موسوعة زینب الکبرى بنت أمیر المؤمنین على بن أبی طالب علیه السلام جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

موسوعة

زينب الكبرى عليها السلام

بنت أمير المؤمنين

علي بن أبي طالب عليه السلام

جميع حقوق الطبع محفوظة

للناشر

الطبعة الأولى

1429 ه- - 2009 م

لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع ،أو نقله على أي نحو، وبأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة الناشر على ذلك كتابة ومقدما.

دار نظير عبود

هاتف : 03/780007 - 09/936772 - بيروت لبنان

محرر الرقمي: محمد مهدي فصيحي

اشارة

موسوعة

زينب الكبرى عليها السلام

بنت أمير المؤمنين

علي بن أبي طالب عليه السلام

السيدة زينب وفضلها

جمع واعداد

السيد علي عاشور

الجزء الأول

دام نظير عودة

جميع حقوق الطبع محفوظة

للناشر

الطبعة الأولى

1429 ه- - 2009 م

لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع ،أو نقله على أي نحو، وبأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة الناشر على ذلك كتابة ومقدما.

دار نظير عبود

هاتف : 03/780007 - 09/936772 - بيروت لبنان

مقدمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين الطيبين وعلى صحبه الميامين وبعد :

فإن الدار من المهتمين بالكتب الإسلامية عامة وكتب عترة النبي محمد صلی الله علیه واله وسلم خاصة، وقد أصدرنا سابقاً في هذا المجال « مسند أمير المؤمنين عليه السلام» والذي جمع فيه المؤلف كل ما صدر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ورتبه موضوعياً على الأحرف الأبجدية.

كما وأصدر « موسوعة أهل البيت عليه السلام»والتي تعتبر الموسوعة الأشمل لحياة ومباني أهل البيت عليه السلام كافة ، والتي أسهب بها المؤلف بحثاً وتحقيقاً في جملة من المواضيع الإسلامية الخاصة العامة.

كما وهنا سعي لإنجاز « موسوعة السيدة فاطمة الزهراء » تشمل كل

فضائلها والأحداث التي جرت عليها ومعها إن شاء الله تعالى .

وأيضاً هنا سعي لإنجاز « موسوعة النبي الأكرم صلی الله علیه واله وسلم » تتحدث فيها عن حياته ومناقبه وسيرته وحروبه .

والبشرى السارة الأخيرة التي نزفها للقراء الأعزاء هي قرب صدور «مسند الإمام الحسين عليه السلام» وموسوعته الشاملة والتي تعتبر الموسوعة الأولى

في هذا المجال لسيد الشهداء عليه السلام، والتي أبدع المؤلف فيها في استخراج المواضيع المتعلقة بالإمام الحسين عليه السلام، كما وجمع كل أقوال الإمام الشهيد المتناثرة في المصادر الإسلامية ورتبها على مواضيع مختلفة .

وأما هذه الموسوعة « موسوعة زينب الكبرى عليها السلام » لها فهي الموسوعة الأولى التي تتحدث عن تفاصيل حياة السيدة زينب الكبرى عليها السلام وعن الأحداث التي جرت عليها خاصة في كربلاء، إضافة إلى آثار السيدة زينب على هذه الثورة المباركة في كربلاء.

دار نظیر عبود

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد النبي المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين.

قال حسين الشاكرين عقيلة بني هاشم، وصريخة عبد المطلب، وحفيدة الرسول الأعظم، ابنة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وابنة فاطمة الزهراء البتول صلوات الله عليهم أجمعين ، زينب الكبرى غنية عن التعريف، كالشمس في رابعة النهار .

وإذا استطال الشي قام بنفسه *** وصفات ضوء الشمس يذهب باطلا

إن من أعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى، هو تعظيم شعائر من أمر الله عباده بمودتهم، والامتثال لأوامرهم ونواهيهم وموالاتهم وموالاة أوليائهم، ومعاداة أعدائهم، والانحياز إلى حوزتهم، وهم الرسول الكريم وأهل بيته الغر الميامين، صلوات الله عليهم أجمعين. وإن خير ما يعظم به السادة الكرام، هو تعظيم شعائرهم وبث مناقبهم ، ونشر فضائلهم، وقد صنف الأفذاذ من العلماء الأعلام، ونقلة الأخبار، في كل قرن من القرون السالفة منذ الصدر الأول للإسلام إلى يومنا هذا، من الموسوعات والأسفار المطولة ، والتواريخ المتواترة عن حسن سيرتهم وجميل صفاتهم وتراجم أحوالهم، صلوات الله عليهم.

ولما أردت ترجمة حياة السيدة زينب الكبرى بطلة كربلاء بصورة موجزة ضمن سلسلة السيرة، وإظهار مناقبها ومزاياها الشريفة التي خصها الله تعالى بها، وجدت

نفسي أصارع أمواجا متلاطمة، في بحر عظمتها، أخبط خبط عشواء كالغريق الذي يستنجد بالقشة لتخلصه، كما وجدت نفسي أمام عدة أبواب شارعة كل واحد منها يؤدي إلى طريق مستقيم قائم بذاته، فتحيرت من أي الأبواب أدخل وفي أي الشوارع الج لأنتهي إلى مقصدي، لأن شعاع عظمتها يبهر العقول ويغشي الأبصار، فتمسكت بحبل الولاء وسرت على هداهم ، ومنه سبحانه وتعالى أستمد العون والتسديد.

عسى أن يقبل مني هذا اليسير من الإخلاص الصادق والجهد المتواضع، فإنهم أكرم من لاذ بهم الهاربون، وهو نعم المولى ونعم النصير . (1)

أقول: لا يستطيع أي كاتب أن يكتب عن النساء وشرفهن وجهادهن وصبرهن وعفتهن ولا يأتي على ذكر السيدة زينب الكبرى، بل لا يقبل أي قارئ أن يقرأ عن حياة النساء ولا يتحف نظره بكلمات تصف زينب بنت علي عليه السلام وتحكي سيرتها العطرة من صغرها إلى كبرها.

حياة زينب كبيرة جداً بكبر قلبها وعقلها ، الكلام عن زينب طويل بطول صبر زينب، عن أي منعطف سوف نتكلم عن حزنها وبكائها؛ فهي التي شاهدت وفاة جدها رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وشهادة أخيها المحسن في يوم واحد، ثم قتل أمها الزهراء بعد أيام حتى قضت شهيدة، وبعدها شهادة أبيها علي ومن بعده شهادة أخيها الحسن ، حتى جاءت كربلاء فكانت شهادة أولادها وأخيها العباس وإخوته الثلاثة، وعلي وعبد الله أبناء عمّها الحسن، وختمت هذا الحزن والبكاء بقتل سيد الشهداء الحسين أخيها، لا بل بدأ حزنها من يوم عاشوراء، لأنّه بشهادة الحسين وقتله قتل النبي والمحسن وفاطمة وعلي والحسن وعلي وعبدالله وجعفر وكل شهداء أهل البيت عليه السلام، هذا حزن زينب وبكاؤها، وهل فارقها؟!

مهما كتب عن زينب عليها السلام .

فهو قليل إما لسعة الأحداث التي مرت عليها منذ أحداث وفاة النبي صلى الله عليه وسلم


1) انظر كتاب المقيلة والفواطم - الحاج حسين الشاكري : 3.

والهجوم على دار أمها وأبيها بالنار والحطب، مروراً برؤيتها لأمها وهي تضرب ويسقط جنينها الأمر الذي يكفي لهذ الجبال فكيف بابنة الأربع أو الثلاث سنوات.

هذا إضافة إلى رؤيتها أبيها فارس العرب يؤخذ بالقوة للبيعة.

وإضافة إلى حالها عند مرض أمها ثم شهادتها، وهنا دخلت مرحلة جديدة على زينب عليها السلامر حيث أصبحت يتيمة الأم، كما وزادت مسؤوليتها في بيت أبيها بعد رحيل أمها .

ثم بعد ذلك الحروب التي مرت على أبيها ثم شهادة أبيها بعد ضربه بالسيف في المسجد .

وبعد ذلك ظلم الحسن وشهادته ثم قصة كربلاء وأحداثها العظام ورؤيتها مقتل أولادها وإخوانها وأهل بيتها كل هذه الأحداث تحتاج إلى سرد كبير وتحليل واسع وتأمل دقيق لذا حاولنا في هذه الموسوعة تسليط الضوء على أهم هذه الأحداث مستفدين مما كتب علماؤنا المتقدمين منهم والمتأخرين لنقدم للقارىء عملاً جامعاً لكل تفاصيل حياة السيدة زينب عليها السلام .

نسأل الله أن ينفع بهذه الموسوعة جمع كبير من المؤمنين لنفوز بشفاعة زینب عليها السلام .

زينب في سطور

جدها لأمها : رسول الله صلی الله علیه واله وسلم.

جدتها لأمها : خديجة الكبرى.

جدها لأبيها : أبو طالب شيخ البطحاء.

جدتها لأبيها : فاطمة بنت أسد عليه السلام.

أبوها علي أمير المؤمنين عليه السلام.

أمها : فاطمة الزهراء عليها السلام .

أخواها: الإمامان الحسن والحسين عليه السلام.

أختها : أم كلثوم.

ولادتها خمسة جمادى الأول السنة الخامسة من الهجرة، بالمدينة.

ألقابها : الصديقة الصغرى، العقيلة (1)، عقيلة بني هاشم، عقيلة الطالبيين، العارفة، العالمة الفاضلة الكاملة، عابدة آل علي.

زوجها عبد الله بن جعفر الطيار.

أولادها علي عون، محمد، عباس، أم كلثوم.


1) العقيلة: هي المرأة الكريمة على قومها العزيزة في بيتها ومعنى العقيلة هي المرأة الكريمة على قومها والعزيزة عندهم والسيدة زينب فوق ذلك.

كان لها مجلس علمي حافل ، يقصده جماعة من النساء للتفقه بالدين، شهدت مأساة كربلاء، وتحملت العب الأكبر بعد شهادة أخيها الحسين وشاركتها أختها أم كلثوم .

توفيت في 15 رجب في دمشق الشام سنة 65 ه- على أصح الروايات، ودفنت في ضواحي دمشق في قرية يقال لها راوية ، ولها مزار يناسب جلالتها وعظمتها (1).

ابويها عليه السلام

أبوها أمير المؤمنين ، وسيد الوصيين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم أبو الحسن والحسين ، علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي، وابن عم الرسول الكريم صلی الله علیه واله وسلم وصنوه ،الذي رباه صغيرا، وعلمه شابا علم ما كان وما يكون ، ونصبه من بعده علما لأمته، وأبان فضائله التي لا تحصى، ومناقبه التي لا تستقصى ، ومعين علمه الذي لا ينضب، وأطواد حلمه الذي لا ينزع، فهو أعلم الناس بعد الرسول الكريم صلی الله علیه واله وسلم وأحلمهم، وأجودهم، وأكرمهم، وأزهدهم، وأشجعهم، وأعبدهم، وأوفاهم، وأورعهم وأقضاهم، صلوات الله عليه.

وأما أمها عليها السلام: فهي بضعة المصطفى ، الطاهرة الزكية، سيدة نساء العالمين، الصديقة الكبرى ، فاطمة الزهراء ، بنت الرسول الأعظم الخاتم لما سبق، والفاتح لما استقبل ، الحوراء الإنسية، التي زوجها الله سبحانه وتعالى في السماء (2).


1) كتاب العقيلة والفواطم / للشاكري : 9.

2) كتاب العقيلة والفواطم / للشاكري: 10 .

ترجمة زينب بنت علي بن أبي طالب

هي زينب ابنة علي وفاطمة حفيدة رسول الله وأخت الحسن والحسين عليه السلام ، صاحبت المفاخر والمناقب والمواقف المشهودة، تزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فماتت عنده وقد ولدت له علي بن عبد الله وأخا له آخر يقال له عون.

حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق قال : وكانت زينب ابنة علي من فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم تحت عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب فولدت له علي بن عبد الله وأم أبيها فتزوج أم أبيها عبد الملك بن مروان فطلقها فتزوجها علي بن عبد الله بن عباس.

وأخبرني أبو موسى عن يحيى بن الحسن وأخبرني طاهر بن يحيى بن الحسن عن أبيه قال : زينب الكبرى بنت علي ابن أبي طالب أمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لها : علي وجعفر وعون وعباس وأم كلثوم بنو عبد الله بن جعفر . . .(1).

وقد قتلوا صلوات الله عليهم جميعاً في كربلاء مع الإمام الحسين عليه السلام .

وقال ابن عساكر: زينب الكبرى بنت علي بن أبي طالب ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف امرأة جزلة كانت مع أخيها الحسين بن علي حين قتل وقدم بها على يزيد بن معاوية مع أهلها وحدثت عن أمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسماء ابنة عميس ومولى للنبي صلی الله علیه واله وسلم اسمه طهمان أو ذكوان روى عنها محمد بن عمرو وعطاء


1) الذرية الطاهرة النبوية، محمد بن أحمد الدولابي : 119.

ابن السائب وبنت أخيها فاطمة بنت الحسين بن علي . (1)

وقال الشيخ علي النمازي الشاهرودي : كانت لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام بنات منهن زينب الكبرى وزينب الصغرى المكناة بأم كلثوم من فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم(2). يظهر من إرشاد المفيد وكلمات ابن أبي الحديد أن له زينب أخرى صغرى

لام ولد.

أما زينب الكبرى سلام الله عليها من رواة الحديث، أدركت النبي صلی الله علیه واله وسلم وولدت في حياته.

وهي عقيلة بني هاشم، وقد حازت من الصفات الحميدة ما لم يحزها بعد أمها أحد.

وحق أن يقال : هي الصديقة الصغرى.

وهي في الصبر والثبات وقوة الإيمان والتقوى وحيدة فريدة.

وهي في الفصاحة والبلاغة كأنها تنطق من لسان أمير المؤمنين عليه السلام .

وبلغت في الفضائل والمناقب حداً لا يناله اللسان والبيان، تظهر قطرة منها من قضاياها مع أخيها الحسين عليه السلام وبعده.

ولها بلاغة مشهورة تعرف من خطبها :

خطبة الصديقة زينب الكبرى صلوات الله وسلامه عليها في الكوفة(3).

عن الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، عن أبي إسحاق، عن خزيمة الأسدي قال : دخلنا الكوفة سنة إحدى وستين فصادفت منصرف علي بن الحسين عليه السلام بالذرية من كربلاء إلى ابن زياد بالكوفة.


1) تاريخ مدينة دمشق ابن عساکر: 174/96

2) البحار : 74/42 و 89

3) البحار : 45 / 163 و 165 و 108.

ورأيت نساء الكوفة يومئذ قياماً يندبن متهتكات الجيوب، وسمعت علي بن الحسين عليه السلام وهو يقول بصوت ضئيل قد نحل من شدة المرض: يا أهل الكوفة ، إنكم تبكون علينا، فمن قتلنا غيركم؟! ورأيت زينب بنت علي عليه السلام فلم أر والله خفرة أنطق منها، كأنما تنزع عن لسان أمير المؤمنين ، فأومأت إلى الناس أن اسكتوا، فسكتت الأنفاس وهدأت الأجراس ، فقالت : الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين .

أما بعد ، يا أهل الكوفة يا أهل الختل والخذل - الخ.

ونحوه في البحار (1).

خطبتها في مجلس يزيد :

إكمال الدين : في حديث عن حكيمة بنت مولانا الجواد عليه السلام قالت : والحسين ابن علي عليه السلام أوصى إلى أخته زينب بنت علي في الظاهر وكان ما يخرج عن علي ابن الحسين عليه السلام من علم ينسب إلى زينب سترا على علي بن الحسين عليه السلام.

وتمامه في البحار (2).

ويظهر قوة إيمانها وقوة ،قلبها من تعييرها ابن زياد بأمه الزانية، وتعييرها يزيد بهند آكلة الأكباد في مقابلة افتخاره بخندف .

ولها مرتيتان أنشدت إحداهما حين أدخلت دمشق.

وهما مذكورتان في باب المراثي وهما في نهاية الفصاحة والبلاغة والنبالة.

قال ابن أثير في أسد الغابة : وكانت زينب امرأة عاقلة لبيبة جزلة (3).


1) ج 45 / 162 .

2) ط كمباني ج 13 / 99 ، وجديد و ج 51 / 364.

3) مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي الشاهرودي : 4 / 314.

زوجها أبوها علي من عبد الله بن جعفر، فولدت له علياً وعوناً الأكبر وعباساً ومحمداً وأم...

وكانت مع أخيها الحسين عليه السلام لما قتل، وحملت إلى دمشق، وحضرت عند يزيد بن معاوية ، وكلامها ليزيد حين طلب الشامي أختها فاطمة من يزيد مشهور، وهو يدل على عقل وقوة جنان إنتهى.

قيل : وقد سها، فإن فاطمة التي طلبها الشامي بنت الحسين لا بنت علي عليه السلام.

قال مولانا السجاد عليه السلام لها : أنت بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة.

روى الإمام السجاد عليه السلام عنها، عن أمها فاطمة الزهراء عليها السلام ما يتعلق بولادة الحسين عليه السلام وقول النبي صلی الله علیه واله وسلم : خذيه يا فاطمة ،فإنه الإمام وأبو الأئمة تسعة من صلبه أئمة أبرار، والتاسع قائمهم.

روايتها عن أمها فاطمة عليها السلام عن النبي صلی الله علیه واله وسلم : يا علي ، إنك وشيعتك في الجنة، كما في دلائل الطبري.

روايتها عن أمها فاطمة الزهراء عليها السلام خطبتها في أمر فدك.

وهي خطبة شريفة مفصلة.

بعضها في البحار.

وغير ذلك منها في أمالي المفيد.

وفي الأحكام الشرعية عن الخزاز القمي أنه نظر النبي صلی الله علیه واله وسلم إلى أولاد علي وجعفر فقال : بناتنا لبنينا وينونا لبناتنا - الخ.

عدها الصدوق في مشيخة الفقيه من رواة الحديث.

وقال في إعلام الورى أما زينب الكبرى بنت فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، فتزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وولد له منها علي وجعفر وعون الأكبر وأم كلثوم أولاد عبد الله بن جعفر.

وقد روت زينب عليها السلام عن أمها فاطمة أخبارا (1).

قيل : إنها توفيت بعد ورود المدينة بثمانين يوما.

وفي كتاب السيدة زينب : إنها توفيت في يوم الأحد 15 شهر رجب سنة 62 من الهجرة، وولدت في شعبان في السنة السادسة، فعاشت مع جدها خمس سنوات، أصغر من أخيها الحسين عليه السلام بعامين، فلما توفيت كان لها 56 سنة. إنتهى.

کتاب «بانوی کربلا »كانت ولادتها سنة 6 في 5 جمادى الأولى.

أقول: أما عون ومحمد ابناها من شهداء الطف وتشرفا بسلام الناحية المقدسة.

عد ابن شهر آشوب إياهما مع عبيد الله أبناء عبد الله بن جعفر من شهداء الطف.

وعن المقاتل ثالثهما عبد الله من الشهداء .

وأم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر اسمها زينب ، زوجها الحسين عليه السلام من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر على أربعمائة وثمانين درهما ونحلها ضيعته بالمدينة، كما عن المناقب.

وذكر الشيخ الطبرسي في إعلام الورى في تعداد أولاد أمير المؤمنين زينبين أخرتين صغيرين: الأولى كانت عند محمد بن عقيل، فولدت له عبد الله، وفيه العقب من ولد عقيل ،والثانية كانت عند عبد الرحمن بن عقيل، فولدت له سعداً وعقيلاً (2).

واحتمال اتحادهما وتعدد الأزواج والأولاد خلاف ظاهر السياق كما هو واضح.


1) مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي الشاهرودي : 4 / 316.

2) مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي الشاهرودي : 4 / 316.

في كتاب السيدة زينب عليها السلام قال : زينب الوسطى بنت أمير المؤمنين عليه السلام لأمها وأم إخوتها الحسن والحسين ومحسن وزينب الكبرى ورقية فاطمة الزهراء عليها السلام كناها الرسول بأم كلثوم.

وأما زينب الصغرى بنت أمير المؤمنين عليه السلام وأمها أم ولد تزوجت ابن عمها محمد ابن عقيل ، فولدت له القاسم وعبد الله وعبد الرحمن أعقب منهم عبد الله.

وماتت زينب بالمدينة.

قال وزينب الوسطى دفينة الشام، والكبرى دفينة مصر، ولها فيهما مزاران مشهوران. إنتهى (1).

وقال ابن حجر في الإصابة : زينب بنت علي سبطة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمها فاطمة الزهراء عليها السلام .

وقال ابن الأثير : إنها ولدت في حياة النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وكانت عاقلة لبيبة جزلة، زوجها أبوها ابن أخيه عبد الله ابن جعفر، فولدت له أولاداً، وكانت مع أخيها لما قتل، فحملت إلى دمشق ، وحضرت عند يزيد بن معاوية ، وكلامها ليزيد بن معاوية حين طلب الشامي أختها فاطمة مشهور يدل على عقل وقوه جنان.

وقال ابن عساكر في التاريخ : زينب الكبرى بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف : امرأة جزلة، كانت مع أخيها الحسين بن علي حين قتل، وقدم بها على يزيد بن معاوية مع أهلها.

وحدثت عن أمها فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم، وأسماء ابنة عميس، ومولى للنبي صلی الله علیه واله وسلم اسمه طهمان، أو ذكوان .

روى عنها محمد بن عمرو، وعطاء بن السائب ، وبنت أخيها فاطمة بنت

الحسين بن علي.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، أنا الحسن بن علي، أنا علي بن محمد بن


1) مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي الشاهرودي: 4 / 317.

أحمد بن كيسان ، أنا يوسف بن يعقوب القاضي، نا أبو الربيع، نا شريك، عن عطاء بن السائب قال (1)، دلني أبو جعفر على امرأة يقال لها زينب بنت علي أو من بنات علي ، قالت: حدثني مولى للنبي صلی الله علیه واله وسلم يقال له طهمان - أو ذكوان - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الصدقة لا تحل لمحمد ، ولا لال محمد، وإن مولى القوم منهم».

أَخْبَرَنا أبو عبد الله الفراوي، وأبو المظفر بن القشيري، قالا : أنا أبو سعد محمد بن عبد الرَّحْمن ، أنا أبو عمرو بن حمدان.

ح وأخبرتنا أم المجتبى بنت ناصر ، قالت :قُرئ على إبراهيم بن منصور، أنا أبو بكر ابن المقرئ ، قالا : أنا أبو يعلى الموصلي، نا أبو سعيد الأشج، نا ابن إدريس، عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف، عن محمد بن عمرو الهاشمي، عن زينب بنت علي ، عن فاطمة بنت محمد قالت نظر النبي صلی الله علیه واله وسلم إلى علي فقال : «هذا في الجنة، وإن من شيعته [قوماً] يعلنون (2)الإسلام يرفضونه لهم نبز (3)يسمون الرافضة من لقيهم فليقتلهم، فإنهم مشركون»(4).

[قال ابن عساكرا ]:كذا ،قال، وإنما هو أبو إدريس، وهو تليد بن سليمان.

أخْبَرَنَاء أبو القاسم بن السَّمرقندي، أنا أبو الحسين بن النَّقور، أنا عيسى بن علي، أنا عبد الله بن محمد، حدثني عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، نا تليد بن سليمان، عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف، عن محمد بن عمرو الهاشمي، عن زينب بنت علي ، عن فاطمة بنت محمد صلی الله علیه واله وسلم قالت : نظر النبي صلی الله علیه واله وسلم إلى علي فقال : «هذا في الجنة، وإن من شبعته قوماً يلفظون الإسلام لهم نبز يسمون الرافضة من لقيهم فليقتلهم، فإنهم مشركون ».


1) الإصابة 1 / 483 في ترجمة ذكوان مولى رسول الله صلی الله علیه واله وسلم

2) في المختصر : يلفظون.

3) النيز : اللقب.

4) تذكرة الموضوعات لابن القيسراني 924 وضعفه.

رواه محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع ، عن الأشج، فقال محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، ورواه سوار بن مصعب ، عن أبي الجحّاف، عن محمد بن علي عن فاطمة بنت علي عن أم سلمة وقد تقدم الحديثان في فضائل علي عليه السلام .

أخبرنا أبو الحسين بن الفراء، وأبو غالب، وأبو عبد الله ، قالوا : أنا أبو جعفر، أنا أبو طاهر ، أنا أحمد ، نا الزبير(1)قال : في تسمية ولد علي : وزينب بنت علي الكبرى ولدت لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وذكر غيرها، ثم قال: وأمّهم فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم .

أخبرنا أبو محمد بن حمزة، نا أبو بكر الخطيب.

ح وأخبرنا أبو القاسم بن السَّمر قندي، أنا أبو بكر بن الطبري.

قالا : أنا ابن الفضل ، أنا عبد الله بن جعفر ، نا يعقوب قال: وأما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها علي بن أبي طالب فولدت له : الحسن بن علي الأكبر ،وحسين بن علي ، وهو المقتول بالعراق ، بالطف ، وزينب، وأم كلثوم، فأما زينب فتزوجها عبد الله بن جعفر، فماتت عنده، وقد ولدت له : علي بن عبد الله، وأخاً له آخر يقال له : عون.

قرأت على أبي غالب بن البنا ، عن أبي محمد الجوهري.

وحدثنا عمي رحمه الله ، أنا ابن يوسف، أنا الجوهري، قراءة.

أنا أبو عمر بن حيّويه ، أنا أحمد بن معروف ، نا الحسين بن فهم ،نا ابن سعد قال وقال ابن سعد (2): زينب بنت علي بن أبي طالب بن [ عبد المطلب بن ] هاشم بن عبد مناف بن قصي، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، تزوجها عبدالله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطّلب، فولدت له :علياً، وعوناً الأكبر، وعباساً، ومحمداً، وأم كلثوم.


1) نسب قريش للمصعب : 41

2) الطبقات الكبرى 8 / 465

قال: وأنا بن سعد(1)، أنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، حدثني عبد الرَّحْمن بن مهران أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب تزوج زينب بنت علي، وتزوج معها امرأة على ليلى بنت مسعود، فكانتا تحته جميعاً.

قرأت علي أبي الوفاء حفاظ بن الحسن بن الحسين ، عن عبد العزيز بن أحمد، أنا عبد الوهاب الميداني، أنا أبو سليمان بن زبر، أنا عبد الله بن أحمد بن جعفر، أنا محمد بن جرير الطبري، قال(2): قال هشام بن محمد، قال أبو مخنف، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي قالت: لما أجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رق لنا أول شيء، والطفنا، قَالَ : ثم إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه - يعنيني - وكنت جارية وضيئة، فأرعدت و فرقت، وظننتُ أن ذلك جائز لهم، وأخذت بثياب اختي زينب قالت : وكانت أختي زينب أكبر مني ،وأعقل وكانت تعلم أن ذلك لا يكون فقالت: كذبت والله ولومت ما ذلك لك ولا له، فغضب يزيد فقال : كذبت والله إن ذلك لي لو شئتُ أن أفعله لفعلت قالت كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن نخرج من ملتنا، وتدين بغيرديننا، قالت فغضب يزيد واستطار ثم قال : إياي تستقبلين (3)بهذا؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك فقالت زينب : بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت وأنت وجدك وأبوك، قال: كذبت يا عدوة الله قالت : أنت أمير [مسلط]ظالماً تشتم وتقهر بسلطانك. قالت : فو الله لكأنه استحيى فسكت ثم عاد الشامي فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية قال ،اعزب وهب الله لك حتفاً قاضياً، قالت: قال يزيد بن معاوية يا نعمان بن بشير جهزهم بما يُصلحهم، وابعث معهم رجلا من أهل الشام أميناً صالحاً، وابعث معه خيلا وأعواناً : يسير بهم إلى المدينة، ثم أمر بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة، معهن أخوهن علي بن الحسين، في الدار التي


1) طبقات ابن سعد 8 / 465

2) تاريخ الطبري 3 / 339 300 (حوادث سنة 61) طبعة بيروت.

3) بالأصل: تستقبليني والمثبت عن «ز»، والطبري.

هو (1)فيها قال : فخرجن حتى دخلن دار زید فلم يبق من آل معاوية امرأة إلا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين، فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً، وكان يزيد لا [يتغدى ولا يتعشى(2)إلا دعا علي بن الحسين إليه.

قال : فدعاه ذات يوم ودعا عمرو (3)بن الحسن بن علي وهو غلام صغير، فقال لعمرو : أتقاتل هذا؟ يعني خالداً ابنه، قال: لا، ولكن أعطني سكيناً [وأعطه سكيناً (4)ثم أقاتله.

فقال (5)له يزيد وأخذه فضمه إليه ثم قال : شنشنة أعرفها من أخزم(6).

هل تلد الحية إلا حية (7)؟!.

كتب إلي أبو نصر بن القشيري، أنا أبو بكر البيهقي، أنا أبو عبد الله الحافظ قال : سمعت زاهر بن أحمد يقول : أملى علينا أبو بكر بن الأنباري بإسناد له أن زينب بنت علي بن أبي طالب يوم قتل الحسين بن علي أخرجت رأسها من الخباء وهي رافعة عقيرتها بصوت عال تقول (8):

ماذا تقولون إن قال النبي لكم: *** ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

يعترتي وبأهلي بعد مفتقدي(9)*** منهم (10)أسارى ومنهم ضرجوا بدم


1) في الطبري: هن.

2) كذا بالأصل، وفي «ز»، والطبري: لا يتغدى ولا يتعشى.

3) كذا بالأصل ولز» وفي الطبري.

4) الزيادة للإيضاح عن «ز»، والطبري.

5) بالأصل و «ز»، والمطبوعة فقام والمثبت عن الطبري

6) مثل قصته في مجمع الامثال 361/1

7) مثل انظر مجمع الامثال 259/2.

8) تاريخ الطبري 298/5. 299 حوادث سنة (60) وأنساب الأشراف 420/3 (ط. دار الفكر) ومروج الذهب 83/3.

9) في أنساب الأشراف: ذريتي وبنو عمي بمضيعة.

10) في مروج الذهب : نصف اساری ونصف

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم *** ان تخلفوني بشر (1)في ذوي رحمي وذكر الزبير أن زينب التي أنشدت هذه الأبيات زينب الصغرى بنت عقيل بن أبي طالب.

أخبرنا أبو الحسين، وأبو غالب ،وأبو عبد الله قالوا : أنا ابن المسلمة، أنا أبو طاهر المُخلص، نا أحمد بن سليمان ، نا الزبير قال(2): في تسمية ولد عقيل بن أبي طالب قال : وزينب الصغرى بنت عقيل التي خرجت على الناس بالبقيع تبكي قتلاها بالطف وهي تقول :

ماذا تقولون إن قال النبي لكم : *** ماذا فعلتم، وأنتم آخر الأمم

بأهل بيتي وأنصاري وذريتي *** منهم أسارى وقتلی ضرجوا بدم؟

ما كان ذاك جزائي إذ نصحت لكم *** أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي فقال أبو الأسود الديلي: نقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ من الخيرين )(3)

انتهى كلام ابن عساكر (4).

وقال ابن الأثير في ترجمتها : زينب بنت علي بن أبي طالب واسمه عبد عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية وأمها فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه وسلم أدركت النبي وولدت في حياته ولم تلد فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه وسلم بعد وفاته شيئا وكانت زينب امرأة عاقلة لبيبة جزلة زوجها أبوها علي علیه السلام من عبد الله ابن أخيه جعفر فولدت له علياً وعونا الأكبر وعباسا ومحمد أو أم كلثوم وكانت مع أخيها


1) في أنساب الأشراف: بسوء.

2) نسب قريش للمصعب : 85.84

3) سورة الأعراف الآية : 23.

4) تاریخ دمشق: 73 / 13 رقم 9688

الحسين علیه السلام لما قتل وحملت إلى دمشق وحضرت عند يزيد بن معاوية وكلامها ليزيد حين طلب الشامي أختها فاطمة بنت على من يزيد مشهور مذكور في التواريخ وهو يدل على عقل وقوة جنان(1).

وقال السيد محسن الأمين زينب الكبرى بنت مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام وتعرف بالعقيلة أمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلی الله علیه وسلم كانت زينب عليها السلام من فضليات النساء .

وفضلها أشهر من أن يذكر وأبين من أن يسطر .

وتعلم جلالة شانها وعلو مكانها وقوة حجتها ورجاحة عقلها وثبات جنانها وفصاحة لسانها وبلاغة مقالها حتى كأنها تفرع عن لسان أبيها أمير المؤمنين علیه السلام من خطبها بالكوفة والشام واحتجاجها على يزيد وابن زياد بما فحمهما حتى لجا إلى سوء القول والشتم واظهار الشماتة والسباب الذي هو سلاح العاجز عن إقامة الحجة وليس عجيبا من زينب ان تكون كذلك وهي فرع من فروع الشجرة الطيبة النبوية والأرومة الهاشمية جدها الرسول وأبوها الوصي وأمها البتول وأخواها لأبيها وأمها الحسنان ولا بدع ان جاء الفرع على منهاج أصله .

وكانت زينب الكبرى متزوجة بابن عمها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وولد له منها علي الزينبي وعون ومحمد وعباس وأم كلثوم لسبط بن الجوزي يوسف قزاوغلي وعون ومحمد قتلا مع خالهما الحسين علیه السلام بطف كربلا .

وأم كلثوم هي التي خطبها معاوية لابنه يزيد فزوجها خالها الحسين علیه السلام من ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب.

وسميت أم المصائب وحق لها ان تسمى بذلك فقد شاهدت مصيبة وفاة جدها الرسول صلى الله عليه وسلم ومصيبة وفاة أمها الزهراء عليها السلام ومحنتها ومصيبة قتل أبيها أمير المؤمنين علیه السلام ومحنة ومصيبة شهادة أخيها الحسن بالسم ومحنته والمصيبة العظمى


1) أسد الغابة - ابن الأثير : 5 / 469

يقتل أخيها الحسين علیه السلام من مبتداها إلى منتهاها وقتل ولداها عون ومحمد مع خالهما امام عينها وحملت أسيرة من كربلاء إلى الكوفة وأدخلت على ابن زياد إلى مجلس الرجال وقابلها بما اقتضاء لوم عنصره وخسة أصله من الكلام الخشن الموجع واظهار الشماتة الممضة وحملت أسيرة من الكوفة إلى ابن آكلة الأكباد بالشام ورأس أخيها ورؤوس ولديها وأهل بيتها امامها على رؤوس الرماح طول الطريق حتى دخلوا دمشق على هذه الحال وادخلوا على يزيد في مجلس الرجال وهم مقرنون بالحبال (1).


1) أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين : 7/ 138 - 139 .

ضرورة معرفة النسب

قال الموصلي في كتابه النعيم المقيم : ولما كانت الولادة النبوية والخلائق المحمدية هي منبع الفضائل ، ومعدن ما زكى من الشمائل، جعلت افتتاح كتابي بسماته المعظمة، وصفاته المبجلة، إذ هو في هذه المناقب ركن يبنى عليه، وأصل ترجع الفروع إليه ، وأنّ عترته الزكية وأسرته السرية شرفوا بالاعتزاء إليه، ونما فخرهم بالإنتماء إلى فخره المعول عليه ، وهي أكثر أن تحصى، وأعظم أن تستوفى وتستقصى؛ لأن ذكر جميعها يقصر عنه باع الإحصاء.

بل ذكر أكثرها يضيق عنه نطاق طاقة الاستقصاء، واسم التاريخ عند الأمة وقت مفروض بحادث مشهور ينسب إليه ما يأتي بعده من الأزمان، وقد اصطلحت الأئمة على تاريخ الملة الإسلامية من هجرته في ربيع الأول، فردّ التاريخ في أيام عمر (رضي الله عنه )وأرضاه إلى المحرّم (1)، وفيه عبرة الوقوف على أحوال الأمم السالفة والقرون

الخالية.

وقفت فيها أصيلا لا أسائلها *** أعيت جواباً وما بالربع من أحد (2)فياليتنا نتدبر ،ونتذكر ،ونعتبر ،ونتفكر ،ونتحقق أن المصير إليهم والقدوم عليهم.

يا أيها الراجع فيما مضى *** هل لك فيما قد بقي مطمع

فيا طوبى لمن حقق بسبب عمله بقوم هم غاية أمله، والأصل في ذلك ما


1) انظر : تاريخ الطبري: 3 / 144 ، سبل الهدى والرشاد : 12 / 38.

2) الشاهد للنابغة، أنظر : الكنز اللغوي ، الصحاح : 4 / 1623 .

أجازني سيدي وشيخي صدر الحفاظ ، رئيس الفريقين ، إمام الحرمين، قدوة العرب والعجم، فخر المعالي ذو المناقب ، وحيد عصره ، وفرید دهره، کمال الدین حيدر بن محمد بن زيد الحسيني قدس الله روحه بظاهر الموصل، سنة خمس وعشرين وستمائة، ما رواه مرفوعاً إلى الباقر، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي علیه السلام قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «من أحب أن يحيا حياتي ، ويموت ميتني، ويدخل الجنة التي وعدني ربي ، فليتول علي بن أبي طالب وذريته الطاهرين أئمة الهدى ، ومصابيح الدجى من بعده، فإنهم لن يخرجوكم من باب الهدى إلى باب الضلالة أبداً »(1).

ومما أجازني قوله علیه السلام : «تنقطع الأسباب والأنساب والأصهار إلا سببي، ونسبي، وصهري »(2).

والنسب على الحقيقة نسب الدين لا نسب الماء والطين؛ لقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)( قَالَ بَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَل غَيْرُ صَبح )(3)وإن كانت الأنساب سبباً للتعارف وحفظاً للتناسل والتراحم، قال الله تعالى : (وَجَعَلْتَكُم شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ) (4).

وقال : «يجب معرفة الأنساب» (5).

ويأمر بني هاشم وقريش والأنصار والعرب أن تحفظها، ويقدم ذوي النسب


1) حلية الأولياء : 86/10 ، المستدرك: 3/ 128 ، المعجم الكبير : 194/5، مناقب الخوارزمي : 75 ح 55

2) السنن الكبرى : 64/7 ، المستدرك : 15/3 ، المعجم الكبير : 3/ 45 ح 2635 ، المعجم الأوسط : 357/6.

3) سورة هود: 46

4) سورة الحجرات : 13

5) لم نجد حديثاً بهذا النص في المصادر المتوفرة لدينا.

على غيرهم ويقول :« ارحم الله النسابين قرب رحم مقطوعة قد شدّوها وأرشدوها »(1).

وقال في رواية: «اعرفوا أنسابكم لتصلوا أرحامكم »(2).

وقال علیه السلام : «إن الله تعالى اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم »(3).

واستحسن المأمون كلام رجل فسأله عن نسبه فقال: من طيّ ، فقال: من أيها؟

فقال : من ولد عدي بن حاتم .فقال هيهات أطلت إن أبا طريف لم يعقب. وقال لجلسائه : تعلموا النسب فإنه [...](4)بالشريف أن يجهل نسبه ولا يعرف أصله ومركبه .وما زالت الخلفاء والملوك ورؤساء العرب يقدمون ذوي النسب، ويخصونهم بأعالي الرتب ؛ لقوله علیه السلام : « عليكم بحفظ البيوت » .

وقال علي علیه السلام : «من عرف نسبه عرف قدره »(5)

ومعظم العلماء يقولون :ما نعرف ما بعد أدد بن اليسع (6)

فقال : «كذب النسابون وإن قالوا ما تعلم ما فوق ذلك أنا ابن الذبيحين

ولا فخر» (7).


1) ذكره ابن أبي الحديد لعمر الله هكذا : (تعلموا النسب غرب رحم مجهولة قد وصلت به)، أنظر شرح نهج البلاغة: 129/18.

2) مستدرك: 89/1 و 4 / 161 ، السنن الكبرى : 157/10.

3) مسند أحمد 107/4 ، صحیح مسلم: 58/7 الترمذي : 243/5، السنن الكبرى : .365/6

4) كلمة غير مقروءة

5) شرح نهج البلاغة : 20/ 292 حكمة 339، وفيه : عرف ربه.

6) البداية والنهاية : 194/2.

7) العمدة لابن البطريق : 24.

لان الفخر لهما برسول الله صلی الله علیه وسلم، وكذب ههنا بمعنى وجب، وتعين نسبهم لدي؛ لما وجب حقهم علي (1).


1) النعيم المقيم لعترة المنبأ العظيم . الموصلي : 21 - 23.

النسب الشريف لزينب عليها السلام

قال السيد الحضرمي : قال العلامة محمد بن أبي بكر الاشخر في فتاويه، فإن قلت: يؤيد ما دل عليه اطلاقهم ان نحو الهاشمي يكافىء من انتسب الى البضعة الكريمة فاطمة الزهراء عليها السلام : تزويج علي علیه السلام ابنته أم كلثوم - وامها فاطمة - من عمر بن الخطاب لأنه إذا كافاها من ليس هاشمياً ولا مطلبياً فمن ثم زوجه جبراً لأنها كانت صغيرة جداً؛ إذ ذاك فلان يكافئها هاشمي ومطلبي من باب أولى.

قلت : لا دليل في هذه القضية على ما ذكر ؛ إذ لا تصريح بأن عمر كفو لها حتى يستدل على أولوية مكافأة من مرّ، وغاية ما فيه وقوع عقدها بالجبار فلعلهما كانا يريان صحة العقد، ثم تخيّر إذا بلغت ،كما هو أحد قولي الشافعي، وإن كان الاظهر خلافه .

وقد سمعت بعض مشايخنا أجاب بأن عمر لما كان أفضل منها، بل ومن أبيها على المذهب التي اقتضى كمال حالهما ؛ ان لا ينظرا الى فضيلة الانتماء إليه علیه السلام المحض، وهذا لا يأتي على قاعدة المذهب أن بعض الخصال لا تقابل ببعض. والله أعلم. انتهى.

وقال : فائدة أخرى (1)تكلم العلماء رضوان الله عليهم على أولاد بناته علیه السلام غير الحسن والحسين علیه السلام من وجوه :

(منها) أنهم من ذرية النبي صلی الله علیه واله وسلم وأولاده وعقبه بالاجماع، لأن أولاد بنات


1) اقتبسها من كلام السيوطي في الحاوي للفتاوي - رسالة : العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية : 81/2 - 86ط السعادة بمصر ،1378 ويراجع المشرع الروي: 19/1.

الإنسان معدودون من ذريته وأولاده وعقبه حتى لو أوصى لأولاد فلان دخل فيه أولاد بناته.

(ومنها) أنهم لا يشاركون أولاد الحسن والحسين في الانتساب إليه صلی الله علیه واله وسلم قالوا : وإنما خص النبي أولاد فاطمة دون غيرها من بقية بناته لأفضليتها، ولأنهن لم يعقبن ذكراً ذا عقب حتى يكون كالحسن والحسين في الانتساب إليه صلی الله علیه واله وسلم .

(ومنها) انه لا يطلق عليهم اسم الشرف إلا على الاصطلاح القديم لمن كان منهم من أولاد زينب بنت فاطمة عليها السلام ، وهؤلاء من الآل أيضاً، وتحرم عليهم الصدقة، لأنهم أولاد عبد الله بن جعفر، وعليه فلا يدخلون في الوصية على الاشراف والوقف عليهم، إلا ان وجد في كلام الموصي أو الواقف نص يقتضي دخولهم، لأن العرف المطرد الآن ان الشريف لقب لكل حسني وحسيني خاصة، فلا يدخل غيرهم على مقتضى هذا العرف الذي المدار عليه في الوصية وفي كثير من الاحكام.

(ومنها) أنهم لا يكافئون أولاد الحسن والحسين فالزينبي مثلا ليس كفؤاً

للحسنية والحسينية.

(ومنها) أن غيرهم لا يكافئهم ممن ليس له ولادة الى النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكافىء القرشي زينبية مثلا، وفي هذا الاخير خلاف مشروح في المطولات والله أعلم.

(تتمة) جرى عمل ساداتنا العلويين والحسنيين رضوان الله عليهم قديماً وحديثاً : انهم لا يزوجون بناتهم إلّا من شريف صحيح النسب غيرة منهم على هذا النسب العظيم، ولا يجيزون تزويجها بغير شريف وان رضيت ورضى وليها مثلا، لأنهم يرون ان الحق في هذا النسب الطاهر راجع لكل من انتسب الى الحسنين علیه السلام ، لا للمرأة ووليها فقط، ورضاء جميع أولاد الحسنين بذلك متعذر وعلى هذا العمل الى الآن.

وهم نعم القدوة والاسوة؛ إذ فيهم من الفقهاء والصلحاء والاقطاب والاولياء

من لا يسوغ لنا ان نخالفهم فيما أسسوه ودرجوا عليه ، ولا يسعنا غير السير بسيرتهم والاقتداء بهم، ولهم اختيارات وانظار لا مطمع للفقيه في إدراك أسرارها (1).

ويؤيد هذا الاختيار أيضاً قول سيدنا عمر بن الخطاب: «لأ منعن تزوج ذوات الاحساب إلا من الاكفاء» (2). والله أعلم انتهى كلام الحضرمي (3)


1) قال الشعراني : منع البعض التزوج على ذرية بناته وان سفلن الى يوم القيامة. كشف الغمة للشعراني : 41/2 القسم الثالث من خصائصه.

2) المصنف لابن أبي شيبة : 53/4 ح 17696 بلفظ : لأمنعن فروج ذرات....

3) رشفة الصادي : 86.

في ميلاد زينب وكناها وألقابها وتزويجها

قال في وفيات الأئمة كانت ولادة الميمونة الطاهرة ، والدرة الفاخرة، في اليوم الخامس من شهر جمادى الأولى ،في السنة الخامسة - أو السادسة للهجرة - على ما حققه بعض الأفاضل .

وقيل في غرة شعبان في السنة السادسة.

وعن الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته الزينبية : ولدت في حياة جدها رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وكانت لبيبة جزلة عاقلة لها قوة جنان ، فإن الحسن علیه السلام ولد قبل وفاة جده بثمان سنين ، والحسين علیه السلام بسبع سنين وزينب الكبرى بخمس سنين انتهى كلامه.

ولما ولدت علیه السلام : جاءت بها أمها الزهراء إلى أبيها أمير المؤمنين علیه السلام وقالت له : سم هذه المولودة؟

فقال علیه السلام ما كنت لأسبق رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وكان في سفر له، ولما جاء النبي صلی الله علیه واله وسلم ، وسأله عن اسمها فقال: ما كنت لأسبق ربي تعالى ، فهبط جبرائيل يقرأ على النبي صلی الله علیه واله وسلم السلام من الله الجليل وقال له : سم هذه المولودة (زينب) فقد اختار الله لها هذا الاسم، ثم أخبره بما يجري عليها من المصائب، فبكى النبي صلی الله علیه واله وسلم وقال : من بكى على مصاب هذه البنت كان كمن بكى على أخويها الحسن والحسين علیه السلام وتكنى بأم كلثوم، وأم الحسن، وتلقب : بالصديقة الصغرى ، والعقيلة، وعقيلة بني هاشم، وعقيلة الطالبيين ، والموثقة ، والعارفة، والعالمة غير المعلمة ،والكاملة، وعابدة آل علي، وغير ذلك من الصفات الحميدة والنعوت الحسنة، وهي أول بنت ولدت لفاطمة صلوات الله عليها.

ولقد كانت نشأة هذه الظاهرة الكريمة وتربية تلك الدرة اليتيمة في حضن النبوة، ودرجت في بيت الرسالة ، رضعت لبان الوحي من ثدي الزهراء البتول، وغذيت بغذاء الكرامة من كف ابن عم الرسول صلی الله علیه واله وسلم فنشأت نشأة قدسية وربيت تربية روحانية متجلببة جلابيب الجلال والعظمة ، متردية رداء العفاف والحشمة ،فالخمسة أصحاب العباء علیه السلام هم الذين قاموا بتربيتها وتثقيفها وتهذيبها، وكفى بهم مؤدبين ومعلمين .

ولما غربت شمس الرسالة، وغابت الأنوار الفاطمية، وتزوج أمير المؤمنين علیه السلام بإمامة بنت أبي العاص وأمها زينب بنت رسول الله علیه السلام بوصية من الزهراء عليها السلام إذ قالت: وأوصيك أن تتزوج بأمامة بنت أختي زينب ، تكون لولدي مثلي فقامت أمامة بشؤون زينب خير قيام كما كانت تقوم بشؤون بقية ولد فاطمة عليها السلام ، وكانت أمامة هذه النساء الصالحات القانتات العابدات، وكانت زينب عليها السلام تأخذ التربية الصالحة والتأديب القويم من والدها الكرار وأخويها الكريمين الحسن والحسين علیه السلام إلى أن بلغت من العلم والفضل والكمال مبلغا عظيما.

ولما بلغت صلوات الله عليها مبلغ النساء ، ودخلت من دور الطفولة إلى دور الشباب، خطبها الاشراف من العرب ورؤساء القبائل، فكان أمير المؤمنين علیه السلام يردهم ولم يجب أحدا منهم في أمر زواجها ،وممن خطبها الأشعث بن قيس وكان من ملوك كندة على ما في الإصابة، فزبره أمير المؤمنين علیه السلام وقال: يا ابن الحائك أخرك ابن قحافة زوجك أخته - والحالك هنا المحتال والكذاب - وكان أبو بكر زوج أخته أم فروة بنت أبي قحافة من الأشعث وذلك أن الأشعث ارتد فيمن ارتد من الكنديين وأسر، فأحضر إلى أبي بكر فاسلم وأطلقه وزوجه أخته المذكورة، فأولدها محمد بن الأشعث وهو أحد قتلة الحسين علیه السلام، ثم أن الذي كان يدور في خلد أمير المؤمنين علیه السلام أن يزوج بناته من أبناء إخوته ليس إلا امتثالا لقول النبي علیه السلام حين نظر إلى أولاد علي علیه السلام وجعفر وقال: بناتنا لبنينا وبنونا لبناتنا، ولذلك دعا بابن أخيه عبد الله بن جعفر وشرفه بتزويج تلك الحوراء الإنسية إياه على صداق أمها فاطمة أربعمائة وثمانين درهما، ووهبها إياء من خالص ماله علیه السلام.

وذكر بعض حملة الآثار أن أمير المؤمنين علیه السلام لما زوج ابنته من ابن أخيه عبد

الله بن جعفر اشترط عليه في ضمن العقد أن لا يمنعها متى أرادت السفر مع أخيها الحسين، وكان عبد الله بن جعفر أول مولود في الإسلام بأرض الحبشة، وكان ممن صحب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم و حفظ حديثه ثم لازم أمير المؤمنين علیه السلام والحسين علیه السلام وأخذ منهم العلم الكثير.

قال في الاستيعاب : وكان كريما ،جوادا ،ظریفا ،خليقا، عفيفا، سخيا، وأخبار عبد الله بن جعفر في الكرم كثيرة، وكان يدعوه النبي علیه السلام من أيسر بني هاشم وأغناهم، وله في المدينة وغيرها قرى وضياع ومتاجرة عدا ما كانت تصله من الخلفاء من الأموال، وكان بيته محط آمال المحتاجين، وكان لا يرد سائلا قصده، وكان يبدأ الفقير بالعطاء قبل أن يسأله فسئل عن ذلك فقال : لا أحب أن يريق ماء وجهه بالسؤال، حتى قال فقراء المدينة بعد موته :ما كنا نعرف السؤال حتى مات عبد الله جعفر، فيحق له أن يتمثل بقول الشاعر :

نحن أناس نوالهم خضل *** يرتع فيه الرجاء والأمل

تجود قبل السؤال أنفسنا *** خوفا على ماء وجه من يسل

ولا زالت الصديقة زينب الكبرى سلام الله عليها في بيت زوجها عبد الله بن جعفر الجواد، وهو من علمت ثروته ،ويساره ،وكثرة أمواله، وخدمه، وحشمه يوم ذاك كانت تخدمها العبيد والإماء والأحرار، ويطوف حول بيتها الهلاك من ذوي الحوائج وطالبي الاستجداء ،وكان بيتها الرفيع وحرمها المنيع لا يضاهيه في العز والشرف وبعد الصيت إلا بيوت الخلفاء والملوك.

وقد ولدت لعبد الله بن جعفر كما في الجزء الثاني من تاريخ الخميس علياً وعوناً الأكبر وعباسا وأم كلثوم، وذكر النوري في تهذيب الأسماء واللغات جعفرا الأكبر، وذكر السبط بن الجوزي في تذكرة الخواص محمدا، فأما العباس وجعفر ومحمد فلم نقف لهم على أثر ولا ذكرهم النسابة من المعقبين، وأما علي وهو المعروف بالزينبي ففيه الكثرة والعدد ،وفي ذريته الذيل الطويل والسلالة الباقية.

وأما عون الأكبر فهو من شهداء الطف ،قتل في جملة آل أبي طالب، وهو

مدفون مع آل أبي طالب في الحفيرة مما يلي رجلي الحسين علیه السلام، وتوفي عبد الله بن جعفر علیه السلام في المدينة المنورة سنة ثمانين من الهجرة النبوية عام الحجاف - وهو سيل كان ببطن مكة حجف بالناس فذهب بالحاج والجمال بأحمالها وذلك في خلافة عبد الله بن عبد الملك بن مروان - وصلى عليه السجاد أو الباقر علیه السلام كان أمير المدينة يومئذ أبان بن عثمان ، وخرجت الولائد خلف سريره قد شققن الجيوب والناس يزدحمون على سريره ، وممن حمل السرير أبان بن عثمان وما فارقه حتى وضعه بالبقيع ودموعه تسيل وهو يقول: كنت والله شريفا واصلا برا، قال هشام المخزومي : أجمع أهل الحجاز وأهل البصرة وأهل الكوفة على أنهم لم يسمعوا ببيتين أحسن من بيتين رأوهما على قبر عبد الله بن جعفر وهما :

مقيم إلى أن يبعث الله خلقه *** لقاؤك لا يرجى وأنت قريب

تزيد بلى في كل يوم وليلة *** وتنسى كما تبلى وأنت حبيب(1).

وقال الشاكري: ولدت الميمونة الطاهرة زينب الكبرى علیه السلام في الخامس من شهر جمادى الأول ،من السنة الخامسة، أو السادسة للهجرة على ما حققه بعض الأفاضل من المؤرخين، وقيل في شعبان في السنة السادسة من الهجرة.

والذي يترجح عندنا هو أن ولادة السيدة زينب كانت في السنةالخامسة من الهجرة، وذلك حسب الترتيب الوارد في أولاد فاطمة الزهراء علیه السلام .

ولما ولدت زينب عليها السلام استبشر بها أبوها الإمام علي علیه السلام وأخذها من أمها السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام وقالت سم هذه المولودة ،فقال :ما كنت لأسبق أبيك رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وكان في سفر له، وأجرى عليها مراسيم الإسلام في المولود، فقد أذن في أذنها اليمنى وأقام في اليسرى.

ولما جاء النبي صلی الله علیه واله وسلم واحتضنها وسأل الإمام علي علیه السلام عن اسمها، فقال: ما كنت لأسبقك يا رسول الله ، فقال صلی الله علیه واله وسلم : ما كنت لأسبق ربي تعالى فهبط الأمين جبرئيل يقرأ على النبي السلام من الله الجليل العلام، وقال له : سم هذه المولودة


1) وفيات الأئمة: 432 - 435 نقلاً عن الشيخ النقدي.

زینب، فقد اختار الله سبحانه لها هذا الاسم. ثم أخبره بما يجري عليها من المصائب، فبكى النبي صلی الله علیه واله وسلم وقال : من بكى على مصاب هذه البنت كان كمن بكي على أخويها الإمامين الحسن والحسين علیه السلام .

وتكنى بأم كلثوم، كما تكنى بأم الحسن أيضاً.

ويقال لها زينب الكبرى ، للفرق بينها وبين من سميت باسمها من أخواتها وأقرانها ، وكنيت بكنيتها .كما تلقب بالصديقة الصغرى، للفرق بينها وبين أمها الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام .

وتلقب بالعقيلة، وعقيلة بني هاشم ،وعقيلة الطالبيين، والموثقة، والعارفة، والعالمة غير المعلمة ،والفاضلة الكاملة ،والعابدة الزاهدة ، وغير ذلك من الصفات الحميدة والسجايا الكريمة والنعوت الحسنة.

وهي أول بنت ولدت للسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام(1).


1) كتاب العقيلة والفواطم / للشاكري : 12

نشأة زينب عليها السلام وتربيتها

قال الشاكري: لم نحصل على تفاصيل نشوء السيدة زينب في طفولتها وصباها غير ما ذكره المحقق العلامة النقدي في كتابه (زينب الكبرى) ملخصا، وهذا نصه : التربية هي من أهم الأمور للأطفال الذين يراد تثقيفهم وتهذيبهم وتأديبهم على الوجه الصحيح، لأنها أساس كل فضيلة ، ودعامة كل منقبة ، وأول شي يحتاج إليه في التربية هو اختيار المربي الكامل العامل بالدروس التي يلقيها على من يراد تربيته، ولذلك ترى الأمم الناهضة في كل دور من أدوار التاريخ ينتخبون لتربية ناشئتهم من يرون فيه الكفاءة والمقدرة، من ذوي الأخلاق الفاضلة والصفات الكاملة، علما منهم أن الناشي يتخلق بأخلاق مربيه ،ويتأدب بآدابه مهما كانت.

ولقد كانت نشأة هذه الطاهرة الكريمة، وتربية تلك الدرة اليتيمة، العقيلة زينب عليها السلام، في حضن النبوة، ودرجت في بيت الرسالة، رضعت لبان الوحي من ثدي الزهراء البتول، وغذيت بغذاء الكرامة من كف ابن عم الرسول، فنشأت نشأة قدسية، وربيت تربية روحانية ، متجلببة جلابيب الجلال والعظمة ،متردية رداء العفاف والحشمة، فالخمسة أصحاب العباء علیه السلام هم الذين قاموا بتربيتها وتثقيفها وتهذيبها، وكفاك بهم مؤدبين ومعلمين .

ولما غربت شمس الرسالة، وغابت الأنوار الفاطمية، وتزوج أمير المؤمنين بإمامة بنت أبي العاص - وأمها زينب بنت رسول الله صلی الله علیه واله وسلم - بوصية من فاطمة عليها السلام ، إذ قالت: وأوصيك أن تتزوج بأمامة بنت أختي زينب، تكون لولدي مثلي.

قامت أمامة بشؤون زينب خير قيام ،كما كانت تقوم بشؤون بقية ولد فاطمة، وكانت أمامة هذه من النساء الصالحات القانتات العابدات.

وكانت العقيلة زينب عليها السلام تأخذ التربية الصالحة والتأديب القويم من والدها الكرار وأخويها الكريمين الإمامين الحسن والحسين علیه السلام، إلى أن بلغت من العلم والفضل والكمال مبلغاً عظيماً، كما سيأتي في بيان علمها وفضلها (1).


1) كتاب العقيلة والفواطم / للشاكري : 15

في أسفار زينب عليها السلام

وهي ستة أسفار :

السفر الأول : من المدينة إلى الكوفة مع ابيها أمير المؤمنين عليه السلام

لما هاجر إليها سافرت علیه السلام هذا السفر وهي في غاية العز ونهاية الجلالة والاحتشام ، يسير بها موكب فخم رهيب من مواكب المعالي والمجد، ومحفوف بأبهة الخلافة ، محاط بهيبة النبوة، مشتمل على السكينة والوقار، فيه أبوها الكرار أمير المؤمنين علیه السلام وإخوتها الحسنان سيدا شباب أهل الجنة، وحامل الراية العظمى محمد بن الحنفية، وقمر بني هاشم العباس بن علي علیه السلام، وزوجها الجواد عبد الله بن جعفر عليه رضوات الله تعالى ،وأبناء عمومتها عبد الله بن عباس وعبيد الله وإخوتهما وبقية أبناء جعفر الطيار وعقيل بن أبي طالب وغيرهم من فتيان بني هاشم - أصحاب النسب الشريف - وأتباعهم من رؤساء القبائل وسادات العرب مدججين بالسلاح غاصين في الحديد ،والرايات ترفرف على رؤوسهم وتخفق على هاماتهم وهي في غبطة وفرح وسرور.

السفر الثاني :من الكوفة إلى المدينة مع أخيها الحسن بعد صلحه مع معاوية

سافرت علیه السلام هذا السفر وهي أيضاً في موكب فخم في غاية العز والدلال والعظمة والاجلال، تحوطها الابطال من إخوتها وبني هاشم الكرام، حتى وصلت إلى حرم جدها الرسول الأكرم صلی الله علیه واله وسلم ، ومسقط رأسها المدينة المنورة محترمة (1)


1) وفيات الأئمة : 444.

السفر الثالث : من المدينة إلى كربلاء مع أخيها الحسين

ويشتمل هذا السفر على نبذة من مصائبها وصبرها وإخلاصها وثابتها.

لما عزم الحسين علیه السلام على السفر من الحجاز إلى العراق، استأذنت زينب زوجها عبد الله بن جعفر أن تصاحب أخاها الحسين علیه السلام ، مضافا إلى ما عرفت سابقا من اشتراط أمير المؤمنين علیه السلام عليه في ضمن عقد النكاح أن لا يمنعها متى أرادت السفر مع اخیها الحسين علیه السلام، فأذن لها وأمر ابنيه عونا ومحمدا بالمسير مع الحسين علیه السلام، والملازمة في خدمته والجهاد دونه، فسافرت علیه السلام في ذلك الموكب الحسيني المهيب ،في عز وجلال وحشمة ووقار، تحملها المحامل المزركشة المزينة بالحرير والديباج ،قد فرشت بالفرش الممهدة ووسدت بالوسائد المنضدة، تحت رعاية أخيها الحسين علیه السلام، تحف بها الابطال من عشيرتها وتكتنفها الأسود الضارية من إخوتها وأبناء إخوتها وعمومتها كأبي الفضل العباس، وعلي الأكبر، والقاسم بن الحسن، وأبناء جعفر وعقيل، وغيرهم من الهاشميين والعبيد والإماء طوع أمرها ورهن إشارتها، ولكنها علیه السلام سافرت هذه السفرة منقطعة من علائق الدنيا بأسرها في سبيل الله ، قد أعرضت عن زهرة الحياة من المال والبيت والزوج والولد والخدم والحشم، وصحبت أخاها الحسين علیه السلام ناصرة لدين الله وباذلة النفس والنفيس لإمامها ابن بنت رسول الله مع علمها بجميع ما يجري عليها من المصائب والنوائب والمحن، كما يدل عليه الحديث المروي في كتاب (كامل الزيارات) للشيخ الفقيه أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه طاب ثراء، قال: حدثني أبو عيسى عبيد الله بن الفضل بن محمد بن هلال الطائي البصري قال: حدثني أبو عثمان سعيد بن محمد قال: حدثنا محمد بن سلام بن يسار الكوفي قال : حدثني نوح بن دراج قال : حدثني

قدامة بن زائدة عن أبيه قال : قال علي بن الحسين بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله الحسين علیه السلام أحيانا.

فقلت : إن ذلك لكما بلغك فقال لي : ولماذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحداً على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا والواجب على هذه الأمة من حقنا؟

فقلت : والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله، ولا أحفل بسخط من سخط ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه.

فقال : والله إن ذلك لكذلك.

فقلت : والله إن ذلك لكذلك يقولها ثلاثا وأقولها ثلاثا.

فقال: أبشر ثم أبشر ثم أبشر، فلاخبرتك بخبر كان عندي في النخب المخزون، فإنه لما أصابنا في الطف ما أصابنا وقتل أبي وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا فعظم ذلك في صدري ،واشتد لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي علیه السلام فقالت : ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟

فقلت : وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي مضرجين بدمائهم مرملين بالعراء مسلبين ، لا يكفنون ولا يوارون ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر.

فقالت : لا يجزعنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة وهم معروفون من أهل السماوات، أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس

أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام ،وليجهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا .

فقلت : وما هذا العهد وما هذا الخبر؟

فقالت : نعم حدثتني أم أيمن أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم هزار منزل فاطمة عليها السلام في يوم من الأيام، فعملت له حريرة وأتاه علي بطبق فيه تمر.

ثم قالت أم أيمن : فأتيتهم بعس فيه لبن وزبد فاكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين من تلك الحريرة، وشرب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكلوا وأكل من ذلك التمر والزبد، ثم غسل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم یده وعلي علیه السلام يصب عليه الماء، فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه ثم نظر إلى علي علیه السلام وفاطمة والحسن والحسين نظرا عرفنا به السرور في وجهه، وتوجه نحو القبلة وبسط يديه ودعا ثم خر ساجدا وهو ينشج وجرت دموعه ،ثم رفع رأسه وأطرق إلى الأرض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة عليها السلام وعلي والحسن والحسين علیه السلام وحزنت معهم لما رأينا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ، وهبنا أن نسأله حتى إذا طال ذلك قال له علي علیه السلام وقالت له فاطمة عليها السلام: ما يبكيك يا رسول الله؟ لا أبكى الله عينيك، فقد أفرح قلوبنا ما نرى من حالك.

فقال علیه السلام: يا أخي سررت بكم.

وقال مزاحم بن عبد الوارث في حديثه هنا فقال : يا حبيبي سررت بكم سرورا ما سررت مثله قط، وإني لأنظر إليكم وأحمد الله على نعمته علي فيكم، إذ هبط علي جبرائيل فقال : يا محمد إن الله تبارك وتعالى أطلع على ما في نفسك وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك فأكمل لك النعمة وهناك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة لا يفرق بينك وبينهم ، يحبون كما تحب ويعطون كما تعطي حتى ترضى وفوق الرضا على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملتك ، ويزعمون أنهم من أمتك براء من الله ومنك خبطا خبطا وقتلا قتلا شتى مصارعهم نائية.

قبورهم خيرة من الله لهم ولك فيهم ، فاحمد الله عز وجل على خيرته وارض بقضائه، فحمدت الله ورضيت بقضائه بما اختاره لكم. ثم قال لي جبرائيل : يا محمد إن أخاك مضطهد بعدك مغلوب على أمتك معتوب من أعدائك ثم مقتول بعدك، يقتله أشر الخليقة وأشقى البرية، يكون نظير عاقر الناقة ببلد تكون إليه هجرته وهو معرس شيعته وشيعة ولده وفيه على كل حال يكثر بلواهم ويعظم مصابهم، وإن سبطك هذا وأومى بيده إلى الحسين علیه السلام مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمتك بضفة الفرات بأرض يقال لها كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلا على أعدائك وأعداء ذريتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفنى حسرته، وهي أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمة يقتل فيها سبطك وأهله وإنها من بطحاء الجنة، فإذا كان اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله ، وأحاطت به كتائب أهل الكفر واللعنة، تزعزعت الأرض من أقطارها ،ومادت الجبال وكثر اضطرابها، واصطفقت البحار بأمواجها ، وماجت السماوات بأهلها غضبا لك يا محمد ولذريتك ،واستهضاما لما ينتهك من حرمتك ولشر ما تكافى به في ذريتك وعترتك، ولا يبقى شي من ذلك إلا استأذن الله عز وجل في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة الله على خلقه بعدك، فيوحي الله إلى السماوات والأرض والجبال والبحار ومن فيهن : إني أنا الله الملك القادر الذي لا يفوته هارب ،ولا يعجزه ممتنع ،وأنا أقدر فيه على الانتصار والانتقام، وعزتي وجلالي لأعذبن من وتر رسولي وصفيي وانتهك حرمته وقتل عترته ونبذ عهده وظلم أهل بيته عذابا لا أعذب به أحدا من العالمين، فعند ذلك يضج كل شي في السماوات والأرضين بلعن من ظلم عترتك واستحل حرمتك، فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها تولى الله عز وجل قبض أرواحها بيده، وهبط إلى الأرض ملائكة من السماء السابعة معهم آنية من الياقوت والزمرد مملوءة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنة وطيب من طيب الجنة، فغسلوا جثثهم بذلك الماء وألبسوها الحلل وحنطوها بذلك الطيب، وصلت الملائكة صفا صفا عليهم، ثم يبعث الله قوما من أمتك لا يعرفهم الكفار لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية، فيوارون أجسادهم ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء يكون علماً لأهل الحق

وسبباً للمؤمنين إلى الفوز، وتحفه ملائكة من كل سماء مائة ألف ملك في كل يوم وليلة، ويصلون عليه ،ويطوفون حوله، ويسبحون عنده، ويستغفرون الله لمن زاره ،ويكتبون أسماء زائريه من أمتك متقربين إلى الله تعالى وإليك بذلك وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسمون في وجوههم بميسم نور عرش الله هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الأنبياء، فإذا كان يوم القيامة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الابصار يدل عليهم فيعرفونهم، وكأني بك يا محمد بيني وبين ميكائيل وعلي أمامنا ،ومعنا من ملائكة الله ما لا يحصى عددهم ونحن نلتقط ذلك الموسوم في وجهه من بين الخلائق حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده، وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك لا يريد به غير الله عز وجل، ويجتهد أناس ممن حقت عليهم اللعنة من الله والسخط أن يعفو رسم ذلك القبر ويمحو أثره فلا يجعل الله تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلا.

ثم قال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : فهذا أبكاني وأحزنني.

قالت زينب عليها السلام : فلما ضرب ابن ملجم لعنه الله أبي علیه السلام ورأيت عليه أثر الموت، دنوت منه وقلت له : يا أبت حدثتني أم أيمن بكذا وكذا وقد أحببت أن أسمعه منك ، فقال : يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن وكأني بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد أذلاء خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبرا صبرا فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، ما لله على ظهر الأرض يومئذ ولي غير محبيكم وشيعتكم ، ولقد قال لنا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم حين أخبرنا بهذا الخبر: إن إبليس لعنه الله في ذلك اليوم يطير فرحا، فيجول الأرض كلها بشياطينه وعفاريته ،فيقول :يا معاشر الشياطين قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة، وبلغنا في هلاكهم الغاية ،وأورثناهم النار إلا من اعتصم بهذه العصابة، فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم وحملهم على عداوتهم واغرائهم وأوليائهم، حتى تستحكموا ضلالة الخلق وكفرهم ،ولا ينجوا منهم ناج، ولقد صدق عليهم إبليس ظنه وهو كذوب انه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح، ولا يضر مع محبتكم ومو الاتكم ذنباً غير الكبائر.

قال زائدة : ثم قال علي بن الحسين بعد أن حدثني بهذا الحديث : خذه إليك ما

لو ضربت في طلبه آباط الإبل حولا لكان قليلا ولكون زينب علیه السلام عالمة بجميع ما يجري عليها من المصائب والنوائب والمحن وأنها على بصيرة من أمرها قابلت تلك الرزايا والفوادح بجميل الصبر وعظيم الاتزان وقوة الايمان وكامل الاخلاص.

بعض مصائب زينب عليها السلام

وإليك نبذة يسيرة من مصائبها العظيمة وفوادحها الكبرى، فإنها علیه السلام رأت من المصائب والنوائب ما لو نزلت على الجبال الراسيات لانفسحت واندکت جوانبها ، لكنها في ذلك تصبر الصبر الجميل كما هو معلوم لكل من درس حياتها، وأول مصيبة دهمتها هو فقدها جدها النبي صلی الله علیه واله وسلم وما لاقى أهلها بعده من المكاره، ثم فقدها أمها الكريمة بنت رسول الله بعد مرض شديد وكدر من العيش والاعتكاف في بيت الأحزان، ثم فقدها أباها علياً وهو مضرج بدمه من سيف ابن ملجم المرادي لعنه الله، ثم فقدها أخاها المجتبى المسموم تنظر إليه وهو يتقيأ كبده في الطشت قطعة قطعة، وبعد موته علیه السلام ترشق جنازته بالسهام، ثم رؤيتها أخاها الحسين علیه السلام تتقاذف به البلاد حتى نزل كربلاء وهناك دهمتها الكوارث العظام من قتله علیه السلام وقتل بقية إخوتها وأولادهم وأولاد عمومتها وخواص الأمة من شيعة أبيها علیه السلام عطاشى، ثم المحن التي لاقتها من هجوم أعداء الله على رحلها ، وما فعلوه من سلب وسبي ونهب وإهانة وضرب لكرائم النبوة وودائع الرسالة ، وتكفلها حال النساء والأطفال في ذلة الأسر، ثم سيرها معهم من بلد إلى بلد ومن منزل إلى منزل ومن مجلس إلى مجلس، وغير ذلك من الرزايا التي يعجز عنها البيان ويكل اللسان ،وهي مع ذلك كله صابرة محتسبة ومفرضة أمرها إلى الله، قائمة بوظائف شاقة من مداراة العيال ومراقبة الصغار واليتامى من أولاد إخوتها وأهل بيتها ،رابطة الجأش بإيمانها الثابت وعقيدتها الراسخة، حتى إنها كانت تسلي إمام زمانها زين العابدين علیه السلام، وأما ما كان يظهر منها بعض الأحيان من البكاء وغيره فذلك أيضاً كان لطلب الثواب أو للرحمة التي أودعها الله عز وجل في المؤمنين، أما طلب الثواب فلعلمها بما أعده الله عز وجل للبكائين على الحسين علیه السلام.

وقال الإمام الصادق علیه السلام: من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح البعوضة، غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر.

وأما الرحمة التي أودعها الله في المؤمنين فمثل ما كان من النبي صلی الله علیه واله وسلم على ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك عند ما دخل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وولده إبراهيم يجود بنفسه قال : فجعلت عينا رسول الله صلی الله علیه واله وسلم تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله، فقال: يا ابن عوف إنها رحمة. ثم اتبعها بأخرى فقال رسول الله صلی الله علیه واله وسلم : إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ، وبالجملة فزينب عليها السلام صبرت صبر الكرام على تلك المصائب العظام والنوائب الجسام.

فمن عجيب صبرها علیه السلام وإخلاصها وثباتها ما نقله في الطراز المذهب أنها سلام الله عليها وعلى أبيها وأمها وأخويها لما وقفت على جسد أخيها الحسين علیه السلام قالت: اللهم تقبل منا هذا القليل من القربان قال: فقارنت أمها في الكرامات والصبر في النوائب بحيث حرقت العادات ولحقت بالمعجزات.

قال المؤلف النقدي أعلا الله مقامه : فهذه الكلمات من هذه الحرة الطاهرة، في تلك الوقفة التي رأت بها أخاها العزيز بتلك الحالة المفجعة، التي كانت فيها تكشف لنا قوة إيمانها ورسوخ عقيدتها وفنائها في جنب الله تعالى ، وغير ذلك مما لا يخفى على المتأمل.

وقال عمر أبو النصر اللبناني في كتابه الحسين بن علي المطبوع حديثا : ومما يجب أن يصار إلى ذكره في هذا الباب ما ظهر من زينب بنت فاطمة علیه السلام وأخت الحسين علیه السلام من جرأة وثبات جاش في موقفها هذا يوم المعركة وعند ابن زياد وفي قصر يزيد إلى آخر ما قال.

ولله در الشاعر الخطيب السيد حسن بن السيد عباس البغدادي حيث يقول :

يا قلب زينب ما لاقيت من محن *** فيك الرزايا وكل الصبر قد جمعا

فلو كان ما فيك من صبر ومن محن *** في قلب أقوى جبال الأرض لا نصدعا

يكفيك صبرا قلوب الناس كلهم *** تفطرت للذي لاقيته جزعا (1)


1) وفيات الأئمة: 451.

السفر الرابع : من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام

وذلك بعد قتل أخيها الحسين علیه السلام وأصحابه الأبرار تحت رعاية الظالمين.

ويشتمل هذا السفر على خطبتيها البليغتين في الكوفة وفي مجلس يزيد في الشام.

بلاغة زينب عليها السلام وشجاعتها

لما عزم ابن سعد على الرحيل من كربلاء ،أمر بحمل النساء والأطفال على أقتاب الجمال، ومروا بهن على مصارع الشهداء فلما نظرن النسوة إلى القتلى صحن وضربن وجوههن وفيهن زينب بنت علي علیه السلام تنادي بصوت حزين وقلب كتيب : يا محمدا صلى عليك مليك السماء، هذا حسين مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا إلى الله المشتكى، وإلى محمد المصطفى ،وإلى علي المرتضى وإلى فاطمة الزهراء وإلى حمزة سيد الشهداء ، يا محمداه هذا حسين بالعراء، قتيل أولاد البغايا، واحزناه واكرباء عليك يا أبا عبد الله ، اليوم مات جدي رسول الله يا أصحاب محمداه، هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا ، وهذا حسين محزوز الرأس من القفا مسلوب العمامة والرداء، بأبي من أضحى معسكره يوم الاثنين نهبا ، بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا غائب فيرجى ولا جريح فيداوى، بأبي من نفسي له الفداء ، بأبي المهموم حتى قضى ، بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبه يقطر بالدماء، بأبي من جده محمد المصطفى ،بأبي من جده رسول إله السماء، بأبي من هو سبط نبي الهدى، بأبي محمد المصطفي ،بأبي خديجة الكبرى، بأبي علي المرتضى، بأبي فاطمة الزهراء عليها السلام ، بأبي من ردت له الشمس حتى صلى، فأبكت والله كل عدو وصديق.

والله در الشاعر حيث يقول :

والظهر زينب تستغيث بنديها *** غرقت بفیض دموعها وجناتها

رقت لعظم مصابها أعداؤها *** ومن الرزية أن ترق عداتها

ثم أنها علیه السلام سافرت هذا السفر المحزن وهي حزينة القلب كسيرة الخاطر باكية العين ناحلة الجسم مرتعدة الأعضاء، قد فارقت أعز الناس عليها وأحبهم إليها، تحف بها النساء الأرامل والأيامى الثواكل، وأطفال يستغيثون من الجوع والعطش، ويحيط بها القوم اللثام من قتلة أهل بيتها وظالمي أهلها وناهبي رحلها، كشمر بن ذي الجوشن وزجر بن قيس وسنان بن أنس وخولي بن زيد الأصبحي وحرملة بن كاهل وحجار بن أبي أبحر وأمثالهم لعنهم الله ، ممن لم يخلق الله في قلوبهم الرحمة إذا دمعت عيناها أهوت عليها السياط ، وإن بكت أخاها لطمتها الأبدي القاسية، وهكذا كان سفرها هذا.

ولقد تواترت الروايات عن العلماء وأرباب الحديث بأسانيدهم عن حذلم ابن كثير قال: قدمت الكوفة في المحرم سنة إحدى وستين عند منصرف علي بن الحسين علیه السلام ومعه النساء والأطفال من كربلاء ومعهم الأجناد يحيطون بهم، وقد خرج الناس للنظر إليهم، فلما أقبلوا بهم على الجمال بغير وطاء وجعلن نساء الكوفة يبكين وينشدن، فسمعت علي بن الحسين علیه السلام يقول بصوت ضئيل وقد نهكته العلة وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه : إن هؤلاء النسوة يبكين فمن قتلنا.

قال : ورأيت زينب بنت علي علیه السلام ولم أر خفرة أنطق منها كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين علیه السلام قال : وقد أومت إلى الناس أن اسكتوا فقالت علیه السلام: الحمد لله والصلاة على محمد وآله الطيبين الأخيار ،أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر، أتبكون فلا رقات الدمعة ولا هدأت الرنة ، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون ايمانكم دخلا بينكم ، ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والصدر الشنف ،وملق الإماء، وغمز الأعداء، أو كمرعي على دمنة أو كفضة على ملحودة ، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب

أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون؟ أي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا ،وأني ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة وملاذ حيرتكم ومفزع نازلتكم ومنار حجتكم ومدره سنتكم ألا ساء ما تزرون ،وبعدا لكم وسحقا، فلقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبثتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة، ويلكم يا أهل الكوفة : أتدرون أي كبد الرسول الله صلى الله عليه وسلم فريتم، أي دم له سفكتم، وأي حرمة له انتهكتم، ولقد جئتم بها صلعاء عنقاء، سوداء، فقماء، خرقاء، شوهاء، كطلاع الأرض، أو ملئ السماء ،أفعجبتم أن مطرت السماء دما، ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، وإن ربكم لبالمرصاد.

قال الراوي: فوالله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم أفواههم، ورأيت شيخا واقفا إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته بالدموع، وهو يقول : بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير نسل، لا يخزى ولا يبزى.

قال المؤلف النقدي أعلا الله مقامه ، أقول: وهذا حذلم بن كثير من فصحاء العرب أخذه العجب من فصاحة زينب وبلاغتها ،وأخذته الدهشة من براعتها وشجاعتها الأدبية، حتى أنه لم يتمكن أن يشبهها إلا بأبيها سيد البلغاء، فقال: كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين علیه السلام، وهذه الخطبة رواها كل من كتب في وقعة الطف، أو في أحوال الحسين علیه السلام، ورواها الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين) من خزيمة الأسدي قال : ورأيت نساء الكوفة يومئذ قياما يندبن مهتكات الجيوب، ورواها أيضاً أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر بن طيفور في (بلاغات النساء) وأبو المؤيد الموفق بن أحمد الخوارزمي في الجزء الثاني من كتابه (مقتل الحسين) وشيخ الطائفة في أماليه وغيرهم من أكابر العلماء ، ومن بلاغتها وشجاعتها الأدبية ما ظهر منها علیه السلام في مجلس ابن زیاد .

قال السيد ابن طاوس وغيرهم وممن كتب في مقتل الحسين علیه السلام أن ابن زياد لعنه الله جلس في القصر وأذن للناس إذنا عاما وجئ برأس الحسين علیه السلام فوضع بين يديه، وأدخلت عليه نساء الحسين علیه السلام وصبيانه، وجاءت زينب بنت علي علیه السلام وجلست متنكرة، فسأل ابن زياد لعنه الله :من هذه المتنكرة فقيل له هذه زينب ابنة علي علیه السلام فأقبل عليها فقال : الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم.

فقالت علیه السلام: إنما يفتضح الفاجر ويكذب الفاسق وهو غيرنا.

فقال : كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيته ؟

فقالت: ما رأيت إلا خيرا ،هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج ونخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ، ثكلتك أمك يا ابن مرجانة ،فغضب اللعين وهم أن يضربها فقال له عمرو بن حريث : إنها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشي من منطقها.

فقال لها ابن زياد لعنه الله : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك.

فقالت: العمري لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاؤك فلقد اشتفيت .

فقال لعنه الله : هذه سجاعة ولعمري لقد كان أبوها سجاعا شاعرا.

فقالت : یا ابن زیاد ما للمرأة والسجاعة وإن لي عن السجاعة لشغلا.

وفي (الواعج الأشجان) للسيد محسن الأمين (أعلا الله مقامه) : وكتب ابن زياد إلى يزيد يخبره بقتل الحسين علیه السلام وخبر أهل بيته، وساق الحديث إلى أن قال : وأما يزيد فإنه لما وصله کتاب ابن زياد أجابه عليه يأمره بحمل رأس الحسين علیه السلام ورؤوس من قتل معه، وحمل أثقاله ونسائه وعياله ،فأرسل ابن زياد الرؤوس مع زجر بن قيس، وأنفد معه أبا بردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظبيان في جماعة من أهل

الكوفة إلى يزيد ،ثم أمر ابن زياد بنساء الحسن علیه السلام وصبيانه فجهزوا، وأمر بعلي بن الحسين فغل بغل إلى عنقه ، وفي رواية في يديه ورقبته ، ثم سرح بهم في أثر الرؤوس مع محفر بن ثعلبة العائدي وشمر بن ذي الجوشن ،وحملوهم على الأقتاب وساروا بهم كما يسار بسبايا الكفار ،فانطلقوا بهم حتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرؤوس، فلم يكلم علي بن الحسن علیه السلام أحدا منهم في الطريق بكلمة حتى بلغوا الشام، فلما انتهوا إلى باب يزيد رفع محفر بن ثعلبة صوته فقال : هذا محفر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللثام الفجرة، فأجابه علي بن الحسين علیه السلام: ما ولدت أم محفر أشر وألام، وعن الزهري أنه لما جاءت الرؤوس كان يزيد لعنه الله على منظرة جيرون

فأنشد لنفسه:

لما بدت تلك الحمول وأشرقت *** تلك الشموس على ربي جيرون نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح *** فلقد قضيت من النبي ديوني

قال السيد ابن طاوس، قال الراوي : ثم أدخل ثقل الحسين علیه السلام ونساؤه ومن تخلف من أهل بيته على يزيد بن معاوية وهم مقرنون في الحبال، فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال قال له علي بن الحسين : أناشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله صلی الله علیه واله وسلم لو رأنا على هذه الصفة؟

فامر يزيد بالحبال فقطعت ثم وضع رأس الحسين علیه السلام بين يديه.

وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن إليه، فرآه علي بن الحسين علیه السلام فلم يأكل بعد ذلك أبدا، واما زينب فإنها لما رأته أهوت إلى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين يقرح القلوب :يا حسيناه یا حبیب رسول الله يا بن مكة ومنى، يا بن فاطمة الزهراء سيدة النساء، يا بن بنت المصطفى.

قال الراوي: فأبكت والله كل من كان في المجلس ويزيد ساكت .

قال السيد ابن طاوس ثم دعا يزيد بقضيب خيزران فجعل ینکت به ثنایا الحسين علیه السلام ، فأقبل عليه أبو برزة الأسلمي وقال : ويحك يا يزيد أتنكث بقضيبك ثغر

الحسين علیه السلام ابن فاطمة علیه السلام ، أشهد لقد رأيت النبي صلی الله علیه واله وسلم يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن علیه السلام ويقول : أنتما سيدا شباب أهل الجنة فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم وساءت مصيرا.

قال الراوي : فغضب يزيد وأمر بإخراجه فأخرج سحبا ، قال : وجعل يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعرى :

ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحا *** ثم قالوا يا يزيد لا تشل

قد قتلنا القرم من ساداتهم *** وعدلناه ببدر فاعتدل

لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل

لست من خندف إن لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل(1)


1) فيات الأئمة : 456.

خطبة زينب عليها السلام في مجلس يزيد في الشام

قال الراوي: قامت زينب بنت علي بن أبي طالب علیه السلام فقالت : الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين ،صدق الله سبحانه كذلك يقول : (ثم كان عقبة الَّذِينَ أَسَمُوا السُّوَاء أَن كَذَّبُوا بِشَايَتِ اللهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِهُونَ )(1)أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء ،فأصبحنا نساق كما تساق الاسراء أن بنا هوانا على الله، وبك عليه كرامة، وأن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك ، جذلان مسرورا حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة.

والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلا مهلا ، أنسيت قول الله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُعَلى لَمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُقل لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ )(2)أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمالك، وسوقك بنات رسول الله علیه السلام سبايا قد هتكت ستورهن ،وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولي ولا من حماتهن حمى؟ وكيف ترتجي مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء؟ وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن ،والإحن والأضغان؟ ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم :

لأهلوا واستهلوا فرحا *** ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منحنياً على ثنايا أبي عبد الله علیه السلام سيد شباب أهل الجنة تنكثها بمخصرتك،


1) سورة الروم، الآية : 10.

2) سورة آل عمران الآية: 178

وكيف لا تقول ذلك ! وقد نكات القرحة واستأصلت الشفة بإراقتك دماء ذرية محمد صلی الله علیه واله وسلم، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ،وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ،ولتودن انك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت ، اللهم خذ بحقنا وانتقم من ظالمنا، واحلل غضبك ممن سفك دماءنا وقتل حماتنا .

فوالله ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك ولتردن على رسول الله صلى الله عليه وسلم مما تحملت من سفك دماء ذريته ،وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم، (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (1)وحسبك الله حاكما وبمحمد صلی الله علیه واله وسلم خصيماً وبجبرائيل ظهيراً، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين، وبئس للظالمين بدلا، وأبكم شر مكانا وأضعف جندا .

ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، إني لاستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى والصدور حرى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتجلب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفرها أمهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنما لتسدنا وشيكا مغرما ، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك ( وما ربك يظلمٍ لِلْعَبِيدِ ) (2)فإلى الله المشتكى وعليه المعول.

فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا ولا تدحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين، فالحمد لله رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل.


1) سورة آل عمران الآية: 169.

2) سورة فصلت الآية : 46

فقال يزيد :

يا صيحة تحمد من صوائح *** ما أهون الموت على النوائح

قال المؤلف النقدي (أعلا الله مقامه) : إن بلاغة زينب وشجاعتها الأدبية ليست من الأمور الخفية، وقد اعترف بها كل من كتب في وقعة كربلاء، ونوه بجلالتها أكثر أرباب التاريخ ،ولعمري إن من كان أبوها علي بن أبي طالب علیه السلام لي الذي ملأت خطبه العالم وتصدى لجمعها وتدوينها أكابر العلماء، وأمها فاطمة الزهراء صاحبة خطبة (فدك الكبرى )وصاحبة (الخطبة الصغرى )التي ألقتها على مسامع نساء قريش، ونقلتها النساء لرجالهن، نعم إن من كانت كذلك فحرية بأن تكون بهذه الفصاحة والبلاغة، وأن تكون لها هذه الشجاعة الأدبية والجسارة العلوية، ويزيد الطاغية يوم ذاك هو السلطان الأعظم والخليفة الظاهري على عامة بلاد الإسلام تؤدى له الجزية الأمم المختلفة والأمم المتبانية في مجلسه ، الذي أظهر فيه أبهة الملك وملاء بهيبة السلطان، وقد جردت على رأسه السيوف، واصطفت حوله الجلاوزة، وهو وأتباعه على كراسي الذهب والفضة وتحت أرجلهم الفرش من الديباج والحرير، وهي صلوات الله عليها في ذلة الأسر، دامية القلب باكية الطرف، حرى الفؤاد من تلك الذكريات المؤلمة والكوارث القاتلة ،قد أحاط بها أعداؤها من كل جهة، ودار عليها حسادها من كل صوب ، ومع ذلك كله ترمز للحق بالحق، وللفضيلة بالفضيلة، فتقول ليزيد غير مكترثة بهيبة ملكه ولا معتنية بأبهة سلطانه : أمن العدل يا ابن الطلقاء، وتقول له أيضاً : ولئن جرت على الدواهي مخاطبتك إني لاستصغر قدرك وأستعظم تقريعك واستكثر توبيخك ، فهذا الموقف الرهيب الذي وقفت به هذه السيدة الطاهرة مثل الحق تمثيلا، وأضاء إلى الحقيقة لطلابها سبيلا ، أفحمت يزيد ومن حواه مجلسه المشؤوم بذلك الأسلوب العالي من البلاغة ،وأبهتت العارفين منهم بما أخذت به مجامع قلوبهم من الفصاحة ،فخرست الألسن وكمت الأفواه وصمت الآذان، وكهربت تلك النفس النورانية تلك النفوس الخبيثة الرذيلة من يزيد وأتباعه بكهرباء الحق والفضيلة، حتى بلغ به الحال أنه صبر على تكفيره وتكفير أتباعه، ولم يتمكن من أن ينبس ببنت شفة ليقطع كلامها أو يمنعها من الاستمرار في خطابتها، وهذا هو

التصرف الذي يتصرف به أرباب الولاية متى شاؤوا وأرادوا بمعونة الباري تعالى لهم، وإعطائهم القدرة على ذلك.

وما أبدع ما قاله الشاعر الجليل السيد مهدي بن السيد داود الحلي عم الشاعر الشهير السيد حيدر رحمهما الله في وصف فصاحتها وبلاغتها من قصيدة :

قد أسروا من خصها بآية *** التطهير رب العرش في كتابه

إن ألبست في الأسر ثوب ذلة *** تجملت للعز في أثوابه

ما خطبت إلا رأوا لسانها *** أمضى من الصمصام في خطابه

وجليبت في أسرها أسرها *** عارا رأى الصغار في جلبابه

والفصحاء شاهدوا كلامها *** مقال خير الرسل في صوابه

ومن شجاعتها الأدبية في مجلس يزيد ما نقله أرباب المقاتل وغيرهم من رواة الاخبار : أن يزيد دعا بنساء أهل البيت والصبيان فأجلسوا بين يديه في مجلسه المشؤوم، فنظر شامي إلى فاطمة بنت الحسين علیه السلام فقام إلى يزيد وقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية تكون خادمة عندي؟

قالت فاطمة بنت الحسين علیه السلام : فارتعدت فرائصي، وظننت أن ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب عمتي زينب فقلت : عمتاه أو تمت واستخدم؟

فقالت عمتي علیه السلام للشامي : كذبت والله ولؤمت ،ما جعل الله ذلك لك ولا لأميرك.

فغضب يزيد وقال : كذبت والله إن ذلك لي ولو لفعلت.

قالت علیه السلام : كلا والله ما جعل ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا.

فاستطار يزيد غضبا وقال : إياي تستقبلين بهذا الكلام إنما خرج من الدين أبوك وأخوك.

فقالت زينب علیه السلام : بدين أبي وأخي اهتديت أنت وأبوك إن كنت مسلما قال :

كذبت یا عدوة الله قالت :يا يزيد أنت أمير تشتم ظالما وتقهر بسلطانك، فكأنه استحي وسكت فأعاد الشامي كلامه هب لي هذه الجارية فقال له يزيد : أسكت وهب الله لك حتفا قاضيا.

وروى السيد ابن طاوس في اللهوف هذه الرواية كما يأتي : قال نظر رجل من أهل الشام إلى فاطمة بنت الحسين علیه السلام فقال : يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية، فقالت فاطمة لعمتها زينب : أو تمت واستخدم؟

فقالت زينب عليها السلام : لا ولا كرامة لهذا الفاسق .

فقال الشامي : من هذه الجارية؟

فقال يزيد : هذه فاطمة بنت الحسين، وتلك زينب بنت علي بن أبي طالب ، فقال الشامي : الحسين بن فاطمة وعلي بن أبي طالب؟

قال نعم ،فقال الشامي : لعنك الله يا يزيد ،أتقتل عترة نبيك وتسبي ذريته والله ما توهمت إلا أنهم سبي الروم.

فقال يزيد : لألحقنك بهم، ثم أمر به فضربت عنقه، والذي يظهر ان هاتين القضيتين كلتيهما وقعتا في ذلك المجلس المشؤوم.

قال السيد محسن الأمين في لواعجه : ثم دخلت نساء الحسين علیه السلام وبناته على يزيد فقمن إليهن وصحن وبكين وأقمن المأتم على الحسين علیه السلام ، ثم أمر لهم يزيد بدار تتصل بداره ،وقيل أمر بهم إلى منزل لا يكنهم من حر ولا برد، فأقاموا فيه حتى نقشرت وجوههم، وكانوا مدة مقامهم في الشام ينوحون على الإمام الحسين علیه السلام (1)


1) وفيات الأئمة: 461.

السفر الخامس : من الشام إلى كربلاء ومن كربلاء إلى المدينة

في رعاية النعمان بن بشير وأصحابه، وقد أمرهم يزيد بالرفق بنساء

الحسين علیه السلام .

قال الشيخ المفيد في (الارشاد) : ندب يزيد النعمان بن بشير وقال له : تجهز لتخرج بهؤلاء النسوة إلى المدينة، وأنقذ معهم في جملة النعمان بن بشير رسولا تقدم إليه أن يسير بهم في الليل، ويكونوا أمامه حيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا انتحى عنهم وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، وينزل منهم بحيث إن أراد إنسان من جماعتهم وضوءا أو قضاء حاجة لم يحتشم، فسار معهم في حملة النعمان ولم يزل ينازلهم في الطريق ويرفق بهم كما وصاه يزيد حتى دخلوا المدينة.

وقال السيد ابن طاوس لما بلغوا العراق قالوا للدليل : مر بنا على طريق كربلاء، فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري الله رحمت الله وجماعة من بني هاشم ورجالا من آل الرسول صلى الله عليه وسلم قد وردوا لزيارة قبر الحسين علیه السلام فتوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أياما ، قال : ثم انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة .

قال بشر بن حذلم : فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين علیه السلام فحط رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال : يا بشر رحم الله أباك لقد كان شاعرا، فهل تقدر على شي منه ؟

فقلت بلى يا ابن رسول الله إني لشاعر فقال علیه السلام : ادخل المدينة وانع أبا عبد

الله علیه السلام قال بشر : فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه وسلم رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول :

يا أهل يشرب لا مقام لكم بها *** قتل الحسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلاء مضرج *** والرأس منه على القناة يدار

قال: ثم قلت هذا علي بن الحسين علیه السلام مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه ،قال: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن مكشوفة شعورهن ،مخمشة وجوههن ،مضروبة خدودهن ،يدعون بالويل والثبور ،فلم أر باكيا وباكية أكثر من ذلك اليوم ولا يوما مر على المسلمين مثله .

وقال أبو مخنف في مقتله نظير ما نقله السيد ابن طاوس.

ثم قام السجاد علیه السلام يمشي إلى أن دخل المدينة، فلما دخلها زار جده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دخل منزله .

وفي (المنتخب): وأما أم كلثوم فحين توجهت إلى المدينة جعلت تبكي وتقول :

مدينة جدنا لاتقبلينا *** فبالحسرات والأحزان جينا

خرجنا منك بالأهلين جمعا *** رجعنا لا رجال ولا بنينا

وكنا في الخروج بجمع شمل *** رجعنا حاسرين مسلبينا

وكنا في أمان الله جهرا *** رجعنا بالقطيعة خائفينا

ومولانا الحسين لنا أنيس *** رجعنا والحسین به رهینا

فنحن الضائعات بلا كفيل *** ونحن النائحات على أخينا

ونحن السائرات على المطايا *** نشال على جمال المبغضينا

ونحن بنات ي وطه *** ونحن الباكيات على أبينا

ونحن الطاهرات بلا خفاء *** ونحن المصطفون المخلصونا

ونحن الصابرات على البلايا *** ونحن الصادقون الناصحونا

ألا يا جدنا قتلوا حسینا *** ولم يرهوا جناب الله فينا

ألا يا جدنا بلغت عدانا *** مناها واشتفى الأعداء فينا

لقد هتكوا النساء وحملوها *** على الأقتاب قهرا أجمعينا

وزينب أخرجوها من خياها *** وفاطم واله تبدي الأنينا

سكينة تشتكي من حر وجد *** تنادي الغوث رب العالمينا

قال الراوي : وأما زينب عليها السلام فأخذت بعضادتي باب المسجد ونادت : يا جداه إني ناعية إليك أخي الحسين علیه السلام ، وهي مع ذلك لا تجف لها عبرة ولا تفتر من البكاء والنحيب، وكلما نظرت إلى علي بن الحسين علیه السلام تجدد حزنها وزاد وجدها ، أقول: وكأني بها علیه السلام بعد أخيها الحسين علیه السلام لا زالت باكية العين حزينة القلب منهدة الركن من المصيبة وكأني بلسان حالها يقول: -

يا غائبا عن أهله أتعود أم *** تبقى إلى يوم المعاد مغيبا

يا ليت غائبنا يعود لأهله *** فنقول أهلا بالحبيب ومرحبا

لو كان مجروحا لعولج جرحه *** كيف العلاج ونور بهجته خبا (1)


1) وفيات الأئمة : 464.

السفر السادس

من المدينة إلى الشام

تحت رعاية زوجها عبد الله بن جعفر أو إلى مصر ، مع بعض النساء من بني هاشم على اختلاف الروايات .

وسيأتي تفصيل ذلك في الفصول الآتية إن شاء الله .

وفاة السيدة زينب ومدفنها

إن من المأسوف عليه أن حملة التاريخ على توسعهم في سرد القصص والأحوال في أشياء كثيرة بما يكون القارئ في غنى عنها ، أهملوا حقائق من التاريخ تمس إليها حاجة المنقب ويشاق إليها طلبة الباحث، ولسنا الآن في صدد الأسباب الباعثة على ذلك، ولعلها لا تخفى على الناقد غير أن المهم في هذا الكتاب هي ناحية واحدة أصبحت من مواضيعه ،وهو البحث عن وفاة عقيلة بني هاشم زينب الكبرى عليها السلام ، وتحري الوقوف على مدفنها ،وإن كانت المصادر التي نستمد منها لا تخلو جملة منها من تشويش واضطراب ،وعلى العلات فنحن نقدم إلى القارئ الكريم ما قيل في ذلك ونحيل الحكم إليه.

فقيل أنها توفيت في المدينة المنورة، وكان ذلك بعد رجوعهم من الشام ،ذكره صاحب (الطراز) عن (بحر المصائب)، ولو صح هذا لبقي لعظيمة بيت الوحي أثر خالد ومشهد يزار كما بقي لمن دونها في المرتبة من بني هاشم بل لمن يمت إليهم بالولاء من رجالات الأمة.

وقيل أنها توفيت حوالي الشام، نقله صاحب (الطراز) أيضاً عن (أنوار الشهادة) و (بحر المصائب) في تفصيل لا مقيل له من ظل الحقيقة، وهو بالروايات الخرافية أشبه فالاعراض عنه أجدر .

وقيل أنها توفيت في الشام نقله في (الطراز) أيضاً عن (كنز الأنساب) لكن قائله تفرد برواية قصة في ذلك لم تتأكد .

وقيل أنها توفيت في إحدى قرى الشام نسبه في (الطراز) أيضاً إلى بعض المتأخرين، وتلهج الألسن في سبب ذلك بحديث المجاعة التي أصابت أهل المدينة

المنورة، فهاجرت مع زوجها عبد الله إلى الشام وتوفيت هنالك، وهو حديث لا أثر له في كتب التاريخ والسير والأنساب والتراجم، ولم يذكره المنقبون في الآثار ممن في كتب أهل البيت ،كالكليني ،والصدوق، والشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وابن شهر آشوب والطبرسي، وابن القتال، والعلامة الحلي، وابن طاوس والوزير الأربلي، والمجلسي الذي جمع فأوعى وقد احتوت مكتبته على ما لا يوجد في غيرها من آلاف الكتب، وتبرز هو في الإحاطة بالسير والآثار وأخبار أهل البيت علیه السلام ، إلى غيرهم كسبط ابن الجوزي ،وابن الصباغ المالكي، وابن طلحة الشافعي، والحافظ الكنجي، وابن الصبان ، والشبلنجي، والمحب الطبري، والبدخشي، والسيد علي الهمداني ، إلى نظرائهم ،وما أدري ولا المنجم يدري من أين جاء القائل بحديث المجاعة، وقد خلت عند زبر الأولين الذين هم أقرب عهد بأمثال هذه الوقائع من هذا القائل وذويه، وأغرب من يدعي وصلا بليل عزاه إلى كتاب لم نجده فيه بعد الفحص والتتبع.

أما هذا القبر الذي هو في الشام فقد ذكر جماعة من المؤلفين أنه للسيدة أم كلثوم بنت أمير المؤمنين ،والمشهور أن اسمها زينب أيضاً، ويفرق بينها وبين أختها زينب الكبرى بالوسطى، ولعل الأصح وأن اسمها رقية للحديث المروي في (ينابيع المودة)، وبه قال جماعة من أهل العلم منهم صاحب كتاب (ذخائر العقبى) قال في ضمن كلامه : وولدت فاطمة عليها السلام حسنا وحسينا علیه السلام وزينب ورقية وأم كلثوم، وولدت هذه السيدة بعد أختها زينب الكبرى وكانت من أجل النساء فضلا وزهدا وتقوى وعبادة وشرفا وعفة إلى غير ذلك من الصفات الكريمة والأخلاق الفاضلة ، أخذت العلم عن أبيها وأخويها وأختها ونشأت نشأتها المباركة في البيت العلوي الطاهر، ومحل قبرها الشريف بقرية راوية من غوطة دمشق المعروفة بقرية الست.

وقيل أن زينب الكبرى عليها السلام وتوفيت بمصر ولعل الأصح كما نص عليه العبيدلي كما سيأتي، ونقل الموافقة له ناشر كتاب (الزينبيات) عن ابن عساكر الدمشقي في تاريخه الكبير، والمؤرخ ابن طولون الدمشقي في (الرسالة الزينبية)، ووجدنا الموافقة له أيضاً في كتاب (لواقح الأنوار )للشعراني، وفي كتاب (إسعاف الراغبين) للشيخ

محمد صبان بهامش (نور الابصار) وفي كتاب (نور الابصار) للشبلنجي، وفي (الاتحاف) للشبراوي، وفي (مشارق الأنوار )لحسن العدوي نقلا عن الشعراني في (الأنوار القدسية) و(المنن)، وعن العلامة المناوي في طبقاته، وعن جلال الدين السيوطي في رسالته الزينبية ،وعن العلامة الأجهوري في رسالته على مسائل

عاشوراء .

وقال البحاثة فريد وجدي على ما نقله عنه بعض الاجلاء: السيدة زينب بنت علي كانت من فاضلات النساء وشريفات العقائل ،ذات تقى وطهر وعبادة، هاجرت إلى مصر وتوفيت بها (1)

وقال العلامة المحقق المطلع الشيخ محمد علي الأردوبادي في قصيدة قالها في رثاء الصديقة زينب وهي طويلة :

قد عاد مصر للحفيظة مغربا *** فسنا ذكاها واضح لن يغربا

بمليكة حسبا زكت فيه ولم *** يعقد عليه غير صنوبها الحبا

ومن النبوة في أسرة وجهها *** بلج كمثل الشمس يجلو الغيهبا

وتضوع منها للخلافة عبقة *** تطوى بنفحتها الصحاصح والربي

بجلال أحمد في مهابة حيدر *** قد أنجبت أم الأئمة زينيا

فيجمع الشرفين بضعة فاطم *** حصلت على أكرومة عظمت نبا

فأشار في البيت الأول وهو مطلع القصيدة إلى محل قبرها الشريف في مصر.

وإليك ما ذكره النسابة شيخ الشرف ابن الحسن يحيى بن الحسن العقيقي العبيدلي في (أخبار الزينبيات) على ما حكاه عنه مؤلف كتاب (السيدة زينب)، ذكر أن زينب الكبرى بعد رجوعها من أسر بني أمية إلى المدينة، أخذت تؤلب الناس على يزيد بن معاوية، فخاف عمرو بن سعيد الأشدق انتقاض الأمر، فكتب إلى يزيد


1) وفيات الأئمة : 467.

بالحال فأتاه كتاب يزيد يأمره بأن يفرق بينها وبين الناس، فأمر الوالي بإخراجها من المدينة إلى حيث شاءت ، فأبت الخروج من المدينة وقالت: قد علم الله ما صار إلينا قتل خيرنا وسقنا كما تساق الانعام ، وحملنا على الأقتاب، فوالله لا أخرج وإن أهرقت دماؤنا .

فقالت لها زينب بنت عقيل علیه السلام : يا ابنة عماه قد صدقنا الله وعده وأورثنا الأرض نتبوء منها ما نشاء فطيبي نفسا وقري عينا وسيجزي الله الظالمين، أتريدين بعد هذا هوانا ، إرحلي إلى بلد آمن ، ثم اجتمعت عليها نساء بني هاشم وتلطفن معها في الكلام، فاختارت مصر وخرج معها من نساء بني هاشم فاطمة بن الحسين علیه السلام وسكينة، فدخلت مصر لأيام بقيت من ذي الحجة ،فاستقبلها الوالي مسلمة بن مخلد الأنصاري في جماعة معه، فأنزلها داره بالحمراء فأقامت بها أحد عشر شهرا وخمسة عشر يوما، وتوفيت عشية الاحد لخمسة عشر يوما مضت من رجب سنة اثنتين وستين هجرية، ودفنت بمخدعها في دار مسلمة المستجدة بالحمراء القصوى، حيث بساتين عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، انتهى نص العبيدلي.

يقول مؤلف هذه الوفاة وجامع هذه المقتطفات : لا يخفى على الناقد البصير. أن حديث العبيدلي المذكور، الذي استدل به المؤلف النقدي (أعلا الله مقامه) على مهاجرة زينب الكبرى إلى مصر لا يخلو من الملاحظات والانتقادات والأشياء التي لعلها لا تتناسب مع مقام الصديقة الصغرى (سلام الله عليها)، مثل أنها كانت تؤلب الناس على يزيد، ومثل أنها حلفت أن لا تخرج من المدينة ثم خرجت، ومثل أنها النساء ولم يتعرض لذكر أحد من رجالها كزوجها عبد الله بن جعفر أو أحد بني هاشم ، ولم يتعرض إلى أنها استأذنت من زوجها أو من حجة الله الإمام زين العابدين علیه السلام ، غير ذلك مضافا إلى ما في الخبر من التهافت والتدافع، مثل أنها دخلت مصر لأيام بقيت من ذي الحجة وأقامت بها أحد عشر شهرا وخمسة عشر يوما، وتوفيت لخمسة عشر يوما مضت من رجب، وإن كان الصحيح أن دخولها مصر على تقدير صحة الخبر في غرة شعبان كما في كتاب ( بطلة كربلاء) لبنت الشاطئ كما لا يخفى .

وكيف كان فالأرجح عندي أنها علیه السلام توفيت في الشام في النصف من شهر رجب من العام الخامس والستين من الهجرة وهو عام المجاعة، وذلك بمحضر زوجها الجواد عبد الله بن جعفر ، ودفنت في إحدى قراء المعروفة برواية من غوطة دمشق المشتهرة الآن بقرية الست ، والدليل على ما اخترناه ثلاثة أمور :

الدليل الأول

ما ذكره الفاضل الشيخ محمد مهدي المازندراني في الجزء الثاني من كتابه (معالي السبطين)، والفاضل الخطيب السيد جاسم السيد حسن شبر في كتابه (البلاغة العلوية) نقلاً عن البحاثة المحقق آية الله السيد حسن صدر الدين (طاب ثراء)، قال في كتابه (نزهة أهل الحرمين ):زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين علیه السلام وكنيتها أم كلثوم قبرها في قرب زوجها عبد الله بن جعفر الطيار خارج دمشق الشام معروف ، جاءت مع زوجها عبد الله بن جعفر أيام عبد الملك بن مروان إلى الشام سنة المجاعة ليقوم عبد الله بن جعفر في مكان له من القرى والمزارع خارج الشام حتى تنقضي المجاعة، فماتت زينب عليها السلام هناك ودفنت في بعض تلك القرى، هذا هو التحقيق في وجه دفنها هناك، وغيره غلط لا أصل له ، فاغتنم فقد وهم في ذلك جماعة فخبطوا خبط العشواء انتهى كلام السيد الصدر (أعلى الله مقامه).

وقوله : قبرها في قرب زوجها تصحيف وغلط مطبعي، والصحيح قبرها في قرى زوجها كما تدل عليه العبارة الآتية وهي قوله : ودفنت في بعض تلك القرى، فتنبه (1)...

الدليل الثاني

ما نقله المازندراني في الجزء الثاني من (المعالي) عن العلامة الجليل ثقة الإسلام السيد هبة الدين الشهرستاني أنه قال : لأمير المؤمنين علیه السلام بنتان بهذا الاسم الصغرى تلقب أم كلثوم والكبرى هي سيدة الطف ، وكان ابن عباس ينوه عنها بعقيلة


1) وفيات الأئمة : 470.

بني هاشم ولدتها الزهراء عليها السلام بعد شقيقها الحسين بسنتين ، وتزوجها عبد الله ابن عمها جعفر الطيار، وكانت قطب دائرة العيال في المخيم الحسيني وقد أفرغ لسان الملك ترجمتها في مجلد خاص من موسوعة (ناسخ التواريخ) .

وجاء في ( الخيرات الحسان ) وغيره : أن مجاعة أصابت المدينة فرحل عنها بأهله عبدالله بن جعفر إلى الشام في ضيعة له هناك، وقد حمت زوجته زينب علیه السلام من وعشاء السفر أو ذكريات أحزان وأشجان من عهد سبي يزيد لآل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم توفيت على أثرها في نصف رجب سنة خمس وستين من الهجرة ودفنت هناك حيث المزار المشهور (1).

الدليل الثالث

قول الذاكر الخطيب الشيخ حسن بن الشيخ كاظم سبتي في أواخر قصيدته التي قالها في شرح أحوال الصديقة الصغرى قال تحت عنوان سبب وفاتها :

وزوجها ابن عمها الطيار عبد *** الله بارى في السخاء السحبا

لما أصابت يثربا مجاعة *** وشدة وعامهم قد قطبا

فار عبد الله ينحو الشام في *** عياله يحملهم وزينبا

لكن وعشاء الطريق أثرت *** بها فكابدت عناء نصبا

فعندما تذكرت دخولها *** للشام حسرى وهي في أسر السبا

حمت وما زالت تعاني سقما *** وسقمها في جسمها قد نشبا

وعام خمسة وستين قضت *** صابرة بالصبر حازت رتبا

وقد مضت عنا بنصف رجب *** يا ليت انا لم نشاهد رجبا

فكاني بها (صلوات الله عليها) لما قرب منها الموت وحانت منها المنية، اضطجعت على فراشها واستقبلت القبلة ، وقالت : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا


1) وفيات الأئمة : 470.

شريك له، وأشهد أن جدي محمدا عبده ورسوله ،أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأن أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ،وأخوي الحسن والحسين وعلي بن الحسين وبقية الأئمة الطاهرين علیه السلام أئمتي وأوليائي وإن جميع ما جاء به جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حق ومن عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ،وأن الله يبعث من في القبور.

وكأني بها سلام الله عليها عند احتضار الموت قد غمضت عينيها ومدت يديها ورجليها وقرأت سورة يس والصافات ،وفاضت نفسها الطيبة وفارقت روحها الدنيا ،وكأني بمن حضر هذه الكارثة العظمى والفادحة الكبرى من نساء ورجال قد علا منهم الصیاح، وارتفع النياح، وكثر منهم الضجيج والعجيج، ولطموا الخدود، وشققوا الجيوب ، ونادوا بالويل والثبور وعظائم الأمور، فلم ير في ذلك اليوم إلا باك وباكية وناع وناعية، ونائح ونائحة ، وصارخ وصارخة ، ينادون وا زینباه، وا سیدناه، وا غریبتاه، وا ،مصيبتاه وا ،فجعناه وا ،وحشتاء واطول حزناه، وا ثكلاء، وكأني بزوجها الحزين مع من حضر من الجمع قد قاموا في جهازها، فغسلوها وكفنوها، وصلوا عليها ، ودفنوها في قبرها ، وأهالوا عليها التراب فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولله در الفاضل الخطيب الميرزا محمد الخليل النجفي حيث يقول في قصيدة له في رثائها علیه السلام :

إذا نابك الدهر لا تعجب *** فليس على الدهر من متعب

ولا تغتر بابتساماته *** فبالناب يغدر والمخلب

وكن جلدا عند دهم الخطوب *** فمن يرتدي الصبر لم يغلب

وان دهمتك صروف الزمان *** تذكر عقيلة آل النبي

تذكر مصائبها سلوة *** وحمر الدموع عليها أسك أسكب

فكل النوائب تسلى لدى *** نوائب خير الناء زينب

وناهيك أرزاؤها في الطفوف *** فمهما تحدثت لم تكذب

رزايا يحار لديها الصبور *** احتمالا ومنها يشيب الصبی

وقد قابلتها بكظم الوصي *** وصبر البتول وحلم الوصی

إلى أن قضت وهي حلف الأسى *** بصبر لدى الدهر لم ينضب

فيا قلب ذب بعدها حسرة *** ويا عين فيضي لها واسكبی (1)


1) وفيات الأئمة : 473 .

سبب وفاة السيدة زينب عليها السلام

وزوجها ابن عمها الطيار عبد *** الله بارى في السخاء السحبا

لما أصابت يشربا مجاعة *** وشدة وعامهم قد قطبا

فسار عبد الله بنحو الشام في *** عياله يحملهم وزينبا

لكن وعشاء الطريق أثرت *** بها فكابدت عناء نصبا

فعندما تذكرت دخولها *** للشام حسرى وهي في أسر السبا

حمت وما زالت تعاني سقما *** وسقمها في جسمها قد نشبا

وعام خمسة وستين قضت *** صابرة بالصبر حازت رتبا

رقد مضت عنا بنصف رجب *** يا ليت أنا لم نشاهد رجبا (1)

للعالم الفاضل شاعر أهل البيت الشيخ محمد نصار :

هاج وجدي لزينب إذ عراها *** فادح في الطفوف هد قواها

يوم أضحت رجالها غرضا للنبل *** والسمر فيه هاج وغاها

ونعت بين نوة ثاكلات *** تصدع الهضب في حنين بكاها

آه وا لهفتاه ماذا تقاسي *** من خطوب تربو على ما سواها

ولمن تسكب المدامع من عين *** جفاجفنها لذيذ كراها

النهب الخيام أم لعليل *** ناحل الجسم أم على قتلاها

أم لأجسامهم على كتب الغبر *** أم مخضوبة بفيض دماها


1) وفيات الأئمة : 479

أم لرفع الرؤوس فوق عوالي السمر *** أم رض صدر حامي حماها أم لأطفالها تقاسي سياق الموت *** أم عظم سيرها وسراها

أم لسير النساء بين الأعادي *** شاكلات يندبن یا آل طاها

نهن تندب من قد *** ندبته الأملاك فوق سماها (1)


1) وفيات الأئمة : 479

رثاء زينب عليها السلام

أما رئاؤها علیه السلام فهو كثير لا يحصى نظماً ونثراً، ولكن لا يسقط الميسور بالمعسور، فنقول من جليله الحقائق أن نظم القريظ في أي أحد فيه إشادة بذكره، وإقامة لامره، فإن المأثرة مهما عظمت فقد تنسى ويحمل ذكرها بمرور الحقب والأعوام، لكن الشعر الخالد الذي تسير به الركبان يؤيد ذلك الفضل البائد، ويلفت الانظار إلى جهته، وبما أن ذكرى أهل بيت العصمة (صلوات الله عليهم) هي أساس الدين وجدم الاصلاح لما يتبعها من اعتناق تعاليمهم واقتفاء آثارهم، تواتر الحث على سرد الشعر فيهم مدحا ورثاء ورتبت عليه المثوبات العظيمة في أحاديث أئمة الهدى علیه السلام وعد ذلك أفضل الطاعات.

ففي (عيون الاخبار) لشيخنا الصدوق رحمه الله بالاسناد عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال : قال أبو عبد الله الصادق علیه السلام من قال فينا بيت شعر بني الله له بيتا في الجنة، وفيه عن علي بن سالم عن أبيه عن الصادق علیه السلام أنه قال ما قال فينا قائل بيت شعر حتى بؤيد بروح القدس، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة (1).

وبما أن زينب العقيلة (سلام الله عليها )من أولئك الافراد الذين هم عمد الدين وأعضاد الشريعة وقد شاركت الحسين علیه السلام في نهضته المقدسة والذب عن شريعة جدها الرسول، تبادر أفذاذ ممن يمتهم الولاء إلى تحري ذلك الأجر الجزيل بنظم مدائحها ومراثيها.

فمن أولئك الأفذاذ حجة الإسلام آية الله المغفور له الشيخ محمد حسين الأصفهاني المتوفي 5 - 12 عام 1361 ه-.


1) وفيات الأئمة: 473.

قال أعلى الله مقامه : -

وليت وجهي شطر قبلة الورى *** ومن بها تشرفت أم القرى

قطب محیط عالم الوجود *** في قوسي النزول والصعود

ففي النزول كعبة الرزايا *** وفي الصعود قبلة البرايا

بل هي باب حطة الخطايا *** وموثل الهبات والعطايا

أم الكتاب في جوامع العلا *** أم المصاب في مجامع البلا

رضيعة الوحي شقيقة الهدى *** ربيبة الفضل خليفة الندى

ربة خدر القدس والطهارة *** في الصون والعفاف والخفارة

فإنها تمثل الكنز الخفي *** بالسر والحياء والتعفف

تمثل الغيب المصون ذاتها *** تعرب عن صفاته صفاتها

مليكة الدنيا عقيلة النساء *** عديلة الخامس من أهل الكسا

شريكة الشهيد في مصائبه *** كفيلة السجاد في نوائبه

بل هي ناموس رواق العظمة *** سيدة العقائل المعظمة

ما ورثته من الرحمة *** جوامع العلم أصول الحكمة

سرابها في علو الهمة *** والصبر في الشدائد الملمة

ثباتها ينبئ عن ثباته *** كان فيها كل مکرمانه

لها من الصبر على المصائب *** ما جل أن يعد في العجائب

بل كاد أن يلحق بالمعاجز *** لأنه حرفة كل عاجز

فإنها سلالة الولاية *** ولاية ليس لها نهاية

بیانها يفصح عن بيانه *** كانها تفرغ عن لسانه

ناهيك فيه الخطب المأثورة *** فإنها كالدرر المنثورة

بل هي لولا الحط من مقامها *** كاللولو المنضود في نظامها

فإنها وليدة الفصاحة *** والدها فارس تلك الساحة

وما أصاب أمها من البلا *** فهو تراثها بطف كربلا

لكنها عظيمة بلواها *** من الحرب شاهدت دماها

رأت هجوم الخيل بالنار على *** خبائها أو محور السبع العلى

وأسلبوا يا ويلهم قرارها *** مذ سلبوا إزارها خمارها

وسبيهم ودائع المختار *** عار على الإسلام أي عار

يكاد أن يذهب بالعقول *** سبي بنات الوحي والتنزيل

وما رأت بالطف من أهوالها *** جل عن الوصف بيان حالها

ومن يطيق وصف سوء حالها *** مذرات السبط علی رمالها

معفر الخد مضرجا بدم *** لهفي على جمال سلطان القدم

وحولها فتيانه على الثرى *** كالشهب الزهر تحف القمرا

واها على كواكب العود *** عقد نظام الغيب والشهود

كيف هوت وانتشرت أشلاؤها *** بأي ذنب سفکت دماؤها

وشاهدت ريحانة الرسول *** تدوسها حوافر الخيول

فاصبحت خزانة اللاهوت *** حلبة خيل الجبت والطاغوت

صدر تربی فوق صدر المصطفى *** ترضه الخيل على الدنيا العفا

ترى العوالي مركز المعالي *** مدرجة لذروة الكمال

لي عرش وعليه التاج *** أو أنها البراق والمعراج

نال من العروج ما تمنى *** کتاب قوسين دنا أو أدنى

حتى تجلي قائلا إني أنا *** من شجر القناة في طور القنا

لسان حاله لسلطان القدم *** سعيا على الرأس إليك لا القدم

وسوقها إلى يزيد الطاغية *** أشجي فجيعة وأدهي داهية

وما رأته في دمشق الشام *** يذهب بالعقول والأحلام

أمامها رأس الامام الزاكی *** وخلفها النوائح البواكي

أو الكتاب الناطق المبين *** حف به الحنين والأنين

وأفظع الكل دخول الطاهرة *** حاسرة على ابن هند العاهرة

وما لها ومجلس الشراب *** وهي ابنة السنة والكتاب

أتوقف الحرة من آل العبا *** بين يدي طليقها واعجبا

يشتمها طاغية الالحاد *** وهي سلالة النبي الهادي

بل سمعت من ذلك اللعين *** سب أبيها وهو أصل الدين

أتنسب الطاهرة الصديقة *** للكذب وهي أصدق الخليقة

واحر قلباه لقلب الحرة *** فما رأته لا أطيق ذكره

شلت ید مدت بقرع العود *** إلى ثنايا العدل والتوحيد

تلك الثنايا مرشف الرسول *** وملثم الطاهرة البتول

وما حناء باللان أعظم *** وكفره المكنون منه يعلم

وقد أبانت كفر ذاك الطاغی *** بأحسن البيان والبلاغ

حنت بقلب موجع محترق *** على أخيها فأجابها الشقي

يا صيحة تحمد من صوائح *** ما أهون النوح على النوائح

ومن أولئك الأفذاذ الخطيب الشيخ حسن بن الشيخ كاظم سبتي، وإليك ما قاله شارحا أحوال الصديقة عليها السلام وفضلها :

سل زينبا عما عليهم جرى *** عما عليهم جری سل زینبا

هي العقيلة التي عنها روى *** الحبر ابن عباس وعنها كتباً

عامين من بعد شقيقها الحسين *** ولدت أهلا بها ومر ومرحبا

أول شعبان أتى ميلادها *** أضاء نورها فأخفى الكوكيا

وبشر النبي لما ولدت *** وهو على المنبر يلقى الخطبا

بشره سلمان فيها بعدما *** وافاه جبريل بذاك مطنبا.

وقال :

سماها الإله في السما *** بزينب لما تقاسي نوبا

نام دار ابنته فاط *** مهنيا لها بها مرحبا

جلالة قدر زينب في الشعر

إن قصدت تزور قبر جدها *** شوقا إليه إذ هم بيشربا

أخرجها ليلا أمير المؤمنين *** والحسين والزكي المجتبى

بقهم أبوهم فيطفي *** الضوء الذي في القبر قد ترتبا

قبل له لم ذا فقال إننی *** أخشى بأن تنظر عين زينبا

مكارم اخلاقها في الشعر

روحي لها الفداء من مصونة *** زكية كريمة ذات إبا

ذات عفاف ووقار وحجي *** من شرفت أما وجدا وأبا

أحمد جدي وعلي والدي *** وفاطم أم فأكرم نسبا

تكفلت أثقل ما في الدار *** بعد أمها من أيام الصبا

وجرعت ما جرعته أمها *** من الأذى ما منه تنسف الربى

علمها عيبة علم غير أن علمها *** غريزة ولم يكن مكتسبا

عالمة عاملة لربها *** طول المدى سوى التقى أن تصبحا

تقية من أهل بيت عصمة *** شقيقة السبط الحسين المجتبى

صديقة كبرى لجم علمها *** طاشت بها الألباب والفكر كيا

فيالها داعية إلى الهدى *** في حل كل مشكل قد صعبا

ذات فصاحة إذا ما نطقت *** حينا تخال المرتضى قد خطبا

سل مجلس الشام وما حل به *** مذ خطبت ماج بهم واضطربا (1)


1) وفيات الأئمة : 478.

زينب والسجاد علیه السلام

في أنها كانت سلوة وعزاء للسجادعلیه السلام طيلة مرضه :

ومذ عرا زين العباد السقم *** بالطف لما عانی بلاء مكربا

كان له بها السلو والعزا *** بعد أبيه دون كل الأقربا

فلم تزل تنبی بما یزیده *** الله بأحسن الحديث والنبا

ما دام زين العابدين مجهدا *** يشكو السقام والعنا والوصبا (1)


1) وفيات الأئمة: 479

كرامات السيدة زينب عليها السلام

وأما الكرامات المروية عن زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين علیه السلام والمنقولة في الكتب العربية والفارسية كثيرة ،ولا بأس بذكر واحدة من تلك الكرامات تيمنا وتبركا فنقول : من كراماتها الباهرة ما نقله العلامة النوري في كتابه (دار السلام) قال: حدثني السيد السند، والحبر المعتمد ،العالم العامل ،وقدوة أرباب الفضائل، والبحر الزاخر، عمدة العلماء الراسخين السيد محمد باقر السلطان آبادي نفع الله به الحاضر والبادي قال : عرض لي في أيام اشتغالي ببروجرد مرض شديد، فرجعت من بروجرد إلى سلطان آباد، فاشتد بي المرض بسبب هذه الحركة ،وانصبت المواد في عيني اليسرى فرمدت رمدا شدیدا ،و اعتراها بياض وكان الوجع يمنعني من النوم، فأحضر والدي أطباء البلد للعلاج، ولما رأوا حالتي قال أحدهم: يلزم أن يشرب الدواء مدة ستة أشهر، وقال الآخر : مدة أربعين يوماً.

فضاق صدري وكثر همي من سماع كلماتهم لكثرة ما كنت شربت من الدواء في تلك المدة وكان لي أخ صالح تقي أراد السفر إلى المشاهد العظيمة وزيارة سادات البرية فقلت له : أنا أيضاً أصاحبك للتشرف بتلك الأعتاب الطاهرة، لعلي أمسح عيني بترابها الذي هو دواء لكل داء، ويأتيني ببركاتها الشفاء.

فقال لي : كيف تطيق الحركة مع هذا المرض العضال وهذا الوجع القتال؟

ولما بلغ الأطباء عزمي على السفر قالوا بلسان واحد : إن بصره يذهب في أول منزل أو ثاني منزل.

فتحرك أخي وأنا جئت إلى بيته بعنوان مشايعته في الظاهر، وكان هناك رجل

من الأخيار سمع قصتي فحرضني على الزيارة وقال لي : لا يوجد لك شفاء إلا لدى خلفاء الله وحججه، فإني كنت مبتلى بوجع في القلب مدة تسع سنين وكلت الأطباء عن تداويه.

فزرت أبا عبد الله الحسين علیه السلام فشفاني بحمد الله من غير تعب ومشقة، فلا تلتفت إلى خرافات الأطباء، وامض إلى الزيارة متوكلا على الله تعالى، فعزمت من وقتي على السفر، فلما كنا في المنزل الثاني من سفرنا اشتد بي المرض ليلا.

ولم استقر من وجع العين، فأخذ من كان يمنعني من السفر يلومني، واتفق أصحابي كلهم على أن أعود إلى بلدي الذي جئت منه، فلما كان وقت السحر وسكن الوجع قليلا رقدت فرأيت الصديقة الصغرى زينب بنت إمام الأتقياء عليه آلاف التحية والثناء، فدخلت علي وأخذت بطرف مقنعة كانت في رأسها وأدخلته في عيني ومسحت عيني به ، فانتبهت من منامي وأنا لم أجد للوجع أثراً في عيني، فلما أصبح الصباح قلت لأصحابي : لم أجد اليوم ألما في عيني فلا تمنعوني من السفر، فما تيقنوا مني فحلفت لهم وسرنا، فلما أخذنا في السير رفعت المنديل الذي كان على عيني المريضة ونظرت إلى البيداء وإلى الجبال فلم أر فرقا بين عيني اليمنى الصحيحة واليسرى المريضة ، فناديت الرفقاء وقلت لهم: تقربوا مني وانظروا في عيني، فنظروا وقالوا : سبحان الله لا نرى في عينك رمدا ولا بياضا ولا أثرا من المرض، ولا لفرق بين عينك اليمنى واليسرى ،فوقفت وناديت الزائرين جميعا وقصصت لهم رؤياي وكرامة الصديقة الصغرى زينب (سلام الله عليها).

ففرح الجميع وأرسلت البشائر إلى والدي فاطمأن خاطره بذلك.

قال العلامة النوري : وحدثني بتلك الكرامة شيخنا الجليل النبيل والعالم الذي عدم له النظير والبديل المولى فتح علي السلطان ، آبادي قال : إنه شاهد هذه الحكاية بنفسه (1)


1) وفيات الأئمة : 483

قصة في أثر البكاء على زينب عليها السلام

قيل أنه كان العبد الورع رحيم اسماعيل بك يحب أهل البيت علیه السلام حباً جماً ويتوسل بهم كثيراً وهو في سن السادسة من عمره أصيب بمرض في عينه أدى إلى العمى.

وكان يحضر مجالس العزاء باستمرار وفي أحد المجالس عند خاله طلب من خاله أن يوزع الماء بمساعدة أحدهم فساعده خاله وابتدأ العزاء وكان عن زينب فتألم كثيراً وأخذه البكاء على الحوراء ومصائبها حتى أغمي عليه فرآها في المنام تمسح على عينيه وقالت له لقد شفيت ولن يمرضا أبداً بعدها.

فلما أفاق أخبر خاله فأخذوا يهللون ويكبرون ويصلّون على النبي وآله صلى الله عليه وسلم .

وفعلاً عند ما كان يعمل في أحد المختبرات إحترق هذا العبد الصالح باستثناء عينيه فكان الأطباء يتعجبون من ذلك فيجيبهم بأنها المعجزة الحسينية وشفي بعدها ..

بكاء زينب على الحسين علیه السلام

قال السيد القرشي : خلدت عقيلة آل أبي طالب إلى البكاء والنياحة على انقراض أهلها وكانت لا تجف لها عبرة، ولا تفتر عن البكاء، وكلما نظرت إلى ابن أخيها زين العابدين يزداد وجدها وحزنها وقد نخبت المصائب قلبها حتى صارت كأنها جثة هامدة ،ولم تبق بعد الكارثة إلا سنتين حتى سمت روحها إلى الرفيق الأعلى (1)

بكاء زينب على الحسين في يثرب

قال القرشي : واتجه موكب أسارى أهل البيت إلى يثرب فأخذ يجد في السير لا يلوي على شيء وقد جللته الأحزان والآلام، وقد غامت عيون بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدموع وهن ينحن على فقد الأحبة ويذكرن بمزيد اللوعة ما جرى عليهم من أسر الذل والهوان.

وكانت يثرب قبل قدوم السبايا إليها ترفل في ثياب الحزن على أم المؤمنين السيدة أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقد ماتت بعد مقتل الحسين علیه السلام ، بشهر حزناً وكمداً عليه وهي التي أنبأت الناس عن مقتله.

فلما انتهوا إلى الجامع النبوي أخذت عقيلة آل أبي طالب بعضادتي باب المسجد، وجعلت تخاطب جدها الرسول صلى الله عليه وسلم قائلة :

«يا جداه إني ناعية إليك أخي الحسين» .


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 294/3

وخلدن بنات رسول الله إلى الحزن فأقمن المآتم على سيد الشهداء ولبسن السواد وأخذن يندبنه بأقسى وأشجى ما تكون الندبة (1).

بكاء اهل البيت على الحسين علیه السلام

روي أنه أشرف مولى لعلي بن الحسين علیه السلام وهو في سقيفة له ساجد يبكي فقال له : يا مولاي ياعلي بن الحسين أما آن لحزنك أن ينقضي.

فرفع رأسه اليه وقال : ويلك والله لقد شكى يعقوب الى ربه في أقل مما رأيت حتى قال (يا أسفي على يوسف) إنه فقد ابناً واحداً وانا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبحون حولي(2)

وروى ابن شهر آشوب في المناقب عن الصادق جعفر بن محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال : بكي علي بن الحسين عشرين سنة وما وضع بين يديه طعام إلا بكى، حتى قال له مولى له جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف ان تكون من الهالكين ، قال علیه السلام : إنما أشكو بثي وحزني الى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون إني لم اذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة (3).

روى ابو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني عن علي بن اسماعيل التميمي عن أبيه أنه قال : كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق علیه السلام فاستأذن أذنه للسيد الحميري فأمر بايصاله وأقعد حرمه خلف الستر ودخل فسلّم وجلس فاستنشده فأنشد :

أمرر على جدث الحسين *** فقل لأعظمه الزكيه

يا أعظماً لازلت من *** وطفاء ساكبة رويه

واذا مررت بقبره *** فأطل به وقف المطية

وابك المطهرللمط_ *** هر والمطهرة النقيه


1) حياة الإمام الحسين للقرشي : 3/ 290

2) كامل الزيارات للشيخ القمي، 213 - 214 مؤسسة النشر الإسلامي، ط 1، 1417 ه-.

3) اعيان الشيعة لمحسن الأمين 586/1.

قال : فرأيت دموع جعفر بن محمد تنحدر على خديه وارتفع الصراخ من داره حتى أمر بالامساك فأمسك (1).

روى الصدوق في عيون أخبار الرضا بسنده عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: دخل دعبل بن علي الخزاعي رحمت الله على أبي الحسن علي بن موسى الرضا علیه السلام بمرو فقال له : يابن رسول الله اني قد قلت فيكم قصيدة وآليت على نفسي أنشدها أحداً قبلك فقال علیه السلام : هاتها ، فأنشده:

مدارس آیات خلت من تلاوة *** ومنزل وحي مقفر العرصات

فلما بلغ الى قوله :

أرى فيأهم في غيرهم متقسماً *** وأيديهم من فيتهم صفرات

بكي أبو الحسن الرضا علیه السلام وقال له : صدقت ياخزاعي(2).

روي عن الإمام الرضا علیه السلام انه قال :« ... ان يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا وأذل عزيزنا .. فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فان البكاء يحط الذنوب العظام، ثم قال علیه السلام كان أبي علیه السلام اذا دخل شهر المحرم لايرى ضاحكاً وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام فاذا كان يوم العاشر كان ذلك يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول هو اليوم الذي قتل فيه الحسين (3).


1) الأغاني لابي فرج الاصفهاني 260/7 ، دار الفكر ، بيروت - لبنان، ط2، 995

2) عيون اخبار الرضا للطوسي 269/2، منشورات الأعلمي طهران.

3) امالي الصدوق، ص 111.

بكاء علي بن الحسين على أبيه علیه السلام

حدثني أبي رحمه الله عن جماعة مشايخي عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن أبي داود المسترق عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله علیه السلام قال بكى علي بن الحسين على أبيه الحسين بن علي علیه السلام عشرين سنة أو أربعين سنة وما وضع بين يديه طعام إلا بكى على الحسين حتى قال له: مولى له جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة لذلك.

حدثني محمد بن جعفر الرزاز عن خاله محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الزيات عن علي بن أسباط عن إسماعيل بن منصور عن بعض أصحابنا قال : أشرف مولى لعلي بن الحسين علیه السلام وهو في سقيفة له ساجد يبكي فقال له : يا مولاي يا علي بن الحسين أما آن لحزنك أن ينقضي فرفع رأسه إليه وقال ويلك أو ثكلتك أمك والله لقد شكا يعقوب إلى ربه في أقل مما رأيت حتى قال : يا أسفى على يوسف أنه فقد إبناً واحداً وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يذبحون حولي.

قال: وكان علي ابن الحسين علیه السلام يميل إلى ولد عقيل فقيل له : ما بالك تميل إلى بني عمك هؤلاء دون آل جعفر ؟ فقال : إني أذكر يومهم مع أبي عبد الله الحسين بن علي علیه السلام فارق لهم (1).


1) کامل الزيارات: 108

الهدف من البكاء

قال الإمام الخميني (1): فلا يتصور أبناؤنا وشباننا أن القضية بكاء شعب لا غيرا وأننا (شعب بكاء)! على ما يريد الآخرون أن يوحوا لكم به، إنهم يخافون من هذا البكاء بالذات. لأنه بكاء على المظلوم، وصرخة بوجه الظالم، وهذه المواكب التي تجوب الشوارع للعزاء إنما تواجه الظلم وتتحدى الظالمين، وهو ما ينبغي المحافظة عليه ، إنها شعائرنا الدينية التي ينبغي أن تصان وهي شعائر سياسية يلزم التمسك بها.

حذار من أن يخدعنكم هؤلاء الكتاب الذين يهدفون إلى تجريدكم من كل شيء وذلك تحت أسماء ومرامي منحرفة مختلفة. فهم يرون أن مجالس العزاء هذه وذكر مصائب المظلوم وجرائم الظالم في كل عصر إنما تدفع إلى الوقوف بوجه الظالم.

إن هؤلاء الذين يطالبوننا بالكف عن المآتم والمجالس الحسينية لا يعلمون أن هؤلاء المقيمين لهذه الشعائر إنما يقدمون لهذا البلد وللإسلام أسمى الخدمات وعلى شباننا أن لا ينخدعوا بتخرصات هؤلاء وإدعاءاتهم، إنهم - أيها الشبان - أناس خونة ، هؤلاء الذين يوحون إليكم بأنكم «شعب بكاء »فأسيادهم وكبراؤهم يخشون هذا البكاء، والدليل على ذلك أن رضا خان أقدم على منع كل تلك المواكب والمأتم وكان مأموراً بذلك بتاريخ 1941/11/5 وبعد شهرين من هروب رضا خان تحدثت إذاعة لندن في واحد من تحليلاتها السياسية علانية عن الصداقة المقصودة وغير المقصودة مع إيران والمجيء بحكومة رضا خان حيث قالت: تقوم السياسة الإنجليزية في إيران على الصداقة غير مقصودة والصداقة المقصودة .والصداقة غير المقصودة مع


1) في كتابه نهضة عاشوراء.

الشعب الإيراني خاصة بالعلماء، أما صداقة الحكومة الإنجليزية مع إيران ومع أية دولة أخرى فأنها لا تخلو من قصد ولا يمكنها أن تكون كذاك ... وبعد أن شاهدنا كيف أساء الشعب الإيراني الظن باتفاقية (1919) وكان يعتبرها بأنها قائمة على نوايا فاسدة فإننا ألغينا تلك الاتفاقية وقمنا بدلاً عنها بدعم الحكومة الإيرانية ومساعدتها لتحقيق النظام في البلاد. وهذا هو سرّ دعم رضا شاه ومساعدته ... وكان الأعداء يوحون بأننا نوجه رضا شاه وإنه يأتمر في كل شيء بأوامرنا، ولكن الأمر لم يكن كذلك !بيد أننا قمنا بهذا العمل ...

نفي رضا خان خلافاً لرغبته وذلك عندما شعرنا بأن مصالحنا مهددة بالخطر بسبب وقاحة الألمان وغفلة الملك، فبريطانيا صرّحت عبر إذاعة نيودلهي بأنها هي التي جاءت برضا خان إلى السلطة وإنها هي التي أزاحته، وحقاً ما قالته بريطانيا، فقد جاءوا به للقضاء على الإسلام ، وكان أحد أساليبه هو منعكم من إقامة هذه المجالس، فينبغي أن لا يتصور شباننا بأنهم يقدمون خدمة عندما يغادرون المجلس حينما يتعرض الخطيب لذكر المصيبة، هذا تصرف خاطئ جداً، ينبغي أن تستمر المجالس بإقامة العزاء، ينبغي أن تذكر المظالم كي يفهم الناس ماذا جرى، بل أن هذا يجب أن يقام كل يوم، فإن لذلك أبعاداً سياسية واجتماعية غاية في الأهمية.

ثواب البكاء على الحسين وأدب المآتم

الطالقاني ، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه قال : قال الرضا علیه السلام: من تذكر مصابنا وبكى لما ارتكب منا ، كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكّر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب .(1)

محمد الحميري ،عن أبيه ،عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد ،عن عبدالله بن حماد ،عن عبدالله الاصم ،عن مسمع كردين قال : قال لي أبو عبدالله : يا مسمع أنت من أهل العراق أما تأتي قبر الحسين؟

قلت : لا ، أنا رجل مشهور من أهل البصرة، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة، وأعداؤنا كثيرة من أهل القبائل من النصاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا علي [حالي ] عند ولد سليمان فيمثلون علي.

قال لي : أفما تذكر ما صنع به؟ قلت بلى قال فتجزع؟ قلت: إي والله واستعبر لذلك، حتى يرى أهلي أثر ذلك علي ،فأمتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي.

قال : رحم الله دمعتك أما إنك من الذين يعدّون في أهل الجزع لنا والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنا أما إنما سترى عند موتك وحضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك، وما يلقونك به من البشارة


1) بحار الأنوار: 278/40 سطر 12 - 286 ج 1، وأمالي الصدوق المجلس 17 الرقم 4.

ما تقر به عينك قبل الموت، فملك الموت أرق عليك وأشد رحمة لك من الام الشفيقة على ولدها.

قال : ثم استعبر واستعبرت معه ،فقال : الحمد لله الذي فضلنا على خلقه بالرحمة وخصنا أهل البيت بالرحمة.

یا مسمع إن الأرض والسماء لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين رحمة لنا وما بكى لنا من الملائكة أكثر، وما رقات دموع الملائكة منذ قتلنا، وما بكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلا رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه، فإذا سالت دموعه على خده فلو أن قطرة من دموعه سقطت في جهنم لاطفات حرّها حتى لا يوجد لها حر.

وإن الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض، وإن الكوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه، حتى أنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه.

يا مسمع من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، ولم يشق بعدها أبداً وهو في برد الکافور وريح المسك وطعم الزنجبيل ، أحلى من العسل، وألين من الزبد وأصفى من الدمع، وأذكى من العنبر، يخرج من تسنيم ويمر بأنهار الجنان تجري على رضراض الدر والياقوت ،فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء، يوجد ريحه من مسيرة ألف عام ،قدحانه من الذهب والفضة وألوان الجوهر، يفوح في وجه الشارب منه كل فائحة، يقول الشارب منه : ليتني تركت ههنا لا أبغي بهذا بدلاً، ولا عنه تحويلاً .

أما إنك يا کردین ممن تروی منه، وما من عين بكت لنا إلا نعمت بالنظر إلى الكوثر، وسقت منه من أحبنا فإن الشارب (1)منه ليعطى من اللدة والطعم والشهوة له أكثر مما يعطاء من هو دونه في حبنا.

وإن على الكوثر أمير المؤمنين علیه السلام وفي يده عصا من عوسج ، يحطم بها


1) وان الشارب منه ممن أحبنا خ ل.

أعداءنا، فيقول الرجل منهم : إني أشهد الشهادتين فيقول : إنطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك، فيقول: يتبرأ مني إمامي الذي تذكره ، فيقول: إرجع وراءك فقل للذي كنت تتولاء وتقدمه على الخلق فاسأله إذ كان عندك خير الخلق أن يشفع لك، فإن خير الخلق حقيق أن لا يرد إذا شفع ،فيقول : إني أهلك عطشا : فيقول : زادك الله ظماً، وزادك الله عطشا.

قلت : جعلت فداك وكيف يقدر على الدنو من الحوض ولم يقدر عليه غيره؟

قال : ورع عن أشياء قبيحة ،وكف عن شتمنا إذا ذكرنا، وترك أشياء اجترا عليها غيره، وليس ذلك لحبنا ،ولا لهوى منه ،ولكن ذلك لشدة اجتهاده في عبادته وتدينه، ولما قد شغل به نفسه عن ذكر الناس، فأما قلبه فمنافق، ودينه النصب باتباع أهل النصب وولاية الماضين، وتقدمة لهما على كل أحد (1)

بیان «الرضراض »الحصا أو صغارها، قوله علیه السلام «وسقيت»: إسناد السقي إليها مجازي لسببيتها لذلك.

عن سعد، عن الجاموراني، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه، عن أبي عبدالله علیه السلام قال :سمعته يقول : إن البكاء والجزع ،مكروه للعبد في كل ما جزع ما خلا البكاء على الحسين بن علي علیه السلام فإنه فيه مأجور (2)

محمد بن جعفر الرزاز، عن خاله محمد بن الحسين الزيات، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون المكفوف قال : قال أبو عبد الله علیه السلام في حديث طويل :ومن ذكر الحسين عنده فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله عزوجل، ولم يرض له بدون الجنة (3).

عن سعد بن عبدالله ، عن أحمد بن محمد ،عن حمزة بن علي الاشعري، عن


1) بحار الأنوار: 286/40 - 294 ع 31، والمصدر ص 101، وهكذا مايليه.

2) بحار الأنوار: 286/40 - 294 ح 32، وكامل الزيارات 100.

3) المصدر ص 100 و 101

الحسن بن معاوية بن وهب ، عمن حدثة، عن أبي جعفرعلیه السلام قال : كان علي بن الحسين علیه السلام يقول : وذكر مثله (1).

القطان والنقاش والطالقاني جميعاً، عن أحمد الهمداني، عن ابن فضال، عن أبيه قال : قال الرضا علیه السلام :من تذكر مصابنا فبكى وأبكى لم تبك إلى آخر الخبر (2).

أبي، عن بكر بن محمد، عن أبي عبدالله علیه السلام قال : من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر (3). عن المفيد، عن ابن قولويه ،عن أبيه، عن سعد ،عن البرقي، عن سليمان بن مسلم الكندي، عن ابن غزوان ،عن عيسى بن أبي منصور، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبدالله علیه السلام قال : نفس المهموم لظلمنا تسبيح ،وهمه لنا عبادة وكتمام سرنا جهاد في سبيل الله.

ثم قال أبو عبدالله : يجب أن يكتب هذا الحديث بالذهب (4).

ابن الوليد ،عن الصفار ،عن ابن عيسى ،عن محمد البرقي، عن أبان الاحمر، عن محمد بن الحسين الخزاز، عن ابن خارجة ،عن أبي عبدالله علیه السلام قال: كنا عنده فذكرنا الحسين بن علي علیه السلام وعلى قاتله لعنة الله فبكى أبو عبدالله علیه السلام وبكينا قال : ثم رفع رأسه فقال : قال الحسين بن علي علیه السلام: أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بکی ،وذكر الحديث (5).

السعد آبادي ،عن البرقي ،عن أبيه ،عن ابن مسكان، عن ابن خارجة، عن أبي عبدالله علیه السلام قال : قال الحسين بن علي : أنا قتيل العبرة قتلت مكروبا، وحقيق على [ الله ] أن لا يأتيني مكروب [قط] إلا ردّه الله أو أقلبه إلى أهله مسروراً (6).


1) بحار الأنوار: 286/40 - 294 - 33.

2) بحار الأنوار: 278/40 - 286 ح 2 ، وعبون أخبار الرضا ج 1 ص 294.

3) بحار الأنوار: 278/40 - 286 ح 3 ، وتفسير القمي ص 616.

4) بحار الأنوار: 278/40 - 286 ح 4 .

5) بحار الأنوار : 278/40 - 286 ح 5 ، وراجع كامل الزيارات ص 108 و 109.

6) راجع كامل الزيارات ص 108 و 109.

عن حكيم بن داود ،عن سلمة، عن محمد بن عمرو ،عن ابن خارجة مثله (1).

بیان قوله : «أنا قتيل العبرة» أي قتيل منسوب إلى العبرة والبكاء، وسبب لها ، أو أقتل مع العبرة والحزن وشدة الحال، والأول أظهر.

المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن أحمد بن عبدالحميد عن محمد بن عمرو ابن عتبة ، عن الحسين الاشقر، عن محمد بن أبي عمارة الكوفي قال : سمعت جعفر ابن محمد علیه السلام يقول : من دمعت عينه فينا دمعة لدم سفك لنا أو حق لنا نقصناء، أو عرض انتهك لنا، أو لاحد من شيعتنا ، بوأه الله تعالى بها في الجنة حقباً (2).

الجعابي مثله.

المفيد، عن أبي عمرو عثمان الدقاق، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن أحمد بن يحيى الأودي، عن مخول بن إبراهيم ،عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، عن الحسين ابن علي علیه السلام قال :ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه الله بها في الجنة حقباً.

قال أحمد بن يحيى الاودي: فرأيت الحسين بن علي علیه السلام في المنام فقلت : حدثني مخول بن إبراهيم ، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه ، عنك أنك قلت: ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوأه الله بها في الجنة حقبا؟

قال : نعم، قلت : سقط الإسناد بيني وبينك(3).

بيان الحقب كناية عن الدوام قال الفيروز آبادي : الحقبة بالكسر من الدهر مدة لا وقت لها والسنة والجمع كعنب وحبوب و[الحقب] بالضم وبضمتين ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة والسنون والجمع أحقاب وأحقب.


1) بحار الأنوار: 278/40 - 286 ح 6.

2) بحار الأنوار: 278/40 - 286 ح 7 ، وأمالي الشيخ الطوسي : ص 121.

3) بحار الأنوار: 278/40 - 286 ح 9 ، وكتاب المجالس : ص 72.

عن المفيد ،عن ابن قولويه ،عن أبيه، عن سعد عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبي محمد الانصاري، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبدالله علیه السلام قال : كل الجزع والبكاء مكروه ،سوى الجزع والبكاء على الحسين علیه السلام.

أبي، وعلي بن الحسين وابن الوليد ،جميعاً، عن سعد، عن ابن عيسى، عن سعيد بن جناح ،عن أبي يحيى الحذاء، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله علیه السلام قال: نظر أمير المؤمنين إلى الحسين علیه السلام فقال : يا عبرة كل مؤمن، فقال: أنا يا أبتاه ؟

فقال: نعم، يا بني (1).

جماعة مشايخي، عن محمد العطار عن الحسين بن عبيد الله، عن ابن أبي عثمان، عن الحسن بن علي بن عبدالله، عن أبي عمارة المنشد قال : ما ذكر الحسين ابن علي عند أبي عبدالله في يوم أبي عبدالله في يوم قط فرئي أبو عبدالله علیه السلام متبسماً في ذلك اليوم إلى الليل، وكان أبو عبد الله علیه السلام يقول : الحسين عبرة كل مؤمن.

محمد بن جعفر ،عن ابن أبي الخطاب ،عن الحسن بن علي، عن ابن أبي عمير عن علي بن المغيرة ،عن أبي عمارة مثله إلى قوله : في ذلك اليوم والليل(2)

أبي، عن سعد، عن الخشاب، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبدالله علیه السلام قال : قال الحسين علیه السلام: أنا قتيل العبرة(3)

المفيد، عن الحسين بن محمد النحوي، عن أحمد بن مازن، عن القاسم بن سليمان، عن بكر بن هشام ،عن إسماعيل بن مهران ،عن الاصم، عن محمد بن مسلم قال : سمعت أبا عبدالله يقول : إن الحسين بن علي عند ربه عزوجل ينظر إلى معسكره ومن حوله من الشهداء معه، وينظر إلى زواره، وهو أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وبدرجاتهم ومنزلتهم عند الله عز وجل من أحدكم بولده وإنه ليرى من


1) بحار الأنوار: 278/40 - 286 ح

2) بحار الأنوار : 278/40 - 286 ح

3) بحار الأنوار: 278/40 - 286 ح 12.

يبكيه فيستغفر له ويسأل آباءه عليهم السلام أن يستغفروا له ،ويقول : لو يعلم زائري ما أعد الله له لكان فرحه أكثر من جزعه، وإن زائره لينقلب وما عليه من ذنب(1).

أبي، عن ابن محبوب، عن العلا عن محمد، عن أبي جعفر علیه السلام قال : كان علي ابن الحسين يقول : أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي دمعة حتى نسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقابا، وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى يسيل على خده لأذى مسنا من عدونا في الدنيا بوأه الله مبرأ صدق في الجنة، وأيما مؤمن منه أذى فينا فدمعت عيناه حتى يسيل دمعه على خديه من مضاضة ما اوذي فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار (2).

عن الحسن بن عبدالله بن محمد بن عيسى ،عن أبيه ،عن ابن محبوب مثله (3).

عن ابن المتوكل ،عن الحميري ،عن أحمد وعبدالله ابني محمد بن عيسى عن ابن محبوب مثله (4).

أقول : روى السيد بن طاوس هذا الخبر مرسلاً وفيه مكان دمعت أولا «ذرفت» وفيه : أيما مؤمن منه أذى فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخط النار.

بيان : المضاضة بالفتح وجع المصيبة وذرفت عينه سال دمعها.

ابن سعد، عن الازدي، عن أبي عبدالله علیه السلام قال : قال لفضيل: تجلسون وتحدثون؟


1) بحار الأنوار : 278/40 - 286 ح13، وأمالي الشيخ ص: 34

2) تفسير القمي ص 616 ، ثواب الأعمال ص 47 ، كامل الزيارات ص 100.

3) تفسير القمي ص 616 ، ثواب الأعمال ص 47 ، كامل الزيارات ص 100.

4) بحار الأنوار: 278/40 - 286 ح 13 ، وتفسير القمي ص 616 ، ثواب الأعمال47 ، كامل الزيارات ص 100.

قال : نعم جعلت فداك قال : إن تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا يا فضيل ! فرحم الله من أحيى أمرنا ،يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر (1).

عن العطار، عن أبيه ،عن الاشعري ،عن اللؤلؤي ،عن ابن أبي عثمان عن علي بن المغيرة ،عن أبي عمارة المنشد، عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال لي : يا أبا عمارة أنشدني ،في الحسين بن علي قال فأنشدته فبكى ثم أنشدته فبكى قال: فو الله ما زلت أنشده ويبكي حتى سمعت البكاء من الدار.

قال : فقال : يا أبا عمارة من أنشد في الحسين بن علي شعراً فابكي خمسين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكي ثلاثين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فأبكى عشرة فله الجنة أنشد في الحسين شعراً فأبكى واحداً فله الجنة ، ومن أنشد في الحسين شعراً

ومن فبكي فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فتباكى فله الجنة (2)

عن ما جيلويه ،عن محمد العطار، عن الأشرعي مثله (3).

عن محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي عثمان مثله (4).

نصر بن الصباح ، عن ابن عيسى ، عن يحيى بن عمران ،عن ممد بن سنان، عن زيد الشحام ،قال: كنا عند أبي عبدالله ونحن جماعة من الكوفيين فدخل جعفر بن


1) رواه في مقدمة كتابه الملهوف تراه في 302 من طبع الكمبانى في ذيل البحار المجل، وقرب الإسناد : ص 26 د العاشر.

2) بحار الأنوار: 278/40 - 286 ح 15 ، وأمالي الصدوق المجلس 29 الرقم 6 ثواب الأعمال ص 47 ، كامل الزيارات ص 1050.

3) أمالي الصدوق : المجلس 29 الرقم 6 ثواب الأعمال: ص 47 ، كامل الزيارات ص .110

4) أمالي الصدوق : المجلس 29 الرقم 6 ثواب الأعمال ص 47 ، كامل الزيارات ص 105

عفان (1)

ولحيته.

على أبي عبد الله علیه السلام فقر به وأدناه ثم قال :يا جعفر، ثم قال: يا جعفر والله لقد شهدت ملائكة الله المقربون ههنا يسمعون قولك في الحسين علیه السلام ولقد بكوا كما بكينا وأكثر، ولقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعته(2)الجنة بأسرها، وغفر الله لك.

فقال: يا جعفر ألا أزيدك؟

قال : نعم يا سيدي قال : ما من أحد قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى به إلا أوجب الله له الجنة وغفر له (3).

عن ابن مسرور ،عن ابن عامر ،عن عمه ،عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قال الرضا علیه السلام: إن المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتال فاستحلت فيه دماؤنا، وهتكت فيه حرمتنا، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأضرمت النيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترع لرسول الله حرمة في أمرنا.

الرجال : جعفر بن عفان الطائي، ثم بعد ما روى هذا الحديث عن الكشي قال : وروى في الأغاني عن محمد بن يحيى بن أبي مرة التغلبي قال : مررت بجعفر بن عثمان الطائي يوماً وهو على باب منزله، فسلمت عليه فقال لي: مرحباً يا أخا تغلب إجلس ! فجلست فقال لي : أما تعجب من ابن أبي حفصة لعنه الله حيث يقول :

أني يكون وليس ذاك بكائن *** لبني البنات وراثة الأعمام

فقلت: بلى والله أني لأتعجب منه وأكثر اللعن عليه فهل قلت في ذلك شيئاً فقال : نعم قلت :


1) عنونه ابن داود في رجاله وقال : جعفر بن عثمان الطالي شاعر اهل البيت: ثم أشار إلى هذا الحديث المروى في الكشى ص 187 وقال ممدوح وعنونه في قاموس قال: لبيكا جعلني الله فداك قال : بلغني أنك تقول الشعر في الحسين ،وتجيد، فقال له : نعم جعلني الله فداك، قال: قل فأنشده فبكى ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه

2) في ساعتك خ ظ. كما في الوسائل ب 104 من أبواب المزار تحت الرقم 1.

3) بحار الأنوار: 278/40 - 286 ح 16 ، ورجال الكشي ص .187

لسم لا يكون وان ذاك لكائن *** لبني البنات وراثة الأعمام

للبنت نصف كامل من ماله *** والعم متروك بغير سهام

ما للطليق وللتراث وإنما *** صلى الطليق مخافة الصمصام

إن يوم الحسين أقرح جفوننا ،وأسبل دموعنا ،وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء، أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الإنقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام.

ثم قال علیه السلام : كان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكاً وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام ،فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ويقول : هو اليوم الذي قتل فيه الحسين صلى الله عليه (1).

الطالقاني، عن أحمد الهمداني ، عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه، عن الرضا علیه السلام قال :من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه، جعل الله عزوجل يوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرّت بنا في الجنان عينه ،ومن سمّى يوم عاشورا يوم بركة وادخر فيه لمنزله شيئاً لم يبارك له فيما ادخر ،وحشر يوم القيامة مع يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد لعنهم الله إلى أسفل درك من النار (2).

ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن أبي الخطاب ، عن الحكم بن مسكين [الثقفي] عن أبي بصير ،عن الصادق ،عن آبائه عليهم السلام قال: قال أبو عبدالله الحسين بن علی علیه السلام : أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا استعبر (3).

عن محمد بن جعفر ،عن محمد بن الحسين ،عن الحكم بن مسكين مثله (4).


1) بحار الأنوار: 278/40 - 286 ح 17 ، وأمالي الصدوق المجلس 27 الرقم 2 والذي ياتي بعده تحت الرقم 4.

2) بحار الأنوار: 286/40 - 294 ح 018

3) أمالي الصدوق المجلس 28 الرقم 7.

4) المصدر ص 108 : ب 36 تحت الرقم 4 إلى قوله «أنا قتيل العبرة».

عن أبي عن سعد ، عن الخشاب ،عن إسماعيل بن مهران، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير مثله (1)

حکیم بن داود، عن سلمة ،عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن بكر بن محمد، عن فضيل ،عن أبي عبدالله علیه السلام قال : من ذكرنا عنده ففاضت عيناء ولو مثل جناح الذباب غفر له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر .(2)

محمد بن عبدالله، عن أبيه ،عن البرقي، عن أبيه ،عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله علیه السلام مثله (3)

عن حكيم بن داود ،عن سلمة ،عن الحسن بن علي ، عن العلا، عن محمد، عن أبي جعفر علیه السلام قال : أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً (4).

حكيم بن داود ،عن سلم ،عن علي بن سيف ،عن بكر بن محمد عن فضيل بن فضالة، عن أبي عبدالله علیه السلام قال : من ذكرنا عنده ففاضت عيناه حرم الله وجهه على النار (5).

ما جيلويه ،عن علي ،عن أبيه ،عن الريان بن شبيب قال: دخلت على الرضا علیه السلام في أول يوم من المحرم فقال لي: يا ابن شبيب أصائم أنت فقلت : لا ، فقال : إن هذا اليوم هو اليوم الذي دعى فيه زكريا ربه عز وجل فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ )(6)فاستجاب الله له وأمر الملائكة فنادت زكريا وهو


1) بحار الأنوار: 286/40 - 294 ح 19 ، والمصدر تحت الرقم 3.

2) المصدر ص 103 و 104.

3) بحار الأنوار: 40 / 286 - 294 ح 020

4) بحار الأنوار: 286/40 - 294 ح 21 ، وكامل الزيارات ص 104.

5) بحار الأنوار: 400 / 286 - 294 ح 22 ، والمصدر : ص 104

6) سورة آل عمران: 38

قائم يصلّي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى ،فمن صام هذا اليوم ثم دعى الله عز وجل استجاب الله له كما استجاب الزكريا علیه السلام .

ثم قال: يا ابن شبيب إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال الحرمته، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته، وسبوا نساءه ،وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبداً.

يا ابن شبيب إن كنت باكياً لشي فابك للحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام فإنه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، مالهم في الأرض شبيهون، ولقد بكت السماوات السبع والأرضن لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف النصره ، فوجدوه قد قتل ،فهم عند قبره شعث غير إلى أن يقوم القائم، فيكونون من أنصاره ،وشعارهم «يا لثارات الحسين».

يا ابن شبيب لقد حدثني أبي، عن أبيه، عن جده أنه لما قتل جدي الحسين أمطرت السماء دماً وتراباً أحمر ،يا ابن شبيب إن بكيت على الحسين حتى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً.

يا ابن شبيب إن سرّك أن تلقى الله عز وجل ولا ذنب عليك، فزر الحسين علیه السلام ، يا ابن شبيب إن سرك أن تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي صلی الله علیه واله وسلم فالعن قتلة الحسين.

يا ابن شبيب إن سرّك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين فقل متى ما ذكرته «يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً».

یا ابن شبيب إن سرك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان، فاحزن لحزننا ،وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أن رجلاً تولّى حجراً لحشره الله معه يوم القيامة (1).


1) أمالي الصدوق المجلس 27 الرقم 5 ، عيون أخبار الرضا ج 1 ص 299 5،

محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين ،عن ابن أبي عمير، عن عبدالله بن حسان ،عن [ابن ]أبي شعبة ،عن عبدالله بن غالب قال: دخلت على أبي عبدالله علیه السلام فأنشدته مرثية الحسين بن علي علیه السلام فلما انتهيت إلى هذا الموضع :

لبلية تسقو سيناً *** بمسقاة الثرى غير التراب

صاحت باكية من وراء الستر : يا أبتاه (1).

عن ابن الوليد ،عن الصفار ،عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة ،عن أبي هارون المكفوف قال: دخلت على أبي عبدالله علیه السلام فقال لي: أنشدني ،فأنشدته فقال: لا، كما تنشدون وكما ترثيه عند قبره، فأنشدته أمرر على جدث الحسين فقل لاعظمه الزكية.

قال: فلما بكى أمسكت أنا فقال مر فمررت ،قال: ثم قال : زدني [زدني] قال : فأنشدته :

يا مريم قومي واندبي مولاك *** وعلى الحسين فاسعدي ببكاك

قال : فبكى وتهايج النساء قال : فلما أن سكتن قال لي : يا أبا هارون من أنشد في الحسين فأبكى عشرة [فله الجنة ] ثم جعل ينتقص واحداً واحداً حتى بلغ الواحد فقال: من أنشد في الحسين فأبكى واحداً فله الجنة ثم قال : من ذكره فيكي فله الجنة.

وروي عن أبي عبدالله علیه السلام قال : لكل سر ثواب إلا الدمعة فينا (2).

بيان لعل المعنى أن أسرار كل مصيبة والصبر عليها موجب للثواب إلا البكاء عليهم، ويحتمل أن يكون تصحيف شيء (3)أي لكل شيء من الطاعة ثواب مقدر إلا الدمعة فيهم فإنه لا تقدير لثوابها.


1) بحار الأنوار: 286/40 - 294 24 ، وكامل الزيارات ص 105.

2) بحار الأنوار: 286/40 - 294 26 ، وكامل الزيارات ص 106.

3) كما هو مثبت في المصدر وقد نقله في الوسائل ب 104 من أبواب المزار تحت الرقم 6كذلك.

الاربعمائة قال أمير المؤمنين علیه السلام : إن الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض فاختارنا ،واختار لنا شيعة ينصروننا ،ويفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، أولئك منا وإلينا.

عن ابن إدريس ،عن أبيه ،عن الفزاري ،عن محمد بن الحسين بن زيد عن محمد ابن زياد ،عن أبي الجارود، عن ابن جبير، عن ابن عباس قال: قال علي لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إنك لتحب عقيلا؟

قال: إي والله إني لأحبه حبين حباً له وحباً لحب أبي طالب له وإن ولده لمقتول في محبة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين وتصلّي عليه الملائكة المقربون، ثم بكى رسول الله حتى جرت دموعه على صدره ثم قال: إلى الله أشكو ما تلقى عترتي من بعدي (1).

قال ابن طاوس : روي عن آل الرسول عليهم السلام أنهم قالوا: من بكى وأبكى فينا مائة فله الجنة ،ومن بكى وأبكى خمسين فله الجنة، ومن بكى وأبكى ثلاثين فله الجنة، ومن بكى وأبكي عشرين فله الجنة ومن بكى وأبكي عشرة فله الجنة، ومن بكى وأبكى واحداً فله الجنة، ومن تباكى فله الجنة (2).

أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون المكفوف قال : قال لي أبو عبد الله علیه السلام : يا أبا هارون أنشدني في الحسين علیه السلام قال : فأنشدته قال : فقال لي : أنشدني كما تنشدون يعني بالرقة، قال : فأنشدته [شعر]:

أمرر على جدث الحسين *** فقل لأعظمه الزكيه

قال : فبكى ثم قال : زدني، فأنشدته القصيدة الأخرى، قال: فبكى وسمعت البكاء من خلف الستر.


1) المصدر المجلس 27 تحت الرقم 3.

2) بحار الأنوار: 286/40 - 294 ح 27 وكتاب الملهوف طبع الكمباني بذيل العاشر من البحار ص 302.

قال : فلما فرغت قال : يا أبا هارون من أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى عشرة كتبت له الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى خمسة كتبت لهم الجنة، ومن أنشد في الحسين شعرا فبكى وأبكي واحداً كتبت لهما الجنة ومن ذكر الحسين عنده فخرج من عينيه من الدمع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله عزوجل، ولم يرض له بدون الجنة (1).

عن محمد بن جعفر ، عن ابن أبي الخطاب مثله.

بیان الرقة بالفتح بلدة على الفرات واسطة ديار ربيعة وآخر غربي بغداد وقرية أسفل منها بفرسخ ذكره الفيروز آبادي(2).

عن ابن المتوكل ،عن محمد العطار، عن الأشعري ،عن محمد بن الحسين ،عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي عبدالله صلى الله عليه وسلم قال : من أنشد في الحسين بيتاً من شعر فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنة ومن أنشد في الحسين بيتاً فبكى وأبكى تسعة فله ولهم الجنة، فلم يزل حتى قال : ومن أنشد في الحسين بيتاً فبكى وأظنه قال أو تباكى فله الجنة (3).

عن محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل مثله.

عن محمد بن أحمد بن الحسين العسكري ،عن الحسن بن علي بن مهزيار عن أبيه، عن محمد بن سنان ، عن محمد بن إسماعيل مثله (4).

ابن يزيد ،عن ابن أبي عمير، عن بكر بن محمد عن الفضيل، عن أبي عبد الله علیه السلام قال : من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كان مثل زبد البحر (5).


1) بحار الأنوار: 286/40 - 294 ح 28 وثواب الأعمال ص 47 كامل الزيارات . 100 و 104 .

2) ولعل المراد : رقة القلب وحالة الرثاء.

3) ثواب الأعمال 48 وكامل الزيارات 105 و 106.

4) بحار الأنوار: 286/40 - 294 - 29 .

5) بحار الأنوار : 286/40 - 294 ح 30، والمحاسن ص 63.

حكيم بن داود بن حكيم، عن سلمة ،عن بكار بن أحمد القسام والحسن بن عبدالواحد، عن مخول بن إبراهيم ،عن الربيع بن المنذر ،عن أبيه قال: سمعت علي ابن الحسين علیه السلام يقول : من قطرت عيناه فينا ،قطرة ودمعت عيناء فينا دمعة بوأه الله بها في الجنة حقباً (1).

ابی ، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبدالله بن زرارة عن عبدالله ابن عبدالرحمان الأصم، عن عبدالله بن بكير قال: حججت مع أبي عبدالله علیه السلام في حديث طويل فقلت: يا ابن رسول الله لو نبش قبر الحسين بن علی علیه السلام هل كان يصاب في قبره شي؟

فقال : يا ابن بكير ما أعظم مسائلك إن الحسين بن علي علیه السلام مع أبيه وامه وأخيه في منزل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ومعه يرزقون ويحبرون وإنه لعن يمين العرش متعلق به يقول: يا رب أنجز لي ما وعدتني وإنه لينظر إلى زوراء فهو أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وما في رحالهم من أحدهم بولده، وإنه لينظر إلى من يبكيه فيستغفر له ويسأل أباه الإستغفار له ويقول: أيها الباكي لو علمت ما أعد الله لك لفرحت أكثر مما حزنت وإنه ليستغفر له من كل ذنب وخطيئة (2).

أبي، عن ابن أبان ،عن الاهوازي، عن عبدالله بن المغيرة عن الأصم مثله (3).

أقول: رأيت في بعض تأليفات بعض الثقاة من المعاصرين: روي أنه لما أخبر النبي صلی الله علیه واله وسلم ابنته فاطمة بقتل ولدها الحسين وما يجري عليه من المحن بكت فاطمة بكاء شديداً، وقالت يا أبت متى يكون ذلك؟

قال : في زمان خال مني ومنك ومن علي ، فاشتد بكاؤها وقالت: يا أبت فمن يبكي عليه ؟ ومن يلتزم باقامة العزاء له؟.


1) بحار الأنوار: 286/40 - 294 34، وكامل الزيارات ص 101.

2) بحار الأنوار: 286/40 - 294 ح 35 والمصدر ص 103 وترى الحديث بطوله في 326 - 329 باب النوادر الرقم 2.

3) بحار الأنوار: 286/40 - 294 - 36 .

فقال النبي : يا فاطمة إن نساء أمتي يبكون على نساء أهل بيتي، رجالهم يبكون على رجال أهل بيتي ،ويجددون العزاء جيلاً ،بعد جيل، في كل سنة فإذا كان يوم القيامة تسفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرجال وكل من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنة.

يا فاطمة !كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت على مصاب الحسين فانها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنة.

أقول: سيأتي بعض الأخبار في ذلك في باب بكاء السماء والأرض

عليه علیه السلام (1)

ورأيت في بعض مؤلفات أصحابنا أنه حكي عن السيد علي الحسيني قال : كنت مجاوراً في مشهد مولاي علي بن موسى الرضا علیه السلام مع جماعة من المؤمنين، فلما كان اليوم العاشر من شهر عاشوراء ابتدأ رجل من أصحابنا يقرأ مقتل الحسين علیه السلام فوردت رواية عن الباقر علیه السلام أنه قال: من ذرفت عيناه على مصاب الحسين ولو مثل جناح البعوضة غفر الله له ذنوبه ،ولو كانت مثل زبد البحر.

وكان في المجلس معنا جاهل مركّب يدّعي العلم، ولا يعرفه، فقال: ليس هذا بصحيح والعقل لا يعتقده (2)وكثر البحث بيننا وافترقنا عن ذلك المجلس، وهو مصر على العناد في تكذيب الحديث، فنام ذلك الرجل تلك الليلة فرأى في منامه كأن القيامة قد قامت ،وحشر الناس في صعيد صفصف لا ترى فيها عوجاً ولا أمنا وقد نصبت الموازين، وامتد الصراط، ووضع الحساب، ونشرت الكتب، وأسعرت


1) بحار الأنوار: 40 / 286 - 294 - 37.

2) توهم الجهال أن لهذه الأحاديث إطلاقا يشمل كل ظرف وزمان، فأنكرها بعض أشد الانكار، وقال لو صوح هذه الأحاديث لأتى على بنيان المذهب وقواعده، ولأدى إلى تعطيل الفرائض والأحكام وترك الصلاة والصيام كما نرى الفساق والفجار يتكلون في ارتكاب السيئات والاقتحام في جرائمهم الشنيعة على ولاء الحسين ومحبته، والبكاء عليه من دون أن ينتهوا عن ظلمهم وفيهم واعتسافهم.

النيران، وزخرفت الجنان، واشتد الحر عليه، وإذا هو قد عطش عطشاً شديداً وبقي يطلب الماء، فلا يجده، فالتفت يمينا وشمالا وإذا هو بحوض عظيم الطول والعرض.

قال: قلت في نفسي : هذا هو الكوثر فإذا فيه ماء أبرد من الثلج وأحلى من العذب، وإذا عند الحوض رجلان وامرأة أنوارهم تشرق على الخلائق، ومع ذلك لبسهم السواد و هم باكون محزونون فقلت : من هؤلاء؟ فقيل لي : هذا محمد المصطفى، وهذا الامام علي المرتضى، وهذه الطاهرة فاطمة الزهراء فقلت : ما لي أراهم لا بسين السواد وباكين ومحزونين؟ فقيل لي : أليس هذا يوم عاشوراء، يوم مقتل الحسين؟ فهم محزونون لأجل ذلك.

قال : فدنوت إلى سيدة النساء فاطمة وقلت لها : يا بنت رسول الله إني عطشان، فنظرت إلي شزراً وقالت لي : أنت الذي تنكر فضل البكاء على مصاب ولدي الحسين ومهجة قلبي وقرة عيني الشهيد المقتول ظلماً وعدوانا؟ لعن الله قاتليه وظالميه ومانيعه من شرب الماء؟

قال الرجل: فانتبهت من نومي فزعاً مرعوباً واستغفرت الله كثيراً، وندمت على ما كان مني وأتيت إلى أصحابي الذين كنت معهم ، وخبرت برؤياي، وتبت إلى الله عز وجل ...

فمن كان يبكي على الحسين علیه السلام أو يرثيه أو يزوره في ذاك الظرف لم يكن فعله ذلك حسرة وعزاء وتسلية فقط، بل محاربة لأعداء الدين وجهاداً في سبيل الله مع ما يقاسونه من الجهد والبلاء والتشريد والتنكيل فحق على الله أن يثيب المجاهد في سبيله ويرزقه الجنة بغير حساب.

ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطأون موطئا بغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً الاكتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين.

ففي مثل ذاك الزمان كما رأينا قبل عشرين سنة في ايران لم يكن ليبكي على

الحسين وينشد فيه الرثاء إلا كل مؤمن وفي، أهل التقوى واليقين، لما في ذلك من العذاب والتنكيل ، لا كل فاسق وشارب حتى يستشكل في الأحاديث .

بل كان هؤلاء الفساق في ذاك الظرف مستظهرين بسلطان بني أمية، منحازين إلى الفئة الباغية يتجسسون خلال الديار ليأخذوا على أيدي الشيعة، ويمنعوهم من إحياء ذكر الحسين، كما اقتحموا دار أبي عبدالله الصادق بعد ما سمعوا صراخ الويل والبكاء من داره علیه السلام .

وأما في زمان لا محاربة بين أهل البيت وأعدائهم كزماننا هذا فلا يصدق على ذكر الحسين والبكاء عليه عنوان الجهاد، كما أنه لا يلقى ذاكر الحسين إلا الذكر الجميل والثناء الحسن .بل يأخذ بذلك أجرة، والباكي على الحسين علیه السلام يشرف ويكرم ويقال له : قدمت خير مقدم ويقدم إليه ما يشرب ويتفكه.

فليس هذه الأحاديث إلا موضوعة من قبل الغلاة، ودسّهم في أخبار أهل البيت، ترويجا لمرامهم الفاسد ،ومسلكهم في أن ولاء أهل البيت إنما هو محبتهم، لا الدخول تحت سلطانهم وأمرهم ونهيهم على ما هو الصحيح من معنى الولاية.

وبعضهم الآخر الذين يروون الحديث ولا يعقلون فيه ولا يتدبرون أخذ بالاطلاق، وادعى أن «من بكى على الحسين أو أبكي أو تباكي فله الجنة» حتى في زماننا هذا وعصرنا كائنا من كان ، ثم شد على المنكرين بأنهم كفروا وخرجوا عن المذهب ولم يعرفوا الائمة حق معرفتهم و ... ثم إذا ألزم بالإشكال أخذ في تأويل الأحاديث وأخرجها عن معانيها ومغزاها ، أو سرد في الجواب بعض الأقاصيص والرؤى.

والحق أن هذه الأحاديث بين صحاح وحسان وضعاف مستفيضة بل متواترة لا تتطرق إليها يد الجرح والتأويل، لكنها صدرت حينما كان ذكر الحسين علیه السلام ، والبكاء عليه وزيارته ،ورثاؤه ،وانشاد الشعر فيه ، إنكاراً للمنكر، ومجاهدة في ذات الله، ومحاربة مع أعداء الله : بني أمية الظالمة الغشوم ،وهدماً لأساسهم، وتقبيحاً وتنفيراً من سيرتهم الكافرة بالقرآن والرسول.

ولذلك كانت الائمة عليهم السلام يرغبون الشيعة في ذلك الجهاد المقدس بإعلاء كلمة الحسين وإحياء أمره بأي نحو كان بالرثاء والمديح والزيارة والبكاء عليه، وفي مقابلهم بنو أمية تعرج على إماتة ذكر الحسين، ويمنع من زيارته ورثائه والبكاء عليه فمن وجدوه يفعل شيئاً من ذلك أخذوه وشردوه وقتلوه وهدموا داره ولأجل تلك المحاربة القائمة بين الفريقين : أنصار الدين ،وأنصار الكفر، أباد المتوكل قبر الحسين وسواه مع الأرض وأجرى الماء عليه ليطفئ نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون.

فحيث لا جهاد في البكاء عليه فلا وعد بالجنة ،وحيث لا عذاب ولا نكال ولا خوف نفس فلا ثواب كذا وكذا فليبك الفسقة الفجرة، إنهم مأخوذون بسيئ أعمالهم.

إن الله لا يخدع من جنته، وليميز الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (1).

حدثني الحسن بن عبد الله بن محمد بن عيسى عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال: كان علي بن الحسين علیه السلام يقول أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي علیه السلام دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقابا وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فينا لأذى مننا من عدونا في الدنيا برّأء الله بها في الجنة مبرأ صدق وأيما مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خده من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار.

حدثني أبي رحمه الله عن سعد بن عبد الله عن أبي عبد الله !الجاموراني عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي عبد الله علیه السلام قال : سمعته يقول إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي علیه السلام فإنه فيه مأجور.


1) بحار الأنوار: 294/40 - 302.

وحدثني محمد بن جعفر الرزاز عن خاله محمد بن الحسين الزيات عن محمد ابن إسماعيل عن صالح بن عقبة عن أبي هارون المكفوف قال : قال أبو عبد الله علیه السلام في حديث طويل له ومن ذكر الحسين علیه السلام عنده فخرج من عينه [ عينيه ] من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله عز وجل ولم يرض له بدون الجنة.

حدثني حكيم بن داود بن الحكيم عن سلمة بن الخطاب قال : حدثنا بكار بن أحمد القسام والحسن بن عبد الواحد عن محول بن إبراهيم عن الربيع بن منذر عن أبيه قال سمعت علي بن الحسين علیه السلام : يقول من قطرت عيناه فينا قطرة ودمعت عيناه فينا دمعة بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا وأحقابا حدثني أبي رحمه الله وجماعة مشايخي عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن حمزة بن علي الأشعري عن الحسن بن معاوية بن وهب عمن حدثه عن أبي جعفر صلى الله عليه وسلم قال: كان علي بن الحسين علیه السلام يقول وذكر مثل حديث محمد بن جعفر الرزاز سواء.

حدثني محمد بن جعفر القرشي عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن الحسن بن علي عن ابن أبي عمير عن علي بن المغيرة عن أبي عمارة المنشد قال : ما ذكر الحسين بن علي علیه السلام عند أبي عبد الله جعفر بن محمد علیه السلام في يوم قط فرتي أبو عبد الله علیه السلام في ذلك اليوم متبسماً قط إلى الليل.

حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن أبيه عن علي بن محمد بن عن عبد الله بن حماد البصري عن عبد الله بن عبد الرحمن

سالم عن محمد خالد الأصم عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري قال: قال لي أبو عبد الله علیه السلام : يا مسمع أنت من أهل العراق أما تأتي قبر الحسين علیه السلام قلت: لا أنا رجل مشهور عند أهل البصرة وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة وعدونا كثير من أهل القبائل من النصاب وغيرهم ولست آمنهم أن يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيمثلون بي قال لي : أفما تذكر ما صنع به قلت نعم قال فتجزع قلت: إي والله وأستعبر لذلك حتى يرى أهلي أثر ذلك علي فامتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي قال رحم الله دمعتك أما إنك من الذين يعدون من أهل الجزع لنا والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا أمنا أما إنك سترى عند موتك حضور آبائي لك

ووصيتهم ملك الموت بك وما يلقونك به من البشارة أفضل ولملك الموت أرق عليك وأشد رحمة لك من الأم الشفيقة على ولدها قال ثم استعبر واستعبرت معه فقال : الحمد لله الذي فضلنا على خلقه بالرحمة وخصنا أهل البيت بالرحمة (1)

يا مسمع إن الأرض والسماء لتبكي منذ قتل أمير المؤمنين علیه السلام رحمة لنا وما بكي لنا من الملائكة أكثر وما رقات دموع الملائكة منذ قتلنا وما يكى أحد رحمة لنا ولما لقينا إلا رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه فإذا سالت دموعه على خده فلو أن قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفات حرها حتى لا يوجد لها حر وإن الموجع لنا قلبه ليفرح يوم يرانا عند موته فرحة لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يرد علينا الحوض وإن الكوثر ليفرح بمحبنا إذا ورد عليه حتى أنه ليذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه.

يا مسمع من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ولم يستق بعدها أبداً وهو في برد الكافور وريح وطعم الزنجبيل أحلى من العسل وألين من الزبد وأصفى من الدمع وأذكى من العنبر يخرج من تسنيم ويمر بأنهار الجنان يجري على رضراض الدر والياقوت فيه من القدحان أكثر من عدد نجوم السماء يوجد ريحه من مسيرة ألف عام قدحانه من الذهب والفضة وألوان الجوهر يفوح في وجه الشارب منه كل فائحة حتى يقول الشارب منه يا ليتني تركت هاهنا لا أبغي بهذا يدلاً ولا عنه تحويلاً أما إنك يا ابن کردین ممن تروی منه وما من عين بكت لنا إلا نعمت بالنظر إلى الكوثر وسقت منه من أحبنا وإن الشارب منه ليعطى من اللذة والطعم والشهوة له أكثر مما يعطاء من هو دونه في حبنا وإن على الكوثر أمير المؤمنين علیه السلام وفي يده عصا من عوسج يحطم بها أعداءنا فيقول الرجل منهم إني أشهد الشهادتين فيقول إنطلق إلى إمامك فلان فاسأله أن يشفع لك فيقول تبرأ مني إمامي الذي تذكره فيقول إرجع إلى ورائك فقل للذي كنت تتولاه وتقدمه على الخلق فاسأله إذا كان خير الخلق عندك أن يشفع لك فإن خير الخلق من يشفع [حقيق أن لا يرد إذا شفع ] فيقول إني أهلك عطشاً فيقول له


1) كامل الزيارات : 103

زادك الله ظما وزادك الله عطشا قلت: جعلت فداك وكيف يقدر على الدنو من الحوض ولم يقدر عليه غيره؟

فقال : ورع عن أشياء قبيحة وكف عن شتمنا أهل البيت علیه السلام إذا ذكرنا وترك أشياء اجترؤ عليها غيره وليس ذلك لحبنا ولا لهوى منه لنا ولكن ذلك لشدة اجتهاده في عبادته وتدينه ولما قد شغل نفسه به عن ذكر الناس فأما قلبه فمنافق ودينه النصب وأتباعه أهل النصب وولاية الماضين وتقدمه لهما على كل أحد.

حدثني أبي رحمه الله عن الحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد عن عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن عبد الله بن بكير الأرجاني وحدثني أبي رحمه الله عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين عن محمد بن عبد بن زرارة عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن عبد الله بن بكير قال: حججت مع أبي عبد الله علیه السلام في حديث طويل فقلت: يا ابن رسول الله لو نبش قبر الحسين بن علي علیه السلام هل كان يصاب في قبره شيء؟

فقال : يا ابن بكير ما أعظم مسائلك إن الحسين علیه السلام مع أبيه وأمه وأخيه في منزل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم ومعه يرزقون ويحبرون وإنه لعن يمين العرش متعلق به يقول: يا رب أنجز لي ما وعدتني وإنه لينظر إلى زواره وإنه أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وما في رحالهم من أحدهم بولده وإنه لينظر إلى من يبكيه فيستغفر له ويسأل أباه الإستغفار له ويقول : أيها الباكي لو علمت ما أعد الله لك لفرحت أكثر مما حزنت وإنه ليستغفر له من كل ذنب وخطيئة.

حدثني حكيم بن داود عن سلمة عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن بكر بن محمد عن فضيل بن يسار عن أبي عبد الله علیه السلام قال : من ذكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح بعوضة [الذباب] غفر له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر حدثني محمد بن عبد الله عن أبيه عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن بكر بن محمد عن أبي عبد الله علیه السلام مثله.

حدثني حكيم بن داود عن سلمة بن الخطاب عن الحسن بن علي عن العلاء بن

رزين القلاء عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال : أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين علیه السلام دمعة حتى تسيل على خده برأه الله بها غرفاً في الجنة يسكنها أحقابا.

وعنه عن سلمة عن علي بن سيف عن بكر بن محمد عن فضيل وبن

فضالة عن أبي عبد الله قال : من ذكرنا عنده ففاضت عيناه حرم الله وجهه على النار (1).


1) کامل الزيارات: 104.

حال زينب عليها السلام في السبي

ذلك السبي الذي لم يكن قبل كربلاء ولن يكون بعدها، سبي بعد قتل الأعزة والأحبة، الأبناء والآباء والأزواج ، بعد الجوع والعطش، سبي طويل المسافة من كربلاء إلى الشام، مع بعد المسافة وعظم المصيبة ورؤوس الأحبة والأعزة أمامهم، سبي ليس لبنات الروم وقيصر، ولا لبنات اليهود والنصارى ،هو سبي من نوع جديد، سبي بنات الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين.

لم يحدّثنا التاريخ قبل ذلك عن سبي بنات الرسالات ولن يأتي زمن نسمع فيه ذلك إلا ما كان من يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.

من يتحمّل ما تحملته زينب عليها السلام ، تساق من بلد إلى بلد كما تساق..... ،يعجز الإنسان عن وصف زينب بنت علي في تلك الحالة، وفعلاً سبي زينب مما يقرح القلب.

حدثني أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه قال :حدثني أبو عيسى عبيد الله بن الفضل بن محمد بن هلال الطائي البصري ره قال حدثني أبو عثمان سعيد بن محمد قال: حدثنا محمد بن سلام بن يسار سيار الكوفي قال: حدثني أحمد بن محمد الواسطي قال: حدثني عيسى بن أبي شيبة القاضي قال: حدثني نوح بن دراج قال : حدثني قدامة بن زائدة عن أبيه قال : قال علي بن الحسين علیه السلام : بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبد الله الحسين علیه السلام أحيانا.

فقلت : إن ذلك لكما بلغك.

فقال لي : فلماذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لا يحتمل أحداً على

محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا والواجب على هذه الأمة من حقنا.

فقلت : والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله ولا أحفل بسخط من سخط ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه.

فقال : والله إن ذلك لكذلك.

فقلت : والله إن ذلك لكذلك. يقولها ثلاثا وأقولها ثلاثا.

فقال : أبشر ثم أبشر ثم أبشر فلا خبرنك بخبر كان عندي في النخب البحر المخزون فإنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا وقتل أبي علیه السلام وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب براد بنا الكوفة فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا فعظم ذلك في صدري واشتد لما أرى منهم قلقي فكادت نفسي تخرج وتبينت ذلك مني عمتي زينب الكبرى بنت علي علیه السلام فقالت : ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي.

فقلت : وكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مصرعين بدمائهم مرملين بالعراء مسلبين لا يكفنون ولا يوارون ولا يعرج عليهم أحد ولا يقربهم بشر كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر.

فقالت علیه السلام : لا يجزعنك ما ترى فو الله إن ذلك لعهد من رسول الله إلى جدك وأبيك وعمك ولقد أخذ الله الميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا فقلت وما هذا العهد وما هذا الخبر.

فقالت علیه السلام : نعم حدثتني أم أيمن أن رسول الله صلی الله علیه واله وسلم هزار منزل فاطمة عليها السلام في يوم من الأيام فعملت له حريرة وأتاه علي بطبق فيه تمر ثم قالت أم أيمن:

فأتيتهم بعس فيه لبن وزبد فأكل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين علیه السلام

من تلك الحريرة وشرب رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وشربوا من ذلك اللبن ثم أكل وأكلوا من ذلك التمر والزبد ثم غسل رسول الله صلی الله علیه واله وسلم بده و علي يصب عليه الماء فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه ثم نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين نظرا عرفنا به السرور في وجهه ثم رمق بطرفه نحو السماء ملياً ثم إنه وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه ودعا ثم خر ساجداً وهو ينشج فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه ثم رفع رأسه وأطرق إلى الأرض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين علیه السلام وحزنت معهم لما رأينا من رسول الله صلی الله علیه واله وسلم وهبناء أن نسأله حتى إذا طال ذلك قال له علي وقالت له فاطمة عليها السلام ما يبكيك يا رسول الله لا أبكى الله عينيك فقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك؟

فقال صلی الله علیه واله وسلم : يا أخي سررت بكم.

وقال مزاحم بن عبد الوارث في حديثه هاهنا :فقال :يا حبيبي إني سررت بكم سروراً ما سررت مثله قط وإني لأنظر إليكم وأحمد الله على نعمته علي فيكم.

إذ هبط على جبرئيل علیه السلام فقال : يا محمد إن الله تبارك وتعالى اطلع على ما في نفسك وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك فأكمل لك النعمة وهناك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة لا يفرق بينك وبينهم يحبون كما تحب ويعطون كما تعطي حتى ترضى وفوق الرضا على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملتك ويزعمون أنهم من أمتك براء من الله ومنك خبطاً خبطاً وقتلاً قتلاً شتى مصارعهم نائية قبورهم خيرة من الله لهم ولك فيهم فاحمد الله عز وجل على خيرته وارض بقضائه فحمدت الله ورضيت بقضائه بما اختاره لكم.

ثم قال لي جبرئيل : يا محمد إن أخاك مضطهد بعدك مغلوب على أمتك متعوب من أعدائك ثم مقتول بعدك يقتله أشر الخلق والخليقة وأشقى البرية يكون نظير عاقر الناقة ببلد تكون إليه هجرته وهو مغرس شيعته وشيعة ولده وفيه على كل حال يكثر بلواهم ويعظم مصابهم وإن سبطك هذا وأوما بيده إلى الحسين علیه السلام مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمتك بضفة الفرات بأرض يقال لها كربلاء من

أجلها يكثر الكرب والبلاء على أعدائك وأعداء ذريتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفنى حسرته وهي أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمة يقتل فيها سبطك وأهله وأنها من بطحاء الجنة، فإذا كان ذلك اليوم الذي يقتل فيه سبطك وأهله وأحاطت به كتائب أهل الكفر واللعنة تزعزعت الأرض من أقطارها ومادت الجبال وكثر اضطرابها واصطفقت البحار بأمواجها وماجت السماوات بأهلها غضباً لك يا محمد ولذريتك واستعظاما لما ينتهك من حرمتك ولشر ما تكافيء به في ذريتك وعترتك ولا يبقى شيء من ذلك إلا استأذن الله عزّ وجلّ في نصرة أهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة الله على خلقه بعدك فيوحي الله إلى السماوات والأرض والجبال والبحار ومن فيهن إني أنا الله الملك القادر الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه ممتنع وأنا أقدر فيه على الانتصار والانتقام وعزتي وجلالي لأعذبن من وتر رسولي وصفيي وانتهك حرمته وقتل عترته ونبذ عهده وظلم أهل بيته أهله عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين.

فعند ذلك يضج كل شيء في السماوات والأرضين بلعن من ظلم عترتك واستحل حرمتك فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها تولى الله عز وجل قبض أرواحها بيده وهبط إلى الأرض ملائكة من السماء السابعة معهم آنية من الياقوت والزمرد مملوة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنة وطيب من طيب الجنة فغسلوا جثتهم بذلك الماء وألبسوها الحلل وحنطوها بذلك الطيب وصلت الملائكة صفاً صفاً عليهم ثم يبعث الله قوماً من أمتك لا يعرفهم الكفار لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية فيوارون أجسامهم ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء يكون علما لأهل الحق وسببا للمؤمنين إلى الفوز وتحفه ملائكة من كل سماء مائة ألف ملك في كل يوم وليلة ويصلون عليه ويطوفون عليه ويسبحون الله عنده ويستغفرون الله لمن زاره ويكتبون أسماء من يأتيه زائرا من أمتك متقربا إلى الله تعالى وإليك بذلك وأسماء آبائهم وعشائرهم وبلدانهم ويوسمون في وجوههم بميسم نور عرش الله هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الأنبياء، فإذا كان يوم القيامة سطع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الأبصار يدل عليهم ويعرفون به وكأني بك يا محمد بيني وبين ميكائيل وعلي إمامنا ومعنا من ملائكة الله ما لا يحصى عددهم

ونحن تلتقط من ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق حتى ينجيهم الله ذلك اليوم وشدائده وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك لا يريد به غير الله عز وجل وسيجتهد أناس ممن حقت عليهم اللعنة من الله والسخط أن يعفوا رسم ذلك القبر ويمحوا أثره فلا يجعل الله تبارك وتعالى لهم

إلى ذلك سبيلا.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهذا أبكاني وأحزنني.

قالت زينب عليها السلام : فلما ضرب ابن ملجم لعنه الله أبي علیه السلام ورأيت عليه أثر الموت منه قلت له : يا أبة حدثتني أم أيمن بكذا وكذا وقد أحببت أن أسمعه منك.

فقال علیه السلام : يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن وكأني بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد أذلاء خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبرا صبراً فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما لله على ظهر الأرض يومئذ ولي غيركم وغير محبيكم وشيعتكم.

ولقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبرنا بهذا الخبر: إن إبليس لعنه الله في ذلك اليوم يطير فرحا فيجول الأرض كلها بشياطينه وعفاريته فيقول : يا معاشر الشياطين قد أدركنا من ذرية آدم الطلبة وبلغنا في هلاكهم الغاية وأورثناهم النار إلا من اعتصم بهذه العصابة فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم وحملهم على عداوتهم وإغرائهم بهم وأوليائهم حتى تستحكموا ضلالة الخلق وكفرهم ولا ينجو منهم ناج ولقد صدق عليهم إبليس وهو كذوب أنه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح ولا يضر مع محبتكم ومو الاتكم ذنب غير الكبائر.

قال زائدة :ثم قال علي بن الحسين علیه السلام بعد أن حدثني بهذا الحديث : خذه إليك ما لو ضربت في طلبه آباط الإبل حولاً لكان قليلاً (1).


1) كامل الزيارات : 261 - 266 .

أقوال العلماء في فضائلها ومناقبها علیه السلام

زينب عليها السلام إسم إنتخبه الله تعالى لابنة سيدة نساء العالمين حيث أرسل سبحانه جبرائيل لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن سمّيها زينب (1).

وفي كتاب (جنّات الخلود) ما معناه :وكانت زينب الكبرى في البلاغة، والزهد ،والتدبير، والشجاعة، قرينة أبيها وأمها ، فإنّ انتظام أمور أهل البيت بل الهاشميين بعد شهادة الحسين علیه السلام كان برأيها وتدبيرها.

وعن النيسابوري في رسالته العلوية :كانت زينب بنت علي في فصاحتها وبلاغتها وزهدها وعبادتها كأبيها المرتضى علیه السلام ، وأمها الزهراء عليها السلام (2).

وقال شهاب الدين بن حجر في الإصابة زينب بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ،الهاشمية سبطة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمها فاطمة الزهراء.

قال ابن الأثير : إنها ولدت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت عاقلة لبيبة جزلة، زوجها أبوها ابن أخيه عبد الله ابن جعفر فولدت له أولادا، وكانت مع أخيها لما قتل، فحملت إلى دمشق وحضرت عند يزيد بن معاوية ،وكلامها ليزيد بن معاوية - حين طلب الشامي أختها فاطمة - مشهور يدل على عقل وقوة جنان.

وقال العلامة البرغاني في مجالس المتقين إن المقامات العرفانية الخاصة بزينب عليها السلام تقرب من مقامات الإمامة، وإنها لما رأت حالة زين العابدين علیه السلام - حين رأي أجساد أبيه وإخوته وعشيرته وأهل بيته على الثرى صرعى مجزرين كالأضاحي،


1) راجع أهل البيت للشرقاوي : 102.

2) وفيات الأئمة : 442.

وقد اضطرب قلبه واصفر وجهه - أخذت علیه السلام في تسليته، وحدثته بحديث أم أيمن : من أن هذا عهد من الله تعالى .

وفي الطراز المذهب : إن شؤونات زينب الباطنية ومقاماتها المعنوية كما قيل فيها : إن فضائلها وفواضلها ،وخصالها وجلالها ،وعلمها وعملها، وعصمتها وعفتها، ونورها وضياءها ،وشرفها وبهاءها تالية أمها الزهراء وناثبتها عليهن السلام

وفي مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الإصبهاني : زينب العقيلة بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والعقيلة هي : التي روى ابن عباس عنها كلام فاطمة عليها السلام في فدك فقال : حدثتني عقيلتنا زينب بنت علي.

وفي جنات الخلود ما معناه كانت زينب الكبرى في البلاغة والزهد والتدبير والشجاعة قرينة أبيها وأمها عليها السلام ، فإن انتظام أمور أهل البيت بل الهاشميين بعد شهادة الحسين علیه السلام كان برأيها وتدبيرها علیه السلام .

وقال ابن عنبة في أنساب الطالبيين : زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين علي علیه السلام ، كنيتها أم الحسن، تروي عن أمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد امتازت بمحاسنها الكثيرة، وأوصافها الجليلة وخصالها الحميدة، وشيمها السعيدة، ومفاخرها البارزة، وفضائلها الظاهرة.

وعن الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته الزينبية: ولدت زينب في حياة جدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت لبيبة جزلة عاقلة لها قوة جنان، فإن الحسن ولد قبل وفاة جده بثمان سنين ، والحسين بسبع سنين ،وزينب الكبرى بخمس سنين.

وعن النيسابوري في رسالته العلوية : كانت زينب ابنة علي علیه السلام في فصاحتها وبلاغتها وزهدها وعبادتها كأبيها المرتضى وأمها الزهراء عليها السلام .

وقال عمر أبو النصر اللبناني في كتابه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم المطبوع في بيروت حديثاً : وأما زينب بنت فاطمة عليها السلام فقد أظهرت أنها من أكثر آل البيت جرأة وبلاغة وفصاحة، وقد استطارت شهرتها بما أظهرت يوم كربلاء وبعده من حجة وقوة وجرأة وبلاغة ، حتى ضرب بها المثل وشهد لها المؤرخون والكتاب.

وقال أيضاً في كتابه الحسين بن علي المطبوع حديثا أيضاً: ومما يجب أن يصار إلى ذكره في هذا الباب ما ظهر من زينب بنت فاطمة وأخت الحسين علیه السلام من جرأة وثبات جاش في مواقفها هذه يوم المعركة وعند ابن زياد وفي قصر يزيد، إلى آخر ما قال.

وقال البحاثة فريد وجدي على ما نقله عنه بعض الأجلاء السيدة زينب بنت علي علیه السلام ،ما كانت من فضليات النساء وشريفات العقائل ذات تقى وطهر وعبادة، هاجرت إلى مصر وتوفيت بها، انتهى .

وقال الفاضل الأديب حسن قاسم في كتابه السيدة زينب : السيدة الطاهرة الزكية زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم وشقيقة ريحانتيه، لها أشرف نسب وأجل حسب وأكمل نفس وأطهر قلب ،فكأنها صيغت في قالب ضمخ بعطر الفضائل ،فالمستجلي آثارها يتمثل أمام عينيه رمز الحق، رمز الفضيلة، رمز الشجاعة، رمز المروءة وفصاحة اللسان، قوة الجنان ،مثال الزهد والورع، مثال العفاف والشهامة، إن في ذلك لعبرة....

وقال أيضاً : فلئن كان في النساء شهيرات فالسيدة أولاهن، وإذا عدت الفضائل فضيلة - فضيلة من وفاء وسخاء ،وصدق وصفاء ،وشجاعة وإباء، وعلم وعبادة، وعفة وزهادة - فزينب أقوى مثال للفضيلة بكل مظاهرها.

وقال العلامة الأجل السيد هبة الدين الشهرستاني : إن العقيلة زينب باغتت أخاها الحسين علیه السلام في خبائه ليلة مقتله ،فوجدته يصقل سيفا له ويقول :

يا دهر أف لك من خليل *** كم لك بالإشراق والأصيل

من طالب بحقه قتيل *** والدهر لا يقبل بالبديل

إلى آخر الأبيات.

ذعرت زينب عند تمثل أخيها بهذه الأبيات ، وعرفت أن أخاها قد يئس من الحياة ومن الصلح مع الأعداء، وأنه قتيل لا محالة.

وصرخت نادية :يا أخي أراك تغتصب نفسك اغتصابا، وقالت : اليوم مات جدي وأبي وأمي وأخي ،ثم خرت مغشية عليها، إذ غابت عن نفسها ولم تعد تملك اختيارها، فأخذ أخوها الحسين علیه السلام رأسها في حجره يرش على وجهها من مدامعه، حتى أفاقت وسعد بصرها بنظرة من شقيقها الحسين علیه السلام ، وأخذ يسليها - وفي بعض التسلية تورية - فقال : يا أختاه إن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، فلا يبقى إلا وجهه، وقد مات جدي وأبي وأمي وأخي وهم خير مني، فلا يذهبن بحلمك الشيطان، ولم يزل بها حتى أسكن بروحه روعها ،ونشف بطيب حديثه دمعها. نعم، كانت شقيقة الحسين علیه السلام أخته بتمام معاني الكلمة، فلا غرو إن شاطرت سيدة الطف زينب أخاها الحسين علیه السلام في الكوارث وآلام الحوادث (1).

ولله در النقدي حيث يقول :

عقيلة أهل بيت الوحي بنت *** الوصي المرتضى مولى الموالي

شقيقة سبطي المختار من قد *** سمت شرفاً على هام الهلال

حكت خير الأنام على وفخراً *** وحيدر في الفصيح من المقال

وفاطم عفة وتقى ومجداً *** وأخلاقاً وفي كرم الخلال

ربيبة عصمة طهرت وطابت *** وفاقت في الصفات وفي الفعال

فكانت كالأئمة في هداها *** وإنقاذ الأنام من الضلال

وكان جهادها بالليل أمضى *** من البيض الصوارم والنصال

وكانت في المصلى إذ تناجي *** وتدعو الله بالدمع المذال

ملائكة السماء على دعاها *** تؤمن في خضوع وابتهال

ورثت عن أمها الزهراء علوماً *** بها وصلت إلى حد الكمال

مقاماً لم يكن تحتاج فيه *** إلى تعليم علم أو سؤال

ونالت رتبة في الفخر عنها *** تاخرت الأوامر والأوالی


1) كتاب العقيلة والفواطم للشاكري : 27

فلولا أنها الزهراء سادت *** نساء العالمين بلا جدال (1)

وقال الأصفهاني أعلى الله مقامه :

وليت وجهي شطر قبلة الورى *** ومن بها تشرفت أم القرى

قطب محیط عالم الوجود *** في قوسي النزول والصعود

ففي النزول كعبة الرزايا *** وفي الصعود قبلة البرايا

بل هي باب حقة الخطايا *** وموئل الهبات والعطايا

أم الكتاب في جوامع العلا *** أم المصاب في مجامع البلا

رضيعة الوحي شقيقة الهدى *** ربيبة الفضل خليفة الندى

ربة خدر القدس والطهارة *** في الصون والعفاف والخفارة

فإنّها تمثل الكنز الخفي *** بالسر والحياء والتعفف

تمثل الغيب المصون ذاتها *** تعرب عن صفاته صفاتها

مليكة الدنيا عقيلة النسا *** عديلة الخامس من أهل الكسا

شريكة الشهيد في مصائبه *** كفيلة السجاد في نوائيه

بل هي ناموس رواق العظمة *** سيدة العقائل المعظمة

ما ورثته من الرحمة *** جوامع العلم أصول الحكمة

سرابها في علو الهمة *** والصبر في الشدائد الملمة

ثباتها ينبئ عن ثباته *** كان فيها كل مكرماته

لها من الصبر على المصائب *** ما جلّ أن يعد في العجائب

بل كاد أن يلحق بالمعاجز *** لانه حرفة كل عاجز

فإنّها سلالة الولاية *** ولاية ليس لها نهاية

بیانها يفصح عن بيانه *** كانها تفرغ عن لسانه


1) وفيات الأئمة : 442

ناهيك فيه الخطب المأثورة *** فإنّها كالدرر المنشورة

بل هي لولا الحظ من مقامها *** كاللؤلؤ المنضود في نظامها

فإنها وليدة الفصاحة *** والدها فارس تلك الساحة

وما أصاب أمها من البلا *** فهو تراثها بطف كربلا

لكنّها عظيمة بلواها *** من الحرب شاهدت دماها

رأت هجوم الخيل بالنار على *** خبائها أو محور السبع العلى

وأسلبوا يا ويلهم قرارها *** مد سلبوا إزارها خمارها

وسببهم ودائع المختار *** عار على الإسلام أي عار

يكاد أن يذهب بالعقول *** سبي بنات الوحي والتنزيل

وما رأت بالطف من أهوالها *** جل عن الوصف بيان حالها

ومن يطيق وصف سوء حالها *** مذ رأت السبط علی رمالها

معفر الخد مضرجاً بدم *** لهفي على جمال سلطان القدم

وحولها فتيانه على الثري *** كالشهب الزهر تحف القمرا

واها على كواكب السعود *** عقد نظام الغيب والشهود

كيف هوت وانتشرت أشلاؤها *** بأي ذنب سفکت دماؤها

وشاهدت ريحانة الرسول *** تدوسها حوافر الخيول

فأصبحت خزانة اللاهوت *** حلبة خيل الجبت والطاغوت

صدر تربى فوق صدر المصطفى *** ترضه الخيل على الدنيا العفى

ترى العوالي مركز المعالي *** مدرجة لذروة الكمال

وهي عرش وعليه التاج *** أو أنها البراق والمعراج

نال من العروج ما تمنّی *** کتاب قوسين دنا أو أدنى

حتى تجلى قائلاً إني أنا *** من شجر القناة في طور القنا

لسان حاله للطان القدم *** سعياً على الرأس إليك لا القدم

وسوقها إلى يزيد الطاغية *** أشجى فجيعة وأدهي داهية

وما رأته في دمشق الشام *** يذهب بالعقول والأحلام

أمامها رأس الإمام الزاكی *** وخلفها النوائح البواكي

أو الكتاب المناطق المبين *** حت به الحنين والأنين

وأفظع الكل دخول الطاهرة *** حاسرة على ابن هند العاهرة

وما لها ومجلس الشراب *** وهي ابنة السنة والكتاب

أتوقف الحرة من آل العبا *** بين يدي طليقها واعجبا

يشتمها طاغية الإلحاد *** وهي سلالة النبي الهادي

بل سمعت من ذلك اللعين *** سب أبيها وهو أصل الدين

أتنسب الطاهرة الصديقة *** للكذب وهي أصدق الخليقة

حرقلباه لقلب الحرة *** فما رأته لا أطيق ذكره

شلت يد مدت بقرع العود *** إلى ثنايا العدل والتوحيد

تلك الثنايا مرشف الرسول *** وملثم الطاهرة البتول

وما حناء باللسان أعظم *** وكفره المكنون منه يعلم

وقد أبانت كفر ذاك الطاغي *** بأحن البيان والبلاغ

حنت بقلب موجع محترق *** على أخيها فأجابها الشقي

يا صيحة تحمد من صوائح *** ما أهون النوح على النوائح (1)


1) وفيات الأئمة: 474

تحريم ذرية فاطمة وزينب في الآخرة على النار

قال الحضرمي: تقدم في الباب الأول عن ابن عباس علیه السلام نا في تفسير قوله تعالى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرَضَ ) رضى محمدصلى الله عليه وسلم أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار.

وسبق أيضاً عن زيد بن علي علیه السلام في تفسير الآية المذكورة انه قال: «من رضى محمد صلى الله عليه وسلم أن يدخل أهل بيته الجنة (1).

وأخرج الحاكم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم »(2)

· 159

.

وعن عمران بن حصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سألت ربي أن لا يدخل النار أحد من أهل بيتي فأعطاني ذلك» (3).


1) الصواعق المحرقة : 159 - 160 ط. و 244 ط. بيروت الآية العاشرة من الآيات النازلة فيهم.

2) مستدرك الصحيحين: 150/3 مناقب فاطمة من كتاب المعرفة والفردوس : 382/4 ح 7112ط. دار الكتب و 5 / 107 ح 7327 ط. دار الكتاب والصواعق المحرقة: 160 ط مصر و 244 ط. بيروت الآية العاشرة من الآيات النازلة فيهم، وفضل آل البيت للمقريزي : 73 ، وكنز العمال: 108/12 ح 34220، واحياء الميت للسيوطي: 256.

3) الفردوس : 310/2 - 3403 ط. دار الكتب و 439 ح 3222 ط دار الكتاب، وفضل آل البيت للمقريزي : 73 وقال : أخرجه الملا، وكنز العمال: 95/12 ح 34149.

وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله علیه السلام : «ان فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار »(1).

وعن ابن عباس علیه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاطمة : ان الله غير معذبك ولا ولدك ». أخرجه الطبراني في الكبير (2).

وعن علي علیه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا علي ان الله قد غفر لك ولذريتك ولولدك ولأهلك وشيعتك ولمحبي شيعتك، فأبشر فإنك الأنزع البطين». اخرجه الديلمي في مسنده (3).

وعنه وكرم وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا كان يوم القيامة كنت أنت وولدك على خيل بلق متوجة بالدر والياقوت، فيأمر الله بكم الى الجنة والناس ينظرون »(4).

وجاء عنه عليه الصلاة والسلام انه قال لعلي كرم الله وجهه : «اما ترضى انك معي والحسن والحسين وذرياتنا خلف ظهورنا وأزواجنا خلف ذرياتنا وأشياعنا عن أيماننا وعن شمائلنا». اخرجه أحمد في المناقب (5).

وعنه أيضاً كرم الله وجهه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:« اللهم إنهم عشرة رسولك فهب مسيتهم لمحسنهم وهبهم لي، ففعل وهو فاعل »قال.


1) الصواعق المحرقة : 160 ط. مصر و 245 ط. بيروت الآية العاشرة من الآيات النازلة فيهم، ومستدرك الصحيحين: 152/3 مناقب فاطمة ومناقب ابن المغازلي : 353 ح 403

2) المعجم الكبير للطبراني : 210/11 . 11685 ترجمة ابن عباس والصواعق المحرقة : 160 ط. مصر و 245 ط. بيروت الآية العاشرة، وكنز العمال: 11/12 ح 34236.

3) الفردوس : 329/5 ح 8337 ط. دار الكتب العلمية وحذف من ط. دار الكتاب، وكنوز الحقائق : 2/ 365 - 9975

4) ذخائر العقبى : 135 ذكر أنهم يوم القيامة على خيل.

5) فضائل الصحابة لاحمد : 624/2ح 1068 بلفظ : أما ترضي أن تكون رابع أربعة، والصواعق المحرقة : 161 ط مصر و 246 ط. بيروت الآية العاشرة من الآيات النازلة فيهم.

قلت : ما فعل؟

قال : «فعله ربكم بكم ويفعله بمن بعدكم أخرجه الملا في سيرته(1).

(وقد) دل مجموع هذه الاحاديث بل جميعها على انه سبحانه وتعالى أوجب دخولهم فراديس الجنان، وحرم تلك الاشباح الطاهرة على النيران، ولا شك ان الله سبحانه وتعالى يطهرهم عما اقترفوا بالتوبة وانواع المصائب، وغير ذلك من المكفرات للذنوب، فقد طهرهم الله وشهد لهم بذلك في محكم التنزيل وليس لكلمات الله من تبديل.

ثم أكدت ذلك السنة الغراء وجاءت به الاحاديث عن أبي الزهراء، فالزم حدك أيها الأخ ولا تتعده، فإن الخمرة تستحيل خلا، ليس لك من الامر شيء أو يتوب عليهم، لأن ذنوبهم إنما هي صورية ،والتوبة التي سبقت لهم بها الارادة، تغسل تلك الصور وتبدلها حسنات، فيكون وجودها كالعدم، ولا يلزم ظهور تلك التوبة علناً، لأن الخصوصية مخفية، وقد اختارهم الله واصطفاهم، وهو على علم بما يكون منهم، فلا يموت أحد منهم إلا بعد تطهيره مما جناء (2)، إذ المحبوب لا تضره الذنوب، وإذا تحققنا المغفرة لمحبيهم ومحبي شيعتهم ،كما وردت به الاحاديث، فكيف نشك في لزوم ذلك لذواتهم الطيبة الطاهرة وعناصرهم الزكية الفاخرة.

وقد صرح بهذا الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي قدس الله سره في الباب التاسع والعشرين من الفتوحات المكية قال روح الله روحه: (ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عبداً محضاً قد طهره الله وأهل بيته تطهيراً وأذهب عنهم الرجس، وهو كل ما يشينهم، فإن الرجس هو القدر عند العرب ،هكذا حكاه الفراء قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) فلا يضاف إليهم إلا مطهر ولا يضيفون لأنفسهم إلا من له حكم الطهارة والتقديس.


1) المشرع الروي : 15/1.

2) قال الشعراني: الظن بآل بيته كلهم أن يطيعوا عند الامتحان لتقر بهم . کشف الغمة للشعراني : 39/2 القسم الثالث من خصائصه

فهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم السلمان الفارسي بالطهارة والحفظ الإلهي والعصمة ، حيث قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سلمان منا أهل البيت »، وشهد الله لهم بالتطهير وذهاب الرجس عنهم، وإذا كان لا ينضاف إليهم إلا مطهر مقدس وحصلت له العناية الربانية الإلهية بمجرد الاضافة ،فما ظنك باهل البيت في نفوسهم فهم المطهرون، بل عين الطهارة، فهذه الآية تدل على ان الله سبحانه وتعالى قد شرك أهل البيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَرَ).

رأي وسخ وقذر أقذر من الذنوب وأوسخ فطهر الله نبيه بالمغفرة مما هو ذنب بالنسبة الينا، لو وقع منه صلى الله عليه وسلم لكان ذنباً في الصورة لا في المعنى، لأن الذم لا يلحق به على ذلك من الله، ولا منا شرعاً، فلو كان حكمه حكم الذنب لصحبه ما يصحب الذنب من المذمة، ولم يكن يصدق في قوله (لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويطهركم تطهيرا)

فدخل الشرفاء أولاد فاطمة كلهم علیها السلام ، ومن هو من أهل البيت مثل سلمان الفارسي الى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران ، فهم المطهرون اختصاصاً من الله تعالى وعناية بهم لشرف محمد صلى الله عليه وسلم وعناية الله به، ولا يظهر حكم هذا الشرف لأهل البيت إلا في الدار الآخرة، فإنهم يحشرون مغفوراً لهم، وأما في الدنيا فمن أتى منهم حداً أقيم عليه كالتائب إذا بلغ الحاكم أمره وقد زني أو سرق أو شرب أقيم عليه الحد، مع تحقق المغفرة كما عزوا مثاله، ولا يجوز ذمه.

وينبغي لكل مسلم مؤمن بالله وبما أنزله ان يصدق الله تعالى في قوله : (لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُظْهِرَكُز تطهيرا )فيعتقد في جميع ما يصدر من أولاد فاطمة علیه السلام ان الله قد عفا عنهم فيه ،فلا ينبغي لمسلم ان يلحق المذمة لهم ولا يشنو اعراض من قد شهد الله بتطهيرهم وذهاب الرجس عنهم ، لا يعمل عملوه ولا بخير قدموه ،بل بسابق عناية واختصاص من الله لهم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .

فإذا صح الخبر الوارد في سلمان، فله هذه الدرجة فانه لو كان سلمان على أمر

يشنوه الله وتلحقه المذمة من الله لشأن الذنب عليه وبه، لكان مضافاً الى بيت من لم يذهب عنه الرجس، فيكون لأهل البيت من ذلك بقدر ما أضيف إليهم وهم المطهرون بالنص، فسلمان منهم بلا شك، فإن الرجاء ان يكون عقب علي وسلمان تلحقهم هذه العناية كما لحقت أولاد الحسن والحسين وعقبهم علیه السلام ، وموالي أهل البيت فإن رحمة الله واسعة). انتهى كلام الشيخ محيي الدين بن العربي نفع الله به (1).

(وقال الإمام العارف )بالله أبو العباس أحمد بن عيسى المعروف بزروق

المغربي التونسي علیه السلام في كتابه «تأسيس القواعد والاصول وتحصيل الفوائد لذوي الوصول »قاعدة :أحكام الصفات الربانية لا تتبدل وآثارها لا تتنقل، ومن ثم قال الحاتمي (رحمه الله) : نعتقد في أهل البيت ان الله سبحانه وتعالى يتجاوز عن جميع سياتهم لا يعمل عملوه ولا بصالح قدموه ،بل يسابق عناية من الله لهم؛ إذ قال الله تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ ) الآية، فعلق الحكم بالإرادة التي لا تتبدل أحكامها فلا يحل لمسلم أن ينتقص ،ولا ان يشنأ عرض من شهد الله بتطهيره وذهاب الرجس عنه، والعقوق لا يخرج من النسب ما لم يذهب أصل النسبة، وما تعين عليهم من الحقوق فايدينا فيه نائبة عن الشريعة ،وما نحن في ذلك إلا كالعبد يؤدب ابن سيده بأمر السيد ولا يهمل فضل الولد). انتهى.

وحيث عرفت أيها الأخ وجوب طهارتهم عن الذنوب بمتقضى الارادة الازلية كما في الآية الكريمة والأحاديث السابقة، فازيدك أيضاً : انه علیه السلام كان مجاب الدعوة وذلك معلوم ضرورة.

وقد جاء في حديث حذيفة :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده، وقد دعا لأنس بكثر المال والولد، فأثرى وبلغ ولده في حياته نحو المائة (2).


1) المفتوحات المكية: 196/1 - 198 الباب 29.

2) مسند أحمد 159/3 ط. م و 633 ح 12203.

ودعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة، فكثر ماله حتى صولحت أحدى زوجاته الاربع، وكان طلقها في مرض موته على نيف وثمانين الف دينار، وذلك بعد صدقاته الفاشية ومواهبه العظيمة.

ودعا في الاستسقاء فنزل الغيث، ودعا باقلاعه حين شكا الناس فاقلع .

وقال للنابغة : «لا يفضض الله فاك »فما سقطت له سن، مع انه عاش مائة وعشرين سنة.

ودعا لابن عباس : «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (1)، فصار يسمى حبر الامة وترجمان القرآن.

ودعا لعلي : «ان يكفى الحر والقر» (2)، فكان يلبس في الصيف ثياب الشتاء وفي الشتاء ثياب الصيف.

ودعا على كسرى الذي مزق كتابه ،ان يمزق ملكه كل ممزق فلم تبق لهم باقية. وهذا الباب واسع لا تمكن الاحاطة به (3)(4)

وقال المقريزي في كتاب أهل البيت : ويؤيد مقالة الشيخ محي الدين هذه (5)ما


1) مسند احمد : 266/1 - 335 ط . م و 439 - 551 ح 2393 - 3092 ط.

2) مسند أحمد: 1/ 84 - 99 ط. م و 135 - 160 ح 639 - 0780

3) اجابة دعوته متواترة تواتراً معنوياً كما ذكر في محله - راجع نظم المتناثر من الحديث المتواتر : 215 ح 248 فقد دعا لام سليم ولعلي وعلى قريش وغيرهم راجع مسند أحمد: 430/6 ط. و3/1 ط. و 2/ 470 ط.، وقد ذكر نموذج من ذلك الشيخ الرفاعي في كتابه ضوء الشمس : 66/1 فلتراجع.

4) رشفة الصادي: 139

5) كلامه في عصمة أهل البيت ومن كان منهم ويأتي كلامه في تفسير آية التطهير.

أخرجه الحاكم في مستدركه من حديث معاوية بن هشام قال: حدثنا عمر بن غياث عن عاصم، عن زِرّ بن حُبَيْش، عن عبد الله بن مسعود علیه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

«إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار(1)» .

وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (2).

وذكر الفقيه الحافظ محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري في كتاب «ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى »من حديث عمران بن حصين علیه السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

«سالت ربي أن لا يدخل النار أحداً من أهل بيتي، فأعطانا ذلك» أخرجه الملافي سيرته (3).

ومن حديث [أمير المؤمنين ]علي علیه السلام قال : قال رسول الله لفاطمة علیها السلام : يا فاطمة تدرين لم سميت فاطمة؟


1) مسند البزار : 223/5 ح وربيع الابرار : 530/30 ، وحلية الأولياء : 188/4، وكنز العمال: 12 / 108 ح 34220 ، کتاب الفضائل فضائل فاطمة ، ومقتل الحسين للخوارزمي 55/1 ، الفصل الخامس، فضائل فاطمة، وفيه فحرمها الله وذريتها على النار، وفي المعجم الكبير : 42/3 : إن فاطمة حصنت فرجها وإن الله عز وجل أدخلها بإحصان فرجها وذريتها الجنة ترجمة الحسن علیه السلام ح 2625 ، وكذا في كفاية الطالب: 367 باب 99، فضائل فاطمة علیه السلام .

2) راجع مستدرك الصحيحين: 152/3 كتاب معرفة الصحابة، مناقب فاطمة ، وذخائر العقبي : 48 ، وقال أخرجه أبو تمام في فوائده ونور الأبصار 52 ط. الهند و 96 ط. قم ذكر أولاد الرسول .

3) الفردوس للديلمي : 310/22 ح 3403 ط. دار الكتب و 439 ح 3222 ط. دار الكتاب، ركنز العمال: 95/12 ح 34149 ، وذخائر العقبى : 19 وفيها: «فأعطاني» بدل : فأعطانا - وعن ابن عباس في قوله تعالى : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَضَى ) قال : ارضاء محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار شواهد التنزيل 2 : 447 ، ح 1113 ، والصواعق : 187 ط. مصر و ط بیروت 283 باب ،11 فصل 2 ، وكنز العمال: 95/12 ، ح 34149 ، وفيه: «فأعطانيها» بدل: «فأعطانا ذلك».

قال علي علیه السلام : لم سميت؟

قال :« إن الله عز وجل، قد فطمها وذريتها من النار يوم القيامة(1)» ، أخرجه الحافظ الدمشقي.

وقد رواه الإمام علي بن موسی الرضا علیه السلام بسنده ولفظه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

«إن الله قطم ابنتي فاطمة وولدها (2)ومن أحبهم من النار »(3). انتهى كلام المقريزي .

ومعلوم أن أولاد فاطمة علیها السلام هم الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم علیها السلام .


1) راجع تاريخ بغداد 7/5ط مصر 1360 ، ونور الأبصار : 52 ط. الهند و 96 ط. قم ذكر أولاد الرسول ، وفيها إنما سميت فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار، ومقتل الحسين للخوارزمي: 51/1 الفصل الخامس في فضائل فاطمة ، وكنز العمال : 12 / 109 ح ،34225 ، ولوامع الانوار: 76/1

2) في اس؟ وولداها.

3) الفردوس للديلمي: 1/ 364 ح 1385 ط دار الكتاب وغرر البهاء الضوي: 283، ولوامع الانوار: 57/2 بلفظ ومحبيها من النار، ومقتل الحسين للخوارزمي : 51/1 الفصل الخامس في فضائل فاطمة وفيه : سميت إبنتي فاطمة لأن الله فطمها وفطم من أحبها من النار».

طهارة قلوب ذرية فاطمة وزينب

قال السيد الحضرمي : قد دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأهل بيته المطهرين بدعوات متعددة لا ريب لدى صحيح الإيمان في استجابتها :

منها : دعاؤه صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية الكريمة كما سبق بقوله: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً» ، تكرر ذلك منه مراراً.

وقوله عليه الصلاة والسلام : «اللهم إنهم عترة رسولك فهب محسنهم لمسيئهم وهبهم لي » الى آخر الحديث السابق.

ومنها : دعاؤه صلى الله عليه وسلم ليلة زفاف فاطمة علیه السلام بقوله :« اللهم اني اعيدها بك وذريتها من الشيطان الرجيم »(1).

الى غير ذلك من الدعوات المنقولة عنه علیه السلام .

(وقال الإمام) نور الدين بن ظهيرة: (الذي نعتقده وندين الله به دنيا وأخرى : ان لا يتوفى أحد من أهل البيت رضوان الله عليهم إلا وقد طهره الله بالتوبة، ولو فيما بينه وبين الله عز وجل من غير اطلاع أحد ولو قبل الغرغرة.

وانه إذا فرض موت أحد منهم على غير ذلك، فهو من باب فرض المحال، فلا نسيء ظننا ألبتة بمن رايناه مات منهم على غير توبة ،مع تلوثه بالمعاصي، ولابد ان نستشفع الى الله بمحسنهم ومسيئهم لأنهم كلهم محسنون اما ابتداءً واما نهاية) (2).


1) كما تقدم مفصلاً.

2) تقدم نحوه للشعراني ولابن حجر.

(وقال الشيخ )محمد بن عبد القادر البحراوي : (ان مما نعتقد وينبغي القطع به : ان من الممنوع في حق أهل البيت أن يموت أحد منهم مصراً على معصية من بدعة وغيرها ألبتة، بل لا بد ان يمن الله عليهم بتوبة صحيحة ولا يقبضهم إلا بعدها؛ تشريفاً لهم ليقر عيني حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم انتهى (1).

(وقد أورد )في حقهم الإمام محمد بن عبد الرحمن السخاوي المكي قال : مسئلة فقهية : ليست بدعة المبتدع ولا تفريط المفرط منهم في شيء من العبادات وارتكاب شيء من المحظورات والمحرمات مخرجاً له عن النسب العلي الفاخر الجلي وعن بنوة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل الولد ولد على كل حال عق أو بر.

ومثل هذا ما اجاب به بعض العلماء وقد سئل عن هذه المسئلة بعينها فاجاب: أجمعت الامة على ان الولد العاق يلحق بابيه ويرث منه (2).

(وفي كتاب) « البرقة المشيقة في لبس الخرقة الانيقة » للإمام العارف بالله القطب رباني الشيخ علي بن أبي بكر السكران العلوي الحسيني نفع الله به قال: (رأى أبو العباس المزني المغربي فاطمة البتول بنت محمد صلى الله عليه وسلم كشفا وهي تقول: له في اشراف يبغضون الشيخين : أنفُكَ منك وان كان أجدع ،والنسب لا ينقطع بالمعصية). انتهى (3).

(أقول ): لكن ينبغي للمتأهل نصح من رآه من أهل البيت الطاهر متلبساً بما لا يليق بشرفه ومجده، ويحثه على الأخذ بما كان عليه اسلافه من العلم والعمل والاخلاق الحسنة والسيرة النبوية والطريقة المرضية ، ويخبره انه الاحق بذلك والاولى به من سائر الناس، إذ من النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم النصيحة لأهل بيته صلى الله عليه وسلم .

وقد حكى عن الكاظم أنه قال: « سبع من كن فيه فقد استكمل حقيقة الإيمان


1) يراجع المشرع الروي: 23/1.

2) سوف يأتي في القصص ما يؤكد ذلك.

3) غرر البهاء الضوي : 80 الفصل الثاني.

وفتحت له أبواب الجنان - وعد من ذلك -: النصيحة لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . (1)

فينبغي نصح من ذكر، لكن من غير ان يعتقد به سوء ومنقصة، فقد قال سيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني قدس الله سره في كتابه « البحر المورود في المواثيق والعهو» : (فالادب إذا رأينا من شريف اعوجاجاً ان نصححه بشريعة صلى الله عليه وسلم جده من غير شغوف انفسنا عليه ،فيكون حكمنا حكم عبد قال لسيده الصغير: يا سيدي سمعت سيدي الكبير يقول ان الفعل الفلاني لا ينبغي فعله أو يحرم فعله، فنكون مبلغين له شرع والده، لا آمرين له ولا حاكمين عليه من أنفسنا، هذا هو الادب مع كل شريف، فإن الله تعالى قد فضل الشرفاء علينا ، لا يعمل عملوه ولا بخير قدموه بل بسابق عناية من الله عزوجل لهم) انتهى (2).

(وقال) الإمام الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي في فتاويه: (من علمت نسبته الى البيت النبوي والسر العلوي لا يخرجه من ذلك عظيم جنايته ولا عدم ديانته وصيانته، ومن ثم قال بعض المحققين ما مثال الشريف الزاني أو الشارب مثلا إذا اقمنا عليه الحد إلا كأمير أو سلطان تلطخت رجلاه بقذر فغسله عنهما بعض خدمه، ولقد تبين في هذا المثال قول الناس الولد العاق لا يحرم الميراث )انتهى .

وقال الإمام الشعراني قدس سره: (إن إقامة الحدود على الشرفاء لا تنافي تعظيمهم وتوقيرهم من حيث كونهم ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونقيم عليهم الحد الذي شرعه جدهم صلى الله عليه وسلم و لم يخص به أحداً دون أحد) انتهى.

(تتمة) إنما أوردت ما وقفت عليه ايها الاخ في هذا الباب من الاحاديث النبوية واقوال العلماء، ما يدل على ان الله تعالى غير معذب لهذه العصابة، وانه لا يموت أحد منهم إلا بعد التوبة، كما سبق ايضاحاً لوجه الحق في هذه المادة، وزجراً


1) أخرجه الديلمي عن رسول الله من طريق علي .... وأدى النصح لأهل بيتي فقد استكمل حقائق الإيمان وابواب الجنة له مفتحة الفردوس : 572/3 ح 5793

2) الفتاوى الحديثة : 120 - 121 ط. مصر الاولى 1353

وتحذيراً للعامة من إساءة الأدب والتجرى على من رأوه من أهل هذا البيت على غير الجادة، لا حملاً لأهل هذا البيت على التساهل في أمور التقوى والديانة، ولا إغراء لهم على الاتكال على النسب، فإن هذا مما لا يسوغ ولا يجوز، ويكفيهم ما أوردته في الخاتمة من الاحاديث الدالة على ان كل نفس مجزية بما تسعى، وإذا أمعنت النظر في الواقع المشاهد وجدت أهل البيت - إلا من ندر - هم : المتقون لربهم والمقتفون لجدهم، وهم الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، والذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ،هم كما قال الإمام البوصيري فيهم :

سدتم الناس بالتقى وسواكم *** سودته البيضاء والصفراء (1)


1) رشفة الصادي: 142 الباب السادس

أدعية الرسول بذهاب الرجس عن أهل البيت علیه السلام

منها ما روي في قصة انزال المائدة من السماء على فاطمة علیها السلام المروية عن مجاهد عن ابن عباس قال : .. فنبههما النبي وأجلس واحداً على فخذه الايمن وواحداً على فخذه الايسر ،واجلس فاطمة بين يديه واعتنقهم، فدخل علي بن أبي طالب فاعتنق النبي من ورائه، ثم رفع النبي طرفه الى السماء وقال: الهي وسيدي ومولاي هؤلاء أهل بيتي اللهم فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا (1).

2 -ومنها ما روي عن ابن أبي ليلى قال : قال رسول الله لعلي : أخبرني جبرائيل أنهم يظلمونك بعدي، وأن الظلم لهم لا يزول عن عترتنا حتى إذا قام قائمهم و علت كلمتهم واجتمعت الامة على مودتهم - الى أن قال - اللهم إنهم أهلي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، اللهم اكلاهم وارعهم وكن لهم وانصرهم (2).

3 - وعنه في يوم وهم حوله : اللهم انك تعلم أن هؤلاء أهل بيتي وأكرم الناس علي، فأحب من يحبهم وأبغض من يبغضهم، ووال من والاهم وعاد من عاداهم، وأعن من أعانهم، وأجعلهم مطهرين من كل رجس معصومين من كل ذنب وأيدهم بروح القدس منك (3).

3 - وقال للحسن عند ولادته : « اللهم إني أعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم» (4).


1) مقتل الحسين للخوارزمي : 75/1 الفصل الخامس.

2) ينابيع المودة : 1/ 135 ط. استانبول و 159 ط. النجف..

3) أهل البيت لتوفيق أبو علم : 124 القسم الثاني - خصائص فاطمة وأخرجه أبو يعلى بتفاوت البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث : 337/1 - 399.

4) سبائك الذهب : 320.

4 - ومنها ما روي عن أم سلمة وسلمان وأنس وعلي جميعاً عن رسول الله أنه قال لعلي وفاطمة عند زفافهما : اللهم اني اعيدها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، اللهم اني اعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم .

اللهم انهما مني وأنا منهما، اللهم كما أذهبت عني الرجس وطهرتني فاذهب عنهما الرجس وطهرهما وظهر نسلهما.

وقال : طهركما الله وظهر نسلكما .

وقال : اذهب الله عنك الرجس يا أبا الحسن وطهرك تطهيراً.

وقال: أذهب الله عنك الرجس وطهرك تطهير (1).

5 - وفي رواية عن أنس قال بعد نضح الماء : « أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً »(2).

6- وعن ابن عباس واسماء قال رسول الله : اللهم كما اذهبت عنا [عني]

الرجس وطهرتني فطهرهما (3).


1) الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان 9/ 50 ج 6905 كتاب المناقب - ذكر تزويج علي ، وينابيع المودة: 175 - 179 177 ط. استانبول و 206 - 207 ط. النجف، ومجمع الزوائد : 205/9 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : 331/9 ح 15210 کتاب المناقب، والمصنف لعبد الرزاق : 489/5 ح 9782 باب أزواج النبي ، و مناقب الخوارزمي : 35 و 353 ح 364 فصل 20.

2) مجمع الزوائد : : 106/9 - 207 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 15211 كتاب المناقب - مناقب فاطمة.. 333/9 ح

3) المعجم الكبير : 135/24 ترجمة أسماء ما روى عنها ابن عباس، و: 412/22 ترجمة فاطمة ذكر تزويجها والاحاديث الطوال بذيل المعجم : 301/25 حديث تزويج فاطمة، ومجمع الزوائد : 207/9 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : 335/9 ح 15213 كتاب المناقب، وجواهر العقدين : 303 الباب الثامن..

7 - وعن أنس أنه قال: اللهم اني اعيدها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ،اللهم بارك فيهما ، وبارك عليهما ، وبارك لهما في شملهما (1).

فبعض الأحاديث والأدعية عبرت بذهاب الرجس وطهارة قلوب ونفوس أولاد علي وفاطمة وزينب علیها السلام منهم ، وبعض الأدعية عبرت بذهاب الرجس والتطهير من ذريتهما فتدخل زينب وأولادا الشرفاء.


1) تاريخ الخميس: 411/1 بناء علي بفاطمة الموطن الثاني، ومناقب ابن المغازلي : 349 ح 399، وجواهر العقدين : 302 الباب الثامن.

تفضيل ذرية النبي صلى الله عليه وسلم على غيرها

قال الحضرمي : (1)من المعلوم بديهة أن من قال بأفضلية عائشة على فاطمة ، إنما حكم بذلك نظراً الى كون عائشة أكثر علماً وتلقياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، أما بالنظر الى خصوصية البضعة الكريمة، فحاشا ان يفضل على بضعته صلى الله عليه وسلم أحد كائناً من كان.

وقد أشار الى ذلك العلامة اللقاني في شرحه على مقدمة الجوهرة.

(وقال السبكي) :( الذي اختاره وأدين الله به ان فاطمة بنت رسول الله

صلى الله عليه وسلم أفضل ثم أمها خديجة ثم عائشة عليهن رضوان الله تعالى). انتهى (2).

(ثم ان الصحابة )رضوان الله عليهم متفاوتون في الفضل قال تعالى : (لَا يَسْتَوى مِنكُم مِّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْح وَقَتَلَ أُولَيْكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً ) (3).

وقد ورد في حق أهل السوابق منهم والتقدم أحاديث كثيرة وخص مشاهيرهم بخصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم ليس هنا محل شرحها ، وأفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على علیه السلام(4)

وحكى الخطابي عن بعض مشايخه أنه كان يقول : أبو بكر خير وعلي أفضل. الصواعق المحرقة : 58 ط مصر و 87 ط. بيروت الباب الثالث - الفصل الأول.

وقال ابن عبد البر : اختلف السلف في تفضيل أبي بكر على علي، وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد وزيد بن أرقم أن علياً أول من أسلم وفضله هؤلاء على غيره، الاستيعاب بهامش الاصابة : 27/3 ترجمة علي بن أبي طالب، والصواعق المحرقة : 58 ط . مصر و 87 - 88ط بيروت الباب الثالث - الفصل الأول. وفي طبقات ابن السبكي: أن بعض المتأخرين على تفضيل الحسنين على الشيخين من حيث البضعة الصواعق المحرقة : 58 ط ، مصر و 87 ط، بيروت الباب الثالث - الفصل الأول.

وقال ابن أبي الحديد وقال البغداديون قاطبة ومتأخريهم كابي سهل بشر بن المعتمر وأبي موسى عيسى بن صبيح وأبي عبد الله جعفر بن مبشر وأبي جعفر الاسكافي أبي الحسين الخياط وأبي القاسم عبد الله بن محمود البلخي وتلامذته أن علياً أفضل من أبي بكر. والى هذا المذهب ذهب من البصريين أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي أخيراً، والشيخ أبو عبد الله الحسين بن علي البصري، وقاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن احمد وأبو محمد الحسن بن متويه صاحب التذكرة، وأما نحن فنذهب الى ما ذهب إليه شيوخنا البغداديون من تفضيله عليه السلام. وذكر جملة من المتقدمين الذين توقفوا في التفضيل بينهما) شرح النهج لابن أبي الحديد: 7/1 - 8 - 9 المقدمة.

وقال محي الدين بن عربي : تقدم الخلفاء بعضهم على بعض في الولاية على الناس على ما وقع به الترتيب لا يقتضي الجزم بتفضيل بعضهم على بعض بل ذلك راجع الى الله فانه العالم بمنازلهم عنده ولم يعلمنا سبحانه بما في نفسه من ذلك، فالله يحفظنا من الفضول الكبريت الاحمر بهامش اليواقيت والجواهر : 8/2 مصر 1369 و 1378ه-.

وقال في الفتوحات المكية: ان الحكم في تأخيره وتقديم غيره للزمان لا للأفضلية في الحقيقة، كخلافة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم، فما من واحد -إلا وهو مترشح للتقدم والخلافة مؤهل لها فلم يبق حكم لتقدم بعضهم على بعض فيها عند الله لفضل يعلم تطلبه الخلافة وما كان إلا الزمان... فما قدم من تقدم منهم بكونه أكثر أهلية من المتأخر منهم في نظري الفتوحات المكية: 298/4 باب 558 ذكر حضرة الآخر، والكبريت الاحمر : 10/2 مع تفاوت بسيط.

.

1) رشفة الصادي: 150 الفصل السابع.

2) المواهب اللدنية : 404/1 الفصل الثالث من المقصد الثاني، وشرح كتاب الفقه الأكبر : 186 ، والكوكب الرفيع : 179 ، ومشارق الانوار: 105 ، وشرح كتاب الفقه الاكبر : 208 مسألة في أفضلية النساء.

3) الحديد : 10.

4) أقول: التفضيل بين الخلفاء ظني منهم من توقف ومنهم من فضل أبا بكر، ومنهم من فضل علياً واليك نموذجه : أخرج عبد الرزاق عن معمر : لو أن رجلاً قال عمر أفضل من أبي بكر ما هنفته وكذلك لو قال علياً عندي أفضل من أبي بكر وعمر لم أعنفه، فذكرت ذلك لوكيع فأعجبه واشتهاء. الاستيعاب بهامش الاصابة: 464/2 - 465 ترجمة عمر، والصواعق المحرقة : 58 ط. مصر و 87 ط . بيروت الباب الثالث - الفصل الأول.

وبعض أهل السنة يفضل علياً على عثمان وبعضهم يتوقف بينهما وهو مختار الإمام مالك (1)

ومنهم من فضل علياً على عثمان كالكوفيين ومنهم سفيان الثوري وبعض البصريين. حاشية الكستلي : 179، والصواعق المحرقة : 57 - 58 ط . مصر و 86 - 88 ط بیروت، وراجع ما تقدم عن ابن أبي الحديد.

.

والى هذا القول يشير كلام ناظم الزبد حيث يقول :

وبعده فالافضل الصديق *** والافضل التالي له الفاروق

عثمان بعده وكذا علي *** فالستة الباقون فالبدري

ومع هذا فلكل منهم فضائل تخصه لا توجد في غيره، وكل الصحابة رضوان الله عليه عدول وثقاة وامناء، يجب احترامهم وبرهم واعتقادهم وحسن الثناء عليهم، وأن لا يذكر أحد منهم بسوء ولا يغمص عليه أمر ، بل تذكر حسناتهم وفضائلهم وحميد سيرهم ويسكت عما وراء ذلك كما قال علیه السلام: «إذا ذكر أصحابي فامسكوا »(2).

وينبغي أيضاً تأويل ما يشكل علينا مما شجر بينهم بأحسن التأويلات، لأن ذلك أمر مفروغ منه والاضراب عن أخبار المؤرخين وجهلة الرواة وضلال الشيعة والمبتدعين القادحة في أحد منهم واثبات أجر الاجتهاد لكل منهم واعتقاد اصابته باجتهاده لا فيما أداه إليه، وذلك هو الاسلم وهو الحق ان شاء الله تعالى بلا ريب .


1) من الذين توقفوا في علي وعثمان مالك ويحيى القطان وابن معين لوامع الانوار للسفاريني : 355/2 - 356 ، والعقائد النسفية ،95 ، وجواهر العقدين : 462، والكوكب الدري الرفيع : : 187 ، والصواعق المحرقة : 57 - 58 ط. و 6 - 88 ط بيروت أول الباب الثالث.

2) المطالب العالية : 79/3 ح 2932

وما أحسن ما قاله في همزيته الإمام أبو سعيد البوصيري رحمة الله عليه في حقهم علیه السلام:

لمهم في أحكامه ذو اجتهاد *** وصواب وكلهم اكفاء

الله عنهم ورضوا عن_ *** ه فانی بخطو إليهم خطاء(1)

انتهى الجزء الأول من موسوعة الحوراء زينب الكبرى


1) لوامع أنوار الكوكب الدري في شرح همزية البوصيري : 84/2

فهرس الموضوعات

مقدمة الناشر ...5

المقدمة ...7

زينب في سطور ... 11

أبويها علیه السلام... 12

ترجمة زينب بنت علي بن أبي طالب ...13

ضرورة معرفة النسب ...26

النسب الشريف لزينب علیها السلام ...30

في ميلاد زينب وكناها وألقابها وتزويجها ...33

نشأة زينب علیها السلام وتربيتها ...38

في أسفار زينب علیه السلام ...40

السفر الأول من المدينة إلى الكوفة مع أبيها أمير المؤمنين علیه السلام ...40

السفر الثاني : من الكوفة إلى المدينة مع أخيها الحسن بعد صلحه مع معاوية ...41

السفر الثالث : من المدينة إلى كربلاء مع أخيها الحسين ...42

السفر الرابع من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام ...50

بلاغة زينب علیها السلام وشجاعتها ... 50

السفر الخامس : من الشام إلى كربلاء ومن كربلاء إلى المدينة ...61