ghaemiyeh.com
الإمام علي (علیه السلام)
في
ملاحم نهج البلاغة
تألیف
الشیخ علي غزیز الإبراهیم
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولی
1996 م – 1416هـ
الدارالإسلامیة
لبنان – حارة حریک – شارع دکاش – هاتف : 820031 ص. ب 5680/ 14
مکتبة السائح
طرابلس – لبنان – شارع الراهبات – هاتف 431549 – 625751
To: www.al-mostafa.com
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولی
1996 م – 1416هـ
الدارالإسلامیة
لبنان – حارة حریک – شارع دکاش – هاتف : 820031 ص. ب 5680/ 14
مکتبة السائح
طرابلس – لبنان – شارع الراهبات – هاتف 431549 – 625751
الإمام علي (علیه السَّلام)
في
ملاحم نهج البلاغة
تألیف
الشیخ علي غزیز الإبراهیم
مکتبة السائح
طرابلس
الدار الإسلامیة
بیروت
بسم الله الرحمن الرحیم
إلى الإمام الزكي المجتبى من آل محمد.
إلى سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله).
إلى سيد شباب أهل الجنة.
إلى الإمام المبتلى والممتحن في الله ورسوله.
إلىمن قال فيه رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «إنّ ولدي هذا إمام ابن إمام يصلح الله على يديه بين فئتين مسلمتين».
إلى الإمام الحسن بن علي (عليهما السّلام) أقدّم هذا الجهد المتواضع.
خادم العترة الطاهرة
علي بن إبراهيم
أ
نقض شبهة الإضافات في نهج البلاغة
بقلم السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.
من الشبه التي حامت حول نهج البلاغة شبهة الزيادات في «النهج» فقد زعم مثيرو هذه الشبهة أنّ الشريف الرضي بعد فراغه من جمع «نهج البلاغة» ترك أوراقاً من البياض في آخر كل باب من أبوابه الثلاثة «لاقتناص الشاردواستلحاق الوارد» فلم يبق «النهج» على ما وضعه الرضي بل تعرّض لإضافات وزيادات حتى بلغ إلى هذا الحد من الضخامة.
وقدتكلمنا عن هذه الشبهة باقتضاب في «مصادر نهج البلاغة وأسانيده» تحت عنوان: «مشكلة الإضافات».
والواقع أنَّ هذه الدعوى من الافتراء المحض كالافتراء بأن «نهج البلاغة» من وضع الشريف الرّضي، وهي ممنوعة لأمور:
الأول : أن النسخة التي بخط الرّضي رحمه الله كانت موجودة في زمن ابن أبي الحديد المتوفى سنة (655 أو 656) كما ذكر ذلك عند شرح الكلام (228) من باب الخطب «لله بلد فلان» الخ قال : «وفلان المكنّى عنه عمر بن الخطاب» قال : وقد وجدت النسخة التي بخط الرّضي أبي الحسن جامع «نهج البلاغة» وتحت فلان «عمر» قال: حدثني بذلك فخار بن معد الموسوي الشاعر
ج
الأديب» (1).
وابن أبي الحديد ألف «شرح نهج البلاغة» ما بين سنة (640) و (644) فالنهج إلى هذا الحدّ سالم من التغيير والإضافة، بل وإلى زمن كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم (2)البحراني المتوفى عام (676) لأنَّه أشار إلى نسخة الرضي في مواضع من شرحه على نهج البلاغة.
الثاني : ان كانوا - كعادتهم في رواية الكتب - يروون «نهج البلاغة» خلفاً عن سلف ولا يكتفي بعضهم بروايته من طريق واحد، وإليك مثالاً «واحداً» من ذلك.
يوجد في مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف الأشرف نسخة من «نهج البلاغة» بخط السيد نجم الدين الحسيني الطبري فرغ من كتابتها يوم السبت من آخر صفر سنة سبع وستين وستمائة، وهي النسخة التي وصفها الأفندي في «رياض العلماء» بقوله : «السيد نجم الدين أبو عبد الله الحسين بن أردشير بن محمد الطبري كان فاضلاً عالماً جليلاً، وكان تلامذة الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد ويروي عنه» قال : وقد رأيت في أصفهان نسخة من «نهج البلاغة» بخطه وتاريخ كتابتها سنة (667) آخر صفر بالحلة السيفية في مقام صاحب الزمان (عليه السلام) عليها خط نجيب الدين المذكور، وهذه صورة خطه الشريف : أنهاه أحسن الله توفيقه قراءة وشرحاً لمشكله وغريبه، نفعه الله وإيَّانا به بمحمد وآله وكتب يحيى بن الحسن بن سعيد سبع وسبعين وستمائة وعليها خط السيد محمد بن أبي الرّضا العلوي أيضاً، وهذه صورته : «أنهاه أدام الله بقاه قراءة مهذبة، وكتب محمّد بن أبي الرّضا» وانتهى.
ثمَّ أنَّه كان على ظهر النسخة أيضاً هكذا :
«قرأ عليّ السيّد الأجل الأوحد الفقيه العالم الفاضل المرتضى نجم الدين أبو عبد الله الحسين بن أردشير بن محمد الطبري - أصلح الله أعماله وبلغه آماله - كلّ ذلك الكتاب من أوّله إلى آخره فكمل له الكتاب كله، وشرحت مشكله، وأبرزت له كثيراً من معانيه وأذنت له في روايته عني عن الفقيه العالم المقرىء المتكلّم مجد الدين أبي حامد محمد بن علي بن عبد الله بن زهرة الحسيني الحلّي - رضي الله عنه - عن الشيخ الفقيه أبي جعفر محمد بن علي بن شهر اشوب المازندراني عن السيد أبي الصمصام ذي الفقار بن معد الحسيني المروزي عن أبي عبد الله محمد بن علي الحلواني عن السيد الرّضي أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمّد الموسوي وعن الفقيه عز الدين أبي الحرث محمّد بن الحسن بن علي الحسيني البغدادي عن قطب الدين أبي الحسين الراوندي عن السيد بن المجتبى والمرتضى ابني الداعي الحسين الجلبي، عن أبي جعفر الدوريستي عن السيد الرّضي، فليروه عني متى شاء (بياض بالأصل) سنة سبع وسبعين وستمائة.
وعلى النسخة: صورة للمقابلة بنسخة صحيحة في الحضرة الغروية : (تاريخها) في شهر رمضان سنة (726).
وهذه النسخة في مكتبة (الإمام الحكيم العامة في النجف الأشرف) وقداطلعت عليها بنفسي.
واستمرت عادة العلماء برواية نهج البلاغة بالإجازة، ونقله بالسماع، وضبطه بالمقابلة من يوم صدوره إلى زمن متأخر.
وقد أحصى شيخنا الأميني - عطر الله مرقده - في الغدير 193/4 تسع عشرة إجازة ابتداء في سنة 499 إلى سنة 1096 هـ.
وقد اطلعت في العام الماضي (1403) في مكتبة كوهرشاد في خراسان على نسخة من (نهج البلاغة) بخط محمد بن علي بن الحسن الحسيني، تاريخ الفراغ من تحريرها يوم الخميس 18 جمادى الأولى سنة 818، وقد دققها
هـ
العلامة المجلسي رحمه الله وكتب في آخرها بخطه الشريف ما هذا نصه :
«بسم الله الرحمن الرّحيم أنهاه المولى الأولى الفاضل الكامل الذكي الرضي البهي المحقق المدقق جامع الفضائل النفسانية مولانا محمد مؤمن الرازي أيده الله تعالى سماعاً وتصحيحاً وتدقيقاً في مجالس شديدة آخرها ثامن شهر رجب الأصب من شهور سنة اثنتين وتسعين بعد الألف هجرية فأجزت له دام توفيقه أن يرويه عنّي مع سائر ما أخذه منّي بأسانيده المتصلة إلى أرباب العصمة صلوات الله عليهم أجمعين، وكتب بيده الدائرة أفقر العباد إلى عفو ربه محمد باقر بن محمد تقي عفى الله عن جرائمهما حامدا ومصلياً ومسلماً».
الثالث : هناك نسخ خطيّة من (نهج البلاغة) لاتزال موجودة تختلف تواريخها ولا تختلف محتوياتها وإليك بعضها :
أ - نسخة رأيت مصوّرتها عند العلامة الدكتور السيد جواد المصطفوي مؤلف كتاب «الكاشف عن الفاظ عن نهج البلاغة» تبتدىء من الخطبة (32) التي أوّلها (إنَّا قد أصبحنا في دهر عنود... الخ) تاريخ كتابتها كما في آخرها : «فرغ من كتابته فضل الله بن طاهر بن مطهر الحسيني في الرابع من رجب سنة أربع وتسعين وأربعمائة حامداً لله تعالى ومصليّاً على رسول الله وآله الطاهرين».
ب - نسخة السيد محمد المحيط الطباطبائي بطهران ذكرها الشيخ آغا بزرك في حرف النون من الذريعة تاريخ كتابتها سنة (512).
ج - نسخة السيد محسن الكشميري الكتبي ببغداد تاريخها سنة (520) ذكرها الشيخ أيضاً في حرف النون من الذريعة.
د - نسخة رأيتها أنا في مكتبة الآثار (المتحف العراقي) ببغداد برقم (356) مخطوطات كاملة جيّدة الخط، واضحة الرسوم تاريخها كما في آخرها مكتوب بالحمرة هكذا بالحرف الواحد: «آخر كتاب (نهج البلاغة) فرغ من كتابته محمد بن سعيد بن الحسين العامري يوم الجمعة لإثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة خمس وستين وخمسمائة» وقد ذكرت خصوصيات هذه النسخة
و
في (مصادر نهج البلاغة وأسانيده) 188/1 وقلت : إنَّ هذه النسخة من أتقن النسخ الخطية من (نهج البلاغة) ولكن الأرضة قد دبّت إليها ونخرت بعض صفحاتها مع الأسف الشديد.
هـ - نسخة مكتبة طلعت بدار الكتب المصرية برقم (4840) أدب كتبت بقلم النسخ الجيد، مضبوطة بالشكل الكامل ومحلاة بالذهب، وبالازورد، وبصفحة العنوان دائرة مذهبة برسم خزانة (غياث الحق الدين) يليها صفحتان متقابلتان منقوشتان بنقوش هندسية بالذهب والألوان وبداخلها عنوان (كتاب نهج البلاغة من كلام علي عليه السلام والصلاة على محمد وآله الطاهرين) وبعض عناوين النسخة مكتوبة بالذهب، وفواصل الفقرات محلات بالذهب أيضاً وبآخرها خاتمة النسخة داخل حلية مذهبة جاء بها (تم الكتاب بالحضرة الشريفة المقدّسة الغروية النجفية بمشهد مولانا وسيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أخي الرسول وزوج البتول، ووالد أولاد الرسول صلوات الله عليهم وكتبه وذهبه الحسين بن محمد الحسين سنة اثنتين وثمانين وستمائة) وعلى هذه النسخة ضبط الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم الأصل من شرح نهج البلاغة في طبعته التي أشرف على تحقيقها والتعليق عليها (1).
و - نسخة بخط الحسن بن محمد بن عبد الله بن علي الجعفري سبط أبي الرضا الراوندي تاريخها سنة (621) بمكتبة مدرسة السيد اليزدي قدس سره فيالنجف الأشرف.
ولا حاجة بنا إلى ذكر النسخ الخطيّة بعد تاريخ (شرح نهج البلاغة) لابنأبي الحديد لأنه ضبط أصل (النهج) وقد اطلعت على كثير منها، وتعرّضت لذكر بعضها في «مصادر نهج البلاغة وأسانيده».
فمن أين تسربت هذه الزيادات ولماذا لم يعثر أحد على نسخة واحدة خالية من هذه الإضافات المزعومة ؟ ! ولماذا لم يقل بهذا أحد من القدامى حتى
ز
1) مقدمة نهج البلاغة تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ص 21 طبعة مصر.
الذين يذهبون إلى أنَّ في (النهج) شيئاً منحولاً؟
وكيف تواطأ ناسخوا النهج وشرّاحه ورواته مع اختلاف أوطانهم وأزمانهم، بل واختلاف مذاهبهم ومشاربهم على الإضافة والتغيير.
ومن العجب ما قاله الأستاذ العقاد في (عبقرية الإمام) ص 177 : «إِنَّ التنبؤات التي جاءت في (نهج البلاغة) عن الحجّاج وفتنة الزنج وغارات التتر وما إليها من مدخول الكلام عليه ممَّا أضافه النسّاخ إلى الكتاب بعد وقوع تلك الحوادث بزمن قصير أو طويل» ولو سلمنا جدلاً أنَّ الأخبار عن الحجاج وفتنة الزنج أضيفت إلى الكتاب بعد صدوره بزمن قصير أو طويل - لأنه لا يريد أن يتهم الرضي بالوضع - فلا يمكن أن نسلم بإضافة الأخبار عن فتنة التتار وكلّ حوادث التتار من حملة جنكيز خان إلى احتلال هلاكو بغداد كان ما سنة بین (616) وسنة (656) وهذه نسخ «النهج» المخطوطة والتي استعرضنا بعضها ومنها نسخة مكتبة الآثار ببغداد التي ذكرنا أن تاريخها كان سنة (556) أي قبل وقوع تلك الحوادث بمائة عام وفيها الكلام الذي يشير فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى تلك الفتن والمحن وهي لا تختلف عن النسخ المطبوعة فضلا عن المخطوطة.
وهذا ابن أبي الحديد وقعت إليه عدّة نسخ من الكتاب وفيها ما كتب في حياة الشريف الرّضي رحمه الله كما أشار إلى ذلك في مواضع من (شرح نهج البلاغة) يستشعر هذه الإضافات المزعومة بل نراه يقول في شرح الخطبة التي أشار فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى التتار : «إنَّ هذا الغيب الذي أخبر (عليه السلام) عنه قد رأيناه نحن عياناً، ووقع في زماننا، وكان الناس ينتظرونه من أول الإسلام حتى ساقه القضاء والقدر إلى عصرنا وهم التتر الذين خرجوا من أقاصي المشرق» (1).
نعم يوجد بعض نسخ من (نهج البلاغة) ومنها نسخة (مكتبة الإمام
ح
1) شرح نهج البلاغة مجلد 2 ص 342 طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
الحكيم العامة في النجف الأشرف التي وصفها صاحب الرياض - كما تقدّم - تنتهي بالحكمة رقم (468) وهي قوله (عليه السلام) (ربّ مفتون بحسن القول فيه) وقد خلت من الكلمات القصار بعدها وهي ثماني عشرة كلمة.
والجواب عن هذا أن ابن أبي الحديد بعد أن فرغ من شرح قوله (عليه السلام) (ربّ مفتون بحسن القول فيه) قال :
«واعلم أنّ الرّضي رحمه الله قطع كتاب (نهج البلاغة) على هذا الفصل وهكذا وجدت النسخة بخطه، وقال - أي الرضي - : وهذا حين انتهاء الغاية بما إلى قطع المنتزع من كلام أمير المؤمنين حامدين الله سبحانه على ما منَّ به من توفيقنا لضمّ ما انتشر من أطرافه، وتقريب ما بعد من أقطاره، ومقررين العزم كما شرطنا أوّلاً على تفصيل أوراق من البياض في آخر كل باب من الأبواب لتكون لاقتناص الشارد، واستلحاق الوارد، وما عساه أن يظهر بعد الغموض، ويقع بعد الشذوذ وما توفيقنا إلا بالله عليه توكلنا وهو حسبنا ونعم الوكيل» انتهى كلام الرّضي.
قال ابن أبي الحديد : (ثم وجدنا نسخاً كثيرة فيها زيادات بعد هذا الكلام - يعني الثماني عشرة كلمة التي أشرنا إليها - قيل : إنها وجدت في نسخة كتبت في حياة الرضي رحمه الله وقرأت عليه فأمضاها وأذن بإلحاقها بالكتاب» (1).
وستعرف - إن شاء الله - إذا اطلعت على مصادرها في (مصادر نهج البلاغة وأسانيده) أن هذه الكلمات مروية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنَّ الرّضي رحمه الله هو الذي أضافها خصوصاً إذا قرأت تعليق الرضي عليها وبالأخص تعليقه على الكلمة (466) وهي قوله (عليه السلام): (العين وكاء السه) حيث قال : «وهذا من الاستعارات العجيبة كأنّه يشبه الله بالوعاء والعين بالوكاء فإذا أطلق الوكاء لم ينضبط الوعاء» قال : «وهذا القول في الأشهر الأظهر من كلام النّبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد رواه قوم عن أمير المؤمنين
ط
1) شرح نهج البلاغة مجلد 4.
(عليه السلام) وذكر ذلك المبرد في كتاب (المقتضب) في باب اللفظ بالحروف وقد تكلمنا عن هذه الاستعارة في كتابنا الموسوم (مجازات الآثار النبوية).
وكتاب (مجازات الآثار النبوية) أو (المجازات النبوية) كما يسمى أحياناً من كتب الرضي التي لا يختلف فيها اثنان يضاف إلى ذلك أن الرضي ذكر هذه الكلمة في المجازات ص 208 وعلّق عليها بقوله : «ومن الناس من ينسب هذا الكلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) وقد ذكر ذلك محمّد بن يزيد المبرد في كتاب (المقتضب) في (باب اللفظ بالحروف) وفي الأظهر الأشهر أنَّه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم».
فتراه احتاط في نقل الكلام في (المجازات) كما احتاط في نقله في (النهج) وقارن بين التعليقتين ليظهر لكن أن الذي ألحق هذه الكلمات الرضي نفسه، وزد على ذلك أنَّها مروية في كتب غير نهج البلاغة كما ذكرنا ذلك في «المصادر».
بقي شيء آخر لا بدَّ من التنبيه عليه، وهو اختلاف ترتيب نسخ النهج بتقديم بعض الخطب والكلمات في نسخة وتأخيرها في نسخة أخرى والسبب في ذلك أنَّ بعض النسّاخ كتب الخطبة اللاحقة قبل السابقة سهواً ثم تنبه فكتب السابقة بعد اللاحقة من دون تنبيه فجاء من بعده فنقلها كما وجدها وهذا لا يضرّ، ولا يقلل من أهمية الكتاب ولا يقدح في نسبه بعد الاتفاق على أنَّ كلّ واحدة من نسخ (النهج) اشتملت على ما اشتملت عليه الأخرى، وقلّ أن يخلو كتاب من ذلك، ونظرة واحدة في هوامش الكتب التي تطبع طباعة فنية في هذا الزمن لنرى تعليقات المحققين والمصححين وإشاراتهم إلى اختلاف النسخ.
وانَّما نبهنا على ذلك كي لا يتورط أحد فيما تورّط به الشيخ محي الدين الخياط فعلّق على النسخة التي عليها شرح العلامة الشيخ محمد عبده المطبوعة على نفقة محمد كمال بكداش حيث قال في ص 388 من الجزء الأول : «لم يذكر ابن أبي الحديد هذه الخطبة يعني الخطبة (185) التي أوّلها (الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد وما بعدها إلى الخطبة التي أولها (روي أن صاحباً لأمير
ي
المؤمنين (عليه السلام) يقال له همام) قال : «ولذلك لا ترى كلاماً» بعد الآن لابن أبي الحديد أن تمرّ هذه الخطبة» انتهى كلام الخياط مع أنَّ الخطبة التي أشار إليهاوما بعدها كلّها مذكورة في شرح ابن أبي الحديد غير أن نسخة ابن أبي الحديد من (النهج) تختلف عن غيرها في الترتيب وبحسبك أن تقارن بين نسخة الخياط من ص 388 إلی ص 432 من الجزء الأول وبين شرح ابن أبي الحديد ص 194 إلی 245 من المجلد الثالث لترى كيف وقع الخياط في هذا الوهم (1).
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
ك
1) وانظر مصادر نهج البلاغة وأسانيده 199/1.
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى 1996م - 1416هـ
الدار الاسلامية
لبنان - حارة حريك - شارع دكاش - هاتف: 820031 ص.ب 14/5680
مكتبة السائح
طرابلس
لبنان - شارع الراهبات هاتف: 431549 - 625751
الإمامُ عَلَى
فى
مَلَاحِم نَهْجِ البَلاغَة
تأليف
الشيخ عَلى عَزيز الإبراهيم
مكتبة السائح
طرابلس
الدار الاسلامية
بيروت
بسم الله الرحمن الرحیم
نهج البلاغة بعد الف عام
انتهى الشريف الرَّضي من جمع نهج البلاغة سنة أربعمائة للهجرة، وبدأ
الشك في صحة نسبته للإمام علي عام (608هـ). ومن المرجح أن ابن خلكان صاحب كتاب «وفيات الأعيان» أوّل أديب شكّ في نهج البلاغة، وزعم أنّ مؤلفه هو الشريف الرضي، ثمّ قلّده من جاء بعده من كتاب التراجم، كصلاح الدين الصفدي وغيره.. أما أدباؤنا العصريون فقد تفرّقوا شيعاً أمام هذا الشك : فمنهم من نهض يدافع عن نهج البلاغة ويثبت أن كل ما جاء فيه هو للإمام... ومنهم من أخذ يدحض بعض المزاعم، ويثبت البعض الآخر، ومنهم من طلع علينا بأسباب شك جديدة، ومنهم من يذهب إلى إقرار الشك واستبعاد صحة جميع ما جاء في النهج لعلي (عليه السلام)، ومن هؤلاء الأستاذ أحمد حسن الزيات في كتابه «تأريخ الأدب العربي» (1).
يقول الزيات تحت عنوان «نموذج من كلامه» : كلام أمير المؤمنين يدور على أقطاب ثلاثة : الخطب والأوامر ؛ والكتب والرسائل ؛ والحكم والمواعظ، وقد جمعها على هذا النسق الشريف الرضي، في كتاب سمّاه «نهج البلاغة» لأنّه كما قال بحق : «يفتح للناظر فيه أبوابها، ويقرّب عليه طلابها، فيه حاجة المتعلم والعالم، وبغية البليغ والزاهد، ويضيء في أثنائه من الكلام في التوحيد والعدل ما هو بلال كل غلّة، وجلاء كل شبهة، والصحيح أن أكثر ما في هذا الكتاب منحول مدخول».
1) والأستاذ أحمد أمين في «فجر الإسلام».
هذا حكمه المطلق على كتاب نهج البلاغة، أرسله كأمر مسلَّم به، ولكنّه لم يدعمه بحجّة قاطعة تتفق ومنهاج البحث العلمي الحديث.
وقد سلك الزيات في حكمه هذا منهاج ابن خلكان... فكان بذلك مقلّداً من تقدمه تقليداً رائعاً... بيد أن ابن خلكان وغيره بسطوا أسباب شكهم في نهج البلاغة، فعبّروا بذلك عن وعي غير ناضج، في فهم الإمام وعصره... أما صاحبنا الزيات المفروض فيه أن يدحض بقلمه السيّال، وبصيرته الناقدة هذا الشك الخاطىء فلم يزد على أن اتخذ ابن خلكان إماماً بلا دليل مبرّر، ولا سبيل قانع... أهكذا تكون دراسة الآثار الأدبية المشكوك في صحتها؟!.
وإنك لتحار متسائلاً : لم هذه الشكوك التي لا ترتكز على أساس ثابت، من العلم، ولا الأدب، ولا العقل، بل هي مجرد «ظنون» لا تمت إلى وجه من الحقيقة بسبب ؟
يقولون : إن أكثر نهج البلاغة من صنع جامعه الشريف الرضي، ويرجعون ذلك إلى عدة أسباب نجملها في أربعة :
1 - صناعة السجع والتنميق اللفظي، وآثار الصنعة، ممّا لم يعهده عصر علي (عليه السلام) ولا عرف إلا في العصر العباسي.
2 - التعريض بالصحابة كمعاوية وعمرو بن العاص، وطلحة والزبير وأشياعهم، وهذا لا يصدر عن رجل فاضل كعلي (عليه السلام).
3 - دقة الوصف والأفكار السامية، والسياسة المدنية، واستعمال الألفاظ الإصطلاحية، كالأين والكيف والطريقة العددية في شرح مسائل وتقسيمات الفضائل والرذائل كقوله : الإستغفار على سبعة معان.. والإيمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد والصبر. منها على أربع شعب (1)... وكل ذلك لم يعرف إلا بعد تعريب كتب الفرس واليونان.
1) راجع باب الحكم من نهج البلاغة.
4 - إدعاء علم الغيب وهذا أمر يجلّ عن مثله مقام علي (عليه السلام)..
وها نحن نناقش هذه الأسباب الأربعة ؛ ونظهر بالبينة الشافية فسادها وبطلانها.
السبب الأول : لقد درسنا خطب الإمام، واحدة واحدة، فلم نجد فيها ظلاً للصنعة، ولا أثراً للسجع، ولا وجهاً للتنميق اللفظي. ولو أنّها تنطوي على شيء من هذا لما خلت من جفاف، وتكلّف... شأن كتابات الصنعة والسجع، ولما أبصرنا كل جملة من جملها تنبض بالحيوية، والمرح والخلود. ولما شاهدنا كل كلمة من كلماتها ملبية داعي الحاجة إليها فهي غير مضطربة ولا نابية كأنما خلقت لتحلّ هذا المحلّ. ولمّا وجدت النفوس في قراءتها هذه اللذة الروحية العميقة، المنبجسة من حنايا ذلك الأسلوب القوي العالي الجاري عفو الخاطر جريان الماء الزلال الذي ينفحك بأرجه المؤمن أحياناً، ويلفحك بحرارته السياسية... حيناً فإذا بك تفقد ذاتيتك، وتعيش في فردوس القطعة التي تقرأها عيشة ناعمة راضية.
ولعلّ استواء الجملتين والثلاث في التقفية، وحلاوة الجرس الموسيقي، هو الذي ذرّ ذلك الشك في قلوب النقاد فأخذوا يزعمون أن عصر علي (عليه السلام) لم يعهد ذلك.. وقد غاب عنهم أن عصر علي (عليه السلام) هو العصر الذي حلّق فيه العربي فوق ثريا البلاغة، وأنّ القرآن الكريم أنزل في عهد علي (عليه السلام) وأنَّ علياً هو أول كوكب بشري أنس النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) نفسه، وضمّخ عواطفه بقوله تعالى : «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ» (1).
وقبل نزول القرآن الكريم كان: «النثر في الجاهلية موسيقى كالشعر، تتخلله أحياناً جمل موزونة مسجعة، يأتي بها البدوي دون تكلف» (2)«وقد نقل لنا الرواة بعضاً من خطبهم وهي عادة قطع وجيزة من الوعظ ترسل سجعاً أو ما
يقاربه» (1)نقدم مثالاً على ذلك شيئاً من خطبة قس بن ساعدة الذي أدركه النبي يلقيها في سوق عكاظ، وهو راكب على جمل أحمر: «أيها الناس!
إسمعوا وعوا. وإذا سمعتم شيئاً فانتفعوا إنه من عاش مات.. ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت. ليل داج، وسماء ذات أبراج. وأرض ذات فجاج. وبحار ذات أمواج» (2)الخ... وقال لبيد يصف بقلة تدعى التربة : «هذه التربة لا تذكي نارا. ولا تؤهل دارا. ولا تسر جارا. عودها ضئيل. وخيرها قليل. وفرعها كليل. أقبح البقول مرعى. وأقصرها فرعاً. وأشدّها قلعاً».
وروى ابن مسعود عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أنه قال : استحيوا من الله حق الحياء. قلنا : إنا لنستحي يا رسول الله قال : ليس ذلك. ولكن الإستحياء من الله، أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى. وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا» (3). فهل في هذا سجع وصنعة وتنميق ؟؟؟ وهل الذي جاء في القرآن الكريم كقوله تعالى : «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى» (4). سجع، وصنعة، وتنميق لفظي ؟؟؟ إننا نترك الجواب لحضرات الأساتذة والنقاد.
السبب الثاني : عندما نروم التكلم عن السبب الثاني يعترضنا عسر مرهق، ذلك لأن لفظة «الصحابة» تحيط الذين تطلق عليهم بهالة من القدسية، في عرف العادات والتقاليد الإسلامية المسيطرة.. والحق أنني أريد أن يكون هذا المبحث بنجوة من سلطان هذه التقاليد، وتلك العادات الموروثة... أريده بحثاً نزيهاً حراً يعتمد على أوثق كتاب التاريخ الإسلامي المجيد، ثم لا أبالي بعد
ذلك، رضي عبيد التقاليد العمياء أو غضبوا... وإذن، فمن هم وإذن، فمن هم الصحابة ؟؟... الصحابة : أصحاب النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) الذين رأوه وطالت صحبتهم معه مفردها صحابي، وبناء على هذا التفسير، فإنّ معاوية، وعمرو بن العاص، وطلحة والزبير، الذين تعرّض لهم الإمام (عليه السلام) في خطبه، من صحابة الرسول.
وهنا يعترضنا سؤال بارز له قيمته الرّفيعة، سواء كان ذلك من الوجهة التأريخية، أو من الوجهة الإسلامية الدينية وهو هل القول أنهم من صحابة الرَّسول كافٍ لتقديسهم أبداً، وتحريم نقدهم، وتفنيد أعمالهم ولو أخطأوا، وحادوا في خطئهم عن منهاج التشريع الإسلامي الأغر؟... لا أحسب أن أي مسلم، مهما انحط في دركات الجهل والغباوة أو علا في درجات الفضل والمعارف، يستطيع أن يقول : نعم لأنه يكون بذلك عدواً لأقدس آيات الوحي، وجوهر تعاليم الرسالة النبوية. لا ريب في أن صحبة الرسول شرف أثيل، ومجد باذخ، فهي تهذب النفس المؤمنة، وتغسلها في معين الهدى الإلهي حتى تصبح جوهرة نورانية لها صفاء النجوم ولألاؤها، وهي تضيء القلب بمشعل الإيمان الحي، وتتجه بالعواطف والميول والرغبات والمشاعر، شطر القانون الأزلي الأعظم إتجاهاً كلياً... كل هذا تفعله صحبة الرسول، إذا صادفت إستعداداً واعياً كافياً في نفس الصحابي.
ولكن ماذا نقول إذا كان ذلك الصحابي - بعد وفاة الرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) - أسلس لنفسه العنان، فتقحمت به في مسارب الشهوات الدنيوية.. فعمل على تمزيق الوحدة الإسلامية، وأزهق مئات الألوف من النفوس المؤمنة البريئة، طمعاً بمنصب ملك جائر، ولم تردعه من الذكر الحكيم عظة زاجرة؟! ألا نقول إنّ صحبة الرَّسول لم تصادف عند هذا الصحابي استعداداً وافياً؟؟ (1)أم نقول كما
1) جاء في صحيح مسلم - الجزء الثامن صفحة (157) مطبوعات مكتبة محمد علي صبح وأولاده بميدان الأزهر الشريف عن ابن عباس أن رسول الله قال : «ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وأنه سيجأ برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول : يا رب أصحابي فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيداً مادمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. قال : فيقال لي : إنهم لم يزالوا مرتدين منذ». وفي حديث وكيع ومعاذ، فيقال: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». وروى ذلك صحيح البخاري في الجزء الرابع صفحة (169) باب قوله تعالى : «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا...» وفي الصفحة (304) في أواخر باب : «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ».
يقول الأكثرون من مقلدي المؤرخين - كان من صحابة الرَّسول - ومعنى ذلك أن نضعه في فردوس من التمجيد والتقديس لا يسمو إليها نقد، ولو خرج عن حكم القرآن، وعبث بسنّة الرَّسول، وخالف رأي جماعة المسلمين. إنّ المؤرّخ ذا البصيرة الحية الناقدة، وإنّ الحق الصراح، وإن العقل المتحرر الممحص، لا يقرون شيئاً من هذا. وبعد : فقد آن أن نسأل التاريخ عن حياة هؤلاء الصحابة الذين تعرّض لهم الإمام بعد وفاة الرّسول : هل كانت حياة وحي ورسالة ؟؟ أم كانت حياة دنيا طماعة، وأنانية متوثبة، وسياسة ماكرة، غدارة متجبرة، شهوانية ؟؟؟.
إن جواب التاريخ نور باهر يكشف عن كل دقيقة من سيرة حياتهم، ولا يكاد يغادر صغيرة منها ولا كبيرة إلا أحصاها. التاريخ يجيبنا : إن طلحة والزبير بايعا علياً (عليه السلام)، ثم أتياه بعد فراغ البيعة فقالا: هل تدري على ما بايعناك يا أمير المؤمنين؟؟! قال علي : نعم على السمع والطاعة وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان فقالا : بايعناك على أنا شريكاك في الأمر. فقال علي (عليه السلام) لا ولكنكما شريكان في القول والإستقامة والإعانة على العجز والأود. فلما استبان لهما أنّ علياً غير موليهما شيئاً نكثا البيعة (1)وخرجا يغرران بالناس، حتى ساقوهم إلى مجزرة وقعة الجمل، التي سفكت فيها دماء عشرة آلاف مسلم.
أمّا عمرو بن العاص فإنّ معاوية بعث إليه بكتاب يطلب فيه نصرته،
1) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة صفحة 41 و 42 إلى صفحة 73.
فاستشار هذا ابنيه عبد الله ومحمداً، فأشار عليه عبد الله بالإقامة في منزله، أمّا محمد فقال له : إلحق بجماعة أهل الشام. فقال عمرو : أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خيرٌ لي في ديني. وأما أنت يا محمد فقد أمرتني بما هو خير لي في دنياي ثم التحق بمعاوية مختاراً، وطلب منه لقاء مناصرته ولاية مصر فوعده بها... وفي خدعته لأبي موسى في أمر التحكيم، وحيدته عن نهج العدل الأنور كان سبباً لخلق فرقة جديدة في الإسلام، لها مذهبها وآراؤها وهي : الخوارج الذين كانوا قذى في عين الدولة الإسلامية، وعاملاً جباراً في إضعافها في كثير من الأحيان...
أرأيت كيف خرج طلحة والزبير على إمام المسلمين بعد ما بايعاه، وبايعه عامة المهاجرين والأنصار، وساقا إلى الموت عشرة آلاف مسلم لأن علياً أبى أن يقطع كل واحد منهما ولاية يبسط عليها سلطانه، ويشبع أطماعه؟؟؟.
وهل رأيت كيف اختار عمرو بن العاص الدنيا على الآخرة، وكيف فرّق كلمة المسلمين طرائق قددا، وكان سبباً في إزهاق الألوف من النفوس المسلمة المؤمنة لأنّ معاوية وعده أن يجعله والياً على مصر ؟؟؟.
أما معاوية فحسبك أن تعلم أنه مركز الدائرة في كل هذه الأعمال، فهو الذي أرسل إلى طلحة والزبير يحضهما على مناهضة علي (عليه السلام) ويعدهما بأن يبايعهما بالخلافة.. وهو الذي كتب إلى عمرو بن العاص، وجعل له مصر طعمة لقاء مساندته إيّاه، وهو الذي مزّق وحدة الإسلام، بحروبه الدامية لخليفة المسلمين الشرعي علي (عليه السلام)، وبفرض البيعة لإبنه يزيد، صنم الخلاعة وحبيب الخمرة.. وهو الذي ضحى على مذبح شهواته وميوله بعشرات الألوف من المسلمين في معركة صفين وحدها، مدرعاً ثوب المظاهرة بالمطالبة بدم الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وهو عارف أن علياً أبرأ الناس من دم عثمان، ولما استتب له أمر الملك لم يطلب أحداً من قتلة عثمان (1)، بل
1) راجع حديث عائشة بنت عثمان مع معاوية في الإمامة والسياسة حينما قدم المدينة بعد ما صار خليفة صار خليفة وراجع أبا الفداء وأي كتاب شئت من كتب التاريخ الإسلامي.
تركهم أحراراً يمرحون بين سمعه وبصره. وإذاً فمعاوية لم يكن همّه غير الإستيلاء على صولجان الملك، يريده ولو كان في حصوله عليه خفوت نفس الإسلام - يريده له ولأبنائه من بعده، وسيان عنده اطمأن الوحي الإسلامي أو غضب، تألف المسلمون أو تفرقوا، اقتتلوا أو اصطلحوا.
هؤلاء هم الصحابة الذين تعرّض لهم الإمام، هؤلاء هم الصحابة الذين امتلأت أذهانهم بتلك الآيات الخالدات اللواتي توّج النبي فيها مفرق علي بعد رجوعه من حجة الوداع في «غدير خم» ألا وهي: مَنْ كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعادٍ ما عاداه وأحبّ من أحبه، وأبغض من بغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله وأدر الحق معه حيثما دار» (1).
وما كان رسول الله ينطق إلا عن ربّه : «وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى». نعم لقد سمعها أولئك الصحابة من فم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ووعوها... ولعلك تسألني : كيف جردوا السيف في وجه علي (عليه السلام) وحاربوه بعد ذلك؟ وأجيبك : إن حلاوة الدنيا ومباهجها سيطرت على كل نبضة في أجسامهم، وكل خطرة في نفوسهم فمالت بهم عن الصراط السوي ميلاً عظيماً، فما على الإمام والحالة هكذا إذا تعرّض لهم في خطبه لاسيّما والنبي يقول : «معاشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة. حرب لمن حاربهم. ولي لمن والاهم. لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد رديء الولادة» (2).
وروت السيدة أم سلمة عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أنه قال: «علي مع القرآن،
والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض.
إننا نرى أن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قد تعرّض لهم... قبل أن يتعرض لهم علي (عليه السلام) وفي هذا كفاية.
السبب الثالث: وإنه لمن المضحك حقاً أن يزعم حضرات النقاد أنه لم يكن للعرب في جاهليتهم، نصيب من دقة الوصف والتخيل، في حين أن دقة الوصف والتخيل صفة ملازمة للعربي. ولنظرة خاطفة في الشعر الجاهلي ونثره توقفنا على حقيقة ذلك. إسمع بعض بني الحارث من شعراء الجاهلية يصف الشمس (1)فيقول :
أرانا مليك الكون بالشمس آية***تبوء بأنعام الإله وتخبر
مخبأة. أمّا إذا الليل جنّها***فتخفى. وأما بالنهار فتظهر
إذا انشق عنها ساطع الفجر وانجلى***دجى الليل، وانجاب الحجاب المستر
وألبس عرض الأفق ثوباً كأنّه***على الأفق الغربي ثوب معصفر
تجلّت وفيها حين يبدو شعاعها***ولم يعلُ للعين البصيرة منظر
عليها كدرع الزعفران يشبّه***شعاع تلالا. فهو در منور
فلما علت وابيض منها اصفرارها***وجالت كما جال النسيج المشهر
وجلَّلت الآفاق ضوءاً وأسعرت***بحر لها، منه الضحى يتسعرُ
ترى الظلّ يضوي حين تبدو وروقه***تراه إذا زالت عن الأرض ينشر
كما بدأت إذ أشرقت في مغيبها***تعود كما عاد الكبير المعمر
وتدنف حتى ما يكاد شعاعها***يبين إذا ولت لمن يتبصَّرُ
وأفنت قروناً، وهي في ذاك لم تزل***تموت وتحيا كل يوم وتنشر
ألا ترى معي دقة الوصف والتخيل في هذه القصيدة الجاهلية؟
وأحيلك إلى قراءة شعراء المعلقات، حيث تبصر وصف المطر، والبرق، والفرس، والحرب، وبوسعك أن تراجع وصف لبيد الذي مرّ لبقلة
1) أنظر علم الأدب للأب شيخو الجزء الأول.
التربة. واقرأ الأوصاف الرائعة في القرآن الكريم. إصغ إليه تعالى يصف لنا حال أصحاب اليمين في مسارح الفردوس الأعلى «وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ» (1)الخ وتبصر حسناً في وصفه تعالى خلق الانسان وتطوره من حال إلى حال: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» (2).
وبعد هذا فأيّ غرابة في أن يصف علي (عليه السلام) الخفاش والطاووس؟ علي الذي رضع ألبان العلم والأدب والفصاحة على يدي رسول ربّ العالمين محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بما يبرز به على من تقدمه، ومن يجيء بعده؟!
عهده للأشتر:
وأما عهد الإمام علي (عليه السلام) للأشتر النخعي، عامله على مصر، فمما لا يختصم فيه إثنان، لأنَّ أنفاسه الزكية تتردد وئيدة في مطاويه، فتجعل منه روحاً وريحاناً... وإنا لنعجب كيف يتسرب الشك إلى قلم الزيات في هذا العهد، لأنه ينضم على جملة صالحة من السياسة المدنية، ولا يشك في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري الذي قال عنه : «وقد اعتبره جمهور القضاة أساساً للنظام، وقاعدة للأحكام، وما أجدره بذلك» ؟ ! (3)
وجاء في الصفحة 20 من شرح العقائد النسفية، طبع وزارة الثقافة والإرشاد القومي في دمشق (1974) أن رسول الله قال : «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر». نقلا عن الترمذي : أحكام (12)، وابن ماجة أحكام، وأخرجه الدارقطني بإضافة : إلا في القسامة على آخره، ورواه البيهقي في السنن عن ابن عباس، وابن عساكر عن ابن عمر، وأخرج مسلم شبيهاً له عن ابن عباس في (كتاب الأقضية - باب : اليمين على المدعى عليه» 1 هـ.
أقول : وروى الإمام النووي في شرح أربعينه، نشر وتوزيع مكتبة دار الفتح بدمشق، صفحة (93) عن ابن عباس أن رسول الله قال : «لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» إذن فكيف وقع الكاتب الكبير الزيات في هذه السقطة، ونسب الحديث للخليفة الثاني؟؟.
1) سورة الواقعة : الآية : 27 - 34.
2) سورة المؤمنون : الآية 12 - 16.
3) والذي أثار إعجاب الأستاذ حسن أحمد الزيات في عهد الفاروق عمر بن الخطاب هو : «البيئة على من ادعى واليمين على من أنكر». إن هذا القول الحكم لرسول الله، وليس للخليفة الثاني، يروي الإمام البخاري في الجزء الثالث من صحيحه، ص 187 باب في الرهن في الحضر : «حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال : كتبت إلى ابن عباس، فكتب إليّ : إن النبي قضى : ان اليمين على المدعى عليه».
لأنّ نشأة علي (عليه السلام) في ظلال أفنان الوحي والرسالة، جديرة بأن تعدّه لمؤهلات لا تتهيأ لغيره من رجالات الإسلام أجمعين. واسمع ! فهذا معاوية خصم علي السياسي، يقع على الكتاب الذي أرسله إلى محمد بن أبي بكر، حينما ولاه مصر، فيأخذ في دراسته، وكلما أعاد قراءته أبدى العجب، فيقول له الوليد بن عقبة لمّا رأى إعجابه : «مُرْ بهذه الأحاديث فلتحرق». فيقول معاوية : «مه لا رأي لك»! فيجيبه الوليد : «أفمن الرأي أن يعلم الناس أن أحاديث أبي تراب عندك تتعلم منها ؟» فيقول له : «ويحك، أتأمرني أن أحرق علماً مثل هذا؟ والله ما سمعت بعلم هو أجمع منه ولا أحكم» (1).
لا يمرنّ عليك سهواً قول معاوية : «والله ما سمعت بعلم هو أجمع منه ولا أحكم». وقل معي : ليت لنقادنا الأدباء من الإنصاف في الإعتراف بأدب علي (عليه السلام) وعلمه مثل ما لمعاوية في هذا الموقف.
الأين والكيف:
أمّا إستعماله الأين والكيف، في تمجيد الحضرة الإلهية، وتنزيهها عن الإحاطة والحصر والوصف، فراجع إلى أن توحيده - عزّ وجل - يبقى ناقصاً إذا
1) راجع الصفحة (28) من المجلد الثاني من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي (طبع مصر).
لم يتنزه عن الأين والكيف. يقول الإمام من خطبة: «من حده فقد عده.. عده فقد أبطل أزله ومن قال أين؟ فقد حيّزه.. ومن قال : كيف؟ فقد استوصفه». ويقول في خطبة أخرى : «لا ينظر بعين ولا يحد بأين» (1).
وإنه ليدهشنا غاية الدهشة أن يقولوا : إن استعمال الأين والكيف في تنزيه الحضرة الإلهية لم يعرف إلا بعد تعريب كتب الفرس واليونان. فهذا الحمويني العلامة الشهير يروي في كتابه المعروف : «فرائد السمطين» بالإسناد إلى مجاهد عن ابن عبّاس (2)قال :
قدم يهودي على رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقال له : «نعثل» فقال له : يا محمد إني أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين، فإن أجبتني عنها أسلمت على يدك. قال : سل يا أبا عمارة قال : يا محمّد صف ربك. فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «إن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه وكيف يوصف الخالق الذي تعجز الأوصاف أن تدركه والأوهام أن تناله والخطرات أن تحده، والأبصار الإحاطة به جلّ عما يصفه الواصفون. ناء في قربه. وقريب في نأيه. كيف الكيف فلا يقال له : كيف؟ وأين الأين. فلا يقال له : أين هو، منقطع الكيفية فيه والأينونة». الخ.
فتأمّل جيداً ثروة حضرات النقاد الأدبية وتضلعهم من سيرة نبي الإسلام وكفى.
إستعمال الطريقة العددية
يتشدّد بعضهم، كالأستاذ فؤاد أفرام البستاني (3)، في القول : إن استعمال الطريقة العددية لم يعرف في الأدب الجاهلي، ولا يكاد يعرف في الأدب
الإسلامي، حتى عرب ابن المقفع كتاب «كليلة ودمنة» (1)ويتخذ من ذلك ذريعة إلى القول: «إنَّ مثل هذا من صنع الشريف الرضي».
إنّه لغريب حقاً، أن يصدر مثل هذا القول عن أديب مشهود له بسعة الإطلاع، ووفرة المعارف كالبستاني.. لإنّ بذور هذه الطريقة معروفة في الأدب العربي قبل الإسلام إسمع ما يقول زهير بن أبي سلمى :
فإنّ الحق مقطعه ثلاث***يمين أو جلاء أو نفار
وقد استخدم القرآن الكريم هذه الطريقة قال تعالى «ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ. قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ» (2)الآية.
وقال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والحج، وصوم شهر رمضان». وقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «إغتنم خمساً قبل خمس : حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك» (3). وقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : أربع من أعطيهن فقد أعطي الدنيا والآخرة: لسان ذاكر، وقلب شاكر، وبدن على البلاء صابر، وزوجة لا تبغيه خوناً في نفسه ولا ماله» (4).
وقال الأحنف: «المؤمن بين أربع مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يجاهده، وشيطان يفتنه وأربع لسن أقل منهن : اليقين، والعدل، ودرهم حلال، وأخ في الله» (5).
1) يجزم كثير من الأدباء أن كتاب «كليلة ودمنة» من تأليف ابن المقفع، وإنما ادعى تعريبه ليروج...
2) سورة الأنعام : الآية 143 و 144.
3) العقد الفريد الجزء الثاني - باب مواعظ الأنبياء - راجع إذا شئت مزيداً كتاب الجامع الصغير في أقوال النبي.
4) المصدر نفسه.
5) البيان والتبيين - للجاحظ - الجزء الثاني صفحة 148.
نحسب أنّ هذا كافٍ ليثبت لحضرات النقاد، أنّ الطريقة العددية كانت معروفة في زمن الإمام علي وقبله. بيد أنه سلك في استعمالها نهجاً عليه مسحة من التوسع والتفنن، وذلك منتظر من ربيب رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ووارث علومه، الذي يؤمن كل أديب عاقل أنه أول مفكري الإسلام، وأن كلامه فوق كلام المخلوق، ودون كلام الخالق، وأنّ الحكمة التي جاءنا بها حكمة سامية خالدة على الدهر، وأن كتبه تتمتع بقوة منطقية سديدة، ومقدرة على القياس بالغة، وأنه مجدد في كل ذلك بالنسبة إلى رجالات عصره، ونسيج وحده، لا يشق له في هذا المضمار غبار.
نقول : إنّه منتظر من الإمام علي الذي انفرد بهذه الميزات جميعاً وكلها جليل، رفيع، رائع، أن يستعمل هذه الطريقة على مدى أرحب.. ويلوح لنا أنّه استنبطها جميعاً أو أكثرها من أي الذكر الحكيم وأقوال النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إسمعه يقول : «من أعطي أربعاً لم يحرم أربعاً: من أعطي الدعاء، لم يحرم الإجابة، ومن أعطي التوبة لم يحرم القبول، ومن أعطي الإستغفار لم يحرم المغفرة، و من أعطي الشكر لم يحرم الزيادة، وتصديق ذلك كتاب الله ؛ قال الله في الدعاء : «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» (1)وقال في الإستغفار : «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا» (2)وقال في الشكر «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» (3)وقال في التوبة : «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ، فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا» (4)فهل من مسوّغ للشك يبديه نقادنا بعد هذا؟
السبب الرابع : نكاد نجزم حين نعرض لدراسة السبب الرابع، أنّ الشاكين في نهج البلاغة لم يقرأوه جميعه قراءة واعية، لأن الإمام نفسه جلا هذه الشبهة
في إحدى خطبه
إننا إذا أخذنا بهذا القول وحده وصرفنا النظر عن استنتاج القضايا الإجتماعية من مقدّماتها وأسبابها وعن قول النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله»، فإننا نراه كافياً لصدّ ذلك الشك العاثر.
نهج البلاغة وشرّاحه
لقد تولى شرح نهج البلاغة كثير من أعلام العلماء، فلم نعرف أحداً منهم شكَّ في نسبته لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) نخص بالذكر منهم المرحوم الشيخ محمد عبده (2)، وهو الذي بعث الكتاب من مرقده، ولم يكن أحد أوسع منه اطلاعاً، ولا أدق تفكيراً، لم يُشر إلى شيء من ذلك، بل نعتقد أنّه - رحمه الله - كان مقتنعاً بأنّ الكتاب كله للإمام علي، وإن لم يصرح بذلك، والدليل على هذه العقيدة أنّه يقول في مقدّمته واصفاً الكتاب : «وإنّ وإن مدبر تلك الدولة، وباسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب». بل هو يتجاوز هذا المقدار، إلى الإعتراف بأنّ جميع الألفاظ صادرة عن الإمام، حتى أنه ليجعل ما في الكتاب حجة على معاجم اللغة (3).
1) سورة لقمان : الآية 34.
2) هو مفتي الديار المصرية سابقاً.
3) محمد محي الدين - أحد شرّاح نهج البلاغة، ويؤخذ عليه في مقدمته قوله عن الإمام : فهو شاب له حدّة الشباب، وطموحه ونشاطه، فهذه الحدة، والنشاط والطموح، تعبير باطل، بعيد عن اللياقة. لاسيما وقد أورده لتبرير موقف الإمام نحو الخلافة والمعارضين... وليس معنى هذا اننا ننكر أنه كان في أمير المؤمنين طموح ونشاط، فهذه الصفات من مميزات الشباب الإسلامي الماجد، ومما تقرّه الشريعة الإسلامية الغراء، وقد كانت متوفرة في الإمام، ولكنها كانت محصورة ضمن إطار الشريعة والحق. ولو وجدت في علي حسب المعنى الظاهر الذي يستفاد من قول الأستاذ محي الدين - أحد أساتذة الأزهر - لتغير وجه التاريخ، ولما وسعه أن يقول في نفس الصفحة ولم يكن يبلغ به طموحه إلى الانتقاض على جماعة المسلمين بعد الذي نزل في تأليفها ولم شعثها».
الخلاصة:
نزل القرآن الكريم، فكان معجزاً في بلاغته، جديداً في كل ما شرّع للنَّاس من دين وقانون.. جديداً في ما جاء به من سياسة وحكمة، وآداب أخلاقية وإجتماعية.. فكانت هذه الجدّة حركة تطور عنيفة، ثقفت الأذهان بثقافة رفيعة جديدة، وأعدَّتها لحياة جديدة أيضاً (1).. فالعربي الذي كانت البادية خلقت منه إنساناً خشن الطباع، يعبد الأصنام، همه أن يغزو أخاه العربي، ويقتله ليظفر بأسلابه.. يعيش في دنيا رحيبة من الجهل، والفوضى والخرافات والتشتيت.. أصبح، بين عشية وضحاها، إنساناً مدنياً مؤمناً يعبد الله، ويحب أخاه العربي حباً صادقاً وفياً، قد امتلأت نفسه علماً، وحياته نظاماً.. فهل ترى من الغريب أن انقلاباً فكرياً، واجتماعياً، وسياسياً، ودينياً، وحقوقياً - كالذي أحدثته البعثة المحمدية - انقلاباً أبدع من الأمة الجاهلة، الضارية، الممزقة، أمّة جبّارة بقوتها، عزيزة باتحادها، أصبحت بفضل القرآن وشرع القرآن نبراس هدى، وقائدة حكمة للمجتمع الإنساني... أترى من الغريب أنّ مثل هذه البعثة الخالقة التي استطاعت أن ترتفع بعالم العرب إلى سنام الكمال البشري.. وأن تبسط من ظل سلطانهم حتى يكاد يغمر نصف
1) أثرت هذه الثقافة في قرائح الشعراء الذين أدركوا صاحب الرسالة، فرقت ألفاظهم، وصبغ الإسلام خيالاتهم بألوانه النورانية. راجع حسان بن ثابت وغيره من الشعراء المخضرمين.
الكوكب الأرضي، أن تكوّن رجلاً مثل الإمام علي بن أبي طالب، يخرج للعالم كتاباً كنهج البلاغة؟
إنْ أقلّ ما يقال في مثل هذا انّه شك في كفاءة الروح الاسلامية الحية النيّرة. وشك في كفاءة الذهنيّة العربية الصافية عن قبول مؤثرات ثقافة الوحي الإلهية - النبوية.
إنّ كتاباً كالقرآن أخرج الدنيا العربية من الظلمة إلى النور، لخليق أن يخرج للناس رجلاً كالإمام علي، الذي توفر له من تلك الثقافة الإلهية - النبوية، ما لم يتوفر لأحد غيره من المسلمين قط، فإنّه نشأ في بيت ابن عمه محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) جامعة الإسلام العليا، فكان له منه أستاذ برّ رحيم، فصبغه صلوات الله عليه بصبغته الأخلاقية، وأنشأه على بلاغته النبوية، وحينما نزل القرآن الكريم، وبدأ بالقيام بأعباء الرّسالة. كان علي (عليه السلام) أوّل من آمن به، وجاهد في سبيل دعوته، فاعتمده كاتب وحيه، وشرع كلما ألقي إليه بآية يلقنه كلّ ما تخبئه في تلافيفها من المعاني والأغراض، فكانت ثروته العلمية والأدبية والشرعية، تزداد كل يوم نماء، فانفسح خياله وصفا، ورهف شعوره، ونورت بصيرته، ولطف ذوقه الأدبي، وظل (عليه السلام) أقرب الناس إليه وأجلّهم عنده مكانة، حتى اختاره الله إلى جواره الأقدس.
ولمّا ولي علي (عليه السلام) الخلافة، وشهر المعارضون في وجهه السيف احتاج إلى الدفاع عن مركز الخلافة فإذا به يشرق بتلك البلاغة التي رضعها صغيراً، وشبّ عليها كبيراً.. بدراً كاملاً.. وإذا به ينطق بمكنون علمه الإلهي، وطرائقه الحكمية، وآياته الأدبية، وروائعه في السياسة المدنية والحقوقية... فيجييء بما سيظل شمس البيان البشري حتى قيام الساعة.
وهذه البلاغة السحرية والروعة الدفاقة في جمال الوصف ودقة التصوير وقوة السبك وغزارة المادة... وتلك الفلسفة الأخلاقية، والقواعد الإجتماعية والسياسة المدنية والمقدرة الجبّارة على التصرف في فنون القول والحِكَم الغالية، وسموّ الأفكار ونضوجها.. هي التي دعت ابن
خلكان، ومن جاء بعده من كتاب التراجم، إلى الشك في صحة نسبة نهج البلاغة للإمام علي (عليه السلام) ولو أنّهم رجعوا إلى الزمان والمكان اللذين نشأ فيهما الإمام، وإلى الأمواج السياسية التي تقاذفت به، وإلى الجدّة الثقافية والإجتماعية التي نشرها القرآن، ودرسوها درساً دقيقاً عميقاً.. ولو أنهم أدركوا أن القرآن والتربية النبوية، هما المدرسة التي وجهت الإمام، وأثرت في أدبه لما رأيناهم يمعنون في شكّهم حتى يتوهموه يقيناً. بل لو أنّهم قارنوا ببصيرة واعية نقادة بين لهجة الامام الصارمة واسلوبه الرفيع المتصع وما يغلب على خطبه من مزاج ناري، وبين أقوال الشريف الرّضي، في مؤلفاته النثرية، لكفونا وكفوا أنفسهم عناء الشك في «نهج البلاغة».
وقد رأيت، ممّا مرّ بك، أننا أظهرنا بالبرهان الثابت فساد مزاعم الشاكين في نهج البلاغة. ولا نذرك قبل أن نختتم هذا البحث بكلمة خالدة، للشيخ محمد عبده، تتبين من خلالها قيمة الكتاب الجليلة، حيث قال - رحمه الله -: وليس في أهل هذه اللغة إلا قائل بأن كلام الأمام علي بن أبي طالب هو أشرف الكلام وأبلغه، بعد كلام الله تعالى، وكلام نبيه، وأغزره مادة، وأرفعه أسلوباً، وأجمعه لجلائل المعاني».
والحمد لله ربّ العالمين
محمد علي إسبر
جبلة - سوريا
1413 هـ - 1992م
الحمد لله المعروف من غير رؤية، والخالق من غير روية، الذي لم يزل قائماً دائماً، إذ لا سماء ذات أبراج، ولا جبل ذا فجاج، ولا فج ذا اعوجاج ولا أرض ذات مهاد ولا خلق ذا اعتماد. وذلك مبتدع الخلق ووارثه، وإله الخلق، ورازقه، والشمس والقمر دائبان في مرضاته. يبليان كل جديد ويقربان كل بعيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، استخلصه في القدم على سائر الأمم. على علم منه، إنفرد عن التشاكل والتماثل من أبناء الجنس، إنتجبه آمراً وناهياً عنه، أقامه في سائر عالمه في الأداء مقامه، إذ كان لا تدركه الأبصار، ولا تحويه خواطر الأفكار. ولا تمثله غوامض الظنون في الأسرار. لا إله إلا هو الملك الجبّار قرن الإعتراف بنبوته بالإعتراف بألوهيته، واختص من تكرمته بما لم يلحقه أحد من بريته، فهو أهل ذلك بخاصته وخلته، إذ لا يختص من يشوبه التغير. ولا يخالل من يلحقه التظنين، وأمرنا بالصلاة عليه مزيداً في تكرمته، وطريقاً للداعي إلى إجابته. فصلى الله عليه وكرّم، وشرّف وعظم، مزيداً لا يلحقه التفنيذ، ولا ينقطع على التأبيد، وعلى اله الميامين الذين هم موضع سرّه، ولجوء أمره، وعيبة علمه وموئل حکمه، وكهوف كتبه، وجبال دينه بهم أقام انحناء ظهره، وأذهب ارتعاد فرائصه (1)، وبعد :
فإنّ الناس قد اتفقوا على أن كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في أعلى وأرقى طبقات الفصاحة والبلاغة بعد كلام الله
1) من خطبة لأمير المؤمنين علي (علیه السَّلام) من نهج البلاغة.
سبحانه، وكلام رسوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وذلك ظاهر بين ظهور الشمس في رائعة النهار، لمن تأمله وتدبره بعيدا عن الهوى، حيث خص بالبعد عن التقعر والتعقيد والكلام الوحشي.
وإذا نظرنا إلى القرآن الكريم بإمعان، ثمّ إلى كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإننا نجده مشتقاً من ألفاظه، ومقتضباً من معانيه ومذاهبه، محذواً به حذوه، مسلوكاً به في منهاجه، ومهتدياً بنوره.
والحق أنّه، وإن لم يكن نظيراً ولا نداً له، إلا أنه يصلح أن يقال : إنه ليس بعد القرآن العزيز، وكلام رسوله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أفصح ولا أجزل ولا أفخم ولا أنبل من كلامه وهذا أمر لا يتأتى إلا لمن ثبتت له قدم راسخة قوية في علم هذه الصناعة.
والحق أنه ليس كل الناس يصلح لانتقاء الجواهر، ومعرفة المعادن وأحوالها وأصنافها، ومن المعلوم البديه، أنّ لكل صناعة رجالاً، ولكل عمل خبراء ومهرة. نعم إن كل ذلك مما خص الله تعالى به وليّه ووصي نبيه، ميزة له عن المبطلين، ودلالة على إمامته وآية على بلاغته، وخلافته، لطفاً منه سبحانه على بريته، وقطعاً لمعاذير عباده، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيي عن بينة.
وهذا المجهود المتواضع الذي بين يديك حفنة حية ونماذج مقتبسة من ألواح نهج البلاغة العلوية مع شيء من الشرح والتفسير والبيان، من بضاعتنا المزجاة، لما تقتضيه حال الكلام من تفسير لبعض الآيات الكريمة الواردة في خطبه أو كتبه أو مواعظه (عليه السلام)، ومن نادرة تاريخية، أو تبيان بعض المراد من حديث شريف، أو قصة نبي أو ترجمة رجال ذكروا في متن الكلام وقد ورد في البحث تراجم وافية لعدد من سادات أهل البيت، ومن الصحابة، ومدن، وأعلام ونظريات في الدين والفلسفة والإجتماع، والتاريخ والديانات التي سبقت الإسلام، وكذلك التعريج على بعض ما تقتضيه حال الكلام، من حروب وغزوات.
على أن أكثر الناس في الماضي والحاضر، يملون الإطالة، والرجوع إلى مطولات الكتب، ومن أجل هذا عمدنا إلى كثير من الإيجاز غير المخلّ، فالزمن الحاضر الذي نعيش هو عصر السرعة والإيجاز وإن القلوب تمل كما تملّ الأجسام فابتغوا لها طرائف الحكمة، كما جاء في الأثر عن أمير المؤمنين (عليه السلام).
وقد توخينا في أبحاث الكتاب قدر الإمكان وضوح العبارة وسلاسة التعبير، ونظرنا فيما كتب في السنوات الأخيرة عن نهج البلاغة وأغراضه وآدابه وعجائبه، وفنونه ومعارفه، فوجدنا أنّ الناس في ذلك على ضربين: الأول منهما صنّف في هذا المضمار فأجاد وأحسن إلا أنه أطال وتوسّع ولم يرحم القارىء والوقت وعامل الزمن، فتوسع حتى كاد أن يخرج عن الموضوع برمته، وبعضهم بالفعل قد خرج عن الوحدة الموضوعية لغرض البحث. والثاني قد أوجز حتى عُدَّ من القاصرين في الوصول إلى الهدف والمرمى الذي من أجله بحث وكتب.
ونحن نسأل الله سبحانه أن نكون من النمرقة الوسطى بين هؤلاء وأولئك، ومنه جل شأنه نستمد العون والتسديد، فإن وفقنا فذاك ما أردنا وتوخينا، وإن تكن الأخرى فحسبنا أن نكون كالمجتهد الذي إن أصاب فله حسنتان، وإن أخطأ فله حسنة واحدة، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
علي عزيز الإبراهيم
طرابلس - لبنان
28 رجب / 1412هـ
الموافق : 1 2 1992
في ذكر نسب أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (علیه السَّلام) وفي بعض فضائله
هو أبو الحسن علي بن أبي طالب، واسمه عبد مناف بن عبد المطلب، واسمه شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي، والغالب عليه من الكنية أبو الحسن، وكان إبنه الحسين يدعوه في حياة رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أبا الحسن، ويدعوه الحسن أبا الحسين، ويدعوان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أباهما. فلما توفي النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) دعواه بأبيهما، وكناه رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أبا تراب، قالوا وجده نائماً في تراب قد سقط عنه رداؤه وأصاب جسده الشريف التراب، فجاء حتى جلس عند رأسه وأيقظه، وجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول له : إجلس إنما أنت أبو تراب (1). فكانت من أحبّ كناه إليه (عليه السلام).
قلت: وعندي، أنّ هذه الكلمة الشريفة تخفي تحتها سراً جميلاً، ورمزاً طريفاً، ومعنى لطيفاً، قد أشار إليه الشاعر المرحوم عبد الباقي العمري فقال :
يا أبا الأوصياء أنت لطه***صهره وابن عمّه وأخوه
إنّ لله في معانيك سرّاً***أكثر العالمين ما عرفوه
أنت ثاني الآباء في منتهى***الدور وآباؤه تعدُّ بنوه
خلق الله ادم من تراب***فهو إبن له وأنت أبوه
والصحيح، عند أهل الإنصاف، أنه خوطب في حياة رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)
1) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد المعتزلي - ص 4 مجلد 1 - 1409 هـ بيروت - لبنان - دار إحياء التراث العربي.
بأمير المؤمنين، وقال له : أنت يعسوب الدين وقائد الغر المحجلين ؛ روى ذلك الإمام أحمد بن حنبل في المسند، ودعي بعد وفاة رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بوصي رسول الله.
وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أول هاشمية ولدت لهاشمي، كان علي (عليه السلام) أصغر بنيها، وجعفر أسنَّ منه بعشر سنين، وعقيل أسنّ منه بعشر سنين، وطالب أسنَّ من عقيل بعشر سنين، وفاطمة بنت أسد أمهم جميعاً، وقد أسلمت - رضي الله عنها - بعد عشرة من المسلمين فكانت الحادية عشرة، وكان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يكرّمها، ويعظمها، ويدعوها أمي، وأوصت إليه حين حضرتها الوفاة، فقبل وصيتها وصلّى عليها، ونزل في لحدها، واضطجع معها فيه، بعد أن ألبسها قميصه، فقال له أصحابه: إنا ما رأيناك صنعت يا رسول الله بأحد ما صنعت بها؟! فقال: «إنّه لم يكن أحد، بعد أبي طالب أبرُّ بي منها؛ إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت معها ليهوّن عليها ضغطة القبر» (1).
وفاطمة بنت أسد - رضي الله عنها - أوّل امرأة بايعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) من النساء.
وقد ولد علي (عليه السلام) في الكعبة وعليه إجماع الشيعة، والمحققين من السنة، وحين أظهر النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) الدعوة، وقد تكامل له أربعون سنة، كان عمر علي (عليه السلام) عشر سنوات على الأشهر، ومنهم من ذهب إلى أنه كان ابن ثلاث عشرة سنة، والله أعلم وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، وقيل ابن ست وستين، والرواية الأولى أشهر (2).
وذكر البلاذري والأصفهاني أن قريشاً أصابتها أزمة قحط، فقال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لعميه حمزة والعبّاس : ألا نحمل ثقل أبي طالب في هذا
المحل؟ فجاؤا إليه، وسألوه أن يدفع إليهم ولده ليكفوه أمرهم فقال : دعوا لي عقيلاً، وخذوا من شئتم وكان شديد الحبّ لعقيل، فأخذ العباس طالباً، وأخذ حمزة جعفراً، وأخذ محمد (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) علياً، وقال لهم : «قد اخترت من اختاره الله لي عليكم». فكان علي (عليه السلام) في حجر رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، منذ أن كان عمره ست سنين، وكان ما يسدي إليه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) من إحسانه وبره وشفقته وحسن تربیته، كالمكافأة والمعاوضة لصنيع أبي طالب به، حيث مات عبد المطلب وجعله في حجره ؛ وهذا يطابق قوله (عليه السلام) : «لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة سبع سنين». وقوله : «كنت أسمع الصوت وأبصر الضوء سنين سبعاً»، ورسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) حينئذ صامت ما أذن له في الإنذار، والتبليغ، وذلك إذا كان عمره يوم إظهار الدعوة ثلاث عشرة سنة، وتسليمه إلى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) من أبيه، وهو ابن ست فقد صح أنه كان يعبد الله قبل الناس بأجمعهم سبع سنين وابن ست تصح منه العبادة إذا كان ذا تمييز على أن عبادة مثله هي التعظيم والإجلال وخشوع القلب، وإستخذاء الجوارح، إذا شاهد شيئاً من جلال الله سبحانه وآياته الباهرة.
وقتل (عليه السلام) لإحدى عشرة ليلة بقين من شهر رمضان سنة أربعين، وقبره بالغري.
وروى أبو الفرج، في مقاتل الطالبيين : أنّ الحسين (عليه السلام) لمّا سئل : أين دفنتم أمير المؤمنين؟ قال: خرجنا به ليلاً من منزله بالكوفة، حتى مررنا على مسجد الأشعث، حتى انتهينا به إلى الظهير بجنب الغري.
أما فضائله (عليه السلام) فإنها بلغت من العظمة والجلال والإشتهار، مبلغاً يطول معه التعرض لذكرها، والتصدي لتفصيلها، وماذا يقول الناس في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه، ولا كتمان فضائله فقد علم الجميع أن بني أمية استولوا على سلطان الإسلام، في مشارق الأرض ومغاربها. وأجتهدوا، بكل حيلة، في إطفاء نوره والتحريف عليه، ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا محبيه
وشيعته، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكراً، حتى حظروا أن يسمى أحد بإسمه، فما زاده ذلك إلا رفعة وسموّاً، وكان كالمسك كلّما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره (1).
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي - رحمه الله -: «ما ظنّك برجل كتم أحباؤه فضائله خوفاً، وستر أعداؤه مناقبه كرهاً وعداوة، وقد ظهر له من المناقب بين هذا وذاك، ما ملأ الخافقين». وماذا يقول اللبيب الأريب في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة وتتجاذبه كل طائفة فهو يعسوب الفضائل وينبوعها، وأبو عذرتها وسابق مضمارها، وقد عرف العالمون بأن أشرف العلوم هو العلم الإلهي، لأنَّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، ومن كلامه (عليه السلام) اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه أبتدأ.
فأما المعتزلة من المسلمين وهم أرباب اجتهاد ونظر في التوحيد والعدل، فهم تلامذته لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه (عليه السلام).
وأمّا الإمامية الجعفرية الإثنا عشرية وكذلك الزيدية، فانتماؤهم إليه (عليه السلام) ظاهر، وأمّا الأشعرية فهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي الحسن علي بن أبي شعر الأشعري، وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة، فالأشعرية ينتهون آخر الأمر إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم، وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام).
ومن العلوم الضرورية علم الفقه، وهو (عليه السلام) أصله وأساسه وكل فقيه في الاسلام عيال عليه، ومستفيد من فقهه، فأصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهما قد أخذوا عن أبي حنيفة، وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة، وأما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة، وأبو حنيفة قرأ على الإمام
1) المصدر السابق - ص 6.
جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) وانتهاؤه إلى علي (عليه السلام) واضح. أما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي، وقرأ ربيعة على عكرمة، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس، وقرأ عبد الله بن عبّاس - رضي الله عنه - على علي (عليه السلام)، فهؤلاء فقهاء السنة الأربعة (1).
وأما فقه الإمامية الإثني عشرية فمرجوعه إليه (عليه السلام) واضح، وابن عباس من أبرز فقهاء الصحابة وهو تلميذه، وأما الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقد عرف كل الناس رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة وقوله في أكثر من مناسبة : «لولا عليّ لهلك عمر». وقوله : «لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو حسن»، وقول عمر : «لا يفتين أحد في المسجد وعلي حاضر» (2).
وقد روت العامة والخاصة قول سيد الخلق (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) «أقضاكم علي»، وروى جميع المسلمين أنّه قال له، وقد بعثه إلى اليمن قاضياً : «اللهم اهدِ قلبه، وثبت لسانه» قال : «فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين».
«ومن العلوم الشرعية علم تفسير القرآن، وعنه أخذ ومنه فرّع، وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك، لأنّ أكثره عنه (عليه السلام)، وعن ابن عبّاس وقيل له أين علمك من علم ابن عمك فقال : كنسبة قطرة من الماء إلى البحر المحيط.
ومن العلوم الجليلة علم الطريقة والحقيقة، وأحوال التصوف، وقد عرفت أنّ أساتذة هذا الفن في جميع بلاد الاسلام إليه ينتهون، وعنده يقفون، وقد صرّح بذلك من أقطاب التصوف الشبلي والجنيد، وأبو يزيد البسطامي، ومعروف الكرخي، وغيرهم، ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة، التي هي شعارهم إلى اليوم، وكونهم يسندونها، بإسناد متصل إليه (عليه السلام).
ومن العلوم علم النحو والعربية، وقد علم كل الناس أنه (عليه السلام) هو الذي ابتدعه، وأنشأه، وأملاه على أبي الأسود الدؤلي، أصولاً وجوامع، ومن جملتها أنه قسم الكلام كله إلى ثلاثة أقسام: إسم، وفعل، وحرف، ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة وتقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم، وهذا يكاد يلحق بالمعجزات، إن لم يكن هو الإعجاز بعينه، لأنّ القوة البشرية في العادة لا تفي بهذا الحصر ولا تنهض بهذا الإستنباط» (1).
وإذا رجعت إلى الخصائص والفضائل النفسية، والدينية وجدته ابن جلاها، وطلاع ثناياها: فأما الشجاعة، فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله، ومحا إسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحروب مشهورة، تضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة، فهو الشجاع الذي ما فرّط ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحداً إلا قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى الثانية. وفي الحديث : «كان ضرباته وترا». وكانت العرب تفخر بوقوفها في الحرب في مقابلته، فأما قتلاه، فرهطهم يفتخرون بأنه قاتلهم، قالت أخت عمرو بن ود العامري ترثيه :
لو كان قاتل عمرو غير قاتله***لكنت أبكي عليه آخر الأبد
لكن قاتله من لا يعاب به***وكان يُدعى أبوه بيضة البلد
«وإنتبه معاوية يوماً فرأى عبد الله بن الزبير جالساً تحت رجليه على سریره، فقعد فقال له عبد الله بن الزبير يداعبه : يا أمير المؤمنين لو شئت أن أفتك بك لفعلت، فقال : لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر. فقال عبد الله : وما الذي تنكره من شجاعتي، وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب! فقال معاوية : لا جرم أنّه قتلك وأباك بيسري يديه، وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها» (2).
وجملة الأمر أنّ كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي، وبأسمه ينادي، في مشارق الأرض ومغاربها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وأمّا السَّخاء والجود فحاله فيه ظاهرة، كان يصوم ويطوي، ويؤثر بزاده، وفيه نزل قوله تعالى : «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا» (1).
وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا، و بدرهم سرا وبدرهم علانية، فأنزل الله فيه : «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً» (2).
وفي أمير المؤمنين (عليه السلام) نزل قوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» (3). قال المفسرون أنزلت في علي بن أبي طالب حيث تصدق بخاتمه، في مسجد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وهو راكع، وقد اشتهر عنه (عليه السلام) أنه كان يكنس بيت مال المسلمين، ويصلي فيه، ويقول : «يا صفراء ويا بيضاء غرّي غيري، قد طلقتك ثلاثاً».
وأما الحلم والصفح فقد كان (عليه السلام)، بإجماع المسلمين، أحلم الناس عن مذنب، وأصفحهم عن مسيء، وقد ظهرت هذه الدعوى يوم الجمل، حيث ظفر بمروان بن الحكم، وكان أعدى الناس له، وأشدَّهم بغضاً فصفح عنه، وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد، وخطب يوم البصرة مُحرّضاً عليه فقال : قد أتاكم الوغد اللثيم علي بن أبي طالب، وكان علي (عليه السلام) يقول: «ما زال الزبير رجلا منا أهل البيت حتى شبّ أبنه المشؤوم عبد الله». وظفر به يوم الجمل فأخذه أسيراً فصفح عنه، وقال : «إذهب فلا أرينك» ولم يزد على ذلك.
«وقد علم الناس ما كان من السيدة عائشة في أمره، فلمّا ظفر بها أكرمها إذ بعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عممهن بالعمائم، وقلدهن بالسيوف، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به، وتأففت وقالت : هتك ستري برجاله وجنده الذين و وكلهم بي، فلما وصلت المدينة ألقت النساء عمائمهن، وقلن لها : إنما نحن نسوة.
ولمّا ملك عسكر معاوية عليه الماء، وأحاطوا بشريعة الفرات، وقالت رؤساء الشام له : أقتلهم بالعطش، كما قتلوا عثمان عطشاً، سألهم علي (عليه السلام) وأصحابه أن يسوغوا لهم شرب الماء فقالوا : لا والله ولا قطرة، حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفان، فلما رأى (عليه السلام) أنّه الموت لا محالة تقدم بأصحابه، وحمل على معسكر معاوية حملات كثيفة، حتى أزالهم عن مراكزهم، بعد قتل ذريع سقطت فيه الرؤوس والأيدي، وملكوا عليهم الماء، وصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم، فقال له أصحابه وشيعته : امنعهم من الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذهم قبضاً بالأيدي، فلا حاجة لك إلى الحرب فقال: «لا والله لا أكافئهم بمثل فعلهم، افسحوا لهم عن بعض الشريعة، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك، وهذه المنقبة إن نسبتها إلى الدين والورع، فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله، وإن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالاً وحسناً» (1).
وأمّا الجهاد في سبيل الله، فمعلوم عند كافة الناس أنه سيد المجاهدين. وقد عرف التاريخ أن أعظم غزاة غزاها رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وأشدّها نكاية في المشركين هي وقعة بدر الكبرى، قتل فيها من المشركين سبعون رجلاً قتل علي (عليه السلام) نصفهم، وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر» (2).
«وأما الفصاحة، فهو (عليه السلام) إمام الفصحاء وسيد البلغاء، وعن كلامه في نهج البلاغة قيل : هو دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوق، ولمّا
قال محفن بن أبي محفن لمعاوية : جئتك من عند أعيى الناس، قال له : ويحك كيف يكون أعيى الناس ! فوالله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره.
وأما سجاحة الأخلاق، وبشر الوجه وطلاقة المحيا، والتبسم فهو المضروب به المثل فيه حتى عابه بذلك أعداؤه، قال عمرو بن العاص لأهل الشام: إنه ذو دعابة شديدة، وقال علي (عليه السلام) في ذاك: عجباً لابن النابغة - أم عمرو - يزعم لأهل الشام أنّ فيَّ دعابة، وأني أمرؤ تلعابة أعافس وأمارس وعمرو بن العاص أخذها عن عمر بن الخطاب، لقوله لمّا عزم على استخلافه : لله أبوك لولا دعابة فيك. إلا أنّ الخليفة عمر اقتصر عليها، وابن الشانيء الأبتر عمرو بن العاص زاد فيها وسمّجها عدواناً وبغضاً لآل البيت (عليهم السلام).
وأمّا الزهد في الدنيا، فهو سيد الزهّاد، ما شبع من طعام قط، وكان (عليه السلام) أخشن الناس مأكلاً وملبساً. قال عبد الله بن أبي رافع : دخلت عليه يوم عيد فقدَّم جراباً مختوماً، فوجدنا فيه خبز شعير يابساً مرضوضاً، فأكل فقلت : يا أمير المؤمنين، فكيف تختمه قال : خفت هذين الولدين - أي الحسن والحسين - أن يلتاه بسمن أو زيت» (1).
وأما العبادة، فقد كان (عليه السلام) أعبد الناس، وأكثرهم صلاة وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل وما قولك في رجل بلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير، فيصلي عليه ورده والسهام تقع بين يديه، وتمر على صماخيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته وقيل لعلي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، وكان الغاية في العبادة، أين عبادتك من عبادة جدّك علي بن أبي طالب (عليه السلام) ؟ قال : عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)» (2).
وأما قراءته القرآن، والإشتغال به فهو الذي تشدّ إليه الرحال، فقد أتفق جميع المسلمين على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، ولم يكن غيره يحفظه، ثمّ هو أول من جمعه، فقد نقل جميع المؤرخين أنه تأخر عن بيعة أبي بكر، وإشتغل بجمع القرآن وهذا يدل على أنه (عليه السلام) كان أول من جمع القرآن.
وأما الرأي والتدبير، فكان من أشدّ الناس، وأعظمهم رأياً، وهو الذي أشار على الخليفة عمر بن الخطاب، لما عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بعدم التوجه، وإنما اتهمه أعداؤه بأنه لا رأي له، لأنه كان متقيدا بشريعة السّماء، ولا يعمل بمقتضى المصالح، كما يفعل غيره من الخلفاء الزمنيين ممن كان يعمل بالمصالح المرسلة والإستحسان، سواء أكان مطابقاً للشرع أم لم يكن مطابقاً، فقد كان الخليفة عمر على هذا المنهج فأبطل متعة الحج والنساء، وفاضل في العطاء بين المسلمين، وألغى سهم المؤلفة قلوبهم وحاول أن يقيد المهور، وألغى حي على خير العمل من الأذان، ومنع فدك عن الزهراء (عليها السلام)، بعد أن كتب لها الخليفة الأول كتاباً بهذا الشأن، وغيره كثير مما كان يجتهد فيه - رضي الله عنه -، حتى ولو كان ذلك مخالفاً للنصوص. ولا ريب أنّ من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، ولا يقف مع ضوابط وقيود الدين تكون أحواله الدنيوية إلى الإنتظام أقرب، ومن كان بخلاف ذلك تكون أحواله إلى الإنتشار أقرب، أو ليس علياً (عليه السلام) هو القائل : والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يكذب ويفجر، ولولا كراهية المكر لكنت من أدهى الناس»؟.
وأمّا السياسة، فإنه (عليه السلام) كان شديد السياسة خشناً في ذات الله، لم يراقب ابن عمه عبد الله بن عباس في عمل كان ولاه إيَّاه، ولا راقب أخاه عقيلاً في كلام جبهه به، ربّما أتينا على ذكره في طيات هذا الكتاب ومن جملة سياساته حروبه في أيام خلافته في الجمل وصفين والنهروان، وفي أقل القليل منها مقنع، فإن كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه، وبطشه
وانتقامه، مبلغ العشر مما فعل في هذه الحروب بيده وأعوانه.
وبعد فهذه هي خصائص البشر ومزاياهم، وقد ظهر بما لا يدع مجالاً للشك. أنه فيها الإمام المتبع، والرئيس المقتفى أثره. وماذا يقول بنو البشر في عظيم من عظماء البشرية، أحبته أهل الذمة على تكذيبهم للنبوة، ويُعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الإسلام، ويُصور ملوك الروم، والفرنج صورته الشريفة في بيوت عبادتهم حاملاً سيفه مشمراً لحربه، ويُصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافهم. وما قولك في رجل يحب كل الناس أن يتكثروا، ويتجملوا ويتحسنوا بالإنتساب إليه ؟ ثمّ ما قولك في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء وشيخ قريش، ورئيس مكة؟ وجاء في الخبر أنه لما توفي أبو طالب أوحي إليه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وقيل له : أخرج من مكة فقد ناصرك، ولله در ابن أبي الحديد المعتزلي حيث يقول : (1)
فلولا أبو طالب وابنه***لما مثل الدين شخصاً فقاما
فذاك بمكّة آوى وحامي***وهذا بيثرب جس الحماما
ومع شرف هذه الأبوة، فإن ابن عمه سيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وابنته السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين (عليها السلام)، زوجته، وأخوه جعفر ذو الجناحين (عليه السلام)، وإبناه الحسن والحسين (عليهما السلام) سيدا شباب أهل الجنة، فآباؤه آباء رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وأمهاته أمهاته (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وهو مسوط بلحمه ودمه، لم يفارقه منذ أن خلق الله آدم إلى أن مات عبد المطلب بين الأخوين عبد الله وأبي طالب، وأمهما واحدة فكان منهما سيد الناس، هذا الأول ؛ وهذا التالي.
1) المصدر السابق - ص 317 - مجلد 3.
من كلام له (عليه السلام) : «أحلفوا الظالم، إذا أردتم يمينه، بأنه بريءٌ مِنْ حَول الله وقوته، فإنَّه إذا حلف بالله كاذباً عُوجل. وإذا حلف بالله الذي لا إله إلا هو لمْ يُعاجَلْ، لأنّه وحد الله سبحانه وتعالى».
البيان :
لقد ورد عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، بأن الله يستحي أن يعذب العبد إذا وحده في حلف اليمين، وكذلك في حال عظمه سبحانه ومجده، فإنه لا يعاجله بالعقوبة وذلك لطف منه عزّ وجل بعباده، وفق الحكم الإلهية التي قد لا تدرك كنهها عقول البشر، ولكن لو برىء من حول الله وقوته ولجأ إلى قوته هو، وحلف على ذلك، وكان بالفعل كاذباً، عجل عليه سبحانه العذاب، والتلف.
وفي التاريخ شواهد حية صادقة على صحة ذلك، فقد روى أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، في كتاب «مقاتل الطالبيين»: أنّ يحيى بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لما أمنه الرشيد بعد خروجه بالديلم، وصار إليه، بالغ في إكرامه وبرّه، فسعی به بعد مدة عبد الله بن مصعب الزبيري إلى الرَّشيد، وكان يبغضه فقال له : إنه عاد يدعو إلى نفسه سرّاً، وحسن له نقض أمانه، فأحضره وجمع بينه وبين عبدالله بن مصعب ليناظره، فيما قذفه به ورفعه عليه فجابهه ابن مصعب بحضرة الرشيد وادعى عليه الحركة في الخروج وشق العصا، فقال يحيى : يا أمير المؤمنين أتصدق هذا عليَّ وتستنصحه، وهو ابن عبد الله بن الزبير الذي أدخل أباك،
عبد الله وولده الشعب، وأضرم عليهم النار حتى خلصهم أبو عبد الله الجدلي صاحب علي بن أبي طالب (عليه السلام) منه عنوة ؛ وهو الذي ترك الصلاة على رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أربعين جمعة في خطبته فلما التاث عليه الناس قال : «إنّ له أهيل سوء إذا صليت عليه أو ذكرته أقلعوا أعناقهم، واشرأبوا لذكره، فأكره أن أسرهم أو أقر أعينهم، وهو الذي كان يشتم أباك ويلصق به العيوب حتى ورم كبده، ولقد ذبحت بقرة يوماً لأبيك، فوجدت كبدها سوداء، قد تفتت فقال علي إبنه : أما ترى كبد هذه البقرة يا أبه ؟ فقال : يا بني هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثمّ نفاه إلى الطائف فلما حضرته الوفاة قال لابنه علي : يا بني إذا مت فالحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، ولا تقم في بلد لابن الزبير فيه إمرة. فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد الله بن الزبير ؟! ووالله إن عداوة هذا يا أمير المؤمنين لنا جميعاً بمنزلة سواء، ولكنّه قوي عليَّ بك، وضعف عنك، فتقرب بي إليك ليظفر منك بي، بما يريد إذ لم يقدر على مثله منك، وما ينبغي لك أن تسوّغه على ذلك فيّ، فإنّ معاوية بن أبي سفيان وهو أبعد نسباً منك إلينا، ذكر الحسن بن علي يوماً فسبّه فساعده عبد الله بن الزبير على ذلك فزجره وانتهره، فقال إنّما ساعدتك يا أمير المؤمنين، فقال : إنّ الحسن لحمي آكله، ولا أُوكله. ومع هذا، فهو الخارج مع أخي محمد على أبيك المنصور أبي جعفر، والقائل لأخي في قصيدة طويلة أولها :
إنَّ الحمامة يوم الشعب من وثن***هاجت فؤاد محبّ دائم الحزن
يحرّض أخي فيها على الوثوب والنهوض إلى الخلافة، ويمدحه ويقول له :
لا غرو كنّا نزار عند سطوتها***إن أسلمتك ولا ركنا ذوي يمن
ألست أكرمهم عوداً إذا انتسبوا***يوماً وأطهرهم ثوباً من الدرن
وأعظم النّاس عند النّاس منزلة***وأبعد الناس من عيب ومن وهن
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها * إنّ الخلافة فيكم يا بني الحسن
إنَّا لنأمل أن ترتد إلفتنا***بعد التدابر والبغضاء والإحن
حتى يثاب على الإحسان محسننا***ويأمن الخائف المأخوذ بالدّمن
و تنقضي دولة أحكام قادتها***فينا كأحكام قوم عابدي وثن
فطالما قد برت بالجور أعظمنا***بري الصناع قداح النبع بالسفن
فتغيّر وجه الرَّشيد عند سماع هذا الشعر وتغيظ على ابن مصعب، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، وبأيمان البيعة أنّ هذا الشعر ليس له وأنه لسديف، فقال يحيى : يا أمير المؤمنين ما قاله غيره، وما حلفت كاذباً ولا صادقاً، قبل هذا، وأن الله إذا مجده العبد في يمينه فقال : والله الطالب الغالب الرَّحمن الرحيم استحيا أن يعاقبه، فدعني أحلّفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذباً إلا عوجل، قال: فحلّفه، قال: قل برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولي، وقوتي، وتقلدت الحول والقوّة من دون الله، استكباراً على الله واستعلاء عليه واسغناء عنه، إن قلت هذا الشعر فامتنع عبد الله من الحلف بذلك، فغضب الرّشيد وقال للفضل بن الربيع: يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقاً ! هذا طيلساني عليَّ، وهذه ثيابي لو حلفني بهذه اليمين أنها لي لحلفت. فوكز الفضل عبد الله برجله، وكان له فيه هوى، وقال له : إحلف ويحك فجعل يحلف بهذه اليمين ووجهه متغيّر، وهو يرعد فضرب يحيى بين كتفيه وقال له : يابن مصعب قطعت عمرك لا تفلح بعدها أبداً.
قالوا: فما برح من موضعه حتى عرض له أعراض الجذام، واستدارت عيناه، وتفقأ وجهه، وقام إلى بيته فتقطع وتشقق لحمه، وانتشر شعره، ومات بعد ثلاثة أيام، وحضر الربيع جنازته فلما جعل في القبر انخسف اللحد به، حتى خرجت منه غبرة شديدة، وجعل الفضل بن الربيع يقول : التراب التراب فطرح التراب، وهو يهوي فلم يستطيعوا سدّه، حتى سقف بخشب وطم عليه، فكان الرشيد يقول بعد ذلك للفضل : «أرأيت يا عباسي، ما أسرع، ما أديل يحيى من ابن مصعب»؟ (1).
1) شرح نهج البلاغة الحديدي - ص 353 مجلد 4.
ومن كلام له (عليه السلام): «إذا بلغ النساء نص الحقائق فالعُصْبَة أولى».
البيان :
الحقائق جمع حقاق، والحقاق جمع حق، وهو ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين وقد دخل في الرابعة، فاستحق أن يحمل عليه، وينتفع به من باب المقاربة، وعلى هذا فالحقائق إذا جمع الجمع.
ويمكن القول : إن الحقائق ههنا هي الخصومة، وعليه يقال : ما له فيه حق، والمعنى لا خصومة ؛ وقد يقال لمن ينازع في صغار الأشياء أنه لرف الحقاق أي خصومته في الدنيء، والتافه من الأمور، وعليه، فالمعنى يكون أنه إذا بلغت المرأة الحدّ الذي يستطيع الإنسان فيه الخصومة، والجدل، والمناضلة عن حقه، وعند ذلك تكون عصبتها أولى بها من أمها، والحد الذي تكمل المرأة فيه، والولد للخصومة والحكومة والجدال هو سن البلوغ.
ومذهب أهل البيت (عليهم السلام)، أن حضانة البنت هي سبع سنين، والذكر سنتان، وهو المشهور، وقيل في الذكر سبع سنين كالأنثى، فيكون الوالد أو الجدّ أو من يقوم مقامهما من عصبتها أحق بالحضانة من الأم بعد بلوغها سبع سنين (1).
وعند الحنفية، مدة الحضانة للغلام سبع سنين أو تسع سنين، وفي البنت
1) شرائع الإسلام - المحقق الحلي - دار الأضواء بيروت 1403 هـ، باب الرضاع والحضانة.
رأيان أحدهما حتى تحيض، والثاني حتى تبلغ حدّ الشهوة.
وعند المالكية (1)، مدة حضانة الغلام هي البلوغ، والأنثى حتى الزواج.
وعند الشافعية، فليس للحضانة مدة معلومة فإنّ الصبي متى ميز بين أبيه، وأمه فإن اختار أحدهما كان له وللأب إذا اختارته إبنته أن يمنعها من زيارة أمها.
وعند الحنابلة، أن مدة الحضانة سبع سنين للذكر والأنثى وهو قريب من الإمامية.
1) أنظر الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري باب الرضاع والحضانة.
ومن كلام له (عليه السلام) وهو يذكر مسجد الكوفة : «في زاويته فار التنّور، وفيه هلك يغُوثُ ويعوق، وهو الفاروق، وفيه يستتر جبلُ الأهواز ووسَطُهُ على روضةٍ مِنْ رِياض الجنّة، وفيه ثلاثُ أَعْيُنٍ أنبتتْ بالضَّغثِ تُذهِبُ الرِّجسَ وتُطهّر المؤمنين، عينٌ مِنْ لبنٍ، وعينٌ مِنْ دِهْنٍ، وعينٌ مِنْ ماءٍ جانِبُهُ الأيمن ذِكرٌ، وجانبه الأَيْسَرُ مَكْرٌ، ولو يعلمُ النّاس ما فيه مِنَ الفَضْلِ لأتوه ولوْ حبواً»
البيان:
قال ابن قتيبة : قوله : أنبتت بالضغث : أحسبه الضغث الذي ضرب به أيوب أهله والعين التي ظهرت لما ركض الماء برجله قال : والباء في بالضغث زائدة تقديره أنبتت الضغث كقوله تعالى : «تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ» (1)وكقوله سبحانه : «يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ» (2)، وقصة أيوب (عليه السلام) مذكورة في القرآن الكريم. قال تعالى في سورة «ص»: «وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ، وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ. وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» (3).
قال المفسرون: أركض برجلك : أي ادفع برجلك الأرض. هذا مغتسل
وشراب وفي الكلام حذف أي فركض رجله فنبعت بركضته عين ماء، وقيل : نبعت عينان فاغتسل من واحدة فبرىء، وشرب من الأخرى فروي والمغتسل : الموضع الذي يغتسل منه، وقيل : إسم للماء الذي يغتسل به وخذ بيدك ضغثاً: وهو ملء الكف من الشماريخ، وما أشبه ذلك : أي وقلنا له ذلك، وذلك أنه حلف على امرأته لأمر أنكره من قولها، لئن عوفي ليضربنها مائة جلدة، فقيل له خذ ضغثاً بعدد ما حلفت به، فاضرب به أي واضربها به دفعة واحدة، فإنك إذا فعلت ذلك بررت بيمينك، ولا تحنث في يمينك : نهاه عن الحنث في اليمين. وعن ابن عبّاس أنه قال : كان السبب في ذلك أنّ إبليس لعنه الله - لقيها في صورة طبيب، فدعته لمداواة أيوب (عليه السلام) فقال : أداويه على أنه إذا برىء قال : أنت شفيتني، لا أريد جزاء سواه. قالت : نعم. فأشارت إلى أيوب بذلك فحلف ليضربنها، وأما قوله (عليه السلام): في جانبه الأيمن ذكر أنه يعني الصلاة، وفي جانبه الأيسر مكر: أراد به المكر حتى قتل (عليه السلام) في مسجد الكوفة، واستشهاده بضربة أشقاها ابن ملجم - لعنه الله -.
ومن كلام له (عليه السلام) : أنا قسيم النار.
البيان :
قال ابن قتيبة : أراد أن الناس فريقان: فريق معي، فهم على هدى، وفريق عليّ، فهم على ضلالة كالخوارج، ولم يجسر، لهوى وربما لأمويته وعصبية في نفسه، أن يقول : وكأهل الشام والجمل يزعم التورع، ثمّ إنّ الله سبحانه أنطقه مما تورّع عن ذكره فقال متمماً لكلامه : فأنا قسيم النار : نصف في الجنّة معي، ونصف في النّار، قال : وقسيم في معنى مقاسم مثل جليس وأكيل، وشريب، وقد ذكر أبو عبيد الهروي هذه الكلمة في الجمع بين الغريبين قال : وقال قوم إنه لم يرد ما ذكره، وإنما هو قسيم النار، والجنّة يوم القيامة حقيقة يقسم الأمّة فيقول : هذا للجنة وهذا للنار.
قلت: والمعنى الأخير مأخوذ من مضمون حديث شريف، عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) حيث يقول : لا يدخل الجنّة يوم القيامة إلا من كان عنده صك من علي بن أبي طالب. وقد روى الحديث الخليفة أبو بكر - رضي الله عنه -، وهو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن، وعليه رعيل الصحابة والتابعين، وذلك أنه (عليه السلام) يقف على الحوض، ويقسّم الناس إلى الجنة والنار، ولله درّ السيد الحميري - رحمه الله - حيث يقول حاكياً قول الإمام (عليه السلام) للحارث الهمداني - رحمه الله - :
قولُ علي الحارث عَجَبٌ***كُمْ ثَمَّ أعجوبَةٌ لَهُ حَمَلا
یا حار همدان مَنْ يَمُتْ يَرني***من مؤمن أو منافق قبلا
رفني طَرْفُهُ وأعرِفُهُ***بنعته وإسمه وَما فَعَلا
وأنتَ عِندَ الصّراط تعرفني***فلا تخف عشرة ولا زللا
أسقيكَ مِنْ بارد على ظمإ***تخاله في الحلاوة العَسَلا
أقولُ للنَّار حينَ تُعرَضُ للـ***عَرْضِ ذَريه لا تقبلي الرَّجلا
ذريه لا تقبليه إنَّ له***حَبْلا بحبل الوصي متصلا
ومن كلام له (عليه السلام): كُنتُمْ جُنْدَ المرأة، وأتباع البهيمةِ. رَغَا فأَجَبْتُمْ وعُقِر فهربْتُمْ. أخلاقُكُم دِقاقُ، وعَهْدُكُمْ شِقاق ودينكُم نفاق وَمَاؤكُمْ زُعَاقٌ. والمقيمُ بين أظهركم مُرتهن بذنبه. والشَّاخِصُ عَنْكُمْ متدارك برحمة منْ رَبِّه، كأنّي بمَسْجِدِكُمْ كَجؤجؤ سفينة قد بعث الله عليها العذابَ مِنْ فَوقِها وَتَحْتِها، وغرِقَ مَنْ في ضمنها.
البيان:
أتباع البهيمة : يعني الجمل، وكان جمل عائشة راية عسكر البصرة، قتلوا دونه كما تقتل الرجال تحت راياتها، وقوله : أخلاقكم دقاق : يصفهم باللؤم، وفي الرواية أنّ رجلاً قال له يا رسول الله : إني أحب أن أنكح فلانه إلا أنَّ في أخلاق أهلها رقة، فقال له (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : «إيّاك وخضراء الدّمن، إياك والمرأة الحسناء في منبت السوء». وقوله (عليه السلام): عهدكم شقاق : يصفهم بالغدر، يقول : عهدكم وذمتكم لا يوثق بهما بل هي، وإن كانت في الصورة ذمّة، فهي في المعنى خلاف وعداوة. وقوله : وماؤكم زعاق: أي مالح وهذا وإن لم يكن من أفعالهم على الحقيقة، إلا أنّه ممّا تذمّ به المدينة. قال الشاعر :
بلاد بها الحمى وأسد عرينه***وفيها المعلى يعتدي ويجور
فإنّي لمن قد حلّ فيها لراحم***وإني لمن لم يأتها لنذير
ثم وصف المقيم بين أظهرهم بأنه مرتهن بذنبه، وذلك لأنّه إما أن يشاركهم في الذنوب أو يراها فلا ينكرها. وهذا مذهب الإمامية والمعتزلة، وهو أنه لا يجوز الإقامة في دار الفسق، كما لا يجوز الإقامة في دار الكفر.
والجوجؤ في اللغة: عظم الصدر، وجؤجؤ السفينة صدرها. والحديث الشريف الآنف الذكر يعتبر من الملاحم التي كان كثيراً ما يخبر بها (عليه السلام)، وقد صح ووقع ما ذكره، فقد جاءت الرواية بأن البصرة غرقت مرتين : مرة في أيام القادر بالله، وأخرى في أيام القائم بأمر الله، غرقت بأجمعها ولم يبق منها إلا مسجدها الجامع بارزاً بعضه كجؤجؤ الطائر، كما أخبر به أمير المؤمنين (علیه السلام)، وجاءها الماء من بحر فارس من جهة الموضع المعروف بجزيرة الفرس، ومن جهة الجبل المعروف بجبل السنام، وخربت دورها، وغرق كل ما في ضمنها، وهلك كثير من أهلها (1).
وبعد فقد كان أهل البصرة حقاً أتباع البهيمة، «فقد قال أبو الحسن المدائني، ومحمد بن عمر الواقدي: ما حفظ رجز قط، أكثر من رجز قيل يوم الجمل، وأكثره لبني ضبّة، والأزد الذين كانوا حول الجمل يحامون عنه، ولقد كانت الرؤوس تندر عن الكواهل، والأيدي تطيح من المعاصم، وأقتاب البطن تندلق من الأجواف، وهم حول الجمل كالجراد الثابتة لا تتحلحل، ولا تتزلزل، حتى لقد صرخ (عليه السلام) بأعلى صوته : ويلكم إعقروا الجمل فإنّه شيطان، ثمَّ قال إعقروه وإلا فنيت العرب، لا يزال السيف قائماً راكعاً حتى يهوي هذا البعير إلى الأرض، فصمدوا له حتى عقروه فسقط وله رغاء شديد: فلما برك كانت الهزيمة.
قالوا: وخرج من أهل البصرة شيخ صبيح الوجه عليه جبّة وشي يحضّ الناس على الحرب ويقول :
يا معشر الأزد عليكم أمكم***فإنها صلاتكم وصومكم
والحرمة العظمى التي تعمكم***فأحضروها جدّكم وحزمكم
لا يغلبن سم العدو سمّكم***إنَّ العدو إن علاكم رقكم
وخصكم بجوره و عمکم***لا تفضحوا اليوم فداكم أمكم
1) شرح نهج البلاغة، الحديدي - ص 84 المجلد 1.
«قال المدائني والواقدي: وهذا الرجز يصدق الرواية التي تقول : إنّ الزبير وطلحة قاما في الناس فقالا : إنّ علياً إن يظفر فهو فناؤكم يا أهل البصرة، فاجمعوا حقيقتكم فإنه لا يبقي حرمة إلا انتهكها ولا عرضاً إلا انتهكه وهتكه، ولا ذريّة إلا قتلها ولا ذوات خدر إلا سباهن، فقاتلوا مقاتلة من يحمي عن حریمه، ويختار الموت على الفضيحة يراها في أهله».
وقال أبو مخنف : لم يقل أحد من رجاز البصرة قولاً كان أحب إلى أهل الجمل من قول هذا الشيخ استقتل الناس عند قوله وثبتوا حول الجمل وانتدبوا، فخرج عوف بن قطن الضبي وهو ينادي : ليس لعثمان ثأر إلا علي بن أبي طالب وولده. فأخذ خطام الجمل وقال :
يا أمّ يا أمّ خلا منّي الوطن***لا أبتغي العزّ ولا أبغي الكفن
من ههنا محشر عوف بن قطن***إن فاتنا اليوم عليّ فالغبن
أو فاتنا ابناه حسين وحسن***إذاً أمت بطول هم وحزن
ثمَّ تقدم فضرب بسيفه حتى قتل، وتناول عبد الله بن أبزي خطام الجمل، وكان كل من أراد الجدّ في الحرب، وقاتل قتال مستميت، يتقدم إلى الجمل فيأخذ بخطامه، ثمَّ شدَّ على عسكر علي (عليه السلام) وقال :
أضربهم ولا أرى أبا حسن***ها إنَّ هذا حزن من الحزن
فشدّ عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالرمح فطعنه فقتله، وقال: قد رأيت أبا حسن فكيف رأيته؟ وترك الرمح فيه. وأخذت عائشة كفاً من حصى، فحصبت به أصحاب رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، ممن قاتل في صفوف عليّ (عليه السلام)، وصاحت بأعلى صوتها: شاهت الوجوه، كما صنع رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في حنين، فقال لها قائل: «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى» (1).
وزحف علي (عليه السلام) نحو الجمل بنفسه، في كتيبته الخضراء من
1) سورة الأنفال : الآية 17.
المهاجرين والأنصار، وحوله بنوه حسن وحسين ومحمد (عليهم السلام) ودفع الراية إلى محمد وقال : أقدم بها حتى تركزها في عين الجمل ولا تقفنَّ دونه، فتقدم محمّد فرشقته السهام فقال لأصحابه : رويداً حتى تنفد سهامهم فلم يبق لهم إلا رشقة أو رشقتان. فأنفد علي (عليه السلام) إليه يستحثه، ويأمره بالمناجزة، فلما أبطأ عليه جاء بنفسه من خلفه فوضع يده على منكبه الأيمن، وقال له : أقدم لا أمّ لك، فكان محمد - رضي الله عنه - إذا ذكر ذلك بعد يبكي، ويقول : لكأني أجد ريح نفسه في قفاي، والله لا أنسى ذلك أبداً.
ثمّ أدركت علياً (عليه السلام) رقّة على ولده فتناول الراية منه بيده اليسرى، وذو الفقار مشهور في يمنى يديه، ثمّ حمل فغاص في عسكر الجمل ثمَّ رجع وقد انحنى سيفه فأقامه بركبته، فقال له أصحابه وبنوه، والأشتر وعمار: نحن نكفيك يا أمير المؤمنين فلم يجب أحداً منهم، ولا ردّ إليهم بصره، وظل ينحط ويزأر زئير الأسد حتى فرَّق من حوله، ويتداروه وإنه لطامح ببصره نحو عسكر البصرة، لا يبصر من حوله، ولا يرد حواراً.
ثم دفع الراية إلى ولده محمد، ثم حمل حملة ثانية وحده، فدخل وسطهم فضربهم بالسيف قدماً قدماً، والرجال تفرّ من بين يديه، وتنحاز عنه يمنة ويسرة حتى خضب الأرض بدماء القتلى، ثم رجع وقد انحنى سيفه فأقامه بركبته فاعصوصب به أصحابه وناشدوه الله في نفسه وفي الإسلام، وقالوا : إن تصب يذهب الدين فأمسك ونحن نكفيك. فقال : والله ما أريد بما ترون إلا وجه الله، والدار الآخرة، ثمَّ قال لمحمد (عليه السلام): هكذا تصنع يا بن الحنفية، فقال الناس : من الذي يستطيع ما تستطيعه يا أمير المؤمنين.
وخرج خلف بن الخزاعي، وهو رئيس البصرة، وأكثر أهلها مالاً وضياعاً، فطلب البراز، وسأل أن لا يخرج إليه إلا علي بن أبي طالب (علیه السلام) وارتجز عليه فقال :
أبا تراب أدن مني شبراً فإنّي***دان إليك شبراً
وإن في صدري عليك غمرا
فخرج إليه علي (عليه السلام) ولم يمهله أن ضربه ففلق هامته
قالوا: واستدار الجمل كما تدور الرحاة، وتكاثفت الرجال حوله، واشتدّ رغاؤه، واشتدّ زحام الناس عليه ونادى الحيَّات المجاشعي: أيُّها الناس أمكم أمكم، واختلط الناس فضرب بعضهم بعضاً، وتقصد أهل الكوفة قصد الجمل ودونه الناس كالجبال، كلّما خف قوم جاء أضعافهم، فنادى (عليه السلام): ويحكم أرشقوا الجمل بالنبل، أعقروه لعنه الله. فرشق بالسهام فلم يبق فيه موضع إلا أصابه بالنبل مجفجفاً، فتعلقت السهام به فصار كالقنفذ.
ونادت الأزد وضبة : يا لثارات عثمان فأخذوها شعاراً ونادى أصحاب علي (عليه السلام): يا محمد، فاتخذوها شعاراً، واختلط الفريقان، ونادى علي (عليه السلام) بشعار رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم): يا منصور أمت، وهذا في اليوم الثاني من أيام الجمل فلما دعا به تزلزلت أقدام القوم، وذلك وقت العصر، بعد أن كانت الحرب من وقت الفجر.
«قال الواقدي: وقد روي أن شعاره (عليه السلام) كان في ذلك اليوم : حم لا ينصرون، اللهم انصرنا على القوم الناكثين ثم تحاجز الفريقان، والقتل فاش فيهما إلا أنه في أهل البصرة أكثر، وأمارات النصر لائحة لعسكر الكوفة».
قال أبو مخنف وقام رجل إلى علي (عليه السلام) فقال يا أمير المؤمنين أي فتنة أعظم من هذه إن البدرية ليمشي بعضها إلى بعض بالسيف، فقال علي (عليه السلام) ويحك أتكون فتنة أنا أميرها وقائدها؟ والذي بعث محمداً بالحق وكرّم وجهه ما كذبتُ ولا كُذِّبت ولا ضللت ولا ضُلَّ بي، ولا زللت ولا زُل بي، وإني على بينة من ربي بينها الله لرسوله، وبينها رسوله لي، وسأدعى يوم القيامة ولا ذنب لي ولو كان لي ذنب لكفر عني ذنوبي ما أنا فيه من قتالهم».
قال أبو مخنف : فحدثنا مسلم الأعور عن حبّة العرني قال : فلما رأى علي (عليه السلام) أنّ الموت عند الجمل، وأنّه ما دام قائماً فالحرب لا تطفأ، وضع سيفه على عاتقه، وعطف نحوه، وأمر أصحابه بذلك، ومشى نحوه،
والخطام مع بني ضبّة فاقتتلوا قتالاً شديداً، واستحر القتل في بني ضبة فقتل منهم مقتلة عظيمة، وخلص علي (عليه السلام)، في جماعة من النخع وهمدان إلى الخيل فقال لرجل من النخع إسمه بجير : دونك الجمل يا بجير، فضرب عجز الجمل بسيفه فوقع لجنبه وضرب بجرانه الأرض، وعج عجيجاً لم يسمع بأشدَّ منه، فما هو إلا أن صرع الجمل حتى فرّت الرجال كما يفرّ الجراد في الريح الشديدة الهبوب، واحتملت السيدة «عائشة» بهودجها، فحملت إلى بيت عبد الله بن خلف، وأمر علي (عليه السلام) بالجمل أن يحرق ثم يذرى في الريح ؛ وقال علي (عليه السلام) : لعنه الله من دابة فما أشبهه بعجل بني إسرائيل ثمَّ قرأ: «وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا» (1).
وقتل طلحة بن عبيد الله في المعركة، وقتل الزبير في طريقه إلى الحجاز، بعد أن ترك القتال قتله ابن جرموز، وأخذ ابنه عبد الله، ومروان بن الحكم أسيرين فأطلقهما الإمام (عليه السلام).
1) سورة طه : الآية 97.
ومن كلام له (عليه السلام) قاله للأشعث بن قيس حينما اعترضه، فقال : يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك :
ما يُدريك مالِيَ مِمّا عليّ عليك لعنة الله ولعنه اللاعنين. حائك ابن حائك منافق ابنُ كافر، والله لقدْ أسَرَك الكُفْرُ مرّة والإسلام أُخرى فما فداك من واحدةٍ منهما مالكَ، ولا حَسبُكَ، وإنّ امرءاً دَلَّ على قومه السيف، وساق إليهم الحَتْفَ لحريٌّ أنْ يمْقُتهُ الأقرب، ولا يأمَنَهُ الأبْعَدُ.
البيان:
قوله فما فداك، المراد ليس الفداء الحقيقي، فإنَّ الأشعث فُدِي في الجاهلية بفداء يضرب به المثل فيقال : أغلى فداءً من الأشعث، وإنما أراد (عليه السلام) ما دفع عنك الأسر مالك ولا حسبك، يمقته يبغضه، والأشعث هو : معدي كرب، وأبوه قيس الأشجّ سمي الأشجّ لأنه شجّ في بعض حروبهم.
وتزوج رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قتيلة أخت الأشعث، فتوفي قبل أن تصل إليه.
وأما الأسر الذي أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد ذكره ابن الكلبي في جمهرة النسب «فقال : إنّ مراداً لما قتلت قيساً الأشج، خرج الأشعث طالباً بثأره فخرجت كنده متساندين على ثلاثة ألوية، وعلى أحد الألوية كبش بن هانئ بن شرحبيل بن الحرث بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين، ويعرف هانئ بالمطلع لأنه يغزو فيقول أطلعت مني فلان فسمي المطلع، وعلى أحدها القشعم أبو جبر بن زيد الأرقم، وعلى أحدها الأشعث فأخطأوا مراداً، ولم يقعوا عليهم، ووقعوا على بني الحارث بن كعب فقتل كبش، والقشعم أبو
جبر، وأسر الأشعث ففدي بثلاثة الاف بعير، لم يفد بها عربي قبله ولا بعده، فقال عمرو بن معدي كرب الزبيدي :
فكان فداؤه ألفي بعیر***وألفاً من طريفات وتلد
وأمّا الأسر الثاني في الإسلام، فإن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، لما قدمت كندة حجاجاً قبل الهجرة عرض رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) نفسه عليهم كما كان يعرض نفسه على أحياء العرب، فدفعه بنو وليعة من بني عمرو بن معاوية، ولم يقبلوه، فلما هاجر (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وتمهدت دعوته وجاءته وفود العرب، وجاءه وفد كندة، وفيهم الأشعث، وبنو وليعة فأسلموا، أطعم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بني وليعة طعمة من صدقات حضرموت وكان قد استعمل على حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري فدفعها زياد إليهم فأبوا أخذها، وقالوا : لا ظهر لنا فابعث بها إلى بلادنا على ظهر من عندك فأبي زياد وحدث بينهم وبين زياد شرّ كاد أن يكون حرباً فرجع منهم قوم إلى رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وكتب زياد إليه يشكوهم.
وفي هذه الواقعة كان الخبر المشهور عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لبني وليعة : «لتنتهن يا بني وليعة أو لأبعثن عليكم رجلاً عديل نفسي يقتل مقاتلتكم، ويسبي ذراريكم». قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فما تمنيت الإمارة إلا يومئذ، وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول هو هذا، فأخذ بيد علي (عليه السلام)، وقال: هو هذا، ثمّ كتب لهم رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) إلى زياد فأوصلوا إليه الكتاب.
وقد توفي رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وطار الخبر بموته إلى قبائل العرب، فارتدت بنو وليعة عن الإسلام وغنّت بغاياهم، وخضبن له أيديهن، وقال محمد بن حبيب كان إسلام بني وليعة ضعيفاً، وكان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يعلم ذلك منهم.
ولما حجّ رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) حجة الوداع فانتهى إلى فم الشعب دخل أسامة بن زيد ليبول فانتظره رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وكان أسامة أسود أفطس فقال بنو وليعة هذا الحبشي حبسنا فكانت الردّة في أنفسهم».
«قال الطبري فأمر أبو بكر زياداً على حضرموت، وأمره بأخذ البيعة على أهلها، واستيفاء صدقاتهم فبايعوه إلا بني وليعة، فلما خرج ليقبض الصدقات من بني عمرو بن معاوية، أخذ ناقة لغلام منهم يعرف بشيطان بن حجر. وكانت صفية نفيسة إسمها شذرة فمنعه الغلام عنها، وقال خذ غيرها فأبي زياد ذلك، ولج فاستغاث شيطان بأخيه العداء بن حجر، فقال لزياد: دعها وخذ غيرها فأبى زياد ذلك، ولج الغلامان في ذلك ولج زياد وقال لهما : لا تكون شذرة عليكما كالبسوس فهتف الغلامان: يا لعمرو أنُضام ونضطهد؟ إنّ الذليل من أُكل في داره، وهتفا بمسروق بن معدی کرب فقال مسروق لزياد: أطلقها فأبى فقال مسروق شعراً
يطلقها شيخ يجذبه الشيب***ملمعاً فيه كتلميع الثوب
ماض على الريب إذا كان الريب
ثمّ قام فأطلقها فاجتمع إلى زياد بن لبيد أصحابه، واجتمع بنو وليعة، وأظهروا أمرهم، فبيتهم زياد وهم عارون فقتل منهم جمعاً كثيراً، ونهب، وسبى، ولحق فلهم بالأشعث بن قيس فاستنصروه، فقال: لا أنصركم حتى تملكوني فملكوه، وتوّجوه كما يتوّج الملك من قحطان، فخرج إلى زياد في جمع كثيف.
وكتب أبو بكر إلى المهاجر بن أبى أميّة، وهو على صنعاء أن يسير بمن معه إلى زياد فاستخلف على صنعاء، وسار إلى زياد فلقوا الأشعث فهزموه وقتل مسروق، ولجأ الأشعث والباقون إلى الحصن المعروف بالبحر فحاصرهم المسلمون حصاراً شديداً حتى ضعفوا، ونزل الأشعث ليلاً إلى المهاجر، وزياد فسألهما الأمان على نفسه، حتى يقدما به على أبي بكر فيرى فيه رأيه، على أن يفتح لهم الحصن، ويسلم إليهم من فيه، وقيل بل كان في الأمان عشرة من أهل الأشعث، فأمناه وأمضيا شرطه، ففتح لهم الحصن فدخلوه، واستنزلوا كل من فيه، وأخذوا أسلحتهم، وقال للأشعث : أعزل العشرة فعزلوهم فتركوهم، وقتلوا الباقين وكانوا ثمانمائة، وقطعوا أيدي النساء اللواتي شمتن
برسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وحملوا الأشعث إلى أبي بكر موثقاً في الحديد هو والعشرة فعفا عنهم، وعنه، وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة، وكانت عمياء فولدت للأشعث محمّداً، وإسماعيل، وإسحاق، وخرج الأشعث يوم البناء عليها إلى سوق المدينة فما مرَّ بذات أربع إلا عقرها، وقال للناس : هذه وليمة البناء، وثمن كل عقيرة في مالي فدفع أثمانها إلى أربابها.
قال ابن جرير الطبري وكان المسلمون يلعنون الأشعث، ويلعنه الكافرون، وسبايا قومه، وسماه نساء قومه عرف النّار، وهو إسم للغادر عندهم».
فأما الكلام الذي كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقوله على منبر الكوفة فاعترضه فيه الأشعث (1)، فإن علياً (عليه السلام) قام إليه رجل من أصحابه، وهو يخطب، ويذكر أمر الحكمين بعد أن انقضى أمر الخوارج فقال له : نهيتنا عن الحكومة ثمّ أمرتنا به، فما ندري أي الأمرين أرشد؟ فصفق (عليه السلام) بإحدى يديه على الأخرى، وقال هذا جزاء من ترك العقدة، وكان مراده (عليه السلام) هذا جزاؤكم إذ تركتم الرأي، وأصررتم على الإجابة إلى التحكيم، فظن الأشعث أنّه أراد هذا جزائي حيث تركت الرأي والحزم و حكمت، لأنّ هذه اللفظة محتملة لقوله، ولا سيما عند ضعفاء الإيمان به (عليه السلام) أمثال الأشعث، وأمير المؤمنين (عليه السلام) إنما عنى ما ذكرناه دون ما خطر للأشعث، فلمّا قال له : هذه عليك لا لك، قال له (عليه السلام) : وما يدريك ما علي مما لي، عليك لعنة الله، ولعنة اللاعنين.
وكان الأشعث من المنافقين في خلافة علي (عليه السلام)، وهو في أصحاب أمير المؤمنين كما كان عبد الله بن أبي بن سلول في أصحاب رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، كل واحد منهما رأس النفاق في زمانه.
وأما قوله (عليه السلام) للأشعث: حائك بن حائك، فإن أهل اليمن
1) شرح نهج البلاغة الحديدي - ص 97 مجلد 1.
يعيرون بالحياكة، ومن كلام خالد بن صفوان : ما أقول في قوم ليس منهم إلا حائك برد، أو دابغ جلد، أو سائس قرد ملكتهم امرأة، وأغرقتهم فأره، ودلّ علیهم هدهد.
ومن كلام له (عليه السلام) أتراني أكذب على رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، والله لأنا أوّل مَنْ صَدَّقَهُ، فَلا أكونُ أوّلَ مَنْ كَذبَ عليه، فنظرتُ في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا الميثاق في عنقي لغيري.
البيان:
هذا الكلام، قد قاله (عليه السلام) لما تفرس في قوم من عسكره، أنَّهم يتهمونه فيما يخبرهم به عن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) من أخبار الملاحم والغيبيات، وقد ذكر الرواة أنه لما قال (عليه السلام) سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة، إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها. فقام إليه رجل فقال له : أخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة شعر ؟ فقال له علي (عليه السلام) : والله لقد حدثني خليلي رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : إن على كل طاقة من شعر رأسك ملكاً يلعنك، وإن على كل طاقة شعر من لحيتك شيطاناً يغويك، وإن في بيتك سخلاً يقتل ابن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وكان ابنه قاتل سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) طفلا يحبو، وهو سنان بن أنس النخعي (1).
«وروى محمد بن جبلة الخياط، عن عكرمة، عن يزيد الأحمسي : أن علياً (عليه السلام) كان جالساً في مسجد الكوفة، وبين أيديهم قوم منهم عمرو بن حريث إذ أقبلت امرأة مخمّرة لا تعرف، فوقفت فقالت لعلي (عليه السلام) يا من قتل الرجال وسفك الدماء، وأيتم الصبيان، وأرمل النساء. فقال علي (عليه السلام) وإنّها لهي هذه السلقلقة الجلقة المجعة، وإنها لهي هذه شبيهة
1) سلوني قبل أن تفقدوني - محمد رضا الحكيمي - مؤسسة الأعلمي بيروت.
الرجال والنساء التي ما رأت دماً قط. فولّت هاربة منكسة رأسها، فتبعها عمرو بن حريث فلما صارت بالرحبة قال لها : والله لقد سررت بما كان منك اليوم إلى هذا الرَّجل فادخلي منزلي حتى أهب لك، وأكسوك.
فلما دخلت منزله أمر جواريه بتفتيشها، وكشفها ونزع ثيابها لينظر صدقه فيما قاله عنها فبكت وسألته أن لا يكشفها، وقالت: أنا والله كما قال : لي ركب النساء، وأنثيان كأنثيي الرّجال، وما رأيت دماً قط. فتركها، وأخرجها، ثمّ جاء إلى علي (عليه السلام) فأخبره فقال : إنّ خليلي رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أخبرني بالمتمردين عليّ من الرِّجال والمتمردات من النساء إلى أن تقوم الساعة».
والسلقلقة السليطة : وأصله من السلق وهو الذئب، والسلطة : الذئبة.والجلقة المجعة : البذية اللسان. والركب : منبت العانة.
«وروى إبراهيم بن ميمون الأزدي، عن حبّة العرني قال : كان جويرية بن مسهر العبدي صالحاً، وكان لعلي بن أبي طالب صديقاً، وكان علي يحبّه، ونظر يوماً إليه، وهو يسير فناداه : يا جويرية، إلحق بي فإني إذا رأيتك هويتك.
قال إسماعيل بن أبان فحدثني الصباح عن مسلم عن حبة العرني قال : سرنا مع عليّ (عليه السلام) يوماً، فالتفت فإذا جويرية خلفه بعيداً فناداه يا جويرية إلحق بي لا أباً لك، ألا تعلم أني أهواك، وأحبّك. قال: فركض نحوه فقال له : إنّي محدثك بأمور فاحفظها. ثم اشتركا في الحديث سراً فقال له جويرية يا أمير المؤمنين : إني رجل نسي. فقال : إني أعيد عليك لتحفظه، ثمّ قال في آخر ما حدثه إياه : يا جويرية أحبب حبيبنا ما أحبنا، فإذا أبغضنا فأبغضه، وأبغض بغيضنا ما أبغضنا فإذا أحبنا فأحبّه.
قال : فكان ناس ممّن يشكّ في أمر علي (عليه السلام) يقولون : أتراه جعل جويرية وصيه، كما يدعي هو من وصيّة رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم). قال : يقولون ذلك لشدّة اختصاصه له حتى دخل على علي (عليه السلام) يوماً، وهو مضطجع وعنده قوم من أصحابه فناداه جويرية أيُّها النائم استيقظ، فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك. فتبسّم أمير المؤمنين (عليه السلام)
قال : وأحدثك يا جويرية بأمرك، أما والذي نفسي بيده لتتلن إلى العتل الزنيم فليقطعن يدك، ورجلك، وليصلبنّك تحت جذع كافر.
قال فوالله ما مضت الأيام على ذلك حتى أخذ زياد جويرية فقطع يده ورجله إلى جانب جذع ابن مكعبر، وكان جذعاً طويلاً فصلبه على جذع قصير إلى جانبه».
«وروى إبراهيم في كتاب «الغارات» عن أحمد بن الحسن الميثمي قال : كان الميثم التمار مولى علي بن أبي طالب (عليه السلام) عبداً لامرأة من بني أسد، فاشتراه علي (عليه السلام) منها، وأعتقه وقال له : ما اسمك فقال : سالم فقال : إن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أخبرني أن اسمك الذي سماك به أبوك في العجم ميثم. فقال صدق الله ورسوله، وصدقت يا أمير المؤمنين، فهو والله اسمي. قال فارجع إلى اسمك، ودع سالماً فنحن نكنيك به فكناه أبا سالم.
قال وقد كان أطلعه عليّ (عليه السلام) على علم كثير، وأسرار خفية من أسرار الوصيّة، فكان ميثم يحدث ببعض ذلك فيشك فيه قوم من أهل الكوفة، وينسبون علياً (عليه السلام) في ذلك إلى المخرقة، والإيهام والتدليس، حتى قال يوماً بمحضر من خلق كثير من أصحابه، وفيهم الشاك والمخلص : يا ميثم إنّك تؤخذ بعدي وتصلب، فإذا كان اليوم الثاني إبتدر منخراك، وفمك دماً حتى يخضب لحيتك، فإذا كان اليوم الثالث طعنت بحربة تقضي عليك، فانتظر ذلك، والموضع الذي تصلب فيه على باب دار عمرو بن حريث، إنك لعاشر عشرة أنت أخضرهم خشبة، وأقربهم من المطهرة، يعني الأرض، ولأرينك النخلة التي تصلب على جذعها.
ثم أراه إيَّاها بعد ذلك بيومين، وكان ميثم يأتيها فيصلي عندها، ويقول بوركت من نخلة لك خلقت، ولي نبت. فلم يزل يتعاهدها بعد قتل علي (عليه السلام) حتى قطعت فكان يرصد جذعها، ويتعاهده، ويتردد إليه، ويبصره، وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له: أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أم دار ابن حكيم، بعد أن يقول له
ميثم: إنّي مجاورك فأحسن جواري فلم يعلم عمرو ما يريد.
وحجّ ميثم - رحمه الله - في السنة التي قتل فيها فدخل على أم سلمة - رضي الله عنها - فقالت له : من أنت؟ قال : عراقي فاستنسبته، فذكر لها أنه مولى علي بن أبي طالب. فقالت أنت هيثم قال : بل أنا ميثم فقالت سبحان الله، والله لربّما سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يوصي علياً بك في جوف الليل. فسألها عن الحسين بن علي، فقالت : هو في حائط له. قال: أخبريه أني قد أحببت السلام عليه، ونحن ملتقون عند ربّ العالمين إن شاء الله، ولا أقدر اليوم على لقائه، وأريد الرّجوع. فدعت بطيب فطيّبت لحيته فقال لها : أما أنّها ستخضب بدم فقالت من أنباك هذا؟ قال : أنبأني سيدي فبكت أم سلمة، وقالت له : إنه ليس بسيدك وحدك، وهو سيدي وسيد المسلمين فودعته فقدم الكوفة، فأخذ وأدخل على عبيد الله بن زياد وقيل له : هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب قال : ويحكم هذا الأعجمي، قالوا نعم فقال له عبيد الله : أين ربّك ؟ قال : بالمرصاد قال: وقد بلغني اختصاص أبي تراب لك، قال: قد كان بعض ذلك فما تريد ؟ قال : وإنه ليقال إنه قد أخبرك بما سيلقاك، قال : نعم إنه أخبرني، قال : ما الذي أخبرك أنّي صانع بك؟ قال : أخبرني أنك تصلبني عاشر عشرة، وأنا أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهرة. قال : لأخالفنّه قال : ويحك كيف تخالفه؟ إنما أخبر عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وأخبر رسول الله عن جبرائيل، وأخبر جبرائيل عن الله فكيف تخالف هؤلاء؟ أما والله لقد عرفت الموضع الذي أصلب فيه أين هو من الكوفة وإني لأوّل خلق الله ألجم في الإسلام بلجام كما يلجم الخيل.
فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيدة الثقفي، فقال ميثم للمختار، وهما في حبس ابن زياد : إنّك تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين (عليه السلام) فتقتل هذا الجبار الذي نحن في حبسه وتطأ بقدمك هذا على جبهته، وخديه، فلما دعا عبيد الله بن زياد بالمختار ليقتله طلع البريد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد يأمره بتخلية سبيله، وذلك أن أخته كانت تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب، فسألت بعلها أن يشفع فيه إلى يزيد فشفع فأمضى شفاعته،
وأمر بتخلية سبيله على البريد، فوافى البريد، وقد أخرج ليضرب عنقه فأطلق.
وأمّا ميثم فأخرج بعده ليصلب، وقال عبيد الله : لأمضين حكم أبي تراب فيه فلقيه رجل فقال له ما كان أغناك عن هذا يا ميثم فتبسم وقال لها خلقت ولي غذيت؛ فلما رفع على الخشبة إجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث فقال عمرو : لقد كان يقول : إنّي مجاورك فكان يأمر جاريته كل عشية أن تكنس تحت خشبته، وترشّه، وتجمر بالمجمر تحته، فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم ومخازي بني أمية، وهو مصلوب على الخشبة فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد فقال : ألجموه فألجم، فكان أوّل خلق الله ألجم في الاسلام.
فلما كان اليوم الثاني فاضت منخراه دماً، فلما كان في اليوم الثالث طعن بحربة فمات - رحمه الله -، وكان قتل ميثم قبل قدوم الحسين (عليه السلام) العراق يعشرة أيام».
«قال إبراهيم : وحدثني إبراهيم بن العباس الهندي قال : حدثني مبارك البجلي عن أبي بكر بن عياش. قال : حدثني المجالد عن الشعبي عن زياد بن النضر الحارثي، قال : كنت عند زياد، وقد أتي برشيد الهجري، وكان من خواص أصحاب علي (عليه السلام) فقال له :زياد ما قال خليلك لك إنا فاعلون بك؟ قال : تقطعون يدي، ورجلي، وتصلبونني. فقال زياد: أما والله لأكذبن حديثه. خلوا سبيله. فلما أراد أن يخرج قال : ردّوه لا نجد شيئاً أصلح مما قال لك صاحبك، إنك لا تزال تبغي لنا سوءا إن بقيت اقطعوا يديه ورجليه، فقطعوا يديه ورجليه وهو يتكلم، فقال : أصلبوه خنقاً في عنقه. فقال رشيد : قد بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه، فقال زياد : إقطعوا لسانه فلمّا أخرجوا لسانه ليقطع قال : نفسوا عني أتكلم كلمة واحدة فنفسوا عنه فقال : هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين أخبرني بقطع لساني. فقطعوا لسانه، وصلبوه - رحمه الله».
ومن كلام له (عليه السلام) في ذكر الكوفة كأنّي بكِ يا كوفةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الأديم العكاظي. تُعرَكينَ بالنّوازلِ وتُركيين بالزلازل. وإنّي لأعلمُ أنّه ما أراد بكِ جَبَّارٌ سوءا إلا ابتلاه الله بشاغل أو رماه بقاتل.
البيان:
عكاظ : إسم سوق للعرب بناحية مكة كانوا يجتمعون بها كل سنة يقيمون شهرا، ويتبايعون ويتناشدون شعرا، ويتفاخرون. قال أبو ذؤيب :
إذا بُني القباب على عكاظ***وقام البيع واجتمع الألوف
فلما جاء الإسلام هدم ذلك، وأكثر ما كان يباع الأديم فنسب إليها، والأديم واحد، والجمع أدم. كما قالوا أفيق للجلد الذي لم تتم دباغته، وجمعه أفق، وقد يجمع أديم على أدمة كما قالوا رغيف وأرغفة، والزلازل ههنا هى الأمور المزعجة، والخطوب المحركة.
وقوله (عليه السلام): تمدين مدَّ الأديم، إستعارة لما ينالها من العسف والخبط وقوله تعركين من عركت القوم الحرب إذا مارستهم حتى أتعبتهم.
وقد جاء في فضل الكوفة عن أهل البيت (عليهم السلام) شيء كثير، وفيها قال علي (عليه السلام): نعمت المدرة، وقوله : إنّه يحشر من ظهرها يوم القيامة سبعون ألفاً وجوههم على صورة القمر، وقوله (عليه السلام): هذه مدينتنا، ومحلتنا ومقرّ شيعتنا وقول الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): اللهم ارم من رماها وعاد من عاداها، وقوله (عليه السلام): تربة تحبنا ونحبها.
وقد همّ أكثر من ملك بها سوءاً فدفعه الله. قال المنصور لجعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) إنّي قد هممت أن أبعث إلى الكوفة من ينقض منزلها، ويُجمر نخلها، ويستصفي أموالها ويقتل أهل الريبة منها، فأشر عليَّ، فقال : يا أمير المؤمنين إن المرء ليقتدي بسلفه ولك أسلاف ثلاثة : سليمان أعطي فشكر، وأيوب ابتلي فصبر، ويوسف قدر فغفر، فاقتد بأيهم شئت. فصمت قليلاً ثمّ قال: قد غفرت.
«وروى أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في كتاب «المنتظم» أنّ زياداً لما حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر، فقطع أيدي ثمانين منهم، وهم أن يخرّب دورهم، ويجمّر نخلهم، فجمعهم حتى ملأ بهم المسجد والرحبة، يعرضهم على البراءة من علي (عليه السلام)، وعلم أنهم سيمتنعون فيحتج بذلك على استئصالهم، وإخراب بلدهم.
قال عبد الرحمن بن السائب الأنصاري : فإني لمع نفر من قومي، والناسُ يومئذ في أمر عظيم إذ هومت تهويمة فرأيت شيئاً أقبل طويل العنق مثل عنق البعير أهدر أجدل فقلت: ما أنت فقال : النقاد ذو الرقبة بعثت إلى صاحب هذا القصر، فاستيقظت فزعاً فقلت لأصحابي هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا : لا فأخبرتهم، وخرج علينا خارج من القصر فقال : إنصرفوا فإنّ الأمير يقول لكم : عنكم اليوم مشغول، وإذا بالطاعون قد ضربه فكان يقول : إني لأجد في النصف من جسدي حرّ النار حتى مات».
ومن كلام له (عليه السلام): أمّا أنّه سيظهرُ عليكم رجلٌ مِنْ بعدي رَحْبُ البلعوم. مُندحقُ البطن يأكُلُ ما يجد ويطلب مالا يجدُ. فَاقْتُلُوهُ وَلَنْ تَقْتُلُوهُ، ألا وإنّه سيأمرُكُمْ بسبّي والبراءَةِ مِنّي. أمّا السبّ فسبّوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة. وأمّا البراءَةُ فلا تتبرأوا مِنّي فإنّي ولدت على الفطرة وسَبَقْتُ إلى الإيمانِ والهجرة.
البيان:
مندحق البطن: بارزها: والدحوق من النوق: التي يخرج رحمها عند الولادة، وسيظهر: سيغلب، ورحب البلعوم: واسعه.
وقد اختلف العلماء والمؤرخون في الرجل المراد من هذه الكلمات التي تعتبر من الملاحم فقال قوم: إنّه (عليه السلام) عنى زياد بن أبيه، ومنهم من قال : إنه عنى الحجّاج، وبعضهم رأى أنّه المغيرة بن شعبة، والمرجح أنه معاوية بن أبي سفيان، وهو الأصح لأنه كان موصوفاً بالنّهم، وكثرة الأكل وكان بطيناً يقعد بطنه على فخديه.
وكان معاوية كريماً بالمال والصلات، وبخيلاً على الطعام، روي أنه مازح أعرابياً على طعامه، وقد قدم بين يديه خروفاً، فأمعن الأعرابي يأكل بين يديه بِنهم، فقال له معاوية : ما ذنبه إليك، أنَطَحَكَ أبوه؟ فقال الأعرابي : وما حنوّك عليه أأرضعَتْكَ أمّه؟ وقال لأعرابي يوماً وهو يأكل بين يديه، وقد استعظم أكله ألا أبغيك سكيناً فقال : كلُّ امرىء سكينه في رأسه. فقال : ما اسمك؟ قال : لقيم، قال معاوية: منها أتيت. وكان معاوية يأكل فيكثر، ثمّ يقول : إرفعوا
فوالله ما شبعت ولكن مللت وتعبت وقد تواترت وتظاهرت الأخبار أنّ رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) دعا على معاوية، لما بعث إليه يستدعيه فوجده يأكل، ثمّ بعث إليه فوجده يأكل، ثمّ بعث إليه فوجده يأكل، فقال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : اللهم لا تشبع بطنه (1). قال الشاعر :
وصاحب لي بطنه كالهاوية***كان في أحشائه معاوية
وأما قوله (عليه السلام): فاقتلوه ولن تقتلوه، فلا تنافي بين الأمر بالشيء، والأخبار أنّه لا يقع : ألا ترى أن الباري سبحانه أخبر بأن أبا لهب لا يؤمن، ومع ذلك فقد أمره بالإيمان، وقال تعالى : «فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» (2)ثمّ قال سبحانه: «وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا» (3)وأكثر التكليفات الشرعية على هذا المنهاج، وذلك إقامة للحجّة وإيضاح للمحجّة فتأمل.
وقوله (عليه السلام): يأمركم بسبي والبراءة مني، فذلك صحيح، فقد ثبت في التاريخ أن معاوية كان يأمر الناس بالعراق والشام وغيرهما بسبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) والبراءة منه، وخطب بذلك على منابر المسلمين، وصار ذلك سنة في أيام بني أمية إلى أن قام الخليفة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - فأزاله (4).
«والمروي في التاريخ أن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة : اللهمّ إنّ أبا تراب ألحد في دينك، وصدّ عن سبيلك فالعنه لعناً وبيلاً، وعذبه عذاباً شديداً، وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر».
وروى المؤرخون ومنهم أبو عثمان الجاحظ أن هشام بن عبد الملك، لمّا حج خطب بالموسم فقام إليه إنسان فقال : يا أمير المؤمنين، إن هذا اليوم كانت
الخلفاء تستحبّ فيه لعن أبي تراب، فقال هشام، أكفف ما لهذا جئنا.
وقال : إنّ قوماً من بني أمية قالوا لمعاوية : يا أمير المؤمنين إنك قد بلغت ما أمّلت فلو كففت عن لعن هذا الرّجل فقال : لا والله حتى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلاً» (1).
وأمر المغيرة بن شعبة - وهو يومئذ أمير الكوفة لمعاوية - حجر بن عدي - رحمه الله -، وكان صحابياً جليلاً أن يقوم في الناس فيلعن علياً (عليه السلام)، فأبى ذلك، فتوعده فقام فقال : أيُّها الناس إنّ أميركم أمرني أن ألعن علياً فالعنوه فقال أهل الكوفة : لعنه الله، وعاد الضمير إلى المغيرة بالنية والقصد.
وكان الطاغية الحجّاج بن يوسف الثقفي، لعنه الله ممن يلعن علياً (عليه السلام)، ويأمر بلعنه، وقال له متعرّض يوماً: أيها الأمير إنّ أهلي عقوني فسموني علياً فغيّر إسمي، وصلني بما أتبلغ به فإني فقير. فقال له الحجاج : للطف ما توسلت به قد سميتك كذا، ووليتك العمل الفلاني فاشخص إليه.
وقد حدّث الخليفة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - فقال : كنت غلاماً أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود، فمرَّ بي يوماً، وأنا ألعب مع الصبيان، ونحن نلعن علياً (عليه السلام) فكره ذلك، ودخل المسجد فتركت الصبيان، وجئت إليه لأدرس عليه وردي، فلما رآني قام فصلى، وأطال في الصلاة شبه المعرض عني، حتى أحسست منه بذلك، فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي. فقلت له : ما بال الشيخ فقال لي: يا بني أنت اللاعن علياً منذ اليوم. قلت: اليوم. قال : فمتى علمت أنّ الله سخط على أهل بدر، بعد أن رضي عنهم؟ فقلت : يا أبت وهل كان علي من أهل بدر ؟ فقال : ويحك، وهل كانت بدر كلها إلا له! فقلت : لا أعود فقال: الله أعلم أنك لا تعود. قلت : نعم. فلم ألعنه بعدها.
1) المصدر السابق - ص 356 مجلد 1.
ثمّ كنت أحضر تحت منبر المدينة وأبي يخطب الجمعة، وهو حينئذ أمير المدينة، فكنت أسمع أبي يمرّ في خطبته تهدر شقاشقه، حتى يأتي إلى لعن علي (عليه السلام) فيجمجم، ويعرض له من الفهامة ما الله عالم به، فكنت أعجب من ذلك، فقلت له يوماً يا أبت أنت أفصح الناس وأخطبهم، فما لي أراك أفصح خطيب، يوم حفلك، حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل صرت ألكن عيباً؟؟! فقال: يا بني إن من ترى تحت منبرنا من أهل الشام، وغيرهم لو علموا من فضل هذا الرَّجل ما يعلمه أبوك، لم يتبعنا منهم أحد، فوقرت كلمته في صدري، مع ما كان قاله لي معلمي أيام صغري فأعطيت الله عهداً : لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لأغيرنه، فلمّا من الله عليّ بالخلافة أسقطت ذلك، وجعلت مكانه : «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (1)، وكتبت به إلى الآفاق فصار سنة» (2).
ولله دَرّ الشريف الرضي - رضي الله عنه - الذي يقول في هذه المناسبة :
يا ابن عبد العزيز لو بكت العين***فتی من أمية لبكيتك
غير أنّي أقول إنك قد طبت***وإن لم يطب ولم يزك بيتك
أنت نزهتنا عن السب والشتم***لو أمكن الجزاء جزيتك
ولو أني رأيت قبرك لاستحييت***من أن أرى وما حييتك
وقليل أن لو بذلت دماء البدن***ضرباً على الذرى وما سقيتك
دير سمعان فيك مأوى أبي حفص***فبودي لو أنني آويتك
دیر سمعان لا أغاثك غيث***خیر میت من آل مروان ميتك
أنت بالذكر بين عيني وقلبي***إن تدانيت منك أو إن نأيتك
وإذا حرَّك الحشا خاطر منك***توهمت أنني قد رأيتك
وعجبت أنني قليت بني مروان***طراً وأنني ما قليتك
قرب العدل منك لما تأتى***الجور منهم فأجويتهم واجتبيتك
فلو أني ملكت دفعاً لمانا***بك من طارق الردى لفديتك
وذكر أبو جعفر الإسكافي - وهو من أكابر شيوخ المعتزلة - أن معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (عليه السلام) تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه منهم أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير.
وقال الإسكافي : وروى الأعمش قال : لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس، جثا على ركبتيه، ثمّ ضرب صلعته مراراً وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على الله، ورسوله وأحرق نفسي بالنار والله لقد سمعت رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : إن لكل نبي حرماً وإنَّ حرمي بالمدينة، ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد بالله أن علياً أحدث فيها. فلما بلغ معاوية قوله أجازه، وأكرمه وولاه إمارة المدينة».
«وروى أبو يوسف قاضي القضاة قال : قلت لأبي حنيفة : الخبر يجيء عن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يخالف قياسنا، فما تصنع به؟ قال : إذا جاءت به الرواة عملنا به، وتركنا الرأي فقلت : ما نقول في رواية أبي بكر، وعمر ؟ فقال ناهيك بها. فقلت : علي وعثمان؟ قال : كذلك. فلما رآني أعد الصحابة قال : والصحابة كلّهم عدول، ما عدا رجالاً منهم أبو هريرة وأنس بن مالك».
وروى سفيان الثوري، عن عبد الرحمن القاسم، عن عمر بن عبد الغفار، أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب كندة، ويجلس الناس إليه، فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه فقال : يا أبا هريرة أنشدك الله، أسمعت من رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول لعلي بن أبي طالب : اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه، فقال: اللهم نعم، قال : فأشهد بالله لقد واليت عدوّه
و عاديت وليه، ثمّ قام عنه» (1).
«وروى الرواة أن أبا هريرة كان يؤاكل الصبيان في الطريق، ويلعب معهم، وكان يخطب وهو أمير المدينة في السوق، فإذا انتهى إلى رجل يمشي أمامه ضرب برجليه الأرض، ويقول : الطريق الطريق، قد جاء الأمير يعني نفسه. وقد ذكر ابن قتيبة هذا كله في كتاب (المعارف) في ترجمة أبي هريرة» (2)
«ومن المنحرفين عنه (عليه السلام) أنس بن مالك. فقد ناشد علي (عليه السلام) في رحبة القصر، أو برحبة الجامع : أيكم سمع رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فقام إثنا عشر رجلاً فشهدوا بها، وأنس بن مالك في القوم لم يقم، فقال له يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد ولقد حضرتها؟ فقال: يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت فقال : اللهم إن كان كاذباً فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة. قال : طلحة بن عمير : فوالله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه» (3).
«ومن المنحرفين عنه (عليه السلام)، والمبغضين له عبدالله بن الزبير. كان علي (عليه السلام) يقول : ما زال الزبير منّا أهل البيت حتى نشأ ابنه المشؤوم عبد الله فأفسده، وهو الذي حمل الزبير على الحرب، وهو الذي زين للسيدة عائشة مسيرها إلى البصرة، وكان سبّاباً فاحشاً يبغض بني هاشم، ويلعن ويسبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكان علي (عليه السلام) يقنت في صلاة الفجر، وفي صلاة المغرب ويلعن معاوية، وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة والوليد بن عقبة وأبا الأعور السلمي، والضحاك بن قيس، وبسر بن أرطأة وحبيب بن مسلمة وأبا موسى الأشعري ومروان بن الحكم.
«وروى أبو عبد الله البصري المتكلم عن نصر بن عاصم الليثي، عن أبيه قال : أتيت مسجد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) والناس يقولون : نعوذ بالله من غضب الله، وغضب رسوله فقلت ما هذا؟ قالوا : معاوية قام الساعة فأخذ بيد أبي سفيان فخرجا من المسجد. فقال رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) : لعن الله التابع والمتبوع، ربَّ يومٍ لأمتي من معاوية ذي الإستاه» يعني الكبير العجيزة.
وقال : روى العلاء بن حريز القشيري أن رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) قال لمعاوية : لتتخذن يا معاوية البدعة سنة، والقبيح حسناً، أكلك كثير، وظلمك عظيم» (1).
وقوله (عليه السلام): فسبوني فإنه لي زكاة، ولكم نجاة، فقد أباح لهم سبّه عند الإكراه، لأنّ الله قد أباح عند الإكراه التلفظ بكلمة الكفر فقال سبحانه : «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ» (2)، وقوله (عليه السلام) : فإنه لي زكاة ولكم نجاة، فمعنى ذلك أنكم تنجون من القتل إذا أظهرتم ذلك، ومعنى الزكاة الزيادة في الحسنات.
وقد وردت أخبار نبوية شريفة صحيحة أن سب المؤمن زكاة له، وزيادة في حسناته، وأيضاً، فإنه (عليه السلام) يريد أن سبّهم لي لا ينقص في الدنيا من قدري، بل أزيد به شرفاً، وعلو قدر، وشياع ذكر، وقد جعل الله الأسباب التي حاولت أعداؤه بها النقص منه، عللاً لانتشار صيته في مشارق الأرض ومغاربها.
وقوله (عليه السلام): وأمّا البراءة فلا تبرؤوا مني، وإنما رخص لهم بالسبّ، ولم يرخص لهم بالبراءة، مع أنّ السبّ في الظاهر أفحش، فلأنّ هذه اللفظة ما وردت في القرآن الكريم إلا في حق المشركين ذماً لهم، وتشنيعاً عليهم قال تعالى : «بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (3)
وقال سبحانه: «أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ» (1). فقد صارت هذه اللفظة، بحسب العرف الشرعي مطلقة على المشركين، والصحيح أن التبري منه (عليه السلام) هو في الحقيقة تبر من رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، لأنّه (عليه السلام) بنص القرآن والسنّة، نفس رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم).
وقد روي عن أهل البيت (عليهم السلام) أن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) قال بهذا الشأن إذا عرضتم على البراءة منا فمدوا الأعناق. و مذهب الإمامية عدم جواز التبري منه ومن أهل بيته وأن حكم البراءة من الله سبحانه، ومن الرسول الأعظم (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، ومن أهل بيته الكرام حكم واحد. ويقولون : إن الإكراه على السبّ قبيح إظهاره، ولا يجوز الإستسلام للقتل معه وأما الإكراه على البراءة منه فإنه يجوز معه الإستسلام للقتل، وهذا ما حصل للصحابي الجليل الشهيد حجر بن عدي - رضي الله عنه - الذي عرضه معاوية على البراءة من علي (عليه السلام)، وحيث أنه أبى قتل هو وأصحابه، في مرج عذراء قرب دمشق.
وأما قوله (عليه السلام): ولدت على الفطرة، تعليل لعدم البراءة منه، ومعنى ذلك أنه (عليه السلام) ولد على الفطرة التي لم تتغير، وهي فطرة التوحيد الخالص، ومن الناس من فسّر الفطرة بالتوحيد الخالص، ومن الناس من فسّر الفطرة بالعصمة، وهو الصحيح، وذلك لأنّه (عليه السلام)، منذ ولد لم يواقع قبيحاً، ولم يكن كافراً طرفة عين قط، كغيره من الصحابة، ولا مخطئاً، ولا غالطاً في شيء من الأشياء المتعلقة بالدين والدنيا، وكان (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يتيمن بسنة ولادته (عليه السلام)، ويسميها سنة الخير والبركة، وقال لأهله ليلة ولادته، وفيها شاهد ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهية، ومن عجائب الملكوت ولم يكن قبلها شاهد شيئا من ذلك : لقد ولد لنا الليلة مولود يفتح الله علينا به أبواباً كثيرة من النعمة والرحمة، وكان الأمر كما قال (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، فإنه (عليه السلام) كان ناصره، والمحامي عنه، وكاشف الغمّ عن وجهه وبسيفه
1) سورة التوبة : الآية 3.
ثبت دين الإسلام، ورست دعائمه وتمهدت قواعده.
وقوله (عليه السلام): وسبقت إلى الإيمان. فإن أكثر أهل الحديث من المحققين وأهل السير رووا أنه (عليه السلام) أوّل من أسلم. وروى مسلم الملائي عن أنس بن مالك قال : استنبئ النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يوم الأثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء. وقال زيد بن أرقم أول من آمن بالله بعد رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) علي بن أبي طالب (عليه السلام).
«قال أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب وحدثنا أبي قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال : حدثنا ابن إسحاق قال : حدثنا يحيى بن أبي الأشعث عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي، عن أبيه، عن جده قال : كنت امرءاً تاجراً، فقدمت الحج، فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجاره، وكان امرءاً تاجراً، فوالله إني لعنده بمنى، إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى الشمس فلمّا رآها قد مالت قام يصلي، ثم خرجت أمرأة من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرّجل، فقامت تصلي، ثم خرج غلام حين راهق الحلم، من ذلك الخباء، فقام معه يصلي، فقلت للعبّاس ما هذا؟ يا عباس؟ قال : هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي، قلت: من هذه المرأة؟ قال : امرأته خديجة بنت خويلد قلت: ما هذا الفتى؟ قال: علي بن أبي طالب (عليه السلام) ابن عمه قلت ما هذا الذي يصنع ؟ قال : يصلي وهو يزعم أنه نبي، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته، وابن عمه هذا الغلام، وهو يزعم أنه سيفتح على أمته كنوز كسرى وقيصر. قال : فكان عفيف الكندي يقول، وقد أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه : لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ، كنت أكون ثانياً مع علي (علیه السَّلام)».
وقوله (عليه السلام): سبقت إلى الهجرة فيه عدة احتمالات: منها أنه سبق معظم المهاجرين إلى الهجرة، ولم يهاجر قبله أحد إلا نفر يسير جدا، بسبب نومه ليلة الهجرة على فراش رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، فادياً له بنفسه وروحه، ومن الإحتمالات أن اللام في الهجرة يجوز أن تكون للمعهود السابق، بل تكون
للجنس، ولا شك بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد سبق أبا بكر (رضي الله عنه)
وغيره، إلى الهجرة التي هي قبل هجرة المدينة، فإن النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) هاجر عن مكة مراراً، يطوف على أحياء العرب وينتقل من أرض قوم إلى غيرها، وكان علي (عليه السلام) معه. أقول والمعنى هنا حقيقي لا مجازي فهو (عليه السلام) بمبيته على فراش رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وقد باهى الله به الملائكة يومئذ ليلة الهجرة يعتبر أول السابقين إلى الهجرة، ألا ترى أنّ المقادير لو لم تقض بمبيته تلك الليلة، لكان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) هو الأول في الهجرة، وعلي (عليه السلام) هو التالي.
والخلاصة أنه (عليه السلام) قد علل أفضليته، وتحريم البراءة منه بمجموع أمور منها: ولادته على الفطرة، وسبقه إلى الإيمان والهجرة، وهذه الأمور الثلاثة لم تجتمع لأحد غيره، فكان (عليه السلام) بمجموعها متميزاً على كل أحد من الناس.
ومن كلام له (عليه السلام)، لمَّا عزم على حرب الخوارج وقيل له : إن القوم قد عبروا جسر النهروان : مَصَارعُهُمْ دُونَ النطفة والله لا يَفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ. وَلَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ.
قال الرّضي - رحمه الله -: يعني بالنطفة ماء النهر، وهي أفصَحُ كناية عن الماء، وإنْ كانَ كثيراً جماً، وقَدْ أشَرْنا إلى ذلِكَ فيما تقدَّم عِنْدَ مُضِيَّ ما أَشْبَهَهُ.
البيان:
هذا الخبر من الأخبار التي تواترت عنه (عليه السلام) في الملاحم، وهو من معجزاته وأخباره المفصلة عن الغيوب والأخبار في ذلك على قسمين: أحدهما الأخبار المجملة، ولا إعجاز فيها، نحو أن يقول الرجل لأصحابه : إنكم ستنصرون على هذه الفئة التي تلقونها فإن انتصر جعل ذلك حجة له عند أصحابه، وسمّاها معجزة وإذا كانت الهزيمة علّل ذلك، وقال لهم: تغيرت نياتكم، وشككتم في قولي فمنعكم الله النصر، وقد جرت عادة الملوك والرؤساء أن يعدوا جماعتهم بالظفر، والنصر فلا يدل وقوع ما جرى من ذلك على أخبار من غيب يتضمن إعجازاً للأخبار المفصلة عن الغيوب كالخبر الذي بين أيدينا، فإنه من القسم الثاني الذي لا يحتمل اللبس لتقيده بالعدد في أصحابه (عليه السلام) وفي الخوارج، ووقوع الحرب بتفصيلاتها بموجبه من غير زيادة ولا نقصان وذلك أمر إلهي إعجازي، والقوة البشرية تقصر عن إدراك مثل هذا الإعجاز.
ولقد كان له (عليه السلام) من هذا الباب ما لم يكن لغيره من بني البشر،
وبمقتضى ما شاهد الناس من معجزاته، وأحواله المنافيه لقوى البشر، غلا به من غلا حتى قال بعض الناس : إن الجوهر الإلهي قد حلّ في بدنه، كما قالت النصارى في عيسى ابن مريم (عليه السلام)، وقد أخبره النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) بذلك فقال له: «يهلك فيك رجلان محبّ غال ومبغض قال». وصح أنه قال له (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) مرّة أخرى : «والذي نفسي بيده لولا أنّي أشفق أن يقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم، لقلت اليوم فيك مقالاً لا تمرّ بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة».
«وروى أبو العباس عن محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي عن علي بن محمد النوفلي، عن أبيه ومشيخته : أن علياً (عليه السلام) مرّ بقوم، وهم يأكلون في شهر رمضان نهاراً فقال : أسفر أم مرضى؟ قالو: لا، قال فما بال الأكل في شهر رمضان نهاراً؟ قالوا : أنت أنت، لم يزيدوه على ذلك، ففهم مرادهم، فنزل عن فرسه فألصق خدَّه بالتراب ثمَّ قال : ويلكم إنما أنا عبد من عبيد الله فاتقوا الله، وارجعوا إلى الإسلام، فأبوا فدعاهم مراراً فأقاموا على أمرهم، فنهض عنهم ثمَّ قال : شدّوهم وثاقاً، وعليّ بالفعلة، والنار والحطب، ثمّ أمر بحفر بئرين فحفرتا، فجعل أحدهما سرباً، والآخر مكشوفة، وألقى الحطب في المكشوفة، وفتح بينها فتحاً، وألقى النار في الحطب فدخن عليهم، وجعل يهتف، ويناشدهم إرجعوا إلى الإسلام، فأبوا فأمر بالحطب والنار، وألقى عليهم فاحترقوا فقال الشاعر:
لِتَرْمِ بي المنية حيث شاءت***إذا لم ترم بي في الحفرتين
إذا ما حشتا حطبا بنار***فذاك الموت نقدا غير دين
قال : فلم يبرح واقفاً عليهم حتى صاروا فحماً، وتفاقم أمر الغلاة بعده (علیه السلام) وشاع بين الناس قولهم، وصار لهم دعوة يدعون إليها، وشبهة يرجعون إليها وهي ما ظهر وشاع بين الناس من أخباره بالمغيبات حالاً بعد حال» (1).
1) المصدر السابق - ص 425 مجلد 1.
ومن كلام له (عليه السلام) في الخوارج : لا تُقاتلوا الخوارِجَ مِنْ بَعدي، فليس مَنْ طَلَبَ الحقَّ فأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الباطِلَ فأدْرَكَهُ.
البيان:
مراده (عليه السلام)، أن الخوارج ضلّوا بشبهة دخلت عليهم، وكانوا بالجملة يطلبون الحقَّ أو لهم تمسك بالدين ومحاماة عن عقيدة اعتقدوها، وإن أخطأوا فيها، وأما معاوية، وغيره من أعداء علي (عليه السلام) فلم يكن يطلب الحق، وإنما كان ذا باطل لا يحامي عن اعتقاد قد بناه على شبهة، وأحواله كانت تدل على ذلك، فإنه لم يكن من أرباب الدين، ولا ظهر عنه نسك، ولا صلاح حال، وكان ترفاً يذهب مال الفيء في مآربه، وفي تمهيد ملكه ويصانع به عن سلطانه، وكانت جميع أحواله مؤذنة بانسلاخه عن العدالة وإصراره على الباطل، وإذا ذلك كان كذلك لم يجز أن ينصر المسلمون سلطانه، وتحارب الخوارج عليه وإن كانوا أهل ضلال لأنهم كانوا أحسن حالا منهم. فإنّهم كانوا ينهون عن المنكر، ويرون الخروج على أئمة الجور واجباً، كما عند الإمامية، ولا ريب في التزام الخوارج بالدين، ولا سيما الأوائل منهم، كما أنه لا ريب في أن معاوية كان من الذين يبيعون الدين بالدنيا.
«فقد ذكر أبو العباس المبرد في كتاب «الكامل» أنّ عروة بن أدية أحد بني ربيعة بن حنظلة، ويقال إنّه أول من حكم، حضر حرب النهروان، ونجا منها فيمن نجا، فلم يزل باقياً مدة من خلافة معاوية، ثم أخذ فأتى به زياد ومعه مولى له، فسأله عن أبي بكر وعمر فقال خيراً، فقال له : فما تقول في عثمان وفي
أبي تراب علي (عليه السلام) فتولی عثمان ست سنين من خلافته ثم شهد عليه بالكفر وفعل في أمر علي (عليه السلام) مثل ذلك، إلى أن حكّم، ثم شهد عليه بالكفر، ثم عن سأله معاوية فسبّه سبّاً قبيحاً، ثمّ سأله عن نفسه فقال : أولك ريبة، وآخرك لدعوة، وأنت بعد عاص ربَّك. فأمر فضربت عنقه.
ثم دعا مولاه فقال : صف لي أموره فقال : أأطنب أم أختصر؟ فقال : بل إختصر قال : ما أتيته بطعام في نهار قط، ولا فرشت له فراشاً في ليل قط. قال : وحدثت أن واصل بن عطاء أبا حذيفة أقبل في رفقة، فأحسوا بالخوارج، فقال واصل لأهل الرَّفقة : إنّ هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا، ودعوني وإياهم، وقد كانوا أشرفوا على العطب فقالوا: ما أنت؟ وأصحابك ؟ فقال : قوم مشركون مستنجدون بكم ليسمعوا كلام الله ويفهموا حدوده، فقالوا : قد أجرناكم. قال : فعلمونا فجلعوا يعلمونهم أحكامهم، وواصل يقول : قد قبلت أنا ومن معي. قالوا فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا. فقال : ليس ذاك إليكم قال الله عزّ وجل: «وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ» (1)فأبلغونا مأمننا، فنظر بعضهم إلى بعض ثمّ قالوا : ذاك لكم، فساروا معهم بجمعهم حتى أبلغوهم المأمن».
1) سورة التوبة : الآية 6و7.
ومن كلام له (عليه السلام)، بعد فراغه من حرب الجمل في ذمّ النساء : معاشر الناس، إنَّ النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العُقُول. فأَمَّا نُقصان إيمانِهِنَّ، فَقعُودُهنّ عَنْ الصَّلاةِ والصيام في أيام حيضهنّ وأمّا نقصان عُقُولهنّ، فشهادة امرأتين كشهادةِ الرَّجُل الواحِدُ. وأمَّا نُقصان حُظُوظهنّ فموارثتهنَّ على الأنْصافِ مِنْ مواريث الرّجال. فاتقوا شِرارَ النِّساءِ. وكونوا مِنْ خيارهنّ على حذر، ولا تطيعُوهُنَّ فِي المَعْرُوفِ حَتّى لا يطمعن في المنكرِ.
البيان:
يرى الإمام (عليه السلام) نقصان الصلاة نقصاناً في الإيمان، وهو مذهب الإمامية، والمعتزلة، وهو أن الأعمال من الإيمان وأن المقرّ بالتوحيد والنبوة، وهو تارك للعمل ليس بمؤمن بل هو فاسق عند الشيعة وبين المنزلتين - الإيمان والكفر - عند المعتزلة. وأما قوله (عليه السلام) ولا تطيعوهن في المعروف ليس في الحقيقة هو نهي عن المعروف، وإنما هو نهي عن طاعتهن، والمعنى لا تفعلوه لأجل أمرهن بل افعلوه لأنّه معروف والكلام هنا يذهب مذهب المشهور : لا تعط العبد كراعاً فيأخذ ذراعاً. قال أبو نواس :
سألتها قبلة ففزتُ بها***بعد إمتناع وشدة التعب
فقلت بالله يا معذبتي***جودي بأخرى أقضي بها أربي
فابتسمت ثم أرسلت مثلاً***يعرفه العجم ليس بالكذب
لا تعطين الصبي واحدة***يطلب أخرى بأعنف الطلب
والفصل، في الواقع الذي نحن فيه كله رمز إلى السيدة عائشة (رضي الله عنها)،
ولا يختلف المسلمون في أنّها مخطئة في خروجها على أمير المؤمنين (عليه السلام)، والدليل في قول الله تعالى: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى» (1)ومن الحديث الشريف فقد صح عنه (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أنَّه قال لها : «ستحاربين ابن عمي وستخرجين عليه وتنبحك كلاب الحوأب». ومن قرأ السير والتاريخ يرى أن ذلك حدث حقاً.
«وقد قال كل من صنف في السير والأخبار : إنّ السيدة عائشة (رضي الله عنها) كانت من أشد الناس على عثمان، حتى أنّها أخرجت ثوباً من ثياب رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فنصبته في منزلها، وكانت تقول للداخلين إليها : هذا ثوب رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لم يبل، وعثمان أبلى سنته، وقالوا إن أول من سمّى عثمان نعثلا، هي عائشة، والنعثل الكثير شعر اللحية والجسد، وكانت تقول : اقتلوا نعثلاً قتل الله نعثلاً» (2).
«وروى المدائني في كتاب الجمل قال : لما قتل عثمان كانت عائشة بمكة، وبلغ قتله إليها بشراف، فلم تشك في أن طلحة هو صاحب الأمر، وقالت بعداً لنعثل، وسحقاً، إيه ذا الإصبع إيه أبا شبل، إيه يا بن عم لكأني أنظر إلى أصبعه، وهو يبايع له حثو الإبل. قال : وقد كان طلحة حين قتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال، وأخذ نجائب كانت لعثمان في داره ثم فسد أمره فدفعها إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)».
«وقال أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي إن عائشة لما بلغها قتل عثمان، وهي بمكة أسرعت مقبلة، وهي تقول : إيه ذا الإصبع، لله أبوك أما أنهم وجدوا لها طلحة كفواً، فلما انتهت إلى شراف استقبلها عبيد بن أبي سلمة الليثي، فقالت له : ما عندك ؟ قال : قتل عثمان. قالت : ثم ماذا قال : ثم حارت بهم الأمور إلى غير محار، بايعوا علياً. فقالت : لوددت أنّ السماء انطبقت على الأرض، إن تمّ هذا، ويحك أنظر ماذا تقول؟ قال: هو ما قلت لك يا
أم المؤمنين، فولولت فقال لها : ما شأنك يا أم المؤمنين، والله ما أعرف بين لابتيها أحداً أولى بها منه ولا أحق، ولا أرى له نظيراً في جميع حالاته، فلماذا تكرهين ولايته ؟ قال : فما ردّت عليه جواباً.
وقد روي من طرق مختلفة : أنّ عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة، قالت أبعده الله قتله ذنبه، وأقاده الله بعمله، يا معشر قريش لا يسومنكم قتل عثمان، كما سام أحمر ثمود قومه، إن أحق الناس بهذا الأمر ذو الإصبع، فلما جاءت الأخبار ببيعة علي (عليه السلام) قالت تعسوا تعسوا لا يردون الأمر في تيم أبداً.
وكتب طلحة والزبير إلى عائشة، وهي بمكة كتباً أن خدلي الناس عن بيعة علي، وأظهري الطلب بدم عثمان. وكانت أم المؤمنين السيدة أم سلمة - رضي الله عنها - بمكّة في ذلك العام، فلما رأت صنيع السيدة عائشة قابلتها بنقيض ذلك، وأظهرت موالاة علي (عليه السلام) ونصرته».
«قال أبو مخنف جاءت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان، فقالت لها يا بنت أبي أمية أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)، وأنت كبيرة أمهات المؤمنين وكان رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) يقسم لنا من بيتك، وكان جبريل أكثر ما يكون في منزلك. فقالت أم سلمة لأمر ما قلت هذه المقالة. فقالت عائشة : إنّ عبد الله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان، فلما تاب قتلوه صائماً في شهر حرام، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة، ومعي الزبير وطلحة، فاخرجي معنا لعلَّ الله أن يصلح هذا الأمر على أيدينا وبنا، فقالت : أنا أمّ سلمة، إنك كنت بالأمس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول، وما كان اسمه عندك إلا نعثلاً، وإنك لتعرفين منزلة علي بن طالب (عليه السلام) عند رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) أفأذكرك ؟ قالت : نعم. قالت : أتذكرين يوم أقبل (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) ونحن معه، حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال، خلا بعَليّ بناحية فأطال، فأردت أن تهجمي عليهما فنهيتك، فهجمت عليهما فما لبثت أن رجعت باكية فقلت ما شأنك؟ فقلت : إني هجمت عليهما، وهما
يتناجيان فقلت لعلي : ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة أيام، أفما تدعني يا بن أبي طالب ويومي، فأقبل رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وهو غضبان محمر الوجه، فقال: إرجعي وراءك والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي، ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان، فرجعت نادمة ساقطة؟ قالت عائشة : أذكر ذلك.
قالت : وأذكرك أيضاً، كنت أنا وأنت مع رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) وأنت تغسلين رأسه وأنا أحيس له حیساً، وكان الحيس يعجبه فرفع رأسه وقال: يا ليت شعري أيتكنّ صاحبة الجمل الأذنب تنبحها كلاب الحوأب، فتكون ناكبة عن الصراط، فرفعت يدي من الحيس فقلت: أعوذ بالله وبرسوله من ذلك، ثم ضرب على ظهرك، وقال: إياك أن تكونيها، ثم قال : إياك أن تكونيها يا حميراء، أما فقد أنذرتك. قالت عائشة : نعم أذكر هذا.
قالت : وأذكرك أيضاً، كنت أنا وأنت مع رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) في سفر له، وكان علي يتعاهد نعل رسول الله (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) فيخصفها، ويتعاهد أثوابه فيغسلها فنقبت له نعل فأخذها يومئذ يخصفها، وقعد في ظل شجرة وجاء أبوك. ومعه عمر فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب، ودخلا يحادثانه فيما أرادا، ثم قالا : یا رسول الله إنا لا ندري قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا من يستخلف علينا، ليكون لنا بعدك مفزعاً، فقال لهما : أما أني قد أرى مكانه، ولو فعلت لتفرقتم عنه، كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران، فسكتا ثم خرجا، قلت له، وكنت أجرأ عليه منا: من كنت يا رسول الله مستخلفاً عليهم؟ فقال : خاصف النعل. فنزلنا فلم نرَ أحداً إلا علياً، فقلت : يا رسول الله ما أرى إلا علياً. فقال : هو ذاك. فقالت عائشة : نعم أذكر ذلك
فقالت: فأي خروج تخرجين بعد هذا! فقالت : إنّما أخرج للإصلاح بين الناس، وأرجو فيه الأجر إن شاء الله. فقالت : أنت ورأيك فانصرفت عائشة، وكتبت أم سلمة - رحمها الله - بما قالت وقيل لها إلى علي (عليه السلام)» (1).
1) المصدر السابق - ص 78.
قلت : الحديث الأخير في خصف النعل نص صريح في إمامة علي أمير المؤمنين (عليه السلام) واستخلافه، لا ينكر ذلك عاقل، ثمّ إنك، أيّها المسلم الغيور، لا ينقضي عجبك من هذه السيدة الفاضلة التي لم تتراجع عن قصدها، في الخروج بالمسلمين إلى حرب يتقاتل فيها أبناء الدين الواحد والقبلة الواحدة، والتي ذهب ضحيتها زهاء الخمس والعشرين ألفاً من المسلمين، مع كل ما جاء في حديث السيدة أم سلمة (رضي الله عنها) من نهي النبي (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم) لها عن الخروج على ابن عمه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكن إنها المقادير السماوية، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
«وروی هشام بن محمد الكلبي في كتاب «الجمل» أنّ السيدة أم سلمة - رضي الله عنها - كتبت إلى علي (عليه السلام) من مكة : أما بعد فإنّ طلحة، والزبير وأشياعهما، أشياع الضلالة، يريدون أن يخرجوا بعائشة إلى البصرة، ومعهم ابن الحزان عبد الله بن عامر كريز، ويذكرون أن عثمان قتل مظلوماً، وأنّهم يطلبون بدمه، والله كافيهم بحوله وقوته ولولا ما نهانا الله عنه من الخروج، وأمرنا به من لزوم البيوت، لم أدع الخروج إليك، والنصرة لك، ولكني باعثة نحوك إبني عدل نفسي عمر بن أبي سلمة، فاستوص به يا أمير المؤمنين خيراً، قال: فلما قدم عمر على علي (عليه السلام) أكرمه، ولم يزل مقيماً معه حتى شهد مشاهده كلها، ووجهه أميراً على البحرين».
ومن كلام له (عليه السلام) في ذكر عمرو بن العاص : عَجَباً لابن النَّابِغَةِ. يَزْعُمُ لأهل الشام أنَّ فِيَّ دعابَةٌ، وأنّي امرؤٌ تِلْعابةٌ أعافِسُ وأُمارِسُ. لَقَدْ قال باطِلاً ونَطَقَ آثِمَاً. أمّا وشر القولِ الكَذِبُ، إِنَّهُ ليَقولُ فيَكْذِبُ ويَعِدُ فَيُخْلِف. ويسْألُ فيُلحِفُ. ويُسألُ فَيَبْخَلُ، ويخُونُ العَهْدَ، ويقطعُ الإِلَّ. فإذا كان عِنْدَ الحَربِ فأيُّ زاجِرٍ وآمرٍ هُوَ، مَا لَمْ تَأخُذِ السّيُوفُ مَآخِذَهَا، فَإِذَا كَانَ ذلِكَ، كَانَ أَكْبَرُ مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ القِرْمَ سُبَّتَهُ. أما والله لِيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ، وَإِنَّهُ ليَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الحَقِّ نِسْيَانُ الآخِرَةِ، وإِنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ مُعَاوِيَة حَتَّى شَرَطَ لَهُ أَن يُؤْتِيَهُ أتيَّةً، وَيَرْضَحَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيعَةً.
البيان:
الدعابة هي المزاح. دعب الرّجل بالفتح، ورجل تلعابة بكسر التاء : كثير اللعب، والتلعاب بالفتح مصدر لعب. والمعافسة: المعاجلة والمسارعة، والممارسة مثله، ويعني (عليه السلام) أن عمراً يقدح في عند أهل الشام بالدعابة واللعب، وأني كثير الممازحة حتى أنّي ألاعب النساء، وأغازلهن، فعل المترف الفارغ القلب الذي يقضي أوقاته بملاذ نفسه. ومعنى يلحف : يلح في السؤال. قال تعالى : «لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا» (1)والإل هو العهد، ولما اختلف اللفظان حسن التقسيم بينهما.
وقوله (عليه السلام) ما لم تأخذ السيوف مآخذها أي ما لم يبلغ الحرب، إلى أن يخالط الرؤوس. أي هو مليء بالتحريض والإغراء، قبل أن
1) سورة البقرة : الآية 273.
تلتحم الحرب، فإذا التحمت واشتدت فلا يمكث، ويفعل فعلته: أي يُظهر كشف عورته، والسبة الإست، وسبه يسبّه طعنه في السبّة، وهي عجيزة الرجل، ورضخ له رضخاً أعطاه العطاء الكثير، وهي الرضيخة لما يعطي.
وابن النابغة هو عمرو بن العاص بن وائل يكنى أبا عبد الله، ويقال : أبا محمد، أبوه العاص بن وائل أحد المستهزئين برسول الله (صلى الله عليه وآله) والمكاشفين له بالعداوة والأذى، وفيه وفي أصحابه نزل قوله تعالى : «إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (1). ويلقب العاص بن وائل في الإسلام بالأبتر، لأنّه قال لقريش: سيموت هذا الأبتر غداً فينقطع ذكره، يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنّه لم يكن له ولد ذكر يعقب منه، فأنزل الله سبحانه: «إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» (2)وكان عمرو أحد من يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة، ويشتمه، ويضع في طريقه الحجارة، لأنه كان (صلى الله عليه وآله) يخرج من منزله ليلا فيطوف بالكعبة، وكان عمرو يجعل له الحجارة في مسلكه ليعثر بها، وهو أحد القوم الذين خرجوا إلى السيدة زينب إبنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لمّا خرجت مهاجرة من مكة إلى المدينة فروعوها، وقرعوا هودجها بكعوب الرماح، حتى أجهضت جنيناً ميتاً من أبي العاص بن الربيع بعلها، فلما بلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) نال منه، وشق عليه مشقة شديدة ولعنهم.
«روى ذلك الواقدي، وقال : إن عمرو بن العاص هجا رسول الله (صلى الله عليه وآله) هجاء كثيراً، كان يعلّمه صبيان مكة فينشدونه، ويصيحون برسول الله إذا مرّ بهم رافعين أصواتهم بذلك الهجاء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يصلي بالحجر : اللهم إنّ عمرو بن العاص هجاني، ولست بشاعر فالعنه بعدد ما هجاني».
«وروى أهل الحديث أنّ النضر بن الحارث وعتبة بن أبي معيط
وعمرو بن العاص عهدوا إلى سلا جمل فرفعوه بينهم، ووضعوه على رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ساجد بفناء الكعبة، فسال عليه، فصبر ولم يرفع رأسه وبكى في سجوده، ودعا عليهم، فجاءت ابنته فاطمة (عليها السلام) وهي باكية فاحتضنت ذلك السلا فرفعته عنه فألقته، وقامت على رأسه تبكي فرفع رأسه (صلّى الله عليه وآله) وقال : «اللهم عليك بقريش» قالها ثلاثاً ثم قال رافعاً صوته : «إني مظلوم فانتصر» قالها ثلاثاً ثم قام فدخل في منزله، وذلك بعد وفاة عمه أبي طالب بشهرين.
ولشدّة عداوة عمرو بن العاص لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أرسله أهل مكة إلى النجاشي ليزهده في دين الإسلام وليطرد عن بلاده مهاجرة الحبشة، وليقتل جعفر بن أبي طالب عنده إن أمكنه قتله، فكان منه في أمر جعفر هناك ما هو مذكور في التاريخ، وقد أخزاه الله هناك» (1).
وقوله (عليه السلام): كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبته : «فقد قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي عمرو، عن عبد الرحمن بن حاطب قال : كان عمرو بن العاص عدواً للحرث بن نضر الخثعمي وكان من أصحاب علي (عليه السلام)، وكان (عليه السلام) قد نهنه فرسان الشام، وملأ قلوبهم بشجاعته، وامتنع كلّ منهم من الإقدام عليه وكان عمرو قلّما جلس مجلساً إلا ذكر فيه الحرث بن نضر الخثعمي وعابه، فقال الحرث :
ليس عمرو بتارك ذكر الحا***رث بالسوء أو يلاقي عليا
واضع السيف فوق منكبه***الأيمن لا يحسب الفوارس شيّا
لیت عمراً يلقاه في حومة***النقع وقد أمست السيوف عصيّا
حيث يدعو للحرب حامية القو***م إذا كان بالبراز ملیا
فالقه إن أردت مكرمة***الدهر وإيه به وناد إليّا
فشاعت هذه الأبيات حتى بلغت عمراً، فأقسم بالله ليلقين علياً، ولو مات
1) شرح نهج البلاغة الحديدي - ص 100 مجلد 2.
ألف موتة. فلمّا اختلطت السيوف لقيه فحمل عليه برمحه، فتقدم علي (عليه السلام)، وهو مخترط سيفاً معتقل رمح، فلمّا رهقه هزّ فرسه ليعلو عليه فألقى عمرو نفسه عن فرسه إلى الأرض شاغراً برجليه، فانصرف علي عنه لافتاً وجهه مستدبراً له، فعدّ الناسُ ذلك من مكارمه وسؤدده، وضرب بها المثل، وفي ذلك يقول الأمير الشاعر أبو فراس الحمداني - رحمه الله - :
وإنّي لنزال لكل مخوفة***كثير إلى نزالها النظر الشَّزْرُ
ولا خير في دفع الرَّدى بمذلة***کما ردّها يوماً بسوءته عمرو
«وحدَّث محمد بن إسحاق قال : إجتمع عند معاوية في بعض ليالي صفين عمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن عامر، وابن طلحة الطلحات الخزاعي، فقال عتبة : إن أمرنا، وأمر علي بن أبي طالب لعجب، ما فينا إلا موتور مجتاح، أما أنا فقتل جدي عتبة بن ربيعة، وأخي حنظلة، وشرك في دم عمي شيبة يوم بدر، وأمّا أنت يا وليد فقتل أباك صبراً، وأما أنت يا بن عامر فصرع أباك، وسلب عمك، وأمّا أنت يا بن طلحة فقتل أباك يوم الجمل، وأيتم إخوتك، وأما أنت يا مروان فكما قال الشاعر :
وأفلتهن علياء جربضاً***ولو أدركته صغر الوطاب
فقال معاوية: هذا الإقرار، فأي غير غيرت؟ قال مروان : وأي غير تريد قال : أريد أن تشجر بالرماح، قال : والله يا معاوية ما أراك إلا هاذياً، وما أرانا إلا تعلينا عليك» (1).
1) المصدر السابق - ص 110 مجلد 2.
ومن خطبة له (عليه السلام) : أمَّا بَعْدَ حَمْدِ الله والثناءِ عَلَيْهِ. أَيُّها النَّاسُ، فإنّي فَقأتُ عَيْنَ الفِتْنَةِ، ولمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْها أَحَدٌ غَيْرِي، بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُها، واشْتَدَّ كَلَبُها، فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُوني، فوالذي نَفْسي بيده لا تسْأَلُونَنِي عَنْ شيءٍ فيما بَيْنَكُمْ وبَيْنَ السَّاعةِ، ولا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مائةً وتُضِلُّ مَائةٌ إلا أنْبأتُكُمْ بناعِقِها وقائدها، وسائقها ومُناخ رِكَابِهَا، وَمَحَطّ رِحَالِها، ومَنْ يقتل مِنْ أهلها قتلاً، ومَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً.
البيان:
في اللغة، فقأت عينه: أي شققتها وتفقأت السحابة عن مائها : تشققت، وتفقأ الرمل والقرح، والمقصود أنه (عليه السلام) أقدم على الفتنة حتى أطفأ نارها، وكأنه قد جعل للفتنة عيناً محدقة بها الناس، فأقدم هو عليها، ففقأ عينها فسكنت بعد حركتها وهيجانها، وهذا من أجمل الإستعارة. وإنما قال (عليه السلام) ولم يكن ليجترئ أحد غيري لأنّ الناس كانوا يهابون قتال أهل القبلة يومها ويجهلون كيف يقاتلونهم هل يتبعون موليهم أم لا؟ وهل يجهزون على جريحهم أم لا؟ وهل يقسمون فيتهم أم لا؟، والمقصود هنا حربه (عليه السلام) أهل الجمل وصفين والنهروان فلولا أن علياً (عليه السلام) اجترأ على سلّ السيف فيها، ما أقدم أحد عليها. وإنما قال (عليه السلام) بعدما ماج غيهبها، لأنه أراد بعدما عمّ ضلالها فشمل فكنّى عن الضلال بالغيهب، وكنّى عن العموم والشمول بالتموج، لأنّ الظلمة إذا تموجت شملت أماكن كثيرة غير الأماكن التي تشملها لو كانت ساكنة، واشتدّ كلبها أي شرها، وأذاها ويقال للقحط الشديد كلب، وكذلك للقرّ الشديد.
ثمَّ قال (عليه السلام) سلوني قبل أن تفقدوني، فقد روى أبو جعفر الإسكافي في كتاب «نقض العثمانية» عن علي بن الجعد، ابن شبرمة قال : ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر : سلوني قبل أن تفقدوني، إلا علي بن أبي طالب، وإلا افتضح».
«فقد روي أن ابن الجوزي كان يخطب يوماً، وهو على المنبر فقال : سلوني قبل أن تفقدوني، فقامت امرأة في المجلس وقالت له في أي البلاد توفي سلمان الفارسي ؟ فقال : في المدائن. قالت : فمن صلى عليه؟ قال: صلى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه -. قالت: كيف وعلي في المدينة، وسلمان في المدائن ؟ قال : لقد طويت له الأرض، قالت: وأين توفي عثمان قال في المدينة قالت ومن صلى عليه وأين دفن؟ فاستشاط غضبا، وقال لها : إن كنت خرجت بإذن زوجك، فعليه لعنة الله؟ وإن كان خروجك من البيت من دون إذنه، فعليك لعنة الله ؟ قالت : أخبرني أيُّها الشيخ: أكان خروج أم المؤمنين عائشة، لحرب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يوم الجمل، بإذنها أم بإذن زوجها ؟ فاضطرب الناس من الفريقين وتشابكا، وجاءت الشرطة فاعتقلت خلقاً كثيراً من الفئتين» (1).
والفئة هي الطائفة، وناعقها الداعي إليها من ينعق الراعي بغنمه، وهو صوته نعق ينعق بالكسر نعيقاً، ونعاقاً أي صاح بها وزجرها، والركاب الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من لفظها، والمناخ بضم الميم، ومحط بفتحها، يجوز أن يكونا مصدرين، وأن يكونا مكانين، وقد أقسم (عليه السلام) في هذا الفصل بالله الذي نفسه بيده أنهم لا يسألونه عن أمر يحدث بينهم، وبين القيامة إلا أخبرهم به، وأنه ما صح من طائفة من الناس يهتدي بها مائة، وتضل بها مائة إلا وهو مخبر لهم إن سألوه برعايتها، وقائدها، وسائقها ومواضع نزول ركابها، وخيولها، ومن يقتل منها قتلاً، ومن يموت منها موتاً. وليست هذه في الحقيقة دعوى ربوبية على الإطلاق، كما فهم الكثير من الغلاة الجهلة والنواصب
1) المصدر السابق 175 مجلد 2.
المتعصبة، بل هي إمّا إخبار من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو فراسة من حكم ولايته الكبرى وإمامته العظمى، وقد إمتحن الناس أخباره (عليه السلام) فوجدوها موافقة للواقع، فدل ذلك على صحتها.
«وأخباره الصادقة أعظم من أن تحصى ومنها إخباره (عليه السلام) عن الضربة التي يضرب بها في رأسه فتخضب لحيته، وإخباره عن قتل سيد الشهداء نجله الحسين (عليه السلام) وما قاله عن كربلاء، وقد مرّ بها، وإخباره بملك معاوية الأمر بعده، وإخباره عن الحجاج، وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان، وما قد قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم، وصلب من يصلب، وإخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وإخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لمّا شخص (عليه السلام) إلى البصرة، وإخباره عن عبد الله بن الزبير، وقوله فيه : خبّ ضب يروم أمراً ولا يدركه، ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا، وهو بعد مصلوب قريش.
وكإخباره عن هلاك البصرة بالغرق، وهلاكها تارة أخرى بالزنج، وكإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان، وتنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببني زريق وهم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين وولده إسحاق بن إبراهيم وكانوا هم وسلفهم دعاة الدولة العباسية، وكإخباره عن الأئمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر والداعي وغيرهما، في قوله (عليه السلام): وإنّ لآل محمد بالطالقان لكنزاً سيظهره الله إن شاء دعاؤه حق يقوم بإذن الله فيدعو إلى دين الله. وكإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة، وقوله : إنه يقتل عند أحجار الزيت.
وكقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباخمرا : يقتل بعد أن يظهر، ويُقهَرُ بعد أن يُقهر، وقوله فيه أيضاً : يأتيه سهم غرب يكون فيه منيته، فيا بؤسا للرامي شلّت يده ووهن عضده. وكإخباره عن قتلى فخ، وقوله فيهم: هم خير أهل الأرض. وكإخباره عن المملكة العلوية بالغرب وتصريحه بذكر كتامه وهم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلم. وكقوله، وهو يشير إلى أبي عبد الله
المهدي وهو أوّلهم، ثمّ يظهر صاحب القيروان الغض البض، ذو النسب المحض، المنتخب من سلالة ذي البداء، المسجّى بالرداء. وكان عبد الله المهدي أبيض مترفاً مشربا بحمرة رخص البدن تارّ الأطراف، وذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، وهو المسجى بالرداء لأنّ أباه أبا عبد الله جعفراً سجّاه بردائه لما مات وأدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته، وتزول عنهم الشبهة في أمره.
وكإخباره عن بني بويه، وقوله فيهم : ويخرج من ديلمان بنو الصيّاد إشارة إليهم، وكان أبوهم صيّاد سمك، يصيد منه بيده ما يتقوت هو وعياله بثمنه، فأخرج الله تعالى من صلبه ملوكاً ثلاثة، ونشر ذريتهم حتى ضربت الأمثال بذكرهم وبملكهم. وكقوله (عليه السلام) فيهم : ثم يستشري أمرهم حتى يملكوا الزوراء (بغداد) ويخلعوا الخلفاء. فقال له قائل : فكم مدتهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: مائة أو تزيد قليلاً. وكقوله فيهم : والمترف بن الأجذم يقتله ابن عمه على دجلة وهو إشارة إلى عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة أبي الحسين، وكان معزّ الدولة أقطع اليد قطعت يده النكوص في الحرب، وكان إبنه عزّ الدولة بختيار مترفاً صاحب لهو وطرب، وقتله عضد الدولة فناخسرو ابن عمه بقصر الجصّ على دجلة في الحرب، وسلبه ملكه. فأما خلعهم للخلفاء فإن معزّ الدولة خلع المستكفي، ورتب محله عوضه المطيع، وبهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع، ورتب عوضه القادر، وكانت مدة ملكهم كما أخبر به (عليه السلام).
وكإخباره (عليه السلام) لعبد الله بن عباس - رضي الله عنه - عن انتقال الأمر من بني أمية إلى أولاده، فإنَّ علي بن عبد الله لمّا أخرجه أبوه عبد الله إلى علي (عليه السلام) فأخذه، وتفل في فيه، وحنكه بتمرة قد لاكها، ودفعه إليه، وقال: خذ إليك أبا الأملاك إلى كثير كثير من هذه الأخبار التي إن أردنا أن نجمعها لأتينا بالمجلدات الضخام» (1).
1) المصدر السابق ص 176 مجلد 2.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن بقوة هنا هو أنه : لماذا غلا الناس في علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولم يغلوا في رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو الأصل المتبوع ؟
فنقول بعون الله في الإجابة: أولاً : إنّ الذين صحبوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وشاهدوا معجزاته وسمعوا أخباره عن الغيوب، كانوا أشدّ رأياً وأعظم حلماً، وأوفر عقلاً، من تلك العقول الضعيفة التي شاهد أصحابها علياً (عليه السلام) فإن هؤلاء كانوا من ركاكة البصائر وضعفها على حال مشهورة، فلا عجب والحال هذه أن تبهرهم المعجزات.
وثانياً : لأنّ أنواع المعجزات التي صدرت منه (عليه السلام)، لم تظهر من أحد من الناس ما خلا موسى وعيسى (عليهما السلام)، ومن ذلك حديثه مع الجمجمة في مدائن العراق، ومنها ردّ الشمس له مرتين حتى صلى العصر، ومنها قلعه باب خيبر، ومنها أن الأرض طويت له حينما صلّى على سلمان الفارسي في مدائن العراق، ومنها كونه (عليه السلام) ما بارز أحداً إلا وصرعه، إلى غيرها كثير من الأمور التي لا تتأتى للبشر العاديين.
وثالثاً : لأنّ الإمام علياً (عليه السلام) كان في الظاهر مظلوماً مقهوراً مغلوباً، منذ أن سلبه الخلفاء حقه في الخلافة والولاية، وهضموا حقه بالرغم من عشرات النصوص التي تؤكد على أحقيته بالخلافة، كحديث الغدير، وحديث المنزلة، وحديث خاصف النعل، وحديث الطائر المشوي، إلى غيرها، ثمّ أن الناس حينما ولي الخلافة خرجوا عليه، حسداً وبغياً ونفاقاً، كما خرجت العرب على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكانت حروب الجمل، وصفين، والنهروان، ثمّ إنّه قتل شهيداً (عليه السلام) قبل أن يصفي حسابه مع ابن آكلة الأكباد معاوية بن أبي سفيان، الذي استولى على عرش الخلافة بالقهر والحيلة، والترغيب والترهيب، واللف والدوران والروغان، وتعقب الشيعة تحت كل حجر ومدر، بالقتل والتعذيب والسجن، ولعنه الإمام المتقين من على المنابر ألف شهر وشهر والناس يميلون بطبعهم وسجيتهم إلى حبّ العظماء
المضطهدين، ممن لم تنصفهم المقادير والظروف في الوصول إلى حقوقهم.
ورابعاً: أن جماعة من الغلاة كانوا من نسل النصارى، واليهود، وقد كانوا سمعوا من آبائهم وسلفهم القول بالحلول في أنبيائهم ورؤسائهم فاعتقدوا فيه (عليه السلام) مثل ذلك.
وقال العلامة الشيخ أحمد محمد حيدر في كتاب «الحيرات» (1): غالى كثير من الناس بأمير المؤمنين وبأولاده المعصومين (عليهم السلام)، فالمغالون بهم زهاء ستين فرقة من فرق الإسلام، والذي يأخذك ويذهلك، ويقيمك ويقعدك، هو أنك تجد بهؤلاء المغالين، الثقاة الكُمَّل والعلماء الأماثل، والعرفاء الشامخين، والذي دعاهم للغلوّ به ما كانوا يرونه ويسمعونه من خوارق العادات والإخبار بالمغيبات كإحياء الموتى، وإنطاق الجماد، ومخاطبة الحيوان، وقلب الماهيات والتصرف التام بالزمان والمكان، وعلمه كلّ العلوم، وجميع اللغات، حتى خاطب أهل كلّ لغة بلغتهم، بل خاطب العجم بلغاتها، وعروجه إلى السماء على الغمام وعلمه بالمغيبات الخمس التي حصرها الله تعالى بنفسه لقوله : «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» (2)وغير ذلك مما كان به حيرة العلماء ودهشة العقلاء، حتى قال قائلهم ما معناه: «والله ما ندري ماذا نصنع بعلي بن أبي طالب، إن أحببناه حق حبّه غلونا، وإن قصرنا كفرنا».
وقد أورد علامة المعتزلة للشافعي، قوله :
حار الورى كلّهم في أمر حيدرة***والعالمون بمعنى أمره تاهوا
فإنّ أقل بشر فالعقل يمنعني***وأتقي الله في قولي هو الله
وأورد له أيضاً :
يموت الشافعي وليس يدري***علي ربُّهُ أم ربُّه الله
وقال علامة المعتزلة :
هو الآية الكبرى ومستنبط الهدى***وحيرة أرباب النهى والبصائر
ثمّ قال: ومن هذه الأسباب قصة رميه بالمنجنيق، وهي قصة غريبة مستغربة وصعبة مستصعبة، وذلك لوضع أمير المؤمنين بكفة المنجنيق، ثمّ قذفه في الهواء عوضاً عن الحجر، ولما لم توصله الرمية إلى فوق الحصن، خطا في الهواء حتى بلغ الحصن ثم نزل وقلع الباب الذي كان لا يقدر على فتحه وإغلاقه إلا أربعة وأربعون رجلاً، وتترّس به بأن حمله بيد واحدة، وجعل يضربهم من تحته حتى هزمهم وحمل الباب إلى خارج الحصن، وجعله جسراً على الخندق، فلما لم يصل إلى طرفي الخندق وصله بيده إلى أن قطع الجيش كله عليه (1). فقذفه في المنجنيق، وخطوه في الهواء وخلعه الباب، وحمله إياه ووضعه جسراً يصله بيده كله من الأمور المدهشة التي دعت الشعراء للتغني بها مندهشین متعجبين. قال أحد شعراء السنّة :
وباب خيبر لو كانت مسامره***كلّ الثوابت حتى القطب لانقلعا
1) بحار الأنوار - محمد باقر المجلسي ص 4 دار إحياء التراث العربي. جزء 21 - بيروت - لبنان 1403 هـ.
ومن كلام له (عليه السلام)، ويعتبر من الملاحم : فوالذي فَلَقَ الحبَّةَ وبَرأَ النَّسمةَ، إنَّ الذي أُنْبِئُكُمْ بِهِ عَن النَّبي الأمي (صلى الله عليه وآله). والله ما كَذَبَ المُبلّغ ولا جَهِلَ السَّامع. لكأنّي أنْظُرُ إلى ضليل قد نعق بالشام. وفحصَ براياتِهِ في ضواحي كوفان. فإذا فغَرتْ فاغِرَتُهُ. واشتدَّتْ شكيمتُهُ. وَثَقُلَتْ في الأرضِ وطأتُهُ. عضت الفتنةُ أبناءها بأنيابها. وماجَتِ الحزب بأمواجها. وبدا من الأيام كُلُوحُها. ومن الليالي كدُوحُها. فإذا أيْنَعَ زَرْعُهُ وَقَامَ على ينعِهِ. وَهدَلَتْ شَقاشقُهُ، وترقَتْ بوَارقُهُ. عُقِدتْ راياتُ الفِتَنْ المُعْضِلَةِ. وأقبلْنَ كالليل المُظْلِمِ. والبحْرِ المكتظم. هذا وكَمْ يَخْرُق الكوفة مِنْ قاصف. ويَمُرُّ عليها مِنْ عَاصِفٍ. وعنْ قَليل تَلْتَفُّ القُرونُ بالقُرونِ. ويحْصُدُ القائِمُ ويُحَطَمُ المَخصُودُ.
البيان:
أقسم (عليه السلام) بالذي فلق الحبة وبرأ النسمة وفلق الحبة: من البرء، شقها وأخرج منها الورق الأخضر، قال تعالى : «إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى» (1)وبرأ النسمة أي خلق الإنسان، وهذا القسم كثيراً ما كان يقسم به (عليه السلام) حتّى عدّ ذلك من مبتكراته ومبتدعاته. والمبلغ والسامع هو نفسه (عليه السلام)، يقول ما كذبت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تعمداً، ولا جهلت ما قاله فأنقل عنه غلطاً. والضليل هو الكثير الضلال كالشريب، والفسيق ونحوهما، وقد اختلف في المقصود من هذا الكلام فقال قوم: إنّه معاوية، وهو على الأرجح ضعيف، لأنّ هذا الرجل كان قد نعق بالشام في أيام
1) سورة الأنعام : الآية 95.
أمير المؤمنين (عليه السلام) ودعاهم إلى نفسه والكلام هنا يدل على إنسان ينعق فيما بعد، ألا تراه معي يقول : لكأني أنظر إلى ضليل قد نعق بالشام، والأرجح الأظهر أنه كناية عن عبد الملك بن مروان لأن هذه الصفات، والإمارات فيه أتمّ منها في غيره، لأنه قام بالشام حين دعا إلى نفسه، وهو معنى نعیقه، وفحصت راياته بالكوفة تارة، حين شخص بنفسه إلى العراق، وقتل مصعب بن الزبير، وتارة لمّا استخلف الأمراء كبشر بن مروان أخيه، حتى انتهى أمر الحجّاج وهو زمان اشتداد شكيمة عبد الملك، وثقل وطأته، وحينئذ صعب الأمر جداً، وتفاقمت الفتن مع الخوارج وعبد الرحمن بن الأشعث، فلما كمل أمر عبد الملك، وهو معنى قوله (عليه السلام) أينع زرعه، هلك، وعقدت رايات الفتن المعضلة من بعده، كحروب أولاده مع بني المهلب، وكخروجهم على الإمام زيد بن علي (عليه السلام) وكالفتن التي اشتعلت بالكوفة أيام يوسف بن عمر، وخالد القسري، وعمر بن هبيرة، وغيرهم، وما جرى فيها من الظلم واستئصال الأموال، وذهاب النفوس.
والنعيق: صوت الراعي بغنمه، وفحص براياته: من قولهم: ما له مفحص قطاة، أي مجثمها، كأنهم جعلوا ضواحي الكوفة مجثماً لراياتهم. وكوفان : إسم الكوفة، وضواحيها: نواحيها القريبة منها البارزة عنها، يريد رستاقها، وفغرت فاغرته: فتح فاه، وهذا من باب الإستعارة، أي إذا فتك فتح فاه وقتل، كما يفتح الأسد فاه عند الإفتراس، والتأنيث للفتنة والشكيمة في الأصل: حديدة معترضة في اللجام في فم الدابة، ثم قالوا: فلان شديد الشكيمة، إذا كان شديد المراس، شديد النفس عسر الإنقياد، وثقلت وطأته : عظم جوره وظلمه، وكلوح الأيام: عبوسها، والكدوح: الآثار من الجروح، والقروح : الواحد القرح أي الخدش، والمراد من قوله ثم الليالي : أنّ هذه الفتنة مستمرة الزمان كله لأنّ الزمان ليس إلا النهار، والليل، وأينع الزرع : أدرك ونضج، وقام على ينعه، وهدرت شقاشقه : الشقشقه بالكسر فيهما، شيء يخرجه البعير من فيه إذا هاج، وإذا قالوا للخطيب ذو شقشقة فإنما شبهوه بالفحل. وبرقت بوارقه: سيوفه ورماحه، والمعضلة العسرة العلاج، وهي داء
معضل، ويخرق الكوفة : يقطعها، والقاصف: الريح القوية تكسر كل ما تمر عليه وتقصفه.
ثمّ وعد (عليه السلام) بظهور دولة أخرى حيث تلتف القرون بالقرون، وهذا كناية عن الدولة العباسية والقرون الأجيال من الناس، وتحصد القائم، ويحطم المحصود : كناية عن قتل الأمراء من بني أمية فى الحرب. ثم قتل المأسورين منهم صبراً، وهكذا كان الأمر مع عبد الله بن علي وأبي العباس السفاح، كما سيأتي في مجال آخر من هذا الكتاب بمشيئة الله.
ومن كلام له (عليه السلام)، يذكر فيه زوال حكم بني أمية : حتى بعث الله محمّداً (صلى الله عليه وآله) شهيداً وبشيراً، خَير البريةِ طفلاً وأنجبها كهْلاً، وأطهر المطهّرين شيمةً، وأجود المُسْتَمْطِرينَ ديمَةً. فما أخْلَولَتْ لَكُمْ الدُّنيا في لأتها، ولا تَمكّنتم منْ رِضاع أخلاقها إلَّا مَنْ بَعدِ ما صادَفْتُموها هائلاً خِطامُها. قلقاً وضينها، قد صار صراحُها عِنْدَ أقوام بمنزلة السّدْرِ المخضودِ، وضلالها تعبداً غير موجود، وصادفتُموها والله ظِلاً ممدُوداً إلى أجل مَعْدُودٍ. فالأَرْضُ لكُمْ شاغِرَة، وأيديكم فيها مبسوطة وأيدي القادة عَنْكُم مكفُوفة. وسيوفُكُمْ عليهمْ مُسلّطة، وسيوفهم عنكُم مقبوضة، ألا وإنَّ لكل دمٍ ثائراً، ولكلّ حق طالباً. وإنَّ الثاثرَ في دمائنا كالحاكم في حقّ نفسه، وهو الله الذي لا يُعجزُهُ مَنْ طُلِبَ. وَلا يَفُوتَهُ مَنْ هَرَبَ. فأقسمُ بالله يا بني أمية عما قليلٍ لتعرِفُنّها في أيدي غيركُمْ وفي دارِ عدوِّكُمْ.
البيان:
المراد من كون رسول الله (صلى الله عليه وآله) شهيداً: أنّه يشهد على الأمة بما فعلته من طاعة أو عصيان. وأنجبها: أكرمها، ورجل نجيب: أي كريم من النجابة، وأنجب الرَّجل : أي ولد نجيبا، وامرأة منجبة، ومنجاب: تلد النجباء، والشيمة: الخلق، والديمة: مطر يدوم، والمستمطرون : المستجدون، والمستاحون، واحلولت: حلت، والرضاع بفتح الراء: رضع الصبي أمه، وبكسر الضاد يرضعها رضاعاً سمع يسمع سماعاً، والأخلاف للناقة : واحدها خلف بالكسر، وهو حلمة الضرع. والخطام: زمام الناقة. خطمت زممته، وناقة مخطومة، ونوق مخطمة، والوضين: للهودج
بمنزلة البطان للقتب، والتصدير للرجل، والحزام للسرج، والمخضود: الذي خضد شوكه، أي قطع، وشاغرة: خالية، شغر المكان أي خلا، وبلدة شاغرة برجلها : إذا لم تمتنع من غارة أحد. والثائر : طالب الثأر، لا يبغي على شيء حتى يدرك ثأره.
يقول (عليه السلام) مخاطباً لمن في عصره من بقايا الصحابة، ولغيرهم من التابعين الذين لم يدركوا عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) وهو أكرم النّاس شيمة، وأنداهم يداً، وخيرهم طفلاً، وأنجبهم كهلاً، فصانه الله تعالى في أيام حياته، عن أن يفتح عليه الدنيا، وأكرمه عن ذلك، فلم تفتح عليكم البلاد، ولا درّت عليكم الأموال، ولا أقبلت الدنيا نحوكم، وما دالت الدولة لكم إلا بعده، فتمكنتم من أكلها، والتمتع بها، كما يتمكن الحالب من احتلاب الناقة فيحلبها، وحلت لذاتها لكم، واستتبطم العيشة ووجدتموها حلوة خضرة.
ثم ذكر (عليه السلام): أنهم صادفوا الدنيا، وقد صعبت على من يليها ولاية حق، كما تستصعب الناقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام، ليس زمامها بمحكم، وراكبها نفسه قلق الوضين لا يثبت هودجها تحت الراكب، حرامها سهل التناول على من يريده كالسدر الذي خضد عنه شوكه فصار ناعماً أملس، وحلالها غير موجود لغلبة الحرام عليه، وكونه صار معموراً مستهلكاً بالنسبة إليه والكلام الآنف الذكر، يشير بوضوح إلى ما كان (عليه السلام) يذكره دائماً من اغتصاب واستبداد الخلفاء قبله بالأمر، وأنه كان الخليفة المنصوص عليه من القرآن والسنّة الشريفة ثم ذكر أن الدنيا فانية، وأنّها ظل ممدود إلى أجل محدود، ثم ذكر أنّ الأرض بهؤلاء السكان فيها صورة خالية من المعنى، قال الشاعر :
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم***الله يعلم أني لم أقل فندا
إني لأفتح عيني ثمّ أغمضها***على كثير ولكن لا أرى أحدا
ثم أعاد (عليه السلام) تألمه وشكواه فقال : أيديكم في الدنيا مبسوطة أي
الخلفاء الذين سبقوه، ومستوجبي الإمرة مكفوفة أيديهم، ويعني نفسه الشريفة، والعترة الطاهرة من ذريته، وسيوفكم مسلطة على أهل البيت الذين هم القادة والرؤساء، وسيوفهم مقبوضة عنكم، وكأنه يرمز إلى ما سيقع من استشهاد ولده السبط الشهيد الحسين بن علي (عليه السلام) وغيره من أهل بيته، وكأنه كان يشاهد ذلك عياناً، ويخطب عليه ويتكلم على الخاطر الذي سنح له، ثم قال : إن لكلّ دم ثائراً يطلب القود، والثائر بدمائنا نحن أهل البيت ليس إلا الله وحده الذي لا يعجزه مطلوب، ولا يفوته هارب.
«وذكر المؤرخون أنّ عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس سار في جمع عظيم للقاء مروان بن محمد بن مروان وهو اخر ملوك الأمويين، فالتقيا بالزاب من أرض الموصل، ومروان في جموع عظيمة، وأعداد كثيرة فهزم مروان، واستولى عبد الله بن علي على عسكره، وقتل من أصحابه خلقاً عظيماً، وفرّ مروان هارباً حتى أتى الشام، وعبد الله يتبعه فصار إلى مصر فأتبعه عبد الله بجنوده، فقتله ببوصير الأشمونين من صعيد مصر، وقتل خواصه وبطانته كلها، وقدكان عبد الله قتل من بني أميّة على نهر أبي فطرس، من بلاد فلسطين، ثمانين رجلاً قتلهم مثلة، واحتذى أخوه داود بن علي بالحجاز فعله، فقتل منهم قريباً من هذه العدّة بأنواع المثل، وكان مع مروان حينما قتل ابناه عبد الله، وعبيد الله، وكانا وليي عهده فهربا في خواصهما إلى أسوان من صعيد مصر، ثم صارا إلى بلاد النوبة ونالهم جهد شديد، وضرّ عظيم فهلك عبد الله بن مروان في جماعة ممن كان معه قتلاً، وعطشاً وضراً، وشاهد من بقي منهم أنواع الشدائد، وضروب المكاره، ووقع عبيد الله في عدة ممن نجا معه في أرض البجّة، وقطعوا البحر إلى ساحل جدّه، وتنقل فيمن نجا معه من أهله ومواليه، في البلاد مستترين راضين أن يعيشوا سوقة، بعد أن كانوا ملوكاً، فظفر بعبيد الله أيام السفاح فحبس، فلم يزل في السجن بقية أيام السفاح، وأيام المنصور وأيام المهدي، وأيام الهادي، وبعض أيام الرّشيد، وأخرجه الرشيد، وهو شيخ ضرير، فسأله عن خبره فقال يا أمير المؤمنين، حبست غلاماً بصيراً، وأخرجت شيخاً ضريراً. فقيل إنه هلك في أيام الرشيد، وقيل عاش إلى أن أدرك
خلافة الأمين» (1).
«وروى أبو الفرج الأصبهاني، عن محمد بن خلف بن وكيع، قال : دخل سديف مولى آل ابي لهب على أبي العبّاس بالحيرة، وأبو العباس جالس على سريره، وبنو هاشم دونه على الكراسي، وبنو أمية حوله على وسائد قد ثنيت لهم، وكانوا في أيام دولتهم يجلسونهم، والخليفة منهم على الأسرة، ويجلس بنو هاشم على الكراسي، فدخل الحاجب فقال : يا أمير المؤمنين، بالباب رجل حجازي أسود، راكب على نجيب متلثم يستأذن، ولا يخبر باسمه، ويحلف ولا يحسر اللثام عن وجهه، حتى يرى أمير المؤمنين. فقال : هذا سديف مولانا، أدخله. فلما نظر إلى أبي العباس، وبني أمية حسر اللثام عن وجهه ثم أنشد :
أصبح الملك ثابت الأساس***بالبهاليل من بني العبّاس
بالصدور المقدّمين قديماً***والبحور القماقم الرواسي
يا إمام المطهرين من الذمّ***ویا راس منتهى كل راسي
أنت مهدي هاشم وفتاها***كم أناس رجوك بعد أناس
لا تقبلن عبد شمس عثاراً***وأقطعن كل رقلة وأواسي
أنزلوها بحيث أنزلها الله***بدار الهوان والأتعاس
خوفها أظهر التودد منها***وبها منكم كحرّ المواسي
أقصهم أيها الخليفة واحسم***عنك بالسيف شأفة الأرجاس
واذكرن مصرع الحسين وزيد***وقتيلا بجانب المهراس
والقتيل الذي بحران أمسى***ثاوياً بين غربة وتناس
فلقد ساءني وساء سوائي***قربهم من نمارق وكراسي
نعم كلب الهراش مولاك شبل***لو نجا من حبائل الإفلاس
قال : فتغير لون أبي العباس، وأخذه زمع ورعدة، فالتفت بعض ولد
1) مروج الذهب ص 260 مجلد 3، المكتبة الإسلامية بيروت - تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد.
سليمان بن عبد الملك إلى آخر فيهم كان إلى جانبه فقال : قتلنا والله العبد، فأقبل أبو العباس عليهم فقال : يا بني الزواني لا أرى قتلاكم من أهلي قد سلفوا وأنتم أحياء تتلذذون في الدنيا، خذوهم. فأخذتهم الخراسانية بالكافر كوبات فأهمدوا إلا ما كان من عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فإنه إستجار بداود بن علي، وقال إن أبي لم يكن كآبائهم، وقد علمت صنيعه إليكم فأجاره، واستوهبه من السفاح، وقال له : قد علمت صنيع أبيه إلينا فوهبه له، وقال : لا يريني وجهه، وليكن بحيث نأمنه، وكتب إلى عماله في الآفاق بقتل بني أمية.
وأدخل بنات مروان، وحرمه، ونساؤه على صالح بن علي فتظلمت إبنة مروان الكبرى فقالت : يا عم أمير المؤمنين حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه، وأسعدك في أحوالك كلها، وعمّك بخواص نعمه وشملك بالعافية في الدنيا والآخرة، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمك، فليسعنا من عدلكم ما وسعنا من جوركم. قال : إذاً لا نستبقي منكم أحدا، لأنكم قتلتم إبراهيم الإمام، وزيد بن علي، ويحيى بن زيد، ومسلم بن عقيل، وقتلتم خير أهل الأرض حسيناً، وإخوته وبنيه، وأهل بيته، وسقتم نساءه سبايا، كما يساق ذراري الروم على الأقتاب إلى الشام. فقالت يا عم أمير المؤمنين فليسعنا عفوكم إذا فقال : أما هذا فنعم» (1).
«ولمّا أتي أبو العباس برأس مروان سجد فأطال ثمّ رفع رأسه وقال : الحمد لله الذي لم يبق ثأرنا قبلك، وقبل رهطك، الحمد لله الذي أظفرنا بك، وأظهرنا عليك ما أبالي متى طرقني الموت، وقد قتلت بالحسين (عليه السلام) ألفاً من بني أمية، وأحرقت شلو هشام بابن عمي زيد بن علي، كما أحرقوا شلوه، وتمثل :
لو يشربون دمي لم يرو شاربهم***ولا دماؤهم جمعاء ترويني
ثم حول وجهه إلى القبلة فسجد ثانية ثم جلس فتمثل :
1) مروج الذهب ص 262 مجلد 3، المكتبة الإسلامية بيروت.
أبي قومنا أن ينصفونا فأنصفت***قواطع في إيماننا تقطر الدّما
إذا خالطت هام الرجال تركتها***كبيض نعام في الثرى قد تحطّما
ثمّ قال : أما مروان فقتلناه بأخي إبراهيم، وقتلنا سائر بني أمية بحسين، ومن قتل معه، وبعده من بني عمنا أبي طالب» (1).
«وروى المسعودي في مروج الذهب عن الهيثم بن عدي قال : حدثني عمر بن هانىء الطائي قال : خرجت مع عبد الله بن علي لنبش قبور بني أمية في أيام أبي العبّاس السفاح، فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك فاستخرجناه صحيحاً، ما فقدنا منه إلا عرنين أنفه، فضربه عبد الله بن علي ثمانين سوطاً ثمّ أحرقه، واستخرجنا سليمان بن عبد الملك من أرض دابق فلم نجد منه شيئاً إلا صلبه ورأسه، وأضلاعه فأحرقناه وفعلنا مثل ذلك بغيرهما من بني أمية، وكانت قبورهم بقنسرين، ثم انتهينا إلى دمشق، فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره قليلا ولا كثيرا واحتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلا شؤون رأسه، ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فلم نجد منه إلا عظماً واحداً، ووجدنا من موضع نحره إلى قدمه خطاً واحداً أسود، كأنما خطّ بالرماد في طول لحده وتتبعنا قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم» (2).
قلت والله أعلم، أن عبد الله بن علي أحرق شلو هشام، وجلده ثمانين سوطاً لأنه قذف الإمام زيد (عليه السلام) وقال له يا ابن الزانية لما سب أخاه محمداً الباقر (عليه السلام) فسبّه زيد، وقال له : سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله) الباقر، وتسميه أنت البقرة! لشدّ ما اختلفتما، ولتخالفنّه في الآخرة، كما خالفته في الدنيا، فيرد الجنة وترد النار.
ومن كلام له (عليه السلام)، يذكر فيه الحجاج : أما والله لَيُسلّطنّ عليكم غُلام ثقيفٍ، الذيّال الميّالُ. يأكُلُ خُضْرَتَكُمْ ويذيبُ شَحْمَتكُمْ إيه أبا وَذَحَةٍ.
قال الرّضي - رحمه الله -: الوَذْحَةُ الخُنْفُساءُ، وهذا القولُ يُومِئ به إلى الحجاج، وله مَعَ الوَذْحَةِ حديث ليس هذا مَوْضعُ ذِكرهِ.
البيان:
غلام ثقيف المشار إليه، هو الحجاج بن يوسف الثقفي، والذيال : التائه، وأصله من ذال أي تبختر وجرّ ذيله على الأرض، والميال : الجائر الظالم، ويأكل خضرتكم : أي يستأصل أموالكم، ومثله يذيب شحمتكم، وكلتا اللفظتين استعارة، ثم قال له كالمخاطب لإنسان حاضر بين يديه، إيه أبا وذحة: وإيه كلمة يستزاد بها من الفعل تقديره زد وهات أيضاً ما عندك، وضدها إيهاً أي كف، وأمسك.
«والمفسرون ذكروا في قصة هذه الخنفساء وجوهاً منها : أن الحجاج رأى خنفساء تدبّ إلى مصلاه فطردها فعادت، فأخذها بيده وحذف بها، فقرصته قرصاً ورمت يده منه ورماً كان فيه حتفه. قالوا: وذلك لأنّ الله قتله بأهون مخلوقاته، كما قتل نمرود بن كنعان بالبقة التي دخلت في أنفه، فكان فيها هلاكه.
ومنها أن الحجاج كان إذا رأى خنفساء تدبّ قريبة منه، يأمر غلمانه بإبعادها، ويقول : هذه وذحة من وذح الشيطان تشبيها لها بالبعرة قالوا : وكان مغرى بهذا القول، والوذح : ما يتعلق بأذناب الشاة من أبعارها فيجفّ.
ومنها أن الحجاج قال، وقد رأى خنفساوات مجتمعات: واعجبا لمن يقول إن الله خلق هذه! قيل فمن خلقها أيها الأمير ؟ قال : الشيطان، إن ربكم لأعظم شأناً أن يخلق هذه الوذح، فجمعها على فعل كبدنة وبدن، فنقل قوله هذا إلى الفقهاء في عصره، فأكفروه.
ومنها أن الحجاج كان مثفاراً، وكان يمسك الخنفساء حية، ليشفى بحركتها في موضع حكاكه، قالوا: ولا يكون صاحب هذا الداء إلا شانئاً مبغضاً لأهل البيت (عليهم السلام) قالوا: ولسنا نقول كل مبغض فيه هذا الداء، وإنما قلنا كلّ من فيه هذا الداء فهو مبغض.
قال أبو عمرو، وأخبرني العطا عن رجاله قالوا : سُئِل جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عن هذا الصنف من الناس فقال : رحم منكوسة تؤتى ولا تأتي. وما كانت هذه الخصلة في ولي الله تعالى قط، ولا تكون أبداً، وإنما تكون في الكفار، والفساق، والناصب العداء للأئمة الطاهرين (عليهم السلام). وكان أبو جهل عمر بن هشام المخزومي من القوم الآنفي الذكر، وكان أشد الناس عداوة لرسول الله (صلى الله عليه وآله). قالوا : ولذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر يا مصفر استه، وحيث أن العرب كانت تكني، إذا أرادت تعظيم إنسان، بما هو مظنة التعظيم كقولهم : أبو الهول وأبو المقدام وأبو المغوار، فإذا أرادت تحقيره كنته بما يستحقر، ويستهان به، كقولهم كنية يزيد بن معاوية : أبو زنة يعنون القرد» (1).
ولما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يعلم أن الحجاج نجاسته بالمعاصي، والذنوب التي لو شوهدت بالبصر لكانت بمنزلة البعر الملتصق بشعر الشاة، كنّاه أبو وذحة وهذا تفسير ثانٍ جيد، وهو الأقوى فيما يرجح، ويمكن ثالثاً أن يكنيه بذلك لذمامة في نفسه، أو حقارة منظره، وتشويه خلقته، فإنه كان قصيراً دميماً نحيفاً أخفش العينين، معوج الساقين، قصير الساعدين
1) شرح نهج البلاغة الحديدي - ص 257 و258 مجلد 2.
مجدور الوجه، أصلع الرأس، فكنّاه (عليه السلام) بأحقر الأشياء، وهو البعرة، والحديث الشريف في المتن يعتبر من الملاحم والأخبار بالمغيبات فلينظر.
ومن كلام له (عليه السلام) يخبر به عن الملاحم بالبصرة، وصاحب الزنج : يا أحنفُ، كأنّي به وقَدْ سَارَ بالجيش الذي لا يكونُ لهُ غُبار، ولا لجب ولا قعْقَعَةُ لُجُم، ولا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ. يثيرون الأرْضَ بِأقْدامِهِمْ كأنّها أقدام النعام.
قال الشريف الرّضي : أبو الحسن - رحمه الله تعالى - يُومئ بذلك إلى صاحب الزنج.
ثُمَّ قال (عليه السلام): وَيلٌ لِسِكَكِكُمْ العامرة. والدور المُزَخْرفة التي لها أجْنِحَةٌ كأجنحة النسور. وخراطيم كخراطيم الفيلة، مِنْ أولئِكَ الذين لا يُنتدَبُ قتِيلُهُمْ ولا يُفقَدُ غائِبُهُمْ، أنا كابُّ الدّنيا لِوَجْهِها وقادِرُها بقدَرِها وناظرها بعينيها.
البيان:
اللّجب: الصوت، والدور المزخرفة المزينة المموّهة بالزخرف، وهو الذهب وأجنحة الدور التي شبهها بأجنحة النسور ورواشينها، والخراطيم ميازيبها، وقوله : لا يندب قتيلهم : أي لا يندب من يقتل منهم، وذلك لأن كثيراً من الزنج الذين أشار إليهم (عليه السلام) كانوا عبيداً لدهاقين البصرة، ولم يكونوا ذوي زوجات وأولاد، بل كانوا على هيئة الغراب فلا نادبة لهم. وقوله : لا يفقد غائبهم : يريد به كثرتهم، وأنّهم كلما قتل منهم قتيل سدّ مسدّة غيره، فلا يظهر أثر فقده.
وقوله (عليه السلام): أنا كاب الدنيا على وجهها: كلام شريف يليق بمثله أن ينعت به نفسه (عليه السلام)، فهو الذي طلّق الدنيا أكثر من مرّة،
وهو الذي لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، وهو الذي لو كشف له الغطاء لم يزدد يقيناً، كما قال أكثر من مرّة، ومثله ما حكي عن روح الله عیسی ابن مریم (عليه السلام) :قوله أنا الذي كببت الدنيا على وجهها، ليس لي زوجة تموت، ولا بيت يخرب وسادي الحجر، وفراشي المدر وسراجي القمر.
«فأما صاحب الزنج الذي أومأ إليه (عليه السلام)، فقد صح فيه خبر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنه ظهر في فرات البصرة، في سنة خمس وخمسين ومائتين، رجل زعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فبعثه الزنج الذين كانوا يكسحون السياج في البصرة. وأكثر الناس يقدحون في نسبه، وخصوصاً الطالبيين وجمهور النسابين اتفقوا على أنه من عبد القيس، وأنه علي بن محمد بن عبد الرحيم، وأمه أسدية من أسد بن خزاعة، جدُّها محمد بن حكيم الأسدي من أهل الكوفة، أحد الخارجين مع زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) على هشام بن عبد الملك، فلمّا قتل زيد (عليه السلام) هرب فلحق بالري، وجاء إلى القرية التي يقال لها «ورزنين» فأقام بها مدة، وبهذه القرية ولد علي بن محمد صاحب الزنج، وبها منشؤوه، وكان أبو أبيه المسمّى عبد الرحيم رجلا من عبد القيس، كان مولده بالطالقان، فقدم العراق واشترى جارية فأولدها أباه، وكان علي هذا متصلاً بجماعة من حاشية السلطان، وخول بني العباس منهم غانم الشطرنجي، وسعيد الصغير، وبشير خادم المنتصر، وكان منهم معاشه، ومن قوم من كتاب الدولة يمدحهم، ويستمنحهم بشعره، ويعلم الصبيان الخط، والنحو والنجوم» (1).
«وقد ذكر المسعودي في مروج الذهب أن أفعال علي بن محمد صاحب الزنج تدل على أنه لم يكن طالبياً، وتصدق ما رمي به من دعوته في النسب، لأن ظاهر حاله كان ذهابه إلى مذهب الأزارقة في قتل النساء، والأطفال والشيخ الفاني، والمريض، وقد روي أنه خطب مرّة فقال في
1) المصدر السابق - ص 311 مجلد 2.
خطبته : لا إله إلا الله، والله أكبر لا حكم إلا لله، وكان يرى الذنوب كلها شركاً، ومن الناس مَنْ يطعن في دينه ويرميه بالزندقة والإلحاد، وهذا هو الظاهر من أمره، لأنه كان متشاغلاً في بدايته بالتنجيم والسحر والإصطرلابات» (1).
وكان قتله على يد أشدّ خلق الله عداوة وبأساً له، أبي أحمد طلحة بن المتوكل أخي الخليفة المعتمد، وكان منصوراً ومؤيداً، وعارفاً بالحرب وقيادة الجيوش، وهو الذي أخذ بغداد للمعتز، وكسر جيوش المستعين، وخلعه من الخلافة، والظاهر أنه لم يكن لبني العباس مثله في هذا الباب، وكذلك أبوه أبو العباس فعقد له أخوه المعتمد على ديار مصر وقنسرين، والعواصم ثم قتل الموفق أبو أحمد صاحب الزنج بعد حرب طويلة، ومضنية فني فيها خلق كثير من الجانبين يوم السبت لليلتين خلتا من صفر، من نهر أبي الخصيب وكان رأس الناجم بين يديه على قناة في شذاة يخرق به في النهر، والناس من جانبي النهر ينظرون إليه حتى وافى دجلة ببغداد، وقصة حروبه مع الدولة في بغداد فيها أخبار طويلة فلتطلب من مظانها» (2).
ومن كلام له (عليه السلام) في وصف الأتراك، وهو من الملاحم : كأنّي أراهُمْ قَوْماً كأَنَّ وُجُوهَهُمْ المجَانَ المُطْرِقَةُ. يلبسون السّرق والدِّيباج ويعتقبونَ الخيل العتاق. ويكون هناك استحْرارُ قَتلٍ حتى يَمْشي المجروح على المقتول، ويَكُونُ المُفْلِتُ أقل من المأسُور. «فقال له بَعضُ أصحابِهِ : لقدْ أعْطيتَ يا أمير المؤمنين عِلْمَ الغيب. فضحِكَ (عليه السلام)، وقال للرجل وكان كلبياً : يا أخا كَلْبٍ ليسَ هُوَ بِعلمِ غيب، وإنما هو تعلم منْ ذِي عِلم وإنَّما علمُ الغيبِ عِلْمُ السَّاعَةِ وما عَدَّدَهُ الله سبحانه بقوله: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» (1)الآية، فيعلمُ الله سبحانه ما في الأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أو أُنثَى، وقبيحٍ أَوْ جَميلٍ، وسخيّ أو بخيلٍ، وشقيّ أو سعيد، ومَنْ يكون في النّارِ حَطَباً أو في الجنان للنبيين مُرافِقاً، فهذا عِلْمُ الغيب الذي لا يَعْلَمُهُ أحد إلا الله، وما سوى ذلك فبعِلْم عَلَّمَهُ الله نبيه (صلى الله عليه وآله) فعلمنيه، ودعا لي بأنْ يعيه صَدْري، وتضتطمّ عليه جوانحي.
البيان:
المجان: جمع مجن بكسر الميم، وهو الترس، وإنما يسمى مجناً لأنه یستتر به، والجنة الستر. والمطرقة : بسكون الطاء التي قد طرق بعضها إلى بعض، أي ختمت طبقاتها فجعل بعضها يتلو بعضاً. يقال جاءت الإبل مطاريق، أي يتلو بعضها بعضاً، والنعل المطرقة المخصوفة، ويروى المجان المطرّقة بتشديد الراء : أي كالترسة المتخذة من حديد مطرق بالمطرقة. والشرق : شقق
1) سورة لقمان : الآية 34.
الحرير، وقيل لا تسمى سرقاً إلا إذا كانت بيضاً، الواحدة سرقة، ويعتقبون الخيل : أي يخبونها لينفتلوا من غيرها إليها، واستحرار القتل : شدَّته، استحرّ وحرّ بمعنى واحد. قال ابن الزبعرى
حيث ألقت بقباء بركها***واستحرّ القتل في عبد الأشل
والمفلت : الهارب.
والمعنى أن الأمور المستقبلة على قسمين: أحدها ما تفرّد الله بعلمه ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، وهي الأمور الخمسة المعدودة في الآية المذكورة، قال تعالى : «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ» (1)، والقسم الثاني، ما يعلمه الله سبحانه بعض البشر بإعلام الله تعالى إياه، وهو ما عدا هذه الخمسة والإخبار بملحمة الأتراك من جملة ذلك، وتضطم عليه جوانحي : تفتعل من الضم وهو الجمع أي يجتمع عليه جوانح صدري.
وقد روي أن إنساناً قال للإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام): إني رأيت الليلة في منامي أني سألتك : كم بقي من عمري ؟ فرفعت يدك اليمنى، وفتحت أصابعها في وجهي مشيراً، فلم أعلم خمس سنين، أم خمسة أشهر أم خمسة أيام. فقال (عليه السلام) ولا واحدة منهن، بل ذاك إشارة إلى الغيوب الخمسة التي استأثر الله تعالى بها في قوله : «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» (2)الآية.
ولا عجب في ضحك الإمام (عليه السلام) من قول الكلبي، فإنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد استسقى فسقي، وأسرف درور المطر، فقام إليه الناس فسألوه أن يسأل الله تعالى أن يحبسه، فدعا وأشار بيده إلى السحاب، فانجاب حول المدينة كالإكليل، وهو يخطب على المنبر،
فضحك حتى بدت نواجذه وقال : أشهد أني رسول الله.
والسرّ الذي يكمن في هذه المسألة أن النبي أو الوصي إذا حدثت عنده من نعم الله سبحانه، أو عرف الناس وجاهته عند الله فلا بد أن يسرّ بذلك، وقد يحدث الضحك من السرور، وليس ذلك بمعيب إن لم يكن عن تيه وعجب، فإن اعترض معترض، وقال : إنّ من جملة الخمسة «وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا» (1)وقد أعلم الله نبيه بأمور يكسبها في غده نحو قوله : ستفتح مكة، وأعلم نبيّه وصيّه (عليه السلام) بما يكسبه في غده، نحو قوله (صلى الله عليه واله) لعلي (عليه السلام): ستقاتل بعدي الناكثين والمارقين، والقاسطين، فيكون الجواب : أن المراد بالآية الكريمة أنه لا تدري نفس بجميع ما تكسبه في مستقبل زمانها، وذلك لا ينفي جواز أن يعلم الإنسان ببعض ما يكسبه في غده. والغيب الذي تحدَّث عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الخبر، هو خبر الأتراك، أو بتعبير آخر التتار الذين خرجوا من أقاصي المشرق، حتى وردت خيلهم العراق والشام وفعلوا بملوك الخطا، وقفجاف، ويبلاد ما وراء النهر وبخراسان وما والاها من بلاد العجم ما لم تحتو التواريخ، منذ خلق الله آدم إلى عصرنا هذا، على مثله.
فإن بابك الخرمي لم تكن نكايته، وإن طالت مدته نحو عشرين سنة إلا في إقليم واحد وهو آذربيجان، وهؤلاء دوخوا المشرق كله، وتعدّت نكايتهم إلى بلاد أرمينية وإلى الشام، ووردت خيلهم إلى العراق، وبختنصر الذي قتل اليهود إنما خرب بيت المقدس، وقتل من كان بالشام من بني إسرائيل، وأي نسبة بين من كان ببيت المقدس من بني إسرائيل إلى البلاد والأمصار التي أخربها هؤلاء، وإلى الناس الذين قتلوهم؟
وقوله (عليه السلام) ويكون هناك استحرار قتل : يلوح منه أنه لا بأس على بغداد، والعراق منهم، فإن الكاف إذا وقعت عقيب الإشارة أفادت البعد وتقول للقريب هنا وللبعيد هناك، ولو كان لهم استحرار قتل في العراق لما قال
1) سورة لقمان : الآية 34.
هناك، بل كان يقول هنا. وقد خطب (عليه السلام) بهذه الخطبة في البصرة، ومعلوم أن البصرة، وبغداد شيء واحد، وبلد واحد باعتبارهما جميعاً من إقليم العراق، وملك الجميع واحد، وفي البين سرّ جميل، ومعنى لطيف، والله أعلم بحقائق الأمور.
ومن كتاب له (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله على البصرة : بلى، كانت في أيدينا فَدَك مِنْ كُلِّ ما أظلَّتْه السَّماءُ، فشحّتْ عليها نُفُوسُ قوم، وَسَخَتْ عَنْها نَفُوسُ قوم آخرين، ونِعْمَ الحَكَمُ الله. وما أصْنَعُ بِفَدكٍ وغير فَدَك. والنَّفْسُ مظانّها في غدٍ جَدَثٌ تنقطعُ في ظلمتِهِ آثارها، وتغيب أخبارُها، وحُفْرة لو زيدَ في فُسْحَتها وأوسعتْ يدا حافرها، لأضغطها الحجَرُ والمدَرُ، وسدَّ فُرَجَها التّرابُ المتراكِمُ. وإنَّما هِيَ نفسي أروضها بالتقوى، لتأتي آمِنَة يومَ الخَوفِ الأَكْبَرِ، وتثبت على جوانب المزلق
البيان:
الجدث: هو القبر. وأضعطها الحجر جعلها ضاعطة أي زاحمة، وقوله (عليه السلام) مظانها في غد جدث : جمع مظنة، وهو موضع الشيء ومألفه الذي يكون فيه. قال الشاعر :
فإن يك عامر قد قال جهلاً***فإن مظنّة الجهل الشباب
ومراده (عليه السلام) أنه لا مال له، ولا اقتنى فيما مضى مالاً، وإنما كانت فدك في يده، وهذا عبارة عن الحق في الملكية لأنّ وضع اليد على الشيء هي حيازته وضمه.
وقوله (عليه السلام) فشحّت عليها نفوس قوم : بمعنى بخلت، وسخت عنها نفوس قوم آخرين: بمعنى سامحت، وأغضت، وليس السخاء هنا بالمعنى الحقيقي، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهله، لم يسمحوا بفدك إلا غصباً وقسراً، ثمّ قال (عليه السلام) ونعم الحكم الله، والحكم هو الحاكم، والكلام
هنا صريح بالشكوى والتظلم من الخلفاء الذين أخذوا فدكاً من الزهراء (عليها السلام).
ثم حذر (عليه السلام) الإنسان من المال، وأنه لا ينبغي أن يكترث بالقينات، والدور وغيرها، فإنه عن قريب يصير إلى دار البلاء ومنازل الموتى، ثمّ وصف القبر بأن حفرته ضيقة، وأنه لو وسعها الحافر لألجأها الحجر المتداعي، والمدر المتهافت إلى أن تضغط الميت، وهذا على المذهب القائل : إن الميت يحس في قبره، فإذا قيل ذلك، فالجاعل له إحساساً بعد عدم الحس، هو الذي يوسع الحفرة، وإن كان الحافر قد جعلها ضيقة.
ثم قال (عليه السلام): وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى. وهذا مذهبه (عليه السلام) في التقلل من متاع الدنيا، والإقتصار من المطعم والملبس على الجشب والخشن رياضة بالتقوى لا غير، لا بنفس التقلل والتقشف، وكل ذلك لتأتي نفسي آمنة يوم الفزع الأكبر، وتثبت في مداحض المزلق.
والكلام في مسألة فدك يقع في فصول ثلاثة : الأول، فيما ورد من الحديث والسير بشأن فدك، والثاني في هل أن النبي (صلى الله عليه وآله) يورث أم لا؟ والثالث في أن فدك هل صح كونها نحلة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة (عليها السلام) أم لا؟
أما الفصل الأول، فيما ورد في الحديث والسير من أمر فدك، «فعن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، في كتاب «السقيفة» بسنده عن الزهري قال : بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا فسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يحقن دماءهم ويسيرهم، ففعل، فسمع ذلك أهل فدك فنزلوا عن مثل ذلك، وكانت للنبي (صلى الله عليه وآله) خاصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. قال أبو بكر : وروى محمد بن إسحاق أيضاً، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا فرغ من خيبر، قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك، فبعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصالحوه على النصف من فدك، فقدمت عليه رُسُلُهم بخيبر أو بالطريق، أو بعدما أقام بالمدينة، فقبل ذلك
منهم، وكانت فدك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) خالصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.
قال أبو بكر الجوهري، بسنده عن عبد الله بن حسن بن الحسن، قالوا جميعاً: لما بلغ فاطمة (عليها السلام) إجماع أبي بكر على منعها فدك، لاثت خمارها وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها، تطأ في ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى دخلت على أبي بكر، وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار، فضرب بينهم وبينها ريطة بيضاء، وقال بعضهم قبطية، ثمّ أنَّت أنَّةً أجهش لها القوم بالبكاء، ثمّ أمهلت طويلاً حتى سكتوا من فورهم، ثم قالت: أبتدىء بحمد من هو أولى بالحمد والطول، والمجد الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر بما ألهم، وذكر خطبة طويلة جيدة، قالت في آخرها : فاتقوا الله حق تقاته، وأطيعوه فيما أمركم به فإنما يخشى الله من عباده العلماء، واحمدوا الله الذي لعظمته، ونوره يبتغي من في السموات والأرض إليه الوسيلة، ونحن وسيلته في خلقه، ونحن خاصته، ومحل قدسه، ونحن حجته في غيبه ونحن ورثة أنبيائه. ثمّ قالت: أنا فاطمة إبنة محمد أقول عوداً على بدء. وما أقول ذلك سرفاً، ولا شططاً، فاسمعوا بأسماع واعية، وقلوب راعية. ثمّ قالت: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحیم، فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، ثم ذكرت كلاماً طويلاً قالت في آخره: ثمّ أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي، أفحكم الجاهلية تبغون؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون! إيها معاشر المسلمين أأبتز إرث أبي، أبى الله أن ترث يا ابن أبي قحافة أباك، ولا أرث أبي، لقد جئت شيئاً فرياً، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولكل نبإ مستقر، وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه، ويحلّ عليه عذاب مقيم. ثم التفتت إلى قبر أبيها فتمثلت بقول هند بنت أثاثة :
قد كان بعدك أنباء وهينمة***لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم***لمّا قضيت وحالت دونك الكتب
تجهمتنا رجال واستخف بنا***إذ غبت عنا فنحن اليوم نُغتصب
قال: ولم يرَ الناس أكثر باك، ولا باكية منهم يومئذ قال : حدثنا هشام بن محمد، عن عوانة بن الحكم قال : لمّا كلّمت فاطمة (عليها السلام) أبا بكر بما كلمته حمد أبو بكر الله، وأثنى عليه، وصلى على رسوله ثم قال : يا خيرة النساء، وابنة خير الآباء : والله ما عدوت رأي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما عملت إلا برأيه، وإنَّ الرائد لا يكذب أهله، وقد قلت فأبلغت، وأغلظت فأهجرت، فغفر الله لنا ولك : أما بعد فقد دفعت آلة رسول الله، ودابته إلى علي، وأما سوى ذلك فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : إِنَّا معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة، ولا أرضاً ولا عقاراً، ولا داراً، ولكنا نورث الإيمان والحكمة والعلم والسنة، فقد عملت بما أمرني، ونصحت له، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
قال أبو بكر: وحدثني محمد بن زكريا قال: حدثني ابن عائشة قال : حدثني أبي، عن عمه قال : لما كلمت فاطمة أبا بكر بكي، ثم قال: يا ابنة رسول الله والله ما ورّث أبوك ديناراً ولا درهماً، وإنه قال : الأنبياء لا يورثون. فقالت : إنّ فدك وهبها لي رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال : فمن يشهد بذلك؟ فجاء علي بن أبي طالب (عليه السلام) فشهد، وجاءت أم أيمن فشهدت أيضاً، فجاء عمر بن الخطاب وعبد الرَّحمن بن عوف فشهدا، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقسمها. قال أبو بكر: صدقت يا ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصدق علي، وصدقت أم أيمن، وصدق عمر، وصدق عبد الرَّحمن بن عوف، أن مالك لأبيك، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأخذ من فدك قوتكم، ويقسم الباقي، ويحمل منه في سبيل الله فما تصنعين بها؟ قالت : أصنع كما كان يصنع بها أبي. قال : فلك عليّ الله أن أصنع فيها كما كان يصنع فيها أبوك فقالت: الله لتفعلن. قال : الله
لأفعلن قالت: اللهم اشهد وكان أبو بكر يأخذ غلتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم، ويقسم الباقي، وكان عمر كذلك ثمّ كان عثمان كذلك، ثمّ كان علي كذلك، فلما ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان بن الحكم ثلثها، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها، وذلك بعد موت الحسن بن علي (عليه السلام)، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان بن الحكم أيام خلافته فوهبها لعبد العزيز ابنه فوهبها عبد العزيز لابنه عمر فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، كانت أول ظلامة ردّها، دعا حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). وقيل: بل دعا علي بن الحسين (عليه السلام) فردها عليه، وكانت بيد أولاد فاطمة (عليها السلام) مدَّة ولاية عمر بن عبد العزيز. فلما ولي یزید بن عاتكة قبضها منهم فصارت في أيدي بني مروان، كما كانت يتداولونها حتى انتقلت الخلافة عنهم، فلما ولي أبو العباس السفاح ردّها على عبد الله بن الحسن بن الحسن، ثم قبضها أبو جعفر لما حدث من بني حسن ما حدث، ثمّ ردّها المهدي ابنه على ولد فاطمة (عليها السلام)، ثم قبضها موسى بن المهدي وهارون أخوه، فلم تزل في أيديهم حتى ولي المأمون فردها على الفاطميين.
وأكثر الناس يظنون أن نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين : في الميراث، والنحلة ؛ وقد وجدنا في الحديث أنها (عليها السلام) نازعت في أمر ثالث ومنعها أبو بكر إيّاه، وهو سهم ذوي القربى.
قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري بسنده عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك أن فاطمة (عليها السلام) أتت أبا بكر فقالت : لقد علمت الذي ظلمتنا عنه أهل البيت من الصدقات وما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربى ثم قرأت عليه قوله تعالى «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى» (1). فقال لها أبو بكر بأبي أنتِ وأمي ووالد ولدك السمع والطاعة لكتاب الله والحق لرسول الله (صلى الله عليه
1) سورة الأنفال : الآية 41.
وآله، وحق قرابته وأنا أقرأ من كتاب الله ما تقرأين منه، ولم يبلغ علمي منه أن هذا السهم من الخمس يسلم إليكم كاملاً. قالت : أفلك هو ولأقربائك؟ قال : لا بل أنفق عليكم منه، وأصرف الباقي في مصالح المسلمين. قالت : ليس هذا حكم الله تعالى. قال : هذا حكم الله فإن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عهد إليك في هذا عهداً، أو أوجبه لكم حقاً، صدقتك وسلمته كله لك وإلى أهلك. قالت : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يعهد إلي في ذلك بشيء، إلا أني سمعته يقول لمّا أنزلت هذه الآية: «أبشروا آل محمد، فقد جاءكم الغنى»، قال أبو بكر: لم يبلغ علمي من هذه الآية أن أسلم إليكم هذا السهم كله كاملاً، ولكن لكم الغنى الذي يغنيكم ويفضل عنكم، وهذا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فاسأليهما عن ذلك، وانظري هل يوافقك على ما طلبت أحد منهما ؟ فانصرفت فقالت لهما مثل ما قالت لأبي بكر. فقالا لها مثل ما قاله أبو بكر، فعجبت فاطمة (عليها السلام) من ذلك، وتظنت أنهما كانا تذاكرا ذلك واجتمعا عليه.
قال أبو بكر، وروى هشام بن محمد، عن أبيه قال : قالت فاطمة لأبي بكر : إن أم أيمن تشهد لي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطاني فدك فقال لها : يا ابنة رسول الله، والله ما خلق الله خلقاً أحبّ إليَّ من رسول الله أبيك (صلى الله عليه وآله) ولوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك، والله لأن تفتقر عائشة أحبّ إليَّ من أن تفتقري، أتراني أعطي الأحمر، والأبيض حقه، وأظلمك حقك وأنت بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ! إنَّ هذا المال لم يكن للنبي (صلى الله عليه وآله) وإنما كان مالاً من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال، وينفقه في سبيل الله، فلمّا توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وليته كما كان يليه. قالت : والله لا كلّمتك أبداً. قال : والله لا هجرتك أبداً. قالت : والله لأدعون الله عليك. قال : والله لادعون الله لك. فلما حضرتها الوفاة أوصت أن لا يُصلي عليها، فدفنت ليلاً وصلى عليها عباس بن عبد المطلب، وكان بين وفاتها ووفاة أبيها اثنتان وسبعون ليلة.
قال أبو بكر وحدثني المؤمل بن جعفر قال : حدثني محمد بن ميمون،
عن داود بن المبارك قال : أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن الحسن، ونحن راجعون من الحج في جماعة فسألناه، وكنت أحد من سأله، فسألته عن أبي بكر وعمر فقال : سُئِلَ جدّي عبد الله بن الحسن بن الحسن عن هذه المسألة فقال : كانت أمي صدّيقة بنت نبي مرسل، فماتت وهي غضبى على إنسان فنحن غضاب لغضبها، وإذا رضيت رضينا.
قال أبو بكر، وحدَّثني أبو جعفر محمد بن القاسم قال : حدثني علي بن الصباح قال : أنشدنا أبو الحسن، راوية المفضل للكميت :
أهوى علياً أمير المؤمنين ولا***أرضى بشتم أبي بكر ولا عمرا
ولا أقول وإن لم يعطيا فدكا***بنت النبي ولا ميراثها كفرا
الله يعلم ماذا يحضران به***يوم القيامة من عذر إذا اعتذرا
قال ابن الصباح: فقال لي أبو الحسن: أتقول إنه قد أكفرهما في هذا الشعر ؟ قلت نعم قال : كذاك هو» (1).
الفصل الثاني : في النظر في أن النبي (صلّى الله عليه وآله) هل يورث أم لا؟
«قال الشريف المرتضى - رحمه الله - في «الشافي» رداً على قاضي القضاة والذي يدل على ما ذكرناه قوله تعالی مخبراً عن زكريا (عليه السلام): «وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» (2)فخبّر أنه خاف من بني عمّه، لأنّ الموالي ههنا هم بنو العم بلا شبهة، وإنما خافهم أن يرثوا ماله فينفقوه في الفساد، لأنّه كان يعرف ذلك من خلائقهم وطرائقهم، فسأل ربه ولداً يكون أحق بميراثه منهم والذي يدل على أن المراد بالميراث المذكور ميراث المال، دون العلم والنبوة على ما يقولون أن لفظة الميراث، في اللغة
والشريعة، لا يفيد إطلاقها إلا ما يجوز أن ينتقل على الحقيقة من المورث إلى الوارث، كالأموال وما في معناها لا يستعمل في غير المال إلا تجوزاً وإتساعاً، ولهذا لا يفهم من قول القائل : ولا وارث لفلان إلا فلان وفلان يرث مع فلان بالظاهر والإطلاق، إلا ميراث الأموال والأعراض دون العلوم وغيرها، وليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام، وحقيقته إلى مجازه بغير دلالة وأيضاً فإنه تعالى خبَّر عن نبيه أنه اشترط في وارثه أن يكون رضياً، ومتى لم يحمل في الآية على المال دون العلم والنبوة، لم يكن للإشتراط معنى، وكان لغواً وعبثاً، لأنه إذا كان إنما سأل من يقوم مقامه ويرث مكانه، فقد دخل الرّضا وما هو أعظم من الرضا في جملة كلامه وسؤاله فلا مقتضى لاشتراطه ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول : اللهم ابعث إلينا نبيّاً، واجعله عاقلاً؟ فإذا أثبتت هذه الجملة أن زكريا موروث ماله صح أيضاً لصحتها، أن نبينا (صلى الله عليه وآله) ممن يورث المال لأنّ الإجماع واقع على أنّ حال نبينا (صلّى الله عليه وآله) لا يخالف حال الأنبياء السابقين في ميراث المال، فمن مثبت للأمرين، وناف للأمرين.
وقال المرتضى - رضي الله عنه -: ومما يدل على أن الأنبياء يورثون قوله تعالی: «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ» (1)والظاهر من إطلاق لفظة الميراث، يقتضي الأموال وما في معناها على ما دللنا به من قبل، ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى : «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» (2)وقد اجتمعت الأمة على عموم هذه اللفظة إلا من أخرجه الدليل، فيجب أن يتمسك بعمومها لمكان هذه الدلالة، ولا يخرج عن حكمها إلا من أخرجه دليل قاطع.
وأمّا تعلق صاحب الكتاب بالخبر الذي رواه أبو بكر. وادّعاؤه أنه استشهد عمر وعثمان وفلاناً وفلاناً، فأول ما فيه أن الذي ادعاه من الإستشهاد غير معروف، والذي روي أن عمر استشهد هؤلاء النفر، لمّا تنازع أمير المؤمنين
(عليه السلام) والعبّاس - رضي الله عنه - في الميراث، فشهدوا بالخبر المتضمن لنفي الميراث وإنما يقول مخالفنا في صحة الخبر الذي رواه أبو بكر عند مطالبة فاطمة (عليها السلام) بالإرث على إمساك الأمة عن النكير عليه، والردّ لقضيته.
قال المرتضى - رحمه الله - وهذا يسقط قول صاحب الكتاب أن شاهدين لو شهدا، أن في التركة حقاً لكان يجب أن ينصرف عن الإرث، وذلك لأنّ الشهادة وإن كانت مظنونة، فالعمل بها يستند إلى علم، لأن الشريعة قد قررت العمل بالشهادة، ولم تقرر العمل بخبر الواحد، وليس له أن يقيس خبر الواحد على الشهادة، من حيث اجتمعا في غلبة الظن، لأنا لا نعمل على الشهادة من حيث غلبة الظن، دون ما ذكرناه من تقرير الشريعة العمل بها. ألا ترى أنا قد نظن بصدق الفاسق، والمرأة، والصبي، وكثير ممن لا يجوز العمل بقوله؟ فبان المعوّل في هذا على المصلحة التي يستفيدها على طريق الجملة من دليل الشرع.
قال : وأبو بكر في حكم المدَّعي لنفسه، والجار إليها بخلاف ما ظنّه صاحب الكتاب، وكذلك من شهد له إن كانت هناك شهادة، وذلك أن أبا بكر، وسائر المسلمين سوى أهل بيت الرَّسول (صلى الله عليه وآله) يحلّ لهم الصدقة ويجوز أن يصيبوا منها، وليس له أن يقول : فهذا يقتضي أن لا يقبل شهادة شاهدين في تركة فيها صدقة لمثل ما ذكرتم، وذلك لأنَّ الشاهدين إذا شهدا بالصدقة فحظهما منها كحظ صاحب الميراث، بل سائر المسلمين، وليس كذلك حال تركة الرَّسول، لأنّ كونها صدقة يحرمها على ورثته ويبيحها لسائر المسلمين.
وقال المرتضى - رضي الله عنه -: وأما قوله : يخص القرآن بالخبر كما خصصناه في العبد، والقاتل فليس بشيء، لأنّنا إنما خصصنا من ذكر بدليل مقطوع عليه معلوم، وليس هذا موجودا في الخبر الذي ادعاه، فأما قوله : وليس ذلك ينقص الأنبياء، بل هو إجلال لهم، فمن الذي قال له أن فيه نقصاً؟ وكما
أنه لا نقص فيه فلا إجلال ولا فضيلة فيه، لأنَّ الدواعي وإن كانت قد تقوى على جمع المال، ليخلف على الورثة فقد يقويها أيضاً إرادة صرفه في وجوه الخير والبرّ، وكلا الأمرين يكون داعياً إلى تحصيل المال، بل الداعي الذي ذكرنا أقوى فيما يتعلق بالدين، وأمّا قوله : إن فاطمة لما سمعت ذلك كفّت عن الطلب، فأصابت أولاً، وأصابت ثانياً، فلعمري إنها كفت عن المنازعة والمشاحنة، لكنها انصرفت مغضبة متظلمة متألمة، والأمر في غضبها وسخطها أظهر من أن يخفى على منصف.
وقال المرتضى فأما قوله : إن قوله (عليه السلام): «ما تركناه صدقة» جملة من الكلام مستقلة، فصحيح إذا كانت مرفوعة على الإبتداء، ولم تكن منصوبة بوقوع الفعل عليها، وكانت لفظة صدقة أيضاً مرفوعة غير منصوبة، وفي هذا وقع النزاع، فكيف يدعي أنها جملة مستقلة بنفسها، وأقوى ما يمكن أن نذكره هو أن نقول : الرواية جاءت بلفظ صدقة بالرفع. وعلى ما تأولتموه، لا تكون إلا منصوبة، والجواب عن ذلك أنا لا نسلّم أنّ الرواية بالرفع ولم تجر عادة الرواة بضبط ما جرى هذا المجرى من الإعراب، والإشتباه يقع في مثله ممن حقق منهم وصرّح بالرواية بالرفع، يجوز أن يكون اشتبه عليه فظنها مرفوعة وهي منصوبة.
وقال المرتضى - رحمه الله - وقوله : يجوز أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) نحلها إياه، أو تركه أبو بكر في يده لما في ذلك من تقوية الدين، وتصدق ببدله وكل ما ذكره جائز، إلا أنه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة والشهادة بها والحجة عليها، ولم يظهر من ذلك شيء فنعرفه ومن العجائب أن تدعي فاطمة فدك نحلة، وتستشهد على قولها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وغيره فلا يصغي إلى قولها ويترك السيف والبغلة والعمامة في يد أمير المؤمنين، على سبيل النحلة بغير بينة ظهرت، ولا شهادة قامت» (1).
الفصل الثالث : في أنّ فدك هل صح كونها نحلة رسول الله (صلى الله
1) شرح النهج الحديدي ص 93 المجلد 4.
عليه وآله) لفاطمة (عليها السلام) أم لا؟
«قال المرتضى - رضي الله عنه - : نحن نبتدىء فندل على أن فاطمة (عليها السلام) ما ادَّعت من نحل فدك إلا ما كانت مصيبة فيه، وإن مانعها ومطالبها بالبينة متعنت عادل عن الصواب، لأنها لا تحتاج إلى شهادة وبيّنة. أمّا الذي يدل على ما ذكرناه، فهو أنها كانت معصومة عن الغلط مأموناً منها فعل القبيح، ومن هذه صفتها لا تحتاج فيما تدعيه إلى شهادة وبينة، فإن قيل دللوا على الأمرين، قلنا : بيان الأول قوله تعالى : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» (1)والآية تتناول جماعة منهم فاطمة (عليها السلام) بما تواترت الأخبار في ذلك، والإرادة ههنا دلالة على وقوع الفعل المراد، وأيضاً فيدل على ذلك قوله (عليه السلام): «فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله عزّ وجل» وهذا يدل على عصمتها لأنها لو كانت ممن يقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذياً له على كل حال، بل كان متى فعل المستحق من ذمّها أو إقامة الحدّ عليها، إن كان الفعل يقتضيه، ساراً له ومطيعاً. على أنا لا نحتاج أن نبين في هذا الموضع الدلالة على عصمتها، بل يكفي في هذا الموضع العلم بصدقها فيما ادعته، فهذا لا خلاف فيه بين المسلمين لأنَّ أحداً لا يشك أنها لم تدع ما ادعته كاذبة، وليس بعد أن لا تكون كاذبة إلا أن تكون صادقة. وإنما اختلفوا في أنه هل يجب، مع العلم بصدقها، تسليم ما ادعته بغير بينة أم لا يجب ذلك؟
والذي يدل على الفصل الثاني أن البينة إنما تراد ليغلب في الظن صدق المدعي. ألا ترى أن العدالة معتبرة في الشهادات لمّا كانت مؤثرة في غلبة الظن، وإذا قدم الإقرار على الشهادة، لقوّة الظن عنده، فأولى أن يقدم العلم على الجميع، وإذا لم يحتج مع الإقرار إلى شهادة، لسقوط حكم الضعيف مع القوي، لا يحتاج أيضاً مع العلم إلى ما يؤثر الظن من البينات والشهادات. والذي يدل على صحة ما ذكرناه أيضاً أنه لا خلاف بين أهل النقل، في أن
1) سورة الأحزاب : الآية 33.
أعرابياً نازع النبي (صلى الله عليه وآله) في ناقة، فقال (عليه السلام) : «هذه لي» وقد خرجت إليك من ثمنها. فقال الأعرابي : من يشهد لك بذلك؟ فقال خزيمة بن ثابت : أنا أشهد بذلك، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): من أين علمت، وما حضرت ذلك قال : لا ولكن علمت ذلك من حيث علمت أنك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : قد أجزت شهادتك وجعلتها شهادتين فسمي ذا الشهادتين.
وهذه القصة شبيهة لقصة فاطمة (عليها السلام)، لأنّ خزيمة اكتفى في العلم بأنّ الناقة له (صلّى الله عليه وآله) وشهد بذلك من حيث علم أنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولا يقول إلا حقاً، وأمضى النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك له، من حيث لم يحضر الإبتياع وتسليم الثمن، فقد كان يجب على من علم أن فاطمة (عليها السلام) لا تقول إلا حقاً، أن لا يستظهر عليها بطلب شهادة أو بينة.
هذا وقد روي أن أبا بكر، لمّا شهد أمير المؤمنين (عليه السلام)، كتب يسلم فدك إليها فاعترض عمر قضيته، وخرق ما كتبه.
وروى إبراهيم بن السعيد الثقفي، عن إبراهيم بن ميمون قال : حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، عن أبيه عن جده، عن علي (عليه السلام) قال : جاءت فاطمة (عليه السلام) إلى أبي بكر، وقالت إن أبي أعطاني فدك وعلي وأم أيمن يشهدان فقال : ما كنت لتقولي على أبيك إلا الحق قد أعطيتكها، ودعا بصحيفة من أدم فكتب لها فيها، فخرجت فلقيت عمر فقال : من أين جئت يا فاطمة؟ قالت : جئت من عند أبي بكر، أخبرته أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعطاني فدك، وأن علياً، وأم أيمن يشهدان لي بذلك فأعطانيها، وكتب لي بها، فأخذ عمر منها الكتاب، ثم رجع إلى أبي بكر فقال : أعطيت فاطمة فدك وكتبت لها بها؟ قال: نعم. فقال : إن علياً يجرّ إلى نفسه، وأم أيمن امرأة، وبصق في الكتاب فمحاه وخرَّقه.
قال المرتضى - رحمه الله - : فأمّا إنكار صاحب الكتاب لكون فدك في يدها، فما رأيناه اعتمد في إنكار ذلك على حجة، بل قال : لو كان ذلك في يدها لكان الظاهر أنّها لها، والأمر على ما قال. فمن أين أنه لم يخرج عن يدها على وجه يقتضي الظاهر خلافه.
وقد روي من طرق مختلفة، غير طريق أبي سعيد الذي ذكره صاحب الكتاب، أنّه لمّا نزل قوله تعالى : «وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ» (1)دعا النبي (صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) فأعطاها فدك، فإذا كان مروياً فلا معنى لرفعه بغير حجة، وقوله لا خلاف أنَّ العمل على الدعوى لا يجوز صحيح، وقد بينا أن قولها كان معلوماً صحته وإنّما قوله : إنما يعمل على ذلك متى علم صحته بشهادة، أو ما يجري مجراها، أو حصلت بينة أو إقرار، فيقال له أمّا علم بمشاهدة فلم يكن هناك، وإما بينة فقد كانت على الحقيقة، لإنَّ شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) من أكبر البينات وأعدلها، ولكن على مذهبك أنه لم يكن هناك بيّنة، فمن أين زعمت أنه لم يكن هناك علم؟ وإن لم يكن عن مشاهدة، فقد أدخلت ذلك في جملة الأقسام، فإن قال: لأنَّ قولها بمجرده لا يكون جهة للعلم، قيل له : لم قلت ذلك؟ أوليس قد دللنا على أنَّها معصومة، وأنَّ الخطأ مأمون عليها ؛ ثم، لو لم يكن كذلك لكان قولها في تلك القضية معلوم صحته، على كل حال، لأنها لو لم تكن مصيبة لكانت مبطلة عاصية فيما ادعته، إذ الشبهة لا تدخل في مثله، وقد أجمعت الأمة على أنها لم يظهر منها بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معصية، بلا شك وإرتياب، بل أجمعوا على أنها لم تدع إلا الصحيح، وإن اختلفوا، فمن قائل يقول : مانعها مخطىء، وآخر يقول : هو أيضاً مصيب لفقد البينة، وإن علم صدقها.
وقال المرتضى : فأما إنكار أبي علي - من علماء المعتزلة - لأن يكون النحل قبل ادعاء الميراث وعكسه الأمر فيه، فأول ما فيه أنا لا نعرف له غرضاً
1) سورة الإسراء : الآية 26.
صحيحاً في إنكار ذلك، لأن كون أحد الأمرين قبل الآخر لا يصحح له مذهباً، فلا يفسر على مخالفه مذهباً، ثم إنّ الأمر في أن الكلام في النحل كان المقدم ظاهراً، والروايات كلها به ورادة، وكيف يجوز أن تبتدئ بطلب الميراث فيما تدعيه بعينه نحلاً؟ أو ليس هذا يوجب أن يكون قد طالبت بحقها من وجه لا تستحقه منه مع الإختيار ؟ وكيف يجوز ذلك، والميراث يشركها فيه غيرها، والنحل تنفرد به؟ ولا يتغلب مثلنا علينا من حيث طالبت بالميراث بعد النحل لأنّها في الإبتداء طالبت بالنحل، وهو الوجه الذي تستحق فدك منه، فلمّا دفعت عنه طالبت ضرورة بالميراث، لأن للمدفوع عن حقه أن يتوصل إلى تناوله بكل وجه وسبب، وهذا بخلاف قول أبي علي لأنه أضاف إليها إدعاء الحق من وجه لا تستحقه منه وهي مختارة.
قال : وأما ما ذكره من ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك لما أفضى الأمر إليه واستدلاله بذلك على أنه لم يكن الشاهد فيها، فالوجه في تركه (عليه السلام) ردّ فدك هو الوجه في إقراره أحكام القوم، وكفه عن نقضها، وتغييرها، وقد بينا ذلك فيما سبق وذكرنا أنه كان في انتهاء الأمر إليه، في بقية من التقية، قوية، فأما استدلاله على أن حجر أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) كانت لهنّ بقوله تعالى: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» (1)فمن عجيب الإستدلال، لأن هذه الإضافة لا تقتضي الملك، بل العادة جارية فيها أن تستعمل من جهة السكنى ولهذا يقال هذا بيت فلان، وسكنه، ولا يراد بذلك الملك، وقد قال تعالى : «لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» (2)ولا شبهة في أنه تعالى أراد منازل الرجال التي يسكنون فيها زوجاتهم، ولم يرد بهذه الإضافة الملك. فأما ما رواه من أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قسم حجره على نسائه وبناته فمن أين له إذا كان الخبر صحيحاً، أن هذه القسمة على وجه التمليك دون الإسكان والإنزال ؟ ولو كان قد ملكهن ذلك، لوجب أن
يكون ظاهراً، فأما الوجه في ترك أمير المؤمنين (عليه السلام)، لما صار الأمر إليه، في يده منازعة الأزواج في هذه الحجر، فهو ما تقدّم وأما قوله أنّ أبا بكر هو الذي صلّى على فاطمة، وكبر أربعاً، وأن كثيراً من الفقهاء يستدلون به في التكبير على الميت، وهو شيء ما سمع إلا منه، وإن كان تلقاه من غيره ممن يجري مجراه في العصبية، وإلا فالروايات المشهورة وكتب الآثار، والسير خالية من ذلك، ولم يختلف أهل النقل في أن علياً (عليه السلام) هو الذي صلّى على فاطمة إلا رواية شاذة وردت بأنّ العباس رحمه الله صلّى عليها.
وروى القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، بإسناده في تاريخه عن الزهري، قال : حدثني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته أن فاطمة عاشت بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ستة أشهر، فلما توفيت دفنها علي ليلاً وصلّى عليها، وذكر في كتابه هذا أن علياً، والحسن والحسين (عليهم السلام) دفنوها ليلا، وغيبوا قبرها، وروي أنه عفا قبرها، وعلّم عليه ورش أربعين قبراً في البقيع ولم یرش قبرها حتى لا يهتدى إليه، وأنّهما - أبو بكر وعمر - عاتباه على ترك إعلامهما بشأنها وإحضارهما الصلاة عليها. فمن ههنا احتججنا بالدفن ليلاً، ولو كان ليس غير الدفن بالليل من غير ما تقدم عليه وما تأخر عنه، لم يكن فيه حجّة، وأما حكايته عن أبي علي إنكار ضرب الرَّجل لها، وقوله : إن جعفر بن محمد وأباه وجده كانوا يتولونهما، فكيف لا ينكر أبوعلي ذلك، واعتقاده فيهما إعتقاده؟ وقد كنا نظن أن مخالفينا يكتفون أن ينسبوا إلى أئمتنا الكفّ عن القوم والإمساك، وما ظننا أنهم يحملون أنفسهم على أن ينسبوا إليهم الثناء والولاء، وقد علم كل أحد أن أصحاب هؤلاء السادة المختصين بهم قد رووا ضد ما روى شعبة بن الحجاج وفلان وفلان، نحو قولهم : هما أول من ظلمنا حقنا وحمل الناس على رقابنا. وقولهم أنهما أصعبا بآبائنا، وجلسا مجلساً نحن أحق به منهما، إلى غير ذلك من فنون التظلم والشكاية، وهو طويل متسع، ومن أراد استقصاء ذلك فلينظر في كتاب «المعرفة» لأبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفي، فإنه ذكر عن رجل من أهل البيت بالأسانيد المعتبرة، ما لا زيادة عليه. ثمّ لو صح ما ذكره شعبة لجاز أن يحمل على التقية.
فأما قوله : إن حديث الإحراق لم يصح، ولو صح لساغ لعمر مثل ذلك، فكيف يسوغ إحراق بيت علي وفاطمة (عليهما السلام)؟ وهل في ذلك عذر يصغى إليه أو يسمع ؟ وإنما يكون علي وأصحابه خارقين للإجماع ومخالفين للمسلمين، لو كان الإجماع قد تقرّر وثبت وليس بمتقرر ولا ثابت مع خلاف علي وحده، فضلاً عن أن يوافقه على ذلك غيره، وبعد فلا فرق بين أن يهدّد بالإحراق لهذه العلّة، وبين أن يضرب فاطمة (عليها السلام) لمثلها، فإن إحراق المنازل أعظم من ضرب سوط أو سوطين، فلا وجه لامتعاض المخالف من حدیث الضرب، إذا كان عنده مثل هذا الإعتذار» (1).
ومن الجدير بالذكر لموقعه وأهميته في هذا الباب، ما ذكره إبن أبي الحديد المعتزلي حول فدك في ختام الحديث عنه قوله - رحمه الله - : وسألت علي ابن الفارقي مدرّس المدرسة الغربية ببغداد فقلت له : أكانت فاطمة صادقة ؟ قال : نعم. قلت : فلِمَ لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة ؟ فتبسم ثمّ قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته، وقلة دعابته. قال : لو أعطاها اليوم فدك، بمجرد دعواها لجاءت إليه غداً وادَّعت لزوجها الخلافة. وزحزحته عن مقامه، ولم يمكنه الإعتذار والموافقة بشيء، لأنه يكون قد أسجل على نفسه بأنّها صادقة فيما تدّعي كائناً ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود، وهذا كلام صحيح كان أخرجه مخرج الدعابة والهزل. وقال أيضاً : قال لي علوي من الحلّة، يعرف بعلي بن مهنأ، ذكي ذو فضائل : ما تظن قصد أبي بكر وعمر بمنع فاطمة فدك ؟ قلت : ما قصدا ؟ قال : أرادا أن لا يظهرا لعلي، وقد اغتصباه الخلافة رقة وليناً وخذلاناً، ولا يرى عندهما خوراً فأتبعا القرح بالقرح وقلت لمتكلم من متكلمي الإمامية يعرف بعلي بن تقي من بلدة النيل : وهل كانت فدك إلا نخلاً يسيراً، وعقاراً ليس بذلك الخطير ؟ فقال : ليس الأمر كذلك. بل كانت جليلة جداً، وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل، وما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها إلا أن يتقوى علي بحاصلها
1) شرح نهج البلاغة الحديدي - ص 105 - مجلد 4.
وغلّتها على المنازعة في الخلافة، ولهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة وعلي وسائر بني هاشم وبني المطلب حقهم من الخمس، فإنّ الفقير الذي لا مال له تضعف همته ويتصاغر عند نفسه، ويكون مشغولاً بالإحتراف، والإكتساب عن طلب الملك والرئاسة. إنتهى (1).
1) المصدر السابق، ص 105.
ومن كلام له (عليه السلام) في سحر اليوم الذي ضرب فيه : مَلَكتْني عيني وأنا جالسٌ. فسنَح لي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلتُ : يا رسول الله، ماذا لقيتُ مِنْ أمْتِكَ منَ الأوَدِ واللَّدَدِ! فقال : أدْعُ عَليهِمْ. فَقُلْتُ : أَبْدَلنِي الله بِهِمْ خيراً منهم، وأبدلهم بي شراً لهم مني.
قالَ الرَّضي - رحمه الله -: يَعْني بالأود: الإعوجاج، وباللّدَدِ : الخصام وهَذَا مِنْ أفصح الكلام.
البيان:
ملكتني عيني : من فصيح الكلام، يريد (عليه السلام) غلبني النوم، وقوله : فسنح لي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يريد مرَّ بي كما تسنح لي الظباء، والطير يمرّ بك، ويعترض لك، وذا هنا بمعنى الذي، لقوله تعالى : «مَاذَا تَرَى» (1)أي ما الذي ترى؟ يقول : قلت له : ما الذي لقيت من أمتك! وما ههنا، ! استفهامية كأي. يقال ذلك فيما يستعظم أمره، كقوله سبحانه : «الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ» (2). وشرّاً : ههنا لا يدل على أن فيه (عليه السلام) شراً، ومثله قوله جل شأنه: «قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ» (3)لا يدل على أنّ في النار خيراً.
ولا بأس هنا أن نذكر مقتطفات شريفة من حديث مقتله (عليه السلام) بما يتناسب والكلام الآنف الذكر، معتمدين في ذلك على ما ذكره أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني في كتاب: «مقاتل الطالبيين». «قال: إن نفراً من الخوارج اجتمعوا بمكة فتذاكروا أمر المسلمين فعابوهم، وعابوا أعمالهم عليهم، وذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم، وقال بعضهم لبعض : لو أنا شرينا أنفسنا لله عزّ وجل، فأتينا أئمة الضلال وطلبنا غرتهم، وأرحنا منهم العباد والبلاد، وثأرنا بإخواننا الشهداء بالنهروان؟ فتعاقدوا عند انقضاء الحج، فقال عبد الرحمن بن ملجم : أنا أكفيكم علياً، وقال واحد أنا أكفيكم معاوية، وقال ثالث : أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاقدوا وتواثقوا على الوفاء، وأن لا ينكل أحد منهم عن صاحبه الذي يتوجه إليه، ولا عن قتله، وتواعدوا لشهر رمضان في الليلة التي قتل فيها ابن ملجم علياً (عليه السلام)، وأما الرجلان الآخران، على رواية أبي الفرج، فهما البرك بن عبد الله التميمي، وهو صاحب معاوية، وعمر بن بكر التميمي، وهو صاحب عمرو بن العاص. قال : فأما صاحب معاوية فإنه قصده، فلما وقعت عليه عينه ضربه فوقعت ضربته على إليته، وأخذ فجاء الطبيب إليه ينظر إلى الضربة فقال : إن السيف مسموم فاختر إما أن أحمي لك حديدة فأجعلها في الضربة وإمّا أن أسقيك دواء فتبرأ، وينقطع نسلك ؟ فقال : أما النار فلا أطيقها وأمّا النسل ففي يزيد، وعبد الله ما تقر عيني وحسبي بهما. فسقاه الدواء فعوفي، وعالج جرحه حتى التأم، ولم یولد له بعد ذلك وقال البرك بن عبد الله : إن لك عندي بشارة قال : وما هي؟ فأخبر خبر صاحبه وقال له : إن علياً سيقتل في هذه الليلة فاحتبسني عندك فإن قتل فأنت ولي ما تراه في أمري، وإن لم يقتل أعطيتك العهود والمواثيق أن أمضي إليه فأقتله ثمّ أعود إليك، فأضع يدي في يدك حتى تحكم بما ترى، فحبسه عنده. فلما أتى الخبر أن علياً قتل في تلك الليلة خلّى سبيله، وفي رواية أنه قتله.
وأمّا صاحب عمرو بن العاص، فإنه وافاه في تلك الليلة، وقد وجد علّة فأخذ دواء، واستخلف رجلاً يصلي بالناس يقال له خارجة بن خدامة، أحد بني
عامر بن لؤي، فخرج للصلاة فشل عمرو بن بكر عليه فضربه بالسيف فأثبته، وأخذ الرجل فأتي به عمرو بن العاص فقتله، ودخل من غد إلى خارجة، وهو يجود بنفسه فقال : أما والله يا أبا عبد الله ما أراد غيرك. قال عمرو : ولكن الله أراد خارجة.
وأما ابن ملجم، فإنه قتل علياً تلك الليلة. وروى أبو الفرج بسنده قال: جمع علي (عليه السلام) الناس للبيعة فجاء عبد الرّحمن بن ملجم فردّه علي، مرتين أو ثلاثاً، ثم مد يده فبايعه فقال له ما يحبس أشقاها ؟ فوالذي نفسي بيده ليخضبنّ هذه من هذه، ثم أنشد:
أشدد حيازيمك للموت***فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت***إذا حلّ بوادیکا
قال : وقد روي لنا من طرق غير هذه، أن علياً (عليه السلام) أعطى الناس، فلمّا بلغ ابن ملجم أعطاه وقال له :
أريد حياته ويريد قتلي***عذيرك من خليلك من مراد
وقد كان ابن ملجم من مراد وعداده في كندة، فأقبل حتى قدم الكوفة فلقي بها أصحابه، وكتمهم أمره، وطوى عنهم ما تعاقد عليه هو وأصحابه بمكة من قتل أمراء المسلمين مخافة أن ينتشر، وزار رجلاً من أصحابه ذات يوم، من بني تيم الرباب، فصادف عنده قطام بنت الأخضر من بني تيم الرباب، وكان علي (عليه السلام) قتل أخاها وأباها بالنهروان، وكانت من أجمل نساء أهل زمانها، فلما رآها شغف بها. واشتدّ إعجابه فخطبها فقالت له : ما الذي تسمي لي من الصداق ؟ فقال : إحتكمي ما بدا لك. فقالت : أحتكم عليك بثلاثة آلاف درهم، ووصيف وخادم، وأن تقتل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال لها : لك جميع ما سألت، وأما قتل علي بن أبي طالب فأنّى لي بذلك؟ قالت : فالتمس غرته، فإن أنت قتلته شفيت نفسي وهناك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير لك من الدنيا. فقال لها : أما والله ما أقدمني على هذا المصر، وقد كنت هارباً منه لآمن أهله، إلا ما سألتني من قتل علي. قالت له :
فأنا طالبة لك بعض من يساعدك على هذا ويقويك. ثمّ بعثت إلى وردان بن مجالد، أحد بني تيم الرباب، فخبرته الخبر وسألته معاونة ابن ملجم، فتحمّل لها ذلك.
وخرج ابن ملجم فلما أتى رجلاً من أشجع يقال له شبيب بن بحيرة، وقال له يا شبيب هل لك في شرف الدنيا والاخرة؟ قال : وما ذاك؟ قال : تساعدني على قتل علي وكان شبيب على رأي الخوارج، فقال له : هبلتك الهبول لقد جئت شيئاً إداً، وكيف تقدر ويحك على قتل علي بن أبي طالب؟ قال ابن ملجم : نكمن له في المسجد الأعظم، فإذا خرج لصلاة الفجر فتكنا به وقتلناه، وشفينا أنفسنا منه، وأدركنا ثأرنا. فلم يزل به حتى أجابه فأقبل به حتى دخلوا على قطام، وهي معتكفة في المسجد الأعظم، قد ضربت لها قبة، فقالا لها قد أجمع رأينا على قتل هذا الرجل. فقالت لهما فإذا أردتما ذلك فالقياني في هذا الموضع، فانصرفا من عندها. فلبثا أياماً ثم أتياها ومعهما وردان بن مجالد، الذي كلفته مساعدة ابن ملجم، وذلك في ليلة الجمعة، لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين فقال لها ابن ملجم هذه الليلة هي التي وعدت فيها صاحبي وواعدني أن يقتل كل واحد منا صاحبه الذي نتوجه إليه، بزعمهم أنها ليلة شريفة على رواية التاسع عشر من شهر رمضان المبارك، يرجى أن تكون ليلة القدر، لأنهم يعتقدون أن قتل ولاة الجور قربة إلى الله.
«والعجب كل العجب من العقائد كيف تسري في القلوب، وتغلب على العقول، حتى يرتكب الناس عظائم الأمور، حيث يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
ثم دعت لهم بحریر فعصبت به صدورهم، وتقلدوا سيوفهم، ومضوا فجلسوا مقابل السدّة التي كان يخرج منها علي (عليه السلام) إلى الصلاة، وكان ابن ملجم قد أتى الأشعث بن قيس في هذه الليلة، فخلا به في بعض نواحي المسجد، ومرّ بهم حجر بن عدي فسمع الأشعث وهو يقول لابن ملجم : النجاء النجاء بحاجتك، فقد فضحك الصبح. قال له حجر قتلته يا أعور، وخرج
مبادراً إلى علي (عليه السلام) وقد سبقه ابن ملجم فضربه، فأقبل حجر والناس يقولون : قتل أمير المؤمنين.
قال أبو الفرج: وللأشعث بن قيس في انحرافه عن علي (عليه السلام) أخبار يطول شرحها، فقد جاء الأشعث إلى علي يستأذن عليه فرده قنبر، فأدمى الأشعث أنفه فخرج علي وهو يقول : ما لي ولك يا أشعث، أما والله لو بعبد ثقيف تمرست لاقشعرت شفيرتك. قيل يا أمير المؤمنين : من عبد ثقيف؟ قال غلام لهم لا يبقي أهل بيت من العرب إلا أدخلهم ذلاً. قيل : يا أمير المؤمنين، كم يلي أو كم يمكث؟ قال : عشرين إن بلغها. «قلت : هو الحجاج بن يوسف الثقفي لعنه الله، والحديث من الملاحم والمعجزات التي انفرد بها (عليه السلام)».
وذكر أبو الفرج أن الأشعث دخل على علي (عليه السلام)، فأغلظ له علي فعرّض له الأشعث أنه سيفتك به، فقال علي : أبالموت تخوفني أو تهددني ! فوالله ما أبالي، وقعت على الموت أو وقع الموت علي.
قلت: والذي لا أرتاب فيه أن عملية اغتيال سيد الأوصياء (عليه السلام)، والجريمة الكبرى التي ارتكبت بحق المسلمين، بل بحق الإنسانية، كانت بتدبير وإيعاز من الطليق معاوية بن أبي سفيان، وأنه كان لعدو الله المنافق الأشعث بن قيس يداً لا تنكر كما مرّ عليك آنفاً.
قال أبو الفرج: قال أبو مخنف : حدثني أبي عن عبد الله بن محمد الأزدي قال : إني لأصلي تلك الليلة في المسجد الأعظم مع رجال من أهل المصر، كانوا يصلون في ذلك الشهر من أول الليل إلى آخره إذ نظرت إلى رجال يصلون قريباً من السدَّة قياماً أو قعوداً، وركوعاً وسجوداً، ما يسأمون، إذ خرج عليهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) الفجر، فأقبل ينادي : الصلاة، الصلاة، فرأيت بريق السيف، وسمعت قائلاً يقول : الحكم لله يا علي لا لك، ثم رأيت بريق سيف آخر، وسمعت صوت علي (عليه السلام) يقول : لا يفوتنكم الرّجل : فأما بريق السيف الأول : فإنه كان شبيب بن بحيرة، ضربه فأخطأه، ووقعت ضربته في الطاق، وأمّا بريق السيف الثاني فإنه ابن ملجم ضربه فأثبت
الضربة في وسط رأسه وشدَّ الناس عليهما من كل ناحية حتى أخذوهما.
قال أبو مخنف: فهمدان تذكر أن رجلاً منهم یكنى أبا أدمي، أخذ ابن ملجم، وقال غيرهم بل أخذه المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب، طرح عليه قطيفة ثم صرعه، وأخذ السيف من يده وجاء به، ومضى شبيب بن بحيرة، فخرج هارباً حتى دخل منزله فدخل عليه ابن عمّ له فرآه يحل الحرير عن صدره، فقال له : ما هذا؟ لعلك قتلت أمير المؤمنين؟ فأراد أن يقول : لا. فقال : نعم. فمضى ابن عمه فاشتمل على سيفه فدخل عليه حتى ضربه فقتله. وقال علي (عليه السلام)، حينما أدخل عليه ابن ملجم : النفس بالنفس، إذا أنا متُ فاقتلوه كما قتلني، وإن سلمت رأيت فيه رأيي. فقال ابن ملجم: ولقد اشتريته بألف يعني السيف. وسممته بألف فإن خانني فأبعده الله، وقال أما والله لقد ضربته ضربة، لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم. وانصرف الناس من صلاة الصبح، فأحدقوا بابن ملجم ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم السباع، ويقولون : يا عدو الله ماذا صنعت؟ أهلكت أمة محمد، وقتلت خير الناس، وإنه لصامت ما ينطق» (1).
«وجمع الأمير المؤمنين (عليه السلام) أطباء الكوفة، فلم يكن منهم أحد أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هانئ السكوني، وكان متطبباً صاحب كرسي يعالج الجراحات، وكان من الأربعين غلاماً الذين كان ابن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم، فلما نظر أثير إلى جرح أمير المؤمنين، دعا برئة شاة حارة، فاستخرج منها عرقاً وأدخله في الجرح ثمّ نفخه، ثمّ استخرجه، فإذا عليه بياض الدماغ، فقال : يا أمير المؤمنين إعهد عهدك، فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك. وقد توفي (عليه السلام)، وهو ابن أربع وستين سنة، في عام أربعين من الهجرة، ليلة الأحد لإحدى وعشرين ليلة مضت من شهر رمضان وولي غسله ابنه الحسن وعبد الله بن العباس، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وصلّى عليه ابنه الحسن (عليه السلام) فكبر عليه خمس تكبيرات.
1) مروج الذهب - ص 424 مجلد 2.
وعن الحسين بن علي (عليه السلام) قال: خرجنا بنعش أمير المؤمنين (عليه السلام) ليلاً من منزله حتى مررنا به على منزل الأشعث بن قيس، ثم خرجنا به إلى الظهر بجنب الغرى، وزار القبر الشريف الإمام جعفر بن محمد الصادق ووالده الإمام محمد بن علي الباقر (عليهما السلام)، ولم يكن يومها قبراً معروفاً ظاهراً، وإنما كان به أثر من سرح عصاة، حتى جاء محمد بن يزيد الداعي صاحب الديلم فأظهر القبة» (1)، ولله در ابن أبي الحديد المعتزلي، صاحب شرح نهج البلاغة - رحمه الله - حيث يقول :
قد قلت للبرق الذي شق الدجى***فكأن زنجياً هناك يجدع
يا برق إن جئت الغريّ فقل له***أتراك تعلم من بأرضك مودع
فيك ابن عمران الكليم وبعده***عيسى يقفيه وأحمد يتبع
بل فيك جبريل وميكال وإس***رافيل والملأ المقدَّس أجمع
بل فيك نور الله جل جلاله***لذوي البصائر يُستشف ويلمع
فيك الإمام المرتضى فيك الوصي***المجتبى فيك البطين الأنزع
هذا هو النور الذي عذباته***کانت بجبهة آدم تتطلع
يا هازم الأحزاب لا يثنيه عن***خوض الحمام مدجّج ومدرّع
يا قالع الباب الذي عن هزها***عجزت أكف أربعون وأربع
أنا في مديحك ألكن لا أهتدي***وأنا الخطيب الهبزري المصقع
أأقول فيك سميدع كلا ولا***حاشا لمثلك أن يقال سميدع
بل أنت في يوم القيامة حاكم***في العالمين وشافع ومشفّع
ورأيت دين الإعتزال وإنني***أهوى لأجلك كل من يتشيع
ودعا الحسن بن علي بعد دفن أمير المؤمنين، بابن ملجم وأمر بضرب عنقه، فقال له : إن رأيت أن تأخذ عليّ العهود، وأن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك، بعد أن أمضي إلى الشام فأنظر ما صنع صاحبي بمعاوية، فإن كان قتله، وإلا فقتلته ثم عدت إليك حتى تحكم في حكمك. فقال : هيهات والله لا
1) شرح نهج البلاغة الحديدي - ص 45 مجلد 2.
تشرب الماء البارد حتى تلحق روحك بالنّار. ثمّ ضرب عنقه، واستوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جثته منه، فوهبها لها فحرقتها بالنار.
وقد رثى أبو الأسود الدؤلي - رحمه الله - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال (1):
ألا أبلغ معاوية بن حرب***فلا قرّت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا***بخير الناس طراً أجمعينا
ومن بعد النبي فخير نفس***أبو حسن وخير الصالحينا
كأن النّاس إذ فقدوا علياً***نعام جال في بلد سنينا
فلا والله لا أنسى علياً***وحسن صلاته في الراكعينا
قتلتم خير من ركب المطايا***وذللها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها***ومن قرأ المثاني والمبينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين***رأيت النور فوق الناظرينا
لقد علمت قريش حيث كانت***بأنك خيرهم حسباً ودينا
1) مروج الذهب - المسعودي، ص 428، المكتبة الإسلامية بيروت مجلد 2.
ومن كلام له (عليه السلام)، لأبي ذرّ - رحمه الله -، لما أخرج إلى الربذة : يا أبا ذرّ إنّكَ عَضِبْتَ لِلَّهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ. إنّ القومَ خَافُوكَ على دُنْيَاهُم. وخِفْتهُم على دينِكَ، فاتْرُكْ في أيدِيهِمْ ما خَافُوكَ عَليه، واهْرُبْ بما خِفْتَهُمْ عليه. فَما أحْوجَهُمْ إلى ما مَنَعْتَهُمْ. وَمَا أَغْناكَ عَمّا منَعُوكَ. وستَعْلَمُ مَنْ الرّابحُ غَداً. والأكثرُ حَسَداً. ولو أنَّ السَّماوات والأرضين كانتا رَتْقاً على عبْدٍ، ثُمَّ اتقي الله لجَعَلَ الله لَهُ مِنْهُما مَخْرَجاً. لا يُؤنسنَّك إلا الحقُّ. ولا يُوحِشنّكَ إلا الباطِلُ. فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لأحبّوكَ، ولوْ قرضْت فيها لأمّنوك.
البيان:
«إخراج أبي ذر - رحمه الله -، وواقعته مع عثمان الخليفة الثالث (رضي الله عنه) أحد الأحداث التي نقمت عليه. وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب «السقيفة» عن عبد الرزاق عن أبيه، عن عكرمة عن ابن عبّاس قال : لما خرج أبو ذرّ إلى الربذة، أمر عثمان فنودي في الناس، أن لا يكلم أحدٌ أبا ذر ولا يشيّعه، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به فخرج به، وتحاماه الناس إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعقيلاً أخاه، وحسناً وحسيناً (عليهما السلام)، وعماراً - رضي الله عنه - خرجوا معه يشيعونه، فجعل الحسن (عليه السلام) يكلم أبا ذر فقال له مروان إيهاً يا حسن، ألا تعلم أن أمير المؤمنين قد نهى عن كلام هذا الرجل، فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك. فحمل علي (عليه السلام) علی مروان، فضرب بالسوط بين أذني راحلته، وقال تنح، نحاك الله إلى النار، فرجع مروان مغضباً إلى عثمان فأخبره الخبر، فتلظى على علي (عليه السلام)، ووقف أبو ذر فودعه
القوم، ومعه ذكوان مولى أم هانئ بنت أبي طالب.
قال ذكوان : فحفظت كلام القوم، وكنت حافظاً، فقال علي (عليه السلام): يا أبا ذر إنك غضبت لله، إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك فامتحنوك بالقلی، ونفوك إلى الفلا، والله لو كانت السموات والأرض على عبد رتقاً ثمّ اتقى الله، لجعل له منهما مخرجاً، يا أبا ذر لا يؤنسنّك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل. ثم قال لأصحابه : ودعوا عمكم، وقال لعقيل : ودّع أخاك، فتكلم عقيل فقال : ما عسى أن نقول يا أبا ذر وأنت تعلم أنا نحبك وأنت تحبنا، فاتق الله فإن التقوى نجاة، واصبر فإن الصبر كرم، واعلم أن إستثقالك الصبر من الجزع واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع. ثم تكلّم الحسن (عليه السلام) فقال : يا عماه، لولا أنه لا ينبغي للمودع أن يسكت وللمشيع أن ينصرف لقصر الكلام، وإن طال الأسف، وقد أتى القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها وشدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيّك (صلى الله عليه وآله) وهو عنك راض. ثم تكلم الحسين (عليه السلام) فقال : يا عماه إن الله تعالى قادر أن يغير ما قد ترى، والله كل يوم هو في شأن، وقد منعك القوم دنياهم، ومنعتهم دينك، فما أغناك عمّا منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم، فاسأل الله الصبر والنصر، واستعذ بالله من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدين والكرم، وإن الجشع لا يقدم رزقاً، والجزع لا يؤخر أجلاً. ثمّ تكلّم عمار - رضي الله عنه - مغضباً فقال : لا أنس الله من أوحشك، ولا آمن من أخافك أما والله لو أردت دنیاهم لأمنوك، ولو رضيت أعمالهم لأحبّوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرّضا بالدنيا، والجزع من الموت، ومالوا إلى سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم، ومنحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والآخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين. فبكى أبو ذر - رحمه الله - وكان شيخاً كبيراً، وقال: رحمكم الله يا أهل بيت الرّحمة إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما لي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، إني ثقلت على عثمان بالحجاز، كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن أجاور أخاه
وابن خاله بالمصرين، فأفسد الناس عليهما، فسيرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله، والله ما أريد إلا الله صاحباً، وما أخشى الله وحشة.
ورجع القوم إلى المدينة فجاء علي (عليه السلام) إلى عثمان فقال له : ما حملك على ردّ رسولي، وتصغير أمري؟ فقال علي (عليه السلام) : أما رسولك فأراد أن يردّ وجهي فرددته، وأمّا أمرك فلم أصغره. قال : أما بلغك نهي عن كلام أبي ذر ؟ قال أو كلما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه؟ قال عثمان : أقد مروان من نفسك. قال : ممّاذا؟ قال : من شتمه وجذب راحلته. قال : أما راحلته فراحلتي بها، وأمّا شتمه إياي فوالله لا يشتمني شتمة إلا شتمتك مثلها، لا أكذب عليك. فغضب عثمان وقال : لم لا يشتمك كأنك خير منه ! قال علي : إي والله، ومنك. ثمّ قام فخرج.
وقد نقم أبو ذر - رضي الله عنه - على عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال، واختص زيد بن ثابت بشيء منها، وجعل أبو ذر يقول بين الناس، وفي الطرقات، والشوارع: بشر الكافرين بعذاب أليم، ويرفع بذلك صوته، ويتلو قوله تعالى : «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ» (1)فرفع ذلك إلى عثمان مراراً وهو ساكت، ثمّ إنّه أرسل إليه مولى من مواليه، أن انته عمّا بلغني عنك، فقال أبو ذر: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله، وعيب من ترك أمر الله تعالى! فوالله لأن أرضي الله بسخط عثمان، أحبّ إليّ وخير لي من أن أسخط الله برضا عثمان، فأغضب عثمان ذلك، وأحفظه فتصابر وتماسك إلى أن قال يوماً والناس حوله: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال شيئاً قرضاً فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك. فقال أبو ذر يا ابن اليهوديين أتعلمنا ديننا ! فقال عثمان : قد كثر أذاك لي، وتولعك بأصحابي، إلحق بالشام فأخرجه إليها، فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية يوماً ثلثمائة دينار، فقال أبو ذر لرسوله إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا
1) سورة التوبة : الآية 34.
أقبلها، وإن كانت صلة، فلا حاجة لي فيها وردّها عليه.
ثم بنى معاوية الخضراء بدمشق فقال أبو ذر: يا معاوية، إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهي الإسراف. وكان أبو ذر يقول بالشام: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله، ولا سنة نبيه (صلى الله عليه وآله)، والله إني لأرى حقاً يطفأ، وباطلاً يحيى، وصادقاً مكذَّباً، وأثرة بغير تقى، وصالحاً مستأثراً عليه. فقال حبيب بن مسلمة الفهرى لمعاوية : إنّ أبا ذر لمفسد عليكم الشام، فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة» (1).
«وروي الجاحظ في كتاب «السفيانية» عن جلام بن جندل الغفاري قال : كنت غلاماً لمعاوية، على قنسرين والعواصم في خلافة عثمان، فجئت إليه يوماً أسأله عن حال عملي، إذ سمعت صارخاً على باب داره : أتتكم القطار تحمل النار، اللهم العن الآمرين بالمعروف الناكرين له، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له، فازبأر معاوية وتغيّر لونه وقال: يا جلام، أتعرف الصارخ ؟ فقلت : اللهم لا. قال : من عذيري من جندب بن جنادة، يأتينا كل يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت. ثمّ قال : أدخلوه عليّ فجيء بأبي ذرّ بين قوم يقودونه، حتى وقف بين يديه فقال له معاوية : يا عدو الله وعدوّ رسوله، تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع ! أما أني لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمد (صلى الله عليه واله) من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك، ولكني أستأذن فيك. قال جلام: وكنت أحب أن أرى أبا ذرّ لأنه رجل من قومي، فالتفت إليه فإذا رجل أسمر ضرب من الرجال خفيف العارضين، في ظهره حناء، فأقبل على معاوية وقال : ما أنا بعدو لله ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله، أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر، ولقد لعنك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا عليك مرات أن لا تشبع، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : إذا ولي الأمة الأعين الواسع البلعوم الذي يأكل ولا يشبع، فلتأخذ
1) شرح نهج البلاغة الحديدي ص 356 مجلد 2.
الأمّة حذرها منه. فقال معاوية ما أنا ذاك الرجل قال أبو ذر : بل أنت ذاك الرجل، أخبرني بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسمعته يقول وقد مررت به : «اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب» وسمعته (صلى الله عليه وآله) يقول : «أست معاوية في النار فضحك معاوية وأمر بحبسه، وكتب إلى عثمان فيه، فكتب عثمان إلى معاوية أن احمل جندباً إليّ على أغلظ مركب، وأوعره. فوجه به مع من سار به الليل والنهار وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب، حتى قدم به المدنية، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد، فلمّا قدم بعث إليه عثمان : إلحق بأي أرض شئت. قال بمكة. قال : لا. قال : بيت المقدس. قال : كلا. قال : بأحد المصرين. قال لا ولكني مسيرك إلى الربذة، فسيّره إليها فلم يزل بها حتى مات وحيداً فريداً، وصح فيه خبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) رحم الله أبا ذر» (1).
1) المصدر السابق - ص 357 مجلد 2.
ومن كلام له (عليه السلام): والله ما معاوية بأدْهَى مِنّي، ولكنَّهُ يَغْدُرُ ويفَجُرُ، ولولا كَراهِيَّةُ الغَدْرِ لكنتُ مِنْ أدهى النّاسِ، ولكِنْ كُلُّ غَدْرَةٍ فجْرة، ولِكُلّ فجرةٍ كَفْرة، ولكُلّ غادِرٍ لِواءٌ يُعرَفُ به يوم القيامة، والله مَا أُسْتَغْفَلُ بالمكيدة، ولا أُسْتغمزُ بالشَّديدة.
البيان:
«أمّا نسب ابن آكلة الأكباد، فهو أبو عبد الرّحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وهي أم أخيه عتبة بن أبي سفیان، وهي التي أمرت وحشي الأسود بقتل سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب (عليه السلام) عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، في غزوة أحد ثمّ لاكت كبده.
وأمّا يزيد بن أبي سفيان، ومحمد بن أبي سفيان، وعنبسة بن أبي سفيان، وحنظلة بن أبي سفيان وعمرو بن أبي سفيان، فمن أمهات شتى، وأبو سفيان هذا رأس الشرك والنفاق في زمنه، وهو الذي قاد قريشاً في حروبها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو رئيس بني عبد شمس، بعد قتل عتبة بن ربيعة ببدر، ذاك صاحب العير، وهذا صاحب النفير، وبهما يضرب المثل فيقال للحامل : لا في العير، ولا في النفير.
وولي معاوية إثنين وأربعين سنة، منها إثنتان وعشرون سنة ولي فيها إمارة الشام، منذ مات أخوه يزيد بن أبي سفيان، بعد خمس سنين من خلافة عمر
(رضي الله عنه) إلى أن قتل أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في سنة أربعين، ومنها عشرون سنة ملك إلى أن مات في سنة ستين.
وكان معاوية، وحنظلة بن الربيع التميمي يكتبان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الملوك ورؤساء القبائل، ويكتبان حوائجه بين يديه ويكتبان ما يجیئ من أموال الصدقات وما يقسم في أربابها، وقد، كذبت السفيانية. في زعمها أن معاوية كان يكتب الوحي، ولا كرامة، فالذي عليه المحققون من أهل السير أن الوحي كان يكتبه علي (عليه السلام) وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم» (1).
وكان معاوية على أس الدهر مبغضاً لعلي (عليه السلام) شديد الإنحراف عنه، وكيف لا يبغضه، وقد قتل أخاه حنظلة يوم بدر، وخاله الوليد بن عتبة، وشرك في قتل جده عتبة أو في قتل عمه شيبة على اختلاف الروايات، وقتل من بني عمه عبد شمس نفراً كثيراً من أعيانهم، وأماثلهم ثم جاءت الطامة الكبرى واقعة عثمان فنسبها كلها إليه زوراً، وبهتاناً بشبهة إمساكه عن قتلته، وإنضواء كثير منهم إليه (عليه السلام) فتأكدت البغضة، وثارت الأحقاد، وتذكرت تلك الترات الأولى، حتى أفضى الأمر إلى ما أفضى إليه. ومعاوية مطعون في دينه عند الإمامية والمعتزلة، وجمهور المحققين من المسلمين المنصفين، ويُرمى بالزندقة والإلحاد، والتعرض لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وما تظاهر به من الجبر والإرجاء، ولو لم يكن شيء من ذلك، لكان في محاربته الإمام (عليه السلام) ما يكفي في فساد حاله، لا سيما على قواعد الدين من أنّ من يموت على الكبيرة مع الإصرار فهو من المخلدين في النار. والغدرة: على وزن فعلة : الكثير الغدر. والفجرة، والكفرة : الكثير الفجور. والمعنى أنّ كل غادر فاجر، وكل فاجر كافر، وقوله (عليه السلام): لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة، حديث صحيح مروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمّ أقسم (عليه السلام) أنه لا يستغفل بالمكيدة، أي لا يجوز المكيدة عليه كما تجوز
1) المصدر السابق، ص 552 مجلد 2.
على ذوي الغفلة، وأنه لا يستغمز بالشديدة، أي لا يداهن أو يلين للخطب الشديد.
ومن الجدير بالذكر أن قوماً، ممن لا يعرف حقيقة فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) زعموا أن عمر كان أسوس منه، وإن كان هو أعلم منه، ومال إلى هذا الرأي الشيخ الرئيس ابن سينا في «الشفاء» في الحكمة، والحق أن السائس لا يتمكن من السياسة البالغة إلا إذا كان يعمل برأيه، وبما يرى فيه صلاح ملكه وتمهيد أمره، وتوحيد قاعدته، سواء وافق الشريعة أم لم يوافقها، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما ذكرناه، لا ينتظم أمره ولا يستوثق حاله، وأمير المؤمنين (عليه السلام) كان مقيداً بقيود الشريعة مدفوعاً للإنتظام والتمسك بها، ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير، إذا لم يكن للشرع موافقاً. فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممن لم يلتزم بذلك من السابقين عليه أو التالين له، على أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان مجتهداً يعمل بالقياس والإستحسان والمصالح المرسلة، ویری تخصیص عمومات النص بالآراء، والإستنباط من أصول يقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النص. ومن هذه المسائل اجتهاده برأيه : في مسألة متعة الحج ومتعة النساء، وحيّ على خير العمل، وسهم المؤلفة قلوبهم، وإسقاط الخمس عن أهل البيت (عليهم السلام)، والتفاضل في العطاء، خلافاً للمساواة التي كان يتبعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العطاء، إلى غير ذلك كثير. ولم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) يرى ذلك، وكان يقف مع النصوص، والظواهر، ولا يتعداها إلى الإجتهاد والأقيسة، ويطبق أمور الدنيا على الدين، ويسوق الكل مساقاً واحداً، ولا يرفع ولا يضع إلا بالكتاب والسنة، فاختلفت طريقتاهما في الخلافة والسياسة، وكان عمر (رضي الله عنه) مع ذلك شديد الغلظة والسياسة، وكان علي (عليه السلام) كثير الصفح والحلم، فازدادت خلافة عمر قوّة، وخلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) لينا، ولم يمن عمر بما مني به علي (عليه السلام) من فتنة عثمان، ثم تلا ذلك فتنة الجمل، وفتنة صفين، ثمّ فتنة النهروان، وكلّ هذه الأمور مؤثرة في اضطراب أمر الخليفة، وانحلال معاقد ملكه.
والحق الذي لا مناص منه، أن علياً (عليه السلام) كان كرسول الله (صلّى الله عليه وآله) سياسة وإجتهاداً وحكماً ومعرفة». وكان نقيب البصرة أبو جعفر بن أبي زيد الحسيني - رحمه الله - يقول : «إنه لا فرق عند من قرأ السير، بين سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) وسيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) وسياسة أصحابها، فكما أن علياً (عليه السلام) لم يزل أمره مضطرباً معهم، بالمخالفة والعصيان والهرب إلى أعدائه وكثرة الفتن والحروب، ألست ترى القرآن العزيز مملوءاً بذكر المنافقين والشكوى منهم والتألم من أذاهم له؟ كما أن كلام علي (عليه السلام) مملوء بالشكوى من منافقي أصحابه والتألم من أذاهم له، والتوائهم عليه، نحو قوله تعالى : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ، وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ، وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ، لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (1)و من تأمل حال الرجلين وجدهما متشابهتين في جميع أمورهما أو في أكثرها، وذلك لأن حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع المشركين كانت سجالاً، إنتصر يوم بدر، وإنتصر المشركون عليه يوم أحد، وكان یوم الخندق كفافاً، خرج هو وهم سواء، لا عليه ولا له، لأنهم قتلوا رئيس الأوس وهو سعد بن معاذ، وقتل منهم فارس قريش عمرو بن عبد ود العامري، وانصرفوا عنه بغير حرب، بعد تلك الساعة التي كانت، ثم حارب بعدها قريشاً يوم الفتح فكان الظفر له، وهكذا كانت حروب علي (عليه السلام) إنتصر يوم الجمل، وخرج الأمر بينه وبين معاوية على سواء يوم صفين، وقتل من أصحابه رؤساء، وقتل من أصحاب معاوية رؤساء، وإنصرف كلّ واحد عن صاحبه بعد الحرب على مكانه، ثم حارب بعد صفين أهل النهروان فكان الظفر له.
ومن العجب أن أوّل حرب مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت بدراً، وكان هو المنصور فيها، وأول حروب علي (عليه السلام) كانت الجمل،
1) سورة المجادلة : الآية 8.
وكان هو المنصور فيها، ثم كان من صحيفة الصلح، والحكومة يوم صفين نظير ما كان من صحيفة الصلح والهدنة يوم الحديبية، ثم دعا معاوية في آخر أيام علي (عليه السلام) إلى نفسه وتسمّى بالخلافة، كما أنّ مسيلمة والأسود العنسي دعوا إلى أنفسهما في آخر أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتسميا بالنبوة، واشتدّ على علي (عليه السلام) ذلك كما اشتد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الأسود ومسيلمة، وأبطل الله أمرهما بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) وكذلك أبطل أمر معاوية وبني أمية بعد وفاة علي (عليه السلام)، ولم يحارب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحداً من العرب إلا قريشاً، ما عدا يوم حنين، ولم يحارب علي (عليه السلام) من العرب أحداً إلا قريشاً، ما عدا يوم النهروان ومات علي (عليه السلام) شهيداً بالسيف، ومات رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ ولم يتزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) على خديجة أم أولاده حتى ماتت وعلي (عليه السلام) لم يتزوج على فاطمة أم أشرف أولاده حتى ماتت ومات رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ثلاث وستين سنة، ومات علي (عليه السلام) عن مثلها. وجملة الأمر أن الشيم واحدة والطينة مشتركة ولا فضل ولا فرق سوى أن الله تعالى اختص محمداً برسالته، واصطفاه لوحيه، وإختص علياً بالإمامة والوصيّة. وإلى هذا أشار (صلّى الله عليه وآله) بقوله : «أخصمك بالنبوة، فلا نبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع» وقال له أيضاً : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي من بعدي» فأبان نفسه منه، بالنبوة، وما عداها من الفضائل والخصائص فهو مشترك بينهما» إنتهى (1).
1) شرح النهج الحديدي، ص 555 مجلد 2.
ومن كلام له (عليه السلام)، وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه : إنّ هذا الأمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلا خُذلانُهُ بكثرةٍ ولا بِقلةٍ، وهُوَ دِينُ الله الذي أظْهَرَهُ، وجُنْدَهُ الذي أعدَّه وأمدّهُ، حتى بلغ وطلَعَ حيثما طلع، ونحنُ على مَوعُودٍ مِنَ الله، والله مُنْجِزٌ وَعْدَهُ وناصرٌ جُنْدَهُ، ومكان القيّمِ بالأمْرِ مَكانُ النّظامِ مِنَ الخَرْز، يجمَعُهُ ويَضُمُهُ. فإذا انْقَطَعَ النّظامُ تفرّق الخرْزُ وذهَب، ثمّ لم يجتمع بحذافيره أبداً، والعَرَبُ اليومَ وإن كانوا قليلاً، فهُمْ كثيرون بالإسلام عزيزون بالإجْتِماعِ، فكُنْ قُطْباً واسْتَدِرْ الرَّحي بالعَرَب، وأصْلِهِم دُونَكَ نار الحرْبِ، فإنّكَ إنْ شخَصْتَ منْ هذِهِ الأَرْضِ إِنْتَفَضَتْ عَلَيكَ العَربُ من أقطارِها وأطرافِها، حتى يكونَ مَا تَدَعُ مِنَ العوراتِ أَهَمُّ إليكَ مِمّا بينَ يديكَ، إنّ الأعاجمَ إنْ ينْظُروا إليكَ غَداً يقولوا: هَذا أَصْلُ العَرب، فإذا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ فِيكُونُ ذلِكَ أَشدَّ لِكَلبهم عليكَ وطمعِهِمْ فِيكَ، فأما ما ذكرتَ مِنْ مَسِير القَومِ إِلى قِتالِ المُسْلِمِينَ، فإنَّ الله سُبْحانَهُ هُوَ أكرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ، وَهُوَ أقْدَرُ على تغييرِ ما تكْرَهُ، وأمَّا ما ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ، فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نقاتِلُ فِيما مَضى بالكَثْرَةِ، وإِنَّما كُنَّا تُقاتِلُ بالنَّصرِ والمَعُونَةِ.
البيان:
نظام العقد: الخيط الجامع له، وتقول : أخذته كله بحذافيره، أي بأصله، وأصل الحذافير أعالي الشيء ونواحيه، والواحدة حذفار، وأصلهم نار الحرب : إجعلهم صالين لها، يقال صليت اللحم وأصليه، مثل رميته أرميه
رمياً : إذا شويته، وفي الحديث أنه (صلى الله عليه وآله) أتى بشاة مصليه أي مشوية. ويقال أيضاً صليت الرّجل ناراً : إذا أدخلته النار، وعليه يحمل كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) والعورات الأحوال التي يخاف انتفاضها، في ثغر أو حرب. قال تعالى : «يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ» (1). والكلب : هو الشرّ والأذى.
وقد اختلف العلماء في أحوال هذا الكلام الذي قاله علي (عليه السلام) لعمر (رضي الله عنه) فقد قيل : إنه في غزاة القادسية، وقيل إنه في غزاة نهاوند، وإلى القول الأخير ذهب محمد بن جرير الطبري في التاريخ الكبير، وإلى الأول ذهب المدائني في كتاب «الفتوح» والله العالم بالحقيقة، ونحن نشير هنا إلى ما جرى في هاتين الحادثتين، إشارة خفيفة إقتضاء لحال الكلام.
«فأما وقعة القادسية فكانت في سنة أربع عشرة للهجرة. إستشار عمر (رضي الله عنه) المسلمين في أمر القادسية فأشار عليه علي بن أبي طالب (عليه السلام) في رواية أبي الحسن علي بن محمد بن سيف المدائني، أن لا يخرج بنفسه، وقال: «إنك إن تخرج لا يكون للعجم همة إلا استئصالك، لعلمهم أنك قطب رحا العرب، فلا يكون للإسلام بعدها دولة» وأشار عليه غيره من الناس أن يخرج بنفسه، فأخذ برأي علي (عليه السلام).
قال الطبري: لما بدا لعمر في المقام، بعد أن كان عزم على الشخوص بنفسه، أمر سعد بن أبي وقاص على المسلمين، وبعث يزدجرد رستم الأرمني أميراً على الفرس، فأرسل سعد النعمان بن مقرن رسولاً إلى يزدجرد، فدخل عليه وكلّمه بكلام غليظ، فقال يزدجرد: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك، ثم حمله وقراً من تراب على رأسه، وساقه حتى أخرجه من باب من أبواب المدائن، وقال: إرجع إلى صاحبك، فقد كتبت إلى رستم أن يدفنه وجنده من العرب، في خندق القادسية، ثم لأشغلن العرب بعدها بأنفسهم، ولأصيبنّهم بأشدّ ممّا أصاب به سابور ذو الأكتاف. فرجع النعمان إلى سعد، فأخبره فقال :
1) سورة الأحزاب : الآية 13.
لا تخف فإنّ الله قد ملكنا أرضهم، تفاؤلاً بالتراب.
قال أبو جعفر: وتثبط رستم عن القتال وكرهه، وأكثر المسالمة و استعجله يزدجرد مراراً، واستحثه على الحرب، وهو يدافع بها، ويرى المطاولة، وكان عسكره مائة وعشرين ألفاً، وكان عسكر سعد بضعة وثلاثين ألفاً، وأقام رستم بريداً بريداً من الرجال، الواحد منهم إلى جانب الآخر، من القادسية إلى المدائن كلما تكلم رستم كلمة أداها بعضهم إلى بعض، حتى يصل إلى سمع يزدجرد في وقتها، وشهد وقعة القادسية مع المسلمين طليحة بن خويلد، وعمرو بن معد يكرب والشمّاخ بن ضرار، وعبده بن الطبيب الشاعر، وأوس بن معن الشاعر، وقاموا في الناس يناشدونهم الشعر، ويحرضونهم، وقرن أهل فارس أنفسهم بالسلاسل لئلا يهربوا، فكان المقرونون منهم نحو ثلاثين ألفاً، والتحم الفريقان في اليوم الأول، فحملت الفيلة التي مع رستم علی الخيل فطعنتها، وثبت لها جمع من الرجالة، وكانت ثلاثة وثلاثين فيلا منها فيل الملك. وكان أبيض عظيماً، فضربت الرجال خراطيم الفيلة بالسيوف فقطعتها وارتفع عواؤها، وأصيب في هذا اليوم، وهو اليوم الأول، خمسمائة من المسلمين وألفاً من الفرس، ووصل في اليوم الثاني أبو عبيدة بن الجراح من الشام، في عساكر المسلمين، فكان مدد سعد، وكان هذا اليوم على الفرس أشدّ من اليوم الأول، قتل من المسلمين ألف ومن المشركين عشرة آلاف، وأصبحوا في اليوم الثالث على القتال، وكان عظيماً على العرب والعجم معاً، وصبر الفريقان وقامت الحرب ذلك اليوم، وتلك الليلة جمعاء لا ينطقون كلامهم الهرير، فسميت ليلة الهرير وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد ورستم، وانقطع سعد إلى الصلاة والدعاء والبكاء، وأصبح الناس حسرى لم يغمضوا ليلتهم كلها والحرب قائمة بعد إلى وقت الظهر، فأرسل الله تعالى ريحاً عاصفاً في اليوم الرابع أمالت الغبار والنقع على العجم، فانكسروا، ووصلت العرب إلى سرير رستم، وقد قام عنه ليركب جملاً، وعلى رأسه العلم فضرب هلال بن علقمة الجمل الذي رستم فوقه فقطع حباله، ووقع على هلال أحد العدلين فأزال فقار ظهره، ومضى رستم نحو العقيق فرمى نفسه فيه، واقتحم هلال عليه
فأخذ برجله، وخرج به يجرّه حتى ألقاه تحت أرجل الخيل وقد قتله، وصعد السرير فنادى أنا هلال أنا قاتل رستم، فانهزمت الفرس وتهافتوا في العقيق، فقتل منهم نحو ثلاثين ألفاً، ونهبت أموالهم وأسلابهم، وكانت عظيمة جداً، وأخذت العرب منهم كافوراً كثيراً، فلم يعبأوا به لأنهم لم يعرفوه، وباعوه من قوم بملح، كيلاً بكيل، وسروا بذلك، وقالوا أخذنا منهم ملحاً طيبا، ودفعنا إليهم ملحاً غير طيب، وأصابوا من الجامات من الذهب والفضة ما لا يقع عليه الغدد لكثرته، فكان للرجل منهم جامان من ذهب على صاحبه، ليأخذ جاماً واحداً فضة يعجبه بياضها ويقول : من يأخذ صفراوين ببيضاء، وبعث سعد بالغنائم والأنفال إلى عمر، فكتب إلى سعد لا تتبع الفرس وقف مكانك واتخذه منزلاً، فنزل موضع الكوفة اليوم، وإختط مسجدها، وبني فيها الخط للعرب» (1).
«فأما وقعة نهاوند فإن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري ذكر في كتاب «التأريخ» أن عمر لمّا أراد أن يغزو العجم أو جيوش كسرى، وهي مجتمعة بنهاوند، إستشار الصحابة، فأشار عليه عثمان بالمسير إلى العدو بنفسه، مع الإستعانة بجيوش الشام والعراق، وطلب إليه طلحة أن يختار ما يراه من مصلحة المسلمين، فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): أما بعد، فإنّ هذا الأمر لم یکن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وإنّما هو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعزّه وأيّده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعود من الله والله منجز وعده وناصر جنده، وإن مكانك منهم مكان النظام من الخرز، يجمعه ويمسكه، فإن إنحلّ تفرّق ما فيه وذهب، ثم لا يجتمع بحذافيره أبداً، والعرب اليوم، وإن كانوا قليلاً، فإنهم كثير عزيز بالإسلام. أقم مكانك، واكتب إلى أهل الكوفة فإنهم أعلام العرب ورؤساؤهم، وليشخص منهم الثلثان وليقم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة أن يمدّوهم ببعض من عندهم، ولا تشخص
1) شرح النهج الحديدي، ص 405 مجلد 2، وأنظر مروج الذهب للمسعودي مجلد 2، ص 327، المكتبة الإسلامية بيروت، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
الشام ولا اليمن، إنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم، سارت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، ومتى اشخصت من هذه الأرض إنتفضت عليك العرب من أقطارها وأطرافها، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات، وأنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غداً قالوا: هذا أمير العرب وأصلهم، فكان ذلك أشدّ لكلبهم عليك، وأما ما ذكرت من مسير القوم، فإن الله هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما نكره، وأما ما ذكرت من عددهم، فإنا لم نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالصبر والنصر».
فقال عمر : أجل هذا الرأي، وقد كنت أحب أن أتابع عليه، فأشيروا عليَّ برجل أوليه ذلك الثغر. قالوا : أنت أفضل رأياً. فقال: أشيروا عليّ به، واجعلوه عراقياً. قالوا أنت أعلم بأهل العراق، وقد وفدوا عليك فرأيتهم وكلّمتهم، قال: أما، والله لأولين أمرهم رجلاً يكون عمداً لأول الأسنة. قيل: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال : النعمان بن مقرن. قالوا: هو لها، وكان النعمان يومئذ بالبصرة، فكتب إليه عمر فولاه أمر الجيش.
قال الطبري: كتب إليه عمر: «سر إلى نهاوند، فقد وليتك حرب الفيروزان، وكان المقدم على جيوش كسرى، فإن حدث بك حدث فعلى الناس نعيم بن مقرن، فإن فتح الله عليكم فاقسم على الناس ما أفاء الله عليهم، ولا ترفع إليّ شيئاً منه، وإن نكث القوم فلا تراني ولا أراك، وقد جعلت معك طليحة بن خويلد وعمرو بن معد يكرب، لعلمهما بالحرب، فاستشرهما ولا تولهما شيئاً.
قال أبو جعفر : فسار النعمان بالعرب حتى وافى نهاوند، وذلك في السنة السابعة من خلافة عمر، وتراءى الجمعان، ونشب القتال، وحجزهم المسلمون في خنادقهم واعتصموا بالحصون والمدن، وشق على المسلمين ذلك، فأشار طليحة عليه فقال : أرى أن تبعث خيلاً ببعض القوم وتحمشهم، فإذا استحمشوا خرج بعضهم واختلطوا بكم، فاستطردوا لهم فإنهم يطمعون
بذلك، ثم تعطف عليهم حتى يقضي الله بيننا وبينهم بما يجب. ففعل النعمان ذلك، فكان كما ظنّ طليحة، وانقطع العجم عن حصونهم بعض الإنقطاع، فلما أمضوا في الإنكشاف للمسلمين، حمل النعمان بالناس فاقتتلوا قتالاً شديداً، لم يسمع السامعون بمثله، وزلق بالنعمان فرسه فصرع وأصيب، وتناول الراية نعيم أخوه فأتى حذيفة بها فدفعها إليه، وكتم المسلمون مصاب أميرهم، واقتتلوا حتى أظلم الليل ورجعوا والمسلمون وراءهم، فعمي عليهم قصدهم فتركوه، وغشيهم المسلمون بالسيوف فقتلوا منهم ما لا يحصى، وأدرك المسلمون الفيروزان وهو هارب، وقد انتهى إلى ثنية مشحونة ببغال موقرة عسلاً، فحبسته على أصله فقتل، فقال المسلمون، إنّ لله جنوداً من عسل، ودخل المسلمون نهاوند فاحتووا على ما فيها وكانت أنفال هذا اليوم عظيمة، فحملت إلى عمر» (1).
1) شرح النهج الحديدي، ص 406 مجلد 2، وأنظر مروج الذهب للمسعودي ص 328 مجلد 2، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
ومن خطبة له (عليه السلام) تعرف بالشقشقية : أما والله لَقَدْ تَقَمَّصها ابنُ أبي قحافة. وإنَّه لَيَعْلَمُ أنَّ محلّي مِنْها مَحَلَّ القُطْبِ مِنَ الرَّحي. ينحدِرُ عَنِّي السيْلُ ولا يَرْقى إليَّ الطيرُ. فسدَلتُ دُونَها ثوباً. وطَوِيتُ عَنْها كَشْحاً، وطَفِقْتُ أَرْتَئي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بيدٍ جَذاء. أوْ أصْبِرَ على طَخيَّة عَمْيَاءَ يَهْرَمُ فِيها الكبيرُ ويشيبُ فيها الصّغيرُ، ويكدَحُ فيها مُؤمِنٌ حتى يلقَى رَبَّهُ. فرأيتُ أنّ الصَبْرَ على هاتا أَحْجَى. فَصَبَرْتُ وفي العين قَذى. وفي الحلْقِ شَجا أرى تُراثي نهبا.
البيان:
الشقشقة بالكسر : شيء يخرجه البعير من فيه إذا هاج، وإذا قالوا للخطيب : ذو شقشقة، فإنما شبّهوه بالفحل وسدلت دونها ثوباً : أي أرخيتُ، فعل الزاهد فيها الراغب عنها، وطويت عنها كشحاً : أي قطعتها وصرمتها، وهو مثل، لأنّ من كان إلى جانبك الأيمن مثلاً، فطويت كشحك الأيسر عنه فقد ملت عنه، والكشح: ما بين الخاصرة والخبب، ويقال لمن أجاع : فقد طوى کشحه، والمعنى أني أجعت نفسي عنها، ولم ألتهمها واليد الجذاء بالدال المهملة، والذال المعجمة: بمعنى المقطوعة، والطخية : قطعة من الغيم والسحاب. وقوله (عليه السلام) عمياء : تأكيد لظلام الحال واسودادها، قالوا : مفازة عمياء : أي يعمى فيها الدليل، ويكدح : يسعى ويكد مع مشقة. قال تعالى : «إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا» (1). وهاتا: بمعنى هذه. للتنبيه، وتا للإشارة، ومعنى تا ذي، وهذا أحجى من كذا: أي ألين بالحجی، وهو
1) سورة الإنشقاق : الآية 6.
العقل، وقوله (عليه السلام): وفي العين قذى أي صبرت على مضض، كما يصبر الأرمد، وقوله : وفي الحلق شجا : وهو ما يعترض في الحلق، والمعنى أنني صبرت صبر من غص بأمر فهو يكابد الخنق. وأرى تراثي نهبا : فقد كنّى (عليه السلام) عن الخلافة بالتراث، لأنها له بنص القرآن والحديث الشريف وقوله (عليه السلام) إنّ محلي منها محل القطب من الرَّحى، وهو تشبيه محض، فكما أن الرَّحى لا تدور إلا على القطب، ودورانها بغير قطب لا ثمرة له ولا فائدة منه كذلك نسبتي إلى الخلافة، فإنها لا تقوم إلا بي، ولا يدور أمرها إلا عليّ، وقد يريد (عليه السلام) أنه من الخلافة في الصميم وفي وسطها وبحبوحتها. وقوله : يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير : إشارة لشدة صعوبة تلك الأيام التي غصبت فيها الخلافة منه ووضعت في غير ما أراد الله لها من محلّ. وابن أبي قحافة المشار إليه هو الخليفة أبو بكر، واسمه القديم عبد الكعبة، وقيل إن اسمه في الجاهلية كان عتيقاً، واسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تیم بن مرّة، جاء به ابنه أبو بكر إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو شيخ كبير رأسه كالثغامة البيضاء، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «غيروا شيبته» وولي ابنه الخلافة، وهو حي منقطع في بيته مكفوف عاجز عن الحركة، فسمع ضوضاء الناس فقال : ما الخبر؟ فقالوا : ولي ابنك الخلافة فقال رضيت بنو عبد مناف بذلك؟ قالوا: نعم. قال : اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ومات أبو بكر وأبو قحافة حي، فسمع الأصوات فسأل، فقيل : مات إبنك، فقال : رزء جليل.
وكلامه (عليه السلام)، في هذا الفصل يتضمن تصريحاً لا لبس فيه ولا إيهام، على تظلمه وشكواه من القوم الذين سبقوه إلى الخلافة، ونسبتهم إلى اغتصاب الأمر الذي هو تراثه وحقه من رسول الله (صلى الله عليه وآله).
«لما مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرض الموت، دعا أسامة بن زید بن حارثة فقال : سر إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك على هذا الجيش، وإن أظفرك الله بالعدوّ، فأقلل اللبث، وبثّ العيون، وقدّم الطلائع، فلم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا كان في ذلك الجيش، ومنهم أبو بكر
وعمر، باستثناء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فتكلم قوم، وقالوا، يستعمل هذا الغلام على جلة المهاجرين، والأنصار فغضب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لما سمع ذلك، وخرج عاصباً رأسه فصعد المنبر، وعليه قطيفة ثم قال :
«أيُّها الناس، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟ لئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وأيم الله، إن كان لخليقاً بالإمارة، وإبنه من بعد لخليق، وإنهما لمن أحب الناس إليّ فاستوصوا به خيرا، فإنّه من خياركم».
ثم نزل، ودخل بيته وجاء المسلمون يودعون رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويمضون إلى عسكر أسامة بالجرف، وثقل رسول الله (صلى الله عليه وآله) واشتدّ ما يجده فأرسلت بعض نسائه - عائشة وحفصة - إلى أُسامة وبعض من كان معه يعلمونهم ذلك، لغاية في نفوسهن، فدخل أسامة من معسکره، والنبي (صلى الله عليه وآله) مغمور، وهو اليوم الذي لدوه فيه، فتطأطأ أسامة عليه فقبله، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أسكت فهو لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة كالداعي له، ثمّ أشار إليه بالرجوع إلى عسكره والتوجه لما بعثه فيه، فرجع أسامة إلى عسكره.
ثمّ أرسل : ثانية نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أسامة يأمرنه بالدخول : ويقلن : إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أصبح بارثاً، فدخل أسامة من معسكره يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع أول، أو السابع عشر من شهر ربيع أول، فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مفيقاً، يأمره بالخروج ويتعجل النفوذ، وقال : «أغدُ على بركة الله» وجعل يقول: «أنفذوا بعث أسامة، لعن الله من تخلّف عن جيش أسامة ويكرّر ذلك، فودع أسامة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخرج معه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين زالت الشمس من هذا اليوم وهو يوم الإثنين، وقد مات واللواء مع بريدة بن الخصيب، فدخل باللواء فركزه عند باب
رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مغلق وعلي (عليه السلام) وبعض بني هاشم مشتغلون بإعداد جهازه وغسله. فقال العبّاس لعلي (عليه السلام) وهما في الدار: أمدد يدك أبايعك، فيقول الناس عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بايع، فلا يختلف عليك إثنان. فقال له : أو يطمع يا عمّ فيها طامع غيري ؟ قال : ستعلم. فلم يلبثا أن جاءتهما الأخبار بأن الأنصار أقعدت سعد بن عبادة لتبايعه، وأن عمر جاء بأبي بكر فبايعه، وسبق الأنصار بالبيعة فندم علي (عليه السلام) على تفريطه في أمر البيعة وتقاعده عنها، وأنشده العباس قول دريد بن الصمة :
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى***فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد» (1)
وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعلم مسبقاً بموته، وأنه أراد أن يبايع لابن عمّه علي (عليه السلام) ولكن بعض الصحابة حال دون ذلك. فقد منع عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أن يقدّم للرسول القرطاس والقلم ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا من بعده أبداً وقال : إن النبي ليهجر، أو أنه غلب عليه الوجع، فاختلف المسلمون حوله، عند ذلك غضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: اخرجوا، فلا ينبغي عند نبي تنازع، وقد أراد (صلى الله عليه وآله) أن يسير أبا بكر وعمر في جيش أسامة حتى تخلو دار الهجرة منهما، فيصفو الأمر لعلي (عليه السلام)، ثمَّ يبايعه المسلمون بالمدينة على سكون وطمأنينة، فإذا جاءهما الخبر بموت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومبايعة الناس للإمام علي (عليه السلام) بعده كانا عن المنازعة والخلاف أبعد، لأنّ العرب كانت تلتزم بإتمام البيعة، ويحتاج في نقضها إلى حروب شديدة ومعاناة طويلة، فلم يتم له ما قدر، بسبب تثبيط عائشة وحفصة للجيش، وتثاقل أسامة بالجيش أياماً مع شدّة حثّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) على نفوذه، ولعنه من تخلّف عن جيش أسامة، حتى مات والجيش لمّا يزل في المدينة، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
1) شرح نهج البلاغة الحديدي، ص 54 مجلد 1.
ومن الخطبة الشقشقية الآنفة الذكر قوله (عليه السلام): حَتّى مضى الأوَّلُ لِسَبيله، فأدْلى بها إلى ابن الخطّابِ بَعْدَهُ، ثُمَّ تَمثَلَ بِقَوْلِ الأَعشى :
شتَانَ ما يَوْمي على كورها***ويَومُ حَيّان أخي جابر
فيا عجباً بينا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حياته، إذ عَقَدَها لآخرَ بَعْد وفاتِهِ. لَشَدّ ما تشطّرا ضرعيها، فصيّرها فى حوزة، خشناء يَغْلُظُ كَلمُها ويخْشُنُ مَسّها، ويكثرُ العِثَارُ فيها والاعْتِدَارُ مِنْها. فَصَاحِبُها كَراكِبِ الصّعْبةِ، إِنْ أَشْنَق لها خَرَمَ وإنْ أَسْلَس لها تَقحْمَ. فَمُنِي النَّاسُ لعَمْرُ الله بِخَيطٍ وَشِماس وتلوّن وإعْتِراض، فَصَبَرْتُ على طُولِ المدَّةِ وشِدَّةِ المِحْنَةِ.
البيان:
مضى لسبيله: مات، والسبيل الطريق، وقوله (عليه السلام): فأدلى بها من قوله تعالى : «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ» (1)أي تدفعوها إليهم رشوة، وأصله من أدليت الدلو في البئر : أرسلتها، ويعني (عليه السلام) أن أبا بكر أخرجها إلى جهة غير مستحقة لها، بنص القرآن والسنة، وذلك الإدلاء هو الرَّد لجميل ما صنعه ورتبه وأسسه عمر لأبي بكر، في سقيفة بني ساعدة، والنبي (صلى الله عليه وآله) لما يدفن، وابن الخطاب هو أبو حفص عمر وأبوه الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي.
1) سورة البقرة : الآية 188.
«وصورة ما جرى آنذاك، أن أبا بكر (رضي الله عنه) أحضر عثمان وهو يجود بنفسه، فأمره أن يكتب عهداً وقال : أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد عبد الله بن عثمان إلى المسلمين ثم أمّا بعد ثم، أغمي عليه وكتب عثمان : قد إستخلفت عليكم عمر بن الخطاب، وأفاق أبو بكر فقال : إقرأ. فقرأه فكبر وسرّ، وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي ؟ قال : نعم، قال : جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله، ثمّ أتم العهد، وأمر أن يقرأ على الناس فقرئ عليهم. فلما فرغ من الكتاب دخل عليه قوم من الصحابة منهم طلحة فقال له ما أنت قائل لربّك غداً، وقد وليت علينا فظاً غليظاً تفرق منه النفوس وتنفض عنه القلوب؟ فقال أبو بكر : أسندوني، وكان مستلقياً، فأسندوه فقال لطلحة : أبالله تخوّفني! إذا قال لي غداً ذلك قلت له : وليت عليهم خير أهلك فقال طلحة : أعمر خير الناس يا خليفة رسول الله ! فقال : أي والله هو خيرهم وأنت شرهم، أما والله لو وليتك لجعلت أنفك في قفاك، ولرفعت نفسك فوق قدرها حتى يكون الله هو الذي يضعها، أتيتني وقد دلكت عينك تريد أن تفتنني عن ديني، وتزيلني عن رأيي؟ قم لا أقام الله رجليك، أما والله لئن عشت فواق ناقة، وبلغني أنك غمصته فيها أو ذكرته بسوء، لألحقنك بحضات قنة حيث كنتم تسقون ولا تروون، وترعون ولا تشبعون وأنتم بذلك الحجون راضون: فقام طلحة فخرج، وتوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة» (1).
والبيت الذي تمثل به (عليه السلام) هو للأعشى الكبير، أعشى قيس، وهو أبو بصير بن قيس بن جندل من القصيدة التي قالها في معاقرة علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل وتمام الشعر:
شتان ما يومي على كورها***ويوم حيان أخي جابر
أرمي بها البيداء إذ هجرت***وأنت بين القرّ والعاصر
في مجدل شيد بنيانه***يزلّ عنه ظفر الطائر
1) المصدر السابق، ص 54 مجلد 1.
نقول : شتان ما هما، وشتان هما، ويجوز على «قول ضعيف : شتان ما بينهما» وشتان أصله شتت، كوشكان من وشك. وحيّان وجابر : إبنا السمين الحنفيان، وكان حيان صاحب شراب ومعاقرة خمر، وكان نديم الأعشى ؛ وكان أخوه جابراً أصغر سناً منه، فيقال إن حيَّان قال للأعشى : نسبتني إلى أخي وهو أصغر سناً مني ؟ فقال : إن الروي اضطرني إلى ذلك. فقال : والله لا أنازعنك كأساً أبداً ما عشت. يقول : شتان يومي وأنا في الهاجرة والرمضاء، أسير على كور هذه الناقة، ويوم حيّان، وهو في دسكرة الشراب ناعم البال، فرقة الاقدار والمشاق والقرّ.
وخلاصة مراد أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يقول : شتان بين يومي في الخلافة، مع ما انتقض عليّ من الأمر ومنيت به من انتشار الحبل واضطراب أركان الخلافة، وبين يوم عمر الذي وليها على قاعدة ممهدة سهلة وأركان ثابتة وسكون شامل، فانتظم أمره واطرد حاله وسكنت أيامه.
وقوله (عليه السلام): فيا عجباً أصله فيا عجبي، كقولك : يا غلامي، ثمّ قلبوا الياء أيضاً فقالوا : يا عجباً كقولهم : يا غلاماً، وهو نداء العجب من أبي بكر وهو يستقبل الخلافة أيام حياته، فيقول: أقيلوني، ومع ذلك فهو يعقدها عند وفاته لآخر، وفي هذا المقام تناقض بين الزهد فيها والإستقالة منها، وبين عقدها لرجل آخر في حياته، وفي هذا المعنى يقول الشاعر :
حملوها يوم السقيفة أوزا***راً تخف الجبال وهي ثقال
ثم جاءوا من بعدها يستقيلو***ن وهيهات عثرة لا تقال
وقد أجمع المؤرخون أن أبا بكر خطب المسلمين بعد الخلافة فقال : «أقيلوني، وليتكم ولست بخيركم».
وقوله (عليه السلام): لشدّ ما تشطرا ضرعيها: أصل شد، كقولك : حبّ في حبّذا، ومعنى شد: صار شديدا ومعنى حبّ: صار حبيباً، وللناقة أربعة أخلاف: خلفان قادمان، وخلفان آخران، وكلّ إثنين منهما شطر، وتشطرا ضرعيها : يعني (عليه السلام) أن أبا بكر وعمر (رضي الله عنهما) إقتسما فائدة الخلافة
ومنافعها، وهذا تظلم صريح من الخلفاء، وسُمي القادمان ضرعاً، وسمي الآخران معاً ضرعاً لتجاورهما، ولكونهما لا يحلبان إلا معاً كشيء واحد.
وقوله (عليه السلام) فجعلها في حوزة خشناء : أي في جهة صعبة المرام شديدة الشكيمة، والكلم: الجرح، وهذا وصف للخليفة الثاني، وقد وصف الله سبحانه العذاب بالغلظ فقال : «وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ» (1)أي متضاعف، لأنَّ الغليظ من الأجسام هو ما كثف وجسم، فكان أجزاؤه وجواهره متضاعفة. فلما كان العذاب متضاعفاً سُمي غليظاً، وكذلك الجرح إذا أمعن وعمق فكأنه قد تضاعف وصار جرحاً، فسمي غليظاً.
وقوله (عليه السلام): يكثر العثار فيها والإعتذار منها : وصف لهذه الجهة بأنها ليست سبيلاً مهيعاً، بل هي طريق شائكة كثيرة الحجارة، لا يزال الماشي فيها عاثراً، وأما الإعتذار منها، فيعني (عليه السلام) أن عمر كان كثيرا ما يحكم بالأمر ثمّ ينقضه، ويفتي بالفتيا ثم يرجع عنها ويعتذر عما أفتى.
روى المؤرخون أنَّ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) خرج في ليلة مظلمة، فرأى في بعض البيوت ضوء سراج وسمع حديثاً، فوقف على الباب يتجسس، فرأى عبداً أسود قدامه أناء فيه خمر وهو يشرب، ومعه جماعة، فهم بالدخول من الباب فلم يقدر من تحصين البيت، فتسور على السطح ونزل إليهم من الدرجة ومعه الدرّة، فلما رأوه قاموا وفتحوا الباب وانهزموا، فمسك الأسود فقال له : يا أمير المؤمنين قد أخطأت وإني تائب، فاقبل توبتي. فقال : أريد أن أضربك على خطيئتك. فقال : يا أمير المؤمنين إن كنت قد أخطأت في واحدة، فأنت قد أخطأت في ثلاث :
الأولى : فإنّ الله تعالى يقول: «وَلَا تَجَسَّسُوا» (2)وأنت تجسست.
الثانية : وقال تعالى: «وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا» (3)وأنت أتيت من السطح.
الثالثة : وقال تعالى: و«لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا» (1)وأنت دخلت وما سلمت فهب هذه لهذه، وأنا تائب إلى الله على يدك، على أن لا أعود لمثلها فاستتوبه و استحسن كلامه.
وحكى ابن الجوزي في كتابه «المنتظم» في مناقب عمر بن الخطاب قال : لما ولي عمر (رضي الله عنه) الخلافة، بلغه أن أصدقة أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) خمسمائة درهم، وأن فاطمة (عليها السلام) كان صداقها، على علي بن أبي طالب (عليه السلام)، أربعمائة درهم، فأدى إجتهاد عمر أن لا يزيد أحد على صداق البضعة النبوية فاطمة (عليها السلام)، فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه وقال : أيها الناس لا تزيدوا في مهور النساء على أربعمائة درهم، فمن زاد ألقيت زيادته في بيت مال المسلمين، فهاب الناس أن يكلموه، فقامت امرأة في يدها طول فقالت له: كيف يحل لك هذا والله تعالى يقول: «وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا» (2)فقال عمر (رضي الله عنه) : امرأة أصابت ورجل أخطأ» (3).
والصعبة من النوق: ما لم تركب ولم تروّض، إن أشنق لها راكبها بالزمام خرم أنفها، وإن أسلس زمامها تقدّم في المهالك، فألقته في مهواة أو ماء أو نار، أو ندّت فلم تقف حتى ترديه في المهالك، وأشنق الرجل ناقته : إذا كفها بالزمام وهو راكبها وشنق ثلاثية بالضم، وأشنق البعير نفسه إذا رفع رأسه يتعدى، ولا يتعدى وأصله من الشناق وهو خيط يشدّ به فم القربة.
وقال الرَّضي الشريف أبو الحسن - رضي الله عنه -: «إنما قال (عليه السلام): أشنق لها ولم يقل أشنقها، لأنه جعل ذلك في مقابلة قوله : أسلس لها وهذا حسن، فإنهم إذا قصدوا الإزدواج في الخطابة فعلوا مثل هذا قالوا الغدايا والعشايا، والأصل الغدوات : جمع غدوة، وقال (صلّى الله عليه
وآله): «إرجعن مأزورات غير مأجورات» وأصله موزورات بالواو، لأنّه من الوزر».
وقوله (عليه السلام) فمني الناس: أي بلي الناس، والخبط : السير على غير جادة، والشماس : النفار. والتلون: التبدل، والإعتراض : السير لا على خط مستقیم، كأنه يسير عرضاً في غضون سيره طولاً، وإنما يفعل ذلك البعير الجامح الخابط، وبعير عرضي : يعترض في سيره لأنه لم يتم رياضته، وفي فلان عرضية : أي عجرفة وصعوبة، وكان عمر بن الخطاب صعباً خشن الملمس سريع الغضب، شديد الإنفعال، ذا طبيعة يابسة جافة، وسياسة كثيرة التشدد، وكان أكابر الصحابة يتحامون ويتفادون من لقائه.
«كان أبو سفيان بن حرب في مجلس عمر، وهناك زياد بن سمية، وكثير من الصحابة فتكلم زياد فأحسن وهو يومئذ غلام، فقال علي (عليه السلام) وكان حاضراً، لأبي سفيان وهو إلى جانبه : لله هذا الغلام ! لو كان قرشياً لساق العرب. فقال له أبو سفيان: أما والله لو عرفت أباه لعرفت أنه من خير أهلك. قال ومن أبوه؟ قال : أنا وضعته في رحم أمّه. فقال علي (عليه السلام): فما يمنعك من استلحاقه؟ فقال : أخاف هذا العير الجالس أن يخرّق عليَّ إهابي» (1).
وعمر، هو الذي شيّد بيعة أبي بكر ورقم المخالفين فيها، فكسر سيف الزبير لمّا جرّده ودفع في صدر المقداد، ووطئ في السقيفة سعد بن عبادة، وقال : اقتلوا سعداً قتل الله سعداً، وحطّم أنف الحباب بن المنذر الذي قال يوم السقيفة: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجّب، وتوعد من لجأ إلى دار فاطمة (عليها السلام) من الهاشميين وغيرهم، وأخرجهم منها، بعد أن جمع الحطب على باب بيتها وهم بأن يحرقه، وفي هذا يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم - ويعتبر من المسلمات - :
1) المرجع السابق ص 58 مجلد 1.
وقولة لعلي قالها عمر***أكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرقت دارك لا أبقي عليك بها***إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها***أمام فارس عدنان وحاميها
«واستدعى عمر امرأة ليسألها عن أمر، وكانت حاملاً، فلشدّة هیبته ألقت ما في بطنها، فأجهضت جنيناً ميتاً. فاستفتى عمر أكابر الصحابة في ذلك فقالوا : لا شيء عليك، إنما أنت مؤدب. فقال له علي (عليه السلام): إن كانوا راقبوك فقد غشوك، وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطأوا، عليك غرّة : يعني عتق رقبة. فرجع عمر والصحابة إلى قول أمير المؤمنين (عليه السلام).
ولما قتل خالد بن الوليد الصحابي مالك بن نويرة - رحمه الله - كان في عسكره أبو قتادة الأنصاري، فركب فرسه والتحق بأبي بكر، وحلف أن لا یسیر في جيش تحت لواء خالد أبداً، فقص على أبي بكر القصة فقال أبو بكر : لقد فتنت الغنائم العرب، وترك خالد ما أمرته. فقال عمر : إنّ عليك أن تقيده بمالك، فسكت أبو بكر. وقدم خالد فدخل المسجد، وعليه ثياب قد صدئت من الحديد، وفي عمامته ثلاثة أسهم، فلما رآه عمر قال : أرياء يا عدو الله عدوت على رجل من المسلمين فقتلته، أما والله إن أمكنني الله منك لأرجمنك. ثم تناول الأسهم من عمامته فكسرها، وخالد ساكت لا يردّ عليه، ظناً أن ذلك عن أمر أبي بكر ورأيه، فلما دخل على أبي بكر وحدّثه، صدقة فيما حكاه وقبل عذره، فكان عمر يحرض أبا بكر على خالد ويشير عليه أن يقتص منه، بدم مالك. فقال أبو بكر: إيهاً يا عمر، وما هو بأول من أخطأ، فارفع لسانك عنه، ثم ودى مالكاً من بيت مال المسلمين.
وعزل عمر خالداً عن إمارة حمص، في سنة سبع عشرة، وأقامه للنّاس، وعقله بعمامته، ونزع قلنسوته عن رأسه، وقال: أعلمني من أين لك هذا المال؟ وذلك أنه أجاز الأشعث بن قيس بعشرة آلاف درهم. فقال: من الأنفال والسهمان. فقال : لا والله، لا تعمل لي عملاً بعد اليوم، وشاطره ماله وكتب إلى الأمصار بعزله وقال : إن الناس فتنوا به،
فخفت أن يوكلوا إليه، وأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع.
وكان عمر يفتي كثيراً بالحكم ثمّ ينقضه، ويفتي بضده وخلافه، قضى في الجد مع الأخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثم خاف من الحكم في هذه المسألة فقال : من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم، فليقل بالجدّ في رأيه. وقال مرَّة لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي إلا ارتجعت ذلك منها. فقالت له امرأة ما جعل الله لك ذلك إنه تعالى قال : «وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا» (1)فقال : كلّ الناس أفقه من عمر، حتى ربات الحجال. ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت! فاضلت إمامكم ففضلته، إلى غير هذه القصص كثير» (2).
ومن الخطبة الشقشقية الآنفة الذكر قوله (عليه السلام) حتى إذا مضى لِسبيلِهِ، جَعَلَها في جَماعة زعَمَ أنّي أحَدهُمُ، فيا لله وللشورى! متى اعْتَرضَ الرَّيبُ فِيَّ مَعَ الأَوَّل فيهِمْ، حتى صرْتُ أُقْرَنُ إلى هذه النَّظائِرِ، لَكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أسَفوا. وطِرْتُ إِذْ طاروا. فَصَغَا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضغْنِهِ. ومَالَ الآخرُ لِصهره مَعْ هَن وهَن.
البيان:
اللام في قوله : يا لله مفتوحة واللام في، وللشورى مكسورة، لأنّ الأولى للمدعو، والثانية للمدعو عليه، وأسف الرجل : إذا دخل في الأمر الذي لا رجاء في مناله ولا يليق به، أصله من أسف الطائر، إذا دنا من الأرض في طيرانه. والضغن: الحقد. وقوله (عليه السلام) مع هن وهن : أي مع أمور يكنى ولا يصرّح بذكرها، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشعر، والمعنى أن عمر لمّا طعن جعل الخلافة في ستة، هو (عليه السلام) أحدهم، ثم تعجب من ذلك فقال : متى اعترض الشك فيّ مع أبي بكر، حتى أقرن بسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف وأمثالهما؟ ولكني طلبت الأمر، وهو موسوم بالأصاغر منهم، كما طلبته أولاً وهو موسوم بأكابرهم لأنه في الأصل حقي فلا أستنكف من طلبه إن كان المنازع فيه جليل القدر أو صغير المنزلة، وصغا الرجل بمعنى مال، والصغو الميل.
«ذكر المؤرخون أنه لمّا طعن أبو لؤلؤة عمر (رضي الله عنه) وعلم أنه میت، استشار فيمن يوليه الأمر بعده، فأشير إليه بإبنه عبد الله، فقال : لاها الله، إذاً لا
يليها رجلان من ولد الخطاب، حسب عمر ما حمل، حسب عمر ما احتقب، لاها الله لا أتحملها حياً وميتاً، ثم قال : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) مات، وهو راض عن هذه الستة من قريش: علي وعثمان، وطلحة والزبير، وسعد وعبد الرحمن بن عوف، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم. ثم قال : إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) - ثم قال : أدعوهم لي، فدعوهم له فدخلوا عليه وهو ملقى على فراشه يجود بنفسه، فنظر إليهم فقال : أكلكم يطمع في الخلافة بعدي؟ فوجموا. فقال لهم ثانية : فأجابه الزبير وقال : وما الذي يبعدنا منها، وليتها أنت فقمت بها، ولسنا دونك في قريش ولا في السابقة ولا في القرابة، فقال عمر: أفلا أخبركم عن أنفسكم؟ قالوا : قل، فإنا لو استعفيناك لم تعفنا. فقال : أما أنت يا زبير، فوعق لقس، مؤمن الرّضا كافر الغضب، يوماً إنسان ويوماً شيطان، ولعلّها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم البطحاء على مُدّ من شعير أفرأيت إن أفضت إليك، فليت شعري من يكون للناس يوم تكون شيطانا؟ ومن يكون يوم تغضب؟ أما وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الأمة وأنت على هذه الصفة. ثم أقبل على طلحة، وكان له مبغضاً، منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قال في عمر، فقال له : أقول أم أسكت، قال : قل، فإنك لا تقول من الخير شيئاً قال: أما إني أعرفك منذ أصيب أصبعك يوم أحد، والباً بالذي حدث لك، ولقد مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب».
قلت : إن اللبيب يلحظ التناقض في كلام عمر (رضي الله عنه)، ما بين صدر الكلام وعجزه، فقد زعم أولاً أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مات وهو راض عن الستة – ومنهم طلحة - ثمّ زعم أخيراً، أن الرسول (صلى الله عليه وآله) مات ساخطاً على طلحة.
«ثمّ أقبل على سعد بن أبي وقاص فقال : إنّما أنت صاحب مقنب من هذه المقانب تقاتل به، وصاحب قنص وقوس وأسهم، وما زهرة والخلافة وأمور
الناس. ثم أقبل على عبد الرحمن بن عوف فقال : وأما أنت يا عبد الرحمن فلو وزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك به، ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك، وما زهرة وهذا الأمر، ثم أقبل على علي (عليه السلام) فقال : لله أنت لولا دعابة فيك، أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح والمحجّة البيضاء، ثم أقبل على عثمان فقال : هيهاً إليك، كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبّها إياك، فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذئبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحاً والله لئن فعلوا لتفعلنّ، ولئن فعلت ليفعلن، ثم أخذ بناصيته فقال : فإذا كان ذلك فاذكر قولي فإنه كائن».
قلت والجدير بالذكر أن العاقل يلاحظ أمرين هامين في الكلام الأنف الذكر :
الأول : أنّ الخليفة الثاني قد ولى عثمان بن عفان، بهذه الشورى على الترتيب المذكور، لأن سعداً وعبد الرحمن يميلان لعثمان بحكم المصاهرة والقرابة، وطلحة لا يؤيد علياً.
الثاني: أن عمر (رضي الله عنه) كان يعلم عدم أهلية عثمان وضعفه، وأنه سيحمل بني أمية، وأقرباءه على رقاب المسلمين وتكهن بأنه سيقتل بسبب ذلك.
«ثمّ قال عمر: أدعوا لي أبا طلحة الأنصاري فدعوه له فقال : أنظر يا أبا طلحة، إذا عدتم من حفرتي، فكن في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفكم، فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله واجمعهم في بيت، وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحداً منهم، فإن اتفق خمسة وأبى واحد، فاضرب عنقه، وإن إتفق أربعة وأبى إثنان فاضرب أعناقهما وإن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن، فارجع إلى ما قد اتفقت عليه، فإن أصرّت الثلاثة الأخرى على خلافها، فاضرب أعناقها، فإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر، فاضرب أعناق الستة، ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم» (1).
1) المصدر السابق ص 62 مجلد 1.
قلت: سبحان الله ! من أمر هذه الشورى وهذا القضاء، وهذا التقسيم الذي لم ينزل في كتاب أو سنة، ولا أعرف السبب الحقيقي لضرب الأعناق على الترتيب الآنف الذكر، وما الذي يسوغه شرعا، وهي دون ذلك، فتوى عجيبة غريبة من عنديات الخليفة الثاني.
«فلما دفن عمر جمعهم أبو طلحة ووقف على باب البيت بالسيف في خمسين من الأنصار حاملين سيوفهم، ثمّ تكلم القوم وتنازعوا، فأول ما عمل طلحة أنه أشهدهم على نفسه أنه قد وهب حقه من الشورى لعثمان، وذلك لعلمه أن الناس لا يعدلون به علياً وعثمان، وأن الخلافة لا تخلص له وهذان موجودان، فأراد تقوية عثمان وإضعاف جانب علي (عليه السلام)، بهبة أمر لا انتفاع له به ولا تمكن له منه. فقال الزبير في معارضته : وأنا أشهدكم على نفسي أني قد وهبت حقي من الشورى لعلي (عليه السلام). وإنما فعل ذلك لأنه لمّا رأى علياً قد ضعف وانخذل بهبة طلحة حقه لعثمان، دخلته حمية النسب لأنه ابن عمة أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي صفية بنت عبد المطلب وأبو طالب خاله. وإنما مال طلحة إلى عثمان لانحرافه عن علي (عليه السلام)، باعتبار أنه تيمي وابن عمّ أبي بكر، وقد كان حصل في نفوس بني هاشم من بني تيم حنق شديد، لأجل الخلافة فبقي من الستة أربعة فقال سعد بن أبي وقاص : وأنا قد وهبت حقي من الشورى لابن عمي عبد الرحمن، وذلك لأنهما من بني زهرة ولعلم سعد أن الأمر لا يتم له.
فلمّا لم يبق إلا ثلاثة، قال عبد الرحمن لعلي وعثمان : أيكما يخرج نفسه من الخلافة ويكون له الإختيار في الإثنين الباقيين؟ فلم يتكلم منهما أحد فقال عبد الرحمن : أشهدكم أنني قد أخرجت نفسي من الخلافة على أن أختار أحدهما. فأمسكا. فبدأ بعلي (عليه السلام) وقال له : أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر. فقال : بل على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) واجتهاد رأيي. فعدل عنه إلى عثمان، فعرض ذلك عليه فقال : نعم. فعاد إلى علي (عليه السلام)، فأعاد
قوله. فعل عبد الرحمن ذلك ثلاثاً، فلما رأى علياً (عليه السلام) غير راجع عمّا قاله، وأن عثمان ينعم له بالإجابة، صفق على يد عثمان وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين. فيقال : إنّ علياً (عليه السلام) قال له : والله ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه، دق الله بينكما عطر منشم. قيل ففسد الأمر بعد ذلك، بین عثمان وعبد الرَّحمن، فلم يكلم أحدهما صاحبه حتى مات عبد الرحمن» (1).
قلت: لا ينقضي العجب من أمر عبد الرحمن، هذا الذي أراد أن يبعد الخلافة عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالشرط الثالث، أعني سيرة الشيخين، وكأنه لا يرى في كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) ما يغني عن سيرة الشيخين، لكن ذلك كان حجر عثرة في سبيل المبايعة للإمام (عليه السلام) ولكنه أمر دُبر بليل، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقوله (عليه السلام) : فصغا رجل منهم لضغنه : فإنه طلحة، ومال الآخر لصهره فإنه عبد الرحمن مال إلى عثمان لأن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أخت عثمان من أمه أروى بنت كريز، كانت تحت عبد الرحمن.
«وكان ابن عبّاس، قبل ذلك، قد قال لعلي (عليه السلام): ذهب الأمر منا، إن الرجل - عمر - يريد أن يكون الأمر في عثمان. فقال أمير المؤمنين : وأنا أعلم ذلك، ولكني أدخل معهم الشورى لأن عمر قد أهلني الآن للخلافة، وكان عمر قال لعبد الله بن عباس يوماً ما تقول في منع قومكم إياكم من الخلافة؟ قال : لا أعلم يا أمير المؤمنين قال : اللهم اغفر إن قومكم كرهوا أن تجتمع لكم النبوّة والخلافة، فتذهبون في السماء بذخاً وشمخاً، لعلكم تقولون : إن أبا بكر أراد الإمرة عليكم وهضمكم، كلا، لكنه حضره أمر لم يكن عنده أحزم مما فعل، ولولا رأي أبي بكر فيّ بعد موته لأعاد أمركم إليكم، ولو فعل ما هناكم إنهم - قريش - لينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره.
1) المصدر السابق ص 63 مجلد 1.
وممّا ينسب إلى علي (عليه السلام) أنه قال يوم الشورى، لقوم معه من بني هاشم: إن أطمع قومكم فيكم من قريش لم تؤمروا أبداً. وقال لعمه العبّاس ابن عبد المطلب : عدل بالأمر عني يا عم. قال : وما علمكم ؟ قال : قرن بي عثمان. وقال عمر : كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً فكونوا مع الذين فيهم عبد الرّحمن، فسعد لا يخالف ابن عمه، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان فيوليها أحدهما الآخر، فلو كان الآخران معي لم يغنيا شيئاً، فقال العباس : لم أرفعك إلى شيء إلا رجعت إلي مستأخراً ما أكره. أشرت عليك عند مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تسأله عن هذا الأمر، فيمن هو، فأبيت وأشرت عليك عند وفاته أن تعاجل البيعة فأبيت، وقد أشرت عليك حين سماك عمر في الشورى اليوم أن ترفع نفسك عنها، ولا تدخل معهم فيها فأبيت، فاحفظ عني واحدة، كلّما عرض عليك القوم الأمر فقل : لا، إلا أن يولوك، واعلم أن هؤلاء لا يبرحون يدفعونك عن هذا الأمر، حتى يقوم لك به غيرك وأيم الله لا تناله إلا بشر لا ينفع معه خير. فقال (عليه السلام): أما أني أعلم أنهم سيولون عثمان، وليحدثن البدع والأحداث، ولئن بقي لأذكرنك، وإن قتل أو مات ليتداولها بنو أمية بينهم، وإن كنت حياً لتجدني حيث يكرهون» (1).
«وقال أبو هلال العسكري في كتاب «الأوائل»: إستجيبت دعوة علي (عليه السلام) في عثمان، وعبد الرحمن، فما ماتا إلا متهاجرين متعاديين. أرسل عبد الرحمن إلى عثمان يعاتبه وقال لرسوله: قل له : لقد وليتك ما وليتك من أمر الناس، وإن لي لأموراً ما هي لك : شهدت بدراً وما شهدتها، وشهدت بيعة الرضوان، وما شهدتها، وفررت يوم أحد وصبرت.
ولما بنى عثمان قصره، طمار الزوراء، وصنع طعاماً كثيراً، ودعا الناس إليه، كان فيهم عبد الرَّحمن فلما نظر إلى البناء والطعام قال : يا ابن عفان، لقد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك، وإني أستعيذ بالله من بيعتك، فغضب عثمان
1) المصدر السابق ص 64 مجلد 1.
وقال : أخرجه عني يا غلام، فأخرجوه وأمر الناس أن لا يجالسوه، فلم يكن يأتيه أحد إلا ابن عبّاس، كان يأتيه فيتعلم عبد الرَّحمن منه القرآن، والفرائض ومرض عبد الرحمن فعاده عثمان وكلّمه، فلم يكلمه حتى مات» (1).
1) نفس المصدر.
ومن هذه الخطبة «الشقشقية»: إلى أن قامَ ثالثُ القوم نافِجاً حُضْنيه بَيْنَ نَثِيلِهِ ومُعْتلَفِهِ. وقامَ مَعَهُ بَنُو أبيه يَخْضمونَ مَالَ الله خَضْمَةَ الإِبْلِ نبتَةَ الرَّبِيعِ، إلى أن انتكَثَ فَتَلُهُ، وأجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ. وكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ.
البيان:
نافجاً حضنيه : رافعاً لهما، والحضن ما بين الإبط والكشح. ويقال للمتكبر : جاء نافجاً حضنيه، ويقال أيضاً لمن امتلأ بطنه طعاماً: جاءنا نافجاً حضنيه، والنثل : هو الروث، والمعتلف: موضع العلف الذي يقدم للحيوانات، والمعنى أنّ همّه الأكل، والرجيع، وهذا من ممضّ الذم وأشدّه، وهو أعظم في الهجاء والذم من قول الحطيئة الذي وصف بأنه أهجي بيت في العرب :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها***واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
أي المطعم والمكسو. والخضم: هو الأكل بكل الفم وضدّه القضم، وهو الأكل بأطراف الأسنان وقيل الخضم أكل الشيء الرطب. والقضم : أكل الشيء اليابس.
وعلى أية حال، فقد كان بنو أمية على قدم عظيمة من النهم وشدّة الأكل وامتلاء الأفواه، وقال أبو ذر - رحمه الله تعالى - عنهم : يخضمون ونقضم، والموعد الله. والنبتة : بكسر النون كالنبات، نبت الرطب نباتاً ونبتة، وانتكث فتله: إنتفض، وهذه إستعارة، وأجهز عليه عمله عمّ قتله يقال : أجهزت على الجريح مثل ذففت إذا أتممت قتله، وكبت به بطنته : من
كبا الجواد إذا سقط لوجهه والبطنة الإسراف في الشبع.
«وثالث القوم، هو عثمان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف كنيته أبو عمرو، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حنين بن عبد شمس، بايعه الناس بعد إنقضاء الشورى وإستقرار الأمر له، وقيل إنه صحت فيه فراسة عمر فإنه أوطأ بني أمية رقاب الناس وولاهم الولايات، وأقطعهم القطائع، وإفتتحت أرمينية في أيامه، فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان بن الحكم صهره وطلب منه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف درهم، وأعاد الحكم بن أبي العاص الذي كان يتجسس على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مع نسائه، ويستهزىء به، ويحكي مشيته - إلى المدينة - بعد أن سيّره رسول الله (صلى الله عليه وآله) خارجها، وتوسط له عثمان عند أبي بكر، وعمر فلم يرداه، ثم أعطاه بعد عودته مائة ألف درهم وتصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) بموضع سوق بالمدينة، يعرف بتهروز، على المسلمين فأقطعه عثمان الحرث بن الحكم طريد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقطع فدك، وهي ملك الزهراء فاطمة بنت رسول الله (عليها السلام)، بعد أن طلبتها بعد وفاة أبيها (صلى الله عليه وآله) من أبي بكر، تارة بالميراث وأخرى بالنحلة، فدفعت عنها من قبل الشيخين وحمى عثمان المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم، إلا عن بني أمية وأعطى عبد الله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب، وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال وقد كان زوجه ابنته أم أبان فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح، فوضعها بن يدي عثمان وبكى، فقال عثمان أتبكي أن وصلت رحمي ؟ فقال : لا ولكن أبكي لأني أظنك أنك أخذت هذا المال عوضاً عمّا أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والله لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيراً. فقال : ألقِ المفاتيح يا ابن أرقم، فإنّا سنجد غيرك، وأتاه أبو موسى الأشعري بأموال جليلة من العراق، فقسمها كلها في بني أمية، وأنكح
الحرث بن الحكم ابنته عائشة، فأعطاه مائة ألف من بيت المال أيضاً، بعد صرفه زيد بن أرقم عن خزنه.
وانضمّ إلى هذه الأمور أمور أخرى نقمها عليه المسلمون، كتسيير أبي ذر
1) المصدر السابق ص 67 مجلد 1.
ومن كلام له (عليه السلام)، وقد سأله ذعلب اليماني : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام) أفأعْبُدُ ما لا أرى ؟ فقال : وكَيْفَ تَراهُ؟ قالَ : لا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشاهَدَةِ الْعَيانِ. ولكِنْ تُدْركُهُ القُلُوبُ بحقائق الإيمانِ. قريبٌ مِنَ الأشْياءِ غَيْرُ مُلامِس. بَعِيدٌ مِنْها غَيْرُ مُباين. متكلم بلا رويةٍ مُريد لا بِهمَّةٍ. صانع لا بجارِحَةٍ، لطيف لا يُوصَفُ بالخَفَاءِ، كَبيرٌ لا يُوصَفُ بالجفاء، بصيرٌ لا يُوصَفُ بالحاسَةِ، رَحيم لا يُوصَفُ بالرّقة، تغنو الوجوهُ لِعَظَمَتِهِ. وتجِبُ القُلوبُ مِنْ مخافَتِه.
البيان:
الذعلب في الأصل : الناقة السريعة، وكذلك الذعلبة، ثم نقل إلى الإنسان فصار علماً، كما نقلوا بكراً عن فتى الإبل إلى بكر بن وائل، واليماني : مخفف النون، ولا يجوز تشديدها، جعلوا الألف عوضاً عن الياء الثانية، وكذلك فعلوا في الشامي، والأصل : يمني وشامي.
وقوله (عليه السلام): أفأعبد ما لا أرى. كلام في غاية الشرف ومقام رفيع جدا، لا يصلح أن يدعيه أحد غيره، ثم ذكر حقيقة هذه الرؤية وماهيتها فقال : إنها رؤيا البصيرة لا البصر، ثم أوضح (عليه السلام) ذلك فقال : إنه تعالى قريب من الأشياء غير ملامس لها، ذلك لأنه ليس بجسم، وقربه منها إنما كان عن علمه بها. قال تعالى :«مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ» (1)
1) سورة المجادلة : الآية 7.
وقوله : بعيد منها غير مباين فكذلك، لأنه ليس بجسم سبحانه فلا يطلق عليه البينونة، وبعده منها هو عبارة عن إنتفاء اجتماعه معها، وذلك كما يصدق على البعيد بالوضع يصدق على البعيد بالذات الذي لا يصح الوضع، والأين عليه أصلا.
وقوله متكلم بلا روية: والروية هي الفكرة يرتئي الإنسان بها ليصدر عنه ألفاظ ومعان سديدة دالة على مقصده على وجه صحيح والباري سبحانه متكلم لا باعتبار الروي، بل لأنه إذا أراد تعريف خلقه أمراً، من جهة الحروف والأصوات، وكان في ذلك مصلحة ولطف لهم، خلق الأصوات والحروف في جسم جمادي، فيسمعها من يسمعها ويكون ذلك كلامه.، لأن المتكلم في اللغة العربية هو فاعل الكلام، لأنه حلّه كما في تكليم الباري عز وجل لموسى (عليه السلام) من الشجرة.
وقوله (عليه السلام): مريد بلا همّة أي بلا عزم مسبق، والعزم هو عبارة عن إرادة متقدمة للعقل، وقوله : صانع لا بجارحة : أي دون عضو، لأنه ليس بجسم. وقوله (عليه السلام): لطيف لا يوصف بالخفاء، وذلك لأن العرب إذا قالوا لشيء : إنه لطيف، أرادوا أنه صغير الحجم والباري سبحانه لطيف لا بهذا الإعتبار، بل باعتبارين آخرين: الأول أنه لا يُرى، لعدم صحة رؤية ذاته، فلما شابه اللطيف من الأجسام في استحالة رؤيته، أطلق عليه لفظ اللطيف إطلاقاً للفظ السبب على المسبب، وثانياً، أنه لطيف بعباده، كما قال في كتابه العزيز، أي يفعل لهم الألطاف التي تقربهم من الطاعة المبعدة لهم من القبيح، وهو لطيف لأنه يرحمهم ويرفق بهم.
وقوله : كبير لا يوصف بالجفاء، هذا لأنه لما كان لفظ كبير إذا استعمل في الجسم أفاد تباعد أقطاره، لمّا وصف الباري بأنه كبير، أراد بأنه ينزهه عمّا يدل لفظ كبير عليه، إذا استعمل في الأجسام، والمراد بأن الله كبير بعظمة شأنه وجلال سلطانه.
وقوله (عليه السلام): بصير لا يوصف بالحاسّة، لأنه تعالى يدرك إمّا
لأنه حي لذاته، وإمّا أن يكون إدراكه هو علمه، ولا جارحة ولا حاسة له على كلا القولين. وقوله (عليه السلام): رحيم لا يوصف بالرقة، لأن صفة الرحمة في صفاته تعالى تطلق مجازاً على إنعامه على عباده، لأنّ الملك إذا رقّ على رعيته وعطف، أصابهم بإنعامه ومعروفه.
وقوله (عليه السلام): تعنو الوجوه: أي تخضع. قال تعالى: «وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ» (1)وقوله (عليه السلام): وتجب القلوب: أي تخفق. :وجل: خاف، وروي لا تراه العيون بمشاهدة العيان، عوضاً عن : لا تدركه.
1) سورة طه : الآية 111.
ومن كلام له (عليه السلام)، وقد سمع قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشام، أيام حربهم في صفين : إنّي أكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونوا سبَابِينَ، ولَكِنَّكُمْ لَوْ وصَفْتُمْ أَعْمالَهُمْ وذَكَرتُمْ حالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ في القَولِ، وأبْلَغُ في العُذْرِ، وقُلتُم مَكانَ سبّكُمْ إِيَّاهُمْ : اللَّهُمَّ احْقُنْ دِماءَنا ودِماءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَينَنا وبينَهُمْ، واهْدِهِمْ مِنْ ضَلالَتِهِمْ حَتَّى يَعْرِفَ الحَقِّ مَنْ جَهِلَهُ، ويَرْعَوِيَ عَنِ الغيّ والعُدْوانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ.
البيان:
السبّ في اللغة: هو الشتم : سبَّهُ يسبّهُ بالضم، والتسابّ: التشاتم، والذي كرهه منهم (عليه السلام) أنهم كانوا يشتمون أهل الشام، ولكنه لم يكن يكره منهم لعنهم إياهم والبراءة منهم، وليس الأمر كما يتوهمه الحشوية، بما ران على قلوبهم، بعدم تجويزهم لعن أحد ممن عليه إسم الإسلام وينكرون على من يلعن، ومنهم من يغالي في ذلك فيقول : لا ألعن الكافر، ولا ألعن فرعون، ولا حتى إبليس، وأن الله تعالى لا يقول لأحد، يوم القيامة : لِمَ لم تلعن، وإنما يقول : لم لعنت.
ونسب هذا القول إلى محي الدين بن عربي، وهو خلاف النصّ القراني. قال تعالى : «إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا» (1)وقال تعالى : «أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» (2)وقال في حق إبليس لعنه الله : «وَإِنَّ عَلَيْكَ
لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ» (1)وقال جل شأنه : «مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا» (2). وفي القرآن الكريم الكثير من أمثال هذه الآيات الكريمة، وكيف يجوز للمسلم أن ينكر التبري ممن يجب التبري منه، فكأن هؤلاء لم يسمعوا قوله سبحانه: ««قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا» (3)وإنما يجب النظر فيمن اشتبهت حاله، فإن كان قد قارف كبيرة من الذنوب يستحق بها اللعن والبراءة، فلا ضير على من يلعنه ويبرأ منه، بل قد يكون واجباً، وإن لم يكن قد قارف كبيرة من الذنوب يستحق بها اللعن، لم يجز لعنه ولا البراءة منه، والدليل قول الله تعالى في قصة اللعان «فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين» (4)وقال تعالى في القاذف: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (5)فهاتان الآيتان في المكلفين من أهل القبلة والآيات قبلها في الكافرين والمنافقين، ولهذا صح عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان يقنت على معاوية وجماعة من أصحابه، وقد لعنهم في أدبار الصلوات.
وصورة السب الذي نهى عنه (عليه السلام) هو الشتم بالآباء والأمهات، أو في النسب، ومنهم من يذكرهم باللؤم والجبن والبخل، بل بأنواع الأهاجي التي يتداولها الشعراء ومن هنا جاء قوله (عليه السلام): إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين ولكن الأصوب أن تصفوا أعمالهم، وتذكروا حالهم، أي أن تقولوا : إنهم فساق وأهل ضلال وباطل. ثمّ قال : إجعلوا عوض سبهم أن تقولوا : اللهم أحقن دماءنا ودماءهم، وحقنت الدم، أحقنه بالضم: منعت أن
يسفك، أي ألهمهم الإنابة إلى الحق والعدول عن الباطل، فإنّ ذلك إذا تمّ حقنت دماء الفريقين.
وقوله (عليه السلام): وأصلح ذات بيننا وبينهم : يعني أحوالنا وأحوالهم، ولمّا كانت الأحوال ملابسة البين، قيل لها: ذات البين، وارعوى عن الغي: رجع وكفّ ولهج، به بالكسر، يلهج: أغرى به وثابر عليه، وهكذا كان أهل البيت (عليهم السلام)، يهذبون ويؤدبون شيعتهم ومحبيهم ومناصريهم، بخلق الإسلام والرفعة كي يكونوا المثال المحتذى والقدوة الطيبة، بالقول والفعل، ومثل قول أمير المؤمنين (عليه السلام) قول حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) : «شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بماء ولايتنا، يتخلّقون بخلقنا، ويتأدبون بأدبنا، تأدبوا بخلقنا رحمكم الله حتى يقول الناس : رحم الله جعفراً فقد هذَب شيعته».
ومن كلام له (عليه السلام): في بعض أيام صفين، وقد رأى الحسن إبنه (عليه السلام) يتسرع إلى الحرب: امْلِكُوا عَنّي هذَا الغُلامَ لا يَهُدني. فإنني أنْفَسُ بهذَيْن (يعني الحَسَنُ والحُسَيْن (عليهما السلام) علَى المَوتِ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِما نَسْلُ رَسُولِ الله (صلى الله عليه وآله).
قالَ الرَّضي أبو الحسن - رحِمَهُ الله -: قوله (عليه السلام): امْلِكُوا عَنِّي هَذَا الغُلامُ، مِنْ أَعْلى الكلام وأفصحه.
البيان:
الألف في املكوا ألف وصل، لأنّ الماضي ثلاثي من ملكت الفرس والعبد والدار، املِك بالكسر، أي احجروا عليه، كما يحجر المالك على مملوكه، وعن متعلقة بمحذوف تقديره استولوا عليه وأبعدوه عنّي، وقد أشار الشريف الرضي - رضوان الله عليه - إلى الوجه في علو هذا الكلام، بأنه لما كان في املكوا معنى البعد، أعقبه بعن، وذلك أنهم لا يملكونه دون أمير المؤمنين (عليه السلام) إلا وقد أبعدوه عنه.
وقوله (عليه السلام) لا يهدني: أي لئلا يهدني، فحذف كما في قول طرفة : «ألا أيُّهذا الزاجري أحضر الوغى» أي لأن أحضر وأنفس : أبخل، نفست بكذا بالكسر. والحق أن الحسن والحسين (عليهما السلام) هما أبناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الحقيقة، لأن الله سبحانه سماهم إبناه في قوله تعالى : «تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ» (1)وإنما عنى الحسن والحسين (عليهما السلام)،
1) سورة آل عمران : الآية 61.
في المباهلة بين النبي (صلى الله عليه وآله) ووفد نجران من النصارى. ومن ناحية فقهية بحتة، لو أوصى لولد فلان بمال، دخل فيه أولاد البنات، وقد سمّى الله جل شأنه عيسى (عليه السلام) ذريَّة إبراهيم (عليه السلام)، قال سبحانه : «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ» إلى أن قال: «وَيَحْيَى وَعِيسَى» (1)ولم يختلف أهل اللغة في أن ولد البنت من نسل الرّجل وابن البنت إبن على الحقيقة الأصلية، لأن أصل الإطلاق الحقيقة، وقد يكون اللفظ مشتركا بين مفهومين وهو في أحدهما أشهر ولا يلزم من كونه أشهر في أحدهما أن لا يكون حقيقة في الآخر. وبالجملة فإن كل مولود في الوجود ينسب إلى أبيه، لغة وشرعاً، إلاّ الحسن والحسين (عليهما السلام)، فإن سيد البشر (صلى الله عليه وآله) هو أبوهما.
ومما يدل على اختصاص ولد فاطمة (عليها السلام)، خاصة دون بني هاشم كافة، بالنبي (صلى الله عليه وآله) أنه ما كان يحل له أن ينكح بنات الحسن والحسين (عليهما السلام) ولا بنات ذريتهما وإن بعدن وطال الزمان، ويحلّ له نكاح بنات غيرهم من بني هاشم من الطالبيين وغيرهم، وهذا يدل على مزيد الأقربية، وهي كونهم أولاده، لأنّه ليس هناك من القربى غير هذا الوجه، لأنهم ليسوا أولاد أخيه وليس هناك وجه يقتضي حرمتهم عليه إلا كونه والداً لهم، وكونهم أولاداً له.
وقيل لمحمد بن الحنفية - رضي الله تعالى عنه - : لم يغرر بك أبوك في الحرب، ولما لا يغرر بالحسن والحسين؟ فقال : لأنهما عيناه، وأنا يمينه، فهو يذبّ عن عينيه بيمينه وهذا كله واضح في قوله (صلى الله عليه وآله) عندما أشار إلى الحسن والحسين (عليهما السلام): «إن ولدي هذين إمامان، قاما أو قعدا» والحق الذي لا مراء فيه أن كل ولد يجيئ، منذ آدم حتى تقوم الساعة، ينسب إلى أبيه إلا الحسن والحسين (عليهما السلام)، فهما ينسبان إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الحقيقة لا على المجاز، وهذا من
1) سورة الأنعام: الآية 84.
خصائص سيد البشر (صلى الله عليه وآله) مثل الجواز له أن يتزوج بالعقد، بأكثر من أربع نساء، ووجوب صلاة الليل عليه، وأنه إذا نام تنام عيناه ولا ينام قلبه، وأنه يرى ما وراءه كما يرى ما أمامه، وأنه لا ظلّ له في الشمس، وأنه معصوم، إلى غيرها كثير من خصائصه (صلّى الله عليه وآله).
ومن الطريف النادر في هذا الباب ما ذكره المؤرخون، بين الرشيد العباسي والعبد الصالح موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، والقصة طويلة معروفة نجتزئ منها ما كان شاهداً لنا في هذا المقام : قال هارون الرشيد يوماً للإمام الكاظم (عليه السلام) : أينا أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأحق بميراثه أولاد العم أم أولاد البنت؟ فقال (عليه السلام) لو أعفيتني يا أمير المؤمنين؟ فقال : لا والله حتى تجبني، قال: أوَ لِي الأمان؟ قال: ولك الأمان. فقال (عليه السلام): ناشدتك الله والإسلام، لو أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خطب إليك إحدى بناتك، هل تزوجه أم لا؟ قال: نعم، حباً وكرامة. قال الإمام الكاظم (عليه السلام): أما أنه لو جاءني خاطباً إحدى بناتي لما وسعني إجابته، وأقول يا رسول الله: إنهنّ بناتك. فانتفض الرشيد :وقال يا موسى أكتم الحديث، فوالله لو سمعتك تحدث بهذا الحديث لأخذت الذي فيه عيناك.
ومن كلام له (عليه السلام): والله لأن أبيت على حَسَكِ السّعدانِ مُسهداً. أوْ أَجَرّ في الأغْلالِ مُصفّداً أَحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ ألقى الله ورسولهُ يَوْمَ القيامة ظالِماً لِبَعْضِ العباد، أوْ غاصباً لشيءٍ مِنَ الحطام، وكيفَ أظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسِ يُسْرِعُ إلى البلَى قُفُولها، ويَطولُ في القرى حُلُولها، والله لقد رأيتُ عَقِيلاً وقَدْ أمْلَقَ حتى استماحني منْ بُرْكُمْ صَاعاً، ورأيتُ صبيانَهُ شُعْثَ الشّعورِ غُبُرَ الألوانِ مِنْ فقْرِهِمْ، كأَنَّما سُوّدتْ وجُوهُهُمْ بالعِظلم، وعاودني مؤكداً، وكرَّرَ عليَّ القَوْلَ مُردَداً، فأصغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي، فَظَنَّ أنّي أبيعُهُ ديني وأتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفارِقاً طريقي. فأَحْمَيْتُ لهُ حَديدَة، ثمَّ أدْنيتُها مِنْ جسمه، ليعتبر بها، فضج ضجيج ذِي دَنَفٍ مِنْ ألمها، وكادَ أنْ يحْتَرِقَ مِنْ ميسمها، فقُلْتُ ثَكَلَتْكَ الثَّواكِلُ يا عقيل، أتئنّ من حَديدةٍ أحْماها إنسان لِلعبه، وتجُرُّني إلى نارٍ سجَرَها جَبَّارُها لِغَضَبِهِ ؟ أَتئنُّ مِنْ الأذى، ولا أئنّ من لَظَى؟ وأعْجَبُ مِنْ ذلك طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَةٍ فِي وعائها، ومعجونَةٍ شنئتها، كأَنَّما عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أو قينها، فقلتُ: أصِلَةٌ، أمْ زكاة، أمْ صَدقَة؟ فَذَلِكَ مُحرَّم علينا أهْلَ البيت. فقال : لا ذَا ولا ذاكَ، ولكنّها هدية. فقلتُ : هبلتك الهبولُ، أعَنْ دِينِ الله أتيتني لتخدَعَني؟ أمُخْتَبِطُ، أمْ ذُو جنّة، أمْ تهجُرُ؟ والله لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة، بما تحْتَ أفلاكِهَا، على أن أعْصِيَ الله في نَمْلَةٍ أَسْلبها جِلْبَ شعيرة، ما فعلتُهُ، وَإِنَّ دُنياكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ ورقة في فم جرادة تقضمُها، ما لِعَلي ولنعيمٍ يَقْنى ولذَةٍ لا تَبْقى. نعوذُ بالله مِنْ سُباتِ العَقْلَ، وقُبْح الزَّلل، وبِهِ نَسْتعين.
البيان:
السعدان في اللغة: نبت ذو شوك، يقال له : حسك سعدان، وحسكة
السعدان، وهذا النبت من أفضل مراعي الإبل. والمسهد : الممنوع النوم، وهو السهاد، والأغلال: القيود، والمصفّد: القيد، والحطام: متاع الدنيا وعروضها، ثمّ قال (عليه السلام): كيف أظلم الناس لأجل نفس تموت سريعاً، وذلك لأن النفس إذا كانت حادثة فقد كان أصلها العدم، فإذا مات الإنسان عدمت نفسه ورجعت إلى العدم الأصلي، وهو المعبّر عنه بالبلى، بالكسر. وأملق: إفتقر، قال جل شأنه: «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق» (1)، واستماحني : طلب مني أن أعطيه صاعاً من الحنطة، والصاع : أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث، فمجموع ذلك خمسة أرطال وثلث، وجمع الصاع : أصوع، والعظلم، بالكسر في الحرفين: نبت يصبغ به ما يراد إسوداده وشعث الألوان: أي غبر، وأصغيت إليه : أملت سمعي نحوه، وأتبع قياده: بمعنى أطيعه، وأنقاد له، وأحميت الحديدة في النّار فهي محماة، ولا يصح حميت الحديدة، وذي دنف : ذي سقم مؤلم، ومن ميسمها: من أثرها في يده، وثكلتك الثواكل : دعاء عليه، أي ثكلتك، نساؤك، بمعنى الموت والفقدان. قوله (عليه السلام): أحماها... إلى نار سجرها، والسجور : ما يسجر به التنور.
«وأما قصة الملفوفة، فهي أن الأشعث بن قيس كان قد أهدى له (عليه السلام) نوعاً من الحلواء. تأنق في صنعه، وكان (عليه السلام) يبغض الأشعث لأنه كان من المنحرفين عنه والشانئين له، وقد ظنّ عدو الله أنه يستميل أمير المؤمنين (عليه السلام)، بالمهاداة، لغرض دنيوي، ولكن هيهات فقد خاب ظنه، فقطن الإمام (عليه السلام) لذلك فرد هديته ولم يقبلها منه، خاصة لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الهدية وقبلها أمير المؤمنين (عليه السلام) من جماعة من أصحابه» (2).
وروي أنه دعاه بعض من كان يأنس إليه، إلى حلواء عملها يوم نوروز،
فأكل وقال : لِمَ عملت هذا ؟ فقال : لأنه يوم نوروز. فضحك وقال : نورزوا لنا في كل يوم إن استطعتم. وكان (عليه السلام) من لطافة الأخلاق، وسجاحة الشيم على قاعدة عجيبة في صنف البشر، ولكنه كان ينفر من قوم كان يعلم من حالهم الشنآن له، وممن يحاول أن يصانعه بذلك عن مال المسلمين وهيهات أن يلين لضرس الماضغ الحجر، وإنما قال (عليه السلام) : بملفوفة في وعائها، لأنه كان في طبق مغطى ثمّ قال : ومعجونة شنئتها : أي أبغضتها، ونفرت عنها كأنها عجنت بريق الحية أو بقيئها، وذلك من أعظم الأسباب للنفرة من الطعام.
وقوله (عليه السلام): أصلة، أم زكاة أم صدقة؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت. والصلة: هي العطية، لا يراد بها الأجر، بل يراد بها وصلة التقرب إلى الموصول، وكثيراً ما تفعل للذكر والصيت، والزكاة: هي ما يجب في النصاب من المال والأنعام، والصدقة. ههنا: هي صدقة التطوع، وقد تسمى الزكاة الواجبة صدقة، إلا أنها هنا هي النافلة، والمراد بأهل البيت: الخمسة أهل الكساء، وهم محمد وعلي، وفاطمة والحسن والحسين، والأئمة التسعة من ذرية الحسين، وهم علي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن القائم المهدي الحجة الغائب المنتظر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلا تجوز الزكاة لهم ولا الصدقة ولا الصلة، ويقبلون الهدية، وأمّا الإمامان الزكيان الحسن والحسين (عليهما السلام)، قلم يقبلا صلة معاوية، باعتبارها صلة، بل قبلا منه ذلك، باعتبار أن ذلك من جملة حقهما من بيت مال المسلمين فإن سهم ذوي القربى منصوص عليه في الكتاب العزيز من جهة الخمس وأما اجتهاد عمر (رضي الله عنه) في إسقاط الخمس فباطل، لأنه إجتهاد مقابل النصّ، ولهما (عليهما السلام) سهم آخر غير الخمس، وهو سهم الغنائم في الإسلام.
وقوله (عليه السلام) للأشعث هبلتك الهبول : أي ثكلتك أمك، والهبول : هي التي لها عادة بشكل الولد، والمختبط : هو المصروع من غلبة
الأخلاط السوداوية، وذو جنّة: مَنْ به مس من الشيطان، والذي يهجر : هو الذي يهذي في مرض ليس بصرع، كالمحموم والمبرسم وغيرهما، وجُلب شعيرة بالضم: قشرها، والجلب والجلبة جليدة تعلو الجرح عند البرء.
«وأما عقيل، فهو عقيل بن أبي طالب مؤمن قريش إبن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أخو أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان بنو أبي طالب أربعة: طالب وهو أسنّ من عقيل بعشر سنين وعقيل وهو أسنّ من جعفر بعشر سنين، وجعفر وهو أسنّ من علي أمير المؤمنين (عليه السلام) بعشر سنين، وعلي هو أصغرهم سناً، وأعظمهم قدراً، بل وأعظم البشر بعد ابن عمه (صلى الله عليه وآله) وأمهم جميعاً فاطمة بنت أسد - رضي الله عنها - وكان أبو طالب - رحمه الله - يحب عقيلاً أكثر من حبّه سائر بنيه، فلذلك قال للنبي (صلّى الله عليه وآله) وللعباس بن عبد المطلب أخيه، حين أتياه ليقتسما بنيه عام المحل، فيخففا عنه ثقلهم، قال : دعوا لي عقيلا، وخذوا من شئتم، فأخذ العباس جعفراً، وأخذ محمد (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) وكان عقيل يكنى أبا يزيد، قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبا يزيد إني أحبك حبين: حباً لقرابتك مني، وحباً لما كنت أعلم من حبّ عمي إياك، وأخرج عقيل - رحمه الله تعالى - إلى بدر مكرهاً، كما أخرج العباس، فأسر وفدي وعاد إلى مكة، ثمّ أقبل مسلماً مهاجراً قبل الحديبية، وشهد غزوة مؤتة مع أخيه جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين (عليه السلام)، وتوفي في خلافة معاوية سنة خمسين، وكان عمره ست وتسعون سنة، وخرج إلى العراق ثم إلى الشام، ثم عاد إلى المدينة، ولم يشهد مع أخيه أمير المؤمنين (عليه السلام) شيئاً من حروبه أيام خلافته، وعرض نفسه وولده عليه فأعفاه ولم يكلفه حضور الحرب. وكان عقيل بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أنسب قريش وأعلمهم بأيامها، وكان مبغضاً إليهم لأنه كان يعدّ مساويهم، وكانت له طنفسة تطرح في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيصلي عليها، ويجتمع إليه الناس في علم النسب وأيام العرب، وكان حينئذ قد ذهب بصره، وكان أسرع الناس جواباً وأشدّهم عارضة، ولم يتصل بمعاوية إلا بعد وفاة أمير المؤمنين
(علیه السلام)» (1).
«وروى المدائني قال : قال معاوية يوماً لعقيل بن أبي طالب (رضي الله عنه) هل من حاجة فأقضيها لك؟ قال : نعم، جارية عرضت عليّ وأبى أصحابها أن يبيعوها إلا بأربعين ألفاً، فأحبّ معاوية أن يمازحه فقال : وما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفاً، وأنت أعمى تجتزئ بجارية قيمتها خمسون درهماً؟ قال أرجو أن أطأها فتلد لي غلاماً، إذا أغضبته يضرب عنقك بالسيف. فضحك معاوية، وقال : مازحناك يا أبا يزيد وأمر فابتيعت له الجارية التي أولد منها مسلماً - رحمه الله -، فلما أتت على مسلم ثماني عشرة سنة، وقد مات عقيل أبوه، قال لمعاوية يا أمير المؤمنين إن لي أرضاً بمكان كذا من المدينة، وأني أعطيت بها مائة ألف، وقد أحببت أن أبيعك إياها، فادفع إليَّ ثمنها. فأمر معاوية بقبض الأرض، ودفع الثمن إليه، فبلغ ذلك الحسين (عليه السلام) فكتب إلى معاوية : أما بعد، فإنك غررت غلاماً من بني هاشم فابتعت منه أرضاً لا يملكها، فاقبض من الغلام ما دفعته إليه واردد إلينا أرضنا فبعث معاوية إلى مسلم فأخبره بذلك، وأقرأه كتاب الحسين (عليه السلام) وقال : أردد علينا مالنا وخذ أرضك، فإنك بعت ما لا تملك. فقال مسلم : أما دون أن أضرب عنقك بالسيف فلا، فاستلقى معاوية ضاحكاً يضرب برجليه فقال : يا بني، هذا والله كلام قاله لي أبوك حين إبتعت له أمك ثم كتب إلى الحسين (عليه السلام): إني قد رددت عليكم الأرض وسوّغت مسلماً ما أخذ، فقال الحسين (عليه السلام): «أبيتم يا آل أبي سفيان إلا كرماً» فكانت من فراسات عقيل - رضي الله عنه - العجيبة.
وقال معاوية يوماً لعقيل: يا أبا يزيد أين يكون عمك أبو لهب اليوم، فقال : «إذا دخلت جهنم، فاطلبه تجده مضاجعاً لعمتك أم جميل بنت حرب ابن أمية». وقالت له زوجته إبنة عتبة بن ربيعة : «يا بني هاشم لا يحبكم قلبي أبداً، أين عمي أين أخي؟ كأن أعناقهم أباريق الفضة، ترى آنافهم الماء قبل
1) المصدر السابق - ص 82 مجلد 3.
شفاههم». قال - رحمه الله -: «إذا دخلت جنهم فخذي على شمالك».
وسأل معاوية عقيلاً عن قصة الحديدة المحماة المذكورة، فبكى وقال : أنا أحدثك يا معاوية عنه، ثم أحدثك عمّا سألت. نزل بالحسين (عليه السلام) ضيف، فاستسلف درهماً اشترى به خبزاً، واحتاج إلى إدام فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقاً من زقاق عسل جاءتهم من اليمن، فأخذ منه رطلاً، فلمّا طلبها (عليه السلام) ليقسمها قال : يا قنبر أظن أنه حدث بهذا الزق حدث؟ فأخبره، فغضب (عليه السلام) وقال: علي بالحسين، فرفع عليه الدرّة فقال : بحق عمي جعفر، وكان إذا سئل بحق جعفر سكن، فقال له : ما حملك أن أخذت منه قبل القسمة؟ قال : إن لنا فيه حقاً فإذا أعطيناه رددناه. قال فداك أبوك، وإن كان لك فيه حق، فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، أما لولا أني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقبل ثنيتك، لأوجعتك ضرباً، ثم دفع إلى قنبر درهماً كان مصروراً في ردائه وقال : اشتر به خير عسل تقدر عليه، والله لكأني أنظر إلى يدي علي وهي على فم الزق، وقنبر يقلب العسل فيه ثمّ شدّه وجعل يبكي ويقول : اللهم اغفر لحسين فإنه لم يعلم.
فقال معاوية : ذكرت من لا ينكر فضله، رحم الله أبا حسن فلقد سبق من كان قبله وأعجز من يأتي بعده، هلم حديث الحديدة. قال : نعم، أقويت وأصابتني مخمصة شديدة، فسألته فلم تند صفاته، فجمعت صبياني وجئته بهم، والبؤس والضرّ ظاهران عليهم فقال : ائتني عشية، لأدفع إليك شيئاً. فجئته يقودني أحد ولدي فأمره بالتنحي ثم قال : ألا فدونك، فأهويت حريصاً قد غلبني الجشع، أظنها صرّة، فوضعت يدي على حديدة تلتهب ناراً، فلما قبضتها نبذتها وخرت كما يخور الثور تحت يد جازره، فقال لي : ثكلتك الثواكل، هذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا، فكيف بك وبي غداً إن سلكنا في سلاسل جهنم ؟ ثم قرأ «إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ» (1)ثم
1) سورة غافر : الآية.71.
قال : ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى، فانصرف إلى أهلك.
فجعل معاوية يتعجب ويقول : هيهات هيهات، عقمت النساء أن يلدن بمثل علي بن أبي طالب» (1).
1) شرح نهج البلاغة الحديدي - ص 83 مجلد 3.
ومن كلام له (عليه السلام)، في صفة عجيب خلق النمل من أصناف الحيوان ولوْ فكروا في عَظِيم القُدْرة وجَسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب الحريق، ولكِنْ القُلُوبُ عليلة والبصائرُ مَدْخُولَةٌ، ألا يَنْظُرُونَ إِلى صَغِيرِ ما خَلَقَ كيفَ أحْكَمَ خَلْقَهُ وأتْقَنَ تَرْكيبته، وفَلَقَ السَّمعَ والبَصَر، وسوَّى لهُ العَظمَ والبَشر، انظُرُوا إلى النّملة في صِغَرِ جُثّتِها ولطافَةِ هَيْئتِها، لا تكاد تنالُ بِلَحْظِ البصر، ولا بمُسْتَدْرك الفكر، كيف دبَّتْ على أَرْضِها، وصُبَّتْ على رِزْقِها، تَنْقُلُ الحَبَّةَ إلى حِجْرِها، وتعدُّها في مُستَقَرِّها، تجمعُ في حَرِّها لِبَرْدِها، وفي وِرْدِها لِصَدْرِها، مَكْفُولُ بِرزْقِها، مَرْزُوقةٌ بوفقها، لا يُعْقِلُها المنّانُ، ولا يخرمُها الديان، ولو في الصفا اليابس والحجرِ الجَامِسِ، ولَوْ فَكَّرْتَ في مجاري أكْلِها، وفي عُلوها وشُغْلِها، وما في الجَوْفِ مِنْ شِراسَيفِ بَطْنِها، وما في الرأس مِنْ عَينها وأذنها، لقضيت مِنْ خَلْقِها عَجَباً، ولقيتَ مِنْ وَصْفِها تعباً، فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يُشْرِكْهُ في فِطْرَتها فاطر، ولمْ يعنْهُ على خلقها قادر، ولو ضرْبتَ في مَذاهب فكرِكَ لتَبْلُغَ غاياته، ما دَلتَكَ الدّلالةُ إلا على أنَّ فاطِرَ النّملة هُوَ فاطِرُ النَخْلَةِ.
البيان والشرح:
لصدرها: أي تجمع في أيام التمكن من الحركة، لأيام العجز عنها، وهذا ظاهر لأن النمل يظهر صيفاً، ويختفي في شدّة الشتاء، لعجزه عن ملاقاة البرد. وقوله (عليه السلام): رزقها وفقها: أي بقدر كفايتها، والمنان : من أسماء الله تعالى العائد إلى صفاته الفعلية، أي هو كثير المنّ والإنعام على عباده، والديان: المجازي للعباد على أفعالهم. قال تعالى : «أَإِنَّا
لَمَدِينُونَ» (1)أي مجزيون، والحجر الجامس: الجامد، والشراسيف : هي أطراف الأضلاع المشرفة على البطن.
«وقد أورد الجاحظ في كتاب (الحيوان) في باب النملة والذرة، وهي الصغيرة جداً من النمل، كلاماً يصلح أن يكون كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) أصله. قال الذرّة تدخر في الصيف للشتاء، وتتقدم في حال المهلة، ولا تضيع أوقات إمكان الحزم ثمّ يبلغ من تفقدها وصحة تمييزها والنظر في عواقب أمورها، أنّها تخاف على الحبوب التي ادخرتها للشتاء أن تعفن وتسوس، في بطن الأرض، فتخرجها إلى ظهرها لتنثرها، وتعيد إليها جفوفها، ويضربها النسيم فينتفي عنها الفساد، ثمّ ربما بل في الأكثر تختار ذلك العمل ليلاً، لأن ذلك أخفى، وفي القمر، لأنها فيه من وسطها، لعلمها أنها من ذلك الموضع تنبت، وربما فلقت الحبّة نصفين، فأما إن كان الحبّ من حب الكزبرة، فإنها تفلقه أرباعاً، لأن أنصاف حب الكزبرة تنبت من بين جميع الحبوب، فهي من هذا الوجه مجاوزة لفطنة جميع الحيوانات، حتى ربما كانت في ذلك أحزم من كثير من الناس، ولها مع لطافة شخصها، وخفة وزنها، في الشمّ والإسترواح، ما ليس لشيء، فربما أكل الإنسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد، فيسقط من يده الواحدة أو صدر واحدة، وليس بقربه ذرّة ولا له عهد بالذرّ في ذلك المنزل، فلا يلبث أن تقبل ذرّة قاصدة إلى تلك الجرادة فترومها، وتحاول نقلها وجرَّها إلى حجرها، فإذا أعجزتها بعد أن تبلي عذراً، مضت إلى حجرها راجعة، فلا يلبث ذلك الإنسان أن يجدها قد أقبلت، وخلفها كالخيط الممدود، حتى يتعاون عليها فيحملنها، فاعجب من صدق الشم، لما لا يشمه الإنسان الجائع، ثمّ انظر إلى بعد الهمة والجرأة على محاولة نقل شيء، في وزن جسمها مائة مرّة بل أضعاف أضعاف المائة، وليس شيء من الحيوان يحمل ما يكون أضعاف وزنه مراراً كثيرة غيرها. فإن قال قائل : فمن أين علمتم أن التي حاولت نقل الجرادة فعجزت عنها هي التي أخبرت صواحباتها من الذرّ،
1) سورة الصافات : الآية 53.
وأنها التي كانت على مقدمتهنّ؟ قيل له : لطول التجربة، ولأنا لم نر قط ذرّة حاولت جرّ جراده فعجزت عنها ثم رأيناها راجعة، إلا رأينا معها مثل ذلك، وإن كنا لا نفصل في مرأى العين بينها وبين أخواتها فإنه ليس يقع في القلب غير الذي قلنا، فدلنا ذلك على أنها في رجوعها عن الجرادة، أنها إنما كانت لأشباهها كالرائد الذي لا يكذب أهله.
قال: ولا ينكر قولنا: إن الذرة توحي إلى أخواتها بما أشرنا إليه، إلا من يكذب القرآن، فإنه تعالى قال في قصة سليمان (عليه السلام) «قالت نملة يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم من قولها» (1)فهل بعد هذا ريب أو شك، أو شك في أن لها قولاً وبياناً وتمييزاً؟
ومن أعاجيب الذرة، أنها لا تعرض لجعل ولا لجرادة ولا لخنفساء، ولا لبنت وردان، ما لم يكن بها حبل أو عقر أو قطع رجل أو يد، فإن وجدت بها من ذلك أدنى علّة، وثبت عليها، حتى لو أن حية بها ضربة أو خرق أو خدش، ثم كانت من ثعابين مصر، لوثب عليها الذرّ حتى يأكلها، ولا تكاد الحية تسلم من الذرّ، إذا كان بها أدنى عقر.
قال : وقد عذب الله بالذرّ والنمل أمماً، وأخرج أهل قرى من قراهم وأهل دروب من دروبهم. وحدثني بعض من أصدق خبره قال : سألت رجلاً كان ينزل ببغداد، في بعض الدروب، في ناحية باب الكوفة التي جلا أهلها عنها لغلبة النمل والذرّ عليها، فسألته عن ذلك، فقال : وما تصنع بالحديث؟ إمض معي إلى داري التي أخرجني منها النمل. قال : فدخلتها معه، فبعث غلامه فاشتری رؤوساً من الراسين، فانتقلنا هربا من النمل في أكثر من عشرين مكاناً، ثم دعا بطست ضخمة، وصبّ فيها ماءً صالحاً، ثمّ فرَّق عظام الرؤوس في الدار، ومعه غلمانه، فكان كلّما أسود منها عظم لكثرة النمل واجتماعه عليه، وذلك في أسرع الأوقات أخذه الغلام ففرغه في الطست، يعود ينثر به ما عليه في
1) سورة النمل : الآية 18 و 19.
جوف الطست، فما لبثنا مقدار ساعة من النهار حتى فاضت الطست نملاً، فقال : كم تظن أني فعلت مثل هذا قبل الجلاء، طمعاً في أن أقطع أصلها؟ فلما رأيت عددها إمّا زائداً وإمّا ثابتاً، وجاءنا ما لا يصبر عليه أحد ولا يمكن معه مقام، خرجت عنها.
وزعم صاحب المنطق، أن الضبع تأكل النمل أكلاً ذريعاً، لأنها تأتي قرية النمل، وقد اجتمع النمل على باب القرية، فتلحس ذلك النمل كله بلسانها، بشهوة شديدة وإرادة قوية، وكان في كتاب عبد الحميد إلى أبي مسلم : لو أراد الله بالنملة صلاحاً، أنبت لها جناحاً. فيقال : إن أبا مسلم لمّا قرأ هذا الكلام في أول الكتاب لم يتم قراءته. وألقاه في النار.
ويذكر الحكماء من عجائب النمل أشياء منها أنه لا جلد له، وكذلك كل الحيوان المخرّز. ومنها أنه لا يوجد في صقلية نمل كبار أصلاً. ومنها أن النمل بعضه ماش وبعضه طائر، ومنها أنّ حراقة النمل إذا أضيف إليها شيء من قشور البيض وريش الهدهد، وعلقت على العضد منعت من النوم. انتهى» (1).
وقوله (عليه السلام): ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته، أي غايات فكرك، وضربت بمعنی سرت، والمذاهب: الطرق. قال تعالى : «وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ» (2)وفي الكلام استعارة جميلة، والمعنى: أنك لو أمعنت النظر لعلمت أن خالق النملة الحقيرة هو خالق النخلة الطويلة، حيث أن كل شيء من الأشياء قد فصل جسمه وهيئته تفصيلاً دقيقاً، واختلاف تلك الأجسام، في أشكالها وألوانها ومقاديرها، إختلاف غامض السبب، فلا بُدَّ للكل من مدبّر يحكم بذلك الإختلاف، ويفعله وفق مصالح العباد.
ترجمة ابو موسى الأشعري
ومن خطبة له (عليه السلام)، في شأن الحكمين وذمّ أهل الشام : جُفَاةٌ طَغَامٌ. وَ عَبِيدٌ أَقْزَامٌ. جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ وَ تُلُقِّطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ. مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهَ وَ يُؤَدَّبَ. وَ يُعَلَّمَ وَ يُدَرَّبَ. وَ يُوَلَّى عَلَيْهِ وَ يُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ. لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ. وَ لَا مِنَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ، ألا وإنَّ القَوْمَ اختارُوا لأَنْفُسِهِمْ أقرب القومِ مِمَّا يُحبّونَ، وأنّكُمْ إِخْتَرْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ أَقْرَبُ القَومَ مِمَّا تَكْرَهُونَ. وإنما عَهْدُكُم بِعَبْدِ الله بن قيس بالأمس يقولُ : إنَّها فِتْنَةٌ فقطعُوا أَوْتاركمْ وشيموا سيوفَكُمْ. فإنْ كانَ صادِقاً، فقد أخطأ بمسيره غَيْرَ مُسْتَكْرَه، وإِنْ كانَ كاذباً فَقَدْ لزِمَتْهُ التُهْمَةُ. فَادْفَعُوا في صَدْر عَمرو بن العاص بِعَبْدِ الله بن العباس، وخذوا مِهَلَ الأيام وحُوطوا قواصي الإسلام، ألا ترون إلى بلادِكُمْ تُغزَى وإلى صِفاتِكُمْ تُرمى.
البيان والشرح:
جفاة : جمع جاف، أي هم أعراب أجلاف متوحشون، والطغام: أوغاد النّاس، الواحد والجمع فيه سواء، ويقال للأشرار واللئام: عبيد وإن كانوا أحراراً. والأقزام: أرذال الناس وسفلتهم، والمسموع: قزم: الذكر والأنثى، والواحد والجمع فيه سواء، ولكنه (عليه السلام) قال أقزام، ليوازن بها قوله طغام، وقد روي: قزام، وهي رواية جيدة وقد نطقت العرب بهذه اللفظة قال الشاعر :
أحصنوا أمهم من عبدهم***تلك أفعال القزام الوكعة
وجمعوا من كل أوب: أي من كل ناحية، وتلقطوا من كل شوب: أي من فرق مختلطة، ثم وصف جهلهم وبعدهم عن العلم والدين، فقال: ممن ينبغي أن يفقه ويؤدّب : أي يعلم الفقه والأدب، ويدرب : بمعنى يعود اعتماداً للأفعال الحسنة والأخلاق الجميلة، ويولى عليه: أي لا يستحقون أي يولوا أمراً، بل ينبغي أن يحجر عليهم، كما يحجر على الصبي والسفيه لعدم رشده، ويؤخذ على يديه : أي يمنع من التصرف يصفهم بالسفه والبلادة والجهل والتقليد.
وقوله (عليه السلام) : ولا الذين تبوأوا الدار والإيمان، وهم الأنصار. وليسوا قسماً ثالثاً، والتكرار ههنا للتأكيد، فإنّ لفظة الأنصار واقعة على كل من الأوس والخزرج الذين أسلموا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والذين تبوأوا الدار والإيمان، في الآية، قوم مخصوصون منهم وهم أهل الإخلاص والإيمان التام، فصار ذكر الخاص بعد العام، كما في قوله تعالى بعد أن ذكر جبرئيل وميكائيل قال : «والملائكة بعد ذلك ظهير» (1)وهما من الملائكة ومعنى قوله : تبوأوا الدار والإيمان : سكنوهما، وإن كان الإيمان لا يسكن على الحقيقة كما تسكن المنازل، لكنهم لما ثبتوا عليه واطمأنوا، سمّاه منزلاً لهم وتبوءاً، فهو على المجاز لا على الحقيقة، ومثله قوله :
ورأيت روحك في الوغى***متقلداً سيفاً ورمحا
ثمّ ذكر (عليه السلام) أن أهل الشام اختاروا لأنفسهم أقرب القوم مما يحبونه، وهو ابن النابغة، عمرو بن العاص ؛ والذي يحبه أهل الشام هو الإنتصار على أهل العراق والظفر بهم، وكان ابن العاص أقربهم إلى بلوغ ذلك، والوصول إليه بحيلته ومكره ونفاقه، وقوله (عليه السلام): وأخذتم لأنفسكم أقرب الناس مما تكرهونه : وهو أبو موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس، والذي يكرهه أهل العراق هو ما يحبه أهل الشام، وهو خذلان عسكر العراق و انکسارهم واستيلاء أهل الشام عليهم، وكان أبو موسى أقرب الناس إلى
1) سورة التحريم : الآية 4.
وقوع إلى ذلك، وهكذا وقع بسبب بلهه وغفلته وفساد رأيه، وبغضه علياً (عليه السلام) من قبل.
ثمّ قال (عليه السلام)، مشيراً إلى نفاق الأشعري وانحرافه عن جادة الحق: أنتم بالأمس، يعني في وقعة الجمل، قد سمعتم أبا موسى ينهى أهل الكوفة عن نصرتي ويقول لهم : هذه هي الفتنة التي وُعِدنا بها، فقطعوا أوتار قسيكم، وشيموا سيوفكم، أي أغمدوها، فإن كان صادقاً فما باله سار إليّ وصار معي في الصف، وحضر حرب صفين، وكثر سواد أهل العراق وإن لم يحارب ولم يسلّ السيف، فإن من حضر في إحدى الجهتين، وإن لم يحارب كمن حارب ؛ وإن كان كاذباً فيما رواه من خبر الفتنة، فقد لزمته التهمة، وقبح الأخلاق إليه في الحكومة.
وكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤكد الرواية التي تقول : بأن أبا موسى قد حضر صفين، وإن كان لم يحارب ولم يطلبه اليمانيون من أصحاب علي (عليه السلام) ليجعلوه حكماً، وعلى رأس هؤلاء رأس النفاق : الأشعث بن قيس، إلا وهو حاضر معهم في الصف.
وقوله (عليه السلام): فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد الله بن العباس. يقال لمن يرام كفّه عن أمر يتطاول له : إدفع في صدره، وذلك لأن من يقدم على أمر ببدنه فيدفع في صدره دافع حقيقة، فإنه يردّه أو يكاد، فنقل ذلك إلى الدفع المعنوي.
وقوله (عليه السلام): وخذوا مهل الأيام: أي اغنموا سعة الوقت، وخذوه مناهبة قبل أن يضيق بكم أو يفوت، وقواصي الإسلام: ما بعد من الأطراف والنواحي ؛ ثمّ قال (عليه السلام): ألا ترون إلى بلادكم تغزى؟ وهذا يدل على أنّ هذه الخطبة خطبها (عليه السلام)، بعد انقضاء أمر التحكيم، لأن معاوية، بعد أن تمّ على أبي موسى من الخديعة ما تم، إستعجل أمره وبعث السرايا إلى أعمال أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتقول : قد رمى فلان صفاة فلان : إذا دهاه بداهية، قال الشاعر :
والدهر موتر قوسه***يرمي صفاتك بالمعابل
وأصل ذلك الصخرة الملساء لا تؤثر فيها السهام، ولا يرميها الرامي إلا بعد أن مهل غيرها، ويعني (عليه السلام) أن قد بلغت غارات أهل الشام حدود الكوفة، التي هي دار الملك وسرير الخلافة، وذلك لا يكون إلا بعد الإثخان في غيرها من الأطراف.
«ونسب أبو موسى الأشعري : هو عبد الله بن قيس بن حصار بن حرب بن عامر بن عمر بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر، وأمّه امرأة من عك أسلمت وماتت بالمدينة.
وأختلف في أنه هل هو من مهاجرة الحبشة أم لا؟ والصحيح أنه ليس منهم، ولكنه أسلم ثم رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الأشعريين على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فوافق قدومهم أهل السفينتين: جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) وأصحابه من أرض الحبشة، فوافوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخيبر، فظن قوم أن أبا موسى قدم من الحبشة مع جعفر» (1).
«قال المحدّث ابن عبد البر في كتاب «الإستيعاب»: وولاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مخاليف اليمن زبيد، وولاه عمر البصرة، لما عزل المغيرة عنها - بسبب فضيحته مع أم جميل - فلم يزل عليها إلى صدر من خلافة عثمان، فعزله عثمان عنها وولاها عبد الله بن عامر بن كريز، فنزل أبو موسى الكوفة حينئذ، فلمّا كره أهل الكوفة سعيد بن العاص ودفعوه عنها، ولوا أبا موسى وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يولوه، فأقرَّه على الكوفة، فلما قتل عثمان عزله علي (عليه السلام) عنها، فلم يزل واجداً لذلك على علي (عليه السلام) حتى توفي وجاء منه ما قال حذيفة فيه فقد روى حذيفة فيه كلاماً کرهت ذكره» إنتهى (2).
«والذي ذكره الصحابي الجليل حذيفة - رحمه الله - ولم يذكره ابن عبد البرّ لعصبيته الأموية، فقد ذكر أبو موسى عنده بالدين فقال حذيفة: أما أنتم فتقولون ذلك، وأمّا أنا فأشهد أنه عدو لله ولرسوله، وحرب لهما في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة، ولهم سوء الدار. وكان حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - عارفا بالمنافقين، أسرّ إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرهم، وأعلمه أسماءهم.
وروي أن عماراً - رضي الله عنه - سئل عن أبي موسى فقال : لقد سمعت فيه من حذيفة قولاً عظيماً، يقول : صاحب البرنس الأسود، ثم كلح كلوحاً علمت منه أنه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط.
وروي عن سويد بن غفلة قال : كنت مع أبي موسى على شاطىء الفرات، في خلافة عثمان، فروى خبراً لى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: سمعته يقول : «إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل الإختلاف بينهم حتى يبعثوا حکمين ضالين، ضلاً وأضلا من اتبعهما، ولا ينفك أمر أمتي حتى يبعثوا حکمين ضالين، ويُضلان من اتبعهما» فقلت له إحذر أبا موسى أن تكون أحدهما، وقال: فخلع قميصه، وقال أبرأ إلى الله من ذلك، كما أبرأ من قميصي هذا» (1).
قال ابن أبي الحديد المعتزلي : وأما ما تعتقده المعتزلة فيه، فأنا أذكر ما قاله أبو محمد متوتية في كتاب «الكفاية» قال - رحمه الله -: أما أبو موسى فإنه عظم جرمه بما فعله، وأدى ذلك إلى الضرر الذي لم يخف حاله، وكان علي (عليه السلام) يقنت عليه وعلى غيره، فيقول : اللهم العن معاوية أولاً، وعمراً ثانياً - - عمرو بن العاص - وأبا الأعور السلمي ثالثاً، وأبا موسى الأشعري رابعاً. وروي عنه (عليه السلام) أنه كان يقول في أبي موسى: صبغ بالعلم صبغاً، وسلخ منه سلخا.
1) نفس المصدر.
قال : وأبو موسى هو الذي روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «كان في بني إسرائيل حكمان ضالان، وسيكون في أمتي حكمان ضالان، ضال من اتبعهما»، وأنه قيل لا يجوز أن تكون أحدهما فقال : لا، أو كلاماً هذا معناه، فلما بلي فيه قيل فيه : «إن البلاء موكل بالنطق» ولم يثبت في توبته ما ثبت في توبة غيره، وإن كان الشيخ أبو علي قد ذكر في آخر كتاب «الحكمين» أنه جاء إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، في مرض الحسن بن علي (عليه السلام)، فقال له : أجئتنا عائداً أم شامتاً؟ فقال: بل عائداً، وحدّث بحديث في فضل العيادة. قال ابن متوتية : وهذه أمارة ضعيفة في توبته، وذكرته لك لتعلم أنه عند المعتزلة من أرباب الكبائر، وحكمه حكم أمثاله ممن واقع كبيرة، ومات عليها.
قلت : وهو عند الشيعة الإمامية فاسق ضال من أهل النار، وممن عرف بإنحرافه عن علي (عليه السلام).
واختلف في تاريخ موته، فقيل سنة إثنتين وأربعين، وقيل: سنة أربع وأربعين، وقيل : سنة خمسين، وقيل : سنة إثنتين وخمسين، واختلف في قبره فقيل : مات بمكة، وقيل مات بالكوفة ودفن بها، أبعده الله.
ومن كتاب له (عليه السلام) إلى أميرين من أمراء جيشه : وقَدْ أمَّرتُ عَليكُما وعلى مَنْ في حيّزكما مالك بن الحارث الأشتر. فاسْمَعا له وأطيعا واجعلاهُ دِرْعاً ومجنّاً. فإنَّهُ مِمَّنْ لا يخافُ وَهْنُهُ ولا سَقطتُهُ. ولا بطؤهُ عمّا الإسراعُ إليه أَحْزَمُ ولا إسْراعُهُ إلى ما البطء عَنْهُ أَمْثَلُ.
البيان والشرح:
هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن خزيمة بن سعد بن مالك بن النخع بن عمرو بن علة بن خالد بن مالك بن أدد، وكان - رضي الله عنه - فارساً شجاعاً عظيماً علوياً من أكابر الشيعة، وعظمائها شديد التحقق بولاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ونصره، وقال فيه (عليه السلام) بعد موته: «رحم الله مالكاً فلقد كان لي كما كُنت لرسول الله (صلى الله عليه وآله». ولمّا قنت علي (عليه السلام) على خمسة ولعنهم، وهم معاوية وعمرو بن العاص، وأبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، وبسر بن أرطاة قنت معاوية، لعنه الله على خمسة، وهم علي والحسن والحسين (عليهم السلام)، وعبد الله بن عبّاس والأشتر النخعي، ولعنهم.
وروي أنه لما ولى (عليه السلام) أبناء العباس على الحجاز واليمن والعراق، قال الأشتر - رحمه الله -: فلماذا قتلنا الشيخ بالأمس ! - يعني عثمان - وأن علياً (عليه السلام) لما بلغه هذه الكلمة أحضره ولاطفه واعتذر إليه، وقال له : فهل وليت حسناً أو حسيناً، أو أحداً من ولد جعفر أخي أو عقيلاً، أو واحداً من ولده؟ وإنما وليت ولد عمي العباس لأني سمعت العباس يطلب من
رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمارة مراراً، فقال له رسول الله (صلى الله عليه واله) : يا عمّ إن الإمارة إن طلبتها وكلت إليها، وإن طلبتك أعنت عليها. ورأيت بنيه في أيام عمر وعثمان يجدون في أنفسهم، أن ولي غيرهم من أبناء الطلقاء ولم يولّ أحدٌ منهم، فأحببت أن أصل رحمهم، وأزيل ما كان في أنفسهم، وبعد فإن علمت أحداً هو خير منهم من أبناء الطلقاء فأتني به فخرج الأشتر، وقد زال ما في نفسه
«وروى المحدثون حديثاً يدل على فضيلة عظيمة للأشتر - رضي الله عنه -، وهي شهادة قاطعة على إيمانه. فقد روى أبو عمرو بن عبد البر في كتاب «الاستيعاب» في حرف الجيم في باب الجندب قال أبو عمرو : لما حضرت أبا ذر الوفاة، وهو بالربذة بكت زوجته أم ذرّ فقال لها : ما يبكيك؟ فقالت : مالي لا أبكي، وأنت تموت بفلاة من الأرض، وليس عندي ثوب يسعك كفناً، ولا بُدَّ لي من القيام بجهازك؟ فقال : أبشري، ولا تبكي فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : «لا يموت بين امرئين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران، ويحتسبان فيريان النار أبداً. ليموتن أحدكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة، فأنا لا شك ذلك الرجل، والله ما كذبت ولا كُذبت فانظري الطريق. قالت أنّى، وقد ذهب الحاج، وتقطعت الطرق ؟ فقال : إذهبي فتبصري، قالت : فكنت أشتد إلى الكثيب فأصعد فأنظر ثمّ أرجع إليه فأمرضه، فبينا أنا وهو على هذه الحال إذ أنا برجال على ركابهم، كأنهم الرخم تخبّ بهم رواحلهم، فأسرعوا إلي حتى وقفوا عليّ وقالوا : يا أمة الله ما لك؟ فقلت : امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه قالوا ومن هو ؟ قلت : أبو ذرّ، قالوا : صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قلت: نعم. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فقال لهم : أبشروا فإني سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لنفر أنا فيهم : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر إلا وقد هلك في قرية أو جماعة، والله ما كذبت ولا كُذبت، ولو كان عندي ثوب يسعني كفناً لي أو
لامرأتي، لم أكفن إلا في ثوب لي أو لها، وإني أنشدكم الله أن لا يكفني رجل منكم، كان أميراً أو عريفاً أو بريداً أو نقيباً، قالت : وليس في أولئك النفر إلا وقد قارف بعض ما قال إلا فتى من الأنصار قال له : أنا أكفنك يا عم، في ردائي هذا، وفي ثوبين معي في عيبتي من ثوب أمي. فقال أبو ذر أنت تكفنني فمات فكفنه الأنصاري، وغسله النفر الذين حضروه وقاموا عليه، ودفنوه في نفر كلّهم يمان.
وروى أبو عمرو بن عبد البر، في أول باب جندب قال : كان النفر الذين حضروا موت أبي ذرّ مصادفة جماعة منهم : حجر بن الأدبر، ومالك بن الحرث الأشتر، وحجر هذا هو حجر بن عدي الذي استشهد على يد معاوية، هو ونفر من صحبه في مرج عذراء من بلاد الشام، بعد أن رفض البراءة من أمير المؤمنين (عليه السلام)، رحم الله أبا ذر».
«وللأشتر - رضي الله عنه - مقامات عظيمة بصفين، وهو الذي عانق عبد الله بن الزبير، يوم الجمل، فاصطرعا على ظهر فرسيهما حتى وقعا في الأرض، فجعل عبد الله يصرخ من تحته: اقتلوني ومالكاً، فلم يعلم من الذي يعنيه لشدّة الإختلاط وثوران النقع، فلو قال: اقتلوني والأشتر، لقتلا جميعاً، فلمّا افترقا قال الأشتر - رحمه الله -:
أعايش لولا أنني كنت طاوياً***ثلاثاً لألفيت ابن أختك هالكا
غداة ينادي والرماح تنوشه***كوقع الصياصي اقتلوني ومالكا
فنجاه مني شيبه وشبابه***وأني شيخ لم أكن متماسكا
ويقال : إنّ عائشة فقدت عبد الله، فسألت عنه فقيل لها عهدنا به، وهو معانق للأشتر، فقالت : واثكل أسماء. ومات الأشتر - رحمه الله - في سنة تسع وثلاثين، وهو متوجه إلى مصر والياً عليها لعلي (عليه السلام)، وسقي سماً بعسل في الفسطاط من قبل أحد الدهاقين العملاء لمعاوية، ووصل الخبر إلى معاوية فقال شامتاً : إنّ لله جنوداً من عسل، وكان - رضي الله عنه - شديد البأس جواداً رئيساً حليماً فصيحاً شاعراً وكان يجمع بين اللين والعنف، فيسطو في
موضع السطوة، ويرفق في موضع الرفق» (1).
ومن الكلام المنسوب لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : إن هذا الأمر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف، ولين في غير ضعف.
وكان كسرى أنو شروان إذا ولى رجلاً، أمر الكاتب أن يدع في العهد موضع ثلاثة أسطر، ليوقع فيها بخطه، فإذا أُتِيَ بالعهد وقع فيه : سس خيار الناس بالمودة، وسفلتهم بالإخافة، وأمزج العامة رهبة برغبة.
وقال معاوية : إني لا أضع سيفي حيث يكفي سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. فقيل له كيف؟ قال : إذا مدوا خليتها، وإذا خلوها مددتها.
هذا وقد جمع لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من أصناف الثناء والمدح، ما فرقه هؤلاء في كلماتهم، من كلمة واحدة قالها في الأشتر - رحمه الله -، وهي قوله : لا يخاف بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم، ولا إسراعه في ما البطء عنه أمثل، وقوله (عليه السلام) وعلى من في حيزكما (أي في ناحيتكما) والمجنّ الترس، والوهن الضعف، والسقط الغلطة، وهذا الرأي أحزم من هذا: أي أدخل في باب الحزم والإحتياط، وهذا أمثل من هذا: أي أفضل.
1) المصدر السابق ص 425 المجلد 3.
(ترجمة حياة الحسن (عليه السلام))
ومن وصيّة له (عليه السلام) للحسن بن علي، كتبها إليه بحاضرين من صفين : مِنَ الوالِدِ الفان المقرّ للزمان. المُدبر العُمْر. المستسلم للدّهر. الذام للدُّنيا. السّاكِن مساكِنَ الموتى. الظَّاعِنِ عَنْها غداً. إلى الولد المؤمل ما لا يُدْرِكُ. السّالِكِ سبيل مَنْ قَدْ هَلَكَ. غَرَضِ الأسقام ورهينة الأيام ورمية المصائب. وعبدِ الدُّنيا. وتاجرِ الغُرور، وغريم المنايا. وأسير الموت. وحليف الهُمُوم وقَرين الأحْزان. ونصب الآفاتِ. وصريع الشهوات وخليفة الأموات.
البيان والشرح:
المراد بحاضرين : حاضر حلب، وحاضر قنسرين، وهي الأرباض. والضواحي المحيطة بهذه البلاد، وقوله (عليه السلام): من الوالد الفان: حذف الياء ههنا للإزدواج بين الفان، والزمان ولأنه وقف، وقال فقهاء اللغة : يجوز في المنقوص مع اللام حذف الياء وإثباتها، والإثبات هو الأصل، ومع عدم اللام يجوز أمران، وإسقاط الياء هو الوجه. والمقرّ للزمان: بمعنى المقرّ له بالغلبة، وكأنه جعل نفسه (عليه السلام) خصماً للزمان بالقهر. والمدير العمر: لأنه قد تجاوز الستين. ولم يبق بعد مجاوزة الستين إلا إدبار العمر، لأن ذلك نصف العمر الطبيعي الذي قلّ أن يبلغه أحد، وعلى فرض بلوغه، فكلّ ما بعد الستين أقلّ ممّا مضى، ولا مناص حينئذ أن يكون العمر قد أدبر.
وقوله (عليه السلام) : المستسلم للدهر، وهو آكد من قوله المقرّ
للزمان : لأنّ الإنسان قد يقرّ لخصمه ولا يستسلم، والذام للدنيا: وصف لم يستحدثه عند الكبر، بل لم يزل عليه، وحياته شاهد كبير على صحة ذلك. والساكن مساكن الموتى: إشعار بموته (عليه السلام) وهذا مثل قوله جلّ شأنه «وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» (1). وقوله (عليه السلام): الظاعن عنها غدا : ليس المراد الغد بعينه، بل يريد قرب الرّحيل والظعن.
وهكذا، فإنه (عليه السلام) تكلم كلام متيقن من الفراق، ولا إشكال في ظهور الإستكانة والخضوع منه، ويدل كذلك على كرب وضجر شديدين، كونه (عليه السلام) لم يبلغ أربه من حرب أهل الشام، نتيجة طبيعية لتخاذل أصحابه، ونفوذ حكم عمرو بن العاص فيهم، وبلاهة وحمق وانحراف أبي موسى الأشعري عن جادة الحق.
وقوله الولد بإزاء الوالد، وقوله (عليه السلام) المؤمل ما لا يدرك : المراد به في الحقيقة جنس البشر لا خصوص الحسن (عليه السلام)، والكلام هنا يجري مجرى إيّاك أعني، واسمعي يا جارة، وهكذا فإن جلّ خطابات القرآن الكريم لسيد البشر (صلى الله عليه وآله) والمراد أمة الإسلام، وكذلك سائر الأوصاف التي تلي هذه اللفظة، لا تخصه بعينه بل هي، وإن كانت له في الظاهر، فهي للناس كلهم على الحقيقة، والدليل على ذلك قوله (عليه السلام) بعدها: السالك سبيل من قد هلك؛ فإنّ كل واحد من الناس يؤمل أموراً لا يدركها، وكلّ واحد من الناس سالك سبيل من قد هلك قبله.
وقوله (عليه السلام): غرض الأسقام، لأن الإنسان كالهدف لآفات الدنيا. وأغراضها، ورهينة الأيام، وهي واحدة الرهائن يقال للأسير أو للزمن أو للعاجز عن الرحيل: إنّه لرهينة، وذلك لأن الرهائن محتبسة عند مرتهنها. وقوله (عليه السلام): ورمية المصائب أي ما يرمي، وقوله (عليه السلام): وعبد الدنيا وتاجر الغرور، وغريم المنايا، وكلّ ما أسلفنا، على قاعدة إياك أعني واسمعي يا جارة، لأنّ الإنسان العادي غير المعصوم طوع شهواته، فهو عبد
1) سورة ابراهيم : الآية 45.
للدنيا، وحركاته فيها مبنية على الغرور الذي لا أصل له، ولما كانت المنايا تطالبه بالرحيل عن هذه الدار، كانت غريماً له تقتضيه ما لا بد له من أدائه.
وقوله (عليه السلام): وأسير الموت وحليف الهموم وقرين الأحزان، ونصب الآفات وصريع الشهوات : إنما كان الأمر كذلك لأن الموت مصاحب للإنسان قال طرفة :
لعمرك إنَّ الموت ما أخطأ الفتى***لكالطول المرخى وثنياه باليد
وحيث أنّ الهمّ ملازم للإنسان نتيجة طبيعية لفناء الدنيا فهو حليف الهموم، وكذلك الحزن بسبب تقلب أحوالها ؛ وقوله (عليه السلام): وخليفة الأموات : مثل قول القائل : إن امرءاً ليس بينه وبين آدم إلا أب ميت لمعرق في الموت.
«وأمّا نسب الإمام الحسن (عليه السلام)، فقد ولد الحسن بن علي (عليهما السلام) للنصف من شهر رمضان، سنة ثلاث من الهجرة، وسمّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسنا وتوفي لليال خلون من شهر ربيع أول سنة خمسين. والمروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سمّى حسناً وحسيناً يوم سابعهما. واشتق إسم حسين من حسن. وروي عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) : أن فاطمة (عليها السلام) حلقت حسناً وحسيناً يوم سابعهما، ووزنت شعرهما فتصدقت بوزنه فضة».
وروى محمد بن حبيب في أماليه: أن الحسن (عليه السلام) حج خمس عشرة حجّة ماشياً تقاد النجائب معه، وخرج من ماله مرتين، وقاسم الله عزّ وجل ثلاث مرات، حتى أنه كان يعطي نعلاً ويمسك نعلاً، ويعطي خفاً ويمسك خفاً.
وروى أبو جعفر محمد بن حبيب أيضاً : أن الحسن (عليه السلام) أعطى شاعراً، فقال له رجل من جلسائه سبحان الله أتعطي شاعراً يعصي الرَّحمن، ويقول البهتان؟ فقال : يا عبد الله إن خير ما بذلت من مالك ما وقيت به
عرضك، وإن من ابتغاء الخير إتقاء الشر.
وروى أبو جعفر قال : قال ابن عباس - رحمه الله -: أول ذلّ دخل على العرب، موت الحسن بن علي (عليه السلام).
وروى أبو حسن المدائني قال : سقي الحسن (عليه السلام) السمّ أربع مرات، فقال : لقد سقيته مراراً، فما شقّ عليّ مثل مشقته هذه المرة. فقال له الحسين (عليه السلام) أخبرني من سقاك ؟ قال : لتقتله ؟ قال : نعم. قال : ما أنا بمخبرك، إن يكن صاحبي الذي أظن؟ فالله أشدُّ نقمة، وإلا فما أحب أن يقتل بي بريء.
وروى أبو حسن قال : قال معاوية لابن عباس، ولقيه بمكة : يا عجباً من وفاة الحسن، شرب علّة بماء رومة، فقضى نحبه. فوجم ابن عباس، فقال معاوية : لا يحزنك الله، ولا يسوؤك، فقال : لا يسوؤني ما أبقاك الله. فأمر له بمائة ألف درهم.
وروى أبو الحسن قال: أول من نعى الحسن (عليه السلام) بالبصرة، عبد الله بن سلمة، نعاه لزياد، فخرج الحكم بن أبي العاص الثقفي فنعاه فبكى النّاس، وأبو بكرة - أخ زياد بن أبيه - يومئذ مريض، فسمع الضجة فقال : ما هذا ؟ فقالت امرأته ميسة بنت سخام الثقفية : مات الحسن بن علي، والحمد لله الذي أراح الناس منه. فقال : اسكتي ويحك، فقد أراحه الله من شر كثير، وفقد النّاس بموته خيراً كثيراً، يرحم الله حسنا.
وقال أبو الحسن المدائني : وكانت وفاته سنة تسع وأربعين، وكان مريضاً أربعين يوماً، وكانت سنّه سبعاً وأربعين سنة، دسّ إليه معاوية سمّاً على يد جعدة بنت الأشعث بن قيس زوج الحسن، وقال لها : إن قتلته بالسم، فلك مائة ألف وأزوجك يزيد ابني. فلمّامات وفى لها بالمال، ولم يزوجها يزيد، وقال : أخشى أن تصنعي بابني ما صنعت بابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)» (1).
1) شرح النهج الحديدي ص 4 مجلد 4.
«وروى المدائني، عن يحيى بن زكريا، عن هشام بن عروة قال : قال الحسن (عليه السلام) عند وفاته : «ادفنوني عند قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلا أن تخافوا أن يكون فى ذلك شرّ» فلمّا أرادوا دفنه، قال مروان بن الحكم لا يدفن عثمان في حش كوكب (مقبرة اليهود في المدينة) ويدفن الحسن ههنا، فاجتمع بنو هاشم وبنو أمية وأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، وجاؤوا بالسلاح، فقال أبو هريرة لمروان : أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع، وقد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»؟ قال مروان : دعنا منك، لقد ضاع حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان لا يحفظه غيرك وغير أبي سعيد الخدري، وإنما أسلمت أيام خيبر. قال أبو هريرة صدقت أسلمتُ أيام خيبر، ولكنني لزمت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم أكن أفارقه، وكنت أسأله، وعنيت بذلك حتى علمت من أحبّ، ومن أبغض، ومن قرب ومن أبعد، ومن أقر ومن نفى، ومن لعن ومن دعا له. فلما علمت عائشة بالأمر قالت : البيت بيتي ولا آذن لأحد أن يدفن فيه، ووقفت إلى جانب بني أمية وأبى الحسين (عليه السلام) أن يدفنه إلا مع جده، فقال له محمد بن الحنفية - رضي الله عنه -: يا أخي، لو أوصى أن ندفنه لدفناه أو نموت قبل ذلك، ولكنه قد استثنى، وقال: إلا أن تخافوا الشرّ فأي شر يرى أشدّ ممَّا نحن فيه؟ فدفنوه (عليه السلام) في البقيع» (1).
«وروى أبو الحسن المدائني قال : خرج على معاوية قوم من الخوارج، بعد دخوله الكوفة، وصلح الحسن (عليه السلام) له، فأرسل معاوية إلى الحسن (عليه السلام) يسأله أن يخرج فيقاتل الخوارج، فقال الحسن سبحان الله ! تركت قتالك وهو لي حلال لصلاح الأمة وألفتها، أفتراني أقاتل معك ! فخطب معاوية أهل الكوفة فقال : يا أهل الكوفة، أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنكم تصلّون وتزكون وتحجون؟ ولكنني قاتلتكم
1) المصدر السابق - ص 5 مجلد 4.
لأتأمر عليكم وعلى رقابكم، وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا إنّ كلّ مال أو دم أصيب في هذه الفتنة مطلول، وكلّ شرط شرطته فتحت قدمي هاتين، ولا يصلح الناس إلا ثلاث : إخراج العطاء عند محله، وإقفال الجنود لوقتها، وغزو العدوّ في داره، فإنّه إن لم تغزوهم غزوكم، ثم نزل» (1).
قال المدائني : ودخل على الحسن (عليه السلام) سفيان ابن أبي ليلى النهدي، فقال له: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين. فقال الحسن: إجلس يرحمك الله، إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) رفع له ملك بني أمية، فنظر إليهم يعلون منبره واحداً فواحداً، فشق عليه ذلك، فأنزل الله تعالى قرآناً قال فيه : «وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ» (2). وسمعت أبي علياً، رحمه الله، يقول سيلي أمر هذه الأمة رجل واسع البلعوم كبير البطن، فسألته : من هو ؟ فقال : معاوية، وقال لي : إنَّ القرآن قد نطق بملك بني أمية.
قال أبو الحسن : طلب زياد رجلاً من أصحاب الحسن، ممن كان في كتاب الأمان فكتب إليه الحسن: من الحسن بن علي إلى زياد. أما بعد: فقد علمت ما كنا أخذنا من الأمان لأصحابنا، وقد ذكر لي فلان أنك تعرضت له، فأحبّ أن لا تعرض له إلا بخير والسلام. فلما أتاه الكتاب، وذلك بعد ادعاء معاوية، غضب حيث لم ينسبه إلى أبي سفيان فكتب إليه : من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن، أما بعد: فإنه أتاني كتابك في فاسق تؤويه الفساق من شيعتك وشيعة أبيك، وأيم الله لأطلبته بين جلدك ولحمك، وإن أحب الناس إليَّ لحماً أنا آكله، للحم أنت فيه فلما قرأ الحسن (عليه السلام) الكتاب بعث به إلى معاوية، فلمّا قرأه معاوية غضب وكتب : من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد، أما بعد: فإنّ لك رأيين: رأياً من أبي سفيان، ورأياً من سمية، فأما رأيك من أبي سفيان، فحلم وحزم، وأما رأيك من سمية، فما يكون من مثلها،
إن الحسن بن علي كتب إليَّ بأنك عرضت لصاحبه، فلا تعرض له، فإني لم أجعل لك عليه سبيلا، وإن الحسن ليس ممن يرمى به الرجوان، والعجب من كتابك إليه، لا تنسبه إلى أبيه، أو إلى أُمِّهِ وَكَلْتَه، فالآن حين اخترت له والسلام.
قال المدائني : ولما توفي علي (عليه السلام) خرج عبد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس فقال : إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد توفي، وقد ترك خلفاً، فإن أحببتم خرج إليكم، وإن كرهتم فلا أحد على أحد. فبكى الناس وقالوا بل يخرج إلينا، فخرج الحسن (عليه السلام) فخطبهم فقال : أيها الناس: إتقوا الله فإنا أمراؤكم، وأولياؤكم، وإنا أهل البيت الذين قال الله فينا : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» (1)فبايعه الناس وكان خرج إليهم، وعليه ثياب سود، ثم وجه عبيد الله بن عباس. ومعه قيس بن سعد بن عبادة، مقدمة له في إثني عشر ألفاً إلى الشام، وخرج، وهو يريد المدائن فطعن بساباط، وانتهب متاعه، ودخل المدائن، وبلغ ذلك معاوية فأشاعه، وجعل أصحاب الحسن الذين وجههم مع عبيد الله يتسللون إلى معاوية، الوجوه وأهل البيوتات، فكتب عبيد الله بن العباس بذلك إلى الحسن (عليه السلام)، فخطب النّاس ووبخهم، وقال : خالفتم أبي حتى حكّم، وهو كاره، ثمّ دعاكم إلى قتال أهل الشام بعد التحكيم، فأبيتم حتى صار إلى كرامة الله، ثم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني، وتحاربوا من حاربني، وقد أتاني أن أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية وبايعوه، فحسبي منكم لا تعروني من ديني ونفسي، وأرسل عبيد الله بن الحارث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب، وأمه هند بنت أبي سفيان بن حرب، إلى معاوية يسأله المسالمة، واشترط عليه العمل بكتاب الله وسنّة نبيه (صلّى الله عليه وآله)، وأن لا يبايع لأحد من بعده، بل تكون الخلافة له (عليه السلام)، وفي رواية أن يكون الأمر شورى. وأن يكون الناس أجمعون آمنين، وكتب بذلك كتاباً، فأبى
1) سورة الأحزاب : الآية 33.
الحسين (عليه السلام) وامتنع فكلمه الحسن حتى رضي، وقدم معاوية إلى الكوفة.
قال المدائني : وكان الحسن (عليه السلام) أكبر ولد عليّ، وكان سيداً سخياً حليماً خطيباً، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبّه. سابق يوماً بين الحسين، وبينه فسبق الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى، ثمّ أجلس الحسين على الفخذ اليسرى، فقيل له يا رسول الله أيهما أحبّ إليك ؟ فقال : أقول كما قال إبراهيم أبونا، وقد قيل له : أي ابنيك أحبّ إليك؟ قال : أكبرهما، وهو الذي يلد أبني محمداً.
وروى المدائني قال : لقي عمرو بن العاص الحسن (عليه السلام)، في الطواف فقال : يا حسن، زعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك، فقد رأيت الله أقامه بمعاوية، فجعله راسياً بعد ميله، وبيناً بعد خفائه، أفرضي الله بقتل عثمان؟ أوَ مِنَ الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطحن، عليك ثياب كغرتي البيض، وأنت قاتل عثمان؟ والله إنه لألم للشعث وأمهل للوعث، أن يوردك معاوية حياض أبيك، فقال الحسن (عليه السلام): إنّ لأهل النَّار لعلامات يعرفون بها : إلحاداً لأولياء الله، وموالاة لأعداء الله، والله إنك لتعلم أن علياً لم يَرْتَبْ في الدين، ولم يَشُكَ في الله ساعة، ولا طرفة عين قط، وأيم الله لتنتهين يا ابن أم عمرو، أو لأنفذنّ حضنيك بنوافذ أشدّ من القصعبية، فإياك
والتهجم عليّ، فإني من قد عرفت، لست بضعيف الغمزة، ولا هش المشاشة، ولا مري المأكلة، وإني من قريش كواسطة القلادة يعرف حسبي، ولا أدعى لغير أبي، وأنت من تعلم ويعلم الناس، تحاكمت فيك رجال قريش، فغلب عليك جزارها، ألأمهم حسباً وأعظمهم لؤماً، فإياك عني، فإنك رجس، ونحن أهل بيت الطهارة، أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيراً. فأفحم ابن النابعة أخزاه الله وانصرف» (1).
1) شرح نهج البلاغة الحديدي - ص 9 و 10 المجلد 4.
و من محاسن كتبه (عليه السلام)، ما كتبه إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة : وكأني بقائِلكم : إذا كان هَذا قوت ابن أبي طالب. فقد قعد به الضعف عَنْ قِتالِ الأقرانِ ومُنازَلَةِ الشَّجعان. ألا وإنَّ الشَّجرة البرية أصْلَبُ عُوداً، والرَّوائعُ الخضِرَة أَرَقُ جُلُوداً، والنَّابِتاتُ العذيّة أقوى وقوداً وأبطأ خُموداً، وأنا مِنْ رسول الله كالضوءِ مِن الضَوْءِ. والذراع من العَضدِ. والله لو تظاهرت العرب على قتالي لمّا وليْتُ هَارِباً. ولو أمْكَنَتِ الفُرَصُ مِنْ رقابها لسَارعْتُ إليها، وسأجْهَدُ في أنْ أطهّر الأَرْضَ مِنْ هَذا الشَّخصِ المعكُوسِ والجِسْمِ المَرْكُوسِ. حتى تخرُجَ المَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ الحَصِيدِ.
البيان والشرح:
أجمع علماء النبات على أنّ الشجرة البرية، التي تنبت في البر الذي لا ماء فيه، هي أصلب عوداً من الشجرة التي تنبتُ في الأرض العذبة الرطبة، وهذا معنى قوله (علیه السلام) والروائع الخضرة أرق جلوداً، والنابتات العذيّة : التي تنبت عَذياً، والعذي بسكون الذال : الزرع الذي لا يسقى إلا بماء المطر، وهو في العادة يكون أقل أخذاً من الماء من النبت ساقياً، ولذا فقد قال (عليه السلام): إنّها تكون أقوى وقوداً ممّا يشرب الماء السائح، أو ماء الناضح، وأبطأ خموداً لصلابة جرمها.
ثم قال (عليه السلام) كلمة شريفة تحتها سرّ لطيف، وهي قوله : أنا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، كالضوء من الضوء، والذراع من العضد، وذلك لأنّ الضوء الثاني يكون معلولاً للضوء الأول، حيث أن الهواء المقابل
للشمس يصير مضيئاً من الشمس، فهذا الضوء هو الضوء الأول، وبعدها يقابل وجه الأرض فيضيء وجه الأرض منه، فالضوء الذي على وجه الأرض هو الضوء الثاني، وما دام الضوء الأول ضعيفاً، فالضوء الثاني سيكون ضعيفاً لا محالة، فإذا ازداد الجوّ إضاءة إزداد وجه الأرض إضاءة، لأن المعلول يتبع العلة، فشبّه (عليه السلام) نفسه بالضوء الثاني. وشبّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالضوء الأول، وشبه منبع الأضواء والأنوار، سبحانه وجلت أسماؤه، بالشمس التي توجب الضوء، ثمّ الضوء الأول بدوره يوجب الضوء الثاني، وهكذا.
والنكتة الهامة في المقام، هي أن الضوء الثاني يكون أيضاً علة لضوء ثالث، وذلك أنّ الضوء الثاني الحاصل على وجه الأرض، إذا أشرق على جدار مقابل ذلك الجدار قريباً منه مكان مظلم، فإن ذلك المكان يصير مضيئاً بعد أن كان مظلماً، وإن كان لذلك المكان المظلم باب، وكان داخل البيت مقابل ذلك الباب جدار، كان ذلك الجدار أشدّ إضاءة من باقي البيت، ثمّ ذلك الجدار إن كان فيه ثقب إلى موضع آخر، كان ذلك الجدار أشدّ إضاءة ممّا حواليه. وهكذا لا يزال الضوء يوجب بعضه بعضاً، على وجه الإنعكاس، بطريق العلية. وبشرط المقابلة، ولا تزال تضعف درجة درجة إلى أن تضمحل، ويقود الأمر إلى الظلمة، وهكذا عالم العلوم، والحكم المأخوذة من أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تزال تضعف كلّما انتقلت من قوم إلى قوم، إلى أن يعود الإسلام غريباً كما بدأ، بموجب الخبر النبوي الشريف، ومما يناسب ما نحن فيه من هذه المقامات الشريفة، لعلي أمير المؤمنين وأبنائه الميامين (عليهم السلام)، قول شاعر المعرّة أبي العلاء حيث يقول :
وعلى الأفق من دماء الشهيدين***علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجران***وفى أوليات أولياته شفقان
ثبتا في قميصه ليجيء الحشـ***ـر مستعدياً إلى الرحمن
يا ابن مستعرض الصفوف ببدر***ومبيد الجموع من غطفان
أحد الخمسة الذي هم الألفا***ظ في كل منطق والمعاني
والشخوص التي خلقن ضياء***قبل خلق المريخ والميزان
وقوله (عليه السلام): وكالذراع من العضد : فلأن الذراع فرع على العضد، والعضد أصل: فالثاني متفرع من الأول، وبذلك فقد شبّه (عليه السلام) نفسه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالذراع الذي العضد أصله وأسه، والمراد بالتشبيه هنا الإبانة عن شدّة الإمتزاج، والإتحاد والقرب بينهما، فإن الضوء الثاني شبيه بالضوء الأول، والذراع متصل بالعضد إتصالاً بيّناً. وهذه المنزلة أعطاه إيَّاها القرآن الكريم، حيث اعتبره نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله)، في مقامات كثيرة، نحو قوله (صلى الله عليه وآله) في سورة براءة : «وقد أمرت أن لا يؤدي عنّي إلا رجل مني»، فذهب علي (عليه السلام)، وعاد أبو بكر بعد أن أعطاها لأمير المؤمنين. وقوله (صلّى الله عليه وآله): «لتنتهنَّ يا بني وليعة أو لأبعثن إليكم رجلاً مني، أو قال عديل نفسي»، وقد قال له : لحمك مختلط بلحمي ودمك منوط بدمي وشبرك وشبري واحد».
وكلّ ذي نصفة من المسلمين يعلم بأن علياً (عليه السلام)، كان الرحى التي تدور عليها حروب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وبسيفه ذي الفقار قام عمود الدين ومجد ناموسه الحنيف. هذا في عهده (صلى الله عليه وآله) وأما بعد وفاته، فقد كان المرجع الأعلى الذي يعود إليه الناس، والصحابة في مشاكلهم، ومعضلاتهم، والضوء الذي يلجأ إليه المحتاجون في المدلهمات، والكهف الذي يفزع إليه الخائفون أيام الروع.
وأما قوله (عليه السلام): لو تظاهرت العرب عليّ لما وليت هارباً : فهو معلوم ضرورة عند المسلمين وغيرهم، وكيف لا يكون الأمر كذلك، وقد أصفقت الأمة على أنه أشجع ولد آدم إلى يوم القيامة، ما خلا ابن عمه سيد الناس (صلى الله عليه وآله) أو ليس هو الذي قلع باب خيير، وقد قال : ما قلعته بقوّة جسدية، وإنما بقوة إلهية ؟ وهو الذي قتل فارس الجزيرة العربية عمرو بن عبدود العامري في الخندق، وهو الذي جندل الأبطال في
أحد وبدر وغيرها كثير، ليس هنا مجال لذكره.
وقوله (عليه السلام): ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها، والغرض من ذلك أن يقرّر في نفوس أصحابه أو غيرهم من العرب أنّه يحارب على حق، وأن حربه لأهل الشام كالجهاد أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأن من يجاهد الكفار يجب عليه أن يغلظ عليهم، ويستأصل شأفتهم، ولذلك فإنه (صلى الله عليه وآله) لمّا جاهد بني قريظة وظفر لم يبق، ولم يعف، وحصد في يوم واحد رقاب ألف إنسان صبرا في مقام واحد، لما علم في ذلك من إعزاز الدين وإذلال المشركين، فالصفو له مقام، والإنتقام له مقام اخر، وقد عفا (صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكة، وعفا علي (عليه السلام) يوم الجمل.
وقوله (عليه السلام): وسأجهد في أن أطهر الأرض: الإشارة هنا إلى معاوية. وقد سماه (عليه السلام) شخصاً معكوساً وجسماً مركوساً، والإنعكاس هنا هو إنعكاس العقيدة، فلم يكن من أهل الهدى والتقى والصلاح، بل كان معاكساً للحق والصواب، وسمّاه مركوساً من قولهم: إرتكس في الضلال، والركس ردّ الشيء مقلوباً. قال الله تعالى : «والله أركسهم بما كسبوا» (1)أي قلبهم وردّهم إلى كفرهم. فلمّا كان معاوية تاركاً للفطرة التي يولد عليها كلّ مولود، كان مرتكساً في ضلاله. ثمّ إنّ للفلاسفة من أصحاب التناسخ فلسفة أخرى في هذا المضمار، حيث يقولون : إن الحيوان على ضربين: منتصب، ومنحن. فالمنتصب الإنسان، والمنحني ما كان رأسه منكوساً إلى جهة الأرض، كالبهائم والسباع، ولهذا قالوا: وإلى ذلك وقعت الإشارة بقولة تعالى : «أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (2)، ولهذا قالوا: إن أصحاب الشقاوة تنتقل أنفسهم إلى الحيوان المنتصب، ولمّا كان عنده (عليه السلام) معاوية من أهل الشقاوة، سمّاه معكوساً، ومركوساً، رمزاً إلى هذا المعنى، والإعتقاد بالتناسخ قديم
جداً، وقد قالت به أكثر الأديان القديمة، ومنهم الهنود القدامى، الذين قالوا : إن روح الإنسان تهجره، لتحل في حيوان أو حشرات أو نبات أو قديس، وبذلك تبقى تزاول حالة من الخلود إلى الأرض، وهذا يعني أن للروح عندهم كياناً مستقلاً يقوم بذاته، على أن فكرة الخلود فيما هو الراجح مع حبّ البقاء، هي السبب الحقيقي في فكرة التناسخ، وأهم الأقوال الفلسفية القديمة في التناسخ هي :
أ - الكارما الهندية: وهي قانون الجزاء على ما يفعله الإنسان، وبمقتضى العدل الإلهي العام، وهذا النهج لا يترك صغيرة ولا كبيرة من أعمال الخلق إلا أحصاها، وعندنا نحن المسلمين يشبه إلى حدٍ ما كتاب الأعمال قال تعالى : «ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها» (1)والإختلاف يقع في الجزاء، فهو في عقيدة المسلمين يتم في الآخرة وعند «الكارما» يكون في الدنيا، وحينما رأى الهندوس أنّ الجزاء لا يقع دائماً، لجأوا إلى فكرة التناسخ، وهو في الهندوسية رجوع الروح بعد خروجها من جسم إلى آخر في العالم الأرضي، وعللوا ذلك :
1 - أن الروح خرجت من الجسم، ولا تزال مرتبطة بأهواء وشهوات في العالم المادي لم تتحقق بعد.
2 - إنها غادرت الجسم، وعليها ديون كثيرة للآخرين، ولا بُدَّ من أدائها، ولا مناص حينئذ من أن تستوفي شهواتها في حياة أخرى، حيث تتذوق ثمرات أعمالها التي قامت بها في حياتها السابقة، والميل عادة يستلزم الإرادة وهي بدورها تستلزم الفعل في هذا الجسد أو في جسد آخر، فقد خلقت الميول لتستوفى، وحينما تكتمل الميول ولا يبقى للإنسان شهوة ما، وأزيلت الديون فلم يرتكب الإنسان إثماً، ولم يقم بحسنة تستوجب المثوبة نجت روحه من تكرار المولد، وامتزجت «بالبرهما» سواء«أكان الإكتمال في جسد واحد أو أجساد متعددة، وعلى هذا فالإنطلاق هو الهدف الأسمى من دورات الوجود
1) سورة الكهف : الآية 49.
المتتالية ليتم الإندماج بالكيان الأسمى «البرهما»، كما تمتزج قطرة الماء بالمحيط العظيم، وكلّ ما يصيب المرء في مرحلة من مراحل تناسخه إنما هو نتيجة لمقدمات، وأعمال حدثت في مرحلة من مراحل وجوده السابق وفقاً لقانون الجزاء : «الكارما».
يقول البيروني وهو من أعلام المسلمين «362 هـ. 973 م : ولادته» : كما أن الشهادة بكلمة الإخلاص هي علامة إيمان المسلمين، والتثليث علامة النصرانية، والأسبات علامة اليهودية، فكذلك التناسخ علم النحلة الهندوسية، وتقرر الهندوسية أن روح كل كائن تعود في نهاية مطافها إلى مصدرها الأول الذي نشأت فيه، وهو الله، والإنسان أحد هذه الكائنات، وروحه قطرة من الله إنفصلت عنه إلى أجل محدود، ثم تنتقل من كائن عن طريق التناسخ، ثم تعود في النهاية إلى الله متى جاء أجلها، فالديانة البرهمية كانت في الأصل - على ما يبدو في أسفارها - ديانة توحيد مشوبة بعقائد «وحدة الوجود» وتناسخ الأرواح، ورجوع الكائنات إلى الخالق وما إلى ذلك من المعتقدات التي انتقل كثير منها إلى التصوف الإسلامي، ولكنها - أي البرهمية - إنتهت إلى التثليث أي القول بثلاثة آلهة، وإن اعتبرت واحداً وهي : 1 - برهما : الخالق. 2 - سيفا : المدر. 3 - يشنوا : الحافظ المجدّد.
ب - الجينية : وهي تعاليم «مهاويرا» الذي ظهر في الهند في القرن الثالث قبل الميلاد، وهي تعتقد «بالكارما» الهندوسية وللوصول إلى تخليص الروح من «الكارما» يظل الإنسان يولد ويموت حتى تخلص روحه وتظهر نفسه وتنتهي رغباته، وعندها تقف دائرة عمله ومعها حياته المادية، فيبقى روحاً خالدا في نعيم مقيم، ويسمى عند «الجينيين» «النجاة»، وهي ما يعادل الإنطلاق في الهندوسية، و«النرقانا» في البوذية، و «الخلاص» في المسيحية، و «الجنّة في الإسلام».
وفي «الجينية» كفارات عن السيئات، ومنها الفقر، وتناسخ الأرواح في أشخاص تعساء، أو في قوالب الحيوانات والجمادات.
هـ - البوذية: وترى أن الإنسان مركب جسدي يملك قوى يتحرك بها، وآلات يشعر بها، فهو يحس ويلمس ويسمع، ويبصر، ويشم، ويذوق، ويدرك، وهو بهذه الحواس والمشاعر يتصل بالعالم الخارجي. أما طبعه فيشتمل على النزعات والكفاءات المنتجة من الماضي، فهي إرث له من الحياة التي عاشها في الماضي، وهي التي تكيف شخصيته التي تبدأ بها حياة جديدة، فإذا انفصلت هذه الأواصر المادية بالموت تقمصت قوى المادية الأولية جسداً جديداً، ولا تزال تلك القوى متواصلة، إن لم يكن مادياً فنفسياً، فيسعد الشخص أو يشقى، حسبما تهيأ له من السلوك السابق، والعناصر التي تشكل شخصاً جديداً لا تزال في تبدل مستمر، ولكنها لا تتلاشى كلياً حتى تفني القوة التي تتمسك بها وتدفعها إلى «الميلاد الجديد»، وليست تلك القوَّة إلا الرغبة في الوجود المنفرد.
والإعتقاد بالتناسخ، أي انتقال الروح من هيكل إلى آخر أو عودتها بعد الموت، قد عرفه الهنود والبوذيون والجينيون والمصريون والرومان، وقد عرفته بالطبع شعوب آسيا الوسطى، إما مهاجراً إليهم شرقاً من مصر، أو مرتحلاً إليهم غرباً من الهند حيث تسرب إلى المسلمين يقول ابن حزم: «إفترق القائلون بالتناسخ إلى فرقتين : الأولى تقول : إن الأرواح بعد مفارقتها الأجساد تنتقل إلى أجسام أخرى، وإن لم تكن من نوع الأجسام التي فارقتها، وهذا قول أحمد بن حافظ، وأحمد بن ناموس وأبي مسلم الخراساني، ومحمد بن زكريا الرازي الذي صرّح بذلك في كتابه المعروف: «العلم الإلهي» فقال: «لولا أنه لا سبيل إلى تخليص الأرواح من الأجساد المتصورة بالصور الصحيحة إلى الأجساد المتصورة بصورة الإنسان إلا بالقتل والذبح، لما جاز قتل شيء من الحيوان أو ذبحه البتة» (1).
على أنّ الكتب السماوية كلها تقول بعودة الروح، ولكن عودتها تسمى «البعث» أو المعاد، أو النشور، أو القيامة، وهناك أقوال واختلاف بين أن ترجع
1) الملل والأهواء والنحل - ابن حزم - جزء أول ص 90.
الروح إلى هيكلها ثانية أو تبعث مجردة منه، والقرآن الكريم يشير إلى أنها تعود يوم القيامة إلى جسدها وتحشر للحساب، والدليل:
1 - قال تعالى: «أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ» (1).
2 - قال تعالى: «خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ» (2).
3- قال تعالى: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ» (3).
4- قال تعالى : «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا» (4).
5 - قال تعالى : «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى» (5).
فالآيات الكريمة تشير إلى أن الروح تعود إلى جسدها مرة ثانية للحساب، باستثناء الآية الخامسة فإنها تشير إلى النفس، ويمكن حمل ذلك على الشمول. أو المجاز المرسل. وهذه الآيات وأمثالها وإن لم تدل على التناسخ، فقد وجد القائلون بالتناسخ فيها دعماً لنظريتهم، وخاصة في «العودة». والقائلون بالتناسخ يعتقدون بعودة الروح ثانية وثالثة وفي أجسام عليا ودنيا إلى أن تطهر وتصفو، ويدعون هذا تناسخاً، ومفسرو الأديان السماوية يعتقدون بعودة الروح ثانية فقط، وإلى جسدها الذي فارقته ولأجل الحساب والتقاص، فيما قدمت من خير أو اقترفت من شرور وآثام، ويسمون ذلك بعثاً وقيامة ونشوراً، وبناء
عليه فإنّ القاسم المشترك بين هؤلاء وأولئك هو «العودة» والمأثور عن الحكماء أنّ هناك خمس درجات وهي :
1 - النسخ: وهو انتقال النفس الناطقة أو نقلها من بدن إنساني إلى بدن إنساني آخر.
2 - المسخ : وهو إنتقالها من بدن إنساني إلى بدن حيواني، يناسبه في الأوصاف، كالأسد للشجاع، والثعلب للخبيث، والأرنب للجبان.
3 - الفسخ : وهو إنتقالها أو نقلها من بدن إنساني إلى جماد.
4 - الرسخ : وهو إنتقالها إلى نبات أو جماد.
5 - الوسخ : وهو إنتقالها إلى هوام ودبيب (1).
وقوله (عليه السلام): حتى تخرج المدرة من بين حبّ الحصيد : أي حتى يتطهر الدين وأهله منه وذلك لأنّ الزراع يجتهدون في إخراج المدر، والحجر، والشوك والعوسج من بين الزرع، كي لا تفسد منابته فيفسد الحبّ الذي يخرج منه، فشبّه (عليه السلام) معاوية بالمدر ونحوه من مفسدات الحبّ، وشبّه الدين بالحبّ الذي هو ثمرة الزرع.
1) المكزون بين الأمارة والتصوف - حامد حسن - جزء أول ص 287 - دمشق.
ومن كتاب له (عليه السلام) إلى سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قبل أيام خلافته أما بعد، فإنَّما مثل الدُّنْيا مَثْلُ الحَيَّةِ : لينُ مَشهَا، قاتِل سمها، فَأَعْرِضْ عمَّا يُعجبُكَ فيها لِقلَّةِ ما يُعْجِبُكَ مِنْها. وَضَعْ عَنْكَ هُمُومَها لما أيقنْتَ بهِ مِنْ فِراقِها وتَصرُّفِ حالاتِها. وَكُنْ آَنسَ ما تَكُونَ بها، أحذَرَ ما تَكُونُ فيها، فإِنَّ صاحبها كُلّما اطْمَأَنَّ فِيهَا إلى سُرورٍ أَشْخَصَتْهُ إلى مَحْذُورٍ، أَوْ إلى إيناس أزالته عَنْهُ إلى إيحاشِ والسَّلام.
البيان والشرح:
أما سلمان الفارسي - رضي الله عنه -، فهو رجل من فارس رامهرمز، وقيل : أصله من أصبهان من قرية يقال لها جي، وهو معدود من موالي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكنيته أبو عبد الله، وكان إذا قيل له : ابن من أنت؟ يقول : أنا سلمان بن الإسلام، أنا من بني آدم.
«وقد روي أنه قد تداوله أرباب كثيرة، بضعة عشر ربّاً، من واحد إلى آخر، حتى أفضى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وروى أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب «الإستيعاب» : أنّ سلمان أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصدقة فقال : هذه صدقة عليك وعلى أصحابك فلم يقبلها، وقال: «إنّه لا تحلّ لنا الصدقة» فرفعها ثم جاء من الغد بمثلها، وقال : هدية هذه، فقال لأصحابه : «كلوا» واشتراه من أربابه وهم قوم يهود بدراهم، وعلى أن يغرس لهم من النخل كذا وكذا. ويعمل فيها حتى تدرك، فغرس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك النخل كلّه بيده إلا نخلة واحدة غرسها عمر بن الخطاب،
فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من غرسها؟ قيل : عمر. فقلعها وغرسها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بيده فأطعمت» (1).
«وقال: كان سلمان يسف الخوص من المدينة، وأول مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره، فقال أبو سفيان وأصحابه لمّا رأوه : وهذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها.
وقال : وقد روي أنّ سلمان شهد بدراً وأُحداً، وهو عبد يومئذ، والأكثر أن أول مشاهده الخندق، ولم يفته بعد ذلك مشهد. قال، وكان سلمان خيراً فاضلاً حبراً عالماً زاهداً متقشفاً.
وذكر هشام بن حسان عن الحسن البصري قال : كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان إذا خرج عطاؤه تصدّق به ويأكل من عمل يده، وكانت له عباءة يفرش بعضها، ويلبس بعضها قال: وذكر ابن وهب وابن نافع أنَّ سلمان لم يكن له بيت إنما كان يستظل بالجدر والشجر، وأنّ رجلاً قال له : ألا أبني لك بيتاً تسكن فيه ؟ قال : لا حاجة لي في ذلك، فما زال به الرجل حتى قال : أنا أعرف البيت الذي يوافقك. قال : فصفه لي. قال : أبني لك بيتاً إذا أنت قمت فيه أصاب رأسك سقفه، وإن أنت مددت فيه رجليك أصابها، قال : نعم. فبنى له.
وقال صاحب كتاب الإستيعاب : وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال : «لو كان الدين في الثريا لناله سلمان»، أو «لناله رجل من فارس» وقد روينا عن عائشة قالت: كان لسلمان مجلس من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ينفرد به الليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد روي من حديث ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «أمرني ربي بحبّ أربعة، وأخبرني أنّه يحبّهم: عليّ، وأبو ذرّ،
1) شرح نهج البلاغة الحديدي - ص 224 المجلد 4.
والمقداد وسلمان». وروى قتادة عن أبي هريرة قال : سلمان صاحب الكتابين الإنجيل والقرآن» (1).
وقد روى الأعمش، عن عمرو بن مرَّة، عن أبي البحتري، عن عليّ (عليه السلام)، أنه سئل عن سلمان فقال : علم العلم الأول. والعلم الآخر، ذلك بحر لا ينزف، وهو منا أهل البيت.
وفي رواية زاذان عن علي (عليه السلام) قوله : سلمان الفارسي كلقمان الحكيم، وقال كعب الأحبار : سلمان حشي علماً وحكمة، وفي الحديث المروي أن أبا سفيان مرَّ على سلمان، وصهيب وبلال في نفر من المسلمين، وقالوا : ما أخذت السيوف من عنق عدو الله مأخذها، وأبو سفيان يسمع قولهم، فقال لهم أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها؟ وأتى النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبره، فقال : «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن أغضبتهم لقد أغضبت الله». فأتاهم أبو بكر فقال : يا أخوتاه لعلي أغضبتكم؟ قالوا: لا يا أبا بكر يغفر الله لك.
قال : وآخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينه وبين أبي الدرداء لما آخى بين المسلمين قال : ولسلمان فضائل جمّة وأخبار، وتوفي في آخر خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين؛ وقيل توفي في أول ستة وثلاثين ؛ وقال قوم: توفي في خلافة عمر (رضي الله عنه) والأول أشهر» (2).
وأما حديث إسلام سلمان، فقد ذكره كثير من المحدثين، ومنهم ابن عبد البرّ قال : قال سلمان - رضي الله عنه - : كنت ابن دهقان قرية «جي» من أصبهان، وبلغ من حبّ أبي لي أن حبسني في البيت، كما تحبس الجارية، فاجتهدت في المجوسية حتى صرت فظة بيت النار، فأرسلني أبي يوماً إلى ضيعة له، فمررت بكنيسة للنصارى، فدخلت عليهم فأعجبتني صلاتهم فقلت : دين هؤلاء خير من ديني، فسألتهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا بالشام،
فهربت من والدي حتى قدمت الشام، فدخلت على الأسقف، فجعلت أخدمه، وأتعلم منه، حتى حضرته الوفاة، فقلت: إلى من توصي بي؟ قال : قد هلك الناس، وتركوا دينهم إلا رجلاً بالموصل فالحق به. فلما قضى نحبه لحقت بذلك الرجل، فلم يلبث إلا قليلاً حتى حضرته الوفاة، فقلت: إلى من توصي بي؟ فقال : ما أعلم رجلاً بقي على الطريق المستقيمة، إلا رجلا بنصيبين فلحقت بصاحب نصيبين. قالوا وتلك الصومعة اليوم باقية، وهي التي تعبّد فيها سلمان. قال : ثمّ احتضر صاحب نصيبين فبعثني إلى رجل بعمورية من أرض الروم، فأتيته وأقمت عنده، واكتسبت بقيرات وغنيمات، فلما نزل به الموت قلت له بمن توصي بي ؟ فقال : قد ترك الناس دينهم وما بقي من أحد منهم على الحق وقد أطلّ زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرّتين لها نخل. قلت : فما علامته؟ قال : يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوّة، قال : ومرَّ بي ركب من كلب، فخرجت معهم، فلمّا بلغوا بي وادي القرى ظلموني وباعوني من يهودي، فكنت أعمل له في زرعه ونخله، فبينا أنا عنده إذ قدم ابن عمّ له فابتاعني منه، وحملني إلى المدينة فوالله أنا في رأس نخلة إذ أقبل ابن عمّ له فقال : قاتل الله بني قيلة قد اجتمعوا على رجل بقباء قدم عليهم من مكة، يزعمون أنه نبي.
قال : فأخذني القرّ والإنتفاض، ونزلت من النخلة، وجعلت أستقصي في السؤال، فما كلمني سيدي بكلمة، بل قال : أقبل على شأنك ودع مالا يعنيك، فلما أمسيت أخذت شيئاً كان عندي من التمر، وأتيت به النبي (صلى الله عليه وآله)، فقلت له : بلغني أنك رجل صالح. وأن لك أصحاباً غرباء ذوي حاجة، وهذا شيء عندي صدقة فرأيتكم أحق به من غيركم. فقال (صلى الله عليه وآله) كلوا، فأمسك ولم يأكل، فقلت في نفسي : هذه واحدة وانصرفت. فلمّا كان منالغد، أخذت ما كان بقي عندي وأتيته به فقلت له : إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية، فقال: كلوا وأكل معهم فقلت : إنه لهُوَ فأكببت عليه أقبله وأبكي، فقال: ما لك؟ فقصصت عليه القصة فأعجبته، ثمّ قال : يا سلمان، كاتب صاحبك. فكاتبته على ثلاثمائة نخلة، وأربعين أوقية. فقال
رسول الله (صلى الله عليه وآله) للأنصار: أعينوا أخاكم، فأعانونني حتى جمعت ثلاثمائة ودية، فوضعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده فصحت كلها، وأتاه مال من بعض المغازي فأعطاني منه، وقال : أدّ كتابتك. فأديت وعتقت» (1).
وكان سلمان - رضي الله عنه - من شيعة علي (عليه السلام) وخاصته، وفي التاريخ أنه أحد الأربعة الذين حلقوا رؤوسهم وأتوه متقلدي سيوفهم، حين همّ القوم أن يأخذوا البيعة بالقوّة من أمير المؤمنين (عليه السلام).
وذكر المحدثون أن سلمان قال يوم السقيفة للمسلمين، وقد بويع أبو بكر بالخلافة، والنبي لم يدفن بعد: کردید و نکردید - بالفارسية - والمعنى : أنكم أسلمتم وما أسلمتم. وقد توفي سلمان - رحمه الله - في المدائن في زمن عثمان، وصلى عليه أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وكان أمير المؤمنين آنذاك بالمدينة، وهذا يدلّ على فضيلة عظيمة لسلمان - رضي الله عنه -، ومقام رفيع لدى أهل بيت النبوة (عليهم السلام).
قلت : ومما يناسب وصيته (عليه السلام) لسلمان، أن بعض الزهاد مرَّ بباب دار وأهلها يبكون ميتاً لهم فقال : واعجباً لقوم مسافرين يبكون مسافراً قد بلغ منزله. ولقي عالم راهباً فقال: أيها الراهب: كيف ترى الدنيا؟ قال : تخلقُ الأبدان وتجدّد الآمال وتباعد الأمنية، وتقرب المنية قال : فما حال أهلها؟ قال : من ظفر بها نصب ومن فاتته أسف، قال : فكيف الغنى عنها ؟ قال : بقطع الرجاء عنها. قال : فأي الأصحاب أبرّ وأوفى؟ قال : العمل الصالح، قال : فأيهم أضرّ وأنكى؟ قال : النفس والهوى، قال فكيف المخرج ؟ قال : في سلوك المنهج، قال : وبماذا أسلكه؟ قال : بأن تخلع لباس الشهوات الفانية وتعمل للدار الباقية.
1) المصدر السابق ص 225، مجلد 4.
ومن كلام له (عليه السلام): رُبّ عالم قَدْ قَتَلَهُ جَهْلُهُ وَعِلْمُهُ مَعَهُ لَمْ يَنْفَعُهُ.
البيان:
العلماء الذين قد قتلوا أمثلتهم في التاريخ كثيرة، فقد قتل برز جمهری حكيم فارس الشهير، بسبب بعض مواقفه مع حكمته وفضله وأدبه، وقد استشهد حكيم اليونان وفيلسوفها سقراط، مع حكمته وعظمته، وقتل أبو مسلم الخراساني، مع حزمه وشدته، وقتل جعفر بن يحيى البرمكي، مع أدبه وحسن معرفته، ومن التاريخ العباسي أيضاً عبد الله بن المقفع، فقد جرى له ذلك، مع علمه الجمّ وحسن درايته، ولا شك بأن كتابه الشهير «اليتيمة» شاهد حي على غزارة علمه وفضله، وفي التاريخ أنه قد اجتمع بالخليل بن أحمد الفراهيدي - رحمه الله - صاحب علم العروض، وسمع كلّ منهما كلام الآخر، فسُئل الخليل عن ابن المقفّع فقال : وجدت علمه أكثر من عقله، وقال ابن المقفع عن الخليل : وجدت عقله أكثر من علمه.
«وهكذا، فقد كان ابن المقفّع، مع حكمته متهوراً أرعناً، وأدى ذلك إلى قتله، فقد كتب كتاب أمان لعبد الله بن علي عمّ المنصور، ويوجد فيه خطه، فكان من جملة الكتاب : ومتى غدر أمير المؤمنين بعمّه عبد الله، أو أبطن غير ما أظهر، أو تأول في شيء من شروط هذا الأمان فنساؤه طوالق، ودوابه حبس، وعبيده وإماؤه أحرار، والمسلمون في حِلّ من بيعته. فاغتاظ المنصور واشتدّ عليه ذلك، لمّا وقف على الكتاب وسأل من الذي كتب الأمان؟ فقيل له :
عبد الله بن المقفع، كاتب عميك عيسى وسليمان ابني عليّ بالبصرة، فكتب المنصور إلى عامله بالبصرة، سفيان بن معاوية يأمره بقتله، وقيل: بل قال : أما أحد يكفيني ابن المقفع ؟ فكتب أبو الخصيب بها إلى سفيان بن معاوية المهلبي أمير البصرة يومئذ، وكان سفيان واجداً على ابن المقفع، لأنه كان يعبث به ويضحك منه دائماً، فغضب سفيان يوماً من كلامه وافترى عليه فردّ ابن المقفع عليه ردّاً فاحشاً، وقال له : يا ابن المغتلمة. وكان يمتنع بعيسى وسليمان ابني علي بن عبيد الله بن عباس فحقدها سفيان عليه، فلما كوتب في أمره بما كوتب، اعتزم على قتله، فاستأذن عليه جماعة من أهل البصرة منهم ابن المقفع، فأدخل ابن المقفع قبلهم، وعدل إلى حجرة في دهليزه، وجلس غلامه بدابته ينتظره علی باب سفیان، فصادف ابن المقفع في تلك الحجرة سفيان بن معاوية، وعنده غلمانه، وتنور نار يسجر، فقال سفيان: أتذكر يوم قلت لي : كذا، أمّي مغتلمة إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد، ثمّ قطّع أعضاءه عضواً عضواً، وألقاها في النار، وهو ينظر إليها حتى أتى على جميع جسده، ثم أطبق التنور عليه، وخرج إلى الناس فكلمهم، فلما خرجوا من عنده تخلف غلام ابن المقفّع ينتظره فلم يخرج، فمضى وأخبر عيسى بن علي، وأخاه سليمان بحاله، فخاصما سفيان بن معاوية في أمره فجحد دخوله إليه، فأشخصاه إلى المنصور، وقامت البينة العادلة أنّ ابن المقفع دخل دار سفيان حيا سليماً، ولم يخرج منها، فقال المنصور : أنا أنظر في هذا الأمر إن شاء الله غداً.
فجاء سفيان ليلاً إلى المنصور فقال : يا أمير المؤمنين إتق الله، في صنيعتك وتبع أمرك، قال: لا ترع، وأحضرهم في غد، وقامت الشهادة، وطلب سليمان وعيسى القصاص، فقال المنصور : أرأيتم إن قتلت سفيان بابن المقفّع، ثمّ خرج عليكم ابن المقفّع من هذا الباب، وأومأ إلى باب خلفه، من صب لي نفسه حتى أقتله بسفيان؟ فسكتوا، واندفع الأمر، وأضرب عيسى سلمان عن ذكر ابن المقفع بعدها، وذهب دمه هدراً» (1).
1) المصدر السابق ص 225 مجلد 4.
وقيل للأصمعي : أيهما كان أعظم ذكاء وفطنة، الخليل أم ابن المقفّع ؟ فقال : كان ابن المقفّع أفصح وأحكم، والخليل آدب وأعقل، ثمّ قال : شتان ما بین فطنة أفضت بصاحبها إلى القتل، وفطنة أفضت بصاحبها إلى النسك والزهد في الدنيا. وكان الخليل قد نسك قبل أن يموت، فصح فيهما قول أبي الطيب المتنبي :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله***وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
ومن البليّة زجر من لا يرعوي عن***غيه وخطاب من لا يفهم
وقال (عليه السلام) لابنه الحسن بن علي (عليهما السلام) : لا تَدْعُونَّ إلى مُبارَزة، فإن دُعيتَ إليها فأجبْ. فإنَّ الداعي إليها باغ، والباغي مَصْروعٌ.
البيان والشرح:
لم نسمع عنه (عليه السلام) أنَّه دعا إلى مبارزة قط، وإنما كان يدعى هو بعينه أو يُدعى من يبارز، فيخرج إليه فيقتله. ففي غزوة بدر، دعا بنو ربيعة بن عبد شمس بني هاشم إلى البراز، فخرج (عليه السلام) فقتل الوليد، واشترك هو وحمزة أسد الله وأسد رسوله (عليه السلام) فقتله. وفي خيبر، دعا مرحب إلى البراز، فخرج إليه فقتله.
«وأما خروجه يوم الخندق إلى عمرو بن عبدود العامري، فإنها فوق أن يقال : إنّها عظيمة أو جليلة، وقد قال شيخ المعتزلة أبو الهذيل، حينما سأله سائل : أيهما أعظم منزلة عند الله : عليّ أم أبو بكر ؟ فقال : يا ابن أختي والله لمبارزة علي عمراً يوم الخندق، تعادل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلّها وتربي عليها، فضلاً عن أبي بكر وحده». وفي هذه الموقعة تقول أخت عمرو بن عبد ود العامري :
لو كان قاتل عمرو غیر قاتله***لكنت أبكي عليه دائم الأبد
لكن قاتله من لا يُعاب به***أبوه من كان يدعى بيضة البلد
ويقول المرحوم الشيخ كاظم الأزري، طيب الله ثراه :
يا لها من ضربة حوت مكرمات***لم يزن ثقل أجرها ثقلاها
هذه من علاه إحدى المعالي***وعلى هذه فقس ما سواها
وله - رحمه الله - في غزوة خيبر وقتله مرحباً فارس اليهود :
فاستطالت أعناق كلّ فريق***ليروا أي ماجد يعطاها
فدعا أين وارث العلم والحلم***مجير الأيام من بأساها
أين ذو النجدة الذي لو دعته***في الثريا مَرُوْعَةٌ لبَّاها
فأتاه الوصي أرمد عين***فسقاها من ريقه فشفاها
ومضى يطلب الصفوف فولت***عنه علماً بأنه أمضاها
ویری مرحبا بكف اقتدار***أقوياء الأقدار من ضعفاها
ودحا بابها بقوّة بأس***لو حمتها الأفلاك منه دحاها
وفي خيبر، يقول حسّان بن ثابت الأنصاري :
وكان علي أرمد العين يبتغي***دواء فلمّا لم يحس مداويا
سقاه رسول الله منه بتفلة***فبورك مرقياً وبورك راقياً
وقال سأعطي الراية اليوم فارساً***كمياً محبّاً للرسول مواليا
یحب إلهي والإله يحبه***به يفتح الله الحصون الأوابيا
فأصفی به دون البرّية كلّها***علياً وسماه الوزير المؤاخيا
وفي خيبر، يقول المرحوم شاعر الموصل عبد الباقي أفندي العمري - رحمه الله -
وأنت أنت الذي آثاره ارتفعت***على الأثير وعنها قدره اتضعا
وأنت أنت الذي آثاره مسحت***هام الأثير فأبدى رأسه الصلعا
حكمت في الكفر سيفاً لو هويت به***يوماً على كنز الأفلاك لانخلعا
أسلت من غمده ناراً مروّقة***تُجَرِّع الكفر من راووقها جرعا
حكى الحمام حماماً من حسامك في***لسان نار على هاماتهم سجعا
عالجت بالبيض أمراض القلوب ولو***كان العلاج بغير البيض ما نجعا
وباب خیبر لو كانت مسامره***كل الثوابت حتى القطب لانقلعا
«وروى قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن ربيعة بن مالك السعدي قال : أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله، إن الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه، فيقول لهم أهل البصيرة : إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس؟ فقال : يا ربيعة وما الذي تسألني عن علي، وما الذي أحدثك عنه ! والذي نفس حذيفة بيده، لو وضع جميع أعمال أمة محمد (صلى الله عليه وآله) في كفة الميزان، منذ بعث الله محمداً إلى يوم الناس هذا، ووضع واحد من أعمال علي (عليه السلام) في الكفة الأخرى، لرجح على أعمالهم كلّها فقال هذا المدح الذي لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل، إني لأظنّه إسرافاً يا أبا عبد الله، فقال حذيفة: وكيف لا يحمل؟ وأين كان المسلمون يوم الخندق، وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه، فملكهم الهلع والجزع؟ ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه، حتى برز إليه عليّ (عليه السلام) فقتله؟ والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من أعمال أمة محمّد (صلى الله عليه وآله) إلى هذا اليوم، وإلى أن تقوم القيامة» (1).
وجاء في الحديث المرفوع أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ذلك اليوم، حين برز إليه : «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه». وفي الحديث المرفوع، أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا بارز علي عمراً، ما زال رافعاً يديه، مقحماً رأسه نحو السماء، داعياً ربه قائلاً : اللهم إنك أخذت مني عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد، فاحفظ عليَّ اليوم علياً، رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين.
وقال جابر بن عبد الله الأنصاري والله ما شبهت يوم الأحزاب قتل علي عمراً وتخاذل المشركين بعده إلا بما قصه الله تعالى من قصة طالوت وجالوت، في قوله «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ» (2).
وروى عمرو بن أزهر، عن عمرو بن عبد، عن الحسن: أنَّ علياً (عليه السلام)، لما قتل عمراً احتزّ رأسه، وحمله فألقاه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقام أبو بكر وعمر فقبلا رأسه ووجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتهلّل فقال : «هذا أول النصر».
وفي الحديث المرفوع، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال يوم قتل عمرو : «ذهبت ريحهم، لا يغزوننا بعد اليوم ونحن نغزوهم إن شاء الله» (1)
«وخلاصة وقعة الخندق عند الواقدي وابن إسحاق، أن عمرو بن عبدود خرج يوم الخندق، وقد كان شهد بدراً، فارتثّ جريحاً ولم يشهد أحداً فحضر الخندق شاهراً سيفه، مدلاً بشجاعته وبأسه، وخرج معه ضرار بن الخطاب الفهري، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميون، فطافوا بخيولهم على الخندق إصعادا وإنحدارا يطلبون موضعاً ضيقاً يعبرونه، حتى وقفوا على أضيق موضع فيه، في المكان المعروف بالمزار، فأكرهوا خيولهم على العبور فعبرت، وصاروا مع المسلمين على أرض واحدة، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس وأصحابه قيام على رأسه، فتقدم عمرو بن عبدود. فدعا إلى البراز مراراً، فلم يقم إليه أحد، فلما أكثر قام علي (عليه السلام) فقال : أنا أبارزه يا رسول الله، فأمره بالجلوس، وأعاد عمرو النداء والناس سكوت، كأن على رؤوسهم الطير، فقال عمرو : أيها الناس، إنكم تزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار، أفما يحبّ أحدكم أن يقدم على الجنّة، أو يقدم عدواً له إلى النار ؟ فلم يقم إليه أحد، فقام علي (عليه السلام) دفعة ثانية. وقال : أنا له يا رسول الله، فأمره بالجلوس، فجال عمرو بفرسه مقبلاً ومدبراً، وجاءت عظماء الأحزاب فوقفت من وراء الخندق، ومدَّت أعناقها تنظر، فلما رأى عمرو أن أحداً لا يجيبه قال :
ولقد بححت من الندا***ء بجمعهم هل من مبارز
ووقفت مذ جبن المشـ***ـيع موقف القرن المناجز
1) شرح النهج الحديدي 344 مجلد 4.
إني كذلك لم أزل***متسرعاً قبل الهزاهز
إن الشجاعة في الفتی***والجود من خير الغرائز
فقام علي (عليه السلام)، فقال : يا رسول الله إئذن لي في مبارزته. فقال: «أدن مني، فقلده سيفه وعمّمه بعمامته، وقال: «إمضِ لشأنك». فلمّا انصرف قال : «اللهم أعنه» فلما قرب منه قال له مجيباً إياه عن شعره :
لا تعجلن فقد أتا***ك مجیب صوتك غير عاجز
ذونية وبصيرة***يرجو بذاك نجاة فائز
إنيلآمل أن أقيـ***ـم عليك نائحة الجنائز
من ضربة فوهاء يبـ*** ـقى ذكرها عند الهزاهز
فقال عمرو : من أنت وكان عمرو شيخاً كبيراً قد جاوز الثمانين، وكان ندیم أبي طالب بن عبد المطلب في الجاهلية فأنتسب علي (عليه السلام) وقال : أنا علي بن أبي طالب فقال : أجل لقد كان أبوك نديماً لي وصديقاً، فإني لا أحب أن أقتلك
وروى ابن أبي الحديد المعتزلي أن مصدق بن شبيب النحوي كان يقول، إذا مرَّ طلابه في القراءة عليه بهذا الموضع : والله ما أمره بالرجوع إبقاء عليه، بل خوفاً منه، فقد عرف قتلاه ببدر وأحد، وعلم أنه إن ناهضه قتله، فاستحيا أن يظهر الفشل، فأظهر الإبقاء والإدعاء وإنه لكاذب فيها.
قالوا: فقال له علي (عليه السلام): لكنّي أحبّ أن أقتلك. فقال : یا ابن أخي إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، فارجع وراءك خير لك، فقال علي (عليه السلام): إن قريشاً تتحدث عنك أنك قلت : لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلا أجبت، ولو إلى واحدة منها ؟ قال : أجل. فقال علي (عليه السلام): فإني أدعوك إلى الإسلام قال : دع عنك هذا، قال : فإني أدعوك إلى أن ترجع بمن تبعك من قريش إلى مكة. قال : إذن تتحدث نساء قريش عني أن غلاماً خدعني. قال : فإني أدعوك إلى البراز. فحمي
عمرو، وقال: ما كنت أظن أن أحداً من العرب يرومها مني.
ثمّ نزل فعقر فرسه وقيل ضرب وجهه ففرّ وتجاولا فثار لهما غبرة، وارتهما عن العيون، إلى أن سمع الناس التكبير عالياً من تحت الغبرة، فعلموا أن علياً قتله وانجلت الغبرة عنهما، وعلي راكب صدره يحزّ رأسه، وفرّ أصحابه ليعبروا الخندق، فطفرت بهم خيلهم إلا نوفل بن عبد الله، فإنه قصر فرسه فوقع في الخندق، فرماه المسلمون بالحجارة قال : يا معاشر الناس، قتلةٌ أكرم من هذه. فنزل إليه علي (عليه السلام) فقتله، وأدرك الزبير هبيرة بن أبي وهب، فضربه فقطع ثفر فرسه، وسقطت درع كان حملها من ورائه، فأخذها الزبير، وألقى عكرمة رمحه وناوش عمر بن الخطاب ضرار بن عمر، فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد عمر مس الرمح رفعه عنه، وقال: إنها لنعمة مشكورة، فاحفظها يا ابن الخطاب، إني كنت آليت أن لا تمكنني يداي من قتل قرشي فأقتله، فأنصرف ضرار راجعاً إلى أصحابه، وقد كان له معه مثل هذه في يوم أحد، وذكر الواقدي القصتين» (1).
1) المصدر السابق ص 344 - 346 مجلد 4.
ومن كلام له (عليه السلام): ما زالَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنّا أَهْلَ البيتِ، حَتّى نشأ ابنه المشؤومُ عَبد الله.
البيان والشرح:
«هذا الحديث في عبد الله بن الزبير ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب «الاستيعاب» لابن عبد البرّ، وقال : يكنّى عبد الله بن الزبير أبا بكر، وقال بعضهم أبا بكير، والمشهور أبا بكر، وله كنية أخرى : أبو خبيب: بابنه خبيب، وكان أسنّ ولده. وخبيب هو صاحب عمر بن عبد العزيز الذي مات من ضربه إذ كان والياً على المدينة للوليد، وكان الوليد أمره بضربه، فمات من أذية ذلك، فوداه عمر بعد، وسماه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإسم جده، وكناه بكنية جده عبد الله : أبو بكر، وهاجرت أمه أسماء من مكة إلى المدينة وهي حامل به فولدته في سنة اثنتين من الهجرة، وقيل : ولد في السنة الأولى.
وشهد عبد الله الجمل مع أبيه وخالته، وكان له لسَن وفصاحة، وكان أطلس لا لحية له ولا شعر في وجهه وكان فيه خلال لا تصلح معها الخلافة، فإنه كان بخيلاً ضيق العطن، سيئ الخلق، حسوداً كثير الخلاف، أخرج محمد بن الحنفية من مكة والمدينة، ونفى عبد الله بن عبّاس إلى الطائف، وبويع له بالخلافة سنة أربع وستين، وقيل سنة خمس وستين، وكان قبل ذلك لا يدعى بإسم الخلافة، وكانت بيعته بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية، واجتمع على طاعته كثير من أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وحجّ بالناس ثماني حجج، وقتل في أيام عبد الملك بن مروان يوم الثلاثاء، سنة
ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنين وسبعين سنة، وصلب بمكة بعد قتله، وكان الحجّاج ابتدأ بحصاره من أول ليلة من ذي الحجّة سنة اثنتين وسبعين، وحجّ الحجاج بالنّاس في ذلك العام، ووقف بعرفة وعليه درع ومغفر، ولم يطوفوا بالبيت في تلك السنة، فحاصره ستة أشهر وسبعة عشر يوماً إلى أن قتله.
وعبد الله هذا هو الذي حذف ذكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الأذان، كرهاً وحسداً لبني هاشم، وكان مبغضاً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولبني هاشم، وكان من أبرز المحرضين عليه في يوم الجمل، وأحد المبرزين في إشعال الفتنة، مع خالته عائشة وأبيه الزبير وابن عمه لخالته طلحة» (1).
«وروی ابن عبد البرّ في «الإستيعاب» عن يعلى بن حرملة قال: دخلت مكة بعدما قتل عبد الله بن الزبير بثلاثة أيام فإذا هو مصلوب، فجاءت أمه أسماء، وكانت امرأة عجوزاً طويلة مكفوفة البصر تقاد، فقالت للحجاج : أما آن لهذا الراكب أن ينزل ؟ فقال لها : المنافق، قالت والله ما كان منافقا، ولكنه كان صوّاماً قواماً برّاً، قال : إنصرفي فإنك عجوز قد خرفت، قالت: لا والله ما خرفت، وإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : يخرج من ثقيف كذاب ومبير، أما الكذاب فقد رأيناه - تعني المختار بزعمها - وأما المبير فأنت.
وكان عبد الله بن الزبير شديد البخل، وكان يطعم جنده تمراً ويأمرهم بالحرب، فإذا فروا من وقع السيوف لامهم وقال لهم : أكلتم تمري وعصيتم أمري، فقال شاعرهم :
ألم تر عبد الله والله غالب***على أمره يبغي الخلافة بالتمر
وكسر أحد جنده خمسة أرماح في صدور أصحاب الحجاج، وكلما كسر رمحاً أعطاه رمحاً، فشقّ عليه ذلك وقال : لا يتحمل بيت مال المسلمين هذا. وجاءه أعرابي سائل فردَّه، فقال له : لقد أحرقت الرمضاء قدمي، فقال: بل
1) المصدر السابق ص 487 - مجلد 4.
عليهما يبردان، وجمع عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس، في سبعة رجال من بني هاشم منهم الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وحصرهم في شعب بمكّة يعرف بشعب عارم، وقال : لا تمضي الجمعة حتى تبايعوا لي أو أضرب أعناقكم أو أحرقكم بالنار، ثمّ نهض إليهم قبل الجمعة يريد حرقهم بالنار، فالتزمه ابن أسور بن محرمة الزهري، و ناشده الله أن يؤخرهم إلى يوم الجمعة. فلما كان يوم الجمعة دعا محمّد بن الحنفية بغسول وثياب بيض، فاغتسل وتلبّس وتحنّط، لا يشك في القتل، وقد بعث المختار بن أبي عبيد الثقفي من الكوفة أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف، فلما نزلوا ذات عرق تعجل منهم سبعون على رواحلهم حتى وافوا مكة صبيحة الجمعة ينادون : يا محمد، وقد شهروا السلاح، حتى وافوا شعب عارم فاستخلصوا محمّد بن الحنفية ومن كان معه، وبعث محمد بن الحنفية الحسن بن الحسن ينادي: من كان يرى أن لله عليه حقاً فلا يشهر سيفه، فلا حاجة لي بأمر الناس إن أعطيتها عفواً قبلتها، وإن كرهوا لم أنثرهم أمرهم، وفي شعب عارم وحصار ابن الحنفية يقول كثير بن عبد الرحمن:
ومن يرَ هذا الشيخ بالخيف من منى***من الناس يعلم أنه غير ظالم
سمّي النبي المصطفى وابن عمه***وحمّال أثقال وفكاك غارم
تخبر من لاقيت أنك عائذ***بل العائد المحبوس في سجن عارم (1)»
«وروى المدائني قال : لما أخرج ابن الزبير عبد الله بن عباس من مكة إلى الطائف، مرَّ بنعمان فصلى ركعتين، ثمّ رفع يديه يدعو، فقال : اللهم إنك تعلم أنه لم يكن بلد أحب إلي من أن أعبدك فيه من البلد الحرام، وإنني لا أحبّ أن تقبض روحي إلا فيه، وأن ابن الزبير أخرجني منه ليكون الأقوى في سلطانه، اللهم فأوهن كيده، واجعل دائرة السوء عليه، فلما دنا من الطائف تلقاه أهلها فقالوا : مرحباً بابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنت والله أحب إلينا وأكرم علينا ممن أخرجك، هذه منازلنا فانزل منها حيث أحببت فنزل منزلاً فكان
1) المصدر السابق ص 347 مجلد 4.
يجلس إليه أهل الطائف بعد الفجر، وبعد العصر فيتكلم بينهم، كان يحمد الله ويذكر النبي (صلى الله عليه وآله)، والخلفاء بعده ويقول: ذهبوا فلم يدعو أمثالهم ولا أشباههم ولا من يدانيهم، ولكن بقي أقوام يطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون جلود الضأن تحتها قلوب الذئاب والنمور، ليظنّ الناس أنهم من الزاهدين في الدنيا، يراؤون الناس بأعمالهم ويسخطون الله بسرائرهم، فادعوا الله أن يقضي لهذه الأمة بالخير والإحسان فيولي أمرها أبرارها، ويهلك فجارها وأشرارها، إرفعوا أيديكم إلى ربكم وسلوه ذلك، فيفعلون» (1).
1) المصدر السابق ص 488 مجلد 4.
وقال (عليه السلام)، لعمّار بن ياسر - رحمه الله تعالى - وهو يراجع المغيرة بن شعبة كلاماً : دَعْهُ يا عمّار، فإنَّهُ لمْ يأخُذُ مِنَ الدِّين إلا ما قَاربَهُ مِنَ الدنيا، وعلى عَمْدِ لبَسَ على نَفْسِهِ، ليجْعَلَ الشّبهات عَاذِراً لسقطاته.
البيان والشرح:
إجماع الشيعة الإمامية، وأكثر البغداديين، وكثير من منصفي السنة على تفسيق المغيرة بن شعبة، والجميع يقولون فيه ما يقال في الفاسق، وقد مات على الكبيرة، فهو مخلّد في النّار.
«وقد ذكر المؤرخون أنّه لما جاء عروة بن مسعود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يوم الحديبية، نظر إليه قائماً على رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله)، متقلداً سيفه، فقال : من هذا؟ قيل : إبن أخيك المغيرة، قال : وأنت ههنا يا غدر! والله إني إلى الآن ما غسلت سوءتك» (1).
وكان إسلام المغيرة من غير اعتقاد صحيح ولا إنابة ونية جميلة، وقد صح عليه أنه كان يزني، حينما كان والياً على البصرة، فدرأ عنه الخليفة الثاني الحدّ، بعد أن قامت البيّنة عليه أنّه يتردد على امرأة من أصحاب الرايات اسمها أم جميل ويزني بها، وعزله عمر - رضي الله عنه - والقصة مشهورة في التاريخ.
وأما موبقاته فهي أكثر من أن تحصى، فقد كان يلعن على منبر الكوفة، وهو وال لمعاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
1) المصدر السابق ص 453 مجلد 4.
(عليه السلام)، وهو الذي أشار على ابن آكلة الأكباد بأن يولي ابنه الفاجر يزيد على رقاب المسلمين، فكان في ذلك وبال وشرّ على الإسلام والمسلمين، فقد قتل ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام)، وأباح مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وقعة الحرّة، وضرب الكعبة بالمنجنيق، إلى غير ذلك كثير.
وأمّا قصة إسلام المغيرة، فقد ذكرها جلّ المؤرخين، وهي أنه كان قد صحب قوماً في بعض الطرق فاستغفلهم وهم نيام، فقتلهم وأخذ أموالهم وهرب، خوفاً أن يُلحق ويُقتل، أو يؤخذ ما فاز به من أموالهم منه، فقدم المدينة فأظهر الإسلام، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يرد على أحد إسلامه، سواء أسلم عن علة أو عن إخلاص، فامتنع بالإسلام، واعتصم وحمى جانبه.
«وقد ذكر أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني صورة أكثر تفصيلاً عن إسلام المغيرة، في كتاب «الأغاني» قال : كان المغيرة يحدث حديث إسلامه، قال : خرجت مع قوم من بني مالك ونحن على دين الجاهلية، إلى المقوقس ملك مصر، فدخلنا الإسكندرية وأهدينا للملك هدايا كانت معنا، فكنت أهون أصحابي عليه، وقبض هدايا القوم، وأمر لهم بجوائز، وفضل بعضهم على بعض، وقصر بي فأعطاني شيئاً قليلاً لا ذكر له، وخرجنا، فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم وهم مسرورون، ولم يعرض أحد منهم علي مواساة فلما خرجوا حملوا معهم خمراً، فكانوا يشربون منها، فأشرب معهم ونفسي تأبى أن تدعني معهم، وقلت : ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا وما حباهم الملك به، ويخبرون قومي بتقصيره بي وازدرائه إياي، فأجمعت على قتلهم، فقلت : إني أجد صداعاً، فوضعوا شرابهم ودعوني، فقلت: رأسي يصدع ولكن أجلسوا فأسقيكم، فلم ينكروا من أمري شيئاً، فجلست أسقيهم وأشربهم القدح بعد القدح، فلما دبّت الكأس فيهم اشتهوا الشراب، فجعلت أصرف لهم وأترع الكأس، فأهمدتهم الخمر حتى ناموا ما يعقلون، فوثبت إليهم فقتلتهم جميعاً، وأخذت جميع ما كان معهم وقدمت المدينة، فوجدت النبي وعنده أبو بكر، وكان بي عارفاً، فلمّا رآني قال ابن أخي عروة! قلت : نعم. قال:
فما فعل المالكيون الذين كانوا معك ؟ قلت: كان بيني وبينهم بعض ما يكون بين العرب، ونحن على دين الشرك، فقتلتهم وأخذت أسلابهم وجئت بها إلى رسول الله ليخمسها، فإنها غنيمة من المشركين فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أمّا إسلامك فقد قبلته، ولا نأخذ من أموالهم شيئاً، ولا نخمسها، لأن هذا غدر، والغدر لا خير فيه، فأخذني ما قرب وما بعد، فقلت: يا رسول الله، إنما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثمّ أسلمت حين دخلت عليك الساعة؟ فقال (صلى الله عليه وآله) : الإسلام يجب ما قبله.
قال : وكان قتل منهم ثلاثة عشر إنساناً واحتوى على ما معهم، فبلغ ذلك ثقيفاً بالطائف فتداعوا للقتال، ثمّ أصطلحوا على أن يدفع عمي عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية، قال : ذلك قول عروة يوم الحديبية : «يا غدر أنا إلى الأمس أغسل سوءتك، فلا أستطيع أن أغسلها» (1).
وقال ابن أبي الحديد المعتزلي : قال البغداديون من المعتزلة : من كان إسلامه على هذا الوجه، وكانت خاتمته ما قد تواتر الخبر به، من لعن علي (عليه السلام) على المنابر إلى أن مات على هذا الفعل، وكان المتوسط من عمره الفسق والفجور، وإعطاء البطن والفرج سؤالهما، وممالأة الفاسقين، وصرف الوقت إلى غير طاعة الله، كيف نتولاه ! وأي عذر لنا في الإمساك عنه، وأن لا نكشف للناس فسقه؟.
1) الأغاني - لأبي فرج الأصبهاني.
ومن كتاب له (عليه السلام) إلى محمّد بن أبي بكر، لما بلغه توجده من عزله بالأشتر، ثمّ في توجهه إلى مصر واستشهاده في الفسطاط، من قبل رجال معاوية قبل وصوله إليها : أمّا بَعْد فقَدِ بلغَنِي مَوْجِدَتُكَ، مِنْ تَسْريح الأشْتَر إلى عملِكَ. وإنّي لَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ إِسْتِبْطَاءً لَكَ فِي الجُهَدِ. وَلَا إزدياداً لكَ في الجدّ. ولوْ نَزَعْتُ ما تَحْتَ يَدِكَ مِن سلطانِكَ لوَليْتُكَ مَا هُوَ أيْسَرُ عَلَيْكَ مؤونةً، وأَعْجَبُ إليكَ ولايَةً. إنَّ الرَّجل الذي كنتُ وليّتُهُ أمْرَ مِصْرَ كان رجلاً لنا ناصحاً. وعلى عَدوّنا شديداً ناقِماً. رَحِمَهُ الله، فَلَقَدْ استكملَ أيَّامَهُ. ولاقى حِمامَهُ. ونحنُ عَنْهُ راضون، أولاه الله رضوانه، وضاعف الثوابَ لَهُ. فَأَصْحِرْ لِعدوّكَ، وامض على بصيرتك. وشمّر لحربِ مَنْ حارَبَكَ. وادعُ إلى سبيل ربِّكَ. وأكثر الإستعانة بالله يكْفِكَ ما أهمكَ. ويُعنكَ على ما ينزِل بكَ إنْ شاءَ الله.
البيان والشرح:
أم محمد بن أبي بكر - رضي الله عنها -، هي أسماء بنت عُميس رحمها الله، وهي أخت ميمونة زوج النبي (صلى الله عليه وآله)، وأخت لبابة أم الفضل وعبد الله زوج العبّاس بن عبد المطلب، وكانت من المهاجرات إلى أرض الحبشة وهي إذ ذاك تحت سيدنا جعفر بن أبي طالب (عليه السلام)، فولدت له هناك محمد بن جعفر وعبد الله وعوناً، ثم هاجرت معه إلى المدينة، فلمّا قتل جعفر (عليه السلام)، يوم مؤتة، تزوجها أبو بكر - رضي الله عنه - فولدت له محمد بن أبي بكر.
ثم مات عنها، فتزوجها علي (عليه السلام) وولدت له يحيى بن علي.
وقد ولد محمد بن أبي بكر - رضي الله عنه - عام حجة الوداع، في عقب ذي القعدة، بذي الحليفة، حين توجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الحج، فسمته عائشة محمداً، وكنته أبا القاسم، بعد ذلك لمّا ولد له ولد سمّاه القاسم، ولم تكن الصحابة ترى بذلك بأساً، ثم كان في حجر علي (عليه السلام)، واستشهد - رحمه الله - في مصر على يد ابن النابغة عمرو بن العاص، وأحرق - أخزاه الله - جثته في جوف حمار.
«وكان علي (عليه السلام) يثني عليه ويقرظه ويفضله، فقد كتب (علیه السلام) إلى عبد الله بن عباس - رحمهما الله - بعد مقتل محمد بن أبي بكر - رضي الله عنه -: «أما بعد فإن مصر قد افتتحت، ومحمد بن أبي بكر - رحمه الله - قد استشهد. فعند الله نحتسبه ولداً ناصحاً، وعاملاً كادحاً، وسيفاً قاطعاً، وركناً دافعاً».
وكان لمحمّد - رحمه الله - عبادة واجتهاد، وكان ممن حضر عثمان، ودخل عليه فقال له : لو رآك أبوك لم يسرَّه هذا المقام، فخرج وتركه، ودخل عليه بعد قتله. ويقال إنه أشار إلى من كان معه فقتلوه» (1).
وأما قوله (عليه السلام): وبلغني موجدتك : أي غضبك. والجهد: الطاقة، والمعنى أني لم أستبطئك في بذل طاقتك ووسعك والجهد بالفتح : هو من قولهم اجهد جهدك في كذا، أي أبلغ الغاية. ولا يذكر هذا الحرف إلا مفتوحاً.
ثمّ طيب (عليه السلام) خاطره، وقال له: لو تمّ الأمر الذي شرعت فيه، من ولاية الأشتر - رحمه الله - مصر، لعوّضتك بما هو أخف عليك مؤونة وثقلاً، وأقل نصباً من ولاية مصر، لأنه كان - رحمه الله - في مصر بإزاء معاوية من الشام، وهو مدفوع إلى محاربة محمد - رضي الله عنه -، بحكم أهمية مصر
1) شرح النهج الحديدي - ص 53 المجلد 4.
وثقلها الجغرافي والحربي، وكذلك الإقتصادي بالنسبة إلى الشام، ولهذا فحينما علم معاوية بتوجيه الأشتر - رحمه الله - إلى مصر، من قبل علي (عليه السلام)، عمل على قتله بواسطة بعض دهاقين مصر في الفسطاط، فدسّ له السمّ بالعسل فاستشهد - رحمه الله -، فقال معاوية بالشام شامتاً: إنّ لله جنودا من عسل.
وقد أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يجعل، بإزاء معاوية، رجلاً محارباً فذاً محنكاً، فكانت ولاية الأشتر - رحمه الله -، ولعلّ الإمام (عليه السلام) كان في عزمه أن يوليه اليمن، أو خراسان أو أرمينية أو فارس أو غيرها من الولايات.
وقوله (عليه السلام): وناقماً : من نقمت على فلان كذا، إذا أنكرته عليه وكرهته منه، ثمّ شرع (عليه السلام) في الثناء على الأشتر - رضي الله عنه -، وكان شديد الاعتضاد به والإعتماد عليه كما كان هو شديد التحقق بولايته وطاعته، ثم دعا له بالرضوان والمغفرة، وبذلك يكون (عليه السلام) قد زيّن الأشتر بوسام رصع به جبهته شرفاً إلى يوم القيامة. ولسنا نشك بأنَّ الله سبحانه سيغفر للأشتر، بهذه الدعوة، ويكفر ذنوبه ويدخله الجنّة، وعندنا أن لا فرق بین هذه الدعوة ودعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وطوبى لمن حصل له من علي (عليه السلام) بعض هذا.
وقوله (عليه السلام): أصحر لعدوك : أي أبرز له، ولا تستتر عنه بالمدينة التي أنت فيها، ويقال : أصحر الأسد من حبسه : إذا خرج إلى الصحراء، وشمّر فلان للحرب : إذا أخذ لها أُهبتها.
ومن كتاب له (عليه السلام) إلى زياد بن أبيه، وقد بلغه أن معاوية كتب إليه، يريد خديعته واستلحاقه. يقول (عليه السلام): وَقَدْ عَرَفْتُ أنَّ مُعاوية كتَبَ إليكَ يستزِلُ لُبَّكَ، ويستغلُّ غَربَكَ، فاحذَرْهُ، فإنَّما هُوَ الشيطانُ يَأْتِي المَرءَ مِنْ بين يديهِ ومِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شمالهِ، ليقتحم غَفْلَتَهُ، ويَسْتَلِبَ غُرتَهُ. وقَدْ كانَ مِنْ أبي سفيان في زَمَن عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فَلْتَةً مِنْ حَدِيثِ النَّفْسَ، ونزْغَةً مِنْ نَزَغَاتِ الشيطان لا يثبتُ فِيهَا نَسَبٌ، ولا يُسْتَحقُ بها إرْثٌ، والمُتَعلِّقُ بها كالواغِلِ المُدَفّع، والنّوطِ المُذَبْذَبِ.
فلما قرأ زياد الكتاب قالَ : شهد بها وربّ الكعبة، ولمْ تَزَلْ في نفسه حتى ادعاه معاوية.
قالَ الرَّضي - رحمه الله تعالى - : قوله (عليه السلام): الواغِلُ: هُوَ الذي يَهْجُمُ على الشرب ليشرب معهُمْ وليسَ مِنْهُم، فَلا يَزَالُ مُدَّفعاً مُحاجزاً. والنوط المُذبذب : هو ما يُناط برجل الراكب، من قَعْبٍ أو قَدَح أو ما أشبه ذلك فهو أبداً يتقلقلُ، إذا حَثَّ ظَهْرَهُ واستَعجَلَ سِترهُ.
البيان والشرح:
يستزل لبّك : يمعنى أنه يطلب زلله وخطأه، ويحاول أن تزلّ، واللب هو العقل ويستفل غربك : يحاول أن يفلّ حدّك أي عزمك، ثم أمره أن يحذر معاوية ووصفه بأنه شيطان يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وشماله
وهذا من قوله تعالى: ثم لاتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثر هم شاكرين» (1).
والمعنى أنه يطمعهم في العفو، ويغريهم في العصيان، ومن خلفهم : يذكرهم مخلفيهم، ويحسن لهم جمع المال وتركه لهم، وعن أيمانهم : بمعنى أنه يحبّب إليهم الرياسة، وعن شمائلهم : يحبّب إليهم اللهو واللذات.
وقوله (عليه السلام): ليقتحم غفلته : أي ليلج ويهجم عليه، ويستلب غرته : أي يأخذ غفلته، والفلتة : أمر واقع من غير تثبت ولا روية، ومنه قول عمر - رضي الله عنه - : «لقد كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرّها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه» ونزغة : كلمة فاسدة من كلمات الشيطان أي من حركاته القبيحة التي يستفسد بها المؤمنين. قال تعالى : «وإنَّ الشيطان ينزغ بينهم» (2).
ولا يثبت بها نسب، ولا يستحق بها إرث: لأنّ المقِرَّ بالزنا لا يلحقه النسب، ولا يرثه المولود، لقوله (صلّى الله عليه وآله) : «الولد للفراش وللعاهر الحجر».
«وأما نسب زياد، فهو زياد بن عبيد، ومن الناس من يقول : عبيد بن فلان، وينسبه إلى ثقيف، والأكثرون يقولون : إن عبيداً كان عبداً، وإنّه كان حياً إلى أيام زیاد، فابتاعه وأعتقه، وقيل عن نسبه : زياد بن سمية، وهي أمّه، وكانت أمة للحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج الثقفي طبيب العرب، وكانت تحت عبيد، وقيل تارة: زياد بن أبيه، وقيل تارة أخرى: زياد ابن أمه، ولمّا استلحق قال له كثير من الناس زياد بن أبي سفيان : لأن الناس مع الملوك الذين هم مظنة الرهبة، وليس أتباع الدين، بالنسبة إلى أتباع الملوك، إلا كالقطرة في البحر المحيط» (3).
«وروى أحمد بن يحيى البلاذري قال : تكلم زياد وهو غلام حدث، بحضرة عمر، كلاماً أعجب الحاضرين، فقال عمرو بن العاص : لله أبوه، لو كان قرشياً لساق العرب بعصاه. فقال أبو سفيان: أما والله إنه لقرشي، ولو عرفته لعرفت أنه من خير أهلك، فقال : ومن هو أبوه؟ قال : أنا والله وضعته في رحم أمه، فقال فهلا تستلحقه؟ قال : أخاف هذا... الجالس أن يخرق عليّ إهابي - إشارة إلى الخليفة الثاني -.
وروى الواقدي قال : قال أبو سفيان، وهو جالس عند عُمر، وعلي هناك، وقد تكلم زياد فأحسن: أبت المناقب إلا أن تظهر في شمائل زياد. فقال علي (عليه السلام): مه يا أبا سفيان فإنَّ عمر إلى المساءة سريع. فعرف زياد ما بينهما، فكانت في نفسه» (1).
وروى المؤرخ علي بن محمد المدائني قال : لما أراد معاوية أن يستلحق زياداً، وقد قدم عليه الشام، جمع النّاس وصعد المنبر وأصعد زياداً معه، فأجلسه بين يديه على المرقاة التي تحت مرقاته، وحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيها الناس إني قد عرفت نسبنا في زياد، فمن كان عنده شهادة فليقم بها. فقام الناس فشهدوا أنه ابن أبي سفيان وأنهم سمعوا ما أقر به قبل موته، فقام أبو مريم السلولي، وكان خماراً في الجاهلية فقال : أشهد يا أمير المثمنين أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف، فأتاني فاشتريت له لحماً وخمراً وطعاماً، فلما أكل قال : يا أبا مريم أصب لي بغياً، فخرجت فأتيت سمية فقلت لها : إنّ أبا سفيان ممن عرفت شرفه وجوده، وقد أمرني أن أصيب له بغياً، فهل لك؟ فقالت : نعم، يجيئ الآن عبيد بغنمه، وكان راعياً، فإذا تعشى ووضع رأسه أتيته، فرجعت إلى أبي سفيان فأعلمته، فلم تلبث أن جاءت تجرّ ذيلها. فدخلت معه فلم تزل عنده حتى أصبحت، فقلت له لما انصرفت : كيف رأيت صاحبتك ؟ قال : خير صاحبة لولا ذفر في إبطيها. فقال زياد من فوق المنبر: يا أبا مريم، لا تشتم أمهات الرجال فتشتم أمّك.
1) المرجع السابق - ص 67 مجلد 4.
فلما انقضى كلام معاوية ومناشدته قام زياد وأنصت الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أيها الناس إن معاوية والشهود قالوا ما سمعتم، ولست أدري حق هذا من باطله. والشهود أعلم بما قالوا، وإنما عبيد أب مبرور ووال مشكور، ثم نزل» (1).
«وروى الجاحظ أنّ زياداً كتب إلى معاوية، ليستأذنه في الحج، فكتب إليه : إني قد أذنت لك، واستعملتك على الموسم، وأجزتك بألف ألف درهم، فبينما هو يتجهز إذ بلغ ذلك أبا بكرة أخا زياد، وكان مصارماً له منذ لجلج في الشهادة على المغيرة بن شعبة، يوم قامت الشهادة عليه بالزنا، لا يكلمه، قد لزمته أيمان عظيمة أن لا يكلمه أبداً، فأقبل أبو بكرة فدخل القصر يريد زياداً، فبصر به الحاجب، فأسرع إلى زياد قائلاً: أيها الأمير، هذا أخوك أبو بكرة قد دخل القصر، قال : ويحك أنت رأيته؟ قال: ها هو ذا قد طلع، وفي حجر زياد بني يلاعبه.
وجاء أبو بكرة حتى وقف عليه، فقال للغلام : كيف أنت يا غلام؟ إن أباك ركب في الإسلام عظيماً: زنى أمه وانتفى من أبيه، ولا والله ما علمت سمية رأت أبا سفيان قط، ثم أبوك يريد أن يركب ما هو أعظم من ذلك، يوافي الموسم غداً، ويوافي أم حبيبة بنت أبي سفيان، وهي من أمهات المؤمنين، فإن جاء يستأذن عليها فأذنت له، فأعظم بها فرية على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومصيبة، وإن هي منعته، فأعظم بها على أبيك فضيحة، ثم انصرف، فقال زياد) جزاك الله يا أخي عن النصيحة خيراً، ساخطاً كنت أو راضياً، ثم كتب إلى معاوية : إني قد اعتللت عن الموسم، فليوجه أمير المؤمنين من أحب، فوجه عتبة بن أبي سفيان» (2).
ومن وصية له (عليه السلام) لعبد الله بن عبّاس لما بعثه للإحتجاج على الخوارج لا تخاصمهُمْ في القرآن، فإنَّ القرآن حَمَّالٌ ذُو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسُّنَّة، فإنَّهُمْ لن يجدوا عَنْها محيصاً.
البيان والشرح:
والحق الذي لا مراء فيه أنه لا شرف ولا نظير يقارب هذا الكلام في شرفه وفي علوّه إطلاقاً، لأن القرآن الكريم كثير الإشتباه، وفيه مواضع لا يستحسن، بل من غير الممكن أن تحمل على ظاهرها لأنها على الأقل تبدو ولأول وهلة، أنّها متناقضة، نظير قوله تعالى : «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ» (1)، وقوله سبحانه: «إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» (2)وقوله جلّ وعلا : «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» (3)وقوله عزّ اسمه : «وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» (4). وأشباه هذه الآيات. الكريمة كثير، فلا يجوز والحال هذه أن تحمل هذه الكلمات على معانيها الأصلية، وإلا أدى بنا ذلك إلى الشرك نعوذ بالله، فلا بد إذا أن يصار إلى التأويل والمجاز، كأن نقول مثلاً، في تفسير قول الحق سبحانه : «إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» إلى جلال ربّها، أو إلى عرش ربّها، وفي قوله تعالى: «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» أي
حكم الله فوق حكمهم، أو سلطته فوق سلطانهم، وهكذا بالنسبة إلى قوله جلَّ شأنه : «وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ» وجاء أمر ربك والملك صفاً صفاً.
وأما السنة، فليس هذا شأنها، لأن الصحابة كانت تسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتستوضح منه الأحكام في الوقائع وما أشتبهوا فيه من،كلامه يراجعونه ويستفسرون عنه والقدماء من الصحابة والتابعين لم يكونوا يراجعونه (صلى الله عليه وآله) في القرآن الكريم، إلا في القليل النادر، بل كانوا يأخذونه تلقفاً، وأكثرهم لا يفهم كثيراً من معانيه، لأنهم لم يكونوا يتعاطون فهمه نظراً لجلاله واحتراماً لرسول الله (صلى الله عليه وآله). فقد كان القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد وتعبد بأحكام، وبيان فقه وتشريع، إلا أنه لم يكن يومها على الإطلاق كتاب نظريات علمية، ونظرات فلسفية وبيانات صوفية، كما يدرسها ويصنف المؤلفات فيها شطر كبير من علماء عصرنا ولأجل ذلك، فإنك لا تعجب حين تعلم بأن الخليفة الثاني حين سُئل عن الأب في قوله سبحانه: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) (1)لم يعرف الجواب، وكانوا يجرونه مجرى الأسماء الشريفة التي يراد منها البركة وليس الإحاطة بالمعاني والتفسير، ولأجل هذا فقد كثر الخلاف في محكم القرآن ومتشابهه وخاصه وعامه، ومطلقه ومقيده، وناسخه و منسوخه، علماً بأنّ منسوخ القرآن أكثر من ناسخ السنة ومنسوخها.
«وقد ورد في التاريخ، أن بعض الصحابة كان يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن كلمة في القرآن، فيفسرها له تفسيراً موجزاً، وفق فهمه وإدراكه، فلا يحصل له كلّ الفهم، ولما أنزلت آية الكلالة، وقال الله سحبانه في آخرها : (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (2)سأله عمر عن الكلالة ما هي ؟ فقال له : يكفيك آية الصيف، ولم يزد على ذلك، فلم يراجعه عمر وانصرف عنه، فلم يفهم مراده. وبقي عمر على ذلك إلى أن مات، وهو لا يعلم من أمر الكلالة شيئاً، وكان
يقول : اللهم مهما تبينت فإنّ عمر لم يتبين يشير إلى قول الحق سبحانه : (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)، وهذا بخلاف السنة الشريفة، فقد كانوا يخاطبون الرسول بشأنها مرَّة مستفسرين وأخرى مستوضحين» (1).
وقد جاءت وصيته (عليه السلام) لابن عبّاس - رضي الله عنه - أن يحاججهم بالسنة لا بالقرآن، وفق هذا الخط العام، ولم يسمع أبن عباس الوصية بل عاد وحاججهم بالقرآن بأمثال قوله تعالى : (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) (2)، وقول الحق سبحانه في صيد الحرم: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) (3)فلم يفهموا وأصروا واستكبروا، ولم يرجعوا عن رأيهم، فكانت حرب النهروان وانتصر فيها الإمام (عليه السلام).
والغرض الذي هدفت إليه وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) صحيح وذو اعتبار، وإليه أشار وحوله كان يطوف ويحوم، ولعله لم يفطن لما هدف إليه الإمام، وهو تعريفهم برأي السنة المطهرة بإمامته وما قاله (صلى الله عليه وآله)، مشيراً إلى مقامه الشريف والجليل، وهو كثير غني عن التعريف، ومن أمثلته: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي من بعدي و علي الحق والحق مع عليّ يدور معه حيثما دار». ومنها قوله (صلى الله عليه وآله) يوم الغدير : «اللهمّ والِ مَنْ والاه، وعادٍ مَنْ عاداه وانصر من نصره، واخذل مَن خذله» وقوله (صلى الله عليه وآله) : «أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى». وقوله (صلى الله عليه وآله): «أنا مدينة العلم وعلي بابها. وقوله (صلى الله عليه وآله) يوم الأحزاب: برز الإيمان كلّه إلى الشرك كله، ونحو ذلك عشرات بل مئات الأخبار، التي كانت الصحابة قد سمعتها منه (صلى الله عليه وآله)، وقد بقي ممّن سمعها جماعة تقوم الحجّة وتثبت بنقلهم، وكان على ابن عباس - رحمه الله - أن يحتج على الخوارج في
أنّه لا يحلّ لهم مخالفته والعدول عنه بحال، ولو فعل لحصل غرضه (عليه السلام) في محاجتهم، وأغراض أخرى أرفع وأعلى منها، فلم يقع الأمر بموجب ما أراد وقضى عليهم بالحرب حتى أكلتهم عن آخرهم، وكان أمر الله قدراً مقدوراً والله أعلم بمقاديره.
ومن كلام له (عليه السلام) : إنَّ للوالد على الولد حقاً. وإنَّ الْوَلَدِ على الوالِدِ حَقاً. فَحَقُ الوالِدِ عَلى الولدِ أنْ يُطيعَهُ في كل شيء، إلا في مَعْصية الله سبحانَهُ. وحَقِّ الوَلدِ عَلى الوالد أنْ يُحْسِنَ إسْمَهُ ويُحَسَنَ أدَبَهُ. ويُعلّمهُ القرآن.
البيان والشرح:
أمَّا صدر هذا الكلام الشريف من أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فهو مأخوذ من قول الحق سبحانه: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (1).
وأما تعليم الوالد الولد القرآن والأدب، فهو مأمور به، وكذلك تسميته بإسم جيد وحسن وقد جاء في الحديث الشريف: «تسمّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى الله تعالى عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمّام، وأقبحها حرب ومرة».
وقد روى أبو الدرداء عن النبي (صلى الله عليه وآله) : إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم، وإذا سمتيم فعبدوا أي سمّوا بنيكم عبد الله، ونظيره من أسماء الإضافة إليه عزّ اسمه، وكان (صلّى الله عليه وآله) يغيّر بعض الأسماء، فقد سمّى أبا بكر عبد الله، وكان إسمه في
1) سورة لقمان : الآية 14 و 15.
الجاهلية عبد الكعبة، وسمّى ابن عوف عبد الرَّحمن، وكان اسمه عبد الحارث، وسمّى شعب الضلالة شعب الهدى، وسمّى يثرب طيبة، وسمّى بني الريبة بني الرشدة وبني معاوية بني مرشدة.
«وجاء في التاريخ، أن سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي كان من فقهاء التابعين المشهورين أتى جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له : ما أسمك؟ قال : حزن. قال : لا بل أنت.سهل فقال : لا بل أنا حزن، عاوده فيها ثلاثاً، ثم قال : لا أحبّ هذا الإسم السهل يوطأ ويمتهن فقال (صلى الله عليه وآله): فأنت حزن - فكان سعيد يقول : فما زلت أعرف تلك الحزونة فينا.
وروى جابر بن عبد الله الأنصاري عنه (صلى الله عليه وآله): «ما من بيت فيه أحد أسمه محمّد إلا وسع الله عليه الرزق، فإذا سميتموهم به فلا تضربوهم ولا تشتموهم ومن ولد له ثلاثة ذكور، ولم يسمّ أحدهم أحمد أو محمداً فقد جفاني».
وروي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه نهى أن يجمع بين إسمه وكنيته لأحد، وأنه أذن لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) في ذلك، فسمّى ابنه محمّد بن الحنفية، محمداً، وكناه أبا القاسم»(1).
وقال الزمخشري : قد قدّم الخلفاء وغيرهم من الملوك، رجالاً بحسن أسمائهم وأقصوا قوماً لشناعة أسمائهم وتعلق المدح والذم في كثير من الأثر.
وقد جاء في رسالة الجاحظ إلى أبي الفرج بن نجاح بن سلمة : قد أظهر الله في أسمائكم وأسماء آبائكم، وكناكم وكنى أجدادكم، من برهان الفأل الحسن ونفي طيرة السوء، ما جمع لكم صنوف الأصل، وصرف إليكم وجوه الطلب، فأسماؤكم وكناكم بين فرج ونجاح وسلامة وفضل ووجوهكم وأخلاقكم وفق أعرافكم وأفعالكم، فلم يضرب التفاوت فيكم بنصيب.
1) شرح النهج الحديدي - ص 428 مجلد 4.
وأراد عمر بن الخطاب الإستعانة برجل فسأله عن أسمه واسم أبيه، فقال : سراق بن ظالم. فقال - رضي الله عنه -: تسرق أنت، ويظلم أبوك، فلم يستعن به وسأل رجلاً آخر ما اسمك ؟ فقال : بحر. قال : أبو من؟ قال : أبو الفيض. قال : ابن من ؟ قال ابن الفرات قال : ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلا في زورق.
«قالوا : وكلما كان الاسم غريباً، كان أشهر لصاحبه وأمنع من تعلق النبز به قال رؤبة بن العجاج :
قد رفع العجاج ذكري فادعني***بأسمي إذا الأسماء طالت تكفني
ومنه أخذ المعري قوله، يمدح الشريفين الرّضي والمرتضى رحمهما الله :
أنتم ذوو النسب القصير فطولكم***باد على الكبراء والأشراف
والراح إن قيل أبنة العنب اكتفت***بأب عن الأسماء والأوصاف
وسأل النسّابة البكري رؤبة الشاعر عن نسبه، ولم يكن يعرفه. قال : أنا ابن العجاج :قال قصرت وعرفت؛ وصاح أعرابي بعبد الله بن جعفر، يا أبا الفضل قيل : لیست کنیته قال : وإن لم تكن كنيته فإنها صفته. ونظر عمر - رضي الله عنه - إلى جارية له سوداء تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت : ضربني ابنك أبو عيسى. قال : أو قد تكنى بأبي عيسى؟ عليّ به فأحضروه فقال: ويحك أكان لعيسى أب فتكنّى به؟ أتدري ما كنى العرب؟ أبو سلمة، أبو عرفطة، أبو طلحة، أبو حنظلة ؛ ثمّ أدبه.
وقيل لبعض صبيان العرب ما أسمك؟ قال : قراد. قيل : لقد ضيّق أبوك عليك الإسم. قال : إن ضيق الإسم لقد أوسع الكنية. قال : ما كنيتك؟ قال : أبو الصحارى ونظر المأمون إلى غلام حسن الوجه في الموكب فقال له يا غلام ما أسمك؟ قال : لا أدري. قال أو يكون أحد لا يعرف أسمه! فقال : يا أمير المؤمنين، إسمي الذي أعرف به لا أدري. فقال المأمون :
وسميت لا أدري لأنك لا تدري***بما فعل الحبّ المبرَّح في صدري
وولد لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - ولد ذكر، فبشر به وهو عند معاوية بن أبي سفيان، فقال له معاوية : سمّه بأسمي ولك خمسمائة ألف درهم، فسماه معاوية فدفعها إليه» (1).
ومن حديث عليّ (عليه السلام)، عن النبي (صلّى الله عليه وآله): «إذا سميتم الولد محمداً فأكرموه، وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبحواله وجهاً»، وعنه (صلى الله عليه وآله) : ما من قوم كانت لهم مشورة، فحضر معهم عليها من اسمه محمّد أو أحمد، إلا قدَّس ذلك المنزل في كل يوم مرتين.
وسمّى عبد الملك أبناً له، الحجّاج لحبه الحجّاج بن يوسف الثقفي، وقال فيه :
سميته الحجاج بالحجّاج***الناصح المكاشف المداجي
واستأذن الجاحظ، والسكاك، وهو من المتكلمين المشهورين على رئيس فقال الخادم لمولاه : الجاحد والشكاك. فقال: هذان من الزنادقة لا محالة، فصاح الجاحظ : ويحك ارجع قل : الحدقي بالباب وبه كان يعرف فقال الخادم : الخلقي بالباب فصاح الجاحظ : ويلك ارجع إلى الجاحد.
وسأل رجل أبا عبيدة عن إسم رجل من العرب، فلم يعرفه، فقال كيسان غلامه : أنا أعرف الناس به، هو خراش أو حدّاش أو دياش أو شيء آخر، فقال أبو عبيدة ما أحسن ما عرفته يا كيسان قال : أي والله، وهو قرشي أيضاً، قال: وما يدريك به؟ قال : أما ترى كيف إحتوشته الشينات من كل جانب؟ وقال الفرزدق :
وقد تلتقي الأسماء في الناس والكنى***كثيراً ولكن ميزوا في الخلائق
ورأى الإسكندر في عسكره رجلاً لا يزال يهزم في الحرب، فسأله عن اسمه، فقال : أسمي الإسكندر، فقال : يا هذا إمّا أن تغير أسمك، وإما أن تغيّر فعلك.
1) المصدر السابق - ص 429 المجلد 4.
وقال الجاحظ : لولا أنّ القدماء من الشعراء، سمّت الملوك وكنتها في أشعارها وأجازت واصطلحت عليه ما كان جزاء من فعل ذلك إلا العقوبة، على أنّ ملوك بني ساسان لم يكنها أحد من رعاياها قط ولا سمّاها في شعر ولا خطبة، وإنما حدث هذا في ملوك الحيرة.
وكان الجفاة من العرب لسوء أدبهم وغلظ تركيبهم، إذا أتوا النبي : (صلّى الله عليه وآله) خاطبوه باسمه وكنيته، فأما الصحابة فكانت مخاطبتهم له : یا رسول الله، وهكذا يجب أن يقال للملك في المخاطبة : يا خليفة الله، ويا أمير المؤمنين، وينبغي للداخل على الملك أن يتلطف في مراعاة الأدب، كما حكى سعيد بن مرَّة الكندي، إذ دخل على معاوية فقال : أنت سعيد؟ فقال : أمير المؤمنين السعيد وأنا ابن مرَّة. وقال المأمون للسيد بن أنس الأزدي : أنت السيّد ؟ فقال : أنت السيّد يا أمير المؤمنين وأنا ابن أنس قال الشاعر :
لعمرك ما الأسماء إلا علامة***منار ومن خير المنار ارتفاعها
وكان قوم من الصحابة يخاطبون رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : يا نبيء الله، بالهمز، فأنكر ذلك وقال : لست بنبي الله ولكنّي نبي الله ؛ وكان صاحب ربيع يتشيع، فارتفع إليه خصمان أسم أحدهما عليّ والآخر معاوية، فانحنى على معاوية فضربه مائة سوط، من غير أن تقوم عليه حجّة، فقطن معاوية من أين أتي، فقال: أصلحك الله، سل خصمي عن كنيته، فإذا هو أبو عبد الرحمن، وكانت كنية معاوية بن أبي سفيان، فبطحه وضربه مائة سوط، فقال لأصحابه : ما أخذه مني بالأسم استرجعته منه بالكنية» (1).
1) المصدر السابق - ص 430 مجلد 4.
ومن كلام له (عليه السلام) في الشفيع : الشفيع جناحُ الطالب.
البيان والشرح:
جاء في الحديث المرفوع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إشفعوا إليَّ تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيّه ما شاء الله». وقال المأمون، لإبراهيم بن المهدي لما عفا عنه : إن أعظم يداً عندك إن أعظم يداً عندك من عفوي عنك، أني لم
أجرّعك مرارة امتنان الشافعين وقال قابوس بن وشكمير :
بزند الشفيع تورى نار النجاح***ومن كف المفيض ينتظر فوز القداح
وحدَّث المبرّد عن نفسه فقال : أتاني رجل يستشفع لي في حاجة فأنشدني لنفسه :
إنّي قصدتك لا أدلي بمعرفة***ولا بقربي ولكن قد فشت نعمك
فبت حيران مكروباً يؤرقني***ذلّ الغريب ويفشيني الكرى كرمك
ولو هممت بغير العرف ما علقت***به يداك ولا انقادت له شيمك
ما زلت أنكب حتى زلزلت قدمي***فاحتل لتثبيتها لا زلزلت قدمك
قال : فشفعت له وقمت بأمره حتى بلغت له ما أحب.
وقال بزرجمهر : من لم يستغن بنفسه عن شفيعه ووسائله وهت قوی أسبابه، وكان إلى الحرمان أقرب منه إلى بلوغ المراد.
وكلم الأحنف بن قيس مصعب بن الزبير في قوم حبسهم، فقال: أصلح الله الأمير إن كان هؤلاء حبسوا في باطل، فالحق يخرجهم
وإن كانوا حبسوا في حق، فالعفو يسعهم.
وخرج العطاء في أيام المنصور، وأقام الشقراني، من ولد شقران مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ببابه أياماً لا يصل إليه عطاؤه، فخرج الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) من عند المنصور، فقام الشقراني إليه، فذكر له حاجته فرحب به، ثم دخل ثانية إلى المنصور وخرج وعطاء الشقراني في كمّه، فصبّه في كمّه ثمّ قال : يا شقران إنّ الحسن من كلّ أحد حسن، وإنّه منك أحسن، لمكانك منا، وإن القبيح من كل أحد قبيح، وهو منك أقبح، لمكانك منا. فاستحسن الناس ما قاله الإمام، وذلك لأنّ الشقراني كان صاحب شراب، وقالوا : فانظر كيف أحسن السعي في استنجاز طلبته وكيف رحّب به وأكرمه، مع معرفته بحاله وكيف وعظه ونهاه عن المنكر على وجه التعريض ؛ وقال الزمخشري : وما هو إلا من أخلاق الأنبياء، والله أعلم حيث يجعل رسالته» (1).
قلت : والأمر كذلك فإنَّهم المعنيون من قول الحق سبحانه.
(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (2).
«وجاء في التاريخ، أنّ المنصور العباسي كان معجباً بمحادثة محمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس، وكان الناس لعظم قدره عند المنصور، يفزعون إليه في الشفاعات وقضاء الحاجات، فثقل ذلك على المنصور فحجبه مدة، ثمّاشتاق إليه، فحادث الربيع فيه وقال: إنّه لا صبر لي عنه، لكني قد ذكرت شفاعاته، فقال الربيع : أنا أشرط عليه أن لا يعود، فكلّمه الربيع، فمكث أياماً لا يشفع، ثمّ وقف له قوم من قريش وغيرهم برقاع وهو يريد دار المنصور، فسألوه أن يأخذ رقاعهم، فقص عليهم القصة، فضرعوا إليه وسألوه، فقال: أما إذا أبيتم قبول العذر، فإني لا أقبضها منكم ولكن هلموا فأجعلوها في كمي، فقذفوها في كمّه ودخل على المنصور وهو في الخضراء - تشرف على مدينة
السلام وما حولها - بين البساتين والضياع فقال له أما ترى إلى حسنها فقال : بلی يا أمير المؤمنين فبارك الله لك فيما آتاك، وهناك بإتمام نعمته عليك فيما أعطاك، فما بنت العرب في دولة الإسلام ولا العجم في سالف الأيام أحصن ولا أحسن من مدينتك، ولكن سَمَّجَتْها في عيني خصلة. قال : ما هي ؟ قال : ليس لي فيها ضيعة، فضحك وقال : نحسنها في عينك ثلاث ضياع قد أقطعتكها. فقال : أنت والله شريف الموارد كثير المصادر، فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه وجعلت الرقاع تبدر من كميه في أثناء كلامه وخطابه للمنصور، وهو يقول: إرجعن خاسئات، ثم يعود إلى حديثه. فقال المنصور ما هذه؟ بحقي عليك إلّا أعلمتني خبرها فأعلمه فضحك، فقال : أبيت يابن معلم الخير إلا كرماً، ثمَّ تمثل بقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنهم - :
لسنا وإن أحسابنا كملت***يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا***تبني ونفعل مثل ما فعلوا
ثم أخذها وتصفحها ووقع فيها كلّها بما طلب أصحابها. قال محمد بن جعفر فخرجت من عنده وقد ربحت وأربحت» (1).
1) شرح النهج الحديدي - ص 272 المجلد 4.
ومن كلام له (عليه السلام) نِعْمَ الطّيب المسكُ : خفيف مَحْمَلُهُ، عَطِرْ ريحه.
البيان والشرح:
«جاء في الروايات، أنه كان (صلى الله عليه وآله) كثير التطيب، بالمسك وبغيره من أصناف الطيب، وورد في الخبر الشريف : حُبّب إلي من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء، وقرة عيني في الصلاة». وقوله (صلى الله عليه وآله): «لا تردّوا الطيب فإنه طيب الريح خفيف» المحمل.
وسرق أعرابي نافحة مسك، فقيل له : «ومن يُغلل يأت بما غلّ يوم القيامة» (1)قال : إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل. وفي الحديث المرفوع، أنَّه (صلى الله عليه وآله) بايع قوماً كان بيد رجل منهم درع خلوق، فبايعه بأطراف أصابعه وقال خير طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه.
وروی سهل بن سعد، عنه (صلى الله عليه وآله): «أنّ في الجنة لمراغاً من مسك مراغ داوبكم هذه».
وروى أنس بن مالك قال : دخل علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لوقت صيف فعرق، فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت عرقه، فاستيقظ وقال : يا أم سليم ما تصنعين؟ قالت هذا عرقك نجعله في طيبنا، فإنه من أطيب
1) سورة آل عمران الآية - 161.
الطيب ونرجو به بركة صبياننا، فقال : أصبت»(1).
وقالوا : إنّما سميت الغالية غالية لأن عبد الله بن جعفر أهدى لمعاوية قارورة منها، فسأله كم أنفق عليها؟ فذكر مالاً، فقال : هذه غالية، فسميت غالية.
وشم مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري، من أخته هند بنت أسماء، ريح غالية، وكانت تحت الحجّاج، فقال : علميني طيبك. قالت لا أفعل أتريد أن تعلمه جواريك؟ هو لك عندي ما أردته، ثمّ ضحكت وقالت : والله ما تعلمته إلاّ من شعرك حيث قلت :
أطيب الطيب طيب أم أبان***فأر مسك بعنبر
خلطته بعودها وببان***فهو أحوى على اليدين شريق
وروى الحسن بن زيد عن أبيه قال: رأيت ابن عباس حين أحرم والغالية على صلعته كأنها الرب.
«وأولم المتوكل في طهر أبنته فلما كثر اللعب قال ليحيى بن أكثم : انصرف أيُّها القاضي قال : ولِمَ قال : لأنهم يريدون أن يخلطوا. قال : أحوج ما يكونون إلى قاض إذا خلطوا، فاستظرفه وأمر أن تغلف لحيته، فقال يحيى : إنا لله ضاعت الغالية، كانت هذه تكفيني دهراً لو دفعت إليّ، فأمر له بزورق لطيف من ذهب مملوء من غالية ودرج بخور، فأخذهما في كمّه وأنصرف.
وأراد الرشيد المقام في أنطاكية فقال له شيخ منها: إنها ليست من بلادك، فإن الطيب الفاخر يتغير فيها، حيث لا ينتفع منه شيء، والسلاح يصدأ فيها، وسيراف من بلاد فارس لها نغمة طيبة» (2).
وفأرة المسك : دويبة شبيهة بالخشف تكون في ناحية نبت، تصاد لأجل سرتها، فإذا صادها الصائد عصب سرتها بعصاب شديد وهي مدلاة، فيجتمع
فيها دمها، ثمّ يذبحها وما أكثر من يأكلها، ثم يأخذ السرة فيدفنها في الشعير حتى يستحيل الدم المحتقن فيها مسكاً ذكياً، بعد أن كان لا يرام نتناً، وقد يوجد في البيوت جردان سود يقال لها : فأر المسك ليس عندها إلا رائحة لازمة لها.
وقال بعضهم : لولا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تطيب بالمسك ما تطيبت به، لأنه دم.
«وقال الزمخشري : العنبر يأتي طفاوة على الماء، لا يدري أحد معدنه، يقذفه البحر إلى البرّ، فلا يأكل منه شيء إلا مات، ولا ينقره طائر إلا بقي منقاره فيه، ولا يقع عليه إلا نصلت أظافره.
وقال صاحب «المنهاج في الطيب»: العنبر من عين في البحر، ويكون جماجم أكبرها وزنه ألف مثقال والأسود أردأ أصنافه، وكثيراً ما يوجد في أجواف السمك التي تأكله وتموت وتوجد فيه سهوكة ؛ وقال في المسك : إنه سرة دابة كالظبي له نابان أبيضان معقفان إلى الجانب الأيسر كقرنين. وقال الشاعر :
والمسك بينا تراه ممتهناً***بفهر عطاره وساحق
حتى تراه في عارضي ملك***أو موضع التاج من مفارقه
وقالوا : خير العود المندلي، وهو منسوب إلى مندل قرية من قرى الهند، وأجوده أصلبه وامتحان رطبه أن ينطبع فيه نقش الخاتم، واليابس تفصح عنه النّار، ومن خاصية المندلي أن رائحته تثبت في الثوب أسبوعاً، وأنه لا يقمل ما دامت فيه ؛ وقال صاحب المنهاج : العود عروق أشجار تقلع وتدفن في الأرض، حتى تتعفن منها الخشبية والقيرية، ويبقى العود الخالص، وأجوده المندلي، ويجلب من وسط بلاد الهند، ثم العود الهندي وهو يفضل على المندلي بأنه لا يولد القمل وهو أعبق بالثياب وأفضل العود أرسبه في الماء، والطافي رديء! وقال عيينة بن أسماء الفزاري :
لو كنت أحمل خمراً حين زرتكم***لم ينكر الكلب أني صاحب الدار
لكن أتيت وريح المسك يقدمني***والعنبر الورد مشبوباً على النّار
فأنكر الكلب ريحي حين خالطني***وكان يألف ريح ريح الزق والغار» (1)
1) المصدر السابق - 423 - المجلد 4.
ومن كلام له (عليه السلام)، وقد سُئِل عن أشعر الشعراء : إنّ القومَ لمْ يَجْروا في حَلْبة تُعرَفُ الغاية عِنْدَ قَصَبَتِها، فإنْ كَانَ ولا بُدَّ، فالملكُ الضّليلُ. قال : يريد امرأ القيس.
البيان والشرح:
«جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي قال : روى ابن دريد في أماليه قال أخبرنا الحرموزي، عن ابن المهلبي، عن ابن الكلبي، عن شدّاد بن إبراهيم، عن عبيد الله بن الحسن العنبري عن ابن غرارة قال : كان عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يعشي الناس في شهر رمضان باللحم، ولا يتعشى معهم، فإذا فرغوا خطبهم ووعظهم، فأفاضوا ليلة في الشعراء وهم على عشائهم، فلما فرغوا خطبهم (عليه السلام) وقال في خطبته : «إنّ ملاك أمركم الدين وعصمتكم التقوى، وزينتكم الأدب، وحصون أعراضكم الحلم». ثمّ قال : يا أبا الأسود، فيما كنتم تفيضون فيه أي الشعراء أشعر الشعراء؟ فقال : يا أمير المؤمنين الذي يقول :
ولقد أغتدي يدافع ركني***أعوجي ذو ميعة أضريج
مخلط مزيل مقنّ معن***منفح مطرح سبوح ضروج
يعني أبا دؤاد الأيادي فقال (عليه السلام) ليس هو ؛ قالوا فمن يا أمير المؤمين؟ فقال : لو رفعت للقوم غاية فجروا إليها معا، علمنا من السابق منهم ولكن إن يكن فالذي لم يقل عن رهبة ولا رغبة، قيل : من هو يا أمير المؤمنين؟ قال : هو الملك الضّليل ذو القروح. قيل : أمرؤ القيس يا أمير
المؤمنين؟ قال : هو، قيل : فأخبرنا عن ليلة القدر ؟ قال : ما أخلو من أن أكون أعلمها فأستر علمها، ولست أشك أن الله إنّما يسترها عنكم نظراً لكم، لأنَّه لو أعلمكموها عملتم فيها وتركتم غيرها، وأرجو أن لا تخطئكم إن شاء الله، إنهضوا رحمكم الله» (1).
وقال ابن دريد لمّا فرغ من ذكر الخبر: أضريج: ينشق في عدوه، وقيل: واسع الصدر، ومنفح : يخرج الصيد من مواضعه، ومطرح: يطرح ببصره، و خروج: سابق، والغاية بالغين المعجمة قال الشاعر :
وإذا غاية مجد رفعت***نهض الصلت إليها فحواها
ويروى قول الشمّاخ :
إذا ما راية رفعت لمجد***تلقاها غرابة باليمين
بالغين والراء أكثر فأما البيت الأول فبالغين لا غير، أنشده الخليل في عروضه وفي الحديث النبوي الصحيح: «فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كلّ غاية إثنا عشر ألفاً» والميعة أول جري الفرس، وقيل: الجري بعد الجري؛ وقد روى بعض الرواة كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) مرفوعاً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وأما قوله (عليه السلام) الملك الضليل، فإنما سُمي امرؤ القيس ضليلاً، لما كان يعلن في شعره من الخلاعة والفسق والضليل : الكثير الضلال، كالشريب والخمير والسكير والفسيق، للكثير الشرب وإدمان الخمر والسكر والفسق، فمن ذلك قوله :
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا***فألهيتها عن ذي تمائم محول
إذا ما بكى من خلفها إنصرفت له***بشق وتحتي شقها لم يحوّل
سموت إليها بعدما نام أهلها***سمو حباب الماء حالاً على حال
1) المصدر السابق - ص 497 المجلد 4.
فقالت لحاك الله إنك فاضحي***ألست ترى السمّار والناس أحوالي
فقلت لها: تالله أبرح قاعداً***ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت***هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا***ورضت فذلت صعبة أي إذلال
حلفت لها بالله حلفة فاجر***لناموا فما إن من حديث ولا صالي
فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلها***عليه القتام كاسف الوجه والبال
وقوله في اللامية الأولى :
وبيضة خدر لا يرام خباؤها***تمتعت من لهوبها غير معجل
تخطيت أبواباً إليها ومعشراً***عليّ حراصاً لو يسرون مقتلي
فجئت وقد نصت لنوم ثيابها***لدى الستر إلا لبسة المتفضّل
فقالت يمين الله مالك حيلة***وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
فقمت بها أمشي تجرُّ وراءنا***على إثرنا أذيال مرط مرحل
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى***بنا بطن خبت ذي حقاق عقنقل
هصرت بفودي رأسها فتمايلت***علي هضيم الكشح ريا المخلخل
وقوله:
فبتُ أكابد ليل التمام***والقلب من خشية مقشعر
فلمّا دنوت تسديتها***فثوباً نسيت وثوباً أجرّ
ولم يرتا کالی کاشح***ولم يبد منّا لدى البيت سرّ
وقد رابني قولها يا هناة***ويحك ألحقت شرّاً بشر
وقوله :
تقول وقد جرّدتها من ثيابها***كما رعت مكحول المدامع أثلعا
لعمرك لو شيء أتانا رسوله***سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
فبتنا نصدّ الوحش عنّا كأننا***قتيلان لم يعلم لنا النّاس مصرعا
تجافى عن المأثور بيني وبينها***وتدني علي السابري المضلّعا (1)
1) شرح المعلقات العشر - الشركة اللبنانية للكتاب - بيروت.
وفي شعر أمرىء القيس من هذا الفن كثير.
وفي مسألة التفضيل بين الشعراء كلام لأبي الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني، لا بأس أن نعرّج عليه. قال : الثلاثة المقدّمون على الشعراء : امرؤ القيس، وزهير والنابغة، لا إختلاف في أنّهم المقدّمون على الشعراء كلهم، وإنما اختلف في تقديم بعض الثلاثة على بعض. قال : فأخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام عن أبي قيس، عن عكرمة بن حرير، عن أبيه قال : شاعر أهل الجاهلية زهير.
قال : وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال : حدَّثني عمر بن شبة، عن هارون بن عمرو عن أيوب بن سويد عن يحيى بن زياد عن عمرو بن عبد الله الليثي قال : قال عمر بن الخطاب ليلة مسيره إلى الجابية : أين الله عبد بن عباس ؟ فأتي به فشكا إليه تخلف علي بن أبي طالب (عليه السلام) عنه قال ابن عباس : فقلت له أو لم يعتذر إليك ؟ قال : بلى. قلت : فهو ما اعتذر به. قال : ثم أنشأ يُحدَّثني فقال : إن أول من رائكم عن هذا أبو بكر، إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوّة قال أبو الفرج: ثم ذكر قصة طويلة ليست من هذا الباب فكرهت ذكرها هذا الباب فكرهت ذكرها ثمّ قال: يا بن عبّاس، هل تروي لشاعر الشعراء؟ قلت : ومن هو ؟ قال : ويحك ! شاعر الشعراء الذي يقول :
فلو أن حمداً يخلد الناس خلدوا***ولكن حمد الناس ليس بمخلد
قلت : ذاك زهير فقال : ذاك شاعر الشعراء ؛ قلت : وبِمَ كان شاعر الشعراء؟ قال : إنّه كان لا يعاظل الكلام ويتجنّب وحشيه، ولا يمدح أحداً إلا بما فيه.
قال أبو الفرج وأخبرني أبو خليفة. قال : قال ابن سلام: أخبرني عمر بن موسى الجمحي، عن أخيه قدامة بن موسى، وكان من أهل العلم أنّه كان يقدم زهيراً، فقلت: أيّ شعره كان أعجب إليه ؟ فقال : الذي يقول فيه :
قد جعل المبتغون الخير في هرم***والسائلون إلى أبوابه طرقا
قال ابن سلام: وأخبرني أبو القيس العنبري، عن عكرمة بن جرير، قال : قلت لأبي : يا أبة من أشعر الناس؟ قال : أعن الجاهلية تسألني أم عن أهل الإسلام؟ قال : قلت: ما أردت إلا الإسلام، فإذا كنت قد ذكرت الجاهلية فأخبرني عن أهلها فقال: زهير أشعر أهلها قلت فالإسلام؟ قال: الفرزدق نبعة الشعر، قلت: فالأخطل ؟ قال : يجيد مدح الملوك، ويصيب وصف الخمر. قلت : فما تركت لنفسك؟ قال : إني نحرت الشعر نحرا.
وقال محمد بن سلام، في كتاب «طبقات الشعراء» : وقال من أحتج لزهير : كان أحصفهم شعراً، وأبعدهم من سخف وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق، وأشدّهم مبالغة في المدح، وأبعدهم تكلفاً وعجرفية، وأكثرهم حكمة ومثلاً سائراً في شعره.
وقد روى ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال : «أفضل شعرائكم القائل : ومن ومن يعني زهيراً، وذلك في قصيدته التي أولها : أمن أم أوفى :
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله***على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن لم يَذُدْ عن حوضه بسلاحه***يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه***وإن نال أسباب السّماء بسُلّم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه***يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
فأمّا امرؤ القيس بن حجر، فقال محمد بن سلام الجمحي : أخبرني يونس بن حبيب أنَّ علماء البصرة كانوا يقدمونه على الشعراء كلهم، وأن أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وأن أهل الحجاز والبادية يقدمون زهيراً والنابغة، فالطبقة الأولى إذا أربعة.
قال : وأخبرني شعيب بن صخر عن هارون بن إبراهيم قال : سمعت قائلاً يقول للفرزدق : من أشعر الناس يا أبا فراس ؟ فقال : ذو القروح، يعني امرأ القيس. قال : حين يقول ماذا ؟ قال : حين يقول :
وقاهم جدهم ببني أبيهم***وبالأشقين ما كان العقاب
قال: وأخبرني أبان بن عثمان البجلي قال : مرَّ لبيد بالكوفة في بني نهد، فأتبعوه رسولاً فسأله من أشعر الناس ؟ فقال : الملك الضليل، فأعادوه إليه، فقال له : ثم من؟ فقال الغلام القتيل، يعني طرفة بن العبد ؛ وقال غير أبان : ثمّ أبن العشرين قال : ثمّ من : قال : الشيخ أبو عقيل يعني نفسه.
وقال ابن سلام: واحتج لامرىء القيس من يقدمه فقال : إنه ليس قال ما لم يقولوه ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها، واستحسنها العرب وأتبعه فيها الشعراء منها : إستيقاف صحبه والبكاء في الديار، ورقة النسيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء وبالبيض، وتشبيه الخيل بالعقبان والعصي وقيد الأوابد، وأجاد في النسيب، وفصل بين النسيب وبين المعنى، وكان أحسن الطبقة تشبيهاً.
قال : وحدَّثني معلم لبني داود بن علي قال : بينا أنا أسير في البادية، إذ أنا برجل على ظليم قد زمه وخطمه، وهو يقول :
هل يبلغنهم إلى الصباح***هقل كان رأسه جماح
قال : فما زال يذهب به ظليمه ويجيء، حتى آنست به، وعلمت أنه ليس بإنسي، فقلت: يا هذا من أشعر العرب؟ فقال الذي يقول :
أغرَّكِ مني أنَّ حبّكِ قاتلي***وأنّكِ مهما تأمري القلب يفعل
يعني امرأ القيس، قلت ثم من؟ قال : الذي يقول :
ويبررد برد رداء العرو***س بالصيف رقرقت فيه العبيرا
ويسخن ليلة لا يستطيع***نباحاً بها الكلب إلا هريراً
ثم ذهب به ظليمه، فلم أره.
قال : وحدَّث عوانة عن الحسن أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
قال لحسّان بن ثابت : من أشعر العرب؟ قال : أزرق العيون من بني قيس. قال : لست أسألك عن القبيلة إنّما أسألك عن رجل واحد. فقال حسان: يا رسول الله إنّ مثل الشعراء والشعر كمثل ناقة نحرت فجاء أمرؤ القيس بن حجر فأخذ سنامها وأطايبها، ثم المتجاوران من الأوس والخزرج فأخذا ما إلى ذلك منها، ثم جعلت العرب تمزعها حتى إذا بقي الفرث والدّم، جاء عمر بن تميم والنمر بن قاسط فأخذاه. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها خامل يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار.
فأما الأعشى، فقد احتج أصحابه لتفضيله بأنه كان أكثرهم عروضاً، وأذهبهم في فنون الشعر، وأكثرهم طويلة جيدة، وأكثرهم قدحاً وهجاء، وكان أول من سأل بشعره، وإن لم يكن له بيت نادر على أفواه الناس أشتهر كأبيات الثلاثة، وقد سُئِل خلف الأحمر عن أشعر الناس فقال : ما ينتهي إلى واحد يجمع عليه، كما لا ينتهي إلى واحد هو أشجع الناس ولا أخطب الناس، ولا أجمل الناس فقيل له : يا أبا محرز، فأيهم أعجب إليك؟ فقال: الأعشى كان أجمعهم.
قال ابن سلام: وكان أبو الخطاب الأخفش مستهتراً به يقدمه، وكان عمرو بن العلاء يقول : مثله مثل البازي، يضرب كبير الطير وصغيره ويقول: نظيره في الإسلام جرير ونظير النابغة الأخطل، ونظير زهير الفرزدق»(1).
«فأما القول في النابغة الذبياني، فإنَّ أبا الفرج الأصفهاني قال: كنية النابغة، أبو أمامة، واسمه زياد بن معاوية، ولقب بالنابغة لقوله : لقد نبغت لهم منا شؤون، وهو أحد الأشراف الذي غض الشعر منهم، وهو من الطبقة الأولى المقدمين على سائر الشعراء. وقال حدَّثني أحمد، وجندب عن عمر بن شبه قال : حدَّثنا عبيد بن جناد، قال حدَّثنا معن بن عبد الرحمن السلمي، عن جده، عن الشعبي قال عمر يوماً من أشعر الشعراء؟ فقيل له :
1) الأغاني - لأبي فرج الأصفهاني.
أنت أعلم يا أمير المؤمنين. قال : من الذي يقول :
إلا سليمان إذ قال المليك له***قم في البرية فاحددها عن الفند
وخيس الجنّ إنّي قد أذنت لهم***يبنون تدمر بالصفاح والعمد؟
قالوا: النابغة قال فمن الذي يقول :
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة***وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلغت عني خيانة***لمبلغك الواشي أغش وأكذب؟
قالوا: النابغة. قال : فهو أشعر العرب.
قلت: كان الخليفة الثاني قد قدَّم زهيراً على سائر الشعراء، فيما تقدّم من البحث.
قال، وأخبرني أحمد قال : حدَّثنا عمر قال : حدَّثني علي بن محمد المدائني. قال : قام رجل إلى ابن عباس فقال له : أيّ الناس أشعر ؟ قال : أخبره يا أبا الأسود، فقال أبو الأسود: الذي يقول :
فإنَّك كالليل الذي هو مدركي***وإن خلت أنَّ المنتأى عنك واسع
يعني النابغة» (1).
1) المصدر السابق.
ومن كلام له (عليه السلام) العينُ حَقٌّ، والرّقى حَقٌّ، والفالُ حقٌّ. والطّيرةُ ليسَتْ بحق والعدوى ليست بحق والطَّيبُ نَشَرَةٌ، والعسل نَشرَةٌ، والرَكُوبُ نَشْرَةٌ، والنَّظَرُ إلى الخُضْرَةِ نَشْرَةٌ.
البيان والشرح:
جاء في الحديث المرفوع عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله : «العين حق، ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا» وقال الفقهاء : إنهم كانوا يطلبون من العائن أن يتوضأ بماء، ثم يسقي منه المعين ويغتسل بسائره، ويرى الحكماء في هذا الباب أنّ هذا عائد إلى نفس العائن، وذلك لأنّ الهيولى مطيعة للأنفس متأثرة بها، والدليل أنَّ نفوس الأفلاك تؤثر فيها، بتعاقب الصور عليها، والنفوس البشرية من جوهر نفوس الأفلاك، وشديدة الشبه بها، إلا أن نسبتها إليها نسبة السراج إلى الشمس، فليست عامة التأثير، بل تأثيرها في أغلب الأمر في بدنها خاصة، ولهذا يحمى مزاج الإنسان عند الغضب، ويستعد للجماع عند تصور النفس صورة المعشوق، فإذا قد صار تصور النفس مؤثراً فيما هو خارج عنها، لأنها ليست حالة في البدن، فلا يستبعد وجود نفس لها جوهر مخصوص مخالف لغيره من جواهر النفوس، تؤثر في غير بدنها، ولهذا يقال : إن قوما من الهند يقتلون بالوهم ؛ والإصابة بالعين من هذا الباب، وهو أن تستحسن النفس صورة مخصوصة، وتتعجب منها، وتكون تلك النفس خبيثة جداً، فينفعل جسم تلك الصورة مطيعاً لتلك النفس، كما ينفعل البدن للسمّ (1).
1) شرح نهج البلاغة الحديدي ص 430 مجلد 4.
وجاء في حديث أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله عنها - أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى في وجه جارية لها سعفة، فقال: «إنّ بها نظرة فاسترقوا لها». وكان ناس من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) سفر، فمروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم، وقالوا لهم : هل فيكم من راق فإنّ سيّد الحي لديخ؟ فقال رجل منهم : نعم فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرىء، فأعطي قطيعاً من الغنم فأبى أن يقبلها، حتى يأتي رسول الله (صلى الله عليه وآله، فذكر ذلك له وقال : وعيشك ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب فقال : ما أدراكم أنها رقية؟ خذوا منهم واضربوا لي معكم بسهم.
وروى بريدة: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد ذكرت عنده الطيرة : من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل : اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك، ولا حول ولا قوة إلى بالله. وقال (صلى الله عليه وآله): «لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الحسن». قالوا : فما الفأل ؟ قال : الكلمة الطيبة.
وبنى عبيد الله بن زياد بن أبيه بالبصرة داراً عظيمة فمرّ بها بعض الأعراب»، فرأى في دهليزها صورة أسد وكلب وكبش فقال : أسد كالح و كبش ،ناطح وكلب نابح والله لا يمتع بها. فلم يلبث بها عبيد الله إلا أياماً يسيرة فهلك.
وقال (صلّى الله عليه وآله): «أحسنها الفأل ولا يرد قدراً، ولكن إذا رأى أحدكم ما يكره فليقل : اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلى بك». وقال بعض الشعراء :
لا يعلم المرء ليلاً ما يصبحه***إلا كواذب ما يجري به الفأل
والفأل والزجر والكهان كلّهم***مضللون ودون الغيب أقفال
وروي مرفوعاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من أتى كاهناً
فصدقه فيما يقول، فقد برىء ممّا أنزل على أبي القاسم». وقال الشاعر :
لا يقعدنّك عن بغا***ءالخير تقعاد العزائم
فلقد عدوت وكنت لا***أعدو على راق وحائم
فإذا الأشائم كالأيا***من والأيامن كالأشائم
وكذاك ذاك لا خير***لا شرّ على أحد بدائم
«وتفاءل عامر بن إسماعيل قاتل مروان بن محمد بإسم رجل لقيه فسأله عن اسمه فقال : منصور بن سعد قال من أي العرب؟ قال: من سعد العشيرة، فاستصحبه وطلب مروان فظفر به وقتله وقالوا : إنما أصل اليد اليسرى العسرى، إلا أنّهم أبدلوا اليسرى من اليسر تفاؤلاً، وقال الكميت بن زيد الأسدي - رحمه الله -:
ولا أنا ممّن يزجر الطير همه***أصاحَ غراب أم تعرّض ثعلب
وقال بعض العرب : خرجت في طلب ناقة لي ضلّت فسمعت قائلاً يقول :
ولئن من بعث لها البغا***ة فما البغاة بواجد
فلم أتطير ومضيت لوجهي، فلقيني رجل قبيح الوجه، به ما شئت من عاهة، فلم أتطير وتقدمت فلاحت لي أكمه فسمعت منها صائحاً والشرّ يلقى مطالع الأكم. فلم أكترث ولا انثنيت وعلوتها فوجدت ناقتي قد تناجت للولادة فنتجتها، وعدت إلى منزلي بها ومعها ولدها» (1).
وقيل لعلي (عليه السلام) : لا تحاربهم اليوم فإن القمر في العقرب. فقال : قمرنا أم قمرهم؟ وروي عنه (عليه السلام) أنه كان يكره أن يسافر أو يتزوج، محاق الشهر وإذا كان القمر في العقرب، وهو مذهب الشيعة الإمامية.
وروي أن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - قال على منبر البصرة: إنّ
1) المصدر السابق - ص 431 المجلد 4.
الكلاب من الجن وإن الكلاب الجن من ضعفاء الجن، فإذا غشيكم منهم شيء فألقوا إليه شيئاً أو اطردوه فإنَّ له أنفس سوء.
قلت : لا ينقضي العجب من بعض المذاهب التي أجازت حلية أكل لحم الكلاب، مع ورود الأثر الشريف المتقدم الذكر من حديث ابن عباس.
«وقال الجاحظ : كان علماء الفرس والهند وأطباء اليونانيين، ودهاة العرب وأهل التجربة من نازلة الأمصار وحذاق المتكلمين، يكرهون الأكل بين يدي السباع يخافون عيونها للذي فيها من النهم والشره، ولما ينحل عند ذلك من أجوافها من البخار الرديء، وينفصل من عيونها، ممّا إذا خالط الإنسان نقص بنية قلبه وأفسده وكانوا يكرهون قيام الخدم بالمذأب والأشربة على رؤوسهم، خوفاً من أعينهم وشدّة ملاحظتهم إيّاهم، وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا وكانوا يقولون فى الكلب والسنور إمّا أن يطرد، أو يشغل بما يطرح له» (1).
وقالت الحكماء : نفوس السباع أردأ النفوس وأخبثها، لفرط شرهها.
قالوا وقد وجدنا الرجل يضرب الحيّة بعصا فيموت الضارب والحيّة لأنّ سمّ الحيّة فصل منها حتى خالط أحشاء الضارب وقلبه، ونفذ في مسام جسده، وقد يديم الإنسان النظر إلى العين المحمرة فتعتري عينه حمرة؛ والتثاؤب يعدي إعداءً ظاهراً، ويكره دنو الطامث من اللبن لتسوطه، لأنّ لها رائحة، وبخارا يفسد اللبن المسوط.
«وقال الأصمعي رأيت رجلاً عيوناً كان يذكر عن نفسه أنه إذا أعجبه الشيء وجد حرارة تخرج من عينه. وقال أيضاً : كان عندنا عيانان، فمرّ أحدهما بحوض من حجارة فقال : والله ما رأيت كاليوم حوضاً! فانصدع فلقتين، فمرّ عليه الثاني فقال : وأبيك لقلّما أن ضررت أهلك فيك، فتطاير أربع فلق، وسمع آخر صوت بول من وراء جدار حائط فقال : إنك كثير الشخب، فقالوا هو
1) الحيوان - للجاحظ.
إبنك. فقال : أوه، وانقطع ظهره، فقيل : لا بأس عليه إن شاء الله. فقال : والله لا يبول بعدها أبداً، فما بال حتى مات.
وقال رجل من خاصة المنصور له، قبل أن يقتل أبا مسلم بيوم واحد : إني رأيت لأبي مسلم اليوم ثلاثاً تطيرت له منها قال: ما هي؟ قال : ركب فوقعت قلنسوته عن رأسه فقال المنصور الله أكبر ! تبعها والله رأسه فقال: وكبابه فرسه فقال الله أكبر! كبا والله وجده وأصلو زنده فما الثالثة؟ قال : إنه قال لأصحابه : أنا مقتول، وإنما أخادع نفسي، وإذا رجل ينادي آخر من الصحراء : اليوم آخر الأجل يا فلان فقال : الله أكبر! إنقضى أجله إن شاء الله، وانقطع من الدنيا أثره، فقتل في ذلك اليوم.
وتجهز النابغة الذبياني للغزو ومعه ريان بن سيّار الفزاري، فلما أراد الرحيل سقطت عليه جرادة، فتطير وقال : ذات لونين والجراد غرى من خرج فأقام ولم يلتفت ريّان إلى طيرته، فذهب ورجع غانماً فقال :
تطير طيرة يوماً زياد***لتخبره وما فيها خبير
أقام كأن لقمان بن عاد***أشار له بحكمته مشیر
تعلم أنه لا طير منّا***علی متطير وهو و البثور
بلى شيء يوافق بعض شيء***أحايينا وباطله كثير
وزياد هو اسم النابغة.
وكان للعرب كاهنان إسم أحدهما شق، وكان نصف إنسان وإسم الآخر سطيح، وكان يطوى طي الحصير، ويتكلمان بكل أعجوبة في الكهانة، فقال ابن الرومي :
لك رأي كأنه رأي شقّ***وسطيح قريعي الكهان
يستشف الغيوب عمّا تواری***منه عين جليّة الإنسان (1)
1) شرح نهج البلاغة الحديدي - ص 432 المجلد 4.
«وقال أبو عثمان الجاحظ : كان مسيلمة الكذاب، قبل أن يتنبأ، يدور في الأسواق التي كانت بين دور العرب والعجم كسوق الأبلة وسوق بقة وسوق الأنبار وسوق الحيرة يلتمس تعلم الحيل والنيرنجيات واحتيالات أصحاب الرقى والعزائم والنجوم، وقد كان أحكم على الجزاة وأصحاب الزجر والخط، فعمد إلى بيضة فصبّ إليها خلاً حاذقاً قاطعاً، فلانت حتى إذا مدَّها الإنسان استطالت ودقت كالعلك، ثمّ أدخلها قارورة ضيقة الرأس، وتركها حتى انضمّت واستدارت و جمدت فعادت كهيئتها الأولى، فأخرجها إلى قوم وهم أعراب، واستغواهم بها، وفيه قيل:
بيضة قارور وراية شادن***وتوصيل مقطوع من الطير حاذق» (1)
وقال المفسرون: أراد براية الشادن التي يعملها الصبي من القرطاس الرقيق، ويجعل لها ذنباً وجناحين، ويرسلها يوم الريح بخيط طويل، فقد كان مسيلمة يعمل رايات من هذا الجنس، ويعلق فيها الجلاجل، ويرسلها ليلاً في شدَّة الريح، ويقول هذه الملائكة تنزل عليّ، وهذه خشخشة الملائكة وزجلها.
قلت : وقد أدركت في زمن الطفولة الصبيان وهم يستعملون هذا الشادن، ويصنع من الورق والقصب، ويسمى «بالطيارة» وهي تربط بخيط طويل، وتطير في الأعالي مع الإمساك بطرف الخيط، فإذا حلّقت في السماء كان منظراً جميلاً، أشبه بالمنطاد في هذه الأيام أو الكرات الهوائية.
وكان مسيلمة يصل جناح الطير المقصوص بريش معه فيطير، ويستغوي به الأعراب.
«وخرج كثير عزة ومعه صاحب له من نهد فرأى غراباً ساقطاً فوق بانة ينتف ريشه، فقال له النهدي : إن صدق الطير، فقد ماتت عزّة، فوافي أهلها وقد أخرجوا جنازتها، فقال له :
وما أصدق النهدي لا دَرّ دره***وأزجره للطير لا عزّ ناصره
1) الحيوان - للجاحظ.
رأيت غراباً ساقطاً فوق بانة****ينتف أعلی ریشه ويطايره
فقال غراب لاغتراب وبانة***لبين وفقد من حبيب تعاشره
وقال الشاعر :
وسميته يحيى ليحيا ولم يكن***إلى ردّ حكم الله فيه سبيل
تيممت فيه الفأل حين رزقته***ولم أدر أن الفأل فيه يفيل» (1)
فأمّا القول في السحر فإن الفقهاء يثبتونه ويقولون فيه القود، وما جاء من أنه (صلّى الله عليه وآله) سحره لبيد بن أعصم اليهودي، وأن امرأة من يهود سحرته بشعر وقصاص، فهو باطل غير صحيح، لأنه معصوم من مثله.
وزعمت الفلاسفة أنَّ السحر من آثار النفس الصادقة، وأنه لا يبعد أن يكون في النفوس نفس تؤثر في غير بدنها المرض والحب والبغض ونحو ذلك، وأصحاب الكواكب يجعلون للكواكب في ذلك تأثيراً، وأصحاب خواص الأحجار والنبات وغيرها، يسندون ذلك إلى الخواص ؛ وكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يدلّ على تصحيح ما يُدعى من السحر، وقد جاء عنه (عليه السلام) في هذا الوجه قوله تعلموا السّحر ولا تعملوا به، وقوله (عليه السلام) : كذب المنجمون ولو صدقوا.
وأمّا العدوى فقد قال عنها (صلّى الله عليه وآله): «لا عدوى في الإسلام» وقال لمن قال : أعدى بعضها بعضاً يعني الإبل : فمن أعدى الأول؟ وقال : لا عدوى ولا هامة ولا صفر والهامة : ما كانت العرب تزعمه في المقتول لا يؤخذ بثأره، والصفر ما كانت العرب تزعمه من الحيّة في البطن، تعض عند الجوع، وفيه تقول العامة اليوم، لمن تريد الإستفهام عن تناوله لإفطار الصباح : «هل كسرت الصفراء»؟ والمعنى: هل أفطرت وقضيت عليها ؛ وبناء عليه، فإن الهامة والصفر والعدوى باطلة جميعاً في الإسلام، لأنّ الحديث فيها جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرفوعاً إلى النبي (صلى الله عليه وآله). وقال
1) شرح النهج الحديدي ص 433 - المجلد 4.
بعض أهل العلم كلّ أمة تحذو في مذاهبها مذاهب ملة أخرى.
«وزعمت الهند أنَّ البقر ملائكة سخط الله عليها فجعلها في الأرض، وأن لها عنده حرمة، وكانوا قديماً، ولم يزالوا يلطخون الأبدان بأخثائها، ويغسلون الوجوه ببولها ويجعلونها مهور نسائهم ويتبركون بها في جميع، أحوالهم فلعل أوائل العرب ممن قدَّس البقر، حذوا هذا الحذو وانتهجوا هذا المسلك.
وكانت العرب، إذا أجدبت وأمسكت السماء عنهم وأرادوا أن يستمطروا عمدوا إلى السلع والعشر، فحزموهما وعقدوهما في أذناب البقر وأضرموا فيها النيران وأصعدوها في جبل وعر وأتبعوها يدعون الله ويستسقونه، وإنما يضرمون النيران في أذناب البقر تفاؤلاً للبرق بالنّار، وكانوا يسوقونها نحو المغرب من دون الجهات، وقال أعرابي :
شفعنا ببيقور إلى هاطل الحيا***فلم يغن عنا ذاك بل زادنا جدبا
فعدنا إلى ربّ الحيا فأجارنا***وصيّر جدب الأرض من عنده خصبا
ومن مذاهب العرب مذهبهم في البلية وهي ناقة تعقل عند القبر حتى تموت فمذهب مشهور في الجاهلية والبلية أنهم إذا مات منهم كريم، بلوا ناقته أو بعيره فعكسوا عنقها وأداروا رأسها إلى مؤخرها، وتركوها في خفيره، لا تطعم ولا تسقى حتى تموت وربّما أحرقت بعد موتها، وربّما سلخت وملىء جلاها ثماماً، وكانوا يزعمون أن من مات ولم يبل عليه، حشر ماشياً ؛ ومن كانت له بلية حشر راكباً على بليته، وقال حريبة الأشيم الفقعي لإبنه :
إذا مت فادفني بجرداء ما بها***سوى الأصر خين أو يفوز راكب
فإن أنت لم تعقر عليّ مطيتي***فلا قام في مال لك الدهر جالب
ولا تدفنني في صوا وادفنني***بديمومة تنزو عليها الجوانب
وممّا اجتمعت عليه العرب في الجاهلية وأبطله الإسلام الهامة، وذلك أنهم يقولون ليس من ميت يموت، ولا قتيل يقتل، إلا ويخرج من رأسه هامة،
فإن كان قتل ولم يؤخذ بثأره، نادت الهامة على قبره : اسقوني فإني صدية وفي ذلك يقول (صلّى الله عليه وآله): «لا عدوى ولا هامة ولا صفر في الإسلام». وقال بعضهم لإبنه :
ولا تزْقُوَنْ لي هامة فوق مرقب***فإِنَّ زُقاءَ الهام للمرء عائبُ
تنادي ألا اسقوني وكلّ صدا به***وتلك التي تبيض منها الذوائب
يقول له : لا تترك ثأري إن قتلت فإنك إن تركته صاحت هامتي : اسقوني، فإن كلَّ صدا - وهو ههنا العطش - بأبيك، وتلك التي تبيّضُ منها الذوائب لصعوبتها وشدَّتها كما يقال : أمر يُشِيبُ رأس الوليد، ومثله قول مجنون ليلى، وهو قيس بن الملوح :
ولو أن ليلى الأخيلية سلّمت***عليّ ودوني جندل وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أوزقا***إليها صدى من جانب القبر صائح
وممّا أبطله الإسلام، قول العرب بالصفر : زعموا أن في البطن حيّة إذا جاع الإنسان عضت على شرسوفه وكبده، وقيل : هو الجوع بعينه، ليس أنها تعض بعد حصول الجوع، وقال الشاعر :
ولا ينادي لما في القدر يرقبه***ولا يعض على شرسوفه الصفر» (1)
«و من مذاهب العرب قبل الإسلام، أنَّ الرجل منهم كان إذا سافر عمد إلى خيط فعقده في غصن شجرة أو في سامتها، فإذا عاد نظر إلى ذلك الخيط، فإن وجده بحاله علم أن زوجته لم تخنه، وإن لم يجده أو وجده محلولاً، قال: قد خانتني، وذلك العقد يسمى الرتم، ويقال : بل كانوا يعقدون طرفاً من غصن الشجرة بطرف غصن اخر قال الشاعر :
يعلل عمرو بالر تائم قلبه***وفي الحيّ ظبي قد أحلّت محارمه
فما نفعت تلك الوصايا ولا خبت***علیه سوی ما لا يحبّ رقائمه
1) المصدر السابق - ص 438 - المجلد 4.
ومن مذاهب العرب قبل الإسلام، أنَّ الرجل منهم كان إذا ركب مفازة، وخاف على نفسه من طوارق الليل، عمد إلى وادي شجر فأناخ راحلته في قرارته وعقلها، وخطّ عليها خطاً ثمّ قال : أعوذ بصاحب هذا الوادي، وربما قال : بعظيم هذا الوادي؛ وفي هذا قال الله سبحانه في القرآن الكريم : (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) (1). واستعاذ رجل منهم ومعه ولد فأكله الأسد فقال :
قدِ استَعَذْنَا بِعَظِيمِ الوَادِي***مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ مِنَ الأعادِي
فَلَمْ يُجِرْنَا مِنْ هِزَبْرِ عَادِ
«و من مذاهب العرب في الجاهلية، أن المرأة منهم كان إذا عسر عليها خاطب النكاح نشرت جانباً من شعرها، وكحلت إحدى عينيها مخالفة للشعر المنثور وحجلت على إحدى رجليها ويكون ذلك ليلاً، وتقول : يا لكاح أبغي النكاح قبل الصباح فيسهل أمرها وتتزوج. قال رجل لصديقه، وقد رأى أمه تفعل ذلك :
أما ترى أمّك تبغي بعلا***قد نشرت من شعرها الأفلا
ولم توف مقلتيها كحلا***ترفع رجلاً وتحط رجلا
هذا وقد شاب بنوها أصلا***وأصبح الأصغر منهم كهلا
خذ القطيع ثمّ سمها الذّلا***ضربا به تترك هذا الفعلا
ومن مذاهب العرب العجيبة قبل الإسلام إعتقادهم أن الورل والقنفذ والأرنب والظبي واليربوع والنعام مراكب الجنّ يمتطونها، ولهم في ذلك أشعار مشهورة، ويزعمون أنهم يرون الجن ويظاهرونهم ويخاطبونهم، ويشاهدون الغول، وربّما جامعوها وتزوجوها وقالوا إن عمرو بن يربوع تزوّج الغول وأولدها بنين، ومكثت عنده دهراً فكانت تقول له : إذا لاح البرق من جهة بلادي، وهي جهة كذا فاستره عني، فإن لم تستره عني تركت ولدك عليك،
1) سورة الجن : الآية 6.
وطرت إلى بلاد قومي. فكان عمرو بن،يربوع، كلما برق البرق غطى وجهها بردائه فلا تبصره قالوا: فغفل عمرو بن يربوع عنها ليلة وقد لمع البرق فلم يستر وجهها فطارت وقالت له، وهي تطير:
أمسك بنيك عمرو أني آبق***برق على أرض السعالي الق
ومنهم من يقول ركبت بعيرا وطارت عليه أسرعت فلم يدركها، وعن هذا قال الشاعر :
رأى برقاً فأوضح فوق بكر***فلا يكن ما أسال ولا أنماما
ومن مذاهب العرب قولهم : إن من ولد في القمراء تقلصت غرلته، فكان كالمختون، ويجوز أن يكون ذلك من خواص القمر، كما أنّ من خواصه إبلاء الكتان وإنتان اللحم. وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال : إذا رأيت الغلام طويل الغرلة فأقرب به من السؤدد، وإذا رأيته قصير الغرلة كأنما ختنه القمر فأبعد به
ومن مذاهبهم، أن النساء كانت إذا غاب عنهن من يحببنه أخذن تراباً من موضع رجله كانت العرب تزعم أن ذلك أسرع لرجوعه. وقالت امرأة من العرب، لزوجها وقد اقتبضت من أثره :
يا ربّ أنت جاره في سفره***وجار خصيه وجار ذكره» (1)
«ومن عجائب إعتقادات العرب قبل الإسلام ومذاهبها إعتقادهم في الديك والغراب والحمامة والحيّة أن لها تعلقاً بالجن، ومنهم من يزعم أنها نوع من الجنّ، ويعتقدون أن سهيلاً والزهرة والضبّ والذئب والضبع، مسوخ، ومن أشعارهم في مراكب الجنّ، قول بعضهم في قنفذ رآه ليلاً :
فما يعجب الحيّات منك عدمتهم***وفي الأسد أفراس لهم ونجائب
أيسرج يربوع ويلجم قنفذ***لقد أعوزتكم ما علمت النجائب
1) المصدر السابق - ص 444 المجلد 4.
فإن كانت الحيّات جنّت فبالحرى***ولا ذنب للأقوام والله غالب
وكانوا إذا غمّ عليهم أمر غائب ولم يعرفوا له خبراً، جاؤوا إلى بئر عاديّة أو حفر قديم ونادوا فيه : يا فلان ثلاث مرات ويزعمون أنه إن كان ميتاً لم يسمعوا صوتاً، وإن كان حياً سمعوا صوتاً، ربّما توهموه وهماً أو سمعوه من الصدى، فبنوا عليه عقيدتهم. قال بعضهم :
دعوت أبا المغوار في الحفر دعوة***فما آض صوتي بالذي كنت داعيا
أظن أبا المغوار في قعر مظلم***تجرّ عليه الذاريات السوافيا
وقال آخر :
غاب فلم أرج له إيابا***والحفر لا يرجع لي جوابا
وما قرأت مذ نأى كتاباً***حتى مات أستنشد الركابا
عنه وكلّ يمنع الخطابا
وحكى الأصمعي، عن بعضهم، أنه خرج هو وصاحب له يسيران، فإذا غلام على الطريق فقالا له : من أنت؟ قال أنا مسكين قد قطع بي فقال أحدهما لصاحبه: أردفه خلفك، فأردفه، فالتفت الآخر إليه فرأى فمه يتأجج ناراً، فشد عليه بالسيف، فذهبت النار، فرجع عنه، ثمّ التفت فرأى فمه يتأجج ناراً، فشدّ عليه، فذهبت النار ففعل ذلك مراراً، فقال ذلك الغلام : قاتلكما الله ما أجلدكما، والله ما فعلتها بآدمي إلا وانخلع فؤاده، ثمّ غاب عنهما فلم يعلما خبره»(1).
1) المصدر السابق - ص 445 مجلد 4، والحيوان للجاحظ.
ومن كلام له (عليه السلام): خَيْرُ بئر في الأَرْضِ زَمْزَمُ، وشَرُّ بِئْرٍ في الْأَرْضِ بَرَهُوتُ.
البيان والشرح:
قال ابن أبي الحديد، في شرح نهج البلاغة : قال ابن قتيبة في برهوت : هي بئر بحضرموت. - اليمن - يروى أن فيها أرواح الكفار، قال : وقد ذكر أبو حاتم عن الأصمعي، عن رجل من أهل حضرموت قال : نجد منها الرائحة المنتنة الفظيعة جداً، ثمّ نمكث حيناً، فيأتينا الخبر بأن عظيماً من عظماء الكفار قد مات، فنرى أن تلك الرائحة منه. قال : وربما سمع منها مثل أصوات الحج، فلا يستطيع أحد أن يمشي بها.
وأما زمزم: فهي عين في مكة المكرّمة معروفة، وقد أجراها الله سبحانه، للسيدة هاجر أم سيدنا إسماعيل بن إبراهيم خليل الرَّحمن (عليهما السلام)، وقد جاء في كتاب «مشارق أنوار اليقين» للحافظ رجب البرسي ما رواه، عن الإمام الرضا علي بن موسى (عليه السلام) عن ابائه الطاهرين (عليهم السلام)، أن يهودياً جاء إلى الخليفة أبي بكر - رضي الله عنه - في ولايته وقال له : إنَّ أبي قد مات وخلف كنوزاً، ولم يذكر أين هي، فإن أظهرتها كان لك ثلث وللمسلمين ثلث آخر ولي ثلث، وأدخل في دينك، فقال أبو بكر : لا يعلم الغيب إلا الله، فجاء إلى عمر - رضي الله عنه - فقال له مقالة أبي بكر، ثم دله على علي (عليه السلام)، فسأله فقال : رح إلى بلد اليمن، وأسأل عن وادي برهوت بحضرموت، فإذا حضرت الوادي فاجلس هناك إلى غروب الشمس،
فسيأتيك غربان سود مناقيرها تنعب فأهتف بإسم أبيك وقل له : يا فلان أنا رسول وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليك كلمني، فإنه يكلمك، فاسأله عن الكنوز، فإنه يدلك على أماكنها، فمضى اليهودي إلى اليمن واستدلّ على الوادي، وقعد هناك، وإذا بالغرابين قد أقبلا، فنادى أباه فأجابه وقال : ويحك ما أقدمك إلى هذا الموطن وهو من مواطن أهل النار؟ فقال : جئت أسألك عن الكنوز أين هي ؟ فقال : في موضع كذا وفي حائط كذا، ثمّ قال : ويلك إتبع دين محمّد تسلم، فهو النجاة، ثم انصرف الغرابان ورجع اليهودي، فوجد كنزا من ذهب وكنزاً من فضة فأوقر بعيراً وجاء به إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنك وصيّ رسول الله، وأخوه وأمير المؤمنين حقاً كما سميت، وهذه الهدية فاصرفها حيث شئت فإنك وكيله في العالمين (1).
1) مشارق أنوار اليقين - الحافظ رجب البرسي - مؤسسة الأعلمي – بيروت.
ومن كلام له (عليه السلام) وكَيْفَ تَعْمَهُونَ وبَينَكُمْ عِتْرَةُ نبيكُمْ، وهُمْ أزمّةُ الحق وأعْلامُ الدِّينِ والسِنَةُ الصدق، فأنزلوهُمْ بأَحْسَنِ مَنازِلِ القُرآنَ، ورِدُوهُمْ ورُودَ الهِيم العطاش. أيّها النَّاسُ، خُذُوها عَنْ خاتم النّبيينَ (صلى الله عليه وآله) : أنّهُ يَموتُ مَنْ ماتَ مِنا وليسَ بِميت، ويبلى مَنْ بَلَيَ وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تَعْرِفُونَ، فإنَّ أكثر الحق فيما تُنكرونَ، واعْذروا مَنْ لا حُجّةَ لَكُمْ عليه، وهو أنا، ألم أعمل فيكُمْ بالثقل الأكبر، وأترك فيكُمْ الثَّقَلَ الأصْغَر؟ قَدْ رَكَرْتُ فيكُمْ راية الإيمان، ووقفتُكُمْ على حدود الحلال والحرام، والبَسْتُكُمْ العافِيَةَ مِنْ عَدْلِي، وفرَشْتُكُمْ المَعْرُوفَ مِنْ قَولي وفِعْلي، وأريتُكُمْ كرائِمَ الأخلاقِ مِنْ نَفسي فَلا تَسْتَعْمِلُوا الرأي فيما لا يُدرِكُ مقرُهُ البَصر، ولا يتغلغل إليه الفكر.
البيان والشرح:
قوله: تعمهون: معناه تتحيرون وتضلون وعترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) هم علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، ولا يصح ما قيل : إنهم رهطه وإن بعدوا وإنما قال أبو بكر يوم السقيفة للأنصار : نحن عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على طريق المجاز لا الحقيقة، وهي كقول العدناني في مفاخرة القحطاني : أنا ابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وليس يعني هذا أنه أبن عمه على الحقيقة، بل هو بالإضافة إلى القحطاني كان ابن عمه، وإنما استعمل ذلك ونطق به مجازاً، وقد بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) عترته بقوله وهو على فراش الموت فيما صح عند الجميع : «إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني مخلف فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل
بيتي، ألا وإن اللطيف الخبير أنبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».
«وفي حديث الكساء حينما نزل قوله تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (1). طرح (صلى الله عليه وآله) كساء، ثم دخل الحسن والحسين وفاطمة وعلي فكان الخمسة تحته صلوات الله عليهم ثم جاءت أم المؤمنين السيدة أم سلمة - رضي الله عنها، واستأذنت فقال (صلى الله عليه وآله) : «إنك لست من أهل البيت وإنك لعلى خير»، ثم نزل جبرئيل (عليه السلام) فاستأذن أن يكون معهم فأذن له ثم دعا (صلى الله عليه وآله) فقال : «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» (2).
وقوله (عليه السلام): وهم أزمة الحق جمع زمام وكأنه جعل الحق دائراً معهم حيثما داروا وذاهباً معهم حيثما ذهبوا، وقد نبّه (صلى الله عليه وآله) في غدیر خم على صدق هذه القضية، بقوله لعلي (عليه السلام): «وأدر الحق معه حيثما دار» وقوله (عليه السلام) السنة الصدق، من
الألفاظ القرانية الشريفة قال تعالى : (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) (3)ولمّا كان لا يصدر عنهم حكم ولا قول إلا وهو موافق للحق والصواب، جعلهم ألسنة صدق لا يصدر عنها قول كاذب، فهي مطبوعة على الصدق.
وقوله (عليه السلام) فأنزلوهم منازل القرآن: كلام شریف تحته سرّ لطيف، ذلك بأنه أمر للمكلفين بأن يجروا العترة في إجلالها وإعظامها والإنقياد لأوامرها وعدم التقدم عليها، مجرى القرآن الكريم، وهذا يشعر ويصرح بأن العترة من آل محمد (عليهم السلام) معصومة، وهو مذهب وإجماع الإمامية. ثم قال (عليه السلام): وردوهم ورود الهيم العطاش : أي كونوا ذوي حرص وانكماش على أخذ العلم والدين منهم كحرص الهيم الظماء على ورود الماء.
وقوله (عليه السلام): خذوها عن خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله)، أنه يموت من مات منا وليس بميت ويبلى من بلي وليس ببال كلام تحته معانٍ لطيفة شريفة، وهو مثل قوله (عليه السلام) : «حديثنا آل محمد صعب مستصعب، لا يتحمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرّب، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان»، «فقد ورد في الأخبار الصحيحة: «أننا معاشر الأنبياء لا تسلط علينا الأرض ولا تأكل لنا لحماً»، وهذا يعني أنَّ الأنبياء ومن في حكمهم كالأوصياء بعد الموت هم أحياء بأبدانهم التي كانت في الدنيا بأعيانها في قبورهم، لأنّ الباري جلّ جلاله حرّم أن تمس الأرض لحمهم، وإن كان الله قد رفع ذواتهم الشريفة إلى ملكوت سماواته كما هو الأمر في المسيح وإدريس (عليهما السلام)، وبناءً عليه، فلو أن محتفراً احتفر تلك الأجداث الطاهرة عقب دفنهم لم يجد الأبدان في الأرض» (1).
وقد ذهب أكثر المتكلمين، إلى أن الإنسان الفعّال الحي له أجزاء أصلية، في هذه البنية المشاهدة وهي أقل ما يمكن أن تأتلف منه البنية التي معها يصح كون الحي حياً، وقد جعلوا الخطاب متوجهاً نحوها والتكليف وارداً عليها، وما عداها من الأجزاء، فهي فاضلة ليست داخلة في حقيقة الإنسان، وإذا صح ذلك جاز أن ينتزع الله تلك الأجزاء الأصلية من أبدان الأنبياء والأوصياء، فيرفعها إليه بعد أن يخلق لها من الأجزاء الفاضلة عنها نظير ما كان لها في الدار الأولى، كما قاله من ذهب إلى قيامة الأنفس والأبدان معاً، فتنعم عنده وتلتذ بضروب اللذات الجسمانية، ويكون هذا مخصوصاً بهذه الشجرة المباركة، دون غيرها ولا تعجب فقد ورد في حق الشهداء نحو ذلك في قوله تعالى : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (2)وعلى التفسير المذكور آنفاً فلو أن محتفراً احتفر أجداثهم لوجد الأبدان فيها، وإن لم يعلم أن أصول تلك البنى قد أنتزعت منها ونقلت إلى السماء وعلى هذا فالجسد يبلى
في القبر إلا قدر ما أنتزع منه، ونقل إلى محل القدس، وكذلك يصدق على الجسد أنه ميت وإن كان أصل بنيته لم يمت فإذاجاء هذا في حق الشهداء فما ظنك بسادات الشهداء. وهذا المبحث من المباحث الغامضة الدقيقة التي تردّى في حفائرها جبل كثير من الناس، نظراً لوعورة مسلكه وصعوبة اجتيازه ولهذا فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) علم أنه قال لهم قولاً عجيباً، وأنهم سيعجبون وقد يكذبون، فقال لهم : فلا تقولوا ما لا تعرفون أي لا تكذبوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيما أخبر مرفوعاً، فتقولون ما لا تعلمون صحته، ثم قال (عليه السلام) إن أكثر الحق في الأمور العجيبة التي تنكرونها، كإحياء الموتى في يوم القيامة وكالصراط والميزان والجنة والنار وسائر أحوال الآخرة، ثم قال (عليه السلام): واعذروا من لا حجّة لكم عليه وهو أنا، ويعني أنني قد عدلت فيكم، وأحسنت السيرة وأقمتكم على المحجة البيضاء. ثم قال : عملت فيكم بالثقل الأكبر، وهو كتاب الله، وخلفت فيكم الثقل الأصغر، أي ولداه الحسن والحسين (عليهما السلام)، وإنما سمّى (صلى الله عليه وآله) الكتاب والعترة الثقلين، لأن الثقل في اللغة متاع المسافر وحشمه، فكأنه (صلى الله عليه وآله) لمّا شارفه الإنتقال إلى جوار ربه تعالى جعل نفسه كالمسافر الذي ينتقل من منزل إلى آخر، وجعل الكتاب والعترة كمتاعه وحشمه، لأنهما أخص الأشياء به.
وقوله (عليه السلام): وركزت فيكم راية الإيمان : أي عززتها وأثبتها في حروبي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتثبيتي لدعائم الدين، وهذا من باب الإستعارة ومثلها قوله : ووقفتكم على حدود الحلال والحرام: مأخوذ من حدود الدار وهي الجهات الفاصلة بينها وبين غيرها. وقوله : وألبستكم العافية من عدلي : إستعارة فصيحة. قال تعالى : (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) (1)، وأفصح منها قوله (عليه السلام) : وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي : أي جعلته لكم فراشاً. نهاهم أن يستعملوا الرأي مطلقاً مع وجود
1) سورة البقرة: الآية 187.
النص، ولا سيما في الأمور الغامضة التي لا تهتدي إليها العقول، ولا تدرك الأبصار قعرها والتغلغل من تغلغل الماء بين الشجر، إذا تخللها ودخل بين أصولها.
روى ابن أبي الحديد المعتزلي، في شرح النهج، أن عسلاً جاء إلى الكوفة عاصمة الخلافة من حضرموت اليمن فقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): إجعلوه في بيت المال، وغداً نقسمه على المسلمين. وفي الصباح، حينما أراد توزيع العسل، رأى جرّة منها مفتوحة، فقال (عليه السلام) لابن أبي رافع من فعل ذلك ؟ قال : يا أمير المؤمنين طلب مني الحسين بن علي نصيبه ليلة أمس ليتحف بها بعض أصحابه فقال علي : يا حسين كيف فعلت ذلك ؟ قال : إنها من نصيبي يا أمير المؤمنين وأنا رجل من رجل من المسلمين. فقال (عليه السلام) وكيف تتقدم على المسلمين؟ ثم رفع درته ليعلو بها رأس الحسين فقال (عليه السلام): بحقِّ عمي جعفر. وكان أمير المؤمنين، إذا سُئِل بحق أخيه جعفر الطيار شهيد مؤتة (عليه السلام)، يسكن غضبه، ثم رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم أغفر للحسين بن علي فإنه لا يعلم ثلاث مرات، ثم أخذ ثلاثة دراهم من جيبه، وقال لقنبر مولاه: أشتر به أجود العسل، وأعده إلى الجرّة وأختمه، ثم ابدأ بالتقسيم ولا تبيت حقاً من حقوق المسلمين عندك بعد اليوم، ثم رش بيت المال بالماء وكنسه، وصلى ركعتين ثم رفع يديه إلى السماء وقال : يا صفراء ويا بيضاء غري غيري، قد طلقتك ثلاثاً لا عودة لي فيها إليك، وهذا من نماذج العدل التي لا تتأتى لبشر قط، ما خلا الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام).
ومن كلام له (عليه السلام) : يتظلم فيه من قريش : اللهم إني أستغديكَ على قُريشٍ وَمَنْ أعانَهُمْ، فَإِنَّهُمْ قَدْ قطَعُوا رَحِمي، وأكْفَأوا إنائي، وأَجْمَعُوا على مُنازَعَتِي حَقاً كنتُ أوْلى بهِ مِنْ غيري، وقالوا ألا إِنَّ في الحق أن تأخذه، وفي الحق أن تُمنَعَهُ فاصْبر مَغْمُوماً أوْ مُتْ متأسفاً، فنظرْتُ فإذا ليسَ لي رافد ولا ذَابٌ ولا مُساعِدٌ، إلا أهْلُ بيتي فضننتُ بِهِمْ عَنْ المنية، فأغضيتُ على القذى، وجرعْتُ ريقي على الشجا، وصبرْتُ مِنْ کَظْمِ الغَيْظِ عَلى أمرَّ مِنَ العَلْقَمِ وآلم للقلبِ مِنْ حزّ الشّفارِ.
البيان:
العدوى : طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك، بمعنى أن ينتقم لك منه يقال : أستعديت الأمير على فلان فأعداني : أي استعنت به فأعانني. وقطعوا رحمي وقطعوا قرابتي : أي أجروني مجرى الأجنبي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن الخلافة والتراث وأكفأوا إنائي : قلبوه وكبوه. وحذف الهمزة من أول الكلمة أفصح وأكثر، ويقال لمن أضيعت حقوقه : قد أكفي إناه، تشبيهاً بإضاعة اللبن من الإناء.
وقوله (عليه السلام): ألا إن في الحق أن تأخذه : ومعنى ذلك، إنك إن وليت أنت كانت ولايتك حقاً، وإن ولي غيرك كانت ولايته على حد اجتهاده. والرافد: المعين والذاب الناصر. وضننت بهم : بخلت بهم. وأغضيت على كذا صبرت وجزعت بالكسر والشجا ما يعترض في الحلق والوخذ: الطعن الخفيف. وروي من حزّ الشفار والحزّ: القطع، والشفار جمع
شفرة، وهي حد السيف والسكين.
والظاهر الواضح من كلامه (عليه السلام) التظلم والتألم من يوم السقيفة، «وقد صح في الأخبار أنه استنجد واستصرخ عقيب يوم السقيفة، حينما أرغموه على البيعة عقيب وفاة الزهراء فاطمة (عليها السلام)، وأنه قال وهو يشير إلى القبر الشريف: (يا اب ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي) (1). وأنَّه قال : واجعفراه ولا جعفر لي اليوم واحمزتاه ولا حمزة لي اليوم، وهذا كله يدل على شكواه الممضة من الخلفاء، وقد استنصر (عليه السلام) تارة بالأنصار وأخرى ببني عبد مناف وجمع الجموع في داره وبثّ الدعاة ليلاً ونهاراً إلى الناس يذكرهم فضله وقرابته ونص رسول الله (صلی الله عليه وآله) على أفضليته وأحقيته ويقول للمهاجرين : خصمتم الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الأفضلية، وأنا أخصمكم بما خصمتم به الأنصار، لأن القرابة إن كانت هي المعتبرة فأنا أقرب منكم، بل نحن أقرباؤه على الحقيقة، ولم يخش (عليه السلام) من هذا الإمتناع، ومن هذا الإحتجاج ومن الخلوة في داره بأصحابه، ومن تنفير الناس عن البيعة التي عقد لواؤها للخليفة أبي بكر - رضي الله عنه -» (2).
وكل هذا إذا تأمله المنصف، يعلم أنه (عليه السلام) قد أمتنع وتلكأ وأراد الأمر لنفسه، وأن القرائن والأحوال والأمارة كلها تدل على ما ذكرنا، وقد أنحرف عنه أكثر الناس يومها بغلبة السلطان والقهر وتذكر الترات التي وترهم بها فيما قبل والدماء التي سفكها منهم في حروبه مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتعلل طائفة أخرى منهم للعدول عنه بصغر سنه، للعدول عنه بصغر سنه، وإستهجانهم تقديم الشباب على الكهول والشيوخ، وتعلل طائفة أخرى منهم بكراهية الجمع بين النبوة والخلافة فى بيت واحد فيجحفون على الناس كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لإبن عباس - رضي الله عنهما - وإستصعاب قوم منهم
شكيمته وخوفهم عدله وشدّته، وعلمهم بأنّه لا يُداجي ولا يحابي ولا يراقب ولا يجامل في الدين، وأنَّ الخلافة في نظر هؤلاء تحتاج إلى من يجتهد برأيه ويعمل بموجب استصلاحه، وإنحراف قوم آخرين عنه للحسد الذي كان عندهم له في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لشدّة اختصاصه له وتعظيمه إياه، وما قال فيه فأكثر من النصوص الدالة على رفعة شأنه وعلو مكانه، وما أختص به من مصاهرته وأخوته، ونحو ذلك من أحواله معه، وتنكر قوم آخرين له لنسبتهم إليه العجب والتيه بزعمهم واحتقاره العرب واستصغاره الناس، وإن كان هذا إفتراء محضاً، ولكنه قول زعموه وأعانهم على ذلك ما كان يصدر عنه من أقوال توهم مثل ذلك نحو قوله (عليه السلام): «إنا صنائع ربنا والخلق بعد صنائع لنا»، هذا مع ظنهم أنّ الأمر لم يكن ليستقيم له يوماً واحداً، ولا ينتظم ولا يستمر، وأنه لو ولي الأمر لفتقت العرب عليه فتقاً يكون فيه استئصال شأفة الإسلام وهدم أركانه، فأذعن (عليه السلام) بالبيعة بعد وفاة الصدّيقة الطاهرة فاطمة (عليها السلام)، وأمسك عن طلب الإمرة وفي العين قذى وفي الحلق شجا» (1).
«وقد روي عنه (عليه السلام)، أن فاطمة (عليها السلام) حرَّضته يوماً على النهوض والوثوب، للطلب بحقه، فسمع المؤذن يقول : أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله فقال لها : أيسرك زوال هذا النداء من الأرض؟ قالت: لا. قال فإنَّه ما أقول لك» (2).
وهذا في رأينا، بالإضافة إلى ما أوصاه به الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، من عدم إشهار سيفه إلا بعد ثلاثين عاماً، السبب الحقيقي في كفّه عن السيف والمنازعة. والحق أن حاله (عليه السلام) في هذه المسألة شهير، فقد رأينا إنتفاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بعد مقتل عثمان، وبعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخمس وعشرين سنة، وفي دون هذه
المدة تنسى الأحقاد وتموت الترات، وتبرد الأكباد الحامية، وتسلو القلوب الواجدة، ويعدم قرن من الناس ويوجد القرن، ولا يبقى من أرباب تلك الشحناء والبغضاء إلا الأقل، فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنها حاله لو أفضت إليه الخلافة، يوم وفاة ابن عمه رسول البشرية (صلى الله عليه وآله)، من إظهار ما في النفوس، وهيجان ما في القلوب، حتى أنّ الأخلاف من قريش والأحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم، فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله، وتقاعست عن بلوغ شأوه، كمعاوية وعبد الله بن الزبير، وعبيد الله بن عمر ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد والوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى غيرهم من شباب قريش، ممّن أعلن حقده وحسده عليه، فكيف تكون حاله لو علا المنبر وسيفه بعد يقطر دما من مهج العرب، لا سيما قريش الذين بهم كان ينبغي أن يصول ويعتضد لو دهمه خطب وعليهم كان يجب أن يعتمد. وبناء عليه إذن، كانت تدرس أعلام الملة، وتنعفي رسوم الشريعة وتعود الجاهلية الجهلاء على حالها ويفسد ما أصلحه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ثلاث وعشرين سنة في شهر واحد.
ومن كلام له (عليه السلام) : ألا وإنَّ اللسان بضعةٌ مِنَ الإنسان، فَلا يُسعدُهُ القَولُ إنْ امْتَنَعَ، ولا يُمهله النطقُ إذا اتسع. وإنا لأمراء الكلام، وفينا تنشبت عروقه، وعَلينا تهدَلَتْ غُصونُهُ. وأعْلَموا - رحِمَكُمُ الله - أنّكُم فِي زَمانِ القائلُ فيه بالحقِّ قليل، واللّسانُ عن الصَّدق كليل، واللازم للحق ذليل، أهْلُهُ معتكفون على العضيانِ، مُصْطَلِحونَ على الأذهان، فتاهُمْ غَارِمٌ، وشَائِبُهُمْ آيْمُ، وعَالِمُهُمْ منافِقٌ، ومَاؤُهُمْ مُماذقٌ. لا يُعظِّمُ صغيرُهُمْ كبيرَهُمْ، ولا يَعُولُ غَنيّهم فقيرهم.
البيان والشرح:
بضعة من الإنسان : أي قطعة منه والهاء في يسعده ترجع إلى اللسان، والضمير في امتنع يرجع إلى الإنسان، والهاء في لا يمهله يرجع إلى اللسان، والضمير في اتسع يرجع إلى الإنسان وتقدير الكلام : فلا يسعد اللسان القول إذا امتنع الإنسان عن أن يقول ولا يمهل اللسان النطق إذا اتسع للإنسان القول، وهذا يعني أن اللسان آلة للإنسان، فإذا صرفه صارف عن الكلام لم يكن اللسان ناطقاً، وإذا دعاه داع إلى الكلام نطق اللسان بما في ضمير الإنسان. وتنشبت عروقه : أي علقت والتهدل : التدلي.
وقد صح أنّ هذا الكلام خطب به أمير المؤمنين (عليه السلام)، في حال اقتضته، وذلك أنّه أمر ابن أخته جعدة بن هبيرة المخزومي أن يخطب الناس يوماً، فصعد المنبر فحصر ولم يستطع الكلام، فقام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فتسنم ذروة المنبر، وخطب خطبة طويلة ذكر الشريف
الرَّضي - رحمه الله -، منها هذه الكلمات.
وروى الجاحظ في «البيان والتبيين» أنّ عثمان بن عفان الخليفة الثالث صعد المنبر فأرتج عليه، فقال : إنّ أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب، وستأتيكم الخطبة على وجهها، ثمّ نزل.
وقوله (عليه السلام) وإنا لأمراء الكلام يعني أهل البيت النبوي والأئمة الإثني عشر، ولا شك أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أفصح البشر، من لدن آدم (عليه السلام) حتى آخر الدنيا، ما خلا أستاذه وابن عمه سيد البشر (صلى الله عليه وآله).
«وقال شارح النهج الحديدي: روى أبو الحسن المدائني قال : صعد ابن لعدي بن أرطاة المنبر، فلما رأى الناس حصر، فقال : الحمد لله الذي يطعم هؤلاء ويسقيهم، وصعد روح بن حاتم المنبر، فلما رأى الناس قد رشقوه بأبصارهم، وصرفوا أسماعهم نحوه قال : نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم فإن أول مركب صعب فإذا يسر الله عزّ وجل فتح قفل تيسر ثمّ نزل. وخطب مصعب بن حيان خطبة نكاح فحصر، فقال : لقنوا موتاكم لا إله إلا الله. فقالت أمّه: عجّل الله موتك، ألهذا دعوناك. وخطب مروان بن الحكم فحصر، فقال: اللهم إنا نحمدك ونستعينك ولا نشرك بك. ولمّا حصر عبد الله بن عامر بن كريز على المنبر بالبصرة، وكان خطيباً، شقّ عليه ذلك، فقال له زياد بن أبيه، وكان خليفته: أيها الأمير لا تجزع، فلو أقمت على المنبر عامة من ترى أصابهم أكثر ممّا أصابك، فلما كانت الجمعة تأخر عبد الله بن عامر وقال زياد للناس : إن الأمير اليوم موعوك، فقيل لرجل من وجوه أمراء القبائل : قم فأصعد، فلما صعد حصر، فقال : الحمد لله الذي يرزق هؤلاء. وبقي ساكتاً فأنزلوه وأصعدوا آخر من الوجوه، فلما استوى قائماً قابل بوجهه الناس فوقعت عينه على صلعة رجل فقال : أيها الناس إن هذا الأصلع قد منعني الكلام، اللهم فالعن هذه الصلعة فأنزلوه وقالوا لوازع اليشكري قم إلى المنبر فتكلم، فلما صعد ورأى
الناس قال : إني كنت اليوم لحضور الجمعة ممتنعاً، ولكن أمرأتي حملتني على إتيانها، وأنا أشهدكم أنها طالق ثلاثاً، فأنزلوه، فقال زياد لعبد الله بن عامر : كيف رأيت؟ قم فاخطب الناس.
وروي أنه كان عمرو بن الأهتم المنقري والزبرقان بن بدر عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فسأل رسول الله عمراً عن الزبرقان، فقال : يا رسول الله إنّه لمانع حوزته، مطاع في أدانيه. فقال الزبرقان : حسدني يا رسول الله، فقال عمرو : يا رسول الله، إنه لذمر المروءة ضيق العطن، لئيم الخال. فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى وجه عمرو، فقال : يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت وغضبت فقلت أقبح ما علمت وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى. فقال (صلى الله عليه وآله): «إنّ من البيان لسحرا».
وخطب السفاح أبو العباس، أول يوم صعد فيه المنبر، فأرتج عليه فقام عمه داود بن علي فقال : أيها الناس إن أمير المؤمنين يكره أن يتقدم قوله فيكم فعله، ولأثر الأفعال أجدى عليكم من تشقيق المقال، وحسبكم كتاب الله علماً فيكم، وابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) خليفة عليكم.
وخطب عبد الله بن عامر مرة فأرتج عليه، وكان ذلك اليوم يوم أضحى فقال : لا أجمع عليكم عيّاً ولؤماً : من أخذ شاة من السوق فهي له وثمنها علي.
وقال أحيحة بن الجلاح :
والصمت أجمل بالفتي***مالم يكن عي يشينه
والقول ذو خطل إذا***مالم یکن لب يزينه
ومن خطبة له (عليه السلام) فمن الإيمانِ ما يَكُونُ ثابتاً مُسْتَقَرّاً في القُلوبِ، وَمِنْهُ ما يكونُ عَوارِي بَيْنَ القُلوبِ والصُدُورِ إلى أجَلِ مَعْلُومٍ، فإذا كَانَتْ لَكُمْ براءَةٌ مِنْ أحَد فَقفُوهُ حَتَّى يحضرَهُ المَوْتُ، فعندَ ذلِكَ حَدُّ البَراءَة. والهجرة قائمة على حَدِّها الأَوَّلِ مَا كَانَ لله في أَهْل الْأَرْضِ حَاجَةٌ، مِنْ مُسْتَسِر الأمّةِ ومُعْلِنِها، لا يَقَعُ إِسْمُ الهِجْرةِ على أحَدٍ إِلَّا بِمعْرِفِةِ الحُجّة في الأَرْضِ، فَمَنْ عرَفَها وأقرَّ بها فَهُو مُهاجر ولا يقعُ اسْمُ الاستضعافِ على مَنْ بلَغتهُ الحُجّة. قسمِعَتْها أذنه ووعَاهَا قَلْبُهُ، إِنَّ َأمْرَ ووعَاهَا قَلْبَهُ، إِنَّ أمْرَنَا صَعْبُ مُسْتَصعبٌ لا يَحْمِلُهُ إِلا َعبْدُ مُؤمِنٌ امْتَحَنَ الله قَلْبَهُ للإيمان، ولا يعي حديثنا إلا صُدُورٌ أمينةً وأحْلامُ رزينَةٌ. أيّها النَّاسُ، سَلوني قَبْلَ أَنْ تَفْقِدوني، فَلَانَا بِطُرِقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنّي بطرُقِ الأَرْضِ، قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ برجلها فتنةٌ تَطأُ في خطامها، وَتَذْهَبُ بأَحْلامِ قَومِها.
البيان والشرح:
في فصول هذه الخطبة الشريفة مباحث : أوّلها عن الإيمان، فقد قسمه (عليه السلام) إلى ثلاثة أقسام : أحدها وأفضلها الإيمان اليقيني، وهو المستقرّ في القلوب. والثاني ما ليس ثابتاً بالبرهان اليقيني بل بالدليل الجدلي، كالكثير من أبناء هذه الأيام، ممن لم يعض بضرس على العلوم العقلية، ويعتقد ما يعتقده عن أقيسة جدلية لا تبلغ إلى درجة البرهان، وهو الذي عبّر عنه (عليه السلام) بأنه عواري في القلوب، وهو جمع عارية، بمعنى أنه وإن كان في القلب، وفي محل الإيمان الحقيقي، إلا أن حكمه حكم العارية في البيت، فهي بعرضية الخروج منه ليست أصلية له، والثالث ما ليس مستنداً إلى برهان ولا إلى قياس جدلي، بل على سبيل التقليد وحسن الظن بالأسلاف، وبمن يحسن ظن
الإنسان فيه، وهم العباد والزهاد وذوو الورع، وقد جعله (عليه السلام) عواري بين القلوب والصدور، لأنه دون الثاني، فلم يجعله كالثاني حالاً في القلب، فيكون أضعف ممّا قبله.
وقوله (عليه السلام) إلى أجل معلوم: يرجع إلى القسمين الأخيرين، لأن من لا يكون إيمانه ثابتاً بالبرهان القطعي، قد ينتقل إيمانه إلى أن يصير قطعياً، بأن ينعم النظر ويرتب البرهان ترتيباً مخصوصاً، فينتج له النتيجة اليقينية، وقد يصير إيمان المقلد إيماناً جدلياً فيرتقي إلى ما فوقه مرتبة، وقد يصير إيمان الجدلي إيماناً تقليدياً، بأن يضعف في نظره ذلك القياس الجدلي، ولا يكون عالماً بالبرهان، فيؤول حال إيمانه إلى أن يصير تقليدياً، وهذا سر قوله (عليه السلام): إلى أجل معلوم، وهذا في القسمين الأخيرين، فأما صاحب القسم الأول، فلا يمكن أن يكون إيمانه إلى أجل معلوم، لأنّ من ظفر بالبرهان استحال أن ينتقل عن اعتقاده، لا صعوداً ولا هبوطاً، أما لا صاعداً فلأنه ليس فوق البرهان مقام آخر وأمّا لا هابطاً فلأن مادة البرهان هي المقدمات البديهية، والمقدمات البديهية يستحيل أن تضعف عند الإنسان حتى يصير إيمانه جدلياً أو تقليدياً.
والثاني من هذه المباحث قوله (عليه السلام): فإذا كانت لكم براءة، وهذا نهي منه عن البراءة من أحد، ما دام حياً، لأنه وإن كان مخطئاً في اعتقاده لكن يجوز أن يعتقد الحق فيما بعد، وهو وإن كان مخطئاً فى أفعاله لكن يجوز أن يتوب فلا تحلّ البراءة من أحد والحال هذه حتى يموت على أمر، خيراً كان أم شراً.
والثالث، قوله (عليه السلام) والهجرة قائمة على حدّها الأول، وهذا الكلام من أسرار الولاية والوصيّة وهو من الحديث الصعب المستصعب، وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال : لا هجرة بعد الفتح، والهجرة هنا ليست من مكة إلى المدينة بحسب المعنى المتداول، بل هي الهجرة إلى الإمام. وقال عن ذلك (عليه السلام): إنها قائمة على حدّها الأول، ما دام التكليف باقياً، وهو معنى قوله (عليه السلام) ما كان لله في أهل الأرض
حاجة، وذكر (عليه السلام) أنه لا أن يصح يعد الإنسان من المهاجرين إلا بمعرفة إمام زمانه، وهو معنى قوله (عليه السلام): إلا بمعرفة الحجّة في الأرض. قال : فمن عرف الإمام وأقرّ به فهو مهاجر.
ثم أردف (عليه السلام) قائلاً ولا يجوز أن يسمّى من عرف الإمام مستضعفاً، ويمكن الإشارة بهذا الكلام إلى قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) (1)، وبناء عليه فإن من عرف الإمام وبلغه خبره فإنه ليس بمستضعف، كما كان هؤلاء مستضعفين وإن كان في بلده وأهله، وقوله عزّ شأنه : (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) (2)فالمراد على هذا أنه ليس من عرف الإمام وبلغه خبره بمستضعف، كهؤلاء الذين استثناهم الله تعالى من الظالمين لأنّ أولئك كانت الهجرة بالبدن مفروضة عليهم، وعفي عن ذوي العجز عن الحركة منهم، على أن الهجرة بالبدن لیست مفروضة، بل تكفي معرفتهم بالإمام (عليه السلام) وإقرارهم بإمامته، فلا يقع إسم الإستضعاف عليهم.
وقوله (عليه السلام): من مستسرّ الأمة ومعلنها معناه ما دام لله في أهل الأرض المستسرّ منهم بإعتقاده والمعلن حاجة، وعليه، فمن هنا زائدة، فلو أنها حذفت لجرّ المستسرّ بدلاً من أهل الأرض، ومن إذا كانت زائدة لا تتعلق، نحو قولك ما جاءني من أحد.
والرابع من البحوث قوله (عليه السلام) إن أمرنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلا عبد امتحن الله قلبه للإيمان، وهذا من ألفاظ القرآن الكريم : قال تعالى : (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) (3)وهو من قولنا : أمتحن
فلان لأمر كذا وهذا يعني أنهم صبر على التقوى، أقوياء على احتمال مشاقها وقد يكون المعنى : أن الله ضرب على قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة، لأجل التقوى، أي ليثبتها فيظهر تقواها ويعلم أنّهم متقون، لأنّ حقيقة التقوى لا تعلم إلا عند المحن والشدائد والإصطبار عليها.
وخلاصة القول : إن الإعتقاد بإمامته، وكذلك الأئمة من ولده (عليهم السلام)، ومعاجزهم ومقاماتهم أمر فيه من الصعوبة والإمتحان والمحنة ما لا يعلمه إلا الله، وأنه لا سبيل إلى ذلك إلا من قبل الملك المقرب، أو النبي المرسل، أو العبد الذي أمتحن الله قلبه بالإيمان كما وردت أخبار كثيرة عنهم (عليهم السلام) بهذا المضمون، وقد ردّد (عليه السلام) هذا الكلام كثيراً، فقد جاء عنه في خطبة من جملتها : إن قريشاً طلبت السعادة فشقيت، وطلبت النجاة فهلكت وطلبت الهدى فضلت ألم يسمعوا ويحهم قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (1)فأين المعدل والمنزع عن ذرية الرسول الذين شيّد الله بنيانهم فوق بنيانهم، وأعلى رؤوسهم فوق رؤوسهم، واختارهم عليهم. ألا إن الذريّة أفنان أنا شجرتها، ودوحة أنا ساقها، وإني من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء، كنا ظلالاً تحت العرش، قبل خلق البشر وقبل خلق الطيئة التي كان منها البشر أشباحاً عالية لا أجسام نامية، إن أمرنا صعب مستصعب لا يعرف كنهه إلا ثلاثة ملك مقرّب أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه بالإيمان فإذا انكشف لكم سرّ ووضح لكم أمر فاقبلوه وإلا فاسكتوا تسلموا، وردوا علمنا إلى الله فإنكم في أوسع مما مما بين السماء والأرض» (2).
والخامس، قوله (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني، فقد أجمع الناس قاطبة على أنه لم يقل أحد من الصحابة، ولا أحد من العلماء، بل ولا أحد من البشر : سلوني قبل أن تفقدوني غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
(عليه السلام)، والمراد بقوله : فلأنا أعلم بطرق السّماء مني بطرق الأرض : أولاً ما اختص به من العلم بمستقبل الأمور، وثانياً بما أختص به من عالم الملكوت السمائي، ولا سيما في الملاحم والدول، وثالثاً ما اختص به من علم البرزخ والجنّة والنار، وكونه (عليه السلام) قسيمهما. وقد صح ما تواتر عنه من الإخبار بالغيوب أكثر من مرّة، حتى زال الشك والريب في أنه إخبار عن علم، وأنه ليس عن طريق الإتفاق.
ومن خطبة له (عليه السلام)، وتسمى بالقاصعة، وهي تتضمن ذم إبليس لعنه الله : ولو أرادَ الله أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ يخطُفُ الأَبْصارُ ضياؤه. ويُبْهرُ العُقولَ رُواؤُهُ وطيب يأخُذُ الأَنْفاسَ عَرْفُهُ لفَعَلَ، ولوْ فَعَلَ لظَلَّتْ لَهُ الأعْناقُ خاضعة، ولخَفّتْ البلوى فيه على الملائكة، ولكن الله سُبحانَهُ ابْتَلَى خَلْقَهُ ببعض ما يَجْهَلون أصْلَهُ، تمييزاً بالإختبارِ لَهُمْ ونَفياً للإِسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ، وإبعاداً للخيلاء مِنْهُمْ، فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس، إذ أخبط عمله الطويل وجَهْدَهُ الجهيد، وكانَ قَدْ عَبَدَ الله سِتَّةَ آلاف سنة، لا يُدْرى أمِنْ سَنِيّ الدُّنيا أَمْ مِنْ سنِيِّ الآخِرَةِ، عَنْ كِبرِ ساعَةٍ وَاحِدَةٍ. فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ على الله بِمثْلِ مَعْصيته كلا، ما كان الله سبحانَهُ ليُدْخِلَ الجنَّةَ بأمْرِ أخرج بِهِ مِنْها مَلَكاً. إنَّ حُكْمهُ في أَهْلِ السَّماءِ والأرْضِ لواحِدٌ. وما بين الله وبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوادَةٌ في إباحَةِ حِمى حرَّمَهُ على العالمينَ.
البيان والشرح:
خطفت الشيء، بكسر الطاء أخطفه، إذا أخذته بسرعة استلاباً. قال تعالى : (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) (1). والرواء بالهمزة والمد: المنظر الحسن والعرف الريح الطيبة. والخيلاء، بضم الخاء وكسرها الكبر. وكذلك الخال والمخيلة تقول : إختال الرجل، وخال أيضاً: أي تكبر وأحبط
1) سورة البقرة: الآية 20.
عمله أبطل ثوابه وجهده فتح الجيم : إجتهاده وجده ووضعه بقوله: الجهيد أي المستقصي من قولهم مرعى جهيد أي قد جهده المال الراعي واستقصى رعيه.
وكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ظاهراً، يدل على أن إبليس من الملائكة، لقوله (عليه السلام): أخرج منها ملكاً. والهوادة : الموادعة والمصالحة وفحوى الكلام: أنّ الله تعالى خلق آدم من طين، ولو شاء أن يخلقه من النور الذي يخطف، أو من الطيب الذي يعبق لفعل، ولو فعل لهال الملائكة أمره وخضعوا له فصار الإبتلاء والإمتحان والتكليف بالسجود له خفيفاً عليهم لعظمته في نفوسهم، فلم يستحقوا ثواب العمل الشاق، وهذا يدل على أن الملائكة تشم الرائحة كما يشمّها البشر ولكن الله تعالى يبتلي عباده بأمور يجهلون أصلها إختباراً لهم.
وقوله (عليه السلام) تمييزاً بالإختبار لهم، لأنه ميزهم عن غيرهم من مخلوقاته، كالحيوانات العجم، وأبانهم عنهم وفضلهم عليهم بالتكليف والإمتحان، وقوله: ونفياً للإستكبار عنهم، لأن العبادات خضوع وخشوع وذلة، وهذا يتطلب نفي الخيلاء والتكبر عن فاعليها فأمرهم بالإعتبار بحال إبليس الذي عبد الله ستة آلاف سنة، لا يدرى أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة، ومن المحتمل أن يكون قد سمع فيه نصاً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسَّره له خاصة ولم يفسره أمير المؤمنين (عليه السلام) للناس لما يعلمه في كتمانه عنهم من المصلحة، وهل قوله (عليه السلام) لا يدرى، يعني أنه هو لا يدري؟ قلت: إنه لا يقتضي ذلك، ويكفي في صدق الخبر، إذا ورد بهذه الصيغة، أن يجهله الأكثرون، فأما القول في سني الآخرة كم هي؟ فإنه قد ورد في الكتاب العزيز آيات مختلفات ومنها : (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (1)وقوله تعالى : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا
1) سورة المعارج : الآية 4.
تَعُدُّونَ) (1)، والثالثة : (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (2)وأوّل ما قيل فيها : إنّ المراد بالآية الأولى مدّة عمر الدنيا، وسمي ذلك يوماً، وقال : إن الملائكة لا تزال تعرج إليه بأعمال البشر طوال هذه المدة، حتى ينقضي التكليف، وينتقل الأمر إلى دار أخرى، وأما الآيتان الآخرتان فمضمونهما بيان كمية أيام الآخرة، وهو أن كل يوم منها مثل ألف سنة من سني الدنيا، فإن قلت : فعلى هذا، كم تكون مدة عبادة إبليس إذا كانت ستة آلاف سنة من سني الآخرة؟ قلت : يكون ما يرتفع من ضرب أحد المضروبين في الآخر، وهو ملياران ومائة وستون ألف مليون سنة من سني الدنيا، ولمّا رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المبلغ عظيماً جداً، علم أن أذهان السامعين لا تحتمله، فلذلك أبهم القول عليهم وقال : لا يدرى أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة. فإن قلت: فإذا كنتم قد رجحتم قول من يقول : إن عمر الدنيا خمسون ألف سنة، فكم يكون عمرها إن كان الله تعالى أراد خمسين ألف سنة من سني الآخرة، لأنه لا يؤمن أن يكون أراد ذلك، إذا كانت السنة عنده عبارة عن مدة غير هذه المدة التي قد أصطلح عليها النّاس، قلت : يكون ما يرتفع من ضرب خمسين ألفاً من ثلاثمائة وستين ألف سنة من سني الدنيا وتكون المدة ثمانية عشر مليار سنة من سني الدنيا وهذا قريب من القول المحكي عن الهند والله أعلم.
وقد روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، في تأريخه روايات كثيرة بأسانيد أوردها عن جماعة من الصحابة، أنّ إبليس كان إليه ملك السماء وملك الأرض، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجنّ، وإنّما سموّا الجنّ لأنهم كانوا خزان الجنان وكان إبليس رئيسهم ومقدمهم. قال : وكان أصل خلقهم من نار السموم، وكان إسمه الحارث، قال : وقد روي أن الجنّ كانت في الأرض، وأنهم أفسدوا فيها فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، فقتلهم وطردهم إلى جزائر البحار، ثمّ تكبر في نفسه ورأى أنه قد صنع شيئاً
عظيماً لم يصنعه غيره، وكان شديد الإجتهاد في العبادة، وقيل كان اسمه عزازيل، وأن الله تعالى جعله حكماً وقاضياً بين سكان الأرض، قبل خلق آدم فدخله الكبر والعجب لعبادته وإجتهاده وحكمه في سكان الأرض وقضائه بينهم، فانطوى على المعصية حتى كان من أمره مع آدم (عليه السلام) ما كان». (1)ولا ينبغي أن نصدق من هذه الأخبار وأمثالها إلا ما ورد في القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، أو في السنة الصادقة عن المعصوم (عليه السلام) وكل ما عدا ذلك فالكذب فيه أكثر من الصدق.
وقوله (عليه السلام): ما كان الله ليدخل الجنة بشراً بأمر أخرج به ملكاً منها، فيه ردّ على المرجئة التي تزعم أنّ الله سبحانه يدخل الجنة من قد عصى، وخالف الأمر كما خالف الأمر إبليس، برحمته وعفوه وكما يشاء كما زعموا، بید أن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقتضي نفي دخول الجنة بالمعصية، والباء ههنا كالباء في قولهم خرج زيد بثيابه ودخل زيد بسلاحه، أي خرج لابساً ودخل متسلحاً، أي بصحبة الثياب وبصحبة السلاح، وكذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): بأمر أخرج به منها ملكاً، ومعناه أن الله تعالى لا يدخل الجنة بشراً يصحبه أمر أخرج الله به ملكاً منها.
1) تاريخ الطبري - محمد بن جرير الطبري.
ومن الخطبة المسماة القاصعة، قوله (عليه السلام)، في ذكر قصة موسى (عليه السلام) وفرعون : فإِنَّ الله سُبْحانَهُ يَخْتَبِرُ عِبادَهُ المُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ، بأوليائِهِ المُسْتَضعفين في أَعْيُنِهِمْ ولقدْ دَخَلَ مُوسى بنُ عِمرانَ ومَعَهُ أَخُوهُ هَرُونَ صلّى الله عَلَيْهما، على فِرْعَونَ وَعَلَيهِما مَدارِعُ الصّوفِ، وبأيديهما العصي، فشرَطا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بقاءَ مُلْكِهِ ودَوامَ عِزّهِ فَقالَ : أَلَا تَعْجُبُونَ مِنْ هَذِين يشرطان لي دَوامَ العِزّ وبقاءَ المُلْكِ، وهُما بما تَرَوْنَ مِنْ حالَةِ الفَقْرِ والذُّل، فهلا أُلْقِيَ عَليهما «أساوِرَةُ مِنْ ذَهَب» إِعْظَاماً للذهب وجَمْعِهِ وإختِقاراً للصّوفِ ولبسه، ولوْ أرادَ الله سُبْحانَهُ لأنْبِيائِهِ، حيثُ بَعَثَهُمْ أنْ يفتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الدَّهْبانِ، ومَعادِنَ العِقْيان، ومَغارِسَ الجنان وأنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيورَ السَّماءِ ووحوش الأرْضِينَ، لَفَعَلَ؛ ولَوْ فَعَلَ لسقَطَ البَلاءُ، وبطل الجزاء، واضمحلت الأنباء، ولَمَا وَجَبَ للقابلين أجُورَ المُبْتَلِينَ، ولا استحق المؤمِنونَ ثوابَ المُحسِنينَ، ولا لزمَتْ الأَسْماءُ معانيها ؛ ولكنّ الله سُبْحانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أولي قوَّة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الأعيُنُ مِنْ حالاتِهِمْ مَعْ قَناعةٍ تَمْلأُ القُلُوبَ والعُيونَ غِنى، وخصاصة تملأ الأبصار، والأسماع أذى.
البيان والشرح:
مدارع الصوف : جمع مدرعة بكسر الميم، وهي كالكساء، ويدرع الرجل وتمدرع : إذا لبسها والعصي : جمع عصا، وتقول هذا سوار والجمع أسورة، وجمع الجمع أساورة، وقرىء قوله تعالى: (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) (1)وقد يكون جمع أساور، قال سبحانه: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ
1) سورة الزخرف : الآية 53.
ذَهَبٍ) (1). قال شارح النهج الحديدي : قال أبو عمرو بن العلاء : أساور هلهنا، جمع إسوار، وهو السوار، والذهبان، بكسر الذال : جمع ذهب كحرب لذكر الحبارى وحربان والعقيان الذهب أيضاً. وقوله (عليه السلام) إضمحلت الأنباء : أي تلاشت وفنيت، والأنباء : جمع نبأ وهو الخبر والمعنى : لسقط الوعد والوعيد وبطلا. وقوله (عليه السلام) ولا لزمت الأسماء معانيها : أي من يسمى مؤمناً أو مسلماً حينئذ، فإنَّ تسميته مجاز لا حقيقة له، لأنه ليس بمؤمن إيماناً من فعله وكسبه، بل يكون ملجاً إلى الإيمان مدفوعاً مضطراً بحكم ما يشاهده من الآيات العظيمة والمبتلين بفتح اللام: جمع مبتلى، كالمعطين والمرتضين : جمع معطى ومرتضى. والخصاصة: هي الفقر (2)».
وعللت الإمامية والمعتزلة أفعال الباري سبحانه بالحكمة والمصلحة، وأن الغرض من التكليف هو التعريض للثواب، وأنه يجب أن يكون خالصاً من الإلجاء، ومن أن يفعل الواجب لغير وجه وجوبه، ويرتدع عن القبيح لوجه غير وجه قبحه والباري جلّ جلاله والحال هذه لا يأمرنا إلا بما فيه المصلحة، ولا ينهانا إلا عمّا فيه المفسدة، وإن كان في الغالب يخفى على الكثير من العباد أسرار هذه الحكم. قال تعالى : (لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي) (3)، وقال جل شأنه: (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقا) (4).
«وروى الطبري، في تأريخه أن موسى وأخاه هارون (عليهما السلام) قدما مصر على فرعون لما بعثهما الله تعالى إليه حتى وقفا على بابه يلتمسان الإذن عليه، فمكثا سنين يغدوان على بابه ويروحان لا يعلم بهما ولا يجترىء أحد على أن يخبره بشأنهما، وقد كانا قالا لمن بالباب إنا رسولا ربّ العالمين
إلى فرعون، حتى دخل عليه بطال له يلاعبه ويضحكه فقال : أيها الملك، إنّ على الباب رجلاً يقول قولاً عجيباً عظيماً، يزعم أن له إلاهاً غيرك! قال : ببابي؟ قال : نعم. قال : أدخلوه فدخل وبيده عصاه ومعه هارون أخوه، فقال : أنا رسول رب العالمين إليك، وذكر تمام الخبر الذي ورد في طيات كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)» (1).
والمروي في خاصية لباس الصوف، أن أول لباس لبسه آدم (عليه السلام) لما هبط إلى الأرض، صوف كبش قيضه الله له وأمره أن يذبحه فيأكل لحمه ويلبس، صوفه، لأنه أُهبِطَ من الجنة عُرياناً وغزلت حواء (عليها السلام) صوفه فلبس ادم منه ثوباً وألبس حوّاء ثوباً آخر، فلذلك صار شعار الأولياء وانتسبت إليه الصوفية.
وجاء في كتاب مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي، من المجلد الرابع في تفسير قول الحق سبحانه (أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) (2)، ما رواه عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في حديث طويل قال: فلما رجع موسى (عليه السلام) إلى امرأته قالت من أين جئت ؟ قال : من عند ربّ تلك النار. قال : فغدا إلى فرعون، فوالله لكأني أنظر إليه : طويل الباع، ذو شعر أدم، عليه جبّة من صوف عصاه في كفّه، مربوط حقوه بشريط نعله من جلد حمار شراكها من ليف، فقيل لفرعون : إنّ على الباب فتى يزعم أنه رسول ربّ العالمين. فقال فرعون لصاحب الأسد: خلّ سلاسلها، وكان إذا غضب على رجل خلاها فقطعته، فخلاها فقرع موسى الباب الأول، وكانت تسعة أبواب، لما قرع الباب الأول انفتحت له الأبواب التسعة، فلما دخل جعلن تبصبصن تحت رجليه كأنهن جراد، فقال فرعون لجلسائه: رأيتم مثل هذا قطّ ؟ فلما أقبل إليه فقال: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا) (3)إلى قوله سبحانه: (وأنا من
الضالين) (1)، فقال فرعون لرجل من أصحابه: قم فخذ بيده وقال للآخر : إضرب عنقه، فضرب جبرائيل بالسيف حتى قتل ستة من أصحابه فقال: خلّوا عنه قال : فأخرج يده فإذا هي بيضاء، قد حال شعاعها بينه وبين وجهه، فألقى العصا فإذا هي حيّة، فالتقمت الأيوان بلحييها فدعاه أن يا موسى أقلني إلى غد، ثمّ كان من أمره ما كان» (2).
ومن خطبة له (عليه السلام) في التوحيد: بتشعيره المشاعِرَ عُرِفَ أنْ لا مَشْعَرَ لهُ، وبمُضادّته بَيْنَ الأمور عُرِفَ أنْ لا ضدَّ لَهُ، وبمقارنتِهِ بَيْنَ الأشْيَاء عُرِفَ أن لا قرينَ لَهُ. ضادَّ النُّور بالظلمة، والوضوح بالبُهُمَةِ، والجُمُودِ بِالبَلل، والحُرورَ بالصَّرِدِ مُؤلفُ بَيْنَ مُتعادياتِها، مُقارن بَيْنَ متبائِناتِها، مُقرَبُ بَيْنَ مُتَبَاعِداتها، مُفرّقُ بَيْنَ مُتدانياتها. لا يُسْمَلُ بحَدٌ، ولا يُحْسِبَ بعد، وإِنَّما تَحدُّ الأدواتُ أنْفُسْها، وتشير الآلات إلى نظائرها.
البيان والشرح:
المشاعر هي الحواس، قال بلعاء بن قيس :
والرأس مرتفع فيه مشاعره***يهدي السبيل له سمع وعينان
وقوله (عليه السلام) بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وذلك لأنّ الجسم لا يصح منه فعل الأجسام، وهذا هو الدليل الذي يعول عليه المتكلمون في أنه تعالى ليس بجسم، ثمّ قال وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضدّ له، وذلك لأنه تعالى لما دلنا بالعقل على أن الأمور المتضادة إنما تتضاد على موضوع نقوم به وتحلُّه، كان قد دلّنا على أنه تعالى لا ضدّ له، لأنه يستحيل أن يكون قائماً بموضوع يحله، كما تقوم المتضادات بموضوعاتها.
ثم قال : وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، وذلك لإنه تعالى فرَّق بين العرض والجوهر، بمعنى أستحالة إنفكاك أحدهما عن الآخر، وقرن بين كثير من الأعراض نحو ما يقال في حياتي القلب والكبد، وكالإضافات التي يذكرها الحكماء، كالبنوة والأبوة والفوقية والتحتية، ونحو كثير من العلل
والمعلولات والأسباب والمسببات، فيما ركبه في العقول من وجوب هذه المقارنة، واستحالة أنفكاك أحد الأمرين عن الآخر، وبذلك علمنا أنه لا قرين له سبحانه، لأنه لو قارب شيئاً على حسب هذه المقارنة لاستحال انفكاكه عنه، فكان محتاجاً في تحقق ذاته تعالى إليه، وكل محتاج ممكن فواجب الوجود ممكن، وهذا محال.
ثم شرع (عليه السلام) في ذكر وتفصيل المتضادات، فقال: ضاد النور بالظلمة، وهما عرضان عند كثير من الناس، وفيهم من يجعل الظلمة عدمية، قال : والوضوح بالبهمة يعني البياض والسواد. قال: والجمود بالبلل، يعني اليبوسة والرطوبة، قال : والحرور بالصرد، يعني الحرارة والبرودة والحرور ههنا مفتوح الحاء، يقال : إني لأجد لهذا الطعام حروراً وحرورة في فمي أي حرارة والصرد: البرد.
ثمّ قال : وإنه تعالى مؤلف بين هذه المتباعدات المتعاديات المتباينات وليس المراد من تأليفه بينها جمعه إيَّاها في مكان واحد، كيف ذلك وهو مستحيل في نفسه، بل هو سبحانه مؤلف لها في الأجسام المركبة، حتى خلع منها صورة مفردة هي المزاج، ألا ترى أنه جمع الحار والبارد والرطب واليابس، فمزجه مزجاً مخصوصاً حتى أنتزع منه طبيعة مفردة ليست حارة مطلقة ولا باردة مطلقة ولا يابسة مطلقة، وهي المزاج، وهو محدود عند الحكماء بأنه كيفية حاصلة من كيفيات متضادة وهذا محصول كلامه (عليه السلام) بعينه والعجب العجيب من فصاحته (عليه السلام) في حكمته، كيف أعطى كل لفظة من هذه اللفظات ما يناسبها ويليق بها، فأعطى المتباعدات لفظة مقرب، لأن البعد بإزاء القرب، وأعطى المتباينات لفظة مقارن، لأن البينونة بإزاء المقارنة وأعطى المتعاديات لفظة مؤلف، لأن الإئتلاف بإزاء التعادي.
ثم عاد (عليه السلام) فعكس المعنى، فقال: مفرق بين متدانياتها فجعل الفساد بإزاء الكون، وهذا من دقيق حكمته (عليه السلام)، وذلك لأن كل كائن
فاسد، فلما أوضح ما أوضح في الكون والتركيب والإيجاد، أعقبه بذكر الفساد والعدم، فقال مفرق بين متدانياتها، وذلك لأن كل جسم مركب من العناصر المختلفة الكيفيات المتضادة الطبائع، فإنه سيؤول إلى الإنحلال والتفرق.
ثمّ قال : لا يشتمل بحد، وذلك لأنّ الحد الشامل ما كان مركباً من جنس وفصل، والباري سبحانه منزه عن ذلك، لأنه لو شمله الحدّ على هذا الوجه يكون مركباً، فلم يكن واجب الوجود، وقد ثبت أنه واجب الوجود، ويجوز أن يعني به أنه ليس بذي نهاية، تحويه الأقطار وتحدّه.
ثم قال : ولا يحسب بعد يحتمل أن يريد لا تحسب أزليته بعد أي لا يقال له منذ وجد: كذا وكذا، كما يقال للأشياء المتقاربة العهد، ويحتمل أن يريد به أنه ليس مماثلاً للأشياء، فيدخل تحت العدد، كما يعدُّ الجواهر، وكما تعدّ الأمور المحسوسة. ثمّ قال : وإنما تحدّ الأدوات أنفسها، وتشير الآلات إلى نظائرها، وهذا يؤكد ويرجح التفسير الثاني، وذلك لأن الأدوات كالجوارح، إنما تحدّ وتقدر ما كان مثلها من ذوات المقادير، وكذلك تشير الآلات، وهي الحواس، إلى ما كان نظيراً لها فى الجسمية ولوازمها والباري تعالى ليس بذي مقدار ولا جسم ولا حال في جسم، فاستحال أن تحدّه الأدوات وتشير إليه الآلات، ولذلك قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في الحديث الصحيح: «كل ما ميزتموه بأوهامكم، في أدق معانيه، فهو مخلوق مصنوع مثلكم مردود عليكم» (1).
1) عقائد الإمامية - محمد رضا المظفر - دار الحوار - بيروت.
ومن كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية : وقَدْ دَعَوْتَ إِلى الحَرْبِ، فَدَعِ النَّاسَ جَانِبَاً وأَخْرُجْ إليَّ، وأعْفِ الفَريقين مِنَ القِتالِ، لِتَعْلَمَ أيُّنا المرينُ عَلَى قَلْبِهِ والمُغطّى على بصَرِهِ. فأنا أبو حَسَن، قاتِلُ جَدْكَ وأخيكَ وخالِكَ شَدْحاً يَومَ بَدْر، وذلك الشيفُ مَعي، وبذلِكَ القلب ألقى عدوّي ما استبدلت ديناً ولا اسْتَحْدَثْتُ نبياً، وإنِّي لَعَلى المِنْهاج الذي تَرَكْتُمُوهُ طَائِعِينَ، وَدَخَلْتُمُ فِيهِ مُكْرَهين. وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جِنْتَ َثائِراً بدَم عُثمانَ، ولقد علمتَ حَيْثُ وقَعَ دَمُ عُثمانَ، فَاطْلُبُهُ مِنْ هُناكَ إِنْ كُنْتَ طَالِباً، فكأنّي قَدْ رَأَيْتُكَ تَضُحُ مِنَ الحَرْبِ إذا عَضَتْكَ ضجيج الجمالِ بالأثقال، وكأني بجماعَتِكَ تَدْعُونِي، مِنَ الضرب المُتتابع والقَضَاءِ الواقع ومَصَارِعَ بَعْدَ مصارع، إلى كتاب الله وهي كافِرَةٌ جاحِدَةٌ، أو مُبايِعَةٌ حائِدةٌ.
البيان والشرح:
قوله (عليه السلام) فدع الناس جانباً: منصوب على الظرف والمرين على قلبه المغلوب عليه وهو من قوله تعالى : (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(1)وشدخاً: كسر الشيء الأجوف، شدخت رأسه فأنشدخ. والثلاثة الذين قتلهم (عليه السلام) هم: حنظلة بن أبي سفيان والوليد بن عتبة، خال معاوية، وأبوه عتبة بن ربيعة وهو جد معاوية، والثلاثة قتلهم (عليه السلام) في بدر، والثائر، هو الطالب للثأر.
وقوله (عليه السلام): قد علمت حيث وقع دم عثمان فاطلبه من هناك :
1) سورة المطففين : الآية 14.
ويريد (عليه السلام) إن كنت تطلب ثأرك من عند من أجلب وحاصر، فالذي فعل ذلك طلحة والزبير وكان الأول من أشد الناس عليه، وكذلك محمد بن أبي بكر - رضي الله عنه -، فاطلب ثأرك من بني تيم وهي عشيرة الخليفة الأول - رضي الله عنه - وطلحة، ومن بني أسد بن عبد العزي، وهي عشيرة الزبير ثمّ وبخ (عليه السلام) معاوية فقال : وإن كنت تطلبه ممن خذل فاطلبه من نفسك، فإنك خذلته وكنت قادراً على أن ترفده وتمده بالرجال فخذلته وقعدت عنه، بعد أن استنجدك واستغاث بك، وتضجّ : تصوت والجاحدة المنكرة، والحايدة : العادلة عن الحق.
وقوله (عليه السلام): وكأنني بجماعتك يدعونني، جزعاً من السيف، إلى كتاب الله، وهذا فراسة، وقد يكون إخباراً نبوياً صادقاً، وقد يكون إخباراً عن غيب مفصل، وهو أعجب وأعلى وكلا الأمرين فيهما العجب العجاب وقد صح أنه قد شهد بدراً ثلاثة من أولاد أبي سفيان: حنظلة وعمرو ومعاوية، قتل أحدهم علي (عليه السلام) وأسر الآخر، وأفلت معاوية هارباً على رجليه، فقدم مكة وقد انتفخ قدماه وورمت ساقاه فعالج نفسه شهرين حتى برىء وهذا سرّ ما جاء في بعض كتبه (عليه السلام) إلى معاوية، يقول فيه : وأذكرك ما لست له ناسياً، يوم قتلت أخاك حنظلة وجررت رجله إلى القليب، وأسرت أخاك عمرا فجعلت عنقه بين ساقیه رباطاً، ففررت ولك حصاص، فلولا أني لا أتبع فاراً لجعلتك ثالثهما، وأنا أولي لك بالله أليّة برّة غير فاجرة، لئن جمعتني وإياك جوامع الأقدار، لأتركنك مثلاً يتمثل به الناس أبداً، ولأجعجعن بك في مناخك، حتى يحكم الله بيني وبينك وهو خير الحاكمين»(1).
قلت : ولقد شهد بدراً وهرب على رجليه من هو أعظم من معاوية وإخوته، وهو عمرو بن عبد ود العامري فارس يوم الأحزاب، شهدها ونجا هارباً على قدميه وهو شيخ كبير، وارتث جريحاً، فوصل إلى مكة وهو وقيذ، فلم يشهد أحداً، أحداً، فلما برى شهد الخندق، فقتله قاتل الأبطال، والذي فاته يوم
1) شرح النهج الحديدي - ص 420 - مجلد 4.
بدر استدركه يوم الخندق. ومن الطريف أنَّ رجلاً سأل الأعمش : هل معاوية من أهل بدر أم لا؟ فقال له: أصلحك الله، هل شهد معاوية بدرا؟ فقال : نعم من الجانب الآخر.
ومِنْ كِتابٍ لهُ (عليه السلام) إلى عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - عامله على البصرة : إعْلَم أنّ البَصْرة مَهْبطُ إبليس، ومَغْرس الفِتَن، فحادِث أهلها بالإحْسانِ إليهم، وأخلُلْ عُقْدَةَ الخوفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ. وَقَدْ بَلَغَنِي تَنمَّرِكَ لبني تميم، وغِلْظَتِكَ عَلَيْهِمْ، وإنّ بني تميم لمْ يغبُ لَهُمْ نَجْمٌ إِلا طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ، وأَنَّهُمْ لَمْ يُسبِقُوا بوغم في جاهلية ولا إسلام، وإِنَّ لَهُمْ بِنا رَحِماً ماسةً وقرابة خاصة، نحنُ مأجُورونَ على صلتها ومأزورون على قطيعتها، فأربع أبا العباس رحمك الله فيما جرى على يدِكَ ولسانِكَ مِنْ خَيرٍ وشر، فإنَّا شريكان في ذلِكَ، وكُنْ عند صالح ظنّي بكَ، ولا يفيكن رأيي فيك والسّلام.
البيان والشرح:
مهبط إبليس : موضع هبوطه، وهذا من أشنع الذم لأهل البصرة، ومغرس الفتن موضع غرسها ؛ وقوله (عليه السلام) فحادث أهلها : أي تعهدهم بالإحسان من قولك : حادثت السيف بالصقال، والتنمّر للقوم : الغلظة عليهم، والمعاملة لهم بأخلاق النمر، من الجرأة والوثوب والوغم : الترة، والأوغام الترات. أي لم يهدر لهم دم، لا في جاهلية ولا في إسلام، يصفهم بالشجاعة، والحميّة. ومأزورون: أصله موزورون، ولكنه (عليه السلام) جاء بالألف ليحاذي به ألف مأجورون، والمعنى أننا مسؤولون ومأثومون على ترك الرحم.
وقوله (عليه السلام) فأربع أبا العباس: أي قف وتثبت في جميع ما تعقده فعلاً وقولاً من خير وشرّ ولا تعجل به، فإني شريكك فيه إذ أنت عاملي والنائب عني وقوله (عليه السلام): وكن عند صالح ظنّي فيك : أي كن
واقفاً عنده، كأنك تشاهده فيمنعك مشاهدته عن فعل ما لا يجوز. وقال الرأي : أي ضعف وأخطأ.
«وقد ذكر أبو عبيدة معمّر بن المثنى في كتاب «التاج» فيما حكاه صاحب النهج الحديدي: أن لبني تميم ماثر لم يشركهم فيها غيرهم، أما بنو سعد بن زيد مناة فلها ثلاث خصال يعرفها العرب إحداها كثرة العدد وأنه أضعف عددها على بني تميم، حتى ملأت السهل والجبل، وعدلت مضر كثرة، وعامة العدد منها في كعب بن سعد بن زيد مناة. قال الفرزدق :
لو كنت تعلم ما برمل موسل***فقرى عمان إلى ذوات حجور
لعلمت أن قبائلاً وقبائلا***من آل سعد لم تدن لأمير
ولذلك كانت تسمى سعد الأكثرين وفي المثل : في كل واد بنو سعد.
والثانية، الإفاضة في الجاهلية ؛ كان ذلك في بني الجاهلية؛ كان ذلك في بني عطارد وهم يتوارثون ذلك كابراً عن كابر، حتى قام الإسلام، وكانوا إذا اجتمع الناس أيام الحج بمنى لم يبرح أحد من الناس ديناً وسنة حتى يجوز القائم بذلك من آل كرب بن صفوان، وفي ذلك يقول الفرزدق :
إذا ما التقينا بالمحصب من منى***صبيحة يوم يوم النحر أو حيث عرَّفوا
ترى الناس ما سرنا يسيرون حولنا***وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
والثالثة : أن منهم أشرف بيت في العرب الذي شرفته ملوك لخم. قال المنذر بن المنذر بن ماء السماء يوماً، وعنده وفود العرب، ودعا ببردي أبيه محرق بن المنذر، فقال : ليلبس هذين أعزّ العرب وأكرمهم حسباً، فأحجم الناس فقال أحيمر بن خلف بن بهدلة بن عوف بن سعد بن زيد مناة بن تميم : أنا لهما قال الملك : بماذا؟ قال : بأن مضر أكرم العرب وأعزها وأكثرها عدداً، وأن تميماً كاهلها أكثرها، وأن بيتها وعددها في بني بهدلة بن عوف، وهو جدي. فقال: هذا أنت في أصلك وعشيرتك، فكيف أنت في عزتك وأدانيك؟ فقال: أنا أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة، فدفعهما إليه،
وإلى هذا أشار الزبرقان بن المنذر في قوله :
و برد ابن ماء المزن عمي اكتساهما***بفضل معدّ حيث عدت محاصله
قال أبو عبيدة : ولهم في الإسلام خصلة قدم قيس بن عاصم المنقري على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في نفر من بني سعد، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : هذا سيد الوبر، فجعله سید خندف وقيس ممن يسكن الوبر، وأمّا الرحم التي أشار إليها (عليه السلام)، فقد وردت في كلام لأبي عبيدة قال : ولبني عمرو بن تميم خصال تعرفها لهم العرب، ولا ينازعهم فيها أحد، فمنها أكرم الناس عمّاً وعمّة وجداً وجدة، وهو هند بن أبي هالة، واسم أبي هالة نباش بن زرارة أحد بني عمرو بن تميم كانت خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها قبل النبي (صلى الله عليه وآله) تحت أبي هالة فولدت له هنداً، ثم تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهند بن أبي هالة غلام صغير، فتبناه النبي (صلى الله عليه وآله) ثم ولدت خديجة أم المؤمنين من رسول الله (صلى الله عليه وآله) القاسم والطاهر وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة (عليها السلام) فكان هند بن أبي هالة أخاهم لأمهم، ثمّ أولد هند بن أبي هالة هند بن هند فهند الثاني أكرم الناس جداً وجدة، يعني (صلى الله عليه وآله) وخديجة - رحمها الله -، وأكرم الناس عمّاً وعمة، يعني - به النبي (صلّى الله عليه وآله) وبناته رضوان الله عليهن - ومنها أن لهم أحكم العرب في زمانه: أكثم بن صيفي أحد بني أسد بن عمرو بن تميم، كان أكثر أهل الجاهلية حكماً وموعظة سائرة، ومنها أنَّ منهم أحلم العرب: الأحنف بن قيس، يضرب به المثل حلماً، ومنهم أشجع العرب : الجريش بن هلال السعدي، ومنهم أجود العرب : خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي» (1).
1) المصدر السابق - ص 435 مجلد 3.
ومِنْ وصيّة لهُ (عليه السلام) للحَسَن بن علي (عليه السلام) بحاضرينَ مِنْ صفين : إِيَّاكَ أن تَذكُرَ مِنَ الكَلام ما يَكُونُ مُضْحِكاً، وإِنْ حَكَيتَ ذلِكَ عَنْ غيرِكَ، وإِيَّاكَ ومشاورَةَ النساءِ، فإنَّ رأيهنّ إلى أفن، وعَزْمَهُنَّ إلى وَهْن. وَاكْفُف عليهنَّ مِنْ أبصارِهِنّ بحجابكَ إيَّاهنّ، فإنّ شدّةَ الحِجابِ أبقى عَلَيْهِنَّ، وليس خروجُهُنَّ بأشدّ مِنْ إدخالِكَ مَنْ لا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ، وإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا يَعْرِفْنَ غَيركَ فافعل ولا تملك المرأةَ مِنْ أمرها ما جاوز نفسها. فإنَّ المَرأةَ ريحانة، وليست بقهرمانة، ولا تَعْدُ بكرامتها نَفْسَها. ولا تُطْمِعْها في أنْ تَشْفَعَ بغيرها. وإياك والتغاير في غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرةٍ، فإِنَّ ذَلكَ يَدْعُو الصَّحيحَةِ إلى السُّقْمِ والبريئة إلى الرّيبِ واجْعَلْ لِكُلَّ إنسانٍ مِنْ خَدَمِكَ عَمَلاً تأخُذُهُ بِهِ، فإنه أحرى أن لا يتواكلوا في خِدْمَتِكَ، وأكْرِمْ عشيرتكَ فإنّهُمْ جَنَاحُكَ الذي بِهِ تَطيرُ، وأصْلُكَ الذي إليه تصيرُ. ويدك التي بها تصول. أسْتودعُ الله دينك ودنياك. وأسألهُ خَيْر القضاء لكَ، في العاجِلَةِ والآجلة والدنيا والآخرة، والسلام.
البيان والشرح:
نهاه (عليه السلام) أن يذكر من الكلام ما كان مضحكاً، لأن ذلك من شغل أرباب الهزل والبطالة وقلّ أن يخلو ذلك من غيبة وسخرية وليس هذا من الإبتسام، وقد كان (صلّى الله عليه وآله) يبتسم حتى تبدو نواجذه، ولا سيما عند النصر وفي أوقات المطايبة، وكذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم قال : وإن حكيت ذلك عن غيرك، فإنه كما يستهجن الإبتداء بذلك، كذلك يستهجن حكايته عن الغير، فكما أنه لا يجوز الإبتداء بكلمة الكفر، فكذلك أيضاً يكره حكايتها.
فأما مشاورة النساء، فإن ذلك من فعل عجزة الرجال، وجاء في التاريخ، «أن الفضل بن الربيع أيام الحرب بين الأمين والمأمون، قال وهو يذكر الأمين ويصفه بالعجز ينام نوم الظربان وينتبه انتباهة الذئب همه بطنه ولذته فرجه، لا يفكر في زوال نعمة ولا يُروّي في إمضاء رأي ولا مكيدة قد شمّر له عبد الله عنساقه وفوّق له أشدَّ سهامه يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد، وقد عبى له المنايا على متون الخيل وناط له البلايا بأسنة الرماح وشفار السيوف، فكأنه هو قال هذا الشعر ووصف به نفسه وأخاه :
يقارع أتراك ابن خاقان ليله***إلى أن يرى الأصباح لا يتلعثم
فيصبح من طول الطراد وجسمه***نحيل وأضحى في النعيم أصمم
وهمي كأس من عقار وقينة***و همته درع ورمح ومخدم
فشتان ما بيني وبين ابن خالد***أمية في الرزق الذي الله يقسم
ونحن معه نجري إلى غاية، إن قصرنا عنها ذممنا وإن اجتهدنا بلوغها انقطعنا وإنما نحن شعب من أصل إن قوي قوينا وإن ضعف ضعفنا، إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء، يشاور النساء ويعتزم على الرؤيا، قد أمكن أهل الخسارة واللهو من سمعه، فهم يمنونه الظفر ويعدونه عقب الأيام، والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل» (1).
وقوله (عليه السلام) فإن رأيهن إلى أفن بالتحريك : الأفن بالسكون : النقص والمتأفن المنتقص. يقال : فلان يتأفن فلاناً، أي ينتقصه ويصيبه ومن رواه إلى أفن بالتحريك، فهو ضعيف الرأي : أفن الرجل يأفن أفنا أي ضعف رأيه والوهن: الضعف واكفف عليهن من أبصارهن : ومن ههنا زائدة على مذهب الأخفش في زيادة من في الواجب وعلى مذهب سيبويه يصبح المعنى : فاكفف عليهن بغض أبصارهن.
ثم ذكر (عليه السلام) الحكمة من الحجاب في الإسلام، وهي الحفاظ
1) المصدر السابق - ص 47 مجلد 4.
على الحرمات، ونهاه أن يدخل عليهن من لا يوثق به وقال : إن خروجهنّ أهون من ذلك، لأنّ الداخل قد يتمكن من الخلوة مما لا يتأتى له ذلك من يسير في الطرقات. ثم قال (عليه السلام) إن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل.
وممّا روي أنه كانت لأحدهم بنت حسناء فحجّ بها، وكان يعصب عينيها ويكشف للناس وجهها، فقيل له في ذلك فقال : إنما الحذر من رؤيتها الناس لا من رؤية الناس لها.
ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها: أي لا تدخلها معك في تدبير ولا مشورة ولا تتعدين حال نفسها وما يصلح شأنها، فإنَّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فهي تصلح للمتعة واللذة وليست وكيلاً في مال ولا وزيراً في رأي، ثم نهاه (عليه السلام) أن يطمعها في الشفاعات.
«وقد أخذ هذه اللفظة: وهي أنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، الحجّاج فقالها للوليد بن عبد الملك. روى ابن قتيبة في «عيون الأخبار» قال: دخل الحجاج على الوليد بن عبد الملك وعليه درع وعمامة سوداء وفرس عربية وكنانة، وذلك في أول قدمة قدمها عليه من العراق، فبعثت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان وهي تحت الوليد إليه من هذا الأعرابي المستلئم في السلاح عندك وأنت في غلاله فأرسل إليها هذا الحجاج فأعادت إليه الرَّسول : والله لأن يخلو بك ملك الموت في اليوم أحياناً، أحبّ إليَّ من أن يخلو بك الحجاج، فأخبره الوليد بذلك وهو يمازحه، فقال : يا أمير المؤمنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فلا تطلعها على سرّك ومكايدة عدوك، فلما دخل عليها الوليد أخبرها وهو يمازحها بمقالة الحجاج فقالت يا أمير المؤمنين حاجتي أن تأمره غداً أن يأتني مسلماً، ففعل ذلك، فأتاها الحجاج فحجبته فلم يزل قائماً ثم أذنت له فقالت: يا حجاج أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتلك ابن الزبير وابن الأشعث، أما والله لولا أن الله علم أنّك شرّ خلقه، ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام ولا بقتل ابن
ذات النطاقين أول مولود في دار هجرة الإسلام، وأمّا نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ لذاته وأوطاره، فإن كنّ ينفرجن عن مثلك فما أحقه بالأخذ منك، وإن كنّ ينفرجن عن مثله فهو غير قابل لقولك، أما والله لقد نقص نساء أمير المؤمنين الطيب من غدائر هن فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضعف من قرن، وقد أظلتك رماحهم وأثخنك كفاحهم، وحين كان أمير المؤمنين أحبّ إليهم من أبنائهم وآبائهم، فأنجاك الله من عدو أمير المؤمنين بحبّهم إيَّاه، قاتل الله القائل حين ينظر إليك وسنان غزالة بين كتفيك :
أسد عليّ وفي الحروب نعامة***ربداء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغا***بل كان قلبك في جناحي طائر
قم فأخرج. فقام فخرج» (1).
وقوله (عليه السلام): إياك والتغاير في غير موضع غيرة، وعنه أخذ مسكين الدارمي قال :
ولست امرءاً لا أبرح الدهر قاعداً***إلى جنب عرسي لا أفارقها شبرا
ولا مقسماً لا يبرح الدهر بيتها***لأجعله قبل الممات لها قبرا
ولا حاملا ظني ولا قول قائل***غلى غيرة حتّى أحيط بها خبرا
وهبني امرءا راعيت ما دمت شاهداً***فكيف إذا ما سرت عن بابها شهرا
إذا هي لم تحصن لما في فنائها***فليس بمنجيها بنائي لها قصراً
وقوله (عليه السلام): واجعل لكل إنسان من خدمك عملاً تأخذه به، فقد جاء في التاريخ أن ابرويز قال في وصيته لولده شيرويه : وانظر إلى كتابك، فمن كان منهم ذا ضياع قد أحسن عمارتها، فوله الخراج، ومن كان منهم ذا عبید قد أحسن سياستهم وتثقيفهم، فوله الجند ومن كان منهم ذا سراري وضرائر قد أحسن القيام عليهن فوله النفقات والقهرمة، وهكذا فاصنع في خدم دارك، ولا تجعل أمرك فوضى بين خدمك، فيفسد عليك ملكك.
1) عيون الأخبار - ابن قتيبة.
وأما قوله فأكرم عشيرتك فإنهم جناحك، فهو أمر بوجوب الاعتضاد بالعشائر. «وقد روى أبو عبيدة فيما جاء في شرح نهج البلاغة الحديدي، قال: كان الفرزدق لا ينشد بين يدي الخلفاء والأمراء، إلا قاعداً، فدخل على سليمان بن عبد الملك يوماً، فأنشده شعراً فخر فيه بآبائه وقال من جملته :
تالله ما حملت من ناقة رجلاً***مثلي إذا الريح لقتني على الكور
فقال سليمان: هذا المدح لي أم لك؟ فقال : لي ولك يا أمير المؤمنين، فغضب سليمان وقال : قم فأتمم ولا تنشد بعده إلا قائماً، فقال الفرزدق : لا والله، أو يسقط إلى الأرض أكثري شعراً، فقال سليمان : ويلي على الأحمق ابن الفاعلة لا يكني، وارتفع صوته فسمع الضوضاء بالباب فقال سليمان ما هذا؟ قيل : بنو تميم على الباب قالوا: لا ينشد الفرزدق قائماً وأيدينا في مقابض سيوفنا. قال : فلينشد قاعداً» (1).
1) شرح النهج ص 48 - مجلد 4.
ومِنْ كِتابٍ له (عليه السلام) إلى أمراء البلاد في معنَى الصَّلاة : أمَّا بَعْدُ، فصلُّوا بالنّاسِ الظُّهْرَ حَتَّى تَفِيءَ الشَّمسُ مِثل مَرْبضِ الْعَنْزِ. وصَلُّوا بِهِمْ العَصْرَ والشَّمسُ بيضَاءُ حَيَّةٌ في عِضْوِ مِنَ النّهار، حينَ يُسارُ فيها فَرْسَخان. وَصَلُّوا بِهِمْ المغرب حينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ ويَدْفَعُ الحاج إلى مِنى. وَصَلُّوا بِهِمْ العَشَاءَ حَينَ يتوارَى الشَّفْقُ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ. وَصَلُّوا بِهِمْ الغَداة والرَّجُلُ يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ، وصَلُّوا بِهِمْ صَلاةَ أَضْعَفِهِمْ وَلَا تَكُونُوا فَتَّانَينَ
البيان والشرح: مذهب الإمامية في أوقات الصلاة ذكره الشهيد الأول (734 - 786هـ) - رضي الله عنه -، في «اللمعة الدمشقية» قال : الوقت : فللظهر زوال الشمس المعلوم نريد الظل بعد نقصه، وللعصر الفراغ منها، ولو تقديراً، وتأخيرها إلى مصير الظل مثليه أفضل، وللمغرب ذهاب الحمرة المشرقية، وللعشاء الفراغ منها، وتأخيرها إلى ذهاب المغربية أفضل، وللصبح طلوع الفجر. ويمتد وقت الظهرين إلى الغروب والعشاءين إلى نصف الليل والصبح حتى تطلع الشَّمس ونافلة الظهر من الزوال إلى أن يصير الفيء قدمين والعصر أربعة أقدام وللمغرب إلى ذهاب المغربية، وللعشاء كوقتها، ولليل بعد نصفه إلى طلوع الفجر، وللصبح حتى تطلع الحمرة وتكره النافلة المبتدأة بعد صلاتي الصبح والعصر، وعند طلوع الشمس وغروبها وقيامها، إلا يوم الجمعة ولا تقدّم الليلية إلا لعذر، وقضاؤها أفضل فأول الوقت أفضل إلا لمن يتوقع زوال عذره والصائم يتوقع فطره، وللعشاءين إلى المشعر، ويعول في الوقت على الظنّ مع تعذر العلم، فإن دخل وهو فيها أجزأ، وإن تقدّمت
أعاد (1).
«وقد ذكر الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان - رحمه الله -، صورة أكثر تفصيلاً فيما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي عنه في شرح نهج البلاغة، قال : وقت الظهر من بعد زوال الشمس إلى أن يرجع الفيء سبعي الشخص، وعلامة الزوال رجوع الفيء بعد انتهائه إلى النقصان، وطريق معرفة ذلك بالإصطرلاب أو ميزان الشمس، وهو معروف عند كثير من الناس، أو بالعمود المنصوب في الدائرة الهندية أيضاً، فمن لم يعرف حقيقة العمل بذلك، أو لم يجد آلته، فلينصب عوداً من خشب أو غيره في أرض مستوية السطح، ويكون أصل العود غليظاً ورأسه دقيقاً، شبه المذري الذي ينسج التكك والمسلّة التي يخاط بها الأحمال فإن ظل هذا العود يكون بلا شك، في أول النهار أطول من العود، وكلما ارتفعت الشمس نقص من طوله حتى يقف القرص في وسط السماء، فيقف الفيء حينئذ، فإذا زال القرص عن الوسط إلى جهة المغرب رجع الفيء إلى الزيادة فليعتبر من أراد الوقوف على وقت الزوال ذلك، بخطط وعلامات يجعلها على رأس العود عند وضعه في صدر النهار، وكلما نقص في الظلّ شيء علّم عليه، فإذا رجع إلى الزيادة على موضع العلامة قد زالت وبذلك تعرف أيضاً القبلة فإن عرف حينئذ، برجوعه، أن الشمس قرص الشمس يقف فيها وسط النهار ويصير عن يسارها ويمين المتوجه إليها. بعد وقوفها وزوالها عن القطب، فإذا صارت مما يلي حاجبه الأيمن من بين عينيه علم أنها قد زالت وعرف أن القبلة تلقاء وجهه، ومن سبقت معرفته بجهة القبلة فهو يعرف زوال الشمس، إذا توجه إليها فرأى عين الشمس مما يلي حاجبه الأيمن، إلا أن ذلك لا يبين إلا بعد زوالها بزمان، ويبين الزوال من أول وقته بما ذكرناه من الإصطرلاب وميزان الشمس والدائرة الهندية، والعمود الذي وصفناه ؛ ومن لم يحصل له معرفة ذلك أو فقد الآلة توجه إلى القبلة فاعتبر صيرورة الشمس على طرف حاجبه الأيمن وقت العصر، بعد الفراغ من
1) اللمعة الدمشقية في فقه الامامية - الشهيد الأول - دار التراث - بيروت ص 1409 هـ.
الظهر، إذا صليت الظهر في أول أوقاتها أعني بعد زوال الشمس بلا فصل ويمتد إلى أن يتغير لون الشمس بإصفرارها للغروب وللمضطر والناسي إلى مغيبها بسقوط القرص عمّا تبلغه أبصارنا من السماء، وأول وقت المغرب مغيب الشمس، وعلامة مغيبها عدم الحمرة في المشرق المقابل للمغرب في السماء وذلك أن المشرق في السماء مطل على المغرب، فما دامت الشمس ظاهرة فوق أرضنا فهي تلقي ضوءها على المشرق في السماء، فيرى حمرتها فيه، فإذا ذهبت الحمرة منه علم أن القرص علم أنّ القرص قد سقط وغاب، وآخره أول وقت العشاء الآخرة، وأول وقتها مغيب الشمس، وهو الحمرة في المغرب، وآخره مضي الثلث الأول من الليل وأول وقت الغداة إعتراض العجز، وهو البياض في المشرق يعقبه الحمرة في مكانه، ويكون مقدمة لطلوع الشمس على الأرض من السماء، وذلك أنَّ الفجر الأول، وهو البياض الظاهر في المشرق، يطلع طولاً ثم ينعكس بعد مدة عرضاً ثم يحمر الأفق بعده للشمس، ولا ينبغي للإنسان أن يصلي فريضة الغداة حتى يعترض البياض وينتشر صعدا في السماء، كما ذكرنا، واخر وقت الغداة طلوع الشمس» (1).
وعند الحنفية (2): أول وقت الظهر، إذا زالت الشمس، وآخر وقتها، إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى في الزوال، قال أبو حنيفة : وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر، وهذا على القولين وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس، وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس، وآخر وقتها ما لم يغب الشفق وهو البياض الذي في الأفق بعد الحمرة، وقال أبو حنيفة: وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق، وهو على القولين، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر، وقال الشافعي : أول وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني، ولا يزال وقتها المختار باقياً إلى أن يسفر، ثمّ يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس، وقال الشافعي: وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس، واخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله، ويعتبر المثل من
حد الزيادة على الظلّ الذي كان عند الزوال. وقال الشافعي، في وقت العصر : إذا زاد على المثل أدنى زيادة فقد دخل وقت العصر، ولا يزال وقت الإختيار عند الشافعي للعصر باقياً، حتى يصير كل شيء مثليه، ثمّ يبقى وقت الجواز إلى غروب الشمس، وقال الشافعي : إنّ للمغرب وقتاً واحداً وهو المشهور واختلف أصحاب الشافعي في مقدار الوقت الواحد، فمنهم من قال: هو مقدر بقدر الطهارة وستر العورة والأذان والإقامة، وفعل ثلاث ركعات ومنهم من قدره بغير ذلك، فأما وقت العشاء، فقال الشافعي: هو أن يغيب الشفق الذي هو البياض، وآخر وقتها المختار إلى نصف الليل هذا في المذهب القديم، وفي الجديد إلى ثلث الليل، ثمّ يذهب وقت الإختيار ويبقى وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني.
فأما قوله (عليه السلام) والرجل يعرف وجه صاحبه، فمعناه الأسفار وقوله (عليه السلام) وصلوا بهم صلاة أضعفهم، بمعنى أن لا تطيلوا القراءة والركوع والسجود والدعوات الطويلة والكثيرة. ثم قال (عليه السلام): ولا تكونوا فتانين أي لا تفتنوا الناس بإتعابهم وإدخال المشقة عليهم بإطالة الصلاة، كإطالة الإمام للركوع والسجود، فيظن المأمومون أنه قد رفع فيرفعون ويسبقونه بأركان كثيرة.
وقد بدأ أمير المؤمنين (عليه السلام) بذكر صلاة الظهر، لأنها أول فريضة افترضت على المكلفين من الصلاة، وهو مذهب حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، ولهذا سميت عند الإمامية بالأولى، وأما غير الإمامية فأول الصلاة المفروضة عندهم الصبح، وهي أول النهار، ويتفرع عن هذا المسألة القول في الصلاة الوسطى وما هي؟ وقد ذهب جمهور الناس إلى أنها العصر لأنها بين صلاتي نهار وصلاتي ليل وقياس مذهب الإمامية أنها المغرب لأن الظهر إذا كانت الأولى كانت المغرب هي الوسطى، غير أنه قد وردت روايات عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) أنّها الظهر والوسطى عندهم بمعنى الفضلى، لأنّ الوسط في اللغة هو خيار كل شيء، ومنه قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى
النَّاسِ) (1)وقد ذهب إلى أنها المغرب قوم من الفقهاء أيضاً، وقال كثير من من الناس: إنّها الصبح لأنّها أيضاً بين صلاتي ليل وصلاتي نهار، وهو مذهب الإمام الشافعي، ومن الناس من قال : إنّها الظهر كقول الإمامية، ولم يسمع عن أحد معتبر أنها العشاء، إلا قول شاذ ذكره بعضهم، لأنها بين صلاتين لا تقصران.
وأصفقت الإمامية على جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، حضراً وسفراً، أداء وقضاء، واستدلوا بقول الحق سبحانه في سورة هود: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (2)وقوله جلّ شأنه: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (3). فالآيات الكريمة الآنفة الذكر لم تذكر خمسة أوقات بل خمس صلوات في ثلاث أوقات، وقد صح عن أهل البيت أنّ جدّهم الأكرم (صلى الله عليه وآله) جمع في السفر والحضر، وأهل البيت أدرى بالذي فيه
ومِنْ كِتاب لهُ (عليه السلام) إلى أهْلِ مِصْرَ مَعَ، مالِكِ الأَشْتَر رحِمَهُ اللهُ لَمَّا ولاه إمارتها : أمّا بَعْدُ، فإنَّ الله سُبْحانَةَ بَعَثَ مُحمَّداً (صلَّى الله عليه وآله) نذيراً للعالمين، ومُهَيْمناً على المُرْسَلِينَ. فلمَّا مَضى (صلى الله عليه وآله) تنازَعَ المُسلِمونَ الأمْرَ مِنْ بَعْدِهِ، فوالله ما كَانَ يُلقى في رَوْعي، ولا يَخْطُرُ ببالي أَنَّ العَرَبَ تُزعج هَذا الأَمْرَ، مِنْ بَعْدِهِ (صلى الله عليه وآله)، عَنْ أهْل بَيته. ولا أَنَّهُمْ مُنحوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ. فما راعَنِي إِلا انْثِيالُ النَّاسِ عَلَى فُلان يُبَايِعُونَهُ. فَأَمْسَكْتُ بيدي، حتى رأيتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الإِسْلَامِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دين محمّد (صلى الله عليه وآله)، فَخَشِيتُ، إِنْ لَمْ أَنْصُر الإِسْلامَ وأَهْلَهُ، أن أرى فيه ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تكونُ المُصيبةُ بِهِ عليّ أعْظمَ مِنْ فَوْتِ ولا يَتِكُمْ، التي هي متاعُ أيّام قَلائِلَ، يَزول فيها ما كانَ، كما يزُولُ السَّرابُ أوْ كَما يتقشَعُ السّحابُ، فنهضتُ في تلك الأحداثِ حَتَّى زاحَ الباطِلُ وزهَقَ، وأطمانَّ الدِّينُ وتَنْهنَه.
الشرح والمعاني المهيمن : هو الشاهد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) (1)أي تشهد بإيمان من آمن وكُفْرِ مَنْ كفر، وذهب بعض المفسرين إلى أنّه (صلّى الله عليه وآله) يشهد بصحة بعثة الأنبياء قبله، وقوله (عليه السلام): على المرسلين، يؤكد صحة التفسير الثاني والروع: الخلد وفي الحديث أن روح القدس نفث في روعي.
وقوله (عليه السلام) ولا يخطر ببالي أنَّ العرب تزعج هذا الأمر، من
1) سورة الأحزاب : الآية 45.
بعده (صلى الله عليه وآله)، عن أهل بيته حيث أنه كان (عليه السلام) متيقناً من وصوله وأهل بيته إلى الخلافة، بحكم النصوص الواضحة والقرائن الكثيرة والأحوال الحاضرة، وقوله (عليه السلام) فما راعني إلا انثيال الناس، وهذا يقال للشيء الذي يفجؤك بغتة والرّوع بالفتح : الفزع، كأنه يقول : ما أفز عني شيء بعد ذلك السكون الذي كان عندي وتلك الثقة التي أطمأننت إليها، إلا وقوع ما وقع من انثيال الناس أي إنصبابهم من كل وجه، كإنثيال التراب على أبي بكر، وهذا لفظ الكتاب الذي كتبه (عليه السلام) للأشتر، وإنما الناس يكتبونه إلى فلان تذمماً من ذكر الإسم، كما يكتبون في أول الشقشقية : أما والله لقد تقمصها فلان واللفظ : أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة.
وقوله : فأمسكت بيدي: أي امتنعت عن بيعته حتى راجعة الناس ويعني أهل الردّة ومحق الدين: إبطاله وزهق: خرج وزال، وتنهنه: سكن، وأصله الكف. تقول : نهنهت السبع فتنهنه : أي كفّ عن حركته وإقدامه، فكأن الدين كان متحركاً مضطرباً فسكن، وكفّ عن ذلك الإضطراب.
وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، في «التاريخ الكبير» أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا مات إجتمعت أسد وغطفان بجنوب طمية، وطي على طليحة بن خويلد إلا ما كان من خواص أقوام في الطوائف الثلاث، فاجتمعت أسد بسعيراء وغطفان بجنوب طمية، وطي في حدود أرضهم واجتمعت ثعلبة بن أسد ومن يليهم من قيس، بالأرزق من الربذة وناشت إليهم ناس من بني كنانة، ولم تحملهم البلاد فافترقوا فرقتين أقامت إحداهما بالأرزق، وسارت الأخرى إلى ذي العقبة وبعثوا وفوداً إلى أبي بكر يسألونه أن يقارهم على إقامة الصلاة ومنع الزكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحق فقال : لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه. ورجع الوفود إلى قومهم فأخبروهم بقلة من أهل المدينة فأطمعوهم فيها، وعلم أبو بكر والمسلمون بذلك، وقال لهم أبو بكر : أيها المسلمون إنَّ الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا تدرون أليلاً تؤتون أم نهاراً وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم ونبذنا إليهم فأعدوا،
فاستعدوا، فخرج علي (عليه السلام) بنفسه وكان على نقب من أنقاب المدينة، وخرج الزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود وغيرهم فكانوا على الأنقاب الثلاثة، فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى طرق القوم المدينة غارة مع الليل، وخلفوا بعضهم بذي حسا ليكونوا رداء لهم، فوافوا الأنقاب وعليها المسلمون، فأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر فأرسل إليهم أن الزموا أماكنكم ففعلوا، وخرج أبو بكر في جمع من أهل المدينة على النواضح، فانتشر العدوّ بين أيديهم، وأتبعهم المسلمون على التواضح حتى بلغوا ذا حسا، فخرج عليهم الكمين بأنحاء قد نفخوها وجعلوا فيها الحبال، ثمّ دهدهوا بأرجلهم في وجوه الإبل فتدهده كل نحي منها في طول فنفرت إبل المسلمين وهم عليها، ولا تنفر الإبل من شيء نفارها من الأنحاء، فصاحت بهم لا يملكونها حتى دخلت بهم المدينة، ولم يصرع منهم أحد ولم يصب فبات المسلمون تلك الليلة يتهيأون ثم خرجوا على تعبية، فما طلع الفجر إلا وهم والقوم على صعيد واحد، فلم يسمعوا للمسلمين حساً ولا همساً حتى وضعوا فيهم السيف فأقتتلوا أعجاز ليلتهم، فما ذرّ قرن الشمس إلا وقد ولوا الأدبار وغلبوهم على عامة ظهرهم، ورجعوا إلى المدينة ظافرین» (1).
وهذا هو الحديث الذي أشار إليه (عليه السلام)، إلى أنه نهض فيه أيام أبي بكر، وكأنه جواب عن قول قائل : إنه عمل لأبي بكر، وجاهد بين يديه، فبين (عليه السلام) عذره في ذلك، وقال إنه لم يكن كما يظنه القائل، ولكنه من باب دفع الضرر عن النفس وعن الدين سواء كان للناس إمام أو لم يكن.
1) التاريخ الكبير - محمد بن جرير الطبري.
ومن كتابه (عليه السلام) الأنف الذكر إلى أهل مِصْرَ، مَعْ مالِكِ الأَشْتَر رحِمَهُ اللهُ لِمّا بعثه والياً عليها : إنّي والله لو لقيتُهُم وَاحِداً وهم طلاع الأرْضِ كُلَّها، ما بَالَيْتُ ولا اسْتَوْحَشْتُ وإنّي مِنْ ضَلالِهِمْ الذي هُمْ فيه والهُدى الذي أنا عَلَيْهِ، لعلي بَصِيرة مِنْ نَفْسي ويقين مِنْ رَبِّي، وإني إلى لقاء الله لمُشْتاقُ، ولِحُسْنِ ثَوابِهِ لمُنتَظِرُ رَاجٍ، ولكنّني أسى أن يلي أمْرَ هَذِهِ الأمّةَ سُفَهاؤهَا و فجَّارُها، فيتخذوا مالَ الله دُولاً. وعبادَهُ خَولاً. والصّالحينَ حَرْباً. والفَاسِقِينَ حزباً. فإن فيهم الذي شَرِبَ فِيكُم الحرام. وجُلِدَ حَداً في الإسلام. وإِنْ مِنْهُمْ مَنْ لمْ يَسْلمْ حَتّى رُضِخَتْ لهُ على الإسلام الرّضائخ. فلولا ذلك ما اكْثَرْتُ تأليبكُمْ وتأنيبكم وجمعكُمْ وتَحْرِيضَكُمْ. ولتركتُكُمْ إِذْ أَبيتُمْ ونَيْتُمْ، أَلا تَروْنَ إلى أطرافِكُمْ قَدْ انتقصَتْ، وإلى أنصارِكُمْ قَدْ أفتحت. وإلى ممالِكِكُمْ تُزْوى، وإلى بِلادِكُمْ تُغزَّى. إنفِرُوا رَحِمَكُمُ الله إلى قِتالِ عَدُوّكُمْ. ولا تَثافَلُوا إلى لأَرْضِ فَتُقِرّوا بالخَسْف. وتبوؤوا بالدُّلّ. ويكون نصيبكُمْ الأخسّ، وإن أخا الحرب الأرق، ومَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ، والسّلام.
الشرح والمعاني:
طلاع الأرض ملؤها وآسى: أحزن وأكثرت تأليبكم : تحريضكم وإغراءكم به والتأنيب : أشدّ اللوم، وونيتم: ضعفتم وفترتم وممالككم تزوى: بمعنى تقبض، ولا تثاقلوا بالتشديد : أصله تتثاقلوا، وهو الخور وبطء الحركة وتقروا بالخسف: تعترفوا بالضيم وتصبروا له، وتبوؤوا بالذلّ : ترجعوا به والأرق : الذي لا ينام.
«وأما الذي رضخت له على الإسلام الرضائخ، فمعاوية بن أبي سفيان، والرضيخة : شيء قليل يعطاه الإنسان، يصانع عن شيء يطلب منه كالأجر، وذلك لأن معاوية من الطلقاء والمؤلفة قلبوهم الذين رغبوا في الإسلام والطاعة بجمال وشاء دفعت إليهم وهم قوم معروفون منهم معاوية، وأخوه يزيد وأبوهما أبو سفيان وحكيم بن حزام وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام بن المغيرة، وحويطب ابن عبد العزى والأخنس بن شريق، وصفوان بن أمية، وعمير بن وهب الجمحي، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس وعبّاس بن مرداس، وغيرهم، وكان إسلام هؤلاء جميعاً للطمع وللأغراض الدنيوية، ولم يكن عن يقين وعلم وإيمان» (1).
فأمّا الذي شرب الحرام وجلد في حدّ الإسلام فهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان من أشدّ الناس على علي (عليه السلام)، وأبلغهم تحريضاً لمعاوية وأهل الشام على حربه. قال أبو الفرج الأصبهاني، في «الأغاني» : كان سبب إمارة الوليد بن عقبة الكوفة لعثمان ما حدَّثني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال : حدَّثنا عمر بن شبة قال : حدَّثني عبد العزيز بن محمد بن حكيم، عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبيه قال : لم يكن يجلس مع عثمان على سريره إلا العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن حرب. والحكم بن أبي العاص والوليد بن عقبة، ولم يكن سريره يسع إلا عثمان و واحداً منهم فأقبل الوليد يوماً فجلس فجاء الحكم بن أبي العاص فأومأ إلى الوليد عثمان فرحل له عن مجلسه، فلما قام الحكم قال الوليد والله يا أمير المؤمنين، لقد تلجلج في صدري بيتان قلتهما حين رأيتك اثرت عمّك على ابن أمّك، وكان الحكم عمّ عثمان والوليد أخاه لأمه، فقال عثمان إنَّ الحكم شیخ قریش، فما البيتان؟ فقال :
رأيت لعمّ المرء زُلفى قرابة***دوين أخيه حادثاً لم يكن قدماً
فأملت عمراً أن يشبّ وخالداً***لكي يدعواني في يوم نائبة عمّاً
1) شرح نهج البلاغة ص 192 - مجلد 4.
يعني خالداً وعمراً ابني عثمان. قال : فرق له عثمان وقال : قد وليتك الكوفة، فأخرجه إليها.
قال أبو الفرج وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال : حدَّثني عمر بن شبة قال : حدَّثني بعض أصحابنا، عن ابن داب قال : لمّا ولى عثمان الوليد بن عقبة الكوفة، قدمها وعليها سعد بن أبي وقاص، فأخبر بقدومه ولم يعلم أنه قد أمر، فقال : وما صنع ؟ قالوا وقف في السوق، فهو يحدث الناس هناك، ولسنا ننكر شيئا، من أمره، فلم يلبث أن جاءه نصف نهار، فاستأذن على سعد فأذن له، فسلم عليه بالإمرة وجلس معه فقال له :سعد ما أقدمك يا أبا وهب؟ قال : أحببت زيارتك. قال : وعلى ذاك، أجئت بريداً؟ قال : أنا أرزن من ذلك ولكن القوم أحتاجوني إلى عملهم فسرحوني إليه، وقد استعملني أمير المؤمنين على الكوفة، فسكت سعد طويلاً ثم قال : لا والله ما أدري أصلحت بعدنا أم فسدنا بعدك ! ثم قال :
كليني وجيريني ضباع وابشري***بلحم امرىء لم يشهد القوم ناصره
فقال الوليد: أما والله لأنا أقول للشعر منك وأروى له، ولو شئت لأجبتك، ولكني أدع ذلك لما تعلم نعم والله لقد أمرت بمحاسبتك والنظر في أمر عمالك، ثم بعث إلى عمال سعد فحبسهم وضيق عليهم، فكتبوا إلى سعد يستغيثون به فكلمهم فيه، فقال له : أو للمعروف عندك موضع ؟ قال : نعم، فخلى سبيلهم.
قال أحمد: وحدَّثني عمر، عن أبي بكر الباهلي، عن هشيم عن العوام بن حوشب قال: لما قدم الوليد على سعد قال سعد: والله ما أدري کست بعدنا أم حمقنا بعدك ؟ قال : لا تجزعن يا أبا إسحاق، فإن الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون. فقال سعد : أراكم والله ستجعلونه ملكاً.
قال أبو الفرج : وحدَّثنا أحمد قال : حدَّثني عمر قال : حدَّثني هارون بن معروف عن ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب قال: صلّى الوليد بأهل الكوفة الغداة أربع ركعات، ثم التفت إليهم وقال : أزيدكم؟ فقال عبد الله بن مسعود :
ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم.
قال أبو الفرج : وحدَّثني أحمد قال : حدَّثنا عمر قال : حدَّثنا محمد بن حميد قال : حدَّثنا جرير عن الأجلح، عن الشعبي قال : قال الحطيئة يذكر الوليد :
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه***أن الوليد أحق بالعذر
نادی وقد تمت صلاتهم***أأزيدكم سكراً ولم يدرِ
فأبوا أبا وهب ولو أذنوا***لقرنت بين الشفع والوتر
كفوا عنانك إذ جريت ولو***تركوا عنانك لم تزل تجري
قال أبو الفرج: وأخبرنا محمد بن خلف وكيع قال : حدَّثنا حماد بن إسحاق قال: حدَّثني أبي قال : قال أبو عبيدة وهشام بن الكلبي والأصمعي : كان الوليد زانياً يشرب الخمر، فشرب بالكوفة وقام ليصلي بهم في المسجد الجامع، فصلّى بهم أربع ركعات ثم التفت إليهم فقال : أزيدكم، وتقيأ في المحراب بعد أن قرأ بهم رافعاً صوته في الصلاة :
علق القلب الربابا***بعدما شابت وشابا
فشخص أهل الكوفة إلى عثمان فأخبروه بخبره وشهدوا عليه بشرب الخمر، فأتي به فأمر رجلاً من المسلمين أن يضربه الحد، فلما دنا منه قال : نشدتك الله وقرابتي من أمير المؤمنين فتركه فخاف علي بن أبي طالب (علیه السلام) أن يعطل الحدّ فقام إليه فحدّه بيده فقال الوليد : نشدتك الله والقرابة، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أسكت أبا وهب فإنما هلك بنو إسرائيل لتعطيلهم الحدود، فلما ضربه وفرغ منه قال : لتدعوني قريش بعدها جلادا» (1).
1) الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.
ومن كلامه الحكيم (عليه السلام): والبُخْلُ عَارُ، والجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، والفَقْرُ يُخْرِسُ الفَطِنَ عَنْ حاجَتِهِ، والمُقِلُّ غَرِيبٌ في بَلْدَتِهِ.
الشرح والمعاني :
وفي المقام ثلاثة فصول: الأول في البخل، وأحسن من قال : كفى حزناً مقتر عليه، ولا معروف عند بخيل، وقيل أيضاً : البخل مهانة والجود مهابة، ومن محاسن الجود ما روي عن عبد الله المأمون الخليفة العباسي، أن عمر بن مسعدة كاتبه مات في سنة سبع عشرة ومائتين، وقد خلف تركة جليلة، فبعث أخاه أبا إسحاق المعتصم وجماعة معه من الكتاب ليحصروا مبلغها، فجاء المعتصم عليه وهو في مجلس الخلافة ومعه الكتاب فقال : ما رأيتم ؟ فقال المعتصم معظماً لما رآه وجدنا عيناً وصامتاً وضياعاً قيمة ذلك أجمع ثمانية آلاف دينار، ومد صوته، فقال المأمون : إنّا الله والله ما كنت أرضاها لتابع من أتباعه، ليوفر هذا على مخلفيه، فخجل المعتصم حتى ظهر خجله للحاضرين، وكان بخيلا» (1).
ومن الأجواد في الإسلام: الحسن بن علي (عليهما السلام) وعبد الله بن العباس - رضي الله عنهما - وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنهما - وممّا سارت به الركبان الحديث المشهور عن أحد أجواد العرب، أنه كان يجاوره رجل واحتاج الأخير للمال فأعلن أنه يريد بيع منزله، فسُئِلَ عن ثمن بيته فقال : مائة ألف درهم فقيل له : إنّ منزلك لا يساوي أكثر من عشرين ألف درهم. فقال : نعم، ولكن ثمن مجاورتي لفلان من الناس ما
1) شرح النهج الحديدي ص 239 مجلد 4.
تبقى من المال، وسمع الخبر صاحب الثناء، فأخذ مائة ألف درهم إلى هذا الرجل وقال له : بلغني أنك تريد بيع منزلك بمائة ألف؟ قال : نعم فأعطاه المال، ثم قال له : أنا فلان من عليه أثنيت خذ المال والبيت لك، وبارك الله فيك.
والفصل الثاني في الجبن قالوا ومن الجبناء عمرو بن العاص، فقد هزمه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في حرب صفين فأتقى ضربة الإمام وهو على الأرض، بأن كشف سوءته، فعير في ذلك، وفيه يقول أبو فراس الحمداني - رحمه الله -:
وإني لنزال لكل مخوفة***كثير إلى نزالها النظر الشّرز
سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم***وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
ولو سدّ غيري ما سددت اكتفوا به***وما كان يغلو التمبر لو نفق الصفر
ونحن أناس لا توسط بيننا***لنا الصدر دون العالمين أو القبر
ولا خير في دفع الرّدى بمذلة***كما ردّها يوماً بسوءته عمرو
وقال المنصور العباسي لأبي دلامة، في حرب إبراهيم الإمام - رضي الله عنه -: تقدم ويلك قال : يا أمير المؤمنين، شهدت مع مروان بن محمد أربعة عساكر كلها أنهزمت وكسرت، وإني أعيذك بالله أن يكون عسكرك الخامس.
وقد أجمع الناس على أن أشجع بني البشر، بعد جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، هو سيد الشهداء أبي الضيم الحسين بن علي (عليهما السلام) شهيد الطف، فقد قتل أصحابه وجمع كبير من أهل بيته فلم يضعف ولم يزل كالأسد الهصور، يهجم على أعدائه دون تردد وهم عشرات الألوف في ذعر وخوف شديدين من التقدم نحوه وقيل : إنه وجد في جسده الشريف، حينما أستشهد، أكثر من سبعين طعنة.
والفصل الثالث في الفقر، وقيل : الفقر يخرس الفطن عن حاجته، ومثله قول الشاعر :
سأعمل فضل العيش حتى يكفني***غنى المال يوماً أو غنى الحدثان
فللموت خير من حياة يرى لها***على الحرّ بالإفلال وسم هوان
متى يتكلم بلغ حكم كلامه***وإن لم يقل قالوا عدیم بیان
كأن الغنى عن أهله بورك الغنى***بغیر لسان ناطق بلسان
ومثل قوله (عليه السلام) : والمقلّ غريب في بلدته قول خلف الأحمر:
لا تظني أنَّ الغريب هو النا***ئي ولكنّما الغريب المقل
وكان يقال : مالك نورك، فإن أردت أن تنكس فغرقه وأتلفه. وقال آخر : درهمك دمك دعه يجري في عروقك لا في عروق غيرك. وقيل للإسكندر: لم حفظت الفلاسفة المال مع حكمتها ومعرفتها بالدنيا ؟ قال : لئلا تحوجهم الدنيا إلى أن يقوموا مقاماً لا يستحقونه. وقال بعض الزهاد: إبدأ برغيفيك فأحرزهما، ثمَّ تعبّد وقال الحسن بن علي (عليهما السلام): من زعم أنه لا يحبّ المال فهو عندي كاذب، فإن علمت صدقه فهو عندي أحمق وفي الأثر النبوي الشريف: «إن الله ليحبّ أن تظهر آثار نعمته على عباده». وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «نِعْمَ المال يقي به المرء المؤمن دينه وعرضه»
ومِنْ كلامه الحكمي (عليه السلام)، وهو من قصار الكلمات : إذا أقْبَلَتْ الدُّنْيا على قَوْمٍ أَعارَتْهُمْ محاسِنَ غَيْرِهِمْ. وإذا أدْبَرَتْ عَنْهُمْ سَلبَتْهُمْ محاسِنَهُمْ.
الشرح والمعاني :
من عِبَر التاريخ، أنّ الرشيد العباسي في أيام حسن رأيه، في جعفر بن يحيى البرمكي كان يحلف بالله أن جعفر هذا أفصح من قس بن ساعدة، وأشجع من عامر بن الطفيل وأكتب من عبد الحميد بن يحيى، وأسوس من عمر بن الخطاب، وأحسن من مصعب بن الزبير، وجعفر وإن لم يكن حسن الصورة، لكنه فيما ذكر كان طويل الوجه جداً، وأفصح له من الحجاج لعبد الملك، وأسمح من عبد الله بن جعفر وأعفٌ من يوسف بن يعقوب (عليه السلام)، فلما شاء الله تغير رأيه في جعفر، فأنكر محاسنه الحقيقية التي لا يختلف إثنان أنها فيه أظهر من غيره، نحو كياسته وذكائه وسماحته، ولم يكن يجرؤ أحد أن يردّ على جعفر قولاً ولا رأياً، «ويقال : إنّ أول ما ظهر من تغير الرشيد له أن جعفراً كلم الفضل بن الربيع بشيء فرده عليه الفضل، ولم تجر عادته من قبل أن يردّ له طلباً، أو أن ينبس ببنت شفة أمامه، فأنكر سليمان بن أبي جعفر ذلك على الفضل، فغضب الرشيد لإنكار سليمان وقال: ما دخولك بين أخي ومولاي؟ ويظهر هنا من الرشيد الرضا على الفضل، بما كان منه إلى جعفر. ثم تكلم جعفر بشيء قاله للفضل، فقال الفضل : إشهد عليه يا أمير المؤمنين. فقال جعفر : فض الله فاك يا جاهل إذا كان أمير المؤمنين الشاهد، فمن الحاكم المشهود عنده؟ فضحك الرشيد وقال يا فضل لا تمار جعفراً فإنك لا تقع منه
موقعاً» (1).
وما ذكره (عليه السلام) في هذه الحكمة المتعالية، نشاهده ويعاينه كل متفحص لأحوال الدنيا والتاريخ من علوم وفضائل وخصائص نفسية، فإن المحظوظ من علم أو فضيلة أو رئاسة أو سلطان، تضاف إليه شوارد تلك الفضيلة وذلك الفن ومن الأمثلة : حاتم الطائي، فقد تحدث الناس عن جوده، وأكثروا حتى أضافوا إليه الكثير من مناقب الجود والكرم، حتى ما لم يذكر في التاريخ له وقل إن شئت في عنترة في بطولاته وشجاعته، نظير الأول. وكذلك نفس الشيء ما اشتهر به أبو نؤاس في الخمرة، يضاف إليه من الشعر في هذا الفن، مما لم يكن له على الإطلاق ؛ وقل إن شئت في المتنبي نفس الشيء ومثله هارون الرشيد، فقد ذكر للأول شعرٌ لم يقله قط، وبالغ الناس في ادعائه النبوّة، وذكروا للرشيد محاسن ومناقب ليس هو منها في شيء، والعكس صحيح، فإن كثيراً من الفقهاء والشعراء والأدباء لم نجد لهم ذكراً في التاريخ، مع أنهم أصحاب فضيلة لا تنكر وليس هذا فحسب، بل إن اثارهم من معارف وأدب وشعر، مما خلفوه وراءهم، تنسب إلى غيرهم. بل إننا وجدنا كتباً ومصنفات، فى جملة من ضروب الأدب والعلم تنسب إلى غير أهلها، وقد خمل ذكر مصنفيها، وتنسب إلى غيرهم من ذوي النباهة والصيت، وتلك أقدار السموات تفعل ما تشاء.
1) المصدر السابق ص 244 المجلد 4.
وهُوَ مِنْ خَبَرِ ضِرار بن ضُمْرة الضبائي، عِنْدَ دُخُولِهِ على معاوية ومسألتِهِ لهُ عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: فأشْهَدُ لَقَدْ رأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مواقِفِهِ، وقد أرخى الليلُ سُدُوله، وهو قائم في محرابِهِ قابِضُ على لحيته يتملَمَلُ تَمَلْمُلَ السَّليم، ويبكي بكاء الحزين وهو يقول :
یا دُنْيا يا دنيا إليكِ عَنِّي، أَبِي تَعَرَّضْتِ، أَمْ إِليَّ تَشَوّفْتِ، لا حانَ حينكِ، هَيْهاتَ غُرّي غيري لا حَاجَةَ لي فيكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاثاً لا رَجْعَةً فيها، فعيشُكِ قصير، وخطرُكِ يسيرُ، وأمَلُكِ حقيرٌ، آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وطُولِ الطَّريقِ وبُعْدِ السّفر وعظيم المؤرد.
البيان والشرح:
السدول، جمع سديل : وهو ما أسدل على الهودج، ويجوز في جمعه إسدال وسدائل وهو ههنا استعارة مليحة واضحة والتململ : عدم الإستقرار من المرض، كأنّه على رماد حار، والسّليم الملسوع، ويروى تشوقت بالقاف.
وقوله (عليه السلام) لا حان حينك : دعاء عليها أي لا حضر وقتك كما تقول لا كنت وفي التاريخ حول هذا الخبر روايتان الأولى : وهي لضرار بن ضمرة، والثانية لضرار بن حمزة الضبائي، ولا بأس فيما نرى، بل هو من الراجح بالتعريج على الروايتين كي يكون النفع أعم والمحصل أقوى.
«ففي الشرح الحديدي عن كتاب عبد الله بن إسماعيل بن أحمد الحلبي، في التذييل على نهج البلاغة : وذكر الرياشي خبر ضرار بن ضمرة قال : دخل ضرار على معاوية، وكان ضرار من صحابة علي (عليه السلام)، فقال له معاوية : صف لي علياً. قال : أو تعفني؟ قال : لا أعفيك. قال : ما أصف منه،
وكان والله شديد القوى بعيد المدى، يتفجر العلم من أنحائه والحكمة من أرجائه، حسن المعاشرة، سهل المباشرة، خشن المأكل، قصير الملبس، غزير العبرة طويل الفكرة، يقلب كفّه ويخاطب نفسه، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألنا، ويبتدئنا إذا سكتنا، ونحن مع تقريبه لنا أشدّ ما يكون صاحب لصاحب هيبة، لا نبتدئه الكلام لعظمته، يحبّ المساكين، ويقرب أهل الدين، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه... إلى تمام الخبر الذي سيلتقي مع الرواية الثانية الآتية.
وذكر أبو عمر بن عبد العزيز في كتاب «الإستيعاب» هذا الخبر فقال : حدَّثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال : حدَّثنا يحيى بن مالك بن عائد قال : حدَّثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مقلة البغدادي بمصر، وحدَّثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال : حدَّثنا العكلي عن الحرماني، عن رجل من همدان قال : قال معاوية لضرار الضبائي : يا ضرار صف لي عليا. قال : أعفني يا أمير المؤمنين. قال : لتصفنّه قال : أما إذ لا بُدَّ من وصفه كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، غزير العبرة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استفتيناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين ولا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول : يا دنيا غري غيري تعرضت أم إليَّ تشوقت هيهات هيهات قد باينتك ثلاثاً لا رجعة لي فيها، فعمرك قصير وخطرك حقير او من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.
فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا حسن كان والله كذلك، فكيف حزنك علیه با ضرار قال : حزن من ذيح ولدها في حجرها» (1).
1) الإستيعاب - أبو بكر ابن عبد البر.
ومن كلام له (عليه السلام): الصَّلاةُ قُربانُ كُلّ تقي، والحَجُ جهادُ كُلّ ضعيف، ولِكُلّ شيءٍ زكاة وزكاة البدنِ الصّيام، وجِهادُ المرأةِ حُسْنُ التَبعُّل.
البيان والشرح:
جاء في الحديث الصحيح عنه (صلى الله عليه وآله): «الصلاة قربان كلّ تقي». وقال: «الصلاة خير موضوع فمن شاء فليكثر ومن شاء فليقل«وعنه (صلّى الله عليه وآله): «الصلاة عمود الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين»، وقال تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (1)، وقال جل شأنه: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (2)، وما ذكره (عليه السلام) يشير إلى النتيجة والفائدة والحكمة المرجوة من القيام لغرض الصلاة، فهي صلة بين العبد وربه، وهي الطريق إلى التقرب إلى الله والفوز برضوانه، ألم تر إلى تاركي الصلاة كيف كان جوابهم حين سُئِلوا عن الصلاة؟ قال تعالى : (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (3)وفي الحج يقول سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (4)، وفي الصوم قوله (عليه السلام) وزكاة البدن الصيام: أي طهارته وفيه جاء الحديث الشريف عنه (صلى الله عليه وآله): «الصوم
جنة من النار»: أي حاجز وحجاب ومانع. وقال (صلى الله عليه وآله) : «صوموا تصحوا». وقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (1).
وقوله (عليه السلام): جهاد المرأة حسن التبعل وفيه نزل قوله تعالى : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (2)، وحسن التبعل : هو حسن المعاشرة للبعل، وحفظ ماله وعرضه وطاعته فيما يأمر به، وترك الغيرة فإنها باب الطلاق ومنه قوله (صلى الله عليه وآله) من تزوج أحرز ثلثي دينه، فليتق الله في الثلث الآخر وقول سيد المرسلين (صلّى الله عليه وآله) : «ما وهب الله لامرىء هبة خير من زوجة تسرُّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها وتحفظه إذا غاب عنها».
«ومما يليق بهذا الباب أنّ أمرأة من حكيمات نساء العرب، أوصت ابنتها ليلة إهدائها فقالت لها : لو تركت الوصية لأحد لحسن أدب وكرم وحسب، لتركتها لك، لكنها تذكرة للغافل ومؤونة للعاقل إنكِ قد خلفتِ العش الذي فيه درجات، والوكر الذي منه خرجت إلى منزل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه فكوني له أمةٌ يكُن لك عبداً، وأحفظي مني خصالاً عشراً: أما الأولى والثانية، فحسن الصحابة بالقناعة، وجميل المعاشرة بالسمع والطاعة، ففي حسن الصحابة راحة القلب، وفي جميل المعاشرة رضا الربّ، والثالثة والرابعة التفقد لمواقع عينه، والتعهد لمواضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يجد أنفه منك خبيث ريح، وأعلمي أنّ الكحل أحسن الحسن المفقود، وأنَّ الماء أطيب الطيب الموجود. والخامسة والسادسة، الحفظ لماله والإرعاء على حشمه وعياله، وأعلمي أنَّ أصل الإحتفاظ بالمال حسن التقدير، وأصل الإرعاء على الحشم والعيال حسن التدبير والسابعة والثامنة التعهد لوقت طعامه، والهدوء والسكون عند منامه فحرارة الجوع ملهبة وتنغيص النوم مغضبة،
والتاسعة والعاشرة لا تفشين له سراً، ولا تعصين له أمراً، فإنك إن أفشيت له سره لم تأمني غذره، وإن عصيت أمره أو غرت صدره.
وأوصى الفرافصة الكلبي إبنته نائلة حين أهداها إلى عثمان الخليفة فقال : يا بنيّة، إنك تقدمين على نساء من قريش من أقدر على الطيب منك، ولا تغلبين على خصلتين : الكحل والماء. تطهري حتى يكون جلدك ريح شنّ أصابه مطر، وإيّاك والغيرة على بعلك، فإنها مفتاح الطلاق.
وزوّج عامر بن الظرب إبنته من ابن أخيه فلما أراد تحويلها قال لأمها : مُري أن لا تنزل مفازة إلا ومعها ماء، فإنه للأعلى جلاء وللأسفل نقاء، ولا تكثر مضاجعته فإذا ملّ البدن ملّ القلب ولا تمنعه شهوته، فإن الحظوة في المواقعة فلم يلبث إلا شهراً حتى جاءته مشجوجة، فقال لابن أخيه : يا بني إرفع عصاك عن بكرتك، فإن كان من غير أن تنفر بك، فهو الداء الذي ليس له دواء، وإن لم يكن بينكما وفاق ففراق الخلع أحسن من الطلاق، وإن تترك أهلك ومالك، فردّ عليها صداقها، وخلعها منه، فهو أول خلع كان في العرب» (1).
1) شرح النهج الحديدي - ص 308 مجلد 4.
ومن كلام له (عليه السلام) لكميل بن زياد النَّخَعي. قال كُمَيلُ بنُ زِيادٍ : أَخَذ بيدي أخَذَ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأخرجني إلى الجبّان، فلمّا أصْحَر تنفس الصعداء ثم قال :
يا كميلُ بنُ زِيادٍ إِنَّ هَذِهِ القُلوبَ أوْعِيةً فخَيْرُها أَوْعاها، فَأَحفَظُ عَنّي ما أقولُ لَكَ : النَّاسُ ثَلاثَةُ : فَعالِمٌ ربّاني، ومتَعلِمُ على سبيل نجاة، وهَمَجٌ رَعاعٌ أتباع كلّ ناعِقِ يميلون مع كُلّ ريح، لم يَسْتَضيئُوا بِنورِ العِلْمِ، وَلَمْ يَلْجأوا إلى رُكن وثيق. يا كميل، العِلْمُ خَيرٌ مِنَ المال : العِلْمُ يَحْرِكَ وَأَنْتَ تَحْرِسُ المال، والمالُ تُنْقِصُهُ النَّفقة، والعِلْمُ يَزْكُو على الإنفاق، وصَنيعُ المال يزُولُ بزواله. يا كُميْلُ بْنُ زياد، معرفةُ العِلْم دينُ يُدانُ بهِ، وبه يَكْسِبُ الإِنْسانُ الطّاعة في حياتِهِ، وجَميلَ الأحدوثة بَعْدَ وفاتِهِ. والعِلْمُ حاكم والمال محكوم عليه، يا كميل بن زياد، هَلِكَ خُزّان الأمْوالِ وَهُمْ أحْياءُ، والعُلماءُ باقُونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ. أعيانُهُمْ مفقودةٌ، وَأَمْثَالَهُمْ فِي القُلوبِ مَوجُودَةٌ، هَا إِنَّ هَاهُنا لَعِلْماً جَماً (وأشار بيده إلى صدره) لو أصبتُ له حَمَلَةٌ، بلى أصيبُ لِقناً غير مأمون عَلَيْهِ، مُسْتعملاً آلَةَ الدّين للدّنيا، ومُسْتَظْهِراً بنعم الله على عِبادِهِ، وَبِحُجَجِهِ على أوليائه، أو مُنْقاداً لحمَلَةِ الحق لا بصيرة له في أحنائِهِ، ينقدحُ الشكُ في قَلْبِهِ لأوّل عَارض مِنْ شُبْهَةٍ، ألا لا ذا ولا ذَاكَ. أَوْ مَنْهُوماً باللذَّةِ سَلسَ القِيادِ للشهوة، أوْ مُغْرَماً بالجَمْعِ والإدخار ليسا مِنْ رُعاة الدين في شيء. أَقْرَبُ شيءٍ شَبْهاً بهما الأنْعامُ السَّائمةَ، كَذَلِكَ يَموتُ العلمُ بمَوتِ حَامِليه. اللهُمّ بلى. لا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ
385
قائم للهِ بِحُجّة. إمّا ظاهراً مشهوراً وإمّا خائِفاً مغموراً. لِيْلا تَبْطُل حُجَجُ الله وبيّناتُهُ وكَمْ ذاكَ وأَيْنَ؟ أولئك والله الأقلّون عدداً، والأعْظَمُونَ عِنْدَ الله قَدْراً يَحْفظُ الله بِهِمْ حُجَجَهُ وبَيِّنَاتِه حَتَّى يُودِعُوها نُظراءَهُمْ، ويَزْرَعُوها في قُلوبِ أشباهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ العِلْمُ عَلى حَقيقة البصيرة، وباشروا رُوحَ اليَقين واستلانوا ما استوعَرَهُ المُتْرِفونَ، وأنسوا بما اسْتَوحَشَ مِنْهُ الجاهلون، وصَحِبُوا الدّنيا بأبْدانِ أزواحُها مُعلَّقة بالمحلَّ الأعلى، أولئكَ خُلَفَاءُ اللَّهُ فِي أَرْضِهِ، والدُّعاةُ إلى دينِهِ آه آه شوقاً إلى رُؤيَتِهِمْ إِنْصَرِفْ يا كُمَيْلُ إِذا شِئْتَ.
البيان والشرح:
الجبان والجبانة : الصحراء في الأصل، ثمّ أصبحت علماً في روضات القبور. وتنفس الصعداء: بمعنى أنه تنفس تنفساً ممدوداً طويلاً، والتقسيم الذي ذهب إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) تقسیم صحيح، وهو باعتبار الأمور الإلهية، فالبشر في ذلك على ثلاثة أقسام : منهم إما عالم بالله على الحقيقة، يعرفه بيقين وعزيمة ثابتة راسخة فيه، وإمّا شارع ماض في الوصول إلى ذلك، فهو لمّا يزل في السفر إلى الله يطلب معرفته بطريق آياته، وبالتعلم والإستفادة من العلماء، وإمّا لا الأول ولا الثاني فهو العامي الساذج الذي لا يعباً بالمعرفة، ولا يعمل للوصول إلى اليقين بل هو سادر في غيّه ماض في بلهه، ولهذا وصفهم (عليه السلام) بأنهم همج رعاع، أتباع كل ناعق ولذا فهم يتنقلون من تقليد شخص لآخر، لأدنى شبهة وأقل وهم وخيال.
ثم ذكر (عليه السلام) العلم وفضله على المال، فقال : العلم يحرسك وأنت تحرس المال وهذا أحد وجوه التفضيل، فما يحرسك ويدافع عنك خير مما تحرسه وتكدّ في الدفاع والمحافظة عليه، ثم ذكر وجهاً ثانياً فقال : المال ينقص بالإنفاق منه، والعلم لا ينتقص بالإنفاق، بل هو يزكو على الإنفاق، والعلة في ذلك، أن الإفاضة من العلم على التلامذة تفيد المعلم زيادة في الإستعداد، وتقرر في نفسه تلك العلوم التي يلقيها على تلامذته وتثبتها وتزيدها رسوخاً، بل أكثر من ذلك تفتح له معارج
لأبواب من العلم أخرى، وهكذا دواليك.
وقوله (عليه السلام): المال يزول بزواله كلام شريف لا يدانيه كلام في حكمته، إذا استثنينا كلام الله سبحانه وتحت هذا الكلام سرّ دقيق، والوجدان والضرورة يحتمان أنّ المال إنما يظهر أثره ونفعه في الأمور الجسمانية والملاذ الشهوانية كالدور وكالنساء والمأكل والمشرب والملابس، ونحو ذلك من الأمور الدنيوية، وهذه كلها تزول بزوال المال، أو على الأقل بزوال ربّ المال، ولذا نرى صاحب المال، إذا أفلس من ماله، أضطر لبيع بنيه وخيله والإماء، وهو بعد ذلك يمتنع من المآكل الشهية والملابس البهية التي كان عاكفاً عليها أيام يسره، وأيضاً، فإنّ صاحب المال إذا مات زالت تلك الآثار، بخروجه عن الدنيا، وذلك لأن العالم بالله سبحانه لا يعود بعد الموت جاهلاً به، وذلك لأنّ انتفاء العلوم البديهية عن الذهن وما يلزمها من اللوازم، بعد حصولها، حقيقة في النفس محال نسيانها وذهابها عن فكر الإنسان.
وعليه فقد صدق قوله (عليه السلام) في الفرق بين المال والعلم، وذلك أنّ صنيع العلم في النفس الناطقة هو اللذة الفعلية الدائمة، لدوام سببها، وهو حصول العلم في جوهر النفس الذي هو بدوره مقسوم النفس، مع إنتفاء ما يشغلها عن التمتع به والتلذذ بمصاحبته، والذي كان يشغلها عنه في الدنيا إستغراقها في تدبير البدن، وما تورده عليها الحواس من الأمور الخارجية، ولا شك بأنّ العاشق إذا خلا بمعشوقه وانتفت عنه أسباب الكدر، كان في لذة عظيمة لا تعادلها لذّة، وهذا سرّ قول أمير المؤمنين (عليه السلام): وصنيع المال يزول بزواله، وقوله (عليه السلام): معرفة العلم دين يدان به والتقدير في الكلام أن فضل العلم وشرفه ووجوب طلبه دین یدان به بمعنى أنَّ معرفته تؤدي إلى الدين الذي نتمسك به ونعرفه ولذا أردف (عليه السلام) فقال : العلم يكسب الإنسان الطاعة في حياته، ضرورة أن من يدين بفكرة فعليه الإلتزام بمبادئها، أي من كان عالماً كان لله مطيعاً، فقد قال الله سبحانه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (1).
1) سورة فاطر : الآية 28.
وليس هذا فحسب، من فوائد وفضائل بل وجميل الأحدوثة بعد وفاته، بمعنى الذكر الجميل والحسن بعد موته ثم عاد (عليه السلام) إلى تفضيل العلم على المال من وجه ثالث فقال : العلم حاكم والمال محكوم عليه، لأننا قد نعلم أن المصلحة في إنفاق المال فننفقه وقد نعلم أن المصلحة في إمساكه فنمسكه فالعلم بالمصلحة داع وبالمضرّة صارف، وهما أمران حاكمان التحركاتنا وتصرفاتنا، إقداماً وإحجاماً، ولا يكون أحدنا قادراً مختار إلا باعتبار العنوانين، وهما ليس سوى عبارة عن العلم أو ما يجري مجراه من اعتقاد وظن، وعليه فقد ظهر أن العلم بما هو علم حاكم، وأن المال محكوم بأحد مظاهر العلم بعنوان من معانيه.
ثم أردف (عليه السلام) قائلاً : هلك خزان المال وهم أحياء، والأمر كذلك، لأنَّ المال المخزون نظير الصخرة المدفونة تحت الأرض، فلا خير فيهما، والهلاك بإعتبارين : أولهما، لأن صاحبه لم يلتذ بإنفاقه، ولم يصرفه في الوجوه التي ندب الله تعالى إليها والثاني لأن تخزينه في الدنيا سيعرض صاحبه للمسؤولية في الآخرة، حيث يقال له : من أين لك هذا؟ وأيضاً لم ينفقه في وجوه البرّ وصلة الأرحام وفيما ندب إليه سبحانه من أعمال الخير وغيرها، فالأول هو الهلاك المادي، والثاني هو الهلاك الحقيقي المعنوي الدائم.
ثم قال (عليه السلام): والعلماء باقون مابقي الدهر، وكلامه (عليه السلام) هنا له ظاهر وله باطن، فظاهره قوله : أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة أي آثارهم وما دونوه من العلوم، فكأنهم موجودون، وباطنه أنّهم موجودون حقيقة لا مجازاً على قول من ذهب إلى بقاء الأنفس، وقوله (عليه السلام) وأمثالهم في القلوب كناية ولغز ومعناه ذواتهم في حظيرة القدس والمشاركة بينها وبين القلوب ظاهرة، لأنَّ الأمر العام الذي يشملهما هو الشرف، فكما أن تلك أشرف عالمها فكذلك القلب أشرف عالمه فاستعير لفظ أحدهما وعُبّر به عن الآخر.
وقوله (عليه السلام) : ها إنّ ههنا لعلماً جماً، وأشار بيده إلى صدره،
والإشارة هنا إلى العرفان، والوصول إلى المقام الأشرف الذي لا يصل إليه إلا الواحد الفلّ من العالم، ممّن لله تعالى فيه سرّ وله به إتصال، وهو مقام الأنبياء والأوصياء والحكماء. ثمّ قال (عليه السلام): لو أصبت له حملة؛ ومن ذا الذي يطيق حمل علم الإمام؟ بل من ذا الذي يطيق فهمه، فضلا عن حمله؟ ثم قال : بلى أصيب. ثم قسّم الذين يصيبهم إلى خمسة أقسام : أولها : أهل الرياء والسمعة، وأهم أكثر الناس في أيامنا هذه، وهم الذين يظهرون الدين والعلم ومقصودهم الدنيا، فيجعلون الدين شبكة لإقتناص الدنيا، وهم شرّ النّاس بنص الحديث النبوي الشريف وثانيها، قوم من أهل الخير والصلاح، ولكن ليسوا بذوي بصيرة في الأمور الإلهية الغامضة، فيخاف من إفشاء السرّ إليهم أن تنقدح في قلوبهم شبهة بأدنى خاطر، فإنّ مقام اليقين والمعرفة خطير صعب، لا يثبت تحته إلا الأفراد القلائل من الرجال الذين أيدوا بالتوفيق والعصمة، ولذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «حديثنا آل محمد صعب مستصعب، لا يتقبله إلا ملك مقرّب أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه بالإيمان»، وثالثها، رجل صاحب شهوة ولذة، مشغول بقضاء وطره من كل مفسدة فليس من رجال هذا الباب ورابعها رجل مولع بجمع المال لا ينفقه في شهواته ولا في غير شهواته، فحكم هذا حكم ما قبله، ثم مهد (عليه السلام) إلى القسم الخامس وهو الأعلى والأشرف فقال : كذلك يموت العلم بموت حامليه، والمراد أنه إذا مات (عليه السلام) مات العلم الذي في صدره، لأنه لم يجد أحداً ليدفعه إليه ويورثه إياه.
ثم استدرك فقال : اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله تعالى، كيلا يخلو الزمان، ممن هو مهيمن لله تعالى على عباده ومسيطر عليهم وهذا تصريح لا لبس فيه ولا غموض، بمذهب الإمامية الإثني عشرية وغالبية أهل السنة والجماعة في المهدي المنتظر من آل محمّد (عليه السلام)، صاحب العصر والزمان الذي يخرج في آخر الزمان، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلما وجوراً، والإشارة إليه وإلى أصحابه في الحديث الأنف الذكر، وليس المراد بهم الأبدال، على ما ذهب إليه بعضهم، والذين وردت الأخبار
النبوية عنهم أنهم في الأرض سائحون، فمنهم من يعرف ومنهم من لا يعرف، وأنهم لا يموتون حتى يودعوا السرّ، وهو العرفان عند قوم آخرين يقومون مقامهم، ثمّ استنزر الإمام (عليه السلام) عدد أتباع المهدي (عليه السلام) فقال : وكم ذا؟ أي كم ذا الفريق؟ ثمّ قال: وأين أولئك؟ أستبهم مكانهم ومحلّهم، ثم قال : هم الأقلون عدداً، الأعظمون قدراً، وهم الذين هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، حيث انكشف لهم المستور المغطى، وباشروا راحة اليقين وبرد القلب وثلج العلم، واستلانوا ما شقّ على المترفين من الناس، ووعر عليهم مثل التوحيد ورفض الشهوات الدنيوية وخشونة العيش. ثمّ قال (علیه السلام) وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون يعني الوحدة والعزلة ومجانبة الناس وطول الصمت والخلوة للعبادة والتفكر باثار الله، ثمّ قال : وصحبوا الدنيا بأرواح أبدانها معلقة بالمحل الأعلى، وذهب إلى هذا الرأي بعض أصحاب الحكم من تعلق النفوس المجرّدة بمبادئها من العقول المفارقة، فمن كان أزكى كان تعلقه بها أتمّ، ثمّ قال أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه ؛ ولا شبهة بأن الإنسان بوصوله إلى مرتبة العرفان، يستحق أن يسمى خليفة الله في أرضه.
ثمّ قال آه آه شوقاً إلى رؤيتهم، والحق الذي لا مراء فيه، أنه (عليه السلام) أحق بأن يشتاق إليه، لأن وحدة الجنس علة الضم والشيء يشتاق إلى ما هو من سنخه ونوعه، ولمّا كان أمير المؤمنين (عليه السلام)، بإجماع أهل التوحيد، شيخ العارفين، لا جرم أن اشتاقت نفسه الشريفة إلى مشاهدة أبناء جنسه من أنبياء وصديقين ورسل وأوصياء، وإن كل واحد من الناس دون طبقته، ما خلا ابن عمّه سيد البشر (صلى الله عليه وآله، ثم قال لكميل : أنصرف إذا شئت، ولو قال له : إنصرف فقط، لكان أمراً وحكماً بالإنصراف لا محالة، فيكون فيه نوع علوّ لكنه (عليه السلام) لعظيم ناموسه وجلالة دينه وقدره، قال : إذا شئت، ليخرجه من ذلّ الحكم وقهر الأمر إلى عزّة الإختيار والمشيئة (1).
1) عن شرح نهج البلاغة الحديدي - بتصرف ص 311 و 312 مجلد 4.
و من كلام له (عليه السلام) أنا وضعتُ في الصغر بكلاكل العَرَب، وكَسَرْتُ نواجِمَ قُرونِ ربيعة ومُضَرَ، وقَدْ عَلِمْتُمْ مَوضِعي مِنْ رَسُولِ الله (صلى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة : وضعني في حِجْره وأنا وليد، يضمّني إلى صَدْرِهِ ويكتفني فِي فِراشِهِ، ويَمُسُّني جَسَدُهُ ويُشِمّني عرفه، وكَانَ يَمْضَعُ الشيء ثُمَّ يُلْقِمُنيه، وما وجَدَ لي كذبةٌ في قول. ولا خطلة في فِعْل، ولَقَدْ قَرَنَ الله به (صلى الله عليه وآله)، مِنْ لَدُنْ أنْ كانَ فَطيماً، أعْظم مَلَكَ مِنْ مِلائِكَتِهِ يَسْلُكُ به طريق المكارم، ومَحَاسِنَ أخْلاقِ العالم. لَيْلَهُ ونَهارَهُ، ولَقَدْ كُنْتُ أتَّبِعَهُ اتِّباعَ الفصيل أثرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لي فِي كُلّ يَومٍ مِنْ أخلاقِهِ عَلَماً، ويأمرني بالإقتداء به، ولَقَدْ كَانَ يُجاوِرُ في كُلّ سنة بحراء، فأراهُ ولا يَراهُ غَيْرِي، ولمْ يَجمع بيتُ واحِدٌ يومئذٍ في الإسلام غيْرَ رَسُولِ الله (صلى الله عليه وآله) وخَديجة وأنا ثالثهما، أرى نُورَ الوَحْي والرسالة، وأسم ريحَ النبوَّةِ، ولَقَدْ سَمِعْتُ رَنّةَ الشيطانِ حينَ نَزِلَ الوحْيُ عليهِ (صلى الله عليه وآله)، فقلت: رسول الله ما هذه الرنّة ؟ فقال : هذا الشيطانُ قَدْ أيسَ مِنْ عِبادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ ما أسْمَعُ، وتَرى ما أرى، إلا أنَّك لسْتَ بنبي، ولكنك لوزير، وإنك لعلى خير.
البيان والشرح:
الباء في قوله (عليه السلام): بكلاكل العرب زائدة والكلاكل: الصدور الواحد كلكل، والمعنى أني أذللتهم وصرعتهم إلى الأرض، ونواجم قرون ربيعة ومضر : يعني من نجم وظهر وعلا قدره وطار صيته منهم، فأما قهره
لمضر، فمعلوم من بدر وأحد والأحزاب وغيرها، وأما ربيعة، فقد قتل (عليه السلام) بيده وبجيشه كثيرا من رؤسائهم في صفين والجمل، وبذلك يكون (عليه السلام) قد قتل، والحال هذه أكابر القوم من ربيعة ومضر.
ويرجح البعض أنه قد خطب هذه الخطبة (عليه السلام)، بعد انقضاء النهروان والعرف بالفتح الريح الطيبة، ومضغ الشيء : يمضغه بفتح الضاد، بمعنى أنه يلوكه حتى يسهل از دراده وابتلاعه؛ والخطلة في الفعل : الخطأ فيه وإيقاعه على غير وجهه وحراء : إسم جبل بمكة معروف، والرنّة الصوت والقرابة القريبة بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) دون غيره من أبناء الأعمام: كونه ربّاه في حجره، ثمَّ حامى عنه (عليه السلام) ونصره، عند إظهار الدعوة، بما لا مزيد عليه، حتى كاد أن يتلف أكثر من مرّة، دون غيره من بني هاشم، ثمّ ما كان ما بينهما من المصاهرة التي أفضت إلى أطهر نسل خلقه الله على الأرض دون غيره من الأصهار.
«وقد روى الطبري (1)في تأريخه، قال: حدَّثنا ابن حميد قال : حدَّثنا سلمة قال : حدَّثني محمد بن إسحاق قال : حدَّثني عبد الله بن نجيح عن مجاهد قال : كان من نعمة الله عز وجل على علي بن أبي طالب (عليه السلام) وما صنع الله له وأراد به من الخير أنَّ قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للعباس، وكان أيسر بني هاشم يا عباس إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمة، فانطلق بنا، فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بيته واحداً، وتأخذ واحداً فنكفيهما عنه فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك، حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما : إن تركتما لي عقيلاً، فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام)، فضمه إليه، وأخذ العباس جعفراً (عليه السلام) فضمه إليه فلم يزل علي بن أبي طالب (عليه السلام) مع
1) التاريخ الكبير - محمد بن جرير الطبري.
رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بعثه الله نبياً، فأتبعه علي (عليه السلام)، فأقرّ به وصدّقه ولم يزل جعفر عند العبّاس، حتى أسلم واستغنى عنه».
«قال الطبري (1): وحدَّثنا ابن حميد قال : حدَّثنا سلمة قال : حدَّثنا محمد بن إسحاق قال : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، مستخفياً من عمّه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثمَّ إِنَّ أبا طالب عثر عليهما يوماً وهما يصليان، فقال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ابن أخي ما هذا الذي أراك تدين به؟ قال: يا عم هذا دين الله ودین ملائكته و دین رسله ودين أبينا إبراهيم، أو كما قال : بعثني الله به رسولاً إلى العباد، وأنت يا عمّ أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه. فقال أبو طالب يا ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق ديني ودين ابائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك شيء تكرهه ما بقيت.
قال الطبري وقد روى هؤلاء المذكورون أن أبا طالب قال لعلي (عليه السلام) يا بني ما هذا الذي أنت عليه؟ فقال : يا أبت إني آمنت بالله ورسوله وصدقته بما جاء به وصليت لله معه فقال له : أما إنه لا يدعو إلا إلى خير فالزمه».
قلت : لقد كان أبو طالب - رضي الله عنه - مؤمن قريش الصامت، في تقيّة شديدة وذلك وبتظاهره أنه على دين الآباء، تمكن من الدفاع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكافح طغاة قريش وزعماءها، ودفعها عن إلحاق الضرر والأذى بسيد البشر (صلى الله عليه وآله)، على أن دين الآباء الذي أشار إليه ودين عبد المطلب هو الحنيفية السمحاء، وهي دين سيدنا إبراهيم صلوات الله عليه ولله درّ أبي طالب حيث يقول : (2)
ولقد علمت بأن دين محمد***من خير أديان البرية دينا
والله لن يصلوا إليك بجمعهم***حتى أوسد في التراب دفينا
فأصدع بأمرك ما عليك غضاضة***وابشر بذاك وقر منك عيونا
ودعوتني وعلمت أنك صادق***ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
ويقول أبو طالب - رحمه الله - (1):
إنَّ علياً، وجعفراً ثقتي***عند ملمّ الخطوب والنوب
لا تخذلا، وانصرا ابن عمكما***أخي، لأمي، من بينهم، وأبي
والله، لا أخذل النبي، ولا***يخذله من بني ذو حسب
ويقول (2)، للنجاشي ملك الحبشة :
تعلم مليك الحبش أنَّ محمداً***نبي، كموسى والمسيح بن مريم
أتي بالهدى مثل الذي أتيا به***فكل بأمر الله يهدي لمعصم
وأنتم تتلونه في كتابكم***بصدق حديث لا حديث المرجم
فلا تجعلوا لله نَدَّاً وأسلموا***فإنّه طريق الحق ليس بمظلم
وإنَّك ما تأتيك منا عصابة***لقصدك، إلاّ أرجعوا بالتكرم
ويقول (3)، مخاطباً سيد الشهداء حمزة (عليه السلام) :
قصبراً، أبا يعلى، على دين أحمد***وكن مظهراً للدين، وفقت صابرا
وحط من أتى بالحق من عند ربه***بصدق، وعزم لا تكن حمزة كافرا
فقد سرني، إذ قلت: إنّك مؤمن***فكن لرسول الله في الله ناصرا
وباد قريشاً، بالذي قد أتيته***جهاراً، وقل ما كان أحمد ساحرا
ويقول (1)، موصياً بني هاشم بالنبي (صلى الله عليه وآله) :
أوصی، بنصر نبي الله. أربعة***ابني علياً، وعمّ الخير عباسا
وحمزة الأسد المخشي صولته***وجعفراً، أن تذودوا، دونه الناس
كونوا، فداءً لكم أمّي، وما ولدت***في نصر أحمد دون النّاس، أتراسا
ويوصي علياً أمير المؤمنين (عليه السلام) خاصة، بنصرته (صلى الله عليه وآله) :
صبرن، یا بني!! فالصبر، أحجى***كل حسي، مصيره لشعوب
قد بذلناك، والبلاء شديد***الفداء الحبيب وابن الحبيب
الأعزّ، ذي الحسب الثاقب***والباع والكريم النجيب
إن تصبك المنون، فالنبل تبری***فمصيب منها وغير مصيب
كل حيّ، وإن تملي، بعمر***آخذ من مذاقها، بنصيب
فأجابه (2)علي (عليه السلام):
أتأمرني بالصبر في نصر أحمد***ووالله ما قلت الذي قلت جازعا
ولكنني أحببت أن تر نصرتي***وتعلم أني لم أزل لك طائعا
سأسعى لوجه الله في نصر أحمد***نبي الهدى المحمود، طفلاً، ويافعا
وفي الفخر بالنبي العظيم (صلّى الله عليه وآله)، هاشم، يقول (3)أبو طالب :
إذا اجتمعت يوماً قريش لمفخر***فعبد مناف سرّها، وصميمها
فإن حصلت أشراف عبد منافها***ففي هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوماً، فإن محمداً***هو المصطفى من سرّها، وكريمها
تداعت قریش، غثها وثمينها***علينا، فلم تظفر، وطاشت حلومها
وكنا قديماً، لا نقر ظلامة***إذا ما ثنوا صُعْرَ الخدود نقيمها
ونحمي حماها كل يوم كريهة***ونضرب عن أحجارها مَنْ يرومها
بنا انتعش العود الذواء وإنما***بأكنافنا تندى، وتنمو أرومها
وفي لصق الحجر بيدي أبي جهل أخزاه الله، يوم أراد الإعتداء على سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) يقول (1):
أفيقوا بني عمنا، وانتهوا***عن الغي في بعض ذا المنطق
وإلا فإني إذاً، خائف***بوائق في داركم تلتقی
تكون لمن بعدكم عبرة***وربّ المغارب والمشرق
كم ذاق من كان من قبلكم***ثمود وعاد فماذا بقي
غداة أتتهم بها صرصر***وناقة ذي العرش إذ تستقی
فحل عليهم بها سخطة***من الله، في ضربة الأزرق
غداة يعض بعرقوبهها***حسام من الهند، ذو رونق
وأعجب من ذاك في أمركم***عجائب في الحجر الملصق
بكف الذي قام في جنبه***إلى الصابر الصادق المتقي
فأثبته الله في كفه***على رغم ذا الخائن الأحمق
وصفوة القول، في أبي طالب - رضوان الله عليه - : أنه مات على الحنيفية السمحاء وهي دين سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنّه مثل مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه في سبيل نصرة الحق والدين، وأن العداء والقول بعدم إسلامه جاء من خصوم ولده أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وفي طليعتهم معاوية والمغيرة وعمرو بن العاص، وأن بني أمية وبني العباس لعبوا دوراً في ذلك لإثبات إيمان أبي سفيان وعمّ النبي العباس - رضي الله
1) شرح النهج الحديدي - ص 318 مجلد 3.
عنه -، والغضّ من مقام ولده أمير المؤمنين بالقول بكفر أبيه شيخ الأباطح أبي طالب، وهناك مسألة أخرى وهي أنَّ الإسلام كان في أول الدعوة لا يقرّ بقاء الزواج مع اختلاف الدين، فقد فرَّق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين الزوجين، لاختلاف الدين أكثر من مرّة، وبناءً عليه، فقد كان عليه (صلى الله عليه وآله) أن يفرّق بين أبي طالب والسيدة فاطمة بنت أسد - رضوان الله عليها - وهي بالإجماع من المسلمات الأوائل، مع جلالة قدرها وعظيم شأنها، حتى أنه (صلى الله عليه وآله) كان يناديها يا أماه وفي الطائف، رفض النبي (صلى الله عليه وآله) أن ينزل في ضيافة رجل من القريتين عظيم، وهو الوليد بن المغيرة يوم خرج من مكة بعد وفاة عمّه أبي طالب وزوجته السيدة أم المؤمنين الأولى خديجة بنت خويلد، أقول رفض (صلّى الله عليه وآله) أن ينزل في كنف هذا الرجل، مع شرفه وخطره في العرب، حتى يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحينما رفض الوليد الشهادتين أبى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضيافته، فكيف يصح والحالة هذه أن يعيش (صلى الله عليه وآله) في كنف سيدنا أبي طالب المزعوم كفره! أللهم إنَّ هذا لبهتان عظيم ؛ وقد أجاد أبن أبي الحديد المعتزلي، حيث يقول (1):
ولولا أبو طالب وأبنه***لما مثل الدين شخصاً فقاما
فذاك بمكة آوى وحامي***وهذا بيثرب جس الحماما
تكفل عبد مناف بأمر***وأودى فكان عليّ تماما
فقل في ثبير مضى بعدما***قضى ما قضاه وأبقى شماما
فللّهذا فاتحاً للهدى***والله ذا المعالي حتاما
وماضر سجد أبي طالب***جهول لفا أو بصير تعامى
كما لا يضر ايات الصباح***من ظن ضوء النهار الظلاما
«وروى الطبري، في تاريخه أيضاً، قال: حدَّثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال : حدَّثنا عبد الله بن موسى قال : أخبرنا العلاء عن المنهال بن عمرو، عن
1) المصدر السابق - ص 322 مجلد 3.
عبد الله بن عبد الله قال : سمعت علياً (عليه السلام) يقول : أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، وأنا الفاروق الأول، أسلمت قبل إسلام أبي بكر، وصليت قبل صلاته سبع سنين. وكأنه (عليه السلام) لم يرتض أن يذكر عمر، ولا رأه أهلاً للمقايسة والمفاضلة بينهما لأنّ إسلام عمر كان متأخراً».
«وروى الفضل بن عبّاس - رحمه الله ؛ قال : سألت أبي عن ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذكور أيهم كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشدّ حباً له. فقال : علي بن أبي طالب (عليه السلام). فقلت له : سألتك عن بنيه ! فقال : إنه كان أحبّ إليه من بنيه جميعاً وأرأف ما رأيناه زايله يوماً من الدهر، منذ كان طفلاً إلا أن يكون في سفر لخديجة، وما رأينا أباً أبرّ بأبن منه لعلي، ولا إبناً أطوع لأب من عليّ له» (1).
التاريخ الكبير محمد بن جرير الطبري. «وقد روى محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة النبوية، قال : وروى الطبري في تأريخه، عن شداد بن أوس قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحدّث عن نفسه، ويذكر ما جرى له وهو طفل في أرض بني سعد بن بكر قال : لما ولدت استرضعت في بني سعد، فبينا أنا ذات يوم منتبذاً من أهلي في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان، نتقاذف بالجلة، إذ أتاني رهط ثلاثة معهم طشت من ذهب مملؤة ثلجاً، فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هراباً حتى انتهوا إلى شفير الوادي، ثم عادوا إلى الرهط فقالوا : ما أربكم إلى هذا الغلام؟ فإنه ليس منا هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا غلام يتيم ليس له أب فماذا يرد عليكم قتله؟ وماذا تصيبون من ذلك؟ ولكن إن كنتم لا بُدَّ قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فاقتلوه مكانه ودعوا هذا الغلام، فإنه يتيم. فلما رأى الصبيان أنَّ القوم لا يحيرون لهم جواباً، إنطلقوا هرابا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم، فعمد أحدهم فأضجعني إضجاعاً لطيفاً، ثمّ شقّ ما بين مفرق صدري إلى منتهى
عانتي، وأنا أنظر إليه، فلم أجد لذلك حساً، ثمّ أخرج بطني فغسلها بذلك الثلج قانعم غسلها، ثمّ أعادها مكانها، ثمّ قام الثاني منهم، فقال لصاحبه: تنح، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي، وأخرج قلبي وأنا أنظر إليه، فصدعه ثمّ أخرج منه مضغة سوداء فرماها، ثمّ قال بيده نميه منه، وكأنه يتناول شيئاً، فإذا في يده خاتم من نور تحار أبصار الناظرين له دونه، فختم به قلبي ثم أعاده مكانه، فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهراً، ثم قال الثالث لصاحبه: تنحّ عنه، فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتأم ذلك الشق ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضاً لطيفاً، وقال للأول الذي شق بطني : زنه بعشرة من أمته، فوزنني فوزنني بهم فرجحتهم فقال : دعوه، فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، ثمّ ضموني إلى صدرهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا يا حبيب الله، لا تُرَعْ، إنك لو تدري ما يُراد بك من الخير لقرّت عيناك.
فبينا أنا كذلك، إذا أني بالحي قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذا أمي، وهي ظئري أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وتقول: يا ضعيفاه، فانكب عليّ أولئك الرهط، فقبلوا رأسي وما بين عيني، ثمّ قالوا: حبذا أنت من وحيد، وما أنت بوحيد، إنَّ الله وملائكته معك والمؤمنين من أهل الأرض، ثمّ قالت ظئري : يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك، فأنكبوا علي وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا: حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على الله لو تعلم ما يراد بك من الخير؟ قال: فوصل الحي إلى شفير الوادي، فلما بصرت بي أمي، وهي ظئري نادت : يا بني، ألا أراك حياً بعد؟ فجاءت حتى انكبت علي وضمتني إلى صدرها فوالذي نفسي بيده، إني لفي حجرها قد ضمتني إليها وإن يدي لفي يد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم، فيقول بعض القوم : إن هذا الغلام قد أصابه لمم، أو طائف من الجنّ، فانطلقوا به إلى كاهن بني فلان، حتى ينظر إليه ويداويه. فقلت : ما بي شيء مما يذكر، إن نفسي سليمة، وإن فؤادي صحيح بي لیست علة. فقال أبي : وهو زوج ظئري : ألا ترون كلامه صحيحاً؟ إني لأرجو أن لا يكون على أبني بأس، فاتفق القوم على أن يذهبوا إلى
الكاهن، فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه، فقصّوا عليه قصتي فقال: أسكتوا حتى أسمع من الغلام فهو أعلم بأمره منكم، فسألني فقصصت عليه أمري، وأنا يومئذ ابن خمس سنين، فلما سمع قولي وثب وقال : يا للعرب أقتلوا هذا الغلام، فهو واللات والعزى لئن عاش ليبدلن دينكم وليخالفنّ أمركم وليأتينكم بما لم تسمعوا به قط. فانتزعتني ظئري من حجره وقالت : لو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك به، ثمّ احتملوني فأصبحت وقد صار في جسدي أثر الشق: ما بين صدري إلى منتهى عانتي، كأنه الشراك» (1).
«وروي أنّ بعض أصحاب أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) سأله عن قول الله عزّ وجل: (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) (2)فقال (عليه السلام) : يوكل الله تعالى بأنبيائه ملائكة يحصون، أعمالهم، ويؤدون إليه تبليغهم الرسالة، ووكل بمحمد (صلى الله عليه وآله) ملكاً عظيماً، منذ فصل عن الرضاع، يرشده إلى الخيرات ومكارم الأخلاق ويصدّه عن الشر ومساوي الأخلاق وهو الذي يناديه : السلام عليك يا محمد يا رسول الله، وهو شاب لم يبلغ درجة الرسالة بعد، فيظن أن ذلك من الحجر والأرض، فيتأمل فلا يرى شيئاً» (3).
«وأما حديث مجاورته (صلى الله عليه وآله) بحراء فمشهور، وقد ورد أنه كان يجاور في حراء من كلّ سنة شهرا، وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين، فإذا جاء من حراء كان أول ما يبدأ به إذا انصرف، أن يأتي باب الكعبة، قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعاً أو ما شاء الله من ذلك، ثمَّ يرجع إلى بيته، حتى جاءت السنة التي أكرمه الله فيها بالرسالة، فجاور في حراء شهر رمضان، ومعه أهله خديجة وعلي بن أبي طالب وخادم لهم، فجاءه جبريل بالرسالة.
وقال (صلى الله عليه وآله) جاءني وأنا نائم، بنمط فيه كتاب فقال :.إقرأ. قلت ما أقرأ ففتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، - إلى قوله - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (1)، فقرأته، ثم انصرف عني فانتبهت من نومي وكأنما كتب في قلبي كتاب.
«وأما حديث، أنّ الإسلام لم يجتمع عليه بيت واحد يومئذ، إلا النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وخديجة، فخبر عفيف الكندي مشهور، وهو أنَّ أبا طالب قال له : أتدري من هذا؟ قال: لا. قال: هذا أبن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وهذا أبني علي بن أبي طالب وهذه المرأة خلفهما خديجة بنت خويلد زوجة محمد ابن أخي، وايم الله ما أعلم على الأرض كلها أحداً على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة».
«وأما رنّة الشيطان، فروى أبو عبد الله أحمد بن حنبل، في مسنده عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: كنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، صبيحة الليلة التي أسري به فيها، وهو بالحجر يصلي، فلما قضى صلاته وقضيت صلاتي سمعت رنّة شديدة، فقلت: يا رسول الله، ما هذه الرنّة؟ قال : ألا تعلم ! هذه رنّة الشيطان علم أنّي أسري بي الليلة إلى السماء، فأيس من أن يعبد في هذه الأرض» (2).
وروي عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): قال كان علي (عليه السلام) يرى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل الرسالة الضوء الصوت، وقال له (صلى الله عليه وآله): «لولا أني خاتم الأنبياء لكنت ويسمع، شريكاً في النبوَّة، فإن لا تكن نبياً فإنك وصي نبي ووراثه، بل أنت سيد الأوصياء وإمام الأتقياء».
«وأمّا خبر الوزارة، فقد ذكره الطبري في تأريخه، عن عبد الله بن عبّاس
عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (1)على رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعاني فقال: يا علي، إنَّ الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين فضقت بذلك ذرعاً، وعلمت أني متى أنا أناديهم بهذا الأمر، أرى منهم ما أكره، فصمت حتى جاءني جبريل (عليه السلام) فقال : يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرت به يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عساً من لبن، ثمّ اجمع بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به». ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم وهم يومئذ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا إليه دعا بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) بضعة من اللحم، فشقها بأسنانه ثمّ ألقاها في نواحي الصحفة، ثمّ قال : كلوا بأسم الله. فأكلوا حتى ما لهم إلى شيء من حاجة، وأيم الله الذي نفس علي بيده كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمته لجميعهم، ثمّ قال : أسقِ القوم يا علي فجئتهم بذلك العس، فشربوا منه حتى رووا جميعاً وايم الله، إن كان الرجل منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لشدّ ما سحر كم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال من الغد: يا علي، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا اليوم إلى مثل ما صنعت بالأمس، ثمّ اجمعهم لي، ففعلت ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما لهم بشي ء حاجة، ثمّ قال : اسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا منه جميعاً حتى رووا، ثم تكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم أنَّ شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت
1) سورة الشعراء : الآية 214.
أنا، وإني لأحدثهم سناً وأرمضهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً : أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه فأعاد القول فأمسكوا وأعدت ما قلت فأخذ برقبتي ثم قال لهم: هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع. انتهى»(1).
وممّا يدل على أنه وزير رسول الله (صلى الله عليه وآله) من نص الكتاب والسنّة، قول الله تعالى : (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (2). وقال النبي (صلى الله عليه وآله) في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الإسلام: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنّه لا نبي من بعدي» فأثبت له جميع مراتب هارون من موسى، فإذا هو وزير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشاد أزره ولولا أنه كان خاتم النبيين لكان شريكاً في أمره.
ومِنْ عَهْدِ لَهُ (عليه السلام) إلى محمد بن أبي بَكْر - رَضِيَ الله عَنْهُ - حِينَ قَلَّدَهُ مِصْرَ : فإِنَّهُ لا سَوَاء إمامُ الهُدى وإمامُ الرَّدى، وَوليُّ النبي وعدو النبي. ولَقَدْ قال لي رَسُولُ الله (صلى الله عليه وآله) : إني لا أخافُ على أمتي مُؤمِناً ولا مُشْرِكاً : أمّا المؤمنُ فَيَمْنَعُهُ الله بإيمانه وأمَّا المشركَ فيَقْمَعُهُ الله بشركه، ولكنّي أخافُ عليكُمْ كُلَّ مُنافِقِ الجنانِ عالمِ اللّسانِ، يقولُ ما تعْرِفُونَ، ويَفْعَلُ ما تنكرون.
الشرح والمعاني :
قوله (عليه السلام) إمام الهدى، يشير بذلك إلى نفسه الشريفة، وبإمام الرَّدى إلى معاوية، وسمّاه إماماً، كما سمّى الله أهل الضلال أئمة، فقال سبحانه (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) (1)، ثمَّ وصفه بصفة أخرى، وهو أنه عدوّ النبي (صلى الله عليه وآله)، وليس هذا يعني أنه كان عدواً له فقط أيام حربه لقريش، بل أيضاً ويريد (عليه السلام) أنّه عدو لرسوله الآن، وذلك لأنه (صلى الله عليه وآله) قال له (عليه السلام) : وعدوك عدو الله ووليك ولي الله». ثمّ إن دلائل النفاق كانت ظاهرة على معاوية من فلتات لسانه ومن أفعاله.
ثمّ قال (عليه السلام): إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : إني لا أخاف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً، والمعنى : مشرك يظهر الشرك، لأنّ المؤمن يمنعه الله بإيمانه أن يضل الناس، والمشرك مظهر الشرك يقمعه الله، بإظهار
1) سورة الأنبياء : الآية 73.
شركه ويخذله ويصرف قلوب الناس عن اتباعه لأنهم ينفرون منه لأظهاره كلمة الكفر، ولهذا فلا تطمئن قلوبهم إليه ولا تسكن نفوسهم إلى مقالته ولكنه (صلى الله عليه وآله) خاف على أمته المنافق الذي يسرّ الكفر والضلال، ويظهر الإيمان والأفعال الصالحة، ومع ذلك فهو ذو لسن وفصاحة، يقول بلسانه ما تعرفون صوابه، ويفعل سرّاً ما تنكرونه لو أطلعتم عليه، وذاك أن من هذه صفته في العادة، تسكن نفوس الناس إليه، لأن الإنسان إنما يحكم بالظاهر، فيقلده الناس، فيضلهم ويوقعهم في المفاسد.
وممّا يناسب هذا المقام الكتاب الذي كتبه المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل على الله في سنة 284 هـ أربع وثمانين ومائتين ووزيره انذاك عبيد بن سليمان وقد ذكره محمد بن جرير الطبري أبو جعفر قال: وفي هذه السنة، عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس، فخوفه عبيد الله بن سلیمان اضطراب العامة، وأنه لا يأمن أن تكون فتنة، فلم يلتفت إليه، فكان أول شيء بدأ به المعتضد من ذلك، التقدم إلى العامة، بلزوم أعمالهم وترك الإجتماع والعصبية، ومنع القصاص عن القعود على الطرقات، وأنشأ هذا الكتاب، وعملت به نسخ قُرِئَت بالجانبين من مدينة السلام في الأرباع والمحال والأسواق، يوم الأربعاء، لِسِست بَقَيْنَ من جمادى الأولى من هذه السنة، ثمّ منع يوم الجمعة لأربع بقين منها، ومنع القصاص من القعود في الجانبين، ومنع أهل الحلق من القعود في المسجدين، ونودي في المسجد الجامع بنهي الناس عن الإجتماع وغيره ونودِيَ أنّ الذمة قد برئت ممن أجتمع من الناس في مناظرة أو جدل، وتقدم إلى الشراب الذين يسقون الماء في الجامعين أن لا يترحموا على معاوية ولا يذكروه، وكانت عادتهم جارية بالترحم عليه، وتحدّث الناس أن الكتاب الذي قد أمر المعتضد بإنشائه، بلعن معاوية، يقرأ بعد صلاة الجمعة على المنبر، فلما صلّى الناس بادروا إلى المقصورة، ليسمعوا قراءة الكتاب، فلم يقرأ، وقيل : إن عبيد بن سليمان صرفه عن قراءته، وإنّه أحضر يوسف بن يعقوب القاضي، وأمره أن يعمل الحيلة في
إبطال ما عزم المعتضد عليه، فمضى يوسف فكلّم المعتضد في ذلك، وقال له : إني أخاف أن تضطرب العامة، ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة، فقال : إن تحركت العامة أو نطقت وضعت السيف فيها. فقال : يا أمير المؤمنين، فما تصنع بالطالبيين الذين يخرجون في كل ناحية ويميل إليهم خلق كثير، القرابتهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما في هذا الكتاب من إطرائهم؟ أو كما قال : وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميل، وكانوا هم أبسط السِنَةٌ وأثبت حجةٌ منهم اليوم؟ فأمسك المعتضد فلم يرد إليه جواباً، ولم يأمر بعد ذلك في الكتاب بشيء» (1).
والكتاب طويل، لا يحتمله هذا المختصر، فمن أحب الإطلاع عليه، فليطلبه من مظانه وقد ذكره بكامله ابن أبي الحديد المعتزلي، نقلا عن تاريخ الطبري
1) التاريخ الكبير - محمد بن جرير الطبري.
ومن وصيّته (عَلَيْهِ السَّلام) لِلحَسَنِ والحُسَينِ (عَلَيْهِمَا السَّلام)، لمَّا ضَربَهُ ابْنُ مُلْجَمْ: أوصيكُما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدُّنيا وإنْ بَعْتكُما، ولا تأسفا على شيءٍ مِنْها زُوِي عَنكُما، وقُولا بالحق واعْمَلَا لِلأَجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً ولِلمَظْلُومٍ عَوْناً. أوصِيكُما وَجَميعَ ولدي وأهْلي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتابي، بتقوى الله ونظم أمْرِكُمْ، وَصَلَاحٍ ذَاتِ بَيْنَكُمْ. فإنّي سَمِعْتُ جَدَّكُما (صلَّى الله عليه وآله) يقُولُ : صَلَاحُ ذاتِ البَين أفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاةِ والصيام الله الله في الأيتام. فلا تغبوا أفواهَهُمْ، ولا يضيعوا بحضرتكُم. والله الله في جيرانِكُمْ، فَإِنَّهُمْ وصيّةُ بيكُمْ ما زَالَ يوصي بِهِمْ حتى ظننا أنه سيُورّتهم. والله الله في القُرآن. لا يَسْبقكُمْ بالعَمَلِ به غيرُكُمْ، والله الله في الصلاةِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ، والله الله في بيْتِ رَبِّكُمْ، لاَ تُخَلُوهُ ما بَقيتُم، فإنّهُ إنْ تُرِكَ لَمْ تُناظَروا. والله الله في الجهادِ بأموالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وألستِكُمْ، في سبيل الله، وعَلَيْكُم بِالتَّواصلِ والتَّباذُلِ، وإيَّاكُمْ والتدابر والتَّقاطع. لا تتركُوا الأمْرَ بالمَعْروفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنكَرِ، فيُولى عِلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُون فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ. ثمَّ قال: يا بني عبدِ المُطَّلب، لألفيناكُم تَخُوضُونَ دِماءَ المُسْلِمينَ خَوْضاً، تَقُولُونَ: قُتِلَ أميرُ المؤمِنينَ، أَلا لا تَقْتُلُنَّ بي إلا قاتِلِي، أَنْظُرُوا إذْ أَنَا مُتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ، فَأَضْرِبوهُ ضَرْبةٌ بضَرْبَةٍ، ولا تُمثّلُوا بالرّجل، فإنّي سَمِعْتُ رسول الله (صلى الله عليه واله) يقولُ: إِيَّاكُمْ والمُثْلَةَ، ولو بالكَلْبِ العَقُورِ.
البيان والشرح:
أوصاهما (عليه السلام) بأن لا يطلبا الدنيا وإن طلبتهما، وبناء عليه، فإن لا تطلبه الدنيا منهي بطريق أولى عن أن يطلبها، ثمّ نهاهما عن أن يأسفا على شيء قبض منها عنهما، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «زويت لي الدنيا، فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها». وروي لا تأسيا، وكلاهما يدل على معنى واحد أي لا تحزنا وهو مأخوذ من قول الحق سبحانه (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) (1)وقوله (عليه السلام) صلاح ذات البين وذات ههنا زائدة وقال الشاعر يوصي بنيه :
أنفوا الضغائن بينكم وعليكم***عند المغيب وفي الحضور المشهد
بصلاح ذات البين طول حياتكم***إن مُدّ في عمري وإن لم يمدد
إن القداح إذا اجتمعن فرامها***بالكسر ذو بطش شديد أيد
عزّت فلم تكسر وإن هي بددت***فالوهن والتكسير للمتبدد
وقوله (عليه السلام): فلا تغبوا أفواههم: أي لا تجيعوهم بأن تطعموهم غبّا، وروي فلا تغيروا أفواههم، وهذا لأنّ الجائع يتغير فمه. قال الله لموسى (عليه السلام): «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح من ريح المسك».
ثمّ قال: لا يضيعوا بحضرتكم أي لا تضيعوهم والكلام هنا له ظاهر وله باطن، فالنهي في الظاهر للأيتام، وفي الواقع المعنى للأوصياء والأولياء القائمين على شؤونهم، والظاهر بأنه (عليه السلام) لا يعني الأيتام الذين لهم مال تحت أيدي أو صيائهم، لأن هؤلاء، والحال هذه لا يجوز لهم أن يصيبوان أموال اليتامى إلا النزر القليل جداً، وعند الضرورة، ثم يجب القضاء مع التمكن على الأظهر، وإذا كان الأمر كذلك، فمن كانت هذه حالته، لا يستحسن أن يقال له : لا تغيروا أفواه أيتامكم، والأرجح أنّ المراد هنا الأيتام الذين مات آباؤهم وهم فقراء، يتعين مواساتهم ولا يجوز القعود عنهم، ولا سيما من قبل ذوي الأرحام والولاية. قال تعالى : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا
1) سورة الحديد: الآية 23.
وَأَسِيرًا) (1).
وقيل : إنَّ اليتيم في الناس يكون من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، لأنّ الآباء من البهائم لا عناية لهم بالأولاد، بل العناية والرعاية تكون في العادة للأم، لأنها المرضعة المشفقة، وفي البشر فإن الوالد هو الكافل القيم بنفقة الولد، فإذا مات وقع الضرر عليه لفقد الكافل والقيم والأم بمعزل عن كل ذلك، نظراً لضعفها وعجزها عن القيام بهذه المهام، وجمع يتيم على أيتام، كشريف وأشراف، ولا يسمى الصبي يتيماً إلا إذا كان دون البلوغ، وإذا بلغ زال اسم اليتيم عنه، ثم إن اليتامى أحد الأصناف الذين عينوا في الخمس، كي يصرف سهم منه عليهم، وهذا مختص بأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) عند الإمامية، ولا يشاركهم فيه أحد من غير ذرية فاطمة (عليها السلام). قال تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (2).
ثم أوصاهما (عليه السلام) بحفظ حق الجار، وما ذكره ورد مرفوعاً عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره» وقال: «من جهد البلاء جار سوء معك في دار مقامة إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها وأفشاها» وقال لقمان الحكيم (عليه السلام): «يا بني حملت الحجارة والحديد، فلم أرَ شيئاً أثقل من جار السوء»، قال الشاعر :
ألا من يشتري داراً برخص***كراهة بغض جيرتها تباع
«وقال الأصمعي : جاور أهل الشام الروم فأخذوا عنهم خصلتين : اللؤم وقلّة الغيرة وجاور أهل البصرة الخزر، فأخذوا عنهم خصلتين : الزنا وقلة الوفاء، وجاور أهل الكوفة السواد فأخذوا عنهم خصلتين : السخاء والغيرة.
وكان يقال : من اذى جاره ورثه الله داره» (1).
«وباع أبو الجهم العدوي داره وكان في جوار سعيد بن العاص، بمائة ألف درهم، فلما أحضرها المشتري قال له : هذا ثمن الدار فأعطني عن الجوار. قال أي جوار ؟ قال جوار سعيد بن العاص. قال : وهل اشترى أحد جواراً قط ؟ :قال ردُّ عليّ داري وخذ مالك، ولا أدع جوار رجل إن قعدت سأل عني، وإن رآني رحب بي، وإن غبت عنه حفظني، وإن شهدت عنه قربني، وإن سألته قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني وإن نابني نائبة فرّج عني، فبلغ ذلك سعيداً، فبعث إليه مائة ألف درهم، وقال: هذا ثمن دارك، ودارك لك» (2).
«واستعرض أبو مسلم صاحب الدولة فرساً محضراً، فقال لأصحابه : لماذا يصلح هذا؟ فذكروا سباق الخيل وصيد الحمر والنعام واتباع الفار من الحرب، فقال : لم تصنعوا شيئاً يصلح للفرار من الجار السوء» (3).
وجاء في الحديث المرفوع، عن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه -، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) «الجيران ثلاثة : فَجَارٌ له حق، وجارٌ له حقان، وجارٌ له ثلاثة حقوق، وصاحب الحق الواحد جار مشرك لا رحم له، فحقه حق الجوار، وصاحب الحقين جار مسلم لا رحم له، وصاحب الثلاثة جار مسلم ذو رحم».
ويقال : الجيران خمسة : الجار الضارّ السيّىء الجوار والجار الدمث الحسن والجار اليربوعي المنافق والجار الراقشي المتلون في أفعاله والجار الحسد الذي عينه تراك وقلبه يرعاك قال مسكين الدارمي :
ما ضر جار لي أجاوره***أن لا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي خرجت***حتى يواري جارتي الخدر
ناري ونار الجار واحدة***وإليه قبلي تنزل القدر
وقوله (عليه السلام) والله الله في القرآن أمرهما بالمسارعة إلى العمل به، ونهاهما أن يسبقهما غيرهما إلى ذلك، ثم أمرهما بالصلاة والحج، وشدّد على الوصاة به فقال : إنه إن ترك فقال : إنه إن ترك لم تناظروا، بمعنى يتعجل الإنتقام منكم ثم، أمرهما بعدم المثلة، لأنه (صلى الله عليه وآله) نهى عنها، ولو بالكلب العقور، وقد روي أنه أمر (صلى الله عليه وآله) أن يمثل بهتار بن الأسود، لأنه روّع زينب ابنته - رضي الله عنها - حتى أجهضت، ثم نهى عن ذلك وقال : لا مثلة، المثلة.حرام. وهذا من تكريم الإسلام لبني البشر، وكذلك للحيوان منذ أربعة عشر قرناً، ومن المعلوم ضرورة أن الإنسان في هذا القرن - العشرين - وهو قمة القرون في الحضارة والفكر والأخلاق والرقي في نظر الكثيرين، أقول لا قيمة للإنسان ولا وزن ولا معنى، لا سيما عند الشعوب الفقيرة والمستضعفة في كثير من أرجاء أفريقيا وآسيا، وما يلقاه المسلمون في الصومال، والهند، والأفغان ويوغوسلافيا على أيدي السفاحين الصرب القساة الأجلاف وغيرهم وهم جبابرة التتر والمغول في هذا القرن، لدليل على تخلف وتزمت الحضارة في هذا القرن.
ومِنْ كلام لَهُ (عَلَيْهِ السَّلام) مِنْ هَوانِ الدُّنْيا على الله، أَنَّهُ لا يُعصى إلا فيها، ولا يُنالُ مَا عِنْدَهُ إِلا بِتَرْكِها.
البيان والشرح:
روي أنه وجد في بعض كتب الله القديمة: الدُّنيا غنيمة الأكياس، وغفلة الجهال لم يعرفوها حتى خرجوا منها، فسألوا الرجعة فلم يرجعوا. وقال بعض العارفين: من سأل الله الدنيا فإنما سأله طول الوقوف بين يديه. وقال الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) لرجل سأله : كيف يترك الذنوب والمعاصي، ولا طاقة له على ذلك؟ أجابه الإمام (عليه السلام) : أخرج من أرض الله وأعصه إذا شئت.
وقال الحسن البصري: لا تخرج نفس ابن ادم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث : أنه لم يشبع مما جمع، ولم يدرك ما أمل، ولم يحسن الزاد لما يقدم عليه وقال: أهينوا الدنيا والله ما هي لأحد بأهناً منها لمن أهانها.
وقال محمد بن المنذر : أرأيت لو أن رجلاً صام الدهر لا يفطر، وقام الليل لا يفتر وتصدّق بماله وجاهد في سبيل الله واجتنب محارم الله، غير أنه يؤتى به يوم القيامة فيقال: إن هذا مع ما قد عمل، كان يعظم في عينه ما صغره الله، ويصغر في عينه ما عظمه الله كيف ترى حاله؟ فمن منا ليس هكذا : الدنيا عظيمة عنده، مع ما اقترفنا من الذنوب والخطايا.
وقد مثل الحكماء الدنيا وأهلها بقوم ركبوا سفينة، فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة، وحذرهم المقام، وخوّفهم
مرور السفينة واستفحالها، فتفرقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم حاجته، وبادر إلى السفينة فصادف المكان فأخذ أوسع المواضع وألينها وأوفقها لمراده، وبعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أزهارها وأنوارها العجيبة وغياضها الملتفة، ونغمات طيورها الطيبة، وألحانها الموزونة الغريبة ولحظ في تزيينها أحجارها وجواهرها ومعادنها المختلفة الألوان، ذوات الأشكال الحسنة المنظر العجيبة النقش السالبة أعين الناظرين بحسن زبرجها وعجائب صورها، ثم تنبه لخطر فوات السفينة، فرجع إليها، فلم يصادف إلا مكاناً ضيقاً حرجاً، فاستقرّ فيه، وبعضهم أكبّ فيه على تلك الأصداف والأحجار، وقد أعجبه حسنها ولم تسمح نفسه بإهمالها وتركها فاستصحب منها جملة، فجاء إلى السفينة فلم يجد إلا مكاناً ضيقاً، وزاده ما حمله ضيقاً وصار ثقيلاً عليه ووبالاً، فندم على أخذه، ولم تطعه نفسه على رميه ولم يجد موضعاً له فحمله على عنقه ورأسه، وجلس في المكان الضيق في السفينة وهو متأسف على أخذه ونادم وليس ينفعه ذلك، وبعضهم تولج بتلك الأنوار والغياض، ونسي السفينة وأبعد في متفرجه ومستنزهه، حتى أن نداء الملاح لم يبلغه لاشتغاله بأكل تلك الثمار، واشتمامه تلك الأنوار والتفرج بين تلك الأشجار، وهو مع ذلك خائف على نفسه من السباع والسقطات والنكبات ونهش الحيات وليس ينفك عن شوك يتشبث بثيابه، وغصن يجرح جسمه، ومروة تدمي جسمه، وصوت هائل يفزع منه، وعوسج يملأ طريقه ويمنعه عن الإنصراف لو أراده، وكان في جماعة ممن كان في السفينة حالهم حاله، فلما بلغهم نداء السفينة راح بعضهم مثقلاً بما معه، فلم يجد في السفينة موضعاً واسعاً ولا ضيقاً، فبقي على الشط حتى مات جوعاً، وبعضهم بلغه النداء، فلم يعرج عليه واستغرقته اللذة، وسارت السفينة فمنهم من افترسته السباع ومنهم من تاه وهام على وجهه حتى هلك، ومنهم من ارتطم في الأوحال، ومنهم من نهشته الحيات فتفرقوا هلكي كالجيف المنتنة، فأمّا من وصل إلى السفينة مثقلاً، بما أخذه من الأزهار والفاكهة اللذيذة والأحجار المعجبة، فإنها استرقته وشغله الحزن بحفظها والخوف من ذهابها عن جميع أموره، وضاق عليه بطريقها مكانه، فلم يلبث أن ذبلت تلك الأزهار
وفسدت تلك الفاكهة العفنة وكمدت ألوان الأحجار وحالت فظهر له نتن رائحتها فصارت مع كونها مضيقة عليه، مؤذية له بنتنها ووحشتها، فلم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر هرباً، وقد أثر في مزاجه ما أكله منها، فلم ينته إلى بلده إلا بعد أن ظهرت عليه الأسقام، بما أكل وشمّ من تلك الروائح، فبلغ سقيماً وقيذاً مدبراً، وأما من كان رجع عن قريب، وما فاته إلا سعة المحل، فإنه تأذى بضيق المكان مدة، ولكن لما وصل إلى الوطن استراح، وأما من رجع أولاً فإنه وجد المكان الأوسع، ووصل إلى الوطن سالماً طيب القلب مسروراً، فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة، ونسيانهم موردهم ومصدرهم وغفلتهم عن عاقبة أمرهم، وما أقبح حال من يزعم أنه أنه بصير عاقل، وتغرّه حجارة الأرض وهي الذهب والفضة وهشيم النبت، وهو زينة الدنيا، وهو يعلم يقيناً أنَّ شيئاً من ذلك لا يصحبه عند الموت، بل يصير كلا ووبالاً عليه، وهو في الحال الحاضرة شاغل له بالخوف عليه، والحزن والهم لحفظه، وهذه حال خلق الله كلهم إلا من عصم سبحانه.
وقال النبي (صلّى الله عليه وآله): «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومَثَلُها كراكب سار في يوم صائف، فرفعت له شجرة فقام تحت ظلها ساعة ثمّ راحَ وتركها».
وقال رسول الله عيسى بن مريم (عليهما السلام): «الدنيا قنطرة فأعبروها ولا تعمروها» وقال: «لا تتخذوا الدنيا ربّاً فتتخذكم الدنيا عبيدا، فاكنزوا كنزكم عند من لا يضيعه، فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفة، وصاحب كنز الآخرة لا يخاف عليه».
وقال (صلّى الله عليه وآله) : «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» وقال : «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها» وقال: «من أحب دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى». وقال أبو ذؤيب الهذلي :
يا خاطب الدنيا الدنية إنّها***شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها***أبكت غداً بعداً لها من دار
طبعت على كدر وأنت تريدها***صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها***متطلب في الماء جذوة نار
والعيش نوم والمنية يقظة***والمرء بينهما خيال سار
وقال الشاعر :
أرى رجالاً بأدنى الدين قد قنعوا***ولا أراهم رضوا في العيش بالدون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما***استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
وقال آخر :
ومن يحمد الدنيا لعيش يسرّه***فسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة***وإن أقبلت كانت كثيراً همومها
وقيل لإبراهيم بن أدهم : كيف أنت؟ فأنشد:
ترقع دنيانا بتمزيق دينا***فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
وقال آخر :
يا خاطب الدنيا إلى نفسها***تنحّ عن خطبتها تسلم
إن التي تخطب غدارة***قريبة العرس من المأتم
وقالوا : لو وصفت الدنيا نفسها لما قالت أحسن من قول أبي نؤاس فيها :
إذا امتحن الدنيا لبيت تكشفت***له عن عدو في ثياب صديق
وقال أبو العتاهية :
تعالی الله یا مسلم بن عمرو***أذلّ الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تساق إليك عفواً***أليس مصير ذاك إلى الزوال
وما دنياك إلا مثل فيء***أظلك ثم آذن بانتقال
وقال أبو الطيب المتنبي :
أبداً تسترد ما تهب الدني***ا فياليت جودها كان بخلا
هي معشوقة على الغدر لا تح***فظ عهداً ولا تتمم وصلا
كل دمع يسيل منها عليها***وبفكّ اليدين عنها تخلّى
شيم الغانيات فيها ولا أد***ري لذا أنّث أسمها الناسُ أم لا (1)
وقال أبو العتاهية : (2)
سل الأيام عن أمم تقضت***ستخبرك المعالم والرسوم
تروم الخلد في دار التفاني***وكم قد رام قبلك ما تروم
لأمر ما تصرمت الليالي***وأمرما تقلبت النجوم
تنام ولم تنم عنك المنايا***تنبّه للمنيّة يا نؤوم
إلى ديان يوم الدين نمضي***وعند الله تجتمع الخصوم
وقال عدي بن زياد العبادي :
أيّها الشامت المعير بالدهـ***ـر أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيا***م بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم من***ذا عليه من أن يضام خفير
این کسری کسرى الملوك أنوشر***وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الر***وم لم يبق منهم مذکور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ***ـلة تجبى إلي إليه والخابور
لم تهبه ريب المنون فباد***الملك عنه فبابه مهجور
شاده مرمراً وجلله كلساً***فللطير في ذراه وكور
وتبين ربّ الخورنق إذ أشـ***ـرف يوماً وللهدى تفكير
فارعوى قلبه وقال فما غبـ***ـطة حي إلى الممات يصير
ومِنْ كَلامٍ لَهُ (عَلَيْهِ السَّلام)، قالَهُ لمَرْوانَ بنِ الحَكَمُ بِالبَصْرَة : قالوا : أُخِذَ مَرْوانُ بنُ الحَكَم أسيراً يَوْمَ الجَمَل، فاسْتَشْفَعَ الحَسَنُ والحُسينَ (عَلَيْهِما السّلام)، إلى أمير المؤمنين (عليه السَّلام)، فكَلَّمَاهُ فِيه، فخلَّى سيبلَهُ، فقالاً :لَهُ يُبايِعُكَ يا أمير المؤمنينَ. قال (عليه السّلام): أَوَ لَمْ يُبَايِعْنِي قَبْلَ قَتْلِ عُثمانَ؟ لا حَاجَةَ لي في بَيْعَتِهِ، إنَّها ك يهودية، لو بَايَعني بيدِهِ لَغَدَرَ بِسُيَّتِهِ، أما إِنَّ لَهُ إمْرَةٌ كَلَعْقةِ الكَلْبِ أنْفَهُ، وهُوَ أبو الأكْبشِ الأَرْبَعَةِ، وستلقى الأمَّةُ مِنْهُ ومِنْ ولدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ.
البيان والشرح:
يقال استشفعت فلاناً إلى فلان أي سألته أن يشفع لي إليه، وتشفعت إلى فلان في فلان فشفعني فيه تشفعياً. وأما قوله (عليه السلام): أو لم يبايعني بعد قتل عثمان أي وقد غدر، وهكذا لو بايعني الآن. ومعنى قوله : إنها كف يهودية : أي غادرة واليهود تنسب إلى الغدر والخبث قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ) (1)والسُّبَّة : هي الأست بفتح السين وسته يسبه : أي طعنه في الموضع، والإمرة بكسر الهمزة: الولاية، وقوله: كلعقة الكلب أنفه : يريد قصر المدة، فقد كانت خلافة مروان تسعة أشهر، وأكثر الناس فسروا الأكبش الأربعة ببني عبد الملك : الوليد وسليمان ويزيد وهشام ولم يل الخلافة من بني أمية ولا من غيرهم، أربعة أخوة سوى هؤلاء، ومن المحتمل المرجح أن يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) بني مروان الصلبه وهم عبد الملك وعبد العزيز وبشر ومحمد، وكانوا جبابرة.
1) سورة المائدة : الآية 82.
أما الملك، فولي الخلافة، وأما بشر فولي العراق، وأما محمد فولي عبد الجزيرة، وأما عبد العزيز فولي مصر والتفسير الثاني أولى، لأن الوليد وأخوته أبناء إبنه وهؤلاء بنوه لصلبه والله أعلم، ويقال لليوم الشديد : يوم أحمر، وللسنة ذات الجدب : سنة حمراء، وما أخبر به (عليه السلام) وقع بحذافيره.
«وأما قوله (عليه السلام) : يحمل راية ضلالة، بعدما يشيب صدغاه، فإنه ولي الخلافة وهو ابن خمس وستين في أرجح الروايات ونسبه مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية الكناني، يكنى أبا عبد الملك، ولد على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قيل : سنة اثنتين من الهجرة، وقيل عام الخندق، وكان الحكم أبوه قد طرده رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن المدينة، وسيره إلى الطائف فلم يزل بها حتى ولي عثمان فردّه إلى المدينة، ولم يعده أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - بل عاد في خلافة عثمان هو وولده، فأستكتبه عثمان وضمّه إليه، فاستولى عليه إلى أن قتل» (1).
«والحكم بن أبي العاص هو عم عثمان بن عفان كان من مسلمة الفتح، ومن المؤلفة قلوبهم، وكان يتجسس على رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المنافقين ويسترق السمع ويصغي إلى ما يجري بينه وبين نسائه، مما لا يجوز الإطلاع عليه وقيل : كان يحكيه في مشيته وبعض حركاته وكان شانئاً له مبغضاً حاسداً، فالتفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً، فرآه يمشي خلفه يحكيه في مشيته فقال له كذلك فلتكن يا حكم، فكان الحكم مختلجاً يرتعش من يومئذ فذكر ذلك عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فقال لعبد الرحمن بن الحكم يهجوه (2):
إن اللعين أبوك فارم عظامه***إن ترم ترم مخلجاً مجنوناً
يمشي خميص البطن من عمل التقى***ويظل من عمل الخبيث بطينا
1 - القرآن الكريم
2 - مجمع البيان في تفسير القرآن / الطبرسي
3 - الميزان في تفسير القرآن / الطباطبائي
4 - البيان في تفسير القرآن / الخوئي
5 - الكشاف في تفسير القرآن / الزمخشري
6 - تفسير ابن كثير / إبن كثير
7 - تفسیر شبر / عبد الله شبر
8 - التفسير المبين / محمد هويدي
9 - شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد
10 - شرح نهج البلاغة / محمد عبده
11 - نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة / المحمودي
12 - المنتظم / ابن الجوزي
13 - الغارات / الأزدي
14 - المعارف / ابن قتيبة
15 - الإستيعاب / ابن عبد البرّ
16 - الكامل / المبرد
17 - الجمل / المدائني
18 - الجمل / هشام بن محمد الكلبي
19 - تاريخ الطبري / ابن جرير الطبري
20 - مقاتل الطالبيين / أبو الفرج الأصفهاني
21 - مصادر نهج البلاغة / عبد الزهراء الخطيب
22 - شرائع الإسلام / جعفر بن الحسن الحلّي
23 - فقه الإمام الصادق / محمد جواد مغنية
24 - اللمعة الدمشقية / محمد علي مكي
25 - الفقه على المذاهب الخمسة / محمد جواد مغنية
26 - الفقه على المذاهب الأربعة / عبدالرّحمن الجزيري
27 - مروج مذهب / المسعودي
28 - الغدير / الأميني
29 - الكافي / الكليني
30 - مقدمة ابن خلدون / ابن خلدون
31 - مذاهب الإسلاميين / عبد الرحمن بدوي
32 - إسلام بلا مذاهب / مصطفى الشكعة
33 - الملل والنحل / الشهرستاني
34 - شواهد التنزيل / الحاكم الحسكاني
35 - النص والإجتهاد / الحسين شرف الدين
36 - القاموس المحيط / الفيروز آبادي
37 - صحيفة الأبرار / محمد تقي حجة الإسلام
38 - منهاج الصالحين / أبو القاسم الخوئي
39 - مشارق أنوار اليقين / رجب البرسي
40 - الشيعة في عقائدهم / أمير محمد القزويني
41 - العقد الفريد / ابن عبد ربه
42 - الأغاني / أبو الفرج الأصفهاني
43 - أنساب الأشراف / البلاذري
44 - الكامل في التاريخ / ابن الأثير
45 - الشيعة والحاكمون / محمد جواد مغنية
46 - علي والحاكمون / محمد الصادقي
47 - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة / أسد حيدر
48 - مقالات الإسلاميين / الأشعري
49 - فرق الشيعة / النوبختي
50 - الفَرْق بين الفرق / البغدادي
51 - فضائل الإمام علي / محمد جواد مغنية
52 - فجر الإسلام / أحمد أمين
53 - الفتنة الكبرى / طه حسين
54 - علي بن أبي طالب / عبد الفتاح عبد المقصود
55 - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب / محمد جواد شري
56 - السقيفة والخلافة / عبد الفتاح عبد المقصود
57 - بحار الأنوار / المجلسي
58 - من لا يحضره الفقيه / ابن باویه
59 - علي من المهد إلى اللحد / محمد كاظم قزويني
60 - تحف العقول / ابن شعبة الحرّاني
61 - نقض العثمانية / أبو جعفر الاسكافي
62 - الشفاء / الشيخ الرئيس ابن سينا
63 - الشافي / الشريف المرتضى
64 - السقيفة / أبو بكر الجوهري
65 - ما بعد القمر / أحمد محمد حيدر
66 - التكوين والتجلي / أحمد محمد حيدر
67 - الحيرات / أحمد محمد حيدر
68 - جمهرة النسب / ابن الكلبي
69 - تاريخ أبي مخنف / لوط بن يحيى
70 - الأوائل / أبو هلال العسكري
71 - الحيوان / الجاحظ
72 - البيان والتبيين / الجاحظ
73 - الفتوح / المدائني
74 - صفين / نصر بن مزاحم
75 - السفيانية / الجاحظ
76 - عقائد الإمامية / محمد رضا المظفر
77 - أعيان الشيعة / محسن الأمين
78 - تاريخ المذاهب الإسلامية / محمد أبو زهرة
79 - المختصر في تاريخ البشر / أبو الفداء
80 - أخبار الخلفاء / الثعالبي
81 - بين الظرفاء والخلفاء / صلاح الدين المنجد
82 - الأقاليم / الأصطخري
83 - تأسيس الشيعة / حسن الصدر
84 - الصواعق المحرقة / ابن حجر الهيثمي
85 - الشيخ الرئيس ابن سينا / محمود عباس العقاد
86 - الملاحم والفتن / ابن طاووس
87 - وسائل الشيعة / الحر العاملي
88 - دائرة معارف القرن العشرين / محمد فريد وجدي
89 - وفيات الأعيان / ابن خلکان
90 - البداية والنهاية / ابن كثير
91 - الفصل في الملل والأهواء والنحل / ابن حزم
92 - الإمام الصادق ملهم علم الكيمياء / محمد يحيى الهاشمي
93 - يتيمة الدهر / الثعالبي
94 - أبو فراس الحمداني / محسن الأمين
95 - الآداب المعنوية للصلاة / روح الله الخميني
96 - السيرة النبوية / الحلبي
97 - الإحتجاج / الطبرسي
98 - فصوص الحكم / محيي الدين ابن عربي
99 - المتنبي / محمود شاکر
100 - الصافي في تفسير القرآن / الفيض الكاشاني
1 - في رحاب نهج البلاغة / طبع مرتين دار العلم للملايين - بيروت.
2 - العلويون والتشيع / الدار الإسلامية - بيروت.
3 - المنشآت الدينية بالساحل السوري / طبع صوت الخليج - الكويت.
4 - الإسلام بين السنة والشيعة / بیروت 1970 م.
5 - أبو طالب عملاق الإسلام الخالد، تأليف الأستاذ محمد علي إسبر، تحقيق الشيخ علي عزيز الإبراهيم. / صوت الخليج - الكويت
6 - أصفى المناهل في جواب السائل، تأليف الشيخ محمود مرهج، تحقیق الشيخ علي عزيز الإبراهيم. / دار التراث الإسلامي - بيروت.
7 - العلويون فدائيو الشيعة المجهولون / دار القبس الكويت
1 - القصص الحق من حكم وتاريخ الأنبياء سادة الخلق.
2 - في رحاب قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).
3 - آيات الأحكام في أركان الدين الإسلامي.
4 - رسالة في صلاة الجمعة والعيدين.
5 - في رحاب سورة ياسين من القرآن الكريم.
6 - الروض النضير في ما جاء من معجزات أمير المؤمنين من العطر والعبير.
7 - العلويون بين الغلوّ والفلسفة والتصوّف والتشيّع.
8 - من لا يحضره الواعظون والمتعظون.
الإهداء...أ
تقريظ بقلم العلامة الأستاذ محمد علي إسبر...5
خطبة الكتاب...23
توطئة في ذكر نسب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 27
في تعظيم الله وحلف اليمين...39
الحضانة...43
مسجد الكوفة...45
أنا قسيم النار... 47
عسكر البصرة...49
الأشعث بن قيس - ترجمته...55
أنا أوّل من امن...61
الكوفة... 67
علي يولد على الفطرة...69
في ذكر الملاحم من حديث الخوارج...79
لا تقاتلوا الخوارج...81
ذمّ النّساء...83
في ذكر عمرو بن العاص - ترجمته...89
إسألوني قبل أن تفقدوني...93
المبلغ الأمين...101
زوال حكم بني أمية...105
ذكر الحجاج بن يوسف الثقفي...111
ملاحم البصرة وصاحب الزنج...115
وصف الأتراك...119
حديث فدك...123
قصة مقتله في رؤياه (عَلَيهِ السَّلَامُ) للرسول (صَلَّیٰ الله علیه و آله و سَلَّم)...141
وصية علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبي ذر رحمه الله...149
ما معاوية بأدهى مني... 155
مقاله (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الردّ على استشارة عمر بن الخطاب في قتال الفرس...161
خطبة الشقشقية...167
خلافة أبي بكر وعمر...171
عمر والشورى...179
خلافة عثمان بن عفان...186
هل رأيت ربك...189
علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكره لجماعته أن يكونوا سبابين...193
أبعدوا عني هذا الغلام...197
عقيل بن أبي طالب (رضي الله عنه)...201
خلق النمل...209
الحكمان وذم أهل الشام...213
مالك الأشتر، (رضي الله عنه)...219
وصيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لإبنه الحسن...223
أنا من رسول الله كالضوء من الضوء...231
ترجمة الصحابي سلمان الفارسي...241
العالم الذي قتله جهله...247
الدعوة إلى المبارزة...251
الزبير منّا أهل البيت... 257
دع المغيرة يا عمّار...261
كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى محمد بن أبي بكر...265
كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى زياد بن أبيه...269
يا ابن عباس لا تخاصمهم في القرآن...273
حقوق الوالد على الولد وحق الولد على الوالد...277
الشفيع جناح الطالب... 283
نِعْمَ الطيب المسك...287
أشعر الشعراء أمرؤ القيس...291
العين والرقي والسحر والفال... 299
خير بئر في الأرض زمزم...311
من مات منا فليس بميت...313
اللهم إني أستعديك على قريش...319
إنا لأمراء الكلام...323
أمرنا صعب مستصعب...311
في صفة آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذمّ إبليس لعنه الله...333
موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفرعون...337
في التوحيد...341
علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاتل الأقران...345
البصرة وبني تميم...349
إياك ومشاورة النساء...353
أوقات الصلاة...359
الردّة...365
في تحريض الناس على قتال بني أمية...369
البخل عار والجبن منقصة...373
الدُّنيا إذا أقبلت... 377
قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها...379
الصلاة قربان كل تقي...381
وصيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لكميل بن زياد...385
أنت مني بنزلة هارون من موسى...391
إمام الهدى وإمام الردى...405
وصيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) للحسن والحسين لما ضربه ابم ملجم... 409
من هوان الدنيا على الله...415
إنها كف يهودية...421
مصادر الكتاب...423
المحتويات...429