الحوادث والوقائع فی تاریخ کربلاء

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء

السيد

عبد الصاحب ناصر آل نصر الله

اشارة

الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء

السيد

عبد الصاحب ناصر آل نصر الله

جميع الحقوق محفوفة

لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع أو نقله على أي نحو، أو بأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكة، أو بالتصوير، أو بالتسجيل أو خلاف ذلك ، إلا من بعد موافقة كتابية من المؤلف ومقدماً.

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 2529 لسنة 2014

الإهداء

جاء في الحديث النبوي الشريف:

«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، وعلمٌ يُنتفع به، وولد صالح يدعو له» صدق رسول الله عليه وعلى آله أفضل الصلاة

والسلام.

وبفضل من الباري عزّ وجل، لم أنقطع عن الدعاء للمرحومين والدي ووالدتي بالرحمة والمغفرة...

فإلى روحها أهدي هذا الجهد المتواضع ...

وأرجو من الله العلي القدير أن لا يحرمني من دعاء أولادي...

المؤلف

تمهيد

لمدينة كربلاء تاريخ حافل بالأحداث والوقائع منذ أن كانت أرضاً قبل أن تكون بلدة صغيرة ومن ثم تتمصر لتكون مدينة لها شأن عظيم نابع من قدسيتها وموقعها المتميز. فعندما كانت أرضاً مشهورة تحتل موقعاً مهماً من مجموع أرض (الطف) التي تمتد من جنوب (الأنبار) إلى أطراف (الحيرة)، فقد عُرفت بأنها من المواقع الأكثر قداسة حيث انتشرت فيها المعابد والأديرة، ونتيجة لقدسيتها أصبحت مدافن لموتى الأقوام السالفة التي عاشت دولها بالقرب منها أو حواليها.

فكانت تسمّى (كرب إل) أي معبد الآلهة وكذلك (حرم الإله) وغيرها من التسميات والمواقع الآثارية التي لازالت فيها وحواليها تثبت ما أوردناه عنها، وحتى القرى التي نشأت فيها كانت لا تبتعد عن هذا المعنى، فما قرية (النواويس) إلّا مكان قبور ومدافن وهي جمع (ناووس)، وكذلك الغاضرية ونينوى وباروسما والشفية والعقر وسورا والحكماء، وبالقرب منها كانت أقدم كنائس الشرق وهي كنيسة القصير، والأديرة مثل دير الجماجم ودير الأعور ودير قرّة ودير عبد الرحمن وغيرها، كلها دلائل على أنها أقيمت في أرض غاية في التقديس.

وأرضها الخصبة والكثيرة الأنهار كانت محل اهتمام الأقوام في السكن والاستقرار في قراها القديمة وهجرة القبائل العربية إليها منذ القرن الثالث الميلادي والاستقرار في نواحيها دليل على أهميتها من الناحية المعيشية حيث يكثر فيها الماء والكلأ، ولوقوعها على أطراف البادية الغربية.

والأحاديث المتواترة والصحيحة عن الرسول الكريم(صلی الله علیه و آله وسلم) حيث ذكرها له جبرائيل الأمين وأعطاه قبضة من ترابها وأعلمه بأن سبطه الحسين(علیه السلام) يُقتل

فيها، فستكون مناخ رحال آل بيته ومهراق دمائهم عليها، وعندما أستشهد الإمام الحسين (علیه السلام) وسال دمه على ثراها في العاشر من المحرم سنة 61ه/ 680م، وباتت أرض كربلاء تحتضن قبره الشريف وقبور شهداء الطف من إخوته وأبنائه وأولاد عمه وأصحابه الذين ناصروه سلام الله عليهم أجمعين.

فأصبحت هذه الأرض ذات أهمية كبرى لدى المسلمين، فارتحل الناس إليها لزيارة قبر الإمام الشهيد، وبعد سنوات اتخذها بعض الناس سكناً ومستقراً لمجاورتهم القبر الشريف، ونزح إليها بعض سكان القرى المجاورة، وأخذت الجموع تتوافد للزيارة والتبرك، فأصبح محيط القبر عبارة عن قرية، ثم بلدة صغيرة إلى أن تطورت بمرور الزمن فأصبحت مدينة فيها جميع مقومات المدن.

شهدت أرض كربلاء في فترات قبل الإسلام حوادث كثيرة ذكرها التأريخ، كما شهدت منذ عام 12 للهجرة حركات ومعارك كانت ضمن النشاطات الإسلامية الأولى لفتوحات المسلمين لأرض السواد، إلى أن جاءت سنة 61 للهجرة حيث شهدت كربلاء أكبر جريمة إنسانية عندما وقعت فيها معركة الطف، وتلت هذه المعركة الخالدة حوادث كثيرة ووقائع بالغة الشدة استمرت إلى عصرنا الحالي.

في هذا البحث نستعرض تلك الحوادث والوقائع ونفرزها من تاريخ المدينة الطويل، ليتعرف القارئ الكريم على هذا الجزء من تاريخ كربلاء، والغرض من اجتزاء الحوادث والوقائع فقط التعرف على ما جرى على هذه الأرض والمدينة، ونترك بقية ما يجب أن يسجله التاريخ عنها إلى بحث آخر سيصدر قريباً إن شاء الله مفصلاً وجامعاً لتاريخ المدينة منذ عصر سومر وأكد إلى عصرنا الحالي بأجزاء ثلاث. متمنين بعد الإستعانة بالعلي القدير أن ينال جهدنا هذا القبول.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الكريم وعلى آل بيته الميامين وصحبه المنتجبين.

السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر الله

1434ه / 2013م

المقدمة

كنت قد أخرجت بحثاً قبل عدة سنوات وأسميته (كربلاء... التأريخ والقداسة) بجزء واحد، بحثت فيه عن تأريخ مدينة كربلاء المقدسة، وقد لاقى في حينه إستحسان الكثير ممن حصل على نسخة منه، ولكنني وجدت بأن الكتاب كان مختصراً لما يجب التوسع فيه، وكانت هناك الكثير من الحوادث التي لابد من تسجيلها لم يتطرق إليها من كتب عن المدينة. ومن ثم كان لابد من الحاجة إلى الكثير من التحليلات والشروح لتصحيح ما وقع به بعض الذين كتبوا عن كربلاء من أخطاء وقصور نظر، وأقولها بأسف شديد أن الأهواء والعاطفة قد غلبت على كتاباتهم، وأن الكثير من المصادر التي اعتمدوا عليها لم تكن محايدة وغير مجردة من الغلو والطائفية والمذهبية، فإنجروا ورائها بدون بحث وتمحيص دقيق، وقدموا للقارئ ما شاب النقل التأريخي من أخطاء في ذكر الحوادث والوقائع، ومع ذلك فقد كانت نتاجاتهم ذات أهمية يستحقون الشكر عليها، فرحم الله من توفى منهم وأطال الله بعمر الأحياء.

فشرعت بإعادة كتابة البحث، وتوسعت فيه بشكل كبير لما تستحقه المواضيع من أهمية، وإعتقدت بأن القارئ لتاريخ كربلاء يجب أن يلم بتواريخ الدول الحاكمة في العراق منذ زمن سومر وأكد إلى عصرنا الحالي، وتأثير هذه الدول والحكومات على كربلاء قديماً منذ أن كانت أرضاً ثم بلدة صغيرة إلى أن أصبحت مدينة.

كذلك إطلاعه على كل شيء يخص تأريخ المدينة، من حيث تسميتها وجغرافيتها وأنهارها والقرى المحيطة بها والحواضر القديمة القريبة منها، والحالة المجتمعية فيها منذ القدم إلى هجرة القبائل إليها قبل الإسلام وبعده وتكوينها الإجتماعي وخليطها السكاني في داخلها، وتسجيل دقائق الأمور لما حدث فيها من اهتمام بها وإساءة إليها،

في ظل التقلبات السياسية ضمن فترات الحكم التي مرت بها كربلاء كمدينة من مدن العراق.

وسوف يخرج بحلته الجديدة بعنوان (تاريخ كربلاء)، وقد أثبتنا فيه بعون الله كل شاردة وواردة تخص مدينتنا المقدسة.

وقد وجدت عند كتابة المفصل بأن هناك بعض المواضيع تحتاج إلى الإطالة في الشرح والتحقيق والتحليل، وإذا ما تم ذكرها فسوف تأخذ حيزاً كبيراً من الكتاب المنوّه عنه، وفي نفس الوقت وجدت بأن هناك عناوين لمواضيع بحثتها بشكل مستفيض للضرورة التي يتطلبها البحث، وهاتان الملاحظتان تخص بالأساس مواضيع الحوادث والوقائع التي جرت في كربلاء منذ العهود القديمة إلى عصرنا الحاضر.

لذلك قمت بفرز (الحوادث والوقائع) فقط التي جرت في تاريخ كربلاء وحسب تسلسلها الزمني، وشرحتها بالتفصيل في حالة إختصارها في كتابنا (المفصل) المنوّه عنه، وإختصرتها في حالة ورودها بالتفصيل فيه، وذلك لأهميتها البالغة لما تحمل من دروس ودلالات تؤشر بالأساس تميّز كربلاء عن بقية الحواضر والمدن الأخرى.

وربّ سائل يسأل لماذا لم تدوّن بالتفصيل جميعها وبدون إختصار وتخرج كاملة في (المفصل في تاريخ كربلاء)؟ ... فنجيب السائل الكريم بأن ذلك سوف يزيد من عدد أجزاء الكتاب من ناحية، وذلك ما لا يستسيغه أكثر القرّاء، كما أن تكلفة طبعه ونشره تكون باهظة إذا ما عرف القارئ مشاكل الطبع والنشر والتوزيع خاصة أننا لا نعتمد إنتظار من يتكفل بطبعه ونشره بعد إقتناعه به وبمواضيعه، فمؤسسات الطباعة والنشر جهات تجارية في الغالب تفكر بالربح والخسارة وحالة سوق الكتب المتأرجحة دائماً.

من ناحية أخرى نجد الكثير من القراء يضعون جلَّ إهتمامهم بالحوادث والوقائع، ويعتبرون كتابة التأريخ قد تختصر على ذلك، وفي نظرنا نعتبر ذلك خطأ كبير لأن التاريخ يجب أن يدوّن كلّ شيء يخص الموضوع مدار البحث، ولكن لأهمية هذه المواضيع فقد إرتأينا أن نكتبها منفردة بالصيغة التي نراها تصل إلى المتلقي بشكل

سلس ويسير يصاحبه الإمتاع في السرد، مضافاً إليه تحليلات جديرة بالذكر نجدها ساندة للبحث.

ففي هذا الكتاب يجد القارئ الكريم ذكراً لجميع الحوادث التي جرت في كربلاء أرضاً ومدينة، والحوادث التي لم تجر فيها معارك تم شرحها على إعتبار أنها وحيدة وقتها وزمانها، فهي متأصلة بمجريات الأحداث.

أما المعارك التي جرت في الضواحي القريبة جداً منها والتي ذكرناها بالتفصيل، كانت دليل واضح على الأهمية القصوى التي يحتلها موقع كربلاء، فكانت تتأثر بها المدينة وسكانها مباشرة، وتتحمل أوزارها هي الأخرى حتى لو لم يكن للمدينة فيها ناقة ولا جمل.

والوقائع التي جرت فيها مباشرة ، تنبئ القارئ لها مدى ما تحملته كربلاء من عظيم الفوادح والنكبات فالوقائع الدامية التي شهدتها المدينة من الكثرة بحيث لم تشهد مدينة أخرى مثلها ولا حتى بالمقاييس العادية لمثل تلك الحالات. فمنذ أن كانت أرضاً شهد ثراها أكبر جريمة في التاريخ عندما أستشهد فيها الإمام الحسين(علیه السلام)، وثم من عندما بدأت تنمو وتزدهر تعرضت إلى التهديم الكامل والشرس بما تحويه من أضرحة وبيوت وأسواق ومحلات وذلك في زمن المتوكل العباسي.

وبعد أن نهضت مرّة أخرى نجدها قد تعرضت هي والأضرحة المقدسة إلى غزوات الأعراب والقبائل التي أسست لها إمارات بالقرب منها.

أما الحوادث والمعارك التي نشبت بين سكانها فكان ذلك شكلاً من أشكال فقدان الأمان فيها، والإضطراب في أحوالها العامة.

فأبشع الوقائع التي شهدتها كربلاء كانت عندما غزاها الوهابيون، وعاثوا بها فساداً وتقتيلاً لأهلها والزائرين الوافدين إليها لزيارة قبر الإمام الحسين(علیه السلام).

كذلك عندما ناصبها العداء آخر الولاة المماليك في العراق (داود باشا)، عندما جيش الجيوش وهجم عليها في الواقعة المسماة بـ (المناخور) أو (الميرآخور) وإشتبك مع أهلها في تسع معارك إستبسل أهلها في الدفاع عنها ولم يمكنوه منها إلا بعد عدة سنوات.

أما الفاجعة الكبرى التي تلقتها في تأريخها الطويل حينما هجم عليها عنوة والي بغداد (محمد نجيب باشا) في الواقعة التي عُرفت بإسمه وسماها بعض المؤرخين بواقعة (غدير دم)، حيث فتك بأهلها وبمقدساتها ، وجرت في أزقتها ودروبها أنهار من الدماء وتناثرت جثث القتلى في كل مكان ولم يسلم أحد حتى الذين لاذوا بقبري الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام، فكانت واقعة يندى لها جبين الإنسانية وقد خلّفت هذه الحادثة مآسي لا توصف جعلت الدول العظمى تتدخل وتستقصي الحادثة بحيث شغلت الآفاق بمجرياتها، ولم يفتر المؤرخون والباحثون عن الكتابة عنها ليومنا هذا.

فقد كانت كربلاء على الدوام عصية على المحتلين والحكومات المتعددة الغير عربية التي سيطرت على العراق وألقت بظلالها الثقيلة على صدور سكانه لقرون طويلة. وكم من مرّة حكمت نفسَها بنفسها رافضة الخضوع للأجانب المحتلين.

وفي بداية القرن العشرين الميلادي شهدت كربلاء حوادث ووقائع جسام، وثورات قادها رؤساؤها مؤيدين من بقية الأهالي. كما ويكفيها فخراً أن تكون مركزاً لقيادة الثورة العراقية الكبرى ثورة العشرين ومن ثم مشاركة أبنائها في رسم السياسة العراقية عند تأسيس الحكم الوطني في العهد الملكي.

أما الحوادث الأخرى التي جرت فيها بعد الرابع عشر من تموز 1958م ولما يقارب الخمسين عاماً فتأريخها يتحدث عن الكثير مما حدث وجرى ...!!

كل ذلك قمنا بتدوينه بما يستحقه هذا البحث من جهد، وسيجد القارئ الكريم بأننا إعتمدنا على أسانيد ومصادر لا تقبل الشك والتأويل، وكذلك جميع التحليلات التي أوردناها في البحث لاتخلو أيضاً من الإسناد، وقد إعتمدنا أيضاً على ما دونه بعض الكربلائيين في مذكراتهم ومخطوطاتهم، بل وسجلنا الكثير من المعلومات على لسان المعمرين من أهالي المدينة الذين عاشوا الكثير من الأحداث وخاصة في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي، أمّا حوادث النصف الثاني من القرن العشرين فقد شهدناها شخصيّاً وأدرجناها في البحث بشكل محايد خالية من أي ميول أو إتجاهات.

كما سيجد القارئ لهذا الجهد المتواضع الكثير من الهوامش التي لا تخلو من فائدة كبيرة تعطي للبحث متعة ومعلومات نعتبرها ضرورية حتى يتناسق مجرى البحث.

وفي ختام تقديمنا لهذا الكتاب، يجب أن لا ننسى جهد الآخرين من أبناء مدينتنا ومن الباحثين والمؤرخين من خارجها الذين دونوا ما إستطاعوا كتابته عن كربلاء، ولا نعتبر جهدنا هذا هو الأفضل لما كُتب بل نعتبره مكملاً لجهد الآخرين.

نرجو من الله التوفيق والسداد، إنه سميع مجيب...

المؤلف

الآراميون يحتلون قسماً من أرض كربلاء

الآراميون (1)يحتلون قسماً من أرض كربلاء

في أيام السلالة البابلية الثامنة كانت أرض كربلاء تسمّى (كربلماتاني)(2)، وهي إحدى التسميات القديمة لكربلاء، وذلك يعني أن هذه التسمية كانت موجودة في القرن العاشر قبل الميلاد بالرغم من أن كثير من الباحثين يؤكدون بأن إسم كربلاء القديم هو (كور (بابل) أي قرى بابل لقربها من مدينة بابل القديمة.

ففي دراسة عن الآراميين لـ (دوبونت - سومر) وتعريب (البير أبونا) فيما يخص الدولة الآرامية في (القرن الحادي عشر - القرن العاشر) قبل الميلاد، فقد ذكر بأن الآراميين حاربوا البابليين وتمكنوا من احتلال قسم من أراضي الدولة البابلية، وهذا القسم هو قريب جداً من كربلاء الحالية، وقطعوا الإتصال بين بابل وبارسيبا.

وبارسيبا هي ذاتها ذاتها برس و وكانت من المدن البابلية القديمة، وتقع في الجنوب الغربي من مدينة الحلة الحالية وكانت مشهورة ببرجها الشاهق وتسمّى أيضاً بـ (برس


1) الآراميون ... نسبة إلى آرام بن سام بن نوح، وهم أقوام من الموجات السامية العربية التي أعقبت هجرة الكنعانيين والعموريين. حيث تدفقت الموجات الآرامية إلى أنحاء الهلال الخصيب وإنتشروا في العراق وبدأوا يستقرون في منطقة الفرات الأوسط في أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد، وذلك بعد أن توغلوا في شمال جزيرة العرب وهنا نمت لغتهم وثقافتهم الخاصة بهم. وشكّلوا في العراق شبه ممالك مستقلة عن مملكة بابل، ومن أهم هذه الدويلات مملكة (زوحي) الآرامية التي أسسها الآراميون الذين استوطنوا على شواطئ نهر الفرات مابين ( عانة) ومصب نهر (بليخ)، وقد ضمت مملكتهم مدنا عديدة أهمها (عانات) وهي (عانة) ذاتها، وخاريدي ورحوبوت (الرحبة) وشورا. وكانت ديانة الآراميين قائمة على عبادة عدة آلهة، ولم تكن ديانتهم تختلف عن المعتقدات والتقاليد السائدة في تلك الأزمان. ويؤكد المؤرخون العرب أن القبائل الآرامية ترجع إلى الأصل العربي، فهي والعرب البائدة أو العرب العاربة من أصل واحد دخل الآراميون مع الآشوريين في صراع طويل، وبلغوا أوج إتساعهم وسلطانهم السياسي في القرنين الحادي عشر والعاشر قبل الميلاد.

2) راجع كتابنا (كربلاء ... التاريخ والقداسة)/ص146

نمرود)، وهي متصلة بأرض كربلاء أو (طف البادية)، وبعض الباحثين القدماء كان يطلق على الجزء الشرقي من كربلاء الحالية إسم (بارسیبا) مثل ماكانت تسمى كربلاء بسورا أو نينوى...

فقد ذكر عن هذه الواقعة ما يلي:

«... بدأت المملكة البابلية بالإنحطاط. وفي سنة 986 ق. م في عهد (نابو - موكين - بال) وهو أول ملك من السلالة البابلية الثامنة، توفّق الآراميون من احتلال القسم الواقع من الفرات بقرب (كربلماتاني) مدة 9 سنين، وقطعوا بذلك طرق الإتصال بين بابل وبارسيبا(1).

وهذه الحادثة هي من أقدم الحوادث التي ذكرها المؤرخون من حيث وقوعها على أطراف أرض كربلاء الشرقية، حيث تقدم الآراميون من أعالي الفرات (عانة) وسلكوا طريق البادية بإتجاه (طف الفرات) إلى أن وصلوا إلى المنطقة المنوّه عنها أعلاه، والتي بقوا فيها تسع سنين مهددين مدينة بابل.


1) مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة / د. طه باقر ص 464 ، ومجلة سومر / المجلد 19 ص101.

معارك الساسانيين مع القبائل العربية في كربلاء

في بداية القرن الثالث الميلادي بدأت هجرة القبائل العربية من شبه الجزيرة العربية متوجهة إلى العراق، فقد نزحت إلى عين التمر والحيرة والأنبار، وأرض كربلاء كانت تتوسط تلك الحواضر ، وفي مقدمة القبائل النازحة كانت قبائل قضاعة. وكان أكبر ثقلهم في عين التمر ويقودهم مالك بن نضر بن زهير.

كانت قضاعة على غير رأي الساسانيين. بالإضافة إلى قبيلة بني أسد الذين إستقروا في طف كربلاء وخاصة في باروسما (1)والغاضرية (غاضرة أسد) بني ونينوى (2)وغيرها من قرى الطف.

كانت قضاعة في عين التمر وأطرافها، فهي تنتشر في البادية الغربية مما يلي طف الفرات. وكثيراً ما تخوّف من قضاعة (سابور الأول) وهو سابور الجنود بن أردشير بن بابك، وسابور هذا هو ثاني ملوك الساسانيين الذي إستلم العرش بعد وفاة أبيه سنة 241م.

وعين التمر تقع في البادية وهي قريبة من أرض كربلاء، وجاء خوف سابور من أن تتحالف قضاعة مع الروم (البيزنطينيين) ضد الفرس (الساسانيين)، فوجه جيشاً لمحاربة قضاعة متوجهاً من أرض كربلاء، وتمكن مِن غَلبهم وكان ذلك في منتصف القرن الثالث الميلادي، وعندما غلبهم سابور فقد رحل قسم منهم إلى (الحضر)(3)

كان ملكها (الضيزَن) وهو والد (النضيرة) التي ساعدت سابور الجنود بن أردشير على احتلال ملك أبيها، فقتله وأعرس بها في عين التمر، ومن ثم قتلها في قصة مشهورة.

، وقسم آخر بقي في بادية السماوة.

1) باروسما ... من قرى كربلاء القديمة، وآثارها الحالية في منطقة العطيشي (مركز ناحية الحسينية).

2) بكسر النون وسكون الياء، وهي غير نَيْنَوى الشمالية الواقعة قرب الموصل، وقد أوردنا شرحها في الجزء الأول من كتابنا (المفصل في تاريخ كربلاء).

3) الحضر ... مدينة قديمة عظيمة البنيان في وقتها ولازالت آثارها الباهرة موجودة لحد الآن، وتقع في الجزء الشمالي من الجزیرة بالعراق،وهي الآن قضاء تابع لمحافظة نینوي. ذکرها ياقوت الحموي في معجم البلدان/ج2ص269 حیث قال:«الحضر اسم مدينة بازاء تکریت في البرية بینها و بین الموصل و الفرات...».

اما الذين بقوا في البادية فكانت لهم معارك مع (سابور الثاني) الملقب بسابور ذي الأكتاف، وهو سابور بن هرمز بن نرسي بن .بهرام. وكانت الغلبة فيها لقبائل العرب.

كان سابور الثاني معادياً للعرب وكارهاً لهم، وسبب هذه العداوة حسب ما أورده اليعقوبي في تاريخه بأن العرب أعانت ملك الروم على سابور الثاني وإنتهبوا مدينته وخزائنه ولما مات ملك الروم إليانوس ملك بعده يوبنيانوس، فصالح سابور. وأقام سابور على معاداة العرب لا يظفر بأحد منهم إلا خلع كتفه، فلذلك سُمّي بسابور ذي الأكتاف(1).


1) تاريخ اليعقوبي / ج 1 ص 204.

حفر خندق سابور

كان ملوك الفرس الساسانيين يخشون على دولتهم من ناحية الغرب، كونها مكشوفة على البادية، ولكثرة خشيتهم من العرب الساكنين في تلك الأنحاء ولتفادي تعاونهم مع جيوش قد تأتي جيوش قد تأتي من الشام، قرروا حفر خندق يمتد من الفرات قرب الأنبار نازلاً نحو الجنوب، ماراً بأرض كربلاء ويسير موازياً لنهر الفرات حتى يصل إلى (الإبلة) فكاظمة في أقصى الجنوب.

والذي حفر هذا الخندق هو (سابور) ويؤكد البعض أنه سابور ذو الأكتاف ولیس سابور الأول بن أردشير.

نصب سابور المسالح والمراصد على طول هذا الخندق، وأجرى فيه الماء فيما بعد وأصبح بعدها مجرى لأحد أنهار كربلاء الذي يصل إلى نواحي الكوفة تقريباً وهو (نهر كري سعدة) الذي إتحد بعدها بنهر نينوى، ثم أصبح خراباً مع الزمن وتم حفر نهر غيره يتفرع من الفرات لسقي كربلاء ومحيطها.

وأقطع سابور الأراضي والعيون للموكلين بالمسالح، يعتملونها من غير أن يلزمهم خراجاً، وجاء في موسوعة العتبات المقدسة:

«... وهي عيون كانت للموكلين بالمسالح التي كانت وراء خندق سابور الذي حفره بينه وبين العرب وغيرهم ...».(1)

فلما كان يوم ذي قار وإنتصر العرب، غلبت العرب على طائفة من تلك العيون وبقي بعضها بيد الأعاجم، ثم لما قدم المسلمون الحيرة هربت الأعاجم بعد ما طمّت عامة ما كان في أيديها منها ...(2)


1) موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء – ج 1ص19.

2) راجع المصدر السابق نفسه.

جبرائيل الأمين وكربلاء

كانت كربلاء كأرض قبل أن تصبح مدينة أو حاضرة، خاضعة للحكم الساساني. وهي بعيدة عن موطن رسالة الإسلام التي ظهرت في مكة ولم تنتشر إلّا في مناطق شبه الجزيرة العربية. وحتى القبائل العربية التي سكنت قرى الطف ومدنه انتشرت بعد نزوحها من شبه الجزيرة العربية منذ القرن الثالث الميلادي، قد تنصر أكثرها وذلك ما نلاحظه في الحيرة وعين التمر ونينوى وباروسما والغاضرية والعقر وسورا وبارسيبا وفي بلدة الحكماء، فكان هذا الفضاء من الأرض الذي يحيط بأرض كربلاء عبارة عن تجمع كبير للكثير من القبائل العربية التي إستقرت في المدن والقرى التي ذكرناها، والتي كان قسماً منها ضمن أرض الطف (كربلاء) أو أنها قريبة ومحيطة بها. في نفس الوقت كانت هناك صراعات بين القبائل العربية وبين الدولة الساسانية التي تتدين بالمجوسية، وعندما حدثت معركة ذي قار التي كانت أول إنتصارات العرب على الفرس الساسانيين، فقد شارك عرب الطف وما حوله مع أبناء عمومتهم في هذه المعركة.

في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام لم تُذكر كربلاء ولا الطف إلا مرة واحدة جاءت في روايات مختلفة وعديدة ولكن مضمونها ،واحد، هو أن الرسول(صلی الله علیه و آله وسلم) أُخبر من قبل الأمين جبرائيل(علیه السلام) بأن سبطه الحسين(علیه السلام) يُقتل في أرض تسمى (كربلاء)، وقد أُعطي شيئاً من ترابها، والرواية أو الروايات عن حديث الرسول(صلی الله علیه و آله وسلم) جاءت عن أم المؤمنين أم سلمة (رض) زوج النبي(صلی الله علیه و آله وسلم) وعن عائشة وإبن عباس ومعاذ بن جبل وسعيد بن جمهان وغيرهم.

ذكر المرحوم السيد مرتضى العسكري في كتاب (معالم المدرستين) (1)مختلف الروايات التي وردت عن الرسول الكريم(صلی الله علیه و آله وسلم) بخصوص مقتل الإمام الحسين(علیه السلام)


1) راجع معالم المدرستين / السيد مرتضى العسكري - ج 3 من ص 31 إلى ص36.

جاء في بعضها ذكر لكربلاء والطف، وهي المرّة الأولى التي يُذكر فيها إسم كربلاء من قبل النبي(صلی الله علیه و آله وسلم). وجميع الروايات تؤكد بأن الحسين(علیه السلام) سيُقتل وأن جرائيل(علیه السلام) أعطى الرسول(صلی الله علیه و آله وسلم) بعضاً من التربة للبقعة التي سيُقتل بها بل أن جبرائيل الأمين في بعض تلك الروايات أعطى إسم المكان.

فالرواية التي نُقلت عن (أم سلمة) نقلها العديد من رجال الحديث منهم:

عبدالله بن وهب بن زمعة في مستدرك الصحيحين وطبقات ابن سعد وتاريخ ابن عساكر وصالح بن اربد حيث روى عنه الطبراني وإبن أبي شيبة والخوارزمي وغيرهم. والمطلب بن عبدالله بن حنطب حيث جاء عنه في معجم الطبراني وذخائر العقبى ومجمع الزوائد وغيرها. وشقيق بن سلمة كما جاء في معجم الطبراني وتاريخ ابن عساكر ومجمع الزوائد وغيرها. وعن سعيد بن أبي هند في تاريخ ابن عساكر وتذكرة خواص الأمة. وعن شهر بن حوشب في فضائل ابن حنبل وتاريخ ابن عساكر وذخائر العقبى وغيرها. وعن داود في تاريخ ابن عساكر وغيره.

والرواية التي ورد فيها إسم كربلاء صريحاً عن أم سلمة عن النبي(صلی الله علیه و آله وسلم) هي رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أم سلمة قالت: كان رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) جالساً ذات يوم في بيتي فقال: لا يدخل عليَّ أحد، فإنتظرت فدخل الحسين رضي الله عنه، فسمعت نشيج رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) يبكي فإطلعت فإذا حسين في حجره والنبي(صلی الله علیه و آله وسلم) يمسح جبينه وهو يبكي فقلت: والله ما علمت حين دخل فقال: أن جبريل(علیه السلام) كان معنا في البيت فقال: أتحبه؟ قلت: أما من الدنيا فنعم، قال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها : كربلاء. فتناول جبريل(علیه السلام) من تربتها فأراها النبي(صلی الله علیه و آله وسلم). فلما أحيط بحسين حين قتل قال : ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء، قال: صدق الله ورسوله، أرض كرب وبلاء.

أما روايات عائشة زوج النبي(صلی الله علیه و آله وسلم) فقد نقل عنها من رواة الحديث كل من: أبي سلمة بن عبد الرحمن، فقد جاءت في تاريخ ابن عساكر ومقتل الخوارزمي ومجمع الزوائد وغيرها، حيث ورد إسم (الطف) صريحاً في هذه الرواية وكما يلي: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: أن رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) أجلس حسيناً على فخذه فجاء جبريل إليه، فقال: هذا ابنك؟ قال: نعم، قال: أما أن أمتك ستقتله بعدك،

فدمعت عينا رسول الله، فقال جبريل : إن شئت أريتك الأرض التي يُقتل فيها؟ قال: نعم، فأراه جبريل تراباً من تراب الطف. وفي لفظ آخر : فأشار له جبريل إلى الطف بالعراق فأخذ تربة حمراء، فأراه إياها ،فقال، هذه من تربة مصرعه.

وروى عن عائشة أيضاً عروة بن الزبير، حيث جاء في روايته أنّ اسم الأرض التي يُقتل فيها الحسين هي أرض الطف. فقد جاء في مجمع الطبراني وغيره عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي(صلی الله علیه و آله وسلم) قالت: دخل الحسين بن على رضي الله عنه على رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) وهو يوحى إليه فنزا على رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) وهو منكب ولعب على ظهره فقال جبريل لرسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم): أتحبه يا محمد؟ قال: يا جبريل ومالي لا أحب ابني؟ قال: فإن أمتك ستقتله من بعدك، فمد جبريل(علیه السلام) يده فأتاه بتربة بيضاء فقال: هذه الأرض يُقتل ابنك هذا يا محمد واسمها الطف، فلما ذهب جبريل(علیه السلام) من عند رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) والتربة في يده يبكي فقال: يا عائشة أن جبريل(علیه السلام) أخبرني أن الحسين إبني مقتول في أرض الطف، وإن أمتي ستفتتن بعدي، ثم خرج إلى أصحابه، فيهم علي وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر رضي الله عنهم وهو يبكي فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال : أخبرني :جبريل أن ابني الحسين يُقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه.

وعن عائشة أيضاً روى المقبري الرواية ذاتها كما جاء في طبقات ابن سعد و تاريخ ابن عساكر عن عثمان بن مقسم عن المقبري ومن الرواة عنها عبد الله بن سعيد فيما يخص الحادثة نفسها كما جاء في طبقات ابن سعد ومعجم الطبراني وغيرهما.

وعن أم سلمة أو عائشة، كما في مسند أحمد وفضائله وطبقات ابن سعد وتاريخ الإسلام وسير النبلاء للذهبي ومجمع الزوائد، عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن عائشة أو ام سلمة – شك عبد الله أن النبي قال لأحدهما : لقد دخل على البيت ملك لم يدخل عليَّ ،قبلها فقال لي: إنّ ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء. وفي هذه الرواية أن الملك الذي دخل على النبي لم يكن (جبرائيل).

كما روى معاذ بن جبل الرواية عن مقتل الحسين ولم يذكر فيها اسم الأرض التي يُقتل فيها وإنما ذكر تُربة الأرض وجاءت الرواية في معجم الطبراني وكنز العمال عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن معاذ بن جبل.

أما الروايات التي جاءت عن عبدالله ابن عباس فقد ذكرها أبو الضحى في مقتل الخوارزمي حيث ذكر ان الحسين يُقتل بالطف. وعنه أيضا ذكر الرواية سعيد بن جبير عن ابن عباس كما في تاريخ ابن عساكر ولكنه لم يذكر فيها إسم الأرض.

أما رواية سعيد بن جمهان فقد جاءت في تاريخ ابن عساكر والذهبي وإبن كثير عن سعيد حيث قال: أن النبي(صلی الله علیه و آله وسلم) أتاه جبريل بتراب القرية التي يقتل بها الحسين، فقال اسمها كربلاء : فقال رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) كرب وبلاء.

وعلى أساس ما ورد أعلاه نجد بشكل قاطع لالبس فيه أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد ذكر كربلاء وأرض الطف لأول مرة بالاشارة إلى مقتل سبطه الامام الحسين عليه السلام ومن هذه الناحية جاءت أهمية كربلاء وأرض الطف وتربتها، بل هو التأكيد من النبي(صلی الله علیه و آله وسلم) على قدسيتها.

خالد بن الوليد وفتوحاته في كربلاء

في زمن الخليفة أبي بكر الصديق بدأت الحركات والفتوحات في العراق، وكانت بعض تلك الحركات قد وقعت بالقرب من أرض طف كربلاء وفيها حصرياً بإعتبار طف كربلاء والقرى والحواضر المحيطة به تمثل الحدود الغربية للدولة الساسانية، وفيها مسالحها على ريف السواد. وكان العرب ينتشرون في تلك المناطق.

إمتدت مناطق تلك الحركات من الحيرة إلى الأنبار، وشملت مناطق الفرات الأوسط، يسار ويمين نهر الفرات منها :

النخيلة (1)وبانقيا (2)وكوثى (3)وبرس (برسيبا ) (4)وسورا (5)وكسكر(6).


1) النخيلة... غير خان النخيلة والنخيلة هو ذات موضع خان الربع (المصلّى) بظاهر النجف حالياً بإتجاه كربلاء، وتقع شمال غرب الكوفة، وتبعد عن مدينة النجف الحالية ما يقارب 19كم. أمّا خان النخيلة وهو ذات خان الربع جنوب كربلاء الحالية، وإشتهر كونه أول المنازل على طريق كربلاء - النجف والكوفة، وموقع خان النخيلة الحالي هو بأزاء قرية (العقر) وهي إحدى قرى طف كربلاء، وليست بعيدة عن مدينة (سورا) القديمة، وبين خان النخيلة والنخيلة يقع (خان) النص) وفيه دير الأعور.

2) بانقيا ... هي ذاتها مدينة الكفل الحالية.

3) كوثى... بلدة في سواد العراق في أرض بابل وفيها ولد إبراهيم الخليل عليه السلام وبها طُرح في النار على قول ياقوت الحموي في معجم البلدان. وكان فيها نهر كوثى المشهور المتفرع من الفرات.

4) برس (برسيبا) ... موضع في أرض بابل به آثار لبخت نصر وتل مفرط العلو يسمى . البُرس، وكان يسمى بصرح نمرود أيام إبراهيم الخليل(علیه السلام).

5) سورا ... موضع بالعراق من أرض بابل وهي مدينة السريانيين على قول ياقوت في معجم البلدان، وسورا كانت من قرى كربلاء على الفرات ويمر بها نهر سورا المتفرع منه وحدثت فيها وقائع ذكرناها بالتفصيل في الجزء الأول من كتابنا (المفصل في تاريخ كربلاء) كربلاء ... التاريخ والقداسة.

6) كسّكر ... بفتح الكاف قصبة كانت قرب الكوفة الحالية في الطريق إلى البصرة ، وسمّيت على إسم كسكر بن طهمورث الملك الذي هو أصل الفرس - معجم البلدان - ياقوت الحموي ج 4 ص 461.

وساباط (1)وأليس(2)، ومن ثم الأنبار وباروسما (شمال شرق كربلاء) ونينوى ومسالح كربلاء (3)وعين التمر (4)ودومة (5)وغيرها، وكانت أرض كربلاء وسط تلك الأحداث.

أجمل البلاذري في فتوح البلدان الفتوحات والحركات التي جرت في أرض كربلاء وبقربها وحواليها، حيث ذكر بأن خالد بن الوليد بعث بشير بن سعد بن بشير الأنصاري إلى بانقيا وحمل على الأعاجم وقتل فرخبنداذ قائدهم، وأصابت بشير جراحة فذهب إلى عين التمر ومات بها.

وأتى خالد الفلاليج (6)بعد منصرفه من بانقيا وتمكن منها وتفرق الأعاجم، ورجع إلى الحيرة، ثم سار خالد إلى الأنبار وصالحه أهلها. ثم أتى خالد عين التمر فالتصق بحصنها وكانت فيه مسلحة للأعاجم ،عظيمة، فحاصرهم بجيشه وإفتتح الحصن عنوة وقيل أن خالداً صالح أهل عين التمر... وكان هلال بن وكان هلال بن عقة بن قيس بن البشر النمري على النمر بن قاسط بعين التمر، فجمع خالد لقتاله فظفر به فقتله وصلبه.


1) ساباط ... مدينة تقع قرب المدائن من ناحية الغرب.

2) ألْيَس... جاء في معجم البلدان لياقوت الحموي - ج 1 ص 248 ما يلي: «أُليس: الموضع الذي كانت فيه الوقعة بين المسلمين والفرس فى أول أرض العراق من ناحية البادية، وفى كتاب الفتوح: أليس قرية من قرى الأنبار ذكرها في غزوة أوليس الآخرة».

3) هي المسالح التي كانت للساسانيين على خندق سابور الذي يمر بأرض كربلاء.

4) عين التمر ... حاضرة قديمة تقع غرب كربلاء الحاية وفي باديتها، وهي عبارة عن واحات خضراء تتخللها العيون وكانت حلقة الوصل بين الشام والعراق والجزيرة، وتشتهر بتمورها ومنها (الجسب) وعين التمر موغلة بالقدم وفيها أقدم كنائس المشرق وفي أرضها آثار لازالت ظاهرة للعيان.

5) دومة... هي دومة العراق وهي غير دومة الجندل في شبه الجزيرة العربية، ودومة المقصودة هنا هي قصر الإخيضر الحالي وما حوله.

6) الفلاليج هي طسوج تقسيمات إدارية وضعها الساسانيون منها طسوج الفالوجا العليا، والفالوجة السفلى والتي كانت (النهرين) شمال كربلاء من ضمن الفالوجا السفلى والنهرين كانت تسمى بها كربلاء وهي المحصورة بين خندق سابور (كري) (سعدة) وبين نهر الفرات (بالاكوباس – شط الهندية) وقيل بل بين خندق سابور ونهر سورا.

وإن خالداً أتى (دومة) من عين التمر، ففتحها ثم أقبل إلى الحيرة فمضى منها إلى الشام، وأصح ذلك مضيّه من عين التمر(1).

وجاء في كتاب الأخبار الطوال للدينوري مقتطفات عن حركات خالد بن الوليد في أرض كربلاء والطف وحولها أيام الفتوحات الأولى للعراق ومنها:

«... وحاصر خالد أهل عين التمر حتى إستنزلهم بغير أمان، فضرب أعناقهم، وسبى ذراريهم، ومن ذلك السبي أبو محمد بن سيرين وحمران بن أبان مولى عثمان بن عفان وقَتَلَ فيها خالد خفيراً كان بها من العرب يسمى هلال بن عقبة، وصلبه، وكان من النمر بن قاسط، ومرَّ بحي من بني تغلب والنمر، فأغار عليهم، فقتل وغنم حتى إنتهى إلى الشام. ولم يزل عمرو بن حزم والمثنى بن حارثة يتطرفان أرض السواد ويُغيران فيها حتى توفي أبو بكر»(2).

جاء في تاريخ الطبري ما نصه:

وخرج خالد في عمل عياض ( عياض بن غنم) ليقضي ما بينه وبينه، ولإغاثته، فسلك الفلوجة حتى نزل بكربلاء أياماً وعلى مسلحتها عاصم بن عمرو، وعلى مقدمة خالد الأقرع بن حابس، لأن المثنى كان على ثغر من الثغور التي تلي المدائن، فكانوا يغاورون أهل فارس، وينتهون إلى شاطئ دجلة قبل خروج خالد من الحيرة وبعد خروجه في إغاثة عياض... إلى أن قال: وأقام خالد على كربلاء أياماً، وشكا إليه عبدالله بن وثيمة الذباب، فقال له خالد: إصبر فإني إنما أريد أن أستفرغ المسالح التي أمر بها عياض فنسكنها العرب، فتأمن جنود المسلمين أن يؤتَوْا من خَلفهم، وتجيئنا العرب آمنة وغير مُتَعْتَعَةٍ، وبذلك أمَرَنا الخليفة، ورأيه يعدل نَجْدَة الأمة. وقال رجل من أشجع فيما حكى ابن وثيمة:

لقد حُبِسَتْ في كربلاء مطّيتي***وفي العَيْنِ حتى عاد غَنّاً سمينها


1) راجع فتوح البلدان (البلدان وفتوحها وأحكامها) البلاذري - ص 227 - 233.

2) الأخبار الطوال/ أحمد بن داود الدينوري - ص 164 وص 165 ، تحقيق د. عصام محمد الشيخ علي.

إذا زَحَلتْ من مَبرك رجعَتْ له***لعَمْرُ أبيها إنني لأهِينُها

ويمنعها من ماء كل شريعةٍ***رفاق من الذبان زُرقُ عيونها (1)

وذكر الطبري أيضاً ... أن أبا بكر كتب إلى خالد بن الوليد يأمره أن يسير إلى العراق، فمضى خالد يريد العراق، حتى نزل بقريّات من السواد، يقال لها بانيقيا وباروسا (شمال شرق كربلاء - العطيشي حالياً) وأليس، فصالحه أهلها، وكان الذي صالحه عليها ابن صلويا، وذلك في سنة إثنتي عشرة ، فقبل منهم خالد الجزية وكتب لهم كتاباً في الصلح ...(2).

وجاء أيضاً في تاريخ الطبري ما نصه: «وبعث خالد بن الوليد عماله ومسالحه، فبعث في العمالة عبدالله بن وثيمة النَّضري، فنزل في أعلى العمل بالفلاليج على المنعة وقبض الجزية، وجرير بن عبد الله على بانقيا وبسما، وبشير بن الخصاصية على النهرين (3)فنزل الكويفة ببانبورا، وسُوَيْد بن مقرن المزني إلى نستر، فنزل العَقْر (4)فهى تسمى عقر سويد إلى اليوم...»(5).

وعن وقعة عين التمر وحركات خالد ابن الوليد فيها فقد أوردها ابن كثير في البداية والنهاية بشيء من التفصيل(6).


1) تاريخ الطبري / ج 2 ص 299 وص300 - دار الأميرة ط 2010/1م بيروت.

2) تاريخ الطبري/ ج 2 ص 285 .

3) النهرين... من أسماء أرض كربلاء القديمة.

4) العقر ... من قرى كربلاء القديمة وتقع في الجنوب الشرقي منها قرب خان النخيلة الحالي، وكانت بين موقع كربلاء الحالي وبين سورا. وقد مرّ الإمام الحسين(علیه السلام) بها عند قدومه إلى كربلاء من قصر بني مقاتل، وكان يمر بها خندق سابور ونهر كري سعدة، واليوم تقع مضارب عشيرة كريط بالقرب من آثارها. وفي العقر حدثت وقعة مقتل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة سنة 102 ه التي سيتم الحديث عنها لاحقاً.

5) تاريخ الطبري / ج 2 ص 297.

6) راجع البداية والنهاية لإبن كثير ج 6 ص 593 - دار صبح ط 1 بيروت 2006.

أرض كربلاء والطف وحوادث واقعة القادسية (قبل الواقعة وبعدها)

عندما تولى الخلافة عمر بن الخطاب وجه أبا عبيد بن مسعود الثقفي وهو والد المختار بن أبي عبيد الثقفي إلى العراق في ألف وأرسل الخليفة إلى المثنى بن حارثة الشيباني يأمره بالسمع والطاعة إلى أبي عبيد الثقفي، فأقبل أبو عبيد العراق وهو يُرغب العرب للجهاد والغنيمة وصَحِبَه خلق، فلما صار بالعذيب (1)بلغه أن (جابان) بتستر (2)في جمع كثير فلقيه فهزم جمعه وأسر منهم، ثم أتى درنا (3)(3)وبها جمع للعجم فهزمهم إلى كسكر ، وسار إلى الجالينوس وهو بباروسا (4)فصالحه ابن الأنذرز عن كل رأس على أربعة دراهم على أن ينصرف(5).

وفي يوم قس الناطف (6)وهو يوم الجسر حيث الوقعة المعروفة التي وقعت يوم السبت في آخر شهر رمضان سنة ثلاث عشرة للهجرة على جسر بانقيا عندما عبره أبو عبيد في ناس من أصحابه وقطع الفرس الجسر.


1) العُذَيْبُ ... وادٍ لبني تميم وهو حد السواد، وفيه مسلحة للفرس أيام الساسانيين، ويقال للموضع (عذيب الهجانات) لأن خيل النعمان بن المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة كانت ترعى فيه، وكان من مواضع حاج الكوفة، وقد مرّ الإمام الحسين(علیه السلام) بالعذيب عند توجهه إلى الكوفة التي جُعجِعَ عنها حتى وصل كربلاء. وهناك عُذيب القوادس في نفس الأنحاء والعذيب الأول هو المقصود في البحث.

2) تَسْتَر من مدن الفرس الساسانيين المشهورة والقديمة وهي ذاتها (شوشتر)، كان قد تجمع بها الفرس وقدموا لمواجهة العرب والمسلمين بقيادة أبي عبيد الثقفي

3) دُرْنا... هي ذاتها درتا وقد إختلف المؤرخون على إسمها بالنون أو التاء، وجاء في معجم البلدان لياقوت الحموي : «قال الحازمي وجدته في أكثر النسخ بالنون... وقال ومن نواحي الكوفة ناحية درتا».

4) سبق وأن ذكرنا باروسما التي تقع شمال شرق كربلاء (منطقة العطيشي حالياً)، وهي لا تبعد عن كربلاء الحالية سوى 12كم تقريباً، ومن ذلك يتضح أن جيش العرب والمسلمين بقيادة أبي عبيد قد دخل أرض كربلاء والطف.

5) راجع التفصيل في فتوح البلدان للبلاذري / ص 234 .

6) قس الناطف ... موضع قرب الكوفة على شاطئ الفرات الشرقي.

وهي المعركة التي تراجع بها جيش العرب (1)والمسلمين حيث استشهد أبو عبيد وإبنه جبر وأخوه الحكم(2)، وسحب المثنى بن حارثة الجيش نحو (الطف) حتى وصل (ألْيَس) قرب الأنبار.

وذكر البلاذري قول أبي محجن بن حبيب الثقفي:

أنى تسرت نحونا أم يوسف***ومن دون مسراها فياف مجاهل

إلى فتية بالطف نيل سراتهم***وغودر أفراس لهم ورواحل

مررت على الأنصار وسط رحالهم***فقلت لهم هل منكم اليوم قافل(3)

أمّا في يوم النخيلة ويسمّى أيضاً يوم مهران كانت أرض الطف مسرحاً للعمليات، فقد حدثت في سنة 14 للهجرة هذه الوقعة عندما كان المسلمون قد إجتمعوا في دير هند(4)فقدم إليهم مهران بن مهربنداذ الهمذاني في إثني عشر ألفاً، فأمهل المسلمون له حتى عبر الجسر وصار مما يلي دير الأعور (5)قرب نهر البويب (6)فقاتله المسلمون قتالاً شديداً وتمكنوا من قتله وهُزم جيشه شر هزيمة، وكان يقود جيش المسلمين جرير بن عبدالله البجلي والمثنى بن حارثة الشيباني، وكان جرير على


1) نكرر جيش العرب والمسلمين لوجود مقاتلين مع جيش المسلمين وهم نصارى من العرب، مثال ذلك في يوم الجسر قاتل أبو زيد الطائي الشاعر حمية للمسلمين بالعربية، وكان قد أتى الحيرة في بعض أموره وكان نصرانيا.

2) جاء في الفتوح لإبن أعثم الكوفي ج 1ص170، أن أبا عبيد قتل ومعه أولاده الثلاثة.

3) فتوح البلدان للبلاذري - ص 235-236.

4) دير هند ... أحد أديرة الحيرة.

5) دير الأعور ... موقعه بالقرب من خان النص (خان الحماد) الذي أصبح الآن ناحية الحيدرية بين كربلاء والنجف.

6) نهر البويب ... أحد أفرع نهر الفرات بالقرب من الكوفة.

بجيلة والمثنى على ربيعة وموقع هذه الحادثة كان جنوب كربلاء وبالقرب من دير الأعور الذي يُعتبر من نواحي أرض كربلاء.

وذكر البلاذري في فتوح البلدان ما نصه:

«ثم لم يزل المسلمون يشنون الغارات ويتابعونها فيما بين الحيرة وكسكر وفيما بين كسكر وسورا وبربيسما (1)وصراة جاماسب وما بين الفلوجتين والنهرين وعين التمر.

وأتوا حصن مليقيا ففتحوه، وأجلوا العجم عن مناظر كانت بالطف وكانوا منخوبين قد وهن سلطانهم وضعف أمرهم ... ويقال: إن ما بين مهران(2)والقادسية ثمانية عشر شهراً»(3).

جاء في الكامل في التاريخ لإبن الأثير في موضوع إبتداء أمر القادسية حركات المسلمين قبل القادسية الفاصلة الكثير من الوقائع قرب أرض طف كربلاء ومنها ما نصه: «وأرسل سعد (ابن أبي وقاص) السرايا ورستم بالنجف والجالينوس بين النجف والسَّيْلحين (4)، فطافت في السواد، فبعث سوادا وحميضة في مائة مائة، فأغاروا على النهرين(5)، وبلغ رستم الخبر فأرسل إليهم خيلًا، وسمع سعد أن خیله قد وغلت فأرسل عاصم بن عمرو وجابر الأسدي في آثارهم، فلقيهم عاصم وخيل فارس تحوشهم ليخلّصوا ما بأيديهم، فلما رأته الفرس هربوا ورجع المسلمون بالغنائم. وأرسل سعد عمرو بن معدي كرب وطليحة الأسدي طليعة، فسارا في


1) بربيسما... هي ذاتها باروسما (العطيشي الحالية) التابعة لكربلاء.

2) مهران ... أي وقعة مهران وهي ذاتها واقعة النخيلة، وسميت بمهران على إسم قائد الفرس الذي قُتل في المعركة.

3) فتوح البلدان للبلاذري - ص238.

4) ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان ج 3 ص 298 مايلي : «وذكرُ سيلحين في الفتوح وغيرها من الشعر يدلّ على أنها قرب الحيرة ضاربة في البر قرب القادسية، ولذلك ذكرها الشعراء أيام القادسية مع الحيرة والقادسية ...».

5) النهرين من أسماء أرض كربلاء القديمة والنهرين هما خندق سابور والفرات.

عشرة، فلم يسيروا إلاّ فرسخاً وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسَرْحَهم على الطفوف قد ملأوها ...» (1).

ومما يتضح من كل ما ورد أن أرض كربلاء والطف كانت مسرحاً لحركات المسلمين قبل معركة القادسية.

أما ماحدث في كربلاء بعد معركة القادسية، فقد كانت مسرحاً أيضاً للعمليات عندما إحتلها خالد بن عُرفطة(2)

«خالد بن عُرفطة ابن أبرهة ابن سنان الليثي ويقال العذري ... وكان حليف بني زُهرة وولاه سعد القتال يوم القادسية» . كان خالد بن عرفطة مع سعد بن أبي وقاص في فتوح العراق، وكتب الخليفة عمر إلى سعد يأمره بأن يؤمره، وإستخلفه على الكوفة.

ولمّا بايع الناس معاوية بن أبي سفيان ودخل الكوفة خرج عليه عبد الله بن أبي الحوساء بالنخيلة، فوجّه معاوية إليه خالد بن عرفطة فحارب عبدالله فقتله . ويذكر الشيخ المفيد رحمه الله في مناقب الإمام علي(علیه السلام) عن ثابت الثمالي عن أبي إسحق عن سويد ابن غفلة قال : جاء رجل إلى الإمام علي(علیه السلام) فقال إني مررت بوادي القرى فرأيت خالد بن عرفة بها مات فاستغفر له، فقال الإمام : إنه لم يمت ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة ويكون صاحب لوائه حبيب بن حمار وتحقق فيما بعد كلام الإمام علي(علیه السلام) ، عندما خرج خالد بن عرفطة مع عمر بن سعد الذي قاد جيش عبيد الله بن زياد لقتال الإمام الحسين في كربلاء، حيث قاد خالد قسماً من الجيش وكان حامل لوائه حبيب بن حمار الذي كان من أتباع الإمام علي قبل إستشهاده عليه السلام !!. وعاش خالد منصراً للأمويين إلى أن مات سنة إحدى وستين للهجرة بعد مشاركته قتال الحسين بأشهر.

. فقد ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان ما نصه:

«قال أبو عبيدة بن معمر بن المثنى : لما فرغ سعد بن أبي وقاص من وقعة رستم بالقادسية وضمن أرباب القرى ما عليهم بعث من أحصاهم ولم يسمهم حتى يرى عمر فيهم رأيه، وكان الدهاقين ناصحوا المسلمين ودلوهم على عورات فارس وأهدوا لهم وأقاموا لهم الأسواق ثم توجه سعد نحو المدائن إلى يزدجرد وقدم خالد بن عرفطة حليف بني زهرة بن كلاب فلم يقدر عليه سعد حتى فتح خالد ساباط المدائن ثم توجه إلى المدائن فلم يجد معابر فدلوه على مخاضة عند قرية الصيادين أسفل المدائن فأخاضوها الخيل حتى عبروا وهرب يزدجرد إلى إصطخر (3)فأخذ خالد كربلاء عنوة


1) الكامل في التاريخ لإبن الأثير ج 2 ص 460 .

2) جاءت ترجمته في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة لإبن حجر العسقلاني في ج 1 ص 409 . بأنه:

3) إصطخر ... مدينة في بلاد فارس، وهي من أعيان حصون فارس ومدنها وكورها، قيل كان أول من أنشأها إصطخر بن طهمورث ملك الفرس، وقال الإصطخري هي مدينة وَسَطَة وبها مسكن ملك فارس.

و سبی أهلها، فقسمها سعد بين أصحابه ونزل كل قوم في الناحية التي خرج بها إسمه فأحْيَوها فكتب بذلك سعد إلى عمر فكتب إليه عمر أن حوّلهم، فحولهم إلى سوق حَكَمَة (1)، ويقال إلى كويفة ابن عمر (2)دون الكوفة، فنقضوا فكتب سعد إلى عمر بذلك، فكتب إليه:

إن العرب لا يصلحها من البلدان إلّا ما أصلح الشاةَ والبعير فلا تجعل بيني وبينهم بحراً وعليك بالريف، فأتاه ابن بقيلة فقال له: أدلك على أرض إنحدرت عن الفلاة وإرتفعت عن المبقة؟ قال نعم ، فدَلّه على موضع الكوفة اليوم...»(3).


1) سوق حَكَمَة ... موضع بنواحي الكوفة، ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان وقال: «قال أحمد بن يحيى بن جابر: نسب إلى حكمة بن حذيفة بن بدر وكان قد نزل عنده، قال: وأمّ حكمة هي أُمّ قِرْفَةً التي كانت تُؤلّب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلها زيد بن حارثة في بيتها، وقال أبو اليقضان: نسبت إلى رجل من ولد حكمة يقال له حكم، والله أعلم، كان فيه يوم لشبيب الخارجي قُتل فيه عتاب بن ورقاء الرياحي». فهو موضع سوق كان يقع بضواحي الكوفة قبل تمصيرها.

2) كويفة ابن عمر ... هي تصغير لكلمة الكوفة، ومنسوبة إلى عبيد الله بن عمر بن الخطاب، أقطعها له عثمان بن عفان وانزله فيها بعد أن قتل أبا لؤلؤة والهرمزان ليبعده عن المدينة.

3) معجم البلدان ياقوت الحموي - ج 4 ص 491 .

واقعة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)

لم تشتهر أرض كربلاء ولا (طقها) إلا بعد يوم عاشوراء من عام 61 ه/ 680م، يوم أستشهد على ثراها سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام. وقد تجلت في يوم إستشهاده ملاحم البطولة والبسالة، بعد أن قال الإمام الحسين أكبر كلمة (لا) في تاريخ البشرية ضد حكم الطغاة الفاسقين والمارقين والقاسطين والمنافقين من آل أمية ومن سار بركبهم، وكان خروجه عليه السلام من أجل الإصلاح في أمة جده التي أصابها من خلال حكامها الإعوجاج والإنحراف عن مسيرة الإسلام ومبادئه.

كانت ملحمة سطر فيها الأمام ومن معه أعظم دروس المبدئية والشجاعة والبسالة والإقدام في سبيل إعلاء كلمة الحق ونصرة الدين الحنيف، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر. وقد تواردت الأحاديث عن جده الرسول الكريم(صلی الله علیه و آله وسلم) بأنه مأمور بنهضته ولم يتراجع عن عقيدة الإسلام ومبادئه حتى لو كلفه ذلك حياته.

عندما إستشهد الإمام الحسن بن علي(علیه السلام) مسموماً سنة 50 للهجرة، خلا الجو لمعاوية ليعلن ولاية العهد لولده ( يزيد)، الذي كانت حياته كلها لهو ولعب ومجون. وقد عارض الكثير من المسلمين هذا الإستخلاف غير الشرعي لأنه أمر غريب عن نهج الدولة الإسلامية من ناحية، ولعدم كفاءة يزيد ومعرفة الناس به وبأخباره من ناحية أخرى. وإنتقدوا معاوية على عملية التوريث هذه التي قالوا عنها (قيصرية وكسروية)، لأن القياصرة الرومان والأكاسرة الفرس الساسانيين كانوا يورثون الحكم.

وجاء الإعتراض أيضاً من وجوه الأمويين أمثال مروان بن الحكم وعبد الله بن عامر بن كريز وسعيد بن العاص وآخرين، مما دعا معاوية إلى شراء ذمم الكثيرين

بالمال وغيره لتأييد مسعاه، فكانت بدعة من معاوية عندما أمر إبنه الفاسق على رقاب المسلمين، والإسلام لم يكمل بعد إلّا عدة عقود منذ نزول الوحي وبدء الرسالة المحمدية السمحاء.

وكان معاوية يعلم بأن البيعة لولده لن تكون سهلة وخاصة في الحجاز والعراق، لوجود المعارضة الشديدة على هذا الإجراء، لإمتلاء الساحة حينها بأسماء لامعة لها تأثير كبير على الناس يتقدمهم الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب(علیه السلام) وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن جعفر (الطيار) بن أبي طالب. فكان همُّ معاوية هو أخذ بيعة الإمام الحسين والعبادلة الأربعة هؤلاء، وقد حاول مراراً في حياته ولكنه فشل في مسعاه.

كان الإمام الحسين(علیه السلام) ورغم إعتراضه وخلافه الدائم مع معاوية بسبب ما قام به معاوية من سياسة وأعمال تبتعد عن الشرعية وتعاليم الإسلام الحنيف، ومتابعته الدائمة و التشديد على أصحاب الإمام علي والإمام الحسن عليهما السلام ووصل التضييق عليهم حتى بالأعطيات والأرزاق، ومنحه الرشى بالأموال والمناصب إلى البعض لوضع الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وغيرها من الأمور الكثيرة التي ذكرتها كتب التاريخ المعتمدة وفي بعض كتب الصحاح.

إلا أن الإمام الحسين(علیه السلام) لم يَثُر وينهض عليه للبيعة التي كانت برقبة الحسين عندما تنازل الإمام الحسن(علیه السلام) عن الخلافة لمعاوية، وعدم رغبة الإمام في نقض ما تعهد به و لو كان على غير وفاق معه.

وعندما كان الإمام الحسن حيّاً ومعه الإمام الحسين عليهما السلام، فقد إتصل بهما أهل الكوفة ومنهم حجر بن عدي الكندي وسليمان بن صرد الخزاعي وعلي بن محمد بن بشير الهمذاني وغيرهم الكثير ، وأرادوا من الإمام الحسن أن يغيّر رأيه وان ينقض بيعته لمعاوية ولكنه رفض ذلك.

روى البلاذري بأن الإمام الحسن لم يؤيد أهل الكوفة فيما أرادوا، فقد قال لهم نهاية ردّه إليهم: «... وألزموا بيوتكم، وأمسكوا، وكفّوا أيديكم حتى يستريح

بر ويُستراح من فاجر».

وإشارة إلى ردود الإمام الحسن إلى بقية الوفود التي كانت تفد إليه من جميع الأمصار يعلمهم بأنهم أهل مودة وهم شيعة لأهل البيت، فمن حقه عليهم أن يستمعوا له ويأتمروا بأمره، وأن لا يستسلموا وإنما هو إنتظار إلى حين...

ويقول الدكتور طه حسين:

«فهو إذاً يهيئهم للحرب حين يأتي إبانها، ويحين حينها، ويأمرهم بالسلم المؤقتة حتى يستريحوا ويحسنوا الإستعداد، ومن يدري لعلّ معاوية أن يريح الله منه، فتستقبل الأمة أمرها على ما يحب لها صالحو المؤمنين» (1).

أما بالنسبة للإمام الحسين فكان موقفه في هذا الشأن متطابقاً مع موقف ورأي أخيه الإمام الحسن لأنه صاحب الأمر.

وعندما أظهر الإمام الحسين(علیه السلام) معارضته لمعاوية على توريث يزيد للخلافة بعد إستشهاد الإمام الحسن(علیه السلام) ، فقد كتب والي المدينة (مروان بن الحكم) إلى معاوية يخبره بتوافد الناس على الحسين، وإعتقاده بأن الحسين يضمر الخروج، حيث أن رجالاً من العراق والحجاز يختلفون إليه وأن الحسين لا يُؤْمَن وثوبه، وطلب مروان من معاوية ان يعلمه برأيه...

فكتب معاوية إلى الإمام الحسين عدة كتب ومما كتب له كتاباً كان فيه شيء من التهديد ومنه: «أما بعد... فقد إنتهت إلى أمور عنك، إن كانت حقاً فإني أرغب بك عنها، ولعمر الله إن من أعطى عهد الله وميثاقه لجدير بالوفاء... وإن أحق الناس بالوفاء من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها. فنفسك فذكر، وبعهد الله أوْفِ، فإنك متى تنكرني أنكرك ، ومتى تكدني أكدك، فإتق شق عصا هذه

الأمة»(2).

فأجابه الإمام الحسين:

«أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنه إنتهت إليك عني أمور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير، فإن الحسنات لا يهدي إليها ولا يسدد إليها إلّا الله


1) الفتنة الكبرى / د. طه حسين - ج 2 علي وبنوه ص 206 - 208 .

2) الإمامة والسياسة / ج 1 ص188 ، وذكر أيضاً في الأخبار الطوال وفي أعيان الشيعة.

تعالى... وأما ما ذكرت إنه رقي إليك عني فإنّما رقاه إليك الملاقون، والمشّاؤون بنميم، المفرقون بين الجمع وكذب الغاوون... ما أردت لك حرباً، ولا خلافاً، وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك، ومن الإعتذار فيه إليك، وإلى أوليائك القاسطين الملحدين، حزب الظلمة وأولياء الشياطين... ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلّين العابدين، الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم؟

ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة ألا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، جرأة على الله وإستخفافاً بعهده... أولست قاتل ابن الحمق صاحب رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) العبد الصالح فقتلته بعدما آمنته؟ ...

أولست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد بن ثقيف؟ وزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) - الولد للفراش وللعاهر الحجر – فتركت سنة رسول الله وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثم سلطته على أهل الإسلام، يقتلهم، ويقطع أيديهم وأرجلهم ويسمل عيونهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك.

أولست قاتل الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم على دين عليّ، فكتبت إليه أن أقتل كل من كان على دين علي فقتلهم، ومثل بهم بأمرك. ودين علي هو دين ابن عمه الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي أنت فيه. وقلت فيما قلت أنظر لنفسك ولدينك، ولأمة محمد، وإتق شق عصا هذه الأمة وإن تردهم إلى فتنة. وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها، ولا أعظم نظراً لنفسي وديني ولأمة محمد من أن أجاهدك.

وقلت فيما قلت: إن أنكرك تنكرني، وإن أكدك تكدني، فكد ما بدا لك، فإنّي أرجو ألا يضرني كيدك، وأن لا يكون أحد أضر منه على نفسك، لأنك ركبت جهلك، وتحرصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والإيمان، والعهود والمواثيق، ولم تفعل ذلك إلا لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقنا، وليس الله بناس لأخذك بالظنة، وقتلك أولياءه

على التهم، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة...» (1).

وروي في موضع آخر أن الإمام الحسين(علیه السلام) ردّ على معاوية برسالة توثّق أعماله منها: ... «فأبشر يا معاوية بالقصاص وإستيقن بالحساب وإعلم أن الله كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ... إلى أن قال... وأخذك الناس ببيعة إبنك الغلام الحدث يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب وما أراك إلّا خسرت نفسك وتبلات دينك، وغششت رعيّتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل وأخفت الورع التقي والسلام»(2).

فصعق معاوية من رد الحسين وهو يقول: «أن أثرنا بأبي عبد الله إلّا أسداً»! وهو إعتراف صريح من معاوية بمكانة وعظمة الإمام الحسين(علیه السلام). ولكن

ذلك كله لم يصل إلى أحد الأمرين التاليين:

الأول: نقض الإمام الحسين العهد والمبايعة التي اعطاها وأخيه الإمام الحسن إلى معاوية.

الثاني: الثورة على معاوية.

أعلن معاوية في الشام عن ولاية العهد لإبنه يزيد، فمن الطبيعي أن تجد البيعة قبولاً في الشام مقر عاصمة الدولة الأموية آنذاك وفي بعض المناطق المحددة من الدولة، ولكن نجاح البيعة هو دخول أهل الحجاز (مكة والمدينة) وأهل العراق البصرة والكوفة وقبولهم لها، لأن هذه المناطق المهمة من الدولة كانت عصية على الأمويين لوجود المعارضة على هذا الأمر فيها.

إضطر معاوية لأن يرجع مرة أخرى إلى المدينة المنورة محاولاً أخذ البيعة لولده وليواجه المعارضين مباشرة... وعند وصوله إليها لم يجمع المعارضين كلّهم بل إختار الرأس، فأرسل إلى الإمام الحسين وبحضور عبدالله بن عباس...


1) الإمامة والسياسة / ابن قتيبة الدينوري - ص 169 - ص 170 . تعليق إبراهيم شمس الدين، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

2) المصدر نفسه / ص 170

وأخذ معاوية بدايةً الحديث الليّن، وبعد ذلك دخل في الحديث والإشادة بولده يزيد، ودعاهما إلى بيعته ...

فما كان من الإمام الحسين إلّا أن يَرُدّ معاوية برد أفحمه فيه بخطبة وضع فيها النقاط على الحروف ومنها قوله عليه السلام بعد رفضه طلب معاوية:

«هيهات هيهات يا معاوية !! فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس

أنوار السرج ولقد فضّلت حتى حتى أفرّطت، وإست أثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى ،بخلت، وجرت حتى جاوزت مابذلت لذي حق من إسم حقه من نصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ونصيبه الأكمل... إلى ان قال الإمام الحسين... وفهمت ما ذكرت عن يزيد وإكتماله، وسياسته لأمة محمد تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عما كان مما إحتويته بعلم خاص. وقد دلّ يزيد من نفسه على موضع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ من إستقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي، تجده باصراً، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص... إلى ان قال... فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأباطيل وقلتم كان ويكون حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك فإعتبروا يا أولي الأبصار»(1).

وعجز معاوية إلّا أن يُظهر دهشته على هذا الموقف الصلب من الإمام بعد أن أسمعه من درر الكلام وعدم الرغبة في البيعة، وظل يتميز غضباً ويعلم أنه لم يستطع أن يخدع الحسين.

بعدها غادر معاوية المدينة متوجهاً إلى مكة، وقد إصطحب معه الإمام الحسين وعبدالله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبدالله بن عمر، وفي مصدر آخر أنه إصطحب مع هؤلاء عبدالله بن عباس.


1) المصدر السابق نفسه/ ج 1 ص 195 – ص 196.

وفي مكة بدأ معاوية يفكر بأساليب أخرى منها العنف والترهيب والمكر والخداع، وعرض عليهم البيعة مرة أخرى فإمتنعوا عنها إلى ان هددهم بقطع رأس أي منهم إن عارضه فيما سوف يقول... وجعل على كل واحد منهم رجلين بأيديهم السيوف لينفذوا أمره إن نطق أحد بكلمة، وخرج إلى الناس كما يذكر ابن الأثير في الكامل حيث قال معاوية مخاطباً أهل مكة: «إنّ هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يبتز أمر دونهم ولا يقضى إلا عن مشورتهم، وإنهم رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على إسم الله ...» فبايعه الناس وغادر بعد ذلك مكة(1). ظناً منه أن الأمر إنتهى وسوف يستقر الحكم لولده يزيد من بعده... وفاته أن ذلك كان بمثابة الشرارة التي ولدت الثورة على ولده، وبها كانت بداية النهاية لحكم بني أمية ولو إلى حين.

قبل موت معاوية بسنة حجّ الإمام الحسين ومعه عبد الله بن عباس وعبدالله بن جعفر (الطيار) بن أبي طالب، وجمع في (منى) سبعمئة من بني هاشم ونسائهم، ومن الأمصار ممن يعرفون فضائل أهل البيت، ونحو مئتي رجل من أصحاب رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم)، وخطب فيهم الإمام الحسين شاجباً سياسة معاوية وداعياً المسلمين الإلتزام بالإسلام الصحيح، ولم يكن الإمام إلى هذا الوقت راغباً بالخروج على معاوية ليس خوفاً وإنما لعدم إمتلاكه القوة الكافية والوسائل التي يمكن أن يواجه بها معاوية، ولإمتلاك معاوية الوسائل والإمكانية لأن يظهر الثورة عليه بأنها خروج عن الإطار العام للدولة الإسلامية، وإنها غير شرعية لوجود بيعة له من الحسين وسوف تؤطر الثورة بالتمرد على النظام... بالرغم من أن بعض أهل الكوفة كاتبوا الإمام الحسين بالخروج على معاوية ومنهم جعدة بن هبيرة بن أبي وهب.

لكن الكثير من الموالين لآل البيت أسرعوا إلى نصح الإمام الحسين بعدم الخروج وأن لا يسمع لأهل الكوفة، ومن الذين علم بذلك أبو سعيد الخدري وكان موالياً لآل البيت وذكر للإمام الحسين بأن أهل الكوفة ما لهم ثبات ولا عزم على أمر، ولا صبر على سيف.


1) الكامل في التاريخ ابن الأثير - ج 3 ص 252.

فكان رد الحسين(علیه السلام) لشيعته بأن يخلدوا إلى الصبر والإلتصاق بالأرض ما دام معاوية حيّاً، وإذا مات والإمام الحسين حي فسوف يعلمهم برأيه. لأن الحسين كان يعلم بأنه وبني أمية على الضد حيث قال مرّة: «أنا وهم الخصمان اللذان إختصما في ربّهم» .

مات معاوية وقام بعده إبنه يزيد رغم أن النظام الإسلامي لم يقر مبدأ الوراثة في الحكم، فإن الخليفة يختاره المسلمون والمبدأ الإسلامي يعتمد على أساس إنتخاب الخليفة، وقد يكون بشورى والإنتخاب والتنصيب يتم وفق أمور حددها الإسلام.

منذ إستلام يزيد بن معاوية الحكم بعد أبيه فقد ظهر للعيان الوجه الحقيقي للحكم الأموي، وإكتشف المجتمع الإسلامي عورات هذا النظام الجائر، و«ذاق طعم عذابه وخبر ألواناً من عسفه وظلمه في الأرزاق والكرامات وإنزاحت عن بصيرته الغشاوة»(1).

ومنذ اليوم الأول لتسلم يزيد مقاليد الحكم إتبع سياسة تختلف عن سياسة أبيه الذي عرف بدهائه وتروّيه في الأمور وإحتفاظه بالغطاء الديني الذي لفّه حوله وإستغله لترسيخ موقعه في الحكم، نجد أن إبنه يزيد قد إبتعد عن هذا الغطاء بشكل سافر وأسدل الستار عليه من خلال أعماله وتصرفاته ونهجه الإنحلالي.

وأول أمر شَغَل يزيد بعد موت معاوية هو أخذ البيعة من المعارضين وعلى رأسهم الإمام الحسين... والأمر الآخر هو حرب أهل العراق لكراهتهم بيعته منذ وجود والده معاوية وبعده... وتجاوبهم مع الحسين وذلك مما أدلى به في أول خطاب له على أهل الشام(2).

فوجّه يزيد همه الأول للبيعة له، ولأن أهل الأمصار لم يعلموا بعد بموت معاوية، فأرسل كتابين إلى والي المدينة (الوليد بن عتبة) يخبره في الأول بموت معاوية وكتابه الثاني أخذ البيعة ممن أبوا سابقاً وعلى رأسهم الحسين بن علي وإلّا فقطع الأعناق... وقد جاء في هذا الكتاب:


1) ثورة الحسين / العلامة محمد مهدي شمس الدين – ص134.

2) راجع كتاب حياة الإمام الحسين الشيخ باقر شريف القرشي - ج 2 ص 245.

«أما بعد فخُذْ حسيناً، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير بالبيعة اخذاً ليس فيه رخصة، حتى يبايعوا والسلام»(1).

ففزع الوليد بن عتبة من ذلك، وكيف يفعل عملاً لم يتمكن معاوية من نفسه القيام به. وكان الوليد ذا حنكة ورشد فإستشار مروان بن الحكم شيخ الأمويين والذي كان قبله والياً على المدينة، بأمر يزيد بن معاوية هذا، فأشار عليه مروان بأن يدعوهم عنده ويطلب منهم البيعة ليزيد، وإن أبوا فيقتلهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بالأمر فسيدعي كل واحد منهم بالأمر لنفسه، وإن الحسين سوف لن يستجيب إلى بيعة يزيد ولا يطيعه أبدا.

فقال الوليد لمروان: «ويحك يا مروان من كلامك هذا، وأحْسِن القول في ابن فاطمة فإنه بقية النبوة».

وإتفقا على أن يرسلا إليهم ويطرحا الأمر ليروا بعد ذلك ما ستؤول إليه الأمور. فأرسل الوليد بن عتبة يستدعي الحسين بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير ... فذهبا إليه ومعهم رجال.

قال الوليد للإمام الحسين بحضور مروان بن الحكم:

«دعوتك للبيعة ليزيد بن معاوية» ... فأراد الإمام أن يجيب الوالي ويتخلص من دعوته بالحسنى حيث قال:

«مثلي لا يبايع سراً، ولا يجتزئ بها مني سراً، فإذا خرجت للناس ودعوتهم للبيعة، ودعوتنا معهم كان الأمر واحداً»، فإقتنع الوليد برأي الحسين وشكره ليلتقوا صباح الغد. وربما كان رأي الحسين المجاهرة بعدم البيعة أمام الناس ويدعوهم إلى الثورة والإطاحة بيزيد.

قبل أن يخرج الإمام الحسين من مجلس الوالي إغتاظ مروان بن الحكم ونهر الوليد على السماح للحسين بالمغادرة دون أخذ البيعة منه، وطلب منه أن يحبسه وإلّا قطع عنقه، حيث قال مروان:


1) الكامل في التاريخ / لإبن الأثير - ج 3 ص 263.

«لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ولكن إحبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه».

فإلتفت الحسين إلى مروان وقال له صارخاً: «ويلي عليك يا ابن الزرقاء، أنت تأمر بضرب عنقي؟ كذبت ولؤمت»(1).

وهنا إلتفت الحسين إلى الوالي الوليد بن عتبة مؤكداً له صراحة رفضه البيعة ليزيد حسب قول بعض المؤرخين... بقوله:

«أيها الأمير، إنّا اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاجر ، شارب للخمر، وقاتل للنفس المحرمة، ومعلن الفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون...».

أما والي المدينة فقد كتب إلى يزيد بما حدث وجاء رد يزيد بأمرين:

الأول: أخذ البيعة من أهل المدينة حتى إذا إضطرّه ذلك إلى إستعمال القوة.

الثاني: قتل الحسين بن علي وإرسال رأسه إلى الشام.

رفض الوليد بن عتبة تنفيذ أمر خليفته قائلاً: « لا أقتل ابن بنت رسول الله ولو أعطاني يزيد الدنيا بحذافيرها» .

الآن فقد إستجد الوضع عند إستلام يزيد بن معاوية الذي لم يكن مؤهلاً لأن يتولى أمور المسلمين، وكان إستخلافه خارج الشرعية، ونيّاته المبيتة الخبيثة إتجاه رموز المسلمين ومن لم يقبل بالبيعة له، بالإضافة إلى كشف الغشاوة عن أعين الناس وتجربتهم المريرة مع الحكم الأموي...

فإن الأسباب التي كانت تؤجل الثورة قد زالت، وبدأ الطريق ممهداً للإستعداد والقيام بها من أجل إعلاء كلمة الحق والعدل، ومن أجل الإصلاح في أمة محمد(صلی الله علیه و آله وسلم) وتقويم مسيرة الإسلام.

ورغم رفض المجتمع ليزيد وحتى البيت الأموي... ومن بايعه إمّا متزلفاً أو خائفاً خانعاً، فليس هناك مبرر للحسين الذي لم يبايع بأي شكل من أشكال البيعة ليزيد، وجدير به التحرك والنهوض آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر ومصلحاً.


1) أنساب الأشراف / البلاذري - ج 4 القسم الثاني ص 15 .

وهذا ما يثبت من قبل الإمام الحسين مشروعية حركته ونهضته بإعتبار أن موقفه هذا سيكون ضد حاكم جائر لا تنطبق عليه الشرعية ولا يقر إستخلافه مبدأ إسلامي.

وبعد الذي جرى في المدينة مع الوالي ومروان بن الحكم، وجد الإمام الحسين بأن المدينة لا يصلح البقاء فيها بعد الان، وقرر أن يكون بجوار البيت الحرام في مكة. غادر الإمام الحسين المدينة ومعه إخوته وأبناؤه وأبناء أخيه الحسن وأخته الحوراء زينب ،وولديها، ورافقته نساؤه وبعض من أشياعه... وترك في المدينة أخاه محمد بن الحنفية ليكون له عيناً فيها، وأعطاه وصيته التي ترجم فيها أهدافه النبيلة، ويعلمه أنه خارج على حكم يزيد ومن تبعه من بني أمية وأعوانهم، طالباً الإصلاح في أمة جده الرسول الكريم(صلی الله علیه و آله وسلم)، وأنه مأمور بهذا العمل. وجاء في وصيته التي دفعها إلى أخيه محمد بن الحنفية:

«إنّي لَمَّ أخْرُج أشراً، ولا بطراً، ولا مُفْسِداً ، ولا ظالماً، وإنّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصلاح في أمة جدّي، أُريدُ أن آمر بالمعروفِ وأنهى عن المنكر، فَمَنْ قَبِلَني بقبول الحق فالله أولى بالحق، وَمَنْ رَدَّ عليَّ هذا أصْبِرُ حتى يحكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ القَوْمِ بالحق، وهوَ خَيْرُ الحاكمين...».

كان تاريخ خروج الحسين(علیه السلام) من المدينة يوم 28 رجب عام 60 للهجرة، وقد وصل مكة يوم الجمعة الموافق لليوم الثالث من شهر شعبان من عام 60ه... ونزل في دار العباس بن عبد المطلب(1).

وقد إختلف إليه أهل مكة ومن بها من المعتمرين وأهل الآفاق... وكان والي مكة من قبل يزيد حينها (عمرو بن سعيد الأشدق) الذي قابل الإمام الحسين وسأله عن سبب قدومه مكة، فأجابه الحسين أنه جاء عائذاً بالله وبالبيت الحرام الذي من دخله كان آمناً.

فكتب والي مكة إلى يزيد يعلمه بقدوم الحسين إلى مكة وإزدحام الناس عليه، فكتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عباس يذكره بأن ابن عمه الحسين بن علي وعبد


1) تاریخ ابن عساكر/ ج4 ص328.

الله ابن الزبير في مكة يبغون الفتنة ويعرضون أنفسهم إلى التهلكة، وطلب منه أن يبعد الحسين عن نواياه ويمنّه بالعطايا والأموال.

فرد عليه ابن عبّاس:

«إنما الحسين ورد مكة مستجيراً بالبيت الحرام ومبتعداً من إساءة عمالك عليه، وأما ابن الزبير فلا علاقة لنا به، ولا نحن مسؤولون عن تصرفاته، فقد كان عدواً لنا ...».

جاء في كتاب البداية والنهاية ما نصه:

«... فعكف الناس على الحسين، يفدون إليه ويقدمون عليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه ...»(1).

كان ابن الزبير لا يرتاح لوجود الحسين في مكة، ومتى ما وجد الحسين فيها فإن أحداً لا يُعير لابن الزبير رأياً .

عندما إستقر الإمام الحسين في مكة بدأ بتنظيم أمر نهضته، وهو يدعو الناس إلى الوقوف أمام ظلم بني أمية، مبيناً الحقيقة الدامغة للأمة، حاتهم على عدم البيعة ليزيد بوصفها غير شرعية، ولكنه لم يطلب الخلافة لنفسه ولم يصرح بذلك أبداً بل أعلمهم بأنه مأمور شرعاً للوقوف بوجه هذه البيعة ومحاولاً الإصلاح وتطبيق المبادئ السامية التي جاء بها الإسلام الحنيف، والعودة إلى التراث الثر الذي أسسه جده المصطفى(صلی الله علیه و آله وسلم) ناصحاً الناس على عدم الخضوع والخنوع أمام الإستبداد.

كتب الإمام الحسين إلى رؤساء البصرة ومنهم الأحنف بن قيس، والمنذر بن جارود، ويزيد بن مسعود بن عمرو وغيرهم... يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فإن السنة قد أميتت والبدعة قد أُحييت(2).


1) البداية والنهاية / ابن كثير - ج 8 ص 413 .

2) عندما وصلت كتب الحسين إلى رؤساء البصرة كان الوالي عليها حينذاك هو المجرم (عبيدالله بن زياد بن أبيه)، فسلّم المنذر بن جارود رسول الإمام الحسين وحامل كتابه إلى الوالي الذي قام بقتل الرسول وشكر المنذر. أما الأحنف بن قيس فكتب إلى الحسين الآية الكريمة التالية: «فَاصْبِرٍ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنكَ الَّذينَ لا يُؤْمِنونَ». حيث لم تكن له رغبة بالوقوف معه ونصرته ... أمّا يزيد بن مسعود بن عمرو فقد جمع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد، ودعاهم إلى نصرة الحسين فإستجابوا له، وبدأ يهيئ نفسه للخروج وعندما حانت ساعة خروجه للإلتحاق بالحسين بلغه مقتله في كربلاء، فجزع وتأسف لعدم نيله السعادة ومشاركة ابن رسول الله في نهضته. وذكر عبد الرزاق المقرّم في كتابه (مقتل الحسين) ص 163 : « ... وكان رهط من البصريين قد إلتحقوا بالإمام الحسين في مكة وضموا رحالهم إلى رحله حتى وردوا معه إلى كربلاء وقتلوا معه ».

وفي مكة أيضاً بدأت كتب أهل الكوفة ترد الإمام الحسين، يطلبون منه القدوم إليهم لأنهم بغير إمام ويذكرون في كتبهم: «إنّ الناس ينتظرونك، لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل يابن رسول الله، فقد إخْضر الجناب وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار، فأقدم إذا شئت فإنها تقدم على جُنْدِ لك مجندة»(1).

بعد توالي الكتب على الحسين من أهل الكوفة، كتب إليهم أنه بعث إليهم ابن عمه وثقته (مسلم بن عقيل بن أبي طالب) وأمره أن يكتب إليه بحقيقة حالهم ورأيهم، وإذا ما رأى منهم الصدق فيما خاطبوه وما جاء في كتبهم فإنه سوف يقدم إليهم (2). غادر مسلم بن عقيل مكة ليلة النصف من رمضان(3)، ماراً بالمدينة لزيارة قبر الرسول(صلی الله علیه و آله وسلم) وتوديع أهله وأصحابه، وغادرها إلى العراق.

وصل مسلم الكوفة ونزل في دار الصحابي هانيء بن عروة(4)، وقوبل بمزيد من التكريم وبدأ الناس بالإلتفاف حوله ومصاحبته، وقرأ عليهم رسالة الإمام الحسين


1) من الذين كتبوا إلى الإمام الحسين شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث وعزرة بن قيس وعمر بن الحجاج ومحمد بن عمير بن عطارد وهؤلاء كتبوا إليه يدعوه لينصروه وكانوا فيما بعد ممن شاركوا في قتله عليه السلام، وكان من أبرز قاتليه هو شبث بن ربعي وكان يهودياً وأسلم وإرتد عن الإسلام بعد وفاة النبي(صلی الله علیه و آله وسلم)، ورجع إلى إسلامه بعد إنتهاء حروب الردة والقضاء عليها، ومن ثم قاتل مع الإمام علي(علیه السلام) في صفين، وكتب إلى الحسين يدعوه، ثم كان فيما بعد من قادة جيش بن زياد ومن الذين شاركوا بحز رأس الحسين مع شمر بن ذي الجوشن وسنان بن أنس. بينما هناك العديد من أشراف الكوفة بقوا على وفائهم للحسين مثل الصحابيان هانئ بن عروة الذي أستشهد في الكوفة، وحبيب بن مظاهر الأسدي الذي أستشهد مع الحسين بكربلاء.

2) راجع تاريخ الطبري / ج 2 ص 198 ، وفيه تفصيل لذلك وكذلك نص رسالة الإمام لأهل الكوفة.

3) مروج الذهب للمسعودي - ج 2 ص 86.

4) ذكر العلامة المرحوم باقر شريف القرشي في كتابه حياة الإمام الحسين مستنداً على (الإرشاد) و ( الكامل) لإبن الأثير بأن مسلم نزل في دار المختار الثقفي، بينما جاء في كتاب (الإصابة) و(تهذيب التهذيب) أنه نزل بدار هانيء بن عروة، ونعتقده الأصح، لأن الأحداث التي جرت في الكوفة والتي تواترت عن مسلم بن عقيل كانت ترادفها أنباء هاني معه واستشهاد مسلم وهاني سوية، ولم يتطرق احدا عن المختار وقتئذ.

إليهم، وبدأت البيعة لنصرة الحسين. وإختلفت الآراء حول عدد المبايعين وتراوحت الأعداد حسب ما ذكرتها المصادر المختلفة بين إثني عشر ألفاً وأربعين ألفاً!!. وكتب مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين يستحثّه بالقدوم، وأن الناس ليسوا مع بني أمية، وأنه لم يَر مقاومة تذكر.

وصلت رسالة مسلم إلى الإمام الحسين بيد (عابس بن شبيب الشاكري)(1)، وقد تهيأ الإمام الحسين للمسير إلى الكوفة ومغادرة مكة حالما وصلته رسالة ابن عمه مسلم بن عقيل.

حاول عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر نصح الإمام الحسين بعدم الخروج إلى الكوفة وجرت محاورات بينهما ،وبينه فقالا له سمعنا من رسول الله ما يجري لك»، وقدّم عبد الله بن عباس موالاته ونصرته للحسين، أما بن عمر فنصح الحسين على مصالحة القوم والرجوع إلى المدينة، ولكنه شكرهما ورفض البقاء وأخبرهما بأنه مأمور بما يقوم به.

كان والي الكوفة عندما نزل بها مسلم بن عقيل رسول الحسين هو (النعمان بن بشير الأنصاري) الذي اتخذ موقفاً ليناً ومتسامحاً.

ولما علم يزيد بن معاوية بأخبار الكوفة وضعف واليه عليها بنظره، وأخبار مكة وتهيؤ الحسين للخروج إلى الكوفة قرر أن يرسل عبيد الله بن زياد بن أبيه (واليه على البصرة) إلى الكوفة ليضمها إليه ليكون العراق كله بإمرته، وشدد عليه بالإسراع إلى الكوفة وطلب مسلم بن عقيل وقتله، والقضاء على الثورة، وكذلك منع الحسين من دخول الكوفة ومحاصرته وإجباره على البيعة وإلا قتله والتمثيل به ومن معه.

كان ابن زياد هذا مشهوراً بالقسوة والبطش وسفك الدماء، فعندما جاءه أمر يزيد خطب بأهل البصرة وهددهم في حالة خروج أحد منهم على الطاعة...

فغادر البصرة على عجل وبصحبته خمسمئة رجل ليصل الكوفة قبل وصول الحسين إليها، وإستخلف على البصرة أخيه ( عثمان بن زياد بن أبيه) ...


1) عابس بن شبيب الشاكري ... كان من خُلّص أتباع الإمام الحسين ومن أهل الكوفة وثقة عند مسلم، وقد رافق الإمام في مسيره من مكة إلى الكوفة التي لم يدخلها الأمام حيث جعجعوا به نحو كربلاء، وقد سقط عابس شهيداً في يوم الطف وهو يناصر ويدافع عن حرمة الحسين.

وصل ابن زياد الكوفة، وعندما شاهده الكوفيون جفلوا وذهبوا مسرعين إلى دورهم وقد أوجسوا منه الشر، فإستولى على المال والسلاح، وجمع عملاء بني أمية ليحدثوه عن الثورة ويخططون معه للقضاء عليها.

في اليوم التالي خطب بأهلها وأعلمهم بتوليه أمرها وعزل الوالي النعمان بن بشير، وأعلمهم بأنه سيحسن لمن يتبع السلطة وسيشتد على الخارجين عليها. وإتبع سياسة الرشوة وإستمالة الوجوه والرؤساء والتهديد والبطش، وتمكن من إستمالة الكثير منهم إليه، وتناسوا كتبهم إلى الحسين !!

إنقلب الوضع على مسلم ولم يبق معه إلّا القليل من شيعة أهل البيت، وألقي القبض على هانيء بن عروة، مما دعا ذلك مسلماً ليبادر بإعلان الثورة وقاد أربعة آلاف من أتباعه ورفع شعار (يا منصور أمت) وإتجهوا إلى قصر الإمارة.

أما ابن زياد فقد إنتدب محمد بن الأشعث بن قيس على رأس الجيش الذي يتصدى إلى مسلم وأتباعه، وقام كذلك بتهديد الثائرين بجيش الشام القادم نحو الكوفة، وبحرمانهم من العطاء وسوف يستعمل معهم سياسة البطش والدماء كما فعل أبوه (زياد بن أبيه) معهم في زمن معاوية، وبدأ العملاء بالولوج بين الثوار ونفث هذه السموم بينهم وإشاعة الذعر في نفوسهم.

وهنا خضع الكوفيون إلى الذل والمهانة ومني جيش مسلم بالهزيمة، وبقي يقاتل وحده إلى أن أثخن بالجراح وخارت قواه وتم القبض عليه وأخذ أسيراً إلى قصر الإمارة وهو يقول «اللهم أحكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا».

في قصر الإمارة تم قتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة وأرسل رأسيهما إلى يزيد في الشام وتم إعتقال رؤساء الشيعة منهم سليمان بن صرد الخزاعي والمختار الثقفي وأربعمئة من الوجوه والأعيان.

كل ذلك حدث والإمام الحسين في طريقه إلى الكوفة، وعلم بها وهو في أحد منازل الطريق إلى العراق.

غادر الإمام الحسين مكة في اليوم الثامن من ذي الحجة سنة 60 للهجرة متوجهاً إلى العراق، وكان الناس يهمون بالخروج إلى عرفات في أيام الحج. وفي طريقه عليه السلام مرَّ بمنازل إلى أن وصل كربلاء بعد أن جُعْجِعَ عن الكوفة، وهذه

المنازل هي التنعيم والصفاح وذات عرق والحاجر وبعض العيون والخزيمية وزرود والثعلبية والشقوق وزُبالة وبطن العقبة وشراف وذو حسم (وفيه طلع عليهم الحر بن يزيد الرياحي بألف فارس) ثم البيضة والرهيمة والعذيب والقادسية وقصر بني مقاتل ومنه حل بكربلاء. وفي جميع منازل الطريق هذه وبمسيرة دامت قرابة الشهر والتي سجلت حوادث مهمة ودروساً وعبر ذكرناها بالتفصيل في كتابنا التضحية والرمز ومختصرها في المفصل في تاريخ كربلاء، وهنا لا نود تكرار النصوص في أكثر من بحث لنا.

وعندما رحل الإمام الحسين من قصر بني مقاتل وهو المنزل الذي يسبق وصوله إلى كربلاء، أمر أصحابه بالإستسقاء وسار ركبه الشريف وهو يتياسر عن الطريق والحر الرياحي ومن معه يسايرونه، ويجعجعون به بعيداً عن الكوفة، ودخل مسيرهم إلى (أرض الطف) وتيامن الركب بإتجاه الفرات، وعند قرية (نينوى) وهي إحدى قرى أرض الطف ومنها نينوى والغاضرية وشفية والنواويس والعقر ...

وإذا راكب على نجيب وعليه السلاح، فانتظروه وإذا هو رسول عبيد الله بن زياد إلى الحر بن يزيد الرياحي ومعه كتاب يقول للحر فيه:

«جعجع بالحسين حين تقرأ كتابي، ولا تنزله إلا بالعراء، على غير ماء وغير حصن».

فقرأ الحر الكتاب على الحسين فقال له الإمام: «دعنا ننزل نينوى أو الغاضرية أو شفية» .

فقال الحر: «لا أستطيع فإن الرجل عين علينا».

فقال الإمام: «سر بنا قليلاً».

فساروا جميعاً حتى وصلوا أرض كربلاء، ومن ثم وقف الحر وأصحابه أمام الحسين ومنعوه من المسير وقالوا: «هذا مكان قريب من الفرات» .

فسأل الحسين عن الأرض، فقال له زهير بن القين:

هذه الأرض تسمّى الطف». قال الحسين: «فهل لها إسمٌ غَيْره».

قال زهير : «تُعرَف بكرْبَلاء».

فقال الحسين: «اللهم إني أعوذ بك من الكرب والبلاء... ههنا محط ركابنا وسفك دمائنا ومحل قبورنا، بهذا حدّثني جدّي رسول الله» !!

كانت الأرض التي نزل بها الإمام الحسين(علیه السلام) ذات تضاريس مختلفة، وأن

القوم أرادوا إبعاده عن الماء، الماء، فتطلع إلى المكان فإختار موقعاً متميزاً فيه يقع على مسافة ميل غرب (نهر) يتفرّع من الفرات سمّي فيما بعد بـ (العلقمي)(1).

وإختياره لهذا المكان له دلالات ناجمة عن خبرة الإمام الحسين من نواحي عسكرية وغيرها، فإن مع الحسين نساء وأطفال، ويحتاج إلى أرض يتمكن منها الدفاع ومن عن نفسه معه، لأنه يعلم بنيّة القوم، والأهم من ذلك كله وهو من الإلهام، أنه إختار موضع مثواه ومثوى من سيقتل معه، لتكون الأرض شاهدة على جريمة كبرى ستقع، ومن ثم ستكون الأرض قبلة لطلاب الحرية والإصلاح، وتذكيراً بما قامت به دولة بني أمية.

فالأرض التي إختارها عبارة عن هضبة ترتفع عن ما جاورها من أراضي وتشرف عليها، وتحيطها تلال ومرتفعات من ثلاثة جوانب شمال وغرب وجنوب، وتنحدر من الشرق بأرض مستوية تؤدي إلى النهر حيث وقف الحر ومن معه مانعيه من الوصول إلى النهر حتى يأتي أمر ابن زياد.

إختلف المؤرخون والرواة في اليوم الذي نزل فيه الحسين أرض كربلاء، فمنهم من ذكر بأنه عليه السلام نزلها في اليوم الثاني من محرم الحرام، ومنهم من ذكر في اليوم السابع، وبعض المصادر ذكرت نزوله في اليوم الثامن من محرم سنة 61 ه.

عندما نزل الإمام الحسين أرض كربلاء ومعه أهل بيته وأصحابه، والحر بن يزيد الرياحي الذي جعجع بركب الحسين ليبعده عن الكوفة، ثم أنزله في العراء ومنعه من وروده الماء حيث وقف حائلاً بينه وبين النهر، لينفذ أمر بن زياد... لم يدخل في خاطر الحر بأن ابن زياد يخطط لقتل الحسين، وكان يتوقع أن يكون هناك أمر آخر قد يصل إلى إبعاد الإمام عن العراق في حالة إستمرار رفضه البيعة ليزيد.


1) راجع موضوع (أنهار كربلاء) في كتابنا (كربلاء ... التأريخ والقداسة)، وفيه التفصيل عن هذا النهر وتسميته.

بينما الواقع كان يختمر في ذهن الإمام على العكس مما يظن به الحر، فالإمام يعلم بأن الأرض التي وصلها سوف يراق دمه الشريف فيها، وتكون مدفنه ومدافن أهل بيته وأصحابه الخلّص الذين لم يفارقوه... فهو وصل الآن إلى المكان المأمور به أن يقف، وأن يلاقي ربه الكريم شهيداً على مذبح الحرية والحق.

سرعان ما لاحت بوادر جيش قادم من الكوفة، أكثر ماقيل عن أفراده ثلاثون ألف مقاتل، وأقل الروايات تقديراً له هو أربعة آلاف مع القوة التي كانت بإمرة الحر بن يزيد الرياحي. والجيش مُرسل من قبل عبيد الله بن زياد بن أبيه والي الكوفة بأمر يزيد بن معاوية، وقائد الجيش هذا هو عمر بن سعد بن أبي وقاص!! ويرافقه العديد من القادة الذين من بينهم من كتب إلى الحسين يطلب منه القدوم والنهوض ضد حكم بني أمية، ومنهم شبث ابن ربعي وسنان ابن أنس وحجار بن أبجر وغيرهم.

ولا مقارنة بين جيش بن زياد وبين الحسين وأصحابه وأهل بيته، فكل الذين كانوا مع الحسين لا يزيدون عن المئة شخص، بضمنهم الأطفال والنساء، يقابلهم جيش بالآلاف عدداً وعدة، ولكن الحسين كان يحمل سلاح الإيمان القوي بعدالة قضيته، ولو تحمّل من العذابات ما لم تقع على أحدٍ من البشر ولكنه مأمور بالنهوض ليصلح أمة جده .

ماذا جرى في كربلاء

تحت هذا العنوان لا نريد أن نتحدث عن جانب المأساة التي حدثت كصور للقتال وتفاصيل يوم عاشوراء الذي يختص بالقتال الغير متكافئ أبداً، لأن ذلك من إختصاص كتاب (المقتل)، رغم أن مشاهد القتال أعطت صوراً فريدة للشجاعة والإقدام والتضحية والبسالة المتناهية للإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه الميامين... والخُطَب والمواعظ التي ألقاها الإمام في يوم التاسع من محرم وفي صبيحة اليوم العاشر منه، والتي لم تبخل كتب التاريخ عن ذكرها موثوقة ولا لبس فيها وهو يلقي على الذين جاءوا لقتاله الحجج الدامغة والنصيحة ليعذر القوم بها، ولكننا نقصد بما جرى في كربلاء من أحداث وصور قبل لحظة الإشتباك وإثناءها وكما يلي:

1 - تكوين جيش بن زياد وعدد أفراده، مقارنة بالإمام الحسين ومن معه.

2 - تأكيد حجّة الإمام الحسين بالخروج على الطاغية، وهو خلاصة فكره في نهضته وثورته.

3 - إسلوب الإمام الحسين وإرثه العظيم بإلقاء النصيحة لمن جاء لقتاله كما كان يفعل أبوه وأخوه من قبل، وتأثير ذلك على الجيش المقابل في اللحظات الأخيرة.

4 - موقف أصحاب الحسين في اللحظات الحاسمة والصور الفريدة والنادرة التي ظهروا عليها، كجانب من جوانب المقارنة بين الطرفين.

5 - صلابة موقف الإمام الحسين الذي لم يجد أحد مثيلاً له في التاريخ، وهو يرى صورة المأساة والعذابات لأهل بيته وأصحابه، وهو بقناعة كاملة انه في الجانب الصحيح والمحق في هذا الموقف.

6 - صورة جيش ابن زياد وبربرية الأعمال التي قاموا بها، والبعيدة عن الإسلام والعروبة والشرف والأخلاق.

7 - صور فريدة للمرأة ومواقفها، وكذلك لموقف الأخ والإبن وإبن الأخ وإبن العم وإبن الأخت والأصحاب.

وفي كربلاء وعندما إستبان للحسين كامل الأمر قال لأصحابه الذين بقوا معه: «الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معايشهم، فإذا مُحصوا بالبلاء قل الديانون». ثم قال: «أما بعد ... فقد نزل بنا من الأمر ما ترون، وأن الدنيا قد تغيّرت وتنكرت وأدبر معروفها، ولم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عَيْش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برما».

وعندما جنَّ الليل في ليلة العاشر من محرم، خطب بأصحابه حيث قال:

«أما بعد... فإني لا أعلم أصحاباً أوفى من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعاً، ألا وإنّي أظنُّ أن يومنا من هؤلاء

الأعداء غداً، وإنّي قد أذنت لكم، فإنطلقوا جميعاً في حِلّ، ليس عليكم مني ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فإتخذوه جملاً، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله خيراً وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم، فإنما القوم يطلبوني، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري».

لكن أصحاب الحسين رغم إعذاره لهم وسماحه لهم بالتفرّق لأن القوم يطلبوه وحده، فقالوا له: «والله لا نفارقك، ولكن انفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، وإذا نحن قُتِلنا، كنا وفينا وقضينا ما علينا»(1).

أما أهل بيته من إخوته وأبناءه وأبناء أخيه وأبناء أخته وأبناء عمومته فقالوا:

«ولم نفعل ... لنبقى بعدك ... لا أرانا الله ذلك أبداً»(2).

كان العباس بن علي بن أبي طالب (قمر بني هاشم الساعد الأيمن لأخيه الحسين، فهذا الضرغام الذي أعطى أمثلة وليس مثالاً واحداً عن التضحية والفداء والإيثار ونكران الذات، بل في الشجاعة والبسالة التي ليس لها حدود. وأعطى للإخوة شكلاً لا يمكن أن يحدث أو يتصوره أحد.

يوم العاشر من محرم

بدأ فجر العاشر من محرم سنة 61 ه-، وكان هناك جيش بعدة آلاف من القادة والمقاتلين، إتخذ النهر خلفه وهو يواجه مخيم ومعسكر الإمام الحسين. وأيقن الإمام أن القوم يريدونه مقتولاً بعد أن عرفوا إنه لا يعطي البيعة ليزيد... وقد تأهّب الإمام وأصحابه والرجال والشباب والفتيان من أهل بيته، ووقفوا ليوثاً أمام هذا الجيش الجرار، وكان كل واحدٍ منهم لا يقبل بأقل من أن يلقى ربّه شهيداً يذود عن الحسين وعن مبادئ الإسلام.

هنا لم يَغِب عن بال الحسين(علیه السلام) بأن يعطي هؤلاء ومن خلالهم درساً بليغاً للإنسانية، وأن يذكرهم بالحجج التي خرج من أجلها، وأن يبين مفاصل وأهداف


1) تاريخ الطبري / ج 1 ص 317 - 318.

2) ثورة الحسين/ محمد مهدي شمس الدين – ص189

ثورته التي بدأها سلمياً لحد هذه اللحظة، حتى يعذر أي شخص بعد ذلك من إتخاذ موقفه ...

وتقدم إلى القوم وهو على فرسه وطلب منهم الإستماع إليه، ولكنهم لم ينصتوا !! وعندما إستمروا بتجاهله، صاح فيهم بأعلى صوته:

«ويلكم، ما عليكم أن تنصتوا لي وتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين ومن عصاني كان من الهالكين، وكلكم عاص لأمري غير مستمع لقولي، فقد ملئت قلوبكم من الحرام، وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟ ألا تسمعون؟ .

فصاح الكثير من أفراد جيش عمر بن سعد وتحادثوا بينهم... وقالوا:

«أنصتوا له».

فقال الإمام الحسين بعد أن حمد الله وذكر نبيه الكريم ثم قال:

«تباً لكم أيها الجماعة وترحاً أحين إستصرختمونا والهين، فأصرخناكم ،موجفين سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً أوقدناها على عدونا وعدوكم، فأصبحتم إلباً على أوليائكم، ويداً عليهم لأعدائكم بغير عدلٍ أفشوه فيكم، ولا أملَ لكُم فيهم، إلا الحرام من الدنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه، من غير حَدَثٍ كان منّا، ولا رأي تقيل لنا فهلا - لكم الويلات – إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهمتمونا والسيف مشيم، والجأش ،طامن والرأي لما يستحصف، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا، وتداعيتم إليها كتداعي الفراش، سحقاً لكم يا عبيد الأمة، وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ونفثة الشيطان وعصبة الآثام، ومحرفي الكتاب، ومطفئي السنن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومبيدي عترة الأوصياء، وملحقي العهار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخ أئمة المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم وهم في العذاب خالدون.

وأنتم ابن حرب وأشياعه تعضدون، وعنا تخاذلون، أجل والله، الخذل فيكم معروف، وَشُجَتْ عليه ،اصولكم وتآزرت عليه فروعكم وثبتت عليه قلوبكم، وغشيت صدوركم فكنتم اخبث ثمرةٍ، شجَى للناظر، وأكلة للغاصب، ألا لعنة الله

على الناكثين الذين ينقضون الإيمان بعد توكيدها، قد جعلتم الله عليكم كفيلاً) فأنتم والله هم.

ألا وإن الدعي قد ركز بين إثنتين، بين السلة والذُّلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجُدُودٌ طابت، وحُجُورٌ طُهرت، وأُنوف حميّة، ونفوس أبيّة، لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام... ألا وإنّي قد أعذرتُ وأنذرت، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة، مع قلّة العَدَد وكثرة العدو، وخذلان الناصر»

كان لهذه الخطبة المدوّية تأثير على جيش ابن زياد فبدأ البعض يهرب من معسكر الظلم ويتجه إلى معسكر الحسين ويقفون معه وعلى رأسهم (الحر بن يزيد الرياحي) القائد الذي جعجع بالحسين وأوصله إلى كربلاء، فإنه بعد أن سمع خطبة الحسين إرتعدت فرائصه ولم يستقر على فرسه، فتجرأ أحد أصحابه وقال له:

(ما بك؟) ... فأجابه الحر: «والله إنّي لأخيّر نفسي بين الجنة والنار»!! ماهي إلا لحظات حتى ضرب فرسه برجله وإنتقل إلى معسكر الحسين، يعتذر

منه ويطلب العفو ويرجو قبوله ناصرا، فقال له الحسين:

«أنت حر في الدنيا والآخرة»

عندها إنبرى أحد قادة الجيش الأموي وهو (عمرو بن الحجاج الزبيدي) عندما رأى أفراداً من الجيش ينتقلون إلى الحسين(علیه السلام) وقد أحدثوا تأثيراً على الجيش فصاح بأعلى صوته:

«يا أهل الكوفة، إلزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام»!(1).

لم يكن تأثير خطبة الإمام الحسين الأولى على الجيش الأموي فقط، بل زادت حماسة أصحاب الحسين وأصبحوا شعلة من البطولة.

وعندما رأى الإمام أن أهل الكوفة قد أصروا على قتاله ولم يردعهم وازع من ضمير، فقال لهم الحسين مخاطباً ومؤكداً لهم حقيقة الأمر وليلقي آخر الحجج عليهم: «أيها الناس، إسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعِظُكم بما يجب لكم عليَّ، وحتى


1) تاريخ الطبري ج4 ص 331.

أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدقتم قولي، وأنصفتموني، كنت بذلك أسعد، ولم يكن لكم علي سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر فإجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن امركم عليكم غمّة، ثمَّ إقضوا إلى ولا تنظرون، إن وليي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين. أما بعد...

فإنسبوني، فانظروا من أنا، ثم إرجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها وإنظروا: هل يصلح لكم قتلي وإنتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيّكم؟ وإبن عمه، وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه؟، أوليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي، أوليس جعفر الشهيد الطيّارُ عمّي ؟ أوَلَم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) قال لي ولأخي: (هذان سيدا شباب أهل الجنة)؟، فإن صدقتموني بما أقول - وهو الحق - والله ما تعمدت كذباً مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضر به من إختلقه، وإن كذبتموني فإنَّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم...

سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري أو سهل بن سعد الساعدي أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك... يخبركم أنهم سمعوا هذه المقالة رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) لي ولأخي، أفما في هذا حاجز لكم عن سفك ، دمی؟ ... فإن كنتم في شك من هذا القول أفتَشِكون في أني ابن بنت نبيكم ؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم وانا ابن بنت نبيكم خاصة.

أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟ أو مال لكم إستهلكته؟ أو بقصاص من جراحة ؟ ... يا شبث بن ربعي ويا حجار بن أبجر ، ويا قيس بن الأشعث ويا يزيد بن الحارث ... ألم تكتبوا إلي : أن قد أينعت الثمار وإخضر الجناب، وطمت الجمام، وإنما تقدم على جُنْدِ لك مجند ... فأقبل»

فردوا على الإمام الحسين وقالوا له:

«لم نفعل». فقال الحسين: «سبحان الله، بلى والله لقد فعلتم».

فقال له قيس بن الأشعث بن قيس(1):


1) قيس بن الأشعث بن قيس... كان ممن كتبوا إلى الحسين، وهو ابن الأشعث بن قيس الذي إرتد عن الإسلام بعد وفاة النبي(صلی الله علیه و آله وسلم) وعاد تائباً بعد قمع الردّة، وطالما كان من أتباع الإمام علي(علیه السلام)، وفي خلاف معاوية مع الإمام علي كان الأشعث مع الإمام وله إتصال خفي بمعاوية !! ، وكان الإمام الحسن(علیه السلام) متزوجاً من إبنته (جعدة بنت الأشعث) وهي التي سقته السمّ بالإتفاق مع معاوية وبه أستشهد الإمام الحسن ومحمد بن الأشعث أخو قيس، هو الذي تولى حرب مسلم بن عقيل في الكوفة، وكان اليد الضاربة للمجرم عبيد الله بن زياد حيث استشهد مسلم، وها هو قيس بن الأشعث بعد ما كتب للحسين جاء فيمن جاء لقتله ! ! فسبحان الله على هذه النماذج الناكثة للعهد والمارقة عن الدين والأخلاق، ولا يعلم المرء كيف كانت هذه الذئاب البشرية تعمل بل ماذا كانت تريد وتطلب ؟!!.

«أولاً تنزل على حكم ابن عمّك، فإنهم لن يَروك إِلَّا ما تُحِبْ ولن يصل إليك منهم مكروه» ... أي بايع يزيد وتلقى السلامة!!

وأخيراً وعندما رأى الحسين أنه قد أعذر القوم ولا آذان صاغية وهم مصممون على قتله، فقال الإمام مقالته الخيرة معهم بعد أن يئس منهم: «لا والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار العبيد، عباد الله: إني عُذْتُ بربي وربكم أن ترجمون. أعوذ بربي وربكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب» (1).

كان أمير الجيش عمر بن سعد بن أبي وقاص(2)

أأترك ملك الري و ري منيتي***أم أرجع مذموماً بقتل حسين

وفي قتله النار التي ليس دونها***حجاب وملك الري قرة عين

قد تلقى يوم التاسع من محرم

كتاباً من عبيد الله بن زياد أرسله بيد المجرم (شمر بن ذي الجوشن)، يقول فيه:


1) الكامل في التاريخ لإبن الثير – ج 3 ص 287.

2) عمر بن سعد ... هو ابن الصحابي سعد بن أبي وقاص فاتح العراق في معركة القادسية وأحد الستة من اعضاء مجلس الشورى الذي عيّنه الخليفة عمر بن الخطاب ليكون احدهم خليفة من بعده، وكان سعد بن أبي وقاص يمُتُّ بقرابة للإمام علي(علیه السلام) ، ولكنه لم يبايع الإمام أمير المؤمنين عندما تولّى الخلافة بعد عثمان. وكان عمر بن سعد فيمن حضر قتل مسلم بن عقيل في الكوفة، وعندما اراد مسلم أن يوصي قبل ان تضرب عنقه لم يجد في القوم من هو أقرب رحماً من عمر بن سعد، فطلب منه أن يتكفل بوصيته التي منها أن يبيع ما يملكه من مواد له في الكوفة منها سيفه ودرعه لقاء دين عليه، وأن يبعث أحداً للحسين يخبره بنقض أهل الكوفة لعهدهم له وينصحه بالرجوع من حيث أتى، ولم يكتم عمر الوصية فأخبر بها عبيد الله بن زياد وتم قتل مسلم ولم يوف عمر بما أوصاه مسلم. وكان عبيد الله بن زياد قد كتب عهده إلى عمر بن سعد ليتولى (الري) وهي من بلاد فارس، فلمّا كان من أمر الحسين(علیه السلام) ما كان دعاه بن زياد ليقود الجيش الذي يذهب لقتال الحسين وقال له: «سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك»، فإستعفاه فقال : نعم على أن ترد عهدنا )) - أي توليته الري - فلما قال له ذلك، قال: «أمهلني اليوم حتى أنظر» ، فإستشار عمر بن سعد نصحاءه فكلهم نهاه، وقال له ابن أخته حمزة بن المغيرة) : «أنشدك الله ياخالي أن لا تسير إلى الحسين فتأثم، وتقطع رحمك، فوالله لأن تخرج من دنياك، ومالك سلطان في الأرض، خير من أن تلقى الله بدم الحسين» فقال عمر : «أفْعَلْ»، وبات ليلته مفكراً فى أمره ، ولكنه وافق بالمسير لقتال الحسين وتمثلوه قائلاً:

«أما بعد، فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً، أنظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم، وإستسلموا فإبعث بهم سلما، وإن أبوا فإزحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإن قُتِلَ الحسين فاوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاق مشاق، قاطع ظلوم وليس في هذا أن يضر بعد الموت شيئاً، ولكن على قول، لو قتلته فعلت هذا به»(1).

في هذا الكتاب تبيّن أن ابن زياد أمر بقتل الحسين، وأحس عمر بن سعد أن (شمر) هو عين عليه، فأخذ سهماً ورماه بإتجاه الحسين وقال: «إشهدوا لي عند الأمير بأنني أول من رمى الحسين»!! .

يعني ذلك بدء القتال، وكان بالفعل حيث بدأت المبارزة كما هو معمول به من قبل البعض، حيث برز أصحاب الحسين واحداً واحداً يقاتلون إلى أن إلتحم القتال في ظهيرة يوم العاشر من محرم بتواتر وسرعة، بحيث لم تتح لكلمات الحسين أن تفعل أثرها. وقاتل الإمام الحسين وصحبه وآل بيته قتالاً مجيداً أوقع بجيش الأمويين الرعب والهلع من البسالة والشجاعة الفائقة التي أظهروها، حيث كَثُرَ القتل بجيش الأمويين، وكانت معركة غير متكافئة بجميع المقاييس، وكان قمر بني هاشم (العباس بن علي بن ابي طالب)(علیه السلام) أسداً كأبيه، حيث قدم اروع صور البطولة والشهامة والإقدام كما الباقون، حتى سقطوا جميعاً شهداء، وسقط الحسين على الأرض مثخناً بالجراح، مصاباً بأكثر من مئة طعنة بين ضربة رمح أو سهم أو سیف، وقد خارت قواه، ثم تقدم شمر بن ذي الجوشن وسنان بن أنس وشبث بن ربعي إلى الحسين وهو مرمي على الأرض، فإحتر اللعين شمر بن ذي الجوشن رأسه الشريف، وساعده اللعينان سنان وشبث... ثم وطى جسده الشريف بسنابك الخيل حيث جالت عليه، ومثلوا به أشنع تمثيل !! ...


1) الكامل في التاريخ الإبن الأثير - ج 3 ص 284 . وتاريخ الطبري ج4 ص314.

ومن ثم حملوا الرؤوس على أسنة الرماح، وأخذوا عيال رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) أسارى إلى عبيد الله بن زياد ... ثم إلى يزيد بن معاوية في الشام، وإنتهت هذه الجولة بأروع استشهاد وأعظم بطولة، وكانت شهادة الحسين(علیه السلام) في يوم عاشوراء بكربلاء، أكبر إنتصار للثورة، لأنها تغلغلت في الضمير العربي والإسلامي بل والإنساني، وأحيت الضمائر التي خنقها الإرهاب، لتسقط بستين عاماً... دولة بني أمية.

كان مجموع من إستشهد في يوم عاشوراء، إثنين وسبعين شهيداً، بينهم أبناء الإمام الحسين(علیه السلام) علي الأكبر وعبد الله الرضيع عدا الإمام علي زين العابدين(علیه السلام) الذي كان في شدّة المرض ومنع عن القتال وأراد الأوباش قتله وقد حَمَتْهُ عمّته الحوراء زينب بطلة كربلاء التي كان لها موقف كبير إثناء نهضة الحسين وكذلك في يوم عاشوراء وما بعده، وأبناء أخيه الإمام الحسن(علیه السلام) عدا الحسن (المثنى) الذي كان طفلاً لم يصل السن العاشرة من عمره، وإخوة الإمام الحسين الأربعة اولاد أم البنين الكلابية وعلى رأسهم العباس (قمر بني هاشم) وجعفر وعبدالله وعثمان، ومن أولاد الإمام علي أيضاً محمد الأصغر وأبو بكر، ومن آل جعفر الطيار إبنه عبيد الله وعون ومحمد ولدا عبدالله بن جعفر وأمهما الحوراء زينب وسبعة من رهط آل عقيل بن أبي طالب، وخمسون شهيداً من أصحاب الإمام الحسين بينهم أحد عشر من صحابة رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) بشروا بإستشهادهم مع الحسين من قِبَل النبي الأكرم وسمعوا منه ما يكون على الحسين. ومن بين الشهداء إمرأة واحدة هي أم وهب بن حباب.

كما أن هناك الكثير ممن إستشهد في غير يوم كربلاء مشاركاً في ثورة الحسين أمّا قبل الواقعة أو بعدها، أمثال مسلم بن عقيل بن أبي طالب، والصحابي الجليل هانئ بن عروة، والصحابي عبد الله بن يقطر ، وقيس بن مسهر الصيداوي، وعبد الله بن عفيف الأزدي، وغيرهم ممن أستشهد مع مسلم في الكوفة.

حمل الرؤوس والأسرى إلى الكوفة

عندما إنجلى غبار الجريمة النكراء التي قام بها جيش الأمويين، والتي إنتهت بإستشهاد الإمام الحسين وحزّ رأسه الشريف وبعض رؤوس الشهداء العظام، أمر عمر بن سعد المجرم (حرملة بن كاهل)(1). بنهب مخيم الحسين وأصحابه وحرقه.

وقيّد الإمام زين العابدين(علیه السلام) بالسلاسل وأخِذَ الأطفال والصبايا والنساء وحرائر رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) أسارى مقيدين يحيط بهم أفراد الجيش وقد حملت الرؤوس على أسنة الرماح متوجهين إلى الكوفة حيث واليها الدعي بن الدعي عبيد الله بن زياد، وقد تركت الأجداث معفّرة على تراب كربلاء بدون أن تدفن، طعماً للضواري والعقبان، حقداً ولؤماً وتشفياً من قبل هؤلاء الذئاب البشرية التي لا ترعى ذمّة لآل رسول الله .

دفن الأجداث

ذكر المؤرخون والذين كتبوا عن أحداث يوم عاشوراء في كربلاء، أن بني أسد هم الذين قاموا بدفن الأجداث المرّملة لشهداء الطف رضوان الله عليهم بعد يومين من الواقعة.

كان بنو أسد يقطنون القرى المحيطة بأرض كربلاء، وكان تجمعهم الأكبر في قرية (الغاضرية).

وبعد إنجلاء الواقعة فقد قام أفراد من قبيلة بني أسد بالنزوح إلى أرض المعركة، وقاموا بتعليم الأجداث ودفنها وذلك يوم الثاني عشر من محرم، فقد أفردوا للإمام الحسين(علیه السلام) حفرة ووضعوا فيها جسده الشريف مقطوع الرأس، ودفنوا عند رجليه ولديه علي الأكبر وعبد الله الرضيع.


1) حرملة بن كاهل... هذا المجرم اليهودي الذي أسلم رياءاً، وإرتد بعد وفاة النبي، وقد حمل راية (سجاح) التي إدعت النبوة مع مسيلمة الكذاب، ورجع إلى الإسلام كرهاً بعد حروب الردة. وكان هو قاتل عبد الله الرضيع بن الإمام الحسين حيث أصابه بسهم في نحره وهو يتلوّى من شدة العطش، ولم يشفِ غليله كل ذلك فقام بحرق ونهب مخيم الحسين

وتم دفن بقية الشهداء في حفرة واحدة تبعد امتاراً قليلة عن قبر الحسين وولديه، وقد أفردوا قبراً منفرداً إلى الشهيد الصحابي حبيب بن مظاهر الأسدي، في الناحية المقابلة لقبر الحسين وحفرة الشهداء، وذلك لكونه من رؤساء قبيلة بني أسد وله مقام رفيع لديهم، على ما هو ظاهر في حرم الحسين(علیه السلام).

كذلك ساهم أفراد من قبيلة تميم التي كانت تسكن غرب أرض كربلاء بذات العمل ولكنهم حملوا جثمان الشهيد الحر بن يزيد الرياحي التميمي إلى مقربة من موطن سكناهم حيث دفنوه بالقرب منهم، وهو موضع قبره الحالي.

أما فيما يخص قبر أبي الفضل العباس بن علي قمر بني هاشم) فالمعروف أنه دفن في الموقع الذي أستشهد فيه، وهو موقع مرقده الشريف الحالي... الذي يبعد عن قبر الإمام الحسين بما يقارب (300) م شرقاً، وذكر البعض أنه دفن على ضفة نهر العلقمي، ولا نعتقد بصحة هذا القول حيث أن مجرى النهر قديماً كان يبعد عن قبره الحالي بمسافة تقارب كيلومتر واحد، لأن أرض المعركة التي سقط فيها أبي الفضل العباس وبقية الشهداء هي هضبة ترتفع عن ما جاورها محاطة بتلال من جهات ثلاث عدا الشرق الذي تنحدر الأرض فيه إلى مجرى النهر ، لأن النهر لا يصعد على الأراضي المرتفعة.

وقد ذكر البعض بأن قبر أبي الفضل العباس من ضمن قبور بقية الشهداء في الحفرة التي تلي موضع الرجل للإمام الحسين، معللين القول بأن مشهد قبر العباس لم يذكر في التواريخ إلا بعد القرن الثامن الهجري !!

إعادة رأس الحسين إلى كربلاء

من المؤكد بأن رأس الحسين وبقية رؤوس بعض أصحابه قد أعيدت إلى كربلاء بعد أخذها ليزيد بن معاوية، وتؤكد المرويات أنها أعيدت في يوم الأربعين من إستشهاده. وقام الإمام علي زين العابدين بدفن رأس الإمام مع جسده الطاهر وكذلك البقية، حيث أن عودة الإمام زين العابدين مع حرائر أهل بيت النبوة الذين أخذوا سبايا من كربلاء إلى الكوفة ثم الشام، وبعدها أمر يزيد بإعادتهم إلى المدينة،

وقد توجه الإمام زين العابدين إلى كربلاء ليدفن الرأس ويزور قبر والده الشهيد و (يعلمه بعلامة واضحة ومن ثم واصلوا المسير إلى المدينة مبتعدين عن الكوفة.

ذلك الفعل بـ (مَرَدَّ الراس)، ومنه كانت زيارة (الأربعين) الشهيرة وسمي التي يزدحم فيها المؤمنون ومحبي آل البيت بزيارة قبر الحسين عليه السلام منذ ذلك التاريخ لحد الآن وبأعداد كثيرة وصلت إلى عدة ملايين ويعتبرها الشيعة بمثابة تجديد البيعة على النهج الذي إختطه الإمام الحسين وآل بيته، وتباركاً ومثوبة لا يعدلها شيء(1).


1) تناقل البعض أن رأس الحسين دفن في مصر في الموقع الحالي المسمّى بإسم مقام رأس الحسين في القاهرة، وهناك من يذكر بأن الرأس مدفون في أماكن أخرى، والصحيح الذي لا شك فيه أن الرأس اعيد إلى كربلاء ودفن مع الجسد الطاهر وما مسجد رأس الحسين في القاهرة إلّا رمزاً أُنشأه الفاطميون عندما أسسوا دولتهم في مصر.

التوابون في كربلاء

بعد مقتل الإمام الحسين(علیه السلام) قام بعض كبار أهل الكوفة ممن كتبوا إلى الإمام الحسين ثم تأخروا عن نصرته خوفاً من بطش الأمويين، بالتجمع خفية يتباحثون بالثورة على الأمويين ويرفعون شعار الطلب بالثأر للحسين. وإعتقدوا بأن لاشيء يبعد عنهم الإثم إلّا بالتصدي لقاتليه، ولا يهدأ لهم بال إلا بقتل من قتله أو يُقتلون دون ذلك. وسموا أنفسهم بـ (التوابين).

كان رؤساءهم خمسة يتقدمهم الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي(1)ومعه أربعة من كبار القوم وهم الصحابي المسيب بن نَجَبة الفزاري(2)، وعبد الله بن وائل التميمي، ورفاعة بن شداد البجلي، وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي.

كان هؤلاء الخمسة يجتمعون في الخفاء طيلة أربع سنوات، وكتب سليمان ابن صرد إلى (سعد بن حذيفة بن اليمان) ومن معه من الموالين لآل البيت (بالمدائن) بأمرهم فإستجابوا لدعوته، وكتب أيضاً إلى المثنى بن مخرمة العبيدي في البصرة والموالين لأهل البيت فيها فأجابوه، وبدأوا بِحَثّ الناس ودعوتهم للطلب بدم الحسين.


1) هو سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم الخزاعي، كما ورد في الإستيعاب لإبن عبد ربه في ج 2 ص 63. وسليمان بن صرد صحابي معروف، كان خيرا فاضلاً محباً لرسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) ولأهل بيته وكان من خاصة الإمام علي(علیه السلام) . كان إسمه (يسارا) فغيّره النبي(ص) فسماه سليمان، وهو زعيم الموالين من أهل الكوفة ورئيس التوابين روى عن رسول الله(ص) وممن كاتب الحسين، وقد حبسه ابن زياد فتخلّف عن الحسين واطلق سراحه بعد مقتل الحسين. وقُتل في (عين الوردة) عندما قاد الثوار ضد الأمويين.

2) هو الصحابي المسيب بن نجبة بن ربيعة بن رياح بن عوف بن هلال بن سمح بن فزارة الفزاري، كما ورد في الإصابة لإبن حجر العسقلاني في ج 3 ص 495... وهو من الذين أدركوا الرسول(ص) وقد شهد القادسية وفتوح العراق فيما ذكر ابن سعد في طبقاته، وله رواية عن حذيفة وعلي. وقال ابن سعد أنه كان مع علي في مشاهده. وهو ممن كتبوا إلى الحسين وقد منعه ابن زياد وحبسه حتى أطلق سراحه بعد مقتل الحسين.

عندما مات يزيد بن معاوية جاهروا بثورتهم وجمعوا أصحابهم في (النخيلة) على طريق الكوفة - كربلاء وباتوا ليلتهم في (دير الأعور) في منتصف الطريق بين الكوفة وكربلاء.

في ليلة الخامس من شهر ربيع الأول سنة 65ه / 685م، توجهوا إلى قبر الحسين في كربلاء يبكون، وقد تعالت أصواتهم وهم يقولون: «يارب، إنا خذلنا ابن بنت نبيّك، فأغفر لنا ما مضى، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وإرحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين. وإنّا نشهدك يا رب إنا على مثل ما قتلوا عليه. فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين».

وتزاحموا على لثم القبر، وقال سليمان بن صرد: «الحمد لله الذي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الحسين، اللهم إذ حرمتناها معه فلا تحرمناها فيه بعده» و ، وتكلّم بعده أصحابه فأحسنوا الكلام. وبقي التوابون ليلة واحدة عند قبر الحسين(علیه السلام).

جاء في كتاب البداية والنهاية ما نصه :

«... فلما مرّوا بقبر الحسين صاحوا صيحة واحدة، وتباكوا وباتوا عنده ليلة يصلّون ويدعون، وظلوا يوما يترحمون عليه، ويستغفرون له ويترضون عنه، ويتمنون أن لو كانوا ماتوا معه شهداء... ولما أرادوا الإنصراف جعل لا يريم(1)أحد منهم حتى يأتي القبر، فيترحم عليه ويستغفر له، حتى جعلوا يزدحمون أشد من إزدحامهم عند الحجر الأسود...»(2).

وفي اليوم التالي رحلوا متوجهين إلى الشام ولم يتوجهوا إلى الكوفة، لإعتقادهم بأن النظام الأموي هو المسؤول عن قتل الحسين، وقد إنتدب مروان بن الحكم لقتالهم عبيد الله بن زياد، حيث إلتقاهم في (عين (الوردة)(3)وكان على رأس جيش كبير فإقتتلوا، وأبدى التوابون بسالة وقوة إيمان في القتال حتى قتلوا وتشتت شملهم، وحُمِلَ رأسي سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة إلى الشام.


1) لا يريم... أي لا يبرح ولا ينصرف.

2) البداية والنهاية لإبن كثير - ج 8 ص 273 .

3) عين الوردة منطقة في الشام ، تقع بالقرب من بلدة (قرقيسيا)، وهذه تقع على مصب نهر الخابور في الفرات.

حرب الحجاج وإبن الأشعث في ضواحي كربلاء

على أطراف كربلاء وتحديداً في سنة 82ه / 702م جرت حرب طاحنة بين الجيش الأموي الذي يقوده الحجاج بن يوسف الثقفي، والجيش الذي يقوده عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الذي خرج عن طاعة الحجاج والحكم الأموي، وقد إلتف حوله الكثير من أهل البصرة والكوفة وإنتفضوا ضد حكم الحجاج الذي كان والياً على العراق، والذي كثُر ظلمه وجوره على الناس.

هذه المعركة حدثت في الموضع الممتد بين (دير الجماجم ودير قُرة)(1)الواقعين في أرض طف كربلاء، وكان عبد الرحمن قد نزل دير الجماجم ويأتيه المدد من الكوفة، ونزل الحجاج دير قُرة وقد جاءه المدد من الشام.

كان الحجاج حينها والياً على العراق من قبل عبد الملك بن مروان، وقد أرسل الحجاج سنة 80ه- / 700م جيشاً بقيادة عبيد الله بن أبي بكره إلى سجستان لمحاربة (رتبيل) صاحب الترك. وقد لقي جيش عبيدالله مصاباً أليماً في سجستان، فكتب الحجاج إلى عبدالملك بن مروان يخبره عما وقع للجيش وطلب رأيه، فأشار عليه عبدالملك بأن يرسل جيشاً آخر عسى أن يأتي الفتح للمسلمين. حينها وجه الحجاج عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث إلى سجستان لقتال رتبيل.

كان الحجاج يكره عبد الرحمن بن محمد بن الإشعث، وكان يقول: ما رأيته قط إلا أردت قتله، وتكليف الحجاج هذا لعبد الرحمن فيه شدة ذكاء، فإذا إنتصر


1) راجع موضوع الأديرة والكنائس والمواقع الأثرية في كربلاء في كتابنا (كربلاء... التاريخ والقداسة) وهو المفصل في تاريخ كربلاء ... ودير الجماجم يقع جنوب شرق كربلاء الحالية، بينما دير قرّة يقع في شمالها الغربي.

عبدالرحمن فيحسب النصر للحجاج وإذا قُتِل تخلص منه. وكان يعتقد إن عبدالرحمن سوف يخلع الطاعة إن آجلاً أم عاجلاً، فيتمكن من القضاء عليه.

خرج عبد الرحمن بجيش قوامه 40 ألف مقاتل نصفهم من البصرة والنصف الآخر من الكوفة، وتمكن من إحراز التقدم في أرض رُتبيل، وأخذ يتقدم من بلد إلى آخر .

وقرر أن يريح جيشه فإنه متأكد من فتح كامل البلاد، على أن يستمر في التقدم في العام المقبل لوعورة وصعوبة الأرض، وكتب إلى الحجاج بما فتح الله عليه من بلاد العدو، وبما صنع الله للمسلمين، وبهذا الرأي الذي رآه لهم.

لكن الحجاج لم يقبل برأي عبد الرحمن بالتباطئ، وهدده بعزله، ومن هنا فقد خلع عبد الرحمن الطاعة للحجاج «فبايعه الجند وقادتهم على خلع الحجاج عدو الله وعلى النصرة له والجهاد معه حتى ينفيه الله من أرض العراق، ولم يذكر خلع عبدالملك إذ ذاك بشيء... وأمر بعض قادته على المناطق التي إستولى عليها. ثم بعث إلى رتبيل، فصالحه على أن ابن الأشعث إذا ظَهَرَ فلا خراج عليه أبداً ما بقي، وإن هُزِمَ فأراده ألجأه عنده»(1).

عاد عبد الرحمن إلى العراق، وخلع الناس بيعة عبدالملك إلا قليلاً منهم، ووثبوا إلى ابن الأشعث فبايعوه. عندها كتب الحجاج إلى عبدالملك يخبره بالأمر ويسأله أن يعجل له بالمدد.

نزل الحجاج البصرة ليواجه ابن الأشعث، وإلتحم معه في معركة إنتصر فيها ابن الأشعث في ذي الحجة سنة 81ه / 701م. وبايع أهل البصرة ابن الأشعث.

تمكن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث من دخول الكوفة، وكان الحجاج قد قرر أن يكون قريباً من طريق الشام حتى يأمن وصول المدد أو الفرار إلى الشام.

جاء في تاريخ الطبري تأكيد على وقوع المعركة في أرض طف كربلاء بين دير الجماجم الذي يقع في الجنوب الشرقي من كربلاء الحالية، ودير قرة الواقع في شمال


1) تاريخ الطبري / ج 4 ص 256 ، دار الأميرة.

غرب كربلاء الحاليه وفي ذلك الوقت لم تكن مدينة كربلاء قد مصرت عدا وجود عمارة بسيطة على قبر الإمام الحسين(علیه السلام) بنيت عام 65ه/ 685م.

يقول الطبري في تاريخه: «وأقبل الحجاج من البصرة فسار في البر حتى مرّ بين القادسية والعُذيب، ومنعوه من نزول القادسية، وبعث عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث عبدالرحمن بن العباس في خيل عظيمة من خيل المصرين فمنعوه من نزول القادسية، ثم سايروه حتى إرتفعوا على وادي السباع، ثم تسايروا حتى نزل الحجاج دیر قرة، ونزل عبد الرحمن بن العباس دير الجماجم، ثم جاء ابن الأشعث فنزل بدير الجماجم والحجاج بدير قرّة، فكان الحجاج بعد ذلك يقول: أما كان عبدالرحمن ييزجر الطير حيث رآني نزلتُ دير قُرة، ونزل دير الجماجم.

وإجتمع اهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم والقرّاء من أهل المصرين، فإجتمعوا جميعاً على حرب الحجاج، وجمعهم عليه بغضهم والكراهية له وهم إذ ذاك مئة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم. وجاءت الحجاج أيضاً أمداده من قبل عبد الملك من قبل أن ينزل دير قرّة، وقد كان الحجاج أراد قبل أن ينزل ديرَ قُرّة ان يرتفع إلى هيت وناحية الجزيرة إرادة أن يقترب من الشام والجزيرة فيأتيه المدد من الشاب من قريب، ويقترب رفاغة سعر الجزيرة، فلما مر بدير قرة قال: ما بهذا بعد من امير المؤمنين، وإنّ الفلاليج وعين التمر إلى جنبنا .

فنزل فكان في عسكره مخندِقاً وإبن محمد في عسكره مخندقاً، والناس يخرجون كل يوم فيقتتلون، فلا يزال أحدهما يُدنِي خَندقه نحو صاحبه ...»(1).

في شعبان سنة 82ه / 702م بدأت الوقعة هذه وإستمرت حتى أوائل سنة 83ه، وفيها دارت الدائرة على عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وإنهزم جيشه فيها ورجع إلى البصرة فكانت أرض كربلاء مسرحاً لتلك الأحداث الدامية في ذلك الوقت.


1) تاريخ الطبري / ج 4 ص 261 وص 262.

واقعة (العقر) ومقتل يزيد بن المهلب قرب کربلاء

واقعة (العقر) ومقتل يزيد بن المهلب(1)قرب كربلاء

من الوقائع المهمة التي وقعت احداثها بالقرب من كربلاء هي واقعة العقر، التي حدثت في سنة 102ه / 720م بين جيش يزيد بن المهلب ابن أبي صفرة والجيش الأموي الذي جاء من الشام لقتاله.

والعقر(2)قرية من قرى الطف وكانت قريبة جداً من أرض كربلاء التي أستشهد فيها الإمام الحسين(علیه السلام)، ونزح إليها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وكان قد خرج على الأمويين بعد أن كان هو وأبوه قد توليا الحكم لهم في عدة ولايات منها خراسان، فأرسل إليه الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك أخاه (مسلمة بن عبد الملك) على رأس جيش كبير لمحاربته والقضاء عليه، وتقابلا في معركة كبيرة قرب كربلاء في موقع العقر حيث كان ابن المهلب في الكوفة وزحف على جيش مسلمة قبل أن يصل الكوفة، وإنتهت المعركة بمقتل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وكان وقتها مريضاً.

جاء في كتاب الكامل في الأدب: «ضحى بنو حرب بالدين يوم كربلاء وضحى بنو مروان بالمروءة يوم العقر، فيوم كربلاء يوم الحسين بن علي بن أبي طالب وأصحابه، ويوم العقر يوم قتل يزيد بن المهلب وأصحابه»(3).


1) هو يزيد بن المهلب ابن أبي صُفْرَة ... كان مشهوراً بالكرم والإعتداد بالنفس، وقد سجنه الحجاج بن يوسف الثقفي وهو زوج أخت يزيد، حيث كان بينه وبين يزيد خصومة ألب الحجاج عليه آل مروان، وعندما أستخلف سليمان بن عبد الملك أخرجه وولاه الكوفة. وفي زمن يزيد بن عبد الملك خرج عن طاعة الأمويين وإستولى على البصرة والأحواز وواسط ووصل الكوفة، وحارب الأمويين في العقر قرب كربلاء وقتل فيها.

2) قرية (العقر) ... من قرى كربلاء سبق وتم الحديث عنها في هذا البحث.

3) الكامل في الأدب للمبرد - ج 3 ص248.

كان يزيد بن المهلب قد سجن في جزيرة (دهلك) في زمن عمر بن عبد العزيز لعدم وفائه بخمس الأموال التي كان قد كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك، وإشترط (عمر) العفو عنه عندما يعطي ما عليه.

تمكن يزيد من الهرب من سجنه وقصد العراق ودخل البصرة في خلافة يزيد بن عبد الملك. وقد أمر يزيد بن عبد الملك عدي بن أرطأة أن يمنعه من أرطأة أن يمنعه من ذلك. غير أن أهل البصرة فسحوا له الطريق وأظهروا له التأييد(1).

ولما شعر بميل أهل البصرة له قرر إخراج عدي بن أرطاة منها فكان له ما أراد. ثم أعلن خلع الخليفة وأخذ البيعة لنفسه من أهل البصرة.

ولم تكن البصرة وحدها التي بايعت يزيد بن المهلب بعد أن غلب عليها وعلى البلاد التابعة لها، فقد كان هناك المتذمرون من أهل العراق الذين يرجون سنوح الفرص للوثوب على الدولة الأموية.

وبايعه كذلك زعماء الكوفة وإنضووا تحت لوائه حتى شملت حركته عدداً من المدن إضافة إلى البصرة والكوفة.

يقول صاحب موسوعة العراق السياسية:

«أرسل الخليفة يزيد بن عبد الملك جيشاً كبيراً بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك. فخرج له يزيد بن المهلب بجيشه وإلتقى الجيشان في (عقر) قرب الكوفة. غير أن أهل الكوفة لم يخرجوا لمساعدته كعادتهم. وفي المعركة التي جرت في 14/ صفر / 102ه. الموافق (24 / آب 720م) دارت الدائرة على ابن المهلب وإنتصر جيش الخليفة وسقط ابن المهلب قتيلاً في ساحة المعركة بعد أن تخلى عنه أهل العراق ولم يشأ الهرب من المعركة. وقتل معه إثنان من إخوته وأسر نحو (300) رجل من جيشه بعد إقتحام معسكره»(2).


1) العراق في العصر الأموي ص 216.

2) موسوعة العراق السياسية / عبد الرزاق محمد أسود - المجلد الأول ص 292 .

منع زيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام)

تزاحم الموالون على زيارة قبر الإمام الحسين عليه السلام بعد إستشهاده وخاصة من الذين تباطؤا في نصرته، أو من الذين لم يحصل لهم الشرف بالوقوف معه وقد سمعوا بمقتله وعظيم تأسيهم على ريحانة رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم)، شَعَرَ الأمويون بخطورة ذلك فقاموا بمنع زيارة القبر وخاصة في زمن يزيد بن معاوية، إلّا أن الكثير كان يتسلل لزيارة القبر والتبارك به والترحم على الحسين وأصحابه، وكان ابن زياد قد وضع عيوناً له ليخبروه عن كل صغيرة وكبيرة في تلك الأنحاء.

وعندما مات يزيد تواترت أعداد الزائرين للقبر وكثرت، وأن سكان القرى المجاورة كانوا يقومون بمساعدة الزائرين وإيواءهم بل وإطعامهم. وقد إزداد الناس حريّة في زيارة قبر الحسين فترة ثورة ابن الزبير وسيطرته على الحجاز والعراق وفصلهما عن الدولة الأموية.

لكن الأمر لم يدم على حاله فسرعان ما تم القضاء على عبد الله بن الزبير من قبل جيش عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، وتم إخضاع الحجاز والعراق لسلطة الأمويين، عاد الأمر بمنع الزيارة مرة أخرى ومحاسبة من يقوم بها، وإستمر الحال في زمن عبد الملك بن مروان وأولاده، بل تم وضع المسالح حوالي القبر لمنع الزيارة، عدا ما كان في زمن الخليفة الأموي (عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم)(1).


1) عمر بن عبد العزيز ... هو ابن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن العاص ابن أميّة. وأمه إبنة عاصم بن عمر بن الخطاب. كان مشهوراً بعدله وتقواه، وإحترامه لآل البيت لمكانتهم وقرابتهم من رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم). إستخلفه سليمان بن عبد الملك، وقام بإعادة (فدك) إلى العلويين من أبناء فاطمة الزهراء(علیه السلام)، ومنع سب الإمام علي، وأعطى الحريّة للناس وساوى في الرعية، فكان عهده زاهراً وآمن الناس في أصقاع الدولة وهدأت الأمور. علماً بأن بعض الفقهاء ورغم كل ذلك يعتبرونه غاصب للخلافة في نظر الشيعة لأن خلافة بني أمية بنيت على باطل.

كان عمر يختلف عمّن سبقه من الأمويين، فأطلق حرية الزيارة، ولم يتشدد على شيعة الإمام علي وأولاده عليهم السلام.

وعاد الأمر كما كان عليه عندما تآمر الأمراء الأمويين عليه وكانت وفاته عاجلة، فعاد أبناء عبد الملك بن مروان إلى سدة الحكم وبدأوا التضييق على مناصري وأتباع أهل البيت، ومن أعمالهم كانت منع زيارة قبر الحسين(علیه السلام).

هشام بن عبد الملك ووضعه المسالح بأنحاء كربلاء

هشام(1)بن عبد الملك ووضعه المسالح بأنحاء كربلاء

كان هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية من أشدّ الأمويين على العلويين ومناصري أهل البيت.

وهشام هو الذي لم يتمكن من الوصول إلى مسك الحجر الأسود أيام الحج لإزدحام الناس، وعندما دخل الإمام علي زين العابدين(علیه السلام) إنكشف الناس عن الحجر الأسود ليصله الإمام، ولم يعرفه هشام فقال: من هذا الذي وسّع له الناس وأهابوه، فأسرع إليه الشاعر الفرزدق وأنشد قصيدته الشهيرة ومنها:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته***والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم***هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا الذي أحمد المختار والده***وإبن الوصي الذي في سيفه النقم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله***بجده أنبياء الله قد خُتِموا


1) ولد هشام بن عبد الملك بن مروان في دمشق سنة 71 ه وتوفى سنة 125ه / 743م برصافة الشام على نهر الفرات بسوريا، وقد تسلم الخلافة سنة 105ه / 724م ، بعد أخيه يزيد بن عبد الملك. وذكر اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 258 ما نصه: «كان هشام من أحزم بني أمية وأرجلهم، وكان بخيلاً، حسوداً، فظا غليظاً، ظلوماً شديد القسوة ، بعيد الرحمة، طويل اللسان، وفشا الطاعون في أيامه حتى هلك عامة الناس وذهبت الدواب والبقر ...». وهشام بن عبد الملك هو الذي وجّه بقتل الشهيد زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، وتم صلبه بجبانة السبيع وأحرقت جثته، وقد نثر نصف رمادها في الفرات ونصفه الآخر نثر على الزرع حيث قال يوسف بن عمر قائد جیش هشام والله يا أهل الكوفة ، لأدعنكم تأكلونه في طعامكم وتشربونه في مائكم وكان ذلك سنة 122 ه حسب ما ذكر في الكامل في التاريخ، أمّا اليعقوبي في تاريخه فيذكر قتل زيد سنة 121ه-. وكانت بين هشام بن عبد الملك خصومة مع ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك، لأن يزيد أوصى إلى ولده الوليد (الماجن) ولكن هشام بويع من قبل أغلب الأمويين. وقيل بل بويع لهشام ومن بعده للوليد وقد إختلفا بسبب مجون الوليد وأراد هشام أن يبعده من ولاية العهد كما جاء في البداية والنهاية لإبن كثير.

وبعد خروج الشهيد زيد بن علي بن الحسين في الكوفة على حكم الأمويين، إزداد حقد هشام بن عبد الملك على العلويين، وتشدد عليهم وعلى أتباعهم، وقد أمر بمنع زيارة قبر الإمام الحسين، كما قام بتشييد المسالح (جمع مسلحة وهي نقاط رصد ومراقبة ومكان للأسلحة والجنود) حول قبر الحسين ونقاط حرس ومراقبة على المرتفعات المحيطة بأرض الحائر التي فيها القبر الشريف، لمنع توافد الزائرين.

وقد ذكر الإمام الصادق(علیه السلام) تلك المسالح وكيفية تفاديها للراغبين بزيارة القبر من المؤمنين. ومنع هشام سكان القرى المجاورة من إتيان موضع القبر، ورغم ذلك كلّه كان العديد من المحبين يفدون إلى القبر متسللين ليلاً.

نزول حميد بن قحطبة وأخيه الحسن كربلاء

عندما بدأت الدعوة العباسية كانت تنادي بإسقاط الحكم الأموي، وكانت دعوتهم بإسم العلويين، ويقود الدعوة إبراهيم (الإمام) بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، يسانده أبو مسلم الخراساني. وكان من بين قادة جيوش الدعوة العباسية (قحطبة بن شبيب الطائي)(1)الذي حقق إنتصارات كبيرة على الأمويين، وعندما كان أبو مسلم في نيسابور، قدم عليه قحطبة بن شبيب ومعه عهد إبراهيم بن محمد بن علي، وسيرة يعمل بها، فأمضى أبو مسلم له ذلك ووجهه لقتال جند بني أمية (2). وكان معه ولديه الحسن بن قحطبة وحميد بن قحطبة. فتوالت المعارك والإنتصارات حتى عمّت مناطق جرجان وقومس والري وهمذان وقم وإصفهان وجلولاء ونهاوند و شهرزور.

وكانت فلول الأمويين تهرب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة في واسط. فخرج لقتال قحطبة في محرم سنة 132 ه / 750م ، فرجع إلى واسط، وقرر (قحطبة) عبور الفرات لقتال ابن هبيرة، وكانت له رؤيا بأنه إذا عبر النهر سيغرق، فأوصى أن يكون إبنه حميد بن قحطبة مكانه إذا فقدوه، فإن غاب فالحسن ابن قحطبة. فلما كان السحر عبروا الفرات وكان في أيام المد وكثرة الماء، فلما أصبحوا فقدوا قحطبة وعلموا بغرقه. وإنهزم ابن هبيرة، وحينها قال مروان (الحمار) آخر خلفاء بني أمية عندما وصله خبر


1) قحطبة بن شبيب الطائي، قائد شجاع من ذوي الرأي والشان. كان أحد النقباء الإثني عشر الذين إختارهم محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. كان مظفرا في جميع وقائعه غرق في الفرات على إثر وقعة له مع ابن هبيرة سنة 132ه.

2) تاريخ اليعقوبي / ج 2 ص277.

هزيمة بن هبيرة قال: «هذا والله الإدبار ، وإلا فمن سمع بميت يهزم حياً» ودخل حميد بن قحطبة الكوفة بعد فقد أبيه بأربع ليال.

جاء في تاريخ الطبري في عدة مواضع من كتابه عن حوادث سنة 132ه-، حيث ذكر ما وقع بين ابن هبيرة وقحطبة وقد ذكرت كربلاء وبعض المواقع القريبة منها في تلك الأحداث وكما يلي:

«...ثم عبر قحطبة الفرات في المحرم من سنة إثنتين وثلاثين ومائة، ووجه الأثقال في البريّة، وصارت الفرسان معه على شاطئ وإبن هبيرة معسكر على فم الفرات من أرض الفلوجة العليا، على رأس ثلاثة وعشرين فرسخاً من الكوفة، وقد إجتمع إليه فَلَّ ابن ضُبارة، وأمده مروان بحوثرة بن سهيل الباهلي في عشرين ألفاً من أهل الشام... ولما عبر قحطبة ،الفرات، وسار على شاطئ الفرات إرتحل ابن هبيرة من معسكره بأرض الفلوجة، وإستعمل على مقدمته حوثرة بن سهيل، وأمره بالمسير إلى الكوفة، والفريقان يسيران على شاطئ الفرات ابن هبيرة بين الفرات وسورا وقحطبة في غربيه مما يلي البر...

... وأن قحطبة إنتهى إلى موضع مخاضة (1)ذكرت له، وذلك عند غروب الشمس عشيّة الأربعاء الخمس خلون من المحرّم سنة إثنتين وثلاثين ومائة، فلما إنتهى قحطبة إلى المخاضة إقتحم في عدّة من أصحابه، حتى حمل على ابن هبيرة، وولّى أصحابه منهزمين، حتى نزلوا فم النيل(2)، ومضى حوثرة حتى نزل قصر ابن هبيرة(3)، وأصبح أهل خراسان وقد فقدوا أميرهم(4)، فألقوا بأيدهم، وعلى الناس الحسن بن قحطبة ...


1) المخاضة ... المنطقة التي يقل فيها مجرى المياء ويمكن عبورها من ضفة لأخرى.

2) النيل... فرع من نهر الفرات شرق بابل ،القديمة، ويمر هذا الفرع الآن في ناحية بنفس الإسم تقع شرق مدينة الحلة الحالية.

3) قصر ابن هبيرة ... كان موقعه بالقرب من المسيب وحدده البعض في منطقة سدة الهندية الحالية.

4) يعني به (قحطبة) حيث غرق في النهر.

وفي مكان آخر... وإنهزم أهل الشام، وفقدوا قحطبة فبايعوا حميد بن قحطبة على كُرْه منه، وجعلوا على الأثقال رجلاً يقال له أبو نصر في مائتين، وسار حميد حتى نزل كربلاء، ثم دير الأعور ثم العباسية»(1).

وفي مكان آخر ذكر الطبري النص التالي عن رواية أخرى(2):

«... وأصبح أصحاب قحطبة وقد فقدوه، فلم يزالوا في رجاء منه إلى نصف النهار، ثم يئسوا منه وعلموا بغرقه، فأجمع القوّاد على الحسن بن قحطبة فولوه الأمر وبايعوه، فقام بالأمر وتولاه، وأمر بإحصاء ما في عسكر ابن هبيرة، ووكل بذلك رجلاً من أهل خراسان يكنى أبا النضر في مائتي فارس، وأمر بحمل الغنائم في السفن إلى الكوفة، ثم إرتحل الحسن بالجنود حتى نزل كربلاء، ثم إرتحل فنزل سورا، ثم نزل بعدها دير الأعور ، ثم سار منه فنزل العباسية. وبلغ حوثرة هزيمة ابن هبيرة، فخرج بمن معه حتى لحق بإبن هبيرة بواسط».

فكانت بذلك كربلاء مسرحاً لبعض تلك الأحداث التي جرت في أواخر العصر الأموي والصراع الدائر بين حركة العباسيين ضد الأمويين لتقويض دولتهم.


1) تاريخ الطبري / ج 5 ص 134 وص 135 ، من نسخة دار الأميرة - بيروت ط 1 - 1431ه / 2010م

2) المصدر السابق/ ج 5 ص 136.

رفع المسالح حول قبر الحسين (عليه السلام) والسماح بزيارته

في عام 132 ه / 750م إبتدأ حكم الدولة العباسية بعد إسقاطهم الحكم الأموي من خلال دعوتهم بإسم أهل البيت والعلويين. قام العباسيون في بداية حكمهم بالأعمال التالية:

1- رفع المسالح المحيطة بالقبر الشريف في كربلاء، كونها وضعت من قبل الأمويين لمنع زيارة قبر الإمام الحسين(علیه السلام).

2- السماح بزيارة القبر، حتى ولو كان ذلك لغرض سياسي لتثبيت حكمهم وإلتفاف الناس حولهم (حسب رأي البعض)، وأن الناس في غالبيتهم كانوا على هوى العلويين، خاصة إذا علمنا بأن الإمام جعفر الصادق(علیه السلام) كان فقيه زمانه وان فقهاء المذاهب الإسلامية التي تكونت فيما بعد كانوا من تلامذته، وكان أبو العباس السفاح وبعده المنصور يكنّان إحتراماً وإهتماماً بالإمام الصادق، ويعرفان مكانته ومنزلته العلمية والفقهية وحسبه ونسبه وإلتفاف العلويين والهاشميين ومحبي آل بيت النبوة حوله، وكان العباسيون متيقنين جيداً بأن الإمام الصادق غير طامع بسلطة أو حكم او خلافة(1).

من المعروف بأن الإمام جعفر الصادق(علیه السلام) كان يزور قبر جده الإمام الحسين ويحث محبي آل البيت على زيارته وتوفى الإمام الصادق عام 148ه / 766م.

هناك روايات كثيرة عنه تؤكد وجود بناء على القبر وله أبواب، كما ذكر الحسين بن أبي حمزة الثمالي (المتوفى في زمن المنصور) عن الإمام الصادق في توجيهاته حول


1) راجع البحوث والدراسات وكتب التاريخ التي كتبت عن الدعوة العباسية، أو الكتب التي تحدثت عن سيرة الإمام جعفر الصادق عليه السلام

زيارة القبر حيث يقول: «بعد الغسل في ماء ،الفرات تتوجه إلى القبر حتى تدخل الحير من جانبه الشرقي وتقول ... ثم إذا إستقبلت القبر... ثم أجلس عند رأسه الشريف... ثم تحول عند رجليه... ثم تحول عند رأس علي بن الحسين... ثم تأتي قبور الشهداء ...»(1).


1) مقاتل الطالبيين للإصفهاني - تحقيق أحمد صقر ص 479.

هدم المتوكل لقبر الحسين (عليه السلام)

كان المأمون العباسي قد بنى عمارة جديدة على قبر الإمام الحسين(علیه السلام) عام 199ه / 815م وبقيت هذه العمارة إلى زمن المتوكل العباسي.

ومن أبشع جرائم المتوكل العباسي هو أمره بهدم قبر الإمام الحسين(علیه السلام) في كربلاء وحرثه، كما أمر بهدم ما حوله من الدور والأسواق، ومنع الناس من زيارة القبر الشريف. فبدت كربلاء في أحلك أيامها بعد أن كان يدبُّ فيها النشاط والتوسع.

إختلف المؤرخون في السنة التي هدم فيها القبر الشريف، وكذلك عن عدد مرات الهدم. فمنهم من ذكر أن القبر هدم في زمن المتوكل أربع مرات في السنوات 232 و 236 و 237 و 247 للهجرة.

ذكر الطبري في تاريخه أن المتوكل أمر بهدم قبر الحسين(علیه السلام) سنة 236ه، حيث أورد ما نصه في أحداث سنة 236ه: «وفيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وان يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فذكر أن عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق فهرب الناس وإمتنعوا من المصير إليه، وحُرِثَ ذلك الموضع، وزرع ما حواليه»(1).

كما جاء في البداية والنهاية حول أحداث سنة 236ه ما نصه: «فيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب وما حوله من المنازل والدور، ونودي في الناس من وجد هنا بعد ثلاثة أيام ذهبت به إلى المطبق. فلم يبق هناك بشر، واتخذ ذلك الموضع مزرعة تحرث وتستغل» (2).


1) تاريخ الطبري / ج 6 ص 227 .

2) البداية والنهاية لإبن كثير - ج 10 ص 546 .

وجاء في مروج الذهب للمسعودي ما نصه: «وفي سنة 236ه أمر المتوكل المعروف بالذيريح (الأصح هو الديزج) بالمسير إلى قبر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وهدمه ومحو أرضه وإزالة أثره، وأن يعاقب من وجد به.

فيذل الرغائب لمن تقدم على هذا القبر. فكل خشي العقوبة وأحجم، فتناول الذيريح مسحاة وهدم أعالي ،قبر الحسين، فحينئذ أقدم الفعلة فيه»(1).

وجاء ايضاً في مروج الذهب ما نصه:

«كان آل أبي طالب قبل خلافة (المنتصر) في محنة عظيمة وخوف على دمائهم، فقد منعوا من زيارة قبر الحسين والغري من أرض الكوفة وكذلك منع غيرهم من شيعتهم حضور هذه المشاهد وكان الأمر بذلك من المتوكل سنة 236ه»(2).

وذكر ابن الأثير في الكامل وفي حوادث سنة 236ه بأن المتوكل أمر بهدم قبر الحسين بن علي وهدم ما حوله من المنازل والدور(3).

وجاء في مقاتل الطالبيين ص 478 وص 479 من تحقيق أحمد صقر ما نصه:

«وكان المتوكل شديد الوطاة على آل أبي طالب، غليظاً على جماعتهم مهتماً بأمورهم مهتماً بأمورهم بسوء (الرأي) شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم، وإتفق له أن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم، فحسّن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله، وكان ذلك أن كرب قبر الحسين وعفى آثاره، ووضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحداً زاره إلّا أتوه به فقتله أو أنهكه عقوبة.

فحدثني أحمد بن الجعد بن الوشاء، وقد شاهد ذلك، قال: كان السبب كرب قبر الحسين أن بعض المغنيات كانت تبعث بجواريها إليه قبل الخلافة يغنين له إذا شرب فلما وليها بعث إلى تلك المغنية فعرف أنها غائبة، وكانت قد زارت قبر الحسين، وبلغها خبره، فأسرعت بالرجوع، وبعثت إليه بجارية من جواريها كان


1) مروج الذهب للمسعودي - ج 2 ص 401 و 402 .

2) المصدر نفسه/ج4 ص51.

3) الكامل في التاريخ لإبن الأثير - ج 7 ص 36 و 37 .

يألفها، فقال لها : أين كنتم؟ قالت: خرجت مولاتي إلى الحج وأخرجتنا معها، وكان ذلك في شعبان . فقال : إلى أين حججتم في شعبان؟ قالت: إلى قبر الحسين، فإستطير غضباً وأمر بمولاتها فحبست وإستصفى أملاكها، وبعث برجل من أصحابه يقال له: الديزج، وكان يهودياً فأسلم، إلى قبر الحسين وأمره بكرب قبره ومحوه وإخراب كل ما حوله، فمضى لذلك وخرب ما حوله، وهدم البناء وكرب ما حوله نحو مائتي جريب، فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد، فأحضر قوماً من اليهود فكربوه، وأجرى الماء حوله، ووكل به مسالح بين كل مسلحتين ميل، لا يزوره زائر إلا أخذوه ووجهوا به إليه».

يذكر فيليب حتي(1)ما نصه: «وسرعان ما جاء المتوكل وإستأنف سنة . 850م عادة إضطهاد الشيعة فقد هدم ضريح عليّ في النجف والضريح الأكثر قداسة في كربلاء وهو ضريح الحسين، فإكتسب بذلك كراهية الشيعة الأبدية» (2). وسنة 850م تقابل سنة 236ه.

بينما يذكر (2)عبد الجواد الكليدار(3)بأن (المتوكل) هدم القبر وحرثه أربع مرات متوالية خلال فترة حكمه التي دامت خمس عشرة سنة للفترة من 232ه إلى 247ه، ويذكر أن أول هدم كان عام 233ه / 846 م ، والثاني عام 236ه / 850م ، والثالث عام 237ه / 851م ، والرابع كان عام 247ه / 861م.

فالكليدار أسهب في موضوع الهدم زمن المتوكل وذكر المرات الأربع التي قام بها المتوكل بهدم القبر خلال 15 سنة. ولا نتفق مع ما ذكره الكليدار للمبالغة الواردة في ما دوّنه وقد غابت لديه حقائق لم يفلح في تحليلها، ونعتقد بأن المبالغة في هذا الأمر جاءت على أساس تواريخ الهدم وإعادة البناء... فعندما كان يهدم المتوكل القبر فمن كان يعيد بناءه مرّة أخرى؟!! ... ويتكرر ذلك لثلاث مرات لتعميره وفي فترة خمس


1) فيليب حتي هو أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة برنستن بأمريكا ذكر كربلاء في كتابه المشهور (تاريخ العرب) في الصفحات 183 و 190 و 191 و 440 من النسخة الإنكليزية ط1949/4 في لندن.

2) موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء ص 194. ناسباً الحديث عن الفخري: ص325، والمسعودي ج 7 ص 302_303.

3) تاريخ كربلاء وحائر الحسين د. عبد الجواد الكليدار - ص191 .

عشرة سنة!!، دون أن يشير إلى التاريخ وإلى من قام بتجديد البناء على القبر المطهر في هذه الفترة القصيرة.

وكانت حادثة الهدم في سنة 247ه- هي السبب في قتله على يد إبنه المنتصر بمساعدة قواده الأتراك.

وعلى أختلاف تاريخ هدم المتوكل لقبر الحسين، نرجح بأن الهدم قد تم مرتين، الأولى كانت سنة 236ه-، حيث ذكرتها كتب التاريخ الموثوقة، وأصحابها عاشوا في فترات قريبة من الحدث هذا. ويذكر البعض أن بناءاً بسيطاً جرى على القبر بعد تهديمه وبعض الدور حوله، رغم إن الزيارة كانت قد منعت لوجود المسالح حوالي القبر الشريف. ولكن البعض كان يتمكن من التسلل ليلاً إليه كما ورد عن زيارة محمد بن الحسين بن علي الشيباني المعروف بـ (الأشناني) لقبر الحسين(علیه السلام) سنة 247ه / 862م، وإستمر الحال لمدة عشر سنوات.

أمّا حادثة الهدم الثانية فكانت في النصف من شعبان عام 247ه. ففي هذه السنة سوّي القبر بالأرض وهدم كل ما كان حواليه من دور وحوانيت وأسواق، وأصبح الحائر قاعاً صفصفا.

أما أسباب الهدم كانت متعددة، فقد ذُكر بأن سبب الهدم هو أن إحدى جواريه زارت قبر الحسين في شعبان، فإستشاط غضباً فسجنها، وبعث برجل إسمه الديزج وكان يهودياً وأسلم، إلى قبر الحسين وأمره بكربه ومخره وتهديم كل ما حوله بمسافة 60×60 ذراعاً، فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد فأحضر قوماً من اليهود فكربوه وأجرى الماء حوله ووكل به مسالح على سائر الطرق بين كل مسلحتين ميل، لا يزوره زائر إلّا أخذوه ووُجّه به إليه فقتله أو أنهكه عقوبة.

ومن الأسباب الأكثر شيوعاً أن المتوكل بإجماع المؤرخين كان يبغض العلويين، وما كانت حادثة الجارية أو غيرها إلا تأكيداً لهذا البغض الذي خالف بشكل كبير من سبقوه حتى لو كان قد بدر منهم ما يسيء للعلويين ولكن ليس بالشكل الذي بدا عليه هذا المتوكل الماجن والحاقد.

لكن المؤكد والمثير للغرابة أن المتوكل أقدم بهدم القبر الشريف بالكامل وكربه وحرثه وأجرى الماء عليه، كما أمر بتهديم جميع ماحوله من الدور والأسواق ومحلات

إيواء الزائرين، ومنع الناس من السكن بجوار القبر ومنع الناس من الزيارة وأوكل المهمة إلى أناس يشاركونه البغض للعلويين ، وحتى قيل أن الثيران التي جلبت لحرث موضع القبر كانت تنفر وتحير عن موضع القبر إلى أن كلّف بعض اليهود بإتمام المهمة، وكل ذلك تم في سنة 247ه-، وكانت سنة شديدة على محبي آل البيت، وعمله ذلك هو الذي إستدعى إبنه المنتصر لأن يقوم أو يشارك بقتل أبيه، لتنتهي المأساة وتبدأ كربلاء عصراً جديداً حيث تم فيه تعمير القبر الشريف من قبل المنتصر بن المتوكل، وبناء المدينة وتمصيرها وتشجيع الناس بالسكن فيها والوفود إليها لغرض الزيارة والمجاورة.

ويقول أحد الشعراء في موضوع هدم قبر الحسين(علیه السلام):

تالله إن كانت أمية قد أتت***في قتل ابن نبيها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه مثله***هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا***في قتله فتتبعوه رمی(1)


1) ذكرت هذه الأبيات أيضاً في (مختصر أخبار الخلفاء) لإبن الساعي ص 61 طبعة بولاق سنة 1309ه.

سقوط سقيفة وقبة قبر الحسين(عليه السلام) وتجديد بناءه

بعد أن بني المنتصر العباسي العمارة الجديدة لروضة الحسين(علیه السلام) والتي إبتدأها سنة 247ه / 862م حال توليه الحكم، فإن هذه البناية لم تدم طويلاً حيث سقطت السقيفة والقبة بعد مرور خمس وعشرين سنة على تشييدهما وباقي الحرم الشريف.

وقد أُختلف في السنة التي حدث فيها السقوط. فمن المؤرخين قد ذكر بأن زمن سقوط السقيفة كان سنة 270ه / 884م أي أنه كان في عهد الموفق بن المتوكل، وفي رواية أخرى تذكر أن الحادث وقع في ذي الحجة سنة 273ه(1).

وفي بحر الأنساب جاء ذكر المعتضد بالله العباسي بأنه أمر بعمارة مشهد الغري بالكوفة ومشهد كربلاء. وذُكر بأن الحسن بن زيد العلوي ملك طبرستان هو الذي أعاد البناء بعد سقوطه ، وبعد وفاته أكمله أخيه محمد بن زيد العلوي.

وعليه فإن هناك رأيان مختلفان في الموضوع الأول سنة سقوط العمارة التي بناها

المنتصر هل كان السقوط عام 270ه، أو عام 273ه؟ . والثاني من الذي بناه؟ ... الخليفة العباسي المعتضد، أم حسن ومحمد ولدي زيد العلوي...

أولاً: المصدر الذي ذكر السنة التي قام المعتضد العباسي ببناء قبر الحسين هو ما جاء في بحر الانساب كما ذكر اعلاه والمعروف والمنقول عن المعتضد بأن له مواقف جيدة تجاه آل البيت... وإذا صح ذلك فإن البناء قد تم بعد عام (278ه) لأن المعتضد بالله حكم من سنة 278ه إلى سنة 299ه . وذلك يعني أن القبر بقي مهدماً من تاريخ سقوطه أكان في عام 270ه أو 273ه إلى أن بدأ المعتضد بإعادة بناءه وهذا ما نستبعده، لأنه من غير المعقول أن يبقى القبر مهدماً


1) فرحة الغري ابن طاووس ص 61 . ونزهة الحرمين السيد حسن الصدر ص20.

لسنوات في وقت لم يكن هناك ما يعرقل إعادة البناء في ظل إستتباب الأوضاع في زمن كان الموالون لأهل البيت يعيشون في حالة هادئة وبدون مضايقات من قبل الدولة أو غيرها، وأن الزيارة كانت مستمرة ولم تمر بكربلاء أي حادثة تعكر صفو الجو العام.

ثانياً:روي الحسن بن زيد العلوي هو الذي بدأ بتشييد العمارة الجديدة بعد سقوطها، فإذا كان السقوط سنة 270ه فيحتمل أن يكون الحسن بن زيد هو الذي إبتدأ بناءها مباشرة بعد السقوط، لأن الحسن توفي عام 271ه وأكمل البناء أخوه محمد بن زيد العلوي!

وإذا ثبت أن السقوط كان في سنة 273ه فإن الذي بنى المرقد بعد تهديمه هو محمد بن زيد العلوي. حيث جاء في أعيان الشيعة ج3، وفي كراس (نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين) ص 20 نقلاً عن كتاب (أمان الأخطار) و (فرحة الغري) لإبن طاووس ص 61 ، حيث نقل عنهم مؤلف كتاب (تاريخ كربلاء وحائر الحسين) حديثاً عن تهنئة أحد الناجين من أهل الكوفة وهو أبو عبد الله محمد بن عمران بن الحجاج

لأنه حضر وقت سقوط سقيفة أبي عبد الله الحسين(علیه السلام) في ذي الحجة سنة 273ه.

والمؤكد هو أن عمارة المنتصر سقطت بسبب شدة الزحام الحاصل من كثرة توافد الزائرين في (زيارة عرفة) وهي من الزيارات الكبيرة والمخصوصة إلى يومنا هذا حيث يتوافد مئات الألوف من الزائرين في يومي التاسع والعاشر من شهر ذي الحجة من كل عام لزيارة قبر الحسين(علیه السلام) . وهذه الزيارة تستمر عدة أيام حيث يتبعها مباشرة عيد الأضحى المبارك بعد أن يقف الحجيج في صعيد عرفة إثناء مناسك الحج في كل عام.

فإن العمارة سقطت عام 273ه وأن الذي بناها مجدداً هو (الداعية الصغير) محمد بن زيد العلوي وإستمر البناء عشر سنوات حيث إنتهى في زمن الخليفة المعتضد. وأن الحسن بن زيد العلوي الملقب بـ (الداعية الكبير) أخا الداعية الصغير قد زار كربلاء سنة 270ه- وأمر ببعض أعمال البناء والترميمات في الحرم الحسيني وتوفي سنة 271ه وخلفه أخوه الداعية الصغير.

وعلى كل حال فمن هما الحسن(1)ومحمد ولدا زيد العلوي؟...

ظهر الحسن بن زيد الملقب بالداعي الكبير في عام 250ه في طبرستان (شمال شرق إيران).

إستطاع أن يفصل طبرستان عن جسم الدولة العباسية وينشر الدين الإسلامي بين أهلها وأن ينادي بنفسه حاكماً عليها(2).

وتولّى الأمر بعده ختنه على أخته أبو الحسين أحمد بن إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن الشجري بن القاسم بن زيد بن الحسن. وكان أخو الداعي الحسن وهو محمد بن زيد في جرجان فلما وصل إليه الخبر زحف إلى أبي الحسين من جرجان سنة 271ه فقتله وملك طبرستان.

وبذلك يمكن أن نؤكد الآن بأن بعد سقوط بناء المرقد وإنهدامه فقد قام الداعية الصغير بتشييد الحرم الحسيني وبنى قبة عالية وبنى معها سقيفتين، ثم عمّر السور حول الحائر وبنى المساكن. وأجزل العطاء بقدر المستطاع على سكان ومجاوري الروضة المقدسة. وقد بالغ محمد بن زيد في فخامة البناء وحسن الريازة، ودقة الصنعة في عمارة الحائر بما يتناسب ومنزلته الشريفة(3).

ورب سائل يسأل كيف يقبل الخليفة العباسي بأن يأتي ملك إنفصل بدولته كما قال (أمير علي) في تاريخ العرب عن (الإمبراطورية) العباسية، وهو يعني الدولة العباسية ،والخلافة، والمعروف بأن محمد بن زید ملك عشرين عشرين عاماً وتمكن من تحسين علاقته بالمعتضد وحصل منه على الموافقة بأن يعمر المشهد الشريف...


1) وهو الحسن بن زيد بن الحسن بن محمد بن إسماعيل جالب الحجارة بن الحسن دفين الحاجز بن زيد الجواد وهو من سلالة الإمام الحسن السبط بن الإمام علي بن ابي طالب(علیه السلام). وكان له كتاب (الجامع في الفقه) وكتاب (البيان) وكتاب (الحجة في الإمامة) ومات ولم يعقب وهو مؤسس الدولة العلوية في طبرستان، وكان يسكن الري، بايعه الناس بعد الفتنة بين صاحب خراسان وأهل طبرستان، فجاء إليهم وزحف بهم على ديار بكر فإستولى عليها وزاد جمعه فوجه جيشاً إلى الري فملكها، وإستمر حكمه عشرين سنة، مات في طبرستان وعرف بحسن التدبير وخلفه أخوه محمد بن زيد.

2) تاريخ العرب/أمير علي ص 251.

3) مجالي اللطف في ارض الطف الشيخ محمد السماوي ص39وص40.

وإذا صح ذلك فإن البناء قد بدأ بعد عام 278ه وهو العام الذي إستلم فيه المعتضد الخلافة العباسية، وعلى ذلك يمكننا القول بأن تساهل المعتضد مع شيعة أهل البيت ومواقفه التي تم ذكرها، فقد تم البناء بموافقته بل بمساعدته أيضاً.

بعد مناقشة المصادر والآراء حول سقوط بناية الحرم الحسيني وإعادة بناءها وعلى حسب إختلاف المصادر في سنة السقوط وإعادة البناء، فيمكن لنا أن نتوصل إلى رأي نعتقد بصحته حسب ما جاء بالمصادر التاريخية المختلفة وهو:

أ. ان الحسن بن زيد العلوي زار كربلاء سنة 270ه / 884م، وقد أمر ببعض التجديد والإعمار في الروضة الحسينية.

ب. سقطت البناية سنة 273ه / 887م في زيارة عرفة لعدم تحمل البناية إستيعاب أعداد الزائرين والزحام الشديد، وقد قام الداعي الصغير محمد بن زيد العلوي بإعادة بناء الروضة الحسينية.

ت. وعندما إستلم المعتضد بالله العباسي الخلافة سنة 279ه/ 892م، وهو أحمد بن الموفق السادس عشر ممن حكم من بني العباس من سنة 279ه إلى سنة 289ه ولميله إلى أهل البيت وتساهله مع شيعتهم، فقد شرع ببناء عمارة جديدة على قبر الإمام الحسين وتحسين وإضافة منشآت جديدة فيه وعمر سور الحائر وإهتم بتعمير كربلاء والإهتمام بساكنيها والوافدين إليها.

فكانت كل تلك السنوات هي سنوات إعمار دائم في مرقد الحسين(علیه السلام) والحائر (قصبة كربلاء)، وهذا الرأي جاء من دراسة مستفيضة لكل الحالات التي وردت في مختلف المصادر على الرغم من إختلافها، لكن الأمر المهم الذي جاء في تلك المصادر هو أن السقوط قد حدث، وأن الإعمار قد تم على أفضل مما كان عليه.

ويصف الشيخ محمد السماوي في إرجوزته السقوط والبناء بقوله:

فسقطت سقيفة الأجداث***في سنة السبعين والثلاث

من بعد قرنين فما ضرّرت أحد***وهنئ الزائر بعد ما ورد

وإنتهز الداعي هناك الفرصة***وطلب الإذن له والرخصة

إذ كان لم يدع إلى من قد ولي***من الملوك بل إلى آل علي

فزار أولاً لأرض النجف***ثم لأرض الطف ذات الشرف

وشاد قبة لها بابان***ومن حواليها سقیفتان

وعمّر السور بها والمسكنا***ونوّل الساكن ما قد أمكنا

غارة ضبة الأسدي

في زمن ضعفت فيه الدولة العباسية في عهدها الثالث، كان هناك تشتت ووهن وعدم سيطرة على جميع أراضي العراق، وتأسست إمارات عربية متعددة ومتفرقة خضعت إليها العديد من المناطق والمدن قبل سيطرة البويهيين على العراق وحكمهم فيه. ولم يكن بيد الدولة حينها طائل في التحكم والسيطرة على تلك الإمارات...

حتى بوجود سلطة عضد الدولة البويهي الذي كان الحاكم الفعلي للعراق بوجود الخليفة العباسي الطائع الله العباسي، ففي فترة إستلام البويهيين على مقاليد الحكم لم یكن للخليفة غير الإسم... وكثير ممن أسسوا تلك الإمارات كانوا يهتمون بالغزو والنهب والإغارة وقطع الطرق.

من هؤلاء ضبة بن محمد الأسدي، وكان يسكن مع أتباعه في مدينة (عين التمر) حيث عُرف بشدته وسطوته مما أمكنه الإستيلاء على عين التمر وبقي مسيطراً عليها لأكثر من 30 سنة. والمعروف بأن عين التمر كانت حاضرة موغلة في القدم وسكنتها قبائل عربية متعددة منذ قبل الإسلام وتعد حلقة الوصل بين العراق والشام عن طريق البادية الغربية.

كان بين ضبة الأسدي وبين أبي الطيب (المتنبي) خلاف بعد أن كانت بينهما علاقات وطيدة، وبعد الخلاف هجاه المتنبي بقصيدة مما دعا بضبة لأن ينتقم منه، ونجح في ذلك عندما أرسل إليه من يقتله وكان له ذلك، حيث تم قتله سنة 354ه (965م).

عندما إستفحل أمر ضبّة الأسدي في عين التمر وجه أنظاره إلى كربلاء نتيجة ضعف الدولة حينها وطَمَعَ في الإستيلاء عليها، وجمع جيشاً من أتباعه في منتصف سنة 369ه (980م) ومعه بعض العشائر التي تسانده ومنها بني شيبان، وهجم على كربلاء بغارة مفاجئة، وقام أتباعه بأعمال السلب والنهب والقتل فيها وتجرأ على

خزائن القبر الشريف ونفائسه، وأحدث التخريب في المرقد، وسلب ممتلكات الناس وغادر المدينة إلى عين التمر بعد أن أخذ العديد من أهلها أسارى وسجنهم في قلعة عين التمر.

فقد أصاب الأهالي حالة من الهلع والإرتباك بحيث لم تكن قصبة كربلاء محصنة ولم يكن لها سور يحميها من الغارات ولا توجد قوّة من الدولة ترابط فيها لإنحلال الأمن في أغلب مناطق العراق.

عندما علم عضد الدولة البويهي بذلك قام بتجهيز جيش قوامه (10) آلاف مقاتل وتوجه إلى عين التمر عن طريق كربلاء وهاجمها وحاصر القلعة التي كان يتمركز بها (ضبة الأسدي) بشكل مفاجئ فلم يشعر ضبة إلا والعسكر محاصر للقلعة، فلم يبد ضبّة أي مقاومة وإنما إستعدّ للفرار والنجاة بنفسه فإمتطى جواده وألقى بنفسه من أعلى سور القلعة فتحطم جواده ونجا بنفسه وولّى هارباً بإتجاه البادية تاركاً أهله وأتباعه وماله.

أستولى عضد الدولة على القلعة وعلى كامل عين التمر، وأخذ من كان ساكناً القلعة من عائلة وأتباع ضبّة أُسارى وتم إرسالهم إلى كربلاء، وأطلق سراح المعتقلين من أهالي كربلاء الذين سجنوا في القلعة، وأعاد إلى كربلاء كل ما سلب ضبة منها.

جاء في الكامل في التاريخ لإبن الأثير في حوادث سنة 369ه ما نصه:

«وفيها أرسل (أي عضد الدولة) سرية إلى عين التمر، وبها ضبة بن محمد الأسدي، وكان يسلك سبيل اللصوص وقطاع الطرق، فلم يشعر إلا والعساكر معه، فترك أهله وماله ونجا بنفسه فريداً ، وأخذ ماله وأهله، وملكت عين التمر، وكان قبل ذلك قد نهب مشهد الحسين صلوات الله عليه، فعوقب بهذا»(1).

أما ابن الجوزي فقد أورد في المنتظم في حوادث سنة 369ه ما نصه:

«وفي شهر رمضان بعث (يقصد عضد الدولة) إلى ضبة بن محمد الأسدي وكان من أكابر الذعار وقد قتل النفوس ونهب الأموال وتحصن بعين التمر نيفاً وثلاثين


1) الكامل في التاريخ لإبن الأثير - ج 8 ص 710. ونعتقد بأن عضد الدولة هو الذي ذهب بنفسه إلى عين التمر، وعند عودته منها ظافراً أمر بتعمير المرقد الشريف سنة 369ه.

سنة والوصول إليها يصعب ، فلما طلّ عليه العسكر هرب وترك أهله وخاصته فأسر أكثرهم وملك البلد»(1).

وذكر ابن كثير في البداية والنهاية عند ذكره أعمال عضد الدولة البويهي سنة 369ه ما نصه: «وارسل في رمضان إلى الأعراب من بني شيبان وغيرهم فعقرهم وكسرهم، وكان أميرهم ضبة بن محمد الأسدي متحصناً بعين التمر مدة نيف وثلاثين سنة، فأخذ ديارهم وأموالهم»(2).

وذكر الحادثة ابن مسكويه في تجارب الأمم حيث قال: «توجّه عضد الدولة يوم الجمعة لليلتين خلتا من ذي الحجة سنة 369ه إلى عين التمر في طلب ضبة بن محمد الأسدي. وهو ممن سلك سبيل الدعارة وسفك الدماء ينهب القرى ويبيح الأموال والفروج وإنتهك حرمة المشهد الحائر. فلما أطلّ عليه العسكر هرب بحاشيته إلى البادية وأسلم أهله فجعل أكثرهم في الأسر وملك عين التمر»(3).

وجاء في موسوعة العتبات المقدسة / قسم كربلاء، عن دائرة المعارف الإسلامية ما يلي: «... أن حملة تأديبية خاصة سيقت في 369 ( 979 - 980م) إلى عين التمر (شفاثة) للإقتصاص من ضبة بن محمد الأسدي لأنه قد أغار مع بعض العشائر على مشهد الحسين في كربلاء وغيره من الأماكن المقدسة الأخرى فنهبها وهدمها، فولى هارباً أمامها إلى البادية ...»(4).

كما ذكر الحادثة المرحوم الشيخ محمد السماوي في كتاب مجالي اللطف بأرض الطف حيث قال: أن عضد الدولة عندما سبى أهل قلعة عين التمر فقد وهبهم إلى خدمة الروضة المقدسة، وأن عضد الدولة عيّن أحد العلويين رئيساً لعين التمر يرعى شؤونها. ووصف السماوي غزوة ضبّة على كربلاء بإرجوزته المشهورة:


1) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ابن الجوزي - ج 7 ص 100 وص101.

2) البداية والنهاية ابن كثير - ج 11 ص 247 .

3) تجارب الأمم ابن مسكويه - ذكر توجه عضد الدولة إلى عين التمر كان في شهر ذي الحجة، وهو ما يخالف المؤرخين الأقدم منه حيث ذكروا انه توجه في رمضان.

4) موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء - ص 260 .

والحادث نهب الأسدي***ضبة ذو العين لأهل البلد

وسلبه في الدور والأسواق***وقتله كل فتى يلاقي

ونهبه من روضة الحسين***مصوغة النظار واللجين

نقول:

لم يثبت تأريخياً في أي مصدر موثوق ما ذكره المرحوم الشيخ السماوي فيما يخص الأسرى وتسليمهم إلى خدمة الروضة المقدسة. وكذلك عن تعيين عضد الدولة لأحد العلويين رئيساً لعين التمر، وربما إختلط عليه الأمر وربطه بتعيين (تيمور لنك) للسيد (ابن أبي الفائز) أحمد شمس الدين الملقب لدى العامة (أحمد بن هاشم) ناظر رأس العين عندما حارب السلطان أحمد الجلائري وإنتصر عليه، وكان ذلك في القرن الثامن الهجري، بينما حادثة ضبّة وقعت في الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري. ولو كان ما ذكره السماوي صحيحاً لذكره ابن الجوزي في المنتظم، وإبن الأثير في الكامل، وإبن كثير في البداية والنهاية لأن الثلاثة ذكروا الحادثة في تواريخهم.

حريق حرم الحسين (عليه السلام) وإعادة بناءه

كان عضد الدولة البويهي قد أعاد بناء حرم الحسين سنة 369ه وتم إنهاء التعميرات سنة 371ه ، لكن هذا البناء إنهار نتيجة حريق شب داخل الحرم إثناء الليل وأتى على كلّ مافيه، حيث إلتهمت النيران في إحدى ليالي ربيع الأول من عام 407 ه- / 1016م الستائر والمفروشات نتيجة سقوط شمعتين، وأخذت النار تلتهم كل شيء داخل الروضة المطهرة، وتعدّت إلى الأروقة والقبة ولم يتمكن أحد من السيطرة على الحريق فإنهار البناء بأجمعه.

جاء في المنتظم في حوادث سنة 407 ه ما نصه:

«أنه في شهر ربيع الأول إحترق مشهد الحسين عليه السلام والأروقة وكان السبب أن القوّام (1)أشعلوا شمعتين كبيرتين فسقطتا في جوف الليل على التأزير(2)فأحرقتاه، وتعدّت النار»(3).

كما جاء في الكامل في التاريخ عند ذكر حوادث سنة 407ه ما نصه:

«وفي هذه السنة في ربيع الأول إحترقت قبة مشهد الحسين والأروقة وكان سببه أنهم أشعلوا شمعتين كبيرتين فسقطتا في الليل على التأزير فإحترق، وتعدت النار»(4).


1) القوام هم الأفراد العاملين في خدمة المراقد من العلويين وغير العلويين ويطلق عليهم العامة كلمة (الكَوّام أو الكيم) أي القائمين بالخدمة (خدم الرياض والمراقد).

2) التأزير من الأزار يقام على الجدران للتقوية أو التآزير جمع تأزيرة وهو ما يلصق بالحائط للزينة. وغالباً ما كانت التآزير تعمل من الخشب وبنقوش معينة.

3) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ابن الجوزي ج 7 ص 282 .

4) الكامل في التاريخ ابن الأثير ج9 ص102.

كان حادث الحريق هذا في زمن سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي الذي حكم من سنة 403 إلى سنة 415 من الهجرة، وكان الخليفة العباسي حينها هو القادر بالله العباسي.

وهناك من يرى بأن حادث الحريق لم يكن قضاءً وقدر وإنما بأمر مدبّر لمواكبة هذا الحدث بأحداث وقعت في مناطق أخرى في الدولة الإسلامية آنذاك، مثل ما جاء في كتاب تاريخ كربلاء وحائر الحسين الذي نختلف مع رأيه في هذا الموضوع لأنه أخذ المسألة على بعد طائفي ومذهبي وهذا لا يتوافق مع جانب الحيادية التي يجب أن يتمثل بها الباحث والمؤرخ.

«وهذا الحريق في الحائر كان قد وقع حسب القرائن إما في العشرة الأولى أو أوائل العشرة الثانية من ربيع الأول الأمر الذي ينفي كونه حصل بدون مسبب وما كان القادر بالله العباسي بمعزل عن هذه الحوادث والفتن التي انتشرت في تلك السنين على عهده طول البلاد الإسلامية وعرضها»(1).

بعد حادث الحريق هذا الذي أتى على كامل الحرم المقدس، فقد قام الحسن بن الفضل بن سهلال الرامهرمزي وزير سلطان الدولة البويهي بإعادة بناء مرقد الإمام الحسين(علیه السلام) بشكل أحسن مما كان عليه، وتم الإنتهاء منه سنة 412 ه/ 1022م. وكانت هذه العمارة هي العمارة السادسة التي أنشات على المرقد الشريف، وإبن سهلان هو ذاته الذي بنى السور المدينة كربلاء.

والبناء الذي أقامه أبن سهلان الرامهرمزي هو الذي وصفه ابن بطوطة في رحلته التي زار بها كربلاء سنة 726ه 13260م.

بقي هذا البناء قائماً على حاله بدون أية تغييرات عدا ما قام به بعد قرنين من الزمان الخليفة العباسي الناصر لدين الله سنة 620ه / 1223م بإجراء ترميمات عليه زادته بهاءً وجمالا، حيث كلف بالأمر وزيره مؤيد الدين محمد البغدادي.


1) تاريخ كربلاء وحائر الحسين د. عبد الجواد الكليدار ص 172 . ولا ندري لماذا يربط مؤلف الكتاب كل حادثة تحدث للعتبات المقدسة بالخلفاء العباسيين، علماً بأنهم لم يكونوا يملكوا من الأمر شيء غير الإسم في ذلك الزمان، وأن بني بويه هم الحكّام الفعليين!!.

و في أرجوزة المرحوم الشيخ محمد السماوي ذكر مؤرخاً الحريق والبناء بالأبيات التاليه:

وإحترق الساج عقيب الرابع***من القرون عند عام سابع

فشيّد البناء سلطان الدول***ابن بويه وتناهى في العمل

وجعل البلدة ذاتَ سُورِ***وزيره القائم بالأمور

الحسن بن الفَضْلِ مِنْ بعد***سنة فيا لهُ مِنْ عَملِ ما أَحْسَنَهُ

غارة خفاجة على كربلاء

رغم العديد من الحوادث المتنوعة التي شهدتها كربلاء بعد غارة ضبة الأسدي سنة 369ه، فلم تشهد أي غارة عليها إلى أن جاء عام 489ه حيث شهدت المدينة إحدى النكبات القاسية عندما أغارت عليها قبيلة خفاجة، وهي من القبائل العربية التي هاجرت من شبه الجزيرة العربية وإستوطنت أراضي العراق قرب أهواره الجنوبية في الفرات الأسفل وإنتشرت كذلك في الفرات الأوسط في بادئ أمرها وأسست لها إمارات ودويلات.

وخَفاجَة بطن من بني عقيل بن كعب، وهم من قيس عيلان... ومعنى خفاجة من (خفاج) أي كبر وفَخُر. وجاءت التسمية على جدهم الأعلى وهو (معاوية بن عمرو بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة). والذي كان يطلق عليه (معاوية الخفاج)، لأنه كان كلما يخرج للمبارزة مع الفرسان فيسرع إلى خصمه بضربة حاسمة فيفخجه بها فسمّي الخفاج. ولحق الإسم بنسب أولاده الذين أطلق عليهم أولاد (الخفاجي) ... وأصبح اللقب بعد ذلك إلى قبيلة كبيرة من قبائل العرب.

وموطن خفاجة الأصلي هو (اليمن)، وبسبب نقص الماء والكلأ خرجت القبائل ومنها خفاجة ونزحت إلى العراق(1)، وتمركزوا في أطراف الحلة والكوفة الحاليتين في الفرات الوسط، وعلى نهر الغراف في الفرات الأسفل. وكانت لهم في بادية العراق دولة تأسست في الربع الأخير من القرن الرابع الهجري.

ذكر الأستاذ عباس العزاوي ما نصه : قبيلة خفاجة من قبائل العراق القديمة، توطنوا في أنحاء المنتفق في قضاء الشطرة، وتفرق منها جماعات كبيرة وصغيرة في جهات أخرى كالحلة وكربلاء وبغداد وديالى(2).


1) دائرة المعارف/ البستاني - ج 7 ص 417 .

2) تاريخ العراق بين إحتلالين/ عباس العزاوي – ج 3 ص 65.

إشتهر منهم قديماً الأمير الخفاجي (عامر) الملقب بـ (سلطان العراقيين)، وهو الذي اتخذ من حصن الإخيضر (قصراً) له.

ومنهم كان (عمران بن شاهين الخفاجي) الذي كان أمير (البطيحة) وهي أرض بين واسط والبصرة. ونعتقد أنها البطحاء الحالية القريبة من مدينة الناصرية، وهو الذي إختلف مع سلاطين بني بويه في القرن الرابع الهجري.

كان زعيم قبائل خفاجة في العراق. و من آثاره بناؤه لرواق ابن شاهين في مرقد الإمام علي(علیه السلام) في النجف، ومثله في مرقد الإمام الحسين(علیه السلام) في كربلاء، عن نذر نذره إن عفى عنه عضد الدولة البويهي... وقد أوفى بنذره بعد العفو عنه(1).

في سنة 489ه / 1096م أغارت خفاجة على إمارة الحلة (إمارة المزيديين)، وكان أمير الحلة حينها هو سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس(2)، فتهيأ لهم سيف الدولة وأعد جيشاً بقيادة ابن عمه قریش بن بدران قائد جيش المزيدية في الحلة. وبعد قتال مرير في ضواحي الحلة، فقد تمكنت خفاجة من أسر قائد جيش المزيديين قریش بن بدران و هزمت جيشه ولكنها لم تدخل الحلة، وقد أطلق سراحه فيما بعد.

بعد أن إنتصرت خفاجة في معركتها مع المزيدية، طمعت بالإغارة على كربلاء، وكان لها ذلك. أغارت خفاجة بغتة على مدينة كربلاء في ربيع الأول من سنة 489ه، ووضعوا السيف على رقاب أهلها وقتلوا الكثير من سكانها الآمنين وسلبوا الناس أموالهم وعاثوا فيها فساداً ، وأصبح مقرّهم في حرم الحسين(علیه السلام). وبقيت المدينة أياماً تعيش حالة من الرعب والخوف الشديد على الأرواح والأموال والممتلكات.

علم سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس الأسدي بذلك فغضب غضباً شديداً(3)وجهز جيشاً كبيراً قاده بنفسه وتوجه إلى كربلاء ودخلها، فتراجعت خفاجة


1) مراقد المعارف/ الشيخ محمد حرز الدين - ج 2 ص137.

2) تولى إمارة الحلة في سنة 479ه، ودامت إمارته عليها (22) سنة، عمّر خلالها محلة الجامعين في الحلة، وكانت هذه المحلة هي مشروع تمصير الحلة وجعلها مدينة وذلك سنة 495ه، وخطب له على المنابر في بغداد. قتل سنة 501 ه. ونقل جثمانه إلى كربلاء حيث دفن في حرم الحسين(علیه السلام).

3) كانت كربلاء حينها تتبع حكم الدولة المزيدية في الحلة التي كانت تسيطر على الكثير من بقاع الفرات الأوسط.

إلى داخل الحرم الحسيني فحاصرهم سيف الدولة فيه وأغلق أبواب الحرم عليهم وقتل منهم خلقاً كثيراً، وقاتلهم عند الضريح المقدس أيضا ولم يسلم منهم أحد.

جاء في كتاب الكامل في التاريخ عند ذكر عام 489ه ما نصه: «وفيه أن خفاجة قصدوا مشهد الإمام الحسين عليه السلام فتظاهروا فيه بالفساد والمنكر فوجه إليهم صدقة جيشاً وقتل منهم قتلاً كثيراً في المشهد حتى عند الضريح وألقى رجلاً منهم نفسه وهو على فرسه من على السور فسلم هو والفرس»(1).

أما ابن الجوزي فذكر في المنتظم عن حوادث سنة 489ه ما نصه: «... أنه في ربيع الأول كثر العبث من بني خفاجة وأتوا إلى المسجد بالحائر فتظاهروا فيه بالمنكر، فوجه إليهم سيف الدولة عسكراً فكبسوهم في المشهد وأخذوا عليهم أبوابه وقتل منهم خلق عند الضريح ومن أعجب العجائب أن أحدهم ركب فرسه وصعد إلى سور المشهد وألقى نفسه وفرسه فنجوا جميعاً»(2).

بعد القضاء عليهم فقد أعاد سيف الدولة الأمن والطمأنينة إلى كربلاء وأهلها، وكرََّّ راجعاً إلى الحلة بعد أن أمر بتعويض خسائر أهل الحائر من خزانته الخاصة(3).

أرّخ المرحوم الشيخ محمد السماوي هذه الحادثة بإرجوزته الشهيرة حيث قال:

والحادث الخامس ما أهاجة***بنهب كربلاء بنو خفاجة

وَذاكَ أنهم أتوا من غزوِ***وإستطرقوا الطف بفرط زَهْو

فنهبواسگانه وفتكوا***وأخفر وا ذمامه وإنتهك-وا


1) الكامل في التاريخ لإبن الأثير ج8 ص 181 .

2) المنتظم ابن الجوزي ج 9 ص 97.

3) مدينة الحسين السلسلة الثانية - ص 115 .

فكبس الطف عليهم صدقه***وكلَّم السيف بهم وصدقة

كما سمعته بمعجزاتِ***له فأرخه أباد عاتي(1)

و (أباد عاتي) في قوله يعادل عدد الحروف التي تنتج رقم 489 ، وهو ذاته تاريخ السنة التي حدثت فيها الغارة.


1) مجالي اللطف / 2 - ص 56 .

دبيس بن صدقة يمنع صلاة الجمعة ويكسر المنبر في الروضة الحسينية

سنة 513 ه (1110م) زار كربلاء الأمير دبيس بن صدقة بن منصور المزيدي الأسدي أمير الحلة، الذي ولي الإمارة بعد مقتل والده سنة 501ه، وحكم الحلة (27) سنة إلى أن قُتِل سنة 529ه / 1135م.

والأمير دبيس هو ابن الأمير صدقة بن منصور بن أبو الأعز دبيس بن أبو الأغر مزيد الأسدي.

ذكر ابن الجوزي في المنتظم: «أن أول من نبغ من بيته (أي بيت دبيس بن صدقة) مزيد فجعل إليه أبو محمد المهلبي وزير معز الدولة أبي الحسين بن بويه حماية سورا وسوادها، فوقع الإختلاف بين بني بويه، وكان يحمي تارة ويغير أخرى وبعث به فخر الملك أبو غالب إلى بني خفاجة سنة القرعاء فأخذ الثأر منهم ومات، فقام مقامه إبنه أبو الأعز دبيس وكان عائناً (أي يصيب بالعين) قل أن يعجب بشيء ء الا هلك حتى أنه نظر إلى إبنه بدران فإستحسنه فمات. وكان يبغض ابن إبنه صدقة وهو أبو هذا فعوتب في هذا فقال رأيت في المنام كأنه قد بلغ أعنان السماء وفي يده فأس وهو يقلع الكواكب ويرمي بها إلى الأرض ووقع بعدها ولاشك انه يبلغ المنزلة الزائدة وينفق في الفتن ويهلك أهل بيته وتوفي أبو الأعز وخلف ثمانين ألف دينار فولى مكانه إبنه منصور ثم مات، فولّى إبنه صدقة فأقام بخدمة السلطان ملك شاه ويؤدى إليه المال ويقصد بابه كل قليل فلما قتل النظام (نظام الملك وزير السلطان) إستفحل أمره وأظهر الخلاف وعلم أن حلّته لا تدفع عنه فبنى على تل بالبطيحة وعول على قصده إن دهمه عدو أو أمه وان يفتح البثوق ويعتصم بالمياه وأخذ على ابن أبي الخير موثقاً على معاضدته ثم إبتاع من عربه مكاناً هو على أيام من الكوفة فانفق عليه أربعين ألف دينار وهو منزل يتعذر السلوك إليه، وعمّر الحلة وجعل عليها سورا وخندقاً وأنشأ

بساتين وصار الناس يستجيرون به فأعطاه المستظهر دار عفيف بدرب فیروز فغرم عليها بضعة عشر ألف دينار وتقدم الخليفة بمخاطبته بملك العرب.

وكان قد عصى السلطان بر كياروق وخطب لمحمد فلما ولى محمد صار له بذلك جاه عند محمد وقرر مع أخيه بركياروق ان لا يعرض لصدقة وأقطعه الخليفة الأنبار ودمما (قرية على الفرات) والفلوجة وخلع عليه خلع لاتخلع على أمير قبله، فأعطاه السلطان واسط وأذن له في أخذ البصرة وصار يدل على السلطان الإدلال الذي لا يحتمله وإذا وقع إليه رد التوقيع أو طال مقام الرسول على مواعيد لا ينجزها وأوحش أصحاب السلطان أيضاً وعادى البرسقي وكان يظهر بالحلة من سب الصحابة... وقصد العميد ثقة الملوك باب السلطان وقال ان حال بن مزيد قد عظمت وقد قلت فكرته في أصحابك وإستبد بالأموال وأهمل الحقوق ولو نفذت بعض أصحابك ملكته ووصلت إلى أموال كثيرة عظيمة وطهرت الأرض من أدناسه فإنه لا يسمع ببلده آذان ولا قرآن وهذه المحاضر بإعتقاده والفتاوى بما يجب عليه وهذا سرخاب قد لجأ إليه وهو على رأيه في بدعته...

وان الخليفة بعث إلى صدقة ليصلح مابينه وبين السلطان فأذعن ثم بدا له وقد ذكرنا مقتله (مقتل صدقة) ثم نشأ له دبيس هذا ففعل القبائح ولقى الناس منه فنون الأذى وبشؤمه بطل الحج في هذه السنة... ونفذ المسترشد إليه ينذره من إراقة الدماء ويأمره بالإقتصار على ماكان لجدّه من البلاد ويشعره بخروجه إليه إن لم يكف فزاد في طغيانه ...»(1). وقد قتل دبيس بن صدقة سنة 529ه.

كان الأمير دبيس مير دبيس وزيراً في بغداد أيضاً. وحدثت بينه وبين الخليفة المسترشد بالله مشاكل وأحداث كان دبيس فيها يناور بين السلطان السلجوقي وبين الخليفة المسترشد. كان الأمير العباسي أبو الحسن بن المستظهر في الحلة مقيماً في الإمارة المزيدية وهو على خلاف مع أخيه الخليفة المسترشد فإنفصل عن الحلة ومضى إلى واسط ودعا إلى نفسه وإجتمع معه الرجالة والفرسان بالعدة والسلاح وملك واسط وسوادها.


1) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ابن الجوزي - ج 9 ص 235 - 236.

فإنتدب الخليفة الأمير دبيس لملاحقة الأمير أبي الحسن والقبض عليه، فإستجاب دبيس لأمر الخليفة وعندما علم أبو الحسن بالأمر هرب من واسط وتمكن دبيس من القبض عليه في البريه بعد أن تاه فيها وأخذه العطش. وبعث به إلى المسترشد بعد أن كاتب الخليفة بعدم إيذائه وأن يراه متى شاء.

وعلم دبيس فيما بعد بأن أبا الحسن في حالة صعبة في سجنه وطلب من الخليفة إخراجه فإمتنع المسترشد فكان دبيس قد ندم على تسليمه(1). وكانت هذه بداية الجفوة بين دبيس والمسترشد، بالإضافة إلى أن المسترشد أراد تحجيم دبيس لإزدياد نفوذه وتجاوزه وقد يكون ذلك لتشيعه وميله للعلويين.

وعندما وصل دبيس إلى كربلاء سنة 513ه / 1110م ذهب إلى زيارة مرقد الإمام الحسين(علیه السلام)، ودخل إلى الحائر باكياً حافياً متضرعاً إلى الله أن يَمُنَّ عليه بالتوفيق والنصر على أعدائه. ولما فرغ من مراسيم الزيارة أمر بكسر المنبر في الروضة، وبعد كسره المنبر أمر بعدم إقامة صلاة الجمعة في الحائر الحسيني ولا يخطب في الحائر أحد من قبل العباسيين وبعد ما قام به في الحائر توجه إلى النجف وقصد مرقد الإمام علي(علیه السلام) وعمل مثل ماعمل في كربلاء.

وجاء في المنتظم مانصه: «وورد الخبر بأن دبيس بن مزيد كسر المنبر الذي في مشهد علي عليه السلام والذي في مشهد الحسين وقال لا تقام هاهنا جمعة ولا يخطب لأحد»(2).


1) المصدر السابق نفسه ج 9 ص 206.

2) المصدر نفسه ج9 ص207.

عساكر السلطان كيخاتو بن آباقا تمر بكربلاء

عساكر السلطان كيخاتو (1)بن آباقا تمر بكربلاء

عندما توفي السلطان آرغون بن أباقا بن هولاكو في سنة 690ه / 1291م إختار الأمراء بعد تردد أخاه (كيخاتو) الذي كان حاكماً على آسيا الصغرى. وكان کیخاتو قد ورث مشاكل وإضطرابات قبلية وأزمات إقتصادية تعاني منها الدولة.

وصلت إليه أخبار تشير أن رجال العشائر العراقية في واسط قد تمردوا على الحكومة، فأمر كيخاتو القائد (بايدو ابن طرطاي) بالمسير إليهم. ودخل بايدو بغداد ثم إنحدر إلى واسط ، لكن جيشه لم يتمكن من رجال العشائر الذين إعتصموا بالأهوار والبطائح، فإضطر بايدو العودة بجيشه، وإثناء العودة أخذ يهاجم القرى والبلدات وينهب المزروعات وأموال الناس وما عندهم من غنم وبقر وجواميس وسبى النساء وأخذ الأسرى ونهب سفن كانت قادمة من الجنوب وسلب ما كان لدى التجار.

لم يكتف (بايدو) بذلك بل أخذ يشن الغارات في غرب الفرات، فتوجه بايدو بعسكره نحو كربلاء ولم يدخلها، بل سار إلى ( عين التمر ) وأغار عليها ونهبها، ومن ثم توجه إلى الكبيسات، وعاد بعسكره إلى بغداد ومعهم ما يقارب الثلاثين ألف أسير ، وكان ذلك عام 693ه / 1294م.

وصلت أخبار ما قام به بايدو إلى السلطان كيخاتو عن طريق وزيره ببغداد، فأمر بحبس بايدو وحرر الأسرى، ولم يدم حبس بايدو سوى ثلاثة أيام لأنه كان يتمتع بنفوذ كبير في الأوساط البوذية في السلطنة(2).


1) السلطان كيخاتو بن آباقا بن هولاكو تسلم الحكم سنة 690 ه بعد وفاة أخيه آرغون، وحاول أن يقوم ببعض الإصلاحات ولكنه فشل وقرر الأمراء المغول التخلص منه، فقتلوه بالإتفاق مع قائده (بايدو) الذي تسلم الأمر بعده والذي لم يدم حكم بايدو سوى بضعة أشهر حيث وقف ضده (غازان بن آرغون) وإنحاز العسكر إلى جانب غازان وتم قتل بايدو أواخر سنة 694ه، وإعتلى غازان العرش.

2) تاريخ العراق بين إحتلالين/ عباس العزاوي ج 1 ص 357 ، تم النقل بتصرف عن المصدر.

النزاع بين آل فائز وآل زحيك

ذكر المؤرخون بأنه في بداية القرن الثامن الهجري شهدت كربلاء نزاعاً حاداً بين القبيلتين العلويتين الرئيسيتين في المدينة وهما قبيلة آل فائز وقبيلة آل زحيك. وهاتان القبيلتان ترجعان بالنسب إلى ولدي الإمام موسى الكاظم(علیه السلام) محمد العابد وإبراهيم المرتضى (الأصغر). فقبيلة آل فائز هم من أحفاد السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم(علیه السلام) ، أما آل زحيك فهم من أحفاد أمير الحاج السيد إبراهيم المرتضى (الأصغر).

ممن ذكر نزاع القبيلتين وأكده هو الرحالة ابن بطوطة الطنجي في رحلته المسماة (تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) الذي زار كربلاء سنة 726ه/1326م ، تحدث عنها ووصف معالمها ومما ذكره:

«... وأهل هذه المدينة طائفتان، أولاد زحيك وأولاد فائز وبينهما القتال أبداً وهم جميعاً إمامية يرجعون إلى أب واحد. ولأجل فتنتهم تخربت هذه المدينة...».

كما أن غزوة بني مهنا العلوية التي طالت كربلاء (سنذكرها لاحقاً) كانت حجتها أن يتدخل آل مهنا في حل النزاع بين أولاد فائز وأولاد زحيك. وقبل أن نتحدث عن سبب النزاع الخطير هذا لابد لنا أن نتحدث عن طرفي النزاع.

آل فائز هم الأقدم في كربلاء لأن تواجدهم فيها يرجع إلى نزوح السيد إبراهيم المجاب بن السيد محمد العابد بن الإمام الكاظم(علیه السلام) إلى كربلاء وإتخاذها سكناً ومستقراً له ومعه أبناءه وأحفاده، وكان ذلك في سنة 247ه / 862م بعد ان إستلم المنتصر بالله العباسي الخلافة بعد أبيه المتوكل الذي هدم قبر الحسين(علیه السلام) وخرّبه وحرثه وهدم ما حوله ومنع زيارة كربلاء والمرقد الشريف. وكان المنتصر بعكس أبيه فقد أمر ببناء المرقد وسمح بالزيارة والسكن بجوار قبر الحسين فكان السيد إبراهيم المجاب هو أول علوي سكن مدينة كربلاء. وتكونت من أبناءه وأحفاده عمارات نسبية كثيرة، إلى

أن وصل الأمر لأن يترأس هذه الأسر والبيوتات السيد أبو الفائز محمد الذي تكونت من نسله فيما بعد سلالات من السادة الأشراف العلويين الحاليين في كربلاء وتشعبوا إلى عدة أسر وبيوتات وهم آل طعمة وآل نصر الله وآل ضياء الدين وآل سيد أمين وآل مساعد (عوج) وآل تاجر وبيوتات أخرى.

والسيد أبو الفائز محمد هو ابن السيد أبو الحسن علي بن أحمد جلال الدين بن محمد بن أبي جعفر محمد بن أبي جعفر نجم الدين الأسود بن محمد بن أبي جعفر محمد بن علي الغريق بن محمد خير العمال بن أبي الحسن علي المجذور بن أبي الطيب أحمد بن السيد محمد الحائري بن السيد إبراهيم المجاب بن السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم(علیه السلام).

فكان السيد أبو الفائز محمد هو كبير العلويين من آل المجاب ويلتفون حوله في ذلك الزمان وكان نقيباً للحائر .

فالقبيلة العلوية الفائزية سميت بإسمه لتقدمه في وقته وعليه فإن الأسر العلوية التي ذكرناها أعلاه بقيت تلقب بالأسر الفائزية على إسمه إيضاً بإعتباره الجد الأعلى لهم. والسيد أبو الفائز كان من رجال القرن السابع الهجري.

أما آل زحيك فقد جاءت تسميتهم من السيد أبي محمد يحيى زحيك وهو ابن منصور بن محمد بن يحيى بن محمد بن عبدالله الحائري (نقيب الطالبيين المهاجر إلى كربلاء) بن محمد بن أبي الحرث بن علي أبي الحسن (المعروف بإبن الديلمية) بن أبي الطيب بن الحسين أبو عبدالله القطعي (نقيب النقباء) بن موسى أبو سبحة بن إبراهيم المرتضى (الأصغر) بن الإمام موسى الكاظم(علیه السلام).

أول علوي هاجر إلى كربلاء من سلالة السيد إبراهيم المرتضى هو السيد أبو محمد عبد الله الحائري وكان نقيب الطالبيين في العراق، وكانت مهاجرته من بغداد وتحديداً من مقابر قريش (وهي الآن تعرف بمنطقتي الكاظمية والعطيفية الحالية) وذلك في القرن الخامس الهجري عندما دمج الخليفة العباسي في حينه النقابتين الطالبية والعباسية وسلّمها إلى شخص آخر إختلف الرواة عليه.

إتخذ كربلاء مستقراً له ولأولاده الأربعة وهم أبو الحرث محمد وعلي والسيد النفيس وأبو السعادات محمد.

ومن السيد عبد الله الحائري نشأت ذريته وتوسعت عماراتها النسبية في كربلاء وفي أماكن أخرى، وبدأ أحفاده يتصدرون الواجهة في كربلاء مع بقية العلويين فيها وخاصة آل المجاب أتباع وأحفاد أبي الفائز محمد.

جاء في كتاب غاية الإختصار في البيوتات المحفوظة من الغبار ما نصه:

«وبنو المرتضى البيت المتقدم فيهم آل الحسين القطعي بن موسى الثاني (أبوسبحة) بن إبراهيم المرتضى وهم بيوت عديدة منهم بيت عبدالله بالحائر ومنهم بيت زحيك المشهدي»(1).

كان كبير السادة العلويين من آل زحيك إثناء النزاع هو السيد أبو القاسم محمد بن يحيى زحيك، والذي إلتف حوله بنو المرتضى (إبراهيم المرتضى الأصغر).

فالنزاع حصل بين آل المجاب وآل المرتضى بجميع فئات كل مجموعة. أمّا ب النزاع فكان على نقابة الأشراف في كربلاء وسدانة المشهد الحسيني، لأن النقابة والسدانة هما الواجهتان الشرفيّتان في كربلاء، ومن كانت بيده إحداهما أو كلاهما كان متصدراً للواجهة في مدينة كربلاء لما تحملانه من شرف عظيم وتسيد على كافة الأصعدة، ومن حصل عليهما تكون زعامة البلد بيده وبيد أسرته أو قبيلته.

كما أن القبيلتين كانتا تتشرفان بخدمة المشاهد المقدسة وتديرانها بإعتبار أنهما من أحفاد الإمام الحسين(علیه السلام) من جهة، فنسبهم العلوي هو الذي يؤهلهم لذلك الموقع وتعايشهم مع الكربلائيين من أبناء القبائل العربية العريقة الذين سبقوا العلويين بالسكن في كربلاء وأدارة مشاهدها المقدسة وخدمة زائريها، والذين يكنون الإحترام والتقدير للعلويين من ناحية أخرى.

كان أولاد فائز من آل المجاب يعتبرون أنهم الأقدم في كربلاء بما يقارب القرنين من الزمان فكانوا يتطلعون إلى التصدي للسدانة والنقابة، بينما يعتقد أولاد زحيك بأن نقابة الطالبيين في العراق كانت بأيديهم وقبل ذلك نقابة النقباء التي كانت بيد جدهم الحسين القطعي بن موسى أبو سبحة ... فتطورت الأمور إلى أن وصلت إلى حد النزاع والتقاتل.


1) غاية الإختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار / للشريف تاج الدين بن محمد بن حمزة بن زهرة الحسيني نقيب حلب المطبوع في بولاق سنة 1308ه / 1890م ص 44 .

لا بد أن تكون هناك عوامل وأسباب أخرى كانت وراء هذا الخلاف، ولكن المؤسف له هو تنازع أولاد العم فيما بينهم مما جلب الويلات على المدينة وأطمع فيها الأغراب حتى غزوها بحجة فض النزاع، وعلى أثر الغزو فقد ضاع إرثيها لمدة من الزمن إلى أن إتحد البيتان وتمكنوا من إستعادة سيادتهم على المدينة وإستمروا متكاتفين جيلاً بعد جيل، وتصاهروا فيما بينهم وإستتب الأمر بينهم إلى الآن.

على ضوء ما ورد من معلومات تاريخية عن النزاع الذي ذكرناه، فلابد لنا من ذكر حالة أخرى تتناقض مع ما ورد عن سبب النزاع الذي كان بسبب النقابة والسدانة، بحيث أن مصادر عديدة ذكرت معلومات عن سدانة المشهد الحسيني وأسماء متولي السدانة في نفس فترة النزاع، وعلى ذلك يكون من الواضح والجلي أنّ أصل النزاع قد تكون له أسباب أخرى لا يمكننا التكهن بها لأن السدانة كانت تنتقل حسب تلك المصادر بدون أي إشارة إلى النزاع حولها، ولم تكن حينها السدانة في تلك الفترة بيد العلويين، وأن من تولاها كانوا المشايخ من البيوتات العربية غير العلوية، أو من كانت دولته أو إمارته تحكم كربلاء ونتيجة للصراع فقد تدخل في تعيين السادن من غير أهلها، وهذا الأمر إذا صح فإن الدويلات التي كانت كربلاء تابعة لها حينها كان لها التأثير الكبير في تولي السدانة.

النزاع بين القبيلتين كان في أيام الدولة الإيلخانية وفي فترة حكم السلطان (أبي سعيد بهادر بن محمد خدابندة). ورغم ان السلطان أبا سعيد كان قاصراً عندما توفي والده سنة 716ه / 1316م، وتولى الوصاية عنه الأمير جوبان الذي حاول أن يسيطر على الحكم بشتى الوسائل إلى أن قضى عليه أبو سعيد سنة 728ه-/ 1328م وتسلم الحكم بشكل فعلي، وكانت الدولة الإيلخانية في حالة فوضى، والعراق يعيش في حالة الإضطراب أيضاً. ففي هذه الفترة كانت كربلاء تخضع إلى حكومة عرب العراق في الحلة التي أنشأها الشريف أحمد بن رميثة ابن أبي نمى.

كانت مدينة الحلة حينها تُعد في تلك الأيام قلب الفرات الأوسط وحاضرة مجتمع عرب العراق الزراعي. وقد حظي الشريف أحمد بن رميثة بمنزلة سامية عند السلطان أبي سعيد، الذي فوّض إليه أمر عرب العراق. وبعد وفاة السلطان أبي سعيد

بهادر أعلن الشريف أحمد (1)إستقلاله بالحلة وطرد منها حاكمها علي بن الأمير طالب الدلقندي.

فقامت بذلك حكومة عراقية كانت الأولى من نوعها منذ سقوط الدولة العباسية(2). وقد تمكن الشريف أحمد خلال بضع سنوات من بسط نفوذ حكومته على أهم المناطق الزراعية في العراق العربي ومنها كانت مدينة كربلاء.

عندما إستولى الشيخ حسن الجلائري على العراق وجه أنظاره للقضاء على حكومة الشريف أحمد ورغم عدة حملات قام بها إلّا أنه لم يتمكن من القضاء عليه لوقوف العشائر العربية مع حكومة الشريف أحمد، إلى أن حُسم الأمر سنة 740ه / 1339م عندما زحف حسن الجلائري عبر الفرات من الأنبار وحاصر الحلة وقاتلت العشائر العربية مع الشريف أحمد حتى الموت، وتمكن حسن الجلائري من الإنتصار في هذه المعركة وتم القضاء على هذه الحكومة العربية التي كانت في طور التكوين(3).

من ذلك يتضح لنا أن النزاع في كربلاء كان في زمن سيطرة حكومة الشريف أحمد على كربلاء.

إن النزاع بين القبيلتين ظل قائماً إثناء حكم الدولة الجلائرية التي كانت في بداية تأسيسها مشغولة بتوطيد حكمها وبعيدة عن الإهتمام بكربلاء بدليل أن غزوة آل مهنا كانت قبل وفاة حسن الجلائري بسنة واحدة. وبذلك عندما وجدت القبيلتان


1) الشريف أحمد هو حفيد الشريف أبي نمى. وفي سنة 651 ه أي قبل سقوط الدولة العباسية بخمس سنوات، تولى شرافة مكة رجل كان يعد من مشاهير الأشراف وصلحائهم يدعى أبو نمى الأول، الذي دامت شرافته قرابة خمسين عاما. وكان يقال عنه كما يروي المقريزي: لولا أنه زيدي لصلح للخلافة لحسن صفاته (عن الدكتور علي الوردي في كتابه لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث/ ملحق ج 6 ص 16) وقد توفي أبو نمى سنة 701 ه في عهد السلطان المغولي محمود غازان في العراق، والملك الناصر قلاوون في مصر، وقد خلف ثلاثين ولدا. وبعد وفاته نشبت نزاعات شديدة بين أولاده على شرافة مكة، وكان النزاع على أشده بين أربعة من أبنائه :هم الشريف حميضة والشريف عطيفة والشريف رميثة والد (احمد) والشريف أبو الغيث.

2) العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية عبد الأمير الرفيعي ج1ص177.

3) راجع تاريخ العراق بين إحتلالين/عباس العزاوي في ج 2 ص 36 وص78 .

بأن إرثهما قد ضاع نتيجة النزاع ولم تعد المدينة بأيديهما، إتفقا على الصلح والتكاتف والإتفاق على عودة زعامة كربلاء بأيدي أهلها وخاصة النقابة والسدانة وهذا ما سنجده في الحوادث اللاحقة في بحثنا هذا.

غزوة آل مهنا

كانت مدينة كربلاء تعيش في دوّامة الصراع بين آل فائز وآل زحيك الذي إبتدأ سنة 717ه/ 1317م أي في الربع الأول من القرن الثامن الهجري، فقد عمّت الفوضى المدينة وجرت أحداث جسام داخلها.

لم يكن للحكومة المركزية (الإيلخانية) أية سيطرة على المدن ومنها كربلاء في ذلك الوقت الذي كان يشهد أفول الدولة المغولية الإيلخانية، وقد دام ذلك الصراع بما يقارب النصف قرن.

كانت مدينة كربلاء وفي أيام الصراع هذا تخضع لسيطرة الشريف أحمد بن رميثة ومقره الحلة كما أوردنا ذلك سابقاً، وعندما إستولى الشيخ حسن الجلائري على العراق وجّه أنظاره إلى أحمد بن رميثة للقضاء على حكومته (حكومة عرب العراق ومقرها الحلة) وقد تمكن من ذلك سنة 740ه / 1339م وأصبحت مدينة كربلاء تخضع للحكم الجلائري ولكن لم يكن للجلائريين أي تأثير عليها، وبقيت المدينة تعيش في دوامة الصراع لإنشغال حسن الجلائري بتثبيت حكمه في العراق.

نتيجة لذلك فقد تدخلت قبيلة (آل مهنا) وقامت بغزو مدينة كربلاء بحجة التدخل في حسم النزاع الدائر بين القبيلتين وذلك في سنة 756ه / 1355م وهذه الغزوة حدثت قبل وفاة الشيخ حسن الجلائري بسنة واحدة.

قبيلة آل مهنا إستغلت غياب الدولة وطمعت بالزعامة والسيطرة متحججة بإنهاء النزاع والحقيقة تبتعد عن ذلك.

كانت هناك ثلاث قبائل تحمل نفس الإسم (آل مهنا) وقد إلتبس الأمر لدى الكثير من الباحثين حول أي من تلك القبائل الثلاث قامت بغزو كربلاء والسيطرة عليها وإنهاء النزاع بين آل فائز وآل زحيك. وهذه القبائل هي:

القبيلة الأولى... هي قبيلة علوية النسب كان يقودها الشريف السيد شهاب الدين أحمد بن مسهر بن مسعود بن مالك بن مرشد بن خرسان بن منصور بن محمد بن عبيد الله بن عبد الواحد بن مالك بن الحسين بن المهنا وهو من أحفاد الحسين بن المهنا (أمير المدينة المنورة). وكان السيد شهاب الدين مقيماً في (عين التمر) حينها وعلى قدر عظيم من الجاه والمال، ولديه الكثير من الأملاك.

القبيلة الثانية... هي قبيلة بني مهنا الغير علوية لقبت بإسم شيخ مشايخ شمّر طي (المهنا بن عيسى) ، وكانت لهذه القبيلة الإمارة في الديار السورية والمصرية، نزحت إلى العراق في سنة 721ه على أثر مشاجرة جرت بين أميرها (المهنا بن عيسى) والملك الناصر ملك مصر ، مستنجداً بملك العراق السلطان أبي سعيد بهادر خان. ولما قدم بعشائره تفرق أولاده في أنحاء العراق، فجاء أحد أنجاله الذي يدعى سليمان المهنا على رأس قبيلته وسكن الحلة والبادية المجاورة لها.

القبيلة الثالثة ... وتحمل نفس الإسم أيضاً ، وقد نزحت من (نجد) وإستوطنت العراق في أواخر القرن التاسع الهجري وسكنت ضفاف الفرات الغربي على إمتداد الفلوجة إلى المنتفك. وكان قد أطلق على رئيسهم (ناصر المهنا) لقب شيخ العراقين، أي شيخ الكوفة والبصرة. وكان مركزه في المقاطعة التي لا زالت تحمل إسمه وهي (المهناوية) التي تقع حالياً بين سدة الهندية وناحية أبي غرق بإمتداد قضاء الهندية ( طويريج). وهي التي دخلت كربلاء عام 1013ه / 1604م بزعامة (ناصر بن مهنا) وبسطت نفوذها على المدينة سنين طوال وأصبحت كربلاء (ديرته ومركز حكمه) كما سيتم الحديث عنها لاحقاً.

نقول:

أن القبيلة التي غزت كربلاء بحجة إنهاء النزاع بين آل فائز وآل زحيك هي قبيلة آل مهنا العلوية الذين سيطروا على المدينة سنة 756ه / 1355م بقيادة السيد شهاب الدين أحمد بن مسهر رئيس قبيلة آل مهنا، وبعد السيطرة على المدينة قام

بتنصيب نفسه نقيباً للحائر. وأعطى سدانة الروضة الحسينية إلى الشيخ شمس الدين محمد الحائري(1).

بعد أن إستلم شهاب الدين أحمد آل مهنا نقابة الحائر، والشيخ شمس الدين محمد الحائري السدانة، فقد هدأت الأحوال في المدينة وتبين لآل فائز وآل زحيك ذهاب الأمر من أيديهما.

بعد عدة سنوات وجدت قبيلتا آل فائز وآل زحيك ضياع الأمر من أيديهما، ذهبوا إلى عقد الصلح فيما بينهم وإتفقوا على التعاون لطرد آل مهنا من المدينة وإسترجاع حقوقهما، وتمكنوا من ذلك وطردوا السيد شهاب الدين أحمد بن مسهر (نقیب الحائر) الذي كان الحاكم الفعلي للمدينة كما طردوا السادن الشيخ شمس الدين محمد الحائري من منصب السدانة، وتصالحوا على أن تبقى الأمور بيدهم.

عندما توفّي حسن الجلائري سنة 757ه / 1356م تولى الحكم بعده ولده (أويس)، ورغم مرور عشر سنوات على حكم أويس لم يعر إهتماماً لكربلاء ولم يزرها لإنشغاله في إخماد الحركات التي كانت تهدد دولته إلى أن جاءت سنة 767ه/ 1366م، عندما قام بزيارته الأولى لكربلاء وقد أظهر إهتماماً كبيراً بها وكانت له أيادي بيضاء في تعمير المرقد الحسيني وبعض التعميرات داخل القصبة، كذلك فعل ولداه حسين وأحمد من بعده، وعاد في زمنهم الهدوء في كربلاء وعاشت المدينة فترة جيدة من العمران والتصافي بين سكانها وخاصة العلويين من آل فائز وآل زحيك.

وعلى ضوء ذلك فإن سيطرة آل مهنا العلويين على كربلاء دامت قرابة عقد من الزمان.


1) وهو غير شمس الدين بن شجاع القاضي الحائري الأسدي الذي تسلم سدانة الروضة الحسينية سنة 963ه / 1556م.

واجه السلطان أحمد (1)بن أُويس الجلائري مصاعب ونكبات. فقد حمل تيمور لنك على بغداد سنة 795ه / 1393م وعمل السيف فيها ودمرها.

هرب السلطان أحمد من بغداد إلى الحلة، فتعقبه جيش تيمورلنك للقضاء عليه، مما إضطر السلطان أحمد لمغادرة الحلة هارباً وإتجه نحو سهل كربلاء وصحرائها، تتبعه جيش تيمورلنك بقيادة إبنه (ميران) فإلتقوا بالسلطان أحمد ومن معه من جيشه وأتباعه بالقرب من كربلاء، وفي يوم قائظ شديد الحرارة حدثت معركة ضارية بين الطرفين لم يتمكن السلطان أحمد من الصمود أمام جيش تيمورلنك مما دعاه إلى الهروب من أرض المعركة تاركاً أمواله وبعض عياله وإتجه إلى (عين التمر) ومنها هرب إلى مصر لاجئاً عند ملكها (الظاهر).

معرکة سهل کربلاء

بعد إنتهاء المعركة بإنتصار جيش تيمورلنك فقد غلب على الجنود العطش فمالوا على أحد فروع نهر الفرات بالقرب من كربلاء ودخلوا المدينة.

ذكر دونالدسون في كتابه (عقيدة الشيعة): «أن تيمورلنك حينما وصل إلى بغداد في 13 آب 1393 فتح الناس أبواب بغداد له، بعد أن كان السلطان أحمد الجلائري قد هرب إلى الحلة. فإضطر جنوده إلى تمشيط البلاد المجاورة للتفتيش عنه


1) السلطان أحمد هو ابن السلطان أويس بن السلطان حسن الجلائري (مؤسس الدولة الجلائرية). وقد إستلم الحكم بعد أخيه السلطان حسين بن أويس وفي عهده إحتل تيمور لنك بغداد سنة 795ه/1393م، وقد هرب السلطان أحمد ودخل في حروب مع تيمورلنك، وعاد إلى العراق مع قره يوسف التركماني وهزم من قبل تيمورلنك أيضاً ولجأ أحمد إلى مصر، وعندما توفي تيمورلنك عاد إلى حكمه في بغداد، وإختلف فيما بعد مع قره يوسف التركماني، وتم قتله عام 813 ه / 1410م، وعندها أسس قره يوسف دولة الخروف الأسود (قراقوينلو). وكان السلطان أحمد قد بنى أول منارتين في إيوان مشهد الحسين، وأكمل ما أمر به أخوه السلطان حسين، وكان والدهما قد أقام عمارة المشهد الحسيني.

حتى عثروا عليه في النهاية، وإصطدموا به في سهل كربلاء، وكان ذلك في يوم شديد الحرارة، فلم يؤد الإشتباك إلى نتيجة حاسمة فيما عدا تمكن السلطان من الفرار.

وقد خشي الرؤساء التيموريون من الهلاك عطشاً، ففتشوا عن الماء حتى وصلوا إلى ساحل الفرات في محل يقال له (مشهد) كان الحسين بن علي قد قتل فيه. وهنا قبل كل منهم عتبة المكان المقدس، وأدى المراسيم المعتادة التي كان من المألوف أن يؤديها الزوّار ...»(1).

وجاء في تاريخ العراق بين إحتلالين عن صاحب كتاب بزم ورزم الذي كان في بغداد أيام الوقعة وفرّ مع من فرّ مع السلطان أحمد:

«أمّا ميران شاه ابن الأمير تيمور فإنه عبر الفرات، وسار يتعقب أثر السلطان أحمد... وهذا مال إلى طريق الشام فسلكه خائفاً وجلا (كمن دبّ يستخفي وفي الحلق جلجل)، وناله الندم ما ناله وأصابه الرعب ما أصابه... ولكن لم ينفع الندم ( ولات حين مناص).

إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة***فلا تستعدن الحسام اليمانيا

ولا تستطيلن الرماح لغاية***ولا تستجيدن العتاق المذاكيا

عثر عليهم القوم في صحراء كربلاء، فلم ينج هو وأعوانه إلا بشق الأنفس...

نسوا أحلامهم تحت العوالي***ولا أحلام للقوم الغضاب

إذا كانت دروعهم نحورا***فما معنى السوابغ في العياب

وعلى كل نجا السلطان أحمد من تلك التهلكة، وأن أعوانه كل واحد منهم سلك ناحية، فتفرقوا في الصحاري شذر مذر فإختفوا فيها... إلخ. ما جاء هناك مما ذكره المؤلف فكان مع القوم من ضَرَب إلى جهة النجف ولكنه ألقي القبض عليه وأحضر إلى ميران شاه في الحلة ومن ثم عفا عنه ميران شاه، وعطف عليه بنظر عنايته، ولحظه بعين رأفته فسلم من الأخطار...»(2).


1) عقيدة الشيعة دونالدسون – ص 60 .

2) تاريخ العراق بين إحتلالين / عباس العزاوي - ج 2 ص217وص218.

يتبين من ذلك أن كربلاء كانت مسرحاً لتلك العمليات، وعندما تتقدم جيوش بقربها وحواليها، فإن تأثير ذلك على المدينة يظهر واضحاً وقد تعيش في حالة ترقب وقلق وخاصة في أيام إنهاء حكم دولة بحكم آخر، ومما يؤسف له أن الأطراف المتصارعة هم من الأغراب والمحتلين.

غارة المشعشعين

في أيام حكم دولة الخروف الأسود (قره قوينلو) حدثت غارة المشعشعين على كربلاء بقيادة (مولى علي المشعشعي) وهو علي بن محمد بن فلاح بن محمد المعروف بالمشعشعي. ويذكر البعض نسبهم على أنهم من السادة الموسوية ويرجعون إلى السيد محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم(علیه السلام).

أول من تلقب بالمشعشع هو محمد بن فلاح الموسوي المولود في واسط، وفي صباه ألحقه والده بمدرسة الشيخ ابن فهد الحلي في مدينة الحلة ليتلقى علومه الدينية. وأصبح محمد بن فلاح الموسوي من ألمع تلامذة ابن فهد وأقربهم إليه، وقد زوّجه ابن فهد إحدى بناته، وعندما توفي والده (فلاح) تزوج ابن فهد أرملته وهي أم محمد.

أظهر محمد ميلاً شديداً نحو التصوف الإسلامي متأثراً بأفكار أستاذه ابن فهد في التصوف. وكان السيد محمد يتخذ من سيرة الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) مثلاً أعلى في الزهد والتقشف. ويقال بأنه كان يهتز إنفعالاً ويتشعشع وتنتابه حالات غريبة عندما يسمع سرداً عن سيرة الإمام علي أو عندما يطالع كتب أستاذه ابن فهد في التصوف والحب الإلهي، ومن تلك الشعشعة التي تلازمه شاع عليه اللقب وسمي بالسيد محمد المشعشع.

والسيد محمد المشعشع كان من جيل عرب العراق الذي نشأ في عصر يسوده الإضطراب وتكثر فيه الحروب والنزاعات الدموية.

وفي فترة حكم السلطان (آسبان)(1)أطلق محمد المشعشع دعوته للثورة على الحكام الظالمين، لتغيير واقع الناس المزري وإستلام الأمر لتحويل واقع عرب العراق نحو الأفضل.


1) أسبان هو ابن قره يوسف مؤسس دولة الخروف الأسود، وذكر في بعض المصادر بلفظ (أسبند) أو (أصبهان) أو (أسبهان). ففي سنة 836ه / 1432م ثار الأمير (آسبان) على أخيه السلطان شاه محمد،فزحف نحو بغداد مما اضطر الشاه محمد للهروب منها إلى الكاظمية ومنها توجه إلى الموصل الذي بسط سلطته عليها وعلى كركوك وأربيل ومناطق أخرى. وقتل غيلة سنة 837ه/1433م، وإنفرد (آسبان) بالحكم في بغداد وأصبحت كربلاء تحت حكمه تمكن من تسيير دفة الحكم في العراق بحزم وقوة إلى أن توفي سنة 848ه / 1444م.

أخذ يتردد على مناطق جنوب العراق وخاصة الأهوار للتعرف على أحوال سكانها ولتكون قاعدة لثورته. وكان يردد بأن دعوته هذه هي أوان الظهور والقيام للقائم من آل محمد عليهم السلام وهو المهدي صاحب الزمان بن الإمام الحسن العسكري الذي سيظهر ويملأ الأرض عدلاً وخيراً بعد أن مُلئت ظلما وجورا.

لكن المشعشع إتصف بالغلو وقد تجاوز هذه العقيدة وأعلن نفسه بأنه المهدي المنتظر. وأفكاره هذه جعلت العلامة ابن فهد ينكرها عليه ويزجره ويأمره بعدم التفوه بها لأنها مخالفة للشريعة وعقيدة الإثني عشرية وتم الطعن بأفكاره وواجه الصعاب وزاد الخلاف بينه وبين أستاذه ابن فهد.

كان محمد المشعشع يتردد على مناطق جنوب العراق وخاصة الأهوار والبطائح ليتعرف على سكانها وقد إتخذ هذه المناطق قاعدة لثورته وآراءه بعد أن لقي تجاوباً من العشائر العربية هناك مثل قبائل عبادة وبني حطيط وبني سعد وبني أسد. وقد خاض عدة معارك ضد القره قوينلو في منطقة الجزائر (جنوب العراق) وإحتلها، ثم تمكن من الإستيلاء على الحويزة سنة 845ه/ 1441م، وهاجم البصرة وتوجه بعدها نحو الفرات الأوسط وإستولى على الرماحية (الواقعة بين الديوانية والسماوة) وبنى له قلعة فيها وتمكن من الوصول إلى أطراف بغداد وهي مركز الحكم.

خاض المشعشع عدة معارك مع جيش السلطان آسبان، ولم يتمكن السلطان من القضاء على المشعشع، وأقدم السلطان آسبان إلى عقد إجتماع بين فقهاء السنة والشيعة فتفوق فقهاء الشيعة في المناظرات فقرر السلطان إختيار المذهب الشيعي وضرب النقود بإسم الأئمة الإثني عشر، وكان موقف آسبان سياسي يهدف منه كسب عرب العراق وثقة الشيخ ابن فهد الحلي كبير علماء الشيعة في زمانه.

جاء في كتاب مؤسس الدولة المشعشعية واعقابه في عربستان وخارجها مايلي:

«تظاهر أسبان أمام ابن فهد الحلي بأنه يلتمس الحقيقة ودعاه أن يناظر أهل السنة، وبعد المناظرة وفوز ابن فهد غيّر الميرزا أسبند (أسبان) مذهبه وأصبح إماميا، وخطب بإسم أمير المؤمنين(علیه السلام) وأولاده الأئمة.

وكان العامل الوحيد في تغيير مذهب أسبند هو ظهور دعوة محمد بن فلاح في سنة 840ه، وكسب العلامة بن فهد والشيعة إلى جانبه ...» (1).

في خضم هذه الأحداث فقد أصيب آسبان بمرض أدى إلى وفاته سنة 848ه / 1444م بعد أن دام حكمه على العراق قرابة إثني عشر سنة، ونصب التركمان إبنه (فولاذ) وكان صغير السن حيث أرادوا الحكم بإسمه، ولكن الأمير جهان شاه عم فولاذ زحف سنة 849ه نحو بغداد وحاصرها ستة أشهر وإستولى عليها سنة 850ه / 1446م وقضى على حكم ابن أخيه. وأصبح يحكم الدولة القراقوينلية.

عندما كان الصراع مشتداً بين المشعشع وعساكر التركمان، وفي تعدد ساحات المعارك وسيطرة ثورة المشعشعين على العديد من المناطق ظهر شاب في مقتبل العمر قام بقيادة المعارك وكذلك أمور الثورة، وكان يتمتع بقابليات قيادية هائلة وقوة بدنية وشجاعة مفرطة، مما أكسبه ذلك حب رجاله له وإلتفاف أشد مقاتلي العشائر نحوه، وهذا القائد هو السيد علي بن السيد محمد المشعشع.

كان رجال المشعشع يدعونه «مولى علي» أو مولانا علي. وإلتصق اللقب بآل المشعشع حتى سمّو بـ (الموالي)، وبمرور الأيام فإن المولى علي أخذ تدريجياً يسيطر على مقاليد الأمور، ووضع نفسه في محل والده حيث نقل عباس العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين عن كتاب مجالس المؤمنين ما يلي: «إن المولى عليّاً في أواخر أيام أبيه إستولى على أموره وأخذ منه السلطة و ولى زمام الإدارة وصار هو الرئيس صاحب القول الفصل ...». كانت قوة المولى علي وسيطرته هذه لم تأتِ من شجاعته وقدرته على الادارة فقط، بل كانت له أفكار عقائدية متطرفة تغالي في تقديس الامام علي، والذين التفوا


1) مؤسس الدولة المشعشعية وأعقابه في عربستان وخارجها السيد جاسم حسن شبر/النجف 1972.

حوله من المقاتلين الشجعان في حركة والده كانوا هم كة والده كانوا هم الأساس لحركة الغلو هذه،فكانوا يعتقدون في حلول روح الله (سبحانه وتعالى) في الإمام علي بن ابي طالب(علیه السلام).

في سنة 857ه / 1454م زحف المولى علي بجيشه نحو مدينة واسط مدينة أهله، فحاصرها وإستولى عليها بعد هروب حاكمها إلى البصرة، وتم طرد عساكر التركمان من وسط العراق.

وبعد إستيلائه على واسط، زحف المولى علي بجيشه نحو الفرات الأوسط وإستولى على الحلة والنجف وكربلاء، ولم تتمكن عساكر وجيوش الدولة التركمانية من صده فقد ألحق بهم هزائم منكرة.

غارة مولى علي المشعشعي على كربلاء حدثت سنة 858ه/ 1454م، وكانت هذه الحادثة من الحوادث المؤلمة التي مرّت على كربلاء بعد أن عاشت المدينة والعتبات فترة هدوء وسكينة لسنوات طوال بعد إنتهاء النزاع بين آل فائز وآل زحيك.

فبعد أن قام المولى علي بالأحداث المنكرة في النجف من قتل ونهب، وأساء إلى مرقد الإمام علي عام 858ه/ 1454م ، توجه بعدها في نفس العام إلى مدينة الحسين (كربلاء)، فهجم عليها بأتباعه وعمل بها السيف وقتل خلقاً كثيراً ونهب الروضة المقدسة وأخذ من أهل المدينة أسارى إلى دار ملكه وكانت حادثة فظيعة أُخذت المدينة فيها على حين غرّة بدون أن يشك بهم أهل المدينة، وتجمعوا في طرقاتها سراً، وهجموا على شكل مجموعات كبيرة ، وبعد مقاومة بائسة لم يتمكن الكربلائيون من مواجهة جيشه الجرار، فقام بقلع أبواب العتبة المقدسة ودخل وأعوانه داخل الحرم الشريف ونهبوا كل ما بداخله وأمر بكسر الصندوق وحرقه.

ترك المدينة التي شهدت كارثة مفجعة فقد أصابها من الدمار والخراب بعد أن بقى فيها أياماً معدودة، وبقيت المدينة بعد خروجه تئن من وطئ هذا المصاب الجلل الذي حلَّ بها.

روى سماحة المرحوم الشيخ عبد الحسين الأميني في كتابه (شهداء الفضيلة) حيث ذكر بأن واقعة المشعشعين هي واقعة القتل الأول، أما واقعة القتل الثاني هي واقعة الوهابيين عام 1216ه / 1801م(1).


1) شهداء الفضيلة الشيخ عبد الحسين الأميني - ص310 وص 311 ط 2 بیروت 1983م.

كان السلطان (جهان شاه) في (شيراز) عندما علم بغارة المشعشعين على كربلاء بقيادة ( مولى علي المشعشعي) وعبثه في كربلاء والنجف، فسيّر (سيدي علي) مع بعض الأعوان ليضعوا حداً لفتنة المشعشعين(1).

وأمده بجيش يقوده الأمير (شيءالله) ومعه حسين شاهنزار وأخيه سودغان والشيخ مكي أوغلي ، وأمره بتعمير مرقدي الإمام علي والحسين عليهما السلام مما أصابهما من تخريب على يد المشعشعين. وقد وصلوا إلى كربلاء والنجف عن طريق الحلة، وقام سيدي علي في شهر جمادي الأول سنة 859ه / 1455م بإعمار ماخربه مولى علي، ويقال بأنهم عوّضوا خسائر أهل الحائر، وأُعيد الأمن إلى كربلاء.

فعمّر المشاهد المقدسة ودفع للمجاورين لمرقد الإمام الحسين(علیه السلام) خسائرهم التي نجمت عن غزوة المشعشعين واوعز إلى الشيخ شيء الله بملازمة كربلاء لتصريف هذه الأعمال، وكرّ سيدي علي راجعاً إلى بغداد بعد أن أعاد الأمن والطمأنينة إلى كربلاء.

وجاء في مجالي اللطف للمرحوم الشيخ محمد السماوي وصفاً للحادثة ضمن إرجوزته الشهيرة حيث قال(2):

والحادث الثامنُ ما قَد صنعا***عليٌ أعني الفاتكَ المشعشعا

ابن فلاحٍ إذ أتى بالَمينِ***لمرقدي حيدَرِ والحسينِ

وقال إن القبر للحي جَلل***ونَهبِ الأعيانِ في تلك العلَل

ولم يبق لا هنا ولا هنا***عيناً ترى أو جوهراً أو معدَنا

وسار في جمعٍ من الأسارى***حتى لأخرى صار في القصارى

وذاك في الثمان والخمسينا***من تاسع القرون في السنينا

توفي عليٌ هذا (غير مأسوف عليه) مقتولاً سنة 861ه بسهم أصابه في محاصرة قلعة بهبهان وخلّفه أخوه (محسن) الذي إستولى على أكثر نواحي بغداد، وقد مُدح


1) بعض المصادر تؤكد أن الأمير بير بوداق ابن السلطان جهان شاه هو الذي أرسل سيدي علي لوضع حد لفتنة المشعشعين وإعمار الروضتين الحيدرية والحسينية.

2) مجالي اللطف في ارض الطف / الشيخ محمد السماوي 5857/2

(محسن) من علماء عصره ه لأنه إختلف عن أسلافه. وبعد محسن خلقه ولداه على التوالي (علي) و (أيوب) وقد عدلوا عن منهج عمّهم (مولى علي) وذلك بتأثير من السيد الجليل ضياء الدين نور الله المرعشي حيث روجوا شريعة المصطفى ورضوا بإتباع نهج المرتضى علي(علیه السلام) ... وتوفيا تباعاً عام 914ه، وإستلم الحكم بعدهما (فلاح) الإبن الثالث لمحسن، وبعده إبنه (بدران) وبعده إستلم الأمر ولده (المولى سجاد) الذي إستولى على الجزيرة وسائر بلاد العراق العربية.

ودولة المشعشعين دامت أكثر من قرنين ما بين سنة 804ه إلى سنة 1025 ه ثم

ضعف سلطانهم فأصبحوا أمراء منصوبين من قبل الملوك الصفويين.

معركة الشريف حسن وقبيلة المسعود شمال كربلاء

في الربع الأول من القرن الحادي عشر الهجري، أوائل القرن السابع عشر الميلادي، حدثت معركة طاحنة بالقرب من مدينة كربلاء وتحديداً في شمالها الشرقي بين جيش كان يقوده أحد أشراف مكة وهو الشريف حسن بن أبي نمي محمد بن الشريف بركات بن عجلان... المنتهي نسبه إلى الإمام الحسن المجتبى بن الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام(1)، وهو أحد أجداد الشريف حسين بن علي قائد الثورة العربية في الحجاز وبين قبيلة المسعود التي كان يرأسها الشيخ عطيش بن شبرم بن شباب. وهذه المعركة حدثت في بداية نزوح قبيلة المسعود من شبه الجزيرة العربية وإستقرارها في نواحي كربلاء على نهر الحسينية بين المسيب وكربلاء.

وسبب هذه المعركة كان نتيجة خلاف بين قبيلة المسعود التي كانت مرابعها في تهامة ونجد من شبه الجزيرة العربية في أراض يقال لها (السروات) كانت مساكن غزيّة العدنانية منذ القدم، وأحد أمراء مكة وهو الشريف حسن، ونتيجة هذا الخلاف نزحت قبيلة المسعود إلى العراق ونزلوا نواحي كربلاء وعلى نهر الحسينية وبالقرب من المسيب الواقعة على الفرات، وفي أراض أثرية لقرية قديمة تسمّى (باروسما)(2)وهي من المواقع الساسانية القديمة وذلك في سنة 1010ه/ 1601م.

وكان يتواجد في المنطقة التي نزلوا فيها آل قشعم وهم من رؤساء غزيّة، فكان اختيار المسعود هذه المنطقة للسكن بقرب أولاد عمومتهم مثل آل حميد وآل رُفيع


1) أمراء مكة في العهد العثماني/ إسماعيل حقي وزون - ص197 ، ترجمة خليل علي مراد.

2) من المواقع الأثرية في نواحي كربلاء قرب منطقة العطيشي الحالية. وكانت قديماً تسمى (باروسما) في العهد الساساني عندما كان العراق تحت السيطرة الساسانية منذ قبل الاسلام. وهذه الآثار محددة وموجودة الى يومنا الحاضر، وتحت اشراف دائرة الآثار والتراث.

وساعدة وآل دعيج... الذين كانوا يسكنون المنطقة قبل نزوح المسعود اليها.

وعند استقرار المسعود في نواحي كربلاء كانت مشيختهم بيد الشيخ عطيش بن شبرم بن شباب(1).

وسبب الخلاف كان على فرس عربي أصيل أخذه الشريف حسن من (اعزيّز) وهو جد العزيزات من المسعود، مقابل مجموعة من (النوق الوضّح). وعلم الشريف حسن بأن الفرس مصابة بمرض الصفراء (مرض يصيب الخيل) بوشاية من ابن عم (اعزيز)، فاعتبر الشريف بأن ذلك كان بمثابة الغش فحسبها اهانة له. فطلب الشيخ اعزيز ليقتله فلم يظفر به فقتل حفيده (سلّوم) وأحرقه، وأعطاهم (جَلوَة) لمدة سبعة أيام، أي الجلاء من مساكنهم في تهامة ونجد وأينما وجدهم فسوف يقتلهم جميعا.

فتبعهم الشريف حسن بجيش كبير من أعراب البادية واصطدم بهم عند مساكنهم، ودارت معركة ضارية بين الفريقين قتل فيها الكثير من الطرفين. وكان من القتلى الشريف حسن الذي قتله الشيخ عطيش بن شبرم شيخ المسعود، الذي قتل هو أيضاً في المعركة ودفن في الأرض التي دارت بها الأحداث والتي سميت فيما بعد بـ (العطيشي) على إسمه، والتي أصبحت قرية ثم بلدة ومركزاً لناحية الحسينية.

وقد رقمت من قبل دائرة الآثار والتراث وان اسمها الأثري جاء على اسم عطيش بن شبرم بن شباب، وعلى أنقاض قرية باروسما الأقدم في التسمية والتي تتكون من عدة تلال، وموضعها الحالي قرب إعدادية زراعة كربلاء.

أما الشريف حسن وبعد مقتله فقد نُقل جثمانه الى مكة المكرمة ودفن فيها في منطقة (المعلّى). وهناك قبر في ناحية الحسينية يسمى بقبر السيد حسن) وكان معروفاً لدى العامة بأنه قبر (الشريف حسن) الذي قتله الشيخ (عطيش) ... وهذا ليس صحيحاً لأن قبر السيد حسن الموجود في ناحية الحسينية يعود الى السيد حسن بن السيد أبو العلا محمد الأصغر بن السيد حسين بن الأمير أبو الحسين أحمد... وهو من سلالة السيد عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الامام علي زين العابدين بن الامام الحسين الشهيد(علیه السلام) . وبذلك فهو حسيني النسب بينما الشريف حسن فهو حسني النسب.


1) أمراء مكة في العهد العثماني ص 106 - ص 107.

ومن الملفت للنظر بأن جيشاً يأتي من شبه الجزيرة العربية ويسلك البادية ويدخل نحو أطراف مدينة ذات أهمية مثل كربلاء، ولم تحرّك الحكومة ساكناً مما يدل على ضعف السلطات العثمانية الحاكمة حينذاك وكانت هذه المعركة قد حدثت زمن ولاية والي بغداد (حسن باشا بن محمد باشا الطويل - الطوبال -).

أحداث كربلاء سنة 1013ه/ 1604م

في سنة 1013ه / 1604 م، عاشت مدينة كربلاء احداثاً غاية في الأهمية وقد إختلفت الروايات عنها وعن أسبابها. ففي هذه السنة كانت كربلاء من ضمن العراق تخضع للحكم العثماني الأول الذي إبتدأ بإحتلال السلطان سليمان القانوني بغداد عام 941ه . ورغم أن العثمانيين هم الحكام وكانت لهم في كربلاء حامية عسكرية تضم عدداً كبيراً من الضباط الانكشاريين ومن الجنود (السكانية)(1)، إلّا أن السلطة الفعلية في كربلاء كانت بيد إمارة آل مهنا(2)وبعلم ودراية العثمانيين الذين كانوا يتعاونون مع أمير هذه الإمارة.

كانت هذه الإمارة تسيطر على البادية وعلى مدن الفرات في وقت كانت الحكومة العثمانية في العراق عاجزة عن وضع حد لسيطرة الإمارات العربية والمشيخات القبلية التي كان لها السيطرة من جنوب بغداد وحتى البصرة، وطالما شنّت الحكومة معارك ضدها ولكنها سرعان ما تفقد السيطرة على مناطق نفوذ القبائل والإمارات العربية. كان مركز حكم إمارة آل مهنا حتى قبل سنة 1013ه ليس داخل مدينة كربلاء بل في أطرافها من جهة البادية أو من مناطق الفرات الزراعية الخصبة.

كان جنود وضباط الحامية العثمانية في كربلاء قد بلغ بهم الأمر إلى التمادي في الضغط على الأهالي والتدخل في شؤونهم، وكثيراً ما يتجاوزون على سكان المدينة بدون واعز من ضمير فينهبون الأموال ويعتدون على الناس، حتى ضاقت المدينة بهم ذرعاً وقرر الأهالي التخلص منهم بشتى الوسائل.


1) السكمانية: جمع سكمان، وسكمان في اللغة التركية وهو جندي كانت وظيفته كحامل البندقية من الجندرمة.

2) قبيلة آل مهنا هذه من (جشعم)، وهي غير قبيلة آل مهنا العلوية التي غزت كربلاء إثناء الصراع بين آل فائز وآل زحيك.

كان والي بغداد في تلك السنة (يوسف باشا) وهو خصي شركسي تم تعيينه في

تلك السنة، ويقول ستيفن همسلي لونكريك:

«وفي خريف 1604م وصل إلى العراق موكب حكومي مؤلف من خمسة عشر (قبوجياً) ومعه الخلعة والفرمان، والسيف والسلسلة الذهبية الدالة على تعيين خصي جركسي يدعى يوسف باشا. وفي عهده حدث هياج مهم في كربلا قتلت فيه الحامية التركية ونهب أموالها الأهلون»(1)».

وفي زيارة الرحالة (تكسيرا ) إلى كربلاء في نفس السنة، فقد ذكر مقتطفات من مشاهداته التي تدل على وقوع حادثة ما قبل مجيئه إلى كربلاء بفترة وجيزة، حيث ذكر بأنه شاهد بنفسه ما خلفته الأحداث التي وقعت في كربلاء.

وعلى ذلك كله ومن خلال دراستنا لإمارة آل مهنا وأميرها ناصر بن مهنا آل قشعم فيمكننا أن نثبت الآتي:

كانت الحامية التركية وافرادها قد تمادوا في إيذاء أهالي مدينة كربلاء، وقد سئم الكربلائيون من سيطرة الأغراب عليهم من صفويين وعثمانيين، من خلال حامياتهم التي كانوا يؤسسونها في المدينة متى ما سيطر أحدهم على العراق، وكانت الحامية التركية أشد أذىً من التي قبلها والسيطرة العثمانية الأولى فاقت في عدد السنوات التي حكمت فيها من سنوات حكم الصفويين، فقد تاقت نفوس الكربلائيين إلى من يحكمهم من بني جلدتهم من العرب العراقيين، فهم يفضلونهم على الأغراب والمحتلين الأجانب، فقد هيأ الأهالي أمرهم وإتصلوا بالأمير ناصر بن مهنا آل قشعم ليتخلصوا من الأتراك، وهبّوا بمساعدة قوات الأمير ناصر الذي حاصر المدينة ودخلها بترحيب من الأهالي الذين إنتفضوا على الأتراك وتمكنوا من القضاء على الحامية التركية.

ومنذ هذا التاريخ إتخذ الأمير ناصر بن مهنا آل قشعم مدينة كربلاء لتصبح (ديرته) ومركز حكمه التي يدير منها إمارته كما تذكر المصادر التاريخية، وإستمر حكمه فيها أربعين سنة، رغم أنه أعطى ولائه للشاه عباس الصفوي عندما إحتل


1) اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث لونكريك – ص52.

بغداد، ولكنه وبعد فترة وجيزة طرد حامية الصفويين وعاد ليتعاون مع العثمانيين ضد الشاه الصفوي، وهذا ما تبين لنا من محاولات العثمانيين لثلاث مرات لإسترداد بغداد من الصفويين إلى أن تم لهم ذلك بقيادة السلطان مراد الرابع سنة 1048ه 16380م.

الأمير ناصر بن مهنا آل قشعم وسيطرته على كربلاء

سبق الحديث عن إمارات عربية نشأت في الفرات الأوسط وجنوب العراق، وقد تمكنت من فرض سيطرتها على المدن والقصبات في تلك المناطق رغم أن العراق كان تحت الاحتلال من قبل دول متعددة وأسر أجنبية إيرانية وتركمانية ومغولية تمكنت من السيطرة عليه. وكان لهذه الإمارات العربية شأن كبير وأدوار لعبتها مرة بالتعاون مع الحكومات المحتلة للعراق، وفي أحيان كانت تختلف معها، وكثيراً ما حصلت معارك وحروب نتيجة عصيانها على الدول الحاكمة.

وكثيراً ما كانت مدينة كربلاء تخضع لحكم هذه الإمارات، وتتأثر بالأحداث التي كانت تجري وقتئذ.

في القرن العاشر الهجري كانت تخوم البادية الغربية للعراق تسيطر عليها إمارتان عربيتان.

الإمارة الأولى تمتد مناطق نفوذها من جنوب العراق إلى الفلوجة، وهي إمارة آل مهنا من قبيلة قشعم . وضُمّت إلى مناطق نفوذها المدن المحاذية للبادية. وكان أميرها هو (ناصر بن مهنا) الذي كان يسمى بـ (شيخ العراقين) بإعتبار أن البصرة والكوفة كانتا تحت سيطرته وحكمه.

والإمارة الثانية وهي إمارة (أبو ريشة) والتي كانت شمال إمارة آل مهنا وتمتد من (هيت) إلى مناطق العشائر السورية وتصل سيطرتها إلى تخوم (حلب)، وكان أميرها حينذاك هو مطلق أبو ريشة) الذي كان يلقب بـ (ملك العرب) وقتها، كما كان يطلق في بعض الأحيان لقب (الملك العربي) على الأمير ناصر بن مهنا.

لعبت هاتان الإمارتان أدواراً مهمة في تاريخ العراق، وعلاقاتهما مع الأتراك والإيرانيين كانت تتبع الظروف المحيطة بهما في ذلك الزمان.

في سنة 1013ه / 1604م دخل الأمير ناصر بن مهنا إلى كربلاء وسيطر عليها وأخضعها تحت سلطته بعد ان طرد الحامية العثمانية فيها، وإتخذها مركزاً لحكم إمارته وأصبحت (ديرته) أي منطقة سكنه التي يدير منها إمارته، لوقوعها على تخوم الصحراء أولاً، ولقربها من مناطق الفرات الأوسط التي كان يسيطر على مدنه أيضاً، وقد ساعده سكان مدينة كربلاء على دخولها حيث إنتفضوا على الحامية العثمانية فيها، ورحبوا به كونه أمير عربي وقد فضّلوه على الأتراك الذين كانوا يحكمون العراق وقتها، وكذلك على الإيرانيين الذين حكموا قبل العثمانيين في إحتلالهم الأول. ولأن الطابع العشائري العربي الذي كان يسود مدينة كربلاء حينذاك هو الذي جعلهم يقفون هذا الموقف.

جاء في كتاب العراق في العهد العثماني ما يلي:

«كانت البادية تخضع لحكم هذين الأميرين، وكانت قواتهما لا تخرج عن حلفين بدويين، وقد كان ناصر المهنا (ملك) القسم الجنوبي الممتد من النجف إلى الفلوجة، وكانت كربلاء مركز (ديرته). وقد إعترف ناصر بولائه للسلطان العثماني، غير أن أتوقراطيته في البادية، وجمعه للخاوة، والشدائد التي كان يصادفها المسافرون المارون بديرته، كانت تجعل منه خصماً للحكم العثماني. وعند سقوط بغداد في أيدي الفرس سنة 1623م(1)، سارع في تقديم الولاء لهم وعدهم منقذين، على انه حاول بعد سنتين طردهم من ديرته كربلاء.

أما أبو ريشة، والذي كان يعد (ملك بلاد العرب)، فإن سطوته كانت إلى شمال منطقة ناصر المهنا وغربها ، وكانت (عانة) قاعدة حكمه، كما كانت ديرته ممتدة من هيت إلى بيره جك وأطراف من العشائر السورية، مما جعل إسمه مخيفاً لباشوات ديار بكر وبغداد وحلب. وقد إعترف العثمانيون بإمارته في (عانة) غير أنه قام عند احتلال الفرس لبغداد بطرد الحامية العثمانية الموجودة في عانة. ومع هذا فإنه كان متذبذباً في الولاء بين العثمانيين والفرس، بل كان ينهب الفريقين أيضاً ويناوئهما من دون أن يخدم


1) يقصد به الاحتلال الصفوي الثاني لبغداد عند دخول الشاه عباس الأول الكبير سنة 1033ه /1623م.

أحداً منهما، وهذا مما جعل الصدر الأعظم خسرو باشا يرسل في سنة 1631م حملة صغيرة لتأديبه»(1).

والمصادر التاريخية تؤكد بأن إمارة آل مهنا وفي زمن أميرها ناصر بن مهنا أخضعت كربلاء تحت حكمها لمدة أربعين سنة.


1) العراق في العهد العثماني/د علاء نورس هامش 73 من ص37.

القزلباش الصفويون في كربلاء

القزلباش(1)الصفويون في كربلاء

قامت الدولة الصفوية وبأمر من الشاه عباس الصفوي الكبير وقبل أن يحتل بغداد بإرسال مجاميع عسكرية من القزلباش إلى مدينتي كربلاء والنجف بحجة أنهم زوّار للعتبات المقدسة وذلك في سنة 1032ه، وهذه الخطوة هي من ضمن إستعداداته وتهيؤه لإحتلال ،العراق، ليكون هؤلاء قوة عسكرية مستعدة للتقدم من الجنوب نحو بغداد عندما يحاصرها، وقد تمكن هؤلاء من رفد جيش عباس شاه عندما حاصر بغداد.

وعندما نجح في دخول بغداد بعد حصار دام ثلاثة أشهر بمساعدة ابن حاكمها الذي خان والده وفتح أبواب المدينة للجيش الغازي، وبضمان تقدم القزلباش من جنوب بغداد، فقد إتخذ الصفويون دائماً خطة بوجود قوات لهم غير معلنة يتم إستخدامها عند اللزوم، لمعرفتهم بأن العثمانيين لن يتركوا العراق للإيرانيين.

وهذه الخطوة تنبّه لها العثمانيون، فوضعوا في خططهم عند تقدمهم نحو بغداد لإستردادها من الصفويين أن يؤمنوا طرق جنوب بغداد لمنع محاولات القوى الإيرانية الكامنة للغرض المذكور. وقد حصل ذلك بالفعل، وذكرت كتب التاريخ معاركاً حدثت بين الأتراك وقوات القزلباش الصفوية، حيث أبيد في إحدى المرات نحو ألفي جندي من القزلباش نزحوا من النجف وكربلاء والحلة بإتجاه بغداد، وطالما إعتبرت الدولة الصفوية ذلك حجة للقتال، ومنها مثلاً احتلال الشاه صفي الدين للحلة.

وعليه فإن الدولة العثمانية أخذت ذلك الأمر بنظر الإعتبار، وكانت من خططها للتقدم وإسترجاع بغداد وجوب تأمين جنوبها من خلال السيطرة على المدن التالية : الحلة وكربلاء والنجف والرماحية مناطق الديوانية.


1) القزلباش... كلمة تركية تعني أصحاب الرؤوس الحمراء، أو العمائم الحمراء. وهم أفراد الجيش الذي أسسه الصفويون، وكانوا يلبسون قلنسوات حمراء فيها إثنا عشر طيّة على عدد الأئمة الإثني عشر.

احتلال كربلاء من قبل العثمانيين

عندما إستولى الشاه عباس الصفوي على بغداد في محرم عام 1033ه / 1623م، حاولت الدولة العثمانية إسترداد بغداد وقامت بثلاث محاولات كان آخرها في عام 1048ه / 1638م حيث قاد الحملة السلطان العثماني مراد الرابع وتمكن من دخول بغداد وإحتلالها، وبذلك أنهى خمسة عشر عاماً من السيطرة الثانية للصفويين عليها.

في سنة 1035ه / 1625م كانت الحملة الأولى للعثمانيين لإسترداد بغداد بقيادة الصدر الأعظم حافظ أحمد باشا، وكانت خطة الجيش العثماني محاصرة بغداد وقطع الطرق للحيلولة دون وصول الإمدادات الإيرانية إلى القوة المرابطة في بغداد.

جاء في كتاب صور من تاريخ العراق في العصور المظلمة ما نصه:

«ومع أن الجيوش الزاحفة لم تكن مستعدة تمام الإستعداد لهذا الزحف الطويل الخطير فقد سارت أرتالها وقطعاتها إلى بغداد حتى وصلت إلى منطقة الأعظمية فخيمت في شمالها. وعند ذاك تقرر ان تبادر هذه الجيوش إلى محاصرة بغداد في الحال، وأن تضرب طوقاً محكماً حولها قبل أن تصل إليها النجدة من إيران. فتوزعت القطعات حول السور، وأقيمت المتاريس والطوابي، ثم نصبت المدافع، وقطعت الآلاف من أشجار النخيل فرميت مع التراب في الخندق المحيط بالسور لدفنه. ولإحكام الحصار من جميع الجهات نصب جسر على دجلة فعبرت القوات التركية عليه إلى جانب الكرخ. وقد إستغرق ذلك كله مدة شهرين بالعمل المتواصل، تم خلالها الإستيلاء على الحلة وكربلاء»(1).

وجاء في كتاب تاريخ العراق بين إحتلالين في الحديث عن (خلاصة حصار بغداد) ما نصه:


1) صور من تاريخ العراق في العصور المظلمة جعفر الخياط، ج 1 ص 73 - الطبعة الأولى سنة 1971م.

«أن الوزير الأعظم حافظ أحمد باشا حاصر بغداد بالوجه المشروح. وكان مديراً، ومفكراً عميقاً ...

ولم يكن هذا الحصار موافقاً لرغبته كما قصه شاهد عيان (كاتب جلبي) وكان رأيه التسلط على النقاط الحربية المهمة لقطع طريق إمداد الشاه فلم يفلح فتابع رغبة الأمراء الذين كانوا معه فإبتدأ بمحاصرة بغداد... وفي خلال الحصار تم الإستيلاء على الحلة وكربلاء ...»(1).

جاء في موسوعة العتبات المقدسة / قسم كربلاء عن تاريخ العراق بين إحتلالين ما نصه: «في خلال (حصار بغداد) ... تم الإستيلاء على الحلة وكربلاء. كما أدى إلى حرب دامية قتل فيها الألوف...»(2).

وجاء أيضاً في كتاب كلشن خلفا ما نصه: «ونظراً لإهتمام السلطان مراد في إنقاذ بغداد أرسل مقداراً من حرسه الخاص وقواته إلى الحلة وكربلاء حيث إستولت عليهما وأسكتت مدافعه نيران المقاومة وتغلب على القوات المدافعة وإبادتها. وقد قویت معنویات جنوده بهذا التقدم ...»(3).

الحصار الأول هذا دام تسعة أشهر ومن بعده إنسحب الجيش العثماني إلى الشمال، وعليه فإن مدينة كربلاء إحتلها العثمانيون لتسعة أشهر، وتم طرد الحامية الصفوية من القزلباش التي كانت فيها ، وأنشئت فيها حامية عثمانية رغم أن كربلاء كانت في تلك الفترة من الحكم الصفوي تابعة إلى إمارة ناصر بن المهنا وكان يدير أمارته منها، وكان هذا الأمير قد أيد وإستقبل الشاه عباس الصفوي عند إحتلاله بغداد، ولكنه وبعد سنتين أخرج الحامية الصفوية من كربلاء، ويعتقد بأن احتلال العثمانيين لكربلاء والحلة عند محاصرتهم الأولى لبغداد كان بالتعاون مع إمارة آل مهنا وقتها. وتشير بعض المصادر بأن القائد العثماني (كنج عثمان)(4)هو الذي قام بالإستيلاء على الحلة وكربلاء.


1) تاريخ العراق بين إحتلالين / عباس العزاوي - ج 4 ص 193.

2) موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء - ص 117.

3) گلشن خلفا / ص 223

4) جاء في الأساطير البغدادية أن رجل إسمه كنج (عثمان) كان من قادة الجيش العثماني، وصل العراق قبل مجيء السلطان مراد الرابع تصحبه قوة من الجيش فإحتل الحلة والرماحية وكربلاء والنجف، ولكنه مات قبل فتح بغداد فنقلت جنازته بعد الفتح إلى بغداد ودفنت قرب السراي، وظن أهل بغداد إنه من الذين إستشهدوا في معركة فتح بغداد وإنتشرت بينهم الأساطير عنه وعن كراماته، فقيل أنه كان عند فتح بغداد يحمل الراية أمام السلطان مراد فقطعت يداه، ولكن الراية ظلت تمشي وحدها من غير أن يحملها أحد، ولم تسقط إلا بعد أن شاهدها أحد الناس ودهش لمنظرها العجيب، وصار قبره مزاراً، وجدد قبره الوالي حسن باشا سنة 1133ه / 1721م.

أما الأسباب التي جعلت قائد الجيش يأمر بالإستيلاء على الحلة وكربلاء هي:

1- وجود حامية إيرانية من جيش القزلباش في كل من الحلة وكربلاء، والإستيلاء عليهما يعني قطع الإمدادات التي ترد من جنوب بغداد (مناطق الفرات).

2- عندما إحتل الشاه عباس الصفوي بغداد سنة 1033ه(1)، تقدم خمسة آلاف مقاتل كانوا في مشهد الحسين(علیه السلام) أي في كربلاء وساعدوه في حصار بغداد، ويعتقد بأن هؤلاء قد أرسلوا إلى كربلاء إثناء التخطيط لإحتلال بغداد بصفة زائرين للعتبات، والعثمانيون إتخذوا هذا الإجراء لكي لا يتكرر الموقف السابق.

3- تأمين طريق الإمدادات التي يتوقع العثمانيون وصولها من البصرة، ومن قبل حاكمها علي باشا ابن أفراسياب الذي كان يناصر العثمانيين لمصلحته.


1) في الحقيقة أن البعض يذكر بأن الشاه عباس الكبير الصفوي إحتل بغداد سنة 1032ه، بينما يؤكد آخرون بأنه إحتلها سنة 1033ه ، ولتوضيح ذلك نقول أن جيش الشاه عباس الصفوي حاصر بغداد قرابة الثلاثة أشهر قبل أن يتمكن من دخولها. فقد بدأ حصاره عليها في ربيع عام 1032ه-، وكان حينها في الأشهر الثلاثة الأخيرة من تلك السنة. أما دخوله إليها بعد أن خان (محمد) ابن بكر صوباشي والده، فكان في الأيام الأولى من شهر محرم سنة 1033 ه / خريف سنة 1623م، وهو الشهر الأول من السنة الهجرية، والتاريخ نفسه في السنة الميلادية 1623 لم يتغير بسبب الفارق بين السنين الهجرية والميلادية.

الدولة العثمانية تمنع سَكن علماء إيران في كربلاء

الحكومات الإيرانية منذ تأسيس الدولة الصفوية كانت تحاول جاهدة فرض تأثيرها على مدن العتبات المقدسة في العراق وخاصة كربلاء والنجف.

ظهر ذلك جلياً عندما إحتل الصفويون بغداد مرتين، وبعد إنتهاء حكمهم في العراق على يد السلطان العثماني مراد الرابع فقد خضع البلد لسلطة الدولة العثمانية بشكل نهائي منذ عام 1048ه / 1638م، أخذت الحكومات الإيرانية تحاول وبشكل مستمر أن تجد لها موطئ قدم في العراق متخذة أساليب شتى يدفعها الجانب المذهبي والطائفي لتحقق أغراض سياسية تتعلق بطبيعة الصراع الطويل بين الدولتين.

من هذه الأساليب دفعها لمجاميع من الإيرانيين للسكن في كربلاء والنجف وبقية مدن العتبات بحجة رغبة مجاورتهم للمراقد المقدسة لآل البيت الأطهار. وكانت إيران تدفع هؤلاء لغايات معروفة لدى سلطات الدولة العثمانية التي كانت في صراع دائم مع حكومات إيران المتعاقبة. وترغب بهجرة علماء دين من إيران إلى العراق بحجة مجاورة العتبات وعن طريقهم تقوم بالطلب من السلطات العثمانية بالمشاركة في إعمار العتبات بأموال الإيرانيين...

تنبهت السلطات العثمانية لهذا الأمر، ووقفت أمامه بشدة، والأكثر من ذلك أصدرت أوامرها بعدم بقاء الزائرين الإيرانيين مدة طويلة في مدن العتبات المقدسة إلا بتصريح وموافقات خاصة.

ولعلّ حادثة دخول خمسة آلاف من (القزلباش) إلى مدينة كربلاء بحجة كونهم زائرين لمشهد الحسين(علیه السلام) ، بينما هؤلاء تم إرسالهم من قبل الشاه عباس الصفوي ليكونوا على أهبة الإستعداد للتقدم نحو بغداد من جنوبها عندما يتقدم الشاه نحو

بغداد لإحتلالها (تم شرح الحادثة سابقاً)، ومن ذلك كان للعثمانيين قلق دائم في هذا الموضوع، وعليه لم يسمحوا بتكرار ذلك.

وعن هذا الموضوع المهم نورد الحادثة التالية:

أرسل خان خانان محمد مؤمن خان رسالة إلى الصدر الأعظم في إسطنبول في أيام السلطان مصطفى الثاني (الذي إعتلى العرش من سنة 1107 ه 16950م إلى سنة 1115ه 17030م) ومع الرسالة تحف وهدايا ثمينة. وكانت الهدايا كلها بعدد التسعة من كل صنف لأن التتر والأتراك يحبون هذا العدد. وكان مطلب الخان في هذه الرسالة من الصدر الأعظم هو إن بعض علماء إيران يرغبون في مجاورة العتبات في النجف الأشرف وكربلاء. ويلتمس منه أن يسمح بإعطاء إذن إلى مجاورة هؤلاء. وبما إن قباب العتبات المقدسة قد أصابها الخراب أراد الإذن بالسماح لأن ترمم هذه القباب بأموال الإيرانيين.

وكان جواب الصدر الأعظم على ذلك بأن زوار النجف وكربلاء سيعاملون مثل حجاج بيت الله الحرام من رعاية وحماية. أما من جهة مجاورتهم للعتبات، وتعمير القباب من أموالهم فذلك ما لا يجب الكلام فيه. إذ إن الدولة قد تصالحت مع الدول الأجنبية، وتوقفت الحروب، وساد البلاد الإستقرار، فلذا ستنصرف عناية الدولة إلى تعمير(1)وإصلاح هذه المراقد(2).


1) وبالفعل قام الوالي حسن باشا الجديد بأعمال جديرة بالإهتمام في تعمير العتبات ومنها قباب مراقد الأئمة والأواوين وغيرها من الأعمال التي تذكر في فترة الوالي حسن باشا.

2) تاريخ الدولة العثمانية لمؤلفه ألفون هامر في المجلد الثالث منه ص 683.

حادثة عساكر الوزير إسماعيل باشا

حادثة عساكر الوزير إسماعيل باشا(1)في كربلاء

في سنة 1110 ه / 1698م ، كان والي بغداد إسماعيل باشا قد خرج بجيش للقضاء على التمرد في مدن الفرات الأوسط والجنوب وخاصة البصرة التي أعلنت العصيان ولكنه فشل في مسعاه ورجع خاسراً.

وعند عودته من مهمته هذه عرج على كربلاء بعساكره ليقوموا بزيارة الإمام الحسين(علیه السلام) وعند دخولهم إلى كربلاء ضاقت بهم المدينة لكثرتهم، وفي الحقيقة كادوا أن يتمردوا على قادتهم عند فشل الحملة على البصرة، وفَلَتَ زمام الضبط عليهم في كربلاء وباتت السيطرة عليهم صعبة فأخذوا يقومون بالإعتداء على أهل المدينة ويسلبون أموالهم، وحدثت فوضى عارمة في المدينة وضجر الأهالي من أفعالهم وإسائتهم للناس الآمنين في مدينتهم مما إضطر الوالي بأن يأمر بمغادرة المدينة وإخلائها من الجيش على وجه السرعة.

جاء في كلشن خلفا عن هذه الحادثة ما نصه :

«صدرت التعليمات إلى والي حلب الوزير حسن باشا ووالي ديار بكر الوزير جلبي يوسف باشا ووالي الموصل الحاج حسن باشا الذي كان سابقاً والياً على البصرة، بوجوب جمع العساكر التي تحت قيادتهم فتمكنوا من جمع مائة علم وأكثر من ألف جندي من الإنكشاريين وألف من اللاوند، وذلك لإنقاذ المدن من المتمردين الذين


1) الوزير إسماعيل باشا عهدت إليه ولاية بغداد وباشر عمله في اليوم الثاني من شهر ربيع الأول سنة 1110ه . وكان قبلها والياً على مصر كان قبله علي باشا والياً على بغداد، وقد غُضب عليه من جراء إهماله وتكاسله بحيث ترك البصرة حتى إستولى عليها امير الحويزة، فتم عزله سنة 1109 ه وعُهد إلى إسماعيل باشا بمنصب والي بغداد وبدأ فور إستلام مهام عمله ببذل جهود لضبط البلد والمحافظة على النظام والقضاء على المتمردين في مدن الوسط والجنوب وكذلك العشائر التي اعلنت العصيان على الحكومة.

سيطروا عليها ولا سيما البصرة ووجوب إعادة حاكمها إليها، ولكن شاء الله أن لا تكون هذه الحملة موفقة إذ عادت ككل حملة قبلها بالخسران ، وكادت العساكر تتمرد على قادتها، حتى أنهم عند وصولهم إلى كربلاء لزيارة الإمام الحسين رضي الله عنه لم يتمكنوا من ضبطهم.

إذ راحوا يفعلون ما يشاؤون بغير نظام، وإعتدوا على الكثير من الأهليين، وعند عودتهم إلى بغداد صدرت الأوامر بعزل رؤسائهم، وفرّ قسم منهم نحو إيران خوفاً من العقاب»(1).

وجاء في تاريخ العراق بين إحتلالين عن هذه الحادثة ما يلي:

«وفي هذه الأيام كان كل من والي حلب الوزير حسن باشا ووالي ديار بكر الوزير يوسف باشا الجلبي في صحبة الوزير جاؤوا إلى حسن باشا والي البصرة السابق وكان آنئذ والي الموصل ودعوه لضبط حكومة البصرة وعيّن من جانب الحكومة مع هؤلاء مائة (بيرق) وأكثر من ألف ينكجري من نوع (سردن کيجدي)(2)ونحو ألف من اللوند (اللاوند)(3)أرسل هذا الجيش إلى البصرة إلّا إنه عاد مخذولا مقهوراً فإن الوزير جمع الجيش وذهب للزيارة في كربلاء فحصلت منه إعتدءات كثيرة. مدَّ الجند أيديهم إلى النهب وعادوا بتلك الحالة. وحينئذ وردت رسائل عتاب وتقريع من حكومة إيران من جراء هذه الأعمال.


1) کلشن خلفا / ص 303 وص 304.

2) سردن كيجدي ... صنف من العساكر وهم نوع من جند (السباه).

3) اللاوند ... (لوند) كلمة معروفة عند الفرس القدماء ومعناها عندهم الحُر المستقل. ويقول المرحوم يعقوب سركيس في مباحث عراقية القسم الأول ص 31 (فأخذ البنادقة هذه الكلمة من الترك ومنهم الإيطاليون ومنهم الفرنسيون وكان اللوند عسكراً خاصاً بالباشا ومن حرسه الخاص). وجاء في ج4 ص 219 من تاريخ العراق بين إحتلالين، بأن اللوند كسوتهم خاصة، ويعدون من أفراد الجيش البحري في الأصل، ثم صاروا يستخدمون في خيالة الجيش، وألغي هذا النوع من الجند سنة 1186ه إلا أنهم بقوا في بغداد وفي الولايات النائية، وفى بغداد محلة خان اللاوند من بقايا تسمياتهم. وفي مدينة كربلاء أسرة علوية سكنتها في القرن الثالث عشر الهجري يسمون بآل اللاوندي نسبة إلى جدهم الذي كان من اللوند او اللاوند أي عسكري منخرط في هذا الصنف من الجيش العثماني في حينه.

والأغرب أن هذا الوزير (يقصد به إسماعيل باشا حينما عزل عهد إليه بمنصب (وان) ولكنه إستولى عليه الوهم من الدولة وخشي بطشها به ففر إلى أنحاء إيران وهناك أصابته أنواع النكبات فتوفى»(1).


1) تاريخ العراق بين إحتلالين / ج 5 ص 142وص 143.

جيش الوالي مصطفى باشا

جيش الوالي مصطفى باشا(1)(دال طبان) يمر بكربلاء

بعد حادثة جنود الوالي إسماعيل باشا وأعمالهم السيّئة في مدينة كربلاء، فقد تم عزل إسماعيل باشا، وإستلم ولاية بغداد مصطفى باشا المشهور بـ (دال طبان). وكانت قد وقعت في زمن هذا الوالي حوادث جسام مرَّ بها العراق منها :

ان البصرة قد إستولى عليها الشيخ مانع شيخ المنتفق في أواخر سنة 1106 ه / 1694م. وفي شهر رمضان من سنة 1108 ه / 1696م إستولى عليها أمير الحويزة (المولى فرج الله) ، ولما أخبر الشاه لم يرض بعمله، وضبط المدينة وعيّن لها داود خان والياً إلى أن تتسلمها الدولة العثمانية منه. وفي شهر رمضان سنة 1112 ه / 1700م عادت الدولة ودخلت في حوزتها(2)(3).

كذلك ما بدر من عشائر بني لام وغيرها، فأغلب العشائر جبلت على العصيان وإمتنعوا عن أداء الميري (الضرائب) التي وجدوها قد إزدادت فإغتنموا الفرصة وخرجوا عن طاعة الدولة.

ومن أهم ثورات العشائر التي كان لها تأثير كبير على مدينة كربلاء هي (ثورة الخزاعل في الفرات الأوسط بقيادة رئيسهم الشيخ سلمان بن عباس الخزعلي) الذي لم يذعن للحكومة، بل سيطر على (الرماحية) و (خالد كبشة) و(الحسكة)


1) مصطفى باشا المعروف بدال ،طبان، كان قد تربى في دائرة قره مصطفى باشا ، ثم نال مناصب عديدة منها أغا الينكجرية، ثم ولي مراتب أخرى حتى نقل من أدرنة إلى بغداد في ربيع الثاني من سنة 1111ه / 1699م ، وإستمرت ولايته على بغداد إلى 14 صفر سنة 1114ه / 1702م، وبعد عزله أقام بضعة أيام قرب الأعظمية ومنها ذهب إلى إسطنبول، حيث أصبح الصدر الأعظم في ربيع الثاني من نفس العام وتوفي في شهر رمضان من ذات السنة، وكانت ولايته على بغداد سنتين وأربعة أشهر، وجاء بعده (يوسف باشا).

2) تاريخ العراق بين إحتلالين / ج 5 ص 150 .

و (بني مالك) و (نهر الشاه) حتى أنه لم يكتفِ بكل ذلك بل إستولى على (النجف الأشرف)(1).

ولم يتمكن ولاة بغداد من إخضاعه أو القضاء عليه رغم مهاجمتهم إياه مرّتين أو ثلاث، وتكبدوا خسائر كبيرة وعادوا بالخيبة.

أما الشيخ سلمان الخزعلي فقد إكتسب ثروة وقدرة، وأخذ ينادي بالإستقلال، وتطاول على القرى والنواحي والطرق، وكان يأخذ ضريبة (التسيار) من أبناء السبيل وسالكي ،الطرق، وتذهب هذه الضريبة إلى رئيس العشيرة التي يمر الناس في مناطق نفوذه.

كما إن الشيخ سلمان الخزعلي قد جمع جيشاً من العشائر وحاصر بهم (الحلة) بقصد الإستيلاء عليها وذلك في سنة 1112 ه / 1700م، فأخذت الدولة إحتياطاتها وتعاون معها الأهالي ولم يتمكن الخزعلي من دخولها.

عندها دعا الوالي بجمع العساكر بعد أن ورد الفرمان من الدولة العثمانية بلزوم القضاء على ظاهرة الشيخ سلمان الخزعلي، فتحركت العساكر في 6 رجب سنة 1113 ه / 1701م، وتمكنوا في النهاية من القضاء على جموع الشيخ سلمان الذي ولّى الادبار.

وفي الأول من شهر ذي القعدة من نفس السنة وبعد إستتباب الوضع، رحلت القوات الحكومية إلى بغداد وسلكت طريق النجف، وقد مروا بمدينة كربلاء مستعرضين إنتصاراتهم على العشائر الثائرة، ومنها واصلوا مسيرهم إلى بغداد.

رغم ذلك كله فإن الشيخ سلمان الخزعلي رجع وسيطر على مدينة الحسكة وأخذ مبدأ العصيان مرة ثانية على الحكومة.

كل تلك الحوادث كان تاثيرها واضحاً على مدينة كربلاء، فهذه المدينة جاذبة للوافدين وأوضاعها تتأثر بالحوادث التي تحيط بها. وإستمرت حالة الخزاعل هذه إلى نهاية سنة 1114ه 17020م. فعم الهدوء وأصاب مدينة كربلاء شيئاً من الإستقرار.


1) المصدر السابق ج 5 ص 153.

الوالي أحمد باشا يقضي على عصيان قبيلة المسعود

الوالي أحمد باشا(1)يقضي على عصيان قبيلة المسعود

كانت قبيلة المسعود قد أعلنت العصيان على حكومة والي بغداد أحمد باشا، حيث كان هذا الوالي شديداً على العشائر ودائما ما كان يولي إهتمامه على إخضاع العشائر بشتى الوسائل وعندما لم تفلح وسائلة يقوم بإعداد الجيوش لمحاربتها وإخضاعها بالقوة.

ففي سنة 1141ه / 1728م أظهر المسعود عصياناً على الدولة العثمانية مما حدا بالوزير (الوالي) التوجه الى المنطقة بجيش كبير وتمكن من محاصرة مضارب القبيلة، وقد نشب قتال بين المسعود وقوات الوالي، تمكنت بعد مناوشات طويلة من إعتقال رؤساء من قبيلة المسعود و هم (شبيل وشولي و دندن) ومن ثم قتلهم. كان شبيل وشولي من أحفاد عطيش بن شبرم بن شباب. أما دندن فهو جد (المناجدة) من المسعود. وانتهى العصيان وأصبحت القبيلة بدون مشيخة.

وقد ورد في كتاب دوحة الوزراء بأن الوالي أحمد باشا جلب الثلاثة إلى بغداد وأعدمهم علناً، فقد جاء في الكتاب عن حوادث سنة 1141ه في ولاية أحمد باشا ما نصه : «... حدث في هذه السنة أن عصابة من العصاة وأبناء العشائر أخذوا يقطعون


1) الوالي أحمد باشا هو ابن والي بغداد (حسن باشا الجديد) تولّى ولاية بغداد سنة 1136ه-/1723م بعد وفاة أبيه، وعندما توفي والده كان والياً على البصرة وتم ترشيحه من قبل أمراء والده. كان قد لازم أباه في حروبه وجلائل أعماله، تمرن على تدريبه وظهرت مواهبه في حياة والده، وكانت له ولوالده على الخصوص أعمال جليلة في مدينة كربلاء، يمكن للمتتبع الرجوع إليها في كتابنا تاريخ كربلاء. وفي زمانه زار نادر شاه .العراق. عُزل أحمد باشا عن بغداد سنة 1147ه / 1734م وعُيّن والياً على حلب، وبعد سنتين أعيد والياً على بغداد سنة 1149ه /1736م وإستمر في ولايته إلى أن توفي سنة 1160ه / 1747م عندما كان في (دلي عباس) ونُقل جثمانه إلى بغداد ودفن في مقبرة الإمام الأعظم قرب مرقد والده.

الطرق ويتعرضون بالمارة يسلبون ويقتلون، فتمكن منهم وجاء بهم وأعدمهم علناً وأنقذ الناس من شرورهم»(1).

أما المرحوم عباس العزاوي فقد ذكر في تاريخ العراق بين إحتلالين وهو يتحدث عن وقائع سنة 1141 ه / 1728م أيام الوالي أحمد باشا ما يلي: «... ثم زاد عصيان بعض العربان. عاثوا فقطعوا السبيل. فأمر الوزير بمطاردتهم والقبض على زعمائهم المعروفين فتمكن من القبض على كل من شبيل وشبلي ودندن فصلبوا الواحد تلو الآخر خلال شهرين... فقطع بذلك دابر العصيان»(2).


1) دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء الشيخ رسول الكركوكلي، نقله عن التركية موسى كاظم نورس - ص24 - دار الكتاب العربي - بيروت.

2) تاريخ العراق بين إحتلالين/ عباس العزاوي - ج 5 ص 224.

الوالي أحمد باشا يتوجه من كربلاء لمحاربة (قشعم)

الوالي أحمد باشا(1)يتوجه من كربلاء لمحاربة (قشعم)

كانت عشائر قشعم بقيادة رئيسها (صقر) مستمرة في بسط نفوذها على مناطق البادية غرب كربلاء، وتيقنت حكومة الوالي بأن هذه العشائر بدأت تشوّش على الحكومة، حيث إتفقوا مع عشائر السرحان والأسلم وبني صخر، وتجمعوا في محل يبعد عن (شفاثا) بضع ساعات يسمى ( سبروت) قرب (الرحالية) الحالية، وهو مكان منقطع خالٍ من المياه وتحصنوا فيه.

قرر الوالي أحمد باشا سنة 1152 ه / 1739م القضاء على عائلتهم، فسار إليهم بجيش جعله على قسمين الأول بقيادة الكتخدا سليمان باشا يتجه إلى (هيت) في محاذاة نهر الفرات والقسم الثاني جعله بقيادته سار به إلى كربلاء ثم إلى شفاثا.

إلتقى جيش الوالي مع العشائر في معركة عنيفة في منطقة (الرحالية) شمال شفاثا، وتمكن جيش الوالي من الإنتصار على عشائر قشعم والمتحالفين معهم، وقتل في المعركة (عميس صقر السعد) وتم أسر زوجة ( صقر) ، وعندها لم تتمكن العشائر من الثبات فتمزق شملهم وتشتت جمعهم.


1) أحمد باشا هو ابن الوالي حسن باشا الجديد كان والياً على البصرة عندما توفي والده، لازم والده في حروبه وتدرب على يديه وظهرت مواهبه في حياة والده فقد رشحه والده لإدارة (شهرزور) برتبة ميرميران سنة 1127ه / 1716م ثم نال منصب (قونية). وفي سنة 1129ه/1717م أصبح واليا على حلب، وفي اوائل سنة 1131ه / 1718م إستلم ولاية البصرة وعندما توفى والده سنة 1136ه / 1723م خلفه في ولاية بغداد ثم ولي حلب مرة أخرى سنة 1147ه / 1734م ومنها أعيد إلى بغداد سنة 1149ه ، وأصبح من أشهر ولاة بغداد، وهو الذي قاد المعارك ضد نادر شاه ومنعه من احتلال بغداد إلى أن تم عقد الصلح بينهما، وبقي واليا على بغداد لحين وفاته سنة 1160ه 1747م في منطقة (دلي عباس) التابعة إلى بعقوبة.

أما جيش الكتخدا سليمان باشا فقد وصل إلى أرض المعركة بعد إنتهائها، وكان في طريقه يقاتل من يصادفهم من الفارين من المعركة أو من الذين يشك في أنهم من المساندين للعشائر وإعتبرهم من الأشقياء.

وبعد المعركة ردّ الوالي زوجة صقر مكرّمة ولم يتعرض لها أحد، وجمع الغنائم وعاد إلى بغداد بعد أن سلب ونهب ما لدى العشائر(1).


1) دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء/الشيخ رسول الكركوكلي - ص 45 وص46 . وحديقة الزوراء للسويدي - ج 1 ص 150 . وتاريخ العراق بين إحتلالين / ج 5 ص 260 و ص 261 .

الصراع الفكري بين الأصوليين والإخباريين في كربلاء

كانت مدينة كربلاء في القرن العاشر الهجري إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري تُعَدُّ مركزاً دينياً كبيراً للشيعة، من خلال تواجد الكثير من علماء الدين والمراجع فيها، وبتواجدهم أو عند إرتحالهم إليها انتشرت المدارس الدينية بمختلف إتجاهاتها، وبذلك فقد عاشت المدينة تطوراً ونشاطاً فكرياً وعقائدياً وعلمياً و أدبياً... وكان لذلك أسبابه العديدة التي لابد من ذكرها ...

كانت مدينة الحلة هي المركز الديني للشيعة في العراق من المركز الديني للشيعة في العراق من خلال تواجد الكثير من علماء المذهب فيها والمدارس الدينية أيضاً.

ولأن مدينة الحلة قريبة جداً من مدينتي كربلاء والنجف،وفيهاتين المدينتين مراقد أئمة آل البيت عليهم السلام و لقدسيتهما لدى الشيعة فقد أمهما الكثير من علماء المذهب وإتخذوها سكناًومقاماللتبرك بمجاورة مراقد أهل البيت عليهم السلام، وبوجود هذه النخبة من العلماء وإزدياد مجاميع طلاب العلوم الدينية، فقد أصبحت المدينتان قبلة لطالبي العلوم والمعرفة. فقد زادت أهمية مدرسة النجف عندما إرتحل إليها الشيخ الطوسي) (1)(رحمه الله).

ولكون كربلاء مدينة مقدسة فكانت محط توجّه أنظار العلماء للإستيطان بها والإرتحال إليها. فقد سكنها الكثير من العلماء الذين نزحوا من الحلة منذ القرن التاسع الهجري أمثال العلامة ابن فهد الحلي وغيره.


1) الشيخ الطوسي ... هو محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة الشيعية ومجددها في القرن الخامس الهجري. كان مركزه في بغداد وقد غادرها سنة 448 ه- ليستوطن النجف الأشرف إلى أن توفي سنة 460 ه. يعتبر الشيخ الطوسي من المجددين وقد قدّم خدمات جليلة للتشيّع، وتمكن من مواجهة بعض التيارات المخالفة للفكر الشيعي من خارجه ومن داخله. وهو صاحب كتابي (التهذيب) و(الإستبصار) وهما من الكتب الأربعة المعتمدة بالإضافة لـ ( الكافي) للكليني و من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق

وللشيخ الطوسي عدة مؤلفات أخرى منها كتاب (عدة الأصول) الذي فنّد فيه الإجتهاد بمعناه القديم كما بحث في باب القياس وباب الإجتهاد. ومن كتبه الشهيرة أيضاً كتاب (الخلاف) وكتاب (المبسوط). بالإضافة إلى مؤلفات أخرى في العقائد والرجال.

ومن ثم إرتحل إليها علماء من النجف ومن البحرين ومن جبل عامل في لبنان ومن إيران في مناسبات وظروف مختلفة. كما وبرز من أهلها رجال عِلم تصدروا الساحة العلمية والفكرية فأصبحت مدينة تعج بالنشاط الفكري والعلمي والعقائدي، وضمت تيارات عقائدية مختلفة ونشأت فيها صراعات فقهية استمرت طويلاً ولعدة قرون، وحدثت فيها مساجلات وصلت إلى حد الخصام والتكفير للبعض، وقد ساهمت بعض الحكومات في تأجيج هذا الصراع مثل الحكومات الصفوية المتعاقبة في إيران، وكذلك في زمن نادر شاه الأفشاري وبعده الحكومات القاجارية التي إستلمت الحكم في إيران وتدخلت هذه الحكومات بالدين والشريعة محاولة منها تسييس الدين لأغراض سلطوية وتنافسية أيضاً مع الدولة العثمانية (السنية).

ومن أخطر تلك الصراعات التي حدثت في مدينة كربلاء هو الصراع العقائدي بين الأصوليين والإخباريين.

لم يكن الصراع الفقهي جديداً على الساحة الشيعية، فقد بدأ في العقود الأخيرة من القرن الرابع الهجري، وخاصة بعد غيبة الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر عليه السلام. فقد كان الفكر الشيعي يقوم على (مدرسة الحديث)، وهذه المدرسة تعتمد على ما جاء من أحاديث عن أئمة آل البيت عليهم السلام.

عند ظهور الفقيه الشيخ محمد بن محمد بن النعمان البغدادي الملقب بإبن المعلّم والمعروف بالشيخ (المفيد)(1)في أواخر القرن الرابع الهجري، والذي إنتقد منهج أهل الحديث السطحي وتمكن من تنحية مدرسة الحديث عن السلطة العلمية، وكان


1) هو محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام بن جابر بن النعمان بن سعيد بن جبير، ويرجع نسبه إلى زيد بن كهلان بن سبأ بن يخشب بن يعرب بن قحطان. كان يكنى بأبي عبد الله المعروف بإبن المعلم، إنتهت إليه رئاسة الإمامية في وقته وكان مقدماً في العلم ، فقيها ، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، له قريب من مائتي مصنف كبير وصغير . ولد سنة 338ه وتوفي سنة 413 ه، ومن أشهر كتبه (الإرشاد).

نجاحه هذا وتأسيس مدرسته الجديدة هو نقده لبعض المحدثين الذين كانت لهم آراء غير مقبولة، من خلال قولهم في الأئمة وينسبون إليهم أمور غير طبيعية أوصلتهم إلى الغلو. تمكن الشيخ المفيد أن يثبت أركان مدرسته الجديدة التي يتقدمها هو والسيد الشريف المرتضى والشيخ الطوسي، حيث قام ومن أيده بإسناد فقه المتكلمين إلى القواعد الأصولية، حيث يقوم على أساس الأحاديث الثابتة الصدور عن الأئمة. أمّا الأخبار المشكوك في صدورها فلا يعتمد عليها في الإستنباط. ولم يوافقوا على أخبار الآحاد في نقل الحديث.

فقد قال الشريف المرتضى(1)بعدم الأخذ بها مطلقاً، لأن الحديث يحتاج إلى إثبات صدوره ببينة. وآخرون ذهبوا إلى إعتماد خبر الواحد في شروط معينة منها أن يكون الخبر محفوف بالقرائن التي تثبت صحته.

وعندما جاء الشيخ الطوسي تمكن من تأسيس مدرسته الخاصة التي هيمنت على الساحة العلمية بعد أن أصدر تأليفه في مختلف صنوف العلم. فقد تمكن من الجمع بين مدرسة الحديث ومدرسة المتكلمين ففي الوقت الذي إعتمد فيه على القواعد العقلية في الإستنباط ، أعطى للحديث دوره فتمكن من تصحيح الكثير من روايات الآحاد وإعتبر السند المعتبر مصححاً للحديث.

سادت مدرسة الشيخ الطوسي حتى بعد وفاته إلى أن جاء العلامة (ابن إدريس) الذي وجّه مجموعة من الإنتقادات والإعتراضات للكثير من المسائل التي طرحها الشيخ الطوسي (وهو جده لأمه) التي وردت في كتبه، فقد فتح ابن إدريس باب النقد والتحقيق والخروج من حالة التقليد.


1) الشريف المرتضى علم الهدى هو الشريف الطاهر علي بن أبي أحمد الحسين بن موسى الأبرش بن محمد الأعرج بن موسى أبو سبحة بن السيد إبراهيم المرتضى (الأصغر) بن الإمام موسى الكاظم(علیه السلام). كان يكنى بأبي القاسم وبأبي (الثمانين). وهو أخو الشريف الرضي، ولد سنة 353ه وهو أكبر من الشريف الرضي بست سنوات كانت له مكتبة تضم نحو 80 ألف مجلد وله من الضياع (80) ضيعة ولذلك سمي بأبي الثمانين. تولى نقابة نقباء العراق، وإمارة الحج وديوان المظالم كأبيه وأخيه. وله مرتبة كبيرة بين العلماء في زمانه، وكان فقيهاً محدثاً بارعاً في علم الكلام ومتوقد الذكاء. توفي سنة 412 ه ودفن في داره في مقابر قريش ،(الكاظمية)، وبعدها نُقل جثمانه إلى كربلاء فقد دفن في حرم الحسين بجوار قبر والده وأخيه.

وإبن إدريس(1)هو الذي عمل على فتح باب الإجتهاد) من جديد، لأن روح الإجتهاد كاد يُقضى عليه، لأن الفقهاء بعد الطوسي كاد أيضاً أن يتلاشى منهم روح الإستنباط والإجتهاد والتفريع، نتيجة تأثرهم بالشيخ الطوسي ومدرسته.

فأخذ الفقه الشيعي يتقدم خطوات حتى جاءت مدرسة العلامة والمحقق الحلي(2)لترسي قواعد الفقه الشيعي وتثبيت أركانه، كما أضافت مدرسة الشهيدين الأول والثاني فروع ومنهجية جديدة للفقه.

أدى قيام الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري إلى تدخل الملوك الصفويين في شؤون الدين والشريعة من خلال تقريبهم لبعض العلماء لأسباب سلطوية وسياسية، وقد إحتضنوا المحقق (الكركي)(3)الذي سعى إلى تطوير نظرية (النيابة العامة للفقهاء) إلى نظرية سياسية ليفتح الباب أمام فقهاء الشيعة لمنح الملوك الصفويين ومن ثم القاجاريين في إيران إجازة شرعية والحكم بالوكالة عن (نائب الإمام المهدي - الفقيه العادل).


1) ابن إدريس ... هو العلامة فخر الدين أحمد بن إدريس الحلّي العجلي كان أصولياً بحثاً ومجتهداً صرفاً. فهو الذي أحيا الإجتهاد، وقد تلقى سهام النقد من فقهاء عصره فلم يثنه ذلك، منهم (سديد الدين الحمصي) الذي قال عن ابن إدريس لا يعتمد على تصنيفه) كما عبّروا عنه (بالشاب المترف). توفي ابن إدريس في 18 شوّال سنة 598ه /1202م ، وقبره مشهور معروف في مدينة الحلة جنوبي حديقة الجبل. ومن مصنفات ابن إدريس كتاب السرائر) في الفقه)، وكتاب (التعليقات).

2) هو نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد، كان عالماً بالفقه وأصول الفقه، وقد بلغ فيهما مبلغاً لم يدانه فيهما أحد في عصره، وقال عنه العلامة الشيخ يوسف البحراني: «كان محقق الفضلاء ومدقق العلماء حاله في الفضل والنبالة والعلم والفقه والجلالة والفصاحة والشعر والأدب والإنشاء أشهر من أن يذكر، وأظهر من أن يُسطر». جاء في تاريخ الحلة ج2 ص22: «أنه ولد سنة 602 ه وتوفي سنة 676 ه، وقد أختلف في تاريخ ولادته ومماته» له عدة مؤلفات وأهمها وأشهرها هو كتاب شرائع الإسلام، وهو عمدة كتب الشيعة في الفقه.

3) هو الشيخ علي بن عبد العالي الكركي (نسبة إلى قرية كرك نوح في سهل البقاع في لبنان). المولود سنة 870 ه / 1465م. هاجر إلى العراق سنة 909ه/1503م ودرس في النجف ومنها إرتحل إلى إيران سنة 916ه / 1510م وقرّبه الشاه إسماعيل الصفوي، وكان الكركي يُعدّ واضع الخطوط العامة لبناء مؤسسة دينية شيعية في الدولة الصفوية.

ونتج عن ذلك حدوث إنشقاق عميق وعنيف في المجتمع الشيعي الإمامي الإثني عشري، وهو ما عرف بالصراع الأصولي - الإخباري، الذي إمتد إلى عدة قرون.

كان الصراع الأصولي الإخباري يتعلق في موضوع الهوية العقائدية، وكان في حقيقته صراعاً بين المحافظين والمجددين، أي بين الخط الإمامي المتمسك بنظرية (الإنتظار) تحديداً، وبين التيار الشيعي المتحرر من شروط الإمامة المتصلبة كالعصمة والنص، والمتحرر من نظرية (الإنتظار).

كان الفكر الإمامي يحصر مهمة الإمامة في (الأئمة المعصومين) ولا يجيز لأي شخص غيرهم أن يقوم بشيء من مهام الإمامة، وعليه فقد كان من الطبيعي أن يؤدي الفكر الإمامي إلى حتمية إفتراض وجود الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) وهو المنتظر، وتحريم العمل السياسي في (عصر الغيبة).

وعندما قام الشيخ المفيد والشريف المرتضى والشيخ الطوسي في القرن الخامس الهجري بفتح باب الإجتهاد في (عصر الغيبة) إعتبر الإخباريون أو (الإماميون القدماء) اللجوء إلى الإجتهاد خروجاً عن الخط الإمامي كونه يهدم ركناً أساسياً من أركان نظرية الإمامة التي تشترط العلم الإلهي في أحكام الدين، وتحصر عملية التشريع والإفتاء.

في مطلع القرن الحادي عشر الهجري ظهرت حركة جديدة على مسرح الفقه الشيعي قادها أحد العلماء وهو العلامة المولى محمد أمين الإستربادي (1)الذي تمكن


1) محمد أمين الأستربادي ... من اعلام القرن الحادي عشر الهجري، فقيه إخباري عرف بالذكاء والتقى. كان فاضلا ومحققاً ومدققاً ماهراً في الأصوليين، والحديث إخبارياً صلباً كما قال عنه العلامة الشيخ يوسف البحراني في (اللؤلؤة). وكان مشهوراً بذكائه وفطنته، واعياً كثير المطالعة، تمكن من تأسيس مدرسته الإخبارية وجلب لها الأتباع حيث آمن بأفكاره الكثير من العلماء وطلاب العلم ومن خلالهم الكثير من العامة. ومن أشهر كتبه (الفوائد المدنية) حيث ناقش فيه المتكلمين والفلاسفة والحكماء والفقهاء، وينسب إلى نفسه فيه بأنه وصل إلى أمور لم يسبقه إليها أحد. وعندما كان في النجف أجازه الشيخ حسن بن الشهيد الثاني (صاحب المعالم)، وكذلك العلامة السيد محمد (صاحب المدارك). وجاء في روضات الجنات للخونساري إنه توفي في المدينة المنورة سنة 1032ه/1623م.

من تغيير مسار الفكر الشيعي على نحو مغاير لما كان متعارفاً لدى (الإمامية) الذين يطلق عليهم الأصوليون والذين يعتمدون على (الإجتهاد).

والأصوليون هم فقهاء الإمامية الذين يعترفون بدور (العقل) في (الإجتهاد) وإدراك بعض الأحكام، حيث إنهم رفضوا خصوص القياس) بالمعنى القديم، أي إعمال الرأي، ويقول فقهاء الشيعة الأصوليين بأن رفضهم للقياس والعمل بالرأي لم يأتِ من تعصب أولأنه من أهل السنّة، وإنما كان رفضهم للقياس جاء من الدليل العلمي.

ويقول الأصوليون بأن (العقل) يلعب دوراً مهماً في مجال الفقه، فإن تبيان معالم العقل يُمَكِّن الفقه الإسلامي من مواكبة العصر دون الحاجة إلى إعمال القياس أو الرأي، ولبطلتْ كل التيارات والمذاهب السطحية والجامدة المبنية على أمور قشرية في الإستدلال.

فيعتمد الأصوليون على تطوير طرق الإستدلال التي أظهرت الإجتهاد الحقيقي الذي توضحت معالمه بما يتناسب مع العصر دون الخروج عن تعاليم الشريعة وأهل البيت عليهم السلام. وقبول الأصوليين لدور العقل في الفقه لكونهم يعدون (العقل) من مصادر التشريع التي إتفقوا على إنها أربعة وهي: الكتاب والسنة والإجماع والعقل)، وإن الأصوليين من فقهاء الشيعة يقسمون (الخبر) إلى أربعة أقسام وهي: (الصحيح والحسن والموثّق والضعيف).

قاد العلامة المولى محمد أمين الإستربادي حركته الجديدة التي سميت بـ (الإخبارية) وتمكن أن يقف ضد التيار الأصولي، حيث أن حركته تدعو إلى التعبّد والتسليم بالأخبار والأحاديث الواردة، وإنكار كل قيمة إعتبارية للعقل. وأنكر الإجتهاد بمعناه الجديد المقبول عند الشيعة حيث يقول الإستربادي إن الإجتهاد بدعة في الدين ولا يجوز لأحد أن يقلّد غير المعصوم وغيرها من الأمور.

الصراع الفقهي بين الأصوليين والإخباريين الذي شغل الآفاق كان مركزه مدينة كربلاء، حيث استمر هذا الصراع لسنوات طوال، وبسببه ظهرت حركات جديدة منها الشيخية التي أسست الكشفية، وهذه الأخيرة التي تسببت بظهور البابية

عن قصد أو غير قصد كما سنأتي على ذكره في محلّه... ومن مساوئ البابية هي ظهور البهائية التي خرجت عن الإسلام برمته وأصبحت ديانة خاصة.

والإخبارية هي حركة أو فرقة من فرق الشيعة الإمامية الإثني عشرية، ويزعم العلامة المولى محمد أمين الإستربادي بأن جذور الحركة الإخبارية وإتجاهاتها كانت السائدة بين فقهاء الإمامية إلى عصر الكليني والصدوق، ولم يتزعزع هذا الإتجاه اً في أواخر القرن الرابع الهجري وبعده حين بدأ جماعة من علماء الإمامية ينحرفون عن الخط الإخباري، ويعتمدون على العقل في إستنباطهم ويربطون البحث الفقهي بعلم الأصول تأثراً بالطريقة السنيّة في الإستنباط، ثم أخذ هذا الإنحراف بالتوسع والإنتشار.

لكن الكثير من الفقهاء لايؤيدون المولى الإستربادي فيما ذهب إليه، رغم أن للعلامة الحلّي رحمه الله كلام على سبق الإتجاه الإخباري تاريخياً.

ونختصر الفكر الإخباري بما يلي:

الإخبارية القديمة تعبّر عن مستوى من مستويات الفكر الفقهي لا عن مذهب من مذاهبه. وتقتصر تعاليمهم على القرآن والخبر ولذلك عرفوا بالإخبارية.

ويقول الإخبارية أن القرآن لا يفهمه إلا من خوطب به وهم النبي(صلی الله علیه و آله وسلم) وآله وأهل بيته(علیه السلام) ، فلا يمكن الإعتماد على الكتاب من دون مراجعة الروايات وما ورد عنهم عليهم السلام، فهم وحدهم القادرون على تفسيره وتأويله.

كما رفضت الحركة الإخبارية البحث في الأسانيد والمتون. بل قالت لم تعد هناك حاجة إلى علم الرجال ولا علم الأصول. فيقولون بعدم الحاجة إلى تعلم أصول الفقه، لأنهم لا يقبلون دليل (الإجماع) لإعتباره بدعة جاء بها أهل السنة، فلا يسلم عندهم من مصادر التشريع الأربعة وهي الكتاب والسنة والعقل والإجماع إلاّ الكتاب، والسنة وهي: الروايات والأخبار الواردة عن النبي(صلی الله علیه و آله وسلم) وأهل بيته عليهم السلام.

وينكرون (قيمة العقل)، بدليل أنه لا يمكن الإستدلال والإحتجاج به في الأمور الحسيّة أو القريبة من الحس كالرياضيات. وعلى ذلك فإنهم رفضوا (الإجتهاد)، بحيث إن المولى الإستربادي أورد بحوثاً كثيرة لإبطال حجية العقل،

وأنكر الإجتهاد حتى بمعناه الجديد المقبول عند الشيعة وقال إنه بدعة في الدين وهو أول من فتح باب الطعن على المجتهدين كما ذكر في كتابه (الفوائد المدنية) الكثير من التشنيع والإنتقاد على المجتهدين. بل ربما نسبهم إلى تخريب الدين. وقال بأنه لا يجوز لأحد أن يُقلّد غير المعصوم.

وبذلك فإن الحركة الإخبارية ترفض بشدة تقسيم الأمة إلى مجتهدين ومقلدين، وكانت ترفض الإعتراف بأية ولاية (للفقهاء) وتعتبرهم منحرفين عن خط أخبار أهل البيت(علیه السلام).

يعتمد الإخباريون على جميع الأخبار الواردة في الكتب الأربعة التالية والمعتبرة عند الشيعة الإمامية على إنها قطعية السند وموثوق بها ، ولا حاجة للبحث عن سندها، ويعتقدون بل يجزمون أن جميع ما فيها من الأخبار صحيح وهي:

1 - كتاب الكافي - لمؤلفه محمد بن يعقوب الكليني، المتوفى سنة 329ه/ 941م. الذي يروي (16199) حديثاً مسنداً ومرسلاً، جمعه في (20) عاماً.

2 - كتاب من لا يحضره الفقيه - للشيخ الصدوق وهو محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفى سنة 381ه / 991م . ويحتوي على (3913) حديثاً مسنداً ومرسلاً.

3 - كتاب التهذيب - لمؤلفه شيخ الفقهاء أبي جعفر محمد بن حسن الطوسي المتوفى سنة 460ه / 1068م.

4 - كتاب الإستبصار - وهو أيضاً للشيخ الطوسي. وقد جمع في الكتابين التهذيب والإستبصار (5511) حديثاً مسند ومرسل.

وهنا فإن الإخباريين يختلفون عن الأصوليين في هذا الإتجاه، حيث يقول الأصوليون بأنهم يعتقدون بالكتب الأربعة هذه، إلا أنهم لا يعتقدون بالسند القطعي الذي جاءت بها الأحاديث في الكتب الأربعة، كما يقولون حول السند القطعي للأحاديث بأن فيها (الصحيح والحسن والموثق والضعيف). بينما السند القطعي عند الإخباريين للأحاديث إمّا (صحيح أو ضعيف).

ويقول الإخباريون بجواز تقليد الميت حيث يؤكدون على ان الرعية كلها مقلدة للإمام المعصوم ولا يجوز الرجوع إلى المجتهد بغير حديث صحيح وصريح.

كما أنهم لا يرون أي قيمة (للتواتر) وذلك لعدم وروده في أي رواية أو نص شرعي. فقد تعبدوا بكل شيء ورد في الروايات.

هذه أهم معتقدات الإخباريين العقائدية والتي إختلفوا فيها مع الأصوليين، ومنها نشأ الصراع الفكري داخل الشيعة الإمامية الذي إستوجب أن يهيئ كل طرف وسائله الخاصة للدفاع عن فكره، عندها تصلّب الأصوليون في موقفهم ضد الإخباريين، وأخذ العديد من العلماء يقفون بوجه المد الإخباري الذي أخذ يستقطب فئات كثيرة من العلماء وطلاب العلم ومن العامة لإعتقادهم بأن عقائد الإخباريين أدّت إلى الإستهانة بالعقل والإستدلالات العقلية وحرمت التفكير في القرآن.

وإن الحركة الإخبارية جعلت الحديث مقياساً للقرآن بدلاً من أن تجعل القرآن مقياساً للحديث، وما إستهدافهم لحجية ظواهر القرآن والطعن فيها إلا بدعوى حماية الحديث والتمسك به.

كما ان الأصوليين وجهوا نقدهم إلى الإخباريين ونعتوهم بتقسيم الإمامية إلى فرقتين، مما سوّغ للبعض أن يصف الإمامية بالإنقسام حيث قال عن الإمامية متصيداً بالماء العكر: «... ثم لما إختلفت الروايات عن أئمتهم وتمادى الزمان إختارت كل فرقة طريقة، وصارت الإمامية بعضها (معتزلة) إما وعيدية أو تفضيلية، و (إخبارية) أما مشبهة وأما سلفية ...».

رغم إن الحركة الإخبارية ظهرت في الربع الأول من القرن الحادي عشر، وإستمر السجال بينها وبين الأصوليين، إلا إن إنتشار أفكار هذه الحركة كان على أشدّه في القرن الثاني عشر الهجري، وكانت كربلاء هي الحاضنة لهذه الحركة، وفيها كانت المساجلات الفقهية وخاصة عندما كان يتصدر الحركة الإخبارية في كربلاء العالم الكبير الشيخ (يوسف البحراني)(1)المتوفى سنة 1186ه / 1772م، ومن


1) هو العالم الفاضل والمحدّث الكبير والمحقق الشيخ يوسف بن العلامة الحجة الشيخ أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صالح بن أحمد بن عصفور بن أحمد بن عبد الحسين بن عطية بن شيبة الدرازي البحراني. ولد في البحرين سنة 1107ه / 1695م ، إرتحل من البحرين إلى (كرمان) ومنها إلى (شيراز)، ومن ثم إلى العراق ليجاور العتبات المقدسة، إستقر به المقام في كربلاء، وبرز فيها عالما، وإتخذ من الجانب الشرقي للصحن الحسيني مكاناً يعقد فيه مجلسه (للتدريس). وإلتف حوله الكثير من طلاب العلم الذين برز منهم فيما بعد علماء يشار إليهم بالبنان كان عالماً فاضلاً متبحراً ومحققاً فذا، تزعم الحركة الإخبارية التي كانت أفكارها منتشرة بشكل كبير في زمانه، فعُدَّ من أكابر مشايخ الإخبارية. وهو الذي قاد الصراع الفكري وتناظر مع العلامة الأغا محمد باقر المعروف بـ (الوحيد) البهبهاني، فإن الشيخ البحراني هو صاحب الفضل الأكبر في إنتشار تعاليم الإخبارية في كربلاء ومنها إلى بقية المناطق، حتى أصبح في زمانه معظم سكان مدينة كربلاء يتبعون الإخباريين وللشيخ يوسف مصنفات كثيرة تقارب إل - (45) مؤلفاً كان أبرزها (الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة)، وبهذا الكتاب إشتهر الشيخ البحراني بلقب (صاحب الحدائق). ومن كتبه الشهيرة أيضاً (لؤلؤة البحرين في الإجازة) وكتاب الدرر النجفية والكشكول وغيرها. توفي وهو في الثمانين في يوم السبت الرابع من ربيع الأول سنة 1186ه / 1772م ودفن في الرواق الشرقي داخل الحرم الحسيني بالقرب من الباب المؤدية إلى ضريح الشهداء، وقد دفن بجنبه بعد عشرين سنة الأغا محمد باقر البهبهاني كبير علماء الأصوليين الذي كان الند والخصم الكبير له إثناء الصراع الفكري بينهما. وللشيخ يوسف البحراني أعقاب في كربلاء يعرفون بـ (آل عصفور) لازالوا فيها. وقد برز ابن أخ الشيخ يوسف وهو العلامة الشيخ حسين بن محمد بن أحمد بن إبراهيم البحراني المتوفى في ليلة الأحد 21 شوال سنة 1216ه / 1801م قبل غزوة الوهابيين لكربلاء بشهرين والذي كانت له مؤلفات منها (باهرة العقول في نسب الرسول).

علماء الإخباريين الذين جاءوا إلى كربلاء من إيران أمثال: الملا إسماعيل الخواجوئي الإصفهاني، والشيخ رفيع الكيلاني، وآقا محمد بيد آبادي.

كان العلامة السيد محمد باقر البهبهاني(1)على رأس المتصدين للحركة الإخبارية من الأصوليين الذي إرتحل من إيران إلى كربلاء ليتصدى فيها للحركة الإخبارية، حيث أفتى حينها بكفرهم، وتمكن من تحقيق النصر للمدرسة الأصولية التي استمرت في تلاميذه.

عندما تأسست الدولة القاجارية في إيران مطلع القرن الثالث عشر الهجري، وتحديداً في زمن الشاه فتح علي القاجاري، فقد تأرجحت الدولة الإيرانية (الشيعية)


1) هو محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني، المولود في بهبهان بإيران سنة 1118ه / 1706م، إنتقل إلى كربلاء عند إستفحال أمر الإخباريين فيها، وإنتهت إليه الزعامة الدينية ورئاسة المذهب الإمامي، وهو الذي تصدى للإخباريين وكان الند القوي للشيخ يوسف البحراني، وتتلمذ على يديه العديد من العلماء الكبار أمثال النراقي وأبو القاسم القمي والسيد محسن الأعرجي والميرزا محمد مهدي الشهرستاني والسيد مهدي بحر العلوم والعلامة الكبير الشيخ جعفر (كاشف الغطاء) وغيرهم. كان كثير التعبد ومواظباً على زيارة الإمام الحسين(علیه السلام) ، ويقال أنه في أواخر أيامه كان يُغشى عليه ويسقط على أرض مدخل الروضة كلما دخل لزيارة الحسين. توفي سنة 1208ه / 1793م بعد الشيخ يوسف البحراني بعشرين سنة تقريباً، ودفن في الرواق الشرقي من الحرم الحسيني الشريف بالقرب من الباب القريبة من ضريح الشهداء، وكان على قبره صندوق خشبي مزخرف. ومن غرائب الصدف أن يكون قبره مجاوراً لقبر الشيخ يوسف البحراني فقد إختلفا في الحياة وتشاركا سوية في موضع القبر.

بين علماء المدرسة الأصولية التي كانت حينها بزعامة العلامة الكبير الشيخ (جعفر كاشف الغطاء)(1)في النجف، والسيد (محمد المجاهد)(2)في كربلاء. وبين علماء المدرسة الإخبارية بزعامة الميرزا جمال الدين محمد الإخباري(3)

رغم ذلك كله فإن الروابط بين الشاه والإخباريين لم تنقطع، فقد أقام الشاه علاقة ورابطة أخرى الشيخ أحمد الإحسائي الذي إستدعاه إلى طهران، وكتب له رسالة يشير فيها إلى أنه يعتقد بوجوب طاعة الشيخ الإحسائي وحرمة مخالفته ويعتذر من إستدعائه، ومن حسن حظ الأصوليين أن الشيخ أحمد الإحسائي لم يوافق على الإقامة في طهران داعماً للشاه، رغم إن الشاه ظل يدعم الشيخ الإحسائي ويمده بالأموال محاولاً تقوية شعبيته. وعندما سقطت أفكار الشيخ الإحسائي في كربلاء وغيرها من المدن التي كان له أتباع فيها نتيجة تكفير العلماء الأصوليين له، كان على الشاه القاجاري فتح علي أن يبحث عن غطاء شرعي لدولته الجديدة في ظل التحريم الذي تقول به نظرية (التقية والإنتظار)، لذا كان يعلن الإخلاص والمحبة لمرجع ذلك الزمان في كربلاء الذي أعقب الشيخ جعفر كاشف الغطاء في المرجعية وهو السيد محمد المجاهد بن صاحب الرياض السيد علي الطباطبائي، وكان الشاه يدّعي الطاعة له في جميع الأمور.

وعندما أعلن السيد محمد الجهاد ضد الروس بعد إحتلالهم لأجزاء من آذربيجان، سمي بالمجاهد على هذا الأساس وقاد الحرب بنفسه، عندها وجد الشاه نفسه مجبراً على مسايرة المرجع الديني، وعندما إنهزم الجيش الإيراني ألقى الشاه اللوم عليه، بل وإنقلب عليه، ومات في الطريق عند عودته. وهنا يلاحظ القارئ الكريم علاقة السلطة بالدين وتأثير السياسة على مجريات الأحداث، وما كانت الصراعات العقائدية إلا من قبل الحكومات التي لا يهمها شيء سوى البقاء في الحكم والسلطة.

.

1) هو شيخ الطائفة الإمامية الأصولية الشيخ جعفر العلي المالكي الجناجي الملقب ب- (كاشف الغطاء)، وهذا اللقب إشتهر به عند تأليفه كتابه (كشف الغطاء عن معايب ميرزا محمد عدو العلماء) والميرزا محمد هو شيخ الإخباريين وقتها، وقد أهدى الكتاب إلى الشاه فتح علي القاجاري، وأجاز له أن يحكم بالوكالة عنه بإعتباره نائبا عن الإمام المهدي عليه السلام.

2) هو العلامة السيد محمد المجاهد بن العلامة (صاحب (الرياض) السيد علي الطباطبائي، كان أحد أكابر علماء عصره في كربلاء. ولد سنة 1180 ه- وتوفى سنة 1242ه.

3) الميرزا جمال الدين محمد الإخباري كان قد إستغل ضعف الشاه فتح علي في صراعه مع الروس الذين إجتاحوا شمال إيران في أيامه، فتعهد الميرزا محمد الإخباري للشاه بأن يأتي له برأس قائد الجيوش الروسية (سيسيانيف) خلال أربعين يوماً، بصورة غيبية، بشرط أن يعلن الشاه المذهب الإخباري مذهباً رسمياً للدولة القاجارية ويلغي المذهب الأصولي، فوافق الشاه حينها، ووفي الميرزا محمد بوعده فدخل على الشاه ذات يوم وهو يحمل رأس القائد الروسي... أما كيف قتل القائد الروسي فكان على يد حاكم لنكران الذي كان من أتباع الميرزا محمد الإخباري وبمؤامرة منه فقد دعاه لوليمة وعندما خلا به قتله وقطع رأسه وسلمه للميرزا الذي جاء به إلى الشاه... ولكن الشاه القاجاري خاف على ملكه وشعر أنه من الصعب تغيير مذهب الناس في بدء حكم القاجاريين، فأعطاه أموالاً وسفّره إلى العراق. والوعد الذي أعطاه الشاه إلى ميرزا محمد بمناصرة مذهبه، هو الذي دفع الشيخ جعفر كاشف الغطاء بالإسراع في تأليف كتابه (كشف الغطاء ...) وأهداه إلى الشاه.

المتوفى سنة 1232ه / 1817م، والشيخ أحمد زين الدين الإحسائي(1)مؤسس الشيخية المتوفى سنة 1241ه / 1825م.

وبنظرة سريعة على فكر الحركة الإخبارية، ورفضهم لمصادر التشريع الأربعة، نجدهم هنا يشابهون عقائد المذهب الحنبلي وهو من المذاهب الأربعة لأهل السنّة الذي يُعرف بأنه متشدد في فقهه بإعتماده على الكتاب والسنة فقط.

ومما نُقل عن الإخباريين في أيام صراعهم مع الأصوليين، فقد وصل بهم الأمر إلى درجة أن بعضهم يمسك الكتب الأصولية بمنديل، لكي لا تتوسخ أيديهم منها، أو بالأحرى حتى لا تتنجس أيديهم!!

وكان رجال الدين الإخباريون يميّزون أنفسهم عن غيرهم بـ (الحنك)، أي إرسال حنك عمامة الرأس من جهة الكتف الأيمن وإمرارها من تحت اللحية، ورميها على الكتف الأيسر، ليس في حال الصلاة فقط بل في كل الأحوال.

رغم أن مدينة النجف تعتبر المدينة التي تأسس الفكر الإخباري فيها على يد المولى محمد أمين الإستربادي، فإن مدينة كربلاء هي التي إحتضنت هذه الحركة وإنتشرت أفكار الإخبارية فيها، خاصة في أيام العلامة الشيخ يوسف البحراني، و كادت هذه الحركة أن تنهي العقيدة الأصولية التقليدية التي كانت قد نشأت منذ قرون عديدة، ولكن العقيدة الأصولية تمكنت من إستعادة مكانتها العلمية والفكرية في كربلاء بعد أن تمكن الأصوليون من دحض الفكر الإخباري.

فعادت مدينة كربلاء مركزاً رئيسياً للشيعة الإمامية الأصولية وقتئذ، ورغم ذلك كلّه لم تنته الحركة الإخبارية، فقد بقي لها أنصار ومريدون في كربلاء وغيرها من المدن والبلدان وخاصة في الإحساء والبحرين وإيران.


1) الشيخ أحمد زين الدين الإحسائي كان في البداية من الإخباريين، ومن ثم أسس الطريقة الشيخية على إسمه ، ومنها تأسست الكشفية) على يد تلميذه السيد كاظم الرشتي. وسيتم الحديث مفصلاً بعد قليل عن الشيخ أحمد الإحسائي وترجمته عند الحديث عن الصراع بين الأصوليين من جهة وبين (الشيخية والكشفية) من جهة أخرى.

غارة علي بك الكتخدا على عنزه و ه وقشعم قرب كربلاء

في زمن ولاية الوالي سليمان باشا لبغداد حدث تمرد جديد للعشائر القريبة من مدينة كربلاء، فإضطرت الحكومة لمحاربتها ، وكانت كربلاء في بعض الأحيان مسرحاً لمرور الجيش منها إلى المناطق المحيطة بها، وعندما تحدث مثل تلك الوقائع فيكون تأثيرها بالغاً على المدينة التي لم تشهد الإستقرار في تلك الفترة، فكانت ضعيفة التحصين ويهددها الخطر الوهابي من ناحية البادية الذي إستفحل في ذلك الوقت.

في سنة 1214ه / 1799م حدثت في بادية كربلاء غارة قادها (الكتخدا) علي بك في زمن ولاية سليمان باشا الكبير والي بغداد. ذكر في مختصر مطالع السعود عن تلك الغارة ما نصه:

«... حيث غزا الكتخدا علي بك آل قشعم والدليم، فأغار أولاً على آل قشعم(1)فلم يظفر بهم لإنهزامهم، فلما إنهزموا جد في طلبهم حتى وصل إلى شفاثى(2)، ثم عطف على الدليم فغنم من أغنامهم، وعاد إلى الفلوجة فراسل آل قشعم ثم الدليم وأمن كلاً منهم فرجعوا إلى ديارهم وعاد هو إلى بغداد»(3).


1) كانت إمارة آل قشعم مستمرة في السيطرة على مناطقها، وكثيراً ما دخلت مع عسكر حكومة المماليك بمعارك عديدة، وقد بقي نفوذها في مناطق الفرات الأوسط وغرب كربلاء إلى منتصف القرن الثالث عشر الهجري (الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي).

2) شفائي ... المقصود بها (عين التمر الحالية)، ومن الناحية التاريخية أن شفاثا كانت جزءاً من عين التمر، وفي الوقت الحالي يذكر العامة على حد سواء شفانا أو عين التمر كمنطقة واحدة وهي الآن مركز قضاء عين التمر.

3) مختصر مطالع السعود/ص71.

كان سبب هذه الغارة على ما ذكرته الروايات هو أن قبيلة (عُنِزَة) أغارت على عشائر الدليم، ولما غنم العنزيون منهم ومن غيرهم من عرب العراق، أمر الوالي سليمان باشا شيخ العنزيين فاضلاً أن يؤدي ما غنمته قبيلته من أموال إلى الدليم وغيرهم، فلما أراد فاضل الأداء عنهم لم يطيعوه.

فخرج عليهم الكتخدا علي بك بعسكر وأحاط بهم على غرّة، فإلتجأ العنزيون بآل قشعم ومن معهم من عرب العراق، وعند إلتجاءهم للقشعميين لم يعطوا الكتخدا الثلاثة آلاف بعير والخمسين فرساً التي طلبها منهم ، لذلك قرر الإغارة وحصل على ما يريد.

وعن ذات الموضوع وفي سنة 1214ه- بدأت عشائر (عنزة) بالتعرض للعشائر العراقية والقرى والقصبات. فكانت البادية غرب كربلاء هي (ديرة) قبيلة عنزة، فتقدمت هذه القبيلة من نواحي كربلاء ووصلت إلى (الطهازية)(1)التابعة لمدينة الحلة.

جاء في كتاب دوحة الوزراء عن تلك الوقائع في حوادث سنة 1214ه ما يلي:

أرسل الوالي سليمان باشا صهره علي باشا على رأس حملة ضد (عنزة) ولكن شيخ عنزة حينها المدعو (فاضل) قدم إلى بغداد وقابل الوالي وأعتبر ضيفاً وأكرم مثواه وأستقبل بالترحاب، وتم الإيعاز إليه بالكف عن العصيان وأعطيت له مهلة عشرة أيام لرد ما نهبته عشيرته فتعهد بذلك وعاد إلى مقره، وعندما لم يف شيخ عنزة بعهده للوالي أصدر الوالي أمره للكتخدا علي باشا بالسفر حالاً لإخضاع العشيرة المذكورة، وراح علي باشا يطوي الطريق إلى أن وصل جسر الهندية ليلاً، وعندما علمت عنزة بالأمر أرادت الرجوع والعبور من جسر الهندية فلم يتيسر لها، وعندئذ لجأت إلى عشائر القشعم والأسلم والرفيع تستنجد بهم، فقررت هذه العشائر حماية عنزة على


1) الطهمازية... من نواحي الحلة وتقع في جنوبها الغربي، وسميت بالطهمازية على إسم الشاه طهماسب الصفوي الذي أراد أن يحفر نهراً من الفرات لتصل مياهه إلى النجف، وقد جلب العمال والفعلة المختصين بحفر الأنهر ، وأنزلهم في تلك المنطقة التي كانت تتمركز فيها عشيرة خفاجة. وأنشأ هؤلاء العمال وهم ألفان وخمسمائة عامل مع بعض عوائلهم قرية لهم في تلك المنطقة، وعندما فشل مشروع طهماسب فقد بقي عماله هناك وإختلطوا بأفراد العشائر الساكنة في المنطقة وجلّهم من خفاجة، وسميت المنطقة بالطهماسية على إسم الشاه وتحورت إلى (طهمازية).

العادات العربية وخرج شيوخ تلك العشائر وإستقبلوا الجيش ورحبوا بهم وطلبوا من قائد الجيش عدم المساس بأفراد عشيرة عنزة ، وإن لهم الحق في إجارة من يستجير بهم، فقدموا لقائد الجيش ثلاثة آلاف بعير وخمسين فرساً وطلبوا العفو لعشيرة عنزة. فقبل علي باشا بما حصل عليه وعاد إلى بغداد(1).

وأعلنت عشيرة قشعم العصيان على الحكومة فتقدم نحوهم الكتخدا علي باشا ووصل بجيشه إلى المسيب وعبر الفرات من المسيب متجهاً نحو كربلاء حيث علم بأن قشعم عندما علموا بقدومه فقد تفرقوا بإتجاه البادية، وظل علي باشا يطاردهم حتى (شفاثة)(2).

كل تلك الحركات كان لها تأثيرها الكبير على مدينة كربلاء وعلى الوافدين إليها من زوار العتبات المقدسة، فكلما حدثت حركات للعصيان من قبل العشائر حولها، فتوقع تلك الحوادث بظلالها على مدينة كربلاء من جميع النواحي وخاصة الأمنية والإقتصادية.


1) دوحة الوزراء ص 210 وص 211 . وتم النقل بتصرف.

2) المصدر السابق نفسه ص 211

غزوة الوهابيين

كان العراق تحت حكم المماليك وتحديداً في ولاية الوالي (سليمان باشا الكبير)

الذي دام حكمه على بغداد إثنين وعشرين عاماً إبتدأ من سنة 1194ه / 1780م.

في عهد سليمان باشا هذا نجد بأن الحركة الوهابية قد إستفحل أمرها، وتم للوهابيين احتلال الإحساء وبدأوا يهددون العراق... فمن هم الوهابيون، أو ماهي الحركة الوهابية؟...

سميت بالحركة الوهابية ودعي أتباعها ب (الوهابيين) نسبة إلى مؤسسها محمد بن عبد الوهاب.

علماً بأنهم يرغبون أن يسموا أنفسهم ب- (الموحدين) ... وتاريخ محمد بن عبد الوهاب وبداياته وعلاقاته الدينية والمذهبية لها مصادر خاصة يمكن الرجوع إليها. وعلى وجه الاختصار فإنه ولد عام 1111ه / 1699م في قرية (العيينة) النجدية، وكان أبوه قاضي القرية فنشأ نشأة دينية وأتم علومه الدينية في مكة والمدينة والبصرة، وكان يعتقد بأن مبدأ الشفاعة والتوسل بالقبور والراقدين فيها من الأمور التي تنافي عقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام على إعتبار أن الوحدانية الله.

بدأ فكره التجديدي هذا عندما كان يدرس في المدينة، وقد أساءه منظر الناس وهم يستغيثون بقبر النبي(صلی الله علیه و آله وسلم) ويتشفعون به لقضاء حوائجهم، وكذلك ما رآه في البصرة من التشفع والتوسل بالقبور، فقد أشهر إستيائه فيها مما دفع الناس إلى طرده من البصرة، وكان يعتمد في حجّته بالآية الكريمة ... «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ»(1)، وكذلك الآية ... «وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا»(2)وغيرها من الآيات المماثلة...


1) سورة البقرة - الآية 186.

2) سورة الجن - الآية 18.

فإعتبر أن المسلمين قد خالفوا ما جاء بالقرآن كما إعتبر أن الأضرحة وزيارتها كالأوثان وعبادتها، ولم يبال بأن الناس يرجون الأولياء الذين في الأضرحة أن يتشفعوا لهم عند الله ، وكان في نظره أن ذلك هو إستمرار لما كان أهل الجاهلية يفعلونه. بعد ذلك ذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب عام 1143 ه / 1730م إلى (حريملة) من قرى نجد، وآزره أميرها عثمان بن حمد وزوّجه بأخته، وبدأ بن عبد الوهاب بتهديم بعض الأضرحة والأماكن المقدسة في المنطقة.

وبعد فترة إختلف مع أمير حريملة ولجأ إلى قرية (الدرعية) التي كانت تحت حكم أميرها (محمد بن سعود)، وكان ذلك عام 1158ه/ 1745م، وشبّه أتباعه هجرته من حريملة إلى الدرعية بهجرة الرسول من مكة إلى المدينة.

تعاهد الشيخ مع الأمير محمد بن سعود حول نشر دعوته، ثم طوّرها من الدعوة السلمية إلى الحربية، وأعلن الجهاد المقدس بأنه أحد الفروض الدينية... فكان الغزو والقتل والنهب إسلوباً لأعمال الوهابيين، فإلتف حوله البدو بعد كل غزوة يقوم بها للحصول على الغنائم.

إن موضوع الإستنكار لعقيدة الشفاعة وتكفير أصحابها، هو الحجة التي يستند عليها الوهابيون لغزو المخالفين بإعتبارهم مشركين !! في عام 1179 ه / 1765م توفي محمد بن سعود وخلفه إبنه عبد العزيز، وتعاون مع بن عبد الوهاب كوالده لنشر دعوته الجديدة بالسيف.

في عام 1205ه / 1790م أخذ الخطر الوهابي يهدد العراق، وبدأت الدعاية الوهابية تنتشر في المدن وبين الأفراد وعلماء الدين وخاصة من أهل السنة الذين إنقسموا إلى قسمين، بحيث إعتقد قسم منهم ان هذه الدعوة تنقية للإسلام وعودة إلى سنّة السلف الصالح ... وقسم آخر وجد فيها إنكاراً لفضل الأولياء وكراماتهم فنبذوا هذه الدعوة.

وفي عام 1211ه / 1796م ورد للعراق خبر إستيلاء الأمير عبد العزيز على الإحساء وهي في التخوم الجنوبية للعراق... كما إحتل القطيف ووصل إلى ساحل الخليج العربي... فتقرّب خطر الوهابيين من العراق.

عندما إحتل عبد العزيز بن محمد آل سعود (الإحساء) التي كانت تابعة لولاية البصرة والتي إحتلها عنوة وقتل العديد من أهلها وألحق بها (القطيف) والعقير (عجيرة) وما جاورهما، فإستأذن شيخ المنتفك (ثويني) من الحكومة العثمانية للخروج وإسترداد الإحساء من الوهابيين فتحرك ومعه جميع عشائر المنتفك ورئيس بني خالد ومحمد العريعر والبراك. ثم تم إغتياله في خيمته في الرابع من محرم سنة 1212ه / 1797م، كانت بين شيوخ العشائر المرافقين له خصومات فيما بينهم، ففشلت الحملة، وعند عودتهم هجم عليهم الوهابيون وأوقعوا فيهم قتلاً وفتكاً ذريعاً، وسميت هذه الوقعة بـ (سبحة) ودفن ثويني في جزيرة العمائر.

وصلت أخبارهم إلى بغداد ، وكان حينها الكتخدا علي باشا صهر الوالي سليمان باشا عائداً من الجوازر (1)فسمع بهذه الواقعة فتأثر كثيراً وعزم على محاربة الوهابيين. فوصل بغداد وأخذ الإذن وبدأ بإكمال إستعداداته.

«وفي شهر رمضان سنة 1212 ه / 1797م سار سعود بن عبد العزيز بن محمد ابن سعود بجميع نواحي نجد وعشائرها وقصد الشمال وأغار على أنحاء المنتفق (سوق الشيوخ) فصبح القرية المعروفة (بأم العباس) وقتل منهم كثيراً ومنهم من فرّ ومنهم من غرق. وكان حمود في البادية فلما بلغه الخبر جد في السير ليدركه فلم يظفر به .

ثم سار سعود بعد أن رجع ووصل إلى أطراف نجد عطف وأغار في سنته على تلك البادية وقصد جهة السماوة وأتاه عيونه وأخبروه بعربان كثيرة مجتمعين في الأبيض (2)الماء المعروف قرب السماوة فوجه الجيوش وأغار عليهم. وكانت تلك العشائر كثيرة منهم شمّر ورئيسهم مطلق بن محمد الجرباء الفارس ومعه عدد من قبائل الظفير وآل بعيج والزقاريط وغيرهم. فحصل بينهم قتال شديد وطراد خيل. ثم حمل عليهم قوم ابن سعود فدهموهم في منازلهم وبيوتهم فقتل عدة رجال من فرسان شمّر والظفير وغيرهم... وقتل ذلك اليوم مطلق بن محمد الجرباء... وقتل من قوم


1) الجوازر ... هي منطقة الجزائر في جنوب العراق، وحاليا تسمى بـ (الجبايش) القريبة من الناصرية.

2) الأبيض... وادي معروف في بادية كربلاء ويبدأ موقعه من جنوب (عين التمر) ويمتد إلى بادية السماوة.

ابن سعود نحو خمسة عشر رجلاً من بني خالد ومنهم براك بن عبد المحسن رئيس بني خالد ومحمد العلي رئيس المهاشير»(1).

كان لوقعة شيخ المنتفق ووقعة سوق الشيوخ ووقعة الأبيض ومقتل مطلق الجرباء تأثيرها على الحكومة فأولت اهتمامها للأمر وعهدت إلى الكتخدا علي باشا بأن يتحرك بجيش كبير في 22 ربيع الثاني سنة 1213ه / 1798م، ووصل البصرة ومنها إلى الزبير فإختار أن يذهب إلى الإحساء قبل (الدرعية) موطن الوهابيين.

لم يتمكن الكتخدا علي باشا من الإحساء لشدة المقاومة وتحصين سورها فإضطر الجيش إلى الإنسحاب، فحشد عبد العزيز آل سعود جيشاً بقيادة إبنه (سعود) (2)لمواجهة جيش علي باشا وحدثت معركة حامية كانت كفة الجيش العثماني هي الراجحة فأيقن الوهابيون أن لا قبل لهم بمواصلة الحرب فطلبوا الصلح برسالة أرسلها سعود إلى قائد الجيش علي باشا (3)وقد قبل القائد الصلح على أربعة شروط وهي: أن لا يتقربوا الإحساء بعد ذلك، وإعادة المدافع التي إستولوا عليها من ثويني، وأن يدفع الوهابيون مصاريف الحملة للعثمانيين، وأن لايتعرضوا للحجاج الذين يقدمون للحجاز من العراق، وأن يكفّوا عن غزو العراق.

قَبِل سعود ببعض الشروط وبعضها ترجع إلى والده ولا يمكنه البت بها مثل مصاريف الحملة والمدافع... وفي الأخير تمت المصالحة، ورجع علي باشا إلى البصرة ومنها إلى بغداد، ودامت حملته أكثر من تسعة أشهر.


1) تاريخ العراق بين إحتلالين / ج 6 ص 125 وص 126 ، عن عنوان المجد في تاريخ نجد ج 1ص112، ومطالع السعود ص 148. ومن ذلك يعني إن المعركة حدثت في أطراف كربلاء عند باديتها.

2) سعود هو والد الملك عبد العزيز مؤسس المملكة العربية السعودية، وأولاده سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله هم ممن توالوا على عرش السعودية لحد الآن.

3) جاء في دوحة الوزراء ص 208 عن الرسالة التي بعثها سعود ما نصه: «من سعود بن عبد العزيز إلى علي، أما بعد ما عرفنا سبب مجيئكم إلى الإحساء وعلى أي منوال جئتم ، أما أهل الإحساء فهم رفاض ملاعين ونحن جعلناهم مسلمين بالسيف وهي قرية الآن وليس داخلة في حكم الروم...». من هذا النص يتبين بأن أهل الإحساء كانوا شيعة وقد سمّاهم بالرفاض أي (رافضة) وأدخلوهم الإسلام بالسيف !!. وأن الروم (أي الأتراك) هم من أهل السنة، وذلك يعني أن الوهابيين كانوا يعتمدون في غزواتهم على النفس الطائفي والمذهبي.

في سنة 1214ه / 1799م هجم الوهابيون على النجف الأشرف فتصدت لهم عشيرة الخزاعل وقتلت منهم نحو ثلثمائة رجل، ولما وصل خبر هذا الهجوم إلى والي بغداد سليمان باشا الكبير فإستاء من تصرف الوهابيين لأنه يتنافر مع شروط الصلح، ففكر في ضربهم.

كتب عبد العزيز آل سعود إلى بغداد محتجاً على حادثة قتل عدد من الوهابيين وهدد بإلغاء الصلح إذا لم تُدفع ديّات القتلى، ولغرض إبقاء المصالحة فقد كلّف والي بغداد أحد (الشاويين) وهو عبد العزيز الشاوي الذي كان ذاهباً إلى الحج، أن يعرج على رئيس الوهابيين عبد العزيز آل سعود للمباحثة بإسم الوالي، ولكن ابن سعود أصر على رأيه وأخيراً طلب أن يسمح لعشائره بالرعي مابين (عانه) و (البصرة) من جهة الشامية، وذلك عوضاً عن ديات القتلى وإلا فإنه سينقض العهد.

عندها أرسل عبد العزيز الشاوي ساعياً إلى الوالي يخبره بالأمر، ويضيف بأن الوهابيين إتجهوا نحو العراق لينتقموا لقتلاهم.

عندئذ أمر الوالي بإرسال (علي باشا) على رأس جيش ليحول دون تعرّض الوهابيين للعراقيين، فإتجه علي باشا نحو (الهندية) ونزل قرب (نهر الشاه) وبقي بالقرب من كربلاء عدة أيام، ثم إرتحل بجيشه نحو (شفاثة) ... ولما وصلوا قرب شفاثة رأوا القوات الوهابية قد حطّت رحالها هناك وإستعدت للقتال، ولكن الوهابيون إنسحبوا من أمام جيش علي باشا قبل التصادم، وعندها قرر علي باشا دخول شفاثة والبقاء فيها لوفرة المياه فيها، ودام مكوث علي باشا في شفاثة قرابة ثلاثة أشهر ثم عاد إلى الحلة وأقام في قرية النبي أيوب(علیه السلام) ، ولما يئس من عودة الوهابيين ك قوة كافية في المكان المذكور بقيادة رئيس الأغوات لتترصد الأخبار وتحافظ على الأمن، وعاد بقية أفراد الحملة إلى بغداد...(1).

هذا التقديم المختصر الغرض منه إعطاء صورة عن حركات الوهابيين وتعمدهم على غزو مناطق ومدن العراق، فطالما كانوا يتطلعون إلى الغزو والنهب والسيطرة على مناطق العشب والكلأ . فكانت أغراضهم متعددة وأهمها العامل


1) راجع دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء الشيخ رسول الكركوكلي/ص207 - 214.

المذهبي ومعاداتهم بشكل كبير لمدن العتبات المقدسة التي لها تأثير كبير لمحبي آل البيت عليهم السلام مثل مدينتي كربلاء والنجف الأشرف لأنها تضم في حناياها المراقد المقدسة للأئمة الأطهار ومراقد أخرى لآل البيت.

في شهر ذي القعدة سنة 1216ه / شباط 1802م إنتشر (الطاعون) في بغداد، وإضطر الوالي الهرم (سليمان باشا الكبير) وحاشيته مغادرتها والهرب من الوباء إلى (الخالص) ومعه عياله، وهناك وصله نبأ من شيخ المنتفك (حمود الثامر) يعلمه ان جيشاً وهابياً قادماً نحو العراق يقوده سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ومعه جموع غفيرة من الفرسان عندها أمر الوالي والمرضه أن يوكل مجابهة الخطر للكهية علي باشا)، وخرج هذا من بغداد وتوقف في منطقة (الدورة) منتظراً لحاق العشائر به، وعندما أوشك بالسفر لمواجهة الخطر وصلته أنباء كارثة كربلاء.

تفاصيل الغارة على كربلاء

في يوم (عيد الغدير) وهو من أهم أعياد الشيعة والموافق 18 ذي الحجة من عام 1216ه- المصادف 22 نیسان 1802م، كان معظم سكان مدينة كربلاء ذاهبين إلى النجف الأشرف لزيارة مرقد الإمام علي(علیه السلام) بمناسبة يوم الغدير، وهو ما إعتاد عليه أهل كربلاء سنوياً، فقد قام (سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود) بقيادة جيش يزيد على الألف (1)محارب وهجم على مدينة كربلاء من ناحية البادية المتاخمة لها.

لمّا علم الباقون من أهل المدينة بتقدم الوهابيين نحو البلدة، شرعوا إلى إغلاق أبواب سور المدينة وكان الجيش الغازي يشتمل على ستمائة هجان وأربعمائة فارس نصبوا الخيام خارج السور وقسّموا قوتهم الغازية إلى ثلاثة أقسام، وقد تمكنوا من فتح أحد أبواب السور بالقوّة وشقوا طريقهم إلى داخلها وقاموا بالتخريب والتدمير والقتل.

كان حاكم كربلاء في ذلك الوقت (عمر آغا) الذي لم يفعل أي شيء لدرء الخطر، مما إتهمه البعض بالتواطئ مع الوهابيين. فالغزاة دخلوا المدينة على حين غرّة


1) راجع كتابنا (كربلاء في أدب الرحلات) / ط 1 بيروت ص 123 ، حيث يذكر الرحالة الهندي أبو طالب خان الذي زار مدينة كربلاء بعد غارة الوهابيين بوقت قصير، وقد تحدث عن هذه الغارة في رحلته، وذكر بأن عدد المهاجمين يقدر بخمسة وعشرين ألف وهابي.

يذبحّون ويقتلون كل من صادفهم من رجل وشيخ وإمرأة وطفل... وأخذت المدينة تموج بالخوف والذعر والفزع ، ولم يَسْلم من القتل حتى الذين حاولوا الفرار من هول الكارثة، وكذلك الذين لاذوا بضريح الإمام الحسين عليه السلام، فقد عمل فيهم السيف، ويقال بأن خمسين شخصاً قتلوا ملاصقين لضريح الحسين(علیه السلام) وخمسمائة آخرين في باحات الصحن الحسيني !!

ودخل الوهابيون إلى الأضرحة المقدسة وبدأوا بتخريبها، ونهب خزائن العتبتين بما كانت تحويه من نفائس لا تعد ولا تحصى وسرقوا الشمعدانات والسجاد والمعلقات والستائر وكانت هذه من أثمن موجودات العتبات وطالت أياديهم إلى أبواب الحرم المقدس. وتذكر المرويات بأن عدداً كبيراً منهم دخلوا الحرم وهم يمتطون الخيل وجالوا في الحرم... وبعد تخريب الأضرحة واصلوا عدوانهم بسلب ونهب الدور وإستمروا بالقتل.

وقُدّر عدد القتلى بألف شخص، بينما قدّر آخرون أن القتلى خمسة أضعاف العدد الأول(1).

ولم يكتف الوهابيون بكل هذه الإمور حتى طالت أيديهم إلى إحراق الضريح المقدس للإمام الحسين(علیه السلام) وإمتد الحريق إلى بعض جوانب الحرم.

وكان الضريح المقدّس يحتوي على صندوق خشبي ولا زالت إلى الآن داخل الصندوق الخاتمي وعلى بعض الأعمدة المرتكز عليها آثار لذلك الحريق. الحقيقة أن هذه الغارة خطط لها بذكاء على أن تكون بالذات على كربلاء، وفي وقت محسوب جداً لأن غالبية أهل المدينة وخاصة رؤسائها وأعيانها والرجال الذين يُعتمد عليهم في الملمات، كانوا في النجف لزيارة قبر الإمام علي(علیه السلام) في عيد الغدير حيث دأب أهل كربلاء ومن ضمن طقوسهم السنوية بتجديد الولاء) أن يحضروا في 18 ذي الحجة من كل سنة إلى النجف... مما أتاح للغزاة الفرصة السانحة، وإطمئنانهم بعدم وجود مقاومة قوية لهم.


1) أربعة قرون من تاريخ العراق ستيفن هيمسلي لونكريك ص 232 - ص233، ترجمة جعفر الخياط - بغداد 1941. والمعلقاتئن العتبتين بما كانت تحويه من نفائس لا تعد ولا تحصى وسرقوا الشمعدانات والسجاد وكذلك لغازية الى البادية المتاخمة لها.

وكربلاء مدينة تقع على تخوم البادية الغربية، وهي مفتوحة تماماً بدون معوقات لأي غزو من تلك الناحية، ولا بد للبدو المنتشرين في تلك الأصقاع أن يكون لهم دور في الإدلاء على الطرق والممرات الآمنة وكذلك تقديم المعلومات للغزاة، هذا إن لم يكن لهم عيون في الداخل. كما ان سورها كان قديماً ومتهاوياً ولم يكن من الصعب تجاوزه أو تهديم أبوابه المتهالكة.

يضاف إلى ذلك ضعف الحامية التركية المتواجدة في كربلاء، وعدم إتخاذها أي تدبير أمني لأي طارئ مما جعل أهل كربلاء يعتقدون بأن (عمر آغا) حاكمها التركي كان متواطئ مع الغزاة.

لأن الغزاة خيّموا قبل يوم واحد بالقرب من أسوار المدينة... فما هو دور الحامية؟. يضاف إلى ذلك أن الغزاة لم يبقوا في كربلاء سوى يوم الغارة فقط، وغادروها بعد تخريب كل ما صادفهم ، وحملوا الغنائم عائدين من حيث أتوا، بحيث يتسنى لأحد أن يقوم بهجوم مقابل ضدهم. وعندما عاد أهل المدينة من النجف وجدوا الكارثة أمامهم ولا وجود للمعتدي.

بعد الحادثة مباشرة أجريت تغييرات واسعة داخل مدينة كربلاء شملت المسؤوليات الادارية وأمور ضبط الأمن ، ومنها إستلام جدنا السيد جواد بن كاظم آل نصر الله سدانة الروضة الحسينية المقدسة. بعد إستشهاد سادن الروضة إثناء الدفاع عن حرمتها .

عندما ترك الوهابيون كربلاء سالكين طريق البادية من حيث أتوا، فرحين بنصرهم (على ما يعتقدونه) وغنائمهم ، فقد أقروا أمرهم بأن يهاجموا مدينة النجف والتي تقع هي الأخرى على تخوم البادية، وكانوا في طريقهم على مقربة منها ... لكنهم لم ينجحوا في مسعاهم فخابوا ورجعوا خاسئين وذلك لعلم أهل النجف بما حلّ بكربلاء فإستعدّوا إستعداداً كبيراً وقاتلوا قتالاً مستميتاً وردّوا المعتدين تاركين عدداً من قتلاهم خارج أسوار مدينة النجف التي لم يتمكنوا من دخولها.

وأشهر من قُتِل في غارة الوهابيين سادن الإمام الحسين(علیه السلام) وهو المرحوم السيد (موسى بن محمد علي بن محمد بن موسى(1)، وهو من سلالة آل السيد يوسف،


1) المرحوم السيد موسى سادن الحسين المقتول في غزوة الوهابيين هو من السادة آل يوسف بن أبي المعالي محمد بن علي بن عبد الله الحائري من أحفاد السيد إبراهيم المرتضى الأصغر بن الإمام موسى الكاظم(علیه السلام) . وآل السيد يوسف في كربلاء هم السادة آل الوهاب (غير آل الوهاب من آل طعمة) وآل جلوخان (غير آل جلوخان من آل سيد أمين الفائزيين). وآل الوهاب تلقبوا بالوهاب تخليداً لذكرى إستشهاد السيد موسى في غزوة الوهابيين، ولكون السيد الشهيد لم يعقب ذكوراً فقد أطلق أبناء أخيه السيد حسن على انفسهم لقب الوهاب تخليداً لذكراه. وأول من لقب نفسه بالوهاب هو السيد حسين بن حسن بن محمد علي بن محمد بن موسى الذي تولى سدانة الروضة العباسية عام 1251 - 1256ه / 1835 - 1840م وعزل عنها. ومنذ ذلك التاريخ بدأت هذه الأسرة تستخدم هذا اللقب إلى اليوم. والسادة آل الوهاب هم من آل زحيك ولا علاقة نسبية لهم مع آل الوهاب من آل طعمة الفائزيين، فهم الأقرب نسباً إلى آل ثابت وآل دراج (النقيب).

وأخواه السيد حسن والسيد حسين). وكذلك الكثير من السادة خدّام المشهدين ومن أفراد عشائر كربلاء الذين هبوا للدفاع عن المدينة والحرمين والأهالي العزّل...

ذكر الكثير من الكتاب والمؤرخين هذه الحادثة، كما وثقت من قبل الأدباء والشعراء تؤرخ وتتحدث عن هذه الواقعة المروّعة. فقد ذكر الشيخ رسول الكركوكلي في دوحة الوزراء عن حوادث سنة 1216 ه ما يلي:

«في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة ظهر وباء الطاعون في مدينة بغداد، وبدأ ينتشر ويسري إلى ضواحيها وأطرافها، مما إضطر الوزير إلى الهروب نحو مدينة الخالص والمكوث فيها ريثما ينجلي كابوس الطاعون عن بغداد.

وقد إستصحب معه عياله وخدمه والمتعلقين به والمنتسبين له، ونصب سرادقه هناك، وكان الفصل ربيعاً فقرر إمضاء هذا الفصل في تلك الربوع.

وفي هذه الأثناء ورد إليه كتاب من حمود الثامر شيخ عشائر المنتفك يخبره ان سعود بن عبد العزيز وجموعاً غفيرة من الوهابيين قد إنحدروا نحو العراق، فأصدر أمره إلى علي باشا بالسفر لصد غاراتهم، ونزولاً على أمر الوزير تحرك الموما إليه إلى الدورة، وإنتظر هناك ريثما إلتحقت به بعض العشائر وبينما كان يزمع مواصلة السفر، وردت الأنباء بأن الوهابيين هجموا على كربلاء وإستولوا على مرافقها ونهبوها وقتلوا منها حوالي الألف نفس، فأوفد علي باشا محمد بيك الشاوي إلى الوزير ليخبره بهذه الحادثة، ثم سافر مسرعاً نحو كربلاء على أمل أن يظفر بالوهابيين وينتقم منهم، وينقذ البلدة من قبضتهم.

إلا أن الأخبار قد وردته وهو حينئذٍ في الحلة بأن الوهابيين بعدما نهبوا وقتلوا خرجوا قبيل العصر نحو الإخيضر ، فتوقف علي باشا في الحلة لأسباب إضطرته إلى هذا التوقف، ولعدم بقاء ما يدعو للسفر إلى كربلاء بعد هروب الوهابيين منها. وفي هذه الأثناء وصل متصرف البصرة الداماد سليم بيك هو وعثمان آغا، وإلتحقا بالحملة التي إتجهت نحو الهندية وعسكرت فيها. وهناك انتشرت شائعة مفادها أن الوزير الذي يشكو من مرض المفاصل، قد إشتد عليه مرضه ولم يخرج من بغداد إلا لإخفاء المرض الذي أقعده عن الحركة تماماً، ويوشك ان يقضي عليه وهو الآن في أشد حالات المرض.

ومن جهة أخرى وردت الأخبار بأن الطاعون أخذ يفتك بسكان بغداد فتكاً ذريعاً، ويحصد منهم ما يقرب من سبعين نفساً في اليوم، وهذه الأخبار المحزنة أقلقت الحملة وأقعدتها عن تنفيذ مهمتها ، فإكتفى علي باشا بإرسال بعض القوات إلى كربلاء من باب الإحتياط، وقد إلتحق بهذه القوات متصرف بابان إبراهيم باشا وأتباعه أيضا. هذا وقد نقلوا خزينة النجف الأشرف خوفاً عليها من غارات الوهابيين، وضموها إلى خزينة موسى الكاظم رضي الله عنه. وقد إنتدب لنقلها الدفتري الحاج محمد سعيد بيك، وأخبروا الحكومة الإيرانية بما حدث وبما اتخذ من الإجراءات.

وبعد مكوث علي باشا في الهندية حوالي الشهرين ونصف الشهر، وردته التعليمات بوجوب تقسيم القوات التي تحت إدارته وقيادته إلى عدة أقسام، يقيم قسم منها في ذي الكفل، وقسم في كربلاء، وقسم في الحلة، وأن يتخذوا التحصينات في هذه الأمكنة ثم يعود إلى بغداد، وقد فعل ما أمر به»(1).

وعن غزوة الوهابيين أيضاً جاء في مطالع السعود في حوادث سنة 1216ه:

«وفيها غزا سعود بن عبد العزيز العارضي(2)العراق، فإنه صَبَّح أرضَ كربلاء، وصبّ فيها كل عَذابِ وبلاء، فإنه تَسَوَّر سور البلدة التي فيها مدفن الحسين، وسقاهم بالمرهفات كل زؤام وحين، فقتل عدداً جماً، وجمع من المال جمعاً لما، وأجرى دم القتلى في الزّقاق، وعثا عثو من ما له في الآخرة من خَلاق. ثم ثَنَى عِنان العود إلى


1) دوحة الوزراء الشيخ رسول الكركوكلي - ص 216 إلى ص218.

2) نسبة إلى بلاد (العارض) حيث نشأت الدعوة الوهابية، ومن بلدانها حريملا، والعيينة، والدرعية، والرياض.

نجده، مُتبجحاً بما صَدَر من عسكره وجُنده، قائلاً بلسان القال والحال: لو لم نكن على الحق لما إنتصر عسكرنا ودال، ولقد والله ضَحِك له الزمان، ودار له بما يهواه ليغتر الملوان، وما درى أن الدوائر تدور، وأن الله تعالى لا يقبل إلا العمل المبرور، وأن الزمان ما أضحك إلا أبكى، وما أعطى إلا سلب ،وأنكى، وأن إراقة الدماء من أعظم الجرائم، وأن المرء مسؤول عما إجترحه من المآثم، وإن من قال لا إله إلا الله عَصَم نفسه وماله، فإن جنى غير الشرك جنايات غفرها له، ولكن الهوى إذا إستولى أعمى، وطبع على القلب وأصمى، عياذاً بك اللهم من سخطك وغضبك، ولياذاً بكَ من معاداة من إستمسك بسببك، وتحصناً بل من موالاة ذي هوى، ومُصافاة من ضَلَّ وغوى، وسَنَّ سيفه، وشَنَّ حَيفه على من أقر بوحدانيتك وعظمتك وحمدانيتك.

فلما بلغ الوزير ما صنع وأراق من الدماء ووضع، أمر الكتخدا أن يخرج بعسکره، فخرج به مقتفياً لأثره، فما وصل الهندية حتى نجا سعود على القود المهرية»(1).

وفي مختصر مطالع السعود ذُكرت الحادثة بتعبير آخر وإليك النص:

«وفيها غزا سعود بن عبد العزيز الوهابي العراق، وحاصر كربلاء وأخذها بالسيف عنوةً وغنم ما كان في مشهد الحسين من الذهب والجواهر التي أهدتها الملوكُ والشيعة إلى ذلك المقام المقدس وقتل أهلها قتلاً ذريعاً وإستباحها ونهب من المال والذهب والفضة ما لا يتصوره العقل، وبه تقوّى وإستعد لتملك الحرمين، ثم رجع إلى عارضه متبجحاً بما صدر من عسكره ويقول:

لو لم نكن على الحق لما إنتصرنا، وما علم أن ذلك إستدراج، وأنه على الباغي ستدور الدوائر ، وأن من قال لا إله إلا الله فقد حقن دمه وماله، ولكن الهوى إذا إستولى أعمى البصائر. وبأموال كربلاء إستفحل أمر ابن سعود وطمع في ملك الحرمين وشرع في محاصرة المدينة، فصار من أمره ما سيأتيك بيانه»(2).


1) مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود (تاريخ العراق ونجد) / عثمان بن سند الوائلي البصري - تحقيق الدكتور عماد عبد السلام رؤوف ص 333 وص 334 . الدرار العربية للموسوعات، طا سنة 2010م/1431ه.

2) خمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق 1188ه - 1242ه (مختصر مطالع السعود)/للشيخ أمين بن حسن المدني الحلواني المدرّس بالحرم النبوي الشريف - ص 74 . وهو مختصر لكتاب مطالع السعود لعثمان بن سند الوائلي البصري.

نتوقف هنا قليلاً لكي نذكر جملة أمور ذكرها الشيخ رسول الكركوكلي الذي عايش الفترة ذاتها من حكم المماليك، وهو المتوفى سنة 1240ه / 1824م. وكتابه دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء مصدر معتمد نقل عنه الكثير من مؤرخي فترة المماليك كونه عايش الكثير من الأحداث... فنقول:

كان العراق يعيش الفترة المظلمة من تأريخه أيام حكم المماليك، وعن حادثة الوهابيين التي أبتليت بها مدينة كربلاء المقدسة في زمانهم، فيمكن أن نلقي اللوم عليهم فيما أصاب كربلاء من دمار ودماء سالت من أبناءها ظلماً وعدواناً، فحكومة المماليك التي لم تكن قد سيطرت على جوانب الأمن في العراق وخاصة المناطق المهددة بالغزو الوهابي التي كانت الحكومة على علم به بشكل كامل.

ففي عهد المماليك كان الأمن غير مستتب، والإضطرابات تعم البلاد، والخطر الخارجي يهددها من نواحيها الغربية والجنوبية، وثورات وإنتفاضات العشائر مستمرة ضد حكمهم، كما كان الحال قبلهم مع الحكومات العثمانية المتعاقبة على الحكم في بغداد. كان الولاة المماليك وأعوانهم مشغولين دائماً بتوطيد حكمهم في بغداد ومحاولين الإستقلال والإبتعاد من قبضة الدولة العثمانية. ولا يهمهم شيء سوى جمع الضرائب والرسوم والويل لمن يتأخر عن دفعها أو من يعترض عليها أو يثور من أجل إستقلال بلده ،العراق، خاصة من مدن وعشائر الفرات الأوسط والجنوب وكذلك المناطق الكردية في شمال العراق.

ومما يؤكد هذا الرأي هو عدم وجود قوات عسكرية كافية لحماية المدن والمناطق المهددة بالغزو الوهابي بشكل خاص، وهذا ما تبين عندما هو جمت مدينة كربلاء فقد فرَّ حاكمها (عمر آغا) ولم يظهر أي مقاومة، علماً بأن الوهابيين خيموا خارج أسوار البلدة قبل يوم من الهجوم عليها.

وحتى رأس الحكومة (الوالي) وكتخداه وقائد عساكره علي باشا قد علما بوقت كافٍ من قبل شيخ عشائر المنتفك بتحرّك الوهابيين نحو العراق، فتباطئ علي باشا بحجة الإستعدادات ولملمة قواته في منطقة (الدورة) التي بقي فيها فترة للإستعداد!

وفيها علم بأن الوهابيين قد هاجموا كربلاء (كما يذكر الكركوكلي) فأرسل يُخبر الوالي بالخبر، وبعدها تحرك عسى أن يظفر بالغزاة، فذهب إلى الحلة، كأن الوهابيين جاءوا من منتصف العراق وليس من البادية!!، ويقول الكركوكلي بأن علي باشا وهو في الحلة وردته الأخبار (بأن الوهابيين بعدما نهبوا وقتلوا خرجوا قبيل العصر نحو الإخيضر) !! وذلك يعني بديهياً أن يوم وجود علي باشا في الحلة كان الوهابيون قد غادروا كربلاء عصراً، فالسؤال !! لماذا ذهب علي باشا إلى الحلة ولم يذهب إلى كربلاء عن طريق المسيب، وهي نفس المسافة بين كل من مدينتي الحلة وكربلاء من الدورة القريبة من بغداد. ولو كان قد توجه إلى كربلاء لكان بالإمكان اللحاق بالغزاة أو على الأقل متابعتهم على طريق إنسحابهم إلى الإخيضر الذي يبعد عن كربلاء 35كم، بل والأكثر من ذلك لكان قد أثر عليهم وأبعدهم عن مهاجمة النجف بعد كربلاء الذي لم يتمكن الوهابيون من إقتحامها لشدة المقاومة التي واجهوها.

وحتى لو لم يكن علي باشا قد وصل الحلة مساء نفس اليوم الذي هاجم الوهابيون فيه كربلاء ... فكم من الوقت إستغرق إجراء الإستعدادات في الدورة؟، والذي كان على الحكومة التحرك بأقصى سرعة لدرء الخطر ... علماً بأن شيخ المنتفك أخبر الحكومة بتحرك الوهابيين نحو العراق في شهر (ذي القعدة)، ولنفترض في العشر الأواخر منه، والحادث وقع في 18 ذي الحجة، أي أن هناك فترة تزيد على الثلاثة أسابيع بين عِلمهم بالغزو وبين يوم الواقعة في كربلاء، فلماذا لم يبادروا بدرء الخطر بأقصى سرعة ؟ . وإذا كانوا لا يعلمون (بمكان الهدف) الذي يخطط له الوهابيون ومهاجمته، فهل يغيب على الحكومة علمها بالمدن الواقعة على البادية مثل كربلاء والنجف والسماوة وغيرها ... التي كانت الهدف الدائم للوهابيين؟! وهل يُعقل بأن حاكم كربلاء (عمر) آغا) قد شاهد تخييم الوهابيين خارج السور ولم يُخبر حكومته في نفس اليوم؟، حيث كان بالإمكان إيصال المعلومة خلال ساعات قليلة إلى مصدر القرار في الحكومة، أو قد يكون الحاكم عمر آغا حقاً متواطئاً مع الغزاة، فمن غير المعقول أن لا توجد حامية عسكرية في كربلاء وهي من المدن المهمة في العراق.

وعلى كل حال فقد ذهب (عُمرآغا) كبش فداء أكان مذنباً (حسب رأي الأهالي) أم بريئاً، لتغطية فشل حكومة المماليك التي كان البلد يعيش في أيامهم زمناً مظلماً، وتم إعدامه لعدم إتخاذه أي إجراء لمنع الغزو أو صده حيث آثر حينها الهروب إلى إحدى القرى القريبة من كربلاء وترك المدينة تواجه مصيرها.

وكما يقول الكركوكلي فإن (علي باشا توقف في الحلة لأسباب إضطرته إلى هذا التوقف، ولعدم بقاء ما يدعو للسفر إلى كربلاء بعد هروب الوهابيين منها) ...!!.

وإذا كان هذا القول صحيحاً ألا يستدعي وصول الجيش إلى كربلاء لمساعدة أهلها المنكوبين؟ ... والتعرف ميدانياً على ما جرى من تخريب وتدمير وقتل... وعلى مبدأ إعلام أهل المدينة بأن الحكومة أرسلت الجيش لرفع المعاناة عن سكانها الثكلى وتهدئة روعتهم مما أصابهم، ومساعدتهم على إعادة النظام والإعمار بعد الحادثة ...

وكان كل ما قام به علي باشا هو أنه بقي شهرين ونصف في (الهندية) ثم إلتحق به متصرف البصرة الداماد سليم بيك وعثمان أغا، وعندما وردته أنباء بإشتداد المرض على الوالي الموجود في الخالص، وإزدياد خطر الطاعون في بغداد، فقد إكتفى بإرسال بعض القوات إلى كربلاء من باب الإحتياط، وإلتحق بهذه القوات متصرف (بابان) إبراهيم باشا وأعوانه. كما تم إرسال قوات إلى الكفل وأخرى إلى الحلة، وقفل راجعاً إلى بغداد ولم يكلّف نفسه حتى الوصول إلى كربلاء خلال وجوده في الهندية التي تبعد 18 كم عن كربلاء!!

الحقيقة أن على باشا كان توّاقاً للعودة بسبب إشتداد مرض الوالي وهو (صهره) حتى يتمكن من الإستحواذ على الحكم في حال وفاة الوالي، ومنع من يطمع بالمنصب المذكور، (فالكل يغني على ليلاه!!).

بدأ أهل المدينة يلملمون جراحهم بأنفسهم، ويدفنون قتلاهم، ويعمرون دورهم وأسواقهم ومحلاتهم التي خُرّبت، وتوجهوا بتنظيف مخلفات الغزو عن حرم الحسين(علیه السلام) والبدء بتصليح ما يتمكنون عليه.

أصداء غارة الوهابيين على كربلاء

اشارة

كان لغارة الوهابيين على كربلاء أصداء واسعة على صعيد المدينة والعراق وخارجه، فقد سارع الوالي سليمان باشا بإخبار كل من الباب العالي وحكومة إيران بما وقع في كربلاء(1). لأن غارة الوهابيين على كربلاء كانت أعنف ما شنّه الوهابيون من غزوات على العراق.

وعن عدد القتلى من الأهالي فقد تضاربت الأرقام، فمن المؤرخين من ذكر قتلى الحرم والصحن فقط، ومنهم من ذكر مجمل قتلى المدينة ومنهم من أزاد وأنقص.

يقول لونكريك في أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث ما نصه: «... وقد أخذ سلاح الوهابيين من أهل كربلاء مأخذة كبيرة، وتناول حتى الذين لاذوا بضريح الإمام الحسين فقد قدّر عدد القتلى في الضريح بخمسين قتيلاً، وفي الصحن بخمسمائة قتيل»(2).

أمّا ياسين العمري فقد ذكر في غرائب الأثر بأن عدد القتلى يقدر بثمانية آلاف(3)، بينما ذكر الكركوكلي في دوحة الوزراء بأن عدد القتلى ألف قتيل(4).

1- موقف الشاه القاجاري من غزوة الوهابيين

تلقت حكومة إيران نبأ غزو الوهابيين لكربلاء ببالغ الحزن والأسى، وأمر الشاه فتح علي القاجاري(5)بإعلان الحداد العام في أرجاء إيران، وإقامة المآتم ولبس السواد وأرسل رسالة شديدة اللهجة إلى والي بغداد سليمان باشا، يحتج فيها بشدة على وقوع الحادث مُلقياً اللوم على حكومة بغداد لكونها لم تتخذ الإجراءات اللازمة لدرء الخطر عن مدن العتبات المقدسة التي يهتم بها الإيرانيون وخاصة كربلاء، وقد


1) تارخ جودت أحمد جودت - ج 7 ص 141 ، إسطنبول سنة 1302ه- / 1885م.

2) أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث لونكريك – ص 261.

3) غرائب الأثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر / ياسين العمري - ص 61 ، الموصل 1940م.

4) دوحة الوزراء الشيخ رسول الكركوكلي - ص 217.

5) الشاه فتح علي القاجاري حكم إيران من سنة 1212ه- / 1797م إلى سنة 1250ه / 1834م.

حمّل حكومة بغداد تبعة ما حدث وعليها فقد طلب من والي بغداد أخذ الثأر من الوهابيين، لأن العراق والجزيرة العربية تابعة لحكم الدولة العثمانية، وفي حالة عدم التحرك نحوهم لتأديبهم فإنه توعد بأن يقوم بذلك بنفسه، وزاد بلهجته حيث هدد بالهجوم على بغداد وإحتلالها إذا لم يتخذ أي إجراء حيال الواقعة.

لم يردّ الوالي سليمان باشا على الشاه بسبب إشتداد مرضه، حيث يذكر المقيم البريطاني في بغداد (هارفورد جونز بريدجس) في تقرير له إلى حكومته في 2 مايس 1802م أي بعد الواقعة بعشرة أيام، أن والي بغداد سليمان باشا أصبح مشلولاً من الخصر حتى أسفل جسمه شللاً كاملاً، وان حكومة الوالي في بغداد وصلت أقصى درجات التفكك والغباء.

أمّا الشاه فتح علي القاجاري بالرغم من أنه لم يستلم ردّاً من الوالي، فإنه لم يتخذ أي إجراء ولم ينفّذ تهديده فقد إنشغل بهجوم مفاجئ من روسيا القيصرية على حدود بلاده الشمالية ونسي موضوع الإنتقام وما حل بكربلاء حينها.

2- تأثير الغارة في الصراع على خلافة الوالي

بعد ثلاثة أشهر ونصف من غزوة الوهابيين على كربلاء توفى الوالي المملوكي سليمان باشا وتحديداً في الثامن من ربيع الثاني 1217ه الموافق 1802/8/7م.

عندما إشتد المرض على والي بغداد سليمان باشا قبل وفاته، إستدعى إليه رئيس الدامادية(1)والكتخدائية علي باشا، كما إستدعى الخزنة دار داود آغا والداماد سلیم آغا، وبعد التشاور معهم عهد بولاية بغداد إلى علي باشا وأوصاهم بطاعته وإمتثال أوامره، وبذل لهم النصائح والإرشادات والتوصيات. وبعد مرور يومين لفظ أنفاسه الأخيرة(2).

بعد وفاة الوالي وتسلم علي باشا ولاية بغداد، وقبل صدور الفرمان له من الباب العالي، حدثت في بغداد معارك قادها (أحمد آغا ) أغا الإنكشارية الذي رغب بالولاية وتمكن من سحب سليم آغا لصفه، وجمع الأعوان له وإتصل بالقنصل البريطاني طالباً


1) مفردها (داماد) وتعني (الصهر) وكان للوالي أربعة بنات متزوجات من أصهاره: علي باشا كتخداه وقائد جيوشه، والخزنة دار داود آغا، وسليم بيك، ونصيف آغا.

2) دوحة الوزراء للكركوكلي - ص218.

التأييد منه ولم يستجب له، وحدثت معارك وإضطرابات في بغداد وأعمال عنف ونهب للمحلات مما إستدعى بعلي باشا ان يتبع وسائل الحيلة عندما أذعن لأحمد أغا وأبلغه أنه متنازل عن الباشوية، وإنتقل إلى جانب الكرخ وطلب العون من العشائر الذين هاجموا السراي ليلاً وتمكنوا من الإمساك بأحمد آغا وأعوانه وتم إعدامهم.

فما علاقة هذه الحوادث بواقعة الوهابيين في كربلاء ؟...

بعض الذين كتبوا عن تلك الأحداث ذكروا بأن الأمر أخذ بعداً طائفياً ومنهم ياسين العمري في كتابه غرائب الأثر الذي أكد بأن الرافضة ويعني بهم الشيعة إلتزموا جانب آغا الإنكشارية (أحمد آغا ) وعندما هزم أحمد آغا شرع علي باشا بقتل الرافضة (الشيعة) ومصادرة أموال اغنيائهم...(1)

بينما لم يذكر مؤلف دوحة الوزراء الذي عاصر الأحداث أي بعد طائفي للنزاع(2).

وللمرحوم الدكتور علي الوردي رأي آخر في هذا النزاع حيث يؤكد بأن الطابع الطائفي ظهر في هذه الحادثة لأول مرة في بغداد طيلة عهد المماليك، وعن السبب يقول الوردي: «يبدو لي أن هناك عوامل متنوعة وراء ذلك أهمها إثنان، أولهما أن أحمد آغا رئيس الإنكشارية كان نفسه شيعيّاً وقد وصفه مؤلف (أعيان الشيعة) بقوله: (سيد شريف جليل القدر من السلالة الطاهرة النبوية العلوية). والظاهر أن أحمد أغا كان على صلة وثيقة مع شيعة بغداد يحبهم ويحبونه فلما حدثت الحادثة إستنجد بهم على خصمه علي باشا الكهية فهبوا لنصرته.

أما العامل الثاني فهو أن علي باشا الكهية لم يكن محبوباً في أوساط الشيعة من جراء تقاعسه عن حماية كربلاء أثناء الغزو الوهابي، ويجب أن لا ننسى هنا أن حادثة بغداد حدثت بعد أربعة أشهر من واقعة كربلا، ومعنى هذا أن القلوب كانت لا تزال متأثرة بالواقعة على أي حال»(3).


1) غرائب الأثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر / ياسين العمري - ص 62 وص 63 .

2) راجع دوحة الوزراء للكركوكلي - ص 219 وص 220 وص 221 .

3) لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث / الدكتور علي الوردي - ج 1 ص 208 وص209، ط 2 دار الرشد بيروت 1426ه / 2005م.

3- إلصاق تهمة الوهابية لكل من يخالف الوالي

وبعد حادثة الوهابيين على كربلاء فقد إعتمد علي باشا في محاربة خصومه السياسيين ومن يخالفه بأن ينعتهم بالوهابيين أو إلصاق تهمة التعاون معهم، مثلما حدث مع آل الشاوي وهو من رؤساء العبيد، فقد تخلص من (محمد الشاوي) الذي كان يشغل منصب (باب العرب) ومن أخيه عبد العزيز، وملاحقة ابن الأول (ضامن بن محمد الشاوي).

4- اهتمام الحكومة بكربلاء

كانت مدينة كربلاء مهملة في عهد المماليك، ولم توجه إليها الرعاية الكافية والإهتمام الواجب كونها مدينة مقدسة ويؤمها سنوياً آلاف الزائرين من داخل البلد وخارجه، إن موقعها على تخوم البادية قد يعرّضها إلى اخطار الهجمات مرة أخرى من قبل الوهابيين.

ونتيجة الضغط المتزايد على حكومة المماليك وما تلقته من لوم شديد بعد الحادثة فقد شرعت الحكومة القيام ببعض الأعمال والإجراءات منها:

أ. إستدعاء حاكم كربلاء (عُمر آغا) وإعدامه في بغداد لتخاذله عندما غزا الوهابيون كربلاء، وكان يشك الأهالي بأنه كان متعاوناً معهم.

ب. أن علي باشا أمر بإنشاء سور المدينة كربلاء(1).

ت. إرسال قوة عسكرية ترابط في مدينة كربلاء، ومثلها في مدينة النجف للمحافظة عليهما من هجمات الوهابيين.

ث. تعيين (أمين أغا ترك) حاكم جديد لمدينة كربلاء، وإصدار بيولوردي بتولية سدانة الروضة الحسينية للسيد جواد بن كاظم آل نصر الله.

ج. توجيه السلطان العثماني لعلي باشا بضرورة محاربة الوهابيين والقضاء على خطرهم.


1) تاريخ جودت/أحمد جودت - ج 7 ص 141 . وللحقيقة أن السور بعد الواقعة لم يبنيه على باشا!

تعيين (أمين آغا ترك) حاكماً لكربلاء

بعد إعدام (عمر أغا) حاكم كربلاء إثناء غزوة الوهابيين لكربلاء، فقد أصدر الوالي سليمان باشا وهو في مرضه أمره إلى الكتخدا علي باشا بأن يعيّن متولياً جديداً لحاكمية كربلاء، فقد تم إختيار (أمين آغا تُرك) لحاكمية كربلاء الذي إستلم منصبه في أواخر شهر محرم سنة 1217ه / الموافق لشهر مايس 1802م. وإستمر في منصبه قرابة العشر سنوات ولغاية سنة 1227ه/ 1812م.

تولي السيد جواد بن كاظم آل نصر الله سدانة الحسين

بعد إستشهاد المرحوم السيد موسى بن محمد علي بن محمد بن موسى من آل الوهاب ذرية أل السيد يوسف من آل زحيك في غزوة الوهابيين في 18 ذي الحجة سنة 1216ه- / 22 نیسان 1802م، فقد شغرت سدانة الروضة الحسينية المقدسة، فطلب وجهاء وعلماء المدينة يتقدمهم المرحوم العلامة السيد علي الطباطبائي (صاحب الرياض)، والمرحوم السيد مرتضى بن محمد علي بن مرتضى بن عبد المطلب آل دراج نقیب کربلاء)، والمرحوم الشيخ علي عبد الرسول (سادن العباس بمضبطة إلى الوالي (سليمان باشا) مدعومة بأختامهم

طالبين إسناد سدانة الحسين للمرحوم السيد جواد(1)بن كاظم بن السيد نصر الله، وتم تسليم المضبطة إلى الكتخدا علي باشا عندما كان في (الهندية)، وأرسل


1) هو جدنا المرحوم السيد جواد بن كاظم بن نصر الله (الجد الأعلى للسادة آل نصر الله) بن ناصرالدین بن يونس بن جميل بن علم الدين بن طعمة (الثاني) بن شرف الدين (نقيب الأشراف) بن طعمة (الأول) كمال الدين (نقيب الأشراف) بن أبو جعفر أحمد (أبو طراس) بن يحيى ضياء الدين بن أبي جعفر محمد بن السيد أحمد شمس الدين (ناظر رأس العين الذي يطلق عليه العامة أحمد بن هاشم بن أبي الفائز محمد الذي سميت قبيلة آل فائز بإسمه) من سلالة السيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسى الكاظم(علیه السلام). وقد اخطأ سلمان هادي طعمة حين ذكر أسمه في ص 211 من كتابه تاريخ مرقد الحسين والعباس حيث ذكر بأنه (السيد جواد بن كاظم الطويل آل نصر الله)، والسيد سلمان يعرف جيداً بأن فخذ (الطويل) من آل نصر الله سمي بإسم السيد علي (الطويل) بن جواد بن كاظم بن نصر الله. وكان للسيد جواد ولدين هما السيد علي (الطويل) والسيد باقر . وباقر أعقب (صالح) الذي كان يلقب (أبو صماخ)، ومنه خرج فخذ ألبو) صالح أبو صماخ) من آل نصر الله.

مضمون الطلب إلى الوالي الذي وافق عليه، فصدر (بيولوردي) (1)من الوالي سليمان باشا في التاسع والعشرين من شهر محرم سنة 1217ه (الموافق لليوم الثاني من شهر حزيران 1802م) بإسناد تولية السدانة إلى السيد جواد، والبيولوردي أرسل إلى السيد نقيب كربلاء مرفق برسالة يحثه على التعاون مع الحاكم الجديد لكربلاء وانه أجاب طلبهم هذا ليشدوا أزرهم ويبنوا ما خرّبه الأعداء. وقد إستمر في السدانة لحين وفاته في شهر ذي القعدة سنة 1219ه / 1804م(2).

ولكثرة القتلى من الكربلائيين فقد أخذ أهلهم يعدون العدة للأخذ بثأرهم وإليك الحادثة التالية الواردة في كتاب عنوان المجد في أحوال نجد:

«قتل عبد العزيز بن محمد السعود في مسجد الطريف (المعروف في الدرعية) وهو ساجد في إثناء صلاة العصر ، قضى عليه رجل قيل أنه كردي من أهل العمادية (قرب الموصل) إسمه عثمان على هيئة درويش، وقيل أنه رافضي خبيث من أهل بلد الحسين (كربلا) خرج من وطنه لهذا القصد والله العالم، ولكن ليس الرجل كردي لأن الأكراد من أهل السنة والجماعة وهم مؤمنون. والسبب كما منقول ثلاثة أنفار من أولاده قتلوا في هجمة الوهابية على كربلاء سنة 1216ه»(3).


1) البيولوردي ... هو المرسوم الذي يصدره الوالي و(الفرمان) يصدره الباب العالي.

2) جاء في كتاب تاريخ مرقد الحسين والعباس للسيد سلمان طعمة في ص 211 عن السيد جواد: «وبقي خازناً (سادنا) حتى عام 1219ه»، وفي نفس الصفحة يذكر بأن «السيد محمد علي بن عباس آل طعمة، عُيّن سادنا للروضة سنة 1218 ه حتى سنة 1240ه» !! ، ونسي أنه قبل سطرين من مقالته ذكر بأن السيد جواد بقي حتى سنة 1219ه-، وهذه الأخطاء التي قد تكون متعمدة لأسباب نعرفها قد تكررت في الكثير من أعماله، أو قد يكون غير متعمد وهذه من الهفوات التي عُرِفَ بها، وليس وحده في هذا المضمار فقد سبقه مؤلف مدينة الحسين عندما قال في ص 78 من السلسلة الأولى: «ولم يستتب له الأمر أكثر من سبعة عشر شهراً حيث عزل بعدها وكان ذلك في عام 1219ه وكانت وفاته سنة 1222ه» ، بدون الإشارة إلى مصدر معلوماته هذه. وقد أنكر الإثنان بأن ولده السيد علي الملقب بالطويل إستلم السدانة بعد وفاة والده، وهو الذي عُزل من السدانة سنة 1222ه وليس السيد جواد كما يذكر البعض، ولتصحيح ما ذكرناه في كتابنا بيوتات كربلاء القديمة فإن السيد علي عُزل سنة 1222 ه ولم يتوفي، فقد كان من المشاركين في واقعة نجيب باشا. ولنا في ذلك حديث في مكان آخر.

3) عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد في فصل حوادث سنة 1218ه ص 86.

وجاء في دوحة الوزراء للكركوكلي في ذكر وقائع سنة تسعة عشرة ومائتين وألف للهجرة، عن مقتل عبد العزيز ما يلي:

«كان يقيم في بغداد شخص أفغاني الأصل يقال له ملا عثمان، وقد نذر نفسه للدفاع عن الدين الحنيف وعن المسلمين، وكان قد عزم على أن يقتل رئيس الوهابيين عبد العزيز، وعليه فقد سافر نحو الدرعية متستراً بزي الوهابيين.

ولما وصل إلى هناك إختلط بهم وراح يعمل عملهم حتى إطمأنوا إليه وصادقوه، وذات يوم جمعة وعندما حضر عبد العزيز إلى المسجد لإقامة الصلاة تصدّى له الملا عثمان وضربه ضربة قضى بها عليه ولم يتمكن ملا عثمان من الإفلات لأن الحرّاس والخدم تجمهروا عليه وقتلوه فوراً»(1).


1) دوحة الوزراء ص 227 .

محاصرة العشائر لمدينة كربلاء

عندما إستلم (سعيد باشا) ابن الوالي سليمان باشا الكبير ولاية بغداد سنة 1228ه/ 1813م، وبعد توليه بمدة وجيزة عيّن المملوك داود آغا (باشا فيما بعد) بمنصب الكتخدا ورئيس العسكر.

في سنة 1229ه / 1814م أعلنت العشائر العربية في الفرات الأوسط والبادية الغربية العصيان على الحكومة، وهم خزاعة وزُبيد وشمّر وآل الظفير. فقد إمتنعوا عن دفع الخراج للحكومة وأخذوا يقطعون السبل، ويمنعون الناس سفرهم وخاصة على زائري العتبات المقدسة من الأجانب وتحديداً الإيرانيين الذين يتنقلون من بغداد إلى كربلاء ثم النجف ويعودون على خط مسيرهم هذا.

قامت هذه العشائر بمحاصرة مدينة كربلاء، وصادف فيها الكثير من الزوّار الإيرانيين وقد حوصروا في المدينة، وقسم منهم كان قد وصل مدينة النجف ولم يتمكن من الرجوع . عندما بلغ الخبر والي بغداد سعيد باشا، خاف أن يصيب زوّار العتبات ضرر مما قد يتسبب بإحداث مشكلة مع شاه إيران وقد تقوم الحرب ويلامون من قبل الدولة العثمانية والتي ستعتبر ذلك إهمالاً . عندها أمر الوالي سعيد باشا كتخداه ورئيس عسكره داود باشا (قبل أن يصبح داود والياً) لردع العشائر وإنهاء الحصار الذي فرضوه وتأمين سلامة الزوّار.

جاء في مطالع السعود في حوادث سنة 1229 ه: «وفي السنة الثانية والأربعين من مولد الوزير ذي الغوالي والمعالي التي أشرقت بها الآفاق والليالي. وتلك السنة هي التاسعة والعشرون بعد المائتين والألف غزا الوزير المترجم المقصود بالذات اولاً وبالعرض(1)، بأمر الوزير سعيد باشا، ليقطع ما من الفساد عَرَض، من أهل البوادي وخُزاعة، ولكونهم لم يجروا على مجاري الطاعة، وذلك ان الوزير سعيداً غزاهم فما


1) هذا المديح كله يقصد به داود باشا قبل أن يصبح والياً والذي كان قائد عسكر الوالي سعيد باشا.

أجدى، فازدادوا طغياناً على طغيانهم ميلاً عن الطاعة وبعدا، لا سيما زُبيد وشمَّر وخُزاعة وآل ظفير، فإنهم ركبوا مَتنَ العَسْ، وساموا القرى الخسف والتدمير، حتى أن بعضهم حاصر كربلاء مدينة سبط الرسول.

وكان فيها إذ ذاك من زوّار العجم أربعون ألفاً غالتهم عن مقاومتهم غول، وفي كربلاء أيضاً إذ ذاك حَرَم شاه العجم، فأعلم كلّ منهم الوزير بما نَزَل ودَهَم.

فلا بد حينئذ من إرسال من يكف يد فساده، ويُذلّل ما صعب من عنادهم، فخرج الوزير رئيساً على ذلك العسكر مستعيناً بالله على من طغى وتكبر، فمذ وصل إلى الحلة كَسَر الله العدو وفله(1)، وهربوا في الموامي خوفاً من ذلك الفارس العصامي، فأرسل بعض عسكره إلى كربلاء ليأتوا بالزوار إلى النجف، ثم إلى بغداد بعد قضائهم الأوطار ، فذهب البعض لقضاء ما أمر فقضوه بلا مشقة وكدر. ثم توجه إلى أرض خزاعة(2).

جاء في مختصر مطالع السعود النص التالي:

«...فنهد داود باشا - بامر الوزير سعيد باشا - لغزو بعض الأعراب العاصين على الحكومة، وهم خزاعة وزبيد وشمّر وآل الظفير، فإنهم منعوا الخراج ونهبوا القرى وقطعوا السبيل حتى أن بعضهم حاصر كربلاء مدفن سيدنا الحسين رضي عنه، وفيها حرم شاه العجم أتت للزيارة، فلما بلغ الوالي إفساد العربان حول كربلاء خاف أن يصيب الزوّار ضرر فيرجع عليهم شاه العجم بالحرب والويل وتلومهم الدولة العليّة على إهمالهم في الإحكام حتى آل الأمر إلى هذه الحالة السيئة، فتوجه داود باشا بعسكر جرّار ونزل الحلة وصارت بينه وبين العصاة حروب، فإنكسر العصاة وتشتتوا في القفار ، فأرسل بعض عسكره إلى كربلاء لتأمين الزوّار، ولخفر الزوار من كربلاء إلى النجف ثم من النجف إلى بغداد بعد قضاء وطرهم إلى أن يقفلوا إلى بلادهم آمنين»(3).


1) صاحب مطالع السعود كان من كتاب السلاطين، فكل من كان يحاربهم داود باشا فهم أعداء بنظره ونسي نفسه أنه عربي من الوائليين العنزيين.

2) مطالع السعود/ص403 وص404.

3) مختصر مطالع السعود/ ص 120.

ثم توجه داود باشا بعسكره إلى مضارب عشيرة خزاعة، وفي طريقه عزل شيخ زبيد وأقام محله (شَفَلّح الشلال) وألزمهم بمحافظة الطريق، ثم أغار على عشائر جبور الواوي وبعد معارك حامية تمكن منهم ونهب أموالهم ومواشيهم وبعض ممتلكاتهم ونقلت إلى بغداد ، ثم عسكر قرب الديوانية ليحاصر الخزاعل وعندها تعهد أكبر شيوخ الخزاعل (محسن الغانم) على دفع ما عليهم وقد دفعوا قسماً منها.

جاء في كتاب دوحة الوزراء للشيخ رسول الكركوكلي في حوادث سنة 1229 ه وبعنوان (تعيين داود أفندي قائداً على الحلة والحسكة) ما نصه: «لقد كانت عودة الوزير (1)من الحلة وإنصراف رغبته عن مواصلة السفر إلى الخزاعل مدعاة للقال والقيل وباعثاً على الإعتقاد بضعف الحكومة وخوفها من العشائر، مما شجع عشائر الجزيرة والشامية على الثورة سالكين سبيل الخزاعل والزبير(2)، وتبعتهم العشائر النجدية : الجربا والظفير والرولة، وإقتربت هذه العشائر شيئاً فشيئاً من المدن العراقية كالعتبات المقدسة والحلة ولم تتخذ الحكومة أي إجراء لإعادة الأمن إلى نصابه، فزاد سكوتها المتمردين تجاسراً وإقتربوا من مدينة الكاظمية والجانب الغربي من بغداد.

ومن غريب الإتفاق مجيء ما يقرب من الأربعين ألف زائر من الديار الإيرانية في تلك الظروف المحفوفة بالمخاطر لزيارة العتبات المقدسة، وتحرش الثوار بهم مما إضطرهم إلى التكتل والمكوث في العتبات المقدسة في شبه حصار، لعدم تمكنهم من التنقل من بلد إلى بلد. وكان بين هؤلاء الزوار حرم حاكم إيران وعياله مع جماعة من رؤساء الحكومة الإيرانية وخوانينها ووجوهها. ولما ضاق عليهم الأمر إتصلوا


1) يقصد به الوالي سعيد باشا بن سليمان باشا الكبير، وقد كان قد خرج في الحادي عشر من شهر ذي الحجة سنة 1228ه / كانون أول 1813م بنفسه لإخماد ثورة عشيرة الخزاعل في الفرات الأوسط، وعندما وصل الحلة أقام بها شهرين ليكمل إستعداداته، ولكن الجيش لم يتمكن من التقدم والإشتباك مع الخزاعل بسبب نقص المعدات وسوء الإدارة وتفكك القوات العسكرية وخوفاً من الهزيمة والخذلان بقي الوزير حائراً في الحلة، فإكتفى إرسال كتاب إلى الشيخ يدعوه للطاعة ودفع ما عليه من أموال للحكومة، فوعده شيخ الخزاعل بذلك، وقبل الوالي الوعد وهو يعلم بان الخزاعل لا تنصاع له، ولكنه إتخذ قبوله بالوعد حجة للرجوع إلى بغداد ليخرج من المأزق حفاظاً لماء الوجه.

2) ورد في النص (الزبير) والصحيح (الزُبيد).

بالحكومة المحلية وبالوزير مباشرة لإيجاد مخرج لهم، ولتأمين نقلهم وعودتهم بعد أداء الزيارة. وعندئذ فقط تحرك الوزير ورأى من الضروري إتخاذ إجراء فوري لضبط النظام وإعادة الأمن إلى هذه الأمكنة التي يرتادها الأجانب من كل مكان للزيارة، وقرر بعد التداول مع جماعته أن يعهد بمعالجة هذه الأوضاع إلى داود أفندي الدفتري السابق، وعيّنه قائداً على حملة عسكرية قوية. وقد إمتثل الموما إليه وخرج من بغداد في اليوم الرابع عشر من ذي القعدة متجهاً نحو الحلة، ولما إنتشر خبر قدومه بين الناس تهيب الثوار وفرّوا نحو البوادي من غير قتال، وبذلك عاد الأمن إلى المسالك والمدن، وتنفس الناس الصعداء.

ثم أرسل عدداً من قواته إلى كربلاء لتأمين جلب الزوّار من هناك ومرافقتهم إلى النجف الأشرف وإعادتهم ثانية إلى الحلة، مع تأمين وصولهم إلى بغداد في طريق عودتهم إلى ديارهم سالمين آمنین(1).

ومن كل ما تقدم فإن سبب ثورة العشائر وحصارها لكربلاء ومدن أخرى هو أن العشائر كانت تعاني من إنتشار الفساد الإداري وغياب العدالة، وقد شجعها على التمرد والثورة ضد حكومة المماليك هو فشل وخذلان الوالي سعيد باشا في مهاجمة الخزاعل وعودته إلى بغداد بدون أن يحصل على شيء وهو الأمر الذي أثر على سمعته وسمعة حكومة المماليك. وعندما ثارت في الفرات الأوسط عشائر الخزاعل وزبيد على الحكومة وقطعت الطرق وتعرضت للقوافل ومحاصرة كربلاء والزائرين فيها، وعدم تدخل الحكومة بسرعة فشمل هذا التمرد عشائر أخرى مثل شمّر الجربا والظفير، وبذلك انتشرت الفوضى. كما إن تحرك الحكومة لإنهاء الفوضى لم يخل من تدخل الحكومة الإيرانية وضغطها وإتصالاتها.


1) دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء الكركوكلي - ص 263 وص264.

الصراع العقائدي بين الأصوليين و (الشيخية والكشفية) في كربلاء

لم تسلم مدينة كربلاء من الصراعات الفقهية والعقائدية بين الأصوليين وهم الأكثرية في كربلاء وبعض الفرق الفقهية التي تختلف عن الأصوليين في بعض العقائد.

كانت كربلاء تضم الكثير من المرجعيات الدينية، ويدب فيها النشاط العلمي والفكري والأدبي. ومدرسة كربلاء الدينية في القرن الثاني عشر والثالث عشر للهجرة من مراكز المرجعية الدينية الشيعية لكثرة العلماء والمدارس الدينية المتواجدة فيها.

في العهد المملوكي والفوضى التي كانت تعيشها كربلاء نتيجة ضعف الحكومة، والتدخل الإيراني خاصة في زمن الشاه فتح علي القاجاري الذي أقحم نفسه في دعم الصراعات العقائدية داخل المذهب الواحد لأغراض لا تبتعد عن السياسة وفرض النفوذ والرغبة في التدخل بشؤون العراق من خلال دفعه شخصياً للكثير من رجال الدين للتوجه إلى العراق والاستقرار في مدن العتبات المقدسة وخاصة كربلاء، وكان ذلك واضحاً من إستدعائه للشيخ أحمد الإحسائي وتقديم الدعم له، وتشجيعه بالرجوع إلى العراق وبالذات إلى كربلاء لنشر أفكاره الجديدة، وفي نفس الوقت نجده يشجع آخرين للذهاب إلى كربلاء للوقوف أمام الأفكار الجديدة مثل البرغاني وغيره.

عاشت مدينة كربلاء صراعاً قبل هذا الوقت بين الأصوليين والإخباريين وكان الحكام القاجاريون في إيران هم الذين أوقدوا جذوة الصراع عندما قربوا الإخباريين ومن ثم دفعوهم إلى كربلاء. وحدث ما حدث.

وتتكرر الحالة مرّة أخرى، ولكن الصراع هذه المرة بين الإصوليين ومعهم الإخباريين الذين توحدوا ضد (الشيخية والكشفية)، فقد أخذ الصراع طابعاً عدائياً

هو التشهير والتكفير بل والتقاتل الذي وصل بين أتباع الفريقين، فظهرت المدينة في حالة غليان شديد يقوده العلماء من الطرفين.

كان الصراع قائماً بين الأصوليين والأخبارية بعد منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وبقي السجال بينهما قائماً لحين العقد الرابع من القرن الثالث عشر الهجري، وعندما لمع علامة كبير عربي الأصل مثل الشيخ أحمد الإحسائي وَمَلأت شهرته الآفاق، فإستشاط من لم يعجبه الحال من العلماء وجلهم من الإيرانيين غضباً من شيخ ينتسب إلى البداوة العربية ويصل إلى مرتبة متقدمة من العلوم المتنوعة، فهنا توحد الأصوليون والأخباريون على السواء ضده، ونسوا خلافاتهم، ولا تبتعد هذه الوقفة منهم عن الحسد والريبة، فكوّنوا جبهة ضدّه وقاموا بتلفيق التهم عليه بشتى الوسائل، مما زاد أتباعه إلى التمسك به، وإبتعد عنه من تأثر بمناوئيه.

يقول محمد حسن الطالقاني في ذلك: «ولاتزال الصراعات بينهم (يعني بهم الأصوليين والإخباريين) عجيبة ومخيفة تكاد تكون كل الصراعات الطائفية والملية والنحلية تتصاغر عند هذا الصراع الشيعي - الشيعي. إلا أن هذا الصراع خمد فترة إثر خروج عدو مشترك للجميع ، وهو عدو شيعي إمامي ولكن له فكر آخر، وهذا الفكر هو (الفكر الشيخي) أتباع أحمد الإحسائي...

ويقول الطالقاني... تألق نجم الإحسائي فتلقفته الأوساط العلمية بقبول حسن، وعُرف بغزارة العلم وسمو الفكر وعلو الثقافة وأشير عليه بالأنامل، وأجمع الكل على ورعه وتقواه وترسله وزهده في الزعامة الدينية ومتع الحياة كافة، ولذلك كثر الإقبال عليه وعظم في نفوس العامة على إختلاف طبقاتهم، وأخذت رياسته بالتوسع رغم إعراضه عنها، وأوشكت شهرته تغطي العلماء المعاصرين له، فلم يهن ذلك على بعضهم، بل ضاقوا به ذرعاً وإمتلأت صدورهم عليه حقداً وصمموا على دكه، غير أن المد الشعبي ومكانته الجماهيرية كانت ترهبهم، فلزموا الصمت إلا أنهم بدأوا يعملون في الخفاء للإطاحة به...

من هنا وجد كل من الأصولية والإخبارية، أن الإحسائي قد خرج كمارد من قمقم سحري، وقد هددهم في مكانتهم عند العامة، ففضّوا إشتباكهم وقرروا الإتحاد في وجه الخصم الجديد.

وللأسف الشديد نجد هذا الإسلوب طالما حدث وقام به رجال الدين مع خصومهم سواء كانوا من الشيعة أو من غيرهم والأمثلة كثيرة على ذلك.

وفي مكان آخر يقول الطالقاني عن موقف البرغاني(1)

فلا غرو في قتل (التقي) إذا قضى***قضى وهو محمود النقيبة والأصل

له أسوة بالطهر (حيدرة) الرضا***وقاتله ضاهى ابن ملجم بالفعل

الذي أخذ على عاتقه

بداية التصدي للإحسائي حيث قال... وبدأ البرغاني يعمل للإنتقام من الإحسائي والوقيعة به، وأخذ يتحين الفرص ويتسقط كلامه للحصول على مدخل يلج منه، وممسك يتذرع به، وحانت الفرصة للبرغاني أن يلعب لعبته ويحقق رغبته فأضاف إلى الآراء بعض الكفريات ونشرها بين العوام، ونسب الإحسائي إلى تضليل العوام بآرائه وغلوّه في الأئمة وكفره، وإنتشرت اخبار تكفير الإحسائي في بقية المدن الإيرانية، وواصل الإحسائي سفره إلى خراسان، وكلما مرَّ بمدينة وجد الإنقسام حوله واضحاً، ففريق يتجاهله ويعرض عنه وآخر يبالغ في تعظيمه تعصباً، وكتب البرغاني الشهيد الثالث إلى علماء كربلاء بأنه كفّرَ الإحسائي وطلب متابعتهم في ذلك، فإستجابوا وإرتفعت الأصوات معلنة كُفْره، وصار الناس في حيرة مما حدث، ثم سادت الخصومة وتوسع الخلاف وظهر لدى الشيعة مبدأ جديد وقبرت خلافات الإخباريين والأصوليين وحلّت محلها الشيخية وخصومها.


1) هو العلامة محمد تقي بن محمد البرغاني القزويني المعبّر عنه بالشهيد الثالث طوراً وبالرابع تارة. كان من جهابذة العلماء النابهين ومن المحققين ولد في برغان من قرى الري وقام بتحصيل العلم في قزوين ثم هاجر إلى إصفهان وتخرج على علمائها، ثم إرتحل إلى الحائر الحسيني الشريف (كربلاء) وتتلمذ على يد العلامة السيد علي الطباطبائي (صاحب الرياض) وبقي فترة طويلة في كربلاء ومنها رجع إلى قزوين وتقلد الزعامة الروحية فيها. وكان يروي عن إستاذه صاحب الرياض وعن الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء، ومن مؤلفاته كتاب منهج الإجتهاد في شرح شرايع الإسلام من الطهارة إلى الديات، بأربع وعشرون مجلداً، وكتاب عيون الأصول وكتاب مجالس المتقين. وقد حارب (البابية) وأفتى بكفرهم على رؤوس الأشهاد . وقام نفر منهم بطعنه وهو في المسجد يتهيأ لصلاة الفجر، وبعد يومين من الجراحات العميقة التي تلقاها من قاتليه توفي ودفن في مقبرة (شاهزادة حسين في قزوين)، وكانت حادثة قتله سنة 1264ه /1848م. رثاه العلامة الشيخ درويش علي بن حسين بن علي بن محمد البغدادي المولود سنة 1220ه والمتوفى سنة 1277ه بقصيدة منها:

عند ذلك توالت التكفيرات ضد الشيخية من العلماء وكان منهم السيد علي الطباطبائي والسيد إبراهيم القزويني والدربندي والشريعة مداري والمازندراني وغيرهم، وكان جميعهم من الإيرانيين أصلاً.

يقول الطالقاني في مكان آخر ... ظل الإحسائي يعمل من جانبه على رتق الفتق

الكلمة وإخماد الفتنة، ويدعو إلى جمع وعدم شق عصا المسلمين وتفريق صفوفهم، ويحذر من الإختلاف لأنه يضعف الشيعة ويشمت بهم اعداءهم، وظل خصومه من جانبهم يغذون التفرقة وينمون دواعي الإختلاف، وكان أن قاموا بعمل أبشع من كل ما عملوا، وتصرف أقبح من سائر ما إرتكبوا... رفعوا إلى الوالي العثماني في بغداد (داود باشا) كتاب الإحسائي شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، وأطلعوه على مواضع منه فيها تعريض وطعن في أبي بكر وعمر ... ولما أوغروا صدر الوالي أراد هذا قتله(1).

أخذ الإحسائي يرد على مؤاخذات خصومه بإسلوب علمي وحجج منطقية ويُفسّر أقواله المشتبه بها، ونفى عنه التهم الغير صحيحة، وتبرأ علناً من كل ما يخالف عقائد الشيعة الإمامية وإنه لم يقل في مجلس أو يسجله في كتاب ما أتهم به، ودعا القوم مراراً للإجتماع والمداولة ولكنه لم يلق إذناً صاغية، ولم يُلتفت إلى طلبه ... وذكر الإحسائي على ما حدث له في كربلاء وإلى ما وصل إليه القوم من إسفاف وإجحاف وظلم وإعتداء كصرف الأموال لشراء الذمم وإستئجار الأعوان للتنكيل به وبث الإشاعات ضده.

الشيخية

طريقة أو (فرقة) من الشيعة الإمامية الإثني عشرية كما يسميها البعض، أسسها الشيخ أحمد الإحسائي، وسميت بالشيخية على إسم مؤسسها (الشيخ) أحمد، ويرفضون تسميتها بفرقة أو طريقة إنما يطلقون عليها المدرسة الشيخية لتعدادها مع المدرستين الأصولية والإخبارية، وفي قناعتنا إنها مدرسة من المدارس الفقهية لدى الشيعة الإمامية الإثني عشرية فهي ليست مذهباً أو فرقة وإنما لهذه المدرسة وجهة نظر في بعض (الفروع بالإضافة إلى إبتعادها عن الرأي والإجتهاد، وعند


1) الشيخية نشأتها وتطورها محمد حسن الطالقاني - الصفحات ،93 ، 95 ، 96 ، 102، 104، 109، 112

الشيخ احمد الأدلة في إستنباط الأحكام الشرعية هي أربعة كما عند الأصوليين وهي الكتاب والسنة والعقل والإجماع. ويُقلّد أتباعها من يرونه الأفضل في حمل وإستيعاب أحكام الشريعة ولا يبتعدون كثيراً عن الأصوليين والإخباريين فهم يرون ماجاء في الكتاب وسنة الرسول(صلی الله علیه و آله وسلم) وما ورد عن أئمة آل البيت الأطهار منهاجاً لا يختلف عن غيرهم، رغم أنهم أتهموا من قبل مناوئيهم بأمور تخرجهم عن الأصولية في معتقدهم، كما يتهمون أفكارهم بأنها تخرج عن أصل المعتقد.

كان لزاماً الحديث عن مؤسس هذه المدرسة (الشيخ احمد الإحسائي) وعن تلميذه وخليفته (السيد كاظم الرشتي)، لأنهما عاشا في كربلاء وإنتشرت أفكارهما فيها، وشهدا الصراع المحتدم الذي جرى بينهما وبين الأصوليين وما رافق هذا الصراع من أحداث.

الشيخ أحمد الإحسائي

هو الشيخ أحمد بن زين الدين بن إبراهيم بن صقر بن إبراهيم بن داغر بن راشد بن وهيم بن شرموخ آل صقر المطيرفي الإحسائي البحراني، المولود في الإحساء في شهر رجب من عام 1166 ه / 1753م.

الصورة

189

الشيخ أحمد الإحسائي بريشة الرسام الخاص للشاه فتح علي القاجاري

إرتحل الشيخ أحمد إلى كربلاء ودرس فيها على يد علمائها من الأصوليين ومنهم العلامة السيد علي الطباطبائي (صاحب الرياض)، وأكمل دراسته العلمية على يده في رجب عام 1212ه / 1797م.

ترك الشيخ أحمد الإحسائي كربلاء إثر واقعة الوهابيين عام 1216ه / 1802م قاصداً (خراسان)، ومنها عاد إلى البصرة وعمل مدرّساً دينياً فيها، وبدأ يعلن عن أفكار كان يختزنها تتعمق في ظواهر الشريعة، مبنيّة على طريقة (الكشف) وعلى الرؤيا والإلهام في المنام.

وإتفق أن سمع الشاه الإيراني فتح علي القاجاري بالشيخ أحمد فأرسل إليه، ولبى الدعوة ووصل إلى (طهران) وقابل الشاه فيها، ثم إتخذ مدينة (يزد) مقراً له ولمدرسته، وبدأ يبث فيها أفكاره الجديدة.

ثم دعاه (محمد علي ميرزا) ابن الشاه فتح علي القاجاري إلى (كرمنشاه) وبقي فيها برعاية الشاهزادة محمد علي، وأعلن في كرمنشاه علميته وذلك لحصوله الإجازة بالرواية والتدريس من علماء النجف وكربلاء.

و ممن أجازه من مراجع التقليد هم : العلامة والمجتهد الأكبر في زمانه الشيخ جعفر كاشف الغطاء. والعلامة السيد علي الطباطبائي (صاحب الرياض). والعلامة السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي . والعلامة السيد الميرزا محمد مهدي الشهرستاني. كما أجازه العلامة الشيخ حسين الدرازي البحراني.

وممن أخذ منه جمع من العلماء الكبار ، وأخذوا الإجازة منه وهم: الشيخ محمد إبراهيم الكرباسي. الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر). الشيخ أسد الله الكاظمي الأنصاري الشيخ أحمد النراقي. السيد عبد الله شبّر. ويقال بأن العلامة الكبير الشيخ مرتضى الأنصاري صاحب (المكاسب) كانت له إجازة من الشيخ الإحسائي.

إنتقل مرّة أخرى إلى كربلاء عام 1237 ه / 1822 م بعد وفاة محمد علي ميرزا بن فتح علي شاه القاجاري في كرمنشاه.

عندما إستوطن كربلاء إنشغل بتدريس أصول الكافي للكليني والإستبصار للطوسي وتفرّغ للعلم والأدب. إهتم بالأصول والفروع وعلم الحديث... فإلتف

حوله مريدون وأتباع تأثروا بعلمه وأفكار جديدة كان يتلوها على طلابه، مما دعا بعض العلماء الأصوليين المعاصرين له أن يقفوا منه موقف المعارض لأفكاره.

وما ذكره المرحوم العلامة العربي الكبير الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء بحق الشيخ أحمد الإحسائي في كتابه الآيات البينات عندما ترجم الإحسائي دليل واضح، حيث قال:

«... كان العارف الشهير الشيخ أحمد الإحسائي في أوائل القرن الثالث عشر، وحضر على السيد بحر العلوم وكاشف الغطاء (1)وله منهما إجازة تدل على مقامه عندهم وعند سائر علماء ذلك العصر. والحق أنه رجل من أكابر علماء الإمامية وعرفائهم، وكان على غاية الورع والزهد والإجتهاد في العبادة كما سمعناه ممن نثق به ممن عاصره ورآه، نعم له كلمات في مؤلفاته مجملة متشابهة لا يجوز من أجلها التهجم والجرأة على تكفيره».

وفي إحدى المناظرات التي جرت بينه وبين أحد العلماء الكبار في كربلاء وهو الشيخ محمد تقي البرغاني (الشهيد الثالث) أمام مجموعة من العلماء الإمامية، الذين تحاوروا معه في أفكاره الجديدة وعقيدته في (المعراج) وكذلك في (البعث)، فلم يرق للشيخ محمد تقي البرغاني ما سمعه من الشيخ الإحسائي، فأعلن بأنه ضال عن الشريعة الإمامية الأصولية، وتم تكفيره أمام الجميع وتبعه علماء الأصولية، وإتهموه بأن عقيدته أفسدت من إتبعه مما أدّى إلى ظهور الفتن داخل مدينة كربلاء، كما إتهموه بأنه السبب في نشوب المعارك الدامية التي حدثت بين أتباعه وخصومه، والتي أدت بالنهاية إلى فراره من كربلاء وسافر بأهله بعد أن باع كل ما يملك قاصداً حج بیت الله الحرام، وترك في كربلاء تلميذه وخليفته السيد كاظم الرشتي. ومغادرته كربلاء كانت قبل واقعة المناخور.

فالشيخ أحمد الاحسائي هو مؤسس المدرسة الشيخية، وبعد وفاته أسس تلميذه السيد كاظم الرشتي الطريقة (الكشفية) التي هي إمتداد للشيخية، والتي إعتبرها تطوراً في فكرها ومعتقدها... وسوف نأتي إلى بحثها لاحقاً.


1) يقصد به العلامة الكبير المرحوم الشيخ (جعفر كاشف الغطاء) المتصدي للمرجعية في زمانه.

إضطر الشيخ أحمد الإحسائي إلى مغادرة كربلاء بعد أن وصل إلى أسماع الوالي المملوكي (داود باشا) بأنه يطعن بالخلفاء الراشدين عدا الإمام علي(علیه السلام)، رغم أن الشيخ كانت له صلات جيدة بداود باشا...

سافر بكامل أهل بيته إلى الحجاز تاركاً تلميذه وخليفته السيد كاظم الرشتي في كربلاء. وتوفي الشيخ أحمد الإحسائي بعد نزوحه للحجاز بفترة قصيرة بمرض الإسهال في قرية (هدية) قرب المدينة المنورة في شهر ذي القعدة عام 1242ه / 1826م و دفن بالمدينة رحمه الله.

وقد مدحه تلميذه المرحوم السيد كاظم الرشتي في كتابه (دليل المتحيرين) وبالغ في مدحه وشرح رغبة أستاذه بمجاورة مرقد الإمام الحسين(علیه السلام) ومما قاله: فلما إستقر به الجلوس بعد مدة مديدة، حامت عليه الشبهات والأقاويل وإحتدم الصراع بين الشيخ الذي إدعى الرؤيا والإلهام والكشف في المنام، وأن رسول الله(صلی الله علیه و آله وسلم) جاءه الرؤيا الصادقة فأمدّه من ريقه الشريف وسقاه منه إلى أن إرتوى. فتعلم من العلوم والأسرار وأشرقت من أفق قلبه مطالع الأنوار وبين سائر المجتهدين من رجال العلم والفقه والقضاء والفتوى... إلخ.

وذكر تلميذه أيضاً مواقف علماء الدين الأصوليين مع أستاذه، وإستمر في مدحه بشكل مسهب كما وجّه إنتقاداً للعلماء المناوئين لأستاذه.

عندما نقرأ كتاب السيد كاظم الرشتي (دليل المتحيرين) وهو يتحدث عن أستاذه الشيخ أحمد الإحسائي نجد في الكتاب الكثير من الكلمات والأفكار المبهمة، لكونها باطنية وغير مفهومة وما يدل من كلامه أنه متأثر بأستاذه الإحسائي بشكل كبير، فانظر ماذا يقول الرشتي في دليل المتحيّرين : ... والعجب أنه في كل كلماته جمع ما كان في الكل، بل في كل جزء من أجزاء كلامه ما كان في الكل إن لاحظت في الكل البعض، فالبعض إجمال وبيان وإن لاحظت الأول مع الآخر لم يتم المقصود بأوضح التبيان وإن لاحظت المتوسطين في الأول يظهر لك كل موجود وإن لاحظتها في الثاني ينكشف لك كل مفقود وإن لاحظتها بالإفتراق يدلك على الاجتماع وإن نظرت بالإجتماع يدلك على الإفتراق ولعمري إن هذا الكلام مطابق لكتاب التدويني الذي إجتمع فيه خبرنا كما كان في الكل، ثم قلت لا عجب فإن المرء مخبوء تحت لسانه

والكلام على مقدار عقل المتكلم وسعة معرفته وإحاطته وهو أعلا الله مقامه ومتعنا بفيضاته ورفع أعلامه، قد شرب من شراب المعرفة وتجرع كؤوس المحبة فسكر فلا يرى الصحو أبداً...

إلى أن يقول السيد الرشتي... لا نتكلم إلاّ على ما يمكننا معرفته وإدراكه ويكتم ما عنده من الأسرار ويصون في قلبه الشريف تلك الأنوار. وهذا ما إنعقدت عليه ضرورة الإسلام من ان الظاهر لا يعارض النص وإن كل أحد إذا بين مراده يصدق لأنه أعلم بما في قلبه وأدرى بما عنده والكلام يجري على المجازات والكنايات والإستعارات ويجوز للعالم ان يجري كلامه كيف شاء ولا لوم عليه ولا عيب...

ومن مؤلفات الشيخ أحمد المشهورة كتابه (شرح الزيارة الجامعة الكبرى)، وكتاب (العصمة والرجعة)، و (حياة النفس) ، و (شرح العرشية والمشاعر) للملا صدر الدين الشيرازي ، و (الرجعة) وغيرها من الكتب والرسائل والحواشي.

إنتقد الكثير من العلماء أفكار الشيخ الإحسائي وردوا عليه بكتب معروفة منها كتاب (هدية النملة للميرزا محمد رضا الهمداني، وكتاب (ظهور الحقية على فرقة الشيخية للسيد محمد مهدي الكاظمي القزويني، وغيرها من الكتب والمنشورات الكثيرة.

وكتاب (رسالة الشيخية والبابية) أو (الشيخية والبابية أو المفاسد العالمية) للشيخ محمد بن محمد مهدي الخالصي (1)، الذي كان ، من أشد الكتب والرسائل على الشيخية، فقد ناقش فيه كتاب (إرشاد العوام) وإستخرج منه المثالب على المدرسة الشيخية، ولا يغيب عن بالنا بأن هناك صراعاً إحتدم بين المدرسة الخالصية في الكاظمية وبين اتباع المدرسة الشيخية، ووصل الخلاف إلى أن أتهم الشيخية بمحاولة إغتيال الشيخ محمد الخالصي ... وغيرها من الكتب...

ومن المعاصرين لنا ذكر عنهم مؤلف كتاب (حقيقة البابية والبهائية) النص التالي:


1) الشيخية والبابية / من منشورات ديوان النشر والترجمة والتأليف لجامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير في الكاظمية - الدورة الثانية - العدد الثاني - مطبعة المعارف – بغداد.

«ويسندون إليه انه كان لا يعتقد بقيامة الجسد ويؤولون علامات الساعة تأويلات باطنية تتفق مع مسلكهم في إنكار البعث والقيامة(1). ويذكر هؤلاء العلماء أن الشيخية يقولون أن الحقيقة المحمدية تجلت في الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم تجلياً ضعيفاً ثم تجلت أقوى في محمد والأئمة الإثني عشر، ثم إختفت زهاء ألف سنة وتجلت في الشيخ أحمد الإحسائي والسيد كاظم الرشتي ثم تجلت في كريم خان الكرماني وأولاده إلى أبي قاسم خان. وهذا التجلي هو أعظم التجليات الله. والأنبياء والأئمة والركن الرابع من الشيخ أحمد الإحسائي إلى ما بعده هم شيء واحد يختلفون في الصورة ويتحدون في الحقيقة التي هي الله ظهر فيهم.

ويعتقدون أن محمداً رسول الله، وأن الأئمة الإثني عشر هم أئمة الهدى. ومعنى الرسالة والإمامة عندهم أن الله تجلى في هذه الصورة، فمنهم رسول ومنهم إمام. ويعتقدون أن اللاحقين هم أفضل من السابقين. وعلى ذلك فالشيخ أحمد في رأي أصحابه أعظم من الأنبياء والمرسلين ويعتقد هؤلاء بالرجعة ويفسرونها بأن الله بعد أن غاب عن صور الأئمة، رجع وتجلى تجلياً أقوى في الركن الرابع الذي هو الشيخ أحمد ومن يأتي بعده(2).


1) هذا المقطع أشار إليه مؤلف حقيقة البابية والبهائية معتمداً في احد مصادره على (مطالع الأنوار) ص33، وبالعودة للمصدر لم نجد في تلك الصفحة أي إشارة لما سطره، وهذا مأخذ على المؤلف.

2) حقيقة البابية والبهائية / الدكتور محسن عبد الحميد - ص 31 من الطبعة الرابعة 1980م. ونقول: إن المؤلف حاول في كتابه هذا جمع المثالب وخاصة على الشيخية والكشفية، محاولاً تحميل مسؤولية تكوين البابية والبهائية عليهما ، معتمداً على خصومهما بدون دراسة واقعية وحقيقية لمنطق العقائد، ويستشف من كتابه هذا هو نقد الفكر الشيعي من خلال إستغلال نشوء الصراعات العقائية فيه، والمعروف عن الدكتور محسن عبد الحميد بانه من المتشددين طائفياً، من خلال إنتماءه للأخوان المسلمين. وكنا نجده ذو أفكار عروبية متهجما على الصهيونية اليهودية والإمبريالية والصليبية في المؤتمرات الإسلامية التي كنا نحضرها سوية قبل الاحتلال الأمريكي للعراق، وفي مقدمة كتابه هذا وفي ص5 منه وتحديداً في المقدمة عن زميل بهائي له فيقول : «أنه لا يتجاوب معنا في كثير من القضايا الجوهرية التي تتصل بتراثنا، ومعالم حياتنا الجديدة، ومشاكل أمتنا القائمة. وفي مقدمتها الإستعمار المتكالب علينا والصهيونية اليهودية الفاغرة فاها لإبتلاعنا، وتذويب شخصيتنا، وتشكيكنا في لغتنا، وتحريفنا عن حقائق شريعتنا ...»، وبعد الاحتلال (الأمريكي الصليبي الصهيوني اليهودي) في سنة 2003م نجده من أوائل المتعاونين مع سلطات الاحتلال، وأصبح عضواً في مجلس الحكم الذي أوجده الاحتلال !!. فما عدا مما بدا؟. وحسناً فعل سماحة العلامة الجليل السيد علي عبدالله الموسوي بالرد على كتابه هذا بكتاب سماه حقائق علمية وتاريخية قبل صدور الطبعة الرابعة، ولكن الدكتور محسن لم يشر إلى ماجاء بالرد العلمي والموثق لسماحة السيد بل إكتفى بالإشارة للرد في ص32 ناعتاً الرد بأنه جاء بإسلوب غير علمي ... والحقيقة ان المؤلف لم يتمكن من الرد على السيد للحقائق الواردة فيه !!

السيد كاظم الرشتي

السيد كاظم الرشتي عالم دين ذاعت شهرته في الأوساط الدينية والإجتماعية والسياسية في كربلاء خصوصاً وعلى نطاق العراق وإيران عموماً، وكان من رجال القرن الثالث عشر الهجري.

إختلف الكثير من الرواة في ترجمته، وأصبح في حينه على قدر كبير من الشهرة، وكان له مؤيدون ومناوئون في آن واحد بسبب الظروف التي مرّت بمدينة كربلاء من وقائع وأحداث ونشوء فرق مذهبية وتعاملات سياسية مع الدولة في ذلك الوقت.

يجمع المؤرخون على ان السيد كاظم هو من أهل (رشت) الإيرانية الواقعة شمال إيران وعلى مقربة من بحر قزوين. ولد في رشت سنة 1205ه / 1790م.

وجاء إلى كربلاء وكان من تلامذة الشيخ أحمد الإحسائي مؤسس الفرقة الكشفية، وعند وفاة أستاذه الإحسائي فقد قام مقامه وأسس (الطريقة الكشفية)، ولم يقف أحد عن نسب السيد كاظم الصحيح، وكل ما قيل عن نسبه كان محل شك وإعتراض لدى الغالبية، وقد ترجمه أتباعه وذكروا بأن إسمه هو: السيد كاظم بن قاسم بن حبيب الحسيني الرشتي. توفي السيد كاظم الرشتي في كربلاء سنة 1259ه / 1843م، وهذا ما لم يختلف عليه أحد، وكانت وفاته بعد واقعة نجيب باشا (غدير دم) بسنة واحدة.

كان للسيد كاظم حينها مواقف تتناقض مع مواقف أهل المدينة حيث كان أقرب إلى الوالي الجزار الظالم محمد نجيب باشا من أهل المدينة التي آوته وأعلت شأنه، ولأغراض سياسية وشخصية سنذكرها عند شرحنا للواقعة.

الصورة

196

صورة السيد كاظم الرشتي كانت إلى وقت قريب معلقة في ديوانه

جاء في القاموس الإسلامي عن أحمد عطية الله ما نصه:

«هو السيد كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي من فقهاء الشيعة الإمامية إرتحل إلى العراق وسكن كربلاء، وكان الرشتي من تلامذة الإحسائي الذي تنسب إليه الطريقة الشيخية فتابع دعوته مبشراً بقرب ظهور المهدي، وأسس ما عُرف بالطريقة الكشفية وتتلمذ عليه ( علي محمد الشيرازي) مؤسس الحركة البابية».

وذكره العلامة المرحوم الشيخ أغا بزرك الطهراني في موسوعته (طبقات أعلام الشيعة) حيث قال:

«السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي الحائري (المتوفى بها سنة 1259ه)، أرشد تلاميذ الشيخ أحمد الإحسائي، وحاله أشهر من أن يُذكر.

له تصانيف كثيرة، منها شرح الخطبة النطنجية، واللوامع الحسينية، وأصول العقائد، ودليل المتحيرين، وشرح قصيدة عبد الباقي العمري(1)اللامية في مدح الإمام الكاظم(علیه السلام)، كلها مطبوعة.

وطبع جملة من رسائله في مجلدين وذكر هو نفسه فهرس تصانيفه في عدة أوراق، أورده في (نجوم السماء) بعينه، يربو مجموعها (من الكتب والرسائل) على مائة وخمسين»(2).

كما ذكر ترجمته المرحوم السيد عبد الرزاق الحسني في كتابه البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم(3).

أصبح السيد الرشتي التلميذ المتميز والمقرب لدى الشيخ الإحسائي، ومن ثم أصبح خليفته بعد هجرته ووفاته. وإكتسب السيد الرشتي مكانته العلمية في كربلاء، وإشتهر من خلال طريقته التي ابتدعها وهي الكشفية... وكذلك كان شديد الإلتزام والعلاقة بالوالي العثماني مهما كان سلوك الوالي، فمن خلال الوقائع التي حدثت في كربلاء نراه كان قريباً بشكل دائم مع (الحكومة)، ومواقفه هذه لم تكن مقبولة من أهل مدينة كربلاء، وخاصة موقفه الأخير في واقعة نجيب باشا الذي كان ضد زعماء المدينة والأهالي ونتيجة مواقفه هذه فقد أخذ منه الكربلائيون مواقف مناوئة... وطالما وقفت المؤسسة الدينية الأصولية في كربلاء ضده وضد أفكاره التي إعتبروها خارجة عن نطاق الفقه والأصول...

ربما كان هذا الموقف هو الذي جعل بالسيد كاظم أن يقف مع الوالي العثماني. ومما يثير الإستغراب هو أن الحكم كان لمماليك الدولة العثمانية، وهو إيراني ومن أتباع ومؤيدي الأسرة التي كانت تحكم إيران وهم (القاجاريين)، وكانت له علاقة وثيقة


1) هو عبد الباقي بن سليمان العُمري الموصلي المولود في الموصل سنة 1204ه /1790م والمتوفى بها سنة 1278ه / 1861م. شاعر مشهور وله قصائد كثيرة يمدح فيها آل البيت(علیه السلام)، وله ديوان شعر ومؤلفات منها نزهة الدهر في تراجم فضلاء العصر. تقلد عدة مناصب في الموصل وبغداد.

2) طبقات اعلام الشيعة الشيخ أغا بزرك الطهراني - ج 12 ص 269 وص 270 ، ط 1 سنة 1430ه / 2009م - دار إحياء التراث العربي – بيروت.

3) البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم السيد عبد الرزاق الحسني – ص 10.

بإبن شاه إيران وعلاقته الحميمة بالأمير القاجاري في كربلاء. ولا يخفى على أحد وقتئذ الصراع المستديم بين الإيرانيين والأتراك !!

وُجهت إنتقادات شديدة من قبل علماء الأصوليين إلى الشيخ أحمد الإحسائي وتلميذه الرشتي، بل صبّوا جام تهجمهم على السيد كاظم الرشتي وإتهموه بإتهامات شتی منها التشكيك أصلاً بإسلامه، بل وبعمالته إلى روسيا التي كانت تعادي إيران أيام القاجاريين حيث قال أحد المنتقدين عن السيد كاظم الرشتي:

«بأنه قسيس نصراني تسلل بين المسلمين وإرتدى زيهم وأعلن بأنه مسلم شيعي إثني عشري وبث دسائسه من وراء ستار الغش والتضليل».(1)بالرغم من أن الرشتي هو الإبن الروحي للشيخ الإحسائي وخليفته على مدرسته، فقد خالف أستاذه في بعض أفكاره ومفاهيمه، ووصل به المآل لأن يؤسس ويبتدع طريقة جديدة سميت بالفرقة (الكشفية)، ونعتقد بأن الكثير من الشبهات والإنتقادات التي وُجهت إلى الشيخية كان سببها الأكبر هو تلميذه السيد كاظم الرشتي الذي غالى في شيخه واستاذه من ناحية وإبتداعه بعد موت أستاذه طريقة جديدة أسندها إلى أفكار الشيخية.

والذي يطۀلع بشكل واسع على أفكار الشيخية سيجد بسهولة أن الكشفية ومؤسسها خرجوا أصلاً عن الكثير من مفاهيم الشيخ أحمد الإحسائي، وإذا قال شخص بأن (الشيخية) هي السبب في ظهور البابية ومن ثم البهائية فقد إبتعد عن الصواب.

لإعتقادنا بأن (الكشفية) هي التي تتحمل هذا الإتهام، والسبب هو أن السيد كاظم الرشتي صرّح باقوال له بقرب ظهور الباب ولكن العامة يجمعون بين أفكار الشيخية والكشفية وهناك اصلاً فرق شاسع خاصة فيما نسب لمن جاء بعد الرشتي مثل الكرماني وجوهر وغيرهما.

أصبح للسيد كاظم أتباع ومريدون إنتشروا في عدة أماكن من العراق وإيران. وقد ترك السيد كاظم الرشتي أتباعه بعد وفاته وهم في صراع مع الأصوليين، مما دعا


1) الشيخ محمد بن العلامة المجاهد الشيخ محمد مهدي الخالصي الكبير في بحث عن الشيخية والبابية. ونعتقد بأن هذا النعت جاء نتيجة الصراع بين المدرسة الخالصية في الكاظمية مع أتباع الشيخية.

بأحد أتباعه وهو الميرزا كريم خان الكرماني لأن يؤسس الطريقة (الركنية)، وجاء بعده الشيخ حسن كوهر، والميرزا محمد باقر أسلم الأسكوني وحفيده أغا علي، وكل هؤلاء من الإيرانيين!

ويقول البعض أن من نتائج هذه العقائد - الشيخية – والكشفية – والركنية هو ظهور (البابية) التي أسست فيما بعد لـ (البهائية)، ولو أن الشيخية والكشفية ينكرون علاقتهم بذلك.

توفي السيد كاظم الرشتي عام 1259 ه / 1843م (1)بعد واقعة نجيب باشا حيث لم يترك فيها أثراً حسنا لدى أهالي كربلاء.

تعمدنا أن نوجز الحديث عن الشيخية والكشفية ومؤسسيهما، لتبيان حجم الصراع الذي جرى في مدينة كربلاء حينها، وكان شغل الناس الشاغل ما يدور بين الفريقين وأتباعهما، فقد عاشت مدينة كربلاء ولوقت طويل أوضاعاً لا تُحسد عليها، وبقيت آثار ذلك الصراع بائنة إلى وقت قريب، وحدثت نتيجة الصراع هذا وقائع كانت سبباً في إنقسام أهل المدينة.


1) اعقب السيد كاظم الرشتي ولده المرحوم السيد أحمد وفي الذي قتل عند إحدى بوابات الصحن الحسيني وهو متوجه إلى بيته وذلك في عام 1295ه / 1878م ، وقد إحتل مكان والده في ترأسه للطريقة، واعقب السيد أحمد وفي ولداً واحداً هو السيد قاسم الذي اعقب ثلاثة اولاد هم السيد محمد مهدي والسيد أحمد وفي والسيد فيضي، ولهؤلاء أبناء وأحفاد في كربلاء يلقبون اليوم بآل (الرشدي).

واقعة المناخور

واقعة المناخور أو (الميرآخور) هذه حدثت في كربلاء في زمن والي بغداد (داود باشا) (1)آخر الولاة المماليك . سمّيت هذه الواقعة بالمناخور نسبة إلى قائد الجيش الذي حاصر كربلاء وقاد الهجوم عليها وهو (سليمان ميرآخور) أمير الإصطبل.

كانت مدن العراق في تلك الفترة تدار من قبل أهلها مثل النجف والحلة وكربلاء وغيرها الكثير، حيث كان فيها الحكم محلي لضعف الدولة العثمانية وإستقلال الولاة المماليك عنها وسوء أدارتهم للعراق. وهم المماليك الوحيد هو ما تدفعه المدن من مستحقات وضرائب لمقر الولاية.

عندما سيطر داود باشا على العراق، بعث بعض أتباعه الأشداء لتولي القصبات، أمثال صالح آغا حاكم المحاويل ورستم آغا حاكم الكوفة وأحمد آغا متولي المسيب ومنهم قاسم بك.

فأرسل (صالح أغا الأندروتي) إلى النجف الذي قضى على ثورة (عباس الحداد فيها . وكاتب أهل الحلة فأجابوه مكرهين فأرسل إليهم عساكره فخربوا الديار ودمروا بساتين الأشجار والنخيل وتم الإستيلاء على الحلة وهدموا أسوارها وإستولوا على السلاح فيها.

كما عيّن (فتح الله خان) (2)حاكمًا لقصبة كربلاء. وفي 23 شوال 1234ه أصدر فرمان (بيولوردي) بتولية السيد حسين بن مرتضى النقيب (آل دراج) نقابة أشراف كربلاء.


1) داود باشا إستلم أيالة بغداد بعد إغتيال (سعيد باشا) سنة 1234ه / 1818م ، وطمع داود باشا في إستقلاله بالعراق، وحكم إلى عام 1247ه الموافق لعام 1831م ، أي ما يقارب ثلاث عشرة سنة وإنتهى حكمه عندما زحف (علي باشا اللاز) على بغداد وقبض على داود باشا، وبذلك إنتهى حكم المماليك في العراق.

2) عُيّن حاكماً إدارياً على كربلاء سنة 1234ه / 1819م ، وقُتل في كربلاء سنة 1237ه/1821م.

وأسند سدانة الروضة الحسينية إلى السيد محمد علي بن عباس بن نعمة الله آل طعمة(1). كما أسند سدانة الروضة العباسية المقدسة إلى السيد سلطان بن ثابت آل ثابت (2)

والسادة آل ثابت في كربلاء لهم تاريخ مجيد وكانوا ولازالوا من وجهاء البلد.

.

وأرسل حامية مؤلفة من خمسمائة شخص من(الأرناؤوط) (3)لحماية قصبة كربلاء.

مقتل حاكم كربلاء فتح علي خان

يُذكر بأن حاكم كربلاء ومتوليها (فتح الله خان) كان شديداً على الكربلائيين، وقد أساء التصرف معهم وفرض عليهم الضرائب الباهظة، وقام بالتدخل في جزئيات ما يقوم به أهل المدينة، وأنه لم يكن يُعير إهتماماً لقدسية العتبات المقدسة فيها.

كما أطلق يد (اليرمازية) الشقاة و(الأرناؤوط) من جيش الوالي في الضغط على الأهالي وإيذائهم، مما دعا أهل المدينة إلى رفع الشكاوى والإحتجاج إلى الوالي داود باشا الذي لم يهتم بدوره لهذه الشكاوى بل إلتزم جانب الحاكم. عند ذلك قرر الأهالي تدبير خطة محكمة ضد فتح الله خان)، وتم قتله ومعه أخيه، وتم حز رأسيهما وطيف بهما في أزقة المدينة. فتفرق شمل الجيش (الأرناؤوط) وكذلك (اليرمازية) الشقاة، وكان ذلك في العشرة الأولى من شهر محرم سنة 1237 ه / 1821م.


1) هو المرحوم السيد محمد علي بن عباس بن نعمة الله بن يحيى بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة (الثالث) بن السيد علم الدين بن طعمة (الثاني) بن شرف الدين نقيب الأشراف بن السيد طعمة (الأول) كمال الدين (نقيب الأشراف) بن أبي جعفر أحمد بن يحيى ضياء الدين بن أبي جعفر محمد بن السيد احمد شمس الدين الملقب أحمد بن هاشم ناظر رأس العين بن أبي الفائز محمد (الذي سميت قبيلة آل فائز بإسمه وهم آل طعمة وآل نصر الله وآل ضياء الدين وآل مساعد - عوج - وآل تاجر وآل سيد أمين).

2) هو السيد سلطان بن ثابت بن درويش بن محمد بن حسين بن ناصر بن ثابت (الذي ينتسب إليه السادة آل ثابت في كربلاء). ويرجع نسبه إلى السيد يحيى زحيك من نسل السيد موسى أبو سبحة بن إبراهيم المرتضى (الأصغر) بن الإمام موسى الكاظم(علیه السلام). وكان السيد سلطان حاكم كربلاء المطلق في واقعة المناخور ، أعقب ولده السيد (سعيد) الذي تولى سدانة الروضة العباسية من سنة 1265ه إلى سنة 1285ه/ 1848م إلى 1868م ، وكان السيد سعيد متزوجاً من إبنة شاه إيران (فتح علي القاجاري).

3) الأرناؤوط... فصيل خاص من الجيش التركي لهم مزايا خاصة ويختارون بعناية لغرض الشدّة.

عندما علم داود باشا بمقتل (فتح الله خان) وأخيه(1)قام بإرسال مندوباً عنه إلى علماء كربلاء وطلب منهم مغادرة المدينة لأنه عازم على إجتياح كربلاء.

عقد العلماء إجتماعاً وقرروا إرسال وفد إلى الوالي داود باشا لمفاوضته وعقد الصلح بينه وبين الكربلائيين، فتم للوفد ما أرادوا... وعيّن الوالي حاكماً جديداً لقصبة كربلاء هو (علي أفندي)(2)خلفاً للحاكم المقتول.

وأعفى السيد محمد علي بن عباس بن نعمة الله آل طعمة من سدانة الروضة الحسينية وجعله نائباً للمتولي أو الحاكم الجديد لكربلاء. وأن يدفع الكربلائيون (35000) خمسة وثلاثون ألف (قران)(3)فضة كضريبة سنوية.

جاء وا أسوارها وإستولوا على السلاح فيها خيل وتم الإستيلاء على الحلة وعندما أصبحت سدانة الحسين شاغرة تدخل نقيب أشراف كربلاء السيد حسين النقيب آل دراج طالباً من الوالي (داود باشا) تعيين صهره (زوج إبنته) السيد محمد علي بن السيد محمد موسى(4)الملقب (أبو ردن) سادنا للروضة الحسينية.


1) فكر الكربلائيون بالاستعداد للوثوب ضد المتولي فتح الله خان وجماعته اليرمازية وعسكره من الأرناؤوط، فأعدوا خطة للإنتقام منه فدعوه إلى وليمة غداء تقام له في إحدى بساتين كربلاء، وعندما حان موعد الوليمة حضر الحاكم راكباً على جواده يحيط به الفرسان من الأرناؤوط وكانوا مدججين بالسلاح وهم في غاية الخيلاء والغرور وترجلوا في مكان الوليمة الذي كان في بستان يقع في الضواحي الشمالية من المدينة في منطقة (الهيابي)، وإثناء تناول الحاكم وجماعته الطعام هجم عليه ثلاثون رجلاً من الأهالي وكانوا مسلحين بالبنادق والسيوف والعصي. وأطلق النار على الحاكم الذي أصيب برصاصتين وأصيب أخوه الذي كان معه برصاصة واحدة وإشتبك الأهالي معهم، فجرد الحاكم سيفه وهو مصاب وحمل على الأهالي مع فرسانه ، فلم يمهلوه الأهالي طويلا حيث هجم عليه رجل يدعى (جاسم) حاملاً سيفاً بيده فأسرع إلى ضرب الحاكم الذي سقط على الأرض وتم حز رأسه، وقُتل أخوه أيضاً وحزّ رأسه ... وعند هذا المشهد تفرق شمل الفرسان وهربوا من المكان، وأُخِذَ رأساهما وطِيفَ بهما في أزقة المدينة وإنضم لهم الأهالي وهم يرددون (الهوسات). وكان ذلك في الخامس من محرم سنة 1437ه / 1821م.

2) كان قد عُيّن سنة 1237ه / 1821م وحكم كربلاء قرابة ثلاثة أشهر وقُتل.

3) القران - من العملات الإيرانية التي كانت متداولة في العراق وهي من الفضة. ومن سكة (محمد شاه) وكانت تساوي وقتها ثلاثة قروش بالعملة التركية حينذاك.

4) هو السيد محمد علي بن محمد موسی شرف الدین بن درویش بن شرف الدين بن عباس بن شرف الدين بن هاشم بن محمد بن شرف الدين الكبير بن طعمة الأول كمال الدين من آل فائز ... لقب السيد بـ (أبوردن) لأنه كان يرتدي ثوباً لا يرتديه إلّا الفارس أو الزعيم، وعند عشائر العرب كان الذي يرتدي ثوباً فيه اردان طويلة عندما يهز (ردنه) في المجلس فإن الكل يخضع لرأيه ويقاتلون معه. كان سيداً جليلا مهاباً شجاعاً ذو رفعة ونفوذ كبير، وقد صاهر نقيب كربلاء السيد حسين الدراج.

وافق داود باشا على شرط أن يتعاون النقيب والسادن الجديد مع متولي كربلاء وحاكمها الجديد (علي أفندي)، وأن يوقفا الحرب والعدوان والعصيان، وأن يسلّما قتلة المتولي السابق.

مقتل علي أفندي حاكم كربلاء الجديد

يتضح مما تقدم أن نقيب كربلاء السيد حسين الدراج وسادن الحسين السيد محمد علي أبو ردن هما الشخصان الممسكان بزمام الأمور في كربلاء إثناء تلك المرحلة، بعد أن تبين أن لا الحاكم الجديد (علي أفندي) ولا نائبه السيد محمد علي آل طعمة الذي فضّل المنصب الإداري الحكومي على سدانة الروضة الحسينية والتي تعتبر منذ عدة قرون هي الموقع المؤثر الأول في المدينة لما يمتاز شاغل هذا المكان بهالة من الأهمية والإعتبار الكبير ... أن يتمكنا من عمل أي شيء.

ولم يسلّم النقيب ولا السادن الجديد قتلة الحاكم السابق، مما دعا إلى تحرك اليرمازية والأرناؤوط وقتلوا علي أفندي وإبنه الكبير في ربيع الثاني سنة 1237ه / 1821م، وفرار إبنه الثاني إلى بغداد. وبعملهم هذا أرادوا أن يشحنوا داود باشا بإلقاء تبعة مقتل (علي أفندي) وإبنه على الكربلائيين لإشعال فتيل الفتنة، حتى يعطوا الوالي داود باشا العذر بمهاجمة كربلاء. واليرمازية هم الشقاة الذين كانوا يتبعون الدولة باطناً، وفي الظاهر يبينون للأهالي أنهم يقومون بخدمة المدينة وأهلها. وزاد من ذلك شكوى الإبن الثاني للحاكم إلى داود باشا مطالباً إياه بتأديب الكربلائيين لقتلهم أبيه!!

بادر علماء كربلاء والنجف وأرسلوا وفداً إلى داود باشا برئاسة المرحوم العلامة الشيخ (موسى بن الشيخ جعفر آل كاشف الغطاء)(1)المصلح الكبير.


1) سبق وأن قام الشيخ موسى كاشف الغطاء بدور المصلح بين الحكومة الإيرانية وحكومة داود باشا في بغداد، حيث جرى وقتها إعتداء على أحد الأمراء القاجاريين وهو (الشاه زادة محمد علي ميرزا) عندما جاء زائراً إلى كربلاء وبصحبته عائلته، وقد إعتدى عليهم الأرناؤوط وسلبوهم أموالهم وأساءوا إلى حريم الأمير. وتدخلت الحكومة الإيرانية مطالبة الوالي في بغداد الإقتصاص من الجناة. وتوسط الشيخ موسى بطلب من داود باشا لمنع حصول أي تدخل من الحكومة الإيرانية، وكان يتمتع الشيخ لدى الوالي بنفوذ كبير ولا يرد له طلب.

وبعد جهد جهيد تم التوصل إلى عقد الصلح مع الوالي، وساعد وزيره بجهود طيبة لإصلاح ذات البين والذي أشار إلى داود باشا بعدم تعيين متولي (حاكم) جديد لقصبة كربلاء وإنما الإكتفاء بنائب المتولي السيد محمد علي آل طعمة لعلّه يستطيع تمشية الأمور حسب رغبات الوالي(1). لكن الأمور لم تهدأ في كربلاء، عندها قام داود باشا بإتخاذ طريقة جديدة وخطة جهنمية للإيقاع بالكربلائيين بعد أن أخذ فتوى من علماء أهل السنّة بأن في مدينة كربلاء (مارقين) يسبون الخلفاء ويتطاولون على الصحابة مستنداً على كتاب الشيخ أحمد الإحسائي الموسوم (شرح الزيارة الجامعة). والحقيقة فإن داود باشا عُرف عنه شدة ميله الطائفي والمعادي لمنهج أهل البيت وكان يستعمل هذا الأسلوب القذر للوصول إلى غاياته.

تعيين سليمان آغا كتخدا حاكماً لكربلاء

عندما أخضع داود باشا الحلة بالقوة، قرر محاربة كربلاء، أشار عليه وزيره بكتمان حقده عليها واللجوء إلى الحيلة ببث الفرقة. فعيّن (سليمان آغا كتخدا) متولياً (حاكماً لقصبة كربلاء)(2). وعين المرحوم السيد وهاب بن السيد محمد علي آل طعمة(3)


1) نعتقد بان هذا الأمر كان محاكاً من قبل داود باشا لزيادة التفرقة بين أهالي كربلاء، حيث أن هناك خلافاً حاد وواضح سوف نذكره لاحقاً ضمن حوادث الواقعة بين نائب المتولي من جهة... والنقيب وسادني الحسين والعباس من جهة ثانية وما عمل داود باشا هذا إلا إتباع سياسة فرّق تسُدْ

2) تاريخ العراق بين إحتلالين / عباس العزاوي - ج 6 ص278.

3) هو السيد وهاب بن محمد علي بن عباس بن نعمة الله بن يحيى بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة (الثالث) بن علم الدين الفائزي وهو الجد الأعلى للسادة آل الوهاب من آل طعمة. أستلم السيد وهاب السدانة والنقابة وحاكمية كربلاء فى فترات مختلفة اثناء الصراعات الدائرة في كربلاء في عهد المماليك. وفي واقعة المناخور كان يقف بجانب الوالي داود باشا ضد زعماء كربلاء ، مما إضطرهم إلى محاربته ومن ثم هروبه، بينما نجد أن له موقف مغاير في حادثة نجيب باشا ( غدير دم) فقد وقف مع أبناء بلدته ورؤسائها موقفاً مشرفا وتعرّض بعدها إلى الملاحقة والضرر. وسيجد القارئ تفاصيل كاملة ضمن سرد الأحداث الخاصة بكربلاء إثناء الحوادث التي نحن بصددها.

سادناًللحسين بتوجيه من السيد محمد مهدي القزويني(1)والد زوجته.

وكان السيد وهاب شاباً قليل الخبرة مستنداً على موقف والد زوجته ومكانته العلمية. وأعفى الوالي داود باشا السيد محمد علي بن موسى أبو ردن من سدانة الروضة الحسينية.

وفي حديث ذي صلة، فإن تخاصم رجال الدين المتنفذين فيما بينهم وجلّهم من الأصول الإيرانية المتواجدين والمقيمين في كربلاء، قد أثر على مجريات الأحداث وتعميق الخصومات وتغليب المصالح الشخصية على الصالح العام. والعمل على تقويض نفوذ وسلطة الآخر والتقرب من رؤساء المدينة بالمصاهرات لغايات يعرفها الناس ولا تنطلي عليهم.

أخذ داود باشا يغيّر المناصب في كربلاء، فتارة يعزل نقيب كربلاء ويسند النقابة إلى السيد و (هاب آل طعمة)، وتارة أخرى يسلّم إدارة المدينة إلى السيد (سلطان آل ثابت) ويعفيه منها ويسلمها إلى السيد (محمد علي أبو ردن)...

فأساس هذه الأفعال هو خلق التفرقة والشقاق ولا بد أن بعض رجال الدين أو العلماء كان لهم دور في التأثير على داود باشا، بدليل أن لداود باشا علاقة خاصة بهم وقد أرسل إليهم وفداً في بداية الأحداث حثهم على مغادرة كربلاء لأنه عازم على إجتياحها، مما جعلهم قريبين منه وبدا لهم بأن الوالي يكن إحتراماً لهم!!

لابد أن نذكر بأن جملة الأحداث التي وقعت في عهد المماليك كان الناس فيها ينقسمون إلى قسمين، قسم صغير ومنهم: رجال الدين الايرانيون وأتباعهم وهم يقفون دائماً مع باشوات العراق (الولاة) الأتراك ومنهم المماليك. والقسم الآخر والأكبر كانوا ضد الحكم التركي المملوكي ويقودهم سادات وأشراف البلد الأصليون والوطنيون من الكربلائيين ورؤساء العشائر العربية ورؤساء المناطق والمحلات.


1) هو السيد محمد مهدي بن محمد باقر بن عبد الكريم بن نعمة الله القزويني الموسوي، هاجر والده محمد باقر وعمه محمد علي من قزوين في إيران سنة 1185ه / 1771م إلى النجف وإنتقل أولادهم إلى كربلاء. والسيد محمد مهدي هو شقيق العلامة السيد إبراهيم القزويني (صاحب الضوابط).

والذي زاد الطين بلة عندما جمع الوالي المناصب الثلاث بيد السيد وهاب وهي السدانة والنقابة وتولية قصبة كربلاء. مما دعا ذلك إلى نفور أهل المدينة منه لإنقياده خلف والد زوجته القزويني، وخلف بعض الحفدة والحاشية والمتزلفين المحيطين به، ومن ثم سقوطه في أحضان داود باشا ليضغط على رؤساء كربلاء.

بهذه التطورات نجد أن نقيب كربلاء السيد حسين آل دراج لم يُستدرج إلى المؤامرة التي يحيكها داود باشا وبقي صلباً لتمتعه بعقل راجح ودماثة خلق وكرم وإستمر نفوذه الواسع في الوسط الكربلائي لمحبة أهل المدينة له. وحتى أن متولي كربلاء الجديد (سليمان آغا كتخدا) عندما عينه داود باشا في أوائل عام 1239 ه / 1823م، لم يخرج النقيب لاستقباله ولم يقابله... وبعد خمسة أشهر من قدومه بعث له النقيب هدية وهنأه بمنصبه الجديد، فأجابه الحاكم بتاريخ 10 شوال 1 من نفس السنة يخبره بوصول الهدية ويشكره عليها ، ويخبره بناءاً على أوامر تلقاها من الباشا بالعفو عما سلف شريطة أن ينهج النقيب نهجاً صالحاً ويطيع أوامر الوالي داود باشا(1).

لكن الجفاء إستمر بين المتولي والنقيب لقيام المتولي بالضغط على أهل المدينة ومطالبتهم بالضرائب، فإشتكى النقيب السيد حسين إلى داود باشا على ما يقوم به المتولي، مما إضطر الوالي إلى سحبه من كربلاء.

ولمِا كان يَضْمره داود باشا من شر وسوء لأهل كربلاء، قام بعمل زاد به شقة الخلاف، فقد إستدعى السيد (وهاب آل طعمة) سادن الروضة الحسينية إلى بغداد وتحادث معه طويلاً، وأسند إليه جميع المناصب المهمة في كربلاء. وعاد إلى كربلاء يحمل الفرمان (البيولوردي) ومعه ثلاثة من (الجوخدارية) وذلك في 15 رمضان 1241ه / 1826م.

كان هؤلاء الثلاثة من العناصر المشكوك فيهم والذي كان السيد وهاب يعتمد عليهم، فقد كانوا من أرباب السوابق وهم: غزول السالم ومحمد الشامي وإبن عيسى مما أثر ذلك على نفور أهل المدينة من السيد وهاب لانقياده إلى داود باشا وإرتمائه في


1) تاريخ العراق بين إحتلالين / عباس العزاوي ج 6 ص 287. ونعتقد من مجريات الأحداث إن تعيين سليمان أغا كان سنة 1240ه، وأن المؤرخ العزاوي لم يشر إلى مصدر معين.

أحضانه لتفضيله مصلحته الذاتية على مصلحة مدينته ، وأهلها، وكذلك وقوفه ضد رؤساء وأشراف المدينة. وأخذ ينفّذ ما يمليه عليه الوالي ضد مصلحة الكربلائيين، وزاد هذا النفور إتخاذه حاشية وحفدة فاسقين يحيطون به، يعتبرهم الكربلائيون من أهل السوء والمصلحية...

وهنا إرتاب السيد النقيب من الأمر ودعا السيد محمد علي موسى أبوردن سادن الحسين المعزول، والسيد سلطان آل ثابت سادن العباس المعزول أيضاً إلى إجتماع في داره... بعدها طلبوا من السيد وهاب أن يسلّمهم هؤلاء الثلاثة بإعتبارهم من اليرمازية والشقاة. فعارضهم السيد وهاب مما دعا بالنقيب الايعاز إلى جماعته بالقبض عليهم.

فتصدى السيد وهاب وجماعته لرجال النقيب وحدثت مشادات، وتطور الأمر إلى نشوب قتال بين الطرفين يوم 20 رمضان 1241ه ولعلع صوت الرصاص في سماء المدينة. وهاجم أهل المدينة دار السيد وهاب وأضرموا فيها النار وقبضوا على السيد وهاب وإعتقلوه في دار النقيب وتوسط العلامة محمد حسين الشهرستاني، وأنقذ السيد وهاب وحافظ عليه في داره.

فهرب السيد وهاب بصحبة والد زوجته السيد محمد مهدي القزويني إلى بغداد لإبلاغ داود باشا بما حدث في كربلاء، وأوغل صدر داود باشا على المدينة متناسياً أنه من أبنائها (1)، واضعاً مصلحته الشخصية فوق مصلحة مدينته وأهلها، غير مبال بالعواقب التي سوف تحدث، يسانده والد زوجته على ذلك، مما دعا بداود


1) من المؤسف أن يوعز السيد محمد حسن الكليدار مؤلف كتاب مدينة الحسين في السلسلة الثالثة منه، أن النقيب إتخذ هذا الإجراء نتيجة عزله عن نقابة الأشراف ... وكأن الموضوع شخصي بين الإثنين، والحقيقة هي أن النقيب أساءه إرتماء السيد وهاب في أحضان الوالي، وإتخاذه أشخاص يرافقونه من الأغراب ومن المشكوك فيهم من النفعية والحفدة والحاشية السيّئة، وكان النقيب وأشراف وسادات ورؤساء كربلاء أكبر من المناصب، وتهمهم مصلحة المدينة وأهلها ... ولكن مؤلف (مدينة الحسين) كان يخالف الحقيقة في تحليله للوقائع بسبب تعصبه للأسرة التي ينتمي إليها والسيد وهاب المذكور. فيما يحاول تارة مدح النقيب ويصف السيد وهاب بأنه شاب ويلتف حوله حفدة وحاشية ... إلا أنه مهيب الجانب وكل رؤساء كربلاء يمشون خلفه مهابة له، وقد ذكر ذلك في السلسلة الثالثة ص 209 وص 210 منه ويمكن للقارئ الرجوع لما كتبه عن السيد وهاب وعلاقته بالوالي وعن شخصيته التي نقل عنها نص ما ورد في (كاشف الإعجاز ) ، حتى لا تُحْسَب من طرف الإنتقاد !!!.

باشا إلى محاربة أهل مدينة كربلاء بواقعة المناخور التي إبتدأت في 13 شوال سنة 1241ه / 1826م.

عُقدت عدة إجتماعات في كربلاء على ضوء التصوّر الذي طرحه السيد النقيب، وقد ناقشت الاجتماعات كل الاحتمالات وكما يلي:

الموقف في كربلاء قبل نشوب الواقعة بإسبوعين

عندما علم النقيب بهروب السيد وهاب آل طعمة إلى بغداد، وهو يعلم مسبقاً ما يكنه داود باشا من حقد على كربلاء وما سوف يضيفه السيد وهاب إليه من تحريض، دعا النقيب في اليوم الأول لعيد الفطر أي في 1 شوال 1241ه إلى وليمة غداء وحضر الدعوة رؤساء البلدة وتداولوا الأمور وما يجب أن يتخذوه من إجراءات لتوقعه فتنة سوف تحدث، ولابد أن يتشاور مع رؤساء المدينة.

الاجتماع الأول ضم علماء الدين وجُلّهم من الأصول الإيرانية، وبعض الايرانيين المقيمين في كربلاء وبعض رؤساء المناطق. وتم الاجتماع في بيت السيد محمد حسين بن محمد مهدي الشهرستاني(1)، الذي كان يقف بصف النقيب والسيد محمد علي موسى أبو ردن، لأنه وأباه كانا على خصومة مع السيد محمد مهدي القزويني الساند الأول للسيد وهاب. وقد ترأس الاجتماع بنفسه وضم كلاً من السيد صالح الداماد (2)والسيد محمد


1) السيد محمد مهدي الشهرستاني هو محمد مهدي بن أبي القاسم بن روح الله بن جلال الدين الحسن بن المرزا رفيع الدين محمد الصدر بن جلال الدين محمد أبو الفتوح بن زين الدين علي بن صدر الدين. ويقال أن نسبه يرجع إلى موسى أبو سبحة بن إبراهيم المرتضى بن الإمام الكاظم(علیه السلام). ولد في (إصفهان) عام 1130ه /1717م ، وترعرع في بلدة (شهرستان) وإرتحل إلى كربلاء عام 1188ه /1774م. درس على يد علماء كربلاء مثل الشيخ يوسف البحراني والشيخ محمد مهدي الفتوني وأجازوه وأصبح من العلماء المقلدين. إشترى داراً في الجهة الشمالية من الروضة الحسينية قرب باب السدرة، وأصبح هذا البيت يسمى بـ(ديوان الشهرستاني). وتوفي سنة 1216ه / 1801م في كربلاء. وإبنه العلامة السيد محمد حسين المتوفى بالطاعون سنة 1247ه / 1831م، وكان له دور في واقعة المناخور وهو على خلاف مع السيد محمد مهدي القزويني والد زوجة السيد وهاب طعمة.

2) السيد صالح الداماد هو صالح بن حسن بن السيد يوسف الموسوي و (داماد) كلمة فارسية تعني (صهر)، وجاء هذا اللقب إليه لأن والده السيد حسن كان صهر العلامة السيد علي الطباطبائي، الذي كان في زمانه من اكابر العلماء في كربلاء. كان السيد صالح عالماً فقيهاً غيوراً على كربلاء، ومن الثوار والمدافعين عنها في واقعتي المناخور ونجيب باشا، وبعد واقعة نجيب باشا تم إلقاء القبض عليه وأخذ أسيراً ونفي إلى كركوك، وتم التوسط له واطلق سراحه وأرسل إلى طهران في زمن ناصر الدين شاه وسمي هناك بـ (ميرصالح عرب). ومن مؤلفاته (زهو الرياض) و(المذب في الاصول) وغيرها. توفى سنة 1303ه / 1885م ودفن في كربلاء.

بن السيد علي (صاحب الرياض) الطباطبائي (1)

والشيخ باقر الكازروني والحاج محمد علي خان(2)رئيس البلوش والحاج أحمد الندّاف، وحضره الأمير الإيراني حسن خان الذي كان من أتباع (شاه زادة بلوجرد القزلباشي) وكان يسكن كربلاء، وهو الذي أخضر معه من إيران السيد كاظم الرشتي. كما حضر الاجتماع الكثير من أبناء كربلاء ذوي الأصول العربية العريقة مصطفين مع الحاج محمد علي خان، وكان حضورهم في هذا الاجتماع له مغزىً


1) السيد علي الطباطبائي (صاحب الرياض) هو من مشاهير علماء القرن الثاني عشر الهجري. ولد في الكاظمية سنة 1161 ه / 1748م ، وتتلمذ على علماء عصره وتصدّر للتدريس والفتيا في كربلاء. ومن مؤلفاته (الرياض في فقه الامامية) الذي إشتهر به بإسم (صاحب الرياض)، وله مؤلفات أخرى. توفي سنة 1231ه / 1815م، ودفن في الرواق الشرقي من الحرم الحسيني ما يلي قبور الشهداء. وأعقب ولده الوحيد (محمد) الذي لقب فيما بعد بالسيد (محمد المجاهد) الذي أفتى بمحاربة الروس عندما إندلعت الحرب الإيرانية الروسية حول آذربايجان. ولد السيد محمد سنة 1180ه- /1766 في كربلاء، وأصبح من العلماء الكبار وتزعم الطائفة في زمانه. ومن مؤلفاته كتاب (المفاتيح) وكتاب (المناهل) وغيرها. وتوفي السيد محمد سنة 1242ه / 1827م في كربلاء ودفن في مقبرة خاصة تقع في رأس سوق التجار الكبير. وقد شيّد على قبره ضريح تعلوه قبة خضراء. وتم إزالة القبر عام 1979م عندما جرت التوسعات الأولى لمشروع ما بين الحرمين.

2) محمد علي خان هو محمد علي بن الشيخ طالب بن حمود بن صايل السنعوسي. الذي يرجع نسبه إلى قبيلة (شمر) العربية. وكانت ديارهم قديما في عين التمر (شثاثة) ، وعندما هاجم الوهابيون كربلاء وعملوا ما عملوا بها، نزح الحاج محمد علي الذي لقب فيما بعد (خان) مع بعض أفراد عشيرته من عين التمر وسكن كربلاء في محلة باب النجف، ليكون هو وعشيرته من المدافعين عن المدينة عند تعرّضها إلى غزو أو إعتداء على حرمات العتبات فيها. كان ذا مال وحلال وأسس له ديواناً في محلة باب النجف ملاصقاً لزقاق البلوش من جهة زقاق كدا علي ممتداً إلى شارع الجمهورية الحالي، الذي عاد إلى حفيده الشيخ حمود (المتوفى سنة 1355ه / 1936م) بن مهدي بن حسين بن محمد علي خان بن الشيخ طالب السنعوسي، ولم يعقب الشيخ حمود سوى بنتين ولازال الديوان قائماً بمساحة 910م مربع وقد وضعت الأوقاف يدها عليه سنة 1949م. والحاج محمد علي خان من أبطال واقعتي المناخور ونجيب باشا ( غدير دم). وكان يقود جمع البلوش الذين إلتفوا حوله وأصبحوا من اتباعه لبأسه وشدّته ووجاهته حيث كان من رجال كربلاء في زمانه.

خاص لكي لا يمرر المتخاذلون مواقفهم التي تؤثر على حماس أهل المدينة. وطرح في الاجتماع موضوع فتوى علماء بغداد التي أعطوها إلى داود باشا.

كان موقف أبناء المدينة الحاضرون في الاجتماع شجاعاً، فقرروا مقاومة داود باشا وجيشه في حال حصول الإعتداء على مدينتهم والمحافظة على قدسيتها وعتباتها المشرّفة. إلّا أن موقف أغلب علماء الدين كان سلبياً في الاجتماع، وقرروا ترك المدينة ومغادرتها إلى الكاظمية (وقد فعلوا ذلك وغادروها قبل الهجوم ) ...!! كما أن الأمير الإيراني (حسن خان ومرافقه كاظم الرشتي) عارضا فكرة مقاومة الوالي داود باشا في حالة محاربته لكربلاء، ودعوا إلى ضرورة إستسلام الكربلائيين(1).

مما حدا برئيس البلوش(2)

إشتهر البلوش بشدة بأسهم وشجاعتهم وتمرسهم على القتال نتيجة البيئة الصحراوية والقاسية ي يعيشون فيها . وتكونت لهم الخبرة في بناء القلاع والأسوار التي كانت تحتاجها مناطقهم التي ذكرناها وخاصة القريبة من الخليج . وبعد غزوة الوهابيين سنة 1216ه / 1801م وُجد الأمر أن المدينة تحتاج إلى سور جديد ومنيع يحميها من الغزو لتهالك سورها القديم، وكذلك إلى الحماية من قبل رجال ذوو بأس شديد ليساهموا في حمايتها، فتم جلب (2000) ألفي شخص من قبائل البلوش ليقوموا ببناء السور، وليقيموا في كربلاء ويجاوروا الحائر الحسيني ويكونوا من المدافعين عن المدينة وعتباتها مع أهل المدينة في حالة تعرضها إلى الهجوم او الغزو.

وإتخذ البلوش مساكن لهم في ازقتهم المعروفة اليوم بمنطقة البلوش في أطراف محلة باب النجف ملاصقين للسور الجنوبي من الداخل وإستقروا في المدينة وساهموا بعد ذلك في الوقائع والأحداث التي جرت في كربلاء، وكان جمعهم من أشد الجموع ضراوة وقوّة في واقعتي المناخور ونجيب باشا (غدير دم) وكانوا خلف قيادة الحاج محمد علي خان السنعوسي.

الحاج (محمد علي خان) إلى إخراجهم من الإجماع، حتى طردهم من كربلاء لنواياهم المحبطة لحالة الحماس التي كانت تسود المدينة.

1) يتبين من ذلك أثر التدخل الإيراني في أمور المدينة خاصة في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر الهجري، فماذا يعمل الامير الإيراني في كربلاء؟ ولماذا إصطحب من إيران السيد كاظم الرشتي معه ثم ما هذا الموقف المحيّر منهم؟ ... فهل كان لهم الحق في التدخل، أم أنه مخطط مرسوم بعيد النظر.

2) المشهور عن البلوش أنهم من القومية الفارسية لأنهم يسكنون مناطق جنوب وجنوب شرق إيران بمحاذاة سواحل الخليج العربي، وهي في الغالب صحارى من الناحية الجغرافية وتمتد إلى الجانب الغربي من باكستان في إقليم (بلوشستان). وجميع المناطق المذكورة أكانت في إيران أو في باكستان يسكنها أقوام من أصول عربية عريقة، وهم من أحفاد القبائل العربية التي شاركت جيش (محمد القاسم) عندما توجه من البصرة لفتح السند والهند من جنوب بلاد فارس، وسموا بعد ذلك بالبلوش، فهم ليسوا فرساً على الإطلاق كما يتصور البعض. لأن القومية الفارسية كانت متركزة في وسط إيران الحالية، إذا ما عرفنا ان إيران متكونة من عدة قوميات فالفرس كان مركزهم وسط إيران، وفي الشمال (الترك) الآذريين، وفي الغرب والشمال الغربي (الكرد) والجنوب والجنوب الشرقي (البلوش) وهم من أصول عربية والأفغان في الشرق والشمال الشرقي، وفي أقصى الجنوب الغربي (العرب) حيث تم احتلال وإستيلاء مناطقهم في ثلاثينات القرن العشرين وبدأت عملية التفريس فى مناطق الأحواز ومنها المحمرة وعبادان والحويزة وغيرها.

كما أن أهل المدينة يعلمون جيداً بتعاون السيد (كاظم الرشتي) مع داود باشا... وقرر المتواجدون الأصلاء من أهالي كربلاء الوقوف مع السيد حسين النقيب آل دراج نقيب كربلاء) بإعتباره زعيم ورائد لهم.

عُقد الاجتماع الثاني في دار السيد محمد علي بن محمد موسى شرف الدین السادة (أبوردن). ضم هذا الاجتماع جميع خدم الروضتين الحسينية والعباسية وفي مقدمتهم السيد مرتضى بن باقر بن حسن بن محمد أمين (1)(رئيس السادة آل سيد أمين الفائزيين الملقبين بآل جلوخان من آل فائز). والسيد محمد بن أحمد بن خليفة بن نعمة الله طعمة (2)بن (جد السادة المعروفين اليوم بآل الشروفي وآل خيمكة)، وكان السيد محمد متزوجاً من شقيقة السيد محمد علي أبو ردن. وحضر الاجتماع الزعيم الكربلائي المرحوم السيد إبراهيم الزعفراني (3)ومن عشائر كربلاء غير العلوية


1) هو المرحوم السيد مرتضى بن باقر بن حسن بن محمد أمين بن علي بن كاظم بن حسن بن علم الدین بن طعمة الثاني بن شرف الدين بن طعمة كمال الدين الفائزي. وهو جد السادة آل سيد أمين والذين يلقبون بـ (آل جلوخان الفائزيين) وهم غير آل جلوخان من آل سيد يوسف من قبيلة (زحيك).

2) هو المرحوم السيد محمد بن احمد بن خليفة بن نعمة الله بن طعمة الثالث بن علم الدين بن طعمة الثاني بن شرف الدين بن طعمة الأول كمال الدين الفائزي. وكان السيد محمد متزوجاً من شقيقة السيد محمد علي (أبو ردن) بن محمد موسى شرف الدين. كان رحمه الله وجيهاً شجاعاً كريماً، وهو الجد الأعلى لآل (خيمكّة) من آل طعمة متولي سدانة المخيم الحسيني، (وآل الشروفي) من آل طعمة. أعقب السيد محمد ولديه السيد سلطان والسيد مصطفى. ومن السيد سلطان كان أعقابه آل خيمكة، ومن السيد مصطفى كان اعقابه آل الشروفي، فآل الشروفي وآل خيمكة هم فخذ واحد من السادة الأشراف آل طعمة الفائزيين. ومن أحفاد السيد محمد هو المرحوم السيد مصطفى بن محمد علي بن مصطفى بن السيد محمد المذكور ، وقد تولى نيابة سدانة الروضة الحسينية وترأس عشيرته في حياته.

3) السيد إبراهيم الزعفراني هو إبراهيم أبو مصطفى بن هاشم بن مصطفى بن هاشم بن مصطفى بن مرتضى بن علي بن محمد بن العلامة السيد قاسم (الرضوي) بن إبراهيم بن شاه میر بن شكر الله بن نعمة الله بن قريش بن عطاء الله بن كمال الدين (الجد الأعلى للسادة الآلوسيين في بغداد وآلوس) ويرجع نسبه إلى موسى المبرقع بن الإمام الجواد بن الإمام الرضا بن الإمام موسى الكاظم عليهم السلام. وقد تولى عدد من آل الزعفراني سدانة الروضة الحسينية، ولقبوا بهذا الاسم لتعاطيهم قديما تجارة الزعفران، وفي راي آخر هو انهم كانوا يضعون الزعفران على الرز المطبوخ عندما يقدمونه في ولائمهم. وكانوا يسكنون في محلة باب الطاق، ولازال في كربلاء (طاق) بإسمهم يسمى طاق الزعفراني، وكذلك زقاق في المحلة يحمل إسمهم لوجود دورهم فيه. كان السيد إبراهيم الزعفراني من رؤساء كربلاء ومن أبرز أبطال واقعتي المناخور ونجيب باشا (وسيتم ذكر دوره في الحادثتين لاحقا).

حضره كل من الشيخ علي أبو شتيوي (1)الخفاجي (رئيس آل معيبد)، والشيخ طعمة العيد (2)السعدي (رئيس بني سعد). والشيخ حسون (رئيس عشيرة الوزون)(3)


1) هو علي بن جعفر بن محمد علي بن معيبد بن مهلهل الخفاجي وهو أحد أبطال كربلاء في واقعة المناخور ، فقد كان فارساً مغواراً، وكان رئيس جمع محلة باب بغداد باب العلوة) في تلك الواقعة. والمتوفي سنة 1293ه-/ 1876م بعد واقعة علي هدلة ولم يكن له عقب. وآل معيبد هم نفسهم (آل عمران) الذين ينتسبون إلى قبيلة خفاجة العربية، وقد سكنوا كربلاء في القرن الحادي عشر الهجري. وأول من سكن منهم هو المرحوم معيبد بن مهلهل الخفاجي. وبرز منهم رجال أفذاذ لهم مواقف مشهودة في الحوادث التي مرّت بكربلاء، وشارك العديد من رجالات هذه الأسرة في الحركات الوطنية لما يمتلكونه من حس وطني وصلابة في المواقف. و(عمران) بن موسى (الذي تلقب أحفاده بإسمه اليوم) هو ابن أخ علي أبو شتيوي. وإشتهر من آل معيبد المرحوم الحاج (عبد أبو ذان) بن حمود وهو ابن علي أبو شتيوي أيضا، وهو من المعمرين في كربلاء وكانت له إهتمامات في التاريخ والفقه واللغة والاصول، ويعتبر في زمانه من أدباء المدينة، وأعقب ولده المرحوم (كاظم أبو ذان) الذي كان من وجهاء كربلاء ومن رجال ثورة العشرين، وقد نفي من قبل الانكليز مع أحرار كربلاء إلى جزيرة هنجام، والمتوفي سنة 1385ه / 1965م بدون عقب.

2) طعمة العيد هو طعمة بن عيد بن علي بن سليمان السعدي. كان من أبطال كربلاء ومن رؤسائها وخاصة في واقعتي المناخور ونجيب باشا. وهو رئيس عشيرة بني سعد. وعشيرة (بني سعد) في كربلاء من العشائر الكبيرة والمهمة، وأول من سكن المدينة منهم في أوائل القرن الثاني عشر الهجري هو الشيخ علي بن سليمان السعدي جد طعمة العيد. ولبني سعد ماض مجيد ولهم الرياسة والوجاهة في المدينة. وإشتهر منهم فيما بعد الشيخ علوان الجار الله وكان من رؤساء كربلاء ومن أبطال واقعة حمزة بيك، وكان من المشاركين في ثورة العشرين، وهو علوان بن جار الله بن طعمة بن عيد بن علي بن سليمان السعدي.

3) الوزون - بطن من قبيلة خفاجة، ولهم تاريخ مجيد في كربلاء من خلال مواقفهم الوطنية وخاصة في وقائع كربلاء ضد الأتراك، كذلك ضد الاحتلال الانكليزي، وخاصة في ثورة العشرين وبعدها. وبرز منهم أفذاذ مثل عمر وعثمان ولدا علوان بن فليح بن جدوع ونفي عمر المتوفي سنة 1931م وأخوه عثمان المتوفي سنة 1938م من قبل الانكليز إلى جزيرة هنجام. وكان لهم موقف في واقعة حمزة بيك. وأنتخب عثمان نائباً عن كربلاء في البرلمان. ومن الوزون من إستشهد في واقعة حمزة بيك أمثال مرهون بن حسن الوزني ومحمد ظاهر .الوزني. كما برز من الوزون في النصف الثاني من القرن العشرين أمثال دندح وحسين وعباس الحمادي والوزون عشيرة معروفة وكبيرة في كربلاء وكانت لهم منطقة بإسمهم في محلة باب بغداد (باب العلوة) بل سميت المحلة بإسمهم في بعض الأوقات ولازال فيها زقاق لحد الآن يسمى (عكد الوزون) وكان يترأسهم أيام واقعة المناخور المرحوم الشيخ حسون الوزني. ولهم تواجد في باب السلالمة وفي محلة العباسية. ولا يزال لهم ثقل كبير في مدينة كربلاء.

وغيرهم الكثير ...

وقد عزم الجميع على مقاتلة داود باشا وجيشه في حالة إعتداءه على مدينتهم المقدسة. إقترح عليهم السيد محمد علي أبو ردن بأن ينتخبوا النقيب السيد حسين آل دراج قائداً لهم على أن يطيعوا أوامره، فوافقوا بالإجماع على ريادة النقيب لهم.

الاجتماع الثالث عُقد في دار النقيب السيد حسين آل دراج، وحضرت هذا الاجتماع الأسر العلوية في كربلاء من آل زحيك وهم آل النقيب (دراج)، وآل ثابت وآل الإشيقر وآل سيد يوسف.

ومن العشائر العربية غير العلوية من سكنة مدينة كربلاء أمثال آل العوّاد والسلاميين ورئيسهم محمد بن حمزة ، والكبيسات برئاسة الشيخ حاجم، وكذلك من خفاجة ومنهم الطهامزة والوزون، ومن عشيرة الحميرات، والكثير من أهالي كربلاء. وخلاصة ما دار في الاجتماعات الثلاث التي سادتها الحماسة، العقد على مواجهة أي خطر يداهم المدينة، وإبعاد المتخاذلين وخاصة الايرانيين الذين سكنوا كربلاء وتنعموا بها وممن وقف ضد الدفاع عنها...

فقد أعلم النقيب بذلك فأقام وليمة كبيرة في ديوانه الكبير الواقع قرب باب قبلة الإمام الحسين(علیه السلام) ، دعا إليها الكربلائيين على إختلاف طبقاتهم، وسبق الوليمة أجتماع عام تمخض عنه ما يلي:

1- إجتماع الرأي على أن يكون السيد النقيب الحاكم العام لكربلاء، وينوب عنه ابن عمه السيد حسن بن محمد كنعان (1).


1) السيد حسن هو ابن السيد محمد كنعان بن حسن بن عباس بن بهاء الدين بن أحمد بن محمد الدراج. إستشهد والده مع ابن عمه السيد علي بن مرتضى النقيب في واقعة الوهابيين سنة 1216ه.

2- تعيين السيد سلطان بن ثابت آل ثابت حاكماً إدارياً، ويتولي فض المنازعات العشائرية والأمور الادارية في كربلاء.

3- إسناد سدانة الروضتين المقدستين الحسينية والعباسية إلى السيد محمد علي موسى أبو ردن.

4- تعيين رؤساء الأطراف (المحلات) بمثابة قادة ميدانيين، وتقع على عاتقهم مسؤولية حماية أطرافهم.

5-تم إتخاذ قرارات مهمة جداً لمواجهة الموقف في حالة الهجوم على كربلاء، مثل تأمين السلاح والعتاد وتهيئة المواد الأولية لذلك... وكذلك تهيئة التموينات مثل الطعام والماء في حالة حدوث حصار على المدينة.

6-الاهتمام الجدي بتقوية وترصين سور وأبواب المدينة على وجه السرعة. وتهيئة السور والأبواب كنقاط للدفاع والهجوم.

الاستعدادات في كربلاء قبل بدأ الواقعة

إتخذت إجراءات عديدة تحسباً للمواجهة فكان لمدينة كربلاء سور قائم يحيط بها، ويرتفع السور عن ما جاوره من مباني داخل القصبة ويشرف كذلك على ضواحي المدينة من الخارج. كانت الضواحي تكثر فيها البساتين وتحيط بالمدينة خلا الطرق التي تتجه إلى أبواب السور الستة. وكان على جانبي كل باب بناء أشبه بالحصن المحكم، وفي هذه الحصون المقامة على الأبواب كان يتحكم الرجال ليل نهار للحراسة وتجنب المباغتة من الخارج. فأخذت الاستعدادات الكاملة وقسمت الأبواب الستة على مجاميع من سكان البلدة، فكل باب عليه مجموعتان أو أكثر، وعلى كل مجموعة رئيس يتولى قيادة المجموعة، وهم متهيأون للدفاع عن البلدة وخلفهم سكان المدينة وكانوا على شكل مجاميع من الأفراد داخل كل طرف أو محلة، علماً ان المحلات كانت تسمى بأسماء أبواب السور. وأخذت المجاميع المرابطة على السور والأبواب بإشعال النيران مساءاً وَيُتعاقب على حراستها.

1- باب بغداد (باب العلوة): كان عليها فريقان الأول بقيادة الفارس المغوار (علي أبو شتيوي) . أما الفريق الثاني هو فريق (البركة) أو (البرجة) ويقوده (سلطان بن حياوي)(1).

2-باب الخان كان عليها فريقان يقود الأول (محمد بن حسين الحداد) (2)والثاني يقوده محمود الشيخ صالح(3)، ويقوم هذان الفريقان بحراسة الساحة أو (الفسحة) (4).

3- باب النجف: وكان عليها فريقان الأول يقوده (حسين بن شناوة)، والثاني (جمع البلوش) ويقوده الحاج محمد علي خان. وكان هذا الجمع (هو أعظم جموع البلد قدراً وقوّة وأشجعها قلباً وأثبتها قدماً وأقواها حزباً وأبعدها رعباً وأسبقها موقفاً)(5)

4-باب المخيم وكان به جمع كبير وفريق واحد يقوده المرحوم السيد مرتضى بن السيد باقر آل سيد أمين الفائزي.

5- باب الطاق على هذا الباب كانت ثلاث فرق موكلة بحراسته، الفريق الأول من (النصة) ويقوده حمد بن عنون والفريق الثاني هو جمع الكبيسات (6)وقائدهم


1) البرجة، زقاق معروف في محلة باب بغداد حالياً، وهو الزقاق الأول للداخل إلى المدينة القديمة من الجهة اليمنى، وتتفرع من هذا الزقاق الواقع قرب السور عدة أزقة، وقسم من دور الزقاق ملاصقة إلى السور، وهذا الزقاق يعرف قديماً بـ (بركة ماء الحاج حبيب الحافظ). وسلطان حياوي هو من بني تميم وكان من سراكيل (المطلق الشرقي) كما ورد في مخطوطة للشيخ كاظم أبو ذان.

2) محمد بن حسين الحداد كان يعمل وكيلاً للنقيب السيد حسين الدراج وهو عربي الأصل من أهل كربلاء وقد عينه النقيب فيما بعد مختاراً لمحلة باب الخان.

3) محمود الشيخ صالح ينتمي إلى بني تميم، كان مزارعاً ويسكن باب الخان وبستانه في المطلق الشرقي.

4) الفسحة - منطقة معروفة حالياً كربلاء، وكانت خارج السور في فضاء يمتد على شكل مثلث... تبدأ منطقة الفسحة من السور وتنتهي بالمقبرة القديمة لمدينة كربلاء (منطقة ابن الحمزة الحالية)، والفسحة اليوم تقع خلف (سيفي حسيني) رباط طائفة البهرة الاسماعيلية.

5) مدينة الحسين / السيد محمد حسن الكليدار السلسلة الثالثة ص231

6) هاجر الكبيسات من قصبة (كبيسة) من الأنبار - الدليم - في بداية القرن العاشر الهجري إلى كربلاء، لظروف عملهم وإستقروا في باب الطاق وسُمّي زقاقهم بـ (عكد الكبيس)، وفيه حمام بإسمهم وكذلك (طاق) يحمل إسمهم أيضاً. ومن أشهر رجالهم قديما الحاج حاجم الكبيسي، وعرف منهم المرحوم الحاج حمودي الوكيل المتوفي عام 1382ه / 1961م، وكبيرهم اليوم هو التقي الورع الحاج محمد حسين بن حمود الوكيل، ولهم مصاهرات عديدة مع بيوتات كربلائية علوية وغير علوية أشهرها السادة آل قفطون خدّام الروضة الحسينية.

سالم بن عبد. والفريق الثالث هو فريق (البزارة) ويقوده السيد إبراهيم الزعفراني وهو أقوى الفرق أو الجموع الثلاثة.

6-باب السلامة: وكان المكلف عليها خمسة فرق الأولى فرقة (السلالمة) ويقودها محمد بن حمزة رئيس السلاميين (1)والثانية فرقة (الوزون) يقودهم الشيخ حسون الوزني. والثالثة كانت فرقة الكسبة وأصحاب الحوانيت ويقودهم حسن بن يوسف الجادر.

أما الفرقة الرابعة فهي فرقة (الطهامزة) (2)ويقودها محمد شامي. والفرقة أشد الفرق ضراوة في الحروب وهي فرقة عشيرة بني سعد ويقودهم

الخامسة وهي الشيخ (طعمة العيد السعدي).


1) السلالمة عشيرة عربية قديمة تقيم في كربلاء يقال بأنهم من قبيلة (شمر) أسلم. ويذكر آخرون أنهم من الخزرج. وأكبر محلات كربلاء سميت بإسمهم والتي كانت جزء من محلة آل فائز القديمة. وللسلاميين دور كبير في المجتمع الكربلائي من حيث كثرتهم ومساهماتهم الفعالة في الأحداث التي مرت بها كربلاء، كما كانت لهم مواقف بطولية ووطنية على مرّ التاريخ برز منهم رجال أفذاذ تصدروا الواجهة في المدينة منهم الشيخ حمزة الكليدار السلامي، الذي إستلم سدانة الروضة العباسية، وكان إبنه محمد بن حمزة من أبطال واقعة المناخور وبرز منهم الشيخ نايف البرغش الذي كان رئيسهم والمقتول في حادثة خان الحماد سنة 1917م. وبرزت من السلاميين بيوت عديدة إحتلت الواجهة وكانت لها في كربلاء الوجاهة والرئاسة.

2) الطهامزة - فرع من قبيلة (خفاجة) العربية العريقة، وقد أخذوا هذا الإسم من تواجدهم قديماً في منطقة (الطهمازية) الواقعة في أطراف مدينة الحلة، وعلى النهر المعروف بإسم المنطقة والذي كان يسمى قديما نهر (طهماسب). والطهامزة بيوتات كثيرة إستقرت في محلة باب السلالمة منذ القرن الثاني عشر الهجري، وأشهر بيوتاتهم هم (آل الهر) وكان أول من هاجر منهم إلى كربلاء هو الشيخ أحمد الحائري الشهير ب- (الهر). ونبغ منهم علماء وشعراء وقد ساهموا في الكثير من الوقائع التي حدثت في كربلاء برز منهم الشاعر البصير الشيخ قاسم الهربن محمد علي بن أحمد الحائري المتوفي سنة 1276ه / 1859م ، والشاعر الشيخ كاظم الهر بن صادق بن محمد علي بن الشيخ أحمد الحائري، والخطيب الشاعر الشيخ محمد علي بن قاسم الهر، والفقيه الشاعر الشيخ جعفر بن صادق الهر والشيخ جواد بن كاظم الهر، ومحمد علي بن سلطان الهر المقتول من قبل الأتراك مدافعا عن كربلاء. والشيخ محمد صادق بن جعفر بن صادق الهر والمعروف باسم (صبري الهر) وهو من اعلام كربلاء ومن الوطنيين. كذلك الشيخ مجيد بن حميد الهر. وترأس بيت الهر المرحوم عبد بن عزيز بن سلطان بن مهدي الهر ومن بعده ولده الحاج علوان. وقد أستلم آل الهر مختارية باب السلالمة سنوات طويلة.

كانت هناك مجاميع أخرى من المتطوعين يكون مقرهم داخل البلدة وفي مدرسة حسن خان(1)، وكانت هذه الجموع تسمى بجموع علي الأكبر تيمناً بالشهيد الإبن الأكبر للإمام الحسين(علیه السلام) ... وهم يحملون السلاح كما أنهم رماة جيدون يقودهم حسين الحداد والسيد إبراهيم الشالجي(2).

وقد صنع الكربلائيون مدفعاً سَمّوه (الحسيني) أو (اليتيم). كما تنقل الروايات بأن للنساء دور مهم في الواقعة وقبلها، وكان دورهن يتمثل في بث روح الحماسة بين الرجال وتضميد الجرحى.

من ذلك كلّه نجد أن المدينة إستعدت إستعداداً رائعاً، ولوحظت ثلاثة أمور قبل بدء الواقعة هي:

1-إنقياد أهل المدينة تحت لواء وقيادة السيد حسين النقيب ومعاونيه، فإمتلكوا قيادة موحدة ذات شجاعة ورأي سديد.

2-خروج العناصر المتخاذلة وممن خافوا من المواجهة، أو من الذين إرتبطوا بالوالي داود باشا لغايات مصلحية أو تآمرية من مدينة كربلاء إلى خارجها... فبذلك


1) مدرسة حسن خان - هي من المدارس الدينية المشهورة في كربلاء، وتقع في الناحية الشمالية الشرقية من الروضة الحسينية، وكانت ملاصقة لـ (الصحن الصغير) وهو مقابر البويهيين.

2) بيت الشالجي سادة أجلاء من العلويين الذين ينتمون إلى الإمام محمد الجواد عليه السلام. وقد سكنوا مدينة كربلاء منذ عدة قرون، إشتهر منهم قديما السء منذ عدة قرون ينتمون الى وكانت ملاصقة لـ (الصحن الصغير) وهو مقابر البويهيينينتهم رين وبعدها يد محمد علي الشالجي والسيد حسن بن محسن الشالجي، والسيد إبراهيم بن محمد بن مرتضى الشالجي وهو من أبطال (المناخور) والذي كان يلقب بالطوبجي والمقتول مع أخيه السيد خليل في صحن العباس عند دخول داود باشا كربلاء. وبرز منهم السيد حسون (عبد الحسين) بن صالح بن مهدي بن عبود الشالجي.

أمنت المدينة من خطرهم، وزاد من تلاحم أهل المدينة وقد تناسوا الخلافات المناطقية والعشائرية وإتحدوا ضد الخطر المحدق بمدينتهم.

3- تخبرنا المصادر المتناثرة والكثيرة وكذلك الروايات المتناقلة الأسلاف بأن عن أغنياء كربلاء لم يبخلوا بصرفهم الأموال من أجل إعداد المؤونة للقتال... من تهيئة السلاح والبارود والطعام لمواجهة الأزمة.

بعد هذه الصورة عن إستعداد كربلاء وما بدت عليه قبل إسبوعين سبقا الواقعة، نورد بعدها صفحاتها:

معارك واقعة المناخور

وجه داود باشا جيشاً إلى كربلاء وكان أكثره من الأعراب من عشيرة قشعم ويقوده عدد من القادة منهم (صفوك) رئيس عشيرة الجربة (الجرباء)، كذلك (الحاج جعفر) رئيس عشائر (عقیل)، و (حسام آغا).

وإعتمد داود باشا على بعض العشائر المقيمة بالقرب من كربلاء. ونزل الجيش الذي كان تعداده عدة آلاف (إختلف المؤرخون في موضوع عدده، فمنهم من ذكر إثني عشر ألف راجل وفارس، ومنهم من قال أقل أو أكثر من هذا العدد) في منطقة بدعة الصافي وتقع في شمال كربلاء وعلى طريق كربلاء – بغداد الحالي، وتبعد حوالي 3كم عن المدينة القديمة، وذلك في 13 شوال سنة 1241ه / 1826م.

دارت عدة معارك بينهم وبين الكربلائيين وكانت الغلبة لأهل المدينة. وعندما أصيب (صفوك) في المعارك، وعدم تمكن الجيش من التقدم على كربلاء، عندها عقد داود باشا لواء حملته إلى (سليمان ميرآخور) أمير الاصطبل، وسميت تلك الواقعة بإسم (المناخور) على لفظة أهل المدينة. وكان سليمان هذا متمرساً في القتال مشهوراً بالشدّة، فقد نقل معه جنوداً من فرق أرسلها له الوالي داود باشا من البرطلية والأرسية والتركية والبوسنية.

وتبين من ذلك أن الإعداد لهذه الحملة كان كبيراً وكان داود باشا جاداً في إيذاء أهل مدينة كربلاء وإخضاعهم ليكونوا عبرة لبقية المدن التي تقل أهمية عن مدينة كربلاء.

ويستحسن أن نذكر المعارك التي شهدتها حملة المناخور على كربلاء، وننقلها للقارئ الكريم حسب المصادر التي ذكرت هذه الواقعة.

1-معركة القنطرة(1): إشتبك الكربلائيون مع جيش داود باشا خارج سور المدينة بإتجاه باب بغداد مبتعدين عن السور بحدود 600 متر وعلى نهر الحسينية قرب قنطرة (أم حُدَيبَة)، وقد أسر الجيش المدعو (عباس رجب) وأرسلوه إلى بغداد مع رأس أخيه الذي قتل في المعركة وحُزّ رأسه!! ... وسُجن عباس في بغداد عدة اشهر واطلق سراحه بفدية دفعها أحد الخيّرين... خسر الجيش في هذه المعركة ثمانية عشر قتيلاً، وعند الظلام عاد الكربلائيون إلى داخل سور المدينة.

2- معركة المشمش: قام الجند بسرقة بساتين المشمش وقلعوا أشجارها، فهرع إليهم أهل كربلاء وقاتلوهم في أراضي (مقاطعة الوسطاني) وقتل من الجند خمسة أفراد وجُرِحَ الكثير، ولا توجد خسائر تذكر لأهل المدينة. وعادوا إلى البلدة وهم ينشدون الأهازيج الشعبية.

وما اورده مؤلف مدينة الحسين في السلسلة الثالثة وفي هامش الصفحة 250 ليس صحيحاً، فذكر (القنطرة البيضة) وهي القنطرة القديمة والمشهورة... وعدم الصحة في ذلك هو أن القنطرة البيضة بعيدة جداً عن سور المدينة وأبوابها، بحيث تزيد المسافة عن سبعة كيلومترات بحيث لا يمكن للكربلائيين قطع هذه المسافة في ذلك الوقت وأمامهم جيش يحاصر المدينة من جميع أطرافها، كما أن


1) هذه الواقعة حدثت خارج بستان السيد ضياء الدين (بستان ضُوَيْ) قرب قنطرة (أم حديبة) الواقعة على نهر الحسينية والتي تربط بساتين ((مال يونس) وهي (بساتين آل نصر الله بإسم جدهم السيد يونس بن جميل بن علم الدين بن طعمة الثاني بن شرف الدين بن طعمة الول كمال الدين الفائزي) وطريق مدخل المدينة والقنطرة قائمة لحد الآن وقد أصابها التصدع في الجهة المقابلة لخزان الماء القديم لمشروع ماء (أغا حسن ضياء الدين الكليدار.

طريق القنطرة البيضة يحاذي نهر الحسينية ومحاطاً بالبساتين، الكثيفة الأشجار والنخيل.

3-معركة الهيابي: كانت من أشد المعارك، حيث أن منطقة الهيابي تقع في أراضي الجعفريات (الغاضرية سابقاً) وهذه الأراضي تقع شمال المدينة وعلى طريق بغداد القديم (وهو ليس طريق الحسينية والعطيشي وإنما طريق عون القديم)...

وهذه المعركة غيّرت الكثير من مجريات القتال وحصار كربلاء، حيث أبلى فيها الكربلائيون بلاءاً حسنا دفاعاً عن مدينتهم. بدأت المعركة من ساعات الصباح الأولى إلى ما بعد الظهر، وأعطى الطرفان خسائر في الأفراد من قتلى وجرحى ...

يقال بأن الجثث غطت أراضي (الحر الكبير) والهيابي و (الودي)(1). وقد إنهزم الجند بعد تكبدهم خسائر لم يتوقعوها، ورجع الأهالي إلى المدينة بالأهازيج، وعند رجوعهم قتلوا جنديين من الجيش وحزّوا رأسيهما، وطافوا بهما في أسواق المدينة وأزقتها ...

وفي هذه المعركة أصيب صفوك قائد الحملة مما دعا بداود باشا بتسليم القيادة إلى سليمان ميراخور ، وجعل مقره في مقاطعة (الحر الكبير)، وجلب معه عدة مدافع وقام بقطع الماء عن مدينة كربلاء، ووجه مدافعه عليها وبدأ برمي المدينة بالقنابل من جهة (باب السلالمة)

4- معركة باب السلالمة: بعد أن قصفت المدينة بالمدافع، هاجت جماهير كربلاء فهجموا على جند الميراخور خارج أسوار المدينة من جهة باب السلالمة، وإستولوا على أحد مدافعهم وأخذوا ميرة المدفع وأوقعوا بالجند خسائر كبيرة. فهذه أول مرّة يصطدم الكربلائيون بالجيش النظامي للمناخور ... وعند المساء رجعوا إلى داخل أسوار المدينة بأهازيجهم الشعبية.


1) مقاطعتا الحر الكبير والودي هما مقاطعتان زراعيتان تقعان شمال وشمال غرب الهيابي.

كانت هذه المعارك الأربعة تشبه حرب العصابات... لأن أبناء المدينة يعرفون طرق البساتين التي تحيط بالمدينة، فيقومون بالخروج متسللين بين البساتين ويباغتون فيها جيش داود باشا.

5-معركة الأطواب أو (واقعة باخية): سميت هذه المعركة بـ (الأطواب) فقد وجه المناخور مدافعه نحو المدينة وأمطرها بوابل من القنابل تزيد على الأربعين. ويقال بأنها لم توقع خسائر بين السكان، وفي نفس الوقت أغار على المدينة الجند والعشائر الموالية إليهم عدة مرّات ومن عدة إتجاهات، وتصدّى لهم الكربلائيون من داخل المدينة وأوقعوا بالمهاجمين خسائر فادحة، ولم يستطع الجيش أقتحام المدينة ...

وقتل من الأهالي شخص واحد وجُرح أربعة، ودامت المعركة زهاء ست ساعات، تراجع الجند عن أسوار المدينة وكفّوا عن القتال.

إنتصر الكربلائيون بهذه المعركة أيضاً، وكان لواء عشيرة (الوزون) قد أبلى بلاءاً حسناً وهو الذي صد معظم غارات الجند.

ومعركة الأطواب هذه سميت بواقعة (باخية)، وباخية هي إمرأة كربلائية كانت تملأ السماء بزغاريدها وتنتقل بين المقاتلين لرفع حماسهم وكانت تستهزأ بقنابل الأتراك... والجدير بالذكر نجد بأن المرأة الكربلائية كان لها دور مهم في رفع معنويات الرجال، ويقال بأن إحداهن وهي بنت أخت (طعمة العيد) رئيس بني سعد وإسمها (ضاحية)، حمل إليها زوجها جريحاً إلى بيته فقالت ساخرة:

«أطبخ إله شلّة وقعت عليه جرزلّة»

ذلك يدل على ما كانت تتمتع به المرأة الكربلائية من بسالة ومعنويات عالية تشاطر بها الرجال وترفع من معنوياتهم.

6-معركة المخيم: بدأت منذ بزوغ الشمس حيث إستعمل أهل المدينة والجند مدافعهم وكانت هذه المعركة في جنوب المدينة. في بداية المعركة دمّر مدفع الجند من قبل الكربلائيين وإستمر السجال بين الفريقين الأتراك، وأهل كربلاء

المدافعين عن مدينتهم ودام القتال حتى حلول الظلام ولم يتمكن الجيش من التفوق ودخول الأسوار.

وبذلك كان يوم نصر آخر لأهل كربلاء، وجرح من الأهالي أربعة أشخاص إثنان من بني سعد والثالث من الوزون والرابع من البلوش... أما جرحى بني سعد فقد مات أحدهما في اليوم الأول والثاني مات بعد يومين، متأثرين بجراحهم.

7- معركة البردية(1): خرج الكربلائيون إلى عدوّهم من أبواب السور في منطقة باب النجف إلى خارج البلدة، في منطقة ينتشر فيها نبات البردي، وقاتلوا ببسالة وغنموا منهم مدفعين وعدداً من الخيول والمؤن... فرَّ الجند بعد القتال ورجع أهل البلدة بالأهازيج إلى داخل السور منتصرين، ودامت المعركة نهاراً بطوله.

8- معركة (بني حسن) كانت هذه المعركة من أعظم معارك واقعة المناخور، فعندما شعر قائد الأتراك (الميرآخور) بعجزه عن إقتحام المدينة، إستنجد بالعشائر المحيطة بكربلاء، وهناك بعض العشائر كان ديدنها دوماً أن تصطف مع المعتدي لغايات ومصالح نفعية وذاتية تتنكر عن قيم العروبة والرجولة والتماسك الواجب ضد الأجنبي أو المحتل... وعند دعوة الميراخور للعشائر فقد إستجابت له عشائر بني حسن (2)بعد أن أغرى رؤساءها بالأموال والهدايا،


1) البردية ... منطقة معروفة خارج سور المدينة من ناحية باب المخيم وباب النجف، وهي المنطقة الحالية التي يمرّ بها نهر الهنيدية ضمن أراضي السادة آل النقيب، وفي حيهم المعروف بذات الإسم وكان يمر بها المنزل الرئيسي للمدينة، وكان نهر الهنيدية يجتاز المبزل من خلال أنبوب عريض القطر يسمى (البوري الأحمر) في البردية. فهي المنطقة المحصورة من مخيم الحسين الحالي إلى الشارع الذي أقيم مكان المبزل والذي يسمى شارع بيت المحافظ وسميت بالبردية لكثرة نبات البردي فيها، والكثير من الأهالي في العقدين الخامس والسادس من القرن العشرين الميلادي كانوا يطلقون عليها البريدية لبرودتها في أيام الصيف.

2) للأسف الشديد أن نرى لعشائر بني حسن مواقف غير مشرّفة مع أهل كربلاء، فطالما شاركت هذه العشائر بمهاجمة المدينة وإعترضت أبنائها ... وساعدت من أراد الإعتداء عليها وتدخلت في نزاعات أهلها لتحقيق مصالح مادية، ولهذه العشائر مع أهل كربلاء خلافات دائمة وقد تصالحا بعد ذلك على أن يتعهدوا بعد أدائهم قسماً عن طريق رؤسائهم بعدم الإعتداء على كربلاء، ولكنهم نقضوا عهدهم وإتفقوا مع قائد الحملة طمعاً في الغنائم كما كان ديدنهم لمرات عديدة. وعشائر بني حسن هم عدة عشائر متحالفة فيما بينها تحادد مضاربهم مناطق قريبة من كربلاء بإتجاه الهندية وخان الحماد.

وضمن رئيس هذه العشائر للقائد التركي فتح كربلاء وإقتحامها، وسيجعلون عاليها سافلها ... فهجموا على كربلاء من جهة طرف المخيم... وتمكنوا من التقدم وعبور الأنهار والبساتين والموانع التي كانت في طريقهم...

لمّا علم أهل المدينة بذلك صمموا على التصدي لهم مهما كلف الأمر، وقاد أهل المدينة في هذه المعركة السيد مرتضى بن السيد باقر آل سيد أمين الفائزي، فالتحم الجمعان خارج السور ... أهل المدينة المكلفين بالدفاع عن طرف المخيم، يقابلهم جند الأتراك وعشائر بني حسن، وكانت صولة عزوم للكربلائيين، وكان للمدفع الذي صنعوه (الحسيني أو اليتيم) دور كبير في المعركة...

إشتركت الأطراف الأخرى بالقتال مثل باب النجف وباب الطاق... لأن الهجوم على المدينة كان من عدة مناطق، وبعد وقت قصير من بدء المعركة فرّت عشائر بني حسن أمام شدة وصمود أهل كربلاء، وتبعهم جند الترك وعبروا نهر الهنيدية وإختبئوا خلفه وقاموا بإطلاق القنابل من مدافعهم لحماية مؤخرة الجيش المنسحب والعشائر الهاربة.

رغم ذلك فقد حاول الجند الإلتفاف والهجوم على كربلاء من عدة محاور فتصدى لهم بنو سعد من جانب طرف باب الطاق، ومن باب النجف الفرق المتواجدة فيه فأظهروا بطولة فائقة في هذه المعركة التي إنتهت بخيبة الجيش والعشائر المهاجمة معه وإنتصار أهل المدينة وأذاقوهم مرّ الهزيمة مخلفين وراءهم قتلى وجرحى... وكانت خسائر الكربلائيين قليلة جداً، وعادوا إلى داخل البلدة منتصرين وألهبوا المدينة بأهازيجهم.

9-معركة الأمان(1): عندما عَلِم داود باشا بأن كربلاء باتت عصية عليه وعلى جيشه، إضطر إلى التفكير بإصدار العفو والأمان على الكربلائيين والكف عن قتالهم. ولكن الميرآخور أراد أن يسبق الأمان الذي هم بإصداره داود باشا وقرر دخول المدينة عنوةً وغدرا ...

وذلك يبرهن مقدار حقده على المدينة وأبنائها، فعمل المتاريس وخبّأ جنده خلفها وأمر الفرسان بالتقدم نحو المدينة وكان ذلك يوم 15 ذي القعدة سنة 1241ه / 1825م. لكن الكربلائيين كانوا لهم بالمرصاد، فخرج إليهم أبطال المدينة يتقدمهم محمد بن حسين الحداد (2)وقد حمل معه المدفع الكربلائي (الحسيني أو اليتيم) فهجم على الجند مع بعض المقاتلين.

وأخذ يرشق الجند بمدفعه ولعلع صوت الرصاص وإشتبك الجانبان، وردَّ الجنود برمي القنابل من مدافعهم ولكن الكربلائيين باغتوهم ودمروا مدفعاً لهم وقتلوا منهم فارساً وجندياً على وجه السرعة مما أدّى إلى فرار الجنود خلف متاريسهم وتعقبهم الكربلائيون وقتلوا منهم خمسة وأربعين فارساً وجرحواستين رجلاً وقيل أكثر من ذلك.

بعد أن إنسحب جيش الميراخور رجع شجعان المدينة وقد أفشلوا خطة قائد الجيش الغادرة وهم منصورون وإستقبلهم السكان يهنئونهم على بسالتهم وبطولتهم المتناهية.

ولم يتمكن الجيش من الإشتباك مع أهل كربلاء أو الإغارة على المدينة مرة أخرى، إلى أن وصل قرار العفو من داود باشا إلى الميرآخور في 19 ذي الحجة سنة 1241ه.


1) ذكر السيد عبد الرزاق الحسني في كراسه (تسخير كربلاء) المطبوع في بيروت عام 1978م في هوامش الصفحات 10 ، 11 ، 12 ، 13 بان المعارك والمواقع كانت ثمانية فقط هي: واقعة القنطرة، وواقعة المشمش والهيابي والأطواب وواقعة الخيمگاه والبردية وواقعة بني حسن وأخيراً واقعة الأمان. فقد دمج بعض الوقائع بمعركة واحدة.

2) والده حسين الحداد الذي كان وكيل السيد حسين النقيب (دراج) ومن رجاله.

بذلك أوقفت الأعمال الحربية بين الطرفين وسمح الكربلائيون إلى عدد كبير من الجند بالدخول إلى المدينة لغرض زيارة المشهدين فيها. وإشترط أهل المدينة عليهم أن يدخلوها بدون سلاح وتم ذلك... ورحب بهم أبناء المدينة، وإنسحب الجيش بعدها إلى بغداد.

الخلاصة... أن المشاكل بدأت بفترة من الزمن قبل دخول شهر شوال سنة 1241ه 18250م، ومنذ الأول من شوال بدأت الاستعدادات الجدية لمواجهة الخطر المحدق بالمدينة، وبدأت المعارك من تاريخ 13 شوال 1241ه وإستمرت إلى نهاية آخر معركة في 15 ذي القعدة أي لمدة شهر ويومين... ولكن إنتهاء العمليات الحربية وإنسحاب الجيش تم في 19 ذي الحجة من نفس العام.

وبذلك إنتهت الوقائع والمعارك التي سميت بإسم (المناخور) أو الميرآخور على إسم قائد الجيش... ولكن هل إنتهى كل شيء بإنسحاب الجيش إلى بغداد؟ ... يبدو أن الأمر لم ينتهي إلى هذه الحالة بل حدثت هناك أمور ما بعد الواقعة تجعلنا نضطر إلى الوقوف عندها قليلاً.

كربلاء بعد واقعة المناخور

عندما أصدر داود باشا العفو والأمان، وأوقف الحركات العسكرية على كربلاء، وسحب الجيش إلى بغداد وسرح قادته من رؤساء العشائر الموالية له مثل (صفوك الجربا) و (الحاج جعفر شيخ العقيليين)، وكان يعتقد بأن المدينة وأهلها سوف يدخلون في طاعته...

لكن ذلك لم يحدث فقد تعلق أهل كربلاء بالنصر الذي أحرزوه، رافضين تقديم التنازلات إلى المماليك حكام العراق. وكان داود باشا يعرف ذلك جيداً وهو يصدر العفو، وفي نفس الوقت نراه يحث عشائر الشامية على أن يقوموا بالضغط على كربلاء ويفرضوا الحصار عليها، ويقطعوا طريق السابلة بين النجف وكربلاء.

وأمر عشائر بني حسن والبعيج ليشنّوا الغارات على كربلاء وينهبوا أموال الخارجين والداخلين منها وإليها . مثل ما وقع يوم الجمعة المصادف 22 ذي الحجة 1241ه (أي بعد ثلاثة أيام من إنسحاب الجيش)، فقد قام 150 رجلاً من عشيرة

البعيج بسرقة .. 400 رأس من الماشية عائدة إلى عشيرة الوزون ترعى في أراضي الحر الكبير ... ولما علم الكربلائيون بذلك هبّوا مسرعين يتقدمهم محمد بن حمزة السلامي ومعه خمسة وعشرين فارساً وتبعهم ثلاثون آخرون من عشيرة بني سعد، وتتبعوا الجناة السارقين ولحقوا بهم في أراضي (الكاضي) (1)، وإشتبك الفريقان وإحتدم القتال بينهما، فإنهزم البعيج تاركين الماشية المنهوبة وكل ما كانوا يملكون... وعاد الكربلائيون بالماشية والغنائم إلى المدينة وهم يرددون الأهازيج.

بعد فترة من ذلك عزم داود باشا على إعداد حملة جديدة لفتح كربلاء وإخضاعها مرة أخرى وهذه المرّة فقد إعتمد على عشائر العقيل من القصيم والإحساء تحت لواء (محمد البسام) وعيّنه قائداً جديداً ليقوم بمحاصرة كربلاء ومن ثم دخولها عنوة وإخضاعها له.

فإتخذ محمد البسام صدر نهر الحسينية مقراً له ولعسكره، وأرسل داود باشا آمر حرسه (طابورآغاسي) وأمر بسد مجرى نهر الحسينية ليقطع الماء عن كربلاء، لكن الكربلائيين صبروا على ذلك وإعتمدوا على الآبار فترة طويلة.

إشتد الحصار على كربلاء، وبلغ أن العشائر المناصرة لداود باشا مثل البعيج وبني حسن قد دخلت مع جيش الوالي الذي يقوده محمد البسام وقد تهيئوا للهجوم على كربلاء.

هنا طلب بعض العلماء في كربلاء من الزعماء الثلاثة ... النقيب السيد حسين الدراج والسادن السيد محمد علي أبو ردن وحاكم كربلاء السيد سلطان آل ثابت بالتفاوض قائد مع الحملة لتجنيب المدينة الويلات والكوارث. وأرسلوا إلى القائد محمد البسامبشروطهم وقد تم قبولها، فقد خرج السيد محمد علي أبو ردن سادن الروضتين مندوباً عن الكربلائيين، وإجتمع بالقائد محمد البسام في (المسيب) وقد بالغ القائد في إحترامه وتكريمه وبقي عدة أيام يتردد خلالها رجال الوالي داود باشا بينه وبين الوالي في بغداد لوضع بنود الصلح...


1) الْكَاضي... أو القاضي مقاطعة زراعية معروفة تقع في الشمال الغربي من مدينة كربلاء، تحدها من أراضي الحر الكبير والودي شرقاً ، وأراضي الكمالية من الشمال والغرب.

وقد وافق أخيراً داود باشا وأبقى الجميع في مناصبهم وأصدر أمراً بتعيين السيد حسين آل درّاج نقيباً للحائر المقدس. كما عيّن السيد سلطان آل ثابت حاكماً لكربلاء. والسيد محمد علي أبو ردن سادناً للروضة الحسينية فقط. وإشترط على الكربلائيين برجوع السيد وهاب بن محمد علي آل طعمة إلى كربلاء وتعيينه سادناً للروضة العباسية... فقبل الكربلائيون رغم موقفهم من السيد وهاب الذي فضّل الوقوف مع داود باشا ضد أبناء المدينة. وخلع عليهم داود باشا الهدايا وعيّن على كربلاء وكلاء له من عشائر عقيل والإحساء الحراسة كربلاء وصيانة الأمن، وكان عقد الصلح في يوم 25 محرم سنة 1242ه / 1826م.

معركة نهر الحسينية

بعد واقعة المناخور التي إنتهت في الشهر الأول من عام 1242ه-، فهل إنتهت المشاكل في كربلاء؟ وهل أدّت كربلاء فروض الطاعة إلى والي بغداد المملوكي داود باشا ؟ وهل تركها ترفل بالأمان بعد أن تم الصلح بينه وبين قادة كربلاء وأبنائها؟ ...

لنرى ماذا حدث في إثناء توقف العمليات الحربية والصلح الذي تم في 25 محرم 1242ه إلى نهاية عام 1244ه، الموافقة لعام 1826م الى 1828م.

حاول داود باشا لمرّتين متواليتين الدخول إلى كربلاء عنوة لإخضاعها بالقوة بعد واقعة المناخور فلم يتمكن من ذلك وكان نصيبه الفشل، فإعتمد إسلوباً آخر إعتقد بأنه قد يكون مجدياً لإخضاع المدينة وسيطرته عليها. فإعتمد إسلوب (فرّق تسُد) كسياسة بدأها منذ عقد الصلح فأسس بداية التفرقة عندما ضغط إثناء الصلح على المفاوض الكربلائي أن يعيد السيد وهاب آل طعمة إلى كربلاء وتعيينه سادناً للروضة العباسية، وهو يعلم (كما ذكرنا سابقاً) بأن السيد المذكور خرج من كربلاء مع والد زوجته السيد محمد مهدي القزويني قبل واقعة المناخور، وأن قادة كربلاء كانوا على خلاف معه. نضف إلى ذلك أن الوالي إستثمر لصالحه الخلاف العقائدي الذي كان يدور في كربلاء بين العلماء الإصوليين وغيرهم من الشيخية والكشفية والإخبارية.

هذه الخلافات كانت بطبيعتها فقهية محضة، ولكن داود باشا إلتزم بعض من هؤلاء ضد الإصوليين وكان الغرض من ذلك هو إحداث إنقسام أو شرخ في البنية العامة للمجتمع... إلى غير ذلك من الأمور. فتوّج إجراءاته بفرض حصار شديد على كربلاء، وأول عمل قام به هو قطع مجرى نهر الحسينية ومنع وصول المياه إلى قصبة كربلاء وري بساتينها وذلك القطع تم من (القنطرة البيضة)، فقام بتحويل مجرى النهر إلى الأراضي المنخفضة ... وبهذا العمل أقدم على إغراق البساتين المحيطة

بكربلاء، وأتلف كافة المزروعات، وبدأت شحة المياه تؤثر على الكربلائيين ليس على بساتينهم أو مزارعهم فحسب، بل على حاجتهم الماسة للماء وإدامة وتيرة حياتهم، مما إضطر أهل المدينة الإعتماد على الآبار رغم عدم صلاحية مياهها، ولكنهم صبروا على ذلك رغم تلك العذابات.

وزاد داود باشا من إجراءاته التعسفية بأن أوعز إلى العشائر مثل العقيل) بقيادة رئيسهم (مشوّح) بتطويق كربلاء من جميع الجهات وقطع السابلة عنها، ومنع الدخول إليها والخروج منها، ليحل الجوع والدمار بأهلها حتى يرضخوا للإستسلام... ودامت هذه الحالة على الكربلائيين المتحصنين داخل مدينتهم حتى نهاية سنة 1243ه / 18827م، بالإضافة إلى أن الوالي بإجراءاته الحصارية هذه منع حتى رعاة الأغنام من رعي أغنامهم خارج البلدة.

إن قطع الماء عن كربلاء يعني قطع عصب الحياة فيها، وأدّى إلى حصول الجفاف بالأراضي الزراعية وخاصة البساتين، وإشتد العطش على أهل المدينة بسبب الشحة الكبيرة حتى في الآبار التي حفروها داخل البلدة. دعا ذلك كله إلى إزدياد هياج أهل المدينة وإمتعاضهم من هذه الحالة التي طالت عليهم، بالإضافة إلى شدة الحصار المفروض على المدينة وتدهور الحالة المعيشية فيها والنقص الكبير في مواد التموين.

معرکة نهر الحسینیة

بدأ الكربلائيون بتنظيم صفوفهم مرة أخرى للخروج من هذه الأزمة الخانقة والقاتلة في الحقيقة، فعقدوا عدة إجتماعات متوالية ليتخذوا قراراً حول الحالة، فإجتمع رؤساء المدينة الشرفاء ورؤساء عشائرها وأطرافها (محلاتها) من العرب الأصلاء وقرروا أن يواجهوا الجيش الذي يحاصر المدينة، والذي يقوده (مشوّح) رئيس العقيل وتسانده بعض العشائر القريبة من كربلاء... وتم الإتفاق على المواجهة مهما كلف الأمر، وطرد القوّة التي تحاصر كربلاء والتي منعت المياه من الجريان في نهر الحسينية.

فخرج عدد كبير من شجعان المدينة يتقدمهم رؤساء عشائرها في جنح الظلام من أبواب السور، وتوجهوا إلى منطقة السداد وبدأوا بفتحها، وكان قسم آخر يقاتل بعنف لطرد الجنود من مواقعهم وقد قتلوا منهم عدداً كبيراً... وتم للكربلائيين فتح السداد وإنهمرت المياه في مجرى النهر كسابق عهدها لتروي أرض كربلاء.

و من رؤساء العشائر الذي كان له دور بارز في هذه الإشتباكات هو المرحوم الشيخ (مال الله آل عواد) (1)الذي قتل في هذه المعركة، وقد قتله المدعو (كنين) رئيس عشيرة الكوام من المسعود الذي كان وعشيرته يساندون جيش داود باشا، وفي نفس المعركة قُتِل أخوه عبد العزيز العواد) وإبن عمه (هادي).


1) الشيخ مال الله آل العواد هو : مال الله بن عبد النبي بن محمد بن عبد العزيز بن عبيد بن عواد وهو رئيس آل العواد الذين لهم تاريخ نضالي عريق في مدينة كربلاء وآل العواد هم من لب قبيلة شمر (إجعفر) من عبدة، وكان سكنهم في محلة باب بغداد باب العلوة). والشيخ مال الله هو الجد الأعلى لأبطال كربلاء الشجعان (عبد الكريم وعبد الرحمن وعبد الجليل) أولاد الحاج عبد الرزاق بن حمادي بن مال الله المذكور. وهذا البيت له مجد سابق في الرجولة والتضحية والبسالة في كل الوقائع التي مرّت بكربلاء، وخاصة في واقعة المناخور وغدير دم (نجيب باشا) وحمزة بيك وعلي هدلة وثورة العشرين وغيرها.

معركة آل عوّاد وعشيرة الكَوّام من المسعود

عندما رأى آل العواد قتل رئيسهم الشيخ (مال الله العواد) وأخيه (عبد العزيز) وإبن عمه (هادي)، وكان الذي قتل الشيخ مال الله هو (كنين) شيخ الكوام من المسعود الذي كان متعاوناً مع جيش داود باشا ضد الكربلائيين. فتجمعوا يساندهم أهل كربلاء وقاموا بهجوم على عشيرة الكوام من المسعود وحدثت معركة طاحنة فيما بينهم، فإستطاع (آل عواد) قتل (كنيّن) رئيس الكوام وأخذوا بثأرهم وأمعنوا في ذلك.

بعد أن قتل آل العواد (كنيّن)، فقد واصل الكربلائيون المعركة مع جيش الوالي بقيادة مشوح والعشائر المتعاونة مع الجند حتى الصباح... فكان النصر والغلبة حليف الكربلائيين، وفرَّ جند داود باشا والعشائر المتعاونة مع الجند وقائدهم (مشوّح)، فإنسحب مشوّح إلى سدة الهندية ومن معه تاركين خلفهم الأسلحة والمعدات التي غنمها الكربلائيون الذين قفلوا راجعين إلى بلدتهم وهم يحملون قتلاهم... وإستقبلهم السيد (محمد علي أبو ردن) سادن الروضة الحسينية ونحر أمامهم الذبائح...

كان إستقبال الأهالي للمقاتلين في مدخل المدينة من جهة باب بغداد حافلاً، حيث عاد المنتصرون يحملون في المقدمة جثث شهدائهم بموكب مهيب، ويردد خلفهم المقاتلون الأهازيج فرحين بالنصر وإبعاد الخطر عن المدينة والأخذ بالثأر لقتلاهم.

في اليوم الثاني أقام أهل المدينة مجالس العزاء على أرواح الشهداء من الكربلائيين، وخاصة للشيخ مال الله آل عواد وأخيه وإبن عمه... وكانت هذه المعركة قد وقعت في أوائل عام 1244ه / 1828م.

ورد في كتاب (تراث كربلاء) للسيد سلمان هادي طعمة في الصفحة 275 من الطبعة الأولى عندما ذكر حادثة (الإشيقر وأبو هر) بأن ممن إستشهد في هذه الحادثة هو (مال الله آل عواد) وقد قتله (كنين) رئيس عشيرة الكوام من المسعود. فأخذ ثأره بعد ذلك، وكانت هذه الحادثة أي الاشيقر وأبو هر في عام 1294ه / 1877م.

إن ما أورده مؤلف تراث كربلاء غير صحيح لأن مال الله آل عواد أستشهد عام 1244ه- في أعقاب حادثة المناخور وقبل واقعة نجيب باشا التي حدثت عام 1258ه. وقد اعتمدنا صحة ذلك على مايلي:

أ. إلا أن مؤلف كتاب مدينة الحسين لم يذكر هذا الإختلاف في التاريخ... وعليه وددنا التنبيه والتصحيح. مدينة الحسين لم يذكر هذا الإختلاف في التاريخ... يما صدر کتاب تراث كربلاء عام 1964م الا الحسينية لذي ذكره السيد سلمان ولعله وقع في إلتباس نتيجة موقع حدوث الواقعة أو الم عام 1334 ه. لكريم وعبد الراد، وذكر حادث مقتل مال الله العواد الحادثة أي الاشيقر وأبو هر عام 1294 – معركة سدة الهندية

بعد معركة الحسينية أمر داود باشا أن يكون مقر جيشه وقائده (مشوّح) في سدة الهندية، بعيداً عن الكربلائيين الذين باتوا يتربصون للجند في البساتين، فقام الوالي بإصدار أمره هذه المرّة بقطع المياه عن كربلاء من صدر ناظم الحسينية عندما يتفرع مباشرة من الفرات، وعادت مأساة العطش على الكربلائيين ومزروعاتهم.

إعتمد الوالي على أساليب أخرى منها دس (طابور خامس) أو جواسيس يعملون داخل المدينة، ومنها عمد إلى تجديد الفتنة بين العلويين قادة المدينة)، ولكن النقيب والسيد سلطان آل ثابت والسيد محمد علي أبو ردن كانوا يعرفون جيداً مآرب الوالي، وكان بعض الشقاة من اليرمازية (مرتزقة داود باشا) يقومون بأعمال مخالفة لما كان الشرفاء من أبناء المدينة وزعماءها يدعون إليه، وكان تأثير اليرمازية كبيراً في تهبيط عزائم الكربلائيين وهم يصوّرون للناس بأنهم تحت إشارة وأمر زعماء كربلاء، لكن ذلك عكس ما كان بخلدهم... وكثيراً ما قدّمت شكاوى من أهل البلدة إلى رؤسائها يشكون إليهم أعمال هؤلاء، وإشتد ذلك في رمضان سنة 1244ه / 1828م بسبب تغيّر الأوضاع.

نقيب كربلاء السيد حسين آل دراج أصبح جليس البيت بسبب مرض أصابه في عينه ... والسيد محمد علي أبو ردن سادن الحسين كان قد توفي قبل حلول رمضان سنة 1244ه / 1828م... ومقتل أحد القادة الكربلائيين في صحن العباس وهو السيد إبراهيم بن محمد بن مرتضى الشالجي وإصطفاف سادن العباس السيد وهاب آل طعمة أصلاً مع الوالي... وبقي السيد سلطان آل ثابت وبعض السادة من آل نصر الله وبعض رؤساء العشائر يواجهون مؤامرات هؤلاء الشقاة من جهة، والحصار الذي ضربه الوالي على كربلاء وقطعه الماء من ناظم النهر في سدة الهندية، وكانت بحق أيام عصيبة...

وبتخطيط من داود باشا إلى بعض أعوانه لتهييج الناس وخروجهم للإصطدام بالجيش لتكون هناك معركة فاصلة يلعب بها جواسيسه داخل المدينة دوراً متفق عليه. إضافة إلى أن أهل المدينة ضاقوا ذرعاً خلال هذه السنوات تما جرى عليهم، فإستعدوا للخروج وفتح النهر من ناظمه مهما كلف الأمر.

لكن النقيب وبعض الرؤساء لم يوافقوا على ذلك لإعتقادهم بأن هناك مكيدة سوف تحصل، إلّا أن الكثير من الزعماء لم يأخذوا بنصائحه فتهيأوا للخروج بتأثير اليأس الذي رافقهم من الحصار ولم يعلموا بأن هناك من أرسل إلى (مشوّح) يخبره بالتأهب للحالة!!. وإتفق الكربلائيون أخيراً على مقاتلة جيش الوالي مهما كلف الأمر لفتح ناظم الحسينية ورفع الحصار عن كربلاء.

بتاريخ 21 رمضان سنة 1244ه وهو اليوم الذي يصادف ذكرى إستشهاد الإمام علي(علیه السلام) ، خرج الكربلائيون حاملين السلاح وهاجموا جند الوالي عند سدة الهندية وهزموهم ثم إنقسموا إلى قسمين... القسم الأول أخذ على عاتقه فتح ناظم صدر الحسينية ومعهم ما يقارب المائتي شخص من المسلحين على السد الترابي ليحرسوا إخوانهم الذين بدأوا بفتح السد الترابي، الذي أعاق دخول المياه من الفرات إلى نهر الحسينية بآلات حفر من (المساحي) و (القزمات)، وفتحوا السدة وجرى الماء مرة أخرى في نهر الحسينية...

وقسم آخر أخذ يتابع فلول الجند المنهزمين... وبحركة إلتفاف من قائد الجند (مشوّح) وتخاذل البعض من الذين كانوا متفقين مسبقاً مع داود باشا من اليرمازية

وغدرهم بالكربلائيين، فقد دارت الدائرة على أهل كربلاء لعدم إلمامهم بفنون الحرب النظامية، فإتجهوا متراجعين صوب مدينتهم وهم يقاتلون بشدة إثناء الإنسحاب. وعند دخولهم المدينة زحفت جموع الجند بمساعدة مرتزقة داود باشا نحو المدينة، ودخلوها عنوة في 22 رمضان سنة 1244ه / 1828م.

ساد الإضطراب المدينة... فأرسل النقيب الذي كان مريضاً حينها من يفاوض قائد الحملة (مشوّح)، لكن الأخير لم يبال بأحد ولم يحرك السيد وهاب آل طعمة سادن العباس المعيّن من قبل الوالي ساكناً، ولم يتدخل لإنقاذ مدينته وكان بإمكانه ذلك، لكنه كان في الحقيقة متشفياً !! فقام مشوّح به ذلك، لكنه كان في الحقيقة متشفياً !! حملة (مشوّح) قد لعب السيد إلقاء القبض على السيد النقيب رغم مرضه، سل إلى داود باشا في بغداد وتم سجنه هناك لعدة أشهر، ثم أطلق سراحه بتوسط نقیب بغداد وأعيد إلى كربلاء.

بعد أن تحقق لداود باشا ما أراد ولكن بعد أربع سنوات من حصار المدينة ومحاربتها ... أراد تهدئة الأمور فأمر بإجراء التعيينات الجديدة التي كانت لا تخلو من مكيدة لتفرقة الكربلائيين. فقد عيّن السيد حسين النقيب سادنا للروضة الحسينية، وأسند وكالة نقابة الحائر إلى السيد سلطان آل ثابت وعيّن السيد وهاب آل طعمة متولياً لقصبة كربلاء وكالة لحين تعيين حاكم جديد لها.

بقيت هذه الحالة إلى أن إنقضت أيام المماليك، وتم القبض على داود باشا من قبل (علي رضا باشا اللاز) الذي حاصر بغداد وحارب داود باشا، وتم أسره وإرساله إلى (إسطنبول)، وكان ذلك في عام 1247ه / 1831م.

وبذلك إنتهت مأساة كربلاء التي استمرت عدة سنوات بعد أن وقف أهل كربلاء الأصلاء مدافعين عن مدينتهم وعروبتهم من طيش الولاة المماليك الطغاة وأعوانهم في المدينة. وهاب. باشا من اليرمازية

أوجد المماليك من خلال سوء إدارتهم الخلافات التي استمرت في مدينة كربلاء لسنوات طوال، بل لازالت آثارها موجودة لحد الآن نتيجة التغيير الإجتماعي الذي أوجدوه في المدينة منذ تلك الفترة.

وللحقيقة فإن للمماليك فضل واحد نعتبره مهم جداً، هو إن مواقفهم هذه أوجدت عند الكربلائيين روح التصدي والمقاومة، وقد سجّل التاريخ للكربلائيين صفحات ناصعة قدّموها لمواقفهم الباسلة ضد الأجنبي والمحتل، بل ضد الباغي والمعتدي، وأعطوا صوراً للتلاحم بين أبناء المدينة.

الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء

واقعة نجيب باشا

بمغادرة داود باشا العراق وإنتهاء حكمه فيه، فقد إنتهى دور المماليك في العراق. وداود باشا هو الذي نظم حملة المناخور على كربلاء.

عندما حلّ الوالي علي باشا اللاز محل داود باشا، بدأ الوالي الجديد بإعطاء مدينة كربلاء مقداراً كبيراً من إهتمامه إثناء ولايته ... وكانت كربلاء في ظل حكم داود باشا قد أصابها الأذى والإهمال والكثير من الخطوب والحوادث، مما سبب إنقسام بين أهلها والمقيمين فيها نتيحة سياسة داود باشا التعسفية تجاه المدينة ونشاطه الكبير في زيادة حالة التفرقة بين أبنائها.

كان اهتمام علي باشا اللاز بمدينة كربلاء له دواعي عديدة منها أنه رغب حسب ما نقل عنه بسعيه لإصلاح ما فسد من أمورها، ومحاولته تجميع شتات أبنائها، والأهم من ذلك إدعائه بأنه يميل إلى محبة آل البيت لأنه كان بكتاشي الطريقة(1). وذكر بعض المؤرخين بأنه في بداية حكمه لم يمسسها بسوء، وهدأت الحالة فيها وهذا الهدوء جلب العديد ممن لجأ إليها من الأشقياء من إيران وغيرها من البلدان وزاد عددهم في المدينة وسموا بـ (اليرمازية). وأخذ هؤلاء القيام بأعمال سلب وإعتداء وتحدي للسلطة، وضجّ أهل المدينة بهم مما حمل علي باشا اللاز لإتخاذ إجراءات شديدة للتخلص منهم (2).


1) الطريقة البكتاشية هي طريقة صوفية سميت بإسم الحاج بكتاش ولي) وهو السيد محمد العارف بأمر الله الذي يقال بأن نسبه يرجع إلى الإمام موسى الكاظم(علیه السلام) . والمولود في (نيسابور) في إيران والمهاجر إلى تركيا، وهو الذي أثّر على الإنكشارية الذين يعملون بالخدمة في الجيش التركي. وأتباع طريقته إتبعوا الغلو في معتقداتهم. وتوفي الحاج بكتاش ودفن في تركيا ولازال قبره يزار وهو برعاية أصحابه ومريديه.

2) ذكر الأستاذ عباس العزاوي في كتابه تاريخ العراق بين إحتلالين، (الجزء السابع، ص 65) نقلا عن مؤلف عراقي مجهول في مخطوطة له: «... وفي أيام علي باشا اللاز - حاصرها وخرج إليه سادات البلد وزعماؤها، وتكفلوا له بزيادة الإيراد، فارتحل عنهم ، وكان ذلك الوالي لا يبالي بعصيانهم ومرامه الدراهم، وقد أدّوا له سبعين ألف ،قران المثل إثنين - عمّا كانوا يؤدونه إلى داود باشا - فرضى وتركهم».

الحقيقة أن علي باشا اللاز لم يكن هدفه الذي نقل عنه صحيحاً، بل كانت له أهداف أخرى وكان غرضه المال والنفوذ، فجلب إلى كربلاء حامية عسكرية من أفراد مناوئين عقائدياً لعقائد أهل المدينة من (بني سالم) و (الكبيسات).

وضاعف الضرائب على أهلها، وتركها تنشغل بمشاكلها وضياع الأمن فيها بعد أن إكتفى بالضريبة السنوية التي يقدمها أهالي كربلاء له.

ولما طالت أيام الباشا اللاز وكثرت سيّئاته ، نقل من بغداد إلى الشام ليحل محله

وال جديد هو محمد نجيب باشا.

الوالي محمد نجيب باشا

بعد نقل الوالي علي باشا اللاز إلى الشام، تم إحلال والي الشام محله وهو محمد نجيب باشا الذي كان من المقربين إلى السلطان العثماني والمعروف عن هذا الوالي أنه كان حاد الذكاء وصارماً وشديد القسوة، وينتمي إلى أسرة كبيرة ومعروفة في إسطنبول. وإمتدت ولاية محمد نجيب باشا على العراق من عام 1258ه إلى عام 1265 ه وذلك موافق للأعوام الميلادية من سنة 1842م إلى 1848م.

وجد هذا الوالي أن مدينة كربلاء عصية على سلطة الدولة، وأن أهلها لا ترهبهم القوة النظامية التركية، ولم تأتِ الحملات التي أعدها الولاة العثمانيون عليها بأي نوع من تهدئة أحوالها، حيث فشلت في إخضاع المدينة وأهلها.

فأراد نجيب باشا أن يفرض سلطة القانون وخاصة في مدن العتبات المقدسة. هذا الوالي تعصبه المذهبي الشديد وأظهر ذلك من خلال تعامله مع

والمعروف عن الأحداث التي سوف نبحثها لاحقاً.

قرر الوالي زيارة كربلاء ليتعرف على أحوالها وعلى العلماء وأصحاب الرأي والمتنفذين فيها قبل أن يَقْدِم على أي عمل، ويضع خططه لاحقاً، ويبدو أنه كان قد

خطط لهدف معيّن يجب تنفيذه مهما كانت الظروف والأحوال، مستخدماً خبرته وذكاؤه وشدّته لتحقيق ما يجول في خلده.

وهو يعد لهذه الزيارة وصلته أخبار بأن المدينة رفضت تموين حامية المسيب الحكومية القريبة من كربلاء وخاصة بالأرزاق التي كانت الحامية بأمس الحاجة إليها في عام 1258ه / 1842م.

أراد من زيارته المقبلة أن يحسم هذا الأمر أيضاً، فأرسل إلى مدينة كربلاء من يبلغ سراتها وسادتها ورؤساؤها بأنه يروم زيارتها ... فقد فوجئ بأن أهل كربلاء طلبوا منه تحديد عدد الأشخاص الذين سيرافقونه في الزيارة، بل أصروا أن لا يزيدوا على ستة أشخاص. مما أثار هذا الأمر ضغينة الوالي وإعتبر ذلك إستهزاءاً بهيبة الحكومة، مما زاده تصميماً على وجوب إخضاع هذه المدينة العصية.

الأوضاع العامة في المدينة

بداية وللأسف الشديد نقل الكثير ممن كتبوا عن أوضاع كربلاء في ذلك التاريخ أموراً تجافي الحقيقة تماماً، أخذوا بعض الثغرات والأخطاء على مسيرة البعض أهلها ونشروه على وجه العموم، وإعتبروا أن الشقاة واليرمازية هم من أجج الموقف والوضع في مدينة كربلاء، من خلال أعمالهم البعيدة عن الأخلاق والسيرة الحسنة، وربطوا كل تلك الأمور بأشخاص هم بعيدون عن هذه المساوئ وإعتبروهم العصاة والفجرة والمعتدين على الناس، والذين لا تؤمن شرورهم مثل المرحوم السيد إبراهيم الزعفراني الذي قيل عنه أنه إيراني ترأس أوباش المدينة وسفهائها والعكس هو الصحيح... كان السيد إبراهيم الزعفراني عربي الأصل ومن عائلة علوية تسكن مدينة كربلاء منذ عدة قرون ويرجع نسبه إلى الإمام الرضا(علیه السلام)، وتسلّم عدد من أفراد أسرته سدانة الروضة الحسينية قديماً.

وهل أشراف المدينة ورؤساء عشائرها الذين وقفوا بوجه الأتراك وقادوا العصيان، هم أيضاً من اليرمازية والشقاة؟!!

ولعل القارئ يتساءل... هل هناك شقاة ومفسدون حقاً؟ نقول نعم، ولكن كان لأهل المدينة مواقف مشهودة ضدهم، وأغلب هؤلاء كانوا من الفارين من إيران،

وكان الكثير منهم يتبع هذا العالم الديني أو ذاك، ويأتمرون بأمرهم إذا ما عرفنا بأن تلك الفترة كانت تشهد صراعات فقهية وعقائدية ومذهبية، وإختلافات واسعة في أوساط طبقة رجال الدين وكان الغالبية العظمى منهم من غير العرب ومن المقيمين في كربلاء بحجة ترأسهم المرجعية أو مجاورتهم لمرقد الإمام الحسين(علیه السلام) أو إدارتهم للمدارس الدينية الحوزوية.

كما لا يبعد عن الذهن تدخل الدولة القاجارية في إيران بشؤون هذه المدينة المقدسة شأنهم شأن الصفويين الذين سبقوا القاجاريين. وما تواجد الأمير (علي شاه القاجاري) وهو أحد أبناء فتح علي شاه أحد أبناء (فتح علي شاه - ملك إيران) في كربلاء وإتخاذه المدينة سكناً وقيامه بلعب أدوار مشبوهة بالتعاون مع السيد كاظم الرشتي إلا دليل على التدخل، وهما اللذان تعاونا بشكل كامل مع نجيب باشا وساعداه على إستباحة كربلاء وتدميرها !

لابد لنا أن نعطي صورة مقربة لما كانت عليه أوضاع المدينة المقدسة في تلك الفترة الهامة جداً من تأريخها، وتلك الفترة قد طبعت بأحداثها وتأثيراتها أموراً ظلّتْ كربلاء تئن منها إلى يومنا الحاضر ، وأثرت في الجانب الديموغرافي عليها، وكادت أن تؤثر على أصالتها وعروبتها بل وحتى على قدسيتها عندما سمح البعض لأنفسهم أن يكونوا فيها أسياداً وهم غرباء عنها موطناً وعراقة، بل أشاعوا فيها الإنقسام الديني العقائدي وأظهروا فيها من العقائد ما يخالف الإصول.

وكل ذلك كان مخططاً له مسبقاً لأغراض تدخل في غالبيتها السياسة أولاً، و تهديم المعتقدات الأصولية للشريعة الإسلامية، وكذلك سحب البساط من رؤسائها العرب وسادتها ورؤساء عشائرها وبيوتاتها العريقة وبأساليب جهنمية... لكن المدينة العربية العريقة المقدسة تمسكت بعروبتها وبترأس أهلها الحقيقيين لها... وإليك الصورة الكاملة:

1- كانت مدينة كربلاء في ذلك الوقت تتمتع بنوع معين من الحكم الأهلي، وتدفع إلى الحكومة في بغداد الضريبة المتفق عليها بعد أن زيدت ضعفاً عما كانت عليه. كان حاكم كربلاء من أهلها وهو المرحوم السيد وهاب آل طعمة الذي عينّه

داود باشا لهذا المنصب بعد أن كان له دور مخالف لموقف زعماء كربلاء في واقعة المناخور، وبالتالي ربط مصيره بالوالي داود باشا.

بعد إنتهاء واقعة المناخور التي إنتصر فيها الكربلائيون على العسكر التركي، وتم الصلح بين رؤسائها وداود باشا، فقد فُرض السيد وهاب على أهل المدينة ولم يكونوا راغبين به لمواقفه السابقة وتأثير والد زوجته رجل الدين الإيراني الأصل عليه، ومساندته له من خلال علاقاته مع الوالي. كان للسيد وهاب وهو يرأس الحكم الأهلي للمدينة بعض الجماعات التي تؤيده حفاظاً على مصالح ذاتية في مبتغاها.

في نفس الوقت كان أهل كربلاء ورؤساؤها غير مرتاحين من حاكم المدينة لأنه قبل أن يدفع ضعف الضريبة إلى الوالي (علي باشا اللاز)، وهذه الضريبة بدأت تثقل كاهل الناس، ومن ناحية أخرى إتفق السيد وهاب طعمة مع الوالي (نجيب باشا) على أن تُدْخِل الحكومة إلى المدينة حامية عسكرية قوامها خمسمائة جندي، وهذا ما كان يريده نجيب باشا لكي لينفّذ خطته التي رسمها لإخضاع المدينة وكسر شوكة أهلها الذين كانواينبذون الحكم والتسلط التركي.

وموافقة السيد وهاب كانت لها دواعي عديدة منها بقاءه في منصبه، وإستمرار دوره في قيادة المدينة رغماً عن زعمائها الذين لم ينسوا مواقفه السابقة ضدهم.

تعلق بعض (اليرمازية) والشقاة به وساروا بمعيته وبدأوا بإيذاء بعض الأهالي، بينما وقف الأكثرية من أهل المدينة وهم من بيوتاتها العربية وعشائرها المعروفة ضد كل هذه الاجراءات، وأبدوا شجاعة، ومنعوا دخول الحامية العسكرية، وتماسكوا فيما بينهم وإستعدوا لأي مواجهة يقوم بها الأتراك ضدهم.

2- كانت تعصف بمدينة كربلاء في تلك الأيام خلافات عقائدية ومذهبية، وهذه الخلافات أخذت شكل الصراع الخطير من خلال ظهور عقائد فكرية وآراء مذهبية جديدة إختلف العلماء ورجال الدين على إثرها فمنهم من إنحاز إلى العقائد الجديدة، والأغلبية حاولت جاهدة على أن تبقى القواعد الفقهية الأصولية

القديمة على حالها، بإعتبار أن كل جديد يعتبر خارجاً عن نطاق الفقه والإصول، بل هو بداية لتخريب المعتقد الأساسي للشيعة الامامية الاثني عشرية.

فظهرت معتقدات (الاخبارية) كفكرة حديثة نازعت الاصوليين وأحدثت صراعاً طويلاً في المدينة، كما ظهرت (الشيخية والكشفية) في أواخر القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر الهجري الموافق للقرن التاسع عشر الميلادي فدخلت المدينة في صراع جديد بين الأصوليين وبين هؤلاء، وذلك التناحر العقائدي أحدث الانقسام داخل المدينة، ولأن أغلب سكانها شيعة إمامية فهم يضعون رجال الدين في موضع كبير من القدسية والأهمية، وبدأ رجال الدين يجمعون الأتباع والمقلدين، وقد ساهموا بشكل أو بآخر على عدم إستقرار الأوضاع في كربلاء. ولأن غالبية رجال الدين والعلماء من كلا الطرفين هم من الايرانيين الذين تزعموا الرئاسات الدينية في كربلاء، فكان تأثير أفكار علماء إيران بالذات عليهم واضحاً بل لنقل أنه كان مسبق التخطيط.

هذه النزاعات الحادة كانت حديث الناس والمجالس، وقد ألقت بظلها على الأمن والأوضاع العامة في المدينة، وخاصة عندما إرتمى السيد كاظم بأحضان الحكومة والوالي التركي بشكل خاص، مما أدّى بغالبية رجال الدين الاصوليين الوقوف مع أهل المدينة في محنتهم الجديدة مع الأتراك.

إضافة لذلك فقد كان رجال الدين من المجتهدين الاصوليين مختلفين فيما بينهم حول الزعامة الدينية، وكل واحد منهم له أتباع ومريدون، ووصل الخلاف في بعض الأحيان إلى التخاصم والتنازع !! ، وكأمر طبيعي فإن هذا الخلاف سيولد إنقساماً بين الأهالي، فظهرت في كربلاء التكتلات المناطقية وكذلك الخصومات وتعمقت بين البعض من الذين يميلون إلى الأتراك وبين الغالبية التي كان موقفها الدائمي ضد الحكومة التركية وكل من يتعاون معها.

وكان موقف الأهالي وحماسهم الجارف لا يمكن إيقافه عند حد وهم يسمعون أخبار الحكومة وما تريد فعله بمدينتهم لاخضاعها.

كان هناك أمر غريب يستدعي التأمل، هو وجود الأمير (علي القاجاري) في كربلاء. حيث بدأ القيام بأدوار مستغربة فيها كونه أولاً إيراني يسكن فيها، وأنه

من الأسرة القاجارية الحاكمة في إيران ومن ناحية ثانية كان وثيق الصلة بالسيد كاظم الرشتي وملازماً له على الدوام، وتذكر بعض المصادر بأن الأمير القاجاري هو الذي إستصحب كاظم الرشتي معه عندما قدم من إيران! ...

والأغرب من ذلك هو إتصال الأمير القاجاري بالوالي نجيب باشا ومعهم السيد الرشتي !! ... فما هي صلة الأمير القاجاري بالوالي العثماني؟!! بل ماهي علاقة الصلة والتعاون (على ما سنذكره عند شرح الواقعة) بين هذين الإثنين وهما إيرانيا الأصل بالوالي العثماني...

فإن مدينة كربلاء مدينة عربية عراقية تتبع لولاية بغداد، وكان الحكم العثماني هو الذي يحكم العراق والكل يعلم بالخلاف الدائم بين العثمانيين والحكومات الإيرانية المتعاقبة ...

ربما كان ذلك لأسباب منها وجود بعض الهاربين من إيران في كربلاء، وقد يكونوا هؤلاء متمردين على القاجاريين، أو أن إيران لازالت تعتبر مدن العتبات في العراق ومنها كربلاء ذات أهمية خاصة عندهم وهي الباب الذي يستخدمونه للتدخل بالشأن العراقي الذي لم يغب عن بال الايرانيين، والتاريخ لم يغفل ذلك... أو أن الغرض هو إحداث شرخ في العقائد والمذاهب من خلال نشر عقائد جديدة تتسبب في عدم الاستقرار.

هذا هو الوضع العام في مدينة كربلاء، والتي كانت لا تزال تئن من وطأة سنوات معارك واقعة المناخور. فالوضع مرتبك فيها نتيجة تعدد مصادر القوى بالمدينة. ويتوجس الأهالي خشية مما يضمره الوالي نجيب باشا ضد المدينة، وفي نفس الوقت لم يكن أهل المدينة على إستعداد للخضوع والخنوع للحكومة لتجربتهم الطويلة معها ومع ولاتها القساة الظلمة الذين إستباحوها أكثر من مرة.

فمن ذلك كله أخذ الكربلائيون بإعداد العدة لمواجهة أي خطر، بل بدأوا بالاستعداد التام وأخذ كل الاحتياطات لغرض الدفاع عن المدينة، وكان سكانها العرب الأصليون هم دائماً الذين يدافعون عنها، وفي أحلك الظروف نجد أن المقيمين فيها من غير العرب في مأمن بل في حلّ من الدفاع عنها رغم أنهم كانوا أحد

تلك الأسباب والمشاكل التي تدور في كربلاء. وبدأ رؤساء المدينة بالتهيؤ، وساندهم رجال أشداء من امثال السيد إبراهيم الزعفراني.

خطوات نجيب باشا الأولى

أراد نجيب باشا أن يُعلم سكان مدينة كربلاء بأنه عازم على إعادة النظام والقانون وسيطرة الحكومة على مدينتهم. وأنه مصمم أن يجتث التمرد في كربلاء وإن تطلب الأمر هتك حرمتها وإمتهان كرامة ساداتها ووجهائها ورؤساؤها... قام بما يلي:

1-توجّه على رأس قوّة إلى مدينة (المسيب) القريبة من كربلاء بحجة أنه أعدّ هذه القوة لتأديب القبائل المتمردة في الفرات الأوسط !

2-وهو في المسيب أرسل رسائل إلى بعض رؤساء كربلاء وكذلك إلى المجتهدين من رجال الدين في المدينة يطلب فيها مساعدته على إدخال جيشه إلى المدينة وينذرهم بوجوب خضوع المدينة إلى سلطة الحكومة التي يمثلها الوالي، وأن يتم نزع سلاح الأهالي خلال شهر واحد وإلا فإن على المدينة وأهلها أن يعرفوا مصيرهم.

وكان ذلك تهديداً صريحاً من الوالي، ويفهم منه بأنه عازم على إقتحامها بأي شكل من الأشكال.

3-تم إرسال أحد وجهاء بغداد مندوباً عنه إلى السيد كاظم الرشتي والأمير علي شاه القاجاري، وذلك يدل على أن هناك إتفاقاً مسبقاً بين هؤلاء وبينه على ما يدور بخلده وقد إستعمل الرشتي والقاجاري لكي يوصلا تهديده إلى أهل المدينة، وكان ذكياً في هذه الخطوة لأنه يعلم بأنها لا يقودان المدينة وغير محترمين من قبل أهلها ولا يؤخذ برأيهما.

4-إتفاقه مع الحاكم الأهلي للمدينة السيد وهاب طعمة بأن يدخل حامية قوامها خمسمائة جندي داخل كربلاء وهو يعلم جيداً بأن الغالبية لم تكن مع الحاكم

الأهلي وأن أهل المدينة سوف لن يقبلوا بذلك، حتى يكون قد ألقى الحجة وهي سياسة ذكية من رجل ذو خبرة وحنكة يعرف جيداً كيف يدير خططه.

5- إتصاله بقناصل (إيران وبريطانيا وفرنسا وروسيا) وبعض الشخصيات الإيرانية القاطنة في كربلاء، وطلب مساعدتهم لإصلاح ذات البين بينه وبين الكربلائيين، وإنقاذ الموقف من التردي، وكأنه أراد بحركته هذه أن يظهر نفسه وكأنه غير مسؤول عما سيحدث من أزمة سياسية بين الدولتين العثمانية والايرانية فيما إذا قرر المضي في تنفيذ خطته(1).

و«كانت الحكومات البريطانية والروسية والفرنسية تستغل تلك الفرص لتثبيت أقدامها وتحقيق مصالحها»(2).

6-إستغلال نجيب باشا للصراع المذهبي والعقائدي الذي كان يعصف بالمدينة وكان سببا في حصول الاضطرابات داخلها وهذا الصراع الذي تحدثنا عنه قبل قليل يصبُّ في مصلحة الوالي الذي لابد له من الاستفادة منه، بل ساهم في مساندته لطرف دون آخر بشكل خفي. حيث أرسل إلى السيد كاظم الرشتي رسالة يطلب فيها أن يُهدّأ الثورة الفكرية وأن ينصح السيد كاظم الأهالي بالاعتدال ويطلب منهم أن يخضعوا لأمر الوالي نجيب باشا وحكمه، على أنهم لو فعلوا ذلك فسوف يكفل لهم حياتهم ويؤمنهم ، وسوف يأمر بالعفو العام وأن يبذل جهده لراحتهم. وإذا رفضوا فإنه ينذرهم أن حياتهم في خطر وسوف ينزل عليهم العقاب الصارم.

وكما قلنا فإن نجيب باشا يعلم بأن تأثير السيد كاظم ضعيفاً على أهل المدينة وسوف يواجه من قبل العلماء الذين يعارضون الرشتي وعقائده، وسوف يقوم هؤلاء بتحريض الأهالي ضده وضد الأتراك، وبذلك يكون الوالي نجيب باشا هو المستفيد وهو الماضي قدماً لتحقيق خطته المسبقة.


1) تسخير كربلاء (كراس عن الواقعة) للسيد عبد الرزاق الحسني ص 23.

2) رسالة لسفير فرنسا بعنوان «الحياة في العراق منذ قرن»ترجمها الدكتور أكرم فاضل.

على ضوء ما ورد لابد من إعطاء الصورة الكاملة عن تلك الخطوات التي قدمناها بإختصار لنقوم بتدوينها وفق الوثائق والمصادر التي نقلت الحادثة.

عقب رفض طلبه دخول المدينة إلّا بشروط، وإمتناع أهل كربلاء عن تزويد حامية المسيب بالمؤن، ورفضهم دخول حامية تركية داخل أسوار المدينة، فقد رابط نجيب باشا في المسيب مع قائد جيشه سعد الله باشا.

في أوائل شهر تشرين الثاني 1842 م ، أصدر الوالي إنذاره إلى أهل كربلاء عن طريق رسائل بعثها إلى بعض علماء الدين ووجهائها الذين كانت له معهم علاقة حسنة يطلب فيها إنهاء التمرد المسلح خلال شهر واحد، حتى تتمكن سلطة الحكومة من بسط سيطرتها على المدينة.

وعلى إثر هذا الإنذار توجه وفد إلى المسيب يتكون من أشخاص لا يمثلون عموم الثائرين يترأسه السيد كاظم الرشتي والسيد وهاب طعمة وظل السلطان الأمير علي بن شاه إيران فتح علي القاجاري الذي كان يعيش في كربلاء!! وآخرين من أتباعهم لمواجهة الوالي نجيب باشا وقائد جيشه، وطلب هذا الوفد أن يرسل الوالي مبعوثاً من قبله للتفاوض مع المتمردين.

وبناء على طلبهم فقد إختار الوالي أحد شخصيات بغداد ومن سراتها وهو الحاج (عبد الرحمن) وأرسله إلى كربلاء ليقوم بالمهمة ويتوسط بينه وبين أهل المدينة.

حضر الوسيط إلى كربلاء وتم الإتفاق معه على أن تستعيد حكومة بغداد سيطرتها على كربلاء من خلال حامية عسكرية تقيم فيها لا يزيد عددها عن خمسمائة جندي، وتعهد بذلك خطياً بعض الوجهاء ومنهم السيد وهاب طعمة حاكم كربلاء المحلي والسيد كاظم الرشتي وغيرهما.

يقول لويمر: ولكن هذه الإتفاقية مزقت قبل أن يجف حبرها. وبينما كان زعماء الياراماز أشدَّ المتحمسين للصمود والإستمرار في المقاومة، كان المجتهدان السيد كاظم وظل السلطان من دعاة الإذعان والتسليم. لهذا زاد الياراماز من تأهبهم وإستعدادهم للدفاع عن المدينة وشرعوا بنصب بنادقهم فوق الأسوار وبجلب رجال

عرب مسلحين من الضواحي (1)

ويبدو أن الوالي لم يرْضَ بهذه التسوية أو تلكأ في قبولها، مما منح المتمردين فرصة ذهبية لنقضها (2).

عندها كتب الوالي إلى السيد كاظم الرشتي يطلب منه العمل على حل المشكلة دون إراقة الدماء، وعلى رسالة الوالي فقد قام الرشتي بالدعوة إلى فتح أبواب المدينة أمام قوات الوالي.

وموقف السيد كاظم هذا زاد من الخلافات داخل المدينة، حيث أصر خصوم الرشتي على موقفهم في الدفاع عن المدينة، وعدم السماح للجيش أن يدخلها نكاية بالسيد كاظم الذي كان الثوار يعتبرونه يعمل لصالح الوالي.

يقول الدكتور علي الوردي:

«ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن المجتمع الكربلائي كان منقسماً على نفسه من جراء الصراع العقائدي بين الشيخيين وخصومهم... والظاهر أن نجيب باشا كان على علم بهذا الإنقسام الموجود بين سكان البلدة فحاول إستغلاله إذ أرسل إلى السيد كاظم الرشتي رئيس الشيخيين يرجوه أن يعمل على حقن الدماء، وقام السيد كاظم بما طلب منه فصار يحض الناس على فتح أبواب البلدة للقوات التركية والإستسلام لها، فكان ذلك سبباً في زيادة الإنقسام والإنشقاق بين الأهالي حيث إنصاع أتباع السيد كاظم لرأيه بينما إزداد خصومه عناداً وإصراراً على القتال. وأخذت الأساطير الدينية تنتشر بين السكان (3)وتحرضهم على المثابرة في القتال...


1) دليل الخليج / لويمر - القسم التاريخي ج 4 ص 1988 . حيث يسمي لويمر الثوار بالياراماز، كما ورد في قوله عن ظل السلطان فلم يكن أصلاً من المجتهدين، وعن الرجال العرب المسلحين من الضواحي هم الغالبية من عشيرة اليسار التي كانت تقطن غربي المدينة، وآل فتلة وبني حسن وآل زغبة، وأفراداً من عشائر أخرى.

2) العلاقات العثمانية - القاجارية د. جميل موسى النجار - ص 73.

3) يذكر محمد زرندي في (مطالع الأنوار) ص 28 ، بأن «أعداء السيد كاظم الرشتي من العلماء حرضوا الناس على عدم الإذعان للسيد كاظم، وعزموا على تحريك بعض الغوغاء وحرّضوا الحمقى من سكان المدينة على مهاجمة القوة التركية، وكانوا يؤكدون لهم النصر بأقوال مصطنعة كقولهم أن أحدهم رأى العباس (أخ الحسين ع) يأمره بتحريض الناس على الحرب الدينية ضد المحاصرين وأنه وعدهم بالنصر النهائي». ومن الطبيعي ان يقول محمد زرندي هذا القول المدافع به عن الرشتي لأنه كان من انصار البابية والبهائية فيما بعد، وهو كاتب تاريخهم، والمعروف بان البابية كانوا يجلون الرشتي ويضعونه بمكان التقديس تقريبا.

وأرسل رؤساء الحركة إلى بعض العشائر المتحالفة معهم كآل فتلة وآل يساروآل زغبة يستنجدون بهم»(1).

وعلى إثر فشل الوساطة للتوصل إلى تسوية سلمية، وهذا ما كان يريده الوالي ليمضي في تنفيذ خطته بالسيطرة على المدينة بالقوة. فقد قام في 18 تشرين الثاني 1842 بكتابة رسائل إلى قناصل بريطانيا وفرنسا وإيران في بغداد(2)، ليتنصل عن أية تبعات تنجم فيما إذا إقتحم المدينة عنوة.

كانت للوالي محمد نجيب باشا عدة مراسلات مع القنصل الإيراني وهو (الملا عبد العزيز خان) طلب منه العمل على منع الزوّار الإيرانيين من الوصول إلى كربلاء، وإخراج الإيرانيين المقيمين فيها حفظاً على سلامتهم وصوناً لأموالهم وممتلكاتهم من الإعتداءت التي قد تحصل في حالة إقتحام الجيش للمدينة(3).

كان جواب القنصل الإيراني على رسالة الوالي هو:

«لقد إطلعنا على رسالتكم التي أرسلتموها لنا والتي طلبتم فيها خروج الإيرانيين

وفي كتاب كربلاء في الأرشيف العثماني ص 197 ، جاء بأن الرسالة أرسلت إلى القنصل الإيراني في كربلاء (عبد العزيز ميرزا) يخبره «بضرورة إخراج الرعايا الإيرانيين من المدينة حتى لا يتعرضوا لخسائر بشرية أو مالية وذلك منعاً لحدوث مشكلة سياسية بين الدولتين». وأن السلطات العثمانية ستضمن خروج الرعايا الإيرانيين من القلعة (أي سور المدينة) بشكل آمن وطلبت من إيران الدعم في


1) لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث د. علي الوردي – ج 2 ص128 – 129، ط 2 دار الرشد.

2) ذكر ذلك في أحد تقاريره الرائد ف فارانت (الملحق بالسفارة البريطانية في طهران) والذي كان يقيم في بغداد وقتذاك مندوباً عن السفير البريطاني في إسطنبول، وكان قد عُيّن سابقاً لمهمة في أرضروم لإستقصاء حقائق الوضع هناك.

3) العلاقات العثمانية - القاجارية ص 74 ، عن وثائق عثمانية بإسم مسائل مهمة (كربلاء).

هذا الأمر. إلا أن القنصل الإيراني أوضح أنه ليست هناك ضرورة لإخراج الأهالي (الرعايا الإيرانيين) ولم يتورع عن إستخدامهم كأداة لتحقيق آماله السياسية.

من هذا المكان وتوطينهم في أي مكان آخر بسبب الإضطرابات التي سببوها في كربلاء، ولو إتخذ العثمانيون التدابير الجيدة في موضوع الإصلاحات لتم عقاب المذنبين من الأهالي بطريقة مباشرة، فالأناسي الموجودون هنا من فرق مختلفة وكلهم من الأراذل مجهولي الأوصاف ولهذا إتحدوا سويّاً في فترة قصيرة، ولو إتخذتم التدابير لإصلاح أمر كربلاء فسيرفعون السلاح، وإن شاء الله لن يدخل العجم في الحركة التي ستقوم بها الدولة العثمانية، ولو إتخذت الدولة العثمانية تدبيراً بإخراجهم من المدينة لكونهم مختلفين سيكون هذا الأمر سبباً دائماً في الحرب والحصار ولو أنني قلت للإيرانيين الموجودين في المدينة : أخرجوا من كربلاء وخذوا كل أموالكم وإذهبوا إلى حيث يأمركم الجيش العثماني أو إلى أي مكان آخر في كربلاء سيجوعون ويقعون في فقر دائم خلال تلك الفترة ...»(1).

خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول من عام 1842م (1258ه)، تبادل الوالي نجيب باشا مع القنصل الإيراني عبد العزيز ميرزا خان) عدة رسائل تخص موضوع ومشكلة كربلاء.

في رسالة جوابية مطوّلة أرسلها القنصل إلى الوالي مؤرخة في 8 ذي القعدة 1258ه الموافق 11 كانون الأول 1842 يخبره بأنه إستلم آخر رسائله والتي تضمنت إحتجاج الوالي على آخر رسالة بعثها له القنصل عندما ذكر فيها أن الغالبية العظمى من أهالي كربلاء مسالمون، وأن المتمردين هم فئة قليلة، وكان إحتجاج الوالي هو أنه لو كان الأمر كذلك لتمكن أهالي كربلاء من مغادرة المدينة وترك المتمردين فيها ليسهل إخضاعهم، أو لقاموا بفتح أبواب المدينة لتتمكن القوات الحكومية من دخولها بيسر وفي الرسالة الجوابية اعلاه يقول القنصل للوالي إنه لم يقصد هذا المعنى، وإنما ربما إلتبس الأمر عليه بسبب الترجمة، وإنه كان يقصد الإيرانيين المقيمين


1) كربلاء في الأرشيف العثماني / ديلك قايا - ص198. ولا يخفى بأن القنصل الإيراني كان ينظر إلى رعاياه ولا يهمه سكان المدينة الأصليون وهم الغالبية العربية، فسمح لنفسه أن ينعت الثوار ب« (الأراذل مجهولي الأوصاف).

في كربلاء، وعددهم حوالي عشرة آلاف وهؤلاء من الشيوخ والنساء والأطفال والعلماء، ليست لهم مقدرة على مواجهة اليارمازية الأشرار ودفع أذاهم عنهم وعن الزوار الإيرانيين الذين يفدون على كربلاء في كل سنة، فكيف يتمكن هؤلاء من مغادرة كربلاء واليارامزية يمنعونهم.

أو كيف يتمكنون من فتح أبواب المدينة للجند كما يرغب الوالي؟ واليارامزية على هذا الحال من الطغيان والتجبر منذ عشرين سنة. وأمرهم معروف للدولة العثمانية التي لم تفعل لهم شيئاً، ولم يتمكن ولاتها في بغداد من كسر شوكتهم وإنهاء تمردهم.

ويقترح القنصل على نجيب باشا أن يتحرى عن وسائل سلمية لإنهاء سيطرة اليارامزية على كربلاء (بحسن التدبير ولطائف السلوك والخدع) قبل إقتحام المدينة بالقوة، الذي قد يتسبب في مقتل عدد كبير من الأبرياء، مما سوف يحاسب عليه من قبل الله تعالى، ويكون مسؤولاً عنه دولياً. ويمضي ليشرح له مساوئ إقتحام المدينة بالقوة، وفي مقدمتها إنتهاك حرمة المرقدين الشريفين للحسين والعباس عليهما السلام وإحتمال أن يلوذ المتمردون بسطوحهما فتضطر القوات العسكرية إلى ضربهم بالمدافع مما قد يؤدي إلى تهديم قبتي المرقدين (وهذا أمر تتزلزل منه السماوات والأرض وليس فيه صلاح الجنابكم).

ويحذر القنصل نجيب باشا من إقتحام المدينة بالقوة لأن هذه العملية قد تتسبب بمشاكل جديدة بين الدولة العثمانية وإيران هما في غنى عنها، لأن كاهل العلاقات الثنائية بينهما كان مثقلاً آنذاك بمشاكل كثيرة ... مشاكل كانت تسعى بريطانيا وروسيا، كما يذكر القنصل، على حلّها، وإن إقتحام المدينة عسكرياً سوف يعرقل جهود الوساطة البريطانية الروسية الرامية إلى إبقاء التحابب والمصافات بين الدولتين العليتين إيران والدولة العثمانية، ويرجع الخلافات الحادة بينهما إلى سابق عهدها، ويكون هو مسؤولاً عن ذلك.

ويقول القنصل في رسالته هذه : (إذا كنت قادراً كما تقول على أن تقتحم كربلاء وتستخلصها من أيدي المتمردين وتلقي القبض عليهم دون إلحاق ضرر بأهالي المدينة وممتلكاتهم، فإفعل ولكن بعد أن تتعهد رسميّاً، ثم إفتحوا كربلاء بتوفيق الإله).

وإقترح عليه في نهاية الرسالة أن يعقد إجتماع رسمي في بغداد يحضره ممثل عن كل من إيران والدولة العثمانية، ويشارك فيه الشيوخ والوجهاء للتباحث في موضوع حل أزمة كربلاء حلاً سلمياً يضمن إعادتها للسيطرة المباشرة لأيالة بغداد.

ويشير القنصل في ختام رسالته إلى ما سبق أن ذكره نجيب باشا في إحدى رسائله إليه من أن كركربلاء تابعة للدولة العثمانية وأن أهلها عاصون ومتجبرون وطغاة، ويجب عليهم أن يتركوا العصيان ويخضعوا لدولتهم، ويقول له تعقيباً على ذلك : إن خضوع كربلاء للدولة العثمانية أمر ليس فيه شك، وأن حل المشكلة بالطرق السلمية أفضل، وإذا لم يكن الحل السلمي نافعاً اليوم فسيكون نافعاً غداً، ولا داعي للتسرع في حل هذه المشكلة بالقوة، وستبقى كربلاء في كل الأحوال خاضعة لحكم الدولة العثمانية(1).

ونعود إلى الوساطة التي لم تفلح في الإتفاق على درء الخطر، ورفض أهل المدينة أي مقترح يضعهم في خانة الضعف والتردد، كما لم يتلق الوالي أي بوادر من أهل المدينة تبين خضوعهم وموافقتهم على ما أراد منهم، والحقيقة أن ذلك كان ما يتمناه الوالي ليطبق خطته ويفتك بالمدينة ويخضعها بالقوة، فقد شرع بتطبيق الصفحة الثانية من خطته:

بدء العمليات العسكرية

كان لايزال الوالي محمد نجيب باشا في (المسيب) التي اتخذها مقراً لقيادة عملياته، فقد هيأ قوة كبيرة للهجوم على كربلاء قوامها ثلاث كتائب من المشاة، وكتيبة واحدة من جنود (السباه) الحكومية، وعزز هذه القوة بعشرين مدفعاً، وضمّ إلى القوّة المهاجمة بعض المقاتلين (الأكراد) حيث إستدعاهم من كردستان العراق وأوكل قيادة الأكراد إلى (أحمد باشا بابان).

وأضاف إلى قواته مجاميع من القبائل العربية التي كانت تعمل مع قوات الحكومة التركية وخاصة عشائر (العبيد) وغيرهم. وأعطى قيادة جيشه لكل من سعد الله باشا والفريق مصطفى باشا وکرد محمد باشا.


1) العلاقات العثمانية - القاجارية / ص 75 - 77

أمر محمد نجيب باشا قادته وعلى رأسهم سعد الله باشا أن يقودوا الجيش بإتجاه مدينة كربلاء وذلك في 13 ذي القعدة سنة 1258ه- الموافق 19 كانون أول سنة 1842 م (1).

زحف الجيش مسرعاً نحو كربلاء وضرب حصاراً واسعاً على المدينة التي كان يحيطها سور منيع ذو عدة أبواب فقد أحاطت القوة بالمدينة بشكل كامل. ولم تقتحم المدينة مباشرة بل إكتفت بضرب الحصار عليها ومنع الداخلين والخارجين منه، كما قطعو الماء عن الأهالي، ومنع الناس من الخروج إلى بساتينهم أو أعمالهم خارج سورها.

لا بد لنا أن نستعرض الأحداث التي وقعت من تاريخ تحرك الجيش من المسيب نحو كربلاء، إلى يوم إقتحام المدينة بالقوة يوم 13 كانون الثاني 1843م. ولنأخذ بداية ما كُتِبَ عن هذه المدة بالذات:

يقول لويمر: «وعندما رأى نجيب باشا أنه ليس في نية المتمردين الخضوع والإستسلام وأنهم كانوا يحاولون فقط إستغلال الوقت لكي يعززوا مواقفهم ويزيدوا من قوتهم طلب إمدادات عسكرية من بغداد وأمر حكمدار الجيش بالزحف إلى كربلاء بفرقة واحدة من الفرسان وعشرين مدفعاً وثلاث فرق من جنود المشاة. وقد وصل سعد الله باشا بهذه الفرق ومعهم بعض العرب الموالين إلى كربلاء في 19 ديسمبر (كانون أول) 1842 . وقد ضرب معسكره في الجانب الجنوبي من البلدة خارج أحراج النخيل المحاطة بها، وهناك أطلقت على الجيش النار ولكنه لم يرد عليها. وعندئذ زار المجتهدان السيد كاظم وظل السلطان الحكمدار في معسكره، وإقترحا بأن تسلّم إليه أفراد أسرتي رئيس الياراماز السيد إبراهيم والميرزا صالح كرهينتين، ثم ينسحب الحكمدار بقوته الرئيسية إلى المسيب مع إبقاء خمسمائة جندي خارج كربلاء.


1) دليل الخليج (القسم التاريخي) لويمر ج 4 ص 1988 ، وتسخير كربلاء ص 31 . وجاء في كتاب كربلاء في الأرشيف العثماني ص199 ، بأن القوة تحركت نحو كربلاء بقيادة سعد الله باشا يوم 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 1842م.

وحينما يصل بالقوة إلى المسيب يسمح للقوة الصغيرة بدخول كربلاء وفي أثناء ذلك تغادر جماعة الياراماز ومعتمديهم البلدة دون تكدر أو مضايقة. وعندما يتم جلاء الياراماز تماماً تعود القوات من المسيب بحرية إلى كربلاء. ويظهر أن سعدالله باشا قَبِل بهذه الشروط، وكان عليه أن يُخبر بها نجيب باشا الموجود في المسيب.

21

عند ذلك بدأ أهالي كربلاء يخاطرون بالتنقل خارج الأسوار بينما كان مرتزقتهم من العرب يتفرجون ويؤدون رقصات الحوسة (الهوسة) ويطلقون النار من بنادقهم في الهواء حسب تقاليدهم المعتادة. وفي اليوم التالي، وكان ذلك في ديسمبر، ذهب ظل السلطان إلى المعسكر التركي وبمعيته أفراد من أسرة السيد إبراهيم الزعفراني، و ميرزا صالح (هو السيد صالح الداماد) شخصيّاً وإستقبلوا إستقبالاً حسناً من جانب الحكمدار التركي ولكن في نفس الوقت وصل سليمان باشا ميرزا، وهو أمير فارسي آخر لاجئ من المسيب حاملاً معه أنباء بأن نجيب باشا قد رفض الموافقة على إنسحاب أي جزء من القوات المرابطة بالقرب من كربلاء.

وفي صباح اليوم التالي تبيّن للحكمدار أن الميرزا صالح قد ولى الأدبار إلى البلدة وأن الرهائن الآخرين المطلوبين قد فقدوا وتبين له أيضاً أن بعض الرهائن الذين سلموا له لم يكونوا نفس الأشخاص المتفق عليهم لذلك قام بإيفاد إبراهيم أغا، ضابط المدفعية، إلى كربلاء ليستطلع ما يجري فيها. وتجمعت حشود أهالي البلدة والعرب آتية من بساتين النخيل عند مرور المبعوث بها يسألونه عن الأخبار ثم تبعوه إلى بوابة البلدة. وبينما هو ما يزال على البوابة نفخ حرّاس الأسوار أبواق الخطر وأشيع أن الجنود الأتراك أخذوا بالزحف وكان الحكمدار إثناء ذلك، في الواقع، يعمل فقط في تحسين وترتيب الأوضاع في معسكره. ولكن لم يأبه المتمردون لهذا، فإندفعوا وأطبقوا على إبراهيم أغا وأُخذ إلى داخل البلدة حيث وجد بعد ذلك سالماً عند المجتهد السيد كاظم. وكانت نتيجة الإشتباك، الذي لم يتعمده الجانبان، في مصلحة العرب وأهل البلدة.

فإستولوا على المدافع التركية ولكن بدون قطع التنسيق وحملوا بعضاً منها معهم وهم في نشوة النصر ، ثم رموا الباقي في خندق حيث إستردها الجنود بعد ذلك في الليلة التالية، وإستمر الإشتباك حتى غروب الشمس وسقط عدد من الجرحى من

الطرفين. وبعد هذه الحادثة تصرف سعد الله باشا مع ظل السلطان، الذي كان ما يزال في المعسكر ، بكل فظاظة وخشونة وأرسله والرهائن إلى نجيب باشا في المسيب حيث نقلوا منها إلى بغداد.

وبعد وقوع هذا الإشتباك جرى تنظيم القوة الدفاعية في كربلاء تنظيماً أصولياً، وكانت تحصل يومياً مناوشات بين الطرفين في بساتين النخيل يستعمل فيها الطرفان المدافع. وكان الأتراك يطلقون قذائفهم في الفضاء فلا تحدث غير أضرار طفيفة في المدينة قاصدين مجرد التخويف والإزعاج. ورغم ذلك كله كانت المفاوضات ما تزال مستمرة.

في أول شهر يناير (كانون الثاني) 1843 وصل القنصل الإيراني من بغداد إلى المسيب وبمعيته المجتهد السيد إبراهيم (1)وهو منافس السيد كاظم، وأقنعا نجيب باشا بأن يتعهد، ليس فقط بالحفاظ على سلامة البلدة فحسب إذا هي إستسلمت، بل أن يسمح أيضاً لجماعة الياراماز بمغادرة البلدة بأمن وطمأنينة عبر الممرات البعيدة عن المعسكر التركي. وقد أجاب المتمردون على هذه الإقتراحات بالرفض مستندين إلى إشاعة كاذبة بأن الجيش الإيراني كان يزحف لنجدتهم وبأنهم سوف يسمحون بدخول مائتي رجل مسلح إلى البلدة فقط، مع جماعة صغيرة لترابط في مداخل البلدة.

وإغتاظ نجيب باشا من هذا الرد. وعاد القنصل الإيراني بعد إقامة قصيرة دامت أربعة أو خمسة أيام في معسكر الباشا وعاد معه المجتهد القزويني إلى بغداد. ولسوء الحظ فإن تقصير القنصل في التأكيد لسكان البلدة بأن نجيب باشا كان مصمماً على فرض سيادته على البلدة ساعد على بث الثقة في نفوس المدافعين عنها وقوي في إعتقادهم بأن الأتراك ليسو جادين في نواياهم. وقد بلغ الغرور بالناس حداً ربما لم تكن تجدي معه رسالة يوجهها لهم القنصل الإيراني.

وشرع الآن حكمدار الجيش بالتقدم نحو البلدة ونشبت معركة حامية بين أحراج النخيل، ثم عمل الجيش جدياً في قطع أشجارها من أجل توضيح معالم الممرات وتنظيفها. وكانت حصيلة هذه المعركة أن إستخلص الجيش بصعوبة ضريح


1) هو العلامة السيد إبراهيم القزويني (صاحب الضوابط) الذي كان يقود الصراع ضد الشيخية والكشفية.

ابن حمزة من أيدي جماعة الياراماز وتم الإستيلاء على أربعة مدافع ثم نصبت المدافع عند الضريح على بعد 350 ياردة من أسوار المدينة وعم داخلها شعور قوي معادٍ للسنّة، وأعلن الملأ الجهاد الديني، وعلت صرخات الذم والإهانة ضد السلطان وجيشه من فوق شرفات الأسوار المواجهة لقوات العثمانيين وقام أهالي المدينة بصهر قفص ضريح العباس النحاسي لكي يسدّو النقص الذي أصابهم في الرصاص والقذائف(1)، وإشترك العلماء في إكمال ترميم الأسوار بعد أضرار القصف التي حلّت بها.

وأخيراً وبسبب الموقف الحرج الذي أصبحت القوات فيه أصبح حتماً على قيادة الجيش إتخاذ قرار حاسم فقد أضرت بالجنود الأتراك قلة المؤن ورطوبة الجو حتى بات الجنود على وشك الفرار من المعسكر.

وفي 11 يناير (كانون الثاني) قامت المدفعية التركية بالتركيز على قسم من سور المدينة على بعد 60 ياردة من بوابة النجف بحيث أحدثت فيه خرقاً واسعاً، ثم أوفد شخص عربي يدعى علوان حاملاً معه راية بيضاء وداعياً أهالي المدينة للإستسلام، وكان سيتم تحرير شروط التسليم حين هرع إلى المكان ميرزا صالح شاهراً سيفه وطارحاً عمامته على الأرض، وصائحاً بأنه قد فات أوان التراجع. ومال الرأي العام إلى جانب الميرزا.

رجع المبعوث إلى المعسكر التركي. وفتحت نار المدافع ثانية وإستمرت حتى غروب الشمس. موسعة عرض الخرق في السور إلى 50 ياردة.

وحتى ذلك الحين لم يكن عصاة كربلاء على يقين من الخطر الذي يتهددهم. وفي صباح 13 يناير (كانون الثاني)، وقبل بزوغ النهار، قام الأتراك بإستطلاع الثغرة في السور فوجدوا الحراس عليها متغيبين أو نائمين حول نار في أسفل السور. على أن جماعة المدافعين تجمعوا عند الثغرة بعد الفجر وقبل أن يقتحم الجيش الموقع. وقد


1) من المؤكد أن هذا الكلام غير صحيح، لأن المرقد له حرمته مهما كانت الظروف، وخاصة مرقد العباس(علیه السلام) ، فمن غير المعقول أن يتم صهر الشباك لحاجة الأهالي للرصاص وغيره، كما أن لويمر نفسه ذكر بأن الناس اللائذين بقبر العباس قتلوا وهم يلتصقون بشباك الضريح كما سيتم ذكره لاحقاً !!.

تم إقتحام السور بفقدان حوالي 50 رجلاً . وفتحت بعد ذلك بوابة النجف لتتدفق عبرها القوات التركية الرئيسية ...»(1).

جاء في كتاب كربلاء في الأرشيف العثماني ما يلي:

«... وكان أول تحرك عسكري يهدف لإخماد الثورة في كربلاء بقيادة سعد الله باشا في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 1842م ، ولم يسفر هذا الهجوم الأول عن أية نتيجة لعدم تمكنه من تثبيت المدافع بالشكل المطلوب، وبذلك لم يتمكن من دخول القلعة، الأمر الذي جعل نجيب باشا يقود الحركة بنفسه حتى يقضي على حالة اليأس التي بدأت تحل بالجنود، وتمكن نجيب باشا من تثبيت المدافع لفتح ثغرة عند باب بغداد في قلعة كربلاء، ثم وضعت السلالم للدخول إلى القلعة في 23 ديسمبر (كانون الأول) 1842م ، وبالرغم من تطبيق القوات العثمانية لتلك الخطة دون أدنى تقصير إلّا أنها لم تتمكن من دخول القلعة في وقت قصير.

وأرسل الفريق محمد صادق باشا بجنوده إلى كربلاء لتدارك الموقف حتى يفقد الجنود صبرهم وأملهم في نجاح الحركة، وحتى لا تحدث أحداث خطيرة، وبعد ما جددت القوات العثمانية نشاطاتها بتلك القوات الإضافية التي أتت إليها تمكنت من الدخول إلى القلعة صباح يوم الخامس عشر من شهر يناير (كانون الثاني) لعام 1843م ، وتم القبض على كل العصاة الموجودين فيها»(2).

أما المرحوم السيد عبد الرزاق الحسني فقد ذكر في كراسه (تسخير كربلاء) جانباً عن الفترة ما بين توجه الجيش إلى كربلاء من المسيب حتى يوم إقتحام المدينة فيقول ما نصه:

«كان الوالي محمد نجيب باشا قد توجه إلى المسيب لتأديب قبائل المعدان الثائرة في وجه الدولة، وإتخذ من هذه القرية مقراً لقيادته ومركزاً لما كان ينوي القيام به ضد الكربلائيين. فلما انقطع رجاؤه في تسوية مشكلة اليارامز في كربلاء بالحسنى، هيأ قوة كبيرة لتسخير هذه المدينة وإستئصال شأفة المتمردين فيها. وكان قوام هذه


1) دليل الخليج لويمر - ج 4 ص 1988 – ص 1991.

2) كربلاء في الأرشيف العثماني/ديلك قايا – ص199.

القوات ثلاث كتائب من المشاة وكتيبة واحدة من جنود السباه الحكومية، يعززها عشرون مدفعاً، وبعض المقاتلين الأكراد الذين إستدعاهم من كردستان بقيادة (أحمد باشا بابان) لهذا الغرض، مضافاً إلى زمر من القبائل العربية العاملة في القوات الحكومية من العبيد وغيرهم. وقد عقد لواء هذه الحملة للفريق مصطفى باشا – وفي رواية لكرد محمد باشا - ووجها إلى كربلاء في الثالث عشر من شهر ذي القعدة سنة 1258ه – 1842م. فضربت القوة حصاراً واسعاً على المدينة المزدحمة بالزوار والأغراب والمجاورين، وأحاطت بسورها العظيم إحاطة السوار بالمعصم، وضيقت على السكان ضيقاً أفقدهم رشدهم وصوابهم، حتى إضطرهم لشرب مياه الآبار المجّة، واللجوء إلى التقتير والتقنين في توزيع الأرزاق، وقد استمرت الحال على هذا المنوال ثلاثاً وعشرين يوماً. فلما شعر الناس بوطأة الحصار، وفشلت الوساطات لإصلاح ذات البين، إجتمع الزعماء والرؤساء وأخذوا يتداولون الوضع فيما بينهم من جوانبه المختلفة. وعلى الرغم من الإنقسامات العقائدية التي كانت تفتك بين صفوف الناس يومئذ، ولا سيما رجال الدين وحملة ألوية الشريعة، على نحو ما ذكرناه من قبل، فقد إستقرّ الرأي من ضرورة طاعة المدينة وخضوعها للسلطة الحكومية، فلما فوتح قائد الحملة بهذه الرغبة، رفض قبول الإستسلام إلا بأصعب الشروط وأشدها قسوة وإرهاقاً، ومن ذلك تسليم عائلات بعض الزعماء إلى قيادة الجيش لتكون بمثابة رهائن لتنفيذ شروط المهادنة، ولكن الأهلين رفضوا هذه الشروط القاسية بكل إباء وشمم خشية أن تهان أعراضهم، ويدنس شرفهم، ولاسيما وأن الكثرة فيهم من الأسر المحافظة.

وعلى الرغم من أن هؤلاء كانوا يعلمون علم اليقين بإستحالة التغلب على قوات الحكومة، التي كانت تفوق قواتهم عدة وعدداً، فقد إرتأوا عقد إجتماع موسع في الروضة الحسينية، ضم رؤساء كربلاء وكبار مجتهديها وسراتها وأصحاب الكلمة النافذة فيها، وتقرر في هذا الاجتماع إجلاء العائلات عن المدينة من أبوابها الجانبية إلى مضارب القبائل العربية المجاورة لتكون في حمايتها، كما تقرر الإستنجاد برؤساء آل فتلة، وبني حسن، واليسار، وآل زغبة وغيرهم من رؤساء القبائل العربية والبعيدة لإنقاذهم مما هم فيه من ضيق وإمتهان، والإسهام في الدفاع عن أموالهم وأعراضهم

وأنفسهم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا وقد لبّي الرؤساء المجاورون نداء الواجب - والكريم يلبي - فأرسلوا ما تمكنوا من إرساله من المقاتلين والفرسان، وقد قدّر البعض عددهم بألفين وبالغ البعض الآخر فرفع العدد إلى ثلاثة آلاف، ولكن أنى للقوات الأهلية أن تقف في وجه الجيوش النظامية المعززة بأحدث أنواع البنادق والمجهزة بمختلف أساليب الدمار ؟

و على كل فإن قائد الحملة لم يتوان عن التشبث بالوسائل المختلفة لإنقاذ الموقف وفض المشكل بالتي هي أحسن ؟ فلما فشلت الوساطات والشفاعات، قرر أن يضرب ضربته الأخيرة، فأمر أولاً بقطع أشجار البساتين المحيطة بالمدينة ليكون الطريق فسيحاً أمام الجند، بحيث لم تبق نخلة واحدة بينهم وبين السور. وكان المقاتلون من الأهلين يضربون الجنود الذين ضربوا مخيماتهم في السهل، وهم معتصمون فوق السور خلال هذه الفترة، فيرد الجند عليهم بالمثل. ثم أوعز إلى قائد المدفعية أن يشرع في هدم السور المحيط بالمدينة مهما كلف الأمر، ليتمكن الجنود من الدخول إليها بيسر، ويقضي على المقاومة والقبائل التي نفرت للمساعدة.

وفي فجر اليوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة سنة 1258 للهجرة، الثالث عشر من شهر كانون الثاني سنة 1843 للميلاد، أخذت المدافع في إطلاق قنابرها على السور بشدة فإستطاعت أن تفتح فيه ثغرة واسعة من ناحية باب النجف، وإذا بفريق من الجند يتسلق السور ويمشي فوقه بسلاحه، وفريق آخر يدخل من الثغرة ويتغلغل في أطراف السور ...»(1).

وجاء في كتاب صور من تاريخ العراق في العصور المظلمة ما نصه:

«وقد إستقام نفوذ اليرماز في كربلاء إلى ما بعد الإثنتي عشرة سنة التي قضاها علي رضا في الحكم، وحينما تبوّء محمد نجيب باشا منصب الوزارة من بعد وجد رؤساء هذه الفئات العاصية يصولون ويجولون في البلدة وما جاورها، ويزرون بشراذم الجند النظامي وغيرها من القوات الحكومة. وبدلاً من أن يستعين بالروية والعقل، ويعمد إلى دراسة الأحوال السيئة ومسبباتها، فيعمل على معالجتها بالتي هي أحسن، بادر إلى


1) تسخير كربلاء السيد عبد الرزاق الحسني – ص 30 – ص34.

إستخدام القوة في الحال ليبرهن على ما جبل عليه من قسوة وبطش خاليين من الرحمة والتورع. فقد جرد على المدينة جيشاً عرمرماً مزوداً بأحسن المدافع والعدد وحاصرها لمدة خمسة وعشرين يوماً وضيّق عليها الحصار حتى رُزء به اليرماز العصاة والأهالي الأبرياء الذين وقعوا بين نارين في الحقيقة.

وقد إتصل الأهلون بنجيب باشا في خلال هذه المدة طالبين الإستسلام ومقدمين الطاعة والخضوع لكنه لم يلتفت إليهم ولم يقبل خضوعهم إلّا بأصعب الشروط وأكثرها إرهاقاً وشدّة. وعند ذاك إتفقت جميع الفئات على مقاومته، والإستبسال في الذب عن البلدة المقدسة حتى الرمق الأخير. وقد إنضم إليهم حتى (البرطاسية)(1)، وكانوا يؤلفون القوة المحاربة الخاصة التي كان قد دبّر إبقاءها محمد شاه القاجاري في كربلا للمحافظة على الرعايا الإيرانيين ومصالحهم فيها.

ولذلك لم يجد القائد التركي سعد الله باشا، أو كرد محمد باشا في رواية أخرى، بداً من تسليط نيران مدافعه على البلدة وسورها على الأخص من جهة باب النجف حتى أحدثت ثغرة واسعة فيه. وعند ذلك تدفقت من هذه الثلمة جموع المدافعين إلى الخارج وإلتحمت مع الجيش التركي المهاجم بمعركة حامية الوطيس إشتركت فيها إلى جانب الكربلائيين قوة منجدة من عشائر الفتلة واليسار والمعدان. ولم تنته المعركة إلّا بعد أيام عدة، حين تغلبت قوات الأتراك النظامية ودخلت البلدة في اليوم الثاني من أيام عيد الأضحى المبارك سنة 1258»(2).

وجاء ذكر الحادثة في عدة مؤلفات منها (نزهة الأخوان في واقعة بلد المقتول العطشان)، ونعتقد أنه (التاريخ المجهول) الذي ذكره المرحوم عباس العزاوي في کتابه تاريخ العراق بين إحتلالين - ج 7 ص 65 وص 66، كما جاء ذكر الحادثة في كتاب هداية الطالبين لكريم خان الكرماني وهو من الشيخية وكان يميل في ذكره للواقعة إلى السيد كاظم الرشتي الذي كان أهل المدينة والثوار على الضد منه.


1) كانت في كربلاء حامية إيرانية من الجنود البرطاسية محدودة العدد، كان الشاه محمد القاجاري قد إتفق مع حكومة بغداد على إبقائها في هذه المدينة المقدسة لحراسة القنصلية الإيرانية ورعاية الجالية الإيرانية القاطنة فيها. (تسخير كربلاء ص 35).

2) صور من تاريخ العراق في العصور المظلمة جعفر الخياط - ج 1 ص 306 - 307.

وذكرت الواقعة أيضاً في تاريخ نبيل لمحمد زرندي، وهو من البابية ومن ثم مال إلى البهائية، وكان في ذكره للحادثة يميل إلى السيد الرشتي أيضاً، ويرمي اللوم على أهالي كربلاء.

كما ذكرت الواقعة في كتاب قرة العين في تاريخ الجزيرة والعراق وبين النهرين لمؤلفه محمد رشيد السعدي الذي كان يميل في ذكره للحوادث إلى الوالي نجيب باشا حيث يقول «جاهر أهل كربلاء بالعصيان فأرسل والي بغداد محمد نجيب باشا عليهم الجنود المظفرة العثمانية فإنتصروا على العصاة وقتلوا رؤساءهم وعاد الأمن والسكينة»(1).

وذكرت أيضاً في تاريخ الشاوي ص 14 ، الذي لم ينسبها للعصيان من الأهلين، بل أستخدمت كوسيلة سياسية ليتم القضاء على تمرد الكربلائيين وعودة المدينة إلى سلطة الحكومة العثمانية.

كما تحدث عن الواقعة بالتفصيل الدكتور جميل موسى النجار في كتابه العلاقات العثمانية - القاجارية وقد إعتمد في حديثه عن الواقعة على ما كتبه ج. ج. لويمر في دليل الخليج، بالإضافة إلى مصادر أخرى إعتمدنا نحن عليها أيضاً لبحث جميع الآراء المطروحة عن الحادثة وقبل أن نشرح الحادثة من وجهة نظرنا بدراسة معمقة وفق المصادر الموثوقة وتصورنا لواقع الحال ومجريات الأمور في ذلك الوقت.

الوضع داخل المدينة إثناء الحصار

كانت البساتين المشتملة على أشجار النخيل والحمضيات ملاصقة تقريباً لسور المدينة إلّا في مناطق قليلة ومتفرقة. وكان المدافعون عن المدينة قد إتخذوا مواقع لهم على سور المدينة وهم يراقبون تحركات الجند وإنتشارهم خارج السور وهم يتخذون مواقع تحيط بالمدينة. وقد ضاق أهل المدينة بالحصار المضروب عليها وقد إشتدّ عليهم، مما إضطرهم إلى شرب المياه من الآبار التي هي أصلاً تحتوي على مياه غير صالحة للشرب، ولجأ سكان المدينة إلى التقشف والتقتير في الأرزاق، وإستمر هذا الضنك لمدة ثلاثة وعشرين يوماً.


1) قرة العين في تاريخ الجزيرة والعراق وبين النهرين محمد رشيد السعدي – ص 125.

حاول بعض المتنفذين في المدينة إيجاد حل لهذا الوضع المتأزم بإرسال وساطات إلى قادة الجند لإصلاح ذات البين وبشروط مشرفة. ولكن تلك الجهود لم يكتب لها النجاح.

فقد زار السيد كاظم الرشتي وظل السلطان الأمير علي بن فتح على شاه القاجاري قائد الجيش سعد الله باشا في اليوم الثاني لمرابطة الجيش حول المدينة، وعرضوا عليه خطة سلمية بإخراج المتمردين من كربلاء وبعدها يتم دخول القوات العثمانية إليها، والخطة هي إيداع أفراد أسر قادة التمرد إلى الجيش كرهائن، ثم ينسحب القائد سعد الله باشا بقواته إلى المسيب عدا قوة صغيرة تتألف من خمسمئة جندي ترابط خارج سور كربلاء، عندها يخرج جميع المتمردين وقادتهم من المدينة، وتدخل القوة الصغيرة إلى كربلاء وتعقبها القوة التي إنسحبت نحو المسيب.

إختلفت آراء المؤرخين عن هذا الإتفاق فمنهم من نقل بأن سعد الله باشا وافق على العرض الذي قدّم إليه، وفي يوم 21 كانون الأول تم تسليم الرهائن إليه، ولكن الوالي لم يوافق على الإتفاق ورفض سحب أي جندي من القوات المرابطة حول المدينة.

قسم آخر يؤكد بأن رجال الدين وآخرين قد إستقر رأيهم على عرض الطاعة وخضوع المدينة للسلطات الحكومية، «فلما فوتح قائد الحملة بهذه الرغبة، رفض قبول الإستسلام إلا بأصعب الشروط وأشدّها قسوة وإرهاقاً، وذلك بتسليم عائلات بعض الزعماء إلى قيادة الجيش لتكون بمثابة رهائن لتنفيذ شروط المهادنة، ولكن الأهلين رفضوا هذه الشروط القاسية بكل إباء وشمم خشية أن تهان أعراضهم، ويدنّس شرفهم، ولا سيما وأن الكثرة فيهم من الأسر المحافظة. وعلى الرغم من أن هؤلاء كانوا يعلمون علم اليقين بإستحالة التغلب على قوات الحكومة، التي كانت تفوق قواتهم عدة وعدداً»(1).

وافق سعدالله باشا قائد الجيش بذلك، وفي يوم 21 كانون الأول تم تنفيذ الخطة بتسليم الرهائن للقائد في معسكره.


1) تسخير كربلاء/ عبد الرزاق الحسني - ص31-32.

رفض الوالي نجيب باشا الإتفاق في نفس اليوم الذي تم فيه تسليم الرهائن ولم يوافق على سحب أي جندي من القوات المرابطة حول المدينة، ويعني ذلك أنه يرفض أي إتفاق بين الطرفين.

عندما وصلته أخبار الإتفاق كان عنده أحد الأمراء القاجاريين المقيم في كربلاء وهو (سليمان ميرزا) وعند رجوعه إلى كربلاء نقل خبر رفض الوالي للإتفاق إلى معسكر القائد سعد الله باشا، وعلم به الرهائن ومن ثم سكان المدينة، وتمكن بعض الرهائن من الهرب والوصول إلى داخل الأسوار، عندها تأكد للأهالي بأن نجيب باشا مصمم على إقتحام المدينة.

كان البعض وخاصة من رجال الدين رغم الاختلاف العقائدي بينهم وبعض من والاهم من المتمردين والضعفاء، قد إستقر رأيهم على ضرورة عرض الطاعة وخضوع المدينة لسلطة الحكومة... بينما عارض البعض الآخر وهم رؤساء كربلاء وزعماؤها وساداتها الرأي لقناعتهم بأن الجيش التركي شاؤا أم أبوا سوف يدخل المدينة بل ويهين أهلها ورؤسائها والأكثر من ذلك تدميرها. لكنهم مع ذلك وافقوا على مفاتحة قادة الحملة كما طرح الفريق الأول.

وعندما أرسلوا مندوبين عنهم للعسكر الذي يحيط بالمدينة، رفض قادته قبول إستسلام الكربلائيين إلا بشروط قاسية كان أشدّها تسليم بعض عائلات زعماء كربلاء ورؤسائها إلى الجيش كرهائن ومن ثم ينفّذون شروط الهدنة.

رفض أهل المدينة هذه الشروط الصعبة وإعتبروا ذلك إهانة لهم وخشيتهم من أن تهان أعراضهم، وبذلك إعتبروها مسألة شرف، علماً بأن الكثير من العوائل التي طلبَتْ تعود إلى أسر محافظة في المدينة يقود أفرادها الأهالي.

كان رفض الأهالي بكل إباء وشجاعة وإعتبروا ذلك دفاعاً عن شرفهم وأعراضهم وهم على يقين بأن لا قبل لهم بالتصدي للجيش النظامي الذي يمتلك الأسلحة الحديثة والمدافع، والمدرّب بشكل جيد، وأن الجيش بعدده وعدته يفوق تصوراتهم السابقة.

حاول بعض المتنفذين في المدينة إيجاد حل لهذا الوضع المتأزم بإرسال وساطات أخرى إلى قادة الجند لإصلاح ذات البين وبشروط مشرّفة، لكن ذلك كله أصيب بالفشل مما دعا بزعماء ورؤساء المدينة لأن يجتمعوا ويتداولوا في الأمر.

الاجتماع في الروضة الحسينية

قرر زعماء المدينة عقد إجتماع موسع في الروضة الحسينية ضم رؤساء كربلاء وساداتها من العوائل العلوية المعروفة وزعماء المناطق والشجعان من أبناء العوائل والعشائر فيها، وإنضم إليهم السيد وهاب طعمة الذي كان الحاكم الأهلي وفي نفس الوقت كانت سدانة الروضتين بعهدته ...

ذكر مؤلف كتاب مدينة الحسين أسماء الذين حضروا هذا الاجتماع في النص التالي: «... إذ عقدوا إجتماعاً في صحن الروضة الحسينية ضم الكثيرين من رجال الدين والمجتهدين وفي مقدمتهم السيد إبراهيم صاحب الضوابط والعلامة السيد صالح الداماد و من رؤساء البلد ووجوهها كل من السادة: السيد وهاب بن السيد محمد علي جلبي آل طعمة حاكم كربلاء والسيد محسن بن محمد کنعان آل دراج نقیب أشراف كربلاء وعميد أسرة آل نصر الله الفائزي السيد علي (الشهير بالطويل) ابن السيد جواد (كليدار الحسين (السابق) ابن السيد كاظم بن السيد نصر الله، والزعيم العلوي السيد إبراهيم بن هاشم بن أحمد بن مصطفى الشهير بالزعفراني، ومن رؤساء القبائل العربية بني سعد ورئيسهم يومئذ طعمة بن عيد والشيخ علي رئيس قبيلة آل کشمش وغيرهم من العشائر القاطنة في كربلاء...»(1).

قرر المجتمعون ما يلي:

1-إجلاء ما يقدرون عليه من العوائل عن المدينة من بعض الأبواب الجانبية فيها والتي يعرف الكربلائيون جيداً كيف يتسللون خارج السور وإيداعها عند القبائل العربية المجاورة للمدينة.


1) مدينة الحسين / محمد حسن الكليدار - ج 4 ص 172 .

2-قرروا الاستنجاد بالقبائل من خلال رؤسائها من آل فتلة وبني حسن وعشيرة اليسار (طي) وغيرهم لمحاولة المساعدة وإنقاذ المدينة.

3- قرر أهل المدينة الاستعداد للدفاع عنها وعن أموال الناس وأعراضهم وأنفسهم مهما كلف الأمر إلى أن يفعل الله ما يريد.

4-قسمت المدينة مناطقياً على مجاميع للدفاع عنها بكل ما يملكون من قوّة وشجاعة وبسالة.

من نتائج هذا الاجتماع ظهر تلاحم أبناء المدينة بشكل كبير جداً، والمهم في هذا الجانب هو قرار السيد وهاب آل طعمة حاكم المدينة وسادن الحسين بالوقوف إلى جانب أبناء مدينته، وأن يكون من المدافعين عنها، وهذه النقلة النوعية حسبت له رحمه الله وكانت تكفيراً عما قام به سابقاً، وتحمّل بسبب هذه الوقفة الشدائد والمصاعب بعد الواقعة.

وأفرز الاجتماع كذلك المتخاذلين والمصلحيين وأصحاب الأطماع ليرسموا لهم دوراً جديداً بالمدينة في المستقبل. كذلك لبّى رؤساء العشائر طلب أهل المدينة وساعدهم الأهالي بالتسلل إليها، وإنضموا إلى سكان المدينة وإتخذوا إستعداداتهم للمشاركة في القتال، وقدّرهم بعض المؤرخين بألفين من المقاتلين والفرسان.

ظلّ أهل المدينة يراقبون تحركات العسكر من فوق سور المدينة وهم يتخذون مواضع عليه، وأخذوا الاحتياطات الكاملة لكل طارئ، وكان الحماس والهياج بين الأهالي أخذ مأخذاً عظيماً في رفع المعنويات.

ساهم الأغنياء من أبناء كربلاء بتوفير الطعام والمستلزمات القتالية، وإعتبروا ذلك جهاداً ودفاعاً عن مدينتهم المقدسة وسكانها وشيوخها ونساءها وأطفالها.

في نفس الوقت أخذ أهل المدينة بمراقبة المشكوك فيهم داخلها مثل السيد كاظم الرشتي وأتباعه ومريديه وبعض المتخاذلين.

الهجوم على المدينة

«كتب السيد كاظم الرشتي رسالة إلى قائد الجيش الوالي نجيب باشا، وأفهمه حقيقة الموقف، فأجابه القائد مرّة أخرى طالباً منه إعادة النصح للأهالي، وأنه سيفتح ابواب المدينة في ساعة معيّنة، ولا يؤمن أحد فيها إلا من إلتجإ إلى منزل السيد (يقصد منزل الرشتي)، ولما وصلت الرسالة قام بنشرها في كافة أنحاء المدينة فقابلوها بالاستهزاء والسخرية. ولما أُخبر بذلك قال أي( السيد كاظم) إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب؟ - وفي الفجر في الساعة المعينة هاجمت القوات المرابطة القلعة، وهدّموا الأسوار، وأستبيحت المدينة قتلاً ونهباً، وهرب الكثيرون ملتجئين إلى حرم المقام الحسيني، وإلتجأ آخرون إلى مقام العباس وهرع إلى منزل السيد كاظم أحباؤه ومعارفه، وإزداد عددهم بدرجة أنه إضطر إلى إضافة المنازل المجاورة لمنزله»(1).

هذا ما نقله صاحب كتاب مطالع الأنوار الذي كان من (البهائية) وهؤلاء هم نتاج البابية الذين بشر الرشتي بظهورهم.

وهنا لنا وقفة قبل سرد الحوادث وطبيعة الهجوم... نقول:

لماذا كتب محمد نجيب باشا بأن الذي يكسب (الأمان) هو من يلتجأ إلى منزل السيد؟ ولم يذكر من يلتجأ إلى حرم الحسين أو حرم العباس عليهما السلام، وكأن منزل كاظم الرشتي أفضل من هاتين الروضتين المقدستين. وكان بالفعل فقد دخل الجيش وإستباحوا حرم الحسين وإستطاع البعض متوسلاً بالحد من القتل فيه، بينما إجتاحوا حرم العباس وقتلوا جميع من فيه بدون رحمة !! ...

ألا يعني ذلك أن الأمر كان متفقاً عليه بين الرشتي والوالي... ونُذكّر القارئ الكريم بالإهزوجة المشهورة دار (السيد مأمونة)(2)هي دليل على صحة ذلك وليس إفتراء على الرشتي. وما سوف نورده بعد الحادث يؤكد ذلك أيضاً.


1) مطالع الأنوار/كتاب عن البابية والبهائية من تأليف محمد زرندي وسمي بتاريخ نبيل وترجمه للعربية القاضي عبد الجليل سعد سنة 1940م.

2) هذه الإهزوجة أصبحت متداولة وذهبت مثلاً إلى يومنا هذا، وتعني دار السيد كاظم الرشتي.

نعود إلى سرد وقائع الهجوم على المدينة، قرر قائد الحملة أن يبدأ الهجوم وقد إتخذ إجراءات قبل شن الهجوم، فأمر بقطع أشجار البساتين المحيطة بالمدينة ليكون الطريق فسيحاً أمام الجند، بحيث لم تبق نخلة واحدة بينهم وبين السور. بينما هم يقومون بذلك قام الأهالي بمواجهتهم من أعلى السور وأخذوا يرمون الجند ومخيماتهم بالرصاص وقتلوا منهم قرابة الخمسين، وكان الجند يردّون عليهم بالمثل إلى أن تم الانتهاء من عملهم بجرف البساتين والأشجار.

هنا أصدر قائد الحملة أمراً إلى قائد المدفعية بأن يبدأ بهدم سور المدينة وفتح ثغرات فيه مهما كلف الأمر ، ليتمكن الجنود من الدخول إليها عبر تلك الثغرات وعن طريق تسلق السور، كما بدأت المدفعية برشق عدّة إطلاقات على وسط المدينة لإحداث التخلخل في المقاومة المتكونة من أبطال المدينة ومن أفراد القبائل الذين استنفروا للمساعدة.

في فجر يوم 11 ذي الحجة سنة 1258 ه الموافق ليوم 13 كانون الثاني 1843م وكان مصادف لليوم الثاني من عيد الأضحى، بدأ الجيش التركي برشق سور المدينة بالقنابل بشكل مكثف، وقد استطاعوا فتح ثغرة كبيرة في السور من الناحية الجنوبية للمدينة وتحديداً في منطقة باب النجف وكانت مجاميع أخرى من الجند تحاول التسلق على السور في نفس المنطقة، رغم مقاومة الأهالي الشديدة فقد تمكن الجيش من الدخول من الثغرة التي فتحت في السور ، وفي ذات الوقت تسلقت أعداد كبيرة السور وقاموا بالسير فوقه وسلاحهم معهم... وكان الرتلان يطلقان النار على من يجدوه من الأهالي وبكثافة شديدة وأخذوا يتقدمون داخل المدينة.

اشتدّ حماس الكربلائيين المدافعين عن مدينتهم، ووقفوا يتصدون للجنود الأتراك بكل بسالة وإندفاع وعلى إختلاف طبقاتهم، فكانوا في تلك الأثناء متضامنين ضد الخطر الذي يداهمهم وأوقعوا بالجيش إصابات كثيرة والنار تطلق على الجند من سطوح المنازل وزوايا الحارات.

وإستمرت المعركة وقتاً طويلاً شملت أغلب مناطق المدينة. وكان الجند والعساكر الأتراك ومن معهم قد أكثروا من وحشيتهم وبطشهم، وعندما وجدوا استبسال الكربلائيين وشدة بأسهم زادهم ذلك وحشية ولم يراعوا حرمة لشيخ

أو طفل أو إمرأة ، وإزدادت دفعات القوات الداخلة الى المدينة وإندفعوا في دروبها وأسواقها وأزقتها، وتمكنت بوحشيتها أن تسيطر على كربلاء وعلى الوضع العام فيها ... وبدأ تراجع المدافعين أمام ضغط الجند المتواصل وبدأوا بالاختباء في الدور، وقد إحتمى الناس بصحن الإمام الحسين وصحن العباس، آملين الاحتماء بهما كونها مراقد مقدسة لينجوا من بطش الأتراك...

بينما إحتمى أخرون بمنزل السيد كاظم الرشتي وما جاوره من منازل وهؤلاء كانوا من أتباع السيد. وتفاقم الوضع في المدينة سوءاً وإمتلأت الدروب والطرقات بالجثث ورائحة الموت بكل مكان.

بعد أن سيطرت قوات الحكومة على المدينة، فقد أخذت بالشروع في القتل العام والسبي والنهب والتخريب بشكل فظيع وإستباح الجند كربلاء لمدة تقارب الخمس ساعات... هدرت خلالها الدماء البريئة وذهب الشيوخ والنساء والأطفال ضحايا وبدون رحمة.

كانت كل هذه الأعمال تجري أمام أنظار الوالي نجيب باشا الذي دخل مع الجند وقادته إلى المدينة. ولم ينج من القتل العام إلا الذين إحتموا بدار السيد كاظم الرشتي والدور التي ضُمّت إلى داره.

تقدّم رتلان من الجنود أحدهما نحو صحن العباس والآخر إلى صحن الحسين بغرض إقتحامها، وكان الوالي مع الجند المتجهين إلى حرم الحسين، فإقتحموا أبواب الصحن وبدأوا بإطلاق النار على المحتمين به فخرج إليهم (الحاج مهدي كمونة) وهو يلطم وجهه ومعه بعض أتباعه، حاسرين رؤوسهم وهم حفاة، وقد طلبوا الأمان من الوالي مؤكدين تعاونهم التام معه(1).

«وأكّد مهدي كمونة للوالي بأنه وأتباعه لم يخلعوا الطاعة ولم يخالفوا الجماعة فلا يصح أخذ الأبرياء بذنوب المفسدين والفوضويين فترحم علينا بالأمان

والإطمئنان»(2).


1) راجع كراس تسخير كربلاء السيد عبد الرزاق الحسني – ص37.

2) المصدر نفسه، ص37.

من ذلك يتبين من قول الحاج مهدي كمونة بأنه وأتباعه يتبرؤون من المفسدين والفوضويين (وكأن أهل المدينة والمدافعين عنها هم مفسدون وغوغاء!!) ورجاه الأمان. وقد يكون أن ما نقل عن الحاج مهدي كمونة هو لتخليص البلد والعتبات من زيادة في الدمار والقتل والله أعلم.

ذكر البعض أن مهدي كمونة وقع على أقدام الوالي وقبل (عجز) فرسه!!، وهنا أمر الوالي بالأمان للمحتمين بصحن الحسين بعد أن قتل عدد من الأهالي داخل الصحن.

أما الرتل الآخر فقد إتجه إلى صحن العباس الذي إزدحم فيه أكثر أهالي المدينة مستجيرين به وخائفين من بطش الجند، فتبعهم قائد الحملة ولما وجد أبواب الصحن مغلقة، أمر الجنود بقلع أحد الأبواب وتم ذلك ودخل الجنود عنوة، وبدأوا بعملية في غاية الوحشية بحيث تم قتل كل من كان مستجيراً بصحن العباس من اطفال ونساء وشيوخ وعجز !! وتحول الصحن والحرم إلى جحيم لا يطاق، ولم يبق من يواجه الجند فالجميع قتلوا صبراً ودون رحمة أو شفقة... ولم يبال الجند بقدسية المكان ولم يراعوا حرمة ولا ذمة.

بعد عمليات القتل والاستباحة والسلب والنهب، أمر هذا الوالي المجرم بإعلان الأمان ووقف العمليات، وتم إنتشار الجند في كل نواحي المدينة وأزقتها ودروبها، وباتت المدينة تئن من وطأة الفاجعة وكأن القيامة قد حلّت بهم ورائحة الموت تفوح من كل نواحيها، والناس في ذهول تام غير مصدقين بما جرى عليهم ولمدينتهم... وبدأوا في الحال بلملمة جراحهم وهم لازالوا غير مطمئنين من الوضع العام، وأخذوا بإنتشال قتلاهم وجرحاهم.

خرج الوالي من المدينة حيث يعسكر الجيش خارجها ليستريح في مقره، وفي الليل عاد إلى المدينة وقد دخلها من باب (بغداد) أي من الجهة الشمالية لها حيث خيم معسكره، وتجول فيها وكأنها مدينة للأموات !!

هَلِعَ الوالي من هَوْل منظر القتلى في الدروب والأزقة وخاصة في الروضتين الحسينية والعباسية، وكان مهدي كمونة يبدي له التخضع والذلة ليستجلب عطفه...

خرج الوالي من المدينة إلى خارج السور والجند لازالوا يجوبون طرقاتها بأسلحتهم. فقام مهدي كمونة وأتباعه بتنظيف صحن وحرم الحسين والعباس عليهما السلام من جثث القتلى ودمائهم...

في الصباح عاد الوالي محمد نجيب مرة أخرى ودخل المدينة ممتطياً فرسه ومعه قادة جنده والعساكر خلفهم، وإتجه إلى صحن الإمام الحسين(علیه السلام) ودخله بفرسه وعلى يمينه يسير ماشياً السيد كاظم الرشتي، ومن يساره الحاج مهدي كمونة، وهما يزهوان وكأنهما كانا فخورين بتدمير المدينة وأنهار الدماء التي جرت فيها. وكأن حال الرشتي في مسيره يقول: «ألم أقل بأن موعدكم الصبح... أليس الصبح بقريب»!! ... والى المتتبع أن يحلل ما بين السطور...

ويقال بأن الوالي طاف بالصحن و (أدّى واجب الزيارة بأدب وإحتشام!!)، ونحن نستغرب من هذا النقل اللا مسؤول وبهذا الاسلوب... فأين كان أدبه وإحتشامه يوم أمس عندما إستباح المدينة وقتل أبناءها وإستهان بالحرمين الشريفين ؟!! ، وكذلك عندما دخل صحن الحسين ممتطيا فرسه!!. وتوجه إلى (تكية) آل الددة، لأنه كان في الأصل (بكتاشياً)، ومعه الملّا (علي الخصي) ورئيس زبيد (وادي الشفلح) الذي شاركت عشيرته مع عشائر العبيد في الهجوم على كربلاء، وكان معهم بعض وجوه بغداد الذين زحفوا مع الوالي على المسيب وكربلاء. ثم سأل الوالي عن السيد وهاب آل طعمة سادن الروضتين، فقيل له أنه (هرب)، فأمر بعزله ونصب الحاج مهدي كمونة سادناً للحسين (1).

يذكر السيد عبد الرزاق الحسني في ص 39 من تسخير كربلاء» ما نصه: ثم إستخرج الوالي ورقة في جيبه وفيها أسماء المسؤولين – بنظر الحكومة – وطلب البحث عنهم وتسليمهم، وقد قبض فعلاً على الرئيس السيد إبراهيم الزعفراني،

بقي أهل المدينة يتناقلون موضوع تنصيب مهدي كمونة سادنا للحسين وإلى وقت قريب، أن مهدي كمونة كان متخاذلاً وضد رغبة اهل المدينة، وكان قد مدّ خيطاً بينه وبين الوالي منذ مدة وكان يرأس بني أسد وأتباعه جلهم من الايرانيين القاطنين في كربلاء، وكان حلمه الوحيد هو الاستحواذ على السدانة، وهو بعيد عنها لأن السدانة لها الشرفية الكبرى في المدينة، وهو أصلاً لم يكن من أبناء المدينة القدماء، وقيل بأنه قبل عجز فرس الوالي فقال له بمَ أجازيك على موقفك، فأجابه: «أن أكون سادنا للحسين»!!.

فكبّل بالأصفاد وأرسل إلى بغداد حيث أودع السجن فلبث فيه أياماً وتوفي بالتدرّن الرئوي، كما قبض على السيد صالح الداماد وأبعد إلى كركوك ثم شفع فيه السيد علي النقيب فأخلي سبيله. كذلك طورد بعض السراة أضراب (أمثال) السيد عبد الوهاب الطعمة سادن الروضتين، وعلي كشمش وطعمة العيد، وبعض السادة من آل نصر الله والنقيب، ثم عيّن حاكماً على كربلاء وأمر بإبقاء ستمئة جندي كحامية فيها، وعاد إلى المعسكر، ومن ثم فارق المدينة إلى النجف».

وفي اليوم التالي فارق الوالي محمد نجيب باشا كربلاء متوجهاً إلى النجف وأياديه ملطخة بدماء الكربلائيين.

«وقد أرخت هذه الواقعة بحساب الجمل بالكلمتين (غدير دم) ويقابل ذلك السنة 1258ه (1843م) وصادف ذلك اليوم الثاني لعيد الأضحى في السنة المذكورة».

ما ورد عن الواقعة ذُكر في عدة مصادر، وقد صغناه بالإسلوب الذي نعتقد بأنه يوصل القارئ الكريم إلى سبب الحادثة ووقائعها، ولكننا سوف نؤجل ما نتج عنها من أمور وأحداث بعد أن نثبت ما قاله شاهد عيان وثّق الحادثة بإرجوزة تضم (260) بيتاً نظمها بالفارسية في محرم من عام 1259ه- (1843م) أي بعد شهرين من حدوثها، وهو الميرزا زكي حسين الهندي الذي إختفى يوم الواقعة في دار الأمير علي شاه بن فتح علي شاه القاجاري حيث قال ما معناه:

«في يوم 17 ذي القعدة سنة 1258 (1842م) وصل إلى خارج كربلاء ستة آلاف جندي تركي يقودهم سعد الله باشا مرسلين من قبل والي بغداد نجيب باشا وبعد ان خيّموا، أرسل القائد رسلاً إلى البلدة لمقابلة العلماء والأشراف ورؤساء القبائل المقيمين في كربلاء أضراب السيد إبراهيم الزعفراني وطعمة العيد رئيس بني سعد وعلي كشمش والسيد صالح الداماد، والنقيب ورئيس أسرة آل نصر الله. وكان يتزعم هؤلاء السيد عبد الوهاب آل طعمة حاكم كربلاء وكليتار (كليدار أو سادن) الحرمين الشريفين فأيد الرسل لهؤلاء النصح والكف عن العصيان فلم تؤثر فيهم بل أصروا على الطغيان فرجع الرسل خائبين فأرسل السيد عبد الوهاب آل طعمة السيد كاظم الرشتي وعلي شاه القاجاري لمواجهة قائد الحملة والوالي وأقنعاهما بسحب

الجيش من كربلاء والكف عن إرسال الجند لإثارة الحرب فلم يؤثرا فيها، وعندها أنذر نجيب باشا العلماء والأشراف والأهليين من العجزة والأطفال والنساء للخروج من المدينة. وعلى إثر ذلك فتح الأهليون النار على الجنود يوم 20 ذي القعدة ففرّ القائد سعد الله باشا مع جنده هاربين. وعلى إثر هذا الخذلان، أمر نجيب باشا أن تستخدم المدافع والخمبارات (قنابل يدوية) ضد الأهليين فدخل الأهلون إلى داخل المدينة وأقفلوا أبواب السور وصاروا يرمون الجنود من أعالي السور بالحجارة والطلقات النارية فلما ضايقتهم المدافع والخمبارات إستنجدوا بالعشائر والمعدان من آل فتلة واليسار والكبيسات وغيرهم فأنجدتهم بثلاثة آلاف مقاتل غير أن هؤلاء ما كادوا ينزلون البلدة حتى شرعوا في نهب أهلها بدون رأفة ولا شفقة.

عاد سعد الله باشا فجعل سور المدينة هدفه فصوّب المدافع والخمبارات نحوه فأحدث فيه عدة فتحات من جهة باب النجف وباب الخان حتى تمكن الجند من دخول البلدة وعندها أصدر نجيب باشا الأمر بقتل كافة الأهلين ونهب أموالهم فيما عدا ثلاثة أماكن جعلها مأمناً للنساء والأطفال والمسنين الأبرياء وهذه الأماكن هي حرم الحسين(علیه السلام) المحاط بالجند ودار علي شاه القاجاري ودار السيد كاظم الرشتي، فدخل الجيش المدينة وتزاحم الناس على دار الرشتي بحيث إختنق ستون شخصاً من هؤلاء وإستمرت إستباحة البلدة ثلاثة أيام بلياليها قتل الكثير من السادة والأشراف والأبرياء من اللاجئين من راجات الهند والأفغان والباكستان وشاهزادات إيران بحيث بلغ القتلى ثمانية عشر ألفاً.

وعند ظهر اليوم الثالث دخل عدد من الجنود دار علي شاه القاجاري للإعتداء على النسوة فخرجت إحداهن حاسرة الرأس حافية القدمين ودخلت إلى صحن الحسين حتى دنت من نجيب باشا وهو على صهوة جواده ونادته قائلة: (أهكذا يعمل بأبناء الملوك ياباشا) فأصدر الوالي أمره بوقف المجزرة وعاد إلى بغداد تاركاً بعض الجنود في كربلاء وعيّن لها حاكماً تركياً وقاضيا».

هذا ما ثبته الميرزا زكي حسين وكان يميل إلى الأمير القاجاري وإعتبر المرأة الفارسية التي خاطبت الوالي هي التي أوقفت المجزرة (ويقال بأنها كانت أميرة قاجارية) وعلى الرغم مما قيل فإن هناك توحيداً مقرّباً لوصف الحادثة، وما يهم في

شهادة (شاهد العيان هذا) هو تأكيدنا بأن الرؤساء الذين ذكرناهم وذكرهم الشاهد هم من أشراف ورؤساء مدينة كربلاء وليسوا من الشقاة والمفسدين كما ذكر البعض وللأسف.

حجم الخسائر

كانت نتيجة هذه الواقعة خسائر كبيرة جداً في القتلى والجرحى والأموال والأطعمة من مخازن الكربلائيين، وقد إختلف المؤرخون في حجم هذه الخسائر لأسباب كثيرة منها سياسية أو عاطفية أو مذهبية.

فمنهم من قال أن القتلى كانوا يزيدون على الأربعة والعشرين ألف شخصاً، مابين رجل وإمرأة وطفل، ومنهم مات سحقاً بالأرجل لازدحامهم إثناء الهروب. وسلب الجيش من الأموال والأطعمة من مخازن الكربلائيين حسب دفاتر التجار سبعة عشر ألف (طغار) أي ما يساوي 34 طن من الحنطة والرز عدا غيرها من الحبوب، وقد جاء ذلك في مخطوط إسمه الدر المنثور للسيد حسين السيد أحمد

البراقي. أما الشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفى عام 1262ه (1847م) فقد ذكر في مخطوطته المسماة العبقات العنبرية في (الطبقات الجعفرية) بأن عدد القتلى كان زيادة على عشرين ألف رجل وإمرأة وصبي، وحسب ما نقل إليه شهود عيان بأنه كان يوضع في القبر الأربعة والخمسة إلى العشرة، ويهال عليهم التراب بلا غسل ولا كفن وذكر أيضاً ان البيوت قد حوت على الكثير من الجثث ووجدوا أمواتاً في السراديب.

بينما يذكر المرحوم الشيخ أغا بزرك الطهراني أنّ عدد القتلى إثنا عشر ألفاً(1).

وفي كتاب (مقالة على الشيخية) ذكر نصاً : «وقتل فيها قريباً من تسعة آلاف شخص أغلبهم من الفرس».


1) طبقات أعلام الشيعة العلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني - ج 10 ص318. دار إحياء التراث العربي.

ومنهم من أزاد وأقل، لأن الكثير مما كُتب عن هذه الواقعة لم يكن يعتمد على إحصائيات مضبوطة. بينما ذكر في موسوعة العتبات المقدسة نصاً :

«وتقدّر الروايات المعتدلة أن عدد القتلى بلغ أربعة آلاف نسمة بين الأهالي وخمسمئة من الجيش المهاجم»(1).

أصداء الواقعة

كان لهذه الحادثة أصداء واسعة في داخل العراق وخارجه، وأعتبرت القضية في غاية الأهمية بمجال حقوق الإنسان، بل دعت إلى أن تكون دولية من خلال اهتمام الدول الكبيرة بها. ولعل هذه الدول لها مآرب في إهتماماتها بالواقعة، ولكن مواقفها كان له التأثير السياسي الكبير على مجريات الأمور وخاصة على مستوى الأطماع والتدخلات والخلافات مع الحكومة التركية.

فقد بعث السفير الانكليزي في الاستانة (إسطنبول) عاصمة الدولة التركية آنذاك مندوباً عن حكومته إلى كربلاء هو الكولونيل (فارنت) ليتأكد من صحة عدد الضحايا. بينما طلب السفير الروسي في الاستانة إلى المندوب البريطاني (فارنت) أن يمثل الجانب الروسي في التحقيق.

وجاء في تقرير الكولونيل (فارنت) المؤرخ في 15 أيار عام 1843م بأن عدد القتلى لم يزد عن خمسة آلاف نسمة، ثلاثة آلاف منهم قتلوا داخل المدينة وكان معظمهم من العرب. وان آلافاً من الايرانيين فرّوا من البلدة قبل أن تقتحمها قوات الحكومة التركية، وكان من بين القتلى ثلاثة من الهنود وآخر يحمل الجنسية الروسية.

أمّا الحكومة التركية فقد أوفدت (نامق باشا للقيام بمهمة تقصي الحقائق، محاولةً تهدئة الأمور. فالممثل العثماني هذا أكّد أن عدد القتلى في المدينة بحوالي (250) بينهم (150) إيرانياً، وإدعى ان خسارة الجيش العثماني بلغت 400 قتيل و 200 جريح !!!


1) موسوعة العتبات المقدسة - قسم كربلاء - ج 1 ص 279.

ومن الطبيعي أن يذكر نامق باشا ذلك لكي يدافع عن حكومته، ويُظهر بأن خسائرهم كانت أكثر من خسائر أهل المدينة والمقيمين فيها... فهل يعقل ذلك؟... وإذا كان ذلك صحيحاً لكانت القوة المهاجمة قد فشلت ولم تسيطر على المدينة، وأن كل ما قيل عن الحادث كان كذباً وإفتراء!!

الشاه القاجارى والحادثة

كان الشاه (محمد القاجاري) على عرش إيران عند حدوث الواقعة، وما أن وصلت أخبار كربلاء حتى ثار الرأي العام فيها ونادى العلماء وخطباء المنابر بالثأر للقتلى ولإستباحة المدينة ومقدساتها.

كان الشاه محمد وقتها مريضاً، وكتم عنه الأمر وبعد شفائه أحيط علماً بما جرى فغضب بشدّة وأقسم أن ينتقم من الحكومة العثمانية. وقد أصدر أوامره للجيش بالتهيؤ، ومن المعلوم بأن العلاقات بين الدولتين الإيرانية والعثمانية كانت متوترة على الدوام. وتدخل سفيرا روسيا وبريطانيا بمجهود كبير لتهدئة الوضع والحالة المتوترة بين الدولتين.

ويذكر الدكتور عبد العزيز سلیمان نوار ما نصه:

«ومع ذلك قدمت الحكومة الإيرانية إلى الباب العالي المطالب الشديدة التالية:

1- أن يدفع السلطان العثماني تعويضاً لمنكوبي كربلاء.

2- أن يعلن الباب العالي عدم رضاه، وعدم موافقته على حملة نجيب باشا على كربلاء، وأن نجيباً لم يحصل على التصريح بذلك.

3- أسف الباب العالي لإسالة الدماء.

4- أن يعيد نجيب ما تخرّب من العتبات المقدسة. أن يحكم بالعدل ويحمي الفرس في المدينة والحجاج إليها.

6- أن يهدد نجيب بالعزل إن هو أساء التصرف فيما بعد.

7-أن تعلن هذه القرارات لجميع السفراء.

أمّا عن طلب الفرس أن يعزل نجيب باشا عن ولاية بغداد فلم يوافق عليه الباب العالي ولا السفير البريطاني في الآستانة. ومن اليسير أن يفهم هذا الرفض. فالباب العالي وافق على شروط فيها ما يكفي لترضية فارس. وأما عزل الوالي ففيه تدخل صارخ في شؤون الدولة لا يرضى الباب العالي عنه حتى لو كان نجيب قد أساء التصرف(1).

ولنا رأي في هذه النقاط السبع، وخاصة في الفقرة الخامسة منها، فقد أوضحت الفقرة أن شاه إيران كان إهتمامه الأول في كل ما حدث هم الايرانيون الساكنون في كربلاء والزائرون من الإيرانيين الذين يفدون إلى الزيارة دون غيرهم. وكان الأجدر به أيضاً أن يطلب محاسبة نجيب باشا من قبل السلطان العثماني على فعلته تلك، ومن ناحية أخرى كان على الشاه سحب الأمير الإيراني علي القاجاري ورجال الدين الايرانيين الذين كانوا أصلاً متعاونين مع نجيب باشا ومنهم كاظم الرشتي. مع العلم بأن السلطان العثماني وحكومته عندما قبلوا بالفقرات الست الأخرى، كان ذلك إعترافاً صريحاً منهم عن الخطأ في شن الحملة، لا أن يقال (إن هو أساء التصرف فيما بعد)!. فللسياسة مداخلات، والمصالح تلعب دورها بشكل أو بآخر.

وللأسف الشديد بل ومن المؤلم حقاً أن يقوم (عبد الغفار الأخرس)(2)وهو شاعر مشهور في حينه، بنظم قصيدة طويلة يفتخر ويمجّد فيها ما قام به الوالي محمد نجیب باشا مشيداً بقسوته وبطشه !! ومن خلال ما جاء بالقصيدة بدا الأخرس متشفياً بما سال من الدم أنهاراً في كربلاء وكأنه ليس عربياً ولا عراقياً، وخاصة عندما يهنئ هذا السفاح بما قام به.

بل يفتخر به لأنه قتل المسلمين في عيد الأضحى!! وكانت قصيدته في الحقيقة وصفاً لعذاب أهل كربلاء، ويؤكد فيها ما ذكرناه عن الواقعة المأساة... وللضرورة بمكان إرتأينا أن نذكرها وفي نفس الوقت نمتلئ أسى وحزناً لما ورد فيها... يقول:


1) تاريخ العراق الحديث / الدكتور عبد العزيز سلیمان نوار ص337.

2) هو عبد الغفار بن السيد عبد الواحد المعروف بالأخرس ، المولود في مدينة الموصل عام 1220ه / 1805م ، وقد سكن بغداد سنوات طويلة، وإرتحل إلى مدينة البصرة، وعندما بلغ السبعين من عمره توفي في البصرة عام 1290 ه ودفن في مقبرة الحسن البصري بالزبير.

لقد خفقت في النحر ألوية النصر***وكان إنمحاق الشر في ذلك النحر

وفتح عظيم بعلم الله أنه***ليستصغر الأخطار من نوّب الدهر

علت كلمات الله وهي علية***بحد العوالي والمهن-دة البتر

تبلّج دين الله بعد تعنتِ***ولا حت أسارير العناية والبشر

محا البغي صمصام الوزيركما محا***دجى الليل في أضوائه مطلع الفجر

وكر البلا في (كربلاء) وأصبحت***مواقف للبلوى ووقفاً على الضُرّ

وكرت مواضيه بها أيما كرّ***غداة أبادت مفسدي أهل كربلا

فدانت و ما دانت لمن كان قبله***من الوزراء السابقين إلى الفخر

وما أدركوا منها مراماً ولا منى ***ولا ظفروا منها بلب ولا قشر

وحذرهم من قبل ذلك بطشه ***وأمهلهم شهراً وزاد على الشهر

وعاملهم هذا الوزير بعدله***وحاشاه من ظلم وحاشاه من جور

وأنذرهم بطشاً شديداً وسطوة***وبالغ بالرسل الكرام وبالنذر

ولو يَصْبر الوزير عليهمو***لقيل به عجز وما قيل عن صبر

وصال عليهم عند ذلك صولة***ولاصولة الضرغام بالبيض والسمر

وسار بجيش والخميس عرمرم***فالليل إذ يسري وكالسيل إذ يجري

من الترك لم تترك على الأرض مفسداً***يعود بها نظم المفاسد في نثر

وقد أفسدوا شر الفساد بأرضهم***إلى أن أتاهم منه بالفتكة البكر

رمتهم بشهب الموت منه مدافع***لها شرر في ظلمة الليل كالقصر

رأوا هول يوم الحشر في موقف الردى***وهل تُنكر الأهوال في موقف الحشر

فدمرهم تدمير عاد لبغيهم***بصاعقة لم يبق للقوم من أثر

ألم ترهم صرعى كأن دماءهم***تسيل كما سالت معتقة الخمر

وكم فئة قد خامر البغي قلبها***على أنها صيدت بإحبولة الحصر

فراحت بها الأجساد وهي طريحة***تداسُ على ذنبٍ جَنَّتْه لدى الوزر

فأن مراد الله جارٍ على إلورى***ولابد أن يُجري ولابد أن يجري

تجول المنايا بينهم بجنودها***بحيث مجال الحرب أضيق من شبر

تلاطم فيها الموج من دم***تلاطم موج البحر في لجة البحر

فلاذوا بقبر ابن النبي محمد***فهل ستر في تدميرهم صاحب القبر

فإن تركوا لا يترك السيف قتلهم***وإن ظهروا باءوا بقاصمة الظهر

سيول دم القتلى غداة أبادهم***نسیل بهاتيك الأزقة والجدر

ولا برحت أيامه الغُرّ غرّة***تضئ ضياء الشمس في طلعة الظهر

ولازال في عيد جديد مؤرخاً***(فقد جاء يوم العيد بالفتح والنصر)

أي سنة 1258ه

وأنا أدوّن كلمات قصيدة الأخرس هذه، خطر على بالي ما جاء بزيارة الإمام الحسين الشهيد عليه السلام في إحدى فقراتها من زيارة وارث... «لعن الله أمة أسرجت وألجمت وتنقبت وتهيأت لقتالك يا أبا عبد الله ...» وكأني بهذا الشاعر قد فاق من أسرج وألجم وتنقب وتهيأ لقتال المسلمين في كربلاء. هذه المدينة العربية المسلمة العريقة التي تضم بين حناياها رفاة سيد شباب أهل الجنة سبط الرسول وريحانته الإمام الحسين، وأخيه قمر بني هاشم أبي الفضل العباس بن علي عليهما السلام، الذين ضحوا مع أصحابهم وأهل بيتهم بأرواحهم على مذبح الحرية لتستمر جذوة الإسلام متقدة، وقد تناسى هذا الشاعر إستباحة حرميها وتدنيسهما وإراقة الدم فيهما.

الأكثر عجباً ما أنشده أبو الثناء الآلوسي الذي كان قاضي العسكر (1)في حينه، وهو علوي النسب، وبدلاً من أن يكون له موقف في حماية مرقد الحسين(علیه السلام) واللائذين به، نراه متشفياً بالأرواح التي زُهقت فيقول مادحاً محمد نجيب باشا:

أحسين دنّس طيب مرقدك الألى***رفضوا الهدى وعلى الضلال ترددوا

حتى جرى قلم القضاء بطهرها***يوماً فطهرها النجيب محمد

وأجابه فضيلة الشيخ عزيز الحاج شريف النجفي عندما قال:

إخسأ عدو الله أن نجيبكم***رفض الهدى وعلى العمى يتردد

ولئن به وبك البسيطة دّنّست***فأبشر يُطهرها المليك محمد

وللشاعر الأديب الحاج الملا محمد التبريزي (نظام العلماء)، ردّ آخر جاء فيه:

تباً لأشقى الأشقياء نجيبكم***نصب الحسين وفي لظى يتجلد

لا تعجبوا مما أتى إذ قد***أتى بصحيفة ملعونة يتقلّد

يشير الدكتور علي الوردي في كتابه لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث: «بأن طبيعة (البلوى) التي أبتلي بها المجتمع العراقي من جرّاء الحروب التي نشبت بين العجم والروم (الأتراك)، لم يقتصر أثرها على تخريب الحضارة، بل ساهمت في تخريب

العقول».

وعلى ما ذكره الدكتور علي الوردي نقول:


1) أبو الثناء هو شهاب الدين محمود شكري الآلوسي، كبير علماء بغداد، صاحب (روح المعاني) في التفسير، المتوفى سنة 1270ه / 1853م.

أن ما حصل من تناحر بين الإيرانيين والأتراك كان له تأثيره الكبير سياسياً وإجتماعياً وإقتصادياً ومذهبياً على مدينة كربلاء. كما أن تخلف الوعي العام والصحي بشكل خاص، وحصول الكوارث نتيجة الأوبئة التي انتشرت، كان لها التأثير البالغ على الحياة العامة للكربلائيين.

مما أدى في بعض الأحيان نتيجة التخلف هذا وسوء الإدارة من قبل الحكومة، والضغط المتزايد علي الأهالي إلى إستلام الكربلائيين إدارة مدينتهم بأنفسهم، ونتيجة لذلك فقد ظهرت أسر وعوائل حاولت الإستئثار بالحكم والسلطة فيها تارة بالقوة وأُخرى بالتحالفات مما أوجد إنقسامات كثيرة داخل مدينة كربلاء رافقتها أحداث مؤسفة، ظلّت الأجيال تتناقلها فيما بعد، وأسست التفرقة والتباعد بين أبنائها. ولا يخفى على المتتبع إلى أن عوامل التأثير الديني، والإنقسامات التي حصلت بين رجال الدين من نواحي فقهية زادت من التوترات في المدينة.

كذلك تزايد الأعاجم على السكن في كربلاء، وتأثير الحكومات الإيرانية المباشر على المدينة، وتدخلها في شؤون البلدة لإعتبارات سياسية تارة، ومذهبية تارة أخرى جعل المشاكل تتفاقم في كثير من الأحيان.

إضافة إلى ذلك التطورات السياسية والمذهبية التي حدثت في تخوم الجزيرة العربية وتفاقم خطر الوهابيين وغزوهم لمناطق عديدة ولمدن من العراق تقع على حافة البادية، وكان نصيب كربلاء منها كبير ومؤلم.

كما أن الخلافات التي نشأت بين العشائر داخل المدينة من جهة، والإختلاف الذي يقع بين العلويين أنفسهم من سكان المدينة القدماء من جهة أخرى، وبين فئات عشائرية تبغض العلويين، وعشائر أخرى تساندهم، وكذلك بين عشائر تحيط بالمدينة كانت تتحين الفرص لإيذائها لمصالح مادية وسلطوية... فنلاحظ بأن كربلاء عاشت أطواراً من الزمن صراعات داخلية وصراعات خارجية، ولكن عندما يَذْهَمُّ خطر خارجي على المدينة نلاحظ ذوبان هذا الإختلاف ويتم تماسك الأهالي بقوة موحدين لصد الخطر.

نجيب باشا في النجف

بعد إستباحته لمدينة كربلاء المقدسة بالقوّة وسفك الدماء فيها وأسَرَ وَنَهَب، تركها الوالي محمد نجيب وهي تلملم جراحها متوجهاً إلى النجف الأشرف يرافقه قادة الجيش والأمراء وأكثر من ثلاثة آلاف من جنوده، مزهوّاً بما قام به وليعلم أهل النجف والمدن والعشائر في الفرات بأن من يتصدى للحكم العثماني سيكون مصيره مشابهاً لما حلّ بكربلاء !! والنجف كانت قد شهدت مشاكل لم تسيطر عليها الحكومة.

وصل الخبر إلى أهالي النجف، وأقبلوا إلى دار الشيخ حسن كاشف الغطاء (1)وكان عنده جمع من العلماء والوجهاء وأخبروه أن الوالي بلغ نصف الطريق فقال ووافقه الجماعة: «إنّا نفتح الباب وتخرج الناس لإستقباله ونظهر الطاعة والإنقياد وأنا أدعوه بعسكره لينزل عندي فإن أجاب فيا حبذا إذا دفع البلاء بذلك عن أهل النجف، وإن إمتنع خرجنا إليه وإستعنا بالله تعالى عليه».

وتفرق الجماعة وأصبح الصباح فجاء الخبر أن نجيب باشا قصد جامع الكوفة، ومنه يأتي إلى النجف، فأرسل إليه الشيخ كاشف الغطاء السيد جواد شبّر يدعوه إلى النزول عنده في النجف. وقبل أن يعطي الوالي إجابته على الدعوة، سأل من كان معه مثل الملا علي الخصي والشيخ وادي الشفلج شيخ عشائر زبيد وبعض أفندية بغداد عن الشيخ حسن كاشف الغطاء فعرّفوه به وبإخوته وأبيه وعظموا أمره عنده، ونصحوا


1) هو الشيخ حسن بن الشيخ الأكبر جعفر (كاشف الغطاء) بن خضر الجناجي النجفي، ولد في النجف سنة 1201ه، وهو أصغر من أخويه الجليلين العلامة الشيخ موسى والعلامة الشيخ علي، وأكبر من أخيه العلامة الشيخ محمد كان الشيخ حسن من أعاظم فقهاء الإمامية ومشاهير علماء الطائفة الأعلام في عصره، وموقفه مع الوالي نجيب باشا ودفع غائلته عن النجف بحسن تدبيره وصرفه عن محاربة باقي المدن ورجّح له العودة إلى بغداد من أشهر مؤلفاته كتاب أنوار الفقاهة بعدة مجلدات، وشرح مقدمات (كشف الغطاء) في أصول الفقه لوالده، وغيرها ... توفي رحمه الله ليلة الأربعاء 28 شوال (وقيل) ذي القعدة سنة 1262 ه ودفن مع والده في مقبرته الخاصة بمحلة العمارة من محلات النجف.

الوالي بقبول الدعوة والنزول عند الشيخ حسن فإنه أصلح مكان للضيافة، فوافق الوالي وسأل السيد جواد قائلاً: وهل يحصل في النجف من اليرمازية والمفسدين مثل ما كان في كربلاء؟ فأجابه السيد جواد لا بل كلّ مفسد ولى هارباً من سطوتك. وعاد السيد جواد وأخبر الشيخ حسن بموافقة الوالي النزول عنده، فأمر الشيخ بالخروج لإستقبالهم، فخرج الأهالي والعلماء ومعهم العلم الحيدري، والقرآن المجيد لإستقباله فوصل موكب الوالي وعندما رأى العلم الحيدري والمستقبلون من العلماء والأشراف حافون به ألقى الله في قلبه الرعب، فدخل المرقد الشريف للإمام علي(علیه السلام) زائراً وطاف حول القبر.

وبعد خروجه من الحرم وجد الشيخ حسن في إستقباله ومعه ما يقارب خمسمائة من السادات والعلماء والطلبة وقد ملأوا الصحن الشريف، فإستعظمه الوالي وأكبره ومشى معه والناس خلفهم إلى الدار. وفي صباح اليوم التالي جلسوا في مدرسة كاشف الغطاء وإجتمع العلماء وأخذ الوالي يعتذر من وقعة كربلاء وقال أن أهالي كربلاء حملونا على العقوق فوقع ما وقع.

فقال الشيخ حسن رحمه الله للوالي : إن الله حتّم على نفسه الرحمة والعفو عن المذنب وأمر الأمراء بالعدل والإنصاف، والآن أسترحم منك أن تطلق من أسَرْتَهُ من أهل كربلاء، وتعطي الأمان للمنهزمين ليرجعوا إلى أهلهم. كما صرفه عن مهاجمة مدن الفرات وقراه ... فوافق الوالي وأمر بذلك غير أنه قال : أربعة أو خمسة لا يدخلون كربلاء ولا يبقون في العراق منهم السيد صالح الداماد ، والسيد إبراهيم الزعفراني.

أقام نجيب باشا عند الشيخ حسن وجيشه البالغ ثلاثة آلاف جندي ضيفاً ثلاثة أيام إرتحل بعدها عائداً إلى بغداد(1).


1) راجع تفصيل وصول الوالي نجيب باشا إلى النجف في كتاب (النجف الأشرف مدينة العلم والعمران) للأستاذ محمد كاظم الطريحي، من ص 285 إلى ص 288 . وقد تم النقل عنه بتصرّف مختصرين ما ذكره عن زيارة نجيب باشا إلى النجف الأشرف، أما النصوص التي وردت عن الوالي والسيد جواد شبّر والشيخ حسن كاشف الغطاء، فقد نقلناها من المصدر نصا.

ثورة عرب الهندية وأحداث كربلاء سنة 1849م

في شهر مايس من سنة 1849م (1265ه) ثار عرب الهندية (عشائر طويريج) ضد حكومة الوالي نجيب باشا، ونشأت أزمة حادة جداً في صيف ذلك العام استمرت هذه الأزمة لشهرين تقريباً. وشكلت ثورة عارمة ضد السلطة وأدّت إلى حدوث مشاحنات بين السلطات المدنية التركية والسلطات العسكرية.

هذه الثورة هو إقرار الوالي نسباً باهظة من الضرائب على أراضي العرب الزراعية والتي تُروى بواسطة نهر الهندية ومن قنوات أخرى تتفرع من الجهة

اليمنى من النهر. وكان تقدير الضرائب السنوية على ما يقول (لويمر) بما تعادل ر 17 جنيه إسترليني. ولكن الوالي أعطى إلتزام المنطقة إلى الشيخ (وادي الشفلح) (1)رئيس قبيلة زبيد، وهو غريب عن المنطقة، فجمع هذا مبلغاً من عرب الهندية في سنة واحدة ما لا يقل عن 105,000 جنيه إسترليني. بعد ذلك ثارت قبائل المنطقة التي عُرفت دائماً بإلتزام القانون فطردت الملتزم (الشيخ وادي) ومعاونيه، وقامت بسلب ونهب مخازن الغلال العامة والمستودعات التي كانت تحوي حصصهم من الحنطة بعد جمعها(2).


1) وادي الشفلح ... هو رئيس عشائر زبيد، جاء في هامش (1) ص 286 من كتاب النجف الأشرف مدينة العلم والعمران للشيخ محمد كاظم الطريحي عن الشفلح ما يلي: وكانت تحت سيطرته مناطق فراتية واسعة، وكان ممثلاً لحكومة بغداد سنة 1252ه / 1836م ، كما أعتمد من قبل الوالي علي رضا باشا لنفوذه الكبير وإزدادت قوته بعد أن عيّنه نجيب باشا حاكماً على منطقة الفرات. تُوفي سنة 1271ه / 1855م.

2) دليل الخليج - القسم التاريخي لويمر - ج 4 ص 2003 . كان تقدير لويمر المبالغ بما يساوي الجنيه الإسترليني مقارنة بالعملة المتداولة وقتئذ.

وصلت أخبار هذه الثورة إلى مسامع نجيب باشا والي بغداد، فطلب من (الحكمدار) قائد الجيش (عبدي باشا) (1)أن يضع حداً للعصيان، وطلب منه أن يعيد الشيخ وادي إلى المنطقة ويقوم بجمع الضرائب من القبائل بقوة السلاح.

لم يكن قائد الجيش عبدي باشا مقتنعاً بالأوامر التي صدرت إليه من الوالي، لأنه يرى الثورة في الهندية قامت نتيجة الضيم والظلم الذي لحق بالقبائل، والقبائل كانت على حق في ثورتها ، فلم يتخذ إجراءات قاسية ضد الثائرين سوى إرساله مفرزة واحدة لا أكثر من الجنود مع تعليمات معينة بإعادة الأمن إلى نصابه فقط .

تصرُّف عبدي باشا هذا نتج عنه خصام شديد بين الوالي نجيب باشا وقائد جيشه، عندها تقرر تأليف لجنة مختلطة من المدنيين الذين يمثلون الوالي، ومن عسکریین يمثلون قائد الجيش.

أرسلت اللجنة المختلطة إلى الهندية لتقوم بالتحقيق في الأسباب التي أدت إلى إندلاع الثورة . «.... وهنا لم تتفق وجهات نظر أعضاء اللجنة. فكل يؤيد وجهة نظر رئيسه. وحصل نزاع بين رؤساء المصالح المدنية والعسكرية وإنتشر خبر هذا النزاع بين العامة فأصبح فضيحة عامة»(2).

كان شيخ قبائل المنتفك يقف مع المتمردين وثوار الهندية، والثوار كانوا يتلقون مساعدات على شكل مجاميع قتالية مسلحة أيضاً من قبائل الدليم والظفير وعفج والخزاعل الذين كانوا يعطفون عليهم ويشدون من أزرهم. وإنتاب قائد الجيش الخوف من إتساع حجم المصروفات المالية، وسوف تعتبره إسطنبول مسؤولاً عنها بدفع وتحريض من نجيب باشا، فإضطر قائد الجيش عبدي باشا الذهاب بنفسه إلى


1) عابدي باشا ... هو عبد الكريم نادر باشا الذي إستلم ولاية بغداد بعد نجيب باشا وكان قائد جيشه. درس عبدي باشا في فيينا بالنمسا، وفي سنة 1256ه أصبح رئيس أركان الجيش برتبة مير لواء، وتقلب في مناصب عديدة، وفي ربيع الأول سنة 1264 ه نال منصب المشيرية للعراق والحجاز برتبة الوزارة، وفي شعبان سنة 1265ه منح ولاية بغداد خلفاً لنجيب باشا، وعزل في صفر سنة 1267ه ومدة ولايته كانت 18 شهراً فقط، ثم أصبح سردار (قائد الجيش) بمقام وزير الدفاع، توفي سنة 1301ه. وعندما كان قائد الجيش في بغداد إختلف مع نجيب باشا وكانت بينهم خصومة بدأت في ثورة الهندية لأنه لم ينفذ جميع أوامر الوالي.

2) دليل الخليج لويمر - ج 4 ص 2004.

مناطق الهندية، وأصدر هناك بياناً طلب فيه تهدئة الموقف وأبدى رغبته بعقد إجتماع مع رؤساء عشائر الهندية وعفج والخزاعل ، وتم ذلك الاجتماع وإستطاع عبدي باشا أن يقنع جميع الشيوخ بإنهاء التمرد حيث أقروا بولائهم للسلطان العثماني، وتم الإتفاق على توقيع تعهد خطي بدفع الضرائب الرسمية المفروضة على مناطقهم بالإضافة إلى مبلغ تعادل قيمته عشرة آلاف جنيه إسترليني.

لكن وساطته فشلت، وظل الخلاف بينهما لوقت قصير إلى أن أُزيح نجیب باشا من ولاية بغداد وتعيين عبدي باشا مكانه في شعبان 1265ه / 1849م.

لكن الوالي نجيب باشا رفض تلك التسوية العادلة التي تمت مع قائد الجيش، وإشتدَّ الخلاف بينهما وتدخل (درويش باشا) وكان حينها المبعوث العثماني لتخطيط الحدود.

إثناء إستمرار ثورة الهندية حدث في كربلاء تمرّد في الحامية العسكرية فيها، فإختل نظام الضبط وتُرك الحبل على الغارب، فأخذ جنودها القيام بأعمال ينتهكون فيها حرمة السكان والإعتداء عليهم ونهب أموالهم، وقاموا بشتم وإهانة رجال الدين الذين كان معظمهم من الإيرانيين، كما قاموا بالتعرض إلى المقيمين الإيرانيين في كربلاء، فلما وصلت الأخبار إلى مسامع الوالي نجيب باشا حول الوضع المضطرب في كربلاء وعدم قدرة الحاكم المدني فيها (نوري بك) (1)السيطرة على الموقف.

ومن خلال الشكاوى التي رفعها الكربلائيون وكذلك القنصل الإيراني في بغداد لتعرض أفراد جاليته في كربلاء إلى الإهانات والعنف من قبل جنود الحامية المرابطة بكربلاء. كان جواب الوالي نجيب باشا بأنه فقد السيطرة على الجيش وعليهم الدفاع عن أنفسهم، وكان الوالي يعني بكلامه هذا مضايقة خصمه قائد الجيش عبدي باشا. ثم قام بإستدعاء نوري بك إلى بغداد مبرراً ذلك بأنه لم يعد بإستطاعته تحمّل مسؤولية إدارة أماكن لم يعد فيها وسائل ناجحة أو جيش مطيع يمكنه أن ينفذ أوامره.

وساءت الأوضاع في كربلاء، وعاش الأهالي حينها في قلق شديد وكادت الحياة أن تتوقف في المدينة.


1) عُيّن (نوري بك) حاكماً على كربلاء بدرجة (قائمقام) في 21 شوّال سنة 1262ه إلى سنة 1265ه.

تدخّل الوكيل السياسي البريطاني في الموضوع خوفاً من حدوث كارثة أخرى في كربلاء يكون لها أثر سيء على العلاقات العثمانية - الإيرانية، وقابل نجيب باشا شارحاً له المخاطر التي يمكن أن تنجم عن ذلك الوضع المضطرب، لكن الوالي كان مصمماً على رأيه قاصداً إلقاء تبعة ذلك كله على خصمه قائد الجيش، ولم تنفع جميع المحاولات لتغيير رأيه.

عندها قام عبدي باشا قائد الجيش بالتدخل بشكل سريع، فأرسل ضابطاً يعتمد عليه من خاصته إلى كربلاء لإملاء فراغ مركز حاكمها الذي سحبه الوالي إلى بغداد، وقام هذا الضابط بالسيطرة على الحامية العسكرية وتمكن من إنهاء أعمال الشغب التي قام بها الجنود في المدينة، وعاد الأمن إليها وبدأت الحياة تعود إلى مجراها في مدينة كربلاء(1).


1) تم إعتماد كتاب دليل الخليج - القسم التاريخي لمؤلفه ج. ج. لويمر ، ج 4 في الصفحات من 2003 إلى 2006 ، وتم النقل بتصرف في بعض الفقرات من الموضوع للإختصار وتسهيل نقل الحوادث إلى القارئ الكريم.

قرة العين والصراع الجديد في كربلاء

في سابقة لم تحدث من قبل، فقد تسلقت إلى الواجهة العلمائية في كربلاء إمرأة إيرانية تدعى (قرّة العين) أخذت ترتقي المنبر ويلتف حولها من آمن بأفكارها الجديدة وبدأ تأثيرها عليهم كبيراً فأصبحوا من أتباعها، يحضرون مجالسها التي كانت على الدوام محل نقاش وشبهة وخلاف لدى بقية علماء الدين في كربلاء.

أحدث وجودها في كربلاء إضطراب الأحوال العامة وبين المهتمين بالصراعات العقائدية والفقهية حينها، حيث ظهرت حركات جديدة على الساحة منها القرّتية ومنها تفرعت الكوهرية والركنية وتوسعت إلى الدعوة للبابية.

وجرت بسبب وجودها مشاكل إضطرّتها في النهاية إلى مغادرتها المدينة إلى بغداد، وبقاءها في بيت العلامة أبي الثناء الآلوسي إلى أن تم ترحليها من قبل السلطات في بغداد إلى إيران، وفيها قامت بالدعوة للباب جهاراً، وفي النهاية تم قتلها بصورة بشعة والتخلص منها.

ولدت قرة العين في مدينة قزوين بإيران سنة 1229ه/ 1814م في أسرة دينية معروفة هناك وهم آل البرغاني. كان أبوها الملا محمد صالح البرغاني (1)من المجتهدين، وعمّها الملا محمد تقي البرغاني (الشهيد الثالث) (2)

وبمقتله فقد قام الأهالي في قزوين بمتابعة الكشفيين والبابيين، وقد أتهم بالتحريض على قتله كل من إبنة أخيه قرة العين والشيخ صالح الكريماوي والملا إبراهيم المحلاتي، حيث قامت السلطات هناك بسجن قرة العين، أمّا صالح الكريماوي فقد سيق إلى طهران وأعدم في الميدان وسط المدينة، أما الملا إبراهيم المحلاتي وآخرون فقد هجم عليهم الناس فقطعوا أجسامهم إربا إربا، وبمقتل الملا محمد تقي البرغاني فقد أطلق عليه لقب الشهيد الثالث، أما لقب الشهيد الأول فقد أطلق على الشيخ الامام محمد بن الشيخ جمال الدين مكي بن محمد بن حامد بن أحمد العاملي النبطي الجزيني المستشهد سنة 786ه / 1384م . أما لقب الشهيد الثاني فقد أطلق على الشيخ الامام زين الدين بن الشيخ الامام نور الدين علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن تقي الدين بن صالح بن شرف الجبعي العاملي الشامي المعروف بابن الحجة، المستشهد سنة 965ه /1558م.

كبير علماء قزوين وقتذاك.

1) الملا محمد صالح البرغاني القزويني المولود في قزوين سنة 1200ه / 1786م هاجر إلى كربلاء ليتلقى العلوم الدينية حيث كانت من مراكز العلم، وبعد أن أنهى تحصيله العلمي عاد إلى قزوين وأصبح من العلماء المجتهدين، وبعد مقتل إبنته قرة العين بعدة سنوات وتحديداً سنة 1269ه /1853م هاجر إلى كربلاء وقد إشترى داراً في عكد معاوية (زقاق ماوّية) كما يسمى قديماً القريب من صحن الحسين(علیه السلام)، وأخذ يُدرّس في مدرسة حسن خان، وتوفي سنة 1272ه / نهاية سنة 1855م ودفن في الرواق الغربي في الحائر الحسيني، بقي آل البرغاني في كربلاء ويسمون اليوم ببيت العطار، ومنهم الشاعر توفيق حسن العطار، وأخوه محمد حسين الذي كان موظفاً في بلدية كربلاء وغيرهم.

2) الملا محمد تقي البرغاني المعروف بالشهيد الثالث طوراً وبالرابع تارة كما ورد في شهداء الفضيلة، كان أكبر مجتهد في زمانه بقزوين، وهو الذي أفتى بكفر الشيخيين وتصدى للحركة البابية وأفتى بكفرهم فقاموا بقتله وهو يصلي في المسجد فجراً.

سُمّيت بـ(زرین تاج) ومعناه بالفارسية (التاج الذهبي) كونها ذات شعر أشقر، وقيل ان إسمها الحقيقي هند وكنيتها (أم سلمة) تميزت بجمالها المبهر وذكائها المفرط، وكانت تحضر درس أبيها وعمها على الطلبة من وراء ستار. برز نبوغها عندما أخذت تشارك في المجادلات الكلامية والفقهية بين رجال أسرتها، وكان أبوها يقول عنها «لو كانت ولداً لكانت أضاءت بيتي وخلفتني».

كان أهل قزوين حينها منقسمين بين الشيخية (بشت سري) وخصومهم من الأصوليين (بالا سري)(1)، وهذا الإنقسام وجد في أسرتها بحيث كان عمها الملاّ محمد تقي من خصوم الشيخيين بينما عمّها الآخر (الملا علي) كان من الشيخيين.

تزوجت من ابن عمها الملا محمد بن الملا محمد تقي وهي في الرابعة عشر من عمرها(2).


1) إلـ ( بشت سري ) والـ ( بالا سري ) لفظتان فارسيتان تعني الأولى (خلف الرأس) والثانية (أعلى الرأس) ، والبشت سريه هم الشيخيون ومن يوالونهم من الكشفية والقرتية والركنية والكوهرية فكانوا لا يجيزون الصلاة في الحرم الحسيني في مكان يقع أعلى الرأس الشريف ، أما البالا س---رية فكانوا يجيزون الصلاة أعلى الرأس الشريف وهم الأصوليون ، وإثناء الصراع بين الأصوليين و الشيخيين كانت هاتان العبارتان تطلق على كل واحد منهما وأصبحت لفظة التعريف على كل منهما .

2) يذكر الملّا محمد هادي القزويني السوخته جناري أن قرة العين إقترنت من دون علم والدها بشاب جميل يدعى (رافائيل) وهو نصراني آثوري، كان والده بائع للخمور في قزوين، فعلم أهلها وأرادوا قتلها فإلتجأت إلى بيت الشيخ إسحاق حكيم باشي الذي توسط لها عند عمها ليقبل توبتها، ولما كانت تحمل في أحشائها طفلاً من زوجها الآثوري فمكثت في بيت الحكيم باشي إلى أن وضعت حملها ورزقت بمولود أسمته إسحاق على إسم الحكيم باشي، ثم أجبروها على فراق بعلها الآثوري وزوجوها ابن عمها ... !!، ونعتقد بأن هذه المرويات من جملة الأمور التي كانوا يطعنون بها قرّة العين، والحديث عن إباحيتها وتصرفاتها اللاأخلاقية، فقد قيل عنها الكثير ، ولا يمكننا التوسع في ذلك لأنه خارج عن نطاق بحثنا.

وبعد الزواج قرر زوجها السفر إلى كربلاء لطلب العلم، فسافرت معه ونزلا ببيت في محلة المخيم قرب (الخيمكة)(1). ومكثا في كربلاء ثلاث عشرة سنة رزقا فيها بولدين هما إبراهيم وإسماعيل (وقيل الثاني إسمه صالح)، ولم تخل حياتهما في كربلاء من الخصام والنفرة، فكانت تميل إلى أفكار السيد كاظم الرشتي، بينما زوجها يميل إلى التيار الأصولي المعارض لأفكار الرشتي وعقائده. وفي سنة 1257ه / 1841م عاد الزوجان إلى قزوين وفيها رزقا بولد ثالث أسمياه (إسحاق).

وهي في قزوين أصدر عمّها والد زوجها فتوى بتكفير الشيخيين، بينما هي إزدادت تعلقاً بمبادئ الشيخية وأفكارهم وكذلك بالسيد كاظم الرشتي وقامت بمراسلته للإستفسار منه عن بعض الأمور والمعاني الغامضة عليها، وكان يجيبها السيد الرشتي على إستفساراتها ويخاطبها بـ(قُرّة العين) وهو اللقب الذي عُرفت به فيما بعد.

عندما بلغت التاسعة والعشرين من العمر قررت أن تترك زوجها وأولادها وتهاجر إلى كربلاء لتكون قريبة من السيد كاظم الرشتي. وصلتها سنة 1259ه / 1843م وهي في قمة نضوجها الفكري، وعند وصولها كربلاء فوجئت بأن السيد كاظم الرشتي قد توفي قبل عدة أيام من وصولها فشاركت في مأتمه يلفّها الحزن الشديد على فقده.

في كربلاء قامت قرة العين بإلقاء الدروس على طلاب السيد كاظم الرشتي من على منبره ومن وراء ستار، وقد أعجب بها الكثير من طلاب الرشتي من الكشفية فمالوا إليها. وكان حينها أتباع الرشتي منقسمين على أنفسهم، ورؤساء المنقسمين هم:


1) الخيمكة ... هي التسمية التي تطلق على (المخيم الحسني) الذي يقع قرب الصحن الحسني من جهته الجنوبية الغربية، وكان يطلق لفظ (خيمكّاه) أي محل الخيام، والمخيم الحسيني هو رمز لموضع الخيام عند نزول الامام الحسين كربلاء، فقد إشترى (مؤمن ددة البكتاشي) بستان تقع خارج السور الجنوبي للبلدة وبنى فيها نصب لخيمة الحسين وخيمة العباس وخيمة زين العابدين، وأستحدثت فيما بعد خيمة القاسم. وهو ليس المكان الحقيقي الذي خيّم فيه الحسين(علیه السلام) ، وإنما هو رمز للمخيم.

1- الآخوند الملا حسن کوهر

2- ميرزا كريم خان الكرماني

3- الآخوند ملا حسين كنجة

4-الآخوند ملّا أحمد ترك الخراساني

وكان الحاج محمد حسين محيط زادة الكرماني (المسؤول عن أهل بيت السيد كاظم الرشتي) يبدي محاولات لتوحيد هؤلاء المختلفين ولكن بدون جدوى.

وجدت قرة العين هذه الحالة فإستغلتها وكوّنت لها مجموعة من المعجبين بها أمثال الآخوند الملّا حسين بشرَوَيْه والآخوند الملا علي البسطامي، وبحثت معهما عن الشخص الذي يجب أن يخلف السيد كاظم الرشتي.

إثناء ذلك كان الصراع محتدماً في صفوف الكشفية، فخرج بشرويه والبسطامي إلى شيراز للبحث عن الركن الرابع الذي يمثل السيد الرشتي، علماً بأن الرشتي كان يدعو أصحابه بقرب ظهور المهدي الموعود لمرور ألف سنة على غيبة الإمام المهدي(علیه السلام)، وكان قد أعطى بعض المواصفات لظهوره ويُحتمل أن يكون موجوداً ولا يعرف به أحد!!. إلتقى بشرويه والبسطامي بشاب إسمه (علي محمد الشيرازي) الذي أقنعها بأنه المهدي الموعود ولقب نفسه بـ (الباب) وآمنا به، فجعل الملّا حسين بشرويه بمقام (باب الباب)، وأنعم!! على الآخوند علي البسطامي بلقب (أمير المؤمنين)، والمؤمنون يعني بهم الذين يؤمنون بدعوة الباب على أنه الموعود والمنتظر.

رجع البسطامي إلى كربلاء سنة 1260 ه / 1844م وإلتقى قرة العين وبشّرها بظهور الباب، وسلّمها رسالة من بشرويه يدعوها إلى إعلان الدعوة للباب وأخذ البيعة له.

عندما سَرَت هذه الدعوة في كربلاء، إحتدم الصراع العقائدي بين الكشفية أنفسهم وتزعم الصراع البسطامي ومعه قرة العين، وحدثت في كربلاء فتن ومشاكل بين الأهالي نتيجة هذا الأمر، وتدخّل الأصوليون من علماء المدينة ووقفوا بوجه هذه الدعوة الضالة وحرّضوا السلطات الحكومية المحلية في كربلاء على إعتقال البسطامي وقد تم لهم ذلك وسُفّر إلى بغداد مخفوراً. وأُقيمت له في بغداد محاكمة أمر بها الوالي

محمد نجيب باشا على أن يحضرها بنفسه ودعا الوالي علماء من السنة والشيعة لمناجزة ومحاججة البسطامي على دعوته للباب.

حضر المناجزة وفد من علماء النجف برئاسة المرحوم العلامة الشيخ حسن آل كاشف الغطاء، ومن كربلاء وفد برئاسة المرحوم العلامة السيد إبراهيم القزويني (صاحب الضوابط) وكان معه الشيخ حسن كوهر مؤسس الفرقة الكوهرية في كربلاء. وترأس علماء بغداد المرحوم العلامة أبي الثناء الآلوسي.

بعد المناجزة وبحضور الوالي تم رد دعوة ،الباب وحكموا على دعواه ومن يقتدي به بالكفر والقتل. وبناءً على ذلك تم نفي البسطامي داعية الباب من العراق إلى إيران. بعد نفيه إتفق أتباعه وأعوانه والمصدّقون بدعوة الباب بأن تتزعم حركتهم قرة العين في كربلاء، حيث قامت بإلقاء الدروس على مريدي البابية وكان منهم:

1- الآخوند الملا باقر التبريزي

2- الآخوند الملّا إبراهيم المحلاتي

3-الشيخ صالح الكريمي

4- السيد محمد الكلبايكاني

5-السيد حسن اليزدي

6- الملا حسن السجستاني

7- الميرزا جواد الشيرازي

8- الشيخ سلطان بن حسن سلطان الكربلائي الخفاجي

وغيرهم من الأتباع، وكان جميعهم من الإيرانيين عدا الشيخ سلطان فهو العربي الوحيد بينهم. وكان هؤلاء من خواصها، فكانت تجالسهم وهي سافرة دون حجاب مما جعل بعض مريديها المتدينين يظهرون إحتجاجهم على فعلها هذا.

نتيجة لبعض أفعالها وإشتداد الخلافات بين الكشفية أنفسهم تم طردها من بيت السيد كاظم الرشتي، فأخذت ترتقي المنبر خلف الصحن الحسيني، وتصرّح بأفكارها الجديدة وتعليمات الباب، فهجم عليها جموع الكشفية من أتباع حسن گوهر وعلى رأسهم ولده (علي) ومنعوها من صعود المنبر. ونتيجة الضغط عليها

وحدوث المشاكل في المدينة قررت مغادرة كربلاء إلى الكاظمية في رجب سنة 1261ه-، وأخذت تتنقل بين الكاظمية وبغداد. وبعد ستة أشهر عادت إلى كربلاء، لكن المشاكل بقيت مستمرّة مما إضطرها إلى مغادرة كربلاء مع حاشيتها، وفي بغداد أخذت تلقي الدروس من وراء ستار.

بتحريض من رئيس الكشفيين حسن گوهر الذي كانت له صلة بالوالي محمد نجيب باشا، فقد كتب الوالي إلى إسطنبول عاصمة الدولة بشأنها وما تقوم به، وأمر بحبسها في بيت العلامة أبي الثناء الآلوسي لحين ورود إجابة إسطنبول، وبعد شهرين وهي في بيت الآلوسي توسط البعض لها فوصل الأمر أخيراً من إسطنبول بإطلاق سراحها وإخراجها من العراق، فغادرت بغداد إلى كر منشاه ومنها إلى همدان وحضرت إجتماع (دشت بهشت) وعادت إلى قزوين وشاركت كما يقال بقتل عمها ووالد زوجها، إلى أن وصل بها الأمر أن تقضي نحبها مقتولة بصورة بشعة وإنتهت حياتها، وحينها كانت الحكومة القاجارية مستمرة في ملاحقة أتباع الباب في جميع أنحاء إيران.

الصورة

291

صورة قرة العين رسمها (مشكين قلم) وهو الرقيب الإنكليزي الذي وضعه الإنكليز لمراقبة البابيين وحضور دروسهم، وكان خطاطاً ورساماً ماهراً ويجيد العربية والفارسية والهندية والإنكليزية وإسم مشكين (مير نصير علي).

وصفوة القول حول القرّتية والصراع الذي نشب في كربلاء بوجود قرة العين، كان نتيجة الأفكار الظلامية الجديدة التي نشأت إثناء الدعوة البابية التي إعتبرها العلماء خروجاً عن مبادئ الإسلام وتعاليمه وأخلاقياته، وأن هذه الأفكار بعيدة عن مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، بل هي تشويه لصورة المذهب لدى الغير، بدليل أن البابية خرجت بشكل نهائي عن الإسلام، والأسوأ من ذلك أن البابية مهدت لظهور البهائية التي أصبحت ديانة جديدة تتصافى مع الماسونية واليهودية. وأن قرة العين كانت من أكثر دعاة البابية تحمساً وتأييداً حتى لقبت بالطاهرة والصدّيقة بإعتبار حلول روح فاطمة الزهراء عليها السلام فيها، وأصبحت من حروف الحي، وقد مجدها البهائيون بعد البابيين ولم يطلقوا عليها إلا لقب الطاهرة.

لم نتطرق إلى أفكارها وما كانت تعتقد به وما كانت تقوم بفعله إثناء فترة الصراع، لأن ذلك يحتاج إلى بحث مطوّل يجده القارئ الكريم في بحث آخر لنا. فقد إختلفت الآراء حول قرة العين بين مؤيد لها ومخالف بشدة، وقد أكثر المخالفون من ذمّها ونعتوها بأبشع الصفات والإنحلال الأخلاقي ونسبوا لها ما لم يرتضيه المسلم المتمسك بدينه(1).


1) تم إيجاز الحوادث بشكل كبير، حيث كانت الغاية هو الحدث الذي حصل في كربلاء وهو مضمون بحثنا هذا، وسيجد القارئ الكريم التفاصيل في كتابنا تاريخ كربلاء (كربلاء... التاريخ والقداسة). والمعلومات الواردة أعلاه تم إعتمادها من لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث للدكتور علي الوردي ج 2 . ومن كتاب مطالع الأنوار لمحمد زرندي، وأعلام النساء لعمر رضا كحالة ج4 ص 192 - 204 . والبابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم لعبد الرزاق الحسني ص 77 وما بعدها.

ثورة أهالي كربلاء ضد التجنيد الإجباري الأول

كانت الدولة العثمانية تعاني من وحدات الجيوش غير النظامية والمنتشرة في أنحاء الولايات التابعة لها.

فقرر حينها السلطان العثماني محمود الثاني أن يُقدِم على تنظيم جيوش الدولة العثمانية وفق أسس حديثة ورفع مستواها وإمكانياتها وزيادة أعدادها لتكون البديل عن الجيوش غير النظامية، إلّا أن هذا الأمر ظلّ متعثراً سنوات طوال. فإضطرّت الدولة أن تصدر بياناً في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وتحديداً في سنة 1857م (1274ه) تنظم به شؤون التجنيد في جميع أنحاء الدولة. وبعد صدور هذا البيان أخذت السلطات العثمانية تغتنم الفرص لتنفيذ التجنيد في كل ولاية تابعة للدولة وتنتدب لهذا الأمر الرجال الأكفاء للقيام بهذا المشروع المهم لها والشاق في نفس الوقت.

ففي العراق كان الجيش العثماني يكثر فيه (الهايتة) الذين يشتغلون في الجيش براتب وهم في الغالب من العراقيين المعروفين ب- باش بوزق)، كما أن وحدات الجيش في العراق كانت تعاني من مشاكل جمة، وأن الدولة تحتاج إلى اعداد كثيرة لتجنيدهم ليكونوا ضمن وحدات جيش نظامي تتمثل فيه الضوابط العسكرية العامة. ولم يتمكن أحد من المسؤولين العثمانيين في العراق من تنفيذ أوامر الدولة بخصوص التجنيد لصعوبة الأوضاع فيه والذي يتكون مجتمعه في الغالب من العشائر، كما أن الأهلين كانوا يعانون من ظلم السلطات العثمانية ولا يريدون أن يخدموا في دولة لا علاقة لها بالشعب ولا يرغبون في تقوية ظلمها عليهم.

كان الوالي العثماني في بغداد هو رشيد باشا الكوزلكي، وعندما توفي سنة 1274ه / 1857م، تقرر أن يكون السيد مصطفى فائق الدفتري المرسل من جانب

الدولة قائممقاماً لحين تعيين والي جديد ومع القائمقام يقوم خيري باشا بالأمور العسكرية، والإثنان لم يقطعا بأمر مهم منتظرين قرار الباب العالي بإختيار شخص يتولى منصب الوالي في بغداد.

وبعد شهرين من وفاة الوالي إغتنمت الدولة العثمانية هذه الفرصة وقررت تعيين رجلٌ عسكري صلب يقوم بإدارة الولاية الكبرى كلّها من ديار بكر إلى البصرة ويشغل مشيرية العراق والحجاز جميعها، ووقع إختيارها على (السردار الأكرم عمر باشا) (1)لما عُرف عنه من حزم وإتزان وصلابة في معالجة الأمور، «حيث أنعم عليه السلطان بوزارة العراق مع إنضمام ديار بكر والموصل وكركوك وأربل (أربيل) وما حولها من قرى الأكراد ومن بغداد والمشاهدة إلى البصرة»(2).

وصل الوالي الجديد بغداد يوم الخميس 4 رجب 1274ه الموافق 18 شباط سنة 1858م. وجعل هذا الوالي نصب عينيه أمر تشكيل الجيوش النظامية، فقام بأعمال أفسدت عليه أمره، فلم يراع حسن الإدارة أو السياسة المقبولة، وذلك ظهر من خلال ما جرى في أيامه فخابت آمال حكومته فيه ...!!

ذاع صيته بين الأهالي كونه شديد وقاسي، فولد رعباً في أوساط الناس، وبدلاً من أن يبادر إلى دراسة أحوال الولاية وشؤون سكانها عن كثب، ويجمع المعلومات التي تعينه في وضع الخطط اللازمة لإنجاح مهمته، أصدر في ثالث يوم من تسلّمه الولاية أمر بتهديم القلاع والتحصينات التي عمّرها الوالي الذي سبقه في أنحاء الديوانية والهندية والمنتفك والشامية وغيرها، وهو يعد العدة لإنجاح المهمة التي إضطلع بها وتنفيذ الأوامر التي صدرت إليه بشأن التجنيد، وقام بتسريح قوات الهايتة البوش بوزق من دون تريّث، وطالب الأهلين في المدن والمناطق العشائرية


1) السردار عمر باشا أصله من المجر (هنكاريا) غير مسلم، جاء إلى إسطنبول في مقتبل عمره وإعتنق الإسلام وإنخرط في سلك الجندية، وصارت له مكانة في الجيش النظامي الجديد ومنزلة مرموقة بين ضباطه، وعندما جاء إلى بغداد إصطحب معه ضباط بولونيون منهم (إسكندر باشا) الذي كان إسمه السابق (إيلينسكي)، وكان من قادة عمر باشا وجُرح في حوادث الحلة بسبب التجنيد. أعفي عمر باشا من منصبه سنة 1859م لعدم نجاحه في العراق.

2) تاريخ العراق بين إحتلالين / عباس العزاوي - ج 7 ص116.

بتجنيد أبنائهم وسوقهم إلى الثكنات والمعسكرات، فإنتشر الذعر بينهم وتسرب الرعب والخوف في أنحاء البلاد عند ذلك بدأت العشائر تستعد للمقاومة لرفضها التجنيد، وصاحب ذلك أن فئات كثيرة من سكان المدن أخذت تتهيأ للعصيان.

ولأجل أن يمهد الأمور والجو الملائم لإنجاح مهمته في بغداد والمدن الأخرى أخذ يمنح الإكراميات للموظفين ووجوه البلد، يهدف من ذلك تسهيل الحصول على المضابط عند الحاجة وإرسالها إلى الباب العالي ليشعرهم بنجاح مهمته في التجنيد.

خلال بضعة أيام من فتح باب التجنيد تمكن من أخذ خمسمائة نفر من بغداد، وقام عدد من وجوه بغداد بتسجيل أولادهم وفي مقدمتهم المفتي محمد أفندي الزهاوي الذي أول من إستلم أكرامية الوالي!! وقسم منهم دفع البدل عن أولادهم. وعلى العكس من بغداد، فقد أدّى إعلان التجنيد إلى توقف الكثير من الأعمال الإعتيادية بين الناس في بقية المدن، وترك الكثير منهم ومن العشائر مناطقهم وهاجروا إلى أماكن اخرى. وظهر ذلك جلياً في ديالى والحلة والديوانية والهندية والشامية وكربلاء والسماوة وغيرها من أنحاء الجنوب، رافضين التجنيد وأبدوا العصيان على الحكومة.

إزدادت الإضطرابات والفتن بعد أن فرض الوالي تجنيد خمسين نفراً من الحلة ومثلها من كربلاء وطالب عشائر الهندية بتقديم تسعين مجنداً، وعشائر الديوانية والشامية بمئة وثمانين والنجف بثلاثين مجند فإمتنعت كلها عن ذلك فقرر الوالي إستعمال القوة وإرسال الجيوش إلى المناطق التي اعلنت العصيان وحدثت معارك في الحلة والسماوة وغيرها من المناطق وجُرح فيها إسكندر باشا أحد قادته مما إضطره الأمر لأن يقود بعض الحملات بنفسه ولكنه فشل في مسعاه نتيجة شدة المقاومة، ووصل الأمر إلى محاولته سد مجرى نهر الهندية ولكنه تراجع عن ذلك.

وفيما يخص كربلاء... فقد فرض الوالي على أهالي كربلاء خمسين مجنداً، فثار الناس بوجه السلطة وأعلنوا العصيان يعتليهم الغضب الشديد على ما تقوم به السلطات وإستفحلت حركة العصيان في شهر شوّال سنة 1274ه / مايس 1858م فهاجموا السراي والجندرمة وقتلوا إثنين من الجنود النظاميين، فكادت تتطور إلى ثورة عارمة.

غير أن الوالي ساق إلى كربلاء العساكر والجيوش فصارت تأخذ من تصادفه من الناس في الطرق بالعنف والإكراه، وجيء بنتيجة ذلك إلى بغداد بثلاثين نفراً مقيدين بالأغلال فسُجّلوا في سجل (النظام)(1).

وكان أن فرض على النجف ثلاثين نفراً، «فلما عاين أهل النجف ما فعل بأهل الحلة وأهل كربلاء أبانوا وجه الطاعة ومسكوا ثلاثين نفساً بدلاً عنهم، وأتوا بهم إلى بغداد بالطاعة والإنقياد وخلصوا مما حصل من الوزير على القريتين المذكورتين»(2). يُقصد بالقريتين الحلة وكربلاء.


1) تاريخ العراق في العصور المظلمة / جعفر الخياط - ص 335 .

2) تاريخ العراق بين إحتلالين / عباس العزاوي - ج 7 ص 122 .

واقعة (علي هَذلة)

كان سكان مدينة كربلاء على غير وفاق مع الحكومة العثمانية، وخاصة بعد واقعة نجيب باشا، التي عاش أهل المدينة مآسيها وما أصابهم منها من تقتيل وتدمير للناس والمدينة وإنتهاك حرمة المراقد المقدسة.

في سنة 1294ه (1)/ 1877م وقعت في كربلاء حادثة عصيان ضد السلطة العثمانية سمّيت بعدة أسماء منها (دكة علي هدلة) و (فتنة علي هدلة) و(واقعة علي هدلة) و (حركة علي هدلة وكلها على إسم قائد المجموعة الذي قاد العصيان وكان يعمل قهواتي وإسمه (علي) ولقب بـ (هدلة) لشدة بأسه وشجاعته وجرأته، والعامة يسمون الشجاع (أخو هدلة) وإلى الآن، حيث يصرخ المقدام (أنا أخو فلانة) على إسم أخته عندما يقدم على عمل يتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة والبأس، وكان القهواتي (علي) عندما يتصدى لعساكر الأترك حينها يقود جماعته ويصرخ بأعلى صوته (أنا أخو هدلة) وهدلة أخته، فعرف في الأوساط الكربلائية بعلي هدلة.


1) من كتب عن هذه الواقعة ذكر بأنها وقعت سنة 1293ه الموافقة للسنة الميلادية 1876، وهذا خطأ واضح، لأن المصدر الأول الذي ذكرها قد أخطأ في السنة ووقع في الخطأ من نقل عنه. والصحيح أنها وقعت سنة 1294ه / 1877م ، على وفق ما ذكرت أسبابها ونتائجها ، فبدايتها كانت بسبب النفير العام وطلب التجنيد لأن الدولة العثمانية دخلت في حرب مع روسيا القيصرية، والمعروف تأريخياً أن تلك الحرب بدأت عام 1294ه- . كما أن والي بغداد (عاكف باشا) الذي قاد الحملة على كربلاء تسلّم ولاية بغداد سنة 1294ه / 1877م (راجع تاريخ العراق بين إحتلالين ج 8 ص 33 وص34). والغريب أن محمد حسن الكليدار مؤلف مدينة الحسين ذكرها في مخطوطه تاريخ كربلاء ج 3 على أنها وقعت سنة 1293ه وأخذ عنه عادل الكليدار محقق كتاب جده - بغية النبلاء في تاريخ كربلاء - في ص46 منه وآخرون ممن كتب عن الواقعة، بينما السيد محمد حسن الكليدار ذكر في مستدركات السلسلة الثانية من كتابه مدينة الحسين أن الحادثة (الثورة) وقعت في أيام متصرف كربلاء (قدري بك) حيث كانت الأخطاء بادية وواضحة في ذكر السنوات ويمكن للمتابع مراجعتها ليتبين له التاريخ الصحيح للواقعة وخاصة عندما أخطأ بالقول بأنه تم سحب المتصرف من كربلاء وتعيين (راشد أفندي) متصرفا بعده.

شغلت حركة التمرد هذه أهالي كربلاء وإلتف حولها أبناء المدينة نكاية بالسلطة العثمانية الحاكمة فساندوها وأمدّوا أفرادها بما يحتاجونه حيث قامت بحركات مقاومة متعددة أوقعت الخسائر بأفراد السلطة والذين يتعاونون معها. وأصبحت حديث الشارع الكربلائي وليس للناس حديث في المقاهي والدور والأسواق غير ما تقوم به هذه المجاميع من فعاليات على شكل حرب العصابات.

والبعض صوّرها عصابة وهذا الوصف بعيد عنها لأن الذين كانوا يساندونها هم من أشراف البلد ، وأعيانها، وقد ضعفت الحكومة المحلية إثناء ذلك وعجزت إجراءاتها العديدة من إنهاء التمرد والعصيان، فاستنجدت بالسلطات العليا لإخمادها.

في سنة 1294ه / 1877م كانت الدولة العثمانية قد دخلت في نزاع حربي مع روسيا القيصرية(1)، فأعلن العثمانيون النفير العام، وأخذت تطالب رعاياها بالإلتحاق للتجنيد، ولما كان العراق تابعاً للحكم العثماني حينذاك، ومدينة كربلاء عراقية فكان على المكلفين بالخدمة العسكرية من أبناء المدينة وبأمر من السلطات العثمانية في كربلاء بوجوب الإلتحاق في العسكر العثماني.

من هنا جاء رفض الأهالي تنفيذ الأوامر الحكومية، وأعلن الكثير منهم عدم الإستجابة لنداءات السلطة، فقد إعتبرت السلطة أن كل من لا يلتحق بالخدمة العسكرية هو من الأفرار والمناوئين لها، وقد جهدت بملاحقتهم والقبض عليهم.

تعاون البعض مع السلطات الحكومية بالإدلاء على رافضي التجنيد، وكان من هؤلاء مختار محلة باب الطاق المدعو (حسين قاسم حمادي)، وقد إعتبره الأهالي جاسوساً للسلطة، يُخبرها بأماكن تواجد الفارين.

ولكثرة ما أصاب الناس على يد هذا المختار من الأذى، قام بعض الأهالي بتصفيته حيث تم قتله في (مقهى المستوفي) الواقعة في محلة باب الطاق.


1) تاريخ العراق بين إحتلالين/ عباس العزاوي - ج 1 ص 34 .

وبعد قتل هذا المختار جهدت الحكومة المحلية في كربلاء بملاحقة المتهمين للقبض عليهم، فما كان من المتهمين إلا الفرار خارج أسوار المدينة، وتجمع قسم منهم في بستان (جعفر الصادق - ع)(1).

أخذت هذه المجموعة بتحريض الأهالي للوقوف ضد الحكومة، وقاموا ببعض العمليات ضد الحكومة ومن يساعدها وتحريض الناس على وجوب إمتناع أبناءهم ألإلتحاق بالتجنيد، وكانت أفكارهم هذه والأعمال التي يقومون بها محل ترحيب الكربلائيين فقبلوها وساندوها ضد الحكومة.

تكونت هذه الجماعة المكونة من (150) شخصاً، يقودهم القهواتي (علي هدلة) الذي بدأ بالتحرك وإعلان العصيان في 3 ربيع الأول سنة 1294ه / 1877م، حيث قام مع جماعته بمقابلة القوات العثمانية المحلية والقيام بعدة عمليات ناجحة ضدها على طريقة (حرب العصابات). نجحت هذه المجموعة بفعالياتها وتمكنت من دحر مواقع حكومية متعددة. وكانت أول عملياتها قد حدثت في سوق (باب السلالمة) عندما تمكنت من قتل أفراد من الجندرمة العثمانية.

لم يكن بمقدور هذه الحركة والمجموعة القتالية أن تعمل دون مساعدة من الأهالي وبعض المتنفذين من أبناء المدينة. فقد ساندهم الكثير من سراتها، منهم الحاج (محسن كمونة)(2)والحاج (حسن شهيب)(3)وغيرهما، وأمدوهم بالمؤن والذخائر.

ساعدت بعض العشائر العربية في المدينة هذه المجموعة وجندت بعض أفرادها للإلتحاق بهم. فإستفحل أمر علي هدلة وجماعته، بينما الحكومة المحلية كانت قد فقدت السيطرة على المدينة.

كان متصرف كربلاء إثناء واقعة علي هدلة هو (قدري بك) الذي تسلم منصبه في صفر من عام 1293ه / 6 كانون أول 1876م.


1) بستان مشهورة يقع فيها مقام الإمام جعفر الصادق(علیه السلام) وموقها في منطقة الهيابي، شمال مقام المهدي.

2) سيتم الحديث عنه بالتفصيل لاحقاً.

3) الحاج حسن شهيب من آل معلّة وهم فرع من عشيرة (المياح) من ربيعة. كان من رؤساء ووجوه كربلاء وأعقب ولده (محمد) الذي أعقب (إبراهيم) والأخير شغل منصب رئيس غرفة تجارة كربلاء عدة سنوات... كان الحاج حسن شهيب من رؤساء محلة باب السلالمة وله ديوان مشهور.

ولم تتمكن السلطات المحلية من مسك زمام الأمور في مدينة كربلاء رغم بعض التعزيزات التي وردت إليها من والي بغداد حينها (عاكف باشا)(1)، فقد إستفحل العصيان في المدينة.

عندها وصلت الأخبار إلى الإستانة (إسطنبول) وعَلِمَ بها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني(2)، فأصدر أوامره بإرسال جيش إلى مدينة كربلاء وهدمها وقتل من فيها عن بكرة أبيهم، وأناط مهمة تنفيذ أوامره إلى عاكف باشا والي بغداد وإلى المشير حسين فوزي باشا قائد الجيش.

في أواخر شهر رمضان من سنة 1294ه، وصل الوالي وقائد الجيش كربلاء على رأس القوّة العسكرية التي تهيأت للهجوم على المدينة وإصطحبا معهما أحد نقباء بغداد(3)، وخيموا بالقرب من المدينة.

عند إستطلاع الأمر داخل البلدة لم يشاهدوا أثراً للعصيان، لأن الأحداث كانت قد بدأت قبل هذا التاريخ بأكثر من سبعة أشهر ، وبعد البحث والتقصي وجد الوالي أن الجماعة التي قامت بالعصيان تمت مطاردتها من قبل الجيش المرابط في المدينة وحولها وقبل وصولهم بمدة ليست بالقصيرة، فإنه ليس من العدل إستباحة المدينة


1) محمد عاكف باشا كان يشغل منصب والي (أدرنة)، وعندما نُقِل والي بغداد عبد الرحمن باشا إلى ولاية ديار بكر وغادر بغداد في 23 ربيع الأول سنة 1292ه ، تم نقل عاكف باشا من أدرنة إلى بغداد، ووردها يوم الجمعة 29 ربيع الثاني سنة 1294ه. وذكر العزاوي في تاريخ العراق بين إحتلالين في ج 8 ص 33 بعد إستلام عاكف باشا ولاية بغداد ما يلي: «وورد فرمانه في 4 جمادي الأولى (1294) فقرئ بإحتفال ولم ينشر، ولعل السبب حرب روسية مما دعا إلى قلة الورق. فإن الجريدة صارت تنشر بقطع صغير» ... وهذا يدل على أن مجيء عاكف باشا كان في أيام الحرب الروسية العثمانية، وبسببها صدر النفير العام وطلب التجنيد الذي رفضه الكربلائيون ، ومن جراء ذلك حدثت حركة العصيان ضد الحكومة في كربلاء وسميت بواقعة علي هدلة التي نحن بصددها.

2) السلطان عبد الحميد الثاني هو ابن السلطان عبد المجيد الأول، إستلم الحكم بعد عزل أخيه السلطان مراد الخامس الملقب بـ (المجنون). والسلطان عبد الحميد هو الذي أقرّ دستوراً للبلاد، وإفتتح مجلس المبعوثان ثم عطّل العمل به لفترة، ثم أعاد العمل به وقد تم خلعه من العرش في 6 ربيع الثاني سنة 1327ه / الموافق 27 نیسان 1909م ، وكان خلعه بسبب عدم موافقته على إعطاء فلسطين لليهود حسب وثيقة كتبها بخط يده.

3) ذكرت بعض المصادر التي كتبت عن الحادثة بأنه نقيب بغداد هو عبد الرحمن النقيب الكيلاني.

وهدمها على سكانها وأخذ البريء بجريرة المذنب وتنفيذ الأوامر السلطانية، فإقتنع بالإحجام عن تنفيذ الأوامر.

مما سبب خلافاً بينه وبين المشير حسين فوزي قائد الجيوش(1)، فكتبوا إلى الإستانة بذلك، وبعد أخذ ورد صدر الأمر بالعفو على أن يتم القبض على مثيري

(الفتنة) وقد تم لهم ذلك، فتمكنوا من القبض على (70) شخصاً كان من ضمنهم (علي هدلة) والحاج محسن كمونة والحاج حسن شهيب وآخرون من وجوه البلد الذين كانوا يساندون العصيان فساقوا الجميع إلى بغداد وأودعوهم السجن في (أوج قلعة) داخل (القشلة) ثم رحل الجيش عن كربلاء. أما الذين تم إلقاء القبض عليهم فقد بقوا في سجنهم سنة كاملة وتم الإفراج عنهم.

عندما إنسحب الجيش من ضواحي كربلاء قرر الوالي عاكف باشا وقائد الجيش المشير حسين فوزي ترك قوّة من الجيش تعسكر في مدخل مدينة كربلاء من ناحية طريق بغداد، وكان معسكرهم عند نهر الحسينية بالقرب من قنطرة (أم حديبة)، والغرض من بقاء هذه القوّة هو لمساعدة القوة الحكومية التابعة لمتصرف كربلاء في حالة نشوب فتن أخرى داخل المدينة.

وحدث أن تجمع بعض أهالي كربلاء وقرروا العصيان بسبب رفضهم وعدم قبولهم القبض على قادة ثورة علي هدلة وبعض وجهاء المدينة وإرسالهم مسجونين إلى بغداد، فقد قام (آل الهر) (2)بقيادة زعيمهم الشيخ (محمد علي بن سلطان الهر) وساندهم آخرون من أبناء المدينة وخرجوا من أبواب السور الشمالية وهاجموا القوة المرابطة على نهر الحسينية، وكان يتقدم هذه الجموع الشيخ محمد علي أبوالهر والسيد (مهدي بن السيد علي بن باقر الإشيقر)(3)، وعند إلتحامهم بالقوة العسكرية عند


1) البعض ممن كتب عن هذه الحادثة يذكر بأن المشير حسين فوزي هو الذي طلب التريث بضرب المدينة بينما الوالي أصر على مهاجمتها والله أعلم.

2) آل الهر هم من (الطهامزة) فرع من قبيلة خفاجة، كانت دورهم في محلة باب السلالمة، وكانت لهم مواقف وطنية وبرز منهم رجال أدب وعلم، وكانت بيدهم مختارية محلة باب السلالمة إلى الآن.

3) آل الإشيقر من سادات كربلاء وهم من خدم العتبات المقدسة فيها، ويتصل نسبهم بآل زحيك، فجدهم الأعلى هو السيد إبراهيم المتضى الأصغر بن الإمام موسى الكاظم(علیه السلام) نزحوا من الكاظمية إلى كربلاء في القرن العاشر الهجري، وشارك العديد منهم في الحوادث التي جرت في كربلاء وكان لبعض شخصيات هذه الأسرة العلوية إهتمامات وطنية إشتهروا بها. وآل الإشيقر من سلالة السيد علي بن أبي محمد الحسن بن حيدر بن أبي محمد الحسن بن أبي تراب علي بن حسين الإشيقر بن أبي طاهر عبدالله بن أبي الحسن المحدث بن النقيب طاهر بن الحسين القطعي بن موسى أبو سبحة بن إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى الكاظم(علیه السلام).

قنطرة أم حديبة بادرهم الجيش بإطلاق النار بشكل كثيف فأصابوا الشيخ محمد علي وأردوه قتيلاً وتفرق جمع الثائرين، وقام الجيش بحزّ رأسه وأخذوا الرأس داخل المدينة وطافوا به في أزقتها لترهيب الناس وإخافتهم كي لا تتكرر حوادث العصيان.

أما السيد مهدي الإشيقر عندما رأى ذلك الحدث فقد إمتلأت نفسه بالغضب فترك كربلاء ناجياً برأسه فهرب إلى إيران وبقي هناك فترة من الزمن ومنها إرتحل إلى (القفقاس) حيث توفي هناك وتم نقل جثمانه فيما بعد إلى كربلاء ودفن في الصحن الحسيني الشريف.

بهذه الأحداث إنتهت ثورة (علي هدلة) وعم الهدوء مدينة كربلاء بإنتهاء كافة الأعمال القتالية التي نتجت عنها وكذلك ذيول تلك الحركة بنهاية حركة أبو الهر والإشيقر.

أمّا الحكومة العثمانية فقد قررت نقل متصرف كربلاء (قدري بك) لسوء تصرفه وتعيين (مظهر باشا) (1)متصرفاً جديداً لكربلاء بتاريخ 29 أيلول 1877م (1294ه)(2).


1) كربلاء في الأرشيف العثماني - دراسة وثائقية ( 1840 - 1876) / ديلك قايا – ص 382، والمصدر هو: سالنامة ولاية بغداد 1320، ص327.

2) جاء في مستدركات السلسلة الثانية في ج 4 من مدينة الحسين لمحمد حسن الكليدار في ص 50 من المستدركات أن المتصرف الجديد بعد قدري بك هو (راشد أفندي)، وهذا خطأ آخر من جملة الأخطاء التي وقع بها المؤلف في نفس الصفحة وخاصة في السنوات والتواريخ، يمكن الرجوع إليها لمعرفة حقيقة الأمر، بينما المصادر التي اعتمدنا عليها هي مصادر عثمانية رسمية نشرت في الوثائق العثمانية ولا تقبل التحريف والخطأ.

النزاع بين أسرة آل كمونة حول السدانة ومقتل السيد أحمد وفي الرشتي

آل كمونة أسرة عربية من قبيلة بني أسد وتحديداً من آل مراد الأسديين. كانوا يسكنون الكوفة ونزحوا إلى كربلاء على عهد جدهم ( عيسى كمونة). وجاء لقب كمونة عليهم لأنهم كانوا يعملون (سراكيل)(1)عند السادة آل كمونة وهم من سادات وأشراف النجف ومن المشرفين والعاملين في خدمة مرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(علیه السلام)، ويمتلكون أراضي وبساتين في ظاهر الكوفة. وقد إشتهر آل مراد الأسديون بإسمهم وعندما إنتقلوا إلى كربلاء كانت شهرتهم على تلك التسمية.

أعقب الشيخ عيسى المهاجر إلى كربلاء ولده (إبراهيم) وهذا أعقب (محمد) الذي أعقب ثلاثة أولاد هم كل من الشيخ مهدي والميرزا حسن والشيخ محمد علي (الأديب والشاعر)(2).

بعد واقعة الوالي محمد نجيب باشا (غدير دم) التي تم إقتحام كربلاء بالقوّة سنة 1258ه / 1842م، وهروب سادن الحسين المرحوم السيد وهاب محمد علي آل طعمة الذي شارك الأهالي بالدفاع عن المدينة عندما طلبه الوالي ليقتص منه، فقرر الوالي تسليم السدانة إلى الشيخ مهدي كمونة كما تم ذكره إثناء شرحنا للواقعة في هذا الكتاب. وبقي الشيخ مهدي سادناً للروضة الحسينية إلى عام 1272ه / 1855م، وعندما توفي إستلم السدانة بعده أخوه المرزا حسن إلى أن توفى سنة 1292ه / 1875م.

كان أهالي المدينة منقسمين فيما بينهم إتجاه آل كمونة، فالقسم الأكبر من الأهالي كان لا يميل إليهم بسبب سيرة المرزا حسن التي شابها طابع التسلط، وقسم آخر


1) لمعة تاريخية في بيوتات كربلاء والغاضريه مخطوط للمرحوم الشيخ محمد علي القصير /1333ه.

2) راجع كتابنا بيوتات كربلاء القديمة ص194.

ظلوا موالين لهم، ومن بين هؤلاء الكثير من الإيرانيين الذين تم إحتوائهم من قبل آل كمونة كأتباع لهم، بل أن قسماً منهم لقب نفسه ببني أسد!!

عند وفاة المرزا حسن برَزَ ابن أخيه (محسن) (1)بن الشيخ مهدي الذي كان معتدّاً بنفسه محاولاً أن يُسيّر ويسيطر على الأحداث في كربلاء، وكان طموحاً بسبب حبّه الشديد للزعامة طمع بسدانة الروضة الحسينية حيث إختلف مع ابن عمه الشيخ محمد بن المرزا حسن على السدانة، وحدث نزاع بينهما وصل إلى حد التقاتل، فشغل هذا النزاع على السدانة أبناء المدينة بشكل كبير.

وأدّى هذا الخلاف إلى تدخل السيد أحمد (2)وفي بن السيد كاظم الرشتي الذي كان مع الأكثرية من أبناء المدينة، فسعى السيد أحمد لدى الوالي الذي كانت تربطه علاقة جيدة به بإسناد سدانة الحسين إلى السيد محمد جواد بن حسن آل طعمة بعد أن يدفع الأخير مبلغاً كبيراً من الليرات العثمانية مقدارها ألف ليرة ذهباً(3)ليصدر أمره بذلك وقد تم له ما أراد وذلك في سنة 1292ه / 1875م!!!

عندما سمع الشيخ محسن كمونة بذلك الأمر الذي أوغل صدره فقرر قتل السيد أحمد وفي الرشتي والسادن المعيّن، وظل يتحين الفرص لثلاث سنوات إلى أن


1) هو محسن بن الشيخ مهدي بن محمد بن إبراهيم بن عيسى آل مراد الأسدي كان له ديوان مشهور في كربلاء في محلة الزينبية ولا زال في مكانه يسمى ديوان بيت كمونة توفي سنة 1324ه 1906م ودفن في الحائر الحسيني، وأعقب ولدين هما الشيخ (محمد علي) والشيخ فخر الدين المشهور بالشيخ فخري كمونة وأعقب محمد علي ولده الوحيد الشيخ (حميد) الذي قتل من قبل الفلاحين في ضيعته بمنطقة (الأبيتر) سنة 1367ه /1948م في حياة والده أما الشيخ فخري فلم يعقب. كانت رئاسة آل كمونة بيد الشيخ محسن وعند وفاته تولاها ابن أخيه (حسين بن محمد جواد بن الشيخ مهدي) المقتول سنة 1327ه / 1909م، ويقال أن أخاه الشيخ عباس هو الذي قتله بسبب الرئاسة والأملاك. بينما يؤكد أخرون بأن قتله كان بتحريض من فخري كمونة حيث كان الشيخ القتيل متزوجاً من شقيقة فخري، لتستقيم له الأملاك والرئاسة. وبعد مقتل الشيخ حسين تسلم رئاسة آل كمونة الشيخ فخري.

2) هو السيد أحمد (وفي) بن السيد كاظم الرشتي (الرشدي فيما بعد) تقلد زعامة أتباع والده من الكشفيين بعد وفاة والده سنة 1259ه 1843م ، حيث قام خطيباً في أربعينية والده في ديوانهم المعروف في كربلاء وشكر الحضور وأهالي كربلاء وأتباع والده على ما أبدوه من وفاء وتقدير عند وفاته، وفي نفس الوقت قام أتباع السيد كاظم الرشتي بتنصيب السيد أحمد ليقوم مقام والده.

3) مدينة الحسين محمد حسن الكليدار آل طعمة - السلسلة الأولى ص83.

حانت له الفرصة عندما كان السيد أحمد ومعه بعض مرافقيه خارجين من صحن الحسين عند باب السدرة بعد صلاة العشاء متوجاً إلى داره.

فتصدى له من أرسلهم محسن كمونة وأردوه قتيلاً ومعه بعض مرافقيه بالرصاص وذلك سنة 1295ه / 1878م، ولم يظفروا بالسادن.

يذكر مؤلف مدينة الحسين في ج 1 ص83 أن قاتل السيد أحمد هو المدعو (جعفر بن باخية)، وباخية هي امرأة اشتهرت ببطولتها في واقعة المناخور، كما يذكر في الهامش بأن الذي «اشترك مع إبنها في قتل السيد أحمد الرشدي (الرشتي) كل من الحاج حسن شهيب وسلمان الصائغ وأحد أفراد أسرة الفتوني وجماعة آخرين حتى أنهم قتلوا خادمه (فليّح) في الصحن بعد مقتل سيده».

وقيل أن الشاعر الشيخ محمد بن الشاعر الشيخ فليح الذي كان ملازماً للسيد أحمد الرشتي قد قتل في نفس الحادث.

بعد مقتل السيد أحمد رثاه الشعراء ومنهم الشاعر الشيخ كاظم الهر حيث قال:

إذا لم أمت حزنا لشمس سما***الفخر فوا العصر أني ماحييت لفي خسر

وفي العيدان فاضت سحائب مقلتي***فها هي لم تبرح مدامعها تجري

وكيف هلال العيد يبزغ بعدما***توارى هلال المجد من ظلمة القبر

استخلف السيد أحمد رحمه الله نجله الأديب العلامة السيد قاسم الذي أصبح من وجهاء مدينة كربلاء، وأحفاده اليوم يلقبون بآل الرشدي، لايزالون في كربلاء ولهم مكانة جيدة فيها. الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء

مذبحة العجم أو (وقعة الزهاوي)

مذبحة العجم (1)أو (وقعة الزهاوي)

في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي بدأت بريطانيا بل وقبل هذا الوقت بتكريس إهتمامها نحو العراق، الذي كان حينها خاضعاً تحت سلطة الدولة العثمانية منذ عدة قرون. وبدأ الإنكليز بإرسال بعثات ومستشرقين إلى العراق لدراسة أحواله وجمع المعلومات عنه، كما أسسوا شركات ملاحة نهرية وبحرية، ومؤسسات تجارية أخرى ظاهرها تجاري وباطنها سياسي وعسكري كانت تعد العدة ليكون لها موقع مؤثر ومهم في هذا البلد الغني بثرواته وتأريخه من جهة، ولموقعه الجغرافي المهم جداً والرابط بين مستعمراتها في جنوب شرق آسيا وخاصة في الهند التي كانت تُعتبر أكبر مستعمراتها، مع بلدان الشرق الأوسط والوصول عن طريقه بسهولة لربط هذه المناطق بالبحر المتوسط ثم اوربا.

عقدت بريطانيا مع الدولة العثمانية بعض المعاهدات عن طريق سفارتها في بغداد وفتحت لها قنصليات في مدن عديدة في العراق، وعيّنت لها قناصل إنكليز أو نواب قناصل يديرون مصالحها في المدن العراقية وفي سفارتها في بغداد وقنصلياتها المنتشرة في مدن عراقية عدة، كان التخطيط يجري على قدم وساق للتهيئة على أن يكون العراق إحدى مستعمراتها المستقبلية.

ولوحظ أكبر تدخل في الشأن السياسي العراقي عندما تدخلت بريطانيا ومعها روسيا وفرنسا بعد حدوث واقعة نجيب باشا في كربلاء والمذابح التي حصلت فيها من قبل الجيش العثماني على أثر ثورة الأهالي ضد الحكم التركي سنة 1258ه / 1842م كما ذكرنا الحادثة قبل قليل. وإشتركت بشكل فعّال في ترسيم الحدود بين الدولتين الإيرانية والعثمانية، وخاصة حدود العراق مع إيران.


1) يقصد العامة بالعجم، هم الإيرانيون، بينما لفظة الأعاجم تطلق عادة على الأجانب من غير العرب، من إيرانيين وهنود وأتراك وأوربيين وغيرهم.

في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلادي، كان لبريطانيا نفوذ كبير في العراق، ولها قنصلية (أو ما يعادلها) دبلوماسياً في كربلاء، وكان في السنوات الأولى من القرن العشرين نائباً للقنصل البريطاني في كربلاء هو (محمد حسن خان القندهاري) وهو إنكليزي مسلم ومن رعاياهم من الهنود.

والخلافات بين الدولة الإيرانية (وحينها كان يحكم القاجاريون) والدولة العثمانية مستمرة وطالما كانت حجج الدولة الإيرانية حول الزوار الإيرانيين، وإعتراضها على الدولة العثمانية بحجة أن رعاياها يلاقون معاملة قاسية وسيئة وتُفرض عليهم ضرائب كبيرة، ويُمْنَعون من البقاء لمدة طويلة في مدن العتبات المقدسة. حيث كانت السلطات العثمانية وبأوامر من دولتهم ترفض إقامة الإيرانيين مدداً طويلة، حتى لا يستوطنوا مدن العتبات وخاصة كربلاء والنجف.

إضافة لذلك كان سكان المدينة العرب لا يرغبون بتزايد أعداد المقيمين وغيرهم من الأجانب في مدينتهم لضيقها أولاً وعدم إستيعاب أعداد كبيرة منهم عدا الزائرين الذين يفدون لمدة قصيرة لزيارة مرقد الحسين(علیه السلام). ولا ننسى بأن خطة الدولة الصفوية خططت لزرع الايرانيين في كربلاء وغيرها من المدن المقدسة للشيعة لغرض السيطرة والنفوذ وبدوافع مذهبية أيضاً، كذلك فعلت الحكومات القاجارية المتعاقبة.

وطالما تضايق أهالي كربلاء الأصليون من الإيرانيين الذين سكنوا المدينة وأخذوا يتدخلون بشؤونها وخاصة من رجال الدين الإيرانيين الذين يحترمهم أهالي المدينة، ولكنهم لم يقبلوا أن يتصدروا مواقع فيها ويكونوا هم أصحاب الشأن. أو من الذين بدأوا يرتزقون فيها على حساب أصحاب المهن والمصالح العرب من سكانها الذين بدأوا يشعرون بتزايد أعدادهم في كربلاء مما يؤثر ذلك على طبيعة مجتمعهم العشائري والمناطقي ، وعلى عاداتهم وتقاليدهم العربية، وحتى على لغتهم العربية من خلال تعاطى المفردات الفارسية بكثرة فيها .

حتى أن الوالي المصلح مدحت باشا عندما زار كربلاء سنة 1869م وشهد تضايق المدينة بسكانها المحصورين داخل سورها كانت من ضمن إصلاحاته هو

إنشاء محلة جديدة جنوب المدينة القديمة سمّيت بالعباسية، وكان الإيرانيون المقيمون في المدينة القديمة هم الذين سكنوا هذه المحلة الجديدة وفق ما أوردته المصادر.

وهنا إستغل الإنكليز هذا الموقف كلّه، وبدأوا يحرضون على إيقاد الصراع بين الدولتين الإيرانية والعثمانية، ولأن نظرتهم نحو مستقبلهم في العراق وإستعماره وهو بيد الأتراك وقتئذ، فقد مالوا نحو الإيرانيين وبدأوا يساندونهم ضد العثمانيين.

ففي منتصف سنة 1324 ه / 1906م، فرضت الحكومة المحلية في كربلاء والتابعة للدولة العثمانية ضرائب خاصة على الوافدين من إيران وعلى الجالية الإيرانية الساكنة في المدينة. فأعلن الإيرانيون الساكنون في المدينة ومعهم قسم كبير من الزوار الأيرانيين عن إحتجاجهم على تلك الضرائب وتذمرهم منها ... وكان يشجعهم على هذا الإحتجاج (محمد حسن خان القندهاري) نائب القنصل البريطاني في كربلاء.

تجمع الإيرانيون المحتجون (1)بالقرب من دار القنصلية وهم في حالة (الإلتجاء) على غرار ما حدث في ايران في ذلك العام، حيث كانت إيران وقتها تعاني من أحداث (المشروطية) وهي حركة المطالبة بالدستور، عندما إلتجأ أهل (البازار) في طهران إلى المفوضية البريطانية ينشدون معونتها، وحين وجدوا منها تشجيعاً إلتجأوا إليها وخيّموا في حديقتها الواقعة في ضاحية (قولهك)، وهناك أخذ عددهم يزداد يوماً بعد يوم، وأعلنوا أنهم لن يرجعوا إلى فتح دكاكينهم حتى تجاب مطاليب الملتجئين. فإضطر الشاه للرضوخ لإرادة الناس.

فالإيرانيون في كربلاء قاموا بنفس (الإلتجاء) إلى القنصلية الإنكليزية عندما وجدوا نائب القنصل يشجعهم على هذا الإحتجاج والتذمر ويقف بجانبهم ويمنيهم بتحقيق مطالبهم، فتجمعوا قرب مسجد ميرزا كريم الشيرازي في محلة العباسية قرب القنصلية البريطانية في كربلاء، وقاموا بفرش الأرض بالبسط والسجاد ونصبوا الطاولات ليضعوا عليها (السماورات) وأباريق الشاي والصحون والأقداح في الشارع وعلّقوا خياماً على الجدران ليستظلوا بها من أشعة الشمس، ونصبوا ستة خيام


1) لم يكن الزوار وحدهم هم المعتصمون بل الأكثرية منهم كانوا من المقيمين في المدينة وهم الأساس.

أخرى في نفس الشارع وإستمروا على ذلك أكثر من خمسين يوماً يأكلون وينامون في مكانهم لا يتحولون عنه حتى سدوا الطريق على المارّة.

حاول متصرف كربلاء حينها (رشيد بك الزهاوي) (1)إقناع المعتصمين بالتفرق ولكن محاولته لم تجد نفعاً أمام إصرار المعتصمين بتنفيذ مطاليبهم والتي ليس الضرائب المفروضة فقط بل منع السلطات من منح الإقامات الشبه دائمية، ومزاولة العمل في بلد ليس بلدهم...

كما قام بمحاولة أخرى بتوسيط بعض العلماء ورجال الدين والسادة الأشراف، فقام هؤلاء بإلقاء الخطب عليهم ودعوهم لإنهاء إعتصامهم هذا والعودة الى ممارسة أعمالهم، لكن الملتجئين لم يعيروهم أي اهتمام، كما بعث المرزا حسين الخليلي والسيد كاظم اليزدي إليهم رُسلاً من النجف ينصحونهم فلم يستمع أحد لهم. هذا الإصرار كان سببه وعداً من القواص (الفرّاش) في القنصلية وهو رجل إيراني إسمه (شفيق) كان يؤملهم عن لسان نائب القنصل البريطاني بإعطائهم (باسبورت) جواز سفر بريطاني وقبولهم أتباع لبريطانيا.

وأخيراً إضطر المتصرف أن يرسل إليهم مدير الشرطة لينذرهم، فقابلوا المدير بالإستهزاء وكأنهم كانوا واثقين أن الحكومة في العراق كحكومة إيران لا تستطيع أن تنتهك حرمة (الإلتجاء) أو لعلهم ظنّوا أن بريطانيا العظمى كلها تقف معهم(2).

وبعدها وجهت إليهم الحكومة ثلاثة إنذارات متعاقبة، كان الأول لمدة اسبوع والثاني لمدة أربع وعشرين ساعة والثالث ست ساعات. وكانت مدة الإنذار الثالث تنتهي عند منتصف ليلة 21/20 رمضان سنة 1324ه الموافق 10 تشرين الثاني سنة 1906م ، لكن المعتصمين لم ينسحبوا من مكان الإحتجاج رغم تدخل العشائر العربية من السادة العلويين وغيرهم من العشائر العربية غير العلوية وحثهم على إنهاء الإعتصام... فأحاط الجنود العثمانيون بالمعتصمين وفتحوا عليهم النار من بنادقهم


1) رشيد بك الزهاوي إستلم منصب متصرف كربلاء بالوكالة في 2 رمضان 1324ه /1906م وبقي في منصبه لغاية 27 ذي القعدة سنة 1324ه ، أي أنه بقي في كربلاء قرابة ثلاثة أشهر. وحل مكانه مصطفى ذهني باشا.

2) لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث د. علي الوردي، ج 3 ص 125 - ص 126 .

وأخذ الرصاص مأخذه منهم، وقد قتل في ذلك اليوم (70) من المعتصمين ووقع عدد كبير من الجرحى وهرب الباقون(1)

وميرزا حسين القندرجي وهدهد الحمال (العربنجي) وباقر أبو المحلبي... وغيرهم.

.

كان أحد رجال الدين المعروفين في كربلاء وإسمه السيد علي الشهرستاني وهو إيراني الأصل (2)قد أخذ على عاتقه التدخل في الموضوع وذهب إلى القنصل البريطاني في بغداد ليخبره بما جرى في كربلاء، وعندها وصل خبراء أرسلهم القنصل البريطاني في بغداد للتحقيق في الحادث (3).

وعند ثبوت حدوث المجزرة بحق المعتصمين، فقد تحمّلها والي بغداد (مجيد بك) بإعتباره ممثل الدولة العثمانية، فقررت الحكومة العثمانية عزله عن منصبه وعينت (أبو بكر حازم بك) والياً جديداً لبغداد.

وعن تحمل الوالي المسؤولية فإن البعض يذكر بأن الأوامر بفتح النار جاءت منه إلى المتصرف الزهاوي، والأخير طبق التعليمات بعد أن إستخدم كافة الوسائل لمنع وقوع حصول المجزرة إلا أن المعتصمين رفضوا الإنصياع.

لابد من ذكر موضوع لم يُشِر إليه أحد، هو أن بداية إلتجاء الإيرانيين إلى القنصلية البريطانية في كربلاء كان المتصرف وقتئذ هو (يحيى توفيق باشا) الذي تسلّم متصرفية كربلاء بداية عام 1324ه، وعندما فرضت الدولة الضرائب ومنعت إقامة الإيرانيين لمدة طويلة في كربلاء، لم يتمكن هذا المتصرف أن ينقذ الأمر الصادر له من والي بغداد، وإثناء وجوده بدأ إلتجاء المقيمين الإيرانيين عند القنصلية البريطانية، وبقي الملتجؤون شهراً ويومين لم يتمكن المتصرف من إيجاد حل للموضوع فإضطر الوالي في بغداد إلى عزله وتعيين رشيد بك الزهاوي متصرفاً لكربلاء بالوكالة وهو


1) ذكر السيد إبراهيم القزويني في مذكراته الخطية أسماء بعض القتلى الإيرانيين وهم: قربان القندرجي ومشهدي تقي البقال في الجاجين (منطقة في محلة باب السلالمة) وحسون البقال في طاق الزعفراني وسيد محمد الشيرازي القناط (شكرجي) وحسين كبابي وحسين سبزي وصانع حاج رضا القندرجي

2) لابد لهذا الرجل علاقة قوية بالإنكليز، لأن لهم أعوان كثر ينفذون ما يطلب منهم.

3) لا يستبعد بان هناك تعاون وثيق كان يومها بين القنصل البريطاني والقنصل الإيراني في بغداد، وإلا ما علاقة الإنكليز بالتحريض على العصيان أولاً، ومن ثم إرسال لجنة للتحقيق في الحادث؟!!.

المعروف بحزمه وحنكته ليتولى إنهاء التمرد والإلتجاء هذا، فقد إستعمل خلال ثمانية عشر يوماً مختلف الوسائل لإقناع الملتجئين مما إضطره أخيراً إلى إتخاذ إجراء حازم ويمكن أن يكون بأمر من الوالي وحدث ما حدث كما ذكرنا آنفاً.

والغريب في الأمر أن الجنود عندما فتحوا النار على المتجمعين لاذ هؤلاء بمبنى القنصلية البريطانية، فوجدوا أبوابها موصدة وتركوهم يواجهون مصيرهم كأنهم لم يشجّعوا أحداً على العصيان والتمرد والإلتجاء !!!

كربلاء في أيام احتلال الإنكليز للبصرة

كانت العلاقة بين الكربلائيين والأتراك على غير ما يرام، والحوادث والوقائع التي شهدتها المدينة تؤكد رفض الأهالي للحكم العثماني، وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى التي دخلتها الدولة العثمانية بجانب ألمانيا ضد الحلفاء وإستدعت رعاياها للتجنيد. رفض غالبية الكربلائيين المشمولين بالتجنيد الإلتحاق بالخدمة العسكرية مما دعا بالسلطات الحكومية أن تقف موقف المتشدد، وإستعملت كافة وسائل الضغط والقوّة ضد المتخلفين عن التجنيد، وقد واجههم الأهالي بمزيد من التصلب ورفض الإلتحاق في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

في نفس الوقت كانت بريطانيا وعملاؤها المنتشرون في المدن العراقية ومنها كربلاء التي توجد فيها قنصلية بريطانية تبث الإشاعات ضد الأتراك وتؤلب السكان على الحكومة العثمانية.

كان الإنكليز يعدّون العدّة لغزو العراق وإحتلاله، لوجود مصالح إقتصادية لهم. إزدادت أهمية العراق الإقتصادية في نظر العالم بما فيه (بريطانيا) عندما إكتشفت منابع غزيرة للنفط في ولايتي الموصل وبغداد.

كما أن تقرير (وليم ولكوكس) عن مشاريع الري في العراق وما ينتج عن إنجازها من مستقبل زراعي ،زاهر، كان قد جلب الإنتباه لأهمية العراق الإقتصادية في المستقبل، حيث كتب ولكوكس عام 1909 تقريره وهو يبشّر العثمانيين بفيض الرخاء كالأنهار ، وإذا نفّذت الحكومة ما أشار به في تقريره من أعمال الري وأنفقت مليونين ومئتي ألف جنيه لمد سكة حديد من بغداد إلى دمشق، عادت بلاد ما بين النهرين إلى سابق عزّها ومجدها ...

كما كانت للإنكليز مصالح سياسية وضرورات عسكرية لحفظ مصالح

بريطانيا في الشرق وخاصة الهند. بعد إدراكهم بمحاولات (الألمان والروس) (1)

وكانت بريطانيا قد عقدت إتفاقاً سريا سنة 1898 مع (مبارك) شيخ الكويت، تعهد هذا بموجبه أن لا يؤجر أرضاً أو يمنح إمتيازاً لأي أحد إلّا بموافقة بريطانيا !! رغم أن الكويت في ذلك الوقت كانت قائمقامية تابعة للبصرة . كما لم يكن للكويت أية صفة دولية حتى يصح التعاقد مع الشيخ مبارك على إعتبار خضوع الكويت لسيادة السلطان العثماني . ولكن خوف بريطانيا من أن تصبح الكويت (ميناءاً لروسيا) أو نهاية لخط سكة الحديد . وبهذا الإتفاق وثقت بريطانيا علاقاتها مع أمير الكويت.

الحصول على قواعد لهم في نهاية الخليج العربي الشمالية.

أما المطامع الإقليمية لبريطانيا فكانت رغبتها بإقتطاع القسم الجنوبي من العراق وربطه بالهند. وكان لبريطانيا مخطط لإحتلال الفاو والبصرة منذ عام 1912م وقبل الحرب العالمية الأولى، حيث أقرّت ذلك لجنة مؤلفة لهذا الغرض في 15 كانون الأول 1912 من أجل تعزيز مركز بريطانيا في بلاد العرب التركية أمام الموقف العدائي الذي كان يبديه الأتراك إتجاه الإنكليز.

ومن الأسباب المهمة لرغبة بريطانيا بإحتلال العراق هو إنضمام تركيا إلى ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وكان احتلال البصرة كما يدعي الإنكليز هو لحماية المصالح البريطانية وتأييد أصدقائها في رأس الخليج العربي وخاصة شيخي الكويت والمحمّرة ، بالإضافة إلى أن بريطانيا كانت تعتقد أن صداقتها مع ابن سعود مهددة إلى حد ما بالخطر.

وخشية بريطانيا من أن يستولي الأتراك على نهاية الخليج العربي بعد علمها بأن ممثلي الأتراك وممثلي الألمان قد ذهبوا إلى إيران ليثيروا شعور الإيرانيين ضد بريطانيا، وحتى شيخ المحمرة كان هدفاً لتأثير الأتراك والألمان.

ولدخول بريطانيا الحرب العالمية الأولى مع الحلفاء ضد تركيا وألمانيا، فكانت تتخوف من إعلان الجهاد ضدها، وإذا ما أعلن الجهاد في بلاد العرب فسيصل ذلك إلى مسلمي الهند لإثارة حفيظتهم ضد الإنكليز.


1) حصلت ألمانيا سنة 1899م على إمتياز من الدولة العثمانية على إنشاء سكة حديد برلين – بغداد، ومن بغداد إلى سواحل الخليج العربي. وأن ألمانيا كانت لها الرغبة في التوسع سياسياً وإقتصادياً بحيث أسست شركة (ونكهاوز) للأعمال التجارية في جنوب العراق وشمال الخليج العربي، وفتحت قنصلية لها في (بندر بوشهر) رغم أن رعاياها فيه لا يزيدون عن ستة أشخاص. وعلى ذلك فقد كانت إنكلترا تراقب هذه الفعاليات بقلق شديد.

كان دعاة الجهاد في إيران قد قاموا بفعاليات إضطر على إثرها قناصل روسيا وإنكلترا لترك مراكزهم، كما طالب الدعاة دولتهم على دخول الحرب إلى جانب ألمانيا وتركيا.

وفي نفس الأثناء أرسلت بعثة تركية – ألمانية مشتركة إلى أمير الأفغان يطالبونه بدخول الحرب إلى جانبهم ومهاجمة الهند، ولكنه كان متردداً رغم ضغوط دعاة الجهاد من الأفغان عليه.

كما أن حركة الجهاد في جزيرة العرب كان تأثيرها ضئيلاً ولكنهم خلقوا لبريطانيا بعض المتاعب. أما في العراق فقد أسفرت حركة الجهاد عن بعض النجاح(1).

تلك كانت أهم الأسباب التي دفعت الإنكليز إلى القيام بحملتهم العسكرية لإحتلال البصرة بقيادة الجنرال (دبليو. س. دلامين)، وقد صحب الحملة (السربرسي كوكس) كأكبر ضابط سياسي والذي كان له شأن إثناء احتلال الإنكليز للعراق فيما بعد.

إستولى الإنكليز على (الفاو) في 7 تشرين الثاني 1914 بسهولة، وتقدم قائد الحملة بجيشه عبر النهر نحو (عبادان) لحماية المنشآت النفطية. كل ذلك حدث بدون مقاومة من الأتراك، بل أن القائد التركي في البصرة لم يكن على علم بما حدث إلا من خلال بعض الموظفين الذين فروا إلى البصرة، وذلك بأن الأتراك لم يستعدّوا للطوارئ مما يدل على ضعف منظومة الإستخبارات ودوائرهم العسكرية.

نشبت معارك بين الأتراك والإنكليز تمكن بعدها الإنكليز من احتلال البصرة في 22 تشرين الثاني 1914، وبدخولهم البصرة فقد سيطروا على مدخل الخليج العربي بإحتلالهم ثغر العراق الوحيد.

أذاع السر برسي كوكس بياناً على السكان قال فيه: «إحتل الإنكليز البصرة، ومع هذا فليس لنا عداء مع السكان وإني أعدكم بمستقبل ملؤه الحرية والعدالة»!!، ثم قال: إن الحكومة البريطانية لم تكن في حرب مع سكان ضفاف النهر العرب (يقصد بالنهر شط العرب)، طالما إبتعدوا عن القيام بأعمال عدوانية، وإن عداء الأتراك إضطر بريطانيا لإتخاذ هذه الخطوة لتحمي أصدقاءها وتحفظ مصالحها».


1) الثورة العراقية الكبرى سنة 1920/الدكتور عبدالله فياض - ص 143 - ص 147، ط 2 بغداد 1975.

ثم تقدم الإنكليز وإحتلوا (القرنة) وسهّل عليهم ذلك إستعمال شط العرب للملاحة. وبعد شهرين تقريباً من احتلال البصرة والقرنة، أعاد الأتراك تنظيم قواتهم النظامية في العراق وأوكلوا قيادتها إلى (سليمان عسكري بك)، وعملوا ما بوسعهم لكسب تأييد العراقيين لهم في حربهم مع الإنكليز وذلك عن طريق إعلان الجهاد المقدس فكان لهم ما أرادوا(1).

بهذه المقدمة السريعة التي نجدها ضرورية في هذا البحث فقد كان لدخول الإنكليز وإحتلال البصرة تأثيراً كبيراً على الناس في كربلاء شأنها شأن بقية مدن ،العراق، لأن الإنكليز غير مسلمين، وأن الأهالي كانت لديهم معلومات وافرة عن إستعمار الإنكليز للهند من خلال الأعداد الكبيرة من الهنود المقيمين في كربلاء.

على الرغم من عداء السكان للأتراك ولكن التأثير الديني يمنع تأييد حكم غير المسلم وخاصة بعد أن توضحت نوايا الإنكليز بالتوجه نحو بغداد لإحتلالها، وإذا ما تم ذلك فإن العراق برمته سيكون خاضعاً لحكم جديد غير مسلم وهذا ما يرفضه الجميع عدا العملاء، مهما كانت الوعود والمسببات.

بعد احتلال البصرة كان المواطنون من مختلف مناطق العراق قد إستنجدوا برجال الدين في العتبات المقدسة يطلبون منهم النهوض والإعلان بالجهاد المقدس والنفير العام لمقاومة الجيش البريطاني، وفيما يلي نموذج نص إحدى البرقيات:

«ثغر البصرة، الكفار محيطون به الجميع تحت السلاح، نخشى على باقي بلاد الإسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع»(2).

أفتى معظم علماء العصر بوجوب الجهاد لدفع الضرر عن المسلمين، ورأوا أن تعزيز موقف العثمانيين المسلمين تجاه الإنكليز غير المسلمين أمر لا مناص منه حسبما تقتضيه أحكام الشريعة الإسلامية.

كانت مدن كربلاء والنجف والكاظمية قد شكّلت المراكز القيادية لحركة الجهاد ضد الإنكليز، وذلك لكونها مدن العتبات المقدسة ومقرات المرجعيات


1) المصدر السابق/ص149.

2) وثائق الثورة العراقية الكبرى / كامل سلمان الجبوري - ج 1ص22.

الدينية الشيعية، ويتواجد فيها العلماء الأعلام الذين أصدروا فتاواهم بالجهاد، لذلك أصبحت هذه المدن تجمعاً لإنطلاق المجاهدين منها إلى جبهة القتال.

فقد أفتى المرجع الكبير الشيخ مهدي الخالصي في الكاظمية بالجهاد ونشر رسالة عنوانها «الحسام البتار في جهاد الكفار» ، كما أفتى المرجع الديني السيد محمد كاظم اليزدي بالجهاد ضد الإنكليز، وأرسل ولده (محمد) لإستنهاض العشائر الفراتية كما أرسله إلى جبهة القتال. وأفتى الكثير من العلماء بالجهاد ومنهم شيخ الشريعة فتح الله الإصفهاني والشيخ محمد تقي الشيرازي كان وقتها في سامراء قبل مجيئه إلى كربلاء) والسيد محمد سعيد الحبوبي والسيد إسماعيل الصدر وآخرين.

«ولم يكتف العلماء بالفتيا فقط بل خاضوا تلك المعامع بأنفسهم ووقفوا وقوف الأبطال وأبلوا بلاء حسناً وكان أشدهم جهاداً وأكثر هم صبراً وجلاداً المرحوم السيد محمد سعيد الحبوبي(1)، فإنه قاد جيشاً جراراً إلى جبهة الشعيبة) منظما من مجاهدين متطوعين ومسوقين قسراً قد شملتهم الجندية، وكذلك العلامة الشهير شيخ الشريعة، والعلامة السيد علي الداماد، فإن لهما مواقف مشهورة في حرب (القرنة) وما بعدها»(2).

كما أن الإمام مهدي الحيدري كان من بين العلماء الذين إلتحقوا بساحات الجهاد في (العمارة). وقد أسفرت الدعوة للجهاد عن تجمع مابين 10 – 15 ألف مقاتل من أهالي المدن والعشائر بينهم 1500 من الأكراد. وقد توجه هؤلاء لمقاتلة الإنكليز في الشعيبة قرب البصرة.

كانت الحكومة العثمانية قد سعت جاهدة وراء الدعوة للجهاد بحيث أرسلت مندوبين عنها إلى العلماء للغرض المذكور ، وبالرغم من أن هدف ساسة العثمانيين من


1) السيد الحبوبي رحمه الله أنفق أموالاً طائلة لغرض الجهاد، وعن أحد المرافقين للحبوبي ذكر بأن نفقات الحبوبي على الحملة كانت كبيرة إلى حد أنه إضطر إلى رهن أملاكه الخاصة لينفق منها على المجاهدين. وأن متصرف الناصرية كلف أحدهم بأن يسلم الحبوبي ألف ليرة ذهبية وسيكون مثلها إسبوعياً، ولكن الحبوبي رفض العرض قائلاً إن الجهاد بالمال والنفس، وعندما تمكن الإنكليز من صد هجمات المقاتلين وإنسحاب الأتراك من المعركة فقد رجع الحبوبي فيمن رجع بإتجاه مدينته النجف، ولكنه توفي في الناصرية حزناً وكمداً غيرة على بلده رحمه الله.

2) ماضي النجف وحاضرها / الشيخ جعفر الشيخ باقر محبوبة - ج 1 ص 341 ، طبعة النجف، 1958م.

وراء دعوة الجهاد كان سياسياً، نجد بعض الأعلام المجتهدين، مدفوعين بعقيدتهم الدينية يعيرون هذه الحركة إهتماماً كبيرا.

وفي مدينة كربلاء فقد كان للمرحوم العلامة السيد (إسماعيل الصدر) دور كبير في قيادة حملة الجهاد، فقد أفتى للجهاد كما أيد فتاوى بقية الأعلام ومعه كل من (محمد حسين الحائري المازندراني و (علي ابن الشيخ) ومهدي آل السيد حيدر الحسني الحسيني(1).

كانت مدينة كربلاء في مقدمة المدن العراقية التي إستجابت لحركة الجهاد التي قادها العلماء الأعلام. فقد عقد إجتماع كبير في صحن الإمام الحسين(علیه السلام) حضره كبار رجال الدين ووجهاء المدينة ورؤسائها وساداتها وجمع غفير من الأهالي.

وكان السيد إسماعيل الصدر في مقدمتهم حيث سار بالجماهير إلى الصحن الشريف، وألقى خطبة عصماء على الحاضرين في التجمع، وبعده ألقى المرحوم الشاعر والأديب الكربلائي الشيخ محمد حسن أبو المحاسن قصيدة حماسية ألهبت الشعور الوطني ومن أبياتها:

قوموا بواجب دينكم***إن القيام لكم قد وجب

إن تنصروا دين الهدى***فالنصر فيكم والغلب

إني نذير الإنكليز***فيومهم منّا إقترب

وتناهض الكربلائيون لتلبية نداء الواجب والجهاد وأكملوا تهيئتهم للإلتحاق بجهة القتال مع بقية المقاتلين، وتقدّم الكربلائيين المجاهدين سماحة المرحوم العلامة السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني «حيث أبلى بلاء حسناً وعاد مع آخر من عاد من جبهة القتال»(2). وكان هجوم المجاهدين على الإنكليز في الشعيبة قد بدأ في 4 نیسان 1915


1) وثائق الثورة العراقية الكبرى / ج 1 ص 26 .

2) الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920 / فريق المزهر آل فرعون - ج 1 ص 38 ، ط 19521.

وللقارئ نموذج من رسالة وردت في وثائق الثورة العراقية الكبرى (1) ج 1 ص 136 - ص 137 بعث بها المرحوم السيد هاشم (1)السيد حسين آل نصر الله إلى قريبه المرحوم الحاج عبد الأمير ابن الحاج صادق القاموسي، يخبره بتوجهه إلى ساحات الجهاد.

الصورة

318

رسالة من السيد هاشم السيد حسين آل نصر الله إلى الحاج عبد الأمير ابن الحاج صادق القاموسي، يخبره بتوجهه إلى ساحات الجهاد.


1) هو السيد هاشم بن حسين بن هاشم بن أحمد بن نصر الله بن موسى بن إبراهيم بن السيد نصر الله. من سادات كربلاء وإخوته كل من السادة ناصر وسلمان ورشيد أعقب السيد هاشم كل من السادة حسين وعباس ومحمد علي والدكتور صادق، وجميع أعقابه اليوم يسكنون بغداد.

هجوم عشائر بني حسن على كربلاء

في سنة 1333 ه / سنة 1915م شنت عشائر بني حسن هجوماً على مدينة كربلاء، وكانت عشائر بني حسن تعادي أهالي كربلاء ويبادلهم الأهالي نفس الشعور بسبب مشاركة عشائر بني حسن في الكثير من الأوقات مع الأتراك وعساكرهم ضد سكان المدينة.

ولأن سكان المدينة كانوا على الدوام مناوئين للحكم التركي (العثماني)، فإن الحكومة العثمانية لم تفعل شيئاً ضد هذا الهجوم. وقد يكون جرى أصلاً بعلمها وإستشارتها.

قام المهاجمون بإقتحام المدينة، وأحرقوا السراي ونهبوه، كما صال وجال فرسانهم ومشاتهم في دروب المدينة، وتصدى لهم الأهالي بقوة وبسالة، وبعدها إنسحبت عشائر بني حسن بعد أن خلقت الفوضى داخل المدينة، مما دعا بالأهالي إلى طرد الحكومة التركية فيها، وإتفق أعيان وشيوخ وسادات البلد على تصريف شؤون المدينة.

جاء ذكر هذه الحادثة في كتاب (المس بيل) بعد نقلها حوادث النجف في نيسان 1915 م حيث ذكرت ما نصه:

«وبعد شهر واحد، حزيران 1915 ، بدأت الفتن والنزاعات العلنية في كربلاء. ويبدو أن منشأها هجوماً شنته على البلدة قبيلة بني حسن المجاورة، التي كان بينها وبين سكان كربلاء عداء قديم لم تعمل الحكومة العثمانية شيئاً لتسكينه جرياً على سياسة فرّق تسُد التي كانت تلتجئ إليها. وفي هذه المناسبة لم تجن الحكومة شيئاً من المشاحنات التي ربما تكون قد إستثارتها هي بنفسها. لأن بني حسن أحرقوا السراي ونهبوه، ثم هبت الغوغاء وطردت الحكومة وتولى شيوخ البلد برئاسة أسرة آل كمونة تصريف شؤونه»(1).


1) فصول من تاريخ العراق القريب/المس بيل - ترجمة جعفر الخياط ص 29 ، طبع بیروت 1949م.

العصيان في كربلاء وتشكيل مجلس حكم إئتلافي محلّي

في عام 1333 ه / 1915م ، كان متصرف كربلاء حينذاك هو (سليمان ذهني بك) (1)وقائد الدرك هو (كامل أفندي السوري)، ورئيس بلدية كربلاء كان المرحوم السيد حسن بن محمد بن السيد حسن کنعان النقيب (آل دراج) وكالة. وأعضاء مجلس الإدارة هم: السيد محمد بن السيد حسين الوهاب والسيد عباس آل ضياء الدين والسيد جواد الصافي والشيخ محمد علي كمونه. أما أعضاء المجلس البلدي فهم: الشيخ علي القنبر والحاج حبيب أغا طابورغاسي والحاج سلمان الحاج حمد العويد.

ونتيجة الأحداث المتراكمة والعصيان في مدن الفرات الأوسط وخاصة في النجف بسبب طلب الأتراك بقوة للتجنيد، وزحف القوات الانكليزية من البصرة وتقدمها شمالاً، وحدوث فوضى ومشاكل داخل مدينة كربلاء لم تتمكن الحكومة المحلية من السيطرة على الأمور عند هجوم عشائر بني حسن. فقد إندلعت في كربلاء حركة عصيان ضد الحكومة رافقتها أعمال شغب وحالات غوغائية فشلت الحكومة المحلية من السيطرة عليها.

بعد نجاح النجف في عصيانها وذياع سيطها وسمعتها في الفرات الأوسط وإفتخار أهلها بما قاموا به، كانت كربلاء أول مدينة إقتدت بالنجف، وكان الفارون من الخدمة العسكرية (الجندية) هم الشرارة الأولى.

ففي مساء يوم 15 شعبان 1333 ه / الموافق ليوم 27 حزيران 1915 المصادف لزيارة النصف من شعبان التي يحتفل فيها المؤمنون بمولد الإمام صاحب الزمان(علیه السلام) ، قام الفارون من الجندية ومعهم الكثير من الأهالي بمهاجمة دار الحكومة


1) تسلم متصرفية كربلاء في محرم سنة 1332ه / 1914م وغادرها في شعبان سنة 1333ه / حزيران 1915م.

(السراي) وكان فيها نحو أربعين جندياً وقد آثروا الاستسلام بعد مناوشات قصيرة مع المهاجمين...

وعند هذا إنثال الغوغاء على دار البلدية ودائرة البريد والبرق والمدارس الرسمية وغيرها، فإنتهبوها وأضرموا النار فيها ، ثم أخرجوا السجناء من السراي. كما إنتهبوا المستشفى الحسيني وكان يعتبر من المستشفيات الجيدة في ذلك الوقت(1)وقد تم الفراغ من إنشائه في العام السابق للأحداث.

لم يقف الأمر عند هذا الحد بل هجم أفراد من العشائر على المحلة الجديدة، وهي المحلة (2)التي أنشأها مدحت باشا وكان يسكنها الإيرانيون في الغالب، فنهبوا فيها نحو مائتي ،بيت وإضطر سكان المحلة إلى هجرها والإنتقال إلى المحلات الأخرى في كربلاء(3).

ويصف الشيخ محمد رضا الشبيبي حادثة كربلاء هذه بشيء مقارب لما ذكرناه أعلاه ولكن كان له رأي فيه فيقول:

«ما تسامع العراقيون بحادثة النجف المتقدمة صاروا يتوقعون أمثالها في بقية المدن العراقية لإستعداد النفوس للشر، غير أن العثمانيين حكام العراق إضطروا إلى الإعراض عن تطلب البلط أي الفرار من الجندية وتساهلوا في أشياء غير ذلك، فأخلد الناس إلى السكينة لما رأوا من ضعف شأن الحكومة حتى أن أهل البلاد أصبحوا في الحقيقة حكام بلادهم، فلم يروا من حاجة إلى إبعاد العمال والمستخدمين اللهم إلا أهل كربلاء، فإنهم في أوائل ليلة 15 شعبان سنة 1333ه هاجموا دار الحكومة وناجزهم الدرك وبعض الجند قليلاً، ولم يكونوا أكثر من أربعين جندياً ثمّ سلّموا.


1) يقول المرحوم الشيخ محمد رضا الشبيبي في مذكراته وهو يتحدث عن العصيان في ص78 ما نصه: «ومن أهجن أفاعيل جُهّالهم تعرضهم للمستشفى البلدي وتشعيتهم إياه ونهبهم أدواته وأمتعته مما لا يكاد يفعله العدوّ ،بعدوّه، ولكن الجاهل عدوّ نفسه، وهذا المستشفى من أنفس المعاهد الحديثة النافعة في العراق وخصوصاً في كربلاء البلدة الموبوءة الفاسدة الهواء، وقد أنشأ على الطراز الحديث، خارج البلدة من جهة الجنوب الغربي، وأنفقت عليه أموال طائلة وكان الفراغ منه سنة 1332ه». والمستشفى الحسيني في كربلاء تم البدء ببناءه في العاشر من تموز سنة 1913م) (شهر شوال 1331ه-)!!.

2) هي محلة العباسية في كربلاء التى أنشأها مدحت باشا عام 1869م ، بتخطيط حضري جديد في وقته.

3) راجع لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث د. علي الوردي - ج 4 ص 226.

فأضرم الثائرون النار في دار الحكومة ودار البلدية ودوائر البرق والبريد وبعض المدارس السلطانية (الحكومية) كل ذلك تقليداً لأهل النجف دون أن يكون في البين باعث مشروع لإلقاح الفتنة.

ولذلك إستذل كلّ أهل العراق فعلة الكربلائيين هذه، وطعنوا من أجلها الطعن المر الذي أصبح أوباشهم أهلاً له. خصوصاً وقد شاع أنهم إرتكبوا ما لم يرتكبه النجفيون من المنكرات، وقد سلبوا النجفّيين أمتعتهم وأثاثاتهم وجميع ما يخصهم... إلى أن يقول: وعلى أثر الحادثة إنقطعت المواصلة بين كربلاء وبغداد، وعزل والي الولاية، وتحامل أهل السنّة في دار السلام على شيعتها بالكلام، وظهرت بوادر التدابر والتنابذ في وقت أكبر حاجتنا فيه التواصل والتوادد ودفن الأحقاد والأضغان»(1).

في اليوم الثاني من الحركة إختلف زعمائها على اقتسام المنهوبات، فجرى بينهم قتال في صحن الإمام الحسين سقط فيه قتلى وجرحى.

كان محمد علي كمونة وأخوه فخري قد تزعما هذا العصيان، ويقال بأن محمد علي كمونة كان العقل المدبر للعصيان بينما كان أخوه فخري يقود المجاميع التي كانت تهاجم بنايات الدولة والتصدي للجندرمة وإصدار الأوامر بالسلب والنهب.

إضطر المتصرف إلى الإنسحاب من المدينة ومعه الموظفين الأتراك وأخذوا معهم الملفات الرسمية وغادروا كربلاء. وأصبحت المدينة بدون حكومة وخالية من العسكر والشرطة، حيث تبين للأهالي سقوط الحكومة التركية.

على ضوء هذه الأحداث المؤسفة والفراغ الأمني الذي حصل في كربلاء بغياب سلطة الدولة، بادر السادة الأشراف ورؤساء ووجهاء مدينة كربلاء بعقد إجتماع في الصحن الحسيني الشريف بعد يومين من إعلان العصيان، وذلك للسيطرة على الموقف، وقرروا تشكيل مجلس يدير المدينة مؤقتاً، وأطلقوا عليه إسم (مجلس الحكم الإئتلافي المحلي) ويتكوّن من خمس عشرة شخصية من أبناء كربلاء لإدارة شؤون المدينة وهم:

السيد عبد الحسين السيد علي آل طعمة الكليدار (سادن الإمام الحسين).


1) مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي ورحلاته ص78وص79.

الحاج عبد المهدي صالح حبيب الحافظ.

السيد محمد مهدي بحر العلوم.

السيد محسن السيد علي الطويل آل نصر الله.

السيد سعيد السيد مصطفى الشروفي.

السيد عبد الوهاب السيد عبد الرزاق السيد وهاب آل طعمة.

السيد جواد آل الصافي.

السيد كمال الدين السيد جعفر آل ثابت.

السيد محسن السيد عباس النقيب آل دراج.

السيد يوسف السيد علي الرئيس آل الوهاب.

الشيخ محمد علي كمونة.

الحاج حسن شهيّب آل معلة.

الحاج مسربت جار الله طعمة العيد السعدي.

الحاج رشيد مسرهد المسعودي.

السيد قاسم السيد أحمد الرشدي.

ترأس المجلس السيد عبد الحسين الكليدار، وأقرّ المجلس تعيين الشيخ طليفح الحسون الحسن رئيس (النصاروة) أمراً للانضباط في المدينة. كما أقرّ إستمرار السيد حسن السيد محمد النقيب برئاسة البلدية.

ومنذ سقوط كربلاء بيد الثائرين في 15 شعبان وإنسحاب الحكومة منها، كانت حكومة بغداد (1)رغم إنشغالها بالحرب ضد الإنكليز الذين بدأوا يتقدمون من البصرة نحو بغداد لم تترك الوضع المرتبك في كربلاء على ما هو عليه، بل أخذت ترسل البعوث والجنود إلى المسيب حيث يتجمعون ، فأقلق ذلك الأمر أهلها، بالإضافة إلى إنتشار حمى الملاريا في كربلاء والتي مات بسببها الكثير، مع كل ذلك فإن الحكومة


1) كان والي بغداد عند حدوث العصيان في كربلاء هو سليمان نظيف بك، وبعد العصيان بيومين أي في 17 شعبان 1333 ه صدر الأمر بعزله وغادر بغداد في 24 ،شعبان، وتم تعيين نور الدين بك بدلاً عنه وتم تحديد السلطتين الإدارية والعسكرية وإناطتها ، به فأصبح هو الوالي والقائد العام للجيوش في العراق. وهو الذي اتخذ الإجراءات بعد التفاوض والوساطات بإعادت سلطة الحكومة في كربلاء.

إرتأت أن تعالج الأمر بحكمة، وتبتعد عن إستعمال القوة لإخضاع المدينة، كما أن المجلس الذي تم تشكيله يضم شخصيات المدينة، بحيث تمكنوا من السيطرة على الوضع الأمني فيها لحين إيجاد الحل المناسب مع الحكومة.

توسط العلماء والوجهاء لدى الحكومة، وقام الوجيه نائب كربلاء في مجلس المبعوثان المرحوم عبد المهدي الحافظ (1)

برز حفيده المرحوم الحاج عبد المهدي بن صالح بن حبيب الحافظ، الذي كان من ساسة المدينة وأصبح عضوا في مجلس المبعوثان في اسطنبول ممثلا عن مدينة كربلاء . وهو من مؤسسي فرع حزب الاتحاد والترقي في كربلاء . وعيّن سنة 1321ه /1904م رئيساً لبلدية كربلاء وكالة لمدة سنة، وبعدها أصالة إلى سنة 1324ه / 1907م ، حيث عين نائباً عن كربلاء في مجلس المبعوثان .كان المرحوم عبد المهدي الحافظ أديباً وشاعرا إضافة لكونه سياسياً، ويتقن عدة لغات، وتوفي رحمه الله سنة 1334ه / 1915م . ومن أحفاده اليوم في كربلاء الأستاذ الحاج عامر محمد صالح عبد المهدي الحافظ، الذي شغل منصب مدير مصرف الرشيد في كربلاء شقيق المرحوم التربوي الأستاذ الحاج هادي الحافظ.

بدور الوسيط .

فوافقت الحكومة على إصدار العفو العام شرط أن يتم إعادة ما يمكن إعادته من المنهوبات، وبناء ما نقض وأحرق من دور الحكومة. وفي 16 رمضان أي بعد شهر من العصيان جاء خمسون جندياً من المسيب صحبة الحاج عبد المهدي الحافظ ومعهم وكيلاً للمتصرف وعدداً من الجندرمة والموظفين.

بقي هذا المجلس يدير شؤون المدينة لفترة لم تدم سوى أربعين يوماً، من 17 شعبان 1333ه إلى يوم 27 رمضان 1333 ه الموافق 22 حزيران 1915م إلى يوم 1 آب 1915م، وذلك بسبب حصول الإتفاق مع الحكومة في بغداد بعودة سلطتها على المدينة، وتم تعيين (محمود جلال الدين بك بابان) متصرفاً لكربلاء الذي لم يدم وجوده في كربلاء سوى مدة قصيرة، فقد نقل من كربلاء وتم تعيين متصرف جديد وهو (حمزة بك) وكان كردي الأصل(2).


1) المرحوم الحاج عبد المهدي الحافظ :هو : عبد المهدي بن صالح بن حبيب بن حافظ بن رويعي الخفاجي. كان جده المرحوم حافظ بن رويعي قد ارتحل إلى كربلاء في القرن الثالث عشر الهجري من مدينة (الشطرة) وأعقب ثلاثة أولاد هم سالم وشبيب وحبيب. اشتهر منهم في كربلاء المرحوم حبيب الحافظ، والذي اصبح من سراتها ومن الملاكين والأثرياء في المدينة. وكانت له مبرات كثيرة لخدمة اهالي المدينة وزائري مرقد الإمام الحسين(علیه السلام).

2) في الحقيقة أن حكومة بغداد عندما إستجابت للوساطات، فقد أرسلت شخصاً ليكون وكيلاً للمتصرف بشكل مؤقت، وهو الذي رافق الحاج عبد المهدي الحافظ، ومن ثم عيّنت محمود جلال بابان متصرفاً، وعندما هدأت الأمور بعد شهرين تقريباً إرتأت تعيين متصرف شديد ذو حنكة وهو حمزة بك ليتمكن من السيطرة على كربلاء، ولكنه أخذ يستعمل الشدّة والقسوة مما أدى إلى حدوث مشاكل جديدة في كربلاء نتجت عنها واقعة أليمة أخرى سيتم الحديث عنها لاحقاً.

تجمع في الصحن الحسيني الشريف لمناصرة الحكومة العثمانية ضد الإنكليز

عندما عادت الأمور إلى مجاريها في مدينة كربلاء بعد عودة سلطة الدولة فيها وإستلام المتصرف الجديد (حمزة بك) منصبه، كانت الدولة تولي جلّ إهتمامها نحو الحركات العسكرية ضد الاحتلال الإنكليزي الذي بدأ يتقدم من البصرة نحو بغداد، وقد وضعت الحكومة جميع إمكانياتها لهذا الغرض، وكانت بحاجة ماسة إلى وقوف عرب العراق معها في صد المحتلين.

وبالرغم من أن أهالي كربلاء لم يكونوا على وفاق مع الأتراك، إلّا أنهم كانوا لايقبلون بإحتلال الإنكليز لسبب واضح هو أن الدولة العثمانية هي دولة مسلمة، والإنكليز غير مسلمين. كما أن مواقف رجال الدين كان لها التأثير الواضح على الناس من خلال الفتاوى التي أصدروها ، بل وشاركوا أيضاً في القتال.

بعد أيام من تسلم المتصرف حمزة بك منصبه في كربلاء، إجتمع سادات المدينة وعلماؤها ورؤساء العشائر والمناطق وجمع كبير من الأهالي في صحن الحسين(علیه السلام) يتقدمهم العلامة المرحوم السيد إسماعيل الصدر(1)وحضر معهم المتصرف


1) هو المرحوم العلامة الكبير السيد إسماعيل بن السيد صدر الدين العاملي. ولد في أصفهان سنة 1258ه / 1842م حيث كان والده هناك. توفى والده وهو صغير فرعاه أخوه الأكبر، بدأ دراسته الدينية وتتلمذ على العلامة الشيخ محمد باقر بن محمد تقي الإصفهاني، وهاجر إلى النجف سنة 1281ه / 1864م ، وفيها تتلمذ عند أكابر العلماء منهم السيد المجدد الميرزا محمد حسن الشيرازي والشيخ راضي والشيخ مهدي كاشف الغطاء، وهاجر إلى سامراء ملتحقاً بأستاذه الميرزا محمد حسن الشيرازي وكان المقدم على الكل من قبل أستاذه، وبعد وفاة الشيرازي هاجر ومعه أكابر العلماء إلى كربلاء سنة 1314ه، فاستوطنها وإنتهت إليه المرجعية كانت له مواقف وطنية جليلة ضد الاحتلال الإنكليزي، وتوفي في الكاظمية سنة 1338ه / 1919م ودفن في حجرة في الرواق الشرقي في الروضة الكاظمية المقدسة، وأعقب أربعة أولاد هم العلامة السيد محمد مهدي والعلامة السيد صدر الدين والعلامة السيد محمد جواد والعلامة السيد حيدر

والموظفون وأدوا الزيارة لقبر الحسين(علیه السلام) وتناول سيفاً قدمه له السادن، وجرّده من غمده ورفعه أمام الحاضرين وطلب تسليمه إلى الوالي وقائد الجيوش العثمانية نور الدين بك بإعتبار أن السيف من الحسين(علیه السلام)، وسيد الشهداء يود مناصرة الحكومة العثمانية حامية الدين والأراضي المقدسة من الأعداء، ثم تلا دعاءاً بليغاً، فردد الحضور الهتافات الحماسية لنصرة المسلمين.

كان لهذا التجمع صداه الواسع داخل المدينة وخارجها، فقد نشرت جريدة (صدى الإسلام) في عددها الصادر في 16 ذي القعدة سنة 1333ه / 26 أيلول 1915م بياناً بعنوان (إحتفال عظيم في كربلاء) هذا نصه:

«إجتمع السادات والعلماء والموظفون والأشراف والأهلون في كربلاء يتقدمهم حضرة صدر العلماء السيد إسماعيل وهو من أجلّة المجتهدين وأفاضلهم، فسار بهم برفقة عطوفة متصرف اللواء إلى سيد الشهداء الإمام الحسين بن سيدنا علي المرتضى وحفيد الرسول الأعظم السعيد، فتقرب بحماس وشوق نحو المرقد المبارك وهناك تناول سيفاً مرصعاً تاريخياً من موقعه الخاص وكان محفوظاً ومعلقاً في القبة المباركة، وجرّده من غمده وأراه للحاضرين وقال: خذوا هذا السيف من حضرة سيد الشهداء وقبلوه وقدموه إلى حضرة القائد العام نور الدين بك أفندي المدافع الغيور عن الخطة العراقية التي تحتوي على هذه الروضة الطاهرة وكثير من العتبات المقدسة. فإن مولانا سيد الشهداء يود مناصرة الحكومة العثمانية حامية ديننا المبين ومطهرة هذه الأراضي المقدسة من أدران الأعداء.

أيها المسلمون هذا سيف الإسلام الصارم قد جُرّد من غمده. فثقوا بلطف الباري من أن النصر حليف الإسلام. وبعد أن تلا دعاءً بليغاً تألفت لجنة برئاسة جواد زين الدين أفندي مهمتها إيصال ذلك السيف البتار إلى دار الحرب وتسلّمه إلى حضرة

القائد المحترم نور الدين بك أفندي. وكانت المظاهرات بالغة مبلغاً عظيماً من الهياج الديني لا يوصف. وهذه المظاهرات التي هي بشائر القيام العام ضد العدو قد أثرت في الجيش تأثيراً كبيراً».

حمّى كربلاء ووباء الملاريا ونزول الثلج

يبدو أن إنهاء العصيان في كربلاء وإتمام الصلح بين الحكومة والثائرين في المدينة كان لمرض (حمى كربلاء) سبب مؤثر في ذلك، ففي الوقت الذي بدأ فيه العصيان كان هناك وباء بدأ بالإنتشار في المدينة، وأخذ يستفحل يوماً بعد يوم بشكل سريع، فإنشغل الناس به، حيث أن الوفيات بين الأهالي أظهرت قلقاً بالغاً على الكربلائيين الذين تركوا السياسة ومكائدها ومخاصمة الحكومة، وصاروا يفكرون بكيفية التخلص من هذا المرض الذي أخذ يحصد الأرواح بلا رحمة في وقت إنعدمت فيه الرعاية الصحية وشحة العقاقير الطبية وفقدان الأطباء وخراب المستشفى الكبير والوحيد في المدينة الذي تم حرقه ونهبه إثناء العصيان من قبل الجهلاء والغوغاء.

إن الوضع المتردي وإنعدام الخدمات وإنتشار المستنقعات حول المدينة القديمة وكثرة الحشرات ومنها البعوض الناقل للأمراض وعدم مكافحته، وإزدحام الناس داخل المدينة القديمة وكثرة الزائرين للعتبات فيها، كلها أسباب لأمراض الحميات، وبالرغم من فتك الحمّى بشكل ذريع بالأهالي الذي راح ضحيته ربع سكان المدينة تقريباً، فقد أصيب بهذا المرض الزائرون والمترددون على كربلاء حتى سرت الحمى إلى بغداد والنجف ومناطق أخرى في العراق وعليه فقد سميت بـ (حمى كربلاء).

بداية إنتشار هذه الحمّى كانت في شهر رجب من عام 1333 ه / 1915م وإشتدت في شهر رمضان وكانت وطأة المرض تخف وتشتد أحياناً، وما زالت بين قوة وضعف استمرت عدة أشهر ثم بدأت تختفي تدريجياً.

يقول المرحوم محمد رضا الشبيبي في مذكراته أنه زار كربلاء يوم 17 ذو الحجة سنة 1333 ه : وكانت وطأتها تخف وتشتد أحياناً، بدأت في رجب ثم هانت وإشتدت وطأتها في رمضان أيضاً، ومازالت بين قوّة وضعف إلى اليوم أي 17 ذو الحجة سنة

1333 ه ، قل من سلم منها ممن دار علیه محیط كربلاء، فكنت ترى الباعة والمحترفين والفقراء يأتون في الحوانيت والشوارع وقد لا تمشي بضع خطوات حتى تلاقيك بضع جنائز، وبلغت الوفيات في كثير من الأيام أكثر من 200 نسمة، وأحصى عدد الوفيات بين رجب وذي الحجة فكانت 11000 أكثرهم من الفقراء.

ويبدو أن الوباء لم ينته نهائياً فقد بدأ بالظهور مرة أخرى وأخذ يفتك بأهل كربلاء، وبدأ الناس بمهاجرة المدينة خوفاً من إصابتهم بالحمّى القاتلة، ففي شهر صفر سنة 1334 ه- كثرت الوفيات بشكل كبير، وكان المرض قد إزداد حدة بشكل مخيف جداً في ربيع الأول من نفس السنة، حيث ذكر بعض الثقات أن مجموع الذين ماتوا بسبب هذا الوباء بلغ قرابة الأربعين ألفاً وهو ما يعادل نصف سكان المدينة تقريباً.

والذي زاد من هذه المصيبة هو إشتداد وطأة البرد وخاصة في يوم 15 ربيع الأول سنة 1334 ه / 22 كانون الثاني 1916م بشكل غير مسبوق في العراق وكان في كربلاء أشد من بقية المدن حيث نزل البرد والثلج وهو أمر لا عهد للناس به منذ زمن بعيد، فأدّى إلى زيادة الوفيات في المدينة.

واقعة حمزة بيك

عندما توسط المرحوم الحاج عبد المهدي الحافظ بين الحكومة التركية والأهالي، ورغبة العلماء والأشراف والأهالي بعودة الحكومة إلى مدينة كربلاء لإنهاء الفوضى فيها، فقد باشر متصرف كربلاء الجديد (حمزة بك)، وأرسلت الحكومة التركية بعد تسنمه منصبه جيشاً إلى كربلاء بقيادة (دلة علي)، وكان معه قائد الخيالة (ثريا بك).

كان الغرض من إرسال هذا المتصرف والجيش هو السيطرة بقوة واستعمال الشدة على أهالي المدينة لمنعهم من الثورة ،والعصيان، وقد مارس المتصرف (حمزة بك) أشد حالات القسوة ضد المدنيين، وحاول أن يفرض سيطرته على المدينة باذلال رؤسائها، وأمر الجيش بأن ينتشر داخل المدينة، وأن يعامل الناس بشدة لأتفه الأسباب. بدأ الجيش يتصرف بشكل غير لائق داخل المدينة، وتعرض بعض أفراده لحرمات الأهالي، وأخذ يستغل الكسبة... فعرض رؤساء المدينة الأمر عدة مرات على المتصرف الذي لم يستجب إلى طلباتهم، بل ازداد عنفاً معهم مما حدى برؤساء المدينة لأن يستعدوا للقادم من الأيام، وأن يقفوا بوجه هذا المتصرف وجيشه حتى لو إستدعى الأمر إلى القتال.

عُقدت الاجتماعات في محلات المدينة، وبدأ الأهالي بالاستعداد لمواجهة الأتراك لعدم قبولهم الوضع السائد في المدينة. مضافاً لذلك تأثير الانكليز وأعوانهم في كربلاء، وصرفهم الأموال لزعزعة الأمن في المدينة، وفي نفس الوقت كان الأتراك يواجهون معارك شرسة مع الانكليز في أنحاء متفرقة من جنوب ووسط العراق... كل ذلك كان من العوامل المساعدة للقيام بعصيان جديد في كربلاء.

وبدلاً من إحتواء الأزمة من قبل المتصرف (حمزة بك) بشيء من الهدوء والروّية، أخذ يوزع مدافع جيشه خارج سور المدينة، وحدثت بعض الاحتكاكات بين الأهالي والجيش داخل المدينة، وقد قابلها الأهالي بنفس الشدة، وانقسمت المدينة

إلى قسمين قسم أراد عدم الدخول في مواجهة مع الأتراك وهم المتلونون والخائفون، والقسم الأكبر كان على أشد الاستعداد لمواجهة الحكومة الظالمة.

وللإنكليز عملاء في كربلاء، كما كان يتصل بهم سراً فخري كمونة وأخوه الأكبر محمدعلي وفق ما ذكرته المس بيل في أحد تقاريرها، بقي هؤلاء يغتنمون الفرص لإحداث مشاكل تقلق الأتراك من جهة، ويعدّون العدّة لمصالحهم في المستقبل من جهة أخرى.

كان آمر الدرك العثماني في كربلاء وقتئذ هو (علي أفندي) ووبأمرته مائة دَرَكي، ففي يوم 17 جمادي الثانية سنة 1334ه الموافق 21 نیسان 1916م حدثت مشادة كلامية بين فخري كمونة وآمر الدرك علي أفندي، ورجع فخري كمونة إلى ديوانه في الزينبية وجمع أعوانه وقد تسلحوا بأنواع الأسلحة وتوجهوا إلى سراي الحكومة، لتهديد آمر الدرك بسبب تعدّيه على فخري كمونة حسب إدعائهم. وحدثت مشاجرة أمام السراي أدّت إلى نشوب فتنة عارمة في كربلاء راح ضحيتها الكثير من الأهالي ومن ضباط وجنود الحكومة. يقول الدكتور علي الوردي:

كان سبب المشاجرة أن فريقاً من أتباع فخري تجمهروا أمام سراي الحكومة وأخذوا يطلقون النار في الهواء، فطلب آمر الدرك من فخري منعهم وأخذ أسلحتهم فلم يفعل وخرج من السراي، فأمر آمر الدرك جنوده بإطلاق النار عليه، فردّ أتباع فخري بالمثل، وسقط أثر ذلك من الفريقين ثلاثون قتيلاً أو أكثر، وساد الرعب في كربلاء وإنقطع الطريق بينها وبين النجف(1).

تأهب المتصرف (حمزة بك) للحالة المتوترة في المدينة، فطلب من الحكومة المساعدة برفده بالجنود والأسلحة، لأن الدرك في كربلاء كانوا لا يزيدون عن مائة دركي فقط. فأرسلت له الحكومة من بغداد ثمانين جندياً مجهزين بالقنابل اليدوية، ثم أمدتهم بمفرزة من الجنود كانوا حينذاك في طريقهم إلى الديوانية بقيادة الضابط (إبراهيم حقي بك)، وبذلك تجمع لدى المتصرف في كربلاء زهاء ثلاثمائة جندي مع مدفعين.


1) لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث د. علي الوردي - ج 4 ص 334 .

عندما رأى أهل المدينة إستعدادات المتصرف هذه، توقعوا أن يقوم بعمل عسكري على المدينة، وهنا إستعد الأهالي لمواجهة الموقف، كما إستعد أيضاً رؤساء المناطق ومنهم عبد الرحمن العواد وعبد الجليل العواد وتناسى الجميع خلافاتهم مع آل كمونة وأصبح موقف الجميع حماية المدينة.

ذهب محمد علي كمونة شقيق فخري إلى النجف طالباً المساعدة، فلبّى طلبه (عطية أبو كلل) ومعه نفر من أتباعه المسلحين والكثير من النجفيين لإمداد أهل كربلاء. وفي نفس الوقت أرسل فخري كمونة إلى العشائر المجاورة لكربلاء يستنجد بها لمعاونة الأهالي في حال نشوب قتال، فأرسلت العشائر عدد كبير من الرجال والفرسان إلى داخل المدينة.

عندما جاءت النجدة إلى كربلاء وتأهب الأهالي، وجد فخري كمونة أنه في وقف قوي فإستطاع أن يحاصر سراي الحكومة ومخافر الشرطة، ومنع الباعة من بيع الأطعمة للجنود كما منع سقائي الحكومة من أخذ الماء من نهر الحسينية.

طلب المتصرف حمزة بك تفريق الثائرين وتسليم أسلحتهم، فلم يفعلوا خوفاً من وجود الجند الذين رابطوا في قسم المدينة الشرقي، وطلب الأهالي إعادة الجنود.

بقي الطرفان متحصنين، فأرسل المتصرف حمزة بك يوم 6 رجب 1334ه الموافق ليوم 4 أيار (مايس) 1916م إنذاراً إلى فخري بوجوب الطاعة ومدة الإنذار ثمان وأربعين ساعة. ولكن فخري والأهالي لم يستجيبوا إلى إنذاره بل شددوا بتحصين مواقعهم داخل المدينة.

في صباح يوم الخميس 8 رجب الموافق 11 أيار 1916م أمر حمزة بك بإطلاق النار على المدينة وأخذت مدافعه ترشقها وهجم الجنود على المدينة وإشتبكوا مع الثائرين ودار قتال شرس إستبسل فيه الكربلائيون ومن يساندهم، فنشبت المعارك في الأزقة والدروب وشبّت النار في البيوت التي تحصن فيها الأهالي.

تمكن الجنود من الوصول إلى بيت فخري كمونة وإحتلاله محاولين إلقاء القبض عليه فلم يجدوا فيه سوى ختمه وبطاقة تشير إلى إنتمائه إلى جمعية الإتحاد والترقي(1)،


1) تاریخ حرب العراق/محمد أمين العمري - ج 1 ص 158 .

التي كانت محظورة في وقتها.

أرسل فخري كمونة إلى عشيرة المسعود طالباً منهم المساعدة في إحداث كسرة في سداد نهر الحسينية الغرض من ذلك إنحدار الماء وهو يفيض من الفرات بإتجاه كربلاء. وفي نفس الوقت وبالذات يوم السبت 10 رجب/ 12 أيار أطلق الكربلائيون بعض السداد جنوب البلدة وتحديداً في منطقة البهادلية قرب (قلعة الهندي)(1)، فإنحدرت المياه نحو المدينة وأغرقت محلة العباسية التي يطلق عليها الكربلائيون (الجديدة)، فإنتقل عنها الجند.

وفي نفس الوقت تم إغراق الجانب الشرقي من المدينة خارج سورها بواسطة المياه المتدفقة من نهر الحسينية، حيث كان يتواجد الجنود، فأصبح الجنود بين عدوين الأهالي من جانب والفيضان من جانب آخر.

كان يوم 12 رجب / 14 أيار يوماً عصيباً على الجنود عندما أصابت إحدى قذائف المدفعية قبة العباس(علیه السلام) فإشتد حماس الأهالي وأخذوا يستبسلون في مقاتلة الجند الذين أصبحوا مطوقين والرصاص ينهمر عليهم من المنائر وشبابيك الدور وشرفات السور، فسقط منهم ضابطان جريحان وثلاثة جنود قتلى وأربعة جرحى. وغمرت مياه الفيضان جميع البلدة ما عدا المنطقة القديمة منها وهي المنطقة التي تمركز فيها الأهالي، ولم يكن في مقدور الجنود إدخال المدافع والعجلات فيها لضيق أزقتها.

وأخذ السجال بين الطرفين يدور بمعارك قوية من زقاق إلى زقاق وحاول الأهالي إخراج الجند من المدينة بعد أن قتلوا الكثير منهم، وفي نفس الوقت أستشهد عدد من أبناء المدينة، ونتيجة الحماس الظاهر لدى الناس فقد أخذ الجند بالتراجع.

إضطر الجنود أخيراً الإنسحاب من كربلاء بعد أن حملوا معهم موظفي الحكومة ودفاترها وأوراقها(2).

ندما إنهزم الجند من المدينة أشيع من قبل البعض أنهم شاهدوا العباس راكباً فرسه وهو يطارد الجنود، وهم يفرون أمامه مذعورين يصرخون (إمام عباس كلدي)


1) مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي ورحلاته ص214.

2) لمحات إجتماعية / ج 4 ص 335 - 336.

أي خرج الإمام العباس(علیه السلام)، بينما يذكر بعض الناس بأن العباس عليه السلام هو الذي هزم الجند بسيفه.

يذكر الشيخ محمد رضا الشبيبي في مذكراته أنه في يوم الأحد 11 رجب وردت مركبة من كربلاء إلى النجف تحمل بعض جرحى النجفيين، وشاع على أثرها أن الثوار هم المتغلبون، وهاج النجفيون وتظاهروا وهجموا على دار الحكومة... وفي يوم 12 رجب رجب سنة 1334ه- وفي يوم الجمعة 16 الجمعة 16 رجب ورد رجب ورد المشاهدة (يعني بهم النجفيين) ومعهم أحمالهم من المنهوبات التي نهبت من أهل كربلاء لاسيما من الفرس ... (1).

إحتفل الكربلائيون بنصرهم الذي بعث فيهم الفخر والفرح، وتخلصوا من المتصرف حمزة بك والقوة التركية في كربلاء، الذين رحلوا منها إلى المسيب، يجرون أذيال الهزيمة.

إستمر أهل المدينة يتناقلون أخبار هذه الحادثة التي سموها بـ (دكة حمزة بك)، ويتفاخر الكثير من أبناء كربلاء الآن باشتراك أجدادهم وبطولاتهم فيها.

لم يدم الإحتفال بالنصر طويلاً والحقيقة في هذه الحادثة هي أن أغلب أهالي المدينة لم يكن راضياً على تصرف فخري كمونة وأتباعه. إضافة إلى مخاوفهم من إنتقام الحكومة القادم بعد إنتصارها على الانكليز في بعض المعارك. ولكن مشاركة الأهالي في القتال كان أمراً واقعاً للدفاع عن مدينتهم، وليس حباً بفخري كمونة الذي كان السبب في هذه الحادثة نتيجة حبّه للسلطة والنفوذ.

يُذكر بأن عدد قتلى الأهلين كان يزيد على المائتين بقليل، فيهم الأطفال والنساء على ما قيل، وإنتشل بعضهم من تحت الأنقاض التي خلفتها قنابل المدافع. وكان عدد قتلى الجنود والضباط لايستهان به.

أخذ بعض علماء النجف بإنتقاد الكربلائيين على ما قاموا به ضد الأتراك، لذلك صوّر الكربلائيون بعض جثث القتلى وبعض مناظر الواقعة وعرضوها على علماء النجف وبعض وجوهها ممن كانوا يظنون بخطأ الكربلائيين.


1) مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي ورحلاته ص214 وص215.

مع كل ذلك فقد كانت واقعة أليمة، حيث أصاب المدينة المقدسة الكثير من الأضرار والضحايا بين الناس، ونتيجة المياه التي أغرقت محلة العباسية ومناطق أخرى فقد إنهدمت الكثير من الدور الغارقة، وأخذت المدينة تلملم جراحها رغم أن النصر كان حليف أبنائها.

طلب الصلح مع الحكومة

بعد واقعة (حمزة بك) قفز إلى الواجهة الشيخ فخري كمونة الذي أخذ يُظهر نفسه كأنه هو الذي يحكم كربلاء، ويساعده أخوه محمد علي كمونة، وذلك من غير رضى أغلب الأهالي. فقد أدرك الكربلائيون أن محاربتهم الحكومة كانت في غير محلها، لعلمهم بأن الحكومة سوف تنتقم منهم بعد الإنتصار الذي حققته على الإنكليز في الكوت، حيث تم أسر قائد القوات الإنكليزية (طاوزند) ومعه الكثير من الضباط والجنود. وذلك يعني أن الحكومة العثمانية أصبحت في موقف قوي. وقد قرأ فخري كمونة وأخوه محمد علي الموقف بأن لابد للحكومة من إسترداد سيطرتها على كربلاء وإعادة سلطتها فيها وبالقوة.

كان في ذلك الوقت قد وصل إلى العراق ناظر (وزير) الحربية ووكيل السلطان العثماني في قيادة الجيوش الإسلامية (أنور باشا) وهو صهر السلطان العثماني أيضاً، ليشرف على العمليات الحربية ضد الإنكليز في العراق.

تحرك محمد علي كمونة بالإتفاق مع أخيه فخري على المرجعية الدينية في النجف طالباً وساطتها . فذهب محمد علي إلى النجف وزار السيد كاظم اليزدي الذي كان حينها يتصدر المرجعية الدينية ورجاه التوسط في الصلح مع الحكومة. وفي نفس الوقت كان النجفيون قد شعروا بالخوف من الحكومة أيضاً فكلّموا السيد اليزدي في ذلك. فقبل المرجع السيد كاظم اليزدي التوسط وأرسل برقية إلى (أنور باشا) الذي كان قد وصل بغداد في 18 رجب سنة 1334 ه / 20 أيار (مايس) 1916م، يتشفع عنده لأهل كربلاء والنجف . فأجابه أنور باشا ببرقية هذا نصها:

«مخرجي قوناغ: إدارة تلغراف الحلة ترسله إلى سيد محمد كاظم الطباطبائي. نجيبكم عن تلغرافكم المرسل إلينا بأن أهالي النجف وكربلاء خرجوا على الحكومة وأنهم عاملين مخالفة لرضاء الله ورسوله، ونظراً لحرصنا على الحالة الإسلامية وحقن

الدماء وإحترامنا للمجاهدين وعلماء الدين ورأفة الحكومة بفقراء المحليين وشفقتنا عليهم صدر أمرنا لدولة والي الولاية وقائد جيشها بتمام الرفق عند التعقيب وترتيب المجازاة».

التوقيع

صهر السلطنة ووكيل الخليفة الأعظم في قيادة الجيوش الإسلامية ناظر الحربية / أنور

يبدو أن جواب أنور باشا على برقية السيد كاظم الطباطبائي اليزدي كان مبهماً، بحيث لم يعطِ صورة الإجراء الذي سيتخذ عدا التوصية لوالي بغداد (خليل باشا) بإتخاد (الرفق عند التعقيب)، ويستدل من ذلك أن الحكومة كانت عازمة على محاسبة الكربلائيين والنجفيين على ثورتهم ضد الحكومة.

لكن المرحوم السيد (مهدي الحيدري) إستغل إجتماع (أنور باشا) به في الكاظمية، فرجا السيد منه أن يسعى نحو إطفاء الفتنة في كربلاء بالطرق السلمية دون اللجوء إلى القوة العسكرية، فإستجاب أنور باشا لرجائه. وإستقر الرأي أخيراً أن يترأس السيد مهدي الحيدري وفداً للذهاب إلى كربلاء ورتق الفتق فيها(1).

على وجه السرعة بعد موافقة أنور باشا على تشكيل الوفد والذهاب إلى كربلاء لمفاوضة الكربلائيين، فقد تم تشكيل الوفد برئاسة السيد مهدي الحيدري، وضم الوفد الشخصيات التالية: السيد مهدي الحيدري ويرافقه ثلاثة من أولاده هم السادة عبد الحميد وأحمد وراضي ومعهم الشيخ محمد رضا بن الشيخ محمد تقي الشيرازي، والشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ عبد الحميد الشيبي الكليدار (سادن الروضة الكاظمية)، وإثنين من رجال الحكومة هما : حلمي بك (معتمد الوالي خليل باشا)، وحامد أفندي (أحد حجاب خليل باشا). سافر الوفد بالعربات إلى مدينة كربلاء فوصلوها يوم 30 أيار سنة 1916م (27 رجب 1334ه).


1) لمحات إجتماعية / ج 4 ص 336-337.

خرج أهالي كربلاء لإستقبال الوفد عند مدخل المدينة، وكان يوم وصول الوفد هو يوم ذكرى (المبعث) في 27 رجب، فقال أحد الكربلائيين مخاطباً السيد مهدي:

«كما أن الله بعث جدّك الأعظم في مثل هذا اليوم رحمة للعالمين، فقد بعثك اليوم رحمة لنا»(1).

تجمع رؤساء المدينة وساداتها في الروضة الحسينية، وإجتمعوا مع الوفد، وبعد حديث للسيد مهدي الحيدري وبعض أعضاء الوفد مع الكربلائيين، مبينين لهم مخاطر العصيان في ظرف صعب تمرُّ به البلاد وبعد أخذ ورد أظهر الكربلائيون الطاعة التامة، وقالوا بأنهم ينتظرون عودة الحكومة للمدينة غير مشترطين شرطاً، وبينوا للوفد أن الذي جرى كان سببه المتصرف حمزة بك وقائد الدرك علي أفندي ونعمان أفندي الأعظمي، كما أخبروا الوفد خشيتهم من أن يقوم هؤلاء بتسميم أفكار الحكومة عنهم ، فطمأنهم (حلمي بك) معتمد الوالي: قائلاً:

«أني قد إطّلعت على أشياء كدّرت وجداني في المسألة، فلا يجدي ما يقول هؤلاء أبداً، وسيبقى الوفد في كربلاء لحين وصول الهيئة الجديدة من الموظفين والجند والمستخدمين إلى كربلاء».

بعد أيام من وجود الوفد في كربلاء صدر الأمر بتعيين (جلال بك) متصرفاً لكربلاء، حيث باشر وظيفته ومعه الهيئة الجديدة من الموظفين، يرافقهم الجند، وقد إستقبله رؤساء كربلاء بمعية الوفد الذي كان لايزال موجوداً في المدينة. عندها غادر الوفد وقد ودّع بحفاوة من قبل الأهلين.

لم يدم وجود المتصرف الجديد إلا فترة قصيرة تقارب الشهر، فقد نُقل وحلّ محله متصرف جديد هو (أسعد رؤوف بك) الذي باشر وظيفته في آب 1916م، وسارت الأمور بشكل هادئ، وعهدت رئاسة البلدية وكالة إلى السيد عبد الوهاب عبد الرزاق وهاب آل طعمة، كما عين العثمانيون الحاج علوان الوزني عضواً في مجلس إدارة كربلاء ، وعبد الستار الجلبي عضواً في المجلس البلدي.


1) الإمام الثائر / السيد احمد الحسيني - ص 61 ، طبعة النجف 1386ه /1966م.

إستمر الوضع جيداً في كربلاء لحين احتلال بغداد من قبل الإنكليز في 11 آذار 1917م، وعندما سقطت الحكومة العثمانية غادر متصرف كربلاء أسعد رؤوف بك المدينة وقد ودّعه أشرافها، وبعد الاحتلال الإنكليزي عادت الفوضى إلى كربلاء من جديد.

نشاط العملاء والجواسيس

في تلك الأيام العصيبة التي كانت تمر بالمدينة، وجد أن هناك نشاطاً فيها لعملاء الانكليز وجواسيسهم.

وينقل الدكتور علي الوردي ماجاء في مذكرات (حسام الدين نظمي بك) الذي كان يرأس مصلحة مقاومة الجاسوسية في العراق ما نصه:

ونعتقد بأن الممارسات والشعائر التي تتعدى المألوف هي من بناة العهد الصفوي. أن الانكليز أرسلوا آنذاك إلى كربلاء جاسوساً خطيراً منهم اسمه (ادكار وود)، وأخذ هذا الجاسوس يسعى مع أعوانه لإلقاء بذور الفتنة في تلك البلدة المقدسة... ومقابل ذلك أرسل الأتراك جاسوسة تركية هي (صد برك كمال خانم) وكانت تحترف الرقص في بغداد باسم جهان خانم) لمكافحة دسائس (أدكار وود)، وكان هذا الأخير قد علم بها وأراد القضاء عليها عن طريق شخص من أعوانه اسمه (عبدة بن جوزي) فنجت باعجوبة وتمكن الأتراك من إلقاء القبض عليه وإعدامه في بغداد شنقاً بتاريخ 1 تشرين أول 1915م)(1).

ويذكر أن محمد علي كمونة إتصل سراً بالسر برسي كوكس في تشرين أول 1915 طالباً من الانكليز أن يتعهدوا له بتنصيبه حاكماً وراثياً مستقلاً في ولاية مقدسة تمتد من سامراء إلى النجف وكانت القوات الانكليزية مشغولة بالزحف نحو بغداد، فأرسل كوكس إليه ردّاً ودياً لالون له مع هدية مالية صغيرة أثارت إمتنانه، ثم تُرك الأمر على هذه الحالة مؤقتاً لأن إنسحاب القوات الانكليزية من سلمان باك بدل الموقف السياسي بأجمعه، ولكن الانكليز ظلوا على إتصال بالشيخ محمد علي كمونة، وواصلوا إرسال المال إليه من وقت لآخر ليساعده ذلك على الاحتفاظ بأتباعه والتمسك بموقفه في كربلاء(2).


1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث د. علي الوردي ج 4 ص 229 .

2) فصول من تاريخ العراق الحديث المس بيل ص 96 طبعة بيروت 1971. الفترة.

كربلاء أثناء احتلال الإنكليز لبغداد

عند وصول أنباء سقوط بغداد بيد الانكليز في 11 آذار 1917، ترك (أسعد رؤوف بك) كربلاء وكان آخر متصرف تركي يتولى إدارة شؤون المدينة. وإلتحق بالقوات التركية المنسحبة من مناطق أعالي الفرات.

قبل مغادرته كربلاء أوكل إدارة البلدة إلى رؤسائها، فتسلم هؤلاء دور الحكومة والأسلحة والأعتدة الموجودة في المخازن وإقتسموها فيما بينهم، وعينوا موظفين مؤقتين لجباية الضرائب.

وعند خروج المتصرف ودعه أهل كربلاء، ورافقه قسم منهم إلى المسيب. وقد أهداه السيد (مرتضى آل ضياء الدين) (1)سادن العباس(علیه السلام) بغلة ثمينة مسرجة بسرج فضي لتقله في سفره، مع خيمة ووسائل الراحة للسفر..

فتولى الشيخ محمد علي كمونة السلطة التشريعية، وتولى الشيخ عبد الرحمن العواد (2)السلطة التنفيذية.


1) هو المرحوم السيد مرتضى بن مصطفى (سادن العباس) بن حسين (سادن العباس) بن محمدعلي بن مصطفى بن محمد بن شرف الدين (الثاني) بن ضياء الدين بن يحيى بن شرف الدين الأول (نقيب الأشراف) بن طعمة الأول كمال الدين نقيب الأشراف) بن أبو جعفر أحمد بن يحيى ضياء الدين بن أبي جعفر محمد بن السيد أحمد شمس الدين ناظر رأس العين بن أبي الفائز محمد. تولى سدانة الروضة العباسية سنة 1298ه / 1881م، وتوفي سنة 1357ه / 1938م. وخلفه في السدانة نجله المرحوم السيد محمد حسن المشهور بـ (أغا حسن الكليدار).

2) هو المرحوم الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ عبد الرزاق العوّاد بن حمود (حمادي) بن مال الله العواد. وآل العواد ينتمون إلى قبيلة (شمّر - الخليل) ومن بطن (اجْعَفَرْ) من الربيعية من (عبدة). كان والده الشيخ عبد الرزاق العوّاد من رؤساء كربلاء، وله مواقف مشهودة فيها برز الشيخ عبد الرحمن مع أخويه المرحوم الشيخ عبد الكريم والمرحوم الشيخ عبد الجليل، حيث كانوا من أبطال كربلاء ومن الذين شاركوا في جميع الوقائع التي حدثت فيها إثناء وجودهم، وهم من أبرز الثوار الكربلائيين ضد الاحتلال الإنكليزي وفي ثورة العشرين، وعانوا نتيجة مواقفهم الوطنية من حالات السجن والنفي. كانت دورهم في محلة باب بغداد (باب العلوة) وفيها ديوانهم . أعقب الشيخ عبد الرحمن ولده المرحوم بدري، وأعقب بدري ولده الشيخ عبد الرحمن الذي يقوم حالياً برئاسة آل العوّاد في كربلاء.

يقول المرحوم السيد عبد الرزاق الوهاب في كتابه (كربلاء في التاريخ)... بأن العراقيين عامة والكربلائيين خاصة والمفكرين وذوي الرأي الحصيف منهم بالأخص بقوا في ريبة من أمر الحكومة الجديدة (يعني الانكليز) إذ لا يعلم ما يصدر منها، وما عسى أن يكون مستقبل هذه البلاد عند نشوب مخالبها فيها حتى يوم 19 آذار 1917م عندما عُلقَ منشور الجنرال (مود) (1)على الجدران، وتهافت أهل كربلاء على قراءته بين متفائل ومتشائم ومنهم من قال «لو كانت مواعيد بريطانيا صادقة لأعطت الهند استقلالها»، ومنهم من يؤمن ويصدّق مضامين المنشور بدليل إتحاد

الشريف حسين بن علي مع الانكليز، ومن بنود الاتفاق منح استقلال العراق(2).

أصبح مؤيدو الانكليز يذيعون في كربلاء وغيرها بنزول غضب السر برسي کوكس وانصباب نقمته على رأس كل من لم يهنئهم بإحتلال بغداد، أو من لم يذهب بنفسه للتهنئة، فسافر المشوقون والناعقون مع كل ناعق إلى بغداد لعرض الطاعة وإبداء الاخلاص الحقيقي، وكتب قسم من المرتابين والمترددين برقيات وعرائض للتهنئة، قدموها ليأمنوا شر المحتلين على الأقل، بينما أحجم الآخرون عن ذلك مصممين على عرض أنفسهم إلى التهالك مهما كلف الأمر.

جاء إلى كربلاء في تلك الأيام الميجر (هلتون يانغ) ومعه ضابط آخر لكشف الحالة والاطلاع على كربلاء وسير حالة الرأي العام فيها، وحلّا ضيفين لدى الشيخ فخري كمونة، وكان همُّ فخري أن يستولي على (سدانة الروضة الحسينية)، وقدّم أربعة من المعممين زاعماً أنهم من رجال الدين ومن العلماء الأعلام، وأخذوا يكيلون المديح لفخري ويطلبون بإسم العلماء والأشراف إبقاء أمر السدانة بيد فخري كمونة...

وفات كلاً من الوسيط وصاحب الحاجة أن هذين الضابطين لا يهمهما أمر السدانة، بل كان همهم الوحيد الاطلاع على الوضعية الراهنة للبلدة وعادا راجعين


1) الجنرال (مود) هو قائد الجيوش الانكليزية التي إحتلت بغداد.

2) كربلاء في التاريخ السيد عبد الرزاق الوهاب - ج 3 (هو المطبوع فقط سنة 1935) ص 9 - ص 10.

إلى بغداد. وقد ذكرنا بأنه بعد خروج متصرف كربلاء العثماني أسعد رؤوف بك فقد استلم الشيخ محمد علي كمونة السلطة التشريعية فيها، أي انه أصبح شبه حاكم على المدينة. ولا يفوتنا ما ذكرناه سابقاً من إتصال محمد علي كمونة وأخيه فخري بالانكليز قبل احتلال بغداد وبعدها.

فقد ذهب محمد علي وأخوه إلى مراجعة حكومة الاحتلال في بغداد، فتمّ إقرار فخري لحكومة كربلاء، وحوّلوا محمد علي كمونة إلى المسيب ليعاون حاكمها السياسي في تشكيل إدارتها وتعريفه بالرؤساء وتأمين الطرق...

الصورة

343

أحد أزقة محلة باب الطاق في مدينة كربلاء القديمة في عشرينات القرن العشرين

إنفرد فخري كمونة بحكم كربلاء، وكانت الفوضى تعم المدينة لعدم وجود سلطة رسمية تمسك زمام الأمور وفق القانون، وفترة التحول هذه بين نهاية الاحتلال العثماني وبداية الاحتلال الإنكليزي للعراق كانت غاية في الصعوبة. ففي مدينة مثل كربلاء لا يمكن أن يقبل أهلها بتفوّق وسيادة شخص واحد تكون زمام المور بيده، فقد كانت الخلافات العشائرية والمناطقية موجودة، وكما أوردنا سابقاً بأن فخري كمونة لا يحظى بقبول من لدن أهل المدينة بالإجماع، فكانت المدينة منقسمة إلى قسمين تقريباً، والضغائن والمشاحنات موجودة فيها، وكان تصرّف فخري كمونة حينها يشوبه الكثير من التجاوزات والأخطاء، وذلك متأتي من شدّة حبّه للسلطة والنفوذ. كما أن الإنكليز كانوا في أيامهم الأولى في العراق يحاولون ترتيب أوضاعهم العاصمة والمناطق الساخنة المهمة، فقد إشتروا ذمم البعض ومنهم آل كمونة ومنوهم بالمناصب لحين أن يقوموا بتنفيذ سياساتهم الإدارية، فلم يقرأ فخري كمونة الواقع جيداً، وإعتقد بأن الأمور جرت لصالحه وسوف تستمر !! بينما في تصرفاته التي شابها الكثير من الأخطاء ولدت له خصوم وأعداء، وحدثت نتيجتها فتن خطيرة ومعارك في المدينة عمّقت الإنقسام بين الأهالي على نحو ما سنذكره لاحقاً...

خلا الجو لفخري كمونة في كربلاء حسب ما يذكر السيد عبد الرزاق الوهاب في كتابه (كربلاء في التاريخ)، وقد عايش تلك المرحلة مع والده... «فانه (أي فخري) حاد عن الخطة التي كان يسير عليها أخوه في مسايرة الرؤساء، ومماشاة الأشراف... إذ كان فخري يجنح لنزق الشباب ويميل إلى الشطط وعدم التريث في الأمور بخلاف محمد علي المتحلي بحنكة الشيوخ والذي حنكته التجارب العديدة، ولذا قد إستبد فخري كمونة في الأمور مما لاحظه عليه زملاءه الرؤساء (لم يكن هو الوحيد في الساحة) فأصبحوا يتفاوضون همساً عن كيفية الانتفاض عليه ومشاركته الحكم أو مقاسمته الضرائب التي إستبزّها خلال هذه المدة دون أن يشارك أحداً منهم وجعلوا يترقبون الفرص».

كان زمن بداية الاحتلال زمن فتنة وسلب ونهب واضطراب وعدم استقرار. فقد وجدت ظاهرة مشينة وهي ظاهرة فرض (الإتاوة) أو ما يسميها العامة (الخاوة)، على المسافرين والتجار وحتى على زائري العتبات المقدسة...

وفي كربلاء أخذت الإتاوة تأخذ شكلها البشع، فأسواق المدينة عامرة وتعيش على التجارة والمهن والحرف الأخرى. فأخذت الأتاوة تجبى وتفرض على بعض سكانها من الميسورين والتجار وأرباب المهن ، وخاصة من الذين لا يوجد لهم عمق عشائري أو قبلي... ومثال على ذلك حادثة يتداولها أهل كربلاء ولوقت متأخر، وهي أن شخصاً اسمه الحاج (حبيب ابو الأكفان) وكان كربلائياً يتعاطى تجارة الحبوب، وعلم (فخري كمونة) بأن هذا التاجر يجني أرباحاً من تجارته، فأرسل إليه وفرض عليه أتاوة قدرها مائة ليرة ذهب عثمانية. ولما لم يقبل التاجر دفع الإتاوة أمر فخري كمونة جلاوزته بإحتجازه في سرداب ديوانه، وأوسعوه ضرباً، وبعد أن نال الضرب وافق على دفع الخاوة وأطلق سراحه. وبعد فترة علم فخري كمونة بأن أرباح هذا التاجر قد ازدادت فقام بفرض الأتاوة عليه مرة أخرى، مما إضطر الرجل إلى ترك بلدته وباع كلّ ما يملك وهجرها.

النزاع بين آل كمونة وآل العواد

نتيجة لما أوردناه سابقاً من إنفراد فخري كمونة بالسلطة في كربلاء ومعارضة الاخرين من رؤساء المدينة لذلك، فقد حدث ذات يوم سوء تفاهم في دائرة البلدية بين فخري كمونة وبين عبد الرحمن العواد الذي آل إلى الانفصال، فإنشقت كربلاء وإنقسمت عشائرها إلى قسمين:

القسم الأول: آل العواد ورئيسهم المرحوم عبد الكريم العواد وأخواه عبد الرحمن وعبد الجليل، ومعهم عشيرة الوزون برئاسة عمر الحاج علوان وعثمان الحاج علوان وآل معلة ومن يتبعهم من محلة باب السلالمة ورئيسهم الحاج حسن شهيب وغيرهم، كما إصطف معهم السادة آل نصر الله وآل طعمة وآل ثابت وبقية السادة من خدام الروضتين المقدستين.

القسم الثاني: فخري كمونة وتبعته بعض العشائر ومنها الحميرات.

خرج فخري كمونة من دار البلدية، وجمع الجموع قاصداً التوجه إلى مناوئيه... وقد إستعد آل العواد ومخالفيهم للأمر، وبدأت معركة في سوق العباس بين آل العواد من جهة، وعشيرة حمير حلفاء آل كمونة من جهة أخرى. وأرسل فخري إلى آل عواد انذاراً شديداً بلزوم مغادرة كربلاء مساء ذلك اليوم، أو يهدم دورهم ويخرجهم منها قسراً. فتدخل العلماء والأعيان بالأمر وجعلوا يذهبون أفراداً وجماعات إلى ديوان آل كمونة ودور آل العواد وجماعتهم لإصلاح ذات البين.

ونتيجة لتدخل الأعيان والعلماء فإن آل العواد أذعنوا لقبول الهدنة التى طالب بها الوسطاء، وإطاعة لأمر العلماء، ولكن فخري كمونة رفض الهدنة وتصلب على رأيه الأول.

فتحصّن كلا الطرفين في الدور وسطوح المنازل والأسواق، وأمسكوا رؤوس الطرق ليلاً وأصبح الخطر واقعاً في كربلاء(1).

وفي البداية كانت كفة فخري هي الراجحة، ولكن آل العواد أرسلوا صديقهم السيد عبد الحسين الددة الذي كان حينها في قصره المسمى (الدراويش) والواقع على طريق كربلاء الحسينية، وذلك لجلب القبائل المحالفة له، فطلبوا رؤساء بني حسن ورؤساء عشيرة المسعود و حضروا فعلاً واجتمعوا في دار السيد عبد الحسين الكربلائيين، وقرروا فيه بعد شروط طلبوها أن تسير هذه القبائل نحو كربلاء، وتتريث خارجها ريثما يهجم آل عواد وحلفاؤهم على دار آل كمونة فتتبعهم العشائر ... وقد دخل عدد كبير من أفراد العشائر المدينة، وحلوا ضيوفاً في دور عمر العلوان وآل عواد وحسن شهيب، وإكتظت هذه الدور وبقي الآخرون خارج المدينة منتظرين إلتهاب أول جذوة ليغيروا على كربلاء...

وللتوضيح فإن القبائل لا يهمها إنتصار آل العواد أو آل كمونة أو غيرهم، وإنما همهم الوحيد هو المشاركة في المعارك ليتسنى لهم السلب والنهب، وقد حدث ذلك أكثر من مرّة قبل هذا التاريخ.


1) كانت قصبة كربلاء (المدينة القديمة) محاطة بسور، وللسور أبواب، ويقع مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام في وسط القصبة. وجغرافيا فإن العتبتين تفصلان المدينة شمالاً وجنوباً، ومن محلات الشمال ... محلة باب بغداد باب العلوة، ومحلة باب السلالمة، وجزء من محلة باب الطاق غرباً، وجزء من محلة باب الخان شرقاً. أما محلة المخيم ومحلة باب النجف، وجزء من باب الطاق وجزء من باب الخان وكذلك محلة (الجديدة) العباسية التي تقع بعد الميدان أي خارج السور من ناحية الجنوب. كان آل عواد يسكنون محلة باب بغداد باب العلوة وآل معلة والسلاميون يسكنون باب السلالمة، أما الوزون فكانوا يسكنون في ثلاثة أزقة معروفة باسمهم لحد الآن بين المحلتين. كما ان أغلب السادة العلويين من آل نصر الله وآل طعمة وآل ضياء الدين وغيرهم من آل فائز وكذلك آل ثابت وغيرهم من آل زحيك فكانوا يسكنون الجانب الشمالي من المدينة، ويرتبط السادة العلويون بآل العواد وحلفائهم بروابط قوية منها الجيرة والخؤولة، فكانوا متساندين معهم وأقرب إليهم، ويقفون ضد القسم الثاني الذي يمثله فخري كمونة. وكان فخري كمونة وآل كمونة على العموم لا يميلون إلى السادة العلويين للخلافات الدائمة معهم نتيجة أطماع آل كمونة بالسدانة. بينما آل حمير يسكنون في باب الخان في القسم الشرقي من المدينة.

وعلى كل حال فقد إستولى الذعر والخوف والرعب على المدينة، وبدأ سكانها يخشون عاقبة هذه الحادثة، ودخول العشائر إلى كربلاء، كما أن زعماء كربلاء أحسّوا بالخطر الذي تنوي العشائر عليه، فأعاد العلماء عملية الوساطة مرة أخرى، وذهبوا إلى دار آل العواد وإستحلفوهم بشرف آبائهم وأجدادهم وشرحوا لهم ما سيجري على الفقراء والضعفاء فيما إذا هجمت الأعراب على المدينة...

فوافق الطرفان عندئذٍ على عقد الهدنة... ونعتقد بأن آل العواد وحلفائهم كانوا أصلاً جادين في إطفاء نار الفتنة، ولكن تصلب فخري كمونة هو الذي أطال الخلاف، وفي نفس الوقت أحسّ فخري بأن لا طاقة له بالاستمرار على هذا الخلاف خاصة في حالة تدخّل العشائر، ورأى أنه من الأفضل له الإذعان للصلح.

عقدت الهدنة المؤقتة وتم الصلح بين الأطراف المتخاصمة، وإشتركت العشائر (التي كانت متأهبة) بالصلح، وقد تم ذلك بشرط أن تقسم ضرائب كربلاء ثلاثة أثلاث ثلث إلى آل كمونة، وثلث إلى آل العواد، والثلث الأخير إلى عمران الحاج سعدون شيخ عشائر بني حسن!! ... إلا أن هذا الاتفاق لم يتحقق، وبقيت الأحقاد كامنة في القلوب.

وكان هذا النزاع قد حصل في كربلاء في منتصف عام 1917م الموافق 1336ه.

ما مرّ ذكره في هذه الفترة العصيبة التي عاشتها كربلاء، يتبين لنا أن السبب الحقيقي لهذه الأحداث هو ليس الضرائب ومن يحصل عليها... وإنما كان في المدينة تياران، أحدهما وطني مخلص ويحظى بإحترام ومحبة غالبية أهل المدينة، ويجلّ ساداتها وعلمائها، وتيار آخر سلطوي نفعي ومصلحي، لايهمه أي شيء سوى التسلق إلى الواجهة بعيداً عن الأخلاق العربية والوطنية... وان الأحداث هي التي تتكلم، وسوف يتبيّن للقارئ بما سندونه صواب هذا الرأي من عدمه.

كربلاء وحكامها الإنكليز

عندما وصلت هذه الأخبار إلى بغداد خشيت السلطة (حكومة الاحتلال) من إتساع هذا الخرق والانفلات الأمني، وإعترفت بأنها تسرعت بتسليم السلطة في كربلاء إلى شخص ينفرد بالحكم فيها، ولكي تعيد إستلام زمام الأمور والادارة بيدها، أرسلت إلى كربلاء الميجر (أيدي) ، وأعقبه الكولونيل (لجمن). وأخيراً وفي 15 أيلول 1917م أرسل الانكليز حاكما سياسياً إلى كربلاء اسمه (الميجر بولي) ...

وعندما أُخِذَ الحكم من الشيخ فخري كمونة، بدأ يتعامل بتهريب المواد التموينية إلى أعدائه السابقين (الأتراك)، من مواد عطارية وأطعمة وأقمشة...

وقد علمت به السلطة الانكليزية، فقبض عليه ووجهت له تهمة المتاجرة مع العدو، وصدر قرار بنفيه إلى الهند بصفته من أسرى الحرب. وبعد مدة تم نفي أخيه الأكبر الشيخ محمد علي كمونة إلى الهند أيضاً لتعامله مع الأتراك ضد الانكليز لإغراض مصلحية ومعاداته للانكليز لأنهم سحبوا البساط من تحته ومن تحت أخيه.

حادثة خان الحماد

عندما إنسحبت الإدارات التركية من مدن ومناطق الفرات الأوسط، عمّت الفوضى أغلب المناطق والمدن.

ففي عام 1917م وتحديداً في 19 ذي الحجة سنة 1336ه، وقعت حادثة بين أهالي كربلاء و (الحواتم) من عشائر بني حسن في منطقة خان الحماد (خان النص) وهي الآن ناحية الحيدرية تتبع لمحافظة النجف الأشرف.

كان أهالي كربلاء وكعادتهم السنوية يذهبون إلى النجف الأشرف لزيارة مرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام) في مناسبة يوم الغدير التي تصادف 18 ذي الحجة من كل عام. ولأن وسائط النقل وقتئذ لا تتعدى النقل على الحيوانات أو المشي على الأقدام، كانوا يذهبون للزيارة مجتمعين.

وكانت بين عشيرة الحواتم وأهالي كربلاء خصومة، وهذه الخصومة بسبب اشتراك عشيرة الحواتم مع بقية عشائر بني حسن بالهجوم والاغارة على كربلاء قبل هذه الحادثة بسنوات، وقد قتل وقتها من الحواتم المغيرين الكثير منهم. وقد جاءت الفرصة للأخذ بالثأر من الكربلائيين عند عودتهم من الزيارة.

وعند إتمام الزيارة وعودة أهالي كربلاء من النجف، ولدى وصولهم إلى منطقة خان الحماد، وكان فيهم شيوخ وأطفال ونساء، فتصدى لهم (الحواتم) بما يقارب من أربعمائة خيال مدججين بالسلاح والعتاد، وقد أحاطوهم من كل الجهات وبدأوا بفتح النار عليهم، والكربلائيون عُزّل مما جعل الكثير منهم يفرُّ في الأراضي الصحراوية المقفرة، وتمت مواجهتهم من قبل بعض الرجال الذين أخذوا على عاتقهم حماية أهل كربلاء وسقط منهم في الحال تسعة أشخاص وعدد كبير من الجرحى. ومن ضمن القتلى كان المرحوم الشيخ (نايف البرغش) (1)رئيس عشيرة السلاميين في كربلاء، وهي من كبريات العشائر في المدينة.


1) وهو : نايف ابن برغش بن هميلة بن زائد بن حمزة بن إبراهيم السلامي كان يرأس السلاميين في كربلاء، وله أربعة أخوة هم صحن وفهد ونجرس وفرمان. وبعد مقتل الشيخ نايف ترأس السلاميين إبنه المرحوم (كَمر) المتوفى سنة 1357ه /1938م. وعند وفاته فقد تقدم السلاميين المرحوم الحاج (حسين النايف).

وصادف في تلك الأثناء أن يكون المرحوم الحاج عبد الجليل العواد (1)

كانت لآل العواد في كربلاء الوجاهة والرئاسة، ولهم مواقف مشرّفة تتسم بالبطولة والشهامة والنخوة، وكانت على الدوام مواقفهم عروبية ووطنية خالصة، ويعدّون من رؤساء كربلاء في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجري . وقد وضع آل عواد بصمات مشرّفة في واقع مدينة كربلاء ... فلا تخلو أي واقعة أو حادثة أو موقف وطني وعروبي إلّا وكان لهذا البيت سهم السبق في المشاركة الفعالة فيه، فرجال هذا البيت أشدّاء ، يتسمون بالرجولة والشجاعة في المواقف الصعبة، وكانوا في طليعة المضحين والمدافعين من أجل سلامة مدينة كربلاء العربية المقدسة.

والحاج عبد الجليل العواد وأخواه عبد الكريم وعبد الرحمن كانوا من أبطال كربلاء ومن الذين شاركوا في جميع الوقائع التي حدثت فيها ، وهم من أبرز الثوار الكربلائيين في ثورة العشرين، حيث عانوا بعدها نتيجة مواقفهم الوطنية من قبل الانكليز، وكانوا بحق من الرجال الميامين وبقي التاريخ يذكرهم بفخر وإعتزاز أعقب الحاج عبد الجليل العواد ولده المرحوم الحاج (أحمد عبد الجليل) الذي كان من الوجهاء وكان مختاراً لمحلة العباسية الغربية لسنين طوال، وأعقب ولده (حيدر).

مع جماعة من أتباعه بالقرب من الحادث، فأسرع لنجدة أهل مدينته وإشتبك مع المغيرين، وأبدى بطولة وبسالة لا نظير لها وتمكن ومعه بعض رؤساء كربلاء من صد عدوان الحواتم والرجوع بالكربلائيين إلى مدينتهم مصطحبين معهم جثث القتلى وكذلك الجرحي.

وبعد سماع أهل المدينة بالحادثة فقد هبّوا للنجدة وكانت المعركة قد إنتهت فإستقبلوهم عند مشارف المدينة ليلاً. وفي صباح اليوم التالي جرى تشييع مهيب لجثمان الشيخ نايف البرغش وبقية القتلى من الكربلائيين.

بقيت هذه الحادثة تذكر في المدينة لسنوات، ويتحدث الناس عن بطولة المرحوم الشيخ الحاج عبد الجليل العواد.


1) المرحوم عبد الجليل العواد، هو عبد الجليل بن عبد الرزاق بن حمود (حمادي) بن مال الله العواد، وآل العواد أسرة عربية عريقة نزحت إلى كربلاء منذ منتصف القرن التاسع الهجري، وأول من سكن منهم في كربلاء هو الشيخ عواد بن سالم بن سهيل بن نجم الدين بن هلال وآل العواد الحاليين هم أولاد عواد بن راشد بن سلمان بن طه بن ياسين بن عواد بن سالم بن نجم الدين بن هلال وفي كربلاء إتخذوا من محلة آل فائز سكناً لهم وتحديداً فى طرف باب (بغداد ، ولهم فيه زقاق بإسمهم يسمى (عكّد ألبو عواد).

الإستفتاء العام

بعد عقد الهدنة عند إنتهاء الحرب العالمية الأولى، نشط الوطنيون وجاهروا وسَعَوا في إجتماعاتهم بأن تصبح في العراق حكومة وطنية، وملك عربي وعَلَم عراقي. وعندما صرّحت الحكومتان الفرنسية والبريطانية بتاريخ 11 صفر 1337ه الموافق ليوم 15 تشرين الثاني 1918م بمنح الأراضي العراقية المحررة من الأتراك حكماً ذاتياً، وإنشاء حكومة وإدارة وطنية يختارها الشعب. ساد الارتياح بين الناس والوطنيين خاصة.

وفيما يلي بلاغ الحلفاء الذي نُشر في باريس ونيويورك ولندن والقاهرة في 8 تشرين الثاني 1918م، وقد نُشر في بغداد يوم 15 تشرين الثاني 1918م:

«إن الغاية التي ترمي إليها كل من فرنسا وبريطانيا العظمى من خوض غمار الحرب في الشرق من جرّاء أطماع ألمانيا هو تحرير الشعوب التي طالما رزحت تحت أعباء إستعباد الأتراك تحريراً تاماً نهائياً، وتأسيس حكومات وإدارة وطنية تستمد سلطتها من رغبة نفس السكان الوطنيين ومحض إختيارهم ولتنفيذ هذه الغايات قد إتفقت كل من فرنسا وبريطانيا العظمى على تشجيع الأقطار التي يسعى الحلفاء في تحريرها والإعتراف بهذه الأقطار بمجرد تأسيس حكوماتها، بل لا لهما إلّا أن تضمنا بمساعدتها ومعاونتها الفعلية سير أمور هذه الحكومات والإدارات التي يختارها السكان الوطنيون سيراً معتدلاً، وأن تضمنا سير العدل الشامل الخالي من شوائب المحابات، وأن تساعدا التقدم الإقتصادي بإنهاض الأهلين وتشجيع مشاريعهم، وأن تساعدا على تعميم التعليم والتهذيب، وأن تضعا حداً للتفريق الذي طالما توخاه الأتراك في سياستهم، هذه هي الخطة التي ستسير عليها الحكومتان المتحالفتان في الأقطار المحررة».

وجاءت التعليمات الصادرة من الحكومة البريطانية إلى وكيل الحاكم الملكي العام في العراق الكولونيل (ولسون) حول الإستفتاء العام لكل العراقيين، ويجري هذا الإستفتاء بإشراف الحكومة، وفيما يلي نص التعليمات الواردة:

من حكومة صاحب الجلالة

إلى وكيل الحاكم الملكي العام الكولونيل ولسن

أرجو أن تقوم بالتأكد من معرفة آراء الأهلين حول النقاط التالية:

1- هل يفضلون تشكيل دولة عربية واحدة تقوم بإرشادها بريطانيا، وتمتد من حدود ولاية الموصل الشمالية إلى الخليج العربي ؟

2- وفي هذه الحالة، هل يرون أن الدولة الجديدة يجب أن يكون على رأسها أمير عربي ؟

3- وإذا كان الأمر كذلك من هو الذي يرشحونه؟(1).

على أثر ذلك فقد إعتقد العراقيون بأن هذه أول بادرة بدرت بعد الحرب العالمية الأولى من قبل الحلفاء في تفعيل مواعيدهم وجعل الحلفاء وفي مقدمتهم بريطانيا أن يكونوا عند حسن ظن العرب وإطمئنانهم، فكان بلاغ الحلفاء ورسالة حكومة بريطانيا إلى وكيل الحاكم الملكي العام في العراق موضع إبتهاج وإرتياح العراقيين لتحقيق ما يصبون إليه.

وعلى ما ورد فقد نشر الكولونيل السير ويلسون بتاريخ 30 تشرين الثاني 1918م الموافق 25 صفر 1337ه- ثلاثة أسئلة تطرح للإستفتاء العام عن شكل الحكومة المستقبلية في العراق، وعن الشخص الذي يريده العراقيون على رأسها.

والأسئلة الثلاث هي:


1) وثائق الثورة العراقية الكبرى ومقدماتها ونتائجها كامل سلمان الجبوري - ج 2 ص 173 .

1- هل ترغبون بحكومة (مستقلة) تحت الوصاية الإنكليزية يمتد نفوذها من أعالي شمال الموصل إلى خليج (العجم)؟

2- هل ترغبون أن يرأس هذه الحكومة أمير عربي؟

3- من يكون ذلك الأمير الذي تختارونه؟(1).

السير ويلسون الحاكم العام للعراق

كانت الحكومة البريطانية قد أبرقت إلى (ولسون) (2)طالبة أن يكون التعبير عن آراء السكان حقيقياً ونزيهاً.

ولكن ولسون أراد أن يثبت لحكومته صحة رأيه في الحكم الملائم للعراق، وأراد أن يثبت لها بأن العراقيين يرغبون من تلقاء أنفسهم في الحكم البريطاني المباشر(3).

فعلم العراقيون من السؤال الأول بأن الإنكليز بدأوا يراوغون ويحيدون عن الحق، وفهموا بأن بريطانيا تريد وضع العراق تحت الوصاية الإنكليزية. فلم يرق لهم ذلك.

كذلك أخذ الإنكليز يوحون إلى أعوانهم بالتأثير على المواطنين لإنتخاب (السير برسي كوكس) ليكون هو الأمير على العراق، وقام الإنكليز بإتباع خطوات على تحقيق ذلك بطرق مختلفة منها الوعد والوعيد ، وكذلك على البعض من معتمديهم الذين يتزعمون بعض مناطق الفرات لتأييد فكرتهم.

فبعد أيام من نشر بيان الأسئلة دعا الإنكليز بعض أشراف ووجهاء المدن ورؤساء العشائر في الفرات للحضور في إجتماع يُعقد في مدينة الحلة، وقد لبى الدعوة من أعيان كربلاء (السيد عبد الحسين الدده) ومن رؤساء عشائرها (عبد المحسن السعود) (4)لم يعرف الانكليز طبيعة العراقيين الأصلاء، فإن الكبير أو الرئيس أو


1) كربلاء في التاريخ / ج 3 ص 41 . والنص التالي تلاعب به ولسون، يرجى مراجعة النصين.

2) أ. ت. ولسون هو القائم بأعمال الحاكم الملكي (البريطاني) العام للعراق.

3) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث د. علي الوردي ج 1/5 ص 72.

4) كربلاء في التاريخ السيد عبد الرزاق الوهاب ج 3 ص 42. نقول: ... علماً بان عبد المحسن السعود لم يكن حينها الشيخ العام لعشيرة المسعود) ولكنه وحسب ما جاء بكتاب العشائر والسياسة (تعريب عبد الجليل الطاهر) أنه كان متعاوناً مع الانكليز وكان يعتبر رجلهم الذي يعتمدون عليه في منطقته.

الزعيم لا يكذب أهله حتى وإن كان على إتصال وصداقة معهم، فالصداقة شيء والوطنية والإنتماء شيء آخر.

ولما إكتمل الحضور تم الطلب من كل واحد من الحاضرين بتقديم مضبطة من محيطه (وإن كانت الأسماء الموقعة موهومة) . فأجاب البعض وإعتذر آخرون، ولم يقدم ممثلو كربلاء والديوانية شيئاً من هذا القبيل.

عندما خاب ظن الانكليز وخاصة حكامهم السياسيين في المناطق، بدأوا يستعملون أساليب التفرقة على قاعدة (فرق تسد)، فتوزع الحكام الإنكليز على المدن الكبيرة في الفرات ليستدرجوا أهلها بقبول نوايا الإنكليز.

فجاء إلى كربلاء حاكم الفرات الأوسط (الميجر تيلر) ودعا معاون الحاكم السياسي لكربلاء (الميجر بوفل) عدداً كبيراً من وجهاء كربلاء ورؤساء عشائرها إلى إجتماع يعقد في السراي إستعداداً لإجراء الإستفتاء.

عُقد الاجتماع في 16 كانون اول 1918م ، وحضره (الميجر تيلر) وقال أن بريطانيا قررت الوفاء بوعدها للعرب، ولذلك تريد رأيكم في نوع الحكم والشخص الذي تختارونه...

كان الكربلائيون قد علموا بإستفتاء النجف، ومفاوضة السير ولسون معهم على الأمر الذي تريده بريطانيا، علماً بأن أستفتاء النجف سبق إجتماع كربلاء... فأناب الكربلائيون الحديث عنهم إلى السيد عبد الوهاب الوهاب، الذي تكلم وطلب مهلة قدرها ثلاثة أيام لكي يتداولوا في الأمر مع غيرهم من أهالي كربلاء، فوافق الميجر تيلر وعاد إلى الحلة.

في ذات اليوم عقد إجتماع في دار السيد محمد صادق الطباطبائي للتداول في الأمر، واعقبه إجتماع آخر في دار آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي، وكان من بين الحاضرين في هذه الاجتماعات من كانت ميولهم إنكليزية، وحصل جدال وإختلاف بين الحاضرين، حيث إقترح البعض إختيار أحد أفراد الأسرة القاجارية (ملوك إيران) اميراً للعراق!!، وإقترح آخرون إختيار أمير عثماني، ولكن الأغلبية العربية

الساحقة أعلنوا رغبتهم في إختيار الأمير عبد الله أو الأمير زيد من أنجال الشريف حسين (نظراً لترشيح السوريين فيصل بن الحسين ملكاً على سوريا) ...

ونتيجة هذه الإختلافات في الآراء ولكي يتم حسم الموضوع الخطير هذا، وتلافياً لظهور الإشاعات المغرضة طلب الكربلائيون فتوى من المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي لتتوضح لهم كيفية تعيين المنهج الذي يجب إتباعه، فقد قدم سؤال إلى سماحته ليأخذوا الجواب موثقاً، والسؤال هو:

«ما يقول شيخنا وملاذنا حضرة حجة الإسلام والمسلمين آية الله في العالمين الشيخ ميرزا محمد تقي الحائري الشيرازي متع الله المسلمين بطول بقائه، في تكليفنا معاشر المسلمين بعد أن منحتنا الدولة المفخمة البريطانية العظمى في إنتخاب أمير لنا نستظل بظله ونعيش تحت رايته ولوائه، فهل يجوز لنا إنتخاب غير المسلم للإمارة والسلطنة علينا أم يجب علينا إختيار المسلم، بينوا تؤجروا».

فأجاب الميرزا الشيرازي على نفس ورقة السؤال بما يلي، وقد أعتبرت فتوى شرعية لا مناص من الإلتزام بها حيث كان الجواب:

«بسم الله الرحمن الرحيم ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين»

20 ربيع الثاني سنة 1337

الأحقر محمد تقي الحائري

(الختم)

وقد أرسلت نسخ عديدة من فتوى المرحوم الشيرازي إلى عشائر الفرات الأوسط وإلى بقية المدن العراقية، وكان لهذه الفتوى تأثير كبير على الأهلين، وكانت صدمة كبيرة للإنكليز.

الصورة

357

فتوى الميرزا الشيرازي حول الإستفتاء

على أثر هذه الفتوى التي وجدت تأييداً كبيراً من علماء كربلاء والذين إقتدوا به في الإفتاء فحرروا ورقة بتحريم إنتخاب غير المسلم لملوكية العراق، وهي نص السؤال وفتوى الشيرازي ووقعها الشيرازي أيضاً ومن بعد توقيعه وقع عليها علماء وخطباء كربلاء، وفيما يلي صورة عن الورقة وأسماء الموقعين عليها:

الأحقر علي الشهرستاني

محمد حسين الحائري المازندراني

محمد علي الحسيني

الأحقر عبد الهادي

الجاني محمد صادق الطباطبائي

الجاني عبد الحسين الطباطبائي

الجاني غلام حسين المازندراني

حرره محمد رضا الموسوي القزويني الحائري

حرره محمد إبراهيم الموسوي القزويني الحائري

الراجي محمد الموسوي البوشهري الحائري

بسم الله تعالى شأنه، رقمه الأحقر الجاني ابن علي الهادي الحسيني الحائري

الأحقر جعفر الهر

الأحقر خادم الشريعة الطاهرة الإسلامية فضل الله الحائري المازندراني

الأحقر الجاني كاظم الموسوي البهبهاني

الأحقر أقل الطلبة شيخ مهدي

الصورة

358

ورقة إفتاء علماء كربلاء

بعد ذلك عقد إجتماع في دار السيد محمد صادق الطباطبائي وثاني وثالث في دار الميرزا الشيرازي، وتم الإتفاق على كتابة مضبطة يوقعها العلماء والوجهاء والرؤساء، حيث قرروا أن يستظلوا بظل راية عربية إسلامية، على أن يكون أحد أنجال الشريف حسين ملكاً مقيداً بمجلس من أهالي العراق... وحررت المضبطة بتاريخ اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة 1337 ه المصادف 18 كانون أول 1918م.

وسميت هذه المضبطة بمضبطة (الوطنيين وإلى القارئ الكريم نصها وأسماء كل من وقّع عليها:

بمنّه تعالى

حسب تبليغ حضرة حاكم الحلة (1)لنا عن الدولة المفخمة البريطانية العظمى أنها قد تفضلت على العراقيين بطلب إنتخاب أي أمير يختارونه، وقد أمرنا أن نجتمع ونتداول الرأي في ذلك ثم نقدم النتيجة إلى حاكم كربلاء فتلقينا أمره بتمام الرغبة وقد سبق الوعد المنشور من الدولة المفخمة البريطانية بالإتفاق مع الدولة الفرنسوية بالعبارة الآتية:

(إن غرض الحكومتين من الحرب في الشرق تحرير الشعوب تحريراً تاماً نهائياً وإنشاء حكومات وإدارات وطنية في سورية والعراق تقوم بها الشعوب بذاتها من خالص رغبتها) كما نشرته جريدة العرب عدد (140) الصادرة في (15 تشرين الثاني 1917) وقد إجتمعنا نحن أهالي كربلاء إمتثالاً لأمركم وبعد مداولة الآراء وملاحظة الأصول الإسلامية وطبقاً لها، تقرر رأينا على أن نستظل بظل راية عربية إسلامية، فإنتخبنا أحد أنجال سيدنا الشريف ليكون ملكاً علينا مقيداً بمجلس منتخب من أهالي العراق لسنين القواعد الموافقة لروحيات هذه الأمة وما تقتضيه شؤونها.

تحريراً في اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة 1337ه(2).

خادم الشريعة المطهرة خادم الشريعة المطهرة ، السيد حسن الطباطبائي محمد علي الطباطبائي، كليدار الروضة الحسينية كليدار الروضة العباسية السيد عبد الحسين(3)السيد مرتضى(4).، نقيب الأشراف السيد محسن(5)، الشيخ عبد الحسين نجل آية الله الشيرازي الشيخ محمد رضا نجل آية الله الشيرازي، السيد عباس ضياء الدين، السيد محمد علي ثابت، السيد عبد الحسين الددة، السيد عبد الوهاب الوهاب، السيد عبود


1) هو الميجر (تيلر) الذي كان حاكم الفرات الأوسط ومقره في لواء الحلة آنذاك، وكانت كربلاء من توابع لواء الحلة يومئذ.

2) الموافق 23 كانون الأول 1918م.

3) هو السيد عبد الحسين بن السيد علي بن السيد جواد آل طعمة.

4) هو السيد مرتضى بن السيد مصطفى بن السيد حسين بن السيد محمد علي آل ضياء الدين.

5) هو السيد محسن بن السيد عباس بن السيد محسن بن السيد كنعان بن السيد حسن آل دراج (النقيب). تولى نقابة الأشراف عام 1336 ه حتى عام 1339 ه في كربلاء.

علي نصر الله السيد محمد مهدي بحر العلوم السيد محمد علي أبو المعالي، السيد سعيد الشروفي، السيد أحمد الوهاب، السيد علي نقي الشهرستاني، السيد جواد، السيد كمال ثابت السيد علي مهدي البغدادي، السيد عيسى الحسيني، السيد حسن علو، السيد صالح النقيب السيد إبراهيم الشهرستاني، السيد عبد الحسين رئيس الخدام، السيد محمود زيني، السيد أحمد ضياء الدين السيد حسين ضياء الدين، السيد مهدي زيني، بحر الشبيب/ رئيس اليسار، كاظم الحسين النجم أحد رؤساء بني تميم، الشيخ عبد الكريم العواد، رئيس آل عواد الشيخ طليفح الحسون ، رئيس النصاروة.، الشيخ عمر العلوان رئيس الوزون، الشيخ علي المحمد المنكوشي رئيس المناكيش، الشيخ عبد علي الحميري . رئيس حمير ، الشيخ محسن العلوان السلامي، رئيس السلاميين.، الحاج علي القنبر / أحد رؤساء بني ،سعد، الحاج راضي الحمزة، علوان الشيخ عباس التاجر الحاج مكاوي عبد الرضا أبو والدة عليوي الحاج غريب، الحاج وهاب الكلكاوي، محمد الكلكاوي، الشيخ محمد علي أبو الحب، الحاج حيدر راضي حيدر، الحاج ،قندي سلمان الشبيب الحاج حسن شهيّب ظاهر الحاج حبيب، الحاج عبد أبو الهر، خضر الحاج عباس عبد الجليل العواد، حسين المحسن العاشور، ملّا سعيد الوكيل، محمد علي الشيخ سلمان وهاب بن محسن زيارة، أحمد الحاج جاسم منغص...، شبيب عزب، عبد علي... الحاج محمد، كاظم أبو آذان.

الصورة

361

الصورة

362

النسخة الثانية من مضبطة الوطنيين

وكما أسلفنا بأن هذه المضبطة سميت بمضبطة الوطنيين، لكن بعض الموالين للانكليز ومن ضعاف النفوس، والذين ربطوا مصالحهم بالمستعمر ابتغاء منافع دنيوية، حرروا مضبطة مخالفة للمضبطة الأولى وطلبوا أن يكون العراق تحت ظل الحكم البريطاني وذلك لمصلحة العموم... وحررت هذه المضبطة بتاريخ 21 ربيع الأول 1337 ه الموافق 24 كانون أول 1918م، أي بعد ستة أيام من المضبطة الأولى.

ووقعت من قبل بعض الذين ندموا فيما بعد على ما فعلوه. وصورة هذه المضبطة سنوردها، ولا نرغب بذكر أسماء الموقعين عليها، لأنها زلة ومثلبة تقع على أحفادهم... مثلما يفتخر أحفاد من وقع على المضبطة الأولى لما قام به آباؤهم وأجدادهم من موقف وطني شريف نابع من الجذر العربي الأصيل الذي ينتمون إليه.

يقول المرحوم السيد عبد الرزاق عبد الوهاب الوهاب في ج 3 المطبوع من كتابه (كربلاء في التاريخ) ما نصه:

«ولما كان الحاكم الإنجليزي (بوفل) (1)لبق اللسان فإنه تمكن من إغراء بعض الكربلائيين القصيري المدى والقريبي النظر الذين يسعون لإرجاع بعض الأسرى من الهند أن ينظموا مضبطة يمليها عليهم فيوقعوها - ولو من بضعة أنفار – ليثبت بها عدم عجزه أمام مرجعه الرسمي في تنفيذ الأوامر الصادرة إليه ومقابل ذلك تعهد لهم بتشبثه لدى ذلك المرجع بجلب المنفيين من الهند فإستزلهم الشيطان ونسوا ذكر الله ودنسوا شرف الأمة وكرامة الوطن وكان ما أراد ونظمت المضبطة»(2).

وفيما يلي نص مضبطة هؤلاء، ويلاحظ مدى الضعف والركة والأخطاء اللغوية والخضوع فيها:

لحضرة الأجل الأكرم الحاكم الملكي بكربلاء المحترم معروضات عموم أهالي كربلاء المقدسة هو أنه حسب الأمر الصادر علينا من حكومتنا العادلة البريطانية العظمى دامت عدالتها بالإنتخاب بإختيار أميراً للعراق من خليج فارس إلى موصل فأطعنا الأمر المذكور وقد إجتمعت أفكارنا عموماً وصار نظرنا على ما فيه صلاح العموم بأن تكون تحت ظل حكومتنا العطوفة الرؤفة البريطانية العظمى مدة من الزمان لترقي العراق خصوصاً ممالكنا وتعمير بلادنا.


1) الكابتن (بوفل) هو الحاكم العسكري في كربلاء إثناء الإستفتاء العام وقد أختير ليكون حاكماً على كربلاء لما يتمتع به من معرفة ومرونة بالتعامل عكس الذي سبقه وهو الكابتن (براي) الذي كان شرسا وقد أحسّت حكومة الاحتلال بسلبياته فإضطرت لتغييره بعد عدة أشهر من إستلامه منصبه وعيّنت بدله الكابتن (النقيب) بوفل.

2) كربلاء في التاريخ السيد عبد الرزاق الوهاب ( ج 3 المطبوع فقط) ص 50 وص51.

ويكون بذلك مصلحة للعموم والأمر لمن له الأمر. 21 ربيع الأول 1337ه-

الصورة

364

صورة المضبط الثانية

هذه المضبطة على ما فيها من مخازي وسوء سمعة فإن عدة أشخاص من الجهلة وقعوها وأرسلوها إلى الحاكم إلا أن الحاكم رجع عن رأيه السابق فلم ير ما يسد الثلمة التي تحدثها مضبطة الوطنيين لدى المراجع المختصة لسبك عباراتها وقوة

الإستفتاء العام

حجتها وسمعة الموقعين فيها فعدل عن إرسالها معاً، ومن وجهة نظر ثانية إلى خطر موقفه فيما إذا أرسل مضبطة الوطنيين وأهمل الأخرى فيكون بمثابة العاجز عن تنفيذ الأوامر الصادرة إليه، الأمر الذي يستوجب مسؤوليته فقرر إهمال المضبطتين معاً، ولما قدّمت مضبطة الوطنيين إليه رفضها بحجة عدم تقديمهم إياها بوقتها المعين وإحتفظ بالثانية، وبعد يومين دفع بالثانية إلى السيد عبد الحسين الددة قائلاً له: «لا حاجة لي فيها، إفعل بها ما شئت»(1).

وقد ندم بعض الموقعين على المضبطة الثانية على ما قاموا به، وقد إعترفوا بذنبهم وطلب قسم منهم التوقيع على المضبطة الأولى!!

كان إستياء الحاكم الانكليزي من المضبطة الأولى واضحاً، وعذره في عدم تسلّمها بإعتبار إن الوقت قد إنتهى لقبولها وهذا الأمر لا يقبل الشك في إظهار إستياءه وإلا لماذا وجّه أعوانه بكتابة مضبطة أملاها عليهم وإستلمها منهم، ومن ثم أعادها كما أسلفنا !!

كان الوطنيون بقيادة المرحوم الميرزا محمد تقي الحائري قد إحتفظوا بنسخة من تلك المضبطة وأرسلو النسخة الثانية إلى الشريف (الحسين بن علي) بيد المرحوم الشيخ محمد رضا الشبيبي، وكان الغرض من إرسالها أن هو يستند عليها الشريف حسین عندما يطالب الإنكليز بالعهود التي قطعوها ...

وكانت مضبطة الوطنيين الكربلائيين وتوجيهات الميرزا الشيرازي حافزاً للعشائر الفراتية بحيث نظموا مضابط أخرى في نفس المضمون وأرسل قسم منها إلى الشريف حسين مع مضبطة الوطنيين الكربلائيين، وقسم آخر تأخر في كربلاء لورودها بعد سفر المرحوم الشبيبي.

يتبين من ذلك ان كربلاء كانت مع النجف والكاظمية وبغداد مدناً معارضة في إستفتاءاتها على الحكم تحت ظل الوصاية البريطانية. ونادت هذه المدن بإستقلال العراق، وإتفقوا جميعاً على رئاسة البلاد من قبل ملك عربي من أنجال الشريف


1) المصدر السابق ج3 ص 53.

حسين، ولكن بقية المدن والبلدات إنصاعت لتأثيرات الانكليز، وما كان يخطط له الحاكم الملكي الانكليزي في العراق (ولسون).

لم يفتر كل ذلك من عزيمة الوطنيين وإستمروا في المطالبة بتحقيق مطالبهم المشروعة، ولم يقف الميرزا محمد تقي الشيرازي مكتوف الأيدي.

فقد تحرك على عدة محاور منها إتفاقه مع (شيخ الشريعة) فتح الله الإصفهاني بإرسال رسالة إلى الرئيس الأمريكي (ولسون) عن طريق سفير أمريكا في طهران، كما قاما بإرسال رسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي يطلبان مساندته في دعم العراقيين بإقامة دولة عربية مستقلة إسلامية يرأسها ملك مسلم مقيد بمجلس وطني، وهذه الرسالة أرسلت بمناسبة إنعقاد مؤتمر باريس الذي يحضره الرئيس الأمريكي.

وعلى صعيد آخر أرسل الميرزا الشيرازي رسالة إلى الأمير فيصل بن الحسين يفوّضه في مطالبة مؤتمر السلام وجمعية الأمم بتحقيق الإستقلال التام العاري عن الحماية والوصاية والتدخل الجنبي.

كانت الرسالة الأولى للسفير الأمريكي في طهران قد كتبت باللغة الفارسية وأدناه ترجمتها :

التاريخ خامس شهر جمادي الأولى طهران تحظى بخدمة جناب الأجل سفير دولة 1337 أمريكا المتحدة في طهران المحترم

بعد الإحترام اللائق، لزمنا أن نحرر لكم في هذه الآونة على سبيل الإختصار ونظراً لما أملته حكومة الدولة المعظمة أمريكا والشروط التي قدمها رئيسها لإحقاق الحق وتحرير الشعوب، فقد رأينا أن نراجع حكومتكم بتوسطكم ونستعين بها في نيل حقوقنا بتشكيل دولة عربية إسلامية، وأنتم تعرفون بأن كل أمة محاطة بقوى عسكرية محتلة فلا رأي مستقل لها في التعبير عما في ضميرها ورأيها في الحرية والإستقلال، وحرية الرأي في هذا الزمان لا يطمئن لها والناس يخافون أن يعلنوا رغباتهم نتيجة الظروف القاسية المحيطة بهم، ولهذا السبب فإن أهالي العراق يتوسلون بدولتكم المعظمة لتعينهم على المطالبة بحقوقهم وتحقيقها.

محمد تقي الحائري الشيرازي

الصورة

367

رسالة الشيرازي إلى سفير أمريكا في طهران

وفيما يلي رسالة الميرزا الشيرازي وشيخ الشريعة الإصفهاني في 12 جمادي الأولى سنة 1337ه بمناسبة إنعقاد مؤتمر باريس إلى الرئيس الأمريكي (ولسون)

يطالبونه مساعدة ودعم العراقيين في تأسيس دولة عربية إسلامية مستقلة يرأسها ملك عربي مقيّد بمجلس وطني كما وردت بالنص الوارد في صورة الرسالة التالية:

لحضرة رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية المحترم

إبتهجت الشعوب جميعاً بالغاية المقصودة من الإشتراك في هذه الحروب الأوربية من منح الأمم المظلومة حقوقها المدنية والإستقلال حسب المنشورات عنكم وإنكم بما كنتم البدء في هذا المشروع مشروع السعادة والسلام العام لابد وأن تكونوا الملجأ في رفع الموانع عنه وحيث شكل مانعاً قوياً من ظهور رغائب كثير من العراقيين على حقيقتها حين ما أظهرت الدولة الفخيمة البريطانية الحرية في إظهار رغائبهم مع أن الرأي السائد وللرغبة الصادقة منهم بما هم أمة مسلمة حرية قانونية إختيار دولة جديدة عربية مستقلة إسلامية وملك مسلم مقيّد بمجلس وطني وأن الكلام في أمر الحماية ينتظر به تمام مؤتمر الصلح العمومي فالأمل منا بما أنا مسئولون للعراقيين في بت آمالهم وإزالة الموانع عن إظهار رغائبهم بما يكون كافياً ليظهر الرأي العام على حقيقة الغاية التي طلبتموها في الحرية التامة ويكون لكم الذكر الخالد في التاريخ بحرية العراق ومدنيّته الحديثة.

محمد تقي الحائري الشيرازي

في 12 ج 1 1337

(ختم)

شيخ الشريعة الإصبهاني (ختم)

الصورة

369

نص رسالة الميرزا الشيرازي وشيخ الشريعة الإصفهاني للرئيس الأمريكي

وفيما يلي نص وصورة الكتاب الذي بعثه الميرزا محمد تقي الشيرازي في 8 رمضان سنة 1337 ه إلى الأمير فيصل بن الحسين يفوضّه في مطالبة مؤتمر السلام وعصبة الأمم بتحقيق إستقلال العراق التام:

بسمه تعالی

إلى صاحب السمو الأمير فيصل نجل ملك العرب الحسين بن علي خلد الله ملکه

لقد بلغنا ما بذلتموه من المساعي العظيمة وما تحملتموه من المجهودات الكبيرة لإستقلال البلاد فإستبشرنا بذلك كثيراً وقدرنا نهضتكم حق قدرها فشكر الله سعيكم وجزاكم أحسن الجزاء وتيقنوا أن عيوننا معاشر العلماء الروحانيين شاخصة إلى مدافعتكم ونعتبر مطالبتكم بإستقلال البلاد صادرة من اعماق نفوسنا وصميم ضمائرنا وها نحن نوجب عليكم لما لنا من صفة التمثيل للطائفة الجعفرية مواصلة سعيكم إلى النهاية حتى يتحقق إستقلال العراق إستقلالاً تاماً عارياً عن شائبة الحماية والوصاية وقد فوّضناكم في خصوص مطالبة مؤتمر السلام وأعضاء عصبة الأمم على تحقيق إستقلال البلاد التام وفقنا الله وإياكم للعمل بما فيه مصلحة الأمة

8 رمضان سنة 1337 الأحقر محمد تقي الحائري

الصورة

رسالة الميرزا الشيرازي إلى الأمير فيصل بن الحسين

وقد أرسل أهالي كربلاء وعدد من رجال الدين رسالة إلى الأمير فيصل بن الحسين يخولونه بمطالبة مؤتمر السلام وعصبة الأمم بإستقلال العراق، وترشيح أخيه الأمير عبدالله بن الحسين لعرش العراق، وفيما يلي نص الرسالة وأسماء الموقعين

عليها وصورة منها :

بسمه تعالی

إلى صاحب السمو الأمير فيصل نجل جلالة ملك العرب الحسين بن علي خلّد الله ملکه

ياسمو الأمير الكبير لقد بلغنا ما بذلتموه من الجهد العظيم لإستقلال البلاد العربية فقدرنا موقفكم حق قدره وأعظمنا نهضتكم الشريفة ولازال ولن يزال لجهادكم الكبير في سبيل أمة العرب الكريمة والدفاع عن حقوقها المشروعة شأن عظيم عند كافة العراقيين الذين بايعوا جلالة والدكم ملك العرب وقد صرحوا بذلك غير مرّة على ألسنة الصحف والمناشير العربية وفي الإنتخابات السابقة. ها نحن معاشر الكربلائيين نعرض لسموكم رغائبنا الصادرة من أعماق نفوسنا وصميم قلوبنا على إختلاف طبقاتنا ونصرح أمام المؤتمر العادل وأمام عصبة الأمم وأمام الحكومات الدمقراطية في كل أنحاء العالم، بأننا قد وكلناكم وفوضناكم تفويضاً مطلقاً في مطالبة مؤتمر السلام ووكلاء الدول العظام بإستقلال العراق إستقلالاً تاماً عارياً عن شائبة الحماية والوصاية في ظل الوحدة العربية تحت إمارة سمو أخيكم الأمير عبدالله الشريف أيده الله وحرسه مقيّداً بمجلس تشريعي وطني. ونحن نسأل الله تعالى ان يحقق آمالنا ويوفقنا للقيام بواجبات حياتنا وضروريات إستقلالنا ودوموا مظفرين.

12 رمضان 1337

ملاك . محمد نور عويّد، رئيس عشيرة السلامة وملاك. گمر ابن نايف البرغش، من الأشراف السيد ناصر نصر الله زاده عفي عنه (ناصر علي الأحمد آل نصر الله) من الأشراف وهاب زاده السيد (عبد الوهاب عبد الوهاب الوهاب آل طعمة)، ملاك الحاج راضي الحمزة، رئيس عشيرة الناصرية (النصاروة)/ هادي الحسون ملاك / محمد علي بن عبد الرضا، رئيس عشيرة الوزون/ عمر الحاج علوان من الأشراف وأحد رؤساء سدنة الروضة المقدسة الحسينية وزعيم آل العلامة السيد

نصر الله الحائري/ السيد (عبود علي الأحمد آل نصر الله)، ملاك/ كاظم بن جواد زنكي سركال عبود بن حاج علي الأجحل مختار في كربلاء/ محمد علي الشيخ سلمان، رئيس العواودة عبد الكريم العبد الرزاق عبد الكريم العواد)، تاجر/ الحاجي سعيد بن زراني، مجيد بن جار الله ( من رؤساء بني سعد)، عثمان الحاج علوان (من رؤساء الوزون - خفاجة)، تاجر / حاجي حسون ابن سعودي، رئيس عشيرة النصاروية (النصاروة - عبادة ) / طليفح الحسون ، قصابي (القصاب)/ عبد علي بن مهدي، ملاك / محمد بن علوان الدخيل، ملاك/ أحمد بن حاج جاسم

يا سمو الأمير الكبير

نحن أعيان حملة عرش العلوم الشريفة في كربلاء المشرفة، قدرنا مساعيكم العظيمة وما بذلتموه من الجهاد الكبير والتفادي الخطير لإستقلال البلاد العربية وها قد فوّضناكم تفويضاً مطلقاً كما فوّضكم أشراف وزعماء كربلاء وإننا ننتظر بفارغ الصبر إنقاذ البلاد العراقية من الحكم الأجنبي وتخليص نفوس الأمة العراقية الكريمة التي ما زالت تئن من نير الإستبداد والإستعباد ودمتم لخير الأمة والبلاد.

12 - رمضان سنة 1337

من حملة عرش العلوم الشريفة . يحيى الزرندي

خادم الشريعة المقدسة . السيد حسن الطباطبائي آل صاحب الرياض الشهير بالحاج أغا

من حملة عرش العلوم الدينية . السيد محمد مهدي المولوي

من حملة عرش العلوم الشريفة . السيد محمد علي الطباطبائي

الصورة

373

رسالة أهالي كربلاء إلى الأمير فيصل بن الحسين

الوضع العام ونشوء الحركة الوطنية في كربلاء

بعد مضي سنة واحدة على الاحتلال البريطاني للعراق، بدأت الأحوال في مدينة كربلاء تضطرب والشعور الوطني المناهض للاحتلال يتنامى بين طبقة واسعة من الوطنيين وأصحاب الفكر والرأي من أبناء المدينة.

تم ذكر الأحداث التي عاشتها كربلاء إثناء الحرب العالمية الأولى وسنوات الاحتلال، أي تحديداً الأحداث التي جرت في المدينة منذ عام 1914 إلى عام 1918م.

وعندما جاء الميجر (بولي) (1)الحاكم السياسي في كربلاء، حل الهدوء وإستقرّت الحالة العامة. لكن توارد الأخبار عن الشريف حسين وأولاده وإنتصاراتهم على الأتراك، وما كان يدعو إليه البريطانيون من وعود عن الحكومة العربية، وحيث أن الوطنيين في كربلاء كانوا يبحثون عن (رمز) يلتفون حوله بعد أن بدت لهم بوادر نقض المحتلين شيئاً فشيئاً للوعود التي نادوا بها، وبدأ المستعمر التقرب إلى طبقة خاصة في المجتمع منهم الروحانيون والأشراف والرؤساء والتجار من عراقيين وغير عراقيين، وتمكنهم من الوصول إلى فئة قليلة منهم لإستغلالهم حتى يكونوا أداة طائعة بيد المستعمر المحتل، وللتأثير على الرأي العام ليحققوا مآربهم.

في هذه الفترة بالذات أسست شريحة واعية ومؤمنة تختلف عن الفئة التي إعتمد عليها المحتل وقربها. فقد أسس الوطنيون في كربلاء (الحزب الإسلامي) أو ما سمي بـ(الجمعية الإسلامية)، وكان هدف الجمعية رفض الحكم الانكليزي


1) بعد أن قام الإنكليز بنفي (فخري كمونة) إلى الهند وبعده بفتره أخيه (محمد علي) حيث وجهت لهما تهمة مراسلة العدو (العثمانيون)، وأنهما يمهدان التموين جيش الأتراك بالتجارة والأطعمة، فقد عيّنت الميجر (بولي) حاكماً سياسياً في كربلاء، وكان مرناً في تعامله وبقي في كربلاء إلى تاريخ 15 حزيران 1918م (16) رمضان (1337ه) وخلفه الكابتن (براي).

والمطالبة بإستقلال العراق وإختيار ملك مسلم له. وكان يشرف على الجمعية آية الله الميرزا الشيرازي، وهذه الجمعية أشبه بحزب مُنَظّم يرأسه الميرزا محمد رضا بن آية الله محمد تقي الشيرازي. ويضم هذا الحزب كلاً من المرحومين:

السيد محمد علي هبة الدين الحسيني.

السيد حسين آل صاحب الضوابط.

السيد عبد الوهاب الوهاب.

الحاج عبد الكريم العواد. رئيس آل العواد.

الشيخ عمر والشيخ عثمان ولدا الحاج علوان . (رؤساء الوزون) من خفاجة.

الحاج عبد المهدي القنبر . من رؤساء بني سعد.

الشيخ محمد علي أبو الحب من المشايخ والوجهاء في المدينة.

الشيخ محمد حسن أبو المحاسن المالكي . الأديب والشاعر والسياسي الشهير. وإنضم إليهم من السادة من آل طعمة وآل نصر الله وآل ضياء الدين وآل النقيب وآل ثابت وغيرهم من وجوه البلد ورؤساءه... وسوف نتطرق إلى جميع الأسماء لاحقاً عند التطرق إلى تطورات الموقف مع المحتل...

كان هدف هؤلاء هو تشكيل جبهة متينة ملتفة حول قيادة الشيرازي لمحاولة تغيير الحالة العامة، ووضع لبنة لتأسيس حكومة عربية إسلامية. وكانت تأتيهم الوعود بتحقيق مطالبهم لحين إنتهاء الحرب العالمية الأولى في 1918/11/11م، وبعد أن تحقق الانتصار للانكليز وحلفائهم في 21 تشرين الأول 1918م، لم يتحقق شيئاً من الوعود.

دعا الحاكم الانكليزي في كربلاء إلى إحتفال كبير بهذه المناسبة أقيم في (خان القطب) (1)وحضره خمسة آلاف شخص، وزّعت فيه الحلويات من قبل بلدية


1) من أكبر الخانات التي كانت موجودة في كربلاء مساحة، وأشهرها، كان يستغل مكاناً للإحتفالات قديماً لعدم وجود الساحات العامة في المدينة التي كان يحيطها سور. يقع هذا الخان في الجهة الجنوبية الشرقية من محلة باب النجف ويلتصق بالسور، وقد بني في القرن الثامن عشر الميلادي (الثاني عشر الهجري)، وكانت بنايته تحتوي على المزخرفات والمقرنصات البديعة، أستغل مكاناً لإيواء المسافرين، وللتجمعات الكبيرة وفى النصف الأول من القرن العشرين كانت تقام فيه المسرحيات الفنية، وقد أصابه الإندثار وأقتطع جزء منه قبل سنوات ليستغل كمقهى سمي بمقهى (الزوراء).

كربلاء، وتكلم الحاكم الانكليزي شارحاً أهمية إنتصار الانكليز ونوايا حكومته. ولم تخلُ كلماته المبطنة عن الترهيب والتهديد وتلى على الحاضرين منشور قائد جيش الاحتلال في العراق الجنرال (السير وليم رين مارشل).

بعد ذلك قام الحزب الإسلامي في كربلاء أو ما بالجمعية الإسلامية، ببث الروح القومية والاسلامية بين المواطنين. ودعت هذه الجمعية رؤساء العشائر والزعماء من الوجهاء من مختلف مدن العراق إليها، وسعت إلى نبذ الاختلاف بين العشائر ليسود الوئام بين العراقيين.

لم يتمكن الانكليز الحد من التحرك الإسلامي في كربلاء، وذكرت ذلك (المس بیل) رئيسة قسم الاستخبارات البريطانية في العراق، في تقرير رفعته إلى حكومتها في شباط عام 1919م، أبدت فيه إمتعاضها مما يجري في كربلاء بعد إصدار الفتوى(1). وإتهمت جواسيس ودعاة عثمانيين بالوقوف وراء ذلك وقالت:

«لديها أدلة تظهر جواسيس ودعاة من الاستانة كانوا يعملون ضدنا في هذه المدينة (كربلاء) وقد وقعوا في أرض صالحة لما يزرعون»(2).

تشكلت جمعيات مماثلة في بغداد والنجف والحلة وغيرها من مدن العراق، وكانت هناك مراسلات ومنشورات متبادلة ترسل سراً لكي لا تقع بيد حكومة الاحتلال وجواسيسها، وكان هناك أشخاص يعملون في الحكومة ولكنهم كانوا متعاطفين مع هذا التيار الوطني، وكانوا يتصلون بالشيخ (محمد رضا نجل الشيرازي) لأخذ الحيطة والحذر من بطش السلطة، أمثال المرحوم الأستاذ (خليل عزمي) الذي كان يشغل وظيفة وكيل متصرف كربلاء، وكذلك أحد الموظفين هو (السيد مهدي) الذي عمل لاحقاً في مجلس النواب عندما تشكل أبان الحكم الوطني، فكانا يخبران الجمعية بكل ما تقوم به الحكومة لحماية عمل الجمعية السري.


1) أفتى آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي بما يلي: «ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للامارة والسلطنة على المسلمين» .. وأرسلت الفتوى إلى مدن العراق وبلداته، وأفتى عدد من العلماء بمثل ما أفتى به الميرزا الشيرازي.

2) رسالة ماجستير / عبد الرحيم الرهيمي ص 204.

بدأت المنشورات تأخذ دورها وتلهب الحماس لدى الناس، وكانت تؤكد على عظمة الأمة العربية ودورها التاريخي العظيم بين الأمم... ويجب إنتظار سنوح الفرص لإستقلال الأمة العربية وإعادة العز والسلطان لها ، كما نهضت سوريا منادية بالاستقلال فنالته ...

وإمتدت المراسلات بين الجمعية وزعماء الفرات الأوسط، بل تعدت إلى أقصى حد حتى وصلت إلى عشائر (المنتفك) المعروفين بالشهامة والنخوة العربية الأصيلة، وكانت المراسلات تدعو إلى الاتفاق على المطالبة بالاستقلال...

ووصلت مضابط رؤساء العشائر إلى الجمعية في كربلاء تؤكد معاهدتها وسعيها في سبيل تحرير العراق.

أصدر المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي في ربيع الثاني عام 1337 ه الموافق 1/23/ 1919م فتوى بعدم إختيار غير المسلم للحكم، ونص الفتوى ما يلي:

«ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للامارة والسلطنة على المسلمين».

وإنتشرت هذه الفتوى في الفرات الأوسط وبقية مدن العراق، وأيدها سبعة عشر عالماً من علماء كربلاء.

كانت هذه الفتوى عاملاً مهماً في تطوير الوعي السياسي في العراق الذي جعل الدين والوطنية في إطار واحد وصار الوطني متديناً والمتدين وطنياً، وأصبح شعار الحركة الوطنية الجديدة (حب الوطن من الإيمان).

لابد من ذكر حقيقة معينة وهي أن أهل المدينة وعلمائها كانوا منقسمين إلى قسمين:

فريق من أهل كربلاء وبعض العلماء وهم الأقلية موالين لسلطة الاحتلال، وفريق آخر مناوئ له. والموالين لم يجهروا بولائهم خشية سوء السمعة وتعرّض الناس لهم، ولكنهم بإتصالاتهم الجانبية أعربوا للحاكم السياسي في كربلاء عدم رضاهم عمّما تقوم به الجمعية الإسلامية ...

في 2 آب 1919م ألقت السلطات الانكليزية القبض على ستة أشخاص من أهالي كربلاء وهم:

1- الشيخ عمر العلوان/ رئيس الوزون.

2- الحاج عبد الكريم العواد/ رئيس آل العواد.

3- الشيخ طليفح الحسون/ رئيس النصاروة.

4- الشيخ محمد علي أبو الحب/ الخطيب المشهور.

5-السيد محمد علي الطباطبائي.

6 - السيد محمد مهدي المولوي.

وسُفّروا إلى بغداد تمهيداً لنفيهم إلى الهند، محاولة من الانكليز كإجراء رادع ضد الجمعية الإسلامية التي يرأسها نجل آية الله الشيرازي.

في 5 آب 1919 المصادف 28 ذي القعدة 1337ه-، أرسل آية الله الشيرازي رسالة إلى الحاكم البريطاني (ولسون) طالباً إخلاء سبيلهم لأنهم لم يقوموا بفعل يستدعي ذلك عدا مطالبتهم السلمية بحقوق بلدهم.

أجابه ويلسون برسالة ذكر فيها :

... بأن كربلاء أصبحت تؤوي أشخاص يشوّشون أفكار الناس ضد الحكومة البريطانية، وأنه كان يعتقد بأن الأمور سوف تتحسن إلا أن البعض قد زاد من جسارته وأن الأربعة أشخاص الأوائل من أهل المدينة ليست لهم علاقة بكم، ولا مع العلماء أو الروضات المطهرة، أما السيدان الآخران فإنهم ينشرون الاشاعات الكاذبة ضد الانكليز، ونظراً لرسالتكم فقد قررنا إرسال السيد محمد علي الطباطبائي إلى سامراء يسكن فيها، ولا يتدخل بأمور الناس. أما المولوي ولكونه هندي الأصل فنرتأي إرساله إلى موطنه الهند ليعيش هناك بحرية وأن يستريح الناس من إشاعاته، وأرسلت إليكم (النوّاب محمد حسين خان) الذي يعمل بخدمتنا ونعتمد عليه ولديه معلومات ينتقلها إليكم.

عند وصول هذا الرد عزم آية الله الشيرازي الهجرة إلى إيران ليفتي بالجهاد ضد الانكليز. وعندما شاع هذا الخبر، بدأت الرسائل ترد إليه من الكاظمية والنجف وغيرها من مدن العراق وذكروا في حالة هجرته فسوف يسلكون نفس الدرب لأن حادث كربلاء قد أدمى قلوبهم، وهو إعتداء على الإسلام والعلماء، والمس بكرامة

أهل البيت، ووقع على تلك الرسائل كل من سيد كمال الدين ومحمد رضا الشبيبي ومحمد الشيخ يوسف وسيد حسين كمال الدين وعبد الرضا السوداني وسيد أحمد الصافي وسيد سعيد جريو(1).

وبعد أربعة أشهر إضطر (ولسون) إلى إسترضاء آية الله الشيرازي، فأرسل مبلغاً كبيراً من المال بيد محمد حسين خان الكابولي، فرفضه الشيرازي، وإضطر ولسون إلى إعادة المبعدين إلى كربلاء وذلك في 2 كانون أول 1919م، وإستقبلوا إستقبالاً رائعاً ... وصاروا قدوة للباقين الذين تمنوا أن يصلوا إلى وطنية هؤلاء الأبطال، وشعر الكربلائيون بلذة الإنتصار.

عندما وصلت إلى كربلاء أنباء المعاهدة الإيرانية البريطانية... ففي 11 نيسان 1919 دعا الشيرازي كلاً من شيخ الشريعة (فتح الله الاصفهاني) من النجف، والعلامة السيد (إسماعيل الصدر) من الكاظمية للاجتماع في بيته لغرض التداول بشؤون تلك المعاهدة، ثم أرسلوا إلى (وثوق الدولة) رئيس وزراء إيران طالبين منه الامتناع عن عقد المعاهدة.

لم تؤثر الرسالة في وثوق الدولة، ووقع المعاهدة في 9 آب 1919. وفي 20 آب 1919 أُقيمت حفلةٌ في ساحة الميدان (2)في كربلاء، وخطب فيها (حماد خيري) وهو مصري وموظف لدى الانكليز، فنقم الايرانيون المقيمون في كربلاء على هذه المعاهدة، وكان ابن الشيرازي أكثر الناس نقمة عليها ... وفي إيران تطورت الأحداث التي بسببها إضطر وثوق الدولة إلى الاستقالة في ربيع عام 1920م وألغيت المعاهدة فيما بعد.


1) كربلاء في التاريخ/ عبد الرزاق الوهاب ج 3 ص 85.

2) ساحة الميدان هي ذاتها ساحة الميدان الحالية في كربلاء على شارع الجمهورية. كانت سابقا عبارة عن أرض زراعية خارج سور المدينة تسمى ب- (بستان أم الجلاب)، وتعود إلى بيت هدو الحاليين في كربلاء. وعندما فتح الوالي مدحت باشا محلة العباسية سنة 1868م تم تهديم جانب السور الجنوبي من محلة باب النجف، وأصبحت ميداناً وحديقة عامة تفصل بين المحلة الجديدة والمدينة القديمة. وفي الربع الأول من القرن العشرين بنيت فيها بناية بلدية كربلاء، ومن ثم أزيلت بعد بناء بلدية كربلاء الحالية، وأنشأ محلها خزان ماء وحوله حديقة جميلة، وتم إلغاء الخزان في نهاية الستينات وأصبحت ساحة لوقوف السيارات. وكانت ساحة الميدان تستعمل سابقاً للتجمعات ومركزاً للاحتفالات في مدينة كربلاء.

وعودة قليلة أخرى ضمن تسلسل التواريخ ... ففي 14 أيلول 1919 نُقل الميجر (بوفل) من كربلاء إلى طويريج (الهندية)، وعُيّن بدلاً عنه رجل من أصل إيراني إسمه (المرزا محمد البوشهري)، والذي عرف فيما بعد بإسم (محمد احمد المحامي) وكان موظفاً في القنصلية البريطانية في (بوشهر) الإيرانية، وفي الحرب عيّنه الانكليز قاضياً في البصرة. وعند نقله إلى كربلاء منحه الانكليز لقب (خان بهادر) فصار إسمه (الميرزا محمد خان بهادر). وكان يقصد (ولسون) من تعيينه كسب رضا آية الله الشيرازي وأهل كربلاء... والمعلومات تشير بأن الشيرازي كان يلوم حاكم كربلاء الجديد ولم يكن راضياً عنه.

وفي أوائل آذار 1920 أصدر آية الله محمد تقي الشيرازي فتوى حرّم فيها توظف المسلمين في الادارة البريطانية.

كربلاء في ثورة العشرين

في هذا المبحث نحاول أن نركّز على دور مدينة كربلاء في ثورة العشرين، وما حدث فيها خلال أيام الثورة وماسبقها. ودور المدينة وأهلها في تلك الفترة. إذا ما علمنا بأن ثورة العشرين عمّت العراق من شماله إلى جنوبه.

لم نشأ أن نتحدث عن الثورة بشكل عام ومفصل في بحثنا هذا، ولكن سنذكر بالتفصيل كل ما يتعلق الأمر بمدينة كربلاء إستمرارا للبحث. لكون ذلك يعدُّ فصلاً مشرقاً من تاريخها لأن كربلاء أعتُمدَت كمقر لقيادة الثورة، فكانت الفتاوى تصدر منها والاجتماعات تعقد فيها، إلى أن وصلت الحالة بأن يرفع فيها أوّل علم وطني للعراق، وتتشكل فيها حكومة الثورة.

فإن (الثورة العراقية الكبرى) التي سميت بثورة العشرين لإنطلاقها في منتصف عام 1920م، بعد أن كان التمهيد لها بفترة قاربت سنة كاملة.

دور المرجعية الدينية

عندما إحتل الانكليز العراق، كان السيد كاظم اليزدي (آية الله محمد كاظم الطباطبائي اليزدي) متصدياً للمرجعية الدينية، ويعتبر هو المرجع الأعلى للشيعة ومقره في النجف الأشرف...

رغم أن اليزدي أفتى ضد الإنكليز، وأرسل ولده إلى جبهات القتال مع العلماء المجاهدين، فقد إتهمه البعض وقد يكونوا من المنافسين له بأنه على علاقة بالإنكليز، فإن الوثائق البريطانية ذكرت بأنهم كانوا على علاقة جيدة معه. حيث ورد في تقرير سري انكليزي عن السيد اليزدي عند وفاته ما نصه:

(أن نفوذه كان يستخدم بلا إنقطاع في مصلحتنا، وموته خسارة جدية لنا).

كما أن تقرير سري بريطاني آخر ، ذكر علاقته الحسنة بالانكليز... حيث ورد في التقرير هذه العبارة...

(إننا نستطيع ان نعتمد على مساعدته دائماً بشرط أن لا نذكر إسمه رسميا)(1).

كما أن أهالي النجف قد إتخذوا منه موقفاً سلبياً عندما طلبوا منه التدخل لدى الانكليز سنة 1918م حول منع تنفيذ حكم الاعدام الصادر بحق عدد من ثوار النجف، وكانوا أحد عشر شخصاً، فرفض التدخل لدى الانكليز وكان بإمكانه إلغاء التنفيذ، أو على الأقل تخفيف الحكم... ورفضه التدخل أدّى إلى تنفيذ حكم الاعدام بهؤلاء الأبطال أمام أهلهم وأبناء مدينتهم... وكانت كلمة منه تنقذهم حتى لو لم يكن صديقاً للانكليز لأنهم (أي الانكليز) يعرفون تأثيره وموقعه جيداً.

والكثير من وثائق ثورة العشرين تذكر بأن السيد اليزدي كانت له فتاوى ضد الاحتلال الإنكليزي. وعلى كل حال فقد توفي السيد كاظم اليزدي في 30 نيسان 1919م. وكان هناك عدة أسماء في الحوزة الدينية لديهم القدرة والمكانة العلمية للتصدي للمرجعية العليا وإستلامها. كان منهم الشيخ كاظم الآخوند) في النجف، والشيخ (محمد تقي الشيرازي) في كربلاء وشيخ الشريعة (فتح الله الإصفهاني) في النجف، والشيخ مهدي الخالصي) في الكاظمية وغيرهم.

كان الانكليز يعرفون جيداً من خلال المعلومات المتوفرة لديهم من مصادرهم الخاصة، بأن الميرزا محمد تقي الشيرازي سوف يستلم المرجعية العليا، لأن المنافس الأول له كان الشيخ كاظم الآخوند الذي كان طاعناً في السن، ومريضاً عند وفاة اليزدي. كما أن الشيخ مهدي الخالصي الكبير ولكونه عربي ولإعتبارات معينة لا مجال لذكرها الآن تبعده عن تصدر المرجعية. فإتجه الانكليز بفتح قنوات بينهم وبين الشيرازي، والتي بدأت بعد خمسة أيام من وفاة اليزدي، عندما أرسل الكولونيل (هاول) نائب الحاكم الانكليزي في العراق رسالة إلى الشيرازي معزياً بها بوفاة اليزدي(2).


1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث د. علي الوردي ج 1/5 ص67 ط2 دار الرشد.

2) كربلاء في التاريخ / السيد عبد الرزاق الوهاب ج 3 ص 57 سنة 1935م.

كما أن الحاكم الملكي العام في العراق (ولسون) قام في حزيران من عام 1919م بزيارة آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي، وكان مقرّه في كربلاء، وقد أصبح منذ فترة مرجعاً أعلى للطائفة بعد اليزدي. كان هدفه من هذه الزيارة التقرب والاسترضاء. وكان ولسون يجيد الفارسية التي تكلم بها مع الشيرازي...

وأول موضوع تطرق إليه ولسون هو منصب كليدار سامراء (سدانة الروضة العسكرية)، وطلب ولسون من الشيرازي ترشيح رجل من الشيعة ليحل محل الكليدار الحالي في وقته الذي هو سني!! ... لكن المرحوم الشيرازي فوّت عليه الفرصة حيث أجابه:

«لا فرق عندي بين السني والشيعي، وأن الكليدار الموجود رجل طيب ولا أوافق على عزله»(1)...

بعد ذلك طلب ولسون من الشيرازي المساعدة على تصديق المعاهدة التي يروم الانكليز عقدها بين بريطانيا وإيران، فكان رد الشيرازي: «إننا اليوم في العراق ويهمنا أمره، وأن إيران وشعبها أعرف بشؤونهم، وأن هذا الأمر لا يعنينا».

عندئذٍ طلب السر ولسون من الشيرازي الافتاء بالكف عن قتال الانكليز من قبل القبائل الإيرانية، فإمتنع الشيرازي. بعد ذلك رجع ويلسون من كربلاء إلى بغداد خائباً(2).

ورد في مذكرات ولسون، أنه أخذ يذم الشيرازي ويشبهه بالبابا (ليو التاسع)، وإعتبره بأنه ميّال لتضليل نفسه والعالم من خلال تصنعه بالبساطة والتقديس... في 11 حزيران 1919م كتب ولسون إلى لندن يقول... إن الشيرازي هو المجتهد في كربلاء، وهو في سن الخرف، ومحاط بعصابة من طلاب المال وهم يعملون ضد الانكليز.

كما ذمته المس (بيل) وقالت بأنه عجوز واقع تحت سيطرة إبنه الأكبر الميرزا محمد رضا في كل الأمور. وإتهمت إبنه بأنه يقبض الأموال من الأتراك، وأن إسمه


1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث د. علي الوردي ج 1/5 ص 69 .

2) كربلاء في التاريخ/السيد عبد الرزاق الوهاب ص 59 وص60.

ورد في برقية من البلاشفة (الشيوعيون الروس في مدينة (رشت) الإيرانية بأنه يدعو إلى البلشفية في كربلاء (1)!!

التمهيد للثورة

في الشهر الأول من عام 1920 كانت الحركة الوطنية قد نضجت في الفرات الأوسط، وحقيقة الأمر أن رجال الحركة الوطنية في بغداد وكربلاء لم يكونوا في بداية أمرهم يفكرون بالقيام بثورة مسلحة على الانكليز، بل كان تفكيرهم متجهاً إلى المطالبة السلمية بتحقيق ما وعدهم به الانكليز من الحرية والاستقلال.

لم تظهر فكرة الثورة المسلحة إلّا لدى بعض سادة العشائر ورؤساءها في الفرات الأوسط وخاصة (المشخاب ) . ثم انتشرت دعوتهم وأدّت إلى إندلاعها في (الرميثة).

في 8 آذار 1920 عندما كان الشيخ محمد رضا الشبيبي في دمشق، إلتقى بالعراقيين هناك وقرروا في دمشق إعلان إستقلال ،العراق، ومبايعة عبد الله بن الحسين ملكاً عليه.

كان الشبيبي الوحيد من بينهم يعرف علماء الفرات الأوسط وشيوخ عشائره، فتولّى مهمة الاتصال بهم لإنضاج الحركة الوطنية عندهم.

في 16 نيسان 1920 إنتهز السيد علوان الياسري فرصة زيارة (المبعث) لمرقد الإمام علي(علیه السلام) التي تحل في 27 رجب من كل عام. فدعا إلى إجتماع في داره بالنجف عدداً من رجال الدين ورؤساء العشائر، كما حضر الاجتماع الميرزا محمد رضا نجل آية الله الشيرازي، وطرحوا فكرة القيام بالثورة المسلحة على الانكليز، فأيدها فريق وعارض فريق آخر، وإتفقوا على عدة أمور وقرروا:

1- تأجيل الثورة في الوقت الحاضر ، وان يتم التمهيد لها بالتوعية الوطنية والدينية.

2- قرروا فتح فروع للجمعية الإسلامية والتي يترأسها الميرزا محمد رضا في كل مدن العراق.

3- توزيع منشور بتوقيع آية الله الشيرازي يأمر الجميع بالوحدة وجمع الشمل.


1) راجع «فصول من تاريخ العراق القريب» للمس بيل ترجمة جعفر الخياط.

4- جعل يوم الجمعة يوم للشعب تعطل فيه الأعمال ويستغل لما يلزم الاستثارة والتحضير.

كان يُعرَف عن آية الله محمد تقي الشيرازي في البداية عدم ميله للثورة المسلحة، وكان يؤمن بالمطالبة السلمية للحقوق دون اللجوء إلى حمل السلاح، ويعرف أيضاً قوة بريطانيا وبطشها ويخشى إراقة الدماء. لكن بعض الرؤساء حاولوا إقناعه بمقدرة العشائر على محاربة الانكليز، وكان يؤيدهم نجله الميرزا محمد رضا محاولاً إقناع ابيه.

الاجتماع الأول في كربلاء

كانت زيارة النصف من شعبان والتي يطلق عليها أيضاً (المحية) على الأبواب، وقد إستعد الكثير من رؤساء العشائر الحضورها في كربلاء، وللاتفاق أيضاً على خطة العمل. وذهب السيد هادي زوين (رئيس عشيرة السادة الشريفات) أو الشرفَة إلى بغداد لدعوة البغداديين لارسال مندوب عنهم إلى كربلاء.

في 22 نسيان 1920م إجتمع وجهاء بغداد في دار (حمدي باشا بابان)، حضره السيد هادي زوين وقرروا إرسال (جعفر أبو التمن) مندوباً عنهم إلى كربلاء للاتفاق مع الشيرازي والرؤساء.

في 2 أيار 1920م سافر أبو التمن إلى كربلاء بصحبة السيد هادي زوين، وقابلا الشيرازي وحضرا الاجتماع الكبير الذي عقد ليلاً في كربلاء يوم 4 أيار 1920 في دار السيد أبو القاسم الكاشاني الملاصق للصحن الحسيني بمقربة من باب السدرة. وحضره بعض علماء النجف، ومن بغداد جعفر أبو التمن، كما حضره السيد (نور الياسري ) و (عبد الكريم الجزائري) و علوان الياسري) و(قاطع العوادي) و (محسن أبو طبيخ) و (هادي زوين) و (محمد رضا الصافي) و (عبد الواحد الحاج سكر) و (شعلان الجبر) و (مجبل الفرعون) و (عبادي الحسين) و (مرزوق العواد) و (شعلان العطية) و (سعدون الرسن) و (علوان الحاج سعدون).

ومن الكربلائيين هبة الدين الحسيني) و (عبد الوهاب الوهاب) و(حسين القزويني) و (مهدي القنبر ) و (طليفح الحسون) و (رشيد المسرهد) و (عبد الكريم العواد) وغيرهم من أهل البلد...

وتداولوا في أمر القيام بالثورة المسلحة، فإختلفوا في الرأي وأتفقوا أخيراً على مفاتحة الشيرازي في هذه القضية وأخذ رأيه فيها. وتم إختيار خمسة من المجتمعين لمقابلة الشيرازي وهم: (عبد الكريم الجزائري) و (جعفر أبو التمن) و(نور الياسري ) و ( علوان الياسري) و (عبد الواحد الحاج سكر). وقابلوه في داره وفاتحوه بالأمر، فقال:

«الحمل ثقيل وأخشَ أن لا تكون للعشائر قابلية المحاربة مع الجيوش المحتلة».

فأكدوا له قدرة العشائر، فقال: أخشى إختلال الأمن والنظام وتعم الفوضى، وأن حفظ الأمن أهم من الثورة بل أوجب منها فأجابوه بقدرتهم في السيطرة على الامور، ولما لم يَرَبُدّاً من القول، قال: «إذا كانت هذه نياتكم وهذه تعهداتكم فالله في عونكم»(1).

وعلى حسب قول الميرزا محمد رضا ابن الشيرازي بأن قول والده هذا هو (إفتاء) بالثورة على الانكليز.

الاجتماع الثاني

في ليلة 5 أيار 1920م أي في الليلة التالية، عقد إجتماع آخر في دار السيد نور الياسري الواقع في محلة باب السلالمة) (2)حضره الذين شاركوا في الاجتماع الأول وبعد المداولة إتفقوا على الاستمرار في مطالبة الانكليز بالاستقلال بالطريقة السلمية، فإذا أصر الانكليز على رفض مطالبهم وعاندوا في ذلك، فإن العشائر تلجأ عندئذ إلى القيام بالثورة المسلحة.

ولمّا إنفضّ الاجتماع ذهبوا جميعاً إلى ضريح الإمام الحسين(علیه السلام)، وأقسموا بالقرآن على إنجاز ما إتفقوا عليه، ومن حنث في يمينه فهو ضال آثم. وقام بتحليفهم المرحوم السيد عبد الوهاب الوهاب واحداً بعد الآخر.


1) الثورة العراقية الكبرى / عبد الرزاق الحسني ص 99 وص 100 – صيدا 1972.

2) مجلة (رسالة المشرق) الكربلائية، في عددها الصادر في رجب 1373ه.

تصاعدت الأحداث وإلتهبت قصبات ومدن العراق، وبدأ الانكليز يتضايقون من نشاط محمد رضا ابن آية الله الشيرازي المنطلق من كربلاء، ويعتقدون بأن والده لم یكن راضياً عن إبنه، وكذلك بعض العلماء في كربلاء.

فقد كتب الحاكم السياسي في كربلاء الميرزا محمد البوشهري إلى رئيسه في الحلة الميجر بولي، بأن الشيخ محمد حسين المازندراني والسيد حسن الطباطبائي والسيد عبد الحسين الطباطبائي والسيد مهدي الطباطبائي وهم من رجال الدين أعربوا عن عدم رضاهم من تحركات محمد رضا الشيرازي.

كان آية الله محمد تقي الشيرازي يؤيد التقارب الطائفي الذي إزداد في بغداد قبل إنطلاق الثورة. ولابد أن نذكر بأن ابن الشيرازي علاوة على نشاطه الوطني، فقد كان مؤيداً للقومية العربية، ولم يكن الأمر غريباً في ظرف زاد فيه التقارب بين القوميين والمتدينين. ورسالة لآية الله الشيرازي إلى الأمير فيصل بن الحسين في 7 رمضان 1338ه- ، ورسالة لإبنه الميرزا محمد رضا إلى الأمير علي بن الحسين في نفس التاريخ أيضاً، تدل على صحة ما ذهبنا إليه.

في 3 حزيران 1920م الموافق 16 رمضان 1338ه-، إجتمع عدد كبير من وجهاء كربلاء لإختيار مندوبين عنهم لمقابلة السلطة، كما حدث في بغداد عندما قابل وفد من أهالي بغداد وذكروا للسلطة بأنهم لا يقصدون إثارة المشاكل، وجُلَّ مطلبهم هو تأسيس حكومة وطنية حسب تصريحات الحلفاء ووعودهم وعملاً بمقررات مؤتمر (سان ريمو) ...

إتفق الكربلائيون على إختيار سبعة مندوبين ليقابلوا السلطة في بغداد وهم:

الميرزا عبد الحسين الشيرازي (الابن الثاني للشيرازي) والشيخ محمد الخالصي (1)والسيد محمد علي الطباطبائي والشيخ صدر الدين المازندراني والسيد عبد الوهاب الوهاب والشيخ محمد حسن أبو المحاسن والشيخ عمر العلوان الوزني


1) الشيخ محمد الخالصي هو نجل العلامة الكبير والوطني اللامع المرحوم آية الله الشيخ مهدي الخالصي الكبير (الأسدي). وكان الشيخ محمد ملازماً لوالده الشيخ مهدي عندما إستدعى آية الله الشيرازي العلامة الشيخ مهدي الخالصي من الكاظمية إلى كربلاء ليعاونه في الاستعداد للثورة.

(شيخ عشيرة الوزون في كربلاء). ونظموا مضبطة بذلك وقعوها وكتب عليها آية الله محمد تقي الشيرازي ما نصه:

«صحيح نافع مفيد إن شاء الله تعالى». كما حدث مثل ذلك في النجف بتاريخ 5 حزيران 1920م.

في 12 حزيران 1920 المصادف 25 رمضان 1338ه، عقد إجتماع كبير صحن الإمام الحسين(علیه السلام) ، ألقى فيه الشيخ محسن أبو الحب قصيدة وطنية من نظم الشاعر الشيخ محمد حسن أبو المحاسن كان مطلعها:

وثق العراق بزاهر إستقباله***والشعب متفق على إستقلاله

أعقبه الشيخ عمر العلوان الوزني بخطاب حماسي شديد ألهب مشاعر الجماهير المحتشدة في الصحن الشريف.

في اليوم التالي 13 حزيران 1920 عقد إجتماع آخر في صحن العباس(علیه السلام)، ألقى فيه الشيخ محمد الخالصي خطاباً مثيراً تحدّى به الانكليز وكان له دوي في مدينة كربلاء... وقد إشتد الحماس، وقطع بعض الرؤساء رباط عقالهم بسيوفهم، وخرجوا من الاجتماع متأهبين ومستعدين للحرب وعازمين على الموت في سبيل حفظ حقوق العراق.

بعد هذا التجمع عقد إجتماع في دار الشيرازي حضره بنفسه وحاشيته من العلماء. وقد إنتقد السيد هبة الدين الحسيني الشيخ محمد الخالصي على الشدّة التي إستعملها في خطابه، وبخشيته من الانكليز للقضاء على الحركة الوطنية في مهدها.

وعقد إجتماع حماسي مماثل في الحلة... وإتضح بعد ذلك لـ (ولسون) أن ابن الشيرازي هو المثير للمشاكل في الفرات الأوسط فقرر إعتقاله مع أعوانه وأرسل إلى الميجر بولي بتنفيذه.

أعلن الحاكم البريطاني العام في العراق (ولسون) في 16 حزيران 1920 بأن الحكومة البريطانية قررت تكليف السير برسي كوكس) بتشكيل حكومة وطنية في العراق وسوف يعمل على إقامة مجلس شورى برئاسة رجل عربي !!

في 21 حزيران 1920 توجه (الميجر بولي) على رأس قوة كبيرة نحو كربلاء، ووزّع القوّة على مداخل المدينة وطرقاتها، وأخبر الناس بأنهم جاءوا لإلقاء القبض على بعض الأشرار والمتجاوزين على الفقراء والضعفاء...

علم آية الله الشيرازي بالأمر فكتب إلى الميجر بولي بأنه يعلم بمقصده الحقيقي، وأن التوسل بالقوّة أمام مطالب البلاد لا تأتي بنتائج محمودة وأضاف ما نصه:

«فتصبح وصيتي للأمة بخصوص مراعاة السلم ملغاة من ذاتها، وأترك الأمة وشأنها وتقع المسؤولية والنتائج السيئة عليك وعلى اصحابك، وهذه نصيحتي لكي لا تكونوا سبباً لإراقة الدماء».

بعد ذلك كلّه فقد تم إعتقال الميرزا (محمد رضا الشيرازي) ومعه عدد من الكربلائيين، وأُرسلوا جميعاً إلى جزيرة هنجام وهم:

عبد الكريم العواد

عمر العلوان الوزني

عثمان العلوان الوزني

عبد المهدي القنبر أحمد القنبر ه

ادي كمونة

محمد شاه

محمد علي الطباطبائي

كاظم أبو آذان

إبراهيم أبو والدة

أحمد البير (1)


1) هو المرحوم السيد أحمد بن السيد كاظم (أبو خشوم) ، والسادة آل أبو خشوم من سادات المشهد الحسيني ومن خَدّام الروضتين المقدستين في كربلاء. ويرجع نسبهم إلى السادة (الغوالب) على إسم جدهم (غالب) وهو من أحفاد السيد موسى المبرقع بن الإمام محمد الجواد بن الإمام علي الرضا بن الإمام موسى بن جعفر الكاظم(علیه السلام). ويشاطر السادة آل أبو خشوم في كربلاء بالنسب من (غالب) كل من السادة آل الحصونة في الناصرية، و (آل مكوطر) في الشنافية، و (آل ماميثة) في كربلاء و(آل مسافر) و(آل دخيل) و (آل هلالة) و (آل الكواز) وغيرهم. وفي كتابنا بيوتات كربلاء القديمة سقطت ترجمتهم سهواً عند الطبع، وسيتم ذكرهم بالتفصيل كونهم من سادات البلد في الطبعة القادمة من الكتاب المذكور، فإليهم نقدم إعتذارنا.

وقد تشفع شاه إيران للميرزا محمد رضا، وطلب من الانكليز أن يسمحوا له بالمجيء إلى إيران وسلّمه الانكليز إلى حاكم (بندر عباس) الميناء الإيراني على الخليج العربي في 28 تموز 1920 ، وعاش بقية حياته في طهران.

أما الباقون فقد ظلّوا في (هنجام) إلى أن صدر (العفو العام) في العراق بتاريخ 30 أيار 1921م أي بعد سنة واحدة من نفيهم.

وبرز منهم في كربلاء رجال قد إحتلوا مكانة مرموقة أمثال المرحوم السيد مهدي أبو خشوم، والمرحوم التربوي أستاذنا السيد عباس (غلام عباس) بن عبد بن كاظم أبو خشوم وإخوته، وهو ابن أخ السيد أحمد البير. وكذلك الصديق العزيز المهندس السيد حسن بن محمد بن مهدي بن محمد علي بن كاظم (أبو خشوم) وإخوته، ولازال الكثير منهم في كربلاء يتمتعون بسمعة حسنة.

شارك السيد أحمد البير آل أبو خشوم والملقب (أبو الخيزران) في ثورة العشرين ونفي إلى جزيرة هنجام، كما ساهم في أحداث أخرى، وقد وجدنا له توقيع في مضبطة مؤتمر كربلاء الذي عقد لدرء غارات الإخوان في 15 شعبان 1340ه / 8 نیسان 1922م.

كان نفي ابن الشيرازي وأعوانه من الكربلائيين من أهم عوامل إندلاع شرارة ثورة العشرين. حيث أن إجراء الحاكم البريطاني قد أثار ضجة كبرى في الفرات الأوسط، وكتب الميرزا عبد الحسين ا(لإبن الثاني للشيرازي) رسائل إلى رؤساء العشائر وقال لهم عن لسان أبيه «هذا اليوم يومكم»(1).

إنطلقت شرارة الثورة في 30 حزيران 1920 من (الرميثة) بعد إعتقال الانكليز لـ(شعلان أبو الجون) وإبن عمه (غثيث) اللذين تعهدا على رأي البعض عند حضورهم (إجتماع كربلاء) أن يقوما بالثورة في السماوة(2).


1) الثورة العراقية الكبرى / عبد الرزاق الحسني - ص 117 وص 100 .

2) المصدر نفسه، ص 117 وص 100 .

تأثر الشيرازي بعد إسبوعين من قيام الثورة في السماوة من عدم نجدة الثوار من قبل بقية العشائر، فقد أبدى إستياءه من هذا الموقف ومخافة أن تراق دماء بريئة نتيجة تخلف العشائر التي أعطت الوعود له بأنها سوف تقاتل الانكليز.

فأرسل وفداً إلى (ولسون) في بغداد متمثلاً بالسيد هبة الدين الحسيني، والميرزا أحمد الخراساني، وبيدهم رسالة منه يعرض فيها شروط لإيقاف القتال قبل أن تنظم العشائر الأخرى إليه، وهي سحب القواة الانكليزية من منطقة القتال، وإعلان العفو العام وإعادة المنفيين.

رفض ولسون مقابلتهما وقال: «إن الشيرازي هو بذر هذه البذرة وهذا يوم حصادها.

بعد هذا الرفض من قبل الحاكم البريطاني للعراق، فقد أصدر آية الله الشيرازي فتواه التي أجاز بها الثورة المسلحة، والتي تسمى (الفتوى الدفاعية) بعد إشتداد المعارك في الرميثة، وفشل محاولته التفاوض مع (ولسون).

وقال الشيرازي في إحدى رسائله إلى شيوخ العشائر:

«إني فديت إستقلال العراق بولدي، ومن عزَّ علي، وأنا مستعد بأن أفدي العراق بنفسي، وأما أنتم فإن أصر الانكليز على غصبكم حقكم وقابلوا إلتماسكم بالحرب، فيجب عليكم الدفاع بجميع قواكم ويُحرم الرضوخ لهم والاستسلام».

إعلان الثورة في كربلاء

أصبحت كربلاء في عهد الثورة ذات أهمية لسببين:

الأول - وجود آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي فيها، وهو المرجع الديني الأعلى للشيعة وقتئذ، وفيها عُقدت الإجتماعات التمهيدية للثورة.

الثاني - قربها من جبهة القتال في الوند (1)وطويريج والحلة وعموم مناطق الفرات الأوسط.


1) الوند - مقاطعة زراعية تقع بين كربلاء والمسيب، على مسافة 20 كم من المدينة، وسميت بإسم النهر المتفرع من نهر الحسينية والذي يسقي أراضيها.

كان رؤساء العشائر يعقدون إجتماعاتهم فيها، ومن ثم أصبحت العاصمة لحكومة الثورة التي إمتدت سلطتها في جميع المدن والقصبات والأرياف من كربلاء شمالاً إلى الخضر (1)جنوباً. وكل المناطق التي دخلت في حوزة الثورة كانت تحكم نفسها بنفسها، ولكن الأمور العامة كانت بيد الشيرازي وحاشيته في كربلاء. وبعد وفاته إنتقلت قيادة الثورة إلى آية الله الشيخ فتح الله الاصفهاني (شيخ الشريعة) الذي تصدى للمرجعية بعد الشيرازي ومقره في النجف.

المهم أن عهد الثورة في كربلاء تميز بظاهرة إستتباب الأمن والنظام، ولم تحدث حوادث نهب أو نزاعات عشائرية او سرقة لدور الدولة أو الأهالي. ظلت كربلاء هادئة في الأسابيع الثلاثة الأولى من الثورة، وكان حاكمها (الميرزا محمد البوشهري) يباشر وظيفته وعندما وصلت أخبار معركة (الرارنجية) في 25 تموز 1920م قرر أهالي كربلاء الإنضمام للثورة.

إجتمع رؤساء المدينة في دار البلدية وإستدعوا معاون الحاكم السياسي الميرزا محمد البوشهري، فلما حضر خاطبه (الملا خضر أبو شويلية) (2)أحد رؤساء عشيرة النصاروة...

«بأن المدن المجاورة قد ثارت وإنقطع الإتصال بيننا وبينها، ولا يريد أهل كربلاء أن تبقى السلطة بيدك إن كربلاء لا تريد أن تتخلف عن واجبها الوطني، فنريد تسليم دوائر الدولة (الحكومة) إلى هيئة وطنية ينتخبها أهل كربلاء».

فطلب الحاكم راجياً منهم أن يمهلوه يومين... فوافقوا، وكان قصد الحاكم من طلب المهلة أن يتشاور مع مدير شرطة كربلاء المدعو (محمد أمين) الذي كان شديد الإخلاص للانكليز، حول قدرته والشرطة على الصمود في مركز الشرطة لحين وصول نجدة لهم.


1) - الخضر - قصبة تابعة للسماوة، والآن (قضاء) يقع بين السماوة والناصرية.

2) هو المرحوم الملا خضر بن عبد العباس بن الحاج محسن بن علي بن محمد بن عباس بن محسن بن علي أبو شويلية، وكان من وجهاء كربلاء، ومن رؤساء عشيرة النصاروة (عبادة)، ومن رجال واقعة حمزة بيك عام 1915م ، وكذلك من المساهمين في ثورة العشرين توفي سنة 1354ه 1936م واعقب ولديه المرحوم الحاج ياس المتوفى سنة 1383ه / 1963م، والمرحوم الحاج كريم شويليه.

فأجابه مدير الشرطة بأنه قادر على الصمود لحد (20) يوماً، وبدأ في نفس اليوم بالتحصن وأحضر الطعام وحفر بئراً في ساحة المركز، وبدأ يخطب بالشرطة ويشجعهم على الصمود ويمنيهم بالمكافأة... فإنبرى له أحد أفراد الشرطة بهوسة «ما نطيعك ... ما نطيعك ... يا عبد السوجر ما نطيعك» ، وردد بقية أفراد الشرطة معه الهوسات وإندفعوا إلى باب المخفر هاربين إلى بيوتهم...

وهنا هجم الأهالي على دار الحكومة ونهبوها وإستولوا عليها ... وإلتجا الحاكم ومدير الشرطة ومعهم عريف إنكليزي إسمه (فورد) إلى دار (محمد رشيد الجلبي) الصافي المجاورة لدار الحكومة وتطوّع فخري كمونة) بحماية هؤلاء!!

المعروف عن موقف (فخري كمونة) وعائلته من الثورة كان سلبياً، ويعتبره الثوار الكربلائيون خائناً ومصلحياً، فأركب هؤلاء في عربة (ربل) بصحبة ابن أخيه (حميد كمونة) وأوصلهم إلى عشيرة المسعود، وهؤلاء أوصلوهم إلى القوات الانكليزية في المسيب (1). ووصلوا إلى بغداد سالمين.

كان يوم إعلان الثورة في كربلاء يوماً رائعاً، حيث خرج سكان المدينة وهم يحملون بنادقهم وأسلحة أخرى وبدأوا بإطلاق الرصاص، وأصوات الهوسات ملأت الفضاء.

في يوم 26 تموز 1920 وهو اليوم التالي ليوم إعلان الثورة، إجتمع رؤساء كربلاء ووجهاؤها عند آية الله الشيرازي وقرروا تشكيل مجلسين لإدارة البلدة هما (المجلس العلمي) و (المجلس الملي) أي مجلس الشعب.

على أن يكون عمل المجلس الأول - ترويج الدعاية الدينية والوطنية للثورة، والنظر في المنازعات التي قد تقع داخل البلدة أو بين العشائر ... وقد تألف من خمسة أشخاص هم:

1- السيد هبة الدين الحسيني.

2- السيد أبو القاسم الكاشاني.

3- الميرزا أحمد الخراساني.


1) مذكرات تحسين العسكري / ج 2 ص 179 وص180.

4- السيد حسين القزويني.

5- الميرزا عبد الحسين الشيرازي (نجل آية الله الشيرازي الثاني).

أما المجلس الملي (مجلس الشعب ومهمته الإشراف على إدارة البلدة فقد تألف هذا المجلس من سبعة عشر عضواً، كان ثمانية منهم من السادة الأشراف في المدينة وهم:

1- السيد عبد الوهاب الوهاب.

2- السيد حسن السيد حمود آل نصر الله .

3- السيد عبد الحسين الددة.

4- السيد محمد علي آل ثابت.

5-السيد أحمد آل ضياء الدين.

6- السيد محمد حسن (الروضخون) آل طعمة.

7- السيد أحمد الوهاب.

8- السيد إبراهيم الشهرستاني.

أما الآخرون فكانوا من رؤساء المحلات وهم:

9- الحاج عبد النبي العواد.

10- الشيخ علوان الجار الله.

11- الشيخ هادي الحسون.

12- الشيخ عبد علي الحميري.

13- الشيخ عبد العزيز الهر.

14- الحاج محمد شهيب.

15- الشيخ كمر النايف البرغش السلامي.

16 - الشيخ علي الحمد المنكوشي.

17- الحاج عزيز علوان الزنگي.

وكان الشاعر الشيخ (محمد حسن أبو المحاسن) ممثل الشيرازي في المجلس. وتم تعيين (خليل عزمي) سكرتيراً للمجلس وعُيّن (مهدي السامرائي) محاسباً للمجلس. والشيخ (محمد علي أبو الحب أميناً للصندوق. و(عبد الرزاق أفندي) كاتباً.

باشر المجلس الملّي أعماله بتعيين موظفي البلدية والحرّاس والجباة، وشكّل قوة

من الشرطة تضم مائة المشاة وثلاثين خيالاً. وتم تعيين سمرمد الهتيمي (1)آمراً للشرطة الخيالة بمرتب شهري قدره مائة ،روبية وعبد الرحمن العواد آمراً للمشاة بمرتب مماثل(2).


1) أحد شيوخ قبيلة المسعود، وهو جد آل السمرمد الحاليين من المسعود في ناحية الحسينية.

2) الحقائق الناصعة فريق الفرعون ص 249 .

حربيّة آل العوّاد

وللقارئ الكريم نموذج من أفعال الكربلائيين إثناء تصديهم للمحتلين الإنكليز إثناء إعلان الثورة في كربلاء. فقد قام آل العوّاد في كربلاء بإعداد تجمع في ديوانهم الواقع في محلة باب بغداد (باب العلوة وفي الأزقة المحيطة بالديوان، الغاية منه التهيؤ وجمع المتطوعين والخروج لمقاتلة الإنكليز المحاصرين في صدر نهر الحسينية عند تفرعه من الفرات قرب سدة الهندية.

فقد جاء في مخطوطات المرحوم السيد إبراهيم شمس الدين(1)القزويني في باب وقائع الأيام ما يلي: «من مذكرات السيد محمد علي السيد أحمد الكشميري حيث قال: ...جاء السيد عبد الرزاق الوهاب إلى داري وذلك في ليلة الرابع عشر من شهر ذي القعدة سنة 1338ه وقال لي كلفت السيد شمس الدين القزويني بجمع جميع آيات الجهاد الموجودة في القرآن ويكتبها بخط جيد وواضح، والسبب أن حربية آل عواد بكره صباحاً يلتحقون بالمجاهدين في صدر الحسينية لمحاربة الجند البريطاني المحصور هناك، وفي صباح يوم 14 ذهبت برفقة الأصدقاء إلى دار عبد الجليل آل عواد، فرأيت بباب الدار فرسين مرخيتين إحداهما بجانبها سيف مذهب وعلم أخضر مكتوب عليه (نصر من الله وفتح قريب). وفي هذه الأثناء جاء (ملا علي القره غولي قارئ القرآن ،و مجوده، فإختلى به السيد عبد الرزاق وأعطاه الآيات وكلّفه بقرائتها بصوته الجهوري أمام جمهور المجاهدين، ثم دخلت الدار وإختلطنا بالمجاهدين، ورأيت عبد الرحمن وعبد الجليل يشجّعون المحاربين ويعدونهم بالجنّة في سبيل نصرة الدين والعروبة والوطن، فأخذت الجموع تخرج من الدار وتتزاحم


1) هو المرحوم السيد إبراهيم شمس الدين بن السيد حسين بن السيد باقر بن السيد إبراهيم (صاحب الضوابط) بن السيد محمد باقر بن السيد عبد الكريم بن نعمة الله القزويني الموسوي. كان والده السيد حسين من قادة ثورة العشرين في كربلاء، والسيد إبراهيم شمس الدين نسّابة ومؤرخ كربلائي معروف.

بالوصول إلى ساحة القتال، وعبد الرحمن ينادي إلى حرب أعداء الدين والوطن وهم نصارى الإنكليز وآخر من خرج من الدار هو ملا علي القره غولي، فقدموا له الفرس وركب وهو حامل العلم الأخضر والسيف على متنه، فصلّى على النبي المصطفى وإبتدأ بقراءة آيات الجهاد وبصوته الجهوري، والجموع مترنمين بأهازيج دينية وعربية ومنها (يالميرزة تامرنا إنطيعك)، وبجنب ملا علي عبد الجليل آل عواد راكب الفرس بكامل أسلحته.

حاملاً السيف على متنه وأخوه عبد الرحمن ينظم الجموع ويحرّض الناس بالإلتحاق إلى المجاهدين لحرب أعداء الدين حتى بلغنا راس القنطرة (1)فإذا الحربية تتجاوز الستمائة بل أكثر مسلحين بالبنادق من الكوجك جابلي والبيوك ماوزر والطليعة والماطلي وأم إصبع وفلنجة والقباقلي والمطبك (2)وغيرها، وأنا والسيد عبد الرزاق والسيد حسين آرسطو والسيد شمس الدين القزويني أمام الجموع نشجعهم في سبيل إعلاء كلمة المسلمين وطرد المسيحيين من بلاد المسلمين. هذا ما رأيته في ذلك اليوم 14 ذي القعدة سنة 1338 ه (3)والله العالم»(4).


1) القنطرة هي المسماة بـ (أم حديبة)، الواقعة على نهر الحسينية، خارج مركز المدينة.

2) هي أنواع الأسلحة من البنادق المستعملة في ذلك الوقت.

3) هو اليوم المصادف لليوم الأول من شهر آب 1920م

4) مذكرات السيد إبراهيم شمس الدين القزويني الخطية الدفتر (8) ، ص 36 .

وفاة الشيرازي

بعد أيام من إعلان الثورة في كربلاء، ساءت صحة آية الله الشيرازي والثورة مستمرة في الفرات الأوسط، وعند غروب شمس يوم 17 آب 1920 المصادف لليوم الثالث من ذي الحجة سنة 1338ه ، توفي رحمه الله وصدر بيان موجّه إلى قادة الثورة يعزيهم والعالم الإسلامي بوفاة (ركن النهضة العربية وروح الحركة الإسلامية)(1).

كان لوفاته صدىً في العراق وإيران، وسرت شائعات بأن الانكليز قد (سمّوه) عن طريق أحد عملائهم.

إشتدت المعارك في جميع أرجاء الفرات، و(ما يخص بحثنا) فقد زحفت قوّة إنكليزية بإتجاه كربلاء وذلك في 14 آب 1920 ، فتصدى لها الثوار عند مقربة من نهر الحسينية وبالقرب من (السدّة)، فإضطرت القوة الانكليزية إلى الانسحاب بعد تكبدها خسائر فادحة.

وتمركز الثوار في منطقة (الوند) الواقعة بين المسيب وكربلاء، وهم في حماسة وتأهب بعد معارك الرارنجية والحلة والمسيب والسدة والحسينية ... وفي منطقة تمركز الثوار لم تحدث معارك قوية، بل مناوشات متقطعة.

إثر وفاة الشيرازي فقد تم حل المجلس الملي مجلس الشعب) في كربلاء، وأدّى ذلك إلى إنتشار الفوضى وعادت الأحقاد والمنافسات بين رؤساء كربلاء... وهنا ظهرت الحاجة إلى تعيين شخص برتبة (متصرف) للاشراف على الأمن والنظام في كربلاء، على أن يكون محترماً من قبل الجميع.


1) المصدر السابق نفسه (بيان أصدره السيد هبة الدين الحسيني).

تشكيل حكومة وطنية مؤقتة في كربلاء

عندما أخليت مدن وقصبات الفرات الأوسط من السماوة إلى المسيب من الانكليز، إجتمع قادة الثورة والرؤساء في (معسكر الحسينية) القريب من كربلاء وقرروا تشكيل حكومة وطنية مؤقته في كربلاء ورفع العلم العراقي فيها.

وتم تكليف السيد محسن أبو طبيخ متصرفاً لكربلاء، وتشكيل الحكومة الوطنية المؤقتة. وجرى التنصيب في يوم 26 تشرين أول 1920، وأقيم إحتفال كبير في دار البلدية (في ساحة الميدان بكربلاء) حضره جمهور غفير كما حضره الرؤساء والوجهاء وكان من بينهم رجال الحركة الوطنية في بغداد الملتجئين إلى كربلاء منهم:

يوسف السويدي، والسيد محمد الصدر، وجعفر أبو التمن، وعلي البزرگان، ومحمود رامز وجميل قبطان وعارف حكمت وطه البدري، كما حضره الشيخ ضاري الظاهر من رؤساء زوبع والذي كان مطلوباً من قبل الانكليز على إثر حادث مقتل الضابط الإنكليزي لجمن، وإلتجأ إلى كربلاء وأقام في دار السيد عبد الحسين الددة والميرزا أحمد الخراساني الذي أرسل مندوباً من قبل آية الله (شيخ الشريعة) الشيخ فتح الله الإصفهاني (الذي خلف الشيرازي في المرجعية) ليمثله في الإحتفال. عند وصول محسن أبو طبيخ إلى مكان الإحتفال قوبل بالهتافات وإطلاق الرصاص إبتهاجاً، وتم رفع العلم على دار البلدية، وصعد علي البزركان إلى سطح البناية وألقى خطبة حماسية، أعقبه جميل قبطان.

وألقى (خليل عزمي) قصيدة تحية لأول علم عراقي يرفع... ومطلعها:

بشراك يا كربلا قومي أنظري العلما***على ربوعك خفاقاً ومبتسما

لم تدم حكومة أبو طبيخ طويلاً بسبب سقوط (طويريج) بيد الانكليز، وتم قطع الماء عن كربلاء وهو إجراء قام به (هالدين) القائد الانكليزي من خلال إستيلاءه على ناظم الحسينية المتفرع من نهر الفرات في (سدة الهندية)، ليعاقب سكان كربلاء ويحرمهم من الماء لإعتقاده أن كربلاء هي المسؤولة الأولى عن قيام الثورة، مما إضطر أهالي المدينة إلى حفر الآبار... ولكن إنقطاع الماء عنهم أدى إلى خسائر فادحة في البساتين والمزروعات، وأرسل بعض من الكربلائيين وفداً إلى الانكليز بعد سقوط طويريج، يعرضون خضوعهم مما إضطر محسن أبو طبيخ إلى الهرب من كربلاء...

يذكر المعمرون من أهل كربلاء وممن عايشوا تلك الفترة، بأن عدداً من الموالين إلى الانكليز في كربلاء، والمتعاونين معهم منذ بداية دخولهم وإحتلالهم العراق، والذين لم يقفوا مع الحكومة الوطنية المؤقتة، والذين إستبعدهم الوطنيون، ومن الذين كتبوا المضبطة الثانية التي أشرنا إليها في الاستفتاء، والمطالبين بالوصاية البريطانية على العراق... هم الذين نشروا الإشاعات الإرهاب السكان وتسللوا إلى الانكليز في طويريج وسدة الهندية ليعرضوا خضوع المدينة، مما أدّى بالانكليز إلى محاصرة كربلاء والضغط عليها ومن ثم إلى إفشال ما قام به الوطنيون في كربلاء.

الثورة في شفاثة

شفاثة هي (عين التمر الحالية والتابعة إلى كربلاء وتبعد عنها مسافة 80 غرباً ومرتبطة بصلات وثيقة مع كربلاء وتابعة لها منذ مئات السنين)...

عند وصول خبر إعلان الثورة في كربلاء أراد أهلها الإقتداء بأهل كربلاء، وكان يحكم شفاثة (حسين محمد الرفيع) الملقب (وكيل الحكومة)، وقد أرسل إليه (الكولونيل لجمن) في 29 تموز 1920 رسالة يدعوه بها أن لا يثيروا أي مشكلة، لأن أهل شفاثة ضعفاء ولا قدرة لهم على مقاومة الحكومة الانكليزية، وأنه سوف يصل إليهم بعد ثلاثة أيام.

أخذ وكيل الحكومة الرسالة وذهب إلى قرية (الحساويين) حيث كان يجتمع رؤساء شفاثة في دار رئيسها (روكان الحاج فيصل)، وقرأ عليهم رسالة لجمن)، فقال روكان الفيصل:

«نعم لا نستطيع مقاومة الانكليز، ولكن ماذا نعمل إذا إجتمعت العشائر في شفاثة على الثورة، فلا يمكن أن نَشُدّ عنها».

أرسل وكيل الحكومة إلى ( الجمن) يطلب منه عدم المجيء، لأن كربلاء والهندية (طويريج) بدون حكومة، والناس في هياج... لم يتسلم لجمن الرسالة لأن معاونه نسي تسليمها له.

ففي 31 تموز 1920 تم إعلان الثورة في شفاثة، وإستولى الثوار على السراي ووضعوا خطة لإغتيال لجمن إذا وصل البلدة. وفي اليوم التالي وصل لجمن إلى البلدة بسيارته ولم يكن يعلم بما حصل... وعند وصوله عند مقربة من السراي إنهال عليه الرصاص، ففرّ مسر عاً بمساعدة خادمه (حسن). وفي اليوم التالي من هذا الحادث جاءت طائرات إنكليزية وأمطرت شفاثة بوابل من القنابل... لكن الأهالي بقوا مسيطرين على البلدة إلى أن وصلتهم أخبار دخول الانكليز إلى طويريج، ومن بعدها كربلاء. وإستسلام كربلاء وسقوط الحكومة التي أسست فيها ، فإستسلمت شفاثة للانكليز على إثر ذلك.

إستسلام كربلاء

دخلت القوات البريطانية طويريج عصر يوم 12 تشرين أول والطائرات تساندها وتقصف الثوار وهم ينسحبون نحو كربلاء. وعند سقوط طويريج ظهرت في كربلاء حركة قوية تريد الاستسلام للانكليز، وكان على رأس هذه الحركة (فخري كمونة) وسيطر هو وأتباعه على البلدة، وكان موقف فخري كمونة بعيداً عن الوطنية خلال الأحداث التي سبقت قيام الثورة وعند نشوبها وكان ضد الحكومة المؤقتة... وعليه فقد فرض إرادته مع أعوانه على كربلاء، وكان قد تلقى أوامر من الانكليز بإلقاء القبض على قادة الثورة في كربلاء ومعهم البغداديين الذين لجأوا إلى كربلاء(1). وقد تمكنوا من الهرب إلى النجف.


1) راجع (الوقائع الحقيقية) / علي البازركان – ص204.

في 17 تشرين أول 1920 ذهب وفد من كربلاء وعرضوا تسليم البلدة (كما ذكرنا سابقاً) وقابلوا القائد الانكليزي (ساندرز) فأوعز إليهم بالذهاب إلى بغداد ومقابلة السر برسي كوكس. وبعد مقابلتهم إياه في بغداد قدّم لهم خمسة شروط هي:

1- تسليم سبعة عشر شخصاً للحكومة البريطانية خلال أربع وعشرين ساعة كونهم مجرمين.

2-تسليم أربعة آلاف بندقية ومائة خرطوشة مع كل بندقية، نصفها حديث والآخر صالح للاستعمال، وإذا تعذر ذلك دفع غرامة عشرون ليرة عثمانية على كل بندقية حديثة، وعشر ليرات على الصالحة للاستعمال، وروبية واحدة عن كل خرطوشة.

3- إعادة جميع الأموال العائدة للحكومة وتعويض عن الخسائر.

4- الطاعة لأوامر الحكومة.

5- عدم قبول من يلتجأ إلى كربلاء من الفارين من وجه العدالة (حسب قوله)، وإذا لم ينفّذ الشرط الأول والثاني في المدة المعينة، وعدم تقديم سبب معقول لذلك ستكون السلطة العسكرية مفوضة بإتخاذ الاجراءات اللازمة لتنفيذها(1).

أمّا المطلوبون السبعة عشر هم:

1- محسن أبو طبيخ.

2- سماوي الجلوب.

3- مرزوق العواد.

4- عمران الحاج سعدون.

5- رشيد المسرهد.

6- هبة الدين الشهرستاني (الحسيني).

7- محمد الخالصي.

8- أبو القاسم الكاشاني.


1) لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث د. علي الوردي ج 2/5 ص 143 - 144 نقلاً عن جريدة العراق الصادرة 22 ت1 1920

9- محمد الكشميري.

10- حسين القزويني.

11- أحمد الخراساني.

12- عبد الوهاب الوهاب.

13- عبد الحسين الددة.

14- عبد الجليل العواد.

15- عبد الرحمن العواد.

16- طليفح الحسون.

17- محمد حسن أبو المحاسن.

قام فخري كمونة ورجاله بتنفيذ شروط الاستسلام. وقسم البنادق والغرامة على أهل البلدة والعشائر التابعة لها، فمن يمتنع منهم عن الدفع يوضع الحجز على داره أو أملاكه...

ويقال أن الحجز وضع على (12) داراً و (17) بستاناً و (14) دكاناً وعلوتين وثلاث مقاطعات زراعية وخان واحد.

ولم يرفع الحجز عنها إلا بعد دفع أصحابها ما فرض عليهم، وكان مجموع ما دفع (94) ألف ليرة عثمانية.

كما قام (فخري كمونة) بتفتيش الكثير من البيوت بحثاً عن الأشخاص المطلوبين، وإستحوذ على الأوراق والوثائق التي وجدها في بيوتهم. وقد تمكن من إلقاء القبض على عشرة منهم وسلّمهم للحكومة، أما الباقين فقد تمكنوا من النجاة بطرق شتى(1).

بقيت مدينة كربلاء محاصرة لمدة خمسة وأربعين يوماً، وبعدها بدأ الزوار يفدون إليها ويخرجون، وهدأت الحالة وإستقر الأمر للحكومة يساعدهم (فخري كمونة) وأعوانه(2).


1) - المصدر السابق ج 2/5 ص 145 .

2) لقاء مع المرحوم الحاج أحمد عبد الجليل العوّاد عام 1998م في ديوان سدانة الروضة الحسينية المقدسة، وسألته عن هذه الحوادث بإعتبار أن المرحوم والده وعمه كانا مطلوبين في ذلك الوقت،فأكد لي بأن والده أخبره بما قام به فخري كمونة وأعوانه، وقد إستغل فخري هذا الظرف على أساس الخصومات التي كانت بينه وبين آل العواد فإستسأد عليهم بقوة الانكليز.

الصورة

404

وثيقة عبارة عن الأوراق التي كتبت عليها تفاصيل الغرامات المفروضة من قبل الإنكليز على سكان كربلاء، وأسماء المسفرين من الكربلائيين إلى ( جزيرة هنجام) الذين عادوا من الأسر.

وفيما يلي نص ما جاء بأوراق الغرامات على سكان كربلاء:

تسليم البنادق من أهل مدينة كربلاء

رصاص بنادق

1160...67...أهل الناصرية (يقصد بهم النصاروة)

2388...68...بني سعد

814...64...الطهامزة

1240...67...ألبو عوّاد

620...33...الوزون

884...33...السلالمة

1313...66...ألبو شهيب

498...33...المناكيش

224...13...العكوش ( والصحيح هم البلوش )

392...25...عزيز زنکي

214...12...محمد نور

258...33...عبد علي الحميري

تسلیم البنادق

469...22...ألبو جرار

84...9...التراجمة

75...16...الكيظة

-...91...بنو تميم

-...15...الياس

-...17...الزوينات

1305...60...ألبو حويمد

410...24...ألبو جمال

296...38...العكبة

225...28...أهل الحجلة

420...29...الجنابيين

80...4...ألبو مونس

48518...806...الكسبة والملاكون

175761878

رصاص بنادق جدیدة عتیق

18989... 84...171...ملاكو المزارع والمسقفات

29522...80...216...التقسيم الثاني

47465...204...341...التجار 1

45252...132...318...التجار 2

12309...106...469...شيوخ المدينة

10891...6...430...عشائر البساتين

131400...1314...-...أملاك الشيوخ

59000...14...45...أملاك الملاكين

1217...1...20...نقود عن الملاكين 378 ليرة 19 روبية

1500...-...50...نقود عن الانصاف 500 ليرة 800 روبية

2917...60...31...فخري كمونة

20812001362307

(الأملاك التي حُجزت بدلاً عن عدم التسليم)

عدد

12...دار

37...بستان

14...دکان

2...علوتان

3...مقاطعات

1...خان

المجموع 94 ألف ليرة ذهب عثمانية

يوم 24 شوال 1339 / 1 تموز سنة 1921 وصل إلى كربلاء من هنجام كل من

الشيخ عبد الكريم عواد .

الشيخ عمر الحاج علوان .

الشيخ عبد المهدي القنبر .

الشيخ أحمد القنبر .

الشيخ كاظم أبو اذان

السيد أحمد البير

الشيخ هادي كمونة .

الحاج إبراهيم أبو والدة .

ووصل محمد شاه يوم 28 شوال من السنة نفسها .

والسيد محمد علي الطباطبائي 2 ذي القعدة من السنة نفسها . أما الميرزا محمد رضا نجل الشيرازي فقد سُفّر إلى إيران بعد أن بقي في هنجام

عشرين يوماً ونيّف.

أما المسجونون في سجن الحلة وقد كان منهم الكثير من الكربلائيين ... فقد أطلق سراحهم يوم 31 أيار سنة 1921م / 3 رمضان سنة 1339 ه وهم:

السيد محمد علي هبة الدين (الحسيني) .

السيد عبد الوهاب الوهاب .

السيد هادي الزوين .

الحوادث والوقائع في تاريخ كربلاء

السيد حسين الددة .

السيد حسين القزويني .

السيد محمد الكشميري .

السيد محمد السيد موسى العوادي .

عمران الحاج سعدون .

سماوي الجلوب .

شخير اللهيمص .

عبادي الحسين .

إبراهيم السماوي .

سلمان البراك .

دليمي البراك .

طليفح الحسون .

عبد الرحمن العواد .

عبد الجليل العواد .

سلمان الكعيد .

فرحان الدبي.

دوهان الحسن .

عبد الرسول تويج .

نجم العبود .

أمين كرماشة .

متعب الشاني .

علوان الشلال .

خضير العاصي .

حمود الصليلي .

منوخ - من خفاجة .

خادم الغازي .

عبود العنيد .

سلمان الفاضل .

الصورة

409

ورقة فيها أسماء المسجونين في الحلة وهي من وثائق الثورة العراقية الكبرى

غارة (الأخوان) ومؤتمر كربلاء

كان الملك فيصل الأول رحمه الله عند إعتلائه عرش العراق يتقرب إلى الشيعة، وقد وقعت حادثة زادت من هذا التقارب.

ففي يوم 11 آذار 1922م أغارت قوّة كبيرة من (الأخوان) الوهابيين التابعين لإبن سعود بقيادة (فيصل الدويش) على العشائر العراقية في جنوب الناصرية، فاكثرت في القتل والنهب. وأثارت هذه الحادثة رعباً شديداً في العراق، وخاصة بين عشائر الفرات الأسفل والوسط، وظنّ الكثيرون أنها مقدمة لهجوم وهابي عام على ،العراق، وأن (الأخوان) سيذبحون البشر وسيهدمون العتبات المقدسة، وينتهكون حرمات النساء ويهلكون الحرث والنسل (1)، إذا ما علمنا بأن العراق قد عانى من غارات الوهابيين في السابق.

طلب الملك فيصل من (السير برسي كوكس) (2)المساعدة لتأديب (الأخوان)، لكن الملك شعر بأن كوكس كان غير مهتم بشكل كبير بالموضوع، مما دعا الملك بالتفكير في إستنفار العشائر التي قامت بثورة العشرين وقد يشجعها ذلك على القيام بثورة أخرى.

في نفس الوقت كان الملك في هذا الظرف الخطير محاطاً بعدد من رؤساء العشائر الذين شاركوا في ثورة العشرين أمثال محسن أبو طبيخ وعبد الواحد الحاج سكر وشعلان أبو الجون وعلوان الياسري و كاطع العوادي... وهم يؤكدون للملك قدرة العشائر على محاربة (الأخوان) لو إمتلكوا السلاح. وقد شجّعوا الملك على إعلان الجهاد لمحاربتهم.

إستنجد الملك بالوزارة لمساعدته ضد (الأخوان)، وكان موقف خمسة وزراء مخالف لرأي الملك، وأكدوا على عدم أهمية (الأخوان) الوهابيين وتدخل الإعلام


1) لمحات إجتماعية د. علي الوردي ج 1/6 ص 132.

2) السير برسي كوكس هو المندوب السامي البريطاني الذي حلّ بعد (السير ولسون) الحاكم المدني.

والصحف، فإستقال الوزراء الخمسة وقبل الملك إستقالتهم مما أدّى إلى غضب السر برسي كوكس الذي إنتقد الملك على عدم إستشارته إياه في قبول إستقالتهم.

الدعوة لمؤتمر كربلاء

عقدت المرجعية الدينية الشيعية في النجف إجتماعات ترأسها آية الله السيد أبو الحسن الاصفهاني والميرزا حسين النائيني ... المرجعان الكبيران في النجف، وقرروا عقد مؤتمر في كربلاء يحضره رؤساء العشائر ووجهاء المدن العراقية لوضع خطة للدفاع عن البلاد.

وأرسلوا إلى آية الله الشيخ مهدي الخالصي الكبير في الكاظمية يدعونه للحضور إلى كربلاء والمساعدة بأمر رؤساء العشائر في الوسط والجنوب بما فيهم أمير ربيعة وغيره.

وتقرر أن يكون موعد المؤتمر من 10 إلى 15 شعبان، ويصادف هذا التاريخ زيارة (المحية) في منتصف شعبان الذي يوافق هذا التاريخ من 8 إلى 13 نيسان 1922م.

أرسل المرحوم آية الله الشيخ مهدي الخالصي ولده الشيخ محمد إلى الملك يدعوه لحضور المؤتمر وقبل الملك الدعوة. كما أرسل الخالصي برقيات إلى مائة وخمسين رئيساً من رؤساء العشائر يقول فيها:

الصورة

411

نسخة من الدعوة التي وجهها الشيخ محمد مهدي الخالصي مؤرخة ومثبتة بختمه

تم تأليف لجنة للإشراف على المؤتمر، ووضعت منهاجاً من ثلاث عشرة مادة، وإختيار أربع لجان فرعية هي:

اللجنة الأولى: تؤلف من الشيخ محمد الخالصي وعبد الحسين الجلبي وأبو طالب الاصفهاني، ومهمتها بث النصح في وجوب المحافظة على الراحة والسكينة في الاجتماعات، وتسافر اللجنة عن طريق الحلة والنجف.

اللجنة الثانية: تؤلف من صادق الاستربادي وحمدي الباججي وعبد الرسول كبة وإدريس الكاظمي وعبد الهادي الجلبي ومسؤولها كاظم أبو التمن، ومهمتها الاعداد لسفر الشيخ مهدي الخالصي ومن معه من أهل الكاظمية وبغداد إلى الحلة فكربلاء.

اللجنة الثالثة: تؤلف في كربلاء من الشيخ محمد حسن أبو المحاسن والسيد عيسى البزاز والحاج خليل الاستربادي والسيد هاشم شاه (الاشيقر) ومحمد الكشميري والسيد محمد رضا آل نصر الله والشيخ عمر العلوان الوزني والشيخ عبد الكريم العواد (جميعهم من أهالي كربلاء وأعيانها)، ومهمتها تنظيم الاجتماعات في كربلاء.

اللجنة الرابعة: تؤلف من رؤساء وخدّام العتبات المقدسة في كربلاء، ومهمتها التعرف على القادمين والضيوف، وتعيين محل سكناهم وتمهيد طريق إيصالهم إلى الإجتماعات.

في 8 نيسان 1922م وصل آية الله الخالصي كربلاء وإستقبله رؤساء المدينة من طويريج، كون قدومه كان من الحلة... وكان بالاستقبال عدد من مشايخ النجف وأربعمائة فارس من عشيرة (المسعود). عند وصوله إلى كربلاء نزل في دار المرحوم آية الله الميرزا محمد تقي الشيرازي.

كان في يوم 5 نيسان قد عُقد إجتماع لأهل السنة في بغداد بمبادرة من المرحوم الشيخ عبد الوهاب النائب، ناقشوا فيه أمر (الأخوان) لتجاوزهم بما إقترفوه في حق المسلمين العراقيين... وهل يتوجب قتالهم؟ ... ثم أجمعوا رأيهم على وجوب الدفاع العام ومحاربة (الأخوان) الوهابيين.

فقال الشيخ عبد الوهاب النائب: «إن أخواننا الجعفرية قد صمموا على الاجتماع وإعطاء القرار بهذا الخصوص، ولما لم يكن بيننا وبينهم خلاف في أي شيء فكلمتنا واحدة».

وإستقر رأي الحضور بإنتخاب وفد منهم لحضور مؤتمر كربلاء، فأختير الشيخ (عبد الوهاب النائب) رئيساً للوفد، وكل من أحمد الشيخ داود، وإبراهيم الراوي وعبد الجليل الجميل أعضاء ، وأفتى علماء السنّة (بوجوب قتال الوهابيين)(1).

وصفت جريدة دجلة في عددها الصادر يوم 13 نيسان 1922م، موكب أعيان بغداد إلى مؤتمر كربلاء فتقول: «في الساعة الثامنة من صباح يوم 10 نیسان خرج موكب من جامع الفضل في بغداد يتقدمهم عبد الوهاب النائب وإبراهيم الراوي وأحمد الشيخ داود وعبد الجليل الجميل، ومعهم عدد من الشباب المثقف وخرج الجمهور لتوديعهم بأعلامهم وطبولهم، وساروا حتى وصلوا مدينة كربلاء متوجهين إلى دار قاسم الرشدي فنزلوا عليه ضيوفا .

في عصر يوم 10 نيسان وصل موكب علماء السنة كربلاء، وإجتمعوا بالخالصي في دار الشيرازي، ونزلوا ضيوفاً في دار السيد قاسم الرشدي(2).

وفي مساء نفس اليوم وصل إلى كربلاء وفد من الموصل، مؤلف من الشيخ عجيل الياور ومولود مخلص وسعيد الحاج ثابت وأيوب عبد الواحد وعبد الله النعمة وثابت عبد النور وعبد الله آل رئيس العلماء ومحمد أغا رئيس الحركية ونزلوا في دار عمر العلوان الوزني. وأرسلت معهم إلى الخالصي برقية من أهل تكريت والشرقاط ينتدبون مولود مخلص ليمثلهم في المؤتمر وهم مستعدون لتطبيق أي قرار يصدر من المؤتمر...


1) نستميح القارئ عذراً عندما نذكر مصطلحات (شيعة وسنة) لأننا لانؤمن بالتسميات وكلنا مسلمون لا فرق بيننا، ولكن الضرورة أحكمت علينا ذكرها لمتطلبات البحث.

2) المرحوم السيد قاسم الرشدي هو أبن السيد أحمد وفي الرشتي (المقتول سنة 1295ه/1878م في كربلاء) بن العلامة السيد كاظم الرشتي (رئيس الفرقة الكشفية وتلميذ الشيخ أحمد الاحسائي مؤسس الفرقة الشيخية، والمتوفي سنة 1259ه / 1843م). كان السيد قاسم الرشدي أحد وجوه البلد وله مكانة مرموقة، وكان ديوانه مشهور بكربلاء ويؤمه أهالي المدينة.

كما وصلت إلى الخالصي مضبطة من تكريت موقعة من النقيب السيد أحمد رئيس عشائر تكريت ومحمد عرب ومصطفى الحاج حسن وزيدان الخلف من رؤساء عشائر تكريت، ومن أحمد الخطاب وندا الحسين رئيسا عشيرة (البيكات)، ومقيم وسلمان الحاج حميد رئيسا عشيرة (الحديثيين)، تحمل نفس معاني البرقية الأولى وهي التضامن مع المؤتمرين ومساندتهم والوقوف معهم ، وإستعدادهم لتطبيق كافة مقررات المؤتمر بالأموال والأنفس (1).

ويجب أن نشير إلى أنه لم يكن يريح البعض هذا التضامن الطائفي في كربلاء، مما دعا بجريدة الاستقلال في عددها الصادر يوم 6 نيسان 1922 أن تقف مع المؤتمر، وإنتقدت النفر المسيء له مما دعا وزير الداخلية توفيق الخالدي بإغلاقها لمدة ثلاثة أسابيع، مع العلم بأن الخالدي كان موضع شك وريبة وعدم إرتياح من قبل الملك فيصل، فلذلك عندما ضغط (برسي كوكس) على فيصل بعدم حضور المؤتمر وافق أن يمثله الخالدي، ولكن الملك لم يطمئن له فأرسل إلى كربلاء (نوري السعيد) ليمثل الملك شخصياً.

بدا نوري السعيد نشطاً من خلال إتصاله بالوطنيين أمثال عثمان العلوان الوزني وعمر العلوان الوزني وكاطع العوادي وغيرهم. وكان مدير شرطة كربلاء آنذاك هو هاشم (العلوي) الذي ساعد نوري السعيد في مسعاه.

وكانت مدينة كربلاء مزدحمة جداً في زيارة النصف من شعبان في تلك السنة، وأرسلت الحكومة قوّة من الجنود لحفظ الأمن.

وقائع المؤتمر

في 9 نيسان 1922 تم إفتتاح المؤتمر بإجتماع أوّلي حضره آية الله الشيخ مهدي الخالصي، وآية الله السيد أبو الحسن الاصفهاني، ووزير الداخلية توفيق الخالدي


1) البرقية نشرتها جريدة (الرافدان) في عددها الصادر في 11 نيسان 1922م تحمل التواقيع التالية: النقيب السيد أحمد رئيس عشيرة تكريت وأحمد الخطاب رئيس عشيرة البيكات وندا الحسين رئيس عشيرة البيكات وزيدان الخلف رئيس عشيرة الحديثيين وسلمان الحاج حميد.

وكبار المدعوّين وتقرر فيه تنظيم مضابط يوقعها الرؤساء والوجهاء تتضمن مبادئ الشعب ومقاصده الساسية المتعلقة بقضية (الأخوان) الوهابيين.

وفي الأيام اللاحقة من جلسات المؤتمر صدرت مضابط عديدة قرروا فيها:

1- مقاتلة الأخوان بمعاونة الجيش الملكي النظامي.

2- أكدوا تعلقهم ومساندتهم لعرش الملك فيصل.

3- طلبوا إسترداد المنهوبات ودفع الديات عن القتلى.

في يوم 15 شعبان الموافق 13 نيسان 1922 كان الاجتماع النهائي والكبير الذي عقد في دار الشيرازي، وقرأ (جعفر أبو التمن) برقية وصلت من الملك فيصل يشكر المؤتمرين، وبعدها ألقى أبو التمن خطاباً شكر فيه القائمين بالمؤتمر وأهل كربلاء والعلماء والحضور جميعاً، وتحدث عن فظائع الأخوان في الحجاز والعراق، وإنفضّ المؤتمر.

تم في نهاية المؤتمر إعداد مضبطة وقعها أغلب المجتمعين في مؤتمر كربلاء من سادات وأشراف وزعماء القبائل والعشائر وأعيان مدن العراق، وقد أعدّت بنسختين إحداهما قُدّمت إلى جلالة الملك فيصل ملك العراق والثانية إلى العلماء الأعلام. وفيما يلي نص المضبطة وأسماء الذين وقعوا عليها:

بسم الله وبه نستعين

نحن الموقعين أدناه سادات وزعماء وأشراف مدن العراق. إصالة عن أنفسنا ونيابة عن ممثلينا لدعوة حجج الإسلام دامت بركاتهم الذين يمثلونا والرأي العام الإسلامي . حضرنا الإجتماعات المنعقدة في كربلاء والمنتهية في اليوم الخامس عشر من شعبان سنة الألف وثلاثماية وأربعين. وبناء على ما أوقعه الخوارج الإخوان بإخواننا المسلمين من الأفعال الوحشية من القتل والسلب والنهب . فقد إتفقت كلمتنا بحيث لم يختلف من بيننا أحد في كل ما تقتضيه مصلحة بلادنا عامة، وحفظ المشاهد المقدسة وقبور الأولياء خاصة. وسلامتها من جميع طوارئ العدوان. وعلى الأخص عادية الأخوان.

وقررنا معاونة القبائل بكل ما بوسعنا وإستطاعتنا لمدافعة الخوارج الأخوان ومقاتلتهم العائد أمر تدبيرها لإرادة صاحب الجلالة الملك فيصل الأول الساهر على حفظ إستقلال بلادنا وبناء على تعلقنا بعرش السدة الملوكية. فإنا نطلب من جلالته إسعاف مطلوب الأمة في أمر القتلى والمنهوبات التي أوقعها الخوارج الإخوان حسب القوانين المرعية. وقد نظمنا بذلك نسختين فقدمنا واحدة منها لأعتاب صاحب الجلالة. والثانية للعلماء الأعلام والله المستعان.

الموقعون:

السيد هادي نقيب أشراف النجف الأشرف - كليدار الروضة الكاظمية شيخ علي – كليدار الروضة المطهرة الحيدرية السيد علي - علي الحسيني القزويني – هادي الجودة النجفي - السيد مهدي آل السيد سلمان - حاج حسون شربة – السيد أبو الحسن الكاظمي - كاظم السيد علي - عبد الرزاق شمسه - حسين الظاهر - كاظم الحاج داود – جعفر الحاج محمد السيد جعفر آل عطيفة – الحاج جعفر آل أبي التمن - عبد المحسن شلاش - الحاج أسعد - حاج مجيد مكية – مصطفى ابن محمد العطار - محمد جواد الحلي - محمد العطار - محمد طاهر الجوهر – هادي الجودة النجفي - عبد الرسول كبة - محمد رؤوف جرجفجي - عبد الحسين الجلبي - السيد عبد الوهاب وهاب زادة - السيد أحمد وفي آل الرشدي - عبد الحسين جرجفجي - عبد الحسين وزير - حسن بن ... - علوان بن سعودي - هاشم بن سيد عطية - حاج حسن بن الحاج حبيب - أحمد جرجفجي - حاج عبد الهادي الحاج جواد - الشيخ مطلق - جعفر الأعسم - عبد الرسول الحاج حسون تويج – السيد موسى مطر - عبد الكريم الحاج عبد الرضا - علي الحاج حمادي الحسن - الشيخ محمد حسن أبو المحاسن – السيد كاظم الرفيعي - تومان عودة - سيد حميد أبو العيس الكاظمي - عبد الهادي الفلوجي - محمد الحاج معروف - سيد أحمد بن كاظم – علي بن عبد الحسين – جاسم الظاهر – السيد محسن السيد عباس – عبد الرزاق حمزة – حاجي عبودي - حمودي شهيب المولى - جوادي بن مهدي - سيد يحيى الحبوبي - حسين الطرف - سيد محمد زوين – محمد حسن فلوجي - السيد محمود السيد شاكر - السيد شاكر السيد محمد الحلي - حمود بن صالح عبيدة - محمد بن عبد الفتاح - مجيد

بن حسن كظماوي - مهدي بن محمد علي - كاظم بن عيسى الحمود - حسين الحلي - حماد - حاج محمد العبد الحسين - السيد عبد الكاظمي - حاج رشاد الكاظمي - محمد باقر السيد محمد مهدي زوين - محمد حسن فلوجي – أحمد بن حسن الحاج عليوي العامري - عبد الباقي بن عبد الله - عبد الجليل ناجي – على الخرسان - سيد علي - محمد - السيد عبد الرسول عطيفة - عمر الحاج علوان الوزني – سيد هادي حسن جبر - وهاب الحاج مرزا عفجاوي - حاج مهدي الفلوجي - محمد الحاج مهدي - شعلان الحاجم شيخ الطهامزة - شيخ حسين العبود رئيس ألبو حسب - علي الصالح رئيس بلدية الكوفة - عثمان العلوان الوزني رئيس بلدية كربلاء - عبد المهدي القنبر - محمد علي بن سلمان - السيد عيسى - محمد الحاج حسن الشهيب – رئيس السلالمة - شيخ علوان الجار الله رئيس عشيرة بني سعد – شيخ حسن بن حمزة رئيس ناحية أهالي بلد – السيد ناجي السيد علي عفجاوي – السيد علي السيد عبدالله محنة عفجاوي - سلمان الشراد عفجاوي - السيد مهدي الرفيعي.

الصورة

418

صورة المضبطة

كان المؤتمر إثناء أيام إنعقاده لم يخل من الانشقاق والاختلاف، حيث إمتنع بعض رؤساء العشائر التوقيع على المضابط، ومن هؤلاء: عداي الجريان رئيس ألبو سلطان، ورشيد العنيزان رئيس اليسار في الحلة وعمران الزنبور رئيس بني عجيل و شمران الجلوب رئيس آل فتلة في الهندية، ومراد الخليل رئيس الجبور.

واجتمع هؤلاء في (الحلة) بعد إنتهاء المؤتمر الذي إنعقد في كربلاء، وقرروا تنظيم مضبطة مضادة لمضابط المؤتمر، يحتجون فيها على تدخل علماء الدين في السياسة، وأكدوا كذلك بأنهم يعلنون تمسكهم بالانتداب البريطاني.

إتصل قسم من هؤلاء بالشيخ علي السليمان رئيس عشائر الدليم(1)، وذهب هذا الأخير في 19 نيسان 1922 إلى السر برسي كوكس في بغداد ليأخذ رأيه في الموضوع حسب تكليف قسم من الرؤساء المعارضين ...!! فردّ عليه كوكس بعدم تنظيم مضبطة مضادة للمؤتمر ، لكي لا تعتبر هذه الأمور دسيسة إنكليزية، ونصحه بأن يقابلوا الملك فيصل ويشرحوا له بأن المؤتمرين في كربلاء هم متطرفون وسوف يقودون البلاد إلى مساوئ جمة ...!

ذهبوا إلى الملك وبعدها قابلوا ( عبد الرحمن النقيب الذي شجعهم على إعداد مضبطة مضادة، وقد فعلوا ذلك وملؤوها بالشتائم وإنتقدوا المؤتمر والقائمين عليه(2).

بسبب هذه المضبطة المشينة فقد حصل ما كان (كوكس يخشاه، فإن بعض أفراد العشائر التابعين لأصحاب هذه المضبطة بدأوا بتنظيم مضابط يعلنون فيها عدم إعترافهم برؤسائهم الحاليين ويرغبون بإختيار رؤساء غيرهم... وأرسلوا المضابط إلى آية الله الشيخ مهدي الخالصي ليحتفظ بنسخة منها ويقدّم الأخرى إلى الحكومة.

ومن المؤسف أيضاً أن السيد جعفر أبو طبيخ وصل إلى الحلة ومعه رؤساء من الخزاعل ليوقعوا على المضبطة المعارضة لمؤتمر كربلاء...

وقالوا بأن عشائر الشامية بإستثناء الشيخ عبد الواحد الحاج سكر والسيد نور الياسري والسيد علوان الياسري يقفون موقف المعارض لمؤتمر كربلاء ومقرراته، ويقف معهم الشيخ سالم الخيون رئيس قبيلة بني أسد، وخيون العبيد وبعض رؤساء


1) من خلال أحداث تاريخ العراق منذ دخول الانكليز وإحتلال بغداد وثورة العشرين، نرى بان هؤلاء كانوا قد ربطوا مصيرهم بالمحتل وتزلفوا له، وإبتعدوا كل البعد عن المواقف الوطنية وإنجروا وراء مصالحهم والحفاظ على مواقعهم.

2) نص المضبطة نقلها الدكتور علي الوردي في كتابه لمحات إجتماعية، عن وثيقة من وثائق البلاط الملكي كنسخة ثانية مكتوبة على ورقة غير موقعة وغير مؤرخة.

المنتفك (الناصرية)، وإجتمعوا في الحلة بالمستشار السياسي الانكليزي وأبلغوه بأن الفرات كُلّه متكتل بحزم لمقاومة أي تدخل ضد الانتداب البريطاني (1)!!!

نتائج مؤتمر كربلاء

من خلال مؤتمر كربلاء يمكن لنا أن نذكر ما تمخض عن هذا المؤتمر الهام من نتائج كانت في غاية الأهمية نوجزها بمايلي:

1- أوضح المؤتمر بعد إنتهاء إنعقاده بأن هناك خلاف حاد بين الملك والسير برسي كوكس، وهذا الأخير يعتبر المؤتمر دعوة مدعومة من البلاشفة (الروس) والأتراك، لسحب العشائر للثورة ضد السياسة البريطانية، كذلك إستمالة الملك من قبل العلماء ورجال الدين وشيوخ العشائر الذين سبقوا أن شاركوا في ثورة العشرين إلى إتخاذ موقف ضاغط على الانكليز، وهذا ما أوضحه كوكس في رسائله إلى لندن.

2- إعتبر مؤتمر كربلاء مؤتمراً فاشلاً لأنه لم يحقق ما كان يصبو إليه ويرجع ذلك إلى الضغط الانكليزي.

3- رغم كل ذلك فإن المؤتمر جعل كوكس يبذل جهداً لتسوية النزاع بين العراق وإبن سعود لصالح العراق. حيث يمكن للمتتبع الرجوع إلى تفاصيل (معاهدة المحمّرة) التي تمت في مؤتمر عقد في بداية أيار 1922م(2)، وفيها كان ترسيم الحدود بين الدولتين السعودية والعراق رغم إستياء ابن سعود. ومنذ ذلك الحين


1) مقال بعنوان (محاولة إستجلاء جديدة)نشرته مجلة المثقف العربي في عددها الصادر في حزيران 1974م للسيد صالح جواد كاظم.

2) في أيار سنة 1922م، أي بعد مرور شهر على مؤتمر كربلاء، عُقِدَ مؤتمر (المحمرة) بتدبير من السير برسي كوكس، حضره وزير المواصلات والأشغال (صبيح نشأت) مندوباً عن العراق، و(أحمد بن ثنيان) مندوباً عن ابن سعود لترسيم الحدود بين العراق والسعودية، وقد وقع الطرفان معاهدة عُرفت بـ (معاهدة المحمرة).

بدأ كوكس يضغط على ابن سعود بشكل كبير، وأنتج هذا الضغط زوال خطر الوهابيين على العراق.

4- أظهر المؤتمر من خلال مشاركة أهل السنة ورؤساء العشائر والمناطق والمدن في بغداد والموصل، وبرقيات مشايخ ووجهاء الشرقاط وتكريت...

بأن هناك تلازماً قوياً بين أبناء الشعب سنة وشيعة، فعندما يداهم العراق خطر ما تلغى الطائفية والمذهبية والمناطقية، وتحلّ الأخوّة ويبقى العراق شامخاً.

وفي موضوع متصل بمؤتمر كربلاء، حيث كان (حميد خان) متصرفا للواء كربلاء قبل إنعقاد المؤتمر، وهو من أعوان الانكليز ومعتمداً لديهم.

كان الملك فيصل يرغب بتعيين شخصاً موالياً له وكما عيّن في الحلة متصرفة عليها هو (علي جودت الأيوبي)، أراد الملك تعيين (الحاج سليم) متصرفاً لكربلاء، ورفض (كوكس) ذلك التعيين. وتوسط السيد عبد الرحمن النقيب بين كوكس والملك وإقترح حلاً وسطاً هو تعيين (عبد العزيز القصاب) الذي إنتقل من الكوت وباشر في كربلاء في أوائل شباط 1922 ، ثم نقل إلى لواء المنتفك (الناصرية) وحل محله (مولود مخلص) متصرفاً في كربلاء بتاريخ 26 حزيران 1923م.

الصورة

421

خان الشرطة في كربلاء في سنة 1921م، والواقع في جانبها الشرقي من خارج السور

مشكلة الموصل ومضبطة أعيان كربلاء

كانت الموصل ضمن العراق إثناء الحكم العثماني، وأصبحت إحدى الولايات كبغداد و شهرزور والبصرة والموصل وكما هو معروف عربية الأصول والعراقة وأبناءها يشكلون النسيج المجتمعي العربي في الغالب الأعم. فغالبية سكانها ينحدرون من خمس قبائل رئيسية هي: شمّر وطي والجبور والدليم والبقارة، وأفخاذ من قبائل أخرى. وفيها مسيحيون ينتمون إلى عدة طوائف، وأكراد وتركمان.

إثناء الحرب العالمية الأولى إحتل الإنكليز مدينة البصرة في تشرين الثاني 1914م، ثم بغداد في آذار 1917م وهي عاصمة العراق ومركز الحكم فيه. بينما استمرت الهيمنة العثمانية على الموصل حتى قبل نهاية الحرب العالمية الأولى بأربعة أيام(1).

كانت بريطانيا وفرنسا قد عقدتا إتفاقية سرية عُرفت بإتفاقية (سايكس بيكو) تم بموجبها تقسيم الولايات العثمانية العربية بين الدولتين، فكانت ولاية الموصل من منطقة النفوذ الفرنسي.

قبل إنتهاء الحرب عقد الحلفاء هدنة مع تركيا وألمانيا في 30 تشرين الأول 1918 بعد أن تبين تفوق الحلفاء على تلكما الدولتين لحين الإتفاق النهائي على وقف الأعمال الحربية وإعلان إنتهاء الحرب.

إحتل الإنكليز الموصل في 7 تشرين الثاني 1918م وذلك بالرغم من عقد الهدنة قبل عدة أيام. وبعد إكتشاف النفط في ولاية الموصل تمكنت بريطانيا من إقناع فرنسا بالتنازل عن الموصل في معاهدة (سيفر) سنة 1920م.


1) تم الإعلان عن إنتهاء الحرب العالمية الأولى في 1918/11/11م، بينما إحتل البريطانيون الموصل في 1918/11/7م.

استمرت مطالبة تركيا بالموصل بحجة إن إحتلالها من قبل الإنكليز تم بعد عقد الهدنة وإيقاف الأعمال القتالية، وتم عرض الموضوع على عصبة الأمم لتقرر عائدية الموصل.

شكّلت (عصبة الأمم) لجنة أممية من ثلاثة أعضاء يرأسها ديبلوماسي (سويدي) وعضوين أخرين أحدهما (مجري) والثاني (بلجيكي)(1).

في النصف الثاني من عام 1925 جاءت اللجنة إلى العراق لتشرف وتطلع على وثائق ومستندات وجغرافية منطقة الموصل والعراق بما يثبت أن الموصل هي جزء من أجزاء العراق.

قامت الحكومة العراقية حينئذٍ بإنتخاب عشرة أشخاص من أعيان كل لواء (محافظة) من ألوية العراق للتوقيع في مضابط تؤكد عراقية الموصل وعدم التفريط بها بإعتبارها جزء لا يتجزأ من العراق، على أن تُقدّم هذه المضابط إلى اللجنة الأممية التي تزور العراق، لترفقها مع الوثائق وتقدمها إلى عصبة الأمم لدعم حق العراق ودحر الأتراك بخصوص هذا الإدعاء الباطل.

أما الأسماء المنتخبة من أعيان كربلاء للتوقيع على المضبطة هم كل من:

1- السيد عبد الحسين آل طعمة . كليدار الحسين(علیه السلام).

2- السيد مرتضى آل ضياء الدين . كليدار العباس(علیه السلام).

3- السيد محمد علي آل ثابت.

4- السيد محسن الطويل آل نصر الله .

5 - السيد حسن النقيب.

6- السيد قاسم الرشدي.

7- السيد حسين القزويني.

8- الشيخ عبد الكريم العوّاد. ا

9- لحاج إبراهيم أبو والدة.

10- الشيخ كاظم أبو آذان.


1) راجع كتاب (مذكراتي في العراق) ساطع الحصري - ج 1 ص 487 وما بعدها.

دعا متصرف كربلاء حينها (عبدالله الدليمي) (1)الأعيان المذكورين للتوقيع على المضبطة في سراي الحكومة، فحضر سبعة منهم ووقعوا عليها، أما الثلاثة الأخرون فهم:

1- المرحوم السيد مرتضى آل ضياء الدين (كليدار العباس) ولمرضه فقد أرسل نيابة عنه أرشد أولاده المرحوم السيد (محمد حسن) للتوقيع على المضبطة.

2- المرحوم السيد قاسم الرشدي لمرضه وكبر سنّه فقد أرسل ولده المرحوم السيد (أحمد) للتوقيع على المضبطة بتخويل من والده.

3- المرحوم السيد حسين القزويني، عندما طلب المتصرف حضوره فقد تبيّن أنه كان مسافراً إلى النجف فأمر المتصرف بإحضار ولده المرحوم السيد (إبراهيم شمس الدين) وأخذ توقيعه على المضبطة المذكورة نيابة عن والده السيد حسين(2). وكان عُمر السيد إبراهيم حينها لم يتجاوز السادسة والعشرين فقد أخذ المتصرف عبدالله الدليمي توقيعه بشهادة كاتب التحرير المرحوم (صالح الحاج عبد المهدي الحافظ)، وقواص المتصرف (فراش) المدعو عبد الكريم بن موسى.

وأُرسلت المضبطة التي كتبها اعيان كربلاء حول الموصل كونها عراقية ولا يمكن التفريط بها إلى بغداد وسلّمت إلى اللجنة الأممية مع مضابط الألوية الأخرى. وفي نفس العام (1925م) قررت عصبة الأمم عودة الموصل إلى العراق.


1) عُيّن عبدالله الدليمي متصرفا للواء كربلاء بتاريخ 1925/5/6م (1344ه-)، وبقي في كربلاء إلى 1927/5/28م (1346ه)، وبعده بشهرين تسلم متصرفية كربلاء (عبد الحافظ نوري).

2) مذكرات المرحوم السيد إبراهيم شمس الدين القزويني الخطية / الدفتر الثامن.

أحوال كربلاء عندما هُدمت قبور الأئمة في البقيع

في يوم 8 شوّال سنة 1344ه (1925م) أقدّم الوهابيون السعوديون على تهديم قبور آل بيت النبي(صلی الله علیه و آله وسلم) في مقبرة بقيع الغرقد، مستندين على فتوى أصدرها علماؤهم في 25 رمضان 1344ه-، وبعد الفتوى بأيام هدموا قبور الأئمة الأطهار والصحابة في البقيع، وسووها بالأرض، وشوّهوا محاسنها وتركوها معرضاً لوطئ الأقدام، ودوس الكلاب والدواب.

تم نهب كل ما كان في ذلك الحرم المقدس من فرش وهدايا وآثار قيمة وغيرها، وحوّلوا ذلك المزار المقدس إلى أرض موحشة مقفرة. وكان هذا الهدم هو الثاني، فالأول قام به آل سعود سنة 1220ه / 1805م عندما هاجموا المدينة المنوّرة وإستولوا عليها. وعندما قام العثمانيون بدحرهم وطردهم منها وإعادتها تحت سيطرتهم، قامت الحكومة العثمانية وبمساعدة الكثير من المتبرعين بإعادة بناء تلك القبور، وأصبحت أجمل مما كانت عليه سابقاً.

يصف قبور البقيع قبل هدمها الرحالة السويسري (لويس بورخارت) الذي إعتنق الإسلام وسمّى نفسه إبراهيم فيقول: كانت القباب مشيدة هناك، كقبة أزواج النبي وأولاده وبناته ومرضعته حليمة السعدية. وقبة أم البنين زوجة الإمام علي وقبتها قرب قبة عمات النبي، وكانت أيضاً قبة جابر بن عبدالله الأنصاري وغيرهم. وأكبر القباب كانت قبّة واحدة مرتفعة أكبر من سائر القبب، وتحتوي قبور أئمة البقيع (1)مع العباس عمّ النبي ولا أدري هل كانت فاطمة بنت أسد (2)معهم أم


1) أئمة البقيع :هم الإمام الحسن المجتبى سبط الرسول(صلی الله علیه و آله وسلم)، والإمام علي بن الحسين زين العابدين، والإمام محمد بن علي (الباقر) ، والإمام جعفر بن محمد (الصادق)(علیه السلام).

2) هي فاطمة بنت أسد بن هاشم ، أم الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام)، وهي التي ربّت النبي(صلی الله علیه و آله وسلم)، ومن أوائل المسلمات، وعندما توفيت بالمدينة تولى الرسول(صلی الله علیه و آله وسلم) دفنها، وأشعرها قميصه، وإضطجع في قبرها، وكانت قد ولدت لأبي طالب(علیه السلام) طالباً وعقيلاً وجعفراً وعليًّا وأم هانئ واسمها فاختة، وجمانة.

في قبة خاصة بها ؟

أما عن القبور داخل القبة فكانت مرتفعة عن الأرض ومتسعة ومغشية بألواح ملصقة أبدع إلصاق مرّصعة بصفائح الصفر (النحاس)، ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة، وأجمل منظر، وفي نفس تلك القبة كانت تزار الزهراء حيث يحتمل قبرها ... وكانت خارج القبة بفاصلة قليلة قبة مبنيّة على بيت الأحزان، حيث كانت الزهراء تخرج إلى ذلك المكان وتبكي على أبيها ...».

وبعد تهديم قبور البقيع وصفها نفس الرحالة فقال: «تبدو مقبرة البقيع حقيرة جداً لا تليق بقدسية الشخصيات المدفونة فيها. وقد تكون أقذر وأتعس من أي مقبرة موجودة في المدن الشرقية الأخرى التي تضاهي المدينة المنورة في حجمها، فهي تخلو من أي قبر مشيّد تشييداً مناسباً، وتنتشر القبور فيها وهي أكوام غير منتظمة من التراب. يحدّ كل منها عدد من الأحجار الموضوعة فوقها».

ثم يصف قبور أئمة أهل البيت(علیه السلام) وقبر العباس عم النبي(علیه السلام) وعمات النبي(علیه السلام) فيقول: «فالموقع بأجمعه عبارة عن أكوام من أكوام التراب المبعثر، وحفر عريضة ومزابل !!».

ويصف الرحالة (ايلدن رتر) الذي زار المدينة المنورة بعد الحادثة حيث قال:

«لقد هدّمت القباب البيضاء التي كانت تدل على قبور آل البيت النبوي... وأصاب القبور الأخرى نفس المصير فسُحِقَت وهُشّمَت».

الصورة

الصورة

428

بعدما إنتشر خبر تهديم القبور، إستنكره المسلمون في جميع أنحاء العالم، على أنه عمل إجرامي يسيء إلى أولياء الله ويحط من قدرهم، كما يحط من قدر آل رسول الله وأصحابه. ومثل ما فعل في بقيع الغرقد، فقد تم تهديم قبور شهداء (أحد) ومنهم قبر الحمزة بن عبد المطلب عم النبي(صلی الله علیه و آله وسلم). وصل خبر تهديم قبور أئمة البقيع إلى أهالي مدينة كربلاء، فكان وقعه كالصاعقة عليهم، وهاج الناس في دروب المدينة وشوارعها، وأغلق الناس محلاتهم وأوقفوا البيع والشراء، وتجمعوا في مرقدي الأمام الحسين والعباس عليهما السلام وساروا في مواكب عزاء مرددين شعارات تدل على الحزن والأسى على تهديم قبور الأئمة من آل البيت(علیه السلام)، وإعتبروها جريمة نكراء قام بها الوهابيون ضد آل بیت الرسول(صلی الله علیه و آله وسلم)، وتجاوزاً على قدسيتهم، وطالبوا العالم الإسلامي من خلال توافدهم لمراجع الدين إصدار فتاوى حول موضوع الهدم.

في اليوم الثاني ظهرت مدينة كربلاء حزينة وقد جابت شوارعها مواكب العزاء واللطم ورفعت في المدينة الأعلام السوداء حزناً على ذلك الحادث الجلل.

وفي السنة التالية أصبح يوم 8 شوال يوم حداد لدى أهالي كربلاء حيث قاموا بإعلان الحداد ورفعوا الأعلام السوداء وحملوا أربعة نعوش ملفوفة بقماش أسود وساروا وراء النعوش إلى مرقد الحسين(علیه السلام) ومن ثم إلى مرقد العباس(علیه السلام) بمواكب عزاء. وأصبح ذلك تقليد سنوي مثله مثل مناسبات وفيات أهل البيت(1).

للمرحوم العلامة السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر مقولة في إحدى خطب الجمعة في مسجد الكوفة، حيث تطرق فيها إلى قبور أئمة البقيع وقال رحمه الله:

«وأصبح تاريخ يوم الهدم يوم معيّن من السنة يسمى يوم هدم القبور)، ومصيبته تعادل مصيبة ذكرى وفاة أحد المعصومين عليهم السلام. وأصبح الناس يعملون بهذه المناسبة تعازي وذكريات ونحو ذلك»(2).


1) إعتاد أهالي مدينة كربلاء على إقامة الحداد عندما تمر ذكرى وفاة أو إستشهاد أحد الأئمة من آل البيت عليهم السلام، فيغلقون المحلات والمطاعم والمقاهي، ويقيمون مواكب للعزاء، ويسمى ذلك اليوم يوم (وفاة)، ويلبس غالبية الأهالي الملابس السوداء، وتظهر المدينة غارقة في الحزن.

2) جاء ذلك في خطبة الجمعة للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر رضوان الله عليه بتاريخ 3 جمادي الثانية سنة 1419ه (1998م).

حادثة أهالي الكاظمية مع أهالي

النجف في كربلاء إثناء زيارة الأربعين سنة 1929م

في بداية القرن العشرين الميلادي بدأ عداء بين مدينة الكاظمية ومدينة النجف الأشرف، وسبب الخلاف أن رجل من أهل الكاظمية كان متعهداً لنقل الجنائز من الكاظمية إلى النجف، وذات يوم تعرّض له في الطريق جماعة من أهل النجف، وكان الرجل مسلحاً ببندقية لكي يستطيع أن يحمي الجنائز ومرافقيها، وأراد المتصدون له من أهل النجف تسليب قافلة الجنائز، فوقعت بينه وبينهم مصادمة، تمكن خلالها من قتل رجلين منهم ومن ثم إستطاع أن يعود سالماً إلى مدينته الكاظمية. وصلت أخبار الحادث إلى النجف عندها إستعد بعض النجفيين للأخذ بثأر القتيلين، وصادف أن كان شخصاً من أهالي الكاظمية في النجف فقاموا بقتله. وظل العداء بين النجف والكاظمية قائماً، والمطالبة بالثأر من كلا الطرفين ظلّت مستمرة.

في عام 1349 ه / 1929م وفي مناسبة زيارة الأربعين في كربلاء التي تصادف في يوم 20 صفر، حيث تتوافد مواكب العزاء إلى كربلاء من جميع مدن العراق، وقع حادث مؤسف عندما تزاحم موكب من مواكب مدينة الكاظمية مع أحد مواكب مدينة النجف حول أسبقية الدخول إلى صحن الحسين(علیه السلام)، ولأن الضغائن بين أهالي المدينتين كانت مستمرة، فوقعت معركة عنيفة بين المشاركين في الموكبين عند باب الصحن الشريف، سرعان ما تدخّل المشاركون في مواكب الكاظمية الأخرى، والمشاركون في مواكب النجف وإختلط الحابل بالنابل وإستخدمت في المعركة مختلف الأسلحة الجارحة والعصي وأصيب أشخاص كثيرون وأدّى الحادث إلى مقتل

رجل من أهل النجف إسمه (دعبول)، وتدخّل الناس لفض الإشتباك، ويبدو ان الغلبة كانت لأهل الكاظمية.

«تجمّع أهل الكاظمية مرّة أخرى وهجموا على خيام مواكب أهل النجف، وقطعوا أطنابها وأراقوا أباريق القهوة فيها ثم ذهبوا إلى صحن العباس(علیه السلام) يهزجون أهازيج النصر والفخار...»(1).

في اليوم التالي خرج أهالي الكاظمية بموكب واحد على غير عادتهم، بينما كان أهل النجف يعدّون لأخذ ثأر مقتل ( دعبول) حيث نزلوا بموكب كبير كانت رداته المطالبة بدم دعبول وبقيت العداوة بين المدينتين قائمة لسنوات طوال رغم كثرة الوساطات التي تدخلت لإنهاء هذا العداء.

كان عتب أهل النجف كبيراً على أهل كربلاء بإعتبار أن النجف قضاء تاب تابع لكربلاء وتجمعهم روابط أخرى، حيث لم يقف أهالي كربلاء مع أهالي النجف ضد أهالي الكاظمية !! ، وبسبب ذلك حدث خصام بين النجفيين والكربلائيين وصل إلى مرحلة العداوة لسنوات طوال أيضاً !!


1) دراسة في طبيعة المجتمع العراقي د. علي الوردي ص 189 - ص 190 .

حوادث كربلاء بعد ثورة تموز 1958م إلى نهاية عام 1959م

بعد ثورة 14 تموز 1958 تغيرت الخارطة السياسية في عموم العراق الذي كانت فيه أحزاب وتيارات سياسية مختلفة من الليبرالية والعلمانية والإسلامية والقومية واليسارية ومنهم الشيوعيون. ومنذ نهاية عام 1958 ومطلع عام 1959 برز الحزب الشيوعي بشكل ملفت للنظر، وبدأ صراعه مع بقية الأحزاب وخاصة الحزب الوطني الديمقراطي الذي يرأسه كامل الجادرجي، وكذلك صراعه مع القوميين وأبرزهم كان حزب البعث، وكذلك مع التيارات الإسلامية المحافظة على الشريعة والتقاليد والأعراف الدينية وعلى رأسها المراجع وعلماء الدين، وعاش البلد في تلك الفترة احداثاً جسام.

في مدينة كربلاء كان الصراع كبيراً ومحتدماً بين الشيوعيين من جهة وبقية الأحزاب والتيارات الأخرى من جهة أخرى، فمدينة كربلاء لها خصوصيتها كونها من المدن المقدسة وفيها العتبات المشرّفة وحركة إسلامية كبيرة من خلال تواجد العديد من المراجع وانتشار المدارس الدينية فيها.

عاشت مدينة كربلاء سلسلة من الحوادث تركزت في نهاية عام 1958 وسنة 1959م، وشهدت المدينة حالات غريبة عن طبيعة المجتمع الكربلائي المتدين، ولم يَعِر الشيوعيون في ذلك الوقت هذه الطبيعة إهتماماً ودراسة واعية، بحيث قاموا بأفعال لم يقبلها المجتمع، وكانت تشهد شوارع المدينة وحاراتها ردات فعل كبيرة ضد ما يقومون به، خاصة عندما بدأوا برفع شعارات لا يستسيغها المجتمع الكربلائي بإعتبارها غريبة عنهم، كما أن الجناح العسكري (المقاومة الشعبية) للحزب الشيوعي أخذ بإقامة إستعراضات داخل المدينة، وكانوا يقومون بإعداد مسيرات يرفعون فيها لوحات لإجبار الناس على التوقيع عليها تضامناً معهم، وكانت مجاميع في مقدمة

تلك المسيرات تلوّح بالحبال إشارة إلى (سحل) كل من يعارضهم، وكانت شعاراتهم الشهيرة (سنمضي سنمضي إلى ما نريد... وطن حر وشعب سعيد) و(الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم) وغيرها من الشعارات.

وكردة فعل على المفاهيم الماركسية وحركة أنصار السلام وتشكيل المقاومة الشعبية، وعلى بعض الممارسات التي قام بها الشيوعيون في مدينة كربلاء، والتي إعتبرها الكربلائيون تحدياً لقدسية المدينة، فقد قام أبناء المدينة بإتخاذ مواقف ضد المد الشيوعي في تلك الفترة، متخذين من تصديهم هذا طريقاً للحفاظ على قدسية المدينة ودفاعاً عن كرامتها.

كانت الحالة السياسية في كربلاء إثناء ثورة 14 تموز 1958 تشمل الديمقراطيين (جماعة الحزب الوطني الديمقراطي) الذي يرأسه كامل الجادرجي، وهذا الحزب تأسس في بغداد سنة 1946م وفي نفس السنة تأسس له فرع في كربلاء، وكان من أبرز قادة هذا الفرع هم: يحيى توفيق آل نصر الله وجواد رضا الشروفي آل طعمة وصالح عباس آل نصر الله الملقب بـ (صالح الأغا) والدكتور هادي الطويل آل نصر الله الذي أصبح المسؤول الرسمي للحزب في كربلاء سنة 1959 م . وكان للوطني الديمقرا قاعدة عريضة في المدينة ومقره في محلة باب بغداد، وله مكتبة تسمى (مكتبة الأهالي) تجاور مسجد الحاج صالح عوز.

كذلك البعثيون الذين يمثلون الخط القومي الوحدوي، وقد تأسس تنظيم هذا الحزب في كربلاء سنة 1950م ومن رعيله الأول عند التأسيس كل من: الدكتور سعدون حمادي وجواد رضا أبو الحب وعبد الرزاق الوكيل وحسن هادي الصواف و شمس الدين كاظم وجواد حسین آل نصر الله وخليل عبد آل تاجر وعباس المعمار وجواد كاظم الجواد ومحمد علي عباس الشكرجي وعبد الرزاق رضا أبو الحب وعبد المنعم الجابري ومهدي عيسى أبو المعالي وعزي مجيد الوهاب، ومن ثم أصبح له أنصار ومؤيدون من شباب المدينة في منتصف الخمسينات من القرن العشرين الميلادي. وأكثر تجمعاتهم في محلة باب بغداد أيضاً، ويتخذون من مكتبة الزهراء لصاحبها جاسم الكلكاوي مصدراً لتوزيع منشوراتهم وإستلام جريدة الحزب المرسلة من دمشق وهذان الحزبان كانا السائدين في ذلك الوقت على الساحة السياسية الكربلائية.

بالإضافة إلى بعض الشباب الغير منتمين إلى حزب أو حركة معينة ولكن كانت لهم توجهات قومية عروبية، وبعض الشخصيات الكربلائية المعروفة التي كانت تنتمي إلى حزب الإستقلال وحزب الأمة، وكان لهم نشاطهم المعروف في العهد الملكي، منهم المحامي محمد مهدي الوهاب آل طعمة والسيد باقر آل نصر الله الملقب بـ (باقر أبو مناظر) والمحامي عبد الحسين كمونة وغيرهم من زعماء الوزون ورؤساء آل القنبر من بني سعد.

رغم أن الحزب الشيوعي تأسس في فترة الأربعينات في العراق، لكن الشيوعيين في كربلاء كانوا قليلين جداً، ومن قيادييهم كان عبد الرزاق الصافي وعلي النوري وجاسم الحلوائي، وقاعدتهم في المدينة شبه معدومة، وفي 14 تموز 1958م كانوا أقل من أصابع اليد حسب قول أحد قيادييهم (جاسم الحلوائي) الذي يذكر:

«وفي ثورة 14 تموز كانت هناك خلية شيوعية، عناصرها أقل من عدد أصابع اليد الواحدة في المدينة وأخرى بنفس العدد في الريف...»(1).

وجد الحزب الشيوعي في المدينة بأن قاعدته صغيرة فحاول تنشيط عمله في العهد الجمهوري الجديد والتسلق نحو الواجهة فأسس مكتبة الشعب التي تبيع الصحف والكتب الماركسية اليسارية، الذي أصبح مكانها تجمعاً لأنصار الشيوعيين فيما بعد، وكان نشاط الحزب الشيوعي يزداد وقتئذ في محلة العباسية.

بدأ الحزب الشيوعي يتخذ مواقف تتسم بالعداء ضد الوطني الديمقراطي بشكل خاص وصل في بعض الأحيان إلى التصادم، وكذلك مع التيارات القومية العروبية في المدينة، ولم يقف عند هذا الحد بل أخذ يقف بوجه التوجهات الإسلامية في المدينة المعروفة بقدسيتها ووجود عدد كبير من رجال الدين والعلماء والخطباء والمدارس الدينية فيها إضافة لوجود المراقد المشرفة، ومن ذلك نشأت ضده معارضة من التيارات الإسلامية والجمعيات التي بدأت تتشكل في كربلاء كرد فعل للممارسات التي ظهرت منهم حينها.


1) الحقيقة كما عشتها / جاسم الحلوائي - ص 65 ، ط 1 دار الرواد - بغداد 2006م.

كانت ثورة الرابع عشر من تموز ثورة قام بها الجيش العراقي، ولا فضل لأي حزب من الأحزاب في الساحة العراقية بها، وعندما بدأ الشيوعيون بتسلق الواجهة كانوا قد اعتمدوا على بعض الأشخاص الذين قاموا بدورهم بالإعتداء على شخصيات المدينة وأعيانها وساداتها، وقد ركزوا عداءهم نحو رجال الدين في المدينة بشكل ملفت للنظر، وفي نفس الوقت كانت الساحة مليئة بالأحزاب المعروفة، فقد أخذ الشيوعيون ينصبون العداء إلى الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب البعث وبعض المنظمات الجماهرية المعادية للأفكار الشيوعية. وكانت التظاهرات الشيوعية تنطلق من محلة العباسية مركز تجمعهم، ويجوبون شوارع المدينة، وكثيراً ما كانوا يصلون إلى منطقة باب بغداد وهي مركز تواجد الحزب الوطني الديمقراطي والبعثيين تحدياً لاغير، ومقابل ذلك تنطلق تظاهرات الوطني الديمقراطي ومعهم البعثيين والقوميين للوقوف ضد الشيوعيين.

كان رجال الدين في المدينة يساندون الطرف الثاني ضد الشيوعيين، بدأ الكثير ممن إنخرط في صفوف الشيوعيين وأغلبهم من الرعاع، بإهانة شخصيات معروفة المدينة ولها مكانتها، وكانوا يصفونهم بالرجعية وأتباع النظام الملكي البائد حسب تعبيرهم، كما أخذوا ينعتون المنتمين للأحزاب الأخرى بأنهم عملاء وضد (الثورة)، وكأن الحزب الشيوعي هو الذي قام بالتغيير. وكنتيجة طبيعية نجد بعد كل تغيير يقوم الكثيرون بالتسلق والوصول إلى غايات مصلحية ونفعية، مستغلين مرحلة بداية التغيير التي دائما ما تكون مضطربة، وفي العراق نماذج كثيرة عن هذه الحالات. يذكر العميد (فؤاد عارف) (1)الذي كان يشغل منصب متصرف كربلاء بعد ثورة 14 تموز في مذكراته حيث يقول عن ذات الموضوع:


1) هو الزعيم (العميد) فؤاد بن عارف بن السيد محمود بن الشيخ إسماعيل الكونه كوتري بن الشيخ مصطفى القرداغي بن الشيخ حسن بن بابا رسول علي رأس الأسرة البرزنجية، فهو من السادة البرزنجية والمولود سنة 1913 في مدينة العمارة من أبوين كرديين كان فؤاد عارف قد عمل في كربلاء سنة 1947 بمنصب مدير التجنيد فيها، وربطته بأهالي المدينة علاقات وثيقة، وعندما عُيّن متصرفاً (محافظا) لكربلاء بعد ثورة تموز 1958 ، كان يعرف أحوال مدينتي كربلاء والنجف معرفة جيدة، وله علاقة وطيدة بمراجع الدين حينها، وفترة عمله في كربلاء كانت مليئة بالأحداث، ولكنه تصرف بعقلانية وذكاء ووطنية عالية، وفترة وجوده في كربلاء تركت إنطباعات جيدة لدى أهالي كربلاء والنجف بشكل كبير لحياديته وتمسكه بالقانون، حيث كان شديداً في مواقفه إتجاه كل إساءة تصدر تتعلق بأمن وإستقرار المدينة. ويكن الإحترام لساداتها وأعيانها ورؤسائها وعلمائها. باشر فؤاد عارف متصرفاً في كربلاء في 1958/7/22 حتى 1959/2/9، ثم عيّن وزيراً للدولة.

«عندما باشرت عملي متصرفاً لكربلاء شعرت بحق أن الناس متعطشون للعدالة وسيادة الحق. وفي إعتقادي أن المتصرف النزيه لابد أن ينجح في عمله الإداري لا محالة، لذا كنت أواجه حالة جديدة في المدينة، وهي أن بعض الناس ممن كانوا متنفذين فيها قد ساءت أحوالهم وإنحطت مدارجهم، وبعض المغمورين إرتفعت مدارجهم وأصبحت لهم الكلمة في المدينة، ونشأ من الناس من أخذ يدعي لنفسه الحق في كل شيء وكأنه هو الذي خطط للثورة ونفذها، فشعرت أن حالات من الإعتداء والإهانة قد ظهرت، وأن القانون صار ضعيفاً أزاء بعض التصرفات الفردية بسبب غبطة العاطفة الوطنية الملتهبة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كنت أشعر أن هذه المدينة مدينة مقدسة لها خصوصيتها، ويجب أن يراعى هذا الجانب منها في اسلوب إدارتها.

لذا كان أول شيء أكدته وحاولت أن أرسخه في عقول الناس ان الثورة إنما قام بها الجيش ولا يحق لأي كان أن يعتبر نفسه وليّاً على الناس بإسم الثورة، وإن القانون هو فوق الجميع ولا مجال لأي مزايدة وطنية ولم أسمح بذلك مطلقاً. وأفهمت الناس علناً اني سأعاقب بصرامة كل فرد يحاول أن يعاقب الناس أو يهينهم بإسم الثورة أو تحت أي مصطلح من المصطلحات الوطنية، وأن الشرطة يجب أن تأخذ دورها ومكانتها في الحياة اليومية للمدينة. فعلى سبيل المثال أن عبد الحسين كمونة (1)الذي كان نائباً في العهد الملكي جاءني يوماً وأعلمني بأنه عازم على مغادرة كربلاء والعيش في بغداد، فسألته عن السبب أجاب أن جماعة جاءته وهددته، ويهددون معه النائب السابق محمد مهدي الوهاب(2). قلت له:


1) هو المرحوم المحامي الشيخ عبد الحسين بن الشيخ هادي بن الشيخ محمد بن الميرزا حسن من آل كمونة الأسديين. كان من وجهاء كربلاء ويتمتع بشخصية محبوبة في الوسط الكربلائي، وكان نائباً عن كربلاء في البرلمان العراقي في العهد الملكي.

2) هو المرحوم المحامي السيد محمد مهدي بن السيد عبد الوهاب رئيس بلدية كربلاء من سنة 1925م إلى سنة (1928م) بن السيد عبد الرزاق بن السيد وهاب آل طعمة (حاكم كربلاء وسادن الروضتين). كان من شخصيات كربلاء ونائب عن المدينة في البرلمان أيام النظام الملكي .

«أنا لا أوافق على مغادرتك كربلاء، لأني هنا في كربلاء ومن واجبي أن أحميك، وإعطني أسماء الأشخاص الذين هددوك». فتقدم بأسمائهم، وإتصلت بمدير الشرطة وقلت له : الآن الساعة العاشرة ، سأنتظر إلى الساعة الثانية عشرة أي ساعتين فقط، إن لم يذهب هؤلاء الأشخاص المعنيون خلال هاتين الساعتين للإعتذار من الشيخ عبد الحسين كمونة بحيث يأتي عبد الحسين ومعه سيد مهدي الوهاب ويطلبان مني إعفاءهم فإني سأعاقبهم».

وبعد فترة وجيزة سمعت صوت جلبة وجاءني مدير الشرطة ومعه هذه الزمرة التي بدأت تهدد الناس، فوبخت مدير الشرطة أمامهم، وقلت له: «إنك لم تنفّذ الأمر بحذافيره. أنا لم أطلب منك أن تأتي بهم إلي بل طلبت ذهابهم إلى السيد عبد الحسين كمونة والسيد مهدي الوهاب للإعتذار منهما، كي يطلبا من الدولة التي أمثلها أنا في المحافظة العفو عن زمرة الشغب هذه. وهكذا جعلتهم يذهبون لطلب العفو من هذين الشخصين. لقد كان هناك سوء فهم لمعنى الثورة ومعنى الحرية»(1).

في ظل تلك الظروف الشائكة، حدثت في كربلاء مجموعة من الحوادث كان لها التأثير الواضح لمواقف أغلب سكان المدينة ضد الشيوعيين، ونتيجة لذلك أخذ الكربلائيون بإعداد فعاليات جديدة كرد فعل لما يقوم به الشيوعيون.

ونحن في بحثنا هذا الذي يتضمن الحوادث والوقائع في كربلاء، ندوّن وبإختصار الحوادث أيام المد الشيوعي وكما يلي:

نشاطات شيوعية وردود فعل الناس

في أيام إزدياد المد الشيوعي في كربلاء، أقيم إحتفال في نادي الطلبة إحتفاءً بالشاعر محمد صالح بحر العلوم صاحب قصيدة (أين حقي) والذي كان يحمل أفكاراً يسارية حيث قضى سنوات طويلة في السجون بسبب أفكاره وقصائده، وقد إعتبره الشيوعيون منهم، وكان يقوم بزيارة إلى كربلاء، وتضمن الإحتفال كلمات


1) مذكرات فؤاد عارف / تقديم وتعليق الدكتور كمال مظهر أحمد - ص 181 – ص183.

ترحيبية وقراءة مقاطع من بعض قصائده، وعندما جاء دور إحدى الشيوعيات في كربلاء وهي الآنسة حينها (صبيحة الخطيب) (1)المدرّسة في ثانوية البنات، فإعتلت منصة الخطابة لتلقي كلمة ترحيبية بإسم (نساء المدينة)! خلعت عبائتها وألقت كلمتها سافرة(2)، وكان هذا الحدث هو الأول من نوعه في تاريخ المدينة، وشكلت هذه السابقة إمتعاضاً شديداً لدى أهل المدينة لأن ذلك يتنافى مع القيم الإسلامية وخاصة في مدينة مثل كربلاء.

فعقد علماء الدين إجتماعاً في صحن الحسين، حضره عدد من شخصيات كربلاء المحافظة ورجال الدين في المدينة وخرجوا بتظاهرة مضادة وتوجهوا إلى المتصرفية مستنكرين هذا الفعل الغريب، وتشكل وفد قابل المتصرف ومدير المعارف (مدير التربية) مطالبين بفصلها من وظيفتها.

على هذه الحادثة وغيرها يذكر (فؤاد عارف) في مذكراته حيث كان متصرفاً في كربلاء (3)ما نصه: «وأذكر أن الشيوعيين طلبوا في إحدى المناسبات التظاهر فوافقت على طلبهم. وفي المظاهرة صعدت إحدى النسوة وهي مدرسة على كرسي طارحة


1) سيدة كربلائية من عائلة أصبح أغلب أفرادها نساء ورجال منتمين إلى الحزب الشيوعي (وفي الحقيقة لا نريد ذكر العائلة فأهالي المدينة القدماء يعرفون العائلة ولا شائبة عليها، والكثير منهم تربطني علاقات حسنة معهم، ولسنا هنا بصدد ترجمة هذه الشخصية وعائلتها فهي الآن متوفية ونرجو لها غفران الذنوب من رب رحيم كريم غفور). فالسيدة صبيحة الخطيب أصبحت فيما بعد قيادية في الحزب الشيوعي، ورُشّحت في اللجنة المركزية للحزب، وتزوجت من أحد الشيوعيين في كربلاء هو (نوري جعفر لطيف) وسافرا إلى الإتحاد السوفيتى حيث حصلا على شهادة الدكتوراه، وعملت أستاذة جامعية في الجزائر، وإنتقلت إلى لندن وتوفيت هناك بمرض السرطان.

2) راجع المصدر السابق ص 65 ، حيث يذكر جاسم الحلوائي أيضاً ما نصه: «وأستغل تصرفها وهو الأول من نوعه في تاريخ المدينة من قبل القوى الرجعية فوقعت المذكرات ونُظمت الوفود وقابلت المتصرف ومدير المعارف مطالبة بفصلها من وظيفتها وكانت مدرّسة. وتحرك المثقفون بالمقابل يدافعون عنها بوفود ومذكرات معاكسة، ويشكّلون الوفود لمقابلة الآنسة صبيحة لرفع معنوياتها». وهنا ينعت جاسم الحلوائي الذين يريدون المحافظة على تقاليد المدينة وقدسيتها بـ (الرجعية)، بينما يصف المدافعون عن المدرسة التي أسفرت بأنهم (المثقفون) وهؤلاء الذي يقصدهم هم من رفاقها الشيوعيين!!.

3) يذكر المتصرف فؤاد عارف في مذكراته بأن إحدى الشيوعيات خلعت عباءتها وألقت كلمتها على كرسي إثناء إحدى المظاهرات ولم يذكر حفل الإحتفاء بالشاعر بحر العلوم.

عباءتها وألقت كلمة فإعتبر الناس أو بعضهم أن هذه العملية إنما هي خرق وإهانة لقدسية المدينة، فإجتمع علماء الدين في مرقد الحسين، ثم خرجوا بتظاهره إسلامية طالبوا فيها برجم المدرسة، لأنها أهانت مدينة الحسين، وجاء رجال الدين إلى داري، وكان مدير الشرطة آنذاك السيد عبد الملك الراوي الذي أخبرني بالحالة، ووصلتُ الدار لأجد رجال الدين جالسين في بيتي والإنفعال بادٍ على وجوههم، فقلت لهم:

لا داعي أساساً لتظاهرتكم هذه، لقد خالفت هذه المدرسة الأصول، وأنا بوصفي متصرفاً، سأقوم بمعاقبتها، أو نقلها خارج كربلاء... »(1).

تجمع أنصار السلام في كربلاء

في بداية عام 1959 نُظَّمَ مهرجان لأنصار السلام في كربلاء، حيث وصلت إلى المدينة وفود الشيوعيين من حركة أنصار السلام قادمة من بعض مدن العراق وخاصة من بغداد. وعندما وصلت الحافلات التي نقلت جماعة الشبيبة الديمقراطية البغدادية مدخل المدينة ترجل منها القادمون وتجمعوا في محلة باب بغداد (باب العلوة) (2)وأخذوا بالمسير مشياً على الأقدام داخلين المدينة من بداية شارع الإمام علي(علیه السلام) حتى ساحة علي الأكبر، ومن ثم إنعطفوا نحو شارع علي الأكبر بإتجاه باب قبلة العباس(علیه السلام) فشارع العباس مروراً بالسراي (مقر المتصرفية) وصولاً إلى الساحة المجاورة لإعدادية كربلاء للبنين.

والملفت للنظر حينها كان الشباب والرجال يرتدون ربطات العنق الحمراء ويرددون الهتافات التي لم يكن يستسيغها أهل المدينة، ولكن التحدي الصارخ كان عندما تجولت في شوارع المدينة نساء وفتيات سافرات كنَّ قد أتين مع المشاركين في هذه المسيرة والكل يهتف ويصفق ويتحدى... والناس وقفوا على جانبي الطريق وقد ذهلوا من هذا المنظر الغريب عن قيم المدينة المحافظة المعروفة بقدسيتها، بينما كانت العوائل تنظر إليهم بتعجب من شبابيك البيوت أو من سطوح المنازل والبنايات.


1) مذكرات فؤاد عارف / تقديم وتعليق الدكتور كمال مظهر أحمد - ص 189 - 190.

2) منطقة باب بغداد كانت معقلاً للحزب الوطني الديمقراطي، وحزب البعث، وبعض القوميين المستقلين.

وعند وصول المسيرة إلى موقع الإحتفال صعد على المنصة (محمد عبد الجليل الطيّار) الذي كان عريفاً للحفل، حيث إفتتح المهرجان بكلمة حركة أنصار السلام في كربلاء (الشيوعيين)، وتوالت بعدها كلمات نقابات العمال وغيرها، ثم ألقى سكرتير حركة أنصار السلام (عزيز شريف) كلمة مطولة في هذا التجمع.

ترك هذا التجمع ومسير السافرات في شوارع المدينة أثراً سيئاً تم إنتقاد الشيوعيين عليه، وأصبح الناس يتحدثون عن هذه الظاهرة الغريبة وعن تصرفاتهم التي أعتبرت حينها إنحلالية وبعيدة عن الإسلام.

رفع اللافتات المنددة بالشيوعية في كربلاء

كان المرحوم آية الله السيد محسن الحكيم المرجع الديني الأعلى للطائفة أول من تصدى للشيوعيين في ذلك الوقت، وفتواه الشهيرة بأن الشيوعية كفر وإلحاد أخذت مأخذها في نفوس الناس، وصدرت فتاوى أخرى لعلماء الدين في نفس المضمون، حينها إمتلأت شوارع مدينة كربلاء بلافتات كبيرة تحمل شعارات معادية للشيوعية، فأفاق الشيوعيون ليشاهدوا هذا الكم من اللافتات المعادية لهم، فقاموا بإنزالها بالقوة بعد عدة أيام، ويذكر أحد قيادييهم في ذلك الوقت في كتاب له لا يخلو من المغالطات ... ما نصه : «بناءً على توجيه حزبي سافر وفد كبير جداً إلى بغداد لتهنئة الملا مصطفى البرزاني بسلامة عودته إلى الوطن، وكان معظم رفاق المنظمة وكل قيادتها ضمن الوفد. وعند عودتنا شهدنا شوارع المدينة مملوءة بلافتات كبيرة تحمل شعارات معادية، ضمناً أو صراحة، للشيوعية والقوى التقدمية، والمغلفة بعبارات دينية ومنها شعار (الشيوعية كفر وإلحاد). وإندهشنا للأمر وأخذنا نتساءل (شصاير؟ ... صاير إنقلاب)، تدارسنا الموضوع وإستنتجنا بأن سكوتنا سيكون البداية لزحف الرجعية، فقررنا إنزال جميع الشعارات»(1).

من هذا النص والذي هو إعتراف صريح على وقوع حادثة اللافتات، ولكنه لم يذكر المناوشات التي حدثت بينهم وبين الأهالي الذين كانوا قد إمتنعوا عن إنزالها


1) الحقيقة كما عشتها / جاسم الحلوائي – ص 66 - 67 .

وحدثت إثناءها بعض المعارك بين الطرفين حيث تدخلت السلطة المحلية وتراجع الشيوعيون، ولكنهم قاموا في منتصف الليل بإنزالها خلسة وأخذها معهم، وفي اليوم التالي قام بعض الأهالي برفع لافتات أخرى.

وعلى ضوء نفس الموضوع كانت سدانة الروضة العباسية المقدسة قد رفعت لافتة على باب قبلة العباس(علیه السلام) مضمونها الترحيب بالزائرين الكرام للمرقد الشريف وليس فيها أي شعار سياسي، وكانت هذه اللافتة مرفوعة قبل اللافتات المنوه عنها أعلاه، فقام إثنان من الشيوعيين وهما (كاظم الرماحي ومهدي الصافي) (1)بإنزالها هي الأخرى مما جعل سدانة وخدم الروضة العباسية المقدسة أن يقوموا بإغلاق الصحن الشريف إحتجاجاً على ما قام به الشيوعيون عندها تدخل متصرف كربلاء وطلب من الشيوعيين الإعتذار من سدنة الروضة العباسية وبعكسه سوف يتم محاسبة من قام بإنزال تلك اللافتة، فقام الشخصان المذكوران بالإعتذار من السدنة، وبعد ذلك تم فتح أبواب الصحن.

بعد تلك الحادثة قام الحزب الشيوعي برفع لافتات في شوارع المدينة وفيها شعاراتهم المعروفة، وكانت اللافتات التي ترفع في مناطق نفوذ الحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث يتم إنزالها وتمزيقها وتمريغها بالوحل(2).

مظاهرات يومية

أخذ الحزب الشيوعي بتنظيم مظاهرات مسائية في كل يوم، حيث يتم التجمع عند مكتبة الشعب في العباسية ويتجهون إلى محلة باب بغداد (باب العلوة مركز تجمع الحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث وهم يهتفون بشعارات معادية للحزبين المذكورين وشعارات أخرى تمجد بالشيوعية وشعارات تنعت الغير موالين لهم بالرجعية.


1) المصدر السابق أعلاه حيث ذكر الإسمين في ص 67 .

2) المصدر نفسه ص 70

قاموا في إحدى المرات بالإعتداء على مكتب المحامي حينها (جواد رضا أبو الحَبْ)، وكذلك على عيادة الدكتور (هادي إبراهيم الطويل آل نصر الله)(1).

وسبب الإعتداء كان بإعتبار الأول من قادة البعثيين في المدينة، والثاني من قادة الحزب الوطني الديمقراطي، فقام المتظاهرون برمي المكتب والعيادة بالحجارة، ومحاولين إقتحامهما، وتمكنوا في إحدى المرّات بإنزال لوحة الدكتور هادي الطويل من على باب عيادته، كما كانوا يمرون أمام مكتبة الأهالي ويلوحون بالحبال ويهتفون هتافات معادية للوطني الديمقراطي وحوادث أخرى مشابهة، وكان المتظاهرون يلوّحون بالحبال قاصدين أنهم مستعدون لسحل معارضيهم، وكثيراً ما كادت تحدث مصادمات بسبب تلك التظاهرات(2).

تدّخل متصرف كربلاء الزعيم فؤاد عارف لوقف التجاوزات، وأصدر بياناً يندد بالمظاهرات ومن يقف وراءها، وطلب إيقافها وبعكسه سيأمر بإستخدام القوة


1) هو الدكتور السيد هادي بن السيد إبراهيم بن السيد أحمد بن السيد ( علي الطويل) بن السيد جواد الكليدار (سادن الحسين) بن كاظم بن السيد نصر الله تخرج من كلية الطب وعمل طبيباً في كربلاء، وسافر إلى الخارج وحصل على الإختصاص في طب الأطفال، ومارس عمله الطبي بعد حصوله على الإختصاص في بغداد، وأصبح من الأطباء المشهورين في إختصاصه، وتولى إدارة مستشفى الطفل العربي لسنوات طوال. وهو شقيق الدكتور السيد محمد علي الطويل إخصائي النسائية والتوليد والذي يُعتبر من أشهر أطباء معالجة العقم في العراق، والمرحوم المحامي السيد صالح.

2) شاهدت في تلك الأيام مظاهرة دخلت إلى سوق التجار الكبير للأقمشة رافعين في بدايتها (سبورة) خشبية عليها أسماء وتواقيع البعض وخلف السبورة كان المتظاهرون يلوّحون بالحبال ويطلبون من التجار أصحاب المحلات في السوق كتابة أسمائهم على السبورة بمثابة التأييد لهم، فقام بعض أصحاب المحلات بإغلاق محلاتهم عندما رأوا المظاهرة تدخل السوق قرب مقبرة السيد محمد المجاهد، بينما إضطر البعض فوقع لهم، وترك آخرون محلاتهم وهربوا من السوق. فأخذ المرحوم والدي بيدي وأدخلني محل المرحوم السيد هاشم السيد جواد نصر الله وجلس هو والسيد هاشم والسيد مهدي الشروفي على دكّة المحل وأخفوا وراءهم مقصات القماش للدفاع عن أنفسهم عند رفضهم التوقيع وكادت أن تحدث معركة في السوق عندما رفض السادة الثلاثة طلب بعض قادة التظاهرة بأن يدونوا أسمائهم على السبورة وتقدم أثنان من الشيوعيين لإجبارهم بالقوة فما كان من والدي والسيد هاشم والسيد مهدي إلّا أن يرفعوا المقصات بيد والياردات الحديدية باليد الأخرى، وصاح بهم والدي بصوت عالي ((إمشوا أحسن إلكم)) ... فجاء صوت من وسط المتظاهرين وهو من أبناء أحد السادة في المدينة (لازلت أعرفه وأصبح فيما بعد صديقاً لي) يأمر من كان بمقدمة التظاهرة الإستمرار بالسير إلى الأمام وعدم الإحتكاك بالسادة.

لتفريقها، فتوسل قادة منظمة الحزب الشيوعي في المدينة للمتصرف، وتعهدوا بإيقاف المظاهرات، وفعلاً توقفت هذه التظاهرات التي أشغلت أهل المدينة التي عاشت حينها أوضاعاً مضطربة.

الإحتفال بمولد الإمام علي (عليه السلام)

إستمر الشيوعيون بإتخاذ موقف مناوئ لعلماء الدين والمراجع وكذلك الجمعيات والهيئات الإسلامية في المدينة والذي كانوا يصفونهم بقوى الرجعية، خاصة بعد الفتاوى التي صدرت بأن الشيوعية كفر وإلحاد، كان أهل المدينة وخاصة المتدينين منهم يقفون بصلابة ضدهم.

ومن بين الخطوات الراقية والمدوية تحدياً للإلحاد والمبادئ الغريبة التي كانت تنتشر في ذلك الوقت، هي إتفاق أهل المدينة النجباء يتقدمهم السادة الأجلاء من خدم الروضتين المقدستين الحسينية والعباسية على فكرة إقامة إحتفال ديني عالمي يقام في كربلاء بمناسبة مولد أسد الله الغالب الإمام علي بن أبي طالب(علیه السلام)، التي تصادف يوم 13 رجب من كل عام هجري. وفي خضم تلك الظروف العصيبة تم الإتفاق على إقامة الأحتفال الكبير في 13 رجب عام 1379ه/ 22 كانون الثاني 1959م.

وقد تحقق عقد هذا الإحتفال الذي حضره المغفور له آية الله العظمى السيد محسن الحكيم في موعده بعد أن تشكلت لجان لهذا الغرض تألفت السادة خدم الروضتين المقدستين والكثير من وجهاء كربلاء وأعيانها ، وكانت مهمة هذه اللجان تتوزع في مهام إرسال الدعوات لشخصيات معروفة داخل العراق وخارجه، ولجنة للإستقبال والضيافة، ولجنة مسؤليتها إعداد منهاج الإحتفال وإختيار من يقوم بإلقاء الكلمات والخطب والقصائد الشعرية، ولجنة مسؤولة عن إعداد قاعة الإحتفال وتوفير الحماية تحسباً لكل طارئ في تلك الظروف الصعبة. وتم إختيار الحسينية الحيدرية التي كانت تسمى حينها بالحسينية الطهرانية المشيّدة على أرض (خان الباشا) القديم، والواقعة أمام باب الرجاء لصحن الإمام الحسين(علیه السلام) والمجاورة لديوان السادة آل النقيب في كربلاء مكاناً للإحتفال.

كان ذلك حدثاً تأريخياً في مدينة كربلاء حيث كان لهذه المدينة قصب السبق في تلك المبادرة العظيمة، وعلى اثر ما أقيم في كربلاء فقد بادرت مدينة الحلة ليلة 15 رمضان سنة 1379 ه (1959م) بإقامة إحتفالاً بمولد (سبط الرسول الكريم) عليه الصلاة والسلام الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام. كما بادرت مدينة النجف الأشرف مساء يوم 3 شعبان سنة 1380ه (1960م) بإقامة إحتفال كبير بمولد الإمام الحسين عليه السلام.

استمرت مدينتا كربلاء والنجف الأشرف بإقامة تلك الإحتفالات سنوياً صاحبها تطور كبير في الإعداد والتهيئة وكان يوم الإحتفال السنوي بمولد الإمام علي(علیه السلام) يوماً مميزاً حيث يتم الإستعداد له منذ عدة أسابيع تلبس فيه مدينة كربلاء حلّة رائعة وتزدان بهجة وتألقاً. فقد إعتاد الأهالي الإستعداد للمناسبة بشكل كبير، فتقام في جميع شوارع البلدة القديمة الأقواس التي تكسى بالأقمشة الملونة، وترفع الزينة في كل مكان وتنار المدينة في ذلك اليوم بشكل غير عادي. كما كانت تقام بعض النصب الرمزية وتبنى في الساحات الرئيسية، وترفع في أماكن أخرى لوحات مجسمة كبيرة تُمثّل بعض مآثر الإمام علي(علیه السلام).

ففي ساحة باب الشهداء لصحن الإمام الحسين التي كان يتفرع منها شارع علي الأكبر المؤدي إلى باب قبلة العباس(علیه السلام)، كان يبنى نصباً يمثل (جنة البقيع). وفي ساحة علي الأكبر الذي تتوسط الشارع حيث يتقاطع مع شارع الإمام علي) كان يقام نصب جميل عبارة عن سفينة كبيرة تقوم بالدوران مرتفعة وسط الساحة تمثل (سفينة النجاة). وفي وسط ساحة الإمام علي ( فلكة البلوش) كان يقام بناء كبير مشابه للكعبة المشرفة للدلالة على مولد الإمام علي في الكعبة فيكنى بـ (وليد الكعبة) عليه السلام.

وفي وسط شارع الإمام علي وبالقرب من سوق باب النجف، كانت ترفع لوحة مجسمة كبيرة الحجم تمثل سيف الإمام علي (ذو الفقار) يتحرك ويهوي على هامة عمرو بن ود العامري فيقسمه نصفين وتتكرر الحركة على الدوام، وهذا الرمز يمثل تصدي الإمام علي(علیه السلام) إلى أشجع فرسان المشركين يوم واقعة الخندق وإردائه صريعاً بضربة سيفه وعندها قال النبي الكريم(صلی الله علیه و آله وسلم) مقولته الشهيره عندما برز الإمام

علي لعمرو بن ود العامري: «برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه»، وقوله عليه الصلاة والسلام: ضربة علي يوم الخندق تعادل عبادة الثقلين».

الصورة

445

نصب جنة البقيع الذي كان يقام في الساحة المقابلة لباب الشهداء من صحن الحسين(علیه السلام)

الصورة

446

نصب الكعبة المشرفة الذي كان يقام في ساحة الإمام علي(علیه السلام) (فلكة البلوش)

وفي شارع علي الأكبر مقابل مرطبات وحلويات (نزهة الفرات)، كانت ترفع لوحة كبيرة على شكل مائدة فيها أنواع الطعام وشلال ماء جار يمر قرب المائدة، حيث تمثل اللوحة الآية الكريمة التي نزلت بحق آل البيت ويطعمون الطعام على حبّهِ مِسْكِينَاً وَيَتِيماً وَ أسِيرا»، وغيرها من النصب واللوحات، وبدأت مناطق المدينة بالتنافس على تقديم الأجمل في هذه المناسبة الكريمة.

وبعد منتصف سبعينات القرن العشرين تدخلت الدولة وقررت أن يكون إحتفال مولد الإمام علي(علیه السلام) في النجف الأشرف، على أن يقام مولد الإمام الحسين في كربلاء. وبمرور الوقت زالت بهجة تلك الإحتفالات وإقتصرت على الجوانب الرسمية فقط بإقامة إحتفالات مركزية في القاعات لا غير(1).


1) كان الإحتفال الرسمي بمولد الإمام الحسين(علیه السلام) الذي تقيمه الدولة في الثالث من شعبان من كل عام في قاعة الإعلام الداخلي يحضره سنوياً نائب رئيس الجمهورية، وبعد أن أكرمني الباري عزَّ وجل وتشرفت بإستلام سدانة الروضة الحسينية المقدسة، أخذت على عاتقي ومن نفقتي الخاصة إقامة إحتفال سنوي يحضره أهل المدينة حصراً بمناسبة المولد في مساء الثالث من شعبان من كل عام في الروضة الحسينية، وإبتدأنا أول إحتفال في سنة 1413ه / 1992م، حيث رفعنا معالم الزينة، وأقمنا (تكية) مزدانة بالأنوار في الصحن الشريف على سياج إيوان الذهب (الطارمة)، وفي المساء أعددنا أكبر قاعة في الصحن لتكون مكان الإحتفال الذي حضره في السنة الأولى السادة والوجهاء ورؤساء العشائر في مدينة كربلاء وجمع غفير من أبناء المدينة دون أن يحضر أي مسؤول حكومي، حيث كان منهاج الإحتفال كلمة للسادن إستذكاراً للمولد الشريف وقصيدة شعرية بالمناسبة وكلمة لأهالي المدينة، وتوزع بعدها الحلويات والفواكه ومواد الضيافة الأخرى، وفي نهاية الحفل عندما يخرج الناس من الحرم الشريف، يقوم المحتفلون بإقامة مراسيم الزيارة الجماعية عند القبر الشريف، وقد سمحنا للمحتفلين بإلتقاط الصور التذكارية داخل الحرم وهو اليوم الوحيد الذي يسمح بالتصوير فيه. وبعد الزيارة ينتهي الإحتفال في منتصف الليل. وتكرر هذا الإحتفال وأخذ يزداد عدد الحضور سنة بعد أخرى بدون الدعوة له، ومعالم الزينة لم ترفع لحين إنتهاء زيارة النصف من شعبان، وذلك لإستمرار الإحتفال بمولد أبي الفضل العباس(علیه السلام) الذي يصادف في الرابع من شعبان ومولد الإمام زين العابدين(علیه السلام) الذي يصادف يوم الثامن من شعبان ومولد الإمام المنتظر صاحب الزمان(علیه السلام) ليلة الخامس عشر من شعبان. وإستمر هذا التقليد لحين عام 2003م عندما غادرنا السدانة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.

وعودة إلى الإحتفال بمولد الإمام علي(علیه السلام) الذي أقيم أصلاً لتحدي أهالي كربلاء للشيوعيين بعد جملة الأعمال التي قاموا بها وإعتبرتها القوى الإسلامية والمتدينة في المدينة خروجاً عن الطابع الديني الذي تحتله المدينة المقدسة.

ويبدو أن أمر إقامة مثل هذا الإحتفال لم يرق للشيوعيين في المدينة، فتهيأوا للقيام بعمل ضد هذا الإحتفال، فأصدرت منظمتهم في كربلاء أمراً إلى أتباعهم بالتجمع في يوم الإحتفال بالقرب من مكتبة الشعب، حاملين معهم ما يتمكنون من الأسلحة الجارحة وغيرها لغرض الهجوم على الإحتفال وإفشاله. ومما يؤكد ما ندونه هنا هو ما ورد عن مذكرات جاسم الحلوائي حيث قال:

«في عيد المولد النبوي (1)وصلنا خبر يفيد بأن تحشداً رجعيّاً كبيراً سيحصل في كربلاء تحضره شخصيات وقوى إسلامية متشددة من جميع الطوائف، وبعد الإنتهاء من الاجتماع سيتوجه حشد منهم إلى مكتبتنا لتحطيمها. عند إستلامي للخبر كان هناك إجتماع للجنة منطقة الفرات الأوسط، وكنت عضواً فيها. تناول الاجتماع الموضوع وقرر تحشيد كل قوى منظمة كربلاء في المدينة والريف للدفاع عن المكتبة، التي كانت بمثابة مقر للمنظمة، ومعلماً شيوعياً في المدينة... وفي عصر ذلك اليوم تقاطرت الوفود الإسلامية المتشددة من المدن القريبة لكربلاء، لاسيما بغداد. ونصبت مكبرات الصوت في الشوارع والأماكن العامة لتنقل الحفل حيّاً على أوسع نطاق. لم يكن من الممكن إخفاء تحشدنا فقد إمتلأت الأزقة المجاورة للمكتبة بالعمال


1) أخطأ صاحب المذكرات بقوله (عيد المولد النبوي) وإنما هو (مولد الإمام علي).

والفلاحين وهم مسلحون بمختلف الأسلحة غير النارية (توثية، جراز، مكوار، قامة، جنتيانة، خنجر، سكينة، بوكس حديد و... إلخ) وكانت الأسلحة مخفية، وإخفاؤها كان أسهل على الفلاحين الملتحفين بعباءاتهم»(1).

مما ورد أن النية كانت مبيتة لإفشال الإحتفال، حيث لم يكن لدى منظمي الإحتفال أية خطوات للهجوم على مكتبة الشعب، لأن ذلك بعيد كل البعد عن توجهات القائمين على الحفل، وكل ما كانوا يردونه هو إنجاح الإحتفال الذي هو سابقة فريدة يقدمون عليها، كما أنه من غير الطبيعي أن يتخذوا قراراً بالهجوم على المكتبة ولديهم ضيوف من بعض الدول ومن أغلب مدن العراق.

علم المتصرف (فؤاد عارف) (2)

فقد جاء في كتاب مذكرات فؤاد عارف ص191 ما نصه :«... عموماً كنت أسمح بالتظاهرات كما قلت، لكني لم أكن أخرج لتحية أية تظاهرة للحفاظ على روح الحياد . وعلى الرغم من تعدد الإتجاهات وإختلافها كنت أحاول دائماً أن أخفف من تفاقمها بالحديث مع كل فئة على إنفراد . ومما يذكر مثلاً المهرجان الذي أقمناه في العام 1959 لمناسبة ولادة الإمام علي كرم الله وجهه وكان الإحتفال برئاستي . وقد دعونا شخصيات دينية وعربية وعالمية وإسلامية إلى كربلاء . وفعلا وصلت الوفود وقد تحملت الأهالي في كربلاء تغطية كل مصاريف هذا الحفل المهيب . وقد شارك فيه الإمام آية الله السيد محسن الحكيم نفسه مع أجلّة العلماء من الشيعة والسنّة، منهم العلامة أمجد الزهاوي وغيره». وهذا دليل على أن المتصرف هو فؤاد عارف وليس عبود الشوك، وإذا ما أراد أن يقول قائل بأن التجمع كان في السنة التي فيها عبود الشوك متصرفاً، فنقول : بأن المرحوم السيد محسن الحكيم لم يحضر في إحتفال مولد الإمام علي(علیه السلام) في كربلاء عدا الإحتفال الأول فقط . فنرجو من صاحب كتاب (الحقيقة كما عشتها) أن يصحح معلوماته التي ذكرها في الصفحة 68 ومراجعة الحديث الذي دار بينه وبين المتصرف عبود الشوك على حد قوله !! والإعتراف بالخطأ فضيلة . وأهل مدينة كربلاء لازال الكثير من الذين عايشوا تلك الفترة أحياء وأطال الله بعمر الجميع.

بتجمع الشيوعيين فذهب بسيارته إلى مكان تجمعهم وسأل الموجودين عن سبب التجمع، فأخبروه بأنهم متهيؤن لصد أي هجوم من المحتفلين على مكتبتهم، فعرف المتصرف أن ذلك مجافٍ للحقيقة لأن الإحتفال

1) الحقيقة كما عشتها/ جاسم الحلوائي – ص 67 .

2) في المصدر السابق يذكر صاحب المذكرات أن المتصرف هو عبود الشوك، وهذا خطأ واضح لأن الإحتفال الأول كان برعاية المتصرف فؤاد عارف، والمتصرّف ( عبود الشوك) باشر في وظيفته بتاريخ 1959/2/9 (1378ه)، بينما الإحتفال كان يوم 1959/1/22م.

كان برعايته، وهدد الموجودين بإتخاذ إجراءات حاسمة في حالة قيامهم بأي إعتداء على الإحتفال أو القيام بأعمال شغب، وهو ضامن بعدم وصول أي أحد إلى مكتبتهم.

الصورة

449

صورة للإحتفال الأول بمولد الإمام علي(علیه السلام) في قاعة الحسينية الطهرانية عام 1959م (1379 ه)

محاولة إغتيال المرجع الديني الأعلى السيد محسن الحكيم

إثناء أيام الفوضى التي عمّت مدن العراق ومنها كربلاء والنجف، وكان المرحوم السيد الحكيم قد أفتى بأن الشيوعية كفر وإلحاد، ومن عادته رحمه الله أن ينتقل إلى كربلاء بين فترة وأخرى لزيارة المرقدين الشريفين فيها والبقاء عدة أيام.

فقد خرج سماحته من النجف الأشرف يوم 27 جمادي الثانية سنة 1379ه (بداية عام 1959م) متوجهاً إلى كربلاء عن طريق الحلة ثم المسيب ومنها إلى كربلاء حيث وصلها بعد ظهر ذلك اليوم، وقد خرجت جموع الكربلائيين بمختلف طبقاتهم لإستقباله من خارج المدينة، وقسم منهم رافقه من المسيب. كان يوم وصوله رحمه الله يوماً مشهوداً ليس كباقي الأيام التي كان يصل فيها كربلاء، وذا أثر بالغ في تلك الظروف وذلك للتحدي البارز ضد الشيوعيين من جهة، وتعظيماً لشأنه وموقعه الديني الكبير.

وعند وصوله إلى المدينة قام الشيوعيون بمحاصرة السيارة التي تقله وتعلقوا بها وصعدوا عليها وهم يرددون شعارات وهتافات معادية ضد السيد الحكيم، وكان أخطر موقف عندما أوقفوا السيارة عند باب الشهداء محاولين إغتياله.

فتصدت لهم جموع الكربلائيين يتقدمهم خدم الروضتين، وحدثت معركة شديدة بينهم وبين الشيوعيين تمكنوا خلالها من الحفاظ على سلامة المرجع الكبير وإبعاد الشر عنه، وقد أحاطه خدم الروضتين المقدستين ونقلوه إلى دار السيد سعيد زيني حيث أعدّت لضيافته، وإستمر خدم الروضتين بمرافقته والذود عنه خلال أيام تواجده في كربلاء، فكانوا يطوقون سماحته في حلقة واسعة إثناء خروجه من البيت لزيارة الروضتين المقدستين وأداء فريضة الصلاة وهم يرددون هتاف (الله أكبر

والموت للشيوعية) و (الله أكبر والعزّة للإسلام) حتى عودته إلى البيت حفاظاً على سلامته من أي إعتداء فوضوي خلال أيام تواجده في كربلاء.

أقام السيد الحكيم في كربلاء لحين حضوره الإحتفال الأول الذي أقيم بمناسبة مولد الإمام علي(علیه السلام) في 13 رجب سنة 1379ه / 22 كانون الثاني 1959م، وفي اليوم التالي للإحتفال غادر سماحته كربلاء متوجهاً إلى النجف، حيث قام المئات من الكربلائيين بمرافقته حتى وصوله سالماً إلى النجف الأشرف.

وفي نفس يوم وصول السيد الحكيم إلى كربلاء وبعد محاولة الإعتداء عليه تجمع الشيوعيون في صحن الحسين(علیه السلام) ، وبعد صلاة المغرب أقيم تجمع في ديوان ومقبرة آية الله محمد تقي الشيرازي (زعيم ثورة العشرين) الواقعة في الزاوية الجنوبية الشرقية من صحن الحسين (بالقرب من باب الرجاء) ، وكان فضيلة السيد مرتضى القزويني يلقي في التجمع خطبة إستنكر فيها حادث الإعتداء، فقام الشيوعيون المتواجدون بالصحن الشريف بالهجوم على باب ديوان ومقبرة الشيرازي وغايتهم الفتك بالسيد مرتضى، ولما لم يستطيعوا الدخول قاموا بقطع الأسلاك الكهربائية لإسكات مكبرات الصوت فتدخل بعض الشجعان من السادة خدم الروضة الحسينية يتقدمهم المرحوم السيد مهدي آل طعمة وشقيقه المرحوم السيد صادق طعمة وقاموا بإخراج السيد مرتضى وأنقذوه من الخطر المحدق به، وأدخلوه إلى حرم الحسين(علیه السلام)، ومن ثم أوصلوه إلى داره سالماً.

في لقاء للعلامة السيد مرتضى القزويني مع موقع مؤسسة الرسول الأعظم بتاريخ 29 ذي الحجة 1428ه / 9 كانون الثاني 2008م، تحدث عن الإحتفال الأول بمولد الإمام علي(علیه السلام) ، وقدوم سماحة السيد محسن الحكيم إلى كربلاء ومحاولة الإعتداء عليه رحمه الله، حيث قال: «في السنة الأولى إشترك السيد محسن الحكيم بنفسه حيث كان في تلك الفترة مع شدة حبي واحترامي وتعظيمي له، كان لاجئا في كربلاء، لأن الشيوعية في النجف حاصروه وهدّدوه ووضعوه في زاوية، والسيد الشيرازي (رحمه الله) أخذ مجموعة من أعيان كربلاء من شيوخ العشائر ومن خدمة الروضتين وذهبوا إلى النجف ودعوا السيد الحكيم إلى كربلاء والسيد استجاب للدعوة وحضر في موكب عظيم وهذا الموكب له قصة طويلة. والحقيقة أن هذا الموكب كان يراد به أن

يمّر ببعض المدن القريبة كالحلة والديوانية والسدّة وطويريج حتى يصل إلى كربلاء، فيحشد أكبر قوّة إسلامية. وبالمقابل فإن الشيوعية أيضاً جمعوا قواهم وهم يرفعون صور عبد الكريم قاسم... هم إتخذوا عبد الكريم قاسم ستاراً لهم... وعند وصول موكب السيد الحكيم إلى مدخل كربلاء في باب بغداد، جمع الشيوعيون أعوانهم وهجموا على سيارة السيد الذي كان واضعاً يده على شباك السيارة... مما أدى إلى أن يده أصيبت جرّاء الإعتداء، وكان من المقرر أن يصل السيد إلى الصحن الحسيني وأكون أنا خطيب القوم، ولكن بعد حدوث هذا الإعتداء قرر السيد ومعه السيد سعيد زيني الذي كان يرافقه والذي يقوم بضيافته في منزله من تغيير سير الموكب إلى المنزل حتى يرتاح، وأتوا له بالطبيب... بعد ذلك حدث ما حدث في صحن الحسين عليه السلام، وإصطدمنا بالشيوعيين وسحبوا علينا المسدسات وأرادوا أن يقتلوني... وعندما قوي مركزه في النجف غادر كربلاء إليها بعد أن حضر المهرجان».

حادثة زيارة (فرحات عباس)

حادثة زيارة (فرحات عباس)(1)لمدينة كربلاء

في شهر آذار سنة 1959 ه زار العراق (فرحات عباس) رئيس وزراء الجزائر بدعوة رسمية، وتضمن منهاج زيارته للعراق زيارة لمدينة كربلاء حيث يؤدي مراسيم الزيارة للمراقد المقدسة فيها.

كانت الأجواء في مدينة كربلاء في ذلك الوقت متوترة بين الشيوعيين من جهة وبين الحزب الوطني الديمقراطي ومعهم البعثيين والقوميين والهيئات الإسلامية من جهة أخرى.

تجمع أنصار الحزب الوطني الديمقراطي أمام مكتبة الأهالي الواقعة في محلة باب بغداد، وقد تهيأوا لإستقبال (فرحات عباس)، وفي نفس الوقت أراد الشيوعيون أن يستقبلوه في مدخل المدينة، ولكي يتحاشوا الإصطدام بأنصار الوطني الديمقراطي فقد سلكوا في سيرهم الأزقة التي توصل إلى مدخل المدينة.


1) هو فرحات المكي عباس المولود في 24 تشرين أول عام 1899م في منطقة الطاهير بولاية جيجل بالجزائر. كان في شبابه من النخبة ذات الثقافة الفرنسية التي لم تتحدث العربية قط، وكان من مناصري الإندماج مع فرنسا. وعندما لم توافق فرنسا على مطالبه بإدخال إصلاحات جذرية في الجزائر وكذلك بعقد مؤتمر لصياغة دستور جديد للجزائر ضمن الإتحاد مع فرنسا، فاختلف معها وأسس سنة 1944م جمعية (أصدقاء البيان والحرية وذلك للدعاية إلى قيام جمهورية جزائرية مستقلة ذاتيا. وأصبح فيما بعد عضواً في جبهة التحرير الوطني إبان حرب التحرير الجزائرية. أصبح أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة من 19 أيلول 1958م إلى آب 1961م . إشتدت خلافاته مع القيادة العامة لجيش التحرير، وبعد حصول الجزائر على إستقلالها سنة 1962م أنتخب رئيساً للمجلس الوطني التشريعي، ونتيجة خلافه مع (الرئيس أحمد بن بلّا) فقد قدّم إستقالته في 19 أيلول 1963م وإنسحب من الحياة السياسية، ولكنه في عام 1976م عاد وإنتقد الرئيس الجزائري (الهواري بو مدين) فوضع تحت الإقامة الجبرية إلى سنة 1979م. وتوفي فرحات عباس في 24 كانون أول 1985م في ألمانيا عن عمر ناهز 86 عاماً.

كان المقرر لموكب الضيف الزائر التوجه أولاً إلى مرقد الحسين(علیه السلام)، ومن ثم إلى مرقد العباس(علیه السلام) ومنه إلى دار المتصرف (1)حيث ينتظره هناك.

تجمع الشيوعيون في صحن الحسين وصحن العباس، وكان تجمعهم في صحن العباس أقل من تجمع الوطني الديمقراطي والبعثيين والقوميين، حيث تم نصب مايكرفون ومكبرات صوت في ديوان السادن المطل على الصحن على أحد الشبابيك المتحركة (أراسي)، وغرفة السادن مملوءة بكوادر الوطني الديمقراطي يتقدمهم السيد يحيى نصر الله وأخرون. وعندما علم الشيوعيون بأن أعدادهم في صحن العباس أقل بكثير من خصومهم أرسلوا إلى المتواجدين في صحن الحسين بضرورة حضورهم إلى صحن العباس، وقد جاؤا يتراكضون بسرعة، فدخل جاسم الحلوائي إلى ديوان السادن وأخذ المايكرفون ليقوم بالتكلم وإطلاق الشعارات الشيوعية، فحدثت جلبة داخل غرفة السادن حيث عارض الوطنيون الديمقراطيون الحلوائي ومنعوه من إستعمال المايكرفون، بينما تمسك هو به وهو يطل على الصحن بإرتفاع متر واحد تقريباً.

عندها إنبرى إثنان من الوطني الديمقراطي كانا في الصحن وهما السيد صلاح مهدي آل ضياء الدين والمرحوم السيد ناصر حسون آل نصر الله وسحبا جاسم الحلوائي إلى الصحن وبيده المايكرفون لمنعه من الحديث لأن حديثه كان مستفزاً للحضور. فوقع الإشتباك بين الشيوعيين من جهة وبين انصار الوطني الديمقراطي والبعثيين والقوميين ومعهم الكثير من أبناء محلة باب بغداد وخاصة آل أبو شمطو الذين أسرعوا بجلب أعداد كبيرة من أعواد المساحي (الربود) وإشتبك الحابل بالنابل في معركة شرسة داخل صحن العباس وبمختلف الأسلحة الجارحة استمرت طويلاً، كما إشتركت بعض الشيوعيات في المعركة أيضاً وهي سابقة لم تشهدها المدينة وخاصة في مكان مقدس مثل صحن العباس، وكذلك عدد من أفراد المقاومة الشعبية التي كانت في بداية تشكيلها بأمرة (سعيد حسون فريد)، لحين وصول قوّة من الشرطة أرسلها المتصرف وتمكنت بعد جهد كبير إيقاف المعركة.


1) كان المتصرف حينها هو (عبود الشوك) الذي كان متعاطفاً مع الشيوعيين، وهو الذي حلّ بعد العميد فؤاد عارف في 1959/2/9.

كان المتصرف عبود الشوك يتعاطف مع الشيوعيين في ذلك الوقت فقد تم القبض على بعض أنصار وكوادر الوطني الديمقراطي وبعض البعثيين من قبل الشرطة.

أطلقت نداءات من قبل الشيوعيين بالتوجه إلى مكتبة الأهالي والهجوم عليها، فتسارع الشيوعيون إلى المكتبة وهجموا عليها وأحرقوها ونهبوا الكثير من الكتب وأصيب إثناء الهجوم على المكتبة صاحبها السيد يحيى توفيق آل نصر الله الذي كانت إصابته في ركبتيه أدّت فيما بعد إلى إصابته بالشلل لحين وفاته رحمه الله.

أمّا المهاجمون على المكتبة لم يكتفوا بما فعلوا فيها فقام نفر من الغوغاء بسرقة مادة شيش الحديد وبعض مواد البناء المهمة من عمارة المرحوم الحاج صالح عوز التي كانت حينها في طور البناء. كما جاءت مجموعة أخرى من مؤيدي الشيوعيين إلى محل (مركب الأسنان) السيد هاتف عبد الأمير الشامي الذي كان من الوطني الديمقراطي وهجموا على المحل، وأراد (كاظم حبيب) الكادر الشيوعي المعروف إيقافهم فلم يتمكن وأصيب بجرح في يده. بعد أعمال الشغب التي قام بها أنصار الحزب الشيوعي فقد تجمعوا في تظاهرة سارت في شارع العباس بإتجاه السراي يقودها علي النوري وجاسم الحلوائي وإبراهيم كر ماشة وغيرهم وهم يهتفون (لا) (الجادرجي ولا حزبه، بس الزعيم وربعه)، وعادوا إلى مكتبتهم حيث نصبوا حاجزاً في الشارع العام، فقام إبراهيم كرماشة بإلقاء كلمة مرتجلة ذكر فيها بأن الوطني الديمقراطي هو المعتدي وتم إلقاء القبض على الجناة! حسب قوله، وشكر المتجمهرين لوقوفهم بجانب الحق !

وفي المساء بدأت حملة من قبل الشرطة لإلقاء القبض على الكثير من أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي ومن الذين آزروهم وفق قوائم أعدها الشيوعيون، وكان من بين الأسماء أشخاص لم يكونوا موجودين في الحادث، وبلغ عدد المعتقلين 35 شخصاً، وأدّت هذه الإشتباكات إلى سقوط جرحى بين الطرفين تماثلوا للشفاء فيما بعد. تم سُفّر المعتقلون إلى بغداد حيث أوقفوا في سجن باب المعظم وبقي هؤلاء فترة في التوقيف وأطلق سراحهم فيما بعد. ووصلت من بغداد لجان للتحقيق في الحادث.

حوادث عام 1963م

كانت القوى السياسية في العراق تتصارع فيما بينها ، والنزاع الذي حدث في بداية عام 1959م بين قطبي الزعامة في العراق بعد ثورة 14 تموز، المرحومين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، حيث تم إقصاء عبد السلام عارف وسجنه، وإنفراد الزعيم عبد الكريم قاسم بالسلطة، ثم حدثت حركة الشواف في الموصل، وحوادث كركوك وما نتج عنها من إعدامات لشخصيات عسكرية، ومحاولة إغتيال الزعيم في شارع الرشيد... كلها أحداث أثرت بشكل مباشر على الوضع العام في البلاد.

حاول الحزب الشيوعي القفز إلى الواجهة عن طريق تأييده لعبد الكريم قاسم الذي لم يكن شيوعيّاً ولكنه كان رجل عسكري حاول أن يدير دفة السلطة وفق وجهة نظره بعد أن تخلص من أغلب رفاقه الذين شاركوا معه في الثورة على النظام الملكي.

كانت محكمة المهداوي سيئة الصيت قد شغلت الناس بإنعقادها ومحاكماتها لمتهمين عُرفوا بالنزاهة والوطنية، وكان تأييد الشيوعيين لها مثار إستنكار غالبية الناس... ورغم أن عبد الكريم قاسم قد تمكن من إنهاء وتحجيم الشيوعيين على صعيد الشارع العراقي، لكن الوضع السياسي في البلد ظلّ غير مستقر، ولكن من جهة أخرى فإن فترة حكمه تميّزت بمشاريع الإعمار وتأسيس وإقامة المصانع وتقديم الخدمات بمختلف أنواعها، وكان أبرز ما قام به مشاريع الإسكان في جميع أنحاء العراق وكذلك في القطاع الزراعي. وقد شهد لعبد الكريم قاسم أعداءه قبل أنصاره بالنزاهة والوطنية، ولكن مسألة إنفراده بالسلطة كانت مثار السخط والخصام ضده.

حدثت في يوم 8 شباط 1963م (14 رمضان 1383ه) ثورة ويسميها البعض (إنقلاب) ضد الحكم القاسمي وقادها حزب البعث. وتم إعدام الزعيم عبد الكريم قاسم وبعض أركان حكمه، وجيء بعبد السلام عارف من السجن وتم تنصيبه رئيساً للجمهورية، وإستلم اللواء (حينها) أحمد حسن البكر رئاسة الوزراء.

بمجرد تقدم حزب البعث إلى الواجهة فقد تغيّرت الخارطة السياسية في البلد، وتم تشكيل جناح مسلّح للحزب سمّي بـ (الحرس القومي)، وأخذ هذا الفصيل المسلح على عاتقه مهمات لم تكن من صميم عمله، فأعاد نظرة الناس إليه كما كانت نظرتهم إلى (المقاومة الشعبية) التي شكلها الحزب الشيوعي كجناح عسكري لهم. وبدأت البلاد في صراع سياسي جديد تلفّه أحقاد الماضي بسلبياته، وكانت ردود الأفعال لا تتناسب مع أفكار ومبادئ الحزب الذي إستلم السلطة.

ومن الطبيعي فإن المجتمع يتلون ويتغيّر بسرعة فائقة مع معطيات التغيير، وهذه طبيعة البشر. ففي فترة الحكم الجديد إنخرط أناس قد لا تكون المعتقدات والأفكار الجديدة هي دافعهم الأساس في الإنتماء للوضع الجديد، كما أن كوادر وأنصار الحزب كانت تغلب عليهم روح الشباب الثورية بدون أن تكون لهم خبرة طويلة في قيادة المجتمع ، فأصبح هناك فارقاً واضحاً بين الفكر وبين الممارسة والتطبيق.

بالإضافة إلى حدوث خلافات بين القيادة نفسها على أمور كثيرة، عصفت وأثرت على عمل الحزب الذي كان عليه قيادة المجتمع والسير به نحو إنتقالة جديدة تخدم الشعب قبل كل شيء. ونتيجة تلك الخلافات فإن فترة حكم حزب البعث بعد إنهاء فترة الحكم القاسمي، لم تدم سوى تسعة أشهر.

وما يخص بحثنا عن كربلاء في تلك الفترة، فيمكن أن نذكر أبرز ما حدث في المدينة من 8 شباط 1963م إلى 18 تشرين الثاني من نفس السنة، حيث قام عبد السلام عارف بالإنقلاب على البعثيين الذين جاؤا به إلى الحكم، وأنهى دورهم وسيطرتهم على الوضع السياسي في العراق بتلك الحركة التي أسماها البعثيون بـ (الردّة) أو (ردّة تشرين).

ففي أعقاب 8 شباط (14 رمضان)، تمت ملاحقة الشيوعيين في كربلاء، فألقي القبض على الكثير من كوادرهم وأنصارهم وتم زجهم في المعتقلات، كردّة فعل لما قاموا به أيام المد الشيوعي.

كما أن تشكيل الحرس القومي كجناح مسلّح للحزب وقيامه بالإستعراضات العسكرية في شوارع المدينة، وإتخاذه لبناية (المكتبة العامة) الواقعة قرب ساحة الإمام علي (البلوش) مقراً له. وفي هذا المقر أقيم معتقل للشيوعيين، وفيه اتخذت إجراءات

التحقيق التي رافقتها سلبيات كثيرة ، لم تكن تلك الإجراءات من صلاحيات الحرس القومي بإعتبار أن في البلد قانون ومحاكم مختصة هي التي تملك الصلاحيات في التحقيق مع الناس حتى لو كانوا خصوماً سياسيين على ما إرتكبوه من أفعال، بعد أن تثبت عليهم بالدلائل والقرائن.

في مدينة مقدسة مثل كربلاء ومجتمعها المحافظ الذي رفض ممارسات الشيوعيين، وخاصة محاولتهم عسكرة المجتمع بتشكيل المقاومة الشعبية، فالناس في دواخلهم لم يبد عليهم الإرتياح في تشكيل الحرس القومي الذي إعتقدوا فيه صورة مشابهة للمقاومة الشعبية، وبذلك ستعاد التجربة ولكن بصورة أخرى. فتضعف سلطة الدولة ومؤسساتها الأمنية التي عليها واجب حفظ وفرض الأمن لا لغيرها.

كان أغلب الناس ممتعضين من حالات المتابعة والإعتقال، بل وأصبح مقر الحرس القومي أشبه بمركز للشرطة يراجعه الناس لفضّ مشاكلهم!! حدثت في كربلاء في ذلك الوقت صراعات كبيرة بسبب إنتخابات نقابة المعلمين وإتحادات الطلبة، فإنقسم المجتمع الكربلائي فيما بينه، لأن شريحة المعلمين والطلبة في المدينة كانت أعدادها كبيرة، ولكل منهما تأثير واضح في البيت والمدرسة والشارع. ورافقت الإنتخابات عدة حالات عمقت الهوّة بين الناس حينذاك، والناس بين مؤيد ومنتقد.

بدا الجو متوتراً إلى أن تصاعدت الأحداث في القيادة، حيث تمكن عبد السلام عارف بحركة عسكرية من الإستيلاء على السلطة، وأوعز إلى الشرطة في جميع مدن العراق بمتابعة أفراد الحرس القومي وتجريدهم من أسلحتهم وإلقاء القبض على كوادر وأنصار حزب البعث.

ففي كربلاء حدثت وقائع كثيرة في يومي 18 و 19 تشرين عندما رفض أفراد الحرس القومي تسليم أسلحتهم، وقام الكثير منهم بمقاومة السلطة. فحدثت معارك بين الحرس والشرطة، حيث كان العديد من أفراد الحرس القومي معتصمين في مقرهم بالمكتبة العامة وأخذوا بإطلاق النار على الشرطة، أدت هذه المصادمات إلى مقتل أحد أفراد الشرطة وجُرح أخرون . ولعلع صوت الرصاص في أرجاء المدينة، وإحتمى الناس في بيوتهم لحين إنجلاء الموقف.

وفي حادث أخر إستمر من نهار يوم 18 تشرين إلى صباح اليوم التالي عندما سارعت مجموعة من الحرس القومي وإحتلت مركز الشرطة الواقع على نهر الحسينية في مدخل المدينة على طريق كربلاء - ناحية الحسينية، وجردوا الشرطة من أسلحتهم وتسوّروا المخفر ، فقامت قوّة من الشرطة السيّارة بمحاصرتهم، وإستمر تبادل إطلاق النار بين الجانبين حتى صباح يوم 19 تشرين الثاني، عندها تمكن أفراد الشرطة من إستعادة المخفر وألقي القبض على إثنين من أفراد الحرس القومي، وتمكن الباقون من التسلل بمحاذاة النهر والإختفاء فيما بعد.

وعند الظهيرة توقف إطلاق النار في المدينة، وسلّم بعض أفراد الحرس القومي أسلحتهم إلى الشرطة، وبدأت حملة كبيرة من الإعتقالات والملاحقات ضد البعثيين. فقد ألقي القبض على الكثير من كوادر وأنصار حزب البعث، وتم تسفير بعضهم إلى سجن الحلة، وآخرين إلى سجن رقم خلف السدّة في بغداد، ومجموعة أخرى في سجن بعقوبة، وتشكلت محاكم عديدة وأدين الكثير من الموقوفين وحكم على البعض بالإعدام ولم يتم تنفيذه بل تم تخفيف الحكم، كما تم نفي عدد من البعثيين الكربلائيين إلى مدن عديدة في العراق. وبعد أيام عادت الحالة في المدينة إلى طبيعتها، وليس للناس غير الحديث عما جرى !!

حادثة (عزاء طويريج) عام 1386ه / 1966م

في حادث مفجع سقط واحد وثلاثون شهيداً وما يقارب من خمسين جريحاً كانوا مشاركين في عزاء طويرج (1)ظهيرة يوم العاشر من محرم سنة 1386ه/29 نيسان 1966م وذلك عند دخولهم إلى صحن الإمام الحسين(علیه السلام) من باب (قاضي الحاجات) (2)، وسبب هذا الحادث المفجع هو الإزدحام الشديد وضيق مكان


1) قبل أن يصبح عزاء طويريج على صورته الحالية، فقد كان منذ ما يقارب أكثر من مئة عام بقليل عبارة عن موكب لأهالي طويريج (الهندية)، يقودهم السيد صالح القزويني يخرجون سيراً على الأقدام متجهين إلى كربلاء بعد آذان الظهر، ويصل الموكب بعد الظهيرة وهو الوقت الذي تؤكد الكثير من الروايات أن الإمام الحسين(علیه السلام) إستشهد فيه. وتطور هذا الموكب على شكل عزاء، حيث قام أهل كربلاء والكثير من الزائرين الوافدين على قبر الحسين(علیه السلام) بإنتظار وإستقبال موكب أهالي طويريج عند قنطرة السلام (مدخل) مدينة كربلاء من جهة طويريج)، حيث يندمجون معهم في موكب واحد حتى يصلوا إلى المرقد الشريف مرددين الشعارات الحسينية بحماس راكضين ومهرولين بجموع هادرة، وبدأ يزداد الموكب عظمة وحشوداً إلى أن أصبح مظاهرة مليونية لا مثيل لها إلى يومنا الحاضر. ويذكر السيد جودت القزويني بان فكرة تأسيس عزاء طويريج جاءت عفوية نتيجة صدق المشاعر والولاء. فقد كان المرحوم السيد صالح بن الفقيه السيد مهدي القزويني (المولود سنة 1257 / 1841م والمتوفى سنة 1304ه /1887م) يحيي مواسم عاشوراء من كل عام بالمأتم الذي يقام بداره في (طويريج)، فيتوافد أهالي البلدة للإجتماع عاماً بعد عام. وفي صبيحة يوم العاشر من المحرم كان يقرأ بنفسه (مقتل الحسين) في الكتاب المنسوب إلى السيد ابن طاووس، وبعد تناول الغداء يذهب المجتمعون مشياً على الأقدام إلى كربلاء، فيدخلونها بعد الظهيرة، وهو الوقت الذي قيل أن (الحسين) قُتل فيه، وكان المرحوم السيد صالح يمتطي صهوة جواده محاطاً بالجموع السائرة ، وقد سرى هذا التقليد بعد وفاته، حيث قام ولده المرحوم السيد هادي القزويني (المولود سنة 1279ه / 1862م والمتوفى سنة 1347ه / 1928م) مقام والده ومن بعده ولده السيد جواد ... وتوارث أحفاد السيد صالح القزويني القيام بهذا العمل إلى يومنا هذا.

2) كان مسار موكب عزاء طويريج سابقاً ولحد سنة الحادثة يمر من باب طويريج متجهاً بجوار مرقد ابن الحمزة (في الشارع الموازي لشارع الجمهورية الحالي)، ومن ثم يقطع شارع العباس فيدخل في سوق باب النجف، ويقطع شارع الإمام علي داخلاً في سوق العرب ومنه إلى صحن الحسين(علیه السلام) من باب قاضي الحاجات المقابلة لسوق العرب، ويخرج من بابي الشهداء والكرامة إلى صحن العباس(علیه السلام) بإتجاه سوق القيصريات ثم سوق التجار الكبير ويقطع شارع الإمام علي(علیه السلام) فيدخل في سوق العباس (سوق الصاغة) حتى يصل إلى صحن العباس ويدخل من باب الحسن(علیه السلام) المواجهة للسوق، فيخرج الموكب من باب قبلة العباس سائراً في شارع باب قبلة العباس ويستدير بإتجاه ساحة الإمام علي (البلوش) حتى يصل إلى المخيم الحسيني، ويتم هناك إحراق الخيام المنصوبة تمثيلاً للواقعة، وفي هذا الموضع تكون نهاية الموكب. وبعد الحادثة فقد تم تغيير مسار الموكب، حيث أخذ يسير من باب طويريج فشارع الجمهورية إلى أن يصل إلى شارع باب قبلة الحسين ثم الدخول للصحن الشريف من باب القبلة ويخرج إلى صحن العباس من باب الشهداء بإتجاه صحن العباس، وأصبحت نهاية الموكب عند الخروج من باب قبلة العباس وتحديداً في شارع قبلة العباس.

الدخول في المسافة الواقعة بين الباب وباحة الصحن الشريف، حيث البشر كالسيل الهادر في المسيرة السنوية العظيمة التي يشارك فيها المؤمنون من محبي آل البيت مهرولين ومنادين بإسم الحسين تخليداً لذكرى إستشهاده عليه السلام.

وعزاء طويريج من المواكب العفوية والمؤثرة جداً في نفوس الناس، حيث تشارك فيه مختلف طبقات المجتمع على تنوع مشاربهم الإجتماعية والعلمية والثقافية والإقتصادية والسياسية، فأصبح هذا الموكب مؤشراً على عمق الولاء بدون تصنّع أو مباهات يستذكر المشاركون فيه قيم البطولة والتضحية للإمام الشهيد وأصحابه.

كان عدد الكربلائيين من الشهداء ستة عشر والبقية رحمهم الله من الهندية والحلة والنجف وهم:

1- المرحوم السيد جواد السيد عزیز آل تاجر كربلاء

2- المرحوم السيد علي السيد أحمد آل طعمة كربلاء

3- السيد علي السيد حسين أبو طحين كربلاء

4- المرحوم مهدي الحاج عبد الصراف كربلاء

5- المرحوم الحاج صاحب هادي مسافر كربلاء

6- المرحوم الحاج عبد الحسين كجي الحاج عبادة كربلاء

7- المرحوم الحاج صالح غلام رضا كربلاء

8- المرحوم هادي ناصر الجبوري كربلاء

9- المرحوم حمودي الساعدي كربلاء

10- المرحوم طراد السماوي كربلاء

11- المرحوم جبار نايف كربلاء

12- المرحوم هاني محجر كربلاء

13- المرحوم حسين شرمخ الكريطي كربلاء

14- المرحوم لفتة زبالة كربلاء

15- المرحوم عبيد السلطان كربلاء

16- المرحوم محمد راضي الجبوري كربلاء

17- المرحوم عبد الصالح محمد دعيبل النجف

18- المرحوم السيد جواد السيد علي راضي وتوت الحلة

19- المرحوم عبد الأمير موسى المبارك الحلة

20- المرحوم الحاج نجم عبود تقي الحلة

21- المرحوم الحاج فخري سريرات الحلة

22- المرحوم حسين عبد زيد آل عباس الهندية

23- المرحوم عدنان سعيد الصياد الهندية

24- المرحوم محمد علي ناصر المهناوي الهندية

25- المرحوم عبد الحسين الحاج حسن الهندية

26- المرحوم جبر علي بركيل الهندية

27- المرحوم أحمد شنون دبس الهندية

28- المرحوم محمد علي سمناوي الهندية

29- المرحوم حسن مرزوق العجيلي الهندية

30- المرحوم أموري عبد الرسول الهندية

31- المرحوم عبد الستار البغدادي

تم تشييع الشهداء بموكب عظيم، فإعتبرهم الناس من أنصار الحسين(علیه السلام)، وأقيمت مجالس الفاتحة على أرواحهم الطاهرة في كربلاء والنجف والحلة والهندية، وأقيم لهم في السنة التالية في كربلاء إحتفال كبير ألقيت فيه القصائد والكلمات التي تخلد هذه الحادثة.

أرّخ الحادثة شعراً المرحوم الشاعر السيد مرتضى الوهاب حيث قال:

جددوا للمثل العليا رسوماً رسخت***وشعارات بها آيات كفر نسخت

ولدى مصرعهم أم المعالي أرخت***وشهداء بعزاء العاشر طافوا الطفوف

1386ه

وللمرحوم السيد أحمد حميد القزويني (المتوفى سنة 1412ه/ 1992م) قصيدة يذكر بها شهداء الواقعة ومنها :

يابن البتول لنا ببابك فتية***نالوا الشهادة في حماك فخُلّدوا

سمعوا النداء يعلو ألا من ناصر***عنايذبُ غَداة عزّ المنجد

فأتتك أرواح لهم تهفوا على***ذاك الضريح وعند بابك تسجد

ما الموت أدرك من ببابك إنّما***موتُ الشهيد بيوم رزئك مولد

الصورة

464

حادثة زيارة الأربعين سنة 1397ه / 1977م

زيارة الأربعين من أشهر المناسبات السنوية في كربلاء، حيث يفد إلى زيارة قبر الإمام الحسين(علیه السلام) الآلاف من الناس بل وصلت الأعداد إلى الملايين لإحياء إحدى الشعائر المهمة لدى أتباع أهل البيت عليهم السلام، وهي الزيارة المخصوصة التي كانت تسمّى قديماً ب- (مَرَد الرأس)، وبحسب المرويات أن الإمام السجاد(علیه السلام) أعاد رأس والده الإمام الحسين(علیه السلام) من الشام حيث دفن مع الجسد الشريف وكان في (20) صفر(1). إعتاد الكثير من الزائرين الوفود إلى قبر الحسين من مدنهم ومناطقهم سيراً على الأقدام في ذكرى زيارة الأربعين، وذلك زيادة في ثواب مسعاهم ومحبة وإجلالاً لإبن بنت نبيهم، وتجديد الولاء والنصرة لآل البيت عليهم السلام.

في عام 1975م أصدرت الحكومة العراقية أمراً بمنع الكثير من الشعائر الحسينية التي كانت تمارس أيام محرم من كل عام مثل (التطبير) و(الزنجيل) و (اللطم) وبعض (2)مسيرات العزاء (العزيات)، ولم تمنع السلطات عزاء طوريج أو (ركضة طويريج) ولا مناسبات الزيارات المخصوصة والعديدة.


1) إختلفت الروايات عن التأريخ الذي تم إعادة الرأس الشريف من الشام من قبل الإمام علي زين العابدين (السجاد)(علیه السلام) ، فالبعض يؤكد أن الإمام زين العابدين رجع إلى كربلاء بعد أربعين يوما من إستشهاد الإمام الحسين، بينما يناقش آخرون بأن الرأس رجع حتماً ودفن مع الجسد الشريف ولكن ليس بعد أربعين يوم من إستشهاد الإمام، معللين بأن بعد المسافة بين كربلاء والش-ام إذا ما علمنا من أوثق الروايات ان الرأس والسبايا أخذوا من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام وبقاء السبايا في الشام عدة أيام، ومن ثم إعادتهم إلى المدينة بصحبة الرأس الشريف حيث عرج الإمام زين العابدين إلى كربلاء ليودع الرأس عند الجسد ويزور قبر والده الإمام الشهيد. وقد تكون تسمية الزيارة قد أستحدثت فيما بعد حيث كان المتعارف لدى الناس زيارة موتاهم في يوم الأربعين، فجاءت التسمية وفقاً لذلك، وفي كتابنا المفصل في تأريخ كربلاء كربلاء التاريخ والقداسة يجد القارئ تفصيلاً للروايات ومناقشتها بدقة حسب المصادر الموثوقة.

2) إستمر عزاء طويريج بالخروج حتى سنة 1990م، ثم منع بعد حوادث سنة 1991م.

لكنها مَنَعَتْ (السير على الأقدام) (1)إلى كربلاء في زيارة الأربعين. وفي الحقيقة كانت إجراءات المنع هذه لا مبرر لها بحيث أدخلت الدولة نفسها في أمور كانت في غنى عنها لأنها تمس أكبر شريحة من شرائح المجتمع العراقي، وإعتبرت تلك الإجراءات في خانة التعصب الطائفي ومنع لحريات التعبير عن مشاعر الناس في موضوع يُعتبر خط أحمر لا يمكن المساس به، ومن خطأ السلطات حينها أنها لم تقرأ الحوادث التي مرت أيام المد الشيوعي في نهاية الخمسينات عندما تم منع السير على الأقدام، والغريب في الأمر أن الدولة كانت تدعم المواكب بل وترعاها وتقدم لها المساعدات لحد السنة التي سبقت المنع !!

بعد سنتين من ذلك الإجراء حدث في مدينة النجف حراك ودعوة للمسير مشياً على الأقدام إلى كربلاء، وحدّدت الساعة الحادية عشر من صباح يوم الخامس عشر من صفر 1397ه الموافق لليوم الرابع من شباط 1977م موعداً لإنطلاق المسيرة.

حاولت السلطات في النجف منع المسيرة ولم تسفر محاولاتها عن نتيجة، فخرجت جماعات غفيرة من أهل النجف بإتجاه كربلاء رغم منع السلطات الإدارية والأمنية حينها ، وبعد يومين وفي منطقة (خان النص) وهو (خان الحماد الذي يقع

1- السير على الأقدام إلى كربلاء عادة قديمة جداً، وكان الزائرون الوافدون إلى كربلاء يأتون في قوافل قبل إختراع وسائط النقل الحديثة، عندما يصلون إلى مشارف كربلاء في نقاط معينة، يترجلون من العربات أو من الدواب ويستمرون بالمشي حتى يصلوا إلى مرقد الحسين(علیه السلام) زيادة في المثوبة التي يرجونها، وفي مسيرهم هذا يقومون بقراءة زيارة (وارث) وتلاوة الأدعية، ويستمعون إلى بعض التعازي الحسينية مستذكرين واقعة كربلاء، وكانت النقاط المحددة لبدء السير على الأقدام كالآتي:


1) للقادمين من طريق بغداد يتوقفون في تل مرعز الواقع بين المسيب وكربلاء، ومن خان النخيلة للقادمين من طريق النجف، ومن قنطرة السلام للقادمين من طريق الحلة والهندية (طويريج) . وفي القرن العاشر الهجري يذكر المؤرخون بأن السلطان سليمان القانوني بعد إحتلاله بغداد سنة 1534م، توجه لزيارة قبر الحسين في كربلاء وقبر الإمام علي(علیه السلام) في النجف، وذكروا بأنه سار المرحلة الأخيرة من الطريق إلى كربلاء وإلى النجف سيراً على الأقدام إكباراً وإجلالاً لصاحبي المرقدين . ومنذ ما يقارب القرن من الزمان بدأ الناس ينذرون المسير على الأقدام من مناطق سكناهم في مدنهم إلى مرقد الحسين عندما يحين موعد (زيارة الأربعين)، إحتراماً وإستذكاراً للمصاب الجلل الذي أصاب الإمام الحسين وآل بيته وصحبه الكرام في يوم العاشر من المحرم.

في منتصف طريق كربلاء – النجف. وأصبحت المنطقة تسمى (ناحية الحيدرية وتتبع إدارياً لمحافظة النجف).

تحشدت أعداد كبيرة من الوافدين مشياً على الأقدام، حيث إستمر الإلتحاق بهم من جميع المناطق القريبة من كربلاء، وبين خان النص وخان النخيلة (1)حدثت مصادمات بين الشرطة والمشاركين في المسير، وسقط أحدهم قتيلاً، فقام العديد من المشاركين الغاضبين بالهجوم على مركز شرطة خان النص.

كانت أعداد الزائرين تزداد داخل مدينة كربلاء، ووصلت أخبار حوادث خان النص وما يحدث في طريق النجف - كربلاء، فقامت السلطات بإتخاذ عدة إجراءات لتلافي حدوث ما لا يحمد عقباه داخل المدينة، فأرسلت الحكومة طائرات حربية كانت تطير بمستوى منخفض فوق جموع المشاركين في المسيرة على طريق كربلاء - النجف، وتحرك اللواء المدرع السادس من ثكناته في المسيب بإتجاه مدينة كربلاء وإنتشرت وحداته وآلياته في منطقة الإمام عون وفي مناطق قريبة من المدينة لغرض تطويقها.

في داخل المدينة إستنفرت الجهات الأمنية ووصلت قوات من شرطة النجدة من بغداد لمحاولة السيطرة على الوضع في مركز المدينة وفي محيط المرقدين الشريفين.

عند مداخل البلدة نصبت الحكومة مفارز لمنع الوافدين مشياً من دخول المدينة، وتم إلقاء القبض على بعض الشباب، فكانت الجموع تتفرق ولكنها تمكنت من سلوك الطرق النيسمية والزراعية ومن بين البساتين للوصول إلى داخل المدينة.

في صباح يوم 20 صفر المصادف 9 شباط قامت مجاميع في منطقة باب طويريج بالتحشد والنزول بتظاهرة سارت في شارع الجمهورية متجهة إلى صحن الحسين، وقد جوبهت من قبل الأجهزة الأمنية وحدث تصادم بسيط وتفرقت الجموع في الأزقة.

لكن تظاهرة كبيرة أخرى تجمعت عند حسينية أهل النجف في العباسية الغربية بالقرب من كراج البارودي، وأخذت تهتف بشعارات ضد الدولة وإتجهت نحو شارع الإمام علي بإتجاه ساحة (البلوش)، وأخذ البعض من المتظاهرين بتحطيم بعض السيارات في الشارع فتدخلت السلطات قبل وصول التظاهرة إلى ساحة


1) خان النخيلة ... هو أحد خانات النزل لإستراحة الزائرين قديما ويسمى لدى العامة خان الربع ويبعد عن مدينة كربلاء بحدود 18كم.

الإمام علي ( البلوش) وتمكنت بالقوة من تفريق المتظاهرين، وتم إلقاء القبض على بعض المشاركين فيها.

بدا الجو في مدينة كربلاء متوتراً جداً وإزدادت الحشود بالتزاحم على قبر الحسين(علیه السلام)، وأشيع بأن هناك قنبلة موقوتة وضعت في أحد الأروقة داخل الحرم، فأخذ الزائرون بالخروج مسرعين، فإتخذت السلطات الأمنية إجراءاً سريعاً بإخلاء المرقد الشريف وغلقه وإخراج حتى الموجودين في باحات الصحن وأغلقت أبوابه، ولأن الزيارة نهارية، فوقت ذروتها قبل آذن الظهر وبعده، فقد بدأ الزائرون بمغادرة المدينة، وعند حلول المساء من نفس اليوم هدأت الحالة وتم فتح صحن وحرم الحسين(علیه السلام).

شنّت الأجهزة حملة شديدة على المشتبه بهم، وألقي القبض على بعض الشباب الذين تم تشخيصهم عند مشاركتهم في المسير والتظاهرات.

شكلت الحكومة لجنة تحقيقية حول الحوادث وأصدرت أحكام الإعدام بحق قادة المسيرة الذين تم إلقاء القبض عليهم، وبالسجن لعدة سنوات بحق آخرين، وتم تنفيذ أحكام الإعدام في 24 شباط من نفس العام، وقد عارض تلك الأحكام بعض أعضاء القيادة القطرية حينها، وتم إستبعادهم فيما بعد من مسؤولياتهم القيادية.

جرت هذه الأحداث في فترة تولي عزيز صالح النومان منصب محافظ كربلاء، وكان محافظ النجف حينها جاسم الركابي، والإثنان من أبناء الجنوب ومن محافظة ذي قار.

أحداث شعبان سنة 1411ه / آذار سنة 1991م

على إثر دخول الجيش العراقي دولة الكويت وإحتلالها في 2 آب سنة 1990م، وعدم موافقة العراق على الإنسحاب منها إلا بشروط تعجيزية في حينها، فقد شكلت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفاً من ثلاثين دولة، إشتركت في التحالف العالمي هذا عدة دول عربية، وبدأت أمريكا وحلفائها بتحشيد الجيوش في المملكة العربية السعودية، وإنتشرت الأساطيل الحربية في الخليج العربي والبحر الأحمر، وفي القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في الشرق الأوسط، وإستعدت تلك القوات للقيام بعملية عسكرية لإخراج الجيش العراقي من الكويت بعد أن إستنزفت كافة المفاوضات والوساطات، وبدأ العمل العسكري ليلة /1/17/ 1991م حيث قامت قوات التحالف التي تقودها أمريكا بعمليات قصف بالصواريخ والطائرات أغلب مدن العراق وخاصة العاصمة بغداد وتم تدمير قسم كبير من القوات العراقية المرابطة في الكويت، وإتخذت عمليات القصف منهجاً لتدمير القواعد العسكرية العراقية والمطارات، وشملت العملية تدمير البنى التحتية العراقية ووسائل الإتصالات وطرق المواصلات والجسور والكهرباء بشكل كبير مما إضطر العراق لإعلان إنسحابه من الكويت.

في يوم 24 شباط 19991م بدأت الحرب البرية التي دامت عدة أيام لم تتمكن قوات التحالف من التقدم إلى داخل العراق وتدخلت بعض الدول منها الإتحاد السوفيتي سابقاً وتم الإتفاق على وقف إطلاق النار بعد معارك طاحنة خاضها الجيش العراقي وتمكن في مواضع عديدة من صد الهجمات وإيقاع خسائر بقوات التحالف وخاصة التي تم إنزالها جواً، وكانت معارك (حفر الباطن) من أهم وأشرس وقائع تلك الحرب.

والحديث عن غزو الكويت وأسبابه وعن (حرب الخليج) ليس من إهتمامات بحثنا هذا وله مجالات أخرى للبحث ليس من إختصاصنا.

لكن ما يهمنا هو حالة الإنكسار التي حلت بالجيش عند الإنسحاب وحدوث عدم السيطرة وفقدان التنسيق، فقد أوجد حالة من اليأس والتذمر، وحصلت أعمال شغب وتمرد كانت بعيدة عن التنظيم من قبل الأهالي في البصرة وإمتدت شرارتها إلى محافظات الجنوب كافة، ومن ثم إنتقلت إلى محافظات الفرات الأوسط، وتم إعلان العصيان على الدولة وإستولى السكان على المرافق والبنايات الحكومية ومقرات الحزب ومعسكرات الجيش وما فيها من الأسلحة. وبدأت عمليات قتل وسلب ونهب عشوائية، وفقدت الدولة سلطتها في مدن الوسط والجنوب لعدة أيام. وبعدها تمكنت الحكومة من السيطرة على الموقف بالقوة المفرطة، وتمكنت بقواتها الجوية والبرية من إحتواء الحالة، وعندها اعلنت الحكومة العراقية بأن إيران كان لها اليد الطولى في ذلك التمرد.

وما يهمنا بعد هذه المقدمة هو الأحداث التي وقعت في مدينة كربلاء المقدسة، لأن هذه المدينة كانت آخر المدن التي حدثت فيها أعمال التمرد والعصيان على الدولة، وبقيت تحت سيطرة المنتفضين ما يقارب العشرة أيام، وحدثت إثناء الثورة على الحكومة والحزب، وخلال أيام فرض الدولة سلطتها عليها ثانية، وقائع وأحداث غاية من البشاعة والعنف من قبل الطرفين، إستعمل الجيش أقصى درجات القوة جواً وبراً، حيث قصفت المدينة بلا رحمة، وقد أصابها الخراب والتدمير، ولم يسلم المرقدان المقدسان فيها من التخريب والتدمير.

وقد تمت مقاومة الجيش بشكل شرس ،وعنيف ولكن لا مقارنة بين إمكانيات قوة الدولة وبين المقاومين الذين أجبروا في النهاية على الإنسحاب من مواقعهم، وتمت السيطرة على المدينة بالقوة.

ومما زاد الطين بلة، أن من أنيطت قيادة القوات التي حاصرت كربلاء بهم ودخولها والسيطرة عليها، قاموا بتهديم البنايات المحيطة بالمرقدين، وقلع النخيل والأشجار في البساتين المحيطة بالمدينة، وبدت هذه العملية كأنها عملية إنتقام قام بها المجرم حسين كامل الذي كانت جميع القوات بأمرته، وزاد على ذلك بأن أمَرَ

الوحدات العسكرية التي إحتلت المدينة القيام بعمليات تفتيش كافة الدور والبنايات داخل المدينة وأحيائها، وتم إلقاء القبض على المئات من الشباب الذين لم يكن لديهم أي مساهمة في التمرد والغالبية العظمى منهم أبرياء ذهب الكثير منهم ضحايا، وأفرج عن القليل منهم بعد أشهر من الحادثة.

كان شهر آذار 1991م (شعبان 1411ه) هو أصعب شهر مرَّ على مدينة كربلاء منذ تأسيسها ولحد الآن. لقد إمتلأت المدينة برائحة الموت والدمار، وترك أغلب سكان المدينة دورهم، وحدثت حالات مأساوية وأصبحت لدى كل عائلة كربلائية قصة خاصة في تلك الأيام الصعبة التي مرّت على المدينة.

كان الكثير من أهالي بغداد قد وفدوا إلى مدينة كربلاء هرباً من القصف الشديد على بغداد، وقد لاذوا بمدينة كربلاء كونها مدينة مقدسة، وهي مكان آمن يتواجدون فيه لحين إنتهاء الحرب، ويندر أن يخلو بيت كربلائي من وجود أسرة نازحة من أقربائهم أو معارفهم، وحتى الكثير من هؤلاء أصابهم ما أصاب أهل المدينة.

كانت الواقعة مؤلمة، ولم تعالج برويّة وحكمة، وكأن كربلاء كانت المدينة الوحيدة التي أعلنت العصيان على الدولة، وقد فاقت هذه الواقعة بكثير عما حدث في واقعة نجيب باشا سنة 1258ه / 1843م ، حيث لا توجد مقارنة بينهما رغم الفترة الزمنية ما بين الواقعتين. ونحن هنا لا يسعنا إلّا أن ندوّن ما حدث ونبتعد عن بقية الأمور التي نتركها إلى المختصين في شؤون الأسباب والنتائج لتلك الأحداث، لأن ذلك يدخل في مجال السياسة والصراع العقائدي ومصالح دول إقليمية تجاور العراق عربية وغير عربية، وسياسة دولة حاكمة لها نظامها الخاص.

رغم أن الكثير من الباحثين كتبوا عن تلك الواقعة التي سماها الذين قادوها وساهموا بها بـ (الإنتفاضة الشعبانية) و (ثورة الشعب ضد النظام) وغيرها، بينما سمتها الدولة والحزب بـ (أحداث الشغب) أو (صفحة الخيانة والغدر)، وكل طرف له أسبابه ومبرراته في التسمية والذين كتبوا عنها كانت لهم مبرراتهم، وتحدثوا عنها بالإسلوب الذي يوافق تصوراتهم وإعتقادهم السياسي والمذهبي في بعض الأحيان.

ونحن هنا نلتزم بذكر حدوث هذه الواقعة فلم نكن من المساهمين فيها، ولا من الذين شاركوا قوات الحكومة في إنهائها، ولكن بحكم كوننا من أبناء المدينة التي يعزّ علينا أن نراها قد أستبيحت ودمرت بالشكل الذي شاهدناه بعد إنتهائها. حيث بقيت جثث القتلى عدة أيام في البيوت والشوارع والأزقة، فقد ذهب هؤلاء ضحية سوء تصرف الكثير من ضباط وجنود القوات التي هاجمت المدينة الذين فقدوا الرحمة عند الهجوم عليها، أو الذين وجهوا مدافعهم لتقصف عشوائياً مركز المدينة بشكل كثيف. فجميع الذين قتلوا أو جرحوا في تلك الأحداث من منتفضين أو أهالي عزّل أو من الشرطة والجيش والمسؤولين حينها هم عراقيون، فيعز على كل مواطن ماجرى.

كانت أجواء الترقب والحذر تسود مدينة كربلاء، رغم أن قصف قوات التحالف قد توقف ولكن أنباء محافظات الجنوب المتمردة كانت تصل تباعاً وبسرعة. في يوم 1991/3/2م سقطت مدينة النجف بيد المنتفضين، وبدأ تسرب مئات الأفراد منها إلى كربلاء. وكانت الحكومة في كربلاء في حالة ترقب أيضاً، وكان بادياً على سكان المدينة بأن شيئاً ما سيحدث !! وعلى العموم فقد كانت الأجواء ملبدة بالغيوم واخبار المحافظات الجنوبية تصل إلى الناس ويتداولونها فيما بينهم.

أما أحوال المسؤولين في المدينة من المحافظ إلى مدراء الدوائر الأمنية فيها وكذلك مسؤولي فرع حزب البعث وقواعده، لا تختلف عن أحوال وترقب الأهالي نحو المجهول. وربما لو كانوا قد اتخذوا بعض الإجراءات مثل فرض حالة عدم التجول بعد أن سمعوا بأخبار النجف ومن ثم ناحية الحيدرية (خان النص)، لكانوا قد حافظوا على أرواح الناس وأبعدوا الدمار الشامل الذي أصاب المدينة فيما بعد، وإستقدم المحافظ أفراداً وآليات ومعدات من وحدات الجيش القريبة من المدينة وكان هؤلاء الجنود أول من ترك الواجب المكلف به وخلعوا ملابسهم العسكرية ولبسوا (الدشداشة) وتركوا آلياتهم عند سماعهم أول رشقات الرصاص التي دوّت في المدينة!!

في فجر يوم 1991/3/4م وقعت حادثة قتل لأحد المواطنين في منطقة سيف سعد، حيث كان في سيارته عندما أطلق عليه النار من قبل أحد ضباط المخابرات الذي كان في سيارة تسير خلف السيارة التي كان فيها المجني عليه، وإختلفت الآراء

حينها عن سبب إطلاق النار من قبل رجل المخابرات !!، ونقلت جثة المجني عليه إلى الطب العدلي في المستشفى الحسيني الواقع على الشارع العام، حيث تجمع ذوي القتيل ومعارفهم وأصدقاؤهم، وصادف مرور محافظ كربلاء ومعه مدير الأمن وبعض مسؤولي المحافظة، ونادوا على بعض المتجمعين قرب الطب العدلي مستفسرين عن سبب التجمع، عند ذلك طلب المحافظ من ذوي المجني عليه ورجاهم بأن يسرعوا في تشييعه بدون ضجة لأن أوضاع المدينة لا تتحمل أي طارئ. وأسرة القتيل من الناس المعروفين بطيبتهم وخلقهم العالي، فقد إستجابوا لرجاء المحافظ وإنتهت الحالة بهدوء، وفي ظهيرة يوم 1991/3/4 سرت شائعات بسرعة البرق عن قرب إعلان حالة العصيان والتمرد والإنتفاضة ضد النظام الحاكم، ونزل الشباب إلى الشوارع ينتقدون النظام والحالة التي تمر بالبلد ويحثون الناس على التصدي في حالة إندلاع الشرارة الأولى ضد الحكومة إسوة ببقية المحافظات.

حدث مشهد غريب داخل مدينة كربلاء في الساعة الثانية من بعد ظهر نفس اليوم، عندما قام رتل مكوّن من عدة سيارات رباعية الدفع قسم منها سوداء ومظللة تجوب شوارع المدينة بين المرقدين الشريفين ثم إتجهت تلك السيارات نحو شارع العباس بإتجاه بناية المحافظة وتابعت سيرها إلى طريق النجف أو عين التمر، ولم يعرف أحد لمن عائدية هذه السيارات ولماذا تجولت بتلك الحالة، فهل هى تابعة للدولة أم لجهة أخرى، والله أعلم!! في الساعة الثانية والنصف من بعد الظهر بدأت مجاميع بإطلاق عيارات نارية كثيفة في الهواء في منطقة العباسية الشرقية قرب الكراج الموحد، وبدأت تظاهرة من تلك المنطقة بإتجاه باب طويريج ودخلت شارع الجمهورية والمتظاهرون يهتفون بسقوط الدولة ورئيسها.

في نفس الوقت بدأت مجموعة ثانية في محلة باب بغداد (باب العلوة) في الشارع المؤدي إلى (حمام سيد سعيد) بإطلاق النار والهتاف ضد الدولة، وإتجهت هذه المجموعة إلى محلة باب السلالمة وسارت في الزقاق المؤدي إلى ديوان آل شهيب. وكانت مجموعة ثالثة مشابهة في منطقة المخيم قد قامت بنفس الفعل، وتعالى صوت الرصاص فيما بعد في أغلب مناطق المدينة القديمة.

في تلك الأثناء حاول رجال الشرطة والأمن التصدي لتلك الحالة، ولكنهم لم يفلحوا، وقاموا بالإنسحاب إلى دوائرهم. أما الجنود الذين كانوا قد تواجدوا في نقاط معينة خاصة في قرب منطقة بستان ضوي وغيرها من أماكن إنتشارهم فقد قاموا بتبديل ملابسهم وتركوا أسلحتهم وآلياتهم ولاذوا بالفرار، وجميع هؤلاء ليسوا من أبناء المدينة، فكانت معنوياتهم هابطة جداً وغير مستعدين لأن يضحوا بأنفسهم إسوة بحالة الإنكسار التي حدثت في الجيش عند الإنسحاب من الكويت.

في نفس الوقت وعند سماع خبر ما يحصل داخل المدينة القديمة كان المحافظ (غازي محمد علي الديراوي) بمقره في بناية المحافظة، ومعه رؤساء الدوائر الأمنية ومسؤول فرع حزب البعث في كربلاء (عبد الرزاق منزّل) وبعض اعضاء قيادة فرع الحزب، فقد قاموا بمغادرة مبنى المحافظة بإتجاه طريق النجف من شارع العباس بسياراتهم، وعندما وصلوا إلى مقر قيادة شعبة كربلاء التي تقع مقابل حي الأنصار (قرب مركز شرطة حي الحسين)، أوقفهم من كان في بناية تلك المنظمة الحزبية مستفسرين من المحافظ عما يحدث داخل المدينة لأنهم يسمعون أصوات إطلاق النار الكثيف في المدينة، فأجابهم مسرعاً وهو خلف مقود السيارة التي كان يقودها بنفسه بأن حالات إطلاق نار حدثت وهي تحت السيطرة وأنا ذاهب لجلب قوّة لحماية المدينة»، وتحرك الرتل نحو طريق الحج البري، وعُرف بعد ذلك أن المحافظ ومن معه ذهبوا إلى منطقة الرزازة وبعضهم إلى قضاء عين التمر وتركوا المدينة تلاقي مصيرها المجهول، وقسم من الذين كانوا في بناية المحافظة تمكنوا من الوصول إلى ناحية الحسينية وقد إستقبلهم بعض أفراد العشائر هناك.

إزدادت الحالة هياجاً حيث ثارت الأحياء وقام الكثير من سكانها بالنزول إلى مركز المدينة، وبدأت المصادمات بين الثائرين بما لديهم من أسلحة وبين الشرطة والقوات الأمنية، وتمكنوا من احتلال مراكز الشرطة والحصول على ما فيها من أسلحة، وبدأوا يحاصرون المقرات الحزبية ويتراشقون بأنواع الأسلحة، وبدأت الضحايا تتساقط من الجانبين. وبدت جميع الفعاليات بعيدة عن التنظيم وكانت عشوائية التصرف، عندها شكلت مجاميع لقيادة التمرد وبدأت أعمال القتل ضد الشرطة ورجال الأمن ومنتسبي الحزب.

في مساء يوم 1991/3/5 كانت المدينة ساقطة بيد المنتفضين، وأصبح المرقدان الشريفان موقعاً لقيادة المجاميع الذين سيطروا على المدينة، وكانت مكبرات الصوت من مآذن الحرمين بمثابة إذاعة يتم من خلالها إعطاء التوجيهات وإلقاء البيانات والبلاغات، وكذلك أصبحت الجوامع والحسينيات مقرات للتجمعات المسلحة.

وللأسف الشديد فقد سادت موجة من الفوضى لم يتم السيطرة عليها، فقد هجمت أعداد غفيرة من سكان الأحياء المحيطة بالمدينة القديمة من ناحيتها الجنوبية والجنوبية الغربية وتحديداً من منطقة البناء الجاهز وحي البعث وحي العامل والحي العسكري على مخازن الدولة ومن ثم على الدوائر الحكومية والمدارس والمقرات الحزبية، وقاموا بسرقة محتوياتها وإحراق بعضها، ومن ثم نزلوا إلى المدينة القديمة وأخذوا يكسرون المحلات التجارية ونهب ما فيها، وكان جميع سكان هذه الأحياء هم ليسوا من أبناء كربلاء الأصليين، وإنما من الذين استوطنوا فيها من محافظات الجنوب والوسط منذ أمد ليس ببعيد، وعاثوا بالمدينة خراباً ، وإستمرت هذه الحالة ليومين تقريباً. كان الشعور السائد لدى الجميع بأن الدولة قد سقطت في جميع أنحاء العراق، ولا حكومة في البلد، وعلى هذا الأساس تم التصرف في ذلك الوقت.

كانت وحدات من الجيش الحكومي ترابط في مدينة المسيب ومنطقة الوند، وقد تحركت وحدة مدرعة وإتخذت من منطقة الإمام عون معسكراً لها، وتبعتها وحدات مدرعة أخرى وكتائب من المدفعية وأفواج من المشاة، وإتخذت لها مواقع على طريق الكمالية الرابط بين الامام عون ومرقد الحر، وتم شبه تطويق للمدينة. تمكن رعيل من الدبابات من التوجه إلى كربلاء من الطريق العام (طريق بغداد - كربلاء)، وصلت ثلاث دبابات إلى منطقة حي العباس، فتقدمت لها مجاميع من داخل المدينة، وحدث إشتباك عنيف تم خلاله تدمير القوّة وإنسحاب بعض أفرادها إلى منطقة الامام عون حيث تتجمع قوات الجيش.

كما تمكنت قوة من المشاة وعدد من الدبابات وناقلتي جنود الوصول إلى منطقة سيد جودة قادمة من الحر، فتصدت لها مجاميع أخرى وحدثت معركة بين الطرفين سقط فيها ضحايا من الجانبين، وتم تدمير دبابة وناقلة جنود وإنسحبت القوة بإتجاه مدينة الألعاب قرب الحر.

كما حدثت معركة ثالثة عندما تسللت قوة من الجيش بإتجاه منطقة السعدية ووصلت قرب منطقة المخيم، وتم التصدي لها أيضاً وسقط ضحايا من كلا الجانبين. استمرت تعزيزات الجيش على عدة محاور من المدينة، والغريب في الأمر بأن الأحياء البعيدة عن مركز المدينة والتي هجم الكثير من سكانها على المدينة القديمة وقاموا بعمليات السلب والنهب عادوا إلى أحيائهم وبقوا في مأمن من عمليات القتال التي كانت تدور داخل البلدة!!

في الأيام الثلاثة التي مرّت على إندلاع الشرارة كان مركز المدينة بالكامل تحت سيطرة المنتفضين. وكان الطيران المروحي يغطي أجواء المدينة على مستوىً مرتفع، حيث قامت الطائرات المروحية بإستطلاع الوضع داخل المدينة، في نفس الوقت نُصبت الرشاشات الثقيلة المضادة للطائرات وبدأت بالرمي نحوها، وعلت مكبرات الصوت من الطائرات المروحية تدعو الناس إلى إخلاء المدينة وأحيائها، والتهديد بضربها بالسلاح الكيمياوي في حالة عدم الإخلاء، في الوقت ذاته بدأت المدفعية ترمي بحممها على المدينة من منطقة الكمالية ومنطقة الامام عون، بقصف عشوائي مستمر بمختلف العيارات منها المتوسطة والثقيلة، وتصاعدت من المدينة ألسنة النيران والدخان وقصفت بيوت على ساكنيها، مما إضطر أغلب سكان المدينة بمغادرتها تباعاً بإتجاه الأحياء والبساتين المحيطة بالمدينة، ولاذ قسم منهم بالمرقدين الشريفين.

كانت في الحقيقة حالات مأساوية عانى منها الشيوخ والنساء والأطفال، ونتيجة القصف العشوائي فقد انتشرت جثث قتلى الأهليين في شوارع ودروب المدينة وفي البيوت التي تهدمت نتيجة القصف مع العلم بأن أغلب بيوت مركز المدينة هي قديمة ولا تقوى على حماية ساكنيها ، وجرح الكثير من السكان وهم يهمون بمغادرة بيوتهم حاملين بعض حاجاتهم الضرورية عن هذه الحالة التي نصورها هو ما سمعناه ونقله الكثير من سكان المدينة القديمة وقد تكون تصورات الذين رأوا الأحداث وعاشوها أكبر وأبشع مما يقال... ورغم كل ذلك فقد بقي الكثير من السكان في بيوتهم، يعيشون حالة الذعر والترقب ولا يعرفون المصير الذي ينتظرهم.

مع إستمرار القصف المدفعي، فقد بدأت الطائرات برمي المواقع التي تصدر منها النيران من مدافعها، بل في أحيان أخرى أخذت تقصف من الجو بصواريخها مواقع أخرى.

وبدأت وحدات الدروع والمشاة وبقية الصنوف بالتقدم ببطئ نحو المدينة القديمة من جميع محاورها.

في يوم 1991/3/8 وصلت فرقة عسكرية مدرعة من عدة الحرس الجمهوري إلى ضواحي المدينة قادمة من بغداد، وأنيطت بهذه الفرقة مهمة إقتحام المدينة، تساعدها الوحدات الأخرى التي وصلت قبلها وإشتبكت مع الثائرين.

في نفس اليوم بدأت قوات الحرس الجمهوري بالتقدم نحو المدينة من محاور، وهي تتقدم كانت في حالة قتال مستمر نتيجة التصدي العنيف لها من المجاميع التي كلفت بمقاومتها مستعملين أسلحة مضادة للدروع ورشاشات متوسطة وبنادق آلية.

وبدأ قتال شرس عندما تقدمت قوات الحرس الجمهوري من شارع حي العباس ومن السعدية ومن المكتبة العامة بإتجاه شارع قبلة الحسين، ومن بداية شارع العباس إبتداءً من بناية المحافظة ومن باب طويريج . وكل هذه المحاور تم التصدي لها وحدث قتال عنيف وبدأت حرب شوارع ) كانت غاية في الشراسة، وتكبد الجيش خسائر في المعدات والأرواح، وصعد المتصدون على سطوح البنايات والمنازل، وهم يرمون بمختلف الأسلحة والرمانات اليدوية.

وكثرت الإصابات لدى الجانبين وأعطى الجيش خسائر منها دبابات وناقلات جنود مدرعة في شارع العباس، وشارع قبلة الحسين، وبين باب بغداد وحي العباس. وبدأ المشاة من الجيش ينتشرون مع تقدم القوة المدرعة بإتجاه المركز.

ومما زاد من حدة الإشتباكات هو إصابة القبة الشريفة لمرقد العباس عليه السلام نتيجة القصف المدفعي، وقبة مرقد الإمام الحسين عليه السلام بقذيفة من إحدى الطائرات المروحية، كما أصيب المرقدان ببعض الأضرار نتيجة الرمي الكثيف. وهذه الحالة إستنهضت الكثير من الشباب عندما شاهدوا العتبات قد قصفت، فإشتعلت جذوة الحماس لديهم وكثّفوا من مقاومتهم الشديدة، ولكن الجيش إستمر بالتقدم

نحو المدينة غير عابئ بما سيحصل، ولم يكن له تصور آخر سوى السيطرة على المدينة حسب الأوامر التي صدرت له مهما كلف الأمر.

استمرت المعارك الشرسة على شكل قتال حرب الشوارع وإزدادت الضحايا من كل الأطراف المقاومين والجيش والأهالي.

كثفت القوات العسكرية الحكومية من تجمعاتها ووصلت وحدات تعزيزية من قوات المغاوير المدربين على حرب الشوارع والقتال في المدن، وإستمرت قوات الجيش بالتقدم إلى أن وصلت مشارف المرقدين الشريفين، وكانت آخر دبابة تم إعطابها من قبل المقاومين في باب قبلة العباس على مسافة (70) متر منه.

ولعدم التكافؤ بين القوتين فقد إنسحب المقاومون إلى داخل الحرمين، وأغلقت أبواب الصحنين الشريفين من قبلهم، وعزز الجيش مواقعه في منطقة مابين الحرمين بعد أن قام المشاة بتمشيط مناطق البلدة القديمة خلا بين الحرمين.

أخذ المقاومون برمي الجيش من سطح مرقدي العباس والحسين عليهما السلام، وكانت المقاومة في صحن الحسين أشد قوّة.

في يوم 13/ 3 وجّه الجيش إلى المعتصمين في المرقدين نداءً بالإستسلام وفتح الأبواب، ولم تتم الإستجابة لهذا النداء، فتقدمت إحدى الدبابات في شارع العباس بالرمي بإتجاه باب قبلة العباس بحيث أصابها الخراب، عندها بادر المعتصمون في مرقد العباس واللائذون به من الأهالي بإخلائه عن طريق إحدى الأبواب الجانبية، بينما استمرت المقاومة في صحن الامام الحسين(علیه السلام) بالتصدي للجيش من الفتحات الموجودة في أعلى السور.

عندها أصدر المجرم حسين كامل أوامره للقوة العسكرية المتواجدة بإقتحام المرقد الشريف بالقوة، وقد تم الهجوم عليه من منطقة باب القبلة حيث قصفت الباب بطلقات من الدبابات والرمي بالرشاشات المتوسطة والثقيلة على سور الصحن من باب الرجاء إلى باب الزينبية حيث كانت تخرج من أعلى السور نيران المدافعين.

في فجر يوم 3/14 تم الإقتحام عندما تم تهديم باب القبلة وأخذ الجنود يتسلقون السور، فتراجع المقاومون إلى داخل الحرم وأغلقوا أبوابه، عندها قام الجيش ومنهم المغاوير بالرمي الكثيف على أبواب الحرم الواقعة على الإيوان (الطارمة) بنيران

أسلحتهم الرشاشة والقنابل اليدوية وتم تحطيم الأبواب الثلاث ودارت داخل الحرم معركة عنيفة وشديدة القسوة وبعيدة عن الرحمة غير مبالين بقدسية المكان، وتم قتل جميع من كان في داخل الحرم المطهر، وآثار الإطلاقات والقنابل اليدوية التي وجدت بعد الأحداث تدل على حجم المأساة التي دارت داخل الحرم والتي لم تسلم منها حتى الأضرحة المقدسة. حيث اصيب شباك ضريح الإمام الحسين بأضرار، وكذلك الصندوق الخاتمي الموضوع داخله. كما أصيب ضريح السيد إبراهيم المجاب بشكل كبير وكذلك ضريح الصحابي ناصر الحسين (حبيب بن مظاهر الأسدي) وضريح الشهداء، كما تضررت بشكل كبير جميع الأبواب الذهبية الموجودة داخل الحرم الشريف وكذلك جدران الحرم.

في مساء يوم 14 / 3 / 1991 كانت المدينة بالكامل بيد الجيش، وباتت ليلتها هادئة خلا بعض الإطلاقات النارية من هنا وهناك، وكان هذا الهدوء يلف روائح المأساة التي حلّت بكربلاء.

بعد كل ذلك قامت وحدات الجيش بحملة تفتيش للدور داخل المدينة وأحيائها، والذي يؤسف له أن تم القبض على مجاميع كبيرة من الشباب بشكل عشوائي، وقسم كبير من هؤلاء لاقى حتفه من قبل بعض عناصر الجيش الذي كان يعتقد أن كل من كان في المدينة قد شارك في الأحداث، وأخذ الكثير منهم إلى بغداد وأودعوا معتقل الرضوانية، رغم أن الآلاف من أهالي المدينة قد خرجوا منها إثناء العمليات العسكرية.

بقيت المدينة لمدة أسبوع كامل تئن من وطئة ما أصابها من دمار، وقامت فرق البلدية بإخلاء الجثث من حرم الحسين، كما تم إخلاء الجثث من الشوارع والطرقات. بعد أن سيطر الجيش على المدينة أمر(حسين كامل) بتهديم العمارات والمنشآت حول المرقدين الشريفين، وكانت هذه التهديمات تتم بالديناميت، وقد تضرر المرقدان بشكل كبير نتيجة الإهتزازات وتطاير مخلفات البنايات القريبة جداً من المرقدين بفعل شدة التفجيرات.

في صفحة أخرى تم تجريف البساتين المحيطة بالمدينة، وكانت أكثرها شدّة وتأثيراً هي البساتين الواقعة على جهتي طريق كربلاء - ناحية الحسينية (طريق بغداد

القديم)، حيث تم جرف مساحات بمقدار 100 متر عرضاً من كل جانب ولمسافات إمتدت إلى ما يقارب (القنطرة البيضاء).

وإنتشر الجيش في جميع مناطق المدينة القديمة وأحيائها، ورابطت سرايا من الجيش في مرقدي العباس والحسين عليهما السلام.

و من ثم سمح للناس شيئاً فشيئاً بالرجوع إلى دورهم ومحلاتهم وسط الخراب والدمار الذي أصاب المدينة.

تشكلت لجنة مشتركة إتخذت من فندق كربلاء السياحي في حي الحسين مقراً لها، للقيام بأعمال التحقيق وغيرها، وتم إلقاء القبض على الكثير ممن شاركوا في الأحداث ومن لم يشاركوا... وفي ساحة الفندق تم إعدام عدد منهم ممن إعترف عليهم البعض أو كانت أسماؤهم من ضمن المطلوبين، وأخذ الباقون إلى بغداد وأودعوا في معتقل الرضوانية أيضاً.

في يوم 3/21/ 1991 تم تعيين لواء الشرطة عبد الخالق عبد العزيز محافظاً لكربلاء بدلاً من محافظها السابق (غازي محمد علي الديراوي) الذي تم إعتقاله فيما بعد وتوقيفه في كربلاء بتهمة إخفاقه بعمله وعدم إتخاذه الإجراءات المناسبة لمنع وقوع تلك الأحداث بإعتباره المسؤول الأول في المحافظة.

كما تم تغيير مسؤول الحزب (عبد الرزاق منزّل) بمسؤول جديد هو (أحمد محسن علوان). كما تغيرت قيادات الدوائر الأمنية جميعها وبعض مدراء الدوائر الخدمية. وفي ظل الوضع الجديد بدأت الحياة تعود تدريجياً إلى المدينة، وكان كل كربلائي له قصة في تلك المحنة.

قام بعض المشاركين في الأحداث بعمل الأدلاء والتشخيص على من كانوا معهم، وقد ذهب نتيجة هذا الإجراء الكثير من الأبرياء بسبب العداوات الشخصية وغيرها.

خسرت المدينة بعض رجالها الأجلاء سواء بإلقاء القبض عليهم وهم أبرياء، أو ممن أصيبوا نتيجة القصف والمعارك الدامية، أو من الذين ماتوا كمداً خوفاً على عوائلهم وأبنائهم.

كانت الواقعة بمثابة كارثة كبرى حلّت بالمدينة المقدسة، لم يشهد تأريخ المدينة لها مثيل، فقد كانت أيام قاسية ومريرة على الجميع حكومة وأهالي.

وبعد شهر من الأحداث صدر عفو عام من الحكومة وإيقاف المتابعات والملاحقات، وتم إطلاق المودعين في الرضوانية وغيرها تباعاً، عدا قسماً منهم يُعرف مصيرهم لحد الآن.

لقد شرحنا الواقعة بنفس محايد ومستقل وبإختصار شديد، رغم ما نمتلكه من كم هائل من المعلومات، وصلتنا عن طريق الذين شاركوا في الأحداث، أو الذين عايشوها کشهود عيان بحيث إنتقدوا الجانبين الثائرين والسلطات الحكومية ومنها الجيش، أو من وثائق الحكومة، وفي نقلنا هذا كنّا مجردين من العاطفة أو الإنتماء، ولكن على الباحث نقل الحقيقة بصدق وأمانة قدر الإمكان.

محاولة إغتيال نائب الرئيس العراقي في كربلاء

إعتادت مدينة كربلاء على إقامة إحتفال رسمي بمناسبة مولد الإمام الحسين عليه السلام في الثالث من شعبان في كل عام هجري، والإحتفال الرسمي يقام في قاعة الإعلام الكبرى تلقى فيه الكلمات والقصائد التي تمجد الذكرى العطرة لمولد الحسين(علیه السلام) وذكر فضائل آل البيت الأطهار . وهذا الإحتفال الرسمي السنوي يقام برعاية رئيس الجمهورية، وكان ينوب عنه في الحضور نائب الرئيس عزة إبراهيم الدوري بشكل دائم.

في يوم 11/22/ 1998م الذي يصادف 3 شعبان سنة 1419ه، كانت مدينة كربلاء قد تهيأت للإحتفال، ورفعت في شوارعها معالم الزينة، وكان الأهالي والمسؤولون في المحافظة بإنتظار قدوم نائب الرئيس الذي تعوّد أن يقوم بزيارة مرقد الإمام الحسين(علیه السلام) قبل توجهه إلى قاعة الإحتفال.

وعند باب قبلة الإمام الحسين كان المستقبلون من المسؤولين وحشد من الناس بإنتظار وصوله إلى المرقد الشريف وكان بينهم عضو القيادة القطرية المسؤول عن محافظات الفرات الأوسط، ووزير الداخلية، ووزير التربية (وزير الأوقاف وكالة) و محافظ كربلاء وعدد من محافظي المحافظات القريبة من كربلاء ومسؤولين آخرين في الحزب والدولة.

وفي تمام الساعة العاشرة والنصف وصل موكب نائب الرئيس وترجل من سيارته في باب القبلة، وتقدم له المستقبلين لمصافحته والترحيب به، فإنطلقت من بين حشود الناس على الرصيف المقابل لباب القبلة ، قنبلة يدوية هجومية إنفجرت قرب سيارة النائب والتي حجبت شظاياها عن النائب والمستقبلين، وفي دهشة وذهول الحضور والناس فقد رميت من نفس المكان قنبلة يدوية ثانية، حيث أوقعت بعض

الإصابات في حماية النائب وبعض المسؤولين ولم يصب النائب على إثرها، وتم إدخاله بسرعة داخل الصحن الشريف بينما بدأت الحمايات بالرمي الكثيف وهرب الناس من موقع الحدث مسرعين في جميع الإتجاهات وفرغت شوارع المنطقة منهم إلا من شخص واحد سقط قتيلاً بطلقة نارية أصابته في الجهة اليسرى من رقبته كان قد رماه بها أحد ضباط الشرطة، وكان شاباً تجاوز الخامسة العشرون من العمر، وتبين أن الشخص القتيل هو الذي قام بالعملية بدلالة وجود حلقة نابض القنبلة الثانية لازالت في إصبعه، وكان مرتدياً (قمصلة) جلدية سوداء وعند تفتيش الجثة وجدت قنبلة ثالثة في جيب القمصلة، ولم يجدوا في ملابسه أوراق ثبوتية أو أي مبرز يدل على إسمه وهويته، وتم تصويره ونشر صورته وبعد يومين تم التعرف عليه، وإتضح من منطقة الفهود التابعة للناصرية (محافظة ذي قار).

على إثر هذا الحادث فقد أغلق الناس محلاتهم وخلت شوارع مركز المدينة من المارّة متحسبين من إجراءات قد تتخذها الحكومة. وتم إسعاف الجرحى ونقلهم إلى المستشفى، وبعد ساعة من الزمن أكمل النائب زيارته للمرقد الشريف، وغادر صحن الإمام الحسين(علیه السلام) متوجهاً إلى قاعة الإحتفال حيث ألقى كلمة نيابة عن رئيس الجمهورية وغادر بعدها متوجها إلى بغداد.

وعلى ضوء ما حدث فقد أعلنت وكالة الأنباء العراقية الرسمية يوم 11/23/ 1998 بياناً فيما يلي نصه. «تعرّض نائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزة إبراهيم الدوري إلى محاولة إغتيال غادرة في مدينة كربلاء صباح الأحد وقد نجا منها ولم يُصب بأي سوء. وأن الحادث وقع عندما وصل عزة إبراهيم في الساعة 10,30 من صباح الأحد إلى ضريح الإمام الحسين قبل أن يحضر إحتفالاً بذكرى ميلاد الإمام الحسين الذي يصادف أيضاً في كربلاء، ممثلاً عن رئيس الجمهورية، وإثناء ترجل النائب من السيارة لمصافحة المستقبلين وبحضور أعداد غفيرة من الجماهير التي تجمعت للمناسبة، أطلقت على الموقع قنبلتان يدويتان، وأدّى الحادث إلى إصابة عدد من رجال حماية النائب والحاضرين وعدد من المواطنين بجروح، ومن ثم واصل برنامجه بعد الحادث، حيث حضر الإحتفال وألقى كلمة نيابة عن الرئيس، ولا تزال التحقيقات جارية للقبض على مرتكبي الجريمة».

بعد الحادث ساد الوجوم مدينة كربلاء، وبقي أكثر الأهالي في بيوتهم، ومنعوا أبناءهم من الخروج وإستمرت أكثر المحلات التجارية غالقة أبوابها ولمدة يومين تقريباً إلى أن تم إعلان هوية الشخص الذي قام بالعملية وأنه ليس من مدينة كربلاء، عندها إطمأن الناس وعادوا إلى طبيعة أعمالهم . وشكلت المحافظة وفداً يضم المحافظ ومسؤول الحزب وعدد من السادة والأعيان والوجهاء ورؤساء العشائر، وزاروا نائب الرئيس في مقر عمله في بغداد.

الاحتلال الأمريكي ومدينة كربلاء

بدأت عمليات الاحتلال الأمريكي للعراق في ليلة 19 / 20 آذار سنة 2003م بقصف إبتدائي بموجات من الصواريخ بعيدة المدى من قواعدها في بلدان الخليج العربي والبحر الأحمر، وبهجمات متوالية بالطائرات القاصفة ب 52 بعيدة المدى أيضاً، والطائرات المقاتلة، تزامناً مع تحرك قوّات الاحتلال البرية المتمركزة في الكويت نحو البصرة أولاً بأرتال مدرعة كثيفة ومدفعية ميدان ثابتة ومتحركة تصاحبها قوات مشاة البحرية الأمريكية بهجوم شامل الغرض منه احتلال العراق وإسقاط النظام فيه.

ففي الضربة الجوية الأولى كان نصيب مدينة كربلاء من هذا الإعتداء هو ضربها بعدة صواريخ موجهة أصابت هدفين في المدينة هما مقر قيادة فرع كربلاء لحزب البعث الواقع في وسط المدينة، وكذلك مديرية المخابرات في كربلاء الواقعة قرب حي العباس. وذلك في الساعة الثالثة والعشرين دقيقة من صباح يوم 2003/3/20، فإهتزت المدينة على وقع الإنفجارات المتتالية تلك، وبها عرف الأهالي بأن الحرب قد بدأت،

بعد أن علموا مسبقاً بتهديد الأمريكان وإعطاء المهلة المحددة وهي 48 ساعة(1).

وبعد يومين من هذه الضربة أعادت القوات الأمريكية قصفها لدائرة المخابرات في كربلاء مرّة ثانية بالصواريخ، وقصف بناية لتجمع المسلحين في الإسكان بالقرب من ثانوية النجاح للبنات ودار الرعاية الإجتماعية.

أخذت القوات البرية الأمريكية تتقدم بعد إحتلالها البصرة نحو الناصرية ومن ثم السماوة فالنجف، والقوات العراقية والأهالي يقاومون قوات الاحتلال ولكن كانت الأرتال الأمريكية تتقدم عن طريق الصحراء متخذة الخط الإستراتيجي طريقاً لتقدمها وتشتبك قوّات منها مع المقاومين.


1) آثرنا على عدم الخوض في أسباب الاحتلال والخلافات الأمريكية العراقية لأنه ليس من إختصاص هذا البحث أولاً ، ولأننا في صدد تدوين الأحداث التي جرت في مدينة كربلاء تأريخياً فقط من ناحية ثانية.

قامت القوات الأمريكية بعدة إنزالات جوية بطائرات مروحية في ضواحي مدينة كربلاء منها في منطقة (الإبراهيمية) وفي منطقة (الشريعة) ولكنها لم تتمكن البقاء فيها لوجود مقاومة كثيفة ضدّها.

عندما وصلت الأرتال العسكرية إلى مشارف كربلاء من ناحية الغرب أخذت القوات العراقية المرابطة هناك بالتصدي لها يعاونهم بعض المتطوعين من العشائر والحزبيين وبعض فصائل من القوات الأمنية التابعة للمدينة، ولكن ذلك كله لم يُجدِ نفعاً أمام القوّة الهائلة التي تتقدم بها الأرتال الأمريكية والتي كان لها غطاء جوي من الطائرات المروحية التي كانت تتصدى للمقاومين. كما أن وحدات الجيش العراقي المدرعة وغيرها المرابطة في أنحاء كربلاء من جهاتها الشمالية والغربية تم قصفها وتدميرها وشل حركتها وخاصة القوة التي كانت في منطقة الوند المنتشرة على جانبي طريق كربلاء – المسيب.

كانت أصوات المدافع والقصف تسمع على مدار الساعة، وتبين بأن هناك من كان يتعاون مسبقاً مع المحتلين من خلال تزويدهم بهواتف (الثريا) و(الأقراص الليزرية) التي تسهل للقوات الأمريكية معرفة أماكن تواجد المقاومين والقوات العراقية وكذلك المناطق الرسمية المهمة في المدينة(1).

في يوم 2003/4/4 ظهرت بوادر من قوات الاحتلال على مقربة من المدينة في ناحيتها الغربية، بينما كانت الأرتال الرئيسية متوجهة بكثافة نحو العاصمة.

ومنذ ذلك التاريخ بدأ الناس في المدينة يلزمون بيوتهم ينتظرون القادم من الأيام، ولم تظهر في هذا التاريخ أية مقاومة من قبل الأهالي حيث بدت شوارع المدينة خالية من سكانها، كأنها قد أسلمت للأمر الواقع بشكل نهائي !!. وأصبحت مدينة أشباح لا حياة فيها. في يوم 2003/4/5 تقدمت ثلاثة أرتال مدرعة ترافقها عجلات آلية مدرعة أيضاً للمشاة إلى داخل المدينة في وقت إنسحبت فيه القوات


1) لدينا بعض أسماء هؤلاء وللأسف الشديد، فبعضهم قد نال من فتات الأمريكان فيما بعد، وقسم منهم كشف قبل دخول الأمريكان لكربلاء وألقي القبض عليهم من قبل الأجهزة الأمنية حينها والتأريخ لا يرحم الخونة الذين تعاونوا مع قوات الاحتلال.

العراقية المكلفة بحماية المدينة وتشتت شملها وأصيبت أغلب الدروع والعجلات والمقرات بالدمار. كانت الأرتال الثلاث قد تقدمت على الشكل التالي:

الرتل الأول منها إلى أحياء المدينة الغربية والجنوبية، والثاني طوّق المدينة من طريق الكمالية إلى الحسينية ومنها إلى طريق الهندية لقطع الطرق الموصلة إلى المدينة. أما الرتل الثالث فكان يتكون من إحدى عشرة دبابة توجه إلى داخل المدينة القديمة قادماً من منطقة (الحر) ووصل هذا الرتل إلى منطقة ما بين الحرمين صباح يوم 2003/4/6.

حيث سارت الدبابات منطقة من المخيم بإتجاه باب قبلة الحسين(علیه السلام) حيث رابطت إحدى الدبابات أمام باب القبلة، بينما تحرك الرتل إلى ساحة بين الحرمين بإتجاه مرقد العباس(علیه السلام) حيث توقفت إحدى الدبابات أمام باب قبلة العباس، ودبابة أخرى أمام باب العلقمي وإستمر الرتل بالدوران خلف صحن العباس(علیه السلام) بإتجاه صحن الحسين(علیه السلام) حيث رابطت دبابة في منتصف الساحة موجهة مدفعها نحو باب بغداد في شارع الإمام علي(علیه السلام) ، وإستمر الرتل تقدمه حيث وصل إلى باب السدرة، فتوقفت إحدى الدبابات أمام الباب ووجهت مدفعها نحو شارع السدرة، وأخرى توقفت عند باب الرأس لصحن الحسين ووجهت مدفعها نحو الشارع المقابل لها. وتقدمت بقية الدبابات إلى ساحة باب بغداد وكانت الطائرات المروحية تحلق في سماء المدينة. وفي مساء اليوم نفسه أخذت الطائرات المروحية الأمريكية تفتح نيران أسلحتها عشوائياً على شوارع المدينة وأحيائها لتمنع أي ظهور أو تجمع للأهالي.

وكان هذا اليوم هو اليوم الذي سيطر فيه المحتلون الأمريكان على مدينة كربلاء، حيث بدأت بعد ذلك المدينة تعيش وضعاً جديداً كأمر واقع وبدأ الناس بالخروج من منازلهم شيئاً فشيئاً(1).


1) لدينا الكثير من الوقائع المهمة التي دارت في كربلاء من يوم 2003/3/20 إلى يوم 2003/4/6 يمكن أن نتحدث عنها بصدق وأمانة لمعايشتنا لها ، وليس هذا البحث مكاناً مناسباً للحديث عنها، وسوف نقوم بنشرها في بحث آخر بحلوها ومرها لتكون جزءاً من تاريخ المدينة المقدسة، والمرُّ فيها يدمي القلب لمواقف صدرت من البعض لا يرتضيها الشرع والعرف والوطنية ومواقف أخرى كانت نبيلة لآخرين من أهالي المدينة.

الخاتمة

بعون من الله وتوفيقه، أتممت كتابي هذا في شهر رجب الفضيل سنة 1435 للهجرة الموافق لشهر نيسان 2014 للميلاد.

وقد تناولت فيه ما إستطعت أن أطلع وأبحث عنه من الحوادث والوقائع التي جرت في أرض كربلاء قبل أن تصبح مدينة وتتمصّر، وبعد أن أصبحت مدينة يشار إليها بالبنان لأهميتها التأريخية وقدسيتها البالغة، لأن ترابها تضمخ بدم الإمام الحسين سيد الشهداء وأهل بيته وأصحابه البررة سلام الله عليهم أجمعين، وضمّت بين حناياها أجسادهم الطاهرة وأصبحت ملاذاً ومزاراً...

وبحثت في مواضيع الكتاب منذ فترة السلالة البابلية الثامنة، حيث توفّق الآراميون سنة 986 ق. م في احتلال قسماً من أرض كربلاء القريب من نهر الفرات لمحاصرة مدينة (بابل) وعزلها عن المدن المجاورة لها من ناحية الجنوب والغرب...

ثم تسلسلت بالحوادث والوقائع حسب تواريخها إلى بداية القرن الحادي والعشرين الميلادي وتحديداً إلى شهر نيسان 2003.

فتم تدوين وشرح الحوادث والوقائع التي جرت معتمداً على ما ذكرته المصادر المعتمدة والموثوقة، وعلى ما عاصَرْته منها في مدينتي الحبيبة (مدينة الحسين وأخيه العباس عليهما السلام التي ولدت وترعرعت فيها، فكان لي الشرف ولآبائي وأجدادي أن نكون خدماً في حضرتي سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين وأخيه قمر بني هاشم أبي الفضل العباس عليهما السلام منذ عدة قرون إلى أن كرّمني الباري عزّوجل وتشرفت بسدانة مرقد الحسين(علیه السلام) لأكثر من عقد من الزمان... وجهدي

المتواضع هذا كان الغرض منه رغبتي في تخليد هذه المدينة المقدسة، وإطلاع من يرغب على الحوادث التي جرت فيها وحواليها.

وهذا الكتاب هو إمتداد لسلسلة الكتب التي أصدرتها عن المدينة وهي (التضحية والرمز) وهو دراسة نقدية بالرواية التأريخية عن ثورة الحسين، و (كربلاء... التأريخ والقداسة)، و(بيوتات كربلاء القديمة)، و(كربلاء في أدب الرحلات). وبعد هذا الكتاب سيصدر لنا إن شاء الله كتاب المفصل في تأريخ كربلاء) بثلاثة أجزاء، وهو التفصيل والبحث الموسع لما ورد في كتاب (كربلاء التأريخ والقداسة) بجزء واحد. وبذلك أرجو أن أكون قد أوفيت جزءاً يسيراً من فضل المدينة علي التي أتشرف بالإنتماء إليها .

راجياً من العلي القدير أن يُنعم عليها بالخير والأمان، وعلى أهلها والساكنين فيها بالعافية والإطمئنان، وأن لا تتعرّض لأي سوء من حوادث الزمان، وأن تبقى محط أنظار المسلمين ومناراً للعلم والعرفان وأن تحظى أسرها وبيوتاتها وعشائرها بالسعادة والرفاه.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين ...

السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر الله

12 رجب 1435ه

12 مايس 2014م

المصادر

1- العرب واليهود في التاريخ/ د. أحمد سوسة.

2- مقدمة في تاريخ الحضارات/ د. طه باقر – ج 2 .

3- تاريخ اليعقوبي / أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح الكاتب العباسي المعروف ب- ( اليعقوبي) – تحقيق عبد الأمير مهنا.

4- موسوعة العتبات المقدسة / قسم كربلاء – جعفر الخليلي.

5- معالم المدرستين/ السيد مرتضى العسكري.

6- معجم البلدان ياقوت الحموي.

7- فتوح البلدان البلاذري – تحقيق نجيب الماجدي.

8- كتاب الفتوح / أبي محمد أحمد بن أعثم الكوفي – دار الندوة الجديدة.

9- الأخبار الطوال / أحمد بن داود الدينوري - تحقيق الدكتور عصام محمد الشيخ علي.

10- تاريخ الطبري / أبي جعفر محمد بن جرير الطبري – دار الأميرة.

11- البداية والنهاية ابن كثير الدمشقي - دار الصبح.

12- الكامل في التاريخ عزالدين أبي الحسن علي بن محمد الشيباني المعروف بإبن الأثير.

13- تاريخ التمدن الإسلامي / جرجي زيدان.

14- تاريخ الشعر السياسي.

15- التضحية والرمز / عبد الصاحب ناصر آل نصر الله.

16- مقتل الحسين/ عبد الرزاق المقرم.

17- الإصابة في تمييز الصحابة/ ابن حجر العسقلاني.

18- الفتنة الكبرى ( علي وبنوه)/ الدكتور طه حسين.

19- أعيان الشيعة / العلامة السيد محسن الأمين العاملي.

20- ثورة الحسين العلامة محمد مهدي شمس الدين.

21- حياة الإمام الحسين / الشيخ باقر شريف القرشي.

22- أنساب الأشراف / البلاذري.

23- تاریخ ابن عساکر.

24- مروج الذهب / أبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي.

25- الإمامة والسياسة / ابن قتيبة الدينوري.

26- موسوعة العراق السياسية / عبد الرزاق محمد أسود.

27- موسوعة العتبات المقدسة - قسم مكة المكرمة/ جعفر الخليلي.

28- نهضة الحسين / العلامة السيد محمد علي هبة الدين الحسيني.

29- كربلاء... التاريخ والقداسة / السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر الله.

30- الكامل في الأدب / أبي العباس محمد بن يزيد المعروف بالمبرد.

31- قرة العين في تاريخ الجزيرة والعراق وبين النهرين / محمد رشيد السعدي.

32- العراق في العصر الأموي/ ثابت الراوي.

33- تاريخ العرب/ فيليب حتي.

34- تاريخ كربلاء وحائر الحسين / د. عبد الجواد الكليدار.

35- مختصر تاريخ الخلفاء ابن الساعي.

36- الأمالي/ الشيخ الطوسي.

37- فرحة الغري/ ابن طاووس.

38- نزهة الحرمين في عمارة المشهدين/ السيد حسن الصدر.

39- مدينة الحسين محمد حسن الكليدار.

40- دائرة المعارف الحسينية (تاريخ المراقد)/ محمد صادق الكرباسي.

41- تاريخ العرب أمير علي

42- دائرة المعارف/ البستاني.

43- مراقد المعارف / الشيخ محمد حرز الدين.

44- مجالي اللطف في أرض الطف/ محمد السماوي.

45- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ابن الجوزي.

46- تجارب الأمم/ ابن مسكويه.

47- تاريخ العراق بين إحتلالين/ عباس العزاوي.

48- تاريخ الحلة / الشيخ يوسف كركوش الحلي.

49- بغية النبلاء في تاريخ كربلاء/ عبد الحسين الكليدار.

50- غاية الإختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار / الشريف تاج الدين بن محمد بن حمزة بن زُهرة الحسيني – نقيب حلب.

51- العراق بين سقوط الدولة العباسية وسقوط الدولة العثمانية/ عبد الأمير الرفيعي.

52- تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (رحلة ابن بطوطة)/ محمد بن عبدالله بن إبراهيم اللوائي الطنجي، الملقب بإبن بطوطة.

53- عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب / جمال الدين أحمد ابن عنبة.

54- لمعة تاريخية في بيوتات كربلاء والغاضرية مخطوط للشيخ محمد علي القصير.

55- عقيدة الشيعة / دونالدسن - ترجمة أمير اللواء عبد المطلب الأمين.

56- شهداء الفضيلة الشيخ عبد الحسين الأميني.

57- مؤسس الدولة المشعشعية وأعقابه في عربستان وخارجها/ جاسم حسن شبر.

58- أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث / ستيفن هيمسلي لونكريك – ترجمة جعفر الخياط.

59- العراق في العهد العثماني / د. علاء نورس.

60- صور من تاريخ العراق في العصور المظلمة / جعفر الخياط.

61- كلشن خلفا / نظمي زادة مرتضى أفندي.

62- تاريخ الدولة العثمانية/ ألفون هامر.

63- دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء / الشيخ رسول الكركوكلي.

64- حديقة الوزراء في سيرة الوزراء - تاريخ بغداد لإبن السويدي/ الشيخ عبد الرحمن السويدي - تحقيق د. صفاء خلوصي.

65- خمسة وخمسون عاماً من تاريخ العراق 1188 - 1242ه (مختصر مطالع السعود)/ الشيخ أمين بن حسن المدني الحلواني.

66- مباحث عراقية / يعقوب سركيس.

67- كربلاء في أدب الرحلات/ عبد الصاحب ناصر آل نصر الله.

68- مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود (تاريخ العراق ونجد)/ عثمان بن سند البصري - تحقيق د. عماد عبد السلام رؤوف.

69- تاريخ جودت / أحمد جودت – طبع إسطنبول 1302ه / 1885م.

70- غرائب الأثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر / ياسين العمري.

71- لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث/ د. علي الوردي.

72- عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد إبراهيم فصيح الحيدري البغدادي - تحقيق معن حمدان علي.

73- تاريخ مرقد الحسين والعباس/ سلمان طعمة.

74- طبقات أعلام الشيعة العلامة الشيخ أغا بزرك الطهراني.

75- روضات الجنّات/ للخونساري.

76- المعالم الجديدة للأصول (غاية الفكر) آية الله السيد محمد باقر الصدر.

77- الشيخية نشأتها وتطورها / محمد حسن الطالقاني.

78- دليل المتحيرين/ السيد كاظم الرشتي.

79- البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم / عبد الرزاق الحسني.

80- البراهين القطعية / السيد علي عبدالله الموسوي - مطبعة الغدير، البصرة.

81- جوامع الكلم رسالة حياة النفس / الشيخ أحمد الإحسائي. مطبعة الغدير، البصرة / 1430ه.

82- حقائق علمية وتاريخية العلامة السيد علي عبدالله الموسوي.

83- الشيخية والبابية من منشورات ديوان النشر والترجمة والتأليف لجامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير في الكاظمية.

84- حقيقة البابية والبهائية / د. محسن عبد الحميد.

85- الزيارة الجامعة (كتاب الرجعة) / الشيخ أحمد الإحسائي – مطبعة السعادة/ طهران.

86- مجموعة رسائل وأجوبة رسائل / السيد علي عبدالله الموسوي/ج1 ط 2 - مطبعة الغدير / البصرة.

87- الآيات البينات العلامة محمد حسين كاشف الغطاء.

88- تسخير كربلاء (غدیر دم)/ عبد الرزاق الحسني.

89- كربلاء في الأرشيف العثماني/ ديلك قايا.

90- دليل الخليج (القسم التاريخي)/ج. ج. لوريمر.

91- رحلة فريزر إلى بغداد/ ترجمة جعفر الخياط.

92- النجف الأشرف مدينة العلم والعمران الشيخ محمد كاظم الطريحي.

93- العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية / العلامة الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء - تحقيق د. جودت القزويني.

94- مطالع الأنوار تاريخ النبيل عن وقائع الأيام الأولى للأمر البهائي)/ محمد زرندي.

95- أعلام النساء/ عمر رضا كحالة.

96- بيوتات كربلاء القديمة/ السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر الله.

97- العلاقات العثمانية - القاجارية وإنعكاساتها على العراق (1823 – 1843)/ د. جميل موسى النجار.

98- تاريخ العراق الحديث / د. عبد العزيز نوار.

99- الثورة العراقية الكبرى سنة 1920/ د. عبد الله فياض.

100- وثائق الثورة العراقية الكبرى / كامل سلمان الجبوري.

101- ماضي النجف وحاضرها الشيخ جعفر باقر محبوبة.

102- الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920/ فريق مزهر آل فرعون.

103- ملوك العرب/ أمين الريحاني.

104- مذكرات الشيخ محمد رضا الشبيبي ورحلاته / إعداد كامل سلمان الجبوري.

105- كربلاء في التاريخ / السيد عبد الرزاق الوهاب.

106- العشائر والسياسة تعريب عبد الجليل الطاهر.

107- الثورة العراقية الكبرى/ عبد الرزاق الحسني.

108- مذكرات تحسين العسكري، ج 2.

109- الوقائع الحقيقية / علي البزرگان

110- تاريخ حرب العراق/ محمد أمين العمري.

111- الإمام الثائر / السيد أحمد الحسيني طبعة النجف، 1386ه / 1966. 112 - مذكراتي في العراق/ ساطع الحصري.

113- دراسة في طبيعة المجتمع العراقي / د. علي الوردي.

114- فصول من تاريخ العراق القريب/ المس بيل – ترجمة جعفر الخياط.

115- الحقيقة كما عشتها / جاسم الحلوائي.

116- مجلة سومر / المجلد 19

117- الوثائق السياسية للعصر الأموي.

118- مذكرات السيد إبراهيم شمس الدين القزويني الخطية/ الدفتر الثامن.

119- مذكرات فؤاد عارف / تقديم وتعليق د. كمال مظهر أحمد.

120- مجلة (رسالة المشرق) الكربلائية - عدد رجب سنة 1373ه.

121- جريدة صدى الإسلام.

122- جريدة دجلة البغدادية / عددها الصادر یوم 13 نیسان 1922م.

123- جريدة الرافدان عددها الصادر یوم 11 نیسان 1922م.

124- محاولة إستجلاء جديدة مقال نشرته مجلة المثقف العربي في حزيران سنة 1974 للسيد صالح جواد كاظم.

125- عبد الرحيم الرهيمي / رسالة ماجستير .

المحتويات

الإهداء....5

تمهید....7

المقدمة....9

الآراميون يحتلون قسماً من أرض كربلاء....15

معارك الساسانيين مع القبائل العربية في كربلاء....17

حفر خندق سابور....19

جبرائيل الأمين وكربلاء....20

خالد بن الوليد وفتوحاته في كربلاء....24

أرض كربلاء والطف وحوادث واقعة القادسية (قبل الواقعة وبعدها)....28

واقعة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين(علیه السلام)....33

ماذا جرى في كربلاء....50

يوم العاشر من محرم....52

حمل الرؤوس والأسرى إلى الكوفة....59

دفن الأجداث....59

إعادة رأس الحسين إلى كربلاء....60

التوابون في كربلاء....62

حرب الحجاج وإبن الأشعث في ضواحي كربلاء....64

واقعة (العقر) ومقتل يزيد بن المهلب قرب كربلاء....67

منع زيارة قبر الإمام الحسين(علیه السلام)....69

هشام بن عبد الملك ووضعه المسالح بأنحاء كربلاء....71

نزول حميد بن قحطبة وأخيه الحسن كربلاء....73

رفع المسالح حول قبر الحسين(علیه السلام) والسماح بزيارته....76

هدم المتوكل لقبر الحسين(علیه السلام)....78

سقوط سقيفة وقبة قبر الحسين(علیه السلام) وتجديد بناءه....83

غارة ضبة الأسدي....88

حريق حرم الحسين(علیه السلام) وإعادة بناءه....92

غارة خفاجة على كربلاء....95

دبيس بن صدقة يمنع صلاة الجمعة ويكسر المنبر في الروضة الحسينية....99

عساكر السلطان كيخاتو بن آباقا تمرّ بكربلاء....102

النزاع بين آل فائز وآل زحيك....103

غزوة آل مهنا....109

معركة سهل كربلاء....112

غارة المشعشعين....115

معركة الشريف حسن وقبيلة المسعود شمال كربلاء....121

أحداث كربلاء سنة 1013ه 16040م....124

الأمير ناصر بن مهنا آل قشعم وسيطرته على كربلاء....127

القزلباش الصفويون في كربلاء....130

احتلال كربلاء من قبل العثمانيين....131

الدولة العثمانية تمنع سكن علماء إيران في كربلاء....134

حادثة عساكر الوزير إسماعيل باشا في كربلاء....136

جيش الوالي مصطفى باشا (دال طبان) يمر بكربلاء....139

الوالي أحمد باشا يقضي على عصيان قبيلة المسعود....141

الوالي أحمد باشا يتوجه من كربلاء لمحاربة (قشعم)....143

الصراع الفكري بين الأصوليين والإخباريين في كربلاء....145

غارة علي بك الكتخدا على عنزه وقشعم قرب كربلاء....157

غزوة الوهابيين....160

تفاصيل الغارة على كربلاء....165

أصداء غارة الوهابيين على كربلاء....174

1- موقف الشاه القاجاري من غزوة الوهابيين....174

2- تأثير الغارة في الصراع على خلافة الوالي....175

3- إلصاق تهمة الوهابية لكل من يخالف الوالي....177

4- اهتمام الحكومة بكربلاء....177

تعيين (أمين آغا ترك) حاكماً لكربلاء....178

تولي السيد جواد بن كاظم آل نصر الله سدانة الحسين....178

محاصرة العشائر لمدينة كربلاء....181

الصراع العقائدي بين الأصوليين و (الشيخية والكشفية) في كربلاء....185

الشيخية....188

الشيخ أحمد الإحسائي....189

السيد كاظم الرشتي....195

واقعة المناخور....200

مقتل حاكم كربلاء فتح علي خان....201

مقتل علي أفندي حاكم كربلاء الجديد....203

تعیین سلیمان آغا كتخدا حاكماً لكربلاء....204

الموقف في كربلاء قبل نشوب الواقعة بإسبوعين....208

الاستعدادات في كربلاء قبل بدأ الواقعة....214

معارك واقعة المناخور....218

كربلاء بعد واقعة المناخور....225

معركة نهر الحسينية....228

معركة آل عواد وعشيرة الكوام من المسعود....231

واقعة نجيب باشا....236

الوالي محمد نجيب باشا....237

الأوضاع العامة في المدينة....238

خطوات نجيب باشا الأولى....243

بدء العمليات العسكرية....250

الوضع داخل المدينة إثناء الحصار....259

الاجتماع في الروضة الحسينية....262

الهجوم على المدينة....264

حجم الخسائر....271

أصداء الواقعة....272

الشاه القاجاري والحادثة....273

نجيب باشا في النجف....280

ثورة عرب الهندية وأحداث كربلاء سنة 1849م....282

قرة العين والصراع الجديد في كربلاء....286

ثورة أهالي كربلاء ضد التجنيد الإجباري الأول

واقعة (على هذلة)....293

النزاع بين أسرة آل كمونة حول السدانة ومقتل السيد أحمد وفي الرشتي....303

مذبحة العجم أو (وقعة الزهاوي)....306

كربلاء في أيام احتلال الإنكليز للبصرة....312

هجوم عشائر بني حسن على كربلاء....319

العصيان في كربلاء وتشكيل مجلس حكم إئتلافي محلي....320

تجمع في الصحن الحسيني الشريف لمناصرة الحكومة العثمانية ضد الإنكليز....325

حمى كربلاء ووباء الملاريا ونزول الثلج....328

واقعة حمزة بيك....330

طلب الصلح مع الحكومة....336

نشاط العملاء والجواسيس....340

كربلاء أثناء احتلال الإنكليز لبغداد....341

النزاع بين آل كمونة وآل العواد....346

كربلاء وحكامها الإنكليز....349

حادثة خان الحماد....350

الإستفتاء العام....352

الوضع العام ونشوء الحركة الوطنية في كربلاء....374

كربلاء في ثورة العشرين....381

دور المرجعية الدينية....381

التمهيد للثورة....384

الاجتماع الأول في كربلاء....385

الاجتماع الثاني....386

إعلان الثورة في كربلاء....391

حربية آل العوّاد....396

وفاة الشيرازي....398

تشكيل حكومة وطنية مؤقتة في كربلاء....399

الثورة في شفاثة....400

إستسلام كربلاء....401

غارة (الأخوان) ومؤتمر كربلاء....410

الدعوة لمؤتمر كربلاء....411

وقائع المؤتمر....414

نتائج مؤتمر كربلاء....420

مشكلة الموصل ومضبطة أعيان كربلاء....422

أحوال كربلاء عندما هُدمت قبور الأئمة في البقيع....425

حادثة أهالي الكاظمية مع أهالي النجف في كربلاء إثناء زيارة الأربعين سنة 1929م....430

حوادث كربلاء بعد ثورة تموز 1958م إلى نهاية عام 1959م....432

نشاطات شيوعية وردود فعل الناس....437

تجمع أنصار السلام في كربلاء....439

رفع اللافتات المنددة بالشيوعية في كربلاء....440

مظاهرات يومية....441

الإحتفال بمولد الإمام علي(علیه السلام)....443

محاولة إغتيال المرجع الديني الأعلى السيد محسن الحكيم....450

حادثة زيارة فرحات عباس ) لمدينة كربلاء....453

حوادث عام 1963م....456

حادثة (عزاء طويريج) عام 1386 ه 19660م....460

حادثة زيارة الأربعين سنة 1397 ه 19770م....465

أحداث شعبان سنة 1411ه . آذار سنة 1991م....469

محاولة إغتيال نائب الرئيس العراقي في كربلاء....482

الاحتلال الأمريكي ومدينة كربلاء....485

الخاتمة....489

المصادر....491