ghaemiyeh.com
المؤلف: سعید کاظم عذاری
الناشر: مركز الرسالة
الطبعة: 1
الموضوع : العقائد والكلام
تاريخ النشر : 1419 ه-.ق
ISBN (ردمك): 964-319-116-8
محرر الرقمي:محمد المنصوري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وبعد :
فإنه ما زال الكثير من قضايا الفكر والتاريخ يُقرأ وفق إسقاطات الذات والمواقف المسبقة ، بعيداً عن قوانين النقد العلمي وموازين البحث الموضوعي وضوابطه.
وبالرغم من اننا جميعاً - كمسلمين - نؤمن بقوله تعالى : ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) ونعلم ان الرد إلى الله هو الرجوع إلى كتابه الكريم ، والرد إلى الرسول صلی الله علیه و آله هما الرجوع الى سنّته الشريفة ، بالرغم من ذلك فاننا في غالب البحوث من هذا النوع نلاحظ غلبة الاسلوب الانتقائي الخاضع لهيمنة الذات والمواقف المسبقة نفسها ، اذ يذهب اكثر الباحثين إلى انتقاء النصوص التي يمكنه أن يسند فيها موقفه ورأيه ، دون النظر إلى النصوص الاُخرى المشتركة في الموضوع نفسه ، والتي تشكّل مع النصوص السابقة الصورة المتكاملة للموضوع.
فالذي اتخذ موقفاً مؤيداً للسلطان - مثلاً - ويحرّم الخروج عليه وإن كان ذلك السلطان جائراً وفاسقاً ، تراه يذهب إلى الاحتجاج بالحديث الشريف الذي يقول : من فرق أمر هذه الاُمّة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان ، ونظائر هذا ، دون أن يلتفت إلى الأحاديث الاُخرى ، من قبيل قوله صلی الله علیه و آله : سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ، فقتله وأمثاله التي جاءت لتبين مفاد الأحاديث الأولى وترسم حدودها.
والذي يذهب إلى القول بالتجسيم تراه يقتصر على متشابه القرآن والسُنّة الذي يفيد ظاهره بعض معاني التجسيم ، دون الالتفات إلى المحكم الذي يوجّه تلك الظواهر ويصرفها من الحقيقة إلى المجاز.
ولعل مفهوم « عدالة الصحابة » هو واحد من أبرز تلك المفاهيم التي استمر الجدل حولها إلى يومنا هذا بسبب وجود من يلجأ إلى ذلك الاسلوب الانتقائي ، فهذا ابن خلدون الذي وضع في مقدمته قوانين دقيقة ومتينة في نقد التاريخ تراه يخفق في استخدامها في تاريخه عامة ، وفي تأريخ هذه الحقبة خاصة ، وكأنها غابت عنه بشكل كامل ، فهو حين ينتهي من التاريخ لهذه الحقبة ، يقول : ( هذا آخر الكلام في الخلافة الإسلامية وما كان فيها ... أوردتها ملخصة من كتاب محمد بن جرير الطبري، وهو تاريخه الكبير ، فإنه أوثق ما رأيناه في ذلك ، وأبعد عن المطاعن والشبه في كبار الاُمّة من خيارها وعدولها من الصحابة والتابعين ، فكثيراً مايوجد في كلام المؤرخين مطاعن وشبه في حقهم أكثرها من أهل الاهواء ، فلا ينبغي أن تسوّد بها الصحف ) ! ونحو هذا قاله ابن الاثير في مقدمته ، دون اعتماد لقوانين النقد والمقارنة والاستقراء.
أما المتكلمون فقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك حين أوجبوا التأويل والتبرير لكل ماحفظه التاريخ من وقائع وأحداث تستدعي النظر والتحقيق في هذه المسألة ( ومالم تجد له تأويلاً ، فقل : لعلّ له تأويل لا أعلمه ) !
ولا شك ان مثل هذا المفهوم يجب ان يخضع - تحقيقاً وبرهاناً - للبحث التاريخي الذي يقوم على الاستقراء الشامل لتاريخ الصحابة أفراداً وجماعات.
ولا ينفصل هذا البحث التاريخي عن القرآن والسُنّة بحال ، ذلك ان القرآن الكريم كان راصداً لتلك المرحلة من مراحل التاريخ حافظاً للكثير من مشاهدها ، وهو المصدر المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والقول نفسه مع السُنّة المطهّرة حيث كان صاحبها صلی الله علیه و آله الشاهد والمربي والمرشد والموجه والقائد، وقد ترك لنا الكثير من الاثر المعصوم الذي ينبغي ان نستنير به في معرفة ما يتصل بهذه الحقبة التاريخية ورجالها.
ووفق هذا المنهج سار هذا الكتاب الذي يقدمه مركزنا للقرّاء ، خدمة للحقيقة الدينية والتاريخية ، راجين ان يعم النفع به ، والله الهادي إلى سواء السبيل.
مركز الرسالة
الحمدُ لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الرسل والأنبياء محمد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وصحبهم المنتجبين ، وبعد :
فإنّ من المسائل التي لا زالت تثير جدلاً واسعاً في الأوساط العلمية مسألة عدالة الصحابة ، وقد بقي البحث فيها موزعاً على آراء مطابقة للآراء المتقدمة على مرِّ التاريخ ، فذهب البعض إلى عدالة جميع الصحابة ، وذهب آخرون إلى عدالة بعض الصحابة دون بعض.
إنَّ المنهج العلمي يستدعي النظر إلى الآراء والأفكار بموضوعية بحثاً عن الحقيقة لذاتها ، وبعيداً عن تحكيم المرتكزات الذهنية المسبقة في البحث والتحقيق ، لتكون النتيجة تابعة للدليل بما هو دليل وإن اصطدمت بالمألوف والمتعارف من الآراء والاَفكار والأحكام.
وفي بحثنا هذا نتتبع المسألة باستنطاق القرآن والسُنّة والتاريخ للوصول إلى الرأي النهائي ، بحيادية وموضوعية تبعاً للدليل دون التأثر بالمرتكزات الذهنية والأحكام المسبقة ، مواكبين موارد ذكر الصحابة في القرآن الكريم ، والآيات النازلة فيهم مدحاً وذماً ، وما ورد عن رسول الله صلی الله علیه و آله في الصحابة من روايات مادحة وذامة ، ونواصل البحث من خلال تتبع سيرهم الذاتية ضمن الحركة التاريخية لمراحل الدعوة الإسلامية ، منذ انضمامهم للإسلام في بداية البعثة ، ومساهمتهم الجادّة
في إرساء دعائم العقيدة والشريعة ، بجهادهم وتضحياتهم المتواصلة ، معتمدين الموازين الثابتة ، دون أن نبخس أحداً حقّه في التقييم الموضوعي تبعاً للقرآن والسُنّة والتاريخ.
ونترك للقارئ الكريم حريّة الاختيار في الحكم على النتائج طبقاً للأدلة والشواهد التاريخية ، والله ولي التوفيق.
قال الخليل الفراهيدي : ( كلّ شيء لاءَم شيئاً فقد استصحبه ، والصحابة : مصدر صاحَبَكَ ، الصاحب يكون في حالٍ نعتاً ولكنّه عمّ في الكلام فجرى مجرى الاسم ) (1).
وقال الجوهري : ( كلّ شيء لاءَم شيئاً فقد استصحبه. اصطحب القوم : صَحِبَ بعضهم بعضاً. أصحب : إذا انقاد بعد صعوبة ) (2).
وقال الراغب الأصفهاني : ( الصاحب : الملازم ... ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن وهو الأصل والأكثر ، أو بالعناية والهمة.
ويقال لمالك الشيء : هو صاحبه ، وكذلك لمن يملك التصرّف فيه.
والمصاحبة والاصطحاب أبلغ من الاجتماع ، لأجل أنّ المصاحبة تقتضي طول لبثة ، فكل اصطحاب اجتماع ، وليس كل اجتماع اصطحاباً ) (3).
وعلى نحو هذا سار معظم أصحاب اللغة ، ومن خلاله يكون معنى الصاحب هو : الملائم والمعاشر والملازم والمتابع ، ولا يتم ذلك إلاّ باللقاء والاجتماع.
المعنى اللغوي للصحبة كما تقدم ورد في القرآن الكريم في ألفاظ متعددة تشترك في معنى متقارب ، وهو المعاشرة والملازمة المتحققة بالاجتماع واللقاء واللبث ، دون النظر إلى وحدة الاعتقاد أو وحدة السلوك ، فقد أطلقها القرآن الكريم في خصوص المعاشرة بين مؤمن ومؤمن ، وبين مؤمن وكافر ، وبين كافر وكافر ، وقد أشار إلى ذلك ابن كثير في تفسيره (1).
أولاً : الصحبة بين مؤمن ومؤمن
قال الله تعالى حكاية عن موسى علیه السلام في حديثه مع العبد الصالح : ( قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي ) (2).
فقد أطلق القرآن الصحبة على الملازمة بين موسى علیه السلام والخضر علیه السلام .
ثانياً : الصحبة بين ولد ووالدين مختلفين بالاعتقاد
قال تعالى : ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) (3).
ثالثاً : الصحبة بين رفيقي سفر
قال تعالى: ( ... وَالجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ ... ) (1).
رابعاً : الصحبة بين تابع ومتبوع
قال تعالى : ( ... ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ) (2).
خامساً : الصحبة بين مؤمن وكافر
قال تعالى : ( ... فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا ... قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ) (3).
سادساً : الصحبة بين النبي صلی الله علیه و آله وقومه وإن كانوا كافرين
قال تعالى : ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) (4).
وقال تعالى : ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) (5).
سابعاً : الصحبة بين كافر وكافرين
قال تعالى : ( فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ) (6).
ووردت كلمة ( أصحاب ) في القرآن الكريم تدل على معنى اللبث والمكوث ومنها : أصحاب الجنة ، وأصحاب النار ، وأصحاب الكهف ، وأصحاب القرية ، وأصحاب مَدْين ، وأصحاب الأيكة.
ووردت في العلاقة الاضطرارية الوقتية كما في خطاب يوسف علیه السلام لصاحبيه في السجن : ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ) (1).
فالصاحب كما ورد في الآيات الكريمة المتقدمة يعني المعاشر والملازم ، ولا تصدق المعاشرة والملازمة إلاّ باللقاء والاجتماع واللبث معاً.
وبالتوفيق بين المعنى اللغوي عند علماء اللغة ، وبين الآيات القرآنية ، يكون معنى الصاحب هو : من كثرت ملازمته ومعاشرته ، وهذا ما نصّ عليه بعضهم كصدّيق حسن خان حيث قال : ( اللغة تقتضي أنَّ الصاحب هو من كثرت ملازمته ) (2).
أُطلق لفظ الصحابي - في الروايات - على كلِّ من صحب رسول الله صلی الله علیه و آله من المسلمين ، سواء كان مؤمناً به واقعاً وحقيقة ، أو ظاهراً ، فكان اللفظ شاملاً للمسلم المؤمن وللمسلم المنافق ، سواء كان مشهوراً بنفاقه أو غير مشهور.
فحينما طلب عمر بن الخطّاب من رسول الله صلی الله علیه و آله أن يقتل عبدالله بن أُبي بن سلول - المنافق المشهور - قال صلی الله علیه و آله : « فكيف يا عمر إذا تحدَّث الناس أنَّ محمّداً يقتل أصحابه ؟ » (1).
وحينما طلب عبدالله بن عبدلله بن أُبي من رسول الله صلی الله علیه و آله أن يقوم بنفسه بقتل والده أجابه صلی الله علیه و آله بالقول : « بل نترفق به ، ونحسن صحبته ما بقي معنا » (2).
فقد أطلق صلی الله علیه و آله لفظ الصحابي ليشمل حتّى من اشتهر بفسقه كعبدالله ابن أُبي بن سلول ، وأطلقه أيضاً على المستور نفاقهم ، فقال صلی الله علیه و آله : « إنَّ في أصحابي منافقين » (3).
وردت عدّة آراء في خصوص المعنى الاصطلاحي لصحابي رسول الله صلی الله علیه و آله :
الرأي الأوّل : لا يشترط أصحاب هذا الرأي كثرة الملازمة والمعاشرة مع النبي صلی الله علیه و آله في إطلاق لفظ الصحابي ، بل يكتفون بها ولو كانت ساعة أو كانت مجرد رؤية.
ففي رواية عبدوس بن مالك العطّار عن أحمد بن حنبل أنّه قال :
1) السيرة النبوية ، لابن هشام 3 : 303. والسيرة النبوية ، لابن كثير 3 : 1. وبنحوه في : صحيح البخاري 6 : 192. وأسباب نزول القرآن ، للواحدي : 452.
2) السيرة النبوية ، لابن هشام 3 : 305. والسيرة النبوية ، لابن كثير 3 : 2. وبنحوه في : الطبقات الكبرى ، لابن سعد 2 : 65. وأسباب نزول القرآن : 453.
3) مسند أحمد 5 : 40. وتفسير القرآن العظيم ، لابن كثير 2 : 399.
( أفضل الناس بعد أهل بدر القرن الذي بعث فيهم ، كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه ، فهو من أصحابه ) (1).
ومن القائلين بهذا الرأي البخاري : ( ومن صحب النبي صلی الله علیه و آله أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه ) (2).
وقال علي بن المديني : ( من صحب النبي صلی الله علیه و آله أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي صلی الله علیه و آله ) (3).
وقال ابن حجر العسقلاني : ( الصحابي من لقي النبي صلی الله علیه و آله مؤمناً به ومات على الإسلام ، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت ، ومن روى عنه أو لم يرو ، ومن غزا معه أو لم يغز ، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ، ومن لم يره لعارض كالعمى ) (4).
وذهب ابن حزم الاندلسي إلى هذا الرأي ، ولكنّه قيّده بعدم النفاق ، فقال : ( أمّا الصحابة رضي الله عنهم فهو كلّ من جالس النبي صلی الله علیه و آله ولو ساعة ، وسمع منه ولو كلمة فما فوقها ، أو شاهد منه علیه السلام أمراً يعيه ، ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهر حتى ما توا على ذلك ، ولا مثل من نفاه علیه السلام باستحقاقه ، كهيت المخنّث ، ومن جرى مجراه ، فمن كان كما وصفنا أولاً فهو صاحب ... ووفد عليه جميع البطون من جميع القبائل
وكلهم صاحب ) (1).
وقيد ( لم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهر ) مخالف لما ورد من روايات أطلق فيها رسول الله صلی الله علیه و آله إسم الصحابي على المنافق المشهور وغيره.
وتابع زين الدين العاملي رأي المشهور من المحدِّثين فقال : ( الصحابي : من لقي النبي صلی الله علیه و آله مؤمناً به ومات على الإسلام ، وإن تخللت ردّته بين كونه مؤمناً وبين كونه مسلماً على الأظهر ، والمراد باللّقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر ، وإن لم يكالمه ... ) (2).
ووزّع الحاكم النيسابوري الصحابة على طبقات ، وذكر في الطبقة الثانية عشرة : ( صبيان وأطفال رأوا رسول الله صلی الله علیه و آله يوم الفتح وفي حجة الوداع ... ومنهم أبو الطفيل عامر بن واثلة ) (3).
ومن خلال هذه الأقوال يصدق معنى الصحابي على كلِّ من صحب النبي صلی الله علیه و آله ولو ساعة من الزمان ، ورآه وإن لم يكلّمه ، سواء كان رجلاً كبيراً أو امرأة أو طفلاً صغيراً ، ويشترط فيه الإسلام الظاهري فيشمل المؤمن والمنافق.
الرأي الثاني : الصحابي من عاصر النبي صلی الله علیه و آله وإن لم يره.
وذهب إلى هذا الرأي يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، فقال : ( إنّ الصحابي من عاصره فقط ) ، وقال : ( وممن دفن : أي بمصر من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله ممن أدركه ولم يسمع به : أبو تميم الجيشاني ، واسمه عبدالله بن مالك ، كان صغيراً محكوماً بإسلامه تبعاً لأحد أبويه ) (1).
وعلى هذا الرأي فإنّ الصحابي يطلق على جميع من عاصر النبي صلی الله علیه و آله من المسلمين كباراً وصغاراً وإن لم يروه ، وبعبارة اُخرى ، إنّ جميع المسلمين في عهد النبي صلی الله علیه و آله هم من الصحابة ، وكذا من يحكم بإسلامهم تبعاً لاَحد الاَبوين.
الرأي الثالث : رأي الاصوليين.
الصحابي في رأي الاصوليين : هو من رأى النبي صلی الله علیه و آله واختص به ، واتبعه أو رافقه مدة يصدق معها اطلاق (صاحب فلان) عليه بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة.
نقل هذا الرأي محمد أمين المعروف بأمير بادشاه ونسبه إلى جمهور الأصوليين (2).
ونسب الآمدي هذا الرأي إلى عمر بن يحيى وآخرين لم يذكر أسماءهم (3).
وذهب إلى هذا الرأي الغزالي ، فقال : ( لا يطلق إلاّ على من صحبه ، ثم
يكفي للاسم من حيث الوضع الصحبة ولو ساعة ، ولكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته ) (1).
لكن سعيد بن المسيب جعل حدّاً معلوماً في أحد شرطين ، إذ كان لا يعدّ في الصحابة إلاّ من أقام مع النبي صلی الله علیه و آله سنة فصاعداً أو غزا معه غزوة فصاعداً (2).
وقد اعترض البعض على هذا الرأي ، ومنهم ابن حجر العسقلاني ، فقال : ( والعمل على خلاف هذا القول ، لأنّهم اتفقوا على عدّ جمعٍ جمٍّ في الصحابة لم يجتمعوا بالنبي صلی الله علیه و آله إلاّ في حجة الوداع ) (3).
واعترض ابن حزم الأندلسي على هذا الرأي فقال : ( ... وهذا خطأ بيقين ، لأنّه قول بلا برهان ، ثم نسأل قائله عن حد التكرار الذي ذكر وعن مدة الزمان الذي اشترط ) (4).
وعند متابعة الكتب المؤلفة في الصحابة نجد أنّ كثيراً من المذكورين فيها لم يروا أو يصحبوا النبي صلی الله علیه و آله إلاّ ساعات أو أيام معدودة ، بل أنّ بعضهم كان طفلاً صغيراً كجرير بن عبدالله وغيره.
الرأي الرابع : أنّ الصحابي هو : من صحب النبي صلی الله علیه و آله وطالت صحبته وأخذ عنه العلم.
نسب أبو يعلى الفرّاء الحنبلي إلى عمرو بن بحر الجاحظ أنّه قال : ( إنّ
هذا الاسم إنّما يُسمّى به من طالت صحبته للنبي صلی الله علیه و آله واختلاطه به ، وأخذ عنه العلم ) (1).
والذي قيل في هذا الرأي : إنّ طول الصحبة ليس شرطاً في إطلاق التسمية على من صحبه ، لأنّه يلزم إخراج كثير من الذين سُموا صحابة عن الصحبة ، واشتراط أخذ العلم أيضاً يستلزم تضييق عدد الصحابة وإخراج الكثير منهم لأنّهم لم يأخذوا العلم منه (2).
قد عرفنا أن المعنى اللغوي - الذي عليه استعمالات مادة « صحب » في الكتاب والسُنّة - لا يصدق إلاّ حيث تصدق « المعاشرة » و « الملازمة » ، ومن الواضح عدم صدق هذه المعاني على مجرّد « المعاصرة » أو « الرؤية ».
فالمفهوم اللغوي لهذه اللفظة مقيَّد بأنْ تكون « المصاحبة » في زمان تصدق فيه « المعاشرة » ، كما أنه مطلق من حيث الإيمان وعدمه ، إذ يصدق على كلّ من لازم شخصاً أنّه صاحبه ، وإنْ لم يكن مثله أو تابعاً له في الفكر والعقيدة ، وكذا من حيث التعلّم منه والأخذ عنه ، وعدمه ، نعم طول الملازمة وكثرة المعاشرة مع النبي صلی الله علیه و آله يقتضيان الايمان به واقعاً والأخذ عنه والتعلّم منه ، إلاّ أن تكون المعاشرة والملازمة لأغراضٍ اُخرى.
وأمّا ما أصطلح عليه الجمهور من أنّ مجرّد الرؤية كافٍ في اطلاق
الصحبة فيحتاج إلى دليلٍ مقبول.
وقد يشهد بما ذكرنا ما روي عن أنس بن مالك ، وقد سُئل : ( هل بقي من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله غيرك ؟ قال : ناس من الأعراب رأوه ، فأما من صحبه فلا ) وإنْ حاول ابن كثير توجيهه قائلاً : ( وهذا إنّما نفى الصحبة الخاصة ، ولا ينفي ما اصطلح عليه الجمهور من أنّ مجرد الرؤية كافٍ في إطلاق الصحبة ) (1).
إنّ ما اصطلح عليه الجمهور يحتاج إلى دليلٍ مقبول - كما أشرنا - وإلاّ فإنّ مجرّد عدّهم جماعةً لم يروا النبي صلی الله علیه و آله إلاّ رؤيةً في الصحابة لا يكون دليلاً ، ودعوى الاتفاق منهم على ذلك غير مسموعة مع وجود الخلاف والأقوال العديدة في المسألة.
وعلى الجملة ، فإنّه بناءً على أن يكون للمسألة أثر في العمل ، فلا بدّ من الاقتصار على ما ذكرناه حتى يقوم الدليل الصحيح على خلافه فيكون هو المتّبع ، والله العالم
1) الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث ، للحافظ ابن كثير : 175 دار الكتب العلمية 1403 ه ط 1.
وتعرّض القرآن الكريم لأحوال الصحابة وصفاتهم منذ بداية بعثة النبي صلی الله علیه و آله وحتى وفاته ... في كثيرٍ من سوره وآياته ...
لقد قسّم القرآن الكريم الملتّفين حول النبي صلی الله علیه و آله - في مقابل الكافرين والذين أُوتوا الكتاب - إلى ثلاثة طوائف هم :
1 - الذين آمنوا.
2 - الذين في قلوبهم مرض.
3 - المنافقون.
والجدير بالدراسة والبحث وجود عنوان « الذين في قلوبهم مرض » إلى جنب « الذين آمنوا » في بعض السور المكية.
ففي سورة المدثر ، المكية بالاجماع ، وهي من أوليات السور ، جاء قوله تعالى : ( وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا
أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً ... ) (1).
دلّت الآية المباركة على وجود أُناس « في قلوبهم مرض » حول النبي صلی الله علیه و آله منذ الأيام الأولى من الدعوة الإسلامية ، و « المرض » بأي معنىً فسّر ، فهؤلاء غير المنافقين الذين ظهروا بالمدينة المنورة ، قال الله تعالى : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ ... ) (2).
فالذين في قلوبهم مرض لازموا النبي منذ العهد المكي ، حيث كان الإسلام ضعيفاً والنبي صلی الله علیه و آله مطارداً. أما المنافقون فقد ظهروا بعد أن ظهرت شوكة الإسلام ، فتظاهروا بالإسلام حفظاً لأنفسهم وأموالهم وشؤونهم.
وبناءً على هذا ، فكلّ آيةٍ من القرآن الكريم ورد في ظاهرها شيء من الثناء على عموم الصحابة ، فهي - لو تمّ الاستدلال بها - محفوفة بما يخرجها عن الاطلاق والعموم وتكون مخصّصةً ب « الذين آمنوا » حقيقةً ، فلا يتوهّم شمولها للذين في قلوبهم مرض ، والمنافقين ، الذين وقع التصريح بذمّهم كذلك في كثيرٍ من الآيات (3).
وفيما يلي نستعرض الآيات القرآنية التي نزلت في الصحابة في مختلف مراحل الدعوة الإسلامية ، وفي مختلف ظروفهم من حيث القرب والبعد عن الأسس الثابتة في العقيدة والشريعة ، ومن حيث درجة الانقياد لله ورسوله صلی الله علیه و آله في الأوامر والنواهي.
ذكر غير واحد من المؤلفين آياتٍ من القرآن الكريم للاستدلال على أنّ الله قد أثنى في كتابه على الصحابة بنحو العموم :
الآية الأولى : قال تعالى : ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ... ) (1).
قالوا : نزلت هذه الآية في المهاجرين من مكّة إلى المدينة كما ورد عن عبدالله بن عباس أنّه قال : ( هم الذين هاجروا مع رسول الله صلی الله علیه و آله من مكّة إلى المدينة ) (2).
وعن عكرمة ومقاتل : ( نزلت في ابن مسعود واُبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة ، وذلك أنّ مالك بن الصيف ووهب بن يهوذا اليهوديين قالا لهم : إنَّ ديننا خير مما تدعوننا إليه ونحن خير وأفضل منكم فأنزل الله تعالى هذه الآية ... ) (3).
لكن قول ابن عباس لو ثبت مقيّد بما أشرنا إليه ، فلا يكون المراد عموم المهاجرين الشامل للذين في قلوبهم مرض قطعاً.
كما أنّ قول عكرمة وأمثاله ليس بحجة.
والآية حتى لو كانت نازلة في مورد خاص إلاّ أنّ المفسرين وسّعوا المفهوم ليشمل جميع الاُمّة الإسلامية كما يقول ابن كثير : ( والصحيح أنَّ هذه الآية عامة في جميع الاُمّة كل قرن بحسبه ) (1).
واختلف العلماء في تشخيص من تشمله الآية ، هل هو الاُمّة بأفرادها فرداً فرداً ؟ أي أنّ كلّ فرد من الاُمّة الإسلامية هو موصوف بالخيرية ، أو هو الاُمة إجمالاً ، أي بمجموعها دون النظر إلى الأفراد فرداً فرداً.
فذهب جماعة إلى الرأي الأول ومنهم : الخطيب البغدادي ، وابن حجر العسقلاني ، وابن عبدالبر القرطبي ، وابن الصلاح ، وابن النجّار الحنبلي (2).
فالآية في نظرهم شاملة لجميع أفراد الاُمّة وهم الصحابة آنذاك ، فكل صحابي يتصف بالخيرية والعدالة مادام يشهد الشهادتين.
وذهب آخرون إلى الرأي الثاني ، وهو اتصاف مجموع الاُمّة بالخيرية دون النظر إلى الأفراد فرداً فرداً ، وقيّدوا هذه الصفة بشرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا يتصف بالخيرية من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر ، سواء كان فرداً أو أُمّة.
قال الفخر الرازي : ( ... المعنى أنّكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الاُمم وأفضلهم ، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة ... وأن تكونوا منقادين مطيعين في كلِّ ما يتوجه عليكم من التكاليف ... والألف
واللام في لفظ ( المعروف ) ، ولفظ ( المنكر ) يفيدان الاستغراق ، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكلِّ معروف وناهين عن كلِّ منكر ... ( تأمرون ) المقصود به بيان علة تلك الخيرية ) (1).
وقال الفضل الطبرسي : ( كان بمعنى صار ، ومعناه : صرتم خير أُمّة خلقت لأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر وإيمانكم بالله ، فتصير هذه الخصال ... شرطاً في كونهم خيراً ) (2).
وقال القرطبي : ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر : مدح لهذه الاُمّة ما أقاموا ذلك واتصفوا به ، فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر ، زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم ، وكان ذلك سبباً لهلاكهم ) (3).
فالخيرية تزول إن زالت علّتها ، وذهب إلى ذلك - أيضاً - نظام الدين النيسابوري (4)، والشوكاني (5)، وآخرون.
وذكر ابن كثير قولين - في ذكر الشروط - أحدهما لرسول الله صلی الله علیه و آله والآخر لعمر بن الخطّاب :
قال رسول الله صلی الله علیه و آله : « خيرُ الناس أقرأهم ، وأتقاهم ، وآمرهم بالمعروف ، وأنهاهم عن المنكر ، وأوصلهم للرحم » (6).
فالآية الكريمة ناظرة إلى مجموع الاُمّة ، أمّا الأفراد فقد وضع صلی الله علیه و آله مقياساً لاتصافهم بالخيرية كما جاء في قوله.
وفي حجة حجّها عمر بن الخطاب رأى من الناس دعة ، فقرأ هذه الآية ، ثم قال : ( من سرّه أن يكون من هذه الاُمّة فليؤدِ شرط الله فيها ) (1).
وذهب أحمد مصطفى المراغي إلى أنّ الخيرية مختصة بمن نزلت فيهم الآية في حينها ، ثم وسّع المفهوم مشروطاً بالاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقال : ( ... أنتم خير أُمّة في الوجود الآن ، لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون إيماناً صادقاً يظهر أثره في نفوسكم ... وهذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أولاً ، وهم النبي صلی الله علیه و آله وأصحابه الذين كانوا معه وقت التنزيل ... وما فتئت هذه الاُمّة خير الاُمم حتى تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) (2).
وأضاف محمد رشيد رضا : الاعتصام بحبل الله ، وعدم التفرّق ، إلى شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال : ( شهادة من الله تعالى للنبي صلی الله علیه و آله ومن اتّبعه من المؤمنين الصادقين إلى زمن نزولها بأنّها خير أمّة أُخرجت للناس بتلك المزايا الثلاث ، ومن اتّبعهم فيها كان له حكمهم لامحالة ، ولكن هذه الخيرية لا يستحقها من ليس لهم من الإسلام واتّباع النبي صلی الله علیه و آله إلاّ الدعوى وجعل الدين جنسية لهم ، بل لا يستحقها من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحجّ البيت الحرام والتزم الحلال واجتنب الحرام مع الاخلاص الذي هو روح الإسلام ، إلاّ بعد القيام بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر وبالاعتصام بحبل الله مع اتّقاء التفرّق والخلاف في الدين ...
إنّ هذه الصفات العالية والمزايا الكاملة لذلك الإيمان الكامل ، لم تكن لكلِّ من يطلق عليه المحدثون اسم الصحابي ) (1).
ومن خلال طرح هذه الآراء نجد أنّ الرأي الثاني هو الأقرب للمعنى المراد ، فإنَّ الآية ناظرة إلى مجمل الاُمّة وليس إلى الأفراد فرداً فرداً.
وأكدّ الدكتور عبدالكريم النملة هذا المعنى فقال : ( ... لا يجوز استعمال اللفظ في معنيين مختلفين ، فالمراد مجموع الاُمّة من حيث المجموع ، فلا يراد كل واحد منهم - أي من الصحابة - ) (2).
الآية الثانية : قال تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ... ) (3).
جعل الله تعالى المسلمين أُمّة وسطاً بين الاُمم ، لا سيّما اليهود والنصارى ، فالاُمّة الوسط بعيدة عن التقصير والغلو في الاعتقاد وفي المواقف العملية من الأنبياء ، قال النيسابوري : ( إنّهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرّط ، والغالي والمقصّر في شأن الأنبياء لا كالنصارى ... ولا كاليهود ) (4).
ويطلق الوسط أيضاً على الخيار والعدل
قال الزمخشري : ( ... وقيل للخيار وسط لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل والإعوار ، والأوساط محمية محوطة .. أو عدولاً لأنّ الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض ) (1).
وقال القرطبي نحو ذلك (2).
والوسطية بمعنى الاعتدال بين الافراط والتفريط هي المستعملة في آراء المشهور من المفسرين (3).
فهذه الآية كسابقتها في أن المراد مجموع الاُمّة من حيث المجموع ، وإنْ حاول جماعة - ومنهم : عبدالرحمن ابن أبي حاتم الرازي ، والخطيب البغدادي ، وابن حجر العسقلاني ، وابن عبدالبر القرطبي ، وابن الصلاح ، وابن النجّار (4)- تنزيلها على الأفراد فجعلوا كلّ مسلم وسطاً وعدلاً ، فالصحابة جميعهم عدول بشهادة القرآن لهم.
قال الفضل الطبرسي : ( ... إنّه - تعالى - جعل أُمّة نبيه محمد صلی الله علیه و آله عدلاً وواسطة بين الرسول والناس ، ومتى قيل : إذا كان في الاُمّة من ليس هذه صفته ، فكيف وصف جماعتهم بذلك ؟ فالجواب : إنّ المراد به من كان بتلك الصفة ، ولأن كل عصر لا يخلو من جماعة هذه صفتهم ) (5).
وجعل أحمد مصطفى المراغي شرطاً للاتصاف بالعدالة والوسطية ، وهو اتّباع سيرة رسول الله صلی الله علیه و آله ، فمن لم يتبعها يعتبر خارجاً عن هذه الاُمّة فقال : فنحن إنّما نستحق هذا الوصف إذا اتّبعنا سيرته وشريعته ، وهو الذي يحكم على من اتّبعها ومن حاد عنها وابتدع لنفسه تقاليد أُخرى وانحرف عن الجادّة ، وحينئذٍ يكون الرسول بدينه وسيرته حجّة عليه بأنّه ليس من أُمتّه .. وبذلك يخرج من الوسط ويكون في أحد الطرفين ) (1).
وذهب إلى هذا الرأي محمد رشيد رضا في تفسير المنار (2).
وخصّص العلاّمة الطباطبائي هذه الصفة بالأولياء دون غيرهم ، فقال : ( ومن المعلوم أنّ هذه الكرامة ليست تنالها جميع الاُمّة ، إذ ليست إلاّ كرامة خاصة للأولياء الطاهرين منهم) (3).
وقال - أيضاً - : ( فالمراد بكون الاُمّة شهيدة أنّ هذه الشهادة فيهم ، كما أنّ المراد بكون بني إسرائيل فضّلوا على العالمين ، أنّ هذه الفضيلة فيهم من غير أن يتصف بها كل واحد منهم، بل نسب وصف البعض إلى الكل لكون البعض فيه ومنه ) (4).
ومما يشهد على أنَّ المقصود ليس أفراد الاُمّة ، هو أنَّ الذين ذهبوا إلى حجية إجماع الاُمّة استندوا إلى هذه الآية ، واعتبروا إجماع الاُمّة هو الحجّة دون النظر إلى الأفراد فرداً فرداً ، كما حكى عنهم الشريف
المرتضى (1)وأبو حيان الأندلسي (2).
وأكدّ علاء الدين البخاري على أنّ المقصود هو مجموع الاُمّة فقال : ( فيقتضي ذلك أن يكون مجموع الاُمّة موصوفاً بالعدالة ، إذ لا يجوز أن يكون كل واحد موصوفاً بها ، لأنّ الواقع خلافه ) (3).
وبعد ، فإنَّ من غير الصحيح الاستدلال بالآية الكريمة على عدالة الصحابة أجمعين ، أمّا على تفسير العلاّمة الطباطبائي فالأمر واضح ، وأمّا على ما ذكرنا سابقاً من ضرورة لحاظ آيات القرآن الكريم كلّها وضمّ بعضها إلى البعض الآخر ، فهي وانْ شملت الأفراد لكن «الذين آمنوا» فقط ، دون « الذين في قلوبهم مرض » و « المنافقين » ، وأمّا على أقوال الجمهور ، فلا يمكن أن يكون المقصود أفراد الاُمّة واحداً واحداً ليستفاد منها عدالة الصحابة ، لأن الواقع خلافه كما نصّ عليه العلاء البخاري.
فالآية الكريمة جعلت المسلمين أمّة وسطاً أو عدلاً ، وهذه الوسطية والعدلية ممتدة مع امتداد الاُمّة الإسلامية في كلِّ عصر وزمان ، فالاُمّة الإسلامية في مراحل لاحقة هي أمّة وسط في عقيدتها وشريعتها وتطبيقها للمنهج الإسلامي ، وفي مرحلتنا الراهنة حينما نقول إنّ الاُمّة الإسلامية أُمّة وسط أو أمّة عادلة ، يصح القول إذا كان المقصود مجموع الاُمّة ، أمّا سراية الوسطية والعدلية للأفراد فرداً فرداً فلا تصح ، لأنّ الواقع يخالف ذلك ، فكثير من المسلمين بعيدون عن الإسلام كلّ البعد في تصوراتهم
ومشاعرهم ومواقفهم ، فكيف نعمّم العدالة على الأفراد ؟ وما نقوله هنا نقوله في حقّ أفراد الاُمّة في زمن النزول ، فالآية مختصة بمجموع الاُمّة بما فيها رسول الله صلی الله علیه و آله والعترة الطاهرة : والمهاجرون والأنصار السابقون للخيرات والذين لم يخالفوا الأوامر الإلهية والنبوية طرفة عين ، واستمروا على ذلك حتى بعد رحيل رسول الله صلی الله علیه و آله .
الآية الثالثة : قال تعالى : ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (1).
استدل البعض على طهارة وعدالة جميع الصحابة فرداً فرداً بهذه الآية الكريمة ومنهم عبدالرحمن الرازي (2).
ووجه الاستدلال : أنّ الله تعالى جمع بين مشاقة الرسول واتّباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد ، فيكون اتّباع سبيلهم واجباً ، ولا يصح الأمر باتّباع سبيل من يجوز عليهم الانحراف والريبة والفسق.
ولا علاقة للآية بمسألة عدالة الصحابة أبداً كما لا يخفى. ومع التنزل فإنّ الاستدلال بهذه الآية على عدالة جميع الصحابة فرداً فرداً لا يصح من عدة وجوه :
الأول : ذهب كثير من المفسرِّين والمتكلمين إلى أنَّ المقصود بسبيل المؤمنين هو مجموع الأمّة ، ومنهم القصّار المالكي والسبكي (3).
الثاني : المراد بسبيل المؤمنين هو الاجتماع على الإيمان وطاعة الله ورسوله ، فإنَّ ذلك هو ( الحافظ لوحدة سبيلهم ) (1).
الثالث : أن يكون سبيل المؤمنين خالياً من الاثم والعدوان ، كما ورد في الآيات الكريمة ، ومنها : قوله تعالى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (2)، وقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) (3).
فالله تعالى ينهى عن التعاون والمناجاة بالإثم والعدوان ، لإمكان وقوعه من قبل المسلمين.
الرابع : اختلف الصحابة فيما بينهم حتى وصل الحال بهم إلى الاقتتال ، كما حدث في معركة الجمل وصفين ، فيجب على الرأي المتقدم اتّباع الجميع ، اتّباع علي بن أبي طالب علیه السلام والخارجين عليه ، وهذا محال ، واتّباع أحدهم دون الآخر يعني عدم اتّباع الجميع بل البعض منهم ، وهذا هو الوجه الصحيح ، وهو وجوب اتّباع من وافق الحق والشريعة وليس اتّباع كل سبيل.
فالسبيل المقصود هو سبيل المؤمنين الموافق للحق وللأسس الثابتة في الشريعة ، وليس هو سبيل كلّ فرد من أفراد المؤمنين.
وقد أشار ابن قيم الجوزية إلى استحالة توزيع سبيل المؤمنين على
الأفراد فقال : ( إنّ لفظ الاُمّة ولفظ سبيل المؤمنين لا يمكن توزيعه على أفراد الاُمّة وأفراد المؤمنين ) (1).
الآية الرابعة : قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ) (2).
في هذه الآية تطييب لخاطر النبي صلی الله علیه و آله بأنّ الله حسبه أي كافيه وناصره ومؤيده على عدوه ، واختلف في بيان المقصود من ذيل الآية ، فقال مجاهد : ( حسبك الله والمؤمنون ) (3)، فجعل المؤمنين معطوفين على الله تعالى ، فالله تعالى والمؤمنون هم الذين ينصرون النبي صلی الله علیه و آله ويؤيدوه.
وذهب ابن كثير إلى جعل المؤمنين معطوفين على النبي صلی الله علیه و آله وأنّ الله تعالى ناصرهم ومؤيدهم فقال : ( يخبرهم أنّه حسبهم ، أي كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم ) (4).
وذكر العلاّمة الطباطبائي كلا الرأيين ورجَّحَ الرأي الأول (5).
وهنالك قرينة تدل على ترجيح الرأي الأول ، وهي قوله تعالى : ( ... فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالمُؤْمِنِينَ ) (6).
والآية تسمّي من كان مع النبي صلی الله علیه و آله بالمؤمنين سواء كان الله تعالى
ناصره وناصرهم ، أو كان الله والمؤمنون ناصرين له صلی الله علیه و آله ، ولا دلالة على أكثر من ذلك.
وقد ذهب الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني إلى أنّ الآية تدل على ثبوت عدالة الصحابة أجمعين وطهارتهم (1). وجعلوا الآية شاملة لجميع الصحابة حتى الذين لم يشتركوا في أي غزوة من الغزوات ، وهذا التعميم بحاجة إلى دليل ، ولا يكفي أن نقول : إنَّ العبرة بعموم اللفظ لابخصوص المورد ، فالآية قد نزلت في مورد خاص وفي معركة بدر بالخصوص ، فكيف نعمّمها على جميع الصحابة حتى الذين كانوا يقاتلون في صف المشركين ثم أسلموا فيما بعد ؟
وتسالم المفسرون على نزول الآية في مورد خاص وهو غزوة بدر ، وفي جماعة خاصة من الصحابة ، وهم الصحابة الاَوائل الذين اشتركوا في الغزوة ولم يتخلّفوا ، لا في مطلق الصحابة.
فقيل : أنّها نزلت في الأنصار (2).
وقيل : أنّها نزلت في الأربعين الذين أسلموا في بداية البعثة (3).
وعن الإمام محمد الباقر علیه السلام : « أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب » (4).
والجامع المشترك لهذه الآراء أنّها نزلت في الصحابة الذين شاركوا رسول الله صلی الله علیه و آله في القتال.
وبهذا يتضح عدم صحة ما ذهب إليه الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني من شمولها لجميع الصحابة فرداً فرداً ، فالمتسالم عليه أنّ عدد الصحابة الذين اشتركوا في غزوة بدر كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أمّا بقية الصحابة الذين أسلموا فيما بعد وخصوصاً بعد فتح مكة ، فقد كان بعضهم في صفوف المشركين الذين قاتلوا رسول الله صلی الله علیه و آله ، فكيف تشملهم الآية التي نزلت لتطييب خاطر رسول الله صلی الله علیه و آله وإبلاغه بأنّ الله تعالى كافيه وناصره على أعدائه الذين جمعوا له للقضاء عليه وعلى رسالته ، وجميعهم من الصحابة الذين أسلموا فيما بعد ، كمعاوية ، وعمرو بن العاص ، وخالد بن الوليد وغيرهم !
ومع نزول الآية في الصحابة الأوائل ، إلاّ أنّها مشروطة بحسن العاقبة ، كما سيأتي فيما بعد (1).
وهذا كلّه بحسب الأقوال والآراء في معنى الآية ونزولها.
أمّا بالنظر إلى ما قدّمناه فإنّ الآية المباركة تقول للنبي صلی الله علیه و آله : ( حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ) وهل يعمّ هذا اللسان غير « الذين آمنوا » من « الذين في قلوبهم مرض » ومن « المنافقين » ؟!
الآية الخامسة : قال الله تعالى : ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ... ) (2).
في هذه الآية ثناء من الله تعالى للسابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ، وتصريح منه تعالى برضاه عنهم لما قدّموا من تضحيات في سبيل الله.
واختلف المفسرون في مصداق السابقين على آراء (1):
الرأي الأول : أهل بدر.
الرأي الثاني : الذين صلّوا إلى القبلتين.
الرأي الثالث : الذين شهدوا بيعة الرضوان.
واختلفوا في تفسير التابعين على آراء :
الأول : هم الأنصار ، على قراءة من حذف الواو من قوله ( والّذين ) (2).
الثاني : هم المسلمون الذين جاءوا بعد المهاجرين والأنصار (3).
الثالث : هم المسلمون الذين جاءوا بعد عصر الصحابة (4).
الرابع : هم المسلمون في كلِّ زمان إلى أن تقوم الساعة (5).
واستدل الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني وابن النجّار حسب رأيهم المعروف بهذه الآية على رضوان الله تعالى عن جميع الصحابة
الذين عاصروا رسول الله صلی الله علیه و آله وإن أسلموا فيما بعد ، أو ارتدّوا ثم عادوا إلى الإسلام ، حسب تعريفهم للصحابة ، وبهذا الرضوان كانوا عدولاً (1).
وهذا الاستدلال خلاف للواقع ، فالآية مختصّة بالمهاجرين والأنصار الذين سبقوا غيرهم في الهجرة والنصرة ، من غير « الذين في قلوبهم مرض » و « المنافقين » أمّا التبعية لهم فمشروطة بالاِحسان ، سواء فُسِّر باحسان القول فيهم كما ذهب الفخر الرازي (2)، أو حال كونهم محسنين في أفعالهم وأقوالهم ، كما قال المراغي : ( فإذا اتّبعوهم في ظاهر الإسلام كانوا منافقين مسيئين غير محسنين ، وإذا اتّبعوهم محسنين في بعض أعمالهم ومسيئين في بعض كانوا مذنبين ) (3).
فمن لم يحسن القول فيهم أو من لا يتبعهم بإحسان لا يكون مستحقاً لرضوان الله تعالى ، فمن أمر بشتم الإمام عليّ علیه السلام وذمه لا تشمله الآية ، فقد جاء في وصية معاوية للمغيرة بن شعبة : ( لا تترك شتم عليّ وذمّه ) ، فكان المغيرة ( لا يدع شتم عليّ والوقوع فيه ) (4).
فكيف يدّعون رضوان الله عنهم وقد خالفوا شرطه في الاتّباع بإحسان ، وخرجوا على أول المؤمنين ووصي رسول رب العالمين ، أو من استقرت له الخلافة ببيعة أهل الحل والعقد حسب رأيهم ، وسفكوا في هذا الخروج دماء السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان
كعمّار بن ياسر وذي الشهادتين وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص وغيرهم كما هو مشهور ؟!
وإضافة إلى ذلك فرضوان الله تعالى مشروط بحسن العاقبة كما ورد عن البراء بن عازب ، حينما قيل له : (طوبى لك صحبت النبي صلی الله علیه و آله وبايعته تحت الشجرة) ، فقال للقائل : ( ... إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده ) (1).
وقول رسول الله صلی الله علیه و آله : « لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعضٍ » (2).
الآية السادسة : قال تعالى : ( لَّقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) (3).
أثنى الله تعالى على الصحابة « المؤمنين » الذين بايعوا رسول الله صلی الله علیه و آله تحت الشجرة ، وهي بيعة الرضوان ، ومصداق الثناء هو رضوان الله عنهم وإنزال السكينة على قلوبهم.
وعلى الرغم من نزول الآية في بيعة الرضوان عام الحديبية واختصاصها بالمبايعين فقط ، وعددهم - حسب المشهور من الروايات - كان ألفاً وأربعمائة (4)وهي بقرينة الآيات الاُخرى مخصّصة بالذين آمنوا ولم يكن في قلوبهم مرض ، واستقاموا على الإيمان ولم ينحرفوا عن لوازم البيعة ، إلاّ أنّ الخطيب البغدادي أدرج جميع الصحابة في هذه الآية ،
وتابعه ابن حجر العسقلاني مستشهداً برأيه (1)، ولهذا ادّعوا عدالة جميع الصحابة كما هو المشهور في تعريفهم للصحابي.
وهذا الادّعاء غير صحيح ، فرضوان الله وسكينته مختصة بالمبايعين الموصوفين بما ذكرناه فقط ، أمّا غيرهم فخارج عن ذلك ، ولأن سبب البيعة هو وصول الخبر بمقتل عثمان من قبل المشركين بعد أن أرسله صلی الله علیه و آله مبعوثاً عنه إلى قريش، فدعا رسول الله صلی الله علیه و آله إلى البيعة على قتال المشركين (2)، وهؤلاء المشركون هم الذين أسلموا فيما بعد وأصبحوا من الصحابة ، فكيف يشملهم رضوان الله وسكينته ، وهم السبب الأساسي في الدعوة إلى البيعة ، فكيف يُعقل أن يكون رضوان الله شاملاً للمبايعين وللمراد قتالهم في آن واحد ؟!
وإضافة إلى ذلك فإنّ الأجر المترتب على البيعة موقوف على الوفاء بالعهد ، كما جاء في الآية الكريمة : ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) (3)، فرضوان الله وسكينته مشروطة بالوفاء بالعهد وعدم نكثه (4).
وكل ذلك مشروط بحسن العاقبة كما في رواية البراء بن عازب المتقدِّمة ، ولم تمضِ على البيعة إلاّ أيام معدودة حتى عقد رسول
الله صلی الله علیه و آله معاهدة الصلح في الحديبية ، فدخل الشك والريب قلوب بعض الصحابة حتى خالفوا أوامر رسول الله صلی الله علیه و آله ، فلم يستجيبوا له حينما أمرهم بالحلق والنحر (1)إلاّ بعد التكرار وقيامه بنفسه بالحلق والنحر ، وهذا يدّل على أنّ لحسن العاقبة دوراً كبيراً في الحكم على البعض بالعدالة وعدمها ، فرضوان الله تعالى إنّما خصص بالبيعة ، ولا دليل لشموله لجميع المراحل التي تعقب مرحلة البيعة ، فمثلاً أنّ قاتل عمّار بن ياسر في صفين كان من المبايعين تحت الشجرة (2). وقد قال رسول الله صلی الله علیه و آله في عمّار : « قاتِلهُ وسالبه في النار » (3)، وقال صلی الله علیه و آله : « ويح عمّار تقتله الفئة الباغية ، عمّار يدعوهم إلى الله ، ويدعونه إلى النّار » (4).
الآية الثامنة : قال الله تعالى : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا ... وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) (5).
وصف الله تعالى رسوله صلی الله علیه و آله وأصحابه بأنّهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ، عرفوا بالركوع والسجود وابتغاء الفضل والرضوان من الله ، ووعد تعالى المؤمنين منهم والذين عملوا الصالحات مغفرة وأجراً عظيماً.
1) تاريخ اليعقوبي 2 : 55. والكامل في التاريخ 2 : 205.
2) الفصل في الأهواء والملل والنحل 4 : 161.
3) سير أعلام النبلاء 1 : 420 - 426. والطبقات الكبرى 3 : 3. واُسد الغابة 4 : 47. وكنز العمّال 13 : 531 / 3. ومجمع الزوائد 9 : 297 وقال : رجاله رجال الصحيح.
4) صحيح البخاري 4 : 25. وبنحوه في العقد الفريد 5 : 4. والكامل في التاريخ 3 : 310.
5) سورة الفتح 48 : 29.
وقد أُختلف في الصحابة الذين نزلت فيهم الآية ، فذهب ابن الصلاح وابن النجّار إلى أنّ الآية شاملة لكلِّ الصحابة (1).
وذهب آخرون إلى أنّ الآية خاصة بالذين آمنوا وعملوا الصالحات من الصحابة ، وإلى هذا الرأي أشار العلاّمة الطباطبائي بالقول : ( ... ضمير « منهم » للذين معه ، و « من » للتبعيض على ما هو الظاهر المتبادر ... ويفيد الكلام اشتراط المغفرة والأجر العظيم بالإيمان حدوثاً وبقاءً ، وعمل الصالحات ، فلو كان منهم من لم يؤمن أصلاً كالمنافقين الذين لم يعرفوا بالنفاق ... أو آمن أولاً ثم أشرك وكفر ... أو آمن ولم يعمل الصالحات ، لم يشمله وعد المغفرة والأجر العظيم.
وقيل : إنَّ « من » في الآية بيانية لا تبعيضية ، فتفيد شمول الوعد لجميع الذين معه ، وهو مدفوع ... بأنّ « من » البيانية لا تدخل على الضمير مطلقاً ... ) (2).
والآية الكريمة نزلت في أصحاب بيعة الرضوان ومن شهد الحديبية (3)وتعميمها على الصحابة جميعاً - حتى الذين أسلموا بعد صلح الحديبية - بحاجة إلى دليل.
وأصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله الذين كانوا معه والرحماء بينهم والأشدّاء على الكفّار هم الذين شهدوا الحديبية ، أمّا غيرهم فكان باقياً على كفره
ولم يسلم إلاّ بعد فتح مكة ، فكيف يصح التعميم ؟!
وصفات الرحمة بينهم والشدة على الكفّار ، هي التي أوجبت لهم المغفرة والأجر من الله تعالى ، ومن لا يتصف بهذه الصفات فخارج موضوعاً عنهم ، وقد حذّرهم رسول الله صلی الله علیه و آله من الاقتتال الداخلي فقال : « لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعضٍ » (1).
فقد قتل عبدالرحمن بن عديس البلويّ عثمان بن عفان ، وعبدالرحمن من الذين بايعوا بيعة الرضوان (2)، وحارب معاوية الإمام عليّاً علیه السلام ، بعد أن أهدى إلى قيصر الروم ذهباً وفضة ليتفرغ إلى حرب الإمام عليّ علیه السلام (3)، فكان مخالفاً لصفة الذين آمنوا وهي الرحمة بينهم والشدة على أعدائهم ، فقد وادع عدوّه ، وحارب وليّه. وقتل في معركة صفيّن خيار الصحابة ومن المهاجرين الأوائل ، كعمّار بن ياسر وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين.
وقتل معاوية الصحابي حُجر بن عديّ ، وقد قال رسول الله صلی الله علیه و آله بحقه وحق من قتل معه: « يقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السماوات » (4).
وإذا برّر البعض ما فعله معاوية بأنّه كان مجتهداً - كما سيأتي - فلا اجتهاد لبسر بن أرطأة حينما قتل طفلين لعبيدالله بن العبّاس بن
عبدالمطلب (1).
وهذه الأحداث تدل على انتزاع صفة الرحمة من بعض الصحابة ، فكيف يدخلون في عموم الآية ؟!
الآية التاسعة : قال تعالى : ( لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (2).
ويلحق بها قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ) (3).
وقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) (4).
أثنى الله تعالى على الصحابة من المهاجرين والأنصار والذين آمنوا فيما بعد ، والظاهر من الثناء اختصاصه بالمجموع لا بالأفراد فرداً فرداً ، لأنّ الثناء انصبَّ على خصائصهم المشرقة النبيلة المتمثلة بنصرهم لله ورسوله والإيثار على النفس ، والدعاء للسابقين بالمغفرة ، ونزع الغل - أي العداوة - من قلوب الذين آمنوا بعد الهجرة ، فَمَن يتَّصف بهذه الصفات
يستحق الثناء.
وقد وردت تفاسير عديدة تؤكد أنّ المراد بالصادقين بعض المؤمنين وليس جميعهم (1).
ولا ريب في أنّ المراد من هذا البعض هم المؤمنون الصادقون في إيمانهم والمخلصون لله سبحانه في جميع حالاتهم ، فالآية لا تعم الذين في قلوبهم مرض ، والذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم.
بينما ذهب الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني إلى أنّ الثناء يشمل جميع أفراد المؤمنين ، أي الصحابة فرداً فرداً (2)، فهم الصادقون والمفلحون.
لكنَّ هذا القول يدفعه الثابت من سير بعض الصحابة وتاريخهم ، فإذا تتبّعنا سيرة بعض الصحابة نجدهم قد بدّلوا الدعاء بالغفران للسابقين إلى اللعن والشتم ، والدعاء برفع الغلّ والعداوة إلى العداء الحقيقي الذي وصل إلى حدِّ استحلال قتل من تقدّمهم بالإيمان والهجرة ، فكيف تشملهم الآية ؟!
وكان معاوية وولاته يسبونَّ الإمام عليّاً علیه السلام من على منابر المسلمين (3).
ووضع معاوية قوماً من الصحابة على رواية أخبار قبيحة في الإمام عليّ علیه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، ويجعل لهم هدايا من بيت المال
مقابل ذلك (1).
فأين الدعاء بالمغفرة ، والدعاء برفع الغلّ والعداوة ؟ وهل يصح الاجتهاد في سبّ المهاجرين الأوائل المنزّهة قلوبهم من أيّ مرض ؟!
وقد اعترف مروان بن الحكم بأنّ سبّ عليّ بن أبي طالب علیه السلام لا مبرّر له إلاّ الحفاظ على كرسي الحكم بعد أن أثبت براءته من دم عثمان ، حيثُ جاء في قوله للإمام علي بن الحسين علیهماالسلام : (ما كان أحد أكفّ عن صاحبنا من صاحبكم) فقال علیه السلام : « فَلِمَ تشتمونه على المنابر ؟ » قال مروان : ( لا يستقيم لنا الأمر إلاّ بذلك ) (2).
فمن بدّل الدعاء بالغفران ورفع الغلّ بالشتم والقتال ، لا يكون مصداقاً للآيات المتقدّمة.
وخلاصة ما تقدَّم أنّ الآيات النازلة بحق الصحابة والثناء عليهم ، لم تكن شاملة لجميع الأفراد ، فبعضها ناظر إلى المجموع بما هو مجموع دون السراية إلى الأفراد ، وبعضها مختصّ بطائفة منهم وضمن مواصفات خاصّة ، وبعضها مشروط بشروط معينة ، وبعضها مشروط بحسن العاقبة.
ابتعد كثير من الصحابة في مواقفهم وسلوكهم عن المنهج الإلهي المرسوم لهم ، وخالفوا القواعد الأساسية للسلوك الإسلامي ، فنزلت الآيات في ذمّهم وتقريعهم ، وسنذكر بعض هذه الآيات حسب ترتيبها في القرآن الكريم.
الآية الأولى : قال تعالى : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (1).
النفاق قسمان : قسم واضح وظاهر للعيان ، وقسم خفي لا يعلمه إلاّ الله ، لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطاناً (2).
أو كما وصفهم الفخر الرازي : ( إنّهم تمرّنوا في حرفة النفاق ، فصاروا فيها استاذين ، وبلغوا إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع قوة خاطرك وصفاء حدسك ونفسك ) (3).
وكان رسول الله صلی الله علیه و آله يتعامل مع المسلمين حسب ظواهرهم ولا يتابعهم أو يعلن عن أسماء المنافقين الذين يعرفهم ، فعن أبي الدرداء أنَّ رجلاً يقال له حرملة .. قال : يا رسول الله : إنّه كان لي أصحاب من المنافقين ، وكنت رأساً فيهم ، أفلا آتيك بهم ، قال صلی الله علیه و آله : « من أتانا
استغفرنا له ، ومن أصرَّ فالله أولى به ، ولا تخرقنَّ على أحد ستراً » (1).
فوجود منافقين بين الصحابة ، يعني أنّنا لا نستطيع أن نحكم على أفراد الصحابة بالخيرية والعدالة ، وإنّما ننظر إلى سلوكهم ومواقفهم العملية ، فمن كان سلوكه وموقفه مطابقاً لقواعد الإسلام الثابتة فهو من الاَخيار والعدول ، ومن لم يكن كذلك ، فلا نحكم عليه بالخيرية والعدالة ، وإنّما نصفه بالوصف الذي يستحقّه دون الحاجة إلى تبرير سلوكه وموقفه تارة بالتأويل وأُخرى بالاجتهاد ، فما دام النفاق موجوداً لدى بعضهم في حياة رسول الله صلی الله علیه و آله ، فإنّه مستمر بالوجود بعد وفاته ، وخصوصاً أنّ المنافقين أصبحوا في مأمنٍ من كشف الوحي أسرارهم.
الآية الثانية : قال الله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ... ) (2).
نزلت الآية في الذين أسلموا إسلاماً غير مستقر ، قال الزمخشري : ( على حرف : على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه ، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة ... قالوا : نزلت في أعاريب قدموا المدينة ، وكان أحدهم إذا صحّ بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً ، وولدت امرأته غلاماً سوياً ، وكثر ماله وماشيته ، قال : ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلاّ خيراً ... وإن كان الأمر بخلافه قال : ما أصبت إلاّ
شرّاً ) (1). ونحو ذلك قال ابن كثير (2).
والأعراب هم قوم من الصحابة ، لأنّهم صحبوا رسول الله صلی الله علیه و آله ولو ساعة من نهار حسب تعريف المشهور ، وإنَّ درجات إيمانهم تتناسب طردياً مع ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية ، فهم بين اندفاع وانكماش وبين تقدّم وتراجع تبعاً للظروف ، وهؤلاء وإن أسلموا ورافقوا رسول الله صلی الله علیه و آله بعض الوقت ، إلاّ أنّ الإيمان لم يدخل قلوبهم ، كما عبّر عنهم القرآن الكريم : ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ... إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (3).
ويلحق بهم المؤلفة قلوبهم من الصحابة ، فإنّ رسول الله صلی الله علیه و آله كان يعطيهم الأموال ليتألفهم على الإسلام ، ومنهم أبو سفيان وأولاده (4).
ومثل هؤلاء الذين يكون ارتباطهم بالإسلام قائماً على أساس مقدار العطاء ، لا نتوقع أن يكونوا بمستوى المجاهدين الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، ثم لم يرتابوا.
الآية الثالثة : قال الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ... لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (5).
نزلت هذه الآية وآيات اُخرى في الصحابة الذي اتهموا إحدى زوجات رسول الله صلی الله علیه و آله بالفاحشة ، فكان بعضهم من المنافقين ، وكان البعض الآخر من الصحابة غير المنافقين ، قال ابن كثير : ( جماعة منكم يعني ماهو واحد ولا اثنان ، بل جماعة .. فكان المقدّم في هذه اللعنة عبدالله بن أبَي بن سلول رأس المنافقين ، فإنّه كان يجمعه ويستوشيه حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به ، وجوزه آخرون منهم ، وبقي الأمر كذلك قريباً من شهر حتى نزل القرآن ) (1).
فقد ارتكب جماعة من الصحابة ذنباً عُدّ من كبائر الذنوب ، فاتهام المسلمة وقذفها من الكبائر ، فكيف والمتّهمة زوجة رسول الله صلی الله علیه و آله ؟!
ولم يحاول رسول الله صلی الله علیه و آله تبرئة زوجته محتجاً بأنّ شرف الصحبة له يمنعها من ممارسة ما اتهمت فيه ، وإنّما انتظر الوحي واكتفى صلی الله علیه و آله بقوله : « يا معشر المسلمين من يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي ... ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً ».
فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : ( يا رسول الله ، أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ) ، فقام سعد بن عبادة ، وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ، ولكن احتملته الحميّة ، فقال لسعد : ( كذبت ، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ) ، فقام أُسيد بن حضير ، وهو ابن عم سعدٍ ، فقال لسعد بن عبادة : ( كذبت ، لعمر الله لنقتلنّه ، فإنّك منافق تجادل عن
1) تفسير القرآن العظيم 3 : 279.
المنافقين ) (1).
وما جرى بين الصحابة ، من مشادّة واتّهام بالكذب والنفاق يعني تجويز الكذب عليهم ، وتجويز النفاق عليهم ، وإنّ شرف الصحبة لا يحصّنهم من ذلك. هذا ما كان يقوله الصحابة أنفسهم في بعضهم ، فهل للجدال فيه معنىً ؟!
الآية الرابعة : قال الله تعالى : ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ ) (2).
نزلت هذه الآية في الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام والوليد بن عقبة ، قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط للإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام : ( أنا أحدّ منك سناناً ، وأبسط منك لساناً ).
فقال له الإمام علي علیه السلام : « اسكت ، فإنّما أنت فاسق » ، فنزلت الآية ، قال عبدالله بن عباس : ( يعني بالمؤمن عليّاً ، وبالفاسق الوليد بن عقبة ) (3).
وقد اتّفق كثير من المفسرين في أنّ المراد بالفاسق هو الوليد بن عقبة (4).
ونزلت آية اُخرى في الوليد بن عقبة ، وسمّته فاسقاً ، وهي قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ
فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (1).
وسبب النزول أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله بعث الوليد بن عقبة لجمع صدقات بني المصطلق ، فلمّا شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له فحسبهم مقاتليه ، فرجع لرسول الله صلی الله علیه و آله ، وقال له إنّهم قد ارتدّوا ومنعوا الزكاة ، فجاؤوا إلى رسول الله صلی الله علیه و آله وأخبروه بعدم صحة قول الوليد ، فنزلت الآية. وهي محل اتّفاق بين المفسرين والمؤرخين في نزولها في الوليد بن عقبة ، وفي تسميته فاسقاً (2).
والوليد بن عقبة كان مشهوراً بالفسق حتى بعد رحيل رسول الله صلی الله علیه و آله ، ففي خلافة عثمان بن عفّان كان الوليد أميراً على الكوفة ، فشرب الخمر ، وصلّى بالناس جماعة وهو سكران (3).
وقال ابن حجر العسقلاني : ( وقصة صلاته بالناس الصبح أربعاً وهو سكران مشهورة مخرجة ، وقصة عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضاً مخرجة في الصحيحين ) (4).
الآية الخامسة : قال الله تعالى : ( وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا ) (5).
1) سورة الحجرات 49 : 6.
2) السيرة النبوية ، لابن هشام 3 : 309. وأسباب نزول القرآن ، للواحدي : 2. والكشّاف 3 : 559. وتفسير القرآن العظيم 4 : 2. والإصابة 6 : 321. وأسباب النزول ، للسيوطي : 347.
3) الإمامة والسياسة 1 : 32. وتاريخ اليعقوبي 2 : 3. والكشّاف 3 : 559.
4) الإصابة 6 : 322.
5) سورة الأحزاب 33 : 12.
وقال تعالى : ( لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ ... ) (1).
يذكر الله تعالى صنفين من المسلمين أو من الصحابة : المنافقين ، والذين في قلوبهم مرض ، فكلاهما يشهد الشهادتين ويعترف ولو بالظاهر برسول الله صلی الله علیه و آله رسولاً.
وهنالك ثلاثة آراء في معنى ( الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ) :
فعن محمد بن كعب قال : يعني المنافقين.
وعن عكرمة قال : أصحاب الفواحش.
وعن عطاء قال : كانوا مؤمنين ، وكانوا في أنفسهم أن يزنوا و ... (2).
وهذه الأقوال كلّها واضحة الضعف.
والظاهر أنّ معنى ( الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ) : ( هم ضعفاء الإيمان من المؤمنين ، وهم غير المنافقين ) (3).
نعم ، هم غير المنافقين ، لأنّهم الذين تظاهروا بالإسلام والإيمان لاخوفاً على أنفسهم وأموالهم بل لاغراض غير ذلك.
وضعفاء الإيمان يمكن صدور الذنب والمعصيّة منهم ، وقد صدر بالفعل بقولهم : ( مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا ) ، وهذا القول من أعظم
الذنوب والمعاصي.
وقد حذّر الله تعالى نساء النبي صلی الله علیه و آله من ترقيق القول ، وقال : ( ... فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ... ) (1).
وقال العلاّمة الطباطبائي في تفسيره : ( ( فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) وهو فقدانه قوة الإيمان التي تردعه عن الميل إلى الفحشاء ) (2).
فالذي في قلبه مرض يميل إلى الذنوب والمعاصي حسب درجة قوة وضعف إيمانه وعاقبته إمّا الاستقامة وإمّا الانحراف.
الآية السادسة : قال الله تعالى : ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ... وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ) (3).
إنّه قد تكون المرأة من نساء النبي صلی الله علیه و آله أكثر وأطول صحبةً له من الغير ، ولكن لا تأثير لهذه الصحبة في السلوك والموقف العملي ، فهي لا تعصم من الخطأ والزلل إلاّ إذا أعطى الصاحب للصحبة حقّها بالاقتداء برسول الله صلی الله علیه و آله ، ولهذا فالله تعالى يحذّر نساء النبي صلی الله علیه و آله من إتيان الفاحشة ، ويهدّد بجعل العذاب ضعفين لقربهنَّ من رسول الله صلی الله علیه و آله .
قال القرطبي : ( لما كان أزواج النبي صلی الله علیه و آله في مهبط الوحي وفي منزل أوامر الله ونواهيه ، قوي الأمر عليهنّ ولزمهنَّ بسبب مكانتهنَّ أكثر ممّا يلزم
غيرهن فضوعف لهنّ الأجر والعذاب ، وقيل : إنّما ذلك لعظم الضرر في جرائمهنَّ بايذاء رسول الله صلی الله علیه و آله فكانت العقوبة على قدر عظم الجريمة في إيذاء رسول الله صلی الله علیه و آله ) (1).
فالصحبة بمفردها غير عاصمة من الزلل والخطأ ، ويكون الزلل والخطأ أكثر قبحاً إن صدر ممّن صاحب رسول الله صلی الله علیه و آله ؛ لأنّ الحجّة عليه تكون آكد وأشدّ.
والأخطاء التي ارتكبت من قبل بعض نساء رسول الله صلی الله علیه و آله أمر واقع ، فعن عائشة أنّها قالت : ( إنَّ رسول الله كان يمكث عند زينب بنت جحش ... فتواطأت أنا وحفصة أن أينّا دخل عليها النبي صلی الله علیه و آله فلتقل إني أجدُ منك ريح مغافير ، أكلت مغافير .. فقال صلی الله علیه و آله : « لا بل شربتُ عسلاً عند زينب » (2).
وفي رواية أنّ عمر بن الخطاب قال لحفصة : ( أتغاضبنَّ إحداكنَّ رسول الله يوماً إلى الليل ؟ ) قالت : نعم ، قال : ( أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله فيهلكك ؟ ) (3).
وقد نزلت آيات عديدة في نساء رسول الله صلی الله علیه و آله ونساء الأنبياء علیه السلام ، منها :
قال الله تعالى : ( إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ
اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ وَالمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ ... ) (1).
وقال الله تعالى : ( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) (2)
وقال تعالى : ( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ... وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ ) (3).
الزمخشري للآيات المتقدِّمة قال : ( ... وفي طيّ هذين التمثيلين تعريض بأمّي المؤمنين - يعني عائشة وحفصة - وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلی الله علیه و آله بما كرهه ، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر ... وإشارة إلى أنّ من حقهما أن تكونا في الاِخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين ، وأن لا تتكلا على أنّهما زوجا رسول الله ، فإنَّ ذلك الفضل لا ينفعهما إلاّ مع كونهما مخلصتين ... ) (4).
فالصحبة الطويلة والكثيرة لرسول الله صلی الله علیه و آله فضل وشرف ولكنّها غير عاصمة من الزلل ، فلو كانت عاصمة لعصمت أمرأة نوح وامرأة لوط ، فكان مصيرهما النّار ، ولم تنفعهما صحبتهما للنبي.
فالميزان هو الاستقامة والاعتدال ، والاستعداد لهما ، ومجاهدة النفس للوصول إلى مراتب الكمال والعدالة.
الآية السابعة : قال الله تعالى : ( ... وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيمًا ) (1).
نزلت هذه الآية في بعض الصحابة الذين آذوا رسول الله صلی الله علیه و آله ، فقد روى الطبرسي : ( انّ رجلين قالا : أينكح محمد نساءنا ولا ننكح نساءه ، والله لئن مات لنكحنا نساؤه ، وكان أحدهما يريد عائشة ، والآخر يريد أُم سلمة ) (2).
وعن السدي أنّه قال : ( بلغنا أنّ طلحة بن عبيدالله قال : أيحجبنا محمد عن بنات عمِّنا ويتزوج نساءنا ، لئن حدث به حدث لنتزوجنَّ نساءه من بعد (3).
وفي رواية أنّ محمد بن عمرو بن حزم ، قال : ( إذا توفي رسول الله صلی الله علیه و آله تزوجت عائشة ) (4).
وعن عبدالله بن عباس قال : ( إنَّ رجلاً أتى بعض أزواج النبي صلی الله علیه و آله فكلمّها وهو ابن عمها ، فقال النبي صلی الله علیه و آله : لا تقومنَّ هذا المقام بعد يومك هذا ... فمضى ثم قال : يمنعني من كلام ابنة عمّي ، لأتزوجنّها من بعده ، فأنزل الله هذه الآية ... فأعتق ذلك الرجل رقبة ، وحمل على عشرة أبعرة
في سبيل الله ، وحجَّ ماشياً توبةً من كلمته ) (1).
وفي هذه الرواية أدرك ذلك الصحابي عظم الذنب ، فتاب إلى الله تعالى، وهذا إن دلَّ على شيء إنّما يدل على أنَّ الصحابي معرّض للانحراف والانزلاق ، وهو يستقيم أحياناً وينحرف أخرى وباب التوبة مفتوح للتائبين.
الآية الثامنة : قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) (2).
عن أبي العالية قال : ( كان أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله يرون أنّه لا يضرّ مع لا إله إلاّ الله ذنب ، كما لا ينفع مع الشرك عمل ، فنزلت ( الآية ) ، فخافوا أن يبطل الذنب العمل ) (3).
فهذه الآية نزلت لتصحيح المفاهيم الخاطئة ، وأثبتت أنّ الأعمال الصالحة تبطل بالذنوب.
وقد أكدّ القرآن الكريم على أنّ الذنوب تبطل وتحبط الأعمال وإن كانت غير واضحة عند مرتكبيها قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) (4).
وردت آيات عديدة واضحة الدلالة في وصف واقع الصحابة من حيث قربهم وبعدهم عن المنهج الإسلامي الثابت في أُسسه وموازينه ، وفيما يلي نستعرض هذه الآيات.
قال الله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) (1).
وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ ... وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (2).
وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) (3).
وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ ) (4).
ووردت آيات عديدة تتحدث عن دور الأهواء والمغريات الخارجية ودور الشيطان في منع الإنسان من الاستقامة والاعتدال ، ووردت آيات عديدة تنهى الصحابة عن ممارسات خاطئة وقعوا فيها ، وتحذّرهم من
عذاب الله تعالى ، وتخوفهم من سوء العاقبة بالارتداد والرجوع إلى الكفر ، وكان الترغيب والترهيب هو السائد في أغلب الآيات القرآنية من أجل إصلاح الصحابة وربطهم بالمنهج الإسلامي ليكون حاكماً على تصوراتهم ومشاعرهم ومواقفهم ، بمعنى أنّ الصحابة يجوز عليهم الاشتباه والخطأ والانحراف والفسق ، بل حتى الارتداد عن دين الله تعالى والكفر بالرسالة ، وقد وقع هذا فعلاً بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله ، فمنهم من مات مرتداً ومنهم من عاد إلى الإيمان بعد حروب الردّة كما هو مشهور في كتب التاريخ والسيرة ، وإذا جاز على بعض الارتداد ، وقد حصل بالفعل وبالواقع ، فمن الأولى يجوز عليهم الفسق في السلوك بعد غياب رسول الله صلی الله علیه و آله وانقطاع الطاقة الدافعة للإيمان وللتقوى بانقطاع الوحي عن الأرض ، لأنّ عوامل الانحراف والفسق لم تغب عن الواقع ، وهي الأهواء النفسية والمغريات الخارجية ، ودور الشيطان في ربط بعضها بالبعض الآخر.
في السُنّة المطهّرة أيضاً أحاديث كثيرة عن الصحابة يروونها عن رسول الله صلی الله علیه و آله ، في بعضها الثناء والمدح لهم والأمر بحبهم على نحو العموم ، وفي بعضها القدح والذم الشديد والاخبار عن سوء العاقبة للاَكثرية الساحقة منهم ، وفي بعضها المدح أو القدح لاشخاصٍ معينين منهم.
وإذا أردنا أن نصل إلى حقيقة الأمر وواقع الحال في هذه الاحاديث كان من الضروري النظر فيها من جهة السند ومن جهة الدلالة ودراسة النسب الموجودة فيما بينها.
لكنّا نستعرض فيما يلي طائفةً من الروايات الواردة في المسألة ، مع غض النظر عن أسانيدها :
فهذه أولاً نصوص روايات وردت في الكتب في مدح الأصحاب عامةً أو المهاجرين والأنصار كلّهم أو الانصار كلّهم فقط ونحو ذلك :
الرواية الأولى : « اللّهمَّ امضِ لأصحابي هجرتهم ، ولا تردّهم على أعقابهم » (1).
الرواية الثانية : « الأنصار كرشي وعيبتي » (2).
الرواية الثالثة : « في كلِّ دُور الأنصار خير » (3).
الرواية الرابعة : « المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة » (4).
الرواية الخامسة : « اللّهمَّ لا عيش إلاّ عيش الآخرة ، فاغفر للمهاجرين والأنصار» (5).
الرواية السادسة : قبل بدء القتال في غزوة بدر قال رسول الله صلی الله علیه و آله : « اللّهمَّ إن تَهْلِكَ هذه العصابة اليوم لا تُعبد » (6).
الرواية السابعة : « يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم ، قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال صلی الله علیه و آله : بالثناء الحسن والثناء السيء ، أنتم شهداء الله في الأرض » (7).
الرواية الثامنة : « طوبى لمن رآني وآمن بي ، وطوبى ثم طوبى - يقولها
سبع مرات - لمن لم يرني وآمن بي » (1).
الرواية التاسعة : قال له رجلان : يا رسول الله ، أرأيت من رآك فآمن بك وصدّقك واتبعك ، ماذا له ؟ قال صلی الله علیه و آله : « طوبى له » (2).
الرواية العاشرة : « لا زال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلها ما دام فيكم من رآني » (3).
الرواية الحادية عشر : « أثبتكم على الصراط أشدّكم حبّاً لأهل بيتي ولأصحابي » (4).
الرواية الثانية عشر : كان بين خالد بن الوليد وبين أحد المهاجرين الأوائل كلام ، فقال خالد له : « تستطيلون علينا بأيامٍ سبقتمونا بها » ، فسمع رسول الله صلی الله علیه و آله بذلك فقال : « دعوا لي أصحابي ، فو الذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد - أو مثل الجبال - ذهباً ما بلغتم أعمالهم » (5).
والظاهر أنّ الروايتين الأخيرتين ليست عامّة في جميع الصحابة السابقين والمتأخرين في الإيمان والجهاد ، وإنّما هي مختصة في بعض منهم.
فقد جمع رسول الله صلی الله علیه و آله بين حبّ أهل بيته : وأصحابه ، فلو كان قصده جميع الصحابة لحدث تناقض لأنّ بعض الصحابة آذى بضعته من
بعده ، وبعضهم كان مبغضاً لأهل بيته ، وقد وصل حد البغض إلى قتالهم واستباحة دمائهم ، فقد حارب معاوية وعمرو بن العاص وبسر بن أرطأة وآخرون الإمام عليّاً علیه السلام ومن بعده الإمام الحسن علیه السلام ، فكيف يجتمع حب الإمام عليّ علیه السلام وحبّ معاوية وأتباعه في قلب واحد ، والكلام موجّه إلى الصحابة ، فكيف يوجّه الصحابة إلى حبّ الصحابة ؟
ورواية « دعوا لي أصحابي » مختصة أيضاً ببعض الصحابة ؛ لأنّ الأمر موجّه إلى خالد بن الوليد وهو من الصحابة ، يأمره بالكّف عن صحابي آخر، ويقارن بين أعمال المتقدمين في الإيمان والهجرة والنصرة وأعمال المتأخرين ، فالرواية واضحة الدلالة باختصاصها ببعض الصحابة.
وما تقدّم من ثناء مشروط بشروط ، منها : الإيمان الحقيقي ، فلا يكون من في قلبه مرض مراداً قطعاً ، والاستقامة على المنهج الإسلامي وحسن العاقبة ؛ لأنّ بعض الصحابة ارتدّوا ثم عادوا إلى الإسلام، وبعضهم منافقون اسرّوا نفاقهم ، ولكنّه ظهر من خلال أعمالهم ومواقفهم كما سيأتي بيانه.
وقد أثنى رسول الله صلی الله علیه و آله على بعض الصحابة بأسمائهم ، ووجّه الأنظار إلى عدد محدود منهم ، فكرّر مدحهم والثناء عليهم وجعلهم الصفوة من بين آلاف الصحابة ، ولم يساو بين السابقين في الهجرة والإيمان وبين المتأخرين الذين أسلموا خوفاً أو طمعاً.
وفي مقابل الثناء على بعض الصحابة ، وردت أحاديث مفتعلة منسوبة إلى رسول الله صلی الله علیه و آله بحق آخرين من الصحابة.
وقد كثر تزوير الأحاديث في عهد بني أُمية ، قال ابن عرفة ، المعروف
بنفطويه : ( إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أُمية ، تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أُنوف بني هاشم ) (1).
وقال أبو الحسن المدائني : ( كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله ... أن برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته ) ، ثم كتب : ( ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإنَّ هذا أحب إليَّ وأقرّ لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله ... فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ... فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ... حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لايستحلّون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها ، وهم يظنون أنّها حقّ ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ، ولا تدينوا بها ) (2).
شخصية الإنسان تتحكم فيها عوامل ثلاثة : الفكر ، والعاطفة ، والاِرادة، وهي التي تحدّد موقف الإنسان وسلوكه في الحياة ، فالإيمان بعقيدة معينة وفكرة معينة يجعل الشعور الباطني حركة سلوكية في الواقع، ويحوّل هذه الحركة إلى عادة ثابتة متفاعلة مع ما يحدّد لها من تعاليم ومفاهيم وقيم ، إن تطابقت الارادة مع أُسس الإيمان وقواعده ، والاِرادة هي الحد الفاصل بين مرحلة الشعور ومرحلة الواقع ، وبها تتميز
شخصية الإنسان في الخارج في قرارها النهائي ، وكل هذه العوامل مرتبطة في ظواهرها مع عوامل اُخرى كالوراثة والمحيط الاجتماعي التي تؤثر على تلك العوامل تأثيراً إيجابياً أو سلبياً ، وبالتالي تؤثر على تحديد شخصية الإنسان ، ولذا نرى الصحابة متفاوتين في شخصياتهم ، فمنهم من هو في قمة التكامل والسمو ، ومنهم من هو في مراتب أدون فأدون ، تبعاً لتفاوت درجات الإيمان ودرجات الاُنس بالعقيدة والفكر ، ودرجات الارتباط بالقدوة الصالحة المجسدة للعقيدة والشريعة في واقعها السلوكي ، والتفاعل مع المغريات والمثيرات الخارجية إندفاعاً وإنكماشاً ، فبعض الصحابة الذين بقي إيمانهم متزعزاً قد نكصوا على أعقابهم وارتدّوا عن الإسلام ، وبعضهم عاد إلى الإيمان بعد ردته خوفاً أو طمعاً أو استسلاماً للأمر الواقع أو قناعة بصحة الرسالة ، وبعضهم لم يقاوم جبهة التصدّع في شخصيته ، فاستسلم للاَهواء واستجاب للمغريات الخارجية كحب الرئاسة وحب المال ، فانحرف عن الاستقامة في موقفه وسلوكه العملي ، ولذا جاءت الروايات في مقام التحذير من الانحراف والنكوص والتردّد ، وجاء بعضها في مقام الذم والتقريع لمواقف سلوكية اتّخذها بعض الصحابة في مراحل حياتهم.
في أحد الأيام قام أحد الكفّار بتذكير نفر من الصحابة من الأوس والخزرج بقتلاهم في الجاهلية ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار في يوم بعاث ، وهو اليوم الذي اقتتل فيه الأوس والخزرج ، فهاجتهم تلك الأشعار وتنازعوا وتفاخروا ، وغضبوا جميعاً ، فخرجوا إلى الحرّة ومعهم السلاح ، وقبل بدء القتال خرج إليهم رسول الله صلی الله علیه و آله فقال :
« يا معشر المسلمين ، الله الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألَّف به بين قلوبكم » فعرف القوم أنّها نزعة من الشيطان وكيد من عدّوهم ، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً (1).
فلولا الاسراع في حل الأزمة لحدث القتال ولبقيت آثاره قائمة ، حدث ذلك ورسول الله بين أظهرهم ، فكيف يكون الوضع لو لم يكن معهم كما حدث بعد رحيله !
وفي أحد الأماكن ازدحم على الماء أحد المهاجرين وأحد الأنصار ، فصرخ أحدهم : يا معشر المهاجرين ، وصرخ الآخر ، يا معشر الأنصار ، وكادت تحدث الفتنة لولا تدخل رسول الله صلی الله علیه و آله في تجاوزها وإشغال المسلمين بالمسير لمدة يومين (2).
وقد خالف خالد بن الوليد المهمة التي كُلِّف بها ، وهي الدعوة السلمية إلى الإسلام ، وقام بقتل جماعة من بني جذيمة ثأراً لعمّه المقتول في الجاهلية ، وحينما سمع رسول الله صلی الله علیه و آله بعمل خالد رفع يديه إلى السماء ثم قال : « اللّهمَّ إنّي أبرأُ إليك ممّا صنع خالد » (3).
كثر الكذب على رسول الله صلی الله علیه و آله في حياته ، وقد حذّر صلی الله علیه و آله الصحابة
من الكذب عليه في الحديث والرواية فقال صلی الله علیه و آله :
« لا تكذبوا عليَّ فإنَّهُ من كَذَبَ عليَّ فليلج النّار » (1).
« من كذَّب عليَّ فليتبوأ مقعده من النّار » (2).
« من تعمّدَّ عليَّ كذباً فليتبوأ مقعده من النّار » (3).
« من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النّار » (4).
ولتفشي الكذب مطلقاً سواءً على رسول الله صلی الله علیه و آله أو في الشؤون الاُخرى وتتابعه ، كان صلی الله علیه و آله يحذّر من ذلك وينهى عن ممارسته بعد وقوعه ، وكان يكرّر هذا التحذير في أوقات ومناسبات عديدة ليرتدع الكذّابون عن الكذب ، فقد قام صلی الله علیه و آله خطيباً وقال : « ما يحملكم على أن تتابعوا على الكذب ، كما يتتابع الفراش في النّار ! كلّ الكذب يكتب على ابن آدم إلاّ رجل كذب في خديعة حرب ، أو اصلاح بين اثنين ، أو رجل يحدّث امرأته فيرضيها » (5).
ووضّح الإمام علي علیه السلام أصناف نقلة الحديث عن رسول الله صلی الله علیه و آله وقسمهم إلى أربعة :
الأول : المتعمد للكذب
الثاني : المتوهم في نقل الحديث ، إلاّ أنّه غير متعمد.
الثالث : القليل العلم بالناسخ والمنسوخ في الأوامر والنواهي.
الرابع : الصادق الواضع للحديث في موضعه.
وقال في معرض هذا التقسيم : « إنَّ في أيدي الناس حقاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً ... ولقد كُذِبَ على رسول الله صلی الله علیه و آله على عهده ، حتى قام خطيباً فقال : من كذبَ عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النّار » (1).
فالكذب على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله حقيقة لا تقبل التأويل - وسيأتي ذكر مصاديقها في البحوث القادمة - وهو أشدّ أنواع الكذب تأثيراً في بلبلة المفاهيم والتصورات وخلق الاضطراب في المواقف الخاصة والعامّة ، لما فيه من إغراءٍ بالقبيح والمنكر ، وتحريف للمنهج الإسلامي الثابت في مفاهيمه وقيمه وموازينه.
حذّر رسول الله صلی الله علیه و آله من التنافس على الدنيا ، وخصوصاً في بعض محاورها وهي السلطة التي تسفك من أجلها الدماء ، ويستحل الصحابي دم صحابي مثله من أجل الحصول عليها وعلى المكاسب والمغانم التي تكون وسيلة لوجودها.
قال رسول الله صلی الله علیه و آله : « ... إنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكنّي أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها ، وتُقتلوا ، فتهلكوا ، كما هلك
1) نهج البلاغة : 325 - 326 الخطبة 210.
من كان قبلكم » (1).
وأخبر صلی الله علیه و آله أصحابه بأنّهم سيحرصون على الإمارة فقال : « إنّكم ستحرصون على الإمارة ، وستصير ندامة وحسرة يوم القيامة ، فبئست المرضعة ، ونعمت الفاطمة » (2).
وحذّر صلی الله علیه و آله من الرجوع إلى الكفر من بعده ، وجعل سفك الدماء علةً لهذا الكفر ، وقد يكون مقصوده صلی الله علیه و آله هو الكفر الحقيقي ؛ لأنّ المؤمن لايستحلَّ دم أخيه ما دام مؤمناً بالله تعالى وبالعقاب يوم القيامة ، وقد يكون مقصوده هو الانحراف الحقيقي عن الإسلام في الواقع العملي ، وفي صدد ذلك التحذير قال صلی الله علیه و آله : « لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعضٍ » (3).
وسيأتي في هذا الشأن تفصيل في الفصل الأخير.
وردت روايات مستفيضة عن رسول الله صلی الله علیه و آله أكدَّ فيها أنّ النكوص والانقلاب على الأعقاب واقع بعده من قبل الصحابة.
قال صلی الله علیه و آله : « أنا فرطكم على الحوض ، وسأنازع رجالاً فأغلب عليهم ، فلأقولنَّ ربِّ أُصيحابي أُصيحابي ! فيقال لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا
بعدك » (1).
والرواية واضحة الدلالة في أنّ هؤلاء الأصحاب كانوا معروفين في الناس بالاستقامة في حياة رسول الله صلی الله علیه و آله ، ولكنّهم انحرفوا من بعده.
وفي رواية أخرى أنّه صلی الله علیه و آله قال : « ليردنَّ على الحوض رجال ممّا صحبني ورآني ، حتى إذا رفعوا إليَّ ورأيتهم اختلجوا دوني ، فلأقولنَّ : ربِّ أصحابي أصحابي ! فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك » (2).
وقال صلی الله علیه و آله : « إنّكم محشورون إلى الله تعالى ... ثم يؤخذ بقوم منكم ذات الشمال ، فأقول : يا ربِّ أصحابي ! فيقال لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، لم يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح : ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ ) » (3).
والعذاب المذكور في الآية قرينة على ارتكاب الذنب والاتّصاف بالفسق والخروج عن العدالة والاستقامة ، وإلاّ لا موجب لعذاب العادل النزيه.
ومن خلال تتبع الروايات نجد أنَّ الانحراف عن نهج رسول الله صلی الله علیه و آله والابتعاد عن المفاهيم والقيم الإسلامية المعبّر عنه بالارتداد والرجوع
على الأعقاب والتقهقر ، قد عمّ عدداً كبيراً من الصحابة الذين صحبوا رسول الله صلی الله علیه و آله صحبة ليست بالقصيرة ، وقد عبّر صلی الله علیه و آله عن كثرتهم بالقول : « بينا أنا قائم إذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هَلُمَّ ، فقلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلتُ : وما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم ... قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم » (1).
والروايات المتقدّمة تنصّ على أنّ المتسائل هو رسول الله صلی الله علیه و آله والمجيب غيره ، وهنالك روايات تنصّ على أنّ المجيب هو رسول الله صلی الله علیه و آله مباشرة حيثُ يخاطب بعض أصحابه في يوم القيامة بإثبات إنحرافهم عن الاستقامة بعد رحيله من الدنيا ، كما هو في الرواية عنه صلی الله علیه و آله أنّه قال : « ما بال أقوام يقولون : إنّ رحمي لا ينفع ، بلى والله إنّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة ، وإنّي أيُّها الناس فرطكم على الحوض ، فإذا جئت قام رجال ، فقال هذا : يا رسول الله ، أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله أنا فلان ، فأقول قد عرفتكم ولكنكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى » (2).
وتنص الروايات على أنَّ رسول الله صلی الله علیه و آله يتبرء منهم ولا يتدخل في إنقاذهم ممّا هم فيه عند ورودهم الحوض ، ففي رواية يقول صلی الله علیه و آله : « .. فأقول أصحابي أصحابي ! فقيل : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ،
فأقول : بعداً بعداً ... - أو - سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي » (1).
وكان رسول الله صلی الله علیه و آله يحذّر من الانحراف بعد رحيله ، ويجعل ملاك التقييم هو حسن أو سوء العاقبة ، ففي رواية أنّه صلی الله علیه و آله قال لشهداء أُحد : « هؤلاء أشهد عليهم » فقال أبو بكر : ( ألسنا يا رسول الله بإخوانهم ؟ أسلمنا كما أسلموا ، وجاهدنا كما جاهدوا ) فقال صلی الله علیه و آله : « بلى ، ولكن لاأدري ما تحدثون بعدي » (2).
وقد أكدّ بعض الصحابة حقيقة الانحراف عن نهج رسول الله صلی الله علیه و آله بعد رحيله ، ومن ذلك قول أُبي بن كعب : ( ما زالت هذه الاُمّة مكبوبةً على وجهها منذ فقدوا نبيّهم ) (3).
وقوله : ( ألا هلك أهل العقدة ، والله ما آسى عليهم ، إنّما آسى على من يُضلّون من الناس ) (4).
للصحابة الذين آمنوا بالله ورسوله حقّاً دور كبير في انتصار الإسلام واستمرار وجوده ودوره في قيادة البشرية ، فهم الطليعة التي واكبت مسيرة الرسول منذ انطلاقها ، فقد آمن به وصدّقه عدد من الصحابة في مرحلة من أشد المراحل عليه ، حيثُ تكالبت عليه قوى الكفر والشرك والطغيان وطوّقوا دعوته من كلِّ جانب ، فلم يجد له ناصراً إلاّ الصفوة من الصحابة ، حيثُ خرجوا عن المألوف من العقائد والأعراف والتقاليد الجاهلية وانضووا تحت لواء الإسلام وقيادة رسول الله صلی الله علیه و آله دون أن ينتظروا جزاءاً دنيوياً أو عرضاً من أعراض الدنيا ، آمنوا بالله وبرسوله إيماناً حقيقياً في وقت كان الإسلام ضعيفاً تحيطه الاَعداء من كلِّ حدب وصوب ، لا يجدون ناصراً لهم ولا معيناً يساندهم ويدفع عنهم إلاّ الله ، ولا يجدون القوة التي يواجهون فيها الطغيان سوى قوة الإيمان بالله ورسوله. فتجاوزوا الواقع الجاهلي ولم يعبئوا بما حولهم من قبائل وشعوب وأمم غارقة في الجهل والانحراف والرذيلة ، وكان الاَمل بالنصر يراود أفكارهم ومشاعرهم ليغيّروا الأرض ومن فيها ، ويجعلوا الإسلام في موقعه الريادي في حياة البشرية ، وتحمّلوا من أجل ذلك أصناف العذاب.
وكان من تعذيب المشركين إيّاهم ( يضربون أحدهم حتى لا يقدر أن يستوي جالساً من شدّة الضرّ الذي ويجيعونه ويعطشونه نزل به ) (1).
وكان الصحابة الأوائل يتقاسمون العذاب والأذى بإيمان واطمئنان بلا تضعضع ولا تراجع ولا هزيمة روحية ، ولم يزدهم العذاب إلاّ إصراراً على الإيمان ثباتاً على طريق الهدى ، وكان شعارهم ( أحد أحد ) ، وحينما اشتد الأذى والعذاب أمرهم رسول الله صلی الله علیه و آله بالهجرة إلى الحبشة ، فهاجروا فراراً بدينهم.
واشتدّ الأذى والعذاب على من بقي من الصحابة في مكة إلى أن شاء الله عزَّ وجلَّ أن يأذن لهم بالنصر المؤزر بعد حصارهم في شعب أبي طالب رضی الله عنه ثلاث سنوات ، ثم امتدت الدعوة الإسلامية - بعد ذلك - وانضوى تحت لوائها عدد من أهل المدينة ، فبايعوا رسول الله صلی الله علیه و آله في العقبة على السمع والطاعة وعلى أن يؤمّنوا له الحماية اللازمة كما يحامون عن أبنائهم ونسائهم ، وعلى حرب من يحاربه مهما كان انتماؤه (2).
وعاهدوا رسول الله صلی الله علیه و آله على إيواء المهاجرين ونصرتهم ، فأذن صلی الله علیه و آله بهجرة من بقي معه في مكة إلى المدينة ، وعلى أثر ذلك تعرض الكثير منهم إلى عنت المشركين واضطهادهم (3)، وما أن وصلوا إلى يثرب حتى آخى رسول الله صلی الله علیه و آله بين المهاجرين والأنصار ، فجعل لكلِّ مهاجر أخاً من
الأنصار ، فآواه وآزره وشاركه في داره(1)، وقد تحقق الإخاء بأفضل صورةٍ في تاريخ البشرية ، واستجاب له المهاجرون والأنصار عن قناعة وتسليم واطمئنان ، حتى وصل الأخاء إلى قمته ، فكان الأنصاري يطلّق إحدى زوجتيه ( فيخيّر أخاه المهاجر في إحداهما ) (2).
وكان المهاجرون والأنصار ( يتوارثون بهذا الإخاء في ابتداء الإسلام إرثاً مقدّماً على القرابة ) (3).
وقد حقق ذلك الإخاء دوراً في إنجاح المسيرة الإسلامية والتفرّغ إلى العمل الجاد لدعوة الناس إلى الإسلام ، والجهاد في سبيل الله ، فتكاتفوا في حمل أعباء الرسالة ، وتبليغها.
ولم يمض على استقرار النبي صلی الله علیه و آله والمهاجرين إلاّ أشهر معدودة حتى دعاهم الرسول صلی الله علیه و آله إلى الجهاد ، فكانت فرصةً جيدة لمعرفة الذين آمنوا حقاً من الذين في قلوبهم مرض ومن المنافقين الذين تظاهروا بالإسلام خوفاً ، فاستجاب الذين آمنوا وترسّخ الإيمان في قلوبهم فخرجوا في غزوات لملاحقة قوافل المشركين ، وكانوا لايستريحون من أعباء الغزوة حتى يشاركوا في غزوة أُخرى قاطعين المسافات الطويلة استجابة لله ورسوله.
فقاوموا واجتازوا كل الصعوبات والأخطار والمشاكل والمعوقات الواقعة في طريقهم ، واستمروا في المسيرة التكاملية متعالين على هوى
النفس وميولها واتجاهاتها المادية. وقطعوا أواصر القربى مع المشركين ، فخرجوا إلى بدر يقاتلون آباءهم وأبناءهم ولا يزيدهم ذلك إلاّ ثباتاً على الإيمان والجهاد ، حتى أمدّهم الله تعالى بملائكة مسوّمين (1).
وهكذا استمر الصحابة في الجهاد وأرخصوا دماءهم في سبيل الدعوة والانقياد لرسول الله صلی الله علیه و آله ، لا يكلّون ولا يملّون ، وكانوا في عمل دؤوب وجهاد مستمر لا يجدون طعم الراحة والهناء إلاّ بإنجاز التكاليف الإلهية ، فشاركوا في غزوة أُحد ، فكانت هذه الواقعة إحدى المواقع الحساسة التي عرف فيها المؤمنون الحقيقيون من غيرهم.
وكذلك غزوة الخندق حيث قعد الذين لاذوا بالفرار في أُحد ، عن المواجهة مع قائد جيوش المشركين.
ولقد تكرّر منهم المخالفة لأوامر رسول الله صلی الله علیه و آله حتى أخذ منهم البيعة تحت الشجرة على الموت وعدم الفرار (2).
وهكذا بدأت المفارقات تظهر شيئاً فشيئاً ، وحقائق الاَشخاص تنكشف يوماً فيوماً :
لم يكن الصحابة على مستوىً واحد من الإيمان والاخلاص والاستقامة ، وإنّما هم متفاوتون في كلِّ ذلك ، والصحبة وإن كانت شرفاً لهم جميعاً إلاّ أنها لا تعني التزكية والتطهير مالم يكن الصحابي مؤهلاً لها
ومستعداً للارتقاء والسمو والتكامل ، والصحابي بما هو بشر يحمل في جوانحه عناصر الخير والشر ، وإنّ التزكية والتطهير تابعة للاِرادة ، فالإنسان بطبعه مخيرٌ في اختيار موقفه في الحياة ، وتلعب الوراثة - متفاعلة مع المحيط التربوي والاجتماعي - دوراً أساسياً في تكوين الشخصية الإنسانية من حيثُ درجة الاقتراب والابتعاد عن المنهج الإسلامي في الواقع.
وإذا كان لرسول الله صلی الله علیه و آله تأثير في التوجيه والتربية والاصلاح والتغيير ، فإنّ كثيراً من الصحابة لم يصحبوه إلاّ قليلاً بعد ما مرت عليهم السنين العديدة وهم في الصف المعادي له ، وكان بعضهم أحرص الناس على قتله ، والقضاء على رسالته ، وبعضهم أسلم خوفاً أو طمعاً ، وبعضهم بقي منافقاً مستتراً في نفاقه لا يعلمه إلاّ الله تعالى ، أو معلوماً عند رسول الله صلی الله علیه و آله خافياً على غيره.
فلا غرابة أن نجد بعضهم مبتعداً عن المنهج الإسلامي في تصوراته ومواقفه العملية لعدم انصهاره بالعقيدة والقيم الجديدة ، وعدم تحكيمه لها في التصورات والعواطف والمواقف ، وخصوصاً في العلاقات الاجتماعية والسياسية بين الصحابة ، فإنّ بعضهم قطع أواصر المودة والأخاء مع البعض الآخر ، وتعامل البعض بالتنابز بالكفر والفسق والنفاق مع البعض الآخر ، ووصلت الفواصل بينهما إلى حدِّ البراءة والاقتتال.
وقد ظهرت بوادر ذلك في عهد رسول الله صلی الله علیه و آله إلاّ أنها كانت في طور الخفاء والمحدودية ثم توسعت وطفحت بارزة للعيان بعد عهده صلی الله علیه و آله ، ولا غرابة في ذلك وقد حذّرهم صلی الله علیه و آله من التنافس على الدنيا والاقتتال فيما بينهم.
ولكنّ المهم أنْ ترى أن الذين فروا في أُحد ، وقعدوا في الخندق ، وخالفوا رسول الله صلی الله علیه و آله في غير موضع ، أخذوا يجاهرون بالمخالفة مع النبي صلی الله علیه و آله في قراراته المصيرية الحاسمة :
أمر رسول الله صلی الله علیه و آله أغلب المهاجرين والأنصار بالتوجه إلى غزو الروم تحت إمرة أُسامة بن زيد ، وكان على رأسهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وآخرون (1)، فطعنوا في إمارته وتثاقلوا حتى قام بهم رسول الله صلی الله علیه و آله خطيباً وقال : « إن تطعنوا في إمارته ، فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله ، وأيم الله لقد كان خليقاً للإمارة » (2).
وتثاقل كثير من الصحابة ولم يلتحقوا باُسامة ، وعصوا أوامر رسول الله صلی الله علیه و آله حتى أغضبوه فأمرهم ثانية وثالثة حتى لعن المتخلفين وقال صلی الله علیه و آله : « جهزوا جيش أُسامة ، لعن الله من تخلّف عنه » (3).
وفي رواية أنّه قال : « جهزوا جيش أسامة ، أنفذوا جيش أُسامة ، أرسلوا بعث أسامة ، لعن الله من تخلّف عنه » (4).
وعند قرب وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله عاد أُسامة ومعه الجيش ينتظرون مصيره صلی الله علیه و آله وحينما علم بهم أمر أُسامة بالخروج وتعجيل النفوذ وجعل
يقول : « أنفذوا بعث أُسامة » ويكرّر ذلك (1).
ولقد كان اعتراضهم على إمرته ثم اعتذارهم عن الخروج معه بمرض النبي صلی الله علیه و آله محاولةً منهم للتغطية على المرض الكامن في قلوبهم !!
عند قرب وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله أراد أن يكتب للصحابة كتاباً يرسم لهم منهجاً لحياتهم كي لا يضلّوا من بعده ، حيثُ ربط صلی الله علیه و آله بين الكتاب وبين عدم الضلالة ، وهذا يعني إنّ كتابة الكتاب من أهم وصاياه صلی الله علیه و آله ومن أساسيات القضايا التي يجب مراعاتها بعد وفاته ، وبدلاً من الاستجابة له ، والعمل على طبق وصيته للوصول إلى تمام الهداية والرشاد ، والحيلولة دون الضلال عصوا أوامره صلی الله علیه و آله ولم يكتفوا بالعصيان بل اتهموا رسول الله صلی الله علیه و آله بالهجر كما تنص الرواية أنّه صلی الله علیه و آله قال : « ائتوني بكتابٍ أكتب كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً » ، فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : ( هجر رسول الله ) ، فقال صلی الله علیه و آله : « دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه » (2).
وفي رواية : قالوا : ما شأنه ؟ أهجر ! إستفهموه ، فذهبوا ( يعيدون عليه ) القول (3).
وذكر المؤرخون في روايات أُخرى اسم عمر بن الخطاب ، وأنّه هو
الرادّ على رسول الله صلی الله علیه و آله (1).
ويرى ابن أبي الحديد أنّ الحديث المذكور : ( اتفق المحدِّثون كافة على روايته ) (2).
ويفهم من الروايات أنَّ الذين اتهموا رسول الله صلی الله علیه و آله بالهجر وجهاً لوجه أو الذين أيدوا قول عمر بن الخطّاب هم من كبار الصحابة ومن الذين صاحبوه فترة طويلة ، ومنهم آباء زوجاته والمقربون إليه ، وهذا القول ينسجم مع الأعراف من أنّ الذين يحضرون الميت هم من هذا الصنف دون بقية الصحابة الذين لم يصحبوه إلاّ أياماً أو ساعات معدودة ، إضافة إلى ذلك أنّ موته صلی الله علیه و آله كان في المدينة ويستبعد أن يكون الاَعراب أو الذين ارتدوا بعد وفاته كانوا من ضمن الحاضرين.
ويفهم أيضاً من الرواية أنَّ جلّ الصحابة كانوا متخلفين عن بعث أُسامة وخصوصاً الصحابي عمر بن الخطّاب.
ومخالفة رسول الله صلی الله علیه و آله واتهامه بالهجر لم يكن في قضية هامشية أو سطحية ، وإنّما كان في أهم القضايا التي فيها النجاة من الضلالة الأبدية.
وهكذا ، فقد تمكنّا من خلال هذه القضايا من معرفة حقيقة أمر أولئك الصحابة الذين رافقوا رسول الله صلی الله علیه و آله في بدء دعوته وفي قلوبهم مرض كما في القرآن الكريم.
فدراسة التاريخ والنظر في سير الأحداث من أحسن الطرق لمعرفة
حال الصحابة ، وللتوصل إلى معنى الآيات القرآنية ومعنى الحديث المخرج في كتابي البخاري ومسلم وغيرهما الصريح في ارتداد الاصحاب إلاّ مثل « همل النعم » !!
هذا خلاصة ما كان في عهد رسول الله صلی الله علیه و آله .
وأما ما كان من الصحابة بعد عهد رسول الله صلی الله علیه و آله فتلك أحداث السقيفة وما تلتها من حوادث وما ترتب عليها من آثار ...
لقد ثبت وتحقق في الكتب المؤلّفة في مسألة الإمامة والولاية بعد رسول الله صلی الله علیه و آله : أنّ الله سبحانه وتعالى أمر النبي صلی الله علیه و آله بإبلاغ الاُمّة بأنّ الخليفة والامام من بعده بلا فصل هو علي بن أبي طالب علیه السلام ، وهذا ما كان من أولى اهتمامات النبي منذ بعثته وحتى الساعات الأخيرة من حياته الكريمة ، وقد استدل العلماء في كتب الإمامة بالكثير من الآيات والأحاديث الصحيحة بل المتواترة عند الفريقين.
فمن ذلك : النصّ الذي بدأ منذ وقت مبكر وبالتحديد في السنة الثالثة للهجرة حيثُ نزول آية الانذار وقصة حديث الدار الذي قال فيه صلی الله علیه و آله مشيراً إلى الإمام علي علیه السلام : « إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا » (1).
وصرّح النبي صلی الله علیه و آله في أكثر من مناسبة قائلاً : « إنّ علياً مني ، وأنا منه ،
1) تاريخ الطبري 3 : 218 - 219. وتفسير الخازن 3 : 371.
وهو ولي كلّ مؤمن بعدي » (1). وجاء قوله تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (2)يؤكد ويرسخ ولاية وخلافة أمير المؤمنين علي علیه السلام بعد النبي صلی الله علیه و آله ويقطع الطريق أمام المشككين بهذه المنزلة الرفيعة.
وعند قصة الغدير ونزول آية التبليغ (3)وآية إكمال الدين (4)في حجة الوداع لم يعد ثمة عذر لمعتذر في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام بعد رسول الله صلی الله علیه و آله ، حيثُ جمع رسول الله صلی الله علیه و آله الناس في منتصف النهار والحر شديد وخطب خطبة طويلة جاء فيها : « من كنت مولاه فهذا مولاه (5)، اللهم والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، واخذل من خذله، وانصر من نصره » (6).
لكن القوم تجاوزوا كلّ تلكم النصوص ، حتى تركوا جنازة رسول الله صلی الله علیه و آله على الأرض وراحوا الى سقيفة بني ساعدة يتنازعون الأمر من
1) سنن الترمذي 5 : 594. والتاج الجامع للاُصول 3 : 335.
2) سورة المائدة 5 : 55 وقد نزلت هذه الآية في الإمام علي علیه السلام . راجع الكشاف 1 : 2. وأسباب النزول ، للواحدي : 134.
3) الآية 67 من سورة المائدة ، قال الواحدي في أسباب النزول : 135 نزلت في غدير خم.
4) الآية 3 من سورة المائدة ، وقد نزلت في غدير خم يوم الثامن عشر من ذي الحجة ، راجع الاتقان للسيوطي 1 : 75. وأسباب النزول للواحدي : 135 وقد قال صلی الله علیه و آله عند نزولها : « الحمدُ لله على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي بعدي » راجع مناقب أميراالمؤمنين علیه السلام للحافظ محمد بن سليمان القاضي الكوفي 1 : 119.
5) سنن الترمذي 5 : 591. والتاج الجامع للاُصول 3 : 333.
6) مسند أحمد 4 : 281 و 368. وسنن ابن ماجة المقدمة 1 : باب 6. وتفسير ابن كثير 1 : 233. والبداية والنهاية 7 :6. 361.
بعده ، فكان ما كان مما لسنا الآن بصدد ذكره ، وتمخضّت الاحداث عن البيعة لأبي بكر بن أبي قحافة ، ثم أُكره الممتنعون عن البيعة - وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي علیه السلام وأعلام بني هاشم ورجال من المهاجرين والأنصار - على أن يبايعوه ، في قضايا يطول شرحها.
أمّا الزهراء الطاهرة بضعة الرسول صلی الله علیه و آله فلم تبايعه أبداً ، ولمّا استولى أبو بكر على فدك وغير فدك ممّا كان يتعلّق بها ، ذهبت إلى أبي بكر وطالبته بحقوقها ، فلم يعطها شيئاً ، فعادت وهي غضبى عليه وعلى عمر ابن الخطاب.
وقال عمر لأبي بكر انطلق بنا إلى فاطمة علیهاالسلام ( فانّا قد أغضبناها ) وحينما دخلا عليها قالت : « ... ألم تسمعا رسول الله يقول : « رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي .. فإنّي أُشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبيّ لأشكونكما إليه » وكانت فاطمة علیهاالسلام تقول : « والله لأدعون الله عليك في كلِّ صلاة أصليها » (1).
وبقيت سلام الله عليها مهاجرة لأبي بكر حتى فارقت الدنيا ( فهجرته فاطمة فلم تكلمه ... حتى ماتت ، فدفنها عليّ ليلاً ، ولم يؤذن بها أبابكر ) (2).
ولقد كان من المتخلّفين عن بيعة أبي بكر : مالك بن نويرة وعشيرته ، فسيّر أبو بكر إليهم خالد بن الوليد ، فأغار عليهم وقتل مالكاً وجماعة من
قومه وسبى نساءهم ، وتزوّج بامرأة مالك من ليلة قتله ، في قضية معروفة مفصّلة في كتب التاريخ ، تعدّ من أكبر ما طعن به أبو بكر بعد تصدّيه للأمر.
وحينما قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة وتزوج امرأته ، بلغ ذلك عمر بن الخطاب ، فتكلم في خالد عند أبي بكر فأكثر وقال : ( عدو الله عدا على أمرئ مسلم فقتله ، ثم نزا على امرأته ) ! وحينما عاد خالد قام إليه عمر وقال : ( قتلت أمرءاً مسلماً ، ثم نزوت على امرأته ، والله لأرجمنك بأحجارك ) (1).
وفي معركة اليرموك كان أبو سفيان ومشيخة من قريش على تلٍّ لايقاتلون ، فإذا كانت الكرّة للروم ، قالوا : ( إيهٍ بني الأصفر ) ! وإذا كانت الكرّة للمسلمين ، قالوا : ( ويح بني الأصفر ) ! فلما هزم الله تعالى الروم سمع الزبير بما كانوا يقولون ، فقال : ( أبوا إلاّ ضغناً ، لنحن خير لهم من الروم ) (2).
وعند قرب وفاة أبي بكر دخل عليه عبدالرحمن بن عوف ، فقال له أبوبكر : ( إنّي وليت أمركم خيرّكم في نفسي ، فكلكم ورم أنفه من ذلك ، يريد أن يكون الأمر له دونه ، ورأيتم الدنيا قد أقبلت .. وأنتم أول ضالّ بالناس غداً ، فتصدوهم عن الطريق يميناً وشمالاً ... ) (3).
وقال أبو بكر أيضاً : ( فأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي تركتهنَّ ، فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء ، وإن كانوا قد غلّقوه على الحرب ...
وأمّا اللاتي تركتهنَّ ، فوددت أني يوم أتيتُ بالأشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه ، فإنّه تخيَّل إليَّ أنه لا يرى شرّاً إلاّ أعان عليه ... ) (1).
وأوصى أبو بكر بالأمر إلى عمر بن الخطّاب بالرغم من اعتراض أعلام الصحابة ، محتجاً بكونه خير النّاس ، فدلَّ ذلك على أن ولايته لم تكن بنصٍّ من النبي صلی الله علیه و آله ولا برضاً من المسلمين.
وقد كان في عهده من تعطيل الحدود الشرعية وتغيير الأحكام الالهية ما ليس هنا موضع ذكره ، ومن شاء فليراجع الكتب المؤلفة في ذلك ، ويكفينا أن نعلم أن عمر هو الذي رمى النبي صلی الله علیه و آله بالهجر وحال دون كتابته الوصيّة كما تقدّم.
وكان عمر هو الذي طرح فكرة تعيين الخليفة بالشورى ، وقد جاء ذلك تفادياً لاَنْ يبايع المسلمون الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام ، إذ بلغه أن جماعةً من أكابر الصحابة يقولون : لو مات عمر لبايعنا علي بن أبي طالب (2).
ولكنّه - حيث كان يريد عثمان بن عفان وبني أُميّة للخلافة - عيّن ستّة أشخاصٍ للشورى ، ومن غير مشورة من المسلمين في تعيينهم ، وحدّد لهم حدوداً لا ينتهي الأمر بمقتضاها إلاّ إلى عثمان.
وبعد تعيين عمر للستة من أهل الشورى أخبرهم عن أنفسهم فقال : ( أما أنت يا زبير فوعق لقس (3)، مؤمن الرضا ، كافر الغضب ، يوماً إنسان ،
ويوماً شيطان .. من يكون للناس يوم تكون شيطاناً ؟ ومن يكون يوم تغضب ؟ ) ثم أقبل على طلحة - وكان له مبغضاً - فقال له : أقول أم أسكت ؟ قال : ( قل ، فإنَّك لا تقول من الخير شيئاً ) فقال عمر : ( أما إنَّي أعرفك منذ أصيبت أصبعك يوم أحد والبأو - أي الكبر - الذي حدث لك ، ولقد مات رسول الله صلی الله علیه و آله ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أُنزلت آية الحجاب ) (1).
وأوصى عمر صهيب الرومي بقتل كل من يصرّ على مخالفة الاجماع في الشورى المتكونة من الستة ، وقال له : ( .. فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه - أو اضرب رأسه بالسيف - وإن اتفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان ، فاضرب رؤوسهما ، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم .. فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف ، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس ) (2).
وفي اجتماع الشورى قال عليّ بن أبي طالب لعبدالرحمن بن عوف : ( أعطني موثقاً لتؤثرن الحقّ ولا تتبع الهوى ، ولا تخصّ ذا رحم .. ) ، لكن عبدالرحمن اتّبع الهوى ومال إلى عثمان ، ففي أمر الشورى يقول الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في الخطبة الشقشقية : « فصبرتُ على طول المدة ، وشدّة المحنة ، حتى إذا مضى لسبيله ، جعلها في جماعةٍ زعم أني أحدهم ، فيالله وللشورى متى اعترض الريبُ فيَّ مع الأول منهم ، حتى صرتُ أُقرن إلى هذه النظائر ! لكنّي أسففتُ إذ أسفّوا ، وطِرتُ إذ طاروا ، فصغا رجلٌ منهم
لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هنٍ وهنٍ ... » (1). فالذي صغا لضغنه هو طلحة ، إذ وهب حقّه لعثمان لانحرافه عن أمير المؤمنين علیه السلام ، والذي مال لصهره هو عبدالرحمن ، مال إلى عثمان ، لأن زوجة عبدالرحمن - وهي أم كلثوم بنت عقبة - كانت أُخت عثمان من أُمّه.
واشترط عبد الرحمن على الإمام عليّ علیه السلام إن رشّحه للخلافة أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر ، فلم يوافق الإمام عليّ علیه السلام على الشرط الاَخير ، ووافق عثمان على ذلك فرشحه عبدالرحمن للخلافة فقال الإمام علي علیه السلام : « ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا » (2).
وبعد تمام البيعة قال المغيرة بن شعبة لعبدالرحمن : ( يا أبا محمد ، قد أصبت إذ بايعت عثمان ! ) وقال لعثمان : ( لو بايع عبدالرحمن غيرك مارضينا ) ، فقال عبدالرحمن : ( كذبت يا أعور ، لو بايعتُ غيره لبايعته ، ولقلت هذه المقالة ) (3).
ودخل أبو سفيان على عثمان وقال : ( يا بني أُمية ، تلقّفوها تلقّف الكرة ، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ، ولا جنة ولا نار ، ولا بعث ولا قيامة ) (4).
وحينما بدّل كثيراً من الأحكام ، وتصرّف في أموال المسلمين في غير حلّها ، وقرّب إليه الفجرة الفسقة وخاصةً من بني أُمية وجعلهم خواصاً
وولاة له ، كمروان بن الحكم والوليد بن عقبة ، كثر الطعن عليه من قبل الصحابة والتابعين (1).
وكان الوليد بن عقبة من ولاة عثمان وقد اشتهر بالفسق وشربه للخمر فقد شرب الخمر وهو على رأس جيش متوجه إلى الروم ، فأراد بعض المسلمين إقامة الحدّ عليه ، فقال حذيفة : ( أتحدّون أميركم وقد دنوتم من عدوّكم ... ) (2).
وقال ابن حجر العسقلاني عنه ( وقصة صلاته بالناس الصبح أربعاً وهو سكران مشهورة ومخرجة ، وقصة عزله بعد أن ثبت عليه شرب الخمر مشهورة أيضاً مخرجة في الصحيحين ) (3).
فحينما أكثر المسلمون في الوليد عزله عثمان وجلده الحدّ (4).
وطعن جماعة من الصحابة على عثمان ، لأنّه آثر أقاربه الأموال والهدايا ، فكان أبو ذر الغفاري يقول : ( والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سُنّة نبيّه ، والله إني لأرى حقاً يُطفأ وباطلاً يحيا ، وصادقاً مكذّباً ، وأثرة بغير تقى ، وصالحاً مستأثراً عليه ) (5).
وقال عثمان ذات مرّة لأبي ذر : ( لا أنعم الله بك عيناً يا جنيدب ... أنت
الذي تزعم أنّا نقول : إنّ يد الله مغلولة ... ) فقال أبو ذر : ( لو كنتم لا تزعمون لأنفقتم مال الله على عباده ، ولكني أشهدُ لسمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقول : « إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً جعلوا مال الله دولاً ، وعباد الله خولاً ، ودين الله دخلاً » فقال عثمان : ( ويلك يا أبا ذر ! أتكذب على رسول الله ) .. فقال أبو ذر : ( أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله صلی الله علیه و آله ثم تتهمونني ! ما كنت أظنَّ أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد صلی الله علیه و آله ) (1).
هذا وقد قال الصادق الأمين صلی الله علیه و آله في حقّ أبي ذر : « ما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر ». والأدهى من ذلك هو طرد أبي ذرّ من مدينة رسول الله صلی الله علیه و آله على يد طريد رسول الله صلی الله علیه و آله وابن طريده مروان بن الحكم (2).
واشتد الطعن على عثمان ، ففي ذات مرّة صلّى عثمان بالناس ، فلما كبَّر قالت عائشة : ( يا أيُّها الناس ... تركتم أمر الله وخالفتم عهده ) ، ثم صمتت وتكلمت حفصة بمثل ذلك ، فلما أتم عثمان الصلاة أقبل على الناس ، وقال : ( إنَّ هاتين لفتّانتان ، يحلّ لي سبُّهما ، وأنا بأصلهما عالم ) (3).
وتجاوز الطعن إلى التصريح بكفر عثمان من قبل إحدى نساء النبي صلی الله علیه و آله وهي عائشة حيثُ كانت تفتي بقتله وتقول : ( اقتلوا نعثلاً فقد كفر ) (4).
وكثر الطعن عليه ( ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد ) (1)، وكان طلحة بن عبيدالله من ضمن الطاعنين على عثمان حتى اجتمع عليه بعض الطاعنين ، فأمسك بمفاتيح بيت المال والناس حوله ، فلما سمع الإمام عليّ علیه السلام بالخبر قام بكسر باب بيت المال وتوزيع مافيه ، فتفرق الجمع عن طلحة وانصرفوا عنه ، وسمع عثمان بذلك فأبدى رضاه وسروره ، وجاء طلحة ودخل على عثمان ، فقال عثمان : ( والله ما جئت تائباً ، ولكن جئتَ مغلوباً ، الله حسيبك يا طلحة ) (2).
وكتب جمع من أهل المدينة من ( الصحابة وغيرهم إلى من بالآفاق منهم : إن أردتم الجهاد فهلمّوا إليه ، فإنّ دين محمد صلی الله علیه و آله قد أفسده خليفتكم فأقيموه ) (3).
وحينما اشتدت الأزمة بين عثمان والطاعنين عليه دخل عليه الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام وقال له : « أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلاّ بتحرّفك عن دينك وعن عقلك مثل الظعينة يقاد حيثُ يُسار به ، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه ! وأيم الله إنّي لأراه يوردك ولايصدرك ... » (4).
وتدخّل الإمام عليّ علیه السلام لتهدئة الأزمة وقال لطلحة : « أنشدك الله إلاّ رددت الناس عن عثمان ! » ، فرفض طلحة نصيحة الإمام عليّ علیه السلام وقال :
( لا والله حتى تعطيني بنو أُمية الحقّ من أنفسها ) (1).
وكلّم الإمام عليّ علیه السلام القادمين من الأمصار ووعدهم بإصلاح الأوضاع من قبل عثمان ، فخرجوا من المدينة ، وفي طريقهم إلى مصر أمسكوا بغلام عثمان وعنده كتاب مختوم بختم عثمان يأمر فيه والي مصر بقتلهم ، فجاءوا بالكتاب إلى عثمان فأنكر كتابته له ، وقيل : إنَّ مروان قد كتبه باسم عثمان ، فقالوا له : ( ما أنت إلاّ صادق أو كاذب ، فإن كنت كاذباً فقد استحققت الخلع لما أمرت به من قتلنا بغير حق ، وإن كنت صادقاً فقد استحققت أن تخلع نفسك لضعفك عن هذا الأمر وغفلتك وخبث بطانتك .. فاخلع نفسك منه كما خلعك الله ) فقال : ( لا أنزع قميصاً ألبسنيه الله ، ولكني أتوب وأنزع ) ، فقالوا : ( لو كان هذا أوّل ذنب تبت منه قبلنا ، ولكنّا رأيناك تتوب ثم تعود ، ولسنا منصرفين حتى نخلعك أو نقتلك أو تلحق أرواحنا بالله تعالى ) (2).
فحوصر عثمان من قبل المسلمين أربعين يوماً ثم قتلوه ، وكان أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله منهم من حرَّض على المعارضة له ، وعلى رأسهم عائشة وحفصة وعمّار بن ياسر وعبدالله بن مسعود وطلحة والزبير وعمرو بن العاص. ومنهم من حاصره ولم يقدم على قتله. ومنهم من اشترك في قتله أيضاً كعبدالرحمن بن عديس ، وكان أمير القادمين لقتله ، وهو ممّن بايع رسول الله صلی الله علیه و آله تحت الشجرة (3). ومنهم من كان هواه في
قتل عثمان ، كمعاوية بن أبي سفيان (1)ليتخذ قتله ذريعة للوصول إلى الخلافة ، حيثُ تربّص به وأقرّ الجيش الذي بعثه لنصرته (2).
وكان ابن عباس يرى أن مروان هو المسؤول عن قتل عثمان ، فكان يخاطبه بالقول : ( يا عدوّ الله وطريد رسول الله والمباح دمه ، والداخل بين عثمان ورعيته بما حملهم على قطع أوداجه .. ) (3).
هذا ، وقد اتُخذ دمه ذريعة للتمرد على خلافة الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام سواء من قبل المحرضين على عثمان أو من المتربصين بقتله ، في ظرف مضطرب لا استقرار فيه ، وبدلاً من انتظار استقامة الظروف وهدوء الأوضاع الصاخبة ، خرج بعض الصحابة ، وأحدثوا فتنة بين المسلمين متمردين فيها على الخلافة الشرعية (4).
فخرجت عائشة - ومعها طلحة والزبير ومروان بن الحكم ، والوليد بن عقبة وسائر بني أُمية - الى البصرة وأعلنوا الطلب بدم عثمان.
وفي أول المسير لقي عبد بن أم كلاب عائشة فأخبرته بالطلب بدم عثمان فأجابها : ( فو الله أول من أمال حرفه لاَنت ! ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر ) ، فقالت : ( إنّهم استتابوه ثم قتلوه ، وقد قلت وقالوا ،
وقولي الأخير خير من قولي الأول ) (1).
وفي البصرة تصالح طلحة والزبير مع عثمان بن حنيف على عدم الاقتتال ، إلاّ أنهم هجموا عليه ليلاً واقتادوه أسيراً ، وحينما سألوا عائشة عن أمره قالت : ( اقتلوه ) فقالت لها أمرأة : ( نشدتك بالله يا أم المؤمنين في عثمان وصحبته لرسول الله صلی الله علیه و آله ) فأمرت بحبسه بعد أن ضربوه أربعين سوطاً ونتفوا شعر لحيته (2).
وقبل بدء القتال قال الزبير : ( ألا ألف فارس أسير بهم إلى عليّ أقتله ، فلم يجبه أحد ) ، فقال : ( إنّ هذه للفتنة التي كنّا نُحدَّث عنها ) فقال له مولاه : ( أتسميها فتنة وتقاتل فيها ؟! ) قال : ( ويلك ! إنّا نُبصَّر ولا نُبْصِر ، ما كان أمر قط إلاّ وأنا أعلم موضع قدمي فيه غير هذا الأمر ، فإنّي لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر ) (3).
وكتب الإمام عليّ علیه السلام إلى طلحة والزبير : « ... فإن كنتما بايعتماني طائعين ، فارجعا وتوبا إلى الله من قريب ... فارجعا أيُّها الشيخان عن رأيكما ، فإنَّ الآن أعظم أمركما العار من قبل أن يتجمع العار والنار » (4).
وفي بداية المعركة قال الإمام علي علیه السلام للزبير : « أنشدك الله ، أسمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقول : إنّك تقاتلني وأنت ظالم لي » ، قال : ( نعم ، ولم أذكر إلاّ في موقفي هذا ) ثم اعتزل القتال ، ولكنه رجع إليه بعدما هاجه ابنه
عبدالله ، فأعتق مولاه كفارة عن يمينه ، ثم قاتل (1).
وكان الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام يقول : « ما زال الزبير رجلاً منّا أهل البيت حتى نشأ ابنه المشؤوم عبدالله » (2).
وفي أثناء المعركة قام مروان بن الحكم بقتل طلحة بن عبيدالله مبرراً قتله بالثأر من قتلة عثمان (3)على الرغم من خروجهما معاً للطلب بدم عثمان بقتالهم للإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام .
وانتهت المعركة بمقتل عشرة آلاف من الطرفين (4)وقد تنبأ الإمام عليّ علیه السلام بمصير أهل الجمل ، فقال قبل بدء القتال : « والله إنّ راكبة الجمل لا تصعد عقبة ولا تنزل منزلاً إلاّ إلى معصية الله وسخطه ، حتى تورد نفسها ومن معها متالف الهلكة » (5).
وكان عدد المشاركين من الصحابة إلى جنب الإمام عليّ علیه السلام هو العدد الراجح حيثُ كان معه ثمانمائة من الأنصار وأربعمائة ممّن شهد بيعة الرضوان (6)إيمانهم بوجوب القتال معه.
1) تاريخ الطبري 5 : 200. والكامل في التاريخ 3 : 1. وتهذيب تاريخ دمشق 5 : 367 - 368.
2) شرح نهج البلاغة 20 : 102.
3) تاريخ المدينة المنورة 4 : 1170. وتاريخ الإسلام عهد الخلفاء الراشدين ، للذهبي : 3. وشرح نهج البلاغة 9 : 36.
4) تاريخ الطبري 4 : 539. وقيل : عشرون ألفاً. والعقد الفريد 5 : 74.
5) المعيار والموازنة : 53.
6) تاريخ الإسلام عهد الخلفاء الراشدين : 484.
عزل الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام أغلب ولاة عثمان بن عفان ، وحينما أشار عليه المغيرة بن شعبة بإبقاء معاوية قال علیه السلام : « لا أُداهن في ديني ، ولا أعطي الدنيَّة في أمري » (1)، فكان يرى إبقاء معاوية في ولايته مداهنة في الدين ، ولذا عزله بعد أن يئس من رجوعه إلى الطاعة.
وقد كتب إليه عدة كتب يدعوه فيها إلى الطاعة ، ويبيّن له غيّه ومساوءه ، جاء في أحدها قوله علیه السلام : « وأرديت جيلاً من النّاس كثيراً ، خدعتهم بغيِّك ، وألقيتهم في موج بحرك ، تغشاهم الظلمات ، وتتلاطم بهم الشبهات ، فجاوزوا عن وجهتهم ، ونكصوا على أعقابهم .. فاتق الله يا معاوية في نفسك ، وجاذب الشيطان قيادك .. » (2).
وكتب علیه السلام إليه أيضاً : « فسبحان الله ! ما أشدَّ لزومك للأهواء المبتدعة ... فإمّا إكثارك الحِجاجَ على عثمان وقتلته ، فإنّك إنّما نصرت عثمان حيثُ كان النصر لك ، وخذلته حيثُ كان النّصر له » (3)، فقد بيّن له أنّه اتخذ دم عثمان وسيلة لينتصر بها ، حيثُ إنّه لم ينصره في حياته.
وحينما أراد معاوية استمالة عمرو بن العاص إلى جانبه استشار الأخير ابنيه عبدالله ومحمداً ، فقال له عبدالله : ( .. فإنّك إنّما تفسد دينك بدنيا يسيرة تصيبها مع معاوية فتضجعان غداً في النار ) ، وقال ابنه محمد : ( بادر هذا الأمر ) وقال له مولاه وردان : ( اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : عليّ معه آخرة بلا دنيا ، ومعاوية معه دنيا بلا آخرة ، وليس في
الدنيا عوض من الآخرة ).
وقال ابنه عبدالله أيضاً : ( بال الشيخ على عقبيه ، وباع دينه بدنياه ) (1).
وكتب الإمام علي علیه السلام إلى ابن العاص كتاباً جاء فيه : « فإنّك قد جعلتَ دينك تبعاً لدنيا امرئ ظاهر غيُّه ، مهتوكٍ ستره ... فأذهبت دنياك وآخرتك ... » (2).
وبعد خدعة رفع المصاحف خطب الإمام علي علیه السلام أصحابه قائلاً : « عباد الله ، امضوا على حقكم وصدقكم وقتال عدوّكم ، فإنّ معاوية وعمراً وابن أبي معيط وحبيباً وابن أبي سرح والضحّاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، أنا أعرف بهم منكم ، قد صحبتهم أطفالاً ثم رجالاً ، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال ، ويحكم والله ما رفعوها إلاّ خديعة ووهناً ومكيدةً ... فإنّي إنّما أقاتلهم ليدينوا لحكم الكتاب ، فإنّهم قد عصوا الله فيما أمرهم ، ونسوا عهده ، ونبذوا كتابه » (3).
وكتب الإمام عليّ علیه السلام إلى معاوية : « ... فاحذر يوماً يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله ، ويندم من أمكن الشيطان من قياده فلم يجاذبه ، وقد دعوتنا إلى حكم القرآن ولست من أهله ، ولسنا إياك أجبنا ، ولكنّا أجبنا القرآن في حكمه » (4).
وانتهت المعركة بالتحكيم ، وقد كان الإمام عليّ علیه السلام يحذّر معاوية من
القتال وسفك الدماء فلم يستجب وكان جوابه لسفراء الإمام عليّ علیه السلام : ( ... ليس بيني وبينكم إلاّ السيف ) (1).
وكان عدد القتلى من الطرفين سبعين ألفاً (2)وقتل مع الإمام عليّ علیه السلام خمسة وعشرون صحابياً ، منهم عمّار بن ياسر قتله أبو العادية يسار بن سبع السلمي وهو من الصحابة الذين شهدوا بيعة الرضوان (3).
وقد قال رسول الله صلی الله علیه و آله لعمّار رضی الله عنه : « تقتلك الفئة الباغية » (4)والفئة الباغية التي قتلت عمّار كان يقودها معاوية وعمرو بن العاص.
انتهت معركة صفين بالتحكيم ، وانتهى التحكيم بخديعة عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري ، فقال الأشعري لابن العاص : ( غدرت وفجرت ، إنّما مثلك كمثل الكلب ) فقال له ابن العاص : ( إنّما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً ) (5).
وبما أنّ الحكم كان نابعاً من الهوى والابتعاد عن الهدى تبرَّء الإمام عليّ منهما ونسب إليهما نبذ حكم القرآن ومخالفته فقال علیه السلام : « ألا إنَّ هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء
ظهورهما ، وأحيا ما أمات القرآن ، واتبع كل منهما هواه بغير هدى من الله ، فحكما بغير حجة بينة ولا سُنة ماضية ، واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد ، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين » (1).
وحول الحكمين قال عبدالله بن عمر : ( انظروا إلى ما صار أمر هذه الاُمّة ، إلى رجل لا يبالي ما صنع ، وآخر ضعيفاً ) (2).
ولم يكتف معاوية بالبغي على إمام زمانه وقتل في هذا البغي آلاف المسلمين وخيرة الصحابة ، بل استمر في بغيه بالاعتداء على الأبرياء الذين يوالون الإمام عليّ علیه السلام باعتباره الخليفة الشرعي ، وكان يبعث الغارات على المدن التابعة للدولة الإسلامية التي يحكمها الإمام علي علیه السلام فبعث بسر بن أرطأة - وهو من الصحابة - في ثلاثة آلاف إلى الحجاز وإلى المدينة فدخلها فخطب في الناس وهدّدهم وقال : ( والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبدالله ) فلما سمع الصحابي جابر ابن عبدالله انطلق إلى أُم المؤمنين أم سلمة وقال لها : ( ماذا ترين ؟ انّي قد خشيت أن أُقتل ، وهذه بيعة ضلالة ) ، وكان ذلك الجيش يقتل ( من أبى أن يقرّ بالحكومة ) (3).
ثم مضى بسر بن أرطأة إلى اليمن فقتل جماعة من أهلها ، ومنهم طفلان صغيران لعبيد الله بن العباس (4).
وكثر الحديث حول دهاء معاوية فأجاب الإمام عليّ علیه السلام قائلاً : « والله ما معاوية بأدهى منّي ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ... » (1)
ثم إنّ الإمام علیه السلام قد أوصى بالإمامة من بعده - بأمرٍ من الله ورسوله - إلى ولده الإمام الحسن بن علي علیهماالسلام وقد بايعه أيضاً أهل الكوفة وبعض الأمصار ، وعلى الرغم من شرعية خلافته إلاّ أنّ معاوية لم يستجب إلى بيعته وتمرّد على شرعيته وأعلن العصيان والبغي ، وحينما رأى الإمام الحسن علیه السلام أنّه لا يستطيع إخماد التمرّد ، وأنّه لا يملك القوة اللازمة في الاستمرار في الخلافة صالح معاوية (2)واشترط الإمام الحسن علیه السلام شروطاً على معاوية ولكنّه لم يفِ بها (3).
وكانت سياسة معاوية بعد استيلائه على السلطة المخالفة لسيرة رسول الله صلی الله علیه و آله ، وقد اعترض الإمام الحسن علیه السلام على معاوية في ذلك قائلاً : « إنَّ الخلافة لمن سار بسيرة رسول الله ... وليس الخلافة لمن عمل بالجور وعطّل الحدود » (4).
وفي مجلس معاوية والحسن حاضر شتم جماعة - وهم من الصحابة !! -
الإمام عليّاً علیه السلام وذكروه بسوء ، فأجاب الإمام الحسن علیه السلام معاوية بالقول : « أما بعد يا معاوية ، فما هؤلاء شتموني ولكنّك شتمتني ، فحشاً ألفته ، وسوء رأي عرضت به ، وخُلقاً سيئاً ثبتَّ عليه ، وبغياً علينا ، عداوة منك لمحمد وأهله ... » (1).
وأغلظ القول لعمرو بن العاص وقال له : « ... فأنت عدوّ بني هاشم في الجاهلية والإسلام ... وأما ما ذكرت من أمر عثمان ، فأنت سعَّرت عليه الدّنيا ناراً ... ثم حبست نفسك إلى معاوية ، وبعت دينك بدنياه ... ».
وقال الإمام الحسن علیه السلام للوليد بن عقبة : « ... فوالله ما ألومك على بغض عليٍّ ، وقد جلدك ثمانين في الخمر ... وأنت الذي سمّاه الله الفاسق ، وسمّى عليّاً المؤمن » (2).
وقال علیه السلام للمغيرة بن شعبة : « ... وإنَّ حدَّ الله في الزنا لثابت عليك » (3).
وقال الإمام الحسن علیه السلام لمروان : « لقد لعن الله أباك الحكم وأنت في صلبه على لسان نبيّه ، فقال : لعن الله الحكم وما ولد » (4).
بعد استقرار الأمر لمعاوية ، أمر ولاته بلعن وشتم الإمام عليّ بن أبي
طالب علیه السلام من على منابر المسلمين.
وأوصى معاوية المغيرة بن شعبة ( لا تترك شتم علي وذمّه ) ، فقال له المغيرة : ( قد جَرّبتُ وجُرّبتُ ، وعملت قبلك لغيرك فلم يذممني ، وستبلو فتحمد أو تذم ) ، فكان المغيرة ( لا يدع شتم علي والوقوع فيه ) (1).
وكان ينال في خطبته من عليّ ، وأقام خطباء ينالون منه (2).
وكان حجر بن عديّ يرد اللعن على المغيرة (3).
ونتيجة لاستمرار شتم الإمام عليّ علیه السلام وسبّه ، كتبت أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة إلى معاوية : ( إنّكم تلعنون الله ورسوله على منابركم ، وذلك أنّكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه ، وأنا أشهدُ أنَّ الله أحبّه ورسوله ) (4).
وروي أنّ قوماً من بني أُميّة قالوا لمعاوية : ( ... إنّك قد بلغت ما أمّلت ، فلو كففت عن لعن هذا الرجل ، فقال : لا والله حتى يربو عليه الصغير ، ويهرم عليه الكبير ، ولا يذكر له ذاكر فضلاً ) (5).
كما وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على ( رواية أخبار قبيحة في الإمام عليّ علیه السلام ، تقتضي الطعن فية والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جُعلاً ... منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرء بن شعبة وغيرهم.
وروي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب : ( مائة ألف درهم حتى يروي أنّ هذه الآية نزلت في حق علي ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ ) (1)لم يقبل ، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له أربعمائة ألف درهم فقبل ، وروى ذلك ).
وقام معاوية بقتل أخيار الصحابة الموالين للإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام ومنهم حجر بن عدي صاحب رسول الله صلی الله علیه و آله (2).
ارتكب معاوية أعمالاً مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صلی الله علیه و آله ، ووجد في ذلك اعتراضاً من قبل الصحابة ، ومن أعماله إدّعاؤه زياد بن سمية واستلحاقه بأبي سفيان خلافاً لسُنّة رسول الله صلی الله علیه و آله (3).
واعترض الإمام الحسين بن علي علیهماالسلام على مجمل أعماله ، فقد جاء في كتابه علیه السلام إلى معاوية بعد أن وصفه وأصحابه بالقاسطين الملحدين حزب الظالمين وأولياء الشياطين : « ألست قاتل حجر بن عدي وأصحابه المصلّين العابدين ، الذين ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ... أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلی الله علیه و آله الذي أبلته العبادة ... أولست المدعي زياد بن سميّة .. ؟! فتركت سُنّة رسول الله صلی الله علیه و آله وخالفت أمره متعمدّاً ، واتّبعت هواك مكذِّباً بغير هُدىً من الله .. فلا أعلم فتنة على الاُمّة
أعظم من ولايتك عليها .. وأخذك بالبيعة لابنك غلامٍ سفيه يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ، ولا أعلمك إلاّ خسرت نفسك ، وأوبقت دينك ، وأكلت أمانتك ، وغششت رعيّتك ، وتبوّأت مقعدك من النار ، فبعداً للقوم الظالمين » (1).
ففي هذا الكتاب بيّن الإمام الحسين علیه السلام لمعاوية خلافه لسُنّة رسول الله صلی الله علیه و آله ، وابتعاده عن هدى الله تعالى ، وجعله في صف الظالمين ، ليتبوأ مقعده من النار.
شجّع المغيرة بن شعبة معاوية على تولية يزيد العهد من بعده حينما علم أنّ معاوية سيعزله عن إمرة الكوفة ، وحينما رجع من معاوية قال : ( ... فوالله لقد وضعت رجل معاوية في غرز لا يخرجها منه إلاّ سفك الدماء ) (2).
وفي رواية أنّه قال : ( لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أُمّة محمّد ، وفتقت عليهم فتقاً لا يُرتق أبداً ) (3).
وحينما أراد مروان أن يدعو إلى بيعة يزيد ، قال له عبدالرحمن بن أبي بكر : ( كذبت والله يا مروان ، وكذب معاوية ! ما الخيار أردتما لاُمّة محمد ... ) فقال مروان : هذا الذي أنزل الله فيه : ( والذي قال لوالديه أُفٍّ لكما ) فسمعت عائشة مقالته فقالت : ( يا مروان ... أنت القائل لعبدالرحمن
إنّه نزل فيه القرآن ؟ كذبت ! والله ما هو به .. ولكنّك أنت فضض من لعنة نبي الله ) (1)
ودخل معاوية على عائشة فأخبرها عن موقفه من الإمام الحسين وعبدالرحمن بن أبي بكر وعبدالله بن الزبير فقال : ( لأقتلنّهم إن لم يبايعوا ) (2).
وهكذا استباح دم الصحابة لرفضهم بيعة ابنه يزيد.
اختلف العلماء والمؤرخون في تقييم الصحابة من حيثُ درجات قربهم وبعدهم عن العقيدة والشريعة الإسلامية ، فمن العلماء من ذهب إلى أنَّ جميع الصحابة قد جسّدوا المفاهيم والقيم الإسلامية في سلوكهم ومواقفهم إلى آخر حياتهم ، ومنهم من ذهب إلى ذلك مقيداً بظهور الفتن ، فالداخلون في الفتنة صُنِّفوا إلى صنفين ، فمنهم العدول ، ومنهم غير العدول ، ومن العلماء من اختار أوسط الآراء بعد تتبعهم للسيرة الذاتية للصحابة في عهد رسول الله صلی الله علیه و آله وبعده ، فكانوا عدة أصناف فمنهم العدول ، ومنهم غير العدول ، ومنهم المنافقون الذين انكشفت حقيقتهم ، ومنافقون أسرّوا النفاق فلم يعلمهم إلاّ القليل من بقية الصحابة.
ذكر الآمدي هذه الآراء ورجَّح الرأي الأول قال : ( اتفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة.
وقال قوم : إنَّ حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية.
ومنهم من قال : إنّهم لم يزالوا عدولاً إلى حين ما وقع من الاختلاف
والفتن فيما بينهم ، وبعد ذلك فلا بدَّ من البحث في العدالة عن الراوي أو الشاهد منهم إذا لم يكن ظاهر العدالة.
ومنهم من قال : بأنَّ كلّ من قاتل عليّاً عالماً منهم ، فهو فاسق مردود الرواية والشهادة لخروجهم على الإمام الحق.
والمختار : إنّما هو مذهب الجمهور من الأئمة ) (1).
وهو رأي جمهور العلماء من العامّة المتفقين على عدالة جميع الصحابة ، قال ابن حجر العسقلاني : ( اتفق أهل السُنّة على أنّ الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة ) (2).
واستشهد بما قاله الخطيب البغدادي في ذلك : ( ... وإنّه لا يحتاج إلى سؤال عنهم ، وإنّما يجب فيمن دونهم ... لأنّ عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم ) (3).
واستثنى ابن الأثير الصحابة من الجرح والتعديل فقال : ( والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ في الجرح والتعديل ، فإنّهم كلّهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح ، لأنّ الله عزَّ وجل ورسوله زكياهم وعدَّلاهم ، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره ) (4).
ويرى الشوكاني ( استواء الكل في العدالة ) (1).
ونسب محمد الفتوحي المعروف بابن النجار إلى ابن الصلاح وغيره القول بأنّ : ( الأمّة مجمعة على تعديل جميع الصحابة ، ولا يعتدّ بخلاف من خالفهم ) (2).
استدل القائلون بعدالة جميع الصحابة ببعض الآيات القرآنية ، وقد سبق أن ذكرناها في الفصل الثاني ، وأثبتنا أنّها لا تدل على عدالة جميع الصحابة فرداً فرداً ، وإنّما تدل على مدح الله وثنائه على الصحابة بما هم مجموع ، ولا يسري هذا المدح والثناء إلى الأفراد ، وإضافة إلى ذلك أنّ المدح والثناء أو الرضى من قبل الله تعالى مشروط بالوفاء بالعهد والاستمرار على الاستقامة وحسن العاقبة ، كما تقدم.
والآيات القرآنية لا تقتصر على المدح والثناء ، فهنالك آيات وردت في ذم بعض الصحابة لما ارتكبوه من أعمال ومواقف مخلّة بالعدالة ، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في محلّه.
استدل بعض القائلين بعدالة جميع الصحابة بعدد من الروايات ومنها:
الرواية الأولى : نسب إلى رسول الله صلی الله علیه و آله أنّه قال : « إنَّ أصحابي بمنزلة
النجوم في السماء ، فأيِّها أخذتم به اهتديتم » (1).
وهذه الرواية غير تامة السند عند كثير من الفقهاء والعلماء بما فيهم بعض المؤمنين بعدالة جميع الصحابة.
قال أبو عمر يوسف بن عبدالبر القرطبي : ( وهذا مذهب ضعيف عند جماعة من أهل العلم ، وقد رفضه أكثر الفقهاء وأهل النظر ) (2).
وذكر ابن حزم الإندلسي أسماء الرواة الضعاف والكذّابين والمجهولين في أسانيد هذه الرواية ، ثم أبرز رأيه من خلال تلك المقدمات فقال : ( فقد ظهر أنّ هذه الرواية لا تثبت أصلاً ، وبلا شك أنّها مكذوبة ... فمن المحال أن يأمر رسول الله صلی الله علیه و آله باتّباع كلّ قائل من الصحابة ، وفيهم من يحلّل الشيء وغيره من يحرمه ، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالاً اقتداءً بسمرة بن جندب ) (3).
وضعّف ابن قيم الجوزية إسناد الرواية ثم ناقش الدلالة فقال : ( إنَّ هذا يوجب عليكم تقليد الجميع ، فإن سوّغتم هذا ، فلا تحتجّوا لقول على قول ومذهب على مذهب ... ولا تنكروا على من خالف مذهبكم واتّبع قول أحدهم ، وإن لم تسوّغوه فأنتم أول مبطل لهذا الحديث ومخالف له ) (4).
وفي معرض تقييم الذهبي لجعفر بن عبدالواحد الهاشمي قال : ( ومن
بلاياه .. عن النبي صلی الله علیه و آله : « أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى » (1).
ومن الذين ضعفّوا إسناد الرواية الاسفرايني (2)، وأبو حيان الأندلسي وتلميذه تاج الدين الحنفي (3)واعتبروها مكذوبة على رسول الله صلی الله علیه و آله .
ومنهم : ( أحمد بن حنبل ، البزار ، ابن عدي ، الدارقطني ، ابن حزم ، البيهقي ، ابن عبدالبر ، ابن عساكر ، ابن الجوزي ، ابن دحية ، الذهبي ، الزين العراقي ، ابن حجر العسقلاني ، السخاوي ، السيوطي ، المتقي ، القاري ) (4).
ويمكن مناقشة الرواية من حيث الدلالة ومن حيث نتائج الأخذ بها من الناحية العملية والواقعية.
فالأمر بالاقتداء موجّه إلى الصحابة ، فكيف يأمر رسول الله صلی الله علیه و آله الصحابة بالاقتداء بالصحابة وهذا يعني أنّه أمر للصحابة بالاقتداء بأنفسهم ، وهذا محال.
ولو فرضنا صحته ، فإنّه مختص بالاقتداء ببعض الصحابة لا جميعهم ، وقد وردت روايات مستفيضة يأمر صلی الله علیه و آله الصحابة بالاقتداء بأهل البيت (علیهم السلام) كما ورد في رواية التمسك بالثقلين وهما الكتاب والعترة
الطاهرة (1).
والأعراف المتبعة عند العرب آنذاك إنّهم لا يهتدون بأي نجم كان ، وإنّما كانوا يهتدون بنجوم معينة ومحدّدة في مسيرهم ، والاطلاق الذي في الحديث لا يتناسب مع علومهم ومعارفهم الدارجة آنذاك.
ولو تتبعنا سيرة الصحابة وأخذنا بها لوقعنا في تناقض حتمي ، كما تراه في قول ابن حزم و ابن القيم ، وقد تكفل الفصل السابق بعرض الكثير من اسئلة التناقض.
وإذا قيل : إنّ المراد هو الاقتداء ببعض المواقف دون بعض ، فلا بدَّ من مخصّص لهذا الاقتداء ، ولا مخصص له ، لأنّ الرواية مطلقة.
فالرواية إذن لا يصحّ الاستدلال بها على عدالة جميع الصحابة ، فهي غير تامة السند ولا الدلالة.
الرواية الثانية : نسب إلى رسول الله صلی الله علیه و آله أنّه قال : « إنَّ الله اختارني ، واختار أصحابي فجعلهم أصهاري ، وجعلهم أنصاري ، وإنّه سيجيء في آخر الزمان قوم ينتقصوهم ، ألا فلا تناكحوهم ، ألا فلا تنكحوا إليهم ، ألا فلا تصلّوا معهم ، ألا فلا تصلّوا عليهم ، عليهم حلّت اللعنة » (2).
والرواية غير تامة السند ، فلا يصح نسبتها إلى رسول الله صلی الله علیه و آله ، وفي
هذا الصدد قال الدكتور عبدالكريم النملة (1): ( فهذا حديث لا يصلح الاستدلال به ، لأنّ فيه بشير بن عبيدالله ، وهو غير معروف.
قال ابن حبان : والحديث باطل لا أصل له ، نقل ذلك أبو الفضل محمد ابن طاهر المقدسي في تذكرة الموضوعات ) (2).
وقال الدكتور عطية بن عتيق الزهراني : ( هذا الحديث لا يصح ) (3).
ومن ناحية الواقع نرى أنّ الذي ابتدأ بانتقاص الصحابة أو سبّهم - كما في رواية الطبراني والهيثمي - هم بعض الصحابة ، وهذا يستلزم التناقض ، فاللعنة تكون شاملة لبعض الصحابة الذين انتقصوا وسبّوا غيرهم من الصحابة ، وتشمل من لعنهم أيضاً ، وهذا ممّا لا يصح التمسك بدلالته.
ووردت روايات أُخرى في استدلال القائلين بعدالة جميع الصحابة ، وهي غير تامة السند والدلالة معاً ، أو أحدهما ، أو تدل على عدالة بعض الصحابة دون الجميع كرواية : « خيرُ أُمتي قرني ... » و « لا تسبّوا أصحابي » (4)وغيرهما.
وذهب أصحاب هذا الرأي إلى نسبة الزندقة لمن لا يرى عدالة جميع الصحابة ، قال أبو زرعة : ( إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله فاعلم أنّه زنديق وذلك أنّ رسول صلی الله علیه و آله عندنا حقّ ، والقرآن حقّ ، وإنّما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله ،
وإنّما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسُنّة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة ) (1).
ونحن لا نتفق مع أبي زرعة وغيره من القائلين بهذا الرأي من عدة جهات :
الجهة الأولى : إنّ الذي أدّى إلينا القرآن والسنن بعض الصحابة وليس جميعهم.
الجهة الثانية : ليس لجرح الشهود دخالة في إبطال الكتاب والسُنّة ، وإنّما يكون غالباً مصحوباً بالتثبت والاحتياط في الدين ، من أجل الوصول إلى العقيدة الحقّة والشريعة الحقّة ، ليكون السلوك مطابقاً للكتاب والسُنّة.
الجهة الثالثة : إنَّ الجرح لا يشمل جميع الصحابة بل بعضهم.
الجهة الرابعة : إنَّ بعض الصحابة استتروا على نفاقهم فلم يظهروه ، فمن العقل والمنطق السليم أن نبحث عن عدالتهم.
الجهة الخامسة : إنَّ بعض الصحابة انتقصوا وسبّوا وجرحوا غيرهم من الصحابة ، وخصوصاً الصحابة الذين انتقصوا وسبّوا وجرحوا الإمام عليّاً علیه السلام ، وهو الأقرب إلى رسول الله صلی الله علیه و آله ، وكان على رأس الصحابة الذين أدّوا إلينا القرآن والسُنّة ، وهو الأعلم بكتاب الله وسُنّة رسوله كما تظافرت على ذلك الروايات (2).
فهل يحق لنا جرحهم ؟ طبقاً لهذا الرأي ، فإذا قيل يحق فقد انخرمت القاعدة ، وإذا قيل لا يحقّ جرحهم فكيف كان لهم الحقّ في جرح الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام ؟
حاول المازري التخفيف من الافراط في تقييم الصحابة ، فلم ينسب الجميع إلى العدالة ، وإنّما وضع قيوداً لتقليل عدد الصحابة وتقييد الاطلاق في العدالة ، فقال : ( لسنا نعني بقولنا : الصحابة عدول ، كل من رآه صلی الله علیه و آله يوماً أو زاره لماماً أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب ، وإنّما نعني به الذين لازموه وعزّروه ونصروه واتّبعوا النور الذي أنزل معه أُولئك هم المفلحون ) (1).
وهذه المحاولة هي تراجع موضوعي عن الاَصل الذي تبنّاه الجمهور ، وهي قائمة على أُسس موضوعية من خلال تتبع حياة الصحابة وسيرتهم الذاتية وما نزل فيهم من آيات وما قيل فيهم من روايات.
يتبنّى هذا الرأي ثبوت العدالة في الواقع الخارجي لجميع الصحابة ، فلا يوجد من بينهم من ارتكب ما يؤدي إلى فسقه ، قال الغزالي : ( والذي عليه سلف الاُمّة وجماهير الخلف : أنّ عدالتهم معلومة .. إلاّ أن يثبت بطريق قاطع إرتكاب واحد لفسق مع علمه به ، وذلك مما لا يثبت ،
1) الإصابة 1 : 7.
فلاحاجة لهم إلى التعديل ) (1).
ولا دليل على هذا الرأي ، والواقع الخارجي مليء بالأدلة والشواهد النافية لعدالة بعض أو كثير من الصحابة.
وإذا تتبعنا سيرة الصحابة نجدهم لا يتبنّون هذا الرأي ، بل يتثبتون في الحكم على بعضهم البعض جرحاً أو تعديلاً ، وكان بعضهم يجوّز الفسق على نفسه أو على غيره ، والاَمثلة على ذلك مستفيضة. وقد تكرر بحثه والاشارة إليه مراراً.
ذهب جماعة إلى تجويز المعصية على الصحابة ، ولكنهم توقفوا في البحث عن عدالتهم وطلب التزكية لهم ، ونسب هذا الرأي إلى ابن الأنباري وغيره ، حيث قالوا : ( وليس المراد بكونهم عدولاً : العصمة واستحالة المعصية عليهم ، إنّما المراد أن لا نتكلّف البحث عن عدالتهم ولا طلب التزكية لهم ) (2).
وهذا الرأي غير تام ، فلو جوزنا على الصحابة المعصية ، فإنّ هذا يستلزم البحث عن عدالتهم وطلب التزكية لهم ، لمعرفة العادل منهم والفاسق ، وهذه المعرفة ضرورية لتحديد معالم الدين في التفسير وفي السُنّة ، وتشخيص صحة الرواية بلحاظ رواتها ، وهي ضرورية في كتابة التاريخ وأخذ العبر والتجارب منه ، وقد ألفت الكتب في الجرح والتعديل
في جميع مراحل المسيرة الإسلامية ، وهو أمر مألوف إلى يومنا هذا.
ذهب البعض إلى عدالة جميع الصحابة إلى حين وقوع الاختلاف والفتن فيما بينهم ، فلا بدَّ من البحث في العدالة عن الصحابي إذا لم يكن ظاهر العدالة (1)، وذهب المعتزلة إلى عدالة الجميع باستثناء من قاتل الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام فهو فاسق مردود الشهادة (2).
ورأي المعتزلة غير مقبول عند الجمهور الذين يرون عدالة جميع الصحابة حتّى من قاتل الإمام عليّ علیه السلام ، قال ابن كثير : ( وقول المعتزلة : الصحابة عدول إلاّ من قاتل علياً ، قول باطل مرذول ومردود ، وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلی الله علیه و آله أنّه قال : عن ابن بنته الحسن بن علي ... « إنّ ابني هذا سيّد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » ، وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر ... وسمي عام الجماعة ... فسمى الجميع مسلمين ... ) (3).
وهذا الوجه لا يصحُّ الاستدلال به على عدالة جميع الصحابة ، وغاية ما يدل عليه أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله سمى الفئتين بالمسلمين ، وإطلاق اسم المسلم على فرد أو جماعة لا يستفاد منه العدالة ، فليس كل مسلم عادلاً ، لأنّ التسمية تطلق على من شهد الشهادتين وإن كان فاسقاً أو كان منافقاً مستتراً ، بل إنّ كلمة الإسلام تطلق حتى على مرتكب الكبائر ما عدا الشرك
بالله تعالى.
ومثل ذلك ما قاله محمد بن إسحاق ، كما حكى عنه البيهقي : ( وكل من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إمارته فهو باغ ) ، وأضاف البهيقي : ( على هذا عهدت مشايخنا وبه قال ابن إدريس الشافعي ... ثم لم يخرج من خرج عليه ببغية عن الإسلام ) (1).
وغاية ما يستدل بهذا القول : إنّ الباغين على الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام لم يخرجوا عن الإسلام ، وعدم الخروج عن الإسلام لا يستلزم العدالة.
إنّ عدالة جميع الصحابة لم تثبت حسب موازين الجرح والتعديل ، فقد ارتكب بعضهم أفعالاً ظاهرة الانحراف والفسق ، ومن أجل الحفاظ على نظرية عدالة الجميع ، ذهب جمهور من علماء العامّة إلى ضرورة تأويل مواقفهم بما ينسجم مع القول بالعدالة.
قال ابن حجر الهيتمي : ( إعلم أنَّ الذي أجمع عليه أهل السُنّة والجماعة أنّه يجب على كلِّ مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم ، والكفّ عن الطعن فيهم ... والواجب أن يلتمس لهم أحسن التأويلات ، وأصوب المخارج ، إذ هم أهل لذلك ) (2).
ولهذا أوّلوا ما ارتكبه بعض الصحابة من معاصي وإن كانت من الكبائر ،
بأنّ ما ارتكبوه قد صدر منهم عن اجتهاد وتأويل ، ومن ذلك بغي معاوية وعمرو بن العاص على الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام وما رافق ذلك البغي من سفك الدماء وقتل خيرة الصحابة كعمّار وخزيمة بن ثابت وحجر بن عدي وآخرين.
قال ابن حجر : ( وفئة معاوية وإن كانت هي الباغية ، لكنّه بغي لا فسق به ، لأنّه صدر عن تأويل يعذر به أصحابه ) (1).
ولم يكتف القائلون بالتأويل بذلك ، فترقّى بهم الحال ليدّعوا أنّ للبغاة أجراً على بغيهم :
قال ابن كثير : ( ... لأنّهم وإن كانوا بغاة في نفس الأمر ، فإنّهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال ، وليس كل مجتهد مصيباً ، بل المصيب له أجران ، والمخطيء له أجر ) (2).
وقال ابن حزم : ( وعمّار رضی الله عنه قتله أبو العادية يسار بن سبع السلمي ، وقد شهد بيعة الرضوان ، فهو من شهداء الله له بأنّه علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه ورضي عنه ، فأبو العادية ... متأول مجتهد مخطيء فيه باغ عليه مأجوراً أجراً واحداً ) (3).
وذكر ابن حجر الرواية المشهورة عن رسول الله صلی الله علیه و آله في قوله لعمّار بن ياسر : « تقتلك الفئة الباغية » وأردفها بالقول : ( إخبار من الصادق المصدّق رضی الله عنه أنّ معاوية باغ على عليّ ، وأنّ عليّاً هو الخليفة الحق )
وقال : وجوابه أنّ غاية ما يدل عليه هذا الحديث أنّ معاوية وأصحابه بغاة ... ذلك لا نقص فيه ، وأنّهم مع ذلك مأجورين غير مأزورين ... ) (1).
وعلى الرغم من القول بالتأويل ، إلاّ أنّهم خرموا القاعدة في رأيهم بقتلة عثمان بن عفّان ، قال ابن حجر : ( ... إنَّ الذي ذهب إليه كثيرون من العلماء أنّ قتلة عثمان لم يكونوا بغاة ، وإنّما كانوا ظلمة وعتاة لعدم الاعتداد بشبههم ، ولأنّهم أصرّوا على الباطل بعد كشف الشبهة وإيضاح الحقّ لهم ) (2).
والرأي في قتلة عثمان ينقض قاعدة التأويل ، بل ينقض عدالة جميع الصحابة ، لأنّ بعض الصحابة قد فسقوا بقتلهم عثمان كما يدّعون ، فما هو الملاك في التأويل ؟! فإذا كان قتلة عثمان قد قتلوا شخصاً واحداً ، فإنّ معاوية ومن معه قتلوا آلاف المسلمين وعشرات الصحابة ، بل استمر معاوية على هذا النهج وقتل جماعة من أخيار الصحابة حينما تسلط على المسلمين بقوة السيف ، فلماذا نبرّر لمعاوية بغيه على الخليفة الحق وسفكه الدماء ، ولا نبرّر لبعض الصحابة مشاركتهم في قتل عثمان ؟ فما هو المرجح في التبرير ؟
ولماذا يبرّر لابن ملجم قتله الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام كما ورد عن البيهقي أنّه قال : ( ولا خلاف بين أحد من الاُمة أنّ ابن ملجم قتل علياً متأولاً مجتهداً مقدّراً على أنّه على صواب ) (3).
فالحق أنّه لا ملاك في تأويل أخطاء الصحابة إلاّ ولاء المؤرخين وبعض العلماء إلى الوضع السياسي الغالب - لا سيّما أيام معاوية بن أبي سفيان - وإظهاره بأفضل صور العدالة.
لو سايرنا الرأي الذي يبرّر لبعض الصحابة ما ارتكبوه من أعمال وممارسات ، سفكت فيها الدماء وتشتت فيها إلفة المسلمين وتخلخلت جبهتهم الداخلية ، تحت ذريعة التأويل والاجتهاد ، فإننا نقطع بأنّ بعض الصحابة كمعاوية وعمرو بن العاص غير متأولين وغير مجتهدين في بغيهم على الإمام عليّ علیه السلام وسفكهم الدماء ، وإنّما بغوا عليه متعمِّدين ، وليس مطالبتهم بدم عثمان إلاّ ذريعة واهية ، وفيما يلي نستعرض الظروف والوقائع التي تؤكد تعمدهم في البغي بلا تأويل ولا اجتهاد.
أولاً : عدم نصرة عثمان في حياته :
إنَّ المطالبين بدم عثمان لم ينصروه في حياته وهم قادرون على ذلك ، فقد أوصى معاوية قائد جيشه أن يرابط قرب المدينة في زمن حصار عثمان ، وقال له : ( إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها ، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ). فأقام قائده بذي خشب حتى قُتل عثمان ، وحينما سئل جويرية عن ذلك قال : ( صنعه عمداً ليُقتل عثمان فيدعو إلى نفسه ) (1).
1) تاريخ المدينة المنورة 4 : 1289.
ولهذه الحقيقة أدلة وشواهد كثيرة ، فحينما طلب معاوية من عبدالله بن سعد بن أبي سرح البيعة أجاب : ( ما كنتُ لاُبايع رجلاً أعرف أنّه يهوى قتل عثمان ) (1).
وقال عمرو بن العاص لمعاوية : ( إنَّ أحق الناس ألاّ يذكر عثمان لا أنا ولا أنت ... أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام ، واستغاثك فأبطأت ، وأما أنا فتركته عياناً ) (2).
وكان ابن العاص يحرّض على قتل عثمان حتى الراعي في غنمه ، وحينما سمع بمقتله قال : ( أنا أبو عبدالله ، أنا قتلته وأنا بوادي السباع ) (3).
فالذي تباطأ عن نصرة عثمان والذي حرّض الناس على قتله هل يكونا مجتهدين في المطالبة بدمه ؟ إلاّ أن نقول إنّ التباطؤ والتحريض هو اجتهاد للوصول إلى الخلافة ، واجتهد معاوية أيضاً حينما أصبح خليفة بترك ما يسميهم قتلة عثمان خوفاً على سلطانه (4)!!
فلا ميزان ولا مقياس للاجتهاد عند أصحاب هذا الرأي ، وهذا التبرير مخالف للقواعد الثابتة للإسلام ، فالإسلام ثابت بموازينه وقيمه ، والمسلمون هم الذين يقتربون ويبتعدون عن تلك الموازين والقيم ، فيصيبون ويخطؤون ، ومن الأفضل للباحثين أن يصفوا الأشخاص بالوصف الذي يستحقونه دون تبرير حفاظاً على سلامة الموازين والقيم
الإسلامية الثابتة.
ثانياً : عدم اتّباع الاسلوب المشروع في القصاص :
إنَّ طاعة الإمام عليّ بن أبي طالب علیه السلام واجبة على معاوية وجميع أهل الشام ، وهذا متسالم عليه عند فقهاء السُنّة في وجوب طاعة الإمام المبايع من قبل أهل الحل والعقد (1).
وقد حاجج الإمام عليّ علیه السلام معاوية بما هو مرتكز عند المسلمين ، من أنّ طاعة الخليفة المبايع واجبة على بقية الأمصار ، فقال في كتابه إليه : « إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشّاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يردَّ ، وإنَّما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإنَّ اجتمعوا على رجلٍ وسمّوهُ إماماً كان ذلك لله رضىً ، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعنٍ أو بدعةٍ ردّوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتِّباعه غير سبيل المؤمنين » (2).
فطاعة الإمام عليّ علیه السلام واجبة ، والأمر في القضاء والقصاص من اختصاصه ، ولا حق لاَحد من الاُمّة التدخل في ذلك ، لأنّ ذلك يؤدي إلى الاضطراب والتشتت وضعف النظام ، فالاسلوب المنطقي والشرعي أن يدخل معاوية في الطاعة ثم يطالب بالقصاص - لو كان له حق المطالبة لقرابته من عثمان - وفي ذلك كتب الإمام عليّ علیه السلام إلى معاوية : « فأمّا طلبك قتلة عثمان ، فادخل في الطاعة ، وحاكم القوم إليَّ ، أحملك وإياهم
على كتاب الله وسُنّة رسوله » (1).
فالواجب على معاوية الطاعة أولاً ثم طلب المحاكمة وانتظار الحكم النهائي فهو الذي يحدّد استدامة البيعة للخليفة أو الخروج عليه ، ولكنه التجأ إلى اُسلوب البغي والعدوان ، وحينما أحسَّ بقرب انتصار الإمام عليّ علیه السلام رفع المصاحف والتجأ إلى الصلح وترك المطالبة بدم عثمان.
ثالثاً : إلقاء الحجّة :
إنَّ اجتهاد معاوية باطل ، لأنّ الحجة ملقاة عليه ، فقد وردت أحاديث مستفيضة عن رسول الله صلی الله علیه و آله تؤكد على فضائل الإمام عليّ علیه السلام ووجوب موالاته ، ومنها حديث الغدير قوله صلی الله علیه و آله : « من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه » وهذا الحديث أخرجه ( الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق جداً ، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد ، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان ) (2).
وقول رسول الله صلی الله علیه و آله للإمام علي وفاطمة والحسن والحسين : « أنا سلمٌ لمن سالمتم ، وحربٌ لمن حاربتم » (3).
وقوله للإمام عليّ علیه السلام : « لا يحبّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافق » وقد ورد بألفاظ متنوعة ترجع إلى معنى واحد (4).
والبغي أشدُّ صور البغض ، وحديث رسول الله صلی الله علیه و آله حول عمّار بن ياسر - كما تقدم - واضح الدلالة في أنّه سيُقتَل من قبل الفئة الباغية الناكبة عن الطريق ، وقد أُلقيت الحجّة على معاوية وابن العاص ، وهي واضحة لا لبس فيها ولا غموض ، كما جاء في الرواية التالية : ( وقد كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول : قال رسول الله صلی الله علیه و آله لعمّار بن ياسر : « تقتلك الفئة الباغية ... » فكان ذو الكلاع يقول لعمرو : ما هذا ويحك يا عمرو ؟ فيقول عمرو : إنّه سيرجع إلينا ، فقُتل ذو الكلاع قبل عمّار مع معاوية ، وأُصيب عمّار بعده مع الإمام عليّ علیه السلام ، فقال عمرو لمعاوية : ما أدري بقتل أيُّهما أنا أشد فرحاً ... والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمّار لمال بعامة أهل الشام إلى عليّ ) (1).
وهذه الرواية تبيّن لنا أنّ الحقّ واضح حتى عند معاوية وابن العاص ، فلا مجال للاجتهاد بعد وضوح الحجّة.
رابعاً : الاعتراف ببطلان الموقف :
اعترف عمرو بن العاص ببطلان موقفه من الإمام عليّ علیه السلام ، كما ظهر في كلامه مع معاوية حيثُ قال له : ( أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة فانّ في النفس من ذلك ما فيها ، حيثُ نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته ، ولكن إنّما أردنا هذه الدنيا ) (2).
واستشار ابن العاص ولديه ، فأشار عليه عبدالله بعدم الالتحاق بمعاوية ، وأشار عليه محمد بالالتحاق ، فقال ابن العاص : ( أما أنت
يا عبدالله فأمرتني بما هو لي في آخرتي وأسلم لي في ديني ، وأما أنت يا محمّد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي ، وشرٌّ لي في آخرتي ) (1).
وأشار عليه غلامه وردان بالقول : ( اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت مع علي الآخرة بلا دنيا ، ومع معاوية الدنيا بغير آخرة ... أرى أن تقيم في منزلك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك ) ، فقال ابن العاص : ( الآن حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية ؟ ) (2).
لم يترك الرجلان إذن مجالاً لتأويل أفعالهما ، بعد أن أفصحا عمّا في الضمائر والنوايا ، فهل تكلّف التأويل بعد كل هذه الاعترافات إلاّ تمحّل وعصبية ؟!
يرى أصحاب هذا الرأي أنّ حال الصحابة كحال غيرهم من حيث العدالة ، ففيهم العادل والفاسق ، فليس كل من صحب رسول الله صلی الله علیه و آله كان عادلاً ، وليس للصحبة دور في عدالة الصحابي ما لم يجسّد سيرة رسول الله صلی الله علیه و آله في سلوكه ومواقفه ، فالملاك هو السيرة العملية ، فمن تطابقت سيرته مع المنهج الإسلامي فهو عادل ، ومن خالف المنهج الإسلامي فهو غير عادل.
وهذا هو الرأي المعتدل المطابق للواقع الموضوعي الذي أشار إليه
القرآن الكريم والسُنّة النبوية ، وأكدّته سيرة الصحابة في عهد رسول الله صلی الله علیه و آله وبعده ، وقد أجمع علماء وفقهاء الشيعة على ذلك ، وتابعهم جمهور من علماء وفقهاء العامّة مخالفين للمشهور لديهم في ذلك.
ذكر السيد مرتضى العسكري الشواهد على هذا الرأي فقال : ( ترى مدرسة أهل البيت تبعاً للقرآن الكريم : أنّ في الصحابة مؤمنين أثنى عليهم الله في القرآن الكريم ... وكذلك تبعاً للقرآن ترى فيهم منافقين ذمهم الله في آيات كثيرة ... وفيهم من أخبر الله عنهم بالافك ... وفيهم من قصد اغتيال رسول الله صلی الله علیه و آله في عقبة هرش ... وإنّ التشرف بصحبة النبي صلی الله علیه و آله ليس أكثر امتيازاً من التشرف بالزواج بالنبي صلی الله علیه و آله ، فإنّ مصاحبتهن له كانت من أعلى درجات الصحبة ، وقد قال الله تعالى في شأنهنَّ : ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ... وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ... ) ، ثم ذكر الروايات الدالة على ما سيقوم به بعض الصحابة من أحداث بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله ) (1).
ورأي الشيعة الإمامية هو أوسط الآراء كما يقول السيد عبدالحسين شرف الدين : ( رأي الإمامية في هذه المسألة ... أوسط الآراء ، إذ لم يفرّطوا تفريط الغلاة ، ولا أفرطوا إفراط الجمهور ) (2).
وفي بحثنا هذا لم نذكر رأي الغلاة الذين يكفرّون جميع الصحابة ، لأنّه من الآراء الشاذة المخالفة للقرآن وللسُنّة ولسيرة الصحابة وللمنطق السليم ، وقد انقرض هذا الرأي ، ولا يوجد في الوقت الراهن من يقول به ،
فالصحابة وإن انحرف بعضهم وفسق في ممارساته العملية إلاّ أنّ صفة الإسلام لا تسلب منه ما دام يشهد الشهادتين.
والرأي المعتدل الذي ذكرناه آنفاً ، تسالم عليه بل أجمع عليه علماء وفقهاء ومتكلمو الشيعة ، وهو الرأي الموافق للقرآن ، والموافق للسُنّة - كما تقدم في حديث الحوض - وأحاديث أُخرى ، والموافق لسيرة الصحابة حيثُ كذّب بعضهم بعضاً ، وقاتل بعضهم بعضاً ، ونسب بعضهم الفسق إلى البعض الآخر.
وعدالة جميع الصحابة لم تذكر على لسان أي صحابي ، ولم يحتجّ بها أحد من الصحابة في خضمّ الاَحداث والوقائع ، ففي جواب عائشة لخالد ابن الواشمة حينما قال فيهم : ( لا يجمعهم الله في الجنة أبداً ). قالت : ( أولا تدري أنّ رحمة الله واسعة وهو على كلِّ شيء قدير) (1)فلم تحتجّ عليه بالعدالة ، وإنّما أرجأتهم إلى رحمة الله تعالى.
وهذا الرأي المعتدل لم يكن من مختصات الشيعة وحدهم ، ولم ينفردوا به ، بل تابعهم عليه جمع غفير من علماء وفقهاء العامّة وصرّحوا بأنّ الصحابة غير معصومين ، ففيهم العدول وغير العدول ، ومن القائلين بهذا : سعدالدين التفتازاني ، والمارزي ، وابن العماد الحنبلي ، والشوكاني وآخرون (2).
ومن المتأخرين محمد عبده ، ومحمد بن عقيل العلوي ، ومحمد رشيد رضا ، والمقبلي ، وسيد قطب ، ومحمد الغزالي ، ومحمود أبو ريّة وآخرون.
فهم يقولون بقول الشيعة من أنّ العدالة مختصة ببعض الصحابة الذين استقاموا على المنهج الإسلامي ولم يبدلّوا ولم يغيّروا.
ومن يتابع القرآن الكريم والسُنّة النبوية وسيرة الصحابة أنفسهم كما تتبعناها ، يجد صحة هذا الرأي القائل بعدم عدالة جميع الصحابة.
وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين
مقدمة المركز ................................................................................................... 5
المقدّمة ............................................................................................................ 7
الفصل الأول
المعنى اللغوي للصحبة ....................................................................................... 9
الصحبة في القرآن الكريم : .......................................................................... 10
الصحبة في الحديث النبوي : ........................................................................ 12
المعنى الاصطلاحي للصحابي : ....................................................................... 13
تقييم الآراء : ......................................................................................... 18
الفصل الثاني
الصحابة في القرآن الكريم .............................................................................. 21
آيات المدح والثناء ...................................................................................... 23
آيات الذم والتقريع ..................................................................................... 46
آيات واضحة الدلالة : ............................................................................ 58
الفصل الثالث
الصحابة في السُنّة المطهّرة ............................................................................... 61
روايات المدح والثناء : ................................................................................. 61
روايات الذم والتقريع : ............................................................................... 65
من آثار الجاهلية : .................................................................................. 66
الكذب على رسول الله صلی الله علیه و آله : .............................................................. 67
روايات التحذير من سفك الدماء لأجل الدنيا : ........................................... 69
روايات الارتداد والرجوع على الأعقاب : ................................................. 70
الفصل الرابع
الصحابة في التأريخ ........................................................................................ 75
الفواصل السلوكية ...................................................................................... 78
التخلف عن جيش أُسامة والاعتراض على إمرته ........................................... 80
إتهام رسول الله صلی الله علیه و آله بالهجر : ............................................................... 81
معرفة الصحابة من خلال الحوادث بعد الرسول صلی الله علیه و آله : ............................. 83
حرب الجمل : ................................................................................... 94
حرب صفين : ................................................................................... 97
ما بعد صفين : .................................................................................. 99
الفواصل السلوكية في عهد معاوية بن أبي سفيان : ..................................... 101
أوامر معاوية في شتم الإمام عليّ علیه السلام : ............................................... 102
اعتراض الإمام الحسين بن علي علیهماالسلام على معاوية : .............................. 104
ما جرى بين الصحابة في بيعة يزيد : ................................................... 105
الفصل الخامس
الآراء في تقييم الصحابة .............................................................................. 107
الرأي الأول : عدالة جميع الصحابة : .......................................................... 108
الأدلة على عدالة جميع الصحابة : .......................................................... 109
1 - الآيات القرآنية : ..................................................................... 109
2 - الروايات : ................................................... 109
تقييدات المازري : ......................................... 115
الرأي الثاني : ثبوت العدالة في الواقع الخارجي : ............................................ 115
عدم التكلّف في البحث عن عدالة الصحابة : ........................................... 116
الرأي الثالث : عدالة جميع الصحابة قبل دخولهم في الفتنة : ............................ 117
الرأي الرابع : تأويل مواقف الصحابة : ....................................................... 118
نقض التأويل والاجتهاد : ...................................................................... 121
الرأي الخامس : الرأي المعتدل : ................................................................. 126