التضحیة والرمز دراسة نقدیة بالروایة التاریخیة عن ثورة الحسین علیه السلام

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

التّضحية والرَّمز

دراسة نقدية بالرواية التاريخية عن ثورة الحسين علیه السلام

تأليف

السيد عبد الصّاحب ناصر آل نصر الله

موسّسه البلاغ

بيروت

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1430 ه- 2009م

محرر الرقمي: محمد مهدي الفصيحي

اشارة

التضحية والرمز

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

التَّضحية والرَّمز

دراسة نقدية بالرواية التاريخية

عن ثورة الحسين (علیه السلام)

السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر الله

موسسة البلاغ

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1430 ه- 2009م

مُؤسسة البلاغ

للطباعة والنشر والتوزيع

بئر العبد - مدخل مدرسة حارة حريك الرسمية الثانية - بناية فوعاني - الطابق الأول ص . ب : 11 - 7952 بيروت 2250-1107 - هاتف : ( 03/514905) - تلفاكس : 01/553119 لبنان

الموقع الإلكتروني : www.albalagh-est.com

E-mail : Albalagh-est@hotmail.com

إِنِّي لَمْ أَخْرِجُ أَشراً، ولا بَطِراً، ولا مُفْسِداً، ولا ظَالِماً، وإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلاح في أُمَّةٍ جَدِّي، أُرِيدُ أنْ آمُرَ بالمَعْرُوفِ وأَنْهى عَنْ المنكر، فَمَنْ قَبِلَني بقبولِ الحقِّ فالله أَوْلى بالحقِّ، وَمَنْ رَدَّ عليَّ هذا أصْبِرُ حتى يحكمَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَ القَوْمِ بِالحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمين .

الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام

الإهداء

الإهداء

إلى سيدي ومولاي سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله، أبي الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين.

أهدي هذا الجهد المتواضع .

المؤلف

السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر الله

سادن الإمام الحسين

المقدمة

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، وأتم الصلاة على خاتم النبيين ، المصطفى البشير، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحبه الغر الميامين ، ومن تبعه إلى يوم الدين .

كنت مهتماً بجمع مصادر، ووثائق تخص مدينة كربلاء، بدءاً من العصور التي سبقت الإسلام ، وحتى عصرنا الحاضر، وقد اجتمع لدي ما يمكنني من الكتابة عن كربلاء ملماً بالجوانب التاريخية ، والسياسية والاجتماعية . . .

ولمدينة كربلاء في وجدان أبنائها ، وجميع المسلمين، مكانة خاصة ليس لأنها ضمت بين حناياها رفات سيد شباب أهل الجنة ، الإمام الحسين بن علي وصحبه ممَّن مضى معه شهيداً في واقعة الطف، يوم عاشوراء وحسب ، ولكن لكربلاء موقعاً خاصاً، وحيزاً مميزاً اكتسبته من تأثيرها الواضح في الكثير من منعطفات التاريخ العربي والإسلامي ، قديماً وحديثاً ، وبذلك سجلت كربلاء المقدسة حضوراً واضحاً مع غيرها من حواضر وطننا العربي الكبير، بل والإسلامي كذلك .

ويكفي كربلاء شرفاً، أن يرتبط اسمها باسم الحسين بن علي، وأن

يكون ذكرها مستحضراً على الدوام تلك الواقعة التي نزلت بآل البيت الكرام ، وتكون أوضحها تضرجت بالدم الطاهر لأحفاد المصطفى صلی الله علیه واله وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وكانت مسرحاً لأحداث غيرت مجرى التاريخ، بما حفظته للإسلام من وهج النبوة، ونفح طيب المبادئ، وجسدت ركناً أساسياً بما أعطته لمبدأ التقويم من عظمة، ولأصول التغيير من قدرة على وضع الأمور في نصابها ، كي تستقيم المسيرة وتكون:" من رأى منكم منكراً ... "فاعلة باقية ، ومؤثرة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها . .

وقد وجدتني مدفوعاً للكتابة ، عن ثورة الحسين، بأسباب تمت بصلة وثيقة لما لكربلاء من قدسية أولاً ، ولما للحسين وثورته من حاجة للكشف عن أسرار خلودها، والتأكيد على منهجها القويم ، وحفظه بعيداً عن التحريف والفهم الخاطئ ، حتى وإن كان ذلك بتأثير الفعل الروحي الذي تحركه نفحات يوم الطف .. أو يوم عاشوراء، في نفوس المشتاقين دوماً إلى تألق المبادئ، وسطوع أنوار القيم .

ورأيت من واجبي ، وأنا ابن كربلاء، وواحد من الذين سكنت كربلاء قلوبهم ، واستقرت في وجدانهم ، فكرياً ، واجتماعياً، بل وعاطفياً كذلك، حتى غدت بالنسبة لنا ، أبناءها ، هوية، بل وجوداً وحياة، كما عرفت ومن معطيات تجربة صادقة ، أن لثورة الحسين أهدافاً ، لا ينبغي أن تغيب لحظة، وقدسية لا تمت لممارسات بعيدة كل البعد عن المعاني السامية، والمبادئ القيمة . .

وقد وجدت بأن افضل الحديث عن ثورة الحسين ونهضته أن يكون على شكل دراسة نقدية بالرواية التأريخية .

وقد جاء هذا الكتاب ملبياً حاجاتنا اليوم ، إلى وقفة مسؤولة، ورأي علمي سديد ، تضمن قدراً من الموضوعية يخدم المرحلة التي نعيش، ويدعو

إلى إعمال الفكر في ما يدبر لهذه الأمة ، والرجوع إلى الينابيع الصافية للعقيدة السمحاء، وبعيداً عن الطائفية والعنصرية ، وقريباً من الدعوة المحمدية التي جاءت للبشرية جمعاء . . وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةُ لِلْعَالَمِينَ .)دارت مباحث هذا الكتاب، حول أهداف محددة، رأينا أنها أساس في ما ذهبنا إليه من أن ثورة الحسين ، لها جذورها التاريخية ، والفكرية ، والإنسانية الضاربة في عمق المجتمع العربي ، وأن كثيراً من الأسباب التي صنعت الأحداث الدامية فيما بعد ، إنما تسربت من العصر الجاهلي، حملتها نفوس الذين دخلوا الإسلام، خوفاً وطمعاً .. المؤلفة قلوبهم.. والطامعون في استعادة النفوذ حتى وإن كان الإسلام سبيلاً إلى ذلك ..ويؤكد ما ذهبت إليه من إيغال في الجريمة ، والصورة المأساوية الدامية التي نقلها إلينا التاريخ يوم العاشر من محرم الحرام في كربلاء، وما أصاب آل البيت، عترة النبي الكريم صلی الله علیه واله وسلم وهم صفوة الخلق . . ومنهم أبطال المسلمين ، وسادة المؤمنين ، وعناوين الفداء والولاء للراية المحمدية، ما أصابهم من ظلم، لم يكن في حقيقته إلا صدى تلك الإحن والأحقاد الجاهلية، والنزاعات التي توارت مدة معينة، لتعود أقوى مما كانت عليه ، فيكون الورع ، والتقى ، والنقاء، عرضة لسهام كمنت ، وادخرت لنصرة الغدر ، وطلب الدنيا، والسلطة العقيمة .كما أني لم أفصل كثيراً وقائع الثورة، وصور المأساة كما فعل الكثيرون من كتاب السير، وقد خلا للبعض التركيز على الجوانب المأساوية المثيرة للشجون ، المحركة للمشاعر، ليكون البكاء والنشيج ، هما النتيجة المرجوة والدليل على حب الحسين وآل بيته الأطهار، ولكني توقفت طويلاً، وأبحرت عميقاً في أسباب الثورة، والخطى التي قادت إليها، حتى بدت وكأنها قدر

مقدور ، أو أن الذي جرى ، قد جرى بإرادة إلهية وما استدللنا به على ذلك، من حديث نبوي شريف ، وشهادات ليؤكد ذلك، هذا من ناحية .. ومن ناحية أخرى، جرى التركيز في مباحث هذه الدراسة على شخصية الحسين، وقد بدا ذلك من خلال الأحداث وما توفر لدي من وثائق، إن الأقدار وحدها هي التي هيأت أبطالها ، ومحركيها ، وصانعي أحداثها ، حتى أننا لا نستطيع استبدال شخصية واحدة بأخرى ، دون أن يصيب الخلل كامل السرد وجوامع الصورة . .حتى الشخصيات التي يمكن تسميتها ، بالثانوية، أو الهامشية، كان لها دورها في صياغة الأحداث، وكتابة التاريخ ، بطريقة لم يكن بد من سلوكها وأخذهم ذلك الدور الذي أدوه كما يتبين ذلك لدى القارئ المتفحص.إنه التاريخ، يحدثنا عبر القرون، إن العظماء . وهم قلة . كانوا وحدهم القادرين على تغيير مجرى أحداثه، وهم من يملك سطوة الحق التي تكرهه على أن يتوقف، وأن يسجل ، يصور ويكتب كما يشاؤون وبإرادة إلهية عادلة حكيمة، تحفظ للبشرية نجومها الزاهرة ، وأنوار يقينها الساطعة.نعم .. كان الحسين.. ومن قبله كان الحسن ، وقبلهما إمام المتقين علي بن أبي طالب .. وهناك معاوية بن أبي سفيان . . وبعده يزيد . . ولك أن تعود لتذكر آباء واجداداً .وأخيراً لقد سقنا من الأدلة والبراهين ، ما يدل ، وبوضوح، ويشير بدقة إلى حقائق التاريخ مستعينين بموضوعية ، وعلمية ، ضمنت لنا حيادية نرى أنها ضرورية للحكم من موقع المؤتمن الذي ينشد الحقيقة لا غير .. بدليل ما أوردناه من أسماء، وأحداث دونما حاجة إلى المواربة.وختمت المباحث بما رأيت أنه الهدف الأسمى من وراء هذا الجهد الذي رأيته كبيراً، ذلك هو ما تركته ثورة الحسين من أثارة في الأرض وأثر في

النفوس المتطلعة دوماً إلى الحق ، المشتاقة إلى الإيمان، المخلصة على الدوام للإسلام عقيدة ، غراء ، وليحفظ الله العلي القدير لهذا الدين نهجه القويم إلىيوم الدين . .وأرى لزاماً، أن أضع أمام القارئ الحقائق الآتية :أولاً: لقد امتلكت من المعلومات، وجمعت من البيانات ما يكفي للوصول إلى النتائج المرجوة من هذه المباحث التي ضمها هذا الكتاب، وذلك بحكم مباشرتي العمل سادناً للروضة الحسينية المطهرة.ثانياً : كوني من كربلاء، عشت حياتي متنقلاً بین أزقتها، وشوارعها، و أحيائها وبحكم انتمائي إلى الدوحة الشريفة، فقد كنت معنياً بتفاصيل كثيرة قد تكون خافية على غيري ..ثالثاً: كنت قريباً ، أسمع وأرى ، وأمارس الشعائر الحسينية، وبذلك توفرت أسباب التقويم من موقع العارف المدقق.رابعاً : مع اعترافي ضمناً بتأثير ذلك علي، وتأثري عاطفياً بما كان في كربلاء من مراسم وشعائر ، إلا أن ذلك لم يمنع من إبداء وجهة نظر صادقة مستمدة من عظيم المعرفة والفهم والتقدير للحسين وآل والفهم والتقدير للحسين وآل بيته الأطهار، مما يشفع لكلمة الحق أن تكون هي الحكم..خامساً وأخيراً : إن ثورة الحسين ، أكبر من أن يحيط بها كاتب، وإن أوتي حظاً عظيماً . .وتبقى على الدوام متجددة، تقول كلمتها في كل عصر وزمان . .والله أسأل التوفيق والسداد . . .السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر اللهالكليدار

## تمهيدتمهید1 . كتب الكثير عن ثورة الحسين ونهضته، وأفرد الكثير من وبتعمق عنها، وكلّ منهم كانت له وجهة نظر فيها حسب ما يورده وما يكون الكاتب عليه من منهجية يؤمن بها، فمنهم من تطرق إليها بمنهج السرد التاريخي، واتخذ الأحداث التي آلت إليها الثَّورة، مركزاً على الجانب المأساوي فيها، مما يجعل الأمر يأخذ جانب إثارة العواطف وخاصة إذا رافقت كتابات من هذا النوع ذكراً للنهاية المأساوية التي وصلت إلى مقتل الإمام الحسين، والكثير منهم أسهب في ذكر مأساة كربلاء وما حدث يومي يومي التاسع والعاشر من محرَّم وأخبار السبي والتنقل بين كربلاء والكوفة ثم الشام والعودة إلى المدينة . .ومثل هذه الدراسات كانت تأخذ النهج القديم في تمثله من كَتَب عن (المقاتل، ويعتمد هؤلاء على الكتاب قبلهم من الذين أرخوا للثورات والحركات، وركز هؤلاء على إبراز حال أبطال هذه الثورات والحركات . . وهذا ليس غريباً، لأن بدايات كتابة التاريخ عند المسلمين كانت تنحو مثل هذا النحو.)فعندما يذكر الكتاب مقتل حجر بن عدي مثلاً أو مقتل عبد الله بن الزبير، وحتى مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وغيرهم الكثير، فإنهم يسردون به أحداثاً تناقلها المؤرخون مشفوعة بالميل إلى استجلاب العاطفة وتحديد المأساة دون التعمق في سبر أغوار الأحداث التي أوصلت الأمر إلى مثل تلك النهايات

بالقتل وانتهاء الأمر كله بعد قتل تلك الشخصية أو الأشخاص في ثورة أو حركةما .فالكثير ممن كَتَبَ، اتجه بثورة الحسين ومقتله نفس الاتجاه مع الإسراف في ذكر الأمور التي تثير المشاعر وتكسب العواطف. لأن ما قام به الإمام الحسين هو أكبر من تمرد وأكبر من ثورة أو حركة بالمعاني التقليدية، إذ لا بدَّ من تفرد ثورة الحسين وتميزها .2. بينما نرى البعض الآخر قد تطرق إلى ثورة الحسين ونهضته بأسلوب منهجي يعتمد الوصول إلى الأهداف الثقافية والجوانب التربوية ليؤديا بالنتيجة إلى فهم ثورة الحسين على أنها حدثت نتيجة صراع عائلي وشخصي بدأ من الصراع على زعامة قريش ورئاسة مكة، ليظهر بعد حقب زمنية مرة أخرى، ويجسد الصراع على أنه هاشمي وأموي.وهذا لا يعني بأن الصراع القبلي هو السبب في تأجيج التعارض، ولو أن ذلك كان جزءاً من المشكلة ولكن ليس جلها .. فإذا كان نهج هؤلاء الكتاب ربط الصراع القبلي (العائلي هذا بالأطماع السياسية، فنقول بأن ثورة الحسين أبعد من هذا الربط رغم أن ما يذكره البعض يدخل ضمن الصراع التأريخي قبل الإسلام، وأثناء ظهوره ولكن ليس الأساس الذي يعتمد عليه .)3 . وهناك من كتب عن ثورة الحسين بأسلوب مغاير عما أوردناه سابقاً، حيث أراد أن يؤكد بشكل علمي على عناصر ومكونات الثورة ويحاكي بكتاباته جميع المتغيرات التي حدثت في المجتمع منذ ثورة الحسين وامتداداتها مؤكداً على ضرورة فهم عناصر الاستمرار والإدامة رابطاً أحداثها وأسبابها وما آلت إليه ليكون قاسماً مشتركاً له صلة وثيقة بالحاضر الذي نعيشه في أيامنا هذه ، بعد أن تقدمت البشرية وشهدت الإنسانية تغيرات متسارعة وصلت إلى

الحضارة الحديثة الحالية التي اعتمدت على المادة أو المادية في التعامل معجميع الأحداث والمشاكل وربطها وتحليلها .ووجد في هذا النهج تطور واضح رغم اتخاذه الجوانب العلمية في الدراسة والتحليل إلا أننا نراه قد وقع في شباك الحيادية التي أوصلته بالنتيجة إلى أن ينتقد الحالة أو الثورة في بعض الجوانب، وكان هؤلاء أسيري التطرف المذهبي والخوف من الانتقاد والاعتقاد بعدم التقرب من الأسباب الفعالة، لكي لا يتهموا بالغلو، وبذلك انقادوا إلى ما يعتقدونه بالحيادية، ليكونوا من وجهة نظرهم موقفاً وسطاً يكون مقبولاً في زمن يعتقدون فيه بأن الإنسان المعاصر يتطلع إلى مجتمع يجب أن تحكمه العلاقات الإنسانية وتحفظ فيه كرامة الإنسان وتسود فيه العدالة .. فالكاتب المحايد يحترم لحياديته ولكن إغفاله عن علم وعن دراية أحداثاً وثقت من مصادر لا غبار على مصداقيتها وتعترف بها جميع الأطراف، وابتعاده عن التطرق إليها ولو على شكل دراسة وتحليل يجعله هذا الموقف بعيداً عن الحقيقة المرة التي لم يتمكن من الإفصاح عنها لسبب أو لآخر.4 . هناك من كتب أو تطرّق إلى ثورة الحسين بروح طائفية متحيزة بشكل كامل ومفرط معتمداً على النهج الملائي أو نهج (الروضة خون ومن يسمون بخطباء المجلس الحسيني، معتمداً على نقل حرفي لمصادر أوغلت في الوضع والغلو ، وأفرغت السيرة الحسينية من محتواها الثر العظيم ونقلتها إلى الحالة المأساوية التي تستدعي البكاء لنازلة حلت بآل بيت النبوة ويجب أن يستمر البكاء عليها مثوبة، وتأكيداً على أن المتلقي إنما يوقع على ولائه الدائم لأهل البيت دون أن يدخل في أصل الأسباب والتفاصيل التي لو تمعن فيها لتغيرت حياته على ضوئها، ولعرف الحسين وقدّره حق قدره ، لا لأن يبكي)

عليه وهو لم يطبق جزءاً يسيراً مما كان يطمح الإمام في أن يصل إليه الإنسان .وهذا النهج في نظري أضرّ بمفهوم الثَّورة، بل دفع البعض إلى الانتقاص من عظمة ما قام به مصلح الدهور ومدرسة الثوار وأبو الأحرار، الإمام الحسين .فماذا يعني قول أحدهم : وفي الرهيمية لقيه رجل من أهالي الكوفة يقال له أبو هرم :فقال يا ابن رسول الله ، ما الذي أخرجك عن حرم جدك؟ فقال : (يا أبا هرم إن بني أمية شتموا عرضي فصبرت، وأخذوا مالي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وايم الله ليقتلوني فيلبسهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، ويسلط عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموالهم ودمائهم (1).)ويفهم من هذا البعض أن الحسين لم يثر وينهض، وإنَّما هرب خائفاً من القتل، وشتم عرضه وسلب ماله ولم يحرك ساكناً . . ؟ أليس هذا انتقاصاً من قدرة الحسين؟!مثل هذه الكتابات تشويه للحقيقة، وإفراغ للنهضة والثورة من محتواها،وبذلك نؤكد في هذا الجانب على أمرين :الأول : هو عدم دقة النقل التأريخي، فتأريخنا محرَّف، فإما أنه كتب بأمر الحكام أو السلاطين أو اعتمد على الصراع العقائدي والفكري، وولج الدخلاء فيه والمتمشدقون بالإسلام وغرضهم معروف هو النعرة الطائفية والمصلحية .


1) قصة كربلاء علي نظري منفرد ص 200 طبع بيروت عام 2001- معتمداً على آمالي الصدوق : 93 المجلس الثلاثون ومقتل الخوارزمي 226/1 .

الثاني : إن من اتخذ هذا النهج في الكتابة والأمثلة كثيرة، وسنتطرق إليها بكل جرأة .. كان غرضه جلب العاطفة واستمرار إيغال الصدور والغلو في تصوير الجانب المأساوي من الحوادث دون غيره لمنافع شخصية أو مصلحية أو مذهبية، مما يدل على نقص العلمية في البحث والتخلف في التصورات، بل استغلال العواطف للإثارة وتأجيج النعرات وإحياء وترسيخ الانقسام، وجعل ذكر الحسين ارتباطاً بالبكاء والنواح فقط، رغم حقيقة أن المأساة تدمي القلوب، ولكن فكر هؤلاء يأتي دون التأكيد على الالتزام بالمبدئية الخلاقة والروح الإنسانية العظيمة ونكران الذات والإيثار بأعلى وأعظم صورة من قبل الإمام الحسين .5 . وبعد كل ما ورد .. ما الذي نريد أن نسجله أو نبحثه في ثورة الحسين ونهضته ، هل نغفل كل ما أوردته المنهجية السابقة في الكتابة عن الثَّورة، أم نذكرها في سياق البحث ونحلل ذلك بواقع نعتقده قريباً للصورة الحقيقية لثورة الحسين .. إذاً ما حقيقة تلك الصورة؟ . .أ. نحن الآن في القرن الحادي والعشرين الميلادي الموافق للقرن الخامس عشر الهجري، فلا بد أن نقدم ثورة الحسين إلى الإنسان الحديث في ضوء العصرنة والتطور الحاصل، لأن الإنسان المعاصر يمكن أن يحدد ويفهم عناصر الثورة ويستوعب مدى ديمومتها واستمرار تأثيرها وصلتها بواقعه الحاضر .. إذاً يجب أن نؤكد على المسألة الاجتماعية وربطها بجوانب الحداثة، لكي نؤمن ضرورة الحفاظ على شخصية الإنسان الحديث أو المعاصر، وأصالته من دون أن نشوه الصورة لديه ونجعله يذوب في الحداثة التي فرضها مجتمع تسوده المتغيرات ويبتعد عن الجوانب الروحية والإنسانية.ب . دراسة أيدلوجية (فكر كل طرف من أطراف الصراع، بحيث يؤكد)

بذلك على الاختلاف الكبير بين طرفي الصراع ، فأحدهما يمثل الاتجاه الثوري بكل معانيه الثورية وتصوراته للواقع في ذلك الحين ، وبين الاتجاه التعسفي الدموي المخاتل للطرف الآخر، بكل معاني القمع والاضطهاد والظلم والمصلحية .ج. عدم احتساب ثورة الحسين مأساة تستدعي الألم والبكاء على أحداثها ، أو ربط الثَّورة بمصلحية ذاتية وصراع من أجل الحكم، وإنما الأمر أكبر من ذلك بكثير، إنه احتدام من أجل الحق وإعلائه، ورفض العبودية والتعسف والعنصرية ، وإعادة الإسلام إلى مسيرته الأصلية، وتبيان صور البسالة والشهامة والمبادئ النيرة والخلاقة والتي يطرب إليها الإنسان المعاصر الذي يتوق إلى مجتمع تسوده العدالة وتحكمه قوانين إنسانية تحفظ كرامته ويؤسس للأجيال القادمة حياة ملؤها الراحة والاستقرار الفكري والثقافي، تجاري مبادئ الأخلاق في كل متطلبات الحياة، فإذا اضمحلت الأخلاق ساد المجتمع أزمة لا يمكن أن ينهض بعدها إلا بالكثير من الخسائر على جميع الصُّعد والمستويات الحياتية .فثورة الحسين وديمومتها هي التي تضع المجتمع في مساره الصحيح من خلال الأسس النبيلة التي اعتمدت عليها الثورة والمبدئية المحضة التي لا شائبة فيها، فكان الإمام الحسين مثلاً ومناراً في جميع العصور التي سبقت عصرنا، وما أحوجنا اليوم إلى تطبيق ما سعى إليه الحسين ونهجه النير .د . بما أن اهتمام التاريخ كان منصباً على أخبار السلطات والحكومات التي كانت تتولى الحكم، سواء أكانت شرعية أم غير شرعية، نرى بأن التأريخ قد مرَّ مرور الكرام على الثورات التي حدثت ، ومنها ثورة الحسين، دون التوغل في أسبابها وتأثيراتها .. أما الآن فقد آن الأوان لنضع أنفسنا بمرتبة

الوصول إلى النضج الفكري على الأقل لكي نتحدث عن الجوانب السياسية والعلمية لأن الباحث حين يتخلى عن العلمية في البحث والواقعية، وخاصة عن الثورات فسوف يعطي صوراً مشوهة عنها، فالمنهج الصحيح هو وجوب ذكر أوجه الخلاف في الفكر والممارسة بين أطراف الصراع لأن الثورات الحقيقية والمبدئية هي التي تقوم على فضح ممارسات وأنظمة حكم تسيدت على رقاب المسلمين والمجتمع الإسلامي قديماً ، على أن تتم دراسة المجتمع الذي ظهرت فيه الثَّورة بكل جوانبه والظروف المحيطة به ، لنتخذ منها مدخلاً لدراسة الثورة في ضوء واقع ذلك المجتمع ومن ثم نتعرف على كل ما رافقها من أحداث ونصل إلى آثارها من حياة المجتمع الإسلامي.ه-. فثورة الحسين لها أسبابها ومبرراتها ، وخطورات نشوئها وأحداثها الجسام، وما خلفته من نتائج سواء أكانت إيجابية فعلت فعلها لتقوم مسيرة الواقع الإسلامي واستمرارية تأثيرها للأجيال التي تلتها واستمرار جذوتها وتوقدها ... وحتماً لم تكن في الثَّورة جوانب ومؤثرات سلبية، ولو كانت كذلك لقبر الحديث عنها ولماتت ولم تذكر إلا في هوامش الأحداث فقط .. ولكن لكونها ثورة فذة ونتائجها دائمة العطاء تجاوزت في آثارها المجتمع الإسلامي ووصلت إلى الشعوب الأخرى في المعمورة، وبدأت تصبح مضرب الأمثال يقتدى بها .. فمتى ما ذكر الحق ذكر الحسين ، ومتى ما ذكر النضال ضد الظلم والاضطهاد والعبودية ذكر الحسين، ومتى ذكرت المبدئية والثورية والأخلاقية بمعانيها المشعة ذكر الحسين ..وصدق غاندي أبو الهند وزعيمها إذ يقول : "تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً لأنتصر ".

## البنية التكوينية للإمام الحسين بن عليالبنية التكوينية للإمام الحسين بن عليقبل الدخول في دراسة وتحليل ثورة الحسين ونهضته لا بد لنا من أن نأخذ شوطاً للحديث عن رمز الثَّورة ومفجرها الإمام الحسين. لكي نعرف البنية التكوينية لهذا الثائر العظيم منذ ولادته والوسط الذي ترعرع فيه ، وما هي مميزاته لكي يأخذ على عاتقه التصدي لهذا الصراع وسبر أغواره، وبعد ذلك يتوضح لنا أهلية هذا الإنسان العظيم لكي يتصدى لعملية التغيير في واقع المجتمع الإسلامي، ولإعادته إلى خط الشرعية ومبادئ الإسلام حتى وإن كانت حياته ثمناً لذلك، بحيث يكون هذا النموذج من البشر هو أندر ما عرف من شخصيات التاريخ ، بل من صناع التاريخ وأحداثه الخالدة على مر العصور.وقد يكون الحديث عن الإمام الثائر في بحثنا هذا مركزاً ومقتضباً، لأن مجال بحثنا يتطلب الخوض في أمر الثورة والمؤلفات العديدة وكتب السير قد فصَّلت الحديث عن حياة الإمام الحسين، ولكننا سوف نورد ما نراه وثيق الصلة بهذه الدراسة .## مولد الإمام الحسينمولد الإمام الحسينولد الإمام الحسين في الثالث من شهر شعبان للسنة الرابعة من الهجرة النبوية، بعد أخيه الحسن بما يقارب العام أو يزيد قليلاً. . وكان الحسين هو النبت الطيب الثاني لسيدة نساء العالمين ، الطاهرة المطهرة ، فاطمة الزهراء علیها سلام بضعة الرسول الكريم صلی الله علیه واله وسلم ، وحاملة قبس من نور وروح أبيها،

الذي كان يعظمها ويفضلها ويشيد بمكانتها في الإسلام ويعدها قدوة لنساء أمته . وكم من مرة ذكرها الرسول صلی الله علیه واله وسلم على الملأ وقال: "إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك . (1)(وإنَّما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها (2).)و (إنَّما فاطمة شجنة مني، يبسطني ما يبسطها ويغضبني ما يغضبها(3))و(فاطمة سيدة نساء العالمين . . (4))فقد أحبها الرسول حباً جماً وأولاها وذريتها حنانه وعطفه ورعايته .فكان الحسين كما يشهد الناس في زيارته الآن حيث أنه كان (نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة . . (5))ومثلما كان الحسين هو نبت الزهراء فهو غرس الإمام علي ، أخي الرسول صلی الله علیه واله وسلم وأول مؤمن به وحامل لوائه وابن عمه وباب مدينة علمه، . . المجاهد والمناضل والرائد وإمام المتقين .وقبل ولادة الحسين رأت السيدة "لبابة أم الفضل بنت الحارث" (6وهي)


1) كنز العمال - ج 7 ص .111. وذخائر العقبي ص39.

2) صحيح الترمذي - ج 2 ص 319.

3) كنز العمال ج 6 ص 219.

4) أسد الغابة ج 5 ص 522.

5) راجع زيارة الإمام الحسين (زيارة وارث).

6) هي لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب عم النبي صلی الله علیه واله وسلم امرأة أسلمت بمكة بعد السيدة خديجة الكبرى.. وكانت لبابة أثيرة عند النبي صلی الله علیه واله وسلم، فكان يزورها ويقيل في بيتها وروت عنه أحاديث كثيرة، ولدت للعباس الفضل وعبد الله وعبيد الله وقتم وعبد الرحمن وأم حبيب، وتوفيت نحو عام 30 للهجرة.

زوج العباس بن عبد المطلب ، عم الرَّسول، في منامها رؤيا غريبة لم تهتد إلى تأويلها، فهرعت إلى رسول الله الله صلی الله علیه واله وسلم قائلة له : "إني رأيت حلماً منكراً كأن قطعة من جسدك قطعت، ووضعت في حجري .." فأزاح النبي صلی الله علیه واله وسلم فأزاح النبي المخاوفها وبشرها بخير قائلاً: "خيراً رأيت ، تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في حجرك ..." ومضت الأيام سريعة فوضعت سيدة النساء فاطمة الزهراء علیها سلام ولدها الحسين فكان في حجر أم الفضل، كما أخبر النبي صلی الله علیه واله وسلم .(1)وسماه جده النبي حسيناً كما سمّى أخاه حسناً، يقول المؤرخون إن العرب لم تعرف هذين الاسمين في جاهليتها حتى تسمي أبناءها بهما، وإنما سماهما النبي بهما بوحي من السماء . (2)وحظي الحسين برعاية خاصة من جده الرَّسول واهتم به اهتماماً بالغاً، ومنذ ولادته جعل الرَّسول لسانه في فم الحسين ، وأخذ الوليد يرتشف من ريق النبوة ورحيقها، وكان عليه الصلاة والسلام دائماً ما يضع إصبعه في فيه ليتغذى من روحه وعبق نقائه، ويقول الشاعر :دادوا عن الماء ظمآناً مراضعه *** من جده المصطفى الساقي أصابعهيعطيه إبهامه آناً وآونة *** لسانه فاستوت منه طبائعهغرس سقاه رسول الله من يده *** وطاب من بعد طيب الأصل فارعه" لقد سكب الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم في نفس وليده مثله ومكرماته ليكون صورة عنه ، وامتداداً لحياته، وممثلاً له في نشر أهدافه وحماية مبادئه ".(3وعندما كبر الحسين كان أشبه الناس برسول الله صلی الله علیه واله وسلم.)


1) حياة الإمام الحسين - باقر شريف القرشي - ج 1 ص 26 عن مستدرك الصحيحين 127/3.

2) أسد الغابة - ج 2 ص 11 .

3) نص من حياة الإمام الحسين - للقرشي - ج 1 ص 35 .

وذكر الطبراني في المعجم الكبير بأن الإمام علي علیه سلام قال : " من سرهأن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله من بين عنقه وثغره فلينظر إلى الحسن ، ومن سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله ما بين عنقه وإلى كعبه خلقاً ولوناً فلينظر إلى الحسين بن علي" وجاء في أنساب الأشراف "إن الحسين كان يشبه النبي ".وكان الحسين جميلاً مهاباً حاملاً لأوصاف وملامح جده، وقال عنه جده الكريم صلی الله علیه واله وسلم: حسين مني : حسين مني وأنا من حسين" .و "أحب الله من أحب حسيناً ". وقال فيه وفي أخيه الحسن: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " .ولقب الإمام الحسين بألقاب عدة، تدل على عظمة مكانته، فهو "السبط" و"الطيب" و"المطهر" و"الشهيد" و"سيد الشهداء" و" أبو الشهداء" و " أبو الأحرار" و "أبو الإباء" و "سيد شباب أهل الجنة" و"الإمام الثائر" وغيرها مثل "ريحانة الرَّسول" و" حبيب رسول الله " و " ابن الزهراء " . . وكان يكنى الحسين بأبي عبد الله، فكان طهراً طاهراً مطهراً من طهر طاهر مطهر وطهرت به البلاد . .نشأ الإمام الحسين نشأة فريدة فكان في مدرسة النبوة وبيتها، فأسرته قد طبعت فيه من المواصفات ما لم يوجد في أي تكوين أسري آخر لدى البشرية، فالزهراء علیها سلام لم ترضعه لبنها فقط، ولكن أرضعته الفضائل بأسمى معانيها، وعندما تكون هي قبس من نور النبوة فكيف يكون رضيعها؟! فغذته بآداب الإسلام والاستقامة وبث روح الفضيلة والخير والصراحة والأدب.وفارقته علیها سلام وقد أكمل السادسة من عمره بعد أن تشبع بعواطفها المهذبة .ونال الإمام الحسين من التربية النبوية ما أفاض عليه المكرمات، فكان

جده يصطحبه معه ويعتني به ويغذيه القيم والمحاسن ومكارم الأخلاق، وعلمه القرآن وهو صغير، وعوده على الإباء ووضع فيه لبنة الشهامة والاعتداد والنخوة وحب الغير وصدق الحديث واجتناب المحرم والمكروه.أما والده الإمام علي علیه السلام فكان أول من وضع أمامه أصول التربية ومناهج السلوك وقواعد الأدب، وأراد منه ومن أخيه الحسن أن يجعل لهما نفس اتجاهه السليم نحو الخير والحق، فغذاهما بالحكمة والعفة والنزاهة، وظلَّ يوصيهما بالتزام القيم الكريمة والمثل الإنسانية . . .وما يغني عن كل ما نريد أن نثبته من تربية الإمام علي لولده الحسين، وصية له كانت ديدنه في الحياة والخط الذي سار عليه ، وإليك هذا الإعجاز من أمير المؤمنين إلى التلميذ الابن وتفحص بعدها النتائج. ."يا بني ما شرٍّ بعده الجنة بشر، ولا خير بعده النار بخير، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية .. واعلم يا بني واعلم يا بني أن من أبصر عيب نفسه شُغل عن غيره، ومن رضي بقسم الله تعالى لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر بئراً وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته ، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن كابد الأمور عطب، ومن اقتحم البحر غرق، ومن أعجب رأيه ضل ومن استغنى بعقله زل ، ومن تكبر على الناس ذل ، ومن سفه عليهم شتم ، ومن دخل مداخل السوء اتهم ، ومن خالط الأنذال حُقِّرَ، ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به، ومن اعتزل سلم ، ومن ترك الشهوات كان حراً، ومن ترك الحسد كان له المحبة من الناس.يا بني عز المؤمن غناه عن الناس ، والقناعة مال لا ينفد ومن أكثر ذكرالموت رضي من الدنيا اليسير ، ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما

ينفعه، العجب ممن خاف العقاب ورجا الثواب فلم يعمل، الذكر نور والغفلة ظلمة، والجهالة ضلالة ، والسعيد من وعظ بغيره ، والأدب خير ميراث، وحسن الخلق خير قرين.يا بني ليس من قطيعة الرحم نماء، ولا مع الفجور غنى ، .. يا بني العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله، وواحد في ترك مجالس السفهاء، ومن تزين بمعاصي الله عز وجل في المجالس ورَّثَه الله ذلاً، ومن طلب العلم علم . ،يا بني رأس العلم الرفق وآفته الخرق، ومن كنوز الإيمان الصبر على المصائب، العفاف زينة الفقر ، والشكر زينة الغنى ، ومن أكثر من شيء عرف به ، ومن كثر كلامه كثرت أخطاؤه، ومن كثر خطأه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه ، ومن قل ورعه مات قلبه ، ومن مات قلبه دخل النار .يا بني لا تؤيسن مذنباً، فكم من عاكف على ذنبه ختم له بالخير، ومن مقبل على عمله مفسد له في آخر عمره صار إلى النار ، من تحرى القصد خفّت عليه الأمور .يا بني كثرة الزيارة تورث الملالة ، يا بني الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم ، إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله .يا بني كم من نظرة جلبت حسرة، وكم من كلمة جلبت نعمة، لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعلى من التقوى ، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة ، ولا لباس أجمل من العافية ، ولا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت، ومن اقتصر على لغة الكفاف تعجل الراحة، وتبوأ حفظ الدعة، الحرص مفتاح التعب ومطية النصب وداع إلى التقحم في الذنوب ، والشر جامع لمساوئ العيوب، وكفى أدباً لنفسك ما كرهته لغيرك ، لأخيك مثل الذي عليه

لك، ومن تورط في الأمور من غير نظر في الصواب فقد تعرض لمفاجأة النوائب، التدبير قبل العمل يؤمنك الندم، ومن استقبل وجوه العمل والآراء عرف مواقع الخطأ.يا بني الصبر جُنَّةٌ من الفاقة ، في خلاف النفس رشدها، الساعات تنقص الأعمار، ربك للباغين من أحكم الحاكمين ، وعالم بضمير المضمرين ، بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد ، في كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص ، لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى ، ما أقرب الراحة من التعب، والبؤس من النعيم، والموت من الحياة، فطوبى لمن أخلص الله تعالى علمه وعمله وحبه وبغضه وأخذه وتركه، وكلامه وصمته، وبخ بخ لعالم عَلِمَ فكفَّ، وعمل فجدَّ، فخاف التباب (يعني الهلاك فأعد واستعد، إن سئل أفصح، وإن ترك سكت، كلامه صواب، وصمته في غير عي عن الجواب ، والويل كل الويل لمن بلي بحرمان وخذلان وعصيان ، واستحسن لنفسه ما يكرهه لغيره ، من لانت كلمته وجبت محبته ، من لم يكن له حياء ولا سخاء فالموت أولى به من الحياة ، لا تتم مروءة الرجل حتى لا يبالي أي ثوبيه لبس،ولا أي طعاميه أكل ".)انظر إلى هذه الوصية من الإمام علي إلى ولده الحسين، سوف تجد هذه العظمة في أسلوب التربية هذا من علم الإمام علي وبلاغته ، والتي لا نشكُ أبداً من أن يكون الحسين قد أخذ بها وخلدها في ذاكرته، ورسمها طريقاً يسلكه في الحياة، فهذه الوصية المشتملة على الدعوة إلى تقوى الله والالتزام بالسلوك والخلق القويم كقاعدة وأساس تقي الحسين نفسه من الإثم أو الانحراف عن التوجيه الصالح المتسم بالهداية والعفة والفضيلة ومكارم الأخلاق .ولا غرو أن الحسين قد تمسك بها وكانت ساندة له في مجرى حياته وكانت هي السبب في خلق عنصر الشجاعة في داخله ، والمتمسك بهذه الوصية

لا بد أن يتسم بالشجاعة التي تتولد في بداياتها من سيطرة الإنسان على نفسه وأفعاله بالدرجة الأولى، وبعد ذلك فإن الشجاع يتسم بالنتيجة بصفات قد لا توجد عند غيره ، مثل الكرم والحلم والشهامة والعفو والصدق والأمانة وكل المكارم والفضائل ، فإذا لم يكن الإنسان شجاعاً فسوف لن يكون كريماً، لأن الانفاق يحتاج إلى إرادة والإرادة تتولد من الشجاعة والصادق ينطق بالحق ولو كان على نفسه، والشجاع هو الذي يكون مؤهلاً لذلك، وقس المكارم على ذلك .. وأرقى أنواع الشجاعة هو اتخاذ القرار في الظرف الصعب والمليء بالمفاجآت والأخطار .. فهكذا بنيت شخصية الحسين .والشجاعة نوعان، أولهما يصاحب الفرد في داخله من خلال ما ذكرناه قبل قليل والنوع الآخر هو الشجاعة في ساحات الوغى والقتال، ولا بد أن يصاحب هذا النوع جانب عميق من الإيمان بالسبب الذي يقاتل من أجله الفارس أو الشجاع .. فهل ذلك النوع قريب من الإمام الحسين، فنجده يتمثل به شكلاً وقالباً، فما دامت أسرته قد غدته بكل المكرمات فهي قد أورثته الشجاعة المتناهية أيضاً فهو في الملمات أسدّ هصور ، وهذا ليس بغريب فهو خريج مدرسة الإمام علي فارس الإسلام الأول، وبطل الوقائع وكما وصفه الرسول الكريم صلی الله علیه واله وسلم في غزوة الخندق عندما قتل "عمرو بن ود العامري " حيث قال عليه الصلاة والسلام" برز الإيمان كله على الشرك كله " . كان الإمام الحسين سهماً من سهام والده في حروبه ، ووراثته هذه امتدت من البيت الهاشمي له ولإخوته وأبنائه وأبناء عمومته، فكان أسد الله الحمزة بن عبد المطلب عم والده، و جعفر بن أبي طالب (الطيار ذو الجناحين وصاحب الهجرتين ، عمه . وغيرهما الكثير من الهاشميين وصولاً إلى أولادهم في ما روي عنهم وعن أفعالهم في ساحات القتال. فالبيت الهاشمي بيت طاهر بإرادة الباري عز وجل .)

والحسين في ظل القرآن والسنة له مكانة ، فإذا ما تطرقنا سابقاً إلى النزر القليل واليسير مما قال فيه جده رسول الإنسانية، نراه قد ذكر في آيات القرآن في أكثر من مكان .. فكانت آية التطهير حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (1. وآية المودة حيث فرض الله على المسلمين مودة أهل البيت وقال تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْقُ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ )(2)وعند تفسير الرازي في ذيل آية المودة من سورة الشورى .. إن الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله : "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمداً وآل محمد "واجباً.)وعدت مودة أهل البيت من الفرائض الدينية المقدسة وكذلك من الواجبات الإسلامية المهمة وفي ذلك يقول الإمام الشافعي " محمد بن إدريس"رحمه الله :يا أهل بيت رسول الله حبكم *** فرض من الله في القرآن أنزلهكفاكم من عظيم القدر أنكم *** من لم يصل عليكم لا صلاة لهوفي آية المباهلة قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَللعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ الله (3))وفي آية الأبرار قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا


1) سورة الأحزاب - الآية .22.

2) سورة الشورى - الآية 23 .

3) سورة آل عمران الآية 61 . وللتعمق في موضوع المباهلة راجع حياة الإمام الحسين للقرشي _ الجزء الأول - الصفحات 70، 73،72،71

كَافُورًا (5عيْنا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِرُونَهَا (6) تَفْسِيرًا لا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمَا كَانَ شَرُّه مُسْتَطِيرا (7)(1))وما ورد من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي يذكر فيها الحسين غير التي أوردناها بدءاً فهي كثيرة، وقد ذكرت الحسين بالاسم، وفي محل آخر لأهل بيته ، - والمتفق عليه بأن أهل بيت الرَّسول أو آله هم الخمسة، فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها (2.)فقد جاء في مسند أحمد في الجزء الأول: روی جابر، قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ذات عرفات فات وعلي تجاهه : ادنُ مني يا علي، خلقت أنا وأنت من شجرة، أنا أصلها وأنت فرعها ، والحسن والحسين أغصانها، فمن تعلق بغصن منها أدخله الله الجنة "(3)وروى احمد بن حنبل في مسنده، وفي صحيح البخاري، أن النبي صلی الله علیه واله وسلم أخذ بيد الحسن والحسين وقال : " من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة " (4)وقال علي: "أخبرني رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، أن أول من يدخل الجنة أنا وفاطمة والحسن والحسين ، قلت يا رسول الله "فمحبونا " . قال صلی الله علیه واله وسلم: " من ورائكم " (5.)


1) سورة الإنسان - الآيات 5-6-7 راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 392 وأسباب النزول للواحدي ص133. وينابيع المودة . ج 1 ص 93 . 1ص3

2) راجع حديث الكساء المشهور.

3) مسند أحمد - ج 1 ص77.

4) راجع مسند أحمد وصحيح البخاري.

5) مستدرك الحاكم - 151/3 .

31وقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم العلي وفاطمة والحسن والحسين: "أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم"، رواه زيد بن أرقم(1)وجاء في مستدرك الحاكم، روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلی الله علیه واله وسلمدخل على فاطمة علیها سلام ، وقال صلی الله علیه واله وسلم: "إني وإياك وهذا النائم - يعني علياً وهما - يعني الحسن والحسين- لفي مكان واحد يوم القيامة " (2)وفي صحيح الترمذي جاء : روى أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب أهل بيتي إليَّ الحسن والحسين " .وروى جابر بن عبد الله الأنصاري، قال ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أراد أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن علي ...وروى أبو هريرة: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حامل الحسين بنوهو يقول : "اللهم إني أحبه فأحبه "(3)وروى أبو العباس قال : "كنت عند النبي صلی الله علیه واله وسلم وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي، والنبي صلی الله علیه واله وسلم تارة يقبل هذا وأخرى يقبل هذا، إذ هبط جبريل بوحي من رب العالمين ، فلما سرى عنه قال صلی الله علیه واله وسلم: أتاني جبرائيل من ربي فقال لي: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك : لست أجمعهما لك، فافدِ أحدهما بصاحبه، فنظر النبي صلی الله علیه واله وسلم إلى إبراهيم فبكى ، ثم قال: "إن إبراهيم متى مات لم يحزن عليه غيري، وأم الحسين


1) راجع أسد الغابة - 523/5 وكذلك أحمد في مسنده بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم قال: أنا سلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم ص 19.

2) مستدرك الحاكم - 3/ 137.

3) مستدرك الحاكم - 177/3 .

فاطمة وأبوه علي ابن عمي ، لحمي ودمي ، ومتى مات حزنت ابنتي ، وحزن ابن عمي وحزنت أنا عليه ، وأنا أوثر حزني على حزنهما، يا جبرائيل يقبض إبراهيم ، فديت الحسين بإبراهيم ، وقبض إبراهيم بعد ثلاث ، فكان النبي صلی الله علیه واله وسلم إذا رأى الحسين مقبلاً قبله، وضمه إلى صدره ورشف ثناياه، وقال: "فديت من فديته بابني إبراهيم " (1)وهذا جزء يسير مما أورده المؤرخون نقلاً عن الصحابة والتابعين، بما أولاه الرسول الكريم سبطه الحسين وأخيه الحسن وإلى أهل بيته بشكل عام، وما هذه الرعاية والحنان والمحبة الجمة التي أظهرها الرسول صلی الله علیه واله وسلم إلا ليعلم المسلمين بمكانتهم عنده ، وهذا ليس رأي النبي الخاص وإنما هو من جعل الرَّسول ما ينطق عن الهوى .. فإن كان كل ما ورد عن الرَّسول بحق الحسن والحسين وأمهما وأبيهما كان وحياً يوحى .. وما تفرد به الحسين من قبل جده من محبة وعطف ورفق وتعظيم إلا ليكون المسلمون شهداء على تفضيله سبطه وإجلاله ليوم قد يكونون فيه أحوج إلى أن يتذكروا ما قال عنه الرَّسول .. فكانت مواقف الرَّسول اللبنة الأولى لبناء الروح القيادية والجهادية لسبطهالحسين .


1) تاریخ بغداد للخطيب البغدادي - ج 2 ص 204.

## الجانب الثوري للإسلامالجانب الثوري للإسلامقبل الولوج في الحديث عن ثورة الحسين أو نهضته وحتى تأخذ موقعها ثورة ارتبطت بالإسلام الذي عد ثورة عظيمة غيرت مجرى التاريخ ولا سيما تأريخ الأمة العربية وما أحدثته تلك الثورة الخالدة من هزة في واقع المجتمع العربي المتأثر بما كان يحيط به من حواضر وإمبراطوريات لها تأريخها وأنظمتها المختلفة والصراعات الدائمة بين الحضارات تلك ، والتي كانت تحاول إحداها القضاء على الأخرى وكل واحدة منها كانت تسيطر على ما جاورها من دول صغيرة، فكانت إمبراطوريتا الروم البيزنطيين والفرس الساسانيين وامتداد حضارتيهما لفترات زمنية طويلة، وقبلهما كانت هناك حضارات سادت ثم بادت .وبقيت جزيرة العرب تحوم في تخومها الصراعات وظلت الجزيرة العربية على وثنيتها ، محايدة ، لأنها أرض مجدبة تعيش على من يحج (البيت العتيق الكعبة ، وعلى التجارة ومرور القوافل بها ومنها وإليها .)فلو أردنا أن نتطرق إلى الجانب الثوري للإسلام، لوجدنا أن هناك بواعث شجعت على ذلك وهي :1 . وجود واقع فاسد بمعنى الكلمة ، اجتماعياً وأخلاقياً، فالعبادة وثنية (عبادة الأصنام والعصبية القبلية مستفحلة ، ومجتمع تسوده منظومة العبودية، والغزو والنهب من قبل القوي على الضعيف مباح ومشروع، وأخلاقياً نرى المفاسد من الشرك وأكل السحت ووأد البنات والمجون ، من شرب الخمر)

وانتشار صاحبات الرايات الحمر ، وغيرها من الأمور الكثيرة.2 . يصاحب كل ذلك شيوع بعض العادات التي تقل في المجتمعات الأخرى، مثل الفصاحة والفروسية والشجاعة والاجارة والكرم والحلم والشعر والالتزام بالمواثيق وعدم نقض العهود ، والافتخار بالقبيلة والنسب .والحقيقة أن ذلك هو قمة التناقض، ومجتمع مثل هذا يحتاج إلى هزة عنيفة تغير مجرى واقعه بشكل كلي، وهذه الهزة هي (الثورة على الواقع بكل تناقضاته .)فكان الإسلام، وكانت الرِّسالة التي تكفل بها عظيم البشر ومختار الله الذي اصطفاه الباري لحمل هذه الرسالة التي هي (ثورة حقيقية بكل ما تعني هذه العبارة.)فنرى الشريعة الإسلامية ومنهاجها القويم قد حددت للبشرية مقومات نهوض مجتمعاتها ، سواء أكانت هذه المجتمعات متخلفة أم مجتمعات متطورة على قياس ذلك الزمان، فانتشرت الرسالة المحمدية بدستورها العظيم وهو كتاب الله " القرآن المجيد " وما صاحبه من السيرة النبوية والأحاديث القدسية، كالنار في الهشيم، وبدأت حركة سريعة لإصلاح المجتمع بظرف زمني قصير جداً على وفق إمكانية التغير في المجتمعات ، فكان الإسلام ثورة حقيقية، وهذه الثورة الخلاقة غيرت واقع الإنسانية ليس في شبه الجزيرة العربية، وإنما أدت إلى اضمحلال إمبراطوريات عظيمة كانت لا تدانى من حيث القوة والعلم والحضارة .وربَّ سائل يسأل لماذا هذه الثَّورة حدثت في الأرض العربية وحمل الرّسالة رجل عربي ودستور الرسالة السماوي نزل بلسان عربي فصيح فكان القرآن هو معجزة النبي محمد صلی الله علیه واله وسلم ؟

ونجيب السائل ببساطة شديدة ونقول . . إن جميع رسالات السماء كان غرضها الأساس تغيير واقع الناس في مراحل نزولها، وجلها جاءت في الأرض العربية الحالية، وهذا لا يعني بأن العرب وأسلافهم ممن سكنوا هذه الأرض وعلى مر الدهور كانوا على جانب كبير من الفسق والعصيان، فخصهم الله برسالاته .. كما يتصور الشعوبيون ذلك، بل لأنهم الأقدر والأجدر على حمل رسالات السماء ونشرها ، واختيار الخالق نماذج من البشر يصطفيهم ويضع فيهم السجايا والمقومات التي تجعلهم قادرين على حمل مثل هذه الرسالات، فيكون هو البشير والنذير وهو الثائر الأكبر ليحمل الرسالة (الثَّورة لتغيير الواقع إلى ما يقدره الباري سبحانه ويرضاه.)فالإسلام هو الثَّورة الكبرى، وحامل الرسالة هو الثوري الأول، ومنذ نزول الوحي علی محمد بن عبد الله صلی الله علیه واله وسلم وما رافق ذلك من أحداث عظام ، تجلى كله بالنهاية إلى أن تسود حياة جديدة في المجتمع مبنية على أسس راسخة من الفضائل وسمو الأخلاق والمبادئ الفذة، وكانت دولة الإسلام التي غيرت المجرى العام للبشرية في أطراف المعمورة، ووضعت الشريعة الإسلامية قواعد وأسساً للسياسة والاقتصاد والعبادة في المجتمع الجديد ..ولكن هل تم ذلك بيُسر وسلاسة ، أم واجه المصاعب الجسام والتضحيات وجاهد المسلمون الأوائل بأموالهم وأنفسهم، رجالاً ونساءً ووقفوا مع الحق وإعلاء كلمة السماء ورفض الباطل والعبودية وعبادة الأوثان .. فنشأ مجتمع جديد رائق ورائع تسوده قيم الفضيلة والسمو وظهر للرسول تلامذة ثوار حملوا معه أعباء المهمة . والتاريخ يحدثنا عن المئات بل الألوف منهم وكان يتقدمهم ابن عمه وأول من آمن به إمام المتقين علي بن أبي طالب وكذلك زيد ابن حارثة وأبو بكر الصديق وغيرهم من الأصحاب.

ولا بدَّ للثورة أن تستمر ولهذه النهضة أن تدوم ، لأنها واجهت في بداياتها الصراع مع الباطل والنفس البشرية أمارة بالسُّوءِ ولا بدَّ لمن غُلِبَ ولم يقتنع بالتغيير أن يكون مستمراً على معارضته لهذا التغيير والذين ارتضى بعضهم أن ينضم إلى المسيرة إلى حين أن تسنح له الفرصة وذلك لخلو قلبه من الإيمان، أم ممن غُلِبَ على دينه ويضمر الشر ويدفنه في أعماقه لحين الساعة التي يراها مواتية له ليبقى سادراً في غيّه إلى أن يفعل الله أمراً كان مكتوباً.وهكذا وجدنا بعد سنوات قليلة من انتقال الرَّسول الأعظم إلى جوار ربه ، أن هناك تغيراً قد حدث في النفوس، وأثر ذلك في المجتمع. ولا يعني أن ما أسَّسه الرَّسول كان فيه جانب ولو صغير من الإحباط، ولكن طبيعة البشر وما رافق الشريعة المحمدية وهي لا تزال في طور النمو والتوكيد فلا بد من وجود من يقوم المسيرة، ويراقبها بشكل مستمر لضمان عدم انحرافها عن خطهاالعام .وتحدثنا الأخبار والسير بأن الرسول الكريم لم يغب عنه ما سيؤول إليه الأمر من بعده ، فأخبر أهل بيته وأصحابه بأمور سوف تحدث، ورسم لهم الخط الذي يجب أن يتمسكوا به، فمنهم من اتقى واستمر، ومنهم من انحرف عن الخط مفضلاً دنيا زائلة على آخرة خالدة. وكثيراً ما تحدث النبي عما سيكون عليه الوضع من بعده ، وفي نفس الوقت كان ينقل لهم صور النهايات لما سوف يحدث.وهذا الأمر ليس بصعب التصديق، لأن كل ما يقوم به الرَّسول من أفعال وأقوال إنما هي من عند الله مصداق قوله : (بسم الله الرحمن الرحيم .. وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى (3 إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4) ))وكان ما قاله الرَّسول عن الناكثين والمارقين والقاسطين، ومن يفتش في

كتب التاريخ يجد الكثير مما ذكره الرَّسول وحدث فعلاً .وأقرب ما نود أن نذكره في هذا الصدد هو ما أخبر به عن سبطه الحسين ومقتله في كربلاء مما سوف نذكره في سياق البحث .فثورة الحسين ونهضته كانت مرسومة له وقد تكون مقدرة قبل مولده من قبل الباري سبحانه وتعالى ليكون هو الرمز والمنار لاستمرار الرسالة التي أنزلها على جده العظيم، والأمر السَّماوي هذا قد تقرر لديمومة رسالة الإسلام الجهادية الفاضلة ذات الشريعة السمحة لتبقى إشعاعاتها مستمرة إلى يوم يبعثون، فلا بدَّ من شخص ذي مواصفات تفوق ما يوجد عند أقرانه من البشر فكان هذا الإنسان هو الحسين بن علي بن أبي طالب، سبط الرسول وابن البتول فاطمة الزهراء سلام الله عليهم أجمعين .## امتدادات مفهوم الثَّورة الحسينية:امتدادات مفهوم الثَّورة الحسينية:للحديث عن ثورة الحسين ونهضته يستدعي أن نتوغل بدايةً في مفهوم الثَّورة، بما تعنيه هذه الكلمة من معان نضطر إلى الوقوف عندها ملياً لنعمق فهم هذه المفردة أو المفردات التي طالما تحدث عنها الكثير ويربطها سياسياً أو فكرياً بما يعتقده مسايراً للموضوع الذي يتحدَّث عنه، ونحن هنا نبحث في ثورة لم تكن أبعادها مرحلية ولم تكن وليدة ظرفها الآني، وإنَّما لهذه الثورة امتداداتها التأريخية والاجتماعية والدينية والعلمية بحسب الظروف التي مرت في المجتمع الذي قامت فيه .فلا بد من دراسة واقع هذا المجتمع لسنوات عديدة سبقت الثورة وتحديداً إلى عصر الجاهلية الذي سبق الإسلام ، لكي نعطي الصورة الحية إلى نتائج العلاقات التي كانت تسود المجتمع قبل الإسلام ، والصراعات الدائرة

سواء أكانت اجتماعية أم اقتصادية أم سياسية، ويجب البحث في نتائج هذه الصراعات وما آلت إليه ، إلى أن ظهر الإسلام لنحدد أسس الصراعات الجديدة وعلاقتها بما سبق من أحداث قبل الرّسالة وخلالها وتأثير الماضي على ما استجد من أمور والإسلام في بداياته وكذلك عند انتصاره وتثبيت دولة الإسلام ومناهجها ورسالتها وما رافقها من أحداث وما آلت إليه الأمور بعد وفاة الرسول صلی الله علیه واله وسلم . والأحداث التي تلت ذلك ..يخطئ من يظن أن انتشار الدعوة الإسلامية في مجتمع تسوده قيم و عادات ترسخت عبر آلاف السنين أمر سهل . ولو كان الأمر كذلك لكان من اليسير أن يتم نشر الرسالة الجديدة انطلاقاً من فهمها العميق لطبيعة المجتمع العربي الذي سبق ظهور الإسلام بما فيه من قوى متعددة لها قوانينها ومكانتها في تنظيم شؤون المجتمع من ناحية وتحديد الأسس الاقتصادية والسياسية من ناحية ثانية .وهذا ما يتضح من خلال المعارضة الشديدة للرسالة الإسلامية والموقف المتشدد للقوى الكبيرة التي كانت تتحكم في مجتمع الجزيرة إزاء هذا الفكر الجديد وهذا الدين الذي ظهر ، فعرف هؤلاء جيداً وبسرعة فائقة بأن هناك من يدعو إلى تغيير شامل في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية وأن أهل الحل والعقد والذين يمسكون بزمام الأمور سوف تختل عندهم الموازين في كل الحالات مما يستدعي الوقوف بحزم أمام هذا التوجه إلى التغيير بكل ما أوتوا من قوة ولو كان ذلك على حساب المواجهة مع أقرب الأقربين وقد وضعوا في حسبانهم أن الأمور قد تصل إلى الدم وقطع الرحم لكي يتجنبوا أتي تغییر حفاظاً على مصالحهم وعلى النظام الذي ظلوا تحت سقفه يعيشون .. ولم يخطر على بالهم ، يوماً بأن يأتي من يريد أن يغير واقعهم هذا إلى نوع آخر

ينفرط فيه عقد نظامهم حيث ظلوا يتمسكون به وقبلهم آباؤهم وأجدادهم لسنين طويلة، وطويلة جداً.فجاء الإسلام وكان ثورة بكل معانيها، فلو لم يكن هناك صراع في الواقع فلا مجال للثورة عليه، إذا كان هناك صراع محتدم يأخذ أشكالاً عدة في شبه الجزيرة العربية وعلى وجه الخصوص في المجتمع المكي باعتبار أن مكة حاضرة الجزيرة العربية، وفي مكة توجد مختلف القوى التي تمسك بزمام التجارة أي الاقتصاد بكل أشكاله، وكذلك القوى والزعامات القبلية إضافة إلى المركز الديني الذي تحتله مكة باعتبار وجود الكعبة فيها وتوافد الحجيج إليها ووجود أصنام الجاهلية فيها وبقربها والتي يتعبد بها العرب قديماً .فقد جعل ذلك لمركزها قدراً كبيراً من القدسية لدى العرب، ومن الطبيعي في مثل هذا المكان وهذا المجتمع أن تسود الطبقية وتبرز الزعامات والنزعات القبلية وتفرض نمطاً من القيم والمثل الملائمة لمجتمع مكة التي هي ملتقى القوافل بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، وفيها سوق عكاظ، ومنبر الشعر الجاهلي والمشهور بمعلقاته والتي كانت تعطي صوراً واضحة عن حياة العرب في مختلف المجالات.فوجود الحجيج ومرور القوافل، وتمركز الزعامات القبلية منذ قرون في هذه المدينة، جعل الواقع فيها متحركاً ونشطاً. فكان هناك الأقوياء يقابلهم الضعفاء، وكان الأسياد وهم القلة المؤثرة في المجتمع معهم المعدمون والعبيد وهم الكثرة.. وكان الأغنياء الذين يمسكون بعوامل الثروة يقابلهم الأكثرية الفقيرة التي تبحث عن رزقها جاهدة في الحصول عليه بشق الأنفس، وكان هناك المد القبلي والسيطرة القبلية بما فيها العادات والقوانين التي تتحكم فيهافكان هناك التابع والمتبوع ...

وكل شيء كان سائداً في شبه الجزيرة العربية وبالخصوص في مكة كان يدل على وجود التناقض الواضح كما أسلفنا مما ولد صراعات شتى بين الأغنياء والفقراء ، فالطبقة الغنية تحاول بأي شكل من الأشكال أن تحافظ على مركزها وغناها بل أكثر من ذلك محاولة هذه الطبقة بل استمرارها بزيادة ثروتها وكل ذلك على حساب المعدمين والفقراء ، وعند ذلك تظهر جلياً مظاهر الظلموالتعسف والاضطهاد.وعندما تظهر هذه الحالات يكون من الطبيعي أن تكمن في الصدور حالات الرفض ضد هذا التسلط المقيت وضد الظلم والاضطهاد ويبقى ذلك كامناً وبحاجة إلى من يستطيع أن يحركه ويخرجه من مكمنه .. لأن تأريخ البشرية جُبلَ دائماً على رفض العبودية والتعسف بكل أشكالهما.الجزيرة ليس بعيداً عن بقية المجتمعات المتحضرة، وخاصة ومجتمع عندما نعرف بأن من يحادد تخوم شبه الجزيرة دول تمتلك حضارات وأصبحت فيها إمبراطوريات عظيمة تحكمها قوانين وضعت لرسم الحياة العامة في مجتمعاتها، وأن اتصال مجتمع شبه جزيرة العرب بهذه الحضارات أو الإمبراطوريات لم يكن صعباً بحكم التعامل التجاري واستمرار القوافل ورحلتي الشتاء والصيف ..وإذا استثنينا الإمبراطوريتين الموجودتين في ذلك الوقت وهما الساسانية والرومانية فإن الحواضر القريبة من شبه الجزيرة العربية ودولها مثل دولة المناذرة وعاصمتها الحيرة في العراق ودولة الغساسنة بكندة في بلاد الشام والدولة القبطية في مصر والحبشية في إفريقيا وامتداداتها في اليمن.. فإن ذلك الموقع لمكة واتصاله بهذه الحواضر كان له التأثير الواضح على مجتمعمكة . . .

كما أن الجانب الديني، بل لنقل الروحي كان مهياً للتغيير نتيجة الظروف التي تطرقنا إليها من خلال انقسام المجتمع المكي خصوصاً وما جاوره في الجزيرة العربية من النواحي الاجتماعية وتواجد الكثير من أهل الكتاب والموحدين، حيث كان في الجزيرة العربية من يدعو للرجوع إلى الحنيفية، وساهم ذلك في تهيئة الظروف لأي تغيير محتمل ..وأي تغير في مواجهة ما ذكرنا سيلقى مقاومة عنيفة من قبل المتنفذينوالمنتفعين .إذا الوضع يحتاج ثورة حقيقية، وثورة بكل ما تعني هذه الكلمة لتغيير الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي إلى واقع جديد تزول فيه الفوارق الطبقية بين أفراد المجتمع .. ويعاد أسلوب توزيع الثروة والدخل وكذلك إسقاط الفوارق العرقية والإثنية ونبذ التسلط والظلم والعبودية والتعسف، على أن يحل في المجتمع أسلوب جديد للحياة مبني على المساواة في الواجبات والحقوق، فالتغيير الذي لا بدَّ منه يجب أن يكون فكرياً سلوكاً وتطبيقاً ...فكان الإسلام .. وهو هذه الثورة العظيمة التي هزت أركان البشرية وأخذت هذه الثورة على عاتقها عملية التغيير الشاملة في المجتمع والتي وضعت الأسس للتكامل، وخاصة التكامل الاجتماعي والاقتصادي حيث كان هذان الجانبان مسايرين للفكر الروحي والتوحيدي الجديد الذي غير المسار المجتمعي بشكل جذري ، فكان الإسلام بحق هو الثورة العنيفة التي هزت الواقع وهي التي نقلت الإنسان العربي نقلة نوعية من الظلام إلى النور . . وإذا كان ظهور الإسلام ثورة بكل معانيها فإن الثَّورة يجب أن تكون لها صفة الديمومة والاستمرار من خلال ما يصاحب مسيرتها من تصحيحات أو لجم محاولات الانحراف بالمسيرة عن خطها، فكانت هناك ثورات استمدت روحها

من الثَّورة الأم فقيض الله رجالاً مؤمنين تولوا مهمة التصحيح والتقويم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ولو كلفهم ذلك تضحيات جسام.وعلى امتداد هذه الثورة التي نستطيع أن نسميها بالثورة الأولى، نرى بأن وهج الثَّورة لم يخبُ ولم يخفت بدليل أن التحولات التي أحدثها ظهور الإسلام واستقرار الرّسالة وانتشارها في المجتمع وانتصارها النهائي .وكان هناك من لم يستطع أن ينسى ما حصل ، وقد يكون في حالة ذهوله المستمر خضع مجبراً أمام هذا التيار والسيل العرم لقوة التغيير في المجتمع، ولكن خضوع هذا البعض قد يكون آنياً لحين توفر الفرص المواتية ليرفع رأسه مرة أخرى .. فذلك كله يستدعي بأن تكون الثَّورة دائمة لتقف أمام من يحاول أن يتغلغل ويحرف هذا الوليد العظيم عن مساره الذي اختطه الباري عز وجل ليكون مشرقاً ومستمراً إلى يوم يبعثون ..فبرزت من جديد قوى رجعية ويمينية كان لها أصول وجذور تمتد إلى مجتمع ما قبل الثَّورة العظيمة المتمثلة بالإسلام وقد ضربت مصالحها ومكانتها، فعزّ عليها أن تكون في هذا الموقع الجديد حتى وإن كان قسم من هذه القوى قد انخرط في مسيرة الإسلام؛ ولكن الإيمان عنده كان من الضعف بمكان بحيث بقي في قلبه العداء ضد عملية التغيير هذه التي أفقدته زعامته القبلية أو رئاسته التجارية أو موقعه الروحي الذي كان له ، وجعلته فرداً عادياً من أفراد المجتمع يتساوى بالحقوق والواجبات مع من كان أجيراً عنده أو من مواليه أو من عبيده ، لأن الإسلام قد جاء بمفهوم جديد هو ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ .)فلا المال ولا القبيلة ولا المركز الديني هو الذي يجعل الفرد متصدراً الجموع، بل المسلم المجاهد والمؤمن بالله وكتابه ورسوله ومن تمنطق

بأساليب الشريعة الجديدة السمحاء، هو المتقدم في القوم ومن حمل راية التفقه في الدين والنضال الدؤوب من أجل إعلاء شأن الدين الإسلامي والمضحي في سبيله، أي بمعنى أعمق .. المتقدم من باع نفسه وما يملك في سبيل الله ورسوله ورسالة السماء التي اعتبرها الخلاص من أدران الماضي المظلم ، فالناس متساوون كأسنان المشط والمؤمنون كأنهم بنيان مرصوص، ولا فرق بين عبد وحرّ، ولا أبيض على أسود ولا عربي على أعجمي إلا بالتقوى ..فهل ذلك كله قد راق للكل؟ وحتى لمن ضربت مصالحهم ومن ذهبت سطوتهم وزعامتهم .. تلك كانت المسألة !!يقابل القوى الرجعية واليمينية التي ذكرناها قوّى أو تيارات ثورية تعتمد المبدئية شعاراً لها ، وتعد الغاية التي يناضل ويجاهد من أجلها أشرف هي الغايات وفي فهمه بأنها لا تبرر الوسائل .. فنرى هذا التيار قد تميز بوسائله الشريفة والنبيلة التي تساير أهدافه التي اختطها الإسلام وهي قطعاً أنبل وأشرف الغايات ..فكان هناك الصراع الفكري الجديد الذي ظهر جلياً، ولكن هذا الصراع لم يظهر للوجود في حياة الرّسول صلی الله علیه واله وسلم لأن أحداً لم يجهر بذلك منذ فتح مكة، ولكن بدأ بالظهور منذ الجدل الذي حصل حول خلافة الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم في اجتماع السقيفة وما رافق ذلك من أحداث واختلافات . . ومحاولة الرجعية التصيد بالماء العكر .. ومن هنا كانت البداية . .بعد هذا الاستعراض السريع لما ارتأيناه أن يكون مدخلاً لدراسة ثورة الحسين ونهضته ، سوف نتناول بالدرس والتحليل واقع مكة قبل الإسلام، وبتوسع قدر الإمكان موضحين ما كان يجري في المجتمع المكي ودراسته سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ودراسة الصراعات القبلية فيها، لما لذلك صلة

وثيقة بموضوع البحث .ومن ثم علينا أن ندرس الواقع الجديد عند ظهور الإسلام، وما رافق الرسالة حتى الانتصار النهائي والشامل، ثم فترة الخلافة الراشدة، لأننا نعتقد بأن تلك الفترات تضم حلقات مترابطة لا يمكن أن نفصلها عن بعضها لأنها مثلت الصراع الحقيقي بكل جوانبه والذي أدى في النهاية إلى أن ينبري الحسين ابن علي للنهوض بالثورة وقيادتها .فعلى ماذا ثار الحسين؟ وهل لثورته أسباب ؟ وهل لها نتائج وهل دامت لهذه الثَّورة امتدادات وإلى متى؟.. وهل كان لها تأثير على المجتمع الإنساني العربي وحده؟ أم كان لهذه الثَّورة تأثيرات شاملة على الإنسانية والمجتمعالبشري في المعمورة.بل الأكثر من ذلك كله، هل حدثنا التأريخ الإنساني أمراً مشابهاً لما قام به الحسين . .وهل يعقل أن يوجد في البشر إنسان كالحسين؟. فهذا مستبعد لأنه كان الوتر في الخالدين ومشيئة الخالق هذه الشخصية كانت المثال الوحيد في العالمين لا يتكرر .. وجعل ذكراه مترافقة مع مفردات السمو في كل شيء.. التضحية، النبل ،الإيثار ، الاستقامة ، المبدئية ،الفضيلة الشجاعة، الكرم في اليد والخلق ، والأعظم من ذلك كله فكلما نُطق بالحق وإعلاء كلمته، ذكر الحسين .. فأي عظيم هذا ، وما الفعل الذي قام به، بل ما هذا العلو في القيم والسمو في الأخلاق التي حملها وأراد بها أن تكون مناراً للإنسانية؟! .فبوركت تلك المدرسة الثورية التي كان الحسين من نتاجها، فجده العظيم هو الثائر الأكبر ووالده الذي ضرب أروع الأمثلة في الثورية الحقة، منهجاً ودستوراً، فكان هو النموذج العظيم لهذه المدرسة.

فتعالوا معنا لندرس ونحلل ونتعلم بعقل واع غير متجن ولا مغال ، ونبتعد عن الانحياز والتعصب ونحن نعيش في زمن أحوج ما نكون فيه إلى حسين آخر، ولكن هيهات ، أن يتكرر المشهد ولكن الهدى على ما جاهد من أجله الحسين يمكن أن نستوعبه ونجعله ضياء دربنا لأن الحسين كان مصباح الهدى وسفينة النجاة . .فهذه دعوة ليست للبكاء على الحسين ، والنحيب ، ولطم الصدور، وضرب الرؤوس بالسيوف حزناً .. نعم إنه لمصاب جلل لم يشهد التأريخ له مثيلاً، ولكن الحسين لم يثر وينهض لكي نبكيه أو نلطم عليه، ولكنه ثار لكي نبقى نرتشف من عذب سموه ، وننهل من بحر تضحيته ولكي نبقى على هدى رسالة جده العظيم ، لأن آخر كلمة نطق بها أبو الأحرار الإمام الحسين كانت : " إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي ، فيا سيوف خذيني" . . . !فلو كان كل الباكين على الحسين قد عرفوا مقدار تضحيته، وساروا على نهجه واعتمدوا ولو القليل القليل من مبدئيته ، لكان عالمنا بخير، والذي صدق، هو القائل "تبكيك عيني لا لأجل مثوبة، لكنما عيني لأجلك باكية " البكاء هنا على الطريقة التي قتل بها الحسين وأهل بيته وأصحابه، لأنها كانت في غاية الوحشية والإنسان عاطفي بطبعه ويحق له ذلك .. ولكن نعم العيون الأخرى باكية لأنها في الحقيقة و( الحقيقة مرة كما يقولون يبكون لأنهم لا زالوا غير مدركين عظمة التضحية التي قدمها الحسين . .)ولهذا سيكون لهذا الحديث مكان آخر في بحثنا، لنضع النقاط على الحروف، لكي يبقى الحسين مناراً وفخراً للبشرية، لا تجارة ولا متاجرة، فالمبادئ لا تباع ولا تشرى، والأخلاق كذلك.فكل ما يحتاجه الناس يمكن شراؤه من محلات بيعه ، إلا الأخلاق

والمبادئ فهي في الأعماق فلا يمكن الحصول عليها إلا إذا تعمقت الروح بعظمة وسمو ما قام به الأفذاذ وتعلم من مدارسهم ، وقد فاقت مواقف الحسين کل فذ وعظيم في البشر، وحري بنا أن نقتدي به وإلا كان الضياع والانحدار ، وإلى أي مدى سوف نبقى نلهج باسمه ونتمشدق بحبه والولاء له ولآله ، ولكن ترانا في سلوكنا ومفردات حياتنا كأننا أحفاد قتلته ! !فكل من يتحدث عن الحسين وثورته ومكانته ، فليقتدِ به أولاً .. فلقد كان الحسين لكل البشر فليكن اليوم كل فرد جزءاً من الحسين.إن ثورة الحسين عندما ندرسها أو نتذكرها لا نريد من وراء ذلك أن نجعل ماضي العرب والمسلمين حالك الظلام ، أو أن أمة العرب سوداوية النظرة أو متخلفة أو باغية في أصلها كما يصورها الشعوبيون وأعداء العروبة، وإِنَّما من قراءتنا للثورة فإنها تكون ولادة جديدة لحضارة عربية دائمة النمو والتطور حيث يسطع الحسين انموذجاً، وهذا يعني أن هذه الأمة كونها أمةً عظيمة فهي مستعدة في مخاضها أن تنجب من يقوم مسيرتها في حال تدهور أحوالها، فذلك أدعى لديمومتها وإمكانية استمراريتها ، وهو عكس ما يحاول البعض عن قصد أو بدونه أن يجعل هذه الأمة ظالمة ومستبدة تضيع فيها المروءة .

## المجتمع المكي قبل الإسلامالمجتمع المكي قبل الإسلامفي هذا المحور من بحثنا لا بدَّ لنا من التطرق إلى المجتمع المكي قبل الإسلام، وقد ذكرنا سابقاً بأن مكة التي كانت قلب الجزيرة العربية النابض، لا يعقل أن يكون مجتمعها خالياً من العلاقات والصراعات، بل كانت فيها قطعاً أسس لأنظمة متعددة النواحي أهمها الاقتصادية والتكوينات الطبقية والتي منها تحددت الجوانب السياسية في المجتمع المكي، حيث أن السلطة السياسية والتي تتحكم بنظام الحكم فيها كان لها شكل متميز في مكة من خلال الرؤساء القبليين وأصحاب الثروة والنفوذ ومن الزعماء الروحيين فيها، وقد تطورت في مكة كل هذه الحالات وأوجدت تقسيمات أو تخرصات أُنيطت بالبعض على أساس الإرث التاريخي والروحي والقبلي لهذا البعض.ولتقريب الحالة للمتتبع لموضوع بحثنا ، لا بد أن نأتي بكل حالة على انفراد لنتوصل إلى النتيجة المرجوة من البحث## 1 . الوضع الاقتصادي1 . الوضع الاقتصادي:من المعلوم بأن مكة كانت مركزاً تجارياً، وكانت هي حلقة الوصل بين الحبشة واليمن ومصر والشام والروم وفارس ، وكانت السلع والبضائع التي تتنقل بين هذه الحواضر (وهي منتجات لهذه الدول تنقل عن طريق القوافل العربية، وهذه القوافل مؤمنة عربياً لحراستها، ومن الطبيعي يكون القائمون على مسؤولية هذه القوافل من ذوي خبرة في أصول التجارة ومن الأدلاء)

والمترجمين .ووصلت التجارة في مكة ذروتها عندما وصل الصراع بين الفرس الساسانيين والروم البيزنطيين ذروته ، . . ومن خلال التجارة فلا نستبعد أن تكون بمكة جاليات أجنبية غير عربية من الأحباش والفرس والروم للنظر في أحوال مصالحهم وتجارتهم، وهذا أمر طبيعي شبيه لما نراه عندما تكون إحدى المدن سوقاً حرة تصل إليها البضائع المتنوعة وتوزع منها إلى مختلف الأصقاع .ونتيجة لهذا الظرف فلا نستبعد بل نجزم بوجود صناعات حرفية نشأت في مكة مثل صناعة الجلود والغزل وتكونت هذه الصناعات المحلية لسدّ احتياجات سكان المدن أو القرى القريبة أو البدو في شبه الجزيرة العربية . .ولأن هناك مناطق وأراضي قريبة من مكة ، مثل الطائف ويثرب وما بينهما، صالحة للزراعة فيكون هناك منتوج زراعي يتم تداوله لسد حاجات الناس .وتبعاً لكل ذلك كله من اتساع التجارة خاصة ومجالات الاقتصاد الأخرى، فقد عُقدت المعاهدات بين تجار مكة وبين الحواضر والمدن المتاخمة لشبه الجزيرة عرفت ب- (الإيلاف، وذكرها القرآن الكريم (لإيلاف قُرَيْشٍ (1)إِلَفِهِمْ رِحْلَةَ الشَّتَاءِ وَالصَّيْفِ(2) ) .)فكان لمكة أهميتها ، وكانت قريش هي القبيلة المتصدرة فيها، وكم من المؤامرات حيكت ضد مكة وطمع فيها الأغراب وأرادوا تقويض مركزها .. ومثال أبرهة الحبشي ومحاولته الاستيلاء عليها وهدم الكعبة، رغبة من الطامعين بتحجيم نفوذها، وكذلك جرَّب الروم وغيرهم . على أن الجميع لم يفلحوا لذلك اضطر الجميع لعقد المعاهدات مع أهل مكة، ونعتقد بأن هذه المعاهدات كانت موثقة ومكتوبة، لأنه من غير المعقول أن يكون مجتمع به مثل هذه

الحركة والديناميكية ولم تُحدد الأعمال به بشكل موثق، لأن المال والمنتوج (السلع هي التي تحدد أهمية الموضوع.)ومن ذلك وكنتيجة لاتساع التجارة في مكة فلا بد من وجود تعاملات مصرفية وفق قوانين ذلك الزمان ، لتشمل عملية الاقتراض والتسديد والفوائد ،وهذه هي أصلا حركة لتنشيط المعاملات المالية التي تحتاجها العملية التجارية.والمعروف عن مكة وما كان يجري فيها من الاقتراض بفائدة على وفقضمانات معينة قد تكون في بعض الحالات مرهقة، وقد تأخذ بعض الضمانات أشكالا غير إنسانية، مثل رهن الولد وحتى الزوجة، كما أن الفوائد فيها كانت مختلفة باختلاف نوعية القرض ومدته، ولذلك كان الربا مستشرياً في المجتمع والكثير من أصحاب الثروة اعتمدوه مصدراً وحيداً لعملهم وكسبهم .وكان المتعاملون في مثل هذا النشاط المالي في مكة قبل الإسلام هم من كبار التجار مثل أبي سفيان بن حرب وخالد بن الوليد والعباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان(1)ولا يفوتنا أن نذكر ضمن النشاط التجاري في مكة، أسواق تجارة العبيد (وتسمى بتجارة الرقيق فيجلبون إلى مكة ويتم بيعهم فيها ومنها ينقل هؤلاء إلى بقية المناطق .)من ذلك نرى بأن هذا النشاط الاقتصادي الواسع في مكة قد أوجد فيها طبقة من التجار وأصحاب رؤوس الأموال، وهذه الطبقة كانت على قدر كبير وواسع من الثراء، ومن يملك المال يملك النفوذ والسيطرة على مجريات الأمور فيها، فكيف بمكة وقد جمع الأثرياء بين المال والرئاسة . . بنوعيها


1) أسواق العرب الأستاذ سعيد الأفغاني.

القبلي والروحي.## 2. الوضع السياسي2. الوضع السياسي:في هذا الجانب لا بدَّ من التعرف على أساس السلطة من خلال معرفة الوضع السياسي في مكة، فبالرغم من أن المجتمع المكي مجتمع قبلي، وللقبيلة قوانينها وتحالفاتها . وإن لم تكن القبيلة هي المتحكمة في مكة، إذ كانت رؤوس الأموال وأصحاب الثروة هم أهل النفوذ ومن يوجه الأمور فيها .والدليل على هذا القول ، أن القبيلة لا تقدم الدعم إلى الفرد ، ففي قريش وهي أكبر القبائل وأقواها في مكة ، نرى بأن الكثير من القرشيين معدمون وفي حالات معينة يصلون إلى الهلاك دون أن تمد القبيلة يداً إليهم، ولكن هناك تضامناً قبلياً في جانب الاعتزاز بالنسب والقبيلة ولكن في الحالة الاقتصادية نرى انعدام أثر النظام القبلي في المجتمع المكي، وبما أن الحالة الاقتصادية هي الأقوى والمؤثرة في مجتمع مكة، حيث من بيده المال يتمكن من التسلط والتزعم .. فمكانة الرجل هنا في مقدار إمكاناته الذاتية وهذه تشمل ثراءه وقوة شخصيته .وسياسياً إذا أرادت قبيلة كقريش مثلاً أن تحارب، فيتم اعتماد الأغنياء فيها على مجاميع العبيد السود في الحرب إذا دعت الحاجة وذلك يعد من الوهن بمكان في الأساس القبلي .وإذا دعت السياسة والمصالح لأمر معين نرى بأن أصحاب المصالح في القبيلة يقفون بشدة أمام أفراد من قبيلتهم إذا وجدوا بأن مصالحهم عرضةً للضرر ، ومثال على ذلك نرى بأن النبي الكريم صلی الله علیه واله وسلم وهو من أشرف بطون قريش، وعندما بدأ بالدعوة وقف الكثير من أفراد أسرته ضده وتحالفوا مع

الآخرين ومنهم عمه أبو لهب . . وهذا موقف الأسرة الواحدة من قبيلة، فكيفالقبيلة نفسها؟ .ومن الناحية السياسية أن قريشاً مثلاً أو بقية القبائل المعروفة كانت تعتمد على التحالفات، وبهذه التحالفات ترتبط المصالح الاقتصادية أولاً وليس بالعصبية القبيلة .ولكننا لا نلغي بعض الروابط التي تخص أواصر القربى والدم ، مثل ما حدث في حصار الهاشميين في شعب أبي طالب ومعهم من آمن بدعوة الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم، ولكن الأمر أخذ على أساس المصلحة والتنازع على السلطة عندما وجدوا بأن محمداً وأتباعه ، أصحاب الدعوة الجديدة يريدون أن يقوضوا سلطة أصحاب النفوذ والمال، فتبين أن الصراع سياسي وتنازع سلطوي لم تؤخذ فيه قوانين القبيلة بعين الاعتبار .ونحن نتحدث عن الوضع السياسي والذي نعني به السلطة، فنؤكد بأن من يحوز على المال والثروة ، يستحوذ على السلطة والنفوذ، لا النظام القبلي الذي يضعف بشكل واضح أمام هذه الأمور، وإن كان له ثمة دور فهو محدود جداً .. ولو أن القبائل كان لها تقسيماتها في نظام الحكم، وهذا ما سوف نراه لاحقاً.فهناك ترابط وثيق بين الوضع الاقتصادي والوضع السياسي في المجتمعالمكي .. إذاً كيف كان نظام الحكم في مكة؟ . .نظام الحكم في مكة يسيطر عليه أصحاب المال والثروة وهم موزعون على عدد من بطون قريش ، ونظام الحكم هنا يمثل (الحكومة، وهذه الحكومة مقسمة على الأعمال التي تمارس مثل (سقاية الحجيج) وهي من أهم الأمور في مكة لشح المياه فيها ، وقد تكون المياه أهم من الطعام وهذه الوظيفة تحتاج إلى)

تنظيم دقيق .وكذلك (الرفادة و(اللواء) و(السدانة) و(الحجابة) و(المشورة) و (الاشناق) و (القبة) التي يجتمعون عندها عندما تضرب أثناء تهيئة الجيوش و(الأعنة) و(السفارة) و(الأزلام )و(خزانة أموال الآلهة) و(العقاب) راية قريش.)يقول ابن عبد ربه .. إن عدداً من بطون قريش كانت لها يد في الحكومة دلالة شرف لهذه البطون، فوصلوا بهذا الشرف وقد اعتنقوا الإسلام، ومن هذه البطون (هاشم وأمية وعبد الدار وتيم وأسد ونوفل ومخزوم وجمح وسهم وعدي . (1))فمن هاشم كانت السقاية لدى العباس بن عبد المطلب (2عم النبي الذي كانت إليه السقاية في الجاهلية وبقيت له في الإسلام، وكان العباس من أصحاب الثروة والمال وكان من كبار تجار قريش وكان يملك بساتين في الطائف .


1) العقد الفريد ابن عبد ربه الجزء الثالث.

2) ذكر بعض المؤرخين بأن العباس بن عبد المطلب لم يسلم إلا في فتح مكة ومنهم من قال حتى توفي الرسول، وهذا الأمر بشقيه مجافٍ للحقيقة للأسباب التالية :)أ. الذين يذكرون عدم إسلامه يؤكدون هم أنفسهم أنه كان يقف إلى جانب ابن أخيه (محمد وينصره كما كان يفعل أبو طالب.)ب. إن زوجته لبابة وقيل (ارينب بنت الحارث أم الفضل من أوائل المسلمات وتوفيت سنة 30 للهجرة وكانت تحته حتى وفاته، فكيف تبقى مسلمة تحت مشرك وقد حرم الإسلام ذلك. وأسلمت بعد خديجة الكبرى.)ج. جميع المؤرخين يذكرون بأن الرسول عندما توفي اهتم بتغسيله وتكفينه الإمام علي وقد ساعده العباس.د كان العباس وأبو سفيان على صداقة وذكر الكثيرون بأنه أخفى إسلامه لشراكته مع أبي سفيان والله أعلم.

ومن أمية كان أبو سفيان بن حرب بيده راية قريش (العقاب ومن كان يحملها تجتمع إليه قريش عند الحرب.)وكان من بني عبد الدار (عثمان بن طلحة وبيده الراية والحجابة والندوة .)ومن بني نوفل كان (الحارث بن عامر وعنده (الرفادة) .)ومن بني أسد كان (يزيد بن زمعة بن الأسود وعنده (المشورة) حيث إذا أرادت قريش أمراً عرضوه عليه فإن وافق عليه كان ذلك .)ومن بني تيم كان أبو بكر بن أبي قحافة (الصديق حيث كانت له (الاشناق) وهي الديات والغرم .)ومن بني عدي كان (عمر بن الخطاب وعنده (السفارة) حيث كانت قريش تبعثه سفيراً ومنافراً إذا دعت الحاجة .)ومن بني مخزوم كان (خالد بن الوليد وعنده (القبة والأعنة )والقبة تضرب عند اجتماع قريش للحرب ، والأعنّة كان خالد يكون على خيل قريش في الحرب .)ومن بني سهم كان (الحارث بن قيس وعنده (الحكومة وخزانة أموال الآلهة).)ومن بني جمح كان (صفوان بن أمية وكانت إليه (الأيسار أو الأزلام )يستقسم لهم بها إذا أرادوا أمراً يخص أمور عامة قريش .)وكل هؤلاء كانوا تجاراً وأصحاب مال وثروة وبيدهم كانت السلطة والحكم وبالتالي فإنهم يمسكون الوضع السياسي في مكة بحكومتهم وتقسيماتها هذه .

بينما كان شرف سدانة الكعبة والموقع الروحي الكبير لدى عبد المطلب ابن هاشم، وانتقلت بعده إلى ولده أبو طالب عم النبي صلی الله علیه واله وسلم، فكان بيت بني هاشم أشرف بيوت قريش وأمنعهم ويشهد لهم بالشهامة والكرم والفضيلة .إذاً ومما ورد نعلم بأن حكومة مكة قبل الإسلام كانت تتكون من هؤلاء العشرة، فكل واحد منهم له منصب يشابه حكومات الدول وعلى مبدأ الوزارات، أي أن كل واحد أشبه ما يكون وزيراً لاختصاص كان في ذلك الوقت يعد ذا أهمية لحاجات المجتمع .إذاً الحكومة متكونة من الطبقة الأرستقراطية صاحبة القوة المالية، فالعباس بن عبد المطلب بن هاشم كان أغنى أولاد عبد المطلب، وكان أبوه هو صاحب الشخصية المتنفذة والرئيسة في مجتمع مكة، وكان عبد المطلب يحسب له ألف حساب في وقته (1)وكان أبو سفيان (2من أثرى أثرياء مكة وهو بمثابة القائد العام عند


1) عبد المطلب بن هاشم هو الذي وقف أمام أبرهة الحبشي عندما خرج ليفاوضه في عام الفيل عندما زحف أبرهة لاحتلال مكة وتهديم الكعبة وقال لأبرهة قوله المشهور أنا ربُّ الإبل وللبيت رب يحميه».

2) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، كان تاجراً للزيت والأدم، وكان ذميم الخلقة (كما وصفه المؤرخون وهو من كبار قريش وترأس الكفار من قريش وكان شديداً على الإسلام وعلى بني هاشم قبل الهجرة وترأس التحالف القريشي ومقاتلة ،المسلمين وكان عمره عند فتح مكة سبعة وستين عاماً، وكان لم يهدأ ساعة عن معاداة الرسول وإثارة الناس وتجميع الجيوش ضده، ويقال إنه أسلم يوم فتح مكة مع بقية قريش. وكانت أخته أم جميل) زوجة أبي لهب (عم النبي ) ونزل فيها وزوجها قرآن (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَلم ).)وهي نفسها حمالة الحطب. وتزوج أبو سفيان من هند بنت عتبة بعد طلاقها من زوجها الأول على شك راوده منها، وكان أبوها رأس الكفر في معركة بدر وقتل أبوها وعمها شيبة وأخوها الوليد في معركة بدر واشترك في قتلهم الإمام علي والحمزة عم النبي بينما كان أخوها حذيفة مسلماً ومن المهاجرين إلى يثرب.

نشوب الحرب، حيث كانت لديه راية قريش (العقاب وهو من أمية، ولا يخفى بأن هناك صراعاً بين بني هاشم وبني أمية وتنازعاً دائماً على زعامة مكة . وكان صراعاً قديماً وكانت هناك قطيعة بين هاشم وشقيقه عبد شمس وهما ولدي عبد مناف)(1)أما أبو بكر الصديق فكان من كبار التجار وهو المخوّل على تقرير المغارم والديات أثناء القتول وتحديد (الفصل .)وإذا أراد القريشيون التشاور في أمر فيجلسون في دار الندوة التي يديرها عثمان بن طلحة ، الرجل الثري وإذا أرادت قريش المشورة فيذهبون إلى يزيد ابن زمعة بن الأسود . فإذا أقر أمراً وافق عليه الجميع وأوامره في المشورة تسري على الجميع .وكان عمر بن الخطاب وهو من يمثل السياسة الخارجية (الدبلوماسية بما يتعلق بشؤون مكة وكان ثرياً. أما صفوان بن أمية هو (رجل الدين) الذي إذا احتاجت مكة أن تقوم بأمر ما فهو الذي يستقسم لهم الأزلام وهو في نفس الوقت من كبار الأثرياء . أما الحارث بن قيس السهمي فيتولى ما يشبه في زماننا (إدارة أموال الوقف)، ولديه الأموال التي تمنح إلى أصنام الكعبة، وكذلك الحارث بن عامر الذي كان ينظم شؤون إطعام الحجيج والمؤونة، وكانت)


1) يؤكد المؤرخون بأن الصراع هذا أخذ أشكالاً عديدة ولسنوات ظل يتأجج إلى الأولاد والأحفاد. والبعض أوغر الصراع في صدر الإسلام وما بعده بين بني هاشم وبني أمية له.. وربط البعض الأحداث التي تلت لحين استشهاد الحسين وما بعد ذلك كاستمرار لهذا الخلاف ولنا في ذلك رأي سوف يأتي في المتن.. فعبد مناف لديه هاشم وعبد شمس وأولد هاشماً عبد المطلب وأولد عبد المطلب عشرة أبناء منهم العباس وأبو طالب وأبو لهب والحارث وعبد الله والد النبي وغيرهم. عبد شمس فأنجب أمية وهذا أنجب حرباً وحرب أنجب صخراً (أبو سفيان) والأخير أنجب معاوية وأخاه يزيد بن أبي سفيان.

أموال المؤونة تأتي من ضريبة تجبى من المكيين باسم الرفادة. بينما كان خالد ابن الوليد من الأغنياء وعليه عملية تنظيم الجيش وضرب (القبة عند نشوب)الحرب .فلهذه الحكومة المتكونة من هؤلاء العشرة حقُّ (التشريع و(القضاء) و (تنفيذ الأحكام )و(شؤون الحرب والدفاع ) و (الإدارة). ومن المهم أن نعرف بأن هذه الحكومة والتقسيمات العملية لها تركز على حماية التجارة والملكية الخاصة، وكان عمل هذه الحكومة بالتضامن معتمدين على القوة المادية والمعنوية التي يملكونها وغالباً ما كانت قراراتهم تنفذ بدون أي اعتراض فتكون نافذة بشكل سريع .)وبعد ذكرنا لنوع الحكم في مكة والسلطة السياسية، نأتي إلى ما يهم بحثنا .. هل كان هناك صراع على السلطة أم لا؟ . . وإذا كان موجوداً فمن هي الفئات المتصارعة؟ أو المتنازعة .. وما نوع الصراع .. وهل أن القبيلة أو الاسرة لها دور في ذلك أم لا ..؟من خلال دراسة الواقع في مكة قبل الإسلام وما ذكرناه عن الأسماء التي كانت تمسك بزمام الأمور والحكم في مكة، وهم من بطون قريش ومن قبائل أو أسر لها اسمها الكبير في الجاهلية، ولكن العامل القبلي لم يكن هو السائد وإِنَّما كان المال والثروة والنفوذ التجاري هو الذي يمسك بزمام الأمور ..فمثلاً نرى بأن ( عبد الله بن جدعان الذي عقد في بيته حلف الفضول كان رئيس (تيم) ولكن لم يكن له موقع في السلطة بل كان ( أبو بكر الصديق) من ضمن حكومة مكة وهو من تيم ، لأنه كان رجلاً غنياً وصاحب تجارة .)إذاً يبتعد العامل القبلي أو الأسري عن التحكم بالسلطة .. ولكن الصراع

القبلي موجود وله تأثير على الحكومة وقراراتها في بعض الأحيان ونجده من خلال التحالفات التي عقدت قبل الإسلام.. ووجه الصراع ابتدأ من سياسة تحكم الفرد إلى الجماعة (الفئة الغنية المتنفذة فكان قصي عبد شمس يحكم مكة وخاض حروباً مع خزاعة وبكر إلى أن تمت له السلطة التامة على مكة، ولقصي عدة أبناء، وكان قد أسند السقاية والرفادة والحجابة واللواء والندوة إلى ابنه الأكبر عبد الدار وهو حي، وعند وفاته انقسمت قريش.)فثار قسم منهم على عبد الدار لأنه يمسك بالجانب الأكبر والأهم من الوظائف وقد تزعم الثورة ضده بنو عبد مناف .والانقسام أصبح بين مؤيد لعبد الدار وآخر لبني عبد مناف .. فالبطون التي انضوت في فريق عبد مناف هي بطون ، عبد شمس وأسد وتيم وعدي وزهرة والحارث . .أما فريق عبد الدار فكانت معه بطون ، سهم ومخزوم وجمح وتامر، وهناك من وقف على الحياد.وكل فريق عقد حلفاً بين البطون المنضوية تحت لوائه وتم تسمية بني عبد مناف ب- (المطيبين ، (1)أما بنو عبد الدار فسموا ب- (الأحلاف)(2))فجرت محاولات للصلح تجنباً لنشوب حرب، فاتفق على أن تقسم الوظائف على أن تكون السقاية والرفادة لبني عبد مناف، ويتسلم بنو عبد الدار الحجابة واللواء والندوة .. وسارت الأمور على ذلك النحو . . ولكن الصراع


1) يقال بأن «بنو مناف» وأحلافهم غمسوا أيديهم بطيب أخرجته نساؤهم، فتعاهدوا به ومسحوا بأيديهم الكعبة، فسموا بالمطيبين.

2) أن بني عبد الدار وأحلافهم تعاهدوا عند الكعبة بألا يتخاذلوا واتفقوا على أن يتلازموا ويتكاتفوا قسموا بالأحلاف.

على السلطة لم ينته لأن من تزداد ثروته يحاول أن يصل إلى السلطة ويطمح لها بشتى الوسائل يقابل ذلك أن الذين لا يملكون الثروة بدأوا يقاومون هذا التوجه الجديد وعلى هذا الأساس عقد حلف (الفضول(1)ومن العشرة الذين كانوا يمسكون بالسلطة ثلاثة منهم كانوا من ضمن الحلف والسبعة الآخرون خارجه .فكان فيه العباس بن عبد المطلب وأبو بكر الصديق ويزيد بن زمعة بن الأسود، هم الثلاثة المنضوون تحت هذا الحلف وفي الحقيقة إن الوظائف الأساسية كانت لدى السبعة الباقين .. وحتى هذا الحلف تم ليس على الأساس القبلي من حيث ممثلوه فقد كان الرَّسول حاضراً، وكان يمكن أن يمثل بني هاشم فيه أو أن أبا طالب هو الذي يمثلهم ، ولكن مثلهم أغنى شخص فيهم وهو العباس عم النبي صلی الله علیه واله وسلم، ولم يكن العباس أكبر إخوانه من أولاد عبد المطلب .


1) حلف الفضول، حلف عقد في دار عبد الله بن جدعان رئيس تيم وضم بني هاشم ومنهم بنو عبد المطلب وأسد زهرة ،وتيم، وقد شهده رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وكان عمره خمسة وعشرين، أي أن الحلف عقد قبل نزول الوحي بخمسة عشر عاماً، وبحكم انتساب الرسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلى الذين عقدوه، فكان وسبب هذا الحلف محبباً إليه.. وأعضاء هذا الحلف هم في الواقع كانوا أعضاء حلف المطيبين.)وحلف الفضول كان يستند على ضرورة المشاركة في السلطة وكذلك كانت له تأثيرات اقتصادية من خلال ضمه لتجار هم بالقياس أقل من التجار الكبار أصحاب المال والثروة، وكذلك كان للحلف قاعدة شعبية تمثلت بنصرة الضعيف والمظلوم وأخيراً كانت للحلف تأثيرات قبلية.عقد هذا الحلف أن رجلاً من بني زبيد قدم مكة معتمراً في الجاهلية ومعه تجارة له وقد اشترى من العاص بن وائل السهمي بضاعة فآواها إلى بيته وغادر في شأن له وعندما رجع امتنع العاص من ارجاعها له فذهب الزبيدي إلى بني سهم ليحثهم على العاص فأغلظوا له فعرف أن لا سبيل إلى ماله فطاف على قبائل قريش فتحالفوا بدار عبد الله على أن لا يظلم أحد بمكة إلا وكانوا مع المظلوم شريفاً كان أم ضعيفاً منهم أم من غيرهم، وذهبوا إلى العاص فقالوا : والله لا نفارقكم حتى تؤدي إلى الزبيدي حقه فأعطي الرجل ،حقه، فمكثوا كذلك لا يظلم أحد بمكة إلا أخذوه له.

فحلف الفضول له أهداف وتكتل مصالح اجتمعت وهي مختلفة لتواجه تكتلاً أخطر من اختلافها ألا وهو السيطرة على الحكم وإيقاف تقدم الآخرين ونموهم .ولا بد أن نعرف بأن عشيرة النبي صلی الله علیه واله وسلم له ولو كانت لها الرئاسة والزعامة في مكة وكان عبد المطلب جد النبي صلی الله علیه واله وسلم هو المتقدم على قريش، وكان هناك نزاع سلطوي دائم ضده يقوده أمية، فكانت النزاعات تصل إلى تبادل الزعامة أحياناً.وفي حلف الفضول ظهرت شخصية معارضة له وهذه الشخصية تنتمي إلى القوى المعارضة لسلطة بني هاشم متمثلة في أبي سفيان بن حرب بن أمية، ووجدنا هذا الشخص قد مسك بزمام زعامة قريش المعارضة للدعوة التي جهر بها الرسول الكريم عندما بدأت الرسالة السماوية الحقة وظهور الإسلام . . وكانت قوة زعامة ومعارضة أبي سفيان تعتمد على العوامل التالية :أ . ليس بتحالفه داخل قريش حسب وإنّما بكسبه ذوي المال والثروة إلى جانبه، وكان منهم أحد أعمام الرَّسول وهو أبو لهب الذي نزل فيه قرآن( تبَّتْ بَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)سَيَصلی نَارًا ذَاتَ (3)وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4)فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَلِم (5)))ب. تحالفه مع قبائل عربية خارج مكة كانت له معها اتفاقيات حول حماية قوافله التجارية لقاء ضريبة يدفعها لهم وكان أبو سفيان يعتمد على هذه القبائل باتفاقات مسبقة ساعدته حتى في حالة نشوب حرب هو طرف فيها .ج . لوصول أبي سفيان إلى ذروة الثراء وتطلعه الدائم إلى السلطة، فنرى بأن أبا سفيان يعد أي أمر جديد يظهر في مكة موجهاً له شخصياً ولمحالفيه من أرباب الثروة .

وحتى أنَّه عد النبي صلی الله علیه واله وسلم محمداً جاء ليقاوم سلطانه ويعتقد خلاله ومن بني أمية، بأن بني هاشم تريد الانفراد بالسلطة.وسوف نرى هذه المواقف وتأثيرها على المسيرة، وكذلك تأثيراتها الشديدة على مجريات الأحداث والصراعات وهذا ما أكده أكثر المؤرخين والكتاب عقلانية وحيادية .فالأحلاف التي نشأت ، كانت أحلافاً سياسية استندت إلى القبيلة، ولكنكان هدفها الأساسي هو السلطة .## 3 . الوضع الاجتماعي3 . الوضع الاجتماعي:عندما نقف عند الوضع الاجتماعي في مكة قبل الإسلام . فإننا نهدف إلى معرفة طبقات المجتمع، لأن تقسيم الطبقات هذا جاء حصيلة الوضع الاقتصادي وكذلك الوضع السياسي اللذين مررنا بهما، وعليه يجب أن نتتبع نتائج الوضعين على مجتمع مكة والطبقات فيها .. وإذا ما كان هناك صراع نتج عن تلك الأوضاع ،أو لم تكن هناك مثل هذه الصراعات والتي نعني بها التمايز الظاهر والمتباعد بين الطبقات بما فيه استغلال الفئة القليلة المالكة للثروة والنفوذ والسلطة بحكم موقعها الاقتصادي بالطبقات الأخرى التي تمثل الغالبية العظمى في المجتمع المكي ولا بد لنا أن نعرف تقسيمات هذه الطبقات .## أ . كبار التجارأ. كبار التجار :وهذه الطبقة سبق وأن تحدثنا عنها ولكن الذي نؤكده ، هنا أن هذه الطبقة تتصف ب- :أولاً : سيطرتها على رأس المال ووسائل الإنتاج (على صورتها في ذلك الوقت والعقارات من أراض داخل مكة وخارجها والأراضي الزراعية المحيطة)

بمكة، وهذه الطبقة هي عبارة عن مجموعة قليلة العدد بالقياس إلى عدد سكان المجتمع المكي.ثانياً : هذه الطبقة لها مصالح مشتركة فيما بينها، وهذه المصالح هي التيتحدد أنواع الصراعات وأهدافها .ثالثاً : إن هذه الطبقة هي التي تسيطر بشكل تام على السلطة في مكة ، ومن ذلك فإنها تسود المجتمع المكي، حيث أن هذه الطبقة كانت تتكون منها السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، فإن التشريع والحكم والقضاء بيدهم، فلابدَّ أن يتم ذلك من خلال المصالح المشتركة بين أفراد هذه الطبقة.وهذه الطبقة هي الطبقة الارستقراطية، أو هي البرجوازية الكبيرة صاحبة (الكارتلات كما تعرفها هذه الأيام وهذه الطبقة تكون مستعدة بكل ما أوتيت من قوة للوقوف بوجه أي خطر يهدد مصالحها ولا تقف عند حد في حالة حاجتها إلى التصادم مع من يقف في مواجهتها .)## ب . التجار الصغارب . التجار الصغار :وما نسميهم اليوم (الكسبة ويدخل ضمن هذا التعريف من نسميهم اليوم)(البرجوازيين الصغار، وكانت هذه الطبقة تشكل الكثرة من الذين لديهم أسباب عمل مستمرة تقريباً، فهم يتاجرون بعروض بسيطة، أو يملكون المحلات (الحوانيت) أو يقومون بمزاولة بعض الحرف وكثيراً ما كان قسم من أفراد هذه الطبقة يشترك ولو بشكل بسيط في القوافل التجارية مثل (أبو طالب) عم النبي وكافله فقد كان يحسب على طبقة التجار المتوسطين، حيث كانت له تجارته الخاصة وكان شريكاً بأسهم في قوافل تذهب إلى الشام وتعود والدليل هو)اصطحاب أبي طالب لابن أخيه ( محمد صلی الله علیه واله وسلم في عدد من رحلاته إلى الشام.)

وأغلب التجار الصغار كانوا يقترضون المال من التجار الكبار أو أصحاب الثروة ويدفعون لقاء قروضهم فوائد بعد أن يؤدوا أو يعطوا ضمانات على ذلك، وقد تكون الضمانات قاسية وصعبة حسب شروط العقد.. ومن هذه الطبقة كانت هناك فئة تعمل في مجال محال بيع الخمور وبيوت الدعارة وكانت شائعة في مجتمع ما قبل الإسلام ، حيث يقتني بعضهم عدداً من الجواري يعملن في البغاء وما كان يعرف في وقته بخيام (صاحبات الرايات الحمر وقد كان للإسلام موقف معروف وشديد من هذه الحالة .(1))وكانت هذه الطبقة 0صغار التجار تمثل ما يلي :)أولاً : أن أصحابها يملكون رؤوس أموال متواضعة، كأن تكون عقاراً أو إبلاً أو مالاً أو ورشاً صغيرة للإنتاج أو الجواري.ثانياً : كان اعتماد من ينضوي تحت هذه الطبقة على الأثرياء في أكثر الحالات لاستمرار أعمالهم من خلال تبعتهم التجارية أو اقتراضهم أو خضوعهم لقانون الكبار لكي يبقوا اضطراراً مستمرين في أعمالهم .ثالثاً : تطلع قسم من أفراد هذه الطبقة إلى الإثراء للانتقال إلى موقع اجتماعي أرقى لضمان مكان أكثر قرباً من الحكومة وأصحاب القرار في مكة، وهذا البعض قليل جداً لخطورة المجازفة لسببين :1 . قد يدخل في مخاطرة تنهي ليس فقط تطلعاته وإنما قد يصل إلى


1) جاء في سورة النور و (بسم الله الرحمن الرحيةِ، وَلَا تُكْرِهُوا فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنا لبنعُوا عَرَضَ الحيوة الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهَهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). ونزلت هذه الآية الكريمة وكان المعني بها عبد الله بن أبي ابن سلول.. الذي كان يملك جاريتين ويستخدمهما للبغاء وقد تابتا بعد أن حرَّم الإسلام الزنى ولكن عبد الله بن أبي ابن سلول أجبرهما على العودة للعمل في الزني، فشكتا إلى الرسول له ذلك ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.

الإفلاس والانحطاط .2 . قد يجابه من طبقة الأثرياء وهم القلة القليلة والمحدودة العدد بحاجز ضخم لأن هذه الطبقة (الأثرياء قد أحاطوا أنفسهم بموانع يصعب اجتيازها إلا نادراً.)## ج. طبقة الأجراءج. طبقة الأجراء:وهذه الطبقة هي التي تمثل الناس الذين لا يملكون إلا قوة عملهم ويمنحونها لقاء أجر. وأكثرهم كان يعمل أجيراً في القوافل كحراس أو لاستطلاع الطرق أو في النقل والتحميل، أو اجراء عند أصحاب المهن، وغالباً ما تكون أعمال هذه الطبقة موسمية حسب رحلات القوافل، وكثير من هؤلاء يتعرضون لخطر البطالة، فيقعون تحت طائلة الجوع والحرمان وكثيراً ما يحدثنا التاريخ عن المجاعات التي حصلت في شبه الجزيرة العربية، والتي طالت هؤلاء المعدمين.وما نقل عن (هاشم الجد الأكبر للرسول، يوضح هذه الحالة إذ عرف عنه عندما تحدث المجاعة أنه كان يحضر السمن والخبز ولحم الإبل، ويهشم الثريد ويطعم الجياع والمعدمين.)وهذه الطبقة المعدمة هي التي مثلت الصراع الطبقي ضد أثرياء مكة ونواحي شبه الجزيرة وهذه الطبقة كانت منها اللبنة الأساسية واللحمة الأولى التي تبنت وبسرعة البرق رسالة السماء التي نزلت على رسول الإنسانية .لأن هذه الطبقة كانت مهيأة للمشاركة في أية عملية تغيير لتتخلص من الواقع المر الذي تعيشه من جوع وظلم واضطهاد وتعسف .. ولم تقف القبيلة لمساندتهم لأن واقع الصراع الطبقي كان مجتمعي المظهر تتحكم فيه العوامل

السياسية والاقتصادية لا القبلية .. وهذه الأخيرة لا تتجاوز التفاخر بالانتساب والاعتزاز به ، فكان الصغار يذهبون ضحية مطامع الأثرياء وأصحاب النفوذ من المنتسبين للقبائل .وهناك من يدمج (العبيد مع هذه الطبقة والعبيد كما هو معروف من كلا الجنسين، الذكور والإناث كانوا يجلبون إلى مكة أو إلى مدن شبه الجزيرة لغرض بيعهم ومنها ينقلون إلى أماكن أخرى وقد يشترى بعضهم للعمل في جوانب الخدمة أو الرعي أو في خدمة القوافل والحراسة والدفاع عنها، أو أن تشترى الأنثى لتعمل في الدعارة أو في خدمة البيوت لدى الأسياد، ومن هنا كان نظام العبودية يطبق على هذه الشريحة ..)ولا يمكننا أن نتصور بأن للعبيد طبقة في المجتمع العربي كما لا يمكننا دمجهم في طبقة الأجراء المعدمين.. وفي نفس الوقت لا يمكن أن نجعلهم طبقة في المجتمع وحدهم ، لأن العبد مملوك لسيده بكل ما تعنيه كلمة الملكية، حياته وجسده وحتى أولاده يدخلون في فئة العبيد .ذلك نرى بأن العبيد هم حلفاء للمعدمين، والأكثر من ذلك بأن طبقة الأجراء هذه هي التي ترفد المجتمع بالعبيد من خلال انتقال أفراد من هذه الطبقة ( نتيجة الحرمان والجوع وعدم إمكانية بعضهم من فك قرضه أو عدم إمكانية الإيفاء بالضمانات ،وبالأساس فإن العبيد يأتون عن طريق الشراء أو الأسر أو السبي.)## د. طبقة العرافين و الكهنة ورجال الديند. طبقة العرافين و الكهنة ورجال الدين :قد تكون هذه المجموعة ليست بمستوى طبقة بالرغم أن هناك من يؤكد بأن المجتمع المكي بشكل خاص ومدن الجزيرة يوجد فيها الكهنة والعرافون،

إلا أنهم ليسوا بالكثرة ليكونوا طبقة، غير أنهم موجودون ولهم دور مهم في المجتمع، وأن الناس تضعهم موضع التقديس في بعض الحالات، ولكن العرافين والكهنة كان لهم مكانة محترمة بدليل أن التاريخ يذكر لنا حوادث عديدة كان يلجأ الوجهاء وكبار القوم إلى هؤلاء.. والعرافون منهم رجال النساء، وعرافة يثرب في قصة عبد المطلب جد الرسول حول نذره بذبح أحد أولاده لو رزق بعشرة أبناء، ووقوع القرعة على ولده عبد الله والد الرَّسول .. معروفة ومتداولة، وكذلك قصة اتهام هند بنت عتبة (1بشرفها واصطحابها من قبل أبيها إلى أحد العرافين لمعرفة صحة الاتهام .. وقصص كثيرة حول مثل هذه الحوادث.)وكذلك الكهنة، فكان الكثير من الناس يلجأون إليهم لمعرفة طالعهم وبعض أمور حياتهم ودنياهم ورؤياهم .أما رجال الدين فكان هناك منهم العاملون داخل الكعبة والمسؤولون عن أصنامها وكان هناك الكتابيون ، من يهود ونصارى .. أما بالنسبة إلى قريش فإنهم عبدة أصنام ولا بدَّ من وجود من يقف على مراسم الحج والحجيج، ولكن لا وجود لمن يقوم بدور الوسيط بين الناس والآلهة ، وإنَّما كان مكة في سدنة للكعبة ومسؤولو الرفادة والسقاية والحجابة ولكن هؤلاء ليسوا برجال دين وإنما كانت هذه الوظائف شرفية وتم التنازع عليها لأن من يتسلم إحدى هذه المناصب يعني أنه من الأشراف ومن رؤساء البلد.


1) هي زوجة أبي سفيان ووالدة معاوية ولقبت بآكلة الأكباد ، فهند كانت متزوجة قبل أبي سفيان وطلقها زوجها لأنها طعنت بشرفها وكان أبوها من أشراف قريش فاصطحبها مع زوجها إلى أحد العرافين لمعرفة صدق الادعاء من عدمه.. والذي يهمنا ليس الحادثة بل أهمية العرافين ووجودهم و شهرتهم والاهتمام بهم.

وبعد هذا التصور عن مجتمع مكة العربي قبل الإسلام ومدن الجزيرة العربية، يظهر جلياً بأن هناك تصارعاً بين طبقات المجتمع وأن نوع الصراع يأخذ أبعاده من التباين والفوارق الشاسعة بين أفراد المجتمع وأن أسس الصراع اقتصادية وسياسية واجتماعية وفكرية أيضاً .ولكن هل كان هناك دعاة لهذا الصراع ؟ . . قد يكون هناك دعاة على مستوى الفكر والعقيدة مثل بعض الرهبان والقساوسة وغيرهم من الذين يدعون إلى التمسك والرجوع إلى الحنيفية، وذلك ناتج عن المعتقد الوثني الذي كان يعم الجزيرة العربية، وعبادة الأصنام هي السائدة عند الغالبية العظمى من أفراد المجتمع العربي.. ولكن هل كان هناك من يجرؤ على تغيير أسس المجتمع الاقتصادية والسياسية المتمثلة بالتّسلط والسيطرة على زمام الحكم والقانون؟ . . فنحن نستبعد وجود مثل هؤلاء الدعاة لأن أفراداً معدودين ومن غير معتقد أساسي لا يمكنهم أن يجابهوا قوة المال والسلطة وقوانينها في تلك المرحلة . .فلا بد من ثورة عارمة تهز المجتمع، وهذه الثورة ليست محصورة كما يصفها البعض في نبذ عبادة الأصنام والتوجه إلى الإله الواحد فقط،وكأن المشكلة الأساسية هي ما يتعلق بوثنية المجتمع ، ولكن هذه الدعوة يجب أن تحدث ثورة اجتماعية على الواقع بكل أشكاله وأوضاعه وقوانينه وعلاقاته . .أي يجب أن ينقلب كيان الأمة إلى كيان وواقع جديدين.. وهذا الواقع عليه أن يلغي الفوارق الطبقية وأن يطبق مبدأ المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات وأن يؤسس آلية جديدة لنظام الحياة في المجتمع. وأن ينقل كل ما هو غير إنساني وعقلاني من أنواع التسلط والاستئثار بالثروة والسلطة والتعسف العرقي والظلم الاجتماعي البالي والعادات المستهجنة المنتشرة في المجتمع الجاهلي، وكذلك الاتجاه الروحي والعقائدي الذي لا يمكن أن يستغني البشر

عنه منذ بدء الخليقة .. إلى واقع جديد على أن تكون هذه النقلة حاسمة وخلاقة وسريعة وعادلة ، وتطبق عندئذ قوانين السَّماء السمحة وقوانين وضعية مرافقة لها تسود البشر على شكل مجتمع جديد ينفض غبار الصراعات داخل المجتمع والتوجه إلى حياة جديدة يمتلئ الفرد فيها بالإيمان بالله، ومن هذا الإيمان يتم السَّير على أسس الرسالة السماوية التي تتعلق بكل نواحي الحياة.وهنا نصل إلى أن من كان بيده زمام الأمور من أصحاب الثروة والنفوذ والإرث القبلي .هل كان ليقبل بهذا التغيير؟ ولنأتِ بمثال على ذلك فنقول .. هل يستجيب شخص مثل أبي سفيان بن حرب أثرى أثرياء مكة إلى أي تغيير يلغي سلطته ونفوذه ، وهل يقبل أمية بن خلف وهل يقبل أبو لهب وغيرهم الكثير ... بالرغم من وجدنا عندما حدث التغيير ، عدداً من مستوى هؤلاء قد استجابوا للواقع الجديد، ومنهم من استجاب وبسرعة .. وهل لهذه الاستجابة أسباب؟ . . أم كانت طوعية ؟ومن هؤلاء أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان والعباس بن عبد المطلب، وغيرهم من الأشراف في قريش ومساندة عمه أبي طالب له ومنع الأذى عنه وتوجيه أولاده بأن يلزموا ابن عمهم (1)ومن كان يقول بأن مجتمع مكة قبل الإسلام هو مجتمع متخلف على قياس الحضارة والثقافة والمدنية فهو مخطئ بدليل أن الإسلام عندما ظهر


1) روي أن أبا طالب عم النبي وكافله ذهب ليقابل ابن أخيه لأمر ما في بداية ظهور الدعوة وكان معه ابنه جعفر فوجد النبي يصلي وعلى يمينه علي بن أبي طالب فقال لولده جعفر (صل جناح ابن عمك )أي قف على يساره وهذه من أدلة إيمان أبي طالب بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم

وأحدث في المجتمع ثورته العظيمة، فإن هذه الثورة ونجاحها ليست من المعجزات التي لا يمكن أن تتم إلا بإرادة تفوق مستوى البشر، وحجتنا في ذلك هو أن أصل الدين الإسلامي والرّسالة المحمدية كانت تعتمد على إلزام الحجة وعلى المنطق والجدل العقلي لكي يعتنق بها الناس ولو كان المجتمع جاهلاً ومتخلفاً فمن الصعب جداً أن تجري عملية التغيير وهي الثورة العظيمة رغم أن الله سبحانه وتعالى هو ناصر الدعوة والمعجزة إذا ما اعتمدنا على أنها الأساس في التغيير لأحدث الباري عز وجل أمراً سماوياً عارماً وهو قادر على كل شيء ويمحو كل شيء ويأتي بخلق جديد .. كما وصف القرآن مثل ذلك ما جرى على أقوام عدة . .ولكن الأمر كان غير ذلك .. ومعجزات الباري حدثت في تاريخ البشرية ونقلها القرآن الكريم مثل طوفان نوح وما جرى على أصحاب لوط وجعل عاليها سافلها وما كان لعادٍ وثمود والأمثلة كثيرة.ولكن هذه الرسالة والثَّورة العظيمة جاءت بنمط جديد ولأسباب تجعلها هي الأخيرة من بين الرسالات السماوية وديمومتها إلى يوم الدين ومن هنا كان المنطلق التغييري لإيجاد حضارة جديدة وأطر جديدة للبشرية وقوانين لا يمكن أن تتغير ولا أن تضاهي ما دامت الإنسانية متوقدة ومستمرة إلى اليوم الموعود وتتضمن كل ما يشمل الحياة البشرية وعلاقتها الروحية بالسماء وخالق الكون وكذلك علاقة البشر فيما بينهم ..فالاستمرارية في النهج الجديد لأسس الحياة لها مقوماتها وهذه المقومات ينشط بها ويقودها بشر ، ولا بدَّ لهذا النوع من البشر من خصوصية وهذه الخصوصية مختارة من قبل خالق البشر لأن شخصية من يتصدى لهذه المهمات لا بد أن تحمل طاقات وإمكانيات من القيادة تتميز على ما عند بقية

البشر .. فكانت هناك نماذج من هذه الشخصيات يعجز المداد عن الخوض والتبحر بها لعظمتها وسموها وتفردها . .## الصراع القبلي والعائلي في مكة:الصراع القبلي والعائلي في مكة:ما دام الحديث مستمراً إلى الآن عن مجتمع مكة قبل الإسلام وأنواع وأساليب الصراع الموجود نتيجة الأسباب والعوامل التي ذكرناها فلا بد أن نتطرق إلى الصراع القبلي والعائلي في مكة.. فهل كان لهذا الصراع والتنازع وجود أم لا ..؟ وإن كان موجوداً فمن هي أطرافه ..؟ ولأن البحث في هذا الموضوع له علاقة بأصل هذه الدراسة .. فإننا بحاجة لأن نعود لبعض مما ذكرناه ولكن بشيء من التفصيل لأهميته ..ذكرنا بأن هناك وظائف في غاية الأهمية كانت تمثل أساس نظام الحكم فيمكة وبذلك فإنها تكون السلطة السياسية فيها، وهذه الوظائف مثل السقاية والرفادة والراية والسدانة والحجابة والندوة والمشورة والسفارة والأشناق (الديات والغرم والقبة والأعنة والأيسار (الازلام) وأموال الآلهة .. وقد تكون هناك وظائف أخرى أو أمور يتشرف بأن يتسلمها الكبار في مكة ويتعصبون لها، وما الأحلاف والتكتلات التي وجدت في الجاهلية مثل (المطيبين والأحلاف وحلف الفضول) (1)إلا نتيجة خلافات حدثت حول تسلم هذه المهام والتي فيها تكون الرئاسة والزعامة ..)وذلك يؤكد لنا أن الصراع من أجل السلطة وتسخير جميع الإمكانيات المادية والسياسية والقبلية له .. قد تأصل عند كبار القوم في الجاهلية.


1) تم ذكرها في بداية البحث وأسباب تسميتها.

فمن ملك مكة وما حولها؟ذكر المسعودي في مروج الذهب، بأن بني المحض بن جندل وكانوا عدة ملوك تفرقوا في ممالك متصلة ومنفصلة ، ومنهم أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشات ، وكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز (1).)وتوزع الباقون من بني المحض بن جندل على الطائف وما اتصل من أرض نجد ومدين ومصر ، ومن قائل يرى بأنهم من ولد المحض بن جندل بن يعصب بن مدين بن ابراهيم (2)وممن ملك مكة أيضاً (العماليق فهم من ولد عملاق، ويقال : عمليق ابن لاوذ . . ويقال : لوذ بن سام بن نوح. وقيل إنهم من ولد العيص، ويقال: عيصو بن اسحق بن إبراهيم الخليل ... على ما ذكره المسعودي .)وهناك من يقول إن العماليق من حمير .. والعماليق كانوا بمكة لما قدم وفد من عاد للاستسقاء. وخبر يقول إنهم كانوا ب- (عرفة لما أخرج الله زمزم لإسماعيل، وأنهم تحولوا إلى مكة لما علموا بذلك .. وفي خبر آخر، أنهم كانوا ولاة الحكم بمكة فضيعوا حرمة البيت ، واستحلوا منه أموراً عظاماً فأخرجوا من الحرم كله . .)أما (طسم فقد ولوا مكة واستحلوا حرمة البيت، فأهلكهم الله، ثم وليه بعدهم ..جرهم وطسم هو آخر عملاق (3).)


1) مروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 161 .

2) الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة للحافظ تقي الدين أبي الطيب محمد بن أحمد بن علي القرشي الهاشمي الحسيني الفاسي ((775-832) ص 164 الطبعة الأولى سنة 2000م بيروت.

3) المصدر السابق ص 164 ص 165 .

أما جرهم فهو ابن قحطان بن عباد بن سالح بن أرمخشذ بن سام بن نوح (1وأول ملوك جرهم هو مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هيني ابن ثبت بن جرهم بن قحطان ، وبعده عمرو بن مضاض ثم الحارث بن عمرو، ثم عمرو بن الحارث ثم مضاض بن عمرو بن الحارث (2))والمسعودي يقول إن أول ملوكهم غير مضاض بن عمرو بن سعد، لأنه ذكر أن الحارث بن مضاض كان على جرهم حين أتوا من اليمن إلى مكة، وعند قدومهم إليها كان عليها السميدع بن هوثر من العماليق، ووقع بينهم قتال ، فتوالوا على حكم مكة فيما بينهم واستقرت ولاية البيت لجرهم نحو ثلاثمائة سنة (3ويؤكد ابن اسحق في السيرة .. أن جرهماً لما قدموا مكة كان عليهم مضاض بن عمرو وتقاتلوا مع السميدع وقومه وقتل السميدع وصار ملك مكة لمضاض (4)ومما قيل في إخراج جرهم من مكة هناك خلاف عليه، فمن قال بأن بني مناة بن كنانة وغبشان من خزاعة لما رأوا استحلال جرهم لحرمة البيت، وظلمهم بها ، قاتلوا جرهماً فغلبهم بنو بكر وعبشان ونفوا من مكة.)وقول آخر يذهب بأن ثعلبة بن عمر بن عامر ماء السماء أخرجهم من مكة . . وهناك أبيات شعر تنسب إلى الحارث بن مضاض الجرهمي حول خروجهم من مكة :


1) السيرة النبوية لابن هشام .

2) الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة ص 166- ص 167.

3) مروج الذهب المسعودي ج 2 ص 51-65 .

4) الزهور المقتطفة ص 168 .. وكانت لمضاض بن عمرو الجرهمي ابنة اسمها (رعلة) هي زوجة اسماعيل بن ابراهيم وهي أم أولاده الاثني عشر، نابتاً وكان أكبرهم وقيذر وأذبل ومنشأ ومسمعا ومانسي وذما وآذر وطيما ويطور ونبشا وقيذا، وذكر ذلك في السيرة النبوية والطبقات الكبرى وأن نابت بن اسماعيل كانت له الولاية على البيت الحرام.

72يا أيها الناس سيروا إن مصيركم *** أن تصبحوا ذات يوم لا تسيروناحثوا المطي وأرخوا من أزمتها *** قبل الممات وقضوا ما تقضوناقضوا أموركم بالحزم إن له *** أمراً رشيداً وراء الحزم مأموناما إن عمرنا بدهر كان يعجبنا *** حتى أتانا زمان أظهر الهوناأما ولاية بن نزار بن معد بن عدنان للكعبة ، فإن أهل العلم قالوا بأن نزار عندما حضرته الوفاة كان لديه أربعة أولاد :هم: إياد، مضر، ربيعة، أثمار . .فآثر أن يولي الكعبة إلى إياد وأعطاه حُلَّته وعصاه، وأعطى مضر ناقة حمراء، وربيعة فرسه ، وأعطى أثمار جارية تسمى (بجيلة، فحضنت بنيه ، فسموا بجيلة أثمار .)وأما بنو إياد فقد تولوا حجابة البيت وكان أمر البيت قد وصل إلى رجل منهم يقال له وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد.فحدث نزاع بين بني إياد وبني مضر، حيث قتل إيادي مضرياً أثناء الصيد وقد أجلوا بني إياد بعد أن دفنوا المضري عند الركن الأسود فأخذوا ولايته .وممن ولي الكعبة من مضر : أسد بن خزيمة بن مدركة، وهو من أجداد النبي محمد صلی الله علیه واله وسلم .(1)أما ولاية خزاعة لمكة في الجاهلية فإن نسب خزاعة هم من ولد قمعة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان . . ومنهم من قال إن خزاعة بنو حارثة بن عمرو بن عامر ومنهم من يقول إن خزاعة من قحطان ..


1) الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة ص 176-177.

وعلى كل حال فإن ولاية خزاعة لمكة جاءت وكما ذكرنا قبل قليل بأن بني بكر بن عبد مناة وغبشان وهم من خزاعة وهم الذين أخرجوا جرهم من مكة وولوا البيت ومكة وبقيت بأيديهم حتى وصلت إلى قصي بن كلاب.ويذكر أن غبشان من خزاعة انفردت بولاية البيت دون بني بكر بن عبد مناة (1.)ولم تزل خزاعة تلي البيت كابراً عن كابر ، حتى كان آخرهم (حليل بن حبشية بن سلول وهو من أحفاد عمرو بن لحي ، الذي كان يلي البيت واسمه ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر . . وهناك من يقول بأن أول من ولي البيت هو عمرو بن الحارث الغبشاني. .)المهم أن آخر من ولي البيت ومكة خليل بن حبشية .. وهناك أخبار كثيرة متضاربة في هذا الموضوع فيما يخص خزاعة ، ولكن لا يدخل التفصيل هنا في موضوعنا لعدم حاجة البحث إليه .وإن ما يهمنا هو أن خليل بن حبشية آخر من ولي البيت ومكة من خزاعة قد نقل هذه الولاية إلى قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب . . الجد الأعلى للنبي صلی الله علیه واله وسلم وهو من قريش .## قريش وقصيقريش وقصي :ونحن نتحدث عن مكة في الجاهلية لا بدَّ أن نختصر حديثاً عن قريش من حيث نسبهم وفضلهم وتسميتهم وولايتهم للكعبة ومكة .فنسب قريش اختلف فيه المؤرخون، فمنهم من قال إنهم من ولد فهر


1) السيرة النبوية ج 1 ص117.

ابن مالك بن النضر بن كنانة ، ومنهم من قال إنهم من ولد النضر بن كنانة . . . أما فضلهم فورد في حديث عن الرسول الكريم صلی الله علیه واله وسلم :"إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة . . . "أما تسميتهم بقريش فقيل سمّوا قريشاً من التقرش، والتقرش : التجارة والاكتساب. وقيل لتفتيشهم عن حاجة الناس وسدّهم لها، وقيل بتجمعها وتفرقها (1.)أما بطون قريش فإن بعضهم يعرف بقريش البطاح وهم بنو كعب بن لؤي، لأن قريشاً حين قسموا بلادهم أصابت كعب "الأباطح" ، وبعضهم يعرف بقريش "الظواهر" فهم محارب والحارث ابنا فهر، وبنو عامر بن لؤي، والأدرم بن غالب، وبقية قريش . إلا أن الحارث بن فهر دخل مكة، فهي من البطاح .وبعضهم يعرف ب- ( قريش العاربة وهم ولد سامة بن غالب بن فهر، وبعضهم يعرف ب- (قريش العائدة) وهم بنو خزيمة بن لؤي بن غالب بن فهر .(2))أما ولايتهم للكعبة ومكة فكان السبب هو قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ، فقد تزوج من ( حُبَّى بنت خليل بن حُبشية بن سلول وكان يتولى البيت ومكة ، عندما حضرته الوفاة جعل ولاية البيت ومكة إلى زوج ابنته (قصي بن كلاب () والذي ولد له منها أربعة أولاد هم : عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبد بنو قصي.)ولما مات خليل أبت خزاعة أن تدع قصياً وذاك، وأخذوا المفتاح منه فاستنصر برجال من قريش وكنانة ، فأجابوه ، واستنصر أيضاً بأخيه لأمه (رزاح


1) الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة ص187 .

2) المصدر السابق ص 186.

ابن ربيعة، فخرج إليه بإخوته ومن تبعهم من قضاعة ، فقاتل بهم قصي خزاعة بعد انقضاء الحج في مكان يسمى (المفجر) لما فجر وسفك من الدماء وهو موضع قرب منى ، ولما كثر القتل والجراح بين الطرفين ، تحاكموا لدى- يعمر ابن عوف بن كعب بن عامر بن الليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وكان شريفاً، فحكم بأن لا تباعد لأحد على أحد في دم ·)وحكم بحجابة الكعبة وولاية أمر مكة لقصي دون خزاعة، لما جعل له حليل ( أي على وصية والد زوجته حليل بن حبشية وأن لا تخرج خزاعة من مساكنها في مكة، فسمي يعمر يومئذ (الشداخ) لأنه لما حكم قال : "ألا أني قد . (1)شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدمي هاتين " .)وعندما استقر الأمر لقصي في حجابة البيت وأمر مكة، بادر بجمع قومه من قريش من منازلهم ودعاهم إلى السكن في مكة والعمل فيها ليستعز بهم، وأصبح سيد قومه فملكوه عليهم.ولقصي أمور كثيرة قام بها وذكرها المؤرخون، وأنه اتخذ لنفسه دار الندوة وجعل بابها إلى الكعبة، ففيها كانت تقضي قريش أمورها، وأن أمره في قومه كالدين المتبع لا يعمل بغيره في حياته ومن بعده.. وإن قصياً مات بمكة ودفن بالحجون، وبعد ذلك اتخذ الناس الحجون مقبرة لموتاهم. وعلى كل ما ورد فإن قصياً هو أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكاً أطاع له به قومه .إذا كان لقصي كل الأمور بمكة مثل الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء والقيادة، ويقال بأن قصي آثر ولده عبد الدار على بقية إخوته الثلاثة، عبد مناف وعبد العزى وعبد بني قصي.


1) نفس المصدر السابق بتصرف .

## الصراع القديمالصراع القديم :ذكرنا بأن مكة كانت تخضع لسلطة رجل واحد وهو قصي عبد شمس ابن كلاب وقد خاض حرباً مع خزاعة إلى أن تمت له السيطرة على مكة، وكان قصي في حياته قد أسند الرفادة والسقاية واللواء والندوة والحجابة لابنه الأكبر عبد الدار .وبعد وفاة قصى فإن خلافاً حاداً ظهر ضد عبد الدار وذلك لإمساكه كل أمور البلد بيده معللا ذلك بوصية والده ، ولكن الخلاف لم تخمد جذوته، وامتد الخلاف إلى الأبناء، فتزعم بنو عبد مناف الثورة ضد بني عبد الدار .وبذلك فقد انقسمت قريش بين الفريقين وكانت البطون التي تؤيد بني عبد مناف هي بطون عبد شمس وأسد وزهرة وتيم والحارث. أما البطون المؤيدة لبني عبد الدار فهي مخزوم وبني تامر وسهم وجمح وعدي، وهناك من وقف على الحياد ، وجماعة بني عبد مناف هم المطيبون وجماعة بني عبد الدار هم الأحلاف . . كما ورد ذلك سابقاً .ثم إن بني عبد مناف بن قصي عبد شمس ، هاشماً والمطلب ونوفلاً أجمعوا على أن يأخذوا ذلك من أيدي بني عبد الدار لشرفهم وفضلهم في قومهم على بني عبد الدار ، وكاد أن يقع بين الفريقين قتال ثم اصطلحوا على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار، فولي السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف، وهو الذي أول من هشم الثريد وأطعم الطعام بمكة ، وقد مات هاشم بالشام عندما كان في تجارة له . فتولى السقاية والرفادة بعده أخوه المطلب بن عبد مناف، وكان يسمى الفيض لسماحته وفضله ومات بردمان باليمن . فتولى السقاية والرفادة بعده ابن أخيه عبد المطلب بن هاشم وهو جد النبي الكريم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب

ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب (1وكان من حكام مكة في الجاهلية من أولاد عبد المطلب ابناه الزبير وأبو طالب وكانت قريش متراضية عليهم ويكنون الاحترام لهم، ليس لأن أحداً منهما كان متملكاً على بقية قريش ولكن لاحترام بطون لهما لصفات اشتهروا بها ، والمعروف عن عبد المطلب بأنه أولد عشرة أبناء منهم أبو طالب والزبير والحارث والعباس وأبو لهب والحمزة وعبد الله وغيرهم، وكان أصغرهم عبد الله والد الرَّسول الله صلی الله علیه واله وسلم .)وكان لأولاد عبد المطلب منعة عظيمة، وكان قسم منهم ذا سعة عظيمة من المال والثروة مثل العباس وأبو لهب وكان منهم متوسط الحال مثل أبي طالب ولكنه كان مهاباً في قريش وله الكلمة ، وكان تاجراً متوسطاً على غير ما يذكر عنه من شدة الفقر .. ونرى أن ذلك مجافٍ للحقيقة ذلك أنه كان يصطحب معه النبي وهو صغير في تجارته إلى الشام وقد كفل الرَّسول بعد وفاة عبد المطلب حيث كان سنداً وعوناً له ومانعاً عنه أذى قريش .. والذين ذكروا فقره الشديد قد التبس عليهم الأمر بسبب الرواية القائلة بأن أبا طالب كان في فاقة وهو كثير العيال فذهب الرَّسول صلى الله عليه وسلم وعمه الحمزة إلى أبي طالب وقالوا له إنك كثير العيال وفي فاقة فأعطنا من أولادك ليكونوا بعهدتنا فقال لهم :" خذوا من شئتم واتركوا لي عقيلاً " والحقيقة أن الحمزة بن عبد المطلب لم يكن له أولاد كذلك النبي وكان ذلك قبل الدعوة ولأبي طالب أولاد عدة فسألوه أن يكفل كل منهما واحداً من أبنائه لحرمانهم من الأبناء فقال لهم مقولته تلك فأخذ حمزة (جعفراً وأخذ النبي (علياً ) وكان أبو طالب يرغب ببقاء عقيل عنده .)


1) وهناك أخبار تقول بأن قصي أعطى ابنه عبد مناف السقاية والندوة وأعطى عبد الدار الحجابة واللواء وأعطى عبد العزى الرفادة وأيام منى وأعطى عبد بني قصي جهلتي الوادي وجاء في السيرة النبوية أن قصى أعطى عبد مناف السقاية والرفادة والقيادة وأعطى عبد الدار السدانة وهي الحجابة ودار الندوة واللواء.

## بنو هاشم وبنو أميةبنو هاشم وبنو أمية:وفي نفس الوقت كانت سياسة الأحلاف متأصلة في ذلك الوقت على نحو ما ذكرنا وأن قريشاً بانقسامها إلى حلفين المطيبين والأحلاف، فكان بنو هاشم على رأس المطيبين ، وكان بنو أمية على رأس الأحلاف وحتى عندما تأسس حلف الفضول فإن المطيبين هم لبنة هذا الحلف، وإن موقف أصحاب حلف الفضول من العاص بن وائل السهمي (والد عمرو بن العاص هو الذي جعل العاص يكون من أشد أعداء الدعوة الإسلامية وسمي بشانئ رسول الله في الآية الكريمة و (إن شَانِكَ هُوَ الْأَبْتَرُ )في سورة الكوثر .)وكان بنو أمية متنفذين بمالهم وسطوتهم، وإن النعرات بينهم وأولاد عمهم من بني هاشم لم تخمد جذوتها ولو أنها كانت مخفية، ولكن عرف عن آل أمية حبهم للزعامة والسلطة، وهذا أمرٌ ورد على لسان وقلم كل من أرخ تلك الفترات الزمنية، وبلغ هذا التنافر ذروته عند ظهور الدعوة الإسلامية وما بعدها، حيث ظهر أبو سفيان بن حرب الأموي بموقف الند الكبير ضد الرَّسول محمد صلی الله علیه واله وسلم ، وتزعم جبهة الكفر في كل مواقفها منذ اليوم الأول من خلال مكانته في قريش المتمثلة بثروته العظيمة، وكان هو صاحب تجارتها وعظيم ملاكها، فتحزب معه كل من خاف من هذه الدعوة ومنهم أبو لهب الذي تنصل عن هاشميته وكان الشاذ الوحيد من بني هاشم ولنقل من كبارهم.فتعدت بذلك النزعة القبلية في هذا التغيير ولكن الاحتدام القديم بدأ يظهر بأشكاله الجديدة وإلى ما وصلت إليه أحداث سوف نذكرها لاحقاً.

## ثورة الإسلامثورة الإسلاملقد كان ظهور الإسلام ثورة بكل معانيها وكان الهزة العظيمة التي كان يحتاج إليها المجتمع لينتقل من واقع إلى واقع آخر تختلف فيه جميع مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية وفي مقدمة ذلك المعتقد أوالدين .فقد تصدى الواقع الجديد إلى كل ما كان يبتعد عن العنصر الإنساني من جانب العبادات أولاً حتى يصل من خلال ذلك إلى تطبيق الوحدة والمساواة بين الأفراد ونبذ الصراعات ، طبقية كانت أم عرقية، ودعا الإسلام إلى أسلوب جديد للحياة، ورسالة تدعمها السماء، وهذه الرسالة لها من الشمولية بحيث تدخل في جميع جوانب الحياة البشريَّة، فلا ظلم ولا اضطهاد ولا تعسف ولا ربا ولا بغاء ولا جور ولا وأد للبنات ولا للمحصنات ولا عبدة أوثان . . وإنَّما عبادة الله الواحد الأحد ولا قول زور وإنما إشاعة الأنماط الراقية من الأفكار الخلاقة التي ارتأت رسالة الإسلام الخالدة أن تسود المجتمع.ولا بدَّ لهذه الثَّورة من قيادة .. وهذه القيادة اختيرت بعناية إلهية تمثلت بمحمد بن عبد الله الهاشمي القرشي، الذي عاصر المجتمع بكل سلبياته وأدرانه، ومن خلال معايشته لعوامل الصراع وحضوره الأحلاف وكذلك من خلال ما كان يحمله من عبقرية قيادية منحه إياها الباري سبحانه وتعالى ورسم في شخصيته كل صفات العظمة الأمانة من والصدق وشرف النسب وقوة الحجة والحديث والمنطق والشجاعة الفائقة والعفة وسمو الخلق لأن رسالات السماء

لا يمكن أن يقوم بحملها إلا العظماء من البشر، بل من الأفذاذ الذين لا يظهر منهم للوجود إلا ما ندر وحسب الإرادة الإلهية .فالإسلام في جانبه الروحي كان ثورة إنسانية شاملة، بل هو إيدلوجية متكاملة بالمعنى الحديث لهذا المصطلح .. فالإسلام ظهر كقوة روحية وقوة اجتماعية، ومن ذلك كله سوف نرى القوى الرجعية واليمينية التي حاولت جاهدة الوقوف ضد أي تغيير يضرُّ بمصالحها ، أمام قوة ثورية جديدة على النقيض تماماً من القوى الأولى، وسوف نشاهد شكلاً جديداً أشكال من الصراع الذي لم يتوقف أصلاً منذ القدم .. بل الأكثر من ذلك نرى بأن هذا الصراع ظل ممتداً بين قوى الخير والشر، بين اليمين الرجعي والقوى الثورية التي بعثتها الدعوة الإسلامية .ومن خلال نجاح الدعوة الإسلامية بالرغم من مواجهتها صراعاً مريراً لم يكن يقتصر على القوة العسكرية بل اعتمد الفكر والعلم وبقيادة روحية طبقت تعاليم السماء بدقة متناهية . .فظهرت هذه الدعوة الجديدة التي مدت اشعاعها ليعم أرض المعمورة، ويقوض ليس فقط المجتمع الفاسد بعلاقاته الروحية والاجتماعية في شبه الجزيرة وكل أرض العرب بل ويمتد حتى يقضي على أكبر إمبراطوريتين موجودتين في ذلك العصر. ذلك العصر ، . . وهذا لم يكن ليحدث دون مقدمات كما سبق وإن ذكرنا .وفي هذا الواقع الجديد سوف نرى بأن التأثير القبلي قد اختفى تماماً عند قيام الدعوة الإسلامية، فبالرغم من أن النبي من بني هاشم، فنرى بأن هاشماً لم تقف كلها مع النبي في دعوته عدا عمه أبا طالب والحمزة والعباس وابن عمه علي بن أبي طالب الذي كان أول من آمن به وكذلك جعفر بن أبي طالب

وقلة قليلة أخرى من أقاربه ونساءً من داخل أسرته مثل فاطمة بنت أسد زوجة أبي طالب ولبابة بنت الحارث أم الفضل زوجة عمه العباس، وكانت في مقدمتهم أم المؤمنين والمؤمنات خديجة الكبرى.ولكن نرى موقف عمه أبي لهب وبعض أقاربه بل قريش كلها تقريباً كانت تقف ضده. فعندما تم (اتفاق الصحيفة بين قريش وحصار بني هاشم وبقية المسلمين نرى بأن عمه أبا لهب كان مع الحصار وكان موقف العباس وأبي طالب والحمزة مع النبي ومنعوا النبي أذى قريش وموقفها هو الذي حدا بقريش لإقرار الصحيفة.. ومن ثم تم تمزيقها بعد ومن ثم تم تمزيقها بعد أن ظهرت معجزة الله في أضعف مخلوقاته عندما أكلت حشرة الأرضة الصحيفة المعلقة داخل الكعبة عدا كلمة (بسمك اللَّهم) وتم فك الحصار عن المسلمين.)وهنا نرى تفكك القبيلة أمام تضامن المصالح عند بداية الدعوة . . بينما نجد من كان في حكومة مكة وكثيراً من أفراد القبائل التي لم تدخل حلف الفضول، قد أسلموا ووقفوا إلى جوار النبي، وحتى في الهجرة الأولى إلى الحبشة وكذلك الهجرة إلى يثرب ، نجد بأن المسلمين الذين هاجروا ،كانوا يمثلون مختلف القبائل ، وكانت هذه القبائل تتصارع على السلطة والحكم والنفوذ والثروة .والآن قد جمعهم الإسلام في موقف فكري وعقائدي واحد، جمعتهم العقيدة الجديدة بسماحتها وروعتها وإنسانيتها وبروحانيتها .وفي هذه الدعوة الجديدة نرى بأن خصومها مثل أبي سفيان وأبي لهب ، وأمية بن خلف وغيرهم لم تنفعهم أموالهم ولا سلطتهم أمام المد الثوري العظيم للإسلام.فانظر لأبي سفيان بن حرب بن أمية فقد وجد بأن الدعوة الإسلامية هي

ثورة موجهة ضده وضد حلفائه .. كما نظر إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم الهلال على أنه خصمم جاء ليقاوم سلطانه وسلطان أمية وأحلافهم وأن النبي جاء ليستولي على السلطة في مكة لتنفرد بها بنو هاشم.وعودة إلى حلف الفضول .. نراه كان أشبه بتكتل سياسي ويقود الأثرياء من طبقة التجار وضم حلفاء من غير أبناء هذه الطبقة.. وعند ظهور الإسلام اختفى هذا الحلف فلم يؤيد الدعوة أو يقاومها بل نجد أن بعض قادته قد حارب الدعوة حرباً شعواء.. ولكن عندما نجحت الدعوة وأعطت ثورة الإسلام نتائجها وقادت المجتمع العربي كله .. وتسلم الإسلام السلطة الدينية والدنيوية، بدأ حلف الفضول بعد الاستقرار يظهر أثره في النزاع على السلطة. وبدأ أصحاب المصالح بالتفتيش عن موضوع توزيع القوى بشكل جديد وبأسلوب مصلحي يتخذ أشكالاً عدة.فالإسلام ليس ثورة مصالح، بل هو ثورة إنسانية شاملة على الظلم الاجتماعي وعلى الاستبداد الطبقي ، فهو رؤية جديدة للعالم في جميع النواحي، فكان الإسلام طرازاً نادراً من تاريخ البشرية إذ فجر حضارة جديدة أمسكت زمام الأمور وقادت العالم إلى نوع جديد من التطور الإنساني ونظرة جديدة للكون ولعلاقة الإنسان بالعالم وعلاقة البشر فيما بينهم، فكان الإسلام نظرة جديدة في الأخلاق وفي التاريخ وفي الاجتماع وحتى فيما وراء الطبيعة .وعندما انتصر على الإمبراطوريات العظيمة لم يتم ذلك بالسلاح حسب، حيث أن الإمبراطوريات كانت من القوة القادرة على تقويض هذه الثورة وهذه الدعوة والحد من انتشارها ، بل كان الفكر والعقيدة والإيمان كان ذلك هو السلاح الأقوى .ونحن نتحدث عن الإسلام كونه ثورة اجتماعية ولكن هذه الثورة تختلف

عن جميع الثورات قديمها وحديثها، فما هي أوجه الاختلاف؟ . .نقول .. الإسلام ثورة على المجتمع وواقعه الفاسد، فهو عقيدة دينية جذبت إليها الفقراء والأغنياء على حد سواء . . فقد خاطبت هذه العقيدة عقول الناس وأمالت إليها القلوب لأن هذه العقيدة التي جاء بها الإسلام هي أسمى ما تجلت به الأديان ووضعت هذه العقيدة قوانين تتعلق بكل مناحي الحياة مدعومة من السماء بدستور أنزله الله على نبيه العظيم ورسوله وهو القرآن الكريم .وكانت الفطرة الإنسانية النقية والصادقة دافعاً لميل الكثير ممن اعتنق الإسلام الذي وافقت تعاليمه تلك الفطرة السليمة .فالغني عدَّ دخوله في الإسلام دعوة للمشاركة الإنسانية في خلق مجتمع جديد من خلال إيمان كامل لا يشوبه شيء بوجود الخالق ولا بد لأن تكون تبعية الإنسان إلى خالقه ظاهرة وموجهة وفق تعاليم الإسلام، حتى ولو فقد الغني أمواله في سبيل هذا الأمر . . بالإضافة إلى عامل آخر، هو المعرفة العميقة لصاحب الرّسالة من خلال مواصفاته المعروفة والمشهود له بها من الجميع، ولا ننسى عامل الصداقة والعلاقات الشخصية بالنبي .ومن هؤلاء كان أبو بكر بن أبي قحافة (الصديق ولقب بالصديق لتصديقه الرسول في دعوته وكذلك عثمان بن عفان .. الذي انسل من الأمويين المعروف موقفهم من آل النبي قبل الإسلام وبعده .)وهما، أي أبو بكر، وعثمان كانا من العشرة المتنفذة في حكومة مكة، كما اسلفنا . ثم جاء بعد ذلك إسلام عمر بن الخطاب وقبل فتح مكة بسنة واحدة أسلم خالد بن الوليد بعد أن كان سيفه أشد السيوف على المسلمين .إذاً من العشرة أعضاء حكومة مكة قبل الإسلام أسلم خمسة وهم: أبو

بكر الصديق وعثمان بن عفان والعباس بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد، وكان إسلام أربعة منهم قبل الهجرة عدا خالد بن الوليد.والملاحظ بأن أول الداخلين إلى الإسلام هم في أغلبهم من أبناء حلف الفضول .بدأ الإسلام بثلاثة فقط آمنوا بالنبي في أول يوم نزلت عليه بوادر الرسالة بنزول جبرائيل الأمين عليه . .وهم خديجة الكبرى بنت خويلد الأسدي زوجته وعلي بن أبي طالب ابن عمه وأخوه وزيد بن حارثة الذي تبناه وكان هؤلاء يقيمون مع النبي في بيته . . وبعد ذلك كان أبو بكر الصديق أول من آمن به خارج هذه المجموعة .ثلاثة فقط من مستويات مختلفة ، فخديجة زوجته الأمينة، التي ساعدته في كل شيء وهيأت له جميع السبل عندما كان يختلي بنفسه ويتفكر في الكون وفي الخلاص، وكانت السيدة خديجة ثرية ولها تجارتها المعروفة، وكان علي ابن أبي طالب، ابن عمه وأقرب الناس إليه وهو الذي طلب من عمه أبي طالب أن يكون عليّ معه لحبه الشديد له ، مع تأكيدنا بأن اهتمام النبي بعلي وتقريبه إليه كان من وحي دواخله لكي يكون النبي صلی الله علیه واله وسلم مدرسته في الحياة، ويعده ليكون بناؤه النفسي والروحي قريباً منه صلی الله علیه واله وسلم ، ولينشأ عليها علي وهو فتى يافع .. وأما زيد بن حارثة فكان عبداً اشترته السيدة خديجة، وقد كان النبي يحبه بشدة ويشفق عليه إلى أن وصل به الأمر إلى تبنيه ، وكان يسمى زيد بن محمد، إلى أن نزلت الآية الكريمة التي أنهت هذه التسمية (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِجَالِكُمْ هؤلاء الثلاثة من طبقات مختلفة، وقد مثلوا ثلاثتهم مثالاً للتآزر مع النبي في بداية الدعوة.)وكان إسلام أبي بكر الذي هو من نفس طبقة خديجة وكان صديقاً ومحباً

للنبي قبل الدعوة وإسلامه المتقدم دليل على أن الدعوة لم تضم المستضعفين فقط، وإنما الإيمان يدخل في قلوب الأثرياء أيضاً .. وعندما بدأ أبو بكر يعمل من أجل الدعوة توجه إلى أناس من طبقته مثل عثمان بن عفان، وإلى غيره والأكثر من وضع هؤلاء المتقدمون أموالهم في خدمة الدعوة .. فأسلم الزبير بن العوام وهو ابن عمة الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم (صفية بنت عبد المطلب وطلحة ابن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص .. وكانت عشائر هؤلاء من الداخلين في حلف الفضول . .)

## شكل الصراع منذ ظهور الإسلام حتى فتح مكة:شكل الصراع منذ ظهور الإسلام حتى فتح مكة:عندما ظهرت الدعوة وفي أيامها الأولى كان أفرادها لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، وبدأ الإسلام بالانتشار بشكل خفي، واعتمدت الدعوة التنوير والإقناع بالعقيدة الجديدة وهي الإيمان بالله الواحد ونبذ عبادة الأوثان والدعوة إلى المساواة في المجتمع ورفض أي شكل من أشكال العبودية والتسلط، والحديث عن ضمان أن تتكون حياة كريمة للجميع وخاصة المعدمين في المجتمع وإلغاء سلطة القلة من أصحاب المال والنفوذ التي كانت تسير المجتمع حسب مصالحها، وكما دعا الإسلام إلى محاربة كل ما يبتعد عن الجانب الإنساني مثل الربا والبغاء والعبودية (امتلاك الناس وعبادة الصنم أو الإله الذي لا ينفع ولا يضرُّ ، والاحتكار، والكثير من عادات الجاهلية مثل وأد البنات وقذف المحصنات ونصرة الظالم بمجرد أن يكون من القبيلة، ودعا الإسلام إلى نبذ التعصب القبلي ودعا لأن يكون للفقير حق على الغني . .)ويمكن أن نقسم دعوة الإسلام على المحاور التالية :1 . التوجه لعبادة الله باعتباره خالق الكون والذي له ما في السماوات وما في الأرض ونبذ عبادة الأوثان وفي نفس الوقت احترام الأديان السماوية التي سبقت رسالة الإسلام من الموحدين وأهل الكتاب، ودعوتهم إلى الإسلام.2 . تنظيم حياة المجتمع بصورة جيدة والذي كان يقود المجتمع هي العلاقات التجارية من خلال كبار التجار فحدد أسلوباً جديداً في هذا المضمار ، ووضع قوانين جديدة في مجال التجارة وعلى التجار، وبدأ بتحريم الربا وألغى بذلك كل (الأعمال المصرفية على صيغتها في ذلك الزمان والتي هي عماد التجارة، كما نلاحظ في النهاية عندما تم فتح مكة فقد منع المشركون من)

دخولها وخاصة المسجد الحرام .(1)حيث كان العرب يدخلون مكة لأنها سوق يبيعون ويشترون فيها، وبعد هذا التحريم نرى بأن التجارة لم تعد مركزها وأهميتها فأصبحت شيئاً ثانوياً، وبإلغاء الربا بتحريمه فإن الاحتكار قد انتهى ، والذي كان به يحدد التجار والمرابون الأسعار للبضائع والسلع التي يتاجرون بها .وكان هذا العامل برأينا هو العامل المؤثر في الصراع الجديد حيث لا بدَّ أن يقف التجار الكبار موقفاً متزمتاً للحفاظ على مصالحهم، وهذه الطبقة ومن حالفها لم يكن احترامها لأصنامها وموضوع عبادتها والإساءة إليها هو السبب الفعلي للوقوف ضد دعوة الإسلام ، بل التجارة والسلطة من خلالها ومصالحها الذاتية، ويمكن أن نضيف إليها الخلافات العائلية ولكن هذا العامل كان هو الأساس في بنود الصراع الجديد.3 . جاء الإسلام ومن خلال نصوص القرآن الكريم بقوانين جديدة للمجتمع منها تقسيم الثروات وحقوق الضعفاء والمساواة الاجتماعية، حيث لا فرق بين غني وفقير ولا أبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي . . وكانت هذه كلها خطوطاً حمراء لدى أصحاب السلطة والنفوذ . ونرى من خلال ذلك أن صغار التجار والمعدمين والعبيد كانوا هم قاعدة هذا الدين الجديد .4 . هناك نظرة استعلائية كانت لدى المكيين ونظرة الاستعلاء هذه وجدت عندهم من خلال التمايز الطبقي السائد في المجتمع قبل الإسلام ، وكانوا عند ظهور الإسلام يعتقدون بأن لو كان هذا الدين الجديد على جانب


1) جاء في القرآن الكريم التوبة 28( يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الحرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ حَكِيم).

من الصواب لآمن به سادتهم وكبارهم ، فكانوا كثيراً ما يسخرون من النبي صلی الله علیه واله وسلم عندما يرونه يجالس الضعفاء والمعدمين والعبيد ويصلي بهم ويفقههم بتعاليم دينهم الجديد .وهذه النظرة كانت تنبع من مصالحهم الذاتية ويعدون ما يقوم به النبيهو تهديد لمصالحهم . .ومن هنا نؤكد بأن صور الصراع كانت (مادية ضد الإسلام أكثر من كونها (روحية)، ولو أن هذا الجانب الأخير وضُب بشكل معين ليواكب أسباب الصراع الأخرى، ودليلنا على ذلك هو تحالف هؤلاء مع اليهود في مكة وفي نواحيها واليهود كتابيون موحدون ولا يعبدون الأصنام ، فلماذا كانوا على اتفاق وثيق معهم ؟ . .)5 . هناك أمر قد يعده بعضهم غريباً في بداية الدعوة، هو انسلاخ بعض أصحاب النفوذ والسلطة والمال وذوبانهم في الإسلام، فكيف تم ذلك ونحن نتحدث عن صراع المصالح وكيف أن هؤلاء قد انصهروا في هذه الدعوة ، وهم يعلمون أن مصالحهم سوف تنتهي أمام هذه القوانين والتعليمات والنصوصالجديدة ؟ ! .وينتقلون من واقع إلى واقع غريب عنهم وعن ما تربوا عليه وعاشوا . .فذلك يدعونا لأن نتصور بعض العوامل التي تخص هذا النوع من الحديث :أ. أما أن هؤلاء أو بعضاً منهم قد وجدوا بأن هذه الدعوة لها من القوة المعنوية والروحية بحيث أنها يمكن أن تتصدى لقيادة المجتمع فارتأوا الدخول في الدين الجديد لكي يجدوا لهم مكاناً في قادم الأيام، وفي حالة نجاح هذه الدعوة ويمكن أن يستمروا في المكانة التي كانوا عليها، بل أن يتم الاستفادة المستقبلية أكثر مما كانوا عليه سابقاً، ولو بتقديم بعض التضحيات من أموالهم

ونفوذهم.ب . أو أن هذا البعض اتخذوا موقفاً يعبر عن تأثيرات داخلية تخص فكرهم ، وخارجية نتيجة التأثيرات عليه من خلال العلاقات الشخصية التي كانت تربطهم بأصحاب الدعوة.ففي العصر الحديث نجد أن كثيراً من الثورات التقدمية واليسارية ذات التوجهات الاشتراكية والمضادة للرأسمالية، نرى بأن الكثير من قادتها أو المساهمين فيها هم أصلاً ينتمون إلى طبقات برجوازية وإقطاعية، ينسلخون من أفكار طبقتهم إلى المبادئ الثورية الرافضة للطبقية التي كانت تهيمن على وسائل الإنتاج والملكية والسلطة التعسفية ، والأمثلة في هذا المجال كثيرة وكثيرة جداً .. ولكن لهذه الثورات نتائج ومن خلال تتبع نتائجها، نتبين صوراً كثيرة حدثت في عصرنا الحديث لأمثال هؤلاء، فمنهم من انتقل نهائياً من طبقته وراح يناضل ويصارع من أجل مبادئ إنسانية وفكرية اعتنقها، ومنهم من عاد إلى طبقته، ومنهم من تسلُّق السُّلَّم على أكتاف المناضلين من الفقراء والمعدمين طالبي الحرية والعيش بكرامة، وبدا بعد ذلك في حال أشد ما يكون على هذه الطبقات التي أوصلته إلى موقع القيادة بعد أن عرف حلاوة التسلط والحكم والنفوذ . . ولعلنا نجد أمثال هؤلاء وقت ظهور دعوة الإسلام.ج. لا يمكن أن ننكر بأن هناك نفراً آمن وأخلص وضحى بكل ما يملك في سبيل هذه الدعوة إيماناً واعتقاداً منه بأن ما يقوم به نابع من مبدئية لا مجال في موضوع الشك فيها ولو بقيد أنملة، وكثيراً ما ذكر القرآن أمثال هؤلاء .وهنا لا بدَّ لنا أن نذكر القارئ بأن ما آل إليه الوضع بعد الرسول، وفيما يتعلق بهذا النوع من المسلمين الذين أشرنا إليهم آنفاً. فنرى بأن هؤلاء قد كونوا تياراً مال إلى الدعة واليمينية، ووقف ولو بصورة غير مباشرة . . ضد

التيار الثوري في الإسلام الذي أسسه الرَّسول على مبادئ رسالته والتي ظل يتمسك بها أقوى وأصلب جنود الإسلام والبطانة الحقة للنبي، وهم أمثال عليوعمار وأبي ذر وسلمان وعبد الله بن مسعود وبلال وغيرهم الكثير . .فنرى بأن الذين لم تبتعد عنهم وعن ذاكرتهم المكانة الاجتماعية والثروة والسلطة والنفوذ قد وصلوا إلى قمة الهرم في الدولة، بل الأكثر من ذلك أوجدوا أسساً للنزاع على السلطة فيما بينهم، بل الأكثر من ذلك تقريبهم وتحالفهم مع أعداء الأمس الذين دخلوا الإسلام مرغمين أم من خلال عفو الرَّسول عن الكثير منهم وأسماهم النبي ب- (الطلقاء عندما فتح مكة .. فظهر صراع جديد أخذ مظاهر شتى وباسم الدين والمعتقد، وسوف نرى بأن ذلك جلب إلى دولة الإسلام الفتية ما جلب من الخلاف والتنافر والفتن والمؤامرات، وخاصة بعد أن امتلأت بيوت المال بأموال الفتوحات ، وما نص عليه الإسلام من أمور الزكاة وخراج الأرض المفتوحة والجزية ..)إذاً كبار التجار الذين دخلوا في الإسلام مع إقرارنا بما كانوا عليه من ميل إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم من خلال معرفتهم العميقة به وبأخلاقه وشخصيته العظيمة وصدقه، ولا يبتعد هنا تأثير الصداقة، فإننا نرى شيئاً من أفكار وآراء اجتماعية حددتها طبيعة طبقتهم وقبليتهم لم يتمكنوا التخلص منها بالرغم من دخولهم الإسلام وانخراطهم في مسيرته .. ولكن ماذا حدث بعد وفاة الرسول؟ . .يقسم بعض الباحثين المسلمين من حيث انتماؤهم إلى تيارات ثلاثة، معتمداً ما اصطلح عليه في العصر الحالي مع فارق في الزمن يقارب الأربعة عشر قرناً وهي :أولاً: تيار اليسار الثوريثانياً : تيار الوسط المعتدل

ثالثاً : تيار اليمين المحافظ .هذه الصفة موجودة في الحركات المعاصرة .. ولكن هل كان لها ما يماثلها في بداية ظهور الدعوة وفي حياة النبي الكريم وحتى انتقاله إلى الرفيقالأعلى..ونحن نرى ألا وجود لهذه التقسيمات والتسميات عند ظهور الدعوة ، ومدة قيادة النبي محمد لأشكال الصراع مع أعداء الدعوة من جهة ولقيادة الجمع المؤمن بالرِّسالة والدعوة الجديدة، وتوجيه هذه الجموع وتعليمهم مبادئ الإسلام وشرائعه ودفعهم إلى الاستمرار بدعوة الناس للإسلام عن طريق نشر فكر الرِّسالة ووضعها في مجال التطبيق .. وهذه العملية برمتها هي الثَّورة والرَّسول قائدها ، وكل من آمن بها فقد انضم إلى هذه الثورة وعدَّ من الثوار على الواقع الفاسد للمجتمع، فلا يسار ولا يمين ولا وسط في ظل قيادة الرَّسول وفي حياته، واستمرت هذه الفترة لثلاثة عشر عاماً بدءاً من نزول الوحي والجهر بالدعوة وحتى الهجرة إلى المدينة المنورة ولمدة عشر سنوات أخرى، أسس بها دولة الإسلام وخاض حروبه ومعاركه وغزواته بما فيها فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة وحتى الانتهاء من حجة الوداع، وحتى آخر آية نزلت عليه من القرآن الكريم ليوم وفاته . .وفي الجانب الآخر، كانت الرجعية والفئات ذات المصالح والعداء العائلي المتأصل وهم الكفار الذين تزعمهم أبو سفيان الأموي، في جبهة ظالمة قاسية لم تدع وسيلة إلا واستخدمتها بغرض القضاء على الإسلام والمسلمين إلى أن تم كسر شوكتهم عندما وَعَدَ الله رسوله بالفتح ودخل مكة ظافراً وأعطى درساً لا يضاهى في المبدئية وخلق الإسلام عندما عفا عن مناوئيه وقال لهم. . " اذهبوا فأنتم الطلقاء " .

فدخل في الإسلام من هو مرغم وحانق .. وأصبح أمام الأمر الواقع بعد أن نصر الله رسوله والمؤمنين .. ولكن هل صفت القلوب؟! . . فنحن لا نرى ذلك، ودليلنا ما عرفناه خلال تتبعنا للأحداث بعد الرَّسول .. ورغم ما سطر كتاب السَّلاطين ومحرفوا الكلم.. حيث أعطوا للطلقاء الموقع الحسن من إسلامهم ونقلوا للأجيال التي غاب عنها التعمق في البحث والتحليل العلمي أموراً موضوعة جعلت الإسلام وكأنما قد جاء من أجل هؤلاء الذين تسلقوا سدة الحكم الإسلامي وكأن ذلك كان أمراً إلهياً فرضه الله على المجتمع الإسلامي، ويجب القبول به.. وهذا ما روّج الحكام له من هؤلاء، وسنرى ذلك عن قريب .إذاً قد يصبح وجود مثل هذه التيارات الثلاثة، ولكن بعد وفاة الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم .. حيث انقسم المجتمع الإسلامي إلى عدة تيارات، وظهرتالمصالح وبدأ النفاق يعمل وينخر في جسد الأمة . .ولا بدَّ لنا من التطرق هنا إلى شيء من الصراحة . . إذ نتحدث عن مرحلة ما بعد وفاة الرسول ، ونعني بها مرحلة الخلافة الراشدة.ولنكن أقرب إلى الدقة فإن أوجه الاختلاف والنزاع وتباين الرأي لم تبدأ أو تظهر على السطح في خلافة أبي بكر الصديق وخلافة عمر بن الخطاب. . ولو أن لنا ما نسطره من ملاحظات لا شك ولا التباس فيها أو غلواً أو مجافاة للحقيقة، فهناك أخطاء وقضايا جانبت الموضوعية الحقة للإسلام، قد حدثت ولا بد من الإشارة إليها ولكنها لم تكن السبب في مواضع الخلاف والفتنة والتناحر، ونحو المصلحية على حساب المبادئ إلا في مواضع متفرقة كان لها تأثیر بسبب الآراء الاجتماعية التي لم يتمكن قادة المجتمع الإسلامي التخلص منها رغم انصهارهم في الإسلام قلباً وقالباً .

وشيئاً فشيئاً أخذت التيارات في الظهور ، ويمكننا تقسيمها إلى أربعة تيارات وليس ثلاثة، إذا ما قيست بسياسة العصر الحديث على نطاق الثوراتومتعلقاتها وهي :1 . اليسار الثوري (وقد يصل إلى تسميته- أقصى اليسار)2 . الوسط المعتدل3 . اليمين المحافظ .4 . اليمين الرجعي المصلحي (أقصى اليمين.)والحديث عن هذه التيارات الأربعة يسبقه شيء من التفصيل الذي لا بدَّ منه، لأننا سوف نعده البذرة الأولى التي غرست في جسم الإسلام . . وكانت هذه البذرة ليست من النقاء بحيث توالت أعمالها بأساليب ملتوية أدت في نهاية الأمر إلى أن تكون السبب الرئيسي الذي حدا بالإمام الحسين بن علي بن أبي طالب بالإعداد والقيام بنهضته، بل بثورته الكبرى بعد توالي الأحداث وتسارعها بتسلل أصحاب المصالح والنفعيين إلى قمة هرم الدولة وأخذوا بتغيير المسار العام للإسلام .. وستتوضح هذه التيارات ضمن سياق الحديث وسوف يلمس القارئ ذلك عندما نمر بالأحداث التي توالت على الدولة الإسلامية . .وهنا لا بدَّ التوقف عند النقاط الآتية :(أولاً :)إن النبي الكريم عندما تم له النصر المبين وفتح مكة وبدون قتال، فقد ارتأى أسلوباً يأمل منه أن تتألف القلوب، وأن هناك احتمالاً بأن تؤثر تعاليم الإسلام بالذين وقفوا ضد الدعوة وحاربوها ، ومن خلال تعليماته التي أبداها الفتح والتي كانت في غاية السماحة والرأفة ، وقد اعتقد بأن ذلك يمكن أن

يشد هؤلاء إلى الإيمان وقد يكون استيعابهم لتعاليم الدين هو المدخل إلى أن يكون لديهم إيمان حقيقي ..وأمل من استمالتهم لأن يسلموا ويؤمنوا بطريقة اعتقدها النبي هي المثلى لأمثال هؤلاء .. فقد ترك خصومه ، وأمنهم على حياتهم عندما قال : " من دخل بيته فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.. واذهبوا فأنتم الطلقاء " . .انظر إلى البعد العميق لتصور النبي صلی الله علیه واله وسلم لأنه كان يعتقد بأن الدعوة الإسلامية تفوق خصومة الفرد أو الجماعة، وخاصة أنه بدأ يؤسس دولة جديدة دستورها القرآن الكريم . .فقد أسلم أبو سفيان والكثير من أصحاب النفوذ والمال .. وبدأ هؤلاء وضعاً جديداً غريباً عليهم بكل ما يحملون في أعماقهم من انكسار وخذلان فليس من السهل تجاوز هذه الحالة .(ثانياً :)إن الإسلام قد بسط نفوذه على الجميع، وأن الدعوة نجحت في عموم الجزيرة العربية وكانت لها امتدادات أخرى خارج هذه المنطقة، وهناك احتمالكبير جداً بأن تمتد إلى أفق أوسع من تصورهم المحصور من مجتمعهم.وقد وجدت (رجعية قريش بأن تسامح الرَّسول معهم ودخولهم الإسلام هو فرصتهم الجديدة لأن يحافظوا على مكانتهم السابقة، وطريقاً جديداً يسلكونه لتحقيق طموحهم .)فكان للرسول معهم مواقف مجاملة كان الغرض منها أن يعمق في داخلهم الإسلام وأن لا يبقى إسلامهم سطحياً، وقد أسماهم النبي هنا ب-

(المؤلفة قلوبهم . . ويحدثنا التاريخ بأن بعضاً من هذه الشخصيات بدأت)بالتقرب من النبي .. فهل كان الرسول يعرف غاياتهم أم لا؟ . .هنا يجب أن نؤكد بأن الرسول صلی الله علیه واله وسلم وكان ليس بعيداً عما يجول في أذهان هؤلاء، ولكنه أخذهم بالحكمة والموعظة الحسنة .(ثالثاً :)إن هذا النوع من المسلمين الذين نتحدث عنهم، ربما كان لهم رأي آخر عند إسلامهم .. فقد يكونون قد أسلموا واندمجوا في الدين من خلال فهمهم إن الدين الجديد هو عبارة عن موضوع (العبادة لا غير، وقيامهم بمهمات العبادة مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على أن المعروف عندهم ما يشمل التعبد والابتعاد عن كل ما نهى عنه الإسلام في مجال العبادة . . فإن هذا الطريق الذي فهموه ومن مدخل الجهاد وجدوا فرصة أخرى للمشاركة في الغزوات والفتوحات اللاحقة وأصبح لبعضهم اسم وقوة .)ومن خلال ذلك وما أثبتته الأحداث بعد وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم وخلال الخلافة الراشدة والقسم الأول من الحكم الأموي، سوف نرى هذا النوع قد مثل اليمين الرجعي دائماً، فأعاد علاقاته القديمة والمصالح والاستئثار بالسلطة ولكن بشكل جديد يتخفى تحت غطاء الإسلام .يقابل ذلك كله مسلمون مؤمنون يمتلكون جانباً عظيماً من الإيمان لا يدانيه أمر وقوة وصلابة لا مثيل لهما ، وأخلاقاً ثورية استنبطوها من أصل الإسلام ورسالته المبدعة ، فكانت هذه الطليعة الملاصقة للنبي صلی الله علیه واله وسلم وما بعده لم تتمكن أي قوة في الأرض مهما كان تأثيرها من تغيير موقفها الصلب والسامي هذا وكانت على قدر كبير من المبدئية والأخلاقية على أن الدعوة الإسلامية

كانت لا تقتصر على العبادة الله الواحد، بل عن طريقها نحو مجتمع جديد تسوده العلاقات الحية والإنسانية، وكان نموذج هذا النوع المتميز -علي بن أبي طالب- ومن سار على نهجه حتى النهاية .. ويحق لنا أن نطلق على علي بن أبي طالب ومن سار على نهجه باليسار الثوري . .وعندما نأتي بهذا المثال ليس غلواً لصالح الإمام علي وأشياعه، بل هي الحقيقة التي لم يختلف عليها اثنان ، ولم يغفلها المؤرخون وكتاب السير والتواريخ وأصحاب الصحاح.. ومن خلال الحوادث التي نقلها التأريخ لنا بدون تحيز وبحيادية عالية، وقد أقره الجميع على اختلاف نحلهم ومذاهبهم، فلم يكن هؤلاء من الأثرياء أو أصحاب المصالح والنفوذ، ولكنهم كانوا من المستضعفين وقليلاً من الوسط في المجتمع ، ولكنهم بقوا وإلى الآن رغم هذا الزمن السحيق الذي مرَّ علينا ، ظلوا رموزاً لا تنسى .. فهذا أبو ذر الغفاري، وذاك عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وصهيب الرومي وسلمان والمقداد . . وغيرهم الكثير، ومن المهاجرين والأنصار أسماء لمعت في سماء الإسلام كالنجوم الزاهرة تتألق على الدوام.وهنا لا بد أن نشير إلى مجموعة من أعداء الدعوة الإسلامية، وأعداء رسول الله ، ممن أحل النبي صلی الله علیه واله وسلم قتلهم مثل آل أبي معيط، وكذلك طريد رسول الله مروان بن الحكم وأبوه من قبل .. وغيرهم، وسوف نرى لهذه المجموعة ومن تبعها مواقف غير مشرفة بعد وفاة رسول الله ، بل نراهم قد تسلقوا إلى السلطة وولوا الولايات المهمة في دولة الإسلام، بل الأكثر من ذلك وصلوا إلى قمة هرم الدولة الإسلامية الدولة الإسلامية وهي الخلافة !!من ذلك نستنتج بأنه مع وجود النبي صلی الله علیه واله وسلم على قيد الحياة وقيادته للأمة بكل جوانبها الروحية، ومن خلال التعاليم الدينية واستمرار نزول الوحي وما

يستجد من أمور يبلغ بها عن طريق السماء، وكذلك الجوانب السياسية وهذه التي تتعلق بتحديد العلاقات ورسم صورة وخارطة جديدة للدولة الإسلامية العربية، إضافة إلى الجوانب الاجتماعية ما فرض الموقف الجديد من تبديل شامل لآليات التعامل المجتمعي بعد التغيير الهائل نتيجة الدعوة ، إلى أن نصل إلى الجوانب الاقتصادية والسياقات الجديدة والنظم المتعلقة بهذا المجال، ومن الطبيعي أنه يجب أن لا ننسى الجانب العسكري أو الحربي الذي كان يديره الرسول الكريم بأمره وبمشورته .إذا هل كان النبي صلی الله علیه واله وسلم يتحمل هذه الأعباء وحده، أم لا بد بأن يستعين بأشخاص يمتلكون القدرة والقابلية والروح الجهادية وعمق الإيمان لكي يكونوا عضداً له لكي يسير الفكر الجديد بشكل جدي وصحيح في مسار التطبيقوالممارسة .

## الشورىالشورىهنا نسأل ... هل كان في زمن النبي صلی الله علیه واله وسلم لمجلس للشورى؟.. ونؤكد على هذا الجانب لأن نص الشورى موجود وثابت في القرآن ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ووَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ )وإذا كان هناك مجلس فما هو شكله وما هو شكله وما هو عمله؟ وما عمله؟ وما هي واجباته؟ وما هي مواصفات أعضاء المجلس ؟ .. لم يذكر أحد بأن هناك مجلساً للمسلمين قد تشكل بشكل (رسمي في عهد الرَّسول .. وهناك من يقول بأن النبي صلی الله علیه واله وسلم لم يشكل هذا المجلس لكي لا يفرضه على المسلمين .. وقد يكون هذا الرأي فيه من الأخطار بحيث لا يمكن أن نتصور بأن النبي صلی الله علیه واله وسلم إذا أراد أن يشكله تقف أمامه حالة الفرض المعنية هذه .. وهناك من قال بأن أهل الحل والعقد هم يمثلون مجلس الشورى في زمن الرَّسول وهم من دعوهم بالعشرة المبشرة . .)وعليه فقد تم اعتماد بعض منهم في موضوع الشورى الذي سوف نتحدث عنه في موضوع انتخاب الخليفة عثمان بن عفان . . فإذا اعتقد البعض أن العشرة المبشرة هم أهل الشورى في زمن النبي صلی الله علیه واله وسلم ..فإن ذلك يعني ان جلَّ أهل الشورى هم من أثرياء قريش ومكة قبل الإسلام وبعده إذا ما استثنينا عليَّ بن أبي طالب .. أي أن الصحبة والشورى هذه تمت بوجود أشخاص من كبار رجال المال والسلطة وحتى من كان منهم ليس من طبقة التجار الكبار في الجاهلية وإنما من الوسط نرى هذا البعض قد أصبح من أصحاب الملايين أيام

الخليفة عثمان بن عفان أمثال طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، وكثيراً ما استغل بعضهم في مرحلة ما بعد النبي صلی الله علیه واله وسلم أشخاصاً يعدون أكبر المسلمين سلطة على قبائلهم .ولا أجد مصدراً يؤكد بأن النبي قد أشار لهؤلاء العشرة فقط بالجنة دون غيرهم.. والكل يعرف بأن هناك أحاديث عديدة وكثيرة للنبي صلی الله علیه واله وسلم يبشر بها بعض المسلمين الأوائل والمجاهدين بالجنة ومما وصل إلينا عن ( جعفر الطيار شهید مؤتة وأبي ذر الغفاري وغيرهم الكثير .. يعني أن المبشرين كثر وليس هؤلاء العشرة فقط .)ولو راجعنا تفسير الشورى في الإسلام .. لوجدنا بأن هناك عدة آراء حول هذا المفهوم وأن بعضهم قد فسر الشورى ؛ من التشاور في أمور تحدث أثناء المعارك والحروب التي خاضها النبي صلی الله علیه واله وسلم والبعض الآخر فسرها على ضوء بعض الأحداث التي ارتأى النبي أن يشاور أصحابه فيها .. ومنهم من أكد بأن النبي صلی الله علیه واله وسلم كان يؤثر الشورى أو التشاور ليعلم أصحابه بهذا المبدأ وأن لا يشذ أحدهم في الرأي عن البقية وهذا أحد دروس مدرسة الرسول لأصحابه؛ لأن من سوف يكون بيده الأمر لن يكون بمنزلة النبي صلی الله علیه واله وسلم الذي يوحى إليه وهو معصوم من الخطأ والزلل ، وأصحابه بعده سوف يكونون بحاجة إلى هذا المبدأ كباقي البشر العاديين .. ولكن أن يكون هناك مجلس للشورى في زمن النبي فلم يكن له وجود.إن الإسلام لا يمكن أن يعتمد العصبية القبلية (كما ظهرت واضحة في مجلس شورى الخلافة الذي عينه عمر . . وإنّما كان ينظر إلى الجهاد من أجل الدعوة والصدق والإخلاص الذي يظهر على المسلم من خلال ما يمتحن به أثناء المواقف التي مر بها الإسلام، ولم يعتمد الإسلام مبدأ التوريث في تسلم)

الأمر والقيادة ، وإنّما اعتمد مبدأ المساواة .ورب قائل يقول لماذا يعتقد الشيعة بأن حق علي بن أبي طالب يأتي بالوراثة لأنه ابن عم الرَّسول وأخوه وأقرب الناس إليه وزوج ابنته؟! . . أليست هذه وراثة، فَلِمَ لا يقبلون الوراثة عندما نودي بها فيما بعد؟ . .نقول . . إذا كان الشيعة يعتقدون أفضلية الإمام علي كونه وريثاً شرعياً يستند إلى القرابة من الرسول صلی الله علیه واله وسلم فهم على خطأ كبير واعتقادهم هذا فيه انحياز ويفتقر إلى العلمية .بل إن الإمام علياً كان على جانب كبير من العلم والتفقه في الدين، وكان أول من آمن بالنبي ، وأشجع الناس بلا نقاش ، وما يمتلكه من مواصفات وعبقرية لا توجد لدى غيره من الصحابة وكان المجاهد المخلص والفدائي العظيم .. بل كان يمثل الإيمان متى ما حلَّ خطب أو حدثت موقعة أو وجد أمام مسألة ما . .فهو الذي وصفه النبي صلی الله علیه واله وسلم عندما تصدى في معركة الخندق لفارس فرسان الكفر " عمرو بن ود العامري " وقتله عندها قال الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم : برز الإيمان كله على الكفر كله وكان باب مدينة علم النبي، ويحبه الله ورسوله، كما قال النبي صلی الله علیه واله وسلم يوم خيبر : " لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله " ... وقول الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم لعلي عندما لحقه إلى تبوك وقد خلفه على المدينة :" ألا ترضى بأن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " . .والنبي صلی الله علیه واله وسلم ما ينطق عن الهوى .. ونعتقد أن أفضلية الإمام جاءت من ذلك، وليس من جانب الوراثة الأسرية .. والأمثلة كثيرة ولكننا نريد أن نستمر بحيادية بحثنا لنتوصل إلى الحقيقة .. لأن متن البحث سوف يوضح ذلك ..

لأننا سوف نرى من يقول بأن الإمام علياً كان يطمع في الحكم.. ولكن هذا الرأي جاء في عصر متأخر وفي ظل حكم رجعي ويميني حيث كانت السلطة العليا فيه تورث . .ونعود إلى الشورى .. فإذا كان هناك شورى على شكل مجلس مثل ما يظن البعض، لماذا لم يذكر أحد بأن النبي وفي أيام مرضه لم يدع هذا المجلس ويشاورهم على من سيخلفه !! إذا كان معنى المشاورة وشاورهم في الأمر على تفسير من قال به على ذات المعنى !إن تدوين موضوع الشورى في هذا البحث وبهذا الشكل أردنا به مقدمة الموضوع سيأتي لاحقاً له علاقة وثيقة بأصل بحثنا .. وما ذكرناه وما ورد قبل قليل سبيلنا إلى تذكر الأحداث التي أعقبت حياة النبي صلی الله علیه واله وسلم، وحددت هذه الفترة المسار الجديد للإسلام بانعطافاته ومتغيراته .. وسوف نجد إن شاء الله أن ما ذكرناه في المراحل التي مرت في بحثنا له الصلة الوثيقة بما نتناوله منحديث . .إلى أن نصل إلى النقطة الرئيسة والحاسمة للبحث ... والتي هي ثورة الحسين .

## ما بعد النبي صلی الله علیه واله وسلمما بعد النبي صلی الله علیه واله وسلمكانت وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم حدثاً جللا، وصدمة عظيمة بحيث أن البعض لم يصدق أن النبي صلی الله علیه واله وسلم قدمات . والبعض الآخر لفه الحزن العميق لهذا المصاب، وما سيرافقه من انتهاء الصحبة بغياب صاحبها العظيم، وأن الوحي قد انقطع الآن، والوساطة بين الناس والسماء قد رحلت، وستبقى فقط عقيدة الإسلام العظيمة وتعاليمها التي وردت في القرآن الكريم وعن النبي وسميت بسنته، ومدى ما سوف يسير عليه المسلمون بعد ذلك، وكان الأمل أن يستمر الوضع بصفة مشابهة لوضع كان الرسول فيه موجوداً، ولا بد أن يكون هناك من يكمل المسيرة، ويقود المجتمع المؤمن وأن تستمر رسالة الإسلام على منهجها الأصلي بدون تلاعب و تغيير في أطرها العامة.فلا بد من وجود من يقود المجتمع الإسلامي ويرأس هذه الدولة الفتية التي غاب عنها مؤسسها وقائدها ووسيط السماء والبشر . . و بهذه النهاية فقد انتهت الرسالات ، ولا نبي بعد النبي محمد صلی الله علیه واله وسلم ، وفي خطبة الوداع المشهورة فقد أكمل الرَّسول كل المبادئ العامة التي لا مجال لتحريفها أو الابتعاد عنها ؛ لأنها أصبحت سنة ومن يبدل السنة فيكون قد جاء ببدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .إذا حدث الآن فراغ في القيادة.. فمن هو الذي سيقع على عاتقه قيادة الأمة؟ ...مما لا شك فيه أن هناك شخصاً قد تم تهيئته من قبل النبي صلی الله علیه واله وسلم لهذا

الأمر، فموضوع حدیث (غدیر خم لا يقبل الشك، وكان الرسول قد أولى الإمام علياً قيادة الأمة بعده وبحضور جل الصحابة والمتتبع لبحثنا يمكنه الرجوع ودراسة صحة هذا الحديث من عدمها في كتاب (الغدير) للمرحوم العلامة (الاميني) فسوف يغني القارئ عن أي شك في هذا الموضوع، لأن جميع مصادر هذا الكتاب الذي ألفه الشيخ الأميني بعد جهد جهيد، معتمداً على مصادر أهل السنة بما فيها الصحاح والرجال الثقاة الذين نقلوا هذا الحديث وهؤلاء يعدّون من رواة الحديث المعترف بصدق نقلهم للأحاديث وصحتها واستحسانها . .)والكتاب في أحد عشر جزءاً ليس من ضمنها مصدر (شيعي.. وأنا هنا أستميح القارئ عذراً لأن أذكر مفردات مثل (أهل السنة) و(الشيعة) لأنني حقيقة والله يشهد على قولي هذا لا أحب أن أتطرق إلى هذه المفردات أولاً، وأجزم أن الإسلام واحد ولا فرق بين مذهب وآخر أو فئة وأخرى. ثانياً ولأن بحثنا مجرد من أي انحياز .. ورغبتنا أن نستمر على النهج الحيادي في الدراسة ... وهذه المفردات فرضت نفسها في السياق للاطلاع على الفكرة لا غير ... ولكن على المستوى الشخصي فإنني أعتقد بصحة حديث الغدير من خلال تأكيده في مصادر عديدة وموثوقة (وهذا ليس موضوعنا ) لأننا لا نريد أن نبحث موضوع ولاية الإمام علي التي هي من الصحة بمكان بحيث لا تغيب مصداقيته على الباحث عن الحقيقة .. ولكننا اليوم نتحدث بعد أربعة عشر قرناً من الأحداث وليس بوسع أحد أن يغير أو يبدل واقعاً، فذلك من غير الطبيعي، وما علينا إلا دراسة الوقائع كما هي في ذلك الزمان ومعرفة أحداثه لعلاقته بأصل موضوعنا ...)وهنا لا بد من التطرق إلى موضوع خلافة النبي صلی الله علیه واله وسلم ، ونناقش الأمر

بشيء من العلمية والموضوعية .. فالمعروف والثابت والمقر بأن الذي خلف رسول الله هو أبو بكر الصديق وبعد مدة تمت مبايعته من قبل الإمام علي وعندما بايع الإمام علي يعني ذلك أن الإمام قبل بخلافة الصديق وعندما يقبل الإمام وهو علي الذي نعرفه ويعرفه المسلمون فأي مجادلة تخرج إلى نطاق المخاصمة فهي مرفوضة ...ولكن يجب أن نعرف بالدراسة ما هو الأسلوب والآلية التي وضعت هذا الأمر، لغرض المعرفة وليس لأمر آخر، لأن ذلك له علاقة وثيقة جداً بموضوع دراسة ثورة الحسين . . فهل كان الحدث الذي تم في سقيفة بني ساعدة كان مخططاً له أم جاء بعفوية؟ . . أم أن هناك اتجاهات أخرى دخلت فيها عنعنات الجاهلية والقبلية ، أم أن التوجه إلى السلطة والنفوذ لَعِبَ دوراً في هذا المجال، أم أن الخوف من قوادم الأيام وتلافي الاختلاف الذي قد يحصل في أركان الدولة الفتية .

## الخلافةالخلافةعلى ما ورد في موضوع (ما بعد النبي وقبل الولوج في موضوع الخلافة، علينا أن نبحث أمراً كان مثار جدل كبير بين الفقهاء والمؤرخين والذين بحثوا بشكل كثيف موضوع الخلافة .)علينا أن نتناول الأمور التالية :1 . هل استخلف النبي صلی الله علیه واله وسلم أحداً وهل أعلن ذلك الاستخلاف على الملأ ؟2 . هل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحداً ولم يوص لأحد بقيادة الأمة؟3 . هل كان هناك مجلس للحل والعقد أو مجلس للشورى عين النبي أعضاءه، وهل من واجبات الشورى اختيار القائد الجديد؟4 . ما هي مواصفات من يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في قيادته لدولة الإسلام؟5. هل أن عامل الوراثة ، كان هو الفاصل والمقبول؟6 . كيف كانت استجابة المجتمع للخليفة؟ .7. هل حقيقةً ما نقل بأن الأنصار طمعوا بالخلافة وأرادوها لهم؟8 . ما هو الموقف الحقيقي للهاشميين وعلى رأسهم الإمام علي والعباس من موضوع الخلافة والبيعة؟9 . ما موقف الطلقاء من الأمر؟

10 . هل لأصحاب الثروة والنفوذ قبل الإسلام وخلاله دور في أحداث خلافة الرسول؟إن هذه النقاط العشر لا بد من دراستها وتحليل ما ورد بمفرداتها .. لأننا نعد موضوع خلافة الرسول من أهم المواضيع وأخطرها، لأن موضوع الخلافة له آثاره المستقبلية في كل ما سوف يحدث بعد وفاة الرسول .. بل على مستوى ديمومة دولة الإسلام.وإن الأحداث والصور التي نقلها إلينا التاريخ بمرارتها سواء كانت في زمن الخلافة الراشدة أم الخلافة الأموية أم العباسية وما تلاها من دول ودويلات ، والنزاعات والحروب وإراقة الدماء وقطع الرؤوس وهتك الأعراض وغيرها ، نراها نتيجة مباشرة لموضوعة الخلافة، وما أحدثته من الانقسام الفقهي والعقائدي تم بسبب ذلك .. وإليك التفصيل .1 . هل استخلف النبي صلی الله علیه واله وسلم أحداً وأعلن هذه الخلافة على الملا؟من المعروف أن الرَّسول (عليه الصلاة والسلام وعند انتهائه من حجة الوداع كانت له خطبة مشهورة، وللمتتبع مراجعة هذه الخطبة، على اختلاف نقلها من قبل المؤرخين وأصحاب السير وكتاب الرجال. وسوف يرى فيها ما يخص هذا الأمر، وإن حديث الغدير الذي سبق الحديث عنه ، التأكد من صحته من عدمها ، وكان حديث الغدير ينص على ولاية الإمام علي والوصاية له بما يعني الاستخلاف، وعلى غير ما ذكره الأميني في كتابه فيمكن أن نقول إن كتاباً من العصر الحديث أكدوا موضوع الولاية مثل الدكتور طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى وبالجزء الثاني منه - علي وبنوه (1).)


1) الفتنة الكبرى - ج 2 (علي وبنوه) ص 19.

ومن ناحية أخرى قول الإمام علي نفسه إلى عمه العباس : " ومن يطلبهذا الأمر غيرنا ". (1.)وهنا من يؤكد العهد من الرَّسول صلى الله عليه وسلم إلى الإمام علي وهو الخليفة عمر ابن الخطاب عندما اعترف بتناسي الجميع لعهد النبي إلى الإمام علي من خلال سرعة الأحداث وتسابق الكتل السياسية من أجل الوصول للحكم، في وقت كان الذهول لوفاة الرسول قد خيم على الناس، وكان الخليفة عمر بن الخطاب وفي زمن خلافته قد برر تلك المواقف في مداولات جرت بينه وبين عبد الله بن عباس وتطرق إليها الكثير من المؤرخين (2)بل إن البعض ذكر ومنهم اليعقوبي في تاريخه : " وكان المهاجرون والأنصار لا يشكون في علي "(3)بمعنى أن لا أحد يشك بأفضلية علي لتسلم مقاليد القيادة.حتى أن الآية الكريمة :(ياتها الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَةً وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . (4))والتي ذكرها "الواحدي " في أسباب النزول، إنها نزلت يوم الغدير وذكر ذلك الرازي في تفسيره .


1) الإمامة والسياسة ج 1 ص 4.

2) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 ص 31. وتاريخ الطبري ج 5 ص 31 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي.

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 83.

4) سورة المائدة : 67

وهناك من اختلف على مقالة الرسول يوم الغدير ، فمنهم من ذكر حديث الولاية مقتضباً ومنهم من زاد ، والذي أجمع الأكثرية عليه بدءاً من قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "انظروا كيف تخلفوني في الثقلين؟ "فناداه مناد من الناس : " ما الثقلان يا رسول الله؟ "فذكر لهما الثقلان فقسم قال إن الرسول صلی الله علیه واله وسلم ذكر (الثقلان هما كتاب الله وسنتي. ومنهم من ذكر "كتاب الله الثقل الأكبر، والأسغر عترتي " وفي صحيح الترمذي قال "يا أيها الناس ، إني تركت فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي .. "(1))إلى آخر من ذكرها بوجه آخر .ولكن المهم هو أخذه بيد علي بن أبي طالب وقال بصوت مرت مرتفع : " أيها الناس ، من أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " . قالوا " الله ورسوله أعلم " قال صلی الله علیه واله وسلم: " إن الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه "فعلي مولاه ويذكر البعض أنه صلی الله علیه واله وسلم قالها ثلاثاً، وأقبل عمر بن الخطاب، فهنأ الإمام علياً وقال له : "هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " (2)ومنهم من ذكر بأن عمر بن الخطاب قال: "بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولی كل مؤمن ومؤمنة "وإن الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (3.)والسيوطي في الدر المنثور ، ذكرا بأن الآية الكريمة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لکم 109


1) صحيح الترمذي ج الترمذي ج 2 ص 308

2) مسند أحمد ج4 ص 281.

3) تاريخ بغداد الخطيب البغدادي ج 8 ص 290 وراجع الدر المنثور للسيوطي.

دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا .. نزلت يوم الغدير .)وفي الصواعق المحرقة جاء .. بأن النبي صلی الله علیه واله وسلم خلال مرضه قال لمن جاء لعيادته من المسلمين "هذا علي مع القرآن ، والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض "(1.)إذاً هناك دلائل كثيرة تدل على أن الرسول صلی الله علیه واله وسلم قد أوصى للإمام علي بإدارة الدولة ، ونحن لا نريد أن نتوسع في ذلك الأمر ولكننا نناقش عدة احتمالات تخدم بحثنا ، وللقارئ الحق في متابعة ذلك والأمر له في حال رغبته التعمق في هذا المجال إن كان صحيحاً أم لا؟2 . هل أن النبي صلی الله علیه واله وسلم لم يخلف أحداً ولم يوص لأحد بقيادة الأمة؟سؤال يطرح نفسه هنا ، هل يعقل أن يترك النبي صلی الله علیه واله وسلم أمة تقرر مصيرها بنفسها؟ وهو الذي خبر الجميع وعلم ببواطن الأمور، وهل غاب عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم ما قد يجري على أمته من بعده ويجعلها تواجه خلافاتها وقد تتمزق بين رغبات التسلط والإمرة؟! . . وإذا ما حدث ذلك وانشغل به الناس فما مصير تطور دولة الإسلام ، والحياة في مجملها اجتماعياً وسياسياً وعقائدياً، وهل ينسى النبي صلی الله علیه واله وسلم حداثة دولته وأن الناس ما زالوا يعيشون حالة التغيير الشاملة للمجتمع؟ومن ناحية ثانية هل يمكن أن يؤجل النبي صلی الله علیه واله وسلم مثل هذا الأمر الذي يعد أساساً استمراراً للرسالة التي جاء بها من خلال الدعوة العظيمة وبتكليف إلهي ونزول كتاب محكم محدد ما يخص البشر بكل متعلقاتهم الروحية (مع الله وما بينهم، ولحمايتهم المستقبلية وتواتر الأجيال إلى يوم القيامة .)


1) راجع الصواعق المحرقة .

كلها تساؤلات لا يمكن إغفالها ولا يمكن تصور أن يبتعد أي يبتعد أي من تلكالأمور عن بال النبي صلی الله علیه واله وسلم .. ولنر هذه الحادثة :روي أن النبي صلی الله علیه واله وسلم وهو على فراش المرض، وقد عاده أصحابه ليطمئنوا عليه، وكان الهاشميون واقفين عند النبي حيث قال صلی الله علیه واله وسلم:"ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ". (1)ماذا كان يريد النبي صلی الله علیه واله وسلم أن يكتب وهو في هذه الحالة؟ . . لا بد وأنه أراد أن لا تصاب الأمة بأزمة.. لأنه علم بأن هناك إمكانية حدوث الضلالة، وأراد أن يُعين الناس عليها وأن لا يضلوا بعده.. لأننا لا نشك أبداً في علم النبي صلی الله علیه واله وسلم ما دام على قيد الحياة، لأن الباري في محكم كتابه قال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2 وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى (4)عَلَمَهُ شَدِيدُ القوى (5)).)فهل استجابوا له .. بل انقسموا إلى فريقين فريق سارع ورغب أن ينفذ ما طلبه النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وفريق عارض، فإذا صحت هذه الرواية التي نقلها الكثير من المؤرخين الثقاة وخاصة من فقهاء الصحاح والمسانيد .. فلماذا رفض البعض بحيث ردَّ أحدهم وقال : "حسبنا كتاب الله . . ." ألم يكن هذا الرفض جرأة على النبي صلی الله علیه واله وسلم، وبينما همَّ الفريق الآخر وأراد تنفيذ ما أراد الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم فيسرع أحد المعارضين ليقول :" إن النبي ليهجر . . "(2.)إذا كان النبي يهجر .. كما قيل فأين القائل بذلك من الآية الكريمة : (و إنه لقول رسول كريم (19 ذي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينِ (20)مُطَاع ثُمَّ أَمِينِ (21)وما)


1) ذكر الحادثة البخاري ومسلم وأخرجها الطبراني.

2) وردت الحادثة في صحيح البخاري راجع ج 4 ص 68 وج6 68 وج 6 ص 8.

صَاحِبُكُم بِمَجْنُونِ (22) .)من نسي كلام الله فقد أنساه إياه طمعه للسلطة والحكم لا غير.... لأن الله قد عصم النبي صلی الله علیه واله وسلم وزگاه من الهجر .. وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده : "كان ابن عباس إذا ذكر هذا الحادث الرهيب يبكي حتى تسيل دموعه على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، وهو يصعد آهاته ويقول :" يوم الخميس. وما يوم الخميس ؟ قال رسول الله : " ائتوني بالكتف والدواة، أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً فقالوا إن الرَّسول ليهجر . ."(1)مع ما ورد فهل يعقل بأن يترك النبي أمته وهم في متاهة، و هل يدرك أحد بأن النبي صلی الله علیه واله وسلم يرى ما حدث وهو ما زال على قيد الحياة من انقسام على أمرٍ أراده هو، فكيف يتصور الأمر في حالة انتقاله إلى بارئه؟من ذلك نقرُّ بأن هناك من يصرُّ على أن النبي لم يوص لأحد بقيادة الأمةأمثال المشتركين في هذه الحادثة ... لأنهم كانوا متأكدين بأن النبي صلی الله علیه واله وسلم سوف يعيد وصيته عليهم وسوف يختار لهم من لا يوافق مصالحهم المستقبلية، فقد أصروا على أن لا يعيد النبي الكرة وأن لا يذكر النبي صلی الله علیه واله وسلم الكرة وأن لا يذكر أحداً مرة أخرى.ومن قال بأن النبي صلی الله علیه واله وسلم لم يعط الخلافة بعده أهمية تذكر وقد أهمل أمرها ولم يرد عنه شيء بخصوصها فهو قد جانب الحقيقة لأنه اعتقد بأن الرسول صلی الله علیه واله وسلم ترك أمر الخلافة للمسلمين ... وأن لهم الحرية في اختيار من يشاؤون، لأن ذلك سوف يدمر كل ما بناه الإسلام وسوف يفكك لحمته وسداه . . .ومن الصعب أن يترك النبي صلی الله علیه واله وسلم و أمته وهي حديثة العهد بالتكوين الجديد


1) راجع مسند أحمد ج 1 ص 355.

ويلقيها في متاهات الرغبات والمصالح والتكتلات ... وعندما حدث ذلك فعلاً، رأينا ماذا حلّ بدولة الإسلام على مدى مئات السنين من تنازع على الخلافة والإمرة، لم يكن له مثيل في أي مجتمع آخر أو أمة في العالم. .إذاً من المستحيل أن يترك النبي أمته لتصل إلى هذا الحال كما لم يردنا من أحد بأن النبي صلی الله علیه واله وسلم رفض الاستخلاف .3 . هل كان هناك مجلس للحل والعقد أو مجلس للشورى؟ :تطرقنا قبل قليل للحديث عن الشورى ، كون الشورى لها نص موجود وثابت في القرآن الكريم، ولكن لم يذكر القرآن أي شيء يوضح الشورى عملياً ولم يذكر ذلك في السنة النبوية الشريفة . .كما أننا لم نعلم بمقالة أحد يؤكد وجود مجلس للشورى أو للحل والعقد قد تأسس ، ومن هم أعضاؤه؟ . . كل ما عرف هو أن هناك مقربين للنبي صلی الله علیه واله وسلم من أقرب الناس إليه ومن أصحابه وخاصة العشرة الذين ذكرتهم عدة كتب وسموا بالعشرة المبشرة بالجنة، رغم وجود الكثيرين غيرهم قد بشروا بالجنة ... ولكن لم نتثبت من أن أمراً قداتخذه الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم كان باستطلاع رأي أجمع من أجله مجلساً يبت فيه .... لصدقنا بأن هناك مجلساً، ولكن نعلم بأن القرارات كانت تصدر عن النبي صلی الله علیه واله وسلم في جميع الأمور منها الاجتماعية ، والسياسية ، والحربية، وما كان من المسلمين إلا تنفيذ ما يأمر به بالرغم من أننا لا ننكر بأن النبي صلی الله علیه واله وسلم كان يقرب إليه بعض الشخصيات . .والنبي صلی الله علیه واله وسلم كان لا يفرق بين جميع المسلمين ، ولكن كان له رأي بتقريب من كان له نفوذ سابق من المسلمين لاعتبارات معينة يتصورها النبي صلی الله علیه واله وسلم نفسه بأنه لا بد من مسايرتها وإلا فإن في الإسلام شخصيات مجاهدة وعلى قدر عظيم من البطولة والثورية والاستقامة والزهد في الحياة ومباهجها ولا تأخذهم

في الله لومة لائم، وهم الأكثرية من أركان الدعوة ومسانديها . . .ولم يتطرق أحد إلى واجبات أعضاء الشورى إن وجدوا أصلاً ... ولو كان هذا المجلس موجوداً لكان قد اجتمع بعد وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وقرر من يكون خليفة للرسول صلی الله علیه واله وسلم.. لو فرضنا أن النبي صلی الله علیه واله وسلم لم يوص لأحد . .وحتى اجتماع سقيفة بني ساعدة لم يأخذ جانباً من الشرعية، لأن ما توارد من أخباره فإنها تؤكد بأن عمر بن الخطاب قد جلب معه أبا بكر الصديق ورافقهم أبو عبيدة بن الجراح، بعد أن أخبرهم باجتماع الأنصار في السقيفة، وقد تم الأمر بسرعة فائقة .. فأين بقية الصحابة والمسلمين الأوائل؟ وأين كان أهل بيت الرسول صلی الله علیه واله وسلم ووارثي علمه وعترته ؟ . .فهل ثلاثة فقط من المهاجرين أمام جمع من الأنصار المختلفين فيما بينهم لروايتين إحداها تقول بأن الأنصار اجتمعوا لفض خلاف بينهم حول زعامة المدينة بعد وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم الخلاف القبلي القديم بين الأوس والخزرج، وهناك من يقول بأن الأنصار أرادوا خلافة الرسول صلی الله علیه واله وسلم لأنهم نصروه وآووه، وأعزُّوا الإسلام به وقاتلوا من أجله مما دعا بالثلاثة من الصحابة أن يحسموا الأمر بسرعة كبيرة ، معللين ذلك بأن قريشاً أحقُّ بالخلافة، وهناك عامل الوراثة عندما بويع أبو بكر كونه قرشياً ووالد زوج الرَّسول ومن أوائل المسلمين .وفات البعض أن يتطرقوا إلى موضوع هو أن النبي صلی الله علیه واله وسلم لم يوار الثرى بعد . .والغالبية من المسلمين كانوا يتهيأون لتجهيز النبي صلی الله علیه واله وسلم ودفنه، وكان على رأسهم علي بن أبي طالب ...وإذا كان التعليل بالإسراع في أمر البيعة محتجين بحل هذه العقدة قبل

أن يحصل نزاع على الخلافة من جهة ، وبوراثة الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم من جهة أخرى، وعلى المبايع له أن يكون قرشياً، فمن هو أحق بالوراثة؟ .. ابن العم وزوج البنت (الصهر وأبو الأسباط والذي كان بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعد محمد !! وهو من قريش أيضاً، أم الأبعدون؟ . .)فلا مجلس للشورى في عهد النبي صلی الله علیه واله وسلم كما أن ما حدث في السقيفة لا يرقى إلى مستوى الشورى بكل مواصفاتها .وهل طبق مجلس الشورى الذي شكله الخليفة عمر بن الخطاب لمن سوف يخلفه ؟ . . وهل كان مؤدياً لواجباته (إن كانت هناك أسس وواجبات له وهل كان مبنياً على أسس معينة وردت عن السيرة والسنة النبوية؟ . . فنرى بأن المجلس قد صفّي فيما بعد بوسائل شتى ..)وإذا كان للشورى وقع مهم ينبغي الالتزام به، فلماذا إذاً أوصى الخليفة أبو بكر الصديق بالخلافة إلى عمر بن الخطاب!؟ . فهل هذا الأمر قد جاء بنص سابق مستند إليه ؟ . ولماذا لم تشكل الشورى قبل استخلاف عمر؟ . . أسئلة تطرح للنقاش . . . ! !4 . ما هي مواصفات من يخلف النبي صلی الله علیه واله وسلم في قيادته لدولة الإسلام؟إن الذي يخلف النبي صلی الله علیه واله وسلم يجب أن يحمل مواصفات معينة، لأن مرحلة ما بعد النبي صلی الله علیه واله وسلم تحتاج لشخص يستوعب كل ما يمكن أن يواجهه لقيادة دولة الإسلام. وهذه المواصفات يندر أن تجتمع في شخص إلا أن يكون من نوع وتركيب خاص يفوق ما يحمله أقرانه من البشر، ولا نعني بذلك الكمال لأن الكمال لله ، وقد منّ الله على رسوله ببلوغه المعالي وكمال الخصال حتى تمكن من حمل الرسالة، وبما أن النبي صلی الله علیه واله وسلم من البشر ، وللبشر نهاية" إنك ميت وإنهم ميتون" فلا بد أن تتهيأ شخصية لتكمل مسيرة الإسلام بمواصفات قريبة جداً

عما كان يتصف به الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم .. لأن المسلمين متساوون ولكن الله فضَّل بعضهم على بعض درجات .. ولنعد إلى المواصفات . .أ. أن يكون بصيراً بأمور الدين والشريعة ، وأعلم أصحاب النبي صلی الله علیه واله وسلم بالقضاء لكي يكون مرجعاً عاماً لكل المسلمين ودولتهم الفتية، وأن يكون على دراية تامة بأمور السياسة والإدارة. وأن يكون حاملاً لطاقات علمية كبيرة وذا زهد عال يبعده عن مباهج الحياة، وأن تكون التقوى والإخلاص الله سبحانه وتعالى ، دليله ودستوره في عمله .ب . أن يكون عادلاً ومتحرجاً عن كل ما لا يقبله الدين والشريعة، وأن لا يبتعد عن المبدئية والنبل في التعامل، وأن لا يعرف الطرق الملتوية والانحراف حتى ولو في أبسط الأمور وأعظمها لأن الذي هدفه نبيل لا بدَّ أن تكون وسائله للوصول إلى الهدف نبيلة وشريفة .ج . أن يضع مصلحة الإسلام واستمرار الدعوة فوق كل المصالح والعصبيات ، قبلية كانت أم سلطوية أو مادية .وأن يتمتع بنكران الذات ولا يقدم مصالحه الخاصة أو مصلحة أتباعه على مصلحة الأمة ويحافظ على أموال المسلمين ويعتمد مبدأ المساواة في كل شيء، منها الحقوق ويولي الشخص المناسب في المكان المناسب رحمة بالناس ولنشر الطمأنينة.د. فوق ذلك كله يجب أن يتصف بالشجاعة وأن يكون ثابت القلب والفؤاد، مجاهداً في القول والفعل، لأن الشجاعة سمة تبنى عليها سمات كثيرة، فالشجاع سيكون كريماً وصادقاً وحليماً وأميناً. وهذه المواصفات لا تكتمل عند شخص ما لو لم يكن شجاعاً، فالكرم يحتاج إلى شجاعة والصدق وقول الحق كذلك وهكذا . .

والمنطق الآخر من الشجاعة . . أن يكون مقداماً لا يرهبه الموت، وتواقاً للشهادة وأن يكون قد شهد الجميع له بها ، من خلال ما مر في مراحل جهاده مع الرَّسول وصحبه .والشجاعة تتطلب القرار الرشيد في الوقت العصيب، ومن يقود الأمة وهو خائر القوى فسوف يجلب الكوارث والمحن والنكبات .ه . أن يقتدي بسيرة الرسول صلی الله علیه واله وسلم ولا يبدل ولا يميل عنها أو منها، وكذلك يفترض به أن يكون بعيداً عن التكتل والميل لأحد، وأن لا يرفع أهله وأقاربه على رقاب الناس بمجرد قرابته لهم .أو أن يميز أقاربه عن بقية المسلمين لحيازتهم هذه الميزة وهي القرابة العائلية .و . إن مسألة العمر ليست قياساً لقيادة الأمة . . بدليل أن الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم عندما هُيِّئ لقيادة الأمة كان في عنفوان شبابه وكان عمره عند نزول الوحي عليه أربعين عاماً .. ولو كان العمر من أحد شروط القيادة كان يمكن للباري أن يختار من هو أكبر منه سناً، أو أن تؤجل الدعوة لسنوات حتى يصبح النبي في عمر يؤهله لحمل عبء الرّسالة وقيادة الأمة .. إذاً عمر الشخص الذي يمكن أن يخلف الرَّسول إذا كان كبيراً أو في عنفوان شبابه ليس هو الأساس، بدليل أن النبي صلی الله علیه واله وسلم عندما أمر أسامة بن زيد بن حارثة على رأس جيش كبير قبل مرضه بقليل وأصرّ على إنفاذه وقد انضوي تحت إمرة أسامة أكابر المسلمين والصحابة ومن الأوائل وكانوا من كبار السن بينما كان أسامة في العشرينات من عمره حسب ما تذكر الروايات .. وحتى أن الخليفة أبا بكر الصديق ثبته على الجيش بعد استلامه الخلافة وأنفذه .فهل جلس المسلمون ودرسوا هذه المواصفات بدقة لكي يضمنوا

استمرار المسيرة بالدولة الفتية .. أم دخلت أمور أخرى تتعلق بحسابات طغت عليها مسببات عديدة. . وكانت هي السبب في الإخفاقات التي حصلت فيما بعد والتناحر وتغيير القيم ، وسالت الدماء والتضحيات من أجل السلطة والإمرة والنفوذ والمال والحكم.5 . هل أن عامل الوراثة كان هو الفيصل والمقبول؟لو أن للوراثة سبباً لتسمية الخليفة لكان الحديث عنها متشعباً وينحو مناحي عدة ، ولكن لنعرف ما المقصود بالوارثة . .أ . هل هي وراثة الأسرة؟ب . أم هي وراثة القبيلة.ج . أم وراثة العلم والفقه والجهاد والتي تقترب من مفهوم التلميذ المتميز؟ .ونعني بذلك هل الذي يتصدى للخلافة يجب أن يكون من بيت النبي صراً؟! أم من قريش حصراً؟ أم من نهل العلم وتربى بمدرسة الرسول صلی الله علیه واله وسلم ، وهنا نعرف بأن مدرسة الرسول صلی الله علیه واله وسلم و ضمت الكثير من الصحابة والخلافة مفردة .. ألم يكن من هذه الكثرة ممن يحظى بتزكية الرسول صلی الله علیه واله وسلم ؟!!وحتى مراجع المسلمين على اختلاف مذاهبهم كثيراً ما كانوا يزكون المتميزين من تلامذتهم في مناصبهم العلمية والفقهية .والذي قال : (من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته . . فعلى ماذا استند؟ . . استند على العشيرة والقبيلة، وهل كانت قريش كلها مع النبي صلی الله علیه واله وسلم عندما بدأ دعوته ؟ .. أم حاربته حرباً شعواء إلا النزر القليل من أفرادها، وحتى الهاشميون ، هل كانوا في البداية كلهم مع الرسول صلی الله علیه واله وسلم؟ أم)

بعضهم ...وهنا يعيدنا إلى نقطة الحديث عن الصراع في الجاهلية بين بطون قريش وبالخصوص بين بني هاشم وبني أمية .وعندما يتم التأكيد على القبيلة، وأن يكون الخليفة من قريش حصراً، أعطى ذلك الأمر بعض الشرعية لمغتصبي الخلافة بعد الخلافة الراشدة. وإن هناك من يؤيد على أن بني هاشم أولى بالخلافة، وهذا ما لا يصح بدون نص من النبي صلی الله علیه واله وسلم ، فإذا ما اعتقد الناس بصحة حديث الغدير فإن التسمية كانت لعلي بن أبي طالب دون غيره من غير ذكر أن الخلافة من بعده إلى أولاده مثلاً كنص جاء في الحديث . .إلى أن وصل الأمر بعد تقادم الأيام والسنوات بأن يؤكد بعض من طلاب السلطة بأن الموضوع هذا قدري وأن الله أراده حتى لو جاء نتيجة صراع .. فالمهم بأن الله سبحانه وتعالى قد قبل .. وقد أسس البعض مذاهب على هذا المفهوم مثل مذهب (القدرية في زمن بني أمية وكذلك (الجبرية) فعندما يحتج بعض المهاجرين في سقيفة بني ساعدة بأحقيتهم لأنهم أولياء النبي صلی الله علیه واله وسلم وعشيرته أمام الأنصار وهذا توريث صارخ ، ومن جانب آخر يحتج بنو)هاشم بأن لهم الحق في الأمر، لأنهم أهل النبي صلی الله علیه واله وسلم وعزوته ولحمته وسداه . . إذاً فإن الوراثة ليست هي الفصل الفصل في أمر الخلافة .6 . استجابة المجتمع للخليفة :يفترض بالخليفة أن يحظى باستجابة كاملة من قبل المجتمع، وأن لا تكون هناك أية معارضة .فالمجتمع يتشكل من أفراده ، والأفراد يتبعون من يقودهم، وهذا أمر

طبيعي تدخل فيه مسببات كثيرة منها القبيلة و الأسرة والتبعية (تبعية المصالح والتناحر والتناجز بين الأفراد ، وتواجد الطبقات وصراعها.)وعلى مستوى الخلافة الراشدة، هل كانت الاستجابة من قبل المجتمع للخلفاء الأربعة الراشدين كاملة بدون معارضة تذكر .. والحقيقة أن المعارضة كانت موجودة والخلاف ظاهر، ولكن تسوية الأمور كانت تتحقق لمصلحة الإسلام ودولته .ولكي نؤكد وجود المعارضة وعدم الاستجابة لا بد وأن نشير إلى وقائع حدثت لا يمكن أن تنكر . .فعندما بايع البعض لأبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة .. لم تكن الاستجابة لتلك البيعة كاملة وشاملة إلا بعد مدة . . وكذلك عندما أوصى أبو بكر إلى عمر بالخلافة فقد وجدنا بأن الكثير من الصحابة لم يستجيبوا بسرعة إلى هذا الأمر وقد اعترضوا على الصيغة وربما ليس على الشخص المستخلف، لأنهم اعتبروها حالة جديدة لا نص فيها وربما خشي البعض من شدة عمر لا غير .وكذلك عندما انعقد مجلس الشورى المعين من قبل عمر بن الخطاب المكون من ستة من الصحابة ، فقد شابت عملية الاختيار معارضات كثيرة وكانت الاستجابة بطيئة لتأييد خلافة عثمان بن عفان لما رافق ذلك من خلاف على الصيغة والتدبير الذي تم .. ولم يستقر الوضع إلا بعد فترة من الزمن بعد أخذ ورد.ونفس المنظر نشاهده عند مبايعة الإمام علي للخلافة فنرى بأن تلك البيعة قد اعتراها الكثير من التعقيدات، فمثلاً أن الصحابيين طلحة والزبير بايعا له وسرعان ما نكثا البيعة !! . . بينما وجدنا أن بعض الصحابة المعروفين لم

يستجيبوا لبيعة الإمام علي ، وعلى رأسهم سعد بن أبي وقاص الذي لم يبايع الإمام حتى استشهاده.. وحتى بعد أن غُصبت الخلافة من قبل بني أمية نجد أن معاوية عندما استخلف يزيد ابنه ، عارض ذلك مروان بن الحكم وغيره في البداية .. إذاً عدم الاستجابة لها أسبابها ومن ضمن البحث سوف نذكر شيئاً منها . . وذلك يعني أن هناك أهمية وأسباباً لموضوع الاستجابة .7 . ما حقيقة ما نقل بأن الأنصار طمعوا بالخلافة وأرادوها لهم؟!ورد الكثير عن كتاب التاريخ بأن الأنصار وتحديداً من يوم وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم ، قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة في المدينة وتباحثوا فيما بينهم على من يخلف الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم . وإنهم قرروا أحقيتهم لهذا الأمر، كونهم من نصروا الرسول صلی الله علیه واله وسلم وآووه، وساعدوه واستقبلوه في يثرب وخاضوا معه حروبه وغزواته ، وكانت لهم مواقف مشهودة في ذلك، ولهذا أرادوا خلافة الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن بعض المهاجرين عندما علموا بموقفهم هذا ذهبوا إليهم مسرعين وحسموا الأمر بأفضلية المهاجرين وأنهم من قريش وأنهم أهل النبي وعشيرته وقرابته، وقدمهم في الإسلام يجعل لهم الأحقية والأفضلية بخلافة الرسول .نقول .. هل هناك اجتماع دار وأمر حدث في مكان اسمه (السقيفة أي سقيفة بني ساعدة، أم لا؟ . .)فنرى بعضاً من المحدثين ينكرون حدوث الجدل في السقيفة والتناحر بين المهاجرين (وكانوا معدودين بأصابع اليد وبين الأنصار وهم الأوس والخزرج ، بل يؤكدون أن موضوع السقيفة مبتدع ولا أساس له وأن البيعة تمت للخليفة أبي بكر الصديق على أساس أن الرسول صلی الله علیه واله وسلم طلب منه إمامة الناس في)

الصلاة خلال مرضه وأنه صهره (والد زوجته أم المؤمنين السيدة عائشة ولقدمه في الإسلام كونه من الخمسة الأوائل الذين آمنوا بالنبي وأنه كان صاحبه في الهجرة وثاني اثنين إذ هما في الغار، ولكبر سنه، وموقعه الاجتماعي قبل)الإسلام وأثناء الدعوة . .أما بعضهم الآخر وهم الغالبية الكبرى ممن كتب في التاريخ مثل الطبري وابن الأثير وغيرهم الكثير . . فقد أكدوا اجتماع السقيفة ولمحات عما دار فيه . .ونحن هنا .. وفي الحالتين نقول .. إن كان قد حدث الاجتماع أم لم يحدث.. نحتاج إلى دراسة وضع الأنصار أثناء وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم ولأن الأنصار لهم ثقلهم في دولة الإسلام فما الذي حدث ؟ .. وبرأينا أن تجمع الأنصار في مكان معين ولأي سبب كان والرَّسول مسجى ولم يدفن بعد، فهو غير وارد عرفاً وشرعاً وأصولاً..وقد يكون اجتماع السقيفة كان بين الأنصار أنفسهم لأمر يتعلق بهم على رئاسة المدينة بعد الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم وأدى اجتماعهم إلى استشعار بعض المهاجرين والتدخل فيه ، والولوج في موضوع الخلافة لكي يتم حسم موضوع كان يكمن في دواخل الصحبة، وقد كان يشغل بالهم لأمور كثيرة تطرقنا لأسبابها الذاتية و امتدادتها وأرادوا تنفيذ ما يعتقدونه للصالح العام، حسب تفكير بعضهم .وقسم من الكتاب تحدث عن علاقة الأنصار بالإمام علي، وذكروا بأنهم كانوا يفضلون استخلافه دون غيره ، ولكن الوقائع أكدت خلاف ذلك ..لا نشك بأن الأنصار كان لهم رأي، وقد يكون ميلاً للخلافة .. وذلك لمواقفهم المعروفة، ولكن الاختلاف القديم بين الأوس والخزرج طغى مرة ثانية وظهر على السطح.. والحقيقة أن الأنصار اجتمعوا في السقيفة وطالب

رئيس الخزرج سعد بن عبادة بالخلافة، وكان يقف أمامه أسيد بن خضير رئيس الأوس، وعندما علم البعض من المهاجرين ، أسرع أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح (1، ومعهم نفر قليل وأراد عمر بن الخطاب افتتاح الحديث في سقيفة بني ساعدة ، فبادر أبو بكر في هذا الجو الملبد بكلمات كانت غاية في البراعة السياسية حيث قال :)"نحن المهاجرين أول الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً، وأوسطهم داراً، وأحسنهم وجوهاً، وأمسهم برسول الله صلی الله علیه واله وسلم وأنتم إخواننا في الإسلام وشركاؤنا في الدين ، نصرتم وواسيتم ، فجزاكم الله خيراً، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش ، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما فضلهم الله به ، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين-يعني عمر ابن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح . ."(2)إلى آخر الحديث ..وعندها سارع عمر بن الخطاب قال :"يكون هذا وأنت حي؟ حي؟ . . ما كان أحد ما كان أحد ليؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله . "فبايع عمر أبا بكر وبايع كذلك أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد. . وسارع رئيس الأوس أسيد بن خضير فبايع حنقاً لنده ومنافسه سعد بن عبادة رئيس الخزرج، وتقاطر البعض بإعلان البيعة ، وذهبوا بأبي بكر إلى مسجد رسول الله .. وكانت البيعة قد تمت بشكل خاطف وخرج سعد بن عبادة


1) تاريخ الطبري ج 3 ص 62.

2) نفس المصدر السابق .

المريض يجرُّ أذيال الخذلان ..وكل ذلك حدث وغالبية المسلمين عند دار الرسول صلی الله علیه واله وسلم وهو مسجى قبل أن يتم دفنه . .8 . ما هو الموقف الحقيقي للهاشميين وعلى رأسهم الإمام علي والعباس من موضوع الخلافة والبيعة؟ :من المعروف أن الهاشميين كانوا لا يشكون في أمر الخلافة وأنه لا يخرج من بين أيديهم لعدة أسباب منها :أ . لأنهم أقرب الناس إلى النبي صلی الله علیه واله وسلم وأنهم نهلوا من منهل الرسالة العذب قبل غيرهم، فآزروه وجاهدوا وضحوا في سبيلها .ب. ولاية النبي صلی الله علیه واله وسلم للإمام علي بن أبي طالب في يوم غدير خم في 18 ذي الحجة بعد حجة الوداع .ج .كانت الأحاديث المتواترة عن النبي صلی الله علیه واله وسلم إلى ابن عمه علي بن أبي طالب والتي نقلها إلينا كتاب التاريخ والسير(1لا تخرج عن نطاق التأكيد على تسمية الإمام علي خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنطق العقل يؤكد في حال التمعن بها ومقارنتها بما قيل من قبل الرَّسول لغيره .)د. كما ورد في القرآن الكريم وبحسب مفسري القرآن بخصوص آيات محددة وردت فيه مثل آية الولاية وآية المباهلة فقد كان الإمام مشمولاً بها بل ومنها ما نزلت فيه وقد أوردها الكثير من الفقهاء في أسباب النزول (2.)ه-. كان الهاشميون يقدمون الإمام علياً عليهم، ويعدونه أهلاً لتسلم


1) راجع بالتفصيل مناقب الخمسة في الصحاح الستة للفيروز آبادي في مناقب علي.

2) للمتتبع مراجعة أسباب النزول في معظم التفاسير سيجد ما يثبت ذلك جلياً.

الأمر لما يتمتع به يتمتع به الإمام من مواصفات قد لا تتوفر لدى غيره، ليس منالهاشميين فقط بل من جميع الصحابة (1)وهذه حادثة ننقلها للقارئ وقد ذكرها المؤرخون ، تؤكد بأن الهاشميين كانوا قد عدوا الأمر محسوماً في خلافة الإمام علي للنبي صلی الله علیه واله وسلم:فقد أقبل العباس بن عبد المطلب عم النبي صلی الله علیه واله وسلم إلى علي بن أبي طالب قائلاً: "يا ابن أخي امدد يدك أبايعك، فيقول الناس : عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان ". فقال له الإمام علي : "ومن يطلب هذا الأمر غيرنا " ؟ (2)والمعروف أن الإمام عليا والهاشميين لم يبايعوا إلى أبي بكر عندما تمت البيعة على المنوال المعروف ، وعدم المبايعة في وقتها كانت له أسبابه أيضاًوهي :أولاً : إنهم كانوا يجهزون النبي صلی الله علیه واله وسلم ومنشغلين بغسله وتكفينه ودفنه، وهم في رزية عظيمة لفقدهم حبيب رب العالمين ، فإن جسد النبي اصلی الله علیه واله وسلم لم يبرد بعد، وتمت الأمور بصورتها المعروفة، وعدَّ الهاشميون ذلك أمراً غير مقبول.ثانياً : إنهم لم يحضروا النقاش الذي سبق البيعة، ويعتبرون أنفسهم شركاء في اتخاذ القرار وخاصة في مثل هكذا أمر أو قرار .ثالثاً : رأيهم بأن ما حدث كان له قصد ، كما يضرب المثل "إنه أمر دير بليل "


1) راجع فضائل ومناقب الإمام فيما كتب عنه، ويمكن المقارنة بينه وبين الآخرين.. والمصادر كثيرة في هذا الصدد.

2) راجع الإمامة والسياسة ج 4/1 والفتنة الكبرى ج 2-علي وبنوه ص19.

وإلا لماذا تمَّ بهذه السرعة وهذه الكيفية؟رابعاً: كان الهاشميون يعتقدون بأن هناك فسحة من الوقت قبل اتخاذ القرار، فلو تم الانتهاء من دفن النبي صلی الله علیه واله وسلم واجتماع جلَّ الصحابة بدون أن يتخلف أحد من المهاجرين والأنصار ويتم تداول الأمر .خامساً : اعتقد الهاشميون بأن الأمر خرج عن سياق مسير أصل الدعوة والرسالة الإسلامية ، وإنها ستجلب للمسلمين في الأيام القادمة المخاطر والانحراف في العقائدية والمبدئية ، والابتعاد عن القيم الثورية الخلاقة التي نادى بها النبي صلی الله علیه واله وسلم .فقد ألح الكثير من الصحابة على الإمام بقبول البيعة ومنهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة الذي تحدث مع الإمام علي بحديث ذكره الكثير من المؤرخين، وكانت إجابة الإمام على الجميع هذه :"الله الله يا معشر المهاجرين .. لا تخرجوا سلطان محمد من العرب عن داره، وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه . . فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت، ونحن أحقُّ بهذا الأمر منكم ، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ،المضطلع بأمر الرعية، الدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية ، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بُعداً . . ."(1)وأخيراً نقول هل بايع الإمام أم لا؟ نعم بايع .. فهل كان بالإكراه كما يذكر البعض؟ سنرى ذلك لاحقاً . .


1) راجع الإمامة والسياسة ج 1 ص 11 و 12 .

9 . ما موقف الطلقاء من الأمر؟ .ما نريده حقيقة ليس معرفة موقف الطلقاء وحدهم هنا، بل وحتى من أسلم متأخراً جداً ومن كان قد أسلم لكي يهيئ لنفسه موقعاً للمستقبل . . فانظر ! ! . .عارض أبو سفيان بن حرب البيعة لأبي بكر ..!! نقول .. متى أسلم أبو سفيان وما هو حقه في المعارضة؟ ألسابقة له أم له فضل ما في الدعوة، أو موقع مميز بين الصحابة ؟ . . لقد كان العدو اللدود للإسلام، وكان رأس الكفر وزعيم أعداء لله رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .. ولكن موقعه الطبقي الذي حافظ عليه، وحاجته إلى وضع نفسه في موقع الحدث دعاه للتدخل .. وكان أول المعارضين لحكومة وخلافة أبي بكر الصديق .. فماذا بعد المعارضة؟فلننظر في هذا النص الذي نقله ابن الأثير في كامله :وقف على الإمام علي يحفّزه على مناجزة أبي بكر، ويعده بنصرته وهو يقول :إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دَم يا آل عبد مناف ، فيم أبو بكر من أموركم؟ أين المستضعفان؟ أين الأذلان؟ . . . علي والعباس .. ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش؟ ثم قال لعلي : ابسط يدك أبايعك، فوالله لئن شئت لأملانها عليه خيلاً ورجلاً ، وتمثل بشعر المتلمس :ولن يقيم على خسف يراد به *** إلا الأذلان عير الحي والوتدهذا على الخسف مربوط برمته *** وذا يشخ فلا يبكي له أحدلقد استغل أبو سفيان العنصرية القبلية لإحداث الثَّورة والانقلاب على حكومة أبي بكر ، لكن الإمام كان يفقه دوافعه ويعرف ذاتياته فلم يستجب له،

وإنَّما نهره وأغلظ له في القول قائلاً:" والله ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شراً، لا حاجة لنا في نصيحتك . . » (1)ولم ينته أبو سفيان بن حرب الأموي بعد رد الإمام علي بن أبي طالب له .. وظل يدعو الإمام لمناجزة أبي بكر .. وكان ينشد:بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم *** ولاسيماتيم بن مرة أو عديفما الأمرُ إلا فيكم وإليكم *** وليس لها إلا أبو الحسن عليأبا کف حسن فاشدد بها كف حازم *** فإنك بالأمر الذي يرتجى علي (2)فانظر إلى هذا الرياء وهذا الاستغلال للموقف .. وما موقف أبي سفيان هذا إلا تصريح بما في داخله من حقد على الإسلام .. إلا دَمُ من يسفك ذاك الذي يريده هذا الشيخ الذي ما انفك يضمر للإسلام الشر ويتعامل بالخداع والمراوغة .. بل و على من ؟ يحاول أن يحرض الإمام علياً! وكأن الإمام لا يعرف من هو أبو سفيان!وغير أبي سفيان فقد سرّ الكثير من قريش، لاعتقادهم أنها بداية الصراع .. وكان هؤلاء من ضعفاء الإيمان .. وقد حاولوا أن يدقوا إسفين الخلاف حتى بين المهاجرين والأنصار ..وانظر إلى الداهية عمرو بن العاص حيث قال :قل لأوس إذا جئتها *** وقل إذا ما جئ ئت للخزرجتمنيتم الملك في يثرب *** فأنزلت القدر لم تنضج (3)


1) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص220.

2) نقله باقر شريف القرشي في كتابه حياة الإمام الحسين عن شرح النهج ج6 ص7.

3) المصدر السابق.

ولكن بعد ذلك كله وجدنا بأن أبا بكر الصديق ، قد أبدى مهادنة فيما بعد لأبي سفيان، وحاول استمالته إلى جانبه .. بل لنقل استماله، والدليل أنه أي الخليفة جعل أبا سفيان عاملاً ( والياً على ما بين آخر حد الحجاز، وآخر حد من نجران(1).)وعين ابنه " يزيد بن أبي سفيان " والياً على الشام !!10 . هل لأصحاب الثروة والنفوذ قبل الإسلام ومعه دور في أحداث خلافة الرسول؟ :نعم كان لأصحاب الثروة والنفوذ قبل الإسلام ومعه دور في أحداث الخلافة، ودليلنا على ذلك هو غياب المبدئية والثورية وحضور المصلحية ، والنفعية ، واليمينية ، وعدم غيابها عن تفكير الكثير، وما تقدم في الحديث عن هذه الطبقة يغني عن التوغل أكثر في هذا المعنى. وما سوف نراه في سياق الحديث والبحث تأكيد على تصورنا هذا.فاليمين الرجعي في المقاييس لا يتغير ما دامت المصالح والنفوذ عامرة في النُّفوس، وإن ثورية الفرد ومبدئيته التي لا يستغني عنها سوف تقف حائلاً أمام هذه الطبقة وسوف يستمر صراع جديد تتغير فيه مفاهيم أرادها الإسلام واتبعوها، ولكن إلى حين ليبدأوا تغيير المسار وفق مفهوم جديد باسم الإسلام حتى ولو أزهقت أرواح من يقولون "لا إله إلا الله، محمد رسول الله " .


1) راجع صحيح البخاري ج 2 ص 362.

كان لا بد من ذكر هذه الأمور على مستوى الدراسة والتحليل، لأننا وجدنا بأن موضوع الخلافة كان له الأثر الكبير في مجمل الأحداث التي مرت على دولة الإسلام.. ولا يختلف أحد ممن كتب عن تاريخ الإسلام، سواء أكان حيادياً أم متحيزاً لرأي أو شخص ، أن مجريات الأحداث بما فيها النكبات والفتن وإراقة الدماء والتنازع على السلطة ، كانت بوادره قد بدأت من هذه المرحلة وهي استخلاف النبي .وحتى نكون أكثر موضوعية في الدراسة والتحليل وبعد أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، لا يمكن لنا أن نتحيز إلى أمر لا نستطيع تغييره بعد هذه الحقبة، ونخاطب فيه الذين ما زالوا يصرون على النقاش والتصدي والتزايد في من يجب أن يكون الخليفة الأول علي بن أبي طالب أو أبو بكر الصديق .. فهذا أمر انتهى ، ولكن الموضوعي من بين المحللين ليس له الآن سوى الكتابة عما حدث بنفس لا ميل فيه ولا تحيز، لأنه سوف لن يغير من الواقع شيئاً .فمن غير المعقول ونحن في هذا الزمان أن نصل إلى حد التقاتل والتخاصم مع الآخرين، ونظل نزرع بذور الفتنة على أساس من كان ينبغي أن يكون الخليفة الأول.. فإن قلنا علي أو أبو بكر فما الذي سيحدث بعد ذلك ؟ !!لقد أوصلنا هذا التنازع في الرأي إلى أن يسب ويلعن أعظم الرموز .. ألم يُسبّ الإمام علي على المنابر في دولة بني أمية؟ وألم يطلق على أشياع الإمام علي وأهل البيت لقب (الروافض على أساس أنهم رفضوا خلافة أبي بكر وعمر وعثمان.. وحتى وإن كانوا رفضوها، ألم يكونوا هم الخلفاء الثلاثة الأوائل وقد بايعهم الإمام علي نفسه .. وألم يسب ويلعن الخلفاء وغيرهم من قبل البعض ، بل وطال اللعن زوج الرَّسول من قبل آخرين .. ألم ينه الإسلام)

عن السب واللعن .. نعم الملعونون من سفكوا الدماء بغير حق، وليس الله بغافل عما يفعل المجرمون . .ولكن في وقت يواجه فيه الإسلام هجمة شرسة من أعدائه القدامى والجدد ، الصهاينة ومن يواليهم من النصارى المتصهينين ، وليس كل النصارى، بل ما زال قسم من اليهود يعارضون هذه الهجمة في عصرنا الحاضر، ولكن الاستعمار والأفاقين ما لازالوا يريدون بنا السوء ، والتفرقة، والتمذهب بل التعصب إلى المذهبية ، على أن لا ننسى التيارات والعقائد التي ظهرت منذ بداية القرن العاشر الهجري، وخاصة ما يتعلق بالتشيع، فكان هذا الاتجاه مسيساً وأغراضه معروفة جداً منذ استلام الدولة الصفوية الحكم في إيران .. ومن خلال ذلك كله كان الغرض التناحر حتى تذهب ريحنا .وأقول بصدد الخلافة .. لقد تخللت عملية وأسلوب البيعة الكثير من الأخطاء، وهناك أخطاء أخرى رافقت المسيرة أثناء حكم الخلفاء الآخرين، وكانت هذه الأخطاء عن قصد أو بدونه ، أو باجتهاد الخلفاء، قد بنت عليها الأمور مسبباتها فيما بعد، شئنا أم أبينا .. فإننا لا نجزم بوجود خلاف شخصي بين الإمام علي من جهة وبين الصحابة أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وأبي عبيدة، وسعد ، والزبير ، وطلحة وعبد الرحمن ،وغيرهم، ويضعهم البعض في خانة المنافسين للإمام علي ، بل ذهب بعض المتخلفين إلى أن يسميهم أعداءه ! ! . . لقد كان لكل فريق اعتقاده الخاص ( والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية في رأينا . .)بعضنا الآن يبتعد عن تسمية أولاده بأسماء الصحابة، لاعتقاده أنهم غاصبو حق الإمام في الخلافة (وأنا - في رأيي الخاص- اعتقد بأفضلية الإمام على غيره من الصحابة ، واعتقد بأنه الوصي بعد الرَّسول صلی الله علیه و اله وسلم وكذلك اعتقد

بحديث الغدير والثقلين والمنزلة وبآية المباهلة وآية الولاية وغيرها بل جلَّ الفقهاء السابقين من جميع المذاهب ذكروا ذلك .. ولكن هل يغير ذلك الأمر شيئاً؟ . .)فلماذا لا أكون موضوعياً لأنبذ الخلاف؟ .الإمام علي يسمي أولاده بأسماء الصحابة ، فمن أولاده أبو بكر وعمر وعثمان وهذا الأخير كان شقيق العباس بن علي وأمهما أم البنين الكلابية وهو من شهداء الطف وإخوته . . وسمى الإمام الحسن بن علي أحد أولاده (أبا بكر وهو من شهداء الطف في كربلاء أيضاً ، وأن الإمام علياً هو الذي تكفل بتربية محمد بن أبي بكر الصديق ، وكان بمثابة أحد أولاده بعد أن تزوج أرملة أبي بكر أسماء بنت عميس والدة محمد .. وكان أكثر الصحابة على صلة قرابة مع الإمام فهذا ابن عمه، وهذا ابن عمته وهذا ابن خالته .. والتاريخ لا ينكر ذلك. وحتى الإمام جعفر الصادق كان يقول ، لقد أولدني أبو بكر مرتين، إشارة إلى أمه وجدته .)إذا كان الاختلاف عقائدياً .. ولدينا تأكيد بأن الاختلاف العقائدي يخص الرأي والتطبيق وليس القصد العقائدي وهو أن هناك إشكالاً في عقيدة المسلمين أو في أصولها، بل في الفكر والممارسة.ولدينا أجيال سوف تتعايش إلى يوم القيامة، فلا بد لنا من التجاوز وبناء تصوراتنا بعلمية ، فهل يعقل أن نربي أجيالاً يجبلون على كره الصحابة، ويتم النقاش والتخاصم على من هو الأحق بالخلافة التي مضى(على الحادثة أكثر من أربعة عشر قرناً، فالإمام علي قد ساير أصحابه الخلفاء قبله، ولم نعلم بأنه كان بعيداً عنهم، بل كان مؤثراً فيهم ومقدماً عندهم أيضاً .)وللإمام علي رأي في ذلك، فلماذا ننقص من مكانته عندما نقول بأن

الإمام أكره بالقوة وهدد بالقتل إذا لم يبايع .. هل هذا هو علي المبدئي، يخاف على حياته من أجل الحق، أم أن هناك أموراً قد يكون هو أدرى بها .. فهل كانت تنقصه الشجاعة ..؟ أو الجرأة؟ أم المنطق بالاحتجاج؟ أو العلم؟ .. ولكنه الحلم والإيثار ومصلحة الدين والمجتمع .. لقد كانت الأمور أكبر من تصوراتنا، فهل يعقل أن نحيي اليوم الخصومة ، ونعاود الجدل ، حول موضوعة الخلافة؟لقد صوّر بعضهم ما جرى ، على أنه صراع من أجل السلطة ... فهل كان الإمام بحاجة إليها، وإذا كان يعلم الإمام بأنه أمر سماوي، نزل على الرَّسول صلی الله علیه و اله وسلم فلماذا يهادن ويتهاون فيه ؟!!ونعتقد بأن الإمام علياً جادل في الأمر وأعطى حجته إلى الآخرين، وربما أراد أن ينفذ ما كان يجول في خاطره وهو خازن علم النبي صلی الله علیه و اله وسلم، وباب مدينة ، علمه وربما وهذا من المؤكد أن يكون له رأي محدد، وقد سبقللرسول صلی الله علیه و اله وسلم أن اخبره به أو بما سوف يحدث، وهذا ما أكدته بعض المصادر .إذاً .. فما ارتضاه الإمام من أمر ، من الواجب علينا أن نرتضيه إذا كنا من أتباعه ومريديه ومحبيه .. وما ينبغي لنا أن ننقسم أو نتخاصم إلى يوم الدين . ! !فما قبله واستقر عليه رأيه لن نستطيع اليوم تغييره؟!!وعلينا أن نستقرئ الأحداث ، وندرسها ونحللها .. ونتحاور ونتوافق في النهاية مع الواقع حلوه ومرّه ، عسى أن يكون منه التقارب من خلال الاستيعاب العقائدي والمنطقي ، لا على أساس التحيّز ورد الفعل .. فالحقيقة تنقل ، وتحلل ويتم مناقشة الأحداث وفق مصادر وصولها إلينا لغرض الاستيعاب والمعرفة لا غير، والله سبحانه ندعوه بأن يجنبنا الزلل . وكما مرَّ سابقاً وفي

بداية البحث أيضاً سوف نحلل وندرس بمصداقية ، وصراحة، وشفافية كل مايتطلبه البحث .إن ما حدث في السقيفة يبتعد عن الشورى، بدليل أن الأمر أقره ثلاثة من كبار المهاجرين .. أمام حشد من الأنصار مختلفين قبلياً فيما بينهم، ومطالبتهم بخلافة الرسول صلی الله علیه و اله وسلم.. وقد أحدث الأمر بذرة خلاف على الصعيد السياسي والاجتماعي ، لأن كل فريق كان له اجتهاده الخاص، وأن الأنصار كانوا قد اختلفوا أصلاً فيما بينهم .فلو كان الموقف مغايراً، وعوض الحسم السريع الذي استغل فيما بعد لمفاهيم شتى، ولو كان الأمر والقرار حصيفاً بأن تكون هناك تهدئة للموقف، لحين الانتهاء من دفن الرَّسول ص ، واستيعاب المصاب الجلل، لمكانته صلوات الله وسلامه عليه، وبعدها يجلس أهل الحل والعقد والجميع بلا استثناء لحسم الأمر في موضوع الخلافة .فإننا نذكر ذلك ليس انتقاداً لأحد أو تحيزاً لطرف دون الآخر .. لأن ذلك أعقب خلافاً آخر وخروجاً على نص وتوافق، وقد نعلم السبب فيه أو لا نعلم هو أن الخليفة يوصي لمن يخلفه ، وكان هذا أمراً جديداً، حيث أن خلافة عمر بن الخطاب تمت بوصية من أبي بكر، بل استخلفه نصاً، فابتعدت الشورى هنا مرة أخرى فلا يعلم أحد السند أو النص الذي اعتمده الصديق بالرغم من احترامنا لمسيرة الصديق والفاروق ..ونتج عن ذلك تجاهل أمر الشورى بكاملها مرة أخرى، عندما أوصى الخليفة عمر بن الخطاب بتعيين أسماء عدد من الصحابة وهم ستة فقط، ليتم انتخاب الخليفة من بينهم، .. فلماذا هذا العدد وهذه الأسماء فقط وهم علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد وطلحة والزبير ..؟ رغم أن هناك جدلاً حول

الموضوع ونعتبره استمراراً لما حدث في السقيفة، لأن أمر اختيار الخليفة الثالث أوكل بشخص واحد يكون له القول الفصل وهو عبد الرحمن بن عوف ، وهو واحد من الستة في نفس الوقت .. إلى أن حدثت الفتنة والثورة على الخليفة عثمان، ومن ثم قتله بطريقة شائنة وبشعة .. وكان من أسبابه أيضاً ما حدث في البيعة الأولى ، إلى أن وصل الأمر بعد الأحداث، فتم اختيار الخليفة الرابع وهو الإمام علي ، وكان الاختيار اضطراراً لخلو الساحة وتفاقم الصعاب، وليس بإجماع ثابت حيث أن أول من بايعاه وهما طلحة والزبير، قد نكثا البيعة وبسرعة في أول فرصة سنحت لهما، وهناك من لم يبايع أصلاً مثل سعد بن أبي وقاص وغيره . .مع العلم بأن الإمام علياً لم يجبر أحداً على البيعة ولم يوافق على رأي أحد أصحابه بأن يجب أن يجبر من لم يبايع على إعلان البيعة، ولو بالسيف فأجابهم الإمام بكلمة واحدة : " دعوه .. "وربما كانت الردة التي حدثت بعد وفاة الرسول صلی الله علیه و اله وسلم، واضطر المسلمون لأن يتوحدوا في مواجهتها بكل صرامة وحزم، وتعود في واحد من أسبابها إلى استغلال الخلاف الذي حصل بشأن البيعة ، فانتهز المرجفون في دينهم هذه الحالة وارتدوا عن الإسلام .إذاً في نهاية البحث عن مرحلة ما بعد النبي صلی الله علیه و اله وسلم، و ما ناقشناه بشكل عام على أساس الفراغ الذي أحدثه غياب النبي صلی الله علیه و اله وسلم عن الساحة . . .وسنحاول الربط بين حلقات موضوعنا الخاص بثورة الحسين ونهوضه وصولاً إلى الأدلة ذات الصلة بالثورة كما نراها في أصول هذه الدراسة :1 . من الطبيعي إن ما حصل خلال وفاة الرسول صلی الله علیه و اله وسلم وما حدث بخصوص البيعة في سقيفة بني ساعدة، يعد بحد ذاته خروجاً أولياً عن المسار

العام لنهج الرّسالة بكل ثوريتها ومبدئيتها ، ولا نعني هنا اسم الخليفة الذي تم تسميته ، بل الطريقة ذاتها، وقد ذكرناها بتحليل ارتأينا صحته.2. هذا التعيين كان مدعاة سرور اليمين في الإسلام، وكان قد تم في ضوء تحديد قوة تيارات معينة لها حساباتها الخاصة، ولها رأي تحاببي لا يريد أن يستمر التغيير المجتمعي والعقائدي بالسرعة ذاتها التي كان يريدها النبي صلی الله علیه و اله وسلم ،ويعني ذلك إخماداً لثورية الإسلام من خلال إبعاد من يؤيدون هذا التيار عن الحكم وفي طليعتهم علي بن أبي طالب .3. سنحت الفرصة لبروز تيار المنافقين ، تارة بمحاولته زرع الضغائن والفتن وتحريض الإمام علي ضد البيعة، فصفعهم ردّه العنيف وَحدَّ من اندفاع هذا التيار وراء أوهام الفتنة ... فمال أبو سفيان صوب من له الحكم والسلطة والوضع الجديد ، ليهيئ لنفسه وحزبه الانقضاض في أية فرصة تتاح لهم، وسرعان ما وجدوا لهم موقعاً في الإمرة، عندما تم تولية أبي سفيان من حد الحجاز إلى نجران، وكذلك ولده يزيد بن أبي سفيان والياً على الشام، فهل خلت الساحة من أفاضل المسلمين والمجاهدين وأوائلهم وثوارهم من المهاجرين والأنصار ، حتى يصل الأمر إلى إعطاء الإمرة لبعض الطلقاء . وكم ولاية كانت تابعة للدولة الإسلامية حتى تعطى هاتان الولايتان إلى أبي سفيان وابنه إذا ما عرفنا بأن العراق لم يفتح بعد وكذلك مصر ولا بيت المقدس ولا غيرها من أصقاع الدولة التي شملها الإسلام ... فإن هذا التعيين إذا كان سببه تأليف القلوب وتسليط أعداء الأمس القريب على رقاب الناس، فنعده بادرة جديدة تبنى عليها في المستقبل طموحات ومصالح ... وقد حدث ذلك فعلاً، وقاد الدولة من هو ليس أهلاً بقيادتها ، وعن طريقه تم تسليم الولايات المهمة إلى من لا وازع ولا ضمير لديه ، ولعبوا بمقدرات المسلمين، وكانوا ركائز

لتثبيت حكم القاسطين والمارقين، وسوف نرى ذلك جلياً عند سرد الأحداث في سياقاتها المتوالية .4. ابتعاد صورة الشورى عن الأحداث، وهذه الصورة التي نعنيها هي التي صورت لنا في الكتاب والسنة فأين وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ووَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر.)5. من قراءة الأحداث السريعة ، وجدنا نوعاً جديداً في أسلوب الحكم، فالخليفة الذي هو قائد الأمة، وجدناه فيما ذكر المؤرخون قد اتخذ وزيراً ملاصقاً له ولا يخرج أو يبتعد القرار عنه، وهو الفاروق عمر بن الخطاب ، كما سيتم بحث ذلك .. العلم أن عمر كان السبب الرئيس في اختيار الخليفة، وتم عكس الحالة بانتقال الخلافة إلى عمر بن الخطاب بوصية من أبي بكر ... وما ذلك إلا لجعل الأبواب مشرعة مستقبلاً للكثير من الاحتمالات، وطريقة البيعة لعثمان بن عفان . . . وترابط الأحداث وتسارعها في وضوح، فإن تيار اليمين المحافظ هو الذي يتسلم زمام الأمور، وما الحكومة التي سبقت الإسلام والمتكونة من أثرياء مكة والذين أسلموا منهم وجاهدوا حتى بأموالهم نراهم اليوم في سلّم الحكم وما سنذكره لاحقاً عن الخليفة المقتول عثمان بن عفان عندما حاور الثوار مذكراً إياهم بأمواله التي صرفها على الإسلام. . نضيف إلى ذلك عندما يكون التوجه الطبقي قد استفحل ، فمن الطبيعي أن يلتصق به حديثو الإسلام ، وعديمو السابقة له بهذه الطبقة لكي تبحث لها عن موقع جديد.

## مشهدانمشهدانعلينا أن نتصور حالتين أو مشهدين كانا في زمن واحد وفي لحظات متشابهة ولكن المكان مختلف .. ولهذين المشهدين تأثيرهما البالغ في الأحداث، لأن الحد الفاصل والمنعطف التأريخي يبدأ منهما . .## المشهد الأولالمشهد الأول:في اللحظات الأخيرة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، مشهد ينقله المؤرخون وفيه جانب كبير من الحزن ولوعة الفراق . . الرَّسول صلی الله علیه و اله وسلم مسجى على فراشه والناس على باب داره وقد أخذهم الوجوم وما سوف يحل بهم إذا ما نعى الناعي نبيهم وفي جواره بضعته الزَّهراء فاطمة سيدة نساء العالمين، تكتنفها اللوعة، وقد أعلمها أبوها أنه مفارقهم عن قريب ، وأسرها بأنها أول من سيلحق به ... وعلى رأسه وقف أخوه وابن عمه وزوج ابنته ووالده سبطيه ، علي بن أبي طالب، وهو ينظر إلى معاناة النبي صلی الله علیه و اله وسلم من ألم وفزع سكرات الموت .ودخل في هذه الأثناء أهل بيته الباقون ، وأزواجه لعلمهم بأنه مفارقهم وقد خفوا لتوديعه . . وجاء سبطاه الحسن والحسين ، وكان عمر الحسن ثمان سنوات والحسين ستاً من السنين وسبعة أشهر .. فارتميا على جدهما وهما يبكيان والنبي صلی الله علیه و اله وسلم يوسعهما تقبيلاً وهنا بادر الإمام علي بأن يرفعهما عنه، فأبى وقال للإمام : "دعهما يتمتعان مني وأتمتع منهما فستصيبهما بعدي إثرة. ."(1)


1) حياة الإمام الحسين باقر شريف القرشي - ج 1 ص 22 .

وظل ينظر إليهما مليّاً - ومن كان في الغرفة يشاهد هذا المنظر - وفينفسه أشد حالات اللوعة والحزن .. والتفت النبي صلی الله علیه و اله وسلم إلى جميع الحاضرين، وسمع عواده حيث قال لهم :" قد خلفت فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فالمضيّع لكتاب الله كالمضيع لسنتي، والمضيّع لسنتي كالمضيّع لعترتي ، إنهما لن يفترقا حتى يرداعليَّ الحوض . ."(1.)وهبط جبريل على النبي صلی الله علیه و اله وسلم وقال له " يا أحمد إن الله قد اشتاق إليك " (2)وقد بدا الوهن على النبي صلی الله علیه و اله وسلم وظهرت على ملامحه بوادر الفراق، وهنا أخذ الإمام علي رأس النبي صلی الله علیه و اله وسلم في حجره، ومد يده اليمنى تحت حنكه، وقد شرع ملك الموت يقبض روحه الطاهرة، والرَّسول صلى الله عليه وسلم يعاني آلام الموت وشدة الفزع حتى فاضت روحه الزكية فمسح بها الإمام وجهه .(3)وقد ذكر الكثير من المؤرخين الثقاة في تواريخهم بأن النبي صلی الله علیه و اله وسلم توفي ورأسه في حجر علي(4فقد ذهب من كان نذيراً وبشيراً ورحمة للعالمين، وتكبدت بفقده الإنسانية كارثة من أصعب ما يقع على البشرية، وقد خبت جذوة النور التي كان ضياؤها هداية لبني البشر .. وترى المسلمين قد فزعوا أشد الفزع وأصابهم عظيم الجزع في هذا المصاب الجلل، وترى أهل بيته)


1) الخوارزمي في مقتله ج 1 ص 114.

2) طبقات ابن سعد ج 2 ص 48 .

3) حياة الإمام الحسين ج 1 ص 220 ، عن المناقب ج 1 ص 29,

4) راجع طبقات ابن سعد، وكنز العمال ، ج 4 ص 55.

وأزواجه وبقية المسلمين والمسلمات، وقد طغى عليهم الحزن، ولكن أي حزن، فقد ذهب الهادي البشير الذي اصطفاه رب السماوات والأرضين، فقد ذهب الأب والأخ والزوج والجد بالنسبة لأسرته ، والمرشد وسيد البشر لكل المؤمنين والمؤمنات .فمما لا شك فيه كان جزع بضعته الزّهراء شديداً وعظيماً، وهو الذي قال فيها : "إنَّما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، وينصبني ما أنصبها . . . "(1)وقال صلوات الله وسلامه عليه: "إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك . . ." (2)وورد في سير أعلام النبلاء وسنن ابن ماجه ما حلَّ بالزهراء وما نطقت به جزعاً وحزناً على أبيها (3)وهرع الناس إلى دار النبي صلی الله علیه و اله وسلم وهم بين واجم ونائح ومذهول وقد اعتراهم الحزن والبكاء من هول المصاب .وقد تولى الإمام علي تجهيز الرسول صلی الله علیه و اله وسلم وحده، وقام بتغسيله، وكان الطيب يخرج من بدن النبي صلی الله علیه و اله وسلم والإمام علي يقول : " بأبي أنت وأمي يا رسول الله طبت حياً وميتاً ". (4)


1) مسند أحمد بن حنبل ج 4 ص 5. وصحيح الترمذي ج 2 ص 319.

2) أسد الغابة ج 5 ص 522 ، كنز العمال ج 7 ص 111 ، و مستدرك الصحيحين ج 3 ص 153.

3) راجع حياة الإمام الحسين ج 1 ص 221 وهامشه المستند على سير أعلام النبلاء ج 2 ص 88. حيث جاء بأن الزهراء أخذت تجول حول جثمان أبيها وهي تقول: وا أبتاه، إلى جبرائيل أنعاه، وا أبتاه، جنة الفردوس مأواه وا ،أبتاه أجاب رباً دعاه !! وفي نفس المصدر يذكر بأنه جاء في سنن ابن ماجه إن حماد بن زيد قال : رأيت ثابت راوي الحديث حينما يحدث به يبكي حتى تختلف أضلاعه.

4) طبقات ابن سعد ج 2 ص 63 .

وبعد الفراغ من غسله، أدرجه في أكفانه، ووضعه على السرير .(1)وقيل إن أوس بن الخولي الأنصاري، وكان بدرياً، نادى يا علي، ننشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له عليّ : ادخل، فدخل فحضر غسل رسول الله ولم ينل من غسله شيئاً (2.)ومما لا شك فيه أن العباس بن عبد المطلب عم النبي صلی الله علیه و اله وسلم كان يساعد الإمام علياً في غسل النبي وتجهيزه.وتمت الصلاة على جثمانه الشريف بعد أن صلى الله تعالى عليه من فوق العرش، وأقبل المسلمون للصلاة على الجثمان الطاهر صفاً صفاً بدون إمام يؤمهم، حيث كان الإمام يقف إلى جانب الجثمان ويقول للمصلين ، لا يؤم صلاتكم على الجثمان أحد، فهو إمامكم حياً وميتاً.وبعد الانتهاء من الصلاة على جثمان النبي صلی الله علیه و اله وسلم: ثم توديعه الوداع الأخير، ووري الجثمان الطاهر في مثواه الأخير، ونزل الإمام علي مع الجثمان ليوسده في لحده ، وبعدها وقف على حافة القبر، ويقلب حزين منكسر وعيون دمعى، ليقول بصوت خافت ونبرة حزينة : "إن الصبر لجميل إلا عنك، إن الجزع لقبيح إلا عليك، وإن المصاب بك لجليل، وإنه قبلك وبعدك لجلل ". (3)وبات أهل البيت ليلتهم محاطين بالأرق والحزن والأسى والألم


1) وفي روايات أخرى ذكر بأن العباس عم النبي وأسامة بن زيد كانا يناولان الإمام علياً الماء من وراء الستر كما جاء في البداية والنهاية ج 5 ص 263 ، و في كنز العمال ج 4 ص 53 ذكر بأن علياً غسل رسول الله وكان الفضل بن العباس وأسامة بن زيد يناولانه الماء.

2) البداية والنهاية - ج 5 ص 260 وراجع حياة الإمام الحسين ج 1 ص 222 في الهامش.

3) راجع نهج البلاغة.

والهواجس على غياب كبير أهل البيت وحاميهم ، مترقبين ما سيحل بعده، وقد أوكلوا أمرهم إلى الله .وكان الإمام الحسين ، قد عاش هذه الواقعة بكل دقائقها، وأحس بما لفت نظره بأن من أقرب الناس صحبة إلى جده لم يجدهم في هذا الوقت الصعب واقفين مع أهل بيته ، ومنذ ذلك الحين عرف طبيعة الناس وتوجهاتهم فكان رأيه فيما بعد عندما كبر وعاش أحداثاً أخرى لا تقل أحاسيسه فيها عن ما عاشه عند وفاة جده فقال :"الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم، يحيطونه حيث ما دارت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون ..."وفي هذا المشهد لم يذكر لنا أحد بأن الإمام علياً منذ اشتداد المرض بالنبي صلی الله علیه و اله وسلم وحتى وفاته إلى الانتهاء من غسله ودفنه قد صدر منه ما يخص خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى بعد الانتهاء من كل المراسم وما قال له عمه العباس عندما عرف بأمر التجمع في السقيفة وشكه في الأمر على ضوء ما ذكرناه سابقاً ..فكان رد الإمام علي " ومن يطلب هذا الأمر غيرنا " . . فيتبين بأن الإمام علياً لم يشك في ذلك وغالباً كان يعتقد بأن أحاديث النبي صلی الله علیه و اله وسلم ومواقفه هو وجهاده لا وقدمه وعلمه وقرابته وتقديمه على الباقين يجعله في موضع الهادئ من الأمر .. ولذلك وجدناه والهاشميين وأتباعهم قد صدموا بواقع الأمر عندما علموا بموضوع البيعة لأبي بكر، فاستنكروا الحالة في رأيهم برمتها والطريقة التي تمت بها، واعتبروها بعيدة عن الشرعية ولذلك نرى الإمام وغيره الكثير لم يبايعوا إلا بعد وقت طويل منها، وخاصة عندما وجد الإمام علي بأن المرتدين عن الإسلام قد قويت شوكتهم واستلزم الأمر حربهم بشراسة، فنجد بأن الإمام علياً وأصحابه

قد خاضوا حرب الرَّدة بكل قواهم ووقفوا مع أبي بكر بكل حزم أيضاً .. لأننا نعتقد بأن الخلاف ليس خلافاً شخصياً وإنَّما هو مبدئي بحت كان للإمام فيه رأي عندما بايع كانت له تصوراته وفي مقدمتها الحفاظ على مسيرة الإسلام .وهنا نؤكد أن يكون الإمام علي قد أجبر وهُدِّدَ كي يبايع، وهذا لا يمكن أن نعقله ونستسيغه إذا ما عرفنا صفات وأخلاق وشجاعة الإمام .ولكن يجب أن لا نغفل شيئاً من تحسب الإمام علي خلال البيعة وسماعه بها لأنه كان يعلم بأن هناك من يبيت له ولأهله عداءً مصدره أن الإمام علياً قد قتل كبراءهم وقد أسلموا بعد الفتح وسوف لن تغيب ضغائنهم إذا ما تقربوا إلى السلطة الجديدة وخاصة إذا ما تسلموا شيئاً من إدارة الدولة.## المشهد الثانيالمشهد الثاني:وقد كان حدث في سقيفة بني ساعدة .. ولا بد أن نعرف بأن من تجمع الأنصار، وكان الأنصار هم الذين بدأوا بأمر عدم التريث أكان اجتماعهم بداية في السقيفة هم لحين دفن الرَّسول صلی الله علیه و اله وسلم وليس غيرهم، هذا من أجل الخلافة، أو من أجل زعامة المدينة بين الأوس والخزرج فرقاء الأمس الذين وحدهم الإسلام وتواجد النبي صلی الله علیه و اله وسلم بين ظهرانيهم، لأن البعض قد ذكر اجتماعهم ليس من أجل الخلافة وإنما على من يرأس المدينة ، ولمن تكون الزعامة في الأنصار الذين هم سكان المدينة المنورة (يثرب قبل ارتحال النبي صلی الله علیه و اله وسلم وهجرته إليها؟)ولنا أن نتصور احتمالات عدة لوجود الأنصار وتجمعهم في السقيفة وهذه الاحتمالات هي:أ. إما أنهم حقيقة طمعوا في الخلافة وأرادوا أن يكون الخليفة فيهم، لأنهم نصروا النبي صلی الله علیه و اله وسلم وآووه وقاتلوا معه وجاهدوا، ولكنهم خلال تجمعهم

هذا قد اختلفوا من أي قبيلة سيكون الخليفة ، وذكر البعض أن سعد بن عبادة رئيس الخزرج قد طلبها لنفسه وعارضه في الاجتماع رئيس الأوس أُسيد بنخضير .ب . أن الأنصار أحسوا بأن هناك من يستغل وفاة الرسول صلی الله علیه و اله وسلم من المهاجرين وفي نيتهم إبعاد الإمام علي من الخلافة، وقد بنى الأنصار تصورهم هذا من خلال اختلاطهم بهم ومعرفة رأيهم المسبق، وأرادوا أن لا يتم ذلك، وفي اعتقادنا بأن هذا الاحتمال وارد من خلال العلاقة الوثيقة التي كانت تربط الكثير من الأنصار بالإمام علي بحيث كانت هذه العلاقة تأخذ شكل المودة وكان الأنصار من خلّص محبيه وأصدقائه ويكنون له التقدير لمكانته وسبقه وقرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم وجهاده وشجاعته في المعارك والغزوات، ومعرفة رأي النبي صلی الله علیه و اله وسلم فيه من خلال الأحاديث التي قالها عنه .. ولكن الأحداث أثبتت غير ذلك . .وحتى لو صح هذا الاحتمال فلا يعطي للأنصار الحق بأن يفارقوا جثمان النبي صلی الله علیه و اله وسلم ويعدوا للاجتماع أياً كانت أغراضه .ج. أو أن الأنصار علموا بالتوجه السياسي للمهاجرين أو لبعضهم ممن له شأن وصحبة متميزة مع النبي صلی الله علیه و اله وسلم ، وهذا التحرك ظهر في الأيام الأخيرة من حياة الرسول صلی الله علیه و اله وسلم ، وخاصة عندما أمر النبي صلی الله علیه و اله وسلم و أسامة بن زيد بن حارثة على جيش يضم فيه كبار الصحابة مثل أبي بكر وعمر ، وقد أظهروا استياءهم من ذلك لحداثة سن أسامة من جهة، وأن النبي أبقى علياً معه لمرضه.. ومن ناحية أخرى وجد الأنصار من موقف البعض عندما طلب النبي صلی الله علیه و اله وسلم وهو على فراش المرض الكتف والدواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده، وقد منعوه ذلك كما أسلفنا وقالوا إن النبي ليهجر .

وقد يكون الأنصار قد علموا بسياسة الآخرين، وأن مصالحهم قد تصاب بالضرر إذا ما تسلم الخلافة شخص لا يرغبون به.د. إن الأنصار قد اعتقدوا بأن هناك مخاوف شديدة من أمور ستصيبهم، وسوف يعانون منها في حال تسلم تيار اليمين السلطة والحكم.ه-. من المعروف أن للأنصار قوتهم وكانوا يمثلون الأساس في الجيوش الإسلامية ولهم عقدة من قريش بسبب كثرة قتلى القرشيين على يد الأنصار، وأن الأمر إذا استتب بيد القرشيين، فسوف لن ينسوا قتلاهم وما قاله الحباب ابن المنذر :" لكننا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم " . وذلك قد تحقق بالفعل عندما حكم الأمويون، فسوف نرى ماذا فعلوا بهم وبمدينتهم المنورة فيما بعد.ففي مجلس السقيفة كان الأوس والخزرج وحدهم، وقد ابتدأ الكلام سعد بن عبادة رئيس الخزرج وكان مريضاً، فقال:"يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين ، وفضيلة في الإسلام ليست لأحدٍ من العرب، إن محمداً صلی الله علیه و اله وسلم و لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به إلا القليل ما كانوا يقدرون على منعه، ولا على إعزاز دينه ، ولا على دفع ضيم حتى إذا أراد الله بكم الفضيلة ، وساق إليكم الكرامة ، وخصكم بالنعمة ، ورزقكم الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على عدوه، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً .. وأعطى البعيد المقادة صاغراً، فدانت لرسوله بأسيافكم العرب، وتوفاه الله وهو عنكم راض، وبكم قرير العين، استبدوا بهذا الأمر دون الناس فإنه لكم دوماً . (1)


1) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 222 وتاريخ الطبري - ج 3 ص 307.

ففي كلام سعد هذا تمييز للأنصار ، لحمايتهم الرسول واستضافته ، ومقاتلتهم وإياه الكفار من قريش الذين كانوا عشيرة الرَّسول صلی الله علیه و اله وسلم ولم ينصروه، فقد وجَّه بهذا الخطاب نقداً لاذعاً لقريش، وعلى ذلك فالأنصار أحق بالنبي صلی الله علیه و اله وسلم وبالتالي هم أحق بخلافته على رأي سعد.فقال قسم من الأنصار "فإن أبى المهاجرون من قريش، وقالوا نحن المهاجرين وأصحابه الأولين ، وعشيرته وأولياءه فعلام تنازعون هذا الأمر بعده؟فأجاب آخرون " فإنا نقول : منا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا أبداً ".فقال سعد: "هذا أول الوهن "ولا بد أن نشير إلى الخلاف الدائم بين الأوس والخزرج فمن الطبيعي أن يكون نزاعاً قد حصل في هذا الاجتماع بين الفريقين يضاف إلى ذلك أن بعض الخزرج كان يحقد على سعد، فعلى الرغم من أن الأنصار قد تكتموا على هذا الاجتماع فقد تسرب خبره إلى المهاجرين .ويروى أن أبا بكر الصديق كان في (السنح خارج يثرب وتبعد عنها بمسافة تقدَّر بثلاثة أميال تقريباً، فأرسل إليه عمر بن الخطاب يستعجله الحضور، فوصل أبو بكر والرَّسول قد فارق الحياة، وقد شارك أبو بكر المسلمين حزنهم ووجد عمر يرفض بأن يقال بأن النبي صلی الله علیه و اله وسلم قد مات، وكان يقول "والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران . . . " وهدد من يقول إن النبي صلی الله علیه و اله وسلم مات!!)فخرج أبو بكر إلى الناس الذين أخذتهم الصعقة بوفاة النبي وقال :

" من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى الله الشَّاكِرِينَ فهنا هدأ عمر)وفي هذه الأثناء وفي النزاع الدائر في السقيفة فقد انسل من الاجتماع عويم بن ساعدة الأوسي، ومعن بن عدي حليف الأنصار وكانا يكرهان سعد ابن عبادة ، و لهم علاقة وثيقة بأبي بكر، وأخبرا أبا بكر وعمر بما يجري في السقيفة، ففزعا وانطلقا مسرعين ومعهما أبو عبيدة بن الجراح (1وسالم مولى أبي حذيفة ويقال معهم خالد بن الوليد ، تاركين جثمان الرَّسول صلی الله علیه و اله وسلم قبل أن يدفن ، وتبعهم آخرون ودخلوا الاجتماع على حين غفلة من الأنصار .. فبهت الأنصار وتفاجأ سعد وقد فشلت مساعيه ..)فأراد عمر أن يتكلم فمنعه أبو بكر وانبرى يخاطب الأنصار قائلاً " نحن المهاجرين أول الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً ، وأوسطهم داراً وأحسنهم وجوهاً، وأمسهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنتم إخواننا في الإسلام وشركاؤنا في الدين، نصرتم وواسيتم (إخوتكم المهاجرين ما فضلهم الله به ، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين - يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح ". (2))فهنا نرى بأن أبا بكر قد أبعد نفسه عن الأمر لكي لا يتبين للأنصار والحضور بأنه طامع في الحكم وبذلك يكون قد أثر في نفوس الأنصار، وقام عمر وتكلم بما يشبه كلام أبي بكر، وقام الحباب بن المنذر ورد عمر بكلام فيه


1) تاريخ الطبري ج 3 ص 62 .

2) نفس المصدر السابق.

شيء من التهديد والعنف ومقالة عن إبعاد المهاجرين من المدينة ودعوته إلى حربهم وقد اعتز بنفسه وافتخر بشجاعته .. وهنا صاح عمر " إذاً يقتلك الله " فردّ عليه الحباب "بل إياك يقتل " .وهنا خاف أبو بكر من تطور الأمور، فكرر ترشحه عمر وأبا عبيدة فأجاب عمر : "يكون هذا وأنت حي؟" "فامدد يدك أبايعك، فبايعه عمر وبعده أبو عبيدة، وخالد بن الوليد ومعن بن عدي ، وسالم مولى أبي حذيفة .. فنظر أسيد بن خضير رئيس الأوس هذا المنظر، فأسرع وبايع أبا بكر نكاية بسعد بن عبادة رئيس الخزرج وتبعه عدد من أتباعه ، وأسرع عمر يحث الناس على البيعة . . وسمع الأنصار يقولون "قتلتم سعداً" .فأجاب ( يعني عمر بقوة " اقتلوه قتله الله فإنه صاحب فتنة " (1))وهناك من يذكر بأن سعد بن عبادة كان قد حضر اجتماع السقيفة وقد حمله أصحابه وهو مريض وذكر الحضور بأحقية أهل بيت النبي صلی الله علیه و اله وسلم وبالخصوص علي بن أبي طالب وأنه ذكرهم بوفاة الرَّسول صلی الله علیه و اله وسلم وأن الوقت غير مناسب لبحث هذا الأمر .. والله أعلم .. إذا بويع للخليفة بهذه الصيغة والنبي لم يدفن بعد !!لننظر إلى هذين المشهدين ونتعمق فيهما .. فهل يعقل أن يجري كل ذلك في وقت واحد ولكن بنهج مختلف . . نترك القارئ يتأمل الحال وله أن يقارن بين المشهدين .وعليه فإن أي خطأ يبنى بعده خلاف.. والخلاف يتطور ويأخذ وجوهاً عديدة وتكون له تأثيراته في جميع النواحي ، النفسية، والعقائدية،


1) العقد الفريد لابن عبد ربه.

والاجتماعية ، والسياسية، وأرجو أن لا يغيب عن بالنا بأن دولة الإسلام حديثة التكوين وأي خلاف سوف يؤثر على مسيرتها، وهذا التأثير سوف يتطور إلى القادم من الأيام، وسوف تظهر المصلحية والنفعية وحب السلطة والنفوذ والمال، وذلك مما يدعو إلى أن ينعطف مسار الإسلام ودولته عن خطهما العام الذي رسمه النبي صلی الله علیه و اله وسلم وقد حدث ذلك فعلاً.وكانت ثورة الحسين نتاج مثل هذه الخلافات وما نتج عنها من نكبات على المسلمين . ."فلو افترضنا أن لا نص بالخلافة على أحد من آل محمد صلی الله علیه و اله وسلم ، وافتراض كونهم غير مبرزين حسباً أو نسباً أو أخلاقاً أو جهاداً أو علماً أو عملاً، أو إيماناً أو إخلاصاً، ولم يكن لهم السبق في مضامير كل فضل بل كانوا كسائر الصحابة، فهل كان هناك مانع شرعي، أو عقلي ، أو عرفي، يمنع تأجيل عقد البيعة إلى حين فراغهم من تجهيز رسول الله صلی الله علیه و اله وسلم ؟.. ولو بأن يوكل ضبط الأمن إلى القيادة العسكرية مؤقتاً حتى يستتب أمر الخلافة؟ أليس هذا المقدار من التريث كان أرفق بأولئك المفجوعين؟ وهم وديعة النبي صلی الله علیه و اله وسلم لديهم وبقيته فيهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ أليس من حق هذا الرسول -الذي يعزّ عليه عنت الأمة ويحرص على سعادتها، وهو الرؤوف بها الرحيم - أن لا تعنت عترته فلا تفاجأ بمثل ما فوجئت به -والجرح لما يندمل والرَّسول لما يقبر . . " ؟! (1))لماذا أطلنا الحديث في هذه المواضيع ، وكان يمكن أن نذكرها ونحن


1) راجع حياة الإمام الحسين - للقرشي ج 1 ص 246-247- نقلاً عن النص والاجتهاد ص7.

في مبتدأ السياق بالحديث عن ثورة الحسين .. ويحق للبعض أن يعتقد بأننا قد خرجنا عن لب الموضوع وإلى دراسة حوادث لها مكان آخر وليس هذا المكان . .أقول .. لكي لا نستبق الأمور، فإن من أسس ثورة الحسين هو أنه انتفض على شرعية النظام الحاكم آنذاك وانحرافه عن القيم والمبادئ الإسلامية وانتشار الظلم والاضطهاد والتعسف على المسلمين في زمانه، بسبب استئثار من هم ليسوا أهلاً بكل المقاييس لقيادة الأمة .فوصول هؤلاء إلى سدة الحكم حصيلة بذرة الانشقاق الأولى التي حدثت في السقيفة، رغم ذهاب الكثير ممن حللوا الواقع في ذلك الوقت مذاهب شتى . . ومتى ما عرف عن مصداقية النقل ونسبتها، فإن ما تلا ذلك الحدث، يجعلنا نكون غير غافلين عن الخطأ الذي تم ، . . هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فنرى تصارع قوى اليمين والوسط واليسار في ذلك الوقت وتحزب الجميع وهو ما لا يخرج عن نطاق الصراع المجتمعي في كل أدوار البشرية التي عاشتها ولا يبتعد مجتمع الإسلام الحديث عن ذلك النطاق .ونتيجة هذا النوع من التحزب الذي جرّ إليه تصارع التيارات والأفكار ينشأ بعدئذٍ صراع جديد حدد بكتلتين فقط ، كتلة المصالح والمنافع وكتلة المبادئ، والكل يحاول أن يلتزم بمبادئ الإسلام ولكن حسب مفهومه لها .. فاستمر صراع هذين التيارين إلى زمن الحسين، فكان ضمن التيار الأول كل من تنطبق عليه تسمية القاسطين والمارقين والناكثين ممن استحلوا دماء المسلمين، وخرَّبوا مدينة الرسول صلی الله علیه و اله وسلم و وضربوا الكعبة ولم يقف أمام مصالحهم الدنيوية شيء مهما عظم وكبر في سبيل التسلط على رقاب المسلمين والثروة .بينما نجد التيار الثاني قد نذر نفسه من أجل إعلاء كلمة الحق، والأمر

بالمعروف والنهي عن المنكر والعودة بالإسلام إلى ينابيعه الأولى ومبادئه لأن الناس ولدوا أحراراً ويجب أن تطبق قوانين السماء والسنة النبوية.فكان أبو بكر يمثل تيار الوسط وكان عمر في حينها يمثل تيار اليمين ، بينما يمثل الإمام علي تيار اليسار . (1)وهنا وبعد كل ما تقدم فإن موقف اليسار هو الذي سيتم تبيانه مقارنة بالأحداث المواكبة . ذلك إن موقف الإمام الحسين فيما بعد كان استمراراً للثورية الإسلامية التي تمثل اليسار .


1) راجع اليمين واليسار في الإسلام - أحمد عباس صالح-ص 60-61 .

## خلافة أبي بكر الصديقخلافة أبي بكر الصديقتسلم أبو بكر الصديق الخلافة مسنوداً بشكل كبير من القرشيين وعلى رأسهم عمر بن الخطاب، ومن الأحداث التي تلت خلافة أبي بكر، يتضح بأن هناك اتفاقاً بين الخليفة أبي بكر وبين عمر بن الخطاب، ينضم إليهم في هذا الاتفاق شخصيات من القادة المسلمين لهم رؤيتهم الخاصة ."وقد سارت الأحداث في الاتجاه الذي رسمه أبو بكر، فانقسم الأنصار ، بتأثير الروح القبلية التي تأججت ، وانخذل سعد بن عبادة الخزرجي- مرشحهم للخلافة -حين بادرت الأوس فبايعت أبا بكر . هذه الروح القبلية التي عبرت عن نفسها يوم السقيفة، فتحت على المسلمين باباً من أبواب الفتنة . فقد خرجت قريش من هذه التجربة وهي ترى أن الحكم حق من حقوقها. وأن الخلافة وراثة آلت إليها بحكم كون نبي المسلمين منها . مما سبب أسوأ الآثار في فهم القرشيين لمهمة الحكم في الإسلام . وستظهر هذه الآثار واضحة في عهد عثمان ". (1)إن اليمين كله قد رحب بخلافة أبي بكر ، بما فيه ما يسمى بالشورى التي لم تظهر كقوة هامة والشورى هنا نعني بها أعضاء المجلس الذي اختاره (فيما بعد لتعيين الخليفة بعده عمر بن الخطاب، ونرى بأن أعضاء هذا المجلس قد انتهوا إما بالوفاة أو الاعتزال أو القتل في الصراع الذي نشب بين أعضائه على)


1) ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين ص 32.

الخلافة، إلى أن استولى معاوية بن أبي سفيان على السلطة ووصول اليمين المتطرف إلى الحكم وتعطيل كل شيء ولو بالاسم عن ما يسمى بالشورى .وترحيب اليمين بخلافة أبي بكر والإسراع بتأييدها له معنى واحد؛ هو أن غالبية المسلمين كانوا مع الاتجاه اليساري (أو الثوري الذي يمثله الإمام علي وأصحابه ، وجماهير المسلمين كانت مع هذا الاتجاه لأن النبي صلی الله علیه و اله وسلم كان زعيمه وواضع مبادئه الأساسية.)وهنا استغل اليمين الفرصة ورشح من الوسط شخصاً أقرب لليمين منه إلى اليسار، ورتَّب ذلك للوثوب على الحكم بعد وفاة النبي صلی الله علیه و اله وسلم لأن أحداً لم يجرؤ في حياته أن ينحرف بالدعوة إلى اتجاه غير اتجاهها.لهذا وافق اليمين على البيعة لأبي بكر، بل رحب بها وعمل على نجاحها بينما عارض اليسار وعلى رأسه علي بن أبي طالب معارضة صريحة (1.)والملاحظ والواضح جداً بأن الإمام علياً قد بين معارضته باحتجاج لا لبس فيه ولا غموض وعرض أحقيته بالأمر بأسانيد ثابتة، ولكنه كان قد هضم الوضع وعرفه بشكل كامل ، فنراه فيما بعد لم يظهر ذلك في تصرفه السياسي في كل المراحل التي مرَّت حتى وصلت إليه الخلافة . ونراه لم يبادر بالمعارضة فيما بعد لأنه يؤمن دائماً بالمثل العليا ونراه عند أي خطب تتعرض له الدولة الإسلامية والثَّورة ، يكون موقفه مهادناً إلى أن تنجلي الأمور .وفي خلافة أبي بكر نراه قد اتخذ خطوات وصفها المؤرخون بأنها موجهة إلى التيار الثوري اليساري، وقد يفسره البعض أنها كانت موجهة للهاشميين لتقويض قوتهم منها :


1) اليمين واليسار في الإسلام - أحمد عباس صالح ص 58-59 بتصرف.

1 . إنه جعل عمر بن الخطاب وزيره ومستشاره فكانت القرارات لا تصدر إلا بموافقة المستشار وتوجيهاته وكان له التأثير الكامل على الخليفة وفي نفس الوقت نرى بأن الخليفة لم يكن ليستغني عنه، وهذه حالة جديدة في التغيير الجديد .2 . محاولة إقناع الإمام علي بالبيعة بشتى الوسائل واشترك في الضغط الكثير من المهاجرين ومن أركان الحكم الجديد تارة باللين وأخرى بوسائل متعددة بعيدة عن التهديد مثلما أكد ذلك بعض من الذين لم يعتمدوا الموضوعية، وكل ذلك لم يثن الإمام عن رأيه. وبعد ستة أشهر عندما عصفت بالأمَّة هزة عنيفة تمثلت بردة القبائل خارج مكة والمدينة عن الإسلام ، وكان على المسلمين بمختلف اتجاهاتهم أن يتجمعوا ويتكاتفوا للقضاء عليها.3 . اتخاذ الخليفة أبي بكر إجراءات صارمة لإضعاف أية جبهة قد تكون ممثلة لتيار المعارضة ومن هذه الإجراءات التضييق الاقتصادي على من يصفهم بالمعارضة، وقد تأثر بذلك الحصار الإمام علي وأتباعه وأهل بيته وطال ذلك الهاشميين وحتى الأنصار الذين كانوا موالين للإمام علي بغالبيتهم ... ومن هذه الإجراءات :أ. إسقاط الخمس وهو سهم النبي صلی الله علیه و اله وسلم وسهم ذي القربى (1ومنع بني هاشم منه وجعل أهل البيت كغيرهم، وقد أرسلت إليه فاطمة الزهراء علیها سلام تسأله أن يدفع إليها ما بقي من خمس خيبر، فأبى أن يدفع لها شيئاً(2)وبذلك)


1) جاء في سورة الأنفال آية 41 (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَاليَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إن كُنتُمْ وَآمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لل )

2) صحیح مسلم ج 2 ص 72 ومثله في صحيح البخاري ج 3 ص 36.

يكون قد أبقى آل الرسول صلی الله علیه و اله وسلم في حالة فقر وعوز.ب . الاستيلاء على تركة النبي صلی الله علیه و اله وسلم وضمها إلى بيت المال، فكان ذلك من أسباب ضنك العيش الذي أصاب عترة النبي صلی الله علیه و اله وسلم وكانت ذريعة أبي بكر أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " .ج. ضم (فدك ووارداتها إلى بيت المال ، وكان الرسول صلی الله علیه و اله وسلم قد أعطاها إلى ابنته فاطمة الزهراء وقد احتجت الزهراء على ذلك عند أبي بكر وعمر بآيات قرآنية تثبت وراثة الأنبياء وأحاديث عن الرسول صلی الله علیه و اله وسلم ، (1)وقد أحدث ذلك خلافاً حاداً بين الزهراء وأبي بكر، فذهبت غاضبة ، غير راضية ولم ترضَ عنهما إلى أن رحلت عن هذه الدنيا لتلقى ربّاً كريماً .)د. التضييق على الأنصار وخاصة الذين أجلّوا مبايعتهم، فتم تأخيرهم عمَّن سواهم، سواء أكان التضييق من ناحية المال أم من ناحية إبعادهم عن الإدارة .4 . مما لا شك فيه فإن الخليفة أبا بكر الصديق وثق بعمر بن الخطاب وكان المخطط الأول لسياسته فما كان يعقد أمراً إلا بمشورته، وقد أسند إليه مهام الحكومة تقريباً كلها .فقادة الجيوش والولاة كان تعيينهم بتفاهم كامل بين الاثنين . ولم يعهد أبو بكر بأي عمل أو منصب لأي هاشمي .. وقد اعترف بذلك، عمر بن الخطاب في أواخر أيامه إلى عبد الله بن عباس، وكان الاعتراف في وقت انتقل فيه عمر بن الخطاب من تيار اليمين إلى تيار اليسار، وهو ما سنذكره لاحقاً، وحتى أن الخليفة أبا بكر عندما أمر خالد بن سعيد بن العاص على الجيش


1) لا مجال في التوسع في هذا الموضوع (موضوع فدك )فمصادره كثيرة ويمكن الرجوع إليها.

الذي أراد إرساله لفتح الشام، فقد غيّر رأيه وعزله بعد مشورة عمر، وذلك بسبب ميول خالد بن سعيد لعلي بن أبي طالب وكان له موقف (أي خالد في البيعة لأبي بكر، كما أن الأنصار حرموا كذلك من المناصب والأعمال . .)وإليكم أمثلة عن أسماء الولاة الذين عهد لهم أبو بكر ...أ. أبو سفيان بن حرب بن أمية استعمله أبو بكر على ما بين آخر حدّ الحجاز إلى آخر حدّ لنجران (1.)ب. يزيد بن أبي سفيان بن حرب- استعمله والياً على الشام (2.)عثمان بن أبي العاص جعله والياً على الطائف(3)ج. عتاب بن أسيد بن أبي العاص -فقد جعله والياً على مكة (4.)فهنا قد عظمت شوكة الأمويين، وهؤلاء هم الطلقاء، تسلموا المناصب الإدارية بعد زمن قصير من رحيل الرَّسول صلی الله علیه و اله وسلم وكان الأمويون أشد الناس على الإسلام، وكانوا رؤوس الكفر، وهذه الولايات كلها كانت تشكل دولة الإسلام في زمن أبي بكر الصديق ، قبل فتح العراق ومصر وشمال إفريقيا وقبل تمصير المدن مثل البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان وغيرها .وكان هذا الاتجاه في تقديم الأمويين وحزبهم يشكل توجهاً خطيراً للغاية، فقد وصل الأمويون الطلقاء أعداء الرَّسول ومعارضوه وحاسدوه على سلطانه ومكانته، فكان ذلك الركيزة الأولى إلى إعادة نفوذ من كان ضد


1) راجع صحيح البخاري ج 2 ص 362.

2) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 289.

3) المصدر السابق.

4) الإصابة ج 2 ص 444 .

الإسلام، خائفاً على السلطة والنفوذ والمال ، فتسلقوا الآن بداية ولا بد أن يكون هناك مخطط أكبر لاحقاً . . وقد تناسوا موقف أبي سفيان واعتراضه على بيعة أبي بكر ومحاولته تحريض الإمام علي، كما أوردنا سابقاً !!ه . لم تطل فترة خلافة أبي بكر، فقد زادت عن السنتين بقليل، وقد أخذه المرض ولم يفارقه عمر فيها، فقد طلب الخليفة أبو بكر من عثمان بن عفان أن يكتب للناس عهده في عمر بن الخطاب، وكتب عثمان :"هذا عهد أبي بكر بن أبي قحافة ، آخر عهده في الدنيا نازحاً عنها، وأول عهده بالآخرة داخلاً فيها ، إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن تروه عدل فيكم فذلك ظني به ، ورجائي فيه، وإن بدل وغير فالخير أردت ولا أعلم الغيب . . ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَى مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ . (1))ورغم ما حدث من اختلاف بين الصحابة حول الموضوع وعدم موافقة البعض على هذه الوصية والبيعة ومنهم طلحة بن عبيد الله . .فما السند الشرعي والعرفي لهذه الوصية ..؟ وتلك كانت البذرة الأخرى في الخلاف والتي دفعت الأمويين إلى الاحتجاج بها بشأن فرض سيطرتهم علىمقاليد الحكم ووصولهم إلى الخلافة . .بمثل هذه الأخطاء التي كانت لها حساباتها الخاصة. فكانت الوصية إلىعمر بن الخطاب بالخلافة بدون سند شرعي .وبذلك فقد أعطي الحق لمن كان يقف أساساً ضد البيعة لأبي بكر الصديق، وأن كل الأمور التي كانت تجري باتفاق مسبق بعيداً عن المبدئية لخروج ذلك حتى عن السنة إذا قيل بأن الرَّسول صلی الله علیه و اله وسلم مات ولم يوص


1) راجع تاريخ الطبري في الجزء الرابع. وطبقات ابن سعد والإمامة والسياسة ج1ص19.

لأحد .. !!ونلفت النظر إلى نقطة قد تكون عابرة في حديثنا، ولكن بعضهم قد يعدها مهمة للغاية ولها دلائل مستقبلية قد لا تغيب عن ذهن المتتبع للأحداث، وهذه النقطة هي :لماذا طلب أبو بكر الصديق الخليفة الراشد الأول من عثمان بن عفان دون غيره أن يكتب الوصية باستخلاف عمر بن الخطاب؟ . . . هل كان اختيار عثمان لكتابة الوصية عن قصد، أو أن عثمان كان كاتبه الخاص أو وزيره؟ . .أو كان الشخص الوحيد القريب من الخليفة في لحظة اتخاذ هذا القرار وغياب الصحابة الآخرين عنه ؟ .. وهل كان يصعب على الخليفة أن يكتب بنفسه الوصية أو أن يجمع أصحابه ليبلغهم بقراره؟ . . وهل كان الخليفة في حالة المرض الشديد أكثر من حالة مرض الرَّسول بحيث تعذر عليه ذلك .. والمعروف أن الرسول صلی الله علیه و اله وسلم في مرضه الشديد جداً طلب الكتف والدواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً . . . ! ! كلها تساؤلات لا غير .. والذي يجعلنا نتساءل عن ذلك ولو أنه شيء قد يكون غير ذي أهمية، إذا كان موضوع استخلاف عثمان بعد عمر لم يكن فيه لغط واعتراض على الصيغة التي تم بها وما سوف نأتي على ذكره .. ونحن نظن بأن ذلك كان محسوباً بدقة متناهية لأن الأحداث تشير وقد تؤكد هذه الظنون .ونتيجة ما ورد من خطوات قام بها الخليفة أبو بكر الصديق، وقد دلت بعض هذه الاتجاهات إلى أن هناك ميلاً عن جادة مبدئية الإسلام، بتقديمه آل بني أمية وإجراءاته القاسية على أحقية إرث النبي صلی الله علیه و اله وسلم العترته، فقد حل بأهل البيت ضنك كبير وعدم احترام بعد أن كانت لهذا البيت قدسيته ومكانته لما أبداه الرسول صلی الله علیه و اله وسلم من اهتمام بالغ بهم ، ومما لا شك فيه فإن ذلك أحدث خلافاً

بين الكثير من المسلمين الذين كانوا يضعون أهل بيت النبي صلی الله علیه و اله وسلم في موضع الاحترام الكبير .. وبين أبي بكر الصديق، فقد عدوا عمله هذا مجافياً لوصايا النبي صلی الله علیه و اله وسلم لهم ، وهذا الخلاف تسبب بالفُرقة والضغائن وشاع كأسلوب دائم لما وقع من ألم في القلوب ... وهكذا نرى الاستخفاف بآل النبي صلی الله علیه و اله وسلم وعترته قد جرّأ فيما بعد من أتى واستحل دماءهم وسبى نساءهم وقطع رؤوسهم، ولم يراع فيهم أية حرمة لرسول الله صلی الله علیه و اله وسلم ، فهذه الجرأة من بني أمية وتهافتهم على تدمير ذرية الرسول صلی الله علیه و اله وسلم بالشكل الذي حصل في كربلاء والذي كان نتاج عدم رعاية حرمتهم ومنعهم حقهم في زمن أبي بكر الصديق .كل ما ورد في زمن أبي بكر أعلاه أوردناه لعلاقته بأصل بحثنا . . أما سنوات حكم الصديق فزاخرة بأمور كثيرة تخص دولة الإسلام ونعني بذلك أن بداية زمن الخلافة الراشدة لها موقع آخر .

## خلافة عمر بن الخطابخلافة عمر بن الخطابلا شك بأن هناك من اعترض على العهد الذي أوصى به أبو بكر لعمر ابن الخطاب بأن يليه في الخلافة، وكانت لهذا البعض مسوغاته، منها؛ أن كان شديداً للغاية وكان فظاً في تعامله، وكان فيما نقل من أحاديث عنه غليظاً على من يخالفه الرأي، وفي نفس الوقت كان سياسياً محنكاً، مطلعاً بشكل كبير على بواطن الأمور، وهذه الصفة السياسية لازمته منذ الجاهلية عندما كان يتولى السفارة في حكومة مكة الجاهلية .وعندما اعترض المهاجرون والأنصار لدى أبي بكر على هذا الاستخلاف . . قال لهم :" لئن سألني الله لأقولنّ استخلفت عليهم خيرهم في نفسي ..."(1)وكذلك استقبل الهاشميون خلافته باعتراض لسببين، الأول ... هو أن الصيغة التي تمت بها من قبل أبي بكر كانت لا تتفق مع مفاهيم الإسلام في التولية ، وعدوا ذلك اتفاقاً مسبقاً عندما رشح عمر أبا بكر للخلافة على أن يليها من بعده.. والسبب الثاني .. هو إبعاد الإمام علي بن أبي طالب عن سدة الحكم وبذلك يكون هذا الاستبعاد استمراراً لتغييب التيار الثوري في الإسلام عن أخذ دوره في القيادة .وتسلم ابن الخطاب الحكم بيسر، وقبض عليه بيد من حديد وقد تهيب


1) الإمامة والسياسة.

منه أكابر الصحابة وكانوا يخشون سطوته .إذاً في ظل خلافة عمر بن الخطاب حدثت بعض الأحداث والأمور نورد منها ما يخص بحثنا ، وتأثير تلك الأحداث على مسيرة دولة الإسلام فيما بعد.لقد سار عمر بن الخطاب على السياسة التي سار عليها أبو بكر، وهي السياسة التي اختطها هو إلى حد كبير إذ كان المستشار الأول لأبي بكر في كل أمر من الأمور ، على الرغم من خلافات جزئية لا تتعارض مع الاتفاق التام في التفكير الذي كان يربط بين الرجلين (1والمعروف عنه أنه حاول أن يصل إلى درجة من العدل والنزاهة ، ومع ذلك فلم يخلُ عمر من نقد علي بن أبي طالب وصحبه ، ولكن هذا النقد لم يصل إلى حد أن يقوم الثوريون من المسلمين (تيار اليسار) بالثورة ضده.)حيث أن للإمام علي رأياً في ذلك، حيث قال في خطبته المشهورة ب- (الشقشقية بعد عدة سنين من خلافة عمر :)"فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهباً، حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان -يعني عمر - بعده . . فيا عجباً !! بينما هو يستقبلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشدّ ما تشطرا ضرعيها (2.)وكما ذكرنا سابقاً فإن عمر كان يمثل ما يسمى بتيار (اليمين في عصرنا الحاضر، إلا أنه لم يقف موقفاً عدائياً صريحاً مع تيار الإمام علي والذي يمثل (اليسار) في مفهوم عصرنا .)والمهم في الأمر هنا أن عمر بدأ خلافته باتباع سياسة جديدة تهمنا في


1) اليمين واليسار في الإسلام ص 61 .

2) مروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 195.

بحثنا ، سماها البعض (مبدأ عمر في العطاء وسماها آخرون، السياسة المالية الجديدة في نظام دولة الإسلام.. والأمر هنا يخص عطاء المسلمين من المال .. والمعروف أن النبي صلی الله علیه و اله وسلم ساوى بين المسلمين في أعطياتهم، وكان لا يفضل أحداً على آخر، وكان مبدأ المساواة وعدم المفاضلة هو السائد وقد سار على هذا المبدأ الخليفة أبو بكر الصديق .)وقد ابتدأ عمر سياسته الجديدة (المالية هذه بعد سنوات من حكمه وخاصة عندما ازدادت الفتوحات في عهده، وبها ازدادت إيرادات الدولة، فقد أقر في سنة (20) للهجرة المبدأ الجديد والذي يقضي بما يلي :(1))1 . تفضيل السابقين على غيرهم.2 . تفضيل المهاجرين من قريش على غيرهم ممن هاجر من مكة إلى يثرب .3 . تفضيل المهاجرين بمختلف مستوياتهم على الأنصار كافة .4 . تفضيل الأوس من الأنصار على الأنصار من الخزرج (2.)5 . تفضيل مضر على ربيعة، بحيث فرض لمضر في ثلاثمائة ولربيعة مایتین (3.)6 . وفضّل العرب على العجم.7. وفضل الصريح على المولى.


1) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج8 ص 111.

2) ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين ص 33 نقلاً عن فتوح البلدان ص

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 106.

وكانت لهذه السياسة آثارها الخطيرة ، لأنها جعلت المجتمع الإسلامي يسير على طريق الصراعات الطبقية من خلال تكوين الطبقات استناداً إلى التقسيمات، علماً أن ثورة الإسلام ومبدئيته كانت أساساً لرفض المجتمع الطبقي، وإلغاء الصراعات التي كانت سائدة نتيجة شكل المجتمع، ولا يغيب عن بالنا ما للمال من أثر كبير في كل مراحل حياة البشر .وأصبح المال الذي يصنع النفوذ هو الخطر الأكبر الذي جرَّ دولة الإسلام إلى النكبات ." وجعل المزية الدينية من سبل التفوق المادي ، وزود الأرستقراطية القرشية التي مكنت لنفسها من جديد بتمكن أبي بكر من الحكم بمسوغ جديد للاستعلاء والتحكم بمقدرات غير القريشيين ، وهذا يعني أن قريشاً هي أفضل الناس لأنها قريش وحسبهم وذلك مسوغاً للتحكم والاستعلاء ".(1)إذاً هذه السياسة ماذا أنتجت؟ . . لقد أدت إلى :أ . إنعاش الصراع القبلي كالذي ما كان بين ربيعة ومضر، والأوس والخزرج .. حيث أنه فضل مضر على ربيعة والأوس على الخزرج، وهذا أمرٌ ألغاه النبي صلی الله علیه و اله وسلم وساوى بين الجميع حيث لا عصبية قبلية في الإسلام.ب . عندما فضل العرب على العجم (2، يعني أنه أسس الصراع العنصري بين المسلمين العرب والمسلمين من غير العرب، وكذلك الصريح على المولى (3)ونعتقد بأن ذلك كان خطاً كبيراً وحتى الخليفة عمر نفسه قد)


1) ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين ص 33.

2) العجم - المقصود به من ينطق بغير العربية وهو جمع لغير العرب أكانوا من فارس أو غيرها.

3) الصريح هو المتبوع والمولى هو التابع.

تحقق من هذا الخطأ عندما أحس ببوادر الانقسام تلف المجتمع وما لذلك من أخطار سياسيّة واجتماعيَّة عندما قال :"بلغني أنكم تتخذون مجالس ، لا يجلس فيها اثنان معاً حتى يقال : من صحابة فلان ، من جلساء فلان ، حتى تحوميت المجالس وايم الله إن هذا السريع في دينكم ، سريع في شرفكم ، سريع في ذات بينكم . .. "(1)كان ذلك الكلام بعد ما يقارب العشر سنوات من وفاة النبی صلی الله علیه و اله وسلم ...وعندما أحسَّ الخليفة بذلك الخطأ ، نراه قد أظهر ندمه عليه وقال مرة :"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء "يعني ذلك أن نتيجة سياسته تلك كانت استئثار بعض الأشخاص بالأموالدون بعض وأصبح الصراع الطبقي بين الغني والفقير مستشرياً وأن عمر قد عاش هذا الوضع وتنبه له، لذلك نراه يقول أيضاً ويؤكد عزمه على ضرورة إعادة الأمور إلى عهدها الأول عندما قال :"إني كنت تألفت الناس بما صنعت في تفضيل بعض على بعض، وإن عشت هذه السنة ساويت بين الناس فلم أفضل أحمر على أسود، ولا عربياً على عجمي، وصنعت كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر "(2)ولكن ذلك لم يحدث حيث قتل عمر ولم يغير مبدأه وسياسته المالية هذه، وعندما تسلم عثمان بن عفان الخلافة ثبت ذلك ولم يغيره، مما كان أحد الأسباب الشديدة الضرر على المجتمع الإسلامي وكان ذلك من أسباب الفتنة .


1) تاريخ الطبري ج 5 ص 25 .

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 107.

## مجلس الشورىمجلس الشورىأما الأمر الآخر الذي كان له تأثيره فيما بعد في الأحداث التي جرت وأدت إلى الفتن والحروب لأنها أثارت النُّفوس للبارزين من القرشيين والقبائل وأنصار هؤلاء من أجل المطامع السياسية .. فهو موضوع مجلس الشورى الذي عينه الخليفة عمر بن الخطاب لاختيار الخليفة من بعده ، حيث كان هذا المجلس من قريش فقط . والمجلس كله مرشح للخلافة . . . ! !فما علاقة مجلس الشورى بموضوع بحثنا . . ؟لا بد أن نأتي بشيء من التفصيل على هذه الشورى.. لأننا سنجد بأنها مصيبة أدمت مسيرة الإسلام بنتائجها ليس لأن هذا المجلس لم ينتخب علي بن أبي طالب فحسب بل لما آل إليه الوضع باستخلاف عثمان بن عفان والانقسامات التي حدثت وما آلت إليه النتائج والآثار فيما بعد.اغتيل الخليفة عمر بن الخطاب بضربة من أبي لؤلؤة المجوسي، وكان هذا غلاماً للمغيرة بن شعبة وعلى أساس ذلك فقد عدَّ بعضهم اغتيال عمر كان مؤامرة أموية .. وقسم آخر أكد بأن ليست للأمويين علاقة بهذه الحادثة بدليل أن عمر كان على وفاق مع الأمويين ، فكان يقرب عثمان وأبقى يزيد بن أبي سفيان والياً على الشام وجعل معاوية أخاه بعده على الشام وكذلك ولى سعيد ابن أبي العاص . .. كما أن عمر كان شديداً مع عماله وخاصة في مجال الأموال إلا مع الأمويين عندما شاطر أموال عماله ولم يشاطر أياً من عماله الأمويين، بل أقرض حتى نساءهم مثل أُمّ معاوية هند بنت عتبة (آكلة الأكباد)

من بيت المال تتجر فيها (1.)وقسم أكد بأن عملية الاغتيال نتيجة حقد أبي لؤلؤة على عمر لأنه أمر بفتح العراق وإذلال فارس.إذاً مقتل عمر بن الخطاب كان بداية لوثوب تيار جديد، يميني رجعي على السلطة في المجتمع الإسلامي.لأن الشك الظاهر في سبب مقتل الخليفة أما أن يكون هذا التيار قد خطط لمؤامرة سُخّر لها أبو لؤلؤة للتنفيذ، لأن الخليفة عمر في في آخر أيامه تحول إلى اليسار، أي إلى التيار الثوري لأنه بدأ يأخذ بمشورة علي بن أبي طالب وأصحابه . .حيث بدأ بمصادرة أموال الأشراف من قريش حتى التي كسبوها مغنماً في الحرب.. لأن الفتوحات في زمن عمر قد اتسعت وكانت المغانم غير محدودة وقد استأثر البعض منها على غير قدر من المساواة مع العامة، فكان إجراء عمر بخصوص المصادرة لصالح بيت المال، وذلك يعني لصالح المسلمين وخاصة الفقراء منهم ، ونرى بأن التيار الثوري أو اليسار قد أيده بشدة .وقد سكت اليمين (أصحاب الثروة والطبقة الجديدة ولكنه وهذه طبيعة مثل هذه الطبقة إذا وجد من يهدد مصالحه تهديداً مباشراً فيقوم بالعمل .. لأن أصحاب هذا التيار تفتقد عندهم المبادئ المثالية، فالقيمة الكبرى لديهم هي الثروة التي توصلهم إلى الجاه والسلطة . . .)فإن مثل هذا التيار نراه في حالة تضارب مصلحته فإنه يتحرك بسرعة


1) الكامل في التاريخ ابن الأثير ج 3 ص 33.

وبدافع المصلحة الخاصة لاتهمه المصلحة العامة أو المبادئ الإنسانية . . وكان يسبق ذلك إجراءات عمر بمنع كبار المسلمين الخروج من المدينة وإبقائهم تحت رقابته .. ونعتقد بأن السبب المهم في ونعتقد بأن السبب المهم في قتله هو تقارب عمر هو تقارب عمر الشديد مع التيار الثوري (اليسار (1).)وموضوع ندمه على سياسته المالية إذ ربما كان للإمام علي تأثير عليه في توجهه إلى جادة الصواب في مثل هذه الأمور وغيرها .. وقراءتنا بأن مقتل عمر جاء نتيجة انتقاله الحاسم في سنوات حكمه الأخيرة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. . لهو دليل ميله الشديد إلى ثوار الإسلام وتقربه من الإمام علي وصحبه، ووصل إلى حد يقول : " لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن . . "أو "لولا علي لهلك عمر " . .فإن تحوله إلى اليسار سواء في سلوكه في عاصمة الدولة (المدينة أم في تعليماته لعماله والتشدد في محاسبتهم لصالح المسلمين، بل لصالح شعوب الأمم المفتوحة ، وعندما قال في آخر أيامه :)"لو استقبلت" من أمري ما استدبرت لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها إلى الفقراء "فهذا التصريح الخطير جاء في وقت تكونت فيه الثروات الطائلة لدى الكثير .. فهل يقبل أصحاب الثروات بهذه الانعطافة من عمر ؟ .. ولماذا لم تكن هناك مؤامرة داخلية عليه؟ قد تكون أموية لأنه جوبه بانتقاد لعدم محاسبة معاوية مثلاً على تصرفه في بيت المال وعلى استعماله الكثير من الطلقاء .


1) راجع اليمين واليسار في الإسلام ص70-71.

ووجد هؤلاء بأنهم قد استقروا في مكانهم الجديد والذي كانوا يخططون له فأصبحت مواقعهم في خطر .بل إن شدته مع كبار المسلمين وعدم السماح لهم بمغادرة مقر حكمه إلا بإذنه وإرهابه لهم من خلال خشونته المعروفة . .ولكن بالرغم من هذه الانعطافة الحادة، نجده لم يوص لعلي بن أبي طالب كما أوصى له أبو بكر الصديق عندما عهد له بالخلافة من بعده؟ .ولنا الحق أن نسأل هذا السؤال .. لأن عمر عندما أسس مجلس الشورى من ستة أعضاء طلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص ، وعثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب . . وعندما دعاهم فقد أخبر كل واحد منهم بمواصفاته وطبيعته، وقد قدم لهم نقداً لاذعاً على مسيرتهم إلا الإمام علياً، حيث قال له : " وأما أنت يا علي فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم" .وعندما قام علي مولياً التفت عمر إلى جلسائه وقال : " والله إني لأعلم مكان رجل لو وليتموه أمركم لحملكم على المحجة البيضاء" . . فقالوا : "من هو ؟ . . . قال : "هذا المولي من بينكم " ، فقالوا : "ما يمنعك من ذلك؟" قال : "ليس إلى ذلك سبيل ! ! .."ليس إلى ذلك سبيل . . سنرى ماذا تعني هذه الكلمة الخطيرة .. أي أنه يعلم بأن الإمام علياً أفضل الموجودين وأحقهم بهذا الأمر، ولكنه لا يتمكن إلا من تأخيره الآن . . ! !ولنعرف ما هو رأي الخليفة عمر بن الخطاب بأعضاء المجلس الذي شكله وهو مصاب من ضربة أبي لؤلؤة وحسب المرويات المختلفة عن

الحادثة، حيث بعد أن سمّاهم دعاهم إلى الاجتماع به وهو راقد في فراش الموت .. وإليك الصورة . . !!## 1 - الزبير بن العوام1 - الزبير بن العوام :قال له عمر : "وأما أنت يا زبیر ، فوالله ما لان قلبك يوماً ولا ليلة، وما زلت جلفاً جافياً " .. وفي رواية أخرى ، قال عمر للزبير في المجلس : " وما يمنعني منك يا زبير إلا أنك مؤمن الرضا ، كافر الغضب " .. وفي رواية ثالثة، قال عمر : أما أنت يا زبیر فوعق لقس . (1)مؤمن الرضا، كافر الغضب يوماً إنسان ويوماً شيطان، ولعلها لو أفضت إليك ظللت يومك تلاطم بالبطحاء على مدّ من شعير !! أفرأيت إن افضت إليك، فليت شعري من يكون للناس ليوم تكون شيطاناً، ومن يكون يوم تغضب؟ وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الأمة، وأنت على هذه الصفة " .## 2 - طلحة بن عبيد الله2 - طلحة بن عبيد اللهقال له عمر في المجلس :" أما أنت يا طلحة ، أفَلَسْتَ القائل : إن قبض النبي صلی الله علیه واله وسلم أنكح أزواجه من بعده؟ فما جعل الله محمداً أحق ببنات أعمامنا منا، فأنزل الله فيك ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبدأ (2))وفي رواية أخرى، قال عمر : "وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره، ولو وليها وضع خاتمه في إصبع امرأته" . . خاتمه في إصبع امرأته .. وفي رواية ثالثة، اقبل عمر على


1) الوعق اللقس : الوعق - الضجر المتبرم، واللقس من لا يستقيم على وجه.

2) سورة الأحزاب الآية 53.

طلحة وقال له : "أقول أم أسكت؟ " فزجره طلحة وقال له : "إنك لا تقول من الخير شيئاً ، فقال عمر: أما أني أعرفك منذ أصيبت اصبعك يوم أحد وائياً (غاضباً بالذي حدث لك ولقد مات رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها یوم أنزلت آية الحجاب . (1))## 3 - سعد بن أبي وقاص3 - سعد بن أبي وقاصقال له عمر في اجتماع المجلس أمامه : " وأما أنت يا سعد فصاحب عصبية وفتنة"، وفي رواية أخرى قال له عمر :" والله ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلا شدّتك وغلظتك مع أنك رجل حرب"، وفي رواية ثالثة ، إن عمر اتجه صوب سعد فقال له : "إِنَّما أنت صاحب مقنب (جامعة الخيل من هذه المقانب تقاتل به ، وصاحب قنص وقوس وسهم، وما زُهْرَة والخلافة وأمور الناس " .)## 4 - عبد الرحمن بن عوف4 - عبد الرحمن بن عوفقال له عمر في الاجتماع: "وأما أنت يا عبد الرحمن، فإنك رجل عاجز تحب قومك جميعاً " . وفي رواية أخرى قال له عمر : " وما يمنعني منك يا عبد الرحمن إلا أنك فرعون هذه الأمة " . وبرواية ثالثة قال له عمر: " أما أنت يا عبد الرحمن، فلو وزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك عليهم، ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك، وما زُهْرَة وهذا الأمر. . "


1) آية الحجاب هي ذاتها الآية 53 من سورة الأحزاب .

## 5 - عثمان بن عفان5 - عثمان بن عفان:قال له عمر "وأما أنت يا عثمان فوالله لروثة خير منك "، وفي رواية أخرى قال له عمر: "وما يمنعني منك يا عثمان إلا عصبيتك، وحبك قومك وأهلك" .. وفي رواية ثالثة قال له : هيها إليك كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبها إياك فحملت بني أمية ، وبني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذوبان العرب، فذبحوك على فراشك ذبحاً ، والله لئن فعلوا لتفعلن ، ولئن فعلت ليفعلن، فإذا كان ذلك فاذكر قولي" . . . ! !## 6 - علي بن أبي طالب6 - علي بن أبي طالب :قال له عمر: "وأما أنت يا علي ، فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم " وقال مقالته الأخرى التي ذكرناها قبل قليل، عندما قام علي مولياً، فالتفت عمر إلى مجلسه وقال :" والله إني لأعلم مكان رجل لو وليتموه أمركم لحملكم على المحجة البيضاء" . وعنى بها علياً وفي رواية أخرى قال عمر لعلي : "وما يمنعني منك يا علي إلا حرصك عليها، وإنك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحق المبين والصراط المستقيم ". (1)وفي رواية أخرى أنه قال لعلي :" لله لولا دعابة فيك !! أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح والمحجة البيضاء "إذا صحت هذه الروايات فإننا نلاحظ منها ما يلي:أ. أن الخليفة اختار هؤلاء الستة على أساس أن الرسول صلی الله علیه واله وسلم راض عنهم


1) الإمامة والسياسة ج 1 ص 24 .

وأن رضا الرَّسول يؤهلهم لقيادة الأمة، ولكن هل الأمة خلت إلا من هؤلاء الستة، وأين بقية الصحابة، ولماذا استغنى عن الأنصار .. بينما ورد في وصفه لأعضاء الشورى بأمور كثيرة لا تؤهل غالبيتهم لأن يتسلموا قيادة الأمة فعلى قوله لطلحة يعني أن الرَّسول غير راض عنه .. أما بالنسبة للزبير، فوصفه بالضجر والمتبرم وأن سلوكه غير ثابت ويفقد توازنه ورشده عندما يغضب، وأنه بخيل، وأما وصفه لسعد فإنه صاحب عصبية وفتنة وأنه رجل حرب فقط لا رجل سياسة والقيادة تحتاج إلى السياسة وأما وصفه إلى عبد الرحمن بأنه عاجز وفرعون الأمة وضعيف ... وأما عثمان فإنه يحب قومه وأهله ولعصبيته لهم سوف يقدمهم على رقاب الناس (وهم بنو أمية وإنهم حديثو العهد بالإسلام ومن المؤلفة قلوبهم ومن الطلقاء وكانوا أشد الناس على الإسلام.)ب . من وصفه للإمام علي فإنه اعتراف كامل بأهليته لهذا الموقع بكل مواصفاته، ولم يصفه بوصف قد يكون ولو بشكل ضئيل جداً مما يقف عارضاً لاستخلافه .فهل يعقل من شخص لا يستخلف شخصاً بالمواصفات التي قالها عنه من دون أصحابه الخمسة الباقين وما هو المانع من استخلافه مباشرة كما استخلفه أبو بكر ولماذا أراد الطريقة التي حدد بها اختيار الخليفة . . .ج . ويلاحظ من الروايات تلك أن الإمام علياً كان المرشح الأقوى وقد يفسر البعض أن حديث عمر مع الستة كان تمهيداً لأحقية وأفضلية علي وقد يطمح الكل بها وخاصة الزبير وسعد ولكن هذا الطموح يصبح غريباً شيئاً ما في وجود علي بن أبي طالب الذي كان حزب كبير من أحزاب المسلمين يعتقدون أنه كان أولى بالخلافة من أبي بكر، ثم أولى بها من عمر (1. وليس هناك شك)


1) اليمين واليسار في الإسلام ص 75.

في أن كلاً من أعضاء المجلس يعتقد أنه أقل جدارة بالمنصب من علي، ولكن منطق الحوادث ومركز علي في الإسلام ، وميل غالبية المسلمين إليه كل هذا يجعلهم يترددون كثيراً أو قليلاً في التفكير في منافسة علي بن أبي طالب في قيادة المسلمين (1.)إذا ما الطريقة التي أمر بها عمر؟أرسل عمر إلى الستة المذكورين وقال لهم: احضروا معكم من شيوخ الأنصار وليس لهم من أمركم شيء، واحضروا معكم الحسن بن علي وعبد الله ابن عباس فإن لهما قرابة وأرجو لكم البركة في حضورهما وليس لهما من أمركم شيء. (2)وقال لأبي طلحة الأنصاري : يا أبا طلحة ، إن الله أعزّ الإسلام بكم ، فاختر خمسين رجلاً . الأنصار فالزم هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله . . . "وعهد للمقداد بمثل ما عهد لأبي طلحة ، وقال له :" إذا اتفق خمسة وأبى واحد ، فاضربوا عنقه وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقيهما، وإن اتفق ثلاثة منهم على رجل ، ورضي ثلاثة منهم برجل آخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف . .وفي رواية أن عمر هددهم وأنذرهم بمعاوية وعمرو بن العاص، إذا لم تتفق كلمتهم وتنازعوا على الحكم والسلطان فقال لهم: "يا أصحاب محمد تناصحوا فإن لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان . . (3")


1) اليمين واليسار في الإسلام ص 75

2) الإمامة والسياسة ج 1 ص 24.

3) حياة الإمام الحسين ج 1 ص 316.

وفسر ذلك البعض من الفقهاء بأن عمر كان اتجاهه عثمان وخاف أن يضعف عثمان إذا صارت إلى علي فيستقل معاوية بالشام وعمرو بن العاص فيمصر، لأنهما كانا واليين على هذين المصرين .واعتقد بأن هذا التفسير فيه خطأ لأن عثمان لم يكن على وفاق مع عمرو ابن العاص بدليل أنه عندما استخلف أعفاه من مصر .وعلى كل حال فقد جعل عمر بن الخطاب عبد الرحمن بن عوف له الرأي الفصل في هذا الأمر فهو الفيصل في القرار .. ومقالته إذا عارض واحد واتفق الخمسة فاقتلوا الذي يعارض أو الاثنان من الأربعة .. هذا فيه شيء من المبالغة، فإذا كانت الرواية صحيحة، فمن أعطى عمر الحق بقتل صحابي مثل أحد هؤلاء الستة وبأي قانون أو تشريع ..؟ وهو يعلم جيداً بأن هناك من سوف يعترض. لأن عمر كان يعرف جيداً ما يدور في خلدهم وحتى لو لم يكن عند بعضهم أي تفكير بالمنصب، فإنه قد حفزهم بترشيحه ذاك .ولا بد أن نعرف أيضاً بأن أعضاء المجلس كانوا مختلفين فيما بينهم، فإن طلحة كان من تيم وقريباً من أبي بكر وكان موقفه شديداً لنصرة أبي بكر لإبعاد علي عن الخلافة .. وكان عبد الرحمن صهراً لعثمان ويميل إليه .. وكان عثمان يختلف مع الإمام علي بسبب نقد الإمام الدائم للأمويين وإنه قاتل رؤوسهم وأن عثمان أموي.. وسعد بن أبي وقاص كان ليس على وئام مع الإمام علي بسبب أخواله الأمويين حيث أن أمه ( حمنة بنت سفيان بن أمية ابنة عم أبي سفيان بن حرب بن أمية وبقي حسده وحقده على الإمام حتى بعد مقتل عثمان بحيث كان من الذين لم يبايعوا الإمام علياً في حينه بل كان على رأسهم .)والذي كان قريباً من الإمام علي هو الزبير فقط لأنه ابن عمة الإمام

(صفية بنت عبد المطلب وكان موقفه باتجاه علي عند البيعة لأبي بكر .. فإن غالبية أعضاء الشورى وغيرهم من القرشيين كانوا يحسدون علي بن أبي طالب على حب الرَّسول صلى الله عليه و اله وسلم له وتفضيله عليهم في الوقائع والأحداث .. ولكثرة ما روي من أحاديث عن الرسول صلى الله عليه و اله وسلم لصالح علي .)وعلى هذه الصورة فقد تحسس الإمام علي من الأمر واستبق الحديث عنه عندما قال لعمّه العباس :" يا عم لقد عدلت عنا!! " فأجاب العباس "من أعلمك بذلك"؟ قال الإمام علي : "لقد قرن بي عثمان ، وقال كونوا مع الأكثر ، ثم قال كونوا مع عبد الرحمن، وسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن وعبد الرحمن صهر لعثمان ، وهم لا يختلفون فإما أن يوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن"(1)وعندما توفي الخليفة عمر بن الخطاب وتم الانتهاء من تجهيزه ودفنه، دعي مجلس الشورى بأعضائه الستة ليجتمعوا أو يقرروا على أن لا تزيد مدة مشاوراتهم عن ثلاثة أيام . .فاجتمعوا في اليوم الأول ومعهم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس للإشراف حسب وصية الخليفة عمر، وهناك رواية تقول بأن عمر أوصى بحضور ابنه عبد الله بن عمر على أن لا يكون له رأي في الترشيح أو الانتخاب . . وعلى كل حال فقد جلسوا للتباحث فقام المغيرة بن شعبة وعمرو ابن العاص عند باب الاجتماع ، فنهرهما سعد بن أبي وقاص وقال لهما : " تریدان أن تقولا : حضرنا ، وكنا من أهل الشورى " (2.)


1) تاريخ الطبري ج 5 ص 35 .

2) الكامل في التاريخ - لابن الأثير .

وانفض الاجتماع بدون الاتفاق والناس ينتظرون وفشل الاجتماع الثاني في اليوم الذي تلا الاجتماع الأول، وكان اليوم الثالث وهو آخر موعد لهم وهنا بدأت الأمور تأخذ أشكالاً فرضها الواقع الذي هم فيه، فقد أعطى طلحة حقه إلى عثمان، بينما أعطى الزبير حقه إلى علي ، وأعطى سعد حقه إلى ابن عمه عبد الرحمن بن عوف تقوية لمركزه .ولأن الوضع أصبح كالآتي .. تنازل طلحة والزبير وسعد، وأصبحت المسألة في القسم الآخر من الثلاثة ، علي وعثمان وعبد الرحمن، ولأن عبد الرحمن كان له هوى مع صهره عثمان وأن عبد الرحمن نفسه يعلم بأن لا قدرة له على ذلك الأمر، وقد استشار القرشيين فرغبوه بعثمان لأنه يحقق رغباتهم ...فدعا عبد الرحمن عثمان وعلياً وخرجا إلى الجامع والناس مجتمعون ومنهم من جاء من خارج المدينة، فأخبرهم بأن المفاضلة ستكون بين عثمان وعلي فأشيروا عليّ. فتقدم عمار بن ياسر والمقداد فأيدا ترشيح الإمام علي لعدم اختلاف المسلمين بشأنه، بينما قام عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان أعداء من رسول الله وأمر النبي صلى الله عليه و اله وسلم بقتله بعد فتح مكة ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، وعبد الله بن أبي ربيعة فأيدا ترشيح عثمان .وأثناء ذلك ساد لغط وجدال بين الهاشميين والأمويين، فالتفت سعد إلى عبد الرحمن قائلاً: "أفرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس" .. فالتفت عبد الرحمن إلى الإمام علي وقال له : "هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه، وعلى سيرة أبي بكر وعمر ؟ فأجابه الإمام علي وقال له : " بل على كتاب الله ، وسنة نبيه، واجتهاد رأيي. . "وكان ردّ الإمام موفقاً لأن الكتاب والسنة هما مصدر التشريع في الإسلام

وأن أبا بكر وعمر لم يكونا مصدراً للتشريع، بل كانت هناك أخطاء في مسيرتهما بالإجراءات التي اتخذاها في بعض المواقف . . بينما عثمان بن عفان أجاب بالموافقة على شروط عبد الرحمن كلها !!وهنا قال عبد الرحمن:" اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان ". . .ماذا نستنتج من هذه العملية برمتها .. علي بن أبي طالب مرشح الأكثرية المسلمة، بينما كان عثمان بن عفان مرشح الارستقراطية القرشية وهم الأقلية، و لكن كانت لهم الأدوات الكفيلة التي أوصلتهم إلى الخلافة، والاطمئنان إلى مستقبل المصالح وبرمجة السياسة التي جهدوا أن تكون بعد الرسول صلى الله عليه و اله وسلم .فلا بيعة أبي بكر كانت نتاج شورى واجماع .. ولا عهد أبي بكر إلى عمر بالخلافة قد بني على أسس شرعية وفقهية .. حيث أنها كانت حالة جديدة، فهل كان أبو بكر أجدر من النبي صلى الله عليه و اله وسلم حين يقول بعضهم إنه لم يخلف أحداً ؟! فلماذا لم يطبق أبو بكر ما قام به النبي صلى الله عليه و اله وسلم إذا ما اعتقدوا بأن النبي لم يوصِ؟ .واستخلاف أبي بكر لعمر كان بالصيغة التي عرفناها، فلماذا اجتهد الخليفة عمر بهذه الصيغة من الشورى؟ . . ولا ننسى بأنه بنفسه انتقد غالبية أعضاء هذا المجلس وهو يعرف جيداً من يوصل المسلمين ويحملهم المحجة البيضاء ومن يسير بالمسلمين نحو إقامة الحق المبين والصراط المستقيم، ولماذا لم يستخلف عمر وجعل موضوع الاستخلاف بید مجلس كلهم مرشحون للخلافة .. وهل يصح ذلك من حيث المبدأ .. ولماذا خالف صاحبه بهذا الأمر، أو لماذا لم يتركها إلى المسلمين بعد وفاته، فهل خاف على المسلمين من الفتنة؟ . . ولكن ما كانت نتائج هذه الشورى .. أليست الفتنة، ستة ، كلهم

مرشحون، وينتخبون من بينهم واحداً، وإذا ما انقسموا إلى قسمين بالتساوي فالفيصل الحكم هو عبد الرحمن بن عوف ، أضعف الستة وفرعون الأمة كما وصفه عمر نفسه . .ما ندونه لا يعني الانحياز إلى الإمام علي بعد أربعة عشر قرناً . . ولكن التحليل والدراسة يوجبان علينا ذكر ذلك .. وحتى لو كان الذي تم اختياره بهذه الصيغ هو الإمام علي :فنحن لا نتحدث عن الاسم ولا عن الشخص ففي بحثنا هذا نؤكد على مشروعية الصيغ التي تم فيها اختيار الخلفاء.. فنحن نترك للقارئ أن يحدد الإجابة على سؤال نطرحه في سياق البحث وما تعمق في ما طرح .. هل صيغة هذه الاختيارات صحيحة أم لا؟ . وبتجرد عن الاسم أو الشخصية لأننا نعتقد بأن الصحابة جميعهم لهم مكانتهم الخاصة .. فأين بقية الصحابة العظام والمجاهدين الأفذاذ وثوار الإسلام ..؟ أين دورهم من كل ذلك .. أين دور الأنصار . . ؟!لقد وجدنا في المجلس الأخير، العصبية للعشيرة والقرابة أكثر من المبادئ وكذلك وجدنا الانحياز إلى قريش بشكل كامل.. والإسلام نبذ العصبية القبلية . .فإذا كان إبعاد علي بن أبي طالب عن خلافة الرَّسول صلى الله عليه وسلم في البداية كونه صغير السن وهو أصغر الكبار في الإسلام سناً وتجربته العمرية قد لا تتيح له الفرصة في وقتها ، فهو الآن قد قارب الخمسين من العمر .. فأين كلام أبي عبيدة بن الجراح عند البيعة لأبي بكر ومعارضة الإمام لها في البداية ..وإليك رأي الإمام علي في نتيجة عملية انتخاب الخليفة في مجريات مجلس الشورى، فقد عبر عن عدم رضاه للصيغة التي تمت بها، وتسليمه

بالأمر الواقع قائلاً:" لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة "(1)## نتائج عملية الشورىنتائج عملية الشورى :1 . وصول الحزب الأموي إلى الحكم في شخص عثمان بن عفان، ولغالبية الأمويين من خلال عدائهم للإسلام .2. بدء تفكير المرشحين للخلافة في الشورى بالخلافة، وتسرب ذلك إلى نفوسهم فاشتاقوا للوصول إليها بشتى الوسائل .3 . وجد بأن رجالاً من قريش من غير مجلس الشورى، بدأت تظهر طموحاتهم نحو الخلافة، لأنهم وجدوا بأن الذين رشحهم عمر بن الخطاب ليسوا بأفضل منهم .4 . كانت هذه العملية قد أثرت بشكل سيىء في نفوس الأنصار الذين وُعِدوا سابقاً بأنهم وزراء وشركاء في الحكم، بحيث اعتبر الأنصار أن هذه النتيجة كانت انتصاراً للأمويين وهم أعداؤهم القدامى من المشركين .5 . بدأت التجمعات السرية من قبل الطامعين في الخلافة، وأخذهم بكسب موالين لهم ويستعينون لذلك العمل بقبائلهم وأموالهم .6 . إن طريقة الشورى هذه هي التي أسست الأحزاب المعارضة من قبل أشخاص لهم أهدافهم الخاصة للوصول إلى الحكم وقد استغلوا ما وصل إليه الكثير من المسلمين إلى حالة الاستياء من تصرفات عثمان وولاته في


1) نهج البلاغة.

الأمصار.7 . من نتائجها الأخرى هو استياء أنصار بني هاشم ومحبي أهل بيت النبي صلى الله عليه و اله وسلم ، لأنهم اعتقدوا بأن هناك اتفاقاً مسبقاً على إبعاد عترة الرسول صلى الله عليه و اله وسلم عن الواجهة .8 . كان من نتائج هذه الشورى والبيعة إلى عثمان معنى أكيد بأن تيار اليمين الذي يحاول أن يبقي زمام الأمور بيد أصحاب المال والنفوذ حتى لا تضرب مصالحهم وإبعاد القوى الثورية المبدئية التي لا يهمها من الأمر غير تطبيق شريعة الإسلام.9 . وصول مروان بن الحكم قريباً ومؤثراً في قرار ولي أمر المسلمين وهو طريد رسول الله وكذلك الوليد بن عقبة بن أبي معيط، المشهور بالفسق وقد نزل بحقه قرآن ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي أمر الرسول بقتله حتى لو وجد متعلقاً بأستار الكعبة وتوسيع نفوذ معاوية على الشام وغيرهم .. كلهم وصلوا إلى الإمرة والسلطة وتم تسليطهم على رقاب المسلمين .ولمصداقية تحليلنا حول استغلال عملية الشورى هذه عقائدياً ، جعلها منتقدة حتى ممن استغلوها واستفادوا منها بشكل كبير ..وإليك الحوار الذي ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد .سأل معاوية بن أبي سفيان أبا الحصين في حديث بينهما حيث كان موفداً من قبل زياد ابن أبيه إليه :معاوية : اخبرني ما الذي شتت شمل أمر المسلمين وملأهم وخالف بينهم؟فأجابه أبو الحصين ، فلم يقتنع معاوية بالإجابة ..

فقال معاوية : أنا أخبرك .. أنه لم يشتت بين المسلمين، ولا فرق أهواءهم إلا الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر . . لم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه ، ورجاها له قومه ، وتطلعت إلى ذلك نفسه، ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ، ما كان في ذلك خلاف ."(1)وبعد ذلك كله ، فإن مساوئ هذه الشورى التي نتجت عنها وبسببها کوارث وحروب، فنرى بأنها مهدت الطريق أمام الطلقاء وعلى رأسهم آل أبي سفيان وآل مروان للاستيلاء على الحكم واتباع سياسة لم يكن يتألف عليها المسلمون، ومن هذه السياسة ، نهب ثروات وخيرات الأمة، والاستئثار بالفيء وسياسة الظلم والتعسف لأخيار المسلمين والتنكيل فيما بعد بآل النبي صلى الله عليه و اله وسلم وضرب الكعبة بالمنجنيق والتنكيل بالمدينة وأهلها وغير ذلك الكثير .فإننا إذ نذكر بشكل مسهب هذه الأحداث التي رافقت عملية الشورى، لأن أسبابها ونتائجها قد تم معايشتها من قبل الإمام الحسين، حيث كان وقتها شاباً يافعاً في العشرين من عمره .. فقد استوعب كل الأمور التي دارت حينها،وجميع الملابسات، كما أنه قد أدرك واستوعب الواقع بشكل جيد وأخذ يعيشه بكل جوارحه وأحاسيسه وفي نفس الوقت كان عبق النبوة وريح جده العطر ما زالا عالقين فيه ، وهو يتتلمذ في مدرسة المبادئ التي يؤسسها ويشرف عليها والده . . فهو يتأمل ما سوف تصل إليه أمة جده، وما وصل إليه الناس من حب السلطة والحكم وتفضيل ذلك على مبادئ الإسلام وقيمه .قبل أن ننتقل إلى دراسة الوضع في حكومة عثمان الذي تسلم مقاليد الخلافة بالصورة التي أوردناها، والتطرق إلى دقائق الأمور فيما يتعلق بموضوع بحثنا . .. نجد من الضروري جداً أن نقوم مدة خلافة عمر بن الخطاب . .


1) العقد الفريد - ابن عبد ربه - ج 3 ص 74.

التقويم في نظرنا حسب قراءة الأحداث وما كان عليه المجتمع في ذلك الوقت .. لأننا نرى بأن هناك ضرورة لذلك حتى نقارن بين عهدين قبل أن نتحدث عن العهد الجديد.عهد يقوده خليفة جديد يختلف اختلافاً كاملاً بكل المقاييس عن عهد عمر بن الخطاب ، والعهد هذا سوف نتحدث عنه بشكل مفصل، لأنه أصل المشكلة !! وسبب الخلاف . . والمقارنة ستسهل لقارئ بحثنا هذا ما نعنيه وما نريد الوصول إليه .كان الخليفة عمر بن الخطاب يتميز بشخصية قوية ، وكان يتصف بالشدة والحزم ولا يُنكر عدله في مواطن كثيرة وكان يحسب له ألف حساب من قبل بقية الصحابة ، بل ومن المسلمين كافة . .فلم يكن من السابقين الأولين في الإسلام، فقد كان إسلامه متأخراً عن علي وأبي بكر وزيد وجعفر بن أبي طالب وعمار وعبد الله بن مسعود وأبي ذر والحمزة وحتى عثمان وغيرهم الكثير .. كما أن عمر كان أحد أعمدة الحكم في الجاهلية وكانت إليه السفارة ، وهذه أعطته صفة كان يمتلكها أصلاً في داخله، وأعطيت له في حكومة مكة لهذه المواصفات التي نسميها في عصرنا ب- (الدبلوماسي لأن السفارة تعني أن يكون مندوباً عن أهل مكة وحكومتها وأهل المال والنفوذ فيها وحتى عامتها في حالة احتياجهم إلى سفير يذهب إلى من يخاصمهم أو إلى طرف آخر له مع أهل مكة مشكلة كانت أم حدثاً. وكان الرَّسول صلى الله عليه و اله وسلم قد تزوج ابنته حفصة بنت عمر وهذا مما زاد من التصاقه بالنبي صلى الله عليه و اله وسلم .)وقراءة عمر للوضع ودعوة الرَّسول للناس لاتباع الدين الجديد، كانت لا تخلو من الذكاء الحاد، فكان عمر من الأثرياء .. كما أن عمر كان خبيراً

بنفسيات أصحابه وكل تصرفاته في حياة الرسول صلى الله عليه و اله وسلم وبعده كانت تدل على هذا الذكاء .ولم يبتعد عمر عن التكتلات ، فكان قريباً منها جداً بل في كثير من الأحيان كان موجهاً ورائداً فيها ، وما البيعة لأبي بكر نراها كانت القمة في تصرفاته التي نحن بصددها .. وكان عمر يمثل تيار اليمين، الذي يحاول دائماً الحفاظ على مكانة الكبار وأصحاب النفوذ والثروة ولا يميل إلى الثورية التي اتسم بها الإسلام بأقصى حدودها .. فكانت له نظرة خاصة لمرحلة ما بعد النبي صلى الله عليه و اله وسلم و ربما جَهَد بالتحرك لكي لا تخرج الأمور من يد اليمين وعدم السيطرةعليها فيما بعد . .ولتوكيد هذه الناحية نذكر موضوع إمارة أسامة بن زيد على جيش وضع فيه أبو بكر وعمر ، فكانت معارضته واضحة لدى الصحابة ولكنه لم يتمكن من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه و اله وسلم .كما أنه كان المعارض صراحة - حسب الروايات بأن يعطي للنبي صلى الله عليه و اله وسلم الكتف والدواة حتى يكتب لهم وهو على فراش الموت وظن بأن النبي صلى الله عليه و اله وسلم ليهجر !! .كما أن موقفه من علي بن أبي طالب ظاهر وواضح من ناحية عقيدته في تطبيق مبادئ الإسلام ، فإن علياً كان يمثل التيار الثوري (اليسار وما كان لعلي من تقديم ورعاية من قبل النبي صلى الله عليه و اله وسلم وهو أصغر الصحابة سناً فلا بد أن يكون في نفسه شيء منه وهذه طبيعة البشر .)وبعد وفاة النبي صلى الله عليه و اله وسلم كان العمل اليد الطولى في بيعة أبي بكر.. سواء أكانت بتخطيط مسبق أم اتفاق أم على أي افتراض ، فقد وجدنا بأن عمر قد اكتسب الكثير من الخبرة من خلال اعتماده المستشار الأول والأقرب إلى أبي

بكر، بل كان المؤثر في القرار السياسي والاجتماعي ، فخبرته هذه قربت له الصورة التي كان عليها المجتمع في ذلك الوقت ، وعندما تسلم سدة الحكم كانت قراراته قد جاءت باجتهاداته الخاصة وما كان يحمله من خلفية لحياته السابقة وتأثيراتها النفسية عليه وعلى من حوله . .فمبدأ سياسته المالية الجديدة أو المبدأ الجديد للعطاء، كان من أشد هفوات حكم عمر بن الخطاب خطورة، لأنها أدت إلى إحداث أو إيجاد الطبقات والتحزب والتكتل وأصبح المال غاية وليس وسيلة وهذا أمر مهم لدى البشر ...وللأسف الشديد نجد أن الكثير من الكتاب والمؤرخين وحتى المستشرقين الذين كتبوا عن تاريخ الإسلام وحتى المغالين في حكمهم ، قد تجاهلوا موضوعاً مهماً هو الانتقالات التي حدثت في سنوات حكم الخليفة عمر بن الخطاب .. فإن سنوات حكمه لم تكن على وتيرة واحدة، فقد كانت فترة حكمه قد توزعت على ثلاثة أدوار وهي:## الدور الأول:الدور الأول:كان هذا الدور قد بدأ منذ تسلمه للحكم ومحاولته السيطرة التامة على دولة الإسلام ومسكها بيد من حديد حتى وإن عارضه أكثر الصحابة قوة ونفوذاً وعشيرة ومالاً .. فنراه قد اتخذ قراراً يمنع فيه مغادرة الصحابة (المدينة المنورة)إلا بعلمه . .بل بموافقته حصراً لأي أمر كان يراد الخروج بسببه. وقد تمكن من ذلك ولم يخالف أحد ذلك القرار . .وعرفنا عن عمر زهده الشخصي، فلم ينقل عنه أنه استغل موقعه لكي يستفيد من فيء أو مال وحاول أن يتخذ هذا الإجراء لكي يبقي موقفه قوياً، ولا

يمكن منتقديه من ثغرة ينفذون إليه منها .وشدته وسطوته هذه ، وسيطرته على الصحابة، دعته بأن يندفع في الفتوحات ، التي وحدت الداخل وشغلت الجميع بالجهاد والفتح.وكان شديداً ومحاسباً لعماله عدا ما عرفناه من دفاعه عن معاوية وتساهله معه، كما أننا لم نعرف بأنه فضل أحداً من عشيرته أو أقربائه فلم يول أحداً من عديّ مثلاً أو أحداً من أقرب أقربائه وحتى الأبعدين. بل نراه حسب إحدى الروايات قد ولى الصحابي سلمان الفارسي على الكوفة.إذاً يمكن أن نقول بأن الدور الأول من مرحلة حكمه كانت لتدعيم الأسلوب الجديد الذي اختطه للعمل وكان مظهراً للحزم البالغ لكي تتم له السيطرة على جميع أمور الدولة.## الدور الثاني:الدور الثاني:أما في هذا الدور من حكم عمر، فقد تمثل لنا انتقال عمر من اليمين إلى الوسط بالمفهوم المعاصر - وكيف تم له ذلك؟ .فالمعروف عن عمر أنه لم يكن ذا حنكة قتالية أثناء المعارك، وقد تكون آراؤه الصائبة في التخطيط لصيغ المعارك على مستوى (الاستراتيجية ولكن لم نعرف عنه شيئاً متميزاً في ساحات الوغى.)كما أن عمر لم يكن في الفقه والعلم والقضاء بمستوى ما ينبغي أن يكون الخليفة لأنه المسؤول عن تطبيق التعاليم على وفق ما جاءت في مصادر التشريع الإسلامي والتي هي الكتاب والسنة، فظهرت لديه بعض الأخطاء في القضاء وفي جانب المساواة في العطاء وفي بعض التشريعات الفقهية التي أصدرها وهو ليس بمصدر للتشريع مثل ما صدر عنه من إلغاء (المتعتين. .)

لأن الدين قد كمل من الناحية الفقهية والتشريع (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... فهنا نرى بأن الخليفة عمر احتاج إلى شيء من الموضوعية نتيجة ما وجّه إليه الناصحون ومنهم علي بن أبي طالب من نقد.)ونعتقد بأنه قد قبل به ولذلك فهو الآن على قمة الهرم ولا بد له من أن يتغير في كثير من الأمور فكان قد اتخذ سبيلاً وسطاً بين اليمين المحافظ وبين اليسار الثوري .وموضوع تولية سلمان على الكوفة هي إحدى دلائل انتقاله إلى الوسط .## الدور الثالث:الدور الثالث:في هذا الدور من حكمه وحسب الوقائع نراه قد اقترب بشدة نحو اليسار، بل لنقل أنه انتقل إليه .. وتعليلنا لذلك هو تراجعه عن سياساته المالية ورغبته في اتباع سياسة مغايرة تشدد الضغط على أصحاب الثروات، ومحاولته إعادة مبدأ المساواة ، والعامل الآخر هو تقربه من الإمام علي وتياره، واعتماده عليه في الكثير من المسائل وخاصة الفقهية، وربما كان هذا التقارب هو السبب الأكثر موضوعية لتسويغ موضوع اغتياله ونعني به خوف أصحاب المصالح من ضياع نفوذهم .. ونتساءل إذا ما كان الأمر كذلك، لماذا لم يستخلف الإمام علياً أو أن يؤيد ترشيحه بقوة !!ولنا وقفة جدية في موضوع مهم للغاية حاول بعضهم الآخر طمسه وإغلاقه بسرعة بينما رأى البعض أنه جانب من الصراع الدائر . . وهذا الحادث هو أن الإمام علي بن أبي طالب أراد الحكم والقصاص من عبيد الله بن عمر الذي سارع إلى قتل أبي لؤلؤة وآخرين.ولكن هل كان موقف الإمام علي ضد عبيد الله بن عمر ومطالبته القصاص منه لقتله أبي لؤلؤة المجوسي أو لسبب آخر ؟ . . نقول :

1 . موقف الإمام علي هو أنه لم يطلب أن يتم القصاص من عبيد الله لأنه قتل أبا لؤلؤة وإنّما طلب محاكمته لقيامه بذلك ، مع عدم امتلاكه صلاحية الاقتصاص من القاتل في ظل وجود الدولة ومؤسساتها .. لأنه من غير المعقول أن يقتل الخليفة اليوم ويقتل ابنه قصاصاً غداً!!2 . كان الإمام علي يعتقد بأن هناك مؤامرة حاكها البعض للتخلص من عمر، وكان رأي الإمام أن تكشف هذه المؤامرة ويكشف أشخاصها، لأنه يعرف بأن هناك يحب عمر بشكل أو بآخر، وهؤلاء من الصحابة وقسم كبير من أصحاب النفوذ والطامعين. لأن الإمام لا يغيب عنه الحكم الشرعي للقاتل إما أن تكون النفس بالنفس أو الدية أو غيرها . فلا توجد أية صعوبة في ذلك، ولكن البعض أرادها ضدَّ علي، وأراد منها حقاً يراد به باطلخ(1.)3 . وما إسراع عثمان وأصحابه بإنهاء الأمر ودفع الدية، وإبعاد علي بن أبي طالب عن هذا الموضوع لأنه كان الوحيد من بين الستة من أعضاء مجلس الشورى الذي يؤكد وبإلحاح شديد على التحقيق في الموضوع، ولكن لم يكن له أنصار يؤازرونه من أعضاء الشورى .


1) في زيارة لي إلى إيران وأنا متجه إلى مدينة مشهد أخبرني من كان يرافقني بأن هناك وبالقرب من مسارنا قبر (أبو لؤلؤة) الذي قتل عمر فأجبته بأن أبا لؤلؤة عندما اغتال عمر بن الخطاب قتل على يد ابن الخليفة عمر عبيد الله فكيف جيء به من المدينة إلى هذا المكان الذي يبعد عدة آلاف من الكيلو مترات..؟ فقال لي هذا ليس صحيحاً.. قلت وكيف؟.. قال : لأن أبا لؤلؤة عندما ضرب عمر استجار بالإمام علي، وقد أعطاه الإمام علي نقوداً ومتاعاً وزوده بفرسه وساعده على الهرب إلى بلاد فارس والآن له مزار يحترمه الإيرانيون لأنه قتل عمر وأخذ بثأر الزهراء، لأن عمر كان السبب في إجهاضها لولدها المحسن وبالتالي تسبب بوفاتها فنظرت إلى مرافقي متعجباً مما يقول.. وقلت له : هل تعتقد أنت بصحة ما تقول؟.. فأجابني بإيماءة لا تعني الرفض ولا القبول.. وكان صاحبي عالماً وفقيهاً معروفاً.. فلينظر القارئ إلى مثل هذه الآراء التي بنيت أساساً لغرض شق وحدة المسلمين وتفريقهم.

ولا بدَّ لنا أيضاً أن نشير بأن الفتوحات التي جرت في عهد عمر قد أبعد عنها الإمام علي بن أبي طالب لأن عمر بن الخطاب كان حذراً جداً في كل خطوة يخطوها ومثال ذلك تولية أبي عبيدة مكان خالد بن الوليد . .ونرى بأن في مدة خلافة عمر لا نجد معارضة شديدة يمكن أن تتحول إلى النزاع والقتال كما سوف نراه في خلافة عثمان . . فإن سیر المعارضة في زمن عمر كانت مبدئية وسلمية ، وكان التيار الثوري هو الذي يدير أي اعتراض على السياسة العامة للدولة أو لبعض الإجراءات وهذا ما كان يحدث بينما نرى بأن اليمين الذي يعرفه جيداً عمر بن الخطاب من طلاب السلطة والمنافع كانوا دائماً في موقع الخانع المتربص ولا توجد لديه أية إمكانية لإبداء معارضة ما، أو حتى التدخل في أي أمر فإن لهم أسبابهم في ذلك والتي تنبع من أصل تفكيرهم، لأن الثوريين لا يخافون على شيء يفقدونه بينما الآخرون على العكس من ذلك .وعلى كل حال فإن مبدأ العطاء الجديد ومجلس الشورى الذي شكله عمر كانا من أهم الأمور التي أسست مجالات للاختلاف والتصدع.كما لا يفوت المنصف القول بأن زمن عمر بن الخطاب كان زاهراً بالفتوحات الإسلامية ونشر الدعوة في البلدان المفتوحة ، وتقويض إمبراطوريات لها تأثيرها وقوتها وحضارتها ، وكانت الدولة الإسلامية في زمنه، قوية ومنيعة وتدار بقبضة حديدية ، والولاة والعمال يحسبون ألف حساب للخليفة، كما أن زهد عمر وعدله معروفان ولا شك فيه .وعلى كل حال .. رغبنا بأن نذكر هذه الملاحظات قبل الدخول في الحديث عن مدة حكم عثمان بن عفان ، لتكون هناك مقارنة سهلة لما حدث فما كان له تأثير في توجيه الأحداث فيما بعد .

## خلافة عثمان بن عفانخلافة عثمان بن عفانالحديث عن عهد عثمان نعده جوهر بحثنا ، بحيث أننا سنتوغل في مدة الحكم هذه بشيء من التفصيل لمصلحة البحث ..فإن مدة خلافة عثمان كانت زاخرة بالأحداث، وقد تغير فيها المجتمع الإسلامي تغيراً كبيراً وهذا التغيير انحراف بمسار الدعوة عن خطه الصحيح، مما حدا بقوى المعارضة الثورية أن تقف بحزم أمام هذا الانحراف . . . كما أن فترة حكم الخليفة عثمان كانت سبباً مؤثراً وكبيراً في ما جرى على الدولة الإسلامية ، ومبادئها من تغيرات أدت بالتالي إلى نكبات وحروب وصراعات وأزمات شديدة .في هذه المرحلة بدأت عوامل الصراع المستمدة من القبلية ونفوذ الأسرة، وما تقدمة الثروة، وتسلق في عهده أعداء الإسلام والطلقاء، والذين لم تتألف قلوبهم أبداً إلى سدة الحكم والإدارة، وسار هؤلاء بالناس بعيداً عن شاطئ الأمان والسلام والاستقرار، وأمسكوا بزمام الأمور بقوة حتى لا يفلت زمام الأمر منهم ، وكان الخليفة شاء ذلك أم لم يشأ .. برضاه أو بدونه، بعلمه أو بدون علمه ، أو بتغاضيه . . فقد انفرط العقد وصار المسلمون عبيداً لآل بني أمية ، وآل أبي معيط ، وأصحاب الثروة والمال من الصحابة ظلوا متفرجين على ما يحدث ، ما دام المال يضخ إليهم فهم مستفيدون من الوضع لأقصى الحدود، بالحرية والمال التي منحها إياهم الخليفة عثمان . . فتحزبوا وتكتلوا، وانتهزوا الفرص السانحة لتحقيق المزيد من السلطة والثروة التي هيأها لهم

عثمان الخليفة . .وكان اليمين الرجعي المتطرف يلعب بمقدرات الدولة والمسلمين وسندهم الخليفة ، واعتبروا دولة الإسلام بستانهم وكل من فيها عبيدهم ..فانتقل الصراع الفكري والديني والعقائدي إلى صراع طبقي جديد كانت صور الجاهلية متمثلة فيه ، والقبلية سائدة ومن خلالها (الأسرية والإجرام والفتك)والتجاوز على حدود الله .فظهرت حالات الفوضى والانشقاق وزاد تمسك حزب السلطة الأرستقراطية المتسلطة بموقف عدم ضياع الفرصة التي سنحت بأيديهم، وتصرفوا بكل ما تقتضيه المصالح والنفوذ وما تعطيهم من مغالاته في التصرف للحفاظ على المصالح، وسلوك جميع السبل المؤدية إلى إبقاء السلطة على ما هي .فمن الطبيعي أن تكون هناك ردة فعل قوية من قبل التيار الثوري في الإسلام محاولاً بشتى الوسائل أن يعيد تطبيق مبادئ الإسلام والوقوف أمام الظلم والتعسف الذي ظهر بأشكال جديدة.. وكان عترة الرسول صلی الله علیه واله وسلم وأهل بيته في مقدمة المتصدين لهذا الموضوع الجديد ومن خلفهم الثوار المسلمون وأصحاب النبي صلی الله علیه واله وسلم الذين جاهدوا بكل ما يملكون وبقوة إيمانهم من أجل الإسلام ورسالته العظيمة، واليوم وهم يرون بأم أعينهم أن الإسلام مهدد في مبادئه وقيمه التي تعطلت .. ووجدوا أن رأس الدولة وولي أمر المسلمين قد سحب من تحته البساط ، بل في حالات كثيرة كانت تجري بوادر الانحلال والفساد أمام ناظريه، ولم يتخذ بدوره موقفاً حاسماً لوقف هذا التدهور في القيم والمبادئ، بل إن الخليفة في مواطن أخرى عد الأمر خاصاً بهم وحدهم (يعني بني أمية ويتضح ذلك قوله لعبد الله بن مسعود عندما كان خازن بيت)

المال في الكوفة قائلاً :" ما أنت إلا خازن لنا " . .وفي سياق البحث سنتعرف - وحسب ما نقل من المصادر الموثوقة والأحداث غير مختلف في روايتها -، ما آلت إليه الأمور وسوف يرى القارئ ما حدث بعد ذلك، والسبب الرئيس في تشرذم الأمة وانقسامها . .كل تلك الصراعات قد حدثت والإمام الحسين بن علي يعيش أحداث هذه الفترة بكل دقائقها ، ويتعرف من خلال هذه المعايشة بواطن الأحداث ومسبباتها ، وبما أنه كان يمتلك نظرة خاصة وشاملة عن مبادئ رسالة جده، وإن كان لا يملك حرية القرار بوجود والده الإمام علي بن أبي طالب ، وهو يتبع ما يمليه عليه الواقع الذي ضمه مع كتلة الثوار بلا شك، وإذ نعمد إلى الإسهاب في الحديث عن مرحلة حكم عثمان، فما ذاك إلا لصلة الموضوع بثورة الحسين على الظلم فيما بعد.## شخصية عثمانشخصية عثمان :المعروف عن الخليفة عثمان بن عفان أنه كان في الجاهلية من أثرياء قريش وقد أسلم بتأثير من أبي بكر الصديق من خلال الصداقة الوثيقة التي كانت تربطهما .. ولا شك بأن عثمان كان من أهل السبق في الإسلام، وكان ينتمي إلى بني أمية وهم بطن من قريش ، والمعروف بأن أمية وهاشم كانتا في الجاهلية على غير وفاق . .ولم يبخل عثمان بماله من أجل الإسلام والمسلمين .. وكان عثمان خلال صحبته للرسول صلی الله علیه واله وسلم و اعتيادياً كبقية الصحابة، ولم نلحظ تمييزاً يظهره عدا إنفاقه المال في سبيل الدعوة والجهاد، ولكن المعروف عنه أنه كان ذا شخصية

عادية يميل إلى قوى اليمين في الإسلام وذلك ناتج من تجذره الطبقي، وكان معروفاً بميله قبلياً إلى عشيرته ، بالرغم من أن عشيرته (أمية قد أخذت على عاتقها مناجزة الإسلام وكانوا هم رأس الكفر . .)وكثيراً ما وصف المؤرخون الخليفة عثمان بأنه كان أثناء حكمه وقد بلغه الكبر في السن، ضعيف الإرادة ولم يكن يتمتع بشخصية قوية صاحبة قرار . .كما أنه لم يكن حازماً في مواجهة الأحداث التي اعترضت مسيرته . .فكان حكمه قد جاء بعد حكم الخليفة عمر بن الخطاب ذي الشخصية القوية والشديدة، ونرى بأن تسلمه الحكم كان أصلاً في مفترق، لاختلاف الآراء حوله وقد حاول جاهداً أن يرسم صورة مغايرة لما كان عليه عمر، ولكن التغيير السريع في مثل هذه الحالة له مساوئه في ظل نشوء التكتلات والأحزاب . .فالشخصية القوية والإرادة الصلبة والقرار الرشيد ، هي الأمور المطلوبة في هذه الفترة التي تلت حكم الخليفة عمر .. ولكننا نجد هنا العكس في كل المقاييس.. وخاصة بعد أول سنة من مدة حكمه .. فقد سيطر الحزب الأموي على مقاليد الأمور .. وأصبح زمام السلطة بأيديهم ولم يتمكن من أن يقف أمام رغباتهم وأهوائهم . .وكان وزيره مروان بن الحكم - طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم - هو المؤثر وهو الذي يتصرف بمقدرات الأمة، والمعروف بأن مروان حديث عهد بالإسلام وعُدَّ إسلامه نتيجة حتمية لما وصل إليه الأمر في مكة بعد فتحها، وهو من الطلقاء أيضاً .. فهنا نرى بأن عثمان قد أعطى ثقته الكاملة لمروان بن الحكم، وأصبح كما يقول البعض هو الخليفة الفعلي وكان لعثمان اسم الخلافة فقط .وعندما يفقد القائد صفة الإرادة يصبح مسلوب الرأي والقرار .. ومقارنة

عثمان ومروان بفترة أبي بكر وعمر عندما كان مستشاره الأول، نجد بأنه على الرغم من قوة عمر وتأثيره على أبي بكر فقد كان أبو بكر في النهاية هو صاحب القرار وصاحب الرأي، وكثيراً ما كان يطبق مبادئ الإسلام عدا شطحات في أمور خاصة بآل بيت النبي صلی الله علیه واله وسلم .. وتعيينه الطلقاء ولاة وعمالاً في الدولة . .ولكنه يمتلك سياسة يسير على أساسها وقراراً في مواجهة الأحداث، حتى ولو كان القرار غير مصيب، ولكنه لم يتردد . .والبعض أقرَّ بأن شخصية عثمان كانت تتصف بالرقة واللين وشيء من التسامح . .ولكن من سير الأحداث وجدناه رقيقاً وليناً ومتسامحاً مع أقربائه وأبناء عشيرته .. ولكنه كان شديداً بل وبالغ في القسوة والعنف مع من عارضه وحاول أن يثنيه عن قرار لا يخدم المصلحة العامة وينصحه لردّه إلى الصواب وإلى احترام مبادئ الإسلام مثل عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وأبو ذر الغفاري وغيرهم الكثير من ثوار المسلمين وعظمائهم وكلهم كانوا من صحابة رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .وشخصية عثمان تدل أيضاً على تمسكه بالنزعة القبلية التي نبذها الإسلام، فنراه قد أوغل في التمسك بها وأحياها ، فقد آثر عشيرته بالفيء، ومنحهم الثروة ووهبهم وأقطع لهم الأراضي، وولى على المسلمين من أقاربه وبني أمية، بحيث شمل ذلك كل ولايات الدولة الإسلامية، وكان أشد ما يغيظه أن ينقل إليه من أعمال هؤلاء البعيدة عن روح الإسلام ، فكان يشكك في أي نقد يوجه إليهم وكثيراً ما كان يلتزم جانب هؤلاء الأقارب.ومما أُخذ على عثمان توجهه مرة ثانية إلى الترف والعيش الرغيد، وابتعد عن الزهد في الدنيا الفانية كما كان رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، ووجدناه في هذه

الحالة بعيداً عن التحرج كثيراً ما جعله عرضة للنقد بشدة على هذه الظاهرة، وهنا نستعيد بذاكرتنا ما أوردناه في بداية البحث أن طبقة الأثرياء لا يمكنها أن تستمر في قبول التغيير، فلا بد من أن تنتهز فرصة ما، للعودة إلى ما كانت عليه، وهذا ما وجدناه ليس في شخصية عثمان بل في الكثيرين غيره، حتى من أبرز الصحابة وسنأتي على ذكر ذلك في محله .## إدارة عثمان:إدارة عثمان:شهدت إدارة الحكم لدى عثمان متغيرات عدة فقد شهدت اختلافاً في مستوى الأداء ونوعيته ، ونرى بأن هناك مراحل ثلاثاً كان أطولها مرحلة الوسط، من خلال استمرار صيغ العمل وشكل الحكم، والأحداث التي مرَّت، بينما كانت السنة الأولى من حكمه بدون أي تطورات حادة فقد حاول أن يبقي الأمور تسير كما كانت عليه في خلافة عمر أو إلى وقت مقتله.ولكن نراه قد بدأ بتغيير أسلوب ونمط إدارته بسرعة وبتلاحق . . ونظن بأن ذلك جاء بعد أن استقر له الأمر، ورغبته بعدم إحداث التغيير السريع، وأن ينتظر لفترة من الزمن يعدّ بها خطوات معينة حتى تسهل له عملية التغيير ، ولم يكن وحده صاحب القرار بل رسم ذلك بالتعاون مع المقربين منه ومن سوف يعتمد عليهم لاحقاً.وأول معضلة واجهها في حكمه هو موضوع التحقيق في مسألة قتل عبيد الله بن عمر لقاتل أبيه ، وآخرين معه ، وقرار عثمان بالعفو عن عبيد الله وإرساله إلى الكوفة ليتخذها سكناً واقتطع له أرضاً سميت فيما بعد ب- (كوفية ابن عمر.)هذا القرار الذي اتخذه بعد أن أصرَّ الإمام علي على استمرار التحقيق في حادث قتل الخليفة عمر بن الخطاب ، وعدم وجود أي صلاحية لابن عمر ر بأن

يقتص من القاتل بوجود ولي الأمر وكذلك لآخرين بدعوة الاشتراك في عملية الاغتيال . وبذلك فقد أضاع الحقيقة، وكان إجراء عثمان بإنهاء هذا الموضوع بسرعة ليس حباً بابن عمر و كرهاً بعلي .. كلا .. ولكنه أراد أن يغلق باباً لو فتح لكشفت أمور كثيرة رأى البعض ألا تطفو على السطح.وحتى أن بعضاً من المحللين اتخذوا موقف علي ذاك للإساءة إليه ولقد جانبوا الحقيقة ، لأن الإمام علياً ليس من النوع الذي يقدم مصلحته الشخصية على حساب أمور المسلمين .ولقد مررنا على هذه الحادثة، ولكن للضرورة بمكان أن نعطي رأياً بهذا الموضوع ، ونحلل موقف الإمام علي، فنعتقد بأن إصراره على التحقيق بمقتل الخليفة عمر ومحاكمة ابنه كان الغرض منه :1 . أن يكون درساً للجميع بأن ولي الأمر هو الوحيد الذي يمتلك الحق في القصاص.2 . كان علي بن أبي طالب يرغب بمعرفة أبعاد جريمة اغتيال الخليفة، وكان يعتقد بأن هناك من يريد التخلص من عمر بعد أن اتخذ إجراءاته الأخيرة في أواخر أيامه وهي:أ. استمرار فرض الإقامة الجبرية على البعض.ب . التضييق والمحاسبة للأغنياء وهم القوى الرجعية واليمينية في الإسلام.3 . وبالتالي سوف يتم فضح هؤلاء وإبعاد مخططاتهم، لتكون المسيرة واضحة .4 . لكي يبرئ نفسه من الأقوال التي تشدد على أن الإمام علياً يطمع

في السلطة والزعامة ، فمثله كان الزعيم ولا يختلف عليه أحد بما فيهم أعضاء مجلس الشورى، فهو الأفضل بينهم شاؤوا أم أبوا وبدون مغالاة."وما من شك في أن كلاً من أعضاء المجلس (مجلس الشورى الذي عينه عمر يعتقد أنه أقل جدارة بالمنصب من عليّ، ولكن منطق الحوادث ومركز علي في الإسلام ، وميل غالبية المسلمين إليه ، كل هذا قد يجعلهم يترددون كثيراً أو قليلاً في منافسة علي بن أبي طالب على قيادة المسلمين "(1))فإن الطريقة التي أنهى بها عثمان الموضوع كما أوردناه سابقاً كانت الداعية إلى بروز معارضة اليسار الثوري إلى للحكم اليميني الذي سوف يمثله عثمان وعشيرته والمستفيدون منه في المرحلة اللاحقة .وفي موضوع إدارة عثمان يمكننا تجزئة مفهوم هذه الإدارة إلى نوعين منها ، أولهما أن الخليفة قد قام بخطوات وسياسة جديدة لم يعهدها المسلمون من قبل . ونقصد بنوعي الإدارة السياسة المالية والسياسة الإدارية التي تختص بالولايات وأسماء ونظم الحكم فيها .. ولهاتين السياستين تأثيرات مهمة جداً على سياق مجريات الأحداث وسوف نأتي عليها الآن.## السياسة الماليةالسياسة المالية :قام الخليفة عثمان بن عفان بالخطوات التالية على صعيد السياسة الماليةالجديدة، التي ارتأى السير فيها، وكانت له حساباته الخاصة من تطبيقها وهي :1 . زيادة أعطيات الناس ، وهي أشبه بالمرتبات بغض النظر عما إذا كان الشخص الذي يتسلم هذه المرتبات أو المعاشات يزاول عملاً كالتجارة أو


1) اليمين واليسار في الإسلام ص 75.

الزراعة أو غيرهما، وبدأت تصرف هذه الأعطيات بصورة منتظمة على أساس أن بلاءهم في الإسلام كان السبب في ذلك.ويرى بعضهم أن هذه الخطوة، كان لها أثرها في تسكين خواطر الناس وجعلتهم يسكتون عن أشياء كثيرة كانوا مستعدين لإثارتها، بضمنها مسألة البيعة ذاتها أو مقتل عمر ومحاكمة عبيد الله ابنه لقتله شركاء أبي لؤلؤة . (1)بل وتبع ذلك إجراء آخر هو دعوة الوفود من الأمصار ليعطيها، وزاد لأهل المدينة عطاءهم في رمضان، ثم أقام مآدب عامة من بيت المال، وجاءت هذه الإجراءات كتوسعة بعد شدة اتبعها عمر .. وكان لهذه الإجراءات مفعولها وأثرها في الناس وأدت إلى سكوتهم عن حكمه .2 . الإجراء الأول كان يخص العامة من الناس، فالإجراء الأخطر الذي يدعونا للوقوف عنده قليلاً، هي أنه راح يغدق الهبات الضخمة على أعيان قريش، وعلى بعض أعضاء مجلس الشورى بشكل خاص، وبذلك الإجراء يكون قد فتح للطبقة الثرية التي كان يعطيها ويهبها أبواباً من النشاط المالي مما دعاهم لتنمية ثرواتهم .ولو كانت هذه الهبات من أمواله الخاصة لما أثارت اعتراض أحد، ولكنها كانت من بيت المال الذي يشترك فيه المسلمون جميعاً، وقد سار عمال عثمان في أنحاء دولة الخلافة سيرته في المدينة، فانكفأوا على بيوت الأموال المحلية ينفقونها على الهم وأنصارهم والمقربين إليهم (2.)فنراه يصل من بيت المال للزبير بن العوام وهو أحد أعضاء الشورى


1) اليمين واليسار في الإسلام ص79.

2) مروج الذهب للمسعودي - ج 2 ص 341.

وأحد المرشحين للخلافة بستمائة ألف ، فبنى إحدى عشرة داراً بالمدينة ، ودارين بالبصرة وداراً بالكوفة وداراً بمصر (1)حيث أنه سأل عن خير المال ليستغل صلته، فدل على اتخاذ الدور في الأقاليم والأمصار (2)وأعطى طلحة بن عبيد الله مائتي ألف دينار (3.. ونزل له عن دين كان عنده، حيث كان لعثمان عليه خمسون ألفاً ، فقال له طلحة : " تهيأ مالك فاقبضه "فوهبه له وقال : "هو لك يا أبا محمد على مروءتك .(4))وأعطى زيد بن ثابت أموالاً ضخمة، وبلغ به الثراء العريض أنه لما توفيخلَّف من الذهب والفضة ما يكسر بالفؤوس، عدا ما ترك من الأموال والضياعما قيمته مائة ألف (5)فنرى هذا الإجراء من الخليفة قد فسح مرة أخرى مجالاً واسعاً للطبقية، ويعده بعضهم خروجاً صريحاً على مبادئ الإسلام التي تقرُّ مبدأ المساواة وعدم تقديم شخص معين على الآخرين، والرَّسول عليه الصلاة والسلام يقول : " إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة ". (6)3 . لم يذهب الخليفة عثمان بعيداً عن الأمويين، فقد خصهم بالأموال والهبات على غير استحقاق ومن بيت المال ، وليس من ماله الخاص .


1) صحيح البخاري ج 5 - ص 21 .

2) راجع طبقات ابن سعد.

3) تاريخ الطبري - ج 5 ص 139.

4) المصدر السابق.

5) راجع مروج الذهب للمسعودي ج 1 ص 334.

6) صحيح البخاري ج 5 ص 17.

فوهب صهره الحارث بن الحكم إبل الصدقات التي وردت إلى المدينة، وثلاثمائة ألف درهم وأقطعه سوقاً في يثرب كان قد تصدق به النبي صلی الله علیه واله وسلم على جميع المسلمين (1.)ووهب أبا سفيان بن حرب الذي كان رأس الشرك مائتي ألف من بيت المال، وسعيد بن العاص مائة ألف درهم وعبد الله خالد بن أسيد زوج ابنته ستمائة ألف درهم، وكتب إلى عبد الله بن عامر واليه على البصرة أن يدفعها إليه من بيت المال (2.)ووهب أخاه من أخاه من أمه الوليد بن عقبة بن أبي معيط الذي نزلت فيه (آية الفسق ما كان عليه من قرض لبيت المال في الكوفة ، وكان ذلك سبب اعتزال عبد الله بن مسعود عن خزانة بيت المال ، وسنعرض الحادثة لاحقاً .)وأعطى الحكم بن العاص - عدو رسول الله صلی الله علیه واله وسلم- وطريده والذي نفاه الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم إلى الطائف ، ولم يرجع من نفيه حتى في عهدي أبي بكر وعمر، وأثناء حكم عثمان أعاده ووهبه مائة ألف ووهبه صدقات قضاعة.كما أعطى مروان بن الحكم أقرب الأمويين إليه، خمس غنائم أفريقيا وألف وخمسين أوقية إما من الذهب أو الفضة ، كما أعطاه مائة ألف من بيت المال مما دعا بزيد بن أرقم أن يستقيل من خزانة بيت المال. وفي تاريخ أبي الفداء ذكر بأنه أقطعه فدكاً وكتب له بخمس مصر .(3)4 . أعطى الخليفة عثمان بن عفان الحقِّ لنفسه بإقطاع الأراضي ووهبها


1) أنساب الأشراف - ج 5 ص 28 و ص 52

2) تاريخ اليعقوبي . ج 2 ص 145 .

3) طبقات ابن سعد. ج 3 ص 24.

إلى البعض من الصحابة أو الأقرباء، وقائمة الأسماء تطول هنا ، ولكن المعروف بأن الأراضي ملك لعامة المسلمين، فإنها أراض ضمت إلى الدولة بعد الفتوحات وعندما مصرت المدن فلا بدَّ أن يكون هناك حق لكل المسلمين في ذلك المصر وليس لمجموعة معينة تعطى وتوهب بشكل كيفي.وإن الملكية العقارية على أوسع نطاق لم تتقرر إلا في عهد عثمان، وأصبحت المزارع الشاسعة في الأقاليم ملكاً للأرستقراطية العربية، يعمل فيها العبيد بالمئات والألوف، وكانت هذه الأراضي ملكاً للدولة طوال فترة حكم أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب.5 . لم يبعد الخليفة نفسه عن الاستئثار بالأموال، فقد بالغ هو بالذات البذخ والسرف إلى حد لم يألفه المسلمون، وذكر المسعودي بأنه أشاد داراً في يثرب، فبناها بالحجر والكلس وجعل أبوابها من الساج والعرعر، واقتنى أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة (1)ولما قتل وجد عند خازنه ثلاثون ألف ألف درهم، (أي ثلاثون مليوناً ومائة وخمسون ألف دينار ، وترك ألف بعير وصدقات ببراديس وخيبر ووادي القرى ما قيمته مائتا ألف دينار (2).)هذه الإجراءات عدت في الجانب المالي من إدارته . . فما هو تأثير هذه السياسة؟أ . أنها كانت سياسة ترضية لمن يجدهم منافسين له وقد يقومون بتحريك أوجه المعارضة ضده، وقد عرف نفسيتهم وبذل لهم ما يحبون، وإلا


1) مروج الذهب - للمسعودي - ج 1 ص 334.

2) طبقات ابن سعد ج 3 ص 53.

لماذا يعطى طلحة والزبير الأموال والأراضي دون الآخرين.ب. قدم أهله وعشيرته ليكونوا حزبه ، ويرفعهم على رقاب المسلمين، ويعيد إليهم مجدهم الذي مضى، إذ أذلهم الإسلام عندما كانوا أئمة الكفر قبالته .ج . حاول أن يلقم أي فاه يمكن أن يتصدى له، و كل أعطاه بما يرغب، ونراه قد استرضى سعد بن أبي وقاص عندما ولأه الكوفة .. وعلى كل إجراءاته المالية وتقبلها من قبل جميع الكبار تقريباً عدا علي بن أبي طالب الذي يعرف عثمان جيداً بأنه لا يمكن أن يفاتح الإمام علي بشيء من أعطياته فإنه سيجد أمامه رادعاً ومؤنباً لفعله، لأن الإمام علياً كانت نظرته ثابته عن بيت مال المسلمين يطابق ما وجدناه في كتابه إلى عامله على مكة . قثم بن العباس . عندما وصلت إليه الخلافة :"انظر إلى ما اجتمع من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة ، مصيباً به مواضع الفاقة والخلات، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا . (1)وكذلك عبد الرحمن بن عوف صاحب المال الوفير أصلاً . . وكان عبد الرحمن قد اختلف عثمان حتى أنه أوصى بأنه إذا مات لا يصلي عليه عثمان، بعد أن كان هو السبب في وضعه في هذا المنصب.. ونضيف إلى الذين لم يقبلوا من عثمان أي أعطية هو عبد الله بن عمر الذي كان في حينه متوجهاً إلى الزهد.د. أن سياسته هذه أدت إلى إيجاد طبقة ثرية تقابلها أخرى فقيرة ،


1) نهج البلاغة.

ونتيجة هذا التمايز الطبقي والتفضيل وعدم المساواة، فقد أوجد أيضاً أساساً شرعياً للمعارضة ضده نتيجة الحرمان للطبقة الفقيرة، أو اعتقاد ثوار المسلمين أن ذلك خروج عن مبادئ الإسلام، وخاصة عندما يقدم أهله وعشيرته ممن لم يدخل الإيمان الحقيقي قلوبهم ، على المجاهدين والثوار الحقيقيين والذين كان الإسلام قد نهض على كواهلهم، بدمائهم وتضحياتهم.ه-. لو كانت الأموال الممنوحة والهبات والأراضي من ملكه الشخصي، فليس لأحد أن ينتقده على ذلك حتى ولو كان للفقراء حق في أموال الأغنياء، ولكن كان ذلك من بيت مال المسلمين ، بحيث أن عثمان كان يعتقد هو والأمويون خلفه بأن خزنة بيوت الأموال هم خزنة لعثمان وولاته من الأمويين كما جاء ذلك عندما كان عبد الله بن مسعود خازناً لبيت مال الكوفة وقد طالب والي الكوفة الوليد بن عقبة بدين عليه لبيت المال، وشكاه الوالي إلى عثمان، الذي كتب إلى عبد الله بن مسعود :إنَّما أنت خازن لنا ، فلا تعرض للوليد فيما أخذ من مال " !! فغضب ابن مسعود وألقى مفاتيح بيت المال وقال :" كنت أظن أني خازن للمسلمين، فأما اذا كنت خازناً لكم فلا حاجة لي في ذلك " .وحتى في ما يخص الولاة في زمن الخليفة عثمان فكانوا يعبرون عما كان الخليفة يقرّه، فهذا سعيد بن العاص والي الكوفة لعثمان قد عبّر بقوله عن سواد العراق "بستان لقريش ، ما شئنا أخذنا منه وما شئنا تركناه ".(1)وجاء في شرح نهج البلاعة لابن أبي الحديد المعتزلي حول أموال بيت المال، فيقول عثمان نفسه عنها :" لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت


1) مروج الذهب للمسعودي - ج 2 ص 346.

أنوف أقوام .(1)## سياسته الإداريةسياسته الإدارية :اتبع الخليفة عثمان بن عفان في ما يخص سياسته الإدارية أمرين.كان كلّ منهما أخطر من الثاني، وكانت نتائجهما وخيمة وهما :1 . إلغاء قرار تحديد الإقامة الجبرية ، والسماح للصحابة بأن يتفرقوا في الأرض وأن يتصلوا بالجند وأن يمارسوا التملك والاستثمار دون قيد أو شرط أو معارضة من ولي الأمر.حيث كان الخليفة عمر بن الخطاب قد حظر على أعلام قريش من المهاجرين ، الخروج في البلدان إلا بإذن وأجل . ولما ولي عثمان لم يأخذهم بالذي كان يأخذهم به عمر ، فانساحوا في البلاد، فلما رأوها ورأوا الدنيا ورآهم الناس ، انقطع من لم يكن له طول ولا رمزية في الإسلام فكان مغموراً في الناس، وصاروا أوزاعاً إليهم وأملوهم وتقدموا في ذلك، فقالوا يملكون فنكون قد عرفناهم، وتقدمنا في التقرب والانقطاع إليهم، فكان ذلك أول وهن على الإسلام وأول فتنة كانت في العامة ليس إلا ذلك (2)فانطلق هؤلاء في الأمصار ، وأسماؤهم تملأ الأرجاء في الدولة الإسلامية من خلال شهرتهم ونفوذهم . فقد التفَّ الناس حولهم وبدأ نفوذهم يكبر .. وتحولوا بهذه الانتقالة من خلال أموالهم وممتلكاتهم وقصورهم من جوهم الديني إلى مباهج الدنيا وزينتها ، وهذا ما كان يخافه عمر عليهم .


1) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد المعتزلي ج 3 ص 49.

2) تاريخ الطبري - ج 5 ص 134 .

فإن عثمان عندما سمح للقرشيين بالهجرة كان يقصد بذلك أمرين . .أولهما إعطاء الحرية لهم واستغلال أموالهم والهبات والعطايا والعقارات التيوهبها لهم وإشغالهم بها . والأمر الثاني لإبعاد نَفَس المعارضة عنه في عاصمة الدولة المدينة المنورة (يثرب وخاصة عندما كانوا أنفسهم ممن رشحوا معه للخلافة، وطابت نفوسهم لها فيما بعد.)فهؤلاء عندما ساحوا في البلاد بدأوا بتكوين ثروات عظيمة، ويجمعون حولهم بالمال الأنصار والأتباع، وبمصاهرة بعض القبائل في تلك الأمصار أو استغلال صحبتهم للنبي صلی الله علیه واله وسلم وسبقهم في الإسلام وسمعتهم الدينية .2 . التفت الخليفة عثمان بن عفان إلى الولايات، واتخذ القرار عند انتهاء المدة الأولى من حكمه والتي ذكرناها بالسنة الأولى، فأقدم على أمرٍ خطير جداً وهو تقديم بني أمية وتسليطهم على رقاب المسلمين كولاة للأقاليم ولكنه بدأ بسعد بن أبي وقاص ولم يكن سعد أموياً، فولاه الكوفة بدلاً من المغيرة بن شعبة، ولعل هذا التعيين كان بمثابة الصلة التي أعطاها عثمان لطلحة والزبير ولكن سرعان ما عُزل وعيَّن بدلاً عنه الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي الفاسق !! فمن هم ولاة عثمان على الأقاليم؟ .أ . الوليد بن عقبة بن أبي معيط : وهو من آل عثمان ومن بني أمية، وقد ولاه الخليفة بدلاً من أحد أعضاء مجلس الشورى سعد بن أبي وقاص الزهري . .والوليد هذا مشكوك في إسلامه، فقد ارتدَّ ثم عاد وأسلم وكان دائماً محل شك عامة المسلمين .(1)


1) اليمين واليسار في الإسلام ص 80

وأجمع المؤرخون على أنه كان فساق بني أمية ومن أكثرهم مجوناً وانحرافاً عن الإسلام وهو ممن أخبر النبي صلی الله علیه واله وسلم بأنه من أهل النار(1)وكان أبوه (عقبة ممن آذى الرسول صلی الله علیه واله وسلم(2)فهدده الرسول صلی الله علیه واله وسلم بضرب عنقه .. وفي معركة بدر كان مع المشركين ، وبعد انكسارهم فقد هرب عقبة على جمل له فلحقه المسلمون وأسروه ، فأمر النبي صلی الله علیه واله وسلم علي بن أبي طالب بضرب عنقه، فقام إليه علي وقتله .)والوليد نزلت فيه آيتان في القرآن الكريم على فسقه حسب ما نقل المؤرخون والمفسرون عن أسباب النزول .. فالأولى كانت ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَاء فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ (3))والثانية قوله تعالى ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقَا لَّا يَسْتَوُونَ (4)ويقال إنها نزلت بعد مشادة بينه وبين علي بن أبي طالب ..)والمشهور عن الوليد هذا أنه كان يشرب الخمر، وذكر المؤرخون بأنه شرب الخمر فصلّى بالناس وهو سكران صلاة الصبح أربع ركعات، وقال للمصلين خلفه:" هل أزيدكم؟ "فقال له عبد الله بن مسعود :" لا زادك الله خيراً ". وقد شكاه أهل الكوفة إلى عثمان فنهرهم، فتدخل الإمام علي فأرسل الخليفة يطلب حضوره، وشهد عليه الشهود ، وخضع لإقامة الحد عليه وعلي


1) مروج الذهب للمسعودي - ج 2 ص 223.

2) راجع تفاصيل ذلك في طبقات ابن سعد - ج 1 ص 186.

3) سورة الحجرات الآية 6 .

4) سورة السجدة الآية 18.

ابن أبي طالب من نفذ الحد فيه (1.)وكان أثر تولية الوليد على الكوفة كبيراً من حيث امتعاض الناس من سيرته ومجونه وابتعاده عن مبادئ الإسلام، وقد شاع أثناء ولايته الفسق والمجون في الكوفة.ب. سعيد بن العاص : فقد ولاه الخليفة عثمان بعد عزله الوليد بن عقبة من الكوفة بعد أن تأكد شربه الخمر . وكان سعيد هذا شاباً طائشاً وهو الذي قال عن سواد العراق بأنه بستان لقريش ، وقد اعتدى على الصحابي هاشم بن عتبة، وقد وقف ضده على هذه المقولة أكابر المسلمين فردوه بعنف وكان منهم الثائر الكبير مالك الأشتر الذي ردّ عليه :"أتجعل مراكز ،رماحنا وما أفاء الله علينا بستاناً لك ولقومك؟ والله لو رامه أحد لقرع قرعاً يتصأصأ منه "(2)وقد شكا سعيد للخليفة موقف أهل الكوفة، فأمر بتسيير الكثير منهم إلى الشام بوصفهم مشاغبين ، وظل هؤلاء في الشام على موقفهم فكتب معاوية إلى الخليفة فأعادهم من الشام إلى الكوفة خوفاً منهم على أهل الشام، وقد تم نفيهم مرَّة ثانية إلى حمص وقد قابلهم واليها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقد ضيق عليهم وقسا وأرهق ونكل بهم، وأمر الخليفة بإعادتهم إلى الكوفة إلا أنهم ذهبوا إلى يثرب لمقابلة الخليفة . . وعند الخليفة قابلهم سعيد بن العاص الذي كان في يثرب لدى الخليفة، فعنفهم عثمان ، وأمر سعيد بالرجوع إلى ولايته فسبقوه إلى الكوفة ، ومنعوه من الدخول إليها مما اضطر الخليفة عثمان


1) راجع بالتفصيل مروج الذهب للمسعودي . ج 2 ص 225 .

2) حياة الإمام الحسين ج 1 ص 341.

إلى عزله منها وتعيين وال آخر غيره (1.)## ج. عبد الله بن عامر بن كريزج. عبد الله بن عامر بن كريز :وهو ابن خال الخليفة عثمان، وقد ولاه البصرة بعد أن عزل عنها أبا موسى الأشعري. وكان عبد الله بن عامر لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، وكان يمكن للخليفة أن يولي على البصرة من الصحابة الذين يرشدون الناس ويقودونهم إلى الخير والصلاح لأهمية هذا المصر، وكانت سيرته تميل إلى الترف والبذخ وكان مختلفاً في ملابسه (2)وقد سار عبد الله في البصرة بما لا يرتضيه أهلها وأنكروا عليه سياسته وسيرته ، فانتدب أهل البصرة (عامر بن عبد الله التميمي ليقابل الخليفة وعندما قابله احتقره الخليفة (3).)وأشار على عثمان واليه على البصرة عبد الله بن عامر قائلاً: "رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمهرهم في المغازي حتى يذلوا لك، فلا تكون همّة أحدهم الأ نفسه ، وما هو فيه من دبر دابته، وقمل فروته . . " .فاستجاب الخليفة لهذا الرأي وأمر بالتضييق على المعارضين له، كما أمر بتجمهر الناس في البعوث وعزم على تحريم عطائهم حتى يشيع الفقر والبؤس فيهم فيضطروا إلى طاعته (4)


1) راجع تاريخ الطبري - ج 5 ص 85 للاطلاع على تفاصيل الحوادث.

2) راجع الكامل في التاريخ - لابن الأثير ج 3 ص 38 وأسد الغابة ج 3 ص 192، للتفصيل.

3) راجع تاريخ الطبري - ج 5 ص 94 .

4) المصدر السابق نفسه.

وقد نكل عبد الله بن عامر عند عودته إلى البصرة ب- (عامر بن عبد الله التميمي وتم نفيه إلى الشام تحت مراقبة معاوية، وقد نقم الكثير على عثمان في البصرة لسوء معاملة واليه ، ومعاملته هو إلى هذا الرجل الصالح .)وظل عبد الله بن عامر والياً على البصرة لحين مقتل عثمان، حيث نهب أموال بيت المال وسار إلى مكة ، وانضم فيما بعد إلى طلحة والزبير والسيدة عائشة، وأمدَّهم بالأموال وأشار عليهم بالتجمع في البصرة لقتال الإمام علي بن أبي طالب .## د. عبد الله بن سعد بن أبي سرحد. عبد الله بن سعد بن أبي سرح :استعمله الخليفة عثمان والياً على مصر، وهو أخوه في الرضاعة بعد أن عزل عمرو بن العاص عنها، وجعل بيده الصلات والخراج، وعبد الله هذا من أكثر أعداء رسول الله صلی الله علیه واله وسلم أذى واستهزاءً وسخرية على مقامه الشريف، وقد أهدر النبي صلی الله علیه واله وسلم دمه، و إن وجد متعلقاً بأستار الكعبة .. وعبد الله هذا من المشكوك في إسلامهم، واشتهر عنه أنه قال ساخراً من القرآن "سأنزل مثل ما أنزل القرآن " . . وظلَّ مهدور الدم إلى أن تشفّع له عثمان إلى الرسول صلی الله علیه واله وسلم وجاء به إليه مسلماً (1.)وسام عبد الله المصريين الذل والعذاب من خلال سيرته الجائرة وكبريائه وجبروته، فاشتكى أهل مصر لدى عثمان فأرسل إلى واليه برسالة يستنكر فيها أفعاله ولكنه لم يرتدع وإنّما قام بقتل الشخص الذي شكاه لدى الخليفة، فتذمر المصريون من ذلك بصورة أكبر ، وأرسلوا وفداً إلى عثمان فنزلوا الجامع وبدأوا شكواهم لدى الصحابة ليتدخلوا لدى عثمان ، فساندهم طلحة وكذلك السيدة


1) اليمين واليسار في الإسلام ص 81

عائشة، حيث طالبت عثمان بإنصاف القوم . .وقال الإمام علي لعثمان: "إنّما يسألك القوم رجلاً مكان رجل، وقد ادعوا قبله دماً ، فاعزله عنهم واقض بينهم، فإن وجب عليه حق فانصفهم منه ..(1)وقد استجاب عثمان للقوم، وقال لهم : " اختاروا رجلاً أوليه عليكم مكانه " . .فأشار الناس عليه بأن يولي عليهم (محمد بن أبي بكر الصديق، وكتب إلى مصر بعهده لمحمد ووجه معه عدداً من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح (2))وعندما وصلوا إلى موضع (بحمس وإذا بهم يواجهون غلاماً لعثمان اسمه (ورش) قادماً من يثرب، وكان مسرعاً على غير العادة، فشكوا في أمره وفتشوه ووجدوا عنده رسالة من عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح يأمره فيها بقتل محمد والتنكيل بمن معه ، وقد تحققوا من الكتاب فوجدوه بخط مروان بن الحكم ، فقفلوا عائدين إلى يثرب وقد صمموا على خلع عثمان أو قتله . .)وفي رواية أخرى كان مضمون الكتاب الذي كان يحمله محمد بن أبي بكر هو :"من عثمان بن عفان أمير المؤمنين إلى أهل مصر .. وليت عليكم محمد بن أبي بكر فاقتلوه" بدلاً من فاقبلوه. وكان مروان بن الحكم هو الذي


1) حياة الإمام الحسين ج 1 ص 352.

2) أنساب الأشراف ج5 ص 26.

كتبه . . وفي رواية أخرى أن أصل الكتاب المختوم بختم الخليفة والمغلق كان فيه هذا المعنى وفي (بحمس لحقهم رجل قبل أن يدخلوا مصر أشار عليهم بأن يتأكدوا من مضمون الكتاب، وإذا به مثل ما ورد .. وعلى كل حال فإننا نقول بأن الخليفة ما كان ليقدم على مثل هذا الفعل وإنَّما الأحداث دلت على أن مروان بن الحكم هو الذي كتب إلى مصر ، وإن خاتم الخليفة كان عنده . . وكانت هذه الواقعة وبسبب مروان ، من أشدّ أسباب الفتنة ومقتل عثمان .)## ه. معاوية بن أبي سفيانه- معاوية بن أبي سفيان :كان معاوية قد استعمله عمر بن الخطاب على الشام أثناء خلافته، و قد أقرَّه الخليفة عثمان عليها ، بل زاد من نفوذه وسلطانه عندما ضم إليه حمصوفلسطين .وجاء في كتاب الفتنة الكبرى لطه حسين :" وليس من شك في أن عثمان هو الذي مهد لمعاوية ما أتيح له من نقل الخلافة ذات يوم إلى آل أبي سفيان ، وتثبيتها في بني أمية ، فعثمان هو الذي وسّع على معاوية في الولاية فضم إليه فلسطين وحمص وأنشأ له وحدة شامية بعيدة الأرجاء، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة فكانت جيوشه أقوى جيوش المسلمين، ثم مدَّ له في الولاية أثناء خلافته كلها كما فعل عمر ، وأطلق يده في أمور الشام أكثر مما أطلقها عمر. فلما كانت الفتنة ، نظر معاوية فإذا هو أبعد الأمراء بالولاية عهداً، وأقواهم جنداً، وأملكهم لقلب الرعية (1.)وأصبح لمعاوية ما يلي الروم شمالاً حتى مصر وتخوم الجزيرة العربية جنوباً ومن البحر غرباً إلى العراق شرقاً، ولاية غنية مترامية الأطراف وبيت مال


1) الفتنة الكبرى - الدكتور طه حسين - ج 1 ص 120 .

ممتلئ وجيوش جرارة بإمرته .ومعاوية بن أبي سفيان من الطلقاء وهو ابن زعيم المشركين والذي أسلمبعد فتح مكة أو خلاله مرغماً .وأم معاوية هي هند بنت عتبة ، آكلة الأكباد ، وقد قتل جده (عتبة وعمّ أمه (شيبة) وخاله (الوليد ) بن عتبة في يوم بدر، وشارك في قتلهم علي بن أبي طالب والحمزة بن عبد المطلب عم الرسول صلى الله عليه وسلم . وعاش معاوية فترة زعامة والده لقريش، وكان وأبوه تواقين للسلطة والحكم دائماً من خلال امتلاكهم المال والثروة .. وسيطرتهم على التجارة، وقد كسر الإسلام شوكتهم وظلوا إلى الأخير هم أعداء للنبي صلی الله علیه واله وسلم ورسالته إلى أن دخل النبي صلی الله علیه واله وسلم مكة يوم فتحها وقال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء.)وعند إسلامهم بل الأصح بأن نقول ، عندما أسلموا ولما يدخل الإيمان إلى قلوبهم ، فقد ظلوا تواقين لتحين الفرص لكي ينقضوا بكل قواهم ومعهم حزب بني أمية ممن أهدر الرسول صلی الله علیه واله وسلم ودمهم أو من المطرودين .. وبعد النبي كانت مواقفهم تدل على النفاق والوصولية محاولين جاهدين التقرب من النبي صلی الله علیه واله وسلم في آخر أيامه وسماهم بالمؤلفة قلوبهم وتقربهم من أبي بكر وعمر متطلعين إلى موقع معين ينفذون منه إلى الإمرة والسلطان .ولما كان من موضوع الشورى وقد سبق الحديث عنه، واستخلف عثمان وهو من بني أمية . . دخل أبو سفيان في مجمع من آل أمية، يستفسر عما آل إليه موضوع الخلافة .. فقيل له تولاها عثمان بن عفان، فقال مقولته المشهورة: "تلاقفوها أولاد عم !! " .وكان معاوية بن أبي سفيان من أقوى الولاة في دولة الإسلام، وخاصة في زمن عثمان، بعد أن مد له السلطان بتوسيع رقعة ولايته.

كما كان معاوية أكثر الولاة نفوذاً وأموالاً، لأن الشام من أغنى الأقاليم، وبذلك فقد أصبح الشام من أهم الأقطار الإسلامية وأمنعها وأكثرها هدوءاً واستقراراً .## نتائج سياسة عثمان وآثارهانتائج سياسة عثمان وآثارها :ماذا نستشف من كل ما مرَّ ذكره من عهد الخليفة عثمان ، من خلال سياسته المالية والإدارية .وجدنا بأن سياسة الدولة خلال حكم عثمان قد تغيرت بشكل واضح بل وخطير وهذه السياسة لم تكن في أغلب الأوقات كما أمر أو سنّ مبادئها النبي صلی الله علیه واله وسلم، ولا حتى ما سار عليه أبو بكر وعمر ، وكان عثمان في نهاية السنة الأولى من حكمه قد أخل بالشرط الذي أقره عليه عبد الرحمن بن عوف عندما وضع أساس اختيار الخليفة ، والمفاضلة بين عثمان وعلي بن أبي طالب وهو شرط اتباع الكتاب والسنة النبوية ووفق ما عمل به أبو بكر وعمر، حيث إن الإمام علي أقرَّ السير على ما جاء في القرآن والسنة النبوية ولم يقبل على شرط (وقام به أبو بكر وعمر وإنَّما باجتهاد رأيه، مما حدا بعبد الرحمن أن يسلم الأمر إلى عثمان الذي قبل بالشروط كلها . . مع علمه بأن أبا بكر وعمر ليسا بمصدر التشريع ولكن يمكنهما الاجتهاد وهذا الاجتهاد يجب أن يكون مطابقاً للكتاب والسنة، لأن مصدر التشريع الوحيد هو القرآن والسنة . .)فأين عثمان وما سار عليه من أبي بكر وعمر .. لقد خالفهما ناقضاً الشرط الذي على أساسه تسلم الخلافة، وقد اجتهد ولكن اجتهاده جاء بعيداً عن مبادئ الإسلام وعن القرآن والسنة .ويحدثنا المؤرخون بأن عبد الرحمن بن عوف هو أول المختلفين مع

عثمان .. وقد خاصمه حتى أن عبد الرحمن قد أوصى عند وفاته أن لا يصلي عليه عثمان، كما ذكرنا سابقاً ..ومما ورد نتبين أن الأرستقراطية هي التي حكمت، واليمين الرجعي المصلحي هو الذي سيطر على مقاليد الأمور، ووجد الخليفة منحازاً بشكل كامل إلى عشيرته وأقربائه وغالبيتهم من المشكوك في إسلامهم، وقد سلم الدولة وأمرها بيد مروان بن الحكم وزيره ومستشاره يديرها كيفما يشاء مع بني عمومته ، ومن الطبيعي أن يكون نداً لكل مسلم أصيل ومبدئي وثائر على الدوام.كما أن إيقاظ الصراع الطبقي ونشوء طبقة ثرية صغيرة ومتنفذة، تقابلها طبقة فقيرة ومعدمة ومكافحة من جند الإسلام ومن المجاهدين وعامة المسلمين الذين استيقظوا فجأة على سياقات أبعد ما تكون عن مبدئية الإسلام، ووجدوا أن الأرض أصحبت بستاناً لقريش وخاصة لبني أمية، وبيوت الأموال المتخمة في الولايات ، تصرف بغير وازع من الشرعية ، فكانت السياستان المالية والإدارية التي اتبعها عثمان وبالاً على المجتمع ولم تكن في صالحه.ونتيجة لذلك فقد تشكلت الكتل والأحزاب، وصار الكثير من المتنفذين وقدوَضَعوا المبادئ جانباً واتبعوا الهوى والمال ، حتى أصبح الناس عبيد الدنيا .ومن هنا بدأت بوادر حركة معارضة ، أثارتها تلك السياسة، و الناس ما زالوا يعيشون عبق الرسالة وما عهد محمد صلی الله علیه واله وسلم وأبي بكر، وعمر ببعيد .. وها هم أصحاب النبي صلی الله علیه واله وسلم ما زالوا بين ظهرانيهم يذكرونهم بمبادئ وقيم الرسالة وسرعان ما نشأت المعارضة ... وكانت على نوعين :الأولى: معارضة اليمين : والتي قادها طلحة بن عبيد الله والزبير بن

العوام .. رغم أنهما قد أفادا من عثمان بما وهبهما من أموال وما أقطعهما من الأراضي فقد أحالوا ذلك كله لجمع أنصار لهم واستغلوا أخطاء عثمان ليؤلبوا الناس عليه ، ولم تكن معارضتهما غضبة الله أو لمبادئ الرسالة المحمدية، وإنَّما حق یراد به باطل .كانت أنظارهم ترنو للإمرة والسلطان وقد رغبوا بالخلافة حيث إنها دخلت في مخيلتهم عندما رشحهم لها عمر في مجلس الشورى (الذي بينا سابقاً أخطاءه وملابساته وكانت هذه واحدة من الأخطاء وربما لو كان عثمان قد ولاهما بعض الأمصار لما كان موقفهما هكذا حتى لو كانوا قد امتلأوا ثروة بسبب عثمان ولكن الرغبة في الحكم لا يقف أمامها أو يقطعها المال والثروة . . فحب التسلط كان يسري فيهم .. ولم يكن طلحة والزبير وحدهما في المعارضة هذه وإنَّما كان معهما الكثير ممن أغدق عليهم عثمان . . وربما كان موقفهم هذا نابعاً من رؤيتهم لمن تولى أمور الناس في الأمصار وأغلبهم من والمشكوك في إسلامهم.. ويرون أنهم أهل وأجدر من هؤلاء لسابقتهم في الإسلام وجهادهم مع رسول الله . . فالغضبة هنا كانت باسم الإسلام ولكن ليس من أجله، ودليلنا على ذلك مواقفهم فيما بعد تدل على ما نقوله الآن . .)فقد كان موقف هؤلاء متفقاً نظرياً مع المعارضة الثورية ولكنه يختلف عملياً معها ..وهذا دائماً ديدن اليمين ومجموعة الانتهازيين والنفعيين .. وكانت مواقفهم تجاه عثمان هي المعارضة الخالية من النصح والإرشاد وكانت على دفعات متوالية يقرأ منها إسقاط عثمان بأي شكل" لا من أجل تصحيح مسيرته " ، لعل بإسقاطه تتوفر لهم الفرص من خلال تحزبهم وصرفهم للأموال لجعل الكثير من المستفيدين منهم ينضمون إليهم بشكل كامل.

ويجب ألا نهمل سكان الأقاليم والبلاد المفتوحة، حيث إن هؤلاء كانوا يرون في أشخاص هذه المعارضة أسماء لامعة في سماء الإسلام وقد خفي الكثير من بواطن الأمور والحسابات .. ولذلك كانوا مستعدين لاستيعاب ما يُوجهون به من هؤلاء الكبار .## الثانية معارضة ثوار الإسلام ومناضليهالثانية معارضة ثوار الإسلام ومناضليه :وهي المعارضة الأهم حيث إن الذين ينضوون تحت هذا النوع من المعارضة هم الزهاد وأصحاب المبادئ الذين لا تغريهم الدنيا ومحاسنها بقدر ما يتوقون إلى حب الآخرة ورضا الله ، وتهمهم مسيرة الإسلام وجعلها تسير دائماً على هدي الرِّسالة وصاحبها فكان هؤلاء لا يعرفون المهادنة في دينهم ولا يخافون على ضياع شيء من دنياهم التي نذروا أنفسهم لا من أجلها بل من أجل الحق والمبادئ الإنسانية الشريفة والمجتمع الحر المتساوي في الحقوق والواجبات، لأن هؤلاء كانوا يعتبرون الغاية والهدف النبيل والشريف الذي يؤمنون به ، فلا بد أن تكون وسائلهم للوصول إلى الغاية والهدف نبيلة وشريفة معتمدة على أعلى معاني الصراحة مصحوبة بالانضباط العالي الذي لا يخرجهم عن نطاق المصارحة والنصح والإرشاد، فلم يجيشوا الجيوش لعملية التغيير ولم يريدوا إسقاط الخليفة بقدر ما كانوا يريدون لفت نظره ، على مبدأ الدين النصيحة، وأن لا يتوقفوا في مسعاهم حتى لو كانت مواقفهم لا ترضي السلطة لأنهم يعتبرون مواقفهم هذه غضبة الله ، ليكون راضياً عنهم بقولهم الحق وأن لا يغضبوه سبحانه وتعالى في سكوتهم على الباطل .ونراهم كانوا دائماً يواجهون الخليفة بما يريدون أن يفصحوا به وكذلك لولاته ، حتى ولو كان رأيهم يغضب الخليفة ويقوم باتخاذ إجراءات قاسية ضدهم نراهم ينفذون ما يأمر به من نفي أو طرد أو إجلاء أو قطع أعطيات

ولكنهم لم يتآمروا عليه أو يؤلبوا الناس لإسقاطه أو قتله لأن في رقبتهم بيعة له وكان هذا سلوكهم الدائم .كانت هذه المعارضة تمثل التيار الثوري أو اليساري في الإسلام وكان يتقدم هذا التيار علي بن أبي طالب ، فكان دائماً الناصح والمرشد ولو أن بعض أعدائه وخصومه قد ثبتوا على موقفه هذا طمعه في الحكم.. وحقيقة الأمر فإن الإمام علياً كان أكبر من ذلك، ولو كان يريدها مثل غيره لتمكن وبأسهل ما يكون منها، لأن محبيه وعارفي قدره وقدمه الأكثرية الغالبة من المسلمين مهاجرين كانوا أم أنصاراً . وحيث إن الإمام علياً لم تنقصه الشجاعة ولا غيرها لكي يكون تابعاً ولكن الرجل قد ألم إلماماً كاملاً بمحيطه راضياً بقدره غير منقوص القيمة والقدر وكان موقف ولديه سبطي الرسول صلی الله علیه واله وسلم الكموقفه فهما تلميذا مدرسته المميزان .وكان تيار اليسار الثوري يزخر بالأسماء اللامعة في تاريخ الإسلام وكانوا من أكثر الناس رفقة وصحبة مع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وقد خصهم صلوات الله عليه بحبه واحترامه لهم، وربما تنبأ لهم بما سيأتي في قوادم أيامهم، فلقد كانوا فرسان الإسلام ومجاهديه الأفذاذ ولكنهم كانوا من الفقراء ولم تكن لأكثرهم مساندة قبلية لأنهم آمنوا بالرِّسالة بعد أن عاشوا أنواع الصراع الطبقي والقبلي وكانت أنظارهم ترنو إلى مجتمع أفضل وقيم ومبادئ رُسمَتْ من السماء كلها تدخل في أطر الإنسانية والمبدئية وإسعاد البشرية .فهذا الثائر الكبير أبو ذر الغفاري وذاك عمار بن ياسر ولا يبتعد عنهم عبد الله بنمسعود والمقداد ومالك الأشتر وقيس بن سعد ومحمد بن أبي بكر وعامر بن عبد الله التميمي وغيرهم الكثير الكثير .وما كان موقف الثوريين هؤلاء ومعارضتهم ، إلا أنهم شاهدوا تحول

الدولة الثورية ذات الأهداف الاشتراكية (1إلى نظام جديد للأغنياء وذوي العصبية من قريش عامة ومن بني أمية خاصة .)فقد جاهر الثوار بالهجوم، فأول هجوم لهم كان على ولاة عثمان وعماله واتهموهم بالخروج على شريعة الإسلام وبعد ذلك اتهموا عثمان لأنه كان يلتزم عماله وباعتقادهم أنه كان راضياً عما يقومون به ..ووصل الأمر بالخليفة وعماله إلى إهانة هؤلاء العظام والثوار البواسل، وأن يقوم الخليفة بضربهم ونفيهم وقطع عطائهم .. ونورد أمثلة موجزة ، لأسماء نذكرها كما دونها المؤرخون :## 1 - أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة1 . أبو ذر الغفاري (جندب بن جنادة :)كان أبو ذر الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن السابقين الأوائل في الإسلام، كان زاهداً عفيفاً وكان مؤتمنا عند النبي صلی الله علیه واله وسلم الهلال ويسرُّ إليه حين لا يسرُّ إلى أحد (2. .)وما قول الرسول الكريم فيه : "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر" إلا دليل على محبة الرَّسول له وتعظيم قدره . . ونضال أبي ذر في الإسلام وكفاحه وجهاده غير خاف على أحد. وكان يتصف بالمواجهة والمصارحة ولا تأخذه في الحق لومة لائم، شجاعاً عالماً فصيحاً زاهداً إلى أقصى حدود الزهد.


1) لا يخفى بأن مصطلح الاشتراكية قد سبق الإسلام به كل منظري الاشتراكية في عصورنا الحديثة، واشتراكية الإسلام هي أسمى الاشتراكيات في العالم، وأسس مبادئ الإسلام هي اشتراكية ولكن تبتعد عن الماركسية أو اشتراكيات الغرب فإن للإسلام خصوصية بهذا المضمون وهناك بحوث كثيرة في هذا الموضوع يمكن للقارئ أن يتابعها بالتفصيل.

2) کنز العمال ج 8 ص 15 .

وعندما نظر إلى ما وصل إليه الأمر من انحلال وخروج على مبادئ الإسلام الثورية فقد هبَّ يقاوم التشريعات التي أطلقت الملكية والثروات بدون مشروعية ، فأخذ يندد بسياسة عثمان وولاته ، ودعا عثمان لأن يضع حداً للتدهور الاجتماعي وقد أرسل إليه عثمان ينهاه عمَّا كان من موقفه، و لكنه كان يقف أمام الذين منحهم عثمان من الهبات والأموال ويتلو عليهم قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .. وكان مروان بن الحكم أكثر إغاظة من أبي ذر الغفاري، وبدأ يوغر صدر الخليفة عثمان عليه .)وقد أمر الخليفة عثمان بنفيه إلى الشَّام، وهناك وجد معاوية وما ابتدع في ولايته واستغلاله بيت المال وبناء القصور ، وكان معاوية قد بنى قصره المسمى بالخضراء فقال أبو ذر لمعاوية :" يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهذا الإسراف ".. لأنه أنكر سابقاً على معاوية استغلاله الأموال ، فردَّ عليه معاوية :" المال مال الله فردَّ أبو ذر : "المال مال المسلمين " .وبدأ أبو ذر ينتقد سياسات الحكم ويدعو الناس إلى اليقظة ، وإن ما الآن يجري الآن هو خارج عن أصل مبادئ الإسلام.فأرسل معاوية إليه وقال له :" يا عدو الله تؤلب الناس علينا ؟ . . . "فرد عليه أبو ذر : "ما أنا عدو الله ، ولا لرسوله ، بل أنت وأبوك عدوان الله ولرسوله، أظهرتما الإسلام، وأبطنتما الكفر.فكتب معاوية إلى عثمان يعلمه بخطره على الناس في الشام، فرد عليه بأن أرسله لي على أغلظ مركب .. فقابل الخليفة عثمان حين وصوله ناسياً عذاب سفره الذي عذّب به .. ودار بينه وبين الخليفة حديث، صارحه أبو ذر

فيه بأخطائه وطلب منه أن يتبع سنة أبي بكر وعمر وبعدها لا يسمع من أحدٍ أي اعتراض ، فكان رد عثمان إليه متهماً بأنه يريد الفتنة ! ! . .وقال عثمان "أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب، أما أن أضربه وأحبسه، أو أقتله، فإنه فرَّق جماعة المسلمين أو أنفيه من أرض الإسلام" .. فندد الإمام علي بعثمان على كلامه وذكره بمكانة أبي ذر عند النبي صلی الله علیه واله وسلم ولكن عثمان أصدر أمراً بعدم مجالسة أبي ذر ، فقام بنفيه إلى (الربذة حتى يموت فيها وحيداً فريداً في أرض خلاء ومنع الناس من توديعه ، فلم يأبه الإمام علي بذلك وقام مع ولديه الحسن والحسين بتوديعه على غیر رضی عثمان، وكانت كلمات الإمام في توديعه أعظم مواساة وكان الإمام قادراً على منع الخليفة عن نفيه ولكن انضباط الإمام كان أكبر من التوقعات، فخاطب أبا ذر وعيناه تدمعان :" يا أبا ذر انك غضبت الله فارْجُ من غضبت له ، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه واهرب بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم ، وما أغناك عما منعوك، وستعلم من الرابح غداً، والأكثر حسداً؟ ولو أن السماوات والأرض كانتا على عبد رتقاً، ثم اتقى الله لجعل الله منهما مخرجاً، لا يؤنسك إلا الحق ، ولا يوحشك إلا الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبوك ، ولو قرضت منها لآمنوك . .)كانت هذه كلمات توديع الإمام لأبي ذر .. تنبع من قلب متألم على منظر مؤلم ، ويستمر الإمام علي بفيضه العذب هذا ليقوي عزيمة أبي ذر ويعلمه بموقفه الصائب من الظلم والاضطهاد والابتعاد عن الحق والمبادئ . .وقد ودعه الحسن بن علي وكذلك الحسين حيث قال له " يا عماه إن الله تبارك وتعالى قادر أن يغيّر ما قد ترى ، أن الله كل يوم هو في شأن . . " وودعه عمار بن ياسر بكلمات منها " لا أنس الله من أوحشك ، ولا آمن من

أخافك . . " . . وبكى أبو ذر ونظر إلى عترة النبوة ومودعيه بكلام يدل على محبته الشديدة لهم، وبعد أن أن سمع المواساة من مودعيه خفف عليهم وقع الحادث وقال : "وما أنا فيه وما سيفعل بابن فاطمة على ما أخبرنا النبی صلی الله علیه واله وسلم ، وأرجو أن يكون حالي هذا أسوة بالحسين . . " !! ومات في منفاه .## 2 - عمار بن ياسر2 - عمار بن ياسر :صحابي جليل من السابقين الأولين في الإسلام، وقد لقي عمار وأبواه من قريش ما لم يلاق أحدٌ من الصحابة من أنواع العذاب وأقساه، وقد تم قتل والديه أمامه وكانا أول شهيدين في الإسلام، وقد نزلت الآية الكريمة بحقه على ما ذكره القرطبي في تفسيره ، (1قال تعالى: ﴿أَمَنْ هُوَ قَيْتُ ءَانَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَابِمَا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ ). . (2)وكذلك وأَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ...) (3). حيث نص على نزولها في عمار كل من السيوطي وابن كثير في تفسير هما (4).

وقد سمع الرَّسول الكريم صلی الله علیه واله وسلم مرة شخصاً ينال من عمار، فتأثر واندفع يقول صلی الله علیه واله وسلم : " ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة، و يدعونه إلى النار، إن عمار جلدة ما بين عيني وأنفي، فإذا بلغ ذلك من الرجل فاجتنبوه " (5).


1) راجع تفسير القرطبي وطبقات ابن سعد.

2) سورة الزمر - الآية 9 .

3) سورة الأنعام - الآية 122 .

4) راجع تفسير السيوطي وتفسير ابن كثير.

5) السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 114 .

وبين عمار بن ياسر وعثمان بن عفان جفوة كانت في يوم اجتماع الشورى في المسجد لاختيار الخليفة حيث إن عبد الرحمن بن عوف قال للجموع "أشيروا عليّ بأيهم يكون الخليفة، علي أم عثمان "وكان أن تقدم عمار من بين الجموع وقال بأن أحق من ينالها هو علي.. وحديث آخر قد تبع ذلك، فأخذها عثمان عليه بل ونقم عليه .

وكان عمار من أعمدة الثوار، وكثيراً ما انتقد موقف عثمان وسياسته وولاته مما استدعى عثمان لأن يأمر شرطته بالقبض عليه، فأدخلوه في منزله، فضربه ضرباً مبرحاً حتى غشي عليه وحمل بعد ذلك إلى منزل أم سلمة، وحتى أن السيدة عائشة قد غضبت على هذا الفعل حيث قالت : " ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد " .

وقد اجتمع الثوار من الصحابة وأنكروا أعمال عثمان ومخالفاته للسنة فانتدبوا عمار ليطالبه بالكف عن المخالفات والعودة بالأمور على ما كانت عليه أيام النبي صلی الله علیه واله وسلم وأبي بكر وعمر، فأنكر عليه عثمان ذلك وغضب بشدة وأمر أن تمد يده ورجله وقد ضربه عثمان برجليه على مناكيره ، فأصابه الفتق، وكان ضعيفاً فأغمي عليه(1).

وحين هب عمار بن ياسر ليدافع عن أبي ذر ويعارض قرار نفيه ، عنفه عثمان وازدراه على منزلة عمار في الإسلام ، وأمر بنفيه هو الآخر، وعندما تدخل الإمام علي بن أبي طالب واحتج على قول عثمان، فقال عثمان لعلي: "ما أنت بأفضل من عمار وما أنت أقل استحقاقاً للنفي منه . . ." فأجابه الإمام علي : "رم إن شئت ذلك " .


1) العقد الفريد - ج 2 ص 273 . واليمين واليسار في الإسلام ص 68.

وتدخل المهاجرون ولاموا عثمان فعفا عن عمار (1). فنرى بأن الخليفة عثمان لم يرع مكانة عمار بن ياسر من النبي وسابقته في الإسلام وجهاده وفضله، فبمجرد أن طلب عمار من عثمان أن يكون عادلاً وأن يسير مع الحق وينظر في أمر المسلمين ولا ينحاز إلى ولاته الذين هم أقرباؤه وعشيرته وأن يخاف الله في أموال المسلمين، فنراه قد بالغ في أذاه وتحقيره .

مع العلم بأن الجميع لا يختلفون على صحة حديث الرسول صلی الله علیه واله وسلم عندما خاطب عمار بن ياسر وقال له : "تقتلك الفئة الباغية " وهذا اعتراف صريح من النبي صلی الله علیه واله وسلم العمار بأنه دائماً على الحق.

3 - عبد الله بن مسعود

3 - عبد الله بن مسعود :

الصحابي الكبير وحافظ القرآن ومن الثوار الأفذاذ والسابقين في الإسلام، وكان النبي صلی الله علیه واله وسلم يخصه باحترامه .

فلو نظرنا إلى سبب ابتعاده عن عمله ، فما كان إلا مطالبته بوفاء حق لبيت المال على أحد أقرباء عثمان وواليه على الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط كان قد اقترضه ، ولما ألح على الوليد برد الدين شكاه لعثمان، فأرسل الخليفة يعنفه ويفهمه أنه ليس إلا (خازناً لنا ) .. وكان عبد الله بن مسعود يحسب أنه خازن لبيت مال المسلمين وأنه بالتالي مسؤول عنه أمام الله وأمام المسلمين .. فألقى بمفاتيح بيت المال واعتزل وظيفته ولزم بيته فأرسل الخليفة في طلبه فأرسله الأمير .

وبأي طريقة أرسل .. هذا ما لم نعرفه ولكن ما إن وصل حتى سبه


1) تاريخ اليعقوبي - ج 2 ص 150 .

عثمان على مرأى ومسمع من الناس سباً موجعاً و قال : "قدمت عليكم دويبة سوء، من يمش على طعامه يقى ويسلح " فردَّ عليه ابن مسعود وقال له :" لست كذلك، ولكني صاحب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم يوم بدر، ويوم بيعة الرضوان " .

وقد احتجت السيدة عائشة على عثمان بقوله هذا للصحابي ابن مسعود عندما صاحت على الملأ:" أي عثمان ، أتقول هذا لصاحب رسول الله "

وأمر عثمان شرطته وأخرجوا هذا الشيخ الجليل من المسجد وهو مهان الجانب وقاموا بضربه بالأرض فكسر له ضلع ، وثار الإمام علي على عثمان هذا الفعل وخاطبه بكلمات منها : "يا عثمان أتفعل بسبب هذا بصاحب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بقول الوليد بن عقبة؟ " وقد برر عثمان فعله بهذا الصحابي على كلمة " نقلت له على غير ثقة وهي أن ابن مسعود قال في الكوفة : "إن دم عثمان

حلال"

ولسنا مع هذا القول حيث إنه من المعروف عن هذه الجبهة المعارضة أنها كانت لا تحل الدماء ولا ترغب إلا بالمعارضة السلمية كما أسلفنا، فأخذ الإمام علي ابن مسعود إلى بيته ، وقام برعايته إلى أن شفي، وقد أصدر عثمان أمراً بفرض الإقامة الجبرية عليه في يثرب (المدينة) وهجره وقطع عنه العطاء.

ومرض ابن مسعود مرضه الذي توفي فيه ، دخل عثمان عليه يعوده ويسترضيه فلم يفز عثمان برضاه وكانت بينهم محاورة ذكرها الكثير من المؤرخين حيث قال عثمان :

" ما تشتكي؟" أجابه ذنوبي " فرد عثمان: "ما تشتهي؟" أجابه "رحمة قال عثمان: "أدعو لك طبيباً " أجابه الطبيب أمرضني " فهنا قال ربي عثمان: آمر لك بعطائك" فأجابه ابن مسعود بلوعة : " منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطنيه وأنا مستغن عنه "قال " يكون لولدك " أجابه : رزقهم على الله "

فبعد أن رأى عثمان موقف ابن مسعود هذا ، قال له: "استغفر لي يا أبا عبد الرحمن " قال له : " أسأل الله أن يأخذ لي منك حقي ". (1)

فخرج عثمان وهو في حال من الندم ، وأوصى ابن مسعود أن لا يصلي عليه عثمان إذا مات .

وما عبد الله بن مسعود إلا أحد أعمدة اليسار الإسلامي الثوري ومن أقربالمقربين إلى رسول الله . . وكان كذلك أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر وغيرهم الكثير .

وهكذا بدأ اليسار الثوري في قمته ينفى و يعزل ويضرب، كما كان معاوية والي عثمان على الشام هو الشبح الذي يخوِّف به عثمان معارضيه فيرسلهم إليه فيتفنن في عقابهم ...

ولكن هل كان هؤلاء يخافون من إجراءات السلطة .. فلم نعرف عنهم أنهم خافوها بل كانوا دائماً تواقين لقول الحق حتى ولو أن هذه الأحداث لم تخر صدفة ، ولا يمكن أن تحدث بدون مقدمات .. وإنَّما هي دليل على أن السلطة اليمينية وقد وثبت إلى الحكم، وسواء كان عثمان رجلاً طيباً ومستشاروه هم الأشرار .. أم كان صاحب سياسة ينفذها عن فهم وقصد.

فإن الذي حدث وأن كل إجراء تم في هذا العهد كان لمصلحة الأغنياء، ليزدادوا غنّى، وضد مصلحة الفقراء ليزدادوا فقراً على حد تعبير أبي ذر الغفاري في محاجاته لمعاوية وعثمان . . ولتلك الأسباب نرى ب- (أن اليسار كان مضطراً إلى المبادرة والعمل .. والدفاع عن المبادئ الأساسية التي صار تغييرها وتحديها واجباً دون أية مواربة ) (2).


1) حياة الإمام الحسين - ج 1 ص379.

2) اليمين واليسار في الإسلام - ص 69 .

إذا كان الحال في زمن عثمان على ما ورد ، ونتيجة لكل ذلك فإن المعارضة بنوعيها قد اشتدت عليه ، بينما كان المعارضون الأرستقراطيون مثل طلحة والزبير يجهدون بتأليب الناس على عثمان، وقد ساندتهم السيدة عائشة وقد سمت عثمان ب- (نعثلاً) وغاية أمرهم إسقاطه بشتى الوسائل، وجدنا بأن هنا خطاً آخر كان يعمل في الخفاء ويقوده عمرو بن العاص هذا الداهية الذي ظلت مصر مطمعه، لم يكن يركن لحظة واحدة ولم يدع فرصة إلا واستغلها ضد عثمان نكاية به لإعفائه من ولاية مصر.

وكانت معارضة الثوار من الصحابة المهاجرين منهم والأنصار، كانت بسبب ما أحدث عثمان والسياسة التي انتهجها لا غير ، ولم يطلبوا منه سوى الاستجابة لمطالبهم في التصحيح ليس إلا، غير طامع أحد منهم بمنصب أو بالخلافة، لأن معارضتهم كانت قائمة على إدراك حاجات المجتمع وكانت تعبيراً عن عدم رضا المسلمين عن هذه السياسة.

فلم يسمع منهم عثمان ولم يستجب لهم ، بل تمت مواجهتهم من قبله ومن عماله بالتنكيل والاستهزاء، مما دعاهم إلى السخط عليه لأنهم اعتقدوا بأن معارضتهم هذه تعبر عن إرادة جميع المسلمين ، وعثمان بدلاً من أن يستفيد من نصحهم، نراه قد اتخذ موقفاً آخر منافياً لهم حيث ظل يستمع إلى مروان بن الحكم وبقية بني أمية وأمثاله من الطلقاء الذين لا سابقة لهم ولا مكانة في الإسلام، وبيَّن عثمان للجميع بأنه عازم على المضي فيما هو عليه دون أن يلتفت إلى أي أحد بالغ في نصحه وإرشاده وتحذيره.

وقد استغل المعارضون من أصحاب المصالح والمنتفعين أصلاً من عثمان ، شيوع التذمر بين المسلمين فقاموا بتنميته ، وكان هؤلاء هم المؤلبين عليه والذين تلطخت أياديهم بدمه على مبدأ المحرض على القتل هو القاتل

الرئيس .

فالسماح من قبل عثمان لهؤلاء الكبار بأن يسيحوا في البلاد يكونون المال والثروات ويجمعون لهم الأنصار من جهة وسلوك ولاة عثمان في الأمصار، وسلوك عثمان نفسه مع ناصحيه والمشفقين عليه غير اللائق، ومطامع الخلافة التي أوجدتها الشورى التي أسسها عمر وتردي الوضع والصراع الطبقي .. كلها أسباب رئيسية أدت بالثورة على عثمان .. فالمحاربون كانوا مادة الثورة، ووقودها عثمان وأصحابه والتي أججها الزعماء ذوو الطموح والأهداف .

وعندما وجد عثمان أن الأمر بالغ الخطورة عقد مؤتمراً لعماله وولاته والمقربين إليه ، يستشيرهم في الأمر .. فأشار عليه عبد الله بن عامر واليه على البصرة برأي مفاده أن يشغل الناس بالمغازي والجهاد، ومن يمتنع تحرم أعطياته في حالة عدم الانصياع ، وإذا ما استمروا في معارضته فيحاربهم بأرزاقهم التي يحتاجون إليها قطعاً، وانفض الاجتماع ورحل كل واحد من الولاة إلى ولايته .

وقد رأى الناس أن هذه الإجراءات قد بالغت في أذى المسلمين فازدادت المقاومة ضده، فالمحاربون الفقراء الذين رأوا أنهم خدعوا تكتلوا في الكوفة والبصرة ومصر والحجاز، وفي بقاع أخرى من الدولة الإسلامية وطلبوا من عثمان أمرين .. أولهما تغيير ولاته وعماله الذين أساؤوا السيرة في العباد وجاروا في أعمالهم والثاني تغيير سياسته المالية.

وفي خضم هذه الحالة ظهرت أمور ثلاثة :

الأول : هو موقف علي بن أبي طالب الذي كان الوسيط والسفير بين الثوار والخليفة فيقوم بتهدئة الثوار من جانب وفي نفس الوقت ينصح عثمان

بالتراجع عن سياسته وأن يتخذ الاستقامة والعدل طريقاً ويضمن الإمام علي بقية

الأمور.

الثاني : انتهاز الطامحين بالخلافة الفرصة، ونراهم يؤججون الموقف مستغلين ثورة الجماهير ويبذلون الأموال لتمويل الثورة.

الثالث : تواطؤ ولاة عثمان وابتعادهم عنه وتكوين حسابات مستقبلية يعدونها حسب قراءة الموقف، فنرى أقوى ولاته معاوية وقد استنجد به عثمان فتباطأ وهو يترقب الأحداث، وأبعد ما وصل إليه هو تهيئة جيش وقف بين الشام والحجاز ولم يأمره بأكثر من ذلك.

وتفاقمت الأحداث بسرعة بدراما مأساوية وصلت إلى قمتها ، وأدت إلى نتيجة لا سابقة لها في الإسلام عندما وصل الأمر بالثائرين إلى الاعتداء على الخليفة عثمان ومن ثم قتله في داره.

لقد أوغلنا في ذكر هذه التفاصيل لاعتقادنا بأن هذه الأحداث لها تأثيراتها ونتائجها على الوضع الإسلامي العام بكل فصوله .

ومن ذلك نرى بأن الإمام الحسين قد عايش هذه التطورات بدقائقها ومآسيها وما آل إليه وضع المسلمين ، من تدهور الأوضاع وتسلط المنافقين على رقاب الناس، ورأى الاضطهاد والظلم والابتعاد عن مبدئية الإسلام ورسالة جده الكريم .. وعاش تفاصيل موقف والده وظل يتعلم النهج الصحيح ومتى يضع نفسه؟ وفي أي المواقع يجب أن يكون .. فكانت الإرهاصات التي عاشها قد بنت شخصيته وموقفه على ما سوف نراه من حلقات تدهور الأمور، إلى النتيجة التي وصلت فيها أمَّة جده ليحدد موقفه الشامل والكامل.

قبل أن ننتقل إلى موضع آخر من البحث، لا بد أن نشير إلى موضوع

بدأ في عهد عثمان بن عفان يأخذ شكلاً أريد له أن يمرر على المسلمين . .

فعندما بدأت الثَّورة على عثمان كانت من المصريين أولاً بسبب إساءة واليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح إليهم وعدم استجابة الخليفة إلى مطاليبهم .. وبعد أن عاد محمد بن أبي بكر الصديق على رواية الرسالة التي أرسلت من مقر الخلافة إلى مصر وقبل أن يصلها محمد والياً وقد عاد أدراجه غاضباً.

وانضم الكوفيون بعد أن منعوا واليهم دخول الكوفة إلى الثَّورة .. وكانت رسائل الصحابة الكبار الطامعين بالخلافة إلى الأمصار قد أخذت مفعولها .

فشاع في وقتها (حديث الخلع ) أي خلع الخليفة، وربما تم الاتفاق عليه وحوله، وكان رد الخليفة عثمان في أكثر من مناسبة على موضوع الخلع زاعماً أن قميص الخلافة قد كساه الله إياه ، فلا يملك خلعه عنه إلا الله، متناسياً أن الله قد وكَّل اختيار أمير المؤمنين للمؤمنين أنفسهم ، وقد ترك لهم تصريف أمور دنیاهم .

" هكذا يتجه اليمين في كل العصور، وفي مختلف الظروف إلى نظرية (التفويض الإلهي ) لينكر كل حقٌّ للشعب، وكل سلطة له في تسيير أمور الحكم.

ومع أن الإسلام لم يكن قد مضى على انتصاره بفتح مكة إلا خمس وعشرون سنة وأن نظرية الشورى بدأت تختفي ونظرية المبايعة بدأت تبتز حتى تصبح الخلافة حقاً إلهياً لا علاقة له بالشعب ".(1)


1) اليمين واليسار في الإسلام ص 85.

موقف الإمام علي بن أبي طالب خلال الثورة

موقف الإمام علي بن أبي طالب خلال الثورة :

كتب الكثير عن الثورة على عثمان، والفتنة التي تطورت إلى أن وصلت

إلى نتيجة دموية بقتل الخليفة ، ولا بدَّ لنا أن نستعرض ولو بشكل موجز موقف الإمام علي من الأحداث.

فمن غير المشكوك فيه أن الإمام علياً هو الذي يقود التيار الثوري في الإسلام وهذا التيار الذي سميناه باليسار. ولأن موقف الإمام الثوري هذا يدعوه لأن يقف بحزم أمام الأمور التالية :

1 . عدم موافقته على السياسة المالية التي اتبعها عثمان وعدها خروجاً صريحاً على مبادئ وأسس الدولة الإسلامية .

2 . كان تعيين أقارب عثمان وخاصة ممن كان للنبي صلی الله علیه واله وسلم موقف حازم منهم .. ومنهم أولاد النار كالوليد بن عقبة، وطرداء الرسول أمثال عبد الله سعد بن أبي سرح أو مروان بن الحكم ممن آذوا النبي صلی الله علیه واله وسلم أو التثبيت لمعاوية بولايته، بل ضم الجزيرة وحمص وفلسطين والأردن له لتشمل سيطرته بقعة كبيرة جداً من دولة الإسلام.. وغيرهم أمثال سعيد بن العاص وعبد الله عامر بن كريز، فكان اعتراض الإمام على هذه التعيينات تدخلاً بواعثه مبدئية وليست شخصية، حيث إن الجانب الشخصي مع هؤلاء كان محسوماً لدى الإمام، ومثل هؤلاء لا سابقة لهم ولا جهاداً بل إن لهم تأريخاً غير مشرف لحين فتح مكة وانتصار الإسلام، بل إن بعضهم بقي بعيداً عن الساحة كما في حياة النبي صلی الله علیه واله وسلم لإجرائه الذي اتخذه ضدهم ولم يجرؤ أبو بكر ولا عمر بالعفو عنهم ، إلى أن ولي عثمان الخلافة، فأقدمهم وقرَّبهم ووهبهم وأعطاهم من بيوت مال المسلمين، بل حملهم على رقاب المسلمين وشكلوا حزباً جاهدوا من خلاله في الظفر بالحكم مهما كانت النتائج حتى ولو على حساب سمعة ابن

عمهم الخليفة .

3 . كان ديدن الإمام علي دائماً أن يكون موقفه موقف الناصح والمرشد ويحاول بشكل دائمي أن يضع النقاط على الحروف للحفاظ على مسيرة الإسلام، وكثيراً ما كان ينصح عثمان، وينتقده على أمر ما من باب إحقاق الحق واستمرار العدل ، والمعروف أن عثمان يعلم جيداً موقف الإمام علي ويستبعد حتى ولو بالشك ظنه به فيما إذا كان ينافسه بالخلافة على العكس من طلحة والزبير ، حيث كان عثمان يعرفهما جيداً ولذلك سمح لهم بالتجوال في رجاء البلاد واستغلال الأموال وامتلاك العقارات وقد أسهم هو بدفعهم بهذا الاتجاه ظناً منه أنهما وأمثالهما سوف ينشغلون عنه، وقد دلت الأحداث بأنه كان مخطئاً في إجرائه هذا، بينما الإمام علي ظل قريباً منه ناصحاً باذلاً كل جهد لكي لا تتطور الأمور وتتفاقم وكان يرجو من الخليفة أن يسمع منه ، ويعرف عثمان بأن علي بن أبي طالب له موقع كبير لدى المعارضين الثوار وأنهم ينصاعون له فيما بعد إذا أخبرهم أو أمرهم بشيء ولكن الخليفة كان يعد بالإصلاح ولم ينفذ ، ولأكثر من مرَّة مما دعا الإمام إلى الابتعاد وعدم التدخل على مبدأ لا ( رأي لمن لا يطاع ) ومن المعروف أيضاً أن عثمان كان مسيطراً عليه من قبل مروان بن الحكم الذي كان دائماً يوغر صدره ويصده عن تنفيذ ما وعد به .

وربما كان عثمان له مسوغاته التي أخطأ كل الخطأ عندما اعتمد عليها منذ اشتدت عليه المعارضة وبدأت الدوائر تدور عليه من كل جانب، فاليمين من الصحابة النفعيين من طلاب الحكم يحركون الأحداث وعمرو بن العاص وأشباهه ممن ضربت مصالحهم، كانت أيديهم غير نظيفة في الفتنة، يقابل ذلك الثوار الذين لم يجدوا بداً من خلع الخليفة.

فعثمان كان لا يشك أبداً بموقف عشيرته من مساندته والوقوف معه حيث كان يأخذ بآرائهم وأقوالهم ويشيح بوجهه عن من يرشده مثل الإمام علي.

وكان عثمان أيضاً لا يشك في تدخل معاوية بجيش من الشام، وعبد الله ابن سعد بن أبي سرح بجيش من مصر، ولكن ذلك لم يتم بل خذل أشد الخذلان .

4 . كانت معارضة الإمام وتياره ، (معارضة سلمية ) دائماً، حيث لا يمكن أن يدخل التفكير حيز التقاتل ، أو التنكيل بسياسة هذا التيار، وإنَّما نرى بأن قمم هذا التيار لاقوا من الهوان والضرب والإبعاد ما لا يطاق، وحتى الإمام علي لم يسلم من الاستهانة به ، ولكنهم لم يتمكنوا من اتخاذ أي إجراء مشابه لما حل بكبار الصحابة الثوار عليه، لأن الإمام علياً غني عن التعريف، لا بل يحسب له ألف حساب .

ومع ذلك كله فقد وضع الإمام علي ولديه الحسن والحسين يحرسون دار الخليفة ومعهم من أبناء بعض الصحابة إلى أن جاء خبر عثمان وكان وقع الحدث كالصاعقة على الإمام للأسلوب الذي تم به قتل الخليفة.

ولذلك لم نر أحداً قد وجه لوماً إلى الإمام علي لأنهم كانوا هم الملومين إلى أن تقلد الإمام الخلافة، فكسر بعضهم عن أنيابه ممن كانوا قد ألبوا على عثمان أو من الذين خذلوه .

ولذلك تصدى الإمام علي للثوار مهدئاً ومقنعاً، كما كان يتصدى لعثمان ناصحاً وموجهاً ..

وقد بذل الإمام جهداً حقيقياً للإمساك بزمام الأمر، وأرسل ولديه

للحفاظ على حياة الخليفة يدافعان عنه المدافعين .

وأسفرت الثَّورة عن نتائجها المعروفة، وحققت هدفها الأول الذي كانت تتمناه وهو خلع الخليفة ولكن الخطأ كان كبيراً في الأسلوب الذي تم فيه وهو ليس الخلع وإنما القتل، وهذا ما كان يرفضه الإمام رفضاً قاطعاً .. ولكن الثوار بعد ذلك عدوا تسلم الإمام علي للخلافة هو النتيجة الجيدة لمسعاهم، وليبدأ الإسلام في استرداد سيرته الأولى وتمضي الثَّورة الاجتماعية في الطريق الذي رسمه الرَّسول عليه الصلاة و السلام.

ماذا بعد مقتل عثمان؟

ماذا بعد مقتل عثمان؟

بعد كل ما حدث وجد المسلمون أنهم بحاجة إلى من يقودهم في المرحلة الجديدة بعد مقتل الخليفة ، ولأن الثوار كانوا قد أمسكوا بزمام الأمر بأيديهم فاعتبروا أن أفضل من يعيدهم إلى سيرة الرَّسول ومنهجه الثوري هو علي بن أبي طالب . .

ونراهم قد لجأوا إليه طالبين منه أن يتولى الحكم .. ولكنه لم يقبل !! فلماذا لم يقبل ؟ .. ولماذا جاء الناس إليه بالذات .. هل أن الإمام علياً هو الذي قاد الثَّورة على عثمان بالشكل الذي وصلت إليه، أم أنه كان لا يقبل على نتيجة الثَّورة بما آلت إليه .. وعدم قبوله للحكم في البداية هل كان يشعر بأنه غير قادر على حمل المسؤولية، أم أن هناك أمراً آخر ؟ . .

وهل خلت الساحة إلا منه، أم أن هناك من كان يخطط لها ولكنه يعلم جيداً أنه غير مصيبها بأي شكل ..؟ هذه تساؤلات وافتراضات لها ما يسوغها لا بد أن تناقش .

1 . لقد وجد الإمام أن المجتمع قد سقط في مشكلة تعميق الفوارق

الاجتماعية والاقتصادية نتيجة سياسة عثمان وولاته .

2 . كان يرى الإمام علي أن مبادئ النبي صلی الله علیه واله وسلم وتوجيهاته التي أرساها عند نشوء المجتمع الإسلامي فيما يخص العقيدة الدينية التي تبنى عليها هذه التوجيهات بدت لو قد هجرها الناس في هذا الوقت لفقدان فاعليتها .

3. إن الناس فقدوا ثقتهم بالحكومة، وفقدان الثقة هذا جعلهم يسعون بأنفسهم إلى توكيد الحقوق، وهذا الأمر غاية في الخطورة لأن الناس على مشارب مختلفة وإذا أرادت كل مجموعة أن تعمل بمفردها، فذلك يعني انفراط العقد وخروج الأمر عن السيطرة، وإذا ما أريد مسك الأمور بشكل قوي وصحيح، فذلك يحتاج إلى خطوات ثورية سريعة وشديدة قد لا يستسيغها بعضهم ، فسيقف هؤلاء أمام أي إصلاح أو تغيير لأن هذا البعض سيفقد الكثير مما حصل عليه .

4 . إن الوضع كان أثناء مقتل عثمان وبعده شديد التأزم، وإذا ما وافق الإمام علي بسرعة على ما أراده الناس منه ، فسوف يعطي الحجة بيد اليمين والأرستقراطيين بأنه كان ضالعاً بشكل مباشر في الأمر، وهذا ما حدث فعلاً حتى بعد بيعة الناس له وكان ممتنعاً عنها، وهذا ديدن اليمين.

5 . كان الإمام علي يرى أن البيعة له يجب أن تكون شاملة، وفي نفس الوقت يجب على من يبايع أن يكون مستعداً لتحمل أسلوب الثَّورة في العمل ، وعليه أن يصارحهم بما يرغب القيام به في حال قبوله لبيعتهم له لكي لا يروا أنه قد استغل اندفاعهم ومعارضتهم لعثمان وولاته ولم يستغفلهم، حيث قال لهم عندما طلبوا منه أن يتولى الحكم:

" دعوني والتمسوا غيري ، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت، والمحجة قد

تنكرت ، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أضع قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً . (1)

الحقيقة تؤكد بأن الإمام علياً كان دائماً ناصحاً ومرشداً لعثمان، ولم يقبل أن تتم نهايته بالقتل أبداً، لأن ذلك ليس من أخلاق ومبادئ علي بن أبي طالب .. نعم كان رأيه مع الثوار المعارضين ، ولكنه كان الوسيط بينهم وبين الخليفة، وعندما قتل عثمان هرع إلى بيته وقد أنب ابنه الحسن لأنه وأخاه الحسين كانا من المدافعين عن بيت عثمان ، ولكن زمام الأمور أفلتت من أيدي المدافعين بعد تسور الثائرين على عثمان بيته من الخلف والأعلى وكان ماكان .

أما بالنسبة إلى الإمام علي وقدرته على الحكم فهذا أمر لا نقاش فيه لم تكن معارضته الأولى عن تسلم الحكم عن نقص في قدراته بإدارة الدولة . . فالإمام علي هو تلميذ الرسول الأول، ومنزلته عنده لا تضاهى فكان هو وزيره وحافظ سره ومنفذ خططه ومعلن بلاغاته وقائد جيوشه . .

وما كان ذلك إلا لإعداده وتأهيله إذا ما خلف النبي صلی الله علیه واله وسلم ولا تفوتنا قدرات الإمام علي الذاتية، فكان أعلم الصحابة بالدين والعقيدة وأُسس الرّسالة وكان أقضاهم .

وكان علي بن أبي طالب من الشجاعة بمكان وضعته هذه الصفة لأن يتفوق على جميع أقرانه ، والشجاعة صفة تعتمد عليها الصفات الحميدة مثل الكرم والحلم والصدق والعدل والمروءة ونصرة الحق وغيرها .. فكل ما ورد إذا ما أضفنا له صفة انفرد بها الإمام هي زهده البالغ في أمور الدنيا ومباهجها، إضافة إلى شرف ما بعده شرف فهو ابن عم النبي وأخوه وزوج البتول سيدة


1) نهج البلاغة ج 1 ص 217.

نساء العالمين ووالد السبطين الحسن والحسين . وكل ذلك وما ورد قبله يؤكده

امتلاك الإمام القدرة والقابلية على إدارة دفة الحكم ..

وأما خلو الساحة من غيره ، فلا .. ولكن مقارنة بابن أبي طالب ، فنعم ، وهم يعرفون ذلك، ويعرفون أنه إذا ما تولاها لا يحيد عن الصراط قيد أنملة، ولكن هيهات أمام المصالح والمنافع، فيقف كل شيء ويكون كل أمر مسوغاً حتى ولو بالقتال من أجل إبعاده . . وذلك كله نابع عن التغيير الخطير الذي حصل في المجتمع نتيجة السياسات الخاطئة التي اتبعت .

ورب قائل يقول لماذا لم يكن علي بن أبي طالب خليفة للرسول بعد وفاته وهو يمتلك هذه القدرات .

نقول في هذا الموضوع رأياً قابلاً للنقاش، فبالرغم من أحداث السقيفة وعهد أبي بكر لعمر وموضوع الشورى وغيره من الأمور. . نرى بأن عدم خلافة الإمام علي للنبي صلی الله علیه واله وسلم بعد وفاته كانت إرادة ربانية، رغم اعتقادنا الجازم بأن الرسول عندما أوصى للإمام في يوم الغدير كان أمراً سماوياً (ما ينطق عن الهوى . . ) فالإرادة كانت ترى جيداً ما سيؤول إليه الأمر من نشوء الخلاف

والعصبيات وسوء الإدارة والحكم والخروج عن روح الإسلام ومبادئه ، وبالنتيجة يرى العام (العادي ) والخاص (الصحابي الذي عاصر الكل ) بأن الملجأ الوحيد هو الإمام وأن الشريعة الحقة لديه والمبادئ الإسلامية الخلاقة عنده،وهو امتداد للرسالة وصاحب الرّسالة، فكان ذلك ولو لم يطل المقام ولكنها فترة أكدت الأحقية والأفضلية بعد التجارب التي مرت بها، ولكي تبقى مدى العصور والدهور يحفرها التاريخ ويوثقها على موضع لا يمكن محوه ولا نسيانه، ليقارن فداحة الخطأ الذي ارتكب والمؤامرة التي أحيكت بدون وعي ممن أصر على ارتكابها .

خلافة الإمام علي بن أبي طالب

خلافة الإمام علي بن أبي طالب

نعود إلى الموضوع وما كان من امتناع الإمام علي فإن الناس قد أبوا عليه إلا أن يتسلم الخلافة وقد رضوا على شروطه .. فقد استجاب لهم وطلب أن تكون البيعة جامعة . . وقد بادر الناس بمبايعته وكان طلحة والزبير من أوائل المبايعين وتقاطر المهاجرون والأنصار وتمت البيعة ، ومع ذلك كله وجدنا بأن بعض الكبار لم يبايع ومنهم سعد بن أبي وقاص وآخرون معدودون، ولم يعن ذلك لعلي شيئاً وباشر باستلام مهامه ، وقد أعلن سياسته العامة التي كانت مدروسة ونابعة من واقع المجتمع آخذاً بكل الحسابات التي حدثت بسببها الأحداث وكانت سياسته العامة هي إعادة صيغ التعامل المجتمعي وفقاً للشريعة الإسلامية واعتماد مبادئ الحق والعدل في تطبيقها وبما يزيد من تلاحم المسلمين وزيادة قوتهم وتثبيتهم على المحجة البيضاء نابذاً كل أشكال التعسف ، والقبلية ، والصراعات متجهاً إلى إعادة بناء المجتمع بناء موفقاً يعيده إلى قواعد ارتكازه الأولى التي جاءت في الكتاب والسنة وعلى ما يتطلبه الواقع المعاش وفي خطوات تصب في المسيرة الإسلامية . .

إذاً لا بد أن يتخذ الإمام في أول أيام خلافته إجراءات ثورية تعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي وإجراءاته طغت عليها صفة الثورية إذ لا يمكن أن تتم عملية التغيير الجديدة إلا بأوامر حاسمة وسريعة وقوية وشديدة لتنطبق عليها صفة الثورية وبسرعة التنفيذ وهذه الإجراءات هي:

1 . الإجراءات المالية وإعلان تطبيق سياسة مالية على النقيض من

سياسة عثمان حيث اعتمدت سياسة علي المالية على الشرع والعدالة والحق في التوزيع أو في تثبيت أمور المال، ونعتقد أن إجراءاته التي سنوردها بخصوص المال كانت تتطلب الصرامة والمواجهة لأنها سوف تتعارض مع المصالح والنفعية التي اتخذها بعضهم طريقاً له وهؤلاء ما زالت لهم قوتهم في المجتمع. فالمعروف أنه في زمن عثمان اختلف أسلوب توزيع العطاءات للمسلمين، وكذلك موضوع الثروات التي تكونت بيد البعض بأشكال غير مشروعة، وفي حقيقة الأمر كان لا بدَّ للإمام علي من أن يتخذ وبشكل سريع إجراءات تثبت مصداقيته منذ بداية أمر استخلافه .

فكانت الإجراءات الآتية :

أ . اتباع مبدأ المساواة في العطاء.

ب . مصادرة جميع الأموال التي وهبت ، وما أقطع من الأراض الأراضي والعقارات التي استفاد منها النفر القليل وكونوا مراكز نفوذ على أساسها بوصفها كانت إجراءات غير شرعية .

حيث قال الإمام علي :

"وإني حاملكم على منهج نبيكم، ومنفذ فيكم ما أقرّ به. ألا وإن كلّ قطيعة اقطعها عثمان ، وكلُّ مالٍ أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق لا يبطله شيء .. إلى أن قال: فإن في العدل سعةً، ومن ضاق عليه العدلُ فالجور عليه أضيق ". (1)

ففي موضوع المساواة في العطاء فقد خطب في الرعيةِ مُنَبهاً بأن مال الله سيقسم بالسوية ولا يوجد هناك فضل لأحد على الآخر، ومن تعلل بالفضل


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 269-270.

لصحبته لرسول الله وجهاده فإن هذا الفضل ثوابته عند الله، وكل إنسان دخل في الإسلام فقد استوجب حقوق الإسلام، فدعا الكل للحضور في اليوم التالي قائلاً : " وإذا كان غد إن شاء الله فاغدوا علينا، فإن عندنا مالاً نقْسِمُهُ فيكم، ولا يتخلفنَّ أحد منكم ، عربي ولا عجمي كان من أهل العطاء أو لم يكن إلا حضر، إذا كان مسلماً حراً" .

وجاء اليوم التالي وحضر الناس لأخذ عطائهم، فقال لكاتبه عبيد الله بن أبي رافع: "ابدأ بالمهاجرين فنادهم ، واعط كل رجل ممن حضر ثلاثة دنانير، ثم ثن بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك، ومن حضر من الناس كلهم ، الأحمر والأسود فاصنع به مثل ذلك " .

وبذلك فقد قام الإمام علي بإلغاء قانون الأفضلية كما كان سابقاً، فكانت قريش مفضلة على الآخرين ، والمهاجرون على الأنصار، والأنصار بينهم على بعض، والغني والفقير والتابع والمتبوع ..

كل ذلك قد ألغي .. ولذلك نرى بأن البعض لم يرق لهم هذا الأمر، فلم يحضر القسمة والتوزيع طلحة بن عبيد الله ولا الزبير بن العوام ولا عبد الله ابن عمر بن الخطاب ولا مروان بن الحكم ولا سعيد بن العاص ومن قريش رجال آخرون .

أما في موضوع مصادرة الأموال وما تم إقطاعه من الأراضي والعقارات ، فقد أصدر أمراً بإعادة كل ما أخذ بصورة غير شرعية لا توافق أصول الشريعة ولأي سبب كان ، لأنه كان يعتقد (وهو الصحيح ) أن إجراءات الهبة والإقطاع قد فرَّقَت بين المسلمين وأعادت نظام الطبقات الجاهلي ومن خلاله ظهرت الصراعات، فلا بدَّ أن يلغى كل ذلك وتعاد الأمور إلى مسارها الصحيح.

وقد خاطب الإمام علي هؤلاء المنتفعين قائلاً:" . . . ألا لا يقولن رجال

منكم غداً قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتخذوا الوصائف الروقة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، إذا منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأخرتهم إلى حقوقهم التي يعملون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون : حَرَمنا ابن أبي طالب حقوقنا . . ! الأ وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله يرى أن الفضل له على سواه لصحبته فإن الفضل النير غداً عند الله، وثوابه وأجره على الله . . . "

فكانت هذه إجراءاته المالية السريعة التي كانت من دعائم وأسس نهجه طالما آمن وعمل بها (1).

2 . ومن الإجراءات المهمة جداً التي اتخذها الإمام علي هو تطبيقه مبدأ المساواة بالحقوق والواجبات بين المسلمين، فإن الفوارق في الحقوق والواجبات التي كانت في عهد الجاهلية قد ألغاها الإسلام عندما جاء بصورة ثورة على الواقع

المعيشي وقد غير الإسلام الفوارق الطبقية وعد الناس أحراراً وبعد وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم ظهرت هذه الفوارق مجدداً، وعادت قريش تحن إلى ماضيها وأصبح في عهد عثمان أناس لا ماضي لهم مشرف ولا سابقة في الإسلام، يتعالون على عظماء الإسلام وثواره ومجاهديه، لمجرد أنهم من قريش.

3 . وقد ارتأى الإمام أن هذه الفروق هي من عادات الجاهلية وبالتالي الإنسان في المجتمع هو الذي يؤدي واجباته التي نص عليها الشرع الإسلامي وجاءت به الرِّسالة المحمدية وله الحقوق منصوص عليها فلا بد أن تكون بين


1) لطالما كتب الكثير من المؤرخين عن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، ووصفوه بأنه كان الخليفة العادل لكونه قد صادر ما كان لبني أمية وأمرائهم ووضعه في بيت المال، بل وجعلوه خامس الخلفاء الراشدين على عدله ،هذا ولكنا لا نرى من هؤلاء الكتاب أي توكيد على عدالة الإمام علي في نهجه هذا الذي سبق ابن عبد العزيز المرواني الأموي بسنين طوال ونراهم يبتعدون عن هذه الحقيقة عندما يتحدثون في صراع الأحداث أيام خلافة علي بن أبي طالب.

الناس عدالة متناهية ومساواة في الحقوق والواجبات بعد أن تعطلت حدودها، عندما تلاقف الحكم اليمين الرجعي والطلقاء وذوو الأطماع والتطلع إلى السلطة والتسلط على رقاب المسلمين.

فكانت مقولة الإمام علي للناس في هذا المجال أصدق تعبير عن مبدئه حول المساواة في الحقوق والواجبات عندما قال :

" الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له ، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه "

4 . ابتعد الإمام علي كلياً عن تقديم القبيلة أو العشيرة أو الآل في كل أمر يخص المسلمين باعتبار أن العصبية للعشيرة أو القبيلة أمر جاهلي وتمايز بين الناس، فلم يقدِّم الإمام علي بني هاشم على بقية المسلمين ولم يفرض قريشاً على الآخرين ، ولم يفضل أحداً من الأنصار على غيرهم، وصفة التفضيل كان هو من أول منتقديها، وعندما ولي الخلافة سار على نفس اعتقاده هذا .

5 . اتبع الإمام علي سياسة إدارية جديدة فقد أصر على تبديل الولاة في أقاليم الدولة الإسلامية ، باعتبار أن هؤلاء الولاة كانوا سبباً مهماً من أسباب الثورة على عثمان، وذلك لاتباعم سياسة الظلم والتعسف واستغلال أموال بيت المال ، ولسبب آخر هو أن الكثير من هؤلاء الولاة كانوا من الطلقاء ومن المؤلفة قلوبهم فيما بعد إسلامهم ولكن لم يتغلغل الإيمان في قلوبهم وكان بعضهم ممن آذى الرسول وكان طريده .. وكانت توليتهم قد جاءت من خلال انتمائهم إلى البيت الأموي وصلات القربى بينهم وبين الخليفة، وكذلك استهانة هؤلاء الولاة بأكابر المسلمين وثوارهم ومنع الناس من التجمع حولهم .

وعملية تبديل الولاة التي أصرَّ الإمام علي على اتباعها قد وجدت بعض الذين أشاروا على الإمام بعدم إجراء هذا التغيير السريع لكي لا يخلق تياراً من

المعارضة ضده نتيجة هذا لإجراء، فأصر الإمام على إجرائه ذاك وقام باستبدال الولاة، فقد عيّن عثمان بن حنيف على البصرة وقيس بن سعد بن عبادة على مصر، وثبت أبا موسى الأشعري على الكوفة ، وسهل بن حنيف على الشام وكان لهؤلاء الولاة الجدد مزايا ليس على شخصياتهم الذاتية وإنما :

أ . أنهم جميعاً ليسوا من قريش

ب. أنهم من المشهورين في عفتهم وحزمهم ومن أهل الدين والمعروف عنهم بالتقوى والاستقامة .

ج . لم يكن من بينهم طالب للولاية، بل جميعهم من الزهاد في الدنيا والسلطة ولكنهم يعرفون دينهم جيداً.

د. لا أحد منهم من بني هاشم أو من أقرباء الإمام علي .

ولم يأبه بكلام المغيرة بن شعبة بشأن موضوع عزل ولاة عثمان، حيث طلب من الإمام تثبيتهم في ولاياتهم فأبى مستثنياً أبا موسى الأشعري .. بل ذهب الإمام إلى أكثر من ذلك عندما رفض طلب طلحة والزبير بتولي البصرة والكوفة، وقد ردَّهما رداً فيه الشيء الكثير من الرفق والمبدئية ·

وقد كانت إجراءات الإمام هذه ضربة شديدة لقريش أولاً حدت من كبرياء ونفوذ القرشيين الذين اعتبروا أنفسهم أفضل من الآخرين وقد تناسوا بأن الإمام علياً هو قرشي ، بل من سادة قريش وأمنعهم بيتاً، وكان للإمام علي قولاً فيما يخص الولاة الذين ولاهم عثمان . .

ولكني آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولاً، وعباده خولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً، فإن منهم الذي شرب فيكم الحرام ، وجُلدِ حداً في الإسلام ، وإن منهم من لم يسلم حتى رضخت له

على الإسلام الرضائخ ".(1)

وبعد .. ها هو الإمام علي قد أعاد الأمور إلى ما تطلبه شريعة الإسلام .. وبدأ مسيرته على نهج إسلامي بحت، وهذه المسيرة في ظل ظروف المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية الدائرة في ذلك الوقت ربما حققت قدراً من العدالة وإحقاق الحق والأمن، بل تحسين الظروف المعيشية لجميع المسلمين بعد أن نفذ مبدأ المساواة بالعطاء والسيطرة على مال المسلمين، وحتى الأراضي في البلاد المفتوحة التي أقطعت للبعض فقد جعل من يعمل بها هو الذي يستغلها له ، والتي كانت أصلاً له، ولو لم يكن مسلماً فهو يدفع عنها الخراج وبذلك يضخ إلى بيت المال الأموال، بدل استئثار البعض بها وحتى المسلمون الذين كانوا قد استغلوا قسماً من أراضي الفتوحات فی الفلاحة فعليهم ما يدفعونه مقابل استغلالهم لتلك الأرض ...

فهل استقرت الحال . . لنر الآن ما هي التطورات . .

1 . الإجراءات التي اتخذها الإمام علي استفزت الطبقة الأرستقراطية بعد انتهاء نفوذهم نتيجة تلك الإجراءات حيث إنهم وجدوها تحجيماً لهم، فقاموا بخطوة أرادوا منها الضغط على الإمام ليتراجع عن ما قام به به فأرسلوا مندوباً عنهم وهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط ليساوموا علياً على بذل طاعتهم له على أن يغض عما سلف منهم، ويأخذهم باللين والهوادة (2).

وقال له :

"يا أبا الحسن، إنك وترتنا جميعاً، ونحن إخوتك ونظراؤك من بني عبد


1) نهج البلاغة.

2) ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين ص56.

مناف. ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما أصبناه من المال أيام عثمان، وأن تقتل قتلته، وإنا إن خفناك تركناك فالتحقنا الشام.

فأجابه الإمام :

"أما ما ذكرتم من وتري إياكم فالحق وتركم، وأما وضعي عنكم ما أصبتم فليس لي أن أضع حق الله عنكم ولا عن غيركم. . (1)

2 . إن معاوية بن أبي سفيان لم يستجب إلى إجراءات الإمام علي ، فلم يغادر الشام ولم يتمكن سهل بن حنيف المعيَّن من قبل الإمام من الالتحاق بولايته .. ولم يقبل الإمام علي على تثبيت معاوية على الشام حتى ولو أراد التمرد، فقد يؤجل موضوعه إلى وقت آخر بعد أن يفرغ من بعض الأمور وفي نفس الوقت رفع معاوية شعار الطلب بدم عثمان وبالذات من الإمام علي وأصبح معاوية مهياً لأن يكون ملجاً لكل معارض للإمام علي .

3 . بعد أن كان طلحة والزبير ومعهم البعض وكلهم كانوا من المؤلبين على عثمان وهم أنفسهم كانوا من أوائل المستفيدين منه، وعند مقتل عثمان وبعد ذلك تمت البيعة للإمام علي ، كانوا من أوائل المبايعين له، وعندما ضربت مصالحهم قاموا بالتحالف مع من أرسل إلى الإمام علي طالبين منه إعادة الأمر إلى ما كان عليه وإلا تركوه وذهبوا إلى الشام . .

اجتمع هؤلاء الرهط الذين فقدوا امتيازاتهم، ولم يستجب الإمام للبعض ممن طلب الإمارة وكان تواقاً لها .. لجأوا كلهم إلى تأجيج صراع جديد عن طريق سعيهم إلى نقض البيعة التي أعطوها للإمام علي .. وهذه سابقة خطيرة لم تغب عن بال الإمام عندما كشف هذه العناصر، وسلط الضوء على زعمائها


1) شرح نهج البلاغة.

ليفضح أهدافهم ولتكون الأمة على اطلاع تام بمناوراتهم هذه وقد قاموا بهذا الأمر بعد أن لم يجدوا من الإمام ما يقر أعينهم، وحقيقة الأمر أنهم جميعاً يعرفون جيداً الإمام علياً ومبدئيته، وأنه لا يمكن بل من المستحيل أن يحيد أو يتراجع عن خطه العام في السلوك والتصرف .. فكونوا بذلك البذرة الأولى للخلاف في عهده.

وكان المطالبون بالأمس بإقالة عثمان وخلعه والتأليب عليه ، نراهم اليوم يطالبون بدمه ، ويدعون أنه قتل غدراً وجعل دمه في رقبة الإمام علي وهم يعلمون جيداً بأنه بريء من دمه ، وهم أنفسهم كطلحة والزبير كانوا أشد الناس

على عثمان .

والآن وقد التقت مصالحهم هذه مع مروان بن الحكم وبقية حزب اليمين، فكان التمرد الأول والحلقة الأولى من الصراع بعد أن جيشوا الجيوش واستغلوا السيدة عائشة التي طالما انتقدت الخليفة عثمان وأنها القائلة : " اقتلوا نعثلاً فقد كفر " !! تعني عثمان ، والآن أخرجها هؤلاء من خدرها وذهبوا بها إلى البصرة، وتحققت نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد نبحت عليها (كلاب الحوأل ) وأرادت الرجوع بعد أن تذكرت حديث الرسول صلی الله علیه واله وسلم ولكنهم كذبوا عليها وأخفوا عنها اسم المنطقة (المعنية في الحدث ) فساروا بها على هودجها إلى البصرة وهم يجمعون الجموع للتمرد على الإمام، وكانت معركة الجمل بعد أن يئس الإمام علي من إعادتهم إلى جادة الصواب ، فقتل من قتل منهم والذي نجا نراه قد التحق بالشام، حيث يتواجد معاوية الذي كان يشتري بأموال المسلمين الضمائر، ويقوم بأي عمل مهما كان لغرض الوقوف أمام الشرعية بحجة المطالبة بدم عثمان . . وكان معاوية هو المتخلف عن نجدة ابن عمه الخليفة عثمان، وبدأ معاوية ومن لجأ إليه يستغلون القبائل ويشترون الذمم ويلحقون

المسيئين والمنتفعين بهم، فكانت حرب صفين، وما آلت إليه ومهزلة التحكيم وكذلك حرب النهروان التي نتجت عن التحكيم ..

مع ذلك كله، كانت الأكثرية المناضلة والثورية مع الإمام لم يفارقوه ، لعلمهم بأنه كان على حق.

ما هو الجو الذي حكم فيه الإمام علي ؟

ما هو الجو الذي حكم فيه الإمام علي ؟ :

لا بد لنا أن نتطرق إلى الجو العام السائد الذي حكم في ظله الإمام علي، لأن الحديث عنه ذو صلة وثيقة بالإمام الحسين وثورته ونهضته، ذلك أن الإمام الحسين قد عاصر الأحداث جيداً في خلافة عثمان، بل وبدقائق أمورها، وهذه المعاصرة قد هيأت للحسين بن علي كل أسباب ومقومات نهضته فيما بعد، لأن مدة حكم الخليفة عثمان شهدت بداية النزوح عن مبدئية الإسلام، وشهدت تصارع المجتمع بصيغة جديدة وجد الإمام الحسين أنها قد تغيرت بشكل كامل ، لأنه أساساً تربى على مبادئ جده الرسول صلی الله علیه واله وسلم وما بعده على مبادئ الإسلام الصحيحة وأخلاقيته، فبدا له وهو في عنفوان الشباب وتكامل الرجولة أن أمة جده قد أصابها الوهن بالرغم من عظيم قوتها وتباعد أطراف دولتها وسعتها التي جاءت بالفتوحات وانتشار رسالة الدين الحنيف إلى أمم ودول دخلت طائعة مستبشرة بالدين والعقيدة السمحة للإسلام . . وبعد ذلك كله يجد مجتمعه قد تغير والنفوس قد تبدلت ولم يمض على وفاة الرسول كثير وقت .

والحقيقة أن الإمام الحسين قد تأثر وتألم بشكل كبير وهو يعيش الأحداث والمستجدات على الساحة، ويعيش كل ذلك والده الإمام علي .. وكان الأمر غريباً على الإمام الحسين ؛ لأنه لم يعش مرحلة الجاهلية وما قبل

الإسلام وبداياته ، ولكن الإمام علياً عاشها جميعاً فلم يكن المشهد عليه غريباً، وإنما كان مؤسفاً .

فلا بد أن نقف عند المرحلة التي حكم فيها الإمام علي حسب المتغيرات الحاصلة، ووقوفنا عندها لا يعتمد على السرد التاريخي، بل تحليل الواقع وملابساته، فسوف ننظر تأثير كل ذلك على موقف الإمام الحسين فيما بعد وقبله موقف أخيه الإمام الحسن بعد مقتل الإمام علي.

1 . موقف الإمام علي من سياسة عثمان:

1 . موقف الإمام علي من سياسة عثمان:

إن الدعوة إلى تطبيق العدالة الاجتماعية، لا تجد ما يساندها أو ما تعتمد عليه هذه الدعوة إلا ما يستوعيه ويقنع به عقل الإنسان من الفكر والعقيدة

والمبدئية .

ويجب أن تتوافر الأخلاقية بأسمى صورها كما بينها الدين وكونها في نفوس من اعتنقها والذي يحمل مثل هذه الأخلاقيات من الناس يجب أن يصل فكره إلى القمة ويكون في مرتبة عليا من الخلق الإنساني، وهذا ما لا يوجد عند الجميع ولكن قد تنفرد به شخصية ما تتميز بعبقريتها .

وليس خافياً بأن المسلمين جميعاً بعد اغتيال الخليفة عمر كانوا يؤمنون بأن عليّ بن أبي طالب كان أهم رجل في عصره ومن بين قادة المسلمين. مع ذلك كله فقد تم تجاوزه وتم إسناد الخلافة إلى عثمان .

ففي حكم عثمان تغيرت أمور كثيرة وقد أوردناها سابقاً، ولكن المهم في تحليلنا هذا بعد أن أتخذ عثمان خطواته المعروفة، واستقر الحكم لفئة معينة، فإن هذه الفئة مالت إلى النعرة القبلية وأصبحت القيادة والسلطة بيد قيادات كانت تتصدر فيما مضى قيادة المشركين ضد المسلمين.

فتحول الصراع من الطبقي الفكري إلى القبلي العنصري .. من صراع لأجل فكر جديد إلى صراع المناصب والتنافس عليها . فكان موقف الإمام علي ومن يؤيد مسيرته في ذلك الوقت موقف المعارض الهادئ على كل ما يجري ولكنه لم يتخذ موقفاً حازماً شديداً وإنما كان يعارض خطوات عثمان بوصفها خروجاً عن أصل المبادئ، خاصة في مجال سياسة المال والإدارة.

وهذه المعارضة لم نجدها مقتصرة على الإمام علي ومن يؤيد مسيرته، فنجد أن غالبية كبار المسلمين في المدينة كانوا يضيقون بسيرة عثمان وحاشيته في الحكم، وقسم من هؤلاء ينتمون طبقياً إلى ما نسميه باليمين، وبالرغم من إغداق عثمان عليهم بالعطايا والأموال أو اقطاعه لهم وكل ذلك من بيت المال، فنجد منهم من حرض على عثمان وهما طلحة والزبير وهما اللذان بايعا علياً وسرعان ما نكثا البيعة وحاربا الإمام علياً فهؤلاء وأمثالهم هم الذين فعلوا الثّورة ضد عثمان بخلاف الإمام علي الذي كان ناصحاً ومرشداً له على الدوام محاولاً ثني عثمان عن سياسته بالحسنى والتعقل ، ووضع النقاط على الحروف بأسلوب المصارحة والمواجهة لأن الإمام علياً لم ينقطع عن مجلس الخليفة، ولم يبتعد عنه إلا بعد أن قد أخذه اليأس من أي تغيير ، وعدم استجابة الخليفة لنصائحه كان قطعاً بتأثير ممن كانوا يسيطرون على الخليفة وفي مقدمتهم مروان بن الحكم، فغالباً ما كان الإمام علي يأخذ دور الوسيط بين الثوار وعثمان . والذين ثاروا على عثمان اتخذوا أنماطاً معينة ومتعددة من الناس، ويمكن تقسيمهم إلى أربع فصائل أو نوعيات :

أ . الأثرياء المبعدون أو غير المنتمين إلى أمية وأحلافها .

ب . عدد من كبار الصحابة الذين وجدوا أنفسهم بعيدين عن الحكم وليس لهم يد بما يجري في الدولة .

ج . الجماهير التي لم تجد ما يكفل تمام حقها في الرزق وتوزيع

الثروة .

د . العقائديون من المسلمين الذين تعايشوا مع رغبات الجماهير المستضعفة وما عاناه هؤلاء العقائديون من مساوئ الإدارة وتسلط الحكام في الولايات بإسناد من الخليفة .. وكان هؤلاء من زهاد المسلمين ولهم تأثير بالغ على الناس من خلال مسيرتهم الحافلة بالجهاد وأسمائهم اللامعة من خلال صحبتهم للرسول وحبه البالغ لهم .

وقادة الثوار أو ما نسميهم باليسار الإسلامي كانوا بعيدين عن الثراء، ليس عن عجز أو وضع طبقي، إنَّما بحكم عمق إيمانهم وتحمسهم للروح الإسلامية وكان من هؤلاء علي بن أبي طالب .

وهناك حقيقة يجب أن تذكر في رأينا وهي أن سياسة عثمان لم تكن بمثابة الثَّورة المضادة على الإسلام كما يصورها البعض، بل إن سياسته ربما كانت السبب في تعطيل الكثير من الأصول الإسلامية في مجال التطبيق ، ولكنها لم تهدم الإسلام ذاته أو تلغي مبدئيته .. وهذا الرأي الذي نسوقه هنا يتوافق مع خط الثوار الحقيقيين الذين أرادوا أن لا تثلم مسيرة الإسلام قيد أنملة، فهم كانوا يتحسسون من أي تغيير لا يصب في المجرى العام للإسلام، وإنما كانوا يعدون التغيير الذي يعيد المجتمع إلى ماضيه السيئ ابتعاداً عن القيم، فهؤلاء لم يكتبوا مثل ما كتب البعض إلى الثغور بالتجمع في مكة لإسقاط عثمان .

ومسيرة معارضة اليسار الإسلامي كانت تنتهج نهجاً سلمياً على مبدأ " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه

وذلك أضعف الإيمان" .

ولنقارن هذا بفعل المستفيدين مثل طلحة والزبير، فنراه مختلفاً إذا ما أضفنا تدخل المتأثرين شخصياً من سياسة عثمان مثل عمرو بن العاص الذي

زاد من تأليب الناس على عثمان ، وهنا يجب ألا ننسى تقاعس معاوية عن نصرة ابن عمه الخليفة ومثله والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

وفي الوقت نفسه نرى بأن المسلمين من الصعب عليهم أن يتنازلوا عن المبادئ الإسلامية، وحتى الداعون فيما بعد إلى خلع الخليفة وهم بمختلف الاتجاهات، فإنهم مسلمون ومخلصون ، والغالبية العظمى منهم كانوا يريدون عودة الإسلام إلى أصله .

وفي نفس الوقت كان علي بن أبي طالب في نظر أغلب المسلمين الرجل الأقرب إلى روح الإسلام وأصوله الصحيحة، ولكنهم كانوا يعرفون جيداً أنه كان متشدداً وربما تشدده يتجاوز موقف عمر بن الخطاب في سياسته الشديدة التي اتبعها في عهد حكمه الصارم .

ونظرة التشدد عند الإمام علي كانت نظرة حذر، فإذا كان بعضهم قد خاف عمر بن الخطاب وتشدده فلا بد أن يتخوفوا من علي، لذلك كان جهد البعض على الدوام إبعاد علي بن أبي طالب وما المؤامرة التي اغتيل بها عمر بن الخطاب إلا نتاج سياسته التي اتبعها في آخر سنوات حكمه والتي اقترب فيها من الطبقة الثورية الإسلامية . .

ولأن الإمام كان في زمن عثمان يحثه بضرورة تغيير سياسته وعدم السماح للصحابة الكبار بأن يسيحوا في البلاد وأن لا يملأ أيديهم بالأموال ونصحه للخليفة بضرورة تغيير ولاته واستبدالهم بأناس لهم سمعتهم ومبدئيتهم، فهؤلاء جميعاً الذين كانوا يعلمون بما يقوله الإمام للخليفة رغم أنهم يتكئون على أحد أعمدتهم لدى الخليفة وهو مروان بن الحكم ولكنهم يعلمون أن علياً لو تسلم الحكم في يوم من الأيام فسوف يكون دونه القتال لا محالة، وهذا ما حدث فعلاً.

2 . موقف الإمام علي من معارضي عثمان

2 . موقف الإمام علي من معارضي عثمان :

لأن الفئات المعارضة لحكم عثمان كانت متعددة، فقد كان للإمام علي موقف متفهم لأغراض ونيات كل فئة من هذه الفئات، فإن موقفه من الكبار والأثرياء وممن لهم أطماع في الخلافة، واضح وصريح .. فهو يعرفهم كما يعرفون هم أنفسهم بل وتربطه بالعديد صلات قرابة، وقد أنكر عليهم قبولهم الهبات والأموال من بيت المال ، ويعرف أيضاً نزعتهم وحبهم للإمرة والسلطة، فأصبحوا يسخرون أموالهم لجلب الأنصار لهم لتأييدهم، وهؤلاء الكبار مثل طلحة والزبير وغيرهم ممن استفاد من عثمان انتقد الإمام موقفهم هذا ودعاهم دائماً للتمسك بمبدئية الإسلام وعدم إحداث التفرقة والنزعات لأنها لا تخدم الدين ولا الدولة .

أما موقفه من الجماهير التي لم تجد ما يكفل لها رزقها في الحد الأدنى وكانت تمثل الأغلبية من حيث العدد ، فطالما كان الإمام ينحاز لها، ويتدخل دائماً لدى الخليفة لإنصافها وغالباً ما كان ينقل معاناتها إلى الخليفة، وكانت هذه الجماهير تثق بالإمام علي وكان هو أيضاً ذا تأثير عليها .

وكان له موقف أيضاً من كبار الصحابة الذين وجدوا أنفسهم بعيدين عن الحكم وليس لهم يد في ما يجري في الدولة حيث كان ينتقد ابتعادهم لأنهم جزء من نسيج الإسلام.

ولهم مكانة كبيرة فيه، ولدى الناس .. وعندما يبتعد هؤلاء لسبب أو لآخر، فإن ذلك يعني في رأيه فسح المجال لأناس ليست لهم سابقة ولا جهاد بأن يصعدوا إلى المواجهة ، فإن قسماً كبيراً من هؤلاء يسوغون ابتعادهم هذا بخوفهم الانزلاق في الفتنة التي يرون أنها لا بد وأن تتفجر، وهؤلاء أمثال سعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وغيرهم الكثير، وربما كان هؤلاء يعرفون

مواقعهم جيداً في هذه الصراعات، ولكن موقفهم ذاك لا ينبع من المبدئية وإنما هو أقرب إلى الانهزامية .

فكان الإمام علي قد أشار أكثر من مرة إلى أن الكل يجب أن يتدخل لإيقاف حالة التدهور والوهن التي أصابت الدولة .

أما موقفه من الثوار العقائديين فكان واضحاً وكانوا هم أقرب الناس إليه كانوا يسيرون على نفس خطه وربما يقول البعض ما دام الإمام قريباً من هؤلاء الثوار فلا بد أن يكون هو نفسه محركاً رئيساً للثورة على عثمان . . وهذا ما لا يثبت لحد الآن بأن يكون الإمام علي هو الذي قاد الثوار وحضهم للثورة ضد الخليفة، فإن الإمام أكبر من أن يكون قد خاض غمار الثورة وألب على الخليفة الذي كان مبايعاً له ويضعه موضع الاحترام الكامل وموقفه هذا احترام بالأساس لقيم الإسلام. وباعتقادنا أن الإمام لو كان مشتركاً في الثَّورة أو قائداً لها فهذا ليس عیباً وإنَّما العيب (وحاشا الإمام ) أن لا يشترك فيها لتصحيح مسار الإسلام.

فالثَّورة في فكر الإمام علي هي تغيير للواقع بوجود سلبيات أثرت عليه ولأن الدولة كانت تسير وفق منهج خاطئ، ورأس الدولة بالرغم من مواجهته بها فإنه أصر على خطواته التي جوبهت برفض الناس، واقتصر دور الإمام على التوسط بين الثوار والخليفة ، وعندما وجد أن لا فائدة من مساعيه، فقد اتخذ موقفاً لا يعادي به شخص الخليفة وإنّما أسلوب سياسته، ونراه عندما وجد بأن الخليفة في موضع الخطر دافع عنه وأمر ولديه بذلك .

كما لا ينكر أحد موقف الإمام بوقوفه مع أبي ذر وعمار وعبد الله بن مسعود لأنه كان يرى إجراء الخليفة ضد هؤلاء الكبار ليس صحيحاً، لأنهم كانوا دائماً يمتثلون إلى أوامر الخليفة ولكنهم كانوا يواجهون الخليفة بأخطائه

وأخطاء ولاته ، آخذين بالحسبان مكانتهم وسبقهم وعلاقة النبي صلی الله علیه واله وسلم بهم وجهادهم ونضالهم المشرف .. وحتى هؤلاء لم ينادوا بخلع الخليفة أو قتله وكل ما كانوا يريدونه هو الإصلاح في أمة محمد.

وموقف علي بن أبي طالب لم يتوقف على ما بدر منه في زمن عثمان، فكان يمثل المعارضة الهادئة والهادفة ، حتى في زمن أبي بكر، وكذلك في زمن عمر بن الخطاب الذي تأثر به في النهاية، ولم يخش عمر من عودته إلى الصواب عندما اتخذ إجراءاته التي ألغى فيها خطواته الأولى، واعتبر المؤرخون أن تبدل عمر كان أساساً لاقترابه من الإمام علي وخطه الثوري .

ودليل آخر على ما ذكرناه هو ما كتبه المؤرخون عن طلحة والزبير مثلاً، فهم يذكرون أن اتفاقاً حصل بين الزبير بن العوام مع أهل الكوفة، وكذلك الاتفاق الذي كان بين طلحة بن عبيد الله مع أهل البصرة، فهل ذكر أحد منهم اتفاقاً تم بين علي بن أبي طالب مع أحد.

فالخلاصة أن الإمام علياً كزعيم كبير وله كلمة مسموعة لدى المسلمين، كان يجاهر بلسانه وكان لا يقبل بالعنف أسلوباً للثورة على الخليفة عثمان، وكان لم يفقد الأمل في أن يعود الخليفة إلى أصل المسيرة، كما أن الإمام كان يحذر من الفتنة، وله رأي في ذلك لأن الإسلام ما زال في طوره الأول، كما أن حروب الردة لم تكن بعيدة عن الأذهان ، ولا بدَّ ولحداثة المسيرة أن تتأصل في الناس أخلاقية الإسلام بشكل تام.

على ما جاء في الكشف عن مواقف الإمام علي بن أبي طالب هذه ، وبعد قتل الخليفة وقطعاً لم يكن حادث القتل موافقاً لرأي الإمام علي فقد غضب واستهجن هذه الحالة الجديدة في مجتمع الإسلام بأن يقتل الخليفة وفي داره ومن قبل المسلمين أنفسهم .

فكان ذلك لا يتوافق مع نهجه العام ، فنراه قد أظهر غضبه بولده الحسن عندما أسرع إلى بيت الخليفة، فأنّب ولده الحسن الذي كان من المدافعين عن دار الخليفة ولكن (دراما) الحادث قد أخذت أبعاداً أخرى كانت تفوق المدافعين عن الخليفة .

فبعد مقتل الخليفة عثمان شعر منصب الخلافة عدة أيام، وتم أخذ البيعة للإمام علي بن أبي طالب على ما ذكرناه سابقاً، فقد تسلم الإمام الحكم في جوّ ملبد بالغيوم، فعدد من الصحابة بايع وفي نفسه شيء وعدد آخر مثل سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وغيرهم لم يبايعوا أو اختاروا العزلة

لأسباب عدة ..

ومروان بن الحكم والأمويون جميعاً لم يقبلوا بعلي بن أبي طالب، لأنهم يعرفون موقفه جيداً منهم ولوجود عداء مستفحل بينهم وبينه يمتد إلى بداية الدعوة ، وكان الإمام علي قد قضى على أكابرهم وحتى في زمن الخليفة عثمان فهو الذي نفذ الحدَّ على الوليد بن عقبة ، ومواجهته الدائمة لمروان بن الحكم حتى بوجود عثمان وانتقاده الدائم له.. وكان موقف معاوية الذي تقاعس عن نصرة عثمان لم يبايع الإمام علياً وتجرأ على الاعتراض عليه بل وأخذ يطالب الإمام بدم عثمان .

وبدأ الإمام علي بخطواته المالية والإدارية وفي مضمار الحقوق والتي جرت بشكل سريع فإنها قد شكلت وفق ما ذكرناه سابقاً تقاطعاً بين القوى المتضررة من إجراءات علي من ناحية والخوف من الإمام لما يعرفونه عن تشدده وتمسكه بالأصول في حين اعتاد بعضهم على حياة وأساليب جديدة في المجتمع . فبرز تیاران ، تیار معارض أعلن معارضته بسرعة للإمام علي حتى قبل أن ينتظر ليرى صحة خطوات علي من عدم صحتها .

وتيار آخر رأى أن يقف مع إجراءات الإمام ويسانده ، وهم القوى الشعبية التي هي نفسها التي طلبت الرجوع إلى مبادئ الإسلام الأصيلة.

ونرى بأن تيار المعارضة بدأ يعمل بشكل ملفت للنظر، وكان موقف معاوية بن أبي سفيان يشكل الخطر الأول، لأن معاوية أعلن رفضه للشرعية، واتخذ من قميص عثمان دريئة وذريعة، ليقف في صف المعارضة، وبدأ يطلب بما لا يستسيغه منطق العقل في دعواه، فهو يطلب من الإمام قتلة عثمان وبعد ذلك يجعل الأمر شورى بين المسلمين !!

فما موقع معاوية الشرعي لأن يطلب ذلك لأن يطلب ذلك بوجود الشرعية .. فكان رد الإمام عليه بأن يدخل فيما دخل فيه الناس أولاً، ويقبل بإجراءات الإمام التي كان منها إعفاء معاوية من ولاية الشام، ويتم الأمر بعد ذلك بالتحقق من حادث القتل، ويأخذ كل ذي حق حقه، وليكن بعد ذلك القصاص العادل .. مع العلم أن تقاعس معاوية عن نجدة ابن عمه من الأسباب التي أدت إلى حادث القتل ، بالرغم من أن الخليفة قد استنجد به مراراً . .

ولكن معاوية رجل داهية ، قرأ الوضع بشكل كامل، وبقاؤه في أكبر ولاية وأكبر إقليم في الدولة هذه المدة الطويلة، فقد أعد للمستقبل عدته واشترى الدمم بأموال المسلمين، وسيطر على كل ما يخص الدولة في إقليمه، وتصرف كأنه الرأس في الدولة وأخضع كل شيء في الأقاليم إلى نفوذه .

وعندما وجد الإمام علي موقف معاوية وتمنعه في الشَّام، وموقفه المعلن ضد الشرعية والبيعة ، تهيأ الإمام علي باعتباره خليفة للمسلمين، ومن واجبه الشرعي توحيد الدولة ولا بد أن تلتحم ولاية الشام بالدولة، لأن بقاء الوضع على حاله يشكل تمزقاً في الدولة الإسلامية ويمكن أن يتطور الموقف إلى الشتات الإسلامي.. فقد أعد الإمام العدة بعد أن نفدت جميع الوسائل

السلمية، فقرر الإمام استعمال القوة العسكرية لإخضاع الشام.

ومن المؤسف جداً أن يكون الموقف بهذا الشكل من الخطورة مع الشام، في حين نرى أن طلحة والزبير قد نكثا بيعتيهما للخليفة، واتخذا مكة مقراً لهما، وانضم إليهم مروان بن الحكم وعبد الله بن عامر بن كريز والي عثمان على البصرة بما حمله من أموال بيت مال البصرة عندما عزله الإمام علي وعين بدلاً بدلاً عنه عثمان بن حنيف.. والمؤسف أيضاً أن تنضم إليهم السيدة عائشة زوج الرَّسول والتي كانت من المنتقدين لعثمان . . والمعروف أن للسيدة عائشة موقفاً من الإمام علي أشبه بالخلاف ، وهذا الخلاف ليس له أي مضمون عدا أنها لم تكن تحب علياً لأسباب منها :

1 . أن فاطمة الزهراء البتول كريمة الرَّسول وزوج الإمام علي وكان النبي صلی الله علیه واله وسلم يحبها، فكانت ترى السيدة عائشة أن فاطمة تقاسمها قلب الرَّسول وأنجبت للإمام علي سبطيه الحسن والحسين فكانا أحب الناس إليه .

2 . موقف الإمام علي بن أبي طالب في حادثة الإفك .

3 . كان للسيدة عائشة موقف من زواج الإمام علي من السيدة أسماء بنت عمیس (1)أم أخيها محمد بن أبي بكر، فقد تربى محمد في كنف الإمام علي وظل إلى آخر حياته مع الإمام ، كما أن الإمام كان يعتبره أحد أولاده.


1) أسماء بنت عميس كانت زوجة جعفر بن أبي طالب (الطيار ) الذي استشهد في (مؤتة) في السنة السابعة للهجرة وهي أم عبد الله بن جعفر زوج العقيلة زينب بنت الإمام علي، وبعد استشهاده تزوجها أبو بكر الصديق وأولدت له محمد بن أبي بكر في بداية السنة التاسعة للهجرة، وعندما توفي أبو بكر تزوجها الإمام علي وقد تربى ولدها محمد بن أبي بكر في كنف الإمام وللإمام علي أولاد منها.

4 . إن السيدة عائشة كانت تميل إلى الزبير بن العوام، وكانت تتمنى له الخلافة، فهو زوج أختها أسماء بنت أبي بكر (ذات النطاقين) وهي أم ولده عبد الله بن الزبير .

5 . كان لموقف الإمام علي من مبايعة أبي بكر ومخاصمة الزهراء البتول لأبي بكر حول موضوع الإرث و(فدك) حتى وفاتها وغضبها على أبي بكر، فقد أثر ذلك في مواقف السيدة عائشة .

وهذا التعليل الذي أجمع عليه الكثير من المؤرخين وكتاب السير عن موقف السيدة عائشة وهو الذي دعاها لأن تنضم إلى هذا الحزب من المعارضين والذين سموا ب- (النَّاكثين) ومن الغريب أن الجبهة هذه ضمت السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب زوج الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم، ولكن تدخل أخيها عبد الله بن عمر أدى إلى منعها وابتعادها، والمعروف بأن النساء لا يتدخلن في مثل تلك الأمور فكيف تقف إحدى زوجات الرسول صلی الله علیه واله وسلم .. مثل ذلك الموقف فهل كان هذا قرارها أم كان بتأثير من أبقوا نساءهم في خدورهن وأخرجوا السيدة عائشة أم المؤمنين من خدرها ! ! . .

والملفت للنظر أن هؤلاء وعلى رأسهم طلحة والزبير والسيدة عائشة قاموا في مكة برفع شعار المطالبة بدم عثمان من الإمام علي ، بينما كانوا هم الأساس في التأليب على عثمان وقتله . .

وقد تجمع هؤلاء وتوجهوا إلى البصرة معلنين الحرب على الخليفة بينما

كان الإمام في عاصمة الخلافة (المدينة) يتهيأ للخروج إلى معاوية وإخضاعه وعندما رأى موقف المتوجهين إلى البصرة ، قرر أن يتوجه بجيشه إلى البصرة لإطفاء هذه الفتنة أولاً والتي تعد أول سابقة في الإسلام . . وكان ما كان من الحرب التي دارت بعد أن استنفد الإمام جميع الوسائل لإعادتهم إلى

الصواب.. وأدت المعركة التي سميت (بحرب الجمل) إلى قتل الكثير من الطرفين منهم طلحة بن عبيد الله الذي أصيب بسهم مسموم رماه به حلیفه مروان بن الحكم الذي كان يقاتل معه ، وعندها قال مروان "أصبت ثأري!! " وقد التحق بعدها بالشام.

وكذلك قتل ولده محمد بن طلحة الذي شاهده الإمام بين القتلى وكان من الذين لم يوافقوا على الحرب، فقال الإمام علي : "رحم الله محمداً، لقد قتله بره بأبيه " . . وكذلك قتل الزبير بن العوام الذي اعتزل القتال في بدايته عندما طلب الإمام لقاءه، وقد ذكره بحديث الرسول صلی الله علیه واله وسلم يخصهما (1)

وقبل بدء حرب الجمل طلب الإمام لقاء الزبير بين العسكريين وذكره بذلك فقال الزبير ذكرتني بما كنت قد نسيت ».

فقد دعا بفرسه ، فأسرع إليه والده عبد الله بن الزبير الذي كان يؤلب والده ويحضه على قتال علي بتأثير من خالته السيدة عائشة وعلى العكس من محمد بن طلحة، وقال لوالده الزبير عندما اعتزل القتال : " أجبن بعد مثلبة!! " فلم يعره الزبير اهتماماً وظل عبد الله يقاتل ضد الإمام علي، بينما فاجأ عمرو بن جرموز (2).

1) كان النبي صلی الله علیه واله وسلم يسير في المدينة وبصحبته الزبير بن العوام و الزبير ابن عمة الرسول صلی الله علیه واله وسلم، فوجدا علي بن أبي طالب جالساً على الأرض ومتكناً على حائط من لبن (طين) وقد أخذه النوم وكان شيئاً قد سقط على علي، فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم وهو مبتسم : قم يا أبا تراب فنهض علي وأسرع بالسلام على النبي صلی الله علیه واله وسلم والزبير .. وهنا التفت النبي إلى الزبير وقال له : أتحبه يا زبیر؟» قال بلى يا رسول الله قال النبي صلی الله علیه واله وسلم «ستقاتله وأنت له ظالم !!...

2) الزبير بن العوام هو ابن عمة الإمام علي (صفية بنت عبد المطلب ) وقال الإمام علي عندما جاء قاتل الزبير بسيفه للإمام فقد قبله وقال : سيف طالما جلَّ الكرب عن رسول الله، وطلب عمرو ابن جرموز جائزته من الإمام بقتل الزبير فأجابه الإمام علمت بأن قاتل ابن صفية في النار فغضب ابن جرموز وخرج عن الإمام علي وكان فيما بعد من رؤوس الخوارج وقد قتل في معركة النهروان فيما بعد.

الزبير بعد أن تبعه، وقتله غيلة .. وقد تألم الإمام علي كثيراً لمقتله .

وبعدها توجه الإمام علي نحو الشام فاشتبك مع جيش معاوية في( حرب صفين ) ودارت الدائرة على معاوية وجيشه ، وقد أشار عندئذ عمرو بن العاص على معاوية حيث كان يسانده في القتال برفع المصاحف . . ، وأحس الإمام علي بهذه الحيلة ، وتطورت الأحداث إلى التحكيم الذي لم يكن يقبل به الإمام وما نتج عنه .. وقد كشفت لعبة التحكيم بأن هناك من كان في جيش الإمام ومن أصحابه ولكن هواه مع معاوية أمثال الأشعث بن الأشعث بن قيس والمغيرة بن شعبة وغيرهما ممن كانت لهما اتصالات خفية مع معاوية إلى أن تطور الأمر بعد التحكيم لأن يخرج قسم من جيش الإمام علي ويعترضون على ما آلت إليه نتيجة التحكيم اللعبة، ولاموا الإمام بقبوله للتحكيم وكانوا هم من الذين ألحوا على الإمام بقبوله وكان الإمام يرفضه أساساً وقد قبله على مضض.. فسمى هؤلاء بالخوارج وكانت لهم مواقف مؤسفة إلى أن خرج إليهم الإمام علي وأبادهم في معركة النهروان .

فكان صراع الإمام علي شديداً مع " الناكثين والقاسطين والمارقين" الذين أسماهم النبي صلی الله علیه واله وسلم بهذه التسميات في حديث له مع الإمام علي، ويقال بأنه أحاط الإمام علماً بأنه سوف يتمرد عليه البعض وعهد إليه بقتالهم .. حسب بعض الروايات .

وبعد كل تلك الأحداث المريرة التي عاصرت خلافة الإمام، وما وصل إليه الناس من التفرق وعدم الانصياع ، حتى وصل بهم الأمر بعد كل ذلك أن يطلب منهم الإمام التوجه إلى الشام لإنهاء تمرده وإخضاعه، نرى بأن النفوس قد تغيرت حتى قال لهم الإمام في الكوفة وقد اعتصره الألم وهو يرى الحق معه ولكن أصحابه قد خذلوه وتباطأوا في الاستعداد للجولة التالية مع جند

الشام فقال لهم :" سيوفكم معي وقلوبكم شتى "... وتأسف في بعض أيامه لأن يرسل له معاوية رسولاً يقول له :" عندي مائة ألف رجل في الشام من الذين لا يفرقون بين الناقة والجمل " .. في حادثة مشهورة، حدثت في الشام لرجل عراقي كانت له ناقة وجاء شامي وقال هذا جملي!! ورفع أمرهما إلى معاوية الذي قضى للشامي بأن يأخذ جمله فقال العراقي لمعاوية بعد أن ذهب الشامي ولكنك تعرف أنها ناقة وليست جملاً، فضحك معاوية وقال بلى أعرف ولك عشر نوق بدلها ولكن اذهب إلى علي بن أبي طالب وانقل له رسالتي .... إذاً جند الشام عندهم الطاعة العمياء لمعاوية وهم يجهلون أي شيء غير الولاية لمن يقودهم وهم على عكس جيش الإمام وتباطؤ أفراده.

والحديث يطول في تفاصيل الأحداث، ولكننا نريد أن نتتبع الجو الذي حكم فيه الإمام علي وما واجه من صعوبات في زمن ضعفت فيه المبادئ وبدأ الكسل والهوان على الناس، وظل الإمام يواجه خصومه، وهو في لوعة وأسى، مع أن الكل بما فيهم معاوية وحتى الناكثون يعرفون فضله وحزمه و مبدئيته وشجاعته وعدله وعلمه ولكن المصالح، وآه من المصالح وحب السلطة والنفوذ . ؟ !

ولا بدَّ لنا من القول بأن أعداء الإمام علي كانوا يقرأونه جيداً، كونه صفحة واضحة لا مداهنة فيها ويعرفونه عزَّ المعرفة ويعرفون آراءه، وما يتخذه من خطوات .. فهو واضح أمامهم ولكنهم كانوا متسترين، متقلبين مراوغين، ولا يهمهم مبدأ أو بيعة أو التزام ، ولكن ما يهمهم هو المصلحة لا غير .. ولهم القدرة لأن يستعملوا جميع الوسائل شريفة كانت أم غير شريفة، ويعلمون أن خط الإمام واحد لا يحيد عنه أبداً .

وكان الإمام يعلم بأنهم يعرفون طريقته في العمل ولكنه لم يعرهم

اهتماماً وظل على اعتقاده التام بأنه لا يصح إلا الصحيح. والإسلام ليس فيه مواربة وإنَّما هو طريق واحد، مبادئ وأخلاق وقيم وشجاعة، والحق لا يعلو عليه شيء مهما كانت النتائج .. ولكن " لا رأي لمن لا يطاع " وهذه مقولة الإمام في زمن غابت فيه المثل العليا وحلت فيه المصالح والأنانية والتكتل والحقد والحسد وإيقاظ النعرات القبلية والتحزب .

في ضوء ما تقدم والجو الذي حكم فيه الإمام علي بن أبي طالب والأحداث والحروب وتغيّر الناس .. فقد عاش الإمام الحسين هذه المرحلة التي كانت حصيلة أخطاء سبقت خلافة الإمام علي ، رغم إجراءات الإمام المبدئية التي أعادت الإسلام إلى أصوله ، كانت هذه الحقبة في ظل حكم والده، وقد جعلته أكثر التصاقاً بالمبادئ وقد تعلم في مدرسة والده أن الحق يعلو ولا يعلى عليه ، والساكت عن الحق شيطان أخرس .. ولا بد من السير بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

فتعمقت في دواخل الإمام الحسين بن علي الشجاعة والمبدئية والفضيلة والإلمام بالأمور ومتعلقاتها السياسية، وسوف نرى في نهضته تأثير هذه الفترة بشكل كامل عليه وما اتخذه من مواقف بالغة العظمة خلدها التاريخ إلى يومنا

هذا .

مقتل الإمام علي بن أبي طالب

مقتل الإمام علي بن أبي طالب :

إذا استشهد الإمام علي بالطريقة الغادرة التي قام بها عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وكان مقتل الإمام علي قد جاء في إثر مؤامرة مدبرة، هيئت للقاتل بإيوائه في بيوت أشخاص معروفين كانوا مع الإمام علي في الكوفة، ولكن كانت لهم صلات بمعاوية وبالحزب الأموي الذي ضربت مصالحه

وكذلك من قبل الذين لا تروق لهم سياسة الإمام في إدارة الدولة .

ولا بدَّ من الإشارة إلى أمر تطرق له الكثير من المؤرخين، هو قصة المرأة المدعوة (قطام) التي شغفت ابن ملجم حباً وأراد الزواج منها، وقد قبلت هي بمهر غال طلبته من ابن ملجم هو عبد وقينة وقتل علي بن أبي طالب ..

وقد استجاب قاتل علي لطلبها أملاً بالفوز بها !! .

إن من يروج هذا الرأي باعتقادنا ، يجعل من الحادث الجلل تفاهة، على ان سبب القتل امرأة، . . يقتل الخليفة بسبب امرأة تعلق بها ابن ملجم وقد شغفته حباً وأراد أن ينفذ رغباتها لأن الإمام علياً قاتل أبيها و بعض أقربائها من الخوارج في النهروان .. ونعجب لهؤلاء بتصورهم هذا فإن ذلك تصغير لعظمة الإمام، بل أن الحقيقة هي أن اغتيال الإمام كان مؤامرة سياسية حيكت بحنكة متناهية لا يبتعد عنها المناوئون لعلي بن أبي طالب بدليل أنه في نفس اليوم كانت هناك صور متشابهة للحدث في الشام وفي مصر، حيث نجا معاوية من القتل بعد إن أصيب في أليته وشفي من إصابته ، وقتل في الحال الشخص الذي أراد قتله، بينما لم يخرج عمرو بن العاص إلى الصلاة في ذلك الفجر معللاً ذلك بوعكة أصابته وخرج بدلاً عنه (خارجة) ليصلي بالناس وتم قتله، وهنا قال عمرو " أرادني القاتل وأراد الله خارجة " !! فهناك من يربط المؤامرة بخيوط قد يكون الداهية عمرو بن العاص أحد مفاصلها . .

إذاً توالت الأحداث بسرعة كبيرة في خلافة الإمام علي . . وعلى ما أوردناه سابقاً كان القرار بالتخلص من الإمام علي قد اتخذ في أوائل أيام بيعته، والقرار كان طبيعياً من خلال الصورة التي أطرتها الأحداث وخاصة في فترة عثمان ، والصورة التي رافقت حكم الإمام علي نعيدها باختصار لنواصل الحديث في أصل موضوعنا وهي :

1. سياسات الإمام علي في الإدارة والمال وتطبيق الشريعة والحقوق.

2 . ضرب مصالح المنتفعين من الأرستقراطيين الجدد الذين لم يقفوا مكتوفي الأيدي.

3 . تحزب معاوية ورفع شعار المطالبة بدم عثمان ظاهراً وباطناً كانت النيات أعمق، والتوق إلى السلطة والقفز على الأحداث لاستغلالها بشكل محكم.

4 . الفتور الذي أصاب المقاتلين وبدأ الخذلان يدب في نفوس الناس وتأثير بعض المنافقين الذين لهم مواقفهم وقبائلهم والذين كانت لهم علاقات سرية مع معاوية، ويتظاهرون بوقوفهم في صف الإمام علي وكان أخطرهم الأشعث بن قيس والمغيرة بن شعبة، وكان لأمثال هؤلاء دور في تثبيط العزائم في جند الإمام علي.

5 . الخوارج ومواقفهم المتشددة بعد التحكيم والمهزلة التي شاركوا هم فيها، وبعدها رفعوا شعار "الحكم لله " .

6 . مواقف بعض الصحابة الذين سرعان ما نكثوا البيعة وانجرار السيدة عائشة معهم مما أحدث حرب الجمل.

7 . امتناع بعض من كبار الصحابة عن بيعة الإمام مثل سعد وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وغيرهم أعطى إشارة للكثير من الناس أن هناك خللاً ما، وأحدث ذلك جرأةً على مستوى الشرعية .

8 . وجود معاوية لمدة تزيد على عشرين عاماً في الشام والياً، وهو من الطلقاء، فقد عينه عمر بن الخطاب بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان الذي عينه أبو بكر الصديق .. وهذه الفترة امتدت أيام عثمان ، وتحصن معاوية في الشام

ورفض مبايعة الإمام وعدم قبوله مغادرة الشام ومنعه لسهل بن حنيف الذي عينه الإمام بالدخول إلى الشام .. كل ذلك أتاح لمعاوية فرصة الطمع بالسلطة واستيلائه واستخدامه لبيت المال وتوظيفه كلياً لأغراضه الشخصية، ليبني عليها مستقبلاً تم التخطيط له بحنكة وسياسة استمدت واعتمدت كل وسيلة وجدت أنها تخدم ما خطط له ولو كان ذلك بعيداً عن نهج الإسلام وأخلاقيته، فقد أوجد معاوية تكتلاً وتحزباً نامياً واستغلالاً لأموال المسلمين لخدمة ذلك .

وعند مقتل الإمام علي كان الكثير من الصحابة وممن اتسموا بالثورية

والمبدئية قد فارقوا الحياة وبأسباب شتى ، وبقي القليل ممن ينتهج ذات النهج

الذي آمن به الإمام علي، والباقون قد أخذ منهم الكبر في السن مأخذاً وهم يواجهون قوّى جديدة استفحلت في المجتمع الإسلامي، وتوجهت نحو السلطة والنفوذ والمصالح.. ولذلك نرى بأن جميع الذين مالوا إلى معاوية كانت المصالح توجههم، فهذا يطمع في إمرة وذاك في مال وآخر يبحث عن نسب ونفوذ وقس على ذلك، وأكبر مثال هو عمرو بن العاص وطمعه في مصر، ووقوفه بجانب معاوية في حربه ضد الإمام علي، ومناداته معاوية بدم عثمان، وهو من المؤلبين على عثمان وفي خصومة معه لأنه عزله عن مصر التي فتحها وأسس فيها الفسطاط، وموقف معاوية بطلب دم عثمان من علي وینسى في نفس الوقت موقف عمرو بن العاص . .

إذاً حتى السياسة تقتضي حتى وإن كانت على حساب التقرب من المحظورات .. ومثل آخر هو زياد ابن أبيه كونه ابن أبي سفيان، وزياد هذا هو ابن سمية وهي من صاحبات الرايات الحمر، ولا يعرف أبوه .. حيث ادعاه العاص بن وائل وغيره . . والأمثلة كثيرة . .

خلافة الحسن بن علي

خلافة الحسن بن علي

وبعد الإمام علي فقد أصبحت الخلافة شاغرة ، ومعاوية متأهب للتحرك، وكانت مجمل الأمور والأحداث في صالحه، وبالرغم من كل ذلك فقد كان للمسلمين رأي آخر . .

فقد اجتمع الناس في مسجد الكوفة، فقام الحسن بن علي بن أبي طالب

خطيباً وقال :

" قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولم يدركه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله صلی الله علیه واله وسلم فيسبقه بنفسه، ولقد كان يوجهه برايته فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفي الليلة وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله " .. ثم خنقته العبرة فبكى ، وبكى الناس معه . . وقال :

" أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد(1)، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول: وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ نَزِدْ لَكُم فِيهَا حُسْنًا (2))


1) عن السيدة عائشة زوجة النبي صلی الله علیه واله وسلم، أنه كان الرسول صلی الله علیه واله وسلم يأخذ الحسن فيضمه ويقول: «إن هذا ابني وأنا أحبه وأحب من يحبه».

2) سورة الشورى الآية 23.

فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت(1)فقام عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب (2، شقيق عبد الله بن عباس، مقترباً من المنبر في مسجد الكوفة وقال بصوت مرتفع: "معاشر الناس هذا ابن نبيكم ووصي أمامكم فبايعوه يهدي به الله من اتبع الرضوان سبل السلام، ويخرجكم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديكم إلى صراط مستقيم ".(3))فإن أول من بايع الحسن هو قيس بن سعد الأنصاري وقال له : " مدّ يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وقتال المحلين " فقال الحسن: "على كتاب الله وسنة رسوله فإنهما يأتيان على كل شرط " فبايعه الناس وكان الحسن يشترط عليهم.. "إنكم مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت .(4)فبعد أن بايعت الكوفة بايعت البصرة وسائر العراق وتمت كذلك المبايعة في مكة والمدينة واليمن وفارس ، ولم يتخلف عن البيعة سوى معاوية في الشاموأتباعه .وهنا لنا وقفة مع هذا الحدث، فأغلب كتب التاريخ تشير إلى استخلاف الحسن بن علي بن أبي طالب بعد مقتل الإمام علي، ولكن للأسف نجد البعض القليل قد جانب الحقيقة، حيث اعتبر أن الحسن لم يكن خليفة وإنما قد أخذ الأمر بعد أبيه كونه ابن الإمام علي وجده الرسول صلی الله علیه واله وسلم وأمه فاطمة


1) عن شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد -بتصرف.

2) هو قائد جيش الإمام الحسن الذي وجهه باثني عشر ألف مقاتل لقتال معاوية على أن ينتظر الحسن في ساباط بالنهروان ويلتحق به، وقد أغراه معاوية بالمال فأخذ نصف جيشه والتحق بمعاوية!!.

3) صلح الإمام الحسن الأسعد بن علي ص 29.

4) الكامل في التاريخ - لابن الأثير - ج 3 ص 742 .

الزهراء . . وهنا نقول :1 . هل كان الإمام الحسن أهلاً للخلافة بما يعنيه هذا المنصب من كل الوجوه .أن الظروف السياسية قد أحكمت هذه الفرصة، وكذلك الأحداث .وقبل التوغل في هذين الأمرين نؤكد بأن الحسن لو لم يكن قد استلم الحكم وبايعه الناس ، فلماذا واصل معاوية معارضته وعدم مبايعته وجاهد في سبيل (الصلح (1)أو الاتفاق معه بعد أن تصاعدت مواضع الخلاف بينهما، وبمجرد ما حصل الاتفاق أو الصلح أو العهد (سمه ما شئت ) فقد استخلف معاوية واعتبر خليفة للمسلمين .)والآن بداية لا بدَّ من التطرق بإيجاز إلى مسيرة الإمام الحسن ومراحل حياته لنصل بالنهاية إلى صلب ما نودُّ الحديث عنه :ولد الحسن في السنة الثالثة للهجرة، وقد أسماه جده الرسول صلی الله علیه واله وسلم حسناً، وكان يحبه حباً جماً وقد شمله برعايته وحنانه وقد عاش الحسن بن علي طفولته في أعظم البيوت، في( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ(2). وترعرع بين أعظم وأظهر خلق الله ، فجده النبي العظيم وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، ووالده إمام المتقين علي بن أبي طالب ، وهو أحد الخمسة مع أخيه الحسين الذين أذهب الله عنهم الرجس ، وهم أهل بيت النبوة : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ


1) لنا رأي في (الصلح) سوف نورده لاحقاً ضمن سياق الحديث عن تطورات الوضع بين معاوية والحسن.

2) سورة النور - الآية 36

لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (1).)فنما بطفولته في أجواء الدين وعبق الرّسالة وعاش مع جده النبي صلی الله علیه واله وسلم سبع سنوات من حياته عليه الصلاة والسلام ، وهو يبني ويوطد أركان دولة الإسلام في الجزيرة العربية ، حيث سقطت حصون الشرك والكفر واستقامت الدولة وتأسست على نهج الرسالة السمحاء بقواعد راسخة استمدت من تعاليم السماء .وفي ظلال النبوة وهو طفل كانت كلمة " لا إله إلا الله محمد رسول الله "هي التي تناهت إلى أسماعه وكان النبي صلی الله علیه واله وسلم يفيض عليه بالعطف والحنان وكثيراً ما كان يحمله ويقول صلی الله علیه واله وسلم : " اللهم إني أحبه فأحبه " .ومما قال النبي صلی الله علیه واله وسلم فيه وفي أخيه من كلمات خلدت بعظمتها ورسخت حب الحسن وأخيه في وجدان الأمة وعززت مكانتهما ومنها :"الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ""الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا" ."الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا ".من أحبني فليحببهما، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه اللهوأدخله النار " .وقد أورث النبي صلی الله علیه واله وسلم الحسن والحسين عندما قال لبضعته الزهراء عندما طلبت منه توريثهما فقال صلی الله علیه واله وسلم :" أما حسنفله هيبتي وسؤددي، وأما حسين جرأتي وجودي "(2.)


1) سورة الأحزاب - الآية 33

2) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد - ج 16 ص 211

وقد حزن الحسن لوفاة جده وهو لم يبلغ الثامنة بعد من عمره بأشهر قليلة، بعد أن ارتشف من ريقه العذب وعبق عطر النبوة، كما عاش الحسن حزن أمه الذي لم يفارقها بعد وفاة أبيها الرسول صلی الله علیه واله وسلم .. إلى أن كانت أول الملتحقين به بعد ستة أشهر من وفاته .وقد شارك الحسن أباه وثلة قليلة من خلَّص أصحاب أبيه دفن الزّهراء في عتمة الليل عملاً بوصية البتول. فنرى بأن الحسن وهو طفل لازمه الحزن العميق لفقد جده وكذلك أمه وقد عاش حزن والده الإمام علي عليهما، فقد شاءت الحكمة الإلهية أن يعيش هو وأخوه الحسين هذه المآسي. وفي هذه الفترة وأثناء مبايعة أبي بكر بالخلافة وكما هو معروف، فإن الإمام علياً قد أبعد نفسه عن خضم الأمور ولم يتدخل في شؤون الدولة وحتى لم يبايع الخليفة إلا بعد ستة أشهر وكانت له أسبابه وقد ذكرناها سابقاً .. ولكن عندما حدثت الردة نراه قد اتخذ موقفاً مغايراً حفاظاً على رسالة الإسلام، وفي هذه الفترة ظل الحسن يعيش طفولته بقرب والده حتى أنه يوماً رأى الخليفة أبا بكر يخطب من فوق المنبر، فاندفع نحوه وهو يقول : "انزل عن منبر أبي" فيقول الخليفة: " بأبي أنت يا ابن رسول الله ، لعمري إنه منبر أبيك لا منبر أبي"ومما يذكره المؤرخون عن محبة وتبجيل أبي بكر للحسن وأخيه هي هذه الحادثة حول المنبر . وقد رأى أبو بكر يوماً أن النبي صلی الله علیه واله وسلم يحمل الحسن على رقبته فقال :" نعم المركب ركبت يا غلام "فقال النبي صلی الله علیه واله وسلم "ونعم الراكب هو " وكل ذلك يعطي دليلاً بفرض محبته على الجميع لأنهم رأوا محبة الرسول صلی الله علیه واله وسلم له ولأخيه الحسين .وعندما توفي الخليفة أبو بكر كان الحسن قد قارب العشر سنين من عمره، ولكنه في خلافة عمر بن الخطاب قد تجاوز سن الطفولة منتقلاً إلى

عنفوان الشباب، وقد عاصر الأحداث في زمن الخليفة الثاني مع والده، يتعلممن أبيه، فقد كان والده مدرسة بحد ذاتها ، وأخذ يعيش الأمور بدقائقها . .والغريب في الأمر أن البعض يتحدث أنه في زمن عمر بن الخطاب لم يخض الإمام علي في الحياة السياسية إلا بمقدار الضرورة، وهذا نعده خطأ فادحاً، حيث إن هذا البعض ربط بإجراءات عمر بمنع الصحابة من مغادرة المدينة، أو ما يسمى ب- (حصار عمر على الصحابة ، وكأنما كان الإمام علي راغباً بالخروج من المدينة كغيره من الصحابة ، وإن تحديد الخليفة عمر لإقامتهم، قد شمل الإمام بذلك وقد حدده في موقعه، وهذا لا يصح لأن الكل يعرف الإمام ومواقفه وهو يختلف عن غيره من كبار الصحابة .)و مهما كانت الظروف في ذلك الوقت فقد كان للإمام علي موقع خاص لا يمكن تجاوزه ولا حتى من قبل عمر بن الخطاب، بل كان موقف الإمام علي بقرب عمر مدعاة ليقف أمام الحالات الطارئة التي تشكل خطراً غير عادي على الرسالة وأمة الإسلام، وهذا ما اعترف به الخليفة عمر عندما قال :" لولا علي لهلك عمر ". وبالرغم من معارضة الإمام علي الهادئة والسلمية في زمني أبي بكر وعمر حيث إنه كان يريد بهذه المعارضة ألا يبتعد الإسلام عن خطه العام رغم اعتقاده بأنه يمتلك الأفضلية في أن يقود الأمة، ولكن لم يمنعه من أن يكون قريباً عن مركز القرار، لا بل إن أصحاب القرار لا يمكنهم الاستغناء عنه.ومن يقول بأن الحسن بن علي لم يشترك في الحروب والمعارك التي بلغت ذروتها في مناطق مختلفة وإن الانتصارات الإسلامية كانت تتوالى. . وهذا أمر مشكوك فيه فمن غير المعقول أن لا يشترك ابن النبي صلی الله علیه واله وسلم بالجهاد وهو قادر عليه .

وعلى عكس ما ذكره الأستاذ هاشم معروف الحسني في كتابه سيرة الأئمة الاثني عشر(1.)فإننا نعتقد بأن الإمام علياً لم ينصرف عن التدخل في شؤون الدولة والحياة السياسية واعتقادنا هذا له ما يبرره وهو :أ. إذا أردنا أن نحسب الإمام علي على فئة الصحابة الذين فرض عليهم الحصار في المدينة فإن ذلك مدعاة للتشكيك في مكانة علي ومنزلته الدينية والاجتماعية، وما كان من الذين تنقصهم الشجاعة ليواجهوا المواقف بالحزم والجرأة .ب. من يقول بأن صاحب القرار آنذاك يمكنه الاستغناء عن الإمام علي فهو مخطئ لأننا لو قبلنا بهذه الفرضية فقد نكون قد أبعدنا إمكانية الإمام علي في التأثير في الأحداث وقد جمدنا جهوده ونضاله الدؤوب من أجل إعلاء كلمة الحق والعدل ورسالة السَّماء على البشرية .ج. لو سلمنا بهذا الأمر فذلك يعني أن الإمام علياً كان يهيئ بانعزاله هذا إلى أمر آخر ، يتحيَّن الفرص لأن يقوم أو ينقض على أمر مبيت في داخله، ويتم تأكيد هذا الأمر بالاتهام الذي وجّه إليه أثناء وبعد الثورة على عثمان والتي أدت إلى مقتله وتمت المطالبة بعد ذلك بدمه من الإمام علي .د. إن الإمام علياً أراد أن يلتحق بفتح العراق، ولكن الخليفة عمر منعه من ذلك لحاجته الماسة إليه وأمام إصرار الإمام علي فقد قبل الخليفة عمر بأن يشارك الحسن بن علي في معارك فتح العراق (القادسية وما تلاها في جلولاء ونهاوند، وكانت مشاركة الحسن هذه دليلاً على انتقاد كتاب فرس للإمام)


1) سيرة الأئمة الاثني عشر - هاشم معروف الحسني ج 1 ص 534.

الحسن بشكل مبطن، ونراهم قليلاً ما يتحدثون عن الحسن بل ذهبوا إلى توجيه النقد له لمشاركته هذه، وقد لاحظنا ذلك من خلال مواقف المسلمين الفرسمنه حتى الوقت الحاضر.فقد شارك الحسن في الجهاد والفتوحات في زمن عمر على ما ذكرناه ، بل إن الكثير من الكتاب قد أكدوا مشاركة الحسن بن علي في فتح أفريقيا عندما جهز جيش قوامه عشرة آلاف مجاهد أنيطت قيادته إلى (عبد الله بن نافع ومن ثم بقيادة أخيه (عقبة بن نافع ) الذي تم الفتح بقيادته وبنى بعد ذلك (القيروان) .)وفي زمن الخليفة عثمان بن عفان فقد شارك الحسن بن علي في غزو طبرستان عندما جهز الجيش بقيادة سعيد بن العاص، كما شارك في ذات المعركة عبد الله بن عباس وكثير من الصحابة .وكان الحسن في ذلك الوقت في عنفوان الشباب ، كان يتميز بالشجاعة والبأس الشديد، ولنا رأي نورده هنا بشكل ملخص وكما يلي:أولاً : إن مشاركة الحسن في الجهاد والفتوحات تأكيد على عمق الإيمان والانصياع إلى الشريعة لما للجهاد والمجاهدين في سبيل الله من أهمية بالغة تماشياً مع أصل الرِّسالة المحمدية والدين الحنيف ما دام الحسن قادراً على الجهاد في سبيل الله .ثانياً : إن مشاركته مدعاة لأن تكون حافزاً إلى بقية الصحابة بأن يسارعوا إلى إشراك أبنائهم في عمليات الجهاد.ثالثاً : مشاركة الحسن بالذات في عمليات الجهاد من فتوحات وغزوات لها جوانب اعتبارية أيضاً رغم كونها فرض عين .فإن مشاركته لها دلائل كثيرة

كونه سبط المصطفى سيد المرسلين وصاحب الرسالة العظيمة، فيعتقد المسلمون عندما يحضر بينهم حبيب رسولهم فإن وجوده يكون مصاحباً لحلول البركة في الجيش.رابعاً وعلى ذكر التبرك بالحسن كونه ريحانة الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، نرى بأن الخليفة عمر عندما أسس أمر الشورى لانتخاب الخليفة من بين الستة الكبار من الصحابة، فقد أمر أن يحضر الأمر هذا الحسن بن علي وعبد الله بن عباس للتبرك بهما وأن يشهدا مباحثات انتخاب الخليفة .خامساً: لم تكن مشاركة الحسن كغاية للتواجد مع الجيش فقط، فقد عرف عنه أيضاً صولاته الشديدة في ساحات الوغى، فهو تلميذ بطل الإسلام علي بن أبي طالب ، ونقل البعض أنه كان في المعارك رأساً وليس مجاهداً عادياً .سادساً : ومشاركته هذه لها دليل آخر هو أن الخليفة عمر قد ألحق الحسن بن علي بأهل بدر في العطاء وهو (خمسة آلاف درهم كما كان يعطي لأبي ذر وغيره، وفي أواخر حكمه الحق الخليفة عمر الحسين بن علي بذات العطاء .)سابعاً : وأخيراً ولكي لا يذهب البعض بالقول كيف يشارك الحسن في هذه المعارك التي ذكرناها ؟ سواء أكانت في خلافة عمر أم عثمان وهو شاب غض وقد يكون عمره لا يؤهله المشاركة في القتال، نقول : كم كان عمر أسامة ابن زید بن حارثة عندما أمره الرَّسول صلى الله عليه واله وسلم على كبار المسلمين ليقود جيشاً يجاهد به في سبيل الله ؟!! فإذا كان النبي صلى الله عليه واله وسلم يؤمر أسامة وهو شاب يافع على جيش كبير .. رغم اعتراض بعض الصحابة الكبار وتباطئهم في الالتحاق بالجيش رغم تأكيد النبي صلى الله عليه واله وسلم وهو في مرضه بقوله مؤكداً: "انفذوا جيش

أسامة" وعندما توفي الرَّسول صلى الله عليه واله وسلم نرى بأن الخليفة أبا بكر لم يتأخر بإبعاث أسامة وقد ثبته على رأس الجيش .ونحن نستمر في ذكر الحسن خلال حكم الخليفة عثمان فقد كان موقفه من الأحداث مشابهاً لموقف والده ، فكان يحاول دائماً الإصلاح وإسداء النصيحة ويجاهد مع أبيه في تقريب وجهات النظر بين الثوار والخليفة وكان لا يفارق والده وكان يحضر معه مناقشاته مع عثمان عندما كان الإمام علي يتخذ موقف الوسيط بين الثوار والخليفة، إلى أن ابتعد الإمام علي في النهاية عندما وجد بأن عثمان قد ألغى جميع وعوده والتزاماته في الوساطة الدائمة للإمام علي الذي قال بدوره عندما قرر عدم التدخل مجدداً :"والله لقد دافعت عن عثمان حتى خشيت أن أكون آثماً " لأن موقف عثمان كان تحت تأثير مروان بن الحكم، وزيره ومستشاره.فقد شارك الحسن مع والده في توديع الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري عندما نفاه الخليفة عثمان إلى الربذة ومنع الناس من الخروج معه أو توديعه، وكانت هنا جرأة الحسن وشجاعته واضحة وهو يودع أحد أصحاب جده الرَّسول صلى الله عليه واله وسلم وأحد الأعمدة الكبار والأوائل الذين بني الإسلام بهم، حيث لم يخرج في توديعه غير الإمام علي وعمار وكميل والحسن والحسين .فقد وقف مروان بن الحكم مهدداً الحسن بالذات قائلاً: "ألا تعلم يا حسن أن الخليفة قد نهى عن وداع أبي ذر والتحدث إليه، فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك " . .ولكن الحسن لم يعر مروان أي اهتمام بل مضى مودعاً أبا ذر وهو يقول :

"يا عماه لولا ينبغي للمودع أن يسكت وللمشيّع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الأسف، وقد أتى القوم إليك، فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها وشدة ما اشتدَّ منها برجاء ما بعدها ، واصبر حتى تلقى نبيك ويحكم الله بينك وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين " .وكما لا يخفى على المتتبع وعلى ما ذكره المؤرخون بأن الحسن كان وبأمر من أبيه واقفاً عند باب بيت الخليفة عثمان يحرسه مع أخيه الحسين وليمنع أي اعتداء على الدار أو الخليفة وهو فيه، وعندما تسوّر الثوار الدَّار من الخلف، وحدث ما حدث فقد هرع الإمام علي مسرعاً بعد سماعه الخبر وقابل الحسن وقد ضربه على صدره وأنبه لاعتقاد الإمام بأنه قد يكون أغفل واجبه ولكن الحسن أجاب والده متأسياً بأن الذي كان من الخلف (كما هو معروف ولم يعلم بمقتل الخليفة إلا بعد سماعه صياح أهل بيته .)وبعد مقتل الخليفة عثمان ومبايعة الإمام علي بالخلافة وفق ما ذكر سابقاً نرى بأن الحسن كان أبيه ورهن إشارته ، حيث كان الحسن عند أبيه كالرئة التي يتنفس بها، وعندما استلم الإمام الخلافة كان عمر الحسن قد قارب الخامسة والثلاثين عاماً ، وأثناء خلافة الإمام كان للحسن مواقف كثيرة، فكان سفيره إلى الكوفة لتسيير مقاتلين منها إلى البصرة وغيرها .. فكان معه في كل صغيرة وكبيرة وكان طوع أمر والده ، وشارك في جميع المعارك التي خاضها الإمام علي في زمانه .ولنا وقفة أخرى لموضوع طالما ذكره البعض، وفحواه أن الحسن كان على رأي مختلف مع أبيه، وذكر آخرون أنه نهى والده عن تسلم الخلافة، وأسمعه كلاماً نسب للحسن بقوله لوالده يحمل ذات المضمون .. وممن كتب عن ذلك (المدائني الذي أخذ عنه البلاذري في كتاب أنساب الأشراف، وممن)

ذكر ذلك أيضاً الدكتور طه حسين في كتابه (الفتنة الكبرى في الجزء الثاني (علي وبنوه) . . وكذلك روى الطبري عن سيف بن عمر، وآخرون . .)والرواية حول خلاف الحسن مع أبيه المعتمدة على المدائني بسنده الذيينتهي إلى (طارق بن شهاب فنقول بعدم صحتها معتمدين على الأمور التالية :)1 . المعروف أن المدائني في كتاباته أو في ذكره للإمام علي وآله يشم منه رائحة عدم الميل أو التوافق ، وهذا ظاهر لمن يتتبع ما كتب المدائني بهذا الصدد، ونحن نميل إلى الحياد في تحليلنا لهذا الأمر ولكن لغرض الإلمام بالموضوع ما دعانا لذكر ذلك .2 . لقد عاصر الحسن الأحداث منذ أن شب فتى في أعظم بيت ، وعلم جيداً معنى مقولة جده النبي صلى الله عليه واله وسلم ولوالده الإمام علي عندما قال : "علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث دار . " .وقد سمع بعد ذلك عندما كبر ما قاله جده الرسول صلى الله عليه واله وسلم في واقعة الخندق بحق أبيه ، عندما برز الإمام علي إلى عمرو بن ود العامري وأرداه صريعاً بضربة سيف واحدة ، وكان عمرو هذا يعد من أكابر فرسان المشركين ومن قادتهم، فبمصرعه اختلف المشركون وتراجعوا عن المدينة ، حينها قال النبي صلى الله عليه واله وسلم : "لقد برز الإيمان كله ، إلى الشرك كله " مما استدعى الكثير من تعظيم هذه الضربة وعادلوها بعبادة الثقلين ..فمن يكون الحق معه وهو مع الحق ومُثل بكامل الإيمان ومن قبل رسول الإنسانية والذي ما ينطق عن الهوى، فهل يعقل أن يخالفه ولده برأي أو بكلمة أو بحرف حتى؟!!3 . إن التربية المتميزة للحسن، وإيمانه الكامل بمواقف أبيه، والبيئة

التي ترعرع فيها ونفحات النبوة وحضن سيدة نساء العالمين ورشفات حليبها ومن ثم حب ورعاية والده له الذي قال مرة عنه عندما اندفع في معركة الجمل :" املكوا عني هذا الغلام لا يهدني فإنني أنفس بهذين (يعني الحسن والحسين)على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله ". (1)يدل ذلك كله على عدم اعتقادنا بأن يخالف الحسن والده يوماً، وإن كان هذا الخلاف على مبدأ النصيحة فهل أن الإمام علياً بعبقريته المشهودة وسعة أفق معرفته يكون متخذاً أمراً يرغب أن يُقبل من فلذة كبده وهو العارف بتميز والده ويكون يوماً مخالفاً له؟ .وقد يدخل ذلك في باب الانتقاص من تربيته لولده، وهذا ما يستبعد منالإمام علي لأنه التربوي الأول بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والذي يمكنه أن يربي أمة بعلمه وفضله وشجاعته ، يكون قاصراً عن تربية ولده بحيث تجعله يخالفه الرأي !! . .4 . يدخل هذا الرأي مع الروايات التي وصفت الإمام الحسن ب- (المزواج وما تم وضع أحاديث نسبت للإمام علي حول الموضوع، مما يدعونا لمناقشة هذا الأمر في محله ونقضه وتبيان عدم صحته .)5 . مواقف الحسن والده في كل الأحداث أثناء خلافة الإمام علي ومنها حرب الجمل وصفين والنهروان، تفنّد هذا الرأي .واستكمالاً للحديث عن الحسن خلال فترة خلافة والده، فكان موقعه موقع رفيق الدرب كما كان موقف الكثير من الصحابة جليلي القدر والمشهورين بتقواهم وزهدهم وعلمهم وسابقتهم وثوريتهم ويمكن تلخيص أعماله ومواقفه


1) الخطبة 207 من نهج البلاغة.

مع والده كما يأتي :1 . كان مساعداً لوالده في إصلاحاته الثورية في ميادين الإدارة والحقوق والمال، وهذه الإصلاحات هي أساس سياسة الإمام علي في إدارة دفة الأمور في الدولة الإسلامية التي أصبح على رأسها .2 . كان سفيراً لوالده في استنفار الناس لحرب الناكثين والمتجمعين في البصرة والذين قرروا الخروج على الإمام علي ، فكان دور الحسن مؤثراً وواضحاً عندما أرسله والده بمهمة تهيئة الناس في الكوفة واستنفارهم للحرب، وذهب معه الصحابي عمار بن ياسر والصحابي قيس بن سعد والصحابي مالك الأشتر وزيد بن حومان. وكان أبو موسى الأشعري والياً على الكوفة وكان موقفه مثبطاً لعزائم أهل الكوفة وقد دعاهم بعدم الخروج إلى البصرة لاعتقاده بأنها فتنة (والقاعد فيها خيرٌ من القائم، والنائم خيرٌ من القاعد حسب قوله.)وعندما وصل الحسن ومن معه إلى الكوفة، واجتمع بالناس بحضور أبي موسى الأشعري الذي أكد لهم قوله السابق، وقد ردَّ عمار بن ياسر على دعوى أبي موسى بأنه ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فكان رد عمار أن النبي صلى الله عليه واله وسلم عناه بذلك شخصياً بقوله :" إذا صح أنك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك فقد عناك وحدك فالزم بيتك .. إلى أن قال .. وإن شئت لأقيمن لك شهوداً أن رسول الله قد نهاك وحدك وحذرك من دخول الفتنة " .أما الحسن فقد أمر أبا موسى الأشعري بالتنحي عن عمله بأمر من الإمام علي لعدم استجابته إلى أوامر الخليفة ولموقفه المتخاذل رعايا ولايته ، وهنا دخل مالك الأشتر قصر الإمارة وأخرج الحرس منه مما دعا أبو موسى للخروجمن المسجد .وقد خطب الحسن بالناس وقد بيّن لهم بكلام بليغ، تطور الأحداث

وأصل المشكلة والسبب الذي دعا الإمام علياً إلى مواجهة الناكثين لكي تبقى وحدة الإسلام بعد أن استنفدت كل الوسائل لردعهم عن الخروج.. وهنا استجاب الناس للحسن وقد خرج معه إلى البصرة اثنا عشر ألفاً من أهل الكوفة .3 . كان الحسن يقود ميمنة جيش والده في حرب الجمل، وتعلم من والده القتال بشرف عالٍ بعد أن وجد والده يستعمل جميع الوسائل المتاحة عنده في تلك اللحظة التي كان الجيشان متقابلين وكان يأمل الإمام علي بأن لا تذهب الأرواح سدّى وخاصة أن المتقابلين هم مسلمون ، ووجد والده بعد أن يئس من كل محاولاته قد أعطى أوامر جديدة في هذه الحرب لم تعرف سابقاً بأن لا يتم الإجهاز على جريح ولا تسلب أموال ولا تكون هناك غنائم والمحافظة على النساء والأطفال وأن لا يبدأ بقتال القوم إلا بعد أن يبدأوا هم بذلك، وقد شاهد الحسن في ساحة المعركة وقبل بدئها والده يخرج حاسراً إلى الزبير بن العوام ليحادثه ، وكان الزبير في كامل عدته ، وكيف أثر فيه مما دعاه إلى ترك القتال، وكذلك مع طلحة الذي أصر على المضي قدماً في محاربة الإمام علي، وقد سقط قتيلاً بسهم غادر من صاحبه مروان بن الحكم.هذه الدروس تعلمها الحسن وهو على أهبة الاستعداد للقتال، وقد دخلت في قلبه كنقش في الحجر لا يمحوه شيء، وقد علمته هذه المدرسة أموراً رسخت فيه الجوانب الإنسانية والقتالية وواجبات وفروض القيم التي آمن بها.4 . عاش الحسن فترة صراع الإمام علي أمام تمرد معاوية وعدم الانصياع إلى الحق والشرعية ، وكان قد ألم بكل دقائق المخاطبات والرسل وكان قد عرف مواقف المنافقين والمتخاذلين وتعلم من والده الصلابة في

الموقف والالتزام الكامل بمبادئ الحق، وحينما أفضت الأمور إلى حد التصادم وجدنا الحسن في طليعة الشجعان الذين صالوا وجالوا في صفين، وكان النصر لهم قاب قوسين أو أدنى ، وكان التحكيم وما نتج عنه وبعده خروج الإمام علي إلى النهروان لقتال القاسطين والمارقين من الخوارج الذين أبيدوا عن بكرة أبيهم، وكان الحسن لا يفارق والده كما كان الحسين ومحمد ابن الحنفية .5 . بالإضافة إلى كل ما ورد من مواقف الحسن هذه، لا بد أن نشير إلى أنه قد استوعب من خلال مسيرته لب وأصل الشريعة الإسلامية وكذلك أبعاد رسالة جده النبي صلى الله عليه واله وسلم ، ومما لا شك فيه أن الحسن شب ممتلئاً إيماناً وقد حوى تراث جده وأبيه وزقَ بالمكرمات زقاً وقد هيئ لها، شجاعة وعلماً وفصاحة وأمانة، وقد أعد ليكون من القادة الثوريين الشباب بعد غياب الكبار وهو الآن في مرحلة وجد نفسه مطلوباً للقيادة بما يحمله من مواصفات قيادية ذاتية إضافة إلى تراثه الثر كونه من العترة الشريفة ومن بيت النبوة ويحتل موقعاً محترماً بين المسلمين لصلته بالنبي الكريم، ووجد الناس فيه ريح الفضائل وهو الذي يتذكر به الناس صفات وسيرة النبي صلى الله عليه واله وسلم والإمام علي التي كانت سيرتهم هي المنهاج الفذ لديمومة رسالة الإسلام ، وعلى هذه الأسس كان تصدي الحسن للأمر يأخذ هذه الجوانب المضافة إلى ميزاته الشخصية وحب النبي صلى الله عليه واله وسلمله .نعود الآن لنذكر .. هل كان الإمام الحسن أهلاً للخلافة بما يعنيه المنصب من كل الوجوه؟ . .استشهد الإمام علي في الحادي والعشرين من رمضان . . وكان قبل مؤامرة اغتياله قد تهيأ بشكل نهائي للتوجه إلى الشام لقتال معاوية وقد أعد العدة وجهز الجيش وقد اعتبر ذلك قراراً نهائياً لتوحيد دولة الإسلام بعد أن استنفدت

جميع الوسائل على النحو الذي تم ذكره ، فكان لا بدَّ أن يحزم أمره على ذلك بالرغم من تطاول الوقت وتغير الناس وتقاعس الكثير وحبهم إلى الدعة والراحة مضافاً إلى ذلك وجود طابور خامس (على وفق ما نعرف أيامنا هذه كان قد مدَّ خيوط الصلة مع معاوية وهو في الظاهر يقف مع الإمام علي .. بالرغم من كل ذلك فإن الشرعية تقتضي أن تأخذ أمراً كرهه الإمام ولكن لم يكن منه بد. . وفي نفس الوقت كانت الغالبية تقف مع الإمام علي كونه خليفة عليهم له حق الطاعة والعهد لمبايعتهم إياه، وكان ما تبقى من ثوريي الإسلام ومن كان يؤيدهم ويسير على نهجهم هم عضد الإمام وساعده وكان لهم تأثيرهم الكبير في الناس وبالتالي التصاق المسلمين بشرعيتهم التي يعرفون جيداً ماهيتها . . بالرغم من أن خطب الإمام علي التي نجدها في نهج البلاغة، كانت تدل على شكوى الإمام علي من بعض الذين أبدوا تخاذلهم وحبهم للراحة . . ولكن مع ذلك كله فإن الأحداث أثبتت للجميع صواب موقف الإمام علي وبدأ الناس يشعرون وهم متيقنون بأن سيرة علي فيهم هي الامتداد الصحيح لسيرة المصطفى صلى الله عليه واله وسلم . وعند هذا التهيؤ الذي لم يغب عن معاوية شيء منه، حدثت المأساة وقتل الإمام وهو يصلي في المحراب صلاة الصبح، وفي مرثية لأحد الشعراء يقول :)لم أنْسَهُ مذ قام في محرابه *** وسواه في طيف الكرى يتمتعُفانسل ينسل بن ملجم سيفه *** متخفيا والليل داج أسفعوعليه مذرفع الصفيحة كاد من *** جزع يخر له الصفيحُ الأرفعُفانشغل الناس في حادث الاغتيال هذا واضطراب الحال ولكنه لم يخرج عن نطاق السيطرة في كل الأحوال لأن الخلَّص من أصحاب الإمام علي تمكنوا من التغلب على الموقف، وفي نفس الوقت كان الحادث مدعاة لفرح كبير لمعاوية لتخلصهم من أكبر عقبة تقف أمامهم دائماً لتقويض مخططاتهم ونواياهم

وقد بدأوا التهيؤ لمرحلة جديدة وصيغ جديدة في العمل لمحاولتهم استغلال كل وقت وأمر لتنفيذ ما خططوا له .. ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام حالة جديدة عندما اجتمع الناس في مسجد الكوفة، وبايعوا الحسن واستمرت البيعة له في جميع أمصار الدولة الإسلامية، عدا ما كان بيد معاوية بن أبي سفيان في الشام وما جاورها.## القيادة الشابةالقيادة الشابة :إذاً وبتقادم الزمن والأحداث فالمرحلة لا بد أن تفرز قيادات شابة وثورية ، تحمل مواصفات القيادة والشرعية بعد غياب الكبار من الصحابة بالموت أو القتل أو الاعتزال أو الشيخوخة والمرض.. ولكن لا بدَّ للحياة من أن تستمر وللرسالة أن تدوم والدولة الإسلامية أن تتطور وتتقدم ..فبروز الحسن بن علي بالمواصفات التي يحملها ، الذاتية والعامة تؤهله للتصدي إلى الموقع الأول في دولة الإسلام وخاصة عندما توجد المبايعة الشرعية له واتفاق الناس ، أو لنقل غالبية المسلمين في أقطار الدولة الإسلامية، وخاصة التأييد الذي لاقاه من بقية المهاجرين وغالبية الأنصار لمعرفتهم الشديدة بإمكانياته، وتربيته وكذلك صلته ببيت النبوة . . كما أن الأحداث كانت تتطلب قيادة شابة ملمة بكل المخاطر والظروف ولا بدَّ لهذه القيادة أن تتمتع بصفة الثورية والتغيير مما تستدعي لتحقيق ما تصبو إليه الطبقات الكادحة والمؤمنة وهي الغالبية في المجتمع .فإن الإمام الحسن كان أهلاً للخلافة إذا ما قورن بمن حوله بكل المقاييس، وإذا كان ما وضعنا جانباً كون الحسن هو ابن الخليفة المقتول، فنؤكد بأن تربيته وجهاده وتجاربه في الحياة ومعايشته للخلفاء الراشدين

ومسيرتهم ، تجعله أهلاً لها إذا ما أضفنا الاتفاق بالأكثرية عليه والهالة التي كان يتمتع بها كونه ابن بنت الرسول صلى الله عليه واله وسلم الذي لم ينكر أحد فضائله التي أخبر النبي صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه بها وحبه الشديد له .وعلى مبدأ الشيء بالشيء يذكر.. فإن الإمام الحسن لم يرفض البيعة مطلقاً ولم يذكر أحد من الكتاب والمؤرخين أن الحسن لم يوافق على ما أجمع الناس عليه بل رحب به في خطبته التي دعا بها الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله فإنهما يأتيان على كل شرط فبايعه الناس ، وكان الحسن يشترط عليهم ( إنكم مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت كما أورده ابن الأثير في كامله، وقد ذكرنا ذلك سابقاً .)وإن عدم رفضه البيعة هو دحض كامل لكل رأي كان يؤكد بأن الحسن كان على خلاف مع والده عندما بايعه الناس ، وكان رأي الحسن (حسب قولهم أن يمنع أباه من تولي الخلافة .. فإذا كان رأيهم صحيحاً فلماذا قبلها هو فيما بعد ؟!! وإذا كان البعض يردُّ علينا بهذا الأمر ويعلل ذلك بأن الظروف قد اختلفت عما كانت عليه أثناء مقتل الخليفة عثمان . . نقول إن الأحداث هي ذاتها متشابهة ولو أنها اختلفت في الشكل ولكن المضمون لم يتغير والمسيرة كانت مستمرة وخاصة أن الفترة بين الحادثين ليست بعيدة ولم تتجاوز الأربع سنوات . .)بل إن الأحداث في السنوات الأربع التي مرت في خلافة الإمام علي كانت أسبابها هي ذات أسباب الخلاف الأول بين اليمين الرجعي في الإسلام واليسار الثوري الذي لا يهمه سوى مصلحة الإسلام ومسيرته .يذكر البعض أن الإمام علياً قد أوصى للحسن كما أوصى إليه النبی صلى الله عليه واله وسلم، فالرواية ذكرها الكليني في أصول الكافي في باب الإشارة والنص على الحسن

بالحديث رقم (5 يقول : عن أبي جعفر ( الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين بن الحسين بن علي ): قال أوصى أمير المؤمنين إلى الحسن وأشهد على وصيته الحسين ومحمداً (يعني ابن الحنفية) وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتب والسلاح ثم قال لابنه الحسن: "يا بني أمرني رسول الله أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إليَّ رسول الله ودفع إلى كتبه وسلاحه وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلى أخيك الحسين ".. ثم أقبل على ابنه الحسن فقال : " يا بني أنت ولي الأمر وولي الدم فإن عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة ولا تأثم" .)هذا ما ذكره الكليني في أصول الكافي (1.. نقول : إن ما ورد هو في أحد المصادر التي تؤكد عملية التوريث في الحكم والإمامة، ونحن هنا لسنا بصدد صحة ما ورد من عدمه لأنه ليس من أصل بحثنا، وقد يكون لنا رأي فيه يوافقه أو يخالفه من خلال كوننا من أتباع أهل البيت بل نتشرف بالانتساب إليهم ، ولكن في هذا البحث آلينا أن نكون بعيدين عن الانحياز وإنّما أردنا من البحث أن ندرس واقعاً كان في زمن امتد تأثيره على طول السنوات التي تلت ذلك الواقع إلى أن وصل الأمر إلى واقعنا الحاضر الذي يستدعي الجميع بأن يحلل ويدرس الأمر بوجهة نظر فيها جانب كبير من الحداثة بعيداً عن الغلو والتحزب ، ولا بدَّ من فهم مجريات الحدث وفق توسع الآفاق في عصر تحركت فيه الرغبات ودخلت السياسة في الدين ، وساعد ذلك تدخل خارجي محكم التأثير من أطراف يريدون بالإسلام شراً ويعتقدون الفرقة بين المسلمين توافقاً لمصالحهم في عصر العولمة وسيطرة الصهاينة الجدد على مجريات)


1) أصول الكافي للكليني، هو - أحد الكتب الأربعة المعتمدة لدى الشيعة وهي : الكافي والاستبصار والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه.

الأحداث في العالم. فلذلك يجد القارئ بأننا تجنبنا الأخذ من مصادر حسبت من قبل البعض بأنها معروفة بالغلو والتحزب لأهل البيت، كما لا نخفي شيئاً إذا قلنا بأننا وجدنا في بعض هذه الكتب، ولو أنها ألفت في أزمان بعيدة عن وقتنا الحاضر، فإن فيها ما يخرج عن نطاق الواقعية وقد يسيء إلى مذهب أهل البيت أكثر من أن يخدم فكرهم وسيرتهم، بل كان الكثير مما كتب وذكر فيها مدعاة لانتقاد الغير لمذهب أهل البيت .. وابتعادنا عن مثل هذه المصادر ليس لأننا ننكرها جملة وتفصيلاً ولكننا نرى بأن الشفافية تقتضي أن نعتمد في بحثنا على مصادر يعتبرها الجميع مصادر ثقة ولا خلاف عليها، وبهذا نعطي لبحثنا سمة الحيادية للوصول إلى الهدف الذي نبغي الوصول إليه وتقويمه وهو ثورةالحسين .فإن ما أورده الكليني يدخل في جانب الوراثة في الحكم والإمامة، وطالما تم انتقاد موضوع توريث معاوية لابنه يزيد بحكم المسلمين وقد ذكرنا في حديثنا عن مرحلة ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه واله وسلم واحتجاج البعض بوراثة النبي كونه من قريش إلى آخره .. وإذا كانت الوراثة على النسب هي المهمة فلماذا سكت الإمام علي عن وصية النبي صلى الله عليه واله وسلم له وسكوته يعد مخالفة لأمر النبي الذي ما ينطق عن الهوى والبعض يعلل ذلك بأن الإمام علياً قبل بالأمر بعد اعتراضه الأولي حرصاً م على وحدة الإسلام وهو بعد في مراحله الأولى ..إذاً لماذا لم يرفض خلافة عمر أو عثمان .. ولو كان عمر قد أوصى لولده عبد الله فماذا كان سيحدث؟ . .ولكي أكون صادقاً مع نفسي أولاً فإن أحداً لا ينكر فضل أهل البيت ولا أحقيتهم بالأمر، وأنا من هؤلاء فلا أفضل من علي لسابقته وعلمه وشجاعته ونسبه وإرثه، ولا أفضل أولاداً كأولاده من فاطمة الزهراء وهما سبطا الرَّسول

الذي قال النبي صلى الله عليه واله وسلم عنهما يوماً: "كل بني آدم لهم عصبة إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم ".وعلم أهل البيت متوارث عن الرَّسول بدون شك وقد خص صلوات الله وسلامه عليه آل بيته وعلى رأسهم الإمام علي ببواطن علمه الذي علمه الله وخصه به حيث قال صلى الله عليه واله وسلم في الحديث الذي لا اختلاف عليه : " أنا مدينة العلم وعلي بابها ".. ومن الطبيعي أن ينقل علي علمه إلى ولديه الحسن والحسين ومنهما إلى أولادهما وخاصة ممن خلف الحسين وهو الإمام علي زين العابدين ومنه إلى سلسلة أحفاده الذين لا يُنكر فضلهم وعلمهم أحد حتى من المتعصبين ضد منهج أهل البيت.ونؤكد أن ذلك جاء من سلالة الحسين لأن الإمام الحسن قد لاقى ربه وكان له أولاد لا يختلف عليهم أحد وهم القاسم وأبو بكر وعبد الله والحسن (المثنى وهذا العام عند الغالبية والقاسم وأبو بكر وعبد الله استشهدوا مع عمهم الحسين يوم طف كربلاء (عاشوارء) وبقي الحسن المثنى ممن بقي من العترة الطاهرة وكان غلاماً في العاشرة من عمره وإن كل السادة الحسينيين هم من أحفاد الإمام الحسن بن علي تنبع سلسلتهم النسبية من الحسن المثنى بن الحسن وبالأخص من ولده عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي ، ومن يرد التأكد من ذلك فليتابع بدقة وشفافية أنساب الحسينيين ليعرف مدى مصداقية القول .)كما أن ذلك يؤكد بشكل قاطع ومن نظرية القائلين بأن الحسن كان مزواجاً، حيث ذكر البعض أن الحسن تزوج سبعين أو من مئة وخمسين امرأة ومنهم من قال بل مائتان وخمسون ومنهم من قال بل ثلاثمائة امرأة .ومن الغريب أن تذكر بعض تلك الروايات من رواة ومصادر تصب

مصلحة مذهب أهل البيت مثل المجلسي في كتابه بحار الأنوار وكذلك ابن شهراشوب في مناقبه .. وكل تلك الروايات أخذت عن أبي طالب المكي المتوفى سنة 380ه- في كتابه قوت القلوب ، والغريب في الأمر أن يذكر فقهاء الشيعة بأن رواية أبي طالب المكي لا يعوّل عليها، وطالما ذكر أحاديث لا أصل لها . . !!إذاً لماذا يُنقل عنه ولماذا تذكر رواياته ويتم الاحتجاج بها على أنها وردت في كتب الشيعة مثل البحار للمجلسي وغيره.وحتى ابن أبي الحديد المعتزلي صاحب شرح نهج البلاغة الذي روى بأن الحسن تزوج سبعين امرأة وقد أخذ روايته عن المدائني المتوفى سنة 225ه- ، ويقول فقهاء الشيعة عن المدائني إنه لا يعوّل على روايته لأن موقفه من علي وأولاده لا يتسم بالودية.وعلى ذلك كله نجد وقوع مؤلفي الشيعة في نفس الخطأ الذي وقع فيه الآخرون . .وكل ما في الأمر ، أن مسألة مزواجية الحسن هي تأكيد للنظريات التي تؤكد تهاون الحسن وتنازله لمعاوية، وإعطاء صورة تسيء له كونه يهتم بلهوه وعبثه مع النساء أكثر من اهتمامه بمستقبل الإسلام والدولة والمجتمع .. ونعتبر ذلك تحجيماً لدور الحسن في الحياة السياسية وإعطاء التبريرات كيفما اتفق ليخرج بالنهاية الحسن متخاذلاً عن الحق ، محباً للمال وراغباً بشدة بالنساء . .وهذه كلها مجافية للحقيقة والحسن أبعد من كل تلك الأمور، بحيث إن من يتزوج سبعين أو تسعين أو مائة إلى أن يصل العدد ثلاثمائة .. فأين هم أولاده . . ؟

ولو وضعنا وصية الإمام علي لولده الحسن جانباً لكي لا ندخل في نقاش التوريث الذي يتخذه البعض ذريعة للانتقاد على أساس أنه إذا كان يحق لعلي أن يستخلف ابنه، فلماذا لا يحق لمعاوية أن يستخلف يزيد؟ .فنقول : أهلية الحسن لتسلم زمام الأمور وقيادة دولة الإسلام كانت كاملة بكل المقاييس ونؤكد بأن الحسن كان أهلاً وكفاً للخلافة بغض النظر عن كونه ابن الإمام علي بل لما يحمله من مواصفات ومؤهلات تجعله في غاية الكفاءة لأن يقود الأمة، بدليل أنه لم يطلبها وإنَّما سعت إليه من خلال المسلمين له عن وبعيداً العاطفة أو التحزب ، فليقارن الناس في وقته بينه وبين من يطلب الخلافة، وقد يكون معاوية بن أبي سفيان ليس الوحيد الذي كان يناضل من أجلها بل كان غيره يرنو لها ولكنه لم يتمكن من الإفصاح بها بوجود الحسن قطعاً، ومن هؤلاء عبد الله بن الزبير بن العوام.. ولتأكيد هذه المقولة سوف نرى مواقف هذا الأخير أثناء بدء الحسين بن علي نهضته .وإذا أردنا التركيز على القطبية فهنا نرى الحسن بن علي قطباً، ومعاوية قطباً منافساً، وبالتالي يحق للجميع المقارنة بين الاثنين رغم أن معاوية أكبر سناً من الحسن ولكنه لم يكن كهلاً بل إنه كان أصغر سناً من الإمام علي بسنوات عديدة، فهنا نجد تصارعاً شبابياً في القيادات.. وكل جانب مختلف وبفرق شاسع في التوجه والرؤى عن الآخر .ومما تقدم فإن الحسن كان حقيقة أهلاً للخلافة بكل ما يعنيه هذا المنصب بوجوهه المتعددة.وبالتوافق مع الأمر الثاني الذي أثبتناه باحتمالنا الخاص بالظروف السياسية والأحداث هي التي أحكمت هذه الفرصة .. فنعتقد بأن أهلية الحسن ومرادفة الظروف السياسية ومجريات الأحداث قد أحدثت هذا التوافق واجتمعا سوية ليحكم الحدث بأن يتولى الحسن أمر خلافة المسلمين .

## سياسة الإمام الحسن وإجراءاتهسياسة الإمام الحسن وإجراءاته :بمجرد استتباب الأمر للحسن فقد شرع وبسرعة باتخاذ إجراءات عديدة منها ما يخص الإدارة وتعيين الولاة، كما أنه بادر بزيادة أعطيات أفراد الجيش لإحساسه الشديد بأن الجيش ومن خلال الحروب العديدة التي خاضها في قتال النَّاكثين والمارقين والقاسطين على تسميات ذلك الوقت ممن نكث البيعة ومرق وقسط وأحل واستباح دماء المسلمين، مما اضطر الإمام علياً لمقاتلتهم كآخر إجراء على مبدأ آخر الدواء الكي.وبادر في أول إجراء سياسي له ، فأرسل إلى معاوية كتاباً دعاه فيه بأن يدخل فيما دخل فيه الناس وأن لا يكون موغلاً في بغيه، وأن يحقن دماء المسلمين لأنه إذا لم يستجب فقد يكون القتال هو الحسم. وقد ذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة جزءاً من كتاب الحسن لمعاوية الذي تضمن فيه رأي الحسن حيث قال :" واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه ، وادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحق ليطفئ الله الثائرة بذلك ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين. وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيّك سرت إليك بالمسلمين وحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين "(1)فما كان رد معاوية؟ . . كان ردّه للحسن رافضاً لكل ما ورد ، بل زاد عليه بأن أخبر الحسن بأنه أصلح وأولى بالخلافة منه مذكراً إياه بخبرته في الولاية والتجارب السياسية .. ويطمعه بالأموال، وإليك مقاطع من رد معاوية :


1) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج 16 ص 227

"قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكثر منك سياسة، وأكبر منك سناً، فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما بلغ .. فلو علمت أنك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسة ، وأقوى على جمع الأموال وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلاً " .ومعاوية عبّر عن رأيه بكل الأمور وقد ابتعد عن التحدث حول أصل إسلامه وعلاقة ذلك بالأمر وفي نفس الوقت قام معاوية باستنفار قواه وجنده عندما عرف بأن الإمام الحسن سوف لن يغير موقفه بعد مراسلات أخرى جرت بينهما كان الحسن فيها ناصحاً بدون ضعف ، بل يعرض له عاقبة الأمور، وما نتج عنها في حالة نشوب قتال بينما معاوية يردّ عليه مرغباً بالمال تارة وأخرى يعرض عليه الأمر من بعده إذا ما استلم هو الخلافة، ومرة أخرى مهدداً بأن يُقتل بأيدي رعاع الناس.. وبعدما استلم معاوية آخر رد من الحسن يقول له :" تركت جوابك خشية البغي عليه وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله وعلي إثم أن أقول فأكذب والسلام . "وأخيراً فقد بادر معاوية بتسيير جيشه نحو العراق، وبلغ ذلك الحسن مما استدعاه لأن ينادي الناس في مسجد الكوفة وخطب فيهم :" أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهاً ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين : اصبروا إن الله مع الصابرين .. فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون . بلغني أن معاوية بلغه أنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا ".فوجد الناس قد هبطت حماستهم لذلك فقام عدي بن حاتم الطائي

وقيس بن سعد بن عبادة ومعقل بن قيس الرياحي التميمي وزياد بن صعصعة، وعاتبوا الناس على انخفاض معنوياتهم وحرَّضوهم على الخروج مع الحسن .فخرج الحسن وخرج الناس معه وأقام في (دير عبد الرحمن ثلاثة أيام وقد تجمع بقيه الناس .)قسم الإمام الحسن جيشه إلى قسمين .. فقد أرسل اثني عشر ألفاً بقيادة ابن عم والده (عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وهو شقيق عبد الله عباس ، ليلاقي معاوية في (مسكن).)وكان من بين الجيش فرسان العرب وقراء المصر.. وأوصاه بأن يسير بمحاذاة الفرات إلى أن يصل إلى (مسكن وهي منطقة تحادد الشام بالعراق وقال له :)"امض حتى تستقبل بهم معاوية ، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك، فإني على إثرك وشيك ".وأوصاه بأن يكون خبره عنده كل يوم ، وأن لا يقاتله حتى يبدأ معاوية نفسه بالقتال، وفي حالة إصابته فعلى الناس قيس بن سعد وإن أصيب فسعيدابن قيس .بينما سار الإمام الحسن بالنصف الآخر من الجيش إلى (ساباط قرب المدائن ليجتمع إليه بقية الناس. وقد تكامل عنده العدد، وهو متهيئ للحاق عبيد الله بن العباس، فقد حدثت مؤامرة شنيعة غاية في الحبك، وهذه المؤامرة بدأت متسارعة في خطواتها ، وقد تم توجهها على خطين، تم التركيز على الخط الأقرب من جيش معاوية ، وهو جيش الحسن الذي يقوده عبيد الله إلى أن يصل إليه الحسن بالآخرين لتكون صولة واحدة . .)

بينما كان الخط الثاني من المؤامرة منطقته ومفعوله محل تجمع جيش الحسن ووجوده في ساباط قرب المدائن . .فما هي هذه المؤامرة؟ . . أبعادها وأسبابها ومنفذوها، وعلى من انطلت؟ وكانوا سبباً في نكسة هزّت دولة الإسلام وقائدها وغيرت مسار الأمور بشكل كبير ! ! . .## المؤامرةالمؤامرة :خطة أعدت بعناية ، عبارة عن خدعة مشفوعة بالمال من جهة ومن جهة أخرى اعتمادها التأثير النفسي، وكأن الذي وضعها كان عالم نفس، وعلى دراية تامة بأحوال المجتمع ونفسية الناس ، وإبعادها في حالة نجاحها كبيرة، لتكون ضربة قاصمة للخصم بدون قتال أي بشراء نفوس ضعيفة يمكن تضليلها بسرعة عن طريق الخداع واللعب على أوتار عدة وبعدها يكون الأهم وهو تحطيم معنويات جيش الحسن وأصحابه وصولاً إلى الخذلان الكامل وانفراط العقد الذي اجتهد الحسن وأصحابه الخلص في لمه وجمعه، وعندما تكون الضربة الكبرى وللسياسة أبوابها، وهنا نقول بأن الوسائل جميعها تستخدم شريفة أم قذرة ولكن المهم هو الوصول إلى الغاية أو الهدف . .فطالما كان اليمين لا يقف أمام طموحاته ، شيء فإن كل المحظورات وأساليب التحايل تكون مباحة أمام الطموح الجارف من أجل المصالح، ولكن لو كان الغرض أو الهدف شريفاً فلا يمكن أن تستعمل الوسائل للوصول إليه إلا إذا كانت غاية في النبل والشرف.. وهذا الفرق بين الطرفين. . .إذاً وعلى ضوء ذلك فإن أسباب المؤامرة عند معاوية مشروعة ما دامت غاياته معروفة ولا بد أن يصل إليها بكل الوسائل .. والمعروف بأنه داهية وحاد

الذكاء وهو ليس بالإنسان البسيط الذي يمكن أن يستكين أو أن يقبل بأمر لا يدخل ضمن تفكيره ورغباته التي أعلنها على الملأ، ويعمل بكل ما أوتي من قوة للوصول إلى ما يريد.أما منفذوها فهم كثر، وكانوا يعملون مع معاوية ومنهم من كان مع الإمام الحسن ظاهراً وهواه مع غريمه، إذ لا يمكن لمعاوية أن يقوم بما قام به وقد تقابل الجيشان والمعركة تحسمها العزائم .فتحرك قسم من هؤلاء المتآمرين على جيش الحسن الذي يقوده عبيد الله وفيهم من هو في جيش الحسن في ساباط يعمل بهدوء ويعتمد بالتنفيذ على تثبيط العزائم ونشر الإشاعات لضرب الجيش من الداخل وينهي ما تبقى له من معنويات.## كيف طبقت المؤامرة؟..كيف طبقت المؤامرة؟..بدأت ببث الإشاعات والدعايات المضادة حيث تم تغلغل البعض في الجيش الذي يقوده عبيد الله وقد بثوا دعاية مفادها أن الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلماذا تقتلون أنفسكم؟ . . وقد كتب معاوية إلى قائد الجيش يقول له :"إن الحسن راسلني في الصلح وهو مسلّم الأمر إليَّ فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع، ولكن إن أجبتني الآن أعطيك ألف ألف درهم (مليون أعجل لك في هذا الوقت نصفها وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر " . وفي رواية أخرى وعده بأن يسلمه نصف المبلغ وهو في معسكره ونصفه الآخر عندما يلتحق بمعسكر معاوية .)وبذلك استطاع معاوية أن يستميل عبيد الله الذي انْسَلَّ إلى معسكر

معاوية ليلاً ومعه قسم من جيشه ممن أثرت في نفوسهم الدعايات وتأثير عبيد الله عليهم، بينما فوجئ البقية بأن قائدهم غير موجود عندما أصبحوا للصلاة، وقد عرفوا بالأمر فصلّى بهم قيس بن سعد بن عبادة وخطب فيهم رافعاً من معنوياتهم وهو يأمرهم بالصبر والتهيؤ للعدو مذكراً إياهم بإمامهم الحسن وشرعيته وقد استجاب الباقون له.. ونادى في تلك اللحظات مناد من معسكر معاوية ويروى أنه كان (بسر بن أرطأة حيث صاح : " يا أهل العراق ويحكم. .هذا أميركم عندنا قد بايع معاوية وإمامكم الحسن قد استجاب وصالح، فعلام تقتلون أنفسكم ".)هنا برزت أريحية قيس بن سعد بن عبادة (1فقال لهم :" اختاروا إما أن تقاتلوا بلا إمام أو تبايعوا بيعة ضلال" فقالوا: "بل نقاتل بلا إمام" .أما في الجانب الآخر حيث يوجد الإمام الحسن في معسكره بساباط فقد كان الجزء الثاني من المؤامرة ينفذ بدقة حيث إن معاوية أرسل إلى الحسن من يحمل له كتباً من بعض أعيان الكوفة ممن كاتبوا معاوية، يطلبون الأمان وهم الذين لم يخرجوا مع الإمام الحسن لقتال معاوية ، بل لقد وعدوا معاوية بتسليم الحسن إليه .. ولم يقتصر دور مبعوثي معاوية على تسليم الحسن كتب أهل


1) كان قيس بن سعد بن عبادة من أصحاب الإمام علي وقد ولاه الإمام على مصر، وحاول معاوية استمالته فلم يتمكن وعندما بث معاوية دعايات عنه وصلت إلى الإمام على فحواها أن قيساً كاتب معاوية وكان ذلك تضليلاً لإحداث التفرقة بين أصحاب الإمام، وكان قيس عالماً بلعبة معاوية وقد حسم ولاءه للإمام علي ومع ذلك فقد استقدمه الإمام وعفاه من الولاية خوفاً عليه وحرصاً. وفي المؤامرة هذه التي نحن بصددها حاول معاوية استمالته مرة أخرى بكل الوسائل فكتب له)قيس :«والله لا تلقاني أبداً إلا بيني وبينك الرمح».

الكوفة، بل روجوا دعاية قوية مفادها أن الحسن سيصالح معاوية .. وفي نفس الوقت والمؤامرة تحاك بجزئها الثاني في معسكر الحسن وصلت أخبار عبيد الله ابن العباس وانتقاله مع آخرين إلى معسكر معاوية فأحدث كل ذلك اضطراباً شديداً بين الناس .. وقد فهم الحسن مغزى المؤامرة وحجمها، فنادى الصلاة جامعة وبعدها خطب بالناس قائلاً:"أما بعد فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلقه لخلقه، وما أصبحت محتملاً على مسلم ضغينة ولا مريداً له بسوء ولا غائلة . ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيراً من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا علي رأي، غفر الله لي ولكم ، وأرشدني لما فيه محبته ورضاه إن شاء الله ".(1)ماذا نجد في خطاب الحسن هذا؟ . . لقد كان الإمام الحسن يريد شد أزر أصحابه وجيشه ولم يشر فيه إلى أي نوع من أنواع التهادن والتهاون .. بل طلب منهم أن أن يستمروا معه وأن لا يتفرقوا وأن لا تؤثر فيهم الدعايات والإشاعات التي راجت بين أفراد معسكره .. وهنا لعب المنافقون والمندسون دورهم وبسرعة البرق والإمام الحسن لا يزال واقفاً بينهم وأشاعوا بأن ما يروه الآن هو أن الحسن يريد الصلح مع معاوية، وإذا كان كذلك فلماذا أخرج الناس إذاً؟ . .فلقد كفر الرجل !! . . وقد اشتد الاضطراب واللغط بين الناس وشدّوا على فسطاطه فنهبوه ، بل سحبوا سجادة صلاته من تحته .. وهجم آخرون عليه محاولين قتله وأحاط به خلّص أصحابه وأنقذوه من القوم في وسط فوضى عارمة، محاولين إخراجه من ساباط وهو راكب على فرسه ، هجم عليه رجل


1) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد - ج 16 ص 231.

وقال له : "يا حسن أشرك أبوك ثم أشركت أنت " وطعنه بمعول كان بيده وجاءت الضربة في فخذه .. فحمل الحسن إلى المدائن القريبة جداً من معسكره في ساباط وأقام عند واليها (سعيد بن مسعود الثقفي الذي كان والياً عليها في زمن الإمام علي وقد أثبته عليها الإمام الحسن.. وعند سعيد بن مسعود تمت معالجة الإمام الحسن من جرحه وظل مقيماً عنده .)واستمر الاضطراب في عسكر الإمام الحسن ، وانقسم الناس فيما بينهم خرج الأمر عن نطاق السيطرة رغم تدخل أصحاب الحسن ومحاولتهم إفهام الناس، ولكن .. لا رأي لمن لا يطاع !! .ومن خلال ما حدث فلا بد لنا من تحليل ودراسة هذا الحدث :1 . كثيراً من الأحيان تأخذ السياسة دورها في مجرى الأحداث وتؤثر فيها أكثر من ساحة القتال والسياسة هنا التي نعنيها ليست على مستوى (الاستراتيج بل على مستوى التكتيك في مفاهيمنا الحالية، (والتكتيك) يعني الخطوات التي تتخذ للوصول إلى الهدف السياسي أو الغاية، وكثيراً ما يتغير التكتيك أو الخطوات للعمل ولكن (الاستراتيجية) ثابتة لا تتغير .)2 . كان للإشاعة والدعاية ومنذ قديم الزمان تأثيرهما الكبير في النُّفوس، فطالما تحدّث التاريخ القديم وما تلاه وإلى وقتنا الحاضر عن حوادث لعبت فيها الدعاية والإشاعة المضادة دوراً كبيراً في نصر أو هزيمة .فلو راجعنا معارك الرومان والفرس لوجدنا لذلك أمثلة كثيرة، وحتى أثناء غزوات الإسكندر المقدوني للشرق والشرق الأدنى، ومن الأمثلة الأخرى ما بثه عملاء هولاكو قبل غزوه عاصمة المسلمين بغداد، وحتى في الحرب العالمية الثانية على ما دار في جهة القتال بين النمسا وإيطاليا، فقد أدى الإعلام المضاد في أحد المعارك إلى أن تخسر إيطاليا معركة كان لها في الجبهة ربع

مليون جندي يقابلهم عشر هذا العدد من جبهة النمسا، ولكن بحركة إعلامية استعملتها النمسا مستخدمة فيها شكلاً كاملاً لصحيفة إيطالية كاملة دست فيها خبراً يؤثر على نفوس جند إيطاليا ونشرته عليهم من الجو على شكل منشورات، أدى إلى هبوط معنوياتهم بشكل كبير مما أدى إلى خسارة إيطاليا لتلك المعركة .ففي المؤامرة التي نتحدث عنها لعب الإعلام المعادي دوره ببث الدعايات المضادة واستخدام وسائل غاية في الحبك والدقة مما أدى إلى نجاح مفعولها في أناس ما زالت البداوة والبعد عن الأحداث وتغيّر النفوس وتأثير المال كانت هذه كلها وسائل نجاح المؤامرة .3 . لا نعتقد بأن استمالة عبيد الله بن عباس إلى جانب معاوية جاءت بتأثير الدعايات والإشاعات وإنَّما كان ذلك أصلاً طمعاً بالمال الذي عرضه معاوية عليه والذي وافاه به معاوية فعلاً كما وعده به في نصفه الأول وكذلك عندما دخل معاوية الكوفة فيما بعد فقد أوفى له بنصفه الآخر. كما جاء في الرواية الثانية وتقول الرواية الأولى بأنه تسلم الباقي في معسكر معاوية .وهنا إشارة واضحة لما يمكن أن يفعله المال من تغيير في النفوس، وطالما كان ذلك من لب سياسة معاوية في شراء الذمم.ولكن المؤسف والمؤلم جداً أن يكون قائد جيش الإمام الحسن وابن عمه بل الأكثر من ذلك كان قائد الجيش عبيد الله بن العباس هو أول من نادى ليلة وفاة الإمام علي وبعد خطبة الحسن التي أبن فيها والده في مسجد الكوفة، مَنْ دعا الناس لمبايعة الحسن والذي قال :"فبايعوه يهدي به الله من اتبع الرضوان سبل الإسلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم " . وقد ذكرنا ذلك أثناء

مبايعة الناس للإمام الحسن .فهذا ابن عم الحسن وهو أول من يخونه من أجل المال.ونحن نؤكد السبب بأنه المال وليس غيره ، ومن يرى بأن الشائعات والدعايات التي نشرت وبثت في جيش عبيد الله ووصلته شخصياً، هي السبب فلماذا لم يتثبت من الأمر من أميره الحسن شخصياً وقد أوصاه الحسن بأن أخباره يجب أن تصله في كل يوم ، ولم يكن يعوقه شيء من الاتصال بالحسن الذي كان مستعداً للمسير إثره مباشرة. وظل عبيد الله مع معاوية إلى النهاية وقد خسر بخيانته الرضوان الذي نادى هو نفسه الناس باتباعه ! ! .فهل لموقف عبيد الله هذا سبب آخر نجد من الضرورة ذكره ؟ . . نقول نعم !! . . فقد سبقه أخوه عبد الله بن عباس عندما كان والياً على البصرة من قبل الإمام علي في أيام خلافته ، وعلم الإمام علي بأن عبد الله قد أساء استخدام المال فهدده الإمام علي بسوء تصرفه بأموال البصرة ووعد بالقصاص منه مما جعل عبد الله يستحوذ على أموال بيت المال ويرتحل بها إلى مكة !!وعبد الله ابن عم علي بن أبي طالب، وكان ساعده الأيمن في كل مواقفه ولكنه ضعف بسرعة أمام المال والثروة وكان موقفه هذا . . وفي الجانب الآخر نجد أن الإمام علياً لم تمنعه قرابة عبد الله منه من اتباع الحق والعدل.ولنعد هنا إلى بدايات دراستنا .. وتحديداً مرحلة الجاهلية وبداية الإسلام ، كان المال والثروة هما العاملان الحاسمان في تكوين النفوذ وكان العباس بن عبد المطلب والد عبد الله وعبيد الله من أغنياء قريش وكان أحد أعضاء حكومة مكة، وكان مفهوم عامل الثروة يسري في بيت العباس بالرغم من وقوف هذا البيت مع النبي صلی الله علیه واله وسلم ومن ثم أفراد هذا البيت فيما بعد ولكنهم لم يتخلصوا من عقدة المال، بينما كان أبو طالب في فاقة ولكن شرفه بين قومه

من الرفعة لا يختلف عليه أحد وكان العباس وأبو سفيان تجمعهما صداقة مستديمة ومصالح مشتركة . .وحديثنا هذا ليس انتقاصاً من مواقف العباس فيما بعد وإسلامه وأولاده ولكن موضوع حديثنا تأكيد على تأثير المال والثروة الذي أكدناه في بحثنا سابقاً حتى على مجريات الأحداث فيما بعد وما سيلي منها .4. كان للخوارج دورهم في إشعال الفتنة في معسكر الحسن، فإن اندساس بعضهم في جنده وعدم نسيانهم قتلاهم في النهروان ، وموقف الإمام علي منهم فقد ظلوا يعملون بخفاء وما الرجل الذي هجم على الإمام الحسن إلا واحداً منهم بدليل قوله :" يا حسن أشرك أبوك ثم أشركت أنت"وكان إطلاق الشرك على الإمام علي بداية من الخوارج فهل يعقل أحد بأن يكون أول الناس إيماناً وأقدمهم إسلاماً . . مشركاً!!5 . وجدنا في بعض المصادر الموالية لمذهب أهل البيت ومنها ما كتبه سماحة الشيخ باقر شريف القرشي في كتابه عن حياة الإمام الحسين ، بأن الفرس من بقايا الجيش الساساني وبعد مقتل قائدهم رستم عقدوا أماناً مع سعد ابن أبي وقاص وسكنوا الكوفة وكانوا يزيدون عن أربعة آلاف ويسمون (حمراء دیلم . (1))نقول بأن هؤلاء لا بد أن يكون قد بقي شيء من حقد قديم عالق في أذهانهم، وإن كان على نطاق قلة منهم بسبب ما حصل في القادسية وتقويض سلطة فارس وإن وجود الكثير منهم في جيش الحسن قد أدى لعب دوره في الأحداث التي دارت في معسكر الحسن خاصة وهم ينظرون عن قرب إلى


1) حياة الإمام الحسين - باقر شريف القرشي.

المدائن عاصمة ملكهم القديم .6 . لم يذكر لنا احد ممن كتب عن تلك الأحداث بأن الحسن قد نوه ولو بحرف واحد أنه كان على استعداد للتفاوض أو الصلح مع معاوية وحتى خطابه الذي نقلناه وإن صح ذلك فهو لا يشير إلى أي نوع مما نقصده، بل يفهم منه أنه كان يريد من الناس الاستمرار بطاعته وأن يسيروا معه وينفذوا أوامره لا غير، لأنه لا يعقل أن يخرج الإمام الحسن بجيوشه وهو يضمر شيئاً آخر مثل الصلح أو التفاوض، ووصيته إلى قائد جيشه دليل على ذلك يتبعه انتظاره في ساباط مع الجزء الثاني من الجيش ليتم التحاق البقية من الناس دليل آخر .. ولكي نصل إلى الحقيقة فإن جيشاً خرج بهذا العدد الذي يقارب الثلاثين ألف مقاتل على تقدير أقل الروايات فهل يفكر ولي الأمر ولو للحظة واحدة بالتخاذل أو التهاون؟ . .فمن بقي بعد كل ذلك مع الحسن؟ . .بعد ما أوردنا ما حصل خلال هذه المؤامرة وتفرق الناس من حولالإمام الحسن فقد بقي معه من كان متمسكاً بشدة بشرعيته .. ومن كان موالياً لأبيه من قبل وهم الذين استمروا على ثوريتهم وإدراكهم بأنهم لا بد أن يستمروا بالوقوف مع الحق وتصحيح المسيرة إلى الأخير وأن لا يجعلوا دولة الإسلام تنتهي إلى مصير يبعدها عن إنسانيتها وثوريتها ومبدئيتها.## ما هو موقف الإمام الحسين؟ما هو موقف الإمام الحسين؟لكي يتواصل الحديث ويتم ربطه بأصل موضوع البحث .. نتساءل أين كان الإمام الحسين من كل ذلك؟ وهو أخو الخليفة وابن الخليفة المقتول علي ابن أبي طالب؟

نقول :كان الحسين مع أخيه الحسن ملتصقاً به التصاق الحبة بالحبة، فكان عضده وساعده ووزيره ، يعاني ما يعاني أخوه الحسن وهو يرى ما وصلت إليه أمة جده النبي صلی الله علیه واله وسلم وتغير الناس وأحوالهم بل كان يشد على يد أخيه لأنه يراه على الحق المبين، ولم يخالف له رأياً ولا أمراً، ولا بد من أنهما كانا ملمين بكل ما يدور ، وخبرة الحسين خلال حياة والده قد أكسبته الكثير الكثير من القدرة على استجلاء الأحداث ومعرفة دقائقها ، وتربيته الخاصة التي لا تختلف عن تربية أخيه الحسن وضعته متفوقاً في الصفات بل إن ما شاهده وعايشه من أحداث زادته تمسكاً بمبدأ الحق وأمدته بكل الصفات الثورية وما تحمله هذه الصفات من معان تدخل في أطر الحكمة والمبدئية والإنسانية والشجاعة الفائقة . . وقد اعتصر قلب الحسين ألماً عندما وجد فساد النيات وخذلان القوم ..وكانت هذه الحوادث التي ينبغي الآن تأجيل الحديث عنها إلى أن نصل إلى بدايات نهضة الحسين ، ولكن من الملائم بمكان التذكير بما ورد لغرض التواصل في دراسة الأحداث التي كانت هي الأصل في ثورة الحسين ونهضته وما تبع ذلك من أحداث .كان الحسين ينظر إلى الأمر مع أخيه الحسن عند تسلمه الخلافة بعد استشهاد والدهما بالصورة التالية :1 . كان وجوه القوم وأشرافهم والذين يمثلون الرأي العام آنذاك معاوية قلباً حتى إذا بقيت ألسنتهم تلهج بالولاء لبني هاشم وشرعيتهم ، حيث كانت لديهم اتصالات بمعاوية قبل مقتل الإمام علي وبعده مستبعدين من هؤلاء الذين بقوا على مبدئيتهم.

2 . تسلم الحسن حكومة شكلية ممزقة وجماهير من الناس تلعب بهم الأهواء والفتن ، يضاف إلى ذلك ضعف جيش هذه الحكومة .3 . افتقاد الجماهير المؤيدة والمتحمسة إلى العدالة وتطبيق الشريعة وذوبان هذه الجماهير كان سببه اتجاه الناس إلى حب الدنيا ومباهجها. .وبذلك فقد أضعف هذا الأمر هذه الحكومة لأنها خلت من القاعدة التي تستندإليها .4 . إفساد الجيش نتيجة تخاذل قادته الذين حولوا النصر إلى هزيمة، وبالتالي إلى تقاعس وفرار الكثير من أداء الواجب .5 . يرافق كل ذلك ما يقوم به معاوية وأتباعه من بث الدعايات وصرف الأموال وشراء الذمم.6 . بالرغم من صمود الكثير من الثوار المسلمين الذين وجدوا بالإمام عليّ، ثم من بعده ولده الإمام الحسن خير من يقود مسيرتهم ولكن هؤلاء كأشخاص لهم تأثيرهم البلاغي ونزاهتهم وقدمهم ، ولكن كل ذلك لا يقف أمام المال والدعة والراحة !! .أمام هذه الصورة بدأ الحسن حكومته والناس على غير عادتهم من الالتزام مع ذلك فقد تهيأ الحسن لحرب معاوية ودعا الناس لقتال القاسطين وإلى وحدة الصف وحذرهم مسبقاً من الدعايات المضادة، فماذا وجد الحسن؟ . . وجد حينها أناساً أخذتهم الدهشة ولم يستجب له الجميع ولكن تدخل عدي بن حاتم وغيره من أصحاب الحسن، غير بعض الشيء موقف المتقاعسين عن نجدة الحق .فوجد الحسن نفسه أمام جيش وجمهور لا يريد الحرب وأعلن العصيان

ويعني ذلك خلع يد الطاعة وهنا نؤكد مقولة الإمام علي يوماً عندما واجه مثل ما واجهه الحسن "لا رأي لمن لا يطاع "... وبجهود الحسن وأخيه الحسين وأصحابهم الخلص وبجهود مضنية خرج الناس وأكثرهم من ذوي الأطماع ومن مؤيدي بعض التيارات التي هي أصلاً لا تؤمن بالقضية بكل أبعادها، ومنهم من جبل على الغدر والخيانة . . وكان من أحداث المؤامرة وأكثر الأمور أسفاً هو تخاذل وخيانة قائد جيشه وابن عمه بعد أن أخذ معه ثمانية آلاف مقاتل كما ذكر اليعقوبي في تاريخه .. ولم يحفل هذا القائد بالخيانة والعار ولا بالضرر الفادح الذي ألحقه بجيش الحسن ، كما أن الخيانة شملت غير هذا الخائن من القادة ووصل الأمر بأجلاف أهل الكوفة، لأن ينهبوا معسكر الحسن، بل سلبوا رداءه على بعض الروايات !! .اضطررنا إلى إعادة ذكر الموقف المؤلم باختصار لنتابع هذه المشاهد الرهيبة، فماذا يفعل الحسن أمام هذا الوضع؟ . . كان أمام الحسن خياران لا ثالث لهما :الخيار الأول : أن يبدأ من جديد بالإعداد لحرب معاوية .الخيار الثاني : القبول بالأمر الواقع وقد يلجأ إلى التفاوض أو ما يسميه البعض إلى الصلح مع معاوية.لنناقش هذين الخيارين :الأول : إذا أراد الحسن أن يبدأ من جديد للإعداد وخوض حرب جديدة فسوف يتطلب منه ذلك إجراءات منها :1 . إمكانية لتجميع المقاتلين في ظل فوضى عارمة نتيجة النكسة التي مني بها تجمّعه الأول واستعداده الذي وصل به (مسكن وقد واجه ما واجه .)

2 . تجميع المقاتلين قد يكون أسهل من دفع المعنويات المنهارة والرغبة الحقيقية لدى المقاتلين ، فقد يكون هناك جيش ولكن أي جيش وقلوب أفراده شتى ، والأهواء والانكسار الداخلي قد أخذ مأخذه من الناس.وإذا ما قام الإمام الحسن بذلك فسوف لن يغيب عن خلده بأن الكفة ستكون لمعاوية وتكون هي الراجحة في القتال ، مما سوف يعرض أصحابه ومقاتليه إلى القتل والأسر، وكذلك يعرض نفسه وأهل بيته إلى الخطر وهم بقية العترة الذين يمثلون القيم النبيلة في الإسلام.. وكذلك سيفقد أخلص أصحابه وأصحاب والده وهم الطبقة الثورية في المجتمع والذين لا يشك بأنهم سيدافعون حتى الموت عن مبادئهم وفي معركة خاسرة تودي بهم من غير طائل .الثاني :أن يقبل الأمر الواقع ويلجأ إلى السلم وقل إلى الصلح أو التفاوض، وأن يتنازل عن الأمر لمعاوية بن أبي سفيان وهو يعلم جيداً بأن معاوية ليس أهلاً لقيادة أمة جده وإذا ما قبل بهذا المبدأ فكيف سيكون موقفه أمام أصحابه وأمام ثوار المسلمين وأصحاب المبادئ والتسليم بالأمر يعني الفشل والاستسلام يعني الخضوع.فماذا وصل إلينا لحد الآن تأريخياً؟ نقول :أ. إن الإمام الحسن جمع جيشه وعرض عليهم الحرب أو السلم؟ .. فأجابوه برغبتهم في السلم وبذلك قد استجابوا للذل ومالوا عن الحق.ب . استجاب الإمام الحسن إلى الأمر مكرهاً، ووافق على الصلح مع معاوية والذين برروا ذلك أكدوا على استعمال الإمام الحسن لزوم العقل

والحالة العامة السائدة والمشحونة بالمشاكل السياسية واعتقاده بأن الصلح في مثل هذه الظروف ضرورة شرعية .إذاً . . تخاذل جيشه والناس ورغبتهم في الراحة والدعة فهذا لا غبار عليه، وأما استجابته للصلح مكرهاً، فمسألة فيها نظر .. و لها أبواب كثيرة يمكن الولوج فيها ..فهل كان الإمام الحسن بالضعف الذي يصفه به المؤرخون (عن موقفه كنتيجة للظروف التي أحاطت به ، وجعلته أن يستسلم بهذه الصيغة ويقبل بصلح يعرف هو ذاته إن هذا الصلح هش ووقتي مع وعود من معاوية يعرف جيداً – من خلال معرفته التامة بمعاوية - إنه لن يستمر عليها ولو أعطى عليها أغلظ الأيمان والمواثيق، كما أثبتت الأيام صحة ذلك فيما بعد؟!!)فإذا كان الحسن بهذا الوضع فهو ليس الحسن بن علي بن أبي طالب، سبط سيد المرسلين وابن سيدة نساء العالمين .فلماذا يقبل الحسن بالصلح وبالذات مع معاوية وكان بإمكانه وهو يحمل بيعة الناس أن يبقى على رأس دولة الإسلام ما دامت جميع الأمصار تخضع له وقد بايعته عدا الشام ..؟ وما يضر بأن يبقي الشام عالقاً وعاصياً على الدولة إلى أن تستتب الأمور ويعرف الناس سيرة الحسن وخطواته وإصلاحاته وقد يعمل على تغيير أوضاع ونفوس الناس إذا ما طبق عليهم شريعة جده السمحاء التي هو أعلم من غيره بها في زمانه . . ؟فالذي يستسلم لليأس ضعيف، والحسن ليس كذلك ومن يقول إنه كان خائفاً على نفسه وعلى أهل بيته فالموت بيد الله خالق البشر وهو حق .. ومن يقول إن ما سيأتيه من مال بعد التنازل وهو أحوج إليه كونه مزواجاً فقد أخطأ . . فبيوت المال تحت يديه وموضوع زواجه تمت مناقشته وكان بلا بينة،

إذاً هناك أمرٌ آخر يجب بحثه بعلمية وواقعية وحيادية تامة .. وحتى الذين آمنوا ب- (القدرية وإن الله أراد ذلك فهم يعطون الشرعية لمن لا شرعية له بقولهم هذا ورأيهم المنافي للحقيقة.)فلننظر إلى ما قيل عن الصلح ولنعطه عنواناً كما كتبوا عنه وبعد مناقشتهنطرح رأينا .## صلح الحسنصلح الحسن :يقال بأن الإمام الحسن عندما نظر إلى فساد نيات الناس معه وخذلانهم له وللظروف التي واجهها ورغبة معاوية الشديدة بعقد الصلح وكان ذلك من خلال الكتب التي أنفذها إلى أصحابه وقد اشترط له على نفسه في حالة استجابة الإمام الحسن شروطاً كثيرة وعقد له عقوداً كان في الوفاء بها مصالحشاملة . .وعلى اختلاف ما ورد من بدايات للصلح فإن الحسن (كما يقولون مال للاستجابة إليه ولكن بشروط.)وإلى القارئ ما جاء بخصوص هذه الفترة.1 . لما عزم الإمام الحسن على الصلح خطب بالناس قائلاً:"إنا والله ما يثنينا شك في أهل الشام ولا ندم ، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر ، فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين قتيل ، بصفين تبكون له وقتيل بالنهروان تطلبون ثأره وأما الباقي فخاذل وأما الباكي فثائر ، ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ ولا نصفه، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبي السيوف

وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى" .2 . لكن كل من كتب وتحدث عن الصلح قد اختلف في آرائه عن الآخرين حول ما يتعلق بهذا الصلح (إن كان هناك صلح حقاً والاختلاف كان عن البنود ومكان الصلح وزمانه .. واختلفوا بشدة على من طلب الصلح أولاً .. وهل كان صلحاً و عهداً أو ميثاقاً، أو اتفاقاً . . أم قل ما شئت !!)فالطبري في تاريخه وابن الأثير في الكامل في التاريخ ذكرا بأن معاوية بعث إلى الحسن كتاباً مختوماً وطلب منه أن يشترط ما يريد في الصلح .. وذلك يعني أن معاوية هو الذي طلب الصلح أولاً .وفي رواية جاء فيها أن الحسن بعد عرض معاوية أرسل سفيرين إليه هما عمرو بن سلمة ومحمد بن الأشعث الكندي ليستوثقا من معاوية ويعلما ما عنده وسلمهم معاوية الكتاب التالي الذي أورده مؤلف كتاب حياة الإمام الحسن ... وجاء فيه :"بسم الله الرحمن الرحيم .. هذا كتاب للحسن بن علي من معاوية بن أبي سفيان .. إني صالحتك أن لك الأمر من بعدي ولك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله محمد صلی الله علیه واله وسلم وأشد ما أخذ الله على أحد خلقه من عهد لا أبغيك غائلةمن ولا مكروهاً وعلى أن أعطيك في كل سنة ألف ألف درهم من بيت المال وعلىأن لك خراج يسار دار أبجرد تبعث إليهما عمّالك وتصنع بهما ما بدا لك "(1)وفي رواية أخرى يرويها بعض المؤرخين هي أن الحسن كتب إلى معاوية يخبره أن يصير الأمر إليه بشرط أن لا يطلب أحد من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء كان في أيام أبيه ، فأجابه معاوية وكاد يطير فرحاً إلا أنه قال :


1) حياة الإمام الحسن باقر شريف القرشي - ج 2 ص 221 وص 227 - ط 3 دار البلاغة.

"أما عشرة أنفس فلا أؤمنهم "فراجعه الحسن فيهم فكتب إليه معاوية :إني آليت على نفسي متى ظفرت بقيس بن سعد بن عبادة أن أقطع لسانه ويده ". فرد عليه الحسن: "إني لا أبايعك أبداً وأنت تطلب قيساً أو غيره بتبعة قلت أو كثرت" فرد معاوية حينئذ برق أبيض وقال :" اكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه ". . فاصطلحا على ذلك واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده فالتزم ذلك كله معاوية(1.)وفي رواية أخرى ذكرها ابن أبي الحديد مفادها أن معاوية بعث عبد الله ابن عامر وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن للصلح فدعياه إليه فزهداه في الأمر وأعطياه ما شرط له معاوية وألا يتبع أحداً بما مضى ولا ينال أحداً من شيعة علي بمكروه ولا يذكر علياً إلا بخير وأشياء شرطها الحسن فأجاب إلى ذلك، وانصرف قيس بن سعد إلى الكوفة فيمن معه وانصرف الحسن إليها أيضاً وأقبل معاوية قاصداً الكوفة، واجتمع إلى الحسن وجوه الشيعة وأكابر أصحاب الإمام علي يلومونه ويبكون جزعاً مما فعله (2)وفي رواية أخرى عن جماعة من المؤرخين ذكروا بأن الحسن ومعاوية اصطلحا فارتضيا بما تضمنته الوثيقة التالية والتي يقال بأن الاثنين قد وقعا عليهاهي:" بسم الله الرحمن الرحيم .. هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان ، صالحه على أن يسلم إليه أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الصالحين، وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحدٍ من بعده عهداً بل يكون الأمر من بعده شوری بین المسلمين


1) حياة الإمام الحسن باقر شريف القرشي - ج 2 ص 221 و ص 227 - ط 3 دار البلاغة.

2) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد المعتزلي.

وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله من شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم وعلى أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء وبما أعطى الله من نفسه وعلى أن لا يبغي للحسين بن علي ولا لأخيه الحسن ولا لأحد من أهل بيت رسول الله غائلة سراً ولا جهراً ولا يخيف أحداً منهم في أفق الآفاق من وشهد عليه فلان بن فلان وكفى بالله شهيداً . . ."(1)هذه روايات كلها وقد يكون غيرها الكثير مما روي عن ما يسمى بصلح الحسن جاءت جميعها مختلفة عن الأخريات والاختلاف من الناحية العلمية لا يؤكد الحقيقة .. إذاً كل ما نقل كان على شكل روايات لم يتفق المؤرخون على رواية واحدة ونحن نعتبر الاختلاف هذا في الرواية وفي النقل أيضاً جاء حسب أهواء من كتب عن الموضوع.والذي لفت نظرنا أحد الكتاب ، الذين كتبوا عن الموضوع تحت عنوان " صلح الإمام الحسن في منظور آخر " . يقول :- ولأجل تجاوز هذه التناقضات والاختلاف في الروايات والوصول إلى أقرب صورة عن واقع الصلح قام الشيخ راضي آل ياسين في كتابه (صلح الحسن بمحاولة للتنسيق بين هذه الشروط المتناثرة في الروايات المختلفة وصاغها على شكل بنود خمسة (2))هذا حقيقة ما يؤسفنا ، وكأننا لا بدَّ أن نصل إلى البنود أو الشروط حتى نقول بأن معاوية قد نقضها كلها وعلى أساس نقض معاوية لكافة الشروط، فقد


1) حياة الإمام الحسن - باقر شريف القرشي - ج 2 ص 226 .

2) صلح الإمام الحسن من منظور آخر الأسعد بن علي.

استغفل معاوية الحسن وأن الحسن قد بايعه وبعد مبايعته هذه لا يمكن له أن ينقض العهد لأنه ليس من أخلاقه ولكن ليستمر الوضع حتى يعرف الناس الحقيقة وبعد ذلك يفعل الله ما يريد ولكل حادث حديث .وحتى نناقش هذا الأمر الذي هو في غاية الأهمية ولا بد للمتتبع أن يحلل بفكره الأمر وليصل ولو إلى جزء من الحقيقة .. فلا بدَّ أن نذهب إلى ما أورده الشيخ راضي آل ياسين في كتابه صلح الحسن ولنرى ما هي البنود والشروط التي وفق دراسته لكل الروايات حاول أن يجمعها حتى يأتينا بشيء جديد ونقول ذلك مع كل احترامنا وإجلالنا للشيخ آل ياسين وكتاباته . . إذاً البنود هي :المادة الأولى :تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلی الله علیه واله وسلموبسيرة الخلفاء الصالحين.المادة الثانية : أن يكون الأمر للحسن من بعده فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد .المادة الثالثة : أن يترك سبّ أمير المؤمنين (الإمام علي والقنوت عليه بالصلاة وأن لا يذكر علياً إلا بخير .)المادة الرابعة : استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف (خمسة ملايين يشمله تسليم الأمر وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسن كل عام ألفي ألف درهم وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس وأن يفرق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين (يعني الإمام علي ) يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم وأن يجعل ذلك من خراج)

دار أبجرد .(1)المادة الخامسة : على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله فی شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم وأن يؤمن الأسود والأحمر وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم وأن لا يتبع أحد بها بما مضى وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة وعلى أمان أصحاب علي حيث كانوا وأن لا ينال أحد من شيعة علي بمكروه وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم وأن لا يتعقب عليهم شيئاً ولا يتعرض لأحد بسوء ويوصل إلى كل ذي حق حقه وعلى ما أصاب أصحاب علي حيث كانوا. وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولأحد من أهل بيت رسول الله غائلة سراً ولا جهراً ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق .هذه البنود التي أوردها صاحب كتاب صلح الحسن الشيخ راضي آل ياسين ومنهم من زاد عليها بنوداً أخرى هي أن الحسن لا يسميه أمير المؤمنين (نقلا عن تذكرة الخواص للجوزي وآخر ألا يقيم عنده الشهادة (2).)نقول إن تسطير هذه البنود جاءت في وقت متأخر وقد نسقت على ما أورده التاريخ من أعمال معاوية ومن جاء بعده حتى يقال بأن هذه البنود وهي ذاتها التي أخلَّ بها معاوية بل أوغل في الأذى بأمور هي أصلاً لم يتفق عليها . .وقيل بأن الحسن سلّم الأمر إلى معاوية وإن العملية كلها تمت في الكوفة وفي مسجد الكوفة خطب معاوية وخطب الحسن وكانت خطاباتهم على طرفي نقيض حسب ما ورد في الروايات.. فأي صلح يتم وفي ذات الوقت والناس لم يتفرقوا بعد تبدأ المشاحنات الكلامية وسوف نذكر هذه


1) أبجرد أهي مدينة -داراب بولاية فارس على حدود الأحواز.

2) حياة الإمام الحسن - القرشي نقلاً عن أعيان الشيعة.

الخطب لاحقاً !!نقول مرة أخرى :1 . لماذا سمّي كل ذلك ب- (صلح الحسن ولا يقال صلح معاوية، ورغبة فيه لأن معاوية هو الذي كان متلهفاً عليه وعندما نؤكد أن ذلك هو صلح الحسن فكأنما كان الحسن هو الذي رغب فيه ليتخلص من هموم الأمر كله .)2 . كل ما قيل هو مختلف عليه ونقل حسب أهواء ناقليه وتحزبهم وحتىالمحايدون من الرواة كان نقلهم سطحياً لكي يكملوا وتائر الأحداث تاريخياً .3 . نعتقد من هذا الاختلاف أن حلقة مفقودة لم يصل إليها أحد ظلت خافية علينا وعذرنا في هذا الرأي هو اعتقادنا بأن الإمام الحسن ليس بالرجل السهل أو غير العارف بما يدور حوله حتى لو أخذنا برأي أساتذتنا ممن حللوا هذه الفترة على أنها كانت في غاية الضرورة بما أقدم عليه الحسن لكي يعرف الناس عندما يسوؤهم الأمر في ظل ولاية الأمويين إلى الحقيقة بأنفسهم وبعد ذلك يتم العمل بهدوء ويتم ترتيب جديد للأمور على المستجدات التي سوف تحصل ولا بدَّ من أن هذه كانت مشيئة الله لامتحان عباده. وإلى غيرها من المسوغات .إذا كان الناس يعرفون جيداً الإمام علياً وكانت مواقفهم مثل ما عرفناها وهم ليسوا بعيدين عن عهد النبي صلی الله علیه واله وسلم وما تلاها وكانت حقبة حكم بني أمية في خلافة عثمان ظاهرة وبائنة لهم وما الثَّورة التي شبت إلا نتيجة تلك الأسباب، فمتى سيعرفون الخطأ من الصواب والحق من الباطل والظلم والاضطهاد من المساواة في الحقوق والجوانب الإنسانية والمبدئية وجاءهم الحسن وسيرته معروفة لديهم وكانت مواقفهم مثل موقفهم مع أبيه ..؟! فكم من الوقت

يلزمهم عندما يتولى معاوية الحكم حتى يعرفوا ما وقع فيهم ..؟ وهل معاوية وأتباعه بهذه السهولة كي يتركوا الأمر ولو دونه الدماء وسقوط الجماجم . . ؟إذاً الحقيقة مؤلمة والمسوغات واهية .. فهناك إمام بويع له بالخلافة في أغلب الأمصار عدا الشام، يدخل في صلح وتنازل عن الخلافة ويطلب من الناس بيعة غريمه ويعرفه على باطل وبعيداً عن الشرعية فهل يعقل ذلك؟! وفي نفس الوقت ليس من حق أي خليفة تسليم ولاية المسلمين لأحد إلا أن يرجعإلى الناس الذين بايعوه ليختاروا من يريدونه !!كما أن أهل العراق أي أهل الكوفة كانت هذه مواقفهم من الإمام علي ومن ابنه الحسن ولكن لم يصلنا عن تخاذل الحجازيين أو المصريين أو اليمنيين شيء .. وهل أن خيانة البعض وميل بعض رؤساء القبائل إلى معاوية كانت هذه آخر الدنيا . . إذاً هناك حلقة مفقودة فسرها الرواة بشتى الوسائل، الصديق منهم والمنافق والعدو .. فهل العقل والعلمية في البحث تستسلم لهذه الآراء بهذه السهولة من الاستيعاب . . ؟!كلا لقد كان الحسن أكبر من ذلك كله ونعتقد بأن الأمر ليس بهذا الشكل وما مرَّ علينا يدعونا لأن نأخذ بهذا المعتقد.. إنه ليس صلحاً إذا كان يعرف الحسن مسبقاً بنيات معاوية وليس عهداً وميثاقاً لمن لا عهد وميثاق له، وصاحب المصلحة والمنفعة والذي يستقتل على النفوذ والسلطان وهو ليس أهلاً له، يتبع كل الوسائل حتى يصل إلى غايته، فالخداع عنده غير محظور على مبدأ الحرب خدعة ونسي البعض أن هذه الحرب وخدعها تكون غير محظورة في ساحة القتال ولكن هذه الحرب لم تحسم في ساحة القتال، فكل وسيلة استعملت فيها تعد بعيدة عن منطق الشرف والأحداث فيما بعد دلت على ذلك ولم ينكرها الجميع سواء أكان هواه مع معاوية أم مع علي والحسن أو كان

محايداً؟ ولا أعتقد وجود الحيادية في النقل لأن كل شيء وصلنا عن طريق النقل ومنذ ما يقارب الأربعة عشر قرناً من الزمان وحدث ما حدث في هذه العقود والقرون ..ولكن يكفينا شيء واحد لا جدال فيه ونحن في هذا الزمان وما سبقه ،أين علي وأولاده وأهل بيته من الأمويين في الذكر والمحاسن والفضائل . .وبقي أن نقول إن كل من يورد في بحثه بأن الله سبحانه كان يريد ذلك وأن كل شيء بأمره يعني إعطاء المشروعية لمعاوية ولبني أمية في كل ما قاموا به وإن (القدرية قد طغت والله جل شأنه أعطى الإنسان فكراً وعقلاً وبهما حصل على الوسيلة والتوجه في كل ما يقوم به ، ولكن ما حدث قد يكون أكبر من احتمال الإمام الحسن بكل المقاييس للتحمل .. وساعد الله الحسن على ما واجه مما لا نعلمه وآه عليه وألف آه ، لا تحزباً ولا انحيازاً نقولها والله يعلم ما في الصدور .)خلاصة ذلك القول : نحن نريد أن نعرف على وجه الدقة والتحديد ما هي الشروط الحقيقية أو البنود للصلح أو العقد أو التعاهد (سمه ما شئت وعلى ما اتفق عليه الطرفان ، على أن تكون مدونة وغير مختلف عليها لدى جميع المؤرخين ، فأين هي ومن ثبتها ..؟ ولماذا لم تثبت كما دونت بقية الأقوال والأحداث؟ . . إنه شيء مريب إذ لم يذكر شيء موحد عنها فمن حق الباحث أن يداخله الشك . . وقد يقول البعض إنه لم يكن هناك صلح أو عهد . . بل كان هناك اتفاق سياسي لا ديني.. وإذا كان الإمام الحسن يعرف أن معاوية لا عهد له فكيف يتعاهد مع من لا عهد له . . ؟ !)ورد في حاشية كتاب (ثورة الحسين للشيخ محمد مهدي شمس الدين تعقيباً على رأي الشيخ راضي آل ياسين وإليك النص :)

" يميل المرحوم الشيخ راضي آل ياسين في كتابه النفيس "صلح الحسن علیه السلام "ص 252، 270 الطبعة الأولى - إلى التأكيد على أن الحسن والحسين لم يبايعا معاوية بالخلافة، استناداً إلى نصوص وردت في بعض الصيغ التي روي بها الميثاق بين الإمام الحسن ومعاوية، والتي يراها دالة على إعفاء الحسن من كل التزام يشعر بأنه سلم إلى معاوية - بالإضافة إلى السلطان السياسي - الإمامة الدينية أيضاً. وهذا رأي لا نملك رفضه، فشيء آخر غير ما ذكر من النصوص، وهما شخصياً الحسن ومعاوية، يعززان هذا الرأي. ولكن هذا الواقع لا يغير من جوهر المسألة شيئاً، فقد أظهر معاوية للرأي العام أن الحسن قد بايع بما لهذه الكلمة من دلالات زمنية ودينية، وقد كان المسلمون ينظرون إلى البيعة على أنها عهد لا يمكن نقضه ولا الفكاك منه "(1)إذاً .. إن هناك ميثاقاً وإن هذا الميثاق عليه اختلاف فمن الذين يؤكدون الميثاق قسمان . . قسم يؤكد بأن الميثاق عبارة عن إن الحسن قد بايع معاوية کسلطان سياسي ولم يبايعه على الإمامة الدينية .والقسم الآخر ينظر إلى المبايعة على أنها تشكل الزعامة السلطوية والدينية في نفس الوقت . والواقع والذي هو سائد بأن الشخص عندما يبايع له بالخلافة ذلك يعني أن السلطات الدينية والدنيوية تكون بيده .. لأن مفهوم الخلافة يقوم على هذا الأساس، فلا نعلم عن أحد ممن استلم الأمر كان له الحكم وتمشية أمور الدولة يقابله شخص له السلطة الدينية أو الإمامة.ونعود إلى الخيارين اللذين ذكرناهما سابقاً . . أما أن يبدأ الإمام الحسن بخوض معركة جديدة ونتائجها غير محسومة مسبقاً .. وإما أن يقبل بالأمر


1) ثورة الحسين - محمد مهدي شمس الدین ص 127 ، 128 . ص127،

الواقع ويلجأ إلى السلم ، والسلم يعني الصلح بعقد أو عهد أو ميثاق مثلما كمارأينا .والحقيقة التي لا بدَّ من قولها وبجرأة ، إن كل الذين كتبوا عن صلح الحسن لم يتمكنوا من الوصول إلى حقيقة الأمر وكيف كان . وراح كل منهم يعلل ويشرح ويدرس على ضوء ما يراه من فرضيات ، ولكن الكل يعرف شيئاً واحداً هو أن معاوية بن أبي سفيان بعد عدة أشهر من مقتل الإمام علي ومبايعة ابنه الحسن ، تسلم أمر الدولة الإسلامية وأصبح هو الخليفة ودانت له الأمصار كلها وأسس دولة سميت بالدولة الأموية . .وأمام هذه الحقيقة التي لا ينكرها أحد حيث إن الدولة الأموية بدأت بمعاوية واستمرت ما يقارب القرن من الزمان .وظل الناس ينقلون لنا السير والأخبار المختلفة عن الصلح أو الميثاق أو العهد ولكن بتبريرات أدعو القارئ أن يقف أمامها وأمام مصداقيتها مقابل حقيقة لا غبار عليها هي أن الإمام الحسن تنازل عن الخلافة إلى غريمه معاوية. وروايات الشيعة لا تنفي مبايعة الإمام الحسن لمعاوية وكذلك أخوه الحسين، وإنهما التزما بهذه البيعة إلى أن مات الحسن مسموماً ولم ينقضها الحسين بعد وفاة أخيه وحتى وفاة معاوية .والغريب في الأمر أن بقاء هذه البيعة في ظل نقض معاوية لكل العهود والمواثيق والتي سوف نذكرها تباعاً والأغرب من ذلك وفي حياتهما بدأت المنابر بسب والدهما والتنكيل بأشياعهما أمام سطوة وجبروت معاوية كل ذلك والعجيب هو أن الرواة من أتباع أهل البيت يعللون تلك الاستكانة بأمور أغرب من أن يتحملها العقل في مثل هذه الظروف وهي تهيئة الناس بعد أن يروا ظلم واستبداد وسيرة معاوية حتى تتحرك ضمائرهم ويقفوا من جديد، أو بحجة عدم

نكول البيعة لأنها تبتعد عن الأخلاقية والالتزام بالعهود. .بلاهة يتصورها المعتقدون بهذه المسوغات . . كان على كل من كتب أن يكون موضوعياً أكثر من أن يكون معتمداً على التبريرات الواهية ، فذلك واقع وفيه حلقة مفقودة .. لأننا وجدنا ما هي النهايات!! تم التخلص من الحسن، بل من أصحابه ومريديه وبدأت المؤامرة على الحسين في زمن معاوية وأدت إلى مقتله في زمن يزيد بن معاوية . .انظر:"إما أن يحارب الحسن معاوية ولكن سيخسر لا محالة!! وإما أن يسلم السلطة إلى معاوية وينفض يده من الأمر، ويتخلى عن أهدافه، ويقنع بالغنائم الشخصية .. أو أن يخضع للظروف المعاكسة فيتخلى مؤقتاً عن الصراع الفعلي المسلح، لكن لا ليرقب الأحداث فقط وإنَّما ليكافح على صعيد آخر، فيوجه الأحداث في صالحه وصالح أهدافه "(1.)ولا أدري لماذا لم يذكر أحد لحد الآن طريقاً رابعاً هو تأجيل المعركة .. أي تأجيل الصدام الحربي وتهيئة النفوس وأن لا يقدم الحسن على صلح أو عهد أو ميثاق أو بيعة، فيبقى معاوية على غير أمل، وأن يبقى الحسن على أمل التغيير إذا ما عرفنا أن الحسن كانت كل دولة الإسلام تحت إمرته عدا الشام، وبالنسبة للكوفة فإن أتباعه فيها كثر ومستعدون للموت دفاعاً عن مبادئهم، ولو أن الناس فيها كانت أهواؤهم شتّى فلم تؤشر الكوفة خطراً محدقاً رغم كل الأحداث ولكن عندما تستسلم الكوفة إلى الشام يعني ذلك النهاية بكل معانيها ·


1) المصدر السابق - ص114-115.

ورأينا هذا له ما يدعمه :1 . ما ذكر سماحة الشيخ شمس الدين في كتابه ثورة الحسين "فإذا كان الناس قد كرهوا الحرب لطول معاناتهم لها ورغبوا في السلم انخداعاً بحملة الدعاية التي بثها فيهم عملاء معاوية، إذ منوهم بالرخاء والأعطيات الضخمة ، والدعةوالسكينة ، وطاعة لرغبات زعمائهم القبليين، فإن عليهم أن يكتشفوا بأنفسهم مدى الخطأ الذي وقعوا فيه حين ضعفوا عن القيام بتبعات القتال، وسمحوا للأماني بأن تخدعهم ولزعمائهم بأن يضللوهم، ولا يمكن أن يكتشفوا ذلك إلا إذا عانوا الحكم بأنفسهم ، عليهم أن يكتشفوا طبيعة هذا الحكم وواقعه، وما يقوم عليه من اضطهاد وحرمان، ومطاردة مستمرة، وخنق للحريات وعلى الإمام الحسن وأتباعه المخلصين أن يفتحوا أعين الناس على هذا الواقع وأن يهيئوا عقولهم وقلوبهم لاكتشافه ، والثَّورة عليه والإطاحة به " !!نقول في ذلك . . كان من الممكن أن يكون كل ذلك بدون الصلح ..وفي مكان آخر من نفس المصدر يقول الشيخ شمس الدين: "ونحن حين نسمح لأنفسنا أن نندفع وراء العاطفة نحسب أنه كان على الحسن أن يحارب معاوية ولا يهادنه، وإن ما حدث لم يكن إلا استسلاماً مذلاً مكن معاوية من أن يستولي على الحكم بسهولة ما كان يحلم بها. وقد انزلق في هذا الخطأ أصحابه (المؤمنون المخلصون وقد عبر بعضهم عن المرارة التي يحس بها بأن خاطب الحسن بقوله - يا مذل المؤمنين " .)ويعلل الكاتب بأنه "علينا أن نفكر بمقاييس أخرى إذا شئنا فهم موقف الإمام الحسن الذي يبدو محيراً لأول وهلة ، فلا شك أن الإمام الحسن لم يكن مغامراً، ولا طالب ملك ، ولا زعيماً قبلياً يفكر ويعمل بالعقلية القبلية، وإنما كان صاحب رسالة وحامل دعوة وكان عليه أن يتصرف على هذا الأساس.

ولقد كان الموقف الذي اتخذه هو الملائم لأهدافه كصاحب رسالة وإن كان ثقيلاً على نفسه ، مؤلماً لمشاعره الشخصية . (1)ألا يوجد هناك تناقض في هذه التحليلات؟.. من ينكر أن الإمام الحسن كان صاحب رسالة وحامل دعوة يسمح لأن تدين الرقاب لمعاوية بهذه السهولة والسذاجة .. وهذا غير مقبول بتاتاً والحسن أكبر من أن يستسلم بهذه السهولة وعلى أساس تلك الحجج .2 . ألم ينقل الجميع ممن كتبوا عن هذه المرحلة بأن معاوية حين دخل الكوفة قال :يا أهل الكوفة ! أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج؟ وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون . إلا أن كل دم أصيب في هذه مطول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين ".(2)فبعد أن يسمع المتعاهدون أو المتصالحون هذا الكلام، لماذا لا يفضّ كل شيء؟ .3 . عندما بدأ معاوية بسياسته التي سوف نذكرها بالتفصيل، بدأت الوفود تفد على الإمام الحسن في المدينة للقائه، ومنهم أشراف الكوفة وفي مقدمتهم سليمان بن صرد الخزاعي وآخرون .. وقد روى البلاذري بأن الإمام الحسن قال لهم :" أنتم شيعتنا وأهل مودتنا فلو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل وأنصب


1) نفس المصدر السابق

2) شرح نهج البلاغة - ج 4 ص 16 .

ما كان معاوية بأبأس مني بأساً ولا أشد شكيمة ولا أمضى عزيمة ولكني أرى غير ما رأيتم، وما أردت فيما فعلت إلأ حقن الدماء فارضوا بقضاء الله، وسلموا الأمر والزموا بيوتكم وأمسكوا ، وكفوا أيديكم حتى يستريح بر ويستراح من فاجر " .وقد ذكر ذلك في أغلب كتب الشيعة التي كتبت عن صلح الحسن وعن ثورة الحسين كتحليل من أسباب الثَّورة . . نقول :إذا كان هذا صحيحاً والإمام الحسن يقول : "ارضوا بقضاء الله . يعني ما ذهب إليه معاوية ومن بعده الأمويون كان صحيحاً بأن خلافته ودولتهم كانت قدراً وبأمر الله ارتضاه سبحانه وتعالى . .فبعد ذلك الرأي إذاً .. ونحن نؤمن بقضاء وأمر الله، فلماذا حاولوا التغيير إذاً ؟ ! ! .وحتى رد الإمام الحسن لحجر بن عدي الكندي عندما قال له مجيباً بعد أن دعا الحسن للحركة والثورة :" إني رأيت هوى أعظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون، فصالحت بقياً على شيعتنا خاصة من القتل، ورأيت دفع هذه الحرب إلى يوم ما، فإن الله كل يوم هو في شأن .(1)نقول : لماذا لم تتغير صورة الصلح فتأخذ شكلاً آخر .. كأن يعترف الحسن بولاية معاوية على الشام ويقرّه عليها، وأن يكون الأمر لمعاوية بعد الحسن ولو أنه كان أكبر سناً . ولو وجد هناك معترض على هذا الرأي نقول له . . الذي يرضى بقضاء الله وقدره فإن الأعمار تدخل في هذا الإطار أيضاً،


1) نقلاً عن الأخبار الطوال - للدينوري - ص220.

فلماذا لم يتم ذلك . . ؟ !بل لماذا لم يطرح هذا الرأي حتى في وقت الصلح المزعوم ولم يذكر ذلك أحد . . ألم يكن من الطبيعي في حينها أن يطرح هذا الرأي حتى وإن كان على سبيل التفاوض !!وعلى كل حال ورغم كل شيء فإن الأمر أصبح لمعاوية بصلح أو بدونه، بعهد أو ميثاق أو عقد أم بغيرهما ومهما كانت الظروف والأحوال التي لا يعلمها إلا الله لأننا لم نطلع على أي شيء يؤكد بأن وثيقة الصلح قد كتبت ولا نعرف من شهد عليها وهذا هو الغريب في الأمر.ولا بدَّ من الإشارة إلى نص ورد في كتاب صلح الحسن من منظور آخر، أن معاوية أرسل إلى الإمام الحسن بعد الصلح وعندما تهيأ الإمام لمغادرة الكوفة إلى المدينة أو أثناء مغادرته يقول له :" ارجع لتقاتل طائفة من الخوارج أعلنوا العصيان والتمرد في جوارها، (أي الكوفة فأبى أن يرجع وكتب إلى معاوية :)" ولو آثرت أن أقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت قتالك قبل أي أحدٍ من الناس " (1.)ولو صح ما ورد في هذا المصدر فإننا نقول بأن الحسن كان مكرهاً علىقام به فكيف يصالح ويرد معاوية بهذا الرد؟ .إذاً وبعد كل ذلك نجد بأن الإمام الحسن لم يأمن البقاء في الكوفة لبدء المؤامرة عليه وعلى أهل بيته وكذلك لما اعتصر قلبه من مواقف أهل هذا المصر وخذلانهم وقد أحب مجاورة قبر جده وأن يستقر في المدينة مع أخيه


1) صلح الإمام الحسن من منظور آخر - الأسعد بن علي ص 38 ،39.

الحسين وأهل بيته ، وعندما غادر الكوفة جعل الناس يبكون ويسألونه ما حملك على ما فعلت؟ فيقول :"كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحد أبداً إلا غلب ، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى ، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً فليت شعري لمن يصلحون بعدي " .(1)واستقر الإمام الحسن في المدينة بعد مغادرته الكوفة نهاية عام 41ه- إلىعام 51ه- وهي سنة وفاته بالسم .وفي هذه الفترة تفرغ الإمام للعلم وخدمة دين الله وأسس خلال هذه السنوات مدرسة علمية ظهر فيها الكثير من الأعلام (2وفي هذه الفترة حدثت أمور كثيرة سوف نتطرق إليها في سياق الحديث التالي عن زمن معاوية .)وقد أطلنا في مناقشة هذا الموضوع (صلح الحسن لصلته الوثيقة بثورة الحسين بعد أن نتعمق في معرفة حكم معاوية بكل تفاصيله لنصل بشكل كامل إلى ما آلت إليه الأمور .)


1) الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 3 ص 407 .

2) راجع التفاصيل في كتاب حياة الإمام الحسن - القرشي - ص 280 معتمداً على (تاريخ ابن عساکر) .

## زمن معاويةزمن معاويةامتلأت كتب التاريخ بالحديث عن مرحلة حكم معاوية تفصيلاً وحتى في الجزئيات ونحن هنا لا نريد أن نذكر كل تلك التفاصيل، ولكننا وجدنا من الموضوعية بمكان أن نشير إلى الأمور المهمة جداً وبمقدار ما يتعلق الأمر بموضوع بحثنا .نرى من الضروري جداً وقبل الولوج في موضوع زمن حكم معاوية، أن نبحث بشكل سريع مقارنة بين الإمام علي ومعاوية ، وهذه المقارنة نعتبرها استذكاراً لما ذكرناه، وبعده سوف ننتهي للوصول إلى الفرق الشاسع بين الفترتين وسوف نلاحظ الفرق بين الشخصيتين اللتين بسببهما حدثت كل التطورات في مستقبل الدولة الإسلامية وما شملت هذه التطورات من أحداث وثورات، وتغيير في الدولة وحتى انقسامها فيما بعد وضعف قوتها الذي جلب عليها الويلات ، مما أدى بها إلى التفتت والانكسار .. فتعال معي إلى هذه المقارنة التي نعتبرها الأصل ضمن بحثنا ؛ لأن الإمام الحسين بن علي هو ابن الإمام علي وهو التلميذ المتميز في مدرسته التي هي أصلاً مدرسة الرسول صلی الله علیه واله و سلم :1 . إن الإمام علياً تربى في حجر النبي رسول الإنسانية، فهو ابن عمه وأخوه، وقد زوجه النبي صلی الله علیه واله و سلم بابنته سيدة النساء فاطمة الزهراء، وموضوع زواجه بالزهراء غير خاف على أحد وقد ولدت له السبطين الحسن والحسين ريحانتي رسول الله وسيدي شباب أهل الجنة والإمامين قاما أم قعدا، حسب ما روي ذلك عن النبي وبدون اختلاف عن صحة الرواية.

ووالد الإمام علي هو أبو طالب مؤمن قريش وكافل النبي صلی الله علیه واله و سلم بعد وفاة جده عبد المطلب، وكان سند النبي ودعامته وحاميه من أذى قريش ، لأن مكانة أبي طالب معروفة في قريش ومكة بالذات.. وأم علي هي السيدة فاطمة بنت أسد من أوائل المسلمات والمؤمنات برسالة محمد صلی الله علیه واله و سلم ، وقد ولدت علياً في الكعبة فعرف علي ب- (وليد الكعبة وقد كرم الله وجهه لعدم سجوده لصنم منذ ولادته وكان يلقب ب- (محطم الأصنام ) في يوم الفتح المبين. وأن علياً هو أول من آمن بالرَّسول بعد خديجة الكبرى زوج الرَّسول وتلاهما أبو بكر وزيد بن حارثة والآخرون .)أما معاوية فقد تربى في حجر أبي سفيان بن حرب بن أمية، رأس الكفر والمشركين وأشد الناس على رسول الله وبني هاشم وقائد حملات المشركين على المسلمين .. وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة ، كان أبوها وأخوها وعمها من الذين قتلهم الإمام علي في معركة بدر أو شارك في قتلهم، وهند هذه تلقب ب- (آكلة الأكباد حيث أغرت عبداً لها بقتل الحمزة سيد الشهداء وعم النبي صلی الله علیه واله و سلم في يوم أحد وقد لاكت بأسنانها كبده تشفياً بعد المعركة .. وآل أبي سفيان هم (الطلقاء) الذين أسلموا بعد فتح مكة ومعهم بقية الأمويين وسماهم النبي فيما بعد ب- (المؤلفة قلوبهم ) وأحسن إليهم لكي ينصهروا في دين الحق عن وعي وفهم وتعمق، ويبدو أن ذلك لم يحدث إلا ظاهراً وكل الأحداث تؤكد ذلك.)2. تربية علي في حجر النبي كانت تعني بكل ما تحمله النبوة من فداء وتضحية وشجاعة وعلم ومبدئية وإيجابية مطلقة للخير .. بينما تربى معاوية على كل مفاهيم الرجعية واليمينية ، وكانت نوازعه سلطوية بعيدة عن المبدئية والتضحية من أجل الحق بل تضحياته ، إن وجدت كانت تنازلات آنية لغرض شخصي قبلي، تحرك كل ذلك نزعات المال والنفوذ والسلطة والحكم. وكانت

النزعة الشخصية لدى معاوية والزهو بنفسه وأطماعه في السلطة والزعامة مهما كلف ذلك من أمور وهو يختلف عن علي بهذه النظرة .3 . كانت مبدئية علي تملي عليه استعمال وسائل نبيلة وشريفة عندما يريد الوصول إلى غاية أو هدف فكان علي يرسل ويفاوض ويحض على الصلح وحقن الدماء وهو يمتلك القوة عندما تحرك جيشه لملاقاة معاوية فقد سبق تحرك الجيش النذر والوفود والمجادلات والرسائل وكانت رسائله تتسم بالود ويحض خصمه دائماً على التزام الصواب والحق ومراجعة النفس وإلقاء الحجة ببينة. وكان يميل إلى التفاوض قبل القتال .بينما كان معاوية يستعمل الدهاء والمكر واستغلال الفرص وحتى رسائله التي ردَّ بها على علي كانت مليئة بالسباب والقذف وإليك مثلاً واحداً وهو أحد ردود معاوية على إحدى رسائل الإمام علي :"عرفنا ذلك في نظرك الشزر، وقولك الهجر وتنفسك الصعداء، وابطائك عن الخلفاء في كل ذلك تقاد كما يقاد الجمل المخشوشي. ولم تكن لأحد منهم (يعني الخلفاء أشد حسداً منك لابن عمتك (عثمان). وكان أحقهم ألا تفعل به ذلك لقرابته وفضله .. فقطعت رحمه وقبحت حسنه وأظهرت العداوة. وأبطنت له الغش وألبت الناس عليه حتى ضربت آباط الإبل اليه من كل وجه وقيدت الخيل من كان وافق ، وقد بلغني أنك تنتفي من دم عثمان وتتبوأ منه. فإن كنت صادقاً فادفع الينا قتلته نقتلهم به ")أما رد الإمام علي فنجده على نفس ورقة الرسالة يقول : " .. وذكرت بأن ابن عفان كان الفضل ثالثاً ( ثالث الخلفاء. فإن يكن محسناً فسيلي رباً شكوراً يضاعف الحسنات ويجزي بها، وإن يكن مسيئاً فسيلقى رباً غفوراً رحيماً لا يتعاظمه ذنب أن يغفره . . أما الحسد فمعاذ الله أن أكون أسررته أو)

أعلنته، أما الإبطاء فما أعتذر إلى الناس منه . . وإن عثمان صنع ما رأيت فركب الناس منه ما قد علمت وأنا من ذلك بمعزل ، إلا إن تتجنّى فتجنَّ ما بدا لك .وذكرت قتلته بزعمك وسألتني دفعهم إليك ما أعرف له قاتلاً بعينه . وقد ضربت الأمر إلى أنفه وعينه فلم أره يسعني دفع من قبل ممن تهمته وأظننتهإليك " .لنر الفرق هنا فإن أسلوب كل منهما يكشف عما في نفسه .. رغم أن الإمام علياً خليفة المسلمين وصاحب الأمر وقد بايعه المسلمون والكل يعرف سابقته وفضله وقرابته ، فهو ظل يكاتب عاملاً على أحد الأمصار متمرداً على الدولة، وهذا المتمرد من أعطاه الحق لأن يناقش خليفة المسلمين، بل ويتهمه ويكيل له ألفاظاً يعرف معاوية جيداً أنها بعيدة عن الإمام علي، فما هذه الجرأة إلا تجن وتطاول على الشرعية .. والشرعية تصغي وتجيب لأن أخلاق ولي الأمر وتربيته تملي عليه ذلك وقد يشعر الذي يطلع على رسائل وأجوبة الإمام علي أن فيها ضرباً من الضعف والتردد .. ولكن الجميع يعلم بأن علياً كان باستطاعته أن يبطش بجيش معاوية بطشاً نهائياً فيأخذ بالمبادرة ويعود الحق إلى سيرته الأولى ..إن الإمام علياً ليس ضعيفاً ولا متردداً، ولكن نهجه المعروف يحتم عليه إلقاء الحجة ويعد ذلك أحد الدروس التي يجب أن يتعلمها الجميع .. والذين يقتلون بحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل قد يكونون لا يعلمون عن ماذا يقاتلون ولماذا .. وخاصة جند الشام حيث كانت الحقيقة قد أخفيت عنهم بشكل كامل وأعدوا إعداداً أحادياً ..؟وقد يحتار البعض في عدم مبادرة الإمام علي بالحرب بداية والجواب هو :

" إن انتصاراً كهذا لم يكن يريده الإمام علي . كان يريد صدق الباطن ونقاوته لا انتصار الظاهر وسطحيته. ولهذا احتمل أن يراسله عامل من عماله بتلك الجفوة فلا يذكر لقب الخلافة في كتبه بل يوسعه شتماً. ولقد احتمل علي من معاوية ما يحنق المؤرخ وهو يرقب هذا الصبر الغريب البعيد الغور أشدّ الحنق " .(14. لم يتحرك الإمام علي للقتال إلا حين يتحرك خصومه أولاً .. فقد قاتل مع جيشه في حرب الجمل وهو خليفة بعد أن تحرك أهل الجمل قبله وأعدوا العدة لقتاله، وعند ذلك توجه إليهم إلى البصرة، ولم يبدأ القتال إلى أن بدأوه هم بعد أن استنفد جميع الوسائل ليتجنب القتال .. وكذلك في حرب صفين فإن معاوية بدأ بداية تتفق مع استعداده فاحتل (صفين موقع الماء ليمنع جيش علي منه ، فلم يهاجمه الإمام علي ، بل أرسل من يطلب أن يكون الماء شركة بين الفريقين ، لا أن يحرم فريق ويستأثر به فريق آخر حتى لو كان ذلك في أمر الحرب، وعندما رفض معاوية مقترح الإمام علي حول الماء فهنا نرى بأن جزءاً من جيش الإمام قام بالهجوم وقد أجلوا جيش معاوية عن الماء وبدلاً من أن يحرم الإمام خصومه بعد أن حرموه هم أولاً، نراه يأمر بأن يكون الماء شركة بين الفريقين وشرب منه الجيشان .)5 . الإمام علي يسامح ومعاوية يستخدم المكر والخديعة حتى إذا انهزم


1) راجع اليمين واليسار في الإسلام - أحمد عباس صالح - ص124.)والحقيقة.. فنحن أوردنا نصاً ما عبر عنه الأستاذ أحمد عباس صالح رغم أن لنا اعتراضاً على مفردات جاءت في النص مثل السب والشتم وقد يتصور البعض بأن الإمام كان يتقبل القذف والسباب من معاوية ولكن ما قرأنا من مفردات تدخل في إطار التجاوز الأخلاقي لا غير ولكن لمعاوية حدود يعرفها هو جيداً، وإليك بعض ألم الإمام علي وهو يحدث نفسه ويقول: «أف هزلت والله.... لقد أنزلني الدهر حتى قيل علي ومعاوية!!».

جيش معاوية رفعت المصاحف .. والمعروف بأن الإمام علياً لم يهزم أبداً في أي معركة خاضها منذ صباه إلى آخر أيامه وكان بعد ذلك يقرأ ما تخفيه صدور خصومه فهو لم يخدع أبداً، وكان يدرك أن رفع المصاحف خدعة قام بها معاوية بإيعاز من عمرو بن العاص . .والإمام علي هو أول من رفع المصاحف، ولكن ليس بعد القتال والهزيمة، بل قبل أن يبدأ القتال فكان ذلك في حرب الجمل بعد أن رفض أصحاب الجمل الحجة وصمموا على القتال، فلم يخرج الإمام علي عن طوره فأمر أحد رجاله بأن يرفع المصحف بين الفريقين ..والإمام دعا الشاب الذي قبل أن يرفع المصحف وقال له .. إنه قد يقتل بنبال القوم فلم يتردد الشاب ، ثم رفع المصحف وتقدم حتى وقف مقابل جيش أصحاب الجمل ورفع المصحف بين يديه ، وكان كما توقع الإمام علي فقد رُشِقَ الشاب بالسهام وسقط صريعاً والمصحف بين يديه .بل وكان موقف الإمام أغرب من القتال بعد انتهائه فهو يأمر بدفن قتلى الفريقين وألا يجهز على جريح أو يطارد أحد من الفارين وقال كذلك ليس في هذه الحرب مغانم للمنتصر فيها وعندما احتج جيشه على ذلك وقال بعضهم " أحل لنا دمهم وحرم علينا أموالهم ".ولم يُعِز الإمام هذا الاحتجاج اهتماماً، فكان يضع مبادئه التي أقرها أمامه حتى لو احتج أصحابه عليه .. وحتى الحزن على القتلى فكل طرف حزن على قتلاه ، ولكن الإمام كان حزنه على الذين قتلهم هو وجيشه قبل أن يحزن على الذين قاتل بهم، وكل ذلك من أجل ديمومة رسالة الإسلام التي كانت تنهش بها الفتنة .أما معاوية فكانت شخصيته على النقيض تماماً لأنه كان أيضاً شخصية

فريدة اتسمت بخصائص الرجل الذي لا تشل حركته أية قيمة من القيم. فلو كان معاوية مكان علي لأجهز على الجريح وسلب الأموال والنساء والأولاد بحجة الانتصار في الحرب .6 . لو كان معاوية مكان علي لوزّع بيت المال بما فيه من أموال على الدهاة والرؤساء لضمهم إلى جانبه، وقد عمل ذلك بالفعل عندما تصرف بأموال المسلمين في الشام لنفس الأغراض، بينما الإمام علي وموقفه من المال معروف ومبدأ المساواة في العطاء وعلى أصوله قد بحثناه سابقاً، فقد وزع الأموال على جميع المسلمين بالتساوي أبيضهم وأسودهم.. عبدهم وحرهم، كبيرهم وتابعه .. وكثيراً ما نقل عنه أنه كان بعد التوزيع يكنس بيت المال ويصلي فيه ركعتين .7 . كان الإمام علي يعتقد بأن الناس في نظره شخصيات إنسانية وهذه الشخصيات تحمل كل مواصفات البشر التي خلقها الله على أن تكون فيها مكامن السمو والحرية وهذه نوازع كمنت فيهم كما خلقهم الله أحراراً، وينبغي تنمية هذه النوازع في الناس بل وإبرازها للعلن لكي يتحسسوا آدميتهم ويرتفعوا إلى ما يريد الله لهم أن يكونوا عليه .وكان الإمام علي يضع اهتمامه بالإنسان وقلبه في أول معطيات اهتمامه ، وكان يتجه إلى داخل الإنسان يبينه ويؤكده ، بينما كان معاوية باتجاهاته اليمينية مختلفاً عن الإمام، فكان يؤكد الحوادث واحتمالاتها وإلى مواطن الضعف فيالإنسان لتنميتها واستغلالها . .وهذا هو النقيض بعينه .. لأن الإمام علياً كان يعتقد أيضاً بأن الانتصار الحقيقي الذي ينشده هو سمو النفس البشرية واتصالها بالمبادئ الإسلامية بشكل وثيق كأنه غريزة أو فطرة .

8. علّم علي أصحابه بأنه لا ينبغي لإمام المسلمين أن ينفرد برأيه، وإذا ما اتخذ أمراً لا يكره أحداً عليه لأنه علم أصحابه بأن لا كرامة للإنسان بدون حرية لإبداء رأيه، وقد عودهم على التفكير والاختيار.. وبذلك فقد علمهم وعودهم بأن يستشيرهم ويبين في نفس الوقت حجته وبذلك فقد أعطاهم الحق بأن يخالفوا رأيه فيقوم بمناقشتهم ومجادلتهم ، وإذا ما وجد أن الأغلبية كانت ضد رأيه عدل عنه ويترك التجربة العملية في الواقع هي التي تكشف من هو المصيب ومن هو المخطى (1.)فالحرية علمت أنصاره الجدل الفارغ وعلمتهم اللجاج واختيار الدعة والسكون. فها هو حاكم ينقد ويجادل فلا يوقع العقاب، وهذا هو حاكم يقسم أموال الدولة على المسلمين جميعاً، فيجد كل فرد رزقه مكفولاً، فما الحاجة إلى القتال وما معنى المبدأ وما معنى النضال؟كان الإمام يقول إن معنى هذا كله أن تقلب الأمور وأن تستذل النُّفوس وأن تتدنى أرواح الناس فتزهق دون رحمة أو لحظة من تردد، وأن يستأثر الأقوياء بالأموال والخيرات وأن يحرم الضعفاء من كل شيء فلا يجدون القوت الضروري ."ولكنهم لم يدركوا شيئاً من هذا تقاعسوا وانكبوا على حياتهم الرخيصة التي أنشأها لهم عليّ ويسرتها مبادئ الإسلام، دون أن يواجهوا ذلك العداء المتربص بكل الخيرات ". (2)


1) هذا المعنى في الواقع هو ما أكده من كتب عن صلح الحسن، حيث أبدوا رأيهم موافقاً لهذا الموقف وهو ما ظن به الكثير واعتمادهم كان هو أن الحسن والحسين كانا على نهج وسياسة أبيهم.

2) اليمين واليسار في الإسلام - ص 117.

وعندما نرى الإمام علياً في موقف قل نظيره في التاريخ لأنه كان يدعو للقتال من أجل حياتهم وحياة الأجيال من بعدهم .. في حال كان بإمكان الإمام علي أن يجيش الجيوش ويذهب بهم خلف مغريات الغنائم والمناصب لأنه في هذه الحالة كان يعتقد انتصاره ناقصاً والهزيمة خير منه .وكل ذلك هو خلاف ما كان عليه معاوية من موقف الإمام علي، بل كان على النقيض منه تماماً باعتراف كل من سجل وكتب عن تلك المرحلة .9 . كانت قيادات جيش الإمام علي تتكون من الصحابة الأولين والمناضلين الأشداء رغم أن الشيخوخة أخذت منهم مأخذاً وما البطل الجليل عمار بن ياسر إلا أحد الأمثلة الذي صدقت نبوءة النبي صلی الله علیه واله و سلم فيه عندما قال في جمع من صحبه لعمّار "تقتلك الفئة الباغية " ، وكانت للإمام علي قابلية خلق قيادات جديدة في قلب المعركة ورغم نقص قياداته القديمة من الذين شاركوا النبي صلی الله علیه واله و سلم جهاده وظلوا متمسكين بخط الإمام إلا أنه لم يغيّر خطه العام ولم يشتر قلوب رجاله بثمن بخس ، كما كان يفعل معاوية .10 . وعلى ضوء ما تقدم فيمكننا أن نجزم بأن الإمام علياً لو كان قد قضى على معاوية وأطماعه ونزوعه للباطل، فإنه سوف لن يأخذ الشاميين بجريرة من ساقهم للقتال حتى لو كانوا مؤمنين به، ولا يطول أحداً ممن وقف مع معاوية أو أن يحاسبه على موقفه حتى ولو كان خائناً للإمام أو منافقاً اتبع هواه ومصالحه والدليل هو ما وجدنا من موقف الإمام علي بعد حرب الجمل ممن قاتلوه ونجوا من القتل ، على خلاف معاوية الذي تعرض بعدئذ لأهل الكوفة ولأصحاب الإمام علي ولأهل بيته ولمن كان هواه مع الإمام في بقية الأمصار مما سوف نذكره ضمن الحديث عن زمن معاوية .11 . عندما كان أحد لا يرغب في بيعة الإمام لم يجبره عليه ولكن

معاوية استعمل القتل لمن لم يؤيده . والأكثر من ذلك كان خصومه آمنين . . فالخوارج الذين اعترضوا عليه بقبوله التحكيم وخرجوا عليه بعد ذلك واضطرإلى قتالهم عندما ازدادوا في الإساءة والقتل وقد ازداد خطرهم وتعصبهم ." فقد عاش الخوارج مع الإمام علي في الكوفة يدبرون له المكائد ويتربصون به الدوائر ، ويصرفون عنه قلوب الناس وعقولهم. يشهدون صلاته ويسمعون خطبه وأحاديثه . وربما عارضه منهم المعارض فقطع عليه الخطبة والحديث وهم على ذلك مطمئنون إلى عدله ، آمنون من بطشه، مستيقنون أنه لن يبسط عليهم يداً ولن يكشف لهم صفحة حتى يبادئوه. وهم يأخذون نصيبهم من الفيء وحظوظهم من المال الذي يقسم بين حين وحين، فيقوون به على الحرب ويستعدون به للقتال "(1.. والإمام علي يعلم بذلك ولكنه لا يقاتلهم حتى يبدأوا ، هم فإذا كان معاوية في موقف الإمام علي هذا هل يسكت عنه ؟ . .)هذه المقارنة السريعة، نجد أن البحث يدعونا لأن ندخل في زمن معاوية ، وبدءاً يتحتم علينا أن نعرف أولاً ما هي السياسة التي بني عليها حكمه والتي سار عليها بلا تردد وما كانت نتيجة هذه السياسة .بما أن سياسة الإمام علي وأسلوبه في ممارسة مهمة الحكم وتعمقه الشديد في فهم الواجبات التي يجب أن ينهض بها الحاكم، فكانت هذه الأمور في نظر معاوية تشكل تحدياً له ولبطانته ، وفي نفس الوقت يعتبرها تهديداً لكل مشاريعه وغاياته التي يبغي منها الوصول إلى الحكم والتسلط على المسلمين ودولة الإسلام وكل مقدراتها .. ولأن سياسة الإمام علي أثناء حكمه طبقها فعلاً


1) الفتنة الكبرى - د. طه حسين - ج 2 علي وبنوه ص113.

على أرض الواقع بكل أمانة وإخلاص لذلك كله بدأ معاوية ومنذ انتهاء مهزلة التحكيم وقبل تسلمه الأمر بمدة طويلة بمحاربة هذه المبادئ التي رسخها الإمام علی .. فلذلك كانت سياسته التي خطط لها في العمل على نزع أسباب التطلع إلى الحرية لدى الناس وخاصة الإنسان المسلم وأن يبعده عن الأهداف النبيلة التي ناضل المسلمون من أجلها طويلاً حتى يفتتح أمامه طريق التسلط والحكم المطلق المبني على خلفيته السابقة . . . ولعله في سياسته قد استعمل الدين لتخدير مشاعر الناس وشل الروح الثورية المتأصلة فيهم والمبادئ الإنسانية الخلاقة التي أسس ركائزها النبي الكريم صلی الله علیه واله و سلم وفق مبادئ الرسالة الإسلامية الخالدة والتي سار عليها كل مناضلي ومجاهدي الإسلام.## سياسة معاويةسياسة معاوية :فقد اعتمد معاوية سياسة وهو الموصوف بالدهاء مقرونة بالشدة والإرهاب واستعمال مبدأ التفرقة بين القبائل ، واستغلال النزعة القبلية بكل مساوئها، كما وظف المال لترسيخ سياسته وهو يعلم أن الناس عبيد المال والدنيا وقد يصل به الأمر إلى الانتقام بطرق شتى .. وكل ذلك ليضمن أمر أي خلاف أو ثورة ضده، حتى يتم ترسيخ دولته التي استعمل كل الوسائل للوصول إلى أن يكون صاحب القرار الأول فيها ولكي تنقاد له الجماهير.ونرى من الضروري جداً أن نعيد ما ذكرناه بخصوص كلمة معاوية في مسجد الكوفة وأمام أهلها، لأن هذه الكلمة هي التي حددت منذ اليوم الأول أسلوب حكمه .. وانظر إلى ما قال :"يا أهل الكوفة، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج؟ وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وألي

رقابكم، وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون .ألا إن كل دم أصيب في هذه مطول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتین "(1.)وقبل هذه الكلمة وعندما تم (الصلح أو الميثاق أو العهد قال معاوية "رضينا بها ملكاً ". (2))فلم يحد معاوية أبداً عما قاله بل فعل أكثر من ذلك، ولا بد هنا أن نحدد سياسته على مجمل ما قام به من أعمال وهي :1. استعمل سياسة القوة والإرهاب ومحاربة من لم يكن على هواه ، وليس على طاعته بالتجويع وقطع الأعطيات أو الأموال .. وهنا يمكن أن نقسم هذا المجال إلى قسمين لنرى مجال القوة والقسوة والإرهاب..أ - قام معاوية بتعيين ولاة على الأمصار من الذين يتصفون بالقسوة والبطش ومن الذين يطبقون ما يريده بشكل يزيد عن ما يأمرهم به ... ولأن العراق وأهله كانوا أشد الناس عليه لوقوفهم مع الإمام علي وكان أتباعه وجل جيشه منهم، فقد وجه معاوية على العراق كل اهتمامه لأن فيه بعد من لم يبسط يد الطاعة لمعاوية من جهة، وموقفهم السابق منه من جهة أخرى .. فقد عين على الكوفة زياد ابن أبيه والياً وألحق بولايته هذه ولاية البصرة فأصبحت الكوفة والبصرة تحت إمرة زياد ، وزياد هذا هو زياد ابن سمية وفيما بعد زياد بن أبي سفیان بعد أن ألحقه معاوية بنسبه والحادثة معروفة . .


1) الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج6 ص 220.

2) وفي رواية إن كلمة معاوية هذه كانت في موقع النخيلة وهو موقع قريب من الكوفة للقادم من الشام.

وعده أخاه فلم يمتلك زياد من عظيم امتنانه بهذا الإلحاق إلا أن يقدم خدماته لمعاوية وإن كانت هذه الخدمات على حساب سفك دماء المسلمين.فكان زياد يتتبع شيعة علي وهو عارف بهم لأنه كان فيما مضى واحداً منهم، فقتلهم تحت كل شجر ومدر واستعمل مع أهل الكوفة سياسة التخويف وكان مجرماً بحق، حيث كانت طرقه بالقتل هي قطع الأيدي والأرجل والصلب على جذوع النخل وسمل العيون، وقد شرَّد الكثير منهم عن العراق.وكانت سيرة زياد هذه مشابهة لسير جميع ولاة معاوية وكان أكثر ما يكتبه معاوية لولاته هو ما يخص الاقتصاص ممن كانوا مع الإمام علي ومن أتباعه وأشياعه ، ومن أوامره إلى ولاته وعماله: "ألا يجيزوا لأحد يجيزوا لأحد من شيعةعلي وأهل بيته شهادة " ومن ما جرى أعمامه على ولاته :" انظر من قامت عليه البينة إنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان، واسقطوا عطاءه ورزقه " وقال مرة أخرى : " من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنکلوا به واهدموا داره ".قد يقول البعض إن هذه الروايات ملفقة أو مبالغ فيها، ولكن عملية لعن وسب الإمام علي التي أمر بها معاوية تؤكد صحة هذه الروايات، وانظر إلى المسعودي في مروج الذهب وهو يذكر : "أما زياد ابن سمية فكان يجمع الناس بباب قصره يحرضهم على لعن علي، فمن أبى عرضه على السيف ". (1)وحتى المدائني فقد ذكر بأن ابن سمية كان يعذب بغير القتل من صنوف العذاب، والمعروف عن المدائني أنه كان له موقف سلبي من المرويات عن شيعة علي .


1) مروج الذهب - للمسعودي - ج 3 ص 35.

وكان زياد ابن أبيه قد قطع أيدي ثمانين أو ثلاثين رجلاً من أهل الكوفة (1.)وقد ذكر ابن أبي حديد نقلاً عن المدائني ما نصه: "فقد أنزل من الكوفيين وأسرهم - وكانوا أعظم الثوار تشيعاً - خمسين ألفاً في خراسان(2. ومن الطبيعي أن يكون الغرض من ذلك هو تحطيم المعارضة في كل من الكوفة و خراسان .)وتطبيق سياسة معاوية هذه لا تقتصر على الكوفة أو على واحد من عماله فقط، فهذا (سمرة بن جندب الذي استعمله زياد على البصرة يسرف بالقتل بشكل لا مثيل له سئل أنس بن سيرين: "هل كان سمرة قتل أحداً؟ ". فأجاب أنس :" وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب؟" استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له - يعني زیاد - هل تخاف أن تكون قتلت أحداً بريئاً؟ فرد عليه قائلاً : " لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت " .(3))وذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين في - ثورة الحسين – إن أبا سوار العدوي قال : "قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن ". (4)ويذكر الطبري أيضاً أن سمرة بن جندب استقام في المدينة شهراً، فهدم دور أهلها وجعل يستعرض الناس فلا يقال له عن أحد أنه شرك في دم عثمان


1) الكامل في التاريخ - لابن الأثير - ج 3 ص 73.

2) تاريخ العرب - فيليب حتي - ج 2 ص 259.

3) تاريخ الطبري - ج 6 ص 132.

4) ثورة الحسين - محمد مهدي شمس الدين - ص 64 نقلاً عن الطبري - ج6 ص 122.

إلا قتله (1.)ويروى عن سمرة بن جندب أنه سبى نساء همذان وعرضهن في الأسواق فكن أول مسلمات اشترين في الإسلام . . وقد نقلنا هذا الرأي رغم أننا لم نجده في مصدر آخر غير الذي ذكره شمس الدين عن الاستيعاب ، فلذلك نتحفظ عليه لعدم تكراره في مصادر أخرى حاولنا التأكد منها. ولكن سمرة نفسه قال يوماً :" لعن الله معاوية ، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبداً ". (2)كما أن زياد ابن أبيه قد نوى في آخر أيامه أن يعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من علي ولعنه ، وأن يقتل كل من امتنع من ذلك ويخرب منزله، ولكنه مات قبل أن ينفذ هذه الفكرة(3.)وكان معاوية قبل ذلك وحتى قبل تسلمه زمام الأمور يقوم بإرسال سرايا إلى مناطق متعددة من الدولة وتقوم هذه السرايا بإرهاب أهل المدن التي يغيرونعليها .. والأمثلة التالية تتحدث عما نذكره ..تذكر الروايات أن معاوية أرسل سفيان بن عوف الغامدي إلى جانب الفرات وأمره بأن يمر بهيت ويغير على الأنبار ويتوغل إلى المدائن وكان معاوية يوجه قائده بهذه الكلمات :إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم وتفرح كل من له هوى فينا منهم ، وتدعو إلينا كل من خاف الدوائر، فاقتل كل من لقيته


1) تاريخ الطبري - ج 6 ص 80.

2) الكامل في التاريخ - لابن الأثير - ج 3 ص 212

3) مروج الذهب - للمسعودي - ج 3 ص 35.

ممن ليس على مثل رأيك، وأخرب كل ما مررت به من القرى، وأحرب الأموال فإن حرب الأموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب ".كما وجه يوماً الضحاك بن قيس الفهري صوب الكوفة وقال له :" من وجدته من الأعراب في طاعة علي فأغر عليه " فتوجه الضحاك عن طريق البادية فنهب الأموال وقتل من لقي من الأعراب حتى مر بالثعلبية(1فأغار على الحاج فأخذ أمتعتهم.)وذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة أنه لقي عمرو بن عميس بن سعود الهذلي، وهو ابن أخ عبد الله بن مسعود فقتله في طريق الحاج عند القطقطانة (2وقتل معه ناساً من أصحابه .)أما المجرم الآخر (بسر بن أرطأة فقد ذكر الكثير من المؤرخين ما قام به هذا السفاح بأمر من معاوية، حيث وجهه معاوية إلى الحجاز واليمن وقال له :" سر حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس وأخف من مررت به ، وانهب أموال كل من أصبت له مالاً ممن لم يكن داخلاً في طاعتنا، فإذا دخلت المدينة فأرهم أنك تريد أنفسهم، وأخبرهم أن لا براءة لهم عندك ولا عذر حتى إذا ظنوا أنك موقع بهم فاكفف عنهم . . وأرهب الناس عنك فيما بين المدينة ومكة واجعلها شردات.. وقال له أيضاً .. لا تنزل على بلد أهله على طاعة علي إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لا نجاء لهم، وأنك محيط بهم، ثم اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي ، فمن أبى فاقتله ، واقتل شيعة علي حيث كانوا ".(3))


1) موقعان قريبان من الكوفة ، وسيتم ذكرهما عند الحديث لاحقاً عن مسير الإمام الحسين من مكة إلى كربلاء ، والمنازل التي نزل فيها ، والموقعان موضحان في خارطة المسير التي للتوضيح.

2) موقعان قريبان من الكوفة ، وسيتم ذكرهما عند الحديث لاحقاً عن مسير الإمام الحسين من مكة إلى كربلاء ، والمنازل التي نزل فيها ، والموقعان موضحان في خارطة المسير التي للتوضيح.

3) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد المعتزلي - ج 2 ص 6- 7.

فسار بسر بن أرطأة وأغار على المدينة ومكة ، فقتل ثلاثين ألفاً عدا من أحرق بالنار(1.)كان إرسال معاوية هذه السرايا بعد التحكيم وقد بدأ بسياسته هذه ضد المسلمين الذين يخالفون هواه السياسي.وقد يقول البعض كيف يقوم معاوية بإرسال هذه السرايا في حياة الإمام علي وهو خليفة الأمصار والمدن التي تمت الإغارة عليها فكانت تابعه له . .نقول :إن هذه السرايا كانت تخرج من الشام وتسلك طرق البادية وتستعمل الإغارة المفاجئة وكان سهلاً على هذه السرايا التوغل إلى الحجاز أو العراق أو اليمن لبعدها عن مركز الخلافة في الكوفة، وعندما وصلت أخبارها أسماع الإمام اتخذ على الفور قراراً بمطاردتها ولكن تلك السرايا لم تطل البقاء في المدن التي تهاجمها وكان أسلوبها كأسلوب الغارات بين القبائل أو على القوافل في الجاهلية .ويريد معاوية من كل ذلك إدخال الرعب والرهبة في قلوب الناس والاستيلاء على الأموال وإفساد كل ما هو خير .. وبعد مقتل الإمام علي أخذت هذه الأعمال شكلاً أكثر تنظيماً وعنفاً وشمولاً .ب. كانت سياسة معاوية المالية وفيما يخص أرزاق الناس وأسباب عيشهم لا تقل بشدتها عن سياسته في الشدة والإرهاب.. كتب الكثيرون عن حلم وكرم معاوية وسخائه .. ونحن نؤيد ما قالوه عنه . . ولكن لمن كان هذا السخاء وبسط اليد ؟ . . كان يقتصر على مجموعة قليلة من عامة الناس، وهذه


1) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد المعتزلي - ج 2 ص 17.

المجموعة يرى فيها معاوية الحاجة الماسة لكي يعتمد عليها في ترسيخ حكمه من جهة، ومن جهة أخرى يستخدم سخاءه إعلامياً على أنه يتميز به .. فكان لا يقتصر على الطبقة الارستقراطية التي صعد على أكتافها إلى سدة الحكم .. - ومعاوية ضليع بمعرفة محبي المال لاستمالتهم بأسهل طريقة - ، وما أكثر هؤلاء، فقد نجح في ذلك نجاحاً كبيراً عندما استغل رؤساء القبائل وبعض من سموا بأصحاب الرَّسول وقد استعان معاوية بهاتين المجموعتين لما لها من نفوذ سياسي وديني .. وكان تدفق الثروات الطائلة على هؤلاء من خلال عطاياه يرافقها عطايا لمروجين بسخائه ذاك . . وكرمه وكان للقصاصين هؤلاء دور إعلامي كبير في نشر روايات عن هذا الكرم مما جعل الرواة ينقلون عنهم هذه المكارم واعتبروها مآثر .ولكن ماذا عن سائر الناس وماذا عن احتياجاتهم . . ؟ كان الناس قد عاشوا في شدة وضائقة وقد ذاقت الطبقات الفقيرة طعم المرارة ولم يشمل كرمه ذلك المسلمين في دولة الإسلام، فقد عانى الذميون المعاناة نفسها وكذلك الموالي وهم المسلمون من غير العرب، وإليك بعض الأمثلة عن سياسته المالية تلك :أولاً: كان يهب الأموال لأعدائه القدامى وهم في الغالب من زعماء القبائل بالرغم من معرفته بعدم استطاعتهم بل وعجزهم عن مقاومته، إلا أنه كان يعتقد من الأفضل له عدم إثارتهم بحرمانهم من الامتيازات وقد يكون ذلك إخماداً لما في نفوسهم.ثانياً : تفضيل الشام بالعطاء دون بقية الأمصار أو الولايات الإسلامية، وعذره في ذلك أن الشام قد وقفت معه وكان جنده وجيشه بالكامل من الشاميين، فلا بد أن يسترضيهم على وقوفهم معه واعتماده عليهم. وكان ما

ينفقه على جيشه سنوياً يعادل مليون درهم لكل ألف جندي !! .(1)ثالثاً : سياسة التفرقة في العطاء لم تشمل الولايات فقط بل فرق بين القبائل . فقد فضل قبائل اليمن وحدها بالإضافة إلى عرب الشام لاعتقاده بأن ولاء اليمنيين له كان مطلقاً، وقد أبعد قبائل قيس وجعل القيسيين يعانون وقد فرض لهم العطاء في زمن متأخر بعد أن خشي على سلطانه من قوة قبائل اليمن .(2)رابعاً : عرف عن سياسة معاوية بأنه اهتم بجمع المال دون أن يهتم بأسلوب جبايته أو المصادر التي يجنى منها .. وكان عذره في ذلك هو السيطرة على مصادر الجباية وبيت المال وكلما زاد مصدر المال عنده زاد تحكمه ويكون من الاستحالة بمكان أن يزاح عن الحكم لاستغلاله سلاح المال بشكل محكم .وكتب معاوية يوماً إلى زياد ابن أبيه عامله على العراق : " اصطف لي الصفراء والبيضاء ." . فكتب زياد إلى اعماله بذلك ، وأمرهم أن لا يقسموا بين المسلمين ذهباً ولا فضة (3.)وكتب معاوية إلى عامله على مصر :" أن زد على كل امرئ من القبط قيراطاً " ولكن عامله (وردان كان أعدل منه فكتب إليه : كيف أزيد عليهم؟ وفي عهدهم لا يزاد عليهم " (4))


1) راجع تاريخ الإسلام - ج 1 ص 475 .

2) تاريخ التمدن الاسلامي - جرجي زيدان - ج 4 ص 74 و 75 .

3) المصدر السابق - ج 4 ص 79.

4) ثورة الحسين - محمد مهدي شمس الدين - ص 68 نقلاً عن تاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 474

خامساً : عرف معاوية بالزهو وحبه الشديد لتقليد الأباطرة وميله إلى حب الفخامة في المسكن والملبس والمأكل وهذه نزعة شخصية ملازمة له . وقد ذكرنا سابقاً أمثلة على ذلك منذ أن كان في بداية ولايته على الشام وما انتقاد الصحابي أبي ذر الغفاري له على إسرافه في أموال المسلمين وبنائه القصور إلا مثال على تلك البدايات وانتقاد الخليفة عمر بن الخطاب له عند إعداده لموكب استقباله مثال آخر ، وهذه النزعة الأرستقراطية ليست جديدة عليه وهو ذو ماض برجوازي في الجاهلية، فالمصلحة لديه فوق الشعور بأحوال الناس الذين أصبحوا فيما بعد رعايا .سادساً : كان لمعاوية موقف سلبي من الأنصار وكثيراً ما كان الأنصار يمكثون بلا عطاء ولا ذنب لهم إلا أنهم ينصرون أهل البيت(1. والمعروف أن غالبية الأنصار فكانوا يوالون الإمام علي وكانوا من ضمن قادة جيشه وقد ظلوا على ولائهم حتى بعد مقتل الإمام علي كانوا مع ولديه الحسن والحسين ، وقيس بن سعد بن عبادة أحد الأمثلة .)سابعاً : كما ورد في ثالثاً أعلاه، فإن معاوية قد حرض عماله على جمع الأموال وهم يخترعون الطرق للاستكثار منها . بحيث وصل إلى فرض ضريبة على الأهالي تقدم إليه يوم النيروز . فكان يجني منها عشرة ملايين درهم وهو أول مناستصفى أموال الرعية (2.)وعمال معاوية قد يكونون مبالغين في تنفيذ أوامره، وكما ذكرنا فإنه كان يحرص على اختيار عماله على العراق لأن هذا الإقليم هو الأساس والموطن


1) تاريخ التمدن الإسلامي - ج 4 ص 76 .

2) راجع نفس المصدر في ج 2 ص 19 وج 4 ص 79 و 80 فقد أفاض زيدان وهويتحدث عن السياسات المالية وبأمثلة.

لموالي آل البيت ، وحرصه على هذا الاختيار لتنفيذ سياسة الإرهاب والإذلال والتجويع في العراق، وحتى إذا أراد أن يحسن من أوضاع أهل العراق بالكلام فهو يعرف بأن من يضعهم ولاة هم أشد أعداء العراقيين، وقد يذهبون إلى التغاضي عن أوامر معاوية فلا يغضب معاوية من ذلك بل نراه يستحسن صنيع ولاته في داخله وإليك المثال التالي :نظر معاوية إلى ما يصيب أهل الكوفة من فاقة ، نتيجة سياسته ضدهم فأمر واليه على الكوفة (النعمان بن بشير الذي كان يبغض أهل الكوفة وكان عثماني الرأي والهوى ويعرف أن أهل الكوفة في غالبيتهم ، مع رأي الإمام علي، فأمره معاوية أن يزيد أعطياتهم عشرة دنانير .. فأبى الوالي النعمان بن بشير أن يعطيها لهم، فكلمه أهل الكوفة وسألوه بالله، فلم ينفذ أمر معاوية فأستر حمه عبد الله بن همام السلولي بقصيدة شعر مؤثرة أن ينجز لهم الزيادة، فأجاب الوالي : " والله لا أجيزها ولا أنفذها أبداً" . (1))ثامناً : نجد في زمن معاوية بدعة لم يعرفها الإسلام من قبل ولم تكن يوماً تؤشر مبدءاً من مبادئ الشريعة وكذلك من أسس دولة الإسلام وهذه البدعة هي إعطاء معاوية مصر إلى عمرو بن العاص ، أرضها وأموالها وسكانها ، ملكاً لابن العاص .وفق مساومة سابقة إذا وقف معه ضد الإمام علي ونصره، وكان معاوية وقتها في أمس الحاجة إلى عمرو بن العاص والذي يعرف من الدهاة في زمانه، وعمرو هذا يمتلك نفس شخصية معاوية في الطموح والسلطة والنفوذ والثروة، وهو من أرستقراطيي الجاهلية، وكان عمرو هو الذي فتح مصر .. وقد عقد


1) راجع الأغاني - لأبي الفرج الأصفهاني - ج 16 ص 29 - 32.

بين الاثنين صك تعهد فيه معاوية على هذا العطاء بنص هو : إن معاوية أعطى عمر بن العاص مصر وأهلها هبة يتصرف بها كيف يشاء . . !!وهذه الهبة كانت ثمن موقف عمرو مع معاوية في خصومته مع علي ، فكان هو صاحب فكرة رفع المصاحف بعد أن رأى هزيمة جيش معاوية في صفين، ودوره في مهزلة التحكيم التي كان فيها ممثلاً عن معاوية وقد خدع أبا موسى الأشعري في قصة التحكيم الشهيرة. . وعمرو نفسه الذي أشار إلى معاوية أن يخرج إلى الإمام علي عندما نادى علي معاوية بأن " أبرز إلي فنتبارز فيما بيننا ومن يغلب يكون الأمر له بدلاً من أن تذهب دماء الناس سدى " فقال عمرو لمعاوية : " لقد أنصفك الرجل، فأخرج إليه " فرد عليه معاوية : " قاتلك الله أنت تعرف بأن من يبارز ابن أبي طالب مغلوب لا محالة وما أردت بذلك إلا هلاكي ، فاخرج أنت إليه .. " ، فخرج عمرو بن العاص إلى الإمام علي وتقابلا في النزال وما هي إلا لحظات حتى ضرب الإمام عمراً ضربة أسقطته أرضاً وأسرع الإمام لأن يردفها بثانية ليجهز عليه فأسرع عمرو وكشف عورته أمام علي مما جعل الإمام يغض طرفه استحياء ... وذهب عمرو فاراً من علي، وقد ضحك معاوية من ذلك المشهد وسرعة بديهة ودهاء عمرو . .إذاً مصر طعمة لعمرو بن العاص أرضها ومالها وأهلها .. فأي شرع وأي منطق هذا وفي نفس الوقت لو عدنا إلى مصر في زمن الإمام علي عندما أرسل مالك الاشتر والياً عليها وكتب له الإمام وثيقة تعد من أعظم وثائق حقوق الإنسان على مدى العصور ، يمكن الرجوع إليها في نهج البلاغةوالآن غدت مضامين هذه الوثيقة ، بل مصر كلها سلعة تباع وتشترى . . وهل أن أموال المسلمين حكر على شخص ؟ أم هي لعموم المسلمين؟ وما نقلهجرجي زيدان .

عن صاحب (أخنا بمصر حين سأل عمرو بن العاص أن يخبره بمقدار ما عليه من الجزية، فأجابه : " لو أعطيتني من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك ، إنَّما أنتم خزانة لنا، إن كثر علينا كثرنا عليكم، وإن خفف عنا خففنا عنكم "(1). دليل على ما ذهبنا إليه .)تاسعاً : إن سياسة معاوية وفي بدئها من نقل بيت المال من الكوفة إلى الشام وزيادة أعطيات الشاميين والحط من أعطيات العراقيين وما قام به من أجل تطبيق أهدافه هذه عبر عنها معاوية بقوله :"الأرض الله ، وأنا خليفة الله ، فما آخذ من مال الله فهو لي، وما تركته كان جائزاً لي " .وسوف نرى تأثير سياسة العنف والإرهاب والسياسة المالية على الناس الذين أصابتهم هذه السياسة بالإذلال والتجويع وعدم المساواة وكان تأثيرها من أسباب استمرار المعارضة لمعاوية واستفحالها وقد أعاد التاريخ نفسه .. فجذوة الثَّورة على عثمان كانت بسبب سياساته الإدارية والمالية وتقريب أهله وعشيرته وتسلط ولاته القساة على رقاب الناس، فقد عاد الأمر ثانية ولكن الآن بشكل مختلف، وبذلك ستأخذ المعارضة سبيلها، وإن بأشكال شتى2 . كتب الكثير ممن كان هواه ضد معاوية بأنه لم يكن يعير الدين أي اهتمام، بل أكثروا من القول بأنه كان يعمل ضد مبادئ الدين الإسلامي الحنيف وقد أكدوا أقوالهم بالأمثلة والأحداث التي قام بها هو أو ولاته ومن هؤلاء الكتاب من الموالين لأهل البيت ، ذلك يعني من كتاب الشيعة وغيرهم .. وانتقاد هؤلاء لمعاوية وتشكيكهم في دينه هو الأصل في كتاباتهم لكي يعطوا


1) تاريخ التمدن الإسلامي - جرجي زيدان - ج 4 ص 79 و 80.

انطباعاً بأن الناس قد ضاقوا ذرعاً بحكمه ، ومن نتيجة أعماله بدأت المقاومة ضد الأمويين في الازدياد وبلغت ذروتها عندما استخلف ابنه يزيد على المسلمين.ونحن نرى ، خطأ ما ذهب إليه أولئك الكتاب ونشفع ذلك بالأسباب التالية :أ - لا يمكن لمعاوية أن يظهر علناً بأنه مخالف لتعاليم الدين الإسلامي، لأن ذلك يعني استحالة أن يسكت المسلمون عليه ، وحتى الذين أغواهم بالمال والسلطة والنفوذ أو بالإرهاب.. لأن الدولة الإسلامية لم يمض عليها بعد بضع عشرات من السنين ، ومعاوية ليس بالرجل الغافل عن هذا الأمر لكي يصرح بالابتعاد عن نهج الرِّسالة ولكنه كان من الذكاء والفطنة والدهاء بمكان بحيث ما أعماله (التي لا يقبلها العامة من الناس بالدين لكي يبرر أخذ يربط جميع يقوم به وبذلك يكم الأفواه التي تشكك فيه وفي ما يقوم به.. فقد استعمل الدين ستاراً، ووسيلة لتخدير الناس ، وإطفاء شعلة الثورة فيهم.)ب - إن الذي يؤخذ على معاوية، بل على الأمويين بشكل عام أنهم أصولاً وفروعاً كانوا أخطر أعداء النبي، واعتناقهم الإسلام كان كرهاً، وبقوا يحاولون اقتناص الفرص لأن يكونوا في المقدمة رغم أنهم من الطلقاء ومن المؤلفة قلوبهم، وقد نجحوا في مسعاهم أولاً حين تسلم عثمان بن عفان الأموي الخلافة وقول أبي سفيان المشهور عندما عرف بوصول الأمر إلى عثمان قال : " تلاقفوها أولاد عم "... وثانياً . . عندما أبدى عثمان بن عفان من ضعف في إدارة الدولة دفع الأمويين إلى الواجهة وصاروا يمسكون زمام الأمور والولايات مما عزز ذلك من مواقفهم وكان منهم الطريد الفاسق وشارب الخمر ، ولكنهم حكموا بإسناد عثمان وتقريبه إياهم وكذلك تمشدقهم بالدين

لأنه لا يمكنهم الابتعاد عن هذه الصفة .وثالثاً عندما استخدم الأمويون بشكل جيد نتائج مقتل عثمان. ورابعاً إنهم يعلمون جيداً بأن سوابقهم تفقدهم مزية زعامة أمة محمد ، ولكن من المحن التي ابتلي بها حكم الدين أنهم أصبحوا قائمين عليه. فهم بلا شك مغتصبون لهذه الزعامة ولكن قوتهم كانت تكمن في جيشهم الموجود في الشام، ولكن هذه القوة لا يمكن أن تصبح هي الحق أبداً .كانت معارضة المسلمين للحكم الأموي تأخذ هذا الاتجاه، ولكن معاوية أراد أن يتغلب على هذا الشعور العام لدى المسلمين بسلاح الدين نفسه .وحتى عندما أراد أن يحطم ما كان لمناوئيه وأعدائه من سلطان روحي على المسلمين فكان عن هذا الطريق وهو سلاح الدين .. وكان ذلك عن طريق استغلاله لأشخاص أغراهم بالأموال فكتبوا أحاديث منقولة عن النبي، ونقلوا روايات كانت كلها تصب في إيجاد المسوّغ الديني لحكم بني أمية، ومن الأحاديث المختلفة التي جاءت متضمنة الطعن في علي وأهل بيته، مما دعاه إلى استغلال ذلك في إعلان لعن علي على المنابر . (1)وسنعطي أمثلة توضح قدرة معاوية على الاستفادة من الأحوال التي آل إليها وضع المسلمين ، بعد تعرضهم لسياسات ، نالت من نفوسهم ووسائل عيشهم،أولاً : تمسكه بالبيعة له بعد (تنازل الإمام الحسن ومفهوم البيعة الديني معروف ، والإخلال به يعتبر خروجاً على أصل ومبادئ الإسلام واعتبار أن ما)


1) سنأتي على ذكر الأحاديث في مكانها..

أوصله إلى حكم المسلمين ليس إلا رب العالمين وكانت هذه الولاية بمشيئته، ويعني ذلك أن الأمر كان برضا الله وإلا ما كانت إمرته على المسلمين بدون هذه المشيئة، وهذه واحدة من أساليب التخدير التي استعملت باسم الدين.ثانياً : جهد معاوية في إيجاد رواة يختلقون الأحاديث وكان توجيهه لهم بوضع أحاديث مفتعلة لا حقيقة لها تخدم توجهاته، ومن أناس يدعون صحبتهم لرسول الله، ولكن المال والتقرب من السلطان كان حافز هؤلاء، وقد قام هؤلاء بإعمام هذه الأحاديث والمرويات، وبدأت تلقى على المنابر وحتى تعليمها للصبيان كي يحفظوها كما يحفظون القرآن .فظهر الكثير من الأحاديث الموضوعة، وهناك بهتان منتشر ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية هم القراء المراؤون، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجالسهم، ويصيبوا بذلك الأموال والضياع والمنازل .. فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي فازداد البلاء والفتنة (1.)وقد أكد معاوية على الرواة للإكثار من فضائل عثمان ومناقبه، وقد كتبوا وأسرفوا في ذلك ثم كتب معاوية إلى عماله بقوله : " إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة ، والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته (2.)


1) شرح نهج البلاغة.

2) ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين - ص 89

وقد روى ابن عرفة المشهور ب- (نفطويه وهو من أعلام المحدثين في تاریخه ما يؤكد ذلك حيث قال : " إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم ".(1))وكانت مكافأة معاوية لأبي هريرة هي ولاية المدينة لأنه روى عن النبي في شأن علي وبني أمية ما يلائم ذوق معاوية وأهدافه السياسية (2.)وإلى القارئ بعض المرويات من الأحاديث الموضوعة كأمثلة مكملة للبحث . . روى أبو هريرة عن رسول الله أنه قال : " إن الله ائتمن على وحيه ثلاثة : أنا وجبرائيل ومعاوية " . وأن النبي ناول معاوية سهماً فقال له : " خذ هذا حتى تلقاني في الجنة ". و "أنا مدينة العلم وعلي بابها، ومعاوية حلقتها " .وقد ذكر أبو جعفر الاسكافي على ما نقله عنه ابن أبي الحديد المعتزلي قوله : " إن معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه ، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير .ثالثاً : جعل سخاء معاوية يدخل في مجال التفسير وأسباب النزول في القرآن، فها هو (سمرة بن جندب الذي ذكره العديد من المؤرخين الكبار بأنه كان سفاحاً ومجرماً وشديداً على المسلمين، فقد أغراه معاوية بمال عظيم على)


1) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج 11 ص 46.

2) المصدر السابق .

أن يروي أن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُمُ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله علَى مَا فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ الدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدُ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ . (1)قد نزلت في علي بن أبي)طالب .وإن الآية الكريمة من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللهُ ... (2)نزلت في عبد الرحمن بن ملجم (قاتل الإمام علي). ولم يخيب سمرة بن جندب ظن معاوية به فقد فعل وروى ذلك .)رابعاً : إن معاوية قد استغل الدين بوسيلة بارعة أخرى هي تأسيس الفرق الدينية. وكان الغرض منها سياسياً أكثر منه دينياً، ولكن الأمر كان تحت غطاء الدين. فإذا ما علمنا أن شيعة علي وأتباعه ومواليه كانوا يعتبرون بني أمية غاصبين لتراث النبي صلی الله علیه واله وسلم . وكان الخوارج يرون الأمويين كفرة وجبت الثورة عليهم وإزاحتهم من الحكم . وكلا الفريقين لديهم حجج دينية لا يملك الأمويون ما يقابلها .فكأن الرأي أن تؤسس فرقة تقابل هاتين الفرقتين وتقدم أدلة تقابل أدلة الشيعة والخوارج وقد كانت هذه الفرقة التي سميت ب- (فرقة المرجئة تخدم الأمويين في ميدان النضال السياسي والديني.)وكان معاوية يتظاهر بالجبر والإرجاء، وقد كفره المعتزلة على ذلك .ولنا أن نعرف ماذا يريد المرجئة :إنهم يعتبرون الإيمان عملاً قلبياً خالصاً لا يحتاج إلى التعبير عنه بفعل


1) سورة البقرة - الآيتان (204 - 205 ).

2) سورة البقرة - الآية - 207.

من الأفعال، فيكفي الإنسان أن يكون مؤمناً بقلبه ليعصمه الإسلام، ويحرمالاعتداء عليه .ومن آرائهم : " لا تضر الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة "وقالوا " إن الإيمان ، الاعتقاد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه، وعبد الأوثان ، ولزم اليهودية والنصرانية في دار الإسلام ومات على ذلك فهو مؤمن کامل الإيمان عند الله عز وجل ، ولي الله عز وجل، من أهل الجنة " .(1)واستمرت هذه الفرقة التي وضع أسسها معاوية لاعتقاده بالجبر والإرجاء على مدى حكم الأمويين بعد معاوية ، وبهذه المعتقدات يكون الأمويون مؤمنين مهما ارتكبوا من كبائر ، وأن المرجئة لا يوافقون على محاربة الأمويين وإزالة دولتهم لأن حكومتهم شرعية ولا يجوز الخروج عليها، وكانت المرجئة تقول بأن خلفاء بني أمية حتى لو انصرفوا عن تطبيق أحكام الشريعة فهذا لا يعني حرمانهم من حقوقهم كأولياء الأمر في الإسلام.وبذلك فقد كان الأمويون بعد معاوية يضطهدون كل الفرق ويميلون إلى فرقة المرجئة لأنها تخدم سياستهم، فعقيدة الجبر توحي إلى الناس بأن وجود الأمويين وتصرفاتهم مهما كانت فما هي إلا ( قدر مرسوم من الله لا يمكن تغييره ولا تبديله ، فلا جدوى من الثَّورة عليهم .. ويعني معاوية باعتقاده بالجبر بأن أفعاله غير واجبة للقدح باعتباره حاكماً دينياً. وعقيدة الجبر توحي إلى الناس بأن الله قد حكم منذ الأزل أن تصل أسرة الأمويين إلى الحكم، فأفعالهم وتصرفاتهم ليست إلا نتيجة لقدر إلهي محكم ..)وبعد انتشار عقيدة المرجئة هذه التي تؤمن بالجبر والإرجاء فقد تصدت


1) الفصل في الملل والنحل - لابن حزم - ج 4 ص 204 .

لها عقيدة (القدرية التي يؤمن أتباعها بحرية الإرادة والاختيار، وأن الإنسان هو الذي يختار نوع السلوك والعمل الذي يمارسه في حياته، وإذا كان حراً فهو)مسؤول عن أفعاله . لأن كل حرية تستتبع حتماً المسؤولية .فقد اضطهد الأمويون هذه العقيدة لأنها خطر عليهم وتمسكوا بعقيدتهم الجبرية أو ما سميت بالمرجئة لأنها تلائمهم سياسياً. ولأن معاوية وسائر الأمويين يدركون أنهم في نظر رعاياهم مختلسين للسلطة التي وصلوا إليها بوسائل قهرية شديدة، فربطوا الدين كوسيلة تدعم بقاءهم وتسلطهم .إذا كان استغلال الدين هنا للتخدير والتضليل وشل كل روح ثورية تعارض الأمويين. ومن هنا كان رأينا حول هذا الموضوع .. فلم يبتعد معاوية ولا ولاته ولا الخلفاء الأمويون من بعده عن الدين أبداً، ولكنهم استغلوا الدين سياسياً لمصلحتهم وأكدوا على الشريعة وبما يتوافق معهم وإدامة حكمهم، فمن قال إنهم ابتعدوا عن الدين فقد أخطأ، ولكنهم حاربوا معارضيهم بالدين نفسهفذلك هو الصحيح.فالتضليل الديني كسياسة تكفلت بإيجاد تبرير ديني للوضع الاجتماعي الشاذ الذي كان في المجتمع. . وكل غاية التضليل هو حمل الجماهير المسلمة على السكوت وبذلك يختفي الشعور بالإثم من الضمير الجماهيري فهناك عامل نفسي وديني يدفع إلى الخضوع ، وقد تمت ضمن هذه الأحوال الازدواجية بين الناس فهم يعرفون بأنهم وقعوا في مطب التخدير والخداع والتضليل ولكن الدين يملي عليهم احترام ولي الأمر وإلزام البيعة عليهم .وهذه الازدواجية ظلت قائمة حتى عند ثورة الحسين ونهوضه ضد الظلم وحكم الطاغية وقد صور هذا الازدواج الشاعر الفرزدق عندما قابل الإمام الحسين وهو في طريقه من مكة إلى الكوفة، فسأله الحسين عن أهل الكوفة

فقال له " قلوبهم معك وسيوفهم عليك " . .وقبل ذلك وخلال صراع الإمام الحسن مع معاوية بن أبي سفيان وبعد المؤامرة التي حيت على الإمام الحسن، جاء من يطلب من الحسن بأن يستعد مجدداً لحرب معاوية فقال لهم : " الآن سيوفكم معي وقلوبكم شتى " .وتوضيحاً لما نذكره نرى بأن معاوية كان يظهر أمام المسلمين التزامه بتعاليم الإسلام والشريعة كما تجره الأحداث ليكون أفضل من يبدي التدين ، وكانت هذه سياسته وعن ما يعتقده باطناً فقد ذكرناه .. وكذلك كان ولاته الأشداء على المسلمين فهم يؤمون الناس في الصلاة ويدعون التدين ولكن في نفس الوقت يسهل عليهم إراقة الدماء وسلب الأموال بأسرع ما يمكن على مبدأ وحدة الأمة وضرب الفتنة ومحاربة الخارجين عن الشرعية . .وذلك ما أثر على نفسية الجماهير فهم يرون منظرين مختلفين وبذلك ظهرت فيهم الازدواجية التي دعتهم في النهاية إلى السكوت وقبول الأمر الواقع .3 . وما دمنا بصدد الحديث عن معاوية فيجب ألا تغيب عنا سياسة التفرقة التي اتبعها بذكاء وشدة دقيقين، وهذه التفرقة هي ليست في المال أو في العقيدة والتمذهب كما ذكر سابقاً، بل بشيء مكمل لهذين الأمرين وهو إحياء النزعات داخل المجتمع، وعندما تتطور النزعات التي تأخذ أشكالاً عديدة منها القبلية والعنصرية وحتى الأسرية أي داخل أسرة الأمويين.وبالرجوع إلى أسس بناء المجتمع العربي، نجده مجتمعاً قبلياً والتاريخ يحدثنا عن النزاعات القبلية والصراعات الأزلية التي كانت بين القبائل، بل في بطون القبيلة الواحدة وهذه إحدى صفات الجاهلية ، وعندما جاء الإسلام فقد أسس ضوابط إنسانية كان على رأسها إلغاء العصبيات القبلية لما لها من تأثير

سيئ وأن الناس متساوون في الحقوق والواجبات وشرف الانتماء للقبيلة لا يسمو فوق شرف الإيمان بالدين والرّسالة وكان الدين قد وحد القلوب، وأكرم الناس عند الله أتقاهم .كما أن المجتمع أيضاً قد ضم في داخله وخلال تكوين الدولة الإسلامية الموالي وهم المسلمون من غير العرب والذميون وهم( أهل الذمة من أفراد مجتمع الدولة ولكنهم غير مسلمين فعليهم واجبات ولديهم حقوق، وفي نفس الوقت لا بد أن نشير إلى أن الدولة الإسلامية أصبحت مترامية الأطراف والشعوب التي دانت وخضعت لها مختلفة ومتنوعة ، وعلى هذا الأساس كانت تعاليم الإسلام غاية في الدقة لإمكانية التعامل مع كل هذه العوامل وكانت تشريعات الإسلام ومبادئه قامت على النظرة الإنسانية الصحيحة للجنس البشري .)قال تعالى: ﴿يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَلِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (1))وللرسول الكريم صلی الله علیه واله وسلم أحاديث متفق عليها لدى الجميع ومنها قوله صلوات الله عليه :" أيها الناس إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء، كلكم لآدم وآدم من تراب ، ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى "." المؤمنون إخوة، تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم " ." من قاتل تحت راية عمية ، يغضب لعصبيته، أو يدعو إلى عصبية، أو


1) سورة الحجرات - الآية 13.

ينصر عصبية ، فقتل ، قتل قتلة جاهلية "بهذه المبادئ وهذه الروح الإنسانية دعا الإسلام العرب إلى النظر إلى اختلاف القبائل والشعوب وقد عمل النبي صلی الله علیه واله وسلم طيلة حياته بالقول والفعل على غرس هذه النظرة الإسلامية في وجدان المسلمين.وكان الإمام علي يركّز نضاله الدائم في هذا المجال لأنه كان يعرف جيداً التكوين القبلي في المجتمع.. وللإمام علي موقف مشهور حول إثارة الإحن في القبائل وقد حدثت أثناء حكمه نار أججها ابن الحضرمي (1بين قبائل البصرة إلى قبائل الكوفة للقرابة النسبية بينهم فخاطب الإمام علي قبائل الكوفة :)" وإذا رأيتم الناس بينهم النائرة، وقد تداعوا إلى العشائر والقبائل فاقصدوا لهامهم ووجوههم بالسيف حتى يفزعوا إلى الله وإلى كتابه وسنة نبيه، فأمَّا تلك الحمية فإنها من خطرات الشياطين ، فانتهوا عنها لا أبا لكم تفلحوا وتنجحوا ". (2)وكان معاوية قد أثار فعلاً وقولاً العصبية القبلية ليضمن ولاء القبائل عن طريق زعمائها وفي نفس الوقت ليضرب بعضها ببعض حين يخشاها على سلطانه، وحتى في حياة الإمام علي فنجد أن معاوية قد سلك سبيل الدس والتآمر على حكم الإمام علي عن طريق إثارة الروح القبلية في سكان العراق من القبائل العربية(3.)


1) في عام 38ه- وأثناء الصراع بين معاوية مع الإمام علي استخدم معاوية هذه الوسيلة فقد أرسل خلسة ابن الحضرمي إلى البصرة ليضرم الفتنة بين قبائلها بإثارة ذكريات حرب الجمل ومقتل عثمان وقال له : فانزل في مضر، واحذر ربيعة وتودد للأزء، وانع ابن عفان، وذكرهم الوقعة التي أهلكتهم، ومن لمن سمع وأطاع دنيا لا تفنى وأثرة لا يفقدها».

2) تاريخ الطبري - ج 4 ص 84 و ص 86.

3) ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين- ص 74 بتصرف.

فتارة يلوح لزعماء هذه القبائل بالامتيازات المادية والاجتماعية التي يخص بها الزعماء القبليين في الشام، ومن هنا صارت الشام ملاذاً لمن يغضب عليه الإمام من هؤلاء الزعماء لجناية جناها، أو خيانة خانها في عمله، ومطمعاً لمن يريد الغنى والمنزلة، فيجد عند معاوية الإكرام والعطاء والمنزلة الاجتماعية الرفيعة (1.)فما هي الخطوات التي اتبعها معاوية لإحياء النزعات القبلية والعصبيات؟ .أ. التفرقة بين القبائل حيث حاول منذ البداية إذكاء روح الخلاف، وعند استلامه الأمر بتفضيل بعض القبائل على غيرها، وكما قلنا سابقاً، تفضيله قبائل اليمن على قيس .. وكما فعلها سابقاً عند خصومته مع الإمام علي وتحديداً في سنة 38 للهجرة عندما أرسل الحضرمي سراً إلى البصرة ليضرم الفتنة بين قبائلها .وكان لمعاوية موقف متشدد من الأنصار وقد سعى دائماً إلى تفتيت وحدتهم من خلال إحياء وإثارة الأحقاد الجاهلية التي كانت بين الأوس والخزرج ، فيضرب إحدى القبيلتين بالأخرى.ومن جهة أخرى فقد تعصب معاوية لمضر العراق على يمن العراق . . هذا بالنسبة إلى قبائل العراق بينما كان في الشام يتعصب لليمن على مضر .ب. لم يكتف معاوية بإحداث التفرقة بين القبائل بل حاول أن يذكي الصراع داخل القبيلة الواحدة ، ومثال ذلك ما كان منه في شأن النزاع الذي حدث حول رئاسة كندة ، بحيث كانت لدى الأشعث بن قيس وأصبحت إلى


1) ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين- ص 74.

حسان بن مخدوج، فلما بلغ ذلك معاوية أغرى شاعراً يقول شعراً يهيج به الأشعث وقومه ، فقال شعراً عظم به شأن الأشعث وهجا به حسان، ولكن قبائل اليمن فطنوا إلى ما يريد معاوية، فقال شريح بن هاني: "يا أهل اليمن ما يريد صاحبكم إلا أن يفرق بينكم وبين ربيعة ". (1)وتفرقته بين بني أمية وبني هاشم معروفة للجميع، وهما أصلاً من لب قريش وكان الخلاف بينهما متأصلاً وأخذه معاوية بالإيغال وكان ذلك من أسباب الخلاف الرئيسة بين الفريقين .ج - كان معاوية هو الأساس في إثارة العصبية العنصرية عند العرب عموماً ضد المسلمين من غير العرب، وهم الذين يطلق عليهم اسم (الموالي.)ومن نتاج سياسته هذه حول العنصرية التي ابتدأها وسار عليها الأمويون فيما بعد ، نجدها كانت الأساس بتدخل الموالي لاحقاً في شؤون الحكم كردة فعل، وسيطرتهم على الدولة الإسلامية ذات الأساس العربي، ولعبهم أدواراً هدامة فيما بعد، قد يكون ذلك من حقدهم على ما لاقاه أجدادهم من العصبية العنصرية التي انتهجها الأمويون.وإليك هذا المثال .. كان في زمن معاوية رأي يقول بأنه لا يصلح للقضاء إلا عربي ، فقال معاوية في إحدى الجلسات إلى الأحنف بن قيس وسمرة بن جندب :"إني رأيت هذه الحمراء قد كثرت وأراها قد قطعت على السلف ، وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان، فقد رأيت أن أقتل شطراً وأدع شطراً لإقامة السوق، وعمارة الطريق ". وكان قد امتهنهم وأرهقهم في


1) کتاب صفين- ص 153.

الضرائب، وكان الجنود من الموالي عطاؤهم أقل من عطاء العرب وفي بعض الأحيان من غير عطاء (1.)د - لم تكن سياسته في إحياء الخلاف بين القبائل أو في القبيلة الواحدة فحسب، بل نراه كان يرغب بأن يدخل القطيعة في أسرته الأموية ذاتها، عندما یری أن هناك خطراً عليه من بعضهم لكسر شوكتهم، وقد نقل ابن أبي الحديد المعتزلي عن الجاحظ : " وكان معاوية يحب أن يغري بين قريش "(2فإذا كانت توجهاته هذه حتى على أسرته فكيف به عن بقية القبائل أو بطون القبيلة الواحدة .)فكانت في النهاية هي سياسته في إحياء النزعة القبلية ليستغلها بشكل كبير لتفتيت المعارضة التي تواجهه بعوامل داخلية من صميم المعارضة نفسها، وليبقي نتيجة هذه السياسة يلعب على كل الأوتار لتثبيت سلطانه وحكمه .وقد سار ولاة معاوية على نهجه هذا ، فيعمد الوالي إلى إثارة العصبيات القبلية بين القبائل ... وكثيراً ما كان في المصر ما يعتمد على قبيلة معينة دون سائر القبائل، وكثيراً ما كان الولاة يجلبون قبائلهم معهم، ونرى أن هذه القبيلة كأنها هي الحاكمة في المصر باسم الوالي المنتمي إليها وعندما يتغير الواليتتغيّر الصورة وهكذا . . .ومن أمثلة التفرقة التي اتبعها الولاة على شاكلة سياسة معاوية وقد برعوافيها، فهذا زياد ابن أبيه عندما أراد القبض على حجر بن عدي الكندي ، أمر محمد بن الأشعث بن قيس الكندي بالقبض عليه ، ليزرع الشقاق في كندة نفسها


1) راجع تاريخ التمدن الإسلامي ج 4 ص 60 وص 64 والعقد الفريد - ج 2 ص 260 وص 261 ، ويجد القارئ أمثلة كثيرة عن هذه الحالة، ولم نرغب في التوغل فيها لكي لا نخرج عن أصل موضوعنا.

2) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج 11 ص 19.

وكانت كندة من أقوى قبائل الكوفة ليستريح من وحدتها، ولكن حجراً رحمه الله فوت هذه الفرصة وسلَّم نفسه طوعاً.وهذا المغيرة بن شعبة عندما ولّي الكوفة كان همه أن ينعش النزاع بين الخوارج وشيعة علي لكي يشغل الكوفيين عن معارضة الأمويين . ونراه يصرُّ على أن يدفع بصفوة الشيعة في الكوفة والبصرة إلى حرب الخوارج ويجهز جيشاً منهم لهذه الغاية(1.)4. استغلال معاوية للشعر والشعراء وما لذلك من تأثير عظيم في الرأي العام، وكان غرض معاوية من استغلال الشعر والشعراء في ميدان الانتفاع من أجل مصالحه الخاصة ، فكان يحرضهم على القول في موضوعات الفخر والهجاء كالذي كان بين القبائل في الجاهلية (2.)وكانت سياسة معاوية بإحياء النزعات القبلية التي تحدثنا عنها، فكانت من نتائج هذه السياسة بعد ذلك ظهور الشعر السياسي الحزبي والقبلي.فنجد الهجاء والمفاخرات بين القبائل واستعار نيران الهجاء بين شعراء الشيعة والخوارج والأمويين.وعاضد الشعراء القبليون الأحزاب بدوافع قبلية، فقد انضم الأخطل إلى الأمويين على قيس عيلان أعداء قومه التغلبيين ، ثم انضم إلى الفرزدق على جرير، لأن جريراً كان لسان القيسية على تغلب ، وكان الفرزدق تميمياً ، وجرير أخذته قيس عيلان (3)


1) تاريخ الطبري.

2) قصة الأدب في العالم - أحمد أمين - ج 1 ص372.

3) ثورة الحسين - شمس الدين - ص82.

وقد استغل الشعر إلى جانب النصوص الدينية في سبيل تعزيز هذه الأفكار، فقد كان معاوية قادراً على أن يفيد مما لشعراء عصره من تأثير عظيم في الرأي العام بسبيل مصالحه العائلية (1.)وكان الأمويون يطلبون من الشعراء أن يقولوا ما يمجدهم وما يجعل سلطانهم قدراً مقدراً من الله، ومن أجل ذلك لا يثير المؤمن ضدهم.وهذا الأخطل كان يعتقد بمعاوية ليس ملكاً بل خليفة الله وأن السبب الطبيعي لاستلام معاوية للحكم هو من صنع الله، حيث قال :إلى امرئ لا تعدينا نوافله *** أظفره الله فليهنأ له الظفرالخائض الغمر والميمون طائره *** خليفة الله يستسقى به المطروحتى خدعة رفع المصاحف التي كانت نتيجة تفتق ذهن ابن العاص، كانت إلهاماً من الله وإن الله مكنهم من الثأر لعثمان بدليل أن الله قد أوصل الأمويين إلى الحكم فقال :تمت جدودهم والله فضلهم وجد قوم سواهم خامل نکدُهم الذين أجاب الله دعوتهم لما تلاقت نواصي الخيل واجتلدواويوم صفين و الأبصار خاشعة أمدهم إذ دعوا من ربهم مددعلى الألى قتلوا عثمان مظلمة لم ينههم نشد عنه وقد نشدواوكان مسكين الدارمي من مضر وقد تحدثنا عن اضطهاد معاوية لمضر الشام وكان مسكين يخشى لسانه وقد طلب من معاوية أن يفرض له العطاء فلم يجبه لأنه مضري، فقال شعراً فلم يرق له معاوية، ونتيجة لمحاباة معاوية واعتزازه باليمنيين ، فنرى بأن قبائل اليمن اشتدَّ بأسها وسمع منهم معاوية ما أثار


1) تاريخ الشعوب الإسلامية ج 1 ص 148 .

مخاوفه فرأى أن يضرب اليمانيين بالمضريين وفرض عطاء لأربعة آلاف من قيس وعدنان ، وبعث إلى مسكين الدارمي يقول له :" لقد فرضنا لك وأنت في بلدك فإن شئت أن تقيم بها أو عندنا فافعل، فإن عطاءك سيأتيك ". (1)وقد جنى معاوية بذلك ولاء مسكين الدارمي وقد ظهر هذا الولاء عندماأراد معاوية استخلاف يزيد فقال مسكين :ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر *** ومروان ام ماذا يقول سعيدبني خلفاء الله مهلاً فإنَّما *** يبوئها الرحمان حيث يريدُاذا المنبر الغربي خلاه ربه *** فإن أمير المؤمنين يزيدُ (2)فلو نظرنا إلى أبيات مسكين الدارمي * لوجدنا فيها عدة أمور، منها نعته الأمويين بخلفاء الله وتزيين استخلاف يزيد لمعاوية لينال رضاه على حساب المصلحة وهذه غالباً صفة وديدن الشعراء .والأهم من ذلك يؤكد معارضة بعض الأمويين لهذا الاستخلاف، يعني ذلك أن هناك نزاعاً داخل البيت الأموي، وقد قصد مسكين بشعره عبد الله بن عامر ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص .فقد استغل معاوية الشعر والشعراء في مجالات عدة، وكان للشعرأهميته، وكان بمثابة الدعاية والمؤسسة الإعلامية له .


1) تاريخ التمدن الإسلامي - جرجي زيدان- ج 4 ص 74 و ص 75.

2) تاريخ الشعر السياسي - ص 241 .

## نتائج سياسات معاويةنتائج سياسات معاوية :لقد أوردنا أربعة بنود اعتبرناها الأساس الذي تمت على وفقه سياسة معاوية العامة ، وبالنسبة له قد يعطيه بعض الباحثين الحق بأن يسلك هذا الأسلوب في سياسته على مبدأ أنه مقبل على تشكيل دولة عربية إسلامية جديدة ، وضعت أمامها كل الحوادث التي مرت بدولة الإسلام منذ وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم وحين استلامه الحكم.ولكن حتى لو افترضنا صحة ما ذهب إليه بعضهم فإننا نتساءل .. هل أن أسس دولة الإسلام التي وضعها النبي صلی الله علیه واله وسلم تتفق وما قام به معاوية؟ .. هل استعمل النبي صلی الله علیه واله وسلم القوة والإرهاب والتجويع ومحاربة الناس بالمال أو استمالتهم به أو استغلال النزعات القبلية أو استخدام وسائل الجاهلية من شعر وغيره؟ . . أو أسلوب وضع الأحاديث وتفسيرات القرآن وكما فعل معاوية؟ .. هل أن التصفية الجسدية والقتل غيلة والمناورة والدس والتفرقة هي الأسس المشروعة في دولة الإسلام؟ . . أم هل أن تجريد الإنسان من حرية التعبير وسلخه من إنسانيته ومبادئه المتمثلة بالحق والمساواة والأخوة والأثرة والعمل بالمعروف والنهي عن المنكر . . هي الأساس؟!!هل استعمل الخليفة أبو بكر الصديق ولو جزءاً من أساليب وسياسات معاوية العامة؟ أم أن الخليفة عمر بن الخطاب استعمل مثل هذه السياسات؟ . .حتى الخليفة عثمان بن عفان الذي قامت في زمنه ثورة عارمة وأدت إلى مقتله، لم يعتمد على سياسة تماثل ما قام به معاوية .. لقد ثار المسلمون في زمن الخليفة عثمان نتيجة ضعفه وتأثير الأمويين عليه وسوء معاملة ولاته وعماله للمسلمين ، ولكن لم يصل الأمر في زمن عثمان إلى ما قام به معاوية، ولكن نرى أن هناك ثورة قامت ضده في أغلب مناطق الدولة من المدينة ومكة

والكوفة والبصرة ومصر .. ولكن بصدد المقارنة ، هل كان رد فعل الناس علىما قام به معاوية مشابهاً لما كان في زمن عثمان رغم أن الكل يتحدث عن أن الظلم والاضطهاد وسوء السياسة والتفرقة كان أفدح والإرهاب أعم وأشمل وأن حقوق الأمة، بل ثرواتها كانت نهباً للأطماع والمصالح ولترسيخ الدولة الجديدة التي رسم أسسها معاوية.إذاً لماذا لا نرى (إن صح كل ذلك شيئاً من الثورة الشاملة على معاوية ابن أبي سفيان مثل ما حدث للخليفة عثمان بن عفان .)فإذا أردنا تعليلاً لذلك فلا بد أن نشير إلى النقاط التالية :1 . إما أن تكون أغلب الأمور التي نقلت عن معاوية كان مبالغاً فيها، وقد يكون الناس قد وجدوا في حكمه رضا وقبولاً وفضلوا العيش بهدوء بعد أن عصفت بهم الأحداث فمالوا إلى الدعة والسكون .2 . أم أن ما قيل عن سياسة معاوية وإجراءاته كانت حقيقة وأسلوبه في الحكم وإطلاق يد ولاته واستعمال القوة والقسوة إلى أقصى حد، قد جعل الجماهير المسلمة في كل أنحاء الدولة الإسلامية خاضعة خانعة، فضلت السلامة والقبول بالأمر الواقع، والتسليم بمبدأ إرادة الله، ومعرفتهم بأن معارضتهم لا تقود إلى نتائج مرضية لأنها سوف تخبو بسرعة وإن الحكم على استعداد كامل لاستعمال القوة بدون وازع من أي ضغط شرعي أو إنساني على أساس إن الذي توصل إلى زمام الحكم بهذه الخطوات كلها والحروب والحوادث والمؤامرات لن يكون أمامه أي محظور في أي إجراء يتخذه من أجل المحافظة على السلطة والحكم.3 . أم إن الوضع الاجتماعي العام قد تبدل والنوازع الإنسانية في الإسلام قد تغيرت وتحول الأشخاص والمؤسسات في الدولة إلى أمر لا ثاني

له هو الانصياع لخدمة فئة معينة اتخذت من الإسلام وسيلة للوصول إلى مصالحها وغاياتها وعلى رأس تلك المصالح والغايات السلطة والحكم.لقد كان أصحاب الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم الخلّص والثوريون الحقيقيون وحتى الوسط من اليمين إذا جاز لنا هذا التعبير ، كانوا يدافعون عن الإسلام ويقفون بشدة أمام أي شرّ يريد تحريف مبادئ الإسلام الخلاقة أو تزويرها أو الابتعاد عنها قيد أنملة، الأخطاء وحتى التي رافقت بعض مراحل الحكم بعد النبي صلی الله علیه واله وسلم قد تكون لها مبرراتها في زمانها وإلا لكانت قد حدثت خلافات تصل إلى الحروب بين الناس ويخرج من هذا الرأي ما حدث في موضوع الردة وحروبها لأنها كانت على مبدأ آخر ، هو أن المرتدين قد انقلبوا على الإسلام ، ولكن الأحداث التي جرت بعدها كانت أحداثاً لها طابعها السياسي ولكنها ظلت متمسكة بالإسلام.وحتى في فترة حكم الإمام علي التي امتدت إلى أربع سنوات، حاول الإمام علي أن يعيد كل ما كان عليه في عهد النبي صلی الله علیه واله وسلم، لأنه كان الأقرب من غيره في فهم المبادئ والعقيدة والشريعة .. ولكن هل تركوه يعمل بما يمليه عليه الواجب الديني، فقد اضطربت الأوضاع وحصلت حرب الجمل وحرب صفين والنهروان إلى أن وصلت الأمور إلى مقتله .4. نعم حدثت هناك احتجاجات تنبعث من هنا تارة ومن هناك تارة أخرى ، تدل على أن المجتمع يتململ تحت وطأة الاضطهاد والظلم، كتلك التي عبر عنها موقف حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأضرابهما (1.)ولكن هذه المواقف هل أخذت مداها نراها قد واجهت أبشع أنواع


1) الكامل في التاريخ - لابن الأثير

القسوة وتم قتل هذه المجموعة، في حين لم نر بأن المجتمع قد حرَّك ساكناً وحتى الذي بادر بالاعتراض والنهوض ضد السلطة نتيجة مقتل حجر وأصحابه، وأعد نفسه للثورة نتيجة ذلك الحدث، فقد وجدنا بأن المال كان قد طيب النفوس وأرجعها إلى الدعة والسكون مثل ما حدث مالك من بن هبيرة السكوني الذي بدا وكأن سيثور بسبب قتل حجر وأصحابه، فقد أرسل إليه معاوية مائة ألف درهم" فأخذها وطابت نفسه "(1)إذا ما اعتقدنا بكل ما ورد سابقاً وتمت مناقشته في وجوهه المتعددة . . فهنا نجد سؤالاً يطرح نفسه وبشدة . .ما هو موقف الثوار واليسار الإسلامي وأصحاب المبادئ الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم ؟ . .بل أين كان الإمام الحسن الذي عاش في حياة معاوية عشر سنين إلى أن لحق بالرفيق الأعلى؟ .وأين كان الإمام الحسين من هذا كله إذا كان كل ما نقل إلينا صحيحاً؟ . .فهل كان هناك موقف ما؟وإذا كان هناك حقيقة موقف فما هو ؟ .وإن لم يتخذ أي موقف أو إجراء، فلماذا؟ .وما السبب في هذا الإذعان والسكوت إذا كان كذلك وما مسوغاته؟


1) الكامل في التاريخ - لابن الأثير - ج 3 ص 242 .

وما هي مواقف الخط الثوري في الإسلام إذا ما عرفنا أن هذا الخط يتبع وبشكل قاطع الإمام الحسن الذي كان في زمنه يمثل المبدئية والتمسك الحقيقيبرسالة الإسلام كما تعلمها من جده وأبيه؟ . .فهل كان الإمام الحسن يشاهد ويسمع فقط ؟ .أم حُرِّض من قبل أصحابه وأهل بيته ولكنه آثر التمهل وإلى متى؟ . .وكيف كان يشعر وأمة جده قد تغير حالها وقتل أحرارها وكبتت حرياتها بهذا الشكل؟ !!هذه تساؤلات لا بدَّ من الخوض فيها .. بل وتحليلها بالصورة التي تؤدي للاقتناع .. لا بالصورة الرمادية، أو التي أعطت الاحتمالات وأدخلت في العقول على أنها كانت لازمة وليدة ظرفها ولا بد من القبول بها . .## ما هو موقف الإمام الحسن؟ما هو موقف الإمام الحسن؟إذا اعترفنا بموضوع تنازل الإمام الحسن لمعاوية بصلح أو عهد أو ميثاق . . فإن ذلك يعطي أمراً واحداً هو تنازل الإمام الحسن! وإن ذلك تم کله بشروط كما يقولون، وقد اجتهد الباحثون في هذه الشروط ، وقد ذكرناها سابقاً (رغم إن لنا رأياً بما سطره البعض عن هذه الشروط ولكن الذين حددوا هذه الشروط أنفسهم نقلوا أيضاً بأن معاوية ومنذ اليوم الأول قد نقض أغلب هذه الشروط والتي كان منها :)1 . تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وبسيرة الخلفاء الصالحين2 . أن يكون الأمر للحسن بعد معاوية وليس لمعاوية أن يعهد به إلى

أحد في حالة حدوث أي مكروه على الحسن، بل يكون المسلمون هم الذين يختارون من يقودهم(1)3 . أن يترك سب الإمام علي وأن لا يلعن على المنابر، وأن لا يذكر إلا بخير .4 . ما اتفق من دفع الأموال للحسن وهو استثناء ما في بيت مال الكوفة وجعل خراج دار أبجرد للإمام الحسن .5 . أن يكون الناس آمنين حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم ، وأن لا يأخذ أهل العراق وأن لا يصيب أحداً ممن كان مع الإمام علي بمكروه ، وأن لا تكون هناك غائلة على أهل بيت الإمام علي لا سراً ولا جهراً.6 . وأن لا يسمى معاوية بأمير المؤمنين (2وألا يقيم عنده الشهادة (3))7 . أن يعلن الإمام الحسن مبايعته لمعاوية بن أبي سفيان أمام الناس، وفي مسجد الكوفة لكي يعلم الناس وتبايع الأمصار.وفي سياق البحث لا بدَّ لنا من نقل ما دار في أول يوم تم فيه التنازل من خلال قراءة سريعة للخطب التي دارت من قبل معاوية و الإمام الحسن في مسجد الكوفة ، وهذه الخطب نقلها الكثير من الكتاب و أكدها كتاب الشيعة أنفسهم، أكانت قد أخذت منقولة أم هم الذين رووها، فبعد أن خطب معاوية


1) يذكر البعض أن في نص هذا الشرط أن يكون الأمر للحسن من بعده فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد - راجع الشيخ راضي آل ياسين-كتاب صلح الحسن.

2) حياة الإمام الحسن باقر شريف القرشي نقلاً عن تذكرة الخواص للجوزي.

3) المصدر السابق (نقلاً عن أعيان الشيعة ).

في مسجد الكوفة وقد نقلنا خطبته سابقاً والتي قال في آخرها " ألا أن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به ".(1)ويذكر أن معاوية (حسب روايات الشيعة بأنه ذكر الإمام علي فنال منه ثم نال من الحسن فقام الحسين ليرد عليه ، فأخذه الحسن بيده وأجلسه ثم قام وقال :" أيها الذاكر علياً ، أنا الحسن وأبي علي وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله وجدك عتبه بن ربيعة، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة ، فلعن الله أخملنا ذكراً وألأمنا حسباً، وشرنا قديماً وحديثاً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً" فقال طوائف من أهل المسجد آمين " .)ومما جاء في خطاب للحسن أيضاً :" الحمد لله الذي توحد في ملكه وتفرد في ربوبيته يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك عمن يشاء. والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم وأخرج من الشرك أولكم وحقن دماء آخركم فبلاؤنا عندكم قديماً وحديثاً أحسن البلاء إن شكرتم أو كفرتم ، أيها الناس إن رب علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه ولقد اختصه بفعل لم يعتادوا مثله ولم يجدوا مثل سابقته فهيهات هيهات ! طالما قلبتُم له الأمور حتى أعلاه الله عليكم وهو صاحبكم وعدوكم في بدر وأخواتها جرعكم زنقاً وسقاهم علقاً وأذل رقابكم وأشرقكم بريقكم فلستم ملومين على بغضه، وايم الله لا ترى أمة محمد خفضاً ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية ولقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدوا عنها حتى تهلكوا لطاعتكم طواغيتكم وانضوائكم إلى شياطينكم فعند الله أحتسب ما ينتظر من سوء دَعَتكم وحيف حكمكم .. ثم قال .. يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي الله


1) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد المعتزلي.

صائب على أعداء الله ، نكال على فجار قريش ، لم يزل آخذاً بحناجرها جاثماً على أنفاسها ليس بالملومة على أمر الله ولا بالسروقة لمال الله ولا بالفروقة في حرب أعداء الله أعطى الكتاب خواتمه وعزائمه دعاه فأجابه وقاده فاتبعه لا تأخذه في الله لومة لائم فصلوات الله عليه ورحمته ". (1)وقد ذكر المجلسي في بحار الأنوار وهو من كتب الشيعة المشهورة، أن الإمام الحسن قال :" وإن معاوية زعم لكم أنني رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي لها أهلاً فكذب معاوية، نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله عز وجل على لسان نبيه ولم نزل أهل البيت مظلومين منذ قبض الله نبيه " .وذكر ابن الأثير بأن الحسن خطب فقال : " أيها الناس إنَّما نحن أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وكرر ذلك حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشیجه " .(2)وبملاحظة دقيقة لما ورد في الخطب أعلاه وما جاء فيها لا بد أن نحدد لها موقفاً، وهذا الموقف قد يرضي بعضاً ويغضب آخرين أو قد يرفضه آخر، ولكن قراءة متمعنة ما بين السطور والابتعاد عن التحيّز والميل إلى الشفافية فنرى ما يلى:1 . أن معاوية عندما قال " ألا كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به "هذا اعتراف صريح منه بأنه نقض بداية كل ما شرطه الحسن ووافق عليه معاوية، وهذا النقض العلني - إذا قوله - ألا يستدعي وقتها من الحسن أن


1) صلح الإمام الحسن من منظور آخر - الأسعد بن علي ص54-55-56.

2) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 ص 406 .

يلزمه الحجة بعدم التنازل بل عدم قبول (الصلح؟)2- إن خطبة الحسن التي رد بها على معاوية والتي ذكرها جميع الكتاب الموالين لأهل البيت بأنها صحيحة وأن الحسن قد نطق بها فلنر ما في سطورها.أ. عندما نال معاوية من الإمام علي بحضور ولديه السبطين، وعندما أراد الحسين الرد عليه فمنعه الحسن وقام هو بالرد عليه .. ألا يفترض بهما أن يقاطعا معاوية. وهل كان الرد وإن كان بليغاً ، كافياً في مثل هذا المشهد؟ . . ام القطيعة والنفرة منه وإعادة الأمر إلى ما كان عليه هو الأفضل !! .ب. إن قول الإمام الحسن " الحمد الله الذي توحد في ملكه وتفرد في ربوبيته، يؤتي من يشاء يشاء وينزع الملك عمن يشاء " إلا نقرأ منه بأن الإمام الحسن قد رضخ لمشيئة الله بالمعنى المشاع لهذه المشيئة فهو كامل الصحة بأن الله سبحانه هو الذي يعطي الملك لمن يشاء، وهذا القدر قد آمن به الحسن وعرف بما معناه ( إن الله أراد أن يكون الملك لمعاوية وتنازله عن الحكم لا يعطي غير هذا المعنى.)3 . وقول الإمام الحسن "الحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم وخرج من الشرك اولكم وحقن دماء آخركم " والمهم هنا (وحقن دماء آخركم يعني ذلك أن الحسن ارتضى بحقن الدماء بتنازله هذا .. وذلك ما يشير إليه الكثير من الكتاب بأن النبي صلی الله علیه واله وسلم قال مرة في الحسن بأن ولده هذا سوف يحقن الدماء وكأنما أرادوا أن يكون ذلك تبريراً للتنازل على أن نبوءة النبي يجب أن تتحقق، ولكن لنرجع إلى الأصل .. هل ما نقل عن النبي صلی الله علیه واله وسلم من حديث في هذا الخصوص كان صحيحاً أم موضوعاً ليستخدم للتبرير !! وذلك ما سوف نذكره)لاحقاً بالتفصيل.

4 . أما قوله "وايم الله لا ترى أمة محمد خفضاً ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية ولقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدوا عنها حتى تهلكوا لطاعتكم طواغيتكم . . . » فهنا يعني فهنا يعني أن الحسن قد آيس من أمته وأمة جده التي (ارتضت أن يكون سادتهم وقادتهم من بني أمية .. وتحليل ذلك أن ضغط الناس على الحسن كان هو الأساس في التنازل وقد بلغهم بأن هناك فتنة ستصيبهم وتهلكهم لإطاعتهم الطواغيت، فكيف يقبل الحسن بأن يسكت والفتنة قائمة لا محالة .. ومع ذلك يتنازل !!)5 . أما ما أورده المجلسي في بحار الأنوار على أن الحسن قال " وإن معاوية زعم لكم أنني رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي لها أهلاً فكذب معاوية، نحن أولى الناس في كتاب الله عز وجل وعلى لسان نبيه ولم نزل أهل البيت مظلومين منذ قبض الله نبيه ".. أقول .. لو يطلع القارئ على بحار الأنوار للمجلسي يرى فيه أموراً لا تتماشى مع عقلية الفرد المعاصر بل نراه متعصباً ومتحزباً بدون علمية حقة، ما جاء في أغلب أجزاء (البحار ما يعطي للغير الحق في انتقاد مذهب أهل البيت وخاصة في عصرنا هذا رغم أن المجلسي ألف كتابه منذ زمن بعيد كانت العقلية السائدة فيه ونمو الشعور الطائفي هو المسيطر في ذلك الزمن وتأثير الحكام الصفويين الذين أججوا الطائفية كبير عليه أيام تأليفه كتابه ذلك . . ولكن الإنسان المعاصر يمكنه الاطلاع والتمييز والتفريق بين الغث والسمين ، ولكن المؤلم بل المؤسف أن الكثير من كتابنا في يأخذون بما جاء في بحار الأنوار ويعتبرونه مصدراً مهماً من مصادرهم.. وقد ينتقدني البعض في طرحي هذا ولكني أقول وبجرأة بل وأتحدى أن يراجع الذين كتبوا خاصة عن أهل البيت وعن حوادث التاريخ التي شملتهم منذ وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم .. أن يراجعوا ما كتبه الشيعة قبل القرن العاشر الهجري والمخطوطات تؤكد ذلك وما وصلنا عنهم ما زال موجوداً . . وفي تلك الكتب)

لا نلاحظ فيها وجوداً للعن أو السب والمهضومية والظلم، بل كانت غاية في العلمية والواقعية وبعيدة جداً عن الطائفية والبدع واختلاق الصور التي تهولالحوادث وتجرُّ إلى الفتن وإلى الاختلاف العقائدي الكبير . .ولكن من أوائل القرن العاشر الهجري .. أي منذ وصول الصفويين كان سياسياً أكثر منه أن يكون دينياً . .وعذراً لهذا الخروج المهم عن أصل الموضوع .. فنرى بأن المجلسي ينقل عن الإمام الحسن قوله (كذب معاوية بادعائه وإذا كان كاذباً نقول .. الحسن يعرف معاوية ليس أهلاً لها فكيف إذاً يضع أمة جده برضاه بيد طاغية ؟ ! ! ألا يخاف على أمة جده أم تراه يريد من وراء ذلك التنازل الانتقام من الأمة التي خذلت والده وخذلته بعد ذلك والغريب أن أمة جده هي نفسها بسيوفها قتلت أخاه الحسين .)أما ذكر المجلسي على أن الحسن قال "ولم نزل أهل البيت مظلومين منذ قبض الله نبيه " . . نقول ، هذا الكلام هو تصغير لأهل البيت وليس تعظيماً لهم .. إن أهل البيت من العظمة بمكان جعل الناس في زمن النبي النبي صلی الله علیه واله وسلم وبعده يضعونهم في مصافي التبجيل والاحترام الدائم لقرابتهم ونزول القرآن فيهم ومكانتهم العالية والهالة الكبيرة التي كانت تدور حولهم فيها الشيء الكبير من القدسية .أما كتاب التشيع الصفوي فقد خرجوا بآراء مفادها إن المعصومين الأربعة عشر وهو وهم النبي النبي صلی الله علیه واله وسلم وفاطمة الزهراء والإمام علي وولداه الحسن والحسين و الأئمة التسعة أولاد الحسين كلهم قضوا شهداء إما بالقتل أو من بالغيلة وبالسم . . "ما مات منا إلا مسموماً أو مقتولاً " .وإن الأئمة الاثني عشر كلهم شهداء مقتولين مظلومين .. بينما هناك

حقائق لا غبار عليها تخالف هذا الرأي لأن البعض من أئمة أهل البيت مات موتاً طبيعياً مثل الإمام السجاد زين العابدين علي بن الحسين والإمام محمد بن علي الباقر والإمام جعفر بن محمد الصادق، رغم أن البعض قد ألف قصصاً غير واقعية عن سبب وفاتهم، كما أن الإمام الثاني عشر (المهدي في عقيدة الشيعة هو غائب وسوف يظهر ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً . . كما أن الشيخ المفيد رحمه الله صاحب الإرشاد فقد نقل ما مفاده بأنه لم يمت مسموماً من الأئمة غير الحسن .)ويقولون إن فاطمة الزهراء كان سبب وفاتها هو حادثة الإسقاط التي حصلت لها (القصة المعروفة وقد قضت مظلومة سلام الله عليها . . فهل كان الإمام علي بهذا الضعف (والمظلومية) بحيث لا يتصدى لمن يتسبب بوفاة سيدة نساء العالمين وبضعة الرَّسول ؟ وعهد رسول الله فيهم لما يمض عليه أكثر من ستة أشهر !! فكيف يقبل الإمام علي هذا الأسد الغالب وهذا البطل الصنديد بهذا الأمر ويسكت عنه .. أو يقول البعض ذهب الإمام علي إلى بيعة أبي بكر مرغماً (أي بالقوة) . . عجباً لهذه الآراء وقد تحدثنا في البداية عن هذه الأمور .. فلماذا هذا التصغير بأهل البيت؟ ولماذا يؤكد البعض بأنهم مظلومون دائماً، والمظلوم دائماً هو الضعيف والخانع .. والمظلوم الحقيقي هو من ينادي بالحق ويضحي دونه . . والحسين كان مظلوماً لأنه تمسك بالحق وقد ظلمته .. أمته ولكنه لم يكن ضعيفاً . . وهنا يختلف الوضع ..)أجد بأن المظلمة التي يتحدثون عنها يبغون منها الاستعطاف والميل إلى جز أتباع أهل البيت إلى تغليب العاطفة لديهم وجرهم دائماً إلى النواح واللطم والبكاء الذي أصبح شعار الشيعة منذ القرن العاشر الهجري وحتى يومنا .كلا.. كان أهل البيت دائماً موضع احترام وتبجيل وتكريم من قبل

جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم والتقرب إليهم وشيوع ذكرهم لا يقتصر على مذهب أو طائفة واحدة ودليلنا ، هي مراقدهم ومقاماتهم في كل بقاع الدول الإسلامية عربية كانت أم غير عربية ومدى اهتمام الناس بها والتوافد على زيارتها من كل الطوائف ومذاهب المسلمين وحتى وصل الأمر إلى الاهتمام بمشاهد أحفادهم على مدى السنين ، وما توافد الناس إلى هذه المراقد والمشاهد والمقامات إلا للتبرك والتشفع بهم إلى الله سبحانه وتعالى لمنزلتهم العظيمة. وليس من أجل البكاء والنواح الدائم ، بل نرى أن دولاً تأسست من خلال دوافع سياسية اتخذت أهل البيت رموزاً لهم وقد اهتموا بمراقدهم ومقاماتهم، زد على ذلك أن هناك من ادعى وجود قبور أهل البيت وقاموا على تعميرها والاهتمام بها ، كسباً لتقرب الناس ، وتأييدهم، كما كان الحال الدولة الفاطمية .. رواية واحدة موضوعة تذكر بأن رأس الحسين بن علي في مصر بينما كل الدلائل تشير إلى أن رأس الحسين أعيد إلى كربلاء من الشام و دفن جثمانه الطاهر، وغير ذلك من الأمثلة، ليجعلوا لهم رموزاً يبنون عليها دولهم السياسية وكان حرياً بهم أن يسيروا على نهج الرمز وليس التباهي ببناء الصروح ليتخذوها ذريعة على أساس تمسكهم بمذهب الرمز .. وحتى الصفويون وقبلهم البويهيون ما كان اهتمامهم بالعتبات المقدسة إلا لدوافع سياسية، لأن هناك صراعاً محتدماً بين الدولة الإيرانية والدولة العثمانية بشكل دائم (1)6 . أما ابن الأثير فعندما ذكر بأن الحسن بعد خطبته التي ذكرناها نقلاً عنه بأن "ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشيبه " . . كل ذلك يحدث ومعاوية والحسن خطبا في الناس والناس بكوا بعد انتهاء الحسن من


1) يجد القارئ تفصيلاً كاملاً عن هذا الموضوع في كتابنا اللاحق عن مدينة كربلاء ومرقد الحسين.

خطبته، يعني أن الناس إما أن يكونوا قد أجبروا على القبول بهذا التغيير والتسليم إلى معاوية أو أنهم كانوا يعرفون الحق ولا يميلون إليه وقد رغبوا في الخضوع والخنوع ذاتياً، فهل هم يعاقبون أنفسهم بالبكاء؟ أم أن هناك أمراً آخر ..!! إنَّما هو أمر محير فعلاً .. لا نعرف له تفسيراً هو موضوع التنازل هذا ، والمحير في الأمر أكثر إذا ما صدقنا كل الذي روي عن تلك الحقبة من الزمن . . والحسن خليفة اختاره وبايعه المسلمون ، يتنازل بشروط إلى معاوية، والشروط تلغى منذ اليوم الأول للتنازل وما بعده ، وكل ما قاله الذين برروا هذا التنازل يجتمع في الأمور التالية :أ. الحسن أراد بالصلح وإعطاء الأمر إلى معاوية لكي يكتشف الناس بأنفسهم الخطأ والجريمة التي قاموا بها بخذلان الإمام الحسن وعدم طاعته ."فإذا كان الناس قد كرهوا الحرب لطول معاناتهم لها ورغبوا في السلم انخداعاً لحملة الدعاية التي بثها فيهم عملاء معاوية، إذ منوهم بالرخاء والأعطيات الضخمة ، والدعة والسكينة ، ونزولاً عند رغبات زعمائهم القبليين، فإن عليهم أن يكتشفوا مدى الخطأ الذي وقعوا فيه حين ضعفوا عن القيام بتبعات القتال ، وسمحوا للأماني بأن تخدعهم ولزعمائهم بأن يضللوهم ، ولا و يمكن أن يكتشفوا ذلك إلا إذا عانوا هذا الحكم بأنفسهم : عليهم أن يكتشفوا طبيعة هذا الحكم وواقعه "(1)ب. بعد ذلك ولأن الإمام الحسن لم يكن مغامراً ولا طالب حكم ولا زعيماً قبلياً، بل هو صاحب رسالة وحامل دعوة كان "على الإمام الحسن وأتباعه المخلصين أن يفتحوا أعين الناس على هذا الواقع ( أي واقع حكم


1) ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين - ص115 - 116.

معاوية وأن يهيئوا عقولهم وقلوبهم لاكتشافه، والثورة عليه والإطاحة به(1))في الحقيقة ومع احترامنا لهذه التبريرات .. ولنكن أكثر موضوعية، هل نريد أن نخدع أنفسنا بهذه التبريرات أم أن العاطفة تلجئنا أن نصدق هذه التحليلات؟ ! !أي ناس هؤلاء الذين أريد منهم أن يكتشفوا الحق بعد أن يذوقوا مرارة العيش وظلم واضطهاد الحكام ، معاوية وولاته .. إذ كانوا مع الحسن ويعلمون أنه على الحق وخذلوه وتباطأوا عن القتال ، بل هجموا على صاحبهم في فسطاطه وأرادوا قتله ونعتوه بإذلال المؤمنين ، بل خانه ابن عمه وقائد جيشه . . فأي أعين سوف تفتح بعد كل ذلك ..؟!ومن يقول بأن حكم معاوية سوف يسير على الظلم والقتل واستغلال الأموال وجعل أمة محمد تحت كل شجر ومدر؟ .نحن نقول : سوف يكون الموقف كالتالي .. يقول المنافقون إن الحسن كان ليس أهلاً للخلافة وإن معاوية كان على حق عندما ردَّ على الحسن بدعوته للبيعة " قد علمت أني أطول منك ولاية وأقدم منك بهذه الأمة تجربة وأكثر منك سياسة وأكبر منك فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي " .(2)والأصعب من ذلك أنه إذا كان الإمام الحسن يعلم بأن معاوية سوف يسير سيرة ظالمة في أمة جده ومع ذلك يتنازل له حتى يعرف الناس بأنفسهم أنهم أخطأوا ومن ثم وبعد أن يعرفوا يقوم مع أصحابه بفتح أعين الناس والثَّورة عليه ! ! . .فلماذا هذا الجهد وقد بايعه الناس ، عدا أهل الشام ومعاوية، فلو تركه


1) ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين - ص115 - 116 .

2) صلح الإمام الحسن من منظور آخر - ص 31 عن مصادر ذكرها في هامشه.

فيها لحين أن يهيئ الناس بشكل أفضل ويجعل عامل الوقت يأخذ دوره حتى لايثار هذا الجدل وما حدث بعد ذلك .وقد يكون رأينا وتحليلنا هذا محل عدم ارتياح البعض .. فنقول حتى الإمام الحسين وقد شهد زمن معاوية كله ، وعاش حادث اغتيال الحسن بالطريقة الغادرة التي لا ينكرها أحد وعاش سياسة ظلم واضطهاد معاوية وولاته وما قتل من الأخيار، حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهم .. ولكنه لم يقم بالثَّورة ضد معاوية رغم أنه كاتبه وحدثت بينهما أمور سوف نذكرها لاحقاً إلا أنه لم يثر عليه، والأدهى من ذلك. . إن بعض أصحاب التبريرات يقولون: لقد كانت في عنقه بيعة لمعاوية، وقام بالثَّورة عندما أصبح يزيد خليفة على المسلمين وهو ليس أهلاً لها وليس للإمام الحسين برقبته بيعة له فلذلك أقدم على الثَّورة.. مما دعا بعض النواصب وفاقدي الذمم بأن ينعتوا الإمام الحسين بأنه طالب سلطة وزعامة ، ليفرغوا كل ما هو مضيء وعظيم في موقف الإمام الحسين عندما ثار . . .وكل ذلك نتيجة أصحاب التبريرات غير اللائقة بحق الإمام الحسن وكذلك أخيه سيد الشهداء وأبي الأحرار .وكم من الفرضيات قرأنا ، وكم مرَّة قرأنا عن نقض بنود الصلح، فالكل يفترض ويبحث عن أدلة تدعم ما يفترضه وهناك المجتهدون .. وهم كثر ... يرون صدق ما يذهبون إليه ، ويسعون إلى أن يصدقهم الآخرون .وسواء ، أكان الحسن قد تنازل لمعاوية ، تحت ضغط الظروف التي فصلنا فيها القول، أم أن هناك (حلقة مفقودة لم تصلنا حتى الآن، وفيها الحقيقة وإلا فإننا نعد كل ما قيل هو موضوع جدل ونقاش منذ ما يقارب الأربعة عشر قرناً.)

## عشر سنوات في ظل حكم معاويةعشر سنوات في ظل حكم معاوية :عاش الإمام الحسن عشر سنوات في ظل حكم معاوية ، فلنر ما الذي حدث في هذه المدة.. الذي حدث أن معاوية جهد على تطبيق سياسته التي تحدثنا عنها مفصلاً ونوجزها بما يلي:1 . استعمل سياسة القوة والإرهاب ومحاربة من لم يكن على هواه كولايات أو مدن أو أشخاص واستعمل سياسة التجويع ومحاربة الخصوم بمنع الأعطيات واتباعه سياسة التفضيل، وقد استعمل ولاه قساة على الأمصار كانوا يطبقون ما يريد بل يزيدون عليه. وسياسته المالية التي ذكرها المؤرخون كانت على أساس توضيب أموال الدولة وصرفها بسخاء للمتزلفين لكسب النفوس الضعيفة واصطفاف رؤساء القبائل إلى جانبه وحرمان الناس المحتاجين لها، والمبالغة في جباية الأموال.2 . استعمل الدين لأغراضه ومصالحه وشجع البعض لتأويل الآيات ووضع الأحاديث المفتعلة تصب كلها في خدمة سلطانه، وقد أسس فرقة مذهبية تقف أمام شيعة الإمام علي والخوارج على حد سواء.3 . إحياؤه النزعات القبلية واتبع سياسة تفضيل قبائل على أخرى ووصل إلى تفضيل بطن من قبيلة على بطون أخرى من نفس القبيلة، والغريب في الأمر أنه حاول أن يدخل القطيعة داخل أسرته الأموية وكذلك اتباعه سياسة تأخذ شكل العنصرية عندما شجع تفضيل المسلمين العرب على الموالي وهم المسلمون من غير العرب.4 . استغلاله الشعر والشعراء لأغراض متعددة، وما للشعر من أهمية لدى العرب فهو بمثابة الإعلام المؤثر وأما الشعراء فقد استغلهم بذكاء ليكونوا سنداً له من ناحية ومن ناحية أخرى استعملهم للتشتيت والتفرقة بين القبائل

والأشخاص.كانت هذه السياسة العامة التي سار عليها أما مفردات ما قام به فهي كثيرة بل كثيرة جداً ومنها :أنه ألغى بل تنصل من الشروط التي قال عنها المؤرخون إنها شروط الحسن للصلح وكانت أساساً للميثاق أو الصلح الذي سموه، وظهر ذلك منذ اليوم الأول .فقد نص الصلح على وجوب العمل بكتاب الله وسنة رسوله، فكانت سياسته التي أشرنا لها كانت مخالفة حقيقية للكتاب والسنة، وأنصح القارئ إن شاء العودة إلى كتاب الغدير للأميني ليتضح له ذلك، وإشارتنا إلى هذا الكتاب لا لأنه من كتب الشيعة المعتمدة بل لأن العلامة الأميني نقل مخالفة معاوية هذه اعتماداً على كتب أهل السنة وليس على مصادر شيعية ، وإذا كان هناك مصدر شيعي نقله الأميني أرى ألا يأخذ القارئ به حتى تتحقق الحيادية في الطرح والبيان.وإذا كان معاوية والإمام الحسن قد اتفقا على أن يكون الحسن بعده ، فنراه في حياة الحسن طرح فكرة ولاية العهد لابنه يزيد وقد طرحها عليه المغيرة بن شعبة وقد استحسنها معاوية ، ولكن نصيحة الأحنف بن قيس له قد أجلت هذا الموضوع ، وعلم معاوية أن هذا الأمر لن يستتب له إلا بالتخلص من الإمام الحسن، وكانت المؤامرة على حياة الحسن ووفاته بالسم. وقد أعاد المحاولة باستخلاف ولده يزيد مرة ثانية وبقوة بعد وفاة الحسن وكانت من إحدى أسباب ثورة الحسين .وكان من ضمن الشروط هو أن لا يتم النيل من الإمام علي وأهل بيته وأصحابه ، بل نرى معاوية وبعد استتباب الأمر له وسيطرته على الدولة ، جعل سب ولعن الإمام علي سنة، وكذلك فعل ولاته ولم ينته السب إلا في زمن عمر بن عبد العزيز الأموي ، أي دام السب مدة أربعين عاماً، بالإضافة إلى

تشجيعه وضع الأحاديث التي تطعن في الإمام علي .أما بند المال الذي يقال بأنه اتفق عليه بأن يعطى للحسن وخاصة خراج دار أبجرد فإن ذلك قد تم إيقافه (1)وقد روى الطبري أن أهل البصرة قد حالوا بين الحسن وبين خراج دار أبجرد وقالوا :فيئنا . . بينما أشار ابن الأثير في الكامل في التاريخ إلى أن منعهم كان بأمر معاوية .أما ما يخص الأمن العام لأتباع الإمام علي وأنصار الحسن حيثما كانوا وعلى أهل البيت ، فما كان من دس السم للإمام الحسن إلا إحدى وسائل الغدر عندما أغرى زوجته جعيدة بنت الأشعث بن قيس دس السم له نظير زواجها فيما بعد إلى ولده يزيد ، وبعد مقتل الحسن بالسم أرسل لها المال واعتذر من تزويجها ليزيد لأنه يحبه ويخاف عليه (منها بما معناه .)أما من قتل بسبب اتباعه مبدأ الإمام علي وولديه ولثوريتهم والتزامهم المبدئي فهم كثر، وكمثال نورد هذه الأسماء :- حجر بن عدي الكندي وأصحابه . . رشيد الهجري وعمرو بن الحمق


1) بالمناسبة وحسب ما قيل بأن الاتفاق تم على أن للحسن ما في بيت مال الكوفة وكذلك خراج أبجرد، ذلك ما ذكره الجميع من كتاب الشيعة ومن مذاهب أهل السنة والمستقلين على حد سواء.. أقول لا بد أن في ذلك الكثير من المغالطة والمبالغة لأن بيت مال المسلمين في الكوفة يعود إلى كل المسلمين فلا يحق للإمام الحسن أن يأخذه لا شرعاً ولا عرفاً إذا كان له شخصياً.. واستبعد أن يكون ذلك قد حصل لأن الإمام الحسن هو أدرى بالدين والشريعة من غيره في زمانه واستبعادنا هذا له ما يبرره لأن ذلك يعطي الحق للمتقولين بأن الإمام الحسن كان همه المال ليصرف على زواجه المتكرر وإلى غير ذلك وحبه للدعة والمال وغيرها من الأقاويل، فنحن نستبعد حصول ذلك كرأي قابل للنقاش.

الخزاعي الذي قطع رأسه وطيف به وكان أول رأس يطاف به في الإسلام..وأوفى بن حصن وجويرية بن مسهر العبدي ..فقتلهم معاوية صبراً وطاف بالرؤوس بعد أن أعطاهم الأمان .. ويقال بأنه أول من سجن امرأة في الإسلام لاتباعها مبدأ علي في السيرة وغيرهم الكثير ممن مثل بهم ولاته القساة أمثال بسر بن أرطأة وسمرة بن جندب وزياد ابن أبيه ، في الكوفة والبصرة ومكة والمدينة وغيرها من الأمصار .وينقل عن الحسن البصري ما معناه : أن واحدة من أربع حالات فقط قام بها معاوية تجعله يقع تحت طائلة الحساب الإلهي وهي :أ. تجرؤه على القيادة الشرعية والخليفة الشرعي المنتخب وهو الإمام علي وخروجه على اختيار الأمة ومطالبته بما لا يحق له شرعاً وعرفاً وهذا يعني عدم التزامه واعترافه بقيم ومبادئ الإسلام.ب . إقراره بسب ولعن الإمام علي على المنابر في جميع البلدان الإسلامية. واستلحاقه زياد .ج- قتله الشهيد حجر بن عدي الكندي في (مرج عذراء وأصحابه بدون وجه حق.)د - استخلافه يزيد على رقاب المسلمين .فكل الذي وصلنا عن الإمام الحسن ضمن العشر سنوات التي بدأت منذ تنازله إلى معاوية حتى تاريخ انتقاله إلى باريه .. هو أن الإمام التزم بالعهد الذي أعطاه إلى معاوية واتبع أخلاقية الثوار رغم أنه قبل بالتنازل على ضوء ما تقدم، وقد منع نفسه وأصحابه أن من ينقضوا (الصلح وإذا ما أخذنا المبدأ القائل هو أن الإمام كان يهيئ الناس عندما يروا سيرة وظلم معاوية فسوف تتحرك فيهم روح الثَّورة. وبعد ذلك يكون لكل حادث حديث . عجباً ما قرأنا من)

تحليلات . . أكانت ممن كان هواهم ضد الهاشميين من آل علي وبنيه ، أم من اتباع الإمام علي وبنيه .. فقد أوغلوا في التحليل والتبرير وكل ذلك ذكرناه عموماً ولكن الأغرب هو أن البعض راح يبحث عن وجه شرعي للصلح على أسس دينية وفي قرارة نفسه إنه ليس مع الصلح وضد موقف الإمام ولكن تبعيته المذهبية أجبرته على قول ذلك ..فألفوا وأصدروا دراسات وكتباً وبحوثاً عن (مشروعية الصلح في الفقه الإسلامي لكي يعطوا المشروعية لهذا الصلح وقد تناسى هؤلاء أصل مبادئ الإمام علي والإمام الحسن والتي كتبوا هم أنفسهم عنها، فلماذا هذا التناقض ؟ ! !)بل راح البعض يتحدث ويحلل ويكتب عن موضوع طالما طرح في مناسبات عدة، وهو لماذا يميل الحسن إلى الصلح بينما يثور الحسين؟! . أو أن يكونوا وجهاً لوجه أمام المقارنة بين ثورة الحسين وصلح الحسن .وأسهل ما وصل هذا البعض إليه أن يتحدثوا عن ( وحدة الهدف وتنوع الأداء بين الحسن والحسين !!)نقول إن الحسن والحسين كانا لحمة واحدة في السيرة والتفكير ولم يفترقا لحظة واحدة في الأداء والهدف .. فليأتنا من يشاء برواية موثوقة تؤكد ما قام به الإمام الحسن من تنازله إلى استشهاده ، فما وصلنا عن الحسن كان يبرر هدوءه على نقض الصلح وتهدئة أصحابه الذين كانوا يلحون عليه بالنقض، لأن الإمام كان أدرى بالأمور سواء أكانت دينية أم دنيوية أكثر من غيره كونه وأخوه إمامين قاما أو قعدا . .أتساءل لماذا غابت مدة العشر سنوات هذه وكأنها لم تكن من التاريخ. .وكل من يكتب يقول ( على الرغم من قلة ما وصلنا عن هذه الفترة .. لماذا)

ولماذا . . هل عشر سنوات من تاريخ الإسلام كانت قليلة حتى لا تصلنا دقائقأمور هذه المدة وخاصة ما يعني الإمام الحسن؟ .ولكن لماذا تصل إلينا أخبار الجميع عدا أخبار الحسن في هذه المدة. .فماذا عرفنا غير التحليلات؟ هذا الدكتور طه حسين يقول كان الحسن عثماني الهوى، ويقول عن نبوءة النبي صلی الله علیه واله وسلم (إن ابني هذا سيد ... وإن الله سيصلح به فئتين من المسلمين .. كما أن بعض علماء الشيعة يعدون هذه كرامة للإمام الحسن مثل ما ذكر ذلك الشيخ راضي آل ياسين في كتابه صلح الحسن وتناسوا ما يقول الشيعة في عقيدتهم (بأن النبوءة هي إخبار من النبي صلی الله علیه واله وسلم عن الغيب بحدث سيحصل بغض النظر عن أسبابه ومفاعيله) .)فلو صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الحسن (إن هذا ابني سيد وإن الله سيصلح به فئتين من المسلمين. فلم نرَ في هذا الحديث أمراً قاطعاً للحسن من الرسول بأن يخضع للمصالحة وإلا كان النبي قد سمى الحادثة.. أو يكون موضوع الإصلاح هذا لغير هذا الأمر وما أكثر الخلافات في زمانه بين فئات المسلمين .. والأغرب من ذلك إن هذا الحديث لم يذكره سوى أبو بكرة شقيق زياد ابن أبيه من أمه سمية .. ورواه البخاري والإمام أحمد في مسنده عنه . . وإذا كان قول النبي صلی الله علیه واله وسلم هذا إمام المسلمين فلماذا لم يروه غيره؟ أم أن الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم خص به أبو بكرة وحده؟!!)وإذا كان اقتناع الشيعة بالصلح والتنازل لمعاوية، يعني أنهم ناقضوا عقيدتهم التي تؤكد بأن السلطة الدينية والدنيوية من بعده لعلي وولديه وللتسعة المعصومين من أولاد الحسين .. فإذا فاتت بداية عن الإمام علي إلى أن وصلته وبعده كانت للحسن فلماذا يتنازل عنها ويخالف ما أوصى به أو تحدث به النبي صلی الله علیه واله وسلم كما يعتقد الإمامية !! .

وتجرأ البعض الآخر بالقول بأن الإمام الحسن كان يميل إلى المال والدنيا وحب الدعة وإنه كان مزواجاً إلى آخر هذه الأحاديث البعيدة كل البعد عن الحسن وشخصيته الفذة والعظيمة وراحوا يقارنون بينه وبين أخيه الحسين، بل صوّر البعض بأن الحسين كان على خلاف مع أخيه الحسن على نفس الأمر وهو الصلح، بل راح آخرون ينقلون عن دعة الحسن بأنه كان مخالفاً لأبيه عندما قبل الخلافة بعد عثمان ، وخالفه الرأي في التوجه لقتال أصحاب الجمل .. وكلها أكاذيب وبهتان بحق الإمام الحسن .فلنقل بأن الظروف القاسية التي مرت بالإمام الحسن ومعرفته بأن هذه الظروف سوف لن تكون بجانبه لدهاء معاوية واستعداده لسفك الدماء مهما كان الثمن وأن لا ننسى تفتت المجتمع المحيط به وتنوع الاتجاهات أمامه من الحزب الأموي والخوارج والشكاكين والمنافقين وعبدة المال والمتخاذلين. . وكل هؤلاء استعمل معاوية معهم سياسة خاصة لكل اتجاه من هذه الاتجاهات ولكنا نطرح سؤالاً مهماً :لماذا لم يكتبوا عن (الحمراء أو الفرس أي (حمراء الديلم) الذين سكنوا في الكوفة بعد معركة القادسية، وإذا ما ذكرهم أحد فيمر عليهم مرور الكرام ولا يتوغل في أمرهم وخطورتهم ولم يتحدثوا عن إن نصف نكسات الإمام الحسن كانت منهم، فقد أصبحوا مقاتلين في جيش المسلمين، ومن ثم جيش الإمام علي وفي جيش الحسن وكانوا السبب في الفوضى التي حدثت في المدائن ضد الحسن ونراهم كانوا فيما بعد ممن اشتركوا في دم الحسين، بل كانوا هم شرطة زياد ابن أبيه في الكوفة وقد فعلوا الأفاعيل بأصحاب الإمام علي والحسن عام 51ه- .)والغريب أن البعض لا يذكرهم بأنهم (فرس وإنَّما يقول إنهم ليسوا عرباً)

بل هم المهجنون من موال وعبيد (ولعل أكثرهم من أبناء السبايا الفارسياتاللائي أخذن في (عين التمر و (جلولاء) ما بين سنة 12 - 17 ه- فهم حملة السلاح سنة 41 ه- و 61ه- في أزمات الحسن والحسين في الكوفة (1).)وكان الشيخ باقر شريف القرشي أكثر شجاعة عندما ذكرهم ولو بشكل هامشي عندما تحدث عن مجتمع الكوفة كونه خليطاً متجانساً ومن هذا الخليط كان الفرس الذين كانوا من فلول الجيوش الساسانية، فلما قتل رستم عقدوا أماناً مع سعد بن أبي وقاص وسكنوا الكوفة وكانوا يزيدون على أربعة آلاف ويسمون (حمراء ديلم وبقي قسم كبير منهم معادياً للإسلام (2).)فعندما لم توثق فترة زمنية معينة ومهمة جداً وخاصة عندما بدأت عام 41 للهجرة وسميت ب- (عام الجماعة !! كما يقول البعض فأين وثائق هذه الفترة؟ !ولماذا هذا التغييب القسري للأحداث ..؟ وإذاً مرة أخرى نقول إن هناك أمراً آخر !! .)## وفاة الإمام الحسن مسموماً:وفاة الإمام الحسن مسموماً:اطمأن معاوية بعد مبايعة الناس له ، وبعد أن ملك الأمر كله .. باشر باتباع سياسته والتي ابتدأت بنقض العهد وأول ما قام به هو " الاضطهاد الذي ألحقه بالثوار في العراق وشتم علي فوق المنابر " (3)وبالمناسبة فإن البعض ينكر موضوع سب علي ويقولون بأنه مفتعل والغاية منه النيل من معاوية، ولكن تأكيد السب هذا ورد في أغلب ما نقله الرواة وكتاب


1) صلح الإمام الحسن من منظور آخر - ص 76.

2) حياة الإمام الحسين - القرشي - ج 2 ص 445 .

3) اليمين واليسار في الإسلام - ص 150 .

التاريخ ومن كتب عن سيرة عمر بن عبد العزيز الأموي كونه الخليفة العادل، بأنه هو الذي أمر بإيقاف سب ولعن الإمام علي من على المنابر . . وعلى كل حال فقد كان حزب علي وأولاده يسجل ويراقب وكان البعض ينتظر بأن يتخذ الحسن موقفاً حاسماً، ولكنه كان يرى أن الوقت غير ملائم ولعله في هذا كان على صواب لأننا سوف نرى بأن الحسين قد لاقى بعده الخذلان وأي خذلان ؟.. وتيقن معاوية بأن الأمر لا يستقيم له إلا بمغادرة الحسن الساحة بأي وجه من الوجوه .. ومرت الأيام ومعاوية يدبر لتدعيم ملكه وتثبيته في بيته، وكان يعلم أن وجود الحسن حياً لن يجعل أمر الخلافة ميسوراً، فمهما يقل في أمر الحسن فإنه يفضل يزيد بن معاوية السكير المعربد عشرات المرات ولذلك لم يتردد معاوية في أن يضع حداً لحياة الحسن ودس السم له بواسطة إحدى زوجاته من قريبات معاوية - في أغلب الروايات - وكان سماً قاتلاً لم يمهله طويلاً فقضى الحسن في إثره وخلا الجو لمعاوية وولده يزيد (1)ونقول بأن التي دست السم للحسن هي زوجته جعدة أو (جعيدة بنت الأشعث بن قيس وقد لا تكون هذه المجرمة من قريبات معاوية ولكنها كانت ابنة الأشعث .. والأشعث هذا كان ظاهراً مع الإمام علي وباطناً كان معاوية ، والذي يراجع سيرة هذا الرجل يجده كان من أسباب الضغط الذي حصل على الإمام علي لقبول التحكيم في صفين، وطالما كانت بينه وبين معاوية مراسلات في زمن الإمام علي، كما أن ابنه محمد بن الأشعث كان ممن اشتركوا في دم مسلم بن عقيل بن أبي طالب، سفير الحسين وابن عمه إلى أهل الكوفة، فهو الذي قاد السرايا للقبض عليه ومن ثم قتله صبراً رحمه الله .)وقد اشترك محمد بن الأشعث فيما بعد في دم الحسين حيث كان ضمن


1) اليمين واليسار في الإسلام - ص 150 .

جيش ابن زياد بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص .فليس غريباً على امرأة كجعدة ولها هذا الإرث الخلقي أن تشترك في مؤامرة مع معاوية حيث مناها بتزويجها من بعد الحسن بابنه يزيد ويدفع لها مالاً طائلاً، وقد ذكرنا ذلك، كما أن كتب السير تؤكد الحادثة ولا تنكرها.لقد كان رحيل الإمام الحسن وبهذه الصورة. رغم أن الحسين قد سأل أخاه الحسن عندما بدأ السم يسري في دمه وجسمه وأدى إلى لفظه قطعة دامية من كبده زفرها في وعاء ... عن الشخص الذي يشتبه في أنه سقاه السم، فلم يجبه الإمام الحسن، بل قدم له وصيته وهو ينازع سكرات الموت، وطلب من أخيه أن يدفن مع جده رسول الله، وحتى هذه الأمنية لم تتم له حيث عارض البعض ومنهم والي المدينة (مروان بن الحكم -والروايات كثيرة في هذا الموضوع - وقد دفن الإمام الحسن في البقيع قرب والدته البتول سلام الله عليها وعلى مقربة من قبر عم والده العباس بن عبد المطلب .)والتحق الإمام الحسن بجده وأمه وأبيه و هو لم يبلغ الخمسين من عمره، الذي عاش شطراً منه مع جده النبي صلی الله علیه واله وسلم العظيم، وقد رافق أباه وعاش الأحداث أولاً بأول، وذهب ليقابل رباً رحيماً يشكو إليه خاذليه وخاذلي أبيه من قبل ، مخلفاً أولاده بذمة أخيه الحسين وكانوا فيما بعد شهداء الفضيلة والحق مع عمهم الإمام الحسين يوم عاشوراء، إلا ابنه الحسن المثنى الذي كان في يوم كربلاء صبياً يبلغ العاشرة من عمره وقد سلم من القتل .. وشاء الله لهذا الغلام أن تستمر ذرية الإمام الحسن إلى يومنا هذا منه حصراً وخاصة من ولده (عبد الله المحض ابن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب .)

## جذور الثورةجذور الثورةبعد كل ما تقدم من دراسة وتحليل وسرد تاريخي للمراحل التي اعتمدتها دراستنا هذه اعتباراً من طبيعة مجتمع الجزيرة العربية في الجاهلية (قبل الإسلام وحتى ظهور الإسلام وقيادة النبي صلی الله علیه واله وسلم للأمة وحتى انتقاله إلى جوار خالقه، ومن ثم مراحل الخلافة التي امتدت منذ السنة العاشرة للهجرة سنة وفاة الرَّسول إلى عام 41 للهجرة عندما انتهت فيها خلافة الإمام الحسن وتنازله عن الحكم لصالح معاوية ومن ثم وفاته عام 51ه- .)لقد درسنا جميع الأحداث وقدر إمكاننا قمنا بتحليل مضامين بعض المراحل والأحداث وما رافقها من أمور ، بعضها كان دامياً يعتصر القلب ومنها ما كان في غاية التشدد على نهج الرّسالة، ووجدنا من خلال المراحل التاريخية التي مرت سريعة جداً مدى التغيير الذي حصل في المجتمع العربي والإسلامي من نهضة ، إلى أن حدث التبدل في مفاهيم هذه النهضة لتدخل المصالح والمنازعات نتيجة التطور الذي حصل في الدولة الإسلامية وازدياد رقعة سيطرتها ، وعند ذلك اختلف شكل الصراع داخل الدولة وتحول من صراع ديني مذهبي إلى صراع سياسي فقد دخلت السياسة وتأثيرها ومشتقاتها من مصالح ونفعية وتهافت على السلطة والحكم والاعتزاز بها، بل وتفضيل الحياة الفانية على آخرة خالدة، ووجدت الانتهازية بمفاهيمها الحالية وبكل ما تعني ، وأصبح الصراع السياسي يتفوق على مصالح الأمة التي رسمها نهج الرسالة الخالدة، فمنذ البدء كانت التيارات تظهر شيئاً فشيئاً وإن كانت خافية مستترة في حياة

الرَّسول لأن أحداً لم يجرؤ أن يفتح فاه والرَّسول موجود، وكان المبطن قد طغى على السطح وبدأت بوادره بالظهور تحديداً في الساعات التي تلت وفاة النبي الكريم صلی الله علیه واله وسلم .وفي دراستنا كثيراً ما ذكرنا كلمة اليسار واليمين وكذلك المحافظين والثوار وكان دائماً اليسار يتماشى مع الثَّورة واليمين يتماشى مع تيار المحافظين.. وفي أحيان أخرى مع التوجه الرجعي.. ولو تتبعنا التاريخ لوجدنا أن اليسار واليمين كانا موجودين في كل حقب التاريخ وحتى في الحضارات التي سبقت الحضارة العربية الإسلامية. وقد استخدمنا هذه المصطلحات لأننا آلينا أن يكون بحثنا قريباً جداً، لأن المجتمع الحالي لا يختلف في صراعاته عن المجتمع القديم إلا بالوسائل الحديثة التي شملتها الاكتشافات والاختراعات وطبيعة العصر الذي نعيش فيه وتقدم وسائل الإعلام الحديثة واستعمال القنوات الفضائية (والانترنيت والاتصال السريع والتطور في عوامل التأثير الفكري والإعلامي وخاصة في مواضيع النشر وإيصال الأفكار مهما كانت وبأساليب متنوعة .)كما أن الذي اضطرنا لأن نكتب دراستنا ونجعلها تواكب العصر ومفاهيمه لأن الموضوع الذي نبحث فيه مضى عليه قرابة الأربعة عشر قرناً، فلا أحد ينتقدنا إذا كان موضوعياً في حالة تأكيدنا بأن أغلب ما وصلنا قد لفه الغموض ودخلت فيه السياسة وكان تأثير السلاطين طاغياً على نقل الحوادث وبالإضافة إلى ما فعله المستشرقون بل وأعداء الإسلام ومن يريد به وبرسالته الشر في وقت لو تكاتف الجميع في ظل الوسائل المتاحة حالياً في صرنا لوصلت الصورة الواضحة الرائعة إلى كل البشر في المعمورة، ولو عرف الناس ونحن المسلمين متكاتفين ما هو الإسلام وما هي مضامينه، لكانت الصورة

مختلفة عما نراه الآن ، وكان البعض القليل جداً من المستشرقين منصفاً في دراسته وتحليله للتاريخ الإسلامي ولكن الغالبية العظمى كان لهم تأثيرهم السيئ على مفاهيم الإسلام وصدوره للعالم على أنه ضبابي وأن المسلمين مختلفون منذ وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم محمد وحتى الآن وقد ساهم بعضهم في هذا الاختلاف وكل ذلك كان مخططاً له، ومما يؤسف له أن بعض الكتاب الإسلاميين بمختلف توجهاتهم قد اعتمدوا هؤلاء المستشرقين والكتاب الأجانب غير المسلمين في تحليلاتهم وذلك وفق ما يناسب هؤلاء الكتاب من المسلمين في اتجاهاتهم ومذاهبهم .إن مفهوم اليسار الثوري كان هو الأصل في الدعوة الإسلامية ونجاحها، وإن اليمين والمحافظين كانوا دائماً يمثلون التيار المتردد منذ بداية الدعوة لأن المصالح والنفوذ والثَّروة كانت بيده وهو عكس اليسار الذي كان يفتقد كل هذه الأمور تقريباً، فلذلك كان هو المتصدي الحقيقي للثورة التي قام بها الإسلام ضد المجتمع السائد آنذاك .وبالمناسبة مفهوم اليمين واليسار الذي نعنيه كمصطلح يختلف عن مصطلح أهل اليمين وأهل الشمال وهذا الاختلاف ليس له صلة بالمفهوم الإسلامي للمصطلح، ففي الإسلام أهل اليمين هم أهل الجنة دائماً وأهل الشمال هم أهل النار .. فقد اضطررنا لذكر هذا الاختلاف لأننا نناقش اليمين واليسار في الإسلام كمصطلح سياسي لا غير .. يفهمه أهل عصرنا هذا(1وكثيراً ما جاءت في القرآن الكريم آيات تتحدث عن أن الذي يتناول كتابه بيمينه يوم الحساب سوف يحاسب حساباً يسيراً وأما من أوتي كتابه بشماله فيحاسب)


1) من أراد أن يتوسع في هذا المفهوم فليعد إلى كتاب اليمين واليسار في الإسلام» للأستاذ أحمد عباس صالح.

حساباً عسيراً، ونرجو من القارئ الانتباه إلى هذا الفرق والاختلاف في المفهوم .إن اليساريين في الإسلام هم الذين يؤمنون بأن الإسلام كونه ديانة سماوية تنظم العلاقة بين الإنسان وخالقه كبقية المسلمين أو المعتنقين هذا الدين العظيم، إلا أنهم إلى جانب ذلك اعتقدوا بأن الإسلام فلسفة اجتماعية تنظم العلاقة بين الناس بعضهم ببعض وهم الغالبية العظمى التي تتكون من الفقراء والمستضعفين وإن سلوك الإنسان مع سائر البشر هو الذي يمثل جوهر ومفهومالعلاقة بین الله والإنسان .فلا علاقة طيبة بين الله والإنسان بدون العمل الصالح .. فإن اليساريين (الثوريين المسلمين كانوا يعنون بالمسألة الاجتماعية وإن الإسلام الصحيح هو الذي يحل كل مشاكل وصراعات المجتمع وإذا ما طبق النهج الصحيح للإسلام، سيكون هو الطريق للصلاح في الحياة الدنيا وكذلك هو طوق النجاة في الحياة الآخرة.)فتيار اليسار الإسلامي كان اتجاهه ومبتغاه هو مساعدة الفقراء والمستضعفين ورفع الجور والظلم والاضطهاد عنهم من ناحية، ومن ناحية أخرى يسعى إلى ترسيخ مبدأ المساواة بين أفراد المجتمع الواحد في الحقوق والواجبات ، والالتزام الكامل بمفاهيم رسالة السماء كما وردت في القرآن والسنة .فإذا ما عرفنا ما يقصده اليسار الثوري في الإسلام وهو رفع الجور والظلم والاضطهاد والتعسف عن الفقراء والمستضعفين وتطبيق مبدأ المساواة بين أبناء المجتمع في الحقوق والواجبات . .فإن اليمين الإسلامي يسير في اتجاه مغاير ومعارض لاتجاه اليسار.

فاليمين "هو الذي سمح بالفروق الشاسعة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وهو الذي حارب ضد اليسار لتبقى فئة قليلة تحتفظ بالثروة وتتحكم سياسياً واجتماعياً في غالبية المسلمين ". (1)فاليسار الثوري هو صاحب النزعة الجماعية ولذلك يمكن تسميته أيضاً بالاتجاه الاشتراكي في الإسلام. أما اليمين بكل أشكاله محافظاً أم وسطاً أم (رجعياً فذو نزعة فردية يفضل دائماً المصالح الفردية على المصالح الجماعية .)ولأن أصل الإسلام كان يعتمد على مبادئه العامة وهي المساواة والعدل الاجتماعي والتأكيد المستمر عليهما فإن أحداً لا ينكر ذلك ضمن المفاهيم الأصلية للإسلام ولذلك كان اليسار الثوري هو المجسد الحقيقي لقيم ومبادئ الإسلام ورسالته السمحة .ولأن الناس الآن يعيشون حضارتهم الجديدة في المعمورة إلا أن كل مجموعة من البشر تربطها مقومات معينة وتعيش حضارة لها أصولها في الماضي .. كذلك نحن العرب والمسلمين لنا حضارتنا المبنية أساساً على الحضارة الإسلامية التي ظهرت منذ نزول الوحي على الرسول صلی الله علیه واله وسلم والتي كانت أساساً مستندة إلى جذور حضارية .. وحضارة الإسلام كانت تحمل وثيقة شرعية للميلاد كبقية الحضارات الأخرى. فقد بدأ الإسلام من فكرة الحنيفية أو ديانة إبراهيم علیه السلام وهي عبادة الله الواحد ومقتضيات ديانة إبراهيم وأسسها حددها بل ذكرها القرآن الكريم .فالعقيدة الدينية هي التي تؤمن الارتباط الوثيق بين الرسالة السماوية وبين التطور الإنساني، والتطور الإنساني نقصد به التطور الاجتماعي لا التطور


1) اليمين واليسار في الإسلام ص6.

الديني ، لأن الدين وأصوله ثابتة لا تتغير .. وما الاجتهاد في المسائل إلا تفسيرحالات قد تصعب على الفرد وليس خلق أمر جديد ونهج يتعارض مع الأسسالأصلية للإسلام.فالإسلام لم يكن دعوة لنبذ عبادة الأصنام والتوجه إلى الإله الواحد فقط . . بل هو ثورة اجتماعيَّة كانت كل أسبابها متوفرة أثناء حدوثها -وقد ذكرنا ذلك سابقاً - وما حديثنا هذا إلا لنعرف الإسلام بجانبه الثوري والديني ، فالإسلام في جانبه الروحي ثورة إنسانية شاملة ، بل هو (إيديولوجيا متكاملة على وفق مفاهيم عصرنا هذا.)وعندما نتحدث عن اليمين واليسار ، نفهم ونعني من ذلك إحدى معاني ونسب ( الثَّورة لأن الصراع الذي حدث بين هذين الاتجاهين، كان أصلاً هو امتداداً لثورة الإسلام ، وهذا الامتداد كان بقصد المحافظة على خط الإسلام العام وأسسه ومبادئه مهما طال الزمن وحدثت التغييرات، فإذا أكدنا بأن ظهور الإسلام كان ثورة عظيمة هزّت الواقع الفاسد لدى العرب في الجزيرة، فالامتداد الزمني يستوجب أن تكون هذه الثَّورة مستدامة لضمان بقاء ونقاء الرسالة وشموليتها وإنسانيتها بل وثوريتها ، فعلى امتداد المسيرة كان الثوار المسلمون وهم المشاعل المضيئة في سماء الإسلام . وعندما غابت الأخلاقية والمبدئية والوسائل النبيلة التي اعتمدها الشرع والعقيدة، وبدأ التصدع في مسيرة الإسلام فنرى بأن الأمة الإسلامية لم تكن عقيمة للحد الذي لا يمكنها أن تلد من رحمها من يقوم مسيرتها التي ابتعدت بها عن أسس الإسلام الأصلية.)فكان المارد الناهض في تلك المرحلة هو الحسين بن علي الذي نهض وثار وبدون أن يُجَيشَ الجيوش، نهض ليقول أكبر كلمة (لا في التاريخ ليبقى الإسلام وتبقى المبادئ الحقة ولو تعثرت المسيرة بعد نهوضه، إلا أنها كانت)

دائماً الحافز والمقوم لكل اعوجاج ، وليس فيما يخص العرب والمسلمين وإنما للبشرية، فكان الحسين وثورته بل (نهضته الرافد الأساس للنهر الإنساني الذي ظل مجراه وسيبقى إلى الأبد متدفقاً.)ومما تقدم كان لا بد لنا من هذه الفرصة لكي نناقش ماذا حل باليسار الثوري ولماذا سادت انتهازية اليمين الرجعي ولماذا صفي اليسار، لنصل إلى الأسباب الموضوعية لثورة الحسين، لأننا نريد أن نكون موضوعيين في تطرقنا إلى ثورة هذا الإنسان العظيم، لا أن يقال عنه أنه طمع في الخلافة أو أنه ثار لأن معاوية استخلف يزيد ، فالأمر أكبر من ذلك أبعاداً وقيماً وسلوكاً وأسلوباً .كان الحسين الثائر يؤمن دائماً بأن الإسلام ثورة إنسانية شاملة على المظالم الاجتماعيَّة ، وحقوق الملكية المقدسة واستبداد الطبقات القوية بالطبقات الضعيفة ، ومصادرة الحريات ، كما كان الحسين يعتقد بأن الإسلام ليس مقتصراً على الثَّورة الاجتماعية بل يعتقد أيضاً بشمولية الإسلام لنظرة جديدة للكون ولعلاقة الإنسان بالعالم وعلاقة البشر فيما بينهم، ويفهم الإسلام ورأيه في الأخلاق والاجتماع والتاريخ ، وثورته كانت تعتمد على أساس راسخ أن التغيير لا يكون بالضرورة معتمداً قوة السلاح والدليل هو انتصار الإسلام هو على الإمبراطورية الرومانية وكذلك الساسانية لم يكن فيه ترجيح القوة المسلمة، بقوة السلاح فقد كانت هاتان الإمبراطوريتان أكبر عدة وعدداً، ولم يصبهما الوهن بعد ، ولا توجد هناك مقارنة بين قوى العرب البدائية عند بدء الدعوة والسنوات القليلة التي تلتها ، وقوة تلك الإمبراطوريات، ولكن الانتصارات المذهلة للإسلام كانت تنبع من شفافية عقيدتهم وتمسكهم الشديد بها وإيمانهم العميق بما يقدمون عليه .. كان كل ذلك قد شكل أساساً في فكر الحسين .ولأن الجانب الديني في الصراع قد اختفى بين اليمين واليسار في

الإسلام وقفز إلى السطح الصراع السياسي وحده وهو الذي حرَّك الأحداث، كان ذلك قبل نهضة وثورة الحسين ولكن عندما ثار الحسين فقد اندمج الجانبان الديني والسياسي بشكل متحدٍ في الصراع لأن رؤى الإمام الحسين كانت تستند أولاً على تطبيق الشريعة الإسلامية التي غاب دورها في الصراعات لأن هذه الصراعات اتخذت جوانب سياسية واستخدمت الدين لأغراض سياسية، ولكن الحسين وجد في مرحلة إن الدين قد ركن جانباً مما دعاه إلى عملية الإصلاح التي نادى بها في أمة جده .وهذا الأمر مهم جداً وسوف نقرأ فكر الإمام الحسين باستدلاله بآيات قرآنية لا شائبة في تفسيرها، سوف تكون ضمن بحثنا عن الأسس التي استند الإمام الحسين عليها في ثورته .وعلى ذلك يمكن أن نؤسس القول بأن الثورات ومنها ثورة الحسين لم تكن لتحدث لو أنها اقتصرت على الجوانب المادية فقط بل إن مثل هذه الثَّورة كانت تضم إلى الجانب المادي الجانب الروحي كذلك، وقد تكون الشرارة الأولى لكل ثورة هو ما يحركها من واقع مادي مؤلم، ولكن كثيراً من الأحيان تكون انطلاقتها صغيرة وقد تكون متواضعة لتشمل امتداداتها الإنسانية والروحية .فالإمام الحسين تعلم من خلال مسيرته الشخصية وتربيته الخاصة ومعايشته للأحداث، فلم يميز في ثورته بين الجانب الاجتماعي والفكري أو الروحي، فكان يعتبر أن هذه العناصر متداخلة جميعها من أجل الحق والعدل والحرية، ولأنه عرف الخالق معرفة جيدة .. فلذلك كان انتماؤه الثوري متواصلاً مع التيار الأكثر إيماناً بالإسلام والأشد تمسكاً بمبادئه بل والأقرب إلى روحه .

فهذا الانتماء الثوري كان يجنب أعضاءه ما يخالف الأخلاقية بكل صورها، فلم يؤمنوا بالتآمر أو سفك الدماء وغيرها من شائن الأعمال، حتى المناداتهم بالعدل والحرية كان هذا الانتماء يحدد معتقديه بأن المثل العليا سلوكاً له، ومن الاستحالة بمكان أن يتخذوا أساليب تتنافى مع المثل العليا.. على مبدأ أن الهدف أو الفكرة متى ما كانت نبيلة وشريفة فيجب أن تتبع الوسائل النبيلة والشريفة لتحقيق الهدف أو الغاية أو الفكرة.وربما يكون هذا الرأي على مستوى عظمته هو سر ضعف اليسار الثوري رغم أن الجماهير كانت معه واتساع الشعبية المؤيدة له، وهذا الضعف ليس عيباً في اليسار، ولكن طلاب الحق قليلون والأحوال قد تغيرت والمصالح كانت الهدف ليس إلا .بينما نرى المعارضين لهذا التيار من أحزاب اليمين يؤمنون بالتسلط والاستئثار بالثروة والمال واستخدامهما بصورة مطلقة ، فكانت تُرتكب الجرائم بدون تردد مما كان يكسبها نصراً سريعاً مع الأخذ بالحسبان أن أغلب هذا التيار كانت تجمعهم عدة قواسم مشتركة كونهم كانوا من أشد أعداء الإسلام وقد استسلموا للأمر فأسلموا وجلهم من الطلقاء ومن المتأخرين في الإسلام بل ممن ارتكبوا جرائم ، والبعض قد هدر دمه ودم آبائه ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة ونفي منهم آخرون من قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد عفا الرسول عن بعض وأعيد البعض الآخر في زمن عثمان بن عفان ، وحتى أن الخليفة أبا بكر والخليفة عمر لم يقوموا بإعادتهم لرأي النبي فيهم.وقلنا سابقاً إن الدعوة إلى تطبيق العدالة الاجتماعية لا تجد لها ما يساندها أو ما تعتمد عليه هذه الدعوة إلا ما يستوعبه ويقنع به عقل الإنسان من الفكر والعقيدة والمبدئية. ويجب أن تتوافر الأخلاقية بأسمى صورها كما بينها

الدين وكونها في نفوس من آمن به ، والذي يحمل مثل هذه الأخلاقيات منالناس يجب أن يصل فكره إلى القمة ويكون في مرتبة عليا من الخلق الإنساني وهذا ما لا يوجد عند الجميع، ولكن قد تنفرد به شخصية تتميز بعبقريتها . .فلذلك كان شيخ الثوار هو الإمام علي وكان أصحابه من اليسار الثوري، وقد ذكرنا جلهم كانوا يتصدون دائماً لترسيخ مبادئ الإسلام وكانت سلوكياتهم تعتمد على المثل العليا التي آمنوا بها ، فقد كانوا في نفس الوقت يمثلون المعارضة الهادئة والتي هدفها التصحيح لا التسلط أو القفز إلى الحكم.وكرأي لنا وقد يكون شخصياً ونعتقد جازمين به هو عدم اعتقادنا بوجود نزاع شخصي بين الإمام علي من جهة وأبي بكر وعمر وعثمان حسب ما صوره البعض، وإذا كان هناك اختلاف في الرأي فإنه على شاكلة المثل الشائع "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية " ..فقد يكون الاختلاف مبدئياً أو عقائدياً في فهم الإمام علي للأمور ومفهوم أصحابه الخلفاء من جهة أخرى ، ولنا أدلة على عدم وجود الخلاف الحاد ومن هذه الأدلة قربه منهم في خلال حكمهم وأن رأيه لديهم كان مسموعاً وحتى ذهب إلى أبعد من ذلك عندما سمى بعض أولاده بأسمائهم.إذا تحدثنا بشيء من التفصيل عن اليسار الثوري الإسلامي مقارنة باليمين ، وعلى وجه المقارنة بالأسماء أرجو من القارئ أن يقارن بين نموذجين من الأسماء.. ما هي مواقعهم وسابقتهم وفضلهم في الإسلام بعد كل ما حدث . .ومن جانب كان علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وأبو ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود وقيس بن سعد ومالك الأشتر وسلمان وصهيب والمقداد ومحمد بن أبي بكر وحجر بن عدي وعمر بن الحمق وهاني بن عروة المرادي

وغيرهم الكثير . .ومن جانب آخر كان مروان بن الحكم وزياد ابن أبيه ومعاوية بن أبي سفيان والوليد بن عقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة والوليد بن عتبة بن أبي سفيان وسعيد بن العاص وعبد الله بن عامر وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وبسر بن أرطأة وسمرة بن جندب وغيرهم ..في مقابلة تلفزيونية مع أحد الدعاة المسلمين وهو سعودي الجنسية ومشهود له بعلميته، وكانت المقابلة في حلقات سبع على قناة المستقلة الفضائية وعنوان الحلقة .. (رأي أهل السنة بمذاهبهم الأربعة من أهل البيت(1))أشار الداعية بأن المذاهب الأربعة تقر بأن الإمام علياً كان دائماً على حق في كل مواقفه وخاصة في حرب الجمل وصفين والنهروان، وفي کامل خلافه معاوية، واعتبر معاوية ، وأصحابه هم الفئة الباغية بدليل استشهاد الصحابي الجليل عمار بن ياسر الذي قال له الرَّسول " آخر شربة لك من اللبن وتقتلك الفئة الباغية " ولكن مبدأ الاجتهاد والاعتماد على حديث الرسول (قد يكون مثاراً للجدل دائماً قال الداعية ، إننا نعتمد الحديث التالي . . (من اجتهد وأصاب فله حسنتان ومن أخطأ فله حسنة واحدة )!!)وللقارئ نترك الأمر. .كما أن قادة اليسار هم بعيدون عن الثراء، ليس عن عجز أو وضع طبقي إنَّما بحكم إيمانهم وتحمسهم للروح الإسلامية فكانوا قدوة يهتدى بهم ولننظر إلى الإمام علي فإنه لا يملك شيئاً حتى وهو خليفة، كذلك بعض أصحابه من


1) يمكن الرجوع عبر الإنترنيت على موقع قناة المستقلة الفضائية التي تبث من لندن للاطلاع على ما ذكرناه.

اليسار الثوري الذين تقلدوا مناصب كبرى في الدولة.وكان الحسن والحسين من مدرسة اليسار الثوري، فلا جدال في أن استيلاء اليمين على السلطة بقيادة بني أمية ، هو انحراف يميني وليس ثورة مضادة على اليسار .. وبهذا الاستيلاء تعطلت كثير من الأصول الإسلامية ولكنه لم يهدم الإسلام ذاته ، بل استغل الدين للأغراض الشخصية والمصالح .فإذاً لا بدَّ من القول يمكننا أن نتحدث وفق ما مرَّ علينا بأن هناك مثالية لليسار تقابلها انتهازية لليمين .. ومثالية اليسار ليست تعسفية بل هي نزعة اشتراكية نرى منها اليسار متشدداً فيما يعتقد أنه الحق ولكنه إنساني قبل كل شيء لأن هدف الثوريين هو إقامة العدل واحترام الحريات وإسعاد الناس وتقديس آدمية البشر، فكان اليسار الثوري في الإسلام يرفض وبشدة مبدأ الغاية تبرر الوسيلة .وعلى هذا الأساس فإن (الجذوة التي فجرها الإسلام على يدي نبيه وصحابته الأولين ثم على يدي الخليفة علي بن أبي طالب لم تنطفئ أبداً، وكان المسلمون دائماً يستشعرونها في كل عصر ولو بشكل غامض وكلما أحسوا ضغط الحكام وظلمهم (1).)وقد يفلح علي بن أبي طالب أو غيره من عظماء التاريخ البشري في إقامة مجتمع يسوده العدل الاجتماعي بالقياس إلى عصره، ولكن على أسس وبأساليب تتفق مع فكرة العدل وأهدافها ، فلا يلبث هذا البناء أن يتغير ولا تبقى منه إلا تلك الأساليب التي تصبح تراثاً رهيباً يتجنبه البشر فيما يلي ذلك من العصور .


1) اليمين واليسار في الإسلام ص 111

ولو لم يسر علي بن أبي طالب سيرته المثالية هذه أكانت تبقى تلك الجذوة مشتعلة وكاملة في النُّفوس؟(1)ولهذا فإن علياً أدى دوره الجليل كأعظم ما يؤدي الإنسان الفائق دوره في التاريخ .أما انتهازية اليمين فقد تحدثنا عنها الكثير ، كتيار وهي على الضد من التيار اليساري الثوري ويحق للبعض المقارنة على ما أوردناه .ولكن في النهاية كانت النتيجة واضحة بعد تسلم اليمين للسلطة هو تصفية اليسار وبشتى الوسائل ، ابتداءً من مقتل عمر بن الخطاب الذي كان السبب الرئيس في مقتله هو تحوله من الوسط المحافظ إلى اليسار الثوري في السنة الأخيرة من حكمه ، وبعده تصفية حسابات تمت إما بالسم أو القتل بشتى الوسائل، والأمثلة كثيرة إلى أن وصلت الأمور بمؤامرة غادرة لقتل شيخ الثوار الإمام علي بن أبي طالب ومن بعده ابنه الحسن وبالذات بالسم وهذه التصفيات كانت لدى اليمين الانتهازي مشروعة لتحقيق أغراضهم لأنهم يطبقون الغاية تبرر الوسيلة، على عكس مبدأ الغاية لا تبرر الوسيلة .ولكن هل صفي الثوار كلهم ؟ .. إذاً هذا هو الحسين بن علي مجسد الثورية الحقة وقد تصدى لليمين وهو يعلم مسبقاً ما سيؤول إليه الأمر ولكن مضى وكانت مسيرته ونهضته على ظلال السيوف في نهاياتها .ونحن نقترب جداً نحو لب موضوعنا وهو ثورة الحسين وقد استعرضنا كل ما له علاقة تأريخية أو جدلية لموضوع ثورة الحسين وقد قمنا الدراسة بتحليل بعض المواقف والأحداث وقد نكون بعيدين عن الانحياز لأي طرف


1) اليمين واليسار في الإسلام - ص 121

ولو كانت هنا أو هناك رائحة للتحيز والاصطفاف إلى جانب ما فقد نقلناه من أصل مصادره ليتعرف القارئ على الأحداث حسب نقلها والآن حتى نصل إلى هدفنا من الموضوع يجب أن نلاحظ الأمور التالية كنتيجة للبحث ليعرف القارئومن حقه ذلك رأينا في الأمر كله . .1 . إن النبي عليه الصلاة والسلام عندما حجة الوداع وخطب بالناس في غدير خم وأعطى الولاية إلى الإمام علي بأن يكون هو وصيه من بعده وأمام الناس ، فقد تم الاختلاف على حديث الغدير رغم أننا نعتقد به ، ورحم الله (الأميني صاحب الغدير الذي بمجهوده العظيم وعدم انحيازه رسخ هذا الأمر فينا، ولم يأتِ الأميني بما جاء في كتابه من عنده أو من كتب الشيعة، وإنَّما اعتمد كلامه على مصادر أهل السنة ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى نعتقد جازمين بأن علي بن أبي طالب لا يتقدم عليه أحد لسابقته وقرابته وعلمه وشجاعته والتاريخ لا ينكر ذلك .)وبعد وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم و عدم مبايعة الإمام علي وإنما بويع أبو بكر للخلافة، فقد ذهب الناس بنقل الأحاديث موضوع الخلافة والاستخلاف مذاهب شتى فمؤيدو الإمام علي اعتبروا ذلك اغتصاباً لحق الإمام علي وآخرون حللوا الأمر على أشكال أخر، والمهم أن الإمام لم يستلم الخلافة إلا بعد مقتلعثمان بن عفان .ومن غير الطبيعي وبعد أربعة عشر قرناً نختلف فيما بيننا على موضوع من هو أحق بالخلافة .. علي أم الآخرون؟ وقد ذكرنا قبلاً بأن لا خلاف شخصياً بين علي وإخوانه الآخرين، وقد يكون خلافاً في الرأي والمبدأ فنعم وأما غير ذلك فلا . .فكانت سيرة الإمام علي مع أبي بكر وعمر وعثمان أيام حكمهم سيرة

عدم المفارقة معهم بل لم يكونوا يستغنون عن الإمام هم أنفسهم، ولكن السياسة والأحداث والنوايا كانت سبب تأخر استلام الإمام علي للحكم.ومما يؤسف له أن يقال بأن الإمام بايع مرغماً بعد أن هدد بالقتل، وهذا تشهير بالإمام فلماذا لا يقولون إن الإمام كان ينظر لصالح الدعوة والرسالة والمبادئ دون الخوض في النزاع على السلطة والإسلام ما زال في موقع الحداثة، ومن ناحية أخرى التأكيد على عامل الظلم حيث يشاع إن الإمام مظلوم وكذلك أهل بيته ، واستخدام هذا الغبن سياسياً .. لا يليق لا بالإمام أمير المؤمنين ولا بأهل بيته أي أبنائه وأحفاده ، والدليل الآخر هو أن اتباع الإمام علي وصحبه كانوا هم دائماً أركان الثورات والانتفاضات ورؤوس النهوض لتقويم مسار الإسلام ، بحيث ظل نهج علي وآله في المبدئية والأخلاقية والعلمية يتوهج إلى يومنا هذا.فنرجو من القارئ أن ينجذب إلى الموضوعية وأن ينظر إلى الأمر نظرة الإسلام الصحيحة وخاصة لنا تأريخ قد لعبت به الأهواء واختلف النقل ووضع الحديث والله سبحانه هو الذي يعلم الأمر وإليه ترجع الأمور.2 . إن بني أمية لا حق لهم أبداً لا من قريب ولا من بعيد بقيادة الدولة الإسلامية، والأسباب ذكرناها مراراً ، سواء أكانت تأريخية أم اجتماعيَّة أم سياسيّة أم عقائدية دينية، ولكن الظروف قد أوصلتهم إلى الواجهة، وجهد معاوية بكل الوسائل التي أتيحت له ، واستعمل حتى المحظور من الوسائل ليصل إلى مبتغاه وكان له ذلك وقد تنازل الحسن له بعد أن تم انتخابه خليفة بعد مقتل الإمام علي ، وتنازل الحسن لمعاوية بصلح أو بعهد أو بميثاق . . المهم حدث ذلك ولا ينكره أحد، وعلل الشيعة ذلك إن تغير الناس وتخاذلهم عن نصرة الحسن أي ما شملوه ب- (الوضع النفسي والاجتماعي وأعدوا تنازل)

الحسن كان الغرض منه أو أحد أسبابه أن يتعرف الناس بأنفسهم طبيعة حكم معاوية ليتعارفوا وليتبينوا الخطأ الذي وقعوا فيه عند خذلانهم إياه بعد ذلك يتم تهيئة الظروف للتصدي للحكم وإعداد الثَّورة .كما يقول الشيعة بأن الحسن وأخاه الحسين قد التزما بالعهد والبيعة وليس من أخلاقهم نقض البيعة، وفي نفس الوقت يقولون ويتحدثون عن نقض معاوية منذ اليوم الأول لشروط الحسن واتباع سياسة مغايرة لما تم الاتفاق عليه .وفي نظرنا التعليل الأول كان خاطئاً من قبل الذين تحدثوا عنه، كذلك لنا رأي في سياسة معاوية ونقض العهود في حياة الحسن!! ورأينا هذا استقيناه من تناقض التحليل الشيعي لما ورد . والتزام الحسن والحسين ببيعة معاوية وعدم نقضهما له كانت له أسبابه وهي :أ . أن معاوية لم يقم بنقض العهد الذي أعطاه للإمام الحسن، على الأقل طوال فترة وجود الحسن على قيد الحياة ، (أي من عام 41ه- إلى عام 51ه-. بل نعتقد بأن معاوية ذو شخصية ليست عادية حتى يظن البعض أنه نقض كل العهود، وقام بسب الإمام علي وقد سكت الحسن وكذلك الحسين فقط لأنهما بايعا ولا يريدان نقض البيعة .)بل إن هدوء الحسن والحسين كان إثر تطبيق معاوية لجميع الشروط، والحقيقة كان ذلك ليس حباً واحتراماً للإمام الحسن أو للتيار العلوي، وإنما أراد في بداية حكمه ترسيخ قواعد دولته وأن يستقر له الأمر وأن لا يثير مجدداً خلافاً جاء بعده مكسب لم يكن يحلم به معاوية، فهو لا يستطيع أن يدع هذه الفرصة تفلت من يده مرة أخرى وهو السياسي والداهية والذي كان يرأس خط اليمين الذي يتوسل بكل الوسائل مهما كانت ليصل إلى هدفه وغايته .

ب عامل الدين.. لقد التزم معاوية بل أظهر سلوكه المحافظ على تعاليم الدين بمظهر لا غبار عليه من الناحية الدينية عند العامة(1))هذا بالإضافة إلى أن معاوية كان يدرك أنه لا ينبغي له - وهو يحكم الناس بسلطان الدين -أن يرتكب من الأعمال ما يراه العامة تحدياً للدين يحكم بسلطانه، بل عليه أن يسبغ على أعماله غشاء دينياً لتنسجم الأعمال مع المنصب الذي وصل إليه ، أما ما لا يمكن تمويهه من التصرفات فليرتكبه في السر .(2)ج . كان معاوية يطبخ على نار هادئة فعندما قال والده أبو سفيان حين لعثمان "تلاقفوها أولاد عم" فقد وصلت إليه كلها- فمقولة والده هي بويع حافزه الأكبر، وعندما يتلاقفوها فهل من السهولة أن يجعلوها تفلت من أيديهم، وإنَّما يحاول معاوية أن تبقى السلطة بيدهم ولهذا الأمر وبالوضع الجديد ورغبته بعدم خروج الأمر عن أهله وعشيرته فلا بد من وسائل جديدة، لا تتشابه مع خطواتها تلك التي كانت أثناء الصراع المحتدم مع الإمام علي أو مع الإمام الحسن .وفي بعض الأحيان يميل إلى خطوات لا تحرك عليه الأزمات حتى لو حسبت عليه ويمكن للشك دائماً أن يكون أخف من الدليل القاطع، وقد مارس مثل هذا الأسلوب في القضاء على الحسن بن علي، وسعد بن أبي وقاص (3، ومارسه في القضاء على مالك الأشتر عندما توجه إلى مصر ، ومارسه في القضاء على عبد الرحمن بن خالد بن الوليد عندما رأى افتتان أهل الشام به(4).)


1) ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين - ص 124 .

2) المصدر السابق، نقلاً عن - تاريخ الإسلام السياسي - حسن إبراهيم ج 1 ص 533.

3) مقاتل الطالبيين - أبو الفرج الأصفهاني - ص29.

4) تاريخ التمدن الإسلامي - جرجي زيدان - ج 4 ص 71 .

وكانت مقولة معاوية الشهيرة .. " إن الله جنوداً منها العسل " (1.)وقد تكون هذه الأساليب هي إحدى الأسباب التي جعلها البعض وخاصة من كتاب الشيعة سبباً في تأخر قيام الإمام الحسين بثورته في زمن معاوية، وممن ذكر ذلك سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بالإضافة إلى عدم امتلاك الإمام الحسين للقوة والمال ليقوم بالثورة وإن ما لدى معاوية يفوق ما عنده . .وبذلك لا يتمكن من الثَّورة وقد قام بها في زمن يزيد لأن الأمر قد تغير وأن أكثر المسلمين قد رفضوا استخلاف يزيد ..وإن أسلوب عمل الدولة اختلف عما كان زمن معاوية، مما هيأ الجو للقيام بالثَّورة مع الأسباب العديدة الأخرى التي دعت لذلك .فبعد وفاة الإمام الحسن، ألا يحسن بنا أن نتعرف على موقف الإمام الحسين من معاوية حتى وفاته وأخذ البيعة لولده يزيد؟## الإمام الحسين في زمن معاويةالإمام الحسين في زمن معاويةلا بد أن نقسم الحديث عن فترة حياة الإمام الحسين في زمن معاوية إلىقسمين وكما يلى :1 . الإمام الحسين في زمن معاوية والإمام الحسن على قيد الحياة .2 . الإمام الحسين في زمن معاوية بعد وفاة الإمام الحسن وحتى وفاة معاوية .


1) ثورة الحسين - شمس الدين نقلاً عن عيون الأخبار - ج 1 ص 201.

وهذا التقسيم له موجباته، فالإمام الحسين وبوجود أخيه الإمام الحسن ومعاوية بيده الأمر بعد تنازل الحسن له ، كان لا يتقدم الحسن بفعل أو بقول، لأن أصل الولاية بيد أخيه، وأن تربية الإمام الحسين تجعله طائعاً وتابعاً لأخيه الحسن وهذا ما دأب عليه أهل البيت سلوكا وأخلاقاً، والتفضيل في هذا أمر طبيعي جداً لأن الحسن هو الأكبر وأنه صاحب الأمر في ما يخص جميع الأمور الدينية والسياسية واعتقاد الحسين بإمامة أخيه وللإمام الطاعة المطلقة ورأي الإمام هو الأول والأخير . .## 1 . الإمام الحسين في زمن معاوية بوجود الحسن1 . الإمام الحسين في زمن معاوية بوجود الحسن :أ. في عام 41ه- تنازل الإمام الحسن لمعاوية ، ومهما كانت الشروط والعهود ، المهم أن التنازل حدث وأن الإمام الحسن وأخاه الإمام الحسين بايعا لمعاوية ولا ينكر ذلك أحد من أي طرف ، عدا أن بعض كتاب الشيعة برروا بأن الحسن والحسين لم يبايعا على أن معاوية خليفة للمسلمين، بل بايعاه سلطاناً للدولة ولكن تبقى إمامة المسلمين بيد الحسن ، وجاء ذكر ذلك في كتاب حياة الإمام الحسن نقلا تذكرة الخواص للجوزي ، بأن أحد الشروط أن لا يسمى عن معاوية أميراً للمؤمنين، ولكن من غير المعقول كما لم نسمع بأن شرطاً من شروط الصلح قد قسم السلطات في الدولة (إذا كانت هناك شروط متفق عليها ونقلت إلينا كنص لا غبار عليه كأن يكون هناك سلطان يحكم بأمور الدنيا وأن هناك إماماً بيده أمور الدين .. بل من يبايع له يكون هو صاحب الأمر في كل شيء، وما سوف نأتي عليه واعتمده الشيعة وقبلوه في نقلهم له هو أن الإمامين الحسن والحسين لم يثورا على معاوية مدة حياته لبيعة له في عنقهما .. فهذا يأتي من الجانب الديني والعقائدي، رغم أننا لسنا هنا في موضع المقارنة بين علم الإمام الحسن وفهمه للدين والعقيدة وبين معاوية الذي يقول البعض عنه)

ومن المدافعين عنه "لقد أخطأ وله حسنة !" اعتماداً على الحديث " من اجتهد وأصاب فله حسنتان ومن أخطأ فله حسنة " . . وقد بقي هذا الحديث ليومنا هذا شماعة تعلق عليها سوءات الخلق وأعمالهم وما قاموا به ، فلا أدري أي حسنة تأتي بمجرد أن شخصاً اجتهد وأخطأ حتى ولو سالت أنهار من الدماء وهدمت مدن وصوامع ورملت نساء ويتم أطفال !! .وعلى كل حال فإن فترة وجود الإمام الحسن على قيد الحياة والأمر بيد معاوية لم يصلنا عن هذه الفترة ما يشفي غليلنا لمعرفة ما دار في هذا الزمن عدا إن بعض أنصار الإمام الحسن طلبوا منه نقض عهده ومحاربة معاوية ولكن الإمام الحسن رفض ذلك كله ، منتظراً ما سيؤول إليه المستقبل .فقد اتصل به حجر بن عدي وسليمان بن صرد الخزاعي وعلي بن محمد ابن بشير الهمذاني وغيرهم الكثير وأرادوا أن يغير موقفه وأن ينقض بيعته لمعاوية ولكنه رفض ذلك .ورد إلى الإمام الحسن وفد من أشراف الكوفة يتقدمهم سليمان بن صرد الخزاعي وقال للإمام الحسن : " ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلهم يأخذ العطاء وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم ، سوى شيعتك أهل البصرة وأهل الحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد ولا حظاً من العطية، فلو كنت إذا فعلت ما فعلت أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب وكتبت عليه كتاباً بأن الأمر لك بعده كان الأمر علينا أيسر، ولكنه أعطاك شيئاً بينك وبينه، ثم لم يف به، ثم لم يلبث ، أن قال على رؤوس الناس: إني كنت شرطت شروطاً ووعدت عدات إرادة لإطفاء نار الحرب، ومداراة لقطع هذه الفتنة، فأما إذا جمع الله لنا الكلمة والألفة ، وأمننا من الفرقة فإذا ذلك تحت قدمي.

فوالله ما اغترني بذلك إلا ما كان بينك وبينه وقد نقض، فإذا شئت فأعد الحرب جذعة ، واذن في تقدمك إلى الكوفة، فاخرج عنها عامله وأظهر خلعه، وتنبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين .وقد روى البلاذري بأن الإمام الحسن لم يؤيد أهل الكوفة فيما أرادوا فقد قال في نهاية رده إليهم : " والزموا بيوتكم ، وأمسكوا، وكفوا أيديكم حتى يستريح بر ويستراح من فاجر " .وهنا نشير إلى كلام سليمان بن صرد وهو تأكيد لما ذهبنا إليه في تحليلنا بأن ليس هناك شروط مكتوبة ولا وجود لشهود على أي شرط ، هذا من جهة ومن جهة أخرى نلاحظ من الكلام بأن معاوية اعترف في خطبته لأهل الكوفة بأنه إذا شرط للحسن فكان ذلك (تكتيكاً مرحلياً لإطفاء الفتنة (كما يزعم) وعندما يستتب الأمر به ويقوى فيضع كل ما وعد به تحت قدمه !! وهذا أسلوب معاوية ودهاؤه وأخلاقيته .)وإشارةً إلى ردود الإمام الحسن إلى بقية الوفود التي كانت تفد إليه من الأمصار يعلمهم بأنهم أهل مودة وهم شيعة لأهل البيت فمن حقه عليهم جميع أن يستمعوا له ويأتمروا بأمره، وأن لا يستسلموا وإنَّما هو انتظار إلى حين . .ويقول الدكتور طه حسين :" فهو إذاً يهيئهم للحرب حين يأتي إبانها، ويحين حينها، ويأمرهم بالسلم المؤقتة حتى يستريحوا ويحسنوا الاستعداد ، ومن يدري لعل معاوية أن يريح الله منه ، فتستقبل الأمَّة أمرها على ما يحب لها صالحو المؤمنين" (1)أما بالنسبة للإمام الحسين فكان موقفه في هذا الشأن متطابقاً مع موقف


1) الفتنة الكبرى طه حسين ج 2 علي وبنوه ص 206-208.

ورأي أخيه الإمام الحسن لأنه هو صاحب الأمر.ب . نقل البعض روايات بأن الحسين كان كارهاً للصلح وقد عارض أخاه الحسن، بل تخاصما على هذا الموضوع ، وقد هدأ الإمام الحسين الذي كان يسميه أهل هذا الرأي بأنه أكثر ثورية من أخيه الحسن الذي وصفوه بأنه كان ميالاً إلى الدعة و السلم . .وقد أخطأ هؤلاء في رأيهم هذا وقد تطابق رأيهم مع الآراء التي نقلت في حقبة تسبق هذه الحقبة ، وقد افتروا على الحسن بأنه كان معارضاً لوالده الإمام علي عندما قبل بيعة المسلمين له بالخلافة بعد مقتل الخليفة عثمان، وكذلك نصحه لوالده حول عدم قتال أصحاب الجمل، وكانت هذه كلها آراء عارية عن الصحة، وقد تحدثنا عنها وثبتنا رأينا صراحة فيهاولكن هذا الاختلاف المزعوم بين الإمام الحسن والإمام الحسين أراد منه البعض أن يشوه الحقيقة بفرضيات أرادها لتدعيم رأي خاص يحدد فيه طبيعة قبول الحسن للصلح ليقارنوا بعد ذلك بين (صلح الحسن وثورة الحسين كموضوعين منفصلين، كما أن البعض من الشيعة يقول بأن (الهدف واحد ولكن الأداء مختلف !! ) .)فنؤكد بأن الحسن والحسين كانا على رأي واحد ويشكلان معاً فريقاً متآلفاً سواء في الهدف أم الأداء ، فأهدافهما شريفة ونبيلة وتنبع من عقيدة راسخة وهي مصلحة الإسلام، رسالته الخالدة وإنسانيته وشمولية هذه العقيدة، وكان أبوهما أفضل منهما حتى في هذا الرأي بل هو الذي سقاهم من منهله العذب هذه التصورات ، وقد طبقها الإمام علي قبلهما عندما لم يجعل أمر الخلافة بعد النبي صلی الله علیه واله وسلم الصراعاً ونزاعاً شخصياً، وكان يعلم بأنه أحق من غيره به، فمصلحة الأمة وأخلاقية الإمام علي دعت كل تلك الأمور جانباً إذ إن استمرارية

رسالة الإسلام هي الهدف الأسمى وليس دنيا زائلة وزعامة أو نفوذاً وغيرها .فسيرة الحسن والحسين هي ذاتها سيرة أبيهما ، وما كنا لنعتقد يوماً بأن أهل بيت النبوة ومعدن الرّسالة ومختلف الملائكة يتخاصمون ويتعارضون، في الرأي أو الفعل.فالإمام الحسين كان بوجود الحسن طائعاً ملازماً ولاصقاً بأخيه الحسن، اعترافاً به وبإمامته ، وبكل ما يتطلب منه ذلك شرعاً وعرفاً .ج. لا بد وأن يكون في هذه المدة من لا يقبل بأن يصير الأمر إلى معاوية، وقد تكون أفكار هذا البعض محسوبة على جانب من الشرعية، وأخذ دوره في العمل وقد خالف البعض ما قام به الحسن ، ولكن لم يتمكن من فعل شيء والحسن لا يوافق عليه، وهذا دليل على أن الكثير ما زال يطاوع الحسن ويتبع له ولكن كما كان الإمام علي شيخ اليسار الثوري بعيداً عن (الديكتاتورية فكان يناقش ويسمح لأتباعه بإبداء رأيهم وكثيراً ما كان يميل مع الجماعة ويعتبر الأكثرية لها الحق في الفعل والقول مع الاحترام الشديد للأقلية ولو كان هو نفسه ضمنها .)والأحداث في هذا المجال كثيرة لتعطينا مثل هذا التصور ومنها موضوع التحكيم .ولو أن المحللين قد اعتبروا هذا الرأي من اليسار الثوري هو أحد أسباب انتکاسته ولكن الإمام علياً كان يريد أن يوصل الفكرة الإنسانية والمبدئية لعقيدة الإسلام ، بأن المسلمين يشتركون جميعاً في إبداء رأيهم في مصيرهم أو في قضاياهم .فإن الحسن والحسين لم يحيدا عن مبدأ والدهما هذا فكانا نهجاً وسلوكاً

معبرين عن تلك المدرسة الثورية وقد كان أداؤهما واحداً وإلا كنا وجدنا بأن هناك انقساماً بين أتباع أهل البيت فالثوار كثيرون والمناهضون لمعاوية موجودون، وكان يمكن للحسين أن يميل بهؤلاء ويشكل منهم قوة فكرية وعسكرية، وبذلك يكون قد خالف أخاه من ناحية ومن ناحية أخرى سهل لمعاوية أن يضرب الجهتين بكل سهولة لأن الفرقة ضعف والاتحاد قوة.د . يظهر أن معاوية جهد في هذه الفترة لأن يصبغ عهده بتطبيق الشروط أو العهود أو الاتفاقات التي أدت إلى تنازل الإمام الحسن له عن قيادة الدولة، وأن يظهر الدين كأساس لحكمه ولو أنه استغل الدين لتدعيم هيمنته ، والدليل على ذلك هو عدم القناعة بأن ينقض معاوية عهده للحسن منذ اليوم الأول (كما قيل ويسكت الحسن وأخوه الحسين على أساس أنهما أعطوه البيعة، فهذا لا يعقل أبداً، وليس من متطلبات الإمامة التي نؤمن بها بأن لا يأخذ الإمام الحسن وأخوه الحسين أي إجراء ولو كان صغيراً على نقض معاوية للعهود ..)وهذا ليس دفاعاً عن معاوية لأن رأينا واضح في هذا المجال، لذا نرى بأن معاوية لم يجرؤ على عمل أي شيء بوجود الحسن على قيد الحياة، ولكن وجدنا هذا الأمر قد اختلف بعد استشهاد الإمام الحسن وهو ما سنذكره في الفقرة التالية التي تخص الإمام الحسين في زمن معاوية بعد رحيل الإمام الحسن .## 2 . الإمام الحسين في زمن معاوية بعد رحيل الحسن:2 . الإمام الحسين في زمن معاوية بعد رحيل الحسن:بعد رحيل الإمام الحسن آل الأمر بالإمامة إلى الحسين، وفي فترة وجود الحسين مع معاوية بدون الحسن، كانت فترة زاخرة بالأحداث والمواقف من قبل الحسين وهذه الفترة تختلف عما عاشه الحسين زمن حكم معاوية بوجود أخيه .

أ . كان الإمام الحسين في سنة رحيل أخيه الحسن قد بلغ أوج الرجولة وعظمة الشباب وقد كانت سنواته السبع والأربعون قادرة مع إرثه العائلي والأسري أن تمنحه الخبرة والتصور الكاملين لما عاشه والده وأخيه من أحداث، بل كان الحسين في عمق هذه الأحداث ، وبعد رحيل الحسن وانتقاله إلى باريه وهو لم يبلغ الخمسين من عمره ، مأسوفاً عليه، وكان رحيله السريع نكبة لأهل بيته وأتباعه ، بل كان هذا الرحيل هو التصفية الكبرى الثانية لقيادة التيار اليساري الثوري حيث سبقه تصفية والده الذي يعد أكبر ثوار الإسلام وأعظمهم على مستوى الفكر والتطبيق .وهنا يبرز دور الإمام الحسين، ويتسلَّم زعامة هذا التيار، واعتقاد اتباعه بانتقال الإمامة وولاية المسلمين الصحيحة إليه، وأصبح بذلك هو كبير البيت الهاشمي، ليس من منطلق السن بل من منطلق القيادة، فكان المعروف عن الإمام الحسين بأنه قائد من طراز خاص بل من المتميزين في هذا المجال والأحداث التالية ستثبت ذلك، كما لم نسمع من أي أحد اختلافاً مع هذا الرأي .ب . يجب أن نعرف أن معاوية عندما وصل إليه الأمر، ومن خلال شخصيته المعروفة وحبه للسلطة والنفوذ كان يعمل بكل ما أوتي من قوة وإمكانات أن يرسخ حكمه ولا يخفى على البعض وهم كثر بأنه كان متمسكاً لأن تكون الدولة ذات طابع أسري أموي .. ومن دهائه فقد كانت خطواته متأنية ويعمل في الباطن أكثر من أن يكون واضحاً وصريحاً، فإن أفكاره كانت لا تقرأ بسهولة وهذا هو ديدن اليمين ، وكان على عكس الإمام علي، حيث كان الإمام كتاباً مفتوحاً ومقروءاً بشكل سهل وكان واضحاً وصريحاً وعلنياً في تفكيره وتصرفه . . لذلك كان خصومه يعرفون كيف ينفذون إليه وكيف يكسبون

معاركهم معه سواء أكانت هذه المعارك عسكرية أم غيرها على الرغم من أنه لميفشل في القتال قط .. بينما من الصعب جداً قراءة أفكار اليمين .وعليه وباعتقادنا نجد أن معاوية سار على عهده للحسن وهو على قيد الحياة، ولكن أطماعه كانت تستعر في داخله، ولكن بوجود الحسن سوف يظهر نفسه ناكثاً للعهد وخارجاً عن الدين وهو الذي استغل الدين لمصلحة نفوذه بشتى الوسائل، والمعروف أنه كان يظهر للناس التزامه بمبادئ الدين وعدم الخروج عنها لأنه يعلم أنه إذا ما انحرف عن ذلك سوف يفتح عليه باباً لن يغلق أبداً، بالإضافة إلى أن هدوء الأغلبية من الناس وميلهم إلى الدعة أسهم في مساعدة معاوية لتثبيت ملكه ولو إلى حين .ولكن الوقت يمر بسرعة ولا بدَّ من حلحلة الأمور لأن يسير في مخططهولكن كيف والحسن موجود؟ .كان المغيرة بن شعبة (1والياً لمعاوية على الكوفة، وقد أحسَّ المغيرة بأن معاوية كان في طريقه إلى عزله عن الولاية، وقد سبق الحدث وذهب إلى معاوية في الشام وأخبر المغيرة خلص أصحابه بأنه سوف يدق إسفيناً في نعش الأمويين لما يمتلكه المغيرة من فطنة وذكاء ودهاء ، وعندما وصل المغيرة إلى الشام اختلى بمعاوية وهو يعلم بأن معاوية على وشك أن يعزله من الولاية، وهذه سياسة معاوية العامة ، فإنه من الفطنة بمكان أن لا للقيادات الموالية له وهو يعرفهم جيداً بأن يلتمسوا القوة من خلال مواقعهم الوظيفية، وفي نفس)


1) يروى بأن هناك أربعة أشخاص مشهورين بالدهاء وهم معاوية والأشعث وعمرو بن العاص ورابعهم المغيرة وهذا كان مع الإمام علي هو والأشعث بن قيس وقد لعبوا أدواراً من خلال مكاتباتهم مع معاوية وهم مع علي وهم ممن أثروا على الناس بقبول التحكيم الذي كان الإمام يرفضه ويعرف بأنه خدعة.

الوقت كان المغيرة يعرف جيداً بأن تيار الحسن والحسين وأتباعهم ليسوا هم الوحيدين الذين يمثلون المعارضة وإنَّما هناك من هو من داخل البيت الأموي وعلى رأسهم مروان بن الحكم ،وغيره لهم أطماع ولهم آراؤهم الخاصة، ولكن معاوية كان مشهوراً (بشعرته أي شعرة معاوية الشهيرة حيث يمسك هو بطرف منها ويمسك الآخرون بالطرف الآخر وكلما شدوا عليها أرخى يده بها لكي لا تنقطع !! .)وعلى كل حال تقابل الرجلان في الشام ، فسأله معاوية عن سبب قدومه فأجاب المغيرة: (وهو يعرف نوايا معاوية جيداً : "جئتك بأمر فيه ناصحاً وراغباً في تهيئته والمساعدة عليه إن كنت راغباً فيه " فقال معاوية : " ما هذا الأمر؟ " أجابه : "بأن تعطي ولاية العهد إلى ولدك يزيد وهو كما تعلم سيكون أهلاً لها ومحبتك ورغبتك فيه لا مجال للشك فيها .. "فانشرح وجه معاوية لهذا التصريح الذي كان بداخله ولم يتمكن من البوح به. . فقال معاوية : " أو يحدث ذلك؟ فأجاب المغيرة اقبل أنت بالأمر واترك الأمر لنا مع الناس فقال له معاوية : ارجع إلى ولايتك راشداً واسمعنا أخبارك .(1))رجع المغيرة بن شعبة إلى الكوفة وقد ثبت عليها، والأمر الآخر قد بدأ بتنفيذ الشرخ الذي خطط له لا حباً بيزيد أو معاوية وإنما ما أضمره في قلبه وهو يعلم ماذا سيحدث . .وعندما بدأ الحديث يتسرب عن عزم معاوية بإعطاء ولاية العهد إلى ابنه يزيد وبدأ بالانتشار ، فهنا تصدى الأحنف بن قيس للأمر ونصح معاوية بعدم إشهار هذه البيعة وأنه والحسن قد تعاهدا على أمور علمها الناس ولا يمكن أن


1) تصرفنا في نقل الحديث لأن المصادر قد اختلفت في نقله ورغبنا أن نقرب الموضوع للقارئ.

يتم ذلك والحسن موجود . .فهنا استجاب معاوية لهذه النصيحة وراح يفكر بالتخلص من الحسن وكان له ذلك .وبمجرد رحيل الإمام الحسن كشف معاوية عن نياته، وهنا لا قيمة بعد للعهود والشروط، فهو في موقع الأقوى، عسكرياً ومادياً ومعنوياً، ويتمكن من فعل أي شيء بكل الوسائل ومنها الضغط والتعسف وإيثار نفسه وبيته ومريديه فهو الذي اعتبر حكمه تفويضاً إلهياً ويملك المال والقوة وفي وقت قد تغير فيه الناس، فوجه ولاته وعماله بما يريد وكانوا أشد منه في تطبيق أوامره بل وأقسى ، وشرع إلى فرض البيعة ليزيد بشتى الوسائل .ج. بمجرد أن أظهر معاوية مواقفه الجديدة وإجراءاته التي اتخذها والأعمال التي قام بها هو وولاته والحوادث التي جرت، دعت البعض من الثوار أن يلجأ إلى الإمام الحسين ويطلب منه أن يتخذ موقفاً من الأمور التي تحدث ولكن الإمام الحسين كان له موقف ، وهذا الموقف يتحدد باتجاهين :الأول :محاولته تهدئة أصحابه، لأن الحسين لم يكن يجهل واقع المجتمع وخاصة العراقيين، فقد شهد هذا المجتمع وتخاذله عن أخيه، فقد رأى الحسين أن يعيد للمجتمع ثوريته وأن يعبئ بواعث الثَّورة قبل القيام بها بشكل يضمننجاحها .فقد جاء يوماً إليه ( علي بن بشير الهمذاني وفاوضه في الثورة بعد أن لم)يستجب له الإمام الحسن قبله ..قال له الإمام الحسين : " صدق أبو محمد (يعني الحسن، فليكن كل)

رجل منكم حلساً (لازماً من أحلاس بيته ما دام هذا الإنسان حيا(1))يعني معاوية .وعندما كتب إليه أهل العراق بعد وفاة الإمام الحسن يطلبون منه إجابتهمإلى الثورة على معاوية، فلم يقبل على تساؤلهم فقد كتب إليهم :" أما أخي فأرجو أن يكون الله قد وفقه وسدده فيما يأتي، وأما أنا فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا رحمكم الله بالأرض، واكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حياً ". (2)الثاني :إن مستلزمات القيام بالثورة غير متوفرة ، فالثَّورة على هذا الواقع تتطلب جهوداً وتحركاً وأموالاً وإمكانيات أخرى، لم تكن كل تلك الموجبات متوفرة وسهلة التنفيذ، كما أن الأعمال الحقيقية لمعاوية أخذت وقتاً طويلاً إلى أن بدأ المجتمع يتطلع إلى نواياها وسلبياتها .وكل ذلك لا يمنع القول بأن شعور المعارضة كان موجوداً في زمن الحسن وبعد وفاته ولكن الإمام الحسين ارتأى أن لا يتسرع في اتخاذ أي إجراء وخاصة ( لأن المجتمع لا يزال مأخوذاً ببريق الحكم الأموي ولم يتمثل بعد طبيعة هذا الحكم(3)رغم أن الدعوة للثورة في زمن الحسين وفي حكم معاوية قد ازدادت وأخذت تكسب أنصاراً في كل مكان .)وكل حدث جديد يحدث يلقى صدى في المدينة حيث يوجد الإمام


1) الأخبار الطوال ص 221.

2) المصدر السابق .

3) ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين - ص 121 .

الحسين فمثلاً عندما قتل حجر بن عدي الكندي وأصحابه في مرج عذراء من قبل معاوية فقد أسرع بعض أشراف الكوفة إلى المدينة ليخبروا الإمام الحسين بالحادث كما أن الكثير من المعارضين في بقية الأمصار والولايات كانوا يقدمون إلى الحسين في كل حادث يرونه خارجاً في نطاق التحمل وكأنهم وجدوا في الحسين مرجعاً يبثونه همومهم وشكواهم، لموقعه لدى المسلمين مما دعا ذلك إلى فتح عيون الأمويين إلى هذه الاجتماعات واللقاءات مع الحسين، فقد كتب والي المدينة مروان بن الحكم إلى معاوية يقول : " أما بعد فإن عمر بن عثمان ذكر أن رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي، وأنه لا يؤمن وثوبه، وقد بحثت عن هذا فبلغني أنه يريد الخلاف يومه هذا، فاكتب إليَّ برأيك . (1)د. إن الإمام الحسين لم يقم بالثورة على معاوية لأنه يعلم جيداً أن لمعاوية أساليب عدة في القضاء على خصومه ولكن هذا الأمر قد لا يشغل ويوقف اتجاه الحسين الذي يعلم أنه محاط بعيون لمعاوية تترصد جميع حركاته وسكناته، ولكن الإمام كان على نفس اتجاه أخيه الحسن ولا بد من وجود عوامل حادة تجعل الإمام يغير في موقفه وقد تكون حتى الآن رغم ما يقال ويحدث عن أعمال معاوية ولكن للإمام رأياً في ذلك .. وهنا لا بد أن نشير إلى أن الإمام الحسين لم يكن يواجه الأمويين وحدهم، فهناك تيار بالغ في الخطورة يقوده بعض أبناء الصحابة وكانوا يحاولون دفع الأمور بين الإمام الحسين ومعاوية إلى التصادم لسببين :الأول : أن يدفعوا الحسين للبدء في الصدام ويكونوا هم في مأمن ليترقبوا الأحداث فيما بعد.


1) الأخبار الطوال ص 224 .

الثاني : التخلص من الحسين ونفوذه ولانقياد أكثر المسلمين لسلطته محبة واحتراماً وإجلالاً له ولإرثه النبوي ومكانته بين الناس، وكان على رأس هؤلاء وأكثرهم حسداً وحقداً على الحسين هو عبد الله بن الزبير . . التواق بشدةإلى الحكم والسلطة والتأريخ حدثنا عنه كثيراً وسنذكر لاحقاً مواقفه.ه-. يجبرنا البحث في الموضوع ونقصد معايشة الإمام الحسين لزمن معاوية أن نستعرض ما وجد الحسين وما لمسه من أحداث وقبل أن يُطلب منهالمبايعة ليزيد .أولاً :شيوع الظلم والجور والفساد من قبل الحكومة التي بدأت ترسخ مواقعها بقوة السلاح.. ولذلك نعتقد بأن خطاب معاوية لأهل الكوفة الذي ذكرناه وهو "إني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، إنكم لتفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون" .. إن هذا الخطاب كان بعد رحيل الحسن وليس في يوم الصلح وقد ارتأينا أن نذكره هنا للمرة الثانية لنؤكد بأنه من غير المعقول أن يخاطب معاوية أهل الكوفة وبجانبه الحسن الذي يعقد معه الصلح أو العقد أو الميثاق، لكان لزوماً شرعياً على الإمام الحسن رفض هذا الاتفاق، إلا في حالة واحدة قبوله بحد السيف أو القوة وهذا لم يحدث مطلقاً ولم يتمكن معاوية أبداً من ذلك .. ونعتقد بأن هذا الخطاب كان في (النخيلة التي تبعد عدة فراسخ للداخل إلى الكوفة من الشام وذلك عند مجيئه بنفسه لأخذ البيعة لابنه يزيد من أهل العراق، كما أن الحسين لم يكن موجوداً أثناء هذا الخطاب لأن الحسين كان ملازماً للمدينة المنورة، ولم يذكر لنا أي مصدر بأن معاوية عندما ذهب إلى العراق وهو المعروف أن أول محاولاته كانت معهم ولأن العراق أقرب إلى الشام من الحجاز وبعدها)

ذهب إلى المدينة ثم إلى مكة .ثانياً :الكل يعلم بأن الإسلام جاء بنظام اقتصادي متكامل على النهج الاشتراكي في المفهوم الإسلامي الذي أشرنا إليه سابقاً بوصف الإسلام قد سبق الجميع في مفهوم الاشتراكية وقد طبق هذا النظام الاقتصادي بوسائل رائعة . . ولكن في ظل الحكم الأموي (أي حكم معاوية نرى أن جباية الأموال وصرفها كانت حسب الأهواء (1).)بل استحدث فرض ضرائب لم يكن معمولاً بها سابقاً (2فكان معاوية يهب الأموال لكل من يؤيده ويحرم المعارضين ، ويفرض الجباية خلافاً للحق)والشريعة .وحَرَم أهل المدينة (يثرب من حقوقهم لوجود الكثير من المناوئين له كون أن جلَّ أو غالبية أهلها من الأنصار، والمعروف من سياق الأحاديث التاريخيَّة أن الأنصار كانوا دائماً ضد التيار الأموي.)وكذلك أهل العراق الذين ذاقوا ألوان الضيق والعذاب لمحاربتهم له، وكانوا يشكلون الأكثرية في جيش الإمام علي . كما حاول أن يشمل الأمصار لإبعادهم عن المعارضة.ثالثاً: كان معاوية يدعم أهل الشام ويحرص على رفاهيتهم وذلك لإخلاصهم له ولدعمهم لحكمه .رابعاً: اتخاذ معاوية وسيلة المال لتدعيم ملكه وسلطانه واستعمل المال


1) الأخبار الطوال ص 224 .

2) راجع تاريخ التمدن الإسلامي جرجي زيدان .

وسيلة للترغيب والترهيب .خامساً: جعل أسرته الأموية فوق رقاب الناس، كما وهبهم الثراء الفاحش لتقويتهم وبسط نفوذهم.سادساً : منحه خراج مصر لعمرو بن العاص لتعاونه مع معاوية ضد الإمام علي على أن يكون طعمه ما دام حياً .وهذا مخالف قطعاً للشريعة والعرف بل هو الخروج عن المبادئ الأساسية لجوهر الإسلام.. ولذلك نقول بأننا لا نعتقد بما قيل عن أخذ الحسن لما في بيت مال الكوفة وخراج دار أبجرد وكشرط من شروط الصلح لأن بيت المال والخراج ليس ملكاً لأحد والإمام الحسن أعلم من غيره بذلك .سابعاً: إغداق الأموال لشراء الذمم وخيانة الدين وتعاليمه، بدليل أن الأحداث الموضوعة اشتهرت في تلك الفترة ، لأنها كانت توضع من أجل تحسين سمعة معاوية والنيل من أعدائه بل وفي الكثير منها إعطاء هالة قدسية لمعاوية وحتى الحديث عن كونه (كاتباً للوحي فهذا موضوع أثار جدلاً كبيراً وإلى يومنا هذا ولا مجال لذكرها للاحتفاظ بتسلسل أحداث أصل موضوعنا .)إن استخدامه رواة وضاعين لا يحفظون عهداً ولا ذمة ، لينسبوا لرسول الله صلی الله علیه واله وسلم ما لم يقله إطلاقاً فيه تركيز على الحط من قيمة أهل البيت على وجه الخصوص.ثامناً : ذكر في كتاب تاريخ التمدن الإسلامي حول السياسة المالية في ذلك العهد ، أن سياسة التبذير التي كانت متبعة أدت إلى حصول عجز فيها؛ مما استدعى معاوية بالأمر للاتجاه نحو مصادرة الأموال وخاصة من الأغنياء لأقل عثرة أو زلل يتهمون به ، لسببين أحدهما العجز في ميزانية الدولة

وولايتها، والآخر لتحجيم نفوذ الأغنياء لأنه يعرف جيداً ما للمال من أهمية خاصة إذا وضبت سياسياً .تاسعاً: استخدم ولاته وعماله عملية النهب والاستحواذ على الأموال. والمعروف عن عماله أنهم كانوا متمرسين على السلب والنهب والجور والقسوة.. فمثلاً جباية الخراج، سن الإسلام قواعدها، ولكن في تلك الفترة كان موضوع الجباية حسب أهواء الجباة .عاشراً عندما يقول معاوية : "الأرض الله، وأنا خليفة الله، فما أخذ من مال الله فهو لي، وما تركته كان جائزاً إليّ " !! فلنرجع إلى اقتصاد الإسلام هل يتماشى ذلك مع روح الإسلام وهل سار على هذا النهج الخليفتان أبو بكر وعمر .. وخاصة عمر المشهور بمحاسبته ولاته وعماله وهو الذي ضرب أبا هريرة بالدرة عندما أحس بسوء استخدامه لمال المسلمين في البحرين . . . أم علي بن أبي طالب؟ الذي أصر أن يحاسب ابن عمه عبد الله بن عباس عندما كان والياً على البصرة وقد هدده الإمام بأن يقتص منه غير مبال بقرابته وموقفه معه في حروبه . . مما أدى بابن عباس أن يهرب إلى مكة ويترك ولاية البصرة !!عدا ما وصلنا عن تصرف الخليفة عثمان الذي شاطره الرأي معاوية فيما بعد ، وسياسة الخليفة عثمان تحدثنا عنها وبمصادرها المثبتة في سياق البحث .أحد عشر : اتبع معاوية سياسة (فرق تسد وبث روح التفرقة وخاصة بين القبائل، بل في بطون القبيلة الواحدة، وقد ذكرنا ذلك أيضاً بالتفصيل، حتى عند نزاعه مع الإمام علي والحسن قبل تنازل الأخير له واستمر في هذه السياسة، ولكن التفرقة شملت حتى الأسرة الأموية، والغرض من ذلك عتقاده بأن الحكم لا يستقر له إلا في انفصام عقد الأمة وإشاعة العداء بین أبنائها .)فإحياء معاوية للعصبية القبلية واتباعه سياسة التحزب لإشغال الناس في

الصراعات بحيث أثار الصراع القديم بين الأوس والخزرج وأشعل الفتنة بين المضريين واليمنيين واضطهاده للموالي ( المسلمين من غير العرب رغم مشاركتهم في ميادين القتال وأعمال الدولة.. وسار هو وولاته على نفس النهج .)اثنا عشر : اتباعه سياسة المداهنة ، والخداع ، والدهاء والذي كان مشهوراً به، وظهر جلياً من خلال تصرفاته وتبنيه سياسة احتقار الفقراء وكذلك سار ولاته على نهجه ، وفي كتابه نهاية الأرب - الجزء السادس - أمثلة مفصلة على ذلك .ومن أمثلة الخداع الذي كان من مقومات سياسته هو انبهار ولده يزيد حينما بويع لولاية العهد وكان الناس يمدحونه، فقال لأبيه : " يا أمير المؤمنين، ما ندري أنخدع الناس أم يخدعوننا؟ . . . فأجابه معاوية : "كل من أردت خديعته (1فتخادع له حتى تبلغ منه حاجتك فقد خدعته " .)ثلاثة عشر: ذهاب زمن إيثار الحق ونكران الذات وشيوع الانتهازية والوصولية والخلاعة والمجون والتهتك والتوجه إلى الترف في العيش والمأكل والمشرب .أربعة عشر : كان الإمام الحسين موقناً بأن معاوية قد استخف بالشريعة الإسلامية منذ أن ألحق زياد ابن أبيه به وألصقه بنسبه وتلك مخالفة صريحة لقول النبي الكريم صلی الله علیه واله وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر" ولكن الإمام الحسين وأخاه الحسن عندما تعاهدا معاوية واشترطا على وجوب اتباعه أصولمع الشريعة (وكان على معاوية إلغاء هذا الإلصاق الذي حدث زمن الإمام علي .)


1) الكامل في الأدب للمبرد ج 1 ص 305.

ويبدو أن معاوية وفي زمن الحسين رجع إلى مخالفته للشريعة في بعض المواقع مما دعا الإمام الحسين في إحدى مخاطباته لمعاوية وبذكره لحادثة الإلحاق على مخالفته الشريعة وقد أكمل الحسين قوله : " فتركت سنة رسول الله تعمداً، واتبعت هواك بغير هدى من الله "...خمسة عشر : إعلان معاوية سب ولعن الإمام علي والإيعاز إلى الولاة والعمال بذلك، وهذا أمر لا ينكره أحد ويمكن مراجعة المصادر الكثيرة التي تؤكد ذلك .ستة عشر : بدأ باضطهاد أتباع الإمام علي، وقد انتقم منهم أشد انتقام، مثال ذلك قتله حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي والذي كان رأسه أول رأس يطاف به في الإسلام وأصحابهما في مرج عذراء، وغيرهم من الأعلام العظام حتى وصل الأمر إلى هدم دورهم واضطهاد نسائهم .سبعة عشر : فقد توّج معاوية أعماله هذه كلها بمصيبة المصائب، والإثم الكبير والجريمة العظمى والأفظع في التاريخ.. ألا وهي فرضه ولده يزيد الخليع، خليفة على المسلمين.لقد رغبنا في استعراض أهم ما كان يحدث زمن معاوية وخاصة بعد رحيل الإمام الحسن، وكُتب التاريخ تذكر الكثير من الأمثلة، وقد تجنبنا الخوض في التفاصيل استناداً إلى مصادرها لعدم الرغبة في الإطالة وابتعاداً عن الحساسية التي قد يتأثر بها البعض، ولكن ما ذكرناه وسنذكره لاحقاً هو امتداد للأسباب الحقيقية لبواعث ثورة الحسين ..فهنا نوجه سؤالاً للمتتبع لبحثنا أياً كانت اتجاهاته :هل إن علي بن أبي طالب كان رابع الخلفاء، وهل بويع له أم استحوذ

على الخلافة بالقوة؟ . .فلا أحد وإلى يومنا هذا ينكر بأن علي بن أبي طالب كان خليفة للمسلمين .. أي أن الجميع يعترف ويجعله رابع الخلفاء الراشدين كواقع، والجميع يذكر ( الخلافة الراشدة وفترتها ومن ضمنها كانت فترة خلافة الإمام علي، وجميع منابر المسلمين يذكر عليها وخاصة في صلاة الجمعة للمذاهب الأربعة بما يلي :.. ورضي الله عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.)فالخليفة المبايع له من قبل المسلمين هو صاحب الأمر ويمتلك سلطاته الدينية والدنيوية . .فهنا أسأل السؤال التالي : ما هو حكم الخارج عن إمام زمانه أو خليفة المسلمين الذي تمت له البيعة من قبل المسلمين؟ ..ألم يعد هذا الخارج عن اتفاق المسلمين خارجاً عن القيادة الشرعية والخليفة الشرعي وهذا الخروج يُعَدُّ خروجاً عن إجماع الأمة، وهذا الخارج يطالب بما لا يحق له شرعاً وعرفاً، والمطالبة من الخليفة بحق يجب أن يسبقه إعلان البيعة أولاً ومن ثم عرض الأمر، لأن المخالف لكل ذلك يعني في النهاية عدم اعترافه بالقيم والمبادئ التي نادى بها الإسلام. وحتى الذين ثاروا على الخليفة عثمان ، كانوا قد بايعوا له بالإجماع وكانوا يعترفون به خليفة وقد ناقشوه وكلموه وبينوا له حججهم على الأمور التي اختلفوا معه عليها .. وقد نفذوا قراراته حتى لو عدوها جائرة بحقهم والثائر العظيم أبو ذر الغفاري أكبر دليل على ما نقول، فعندما نفي إلى الربذة ، نفّذ أمر الخليفة وارتحل !!فنسأل للمرة الأخيرة .. ألم يكن هذا الخارج عن الإجماع هو معاوية بن أبي سفيان ... ماذا كان طلبه ؟ . .

تسليمه قتلة عثمان ، وكأنما هو الوصي عن الأمة وهو الذي يقرر المصائر .. وبعدها يجعل الأمر شورى بين المسلمين .. فهو لم يبايع فقط وإنَّما يشترط ويفترض .. وما هو إلا وال من ولاة الأمصار !! وحجته هي قرابته لعثمان كونه من البيت الأموي .. وكان الأحدر بمعاوية أن يأتي بجيشه للحفاظ على (ابن عمه ولكنه أمر جيشه بالتوقف خارج الشام يترقب الأحداث،)ونستشهد بهذه الحادثة عندما استتب الأمر لمعاوية وقد قدم إلى المدينة، فخرجت إليه ابنة عثمان تطالبه بالقصاص والأخذ بثأر أبيها .. فماذا قال لهامعاوية . . رد عليها :" أن تكوني ابنة عم الخليفة أفضل من أن تكوني من عامة الناس !! " . .والبقية تترك كتحليل شخصي للقارئ.ولكن للأسف الشديد يعلل كل ذلك بالنهاية في هذا الحديث : " من اجتهد وأصاب فله حسنتان ومن أخطأ فله حسنة واحدة" !!. يعني أن معاوية وفق هذا الحديث وقد اجتهد فأخطأ ومع ذلك فله حسنة . . أقول ولا أناقش هل أن هذا الحديث عن النبي صلی الله علیه واله وسلم صحيح أم موضوع؟بل ليختلِ القارئ مع نفسه، فكم من الأعمال يمكن تمريرها استناداً إلى هذا الحديث . . ورحم الله الحسن البصري الذي قال أربعة كانت لمعاوية ، الواحدة منها لا تستبعد عنه الحساب ، الأولى ما ذكرناه أعلاه والثانية إلحاقه زياد لأن رسول الله قال صلی الله علیه واله وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر (وفي رواية أخرى تذكر الفقرة الثانية قتله حجر بن عدي وأصحابه والثالثة سب علي على المنابر، والرابعة استخلاف ، يزيد على رقاب المسلمين . . وقد اعتمدنا تكرار قول الحسن البصري ليتماشى الحديث . .)وحتى نستمر في موضوع معايشة الإمام الحسين زمن معاوية بعد رحيل

الحسن نود أن نذكر بأن كتباً ومخاطبات ، تبودلت بين معاوية والإمام الحسين وقد بدأت هذه المخاطبات عندما كتب والي المدينة مروان بن الحكم إلى معاوية بتوافد الناس على الحسين واعتقاده بأن الحسين يضمر الخروج بحيث أن رجالاً من العراق والحجاز يختلفون إليه وأن الحسين لا يؤمن وثوبه وطلب مروان من معاوية أن يعلمه برأيه(1.)فقد كتب معاوية إلى الحسين بكتاب فيه شيء من التهديد ومن مقتطفات كتابه :"أما بعد، فقد انتهت إلي أمورٌ عنك ، إن كانت حقاً فإني أرغب بك عنها، ولعمر الله إن من أعطى عهد الله وميثاقه لجدير بالوفاء .. وإن أحق الناس بالوفاء من كان مثلك في خطرك، وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها . فنفسك فذكر، وبعهد الله أوف، فإنك متى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فإتق شق عصا هذه الأمة .(2)فأجاب الإمام الحسين :" أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنه انتهت إليك عني أمور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير ، فإن الحسنات لا يهدي إليها ولا يسدد إليها إلا الله تعالى.. وأما ما ذكرت إنه رقى إليك عني فإنَّما رقاه إليك الملاقون ، والمشاؤون بالنميم، المفرقون بين الجمع وكذب الغاوون .. ما أردت لك حرباً، ولا عليك خلافاً، وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك، ومن الأعذار فيه إليك، وإلى أوليائك القاسطين الملحدين ، حزب الظلمة وأولياء


1) راجع الفقرة ج من نفس الموضوع حيث ذكر كتاب مروان بن الحكم نصاً.

2) الإمامة والسياسة ج 1ص188 وذكر في الأخبار الطوال وفي أعيان الشيعة.

الشياطين،ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلين العابدين، الذين كانوا ينكرون الظلم ، ويستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم؟ ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً، من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة ألا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، جرأة على الله واستخفافاً بعهده . . أولست قاتل ابن الحمق صاحب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم العبد الصالح، فقتلته بعدما آمنته؟أولست المدعي زياد ابن سمية المولود على فراش عبيد بن ثقيف؟ فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله - الولد للفراش وللعاهر للحجر - فتركت سنة رسول الله وتبعت هواك بغير هدى من الله ، ثم سلطته على أهل الإسلام ، يقتلهم، ويقطع أيديهم وأرجلهم ويسمل عيونهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كأنك لست من هذه الأمة وليسوا منك.أولست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم على دين علي، فكتبت إليه أن اقتل كل من كان على دين علي فقتلهم، ومثل بهم بأمرك . ودين علي هو دين ابن عمه الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي أنت فيه .وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك، ولأمة محمد ، واتق شق عصا هذه الأمة، وإن تردهم إلى فتنة . وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها، ولا أعظم نظراً لنفسي وديني ولأمة محمد من أن أجاهدك.وقلت فيما قلت : إن أنكرك تنكرني ، وإن أكدك تكدني ، فكد ما بدا لك، فإني أرجو ألا يضرني كيدك ، وأن لا يكون أحد أضرّ منه على نفسك، لأنك قد ركبت جهلك، وتحرصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت

بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان ، والعهود والمواثيق ، ولم تفعل ذلك إلا لذكرهم فضلنا ، وتعظيمهم حقنا ، وليس الله بناس لأخذك بالفطنة وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة . ..(1)وروي في موضع آخر أن الإمام الحسين رد على معاوية برسالة توثق أعماله منها :"فأبشر يا معاوية بالقصاص واستيقن بالحساب واعلم أن الله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .. إلى أن قال .. وأخذك الناس ببيعة ابنك الغلام الحدث يشرب الشراب ويلعب بالكلاب، ما أراك إلا خسرت نفسك وتبرت دينك، وغششت رعيتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقي والسلام (2)فصعق معاوية من رد الحسين وهو يقول: "إن أثرنا بأبي عبد الله إلا أسداً ".وهو اعتراف صريح من معاوية بمكانة وعظمة الحسين .من هذه الأمثلة نرى بأن هناك جدالاً قد وقع فعلاً بین الحسين ومعاوية وما جواب الإمام الحسين على كتب معاوية إليه إلا تأكيد على الأحداث التي ذكرناها من تبدل معاوية السريع بعد رحيل الإمام الحسن .. ولكن ذلك كله لم يصل إلى أحد الأمرين التاليين :الأول : نقض الحسين العهد والمبايعة التي أعطاها وأخيه الحسن إلى


1) الإمامة والسياسة ج 1 ص 189 - 190.

2) المصدر السابق ج 1 ص 284 .

معاوية .الثاني : الثورة على معاويةفتمسك الحسين بالعهد وعدم الثَّورة على معاوية وهو يرى كل ذلك .. هل يوجد له أسباب ودوافع أم لا؟.. فلنشاهد الصورة كما كانت؛ لتتوضح بعض الأمور التي قد تجيب على هذا التساؤل .إن معاوية عندما استقر له الأمر اتبع وفي حياة الحسن سياسة خاصة ليدعم بها سلطته وما كان تنازل الحسن له عن ضعف شخصي أو عدم مبدئية أو حب للمال أو ميل وحب إلى الاستكانة والدعة . . فطالما كتب الكثير وبررت هذه الوقائع وقد ذكرناها .. ولكن الحقيقة أن المشهد العام الذي رآه الحسن وعاشه من خلال اختلاف الناس والتغيير في الوضع النفسي والاجتماعي وخيانة رؤساء القبائل ومكاتباتهم لمعاوية وتباطؤ جيشه وخيانة بعض قادته وانقسام الآراء وتأثيرها على الناس ، وجد بذلك الإمام الحسن كله بأن الأوضاع إذا ما تجددت على سيرها الأول فإنه حتماً سيخوض معركة خاسرة، وفي الحقيقة كان الحسن في أوج قوته وتقدم الناس معه لقتال معاوية فإنه قد خسر تلك المعركة قبل أن يكون هناك قتال فكان برأينا مجبراً على قبول الصلح بعهود ومواثيق ليحفظ دماء المسلمين ، بل ليحفظ البقية الباقية من كبار أتباعه وجمهور مريديه وحتى لا تستمر الخسائر التي كان يراها متحققة لا محالة وسوف تنتشر في بقية الأمصار وبذلك سوف يذهب سدى كل ما بناه الإسلام وخاصة في وقت سادت فيه المؤامرات ودخلت السياسة وتأثيرها وتغلبها على الوازع الديني وبدا أن المال قد سار وحقق مفعوله الخطير بين الناس .والحقيقة إن أحداً منا وممن كتب عن هذا الموضوع لم يتعايش مع الحسن بشكل مباشر حتى يقرأ أفكاره ويعرف مسببات أعماله، ولكن إذا ما

توغلنا في ما مرَّ علينا من أحداث سوف نعطي الحسن الحق في ما قام به ولكن ليس ضعفاً أو تخاذلاً أو طمعاً بحياة هانئة وإنّما لشيء أسمى من ذلك كله . .إن من يقول بأن الحسن تنازل حتى يعرف الناس مرارة حكم معاوية وبعدها يهيئ إلى الثورة كان على خطأ، لأن الحسن كان يعرف معاوية كما كان الإمام علي يعرفه. . ومن برر خسارة معركة الحسن مع معاوية باعتبار أن . . " خف معه أخلاط من الناس : بعضهم شيعة له ولأبيه وبعضهم محكمة أي خوارج يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة ، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكاك ، وأصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم . . . " كما ذكر في كتاب أعيان الشيعة .. فنقول :إذا كان الإمام الحسن يعرف بهذا الخليط الذي تأسس جيشه عليه فتلك مصيبة، وإن كان لا يعرف فالمصيبة أعظم ، إنها تبريرات واهية، فكيف يتغلغل الخوارج في جيشه وهم ألد أعداء والده وهو بالذات وقد فتك بهم الإمام علي فی (النهروان وكان من حملة لوائه ولده الحسن؟ . . ومن كان أول الخونة؟)أليس ابن عمه وقائد جيشه عبيد الله بن العباس .الذين كتبوا هذه التبريرات أليسوا هم من الإمامية ويعتقدون (بعصمة الإمام والإمام المعصوم لا بد أن يعلم بواطن الأمور وما إلى غير ذلك !! . . فإذا كان يعلم بأن رؤساء القبائل قد باعوا أنفسهم، وأن الحسن أراد أن يختبر مدى إخلاص الناس وثباتهم فهتفوا من كل جانب "البقية البقية " . . فلو وضع أحد نفسه مكان الإمام الحسن فماذا يفعل؟ . . إنها تسليم على اقتدار للمواجهة في مثل هذا الوضع .. وهنا تتجلى عظمة الإمام الحسن واتفاق أخيه الحسين معه، فلينظر الناس وبعدها لكل حادث حديث .)والإمام الحسن لم يثر ولم ينقض العهد، لأننا نعتقد بأن التزام الحسن

كان مبدئياً من ناحية ومن ناحية ثانية لم يجد ما يجبره على القيام بالثورة، وإجاباته إلى سليمان بن صرد الخزاعي وآخرين أمثال حجر بن عدي وعلي بن محمد بن بشير تؤكد ما نذهب إليه ، فليرجع المتتبع إلى نصوصها في كتاب الأخبار الطوال للدينوري .وبالمناسبة لا حباً بمعاوية أو استخفافاً بالإمام الحسن لا سمح الله .. نقول بأن معاوية اتجه إلى بناء الدولة وتقويتها واستعمال وسائل نجاحها وهذا لا ينكر أنه كان رجل دولة ولكنه سلطوي وأسلوبه على وصف أيامنا هذه (ديكتاتوري وفردي، وما الدين واستخدامه والتمسك به إلا من أجل تقوية دعائم حكمه وبالمقارنة بين قوة إيمان الحسن والتزام معاوية بالدين، نجد أن الدين لدى معاوية وتطبيق أحكامه فرضاً لا يمكنه التخلي عنه لأنه بدونه سوف لن يستمر وستذهب كافة أحلامه ومخططاته سدّى .. وهذه النقطة أثرت في الناس بحيث لم يجدوا ما يشوب هذه الحالة وعرفوا أن الدين بخير فلذلك انطلت عليهم الفكرة وفقدوا أي استعداد للمواجهة، ويتفق مع هذا الرأي.)العلامة محمد مهدي شمس الدين في كتابه ثورة الحسين .أما الإمام الحسين والتزامه بالعهد كان واضحاً من خلال ردّه لمرات عديدة لمن جاءه يطلب منه نقض العهد والبيعة لمعاوية أكان ذلك في زمن الحسن أو بعد رحيله .ولكن ما استحدث معاوية من خطوات وما قام به من أعمال قد وجدنا رد الإمام الحسين فيها لمعاوية ولم يسكت عنها وعلى مبدأ إن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وحاشى الإمام الحسين أن يبتعد عن مواضيع يرى فيها الجور والظلم والخروج عن الشريعة ويسكت ... ومع ذلك كله نرى بأن الحسين لم ينقض العهد والبيعة بدليل أن عدي بن حاتم الطائي قد طلب منه

القيام بالثورة فكان رد الإمام الحسين له :"إنا قد بايعنا وعاهدنا ، ولا سبيل لنقض بيعتنا ". (1)وعندما تحرك أصحابه بالعراق وطلبوا منه خلع معاوية وتتم البيعة له فامتنع الحسين وإليك نص ما قاله أو رواه الكلبي والمدائني : " لما مات الحسن ابن علي تحركت الشيعة بالعراق وكتبوا إلى الحسين في خلع معاوية والبيعة له، فامتنع عليهم، وذكر أن بينه وبين معاوية عهداً وعقداً ، ولا يجوز نقضه حتى تمضيالمدة، فإذا مات معاوية نظر في ذلك ".(2)إذاً لم يكن الإمام الحسين قادراً على الثَّورة ونقض البيعة في ظل أخيه الحسن وهو على قيد الحياة لأنهما لم يختلفا أبداً وانصياع الحسين لأخيه الحسن بل توافقه في الرأي والأداء أمرٌ غير مشكوك فيه أبداً، كما إن الحسين وحتى بعد رحيل أخيه كان ملتزماً بالعهد والبيعة .ونعتقد أن هذا الالتزام له ما يبرره وهو :1. ليس من أخلاق الحسين ومبدئيته نقض البيعة والعهد، وإذا ما رأى منكراً فلا بد أن يجادل به وعدم اتخاذ جانب الصمت، وهذا ما فعله الإمام الحسين .2 . إذا ما نقض الحسين البيعة فسوف يظهره معاوية بأنه الناكث للعهد ويتم تصوير العملية على أنها خروج عن الطاعة والحقيقة كان من السهل جداً على معاوية أن يظهر ذلك بل ويؤثر فيه بشكل كبير، وهذا الأمر سوف لن يكون في صالح الحسين وأتباعه .


1) الأخبار الطوال - الدينوري ص 203 وذكره العلامة شمس الدين في ثورة الحسين

2) راجع تاريخ الخلفاء-للسيوطي - ص 206 وكذلك ما ذكره محسن الأمين في أعيان الشيعة.

3. سنوات معاوية في الحكم أعطته زخماً كبيراً في مجال القوة والمال، فعندما كان والياً على الشام فقط عرفنا ما كان لديه، والآن يحكم كامل الدولة الإسلامية والأمصار تتبعه والولايات وعماله عليها ينفذون أوامره، فماذا يملك الإمام الحسين من كل ذلك، عدا ما تبقى من أصحاب أبيه وأخيه وأصحابه فيما بعد والذين يعظمون منزلته ومكانته بين المسلمين وحتى العامة والبسطاء يمكن إسكاتهم بوسائل عديدة ويكفي أن تضرب الرؤوس الكبيرة ليرتعب الصغير .4 . والحقيقة في نظر الإمام الحسين ولنكن أكثر وضوحاً، نعتقد بأنه لم يجد حالة ساخنة جداً تتطلب القيام برد فعل قوي يستحق المواجهة ولو كان على حساب التضحية الجسيمة التي كان الإمام الحسين يشتهر بها، بل أكدها وفعلها فيما بعد عندما حصل ما يوجب عليه ذلك .5 . إن الثَّورة لها مبرراتها وأسبابها ، ومتى ما ارتبطت الثورة بالفوضويةفإن فشلها حتمي ..وقد كانت هناك نماذج لمثل تلك الثورات هذه وحتى في القرن التاسع عشر والقرن العشرين الميلاديين قد أدت إلى نتائج عكسية مثل الحركات (اللاسالية نسبة إلى (لاسال) وهو أحد المفكرين الثوريين أحد المفكرين الثوريين في الغرب، حيث كان يؤكد أنه إذا كانت هناك موجبات للثورة فمن الضروري الإسراع فيها ولو بدون تخطيط .. فعد ذلك في جانب الفوضوية وقد انتقدت اللاسالية بأنها فوضوية لإيمانها بالثَّورة بدون تخطيط وإنّما هو الذي يفرضها وهذه من الخطورة بمكان ان تكون نتائجها مروعة وامتداداتها غير ناجحة .)ولكن عندما نصل في تفاصيل ثورة الحسين نرى أن موجباتها وأسبابها كانت صحيحة ولو أنها فشلت في تحقيق أهدافها في وقتها ولكن امتداداتها

وتأثيراتها ظلت مستمرة عبر الأجيال وسوف تدوم كمقياس لإعلاء الحق والصواب والمبدئية ما دامت الإنسانية مستمرة ، فإن أهدافها الأصلية تحققت فعلاً، وما استمرار نهج الإسلام إلى يومنا هذا إلا بفضل ثورة الحسين كونها الحركة الأولى التي دقت المسمار الأول في نعش الظلم والاضطهاد والتعسف والخروج عن الإسلام ومبدئيته .6 . إن المجتمع لم يكن مهيأ للثورة ، ولو كان متماسكاً أصلاً لما كان التنازل في الأساس وظل هذا المجتمع في عقمه، حتى ولو أن كثيراً من الناس كانوا مع الحسن أو مع الحسين بعده وخاصة أهل العراق. ولكن لا يمكننا أن تنكر بأن هناك استهجاناً وهناك دعوة للثورة على الحكم الأموي ولكن المقومات الأساسية لها لم تكن متوفرة ، رغم إن الكثير كانوا يعتقدون بأن غذاء الثَّورة في الجور والظلم الذي بدأ يظهر في حكم معاوية وولاته واعتقاد الناس بأن حكم معاوية ليس هو الحكم الذي يمثل الإسلام الصحيح.وقد أوجز الدكتور طه حسين ذلك بقوله عندما تطرق إلى ثورة الحسين فيما بعد :"ومات معاوية حين مات ، وكثير من الناس ، وعامة أهل العراق بنوع خاص يرون بغض بني أمية وحب أهل البيت لأنفسهم ديناً ". (1)7 . نرجو أن لا يفوتنا موضوع شخصية معاوية ونهجه وأساليبه في العمل التي تم توضيحها بشكل مفصل سابقاً ومقدرته على الفعل بكل ما أوتي من قوة وبطرق عدة للحفاظ على سلطته ولو كانت بطرق محظورة.وفي النهاية نعود إلى التساؤل الذي بدأناه .. فلو كان المجتمع مهيأ


1) الفتنة الكبرى ج 2 علي وبنوه أد. طه حسين ص295.

للثورة في زمن معاوية هل كان الحسين يثور عليه وينقض عهده ..؟ . . إذاً مما أثبته كتاب الشيعة أنفسهم وما اعتمدوا عليه من مصادر اعتقدوا أنها موثوقة لديهم .. فإنهم كانوا يؤكدون بأن الحسين كان يؤكد دائماً على البيعة التي بذمته وذمة أخيه قبله، ولا يجوز نقضها كعهد، وكان يوصي أتباعه بالقعود ما دام معاوية حياً . .أكان ذلك في حالة كون المجتمع مهيأ أو غير مهيئ للثورة. ولكن المجتمع حقيقة بدأ بالتهيؤ عندما بدأ معاوية بنفسه جاهداً وبكل الأساليب لأخذ البيعة لابنه يزيد ليستخلفه في الحكم ... فماذا حدث في هذه الفترة؟ .## دور معاوية في المبايعة ليزيددور معاوية في المبايعة ليزيد :نحتاج هنا لتوقف قصير عند موضوع مبايعة يزيد للخلافة، فهل أن أساس فكرة المبايعة هذه جاءت عن طريق المغيرة بن شعبة عندما ذهب إلى معاوية وهو يعلم بنية معاوية إقصائه عن الولاية في الكوفة وطرحه هذه الفكرة على معاوية لاستمالته وإبقائه في ولايته حسب ما تذكر الروايات . .؟ أم إن في ذهن معاوية كانت هذه الفكرة قد اختمرت ويحتاج إلى من يحركها ...؟ ونعتقد بأن معاوية كان يعد العدة لهذه المبايعة ونعتمد برأينا هذا على الأسباب التالية :1 . الذي يدرس شخصية معاوية منذ شبابه إلى أن اعتنق الإسلام بعد فتح مكة وكان أحد الطلقاء واستثاره بالحكم وإعداده العدة بشتى الوسائل للوصول إلى ناصية الملك ، فلا يمكن لشخص مثل معاوية أن يترك الأمر من بعده دون أن يضع لبنة أولى ويدق المسمار الذي يحاول جاهداً تثبیت ملکه به واستمراره في أسرته .

إذا كان يملك الرغبة الجامحة لذلك، ولكنه كان يعد للأمر عدته مرحلة فمرحلة ، بدأها باستمالته عمرو بن العاص في بداية استعداده لمواجهة الإمام علي .. وكان يعلم عمرو بأن معاوية يريده لدنياه ولكن ليس لآخرته كما أفصح عمرو نفسه ذلك إلى أحد أولاده والحادثة مشهورة.وإلحاقه زياد واستمالة الأمويين والضعفاء نفسياً ممن كانوا يتعارضون ونهج الإمام ، علي وممن كانوا من القادة والرؤساء أمثال الأشعث بن قيس والمغيرة وآخرين ·فقد قالها أبوه ( أبو سفيان من قبل .. تلاقفوها أولاد عم .. فعندما وصلت إلى معاوية بعد ما قام به من حروب ومطاحنات واستعماله سلاح المال والترغيب والترهيب والاغتيال والدهاء . . . فهل يعطيها على طبق من ذهب إلى من يطلبها من غير أسرته أم يطلبها بكل ما أوتي من قوة لكي تبقى في بني أمية؟ .)2 . عندما صالح الحسن معاوية وعلى ما ذكر وما هو معروف، وإعطاء التعهدات والضمانات على الشروط بأن يتسلم معاوية الحكم ويكون الأمر من بعده للحسن، وبعدها تم التخلص من الحسن بتلك المؤامرة المعروفة التي لا ينكرها المنصفون من الرواة، وكان أساس تدبيرها هو معاوية، فَلِمَ إذا تخلص من الحسن؟! .يعني أن النيات كانت معقودة سلفاً، بل على رأي البعض محاولته أخذ البيعة لابنه يزيد في حياة الحسن.وفي رواية يذكرها سماحة الشيخ القرشي في كتابه "حياة الإمام الحسين " أن معاوية سافر إلى المدينة وعقد اجتماعاً مغلقاً بأبناء الصحابة الذين يمثلون الجبهة المعارضة لبيعة يزيد على اعتبار أن هذه البيعة هي خروج عن

إرادة الأمة، ولم يدع معاوية إلى هذا الاجتماع المغلق الحسن أو الحسين، لأنهقد عاهد الحسن أن تكون الخلافة له من بعده وأمر حاجبه أن لا يسمح لأحد بالدخول عليه حتى ينتهي حديثه معهم (1.)وإن كان ما نقله الشيخ القرشي ثابتاً وصحيحاً من عدمه، فذلك لا ينفي بأن معاوية حقيقة بدأ بالتحرك وفق هذا المضمار ، ولكنه توقف بعد أن نصحه الأحنف بن قيس وكان الحسن حياً .3 . إن تدخل معاوية المباشر لطلب البيعة لابنه يزيد بعد أن فشل ولاته أخذ البيعة له من الذين يعتقدون بفساد يزيد وعدم صلاحيته لقيادة الأمة، ويجدون أنفسهم ومواقفهم وانتماءاتهم وقدمهم أحق من يزيد أمثال عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعلى رأسهم الحسين بن علي بن أبي طالب.فقد استدعى ذلك سفر معاوية إلى العراق والحجاز لإتمام هذا الغرض واتخذ أسلوب الاسترضاء تارة والترهيب تارة أخرى. ولم يحصل على أية نتيجة إلا عندما كذب على الناس حين خرج إليهم وقال بأن هؤلاء العبادلة الأربعة الذين التقاهم في يثرب قد بايعوا ( ولم يكن الحسين معهم ولا عبد الرحمن بن أبي بكر فامضوا إلى مبايعة يزيد ، والحقيقة أن أحداً من هؤلاء الأربعة لم يعطه البيعة . وربما إذا أتيح لنا المجال ضمن البحث أن نذكر تفاصيل الحادثة منقولة عن كتب السير والتواريخ .)4 . نجزم بأن هذا الأمر كان موضع خلاف حتى بين الأمويين أنفسهم، وكثيراً منهم لم يكن راغباً بالبيعة ليزيد بن معاوية ، وغير راضين عنه، وكان


1) حياة الإمام الحسين - باقر شريف القرشي ج 2 ص 204 .

على رأسهم شيخ الأمويين مروان بن الحكم وكذلك سعيد بن عثمان وحتى زياد ابن أبيه الملحوق بهم وعبد الله بن عامر بن كريز وغيرهم من البيت الأموي ... وأبيات مسكين الدارمي الذي قال شعراً بذلك ذكرناها سابقاً ونعيده الآن لإكمال الغرض ، فيقول مسكين وهو يظهر الولاء عندما قرر معاوية استخلاف يزيد وبذكره أسماء الأمويين الذين كانوا لا يميلون إلى بيعة يزيد :ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر *** ومروان أم ماذا يقول سعيدبني خلفاء الله مهلاً فإنَّما *** يبوئها الرحمان حيث يريدإذا المنبر الغربي خلاه ربه *** فإن أمير المؤمنين يزيد5 وقد سبق كل هذه الإجراءات ، قيامه بالتصفيات التي قد يجدها تقف حجر عثرة في طريقه فقد تخلص من سعد بن أبي وقاص بالسم على ما ذكر في (مقاتل الطالبيين ) وعلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كما جاء في (الاستيعاب)، وانضم إليهم الحسن بن علي على نحو ما ذكرناه .)وقد عاد معاوية مرة ثانية وبنفسه إلى المدينة المنورة، واجتمع بالإمام الحسين بن علي ، ولا بد هنا من وقفة أخرى في غاية الأهمية لنبحث بشيء من التفصيل بما يضفي إلى بحثنا عمقاً وشمولاً نعتقد بأن الأمر يتطلب ذلك.

## ماذا جرى بين معاوية والإمام الحسين؟ماذا جرى بين معاوية والإمام الحسين؟أعلن معاوية في الشام عن ولاية العهد لابنه يزيد، ومن الطبيعي فإن البيعة وجدت قبولاً في الشام مقر عاصمة الدولة ، الأموية آنذاك وفي بعض المناطق المحددة من الدولة ولكن المهم في إنجاح موضوع البيعة هو دخول أهل الحجاز - مكة والمدينة - وأهل العراق في هذه البيعة ولأن هذه المناطق كانت عصية لوجود رؤوس المعارضة على هذا الأمر فيها فاضطر معاوية لأن يرجع مرة أخرى بنفسه إلى المدينة المنورة محاولاً اخذ البيعة لولده وليواجه المعارضين مباشرة .. وعند وصوله إليها لم يجمع المعارضين كلهم بل اختار الرأس، فأرسل إلى الإمام الحسين وبحضور عبد الله بن عباس .. وأخذ معاوية بداية الحديث اللين ، سائلاً عن أحوال الإمام الحسين وعن أبناء أخيه الحسن، وبعد ذلك دخل في الحديث والإشادة بولده يزيد ، ودعاهما إلى بيعته . . فما كان من الحسين إلا أن يرد معاوية برد أفحمه فيه بخطبة وضع فيها النقاط على الحروف، ومنها قول الحسين بعد أن رفض طلب معاوية فقال :"هيهات هيهات يا معاوية !! فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج ولقد فضلت حتى أفرطت ، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجرت حتى جاوزت ، ما بذلت لذي حق من اسم حقه من نصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ونصيبه الأكمل (1)


1) الإمامة والسياسة ج 1 ص 195-196.

إلى أن قال الإمام الحسين . . . ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم، حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ، ولات حين مناص .. إلى أن قال . . فركبتم الأعاليل ، وفعلتم الأباطيل وقلتم كان ويكون حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك فاعتبروا يا أولي الأبصار .انظر لهذا الأسد وهو يقف أمام جبروت معاوية ويكيل له هذا السيل من درر الكلام ، ويعجز معاوية إلا أن يظهر دهشته على هذا الموقف الصلب من الإمام وعدم الرغبة في البيعة، وظل يتميز غضباً ويعلم أنه لم يستطع أن يخدعالحسين .وبعد ذلك غادر معاوية المدينة متوجهاً إلى مكة، وقد اصطحب معه الإمام الحسين وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر، وفي مصدر آخر اصطحب مع هؤلاء عبد الله بن عباس .وكان معاوية قد بدأ يفكر بأساليب أخرى منها العنف والترهيب والمكر والخداع، وعرض عليهم في مكة البيعة مرة أخرى فامتنعوا عنها حتى وصل الأمر إلى أن هددهم بقطع رأس أي منهم إن عارضه أحد فيما سوف يقول . . وجعل على كل واحدٍ منهم رجلين بأيديهم السيوف لينفذوا أمره إن نطق أحدٌ بكلمة، وخرج إلى الناس كما يذكر ابن الأثير في الكامل . .. . . وقال معاوية مخاطباً أهل مكة :" إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا يبتز أمر دونهم ولا يقضى إلا عن مشورتهم، وإنهم رضوا وبايعوا ليزيد ، فبايعوا على اسم الله . . " فبايعه الناس وغادر بعد ذلك مكة (1)


1) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 ص 252.

ظناً منه أن الأمر انتهى وسوف يستقر الحكم لولده من بعده.. وفاته أن ذلك كان بمثابة الشرارة التي ولدت الثَّورة على ولده ، وبها كانت بداية النهاية لبني أمية ولو إلى حين.فعند ذلك بدأ الإمام الحسين يدعو جهاراً لمقاومة سياسة معاوية المدمرة للإسلام ولكن دعوته هذه لا تدخل ضمن التنظيم لإعلان ثورة ما ، وإنما كانت تصريحات علنية الغرض منها تنبيه المجتمع لما يحدث . وفي هذه الفترة كانت الكتب والمخاطبات التي تحدثنا عنها بين الإمام الحسين ومعاوية أو بالعكس .وقبل موت معاوية بسنة حج الإمام الحسين ومعه عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وجمع في (منى سبعمائة من بني هاشم ونسائهم، ومن الأمصار ممن يعرفون فضائل أهل البيت ، ونحو من مئتي رجل من أصحاب النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وخطب فيهم الحسين شاجباً سياسة معاوية وداعياً المسلمين الالتزام بالإسلام الصحيح ولم يكن الإمام الحسين إلى هذا الوقت راغباً بالخروج على معاوية ليس خوفاً، وإنّما للأسباب التي ذكرت سابقاً وهي عدم امتلاكه القوة الكافية والوسائل التي يمكن أن يجابه بها معاوية ، ولامتلاك معاوية الوسائل الدبلوماسية وإمكانية إظهار الثَّورة بأنها خروج عن الإطار الإسلامي وإنها غير)شرعية لوجود بيعة له من الحسين وسوف تؤطر الثَّورة بالتمرد على النظام.كما أن الكثير من الموالين لآل البيت أسرعوا إلى نصح الإمام الحسين بعدم الخروج على معاوية بعد أن علموا أن أهل الكوفة كاتبوا الحسين ومنهم جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، وقد علم بذلك أبو سعيد الخدري وكان محباً لأهل البيت وموالياً لهم وذكر للحسين بأن أهل الكوفة ما لهم ثبات ولا عزم على أمر ، ولا صبر على السيف. فكان رد الحسين لشيعته بأن يخلدوا إلى الصبر والالتصاق بالأرض ما دام معاوية حياً وإذا ما مات والإمام الحسين حي

فسوف يعلمهم برأيه .وعلى كل حال كان الإمام الحسين يعلم بأنه وبني أمية على الضد حيث قال مرة: "أنا وهم الخصمان اللذان اختصما في ربهم " .ولا بدَّ لنا أن نذكر بأن البعض يروي بأن معاوية قبل موته وأثناء مرضه أوصى ابنه يزيد برعاية الحسين وعدم المساس به .. وإننا لا نعتقد بصحة هذه الرواية (1للأسباب التالية :1 . لم نعرف عبر التاريخ الواصل إلينا تواصلاً وتواداً بين بني أمية وبني هاشم من جهة ومتى رعى معاوية ذمة أو ذماماً للهاشميين حتى يوصي برعاية الحسين ، إذا ما علمنا أنه السبب في رحيل الحسن وهو الذي أشهر سب ولعن الإمام علي كما يروي أصحاب السير .2 . إن مثل هذه الزوايات تحاول أن تبعد الشبهة عن معاوية لتجعل الأمر تصرفاً بحثاً من يزيد بعد أن أمر بقتل الإمام الحسين.3 . كل كتب التاريخ تذكر بأنه ما أن تقلد يزيد الحكم، حتى صار شغله الشاغل أخذ البيعة من الحسين حتى وإن استدعى الأمر تصفيته بكل الوسائل فسوف لن يتأخر لحظة واحدة، وهذا ما حدث فعلاً.إذا مات معاوية وموقف الحسين ثابت بعدم البيعة ليزيد، وقبل موته أراد


1) إن أصل الرواية هي أنه في مرض معاوية الذي مات فيه أوصى ابنه يزيد فيما أوصاه بثلاثة أمور وهي :).أ. إذا جاءك أهل العراق من كل صباح لتغيير أمير لهم فاستجب لهم أفضل من أن يرفع عليك مئة ألف سيف.ب. إذا ظفرت بالحسين بن علي فإياك وإياك من دمه لقرابته من رسول الله.أما إذا ظفرت بعبد الله بن الزبير فخب ضب، قطعه إربا إرباً.

أن يحمل الحسين على البيعة ليزيد بحرمان بني هاشم جميعاً من أعطياتهم حتى يبايع الحسين (1فلم يتحقق له ما أراد .)الإمام الحسين ويزيد بن معاوية :## 1 . شخصية يزيد1 . شخصية يزيد :تدل أقوال المؤرخين بأن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان كان على الضد من أبيه، فكان نزقاً ومتهوراً وسريع الانفعال ، وعنده حالات شذوذ وتصدر عنه أمور هي أبعد ما تكون عن أخلاق الإسلام.. شاب فاسد، لاه ويشرب الخمر. وهو إنسان صغير العقل والتدبير ، سطحي التفكير " لا يهم بشيء إلا ركبه "(2وأسلوبه في معالجة المشاكل يؤكد ويدل على شخصيته فهو من أبعد الناس عن الحذر والحيطة والتروي .. وقد اتضح كل ذلك في أسلوب معالجته لثورة الحسين وكذلك في معالجة ثورة أهل المدينة وفي معالجة حركة ابن الزبير .. فهو بعيد جداً عن أسلوب أبيه في معالجة الأمور .)وحياته ونشأته البعيدة عن النهج الإسلامي جعلته أضعف ما يكون صلة بالعقيدة التي يريد بها أن يحكم الناس باسم الإسلام.وكان الإمام الحسين عندما علم ببيعة معاوية إلى ابنه يزيد وهي سابقة خطيرة لأن النظام الإسلامي لا يعرف توريث الحكم وجعله (هرقلياً متداولاً بین الأبناء والأحفاد والأقارب .. فكتب الإمام الحسين إلى معاوية قائلاً :)"وفهمت ما ذكرت عن يزيد من اكتماله ، وسياسته لأمة محمد، تريد أن


1) الكامل في التاريخ ج 3 ص 252 . والإمامة والسياسة ج 1 ص 200.

2) أنساب الأشراف البلاذري ج4 / القسم الثاني/ 1.

توهم الناس في يزيد ، كأنك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص . وقد دل يزيد من نفسه على موضع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي تجده باصراً . ودع عنك ما تحاول، فما أعناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه ، فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة . .(1)و فی هذا الرد تفصيل آخر من الحسين عن شخصية يزيد .وحياة التحلل التي عاشها قبل أن يلي الحكم والانسياق مع العاطفة، وتلبية كل رغباته وذلك جعله عاجزاً عن التظاهر بالورع والتقوى، والتلبس بلباس الدين بعد أن حكم المسلمين، بالإضافة إلى أن طبيعته النزقة جعلته يعالن الناس بارتكاب المحرمات، ويقارف الآثام ما عرف الناس بمدى بعده عن الصلاحية لتولي المنصب .(2)ويذكر عن يزيد ولا نعلم من هو القائل أو الناقل ولكن المروي متداولوشائع وهو أقرب إلى الحقيقة لما يروى عنه وشربه للخمر بأنه قال مرة :دَعْ المساجد للعباد تسكنها *** واجلس على دكة الخمار واسقيناما قال ربك ويل للذي شربوا *** بل قال ربك ويل للمصليناإذاً لا ينكر أحد أنَّ يزيد كان سكيراً عربيداً متبطناً. وقصة غرامه بزينب بنت اسحاق تكشف عن طبيعته المتبطلة المتفسخة . . (3)


1) الإمامة والسياسة ج 1 ص 195 - 196.

2) ثورة الحسين - شمس الدین ص 132.

3) اليمين واليسار في الإسلام - أحمد عباس صالح - ص157.

فما هي قصة غرامه بزينب بنت اسحاق؟ ... كان عبد الله بن سلام والياً لمعاوية على العراق، وزينب هذه هي زوجته وكانت من أجمل نساء عصرها وقد رآها يزيد بن معاوية مرة فأحبها حتى أمرضه الحب، وعرف معاوية بما يكابده ولده وأن المرأة زوجة أحد ولاة أبيه وقد امتنعت عليه وبشدة .. ففكر معاوية بأن يطلقها من زوجها ليزوجها من يزيد ... فأرسل إلى واليه عبد الله سلام (زوجها واستدعاه بالقدوم إلى الشام ، وعندما وصل إلى معاوية قربه إليه وأبدى إعجابه الشديد بعمله وإخلاصه في ولايته، ثم فاجأه بأنه يريد أن يكافئه على ذلك بأن يزوجه ابنته (أي بنت معاوية) وقد فرح عبد الله بهذه الصلة رغم أنه كان يحب زوجته حباً جماً وهي تبادله نفس الشعور، ولكن (الخليفة) وولي أمره يغدق عليه بهذه المزية فهل يرفضها؟! . . فقد رغب عبد الله بهذا التقارب، واتفق معاوية مع ابنته على كل شيء رسمه للخطة وبدهاء، فقال معاوية لعبد الله بأنه يريد أن يأخذ رأي ابنته في الموضوع على أن الشرع والعرف يوجب ذلك .. وفي المساء أخبره بأن البنت تقول لا يجوز أن تشارك ابنة الخليفة امرأة أخرى، وإنها سوف توافق لو طلق عبد الله امرأته، فلم يفكر عبد الله ملياً فقد طلق زوجته .. وبعد الطلاق فوجئ بأن ابنة معاوية ترفض زواجه لعلمها بأنه كان يحب امرأته وهذا الرجل لا يؤتمن جانبه . . ! !)وبما أن معاوية رجل متحضر ، يرفض أن يجبر ابنته على زواج لا تریده!! . . وهنا أحس عبد الله بن سلام بعظيم فعله، وبالمؤامرة بعد فوات الأوان، وقد استحى من نفسه ومن زوجته التي طلقها . . فقد طلب إقالته من الولاية ورجع إلى المدينة يحمل معه آلامه وفقده امرأته التي يحبها وخجله الشديد على ما اقترف .. أما زينب بنت اسحق فالتحقت بأهلها في المدينة أيضاً، فأرسل معاوية شخصاً (اختلف على اسمه الرواة إلى المدينة ليخطب زينب إلى ابنه يزيد ، وعند وصول هذا الشخص إلى المدينة وقبل أن يذهب إلى)

مهمته قابل الإمام الحسين لأن الوافد إلى المدينة لا يمكنه أن ينسى وجود ابن رسول الله ويذهب للسلام عليه ..وكانت قصة زينب وعبد الله قد شاعت حينها في المدينة، فسأل الإمام هذا الرسول عن المهمة التي جاء من أجلها فأخبره بأنه جاء لخطبة زينب إلى يزيد.. فما كان من الإمام الحسين إلا أن يحمله رأياً ينقله إلى زينب بأن يعرض عليها رغبة الحسين بالزواج منها (وحتماً كان للحسين رأي خاص بذلك وأن يجعلها هي التي تختار بين الحسين ويزيد ، ولم يتمكن الوافد من عدم نقل رأي الحسين فقد طلبها للاثنين، فاختارت الحسين ورفضت يزيد، ورجع رسول معاوية وأخبره الأمر وكان ردّ فعله وابنه شديداً .. ويقال بأن يزيد قد اضمرها في نفسه على الحسين، وأما الحسين فتزوجها ولم يدخل بها، وقد أعادها بعد ذلك إلى زوجها عبد الله بن سلام بعد أن طلقها الحسين وقد تبين للاثنين أساس الحادثة.)حاولنا اختصار هذه الحادثة لأن تفاصيلها طويلة وقد ذكرناها لأن البعض قد حسب أن هذه الرواية كانت إحدى أسباب طلب رأس الحسين من قبل يزيد.. ونحن لا نعدها واحدة من الأسباب لأن ذلك كان موقفاً شريفاً من الحسين .. وإن ثورة الإمام الحسين على يزيد والحكم الأموي هي أكبر وأعظم في مداها من أن تكون هذه الحادثة هي إحدى إحدى الأمور التي تخص النزاع.وجدنا في نقلنا لهذه الحادثة لارتباطها بشخصية يزيد وكذلك أبيه معاوية، وهما غير مباليين لأي قدر من القيم والأخلاق.## 2 . صورة المجتمع2 . صورة المجتمع :ننقل بشكل سريع صورة عما آلت إليه حالة المجتمع في أواخر أيام

معاوية ، وعند استخلاف يزيد وتأميره على المسلمين وهو يمتلك هذه الشخصية التي تحدثنا عنها .نجد أن الشعب في هذه الفترة كان في وادٍ والسلطة في وادٍ آخر، لأن الكرامة تضيع ويستسلم الناس عندما يحكم السيف.. ! والأكثر من ذلك يتغير المجتمع ويبعث بأمور قد لا تليق بالإنسان لخباثتها لكي يتعايشوا مع السلطة التي تحكم بالعنف والقهر والبطش بل ويستعمل البعض أسلحة نابعة من طباع السلطة .وعندما تحدث أزمة في الأخلاق فذلك ناتج من تصور على إن الباطل هو المنتصر ويصبح كل شيء مباحاً ، ونتيجة إرهاب الحكم فإن كل العقبات أمام المجتمع تكون مباحة الحدوث وتكون أشبه بالوباء. ومن هذا التصور نرى بأن صفة الجبن والانتهازية والإجرام تسود المجتمع، وعندها وفي مثل هذه الحالة قد يصعب أن يصدق المرء أن الخير لما يزل موجوداً أي أن الإنسانية قد تفقد أي محتوى لكل ما يصل بطبيعتها من عوامل ترجع إليها صفتها الدائمة وهي الصدق والخير والأخلاق والمبدئية . . وهذا لا يعني بأن المجتمع قد ذهبت عنه كل هذه الحالات الإنسانية ولكن شيوع السلبيات كان ظاهراً وبشدة.وعندما تفقد البشرية إحساسها بالكرامة ، فإنها تميل إلى الانحطاط وسوف يتغير الصراع من صراع بين قوى ظالمة وأخرى مظلومة وسيصبح صراعاً بين القيم والمثل العليا وبين القيم التي تدعو إلى الانحطاط .وقد ظهر ذلك جلياً من خلال استقراء المسيرة من مرحلة رحيل الحسن وحتى واقعة كربلاء واستشهاد أبي الثوار الحسين.أن تحكم السلطة بالسيف والمال يجعل الذين يبررون تسلط الحكم بهذا الأسلوب على إنه ضرورة لضمان مسيرة الدولة والابتعاد عن الفتن باعتبار إن

الله يؤتي الملك من يشاء وإن ذلك قدر إلهي فكل شيء تقوم به السلطة يضفونعليه مسحة شرعية .فنحن قبل هذا قد تطرقنا أن معاوية كان رجل دولة وسعى لبناء دولته ولكن سعيه هذا كان من ناحية الإدارة والتنظيم ولكن عندما تغيب المثل وتسحق كرامة الإنسان وتضيع المبادئ فماذا يعني بناء دولة بدون أخلاق وبدون عدل اجتماعي؟والأعجب من ذلك أن بعض المنافقين يبررون هذا المنطق بأن التطور السريع الذي حصل والانتقال من مرحلة المجتمع القبلي إلى نوع الدولة المركزية هو الذي يبرر كل ما حدث .. ولكن الدولة التي تبنى وتقام على الجماجم وأكوام من الأجداث التي تذهب شاكية إلى بارئها ما أصابها من ظلم وجور وقتل بدون حق لا يمكنها الاستمرار ، وهذه الدولة الأموية نراها لم تعمّر سوى عقود عدة، وكانت هذه العقود من الزمن مليئة بالأحداث، بل فيها ضربت المدينة التي يفوح في سمائها عبق النبوة والرسالة لوجود قبر نبي الرحمة فيها .. وكذلك ضربت الكعبة بيت الله الحرام وأريقت فيها الدماء مرات عدة ، فإن نتائج السلوك الأول يطرح هذه الإرهاصات .فالمجتمع إذاً سادته الانتهازية والاستسلامية والتقلب بالآراء بل وبسرعة حسب الموقف وسيادة المنفعية، ولكن لا بدَّ في مثل هذا الانحلال في قيم المجتمع أن تجد فيه من يثأر للإنسانية ملتزماً بقيمها ومبادئها ومحاولاً إعادتها إلى مسارها الصحيح ولا بد لهذا الشخص أو لهذه المجموعة من أنصار وما داموا متمسكين بالمبادئ ومناهضين للظلم .فمثلاً في مجتمع المدينة كان قسم يعيش في بحبوحة من العيش وهؤلاء هم الطبقة الأرستقراطية حيث عاشوا في قصور فارهة وتجلب إليهم وسائل

الترف من بقية الأقطار ويجلس في قصورهم المتزلفون، ويعيش الأرستقراطي بين حاشيته وجمع من القيان والمغنين والعبيد والخدم، وأكثر هؤلاء إما أن يكونوا من الولاة الذين نهبوا بيوت الأموال أو من الذين أُغدق عليهم المال بدون حساب أو من المقربين للسلطة، وفي مجتمع مثل هذا لا بد أن تدخل السياسة أروقته .وفي نفس الوقت كان في المدينة الحسين بن علي كأكثر الناس شعبية وكذلك في المدينة الكثير من أبناء الصحابة بل ومن البقية الباقية من الصحابة الذين ما زالوا ملتزمين بمبادئ الإسلام الصحيحة ، ومثل ما كان هذا القسم موجوداً رافضاً لما وصل إليه الوضع كان أيضاً هناك من المترفين والكبار من التيار الأرستقراطي أمثال مروان بن الحكم وغيره ممن كانوا تواقين للحكم والسلطة .وكل قسم من هؤلاء له تفكيره الخاص ورأيه في السياسة من الزاوية التي ينظر ويفكر فيها، ويجب أن نعرف أن الطبقة الأرستقراطية كانت تتصارع فيما بينها على السلطة وتتربص دائماً للوثوب ومن الطبيعي أن يكون الحزب الحاكم هو الأقوى، فهو يملك النفوذ والقوة الرسمية الضاربة، وأما البقية من الطبقة الأرستقراطية فإنها كانت تملك المال الوفير ولكن لا يتناسب كماً ونوعاً بما تملكه الدولة في بيت المال ويصرفه الخليفة كيف يشاء باعتباره (خليفة الله . . ورغم أن الحسين لم يكن فقيراً ولكنه لم ينتسب إلى أي من هذه الطبقات بل كان كأحد الصحابة وأبناء الصحابة ولكنه كان يتميز عنهم بأمور كثيرة، وهذا التميّز يحمله فكره وأخلاقه ومبدئيته التي تختلف عن الكل . وكانت الولاءات في مجتمع المدينة تنتقل بسرعة حسب المصالح وفي حالة تضارب المصالح فإن أساليب القوة هي المتبعة بشكل مفرط وتاريخ زياد ابن)

## هل أن أوان الثّورة؟أبيه أوضح مثال على ذلك.هل أن أوان الثّورة؟في ظل الموقف الجديد بعد موت ،معاوية هل أن أوان الثورة أم لا؟أ. تمت البيعة ليزيد بحياة والده معاوية ، وكانت ظاهرة غريبة عن المجتمع الإسلامي، فلم يتصور أحدٌ يوماً بأن يصبح مصير قيادة الدولة على أسس النظم الكسروية أو القيصرية، لأن المبدأ الإسلامي يعتمد على أساس انتخاب الخليفة وقد يكون بشورى والانتخاب والتنصيب يتم وفق أمور حددها الإسلام. . .كما أن النظام الإسلامي في الحكم لم يقرّ مبدأ الوراثة، فإن الخليفة يختاره المسلمون وأن المسلمين إخوة لا فرق بين أبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.وحتى أن استخلاف الحسن، لم يكن بتوصية من والده أو أخذ البيعة للحسن في حياته، وإنَّما انتخبه المسلمون لأنه كان يحمل مواصفات القيادة من جهة ولأنه كان يحمل علم أهل البيت الذي استقاه من مدرسة جده الرسول وأبيه وقد كان يحمل صفة المبدئية والثورية والعقيدة الدينية الراسخة الخلاقة . .كما أن أبا بكر له أولاد ولم يوص لأحد . لأحد . . . كما أن عمر بن الخطاب سار على النهج نفسه.ب. بعد مبايعة يزيد في حياة والده ، وما قام به معاوية من أمور وأحداث ومن ثم استلام يزيد الحكم بعد أبيه فقد ظهر للعيان الوجه الحقيقي للحكم الأموي، وقد اكتشف المجتمع الإسلامي عورات هذا النظام الجائر و " ذاق طعم عذابه وخبر ألواناً من عسفه وظلمه في الأرزاق والكرامات

وانزاحت عن بصيرته الغشاوة " .(1)ج . إن السياسة التي اتبعها يزيد ومنذ اليوم الأول لتسلمه مقاليد الحكم، سياسة تختلف عن سياسة أبيه الذي عرف بدهائه وتروّيه في الأمور، بل اتخاذه الحزم والاحتياط أمام الأحداث والأكثر من ذلك كان معاوية يحتفظ بالغطاء الديني الذي لفه حوله واستغله لترسيخ موقعه في الحكم .. نرى ابنه يزيد قد ابتعد عن هذا الغطاء بشكل سافر وأسدل الستار من خلال أعماله وتصرفاته ونهجه الانحلالي .د . كان الإمام الحسين ملتزماً بالبيعة والعهد وأمور أخرى تكلمنا عنها والسبب بقاء معاوية حياً، وقد تكون حياة معاوية هي السبب الرئيسي في عدم إيقاد الثَّورة والخروج ليس خوفاً بل التزاماً أخلاقياً من ناحية وكشف الغشاوة عن أعين الناس، وعندما مات معاوية ، زالت الأسباب التي كانت تؤجل الثورة وبدا الطريق ممهداً للاستعداد والقيام بها .ه- . والمهم في ذلك كله ورغم رفض المجتمع ليزيد وحتى البيت الأموي .. ومن بايعه إما متزلفاً أو خائفاً خانعاً، فليس هناك مبرر للحسين الذي لم يبايع بأي شكل من أشكال البيعة ليزيد وجدير به التحرك.أضفنا بأن الإمام الحسن وأخاه الإمام الحسين، لم يرتبطا بأي عهد مع يزيد، وهذا ما يدعو الإمام الحسين أن يثبت مشروعية حركته ونهضته باعتبار أن موقفه هذا سوف يكون ضد حاكم جائر لا تنطبق عليه الشرعية ولا يقر استخلافه مبدأ إسلامي.


1) ثورة الحسين - شمس الدين - ص 134 .

إذاً :أول أمر شغل يزيد بعد موت معاوية هو أخذ البيعة من المعارضين لاعتلائه سدة الحكم وعلى رأسهم الحسين.. والأمر الآخر هو حرب أهل العراق لكراهتهم بيعته منذ وجود والده وبعده . . " و تجاوبهم مع الحسين وذلك ما أدى به في أول خطاب له على أهل الشام "(1.)فقد وجه همه الأول للبيعة له ، ولأن أهل الأمصار لم يعلموا بعد بموت معاوية، فقد أرسل بداية كتابين إلى والي المدينة (الوليد بن عتبة يخبره في الأول بموت معاوية ، وكتابه الثاني بضرورة أخذ البيعة ممن أبوا سابقاً وعلى رأسهم الحسين بن علي وإلا فقطع الأعناق .. وقد جاء في الكتاب :)" أما بعد فخذ حسيناً، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً ليس فيه رخصة، حتى يبايعوا والسلام "(2)ففزع الوليد بن عتبة من ذلك، وكيف يفعل عملاً لم يتمكن معاوية نفسه القيام به.. وكان الوليد ذا حنكة ورشد ، فاستشار مروان بن الحكم شيخ الأمويين والذي كان قبله والياً على المدينة، بأمر يزيد بن معاوية هذا، فأشار عليه مروان بأن يدعوهم عنده ويطلب منهم البيعة ليزيد وإن أبوا فيقتلهم قبل أن يعلموا بموت معاوية ، فإنهم إن علموا بالأمر فسيدَّعي كل واحد منهم بالأمر لنفسه، أن الحسين سوف لن يجيبك إلى بيعة يزيد ولا يطيعه أبداً.فقال الوليد لمروان :" ويحك يا مروان من كلامك هذا، وأحسن القول في ابن فاطمة فإنه بقية النبوة " .وعلى كل حال فإنهما اتفقا على أن يطرحا الأمر ليروا بعد ذلك ما


1) حياة الإمام الحسين - القرشي - ج 2 ص 245 .

2) الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 3 ص 263.

ستؤول إليه الأمور. فأرسل الوليد بن عتبة يستدعي الحسين بن علي وعبد الله ابن الزبير .. فذهبا إليه ومعهم رجال، دعا الإمام الحسين عدداً من أهل بيته من الرجال بسلاحهم ليدخلوا على الأمير إذا ناداهم الحسين .فقال الوليد إلى الإمام الحسين بحضور مروان بن الحكم :" دعوتك للبيعة ليزيد بن معاوية ".. وقد ارتأى الإمام الحسين أن يجيب والي المدينة ويتخلص من دعوته هذه بالحسنى، حيث قال الإمام للوليد :"مثلي لا يبايع سراً، ولا يجتزئ بها مني سراً، فإذا خرجت للناس ودعوتهم للبيعة، ودعوتنا معهم كان الأمر واحداً . " .وقد اقتنع الوليد برأي الحسين على دعوته مع الناس ليكون الأمر واحداً، فشكر الوليد الحسين ليلتقوا صباح الغد. وربما كان رأي الحسين أن يجاهر بعدم البيعة أمام الناس ويدعوهم إلى الثَّورة والإطاحة بيزيد . .وقبل أن يخرج الحسين من مجلس الوالي فقد اغتاظ مروان بن الحكم ونهر الوليد على السماح للحسين بالمغادرة دون أخذ البيعة منه، وطلب منه أن يحبسه وإلا قطع عنقه، حيث كانت مقولة مروان :"لئِن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ، ولكن احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه " .فالتفت الحسين إلى مروان وقال له صارخاً :ويلي عليك يا ابن الزرقاء أنت تأمر بضرب عنقي؟ كذبت ولؤمت .(1)


1) أنساب الأشراف -البلاذري - ج 4- القسم الثاني- ص 15

وفي رواية أخرى ، وثب الحسين لمروان وقال له :" يا ابن الزرقاء ، أأنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله ولؤمت ... إليك عني يا یا عدو الله فإنا أهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، والحق فينا وبالحق تنطق ألسنتنا، وإني سمعت عن رسول الله يقول: الخلافة محرمة على الطلقاءوأبنائهم (1.)وهنا التفت الإمام الحسين إلى الوليد بن عتبة : وأكد له صراحة رفضه البيعة ليزيد بقوله :"أيها الأمير ، إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرّسالة ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاجر ، شارب للخمر ، وقاتل للنفس المحرمة، ومعلن الفسق، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة " .وكان هذا الرد واضحاً وإعلاناً في مقر الحكومة . .وقد لام مروان الوليد على سماحه للحسين بالخروج دون تحقيق ما أرادوا .. فرد الوليد على مروان بن الحكم قائلاً :"ويحك ! إنك أشرت علي بذهاب ديني ودنياي ، والله ما أحب أن أملك الدنيا بأسرها، وأني قتلت حسيناً .. سبحان الله! أأقتل حسيناً أن قال لا أبايع .. والله ما أظن أحداً يلقى الله بدم الحسين إلا وهو خفيف الميزان، لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه ، وله عذاب أليم "(2.)


1) نعتقد بأن الجزء الثاني من الرواية غير دقيق لأنه يتعارض أصلاً مع بيعة الحسن والحسين لمعاوية بعد الصلح، فإذا كان الإمامان قد سمعا بهذا التحريم فكيف يقبلان بما حرَّمه جدهم النبي صلى الله عليه واله وسلم .

2) اللهوف - ص 13.

ومنذ تلك الحادثة قرر الإمام الحسين بأن المدينة لا يصلح البقاء فيها بعد الآن ، وقد قرر أيضاً أن يكون بجوار البيت الحرام في مكة، ليبتعد عن الأمويين ومضايقاتهم. وخاصة بعد أن عرف أن معاوية قد مات وجلس يزيد مكانه .أما والي المدينة الوليد بن عتبة، فقد كتب بما حدث إلى يزيد بن معاوية وجاء ردُّ يزيد بأمرين :الأون- أخذ البيعة من أهل المدينة حتى إذا اضطره ذلك إلى استعمال القوة .الثاني-قتل الحسين بن علي وإرسال رأسه إلى الشام.وقد رفض والي المدينة الوليد بن عتبة تنفيذ أمر خليفته قائلاً :لا أقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولو أعطاني يزيد الدنيا بحذافيرها . " .ولنا في هذا المجال رأيان وهما :الأول : إن رد يزيد بن معاوية إلى واليه على المدينة لم يكن يخلو من تأثير مروان بن الحكم ، فمن المحتمل جداً أن يكون مروان قد سبق والي المدينة بالكتابة إلى يزيد يحرضه على الحسين وعلى موقف الوالي من جهة ومن جهة أخرى نعرف جيداً مروان وأطماعه في الخلافة والحكم، فقطعاً كان موقفه هذا له مغزى كبير، ففي كلا الحالتين إن قتل الحسين فيكون من صالحه وإن بدأت الثورة على يزيد فستضعفه حتماً ويجد نفسه الأكفأ من بين الأمويين لتقلد الأمر، وعرفنا بأن دعوة معاوية للبيعة لولده واجهت معارضة الأمويين أيضاً ومنهم مروان في البداية .. وقد أثبتت الأحداث دقة ذلك إذ اعتلى مروان سدة الحكم بعد موت يزيد ورفض ولده معاوية الثاني الخلافة، فاعتلاها مروان

ولو لمدة قصيرة ولكنه كان قد جاوز الثمانين من عمره.أما الأمر الثاني ، فهو موقف عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بن الزبير . . وماكان لهما في الواقع، ما للحسين من منزلة عظيمة عند المسلمين، فعندما وقف الحسين ذلك الموقف أمام الوالي ورفض البيعة فمن الطبيعي أن يتخذ عبد الله ابن الزبير نفس الموقف ولو أن الأساس كان مطالبة الحسين بالموضوع .. فأما علو منزلة الحسين وشأنه لدى المسلمين فهو واضح الأسباب، لأن عبد الله بن عمر سرعان ما سلّم قائلاً:" إذا بايع الناس بايعت "(1)وأما عبد الله بن الزبير فكان غير محبوب من الناس ويعرفون رفضه البيعة لرغبته في الخلافة أي أنه يريد الأمر لنفسه، وهو يختلف في ذلك عن الحسين، فإن عبد الله لم تكن دوافعه دينية خالصة ومبدئية وإنَّما طمعاً بالخلافة، وكان الناس يعتقدون بأنه ليس أهلاً لقيادة الأمة .كما أن أبن الزبير كان أثقل شيء عليه عندما يرى عامة الناس وأشرافهم يقدمون الحسين على البقية وهو نفسه بضمنهم ولكنه كان يضمر ذلك ويخطط على المستوى الشخصي، وسوف نرى وجود عبد الله مع الحسين في مكة، ومانقله المؤرخون عنه ·


1) الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 3 ص 265. وتاريخ الطبري - ج 4 ص 254.

## الحسين في مكةالحسين في مكةبعد قراءة الإمام الحسين لمجمل الأحداث فقد قرر الذهاب إلى مكة وهيأ نفسه على عجل بعد أن زار قبر جده النبي الكريم صلى الله عليه واله وسلم وقبر أمه وأخيه، وودعه آل هاشم بالحزن ورحل مع إخوته وبني أخيه وأخته الحوراء زينب وولديها عون ومحمد .. ورافقه كذلك نساؤه وأولاده وبعض من أشياعه، وكل هؤلاء كانوا على رأيه ، وقد ترك في المدينة أخاه محمد ابن الحنفية ليكون عيناً له فيها وقد أعطاه وصيته التي ترجم فيها أهدافه النبيلة ويعلمه بالوصية أنه خارج على حكم يزيد ومن تبعه من بني أمية وأعوانهم طالباً الإصلاح في أمة جده (1وأنه مأمور بهذا العمل، وكان تاريخ خروج الإمام الحسين من المدينة يوم 28 رجب عام 60 للهجرة. وقد وصل مكة يوم الجمعة الموافق لليوم الثالث من شعبان(2)من عام 60 ه- . . وقد نزل في دار العباس بن عبد المطلب (3))وقد اختلف إليه أهل مكة ومن بها من المعتمرين وأهل الآفاق . . وكان والي مكة من قبل يزيد هو (عمرو بن سعيد الأشدق الذي قابل الإمام الحسين وسأله عن سبب قدومه مكة فأجابه الحسين أنه جاء عائذاً بالله وبالبيت الحرام)


1) من جملة الوصية : إني لم أخرج أشراً ولا بطراً .. وسوف نذكرها كمقولة عندما يحتاجها البحث.

2) كان هذا اليوم من التاريخ موافقاً ليوم مولده حيث أن الحسين ولد في الثالث من شعبان في السنة الرابعة للهجرة وفي يوم دخوله مكة يكون قد أكمل السادسة والخمسين من عمره الشريف.

3) تاریخ ابن عساكر - ج 4 ص 328.

الذي من دخله كان آمناً، وأرسل والي مكة يخبر يزيد ويعلمه بقدوم الحسين إلى مكة وازدحام الناس عليه ، فكتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عباس يذكره بأن ابن عمه الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير في مكة يبغون الفتنة ويعرضون أنفسهم إلى التهلكة (1.)وطلب منه أن يبعد الحسين عن نواياه ويمنه بالعطايا والأموال.فرد عليه ابن عباس :"إن الحسين إنّما ورد مكة مستجيراً بالبيت الحرام ومبتعداً من إساءة عمالك عليه ، وأما ابن الزبير فلا علاقة لنا به ، ولا نحن مسؤولون عن تصرفاته، فقد كان عدواً لنا" .ويجدر بنا أن نذكر بأن عبد الله بن الزبير كان لا يرتاح لوجود الحسين في مكة، ومتى ما وجد الحسين فيها فإن أحداً لا يعير لابن الزبير رأياً ."عكف الناس على الحسين ، يغدون إليه ويقدمون عليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه وينتفعون بما يُسْمَعْ منه ويضبطون ما يروون عنه ".(2)و "أن عبد الله بن الزبير لم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز، ولا أَحَبُّ إليه من خروجه إلى العراق طمعاً في الوثوب بالحجاز، وعلماً بأن ذلك لم يتم له إلا بعد خروج الحسين "(3)والحقيقة أن الإمام الحسين نفسه كان يعلم ذلك حيث قال مرة إلى


1) راجع نص الرسالة في كتاب حياة الإمام الحسين - للقرشي - ج 2 ص 313.

2) راجع البداية والنهاية.

3) أنساب الأشراف البلاذري - ج 4 القسم الثاني ص 13 - 14 . ومقاتل الطالبيين للأصبهاني.

جلسائه :"إن هذا - يعني ابن الزبير - ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس من الأمر شيء معي، وأن الناس لم يعدلوه بي فود أني خرجت منها لتخلو له ". (1)والمعروف أن موقف ابن الزبير هذا ليس جديداً حيث كان من المحرضين على قتال الإمام علي في حرب الجمل وخلالها، وكان من المؤثرين على والده الزبير بن العوام، على الرغم من أن والده الزبير هو ابن عمة الإمام علي، أي جدة عبد الله هي "صفية بنت عبد المطلب " ، إن خالته السيدة عائشة زوجة الرَّسول. وكان ابن الزبير على النقيض من محمد بن طلحة بن عبيد الله، الذي كان ينصح أباه بتغيير رأيه بالإمام علي وعدم قتاله ، وعندما قتل محمد في حرب الجمل تألم عليه الإمام علي عندما وجده بين القتلى من أصحاب الجمل، فوقف على رأسه وقال: "رحم الله محمداً، لقد قتله بره بأبيه "وحين رجع الزبير بن العوام ورفض القتال قبل أن يبدأ بعد أن ذكره الإمام علي بحادثة مفادها أن الرسول صلى الله عليه واله وسلم والزبير كانا في طريق فوجدا الإمام علياً جالساً يتكئ على حائط وقد أخذه النوم وقد سقط تراب الحائط عليه فناداه الرَّسول صلى الله عليه واله وسلم : "قم يا أبا تراب "... فأحس الإمام علي ونهض مسرعاً للسلام على النبي صلى الله عليه واله وسلم والزبير فالتفت الرَّسول صلى الله عليه واله وسلم إلى الزبير وقال له : يا زبير أتحب علياً؟ قال : "بلى يا رسول الله " قال له النبي صلى الله عليه واله وسلم : " ستقاتله وأنت له ظالم " .وعندما ذكر الإمام علي الزبير بتلك الحادثة فقال الزبير لعلي: "لقد ذكرتني بما كنت قد نسيت ".. وطلب الزبير فرسه ليغادر المعركة فتصدى له


1) الكامل في التاريخ - لابن الأثير - ج 3 ص 276 - . وتاريخ الطبري ج 4 ص 288.

ولده عبد الله وقال لأبيه : "الى أين؟ " قال الزبير : اعتزلت القتال" فقال عبد الله : "أجبن بعد مثلبة؟ فرد عليه الزبير : ويحك وأنت تعلم بأنني لست بجبان، ولكن الرجل (يعني الإمام علي ذكرني بما كنت قد نسيت " .)هذا هو عبد الله بن الزبير وسوف نطلع على دوره عندما خرج الإمام الحسين إلى العراق إثر نهضته .عندما استقر الحسين في مكة بدأ بتنظيم أمر نهضته، وهو يدعو الناس إلى الوقوف أمام ظلم بني أمية، مبيناً الحقيقة الدامغة للأمة، حاثهم على عدم البيعة ليزيد ، بوصفها بيعة غير شرعية، ولكن الإمام الحسين لم يطلب الخلافة لنفسه ولم يصرح بذلك أبداً ولكنه أعلمهم بأنه مأمور شرعاً للوقوف بوجه هذه البيعة ومحاولاً الإصلاح وتطبيق المبادئ السامية التي جاء بها الإسلام الحنيف، والعودة إلى التراث الثر الذي أسسه جده المصطفى صلى الله عليه واله وسلم ، حاثاً الناس على عدم الخنوع والخضوع أمام الاستبداد.وأول عمل قام به الإمام الحسين هو الكتابة إلى رؤساء البصرة وكان منهم الأحنف بن قيس والمنذر بن جارود ومسعود بن عمرو وغيرهم ..يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه فإن السنة قد أميتت والبدعة قد أحييت .وعندما وصلت الكتب إليهم كان الوالي على البصرة حينذاك (عبيد الله ابن زیاد ابن أبيه ، فسلم المنذر بن جارود رسول الحسين وحامل كتابه إلى الوالي وقد تم صلبه فيما بعد من قبل ابن زياد .)أما الأحنف بن قيس فكتب إلى الإمام الحسين : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ . حيث لم تكن له رغبة بالوقوف معه ونصرته . وأما يزيد بن مسعود بن عمرو، فقد جمع بني تميم وبني جمع بني تميم وبني حنظلة وبني

سعد، ودعاهم لنصرة الحسين فاستجابوا له وبدأ يهيئ نفسه للخروج وعندما حانت ساعة خروجه بلغه قتل الحسين، فجزع لذلك وتأسف لعدم نيله السعادة ومشاركة ابن رسول الله نهضته.

وكان رهط من البصريين قد التحقوا بالإمام الحسين بمكة وضموا رحالهم إلى رحله حتى وردوا معه إلى كربلاء وقتلوا معه .(1)

وفي مكة أيضاً بدأت كتب أهل الكوفة ترد الإمام الحسين، يطلبون منه القدوم إليهم لأنهم بغير إمام ويذكرون في كتبهم :

"إن الناس ينتظرونك ، لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل يا بن رسول الله ، فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض وأورقت الاشجار، فاقدم اذا شئت فإنَّما تقدم على جند لك مجندة " .

وكان ممن كتب إليه (شبث بن ربعي ) الذي كان يقاتل مع الإمام علي في صفين، وبعد أن كتب له يدعوه، كان فيما بعد أحد أبرز قاتليه !! وحجار ابن أبجر ، ويزيد بن الحارث وعزرة بن قيس ، وعمر بن الحجاج، ومحمد بن عمیر بن عطارد وغيرهم .

ويجدر هنا أن نذكر بأن هناك تيارين ممن أرسلوا الرسائل إلى الإمام الحسين من أهل الكوفة، فكان التيار الأول صادقاً فيما كان يعنيه ، أمثال الصحابي الجليل حبيب بن مظاهر الأسدي، وسليمان بن صرد الخزاعي وهاني ابن عروة وغيرهم . . أما التيار الثاني فكان تياراً انتهازي النزعة، يتقلب حسب الأهواء والظروف، أمثال شبث وحجار وغيرهما.

وفي مكة كانت للإمام الحسين محاورات بينه وبين ابن عباس وعبد الله


1) مقتل الحسين عبد الرزاق المقرم ص 163 .

ابن عمر. .

فقالا له : "سمعنا من رسول الله ما يجري لك "وقدم ابن عباس موالاته ونصرته للحسين، أما ابن عمر فنصح الحسين على مصالحة القوم والرجوع إلى المدينة .

وبعد توالي الكتب إليه من أهل الكوفة لدعوته بالقدوم إليهم، كتب الحسين إليهم بأنه بعث إليهم ابن عمه وثقته ( مسلم بن عقيل بن أبي طالب) وأمره أن يكتب إليه بحقيقة حالهم ورأيهم، وإذا ما رأى منهم الصدق فيما خاطبوه وما جاء في كتبهم فإنه سوف يقدم إليهم . (1)

وغادر مسلم مكة ليلة النصف من رمضان ، (2)ماراً بالمدينة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه واله وسلم وتوديع أهله وأصحابه، وغادرها إلى العراق.

وصل مسلم الكوفة ونزل في دار هاني بن عروة،(3)وقوبل بمزيد من التكريم وبدأ شيعة الإمام الحسين بالالتفاف حول مسلم ومصاحبته ، وقرأ عليهم رسالة الحسين إليهم، وبدأت (البيعة للحسين)(4)


1) راجع نص رسالة الإمام في تاريخ الطبري - ج 6 ص 198.

2) مروج الذهب - للمسعودي - ج 2 ص 86.

3) تتضارب الأخبار في نزول مسلم من الكوفة، بعضهم قال نزل بدار المختار الثقفي مثل القرشي في حياة الحسين مستنداً على (الإرشاد) و (الكامل لابن الأثير.. ونعتقد نزوله بدار هاني حسب ما ذكر في الإصابة وتهذيب التهذيب.. ونعلل ذلك بأن جميع الأخبار التي تواترت عن مسلم وعن الأحداث التي جرت في الكوفة واستشهاد مسلم ومعه هاني ولم يتطرق أحد إلى المختار في أحداث الكوفة حسب ما روي.

4) نعتقد أن البيعة هنا هي (النصرة) وليست (البيعة للخلافة لأن الإمام الحسين خرج للإصلاح وليس هدفه الخلافة وذلك ما سوف نعلمه لاحقاً، والتأكيد على البيعة هنا من قبل البعض لكي يشوهوا ثورة الحسين على أنها كانت تهدف الحصول على السلطة والحكم وبذلك تفرّغ من محتواها الأصلي.

واختلفت الآراء حول عدد المبايعين وتراوحت الأعداد (حسب ما ذكرتها المصادر ) بين اثني عشر ألفاً وأربعين ألفاً ..

وكتب مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين يستحثه بالقدوم وأن الناس ليسوا مع بني أمية ، وكانت رسالته هذه قد أرسلت في جو يسوده اجماع الرأي لمبايعة الإمام الحسين ، ولم ير أية مقاومة أو معارضة تذكر . . وتهيأ الإمام الحسين للسفر إلى الكوفة ومغادرة مكة حالما وصلته رسالة مسلم بید (عابس ابن شبيب الشاكري) (1).

وفي الوقت ذاته كان والي الكوفة حينذاك هو (النعمان بن بشير الأنصاري) الذي اتخذ موقفاً متسامحاً وليناً ، مما أغضب عليه يزيد فيما بعد وعزله من الولاية.

وحينما علم يزيد بمجريات الأمور في الكوفة وضعف واليه عليها بنظره، قرر أن يرسل عبيد الله بن زياد، ابن أبيه الذي كان والياً على البصرة، فضم إليه الكوفة ، وبذلك خضع العراق كله بإمرته وشدد عليه بالإسراع إلى الكوفة، وطلب مسلم بن عقيل وقتله، وكان ابن زياد (2)هذا مشهوراً بالقسوة والبطش وسفك الدماء، وغادر البصرة واستخلف عليها (عثمان بن زیاد ابن أبيه) ...

وقبل خروجه من البصرة إلى الكوفة خطب بأهل البصرة وهددهم في حالة خروج أحد منهم على الطاعة.. واتجه إلى الكوفة بصحبته خمسمائة


1) كان عابس هذا من ضمن شهداء معركة الطف في كربلاء وقد سقط شهيداً وهو يدافع عن حرمة الحسين.

2) يعتقد بأن ابن زياد هو أول من كتب إلى يزيد يستحثه على سحق الثورة وذلك عندما قتل رسول الحسين للبصرة.

رجل، وهو يجد في السير للوصول إليها قبل أن يصلها الإمام الحسين. . وعندما وصلها تخفّى بملابس مغايرة لملابسه ، وكان فزعاً، وأسرع إلى قصر الإمارة، واعتقد الناس ومنهم والي الكوفة النعمان بن بشير بأن القادم هو الحسين، وعندما بان لهم وظهر أنه ابن زياد وليس الحسين فقد جفلوا وذهبوا مسرعين إلى دورهم ، وقد أوجسوا منه الشر، فاستولى ابن زياد على المال والسلاح، وجمع عملاء بني أمية ليحدثوه عن الثَّورة ويخططون معه للقضاء عليها .

وفي الصباح خطب بأهل الكوفة، يعلمهم بتوليته أمر ولايتهم وعزل النعمان بن بشير وكذلك أعلمهم بأنه سيحسن لمن يتبع السلطة وسيشتد على الخارجين عليها ، ولم يذكر في خطابه الإمام الحسين أو سفيره مسلم خوفاً من انتفاضة الجماهير وهو لم يحكم بعد (1)

وبدأ عبيد الله باتباع سياسة الرشوة واستمالة الوجوه والرؤساء والتهديد والبطش، مما أدى إلى استمالة الكثير منهم إليه ، وتناسوا كتبهم إلى الحسين، وقد أخبر البعض الإمام الحسين عند ملاقاته أثناء مسيره باتجاه الكوفة عن أوضاع أهلها ، وانقلب الوضع على مسلم بن عقيل ولم يبق ملازماً له من الناس إلا القليل من شيعة أهل البيت ، وبدأ عبيد الله بن زياد باعتقال هاني بن عروة و آخرين ، مما دعا مسلماً أن يبادر إلى إعلان الثَّورة، وقاد أربعة آلاف من أتباعه ورفع شعار (يا منصور أمت ) واتجهوا إلى قصر الإمارة.

وبدأت وسائل ابن زياد الخبيثة من تهديد الثائرين بجيش الشام القادم باتجاه الكوفة، وحرمانهم من العطاء وسوف يستعمل سياسة البطش والدماء كما


1) حياة الإمام الحسين-القرشي - ج 2 ص 359.

فعل أبوه بهم في زمن معاوية ، وبدأ عملاء السلطة بالولوج بين الثوار ونفث

هذه السموم بينهم وإشاعة الذعر في نفوسهم .

وهنا خضع الكوفيون إلى الذل والعبودية وبانوا على معدنهم الأصلي وتخاذلهم الدائم وأبطلوا التمرد على بني أمية ، ومني جيش مسلم بالهزيمة، فقد هزمته الدعايات المضلة حتى وصل الأمر لمن تبقى منهم أن يهربوا من مسلم وهم يؤدون الصلاة خلفه، ويقال بأن ابن زياد نثر عليهم المال من دار الإمارة فتسارعوا إلى الحصول عليه وترك مسلم.

وأصبح مسلم وحيداً فريداً . مثخناً بالجراح إلى أن بقي في النهاية يقاتل جيشاً وحده (1).

حتى أخذ أسيراً وقتل في قصر الإمارة (2)وكانت آخر كلماته وهو يساق إلى الشهادة :

"اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا، وخذلونا " .

وبعده قتل هاني بن عروة الذي كان من أكابر رؤسائها إذلالاً لرؤساء الكوفة . . وأرسل ابن زياد الرؤوس إلى يزيد في الشام الذي سرَّ سروراً عظيماً بذلك .

وبدأ عبيد الله بن زياد بالتخطيط واتخاذ الإجراءات لعلمه بأن الإمام الحسين سائر في طريقه إلى الكوفة، وقد شدد عليه يزيد بن معاوية بأن يجبر الحسين على البيعة إذا ظفر به أو قتله في حال امتناعه، وليس هناك خيار ثالث


1) ويذكر أن الذي كان يقود القوة التي أرادت القبض على مسلم هو محمد بن الأشعث بن قيس.

2) يمكن للمتتبع أن يراجع كتب التاريخ التي تذكر تفاصيل هذه الحوادث، ولم نرغب بذكرها تجنباً للإطالة.

بعد ذلك .

ومن الأعمال التي قام بها ابن زياد بعد ذلك هو اعتقاله لرؤساء الشيعة منهم سليمان بن صرد الخزاعي والمختار بن يوسف الثقفي وأربعمائة من الأعيان والوجوه .

وكانت هذه الإجراءات قد هزّت الكوفيين ، بل أهل العراق جميعاً، بأن لا قدرة لهم أمام بطش الأمويين وولاتهم.

لماذا ثار الحسين؟

لماذا ثار الحسين؟

لقد اخترنا هذا العنوان بدلاً من أسباب الثَّورة أو بواعث الثورة أو غيرها من التسميات ، ولنا أسبابنا في هذا الأمر، لأن من كتب عن ثورة الحسين وناقش محللاً وقدموا آراءهم فيها وحسب معتقداتهم واتجاهاتهم الفكرية :

1 . فمنهم وهم الأكثرية من قارب الحقيقة في تبيان بعدها الحقيقي، وهم حسينيو الهوى . وقد تطرقوا إلى وقائع فيها الغلو والتحيز بدون إعطاء مبررات .

2 . وقسم آخر اتخذ الأسلوب العلمي البحت، مستنداً على دراسة عميقة للواقع حينذاك، وهؤلاء انتقدوا قيام الثورة من جانب، ومن جانب آخر امتدحوها في إثر نوعية التضحية الفريدة التي قد لا تتكرر مرة ثانية بمثل هذا المشهد، والحقيقة أن هؤلاء كانوا حياديين باستثناء عدم قناعتهم بضرورة القيام بمثل هذه الأمور.

3 . هناك من كتب عن ثورة الحسين منتقداً قيامها، وعدوا شخصاً مثل الحسين أشبه بالانتحاري الذي يقوم بعملية خاسرة ويعرف مقدماً نتائجها عليه بالذات، واعتبروها خرقاً للواقع والموضوعية، واعتقد أن هؤلاء لا يؤمنون بوجود شخص في البشرية تصل به التضحية إلى هذا الحد، وهذا رأيهم ويقولون بأن الإنسان يجب أن يكون واقعياً ويتصرف وفق معطيات الواقع المعيش وليدع المستقبل هو الذي يقرر الأحداث.

4 . ولكن ما يؤسف له أن نسمع من البعض بأن الحسين ثار من أجل الحكم وقيادة الدولة معتمداً على إرثه الأسري وعلى الجانب العقائدي للشيعة بأن الخلافة ينبغي أن تكون في ذرية النبي صلى الله عليه واله وسلم وأن (الإمامية) يعتقدون بأن الأئمة الإثني عشر هم الذين يجب أن يقودوا الأمة، وفق أحاديث منسوبة إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم يعتمدون عليها .

ولكن الجريمة الكبرى أن نسمع من يقول :"خرج الحسين طلباً للخلافة وقتل لعدم توازن كفة المواجهة، وهذا لا يعني غير أن يعد الحسين (رغم فضله وقرابته )كطالب للسلطة يلقى مصيره حال فشله المحتوم. والحقيقة أن هؤلاء توقفوا عند حادث مقتله ولم يتابعوا تأثير ما قام به الحسين على الأجيال التي توالت وخاصة الثورات التي قامت ضد الحكام والدول المستبدة والظالمة .

5 . والأكثر غرابة هو من كتب عن ثورة الحسين وادعى وأكد على جانب (ظلم أهل البيت ) وجعل من ثورته مدعاة للتأسي الدائم والتأثير العاطفي الذي يؤدي دائماً إلى البكاء والنواح واللطم على الصدور، ولا يبتعد هذا الخط عن الجانب السياسي في التأثير الطائفي وهم بذلك أسهموا في إفراغ هذه الثورة من محتواها العظيم وجعلوها تسير دوماً في اتجاه خطير يؤدي في بعض الأحيان إلى التقليل من شأن أهل البيت عوضاً عن تعظيمهم وكانت كتب (المقاتل) واحدة من هذه الاتجاهات وقد استغلتها السياسة استغلالاً عميقاً، هذا الاتجاه لم يظهر قبل القرن العاشر الهجري، بل بدأ بالتأثير الصفوي للتشيع الذي كان الغرض منه سياسياً أكثر عقائدياً ومبدئياً .

والأغرب من ذلك كله ، أصبحت الشعارات والممارسات الحسينية هي الدليل على التصنيف الطائفي والتفرقة المقيتة ، ولا بد من أن تخلق هذه الممارسات ردود أفعال جرّت الناس إلى الجدل بل وإلى التناحر والتخاصم في

أحيان كثيرة وما حدث في القرون الثلاثة الماضية من هذه الأحداث دليل على

ما نقول .

والأدهى، أن نسمع في أيامنا هذه وبتأثير سياسي غير عربي أقوالاً جديدة مثل ما يشاع الآن من أن أهل البيت وخاصة (المعصومين) ما مات منهم أحد إلا شهيداً .. مقتولاً إما بالسيف أو بالسم أو بطرق أخرى، وحتى أولادهم وبناتهم ، فالشهادة عنوان ، لا يكون معصوماً من لم ينلها .

ولكن لم يصلنا حتى الآن مصدر أمين وموثوق بأن الإمام زين العابدين (علي بن الحسين ) والباقر (محمد بن علي ) والصادق (جعفر بن محمد) عليهم السلام أنهم ماتوا مقتولين بأي طريقة . .

إلا إذا أصرَّ البعض أن يعتمد روايات معينة تؤكد اغتيالهم!! . . قد تكون القوى الحاكمة في زمانهم وقفت منهم موقف الخشية نتيجة مواقفهم الدينية ولكن لم يصل إلى حد القتل . . وسيرتهم وعلمهم واحترام الناس لهم كان من أعظم ما يكون .

حتى أن بعض كتاب الشيعة الكبار وجدناه يناقش أموراً غاية في الصراحة ولكنه لم يتمكن من البوح بها لأن التيار الديني المسيطر التابع للمرجعيات يوصلهم إلى التفكير بالتراجع .

وقد كان لنا مثال حديث على ما نقول ، هو الضجة الكبيرة التي وجهت ضد العلامة السيد محمد حسين فضل الله ، وهو من المراجع كونه نوه بأن وفاة السيدة فاطمة الزهراء لم تكن بسبب ( حادث الإسقاط) الذي يزعمه البعض . .وقد هوجم السيد فضل الله بشكل لا يصدق ، وما زال السيد فضل الله حياً يرزق ونحن نكتب عن ذلك.

وكثيراً ما يقال عن اغتيال الإمام (علي بن موسى الرضا )بالسم من قبل المأمون بعد أن جعله ولياً للعهد وكان ميل المأمون علوياً وقد تزوج الإمام الرضا من ابنة المأمون ..

فلو كان الإمام الرضا وهو (المعصوم) على عقيدة الشيعة الإمامية وهذه العصمة تجعله بعيداً عن الخطأ، وقد يعلم ما ستؤول إليه الأمور فلماذا يقبل تقرّب المأمون له ويتزوج من ابنته ويقبل بولاية العهد.. فلنقل لذلك أسباب ولنسلم إلى مبدأ التقية والحفاظ على البقية الباقية من أتباع أهل البيت .. وبعد وفاة الإمام الرضا وفي زمن المأمون فإن الإمام الذي تلاه في الإمامة هو ولده محمد الجواد وهو (معصوم) أيضاً في رأي معتقد الإمامية، فإذاً لا بدَّ أن يعرف جيداً قاتل أبيه .. فكيف يتزوج بعد ذلك ابنة المأمون الذي يقال بأنه قاتل

أبيه . .

فإذا كان زواج مصلحة فهذا والله ليس من أخلاق أهل البيت، وأما إن كان مجبراً فكيف لإمام يجبر؟ وما سبب الإجبار هذا الذي لم يذكره أحد؟

وتساؤلات أخرى .. ولكن الغرض من ذكر ذلك وما نريد أن نقوله هو أن أهل البيت لهم مكانة لا تدانى لعظمتها لدى المسلمين ، فلا يمكن يسهم أن اتباعهم ومحبوهم بتقليل شأنهم من حيث لا يدرون، وما الخطباء وأصحاب المنابر والذين يعتمدون على مصادر تنقل لهم أخباراً ما أنزل الله بها من سلطان ليلقوها على العامة والبسطاء وكانت نتائجها السلبية أعظم من أن تؤثر في إعطاء أهل البيت دورهم العظيم والخلاق واستمرار النهج الرسالي العظيم للإسلام . . ووجدنا أنفسنا في النهاية في صراع طائفي متزمت بين الطرفين، يغذى من أعداء الإسلام من مستشرقين ويهود وتؤدي الصهيونية دورها والشعوبية المقيتة وهي تمسك بمعاول الهدم لغرض تفتيت عرى الإسلام.

حتى سمعت من أحد الصبية في عام (2004 ) كان ذاهباً سيراً لزيارة الإمام الحسين وقد سُئل هذا الصبي سؤالاً مفاجئاً من قبل شخص كان يجلس معي في السيارة.. من قتل الحسين؟ فأجاب هذا الصبي- أكو غير السنة - وهذه لهجة عامية يعني بها أن أهل السنة قتلة الحسين .. فكيف وصلت هذه الفكرة إلى هذا الصبي وهل حدثه أحد بأن المذاهب أو المذهبية التي نعرفها الآن لم تكن موجودة أثناء مقتل الحسين وإنَّما وجدت بعد الحسين بسنين طوال وأن الشيعة كانوا يتبعون الإمام علياً، وسمّوا بشيعة علي وهم أتباعه ومريدوه لأنهم كانوا يعتقدون أنه على الحق ونحن والمذاهب الأربعة كلها كذلك لا تخرج عن نطاق أن الإمام علياً كان محقاً وكان على الحق في كل ما قام به . رغم أن البعض يبرر بأن من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجرٌ واحد !! . . وكما قيل في رواية أخرى بل الأجر (حسنة أو حسنتان) .

هذا الخروج عن أصل البحث ليس خروجاً بدون قصد، ولكننا اختصرنا به أمراً لا بد أن نبحثه ونحن نتكلم عن الحسين الثائر، هذا الإنسان العظيم الذي يبكونه الآن ويلطمون وهم لا يعرفون الحقيقة الكاملة وأين الغاية والهدف من الثورة .. ولو عرفوها جيداً لما بكوا عليه وإنّما لكانت مناسبة استشهاده فخراً دائماً للإنسانية بأن تنجب عظيماً كالحسين ووتراً خالداً لا يتكرر حتى قيام الساعة .. فقد كانت الإرادة الإلهية أن يكون واحد من البشر مثالاً ومناراً يحتذى به مدى العصور والدهور، ليعطي للإنسانية والبشرية درساً عميقاً بأن الحق لا يمكن أن يطمس مهما غلت التضحيات، وحتى تبقى قيم السماء ومبادئ الإسلام متوهجة لا بد أن ينهض عظيم مثل الحسين بما قام به ليعطي للإنسانية هذا الدرس العظيم.. وأن يكون دائماً للحق من يطلبه، وأن يكون هناك من يقف أمام الظلم والاستبداد يقول له كلمة (لا) مثلما قالها الحسين

وهو يعرف جيداً أن هذه ال- (لا) ثمنها حياته وأولاده وإخوته وأهل بيته وأولاد أخيه وأصحابه ..

فليأتنا أحدٌ بموقف يشابه هذا الموقف في كل تاريخ البشرية .. ومثل الحسين لا يعظم بالبكاء، والاتجار بتضحياته من أجل منفعة خاصة. وأنا أتحدث بهذه الصراحة ولا أخاف لومة لائم لأنني عشت حياتي في أجواء أقرب فيها من غيري إلى تصورها ، فوجدت المتاجرة بدم الحسين كيف تكون . و جلست أستمع تحت منابر الخطباء والملالي وأنا صغير إلى أن كبرت وعشت الشعائر الحسينية وساهمت فيها، بل وقد منَّ عليَّ الباري سبحانه وتعالى بأن أكون سادناً لمرقده الشريف لاثني عشر عاماً متوالية ، كما تشرف آبائي وأجدادي قبلي في خدمة سيد الشهداء الإمام الحسين وأخيه العباس وخدمة زائريهم الكرام .

فلذلك أدعو من يبكي على الحسين ويلطم على صدره أو يضرب رأسه أو يقف عند مرقده لزيارته أن يسير على نهجه وأن يتبع أخلاقه وأن يستلهم من موضوع استشهاده دروساً في الالتزام بالدين والصدق في نقل الحديث والأمانة في التعامل والشجاعة في الفعل والقول وعدم اغتياب الآخرين، وغيرها الكثير من ما كان الحسين يناضل من أجله وهو (إعلاء كلمة الحق).. وأنا أقول ذلك لأنني كنت في الميدان وأعيش وأنظر وقد أشاهد ما لا يشاهده غيري ويعتصرني الألم لما أرى.. وكم من معاص وكم من أمور يشيب لها الطفل الرضيع ترتكب زوراً وبهتاناً باسم الحسين وحب الحسين .

وهذا قطعاً لا ينطبق على الجميع فهناك من يعرف الحقيقة وهم قلة ولكن تقيتهم تمنعهم من التصدي .. لأن الناس تحكم بسرعة على الأفعال دون التوغل ومعرفة الأسباب والحقيقة، وهؤلاء القلة لهم عذرهم في غض النظر

ولكن المصيبة أعظم !! .

وسوف يجد القارئ في كتابي القادم عن مدينة كربلاء ومرقد الإمام الحسين حوادث لا تخطر على بال أحد، وقد يستغرب البعض عندما أذكرها ولكن للتاريخ والأمانة لا بدَّ من نقلها والله من وراء القصد.

فإذاً لماذا ثار الحسين؟ هذا ما سوف نتوصل إليه ونعتمد الجانب العلمي والموضوعي الخاص بالأسس الاجتماعية والنفسية والعقائدية، ونحن في القرن الحادي والعشرين علينا أن نعرف هذا الإنسان العظيم جيداً وقد عرفناه حقيقة وعرفه الأجداد والسلف الصالح طوال أربعة عشر قرناً، فهل من سبيل إلى أن نتعظ ؟ أو نجعله جسراً نعبرُ عليه في مسيرتنا نتأثر بالبحث وبمجرد الانتهاء من قراءته ننتقل إلى تقويم البحث سلباً أو إيجاباً دون أن نغوص في أصل الموضوع وأثره وهو الحسين وثورته. ونحن نعد هذه الدراسة مساهمة متواضعة في التأكيد على عظمة هذا الدرس، نسأل الله القبول . .

وقد يكون الجديد في البحث هو أننا نختلف عن غيرنا، لأننا وآباءنا وأجدادنا عشنا متلاصقين مع سور مرقد الحسين، وتكحلت أعيننا برؤية قبابه ومنائره في كل يوم وكل ساعة .. وقد يحسدنا البعض على ذلك .. ورحم الله العلامة شرف الدين إذ جاءه طالب علم من النجف إلى مقره في لبنان ليسأله عن أمور تخص بعض المسائل الفقهية وقد رأى عند الصباح عالمه الجليل ، الكبير والذي استقبله في بيته ينظف حذاء ضيفه وهو طالب العلم المبتدئ فيسرع إليه معتذراً عما يفعل وهو العالم الجليل الكبير الشأن . . فردّ عليه العلامة رحمه الله بابتسامة هذا شيء قليل بحقك ولولا الحياء لقبلتك من عينيك مرات، لأن عينك قد امتلأت وشبعت من رؤية قبة ومنائر مرقد الإمام علي وضريحه في النجف .. وشوقي للإمام وزيارته يجعلني أقوم بما قمت به .

فأدعو كل من يسمي نفسه حسينياً أن يكون على نهج الحسين الصحيح، وأدعو من لم يعرف الإمام الحسين على حقيقته أن يعرفه جيداً لكي ينهل من منهله العذب ما ينير طريقه .

معنى الثَّورة في فكر الإمام الحسين:

معنى الثَّورة في فكر الإمام الحسين:

1. الإسلام في جانبه الروحي ثورة إنسانية شاملة، بل هو ايديولوجية متكاملة بالمعنى الحديث لهذا المصطلح، فهذه الثَّورة كانت على المظالم الاجتماعية وحقوق الملكية المقدسة واستبداد الطبقات القوية بالطبقات الضعيفة، الإسلام كان رؤية جديدة للعالم في جميع الجوانب.

واشتمل الإسلام على نظرة جديدة للكون و لعلاقة الإنسان بالعالم و علاقة الناس فيما بينهم وللإسلام رأي في الأخلاق و رأي في التاريخ. .

2 . إن انتصارات الإسلام لم ترجع إلى قوة السلاح و عدد المقاتلين، ولكن الإيمان بالمبادئ التي جاء بها الإسلام كان له الدور الأكبر في هذه الانتصارات، وكان الإنسان المسلم يتوق للشهادة و الموت في سبيل الإسلام أكثر من حبه للحياة وزخرفها .

3 . الإسلام ثورة شاملة، لا يميز في الأفضلية بين مرتكزاته بكل جوانبها الاجتماعية ، والفكرية ، والروحية . . فهناك علاقة جدلية بين هذه الأهداف جميعاً. .

فلذلك كان الثوريون في التفكير هم دائماً من يتصدر ثورة الإسلام ويمكن أن نسميهم بالحزب الاجتماعي الأقرب إيماناً بالإسلام والأقرب إلى روحه لقد كانوا أكثر الأحزاب المتصارعة بعداً عن التآمر أعماله وتصرفاته ونهجه الانحلالي.

وسفك الدماء وأكثر قدرة على البت الحازم في الأمور، حتى من أجل نجاح فكرة العدل والحرية .

كانت المثل العليا من أهدافه وسلوكه يستحيل عليه أن يتوسل إليها بأساليب تتنافى مع المثل العليا ·

وهذا هو سر ضعف اليسار (الثوار) رغم اتساع شعبيته وغلبة جماهيره . ومن الناحية الأخرى نجد أن الأحزاب التي تزدري الجماهير وتؤمن بالتسلط والامتياز والاستئثار بالثروة سريعة العمل مطلقة اليد والفكر. ترتكب ما تشاء من جرائم دون تردد واحدة مما يكسبها النصر السريع وهي في نفس الوقت تشترك في سمة واحدة ، فأغلب قادتها من الخصوم الأشداء للإسلام، ومن الذين مالوا للدين الجديد حين لم يكن هناك بد من الميل، فهم من المهدور دمهم لما ارتكبوا من جرائم ضد الإسلام ثم عفا عنهم نبي الإسلام صلى الله عليه واله وسلم ومن الطلقاء ومن المتأخر إسلامهم .

4 . ونعود إلى تكرار القول "إن الدعوة إلى تطبيق العدالة الاجتماعية لا تجد لها ما يساندها أو ما تعتمد عليه هذه الدعوة إلا ما يستوعبه ويقنع به عقل الإنسان من الفكر والعقيدة والمبدئية .

ويجب أن تتوافر الأخلاق بأسمى صورها كما بينها الدين في نفوس من آمن بها، والذي يحمل مثل هذه الأخلاقيات يجب أن يصل فكره إلى القمة ويكون في مرتبة عليا من الخلق الإنساني، وهذا ما لا يوجد عند الجميع ولكن قد تنفرد شخصية تتميز بعبقريتها " .

ففي هذا التكرار نؤكد لازمة على أن من يقوم بالثورة يجب أن يكون منهجياً على مستوى التميز في الأداء لكي يتحمل أعباء ما يقوم به.

5 . عندما يتغير أسلوب الصراع في المجتمع من طبقي فكري إلى قبلي عنصري أي يتحول من صراع من أجل فكر جديد إلى صراع مناصب، وفي ضوء ذلك وجدنا أن في مرحلة من مراحل الدولة الإسلامية وفي ظل التغيرات التي حدثت فيها على هذا الأساس الذي ظهر جلياً الصراع من أجل المناصب فقط استخدمت القوة والعنف والظلم والاضطهاد وساير ذلك الانحراف عن الشريعة فلا بدَّ من تقويم لهذه الحالة، وعندما استشرت إلى الحد الذي لا يطاق فلا بدَّ من حل ، والحل لا يمكن أن يكون إلا في هزة عنيفة ثانية تعيد للأذهان أصل الإسلام ومبادئه .. أي أن تكون هذه الثورة الثانية هي ثورة إصلاحية في الأمة التي وجد فيها وضع جديد وقوانين جديدة بعد الثورة الكبرى وهي ثورة الإسلام.

والإصلاح في الأمة يتطلب تضحية لأن التكافؤ قد انعدم في الصراع فلا بد من أساليب جديدة لثورة الإصلاح هذه .. وخاصة في زمن كان اتجاه الرأي العام لدى المسلمين قد وصل إلى الأغراض والمصالح .

6 . إِنَّ أي ثورة حقيقية تنهض في ظل النظام الإسلامي لا يمكن أن تأخذ شرعيتها إلا إذا رفعت شعار العودة إلى المبادئ الإسلامية الصحيحة مثل إحقاق الحق والمساواة في الحقوق والواجبات والعدالة . وغيرها من الأمور التي تؤكد اشتراكية الإسلام ونبل مبادئه ومعتقده ، ولكن إذا ما قامت ثورة من أجل مصالح ذاتية فتلك أبعد من أن تكون ثورة بل مغامرة نفعية لاغير .

7 . وعلى مبدأ ثابت لا غبار عليه إن كل فكرة عظيمة لكي تؤتي ثمارها لا تبقى بل لا تكون أصلاً إلا بالتضحية والفداء . بل بأقسى أنواع العذابات ، على أن صاحب الفكرة يجب أن يكون من الرجال العظماء والقادر على خوض تجربته هذه أو ثورته حتى النهاية ودون تردد أو تراجع، ودوره هذا

في الواقع هو الدور الوحيد الذي يجعله مثالاً في التاريخ البشري وليس شيئاً

عابراً سرعان ما يطويه النسيان .

8 . ولأن الجريمة سلاح اليمين دائماً فهي سلاحه الذي يميل إليه، فما مقتل الإمام علي ومحمد بن أبي بكر ومالك الأشتر وسم الإمام الحسن إلا من قبل هذا السلاح وهو الجريمة لأن الحكم الأموي كان لا يتوانى عن استعمال السلاح ولو تغير أسلوب التنفيذ ولكنه يدخل ضمن هذا الإطار . . وقد توجت هذه الجريمة كسلاح بأبشع صورها بقتل الإمام الحسين مع أهل بيته وأصحابه ويطاف برؤوسهم في البلدان . ولكن بعد قتل الحسين هل توقف الكفاح من أجل الإصلاح؟ .. لم يتوقف أبداً في جميع المراحل وقد يضعف أحياناً ويشتد في أحايين أخرى، بدليل أن هناك تأثير لثورة الحسين على الثورات والحركات التي حدثت بعد استشهاده والتي سيتم ذكرها في محلها .

9 . الثَّورة ليست مجرد تغيير تنشد وتعمل له مجموعة مقهورة ، لتلغي قهرها وتسترد حقوقها، بل هي هذا، إنها طريق في سلم التطور الأخلاقي للمجموعة البشرية وهذا السلم يبدأ من السلوك الفردي في أبسط صورة ينتهي إلى السلوك الجماعي للأمة والإنسانية بشكل عام . .(1)

10 . إن التركيبة النفسية لقادة الثَّورة تتناقض مع القيم الأخلاقية السائدة في مجتمعهم، فإن إحساسهم بالدافع القوي الذي يجبرهم للدفاع عن القيم التي أهدرت . وهؤلاء القادة قد شعروا حتماً بأن البشرية قد اختل مسارها إلى الارتقاء الروحي، ولذلك اعتقدوا بأنهم يملكون القدرة وقد نذروا أنفسهم من أجل إعادة المجتمع الإنساني إلى الطريق الصحيح .


1) راجع اليمين واليسار في الإسلام - ص159.

وقد لا يكون أمثال هؤلاء القادة ممن وقع مباشرة تحت ضغوط الحرمان والقهر مما يدعوهم للقيام بالثَّورة، بل من أن تكون هناك ضغوط أخرى غير مادية يحسون بها و يعايشونها ولا بد أن يتطوع أحدهم لقيادة الثورة على الواقع الذي حركهم انحرافه وابتعاده عن القيم الإنسانية .

11 . القادة والثوار العظام قد ألغوا من قاموس مفاهيمهم التردد والتراجع، وقد تتاح الفرص وبسهولة إلى التراجع والتأجيل ولكن القائد الثوري دائماً يضع نصب عينيه الاندفاع ، وعندما ينطلق في المهمة التي نذر نفسه لها فسوف تغيب من أمامه صور العواقب المؤلمة والعذابات . .

فدائماً نرى بأن البطل الثوري وفي اللحظات الحاسمة التي يخير فيها بين التراجع أو الموت المحقق فإنه دائماً يختار الجانب الأعز ويكون ذلك أشبه بالانتحار . . وهذا الانتحار ليس هو ما نعنيه بواقع المنتحر المهزوم نفسياً أو الذي يريد التخلص من عذابات معينة وإن كنا نعد ذلك قمة الشجاعة! . . بحيث يقف عنده التفكير وتقف عقارب الساعة عنده ولا يجد له طريقاً غير هذا الطريق، والانتحار قتل النفس عمداً وهو خارج عن نطاق الشريعة ويقع تحت طائلة عقاب الرب الذي خلقه، لأن الحياة وهبها الله سبحانه للإنسان وهو وحده المؤتمن عليها وله حق التصرف بها . .

ولكن الانتحار لا يقع ضمن مفهومنا هنا للقائد أو البطل الثوري الذي يجد نفسه في لحظة أمام طريقين : إما التراجع أو الشهادة .

فالثائر الحقيقي قطعاً لا يتردد ولا يقبل إلا الشهادة فيطبق بذلك سمو المثل والمبادئ ويكون الموت شرفاً وعزة في هذه الحالة التي يقابلها في التراجع الذل والهوان والانكسار .

ولا بد للطرف المقابل في الموقف ذاته أن نراه وهو مأخوذ بجنون

النفوذ والسلطة والابتعاد عن القيم مما يجعل هذا الطرف مصمماً على الإيغال في الوحشية بشكل يثير الدهشة بمقدار ثبات الثائر وعناده والتزامه بالموقف

والإطار الذي ثار من أجله .

هذه النقاط التي أوردناها هي في اعتقادنا كانت ضمن مفاهيم وفكر الإمام الحسين ل-( معنى الثَّورة ) .

ماذا رأى الإمام الحسين؟

ماذا رأى الإمام الحسين؟

لا بد أن نذكر رؤية الحسين لصورة الوضع والموقف أمامه . .

1 . رأى كيف تخاذل الناس عن نصرة أبيه وأخيه ، بتأثير العوامل العديدة التي ذكرناها سابقاً ومنها الترهيب واستعمال القوة، والمال، وكان كل ذلك في فترة الصراع مع معاوية وحتى بعد استلامه أزمة الحكم ، و لكن عندما يستخلف يزيد لقيادة الأمة، فإن الوضع قد تغيَّر الآن، إن كل أساليب معاوية القمعية والقسرية بعد وفاة الحسن كانت أمام مرأى الإمام الحسين وقد علم بها ونقلت إليه وقائعها : وكان تأكيده الدائم على العهد الذي كان قد قبل به مع أخيه الحسن أرغمه على التأني رغم أن الإمام الحسين لم يكن ساكتاً عن كل ما يقوم به معاوية حتى عندما بدأ بأخذ البيعة لابنه يزيد فقد جرت بينهما مخاطبات ورسائل .. وكانت صريحة من الجانبين اتخذت صورة التهديد من قبل معاوية في بعض الأحيان وفي آخر استخدم معاوية الوساطة عند أقرب الناس للحسين يطلب منه عدم معارضته ، بينما الإمام الحسين لم يُخْفِ أعمال معاوية ولم يسكت عن تهديده وقد نقلنا بعضاً من هذه الكتب المتبادلة .

ولكن بعد أن يكون الناس والإمام الحسين أمام الأمر الواقع وقد جلس يزيد السكير العربيد على رأس الهرم الذي يقود المسلمين فيرى بأنه لا يمكن

أن يسكت على هذا الانحدار الذي وصلت إليه أمة جده، بل إن الناس قد جرَّبوا حكم معاوية والآن أميرهم يزيد فهذا غير مقبول، فقد بدأ التحرك ونشط العمل على رفض الأمر الذي أجبر عليه الناس بدون وازع من شرعية أو شورى، وهو إلغاء صريح لأصل النهج الإسلامي.

2 . لم يكن الإمام الحسين يمتلك الأموال والجيوش الكافية لكي يعتمد على استعمال القوة ضد الدولة غير الشرعية ، فرؤيته كانت إعلام الناس بخطورة الوضع، واستنهاض هممهم ، وميلهم إليه بالذات لما مرَّ بهم ضمن الحوادث التي عاشوها جعل الكل يتحرك ليرى النور في آخر النفق، وعندما يرى الإمام الحسين الحالة بنفسه ومن ناحية أخرى ضغط الجماهير عليه ، فإنه يكون مستعداً للعمل لا محالة بما يمليه عليه الواجب الشرعي والإنساني.

3 . وجد الإمام الحسين ضمن رؤياه للواقع أن الحكم الأموي قد شجع القبيلة وفضلها على الكيان الجديد للمجتمع في أمة الإسلام فقد رأى الحسين أن هناك تقويضاً للحس الإنساني لدى الناس وتم قتل أو تهديم نزعة التحرر بأسلوب الكذب والتخدير الديني.

إذاً فإن الإمام الحسين وجد في العنصر الاجتماعي باعثاً لحركته، أي أنه يجب أن يثور من أجل الشعب المسلم ، فكانت بوادر الثورة على الحكم الأموي متكاملة وقد حركها بهذه الشدة والسرعة تسلم يزيد للسلطة باعتباره ممثلاً للحكم الأموي وهذا الحكم قد نبذ حقيقة من الجماهير .

4. الإمام الحسين لم يعتمد في نهضته اسمه ومنزلته وشرفه وقرابته، بل رأى في نفسه الشخص القادر على حلحلة هذا الخمول والخنوع وتأجيجه بمفاهيم إنسانية، فهو رأى أن يدعو الناس من باب الحق، فقال: "فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق " .. ولم يقل اقبلوني لأنني سبط الرسول

ولمنزلتي في الناس أو الشرفي وقرابتي ، ولم يقل إن الحسن كان له في ذمة معاوية عهد بأن يلي الأمر بعده وعندما رحل الحسن ومعاوية على قيد الحياة فأنا والحسن سواء ، أي أنه لم يجاهر بطلب الخلافة وإنَّما هو (داعية حق) فالذي يقبله ويتبعه في هذا الأمر إنَّما يتبعه من خلال ما يحمله من الحق والخير ، لا يتبعه كونه الحسين بن علي بن أبي طالب .

مع أن كل زعيم سياسي أو ديني كان يفاخر بنسبه القبلي وما شابه ذلك. وكان اسمه ومنزلته يأتيان بعد دعوته للحق. ورؤى الحسين للجانب الاجتماعي في ثورته سوف نجدها في الأيام الأخيرة من حياته وأثناء مسيره إلى الكوفة من مكة، وحتى بعد أن علم بمقتل رسوله إلى أهل العراق ولكنه مضى رغم علمه بتخاذل الناس ، وهذا هو أعظم دروس ثورته حيث كان بإمكانه أن يعود أو أن يختار إحدى بقاع الدولة الإسلامية ويؤثر الراحة بعد ما عرف بالخذلان .

5 . كان الإمام الحسين يرى بأنه مأمور في هذه المهمة . . . و لهذه . النقطة أسباب . .

أ . إن الكثير من محبيه وأقربائه والعارفين بفضله ومنزلته نصحوه بعدم الخروج ولكنه أبى !! . ومن هؤلاء عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر ومحمد ابن الحنفية وعمر بن عبد الرحمن المخزومي وعبد الرحمن ابن الحارث .

فقوله لابن عباس : "يا بن عم، إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق ، ولكني أزمعت وأجمعت على المسير" .

وقال لعبد الرحمن بن الحارث عندما أشار عليه ناصحاً بعدم الخروج .. قال له الإمام "جزاك الله خيراً يا بن عم، فقد والله علمت أنك مشيت بنصح . . وتكلمت بعقل، ومهما يقض الله من أمر يكن ... أخذت برأيك أو تركته .

فأنت عندي أحمد مشير، وأنصح ناصح ".(1)

إن مثل هذا التصميم لا بدَّ أن يكون له ،سابقة، وقد يقول البعض لماذا بعد كل هذه النصائح والاستشارات لم يغير ذلك كله من رأيه شيء؟! .

ب . تواترت الأخبار بحديث عن الرَّسول عليه الصلاة والسلام وهو كلما كان يرى الحسين تدمع عيناه وعندما يُسأل يقول صلی الله علیه واله وسلم: " ولدي هذا تقتله أمتي " .

وعن أم المؤمنين السيدة أم سلمة زوجة الرَّسول صلى الله عليه وسلم قالت : " دخل علي رسول الله يوماً وهو قابض كف يده وقال لي : بيدي تراب من أرض يقال لها كربلاء، ضعيه في قارورة وانظري له كل صباح وإن وجدتها قد امتلأت دماً عبيطاً فاعلمي بأن ولدي الحسين قد قتل ، فقلت له من أعطاك التراب ومن أخبرك، قال لي صلی الله علیه واله وسلم: أعطانيه وأخبرني أخي جبرائيل " !! . . فكانت أم سلمة هي أول إنسان عرف بمقتل الحسين في المدينة.

ويقال بأن الإمام علياً نزل كربلاء في سفره إلى حرب صفين، وشوهد فيها متأملاً في ما بها من أطلال وآثار ، فَسُئِلَ عن السبب . . فقال : إن لهذه الأرض شأناً عظيماً، فها هنا محط ركابهم ، وها هنا مهراق دمائهم .. فسئل في ذلك . . فقال : "ثقل لآل محمد ينزلون هنا ". (2)

وفي رواية أخرى تكملة للحديث وهي : قيل له يا أمير المؤمنين من أخبرك بذلك؟ قال : أخبرني حبيبي رسول الله " .

6 . من خلال استيعاب الإمام الحسين لما جاء في الكتاب والسنة، فإنه


1) الأخبار الطوال - الدينوري- ص 250 .

2) الأخبار الطوال - الدينوري- ص 250 .

يرى بأن ما جاء في آيات عديدة من القرآن الكريم تؤثر حسب قناعته أنها تخص ما يشابه الحالة التي أمامه، ولا بدَّ أن يميل بفهمه هذا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن هو أو الثوار الذين ساندوه إن لم يلتزموا بالأحكام التي وردت في الآيات التي ذكرت في القرآن فإنه بذلك يعتبر ومن معه، قاعدين عن نصرة الحق والدين وهذا القعود يعتبر مؤشراً يبتعد عن شريعة السماء، ومن هذه الآيات :

• (و ولتكن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخيرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ

وَأُوْلَبكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)) (1)

• ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن

يَأْتِي بِنَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابُ (38)يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ (39)وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَعُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) )(2)

•

(ويثبت الله الذينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّلِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ الله (27)) (3)

•

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَبِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا (19))(4)

•

(فاما الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءَ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ


1) سورة آل عمران - الآية 104.

2) سورة الرعد - الآيات -38-39-40 .

3) سورة إبراهيم - الآية 27.

4) سورة الإسراء الآية 19.

اللهُ الْأَمْثَالَ ) (1).

• (أنفرُوا خِفَافًا وَيْقَالًا وَجَهدُوا بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خير لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (2)

بينما يرى بأن بعضاً من أحاديث الرسول صلی الله علیه واله وسلم وهي سنة واجبة التطبيق تخص نفس الموضوع الذي هو بصدده، ومن لم يقم بهذه السنة فإنه بعيد عنها ويكون كالساكت عن الحق ومثل ما يقال الساكت عن الحق شيطان أخرس .

فالإمام الحسين يعتمد قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله ، ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغير ما عليه بفعل ولا بقول كان حقاً على الله أن يدخله

مدخله " .

والحديث المشهور عن الرَّسول أنه قال صلی الله علیه واله وسلم : " من رأى منكم منكراً فلیغیره بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" .

ومن كل ذلك نرى الواجب الديني والشرعي البحت هو الدافع الرئيسي لالتزام الإمام الحسين وبقوة هذا الموقف المتصدي وفي خلده اعتقاد بأن الله يفعل ما يريد والمهم هو تطبيق أمر الله لا غير .

ويدخل ضمن الجانب الشرعي الحالة التي استدعته للنهوض والثورة هو تعلق الناس به والالتجاء إليه وطلب العون منه لرمزيته ومكانته، فإن لم يكن هناك ظلم وجور وتنح عن أصول الشريعة، فلماذا يكتبون إلى الحسين بأن لا


1) سورة الرعد الآية 17 .

2) سورة التوبة الآية 41.

إمام لهم؟ . . فعدم الإجابة مع تأكده من حقيقة وجود هذا التهتك في الحكم الأموي يعني خروجاً ء الشريعة والحكم الشرعي والفقهي، وهنا تظهر المسؤولية الدينية للإمام الحسين .

وعندما نقرأ أحد الكتب التي وردته من الكوفة والتي يقول فيه أهلها إليه :" سلام عليك، أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك وعدو أبيك من قبل الجبار العنيد، الغشوم الظلوم، الذي انتزى على هذه الأمة، فابتزها أمرها، واغتصب فيئها، وتأمر عليها بغير رضى منها، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وعتاتها ، فبعداً له كما بعدت ثمود . وإنه ليس علينا إمام غيرك ، فاقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق. والنعمان بن بشير في قصر الإمارة، ولسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنك أقبلت أخرجناه حتى يلحق بالشام ان شاء الله تعالى والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يا بن رسول الله (1)"

ألا يجد المرء أن الواجب الشرعي يستدعي مد يد العون والالتزام بالشريعة. كما أنه بلا شك تأييد الرأي العام لدى المسلمين، وعادة نجد أن الرأي العام له الأثر البالغ سواء أكان في السلب أم في الإيجاب.

7 . لا بد من معرفة حقيقة أخرى ضمن رؤية الإمام الحسين للاستمرار في ثورته وخروجه على الطاغية وهذه الحقيقة لا تكمن بثوريته وحدها أو وجود بواعث القيادة في نفسه لتغيير واقع الأمة، وإنَّما وجد طبقة من الثوار يمتلكون مقومات عديدة من صفات (الثورية الحقيقية ) التي لم تعرف التراجع، وهؤلاء النفر من الأبطال كان كل واحد منهم جبلاً كاملاً من المعنويات العالية


1) الكامل في التاريخ لابن الأثير - ج 3 ص 266 . وتاريخ الطبري ج 4 ص 261-262.

والتضحية الحقة والنبيلة، فقد ظلوا معه يقاومون الظلم وتواقون إلى الشهادة إذا ما تطلب الأمر في سبيل إعلاء كلمة الحق. ونراهم قد أعطوا صوراً فريدة من صور النبل والشهامة والشجاعة التي يقل نظيرها لدى البشر، وبقوا معه إلى آخر لحظة من لحظات المواجهة غير المتكافئة، ولم ينفروا عن الحسين ولم يتركوه، وقد طلب منهم ذلك شخصياً ورفضوا ببسالة وكان الطريق أمامهم ممهداً، "فقد لبسوا القلوب على الدروع وأقبلوا يتهافتون على ذهاب الأنفس" .

فمن يجد معه مثل هؤلاء على قلتهم، فكيف يكون هو بالذات؟ . . فقد ظلوا في الخلود مشهورين كما خلد أمامهم وقائدهم للحق الإمام الحسين، وظلتأسماؤهم تتلألأ في سماء الحرية وتذكر مواقفهم وسوف لن يغيب ذكرهم .

8 . إن الإمام الحسين وضمن رؤياه أيضاً بأنه كان يعرف أن ثورته هذه سوف لن تأتي بنصر آني وحاسم وهذا يدل على أنه كان يعلم جيداً بالمصير الذي سوف يواجهه وهذا هو الجانب العظيم في أساس ثورته، فإنه رسم الدور الذي يجب أن يقوم به ، أن يكون لازمة دائمة للنهوض أمام الظلم والتعسف وعدم الشرعية، ودليلنا هو أنه ردَّ على طلب عبد الله بن الزبير عندما دعا الحسين لأن يعلن ثورته في مكة فكان رد الإمام الحسين :

"وايم الله لو كنت في حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم، والله ليعتدّن علي كما اعتدت اليهود في السبت "(1).

وفي مقالة أخرى له قال الإمام الحسين :


1) نفس المصدر السابق والأخبار الطوال للدينوري ص 223.

" والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فإذا فعلوا سلّط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرام المرأة(1).

كما أن رفضه البقاء في مكة وإعلان ثورته فيها يؤكده قوله في موضع آخر :

لئن أقتل بمكان كذا أو كذا أحبُّ إليَّ من أن تستحل حرمتها بي- يعني الحرم .

هذان التأكيدان منه ينطويان على احترامه للبيت الحرام أولاً وثانياً معرفته المسبقة بأنه مقتول لا محالة ولكن يبدو بقناعته المتناهية أن ذلك هو الطريق الصحيح لتقويم الأمة .

ولو عرفنا أن آخر كلمة نطق بها الإمام الحسين وهو يقتل في مذبح الحرية بعد أن هدته الطعنات وخارت قواه واستعد المجرمون لحزّ رأسه الشريف قال :

"إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني ".

وكانت هذه الجملة تأكيداً منه على ما يعتقد به وهو ضرورة استقامة الدين ولا بد من الحق .

إذاً وبعد كل ذلك نلخص ما مرَّ بنا بما يلي :

أ. لم تكن أهداف الإمام الحسين في ثورته هي الاستيلاء على مقاليد الحكم والسلطان وأن يطلب الخلافة لنفسه ، مع ثقته الكاملة بأنه أهل لها وهو

الأفضل لاستلامها من بين الجميع.

ب. لم يكن الإمام الحسين يهدف من ثورته أن يحقق نصراً آنياً سريعاً،


1) نفس المصدرين السابقين.

لأنه يعرف جيداً صعوبة ذلك وفق الإمكانات المتاحة لديه .

ج. يحق للسائل أن يطرح سؤالاً مفاده : كيف يتوجه إنسان إلى موت محقق يعلمه مسبقاً ومعه من أهل بيته وأصحابه طوع اختياره وفي نفس الوقت بحارب في سبيل قضية خاسرة، ويعطي نفسه لقمة سائغة بيد أعدائه ؟ . .

والذي يتبحر في موضوع هذه الغضبة التي كانت الله وهي الثَّورة، لأن الموقف الذي يمر به المجتمع الإسلامي يتطلب فعلاً استشهاداً يؤجج فيه روح النضال في المجتمع، وهذا الفعل يدخل فيه نكران الذات والإيثار بأسمى معانيه والتضحية وفق أسلوب سام لا يتمكن أن يرتقي إليه إلا الوحيد من بين البشر ويكون مثلاً ومناراً للأجيال وهو مأمور بذلك حتماً لأن العقل البشري لا يتحمل تصديق مثل هذه التضحية والفعل الذي قام به الحسين، ولكن المجتمع آثر التصديق والسير على رؤى هذا النهج لأن الذي قام به هو المتعالي والمفزع للحتوف وهو الوتر الذي لا يُخلد غيره وهو الغصن والنبتُ والهاشمي الذي رشف الفداء والتضحية ولا يليق السندس إلا أن يكون لباسه في الجنة ويكون بحق سید شبابها.

الذي يرفض ما قدَّم له من مال وفتحت له الأمنيات بما يطلبها على أن يبايع فيرفض فكيف يكون هذا المتميز من البشر . .

إذا وصيته إلى أخيه محمد ابن الحنفية ، وقبل أن يغادر المدينة إلى مكة قال له :

"إني لم أخرج أشراً ، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليّ هذا أصْبِرُ حتى يحكم الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين" .

الأسباب الجوهرية لثورة الحسين

الأسباب الجوهرية لثورة الحسين

من خلال استيعاب الإمام الحسين (لمعنى الثَّورة) من جهة ومن (رؤاه) الخاصة لطبيعة المواقف كما تم تبيانها قبل قليل فيمكن أن نتطرق بإيجاز شديد لأهم الأسباب التي اعتمدها الإمام وبنى على أسسها ثورته العظيمة . . كتواصل

واستمرار للنتائج وما سوف نبحثه بعد استشهاده، وهذه الأسباب هي:

1. الواجب الشرعي: الأحاديث المنقولة عن النبي الكريم ، تلزم شخصاً مثل الحسين بأن يتصدى لتطبيقها وكذلك من خلال رؤيته لآيات وردت في القرآن الكريم، ولأن الحاكم ليس أهلاً من الناحية الشرعية لقيادة الأمة، ولم يصل إلى هذه القيادة أو يتقلدها بالأساليب الشرعية، فكل ذلك يعني أن ما بني على باطل فهو باطل، وافتقار الحكومة التي يقودها هذا الحاكم إلى العدالة في كل مجريات أمورها .بالإضافة إلى إلزام الحسين من قبل آلاف مؤلفة ممن دعوه لأن يقوم بأمر الإصلاح وخاصة من البصريين والكوفيين .

2 . الواجب الاجتماعي : بحكم مركز الإمام الحسين الاجتماعي، فقد وجد نفسه المسؤول الأول أمام الأمة لأن يحميها من الظلم والقسوة والاضطهاد والانحراف عن المسيرة الإسلامية ، ورد الاعتداءات . . فنهوضه بهذه المهمة يفرضه عليه الواقع الاجتماعي الذي تدهور بشكل مرعب في زمن بني أمية ، وتوج ذلك بخلافة يزيد على رقاب المسلمين .

3 . وجد الإمام الحسين أن الإسلام في خطر .. ونطق بهذه الخطورة یزید نفسه عندما قال :

لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل

هذا الإعلان الصريح ممن يقود حكومة هذه الأمة، إنكاره بعدم وجود الوحي ولا الجنة والنار ولا الحساب .. ألم تكن هذه العقيدة الجاهلية ، والخليفة الذي يقول :

دع المساجد للعباد تسكنها *** واجلس على دكة الخمار واسقينا

ما قال ربك ويل للذي شربوا *** بل قال ويل للمصلينا

فما هو الموقف منه بعد كل ذلك ولم ينكر أحد من المؤرخين والرواة والمحدثين بأن يزيد كان شارباً للخمر ، مشهوراً باللعب واللهو والفساد. .

فلولا ثورة الحسين ونهوضه لانتهى الإسلام، اسماً ورسماً.

4. ثورة الحسين أعادت إلى الأمة ما سلب من إرادتها، فكان الناس "صاغرين تحت وطأة سياسة الأمويين وبطشهم "(1)وكانت الأمة بحاجة إلى من يعيد لها إنسانيتها وحريتها في التعبير عن كل ما يجيش بداخلها، فكان الخوف والخنوع مسيطراً نتيجة التعسف والاضطهاد، فالأمة كانت تنتظر من يفتح لها أبواب العزة والكرامة .

5 . تخليص الأمة من ولاتها القساة الذين ساموا الخلق والعباد أنواع الظلم والقهر والقسوة باسم الخلافة، وكان هؤلاء الولاة والعمال أشبه بأدوات البطش لا غير ، كأنهم خلقوا ليكونوا سياطاً تكوي جلود العباد، متناسين ما كان عليه الولاة سابقاً، وما كان الخلفاء الراشدون(2)يأمرونهم به خلا فترة عثمان أو بعضاً منها، ولو قرأنا وصية الإمام علي إلى واليه مالك الأشتر عندما ولاه،


1) حياة الإمام الحسين - القرشي - ج 2 ص 278

2) راجع وصايا الإمام علي وعمر بن الخطاب إلى ولاتهم وقد ذكرتها كتب السير والتاريخ بالتفصيل .

سوف نجد عمق المفاهيم الإسلامية .. وإذا ما رجعنا إلى حادثة استدعاء الخليفة عمر بن الخطاب إلى واليه على مصر عمرو بن العاص بعد شكوى وردت للخليفة بأن ابن الوالي قد اعتدى على أحد المسلمين فقال عمر بحضور المشتكي والوالي وابن الوالي :

"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحراراً "

6 . كانت دولة بني أمية تبدد الأموال العامة لشراء الضمائر وإعطاء الهبات والعطايا للوجوه والأشراف وكم الأفواه والصرف الهائل على لجان وضع الأحاديث والصرف على المجون وبناء القصور، بينما غالبية الناس يعيشون في فقر مدقع وكان الإنفاق يقتصر للترفيه على الشام دون سواه، وشاعت سياسات نقض العهود وعدم التحرج من الكذب وإقبال الناس على اللهو والفسوق وشراء الضمائر .. فثورة الحسين فضحت هذه الأمور وكان الطلب أن تكون ميزانية الدولة تنفق على ما يرضاه الله وبما أمر به أن يوصل.

7 . إن المساواة والعدالة في المجتمع الإسلامي أصيبتا بشرخ كبير ، وكان واضحاً ذلك من سياسة الأمويين المتعسفة ، وهذه الحالة من عدم المساواة والعدالة شملت مجالات إنسانية أخرى، فإن سياسة الأمويين ضد الموالي وهم المسلمون من غير العرب، فقد بنى الأمويون سياستهم على العنصرية مبتعدين عن المبدأ الإسلامي الجليل القائل " لا فرق بين عربي على أعجمي إلا بالتقوى " وهذا المبدأ الإسلامي هو الأصل في أممية الإسلام وعدم اقتصاره على العرب ، على الرغم أن العروبة أوثق صلة، باعتبار أن القرآن نزل بلسان عربي ورسول الإسلام عربي فهناك ربط جدلي بين العروبة والإسلام ولكن ذلك لا يعني التفرقة والتمايز بين ما هو عربي وغير عربي.

فكان في خلد الإمام الحسين أن لا يكون هناك اختلاف قومي وإنَّما

الإسلام ساوى الجميع في الحقوق والواجبات، رغم أن هناك علاقة وثيقة كما قلنا بين العروبة والإسلام، وذلك يعني أن الله خص العرب بهذه الميزة العظيمة وهذا لا يعني أن يكون المسلم العربي أفضل من المسلم غير العربي، وإذا كان غير ذلك فسوف يفرغ الإسلام من محتواه الإنساني ، بل امتداده إلى بقية الأمم.

8 . يلاحظ من سياسة الأمويين ما لاقاه أنصار الإمام علي وولديه وشيعتهم ومريدوهم من ظلم هائل حتى وصل الأمر بالبطش بأولادهم ونسائهم، وشمل ذلك القتل صبراً بعد الوعود والمواثيق مثل ما جرى لحجر بن عدي وأصحابه .

وقد جهدوا باستئصال مآثر ومناقب أهل البيت وسار يزيد على النهج ذاته في الحط من شأنهم وبغضهم ومعاقبة من يذكر مناقبهم، وسب علي على المنابر وخطب الجمعة، ومن الطبيعي أن لا يتحمل الحسين سماع سب والده ولعنه .

9 . من أهم الأسباب التي أدت إلى ثورة الحسين هو "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "وهذان المبدآن من مقومات الدين، وقد اعتقد الإمام الحسين بأنه معني وحري به القيام بذلك، والعمل من أجل تطبيق هذه المبادئ وهذا ما قاله لأخيه محمد ابن الحنفية: "إني لم أخرج اشراً ولا بطراً ولا ظالماً، ولا مفسداً، وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، اريد أن آمر بالمعروف وانهى عن المنكر .

فلا بد من وجود مخلص للأمة من آلامها . والعودة بها إلى مسير الرسالة التي جاء بها الرسول الأعظم وتخليد مبادئه ، فكان هذا المخلص هو الحسين الذي أمره جده المصطفى بأن يكون هو المجدد على حسب الروايات، وحتى لو لم يأمره، فهو الأجدر بالنهوض في مثل هذا الظرف، وعندما اعترضه

بعضهم عند الخروج الخروج قال لهم :" أمرني رسول الله بأمرٍ وأنا ماض إليه " .

10 . اعتقاد الإمام الحسين بأن أهل البيت هم أولى بمقام رسول الله ، فهم بيت النبوة ومعدن الرِّسالة ومختلف الملائكة، فإذا كانت الخلافة قد وصلت إلى هذا الحد من الانحطاط، فبالمقارنة يكون أهل البيت أحق بالأمر، فحتى إذا كانت هناك بنود للصلح بين معاوية والإمام الحسن كما ذكرت فقد ثبت بأنه ليس لمعاوية أن يعهد بالأمر إلى أحد بعده ، والأمر بعده للحسن وقد ذكر البعض من كتاب الشيعة وإذا لم يكن الحسن موجوداً فللحسين، وإن ذكر الأمر للحسين بعدم وجود الحسن لم يذكره مصدر محايد، فتحصیل حاصل يكون عدم أحقية معاوية بأن يستخلف ولده وتكون كسروية وهرقلية ولم يعرف الإسلام مثل هذه الوراثة ، عدا معتقد الإمامية بإمامة أهل البيت للرئاسة الدينية و هذا معتقد فقهي منصوص عليه في اتفاق الآراء لدى الإمامية .

ولكن في حالة المقارنة والتفضيل فلا يوجد أكرم وأفضل من الإمام الحسين علماً وسبقاً وإرثاً ، ومن ناحية أخرى إذا كان أحد نصوص بند الصلح "إذا لم يكن الحسن موجوداً فيكون الأمر شورى بين المسلمين "فأين الشورى هذه إذاً؟ .

11 . والأهم من ذلك كله .. هو تحرير الأمة من طاغية لا يحفظ الذمام وليس له مبادئ الإسلام وقيمه ، ألا وهو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ابن حرب بن أمية ، الطليق وابن الطليق وحفيد الطليق .

ولحماية وصيانة كل ما تعنيه كلمة (الخلافة) التي هي مركز الرَّسول الأعظم الذي كان هو قائد الأمة ومن يستخلف يكن خليفة لرسول الله . والآن وصل هذا الموقع أو المركز العظيم إلى سكير لا يعرف غير ملذاته وشهواته وسطوته وحبه للتسلط كإرث لعائلته في حبها للنفوذ والسلطة فثار الإمام

الحسين ليعيد للخلافة كيانها وماضيها الزاهر .

12 . وأخيراً فإن من أسباب الثَّورة التي يعلم الإمام الحسين بأنها سوف لن تكسب نصراً آنياً حاسماً ولكن تأثيرها فيما بعد سيكون ذا أهمية بالغة على مسيرة الإسلام والدولة الإسلامية ، وما الثورات التي توالت بعد استشهاد الإمام الحسين وعلى مدى العصور إلا دليل على هذا المبدأ بل وصل تأثير ثورة الحسين عالمياً إلى أمم اتخذت من هذا الدرس عنواناً ضمن مناهجها وهذا قائد الهند (المهاتما غاندي) يقول :" تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً لأنتصر" .

وبعد كل ذلك لا نعير أي أهمية لتشويه صورة ثورة الحسين من خلال اعتماد البعض على وجهات نظر من السخافة بمكان أن تعتمد على أنها كانت سبباً للخلاف بين الإمام الحسين ويزيد ، منها أن يزيد يريد قتل الحسين بأي شكل بسبب قصة زينب بنت اسحق زوجة عبد الله بن سلام ، وعلى أساس أن يزيد كان يحقد على الحسين بسبب زواجه من زينب بعد طلاقها من زوجها وإعادتها إلى زوجها بدون أن يدخل بها بعد أن كان طلاقها من زوجها بمؤامرة من معاوية نتيجة شغف يزيد حباً بها وأرادها له .

أو أن قائلاً يقول :"بأن الحسين إنّما ثار لأنه كان همه الأول والأخير (الخلافة ) والرغبة في السلطة والحكم . . ." وإلى آخر التبريرات والقصص والتحليلات .

فكل ذلك نعتبره بعيداً كل البعد عن سمو هذه الثورة وتطلعها وعظيم تضحياتها والصور المقدمة والدروس المعبرة في مجرياتها .

عندما خرج الإمام الحسين من المدينة قاصداً مكة، فقد بدا له الأمر جلياً كما ذكر سابقاً .. إما أن يصالح بني أمية ويبايع يزيد، وإما القيام بالثورة

إلمامه الكامل بكل المخاطر والسبل الوعرة التي سوف يلاقيها . .

فقد اختار الثورة لتكون هي العبرة والدرس الأعظم الذي سوف يعلمه للبشرية وليؤسس بنود التقويم ويحقق العدالة الاجتماعية للبشرية جمعاء، وإعادة المبادئ الإسلامية إلى مسارها الصحيح .. وما الأحداث التي أعقبت استشهاده إلا دليل دامغ على صواب موقفه الشريف، وظلت المجتمعات البشرية وليس المسلمة فقط، تذكر هذه الحالة الفريدة التي لم يحدثنا التاريخ عن مثيل لها .. إذا ما عرفنا أن ثورة الحسين وإن بدت على رؤوس الأشهاد ثورة فكريَّة سلمية لم يخطط الحسين لها بأن تقوم على تجييش الجيوش و استعمال السلاح والدخول في حروب طاحنة .. فأرادها أن تبصر المجتمع الإسلامي بما يدور حوله من مآسي حكم بني أمية. . .

وكان الحسين يعتقد بأن غايته نبيلة وشريفة ، فلا بد أن يستعمل الوسائل النبيلة والشريفة أيضاً للوصول إلى هدفه وغايته . . فلم نشاهد الحسين قد أجبر أحداً أو داهن آخر ، أو وعد على سبيل النصرة من يرغب بحب الدنيا والملك والمال . .

والدليل على ذلك، أنه كان موجهاً ومبصراً ، وخطيباً ذا حجج دامغة، مستنبطاً موقفه هذا كونه من العترة الشريفة وخير من بقي من روح النبوة والرسالة وخير من ولد من أكرم نسب في الخليقة، وهو العالم الزاهد، القائد بمعنى كلمة القيادة . .

فما الذي أخرجه بعد أن عرضت عليه الدنيا مفتوحة الأبواب على أن يكون تابعاً . . وسمي بأبي الضيم لأنه نفض عن كاهله الخضوع والخنوع لكل جور وظلم وتعسف .

ولو لم يكن هو الرأس في زمانه لما كان الشغل الشاغل لبني أمية .

فإذا بايع الحسين واستسلم لعدم الشرعية وللظلم والعبودية، فعلى الإسلام السلام .. فسوف لن تقوم قائمة لهذا المجتمع الذي أُسس على مبادئ التقوى والإصلاح للنفس والمجتمع . .

وبعد ذلك سوف لن تجود البشرية بحسين آخر .. وظلت المجتمعات تحتفل بذكرى استشهاده على عظم المأساة التي ذهبت روحه الشريفة وأرواح أهل بيته وأصحابه النجباء ضحية لها .. ولكن الأمم ظلت تحتفل بيوم اسمه يوم انتصار الحق وهذه ليست لفظة عابرة تتردد فالحق كلمة لا غير ، صاحبها فعل عظيم لا يمكن للسماوات والأرضين تحمله .. فكانت الكلمة هي أكبر (لا) نطقت منذ خلق الله البشرية حتى يومنا هذا وسوف لن يأتي من يقولها مجدداً بتلك العظمة والتضحية .

والعجيب في الأمر، أنه كان يعلم بالنتيجة.. فقد أخبره جده وأبوه، وكل من عرفه كان يعلم النتيجة أيضاً .. فهل يوجد من البشر من يضاهي هذه الشخصية العظيمة ، وهل يوجد أصحاب وأهل بيت كأصحابه وأهل بيته . ؟!!

إذاً يجب أن نعرف شيئاً مهماً .. ونطرحه على شكل سؤال :

أي قائد في العالم عندما يخرج ثائراً لا بدَّ أن تكون له أسبابه ودوافعه .

وللإجابة نقول إن هناك أسباباً ثلاثة لذلك :

الأول : فتح بلاد والسيطرة على أراض جديدة تضم للدولة، أو تكون خاضعة إلى الشخص الفاتح أو الغازي أو القائد شخصياً، أو أن يكون القائد مأموراً من سلطة عليا من الدولة للدفاع عنها لرد غاز أو أجنبي محتل.

الثاني : الرغبة في الوصول إلى السلطة والحكم، ويحصل بذلك على الجاه والعظمة .

الثالث: الحصول على الأموال والغنائم بكل أنواعها .

فهل هناك تعليل آخر يبتعد عن هذه الأسباب؟

نجد أن الإمام الحسين خرج ولم يدر بخلده أي شيء مما ذكر أعلاه .. فأي بلاد يفتحها بنفسه وأهل بيته ونسائه وعدد قليل من أصحابه لا يتجاوز عددهم بما فيهم الأطفال (100) شخص . فهل يكون ذلك معقولاً!!؟ .

وإذا كان خروجه من أجل الجاه والسلطان والشهرة .. فهو ابن من؟ وحفيد من؟ .

أبوه علي بن أبي طالب وأمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وبنت النبي، وجده رسول الله خير البشر وجدته خديجة الكبرى أم المؤمنين و المؤمنات .. كما أن جده لأبيه سيد البطحاء أبو طالب وأجداده عبد المطلب سيد مكة وكذلك هاشم الثريد سيد العرب وعمه جعفر الطيار وعم أبيه الحمزة سيد الشهداء وأخوه الحسن الجواد بني هاشم المجتبى .. فمن يداينه شرفاً و جاهاً وعظمة .. وهل يوجد في زمانه من لا يعرف مكانته بين الخلق وعند الباري سبحانه وتعالى .

أما الثالث .. فإذا كان خروجه من أجل الحصول على الأموال والغنائم فقد عُرضَ عليه ملك الري والحجاز وما فيهما على أن يبايع يزيد، وهاتان أغنى بقعتان في الدولة الإسلامية ولم يقبل !!

هنا تبدو العظمة وهنا يستبين الأمر .. فالمسلم مسؤول أمام الله، حيث قال الرسول صلى الله عليه واله وسلم : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " وقال صلى الله عليه واله وسلم : "من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بقول ولا فعل، كان حقاً

على الله أن يدخله مدخله " .

وعلى ضوء كل صفحات الأحداث التي عاشها الإمام الحسين منذ طفولته ثم معايشته كل الظروف والحوادث التي مرت .. وقد كنا في البداية قد توغلنا في أعماقها شرحاً وتحليلاً لأنها كلها كانت ذات علاقة وثيقة بنهضة الحسين من خلال معايشته لها وتأثيره الكامل بمتغيراتها وتنوع مجرياتها، وقد عاشها وهو فتى وشاب ويافع ورجل متكامل وقد شارك هو نفسه في الأحداث بما يخص اعتقاده بمسيرة الإسلام ونهج جده الرسول صلى الله عليه واله وسلم وأبيه الإمام علي . . فقد تكونت عنده واستكملت كل موجبات الموقف وقد شاطر أخاه الحسن في أهم فترة من فترات الدولة الإسلامية .. إلى أن وصل الأمر إليه ولكل ذلك فقد بقي أسداً في عرينه يهابه الجميع عدواً كان أم صديقاً، وعندما حانت ساعة الوثوب بعد الترقب الطويل وجدناه يزأر كأشد ما يكون ، غير هياب ولا مرتاب، فثار ونهض، قولاً وفعلاً إلى أن قدَّم نفسه على مذبح الحرية ليستقيم دین محمد، ومنح السيوف إذناً لأن تأخذه من أجل كلمة الحق لا غير، لتبقى هذه الكلمة خالدة إلى قيام الساعة .

خروج الإمام الحسين من مكة متوجها إلى الكوفة

خروج الإمام الحسين من مكة متوجها إلى الكوفة

لا بد لنا استكمالاً للبحث أن نذكر مسير الإمام الحسين من مكة بعد أن وصلته كتب أهل الكوفة ، و سوف نتحدث بشيء من التفصيل عن هذه المسيرة التي دامت قرابة الشهر ، والذي يدعونا إلى ذلك هو معرفة أحداث في غاية الأهمية واجهت الإمام الحسين ، و منها أيضاً تأكيده على أهداف ثورته وخروجه هذا وقد رأينا تأخير ذكرها إلا في مناطق حدوثها، لأن كل موقف حدث في هذه المسيرة أو المرحلة هو درس بحد ذاته نستلهم منه الكثير الكثير مما فاتنا الاطلاع عليه .

ففي اليوم الثامن من ذي الحجة سنة 60 للهجرة، خرج الإمام الحسين من مكة وكان الناس يهمون بالخروج إلى عرفات في أيام الحج. وفيما يلي المراحل والمواضع التي نزل فيها الإمام الحسين :

1- التنعيم

1- التنعيم :

تبعد فرسخين عن مكة ، بين جبل نعيم وجبل ناعم، والوادي بينهما هو وادي نعيمان .وفي التنعيم لقي الإمام عيراً تحمل أموالاً وهدايا مرسلة من قبل بحير بن يسار الحميري إلى يزيد بن معاوية ، وكان بحير والي يزيد على اليمن. وقال الإمام الحسين لأصحاب الإبل :" من أحب منكم أن ينصرف معنا إلى العراق أوفيناه كراءه ، وأحسنا صحبته، ومن أحب المفارقة أعطيناه الكراء على ما قطع من الأرض "ففارقه بعضهم ومضى من أحب صحبته (1).


1) راجع مقتل الحسين - للمقرم.

2- الصفاح:

2- الصفاح:

وهي مسيرة يوم من مكة، وتكون على يسار الداخل لها، وتقع بين حنين و أنصاب الحرم . وفيها لاقى الإمام الحسين الفرزدق وهو همام بن غالب بن صعصعة، الشاعر المعروف فسأله الإمام عن أخبار الناس، حيث كان الفرزدق عائداً من العراق ، فقال الفرزدق :" قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أمية " فقال الإمام الحسين : " صدقت ولله الأمر " .

وفي مصدر آخر .. وممن كان قادماً إلى الحج واستجلب نظره الركب والموكب ، الفرزدق الشاعر قال:" حججت بأمي سنة ستين، فبينما أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم إذ لقيت الحسين بن علي ، خارجاً من مكة مع أسيافه وأتراسه فقلت :" لمن هذا القطار ؟ قيل للحسين بن علي أفأتيته وسلمت عليه وقلت له :

"أعطاك الله سؤلك بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله، ما أعجلك عن الحج؟ " .

فقال : " لو لم أعجل لأخذت ثم قال لي : " من أنت؟ " قلت "امرؤ من العرب " فلا والله ما فتشني عن أكثر من ذلك، ثم قال لي :

" أخبرني عن الناس خلفك " فقلت :

" مَنَ الخبير سألت ، قلوب الناس معك ، وأسيافهم عليك، والقضاء ينزل من السماء " .

وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها وحرَّك راحلته وقال "السلام عليك "» (1)


1) نهضة الحسين - هبة الدين الحسيني - دار الكتاب العربي – بيروت – ص66.

3 - ذات عرق

3 - ذات عرق :

وذات عرق تبعد عن مكة مرحلتين أو مسير ليلتين، وكان (ذات عرق ) ميقات أهل الشرق للقادمين من العراق وخراسان واختلف عليه كونه ميقات بينه وبين العقيق .

وسمي ذات عرق ، على اسم جبل صغير في المنطقة، وتقع هذه المنطقة في آخر وادي العقيق .. وفي ذات عرق التقى الإمام الحسين (بشر بن غالب) ، وسأله عن أهل الكوفة ، فأجابه بجواب يشبه جواب الفرزدق .

4- الحاجر

4- الحاجر :

ومعناه ما يمسك الماء من شفة الوادي، ويقع الحاجر في وادي الرمة، وهو وادٍ معروف في نجد. وفي هذا المكان كتب الإمام جواباً لكتاب مسلم بن عقيل، حيث بعث الكتاب مع أخيه بالرضاعة (عبد الله بن يقطر) إلى أهل الكوفة وفيه :

" أما بعد فقد ورد علي كتاب مسلم بن عقيل ، يخبرني باجتماعكم على نصرنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنع ويثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكة، يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة فإذا قدم ، عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم ، فإني قادم في أيامي هذه(1)

5 . بعض العيون

5- بعض العيون

عبارة عن ماء من مياه ، العرب يسكن عندها (عبد الله بن مطيع العدوي )


1) وقع هذا الكتاب بيد عبيد الله بن زياد وأمر بقتل عبد الله بن يقطر، وقد استشهد عبد الله في الكوفة ولم يبلغ مسلم بن عقيل ولم يصل الكتاب أهل الكوفة.

وبعد أن عرف مقصد الحسين قال له :

"أذكرك الله يا بن رسول الله ، وحرمة الإسلام أن تنتهك ، انشدك الله في حرمة قريش، وحرمة العرب ، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلوك ، وان قتلوك لا يهابوا أحداً بعدك "... فأبى الحسين إلا أن يمضي .

6 . الخزيمية:

6 . الخزيمية:

هي منازل سميت باسم خزيمة بن خازم أقام فيها الإمام يوماً وليلة وعندما أصبح أقبلت إليه أخته الحوراء زينب ((1)و قالت سمعت هاتفاً يقول :

ألا يا عين فاحتفلي بجهدي *** فمن يبكي على الشهداء بعدي

على قوم تسوقهم المنايا *** بمقدار إلى انجاز وعدي

فقال الإمام الحسين : "كل الذي قضى فهو كائن ".(2)

7 . زرود

7. زرود :

يقع بين الخزيمية والثعلبية، في طريق الحج من الكوفة، وفيها بركة ماء واشتهر هذا الموقع بوقعة يوم زرود . ونعتقد بأن الخزيمية وزرود هما اسمان لموقع واحد أو متقارب جداً، بقي فيها الإمام الحسين يوماً وليلة، لأن المعلومات تشير بأن زرود تبعد عن الخزيمية مسافة فرسخ واحد وهو ما يقطعه الرجل بساعة واحدة أو ساعتين ، فلا يعتقد أن ينزل الإمام يوماً وليلة في


1) الحوراء هي زينب بنت علي بن أبي طالب أخت الحسين و (بطلة كربلاء) وقد أبت إلا أن ترافق أخاها الحسين وقد اصطحبت ولديها عون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر، زوجها وابن عمها، وقد شهدت مأساة كربلاء، وكان لهذه العقيلة البطلة مواقف قل مثيلها.

2) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرم - نقلاً عن ابن نما - ص23.

الخزيمية، ثم يحط رحاله مرة أخرى بمسير وجيز فنعتقد لذلك بأن المنزلين

هما منزل واحد .

وزرود هذه نزل فيها سعد بن أبي وقاص ، ومكث فيها مدة ثلاثة أشهر حتى إذا تلاحقت القوى ، أمره الخليفة عمر بن الخطاب بالزحف نحو القادسيةموسوعة العراق السياسية - عبد الرزاق محمد أسود - المجلد الأول - ص 216.

وفي زرود نزل أيضاً زهير بن القين البجلي ، وكان أموي الهوى، وكان يكره النزول بقرب الإمام الحسين ولكن الماء جمعهم. وعندما علم الإمام بنزول زهير بن القين، أرسل له رسولاً يدعوه لملاقاته فلم يجب زهير الرسول، ولكن امرأته "دلهم بنت عمرو " أصرت على زهير بالذهاب لملاقاة الإمام والاستماع إليه .. فذهب إلى الحسين وعندما عاد إلى جماعته عاد فرحاً وأمر بنقل فسطاطه إلى جهة الحسين وقال لامرأته : " الحقي بأهلك فلا أُريد أن يصيبك بسببي إلا الخير وقال لجماعته : أدعوكم لنصرة الحسين ابن بنت رسول الله وإلا فهو آخر العهد . . ." فقالت له امرأته أسألك أن تذكرني يوم القيامة عند جد الحسين .. وتبعه عدد من أصحابه . .

وفي زرود علم الإمام الحسين بمقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، فقال الحسين : "لا خير في العيش بعد هؤلاء (1)

وذكر في مصدر آخر أن الحسين قال لأصحابه : " أتانا خبر فظيع .. قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام " . فلم ينصرف منهم أحد


1) الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 17.

وآثروا البقاء معه (1)

وقد اختلف المؤرخون عن المكان الذي سمع مسلم به الحسين بخبر مقتل وهاني ، هل كان في زرود أم الثعلبية؟

8 . الثعلبية:

8 . الثعلبية:

الثعلبية بفتح أوله وسمي هذا الموضع باسم رجل اسمه (ثعلبة)، وهو من بني أسد نزل به واستنبط عيناً، وجاء في معجم البلدان أن الثعلبية تأتي بعد الشقوق للذاهب من الكوفة إلى مكة .. فإن الإمام كان طريقه إلى الكوفة من مكة، فصح ذلك بأن الثعلبية تسبق الشقوق من مكة إلى الكوفة .

وذكر المقرم في مقتله " وفي الثعلبية أتى الإمام الحسين رجل وسأله عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسِ بِإِمَمِهِمْ ). فقال الحسين : " إمام دعا إلى الهدى فأجابوا إليه وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوا إليها، هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار" وهو قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ).

وفي هذا المكان اجتمع له رجل من أهل الكوفة، فقال له الحسين :

" أما والله لو لقيتك بالمدينة لأريتك اثر جبرائيل في دارنا ونزوله بالوحي على جدي يا أخا أهل الكوفة ، من عندنا مستقى العلم، أفعلموا وجهلنا .. هذا

مما لا يكون " .

ويذكر الدكتور حسين أمين في بحثه ( عرض تاريخي مجمل لمصرع أبي عبد الله الحسين):


1) الوثائق السياسية للعصر الأموي ص .199 . وذكره عبد الرزاق أسود في موسوعة العراق المجلد الأول ص 263.

• أنه جاء للإمام الحسين خبر مقتل ابن عمه مسلم بن عقيل وهو في الثعلبية ثم انتقل إلى زبالة (1).

وذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين بأن خبر مقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة أتى الحسين وهو في الثعلبية (2).

9 . الشقوق:

9 . الشقوق:

الشقوق بالضم ، منزل يسبق زبالة للقادم من مكة إلى الكوفة ويلي الثعلبية، وفي معجم البلدان جاء بأن الشقوق هو موضع لبني أسد وفيه قبر العبادي. وفي الشقوق التقى رجل بالإمام حيث كان مقبلاً من الكوفة، فسأله الإمام عن أهل العراق فأخبره الرجل بأنهم مجتمعون عليه فقال الحسين "إن الأمر الله يفعل ما يشاء وربنا تبارك هو كل يوم في شأن " ثم أنشد : (3)

فإن تكن الدنيا تعد نفيسة *** فدار ثواب الله أعلا وأنبل

وإن تكن الأموال للترك جمعها *** فمابال متروك به المرء يبخل

وإن تكن الأرزاق قسماً مقدراً *** فقلة حرص المرء في الكسب أجمل

وإن تكن الأبدان للموت أُنشئت *** فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل

ويذكر الخوارزمي ، بأن هذا الرجل كان الفرزدق، ونعتقد بأن ذلك صحیح ، لأن الفرزدق كان يهم بالحج مع بالحج مع أمه وقد لاقى الحسين وموعد الحج قد قرب جداً، وأما في الشقوق فإن موعد الحج قد فات لأن مسير الحسين عندما وصل إلى الشقوق بأيام عديدة تزيد على العشرة أيام، إذا ما علمنا بأن


1) ثورة الحسين - محمد مهدي شمس الدين - ص156.

2) الخوارزمي - المقتل - ج 1 ص 233.

3) الخوارزمي - المقتل - ج 1 ص 233.

الحسين قد خرج من مكة في اليوم الثامن من ذي الحجة.

وعلى ذكر الفرزدق، نورد هنا هذه الحادثة ، حين ورد خبر استشهاد الإمام الحسين فقال الفرزدق :

"فإن غضبت العرب لابن سيدها وخيرها فاعلموا أنه سيدوم عزها وتبقى هيبتها .. وإن صبرت ولم تتغير، لم يزدها الله إلا إذلالاً إلى آخر الدهر" وأنشد يقول :

فإن أنتم لم تثأروا لابن خيركم *** فالقوا السلاح واغزلوا بالمغازل

10 . زبالة

10 . زبالة :

زبالة بضم الزاي المعجمة ، وتلي الشقوق للقادم من مكة إلى الكوفة، وتكون المسافة بينهما تقارب (35) ميلاً (1)وفي زبالة حصن وجامع لبني أسد، وسمي الموضع باسم (زبالة بنت مسعر) وهي امرأة العمالة ، ويوم زبالة من أيام العرب، ذكر ذلك الطبري في تاريخه.

وذكر المقرم في مقتله، أنه في زبالة أُخبر الحسين بمقتل قيس بن مسهر الصيداوي، فأعلم الناس بذلك وأذن لهم بالانصراف(2)

ويقال ، فيها أبلغ بمقتل أخيه بالرضاعة عبد الله بن يقطر وكان الإمام قد

أوفده إلى مسلم بن عقيل .(3)

وذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه – ثورة الحسين – بأن


1) موسوعة العتبات المقدسة - قسم مكة المكرمة - ج 1 ص 157

2) مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرم ص 212

3) الدكتور حسين أمين - بحث عن مقتل الحسين في موسوعة العتبات المقدسة - قسم كربلاء.

الحسين عندما كان في زبالة أتاه خبر مقتل أخيه بالرضاعة عبد الله بن يقطر(1)

فخرج حينذاك إلى صحبه من الناس وقال : "أما بعد، فإنه قد أتاني خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل ، وهاني بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحب منكم الانصراف في غير حرج ليس عليه منا ذمام " .

فتفرق عنه الناس تفرقاً، فأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي من أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة ، وإنَّما فعل ذلك لأنه ظن إنَّما اتبعه الأعراب لأنهم ظنوا أنه يأتي بلداً قد استقامت طاعة أهله ، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون علام يقدمون. وقد علم أنه إذا أذن لهم بالانصراف لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموت معه (2)" وأجاب من نصحه بالرجوع إلى مأمنه من منزله ذاك بعد أن تبين له الأمر، فقال له :

"يا عبد الله إنه ليس يخفى عليّ أن الرأي ما رأيت ولكن الله لا يغلب على أمره (3).

11 . بطن العقبة

11 . بطن العقبة :

موسوعة العتبات المقدسة - قسم مكة المكرمة – في ذكر الطريق من الكوفة إلى مكة، أن (العقبة وليس بطن العقبة هي بمسافة (75) ميلاً حيث يوجد موقع (القاع) بين في زبالة والعقبة ولم نطلع في أي مصدر على مرور


1) ثورة الحسين - شمس الدين - ص 156 . وعبد الله بن يقطر الذي أرسله إلى الكوفة ورماه عبيد بن زياد من على قصر الإمارة، فتكسرت عظامه، وقام إليه عمرو الأزدي وذبحه، ويقال بل الله فعل ذلك عبد الله بن عمير اللخمي.

2) راجع تاريخ الطبري والكامل في التاريخ - لابن الأثير – ج 3 ص278.

3) المرجع السابق.

الحسين ب- (القاع) وإذا صحت المسافة بين الزبالة والعقبة ب- (75) ميلاً، فنعتقد بأن هذه المسافة بالغة الطول لتواصل المسير في ظروف تلك الأيام لقطعها بين مرحلتين، حيث ذكر في موسوعة العتبات بأن السائرين من الكوفة إلى مكة يقطعون مسافة (14) ميلاً من العقبة إلى المتعشى في (القبيبات) ومن ثم يقطع (24) ميلاً ليصل إلى موضع (القاع) ومنه إلى (المتعشى) ب- (الجلحاء) مسافة (13) ميلاً ومنها الى الزبالة (24) ميلا (1).

وفي بطن العقبة نزل الإمام الحسين وقال لأصحابه :

" ما أراني إلا مقتولاً فإني رأيت في المنام الكلاب تنهشني وأشدها عليَّ كلب أبقع " .

وعندما سمعوا ذلك، انبرى له عمرو بن لوذان العكرمي وأشار عليه بالرجوع إلى المدينة إذا كان يعلم بالذي عليه أهل الكوفة من الغدر والخيانة، فرد الإمام :

"ليس يخفى، ولكن الله تعالى لا يغلب على أمره ". (2)

ويقال في نفس الموضع قال الحسين لجعفر بن سليمان الضبعي :

"إنهم لن يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فإذا فعلوا ذلك سلط عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرق الأمم ".

ويقول الحسين : لما بلغ الإمام بطن مكة لقيه شيخ من بني عكرمة فسأله :( أين تريد )؟ فقال الإمام : " الكوفة " فقال الشيخ :


1) موسوعة العتبات المقدسة - قسم مكة المكرمة ص 157 .

2) نهضة الحسين - هبة الدين الحسيني - ص 97.

"أنشدك الله لما انصرفت ، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيف، وأن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطأوا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأياً " . . .

فقال له الإمام: "ليس يخفى علي الرأي . . . .(1)

12 . شراف

12 - شراف

جاء في معجم البلدان - شراف - بفتح أوله وآخره فاء وثانيه مخفف، وهذا الموقع سمي على اسم رجل استخرج عيناً ثم حدثت آبار كثيرة عذبة المياه. ويذكر المقرم في مقتله بأن المسافة بين شراف وواقصة ميلان، بينما جاء في موسوعة العتبات قسم مكة - أن المسافة بين العقبة وواقصة (43) ميلاً ولم نعلم من مصدر آخر بأن الإمام نزل بواقصة ، وعلى كل حال، نزل الإمام بشراف قادماً من بطن العقبة

.

و شراف موضع معروف لدى العرب، حيث إن سعد بن أبي وقاص عندما أرسله الخليفة عمر بن الخطاب لفتح العراق نزل به (شراف) وقدم عليه الأشعث بن

قيس بألف وسبعمائة من أهل اليمن، فترك الجموع ونهض إلى العراق(2).

وعند نزول الإمام الحسين في شراف، وعند السحر أمر فتيانه أن يستقوا

الماء ويكثروا، وفي نصف النهار سمع رجلاً من أصحابه يكبر، فقال الإمام: "لِمَ كبّرت؟ " قال : "رأيت "النخل فأنكر من معه أن يكون بهذا الموضع نخل، وإنما هو أسنة الرماح وآذان الخيل .

فقال الحسين : " وأنا أراه ذلك " ثم سألهم عن ملجأ يلجأون إليه فقالوا


1) نهضة الحسين - هبة الدين الحسيني - ص 97.

2) تاريخ الطبري ج 4 ص 87.

هذا " ذو حسم فهو كما تريد فسبق إليه الحسين وضرب أبنيته (1).

13 . ذو حُسَم

13 . ذو حُسَم :

بضم الحاء المهملة وفتح السين، وهو موضع جبل كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة يصطاد به ، حيث ضرب الإمام الحسين أبنية فيه بعد أن استسقى أصحابه الكثير من الماء ، طلع عليهم الحر بن يزيد الرياحي (2)مع الف فارس ، بعثه عبيد الله بن زياد ليمنع الحسين من الرجوع إلى المدينة ويقدم به إلى الكوفة، وعندما رأى الحسين ما بالحر وأصحابه من شدة العطش، أمر أصحابه أن يسقوهم ويرشفوا الخيل، فسقوهم وخيولهم عن آخرهم وكان علي ابن الطعان المحاربي مع الحر، فجاء آخرهم وأخذ منه العطش مأخذاً فقام الإمام الحسين بنفسه وسقاه بيده ، حتى ارتوى وسقى فرسه .

فنتوقف عند هذه الحادثة .. وننظر لطف وحنان وأخلاق هذا الإنسان العظيم ومنبعه الشريف وكرمه وجوده، ولا عجب أن يقوم الحسين بهذا الفعل الجليل مع علمه بالقوم وما يريدون!! .

وهذا الدرس استنبطه من أبيه أمير المؤمنين الإمام علي، الذي سبقه بهذا الفعل عندما احتل أصحاب معاوية في حرب صفين ضفة نهر الفرات ليمنعوا الإمام علياً وجيشه من الماء. فهجم الإمام علي على المانعين الواقفين على الفرات وفرقهم ، وعندما احتاج أصحاب معاوية الماء سمح لهم الإمام علي بالاستسقاء حتى يأخذوا كفايتهم.. وقال الماء شركة بين الجيشين!! فهذا


1) مقتل الحسين - المقرم- ص 214.

2) هو الحر بن يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتاب الردف بن هرمي بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. كان أحد قادة ابن زياد ومال مع الحسين في كربلاء.

الشبل من ذاك الأسد. يقول السيد الكشميري في موقف الحسين من الحر

وأصحابه :

سقيت عداك الماء منك تحنناً *** بأرض فلاةٍ حيث لا يوجد الماء

فكيف إذا تلقى محبيك في غدٍ *** عطاشى من الأجداث في دهشة جاؤوا

وعندما حلت صلاة الظهر قال الإمام الحسين للحر :

"أتصلي بأصحابك؟"

قال الحر: " لا، بل نصلّي جميعاً بصلاتك "

فصلى بهم الحسين، وبعد الصلاة خطب الإمام بالحر وأصحابه وأخبرهم بأنه لم يقدم إلى الكوفة إلا بعد أن جاءت رسلهم محملة بالكتب التي تدعوه إليها قائلاً :

أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال : من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله ، ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله . ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير ، وقد أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم ، تصيبوا رشدكم، فإني الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهليكم، فلكم في أسوة. وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم ، وخلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي لكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وبأخي وابن عمي مسلم بن عقيل ، والمغرور من اغتر بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فإنَّما ينكث على نفسه .(1)


1) الكامل في التاريخ - لابن الأثير - ج 3 ص 280 . وتاريخ الطبري - ج 4 ص 304-305.

ومما قال الإمام الحسين أيضاً لهم :

" وإذا كانت كتبكم صحيحة فأعطوني المواثيق ، وإن كنتم لمقدمي کارهین - نصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم . (1)

ولم يجبه إلا الحر، حيث قال: "ليس لنا علم بالكتب فأخرج الإمام خرجين مملوءين كتباً . . (2)

وبعض المؤرخين أوصلوا عدد الكتب إلى اثني عشر ألف كتاب ونقول بأن هناك كتباً عديدة وصلت ولا نعتقد بهذا العدد من الآلاف بدليل أن الحر عندما ردَّ على كلام الحسين بقوله إنا والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر فقال الحسين : يا عقبة بن سمعان اخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليَّ، فأخرج خرجين مملوءين صحفاً فنشرها بين أيديهم ذكر ذلك الطبري في تاريخه ج4 ص 303 وكذلك الكامل في التاريخ - لابن الأثير - ج 3 ص 208.

وهنا قال الحر :

"أنا لست ممن كتب إليك وأُمرت أن لا أفارقك حتى أقدم بك الكوفة وأعرضك على ابن زياد ".

فقال الإمام الحسين :" الموت أدنى إليك من ذلك "

فقال الحر: "إذاً خذ طريقاً نصفاً بيننا لا يدخلك الكوفة، ولا يردّك إلى الحجاز، حتى أكتب إلى ابن زياد لعل الله يرزقني العافية ولا يبتليني بشيء من أمرك، وإن قاتلت لتقتلن . ."


1) لا نعتقد بأن الإمام الحسين طلب من جيش الحر الذي جله من أهل الكوفة أن ينصرف من حيث أتى فذلك إن صح فأين كل المرويات عن إقدامه بالتوجه إلى الكوفة مهما تكن الظروف وهو يعلم بما سوف يؤول إليه الأمر، فإنها مسألة فيها نظر !!.

2) إن الذين أرسلوا الكتب لم يكونوا أفراداً معدودين فقط، إنما قد يكون هناك كتاب باسم جماعة أو كتب باسم قبائل، وقد ذكر ابن الأثير في الكامل ج 3، 266 ص 267 بأن كتب أهل العراق إلى ج3، الحسين زادت على مئة وخمسين كتاباً.

فقال الحسين: "أبالموت تخوفني؟ "

سأمضي وما بالموت عار على الفتى *** إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما

فإن عشت لم أندم وإن مت لم آلم *** كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما

وعند ذلك تنحى الحر عنه، فكان الحسين يسير بأصحابه من ناحية والحر ومن معه في ناحية ثانية.

وأخيراً فإن ذا حسم وشراف يمكن اعتبارهما موضعاً واحداً وقد آثرنا التفرقة بينهما لذكر الحوادث التي جرت فيهما، حيث إن الحسين من خروجه من شراف ومروره (بحبل ذو حسم ) الذي يشرف على شراف وتوقفه حين رأى جيش الحر وما جرى من حديث بينهما وأمور.

14 . البيضة

14 . البيضة :

هذا الموضع ما بين واقصة والعذيب ، والبيضة أرض واسعة تعود لبني يربوع بن حنظلة، ويذكر الطبري في الجزء السادس من تاريخه، بأن الإمام الحسين خطب بأصحاب الحر، يذكرهم بقول رسول الله حول السلطان الجائر والمخالف للسنة ويعمل بالإثم والعدوان وما الواجب والشرع الذي يلزم المسلمين بالوقوف ضد هذا الظلم وذكرهم بكتب أهل الكوفة إليه إلى أن انتهى بقوله : المغرور من اغتر بكم . إلى أن قال وسيغني الله عنكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1).

وعلينا التوقف قليلاً لذكر رأيين :

أ . الرأي الأول يقول إن الإمام خطب عند لقائه ومسيره مع الحر


1) تاريخ الطبري - ج 6 ص 229.

الرياحي عدة مرات ، وكان السبب من هذه الخطب، تذكير أهل الكوفة بموقفهم ونقضهم دعوته .

ب . أما الرأي الثاني فيقول بأن الغرض من هذه الخطب أن تكون موجهة إلى الحر الرياحي وجيشه ورغبة الإمام أن يستوضح هؤلاء الموقف من خروجه ومحاولة استمالته إلى جانبه . .

وهذا الرأي يحبذه البعض، ويعلل ذلك في النهاية التي وصل إليها الحر وتركه جيش ابن زياد بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص، وانتقاله إلى صف الإمام الحسين وطلبه التوبة على موقفه السابق منه ، ومن ثم نيله الشهادة السامية

في معركة الطف.

15 . الرهيمة:

15 . الرهيمة:

جاء في معجم البلدان - الرهيمة بالتصغير ، عين تبعد عن (خفيّة) ثلاثة أميال وتبعد خفية عن (الرحبة) مغرباً بضعة عشر ميلاً .

" وفي الرهيمة لقي الإمام الحسين رجلاً من أهل الكوفة يقال له أبو هرم ، فقال : يا بن رسول الله ، ما الذي أخرجك من حرم جدك؟ قال:"يا أبا هرم، إن بني امية شتموا عرضي فصبرت ، وأخذوا مالي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت ، وايم الله ليقتلوني فيلبسهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً ويسلط عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قوم سبأ، إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموالهم ودمائهم "

هذا ما ورد نصاً في كتاب مقتل الحسين للمقرم الصفحة 218 نقلاً عن أمالي الصدوق الصفحة 93 إلى نهاية " ويسلط عليهم من يذلهم " وبقية المقالة نقلاً عن مقتل الخوارزمي الجزء الأول الصفحة 226 ومثير الأحزان لابن نما،

الحديث بلا نص عن الرهيمة.

وهنا نعتقد بأن جواب الحسين إلى أبي هرم (الذي نقلناه متعمدين) غير صحيح وغير وارد وغير مستحسن لعدة أسباب وهي :

ج . لم يحدثنا التاريخ بأن أحداً تمكن من شتم عرض الإمام الحسين ولم يجرؤ أحد بالتطرق إلى ذلك حتى .. وإن بني أمية أنفسهم لم يجرؤوا على ذلك، ونعتبر أن هذا الكلام المنقول بقصد أم بغيره جرأة وتصغيراً بمقام وحضرة الإمام الحسين وأهل البيت حيث لم يتمكن أحد المساس بأعراض بني هاشم لا في الجاهلية ولا في الإسلام وإلى استشهاد الحسين على أقل تقدير .

د . طلب دمه وهروبه من المدينة إلى مكة ومنها إلى العراق خوفاً على دمه، وهذا يناقض كل الروايات التي تؤكد خروج الحسين للإصلاح في أمة جده وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، بل هو مأمور على ذلك كما ذكرنا سابقاً، وهو يعلم بالنتيجة مسبقاً لعدم استطاعته تحقيق نصر آني وحاسم . .

وكيف يهرب من الموت وهو الذي يقول: خرجت لإصلاح أمة جدي .. فهل هذا الهروب من الموت أو الإسراع للشهادة الموعود بها. وقطعاً هو يعرف من الروايات عن أبيه وجده الرَّسول بأنه يقتل بأرض يقال لها كربلاء، وما ينقله الرسول عن الغيب ليس بغريب فإنه (ما ينطق عن الهوى ) فقد بشر عمار بن ياسر بالشهادة وقال له تفتلك الفئة الباغية، وقول النبي صلى الله عليه واله وسلم للزبير بن العوام عندما كانا يسيران في إحدى طرقات المدينة ولقيا علي بن أبي طالب، فقال الرسول للزبير أتحب علياً؟ ، قال بلى والله يا رسول الله ، قال له النبي ، ستقاتله وأنت له ظالم .. وقد ذكر الإمام علي الزبير يوم الجمل، فتذكر الزبير واعتزل القتال قبل أن يبدأ.

فهل من الغرابة أن يُعلم النبي صلى الله عليه واله وسلم الإمام علياً أو أهل بيته أو أصحابه أو

نساءه بمقتل الحسين .. فأين وجه الاستحالة بذلك . .

ه-. عندما رفض الحسين بيعة يزيد حين طالبه بها والي المدينة الوليد بن عتبة بإجابة حسنة من الإمام وخرج من عنده ولم يقبل الوالي الأموي بأن يلطخ يده بدم الحسين ، وكان الوالي من بعده عمر بن سعيد بن العاص قد أرسل إلى الإمام الحسين أخاه عثمان بن سعيد بصحبة ابن عم الإمام (عبد الله بن جعفر) وقد أعطاه الأمان وأوعده بأن يبره ويحسن جواره، فأبى الحسين .

وهذه الأمور كلها تدعونا لأن ننتقد بعض المقالات التي ينقلها أناس يدللون بحبهم للحسين عن طريق الإساءة، أكانوا يعلمون أم لا. وللقارئ أن يحكم على ذلك .

16 . العذيب:

16 . العذيب:

العذيب وادٍ لبني تميم وهو حد السواد وفيه مسلحة للفرس أيام الساسانيين وبينه وبين القادسية ستة أميال وكان يقال للموضع (عذيب الهجانات) لأن خيل النعمان بن المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة كانت ترعى فيه .

وفي موسوعة العتبات -قسم مكة - تأكيد على المسافة الفاصلة بين العذيب والقادسية أطول من المسافة بين القادسية والكوفة، فالقادسية أقرب إلى الكوفة من العذيب. فتأتي القادسية كموضع نزل فيه الإمام بعد العذيب، وهذا (1)ما نعتقده و نجزم به حسب المصادر التي اطلعنا عليها والخرائط القديمة، التي شاهدناها بأنفسنا، وهذا خلاف لما ذكره (المقرم) في مقتله وآخرون،


1) راجع كتاب الفتح الإسلامي ص 24 وص 78 ، راجع موسوعة العراق السياسية - عبد الرزاق اسود - مجلد 1 ص 225.

حيث قدموا القادسية على العذيب في مراحل مسير الإمام الحسين .

وفي عذيب الهجانات وافى الحسين أربعة نفر خارجين من الكوفة، وهم عمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه ومجمع بن عبد الله ونافع بن هلال ودليلهم الطرماح بن عدي الطائي . وسألهم الحسين عن رأي الناس فأخبروه بأن الأشراف عظمت رشوتهم وقلوب الناس معك والسيوف عليك، وقال له الطرماح :

"رأيت الناس قبل خروجي من الكوفة مجتمعين في ظهر الكوفة فسألت عنهم قيل إنهم يعرضون ثم يسرحون إلى الحسين ، فأنشدك الله أن لا تقدم عليهم فإني لا أرى معك أحداً ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكفى ( يعني جيش الحر ) ولكن سر معنا لتنزل جبلنا (أي جبل أجا لبني طی ) .. "

فلم يوافق الإمام، فاستأذن الطرماح وحده بأن يوصل الميرة إلى أهله ويعجل بالمجيء لنصرته ، وعندما ذهب الطرماح ورجع إلى العذيب بلغه خبر مقتل الإمام الحسين، فرجع إلى أهله (1)وقد استشهد الثلاثة الآخرون مع الحسين في كربلاء .

17 . القادسية

17 . القادسية :

القادسية تبعد عن الكوفة (15) ميلاً وفيها عين ماء، وفي القادسية قبض الحصين بن نمير التميمي على قيس بن مسهر الصيداوي رسول الحسين وحامل كتابه إلى مسلم وأهل الكوفة. وكان ابن زياد قد أمر الحصين أن ينظم الخيل


1) تاريخ الطبري - ج 2 ص 23.

بين القادسية إلى (خفان) ومنها إلى (القطقطانة).

فأمر ابن زياد قيس بن مسهر بأن يعطيه كتاب الحسين، فمزقه قيس، وأمر ابن زياد أن يسب الحسين وأباه وأخاه أو ليقطعنه إربا إرباً . فصعد قيس المنبر وأكثر من الترحم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن وأشاد بالحسين ولعن ابن زياد وأباه وبني أمية، فأمر ابن زياد بقتله .

وبقي الإمام ليلة واحدة في القادسية وتابع مسيره ، والحر الرياحي يجانبه

الطريق ويبعده عن الكوفة .

516

18 . قصر بني مقاتل:

18 . قصر بني مقاتل:

يقع قصر بني مقاتل (1)بين عين التمر والقطقطانة والقريات، وينسب هذا

القصر إلى مقاتل بن حسان بن ثعلبة بن أوس بن إبراهيم بن أيوب بن مجروف ابن غضبة بن امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم.

وعندما نزل الإمام الحسين قصر بني مقاتل التقى بعبيد الله بن الحر الجعفي، ودعاه الحسين إلى نصرته، فلم يرغب عبيد الله بن الحر، وقال للحسين :

"والله إني لأعلم أن من شايعك كان السعيد في الآخرة، ولكن ما عسى ان اغني عنك ولم أخلف لك بالكوفة ناصراً، وأنشدك الله فإن نفسي لا تسمح الموت، ولكن هذه فرسي (الملحقة) فخذها فهي لك . . . "

فقال الإمام الحسين : "أما إذا رغبت في نفسك عنا فلا حاجة لنا في فرسك ولا فيك وما كنت متخذ المضلين عضداً . . "

وبعد مقتل الإمام الحسين ندم ابن الحر على عدم نصرة الحسين وقال شعراً بذلك ذكره الخوارزمي في الجزء الأول الصفحة 238

وفي قصر بني مقاتل ، التقى الإمام بعمر بن قيس المشرفي وابن عمه وسألهم الإمام: "جئتما لنصرتي؟ " فقالا له: "لدينا عيال وفي أيدينا أمانة للناس ونكره أن نضيع الأمانة وانصرفا عنه .


1) يظن البعض أن قصر بني مقاتل هو (قصر الأخيضر الموجود حالياً بين كربلاء وعين التمر.. وفي موسوعة العراق الآثارية ذكر قصر الأخيضر بأنه بني في زمن أبي جعفر المنصور والخليفة العباسي وفي اعتقادنا بأن ذلك غير صحيح لأن الأخيضر حصن وليس بقصر، وذكر الحصن عندما فتح خالد بن الوليد عين التمر في سنة 12 ه- وفي زمن الخليفة أبي بكر الصديق.

19 . كربلاء:

19 . كربلاء:

رحل الإمام الحسين من قصر بني مقاتل بعد أن أمر أصحابه بالاستسقاء وسار ركبه الشريف وهو يتياسر عن الطريق والحر الرياحي ومن معه يسايرونه، وعند قرية نينوى (بكسر النون ) وهي إحدى قرى الطف، والطف تتكون من عدة قرى مثل نينوى والغاضرية والنواويس والعقر وشفية.

وإذا راكب على نجيب وعليه السلاح، فانتظروه وإذا هو رسول عبيد الله ابن زياد إلى الحر الرياحي ومعه كتاب يقول فيه :

"جعجع بالحسين حين تقرأ كتابي ، ولا تنزله إلا بالعراء، على غير ماء وغير حصن "

فقرأ الحر الكتاب على الحسين فقال له الإمام :

" دعنا ننزل نينوى أو الغاضرية أو شفية "

فقال الحر : " لا أستطيع فإن الرجل عين عليا "

فقال الإمام : "سر" بنا قليلاً"

فساروا جميعاً حتى إذا وصلوا أرض كربلاء، وقف الحر وأصحابه أمام الحسين ومنعوه من المسير وقالوا: "هذا مكان قريب من الفرات" سأل الإمام عن الأرض ، قال له زهير بن القين "هذه الأرض تسمى الطف" .

فقال الحسين : " فهل لها اسم غيره؟ "

فقال زهیر: تعرف "بكربلاء "

فقال الحسين : "اللهم اني اعوذ بك من الكرب والبلاء . . ههنا محط ركابنا وسفك دمائنا ومحل قبورنا ، بهذا حدثني جدي رسول الله " .

وهناك أقوال وآراء أخرى عن المواقع التي سأل عنها الحسين، سوف نذكرها في كتابنا اللاحق عن تاريخ كربلاء، إذا شاء الباري سبحانه (فهو معد للطبع ) وفيه دراسة عميقة ومستفيضة عن ذلك وعن قرى الطف، واختلاف وأنواع تسمياتها وموقعها .. تعتبر متممة إلى ما ذكرناه الآن عن نزول الحسين أرض كربلاء .

وكان نزول الحسين كربلاء في الثاني من المحرم سنة 61 ه- كما ذكره الطبري في تاريخه وابن الأثير في الكامل .. وهناك روايات تذكر بأن الإمام نزل كربلاء عصر السابع من محرم، ونعتقد بأنه الأصح حيث لم نطلع على ما دار في الأيام التي سبقت مقتل الحسين بثمانية أيام عدا ما حدث عند وصول جيش عمر بن سعد بن أبي وقاص يوم الثامن من محرم سنة 61ه- وما نقل المؤرخون الثقاة عن خطب الإمام الحسين وأصحابه واحتجاجه بهذه الخطب الخالدة على صورة الموقف الذي جاؤوا ليقاتلوه من أجله، وذلك كله في اليومين اللذين سبقا يوم الواقعة حتى صباح العاشر من محرم (يوم عاشوراء).

وعودة بسيطة إلى الوراء بما يستدعي البحث .. نود أن نتساءل عن الأمور التالية :

1 . لماذا أسرع الإمام الحسين بالخروج من المدينة بعد لقائه بالوالي بحضور مروان بن الحكم وكان مع الحسين عبد الله بن الزبير؟

2 . ماذا كان يعني خروج الإمام الحسين من مكة إلى العراق في عبد الله بن الزبير؟

3 . بعد أن عرف الإمام الحسين وهو في طريقه إلى الكوفة بمقتل سفيره ورسله إلى مسلم وإلى أهل الكوفة كل من قيس بن مسهر الصيداوي و أخيه في الرضاعة عبد الله بن يقطر .. وقبل أن يلاقي الحر بن يزيد الرياحي،

لماذا لم يتخذ الإمام موقفاً آخر يؤجل ولو لوقت قصير نهضته إلى أن تُستكمل له بعض المقومات، علماً بأن الطريق كانت مفتوحة له وبلاد المسلمين واسعة وأتباعه وأنصاره وشيعة أبيه وأخيه منتشرون في الأقاليم؟ .

الإجابة عن هذه الأسئلة تدخل في صلب أهداف الحسين من ثورته . .

فالأجوبة بلا شك قد سبقت الإجابة عنها في سياق الحديث الذي مرَّ، ولكن دعانا الأمر لبحث موجز للإجابة من جديد لأننا وجدنا في بعض المصادر التي لم تنصف موقف الإمام بل نجزم بأنها لم تفهم أصل موضوع الثورة ونقول :

1 . بعض الكتاب والرواة ذكروا بأن الحسين قد خرج مسرعاً من المدينة إلى مكة لأنه خاف الموت بعد أن شتم عرضه وسلبت أمواله . . ! ! وهذا غير صحيح وقد أعطينا وجهة نظرنا ، ويمكن الرجوع إليها. ولكن ما ورد في تاريخ اليعقوبي (1)أن يزيد أراد أن يخنق ثورة الحسين قبل اشتعالها من من خلال إرساله بعض الأشخاص " ليغتالوا الحسين في المدينة قبل مغادرته إياها إلى العراق " .

إذا صح هذا فإن اليعقوبي يؤكد بأن خروج الإمام من المدينة هرباً وخوفاً على نفسه .. وهذا قطعاً غير صحيح لأنه حتى اليعقوبي يقر بمصداقية وصية الإمام الحسين إلى أخيه محمد ابن الحنفية عندما قال له :" إني لم أخرج اشراً ولا بطراً .. إلى آخر الوصية التي لم يذكر فيها هروبه أو خروجه لأن هناك من يريد قتله في المدينة .

ومن ناحية اخرى عرفنا بموقف الوالي - الوليد بن عتبة - وبعده الوالي عمر بن سعيد بن العاص، ومواقف هذين تؤكد عكس موضوع الاغتيال، لأن


1) راجع تاريخ اليعقوبي - ج 2 ص 234 وص236- طبع النجف.

الإمام لم يعلن بعد ثورته وإنَّما رفض البيعة ليزيد ليس إلّا ! !

واليعقوبي يذكر الجملة "ليغتالوا الحسين في المدينة قبل مغادرته إلى العراق "نقول.. والحسين قرر الخروج منها إلى مكة ليجاور الحرم أولاً، ولم يذكر التاريخ بأن الإمام صرح وهو في المدينة بأنه يريد الخروج إلى العراق (الكوفة).

والأمر الثاني.. إن كتب أهل الكوفة وردت إلى الحسين وهو في مكة يطلبون منه القدوم، وبعد أن تأكد من أمر الرسائل واتخاذه إجراءات لاستنهاض الناس، ومكاتباته إلى أهل البصرة، بعد كل ذلك قرر الخروج إلى الكوفة .. وهنا لا نريد للناس أن يتصوروا بأن خروج الحسين من المدينة كان خوفاً و هروباً وما إلى ذلك، لكي لا نعود إلى تصور ثورة الحسين بأنها من بدايتها مأساة تستدعي الألم والبكاء والنواح.

2 . تحدثنا عن موقف عبد الله بن الزبير وما بداخله وما يشعر به حسداً وعدم ارتياح من وجود الإمام الحسين في مكة حتى نصيحته للحسين بأن يقوم بثورته من مكة كانت من قبيل التزلف، وإنما كان وجوده أشد عليه ورغبته في خروج الحسين من مكة تشرح صدره ليخلو له الجو فيها . .

وقد ذكر الحسين يوماً أمام أنصاره وأقربائه وقال: "إن هذا – يعني عبد الله بن الزبير - ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر شيء معي، وأن الناس لم يعدلوه بي ، فود أني خرجت منها لتخلو له " .

وقد ذكر ذلك الطبري في تاريخه وابن الأثير في كامله .

وحتى عبد الله بن عباس عندما نصح الإمام الحسين بعدم الخروج من

مكة مشيراً له ومشفقاً ، فقد قال ابن عباس للحسين .. "لقد اقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز، والخروج منها . وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك " .

بل وعندما شيعوا الإمام الحسين إلى خارج مكة وكان من ضمن المشيعين والمودعين عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير، فعندما عادا من التوديع قال ابن عباس لابن الزبير قوله المشهور :" يا لك من قبرة بمعمر .. خلا لك الجو فبيضي واصفري .. ونقري ما شئت أن تنقري .. "

ولنكن منصفين في طرحنا ، فقد يواجهنا استغراب شديد ، لا نعرف له تفسيراً إلا الشك في النقل عموماً وهو . . إن الزبير بن العوام هو ابن عمة الإمام علي والنبي الكريم صلى الله عليه واله وسلم .. وأولاده عبد الله .. وأولاده عبد الله ومصعب والآخرون أبناء أسماء هم بنت أبي بكر الصديق ، وإن مصعب بن الزبير الذي هو شقيق عبد الله وساعده الأيمن كان زوج (سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب) . . فهل ينظر القارئ إلى هذا التشابك في النسب، وإذا كان الحسين يعرف عبد الله وإخوته وإن للإمام علياً وكما هو معروف مواقف من الزبير بن العوام في نكث بيعته، بل مع أبي بكر الصديق والد (أسماء زوجة الزبير) عند استلامه يوم الخلافة السقيفة وما جرى فيها كما يقولون . .

ومن ثم مواقف أبناء الزبير في حرب الجمل، وكانوا مع خالتهم السيدة عائشة . . وعلى ضوء هذا التداخل والخلاف المتأصل فكيف يزوّج الحسين ابنته سكينة لمصعب؟!!

هذا الأصل في الحقيقة لم يجرؤ أحد في نقاشه أو الدخول فيه وهو غير

مبهم عن الكلل . .

فنقول إما أن يكون النقل من قبل الرواة قد وصلنا محرفاً وغير صادق

وأن التاريخ يشوبه شيء من الغموض، أو أن هناك تيارات تريد أصلاً تأكيد الخلافات بين أهل البيت والصحابة لأغراض مذهبية أو شعوبية .. والله أعلم ما في الصدور، وقد أردنا أن نذكر ذلك إمعاناً للحيادية في التحليل وللحقيقة لا غير .

3 . أما بالنسبة للتساؤل الثالث ، فليس لدينا ما نقوله بعد كل ما تقدم وشرحناه تفصيلاً .. إلا أن نقول مختصرين المسافات، بأن نهوض الإمام الحسين وثورته وخروجه لقول كلمة الحق وهي (لا) لكل ما هو غير متطابق مع التشريع الإسلامي، لم يكن ذلك إلا بمشيئة ربانية، وهو تحقيق لنبوءة الرَّسول صلى الله عليه واله وسلم وحلول استشهاد الإمام الحسين ومقتله ، بل يمكن أن نقول هو تطبيق للأمر الإلهي الذي نقل عمن هو (ما ينطق عن الهوى ... ) وإلا فإن العقل يقول بأن كل الطرق مفتوحة أمام الحسين ولكنه مضى برجله ورغبته وهو يعلم بمصيره، وما ذلك إلا بلاغ يفوق مستوى البشر ولكنه لا يبتعد عن مشيئة الخالق، ولا بدَّ للباري سبحانه من خلقه أن يجعل من من يتميز بالصفات والسجايا وكان الحسين هو المختار لهذه المهمة، ليبقى الإسلام ورسالته .

أحداث كربلاء

أحداث كربلاء

في كربلاء:

في كربلاء:

نزل الإمام الحسين أرض كربلاء، ومعه أصحابه وأهل بيته، وكان يرافقه الحر بن يزيد الرياحي الذي ظل ملازماً له ، ليبعده عن الكوفة ولا ينزله على ماء بأمر من ابن زياد إلى أن ينتظر ما سيؤول إليه الأمر. ولم يدخل في خاطر الحر بأن ابن زياد يخطط إلى قتل الحسين، فقد استبعد هذه الفكرة، وكان يتوقع أن يكون هناك أمر آخر قد يصل إلى إبعاد الإمام عن العراق في حالة استمرار رفضه البيعة ليزيد .

وهذا الواقع كان يختمر في ذهن الإمام الحسین عكس ما يظن به الحر .. فالإمام يعلم بأن هذه الأرض التي وصلها سوف يراق دمه الشريف فيها، ويكون مدفنه ومدافن أهل بيته وأصحابه فيها .. فهو وصل الآن إلى المكان المأمور به أن يقف وأن يلاقي ربه الكريم به شهيداً على مذبح الحرية والحق . .

فكيف اختار الإمام موقع نزوله ليستقر فيه ، وكيف اختار البقعة المباركة من ارض كربلاء .

وهنا نستقرئ عبقرية الإمام في اختيار الأرض.. وهناك سببان لنوعية الاختيار:

الأول : أنه يعلم علم اليقين بدخوله مرحلة قتالية أو معركة حتى لو لم

تكن متكافئة من ناحية العدة والعدد ، بل كان يعتقد أنه يحمل معه سلاح الإيمان القوي بعدالة قضيته ، فاختار الأرض التي يمكن أن يقاتل فيها غير متناس ما تفرضه عليه استراتيجية القتال ، وما يتخللها من مراحل التكتيك على مستوى السَّوْق (كما في العرف العسكري والقتالي ) . وطبيعة ظروف المعركة إذا ما حدثت فسوف تكون الحد الفاصل بينه وبين الظلم والعدوان .

الثاني :

علمه اليقين بأن الأرض التي سيختارها ستكون مثواه ومدفنه مع أهل بيته وأصحابه، كما أخبر عن جده النبي الكريم ووالده الإمام علي، فلا بد من أن

تكون هذه البقعة من الأرض متميزة .

وبذلك يكون الإمام الحسين هو أول إنسان في التاريخ يقوم بمثل هذا الفعل العظيم، فلم يحدثنا التاريخ عن قائد ، اختار أرض المعركة لمثل هذه الأسباب .. فالإلهام الرباني كان له اليد الطولى في هذا الاختيار. وكانت في النهاية هذه البقعة المباركة التي احتضنت جسده الشريف ومن معه .. وأصبحت قبلة للأحرار، وفي مرثية للشاعر الجواهري والتي عدت قصيدته من القصائد الخالدات يرثي الحسين ويقول :

فداءً لمثواك من مضجع *** تنوّر بالأبلج الأروع

بأعبق من نفحات الجنان *** روحاً، ومن مسكها أضوع

ورعياًليومك يوم (الطفوف) *** وسقياً لأرضك من مصرع

إلى أن يقول من بينها :

تعاليت من مفزع للحتوف *** وبورك قبرك من مفزع

تلوذ الدهور فمن سُجد *** على جانبيه ومن ركع

شممت ثراك فهب النسيم *** نسيم الكرامة من بلقع

ولم يكن مثواه معلوماً فقط، بل قبلة الأحرار هذه بدأت تزار منذ مصرعه وعلى مدى الدهور والعصور حتى يومنا هذا وستبقى تزار . .

فكانت جغرافية المنطقة مختارة على أساس عالٍ بفن الحرب وطبيعة من رافق الحسين، فهو يحتاج إلى محل سكن للنساء والعيال، وكذلك للأصحاب ومن رافقهم من نسائهم فكانت البقعة عبارة عن مساحة مسطحة من الأرض على مستوى مرتفع تحيط بها من ثلاث جهات تلال وتلاع مفتوحة من ناحية الشرق على واجهة تطل على مجرى مائي هو نهر العلقمي المتفرع من نهر الفرات وقد حال جيش الحر بينه وبين الماء.. وتصورنا لهذه الأرض مبنى على فرضيات ودراسات أكدتها مصادر تاريخيَّة (1).

وفي أرض كربلاء التي نزل بها الإمام الحسين وأهل بيته وصحبه، بينما نزل الحر ومن معه بين منزل الحسين ونهر العلقمي، وسرعان ما لاحت بوادر جيش قادم من الكوفة ، أكثر ما قيل عن أفراد الجيش هو ثلاثون ألف مقاتل ، وأقل الروايات تقديراً له هو أربعة آلاف مقاتل بالإضافة إلى ما كان الحر بن يزيد الرياحي.. وجيش الكوفة كان قد أرسله واليها عبيد الله بن زياد ابن أبيه بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص !! ويرافقه العديد من القادة الذين من بينهم من كتب إلى الحسين يطلب منه القدوم والنهوض ضد حكم بني أمية، أمثال شبث بن ربعي وسنان بن أنس وحجار بن أبجر وغيرهم.

ولا مقارنة بين جيش ابن زياد مع الحسين وأصحابه من ناحية العدد . . فالحسين وكل من كان معه من رجال ونساء وشباب وأطفال، لا يزيدون عن المئة، يقابلهم جيش بالآلاف عدداً وعدة!!


1) هناك دراسة معمقة قمنا بها، وتفاصيلها يجدها المتتبع في كتابنا التالي عن مدينة كربلاء وعن مرقد الإمام الحسين الذي يصدر بعد هذا البحث إن شاء الله.

ماذا جرى في كربلاء؟

ماذا جرى في كربلاء؟

تحت هذا العنوان لا نريد أن نتحدث عن جانب المأساة التي حدثت كصور القتال وتفاصيل يوم عاشوراء الذي يختص بالقتال غير المتكافئ أبداً، لأن ذلك من اختصاص كتاب (المقتل)، رغم أن مشاهد القتال أعطت صوراً فريدة للشجاعة والإقدام والبسالة المتناهية للحسين وأصحابه .. ولكننا نقصد بما جرى في كربلاء من أحداث وصور قبل لحظة الاشتباك، وكما يلي:

1 . تكوين جيش ابن زياد وأفراده مقارنة بأصحاب الحسين .

2 . تأكيد حجة الإمام الحسين بالخروج على الطاغية وهو خلاصة فكره في نهضته وثورته .

3 . أسلوب الإمام الحسين وإرثه العظيم بإلقاء النصيحة لمن جاء لقتاله كما كان أبوه وأخوه وتأثير ذلك على الجيش المقبل في اللحظات الأخيرة.

4 . موقف أصحاب الحسين في اللحظات الحاسمة والصور الفريدة والنادرة التي ظهروا عليها ، كجانب مقارنة بين الطرفين.

5 . صلابة موقف الإمام الحسين الذي لم يجد أحد مثيلاً له في التاريخ، وهو يرى صورة المأساة والعذابات لأهل بيته وأصحابه، وهو كامل القناعة بأنه في الجانب الصحيح والمحق في مثل هذا الموقف.

6 . صورة جيش ابن زياد وبربرية الأعمال التي قاموا بها، والبعيدة عن الإسلام والعروبة والشرف والأخلاق .

7 . صور فريدة للمرأة ومواقفها وكذلك لموقف الأخ والابن وابن الأخ وابن الأخت وابن العم والأصحاب .

ونترك التفاصيل الأخرى التي ليس لها مكان في دراستنا، فمن يحب أن يعرف تفاصيل يوم عاشوراء يمكنه الرجوع إلى قصص المقتل، وذلك يعود إلى قناعتهم بتصديق شروحات الصورة أم لا، أو قناعتهم بالأسلوب من عدمه، ولنا في ذلك رأي نتحفظ به ، ليس من الضد الكامل ولا بالإيجاب بشكل مطلق ، لأن المقاتل كتبت لأغراض شريفة لتبيان صور الواقعة ولكن استغلت بشكل أو بآخر لما يخرج الحالة من فعلها العظيم والميل إلى التأثير النفسي للبكاء واللطم .

1 . منذ عشرين عاماً وتحديداً منذ مقتل الإمام علي إلى خروج الإمام الحسين، لم يتقابل جيش الدولة في معركة تتهيأ بها الدولة وتستخدم وسائل وخطط الحرب بين المسلمين أنفسهم، أي الحرب داخل حدود الدولة الإسلامية وبين أفرادها ، إلا في مواجهات مبعثرة بين الأمويين والخوارج فقط . وكانت حركات الخوارج هي حركات تمردية ليس لها تأثير سوى إحداث بعض الهزات الخفيفة السطحية في المجتمع الإسلامي. وكذلك بعض الغارات التي أمر بها معاوية لترهيب من هو ضده. كما أن هذه الحركات للخوارج وتصادمها مع الأمويين لا تخرج عن نطاق منطقة ما، بل ليس لها انتشار عام، لأن المجتمع الإسلامي لم يكن يتجاوب مع الخوارج بل كان يقف ضدهم، الخوارج كانوا قساة جداً، ويتصفون بالرعونة، وكان سفك الدماء عندهم أسهل ما يكون والحوادث تذكر عنهم أنهم لا يتهيبون من قتال المحارب والمسالم على حد سواء، بل لا يبالون بما يصادفهم رجلاً كان أم امرأة أم طفلاً . . !

2 . وعندما يقف المجتمع ضد هؤلاء وعدم التجاوب معهم فلا يمكن للخوارج أن ينجحوا في خروجهم أو ثورتهم لأن الجانب النفسي والعقائدي لدى المجتمع ضدهم ويرفض عقيدتهم وتعاليمهم ، فنرى بأن المجتمع كان

يناوئهم ويخذلهم.

ولأن التأثير الديني لدى الناس كان قائماً وإن الخوارج بثوراتهم لم يؤكدوا على تغيير أو تحطيم الإطار الديني الذي اعتمده الحكم الأموي لتقوية سلطانه .

فإن الخوارج لم يعتمدوا أسلوب الثَّورة على أساس أن بني أمية قد خرجوا عن نطاق أصل الشريعة وإطارها ، وأن المجتمع كان يحتاج إلى عملية تقويم شاملة يثقون بمبدئيتها وعدم ثقتهم بالخوارج ومعتقدهم نرى بأن المجتمع قد وقف مع الحكم الأموي ضدهم وقد يكون موقف المجتمع هذا هو الوحيد لعدم توفر القناعة .

ولكن عندما يشعر المجتمع بأنه بحاجة إلى تغيير لا بد أن يعيد مسار الإسلام إلى أصله فإن الثقة وبالذي ينادي إلى هذا التغيير تكون عالية وبشكل خاص إذا عرف الرأس في هذا التحرك فهنا تكون الشمولية بالاستيعاب والمساندة والتأييد .

أما بعد عشرين عاماً من الحكم الأموي فيتم وللمرة الأولى تهيئة جيش بكامل المواصفات ليصطدم مع ثوار مسلمين رفضوا ما وصلت إليه الدولة فكيف أعد هذا الجيش؟

أ . تم تهيئة الجيش على أساس أن هناك وازعاً دينياً وهو الخروج عن الشرعية، فإن أي شخص خارج عن ولي الأمر فهو خارج عن أصل المبادئ الإسلامية وقد تناسوا أن استخلاف يزيد هو خارج عن إطار الشرعية في الإسلام.

وعندما تحدثنا عن وضع الأحاديث وتحريف تفسيرات القرآن والسنة من

خلال صرف الأموال على البعض ممن له إمكانية وضع التشريعات بما يناسب ويقوي الحكم الأموي فبعض هؤلاء والذين تأثروا بهم فيما بعد يصفون الخارج عن الإمام ولي الأمر هو الباغي !!

ويعرفون ذلك ب- (هم مسلمون، خالفوا الإمام ولو جائراً وهم عادلون ) .

أو أن يقولوا: "إن الخروج على الأئمة وقتالهم لهم حرام بإجماع المسلمين ، وإن كانوا فسقة ظالمين " !! ومنهم من يقول : " ولا ينعزل الإمام بالفسق والجور لأن الفاسق من أهل الولاية " .بل يقول آخر " فتجب طاعة الإمام ولو جائراً بل و يحرم الخروج على الإمام الجائر اجماعاً " ! ، والأخطر ما قيل والإمام يصير إماماً بالمبايعة معه من الأشراف والأعيان وبأن ينفذ حكمه في رعيته خوفاً من قهره وجبروته، فإن بويع ولم ينفذ حكمه فيهم لعجزه عن قهرهم لا يصير إماماً.

فإذا صار إماماً فجار لا يعزل إن كان له قهر وغلبة وإلا يعزل " !!(1)

كل ذلك يعني تحريم الثَّورة على الظلم وإعطاء مبررات للحاكم بأن يقهر ويجور على رعيته ، وهي تبريرات دينية وفتاوى تخديرية استطاعت أن تشل الحركات الثورية فيما بعد .. بل أعطت للبعض تفسيرات عدائية لثورة الحسين .

ولو عدنا إلى الخوارج، فللإمام علي رأي في مقاتلتهم، فقد قال رأيه وهو ينازع سكرات الموت بعد أن أصيب بضربة غادرة من الخارجي عبد الرحمن بن ملجم، فقد قال الإمام:


1) أتحفنا سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بهذه المعلومات التي وردت في كتابه ثورة الحسين في الصفحات 170 و 171 و 172 وقد تفضل علينا كذلك ووفر عناء البحث في مثل هذه المواضيع. راجع كتابه المذكور حيث ذكرت فيه مصادر هذه المعلومات وكذلك كتابه نظام الحكم والإدارة في الإسلام ».

" لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه "

وهنا الإمام علي كان يعتقد بأن الخوارج عندما حاربهم هو لأنهم أبدوا التمرد على حكم يتجاوب مع مصالح الشعب العليا، فقد اتخذوا رأياً غير مصيب وأفكاراً خاطئة تبلورت لديهم بعد التحكيم ..

فأراد الإمام علي أن يعيدهم إلى الصواب فأبوا، فكان لزاماً عليه لوحدة الأمة أن يقاتلهم بعد أن كان يعتقد أنهم طلبوا الحق فأخطأوه، وقد استمروا في غيهم.

ولكن كان يعتقد بأن معاوية على باطل فقد أصاب أو وصل إلى فكره الباطل بعدئذ .. مع أن الخوارج بقوا يعتبرون الحكم الأموي هو حكم بغير حق. وبقي موقف الخوارج يقرّح الحكم الأموي كخنجر في خاصرته ولكن الناس وتغيرهم فقد وقفوا مع الحكم الأموي وشاركوا في قتال الخوارج.

ونعود ونقول : التأثير الأموي على الناس باسم الدن وتأثيره بما مرَّ أو ما قام به الحكام الأمويون في ذلك الوقت واستغلالهم الدين لأغراضهم، كان له تأثير على تلبية البعض من العامة لأن يشاركوا في جيش ابن زياد .

وكانت سياسة الأمويين بإعداد الوضاع والقصاصين ليتحدثوا بعد كل صلاة، فإذا تم الانتهاء من الصلاة يقوم رجل يتولى القصص ويذكر الله عز وجل ويحمده ويمجده ويصلي على النبي صلی الله علیه واله وسلم ويدعو للخليفة ولأهل بيته وحشمه وجنوده ويدعو على أهل حربه وعلى المشركين كافة .

وهذا عبيد الله بن زياد بعد أن قتل مسلم بن عقيل يقول في خطبته لأهل

الكوفة :

"اعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم " ويعتمد هذا المجرم على النصوص الشرعية وقد غاب عن مسمعه بأنهم هم الذين تقبلوا هذا الكلام من ابن زیاد قد سمعوه من الإمام علي وهو خليفة والحسن وهو خليفة ولكنهم لم يطيعوهما .

ومما يكشف طريقة الأمويين وأعوانهم بمطالبة الناس بقتل الحسين باعتباره فرضاً وواجباً دينياً عندما وقف أحد قادة جيش ابن زياد وهو عمرو بن الحجاج الزبيدي وقد رأى تردد البعض من أفراد الجيش من مقاتلة الحسين وأصحابه وقال للجيش :

"يا أهل الكوفة ، الزموا طاعتكم وجماعتكم ، ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام "(1).

فإن العامة الذين خرجوا في جيش ابن زياد فإما أن تكون قد انطلت عليهم خدعة الشعارات الدينية أو أنهم استجابوا لابن زياد نتيجة خوفهم منه أو بتأثير رؤسائهم الذين كان البعض منهم ممن كتب للحسين بالقدوم وأعطوه الطاعة برسائلهم . أو ممن كان لهم أغراض ومصالح للمشاركة في قتال الحسين .

أما قادة الجيش. فهم من مناح شتى من الفكر والمصالح.. فقائد الجيش هو عمر بن سعد بن أبي وقاص .. ووالد عمر هو أحد الصحابة المعروفين، وهو قائد جيش المسلمين في معركة القادسية وفتح العراق وفارس ، والأكثر من ذلك كله يقال بأن سعد بن أبي وقاص هو ابن خالة الإمام علي، وبذلك فإن ولده عمر بن سعد هو أقرب الناس من جيش بني أمية إلى


1) تاريخ الطبري ج 4 ص 331.

الإمام الحسين صلة في القربى ، ودليل هذه القرابة هو ان مسلم بن عقيل عندما قدّم ليُضرب عنقه في قصر الإمارة بالكوفة ، طلب من ابن زياد أن يختلي بعمر ابن سعد بن أبي وقاص فوافق ابن زياد وعندما اختلى مسلم بعمر بن سعد قال له :" يا بن عمّ ، أنت أقرب الناس إلي هنا وإليك وصيتي ... " وتقدم عمر فهمس مسلم في أذنه مناشداً قرابته أن ينفذ وصيته التي سيقولها له وهي أنه يرد ديناً عليه قد اقترضه من رجل بالكوفة، فيبيع سيفه ودرعه ويفي دينه، وأن يرسل إلى الحسين من يمنعه من القدوم إلى الكوفة، وأن الأمر قد اختلف عن رسالته الأولى بأن الناس معه والآن انقلب الأمر على عقبيه .

ولكن عمر بن سعد أسرع إلى عبيد الله بن زياد وأخبره بما قال له مسلم ! !

إذاً عمر بن سعد بن أبي وقاص هو القائد المكلف بالقضاء على الإمام الحسين، وكان تكليف عمر بهذه المهمة دون أن يكلف بها أموياً مثلاً ، لها أبعادها، منها:

أولاً : إن عمر ابن أحد كبار الصحابة ، و ليعطي الأمويون دليلاً على أنه ليسوا هم وحدهم من يقف ضد الحسين في خروجه وثورته .

ثانياً : إن عمر بن سعد كان يتمنى الإمرة على (ملك الري) وقد مناه عبيد الله بن زياد بأن يوليه (الري) إذا ما نفذ هذه المهمة ونجح فيها، ولعمر شعر مشهور بذلك .

و خلال بدء المعركة رمى عمر بن سعد أول سهم باتجاه معسكر الحسين وقال بأعلى صوته :

"اشهدوا لي عند الأمير بأنني أول من رمى ". لأنه كان يعلم أنه مراقب

في موقعه هذا وقد أرسل ابن زياد إليه المجرم شمر بن ذي الجوشن يوبخه لتباطئه في أخذ الحسين ، وإن استمر على ذلك فيكون أمير الجيش (شمر بن ذي الجوشن ).

ثالثاً : كان سعد بن أبي وقاص قد اعتزل الأمر منذ تولي الإمام علي للخلافة، بل إن سعداً لم يبايع عليَّ بن أبي طالب، وكان سعد أحد أعضاء الستة في مجلس الشورى الذي عينه عمر. وقد حاول معاوية استمالته إلى جانبه فرفض سعد وهو يعرف فضل الإمام علي وكانت بينه وبين معاوية كتب ومراسلات نقلها المؤرخون منها رد سعد لمعاوية عندما قال : " إنني سمعت من رسول الله يقول لعلي :" ألا ترضى بأن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي "وكذلك ذكر له ما سمع من حديث للرسول يوم فتح خيبر ، وأخرى بفضل عليّ، ولكن سعداً كان له موقف من الإمام علي، قد يكون شخصياً أو نفسياً والقسم الآخر يقول بأنه كان حاسداً للإمام، والله أعلم ..

ويعرف بأن سعد بن أبي وقاص قضى مسموماً بتدبير من معاوية كما ذكرنا ذلك سابقاً ولكن الغريب من ابنه أن يكون قائداً لجيش ابن قاتل أبيه !! وذهب ليقتل عترة النبي صلی الله علیه واله وسلم وآل بيته، وما ذلك إلا لما أصاب أفراد المجتمع إذ ذاك من انحطاط وتغيّر أفراد المجتمع حينذاك.

رابعاً : كان عمر طموحاً إلى المال والنفوذ، فقد أجزل له الأمويون لقاء موقفه هذا وكان عمر يعرف بأنه سوف يخوض حرباً سهلة ولو أنها فارغة من السجايا والقيم النبيلة وإن عذاب الرب سوف لن يفلت منه، ولكن الإنسان جهول!!

فماذا يقول الناس . . ابن علي بن أبي طالب يقاتله ابن سعد بن أبي وقاص، فإنه أمر مثير للدهشة أن يأتمر عمر بن سعد بن أبي وقاص بأوامر عبيد

الله بن زياد ابن أبيه .

وعمر بن فاتح العراق وفارس ومن كبار الصحابة يأتمر بأمر ابن مرجانة وجدته سمية احدى صاحبات الرايات الحمر !! بل يتملق ويداهن إلى ابن مجهول الأب كما كان في إخبار واليه بوصية مسلم.

أما بقية قادة الجيش فمنهم (شبث بن ربعي) الذي كان شديداً على الحسين وأصحابه وكان ممن ساهم في قتل الحسين شخصياً وشبث هذا كان يهودياً وأسلم وكان من يهود الكوفة أصلاً عندما تم إسكانهم الكوفة بعد تمصيرها، وقد حارب مع الإمام علي في حرب صفين ضد معاوية، وشبث بن ربعي هو من الذين كتبوا إلى الحسين يستنجدون به للقدوم إلى الكوفة لأنه لا إمام لديهم وإنهم نبذوا حكم بني أمية .. ونراه بعد ذلك في صفوف قتلة الإمام وقائداً لإحدى كتائب جيش ابن زياد وبأمر من يزيد.

و( حرملة بن كاهل ) اليهودي الذي أسلم وبعد وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم ارتد عن الإسلام وكان يحمل راية (سجاح) التي ادعت النبوة مع مسيلمة الكذاب، وبعد القضاء على الردة بالحروب المعروفة في زمن الخليفة أبي بكر فقد رجع إلى الإسلام بقوة السلاح.

و (سنان بن أنس) هذا المجرم الذي كان من المستقبلين لمسلم بن عقيل عندما قدم إلى الكوفة وسرعان ما انقلب عليه مع من انقلب، وأصبح أحد قادة الجيش الذي جاء ليقتل الحسين بل كان هذا المجرم هو الذي حزّ رأس الحسين وفصله عن بدنه بمساعدة شمر بن ذي الجوشن، هذا المسخ الآخر الذي اشتهر بأنه يتباهى بقتله الإمام الحسين وحرق خيام أهل بيته على النساء والأطفال بل جالت حوافر خيله صدر الإمام الشهيد . وكان شمر هذا معتمد ابن زياد وعينه على عمر بن سعد وجيشه .

وكذلك قيس بن الأشعث وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث وجميعهم ممن كتب إلى الحسين يستعجله القدوم إلى الكوفة .

هذه الشرذمة من القساة والأفاقين والأنذال ومن أمثالهم البقية في الجيش هم الذين تجرأوا على حُرمة ابن النبيه صلی الله علیه واله وسلم وابن بنت رسول الله وبقية العترة الطاهرة.. وكان هَم هؤلاء الأول رضا واليهم ويزيد والأمويين، وقد رضوا بدنيا زائلة تزلفاً للحكم الظالم من أجل وجاهة مؤقتة ومال حرام.

ب. يقابل هؤلاء أصحاب بررة اشتروا الجنة برضا الله وباعوا أنفسهم ونبذوا العيش في ظل الظلم من أجل كلمة الحق ونصرة ابن بنت المصطفى، وقناعتهم التامة بصواب موقف الحسين ونذروا أنفسهم من أجل المبادئ والقيم الحقة .. وعلى قلتهم ولكنهم كانوا جبالاً شامخة وأعطوا للبشرية دروساً وعبراً لا يمكن أن تزول آثارها .. والعجيب في الأمر أنهم كانوا يعرفون جيداً بأنهم مقتولون لا محالة، رغم أن الإمام الحسين قد أخبرهم بالأمر كله وطلب منهم الرجوع، فقد أبوا وحتى المعركة، فكانوا ذوي مبادئ وإخلاص تام لا مثيل له وكانوا تواقين للشهادة بين يدي الحسين للحصول على الجنة في أشرف السبل وأنبلها :

قوم إذا نودوا لدفع ملمة *** والقوم بين مدعس ومكردس

البسوا القلوب على الدروع وأقبلوا *** يتهافتون على ذهاب الأنفس

نصروا الحسين فيا لهم من فتية *** باعوا الحياة وألبسوا من سندس

فهؤلاء الذين بقوا مع الحسين بعد أن تفرق عنه الآخرون عندما خطب بأصحابه في (زبالة) عندما جاءه خبر مقتل مسلم وهاني وعبد الله بن يقطر وقيس بن مسهر وقال لأصحابه : " وقد خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام " .

وفي كربلاء وعندما استبان للحسين كامل الأمر قال لأصحابه الذين بقوا معه :

"الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون " . ثم قال :

"أما بعد ، فقد نزل بنا من الأمر ما ترون ، وإن الدنيا تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما " .

فبعد ذلك لنر ماذا كان موقف أصحابه الأبطال، فقد رفضوا الدنيا وأحبوا شفاعة جد الحسين واشتاقوا للقاء ربهم وهم أشد سعادة من غيرهم وقالوا للحسین ما فاضت به قرائحهم بقلوب صادقة ومؤمنة بالقدر الذي اختاروه . .

فهذا زهير بن القين يقول له :

"سمعنا يا بن رسول الله مقالتك . ولو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنا فيها مخلدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها "

وكان زهير قبل لقائه الحسين في (زرود) أموي الهوى ورفض بداية اللقاء بالحسين وقد ذكرنا ذلك سابقاً .

أما نافع بن هلال فقال للإمام الحسين :

"سر بنا راشداً معافى، مشرقاً إن شئت أو مغرباً، فوالله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربنا ، وإنا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ،

ونعادي من عاداك ". (1)

ونافع هذا وفي ليلة العاشر من المحرم شاهد الإمام الحسين قد خرج يتفقد التلال والتلاع المحيطة بخيام أهله وأصحابه، فلحق به نافع بن هلال خوفاً على الحسين وقال : " ماذا تريد يا بن رسول الله؟ "

قال الحسين : " أتفقد التلال ثم التفت إلى نافع وقال له :

" ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل، وتنجو بنفسك؟

فوقع نافع على قدميه يقبلهما ويقول :

"ثكلتني أمي، إن سيفي بألف ، وفرسي بمثله، فوالله الذي مَنَّ عليَّ بك لا أفارقك حتى يكلأ عن فري جري" .

وهذا مسلم بن عوسجة الذي قال للحسين :

" أنحن نخلي عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك؟ أما والله لا أُفارقك حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك . " .

وهذا نموذج عظيم آخر وهو (بُرَيْر بن خُضَيرُ) يقول للحسين :

" يا بن رسول الله، لقد منَّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك، تقطع فيك أعضاؤنا، ثم يكون جدك شفيعنا القيامة "

وانظر إلى هذا الأسد وهو (سعد بن الحارث الخزاعي )ماذا يقول؟ . . بعد أن سمع الحسين يقول :


1) أعيان الشيعة ج 4 ق 1 ص 234

"أما بعد، فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ، ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عني جميعاً، ألا وإني أظُنُّ أن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، وإني قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم مني ذمام ، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جَمَلاً، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعاً خيراً، وتفرقوا في سوادِكم ومدائنكم ، فإن القوم إنَّما يطلبوني، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري " . . .

فهنا انبرى سعد بن الحارث الخزاعي وقال :

" والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك، والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أُحرق حياً ثم أذرى يفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة " .

وعلى كل حال فإن أصحاب الإمام الحسين رغم اعذاره لهم والسماح لهم بالتفرق لأن القوم يطلبوه وحده فقالوا له :

" والله لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء ، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا وإذا نحن قتلنا ، كنا وفينا وقضينا ما علينا "(1).

أما أهل بيته من إخوته وبني أخيه وأبنائه وأبناء عمومته وأبناء أخته الحوراء زينب أولاد عبد الله بن جعفر، فكان لهم موقف عظيم بعد أن منحهم الحسين فرصة الذهاب وعدم تعريض أنفسهم للقتل ما دامت هناك فرصة أن سانحة، وبعد سمعوا كلامه قالوا جميعاً :


1) تاريخ الطبري - ج 1 ص317-318.

"ولم نفعل .. لنبقى بعدك .. لا أرانا الله ذلك أبداً ". (1)

وكان شمر بن ذي الجوشن كلابياً (من بني كلاب ) وإخوة الحسين ، العباس و جعفر وعثمان وعبد الله أمهم (أم البنين ) الكلابية يعني أن هذا المجرم من أخوالهم، فقبل بدء القتال خرج شمرٌ هذا وصاح بأعلى صوته :" أين بنو أختنا" ؟ .

فخرج عليه العباس بن علي وإخوته وقالوا له : "وما تريد؟ . ." قال : "أنتم يا بني أختي آمنون . . "

فقالوا له :

"لعنك الله ولعن أمانك ، لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له"(2)

لا ندري ، هل نسي شمرٌ بأن هؤلاء الليوث هم أبناء علي بن أبي طالب . . ولمن يقول ذلك؟ . .

إلى العباس بن علي الملقب ب- (قمر بني هاشم)، هذا الضرغام الذي أعطى أمثلة وليس مثالاً واحداً عن التضحية والفداء والإيثار ونكران الذات، بل في الشجاعة التي ليس لها حدود، وأعطى للإخوة شكلاً لا يمكن أن يحدث أو يتصوره أحد، وما كان العباس وإخوته إلا نتيجة تربية أمهم التي تزوجها الإمام علي بعد وفاة فاطمة الزهراء وكان اسمها فاطمة أيضاً وطلبت من الإمام علي أن يناديها بأُمِّ البنين، لأن الحسن والحسين وأخواتهما كانوا صغاراً ولم تشأ هذه السيدة الفاضلة أن تنادى باسمها فيتذكر هؤلاء أمهم سيدة النساء ويتألمون . .


1) ثورة الحسين - شمس الدین ص 189.

2) تاريخ الطبري - ج 4 ص 315

وقد قامت بتربيتهم وخدمتهم والاهتمام بهم وزرعت محبتهم في قلوب أبنائها وكإنَّما كانت ترضعهم محبة الحسين مع حليبها ! .

أما بنو عقيل فكان الإمام الحسين يشفق عليهم بشدة بعد مقتل مسلم بن

عقيل في الكوفة فقال لهم :

"حسبكم من القتل بمسلم ... اذهبوا فقد أذنت لكم " .

ويعرف بأن سبعة من آل عقيل كانوا يرافقون الإمام الحسين، منهم أربعة من أبناء عمه عقيل إخوة مسلم وهم : جعفر وعبد الرحمن ومحمد وعلي، وأولاد مسلم بن عقيل ، عبد الله ومحمد وكذلك محمد بن أبي سعيد بن عقيل .. فماذا كان جواب هؤلاء لابن عمهم الحسين ؟ قالوا :

"فما يقول الناس ، وما نقول لهم ؟ إنا تركنا شيخنا، وسيدنا، وبني عمومتنا خير الأعمام ، ولم نرم معهم بسهم ، ولم نطعن برمح، ولم نضرب بسيف ، ولا ندري ما صنعوا . لا والله لا نفعل ، ولكن نفديك بأنفسنا ، وأموالنا وأهلينا نقاتل معك حتى نرد موردك، فقبَّح الله العيش بعدك " !!

وبالفعل فقد سقطوا جميعهم شهداء مع الإمام الحسين بعد أن بذلوا كل ما بطاقتهم للذود عن سيدهم وشيخهم الإمام الحسين.

هذه هي الصورة الرائعة كان يقابلها في الجانب الآخر صور بشعة لذئاب بشرية غاب عنها الضمير وتوقف عندها الشعور الإنساني.

ولو أردنا أن نقارن موقف الشرذمة من جيش ابن زياد مع موقف (المرأة)(1)في كربلاء التي كان لها دور عظيم، سواء أكانت زوجة أو أماً أم أختاً، فعدا نساء الحسين وأخته ونساء إخوته وأولاد عمومته، فإن هناك نماذج


1) أفردنا موضعاً خاصاً في بحثنا نتحدث فيه عن دور المرأة أثناء ثورة الحسين، يأتي لاحقاً.

يعجز القلم التحدث عن موقفها، بل كانت إحداهن شهيدة سقطت مع الشهداء بعد أن شجعت زوجها وابنها للذود عن الإمام، وبعد مقتلهما سقطت هي شهيدة، وكانت الشهيدة الوحيدة من بين الشهداء الرجال وهي (أم وهب ) . . فهل هناك موقف للمقارنة ؟ .

وكان قبل يوم حدثت مقابلة بين الإمام الحسين وعمر بن سعد على شكل تفاوض، وكان رأي عمر بن سعد أن لا يقاتل الحسين على أن يرجع الحسين من حيث أتى أو إلى أي مكان يريد ، وكان هذا رأي عمر بدون أخذ رأي الحسين أو موافقته، وأن عمر اجتهد بأن يكتب إلى ابن زياد فإن وافق يمكن بحث الأمر مع الحسين، وكتب عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد بذلك فكان رد ابن زياد إلى عمر :

" أما بعد ، فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتطاوله ، ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم، واستسلموا فابعث بهم سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاق مشاق ، قاطع ظلوم وليس في هذا أن يضرّ بعد الموت شيئاً ولكن علي قول، لو قتلته فعلت هذا به (1)

رغم أن هذا الرد ذكره الكثير من المؤرخين ، وبعضهم ذكر بأن الكتاب أرسل بيد المجرم شمر بن ذي الجوشن ، وأمره ، إن لم يطع الأمر قائد الجيش عمر بن سعد بن أبي وقاص، فيكون هو ( أي شمر) الأمير على الجيش .

ولكن نستبعد أن يكون عمر بن سعد قد فاوض الحسين على ما ذكر،


1) الكامل في التاريخ - لابن الأثير ج 3 ص 284 . وتاريخ الطبري - ج 4 ص 314.

لأن الحسين إذا كان يريد الرجوع بالمفاوضة مع عمر بن سعد فقد كان هذا السبيل مفتوحاً له سابقاً ، ولكنه أصر على رأيه، فكيف نتصور بأن الحسين بعد كل ذلك يتفاوض على السلامة .

ونعتقد وكما هو معروف أن عمر بن سعد كان متردداً في قتال الحسين، ويمكن أن نقول أو نفترض بأن ابن سعد بادر من تلقاء نفسه وأرسل إلى ابن زياد بمقترحه ونستبعد أن يكون للحسين رأي أو اتفاق على ذلك، لأنه يخالف كل ما بحث . وكان رد ابن زياد وارداً لأنه ذكر من قبل الكثير من الرواة والمؤرخين ، وربما كان لقاء الحسين بعمر بن سعد كان لإلقاء الحجة وتبصير ابن سعد بما يقوم به لأن بين الاثنين قرابة معروفة .

2 . وبدأ فجر العاشر من محرم الحرام سنة 61 ه-. وكان هناك جيش يعد بعدة آلاف من القادة والمقاتلين اتخذ النهر خلفه وهو يواجه مخيم ومعسكر الحسين الذي كان يضم أهل بيته وأصحابه ومعهم نساء وأطفال، وكان الكل لا يزيدون عن المئة فرد لا غير.

وقد أيقن الإمام الحسين أن هؤلاء القوم يريدونه مقتولاً بعد أن عرفوا بأنه لا يعطي البيعة ليزيد.. وقد تأهب الإمام وأصحابه والرجال والشباب والفتيان من أهل بيته، ووقفوا ليوثاً أمام هذا الجيش الجرار، وكان كل واحدٍ منهم لا يقبل بأقل من أن يلقى ربه شهيداً يذود عن الحسين وعن مبادئ الإسلام.

وهنا لم يغب عن بال الحسين بأن يعطي لهؤلاء ومن خلالهم درساً بليغاً للإنسانية وأن يذكرهم بالحجج التي خرج من أجلها وأن يبين مفاصل وأهداف ثورته التي بدأها سلمياً لحد هذه اللحظة حتى يعذر أي شخص بعد ذلك من اتخاذ موقفه .. وتقدم إلى القوم وهو على فرسه وأراد منهم الاستماع إليه

ولكنهم لم ينصتوا له مع العلم أنهم جميعاً من أهل الكوفة ومن بينهم الكثير ممن كتب إليه .. وعندما استمروا بتجاهله ، صاح فيهم بأعلى صوته :

"ويلكم ، ما عليكم أن تنصتوا لي فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد ، فمن أطاعني كان من المرشدين ومن عصاني كان من الهالكين، وكلكم عاص لأمري، غير مستمع لقولي، فقد ملئت قلوبكم من الحرام، وطبع على قلوبكم ، ويلكم ألا تنصتون؟ ألا تسمعون؟ ."

والحقيقة أنه كان في جيش ابن زياد من لم يعلم بحقيقة الأمر، بل قسم منهم لم يكن يعرف أصلاً إلى من جاء ليقاتل، وهؤلاء لا يخفى عليهم من هو الحسين بن علي ، ولكنهم وجدوه أمامهم وجهاً لوجه، وعرفوا بأنهم جاؤوا ليقتلوه، ولكن هؤلاء لا حيلة بيدهم تحت ضغط أمرائهم ورؤسائهم ولا بد من هزة تردهم إلى صوابهم ، فصاح الكثير من أفراد جيش عمر بن سعد وتحادثوا بينهم ..

وقالوا : " أنصتوا له ".

فقال الإمام الحسين بعد أن حمد الله وذكر نبيه الكريم ثم قال :

"تباً لكم أيها الجماعة وترحاً ، أحين استصرختمونا والهين، فأصرخناكم موجفين ، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ، وحششتم علينا ناراً أوقدناها على عدونا وعدوكم ، فأصبحتم إلباً على أوليائكم ، ويداً عليهم لأعدائكم بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكُمْ فيهم ، إلا الحرام من الدنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه ، من غير حَدَثٍ كان منا ، ولا رأي تفيَّلَ لنا فهلا - لكم الويلات إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهمتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن ، والرأي لما يستحصف ، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدُّبا، وتداعيتم إليها كتداعي الفراش، فسحقاً لكم يا عبيد الأمة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة

الشيطان وعصبة الآثام، ومحرفي الكتاب ومطفئي السنن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومبيدي عترة الأوصياء، وملحقي العهار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخ أئمة المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ، ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم وفي العذاب هم خالدون .

وأنتم ابن حرب وأشياعه تعضدون ، وعنا تخاذلون، أجل والله ، الخذلُ فيكم معروف ، وَشُجَتْ عليه أصولكم، وتآزرت عليه فروعكم وثبتت عليه قلوبكم ، وغشيت صدوركم، فكننتم أخبث ثمرة، شجّى للناظر، وأكلةً للغاصب ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها، (قد جعلتم الله عليكم كفيلاً) فأنتم والله هم.

ألا وإن الدعي قد ركز بين اثنتين ، بين السَّلَّة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجُدُودٌ طابت، وحُجُورٌ طُهرت، وأنوفٌ حمية، ونفوس أبية ، لا تؤثر طاعة اللثام على مصارع الكرام ، .. ألا وإني قد اعذرتُ وأنذرتُ، الا وإني زاحف بهذه الأسرة، مع قلة العدد وكثرة العدو، وخذلان الناصر" .

في هذه الخطبة المدوية والذين جاؤوا يقاتلونه يستمعون وكأن الطير على رؤوسهم، ولم يبق الإمام شيئاً خافياً لم يصارحهم به وقد أكد فيها على أهم ما يمكن أن يقال في مثل ذلك الموقف :

أ . أنه أعلمهم بأنهم جاؤوا يحاربون محرريهم.

.ب ذكرهم بأنهم دائماً يظهرون الثَّورة، وعندما يرون الأمر قد أخذ الجدية، ينقلبون جلادين للثورة بدلاً من أن يكونوا هم من الثوار .

ج. أخبرهم ولآخر مرة مذكراً إياهم عن واقعهم، وكيف استصرخوه

للتخلص من جلاديهم ، وعندما استجاب لهم ، انقلبوا مع من كان يسومهم العذاب، ضده.

د . واجه أهل الكوفة بضعفهم وحبهم لحياة الذل والخسة على حساب الكرامة والرفعة .

ه-. وأخيراً واجههم شخصياً ليعرفوا جيداً من يحاربون، وإن كانوا يعرفون ذلك مسبقاً ولكن الإمام قصد من ذلك أن لا يبقي أي عذر لأحد قد يكون غافلاً عما يفعل . وكما أعلمهم على أنهم يقدمون على أمر عظيم يبتعد عن الشرع والعرف والشرف.

ما هو تأثير هذه الخطبة في لحظتها؟

ما هو تأثير هذه الخطبة في لحظتها؟

:أولاً : بدأ تأثير هذا الخطاب على البعض من جيش ابن زياد والذي يقوده عمر بن سعد، فقد بدأ هذا البعض يهرب من معسكر الظلم ويتجه باتجاه معسكر الحسين ويقف معه، وعندما شوهدوا وهم ينتقلون لنصرة الحسين، انبرى أحد قادة الجيش الأموي وهو (عمرو بن الحجاج الزبيدي) وهو يرى هذه الحالة وقد تؤثر على الباقين في الجيش فصاح بأعلى صوته قائلاً:

"يا أهل الكوفة ، الزموا طاعتكم وجماعتكم ، ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام "(1).

ثانياً : كنا قد تحدثنا عن (الحر بن يزيد الرياحي) وهو على رأس جيش قيل بأنه يشكل ألف مقاتل كان قد أرسله ابن زياد ليبعد الحسين من دخول الكوفة، وعندما نزل الحسين في كربلاء وقف الحر وجيشه في الجهة المقابلة


1) تاريخ الطبري ج 4 ص 331 .

(مع جيش الأمويين ) والحر كان لا يعتقد أبداً بأن ابن زياد يريد قتل الإمام وهو في معسكره فقد وافاه جيش عمر بن سعد، فقد تيقن بأن الأمر غير ما كان يتصوره الحر وبقي مع الجيش على رأس مجموعته وهو ينظر إلى الحالة، وفي صباح يوم العاشر من محرم وقد تقابل الطرفان ، جيش عرمرم، وثلة من الثوار لا يشكلون بكل المقاييس أي نوع من التوازن والتكافؤ ، لا عدة ولا عدداً، ولا غايات نبيلة وشريفة متكافئة . . وبعد أن سمع خطبة الحسين والحر يقف أمام الجيش بدأت ترتعد فرائصه ، ولم يستقر وهو على فرسه، فتجرأ أحد أصحابه وقال له : "ما بك؟ "قال الحر :" والله إني اخير نفسي بين الجنة والنار "، وما هي الا لحظات واذا به يضرب فرسه برجله وينتقل الى معسكر الحسين، وينزل عن فرسه ويعتذر من الامام ويطلب منه العفو ويرجوه أن يقبله مقاتلاً بين يديه، فقال له الحسين: "انت حرّ في الدنيا والآخرة " (1). وقد تبع الحر بعض مرافقيه وانتقلوا إلى معسكر الحسين.

ثالثاً : لم يكن تأثير هذه الخطبة على الجيش الأموي فقط، بل زادت من

حماسة ورباطة الجأش لدى أنصار الحسين وأصبح أحدهم شعلة من البطولة، وظهر ذلك أثناء القتال وكان أحدهم يعادل مئة فارس شجاع، صالوا وجالوا في أرض كربلاء ورووا بدمائهم أرضها ناصرين الحسين وقد خلدوا إلى يومنا هذا .

وبعد الخطبة الأولى للحسين وقد رأى أن أهل الكوفة قد أصروا على قتله ولم يردعهم وازع من ضمير، فقال الإمام الحسين مخاطباً هؤلاء ومؤكداً لهم حقيقة الأمر وليلقى آخر الحجج بقوله :


1) قاتل الحر بن يزيد الرياحي بجانب الحسين وقد أبلي بلاء حسناً وقد استشهد في المعركة وبعد المعركة فقد نُقل جثمانه الطاهر من قبل بني تميم الساكنين مع بني أسد في ضواحي كربلاء والقرى المحيطة بها ونقلوه إلى الغرب من كربلاء .

"ايها الناس ، اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى اعظكم بما يجب لكم علي ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري ، وصدقتم قولي ، وأنصفتموني ، كنت بذلك أسعد، ولم يكن لكم علي سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن امركم عليكم غمة، ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون ، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين.

أما بعد ، فانسبوني ، فانظروا من أنا ، ثم ارجعوا الى أنفسكم فعاتبوها وانظروا :هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم؟ ، وابن عمه، وأول المؤمنين بالله ، والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربّه؟ ، أوليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي، أوليس جعفرُ الشهيد الطيار عمي؟ أولم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لي ولأخي: "هذان سيدا شباب أهل الجنة ؟" فإن صدقتموني بما أقول -وهو الحق -والله ما تعمدت كذباً مذ علمت أن الله يمقتُ عليهِ أهلَهُ، ويضرُّ به من اختلقه ، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك اخبركم .. سلوا جابر بن عبد الله الانصاري، وأبا سعيد الخدري او سهل بن سعد الساعدي أو زيد بن أرقم ، أو أنس مالك . .

بن يخبركم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لي ولأخي، أفما في حاجز لكم عن سفك دمي ؟ .. فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكوّن في أني ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم وأنا ابن بنت نبيكم خاصة، أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته ؟ أو بقصاص من جراحة؟ .. يا شبث بن ربعي ، ويا حجار بن ابجر ويا قيس بن الاشعث ويا يزيد بن الحارث . . ألم تكتبوا إلي : أن قد اينعت الثمار واخضر الجناب، وطمت الجمام، وإنما تقدم على جند مجند، فاقبل " .

" سبحان الله ، بلى والله لقد فعلتم " ..

فقال له قيس بن الأشعث بن قيس:

" أولاً تنزل على حكم ابن عمك ، فإنهم لن يروك إلا ما تحبّ ولن يصل اليك منهم مكروه .." أي بايع يزيد وتلقى السلامة !!

فقال له الحسين: "أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ . .

وكان محمد الأشعث هو أخو قيس بن الأشعث ومحمد هو الذي آمن مسلم بن عقيل ولم يف بأمانه .. وأخيراً وعندما رأى الإمام الحسين انه قد اعذر القوم ولا آذان صاغية عندهم وهم مصممون على قتله، فقال الإمام كآخر مقالة معهم بعد أن يئس منهم :

" لا والله ، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار العبيد، عباد الله : عُذْتُ إني بربي وربكم أن ترجمون . اعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب "(1).

كانت الخطبتان اللتان ألقاهما الإمام الحسين مخاطباً أهل الكوفة المتمثل بجيشهم الذي جاء لينهي الحسين وثورته ، لهما أبلغ التعبير وأدقه عن أهداف ثورته وعن إعطاء الصورة الحقيقية لواقع المجتمع المتخاذل جداً والذي فاق تخاذله عن ما سبقه في زمن الإمام علي والإمام الحسن بعده . .

وقد كانت كلماته دروساً بالغة في التأثير على الأيام القادمة وأشكال الصراع والثورات التي حدثت فيما بعد في المجتمع الإسلامي.


1) الكامل في التاريخ - لابن الأثير - ج 3 ص 287.

كما أن الإمام الحسين وضع فيهما النقاط على الحروف، وذكر الناس بأن من يقتل عترة النبي وأهل بيته هو ليس من الإسلام بشيء ولا يمت له بأي صلة، وأن الدرس الأبلغ هو تقديم نماذج من البشر على قلتهم ولكنهم بصمودهم وتضحيتهم، أعطوا للبشرية زخماً ورافداً بأن الحق له من يطلبه ولو تحمل من العذابات الشيء الكثير، وأن الجوانب الروحية ما زالت موجودة بل تفوق المعاني المادية للحياة، باعتبار أن المادة زائلة بزوال الدنيا ومباهجها وإن الموت هو حق على البشر ولكن حياة الذل لا تتساوى مع جوانب الخلود والسمو الروحي والكرامة الأبدية في دنيا الآخرة وخاصة والكل كان يؤمن بوجود يوم الحساب وهناك جنة ونار وإن هؤلاء المجرمين (ليسوا كمن اجتهد وأخطأ فله حسنة واحدة ) كما يقول البعض وإنَّما هذه جريمة تقع تحت طائلة الحساب الإلهي لا محالة، فهذا ليس اجتهاداً وإنَّما هو البغي بعينه والإيغال في الإثم.

والذي يؤلم حقاً عندما نقرأ تحليلات البعض بأن الإمام الحسين كان في خطبه هذه يستدر ويطلب العطف من الجيش الذي جاء ليقاتله، مثلما وقع البعض من أتباع أهل البيت في الخطأ نفسه عندما نراهم في مجالسهم يستصرخون الضمائر بألم في أن الحسين كان يطلب النصرة والمساعدة عندما يقولون :" كان الحسين ينادي .. هل من ناصر ينصرنا" أو أن يقولوا بأنه أخذ يطلب من قاتليه بأن يرحموا عياله وأهله في حالة العطش التي أصابتهم !! وكل ذلك استدراج الناس والمستمعين إلى التأثير النفسي ودعوتهم إلى البكاء . .وكإنما خرج الحسين وثار لكي نبكي عليه فقط . .

وقد أحدثت كلمات الحسين أثرها كالسحر، وبدأ الرجال من جيش عمر ابن سعد ينضمون إلى جانب الحسين .

المواجهة

المواجهة

ونعود إلى لحظات المواجهة . . وبعد الخطبة التي ألقاها الإمام الحسين وخوفاً من انفراط عقد الجيش الأموي بعد نزوح البعض إلى جانب الحسين، وكان انتقال الحر بن يزيد الرياحي له تأثير على بقية الجيش، كما أن وصول رد ابن زیاد عصر يوم التاسع من محرم والتهديد الذي وصله من أميره ، فما كان من عمر بن سعد بن أبي وقاص قائد الجيش إلا أن يأخذ سهماً يرمي به باتجاه الحسين وأصحابه وهو يقول :

"اشهدوا لي عند الأمير بأنني أول من رمى الحسين " . . ! !

ويعني ذلك بدء القتال ، وكان بالذات حيث بدأت المبارزة كما هو معمول به من قبل البعض حيث برز أصحاب الإمام الحسين واحداً واحداً يقاتلون إلى أن تم الالتحام .

وهكذا بدأ القتال في تواتر وسرعة لا تتيح لكلمات الحسين أن تفعل أثرها. وقاتل الإمام الحسين وصحبه قتالاً مجيداً حتى سقطوا جميعاً شهداء وسقط الحسين على الأرض مثخناً بجراحه مصاباً بأكثر بجراحه مصاباً بأكثر من مئة طعنة، وقد خارت قواه ، ثم تقدم شمر بن ذي الجوشن وسنان بن أنس فاحتر شمر رأسه الشريف وساعده سنان ويقال بأن شبث بن ربعي كان ثالثهم .. ثم وطأ جسده الشريف حتى رضوا ضلوعه ومثلوا به أشنع تمثيل .. وحملوا الرؤوس ومضوا بها على أسنة الرماح إلى عبد الله بن زياد .. ثم إلى يزيد بن معاوية، وانتهت هذه الجولة بأروع استشهاد وأعظم بطولة وكانت شهادة الحسين أعظم انتصار

للثورة، لأنها تغلغلت في الضمير العربي والإسلامي وأخيت الضمائر التي خنقها الإرهاب لتسقط بعد ذلك بستين عاماً فقط .. دولة بني أمية .

ونقل الرواة عن الملاحم التي سطرها أصحاب الحسين واندفاعهم في نصرة الحق، وكان النجم اللامع في تلك الصولات هو قمر بني هاشم، العباس ابن علي الذي شابه أباه في القتال وهو يصول ويجول في ساحات الوغى، وكذلك أهل بيته وأصحابه فقد سطروا ملاحم في البطولة لا تتكرر مرة أخرى .

والله إن هذا العظيم الذي ضحى بنفسه وأبنائه وإخوته وأبناء عمومته وأصحابه، لم يثر حتى نبكي عليه ونلطم فيما بعد، وإنما يجب أن نفتخر بأن هذا المتميز من البشر كان يريد للإنسانية والبشرية جمعاء وليس للمسلمين فقط أن ينفضوا عنهم غبار الذل والهوان وكان يريد للإنسان أن يعيش حراً حراً كما خلقه الله حراً، وما أحرانا اليوم أن نسير ولو على جزء يسير من أخلاقه ومبادئه . . ولكن وبعد أربعة عشر قرناً، يستصرخ الكثير من محبي الحسين على أخذ الثأر ! ! . . الثأر ممن؟ .. ورفع شعارات (يا لثارات الحسين ) الآن .. وفي مثل هذا الوقت الذي تعددت فيه المسالك واختلف الناس في مشارب شتى . . سوف تختلط فيه الأوراق . .

إن نتيجة استشهاد الحسين كانت تعاقب الثَّورات على أنظمة الحكم رفعوا هذه الشعارات وكانت لازمة وضرورية لإيقاد جذوة الثورة في المجتمع، والآن وفي مثل هذا الزمان حري بنا أن نرفع شعار السير على نهج الحسين وتطبيق مبادئه وأخلاقياته وإنسانيته والتزامه بالعقيدة والفكر الحي والقويم.

وأنا أتطرق بهذا الأمر، وأقسم بأنني كلما أتذكر صورة (عاشوراء) أحس بأن القلب يغادر موضعه من أثر الألم والأسى على ما حدث لسيد شباب أهل الجنة، وما قامت به الذئاب البشرية في حينها من أعمال تتبرأ منها البشرية ،

وكما أتذكر الإمام الحسين أو أرى مرقده الشريف، أجده حيا يرزق ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)).. ويفترض بنا أن يكون موقفنا بكل أيام حياتنا شرعاً وعملاً ما يتفق مع نهج الحسين فإنه :

"الطهر الطاهر المطهر من طهر طاهر مطهر، طهر وطهرت به البلاد" .

فإننا نشهد بأنه ذلك الطهر الطاهر المطهر .

وفي نفس الوقت لا ألوم أو أنكر على أي أحد يبكي الحسين وأصحابه وأهل بيته، بل قصدي هو أن البكاء عاطفة، والعواطف ليس لها لجام يمسكها، ولكن البكاء واللطم ليس هو الهدف. بل الهدف هو السير على النهج الحسيني، فمن يطالب بالثأر اليوم فمن من يصيب ثأره؟! وأقول وأتحدى بأن أي شخص يقول بأن هناك من لا يحب الحسين، ويجهر بذلك .. وأن كل المذاهب والفرق الإسلامية تضع الآن الإمام الحسين في محل عظيم من القدسية، لا بل أكثر من ذلك وجدت وأنا أقسم بأن كثيراً من النصارى في العراق يعدون الأطعمة ويتصدقون بأموال ويذكرون الحسين بكل إجلال في ذكرى يوم عاشوراء، بل وجدت عوائل منهم تتشفع به إلى الله سبحانه وينذرون النذور الله بكرامته، وعندي من الأمثلة الكثير وهذه ليست مبالغة والله يشهد.

وقد أكرمني الله أن أكون سادناً لمرقده الشريف لسنوات طوال، وأقسم بالله أنني دخلت مرة إلى مرقده الشريف والأبواب مغلقة وأردت أن تكون هذه عادة لي لتفتيش الحرم قبل إغلاقه ليلاً، ولكني والله يشهد وأنا بحضرته سمعت أصواتاً قشعر لها بدني وشعرت بشعر جسمي قد انتصب رهبة وإجلالاً وأسرعت خارجاً وأنا في ذهول شديد وكان معي بعض السادة من خدام مرقده .. وهنا استيقنت معنى الكلمات التي جاءت ضمن شروط زيارته :

"السلام عليك يا بن رسول الله، والسلام على الأرواح التي حلت

بفنائك وأناخت برحلك ، والسلام على الملائكة المحدقين في قبرك الشريف ". (1)

فهذه دعوة جديدة لكل محبي أهل البيت لأن يسيروا على نهجه وأن لا تكون مناسبة ذكراه بضاعة تباع وتشترى ويساوم عليها البعض، وكأن الحسين نهض وثار وضحى من أجل أن نستفيد نحن أو نتخاصم ونتقاتل، بل ضحى من أجل أن نكون أمة واحدة لا يفرقنا مذهب أو طائفة ولا اعتقاد وأن نكون صادقين مع أنفسنا ومع غيرنا وأن نلتزم بالشريعة الإسلامية والمبادئ السامية الرسالة النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم وأن نهج أهل بيت النبوة لا غبار عليه ، فأهل البيت هم من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ونهجهم هو نهج النبي .. ولكن آه ممن حرَّف وغالى ، وجعل السياسة في صلب الدين .

ودعوتي للكل بأن يأخذوا منهج أهل البيت ما نقل إلينا من قبل القرن العاشر الهجري، أما هذه القرون الأربعة الأخيرة فوجدنا ما نقل فيها شيء عجاب، وقد استجابت العاطفة للكثير مما نقل وكذلك تدخل السياسة .. وقد وضعنا في موضع النقد ومذهبنا وفكرنا أسمى من أن ينتقد، فلنرجع إذاً إلى معنى (التشيع العلوي ) فسوف نجد الضالة فيه ، ونبذ كل ما دخل على هذا المذهب من إحن وغلو وتعصب ، لا مجال له في حياتنا ونحن في الألفية الثالثة وفي عصر أصبح العالم فيه قرية صغيرة، يمكن للمرء أن يسمع ويشاهد ويعرف الغث والسمين في لحظات . .

وإذا كانت الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق، قد وقعت في بعض الأخطاء نتيجة عوامل كثيرة لسنا هنا بصددها ولكن عندما تحين الفرص


1) في كتابنا اللاحق عن مدينة كربلاء ومرقد الإمام الحسين الشريف سوف نذكر مشاهد حدثت وشاهدناها ولمسناها بأعيننا وأيدينا من كرامات الإمام الحسين.

لأن يستقر الوضع وتزال الأخطاء والخطوات، فيجب على الجميع مديد التعاون ونبذ الماضي والتطلع إلى حياة الأخوة الإسلامية والابتعاد عن التعصب وأخذ الثأر واتباع أساليب لتأجيج الطائفية المقيتة التي هي الورقة الرئيسة للصهيونية العالمية والصليبية المتعصبة لأن تهدم بها الإسلام والاستقرار.

أتساءل .. هل أن خطب الإمام الحسين التي ذكرناها في يوم عاشوراء وقبل القتال . وكل ما قاله الإمام أثناء ثورته تصلح لأن تكون منهاجاً إنسانياً حتى يومنا هذا؟ فنجيب بكل بساطة .. نعم، إن كل معاني هذه الخطب والمقالات تصلح لأن تكون منهاجاً ليس لنا كمسلمين فقط .

ولكن باعتبار أن ما قاله الإمام هو إرث ثَرْ وعظيم من المعاني، فهل حدثنا التاريخ بما يماثل ذلك الموقف والفعل؟.. نعم، نعتقد بأن توافد الملايين على قبره الشريف ما هو إلا تجديد لمبادئه والمباركة بقدسيته، ولا بدَّ من السير على نهجه الذي رسمه لنا ولكن بدون اندفاع سلبي أو مؤشر يبتعد أصلاً عن السمو الذاتي لرسالته . .

صور من الثورة ويوم عاشوراء

صور من الثورة ويوم عاشوراء

1 . الكثيرون حتى يومنا هذا ، لا يعرفون إن من بين الذين اشتركوا مع الإمام الحسين في ثورته عدد من صحابة رسول الله، وهذا دليل كبير على مصداقية الثورة ورمزيتها وشرعيتها ... ومن هؤلاء من استشهد قبله وبسبيل دعوته للنهضة ومنهم من استشهد معه في يوم عاشوراء ومنهم من استشهد بعده بعد أن كان امتداداً لما ثار من أجله الحسين ومنهم من لم يستشهد ولكنه ساند ووقف بجانبه وله مواقف كبيرة ومهمة من بعده وهؤلاء هم:

أ . هاني بن عروة بن عمران بن عمرو بن حفص بن عبد يغوث المرادي الغطيفي (1). وهو شيخ مراد وكان جليل القدر و صحابياً كأبيه عروة وقد بلغ التسعين من عمره وأدرك من الحياة النبوية ما يزيد على الأربعين سنة (2)وهو وأبوه حضرا مع الإمام علي حروبه الثلاث . واستشهد بالكوفة مع مسلم بن عقيل .

ب. عبد الله بن يقطر الحميري ، رضيع الإمام الحسين، كان صحابياً (3)لأنه لدة الحسين (4). لأن يقطر كان خادماً عند رسول الله وكانت زوجته ميمونة في بيت الإمام علي فولدت عبد الله قبل ولادة الحسين بثلاثة أيام وكانت


1) الاصابة - ابن حجر العسقلاني - ج 3 ص 616.

2) المصدر السابق - ص 617.

3) راجع أسد الغابة والإصابة للعسقلاني

4) اللدة : الذي ولد مع الإنسان في زمن واحد.

حاضنة للحسين .

وقد أرسله الإمام الحسين إلى مسلم وأهل الكوفة فقبض عليه ابن زياد وألقى به من قصر الإمارة فتكسرت عظامه وبقي به رمق فأتاه عبد الملك بن عمير اللخمي قاضي الكوفة فذبحه بمدية فلما عيب عليه قال القاضي : "إني أردت أن اريحه " (1)

ج. حبيب بن مظاهر بن رئاب بن الأشتر بن حجوان بن طريف بن عمرو بن قيس بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد أبو القسم الأسدي الفقعسي (2).

كان صحابياً جليلاً ويقال بأن الرَّسول صلى الله عليه واله وسلم بشره بالشهادة وهو ينصر ولده الحسين وهو ممن كاتب الحسين بالقدوم إلى العراق وقد استشهد في كربلاء مع الحسين يوم عاشوراء وله في حرم الحسين الآن قبر منفرد عن الشهداء لأن بني أسد الذين دفنوا الأجساد قد أفردوه في قبر وحده.

د. يزيد بن مغفل بن عوف بن عمير بن كلب بن ذهل بن يسار بن والبةابن الدئل بن سعد بن مناة بن عامر (3). وفي وسيلة الدارين : هو يزيد بن مغفل بن عوف بن عمير بن كلب بن ذهل بن يسار بن لبد بن الدئل بن سعد بن منة بن عامر بن جعف بن سعد العشيرة المذحجي الجعفي. وهو المشهور عند النسابة وهو الأصح .(4)


1) أصحاب الرسول أنصار ابن البتول - الشيخ هاشم الزيدي - ص55.

2) المصدر السابق ص 145 .

3) الإصابة - ابن حجر العسقلاني - ج 3 ص 677 .

4) أصحاب الرسول.. الزيدي - ص 59

وقال العسقلاني في الإصابة : له إدراك يعني (أنه أدرك صحبة النبي صلى الله عليه واله وسلم ) وقد صاحب الإمام الحسين من مكة واستشهد في كربلاء مع الحسين وكان يرتجز بشعر منه :

أنا يزيد ابن المغفل *** وفي يميني نصل سيف مصقل

أعلو به الهامات وسط القسطل *** عن الحسين الماجد المفصل

ابن رسول الله خي مرسل

ه-. جنادة بن الحارث بن عوف بن أمية بن قلع بن عبادة بن حذيق بن عدي بن زيد بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن الحارث المذحجي المرادي السلماني الكوفي (1). وكان صحابياً جليلاً، وذكر عن عبد الله بن مسعود بأن الرَّسول صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً إلى جنادة بن الحارث (2).

ويقال أن النبي صلى الله عليه واله وسلم دعاه إلى نصرة سبطه الحسين. واستشهد في معركة الطف وهو ينصر الحسين وله شعر كان يرتجزه أثناء القتال. وقد آزر جنادة بن الحارث مسلم بن عقيل عندما قدم إلى الكوفة وبعد استشهاد مسلم في الكوفة وعلمه بوصول الحسين إلى الطف أسرع إلى اللحاق به.

و. جابر بن عروة الغفاري ، وكان من أصحاب رسول الله يوم بدر وغيرها . وقال الخوارزمي: كان جابر بن عروة شيخاً كبيراً وأقبل إلى الحسين، وعلى الرغم من شيخوخته لم يتخلف عن نصرة الإمام الحسين، وقد استأذن الحسين للقتال فقال له :" يا شيخ شكر الله سعيك " فشد جابر جبينه وعصب حاجبيه ورفعهما عن عينيه وذهب للقتال وهو يرتجز شعراً، وكان لموقف جابر هيبة وعظمة وعبرة ودرس فكان هذا الشيخ طالب وسيلة ومخلصاً وصاحب


1) تاریخ ابن عساكر

2) نص الكتاب راجعه في الإصابة لابن حجر العسقلاني - ج 1 ص 247 ط.

هدف وهو الشهادة بعز وشموخ. وقد استشهد وهو يذود عن الحسين وينصره

على كبر سنه .

ز. كنانة بن عتيق بن معاوية بن الصامت بن قيس التغلبي الكوفي (1).

كان صحابياً وشهد أحداً هو وأبوه عتيق فأرسل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وكان بطلاً من أبطال الكوفة وقارئاً من قرائها وعابداً . من عبادها وكان من قتلى الحملةالأولى صباح يوم العاشر من محرم (2)·

ح. أنس بن الحارث بن نبيه بن كاهل بن عمرو بن صعب بن أسد خزيمة الأسدي الكاهلي . وذكر ابن عساكر في تاريخه : إن أنس بن الحارث من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر ابن عبد البر أنه قتل مع الحسين . (3)

وأيد ذلك البخاري، وإنه سمع النبي يقول : إن ابني هذا يعني الحسين - یعنی يقتل بأرض يقال لها كربلاء فمن شهد ذلك منكم فلينصره. وقد لحق بالحسين في كربلاء واستشهد معه وذكره الشاعر الكميت في لاميته ومعه حبيب ابن مظاهر .

ط. شوذب بن عبد الله الهمذاني الشاكري الكوفي، وكان من صحابة رسول الله واشترك مع الإمام علي في حروبه الثلاث(4)

وجاء إلى الحسين مع عابس اليشكري، واستشهد في كربلاء.


1) الإصابة - ابن حجر العسقلاني.

2) راجع أصحاب الرسول.. - الزيدي- ص93-94-95.

3) الاستيعاب - ابن عبد البر - ج 1 ص 74.

4) أصحاب الرسول .. - الزيدي - ص 107.

ي. سعد بن الحارث بن سارية بن مرة بن عمران بن رباح بن سالم بن غاضرة بن حبشة بن كنجب الخزاعي (1). وله إدراك وكان على شرطة علي وولاه أذربيجان ذكره ابن الكلبي(2)

كان سعد صحابياً والتحق بالإمام علي وبالإمام الحسن من بعده ثم بالحسين، وقد خرج مع الحسين من المدينة إلى مكة ومنها إلى كربلاء واستشهد فيها وكان من قتلى الحملة الأولى.

ك. عبد الرحمن بن عبد رب الأنصاري (3)كان صحابياً سامياً صادقاً في ولائه، ناسكاً عابداً وقد جاء مع الإمام الحسين من مكة إلى العراق ليفوز بشرف نصرته والدفاع عن أهل بيت النبوة .(4)وقد استشهد في كربلاء يوم عاشوراء وكان من قتلى الحملة الأولى.

ل . مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة أبو حجل الأسدي السعدي (5).

قال ابن سعد في طبقاته : كان صحابياً ممن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عنه الشعبي.

كان مسلم من أعيان الموالين في الكوفة وهو ممن كتب إلى الحسين ووفى له وقد استشهد معه بكربلاء .


1) الإصابة - ابن حجر العسقلاني - ج 2 ص 112.

2) المصدر السابق نفسه.

3) المصدر السابق - ج 2 ص 408.

4) أصحاب الرسول.. - الزيدي - ص 120 -

5) المصدر السابق - ص127.

م. زاهر بن عمرو بن الأسود بن الحجاج بن قيس الأسلمي والد مجزأة (1)

وكان صحابياً جليلاً وروى عن النبي صلى الله عليه واله وسلم ، وأخرج حديثه البخاري في كان من الصحيح، وفيه أنّه شهد الحديبية وخيبر. كان أصحاب الشجرة وسكن الكوفة (2). . وقد استشهد في كربلاء وهو من قتلى الحملة الأولى الذين قاتلوا ببسالة وذادوا عن ريحانة رسول الله .

ن . المسيب بن نجبة (بفتح النون والجيم )ابن ربيعة بن رياح بن عوف ابن هلال بن سمح بن فزارة الفزاري (3).. وهو من الذين كتبوا إلى الإمام الحسين. وهو من الذين أدركوا الرَّسول وقد شهد القادسية وفتوح العراق فيما ذكر ابن سعد في طبقاته وله رواية عن حذيفة وعلي، وقال ابن سعد: كان علي في مشاهده.

وقد منعه ابن زياد من الخروج من الكوفة وبعد مقتل الحسين وإطلاق سراحه صمم هو وسليمان بن صرد على أخذ ثأر الحسين وقادوا التوابين .

قال ابن حجر العسقلاني عن أبي حاتم عن أبي حاتم عن أبيه : قتل مع سلیمان بن

صرد في طلب دم الحسين سنة 65 ه- وكان استشهاده سليمان بن صرد في (عين الوردة ) وحمل رأساهما إلى مروان بن الحكم (4)وأكد ذلك ابن سعد .

س. عبد الله بن عفيف الأزدي الكوفي (5). كان صحابياً فاضلاً وهو من


1) الإصابة - ابن حجر العسقلاني - ج 1 ص 542 .

2) المصدر السابق نفسه.

3) الإصابة - ابن حجر العسقلاني - ج 3 ص 495

4) المصدر السابق نفسه.

5) أصحاب الرسول .. - الشيخ الزيدي ص 165.

وجوه أهل الكوفة وكان شيخاً كبيراً كف بصره فلم يتمكن من نصرة الحسين في كربلاء. وبعد أن قتل الحسين كان في مجلس ابن زياد وتم سب الإمام الحسين في المسجد فاعترضه الصحابي عبد الله بن عفيف ، فلم يتمكن منه ابن زياد لكثرة الأزد معه وهو كفيف فأرسل إليه ليلاً ثلة من أصحابه وأخذوه أسيراً وأمر ابن زياد بضرب عنقه .

ع . زيد بن أرقم بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج .

وقد اختلف في كنيته .كان صحابياً معروفاً وقد غزا مع النبي صلی الله علیه واله وسلم سبع عشرة غزوة ولم يتمكن من الالتحاق بالحسين لشيخوخته ولكن كانت مواقفه ابن زياد في الكوفة. تدل على جرأة وبسالة متناهية، ولم يتمكن ابن

عظيمة مع ابم زياد من قتله واتهمه بالجنون .

ف. سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم الخزعي (1)صحابي معروف كان خيراً فاضلاً محباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأهل بيته ومن خاصة الإمام علي ، كان اسمه يساراً فغيّره النبي صلی الله علیه واله وسلم فسماه سليمان . وهو زعيم الموالين من الكوفة ورئيس التوابين (2)وقد روى عن النبي صلی الله علیه واله وسلم . وهو ممن كاتب الحسين وقد حبسه ابن زياد فتخلف عن الحسين، وبعد مقتل الحسين أطلق سراحه فخرج مع المسيب بن نجبة وآخرين وطلبوا بدم الحسين وكانوا أربعة آلاف فالتقاهم عبيد الله بن زياد بعين الوردة، فقتل سليمان عام 65ه- وأخذ رأسه ورأس المسيب إلى مروان .

ص. جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن


1) الاستيعاب - ابن عبد البر - ج 2 ص 63 .

2) أصحاب الرسول .. - الشيخ الزيدي - ص 183.

سلمة الأنصاري السلمي.

يكنى أبا عبد الله وأبا عبد الرحمن وأبا محمد(1). . صحابي جليل وقد روى عنه جماعة من الصحابة وقد شهد العقبة .. وكان فقيهاً مشهوراً وهو أحد نقباء المدينة. وفي ثورة الحسين كان مناصراً له لحبه الشديد إياه وما سمعه من النبي صلی الله علیه واله وسلم عنه، وهو من الذين نصحوا الحسين بعدم الخروج وعندما خرج مكة ذهب جابر إلى البصرة، وعندما قتل الحسين وكان قد كف

الحسين من بصره طلب الرحيل إلى قبر الحسين وكان جابر أول من زار قبر الحسين.

هؤلاء هم الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم الذين استشهدوا قبل واقعة كربلاء في الكوفة والذين استشهدوا مع الإمام الحسين يوم الطف (عاشوراء) والصحابة الشهداء الذين ثاروا وطلبوا بدم الحسين وكذلك الصحابة الذين منعتهم ظروفهم من القتال بسبب الشيخوخة ولكن لمكانتهم العظيمة كان دورهم فعالاً في نصرة الحسين.

وما مشاركة هؤلاء الصحابة جميعاً وتضحياتهم إلا تصديق لأحاديث النبي صلی الله علیه واله وسلم عن نصرة الحسين .

2 . كان للهاشميين وقع خاص فيها، كان ذلك التزاماً لكبيرهم وسيدهم الإمام الحسين وعدم تركه في أصعب الظروف وخاصة في القتال الذي دار

وشهدت البشرية أروع وأعظم ما تكون عليه البطولة والبسالة وأكثر من كان الحسين من الهاشميين هم من الشباب والفتيان ، من إخوته وأبنائه وأبناء أخيه وأبناء عمومته . وكان العباس بن علي (قمر بني هاشم ) بحق هو بطل المعركة، وقد أعطى مثلاً لا يضاهى في الإيثار والتضحية والأخوة التي لا مثيل لها بل يندر وجودها.


1) الإصابة - ابن حجر العسقلاني - ج 1 ص 213

3 . كان أصحاب الحسين الذين قاتلوا دونه ، قد دوّنوا بسطور من نور على صفحات التاريخ كأروع ما يكون في الصمود والالتزام بالحق والذود عنه بنفوس مستبشرة بالجنة مبتسمة للقاء الباري . بل راحوا يتسابقون في الذود عن الحسين وأهله لتكون مصارعهم قبلهم وليؤكدوا وفاءهم لآل النبي المصدر السابق نفسه. صلی الله علیه واله وسلم وعترته .

4 . أظهر الحسين من الصمود ورباطة الجأش ما لا يتصوره العقل البشري، فيرى مصارع أصحابه واحداً تلو الآخر، بل يجمع القتلى وهو يدعو لهم بالخير، ويرى مصارع إخوته وأبنائه وأبناء أخيه وأبناء عمومته أمام عينه، وكان يراهم كالأسود النافرة على ضحاياها، ويقوم بجمع أجدائهم الواحد تلو الآخر، مخضبين بدمائهم ويمسح التراب عن وجوههم.. فأي قلب بشري يتحمل كل هذا وعندما يجد نفسه وحيداً فريداً، يكر على جيش المجرمين بأروع وأعظم ما تكون عليه صلابة البشر ومن صولاته كان يفرُّ من أمامه أشد الرجال قوة ، ولكن للإنسان طاقة وقد سقط مضرجاً بدماء جراحه وقد خارت قواه وقال في تلك اللحظات التي امتدت فيها الأيادي الخبيثة بالتجرؤ على حزّ رأسه الشريف :

"إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي، فيا سيوف خذيني " ..

وحتى آخر لحظة من حياته كان ينطق بمبدئيته العالية .. فمن يداني ابن رسول الله بهذه الخصال .

5 . لم تعرف البشرية أبشع من الصورة التي قدمها جيش الأمويين في القتل والتمثيل بالجثث . . واليد التي تمتد لتقتل طفلاً رضيعاً لا يتجاوز الستة أشهر وهو (عبد الله الرضيع ) ابن الحسين عندما حمله والده وأراد أن يعثر له على جرعة ماء تسد عطش الطفل وإذا بسهم حرملة بن كاهل ، يعجل إليه ويذبح الطفل وهو بيد الإمام وقد ملأ دمه يد الحسين بدلاً من أن يناوله شربة من الماء .. هل توجد أبشع من هذه الصورة. أما قطع الرؤوس والطواف بها

في البلدان وهي محمولة على أسنة الحراب وبهذا العدد ، وأمام النساء والأطفال الذين أخذوا سبابا، فكيف تكون البشاعة عندما ترى النساء رؤوس أزواجهن والأخوات رؤوس إخوانهن والصبيان والصبايا رؤوس آبائهن ؟!! والنبي صلی الله علیه واله وسلم نهى عن التمثيل حتى بالكلب العقور، فكيف برؤوس العترة الشريفة والصحب النجباء . . بل تؤخذ بنات رسول الله (سبايا).

6 . في عموم مراحل الثورة (ثورة الحسين ) ، منذ انطلاقها وحتى يوم عاشوراء كان للمرأة دور كبير في هذه الثَّورة ، والحقيقة أنها سابقة، ودرس بليغ ، ابتداءً من أسرة الحسين وانتهاءً بزوجات وأمهات صحابة الحسين. ولقد كانت (زينب بنت علي بن أبي طالب ) بحق هي (بطلة كربلاء) كما سميت بعدئذ وللمرأة موقفها في ثورة الحسين تفصيلاً بعد قليل.

7 . والحقيقة التي لا غبار عليها كانت النهاية المأساوية للثورة هي بداية النهاية لحكم الأمويين ، وهذه البداية كانت من خلال استمرار الثورات ضد الأمويين إلى أن تم إسقاطهم بعد ما يقارب الستين عاماً.

المرأة ودورها في ثورة الحسين

المرأة ودورها في ثورة الحسين :

كما أسلفنا سابقاً بأن للمرأة دوراً في ثورة الحسين، وهذا الدور كان في غاية الأهمية لأسباب عديدة نذكر منها :

1 . إن الإسلام أعطى للمرأة دوراً جليلاً في المجتمع، فكان الإسلام قد بين حقوق وواجبات المرأة ووضعها في موضعها الصحيح، وأن تشريعات الإسلام حول المرأة كانت سابقة لم تصلها المجتمعات من قبل الإسلام وحتى على نطاق الأديان التي سبقت الإسلام .

ومثلما كانت أم المؤمنين والمؤمنات السيدة (خديجة الكبرى) زوجة

الرَّسول الكريم هي أول من آمن به وبرسالته ولم تقف عند هذا الحد بل ساهمت في دعم الرَّسول بكل طاقاتها بما تملك من وجاهة ومال، وفي الإسلام نماذج عظيمة أخرى لنساء مسلمات كانت لهن مواقف مشرفة، فكانت أول شهيدة في الإسلام هي (سمية) أم عمار بن ياسر، وكان منهن من هاجر إلى الحبشة ومن هاجر إلى يثرب .

وحري بنا أن نذكر السيدة فاطمة بنت أسد، زوجة أبي طالب وأم علي ابن أبي طالب وهي من أوائل المؤمنات وكان لها تأثير كبير على أولادها لينصروا ابن عمهم الرَّسول في أيام رسالته الأولى كما كان زوجها أبو طالب، وهي وزوجها اللذان قاما بتربية الرَّسول بعد وفاة أمه الجليلة السيدة آمنة بنت وهب، وقد ولد يتيم الأب .

وكانت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء التي وضعها النبي موضعاً خاصاً في حياته فهي بضعته وأم أبيها ، العالمة الزاهدة التي يرضى الله لرضاها واللاحقة سريعاً بأبيها وقد أنجبت من علي نجليها سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين وقد خلدت لدى المسلمين وأوجبت طاعتها لحب واحترام الرَّسول لها ويتردد اسمها على ألسنة المسلمين لمكانتها ضمن أهل البيت (فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها ).

ومن الشهيرات في الإسلام من أمهات المؤمنين أمثال أم سلمة والسيدة عائشة، وغيرهما من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم . وكذلك السيدة أسماء بنت أبي بكر (ذات النطاقين ) التي كان لها دور بارز أثناء هجرة الرسول، وقد تزوجها الزبير ابن العوام ابن عمة الرسول صلی الله علیه واله وسلم والإمام علي .

ولكن سيدة النساء فاطمة الزهراء ، البتول كانت من المتميزات من بين النساء بمكان جعل الرَّسول يقول عنها "فاطمة بضعة مني ما يغضبها يغضبني وما يغضبني يغضب الله " .

كانت عالمة فقيهة نهلت العلم من أبيها ، وكانت مكانتها عند والدها النبي صلی الله علیه واله وسلم هو توكيد الرَّسول لأهمية المرأة في المجتمع، وكانت فرحتها الكبرى عندما أخبرها أبوها بأنها أول اللاحقين به.

هذه المرأة العظيمة، الصديقة الطاهرة التقية هي التي أنجبت سادة البشر في الدنيا والآخرة. وفي نفس الوقت هي التي أنجبت (بطلة كربلاء) الحوراء زینب ، هذه البطلة التي تركت الحياة ومباهجها وأخذت ولديها عون ومحمد ابني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وخرجت مع أخيها الحسين من المدينة إلى مكة ومنها إلى العراق . تساند وتشد من أزر أخيها وترعاه مؤمنة بأهدافه النبيلة .

أعطت الحوراء زينب توكيداً على مكانة المرأة في الإسلام، ولم يكن خروجها مع أخيها لمرافقته فقط، وإنما كانت أشد الإيمان بالأهداف والمبادئ التي نادى بها أخوها الحسين وثار من أجلها، ولم تفارقه في رأي أو مسير، وقدمت أولادها بين يدي خالهم الإمام ليذودوا عنه الأعداء وقد قاتلوا قتال الأبرار وهم في عز شبابهم وأمهم الحوراء تشجعهم وتبث فيهم الحماسة وذهب عون ومحمد شهيدين ، وكان لزينب الكبرى وغادة كربلاء موقف عظيم، فهي التي اهتمت بنساء وأطفال الحسين وأصحابه وأفراد أسرته .

وكانت أثناء القتال تهرع إلى القتلى والجرحى من معسكر الحسين وتقوم بما يمليه عليها الواجب. ويذكر المؤرخون أنها كانت تراقب المعركة من على تل يشرف على ساحة القتال ، وما زال هذا التل يعرف باسمها (تل الزينبية ) ولها فيه مقام يزار قرب مرقد الإمام الحسين .

ولولا زينب بنت علي الحوراء، هذه التقية النقية وحفاظها على سلامة علي بن الحسين زين العابدين ، لانقطع نسل الحسين، فقد كان زين العابدين عليلاً في أشد حالات المرض وهي التي زادت عنه القوم ومنعتهم من قتله، ومن الطبيعي أن تكون هذه مشيئة الله ، وهي التي حمت الحسن المثنى ابن

الإمام الحسن من أن تمتد يد القتلة إليه ، وكان الحسن هو الوحيد من أولاد الحسن الذي نجا من القتل وكان عمره يقارب العشر سنوات حينها، وبذلك فذرية الحسن لم تنقطع بوجود الحسن المثنى وهو الذي يرجع إليه الآن نسب السادة الحسنيين وكذلك السادة الحسينيون الذين تفرعت أغصان نسبهم من الإمام علي بن الحسين بن زين العابدين . بعد أن قتل بقية أولاد الإمام الحسن وأولاد الإمام الحسين في كربلاء وهم ينصرون الإمام الحسين .

كان صوت الحوراء زينب مدوياً بالحق ، وكان موقفها ملهباً للشعور بالإثم لدى أهل الكوفة ، فأي قلب كانت تحمل هذه البطلة، وأي شجاعة وفصاحة، فكانت تتقدم السبايا في موكب الرؤوس المرفوعة على أسنة الحراب، فأي إنسان يتحمل هذه الصورة ، وعندما وصلت إلى الكوفة وقد احتشد الناس يحدقون ويبكون على هذا المنظر الشنيع، فأشارت بيدها أن اسكتوا ، ووقفت بكل قوة وصلابة وقالت :

"أما بعد يا أهل الكوفة ، أتبكون؟ فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة ، إنَّما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من قوة انكاثاً ، تتخذون ايمانكم دخلاً بينكم ، الا ساء ما تزرون. أي والله ، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، فلن ترحضوها بغسل أبداً، وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة ، ومعدن الرسالة ومدار حجتكم ، ومنار محجتكم، وهو سيد شباب أهل الجنة ؟ لقد أتيتم بها خرقاء شوهاء أتعجبون لو أمطرت دماً؟ . . ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون. أتدرون أي كبد فريتم؟ وأي دم سفكتم؟ وأي كريمة ابرزتم؟ لقد جئتم شيئاً إذاً، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرُّ الجبال هدّا .

إن السيدة زينب يمثل اسمها ظاهرة فريدة في عصر سمته التخاذل والانحطاط، ورمزاً على مر الزمن يحكي صوراً من الصلابة والثبات واليقين

على المبادئ، فامتدادها إلى دوحة النبوة والشرف وامتلاؤها بعبق رسالة جدها الرَّسول ، جعل كل ذلك جذوراً راسخة في أرض الفداء كربلاء، وحيث كانت السيدة زينب شاهدة على كل ما جرى فيها من مصائب .

إن وجودها مع أخيها في كربلاء كان بداية لمرحلة قادمة من حياتها، لتعلن مواصلة معركة الطف بعد مصرع أخيها الحسين وأصحابه وأهل بيته بوجه الظلم صارخة ولتقف بوجه يزيد بن معاوية ومبينة لأمَّة جدها حقيقة ما جرى في كربلاء، ولم تنس توضيح أهداف الحسين للملأ مقابل أطماع يزيد وظلمه وجبروته، وفي موقفها هذا بدأت متحملة مسؤولية ينوء بعبئها الرجال . . لأنها ابنة علي وأخت الحسن وهي الآن مرزوءة بأخويها الحسين والعباس و خيرة شباب أهل البيت وكذلك الأصحاب ذوي المبادئ والعقيدة . . فما ا أروع هذه السيدة العظيمة عندما تخاطب وتناجي الباري سبحانه وتعالى وتدعوه لتقبل قربان رسالة جدها التي كانت في موضع الخطر، حيث قالت :

"اللهم تقبل منا هذا القربان " !!

ونجدها تقود معركة بشكل آخر بعد مصرع أخيها الحسين وهي تقف في مجلس يزيد بن معاوية في الشام وتخاطبه بكل شجاعة وقوة حجة :

"ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى ، والصدور حرّى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء " .

إلى أن قالت : "فكد كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمرنا ، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فنداً وأيامك إلا عدداً، وجمعك إلا بدداً .. "

فانظر إلى هذه البطلة التي نطقت بلسان جدها وأبيها وأمها وأخيها،

حيث أوضحت ليزيد الظالم بشاعة جريمته. فقد استبسلت في خطبتها وأذهلت من حضر مجلس الطاغية بدرر الكلام وجعلته ومن معه عه أصغر من من أن ينبسوا ببنت شفة .

وما نقل عن فاطمة بنت الحسين بعد أن تلت عمتها بالخطابة، كأبلغ ما يكون عليه المرء وتبصير أهل الكوفة بعملهم القبيح وجرمهم البشع ومروقهم عن الدين وأخلاقه وغدرهم وخيانتهم .

ومن مواقف النساء قبل الواقعة ، موقف (دلهم بنت عمرو) زوجة زهير ابن القين التي أصرت على زوجها بملاقاة الحسين بعد أن امتنع عن لقاء الحسين لأنه كان أموي الهوى ، وبعد مقابلته للحسين عاد إليها فرحاً وقال لها : " الحقي بأهلك" فقالت له امرأته (دلهم):

"أسألك الله أن تذكرني يوم القيامة عند جد الحسين " .

فبماذا نعلل موقف هذه السيدة؟ هل هو فقط احترام للحسين كونه سبط الرَّسول صلی الله علیه واله وسلم وإنَّما موقفها نابع من تفهمها لما يجري على الناس وشجعت زوجها بهذه الكلمات وهي مدركة أنه لا يعود لها بعد ذلك.

فأيُّ نساء هنَّ وأي إيمان ملأ قلوبهن ليقدمن مثل هذه التضحيات العظام .

أما أم البنين هذه المرأة السامية خلقاً ونسباً وهي التي تزوجها الإمام علي بعد وفاة فاطمة الزهراء البتول، وقد كان اسمها فاطمة أيضاً وعرضت على الإمام أن يناديها (بأم البنين ) لكي لا يتذكر أولاد الزهراء أمهم عندما يناديها باسمها، وقد رعت أولاد فاطمة وبناتها ولم تبخل بأولادها الأربعة ، العباس وجعفر وعثمان وعبد الله وقد شجعتهم بمرافقة سيدهم وأخيهم الإمام الحسين

وذهب الأربعة شهداء سعداء في معركة الطف بكربلاء.

ويقال بأن أهل البيت عند عودتهم من الشام إلى المدينة أسرعت هذه المرأة المؤمنة للقائهم وهي تسأل الحوراء زينب عن الحسين ولم تسأل عن أولادها، فقالت لها الحوراء "أعزيك بولدك "العباس" فقالت لها : " سألتك عن الحسين" فقالت لها: "أعزيك بولدك جعفر" فأعادت أم البنين سؤالها عن الحسين وتكرر ذلك على بقية أولادها ، وهي تقول فداء لأخيهم ولكن أسألك بالله عن ابن بنت رسول الله ، فهنا قالت الحوراء زينب وتخنقها العبرة :

"أعزيك يا أم البنين بالحسين"

عندئذ صرخت المرأة والسيدة الجليلة :

"الآن انكسر ظهري .. فداك أولادي يا سيد شباب أهل الجنة " . .

هذا الموقف من هذه المرأة ماذا يعني؟ .. عندما تفقد أولادها الأربعة ولا يهمها خبرهم وإنَّما يهمها أمر الحسين لأنها كانت على قناعة وإيمان تام بما قام به الحسين وثار أجله .

أما النماذج الأخرى من النساء، فهن نساء من العامة لا تربطهن بالحسين وأهل بيته رابطة دم أو قرابة ، وإنَّما كانت رابطة المبدأ والعقيدة، فكانت تضحياتهن تفوق فقدان الزوج والولد، وإنما توجت إحداهن تضحياتها بالشهادة، فهذه الشهيدة الخالدة (أم وهب ) وهي المرأة الوحيدة التي رافقت الشهداء مسيرتهم في الشهادة، وكان ابنها (وهب بن حباب الكلبي ) من ضمن الذين وفدوا مع الحسين فقالت له أمه :

قم يا بني فانصر ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ". .

فحمل وهب على القوم وقاتل حتى قتل جماعة من معسكر أعداء

الحسين، ثم رجع وقال لأمه : " يا أماه هل رضيت؟ "

فقالت أمه : "ما رضيت حتى تقتل بين يدي الحسين" وهنا استصرخته زوجته قائلة : " بالله عليك ، لا تفجعني بنفسك " . .

فقالت أمه :

"يا بني ، اعزب عن قولها ، وارجع وقاتل بين يدي ابن بنت نبيك تنل شفاعة جده يوم القيامة.

فرجع يقاتل ولم يزل حتى قُتِلْ. وعندما رأته أمه وقد قتل، أخذت عموداً وأقبلت نحو قاتل ابنها وضربته بالعمود على رأسه ، وأسقطته مضرجاً بدمه، فانهال عليها رجل من أتباع شمر بن ذي الجوشن وضربها بالسيف على رأسها وفاضت روحها الشريفة وذهبت شهيدة مؤمنة متيقنة بما اعتقده الإمام الحسين، وكانت أم وهب هي الشهيدة الوحيدة من بين شهداء الطف في كربلاء .

ونموذج آخر من النساء وهي (أم عمرو) زوجة جنادة بن الحارث السلماني، الذي خرج بعياله وولده مع الحسين، وقتل جنادة في المعركة فأمرت زوجته (عمراً) ابنها وهو شاب صغير يافع بأن ينصر الحسين ويقاتل دونه، ولم تقل له اخرج لتأخذ بثأر أبيك ! ! . .

بل قالت :

"اخرج يا بني وقاتل بين يدي ابن بنت رسول الله " . .

فعندما استأذن عمرو الحسين ، قال الإمام :

"ارجعوا هذا الشاب فقد قتل أبوه، ولعل أمه تكره خروجه للقتال " .

فقال عمرو :

" بل أُمي أمرتني بذلك . . . "

فبرز للقتال وقاتل حتى وقع صريعاً، وقد تم حزُّ رأسه من قبل أحد الذئاب البشرية، ورمى به إلى معسكر الحسين، فأخذت أُمّه رأسه وهي تمسح التراب عنه وهي تقول :

"أحسنت يا بني "!! .

وبعد ذلك أخذت عمود خيمة وضربت به رجلين، فأمر الإمام الحسين بإعادتها ودعا لها.

وقد ذكر الطبري في تاريخه أن أم عمرو هي التي قتلت في المعركة، وهي أول امرأة تقتل فيها . . ونقول بأن المعروف والغالب أن التي قتلت هي امرأة واحدة وهي (أم وهب) وقد ذكرها الغالبية من أصحاب السير والرواة، وعندما يقول الطبري إنها (أول) امرأة قتلت من أصحاب الحسين (يعني أم عمرو) . . وذلك يوحي بأن هناك نساء أخريات قد قتلن، والشائع والمشهور هو أنها امرأة واحدة وهي أم وهب وقد علم اسمها مع أسماء الشهداء على ضريحهم المشهور في الروضة الحسينية والمعروف بضريح الشهداء الذي يلي ضريح الإمام الحسين من ناحية الرجل بعدة أمتار ... كما أن ذلك هو المتواتر والمعروف عند الناس.

أما موقف زوجة الشهيد السعيد (عبد الله بن عمير الكلبي) فكان لها شأن آخر منذ بدأ الحسين ثورته . . فقد أخبرها زوجها برغبته بالمسير إلى الحسين ومرافقته، فقالت له :" أصبت ، أصاب الله بك أرشد أمورك، افعل واخرجني معك "

فخرج بها حتى أتى حسيناً فأقام معه (1).

وعندما بدأ القتال أقبلت إلى زوجها وبيدها عمود من حديد وهي تقول: "فداك أبي وأمي ، قاتل دون الطيبين، ذرية محمد " . .

وأرادت أن تقاتل معه ، فأقبل إليها يردها إلى خيام النساء فأخذت تجاذبه ثوبه ثم قالت :" إني لن أدعك دون أن أموت معك " !

فسمع الحسين قولها فقال :

"جزيتم أهل بيت خيراً، ارجعي رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهن ".

فانصرفت. وعندما قتل زوجها ، ذهبت تمشي إليه حتى جلست عند رأسه وقالت :

"هنيئاً لك الجنة " !!

هذه صورة موجزة عن موقف المرأة في ثورة الحسين .. بينما كان دور الحوراء زينب الكبرى بنت الإمام علي وأخت الحسين فعالاً ومهماً، منذ بدأ الإمام الحسين بالإعداد لنهضته هذه وفي جميع مراحلها وحتى بعد استشهاده حيث كانت البطلة الناطقة بعظيم بلاغتها قد أزاحت الغشاوة عن أعين الناس وفضحت ابن زياد ويزيد نفسه أمام الناس ، وكان الرباطة جأشها وتحملها كل هذه المصائب وهي تنظر للأحداث فتكون هي المرأة الفريدة في التاريخ التي عاشت وتحملت كل هذه الأهوال بصبر عظيم.


1) راجع تاريخ الطبري - ج 4 ص 326 - 327 و ص 333-334.

شهداء كربلاء

شهداء كربلاء

كما ذكرنا، ففي نهار العاشر من محرم الحرام، وبعد أن أنهى الإمام الحسين أعذاره، وقد حدثت المعركة التي بدأت بالمبارزة وبعدها اشتملت على صفحتين :

الأولى : كانت بالالتحام بين الإيمان الذي يمثله القلة التي كانت مع الحسين، فكانوا ليوثاً أشداء زلزلوا الأرض تحت أقدام جيش الطغاة، وأحدثوا بالجيش خسائر جمة، إلى أن حلت صلاة الظهر، فطلب الإمام الصلاة مع من تبقى من أصحابه ، وبعدها كانت الفاصلة التي أدت في النهاية إلى استشهاد الإمام الحسين .

وكان مجموع من استشهد في يوم عاشوراء، اثنين وسبعين شهيداً، بينهم أبناء الإمام الحسين وإخوته وأبناء أخيه ومن آل عقيل بن أبي طالب وآل جعفر بن أبي طالب ، والبقية من أصحابه الشهداء البررة الذين ذادوا عن الإمام الحسين وأهل بيته وقدموا أرواحهم في سبيل الحق الذي نادى به الحسين، راضين مرضيين بطيب ،خاطر فهم قد جسدوا بذلك عظمة الإيمان العميق بالمبادئ الإسلامية التي آمنوا بها، وأجمل، بل وأروع آمنوا بها ،وأجمل بل وأروع وصف قيل للشهداء هو

ما جاء على لسان أبي الأحرار الحسين عندما قال :

قوم اذا نودوا لدفع ملمة *** والقوم بين مدعس ومكردس

لبسوا القلوب على الدروع واقبلوا *** يتهافتون على ذهاب الانفس

وكان من ضمن الشهداء من كان صحابياً للرسول الكريم، وسبق

لبعضهم أن بشر بهذه الشهادة الحسين من قبل النبي صلی الله علیه واله وسلم أو سمع منه بأن ابنه الحسين مقتول في كربلاء وعلى من يعرف بذلك أن ينصره، كما أن من بين الشهداء امرأة واحدة هي أم وهب .

وشهداء الطف في كربلاء هم:

1 . "الصحابي "حبيب بن مظاهر الأسدي.

2 . "الصحابي "يزيد بن مغفل بن عوف المذحجي الجعفي .

3 . "الصحابي " جنادة بن الحارث بن عوف المذحجي المرادي السلماني الكوفي .

4 . "الصحابي " جابر بن عروة الغفاري .

5 . "الصحابي " كنانة بن عتيق بن معاوية التغلبي الكوفي .

6 . "الصحابي" أنس بن الحارث بن نبيه بن كاهل الأسدي الكاهلي.

7 . "الصحابي " شوذب بن عبد الله الهمذاني الشاكري الكوفي .

8 . "الصحابي " سعد بن الحارث بن سارية الخزاعي.

9 " الصحابي " عبد الرحمن بن عبد رب الأنصاري.

10 . "الصحابي " مسلم بن عوسجة بن سعد الأسدي السعدي.

11 . "الصحابي " زاهر بن عمرو بن الأسود الاسلمي (والد مجزأة)

12 . زهير بن القين البجلي .

13 . نافع بن هلال.

14 . برير بن حضير الهمذاني .

15 . الحر بن يزيد الرياحي.

16 . عابس بن شبيب اليشكري.

17 . ربيعة بن حوط بن رئاب ( المكنى أبا ثور ) الشاعر الفارس ابن عم حبيب بن مظاهر .

18 . نعيم بن عجلان

19 . عمران بن كعب بن حارث الأشجعي .

20 . حنظلة بن عمرو الشيباني

21 . قاسط بن زهير

22 . ضرغامة بن مالك

23 . عامر بن مسلم

24. مجمع العائدي

25 . عمرو بن جنادة بن الحارث

26 . الحلاس بن عمرو الراسبي

27 . سوار بن أبي عمير الفهمي

28 . عمار بن أبي سلامة الدالاني

29. جبلة بن علي الشيباني

30 . مسعود بن الحجاج

31 . زهير بن سليم

32. عبد الله بن زيد البصري

33 . عبيد الله بن زيد البصري

34 . جون مولى أبي ذر الغفاري

35 . عمرو بن قرظة الأنصاري

36 . الحجاج بن مسروق الجعفي

37. يزيد بن زياد بن المهاجر الكندي (أبو الشعثاء)

38 . سيف بن الحارث بن سريع الجابري

39 . مالك بن عبد بن سريع الجابري

40 . أبو الحتوف بن الحارث

41 . أنيس بن معقل الأصبحي

42 . قرة بن أبي قرة الغفاري

43 . يحيى بن سليم المازني

44 . سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي

45 . حنظلة بن أسعد الشبامي

46 . النعمان بن عمرو الراسبي

47 . عمرو بن شِيعَه

48.

عبد الله بن عمير الكلبي

49.

وهب بن حباب الكلبي

50 أم وهب بن حباب (ابنة عبد الله بن النمر بن قاسط) (آل عقيل بن أبي طالب)

51 . جعفر بن عقيل

52 . عبد الرحمن بن عقيل

53 . محمد بن عقيل

54 . علي بن عقيل

55 . محمد بن أبي سعيد بن عقيل

56 . عبد الله بن مسلم بن عقيل

57 . محمد بن مسلم بن عقيل

آل جعفر بن أبي طالب

58 . عبيد الله بن جعفر الطيار (أخ عبد الله بن جعفر)

59 . عون بن عون بن عبد الله بن جعفر(1)(ابن الحوراء زينب )

الله 60 . محمد بن عبد بن جعفر (= = = )

( أولاد الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب)

61 . القاسم بن الحسن بن علي .

62 . أبو بكر بن الحسن بن علي

63 . عبد الله بن الحسن بن علي


1) عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب استشهد وأخوه محمد مع خالهم في كربلاء ومثوى عون وأخيه في حفرة الشهداء المعروفة داخل حرم الحسين ،الآن أما مرقد عون الذي يبعد عن مدينة كربلاء تسعة كيلو مترات وعلى طريق بغداد يعود إلى العالم الديني الذي يحمل نفس الاسم وهو عون بن عبد الله بن جعفر بن مرعي الحسني الذي كان يسكن كربلاء وله ضيعة في شمالها وعندما كان في ضيعته وافته المنية ودفن فيها وكان ذلك في الربع الأول من القرن الثامن الهجري، ولنا في ذلك تفاصيل مهمة في كتابنا عن مدينة كربلاء.

أولاد الإمام علي بن أبي طالب

64 . العباس بن علي (أبو الفضل - قمر بني هاشم )

65 . عبد الله بن علي

66 . جعفر بن علي

67 . عثمان بن علي

وهؤلاء أولاد أم البنين الكلابية العباس وإخوته الثلاثة.

68 . محمد الأصغر بن علي

69 . أبو بكر بن علي.

أولاد الإمام الحسين

70 . علي الأكبر بن الحسين

71 . عبد الله (الرضيع) بن الحسين

72 . سيد شباب أهل الجنة الإمام التقي النقي الطاهر الذكي الحسين

بن علي بن أبي طالب .

اختلف الرواة على بعض أسماء الشهداء في معركة الطف، وللحقيقة نقول، وخلال سنوات عديدة قمنا بالبحث والتحري عن الأسماء الصحيحة من مصادر كثيرة وأجرينا عمليات مقارنة ومتابعة شديدة كان الغرض منها الوصول

إلى ما هو الأقرب إلى الصحيح، وممن كتب عن هذا الموضوع قد اختلف غيره في أكثر من اسم من أسماء الشهداء، ونعتقد وبعد جهد كبير ومن قناعة بحثية وجدنا أن هذه الأسماء هي الأقرب إلى الحقيقة، ومما فاجأنا خلال دراسة الأسماء هو العثور على مخطوطة على شكل مشجر يزيد عمر هذه

المخطوطة على ثلاثة قرون وقد استفدنا منها بأمور كثيرة لأن جزءاً من التحقيق

ظهر فيها .. وقد وضعنا هذه المخطوطة ضمن موجودات الروضة الحسينية المقدسة في كربلاء .

وهناك أمران يخصان الأسماء لا بدَّ من الإشارة إليهما .

أ. فيما يخص اسمين ذكرناهما ضمن الشهداء من آل عقيل وهما عبد الله بن مسلم ومحمد بن مسلم، فمن خلال البحث والتقصي وتأكيد الكثير من المؤرخين فإنهما كانا ضمن قافلة شهداء كربلاء، ونعتقد بأن هناك شكاً في مصداقية القصة المعروفة عن مقتلهما في أطراف بلدة المسيب التي تبعد عن كربلاء شمالاً (35) كم وعلى نهر الفرات، وأن لهما مرقداً مشتركاً يسمى بمرقد (أولاد مسلم) . ولكن نجزم بأنهما قتلا في كربلاء ودفنا مع الشهداء في حرم الحسين .

وقد ابتعدنا هنا عن مناقشة مصداقية قصة مقتلهما ودفنهما في الموقع المعروف حالياً قرب المسيب، لأن ذلك خارج عن نطاق بحثنا ولنا في نفس الوقت دلائل كثيرة على صحة ما نقول.

ب. ذكر البعض بأن عوناً ومحمداً هما ولدا جعفر بن أبي طالب وليسا ولدي عبد الله بن جعفر والصحيح أنهما ولدا الحوراء زينب بنت علي من زوجها وابن عمها عبد الله بن جعفر، وعندما قدمت زينب مع أخيها الإمام الحسين اصطحبت معها ولديها عون ومحمد واستشهدا مع خالهم الإمام الحسين .

لقد كانت مأساة كربلاء واقعاً أليماً لما حدث في فصولها، ولكنها كانت إرادة ربانية أراد بها الخالق العظيم أن تكون رمزاً ومناراً للبشرية بأن يذهب الإمام الحسين قرباناً ليعلو شأن الإسلام وتستمر الرّسالة الخالدة التي نهض بها

المصطفى .

وليكن مقتل الحسين هو يوم (انتصار الحق) ولولا ثورته ونهضته لكانت مسيرة الإسلام قد خبت وذهب نورها .. فهي جعلت عمليات التصحيح في طريق الإسلام تتجدد مدى العصور وينهض المصلحون والثوار مسترشدين بما قدمه الإمام من دروس بالغة العظمة للناس والخليقة من بعده.

وسيبقى وهج نهضته إلى الأبد .. وعندما قال الإمام كلمة (لا) فإن ذلك يدل على أن للحق طلاباً، وأصبح كل من يقول (لا) للظالمين والمستبدين يضع الإمام الحسين نصب عينيه .. فسلام على الحسين يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً .

وعلى الرغم من مشيئة الباري عز وجل واختياره لهذه النهاية للإمام الحسين وأهل بيته وصحبه ، والتي كان الحسين يعلم بها وبما سيؤول إليه الأمر .. ولكن لا بدَّ لنا أن نطرح سؤالاً مهماً جداً وهو:

" هل كان بالإمكان معالجة أمر الثَّورة من قبل الحكم الأموي بطريقة أخرى، أم أن اختيار القتل والتصفية الجسدية كحل نهائي قد خطط له منذ وقت مسبق وتم العمل على تطبيقه بشكل مرسوم عن نوعية وكيفية هذا القتل؟ "

العناء . . فموضوع

والإجابة على هذا السؤال لا تحتاج إلى الكثير من العناء . . فموضوع القتل كان قد قرر مسبقاً من خلال ما بحثناه في كل الأوجه والمسببات .. ولكن نجزم بأن مقتل الحسين كان وبلا شك "مؤامرة يهودية، حيكت في المدائن، وطبقت من قبل حاكم نصب بدون حق وعدل ، ماجن خليع فاسق ، طليق" .

فما هي علاقة اليهود بالأمر . . ؟

نعم إنها مؤامرة يهودية ، ولا يمكن استبعاد اليهود عنها للأسباب التالية :

1. حقدهم الدفين على الإسلام و الرَّسول الأكرم وعلى أهل بيته ،وكان الإمام الحسين في وقته هو رأس الهاشميين وهو ريحانة الرسول صلی الله علیه واله وسلم والباقي من عبق النبوة، وبعد التغيير الحاد من الجانب الاجتماعي و النفسي للمجتمع نحو الانحدار والانحطاط فقد استغل اليهود ما كان مؤجلاً عندهم من أمور، كانت دسائسهم تحاك على الدوام، وهم يخططون دائماً لإحداث أي شرخ في لحمة الإسلام ، ولا نستبعدهم عن هذه المؤامرة الخبيثة، إذا عرفنا بأن رؤساء اليهود كانوا حلفاء دائمين لرؤساء قريش المعارضين لرسالة الإسلام، وعلى رأسهم بنو أمية وشيخهم أبو سفيان بن حرب، وبقيت هذه الصلة مستمرة بعد أن أسلم الطلقاء من بني أمية و أسلم الكثير من اليهود، ولكنهم ظلوا يحملون قلوباً تنبض بالحقد على الإسلام، و كانوا هم دائماً رأس النفاق .

2 . نعتقد بأن لليهود دوراً ومساهمة لدفع أهل الكوفة بالكتابة إلى الحسين ودعوته للقدوم إلى الكوفة. لأن اليهود استوطنوا الكوفة سنة (20ه-) بعد أن أجلاهم الخليفة عمر بن الخطاب إليها، وكانت لهم حارة تعرف باسمهم .

وقد قاموا بدور فعال فيما يقول بعض المحققين - في مجزرة كربلاء تشفياً من النبي صلی الله علیه واله وسلم بأبنائه وذريته . (1)

3 . لو تفحصنا قادة الجيش الأموي الذين حضروا مع قائد الجيش عمر ابن سعد بن أبي وقاص ، لعرفنا أن من بين هؤلاء من اشتد على الحسين وأهل بيته بوحشية لا مثيل لها وهمجية ولا إنسانية ، أمثال ( حرملة بن كاهل ) اليهودي


1) حياة الإمام الحسين - القرشي - ج 2 ص 445.

الذي أسلم وارتد بعد وفاة النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وحمل راية (سجاح) التي ادعت النبوة مع مسيلمة الكذاب .. وعاد بالسيف إلى الإسلام.

و (شبث بن ربعي )واسمه في العبرية (سبت) بن أربعاء)، كان شديداً على الإسلام ، وأسلم فيما بعد ، وارتد وعاد بعد الردة ، وقاتل مع الإمام علي في صفين، وكتب إلى الإمام الحسين ممن كتب إليه من أهل الكوفة يطلب منه القدوم. . وأصبح فيما بعد من قتلة الإمام الحسين في كربلاء، بل ممن أوغلوا في الجريمة . . والأمثلة كثيرة .

فما علاقة المدائن بمقتل الحسين؟

1 . إذا ما عرفنا بأن مجتمع الكوفة كان خليطاً غير متجانس من القوميات والأديان، ومن بين هذه القوميات كان (الفرس) الذين هم من فلول الجيوش الساسانية، فعندما قتل قائدهم (رستم) في القادسية، عقدوا أماناً مع سعد بن أبي وقاص فاتح العراق وفارس وهو الذي مصر الكوفة وبناها، فقد سكن هؤلاء الكوفة وكانوا وقتها يزيدون عن أربعة آلاف، ويسمون ب- (حمراء دیلم ) وبقي قسم كبير منهم معادياً للإسلام ويتحين الفرص لإشعال الفتنة والنعرات .

وعندما جهز الإمام الحسن جيشه لمحاربة معاوية فقد انضم الكثير منهم إلى الجيش الذي رافق الحسن إلى (ساباط) المجاورة للمدائن، وقبل ما يسمى بالصلح بين الحسن ومعاوية، فقد ارتبط الكثير من هؤلاء مع بعض الساسانيين (الفرس ) في المدائن، وقد اشتركوا في الأحداث التي جرت في معسكر الحسن ونهب متاعه بل محاولة قتله .

2 . الخذلان الذي واجهه الإمام الحسن في ساباط والمدائن بعد المؤامرة الخبيثة التي تحدثنا عنها سابقاً - وهو يعد العدة لحرب معاوية كان

الدليل الواضح والظاهر لعملية الخذلان التي لاقاها الإمام الحسين فيما بعد، لأن منهم من اشترك في جيش ابن زياد وقاتل الحسين بحقد متأصل ومستمر.

وكتحصيل حاصل فإن امتداد المؤامرة على الحسن طالت بالتآمر على أخيه الإمام الحسين، حيث كان الهدف واحداً.

أما تطبيق المؤامرة بهذا الشكل في ظل حاكم خليع وفاسد وهو يزيد فذلك :

يعني أمراً طبيعياً لأن يزيد بن معاوية كان من الرعونة والطيش بمقدار يكون من السهولة جداً أن التلاعب به، فهو غير ذي رأي سديد أو من الدهاء والسياسة كما عرفنا عن أبيه لأن يقوم الأمور بمقاديرها .. فكان أفضل من أن تمرر المؤامرة بوجود هذا الخليع ، الذي أشبع إضافة لمواصفاته بالحقد البالغ على الهاشميين وأهل البيت بشكل عام ، وعلى الحسين بشكل خاص لأنه لم يبايعه بل لم يعترف به.. لتجري فصول المؤامرة وشواهدها بالتتابع الذي يتحدث عنه التاريخ، كما ذكر آنفاً .

إذاً فهي مؤامرة يهودية حيكت بالمدائن وطبقت على أمر حاكم فاسق ليقوم بتنفيذ فقراتها . ونرجو من المتتبع لبحثنا أن يتبصر حديثنا وما نقلناه عن المؤامرة هو ما يخص قرار (القتل) الذي نحن بصدده، ولم يشمل ما قلناه عن مجمل الثورة.

الدروس المستنبطة من الثورة الحسينية

الدروس المستنبطة من الثورة الحسينية

توصلنا في بحثنا إلى أن الحسين قد استشهد يوم العاشر من المحرم عام 61 ه- مع أهل بيته وأصحابه في يوم خالد وهو يوم عاشوراء فلا يوم كيوم الحسين ذاك ولا فاجعة كفاجعة كربلاء .

فهل انتهت ثورة الحسين بمقتله ؟

وهل انتصرت هذه الثورة أم فشلت؟

وما هي نتائج الثَّورة في حالة انتصارها أو فشلها؟

أسئلة عديدة لا بدَّ من أن تكون لها إجابات .

فإذا أخذنا مقياس نجاح الثورة أو فشلها على حسابات قائدها، فإن من نهض بها وقادها قد استشهد وبشكل مأساوي، وهذا يعني لدى البعض أن الثَّورة قد انتهت بالقضاء على قائدها ، ويعني ذلك أنها قد فشلت ولم تحقق النصر ! .

ولكن مثل هذه الثَّورة، هل ينطبق عليها هذا الحكم، فإن كان كذلك فإن مصيرها هو الفشل والإحباط .. أما وإذا كان المضمون والنهج يختلفان عن هذه القياسات فيكون الحديث عن الثَّورة على شكل آخر ومختلف .

فإذا اعتبرنا بأن الإمام الحسين كان يخطط في ثورته ونهضته لأن يحصل على نصر آني وسريع على الأمويين، فعندئذٍ يحق للبعض أن يقول بأن هذه الثورة قد فشلت .

ولكن الإمام الحسين كان يعلم جيداً بمصيره وأنه لن يحقق نصراً حاسماً وفق إمكانياته التي عرفناها ، إذاً فالصورة قد اختلفت هنا ولا بدَّ لنا من وقفة .

1 . هل انتهت ثورة الحسين بمقتله؟

1 . هل انتهت ثورة الحسين بمقتله؟

إذ كان القياس الاعتيادي ، يعني انتهاء الثورة بنهاية قائدها . فإن لثورة الحسين ونهضته شاناً آخر كانت مختلفة عن مثيلاتها أو عن الثورات بشكل عام . لأن الحسين عندما ثار لم تكن هذه الثَّورة لكي تأخذ الحيز الزمني الذي عاش الحسين أحداثه وإنَّما أراد منها الحسين أن تستمر بالتدفق حتى لو ضحى هو بنفسه وأهله وصحبه ليعطي درساً عظيماً للناس كي يستمروا بالمطالبة بحريتهم وأن يشعروا دائماً بإنسانيتهم وأن يرفضوا الظلم . والاضطهاد والتعسف وأن يتمسكوا بمبادئ وأخلاقيات دينهم الحنيف وأن يحتفظوا بكرامتهم وأن ينبذوا الذل والهوان . .

وإذا كان الإمام الحسين قد سقط صريعاً على مذبح الحرية مدافعاً عن الحق ورافضاً كل أشكال الخنوع والخضوع للا شرعية والاستبداد، فذلك له دلالة عظيمة بأن طلاب الحق والعدالة الإنسانية وطالبي الحرية والإصلاح سيأخذون من موقف الحسين مناراً لهم ومنهجاً مستقيماً لا يضلوا بعده ابداً ما داموا على قناعة وثبات بأن رفض الباطل والتصدي للظلم واتباع المبادئ والأخلاق والقيم الإسلامية العظيمة هو من أصل العقيدة الرائعة التي جاءت بها ثورة الإسلام وقادها الرسول الأعظم.

فوهج ثورة الحسين لم يخبُ، بل زاد من تمسك الثوار بمبادئهم و ترددت أصواتهم برفض كل ما يخالف الشريعة التي جاء بها الإسلام وكل ما يعارض مسيرة-المجتمع الحر، فقد وضع الثوار الإمام الحسين وتضحياته نصب

أعينهم واعتبروا نهضته تلك مساراً ونوراً يهديهم إلى أن يستشعروا بحريتهم وكرامتهم حتى لو كان مصيرهم مشابهاً لمصير أبي الثوار الحسين.

إذاً فإن الثَّورة الحسينية والنهضة العظيمة لم تنته وستظل إشعاعاتها مستمرة ودروسها راسخة في أذهان كل الثوار وطلاب الحق والعدل والمساواة والإصلاح.

فليس غريباً على الحسين عندما لقب ب- (الوتر في الخالدين ) وهذا الوتر لا مثيل له في التخليد، لأن البشرية قد يصعب عليها أن تنجب شخصاً كالحسين مرة أخرى ولكنها لا تبخل بمن يأخذ العبرة من الحسين ليمضي على نهجه ، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال :

"إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة "

فلو كانت ثورة الحسين قد انتهت بمقتله فإنها تكون قد أفرغت من محتواها الشمولي.. وما الملايين التي تذهب إلى زيارة قبره الشريف بكربلاء كل عام ومن أنحاء متفرقة من المعمورة ومنذ استشهاده وحتى يومنا هذا إلا تجديد لسمو وعظمة النهج الذي سار عليه الإمام الحسين والتبرك والاقتداء به وبتضحياته الفذة، فمن يجود بنفسه وأولاده وإخوته وأهل بيته وأصحابه من أجل كلمة واحدة هو أكرم الخلق وأجودهم وأعظمهم .. فحري بالمناضل الاقتداء به ، وحري بجذوة النضال ألا تنطفئ.

وما الثورات التي أعقبت استشهاده إلا دليل دامغ على صحة نهجه وصواب مسيرته النضالية .

2 . هل انتصرت هذه الثورة أم فشلت؟

2 . هل انتصرت هذه الثورة أم فشلت؟

عندما يؤجل النصر الحاسم أو الآني لا يعني ذلك بأنه الفشل رغم

العذابات والتضحيات ، لأن الإمام الحسين لم يخرج ليحسم أمراً كان يعتقد به ويقتنع به لعلمه الكامل وتصوره البالغ باستحالة ذلك ولكنه اعتبر نفسه مأموراً بأن يقوم بعمل فريد لا يتمكن غيره من فعله ، ولا بدَّ من هزّة عنيفة للمجتمع حتى يقوم مسار الرسالة وتصويب انحراف المسيرة، فكان ما قام به الحسين هي تلك الهزّة التي كان يحتاج إليها المجتمع الإسلامي رغم أن النتائج في الغالب لم تكن ملموسة ولكنها حفظت للشعب إيمانه بنفسه وبشخصيته، وبحقه في الحياة والسيادة على نفسه، وهذا نصر عظيم .

لأن الشعوب لا تقهر ، وتحتفظ على الدوام بجذوة الثورة وسر انبعاثها فقد كانت ثورة الحسين هي التي أججت روح النضال في المجتمع الإسلامي والتي حاول المستبدون دائماً إخمادها.

فالثورات العظيمة قد تفشل ولكن تبقى جذوتها، لأن الروح النضالية تبقى، تحرض الشعب المسلم إلى الثَّورة دائماً وإلى التمرد ضد الطغاة وإلى التعبير عن نفس الشعب بأن يقول كلمة (لا) لكل من يخالف تعاليم الإسلام ولكل من يريد أن ينحرف بالمجتمع إلى مسالك الذل والعبودية والابتعاد عن أخلاقية المجتمع الإسلامي العظيم.

وأكبر دليل على أن ثورة الحسين قد كتب لها النصر الدائم منذ بدايتها وبكل القياسات هو ما مرَّ علينا في البحث عندما حاول الأمويون عن طريق واليهم المجرم عبيد الله بن زياد بأن يقطع الطريق ويبعد الحسين مهما كلف الأمر من الوصول إلى الكوفة .

فلو دققنا في هذه الملاحظة فسوف نجد لها أسباباً كثيرة ، لأنهم كانوا يعلمون جيداً أن الإمام إذا دخل الكوفة سوف يجتمع إليه أهلها وسوف يفلت زمام الأمر من يد الأمويين وإلا لماذا لم يدعوه يدخل الكوفة ويقتلوه فيها لعدم

قبوله البيعة كما قتلوا سفيره وابن عمه مسلم بن عقيل وبعض أصحابه مثل هاني ابن عروة وقيس بن مسهر الصيداوي وعبد الله بن يقطر !! .

لأن الإمام الحسين ليس مسلم بن عقيل ، وعند دخوله الكوفة سوف تنفتح له الساحة ولا بد أن يكون الناس أمام الأمر الواقع، وكان هذا ما يخاف منه ابن زیاد .

والدولة وقوتها وعظمتها عندما تخاف من عددٍ قليل من الأفراد بينهم أطفال ونساء، فهذا بحد ذاته له معان ودلالات، وهو النصر بحد ذاته .

إذا لم تفشل الثَّورة، بل لقد انتصرت وها هي القرون التي مرت تدل وتؤكد ذلك ، لأن من يبقى خالداً ولم يطوه النسيان وتلهج الأمة بكاملها باسمه ونهجه، فماذا يعني ذلك؟ غير الانتصار؟!

3 . ما هي نتائج ثورة الحسين؟

3 . ما هي نتائج ثورة الحسين؟

النتائج لا بدَّ أن تلتمس وتقرأ أكانت الثَّورة قد فشلت أم انتصرت . . ففي حالة الفشل فإن جميع أسس الثَّورة وأسبابها ستنهار وتنطفئ الجذوة التي أوقدتها الثَّورة إلى الأبد وينتهي كل أمر قامت من أجله تلك الثَّورة.. ومن ناحية ثانية نرى بأن نتائج الفشل ستكون عكس ما كان يتمناه الثوار وقائد الثورة بالذات وقد يأتي بأهوال تعود بالمجتمع إلى الخمول والاستمرار بالخضوع والذل الأبدي .

وكل ذلك لم يحصل بعد استشهاد الإمام الحسين ولو أن حال المجتمع حينها لم يتغير ولكن بعد فترة وجيزة تفجر الشعور النضالي وأعلن الناس مرة أخرى استنكارهم للظلم والعبودية والخروج عن المسار الأصلي للإسلام الخالد .

فالذين يذهبون إلى فشل الثورة يستندون إلى قياسات خاطئة. فنحن هنا نجزم بأن ثورة الحسين لم تفشل ولو أن قائدها قد استشهد، بل نعتبرها قد انتصرت رغم الأهوال والعذابات التي رافقتها وخاصة في يوم المواجهة غير المتكافئة في العاشر من المحرَّم .

ولكي نبحث مدى وحقيقة هذا الانتصار نورد بعضاً من نتائجها وسوف نتبين الحقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار والنتائج تؤكد :

أ . أن البعد الفدائي والنضالي والعقائدي الذي قدمه الحسين إلى البشرية کدرس كان من الصعب تصديقه من قبل البشر لو لم يقم به ثائر فذ ومن طراز فريد ومتميز كالحسين الشهيد .

فقد أثبت للناس وللأجيال اللاحقة بأن العطاء الإنساني ليس له حدود عندما يوجد من البشر من يؤدي دوراً كالدور الذي نهض به الإمام الثائر .

فكان بحق يوم استشهاده هو انتصار للحق بعد أن ساد الظلم بأبشع أشكاله ومثل هذا الانتصار بكلمة واحدة لا غير ولكنها كانت كبيرة جداً هي أكبر (لا) قيلت منذ خلق الله البشر وحتى يومنا . بدليل إن الإمام الحسين وقد اثخنته الجراح بعد أن صال وجال في ساحة الوغى وحيداً فريداً عندما كان جيشاً كاملاً وحده يقاتل الظالمين وشذاذ الآفاق وناقصي القيم والأخلاق وعبدة الدنيا والمال . . قال كلمته الأخيرة وهو تحت ظلال السيوف :

"إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني" .

إذاً لم يستقم الدين إلا بتضحيته العظيمة هذه، وكان صادقاً فيها كل الصدق، فلولا الحسين لانتهى كل ما يتعلق بسمو الرّسالة والعقيدة الإسلامية، فقد أعطاها جرعة الخلاص من الانحلال والعودة إلى المسار القويم لأمة

جده . . وليتصور الفرد هذه العظمة وبعدها كيف يكون شكل النصر إذا كان غير

هذا ؟ .

ب . إن تألق الروح النضالية واستمرارها بعد استشهاده بوقت قصير جداً في المجتمع الإسلامي كان سببه موقف الإمام الحسين ذلك، فقد أحس الناس بأنهم ليسوا بأفضل من ابن بنت نبيهم ذلك الطاهر المطهر الزكي، فكان النبراس والمثل الأعلى أمامهم .

ج. إن ثورة الحسين كانت البداية لنهاية حكم الطغاة. والجميع لا يبتعد عن حقيقة واحدة هي أن نهاية حكم الأمويين رهنت بوقفة الإمام تلك ولم يمض إلا قرابة الستين سنة حتى كانت هذه الدولة التي أسست على اللا شرعية أثراً بعد عين.

د . والمنصف من الناس يؤكد بأن ثورة الحسين كانت ثورة إصلاح ، والإصلاح لا يتم بين ليلة وضحاها، ولأنه خرج لإصلاح أمة جده فقد تتابعت محاولات الإصلاح والتقويم والالتزام بمبادئ الشريعة والعقيدة السمحة إلى يومنا هذا، و كلما ذكر الإصلاح والتقويم ذكر الإمام الحسين وذكرت ثورته و نهضته .

ه-. إن الذي لم يطوه النسيان بعد أربعة عشر قرناً وظل الناس يجددون ذكره ويبقى اسمه في الآفاق كلما ذكرت الفضائل وأساليب النضال والتضحيات والإباء والشمم ونصرة الحق والعدل ويبقى مرقده الشريف قبلة للأحرار يتبركون به ويجددون العهد للسير على نهجه وهو الإمام السيد، بل سيد شباب أهل

الجنة .

فهل هذا العظيم قد فشل أم أنه مثل الانتصار بأروع معانيه في الدنيا و الآخرة.

وج. القائمون بأي ثورة هم دائماً النخبة المختارة من الأمة.. هم الطليعة، وهم النخبة التي لم يأسرها الواقع المعيش، وإنما بقيت في مستوى أعلى منه ، وإن كانت تدركه وتعيه وترصده وتنفعل به وتتعذب بسببه. تصبح الثَّورة قدر هذه النخبة ومصيرها المحتوم حين تفشل جميع وسائل الإصلاح الأخرى، إنها نخبة حين يكون لها دور تاريخي، وحين تقوم بهذا الدور . (1)

يعني ذلك أن الأمة ولودة لنخبة تنجبهم لكي يكونوا هم الطليعة التي تتصدى للإصلاح وتنادي به وترفض كل ما لم يمت بصلة لمبادئ رسالة الإسلام الصحيح، وعندما خرج الإمام الحسين للإصلاح والتصدي للظالمين ، وكان لموقفه صلة بالثوار الذين ثاروا من بعده بعد أن كان له عليهم تأثير كبير لسمو نهجه الذي سار عليه .

ولو تتبعنا الثورات التي استمرت على الحكم الأموي والتي كانت في أغلبها امتداداً لثورة الحسين . مع أننا نرى بأن ليس كل تلك الثورات كانت تنادي بما نادى به الحسين ، بل قد تكون لبعضها أغراض خاصة بقادتها ولكننا لا يمكن أن نبتعد بالاعتقاد بعدم تأثير ثورة الحسين عليها. فإن ثورة الإمام أتاحت الفرص وكسرت حاجز الخوف والتردد ، وهذا جزء مهم جداً من نتائج ثورة الحسين .

ز. إن موقف أصحاب الحسين وأهل بيته كان عظيماً ورائعاً بل وفريداً في الصورة التي قدموها للأمة بما حققه ذلك الموقف البطولي من أثر على من استجاب لنداء الثورات اللاحقة بل حاول الكثير منهم أن يتمثل بشهداء الطف مضافاً إلى ذلك رفض الصمت والوجوم من قبل الشعب، ويحدثنا التاريخ عن


1) راجع ثورة الحسين محمد مهدي شمس الدين ص 180.

مواقف كثيرة لأناس جهروا بنقد الدولة التي أعدوها ظالمة ومتعسفة وقد حدث

الكثير من هذه المشاهد في مختلف ولايات الدولة .

وقد يدخل ضمن هذا النطاق ما عدَّ جديداً من القيم في المجتمع بل

يمكننا أن نذهب إلى أبعد ذلك من هو إثارة الشعور بالإثم في ضمير كل مسلم استطاع أن ينصر الحسين ولم ينصره، وسمع دعوته ولم يستجب له والشعور هذا دعا البعض أن يسعى لأن يكفّر عن ما ارتكبه من إثم لعدم النصرة ، وفي وجه آخر أثار ذلك الكره في نفوس هؤلاء وحقدهم للذين دفعوهم لارتكاب هذا الإثم ومنعوهم من نصرة الحسين وما ثورة التوابين إلا واحدة من الثورات التي تصب في هذا الاعتقاد.

وكما أوردنا قبل قليل عن الثورات التي تلاحقت بعد ثورة الحسين فلا بد لنا من الإشارة إليها ولو بشكل موجز كدليل على واحدة من نتائج ثورة الحسين .. و إيجاز الحديث عن هذه الثورات كان له غرض الإشارة إليها فقط ويمكن للمتتبع أن يراجع المصادر الكثيرة التي تحدثت عن هذه الثورات بالتفصيل .

ثورة التوابين

ثورة التوابين

كانت هذه الثَّورة بمثابة ردة الفعل المباشرة لقتل الحسين، وهذه الحركة قامت في الكوفة بعد أن لام شيعة أهل البيت أنفسهم لعدم نصرتهم الحسين واعتقدوا بأن لا شيء يبعد عنهم هذا الإثم إلا بالتصدي لقتلته ، ولا يهدأ لهم بال إلا بقتل من قتله أو يقتلون دون ذلك .

فذهبوا إلى بعض رؤسائهم وكانوا خمسة وهم :

سلیمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة الفزاري وعبد الله بن وائل التميمي ورفاعة بن شداد البجلي وعبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي.

واجتمع هؤلاء الخمسة وتباحثوا فيما بينهم وذكروا ما دعاهم إليه الحسين من النصرة فلم ينصروه لا بأيديهم ولا بأموالهم ولا باستنهاض عشائرهم وقد لاموا أنفسهم لأنهم كانوا يتمنون قدوم ابن بنت نبيهم بعد أن استصرخوه وحثوه للقدوم إليهم ولكنهم لم يفوا بما وعدوه، فقد كان اجتماعهم وتحادثهم رغبة في رضا الله عنهم ورسوله وتكفيراً عن عدم نصرته واتفقوا على أن يقتلوا قاتليه ليأخذوا بالثأر حتى يرضى الله عنهم حتى لو ضحوا بأنفسهم في سبيل ذلك .

عند ذلك كتب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان ومن معه

من الموالين لأهل البيت بالمدائن بأمرهم فاستجابوا لدعوته .

وكذلك كتب إلى المثنى بن مخرمة العبيدي في البصرة والموالين لأهل

البيت فيها فأجابوه .. وبدأوا بحث الناس ودعوتهم سراً للطلب بدم الحسين حتى وفاة يزيد بن معاوية ، وعندها جاهروا بشراء السلاح والتجهيزات لحركتهم .

وفي ليلة الخامس من شهر ربيع الأول سنة 65 ه- توجهوا إلى قبر الحسين في كربلاء يبكون وقد تعالت أصواتهم وهم يقولون :

"يا رب. إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا، فاغفر لنا ما مضى ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين. وإنا نشهدك يا رب إنا على مثل ما قتلوا عليه . فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " .

وغادروا موضع القبر متوجهين إلى الشام ولم يتوجهوا إلى الكوفة لاعتقادهم بأن النظام الأموي هو المسؤول عن قتل الحسين ولاقوا جيش الأمويين القادم من الشام وقاتلوا بشجاعة وبسالة حتى أبيدوا جميعاً.

فكانت هذه الحركة التي سميت بثورة التوابين لا يريد المساهمون فيها نصراً أو ملكاً أو مغانم وإنَّما كانوا يستهدفون الانتقام والتكفير لأنهم كانوا على يقين بأنهم غادروا ديارهم وأنهم سوف لا يرجعون إليها وكانوا يريدون الموت، علماً بأن الأمويين قد بذلوا لهم الأمان على أن لا يخرجوا فلم يقبلوا به.

ونلاحظ بأن الناس لم يستجيبوا بكثرة إلى هذه الحركة إلا أربعة آلاف شخص فقط من الكوفة ومائة وسبعين رجلاً من المدائن وثلاثمائة رجل من البصرة فقط .

وعدم الاستجابة الكبيرة لدعوة هذه الحركة لأنها كانت ثورة انتحارية بدون أهداف سوى الانتقام والتكفير الانتقام والتكفير ... والعمل الانتحاري لا يستهوي إلا

أفراداً على مستوى عال من التضحية .

وقد أثرت هذه الحركة في المجتمع الكوفي وكان قادتها من خلال خطبهم يحثون الجماهير في الكوفة للثورة على الحكم الأموي. بحيث لم يكد يصلهم خبر موت يزيد بن معاوية حتى ثاروا على الوالي الكوفة (عمرو بن حريث) وأخرجوه من قصر الإمارة ووضعوا مكانه (عامر بن مسعود) الذي بايع فيما بعد لعبد الله بن الزبير .(1)

ثورة المدينة المنورة

ثورة المدينة المنورة :

هذه الثَّورة تختلف عن ثورة التوابين في دوافعها وأهدافها، ولكنها لم تبتعد عن كونها رد فعل آخر لثورة الحسين .

فلم تكن دوافع ثورة المدينة الانتقام والتكفير . . وإنما كانت تستهدف التخلص من سلطة الامويين التي اعتبرها الناس سلطة جائرة وظالمة وبعيدة عن

الدين .

وكانت شرارة الثَّورة قد بدأت بعد مقتل الحسين ووصول أهل بيته إلى المدينة وكان تأثير الحوراء زينب بنت علي ( أخت الحسين ) كبيراً على الناس منذ وصولها، وقد قامت بتعبئة النفوس وتأليب الناس على يزيد ونظامه فقد كتب والي المدينة (عمر بن سعيد الأشدق ) إلى يزيد بن معاوية يذكر له ما تقوم به الحوراء زينب ، حيث كتب ليزيد يقول :

"إن وجودها بين أهل المدينة مهيج للخواطر وإنها فصيحة، عاقلة، لبيبة وقد عزمت هي ومن معها على القيام للأخذ بثأر الحسين " .


1) للزيادة في المعلومات عن هذه الحركة (ثورة التوابين) راجع تاريخ الطبري في الجزء الرابع منه .

فأتاه كتاب يزيد بأن يفرّق بينها وبين الناس (1).

واستمرت المدينة تغلي مستاءة من الامويين مدة من الزمن حتى حصل أن أوفد (عثمان بن محمد بن أبي سفيان ) والي المدينة وفداً من أهلها إلى يزيد ابن معاوية ضم عبد الله بن حنظلة الأنصاري (غسيل الملائكة ) وعبد الله بن أبي عمرو المخزومي والمنذر بن الزبير وآخرين من أشراف المدينة . .

فقدموا على يزيد فأكرمهم وأحسن إليهم وأعطاهم جوائز عظيمة لغرض استمالتهم إليه بعد أن نقلوا إليه مطالبهم الإصلاحية، فلما عادوا إلى المدينة نقلوا إلى أهلها فساد يزيد وعيوبه وأنهم قدموا من عند رجل لا دين له ويشرب الخمر ويلعب بالكلاب ، وأشهدوا الناس بأنهم خلعوه ، وخطب بالناس عبد الله ابن حنظلة فقال :

جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم، وقد أعطاني وأكرمني ، وما قبلت عطاءه إلا لأتقوى به " .

فخلع الناس يزيد وولوا عليهم عبد الله بن حنظلة .

أما المنذر بن الزبير فقد نزل العراق بعد عودته من الشام وبعدها جاء إلى المدينة وكان ممن يحرض الناس على يزيد ، وخطب بالناس قائلاً:

" إنه قد أجازني بمائة ألف ، ولا يمنعني ما صنع بي أن اخبركم خبره ، واصدقكم عنه : والله انه ليشرب الخمر ، والله انه ليسكر حتى يدع الصلاة " .

وثارت المدينة على الحكم الأموي وطرد الثوار والي يزيد والأمويين . .

وحاول الأمويون ردَّ أهل المدينة عن ثورتهم وحركتهم هذه فلم يستجيبوا، مما


1) راجع كتاب (بطلة كربلاء) للدكتورة بنت الشاطئ.

دعا يزيد بن معاوية لأن يرسل جيشاً كبيراً بقيادة مسلم بن عقبة المري، فقام باستباحة مدينة الرَّسول وأعمل السيف بأهلها وقمع الثَّورة بشكل وحشي، ودعا قائد الجيش الناس للبيعة على أنهم خول ليزيد بن معاوية ، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهلهم ما شاء (1)

نستطيع أن نقول بأن ثورة المدينة كانت لها أهداف إصلاحية وهي نیذ السلطة الأموية والتأكيد على ضرورة تطبيق مبادئ الإسلام على الشعب المسلم الذي ضاق من جور حكامه، ويمكننا أن نصنف هذه الثَّورة وقيامها بتأثير من النهضة الحسينية التي كسرت حاجز الخوف، رغم أن قساوة ما قام به جيش الأمويين في مدينة سيد البشر ولم يتم احترام قدسيتها ولكن جذوة الثَّورة والتمرد لم تنطفئ فيها رغم كل ما حدث.

ثورة عبد الله بن الزبير

ثورة عبد الله بن الزبير :

لقد تحدثنا في البحث عن موقف عبد الله بن الزبير بن العوام من الإمام الحسين وخروجه إلى العراق .

وكان عبد الله بن الزبير أشد ما يكون عليه هو وجود الحسين في مكة، لأن الناس كانوا يذهبون إليه لمكانته ومنزلته ، بينما كان ابن الزبير تواقاً إلى السلطة والحكم والإمرة .

فإذا جاهر بخلافه مع الأمويين كان ذلك طمعاً في السلطان لا في الإصلاح .. فقد كان غرضه شخصياً بحت رغم تظاهره بالدين والزهد وتظاهره بتعاطفه مع الإمام الحسين بن علي ونصحه له بالبقاء في مكة، إلى أن ودعه


1) راجع تاريخ الطبري عن ثورة المدينة في الجزء الرابع منه ابتداء من ص 366.

عند خروجه للعراق .

وقد استغل عبد الله بن الزبير مقتل الإمام الحسين فأعلن العصيان على حكم يزيد وقام بثورته في مكة بعد أن وثب إليه أصحابه وقالوا :

" أظهر بيعتك فإنه لم يبق أحد إذ هلك الحسين ينازعك الأمر " .

ولكنه قال لهم . . " لا تعجلوا "

وبعد ذلك أعد نفسه للثورة على الحكم الأموي وقد استجاب له الناس في ثورته ، وكانت هذه الاستجابة قد انبعثت من الروح النضالية التي بثتها ثورة الحسين الدامية في نفوس الجماهير .

رغم أن هذه الثَّورة هي ليست امتداداً لثورة الحسين ولكن تأثيرها على المجتمع ساعد على أن يقوم ابن الزبير بالتحفز للتصدي للحكم.. وحتى عندما بدأ التوابون بثورتهم على الأمويين فقد طردوا والي الكوفة وأجلسوا عليها والياً بايع لابن الزبير .

وقد أمر يزيد بن معاوية قائد جيشه مسلم بن عقبة المري بعد أن قمع ثورة المدينة بالتوجه إلى مكة لإخضاع عبد الله بن الزبير والقضاء على ثورته . . وقد تقدم الجيش الأموي ووصل إلى مكة وفرض عليها حصاراً شديداً قبل الدخول فيها وفي أثناء الحصار بلغ الجيش خبر وفاة يزيد فانسحب الجيش منها عائداً إلى الشام ، مما دعا ابن الزبير في الاستمرار بثورته حتى إذا كانت سنة خمس وستين للهجرة بويع له في الحجاز والعراق والشام والجزيرة (1).

إلا أن الأمور لم تستقر لابن الزبير بعد حين ولم يظهر منه أي إجراء على قتلة الإمام الحسين الذين وجدوا في مناطقهم متنفذين .


1) تاريخ الطبري - ج 4 ص 408.

ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي

ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي :

عندما بايع العراق لابن الزبير واستجاب الناس له كان لذلك ما يبرره في وقتها. . فكان المجتمع يطالب بإصلاح اجتماعي طال أمده واستمرار الدولة الأموية في ضغطها على الناس وممارسة الشدة والظلم ومن ناحية أخرى كان لدى العراقيين شعور قوي بالاقتصاص من قتلة الحسين و محاسبة الأمويين على ما أحدثوه وكذلك اشتياقهم إلى حكم عادل تطبق فيه العدالة والمساواة.

ولكن الحال لم يتغير عندما تمت البيعة لابن الزبير الذي كانوا يعدونه عدواً للأمويين. ولكن عبد الله بن الزبير لم يحقق كل تلك الأماني وبدا أن حكمه لم يكن أفضل من الحكم الأموي ولم يلمس المجتمع تغييراً في السيرة السابقة التي طمحوا بتغييرها، ومن ناحية أخرى وجد العراقيون بأن قتلة الإمام الحسين كانوا مقربين إلى السلطة الجديدة وبقي شمر بن ذي الجوشن وعمر بن سعد بن أبي وقاص وعمرو بن الحجاج وحرملة بن كاهل وشبث بن ربعي وغيرهم سادة المجتمع كما كانوا في أيام الأمويين.

مما أثار الناس على وضعهم الجديد فادعى المختار الثقفي بأنه مأمور بدعوته مع محمد ابن الحنفية ابن الإمام علي فثار سنة ست وستين في الكوفة واستجاب له الناس بعد أن جعل شعار ثورته (هذه يا لثارات الحسين) وقام المختار بمتابعة قتلة الإمام الحسين ويقال بأنه قتل منهم في يوم واحد مائتين وثمانين رجلاً تتبعهم فقتل قادة الجيش الذي قاتل الإمام الحسين وخاصة شمر وعمر بن سعد وشبث وعمر بن الحجاج .

ولم تدم ثورة المختار طويلاً بعد أن أبعد آل الزبير وسيطرتهم عن الكوفة وقد شكك الكثير ممن كتب عن هذه الثورة وقائدها المختار الذي كان يوماً من أتباع آل الزبير وقد وصفوا ثورته بأنها لم تكن ثورة بمعنى الكلمة وخاصة عندما

نقلوا عن محمد ابن الحنفية بأنه لم يفوض المختار بشيء ولم يلتزم معه بعهد أو وعد كما أن المختار لم يقم بأي إصلاح وإنما عده بعضهم سلطوياً وكان يحب الإمرة .

ولكن لا بدَّ أن نشير إلى أفضل ما قام به المختار هو أخذ الثأر من قتلة الإمام الحسين وتخليص المجتمع من نفوذهم الذي لم يتمكن آل الزبير من تغییره .

وقد زحف مصعب بن الزبير نحو الكوفة وتمكن بعد قتال طويل ومعركة

دامية من القضاء على المختار .

وهنا لا بدَّ أن نشير إلى أن ثورة المختار كانت من ضمن الإرهاصات التي بدأت تدور في المجتمع الإسلامي ولا يمكننا أن نربط هذه الثورة بمنهج ثورة الحسين الإصلاحية لأن ثورة المختار كانت إقليمية الحدوث ومحدودة الأهداف مما دفع بها سريعاً إلى النهاية ويمكننا فقط أن نربطها بالسياق الثوري الذي بدأ يستفحل .

ثورة زيد بن علي

ثورة زيد بن علي :

وزيد هو ابن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام وفي زمن حكم هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي وتحديداً في سنة 121ه- تهيأ زيد بن علي للقيام بالثَّورة ضد الحكم الأموي وقد مهد لثورته طويلاً وقد نهل من ثورة جده الإمام الحسين الكثير وكانت استجابة المجتمع لزيد واسعة من الجماهير التواقة للعدل والمساواة وتطبيق الشريعة الإسلامية ولم تقتصر هذه الاستجابة على مجتمع الكوفة بل بويع زيد على الثورة في الكوفة والبصرة وواسط والموصل وخراسان والري وجرجان.

وكانت شعارات الثائرين مع زيد في الكوفة :

" يا أهل الكوفة، اخرجوا من الذل إلى العز، وإلى الدين والدنيا " .(1)

وقد تم إخماد هذه الثَّورة لسببين :

الأول : اختلاف التوقيت المتفق عليه بين الأمصار حيث كان الاتفاق على إعلان الثَّورة والنهوض في وقت واحد محدد إلا أن هناك أموراً استحدثت مما دعت زيد لإعلان ثورته قبل أوانها .

الثاني : كان جيش كبير للأمويين مرابطاً في العراق بحيث أسرع هذا الجيش وتدخل للقضاء على الثَّورة في مهدها وقد قتل زيد رحمه الله ويقال بأن هشام بن عبد الملك أمر بصلبه على جذع نخلة وذكر البعض بأن جثته أحرقت ونثر رمادها. والمهم هو أن قائد الثورة قد قتل .

ويمكننا هنا أن نعد ثورة زيد هي امتداداً لثورة جده الحسين بمعانيها وأن لهذه الثَّورة تأثيراً على نشوء جهاز ثوري دائم كان على استعداد للمساهمة في أي عمل ثوري ضد السلطة .. وعليه فقد نشأت طائفة الزيدية الذين يرون أن الإمام المفترض الطاعة هو كل قائم بالسيف ذوداً عن الدين ضد الظالمين.

إذاً فثورة زيد قد ارتشفت من رحيق ثورة جده الإمام الحسين وعبق مبدئيتها وثوريتها .

ثورة محمد بن إبراهيم بن طباطبا العلوي الحسني

ثورة محمد بن إبراهيم بن طباطبا العلوي الحسني :

كانت هذه الثورة تسمى بثورة أبي السرايا والحقيقة أنها كانت إحدى النماذج التي استمدت الروح النضالية التي بثتها ثورة الحسين .. لأن ثورة


1) مقاتل الطالبيين ص139.

الحسين عبأت قوة الشعب المسلح ووضعته في حالة الاستعداد الدائم للتصدي إلى الحكم الذي يعتبره الناس بعيداً عن جادة العدالة ويميل إلى استعباد الخلق مهما كان الحكام ودولهم .

ورغم وفاة ابن طباطبا بعد نشوب ثورته على المأمون العباسي بقليل فنراها قد استمرت في الاشتعال وقد قام بها بعده علي بن عبيد الله العلوي وقد شملت الثَّورة العراق والشام واليمن والجزيرة.

وكان الثوار على قدر عال من الأخلاق والانضباط مما دعاهم إلى الاستمرار وفي معارك كثيرة تمكنوا من التغلب على جيوش العباسيين .

وكان هدف هذه الثَّورة هو دعوة الناس إلى البيعة والرضا من آل محمد وإلى كتاب الله وسنة نبيه صلی الله علیه واله وسلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسير بحكم الكتاب. وقد اجتمع الناس وازدحموا على تأييدها .

وهناك ثورات أخرى هبت في أيام الأمويين وكذلك العباسيين لا يبتعد مضمونها ونهجها عن ثورة الحسين .. وربما أن جميع هذه الثورات لم تكن لتبدل من واقع الشعب المسلم حينها وقد تكون في أحسن أحوالها تبدلاً للحاكمين ولكن جذوة الثَّورة لم تخمد لدى المجتمع الإسلامي واستمرت هذه الثورات تتوالى على الأمويين والعباسيين وعلى الدول التي تلتهم وإذا كان لذلك دلالة واضحة لا يمكن أن نبعد أمراً مهماً هو أن الإنسان المسلم ظل دائماً يعبر بالثورة عن إنسانيته التي كان الحكام على مدى العصور يتفننون في خنقها .

وماذا بعد؟

وماذا بعد؟

وجدنا أن الإمام الحسين عندما ثار ونهض كان ملماً إلماماً كبيراً بواقع أمته ومجتمعه وقد عاش الأحداث في حياته واختمرت في ذهنه عملية الإصلاح من خلال استيعابه الكامل لمبادئ عقيدته الإسلامية الخالصة وتربيته الفذة وتفاعله مع كل ما دار أمامه وما سمع عنه وقد عاش فترات الانحلال في المجتمع وصيغ التعامل اللا أخلاقي المشين المبتعد عن أصول الدين وما ورد في الكتاب والسنة الشريفة وقد أخذ على نفسه أن يقوم بالتصدي للواقع الذي كان يحتاج إلى هزة عنيفة ترجع بالمجتمع إلى أصله ومنبعه الأصيل.

فكانت بحق ثورة الحسين هي رأس الحربة في التطور الذي حصل في المجتمع الإسلامي لأن نهضته حفظت للجماهير إيمانها بنفسها وتوضح للإنسان المسلم بأنه ملزم على الالتزام بالتطور الذي يعتبر من أهم الضرورات ليحس بشخصيته وبحقه في الحياة وأن يكون حراً وسيداً وما ذلك التغيير إلا النصر الكبير والعظيم عندما ينفض الإنسان عن كاهله الذل والخنوع والخوف .

إن ثورة الحسين عندما أشعلت روح النضال لدى الشعب والأهم من ذلك أن روح النضال هذه كانت لها ديمومتها واستمراريتها .. يعني أنها أوقدت في الضمائر الحية وعلى مدى الدهور بأن تبقى النفوس حية غير خامدة لتسهم في مجرى الإنسانية.

إن ثورة كثورة الحسين تظل إشعاعاتها إلى يومنا هذا متقدة ينهل منها الثوار وطلاب الحرية .. ويظل الإمام الحسين مصباحاً من خلال ما قام به ينير

دروب المظلومين لكي يقفوا بوجه الباطل ويقولوا كلمتهم وأن لا تسلب إنسانيتهم وكرامتهم .

فسلام على الحسين يوم ولد م ولد ويوم استشهد وهو الوتر في الخالدين وعظة الطامحين ومنار السائلين والثائرين وغصن هاشم ومفزع للحتوف وطيب الثرى .. وسلام على جده العظيم الذي رشفه بريقه العذب وسلام على أمه الصديقة الطاهرة وأبيه أسد الله الغالب وأخيه الحسن جواد الأمة وعلى أخته الحوراء وأخيه قمر بني هاشم العباس .

الخاتمة

الخاتمة

في هذه المساهمة المتواضعة التي أردنا بها شفاعة الإمام الحسين وجده وأبيه وأمه وأخيه بمنزلتهم الخالدة لدى رب العالمين سبحانه وتعالى يوم نفد عليه مثقلين بالذنوب طالبين الرحمة والمغفرة من الخالق جل جلاله ، ولنا في قول الإمام علي أسوة عندما أنشد:

وفدت على الكريم بغير زادٍ *** من الحسنات والقلب السليم

وَحَمْلُ الزاد اقبحُ كل شيء *** إذا كان الوفود على الكريم

وهذه المساهمة التي نعنيها هي محاولة للانضمام إلى من كتب عن ثورة الإمام الحسين، هذه الثَّورة التي هزت المجتمع الإسلامي وكانت بحق دروساً وعبراً تحتاج لها الإنسانية على مدى العصور والدهور للموقف الفريد والعظيم الشخص أنجبته البشرية ليكون على الدوام إشعاعاً ينير للثوار الدروب ولكل طلاب الحق والحرية والمناضلين من أجل الإصلاح مع رفد ثر للناس بصور عظيمة من الإيثار ونكران الذات والمبدئية والأخلاقية والبطولة والبسالة التي سطرها لتكون دروساً رائعة للمجتمع الإنساني ولم يقتصر على المجتمع المسلم .

فكانت نهضة الحسين وثورته هي البداية الحقة للوقوف أمام الذل والخوف والظلم والاستعباد وهي الالتزام بل التضحية بأسمى صورها ومعانيها من أجل تقويم وتصحيح المسيرة الخالدة للإسلام وإبعادها عن الزلل والانحراف .. فقد كانت هذه الثَّورة العظيمة الأساس للنهج الإسلامي القويم

وحتى يوم الطف في عاشوراء كربلاء كان حادث استشهاده على فداحة الفاجعة ولكن هذا الاستشهاد وبالطريقة التي نفذت بها جريمة قتله أصبح للخلود معنى وللتضحية والشهادة مغزى فقد ذل الموت بمصرعه وبدا وإلى الآن حياً يرزق يعيش في ضمائر الثائرين والسائرين على نهجه السليم ، فحري بنا ونحن محبيه والملتزمين بنهجه أن نسير على نفس المنهاج الذي اختطه سيد الشهداء وأبو الأحرار (وليكن هو الرمز ) .

وكانت هذه الدراسة المتواضعة التي أرجو من القارئ المحترم أن يغفر لنا أي زلل أو خطأ قد يرى بأننا قد أخفقنا فيه ولكننا نؤكد بأن الكمال الله سبحانه وتعالى ولكن قد يجد القارئ شيئاً جديداً وابتعاداً عن جانب من الغرور فنؤكد بأننا قد اعتمدنا جانباً كبيراً من الجرأة والصراحة والتي كانت ولا زالت خطوطاً حمراً لدى البعض ممن اصطفوا مع المغالين في الطروحات والمعتمدين على مصادر تفوح منها روائح الطائفية النتنة . . فلقد اعتبرنا هذه الدراسة وهذا التحليل لموضوع تدخل في صلب أحداثه الكثير من المواضيع المتداولة والمنقولة إلينا بتأثير شعوبي واضح الغرض منه التفرقة لا التوحد ونحن الآن بحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لتجاوز الخلافات التي لا تخدم الدين ولا تخدم المجتمع إذا ما عرفنا إن كثيراً مما وصل إلينا من التاريخ هو مشكوك في نقله لأغراض قد تدخلت فيه السياسة والمصالح والغايات التي لا تخدم الإسلام، فهذه دعوة إلى منطق العقل والعلمية في التصور .

كما أن هذه الدراسة هي دعوة مرة ثانية لفهم موقف الحسين العظيم من كل ما مرّ من أحداث على المجتمع المسلم وليكن موقفه مناراً دائماً لكل الخيرين من تشابكت فيه الغايات والنيات ونسأل الله أن يهدي الجميع لكل صالح وشريف من الأعمال، لأن الإمام الحسين ثار لنتوحد لا لنتفرق وثار من أجل الإصلاح لا من أجل التهديم ونهض ليغير واقعاً قاسداً ويحل مكانه واقعاً

مشرقاً ونيراً ..

فلم يثر الحسين لكي نبكي ونلطم عليه ونجعله تجارة أو مادة تباع وتشترى، بل إن هذا العظيم نهض لكي نحيا حياة العز والشرف والتوحد والالتزام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. لقد ثار من أجل كلمة الحق وقد ضحى بنفسه من أجلها .

وختاماً سلاماً لهذا الثائر العظيم الخالد وهذا الغصن الهاشمي الغض الرائع ورغم أن يوم مصرعه يدمي القلب ولكن لنا الحق بأن نفخر بسيد الإنسانية وعظيمها .

بأبي أنت وأمي أيها العظيم الخالد ، طبت وطابت الأرض التي فيها دفنت وسلام عليك مادامت الدهور ، أيها النهر المشع، وخابت وخسئت الأيدي التي تجرأت على حرمتك وسلام على من أناخ برحلك وعلى المحدقين بقبرك الشريف ... وسلام على ولديك الشهيدين وإخوتك وأهل بيتك وأصحابك الشهداء الأفذاذ الذين كانوا وما زالوا المصابيح المتلألئة في سماء الحرية والعقائدية .

سلام على كل من سار ويسير على نهجك القويم فأشهد انك طهر طاهر مطهر طهرت وطُهرت بك البلاد.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وأهل بيته الغر الميامين وصحبه المنتجبين .

المؤلف

السيد عبد الصاحب ناصر آل نصر الله

سادن الروضة الحسينية المقدسة

المصادر

المصادر

1 . الكامل في التاريخ - لابن الأثير

2 . تاريخ الطبري

3 . كنز العمال

4. طبقات ابن سعد

5 . مروج الذهب - المسعودي

6. الإمامة والسياسة

7 . البداية والنهاية

8. تاریخ بغداد - الخطيب البغدادي

9 . تاريخ اليعقوبي

10 . الأخبار الطوال - الدينوري

11 . تاريخ التمدن الإسلامي - جرجي زيدان

12 . الصواعق المحرقة

13 . الدر المنثور - السيوطي

14 . أنساب الأشراف - البلاذري

15 . تاریخ ابن عساکر

16 . الفتنة الكبرى - طه حسين

17 . تاريخ الخلفاء - السيوطي

18 . الكامل في الأدب - للمبرد

19 . العقد الفريد

20 . الإصابة في أحوال الصحابة

21 . فتوح البلدان

22 . سير أعلام النبلاء

23 . السيرة النبوية - لابن هشام

24 . أسد الغابة

25 . الفصل في الملل والنحل - ابن حزم

26 . تاريخ العرب فيليب حتي

27 . كتاب صفين

28 . قصة الأدب في العالم - أحمد أمين

29 . تاريخ الشعوب الإسلامية

30 . تاريخ الشعر السياسي

31 . صحيح مسلم

32 . صحيح البخاري

33. مسند أحمد بن حنبل

34 . صحيح الترمذي

35 . مستدرك الصحيحين

36 . الأغاني - أبو الفرج الأصفهاني .

37 . مقاتل الطالبيين

38. شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد المعتزلي.

39 . تفسير الفخر الرازي

40 . أسباب النزول - للواحدي

41 . ينابيع المودة

42 . موسوعة العراق السياسية - عبد الرزاق أسود.

43 . موسوعة العتبات المقدسة - قسم كربلاء .

44. موسوعة العتبات المقدسة - قسم مكة المكرمة .

45 . الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة - للحافظ تقي أبي الطيب محمد القرشي .

46 . حياة الإمام الحسن - الشيخ باقر شريف القرشي

47. حياة الإمام الحسين - الشيخ باقر شريف القرشي

48 . صلح الحسن - الشيخ راضي آل ياسين .

49. صلح الحسن من منظور آخر – الأسعد بن علي

50 . اليمين واليسار في الإسلام - أحمد عباس صالح

51 . ثورة الحسين - الشيخ محمد مهدي شمس الدين

52 . نهضة الحسين - السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني

53 . قصة كربلاء - علي منفرد

54 . مقتل الحسين - عبد الرزاق المقرم

55 . مقتل الخوارزمي الدین

56 . أصحاب الرَّسول - أنصار ابن البتول - الشيخ هاشم الزيدي

57 . اللهوف

58 . بطلة كربلاء - د . بنت الشاطئ.

الفهرس

الإهداء ... 7

المقدمة ... 9

تمهيد ... 14

البنية التكوينية للإمام الحسين بن علي ... 21

مولد الإمام الحسين ... 21

الجانب الثوري للإسلام ... 33

امتدادات مفهوم الثورة الحسينية ... 37

المجتمع المكي قبل الإسلام ... 47

1 . الوضع الاقتصادي ... 47

2 . الوضع السياسي ... 50

3 . الوضع الاجتماعي ... 60

أ . كبار التجار ... 60

ب. التجار الصغار ... 61

ج . طبقة الأجراء ... 63

د. طبقة العرافين و الكهنة ورجال الدين ... 64

الصراع القبلي والعائلي في مكة ... 69

قريش وقصي ... 73

الصراع القديم ... 76

بنو هاشم وبنو أمية ... 78

ثورة الإسلام ... 79

شكل الصراع منذ ظهور الإسلام حتى فتح مكة ... 86

الشورى ... 98

ما بعد النبي صلی الله علیه واله وسلم ... 102

الخلافة ... 105

مشهدان ... 137

المشهد الأول ... 137

المشهد الثاني ... 142

خلافة أبي بكر الصديق ... 151

خلافة عمر بن الخطاب ... 159

مجلس الشورى ... 164

1 - الزبير بن العوام ... 168

2 - طلحة بن عبيد الله ... 168

3 . سعد بن أبي وقاص ... 169

4- عبد الرحمن بن عوف ... 169

5 . عثمان بن عفان ... 170

6 . علي بن أبي طالب ... 170

نتائج عملية الشورى ... 178

الدور الأول ... 183

الدور الثاني ... 184

الدور الثالث ... 185

خلافة عثمان بن عفان ... 188

شخصية عثمان ... 190

إدارة عثمان ... 193

السياسة المالية ... 195

السياسة الإدارية ... 202

ج عبد الله بن عامر بن كريز ... 206

د. عبد الله بن سعد بن أبي سرح ... 207

ه-. معاوية بن أبي سفيان ... 209

نتائج سياسة عثمان وآثارها ... 211

الثانية معارضة ثوار الإسلام ومناضليه ... 214

1 . أبو ذر الغفاري (جندب بن جنادة) ... 216

2 . عمار بن ياسر ... 219

3 . عبد الله بن مسعود ... 221

موقف الإمام علي بن أبي طالب خلال الثورة ... 228

ماذا بعد مقتل عثمان؟ ... 231

خلافة الإمام علي بن أبي طالب ... 235

ما هو الجو الذي حكم فيه الإمام علي؟ ... 244

1 . موقف الإمام علي من سياسة عثمان ... 245

2 . موقف الإمام علي من معارضي عثمان ... 249

مقتل الإمام علي بن أبي طالب ... 259

خلافة الحسن بن علي ... 263

القيادة الشابة ... 280

سياسة الإمام الحسن وإجراءاته ... 287

المؤامرة ... 290

كيف طبقت المؤامرة؟ . ... 291

ما هو موقف الإمام الحسين؟ ... 298

صلح الحسن ... 304

زمن معاوية ... 321

سياسة معاوية ... 331

نتائج سياسات معاوية ... 360

ما هو موقف الإمام الحسن؟ ... 364

عشر سنوات في ظل حكم معاوية ... 376

وفاة الإمام الحسن مسموماً ... 383

جذور الثورة ... 386

الإمام الحسين في زمن معاوية ... 403

1 . الإمام الحسين في زمن معاوية بوجود الحسن ... 404

2 . الإمام الحسين في زمن معاوية بعد رحيل الحسن ... 409

دور معاوية في المبايعة ليزيد ... 433

ماذا جرى بين معاوية والإمام الحسين؟ ... 437

الإمام الحسين ويزيد بن معاوية ... 441

1 . شخصية يزيد ... 441

2 . صورة المجتمع ... 444

هل آن أوان الثورة؟ ... 448

الحسين في مكة ... 455

لماذا ثار الحسين؟ ... 465

معنى الثَّورة في فكر الإمام الحسين ... 472

ماذا رأى الإمام الحسين؟ . ... 477

الأسباب الجوهرية لثورة الحسين ... 487

خروج الإمام الحسين من مكة متوجهاً إلى الكوفة ... 497

1.

التنعيم ... 497

2.

الصفاح ... 498

3 . ذات عرق ... 499

4. الحاجر ... 499

5 . بعض العيون ... 499

6 . الخزيمية ... 500

7.

زرود ... 500

8.

الثعلبية ... 502

9 . الشقوق ... 503

10 . زبالة ... 504

11 . بطن العقبة ... 505

12 . شراف ... 507

13 . ذو حُسَم ... 508

14 . البيضة ... 511

15 . الرهيمة ... 512

16 . العذيب ... 514

17 . القادسية ... 515

18 . قصر بني مقاتل ... 517

19 . كربلاء ... 518

أحداث كربلاء ... 524

في كربلاء ... 524

ماذا جرى في كربلاء؟ ... 527

ما هو تأثير هذه الخطبة في لحظتها؟ . ... 546

المواجهة ... 551

صور من الثورة ويوم عاشوراء ... 556

المرأة ودورها في ثورة الحسين ... 565

شهداء كربلاء ... 575

الدروس المستنبطة من الثورة الحسينية ... 586

1 . هل انتهت ثورة الحسين بمقتله ؟ ... 587

2. هل انتصرت هذه الثورة أم فشلت؟ ... 588

3 . ما هي نتائج ثورة الحسين؟ ... 590

ثورة التوابين ... 595

ثورة المدينة المنورة ... 597

ثورة عبد الله بن الزبير ... 599

ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي ... 601

ثورة زيد بن علي ... 602

ثورة محمد بن إبراهيم بن طباطبا العلوي الحسني ... 603

وماذا بعد؟ ... 605

الخاتمة ... 607

المصادر ... 610