

وخصوصاً.

والمبحوث عنه هنا هي الولاية التي تخصّ الفقيه، ولسنا بصدد البحث عن الولاية الثابتة لمطلق المكلف.

فإنّ الولاية ثابتة للأب على ولده، والجد للأب على ابن ابنه، والمالك له الولاية على ما يملك، والوصي له الولاية على ما هو وصي عليه، وولاية الواقف على وقفه، وغير ذلك مما هو خارج عن موضوع بحثنا.

وبما أنّ الفقيه نائب عن الإمام المعصوم، لذا بالغ البعض فادّعى العموم في ولاية الفقيه، فمن هنا ناسب البحث عن أقسام الولاية الثابتة للمعصوم والتي أدّعي ثبوتها للفقيه.

وأمّا أقسام الولاية:

الولاية التكوينيّة:

(وهي عبارة عن تسخير المكونات تحت إرادتهم ومشيتهم بحول الله وقوته)((1)).

ولا إشكال في ثبوت هذه الولاية لأئمة أهل البيت علیهم السلام. لأنّها من لوازم وجود أنوارهم، ومقتضيات ذواتهم، ومن شؤون نفوسهم المقدسة، ولم يتوهم أحدٌ من العلماء أنّها له.


1) كتاب المكاسب والبيع - تقرير بحث النائيني للآملي ج2 ص332.

الولاية التشريعيّة:

ونريد منها أنّ أهل البيت علیهم السلام لهم حق التشريع، وليس شأنهم مقتصراً على تبليغ الأحكام الشرعيّة وبيانها للناس، بل إنّ الله تعالى فوّض إليهم بعض الأحكام، لا بمعنى أنّهم يُحلّون ما حرّم الله تعالى أو يُحرّمون ما أحلّ الله تعالى، بل إنّ هناك بعض الأحكام أوكل الله تعالى الحكم فيها إلى أهل البيت علیهم السلام فيُمضيها الله تعالى، ولقد دلّ على هذا التفويض الإلهي لهم علیهم السلام أحاديث كثيرة، ولقد عقد الشيخ الكليني في الكافي الشريف باباً سمّاه: التفويض إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وإلى الأئمة علیهم السلام في أمر الدين. وأورد فيه 10 أحاديث.

كما أنّ محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات عقد للتفويض بابين؛ الأوّل: باب التفويض لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وأورد فيه 19 حديثاً، والثاني باب في إنّ ما فوض إلى رسول الله فقد فوض للأئمة علیهم السلام وأورد فيه 13 حديثاً.

ومن تلك الأحاديث الصحيح في الكافي للشيخ الكليني ج1 ص266: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عز وجل أدّب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال: {...إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}((1))، ثم فوض


1) القلم: من الآية4.

إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عز وجل: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((1)) وإن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كان مسدّداً موفّقاً مؤيّداً بروح القدس، لا يزل ولا يخطئ في شيء مما يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله، ثم إنّ الله عزّ وجلّ فرض الصلاة ركعتين، ركعتين عشر ركعات، فأضاف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة، فصارت عديل الفريضة لا يجوزتركهن إلا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة، ثم سن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم النوافل أربعا وثلاثين ركعة مثلي الفريضة فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعد بركعة مكان الوتر وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان وسن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم صوم شعبان وثلاث أيام في كل شهر مثلي الفريضة فأجاز الله عزّ وجلّ له ذلك وحرم الله عزّ وجلّ الخمر بعينها وحرم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم المسكر من كل شراب فأجاز الله له ذلك كله وعاف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أشياء وكرهها ولم ينه عنها نهي حرام إنما نهى عنها نهي إعافة وكراهة، ثم رخص فيها فصار الأخذ برخصه((2)) واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه ولم يرخص لهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فيما


1) الحشر: من الآية7.

2) في بعض النسخ [برخصته].

نهاهم عنه نهي حرام ولا فيما أمر به أمر فرض لازم فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام لم يرخص فيه لأحد ولم يرخص رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما إلى ما فرض الله عزّ وجلّ، بل ألزمهم ذلك إلزاما واجبا، لم يرخص لأحد في شيء من ذلك إلا للمسافر وليس لأحد أن يرخص [ شيئاً ] ما لم يرخصه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فوافق أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أمر الله عزّ وجلّ ونهيه نهي الله عزّ وجلّ ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله تبارك وتعالى.

وإنّ هذا المعنى من التفويض موجود في روايات العامّة فمنها ما في مسند احمد بن حنبل ج2 ص508 عن الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن زياد، عن أبى هريرة قال: (خطبنا - وقال مرّة خطب - رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس إنّ الله عزّ وجلّ قد فرض عليكم الحج فحجوا. فقال رجل أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعملوجبت ولما استطعتم...).

وعلى هذا الحديث اعتمد من قال بالتفويض لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من أهل العامة كالمباركفوري في تحفة الأحوذي ج3 ص459 فلقد قال: (ولو قلت نعم لوجبت) استدل به على أن النبي صلى الله عليه وسلم مفوض في شرع الأحكام وفي ذلك خلاف مبسوط في الأصول.

وكذلك ابن عبد الهادي في حاشية السندي على النسائي ج5

ص110: فلقد صرّح بلفظ التفويض فقال: - تعليقاً على فقرة من فقرات الحديث السابق(لو قلت نعم لوجبت… الخ) - أي لوجب الحج كلّ عام وهذا بظاهره يقتضي أنّ أمر افتراض الحج كلّ عام كان مفوّضاً إليه، حتى لو قال: نعم، لحصل، وليس بمستبعد، إذ يجوز أن يأمر الله تعالى بالإطلاق ويفوض أمر التقييد إلى الذي فوض إليه البيان فهو إن أراد أن يبقيه على الإطلاق يبقيه عليه وإن أراد أن يقيده بكل عام يقيده به).

ومما يدلّ على أنّ ما فوض إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقد فوض إلى أهل البيت علیهم السلام الموثق المروي في الكافي الشريف للشيخ الكليني ج1 ص268: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن زياد، عن محمد بن الحسن الميثمي، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: سمعته يقول: إن الله عزّ وجلّ أدب رسوله حتى قومه على ما أراد، ثم فوض إليه فقال عز ذكره: {...مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...}((1)) فما فوض الله إلى رسوله صلی الله علیه و آله و سلم فقد فوضه إلينا.

فلا إشكال ولا ريب في ثبوت هذه الولاية لآل البيت علیهم السلام، ولم يدّع عاقل أنّ الله تعالى فوّض أمر دينه إلى أحد من الخلق غير محمد وآله صلی الله علیه و آله و سلم ، سوى ما يظهر من بعض تعبيرات القائلين بولاية الفقيه العامّة، وسنوافيك ببعض تعبيراتهم مثل: (كما


1) الحشر: من الآية7.

تستطيع أنْ تمنع أي أمر عبادي أو غير عبادي يخالف المصالح العامّة، وللحكومات صلاحيّات أوسع من ذلك)((1)).

الولاية الشرعية:

بمعنى التصرّف تشريعاً مع الناس، في أموالهم وأعراضهم، وأنفسهم.

وهذه الولاية لا إشكال أيضاً في أنّها ثابتة لأهل البيت علیهم السلام. ويمكن تصوّرها على أنحاء ثلاثة:

النحو الأول: الأولى بالناس من أنفسهم:

وهذه الولاية هي عبارة عن رياسة عامّة على الناس في أمور دينهم ودنياهم ومعاشهم ومعادهم، ويدلّ على ثبوت هذا المعنى لهم علیهم السلام قوله صلی الله علیه و آله و سلم في خطبة الغدير المتواترة: (...ألست أولى بكم من أنفسكم...) وغيره من الأخبار المتظافرة الظاهرة دلالتها في هذا المعنى، وكذلك ما دلّ في القرآن الكريم من قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} الأحزاب: من الآية 6. فلا ينبغي الارتياب في ذلك.

فكما يحق للعبد أن يتصرّف في نفسه بما شاء فكذلك أهل البيت علیهم السلام أولى بالتصرّف فيه، فكما يمكن للشخص أن


1) نظريّة الحكم والدولة ص234 نقلاً عن صحيفة النور: 20/170.

يتصرّف في ماله بما شاء، فكذلك الإمام علیه السلام، له الحق في أن يتصرّف بما يشاء في أموال الناس، بل هو علیه السلام أولى من الناس في أموالهم. وكذلك للشخص أن يتزوّج بمن شاء وأن يُطلِّق مَن شاء، فكذلك الإمام له الحق في أن يُزوجه بمن شاء وأن يُطلِّق زوجته متى شاء.

النحو الثاني: الولاية على الناس في الحكم:

وهي التي ترجع إلى نظم البلاد، وانتظام أمور العباد، والدفاع عنهم، وإقامة الحدود والقصاص والسجن، وسدّ الثغور، والجهاد مع الأعداء، ونحو ذلك مما يرجع إلى وظيفة الولاة والأمراء.

النحو الثالث: الولاية على الأمور الحسبية:

والأمور الحسبية هي التي لابد من حصولها في الخارج، ولم يُعَيَّن مَنْ يتوجه إليه التكليف بالخصوص، كما لو مات شخص ولم ينصب قيِّماً على الطفل أو المجنون، وكذا الحال في مال الغائب، والأوقاف والوصايا، التي لا وصي لها، وأمثال ذلك.

هذه الأنحاء الثلاثة لا شكّ ولا شبهة في ثبوتها إلى المعصومين الأطهار علیهم السلام، وإنّما الكلام في ثبوتها للفقيه.

أمّا النحو الثالث: وهو الولاية على الأمور الحسبية:

فلا إشكال في ثبوته للفقيه، وقد وقع الكلام فيه سعة وضيقاً، فالبعض يرى أنّ النحو الثاني داخل في الحسبة بنطاقها الواسع، والبعض لا يراه، بل البعض لا يرى ذلك من الولاية بل من باب جواز التصرف، كما هو رأي السيد الخوئي (رحمه الله). وسيأتي نقل كلامه في الحديث عن النحو الثاني.

وأمّا النحو الثاني: وهو الولاية على الناس في الحكم:

فقد وقع فيه الكلام كثيراً بين الفقهاء في ثبوته للفقيه وأنه هل عُيِّن الفقيه من قبل أهل البيت علیهم السلام كقاضي فقط أم عُيِّن حاكماً ويدخل القضاء في ضمنه، والمشهور على عدم كون تعيين الفقيه كحاكم، وإنّما عُيِّن كقاضي، ولا يحق له أن يكون حاكماً.

ذكر السيد الخوئي في كتاب الاجتهاد والتقليد ص424:

(إنّ الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل، وإنّما هي مختصة بالنبي والأئمة علیهم السلام، بل الثابت حسبما يستفاد من الروايات أمران: نفوذ قضائه وحجية فتواه، وليس له التصرف في مال القصّر أو غيره مما هو من شئون الولاية إلا في الأمر الحسبي، فإنّ الفقيه له الولاية في ذلك لا بالمعنى المدعى، بل بمعنى نفوذ تصرفاته بنفسه أو بوكيله وانعزال وكيله بموته وذلك من باب الأخذ بالقدر المتيقن لعدم جواز التصرف في مال أحد إلا بإذنه،

كما أن الأصل عدم نفوذ بيعه لمال القصر أو الغيّب أو تزويجه في حق الصغير أو الصغيرة، إلا أنه لما كان من الأمور الحسبية ولم يكن بد من وقوعها في الخارج كشف ذلك كشفا قطعياً عن رضى المالك الحقيقي وهو الله - جلت عظمته - وأنه جعل ذلك التصرف نافذا حقيقة. والقدر المتيقن ممن رضى بتصرفاته المالك الحقيقي هو الفقيه الجامع للشرائط، فالثابت للفقيه جواز التصرف دون الولاية).

وقد يُسمِّي البعض هذه الولاية على النحو الثاني بالولاية العامة، إلاّ أنّ هذا الإطلاق إنّما هو لاستبعاد أن يقول قائل بثبوت الولاية للفقيه على النحو الأول، فلا يتصوّر عموم لولاية الفقيه غير كونه حاكماً بين الناس وأميراً عليهم.

وأمّا النحو الأوّل: وهو الولاية المطلقة العامّة:

وهو محلّ الكلام الذي أشيع بين العوام في هذا الزمان، فأثبتوا للفقيه من الولاية العامة كما هي عند الإمام المعصوم علیه السلام، وأنّ ولاية الفقيه هي نفس الولاية التي أعطاها الله للنبي محمد وأهل بيته صلی الله علیه و آله و سلم ، ولذا استدلوا على ولاية الفقيه بما دلّ على ولاية النبي محمد وآله صلی الله علیه و آله و سلم ، فاستدلوا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ...} (النساء: من الآية59)

هذه الآية المباركة التي لها الدلالة على ولاية أهل البيت علیهم السلام أصبحتفي هذا العصر لها الدلالة على ولاية الفقيه الحاكم((1)).

وهذه الآية المباركة التي لها الدلالة على عصمة أهل البيت علیهم السلام - لإطلاق وجوب الطاعة ولا تصحّ الطاعة المطلقة إلاّ لمعصوم - قد شاركهم فيها عبيدهم ومواليهم، فجرّدوها عن محتواها وعظيم دلالتها.

وهذه الآية الشريفة التي هي من أقوى الحجج على المخالفين على ولاية أهل البيت علیهم السلام أصبحت دالّة على مطلق الحاكم.

وهذه الآية الشريفة التي قال فيها المخالفون أنّها عامّة لكلّ حاكم قد وافقهم أصحاب نظرية ولاية الفقيه فقالوا بمقالتهم.

قال أحد مناصري ولاية الفقيه العامّة:

(ولاية الفقيه المطلقة هي نفس الولاية التي أعطاها الله إلى نبيِّه الكريم والأئمة علیهم السلام، وهي من أهم الأحكام الإلهيّة، ومقدَّمة على جميع الأحكام الإلهيّة، ولا تتقيّد صلاحيّاتها في دائرة هذه الأحكام، فالحكومة تعتبر من الأحكام الأوّليّة، وهي مقدمة على الأحكام الفرعيّة حتّى الصّلاة والصّوم والحج، وتستطيع الحكومة أن تُلغي من جانب واحد الإتفاقات الشرعيّة التي تعقدها مع الأمّة، إذا رأت أنّها مخالفة لمصالح الإسلام أو الدّولة، كما تستطيع أنْ تمنع أي أمر عبادي أو غير عبادي يخالف المصالح


1) راجع نظرية الحكم والإدارة ص219، والفكر الصائب ص59.

العامّة، وللحكومات صلاحيّات أوسع من ذلك)((1)).

وكيف تكون الآية المباركة السابقة عامّة شاملة للفقيه وقد وردت الأخبار عن أهل بيت العصمة والطهارة أنّها خاصّة بهم علیهم السلام.

ومن تلك الأخبار: ما في الكافي للشيخ الكليني ج1 ص276 بسنده عن الإمام أبي جعفر الباقر علیه السلام - في حديث -:( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ...} إيّانا عنى خاصة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا، فإن خفتم تنازعا في أمر فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم، كذا نزلت، وكيف يأمرهم الله عزّ وجل بطاعة ولاة الأمر ويرخص في منازعتهم؟! إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: {... أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ...}).

وغيرها من الأحاديث - التي أقل ما يُقال في حقِّها أنّها مستفيضة - الدالّة على اختصاص الآية المباركة بأهل بيت العصمة علیهم السلام.

ورواية الكليني السابقة قد اشتملت على استدلال على أنها خاصّة وليست عامّة، حيث إنّ الآية بتمامها هي:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ


1) نظريّة الحكم والدولة ص234 نقلاً عن صحيفة النور: 20/170.

خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء:59)

فلو كانت الآية عامّة وشاملة للفقهاء فكيف نتصوّر الطاعة لهم مع وجود الاختلاف والمنازعة، فلابدّ أن يكون مَن تجب طاعتهم لا يصحّ فيهم الخلاف والمنازعة، والخلاف والمنازعة إنّما هي عند المأمورين بالطاعة.

وإذا كانت ولاية الفقيه هي نفس ولاية أهل البيت علیهم السلام فالنتيجة تكون أنّ ولاية الفقيه من أصول المذهب لا من فروعه، كولاية أهل البيت علیهم السلام، فقال أحدهم:(ولاية الفقيه من شؤون الولاية والإمامة التي هي من أصول المذهب، إلا أن الأحكام الراجعة إليها تستنبط من الأدلة الشرعية كغيرها من الأحكام الفقهية، ومن انتهى به الاستدلال إلى عدم قبولها فهو معذور)((1)).فمَن مِنّا يقبل أن تكون ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وولده المعصومين علیهم السلام هي ولاية فقيه!!!

ولاية علي بن أبي طالب حصن الله المنيع، تلك الولاية التي لا يتقبّل الله عمل عامل إلاّ بها، ولو أنّ عبداً أطاع الله تعالى منذ أن خلق الله تعالى السماوات والأرضين ولم يأتِ بولاية علي بن أبي طالب لأكبّه الله على منخريه في سقر وإن كان هاشميّاً بل وإن كان فاطميّاً.

ولاية علي بن أبي طالب أمان من النار والعذاب، وهي الجواز


1) أجوبة الاستفتاءات للسيد علي الخامنئي ج1 ص26.

على الصراط، كما هي كمال الدين وتمام النعمة ورضى الربّ الجليل، ولم يُنادى بشيء كما نودي بالولاية.

لا يمكن لأحدٍ من الخلق أي ينال تلك الولاية العظمى، فليست قابلة للسرقة، ودون نيلها خرط القتاد.

بعض أقوال العلماء الأعلام في ولاية الفقيه العامّة:

في كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري ج3 ص558:(إنّ إثبات عموم نيابة الفقيه عنه علیه السلام في هذا النحو من الولاية على الناس - ليقتصر في الخروج عنه على ما خرج بالدليل - دونه خرط القتاد).

في منية الطالب - تقرير بحث النائيني للخونساري ج2 ص232:(وهذه المرتبة غير قابلة للسرقة، ولا يمكن أن يتقمص بها من لا يليق بها).

وفي مصباح الفقاهة للسيد الخوئي ج5 ص41:

(والظاهر أنّه لم يخالف أحد في أنّه لا يجب إطاعة الفقيه إلا فيما يرجع إلى تبليغ الأحكام بالنسبة إلى مقلده، ولكل الناس لو كان أعلم وقلنا بوجوب تقليد الأعلم، وأمّا في غير ذلك بأن يكون مستقلا في التصرف في أموال الناس، وكانت له الولاية على الناس بان يبيع دار زيد، أو يزوج بنت أحد على أحد، أو غير ذلك من التصرفات الماليةوالنفسية فلم يثبت له من قبل

الشارع المقدس مثل ذلك.

نعم نسب إلى بعض معاصري صاحب الجواهر أنّه كان يقول بالولاية العامة للفقيه، وكونه مستقلا في التصرف في أموال الناس وأنفسهم، واجتمع معه في مجلس وقال صاحب الجواهر: زوجتك طالق. فقال المعاصر إن كنت متيقنا باجتهادك لاجتنبت من زوجتي.

وكيف كان فلا دليل لنا يدل على ثبوت الولاية المستقلة والاستقلال في التصرف للفقيه).

وفي مصباح المنهاج – التقليد - للسيد محمد سعيد الحكيم ص201:

(لا مجال لإثبات الولاية للفقيه بالمعنى المذكور. ولاسيما مع عدم مناسبة هذا الأمر الخطير لغير المعصومين علیهم السلام، حيث يؤمن الخطأ في حقهم، فلا يكون تسليطهم سبباً لضياع النفوس والأعراض والأموال، خصوصا مع أنه لم يثبت منهم علیهم السلام إعمال الولاية بالمعنى المذكور، وإن كانت ثابتة لهم، فإنه شاهد بشدتها بنحو لا يناسب ثبوتها لغيرهم.

بل أدنى تأمل في أدلة الولاية يشهد بمساوقتها للإمامة، فأدلة اعتبار العصمة في الإمامة تكفي في اعتبارها في الولاية، مضافاً إلى أن مقتضى الأدلة المذكورة عدا الأخير، ثبوتها لكل فقيه مهما كثروا، وهو أمر لم يلتزم به حتى مع العصمة).

الولاية الثابتة لعامة المكلفين:

هناك ولاية لا تخصّ المجتهد بل يمكن أن تكون له ويمكن أيضاً أن تكون لغيره، ولا تثبت له باعتباره مجتهداً بل باعتبار كونه أحد المكلفين، كالولاية على أطفاله وإدارة شؤونهم وتربيتهم، وكالولاية على الأوقاف، فيما إذا كان هو الواقف أو كان مُعيّناً من قبل صاحب الولاية على الوقف.وهذه الولاية لا إشكال في ثبوتها لكلّ مكلّف فيما إذا توافرت شرائطها المعتبرة فيها، وهذا النوع من الولاية خارج عن موضوع بحثنا لأنّ الفقيه إذا ثبتت له هذه الولاية فإنّها لا تثبت له باعتبار كونه فقيها بل باعتبار كونه واحد من المكلفين ولا خصوصية له.

العلماء الصالحون

الفقهاء الصالحون من هذه الأمّة هم الذين حفظوا هذا الدين، وذبوا عن شريعة سيد المرسلين، وتفانوا في جمع شتاته بالتدوين، وبذلوا الغالي والنفيس في إرشاد المؤمنين، وتوجيه العباد الصالحين، عيونهم ساهرة وأقلامهم دائرة، فكان مدادهم في الذود والدفاع عن حريم المعصومين أفضل من دماء الشهداء المقتولين.

وإذا كان أهل البيت علیهم السلام قد أشادوا بمن عاصرهم من العلماء العاملين، الذين حفظوا حديث الأئمة الطاهرين، من المرضيين أمثال بريد بن معاوية العجلي، وأبي بصير ليث بن البختري المرادي، وزرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، فقال الإمام الصادق علیه السلام في حقهم: (...أربعة نجباء أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست) و (هؤلاء

حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا، والسابقون إلينا في الآخرة).

فإنّ الفقهاء الذين حفظوا هذا الدين بدمائهم وعيونهم وشبابهم وكلّ قواهم لهم المنزلة العظيمة عند أئمة الهدى وسبل النجاة علیهم السلام.

والعلماء الصالحون والفقهاء المصلحون قدرهم وعظيم خطرهم يعرفه أهل بيت النبوّة والإمامة علیهم السلام.

ففي كتاب تفسير الإمام العسكري علیه السلام عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم انه قال: (أشدّ من يتم اليتيم يتيم انقطع عن إمامه لا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه، فيما يبتلى به من شرايع دينه، فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا، فهدى الجاهل بشريعتنا إذا ( انقطع ) المنقطع عن مشاهدتنا كان معنا في الرفيق الأعلى.

قال: وقال علي علیه السلام: من كان من شيعتنا عالماً بشريعتنا فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به، جاء يوم القيمة وعلى رأسه تاج من نور يضيء لأهل تلك العرصات... إلى أن قال: وقال الحسين بن علي ’ من كفل لنا يتيماً قطعته عنا محنتناباستتارنا فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتى أرشده وهداه قال الله عزّ وجل سبحانه: أيُّها العبد الكريم المواسي أنا أولى منك بهذا الكرم، اجعلوا يا ملائكتي في الجنان بعدد كلِّ حرف حرف علمه ألف ألف قصر إلى أن قال:

و قال موسى بن جعفر ’: فقيه واحد يتفقد يتيماً من أيتامنا، المنقطعين عن مشاهدتنا، والتعلم من علومنا، أشد على إبليس من ألف عابد. إلى أن قال: ويقال للفقيه: أيُّها الكافل لأيتام آل محمد صلی الله علیه و آله و سلم الهادى لضعفآء محبيه ومواليه، قف حتى تشفع في كلِّ من أخذ عنك أو تعلم منك. إلى أن قال: وقال علي بن محمد ’: لولا من يتبقى بعد غيبة قائمنا من العلماء الداعين إليه والدالين عليه - إلى أن قال - لما بقي أحد إلاّ ارتدّ عن دين الله أولئك هم الأفضلون عند الله عزّ وجل )((1)).

ولقد مضت بعض الأحاديث التي حذّرت من الرّدّ عليهم، وأنّ الرادّ عليهم رادّ على أهل البيت علیهم السلام، فعلى المؤمنين أن يحذروا من مخالفة العلماء الأعلام الأمناء على الحلال والحرام، فإنّهم حجج أهل البيت علیهم السلام علينا، ويتركوا وينبذوا المدّعين للعلم وإن سمّاهم الناس علماء، وعليهم أن يأخذوا دينهم من شيعة أهل البيت علیهم السلام الملتزمين بمنهجهم والماشين على خطاهم.

ففي الكشي((2)) بسنده عن علي بن سويد السائي قال: كتب إلى أبي الحسن الأول علیه السلام وهو في السجن – وأجابه -: (وأمّا ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك؟ لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنّك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين، الذين


1) راجع الاحتجاج ص 15.

2) عنه بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج2 ص82.

خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم، إنهم اؤتمنوا على كتاب الله جلّوعلا فحرّفوه وبدّلوه، فعليهم لعنة الله، ولعنة رسوله وملائكته، ولعنة آبائي الكرام البررة، ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة).

الأدب مع العالم

العالم الصالح هو العالم العامل، الذي يُطبِّق شرع الله تعالى على نفسه، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويغضب لله تعالى، لا يتهاون في حدٍّ من حدود هذا الدين القويم، وحامل لنور الهداية إلى العالمين، فحق على الناس أن تتأدّب معه أحسن تأديب، وتسلك معه الطريق على أفضل تهذيب، كرامة للعلم الذي يحمله، والعمل الصالح الذي يسلكه، والأمانة التي يحملها.

وورد عن أهل البيت علیهم السلام الكثير من الحث على التأدّب مع العالم، وألّف علماؤنا الأبرار مصنّفات في ذلك كمُنية المريد في آداب المفيد والمستفيد للشهيد الثاني، ولا يسعنا الإتيان عليها كلّها، لسعينا في أنّ يكون هذا الذي بأيدينا كُتيِّباً لا كتاباً، فنورد هنا ما رواه الشيخ الكليني في الكافي الشريف ج1 ص37 بسنده

عن أبي عبد الله علیه السلام قال: (كان أمير المؤمنين علیه السلام يقول: إنّ من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال، ولا تأخذ بثوبه، وإذا دخلت عليه وعنده قوم فسلّم عليهم جميعاً وخصّه بالتحية دونهم، واجلس بين يديه ولا تجلس خلفه، ولا تغمز بعينك ولا تشر بيدك، ولا تكثر من القول: قال فلان وقال فلان خلافاً لقوله، ولا تضجر بطول صحبته فإنّما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها حتى يسقط عليك منها شيء، والعالم أعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله).

فلا تكثر عليه السؤال، فإنّه بشر له طاقته فلا تُحمّله ما لا طاقة له به، وهو كما يُعطيك من وقته وصحّته فإنّ غيرك ينتظر منه أيضاً العطاء، ولا تستنفذ طاقته فإنّ له شؤوناً أخرى من وجوه الطاعات والإستزاده من العلم والبحث، فاسئله بمقدار ما تحسّ من رغبته في سؤاله، أو بمقدار ما صرّح لك في الاستفهام منه.

ولا تأخذ بثوبه، كناية عن منعه من القيام بالإبرام في السؤال والإلحاح فيه، فاترك له الراحة فمتى شعرت أنّه يريد القيام فلا تلاحقهبالأسئلة فكأنّك تجرّ ثوبه للقعود، ومن هذا الالتزام بالوقت الذي خصّصه وحدّده للجلوس في مجلسه.

وإذا دخلت عليه وعنده قوم فسلّم عليهم جميعاً وخصّه بالتحية دونهم، إظهاراً لشأنه ومكانته وتقديراً لعلمه وعمله، فتُسلِّم على جميع من في مجلسه ولا تستثني أحداً ففي ذلك

إكرام له، ولكنّك تولي العالم تحيّة خاصة واهتماماً منفرداً به.

واجلس بين يديه ولا تجلس خلفه، أي اجلس أمامه ولا تجلس خلفه، فإنّ الجلوس خلفه خلاف الأدب من ناحية، وموجب لتكليف العالم بالإستدارة عندما يريد المخاطبة من ناحية ثانية.

وإذا كُنت في مجلسه فلا تغمز بعينك ولا تشر بيدك، سواء كانت الإشارة بالعين أو باليد إلى نفس العالم أو إلى غيره، فإنّ هذا التصرّف خلاف الأدب مع مجالس العلم والعلماء، وإذا كانت لديك حاجة مع أحد الجلساء فيُمكنك تأجيلها إلى وقت آخر، وإذا كانت حاجتك للحديث مع ذلك الشخص فوريّة فيمكنك الانصراف والتحدّث معه، لا أن تعتمد لغة الإشارة بالعين واليد.

ومن خلاف الأدب ما شاع وذاع في زماننا من استخدام الجوّال في مجلس العالم، وبالخصوص حينما يتحدّث العالم، وينبغي عند إرادة التحدّث بالجوال والإضطرار إلى ذلك أن يخرج المؤمن ويُنهي حديثه خارجاً ثُمّ يعود إن شاء.

ولا تكثر من القول: قال فلان وقال فلان خلافاً لقوله، فإنّ هذا يؤذيه من ناحية، وليس بذي فائدة من ناحية أخرى، كما أنّ في ذكر الأقوال المعارضة فتح باب للخدش في الآخرين بمحضره وفي مجلسه، وفيه سوء أدب من ناحية أنّ القائل كأنّما يقول للعالم لا اعتبار بقولك لأنّ فلاناً يقول بخلافه، نعم إذا كان

نقل القول لأجل الفهم والإستيضاح فهذا ليس من تلك الكثرة المرجوحة.ولا تضجر بطول صحبته فإنّما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها حتى يسقط عليك منها شيء، فتصحب العالم ولا تتوقّع منه أن يكون دائم الإفاضة عليك، ولكن التزم بصُحبته ما سنحت لك الفرصة، فإنّك بطول الصحبة ستتساقط عليك الثمار، ومتى ما وجدك العالم أنّك أهلٌ لمعنى من المعاني أو عمل من الأعمال فإنّه سيوصله لك ويؤدّيه إليك، وإذا ابتعدت عنه ولم يعرف أهليّتك فلن تحظى بشيء من ذلك، وسيفوتك الكثير، فإنّ العالم عامل بما روي عنهم علیهم السلام: (ما كلّ ما يعلم يقال، ولا كلّ ما يقال حان وقته، ولا كلّ ما حان وقته حضر أهله)((1)).

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين


1) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي ص212.

المصادر

١. القرآن الكريم

٢. جواهر الكلام للشيخ الجواهري

٣. الإحتجاج للشيخ الطبرسي

٤. منهاج الصالحين للسيد الخوئي

٥. بحار الأنوار للشيخ المجلسي

٦. مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي

٧. رجال الكشي للشيخ الطوسي

٨. إكمال الدين وإتمام النعمة للشيخ الصدوق

٩. الغيبة للشيخ الطوسي

١٠. صراط النجاة للشيخ التبريزي

١١. مصباح الفقاهة للسيد الخوئي

١٢. فرائد الأصول للشيخ الانصاري

١٣. الكافي للشيخ الكليني

١٤. كتاب المكاسب للشيخ الأنصاري

١٥. التنقيح للسيد الخوئي

١٦. تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي

١٧. كتاب المكاسب والبيع تقرير بحث النائيني للشيخ محمد تقي

الآملي

١٨. منية الطالب - تقرير بحث النائيني للشيخ موسى الخونساري

١٩. مصباح المنهاج - التقليد للسيد محمد سعید الحكیم

٢٠. الاجتهاد والتقليد للسيد الخوئي

٢١. أجوبة الاستفتاءات للسيد علي الخامنئي

٢٢. وسائل الشيعة للحر العاملي.

المحتویات

المقدمة 5

تمهید 7

المخطئة والمصوبة 11

الفُتيا 13

الأوّل: الإجتهاد: 41

الثاني: العدالة: 51

الثالث: الإيمان: 51

التقليد في الأحكام الشرعيّة: 71

ضروريّات المذهب ويقينيّاته: 91

الأمور الإعتقاديّة: 02

التقليد في الموضوعات: 02

1 – الموضوعات الصرفة: 21

2- الموضوعات المستنبطة: 22

نتيجة البحث: 42

القضاء: 29

الأمور الحسبية 32

ولاية الفقيه العامة 32

المراد من ولاية الفقيه العامّة: 43

الولاية التكوينيّة: 53

الولاية التشريعيّة: 63

الولاية الشرعية: 04

النحو الأول: الأولى بالناس من أنفسهم: 04

النحو الثاني: الولاية على الناس في الحكم: 14

النحو الثالث: الولاية على الأمور الحسبية: 14

أمّا النحو الثالث: وهو الولاية على الأمور الحسبية: 24

وأمّا النحو الثاني: وهو الولاية على الناس في الحكم: 24

وأمّا النحو الأوّل: وهو الولاية المطلقة العامّة: 34

بعض أقوال العلماء الأعلام في ولاية الفقيه العامّة: 74

العلما الصالحون 50

الادب مع العالم 54

ثبت المصادر 65