ghaemiyeh.com
سرشناسه : حکیم، عبدالصاحب، ۱۳۶۱ - ۱۳۱۹
عنوان و نام پديدآور : المرتقی الی الفقه الارقی: کتاب الخمس/ تقریرا لابحاث محمد الحسینی الروحانی؛ عبدالصاحب الحکیم
مشخصات نشر : قم: مولود کعبه، ۱۴۲۲ق. = ۱۳۸۰.
مشخصات ظاهری : ص ۳۴۴
شابک : 964-6343-36-8 ؛ 964-6343-36-8
يادداشت : عربی
یادداشت : کتابنامه بهصورت زیرنویس
عنوان دیگر : کتاب الخمس
موضوع : خمس
شناسه افزوده : روحانی، محمد، ۱۳۷۶ - ۱۲۹۸
رده بندی کنگره : BP۱۸۸/۶/ح۸م۴ ۱۳۸۰
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۵۶
شماره کتابشناسی ملی : م۸۰-۱۵۶۷۱
محرر رقمی: میثم حیدری
المرتقی الی الفقه الارقی: کتاب الخمس
تقریرا لابحاث محمد الحسینی الروحانی؛ عبدالصاحب الحکیم
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.
يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لولي النعم، و الصلاة و السلام على بيه هادي الأمم، و على آله مصابيح الهداى و أولياء الكرم، و اللعن على أعدائهم ناشري الضلال و الظلم.
[1]
و بعد، هذا الكتاب هو قسم مما ألقاه سماحة آية الله العظمى، فقيدنا الغالي السيد الروحاني أكرم الله تعالى مثواه على مستوى الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية الكبرى، النجف الأشرف، منذ فترة تتجاوز ربع قرن من الزمن، بقلم أحد أعلام المشاركين في الحضور، و هو فقيدنا الشهيد السعيد، آية الله السيد عبد الصاحب الحكيم طاب ثراه.
[2]
لقد شارك المؤلف طاب ثراه في حضوره جلسات أستاذه المعظم نور الله ضريحه مشاركة ممتازة باستيعابه دقائق البحث، و فهمه البالغ في الإحاطة بجوانبه، و أنه لا يترك من فوائده شاردة و لا واردة، و لا تفوته منها نكتة و لو
كانت عابرة، و إن كتاباته طاب ثراه لمحاضر الدرس - حقا - لتمثل بوضوح تلك الخصيصة، و الميزة التي امتاز بها قدس سره، و من جملتها كتاب الخمس، و هو هذا الكتاب
[3]
تم الإعداد لنشر الكتاب، و قد مضى قرابة ثمانية عشر عاما من السنين على تاريخ استشهاد المؤلف و لم يكن رحمه الله قد اختار لكتابه عنوانا خاصا، و لكن القسم الثقافي آثر - بعد أخذها الموافقة المبدئية من أنجال المؤلف الأركام حرسهم الله تعالى بعينه التي لاتنام - أن يكون العنوان هو مما سبق نشره من تقرير سيدنا المعظم قدس سره باسم «المرتقى إلى الفقه الأرقى»، و هو العنوان الذي كان قد نال رضا سيدنا المعظم قدس سره في حينه. فجاء الكتاب بهذا العنوان، ضمن سلسلة «موسوعة الإمام الروحاني قدس سره».
و الحمد لله أولا و آخرا، و هو المستعان مبدأ و ختاما.
القسم الثقافي لمكتب آية الله العظمى الروحاني قدس سره
10 / ربيع الأول / 1422
و هو من الفرائض (1)، و قد جعلها اللّٰه تعالى لمحمد صلى الله عليه و آله و سلم و ذريّته عوضاً عن الزكاة إكراماً لهم، و من منع منه درهماً أو أقل كان مندرجاً في الظالمين لهم و الغاصبين لحقهم، بل من كان مستحلاً لذلك كان من الكافرين، ففي الخبر عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما أيسر ما يدخل به العبد النار، قال عليه السلام: «من أكل من مال اليتيم درهماً و نحن اليتيم» و عن الصادق عليه السلام: «إن اللّٰه لا إله إلاّ هو حيث حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس فالصدقة علينا حرام و الخمس لنا فريضة و الكرامة لنا حلال» و عن أبي جعفر عليه السلام:
الشرح
(1) هذا في الجملة مما لا اشكال فيه من المسلمين، كيف و قد نصّ علىٰ ذلك في الكتاب الكريم بقوله جلّ اسمه: «وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ
«لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا حقنا» و عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «لا يعذر عبد اشترىٰ من الخمس شيئاً أن يقول: يا رب اشتريته بمالي؛ حتى يأذن له أهل الخمس».
الشرح
خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ...» (1).
و وردت السنة المتواترة فيه، كما سيظهر من تضاعيف الابحاث الآتية.
1) سورة الأنفال 41:8.
فصل: فيما يجب فيه الخمس
و هي سبعة أشياء:
الأوّل: الغنائم المأخوذة من الكفار من أهل الحرب قهراً بالمقاتلة معهم (1) بشرط أن يكون بإذن الإمام عليه السلام (2)، من غير فرق بين ما حواه العسكر و ما لم يحوه (3) و المنقول و غيره (4) كالأراضي
الشرح
(1) فصل: فيما يجب فيه الخمس
هذا مما لا إشكال فيه. و انما الكلام فيما يؤخذ منهم بالسرقة و نحوها، كما سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى.
(2) سيجيء الكلام فيه إن شاء اللّٰه. فانتظر.
(3) كما هو مقتضىٰ اطلاق النصوص، كخبر أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: «كل شيء قوتل عليه علىٰ شهادة أن لا اله إلا اللّٰه و انّ محمداً رسول اللّٰه فان لنا خمسه و لا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل الينا حقنا»(1).
و نحوه غيره (2).
(4) هذا هو المشهور، بل عن المحقّق الاصفهاني رحمه الله(3)ان المسألة شبه المتسالم عليها بينهم الى زمان صاحب الحدائق رحمه الله. و قد خالف في ذلك صاحب الحدائق ذاهباً الى اختصاص الخمس بالمنقول من الغنيمة(4). و تابعه في الرأي المحقّق الاصفهاني رحمه الله.
و لمعرفة الحق لا بدّ من بيان ما يمكن أن يستدل به للمذهب المشهور، فان الأصل العملي و هو البراءة في جانب مذهب صاحب الحدائق، فيكفي في ثبوته عدم قيام الدليل للمذهب المشهور و لا يحتاج هو الى دليل خاص، و هو اُمور:
..........
الشرح
الاول: اطلاق قوله تعالى: «وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ...»، فإنه يشمل الأراضي المفتوحة عنوة لأنها من الغنائم، و مثله اطلاق ما دل علىٰ وجوب اخذ الخمس من الغنائم فانه شامل للأراضي أيضاً، و هكذا خبر ابي بصير السابق فان الأراضي مما قوتل عليه كالمال و نحوه من المنقول، فتكون مشمولة للعموم.
الثاني: خبر مسمع بن عبد الملك(1)في حديث قال: «قلت لابي عبد اللّه عليه السلام اني كنت وليت الغوص فاصبت اربعمائة الف درهم و قد جئت بخمسها ثمانين الف درهم و كرهت ان احبسها عنك و اعرض لها و هي حقك الذي جعل اللّٰه تعالى لك في اموالنا. فقال عليه السلام... ما لنا من الأرض و ما اخرج اللّٰه منها الا الخمس ، يا أبا سيار الأرض كلها لنا...».
و تقريب الاستدلال بها ان قوله عليه السلام: «أو ما لنا من الأرض و ما أخرج اللّٰه منها الا الخمس» ظاهر في نفي اختصاص حقّه في الخمس الذي ادعاه الرجل، و ذلك يعني ثبوت الخمس في الأرض و لكن زيادة حقّه عليه السلام عليه، و ظاهر ان ما يكون فيه الخمس من الأراضي انما هو الأرض المفتوحة عنوة لان غيرها إما ملك لأربابها، أو ملك للامام عليه السلام باجمعها، كالانفال.
الثالث: ما في ذيل خبر مسمع المتقدّم: «و كل ما كان في ايدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون...».
و تقريب الاستدلال به: ان التحليل لا يكون الا باعتبار ما فيه من الخمس اذ ما عداه اما ملك المسلمين لا وجه لتحليله، او ارض لا خمس فيها كي يكون داعياً للتحليل.
1) وسائل الشيعة/باب 4: من أبواب الانفال و ما يختص بالامام، ح 12.
..........
الشرح
الرابع: رواية أبي حمزة الثمالي(1)عن أبي جعفر عليه السلام في حديث: «و اللّٰه يا ابا حمزة ما من أرض تفتح و لا خمس يخمس فيضرب علىٰ شيء منه الا كان ذلك حراماً علىٰ من يصيبه فرجا كان او مالا».
و تقريب دلالته على المدعى: ان قوله عليه السلام: «و لا خمس يخمس» معطوف علىٰ قوله: «ارض تفتح» من باب عطف العام على الخاص، فيكون ظاهراً في ثبوت الخمس في الأرض المفتوحة و انها مما يخمس.
و لا يخفىٰ ان جميع هذه الوجوه لا تصلح للنهوض على المدعى.
أما اطلاق الآية الشريفة، فهو معارض باطلاق النصوص الدالّة على ان الأرض المفتوحة عنوة ملك للمسلمين. بيان ذلك: انه ان التزمنا ان الخمس المتعلق بالعين من باب الحق لا الملك، فلا منافات بين الآية الشريفة و هذه النصوص الا من جهة ان مقتضى اطلاق الملك هو الملك المطلق الخالي عن تعلق الحق به، فينافي ما دل باطلاقه علىٰ ثبوت الخمس و الحق فيها، و الا فثبوت الملك المدلول للنصوص لا ينافي تعلق الحق به المدلول للآية.
و عليه، فالتعارض على هذا المبنىٰ بين اطلاق الآية الشريفة المقتضي لتعلق حق الخمس في الأرض و اطلاق ما دل على انها ملك للمسلمين المقتضي للملكية المطلقة غير المتعلق بها الحق و ان التزم بان الخمس من باب الملك - فالتعارض بين الاطلاقين - واضح، لان دلالة النصوص الدالة علىٰ ملكية الأرض للمسلمين على ملكية مقدار الخمس من الأرض المنافي لمقتضى الآية في كونه ملكا لغير عموم المسلمين و اختصاصه بأرباب الخمس، إنما كان باطلاق لفظ «الأرض» لانه كما يصدق على الكل يصدق على البعض. فحمله
1) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام، ح 19.
..........
الشرح
على ارادة الكل انما يكون بالاطلاق لا غير.
و لا يخفىٰ أن النسبة بين الاطلاقين هي العموم من وجه، فان الآية لا تتكفل بيان حكم الأربعة اخماس الاخرىٰ. كما ان النصوص لا تتعرض الى بيان حكم غير الأرض من الغنائم.
و عليه، فلا يتجه ما ذكره المحقّق الاصفهاني رحمه الله من تقدم ما دل على ان الأرض ملك للمسلمين على الآية الشريفة، لانه مقتضى الجمع بين المطلق و المقيّد، اذ عرفت ان النسبة بينهما نسبة العموم من وجه لا نسبة المطلق و المقيد.
و اذا تبيّن ما ذكرناه من أن التعارض بين الاطلاقين بالعموم من وجه...
فان التزم بحمل الأخبار الدالة على طرح الخبر المخالف للكتاب على مطلق المخالفة حتى المخالفة بنحو العموم من وجه، فمقتضى القاعدة و ان كان طرح النصوص الدالة علىٰ ملكيّة الأرض للمسلمين و الالتزام بالآية، الا انه حيث كانت هذه النصوص مقطوعة السند و الصدور لا يلتزم بطرحها، لاختصاص القاعدة المذكورة بمورد ظني الصدور. و حيث انه لا يمكن الجمع العرفي بينهما، فيرجع في المورد الى الأصل الاولى في باب التعارض(1)
و على هذا، فيكون موضوع الروايات أخص، فان كان تقديم الخاص بملاك الأظهريّة، اشكل التخصيص لأن دلالة الروايات علىٰ كون الخمس للمسلمين بالاطلاق و الدلالة التضمنيّة، فلا يكون احد الدليلين أظهر.
و بعبارة اخرىٰ: مركز التنافي انما هو خمس الأراضي، و دلالة كلّ من الدليلين عليه بالاطلاق.
و ان كان تقديم الخاص بملاك القرينة، كان التقديم للروايات و لو لم تكن اظهر. و عليه بنى السيد الخوئي، هذا اذا كان موضوع الآية هو مطلق الغنيمة و الحكم هو ان خمسها لمستحقّيه، و ان كان موضوع الآية هو الخمس و الحكم هو انه لمستحقّيه المعينين، كان التعارض بالعموم من وجه بلا كلام، لكن هذا الاحتمال خلاف ظاهر الآية الكريمة. فتدبّر.
و هو1) و هو تعارض الآية الكريمة مع روايات الأراضي الخراجية. و لا يخفى ان موضوع الآية هو مطلق الغنيمة و حكمها هو كون الخمس لمستحقّيه.
..........
الشرح
التساقط و الرجوع الى الاُصول العملية و هو في المقام أصالة البراءة من ثبوت الخمس.
و ان لم يلتزم بحمل المخالفة علىٰ ما يعم المخالفة بالعموم من وجه و اختصاصها بمورد التباين، فالأمر اوضح، اذ لا اشكال في عدم شمول الأخبار الآمرة بطرح المخالف للكتاب للمورد. فالمتعيّن هو الالتزام بالتساقط و الرجوع الى الأصل و هو البراءة كما عرفت.
و من هنا يتّضح الاشكال في الاستدلال باطلاق ما دل علىٰ ثبوت الخمس في الغنائم، فانه معارض باطلاق ما دل علىٰ ملكية المسلمين للأراضي.
و مقتضى التعارض و عدم امكان الجمع العرفي بينهما سقوطهما عن الحجيّة و الرجوع الى الأصل، مضافاً الى اختصاصهما بغير الأراضي لتضمنها تقسيم غير الخمس بين المقاتلين. و ظاهر أن ذلك يختص بغير الأراضي، اذ لا تقسم الأراضي و انما هي ملك المسلمين.
و أما خبر أبي بصير، فالاستدلال بعمومه موهون، أولا: بضعف سنده.
ثانياً: بمنع عمومه للارض بقرينة ذيله الدال علىٰ ان موضوع الحكم ما يقبل الشراء و البيع لو لا ثبوت الخمس فيه و ان المانع ليس الا الخمس بحيث اذا لم يثبت او ثبت و اخرج صح شراء العين. و ظاهر ان الأراضي المفتوحة عنوة لا يصح بيعها و شراؤها و لو لم يثبت الخمس فيها أو بعد اخراج الخمس منها علىٰ تقدير ثبوته، لانها ملك المسلمين.
و أما خبر مسمع، فلا يصلح للاستدلال على المدعى، لأن الراوي لم
..........
الشرح
يتعرض في كلامه الى الأراضي و اختصاص حقهم فيها بالخمس كي يكون كلام الامام عليه السلام في نفي اختصاص الحق بالخمس دالاّ علىٰ ثبوت الخمس في الجملة.
و انما الفرض ان الراوي أتى بخمس الغوص فقط بلا نظر الى الأرض.
و عليه، فكلامه عليه السلام في نفي اختصاص حقّهم بالخمس لا يدل علىٰ ثبوت الخمس في الجملة و انما يدل على انهم مالكون للأرض أجمع لا أكثر.
و بعبارة اُخرىٰ: ان كلامه عليه السلام بملاحظة أن الراوي لم يتعرض في كلامه الى الأرض و انما جاء بخمس المعدن، يدل علىٰ نفي أصل ثبوت الخمس في الأرض و اثبات أن الجميع لهم، لا أنه يدل علىٰ نفي اختصاص الحق بالخمس اذ لم يكن ذلك - أعني الاختصاص - مفروض الواقعة بالنسبة الى الأرض.
و أما ما في ذيل الخبر، فهو كصدره لا يصلح للاستدلال على المدعى، لاحتمال ارادة تحليل الأرض التي تكون بأجمعها ملك الإمام عليه السلام و هي الانفال التي لا خمس فيها لا الأراضي المفتوحة عنوة، بل يمكن دعوىٰ ظهورها في ذلك باعتبار ان الخمس لا يرجع كلّه للامام عليه السلام بل نصفه لفقراء الهاشميّين، و الامام و ان كان له تحليله باعتبار ولايته الا ان ظهور التحليل في كون موضوعه ما يرجع امره الى الامام مباشرة و هو الملك دون ما يدفع اليه بالولاية و هو نصف الخمس مما لا يخفىٰ.
و لو تنزلنا عن دعوى الظهور، فلا أقل من احتمال هذا المعنىٰ احتمالاً معتداً به في قبال الاحتمال الآخر الذي يبتني عليه الاستدلال، فالرواية تكون مجملة لا تصلح للدلالة على المدعىٰ.
و أمّا خبر أبي حمزة، فالمناقشة فيه ظاهرة لأن عطف العام على الخاص - الذي هو أساس الاستدلال - مستهجن في العربية، فلا وجه لحمل الرواية علىٰ ذلك.
..........
الشرح
و المتحصّل: انه لا يعرف هناك دليل وجيه على المذهب المشهور، فالمرجع مع الشك الى أصالة البراءة من وجوب الخمس فيه.
و قد استدل صاحب الحدائق رحمه الله علىٰ مختاره و هو عدم الخمس بوجوه:
الأوّل: صحيح ربعي بن عبد اللّه بن الجارود(1)عن أبي عبد اللّه عليه السلام «قال:
كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم اذا اتاه المغنم أخذ صفوه و كان ذلك له، ثمّ يقسم ما بقي خمسة أخماس و يأخذ خمسه، ثمّ يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثمّ قسم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس»، فان تقسيم الغنيمة خمسة اخماس و أخذه صلى الله عليه و آله و سلم الخمس و تقسيم الأربعة أخماس الباقية بين المقاتلين انما يكون في غير الأراضي، اذ الأربعة اخماس الباقية في الأراضي - علىٰ تقدير أخذ الخمس - لا تقسم بين المقاتلين و لا تكون ملكاً لهم بالخصوص بل تكون ملك المسلمين. فذلك يقتضي عدم وجوب الخمس في الأرضين و اختصاصه بغيرها.
الثاني: عدم التعرّض للخمس في النصوص الواردة لبيان احكام الأراضي الخراجيّة، مع التعرّض لثبوت الخراج و تعلّق الزكاة في ما ينتج منها، فانه يقتضي عدم ثبوت الخمس فيهما و الا لبُيّن.
الثالث: مرسل حماد بن عيسىٰ عن بعض أصحابه(2)عن أبي الحسن عليه السلام «و ليس لمن قاتل شيء من الأرضين»، فانه باطلاقه يشمل النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الامام عليه السلام اذا كانوا من المقاتلين.
و عليه، فيدل علىٰ عدم وجوب الخمس في الأراضي اذ يلزم من ثبوته ان
..........
الشرح
يكون لهم شيء من الأراضي (و هو الخمس) لو كان من المقاتلين، و هو خلاف صريح الرواية.(1)
إلا أن هذه الوجوه لا تصلح للنهوض علىٰ دعواه.
أما الاول: فلاختصاص موضوع الرواية بغير الأراضي، كما هو ظاهر قوله: «اذا أتاه المغنم»، و ذلك لا ينفي وجوب الخمس في الأراضي.
فلو ثبت اطلاق الآية الشريفة بلا معارض كان المعيّن الالتزام بوجوبه لعدم معارضة هذه الرواية للاطلاق لسكوتها عن الاراضي موضوعا و عدم اطلاق لها يشملها.
و لو لم يثبت اطلاق الآية، كان المرجع في نفي الخمس هو الأصل لا هذه الرواية.
و أما الثاني: فليس في النصوص ما هو مسوق لبيان جميع احكام الأراضي كي يكون التعرّض للخراج و الزكاة و عدم بيان ثبوت الخمس دليلاً على عدم وجوبه، نعم هناك رواية واحدة من هذا القبيل.
و أما الثالث: فلان الرواية انما تدل باطلاقها علىٰ نفي ان يكون للنبي صلى الله عليه و آله و سلم و الامام عليه السلام شيء من الأرضين بعنوان كونهما مقاتلين، لأخذ عنوان المقاتل في موضوع الحكم، و ذلك لا ينافي ثبوت شيء من الأرضين لهما بعنوان آخر غير عنوان المقاتل، كثبوت الخمس، لانه يثبت لهما لا بعنوان المقاتل بل بعنوانهما الخاص - أعني النبوة و الإمامة - فلا دلالة للرواية علىٰ نفي ثبوت الخمس للنبي او الامام او غيرهما من مستحقي الخمس، فتدبّر.
و المتحصّل: أن الوجه في الالتزام بعدم ثبوت الخمس في الأراضي هو
1) البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 324. ط مؤسسة النشر الاسلامي.
و الأشجار و نحوها، بعد إخراج المؤن (5) التي اُنفقت على الغنيمة
الشرح
أصالة البراءة، لعدم الدليل الاجتهادي على احد الاحتمالين. فلاحظ.
(5)(1)و قد استدل له بوجوه:
الأوّل: قاعدة العدل و الانصاف(2)، و محصّلها: أن الوجوه المتصوّرة في تخريج المؤن المصروفة على الغنيمة بعد تحصيلها ثلاث، فإما أن يكون الجميع على الغانم في ماله، أو يكون الجميع على أرباب الخمس، أو في خصوص سهم المقاتلين، أو يكون على الأعم من أرباب الخمس و من المقاتلين، بحيث يكون المخرج للمصارف المذكورة هو الغنيمة قبل إخراج ايّ شيء آخر منها.
و لا شك في أن الأوّل ظلم و إضرار بمال الغانم، و على خلاف قانون العدل و الإنصاف، خصوصاً فيما اذا كان سهمه من الغنيمة أقلّ من المؤنة المصروفة.
و أمّا الثاني فهو ترجيح بلا مرجّح، اذ لا مرجّح لتخريجها من سهم الخمس على تخريجها من سهم المقاتلين، و كذلك العكس، فلا محالة يتعين...
الثالث، و هو اخراج المصروف من الغنيمة أولاً، ثمّ تخميسها و إعطاء الباقي إلى المقاتلين.
قلت: هذه القاعدة لا تخرج عن كونها مجرّد استحسان يوافقه الاعتبار الذي لا شاهد عليه من الأخبار، و إلا فهي لا تكون دليلاً في المسألة، إذ لا ينحصر الوجه بما ذكر، بل هناك وجه رابع، و هو تخريج المصروف من بيت
..........
الشرح
المال، فإنه في نفسه محتمل أيضاً، و لا شاهد ينفيه.
و الحاصل: إن ما أفيد أشبه ما يكون بالأدلة الاستحسانية التي كثيراً ما نجدها في فقه العامّة، إلا أنه حيث كان الحكم المذكور عندهم في نفسه مطمئناً به في نفوسهم، كما هو كذلك، فلذلك استندوا فيه الى الوجه المذكور، مع ما هو عليه من الوهن و التفكك.
و يشهد به: ما قاله الفقيه المحقّق الهمداني قدس سره(1)في هذا الباب: «و كذا ينبغي استثناء المؤنة المصروفة في ضبط الغنيمة و نقلها، مما كان وضعه على الغانم من ماله إضراراً به و منافياً للعدل و الانصاف، خصوصاً فيما لو كان سهمه أقل من مصروفه...».
الثاني: ان الغنيمة، سواءً أخذناها بمعنى: مطلق الفوائد المكتسبة، أو لخصوص غنائم دار الحرب - علىٰ ما سيأتي الكلام في ذلك إنشاء اللّٰه - غير صادقة موضوعاً علىٰ ما يقابل المؤنة المصروفة منها، فاذا فرضنا أنه صرف عليها - مائة دينار مثلاً - لم يكن ما يقابلها من المال المأخوذ من الكفّار بغنيمة عرفاً، كما يشهد بذلك ملاحظة موارد استعمال الكلمة، فيقال: «من له الغُنم فعليه الغرم»، أو: «الغنم بالغرم»، و غير ذلك، مما يظهر منه عدم إطلاقها إلا على ما يبقى للشخص من الفائدة بلا عوض، و أما ما يقابل منه المصروف عليه فهو ليس بغنيمة عرفاً، إذ ليس ذلك من الفائدة العائدة اليه مجاناً و بلا عوض.
و الحاصل ان الغنيمة - كما يشهد بذلك الاستعمالات الواردة في كلماتهم - إنما يراد بها الفائدة الحاصلة للشخص بلا عوض و مجاناً.
و عليه، فالآية الكريمة سواء كانت شاملة لمطلق الفوائد، أم كانت خاصة
1) الفقيه الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 14: ص 12، الطبعة الحديثة.
..........
الشرح
بخصوص فائدة معيّنة - و هي ما يؤخذ بالقهر و الغلبة من الكفّار في دار الحرب - لا تشمل موضوعاً الا بعد اخراج ما صرف على الغنيمة بعد تحصيلها من المؤن، لأن الغنيمة - موضوعاً - انما تكون ما عدا المقدار المذكور، فلا محالة يكون إخراج الخمس منها بعد استثناء المصارف المذكورة، لكون موضوع الخمس هو ما يصدق عليه الغنيمة عرفاً، كما هو ظاهر.
الثالث: ما دل علىٰ أن الخمس بعد المؤنة، كصحيح البزنطي(1)قال: كتبت الى أبي جعفر عليه السلام الخمس أخرجه قبل المؤنة أو بعد المؤنة؟ فكتب: «بعد المؤنة».
و خبر ابراهيم بن محمد الهمداني(2): إن في توقيعات الرضا عليه السلام اليه: «إن الخمس بعد المؤنة».
فانه باطلاقه يشمل المؤنة بعد التحصيل أيضاً.
قلت: الاستدلال بما ذكر مبني على أمرين:
أحدهما: اطلاق النصوص بالاضافة الى جميع الفوائد المكتسبة حتى ما يكون مكتسباً من الكافر الحربي بالقهر و الغلبة الذي هو محلّ الكلام، و عدم اختصاصها بأرباح المكاسب.
ثانيهما: عدم اختصاص المؤنة بمئونة السنة، أي: مئونة الشخص و عياله...
و اطلاقها بالاضافة الى مئونة تحصيل المال، كي تشمل المؤن التي تكون للغنيمة بعد تحصيلها، كما هو محلّ الكلام.
و تمام البحث عن ذلك في محلّه إن شاء اللّٰه تعالى.
بعد تحصيلها بحفظ و حمل و رعي و نحوها منها، و بعد إخراج ما جعله الإمام عليه السلام من الغنيمة علىٰ فعل مصلحة من المصالح (6) و بعد
الشرح
(6) تارة: يكون ذلك بنحو التعيين في مقدار معيّن خارجاً، كما إذا أخرج الإمام عليه السلام مقداراً معيّناً من الغنيمة لأجل مصلحة من المصالح.
و أخرى: يكون ذلك بنحو الاشاعة، كجعل خُمس الغنيمة مثلاً لأجل مصلحة من المصالح.
أما على الأول، فالأمر ظاهر، اذ المفروض هو اشتراك المال بين المقاتلة و بين أرباب الخمس، فالخسارة الواردة - بطبع الحال - تنقسم إلى كلا الشريكين.
و أما على الثاني: فلما ذكر في محلّه في مسألة «من ملك نصف الدار فباع نصفها»؛ من أن المال المشترك بين الشخصين إذا بيع منه مقدار معين - كالنصف مثلاً - مُشاعاً، كان مقتضى القاعدة في نفسها وقوع البيع على حصتي الشريكين بالنسبة.
ففي المثال يكون المبيع انما هو الربع من حصّة كلّ منهما.
هذا ما تقتضيه القاعدة، بحيث لو فرضنا صدور البيع ممن له الولاية على كلا الشريكين، لكان الأمر هو ما ذكرناه.
نعم انصراف المبيع الى خصوص حصّة البائع فيما لو كان البيع من أحدهما أمر آخر لا ربط له بذلك، فانه علىٰ فرض التسليم به مستند الى جهة خارجيّة.
و على هذا، فإذا جعل الإمام عليه السلام - و هو ممّن له الولاية على ذلك مقداراً من الغنيمة كخمسها مثلاً - لمصلحة من المصالح، فلا محالة يكون ذلك مخرجاً من حق الخمس و من حق المقاتلين بالنسبة.
استثناء صَفايا الغنيمة (7) كالجارية الوَرَقَة و المركب الفارة و السيف
الشرح
و نتيجة ذلك: أن يكون اخراج الخمس بعد وضع ما جعله الامام عليه السلام لأجل مصلحة من المصالح، كما هو ظاهر.
(7) بلا خلاف فيه بين الأصحاب ظاهراً، بل عن «المنتهىٰ»(1)نسبته الى علمائنا أجمع.
و يدل عليه:
صحيح ربعي المتقدم،(2)عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال: «كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إذا أتاه المغنم أخذ صفوه و كان ذلك له، ثمّ يقسّم ما بقي خمسة أخماس...، إلى أن يقول: و كذلك الإمام يأخذ كما أخذ الرسول».
و مرسل حماد(3)، عن العبد الصالح عليه السلام - في حديث - قال: «و للإمام صفو المال أن يأخذ من هذه الأموال صفوها: الجارية الفارهة، و الدابة الفارهة، و الثوب و المتاع، ممّا يحب أو يشتهي، فذلك له، قبل القسمة، و قبل إخراج الخمس...».
و خبر أبي بصير(4)، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: سألته عن صفو المال، قال:
«الإمام يأخذ الجارية الروْقَة(5)، و المركب الفارة، و السيف القاطع، و الدرع، قبل أن تقسم الغنيمة، فهذا صفو المال».
القاطع و الدِّرع فإنها للإمام عليه السلام و كذا قطائع الملوك (8) فإنها أيضاً
الشرح
و موثق أبي الصباح الكناني(1)، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «نحن قوم فرض اللّٰه طاعتنا، لنا الأنفال، و لنا صفو المال...»، و قريب منه مرسل المفيد رحمه الله في المقنعة.(2)
(8) كما يدل عليه:
صحيح داود بن فرقد(3)، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «قطائع الملوك كلّها للإمام، و ليس للناس فيها شيء».
و مرسل حماد(4): «... و له صوافي الملوك، ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب...».
و مرسل المفيد رحمه الله في «المقنعة»، عن محمد بن مسلم(5)، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «الانفال هو النفل - الىٰ أن قال -: و سألت عن الأنفال، فقال:
كل أرض خربة، أو شيء كان يكون للملوك...».
و خبر الثمالي(6)، المروي في تفسير العياشي، عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سمعته يقول - في الملوك الذين يقطعون الناس -: «هو من الفيء و الأنفال، و أشباه ذلك».
1) وسائل الشيعة: /باب 2: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام، ح 2.
2) وسائل الشيعة: /باب 1: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام، ح 21.
3) وسائل الشيعة: /باب 1: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام، ح 5.
4) وسائل الشيعة: /باب 1: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام، ح 4.
5) وسائل الشيعة: /باب 1: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام، ح 22.
6) وسائل الشيعة: /باب 1: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام، ح 30.
له عليه السلام، و أما إذا كان الغزو بغير إذن الإمام (9) عليه السلام فإن كان في زمان الحضور و إمكان الاستئذان منه فالغنيمة للإمام عليه السلام، و إن كان في
الشرح
و خبر داود بن فرقد(1)، المروي فيه أيضاً، عن أبي عبد اللّه في حديث: قال:
قلت: و ما الأنفال؟ «قال: بطون الأودية... - إلىٰ أن قال -: و قطائع الملوك».
(9) الوجوه المحتملة، بل الأقوال في المسألة أربع:
الأول: ما نسب ذلك إلى الشهرة(2)العظيمة(3)من انه إذا كان الغزو بإذن الإمام عليه السلام، كان الواجب في المغنم هو الخمس، و إلّا كان جميعه له، و عن الحلّي:(4)الإجماع عليه.
الثاني: وجوب الخمس على الإطلاق، سواء كان الغزو بإذن الإمام عليه السلام أم لم يكن.(5)
الثالث: التفصيل المذكور في المتن.
الرابع: ما عن صاحب الحدائق قدس سره، من أن الحرب إذا كان للدعاء إلى الإسلام، فإن كان بإذن الإمام عليه السلام وجب في الغنيمة الخمس، و إلا كان الجميع له عليه السلام. و أما في غيره - أي ما إذا لم يكن الحرب للدعاء إلى الاسلام - فالواجب
1) وسائل الشيعة: /باب 1: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام، ح 32.
2) الشهيد الثاني، زين الدين: مسالك الأفهام، ج 1: ص 474، ط مؤسسة المعارف الاسلامية، النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 16: ص 11، الطبعة الاُولىٰ.
3) الطباطبائي، السيد علي: رياض المسائل، ج 266:5، ط مؤسسة النشر الاسلامي.
4) ابن ادريس، محمد بن منصور: السرائر، ج 1: ص 497، ط مؤسسة النشر الاسلامي.
5) العلامة، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 554، و نسبه في الرياض الى بعض المتأخّرين و هو قول الشافعي، و أحد أقوال أحمد بن حنبل.
..........
الشرح
فيه هو الخمس خاصّة.(1)
و استدل للأوّل: بمرسل العباس الوراق(2)عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «إذا غزوا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام، و اذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس». و جبر ضعفه سنداً للارسال إنما هو بالشهرة، و دعوى الإجماع من الحلّي، و نفي الخلاف عنه - كما عن الروضة(3)و المسالك -(4).
و صحيح معاوية بن وهب(5): قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام السريّة يبعثها الإمام فيصيبون غنائم كيف يقسم؟ قال: ان قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم اخرج منها الخمس للّٰه و للرسول و قسم بينهم أربعة أخماس، و ان لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ».
و يتوجّه على الاستدلال بالأوّل: أن الخبر ضعيف، و جبره بعمل المشهور ممنوع منه صغرى، لعدم العلم باستنادهم فيما ذهبوا اليه الى المرسل المذكور، و لعل مستندهم كان هو صحيح معاوية بن وهب. و كبرى لما حقّق في محلّه: من عدم كون الضعف مجبوراً بمثل ذلك، فلاحظ.
و على الثاني: ان الاستدلال به مبني علىٰ ثبوت المفهوم لقوله عليه السلام: «ان قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم أخرج...» و هو في محلّ المنع، لما أفاده شيخنا العلامة الأنصاري قدس سره(6)من أن الضمير في (قاتلوا) راجع الى السرّية التي
1) البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 322، الطبعة الاُولىٰ.
2) وسائل الشيعة/باب 1: من ابواب الانفال و ما يختص بالإمام، ح 16.
3) الشهيد الثاني، زين الدين: الروضة البهية، ج 1: ص 186، الطبعة القديمة.
4) الشهيد الثاني، زين الدين: مسالك الافهام، ج 1: ص 474، ط مؤسسة المعارف الاسلامية.
5) وسائل الشيعة/باب 1: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام، ح 3.
6) الانصاري، الشيخ مرتضىٰ: كتاب الخمس، ص 362، الطبعة الحديثة.
..........
الشرح
يبعثها الإمام، فالقيد لا يكون للتخصيص قطعاً.
و يمكن التخلّص عنه بالقول: بان المفهوم مصرح به في ذيل الرواية و هو قوله عليه السلام: «و ان لم يكونوا قاتلوا عليها...» لإمكان ان يكون المنفي انما هو القتال بتلك الخصوصية - أي: القتال مع أمير أمّره الامام... فيكون ذلك تصريحاً بمفهوم الجملة المتقدمة، و يكون الاستدلال حينئذ بهذه الجملة، فلا يكون مبتنياً على المفهوم.
و منه يظهر فساد ما في المستمسك(1)من المتأمّل في ظهور الخبر في المفهوم الموقوف عليه الاستدلال... الظاهر ذلك في توقف الاستدلال على ما يشبه مفهوم الوصف و هو قوله «... مع امير أمّره الامام...»، و ذلك لما عرفت من ان الاستدلال بمفهوم الشرط المصرح به في ذيل الرواية.
و استدل للقول الثاني: بصحيح الحلبي(2)عن أبي عبد اللّه عليه السلام «في الرجل يكون من أصحابنا يكون في لوائهم و يكون معهم فيصيب غنيمة؟ قال: يؤدّي خمساً و يطيب له».
و قد ذكر في مقام الجمع بينه و بين صحيح معاوية بن وهب الذي هو المستند للقول المشهور - بعد ضعف خبر الوراق - وجهان:(3)
أحدهما: حمل صحيح الحلبي على كون التحليل بعد أخذ الخمس تحليلاً مالكيّاً لا تحليلاً شرعيّاً، فلا ينافي ذلك كون مجموع الغنيمة للإمام عليه السلام إلا أنه بعد إخراج الخمس قد حلّله للمغتنم.
و عليه، فلا منافاة بينه و بين صحيح معاوية بن وهب الدال علىٰ ان الغنيمة
..........
الشرح
اذا كانت من الحرب الذي لا يكون بإذنه عليه السلام فهي للإمام.
و يتوجّه عليه: ان حمل رواية الحلبي على التحليل المالكي مع ظهورها ابتداءً في التحليل الشرعي انما يتم على تقدير ان يكون ظهور صحيح معاوية في المذهب المشهور أقوىٰ من ظهور الخبر المذكور في التحليل الشرعي - و هو ممنوع منه -، إذ لنا منع ظهور صحيح معاوية في المذهب المشهور، لإمكان أن يكون التفصيل فيه بين صورتي وقوع القتال و عدمه و انه مع وقوع المقاتلة تكون الغنيمة مما يجب فيها الخمس، و مع أخذها بلا مقاتلة فهي للإمام عليه السلام، لا ان القتال مفروض في الرواية ليكون التفصيل بين وقوع القتال باذن الامام و وقوعه بغير إذنه بمقتضى المنطوق و المفهوم المصرح به في الذيل، اذ لا شاهد على ذلك في الرواية اصلاً.
و الحاصل: انّ القتال اذا كان مفروضاً في الرواية كان الذيل الذي هو تصريح بمفهوم الصدر دالاّ على التفصيل بين خصوصية القتال و هي الوقوع بالاذن و بلا إذن، فيكون الخبر شاهداً للمذهب المشهور.
و أما مع عدم فرض ذلك حيث لا دليل عليه، فالتفصيل بمقتضى المفهوم المصرح به انما هو بين وقوع القتال و عدمه مع فرض الاذن على كل تقدير.
و على كلا التقديرين يكون قوله عليه السلام: «و ان لم يكونوا قاتلوا عليها...» تصريحاً بالمفهوم لما تقدمه من قوله عليه السلام: «ان قاتلوا عليها...». و على فرض التنزل و تسليم الظهور في ذلك، فلا ينبغي الشك في عدم كونه أقوى من ظهور رواية الحلبي في التحليل الشرعي، كي يصح رفع اليد به عن ظهورها في التحليل الشرعي.
و ثانيهما: حمل صحيح الحلبي على أن يكون الرجل مأذوناً من الإمام عليه السلام في القتال تحت لواء المخالفين، فيكون ما يحصله من الغنيمة انما هو بإذن
..........
الشرح
منه عليه السلام، فلا تنافي اذاً بينه و بين صحيح معاوية بن وهب الدال علىٰ ان الغنيمة اذا كانت حاصلة بغير إذن منه عليه السلام في الحرب كانت للامام عليه السلام كما هو ظاهر.
و يتوجّه عليه: ان التنافي بين الخبرين غير مرتفع بذلك، فان صحيح معاوية بن وهب - علىٰ تقدير التسليم بظهوره في المذهب المشهور - انما يدل على التفصيل بين أن يكون القتال في لواء أمير أمّره الإمام عليه السلام، ففي الغنيمة الخمس، و بين أن لا يكون القتال كذلك، فهي كلّها للإمام، لا أن مجرّد الإذن في اشتراك فرد في القتال مما يكفي في كون الواجب في الغنيمة منحصراً بالخمس.
و الحاصل: ان مجرّد الاذن في الحرب مما لا يكفي في وجوب الخمس في الغنيمة ما لم يكن القتال مع أمير أمّره الإمام عليه السلام، و عليه فالتنافي بين الخبرين مما لا يرتفع بالحمل المذكور.
و الذي ينبغي أن يقال: ان الأخذ بمفاد صحيح الحلبي المقتضي لوجوب الخمس في الغنيمة حتىٰ إذا كانت مأخوذة بغير إذن الإمام عليه السلام في القتال، هو الأوفق بالاحتياط بحسب المباني المعول عليها بين الأعلام في أمثال المقام.
بيانه: انه لا ينبغي الاشكال في وقوع المعارضة بين صحيح الحلبي و بين صحيح معاوية بن وهب بعد ما عرفت من بطلان الجمع بينهما بالوجهين المتقدّمين.
و على هذا..
فإن بنينا على الوجوب في مثله الى الأخبار العلاجية المتضمّنة لترجيح أحد المتعارضين على الآخر عند وجود المرجّح، كان مقتضى القاعدة حينئذ إنما هو الأخذ بصحيح الحلبي، لموافقته لظاهر الكتاب، و هو إطلاق قوله تعالى:
«وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ...» بناء على انحصار المرجح بها و بمخالفة العامة مع الالتزام بالترتب بينهما و عدم كون الثاني في عرض الاول - كما هو مقتضى
..........
الشرح
القاعدة بناء على الالتزام بالترجيح - كما حقّقناه في محلّه.
و إذا بنينا على الأخذ بعموم أخبار التخيير، كان مقتضى ذلك هو جواز الأخذ بصحيح الحلبي أيضاً.
و أمّا اذا بنينا على التساقط، و عدم الأخذ بالأخبار العلاجية مطلقاً، كان المرجع حينئذٍ بعد تساقطهما إنّما هو اطلاق الآية الكريمة، و هو بحسب النتيجة يوافق الأخذ بمضمون صحيح الحلبي.
و المتحصّل من ذلك كلّه: أن الأخذ بمضمون صحيح الحلبي جائز علىٰ جميع التقادير المتقدّمة، فيكون الأخذ به هو الأحوط بحسب هذه المباني الموجودة في المسألة - كما هو ظاهر -.
و على هذا، فالأظهر من بين الأقوال الأربعة الموجودة في المسألة انّما هو القول الثاني.
و أمّا الوجه في التفصيل الوارد في المتن، فالظاهر انما هو استفادة اختصاص الموضوع في مرسل الوراق و صحيح معاوية بن وهب - بناء علىٰ تماميّة الاستدلال به - بزمان يمكن فيه صدور الإذن من الإمام عليه السلام، و أمّا مع عدمه فالمرجع انما هو اطلاق أدلّة وجوب الخمس في الغنائم.
و أمّا الوجه في تفصيل صاحب الحدائق قدس سره فهو: ان الحرب اذا لم يكن للدعاء إلى الاسلام لم يكن مشروعاً في نفسه، إذ لا مجوّز لتعريض أنفس المسلمين للهلاك ما لم يكن ذلك لغرض أهم كالدعوة إلى الإسلام.
و عليه، فلا محالة يكون الموضوع فيما دلّ على التفصيل بين الإذن و غيره مختصّاً بالحرب للدعاء إلى الإسلام، فانّه الذي يمكن تعلّق الإذن به دون غيره، و مجرّد حلية اموال الكفار للمسلمين و عدم احترامها شرعاً لا يسوّغ تعريض الأنفس المحترمة للهلكة، فلا يكون الحرب لغير الدعاء الى الإسلام مشروعاً،
زمن الغيبة فالأحوط إخراج خمسها من حيث الغنيمة خصوصاً إذا كان للدعاء إلى الإسلام، فما يأخذه السلاطين في هذه الأزمنة من الكفار بالمقاتلة معهم من المنقول و غيره يجب فيه الخمس على الأحوط (10) و إن كان قصدهم زيادة الملك لا الدعاء إلى الإسلام.
الشرح
فلا يكون له شأنيّة الإذن من الإمام عليه السلام ليفصل حينئذٍ بين صورة وقوعه و عدمه.
و الحاصل: ان الموضوع في الأدلّة انما هو الحرب الذي يكون له شأنيّة تعلّق الإذن به، و هو لا يكون الا الحرب للدعاء الى الاسلام، دون الحرب لأجل التوسعة في الملك كما لا يخفىٰ -.
و من هنا يظهر: انه مع التنزل عما اخترناه يكون المتّجه هو التفصيل المذكور، كما ان ما في المتن من التفصيل أيضاً لا يخلو عن وجه.
(10) أمّا الاحتياط دون الافتاء بذلك، فلعدم الجزم باستفادة ذلك من الأدلّة، حيث أنّه قدس سره لم يحصل له الجزم باختصاص موضوع المرسل بزمان يمكن استيذان الإمام عليه السلام و هو زمان الحضور، فلذلك كان ما حكم به من اخراج الخمس في المقام من باب الاحتياط.
و أمّا الوجه في كون الخمس هو الأحوط من دوران الأمر بين المحذورين، نظراً إلى أن أمر الغنيمة في مفروض المثال دائر بين أن يكون جميعها للإمام عليه السلام و بين أن يكون خمسها لأربابه و الباقي للمقاتلين، فكيف يكون الخمس هو الموافق للاحتياط؟
فلعلّة استفادة التحليل للشيعة في زمن الغيبة من النصوص التي سنتعرّض لها ان شاء اللّٰه تعالى في محلّه، بالإضافة إلىٰ ما يرجع اليهم عليهم السلام خاصة، اذ علىٰ
و من الغنائم التي يجب فيها الخمس: الفِداء الذي يؤخذ من أهل الحرب، بل الجزية المبذولة لتلك السّرية بخلاف سائر أفراد الجزية.
و منها أيضاً: ما صولحوا عليه، و كذا ما يؤخذ منهم عند الدفاع معهم إذا هجموا على المسلمين في أمكنتهم و لو في زمن الغيبة، فيجب إخراج الخمس من جميع ذلك قليلاً كان أو كثيراً من غير ملاحظة خروج مئونة السنة علىٰ ما يأتي في أرباح المكاسب و سائر الفوائد.
مسألة 1: إذا غار المسلمون على الكفار فأخذوا أموالهم فالأحوط بل الأقوى إخراج خمسها من حيث كونها غنيمة (11) و لو
الشرح
هذا يكون الخمس هو الموافق للاحتياط، فانه علىٰ تقدير أن تكون الغنيمة كلّها للإمام عليه السلام فهي محلّلة للشيعة بمقتضىٰ أخبار التحليل، و أمّا بناء علىٰ وجوب الخمس فيها، فلا تحليل فيكون الاحتياط لا محالة في اخراج الخمس - كما هو ظاهر -.
(11) اختلفت الأقوال في مفهوم «الغنيمة» فذهب بعضهم إلىٰ أنّها لمطلق الفائدة المكتسبة، و ذهب آخرون إلى انها لخصوص الفائدة المكتسبة بالقهر و الغلبة. و استدل للاولين بوجوه:
الأوّل: أنه الظاهر من كلمات أهل اللغة، كما يلوح بذلك ما في مجمع البحرين: الغنيمة في الأصل هي الفائدة المكتسبة، و لكن اصطلح جماعة علىٰ أن ما أخذ عن الكفار إن كان من غير قتال فهو فيء و ان كان مع القتال فهو غنيمة.
في زمن الغيبة فلا يلاحظ فيها مئونة السنة، و كذا إذا أخذوا بالسرقة و الغِيلة، نعم لو أخذوا منهم بالربا أو بالدعوى الباطلة
الشرح
و إليه ذهب الإماميّة، و هو مرويّ....(1)
الثاني: أنه الظاهر من كلام جمع من الأعلام قدس سرهم، قال الفقيه المحقّق الهمداني قدس سره: فكأن ما اصطلحوا عليه عرف خاص ربما ينزل عليه اطلاق الآية و الا فكثير من الأصحاب يستدلون باطلاق الآية لاثبات الخمس في سائر الأنواع الآتية، بل ربّما نسب الاستدلال به الى الأصحاب عدا شاذ منهم، بل عن الرياض دعوى الإجماع علىٰ عموم الآية(2)و عن المفيد رحمه الله في المقنعة(3)انه قال:
«الغنائم كل ما استفيد بالحرب من الأموال و ما استفيد من المعادن، و الغوص، و الكنوز، و العنبر، و كل ما فضل من ارباح التجارات، و الزراعات، و الصناعات من المؤنة و الكفاية طول السنة على الاقتصاد...». و نحوه فسرها الشهيد في «الدروس»(4)و محكي «البيان»(5)و عن الطبرسي في «مجمع البيان» نحوه، بل ادعى ان اسم الغنيمة في عرف اللغة يطلق على جميع ذلك....(6)
الثالث: خبر حكيم مؤذن بني عبس(7)عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «قلت له:
وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ، قال: هي و اللّٰه الإفادة يوماً
1) مجمع البحرين مادة غنم.
2) الطباطبائي، السيد علي: رياض المسائل، ج 5: ص 238، ط مؤسسة النشر الاسلامي.
3) المفيد، محمد بن محمد بن النعمان: المقنعة، ص 276، ط مؤسسة النشر الاسلامي.
4) الشهيد الاول، محمد بن مكي: الدروس الشرعية، ج 1:؛ ص 258، ط مؤسسة النشر الاسلامي.
5) الشهيد الاول، محمد بن مكي: البيان، ص 213، ط مجمع الذخائر الاسلامية.
6) الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان، ج 544:4، ط المكتبة الاسلامية.
7) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام، ح 8.
فالأقوىٰ إلحاقه بالفوائد المكتسبة فيعتبر فيه الزيادة عن مئونة السنة، و إن كان الأحوط إخراج خمسه مطلقاً.
الشرح
بيوم، إلّا أن أبي جعل شيعتنا من ذلك في حلّ ليزكوا».
و مكاتبة علي بن مهزيار(1)مع أبي جعفر عليه السلام و فيها: «... و الغنائم و الفوائد يرحمك اللّٰه فهي الغنيمة يغنمها المرء و الفائدة يفيدها... الحديث»، و يؤيّد ذلك صحيح عبد اللّه بن سنان(2)قال: «سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: ليس الخمس الا في الغنائم خاصّة».
و العمدة من هذه الوجوه إنما هو الوجه الثالث، و أما الوجهان الأوّلان فلا أهمية لهما في حد أنفسهما، فان كلام صاحب مجمع البحرين بمفرده لا يثبت المفهوم اللغوي لمثل هذه الكلمة الواقعة مورد البحث و النزاع، كما انه لا اعتداء بكلمات الأصحاب بعد العلم بانهم بصدد بيان ما هو الموضوع للحكم دون ما هو معنى اللفظ لغة و عرفا، اذ لا ينبغي الشك في ان الغنيمة بمعنى مطلق الفائدة المكتسبة هي الموضوع لثبوت الخمس، و إن لم يكن هذا هو المعنى المتفاهم من الكلمة لغة و عرفاً.
مضافاً إلى ان فهمهم لا يكون بحجة، بعد العلم القطعي بان الغنيمة لا تطلق الا على المأخوذ بالقهر و الغلبة، و ليست هي بمرادفة: للاستفادة و نحوها، كما يشهد بذلك موارد استعمالات الكلمة، فيقال: «اغتنم الفرصة» و لا يقال: «استفد منها» و ليس ذلك إلا باعتبار قهر الشواغل و التغلب على الموانع، فالاغتنام
مسألة 2: يجوز أخذ مال النُّصّاب أينما وجد، لكن الأحوط إخراج خمسه مطلقاً، و كذا الأحوط إخراج الخمس مما حواه العسكر من مال البُغاة إذا كانوا من النصّاب و دخلوا في عنوانهم و إلا فيشكل حلية مالهم.
الشرح
انما اطلق في المثال باعتبار القهر و الغلبة للموانع التي تعرض الإنسان في سبيل استفادته من أوقاته.
و عليه، فالعمدة في المقام انما هو ثالث الوجوه، و هو الاستدلال بالروايات المتقدم ذكرها.
و يتوجّه على الأوّل منها: انها ضعيفة السند، فلا يمكن الاستدلال بها.
و أما مكاتبة علي بن مهزيار، فهي و ان كانت بحسب السند صحيحة، إلا انها بحسب المتن مضطربة جدّاً، بحد اوجب الاطمينان الشخصي بعدم صدورها من المعصوم عليه السلام و إليك فقرات منها كشاهد صدق علىٰ ما ادعيناه.
1 - «كتب أبو جعفر عليه السلام و قرأت انا كتابه إليه في طرق مكّة، قال: ان الذي أوجبت في سنتي هذه و هي سنة عشرين و مائتين فقط لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار و سأفسّر لك بعضه ان شاء اللّٰه، ان مواليّ - أسأل اللّٰه صلاحهم - أو بعضهم قصروا فيما يجب عليهم فعلمت ذلك فأحببت أن اطهرهم و ازكيهم بما فعلت من أمر الخمس في عامي هذا، قال اللّٰه تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ... الآية»(1).
و لا يخفى: ان الآية الكريمة واردة في باب الزكاة و لا ربط لها بباب
1) سورة التوبة 103:9.
مسألة 3: يشترط في المغتنم أن لا يكون غصباً من مسلم أو ذمي أو معاهد أو نحوهم ممن هو محترم المال و إلا فيجب ردّه إلى مالكه، نعم لو كان مغصوباً من غيرهم من أهل الحرب لا بأس
الشرح
الخمس، فكيف استدل بها عليه السلام للخمس، و هذا ما يوجب في النفس من الرواية شيئاً، و ان كان قابلاً للتوجيه أيضاً، كما لا يخفىٰ.
2 - «و لم اوجب عليهم ذلك في كل عام و لا أوجب عليهم الا الزكاة التي فرضها اللّٰه عليهم و إنما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب و الفضة التي قد حال عليهما الحول، و لم أوجب ذلك عليهم في متاع و لا آنية، و لا دواب، و لا خدم، و لا ربح ربحه في تجارة و لا ضيعة الا في ضيعة سأفسّر لك أمرها...».
و في هذه الفقرة جهات يصعب فهمها: الاُولىٰ: قوله عليه السلام: «و لم أوجب عليهم ذلك في كل عام» و هو مناف لما سيأتي منه عليه السلام «فاما الغنائم و الفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام».
الثانية: قوله عليه السلام: «و انما اوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب و الفضّة...» مع العلم بان في الذهب و الفضّة اذا كانا مسكوكين مع حولان الحول عليهما الزكاة دون الخمس.
الثالثة: انه على فرض ثبوت الخمس فيهما أيضاً فما هو الوجه في قوله عليه السلام: «و انما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه» و هل الخمس علىٰ تقدير ثبوته مما يتقيّد بحسب التشريع كما هو ظاهر الجملة بسنة خاصّة، و هل ان أمر تقييده بذلك بيد الإمام عليه السلام كما هو ظاهر الجملة أيضاً؟ اسألة تثار، و يصعب الإجابة عليها.
3 - قوله عليه السلام: «فأمّا الغنائم فهي واجبة عليهم في كل عام، قال اللّٰه تعالى:
بأخذه و إعطاء خمسه و إن لم يكن الحرب فعلاً مع المغصوب منهم، و كذا إذا كان عند المقاتلين مال غيرهم من أهل الحرب بعنوان الأمانة من وديعة أو إجارة أو عارية أو نحوها.
الشرح
«وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ...».
ففيه: أوّلاً: ان مثل التعبير المذكور عن وجوب خمس الغنائم تعبير لا يخفى ما فيه.
و ثانياً: انه مناف لما تقدّم في صدور الرواية من قوله عليه السلام: «و لم أوجب عليهم ذلك كل عام» كما أشرنا اليه آنفاً.
و ثالثاً: ان خمس الغنيمة المأخوذة من دار الحرب غير واجب الا مرّة واحدة، فكيف يصح القول بان الخمس واجب في الغنائم بقول مطلق في كل عام.
و لو قيل: بان المراد بالغنائم في المقام انما هو ما سيأتي بعد قليل من تفسير ذلك بالفوائد و أرباح المكاسب، و ثبوت الخمس في ذلك في كلّ عام.
قلنا: ان هذا لا يرفع الإشكال، نظراً الىٰ انه عليه السلام استدل له بالآية الكريمة التي يكون القدر المتيقّن من الغنيمة الواردة فيها انما هو غنيمة دار الحرب، و عليه فلا بدّ من ان يراد بالغنائم مطلق الفائدة بما في تلك الغنيمة المأخوذة من دار الحرب، و بذلك يعود الإشكال في الفقرة المذكورة.
4 - قوله عليه السلام: «و الغنائم و الفوائد يرحمك اللّٰه فهي الغنيمة يغنمها المرء و الفائدة يفيدها و الجائزة من الإنسان للانسان التي لها خطر، و الميراث الذي لا يحتسب من غير اب و لا ابن...».
ففيه: أولاً: انه لا وجه لهذا التعبير: «و الغنائم و الفوائد...، فهي الغنيمة
مسألة 4: لا يعتبر في وجوب الخمس في الغنائم بلوغ النصاب عشرين ديناراً فيجب إخراج خمسه قليلاً كان أو كثيراً على الأصح.
الشرح
يغنمها المرء و الفائدة يفيدها» إلا بجعل قوله: «و الفائدة يفيدها» عطف تفسير لما تقدمه من قوله: «فهي الغنيمة يغنمها المرء» و إلاّ فلو كانت جملة مستقلة مسوقة لبيان الفوائد، و ما تقدمه جملة مستقلة أيضاً مسوقة لبيان الغنائم، لم يكن التعريف المذكور من حيث أخذ الشيء في تعريف نفسه، خالياً عن الإشكال، كما لا يخفىٰ.
و ثانياً: أن ظاهر الرواية أن قوله: «فهي الغنيمة...» تفسير للغنائم، و قوله:
«و الفائدة يفيدها...» تفسير للفوائد.
و عليه، فلا دلالة للرواية علىٰ ان الغنيمة مساوقة للفائدة مفهوماً. و لو تنزلنا عن ذلك فلا أقل من الاحتمال الموجب للإجمال.
و المتحصّل من ذلك كلّه: انه لما ذكرناه كلّه أو بعضه، و ما لم نذكره ايضاً من بعض وجوه الإشكال يحصل الجزم عادة بعدم صدور المتن المذكور عن المعصوم عليه السلام و لا أقل من الاطمئنان، و بذلك يسقط الاستدلال بها للمقام، فلاحظ و تأمّل.
و أما صحيحة عبد اللّه بن سنان، الحاصرة لما ثبت فيه الخمس بالغنائم، فلا بدّ من تأويلها بما تتلاءم به مع النصوص الدالّة علىٰ ثبوته في غيرها.
و ذلك بان يقال: ان الحصر فيها ناظر الى ثبوت الخمس بالعنوان الأولي بدون شرط و قيد، فان ما ثبت فيه الخمس بعنوانه الأولي انما هو الغنيمة، و أما الباقي فثبوت الخمس فيه ليس بالعنوان الأولي فقط، بل ثبوته في كل واحد منها مشروط باُمور، كما سيجيء التعرّض لذلك في محلّه ان شاء اللّٰه تعالى.
مسألة 5: السَلَب من الغنيمة فيجب إخراج خمسه على السالب (12).
الشرح
و المتحصّل من ذلك كلّه: ان الغنيمة عبارة عن خصوص الفائدة المكتسبة بالقهر و الغلبة لا مطلق الفائدة، إذ لا دليل على الثاني، بعد كون المعنى الأوّل هو المتفاهم من الكلمة لغة و عرفاً.
ثمّ إن ثمرة هذا البحث انما تظهر في استثناء المؤنة حين اخراج الخمس.
فعلى القول بان الغنيمة عبارة عن مطلق الفائدة المكتسبة يكون مقتضىٰ ما دل على انّ الخمس في الفوائد انما هو بعد وضع المؤنة، جواز استثناء مئونة السنة ثمّ التخميس علىٰ تقدير الزيادة.
و أما إذا كان المأخوذ بالاغارة على الكفار او السرقة و الغيلة محسوباً من الغنيمة بالمعنى الأخص اي من غنائم دار الحرب، فيجيب تخميسه من غير استثناء المؤنة.
(12) الكلام انما يقع في مقامين، تارة في وجوب اخراج الخمس على السالب على تقدير كون السلب له، و اخرىٰ في ثبوت الحكم المذكور نفسه، و هو كون السلب للقاتل.
المقام الأوّل: وجوب اخراج الخمس على القاتل.
و الكلام قد يقع في ملاحظة ما دلّ على ان السلب للقاتل مع الروايات الدالّة علىٰ وجوب الخمس في الغنيمة، و اخرىٰ في ملاحظة ذلك مع الآية الكريمة الدالّة علىٰ ثبوت الخمس فيها.
أمّا الأوّل، فالذي ينبغي أن يقال فيه هو: ان ما دل من الروايات علىٰ ثبوت الخمس في الغنيمة انّما تكون على طائفتين:
..........
الشرح
الاُولىٰ: ما دلت علىٰ ان الخمس منها لأرباب الخمس، و الأربعة اخماس الباقية انما تقسم بين المقاتلين، كما في صحيح ربعي بن عبد اللّه بن جارود عن ابي عبد اللّه عليه السلام المتقدّم ذكره.
و لا شك في ان نسبة ما دلّ علىٰ ان السلب للقاتل مع هذه الطائفة من الروايات المثبتة للخمس في الغنيمة انما هو نسبة المقيد الى المطلق، فان الأوّل يقتضي كون الخمس من خصوص السلب للقاتل، و ما دلّ علىٰ ثبوت الخمس في الغنيمة بالإطلاق لمورد السلب يقتضي كونه لأرباب الخمس، و كذلك الحال بالاضافة الى الأربعة اخماس الباقية.
و عليه، فيلتزم لا محالة بتقييد ما دل علىٰ ثبوت الخمس بما دل علىٰ كون السلب للقاتل، كما هو ظاهر.
الثانية: ما دلت علىٰ ثبوت الخمس فيها فقط من دون تعرّض فيها لحكم الأربعة اخماس الباقية، و عمدتها خبر أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام المتقدّم.
و لا شكّ في عدم كون النسبة بينهما نسبة الاطلاق و التقييد، لما أشرنا اليه في الكلام على ثبوت الخمس في الأراضي المفتوحة عنوة، من عدم كون النسبة بين ما دل بالاطلاق علىٰ ثبوت الخمس فيها و بين ما دل علىٰ كونها ملكا للمسلمين هي الاطلاق و التقييد و ان كان المتراءى في بادي الأمر هو ذلك، و لاحظ ما تقدّم منا.
بل هما ابتداءً من المتعارضين عرفاً، إلا انا اذا التزمنا بان الخمس حق متعلق بالعين نظير حق الجناية المتعلق برقية العبد الجاني - كما هو المختار في باب الزكاة، و هو الأقرب في المقام أيضاً -، فلا منافاة بين الأمرين، فان ما دل على ان السلب ملك للقاتل لا ينافي ما دل على تعلق الحق بخمس المال المذكور، حيث لا منافاة بين كونه مملوكاً للقاتل و كونه متعلقاً لحق الغير و هو
..........
الشرح
ظاهر.
و أما بناء على القول بالملكية و ان خمس المال على تقدير ثبوته يكون مملوكاً لأرباب الخمس، فلا محالة يقع التنافي بين الأمرين، إلا اذا التزمنا بان ما دل على ان السلب ملك القاتل انما ينظر إلى خصوص نفي اشتراك سائر المقاتلين معه في المال المذكور و لا نظر له الى عدم ثبوت الخمس فيه ليتنافى مع ما دل على ثبوت الخمس فيه.
و الحاصل: ان ما دل على ان السلب ملك للقاتل مناف ابتداءً لما دل على أنّ خمسه ملك لأربابه..
فإن قلنا: بعدم ظهور الأوّل في كون جميعه ملكا له حتى بمقدار الخمس و إنّما هو ناظر إلى ان ما يكون منه ملكاً له فانما هو ملكه بالخصوص و لا يشترك معه سائر المقاتلين، فلا تنافي بينه و بين ادلة وجوب الخمس، لما عرفت من عدم كونه ناظرا الى نفي الخمس، و انما نظره الى نفي الشركة من المقاتلين معه في المال المذكور، فلا محالة يؤخذ حينئذ بما دل على وجوب الخمس فيه.
و كذلك الحال فيما اذا قلنا بظهوره في نفي الخمس لكن ظهوراً ضعيفاً لا يقاوم ظهور ما دل على ثبوت الخمس فيه.
و أما اذا قلنا: بانه ظاهر في نفي الخمس أيضا كما هو ظاهر في نفي الشركة من المقاتلين، و ليس هو بأضعف من ظهور ما دل على ثبوت الخمس فيه، فلا محالة يقع التعارض بين الطائفتين، و مقتضى الأصل الأوّلي في باب التعارض إنما هو التساقط، فيكون بمقدار الخمس من السلب غير داخل في ملك السالب و لا في ملك أرباب الخمس، و لا بد فيه من الرّجوع إلى ما تقتضيه القاعدة؛ من إعمال احكام المباحات الأصلية فيه أو غير ذلك؛ و هو خارج عن محلّ البحث بالفعل.
..........
الشرح
و حيث أن البحث المذكور علمي فرضي فلذلك يكفي فيه هذا المقدار.
هذا تمام الكلام في ملاحظة الرواية مع النصوص الدالة على ثبوت الخمس في الغنيمة.
و أمّا الثاني، و هو ملاحظة ما دل على ان السلب ملك للقاتل مع الآية الكريمة، فمحصّل القول فيه: ان المراد ب «غَنِمْتُمْ» في الآية الكريمة ان كان هو الملك، فيكون التقدير: ان ما ملكتم من الكفار فان للّٰه خمسه...، فلا منافاة اذاً بين الآية و بين ما دل على ان السلب ملك للقاتل اذ حكم السلب حكم غيره من الغنائم، فكما ان ثبوت الملك فيها للمسلمين لا ينافي ثبوت خمس فيها، كذلك الحال يكون في السلب.
و الحاصل: ان الآية اذا كانت دالة على ثبوت الخمس فيما يكون ملكا للمقاتلين لا تكون منافية بعدُ لما دل على كون شيء ملكاً لخصوص شخص معين، كما هو ظاهر. و أما اذا فسرنا ذلك بالاستيلاء و السلطة، كما هو ظاهر الآية الكريمة، و ان التقدير: كل ما دخل من الأموال تحت سلطنتكم و استيلائكم ففيه الخمس، كانت الآية منافية حينئذ لما دل على ان السلب ملك القاتل بالعموم من وجه بناءً على كون الخمس بنحو الملك دون الحق.
و عليه، فان كانت الأخبار الآمرة بطرح مخالف الكتاب شاملة للمخالفة بالعموم من وجه أيضاً. كما عليه بعضهم، كان المتبع انما هو اطلاق الآية الكريمة، لسقوط الخبر المخالف له عن درجة الاعتبار حينئذ، و أما مع اختصاصها بالمخالفة بنحو التباين، كما هو الصحيح على ما حقق في محلّه، فلا محالة يكون التعارض بينهما بالاطلاق فيسقطان معاً، و لا يبقى مقدار الخمس منه ملكا للسالب و لا لأربابه على ما مرت الإشارة إليه آنفاً.
و المتحصل من ذلك كله: انما هو ثبوت الخمس في السلب على تقدير
الثاني: المعادن (13) من الذهب و الفضّة و الرصاص و الصفر و الحديد و الياقوت و الزَبَرْجَد و الفيروزَج و العقيق و الزِّيبَق و الكِبريت
الشرح
ثبوت كونه للسَّالب القاتل، لان تعلق الخمس بالعين، كما سيأتي الكلام عليه إنشاء اللّٰه، انما هو بنحو الحق دون الملك، و معه لا منافاة بين الدليلين أصلاً، كما مر تفصيله. هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.
المقام الثاني: كون السلب ملكا للقاتل.(1)
و الظاهر أنّه لا دليل عليه سوى ما روي عن النبي صلى الله عليه و آله انه حكم في حرب خيبر بالسلب للقاتل.
و التحقيق: ان المعصوم عليه السلام عند نقل فعله صلى الله عليه و آله اذا كان في مقام بيان الحكم الشرعي، كان ذلك دليلاً على ان الحكم الشرعي المجعول بنحو القضية الحقيقة انما هو كون السلب ملكاً للقاتل.
و أمّا اذا لم يكن عليه السلام إلا في مقام نقل القضية من وجهتها التاريخيّة، و لم يكن في مقام بيان الحكم الشرعي أصلاً، لم يمكن استفادة حكم الشرعي الكلي من ذلك أصلاً، لإمكانه فرض ذلك قضية شخصيّة في واقعة معينة، و لا يستفاد منه الحكم الشرعي على الوجه الكلّي، و حيث انه لم يثبت من الروية شيء من الأمرين، فلا محالة لا يمكن الاستدلال بها لذلك، فلاحظ و تأمّل.
(13) لا ينبغى الإشكال في ثبوت الخمس في المعادن في الجملة، بل نفي الخلاف عنه، و عن غير واحد دعوى الإجماع عليه.(2)
و النفط و القير و السبخ و الزاج و الزرنيخ و الكُحل و المِلح بل و الجصّ و النورة و طين الغَسل و حجر الرحى و المَغْرَة - و هي الطين الأحمر -
الشرح
و يدل عليه جملة من النصوص، ك:
صحيح محمّد بن مسلم(1)عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سألته عن معادن الذهب و الفضّة و الصفر و الحديد و الرصاص؟ فقال: عليها الخمس جميعاً».
و صحيح الحلبي(2)- في حديث - قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن الكنز كم فيه؟ قال: الخمس، و عن المعادن كم فيها؟ قال: الخمس، و عن الرصاص و الصفر و الحديد و ما كان من المعادن كم فيها؟ قال: يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن الذهب و الفضة». و نحوهما غيرهما:(3)و لا كلام في ذلك.
و انما الكلام في تحقيق موضوع الحكم، و هو «المعدن» و أحسن ما وجدناه مما عثرنا عليه في هذا الباب ما عن الفقيه المحقق الهمداني قدس سره و إليك ما أفاده قدس سره بتلخيص:
قال قدس سره: انه قد اختلفت كلمات الأصحاب و اللغويين في تحقيق ذلك..
فأما اللغويون، فظاهرهم الاتفاق على انه اسم مكان، كما يساعده هيئته.
قال في القاموس(4): «المعدن كمجلس منبت الجواهر من ذهب و نحوه لاقامة أهله فيه دائماً او لإنبات اللّٰه تعالى ايّاه فيه، و مكان كل شيء فيه اصله».
و قال في الصحاح(5): «عدنت البلد، توطنته، و عدنت الإبل بمكان كذا:
على الأحوط، و إن كان الأقوىٰ عدم الخمس فيها من حيث المعدنية بل هي داخلة في أرباح المكاسب فيعتبر فيها الزيادة عن مئونة السنة.
الشرح
لزمته فلم تبرح منه. جنات عدن، اى جنات اقامة. و منه سمي المعدن - بكسر الدال - لان الناس يقيمون فيه الصيف و الشتاء، و مركز كل شيء معدنه».
و في النهاية(1)لابن الأثير - في حديث بلال بن الحرث: انه اقطعه معادن القبيلة - المعادن المواضع التي يستخرج منها جواهر الأرض، كالذهب و الفضّة و النحاس و غير ذلك، واحدها المعدن، و العدن: الإقامة. و المعدن، مركز كل شيء. و منه الحديث».
و في مجمع البحرين(2): «جَنّٰاتِ عَدْنٍ، اي جنات اقامة - الى ان قال -:
و منه سمي المعدن كمجلس، لان الناس يقيمون فيه الصيف و الشتاء. و مركز كل شيء معدنه، و المعدن مستقر الجوهر».
و هذه الكلمات متفقة الدلالة على ان المعدن اسم للمحل؛ كما انه يظهر منها وجود معنيين له: احدهما: معنى خاص و هو مستقر الجواهر و منبتها. و ثانيهما:
معنى عام، و هو مركز كل شيء، كما أنها تتفق أيضاً على ان اطلاقه بغير اضافة يرد به المعنى الخاص، كما لا يخفىٰ علىٰ من لاحظ الكلمات المتقدم ذكرها.
..........
الشرح
و أما الاصحاب، فظاهرهم الاتفاق على انه اسم للحال دون المحل على خلاف ما اتفقت عليه كلمات اللغوييّن.
و المدار علىٰ صدق كونه معدناً عرفاً، و إذا شك في الصدق لم يلحقه حكمها فلا يجب خمسه من هذه الحيثية بل يدخل في أرباح
قال في المسالك(1): «المعادن جمع معدن - بكسر الدال - و هو هنا كل ما استخرج من الأرض ممّا كان منها بحيث يشتمل على خصوصيّة يعظم الانتفاع بها، و منها الملح، و الجص، و طين الغسل...».
و في الروضة(2): «المعدن - بكسر الدال - و هو ما استخرج من الأرض مما كانت أصله ثمّ اشتمل على خصوصية يعظم الانتفاع بها، كالملح، و الجص..».
و قال في المدارك(3)- بعد أن نقل في تفسير المعدن عبارة القاموس التي قدمنا نقلها -: «و قال ابن الأثير في النهاية: المعدن كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة. و قال العلامة في التذكرة(4)المعادن كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة...».
و العجب من صاحب المدارك و جميع من تأخر عنه ممن عثرنا على كلماتهم انهم نقلوا عن ابن الاثير في تفسير المعدن العبارة التي نقلها في المدارك و جعلوا كلامه معارضا لكلام صاحب القاموس، و رجحه بعضهم على كلام صاحب القاموس بان المثبت مقدم على النافي، مع ان عبارة النهاية ليست الا كما قدمنا نقلها، و هي ليست مخالفة لما في القاموس إلا في مجر التعبير، فلعل لابن الاثير نهاية اخرى غير ما رأيناها، أو ان النهاية التي نقل عنها في المدارك كانت
1) الشهيد الثاني، زين الدين، مسالك الافهام، ج 1: ص 458، ط مؤسسة المعارف الاسلامية.
2) الشهيد الثاني، زين الدين، الروضة البهية: ج 1: ص 177، الطبعة القديمة.
3) العاملي، السيد محمد، مدارك الاحكام، ج 5: ص 363، ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
4) الحلي، حسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء، ج 5: ص 409، ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
المكاسب و يجب خمسه إذا زادت عن مئونة السنة من غير اعتبار بلوغ النصاب فيه.
الشرح
مشتملة على هذه الزيادة، او انه ذكر ذلك في موضع آخر لم نطلع عليه.
و كيفما كان، فالمتحصل مما تقدم انما هو اتفاق اللغويين على كونه اسماً للمحل، و اتفاق الاصحاب على كونه اسماً للحال، و لعل ذلك منهم مبني على كونهم بصدد بيان ما هو موضوع الحكم، و ليس هو الا الحال.
ثمّ إنه لا ينبغي الإشكال في وجوب الخمس في المعدن بالمعنى الخاص - و هو معدن الجواهر - فانه القدر المتيقن من النصوص الدالة على ثبوت الخمس في المعدن، إنّما الكلام في ثبوت الخمس في المعدن بالمعنى العام..
و استدل له بصحيح محمّد بن مسلم(1)قال: «سالت أبا جعفر عليه السلام عن الملاحة، فقال و ما الملاحة؟ فقلت: ارض سبخة مالحه يجتمع فيه الماء فيصير ملحاً، فقال: هذا المعدن فيه الخمس، فقلت: و الكبريت و النفط يخرج من الأرض؟ قال: فقال: هذا و اشباهه فيه الخمس». فان قوله عليه السلام: «هذا المعدن فيه الخمس...» مع كون مورد السؤال انما هو الأرض السبخة التي يجتمع فيها الماء فيصير ملحاً، مما يدل على ان الموضوع له انما هو المعدن بالمعنى العام.
و يتوجه عليه: أن هذا انما يتم على رواية الشيخ قدس سره و أما على رواية الصدوق قدس سره: «هذا مثل المعدن فيه الخمس» فلا. و حيث ان نقل الشيخ معارض بنقل الصدوق فلا يصح الاستدلال بخصوص أحد النقلين، كما هو ظاهر.
نعم، يستفاد منها على نقل الصدوق أيضاً ثبوت الخمس في مثل النفط
1) وسائل الشيعة/باب 3: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 4.
و لا فرق في وجوب إخراج خمس المعدن بين أن يكون في
الشرح
و الكبريت مما يكون مغايراً للارض عرفا، لقوله: «هذا و اشباهه..» و القدر المتيقن منه انما هو الشباهة في جهة المغايرة لا مطلقا.
و الصّحيح أن يستدل لذلك بما دل على حصر ما فيه الخمس في خمسة، منها المعادن، بضميمة ما دل ثبوت الخمس في مثل النفط، و الكبريت، و الملح و نحو ذلك، فان مقتضى الأمرين بعد ضم احدهما إلى الآخر انما هو كون المراد بالمعدن في موضوع الحكم انما هو المعنى العام دون المعنى الخاص و الا لما كان الحصر حاصراً.
بل يمكن الاستدلال له أيضاً بنفس الصحيحة المتقدمة على رواية الصدوق، و ذلك لان الراوي انما فرض السؤال عن الأرض السبخة المالحة التي يجتمع فيها الماء فيصير ملحاً، و لا ينبغي الشك في عدم صدق المعدن - حتى بالمعنى العام - على ذلك عرفاً، و انما هو مثل المعدن.
و على هذا، فقوله عليه السلام في الجواب: «هذا مثل المعدن فيه الخمس» يراد بالمشبه به فيه انما هو معدن الملح لا معدن الجوهر - كما هو المنسبق إلى الذهن - فكأنه عليه السلام هكذا قال: ان مورد السؤال و ان لم يكن بمعدن الملح عرفاً إلا انه مثل معدن الملح فيكون الخمس ثابتاً فيه..
و عليه، فيكون دالا على ان الموضوع انما هو المعدن بالمعنى العام حيث ان معدن الملح داخل في موضوع الحكم على هذا التقدير.
و على هذا، فكل ما اطلق عليه المعدن بالمعنى العام و ان لم يكن ما يستخرج من الأرض مغايراً لها عرفاً، كحجر الرحى و طين الغسل و الجص و نحو ذلك، يكون مما فيه الخمس على الأظهر لكون موضوع الحكم انما هو المعدن بالمعنى العام.
أرض مباحة أو مملوكة، و بين أن يكون تحت الأرض أو على ظهرها
الشرح
و يؤيّد هذا بفهم الأصحاب و ظهور كلماتهم في دوران الحكم مدار صدق اسم المعدن في العرف، و هذا شاهد على ان الموضوع انما هو المعدن بالمعنى العام.
نعم، كل مورد شك فيه في الصدق كأرض الجص و النورة و ما يتخذ منه حجارة الرحى و نحوه، فانه ليس بنظر العرف الا كسائر قطع الارض المشتملة على خصوصية يعظم الانتفاع بها للبناء او الاواني الخزفية، بل قد يقطع بعدم الصدق كما لو كان ما يتخذ منه حجر الرحى جبلا عظيما او مكانا واسعا من الأرض لم يكن الخمس فيه ثابتا بعنوان المعدن. هذا ما افاده قدس سره في هذا المقام.(1)
تحقيق المقام
المستفاد من مجموع كلمات اللغويين، كما تقدم نقل جملة منها في كلام المحقق الهمداني قدس سره، أنّ للمعدن معنيان: خاص، و هو منبت الجواهر، من الذهب، و الفضّة، و العقيق، و الياقوت و الزبرجد و نحوها، و عام و هو كل ما يكون مركزاً لما يستخرج من الارض مما يكون مغيراً لها عرفاً، و يدخل فيه النفط، و الكبريت، و الرصاص، و الحديد، و الملح و نحو ذلك.
و أما اطلاقه لمعنى أعم من ذلك بحيث يشمل الارض التي تكون مركزا لما يستخرج منها مما لم يكن غير الارض عرفا، كأرض الجص، و النورة و نحوها، فهذا مما لم يثبت من اللغة و لا العرف العام. هذا بحسب اللغة.
1) الهمداني، الشيخ آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 14: ص 15-23، الطبعة الحديثة.
و لا بين أن يكون المخرج مسلماً أو كافراً ذمياً بل و لو حربياً، و لا بين (14) أن يكون بالغاً أو صبياً و عاقلاً أو مجنوناً فيجب على وليهما
الشرح
و أما ما تقتضيه النصوص، فالذي يمكن القول بكونه موضوعاً للحكم في هذا الباب إنما هو المعدن بالمعنى العام في اللغة، الذي يطلق على مركز كل ما يستخرج من الارض مما يكون مغايراً لها عرفاً.
و الذي يدل عليه إنما هو ما دل من النصوص على ثبوت الخمس في مثل النفط، و الكبريت، و الرصاص، و الحديد و نحو ذلك، بضميمة الأدلة الحاصرة للخمس في خمسة، فان التحفظ على ظهور الحصر لا يكون إلا بالقول: بان ثبوت الخمس في الموارد المذكورة انما هو بعنوان المعدن لا بعناوينها الخاصة.
و قد صرّح بما ذكرناه جملة من الأكابر، كالعلامة في «المنتهى»(1)و صاحب المدارك(2)و هو الظاهر من جملة من متأخر المتأخرين حيث توقفوا في ثبوت الحكم لأزيد مما ذكرناه، فلاحظ و تأمّل.
(14) الوجه فيما أفاده قدس سره من عدم الفرق بين الصور المذكورة انما هو اطلاق الأدلة - كما صرحوا به - نظرا إلى أن غالب ما ورد من النصوص في خمس المعدن غير مشتمل على الحكم بعنوان التكليف، و انما هو بلسان الحكم الوضعي.
و عليه، فلا مجال للفرق بين الصور المذكورة، بدعوى حكومة ما دل على رفع القلم عن الصبي و المجنون عليها و نحو ذلك، كما لا يخفى.
إخراج الخمس و يجوز للحاكم الشرعي إجبار الكافر (15) على دفع الخمس مما أخرجه و إن كان لو أسلم سقط عنه مع عدم بقاء عينه.
و يشترط في وجوب الخمس في المعدن بلوغ ما أخرجه عشرين ديناراً (16) بعد استثناء مئونة الإخراج و التصفية
الشرح
(15) لا بد من البحث عن الفرع المذكور بشيء من التفصيل في المحل المناسب له في ضمن البحث عن المسائل الآتية ان شاء اللّٰه تعالى.
(16) الأقوال في المسألة ثلاثة:
الأوّل: عدم اعتبار النصاب مطلقا، و انه يجب في المعدن الخمس قليلا كان او كثيراً، كما هو صريح السرائر(1)، حيث قال - في رد الشيخ القائل باعتبار النصاب -: «اجماع الاصحاب منعقد على وجوب اخراج الخمس من المعادن جميعها على اختلاف اجناسها قليلا كان أو كثيراً، ذهبا كان أو فضة، من غير اعتبار مقدار...»، بل في الدروس و الشرائع(2)نسبته الى الأكثر، و قيد بعضهم بالقدماء و هو محكي الخلاف(3)و ظاهر كل من اطلق القول بالوجوب و لم يصرح بالاشتراط.(4)
و استدل له باطلاق ما دل على وجوب الخمس، الشامل ذلك للقليل منه و الكثير، كما لا يخفى.
..........
الشرح
الثاني: اعتبار بلوغ النصاب عشرين ديناراً، كما عن الشيخ في النهاية(1)و المبسوط(2)، و ابن حمزة في وسيلة،(3)و وافقهما غير واحد من المتأخرين، بل في المدارك(4)نسبته إلى عامتهم.
و استدل له بصحيح البزنطي(5)قال: «سألت ابا الحسن عليه السلام عما اخرج المعدن من قليل و كثير هل فيه شيء؟ قال: ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة، عشرين ديناراً» و لكن نوقش في الاستدلال به من وجوه:
أوّلاً: بانه لم يفرض في الرواية كون السؤال عن الخمس، و انما فرض السؤال عن ثبوت شيء، قال: «هل فيه شيء» و لعل المراد بالشيء المسئول عنه هو الزكاة، فتكون الرواية من ادلة ثبوت الزكاة في المعدن بشرط بلوغه النصاب.
و يتوجه عليه: ان السائل انما هو البزنطي و هو من الأكابر، و من البعيد في حقه جداً عدم معرفته بان المعدن لا زكاة فيه، و انه لو كان فيه شيء فإنما هو الخمس، و ذلك لاشتراط ثبوت الزكاة في الذهب و الفضة بكونه مسكوكا، مع انحصار ما تجب الزكاة فيه بأمور معينة - و هي تسعة على المشهور كما تقدم - فلا مجال لتوهم ثبوتها في معدن الذهب و الفضة أو مطلق المعدن.
1) الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن: النهاية، ص 197، الطبعة الاولىٰ.
2) الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن: المبسوط، ج 1: ص 237، الطبعة الاولىٰ.
3) ابن حمزة، محمد بن علي: الوسيلة الى نيل الفضيلة (سلسلة ينابيع الفقهية، ج 5: ص 260).
4) العاملي، السيد محمد: مدارك الاحكام: ج 5: ص 365، ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
5) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 1.
..........
الشرح
مضافاً إلى ان البزنطي هو الراوي للرواية الآتية في اعتبار النصاب ديناراً، النافية للزكاة عن معدن الذهب و الفضّة، اذ لو كان سماعه لتلك الرواية مقدما زمانا على سماعه هذا الخبر من المعصوم عليه السلام لم يكن حينئذ وجه للسؤال عن ثبوت الزكاة في المعدن. و هذا من جملة المؤيدات لما ذكرناه، كما هو ظاهر.
و على هذا، فلا بد من فرض السؤال عن ثبوت الخمس عن الزكاة، و لا اقل من كون المسئول عنه هو الأعم من الخمس و الزّكاة، و على كلا التقديرين تكون دالة على اعتبار النصاب المذكور في ثبوت الخمس في المعدن.
و مما يؤيد كون المسئول عنه في الرواية هو ثبوت الخمس، قوة احتمال ان تكون الرواية من تتمة رواية اخرى لأبي نصر(1)أيضاً عن الرضا عليه السلام قال:
«سألته عما يجب فيه الخمس من الكنز؟ فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس»، فانه سأل في هذه الرواية عن خمس الكنز، و اذا كانت تلك الرواية من تتمة هذه الرواية، فلا محالة يكون المسئول عنه فيها انما هو ثبوت الخمس في المعدن، حيث لا يناسب ذلك وقوع السؤال في ذيل الرواية عن الزكاة في المعدن مع وقوع السؤال في صدرها عن خمس الكنز. و هذا واضح جدّاً.
بل انه يمكن القول بتعين كون السؤال عن ثبوت الخمس بمقتضى الصناعة.
و ذلك، لما تقرر في محلّه: من ان البناء على التخصص عند دوران الأمر بينه و بين التخصيص موافق للظهور الكلامي في بعض الموارد، كما اذا ورد عموم: «اكرم العلماء» و ورد أيضا النهي عن اكرام زيد، و قد تردد ذلك بين اثنين؛ زيد العالم، و الجاهل، فانه بمقتضى ظهور العموم في إكرام زيد العالم و عدم المعارض له في ذلك، نظرا إلى تردد الخاص - و هو الحجة الأقوى على فرض عدم تردد موضوعه - بين شخصين، لا محالة يؤخذ بالعموم في زيد العالم،
1) وسائل الشيعة/باب 5: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 2.
..........
الشرح
و يحمل النهي علىٰ زيد الجاهل على ما هو مفصّل في محله.
و المقام من هذا القبيل، فان مفاد الرواية إنما هو ثبوت شيء في الجملة في المعدن، فلو كان ذلك الأمر الثابت هو الزكاة كان ذلك تخصيصاً لا محالة في ما دل على عدم ثبوت الزكاة في المعادن و غيرها مما هو خارج عن التسعة التي حصرت الزكاة فيها، و هذا بخلاف ما اذا كان ذلك هو الخمس، فانه على هذا لا يكون تخصيصاً في الأدلة المذكورة و انما يكون خارجاً عنها تخصصاً، فان المنفي بتلك الادلة هو الزكاة، و الثابت بالرواية انما هو الخمس، فلاحظ.
و ثانياً: باعراض الاصحاب مع صحة الخبر و صراحته في اعتبار النصاب عشرين ديناراً في ثبوت الخمس في المعدن، فان ذلك مما يوهن الخبر المذكور.
و يتوجه عليه: أن من المحتمل ان يكون عدم عمل المشهور بالرواية لا لأجل الاعراض عنها، بل لأجل معارضتها بالرواية الدالة على اعتبار النصاب ببلوغ المعدن ديناراً، و هي رواية محمّد بن علي بن أبي عبد اللّٰه(1)عن أبي الحسن عليه السلام قال: «سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد، و عن معادن الذهب و الفضة هل فيها زكاة؟ فقال: إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس».
و هذه الرواية و ان كان غير نقية السند عندنا، إلا انه من المحتمل انها كانت حجة عندهم للقرائن القائمة عندهم على ذلك.
و الحاصل: إنّا لا يمكننا الجزم بأن عدم عملهم بالرواية انما كان اعراضاً منهم عن الرواية، بل نحتمل قريباً ان يكون ذلك بناء منهم على معارضتها بالرواية المذكورة.
1) وسائل الشيعة/باب 3: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 5.
..........
الشرح
و ثالثاً: ما عن المحقق الهمداني قدس سره من بُعد ذلك، نظراً الى أنه قل ما يتفق ان يبلغ الملح بعد وضع المؤنة النصاب المذكور، و لو علمنا بالرواية لزمنا تقييد صحيحة محمّد بن مسلم المتقدمة الدالة على ثبوت الخمس في الملح المتخذ من الأرض السبخة المالحة التي يجتمع فيها الماء فيصير ملحاً، و هو يستلزم تقييد الرواية بفرض نادر.(1)
و يتوجه عليه: أنه لا محذور في تقييد الرواية بالفرض النادر، فان ذلك انما يكون في تقييد الاطلاق المسوق لبيان الحكم الكلي حيث يقبح تنزيله على المورد النادر، و أما مثل صحيحة محمّد بن مسلم الواردة في مورد خاص و هو ما وقع السؤال عنه في كلام الرّاوي، فلا محذور في تقييده بالفرض النادر، إذ ليس الجواب في الرواية مسوقا لبيان الحكم الكلي ليقبح تنزيله على مورد نادر، بل حكم خاص وارد في مورد خاص.
مضافاً، إلى أن الندرة ممنوع منها، فلعلّها مسلمة في خصوص معادن الملح في مثل النجف الاشرف و ما اشبهها من البلدان، لا في الملح مطلقا و إلا فقد يبلغ الملح بعد وضع المؤنة أضعاف النصاب المذكور، كما هو الحال في جملة من بلاد ايران.
و المتحصل من ذلك: أنه لا مانع من الأخذ بالرواية الدالة على اعتبار النصاب في المعدن ببلوغ عشرين ديناراً، و بها يخرج عن الإطلاق المقتضي لثبوت الخمس في المعدن قليلا كان او كثيراً.
الثالث: اعتبار بلوغه ديناراً، المحكي عن أبي الصلاح الحلبي(2). و استدل
و نحوهما (17) فلا يجب إذا كان المخرَج أقل منه و إن كان الأحوط
الشرح
له بالرواية المتقدمة.
و لكن قد أشرنا إلى أنها ضعيفة السند، فلا تصلح للاعتماد عليها، و لذلك كان القول الثاني هو الأظهر، فلاحظ و تأمّل.
(17) كما هو المنسوب الى الأكثر، بل ادّعي(1)الاجماع عليه.
و ما يمكن الاستدلال به لذلك إنما هو..
صحيح محمّد بن الحسن الأشعري(2)قال: «كتب بعض اصحابنا الى أبي جعفر الثاني عليه السلام: أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل و كثير من جميع الضروب و على الضياع، و كيف ذلك؟ فكتب بخطه:
الخمس بعد المؤنة».
فان قوله عليه السلام: «الخمس بعد المؤنة»، باطلاقه شامل لمئونة الاخراج و التصفية في محل الكلام أيضاً.
و مكاتبة الهمداني(3): «أقرأني علي بن مهزيار كتاب أبيك فيما أوجبه على اصحاب الضياع، انه اوجب عليهم نصف السدس بعد المؤنة، و انه ليس على من لم يقم ضيعته بمئونته نصف السدس و لا غير ذلك. فاختلف من قبلنا في ذلك، فقالوا يجب على الضياع الخمس بعد المؤنة مئونة الضيعة و خراجها لا مئونة الرجل و عياله، فكتب - و قرأ على بن مهزيار - عليه الخمس بعد مئونته و مئونة عياله و بعد خراج السلطان».
بتقريب أن الظاهر من الرواية هو مسلمية استثناء مئونة الضيعة، و انما الخلاف،
..........
الشرح
بينهم كان في استثناء مئونة الرجل زائداً على ذلك، فقوله عليه السلام: «عليه الخمس بعد مئونته...» على هذا، يكون ناظراً إلى نفي الاختصاص بمئونة الضيعة، بل مئونة الرجل و مئونة عياله ايضا مما يلحقان بها.
و صحيح زرارة(1)عن أبي جعفر عليه السلام: «ما عالجته بمالك ففيه ما اخرج اللّٰه سبحانه منه من حجارته مصفى، الخمس».
بتقريب: ان الظاهر من الرواية انما هو ثبوت الخمس في ما يبقى للشخص صافياً بعد وضع المؤنة و ما صرفه في سبيل ذلك. و في الاستدلال بالجميع نظر:
أمّا الأوّل، فلان الجواب فيه و ان كان مطلقا، إلا انه بعد فرض كون السؤال في الرواية من خصوص خمس أرباح المكاسب و ما يحصل له بعنوان «الربح» و «الفائدة» لم يبق للجواب إطلاق بالنسبة إلى ما هو محل الكلام - و هو المعدن -، بل الظاهر هو اختصاص ذلك بمورد السؤال.
و عليه، فيكون المراد بالمئونة انما هو مئونة الرجل و عياله. و لا اقل من الإجمال، و القدر المتيقن منها هو ذلك، فلا اطلاق يستدل به للاستثناء في المقام.
و أمّا الثاني، فلاختصاص المستثنى في الرواية بمئونة الضيعة و خراجها، و لا اطلاق لها بالاضافة إلى غير ذلك من مئونة المعدن و ما يصرف على المخرج منه، الذي هو محل الكلام.
و بكلمة اخرى: انه بعد التسليم بدلالة الرواية على استثناء مئونة الضيعة أيضاً لا نسلم الاستدلال بها للاستثناء فيما هو محل الكلام ايضاً حيث لا اطلاق للرواية، كما لا يخفى.
و أمّا الثالث، فلان الرواية محتملة لمعنيين آخرين: أحدهما: ثبوت
1) وسائل الشيعة/باب 3: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 3.
..........
الشرح
الخمس في المخرج بعد التصفية لا قبلها، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء اللّٰه تعالى.
و ثانيهما: أن متعلق الخمس انما هو المخرج من المعدن الصافي من الخليط، ففي مثل الذهب يكون مورد الخمس انما هو الذهب الصّافي الموجود في المعدن دون الذهب مع الخليط - و هو التراب -.
و مع احتمال الرواية لمعاني متعددة، و عدم ظهورها في المعنى الذي استدل به للمقام لم يصح الاستدلال بالرواية حينئذ من جهة الإجمال، كما هو ظاهر.
و أما النصوص الاخر - غير ما مرت الإشارة اليها -، فلا مجال للاستدلال بها في المقام أصلاً بعد ظهور اختصاص المؤنة المستثناة فيها بمئونة الرجل و عياله، ك:
خبر على بن محمّد الشجاع النيسابوري(1)«انه سال أبا الحسن الثالث عليه السلام عن رجل اصاب من ضيعته مائة كر من الحنطة ما يزكى... - إلى ان قال -: فوقع لي منه الخمس مما يفضل من مئونته».
و صحيح علي بن مهزيار(2)قال: «قال لي أبو علي بن راشد: قلت له:
أمرتني بالقيام بأمرك و أخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك - الى ان قال -: قلت:
و التاجر عليه و الصانع بيده، فقال: إذا أمكنهم بعد مئونتهم».
و ظهور المؤنة في الروايتين في مئونة الرجل دون الاعم منها و من مئونة الاخراج و التصفية و نحوهما مما هو محل الكلام غير قابل للإنكار.
..........
الشرح
و قد يستدل لذلك أيضاً ب:
صحيح البزنطي(1): «كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام: الخمس اخرجه قبل المؤنة أو بعد المؤنة؟ فكتب: بعد المؤنة».
و خبر ابراهيم بن محمّد الهمداني(2): «ان في توقيعات الرضا عليه السلام اليه: ان الخمس بعد المؤنة».
و يتوجه على الأوّل: أن ظاهر السؤال في الرواية انما هو عن الحكم الشخصي الذي هو محل ابتلاء السائل، لا ان المسئول هو حكم اخراج الخمس على وجه كلّي. و عليه، فلا اطلاق للجواب بالاضافة الى جميع موارد إخراج الخمس حتى المعادن التي هي محلّ الكلام.
و بكلمة أخرى: السؤال بقولنا: «الخمس أخرجه...؟» و قولنا: « الخمس يخرج...؟» فإن ظاهر الثاني هو السؤال عن ذلك بنحو كلي، بخلاف الاول، فانه ظاهر في السؤال عن الحكم الشخصي.
و عليه، فلا يبقى اطلاق للجواب، بل يكون مختصا بمورد السؤال، و لعله كان هو أرباح المكاسب فلا يمكن الاستدلال بالرواية للاستثناء في المعادن.
و مع التنزل عنه، فلا أقل من الاحتمال الموجب للإجمال.
و على الثاني: أن الظاهر اتحادها مع مكاتبة الهمداني المتقدم ذكرها و لا أقل من الاحتمال المسقط للرواية عن صلاحيتها للاستدلال.
و المتحصل من ذلك كله: أنه لا دليل على استثناء المؤنة، من مئونة الإخراج و التصفية و نحوها في المعادن، فلاحظ و تأمل.
إخراجه إذا بلغ ديناراً بل مطلقاً، و لا يعتبر في الإخراج أن يكون دفعة (18) فلو أخرج دفعات و كان المجموع نصاباً وجب إخراج خمس المجموع، و إن أخرج أقل من النصاب فاعرض ثمّ عاد و بلغ
الشرح
(18) الاستخراج يتصور على انحاءٍ:
الاول: أن يستخرج مقدار النصاب دفعةً واحدة.
الثاني: أن يستخرج مقدار النصاب تدريجيا بنحو الاستمرار بحيث لا تنتفي الوحدة الدقية.
الثالث: أن يستخرج دفعات الا أنه بنحو لا تنتفي فيه الوحدة العرفية و ان انتفت الوحدة الدقية. و يحدد ذلك في كلام الفقهاء بعدم العزم على عدم الاستخراج بين الدفعات.
الرابع: ان يستخرج دفعات مع العزم على العدم بين الدفعتين بحيث تنتفي حتى الوحدة العرفية.
و الكلام في الفرض الأخير. و أما الفروض الثلاثة الأخرى، فلا كلام فيها و في وجوب اخراج الخمس بين الفقهاء.
و لم يذكر لحد الآن الوجه في منع وجوب الخمس او اثباته في الفرض الرابع سوى انصراف الادلة و ظهورها في غير الفرض و منع الانصراف و الظهور.
و لا يخفى أن دعوى الانصراف و الظهور كما أنها سهلة الثبوت سهلة المنع، لكنه يمكن توجيه منع الخمس في الفرض بوجه برهاني، و بيانه: أن وجوب الخمس ثابت في المخرج من المعادن بنحو العموم الاستغراقي بمعنى ان الوجوب ثابت في كل فرد من افراد المخرج لا بنحو العموم البدلى لظهور عدم اجزاء اخراج الخمس عن مخرج واحد مدى العمر.
المجموع نصاباً فكذلك على الأحوط، و إذا اشترك جماعة في الإخراج (19) و لم يبلغ حصة كل واحد منهم النصاب و لكن بلغ
الشرح
(19) فروض الاشتراك ثلاثة: الأول: أن تبلغ حصة كل منهم النصاب.
الثاني: أن لا تبلغ حصة كل منهم النصاب مع كون حصصهم مشاعة.
الثالث: أن لا تبلغ حصة كل منهم النصاب مع افراز حصصهم و تعيين كل منها.
أما الفرض الاول، لا اشكال في وجوب الخمس على كل منهم بمقدار حصته.
و إنما الكلام في الفرضين الأخيرين، و قد ذهب الأكثر الى عدم وجوب الخمس عليهم.
و الوجه في الخلاف هو أن المالك المأخوذ موضوعا للتكليف في لسان الدليل إما مأخوذ بنحو العموم الاستغراقي، بمعنى انه يجب على كل فرد من افراد المالك الخمس عند بلوغ النصاب، فلا يجب على كل منهم شيء لفقد الشرط. أو مأخوذ بنحو الطبيعة بلا نظر الى القدر و الوحدة، بمعنى ان الحكم مرتب على طبيعة المالك و هي تصدق على الجميع، فيجب على الجميع خمس المال.
فالنزاع مبنائي.
و التحقيق: أنه لم يؤخذ في موضوع الدليل المالك كي يتمسك باطلاقه و نفي الوحدة و التعدد و يحكم بان النظر الى الطبيعة من حيث هي يجب الخمس.
و انما يستفاد بطريق آخر، و عليه...
فإن استفيد أخذه من دليل خارجي منفصل، كان مقتضى إطلاقه ارادة الطبيعة و لازمه وجوب الخمس على الجميع.
المجموع نصاباً فالظاهر وجوب خمسه، و كذا لا يعتبر اتحاد جنس المخرج (20) فلو اشتمل المعدن على جنسين أو أزيد و بلغ قيمة
الشرح
و إن استفيد من نفس الدليل الدال على الحكم بدعوى الانصراف لا من دليل خارجي، كان التردد و الشك في المراد منه موجبا لإجمال دليل الحكم لسريان الاجمال منه اليه لاتصاله. و معه يؤخذ بالقدر المتيقن و هو الوجوب على المالك الواحد لما يبلغ النصاب دون المشترك.
و يتمسك في الفرض الذي نحن فيه بالاصل و هو هاهنا البراءة عن التكليف، و حيث أنه لا دليل خارجيا دل على ترتب الحكم على المالك و انما استفيد اعتبار الدليل من أصل الدليل لكن بدعوى الانصراف، كان التردد المراد من المالك موجبا للتردد في سعة الحكم و ضيقه، فيسقط في الفرض عن الاعتبار و المرجع اصل البراءة.
و من هنا ظهر الحكم في الفرض الثالث. مضافا الى أن ثبوت الوجوب فيه يتوقف على أمر آخر غير فرض ارادة الطبيعة من المالك و هو فرض ارادة الطبيعة من المخرج أيضا - الذي تقدم الكلام فيه - و ذلك لان فرض افراز الحصة مساوق لفرض تعدد الاخراج و الا كانت الشركة بنحو الاشاعة.
فالخمس يجب على تقدير أمرين: الاول: فرض كون المراد من المالك صرف الطبيعة بلا تقييد بالوحدة او التعدد. الثاني: فرض كون المراد بالمخرج كذلك.
و بذلك يفترق عن الفرض الاول المتوقف وجوب الخمس فيه على ثبوت الأمر الأول فقط لفرض وحدة الاخراج لا تعدده.
(20) لان الظاهر ترتيب الحكم على المعدن مطلقا بلا تقييد بما اذا كان
المجموع نصاباً وجب إخراجه، نعم لو كان هناك معادن متعددة (21) اعتبر في الخارج من كل منها بلوغ النصاب دون
الشرح
جنسا واحدا، فيثبت الحكم يه و لو تعدد الجنس.
(21) و أما صورة تعدد المعادن، فالكلام فيها يظهر مما سبق من ان المعدن هل اخذ بنحو الوحدة و ان كل معدن كذا، او بنحو صرف الطبيعة.
فعلى الأول، لا يجب الخمس مع تعدد المعدن لان كل فرد لا يبلغ النصاب.
و على الثاني، يجب لصدق الطبيعة على الفردين كما لا يخفى.
و التحقيق: ان مقتضى تعليق الحكم على المعدن و اطلاقه هو كون الحكم مرتبا على صرف الطبيعة بلا خصوصية للوحدة و التعدد فيه، فيجب الخمس و لو مع تعدد المعادن.
و مما لا بد من الالتفات اليه أنه لو بني على ان الحكم في كل من المعدن و الاخراج و المالك معلق على صرف الطبيعة و انه لا يعتبر الاتحاد في بلوغ كل واحد منها في بلوغ النصاب، لزم أن يجب على كل شخص ان يخرج خمس ما اخرجه من المعدن و لو قليلا لعلمه بان غيره قد اخرج من مكان آخر و لو في بلاد اخرى ما يبلغ المجموع النصاب، و ذلك يقتضي لغوية اعتبار النصاب المذكور.
فالتصرف في أمرها لا بد منه.
و قد عرفت التصرف في المالك و اعتبار اتحاده و هو يكفي في رفع المحذور المذكور. و لو لم يمكن التصرف فيه بما سبق و كان له اطلاق، لكان كل اطلاق من الثلاثة مجمل من هذه الجهة لاحتمال تقييده للزوم تقييد احدها بلا معين. و مقتضى الاجمال اعتبار الوحدة في كل منها في الوجوب. فتأمل.
المجموع و إن كان الأحوط كفاية بلوغ المجموع خصوصاً مع اتحاد جنس المخرج منها لا سيما مع تقاربها بل لا يخلو عن قوة مع الاتحاد و التقارب، و كذا لا يعتبر استمرار التكون و دوامه (22) فلو كان معدن فيه مقدار ما يبلغ النصاب فأخرجه ثمّ انقطع جرى عليه الحكم بعد صدق كونه معدنا.
مسألة 6: لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية (23) فإن علم بتساوي الأجزاء في الاشتمال على الجوهر أو بالزيادة فيما
الشرح
(22) لإطلاق النصوص بالاضافة الى ذلك بعد فرض صدق المعدن عليه.
(23) الحكم المذكور في المسألة في احتمالاتها واضح لا يحتاج الى كلام.
نعم، قد يستشكل في أصل دفع الخمس قبل التصفية بانه ليس بواجب، حيث ان موضوع وجوب الخمس هو المصفى، كما تدل عليه رواية زرارة. فقبل التصفية لا موضوع للوجوب فلا حكم، فالاجزاء مشكل.
إلا أن التحقيق أن ظهورها في ارادة تعلق الخمس بذات العين لا بالخليط، بمعنى خروج التراب عن موضوع الخمس لا موضوعية التصفية و الخلوص من الخليط، لا يقصر عن ظهورها في ارادة التصفية و الخلوص من الخليط، كما هو المدعى.
كما أنه قد يدعى ظهورها كما عرفت في ارادة اخراج المؤنة من التصفية.
و بالجملة، فالروايات فيها احتمالات ثلاث و لا يمكن الجزم بأحدها بلا قرينة و هي منتفية، فتسقط عن الاعتبار.
أخرجه خمساً أجزأ و إلا فلا لاحتمال زيادة الجوهر (24) فيما يبقى عنده.
مسألة 7: إذا وجد مقداراً من المعدن مخرجاً مطروحاً في الصحراء فإن علم أنه خرج من مثل السيل أو الريح أو نحوهما أو علم أن المخرج له حيوان أو إنسان لم يخرج خمسه وجب عليه إخراج خمسه (25) على الأحوط إذا بلغ النصاب، بل الأحوط
الشرح
(24) مقتضى قاعدة الاشتغال تحصيل العلم بفراغ الذمة.
(25) لإطلاق النصوص، و قد يقال: باعتبار الاستخراج في ثبوت الخمس، كما عن المحقق الأردبيلي قدس سره فيما حكي عنه؛ من ان المتبادر من الأدلة ما استخرج من معدنه، و عن كاشف الغطاء(1)التصريح بانه: لو وجد شيئا من المعدن مطروحاً في الصحراء فأخذه فلا خمس.
و فصّل المحقق الهمداني قدس سره في ذلك بين ما اذا كانت الواسطة ذا ارادة و اختيار، كما إذا أخرجه إنسان فطرحه في الصحراء، فالتزم بثبوت الخمس فيه على من وجده كذلك، و بين ما لم تكن الواسطة كذلك، كما اذا خرج بمثل السيل أو ريح أو انه اخرجه حيوان و نحو ذلك، فانه لا خمس حينئذ على من يجد ذلك.
و إليك نص ما أفاده قدس سره: «و يمكن التفصيل بين ما لو كان بفعل غير المالك أو بهبوب الرياح و جري السيل و نحوه، بدعوى: ان المتبادر من أدلته انما هو وجوب الخمس فيما يستخرج من المعادن سواء ملكه المخرج أم لا، بان كان أجيراً و وكيلا، أو فضوليا، أو غاصباً.
1) كاشف الغطاء، الشيخ جعفر: كشف الغطاء، ص 360، الطبعة الحجرية.
..........
الشرح
غاية الأمر أن قراره على من دخل في ملكه بمقتضى المناسبة فخصوصية الفاعلية ملغاة لدى العرف فيما يفهمون من أدلته و لكن لا على وجه يتعدى الى مثل السيل و هبوب الريح و نحوه. أ لا ترى أنك لو راجعت وجدانك تجد الفرق بين ما استخرجه غير المالك إما فضوليّاً، أو غصباً، أو بزعم أنه ملكه فانكشف خلافة فدفع الحاصل إلى المالك في استفادة حكمه من الأدلّة بشهادة العرف و قضائهم بعدم مدخلية خصوصية المالك في ذلك و كون وجوب الخمس في مثل الفرض أولى. و بين ما لو أخذ السيل من المعدن شيئاً فطرحه في مكان آخر، فانه موضوع آخر لدى العرف اجنبيٌّ عما يستبق الى الذهن من أدلته.
و دعوى: أنه لا فرق بين الصورتين لدى التأمل.
يمكن دفعها: بأن العبرة في مثل هذه الموارد بما يتفاهم عرفا من أدلته لا على التحقيق الناشئ من التأمل في الغاء الخصوصيّات التي يحتمل مدخليتها في الحكم، و نحن نرى بالوجدان الفرق بين الصورتين في كون استفادة حكم احدهما من الأدلة اقرب من الأخرى، فالتحصيل بين الصورتين غير بعيد...».(1)
و لا يخفى أن ما افاده قدس سره و ان كان له وجه اعتباري لا بأس به، إلا أنه انما يتم فيما لو كان المأخوذ في موضوع الأدلة هو عنوان «الإخراج» و ال: « استخراج» و ما شاكلهما مما يقرب فيه دعوى انصرافه إلى ما اذا كان من يصدر منه المبدا ذا ارادة و اختيار، لا مثل: «يخرج» - مبنيّاً للفاعل و نحوه - حيث انه يصح اسناده حقيقة إلى فاقد الارادة و الاختيار أيضاً، كما هو ظاهر.
و ليس في النصوص ما يكون من قبيل الأوّل، فان..
جملة منها غير مشتملة على مادة «خرج» و ما يشتق منه أصلاً ك:
1) الهمداني، الشيخ آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 14: ص 36، الطبعة الحديثة.
ذلك (26) و إن شك في أن الإنسان المخرج له أخرج خمسه أم لا.
الشرح
صحيح محمّد بن مسلم(1)عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سألته عن معادن الذهب و الفضة... اه».
و صحيح الحلبي(2)قال: «سألت ابا عبد اللّٰه عليه السلام عن الكنز كم فيه... اه» و ابن أبي عمير(3)عن غير واحد عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «الخمس على خمسة أشياء... اه».
و جملة منها و إن اشتملت على المادة المذكورة، إلا انها ليست بما يتم فيها الدعوى المتقدمة، ففي صحيح زرارة(4)عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سألته عن المعادن ما فيها... - إلى ان قال -: ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّٰه سبحانه منه من حجارته مصفى الخمس». و الاخراج المسند اليه سبحانه و تعالى اختياري له مطلقا و إن كان ذلك عن طريق الاسباب الفاقدة للشعور، كالسيل، و هبوب الأرياح و نحوهما، كما هو ظاهر.
(26) و قد يوجه التردد و نفي وجوب الخمس مع الشك في اخراجه و الشك في انه قصد ملكه أو لا بوجهين:
أحدهما: قاعدة اليد، فانها أمارة الملكية و بما ان المخرج الاول كان ذا يد على المال كله فهو بحكم امارية اليد ملك له فلا يجب فيه الخمس.
الثانية: أصالة الصحة في تصرفه، فانه مع عدم الخمس لا يصح تصرفه
..........
الشرح
بالمال لانه متعلق لحق الفقراء.
و يدفع الاول: بان أمارية اليد على الملكية على تقدير تحقق اليد انما هي في صورة عدم سبق تعنون اليد بعنوان ينافي الملكية، كعنوان الأمانة و الغصب و نحوهما. أما مع سبقه ثمّ شك في كون اليد مالكية او لا، فلا تكون اليد أمارة على الملكية و هي فيما نحن فيه كذلك لان المال بمجرد الاخراج تعلق فيه حق الفقراء و الامام عليه السلام فاليد على حصتهم يد أمانة، فلا تجدي اليد في اثبات الملكية بعد ذلك لو شك في اخراج الخمس.
و يدفع الثاني: بأن لأصالة الصحة مقامين: أحدهما: و هو يرتبط بما له الأخلاق و الآداب بلا ترتيب اي أثر عملي عليها و هي حمل المؤمن على عدم ارتكاب الحرام و مخالفة الحكم التكليفي.
و الآخر: و هو أصالة الصحة في العمل و التي يترتب على طبقها آثار العمل الصحيح، فأصالة الصحة الجارية في المقام ان كانت بالنحو الاول، فلا تكون كاشفة عن اداء الخمس لانه غاية مفادها هو عدم كون المكلف في تصرفه على الموازين الشرعية، فقد يكون جاهلاً بالحكم او غير عالم بوجوب الفورية و نحوهما.
و أما النحو الثاني فليس محله هاهنا، إذ لم يصدر منه ما يتوقف على اداء الخمس من بيع أو شراء كي يجري فيه اصالة الصحة و يترتب عليه شرعاً أداء الخمس و ملكية المجموع.
و عليه، فاذا لم يقم دليل على اداء الخمس، فمقتضى استصحاب عدم اخراج الخمس أو بقاء الحق في العين يقتضي لزوم اخراج الخمس.
و ظاهر أن هذا كله لو قيل بان للخمس حق ثبوت في نفس العين، لانه ثابت في الذمة، اذ لا دليل على لزوم الخمس على غير المالك الاول للمعدن.
و من هنا ظهر الحكم فيما اذا علم بانه قصد التملك بلا اخراج و شك في
مسألة 8: لو كان المعدن في أرض مملوكة فهو لمالكها (27)، و إذا أخرجه غيره لم يملكه بل يكون المخرَج لصاحب الأرض،
الشرح
اخراج الخمس، اذ اصالة الصحة لا تجدي و قاعدة اليد كذلك لو كان المورد لها، كما قلنا بان التملك يتعلق بغير مقدار الخمس، فالاصل يقتضى وجوب اخراج الخمس.
(27) الفروض المتصورة ثلاثة: الاول: أن تكون الارض مواتا، فيخرج الشخص المعدن فيها.
الثاني: أن تكون الارض ملكا شخصيا، فيخرج المالك بنفسه المعدن.
الثالث: أن تكون ملكا شخصيا، فيخرج الغير منها المعدن.
أما الفرض الاول، فلا إشكال في ان المخرج للمعدن يملك المعدن الذي اخرجه و يجب عليه خمسه، إما لعموم من أحيا ارضا فهي له: فان اخراج المعدن في الارض احياء لها فيملكها به و يملك المعدن تبعا لها، فما يخرج منه يملكه.
و إما من جهة أنه من المباحات الاصلية، فيملكها بالحيازة، او انها ملك الامام عليه السلام و لكنه اباحها للشيعة، فيملكها بالحيازة. و على كل، فلا شبهة في الحكم المذكور.
و أما الفرض الثاني، فكذلك لا إشكال في تملك المعدن بالاخراج و لزوم الخمس عليه إما لاجل ما قيل من تبعية المعادن للارض في الملكية، لأنها من توابع الارض.
أو لاجل كونها من المباحات الاصلية التي تملك بالحيازة.
أو لاجل اباحة الامام عليه السلام تملكها بناء على انها ملك له في اي ارض كانت.
..........
الشرح
أو من جهة ان هذا الفرض هو القدر المتيقن من الادلة من موضوع وجوب الخمس على المعدن و ظاهرها العرفي ان المعدن يكون ملكاً لمن يجب عليه الخمس بعد اخراجها. و على كل، فالحكم المذكور في الفرض ايضاً لا شبهة فيه.
و انما الكلام في الفرض الثالث: فلو اخرج غير المالك المعدن من ملك غيره سواء كان غاصبا او لا، فهل يملكه هو و يجب عليه الخمس او يكون ملكا للمالك.
الذي يظهر هو وقوع التسالم فتوى على انه يكون ملكا لصاحب الارض بلا أن يتردد فيه. و يقرب بان المعدن من توابع الارض فتملك بتبع ملكية الارض فهي ملك لمالك الارض شرعا. و لكن الالتزام بتبعية ملك المعدن لملك الارض مطلقا يقتضي الالتزام بما لا يلتزم به، و هو الالتزام بثبوت خيار الغبن للبائع في بيع الأرض التي يظهر فيها معدن بعد البيع بحيث يعلم بوجوده قبله، اذ لا اشكال في ان ملك المعدن و لو في باطن الأرض تبعا لملك الأرض موجب لازدياد قيمة الأرض، فيكون البائع مع الجهل مغبونا فيثبت له الخيار، او الالتزام بغررية المعاملة لو اقدم على الشراء بلحاظ احتمال وجود المعدن، اذ الجهل موجب للضرر.
و لا يلتزم بأحد هذين الالتزامين أحد مع انه لازم التبعية، و يشهد له ان العقلاء لا يعدون من يصل الى المعدن بالحفر تحت ارض الغير بعمق كبير بحيث لا يعد تصرفا في ارضه - لا يعد العقلاء - هذا الشخص متصرفا في ملك الغير و انه اخذ ما لا يحق باخذه، و لا يرون ان للمالك مطالبته بما استخرجه من المعدن.
و عليه، فاذا لم يتضح ثبوت تبعية ملك المعدن لملك الأرض، فمقتضى كونه حينئذ من المباحات الاصيلة تملكه بالحيازة، فيجب الخمس على المخرج لانه مالك.
و عليه الخمس من دون استثناء المئونة (28) لأنه لم يصرف عليه مئونة.
مسألة 9: إذا كان المعدن في معمور الأرض المفتوحة عَنوة التي هي للمسلمين فأخرجه أحد من المسلمين ملكه و عليه الخمس (29)، و إن أخرجه غير المسلم ففي تملكه إشكال (30)،
الشرح
(28) بناء على اعتبار استثنائها.
(29) هذا بناء على عدم تبعية ملك المعدن لملك الأرض كما حققناه واضح، اذ لا يختلف عن الفرض السابق ملاكا و موضوعا. و أما بناء على التبعية كما هو المسلم فتملك المخرج للمعدن على خلاف القاعدة، اذ مقتضاها كونه ملكا للمسلمين.
إلا أن الذي يظهر كون هذا الحكم أعني تملك المخرج من القطعيات، و الوجه فيه ما ذكره في الجواهر(1)من الشهرة و السيرة المستمرة القطعية على التملك بمجرد الحيازة بلا اذن. و معاضدة ذلك ببعض الاخبار الضعيفة، فانه يعلم من مجموع ذلك ثبوت الحكم و الخروج عن القاعدة. فتدبر.
(30) لو التزمنا بان المعادن الموجودة في الطبقات السفلى غير التابعة عرفا لنفس الأرض من المباحات الاصلية لا ملك لمالك الأرض كان استيلاء الكافر الذمي عليها و لو في ملك المسلمين مملكا لها لان المباح يملك بالحيازة، و لا نفرق في ذلك جميع الناس، كالماء و الكلأ.
و لو لم يكن المعدن في الطبقات السفلى بل كان في الطبقات التابعة
1) النجفي، الشيخ حسن: جواهر الكلام، ج 28: ص 108، الطبعة الاولىٰ.
و أما إذا كان في الأرض الموات حال الفتح فالظاهر أن الكافر أيضاً يملكه و عليه الخمس.
الشرح
للارض في الملكية او في أعلى الأرض...
فان التزم بالتبعيض بالملكية في الأرض، بدعوى: ان ما تعلق به ملك المسلمين هو الأرض المعمورة بهذا القيد، فالأرض من جهة المعدن ليست معمورة فلا يترتب عليها آثار الملك من جهته. و ان كانت بالاضافة الى الزرع معمورة فيترتب عليها آثار الملك من جهته.
و عليه، فلا يكون المعدن ملكا للمسلمين بل يكون مشمولا لما دل على انه من المباحات الاصلية، فيملكه الكافر الذمي بالحيازة.
و أما لو لم نلتزم بالتبعيض و ان المعدن يتبع الأرض في الملك، فيكون بحكم كون الأرض من ملك المسلمين ملكا لهم، فيظهر توقف المصنف في الحكم بملكية الكافر له بالحيازة و الاستخراج.
إلا أنه قد ادعى صاحب الجواهر رحمه الله(1)القطع بتملكه للسيرة القطعية المستمرة القائمة على أخذ المعدن بلا استئذان، مما يدل على عدم معاملة المسلمين بالنسبة الى المعادن معاملة الملك و لم يثبت الردع عنها.
و يؤيده النبوي(2)الذي أشار اليه الفقيه الهمداني رحمه الله و هو: «من سبق الى من لم يسبق اليه مسلم كان له»، انه بعمومه يشمل الكافر و غيره واخذ المسلم المنفي ليس لخصوصية فيه بل لاجل احترام ماله و هو جهة مشتركة بينه و بين الذمي.
مسألة 10: يجوز استئجار الغير لإخراج المعدن فيملكه المستأجر، و إن قصد الأجير تملكه لم يملكه (31).
الشرح
و على كل، فالحكم كما قد يظهر من المسلمات. هذا في المعمورة.
و أما في الموات، فتملكه لاجل دليل من أحيا، فان اخراج المعدن إحياء للأرض فيملكها المحيي و يملك المعدن بتبعها. فتدبر.
(31) علل ذلك في كلام بعض بانه نتيجة العمل المملوك له و النتيجة تابعة لذيها في الملك، كحمل الدابة و ثمرة الشجرة. و قصد العامل تملكه او تملك غيره لا اثر له لعدم سلطنته على ذلك. أقول: الاجارة:
تارة: تقع على مقدمات الحيازة و الاستخراج، كالحفر و نحوه.
و اخرىٰ: تقع علىٰ نفس الحيازة و الاستخراج.
فان كان الغرض هو الاول، و اريد من النتيجة هي الحيازة المترتبة على الحفر.
ففيه: أن الاستخراج و الحيازة المملكة ليس من ثمرات العمل و نتائجه التي لا تنفك عنه، كثمرة الشجرة، اذ لا بد من تخلل قصد الحيازة في التمليك و الا فنفس الاستيلاء بلا قصده لا يكون مملكا، فليس الاستيلاء و الحيازة من نتائج الحفر و نحوه القهرية بل هي يمكن ان تقع بعده و يمكن ان لا تقع. فقصد الأجير الحيازة له دون المستأجر لا ينافي تبعية الحيازة في الملك، اذ لا تبعية لها في الوجود كي تثبت التبعية في الملك.
و إن كان الغرض هو الثاني، و اريد من النتيجة هو نفس المعدن المترتب على الاستخراج و انه لا يصح تملكه لملكيته للمستاجر تبعا لملكية الحيازة المتبوعة له.
..........
الشرح
ففيه: أن ذات المعدن غير تابعة للحيازة بذاتها بتبعية الثمرة للشجرة لأنه متحقق في نفسه سواء تحقق اخراجه و حيازته او لم يتحقق، فتعليل ملكيته للمستاجر بالتبعية لا اساس له ظاهرا.
فالحق أن يقال: ان الوجه في عدم تملك الاجير المعدن بالقصد على الفرض الاول هو ما اخذ مفروغا عنه من انه لو تبرع احد المسلمين بحفر و نحوه من تهيئة المقدمات لاخراج المعدن فجاء آخر بعد الوصول الى آخر مراحل العمل فاستخرج المعدن بعده قبل حيازة الاول كان الآخر بنظر الشارع و العقلاء عاديا و وجب عليه ردّ ما اخذ. و الا أُجبره الحاكم الشرعي على ذلك لثبوت الحق للاول فيه، فما دام لم ينصرف عنه كان حقه ثابتا و لا يجوز لأحد التعدي عليه بأخذ شيء او بتتميم المقدمات و الاستفادة.
فان ما نحن فيه كذلك، فان المستاجر اذا آجر شخصا على حفر أو نحوه و عمل الاجير بنحو الاجارة كان هذا العمل مملوكا للمستاجر و مستندا اليه بواسطة الاجارة فكأنَّ عمله، فيثبت له الحق فيه بمجرد الشروع فلا يحق للآخر حيازة المعدن لنفسه بل يكون بذلك عاديا.
و أما على الفرض الثاني، فيمكن أن يكون لأجل أن الحيازة سبب لملك من كانت له الحيازة، فاذا كان الشخص أجيراً على الحيازة الخاصة كانت تلك الحيازة ملكا للمستاجر فتحققها موجب لملك المستأجر لانها له كما لو باشر نفسه الحيازة، فلا يصح بعد ذلك قصد الاجير التملك. او لأجل انه احيا تلك الأرض باعتبار ان نسبة الاحياء مع الاجارة تكون اليه، فيملكها و يملك المعدن بتبعها، ان قيل بملكية التابع.
نعم، اذا كانت الاجارة على ما في الذمة و لم يقصد الاجير بالحيازة الوفاء لا تكون تلك الحيازة ملكاً للمستأجر، فكان قصد التملك من قبل الأجير مملكا
مسألة 11: إذا كان المخرج عبداً كان ما أخرجه لمولاه (32) و عليه الخمس.
مسألة 12: إذا عمل فيما أخرجه قبل إخراج خمسه عملاً يوجب زيادة قيمته كما إذا ضربه دراهم أو دنانير أو جعله حُلياً أو كان مثل الياقوت و العقيق فحكّه فصّاً مثلاً اعتبر في إخراج الخمس مادته (33) فيقوّم حينئذ سبيكة أو غير محكوك مثلاً و يخرج خمسه،
الشرح
له. فتدبر.
(32) هنا ذكر قدس سره مسألة العبد بعد مسألة الاجارة مفروغا عنها و كأنها لا تحتاج الى بيان بعد تنقيح تلك. و لكن التحقيق فيها: انه ان لم نقل بملكية العبد فوضوح كون ما اخرجه ملكا لسيده لا يحتاج الى بيان.
و ان قلنا بملكيته لم يظهر وجه الجزم بملكية ما حازه لسيده لو قصد الحيازة لنفسه، اذ لا يعدو كونه غاصبا لمنفعته من سيده مدة من الزمن و هذا لا يوجب كون الحيازة لسيده بعنوان قصد الحيازة لنفسه، اذ يكون بنظر من حاز شيئا بواسطة آلات غصبها من غيره، فان الغاصب يكون هو المالك لانه هو المحيز دون المالك للآلات، فالحال في العبد كذلك، كما لا يخفى.
(33) هذا الحكم غير ظاهر إلا بناء على أحد التزامين: أحدهما: أن يقال:
بان الخمس المتعلق بالعين انما هو بقيمة وقت التعلق لا الاداء، فيحسب ما نحن فيه بقيمة وقت التعلق فيخرج الخمس منها.
و لكن هذا الالتزام ضعيف جدا، كما يظهر.
و الآخر: أن يقال: بان الخمس بقيمة وقت الاداء الا أن للاوصاف مدخلية في موضوع الثمن بحيث يكون بعض الثمن بازائها دون العين، ففي المقام يقال
و كذا لو اتجر به فربح قبل أن يخرج خمسه ناوياً الإخراج من مال آخر ثمّ أداه من مال آخر (34)، و أما إذا اتجر به من غير نية الإخراج من غيره فالظاهر أن الربح مشترك بينه و بين أرباب الخمس.
الشرح
بان المرتفع من القيمة بلحاظ الوصف و الا فنفس العين بلا لحاظ هذا الوصف لا تساوي هذا المقدار، فيرجع إلى قيمتها بنفسها بلا لحاظ الوصف لأن الخمس يتعلق بالعين لا بها بالوصف لخروجه عن حقيقة المعدن.
و لكنه غير ثابت، اذ قد حُقق في محله ان الاوصاف و ان كانت دخيلة في ارتفاع القيمة الا انها ليست بنحو يكون الثمن بازائها بل الثمن مع الوصف و بدونه بازاء نفس العين. و الوصف بمنزلة الجهة التعليلية. و عليه يبنى الالتزام بخيار تخلف الوصف و نحوه، و الا للزم ان يكون له خيار تبعض الصفقة و صحة البيع في بعض دون آخر لا الأرش و صحة البيع في الجميع.
و عليه، فنفس العين مرتفعة القيمة وقت الاداء و لو بلحاظ الوصف، فاللازم اخراج خمس قيمتها وقت الاداء المترفعة عما كانت عليه. و يشهد له انه لو اخرج المعدن بنحو لا يحتاج الى حك او غيره بل كان مشتملاً على الوصف الموجب لارتفاع القيمة حال الاخراج يحسب قيمته في ذلك الحال و يخرج الخمس و لا يستثنى ما ارتفع من القيمة بواسطة الوصف.
(34) إن قلنا بجواز عزل الخمس في مال معين أو عزله في مال كثير او أن نية الاداء كافية في انتقال الحق من العين الى الذمة، ان قلنا بجواز ذلك بحيث ينتقل الحق من العين الى العين الأخرى المعزولة او الذمة و فعل المكلف أحدهما، صح البيع و لم يكن للفقراء حق في الريح.
اما لو لم نقل بكفاية ذلك و لم يفعل المكلف أحدها و باع المعدن الذي تعلق
..........
الشرح
به الخمس بأكثر من قيمته، فالكلام تارة في ما تقتضيه القواعد الأولية و اخرى في ما يستفاد من النصوص.
أما الكلام في المرحلة الاولى، فتحقيقها: أن الخمس إما أن يكون بنحو الحق أو الملك و اذا كان بنحو الحق فاما ان يكون من قبيل حق الجناية الذي يدور مدار العين اين ما وجدت. و أما ان يكون من قبيل حق الرهانة المانع من التصرف في العين قبل ادائه.
فإن كان من قبيل حق الجناية، لا إشكال في صحة المعاملة، و اذا اخرج الخمس برئت ذمته و لا يشترك في الربح لان الحق متعلق بالعين يدور معها اينما دارت.
و إن كان من قبيل حق الرهانة، فصحة المعاملة تتوقف على ادائه فان أدى الخمس صحت و الا فلا، اذ المانع ليس الا تعلق الحق فمع ادائه تصح المعاملة.
و أما إن كان بنحو الملك، فلو باع العين ثمّ ادى الحق الذي للفقراء فيها في مقابل ما يملكونه من العين ملك العين عمومها و تكون المسألة من صغريات مبحث ما اذا باع ما لا يملك ثمّ ملك هل يحتاج الى الاجازة أو لا، فان قيل بعدم الاحتياج اليها صحت المعاملة و الا توقفت على اجازته.
و أما بحسب النصوص، فنصوص التحليل بناء على شمول المتاجر لمطلق المتاجر لا بخصوص العبيد و الاماء بلحاظ بعض التعليلات الواردة في النصوص بطيب الولادة مما يظهر بالاختصاص بمورد خاص من المتاجر و هو تجارة الاماء، شاملة لما نحن فيه.
فان قيل بدلالتها على سقوط الخمس بالمرة، فلا يجب الخمس.
و إن قيل بدلالتها على اجازة المعاملة و صحة التصرّف في المبيع باعتبار ان الامام عليه السلام ولي الأمر، فتصح المعاملة حينئذ و يكون للفقراء من الثمن الخمس
مسألة 13: إذا شكّ في بلوغ النصاب و عدمه فالأحوط الاختبار (35).
الثالث: الكنز (36)، و هو المال المذخور في الأرض أو الجبل أو الجدار أو الشجر، و المدار الصدق العرفي، سواء كان من الذهب
الشرح
فيشتركون بالربح، لأن بعض الثمن بازاء ملكهم فيثبت لهم الحق فيه.
(35) و قد ثبت بالتحقيق أن الفحص في الشبهة الموضوعية غير لازم و ان البراءة جارية و لو قبل الفحص. و عليه، فمقتضى قاعدة البراءة عدم وجوب الخمس مع الشك في بلوغ المعدن النصاب.
إلا أن الوجه في الاحتياط هو ما ذكره الشيخ قدس سره في ذيول مبحث البراءة من فتوى لبعض الاعاظم بلزوم الفحص بتقريب انه مع عدم لزومه يلزم تعطيل الحكم الواقعي في اغلب موارده و هو مما يعلم خلافه لانتفاء فائدة تشريعه و جعله و صيرورته بذلك لغواً.
(36) الكلام في تحديد الكنز ثمّ في تحديد الواجب اخراج الخمس منه شرعا.
أما تحديد معناه، فقد عرف بانه المال المذخور في الارض، و قد وقع الكلام فيه من جهتين:
الاولى: في انه هل يعتبر فيه قصد الذخر أولا، فيعم المغمور بالتراب بلا قصد و اختيار.
الثانية: في دخل الدفن في الأرض فيه.
أما القصد، فقد ادعي دخله في معنى الكنز تمشيا مع التعبير ب:
«المذخور» في تعريفه كما هو ظاهر. و لكن التحقيق خلافه، فان المفهوم العرفي للكنز اعم مما دفن بقصد او اندفن بلا قصد، و التعبير بالمذخور في
أو الفضة المسكوكين أو غير المسكوكين أو غيرهما من الجواهر،
الشرح
التعريف و ان كان ظاهره دخل القصد لكنه مبني على الاغلب أو من جهة كون الملحوظ فيه جهة الستر الفعلية دون الفاعلية المتقدمة بالقصد.
و لو تنزل عن ذلك ففي قوله عليه السلام كما في النص «كل ما كان ركازا ففيه الخمس» كفاية، فان في تطبيقه على المعدن غير المأخوذ فيه القصد و شموله للكنز ظهوراً في عدم اعتبار القصد فيما أخذ في موضوع التكليف.
و أما الأرض، فقد ادعي اعتبار الدفن فيها في تحقق معناه بلحاظ التعريف المزبور.
و تعدى البعض الى ما كان مدفوناً في الجدار او السقف بالغاء خصوصية الأرض و جعل القصد من التعبير بها التعبير عن مادة الأرض من تراب و نحوه فيشمل الجدار و السقف.
و أما المدفون في بطن الشجرة، فقد وقع محل التشكيك و لا طريق لنا فعلا لمعرفة الحقيقة، لان مفهوم الكنز ليس من المفاهيم العرفية الغالب استعمال اللفظ فيها كي يكون الفهم العرفي محددا لموضوعه.
و على كل، فالتشكيك كاف في نفي الوجوب لأصالة البراءة و عدم امكان التمسك بالعموم او الاطلاق، لكون الشبهة مصداقية.
و أما تحديد موضوع الوجوب منه شرعا، فهل يختص موضوع الخمس بالنقدين الذهب و الفضة أو يعم جميع اصناف المال من جوهر و نحاس و غيرهما؟ قيل بالاول، و استدل عليه برواية البزنطي(1)عن الرضا عليه السلام: «سألته عما
1) وسائل الشيعة/باب 5: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 6.
و سواء كان في بلاد الكفار الحربيين أو غيرهم أو في بلاد الإسلام
الشرح
يجب فيه الخمس من الكنز فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس»، فانها ظاهرة في ان ما يجب فيه الخمس من الكنز هو المماثل لما يجب فيه الزكاة و مقتضى اطلاق المماثلة ارادة المثلية من جميع الجهات الجنس و الوصف و المقدار و المالية.
و عليه، فلا يجب الخمس في غير الذهب و الفضة اذ لا تجب الزكاة في غيرهما من الأموال.
و قيل بالثاني، بدعوى ظهور الرواية في ارادة المماثلة في المالية فقط لظهور السؤال في السؤال عن المقدار لا النوع. فيكون المعنى: ان ما تجب الزكاة في مثل الكنز من حيث المالية يجب فيه الخمس. فيعم الجميع - ذهبا و فضة أو غيرهما - و لكنه يختص ببلوغ ما قيمته عشرون دينارا من فضة أو ذهب.
و بالجملة، فلا دلالة للرواية الا على اعتبار نصاب الزكاة في الذهب و الفضة في وجوب الخمس في الكنز. و أيد ذلك...
بفهم الاصحاب ذلك من الرواية حيث اعتبروها من أدلة اعتبار النصاب في الكنز لا غير.
و بمرسلة المفيد(1)في المقنعة، سئل الرضا عليه السلام عن مقدار الكنز الذي يجب فيه الخمس فقال: «ما يجب فيه الزكاة من ذلك بعينه ففيه الخمس و ما لم يبلغ حد ما تجب فيه الزكاة فلا خمس فيه»، لظهورها سؤالا و جوابا في لحاظ
1) وسائل الشيعة/باب 5: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 2.
في الأرض الموات أو الأرض الخَرِبة التي لم يكن لها مالك
الشرح
جهة المقدار، فيمكن ان تكون قرينة على كون الملحوظ في السؤال و الجواب في صحيحة البزنطي هو المقدار لا غير فانها صالحة للقرينة.
و لكن هذا القول لا يخلو من تأمل و ان سيق لاثباته ما ذكرناه: من..
دعوى ظهور الرواية في كون المسئول عنه هو المقدار و يكون الجواب مختصا ببيان المقدار وجهة المالية دون الجنس. و دعوى فهم الاصحاب ذلك من الرواية. و صلاحية المرسلة للقرينة.
فان هذه الوجوه الثلاثة لا تخلو من خدشة.
أما دعوى ظهور الرواية، فهي دعوى مجازفة لا شاهد عليها من اطلاق او وضع. بل ظاهر السؤال عن موضوع الوجوب في الكنز من دون نظر معين الى جهة المقدار دون غيرها، كما ان إطلاق المماثلة في الجواب بلا تقييد لها بالمثلية من حيث المقدار ظاهر في ارادة المثلية من جميع الجهات جنساً و مقداراً و غيرهما، و ذلك لان الظاهر من اطلاق المثلية ثبوت الحكم في الكنز لما يثبت فيه الزكاة، فظاهر ان موضوع الزكاة انما هو نفس العين بحقيقتها و مقدارها لا بالمالية التي هي امر اعتباري خارج عن حقيقة موضوع الزكاة.
فبضميمة دلالة الرواية على دخالة ما هو دخيل في موضوع الزكاة و ثبوتها في ثبوت الخمس في الكنز يثبت اعتبار كون موضوع الخمس هو خصوص الذهب و الفضة بالمقدار المعين لهما في الزكاة.
و أما دعوى فهم الاصحاب، فهو غير مجد، فإن الاستدلال به مخدوش
أو في أرض مملوكة له بالإحياء أو بالابتياع مع العلم بعدم كونه
الشرح
كما صرح بذلك المحقق الهمداني رحمه الله(1)- بوجهين:
الاول: انه لم يظهر من الأصحاب نفي اعتبار النقدين و انما المتيقن في الظاهر انهم استدلوا بالرواية على اعتبار النصاب و ذلك لا يدل على عدم فهمهم تعميم الشروط، اذ اعتبار النصاب كما يجامع فهم المثلية من حيث المالية يجامع أيضاً فهم المثلية من جميع الجهات.
الثاني: لو سلم فهم الأصحاب اختصاص الرواية باعتبار النصاب فقط، فهو لا يصلح لنفي ظهور الرواية في التعميم من الجهات الأخرى ما لم يبلغ حداً يوجب صرف ظهورها بحيث يكون كالقرينة المتصلة الموجبة للتصرف في الظهور، أو يكون كاشفا عن وجود قرينة خاصة على ما فهموه، و هو ليس كذلك كما لا يخفى. فلا وجه لرفع اليد به عن ظهور الرواية.
و أما مرسلة المفيد، فقد استشكل فيها الفقيه الهمداني رحمه الله.(2)
أولا: باحتمال كونها عين رواية البزنطي و التصريح بالسؤال عن المقدار فيها نقل بالمعنى لرواية البزنطي بحسب ما فهم الشيخ المفيد منها و فهمه ليس بحجة علينا مع وجود الأصل، كما لا تكون خبرا مستقلا موجبا للتصرف في غيره.
و ثانيا: بعدم دلالتها على المدعى و لا ظهور لها في عموم الحكم لأفراد الكنز كلها، لان السؤال فيها عن مقدار ما يجب فيه الخمس ففرض ما يجب فيه
ملكاً للبائعين، و سواء كان عليه أثر الإسلام أم لا، ففي جميع هذه
الشرح
الخمس مفروغا عنه في السؤال و السؤال عن مقداره. فلعله يكون خصوص النقدين، و لا ظهور لها في كونه أعم كي تنافي الرواية الاُخرى و تكون قرينة عليها.
و لا يخفى أن ما ذكره ثانيا في محله و تام في نفسه. و يمكن ان نضيف اليه الاشكال في المرسلة بضعف سندها بالارسال، فلا وجه للتصرف بها في الصحيحة.
إلا أن ما ذكره اولاً من احتمال او ظن كون الرواية المرسلة عبارة اخرىٰ من رواية البزنطي غير ظاهر الوجه، إذ لو سلم احتمال وحدة المضمون الصادر عن الامام عليه السلام في الخبرين فكما يحتمل ان تكون المرسلة نقلا بالمعنى عن الصحيحة و تكون الصحيحة هي الأصل يحتمل أيضا ان تكون المرسلة هي الأصل و تكون الصحيحة نقلا بالمعنى، و لا وجه لترجيح أحد الاحتمالين على الآخر.
و المتحصل: أن ظاهر الرواية - أعني رواية البزنطي - سؤالا و جوابا اعتبار الجهات الدخيلة في ثبوت الزكاة في موضوع الخمس من الكنز، و مقتضى ذلك اختصاص الحكم بالذهب و الفضة، بل اختصاصه بالمسكوك منها لانه معتبر في موضوع الزكاة و ان لم يلتزم بذلك من يقول باختصاص الحكم بالنقدين، بل ظاهرهم التعميم لما كان مسكوكا و غيره.
نعم، اعتبار التعامل في النقدين بعيد في باب الخمس و ان اعتبر في موضوع الزكاة. و مقتضى إطلاق المثلية اعتباره، و ذلك لأجل استلزامه تخصيص الحكم بالفرد النادر لندرة كون النقد المكنوز المعثور عليه مما يقع به التعامل
..........
الشرح
فعلا، فيرفع اليد عن الاطلاق من هذه الجهة و يبقى سالما من سائر الجهات بلا معارض.
و قد يدعى ثبوت الخمس في مطلق افراد الكنز سواء كان من النقدين أو غيرهما، من جهة مخالفة المشهور لدعوى الاختصاص و التزامهم بالتعميم، خصوصا مع اعتبار السكة أو التعامل، و وجود المطلقات الظاهرة في التعميم، فان ذلك يضعف ظهور المقيد و هو صحيحة البزنطي بنحو يناهض المطلقات و يقيدها.
كما يقال إن كثرة التخصيص و ندرة النسخ تستلزم التخصيص عند الدوران بينهما مع ان ظهور العام في العموم اقوى في نفسه من ظهوره في الدوام فان الاول وضعي و الثاني اطلاقي.
و يرد على هذا الوجه: أولا: انه لا يوجد لدينا مطلق ظاهر تمام الظهور في العموم كي يضعف المقيد عن مناهضته، اذ المطلقات المصرح فيها بالكنز واردة مورد تعيين موضوع وجوب الخمس و حصره في الخمسة و لا اطلاق فيها من حيث خصوصيات كل واحد من الخمسة، لانها ليست واردة في مقام البيان من هذا الحيثية.
و أما الآية الكريمة، فهي لا تشمل الكنز لما تقدم من ان الغنيمة غير صادقة على غير المأخوذ بالقهر و الغلبة. فلا تشمل الكنز.
و أما نصوص الفائدة، فهي ظاهرة في خصوص ارباح المكاسب مع عدم الاطلاق فيها، كما سياتي بيان ذلك.
و ثانياً: أن ما ذكر انما يجدي لو سلم وجود المطلقات بناء على كون تقديم المقيد على المطلق من باب الأظهرية، و أما بناءً على كون تقديمه عليه بملاك القرينية، فالمقيد مقدم على المطلق دائما و لو كان اضعف منه ظهوراً، اذ لا يلاحظ
..........
الشرح
جهة الظهور و اقوائيته في تقديم القرينة على ذيها، كما حُرر في محله من الاصول، فراجع مباحث التعادل و التراجيح.
و ثالثا: أنه يمكن منع عمل المشهور بالمطلقات و طرح المقيد مع التزامهم بانه مقيد، اذ يمكن ان يكون عملهم لاجل عدم تمامية المقيد للتقييد بنظرهم..
إما من جهة وجود مرسلة المفيد رحمه الله باعتبار صلاحيتها للقرينة بنظرهم على كون المراد بالمثلية المماثلة من جهة المالية دون الجنس.
أو من جهة روايته الاخرى(1)الواردة في السؤال عن مقدار المعدن الذي يجب فيه الخمس و هي: «سألت أبا الحسن عليه السلام عما اخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شيء قال: ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا»، باعتبار قوة احتمال ان يكون كلا الروايتين رواية الكنز و رواية المعدن صادرتين في مجلس واحد و ذلك ظاهر في وحدة السؤال عن كلا الموضوعين، فيكون السؤال عن مقدار الكنز كما كان عن مقدار المعدن. كما يكون السؤال عن وجوب الخمس في المعدن كما كان عن الخمس في الكنز و قد عرفت ما في الاستناد الى المرسلة.
و أما دعوى وحدة الروايتين مجلسا، فهي على تقدير تسليمها لا تكون قرينة على وحدة جهة السؤال و اتحاد المسئول عنه، اذ يمكن ان يتعدد نحو السؤال في المجلس الواحد بمناسبة ان عموم وجوب الخمس لأنواع المعدن معلوم بالمطلقات الصريحة في التعميم. و المجهول من احكامه ليس الا جهة اعتبار المقدار فيسأل عنه.
و ليس كذلك الكنز، اذ لا مطلقات يستفاد منها عموم الحكم للأنواع كلها، فيسأل رأساً عن النوع الواجب فيه الخمس و انه الجميع أو البعض.
1) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 1.
يكون ملكاً لواجده و عليه الخمس (37)، و لو كان في أرض مبتاعة
الشرح
و على كل، فما دام احتمال استناد المشهور في العمل بالمطلقات و إلى عدم تمامية المقيد و عدم صلاحيته للتقييد موجودا لم يكن عدم العمل بالمقيد موجبا لضعف ظهور لو فرض الالتزام بتماميته في نفسه و لا يوجب اقوائية ظهور المطلق كما لا يخفى، و حيث عرفت صلاحية المقيد للتقييد و عدم وجود ما يدفع ظهوره، كان المتعين تقييد المطلقات به - لو سلم وجودها - فتدبر.
(37) اذا كان الكنز في أرض دار الحرب سواء كان عليه أثر الاسلام أم لم يكن، و سواءً كانت الارض ملكا لواحد منهم بالخصوص أم لا، أو كان في دار الإسلام و ليس عليه أثره، و كانت الأرض مباحة أو مملوكة للإمام عليه السلام او لقاطبة المسلمين، فهو لواجده.
و عليه، فيه الخمس، بلا خلاف في ذلك على الظاهر، بل عن جماعة من الأصحاب التصريح في الأول بان الاصحاب قطعوا به، و عن «الخلاف»(1)نفي الخلاف فيه، و عن ظاهر «الغنية»(2)الاجماع عليه، و استظهر غير واحد عدم الخلاف فيه في القسم الثاني أيضاً.
و اذا كان في دار الاسلام و كان عليه أثره فعن جماعة، كالشيخ في «الخلاف»(3)و الحلي في «السرائر»(4)و «المدارك»(5)و ظاهر المفيد
1) الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن: الخلاف، ج 1: ص 322، مسألة 147، الطبعة الاولىٰ.
2) ابن زهرة، حمزة بن علي: غنية النزوع، ص 129، ط مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.
3) الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن: الخلاف، ج 1: ص 322، مسألة 148، الطبعة الاولىٰ.
4) الحلي، ابن ادريس: السرائر، ج 1: ص 487، ط مؤسسة النشر الاسلامي.
5) العاملي، السيد محمد: مدارك الاحكام، ج 5: ص 370، ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
..........
الشرح
و المرتضى - على ما قيل - الحاقه بالأوّلين. و لكن نسب الى الفاضلين(1)
الحلي، الحسن بن يوسف: مختلف الشيعة، ج 3: ص 321، ط مؤسسة النشر الاسلامي.
، و الشهيدين(2)الشهيد الثاني، زين الدين: مسالك الافهام، ج 1: ص 52، الطبعة القديمة.
و غيرهم، بل بعض(3)نسبته إلى أكثر المتأخرين و عن «جامع المقاصد»(4)انه الأشهر، كونه لقطة.و تحقيق الكلام: انّ الكنز اذا كان ملكا لمسلم أو ذمي لم يثبت الخمس على واجده بعد فرض عدم صيرورته ملكاً له، و أمّا اذا لم يكن ملكاً لأحد أو كان ملكاً لكافر حربيّ كان ذلك لواجده و عليه الخمس فيه، هذا بحسب الكبرى مما لا خلاف فيه و لا إشكال، و انما الكلام في تحقيق الصغرى.
فنقول: إنه اذا كان الكنز في الارض المملوكة للمسلمين، كالاراضي المفتوحة عنوة، او المملوكة للامام عليه السلام، فمع عدم العلم بكونه ملكاً لمسلم او ذمي لا يكون مجرد كونه في ارض مملوكة للمسلمين و الامام عليه السلام موجباً لصيرورته ملكاً للمسلمين او للامام عليه السلام للإجماع و تسالم الأصحاب على ذلك.
و كذلك الحال فيما يوجد منه في غير القسمين مما يعلم بعدم كونه ملكاً لمسلم أو ذمّي.
و انما الإشكال. فيما لو تردد أمره بين ان يكون ملكا لمسلم و ان يكون ملكاً لكافر حربيّ، حيث انه على التقدير الثاني يجوز تملكه فيكون ملكا
1) الحلي، جعفر بن الحسن: شرايع الاسلام، ج 1: ص 207، ط مؤسسة المعارف الاسلامية.
2) الشهيد الاول، محمد بن مكي: البيان، ص 215، ط مجمع الذخائر الاسلامية.
3) العاملي، السيد محمد: مدارك الاحكام، ج 5: ص 371، ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
4) المحقق الثاني، علي بن الحسين: جامع المقاصد، ج 6: ص 175، ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
..........
الشرح
لواجده و يثبت عليه فيه الخمس بخلافه على الأوّل، فهل هناك أصل يحرز به أحد الأمرين أولا؟
و هذه هى المسألة المعنونة باسم: ان الأصل الأولى في باب الأموال هو الإباحة أو حرمة التّصرف ما لم يثبت وجه الحلّ؟
و قد تعرض لها شيخنا العلامة الأنصاري قدس سره في «فرائده»(1)و ذهب إلى ان الأصل هو الحرمة ما دام لم يثبت وجه الحلّ.
و قد أنكر ذلك جلّ من تأخر عنه، و ذهبوا إلى انه لا فرق بين الأموال و غيرها في كون مقتضى الأصل الأوّلي هو الإباحة ما دام لم تثبت الحرمة. إلا ان الذي يمكن الاستدلال به لما ذهب اليه شيخنا العلامة الانصاري قدس سره وجهان:
أحدهما: ما عن المحقق النائيني قدس سره(2)من ان تخصيص دليل الحرمة بعنوان وجوديّ يقتضى كون الموضوع في الدليل المخصص انما هو العنوان الوجودي المعلوم بما هو معلوم، فاذا قال المولى لعبده: «لا تأذن لأحد بالدخول عليّ إلا لأصدقائي» كان المتفاهم العرفي من ذلك هو ان الخارج عن تحت دليل الحرمة انما هو معلوم الصداقة و لذلك نرى ان العبد لا يأذن و لو أذن لمن يشك في صداقته بالدخول عليه كان مستحقاً للؤم و الذم من العقلاء، و العقوبة من المولى على ذلك، و هذا دليل على ان المخرج انما هو معلوم الصداقة لا مَن هو صديق المولى واقعاً.
و على هذا، فحيث ان مقتضى العمومات، كقوله عليه السلام في التوقيع(3)المروي عن الحجة - عجّل اللّٰه تعالى فرجه -: «لا يجوز لأحد ان يتصرف في مال غيره إلا
..........
الشرح
بإذنه». و قوله صلى الله عليه و آله: «الناس مسلطون على اموالهم»(1)، و نحو ذلك، انما هو عدم جواز التصرف في مال الغير بدون إذن، إلا ان العمومات المذكورة مخصصة بالكافر الحربي، و انه يجوز التصرف في ماله و لو بدون إذنه و بما ان المأخوذ في الدليل المخصص - و هو عنوان الكافر الحربي - عنوان وجودي، فلا محالة يختص جواز التصرف بدون الاذن بالحربي المعلوم كونه حربياً و أما مع الشك فيه فمقتضى العموم انما هو عدم جواز التصرّف فيه.
و بهذا البيان لا يكون التمسك بالعام في مورد الشك تمسكاً به في الشبهة المصداقية، فإنه انما يتم ذلك فيما اذا كان التخصيص بالحربي الواقعي لا بالمعلوم كونه حربيّاً، كما لا يخفى.
إلا أن هذا الوجه مما نوقش فيه في محله بوجوه ليس المقام محلّاً للتعرض لها، و حاصل المناقشة فيه، هو عدم الدليل على ما ذكره قدس سره.
و أما المثال فلا شهادة له بذلك، فان عدم جواز الإذن لمشكوك الصداقة انما هو باعتبار ان مقتضى الاستصحاب انما هو عدم الصداقة لا ان الموضوع هو معلوم الصداقة.
و ثانيهما: ما عن المحقق الهمداني قدس سره من ان ثبوت الملكية لشيء في نفسه مساوق لحرمة التصرف فيه بدون رضا مالكه، فإن الترخيص في التصرف فيه بلا رضا مالكه مناف لحقيقة الملكيّة، و لا يجتمع الترخيص المذكور مع اعتبار الملكية و لو من الشّارع.
و ذلك، لأن معنى الملكية للغير كون المال له و اختصاصه به، فإباحة تصرف الغير فيه و استيلائه عليه على الإطلاق من غير استناد الى طيب نفس
1) الاحسائي، ابن ابي جمهور: عوالي اللئالي، ج 1: ص 222، ح 99، الطبعة الاولىٰ.
..........
الشرح
مالكه حقيقة أو حكماً مما ينافي حقيقة الملكية، فيمتنع ثبوت مثل هذه الإباحة شرعاً، إلّا بأحد وجهين..
فإما ان يكون ذلك بالتصرف في ناحية الموضوع، بأن ينفي الملكية له، كما في مال العبد بناء على عدم ملكه.
و إما بجعل الحق للمتصرف، كحق المارة، و المولى على العبد - بناء على أنه يملك - و المسلمين على الكفّار حيث جعلهم و ما في أيديهم فيئاً للمسلمين أو بجعل الولاية له على المالك.
و الا فالتصرف بغير هذه الوجوه بدون رضا المالك يكون مصداقاً للظلم و العدوان لا محالة، اذ لا معنى للظلم و العدوان اللذان قضت ضرورة العقل و الشرع بحرمتهما الا مزاحمة حق الغير لا عن استحقاق.
و عليه، فلا يصح من الشارع الترخيص في ذلك بعد فرض كونه مصداقاً للظلم و العدوان.
ثمّ إنّ السيرة العقلائية قائمة على حرمة التصرف فيما ثبت كونه ملكاً للغير ما دام لم تثبت اباحته بأحد الوجوه المتقدمة، فلا مجال للتصرف في مال الغير بدون رضاه في حكم العقلاء حتى مع الشك في ثبوت إباحة التصرف بأحد الوجوه المتقدّمة.
و هذه السيرة العقلائية الممضاة شرعاً هي الأساس لما يقال من: «ان الأصل في مال الغير مطلقا الاحترام و عدم جواز التصرف فيه إلا أن يدل دليل على خلافه» لا ان مستندهم في ذلك انما هو عموم: «الناس مسلطون على أموالهم» أو قوله عليه السلام في التوقيع الشريف المرويّ عن الحجة - عجل اللّٰه تعالى فرجه - «لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره إلا بإذنه» و نحوه، كي يقال: ان الرجوع إلى ذلك في مورد الشك في ثبوت الحق في التصرف - كما شك في
..........
الشرح
اسلام المالك و كفره - مع كون العمومات المذكورة مخصصة بالكافر الحربي، يكون من الرجوع الى العام في الشبهات المصداقية، لعدم امكان ان يكون المستند لهذا الأصل الذي هو من الضروريات هو هذه المراسيل التي قد لا يقول بحجيتها أغلب العلماء، بل المستند لذلك هو ما أشرنا اليه.
و عليه، فالأصل المذكور أصل عقلائي ممضى شرعاً، كقاعدة اليد، و قاعدة: «سلطنة الناس على أموالهم» و غيرهما من القواعد العقلائية.
و نتيجة ذلك: ان ثبوت الملكية للغير في نفسه يساوق حرمة التصرف في ماله إلا اذا ثبت الدليل على الإباحة، و عليه ففي مورد الشك في إباحة التصرف، كصورة تردد المالك بين الكافر الحربي و غيره، يكون مقتضى الأصل انما هو حرمة التصرف حيث لم تثبت الإباحة، كما هو ظاهر.(1)
أقول: ما أفاده قدس سره في المقام ممّا مر ذكره و ان كان مفصلاً. كما يلاحظه المراجع للمصدر المتقدم ذكره، إلّا أنّ وجه النكتة في كلامه قدس سره خفيّ، و الذي يريد بيانه بهذه العبارة المفصلة انما هو كلمة واحدة و هي: انّ الموضوع لحرمة التصرف اذا كان مغايراً لموضوع اباحة التصرف، بان تعددا فكان موضوع الثاني هو مال الحربي - مثلاً - و موضوع الأوّل هو مال المسلم أو الذمّي، كان الرجوع الى العمومات في مورد الشك رجوعاً اليها في الشبهة المصداقية، و هذا بخلاف ما اذا كان الموضوع لحرمة التصرف هو ما ثبت ملكيته للغير مما لم يثبت فيه حق التصرف للغير شرعاً، فان الأخذ بالحرمة حينئذ في مورد الشك لا يكون رجوعاً إلى العموم في الشبهة المصداقية، كما لا يخفى.
و لا يخفى عليك: أن ما أفاده قدس سره لا يتم على سبيل الكليّة، بمعنى: انه لا
1) الهمداني، الشيخ آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 14: ص 16، الطبعة الحديثة.
..........
الشرح
يوجب عدم جريان البراءة في الأموال على سبيل الكلية، كما هو مقتضى كلام القائلين بأصالة الاحترام في الأموال، و إنما يوجب ذلك في الجملة، و هو في خصوص ما ثبت كونه ملكا للغير.
غاية الأمر انه تردد أمره بين أن يكون ملكاً لمن يكون لأمواله حرمة عند الشارع، كالمسلم او الذمّي، و ان لا يكون كذلك كالكافر الحربي، و أما اذا كان هناك مال و لم يحرز كونه من المباحات ليجوز تملكه بالحيازة، او كونه ملكاً محترماً لئلا يجوز تملكه الا برضا مالكه، أو كونه ملكا غير محترم - مثلاً - فيجوز تملكه و لو بدون رضا المالك، فلا يقتضي الأصل المتقدم حرمة التصرف في المال المذكور، كما لا يخفى.
ثمّ ان اقتضاء الأصل المذكور حرمة التصرف في مال الغير عند الشك في ثبوت الحق في التصرف، انما يكون بأحد وجوه..
فإما أن يقال: بأن جعل الحق في التصرف في مال الغير مرجعه إلى جعل الحق المزاحم لحق المالك، و بما انه يعتبر في فعلية المزاحم الوصول، فمع عدم وصول الحق المذكور الى المكلف لفرض الشك فيه، فلا محالة تكون حرمة التصرف في مال الغير فعلية.
و الحاصل: ان اعتبار الملكية للغير المقتضية لحرمة التصرف مع جعل حق التصرف لغيره حكمان متزاحمان، كل منهما يمنع الأخر عن الفعلية.
إلا انه حيث كان المفروض هو وصول أحد المتزاحمين، و هو حرمة التصرف التي هي من مقتضيات اعتبار الملكية - كما عرفت - و عدم وصول الآخر - و هو جعل حق التصرف للغير -. و المزاحمة متقومة بوصول كلا المتزاحمين، فلا محالة كانت حرمة التصرف فعلية حيث انه لا مزاحم لها على الفرض.
أو يقال: بأن جعل الحق في التصرف مرجعه إلى جعل الحق للغير في ازالة الملكية لا انه حكم مزاحم لاعتبار الملكيّة.
..........
الشرح
فإن قلنا: بانه لا بدّ من تأخر الحق المذكور عن اعتبار الملكية للغير زماناً كما هو متأخر عنه رتبةً، فان الحق في ازالة الملكية متأخر رتبة عن الملكية المعتبرة لا محالة، فإذا أحرزنا الملكية و لم نحرز جعل الحق لغير المالك في ازالة الملكية أمكن اثبات ذلك بالأصل، بأن يقال: انه لم يكن الحق المذكور ثابتا في زمان - و هو زمان اعتبار الملكية للغير - قطعاً، و نشك في ثبوته بعد ذلك و الأصل عدمه.
و ان لم نقل بذلك، و التزمنا بكفاية ثبوت الحق المذكور في زمان اعتبار الملكية للغير، كان اثبات عدم الحق بالاستصحاب مبتنيا على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، حيث انه لا حالة سابقة متيقن بها للعدم النعتي على هذا المبني، كما لا يخفى.
أو يقال: بان سيرة العقلاء جارية على الأصل المذكور حتى في مورد الشك في ثبوت الحق في التصرف، و هي معتبرة بعد كونها ممضاة لدى الشارع.
و الظاهر ان الصّحيح من بين الوجوه المتقدمة انما هو الوجه الأخير و الا فما عداه لا يخلو من شوب الإشكال، كما لا يخفى. هذا تمام الكلام في تحقيق الأصل الاولى في باب الأموال.
ثمّ انك قد عرفت مما سبق: ان مقتضى الأصل الاولى في باب الأموال انما هو الحرمة ما دام كون المال ملكاً للغير، فاذا زالت الملكية، إمّا اختياراً بالإعراض، أو قهراً، بان زالت علقة الملكية عن المال المذكور، فإنّها علقة اعتبارية لا محالة و هي من الأمور القابلة للزّوال، كما في الآثار الموجودة في الأماكن الأثرية حيث ان العرف لا يرونها باقية على ملك ملاكها، بل يرون انقطاع علقة الملكيّة عنها..
كان ذلك بحكم المباح الاصلي، كما يشهد بذلك استقرار السيرة على
..........
الشرح
حيازة الآثار الباقية في البلاد القديمة المعلوم كونها للمسلمين، مثل الكوفة و نحوها مما يوجد فيها من آثار بني أميّة و بني العباس و نظرائهم ممن يحكم باسلامهم ظاهراً، فإن أحداً من المتشرعة لا يتوقف في تملك ما بقي من آثارهم من الأحجار و الأخشاب و الكنوز و غيرها.
و الحاصل: أنّ المال اذا زالت علقة الملكية عنه و انقطعت اضافته الاعتبارية إلى مالكه، إمّا لهلاكه أو ضياعه بحيث لو وجده مالكه لا يرى اختصاصه به و لا يحفظ نسبته إليه بواسطة الاضمحلال، كان ذلك عند العقلاء بحكم المباح الأصلي، فيجوز تملكه بالحيازة كما يجوز تملك المباحات الأصلية بها.
و الكنوز من هذا القبيل، فإنّها بحسب العادة مما تعد عند العرف من الأموال التي لا مالك لها بحيث لو سئلوا عن المالك لها، لأجابوا بالنفي، و انهما مما لا مالك لها.
و عليه، فيصح تملّكها للواجد، و لا يجري فيها الأصل المتقدم، لما عرفت من اختصاصه بما ثبت كونه ملك الغير.
نعم، ما لا يسلب عنه إضافته إلى مالكه عرفا، و انما يقال: انّ مالكه غير معروف، فهو داخل في اللقطة ان كان ضائعاً على مالكه و إلّا فهو مجهول المالك، و حكمها وجوب التعريف على التفصيل المحرر في محلّه.
ثمّ انه يترتب على ما ذكرناه من انقطاع علقة الملكية بضياع المالك و اليأس عنه بحيث لو وجده المالك لم يره مختصاً به أصلاً، ثمرات كثيرة:
منها: أنه لا يبقى لنا بعد ذلك حاجة الى التمسك بالدليل التعبدي للالتزام بوجوب التعريف في اللقطة إلى سنة ثمّ جواز التملك بعد ذلك، بل مقتضى القاعدة - على هذا الأساس - انما هو جواز التملك في زمان اليأس عن المالك،
مع احتمال كونه لأحد البائعين عرّفه المالك قبله (38) فإن لم
الشرح
فانه بذلك تنقطع علقة الملكية و تزول اضافته إلى المالك المذكور، اذ لا معنى لاعتبار الملكية بقاءً في حق من تيأس بالعثور عليه.
و بالنتيجة نيأس من ترتب أيّ أثر على اعتبار الملكية في حقه، فإن الاعتبار انما يصح بلحاظ ما يترتب عليه من الآثار، كما لا يخفى.
و منها: ما اذا غصب العين غاصب بحيث حصل اليأس عن امكان انتفاع المالك بأيّ نحو من الانتفاع، كما في الشوارع التي تجريها الحكومات في عصرنا الحاضر، بواسطة هدم بيوت الناس، على تقدير عدم دفع العوض اليهم بطيب النفس منهم، فان الظاهر هو عدم معقولية اعتبار الملكية لهم بعد ذلك بقاءً حيث لا يرجى عود الأرض الى مالكها بعد صيرورتها شارعاً للبلد ينتفع به الرائح و الفادي، و هذا بخلاف ما اذا غصبها غاصب قويّ بحيث لم يتمكن المالك من انتزاعها عنه بوجه من الوجوه، فان اعتبار الملكية بقاء في مثل ذلك أمر معقول.
(38) و قد استدل لذلك بوجوه:
الأوّل: الاجماع، كما عن العلامة قدس سره في «المنتهى»(1)و شيخنا العلامة الأنصاري قدس سره.(2)
و يتوجه عليه: انه ما لم يثبت كونه اجماعاً تعبديّاً في المسألة، فان مدعيه و هو العلامة قدس سره استدل للحكم المذكور ببعض الوجوه الآتية - كما سيأتي بيانه انشاء اللّٰه. و مع هذا لا يبقى وثوق بكونه إجماعاً تعبديّاً، مضافا إلى كونه من
..........
الشرح
الإجماع المنقول و هو مما لم نقل بحجيته.
الثاني: ما عن العلامة في المنتهى، تارة: بأن يد المالك الأول على الدار يد على ما فيها و اليد قاضية بالملك، و أخرى: بوجوب الحكم له لو إدّعاه اجماعاً قضاء لظاهر يده.
و نوقش فيه: بأنه لو تم ما ذكر لاقتضى وجوب الدفع إلى المالك الأوّل من دون تعريف، فان مقتضى اليد انما هو كونه ملكاً له فيجب دفعه اليه بلا حاجة الى تعريف أصلاً، بل وجب الحكم بكون المال له و لو لم يكن المالك ممن يسمع دعواه كالصبي و المجنون، او ممن لا يقبل ذلك، كالميت فيدفع الى ورثته إن عرفوا، و الا فإلى الامام عليه السلام، مع ان العلماء لا يلتزمون بذلك.
و أجاب: عنه المحقق الفقيه الهمداني قدس سره(1)بما حاصله: ان اليد و الاستيلاء على الشيء استقلالا إنّما تكون أمارة على الملكية بلا حاجة في الحكم بها إلى التعريف أو الدّعوى، لجريان السيرة العقلائية الممضاة شرعاً على ذلك.
و أما اليد على الشيء تبعاً - كما في المقام - حيث انه لم يحرز اليد على المال إلا بمحض حصوله في ملكه، و كونه فيما له اليد و الاستيلاء عليه استقلالاً، فتكون اليد على المال المذكور يداً تبعية غير استقلالية لكونها بتبع اليد على ما فيه المال...
هذه مما لا ظهور لها في الملكية إلا بضميمة الدّعوى من صاحب اليد، خصوصاً اذا انضم إلى اليد المذكورة ما يقتضي عدم ملكية المال المذكور له، و هو صدور البيع منه في مفروض المقام من دون تنبيه على ما في الدار - مثلا - من الكنز، الظاهر ذلك في عدم اطلاعه عليه، و هو أمارة عدم الملكيّة.
1) الهمداني، الشيخ آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 14: ص 65، الطبعة الحديثة.
..........
الشرح
لا يقال: إن اليد اما ان تكون أمارة الملكية على الاطلاق أو لا تكون كذلك على الاطلاق، و التفصيل في كل من الطرفين مما لا وجه له أصلاً.
إذ يقال عليه: ان اعتبار اليد ليس تعبديا محضا، و انما هو ببناء العقلاء و جريان سيرتهم العملية على ذلك، و هم لا يرون اليد السابقة غير الباقية بالفعل بالنسبة إلى ما لم يحرز الاستيلاء عليه إلا بمحض حصوله في ملك صاحب اليد، و سلطنته عليه تبعا لا استقلالاً، امارة على الملكية إلا بضميمة الدعوى.
الثالث: ما عن صاحب الجواهر قدس سره(1)من الاستدلال بصحيح محمّد بن مسلم(2)عن أبي جعفر عليه السلام قال: «سألته عن الدار يوجد فيها الورق، فقال: إن كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، و ان كانت خربة قد جلى عنها أهلها فالذي وجد المال أحق به».
و صحيحه الآخر(3)عن أحدهما عليه السلام في حديث - قال: «و سألت عن الورق يوجد في دار، فقال: ان كانت معمورة فهي لأهلها، و ان كانت خربة فأنت أحق بما وجدت».
و أورد عليه: المحقق الهمداني قدس سره بان الصحيحتين غير واردتين فيما هو محل الكلام، بل إن موردهما هي المسألة الآتية، و هي ما اذا وجد الكنز فيما هو تحت يد الغير بالفعل، كما اذا وجده في دار الغير، فإن الأظهر حينئذ انما هو وجوب دفعه إليه ما دام لم ينفه عن نفسه، بل و إن نفاه ما لم يعرف له مالك غيره بالفعل - على الوجهين الآتيتين - لا فيما هو محل الكلام من وجدانه فيما ليس للغير يد فعلية عليه و انما كان له اليد عليه سابقاً.
..........
الشرح
و وجه اختصاص الروايتين بتلك المسألة دون المقام ظاهر، لقوله عليه السلام في احدهما: «ان كانت اى الدار معمورة فيها أهلها فهي لهم..» و قوله عليه السلام في الاخرى: «ان كانت معمورة فهي لأهلها..» فالاستيناس بالروايتين لمحل الكلام فضلا عن الاستشهاد بهما له في غير محلّه، لما سنبين انشاء اللّٰه تعالى من الفرق بين المسألتين.
و منه يظهر: ما في كلام صاحب الجواهر قدس سره في المقام: «بل قد يدعى انه محكوم بملكيته له ما لم ينفه عن نفسه لذلك من غير حاجة إلى دعواه...».(1)
الرابع: ما عن شيخنا العلامة الأنصاري قدس سره(2)من الاستدلال له بموثق اسحاق بن عمّار(3)قال «سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيه نحواً من سبعين درهماً مدفونة فلم تزل معه و لم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع؟ قال: يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها قلت: فان لم يعرفوها؟ قال: يتصدق بها».
و صحيح عبد اللّٰه بن جعفر(4)قال: «كتبت الى الرجل عليه السلام اسأله عن رجل اشترى جزوراً أو بقرة للأضاحي فلما ذبحها وجد في جوفها صرّة فيها دارهم أو دنانير أو جوهرة لمن يكون ذلك؟ فوقع عليه السلام: عرفها البائع فان لم يكن يعرفها فالشيء لك رزقك اللّٰه إيّاه».
و أورد عليه: المحقق الهمداني قدس سره بما نصه: «و فيه ما أشرنا إليه من أن موضوع البحث في هذا المقام على ما ينصرف إليه اطلاق النصوص و الفتاوى،
..........
الشرح
و يومى اليه تفصيلهم بين ما لو كان عليه أثر الإسلام و عدمه إنما هو الكنوز التي توجد تحت الأرض مما لا يرى العرف اختصاصه بشخص بل يقال لها: مال بلا مالك.
فالخبران أجنبيان عما نحن فيه، فإن موردهما من قبيل مجهول المالك.
أما الأخير، فواضح، ضرورة عدم الفرق في ذلك بين ما لو وجد الصرة في جوف الدابة أو في حلقها، أو على ظهرها، أو في الأرض في كونها في العرف مالا لا يعرف صاحبه، فحكمه لو لا النصّ الخاص وجوب التعريف مطلقاً كنظائره ثمّ التصدق أو التملك بشرط الضمان او غير ذلك مما فصلّ في محله، و لكن نلتزم في مورد النص بمفاده للنص.
و أمّا الأول، فكذلك، ضرورة أن الدراهم التي يجدها النازل ببعض بيوت مكة في أوقات الحج و نحوها ليست بحسب العادة من قبيل الكنز الذي هو محل الكلام، فإن العادة قاضية بأن مثل هذا الشخص لا يفحص عن عروق الأرض و مواضعها التي يمكن أن يوجد فيها مثل هذا الكنز، بل يجدها مدفونة في رواية البيت و نحوها من المواضع التي يعلم عادة بأنّها إمّا للنازلين بهذا البيت، أو لأهل المنزل على أبعد الاحتمالين في مثل هذه المنازل المعدة لنزول الحجّاج و غيرهم.
و كيف كان، فلا ينبغي التأمل في كون مورد النص من قبيل مجهول المالك...».(1)
تحقيق الكلام في المسألة: الذي ينبغي أن يقال على وجه الاجمال، هو ان التفكيك بين اليد الفعلية و بين اليد السابقة بالاضافة الى ما يكون تحت اليد تبعا لا استقلالاً، بعدم كونها أمارة في الفرض الثاني على الملكية الا بضميمة دعوى
1) الهمداني، الشيخ آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 14: ص 68، الطبعة الحديثة.
..........
الشرح
صاحب اليد - كما عن المحقق الهمداني قدس سره كما مرّ - مبني على ان تكون الملكية اللاحقة ثابتة بمقتضى اليد السابقة و هو خلاف التحقيق، فان الظاهر كون اليد الفعلية امارة على ملكية ما يكون تحتها استقلالاً و تبعاً، و أمّا بعد زوالها فالحكم بالملكية انما تكون بالاستصحاب.
و على هذا الأساس، فلا مجال للفرق بين اليد الفعلية و اليد السابقة بالنسبة إلى التوابع، فإن المفروض كون الملكية بقاءً في مورد اليد السابقة انما هو بمقتضى الاستصحاب، فاذا كان مقتضى اليد حال حدوثها هو ملكية العين و توابعها بلا حاجة الى ضم ضميمة، كان الحال كذلك في مرحلة البقاء للأصل، كما هو ظاهر.
و عليه، فنقول: إنه لا ينبغي الإشكال في كون اليد الفعلية امارة الملكية بالاضافة الى العين و توابعه، فكما انها تكون امارة ملكية الدار فيما اذا كانت تحت اليد، كذلك تكون امارة ملكية ما يتبع الدار مِن أثاث و نحوه، كما لا يخفى.
كما أنه لا ينبغي الإشكال في عدم تقوم أماريتها بالاضافة إلى التوابع بالالتفات بخلاف نفس العين فان اماريتها على كونها ملكاً لذي اليد متقومة بالتفات ذي اليد إلى كون العين المذكورة ملكاً له، فان اليد عبارة عن الاستيلاء الاعتباري الذي لا يعقل مع فرض الغفلة، فاذا كان جاهلاً بذلك لم تكن لها اية أمارية على الملكية أصلاً، و ليس الحال كذلك بالإضافة إلى التوابع، فما يوجد في الدار التي تكون تحت اليد من صندوق و نحوه يحكم عليه بكونه مملوكاً لصاحب الدّار حتى مع جهله بكونه له، كما هو منصوص عليه في بعض صوره.
و عليه، فالكنز الذي يوجد في الارض المبتاعة من الغير يكون ملكاً له بمقتضى الاستصحاب، اذ المفروض العلم بحدوث الملكية بمقتضى اليد على العين بتوابعها و من جملتها الكنز، و مقتضى الاستصحاب بالنسبة الى التوابع
يعرفه فالمالك قبله و هكذا (39) فإن لم يعرفوه فهو للواجد (40)
الشرح
انما هو بقاء الملكية، فيدفع ذلك إلى المالك ما لم ينفها عن نفسه، بلا حاجة الى دعواه اصلا، سواء كان ممن يقبل الدعوى ام كان ممن لا يقبله كالميت، وفاقا لصاحب الجواهر قدس سره كما مر نقله.
نعم، هذا انما يتجه فيما اذا كان الكنز معدوداً عرفا من توابع العين التي كانت تحت اليد سابقاً.
و عليه، فالمتجه حينئذ انما هو التفصيل في المقام، بين ما اذا استخرج الكنز من تحت الأرض، بمقدار يتعارف الانتفاع به للمالك بحيث يكون ذلك من توابع سطح الارض المملوكة له عرفاً، فيحكم به للمالك ما لم ينفه عن نفسه.
و بين ما اذا استخرج مما لا يعد من توابع العين عرفاً، كما اذا لم يتعارف من الملاك الانتفاع بما يكون تحت الأرض المملوكة لهم بمقدار ثلاثين متراً - مثلاً - فلم تعد الطبقة التي يفصلها عن سطح الأرض المقدار المذكور من توابع العين عرفاً، فان ما يوجد فيها من المال حينئذ مما لا مجال للحكم عليه بكونه مملوكاً لصاحب اليد السابقة بالاستصحاب، بعد عدم حدوث الملكية بالنسبة اليه بمقتضى اليد، كما لا يخفى، بل هو داخل في مجهول المالك، أو اللقطة و يترتب عليه حكم أحد البابين.
(39) كما هو المشهور، و الوجه في الترتيب - بعد فرض اشتراك الجميع في كون الرجوع اليهم بملاك اليد - هو: أن اليد اللاحقة مزيلة لليد السابقة و حاكمة عليها، فما دام صاحب اليد اللاحقة لم ينفه عن نفسه لم يصح الرجوع الى صاحب اليد السَّابقة.
(40) ليس في نصوص الباب ما يدل على ان الكنز ملك لواجده، ليؤخذ
..........
الشرح
باطلاقه في المقام.
و ما دل على ثبوت الخمس في الكنز بعد العلم بانه لا معنى لثبوت الخمس على غير المالك مما لا يمكن الاستدلال به لذلك. و إن صدر ذلك عن بعضهم، فانه غير وارد في مقام البيان من هذه الجهة، ليتمسك باطلاقه، بل المملوكية مأخوذة في الموضوع بنحو الأمر المفروغ عنه، بمعنى: ان هذه النصوص انما تدل على ثبوت الخمس في الكنز المملوك لواجده، من دون ان يكون لها اية دلالة على مملوكية الكنز، و انما تكون ملكية الكنز للواجد بدليل آخر غير هذه الأدلّة.
و الّذي يقتضى كون الكنز ملكا للواجد انما هو ما دل على ان المباح الأصلي و ما بحكمه مما يملك بالحيازة و السبق اليه.
و عليه، فان قطعنا بانقراض المالك للكنز المذكور بحيث لم يبق لا المالك الأصلي و لا واحد من ورثته أصلاً - كما في الآثار المستخرجة من اراضي الكوفة و نحوها - أو ان علقة الملكية - على تقدير وجود المالك - كانت منقطعة، نظراً الى اليأس من وصول المالك إلى ماله، الموجب ذلك لانقطاع العلقة الملكية، كما اذا وقع الخاتم - مثلاً - في قعر البحر، فان العادة تقتضي اليأس من وصول المالك الى ذلك و معه لا معنى لاعتبار العقلاء الملكية للمال المذكور و لو بقاء، كما اشرنا اليه فيما تقدم أيضاً..
كان مثل هذا الكنز ملكاً للواجد بلا حاجة الى تعريف أصلاً، فإنه بحكم المباح الأصلي، حيث انه مال لا مالك له على الفرض، و هذا هو القدر المتيقن من موارد كون الكنز ملكاً للواجد.
و أمّا فيما عدا ذلك، فمقتضى القاعدة إنّما هو البحث عن المالك و الفحص عنه مقدمة لجواز تملّكه إلى ان يحصل اليأس بعدم وصول المالك اليه الموجب
و عليه الخمس (41)، و إن ادعاه المالك السابق فالسابق أعطاه بلا بينة (42)، و إن تنازع المُلّاك فيه يجري عليه حكم التداعي (43)، و لو ادعاه المالك السابق إرثاً و كان له شركاء نفوه دفعت إليه
الشرح
لزوال العلقة الملكية، او يحصل اليقين أو الاطمينان بانقراض المالك و عدم وجوده. و البحث عن المالك انما يكون بالتعريف و الرجوع إلى كل من كان له يد على المال الكنز، و من يحتمل كونه مالكا له و لو لم يكن بذي اليد عليه.
إلا أنه مختلف الحال في الموردين، فان الرجوع و التعريف بملاك اليد انما يكون بنحو الترتب و الطولية بمعنى انه لا يرجع الى ذي اليد السابقة الا بعد نفي ذي اليد اللاحقة كونه ملكاً له، لما تقدمت الإشارة اليه.
و هذا بخلاف التعريف لمن يحتمل كونه مالكاً له، فانه في عرض واحد، فلو كان جماعة نحتمل في حق كل واحد منهم أن يكون مالكاً للمال المذكور، كان مقتضى القاعدة انما هو تعريف الجميع في عرض واحد و لا طولية في المقام أصلاً لعدم الوجوب لها، كما لا يخفى.
و المتحصل مما ذكرناه: أن وجوب التعريف انما هو من باب المقدمة لتملك الكنز، و الا فلو لم يقصد الواجد تملكه، بل اراد إبقائه على ما كان عليه لم يجب عليه التعريف أصلاً، فلاحظ.
(41) عملا باطلاق ما دل على ثبوت الخمس في الكنز.
(42) فانه مقتضى حجية اليد.
(43) هذا اذا كان الملاك المتنازعين مشتركين لا مترتبين، فان كل واحد منهم بالاضافة إلى ما ليس يده بحجة على كونه ملكاً له مدع و بالنسبة الى ما تكون حجة عليه، منكر، لموافقة دعواه الحجّة.
حصّته (44) و ملك الواجد الباقي و أعطى خمسه.
و يشترط في وجوب الخمس فيه النصاب و هو عشرون ديناراً (45).
مسألة 14: لو وجد الكنز في أرض مستأجرة أو مستعارة وجب تعريفهما و تعريف المالك أيضاً (46)، فإن نفياه كلاهما
الشرح
و أما الملاك المترتبين، فالمالك اللاحق منكر، لموافقة قوله الحجة - و هو اليد - بناء على ما عرفت من أن اليد اللاحقة مزيلة لأثر اليد السَّابقة، بخلاف المالك السابق فانه مدع و حكم كل من صورتي التنازع واضح، كما هو محرر في محلّه.
(44) فان يده لا تكون بحجة الا بالاضافة إلى حصته، و أما بالاضافة الى غيرها فهو مدّع و لا يقبل دعواه في ذلك ما دام لم يقم البينة على ذلك، أو لم يكن من الدعوى بلا معارض، كما هو ظاهر.
(45) و قد مر سابقا: ان الظّاهر من النص انما هو اعتبار الخمس في الكنز الذي يكون من الذهب و الفضة المسكوكين مع اعتبار بلوغهما النصاب، و أما في غيرهما، أو مع عدم بلوغهما لا نصاب فلا دليل على وجوب الخمس فيه.
(46) الظاهر هو عدم ثبوت اليد لكل من الموجر و المستأجر، أو المعير و المستعير على المال، بل...
إمّا أن يكون المالك هو صاحب اليد، كما اذا كان المال تحت الأرض بمقدار لا يجوز للمستأجر أو المستعير التصرف فيها بحفرها بذلك المقدار، فان المستأجر او المستعير غير مستول بنظر العرف على المال المذكور في هذا الفرض، لعدم استيلائه على التصرف كذلك؛ فيكون اللازم حينئذ هو الرجوع الى
كان له و عليه الخمس، و إن ادعاه أحدهما اُعطي بلا بينة، و إن ادعاه كل منهما ففي تقديم قول المالك وجه لقوة يده، و الأوجه الاختلاف بحسب المقامات في قوة إحدى اليدين.
مسألة 15: لو علم الواجد أنه لمسلم موجود هو أو وارثه في عصره مجهول ففي إجراء حكم الكنز أو حكم مجهول المالك عليه وجهان (47) و لو علم أنه كان ملكاً لمسلم قديم فالظاهر جريان
الشرح
المالك و تعريفه لا تعريفهما.
و إمّا ان يكون صاحب اليد هو المستأجر او المستعير دون المالك، كما اذا كان له التصرف في الأرض بذلك المقدار، فإن تعريف المالك غير لازم حينئذ، بعد عدم ثبوت اليد له على المال المذكور.
و على هذا، فلا وجه لما أفاده قدس سره من وجوب تعريفهما و تعريف المالك أيضاً. هذا كلّه اذا كان التعريف و الرجوع بملاك اليد.
و أما اذا كان ذلك بملاك الاحتمال - أي: احتمال كون المال مملوكا له و لو لم يكن بذي اليد عليه - كان مقتضى القاعدة هو تعريف كل من يحتمل في حقه ذلك إلى حد يحصل اليقين او الاطمينان بانقراض المالك، أو اليأس عن الوصول اليه.
ثمّ انه ليس المراد بالعبارة هو الاقتصار في التعريف على خصوص المستأجر أو المستعير و المالك، من دون تعريف لذوي الأيادي السَّابقة بعد نفي ذي اليد اللاحق المال عن نفسه، و انما المراد هو تعريف الأيادي المتلاحقة على الترتيب. كما صرح بذلك قدس سره في المسألة السابقة.
(47) الظاهر هو التفصيل بين ما اذا حصل اليأس بوصول المالك الى ماله،
حكم الكنز عليه (48).
مسألة 16: الكنوز المتعددة لكل واحد حكم نفسه في بلوغ النصاب و عدمه، فلو لم يكن آحادها بحد النصاب و بلغت بالضم لم يجب فيها الخمس (49)، نعم المال الواحد المدفون في مكان واحد
الشرح
بحيث كان وصوله اليه و لو في ما يستقبل من الأيام ممتنعاً عادة، فيجري عليه حينئذ حكم الكنز، فيتملكه الواجد حينئذ لانقطاع علقة الملكية بينه و بين المالك الأوّل و بين ما اذا لم يكن كذلك فيلحقه حكم مجهول المالك، و ليس من اللقطة في شيء، لتقومها بصدق الضالة على المال، و هو غير متحقق، كما هو ظاهر.
(48) لانقراض علقة الملكية حينئذ بانقراض المالك.
(49) لا يخفى انه لا اثر لهذا المبحث - مع قطع النظر عن دليل اعتبار النصاب -، فإن مقتضى اطلاق الأدلة الأوليّة انما هو ثبوت الخمس في ما يصدق عليه الكنز قليلا كان أو كثيراً، و معه لا مجال للبحث عن ضم الكنوز المتعددة بعضها الى بعض او ملاحظة كل واحد منها مستقلا، كما هو ظاهر.
و أما بملاحظة دليل اعتبار النصاب، فالقول بكفاية بلوغ المجموع النصاب في ثبوت الخمس مبني على ان يكون الكنز المأخوذ في موضوع الدليل ملحوظا بنحو الطبيعي، الصَّادق على الواحد و المتعدد، بحيث يكون مفاده: ان طبيعي الكنز الموجود خارجاً، سواء كان وجوده في ضمن فرد أم فردين أم اكثر، إذا بلغ النصاب فيه الخمس لا بنحو العموم الاستغراقي المقتضي لعدم كفاية البلوغ بالضم.
و من الظّاهر أن دليل اعتبار النصاب مما لا اطلاق له بالإضافة إلى كون الموضوع هو طبيعي الكنز الموجود بوجود واحد، ليكون مقتضاه ملاحظة
في ظروف متعددة يضم بعضه إلى بعض فإنه يعد كنزاً واحداً و إن تعدد جنسها (50).
مسألة 17: في الكنز الواحد لا يعتبر الإخراج دفعة بمقدار النصاب (51) فلو كان مجموع الدفعات بقدر النصاب وجب الخمس
الشرح
الموضوع بنحو العام الاستغراقي. و ذلك، لعدم كونه في مقام البيان من هذه الجهة.
و الحاصل: أن دليل اعتبار النصاب على فرض وروده مورد البيان كان مقتضاه ملاحظة الموضوع بنحو العام الاستغراقي، و لكنه ممنوع منه، فلاحظ.
(50) كما هو ظاهر.
(51) لم يؤخذ في شيء من أدلة الكنز عنوان «الإخراج» خلافاً لأدلة المعدن، حيث أخذ فيها العنوان المذكور - كما مرت الإشارة إليه -. و عليه، فلا مجال لهذا البحث أصلاً، كما لا يخفى.
و منه يظهر ما في كلام «المستمسك» حيث علق على المسألة السابقة بقوله: «الكلام في هذه المسألة و ما بعدها يعلم مما تقدم في المعدن...»(1)فان قياس المقام بباب المعدن قياس مع الفارق، فان المأخوذ في موضوع الخمس هناك هو عنوان الإخراج، بخلاف المقام، فان موضوع الخمس - بمقتضى الأدلة - انما هو مجرّد وجدان الكنز مع قصد تملكه و لو لم يتصد الواجد لإخراجه، كما لا يخفى.
1) الحكيم، السيد محسن: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 479:9، الطبعة الاولىٰ.
و إن لم يكن كل واحدة منها بقدره.
مسألة 18: إذا اشترى دابة و وجد في جوفها شيئاً فحاله حال الكنز الذي يجده في الأرض المشتراة في تعريف البائع (52) و في إخراج الخمس إن لم يعرفه (53)، و لا يعتبر فيه بلوغ النصاب (54)، و كذا لو وجد في جوف السمكة المشتراة مع احتمال كونه لبائعها، و كذا الحكم في غير الدابة و السمكة من سائر الحيوانات (55).
الشرح
(52) بلا خلاف فيه، كما يقتضيه صحيح عبد اللّٰه بن جعفر(1): «كتبت إليه اسأله عن رجل اشترى جزوراً أو بقرة للأضاحي لما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة لمن يكون ذلك فوقّع عليه السلام عرفها البائع، فإن لم يكن يعرفها فالشيء لك رزقك اللّٰه تعالى إيّاه».
(53) كما عن بعضهم دعوى الاتفاق عليه، و لكنه غير ثابت، فان مقتضى الصحيح المتقدم انما هو كون المال بجميعه له بعد تعريف البائع و عدم معرفته له، و هو دليل على عدم وجوب الخمس عليه كما ان صدق الكنز عليه غير ظاهر.
نعم، وجوب الخمس عليه بعنوان آخر و هو عنوان: أرباح المكاسب أمر آخر لا كلام لنا فيه، كما هو ظاهر.
(54) اذ لا دليل على ذلك - مع فرض التسليم بوجوب الخمس عليه بعد التعريف - بعد اختصاص دليل اعتباره بالكنز، غير الصادق في المقام.
(55) عملاً بالنص المتقدم، بعد الغاء المورد، للقطع بعدم الخصوصية.
1) وسائل الشيعة/باب 9: من ابواب اللقطة، ح 1.
مسألة 19: إنما يعتبر النصاب في الكنز بعد إخراج مئونة الإخراج (56).
مسألة 20: إذا اشترك جماعة في كنز فالظاهر كفاية بلوغ المجموع نصاباً و إن لم يكن حصة كل واحد بقدره.
الرابع: الغوص (57)، و هو إخراج الجواهر من البحر مثل
الشرح
(56) تقدم في المعدن ما يفيدك في المقام و اجماله انه لا دليل على كون الخمس بعد اخراج مئونة الاخراج؛ فراجع و لاحظ.
(57) بلا خلاف فيه بين الأصحاب(1)بل ظاهر الانتصار،(2)و صريح الغنية(3)، و المنتهى(4)الإجماع عليه، كظاهر نسبته الى علمائنا في التذكرة.(5)
النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 16: ص 39، الطبعة الاولىٰ.
و الأمر في الجملة كذلك، و يقتضيه جملة من النصوص.
منها: - النصوص الحاصرة لما ثبت فيه الخمس في خمسة - ما رواه ابن ابي عمير(6)عن غير واحد عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «الخمس على خمسة أشياء؛ على الكنوز، و المعادن، و الغوص، و الغنيمة». و نسى ابن أبي عمير الخامس.
1) البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 343، ط مؤسسة النشر الاسلامي.
2) علم الهدى، السيد مرتضىٰ: الانتصار (سلسلة الينابيع الفقهية، ج 5: ص 85).
3) ابن زهرة، حمزة بن علي: غنية النزوع، ص 129، ط مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.
4) الحلي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 547، الطبعة الاولىٰ.
5) الحلي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 5: ص 419، ط مؤسسة آل البيت عليه السلام.
6) وسائل الشيعة/باب 3: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 7.
..........
الشرح
و رواه في المقنع مرسلا عن ابن أبي عمير.(1)
و ما رواه الكليني قدس سره عن حماد بن عيسى(2)عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام قال: «الخمس من خمسة اشياء، من الغنائم، و الغوص، و الكنوز، و المعادن، و الملاحة» - الحديث -.
و رواه الشيخ قدس سره بطريق آخر عنه أيضاً و في ذيله: «و في رواية يونس:
و العنبر أصبتها، في بعض كتبه هذا الحرف وحده العنبر، و لم أسمعه - الحديث -».(3)
و قريب منهما مرفوع أحمد بن محمّد،(4)و لاحظ.
و منها: صحيح الحلبي(5)قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن العنبر و غوص اللؤلؤ، فقال: فيه الخمس».
و مرسل الصدوق قدس سره(6)قال: «سئل ابو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عما يخرج من البحر، من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد، و عن معادن الذهب و الفضة هل فيها زكاة؟ فقال: اذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس».
و روى الشيخ قدس سره الرواية الثانية مسنداً عن محمّد بن علي بن أبي عبد اللّٰه عن أبي الحسن عليه السلام(7).
1) وسائل الشيعة/باب 2: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 2.
2) وسائل الشيعة/باب 2: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 4.
3) وسائل الشيعة/باب 2: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 9.
4) وسائل الشيعة/باب 2: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 11.
5) وسائل الشيعة/باب 7: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 1.
6) وسائل الشيعة/باب 7: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 2.
7) وسائل الشيعة/باب 3: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 5.
اللؤلؤ و المرجان و غيرهما (58) معدنياً كان أو
الشرح
و ما رواه عمار بن مروان(1)قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه عليه السلام يقول: «فيما يخرج من المعادن، و البحر، و الغنيمة، و الحلال المختلط بالحرام اذا لم يعرف صاحبه، و الكنوز الخمس».
(58) كما هو المشهور المعروف، بل لعله المتفق عليه بين الأصحاب، و استشكله صاحب المدارك قدس سره(2)فاقتصر في ما يثبت فيه الخمس من الغوص على خصوص غوص اللؤلؤ - كما دل عليه صحيح الحلبي المتقدم - لعدم ما يقتضي التعميم.
و وجّه ذلك الفقيه المحقق الهمداني قدس سره(3)فقال: «و ما في المدارك من الاقتصار على ذكر صحيحة الحلبي و الخدشة فيها بقصورها عن إفادة عموم المدعى مما لا ينبغي الالتفات إليه، و ان كان لا يخلو عن وجه، بناء على أصله من عدم التعويل إلا على الأخبار الموصوفة بالصّحة...».
ثمّ أورد عليه بقوله: «... و لكن المبنى عندنا فاسد، لأنا لا نرى جوار طرح مثل هذه الأخبار المعتبرة المعمول بها لدى الأصحاب، خصوصا مع استفاضتها، و كون بعضها بحكم الصحيح...».
يمكن توجيه ما ذهب إليه صاحب المدارك قدس سره من الاقتصار على غوص
..........
الشرح
اللؤلؤ، حتى على مسلك غيره، من الاعتماد على الاخبار المعتبرة و لو لم تتصف بالصّحة، بأن يقال: ان النصوص الواردة في باب الغوص بين ما لا اطلاق لها مع اعتبارها في نفسها، و بين ماله الاطلاق الا انه لا اعتبار بها..
أمّا الأوّل، فهي النصوص الحاصرة للخمس في خمسة، مضافاً اليها خبر عمار بن مروان المتقدم ذكره، فانها و ان كانت معتبرة، من جهة استفاضتها، إلا انه لا اطلاق لها يتمسك به في المقام.
و ذلك، لعدم ورودها في مقام البيان من هذه الجهة، و انما وردت لبيان أصل تشريع الخمس في الجملة، كما لا يخفى.
و أمّا الثاني، فهو خبر محمّد بن أبي عبد اللّٰه و مرسل الصدوق، فانهما و إن دلّا على التّعميم، إلا انه لا اعتبار بهما، بعد عدم استفاضتهما و عدم ضعفهما في أنفسهما.
و على هذا، فلا دليل على ثبوت الخمس في غير غوص اللؤلؤ و العنبر، و مقتضى الأصل هو البراءة.
و من هنا يظهر اختصاص الحكم بما اذا كان الإخراج بالغوص، لا مطلقا و لو كان ذلك بالآلة، و ذلك لان المدار في المسألة انما هو صحيح الحلبي المأخوذ فيه عنوان «الغوص»، كما هو ظاهر.
و أما الروايات المتضمنة للخمس فيما يخرج من البحر، الشامل بإطلاقه لما اذا كان ذلك بالآلة و نحوها، فهي غير ناهضة باثبات ذلك لضعف سند الجميع، إمّا بالارسال أو بغيره.
و على فرض التنزل، فالنسبة بينها و بين صحيح الحلبي انما هي العموم من وجه، فان مقتضى صحيح الحلبي انّما هو الخمس في الغوص سواء كان ذلك بالغوص في البحر أم في الشطوط و الأنهار، و مقتضى النصوص المذكورة انما هو اختصاص الخمس بما يخرج من البحر، سواء أ كان ذلك بالغوص أو بآلة و نحوها، و مقتضى القاعدة انما هو تساقط الدليلين معاً في مورد المعارضة، عند
..........
الشرح
عدم المرجح، كما هو المفروض.
و نتيجة ذلك: عدم ثبوت الدليل على الخمس في غير الغوص في البحر، كما لا يخفى.
ثمّ إن المنشأ للمنافاة بين الطائفتين، أعني بهما: ما دل على الخمس في الغوص، و ما دل على الخمس بما يخرج من البحر، انما هو الأخبار الحاصرة لما يثبت فيه الخمس في خمس، فانه لو لا النصوص المذكورة لكان مقتضى القاعدة هو الالتزام بموضوعية كل من العنوانين: «الغوص» و «الخروج من البحر» للحكم مستقلاً، إلا ان ما دل على الحصر في الخمس مما يمنعنا عن ذلك، فيتردد الأمر بين الأخذ بعنوان «الغوص» فقط و الأخذ بعنوان «الخروج من البحر» و بين الأخذ بالعنوان المشترك الجامع بين الأمرين الصادق على كل منهما، و هو عنوان «الخروج من الماء» سواء كان ذلك بالغوص أم بغيره، و سواء كان من البحر أم من غيره و بين القول باعتبار صدق كلا العنوانين.
و لكنك، قد عرفت آنفاً: ان مقتضى القاعدة انما هو الاحتمال الأخير، و هو الأخذ بعنوان الغوص مقيداً بكونه في البحر، نظراً إلى عدم الدليل على ثبوت الخمس في ما عدا ذلك، بعد فرض تساقط اطلاق كل من الدليلين بالمعارضة.
و أما ما أفاده الفقيه المحقق الهمداني قدس سره(1)من الالتزام «بتقييد كل من العنوانين بالآخر، و الالتزام بأن الخمس لا يجب إلاّ فيما أخرج من البحر بالغوص، و هذا أشبه بالقواعد، لا لأن التقييد من أهون التصرفات، كي يتوجه عليه: انه ليس بأهون من إهمال القيد الوارد مورد الغالب، بل لأن مقتضى القاعدة عند دوران الأمر بين كون الإطلاق جاريا مجرى الغالب أو القيد كذلك، إهمال
1) الهمداني، الشيخ آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 14: ص 86، الطبعة الحديثة.
نباتياً (59)، لا مثل السمك و نحوه من الحيوانات، فيجب فيه الخمس بشرط أن يبلغ قيمته ديناراً فصاعداً فلا خمس
الشرح
الإطلاق، لا الغاء الخصوصية المعلق عليها الحكم في عنوان دليله الأخصّ».
فمما لا نعرف له وجها، إذ كيف يمكن الالتزام بتقييد أحد العنوانين بالآخر مع أن النسبة بينهما انما هي العموم من وجه، دون العموم المطلق، حسبما اعترف به قدس سره أيضاً، حيث قال في صدر البحث - ما نصّه -: «و بين العنوانين بحسب الظاهر عموم من وجه...». و ان كانت النتيجة على كلا التقديرين واحدة، إلا أن الكلام في وجه ذلك، فلاحظ و تأمل.
(59) في المسألة جهتان من البحث:
إحداهما: البحث عما اذا صدق كل من عنواني «الغوص» و «المعدن» على مورد واحد، فهل العبرة بأحدهما، و ما هو العنوان الذي يكون المدار عليه، أو انه يلزم الأخذ بكليهما، فيجب إخراج خمسين لكل من المعدن و الغوص.
و هذا ما سيأتي التعرض له قريباً في المسائل الآتية انشاء اللّٰه.
و ثانيتهما: البحث عن اختصاص الغوص المأخوذ في موضوع الأدلة ببعض الأجناس دون بعض و عدمه، و هذا هو مورد النظر بالفعل.
و التحقيق: أنه بناء على ما عرفت من ان المدار في الباب انما هو صحيح الحلبي الخاص و بالعنبر و غوص اللؤلؤ - كما اختار ذلك صاحب المدارك قدس سره - فالأمر واضح، إذ لا دليل على ثبوت الخمس فيما عدا ذلك.
و أما بناء على المذهب المشهور، فالوجه في اختصاص ذلك بالجواهر دون غيرها، كالسمك و نحوه إنما هو..
دعوى انصراف الأدلة الى ما يكون من شأنه الإخراج من البحر بالغوص
فيما ينقص من ذلك (60)، و لا فرق بين اتحاد النوع
الشرح
و هو خاص بالجواهر. و أما غيرها، كالاسماك و نحوها فليس من شأنها ذلك، كما لا يخفى.
أو دعوى انصرافها الى الغوص الذي يتخذ مهنة، و لو بقرينة ذكره في النصوص في سياق «الكنز» و «المعدن». و لا شك في اختصاص ذلك بالجواهر.
إلا أن الاختصاص على المذهب المشهور مشكل، فان دعوى الانصراف - كما أشرنا اليه مراراً - من الدعاوي التي لا شاهد لها و عليها، فمن الممكن دعواه في المسألة واحدة على طرفي النقيض، كما هو الحال في بعض المسائل.
و اللّٰه العالم.
(60) كما هو المشهور نقلا و تحصيلا، شهرة كادت تكون إجماعاً، بل في التذكرة(1)و المنتهى(2)نسبته إلى علمائنا.
و يشهد له خبر محمّد بن أبي عبد اللّٰه و مرسل الصدوق، المتقدم ذكرهما.
إلّا أن ضعف سنديهما مانع من الاعتماد عليهما، و عليه فلا دليل على اعتبار النصاب، و مقتضى القاعدة انما هو عدم وجوب الخمس فيما قل عن دينار، نظراً إلى الشك في ثبوت الخمس فيه و مقتضى الأصل عدمه، و أمّا ما بلغ منه ديناراً فصاعداً فهو المتيقن مما دل على ثبوت الخمس في الغوص.
و عدمه (61) فلو بلغ قيمة المجموع ديناراً وجب الخمس، و لا بين الدفعة و الدفعات فيضم بعضها إلىٰ بعض، كما أن المدار علىٰ ما أخرج مطلقاً و إن اشترك فيه جماعة لا يبلغ نصيب كل منهم النصاب، و يعتبر بلوغ النصاب بعد إخراج المؤن كما مر في
الشرح
نعم، لو كان في المسألة اطلاق لكان مقتضى القاعدة انما هو وجوب الخمس فيما يصدق عليه الغوص و ان لم يبلغ ديناراً، إلا انك قد عرفت فما سبق:
أن نصوص الغوص مما لا اطلاق لها من هذه الجهة، لعدم ورودها مورد البيان و بذلك قد يوجه ما هو المشهور فتوى من عدم وجوب الخمس فيما دون الدينار.
و لكن الذي يترجح في النظر انما هو وجوب الخمس مطلقا حتى فيما هو دون الدينار، و ذلك لإطلاق صحيح الحلبي المتقدم الوارد في العنبر و غوص اللؤلؤ فان السؤال عن الوظيفة الفعلية في الموردين، فيكون نظر السائل لا محالة الى جميع صور المسألة و بذلك يكون للسؤال اطلاق بالنسبة الى ما دون الدينار ايضاً و الجواب نزل على طبق السؤال لا محالة، فيكون مقتضى الرواية انما هو وجوب الخمس مطلقا، كما لا يخفى.
و نسب(1)إلى المفيد قدس سره في الغرية القول باعتبار النصاب عشرين ديناراً و لكنه غير ظاهر المستند، كما اعترف به صاحب الجواهر قدس سره(2)و غيره.
(61) بناء على اعتبار النّصاب لا يفرق الحال حينئذٍ بين اتحاد النوع و عدمه، لإطلاق صحيح الحلبي المتقدم.
المعدن (62)، و المخرج بالآلات من دون غوص في حكمه (63) على الأحوط، و أما لو غاص و شدّه بآلة فأخرجه فلا إشكال في وجوبه فيه (64)، نعم لو خرج بنفسه على الساحل أو على وجه الماء فأخذه من غير غوص لم يجب فيه (65) من هذه الجهة بل يدخل في أرباح المكاسب فيعتبر فيه مئونة السنة و لا يعتبر فيه النصاب.
مسألة 21: المتناول من الغواص لا يجري عليه حكم الغوص إذا لم يكن غائصاً (66)، و أما إذا تناول منه و هو غائص أيضاً فيجب
الشرح
(62) لا دليل على ذلك كما مرّ الكلام فيه، فلاحظ.
(63) قال الشهيد قدس سره(1)في البيان: «و لو أخذ منه شيء بغير غوص فالظاهر انه كحكمه...». و لعل المستند هو خبر محمّد بن أبي عبد اللّٰه و مرسل الصدوق المتقدمان، و لكنهما ضعيفا السند، كما تقدّم. مضافاً إلى انه مقتضى القاعدة هو اعتبار الغوص، كما مرّ.
(64) لصدق الإخراج بالغوص حينئذ، كما هو ظاهر.
(65) خلافاً للشهيد قدس سره(2)في البيان، حيث قال في ذيل كلامه المتقدم: «و لو كان مما ألقاه الماء على الساحل» و مستنده انما هو اطلاق الخبرين، و هما ضعيفا السند. مضافاً إلى انه مع التسليم بالسند يكون مقتضى القاعدة هو اعتبار خصوص الغوص، كما اوضحناه سابقا.
(66) فإن مقتضى الأدلة انما هو ثبوت الخمس فيما أخرج من البحر
عليه (67) إذا لم ينو الغواص الحيازة، و إلا فهو له و وجب الخمس عليه.
مسألة 22: إذا غاص من غير قصد للحيازة فصادف شيئاً ففي وجوب الخمس عليه وجهان، و الأحوط إخراجه (68).
مسألة 23: إذا أخرج بالغوص حيواناً و كان في بطنه شيء من الجواهر فإن كان معتاداً وجب فيه الخمس، و إن كان من باب الاتفاق بأن يكون بلع شيئاً اتفاقاً فالظاهر عدم وجوبه (69) و إن كان أحوط.
الشرح
بالغوص، و هو غير متحقق في المقام، كما لا يخفى.
(67) لصدق الموضوع حينئذ و هو الإخراج بالغوص. نعم، اذا كان الغواص قد نوى الحيازة كان ذلك بحكم المتناول من الغواص و هو غير غائص، الذي قد عرفت الحال فيه.
(68) لعل منشأ احتمال عدم وجوب الخمس هو دعوى انصراف الأدلة الى صورة الغوص بقصد الحيازة. و ذلك، لكون منصرف النصوص هو الغوص المتعارف المتخذ مهنة و هو انما يكون عن قصد الحيازة، كما لا يخفى.
(69) لأن الظاهر من النصوص انما هو اختصاص الحكم بما يكون اخراجه من الماء بالغوص عادة و أما ما لا يكون كذلك، بأن لم يكن ذلك متوقفاً - بحسب العادة - على الغوص فهو خارج عن مفاد النصوص المذكورة.
و على هذا، فان كانت العادة جارية على وجود الجوهر في جوف الحيوان كان ذلك مشمولاً لأدلة الغوص، حيث يصدق عليه حينئذ انه مما يتوقف على الغوص عادة، بخلاف ما إذا لم تكن العادة جارية على ذلك.
مسألة 24: الأنهار العظيمة كدجلة و النيل و الفرات حكمها حكم البحر (70) بالنسبة إلىٰ ما يخرج منها بالغوص إذا فرض تكوّن الجوهر فيها كالبحر.
مسألة 25: إذا غرق شيء في البحر و أعرض مالكه عنه فأخرجه الغواص ملكه (71) و لا يلحقه حكم
الشرح
و نظير ذلك ما إذا جرت العادة على وجود شيء في مكان معيّن فمشى اليه الشخص و عثر فيه على ذلك، فانه يصدق عليه حينئذ انه ممّا عثر عليه بالمشي.
و هذا بخلاف ما اذا لم تجر العادة على ذلك، فان العثور عليه في المكان المذكور اتفاقا غير موجب لصدق انه مما يعثر عليه بالمشي في ذلك المكان، فلا يقال على الشيء المذكور انه مما يعثر عليه في المكان المذكور، كما هو ظاهر.
(70) قال في الجواهر(1): «و الأنهار العظيمة كفرات و دجلة و النيل حكمها حكم البحر بالنسبة الى ما يخرج منها إذا فرض تكوّن مثل ذلك فيها كالبحر، لإطلاق الأدلة، التي لا يحكم عليها ذكر البحر في الخبر السابق بعد خروجه مخرج الغالب...».
و الحاصل ان الوجه في التعدى عن البحر إلى الأنهار انما هو الأخذ باطلاق أدلة الغوص، كما أفاده صاحب الجواهر قدس سره في كلامه الانف الذكر.
(71) بناء على ان اعراض المالك عن ماله موجب لزوال العلقة، كما هو محرر في محلّه.
1) النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 16: ص 43، الطبعة الاولىٰ.
الغوص (72) على الأقوى و إن كان من مثل اللؤلؤ و المرجان، لكن الأحوط إجراء حكمه عليه.
مسألة 26: إذا فرض معدن من مثل العقيق أو الياقوت أو نحوهما تحت الماء بحيث لا يخرج منه إلا بالغوص فلا إشكال في تعلّق الخمس به (73)، لكنه هل يعتبر فيه نصاب المعدن أو الغوص؟ وجهان، و الأظهر الثاني.
الشرح
(72) الوجه في عدم لحوق حكم الغوص انما هو دعوى انصراف الأدلة إلى ما يكون خروجه بالغوص عادة.
و عليه، فينحصر الحكم بما اذا كان المال من المباحات الأصلية، فانه الذي يكون خروجه بحسب العادة موقوفا على الغوص بخلاف الأموال المملوكة للأشخاص سابقاً، فان طريق تحصيلها عادة غير موقوف على الغوص، كما لا يخفى.
(73) أمّا تعلق الخمس به في الجملة، فهو مما لا ينبغي الإشكال فيه.
انما الكلام في تعلق خمسين فيما اذا كان مصداقا لكل من «الغوص» و ال «معدن» أو تعلق خمس واحد، و على الثاني فالكلام انما هو في تعيين ذلك الواحد.
أمّا الأوّل، فالظّاهر ان الثابت فيه خمس واحد، كما هو المتسالم عليه بين الأصحاب قدس سرهم و يظهر الوجه فيه انشاء اللّٰه مما سنذكر في المسألة الآتية.
و أمّا الثاني، فالظاهر ان الثابت انما هو خمس الغوص فيعتبر فيه نصاب الغوص على تقدير اعتباره. و ذلك، لان مقتضى اطلاق دليل الغوص انما هو وجوب الخمس بعد فرض بلوغه ديناراً، و المفروض ان دليل نصاب المعدن غير مناف لذلك، فانه انما ينفي خمس المعدن عما لم يبلغ عشرين ديناراً، لا أنه
مسألة 27: العنبر إذا اخرج بالغوص جرىٰ عليه حكمه، و إن أخذ علىٰ وجه الماء أو الساحل ففي لحوق حكمه له وجهان، و الأحوط اللحوق، و أحوط منه إخراج خمسه و إن لم يبلغ النصاب أيضاً.
الخامس: المال الحلال المخلوط بالحرام علىٰ وجه لا يتميّز مع الجهل بصاحبه و بمقداره، فيحلّ بإخراج خمسه (74)،
الشرح
ينفي مطلق الخمس و لو لم يكن ذلك بعنوان المعدن.
و الحاصل: ان شمول اطلاق دليل الغوص للمقام مما لا معارض له فيؤخذ به، و منه يظهر الحال فيما افاده قدس سره بقوله: «... لكنه هل يعتبر فيه نصاب المعدن أو الغوص وجهان، و الأظهر الثاني».
(74) وفاقاً لجماعة، بل في المنتهى(1)نسبته إلى اكثر علمائنا، و المفاتيح(2)إلى المشهور، بل في ظاهر الغنية(3)أو صريحها الإجماع عليه.
و خالف في ذلك أو تامل فيه جماعة، كما يومئ اليه ما يلي: «فما في مجمع البرهان من التأمل في ذلك(4)، بل مال الى خلافه تلميذه في المدارك،(5)و تبعه عليه الكاشاني(6)، بل و الخراساني(7)في الظاهر، بل بما استظهر أيضاً من
1) الحلي، الحسن بن يوسف: منتهى المطلب، ج 1: ص 548، الطبعة الاولىٰ.
2) الحلي، الحسن بن يوسف: مفاتيح الشرائع، ج 1: ص 226 الطبعة الاولى.
3) ابن زهرة، حمزة بن عيسى: غنية النزوع، ص 129، ط مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.
4) الاردبيلي، المولى احمد: مجمع الفائدة و البرهان، ج 4، ص 321، ط مؤسسة النشر الاسلامي.
5) العاملي، السيد محمد: مدارك الاحكام، ج 5: ص 287، ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
6) فيض الكاشاني، محمد محسن: مفاتيح الشرائع، ج 1: ص 227، ط مجمع الذخائر الاسلامية.
7) السبزواري، ملا محمد باقر: ذخيرة المعاد، ص 484، ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
..........
الشرح
ترك جماعة من القدماء التعرض له، فأوجب عزل ما تيقن انتفائه عنه و التفحص عن مالكه إلى أن يحصل اليأس فيتصدق به على الفقراء...».(1)
و كيفما كان فقد استدل للقول الاول، بجملة من النصوص و هي...
خبر عمار بن مروان(2)قال: «سمعت ابا عبد اللّٰه عليه السلام يقول: فيما يخرج من المعادن، و البحر، الغنيمة، و الحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه، و الكنوز الخمس».
و خبر الحسن بن زياد(3)عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «إن رجلا أتى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إني أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له: أخرج الخمس من ذلك المال، فإن اللّٰه عزّ و جل قد رضي من ذلك المال بالخمس، و اجتنب ما كان صاحبه يعلم».
و موثق عمار(4)عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «انه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل، قال: لا، إلا ان لا يقدر على شيء يأكل و لا يشرب و لا يقدر على حلية، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت».
و مرسل الصدوق(5)قال: «جاء رجل الى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين، أصبت مالاً أغمضت فيه، أ فلي توبة؟ قال: ايتني خمسه، فأتاه بخمسه، فقال: هو لك، فان الرجل اذا تاب تاب معه ماله».
..........
الشرح
و خبر السكوني(1)عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إني كسبت مالاً اغمضت في مطالبه حلالا و حراماً، و قد أردت التوبة و لا أدري الحلال منه و الحرام، و قد اختلط عليّ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: تصدق بخمس مالك، فان اللّٰه قد رضي من الاشياء بالخمس، و سائر المال لك حلال» و قد روي ذلك بطرق متعددة.
هذا، و قد نوقش في الاستدلال بجميع ما تقدم:
أمّا خبر عمار بن مروان المروي عن الخصال فقد جاء فيه في المستند(2)ما يلي: «أما رواية الخصال، فلأن الرواية على النحو المذكور انما هو ما نقله عنه بعض المتأخرين. و قال بعض مشايخنا المحققين: و ذكر الصدوق في الخصال، في (باب ما يجب فيه الخمس) رواية كالصحيحة الى ابن أبي عمير عن غير واحد عن الصادق عليه السلام قال: «الخمس على خمسة اشياء: على الكنوز، و المعادن، و الغوص، و الغنيمة، و نسي ابن ابي عمير الخامس. قال مصنف هذا الكتاب: اظن الخامس الذي نسيه ابن أبي عمير مالا يرثه الرجل و هو يعلم ان فيه من الحلال و الحرام و لا يعرف أصحاب الحرام فيؤديه إليهم، و لا يعرف الحرام بعينه فيجتنبه، فيخرج منه الخمس».
و أنا تفحصت الخصال فوجدت الرواية فيه في باب ما فيه الخمس، من بعض نسخه هكذا: «الخمس في المعادن، و البحر، و الكنوز» و لم أجد الروايتين بالطريقين المذكورين فيه، مع التفحص عن اكثر ابوابه و في بعض آخر كما نقله عن بعض مشايخنا، و لعل نسخ الكتاب مختلفة، و مع ذلك لا يبقى فيه
..........
الشرح
حجة...».(1)
و أما خبر الحسن بن زياد، فقد ناقش فيه الفقيه المحقق الهمداني رحمه الله(2)بما لفظه: «و في دلالة هذه الرواية على المدعى تأمل، فإنه يظهر من ذيلها أنها وردت فيمن أصابه مال من شخص آخر لم يكن ذلك الشخص مبالياً في كسبه بالحلال و الحرام و كانت أمواله مجتمعة من الحلال و الحرام، فيحتمل أن يكون المراد بالخمس هو الخمس المعروف الذي قد رضي اللّٰه تعالى به في كل مال استفاده من حيث كونه غنيمة، لا من حيث كونه مما لا يعرف حلاله من حرامه، و أما من هذه الجهة فله المهنا و وزره على الآخر، كما يناسبه التعليل، ضرورة ان اللّٰه تعالى رضي من المال الذي اكتسبه بالخمس لا من مال الغير الذي استولى عليه عدواناً.
فعلى هذا التقدير يمكن تطبيق ما في الخبر على القواعد بتنزيله على الغالب من عدم اصابة مال ذلك الشخص كلّه إليه، و احتمال كون ما وصل إليه من حلاله و لو بعيداً، كما هو الشأن فيما يؤخذ من السارق و العامل، و يحتمل وروده فيما كان حلاله و حرامه باعتبار اشتماله على الربا و نحوه مما ورد في كثير من الأخبار العفو عنه في مثل الفرض...».
و حاصله: استظهار اختصاص مورد الرواية بما كان وجود الحرام في المال محتملا لا معلوماً، كما هو محل الكلام.
و عليه، فتكون الرواية اجنبيّة عن محل الكلام، فان ثبوت الخمس على هذا انما يكون بعنوان الاكتساب لا بعنوان المال المختلط بالحرام. على انه
..........
الشرح
يحتمل اختصاصه بما اذا كان الحرام المشتمل عليه المال هو خصوص المال الربوي لا مطلق الحرام، كما هو محل البحث.
و يتوجه عليه: ان استفادة الحكم - أعني به، ثبوت الخمس بعنوان المال المختلط - من قوله عليه السلام: «أخرج الخمس من ذلك المال..» مبني على ان يكون المال المفروض في مورد السؤال هو المال المختلط، فان الألف و اللّام للإشارة إلى المال المعهود في السؤال.
و لا يبعد القول: بان ظاهر كلام السائل: «اني أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه...» انما هو كون المال مشتملا على كلا الأمرين، غاية انه لا تمييز لأحدهما عن الآخر.
و أمّا حمله على ما أفاده المحقق الهمداني قدس سره كما تقدم، فمبني على أن يكون المراد بذلك: «لا أعرف حليته من حرمته» و ارادة هذا المعنى من التعبير المذكور و ان امكن أن يدعى ذلك بالنسبة إلى اللغة الفارسية، كما لا يخفى، و أمّا في اللغة العربية فلا ينبغي الشك في كونه خلاف الظّاهر، كما لا يخفى ذلك على المتأمّل.
و أما ما أفاده قدس سره ثانيا؛ من احتمال الاختصاص بالمال المشتمل على الرّبا.
فيتوجه عليه: انه حمل و تقييد بلا شاهد، كما هو ظاهر.
و على هذا، فالمناقشة في دلالة الرواية غير واضحة، إلا أنّها قاصرة السَّند، و لأجل ذلك لا يصلح الاعتماد عليها.
و أمّا موثق عمار، فالظّاهر كونه اجنبياً عن محلّ الكلام، فانه اذا لم نبن على ملكية السلطة الحاكمة اذا لم تكن ذات حق في الحكم، فالمال كله يكون من مجهول المالك، و حكمه انما هو التّصدق لا وجوب الخمس، كما سيجيء الإشارة إليه انشاء اللّٰه.
..........
الشرح
و إذا بنينا على ذلك، كان المال المذكور حلالاً لا محالة، من دون ان يكون هناك موجب فيه للتصدق و لا الخمس، كما لا يخفى.
و الحاصل: أنّ مفاد الرواية غير ظاهر، فلذلك لا مجال للاستدلال بها للمقام، و انما هو أجنبية عن محلّ الكلام فانها خارجة عن موضوع المال المختلط على كلا التقديرين، كما هو ظاهر.
و أما مرسل الصدوق قدس سره، فقد ناقش فيه الفقيه المحقق الهمداني قدس سره(1)بما لفظه: «و فيه أنه لا دلالة فيه على أن ما أخذه منه من الخمس من حيث اختلاطه بالحرام، بل ظاهر ذيله أن توبته سبب حلية ماله لا تخميسه، فيحتمل وروده فيمن لم يكن محترزاً عن مثل الربا، كما ورد في عدة من الأخبار زوال أثره بالتوبة...».
و يتوجه عليه: ان الرواية ظاهرة في كون التوبة حاصلة باعطاء الخمس.
و ذلك، فإن السؤال انما كان عن امكان التوبة و السبيل اليها، و حينئذ فقوله عليه السلام:
«ايتنى خمسه...» يكون ظاهراً في أن سبب التوبة و الوسيلة اليها انما هو اعطاء الخمس.
و الإنصاف: ان الرواية واضحة الدلالة على المدعى، إلا انها قاصرة السند.
و أمّا خبر السكوني، قد ناقش فيه شيخنا العلامة الأنصاري قدس سره(2)في رسالته، بان المراد بالخمس فيه انما هو المعنى اللغوي لا الخمس المصطلح.
و إليك نص كلامه: «نعم، الظاهر من الرواية الثالثة - يعني به الخبر المزبور - ارادة المعنى اللغوي، سيما بملاحظة الأمر بالتصدق به، فان الصدقة في كثير من
..........
الشرح
الأخبار و ان اطلق على الخمس - كما قيل -، إلا أن ظهوره في غيره أقوى من ظهور لفظ الخمس في المعنى المعهود، بل أمره بالتصدق من دون طلب نصفه المختص قرينة على عدم ارادة الحق الخاص...» هذا هو النص حرفياً: «... و أما الرواية الثالثة فالانصاف انها ليست ظاهرة في ذلك لو لم نقل بكونها ظاهرة في ارادة المعنى اللغوي - اعني الكسر الخاص من المال - كما في آية الغنيمة، بل انما اطلق لفظ الخمس مضافاً الى المال سيما ملاحظة الامر بالتصدق، فان التصدق و ان كان قد نسب الى الخمس في بعض الأخبار، الا أن اطلاقه منصرف الى الصدقة المقابلة للخمس، بل انصرافه أقوى من انصراف لفظ الخمس المذكور بعده الى الحق الخاص، بل أمره عليه السلام بالتصدق من دون طلب نصفه المختص قرينة على ارادة الحق الخاص..».
و التحقيق: أن يقال: انه لا بد من بسط الكلام، و ملاحظة طوائف من النصوص، التي قد يرى المعارضة بينهما و بين ما دل على الخمس في المال المختلط و ملاحظة النسبة بينها، و هي: الروايات الدالة على حلية المال المختلط، و الروايات الدالة على وجوب الاجتناب عنه، و روايات المال مجهول المالك، الآمرة بالتصدّق به. و إليك البيان:
نصوص حلية المال المختلط
و هي: موثق سماعة(1)قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن رجل أصاب مالاً من عمل بني أميّة و هو يتصدق منه و يصل منه قرابته و يحج ليغفر له ما اكتسب...
الى ان قال عليه السلام: ان كان خلط الحرام حلالا فاختلط جميعاً فلم يعرف الحلال من الحرام فلا بأس».
1) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب ما يكتسب به، ح 2.
..........
الشرح
و صحيح عبد اللّٰه بن سنان(1)عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه».
و صحيح أبي بصير(2)قال: «سألت أحدهما عليه السلام: عن شراء الخيانة و السرقة، قال: لا، إلا أن يكون قد اختلط معه غيره. الحديث».
و صحيح الحلبي(3)عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام قال: «أتى رجل أبي، فقال: اني ورثت مالاً و قد علمت أن صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربى، و قد أعرف أن فيه رباً و استيقن ذلك و ليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه، و قد سألت فقهاء أهل العراق و أهل الحجاز، فقالوا: لا يحل أكله، فقال أبو جعفر عليه السلام: ان كنت تعلم بأن فيه مالاً معروفاً ربا و تعرف أهله فخذ رأس مالك و ردّ ما سوى ذلك، و ان كان مختلطاً فكله هنيئاً فإن المال مالك، و اجتنب ما كان يصنع صاحبه».
و صحيحه الآخر(4)عن أبي عبد اللّٰه عليه السلام: «و لو أن رجلا ورث من أبيه مالاً و قد عرف ان في ذلك المال رباً و لكن قد اختلط في التجارة بغيره حلال كان حلالا طيّبا فليأكله، و إن عرف منه شيئاً أنه رباً فليأخذ رأس ماله و ليرد الربا».
و خبر أبي الربيع الشامي(5)، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه عن رجل أربى بجهالة ثمّ أراد أن يتركه، قال: أماما مضى فله و ليتركه فيما يستقبل...».
و بعض هذه النصوص و ان كان خاصّاً بموارد معينة من الاختلاط، إلّا انه لا خصوصية للموارد المذكورة بعد ملاحظة اطلاق سائر النصوص بالإضافة إلى
..........
الشرح
جميع موارد الاختلاط.
و على هذا، فقد يقال: بمعارضة النصوص المذكورة لما دل على وجوب الخمس في المال المختلط.
و الذي ينبغي أن يقال: انّ الخمس المجعول في المال المختلط ان كان على غرار الخمس المجعول في بقية الموارد، فلا منافاة بين دليل الخمس على بعض التقادير، و على بعض آخر تكون النسبة بينهما نسبة المطلق و المقيد. و المطلق انما هو النصوص المجوزة فتتقيد لا محالة بما دل على الخمس.
بيان ذلك: ان مفاد دليل الخمس إن كان هو خروج الكسر الخاص من ملك المالك و انتقاله منه إلى ملك السَّادات، أو كان مفاده جعل حق لهم متعلقاً بمال المالك، فهذا مما لا ينافي مع ما دل على أن جميع المال المختلط ملك للشخص.
بداهة ان ثبوت الخمس بهذا الوجه متفرع على كون مخرج الكسر الخاص ملكاً للمخرِج.
و أما اذا كان مفاده هو كون الكسر الخاص ملكاً للسَّادات من الأوّل و عدم دخوله في ملك مالك الأربعة اخماس الباقية، فلا محالة يكون ذلك منافياً لما دل على كون جميع المال حتى مقدار الكسر الخاص ملكاً لمالكه بالاطلاق و التقييد فان دليل الخمس ينفي الملكية عن المقدار الخاص، و دليل الإباحة يثبت الملكية بالنسبة إليه و إلى الأربعة أخماس الباقية، و مقتضى القاعدة انما هو تقييد أدلة الاباحة بدليل الخمس، كما هو ظاهر.
هذا كله، على تقدير ان يكون الخمس المجعول في المال المختلط على نهج ما هو المجعول في سائر الموارد، و أما اذا كان على نهج آخر - كما هو مقتضى الفتوى و بعض النصوص - و هو: أن يكون اخراج الكسر الخاص من المال موجباً لإباحة التصرف في البقيّة، بحيث تتوقف اباحة البقية على اخراج المقدار
..........
الشرح
المذكور، و حينئذ فيعارضه ما دل على اباحة التصرف في الجميع.
و حيث إنا لم نلتزم في باب المعارضة بالترجيح - كما أوضحناه في بحث الأصول -، فلا محالة كان مقتضى القاعدة إنما هو التخيير، و بناء على القول بالترجيح يتعين التساقط عند فقد المرجح، فيرجع بعد ذلك إلى عموم ما دل على وجوب الصدقة في المال المجهول مالكه.
إلا ان الظاهر هو عدم بلوغ الأمر إلى هذا الحد. و ذلك، لعدم الدليل على اختلاف الخمس المجعول في المال المختلط عن المجعول منه في الكنز و الغوص و غيرهما، إذ غاية ما يستشهد به للقول المذكور انما هو بعض النصوص الضعيفة سنداً، كمرسل الصدوق و خبر السكوني المتقدمين في صدر البحث، مضافاً إلى كونه مما عليه الفتوى.
و من الظاهر عدم نهوض شيء منهما بذلك، أمّا الخبران، فلضعف السند، و أما الفتوى فحاله ظاهر، بعد كون الظَّاهر من خبر عمار بن مروان خلاف ذلك، كما لا يخفى.
النصوص الدالة على وجوب الاجتناب عنه
و هي صحيح ضريس الكناسي(1)قال: «سألت أبا جعفر عليه السلام عن السمن و الجبن نجده في أرض المشركين بالروم أ نأكله؟ فقال: أما ما علمت أنه قد خلطه الحرام فلا تأكله، و أمّا ما لم تعلم فكله حتى تعلم أنه حرام».
و خبر اسحاق بن عمار(2)قال: «سألته عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم، قال: يشتري منه ما لم يعلم انه ظلم فيه أحداً».
..........
الشرح
و رواية عبد اللّه بن سليمان(1): «كل شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك أن فيه الميتة».
و الذي يبدو في النظر، هو أن يقال: بعد حمل الرواية الأولى على غير موردها، و هو الجبن و السّمن، فان المانع المتوهم فيهما انما هو من جهة النجاسة، و لا ينبغي الشك في ان اختلاط السمن بالنجس يستوجب نجاسة الجميع، فلا يكون ذلك من المال المختلط بالحرام بل يكون كله من الحرام، كما أن الجبن إنها يتصور الحرمة فيه من جهة نجاسة الانفحة الموجودة فيه، و هي مستثناة بالنصوص الكثيرة الدالة على طهارة الانفحة.
و عليه، فاستفادة حكم المقام - و هو الاختلاط بالحرام من غير جهة النجاسة - من الرواية، مبني على أخذ الجواب فيها ناظراً إلى مورد الاختلاط بالحرام من غير جهة النجاسة، بل من جهة الغصبية كما انه لا بد من فرض الرواية الثالثة عامة بالاضافة إلى موارد الاختلاط بالحرام، و اشتمال الشيء عليه، لا خاصّة بمورد العلم باشتماله على الميتة - كما هو موردها -.
و على هذا، فيكون المستفاد من النصوص المذكورة انما هو وجوب الاجتناب عما علم باشتماله على الحرام، إلّا ان النسبة بينها و بين أخبار الخمس انما هو العموم المطلق، فتخصص النصوص المذكورة بأخبار الخمس لا محالة.
و بعد ذلك إن بنينا على انقلاب النسبة انقلبت النسبة بين النصوص المذكورة و بين نصوص الحلية من التباين الى العموم المطلق، و الا فالنسبة بينهما باقية على ما كانت عليه قبل التقييد، فيتعارضان و يتساقطان.
و نتيجة ذلك: أن شمول أخبار الخمس للمقام يكون بلا مانع، لكن لا لما
1) وسائل الشيعة/باب 61: من ابواب الاطعمة المباحة، ح 1.
..........
الشرح
ذكره في «المستند» من ابتلاء نصوص الحلية بالمعارض، و هو النصوص المانعة، فتكون نصوص الخمس سليمة عن المعارض. و ذلك لان نصوص الخمس من جملة أطراف المعارضة أيضاً، كما هو ظاهر. بل لما ذكرناه من تقييد الأخبار المانعة بنصوص الخمس، فلاحظ و تأمّل.
نصوص المال المجهول مالكه
و هي: صحيح يونس بن عبد الرّحمن(1)، قال: «سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام: و أنا حاضر - إلى أن قال: فقال: رفيق كان لنا بمكة فرحل منها الى منزله و رحلنا الى منازلنا فلما أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأي شيء نصنع به؟ قال: تحملونه حتى تحملوه الى الكوفة، قال: لسنا نعرفه و لا نعرف بلده و لا نعرف كيف نصنع. قال: إذا كان كذا فبعه و تصدق بثمنه. قال له:
على من جعلت فداك؟ قال: على أهل الولاية.
و خبر نصر بن حبيب صاحب الخان(2)قال: «كتب الى العبد الصالح عليه السلام؛ قد وقعت عندي مائتا درهم و أربعة دراهم و أنا صاحب فندق و مات صاحبها و لم أعرف له ورثة، و رأيك في اعلامي حالها، و ما أصنع بها و قد ضقت بها ذرعاً، فكتب: اعمل بها و أخرجها صدقة قليلاً قليلاً.
و خبر علي بن أبي حمزة(3)قال: «كان لي صديق من كتّاب بني أميّة، فقال: استأذن لي على أبي عبد اللّٰه عليه السلام فاستأذنت له عليه، فأذن له، فلما ان دخل سلّم و جلس، ثمّ قال: جعلت فداك؛ إني كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالاً كثيراً و أغمضت في مطالبه، فقال أبو عبد اللّٰه عليه السلام: لو لا أن بني أميّة
..........
الشرح
وجدوا لهم من يكتب و يجبى لهم الفيء، و يقاتل عنهم، و يشهد جماعتهم لما سلبوا حقّنا و لو تركهم الناس و ما في أيديهم ما وجدوا شيئا إلا ما وقع في أيديهم، قال: فقال الفتى: جعلت فداك؛ فهل لي مخرج منه؟ قال: ان قلت لك تفعل قال أفعل قال له اخرج من جميع ما كسبت في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله و من لم تعرف تصدقت به و انا اضمن لك على اللّٰه عزّ و جلّ الجنة، فأطرق الفتى طويلاً، ثمّ قال له الفتى: لقد فعلت جعلت فداك، قال ابن ابي حمزة فرجع الفتى معنا الى الكوفة فما ترك شيئا على وجه الأرض إلا خرج منه حتى ثيابه التي كانت على بدنه، قال: فقسمت له قسمة و اشترينا له ثيابا و بعثنا اليه بنفقة، قال: فما أتى عليه إلا أشهر قلائل حتى مرض، فكنا نعوده، قال: فدخلت يوماً - و هو في السوق - قال: ففتح عينيه، ثمّ قال لي: يا علي، وفى لي و اللّٰه صاحبك، قال: ثمّ مات، فتولينا أمره، فخرج حتى دخلت على أبي عبد اللّه عليه السلام، فلما نظر إلي قال لي: يا علي وفينا و اللّٰه لصاحبك، قال: فقلت: صدقت - جعلت فداك - و اللّٰه، هكذا قال و اللّٰه لي عند موته».
و يتوجه على الخبرين الأولين أنهما واردان في المال المتميّز، و هو خارج عن محل الكلام، فان البحث انما هو في المال غير المتميز جنسه و مقداره و مالكه.
و عليه، فالروايتان أجنبيتان عن روايات الخمس، كما هو ظاهر.
و أما خبر على ابن أبي حمزة، فهو و ان كان موضوعه المال غير المتميّز، لكن من الواضح جدّاً: عدم اختصاص الرواية بذلك و انما هو مطلقة بالاضافة الى المال غير المتميز.
و عليه، فتتقيد الرواية بما دل على الخمس في المال غير المتميز فانه أخصّ منها، و نتيجة ذلك: اختصاص الحكم بالمال المتميز.
و مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس (75) على الأقوىٰ، و أما إن علم
الشرح
و خلاصة القول: انه بناء على الاعتبار لسند خبر عمار بن مروان المتقدم يكون مقتضى القاعدة إنما هو الالتزام بثبوت الخمس في المال المختلط بالحرام مع عدم تميز المال و مالكه، فيدور القول بثبوت الخمس و عدمه مدار صحة سند الرواية و عدمها، فلاحظ.
(75) كما هو المنسوب إلى الشهرة، و هو الظاهر من خبر عمار بن مروان المتقدم، و قد عرفت: انه لا دليل على كون الخمس المجعول في المقام مغايراً لما هو المجعول في الكنز و المعدن و نحوهما لئلا يكون مقتضى القاعدة هو وحدة المصرف مع سائر موارد الخمس.
و عليه، فبناء على القول بوجوب الخمس في المال المختلط يكون مقتضى القاعدة انما هو صرفه في مصرف سائر أقسام الخمس لما دل من النصوص على أن «الخمس لنا أهل البيت».
نعم، بناء على الأخذ بظهور بعض الرّوايات الدالة على الصَّدقة لم يكن وجه لصرف الخمس في المقام في مصرف سائر اقسام الخمس، و إن كان مقتضى الاحتياط هو صرفه في السادة الفقراء من بني هاشم مع فرض كونهم مصرفاً لنصف الخمس الذي هو من سهم الامام عليه السلام.
و دعوى: أن ذلك خلاف الاحتياط، نظرا الى حرمة الصدقة على بني هاشم.
مدفوعة: بان المحرم عليهم انما هي الصدقات الواجبة، و التصدق في المقام على فرض التسليم بوجوبه واجب بوجوب شرطي، بمعنى: انه على تقدير ارادة التصرف في المال يلزمه الصدقة بخمس المال، لا انه واجب مولوي
المقدار و لم يعلم المالك تصدّق به عنه (76)، و الأحوط أن يكون بإذن المجتهد الجامع للشرائط (77)، و لو انعكس بأن علم المالك و جهل المقدار تراضيا بالصلح و نحوه، و إن لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقل أو وجوب إعطاء الأكثر وجهان، الأحوط الثاني، و الأقوى الأول إذا كان المال في يده (78) و إن علم المالك
الشرح
نفسي، بحيث كانت التصدق واجباً عليه و لو لم يقصد التصرف فيه اصلاً، و هذا ظاهر.
(76) كما صرح به غير واحد، بل قد يظهر من كلماتهم عدم الخلاف فيه و تقتضيه النصوص المتقدم ذكرها، فلاحظ.
(77) لا بد من البحث في المحل المناسب عن مدى سعة ولاية الفقيه، و لزوم إذنه بحيث يشمل ذلك المقام أيضاً، و عليه فالمسألة موكول أمرها الى تحقيق الحال في مسألة ولاية الفقيه.
(78) الوجه في احتمال وجوب اعطاء الأكثر، انما هو كون ذلك مقتضى تنجيز العلم الاجمالي بوجود مقدار من مال الغير مردداً بين الأقل و الأكثر، و مقتضاه إنما هو وجوب الاحتياط بدفع الأكثر، بعد عدم كون اليد بالنسبة الى المقدار أمارة الملكية، نظراً إلى كونها معلومة الحال اجمالاً، فان يده على مقدار من المال - و ان كان مردداً بين الأقل و الأكثر - تكون يداً غير مالكية قطعاً، و مثل هذه اليد لا تكون أمارة الملكية.
و الوجه في الاكتفاء بالأقلّ هو: أن المورد من موارد انحلال العلم الإجمالي، و المورد من موارد التردد بين الاقل و الأكثر الاستقلاليين دون الارتباطيّين، الذي اتفقوا فيه على الانحلال.
و المقدار وجب دفعه إليه (79).
مسألة 28: لا فرق في وجوب إخراج الخمس و حلية المال بعده بين أن يكون الاختلاط بالإشاعة أو بغيرها كما إذا اشتبه الحرام بين أفراد من جنسه أو من غير جنسه (80).
مسألة 29، لا فرق في كفاية إخراج الخمس في حلية البقية في صورة الجهل بالمقدار و المالك بين أن يعلم إجمالاً زيادة مقدار
الشرح
و عليه، فالمكلف بالنسبة إلى الأقل لا بد له من الخروج عن عهدة مال الغير، و أما بالاضافة الى الزائد فلا علم له بكونه مال الغير، و إنّما يحتمل كونه للغير، و مقتضى اليد كونه ملكاً له، و الصحيح هو الوجه الثاني، كما لا يخفى.
(79) و الوجه فيه ظاهر، فانه مال الغير فيجب دفعه اليه. و بمقتضى عموم على اليد ما اخذت حتى تؤدي، يكون ضامناً للمال المذكور، كما لا يخفى.
(80) لإطلاق النصوص بالاضافة الى جميع الصور.
ثمّ إن موضوع الخمس - كما مر - انما هو المال غير المتميز المجهول مالكه. و عليه، فيشكل الأمر في ما اذا كان الاختلاف بغير الجنس، فانه يكون حينئذ من المتميز.
و لعلّه يمكن تصوير ذلك باختلاط مال الغير بجنسه و بغير جنسه معاً، كما اذا اختلط زبيب الغير - مثلا - بالزبيب و الحمّص معاً، فان اختلاط مال الغير مع مال المالك المفروض كونه زبيباً و حمصاً اختلاط بغير جنس، كما لا يخفى.(1)
1) هكذا صوره سيدنا الاستاذ (دام ظله) عاجلاً، و أرجأ التدقيق فيه الى وقت آخر. قلت: و يمكن تصويره فيما إذا اختلط الزبيب بالحمص - مثلا - و لكن تردد مال الغير بين الزبيب و الحمص، كما لا يخفى.
الحرام أو نقيصته عن الخمس و بين صورة عدم العلم و لو إجمالاً (81)، ففي صورة العلم الإجمالي بزيادة عن الخمس أيضاً يكفي إخراج الخمس فإنه مطهر للمال تعبداً، و إن كان الأحوط مع إخراج الخمس المصالحة مع الحاكم الشرعي أيضاً بما يرتفع به يقين الشغل و إجراء حكم مجهول المالك عليه، و كذا في صورة العلم الإجمالي بكونه أنقص من الخمس، و أحوط من ذلك المصالحة معه بعد إخراج الخمس بما يحصل معه اليقين بعدم الزيادة.
مسألة 30: إذا علم قدر المال و لم يعلم صاحبه بعينه لكن علم في عدد محصور ففي وجوب التخلّص من الجميع و لو بإرضائهم بأي وجه كان أو وجوب إجراء حكم مجهول المالك عليه أو استخراج
الشرح
(81) الظاهر هو الاقتصار في وجوب الخمس على ما لم يعلم بزيادة مقدار الحرام او نقيصته عن مقدار الخمس و لو إجمالاً.
أمّا أولاً، فلعدم وجود اطلاق لدليل الخمس يقتضي ذلك فإنه وراد مورد بيان شيء آخر، و القدر المتيقن من مورده انما هو غير فرض العلم و لو اجمالا بالزيادة أو النقيصة.
و ثانياً، لما عن الفقيه المحقق الهمداني(1)قدس سره؛ من أن: «في ايجاب الخمس فيما لو كان الحرام المختلط أقل قليل كواحد من الألف، أو الاكتفاء بالخمس في عكسه ما لا يخفى...».
1) الهمداني، الشيخ آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 14: ص 172، الطبعة الحديثة.
المالك بالقرعة أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسوية وجوه أقواها الأخير (82)، و كذا إذا لم يعلم قدر المال و علم صاحبه في عدد
الشرح
(82) و الوجه في الأول، انه مقتضى العلم الاجمالي بوجود المالك في ضمن العدد المحصور، الموجب لتنجز التكليف برد المال إلى مالكه فيجب الاحتياط بالتخلص من جميعهم.
و في الثّاني، فلان عدم المعرفة بالمالك المأخوذ في روايات مجهول المالك، انما يرد به عدم المعرفة التفصيلية، فاذا لم يعرف المالك تفصيلا فقد تحقق به موضوع الروايات المذكورة، و حينئذ فيجب اجراء حكم المال المجهول مالكه عليه.
و في الثالث، لعموم أدلة القرعة، فانها لكل امر مشكل او مشتبه - على اختلاف النصوص -.
و في الرابع، لقاعدة العدل و الانصاف، المستفادة من النصوص الكثيرة الواردة في مختلف الأبواب، كما بني عليه جمع من الأكابر و المحققين.
و يضعف الأوّل: ان رد المال إلى مالكه ليس هو من جملة الواجبات في الشريعة الإسلاميّة ليكون مقتضى العلم بوجود المالك في عدد محصور هو العلم الاجمالي بوجود تكليف إلزاميّ في البين المقتضي للاحتياط، بل اللازم انما هو التخلي عن المال و رفع اليد عنه، و عدم مزاحمة المالك في الوصول إلى ماله.
و على هذا، فلا مقتضى لوجوب الاحتياط في المقام أصلاً.
و يضعف الثّاني: ان المصرح به في بعض نصوص مجهول المالك انما هو اختصاص الحكم بما لم اذا يكن هناك طريق للوصول إلى المالك و إيصال المال إليه، و المفروض في المقام هو التمكن من ايصال المال إليه و لو بالاحتياط.
محصور (83) فإنه بعد الأخذ بالأقل كما هو الأقوىٰ أو الأكثر كما هو الأحوط يجري فيه الوجوه المذكورة.
مسألة 31: إذا كان حق الغير في ذمته لا في عين ماله فلا محل للخمس (84)، و حينئذ فإن علم جنسه و مقداره و لم يعلم صاحبه أصلاً أو علم في عدد غير محصور تصدّق به عنه (85) بإذن الحاكم أو يدفعه إليه (86)، و إن كان في عدد محصور ففيه الوجوه
الشرح
و يضعف الثالث: بان مورد قاعدة العدل و الانصاف اخص من موارد القرعة، فان القاعدة خاصّة بالأموال. و عليه، فيلزم من الرجوع إلى القرعة في موردها اهمال القاعدة رأساً، و هذا بخلاف ما اذا أخذنا بالقاعدة في موردها حيث لا يلزم منه اهمال القرعة رأساً، كما هو ظاهر.
و عليه، فالظاهر من الوجوه المتقدمة انما هو الأخير منها، كما قواه المصنف قدس سره أيضاً.
(83) الظاهر هو عدم الموجب لذكر هذا الفرع بالخصوص، بعد ما تقدم منه قدس سره الكلام في كل من مسألة تردد المال من حيث المقدار، و مسألة العلم بالمالك في عدد محصور، فان الفرع مركب من كلتا المسألتين، و تردد المقدار لا يؤثر في ما هو الحكم في مسألة العلم بوجود المالك في عدد محصور كعكسه، كما لا يخفى.
(84) لأن موضوع الحكم في النصوص إنما هو المال المختلط، و الاختلاط انما يتصور في المال الخارجي دون ما هو في الذمة.
(85) المعروف هو ذلك، و يشهد به بعض النصوص.
(86) هذه المسألة مما لا بد لنا من البحث عنها في المحل المناسب، كما
المذكورة و الأقوىٰ هنا أيضاً الأخير، و إن علم جنسه و لم يعلم مقداره، بأن تردد بين الأقل و الأكثر أخذ بالأقل المتيقن و دفعه إلى مالكه إن كان معلوماً بعينه، و إن كان معلوماً في عدد محصور فحكمه كما ذكر، و إن كان معلوماً في غير المحصور أو لم يكن علم إجمالاً أيضاً تصدّق به (87) عن المالك بإذن الحاكم أو يدفعه إليه،
الشرح
أشرنا الى ذلك فيما سبق.
(87) لم يظهر الوجه في تقدير المصنف قدس سره فرض عدم العمل الاجمالي بوجود المالك في مقابل العلم الإجمالي بوجوده في عدد غير محصور، اذ بعد العلم بان المال ليس هو من المباحات الأولية او ما يلحق بها كالذي أعرض عنه مالكه فلا محالة يعلم اجمالا بوجود المالك له.
و لعل المراد بذلك صورة سعة دائرة العلم الاجمالي، كما اذا علم اجمالا - مثلا - بان مالكه فرد من أفراد البشر الموجودين على الكرة الأرضية، فان هذا - بحسب النظر العرفي - مما يعد من موارد عدم العلم الاجمالي بوجود المالك، بخلاف ما اذا علم بوجود المالك في افراد هذه البلدة المعينة - مثلا - فانه من العلم به في عدد غير محصور.
قلت: و يمكن فرض ذلك، فيما اذا احتمل موت المالك و عدم وجود وارث له أصلاً، فانه حينئذ لا يعلم بوجود المالك، و ان كان على تقدير العلم به يكون المعلوم في عدد غير محصور، فالمقابلة انما هي بين صورة العلم الاجمالي بوجود المالك و بين صورة عدم العلم به لا بين العلم الاجمالي في عدد غير محصور و عدم العلم به كذلك و اللّٰه العالم.
ثمّ إن الحكم في ذلك كما أفاده قدس سره، نظراً إلى عدم المعرفة بالمالك تفصيلاً
و إن لم يعلم جنسه و كان قيمياً فحكمه كصورة العلم بالجنس إذ يرجع إلى القيمة و يتردد فيها بين الأقل و الأكثر (88)، و إن كان مثلياً ففي وجوب الاحتياط و عدمه وجهان (89).
الشرح
مع عدم إمكان ايصال المال إليه، و هذا هو الموضوع لوجوب التصدق في نصوص المال المجهول مالكه، كما أشرنا اليه فيما سبق.
(88) و يتوجه عليه أوّلاً: أنه لا يتم الا على بعض المباني في الضمان، و هو المبنى القائل باشتغال الذمّة في القيمي بالقيمة بمجرد التلف أو الاتلاف، و أما على مبنى من يلتزم بثبوت نفس العين في العهدة، و ان القيمة في القيميات حين الخروج عن العهدة انما هو من باب الاداء و المعاوضة - كما بنى عليه المصنف قدس سره في حاشيته على المكاسب لشيخنا العلامة الأنصاري قدس سره بل الظاهر كونه هو المبتكر لهذا المبنى و المؤسس له - فلا وجه حينئذ لما أفاده قدس سره. فانه يدور الأمر حينئذ بين المتباينين، و مجرد الاشتراك في مقدار من القيمة لا يجعل ذلك من الدوران بين الأقل و الأكثر، كما لا يخفى.
و ثانياً: أنه انما يتم ذلك في باب الضمانات دون ما اذا كان الاشتغال بسبب عقد المعاوضة، فان الذمة حينئذ انما تشتغل بنفس العين حتى في القيميات فضلا عن المثليات، كما نبه عليه السيد العلامة البروجردي قدس سره في تعليقته على المتن، و إليك النّص: «رجوع القيمي الى القيمة عند ثبوته في الذمة انما هو في باب الضمانات فقط، و إلا فقد تشتغل الذمة بنفس الاجناس القيمية بسبب العقود.»
(89) كما إذا علم بإتلاف منّ من الحنطة أو منٍّ من الشعير، فيكون ذلك من الدوران بين المتباينين، فإن الثابت في الذمة في المثليات العين، فمع تردد التالف بين شيئين يكون الثابت في الذمة لا محالة مردّداً بينهما، و مقتضى القاعدة إنّما
مسألة 32: الأمر في إخراج هذا الخمس إلى المالك (90) كما في سائر أقسام الخمس، فيجوز له الإخراج و التعيين من غير توقف على إذن الحاكم، كما يجوز دفعه من مال آخر و إن كان الحق في العين.
الشرح
هو الاحتياط.
و يمكن أن يقال: انه اذا أخرج ما هو الأكثر قيمة فقد حصل له اليقين ببراءة ذمته، فإنه اذا كان هو الثابت في ذمته فقد حصل الاداء، و ان كان الثابت ما هو الأقل قيمة فقد أدّى قيمته في ضمن أداء القيمة الزّائدة.
و لا مجال لإصرار صاحب الحق على المطالبة بمثل التالف واقعا، سواء أ كان هو ذو القيمة الكثيرة أو القليلة. و ذلك، لعدم امكان اداء عين ما هو الثابت في الذمة في هذا المقام. غايته، ان المدين يعرض عليه كلا الشيئين، و يرخصه في أخذ أيّ منهما شاء، و المفروض عدم تمكنه من أخذهما معاً، للقطع بان أحدهما مما لا حق له في أخذه، كما لا يخفى.(1)
(90) بناء على القول بثبوت الخمس في المال المختلط لا يفرق الحال بينه و بين الخمس في سائر الموارد، فما يجري في ذلك كله يجري في الخمس هنا أيضاً، و سيأتي الكلام ان شاء اللّٰه تعالى في المسألة عند تعرضه قدس سره لكيفية تعلق الخمس بالمال، و انه يجوز للمالك تعيينه في مال خاص او لا يجوز، فانتظر.
1) و الظاهر أن سيدنا «دام ظله» هكذا قرر المطلب، و ان كان قد صرّح «دام ظله» بان المسألة بحاجة إلى دقة أكثر. و لعله كان قد قرره بوجه آخر، إلا ان كثرة الفصل بين زمان البحث و كتابة هذه السطور هي التي أملت علينا بما تقدم، و اللّٰه العالم، و هو العاصم.
مسألة 33: لو تبيّن المالك بعد إخراج الخمس فالأقوى ضمانه (91)،
الشرح
(91) قال شيخنا العلامة الأنصاري قدس سره(1): «لو ظهر المالك بعد إخراج الخمس، فهل يضمن الدافع، كما صرح به الشهيدان في الروضة(2)و البيان(3)، أم لا، كما عن الرياض(4)، و المدارك(5)و الذخيرة،(6)قولان، من قاعدة اليد، و كون الإذن في التخميس في مقام بيان سبب اباحة التصرف في الباقي لا يفيد رفع الضمان. نعم، غايته رفع الإثم.
مضافاً الى النص بالضمان في أمثاله، من التصدق بمجهول المالك و اللقطة، و من ان ظاهر التعليل في قوله عليه السلام: «ان اللّٰه رضي من الأموال بالخمس، أن ولاية الخليط المجهول مالكه انتقل مع جهل المالك الى اللّٰه سبحانه، و قد رضي من الخليط بالخمس، فاخراجه مطهر للمال و مبرئٌ للذمة...»
و الذي يتراءى في النظر هو: ان مقتضى القاعدة الأولية انما هو عدم وجوب رد المال الخليط الى مالكه. و ذلك، لان المال المختلط الذي هو موضوع الخمس انما هو المال المختلط بمال الغير الذي حصل اليأس بوصوله إلى مالكه عادة، نظراً إلى ان عدم المعرفة بالمالك و لو اجمالا مأخوذ في الموضوع.
و قد عرفت سابقاً ان العلقة الوضعية - و نعني بها الملكية - منقطعة بحصول
1) الانصاري، الشيخ مرتضى: كتاب الخمس، ص 160، الطبعة الحديثة.
2) الشهيد الثاني، زين الدين: الروضة البهية، ج 1: ص 178، الطبعة الحديثة.
3) الشهيد الاول، محمد بن مكي: البيان، ص 218، ط مجمع الذخائر الاسلامية.
4) الطباطبائي، السيد علي: رياض المسائل، ج 5: ص 249، ط مؤسسة النشر الاسلامية.
5) العاملي، السيد محمد: مدارك الاحكام، ج 5: ص 389، ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
6) السبزواري، ملا محمد باقر: ذخيرة المعاد، ص 484، ط مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
كما هو كذلك في التصدق عن المالك في مجهول المالك (92)، فعليه غرامته له حتىٰ في النصف الذي دفعه إلى الحاكم بعنوان أنه للإمام عليه السلام.
الشرح
اليأس عن وصول المال إلى مالكه، اذ لا مجال لاعتبار العلقة المذكورة بقاءً، فانه لغو محض - كما اشرنا اليه في البحث عن الكنز -، إلا أنّ الشارع - بمقتضى ادلة تخميس المال المختلط - قد فرض الخروج عن عهدة المال المذكور باعطاء الخمس، فيكون ذلك من قبيل الحكم الواقعي الثانوي، الذي يقتضي اطلاق دليله الاجزاء عن الحكم الواعي الاوّلي.
و الحاصل: ان مقتضى أمر الشارع بالتخميس انما هو وجوب الخروج عن عهدة المال المذكور باعطاء الكسر الخاص من المال، فكان المقدار المذكور - بتعيين من الشارع - قد جعل و عيّن مكان المقدار غير المعلوم الموجود في ضمن المال.
و عليه، فلا وجه للقول بالضمان. و لا سيّما مع التعبير في بعض النصوص، كخبر السكوني المتقدم: «... فان اللّٰه قد رضي من الاشياء بالخمس و سائر المال لك حلال».
(92) الظاهر هو عدم الضمان الا في اللقطة - كما أشار اليه شيخنا المحقق النائيني قدس سره في تعليقته -(1)و ذلك، لعدم التعرض في النصوص للضمان الا ما ورد منها في اللقطة.
و من القريب دعوى: اختصاص الحكم المذكور بمورد اللقطة، و عدم
1) تعليقة المحقق النائيني على العروة كتاب الخمس مسألة 33.
مسألة 34: لو علم بعد إخراج الخمس أن الحرام أزيد من الخمس أو أقل لا يستردّ الزائد على مقدار الحرام في الصورة الثانية، و هل يجب عليه التصدّق بما زاد على الخمس في الصورة الاُولىٰ أو لا؟ وجهان، أحوطهما الأول و اقواهما الثاني.
مسألة 35: لو كان الحرام المجهول مالكه معيناً فخلطه بالحلال ليحلله بالتخميس خوفاً من احتمال زيادته على الخمس فهل يجزئه إخراج الخمس أو يبقى على حكم مجهول المالك؟ وجهان، و الأقوى الثاني لأنه كمعلوم المالك حيث إن مالكه الفقراء قبل التخليط.
مسألة 36: لو كان الحلال الذي في المختلط مما تعلّق به الخمس وجب عليه بعد التخميس للتحليل خمس آخر للمال الحلال الذي فيه.
مسألة 37: لو كان الحرام المختلط في الحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف الخاص أو العام فهو كمعلوم المالك على الأقوىٰ فلا يجزئه إخراج الخمس حينئذ.
الشرح
امكان اسرائه إلى مطلق المال المجهول مالكه، نظرا إلى امكان أن يكون جعل الضمان في باب اللقطة لمصلحة وصول المال الى مالكه.
و ذلك بان يكون تشريع الضمان لأجل عدم تصدي المكلف لأخذ المال عن المكان الذي وقع فيه و في ذلك مظنة للوصول الى مالكه غالباً، اذ لو لا أخذ اللقطة عن مكانها لكان المالك برجوعه إلى المكان الذي يظن او يحتمل وقوع
مسألة 38: إذا تصرّف في المال المختلط قبل إخراج الخمس بالإتلاف لم يسقط و إن صار الحرام في ذمته فلا يجري عليه حكم ردّ المظالم على الأقوىٰ، و حينئذٍ فإن عرف قدر المال المختلط اشتغلت ذمته بمقدار خمسه، و إن لم يعرفه ففي وجوب دفع ما يتيقن معه بالبراءة أو جواز الاقتصار علىٰ ما يرتفع به يقين الشغل وجهان، الأحوط الأول و الأقوى الثاني.
مسألة 39: إذا تصرف في المختلط قبل إخراج خمسه ضمنه كما اذا باعه مثلاً، فيجوز لولي الخمس الرجوع عليه، كما يجوز له الرجوع على من انتقل إليه، و يجوز للحاكم أن يمضي معاملته فيأخذ مقدار الخمس من العوض إذا باعه بالمساوي قيمة أو بالزيادة، و أما إذا باعه بأقل من قيمته فإمضاؤه خلاف المصلحة، نعم لو اقتضت المصلحة ذلك فلا بأس.
السادس: الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم (93)،
الشرح
المال منه فيه - كما هو الغالب - يحصّل المال لا محالة.
و الحاصل: ان النصوص خاصة باللقطة، و لا قطع بعدم الفرق، كي يتعدى بها عن موردها.
و نتيجة ذلك كلّه: انما هي عدم وجود الدليل على الضمان في مطلق المال المجهول مالكه مما لم يصدق عليه عنوان «اللقطة» فلاحظ.
(93) كما هو المشهور بين المتأخرين و استدل له برواية ابي عبيدة(1):
1) وسائل الشيعة/باب 9: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 1.
..........
الشرح
«سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: ايما ذمي اشترى من مسلم ارضاً فان عليه الخمس». و وجه الاستدلال بها واضح لكن الحق عدم تمامية الاستدلال بها، و ذلك، لان تكليف الذمي بالخمس و ايجابه عليه ممتنع سواء كان وجوبه تعبدي أو توصلي.
أما ايجابه عليه بالوجوب التعبدي، فلما قرّر في محله من امتناع تأتي قصد القربة من الكافر المقوم للامتثال و الاطاعة. و اذا امتنع تحقق الامتثال من الكافر امتنع تكليفه للغويته و كونه من التكليف بغير المقدور.
و لا يقاس ما نحن فيه على التكليف بسائر الواجبات العبادية، كالصلاة و الزكاة حيث يلتزم الكل تقريبا بتوجه التكليف عليهم و تعلقه بذمتهم مع انه لا يمكن لهم بما هم كفار الاتيان بهذه الافعال بقصد القربة.
و ذلك لوجود الفرق بين المقامين، اذ لم يؤخذ في موضوع التكليف بالصلاة و نحوهما عنوان الكافر. و عليه، فلا يمتنع تكليفهم بها لتوقفه على مقدمة مقدورة لهم و هي الاسلام اذ يتمكن الكافر من الامتثال بالاسلام، فاذا لم يسلم كان عصيانه بسوء اختياره و استحق العقاب.
و هذا بخلاف ما نحن فيه فان الكفر مأخوذ في موضوع التكليف، اذ لا يجب على المسلم خمس الأرض و معه لا يتمكن من الامتثال، اذ امتثاله يتوقف على الاسلام و بالاسلام يرتفع موضوع التكليف فيرتفع التكليف قهراً.
فالمقدمة الاختيارية التي يتوقف عليها الامتثال و هي الاسلام ترفع موضوع التكليف لأخذ الكفر فيه، و بدونها يمتنع الامتثال.
و أما الوجوب التوصلي، فلعدم تحقق الداعوية به بالنسبة الى الكافر لعدم اعترافه و انكاره، مضافاً الى انه خلاف الفرض، اذ المفروض ان الخمس على تقدير وجوبه من الواجبات العبادية بالاجماع.
..........
الشرح
و الخلاصة: أن ايجاب الخمس على الذمي في الأرض التي يشتريها من المسلم ممتنع. و عليه فلا يمكن استفادة وجوبه على الكافر من الرواية.
نعم، هناك وجه معقول لثبوت الخمس في أرض الذمي، و هو أن يلتزم بثبوت الخمس في رقبة الأرض إما بنحو الحق أو الملك من دون توجه اي تكليف على الذمي بالاداء. بل لا يكون الثابت إلا حقاً للفقراء في هذه الأرض بمقدار الخمس او ملكهم مقدار الخمس منها، فان أدى الذمي الحق لأهله فهو و إلا كان لولي الفقراء أخذه منه قهرا.
و ليس في هذا الالتزام محذور ثبوتي اصلاً، إلا ان حمل الرواية عليه لا يخلو من تكلف، لانه يبتني على التصرف بظهور «عليه» في ارادة اشتغال الذمة بتكليف ما، و ما هو نتيجة ثبوت الحق في العين من لزوم الاداء و حمله على ارادة مجرد ثبوت الحق دون أثره.
و التصرف في ظهور لفظ «الخمس» في الخمس المعهود و هو التكليف الخاص و حمله على نحو آخر و هو اشتغال العين بحق الخمس أو ثبوت ملكية الخمس للغير.
و لا وجه لحمل الرواية على ذلك بعد الالتزام برفع اليد عن ظهورها الاولى، اذ يمكن ان يراد بها معنىٰ آخر و هو ما يوافق فتوى مالك من تضعيف العشر على الذمي اذا اشترى أرضا عشرية، بمعنى جعل الضريبة على الذمي عُشرَين و هو الخمس فيكون للوالي حق اخذ الخمس ضريبة.
و هذا المعنى أقرب من الاول، لتحقق الابتلاء به عادة دون الاول، لان الحكم لم يكن بيد من يرى ثبوت الخمس في الأرض المنحصر استحصاله بولي الامر - اذ لا يستطيع احد التعدي على ارض الذمي و أخذ ماله بعنوان الخمس بدون اذن الحاكم - فلا أثر لبيان ثبوت الخمس في ارض الذمي اصلاً.
سواء كانت أرض مَزرع أو مسكن أو دكّان أو خان أو غيرها، فيجب فيها الخمس (94).
الشرح
و لا وجه للالتزام بانه عليه السلام في مقام بيان وظيفة الحاكم لعلمه بعدم عمله به، كما انه لا معنى لبيانه لابي عبيدة الراوي بل كان الانسب بيانه لنفس ولي الامر في ذلك الحين.
و هذا بخلاف ما لو حمل على بيان ثبوت الضعف في الضريبة، لانه مما يثبت العمل به، و بيانه للراوي من جهة انه قد يكون محل ابتلائه هو او غيره كسائر الاموال التي بيد السلطان، و يكون الامام عليه السلام في مقام بيان حلية ذلك المال لانه الضريبة الثابتة شرعاً.
و عليه، فاذا اضطررنا لتوجيه الرواية و حملها على معنىٰ معقول ثبوتا فهي بالمعنى الثاني اولى منها بالمعنى الاول، فتكون أجنبية عما نحن فيه بالمرة اذ لا ترتبط بالخمس اصلا. و لو تنزلنا فلا اقل من الاجمال المانع من الاستدلال بها على المدعىٰ اعني ثبوت الخمس، فتأمل جيدا. و عليه، فالكلام في فروع المسألة تنزلي.
(94) الاقوال في المسألة ثلاثة:
الاول: تخصيص ثبوت الخمس بخصوص أرض الزرع.
الثاني: عموم الخمس بالنسبة الى جميع اصناف الأرض، كأرض الزرع و الدكان و الخان و المسكن و غيرها سواء تعلق به البيع بالأصالة أو بالتبع.
الثالث: اختصاص ثبوت الخمس بما تعلق به البيع بالاصالة ضمناً أو استقلالاً من جميع اصناف الأرض دون ما تعلق به تبعا.
و وجه الاول: انصراف «الارض» في النص الى أرض المزرع دون غيره
و مصرفه مصرف غيره من الأقسام على الأصح (95).
و في وجوبه في المنتقلة إليه من المسلم بغير الشراء من المعاوضات إشكال (96)، فالأحوط اشتراط مقدار الخمس عليه في
الشرح
لتعارف شرائها في ذلك الحين. و لكن دعوى الانصراف بلا وجه ظاهر و عهدتها على مدعيها.
و وجه الثاني: اطلاق لفظ الأرض الوارد في النص الشامل لجميع اصناف الأرض.
و لكن يدفعه: أن ظاهر تعلق الشراء بالأرض اختصاص الحكم بخصوص ما تعلق به الشراء بالاصالة و لو ضمناً. دون ما لو تعلق الشراء به تبعاً لشراء ما عليه أو فيه، كما لو تعلق الشراء بالدكان بلا لحاظ جهة أرضه أصلاً في أصل البيع و انما هي ملحوظة باعتبار تقوم المبيع بالارض لا انها موضوع البيع، فانه لا يصدق في الحال شراء الأرض اذ الشراء تعلق بالدكان و شراء الأرض انما يصدق بالتبع بلحاظ تقوم الدكان بها.
و بذلك يظهر تعيين القول الثالث و كون المدار على صدق شراء الأرض و لو ضمنا. دون ما لا يصدق إلا تبعاً و بلحاظ جهة خارجية.
(95) كما هو الحق بناء على ثبوت الخمس فيه لإطلاق أدلة تعيين المصرف و شمولها له.
(96) التحقيق عدم الوجوب لاختصاص دليله بخصوص الشراء لأخذه في موضوعه و لا دليل على عدم ارادة خصوصية الشراء، اذ لا دليل على وحدة الملاك في الشراء و سائر المعاوضات، و ظاهر الكلام دخل خصوصية الشراء و ان الموضوع هو الأرض المشتراة دون غيرها، فيحتاج التعدي الى دليل و هو مفقود.
و قد ظهر وجه التوقف و ان لم يكن وجهاً وجيهاً. فلاحظ.
في عقد المعاوضة، و إن كان القول بوجوبه في مطلق المعاوضات لا يخلو عن قوة (97).
و إنما يتعلق الخمس برقبة الأرض (98) دون البناء و الأشجار و النخيل إذا كانت فيه، و يتخيّر الذمي بين دفع الخمس من عينها أو قيمتها (99)، و مع عدم دفع قيمتها يتخيّر ولي الخمس بين أخذه و بين
الشرح
(97) قد عرفت أنه ضعيف.
(98) لظهور النص المزبور في كون موضوع الخمس هو الأرض بخصوصها. و فهم الاصحاب منه ذلك و ان لم يبين فيه بالصراحة.
و صراحة مرسلة المقنعة(1)عن الصادق عليه السلام (الذمي اذا اشترى من المسلم الأرض فعليه فيها الخمس) في ذلك.
(99) ثبوت التخيير بين دفع الخمس من العين أو القيمة للذمي يبتني على استفادة التوسعة في متعلق الحق و انه أعم من العين و القيمة، و كون الملحوظ في الحكم مالية الشيء دون خصوصية ذاته من الأخبار الدالة على جواز دفع القيمة، اذ بذلك يثبت كون الثابت في ذمته أعم من الخمس من العين أو القيمة و له الاداء من أيهما شاء.
و ليس للحاكم تعيين أحدهما، اذ وظيفته اخذ الحق الثابت و المفروض انه أعم، فتعيين أحدهما خصوصية زائدة على أصل ثبوت الحق، فلا يجوز له.
و أما لو استفيد من أدلة جواز دفع القيمة انه من باب الاكتفاء به في مقام الاداء و الامتثال تسهيلا على المكلفين و ان الثابت ليس الا خمس العين، كان
1) وسائل الشيعة/باب 9: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 2.
إجارته (100)، و ليس له قلع الغرس و البناء بل عليه إبقاؤهما بالأجرة (101)، و إن أراد الذمي دفع القيمة و كانت مشغولة بالزرع أو الغرس أو البناء تقوّم مشغولة بها مع الاجرة فيؤخذ منه
الشرح
التخيير المذكور من شئون الحاكم لا نفس الذمي لانه - أي دفع القيمة - وظيفة المؤدي و هو فيما نحن فيه الحاكم، اذ لم يكلف الذمي بالاداء كما عرفت.
لكنه لا بد أن يقيد الامر بان يكون المستظهر ان دفع القيمة من وظائف من يكون في مقام ايصال الحق الى مستحقيه، فان ذلك يرجع الى الحاكم لا استظهار انه من وظائف المؤدي فقط، اذ وظيفة الحاكم انما هي الأخذ و ليس له إلا أخذ الحق الثابت و هو ليس إلا خمس العين فليس له فرض اعطاء القيمة على الذمي لو لم يرغب باعطائها، لانه لا يجوز له أخذ الحق. فتأمل.
و عليه، فللحاكم أخذ الخمس من العين نفسها و له اخذ قيمته.
و لما كان الظاهر من الأخبار المذكورة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - كون جواز دفع القيمة من باب التوسعة في متعلق الحق لاٰ من باب الاكتفاء به في مقام الامتثال، كان ما ذكره في المتن هو المتعين.
(100) اذ لاٰ ملزم له بل له ان يبقيه على الاشاعة، فيكون له الخمس بنحو الاشاعة ثمّ يؤجرها على الذمي باعتبار ما فيها من زرع أو بناء له.
(101) لانه ضرر منفي شرعا و اختصاصه بالمسلم - لو تم - لا يدفع ما ذكرنا، لان الذمي في حكم المسلم.
كما انه تصرف في مال الغير بلا وجه مبرر، فينافي قاعدة احترام ماله.
و الضرر اللاحق لأرباب الخمس بالتعطيل يرفع بالاجارة، كما انه بها يحل التزاحم بين حق الذمي في غرسه و بنائه و حق ارباب الخمس في الأرض التي عليها البناء.
خمسها (102).
و لا نصاب في هذا القسم من الخمس (103)، و لا يعتبر فيه نية القربة (104) حين الأخذ حتى من الحاكم، بل و لا حين الدفع إلى السادة.
الشرح
(102) تظهر الثمرة في المورد الذي يكون عدم شغل الأرض بشيء من ذلك موجبا لزيادة الثمن بلحاظ قابلية الأرض و الحال هذه لتوارد الحالات المتبادلة عليها و المنافع المختلفة من بناء او زرع أو غيرهما، بخلاف المشغولة فان فائدتها منحصرة في ما تشغل به، فيقل ثمنها عن غير المشغولة.
و عليه، فلا يتجه - في فرض كونها مشغولة - تقويمها بلا لحاظ شغلها و كأنها أرض قابلة لكل منفعة، اذ ذلك غير ثابت فيها، كما لا يتجه تقويمها بذاتها مع لحاظ حالها الذي عليه و لكن بلا فرض الفائدة المستوفاة منها بلحاظ ما تشغله، لانه تقليل لقيمتها الفعلية.
فالوجه هو تقويمها مع لحاظ الفائدة المترتبة عليها فيه، فالمقوّم هو الذات المشغولة بالزرع مع الأجرة لا نفس الذات، مع لحاظ حالها الذي عليه او بدونه، و أما في المورد الذي لا يختلف فيه الحال فلا أثر لذلك كما لا يخفى.
(103) كما هو مقتضى اطلاق النص، و لا قائل به كما قيل.
(104) اذ لا تكليف على الكافر - كما هو الفرض - بالاداء كي يقال بان الحاكم ينوب منابه باعتبار ولايته فيقصد القربة باداء المال الى اصحابه، نظير ما ذكرنا في باب الزكاة من: أنه اذا امتنع المكلف من اداء الزكاة أخذ الحاكم من ماله بمقدار الزكاة لانه ولي الممتنع، و يقصد القربة حين الدفع لانه يكون نائبا حين الدفع عن المالك، فيفعل ما يجب على المكلف و ما هو وظيفته و هو الواجب
مسألة 40: لو كانت الأرض من المفتوحة عَنوة و بيعت تبعاً للآثار ثبت فيها الحكم (105) لأنها للمسلمين، فإذا اشتراها الذمي وجب عليه الخمس و إن قلنا بعدم دخول الأرض في المبيع و أن المبيع هو الآثار و يثبت في الأرض حق الاختصاص للمشتري، و أما إذا قلنا بدخولها فيه فواضح (106)، كما أنه كذلك إذا باعها منه أهل الخمس بعد أخذ خمسها فإنهم مالكون لرقبتها و يجوز لهم بيعها.
الشرح
العبادي، فلزوم قصد القربة على الحاكم في باب الزكاة من باب انه ولي الممتنع و الواجب على الممتنع عبادي فينوب منابه في اداء الواجب العبادي.
و الحاكم هاهنا و ان كان ولي الذمي لكن لا تكليف على الذمي، بل لا يجب على الحاكم سوى الأخذ و ايصال الحق الى اربابه، كأخذه سائر الضرائب و كغيره من وظائف الحاكم و هي لا يعتبر فيها قصد القربة.
(105) يعني الخمس، و لكنه يشكل بأن المنصرف من شراء الأرض المأخوذ في موضوع الحكم هو الشراء الموجب للملكية المستقرة المستمرة دون ما اوجب الملكية المحدودة، كما في الفرض، اذ المفروض ان ملكية الأرض تكون منوطة بوجود الآثار فان زالت زالت الملكية عن الأرض.
و أشكل منه ثبوت الخمس مع عدم القول بملكية الأرض بل ثبوت حق الاختصاص فقط، اذ لا يصدق في الفرض موضوع الحكم و هو شراء الأرض اصلاً فلا وجه لثبوت الحكم، كما جزم به في المتن.
(106) قد عرفت عدم وضوحه، ثمّ انه..
ان اُريد من دخول الأرض في المبيع تبعاً، أن البيع تعلق بالأرض تبعاً لا استقلالاً، فثبت الاشكال من جهة أخرى اذ عرفت ان موضوع الحكم هو شراء
مسألة 41: لا فرق في ثبوت الخمس في الأرض المشتراة (107) بين أن تبقىٰ علىٰ ملكية الذمي بعد شرائه أو انتقلت منه بعد الشراء إلى مسلم آخر كما لو باعها منه بعد الشراء أو مات و انتقلت إلى وارثه المسلم أو ردها إلى البائع بإقالة أو غيرها، فلا يسقط الخمس بذلك، بل الظاهر ثبوته أيضاً لو كان للبائع خيار ففسخ بخياره (108).
مسألة 42: إذا اشترى الذمي الأرض من المسلم و شرط عليه عدم الخمس لم يصح (109)، و كذا لو اشترط كون الخمس على البائع، نعم لو شرط على البائع المسلم أن يعطي مقداره عنه فالظاهر جوازه (110).
الشرح
الأرض استقلالاً.
و ان اُريد أن انتقال الأرض بتبع انتقال الآثار، فيقع البيع عليها تبعا بمعنى يقصد انتقالها تبعا و الا فالبيع تعلق بها استقلالاً و لو ضمناً، فلا اشكال الا من الجهة التي ذكرها سابقا.
(107) لتحقق موضوع الحكم فيثبت الحكم بمقتضىٰ الدليل.
(108) قد عرفت الاشكال فيه من جهة انصراف الشراء في النص لا ما اوجب الملكية المستقرة، اذ لا يصدق تحقق الشراء عرفا مع الخيار، فتأمل.
(109) لانه شرط يخالف السنة، اذ السنة تدل على ثبوت الخمس على الذمي. و هكذا شرط كون الخمس على البائع فانه يخالف مقتضى السنة من كون الخمس على الذمي دون غيره.
(110) جوازه واضح، اذ لا مخالفة فيه للسنة بل هو التزام بمضمونها.
مسألة 43: إذا اشتراها من مسلم ثمّ باعها منه أو من مسلم آخر ثمّ اشتراها ثانياً وجب عليه خمسان (111) خمس الأصل للشراء أوّلاً و خمس أربعة أخماس للشراء ثانياً (112).
الشرح
(111) لظهور النص في ترتب الحكم على كل فرد من أفراد الشراء، و ان الشراء موضوع الحكم بنحو العموم الاستغراقي.
(112) تحقيق الحال: أن ثبوت الخمس اما ان يكون من باب الملك أو من باب الحق.
فإن كان من باب الملك، كان الثابت في حقه ابتداء خمس الأصل و خمس اربعة أخماس لانه لم يؤد الخمس الاول، فيكون قد باع ما ليس له فلا يدخل في ملك المشتري المسلم الا أربعة أخماس. فاذا باع المسلم العين من الذمي فقد باع أربعة اخماس اذ الخمس الخامس ليس ملكا له بل هو ملك الفقراء و الامام عليه السلام.
و عليه، فيثبت عليه بالشراء الثاني خمس أربعة أخماس.
ثمّ إن أدى الخمس الاول - أعني خمس الاصل - قيمةً دخل الخمس من العين في ملكه، فتتوقف صحة بيعه له على المسلم على اجازته بناء على اعتبار اجازة من باع ما لاٰ يملك ثمّ ملك في صحة البيع، كما تتوقف صحة بيع المسلم منه على اجازته - اي المسلم - لنفس الملك فاذا اجازا كليهما ثبت عليه خمس الخمس لانه ملكه بالشراء الثاني.
و إن كان من باب الحق..
فان كان من قبيل حق الجناية، فلا اشكال في صحة بيع جميع الأرض على المسلم و بيع المسلم، عليه اذ حق الجناية لا يمنع من صحة البيع بل هو يدور مع
مسألة 44: إذا اشترى الأرض من المسلم ثمّ أسلم بعد الشراء لم يسقط عنه الخمس (113)، نعم لو كانت المعاملة مما يتوقف الملك فيه على القبض فأسلم بعد العقد و قبل القبض سقط عنه لعدم تمامية ملكه في حال الكفر (114).
مسألة 45: لو تملك ذمي من مثله بعقد مشروط بالقبض
الشرح
العين اينما دارت.
و عليه، فيثبت عليه ابتداء خمسان موضوع كل منهما الأصل، لانه اشترى الأصل مرتين فيثبت عليه في كل مرة الخمس من الأصل.
و ان كان من قبيل حق الرهانة، فهو يمنع من صحة البيع في مقدار الخمس، فيكون الثابت عليه بالشراء الثاني خمس أربعة أخماس لأنه لم يملك بالشراء الثاني الخمس الخامس من الأرض.
ثمّ إن دفع خمس الأصل و رفع الحق الثابت، كان بيعه على المسلم صحيحا و لا يحتاج الى إجازته لأنه باع ما يملك و لم يكن المانع سوى الحق و قد أداه، الا ان بيع المسلم عليه يحتاج الى اجازة المسلم لانه باع ما لاٰ يملك ثمّ ملك بناء على لزوم الاجازة في مثل ذلك. فان اجاز المسلم البيع ثبت على الذمي خمس الخمس ثانيا. فلاحظ.
(113) اذ لاٰ وجه لسقوطه الا ما يتخيل من شمول حديث الجب و لكنه مختص بالقضاء - كما تقدم بيان ذلك في زكاة الفطرة - فلا يشمل ما نحن فيه، كما لا يخفى.
(114) لاشتراطها بالقبض و قد تحقق بعد الاسلام، فيرتفع موضوع التكليف.
فأسلم الناقل قبل القبض ففي ثبوت الخمس وجهان، أقواهما الثبوت (115).
مسألة 46: الظاهر عدم سقوطه إذا شرط البائع على الذمي أن يبيعها بعد الشراء من مسلم (116).
مسألة 47: اذا اشترى المسلم من الذمي أرضاً ثمّ فسخ بإقالة أو بخيار ففي ثبوت الخمس وجه (117) لكن الأوجه خلافه حيث إن الفسخ ليس معاوضة.
الشرح
(115) لتحقق موضوعه و هو التملك من مسلم، اذ تحقق الملكية لم يكن بمجرد الإنشاء بل ثبت بالقبض و المفروض تحقق الإسلام قبل القبض فيثبت الموضوع.
و وجه عدم الثبوت: توهم ارادة نفس العقد من المعاوضة لا المسبب و هو التملك و هي تحصل بمجرد الإنشاء و هو في حال الكفر لاٰ الاسلام.
(116) لتمامية موضوعه بلا وجه لسقوطه. و دعوى الانصراف ممنوعة، اذ لا وجه لها ظاهراً.
(117) بلحاظ انه - اي المسلم - باقالته صار مسبباً لملكية الكافر للارض بعد ان لم يكن ملكاً له فيثبت الموضوع.
لكنه فاسد، لأن الفسخ انما صار سببا لرفع تأثير العقد الحاصل في نقل المال الى المسلم. اما ملكية الكافر للمال فهي ليست بسبب الفسخ - اذ تأثيره ما عرفت ليس الا - بل بسببها الثابت قبل البيع المفسوخ من بيع أو غيره.
و بعبارة أخرى: أن الملكية الثابتة بعد الفسخ استمرار للملكية الحاصلة قبل المعاملة و المؤثر فيهما واحد و لا تحتاج الى مؤثر مستقل، و انما منع عنها
مسألة 48: من بحكم المسلم بحكم المسلم (118).
مسألة 49: إذا بيع خمس الأرض التي اشتراها الذمي عليه وجب عليه خمس ذلك الخمس الذي اشتراه (119) و هكذا.
السابع: ما يفضل عن مئونة سنته و مئونة عياله من أرباح التجارات و من سائر التكسبات (120) من الصناعات و الزراعات
الشرح
البيع الحادث و قد نقض بالفسخ.
(118) فاذا اشترى منه الذمي ثبت عليه الخمس، كما لو اشترى من مسلم.
و لعل الوجه في ذلك هو التسالم و الا فلا دليل عليه بخصوصه.
(119) لانه أرض مشتراة من مسلم، فيثبت فيها الخمس، كما لا يخفى.
(120) لا بد قبل تحقيق الحال من ذكر النصوص المسوقة للاستدلال بها على ثبوت الخمس في ارباح المكاسب او مطلق الفائدة و هي..
رواية محمد بن الحسن الأشعري(1)قال: «كتب بعض اصحابنا الى ابي جعفر الثاني عليه السلام اخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل و كثير من جميع الضروب و على الصناع و كيف ذلك؟ فكتب بخطه الخمس بعد المؤنة».
و رواية محمد بن علي (علي بن محمد) بن شجاع النيسابوري(2): «انه سئل أبا الحسن الثالث عليه السلام عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كر ما يزكي فأخذ منه عشرة أكرار. و ذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كراً و بقي
..........
الشرح
في يده ستون كراً ما الذي يجب لك من ذلك؟ و هل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقع عليه السلام: لي منه الخمس مما يفضل من مئونته».
و رواية علي بن مهزيار(1)قال: «قال لي ابو علي بن راشد قلت له: أمرتني بالقيام بامرك واخذ حقك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: و أي شيء حقه؟ فلم أدر ما أجيبه؟ فقال يجب عليهم الخمس، قلت ففي أي شيء؟: فقال في أمتعتهم و صنائعهم (ضياعهم)، قلت: و التاجر عليه و الصانع بيده؟ فقال اذا امكنهم بعد مئونتهم».
و رواية علي بن مهزيار(2)قال: «كتب اليه ابراهيم بن محمد الهمداني أقرأني علي كتاب ابيك فيما أوجبه على اصحاب الضياع انه أوجب عليهم نصف السدس بعد المؤنة، و انه ليس على من لم يقم ضيعة بمئونة نصف السدس و لا غير ذلك، فاختلف من قبلنا في ذلك فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد المؤنة مئونة الضيعة و خراجها لاٰ مئونة الرجل و عياله، فكتب: و قرأه علي بن مهزيار، عليه الخمس بعد مئونته و مئونة عيالة و بعد خراج السلطان».
و رواية سماعة(3)قال: «سألت أبا الحسن عليه السلام عن الخمس فقال: في كل ما افاد الناس من قليل و كثير».
و رواية بن يزيد(4)قال: «كتبت جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة و ما حدها؟ رأيك ابقاك الله أن تمن علي ببيان ذلك لكي لا اكون مقيما على حرام لا صلاة لي و لا صوم، فكتب: الفائدة مما يفيد اليك في تجارة من ربحها، و حرث
..........
الشرح
بعد الغرام أو جائزة».
و رواية عبد الله بن سنان(1)قال: «قال ابو عبد الله عليه السلام على كل مسلم غنم أو اكتسب الخمس مما أصاب لفاطمة عليها السلام و لمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس فذلك لهم خاصة يضعونه حيث شاءوا و حرم عليهم الصدقة، حتى الخياط يخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق الا من احللناه من شيعتنا لتطيب لهم الولادة انه ليس من شيء عند الله يوم القيامة اعظم من الزنا انه ليقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب سل هؤلاء بما أبيحوا».
و رواية الريان بن الصلت(2)قال: «كتبت الى ابي محمد عليه السلام ما الذي يجب علي يا مولاي في غلة رحى ارض في قطيعة لي و في ثمن سمك و بردي و قصب ابيعه من أجمة هذه القطيعة؟، فكتب يجب عليك فيه الخمس ان شاء الله تعالى».
و رواية أبي بصير(3)عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كتبت اليه في الرجل يهدي اليه مولاه و المنقطع اليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقل أو أكثر هل عليه فيها الخمس؟ فكتب عليه السلام الخمس في ذلك. و عن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال انما يبيع منه الشيء بمائة درهم أو خمسين درهما هل عليه الخمس؟ فكتب أما ما أكل فلا، و أما البيع فنعم هو كسائر الضياع».
هذه مجموع الروايات التي ذكرها صاحب الوسائل في هذا الباب.
نعم هناك رواية عاشرة هي رواية علي بن مهزيار(4)التي سبق ان ذكرناها في أوائل كتاب الخمس ذكرنا انها لا تصلح للاستدلال بها على اي شيء للجزم
..........
الشرح
بعدم صدورها و ان كانت صحيحة السند. اهملنا ذكرها هنا لذلك.
و على كل، فيقع الكلام في جهات:
الجهة الاولى: في دلالة هذه النصوص على ثبوت الخمس في الفائدة مطلقا أو في الجملة، و لنلاحظ كل رواية بنفسها و مقدار ما يستفاد منها.
أما الرواية الاولى، فهي لا تدل على ثبوت الخمس في مطلق الفائدة و دلالتها على ثبوته كذلك يبتني على استفادة التعميم من جهة انواع الفائدة و اصنافها من سؤال السائل، كما قد يظهر من قوله: «أعلى جميع ما يستفيد الرجل» إلا أن الظاهر كون السؤال عن العموم من جهة المقدار و انه هل يفرق في ثبوت الخمس في الفائدة بين القليل و الكثير و ذلك بقرينة تفسير السائل الموصول في «ما يستفيد» بقوله «من قليل و كثير»، فانه ظاهر في أن محط نظره في السؤال هو جهة القلة و الكثرة.
و يشهد لذلك جواب الامام عليه السلام له بان الخمس بعد المؤنة، فانه لو كان السؤال عن ثبوت الخمس في جميع انواع الفائدة ايضا و ليس خصوص جهة المقدار لا يكون هذا الجواب وافياً، كما لا يخفى.
ثمّ إنه يستفاد ثبوت الخمس في الفائدة في الجملة من ظهور سؤال السائل في المفروغية عن ثبوته فيها و كون الترديد في ثبوته في القليل و الكثير. لكنه لا يستفاد العموم لجميع انواع الفائدة، لعدم الاطلاق من هذه الجهة في كلامه، كما عرفت.
و لا مجال لإنكار ظهور السؤال في ثبوت الخمس في الفائدة بعنوانها بنحو الجملة، بدعوى: امكان ارادة انواع ما يجب فيه الخمس من الكنز و الغوص و المعدن و الغنيمة و السؤال عن مقدار الذي يجب فيه الخمس منها.
لان ذلك خلاف ظاهر التعبير بما يستفيد، اذ ظاهره عنوانية الفائدة
..........
الشرح
و موضوعيتها، لا طريقتها و مرآتيتها عن بعض الأصناف التي ثبت فيها الخمس جزماً.
و بالجملة، فدلالة الرواية لظهورها على ثبوت الخمس في الفائدة في الجملة لا إشكال فيه.
و أما الرواية الثانية: فدلالتها على ثبوت الخمس واضحة، الا أن موضوعها مختص بغلة الضيعة، فلا تشمل الرواية مطلق الفائدة. مع احتمال عدم ثبوت الخمس في الغلة بعنوان الفائدة لاحتمال كون الضيعة خراجية و احتمال ثبوت الخمس في الاراضي الخراجية، و حيث انه لم يدفع فيستوفى من غلاتها الخمس و جعل ذلك بدلاً عن خمس رقبة الأرض. فان مجرد احتمال ذلك كاف في نفي الدلالة على المدعى لعدم الجزم حينئذ بان ثبوت الخمس في الغلة بعنوان الفائدة، اذ لم يصرح فيها بذلك. فتدبر.
و أما الرواية الثالثة: فدلالتها على وجوب الخمس واضحة أيضا، و لكنها لا تدل على ثبوته في مطلق الفوائد، بل في خصوص ارباح التجارات و الصناعات، ان لم نقل بعدم دلالتها على ذلك أيضا، بل لا تدل الا على تعيين مورد الخمس و انه مطلق المنافع و لا يختص بمنفعة دون أخرى كما هو ظاهر امتعتهم اذ المراد بها المنافع.
و لا اشكال في عدم ثبوت الخمس في اصل المنفعة التي ينتفع بها بلبس أو أكل أو غيرهما. فلا بد ان يكون الملحوظ تعيين مورد الخمس و انه مطلق المنفعة، أما موضوعه فيها من كونه الفائدة أو غيرها فهذا يحتاج الى دليل آخر.
و على هذا يمكن ان يحمل قوله: «و التاجر عليه و الصانع بيده» من كونه لبيان مورد الخمس و انه لا فرق بين اموال التجارة و الصناعة، لاٰ على كون الخمس في ربح التجارة و الصناعة، فيحتاج في تعيين عنوان الخمس فيها الى
..........
الشرح
دليل آخر، فالرواية أجنبية عما نحن فيه بالمرة.
و أما الرواية الرابعة: فهي ظاهرة في ثبوت الخمس في الضيعة لكنه يحتمل ان يكون ثبوته فيها استيفاء للخمس الثابت في رقبة الأرض لاحتمال ارادة الضيعة الخراجية، و يمكن تأييد ذلك بقوله عليه السلام «و خراج السلطان» فانه يمكن ان يستظهر منه كون الموضوع الأرض الخراجية، فلا يكون الخمس الثابت بعنوان الفائدة.
و أما الرواية الخامسة: فدلالتها على ثبوت الخمس في الفائدة في الجملة لا ريب فيه لكنها لا تدل على التعميم لمطلق الفائدة، لانه و ان ورد فيها التعبير بكل ما أفاد لكنه بقرينة قوله: «من قليل أو كثير» يكون الظاهر كون الملحوظ في التعميم خصوص جهة القلة و الكثرة دون جهة الانواع و الاصناف و لا الاعم كما لا يخفى، لظهور «من» في كونها بيانية فهي بيان للموصول وصلته.
و دلالتها على العموم من جهة الانواع تتوقف على ثبوت لحاظ هذه الجهة في الكلام و هو خلاف ظاهر الكلام.
و أما الرواية السادسة: فدلالتها على عموم الحكم لمطلق الفائدة ظاهرة بعد فرض كون الفائدة المسئول عنها هي الماخوذ في موضوع الخمس، اذ لم يعرف أخذها في موضوع حكم في الشرع غير الخمس. و بعد الالتزام بما هو مقتضى التسالم من عدم الفرق بين الجائزة و الهدية و الهبة فاذا ثبت الحكم في الجائزة، كما هو مقتضى الرواية، فهو يثبت في نظائرها للجزم بعدم الفرق و الفصل. لكن سندها ضعيف.
و أما الرواية السابعة: فظهورها في وجوب الخمس لاٰ ينكر لكن موضوعها خصوص الغنيمة و الاكتساب، فلا تشمل مطلق الفائدة.
و أما الرواية الثامنة: فهي ظاهرة في ثبوت الخمس الا أن موضوعها
..........
الشرح
خصوص الغلة و ثمن المبيع، فلا تشمل مطلق الفوائد.
و أما الرواية التاسعة: فهي و ان دلت على ثبوت الخمس في ثمن المبيع من البستان و الهدية من المولى و المنقطع اليه لكنها ضعيفة السند جداً مع احتمال ارادة البستان الخراجية أيضاً، فلا تدل على المدعى، فتأمل.
و النتيجة: أنه ليس في الروايات ما يصلح لاثبات الخمس في مطلق الفائدة الا الرواية السادسة و لكنها ضعيفة السند كما عرفت، فلا تصلح بنفسها للدلالة على ذلك.
و الذي يستفاد من مجموع هذه الروايات هو ثبوت الخمس في الفائدة بنحو الجملة، و مقتضى ذلك - كما هو شأن المتواتر اجمالاً - هو الاخذ بالقدر المتيقن ارادته من مجموع الروايات و هو خصوص أرباح المكاسب الشامل للصناعات و الزراعة و التجارات. و يمكن تحديده بالفائدة الحاصلة في مقابل مال أو عمل، فلا يشمل مثل الهبة و الهدية و الجائزة و نحوها. اذ لا دليل على ثبوت الخمس في خصوص الهدية الا الرواية التاسعة و قد عرفت ضعف سندها.
و ليس في المقام اطلاق يصلح لان يتمسك به في اثبات الخمس في مطلق الفوائد. كما انه لا يمكن تعميم الحكم للهبة بلحاظ انها اكتساب لتوقفها على القبول، فتشملها الرواية السابعة فانه مع فرض تسليمه لا يمكن التمسك بالرواية لانها ضعيفة السند أيضا.
الجهة الثانية: في تعيين مصرف الخمس المذكور و هل انه للامام عليه السلام خاصة أو يوزع كغيره بينه و بين الفقراء؟
و التحقيق: أن روايات المسألة التي هي الدليل على ثبوت الخمس بين ما هو مطلق من هذه الجهة غير معين و بين ما يصرح فيه أنه للامام عليه السلام، ك: رواية النيسابوري حيث يظهر من سؤال السائل «ما الذي يجب لك من ذلك» و توقيع
..........
الشرح
الامام عليه السلام «لي منه الخمس» كون الخمس للامام عليه السلام. و رواية ابو علي بن راشد حيث يظهر ذلك من قوله: «و أخذ حقك».
و رواية ابن سنان حيث يقول فيها «... الخمس مما اصاب لفاطمة عليها السلام و لمن يلي أمرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس فذلك لهم خاصة» الظاهر في ان الخمس للامام عليه السلام دون غيره.
و ظهور مثل هذه التعبيرات في ملكية الامام عليه السلام للخمس لا ينكر.
و ليس في اخبار الخمس ما يعين مصرف الخمس في الامام و غيره بنحو مطلق بنحو يشمل الخمس الثابت بعنوان الفائدة الخاصة، بل هي واردة في موارد خاصة، كالغنيمة و الغوص و نحوهما.
إلا رواية واحدة واردة في تفسير المراد من الغنيمة في الآية و انها هي الفائدة، و هي رواية حكيم مؤذن بني عيسى(1)«ابن عيسى» عن ابي عبد الله عليه السلام:
«قال قلت له: «وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ» قال هي و الله الافادة يوماً بيوم إلا ان ابي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكوا»، فانها ظاهرة في ان موضوع الخمس انما هو الغنيمة بعنوان الفائدة أو نفس الفائدة و ذكر الغنيمة من باب أنها احد المصاديق، و الآية صريحة في التوزيع و عدم اختصاص الامام عليه السلام بالخمس.
فمقتضى الجمع الدلالي هو حمل تلك الرواية الظاهرة في كون الخمس للامام على ما لا ينافي صراحة الآية في التوزيع و هو كونه وليا للخمس بلحاظ كونه ولي الفقراء لا انه ملكه خاصة، كما هو مقتضى الجمع بين النص و الظاهر، اذ الآية نص في التوزيع و الروايات ظاهرة في الاختصاص.
1) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 1.
..........
الشرح
لكنه يشكل بضعف سند هذه الرواية، فلا تصلح لرفع اليد عن ظهور تلك الروايات.
و عليه، فمقتضى القواعد الالتزام بظهور هذه الروايات، اذ لا معارض لها من غيرها لسكوت غيرها عن بيان هذا الحكم أو ضعف المعارض، و الحكم بان هذا الخمس للامام خاصة - كما يظهر من صاحب الوسائل.
بل يكفي عدم الجزم بأحد الطرفين إذ لاٰ دليل على التوزيع و القدر المتيقن تسليمه للامام اما لانه ملكه أو لانه وليه. فلا دليل على ملكية الفقراء لبعضه أصلاً.
لكن الحق خلاف ذلك، لوجوه:
الاول: تعارف التعبير بمثل «لنا» و «حقنا» و نحوهما في الموارد التي يعلم بعدم اختصاصهم عليهم السلام بالمال و انما ثبت لهم حق الولاية عليه. كالتعبير بذلك في باب الزكاة، فانه يعلم بعدم استحقاقهم للزكاة في الجملة. فإن ذلك يقرب التصرف في ظهور الروايات المزبورة و كون المراد بها غير ظاهرها.
الثاني: ورود النص الصحيح الدال على ان حكمة جعل الخمس تحريم الصدقة. و لا يخفى ان تحريم الصدقة ثابت في حق غير الامام عليه السلام من السادات.
الثالث: ظهور رواية ابن سنان في عدم ارادة اختصاص الامام عليه السلام بملك الخمس بل اختصاصه بولايته، و ذلك بقرينة كون موضوع الحكم المزبور خمس الغنيمة و الاكتساب، و صريح الآية على ان خمس الغنيمة في الاصناف الستة لاٰ لخصوص الامام عليه السلام، فان ذلك قرينة على كون نظرهم في التعبير المزبور هو اثبات الولاية لهم خاصة على الخمس لا ملكيتهم له خاصة.
الرابع: و هو العمدة - لان الوجوه الثلاثة لا تثبت التوزيع بل غايتها نفي دلالة الروايات على اختصاص الامام عليه السلام به ملكاً و ذلك لا يلازم التوزيع، بل قد
..........
الشرح
يقال ان مقتضى الشك هو الالتزام بتسليمه الى الامام عليه السلام كما عرفت. بخلاف هذا الوجه فان مفاده اثبات التوزيع كما لا يخفي - هو:
ان المنصرف الى الاذهان من الخمس في الروايات معنى مستقل مجعول شرعا غير الزكاة و الانفال و ان له حكما خاصا يختلف عن حكم غيره و هو الحكم الثابت له في الآية.
و عليه، فاطلاق لفظ الخمس يتبادر منه الخمس المعهود الثابت في الآية الشريفة و هو يوزع بين الامام و غيره. فانه لا يفهم أحد من لفظ الخمس الا هذا المعنى.
فمن مجموع هذه الوجوه يظهر كون الحق في المقام هو ثبوت الخمس الذي نحن فيه للامام و للفقراء و ان التعبير بما يظهر منه ملكية الامام له لا بد و ان يحمل على ارادة ولايته عليه. فلاحظ جيدا.
الجهة الثالثة: في ثبوت تحليل هذا الخمس لمن عليه الخمس و عدمه.
فلا بد من ملاحظة أخبار التحليل و الكلام فيها..
اولا: حول دلالتها بنفسها على التحليل الذي نريده.
و ثانيا: حول وجود القرائن الخارجية الصارفة لظهور الكلام عن التحليل لو ثبت ظهوره ابتداءً.
و ثالثا: حول وجود المعارض.
فالكلام في مقامات:
المقام الاول: في دلالة أخبار التحليل على تحليل خمس ارباح المكاسب لمن عليه الخمس. و قد ذكر صاحب الوسائل روايات كثيرة في هذا الباب، نذكرها بأسرها و نتكلم في دلالة كل واحدة منها على حدة و هي:
..........
الشرح
رواية حريز بن عبد الله(1)عن أبي بصير و زرارة و محمد بن مسلم كلهم عن أبي جعفر عليه السلام «قال: قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام هلك الناس في بطونهم و فروجهم لانهم لم يؤدوا الينا حقنا الا و ان شيعتنا من ذلك و آباءهم في حل».
رواية علي بن مهزيار(2)«قال: قرأت في كتاب لابي جعفر عليه السلام من رجل يسأله ان يجعله في حل من مأكله و مشربه من الخمس فكتب بخطه: من أعوزه شيء من حقي فهو في حل».
رواية ضريس الكناسي(3)قال: «قال ابو عبد الله عليه السلام أ تدري من أين دخل على الناس الزنا؟ فقلت لا أدري فقال: من قبل خمسنا أهل البيت الا لشيعتنا الاطيبين فانه محلل لهم و لميلادهم».
رواية أبي خديجة(4)(سالم بن مكرم) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: «قال رجل و انا حاضر: حلل لي الفروج؟ ففزع ابو عبد الله عليه السلام فقال له رجل ليس يسألك أن يعترض الطريق انما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوجها، أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شيئا أعطيه فقال: هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم و الغائب و الميت منهم و الحي و ما يولد منهم الى يوم القيامة فهو لهم حلال أما و الله لا يحل الا لمن
1) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 1.
2) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 2.
3) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 3.
4) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 4.
..........
الشرح
احللنا له، و لا و الله ما أعطينا أحدا ذمة و ما عندنا لأحد عهد (هوادة) و لا لأحد عندنا ميثاق».
رواية محمد بن مسلم(1)عن أحدهما عليهم السلام «قال: إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة ان يقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب خمسي، و قد طيبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم و لتزكو اولادهم».
رواية يونس بن يعقوب(2)قال: «كنت عند ابي عبد الله عليه السلام فدخل عليه رجل من القماطين فقال: جعلت فداك تقع في ايدينا الارباح و الاموال و تجارات نعلم ان حقك فيها ثابت و انا عن ذلك مقصرون فقال ابو عبد الله عليه السلام ما انصفناكم ان كلفناكم ذلك اليوم».
رواية داود بن كثير الرقي(3)عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «سمعته يقول الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا الا انا احللنا شيعتنا من ذلك».
رواية حكيم مؤذن بني عيسى و قد تقدم ذكرها قبل قليل.
رواية الحارث بن المغيرة النصري(4)عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قلت له:
ان لنا أموالا من غلات و تجارات و نحو ذلك و قد علمت ان لك فيها حقا، قال: فلم احللنا اذا لشيعتنا الا لتطيب ولادتهم، و كل من والى آبائي فهو في حل مما في ايديهم من حقنا فليبلغ الشاهد الغائب».
رواية الفضل(5)عن ابي عبد الله عليه السلام قال: «من وجد برد حبنا في كبده
1) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 5.
2) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 6.
3) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 7.
4) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 9.
5) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 10.
..........
الشرح
فليحمد الله على أول النعم، قال: جعلت فداك ما أول النعم؟ قال: طيب الولادة.
ثمّ قال أبو عبد الله عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام لفاطمة عليها السلام أحلي نصيبك من الفيء لآباء شيعتنا ليطيبوا ثمّ قال ابو عبد الله عليه السلام: انا احللنا أمهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا».
رواية معاذ بن كثير(1)بياع الاكسية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «موسع على شيعتنا ان ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فاذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه حتى يأتوه به و يستعين به».
رواية أبي سيار مسمع بن عبد الملك(2)في حديث قال: «قلت لابي عبد الله عليه السلام: اني كنت وليت الغوص فأصبت اربعمائة الف درهم، و قد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، و كرهت أن أحبسها عنك و اعرض لها و هي حقك الذي جعل الله تعالى لك في أموالنا، فقال و ما لنا من الأرض و ما أخرج الله منها الا الخمس، يا أبا سيار الأرض كلها لنا فما اخرج الله منها من شيء فهو لنا، قال: قلت له: أنا أحمل اليك المال كله فقال له يا ابا سيار قد طيبناه لك و حللناك منه فضم اليك مالك. و كل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون و محلل لهم ذلك الى ان يقوم قائمنا يجبهم طسق ما كان في أيدي سواهم، فان كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم و يخرجهم منها صغره».
رواية عمر بن يزيد(3)قال: «سمعت رجلا من أهل الجبل يسأل ابا عبد الله عليه السلام عن رجل أخذ أرضا مواتا تركها أهلها فعمرها و كرى أنهارها و بنى فيها بيوتا و غرس فيها نخلا و شجرا قال أبو عبد الله عليه السلام كان امير المؤمنين عليه السلام يقول من أحيا أرضا من المؤمنين فهي له و عليه طسقها يؤديه الى الامام في حال الهدنة فاذا ظهر القائم فليوطن نفسه على ان تؤخذ منه».
..........
الشرح
رواية الحارث بن المغيرة النصري(1)قال: «دخلت على أبي جعفر عليه السلام فجلست عنده فاذا نجية قد استأذن عليه فأذن له، فدخل فجثا على ركبتيه ثمّ قال: جعلت فداك اني أريد أن أسألك عن مسألة و الله ما أريد بها الا فكاك رقبتي من النار، فكأنه رق له فاستوى جالسا فقال: يا نجية سلني فلا تسألني عن شيء أ لا اخبرتك به، قال: جعلت فداك ما تقول في فلان و فلان؟ قال يا نجية ان لنا الخمس في كتاب الله و لنا الانفال و لنا صفو المال، و هما و الله أول من ظلمنا حقنا في كتاب الله... الى ان قال: اللهم انا احللنا ذلك لشيعتنا، قال ثمّ أقبل علينا بوجهه فقال يا نجية ما على فطرة ابراهيم غيرنا و غير شيعتنا».
رواية زرارة(2)عن أبي جعفر عليه السلام «انه قال ان امير المؤمنين عليه السلام حللهم من الخمس يعني الشيعة ليطيب مولدهم».
رواية اسحاق بن يعقوب(3)فيما ورد عليه من التوقيعات بخط صاحب الزمان عليه السلام: «أما ما سألت عنه من أمر المنكرين لي... الى ان قال: و أما المتلبسون بأموالنا فمن استحل منها شيئا فأكله فانما يأكل النيران، و أما الخمس فقد ابيح لشيعتنا و جعلوا منه في حل الى ان يظهر أمرنا لتطيب ولادتهم و لا تخبث».
رواية يونس بن ظبيان او المعلى بن خنيس(4)قال: «قلت لابي عبد اللّه عليه السلام ما لكم من هذه الأرض؟ فتبسم، ثمّ قال: ان الله بعث جبرائيل و أمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض منها سيحان و جيحان و هو نهر بلخ و الخشوع و هو نهر الشاش و مهران و هو نهر الهند، و نيل مصر و دجلة و الفرات فما سقت أو
1) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 14.
2) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 15.
3) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 16.
4) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 17.
..........
الشرح
اسقت فهو لنا و ما كان لنا فهو لشيعتنا و ليس لعدونا منه شيء الا ما غصب عليه و ان ولينا لفي أوسع فيما بين ذه الى ذه يعني السماء و الأرض. ثمّ تلاٰ هذه الآية:
«قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا» المغصوبين عليها «خٰالِصَةً» لهم («يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ» بلا غصب.
رواية عبد العزيز بن نافع(1)قال: «طلبنا الاذن على أبي عبد الله عليه السلام و أرسلنا اليه فأرسل الينا ادخلوا اثنين اثنين فدخلت أنا و رجل معي فقلت للرجل: أحب أن تحل بالمسألة فقال نعم فقال له: جعلت فداك ان ابي كان ممن سباه بنو أمية و قد علمت ان بني أمية لم يكن لهم ان يحرموا و لا يحللوا و لم يكن لهم مما في ايديهم قليل و لا كثير و انما ذلك لكم فاذا ذكرت الذي كنت فيه دخلني من ذلك ما يكاد يفسد علي عقلي ما أنافيه فقال له: أنت في حل مما كان من ذلك و كل من كان في مثل حالك من ورائي فهو في حل من ذلك فقال: فقمنا و خرجنا فسبقنا معتب الى النفر القعود الذين ينتظرون اذن ابي عبد الله عليه السلام فقال لهم قد ظفر عبد العزيز بن نافع بشيء ما ظفر بمثله أحد قط، قيل له: و ما ذاك؟ ففسر لهم.
فقام اثنان فدخلا على ابي عبد الله عليه السلام فقال أحدهما: جعلت فداك ان ابي كان من سبايا بني أمية و قد علمت ان بني أمية لم يكن لهم من ذلك قليل و لا كثير و انا أحب ان تجعلني من ذلك في حل فقال: و ذلك الينا؟ ما ذلك الينا ما لنا ان نحل و لا أن نحرم، فخرج الرجلان و غضب ابو عبد الله عليه السلام فلم يدخل عليه أحد في تلك الليلة الا بدأه ابو عبد الله عليه السلام فقال: أ لا تعجبون من فلان يجيئني فيستحلني مما صنعت بنو أمية كأنه يرى ان ذلك لنا. و لم ينتفع أحد في تلك الليلة بقليل و لا كثير الا الاولين فانهما غنيا بحاجتهما».
1) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 18.
..........
الشرح
و رواية أبي حمزة(1)عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: «ان الله جعل لنا اهل البيت سهاما ثلاثة في جميع الفيء فقال تبارك و تعالى: («وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ...» فنحن اصحاب الخمس و الفيء و قد حرّمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا. و الله يا أبا حمزة ما من ارض تفتح و لا خمس يخمس فيضرب على شيء منه الا كان حراما على من يصيبه فرجا كان او مالا...» الحديث.
رواية الحسن بن علي العسكري(2)عليه السلام في تفسيره عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام «انه قال لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قد علمت يا رسول الله انه سيكون بعدك ملك غضوض و جبر فيستولي على خمس من السبي و الغنائم و يبيعونه، فلا يحل لمشتريه لان نصيبي فيه، فقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي لتحل لهم منافعهم من مأكل و مشرب و لتطيب مواليدهم و لا يكون أولادهم اولاد حرام. قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: ما تصدق أحد افضل من صدقتك، و قد تبعك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في فعلك أحلّ الشيعة كل ما كان فيه من غنيمة و بيع من نصيبه على واحد من شيعتي، و لا احلها انا و لا انت لغيرهم».
رواية عيسى بن المستفاد(3)عن أبي الحسن موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السلام «ان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال لابي ذر و سلمان و المقداد: اشهدوني على انفسكم بشهادة ان لا اله الا الله... الى ان قال: و ان علي بن ابي طالب وصي محمد و امير المؤمنين و ان طاعته طاعة الله و رسوله، و الائمة من ولده، و ان مودة اهل بيته مفروضة واجبة على كل مؤمن و مؤمنة مع اقام الصلاة لوقتها و اخراج الزكاة من
..........
الشرح
حلها و وضعها في أهلها و اخراج الخمس من كل ما يملكه احد من الناس حتى يرفعه الى ولي المؤمنين و أميرهم و من بعده من الائمة من ولده فمن عجز و لم يقدر الا على اليسير من المال فليدفع ذلك الى الضعفاء من اهل بيتي من ولد الائمة فمن لم يقدر على ذلك فلشيعتهم ممن لا يأكل بهم الناس و لا يريد بهم الا الله...». الحديث.
رواية العياشي(1)عن فيض بن أبي شيبة عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «ان اشد ما فيه الناس يوم القيامة اذا قام صاحب الخمس فقال: يا رب خمسي و ان شيعتنا من ذلك في حل».
أما الرواية الأولى: فهي لا تدل على تحليل مطلق الخمس في جميع موارده، بل لا تدل الا على تحليله في المآكل و المشرب و المناكح مما يرتبط بطيب الولادة و زكاتها و ان لا تكون من الزنا أو بالنطفة المنعقدة من الحرام.
و ذلك لان صدرها و ان كان مطلقا بالنسبة الى البطون و الفروج، الا انه بقرينة قوله عليه السلام: «و آباءهم» يظهر كون الملحوظ في التحليل طيب الولادة - المصرح به في بعض الروايات - بحيث يحل الخمس لغير الشيعة اذا كانوا آباء للشيعة لتطهر ولادة الشيعة و تزكو. و لا يخفى انها شاملة لمورد تعلق وجوب الخمس بذمة نفس الشخص، لإطلاقها، لكنها في مورد خاص، كما عرفت.
هذا ان قلنا بان المراد من «لانهم لم يؤدوا الينا حقنا» هو الناس الهالكون.
و أما اذا قلنا بان المراد منه غير الناس و انما الظالمون الذين غصبوا الحق و لم يؤدوه و اهلكوا الناس بذلك لان الاموال و الاعيان التي يدفعونها للناس متعلقة لحقوق الائمة عليهم السلام، فتكون أجنبية عن الدلالة على حلية الخمس لمن
1) وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 22.
..........
الشرح
عليه الحق من ارباح المكاسب، بل تدل على حلية الاموال الواصلة للناس مما قد تعلق بها الخمس في حق الغير. فهي لا تدل على ما يقصد اثباته بالمرة.
و أما الرواية الثانية: فهي بذيلها تدل على تحليل الخمس لمن أعوزه الخمس و احتاج اليه بحيث يصير بادائه محتاجاً معوزاً لاٰ لكل شخص، ان لم نقل بظهورها في تعيين مصرف الخمس و انه الفقير دون غيره و ان السؤال عن جواز أخذ الخمس لا عن عدم ادائه، أو بظهورها في صورة تعلق الخمس بالمأكل و المشرب في حق غيره لا في حق نفسه بلحاظ ان المأكل و المشرب من مئونة الشخص فلا خمس فيها عليه.
و على كل، فالرواية لا تخلو من اجمال، فلا تصلح للاعتماد عليها مضافا الى ضعف سندها.
و أما الرواية الثالثة: فهي لا تدل على التحليل مطلقا بل بالنسبة الى الفروج بقرينة الصدر و بيان دخول الزنا على الناس من قبل الخمس و انه محلل لشيعتنا ليطيب ولادتهم و لعدم وقوعهم في الزنا. فيختص الحكم بخصوص مورد الفروج.
و لكنه يشمل باطلاقه مورد تعلق الخمس في مال الشخص نفسه بالنسبة اليه. ان لم نقل بان ظاهر قوله عليه السلام «من اين دخل على الناس الزنا» السؤال عن السبب الذي دخل على الناس الزنا قهراً و بلا التفات منهم لذلك، فيكون ظاهراً في الخمس الثابت في حق الظلمة الغاصبين لحقوق الائمة عليه السلام و ابتلاء الناس بجواريهم و سباياهم فيقعون في الزنا قهرا. فلا يرتبط على هذا بما نحن فيه أصلاً.
و أما الرواية الرابعة: فهي مختصة بمورد الفروج - و ان عمت مورد ثبوت الخمس على نفس الشخص من ذلك المورد - و ذلك لان السؤال عن تحليل الفروج، و التفصيل المذكور توضيحا للسؤال و ان كان في نفسه عاما لغير الجواري التي تكون متعلقة للخمس بكل شيء، الا انه بقرينة كونه توضيحا
..........
الشرح
للسؤال عن تحليل الفروج يظهر في اختصاصه بالجواري و يكون بيان الانحاء وقوع الجارية تحت اليد و التصرف.
و لو ابيت عن الالتزام بذلك، فلا أقل من الاجمال الموجب لعدم صحة الاعتماد على الرواية.
و أما الرواية الخامسة: فهي - لظهور اللام في عليّة طيب الولادة و كونه غاية للحكم - تختص بالفروج او ما يرتبط بزكاة المولد و نقائه من المآكل و المشارب، لإطلاق طيب الولادة و زكاة الولد على الاعم من كونه غير ولد الزنا و غير منعقد من النطفة المنعقدة من الحرام.
و في بعض الروايات تصريح بهذه الجهة للتعبير فيها بالخبث مرادفاً للطيب.
و لو تنزلنا عن ظهور اللام في العليّة فلا أقل من الاجمال المانع من الاستدلال على العموم.
و أما الرواية السادسة: فهي أجنبية عن التحليل و ظاهرة في بيان جواز تاخير اداء الخمس و عدم لزوم الفورية بادائه لانه خلاف الانصاف، لما فيه من المشقة. هذا بعد الالتزام بظهور قوله «نعلم ان حقك فيها ثابت» في تعلق الخمس بالمال في حقهم و لو بقرينة ذكر الارباح.
و لو قلنا بظهوره في العلم بثبوت الحق فيها حال وصولها الى أيديهم و من قبل، فهي أجنبية عن مورد الكلام.
و لو دلت على التحليل بتقريب ان اسم الاشارة يرجع الى الخمس لا اليوم، فيكون المعنى «ما انصفناكم ان كلفناكم الخمس في مثل اليوم».
تدل على المدعىٰ لو ادعي ظهورها في العموم و إن ثبوت الحق المعلوم أعم من كونه ثابتا في حقهم أو حق غيرهم.
و لكن دلالتها على التحليل بما ذكر من التقريب خلاف الظاهر. و لا أقل من
..........
الشرح
الاجمال المانع من صحة التمسك بها.
و أما الرواية السابعة: فهي ظاهرة في تحليل ما يكون مورد الابتلاء الكثير للناس مما تعلق فيه حق الخمس، كما هو ظاهر قوله عليه السلام «الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا». و هو اجنبي بالمرة عن ما نحن بصدده من تحليل الخمس الثابت على نفس الشخص فانه خارج عن موضوع التحليل في الرواية، كما لا يخفى.
و أما الرواية الثامنة: - أعني رواية حكيم - فهي بإطلاقها تشمل خمس أرباح المكاسب الذي يكون على الشخص.
لكن الذي يوقفنا عن الاخذ باطلاقها تعليله عليه السلام التحليل فيها بحصول الزكاة فانه و ان تعارف التعبير بها و إرادة الطهارة و نقاء النفس بلا اختصاص بطهارة المولد، نظير قوله تعالى «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ».
لكنه يحتمل قويا إرادة الزكاة في المولد بقرينة التصريح بذلك في غير رواية.
و يهون ذلك ضعف سندها، كما تقدم.
و أما الرواية التاسعة: فإن قوله عليه السلام فيها «و كل من والى آبائي فهو في حل من حقنا» و ان كان مطلقا فيشمل خمس ارباح المكاسب في حق من ثبت عليه الحق لأن موضوعه ذلك، كما لا يخفىٰ.
إلا ان تعليله عليه السلام التحليل للشيعة قبل ذلك بطيب الولادة يوجب ظهور التحليل في الذيل بمورد الفروج و نحوه مما يرتبط بطيب الولادة و زكاتها.
و أما الرواية العاشرة: فهي - مضافا الى عدم كون موردها الخمس بل الفيء و التحليل وارد عليه - مختصة بتحليل ما يرتبط بطهارة المولد و طيبه للتعليل.
و أما الرواية الحادية عشرة: فهي غير دالة على تحليل الخمس بالمرة، بل مقتضاها أجنبي عن ذلك، كما هو ظاهر.
..........
الشرح
و أما الرواية الثانية عشرة: فهي لا تدل على تحليل الخمس بقول مطلق، فإن المحلل فيها لمطلق الشيعة هو الأرض، و تحليل الخمس للسياري تحليل شخصي، كما هو ظاهر قوله عليه السلام «قد طيبنا لك و حللناك منه فضمه الى مالك»، فلا دلالة لها على تحليل الخمس مطلقا لمطلق الشيعة.
و أما الرواية الثالثة عشرة: فهي أجنبية عن تحليل الخمس بل تدل على تحليل الأرض بالإحياء، كما ان موردها ذلك.
و أما الرواية الرابعة عشرة: فهي تدل على تحليل الحق الثابت في كتاب الله للشيعة، كما هو ظاهر اسم الاشارة، فانه ظاهر في الاشارة الى ما سبق و التحليل وارد عليه.
و لا يخفى أن الخمس الثابت في كتاب الله هو خمس الغنيمة لا غير، فلا يدل على تحليل خمس أرباح المكاسب.
و أما الرواية الخامسة عشرة: فهي مختصة بتحليل ما يرتبط بطيب الولادة كما هو ظاهر التعليل به، فلا يشمل مطلق الخمس.
و أما الرواية السادسة عشرة: فهي مختصة أيضا بتحليل ما يرتبط بطيب الولادة للتعليل به.
و أما الرواية السابعة عشرة: فهي بقرينة ان الملكية الثابتة لهم بهذه الرواية ملكية تشريفية (فخرية) لتعلقها بالأرض و المياه، و نحن نعلم بانهم لم يكونوا يعاملون الناس معاملة الملاك للمياه كلها و الأرض، فالتحليل لا بد أن يحمل على معنى آخر يتناسب مع سنخ الملكية فلا يرتبط بما نرومه من التحليل المالكي او نحوه المجوز للتصرف. فلاحظ.
و أما الرواية الثامنة عشرة: فهي على تقدير كون موردها تحليل الخمس - اذ لا ظهور لها في ذلك، كما لا يخفى على المتأمل - مختصة بتحليل سبايا بني أمية، فلا دلالة لها على المدعىٰ. و أما ذيلها فهو محمول على التقية.
..........
الشرح
و أما الرواية التاسعة عشرة: فهي ظاهرة في تحليل خصوص الخمس الثابت في الغنائم لا مطلق الخمس.
و أما الرواية العشرون: فهي مختصة بخمس السبي و الغنائم، فلا تشمل ما نحن فيه.
و أما الرواية الاحدى و العشرون: فهي أجنبية عن التحليل في دلالتها، بل هي الى تعيين المصرف أقرب.
و أما الرواية الثانية و العشرون: فهي تامة الدلالة على تحليل مطلق الخمس باطلاقها، لكنها ضعيفة السند.
و الذي يتحصل: انه لا دلالة لشيء من هذه الروايات بنحو واضح على تحليل مطلق الخمس حتى خمس أرباح المكاسب الثابت في حق من بيده المال فعلا الا الرواية الأخيرة لكنها ضعيفة السند، فلا يصح الاستدلال بها.
و انما هي ما بين مجملة الدلالة ما يختص بتحليل ما يرجع الى تطييب الولادة، و ما يختص بتحليل نحو خاص من الخمس، كخمس الغنيمة.
و عليه، فالقدر المتيقن من تحليل خمس الارباح تحليل ما يرتبط بطيب الولادة من المآكل و المشارب و الفروج، ان قلنا بأن المراد من طيب الولادة نقاؤها و عدم خبثها الاعم من عدم الزنا و عدم النطفة المنعقدة من الحرام. و الا - فلو قلنا بان المراد منه خصوص الولادة الشرعية لا بطريق الزنا - فيختص التحليل بالفروج، و لا دليل في البين على أكثر من ذلك.
و لو التزمنا بظهور هذه الاخبار في التحليل مطلقا، فيقع الكلام في:
المقام الثاني: و تحقيق الحال فيه انه لا بد من رفع اليد عن هذا الظهور بالنسبة الى الخمس الثابت على من بيده المال فعلا و من في مقام الاداء، لوجوه:
الاول: منافاة التحليل بقول مطلق للحكمة الظاهرة من تشريعه و هي فقر فقراء السادة و انعاشهم و اعانتهم في معيشتهم.
..........
الشرح
الثاني: استلزام التحليل بقول مطلق لغوية تشريع الخمس و جعله في الشريعة على أرباح المكاسب، اذ المخالف لا يعتقد بوجوبه و الموالي لا يؤدي للتحليل، فلا يتحقق امتثاله.
و لا يخفى ارتفاع كلا المحذورين بنفي تحليل الخمس الثابت على من بيده المال و في مقام الاداء و اختصاصه بالخمس الثابت في المال بالنسبة الى غيره.
الثالث: عدم فهم الاصحاب منها التحليل بقول مطلق، فانه موهن لظهورها لو سلم.
و بالجملة، فمجموع هذه الوجوه يوجب الجزم بعدم ارادة تحليل الخمس بقول مطلق لو سلم ظهورها فيه و خروج مورد ثبوت الخمس في حق الشخص نفسه بلا ارتياب. و لو تنزل عن ذلك و التزم بظهورها في العموم بلا مناقشة، فيقع الكلام في:
المقام الثالث: و هو وجود المعارض، و هو على نحوين:
النحو الاول: ما ليس لسانه لسان نفي الحلية و لكن لسانه لسان وجوب اداء الخمس و التكليف باخراجه و نحوه، مما لا يتلاءم مع تحليل الخمس له و جواز عدم ادائه.
بيان ذلك: ان من أدلة الخمس و أخباره ما لسانه لسان تعلق الخمس بالعين و اشتغال المال بالخمس، فهذا لا ينافي اخبار التحليل الدالة على انه لا يجب اداء هذا الحق الذي اشتغلت به العين، كما لا يخفى.
و من أدلته و أخباره ما لسانه بمفاد التكليف باداء الخمس و نحوه، فانه يتنافى مع اخبار التحليل الدالة على عدم وجوب الاداء.
و مقتضى الجمع تقييد اخبار التحليل بهذه الروايات بغير صورة ثبوت الحق على الشخص نفسه، لأن موردها ذلك و هي مختصة به، و أخبار التحليل
..........
الشرح
مطلقة كما لا يخفىٰ. فتقيد بهذه الاخبار، و إليك نص بعض هذه الروايات:
رواية عمران بن موسى(1)عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: «قرأت عليه آية الخمس فقال ما كان لله فهو لرسوله و ما كان لرسوله فهو لنا ثمّ قال: و الله لقد يسر الله على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم جعلوا لربهم واحداً و أكلوا أربعة أحلاء ثمّ قال: هذا من حديثنا صعب مستصعب لا يعمل به و لا يصبر عليه الا ممتحن قلبه للايمان».
فانه ظاهر ان صعوبة الخمس و عدم امكان الصبر عليه باعتبار التكليف بأدائه لا باعتبار الاعتقاد بوجوبه فقط، فلو كان الخمس محللا لم يكن من الصعب المستصعب و الذي لا يصبر عليه الا ممتحن قلبه للايمان، اذ لا يكون هناك الا الاعتقاد.
و رواية عبد الله بن بكير(2)عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال: «اني لآخذ من أحدكم الدرهم و اني لمن اكثر اهل المدينة مالا ما اريد بذلك الا ان تطهروا» فانها ظاهرة في تعارف الاخذ و لزوم العطاء و ان لم يكن الامام فقيرا و هو لا يتلاءم مع ثبوت التحليل، كما لا يخفى.
و رواية الحلبي(3)عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم و يكون معهم فيصيب غنيمة قال: «يؤدي خمسا و يطيب له» فانها ظاهرة في وجوب الاداء كما هو شأن كل جملة خبرية واردة في مقام البعث و الطلب.
و رواية الحارث بن حصيرة الازدي(4)قال: «وجد رجل ركازا على عهد أمير المؤمنين عليه السلام... الى ان قال: فلما قص أبي على امير المؤمنين عليه السلام أمره قال
..........
الشرح
لصاحب الركاز: أدّ خمس ما اخذت فان الخمس عليك...» و ظهورها في لزوم الاداء بعد تعلق الخمس لا ينكر.
رواية (بن) يزيد(1)المتقدمة قال «كتبت جعلت لك الفداء تعلمني ما الفائدة و ما حدها؟ رأيك ابقاك الله أن تمن علي ببيان ذلك لكي لا اكون مقيما على حرام لا صلاة لي و لا صوم...» بناء على ان المسئول عنه الفائدة التي تكون موضوعا للخمس، فان الخمس لو كان محللا لم يلزم من جهل موضوعه وحده الاقامة على الحرام، كما لا يخفى.
و رواية الحسن بن زياد(2)المتقدمة في المال المختلط بالحرام «... فقال له عليه السلام: اخرج الخمس من ذلك المال...».
و رواية عمار(3)المتقدمة في نفس الموضوع «... فان فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه الى اهل البيت».
و رواية محمد بن علي بن الحسين(4)المتقدمة في هذا الموضوع: «... قال ائتني بخمسه فأتاه بخمسه، فقال هو لك «يعني المال الباقي».
و بالجملة، فظهور هذه الروايات في عدم ثبوت التحليل و لزوم الاداء على الشخص نفسه لا ريب فيه.
النحو الثاني: ما لسانه لسان نفي التحليل و عدم جواز التصرف بالخمس لمن عليه الحق.
و قد ذكر صاحب الوسائل رحمه الله في هذا المقام روايات متعددة(5)
و كرواية علي بن ابراهيم عن أبيه، فان موضوعها مال الوقف و عدم الحل وارد عليه.
و ما هو ظاهر في الانكار على استحلال الخمس، كروايتي ابى الحسين محمد بن جعفر الازدي. و هو لا ينافي أكل الخمس بعد ثبوت تحليله باخبار التحليل، لأنه لا يكون استحلالاً، كما هو ظاهر.
و ما هو ظاهر في عدم حلية الخمس لأحد و لا يجوز أن يشتري «قال سمعته يقول من اشترى شيئاً من الخمس لم يعذره اللّٰه اشترى ما لا يحل له».
فانه يرتفع بالنسبة الى الشيعة حيث حلال لهم الخمس. فلا ينافى التحليل لو تم بل تكون أخبار التحليل مقيدة.
و مثل هذه الرواية، رواية أبي بصير الاخرى و رواية اسحاق بن عمار الدالة على التحريم ما لم يأذن. و قد ثبت الأذن بأخبار التحليل لو تمت.
و بالجملة: لا ظهور لغير هذه الثلاثة في عدم التحليل و معارضتها لأخبار التحليل أصلاً. «المقرر».
، الا أن1) وسائل الشيعة/باب 8: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 7.
2) وسائل الشيعة/باب 10: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 1.
3) وسائل الشيعة/باب 10: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 2.
4) وسائل الشيعة/باب 10: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 3.
5) لان غير هذه الثلاثة ما بين ما لا يرتبط بالخمس أصلاً، كرواية أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام «قال: سمعته يقول من أحللنا له شيئاً أصابه من اعمال الظالمين فهو له حلال و ما حرمناه من ذلك فهو حرام». مضافاً إلى ظهوره في حلية المال المحلل و أخبار التحليل تثبت حلية الخمس، فلا منافاة.
..........
الشرح
العمدة في إثبات ما نحن بصدده ثلاثة:
الاولى: رواية محمد بن زيد الطبري(1)قال: «كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي ابي الحسن الرضا عليه السلام يسأله الاذن في الخمس، فكتب اليه: بسم الله الرحمن الرحيم ان الله واسع كريم، ضمن على العمل الثواب... لا يحل مال الا من وجه احله الله، ان الخمس عوننا على ديننا و على عيالاتنا و على موالينا...
فلا تزودوه عنا و لا تحرموا انفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه... الحديث».
فانها ظاهرة في لزوم اداء الخمس و موضوعها ان لم يكن خصوص من ثبت في حقه الخمس فهو القدر المتيقن من السؤال و الجواب.
فتقدم على اخبار التحليل لشمولها المورد بالاطلاق، و هي أضعف ظهورا من هذه الرواية في المورد المزبور.
1) وسائل الشيعة/باب 3: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 2.
..........
الشرح
الثانية: رواية محمد بن زيد(1)قال: «قدم من قوم خراسان على ابي الحسن الرضا عليه السلام فسألوه ان يجعلهم في حل من الخمس فقال: ما أحل هذا تمحضونا المودة بالسنتكم و تزوون عنا حقا جعله الله لنا و جعلنا له (و هو الخمس) لا نجعل لا نجعل لا نجعل لأحد منكم في حل».
الثالثة: رواية الحسن بن عبد الله بن حمدان(2)ناصر الدولة عن عمه الحسين: في حديث «... عن صاحب الزمان عليه السلام انه رآه و تحته عليه السلام بغلة شهباء...
فقال يا حسين كم تزرأ على الناحية و لِمَ تمنع اصحابي عن خمس مالك؟ ثمّ قال:
اذا مضيت الى الموضع الذي تريده تدخله عفوا و كسبت ما كسبت تحمل خمسه الى مستحقيه.. الحديث».
فان هذه الروايات الثلاثة ظاهرة في لزوم اداء الخمس و موضوعها ان لم يكن خصوص من ثبت في حقه الخمس - كما هو ظاهرها - فهو القدر المتيقن من السؤال و الجواب.
فتقدم على أخبار التحليل، لان ظهورها في المورد أضعف من ظهور مجموع هذه الروايات و ما تقدم من النحو الاول، لانه بالاطلاق. و بذلك تتقيد اخبار التحليل بغير صورة ثبوت الحق على الشخص نفسه بلا كلام، فانه مقتضى الجمع الدلالي.
نعم، يستثنى من ذلك ما يتعلق بطيب الولادة لظهور التعليل في عموم العلة حتى لمورد ثبوت الحق على نفس الشخص. فتدبر.
و من جميع ما تقدم: يظهر انه لا يمكن الالتزام باخبار التحليل في نفي
..........
الشرح
وجوب اداء الخمس بقول مطلق، بل المنظور في التحليل موارد معينة و موضوعات خاصة و قد حددها المشهور بثلاثة هي المناكح و المتاجر و المساكن، اذ أفتوا بتحليل الخمس فيها.
و لا بد في تحقيق الحق من التكلم في كل مورد بنفسه و عرضه على أخبار التحليل و معرفة مقدار دلالتها على التزام المشهور سعة و ضيقاً. فيقع الكلام في موارد ثلاثة:
المورد الاول: في المناكح، و الصور التي ذكر دخولها في أخبار التحليل و شمول التحليل لها ستة:
الاولى: الجارية المسبية من قبل السلطان الجائر أو مطلق غير الشخص.
الثانية: الجارية المسبية من قبل الشخص نفسه.
الثالثة: الجواري التي تكون متعلقة للخمس لكونها من اموال التجارة و من الارباح.
الرابعة: الجارية المشتراة بمال غير مخمس.
الخامسة: الجارية المتزوجة بمهر غير مخمس.
السادسة: أم الولد و غيرها (في العقيمة) من هذه الصور الخمس.
و من ملاحظة الروايات السالفة الذكر و ما يستفاد منها مما تقدم يظهر أن القدر المتيقن من التحليل في المناكح انما كان لاجل طيب الولادة و زكاتها.
و عليه فهو يختص بصورة الاستيلاد و يختص أيضا بالصور الاولى و الثانية و الثالثة، لان المفروض ان نفس العين متعلقة للخمس فوطئوها بلا اداء الخمس و لا تحليل يكون زنا و حراما فيوجب عدم طيب الولادة.
و هكذا الجارية المشتراة لو اشتريت بشخص الثمن لا في الذمة، لانها تكون محرمة التصرف عليه لان ثمنها ليس ملكا له بمجموعه، فتتوقف صحة التصرف على تحليلها له بتحليل ثمنها.
و أما لو اشتريت بثمن في الذمة و أدى بما تعلق به الخمس أو تزوجت بصداق فيه الخمس، فلا تشملها أخبار التحليل اذ لا يحرم عليه وطؤها في
..........
الشرح
الحالتين و لا يكون الولد ولد زنا، فلا يعمها ملاك التحليل.
و أما عموم التحليل لمطلق الجارية المتعلقة لحق الخمس و لو لم تكن مولدة، فلا دليل عليه الا رواية ضريس، لظهور التحليل في كونه لاجل عدم الوقوع في الزنا و هو اعم من حصول الولادة أو لاٰ.
لكن عرفت المناقشة في دلالتها بنحو يشمل الصور الثلاثة بل يختص بصورة سبي الظالم، مضافا الى ضعف سندها.
و قد يتمسك باطلاق صدر رواية الثلاثة حيث يقول: «هلك الناس في بطونهم و فروجهم» فانه اعم من موارد التوليد و عدمه لأن الهلاك باعتبار الزنا و الوقوع في الحرام.
لكنه ينفى بأن التحليل ملحوظ فيه طيب الولادة بقرينة «و آبائهم» فتأمل.
مضافاً إلى ما تقدم من المناقشة في دلالتها بنحو يعم جميع الصور بل يختص بالصورة الاولى، فراجع.
و أما عموم التحليل لمطلق الصور الست، فلا دليل عليه الا رواية أبي خديجة من جهة اطلاق قوله: «او امرأة يتزوجها و خادما يشتريها...» فانه يشمل صورة التزويج و الشراء مطلقا.
لكن الظاهر بقرينة انه توضيح لطلب السائل تحليل الفروج هو ارادة ما إذا كانت الجارية المتزوجة او المشتراة بنفسها متعلقة للخمس لا ان ثمنها أو صداقها كذلك، اذ قد عرفت انه لا تحرم الجارية المشتراة بثمن كلي أدى مما فيه الخمس و لا المتزوجة بصداق الخمس و لو كان شخصيا، اذ الصداق لا يكون مقوماً للعقد، فلا معنى لطلب التحليل. فطلب التحليل قرينة على ارادة الصورة التي ذكرناها فانها تتناسب معه.
و تقريب دلالتها على المدعىٰ بان المرتكز في اذهان العوام من المتشرعة عدم حلية المتزوجة بمهر حرام و المشتراة بثمن حرام، فطلب التحليل باعتبار ما
..........
الشرح
هو المرتكز.
غير وجيه، اذ الالتزام بذلك التزام بتقرير الامام عليه السلام له لعدم تفهيمه عكس ما هو المرتكز و هو لا يتناسب مقام الامام عليه السلام.
و بالجملة، فالقدر المتيقن هو ما ذكرنا. و لا يحتاج المورد الى مزيد تحقيق، لعدم الابتلاء به في مثل هذا العصر لاختصاص موضوعه بالجواري.
المورد الثاني: في المتاجر، و المراد به أموال التجارة الموجودة بيد من يعلم عدم ادائه خمس هذه الاموال، و المتعلقة لحق الخمس بالنسبة الى غير الشخص الآخذ. و هي على نحوين:
النحو الاول: ما اخذت ممن لا يرى وجوب الخمس، كالكافر و المخالف.
النحو الثاني: ما اخذت ممن يعتقد وجوبه لكنه لا يؤدي، كالشيعي.
و قد ادعي ثبوت التحليل بالنسبة الى كلا النحوين و عموم مال التجارة سواء علم بثبوت الحق منها بالنسبة الى من يرى وجوب الخمس و لم يؤد أو من لا يرى وجوبه. و استدل عليه بوجوه:
الاول: رواية غوالي اللئالي(1)حيث جاء فيها: «عن أبي جعفر عن الحسين بن سعيد عن فضالة ابن ايوب عن بن أبان الكلبي عن ضريس الكناسي قال أبو عبد الله عليه السلام: أ تدري من اين دخل الناس على الزنا؟ فقلت لا أدري فقال من قبل خمسنا أهل البيت، الا شيعتنا الاطيبين فإن محلّل لهم و لميلادهم»، فانها باطلاق «المتاجر» شاملة لكلا النحوين.
لكن الاستدلال بها مخدوش بضعفها سنداً و عدم العلم بثبوتها سابقا و التزام المشهور بها كي يجبر ضعف سندها به، و ان كان التحقيق عدم انجبار الضعيف بعمل المشهور.
1) مستدرك وسائل الشيعة/باب 4: من ابواب الانفال و ما يختص بالامام عليه السلام، ح 3.
..........
الشرح
الثاني: عمومات أخبار التحليل و قد علم بتخصيصها بمورد خاص و هو صورة ثبوت الخمس على نفس الشخص، فيبقى الباقي تحت العموم و منه ما نحن فيه.(1)
و الاشكال في هذا الاستدلال لا يحتاج الى بيان بعد ان عرفت قصور الاخبار عن الدلالة على العموم، و انها مختصة بموارد خاصة كالفروج، فانه القدر المتيقن من دلالتها.
الثالث: روايات خاصة تقدم ذكرها في أخبار التحليل، و هي ثلاثة:
الاولى: رواية يونس بن يعقوب حيث يسأل فيها عن الاموال و الارباح و التجارات التي يعلم بثبوت حق الخمس فيها بناء على استظهار ارادة ثبوت حق الخمس بالنسبة الى غير الشخص.
و لكن عرفت قصور دلالتها عن التحليل و أنها ظاهرة في بيان جواز التأخير لا التحليل.
الثانية: رواية داود بن كثير الرقي(2)عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «سمعته يقول: الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا الا انا احللنا شيعتنا من ذلك». و هي بحسب الدلالة لا بأس بها اذ قد عرفت ان النظر فيها الى ما يكون ابتلاء الناس الكثير و اموال التجارة أوضح المصاديق. - ان لم نقل باختصاصها بالامور المعاشية من مأكل و مشرب تمسكا بظهور يعيشون في المعيشة لا في العيش و الحياة و الحال كما قد يطلق عرفا فيقال فلان يعيش في هم و غم فتأمل -. لكنها ضعيفة السند.
الثالثة: رواية الحارث بن المغيرة النصري(3)حيث يسأل الامام عليه السلام قال:
..........
الشرح
«قلت له إن لنا اموالا من غلات و تجارات و نحو ذلك و قد علمت أن لك فيها حقا؟ قال: فلم فلم أحللنا إذاً لشيعتنا الا لتطيب ولادتهم». لكن الجواب بالتحليل لطيب الولادة ظاهر في اختصاصه بموارد خاصة و هي ما يرتبط بطيب الولادة لا غير. مضافا الى اختصاص موضوعها بصورة تعلق الحق بالنسبة الى الشخص نفسه و قد عرفت الاشكال في الالتزام به. فلاحظ.
الرابع: لزوم العسر و الحرج عن شراء الاموال التي يعلم تعلق الخمس فيها خصوصا بملاحظة عدم اعتناء اكثر الناس بالخمس و ادائه، و لزومه أيضا بالالتزام بدفع خمسه من قبل الآخذ.
و عليه، فبدليل رفع الحرج يعلم حلية التصرف باموال التجارات و عدم لزوم الاجتناب عنها بلا ان يجب عليه شيء.
و هذا الوجه لا بأس به و ان أمكن المناقشة فيه بانه اخص من المدعى، اذ لازمه الاقتصار على تحليل ما يلزم الحرج الشخصي من عدم تحليله، فيختلف باختلاف الموارد و الاشخاص، و المفروض أن المقصود اثبات عموم التحليل لمطلق المتاجر به.
الخامس: السيرة المتشرعة المستمرة الى زمان المعصوم عليه السلام على عدم التجنب عن اموال التجارات التي يعلم تعلق الخمس فيها.
و هو لا بأس به لو لا امكان التشكيك بثبوت هذه السيرة في زمان المعصوم عليه السلام و تقريره لها بعدم الردع. فتأمل.
و بالجملة، فلا دليل مذكور على تحليل المتاجر الا ما عرفت. و قد عرفت ما في كل منها. و من هنا يظهر التأمل في تحليل خصوص المأخوذ ممن لا يعتقد الخمس، اذ لا دليل يذكر له الا أنه القدر المتيقن من أخبار التحليل و المنصرف اليه اخباره و نحوهما، و قد عرفت ما في الاستدلال باخبار التحليل و كون القدر المتيقن أمر آخر.
..........
الشرح
المورد الثالث: في المساكن، و المراد بها المساكن التي تعلق فيها الحق بالنسبة الى غير هذا الشخص الذي يقصد التصرف فيها، فانه هو معقد اتفاق الفقهاء، اذ لم يصرح أحد بحلية المسكن لمن عليه الخمس الثابت فيه. و الكلام..
تارة: يقع في نفس المسكن يعني البناء الكائن على الأرض.
و اخرى: يقع في أرض المسكن بلا لحاظ البناء الذي عليها.
أما نفس المسكن، فلا دليل يذكر على تحليله الا ما تقدم من رواية غوالي اللئالي، و من عمومات أخبار التحليل بعد تخصيصها بالخمس الثابت على نفس الشخص.
و قد عرفت الخدشة في الاول و الاشكال بضعف سند الرواية في الثاني بانكار العموم و كون القدر المتيقن التحليل في موارد الفروج لطيب الولادة و هو اجنبي عن تحليل المساكن.
و لو تنزلنا و التزمنا بثبوت تحليل المساكن، فهل يشمل صورة ما اذا اشترى المسكن بثمن فيه الخمس أو لاٰ؟
التحقيق انه لا يشمل، لظهور ورود التحليل على المساكن لو تم في تعلق الخمس و الحق في نفس المسكن كي يحلل، و ما نحن فيه ليس كذلك، اذ الحق تعلق بالثمن دون المسكن، فتحليل المسكن يبتني على فرض انتقال الحق من الثمن الى المبيع و هو المسكن و ذلك يبتني على تحليل نفس الثمن كي يقال بأن تحليله الثمن يرجع الى امضاء المعاوضة الموجب لانتقال الحق الى البدل - المثمن -. و لم يثبت تحليل الثمن. فلاحظ.
و أما ارض المسكن، فان كانت من الانفال أو المفتوحة عنوة، فالتصرف فيها جائز لتحليل الانفال و ملكية المسلمين للارض المفتوحة عنوة و هو منهم.
و ان كانت مما تعلق فيها الخمس، فلا دليل على تحليلها و لو التزمنا
..........
الشرح
بتحليل المسكن، لان عنوان المسكن غير عنوان الأرض فتحليله لا يستلزم تحليلها.
و رواية أبي سيار المتقدمة و ان كانت مطلقة و شاملة باطلاقها لمطلق الأرض لكنها بقرينة ذيلها ظاهرة في ارادة الأرض الخراجية لظهور الطسق في ذلك كما لا يخفى، فلا يرتبط بما نحن فيه.
و المتحصل: انه لا دليل على تحليل المساكن و اراضيها المتعلقة لحق الخمس بالنسبة الى الغير.
ثمّ إن في التحليل - بايّ مقدار ثبت - اشكالاً ذكره الشيخ رحمه الله و هو: انه على خلاف القواعد المسلمة لانه اما أن يرجع الى الاباحة او التمليك.
فان كان الاول، فلا يلزمه جواز الوطء و جواز البيع و الهبة و نحوهما، اذ لا يلزم الاباحة ذلك مع انه يلتزم بترتبه على التحليل و هو غير أثر الاباحة.
و إن كان الثاني، كان مقتضاه تحقق الملكية العامة لجميع الشيعة كملكية المسلمين جميعا الأرض المفتوحة عنوة، مع انه لا يلتزم بذلك بل يلتزم بالملكية الشخصية، كما انه يعتبر في التمليك وجود المملِّك و المملَك في زمان واحد فلا معنى لتمليك المعدوم و لا الاباحة له.
و المفروض الالتزام بثبوت عموم التحليل الى مثل زماننا.
و قد أجاب الشيخ رحمه الله أن ما ذكر لا ينفي التحليل بعد فرض قيام الدليل الخاص عليه و ترتيب الآثار المعلومة عليه، فان لم يمكن توجيهه بنحو يتوافق مع القواعد العامة، يلتزم بتخصيصها بالدليل الخاص(1). و قد ذكر الشيخ وجهاً يقرب به معنى التحليل و لا حاجة الى ذكره بعد معرفة الجواب.
1) الانصاري الشيخ مرتضى: كتاب الخمس، ص 385-386، الطبعة الحديثة.
و الإجارات حتى الخياطة و الكتابة و التجارة و الصيد (121) و حيازة
الشرح
ثمّ إن بعض الفقهاء(1)التزم بان التحليل الثابت يرجع الى امضاء المعاملة و انتقال الحق مما فيه الخمس الى بدله الراجع الى من عليه الخمس.
و هو ثبوتا و ان كان لا بأس به و حسنا، الا انه لا دليل عليه اثباتا و لا يظهر من أدلة التحليل ذلك أصلا. فتدبر.
(121) قد عرفت المستفاد من مجموع النصوص ثبوت الخمس في ارباح المكاسب بنحو يعم التجارة و الصناعة و الاجارة، و لكنه قد يستشكل في صدق الربح على عوض العمل الاستئجاري باعتبار ان مقابله عمل محترم له مالية و قد بذل بازاء العوض فلا يكون العوض ربحا، اذ قد صرف بازائه مقابل.
الا ان الانصاف خلاف ذلك، لصدق الربح عرفاً على عوض العمل بحيث يصدق عرفاً انه رابح لهذا المال، و لعل الوجه في هذا الصدق العرفي أحد وجهين..
إما لأن العمل ليس من الاعيان المستقرة التي ان لم تعاوض و تبذل تبقى بلا تلف، بل هو اما أن يزاول و الا فيتلف بمعنى انه لا يبقى لتداركه مجال.
و عليه، فمن جهة ان عدم مزاولته توجب تلفه و فوته كان المال المبذول بازائه ربحاً عند العرف، بخلاف الاعيان الخارجية فانها ان لم تبذل تبقى على ما هي عليه بذاتها و ماليتها.
و إما لأجل أنه ليس مالاً بنظر العرف و لا يكون مملوكا - و لذلك لا يضمن حابس الحر عمل الحر -، فيكون المال المبذول بازائه ربحاً بمجموعه.
1) المحقق الهمداني، آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 14: ص 271، الطبعة الحديثة.
المباحات (122) و اجرة العبادات الاستئجارية من الحج و الصوم و الصلاة و الزيارات و تعليم الأطفال و غير ذلك من الأعمال التي لها اجرة، بل الأحوط ثبوته في مطلق الفائدة و إن لم تحصل بالاكتساب (123) كالهبة و الهدية و الجائزة (124) و المال
الشرح
(122) ان قصد بها التكسب و إلا فلا وجه لثبوت الخمس لعدم الدليل.
(123) قد عرفت ان القدر المتيقن من ثبوت الخمس هو ثبوته في أرباح المكاسب، أما ثبوته في مثل الهدية و الهبة و نحوهما من الفوائد المجانية الصرفة فلا دليل على ثبوت الخمس فيها، لعدم الدليل على ثبوت الخمس في مطلق انواع الفائدة لإجمال النصوص من هذه الجهة كما أشرنا اليه.
بل على تقدير وجوب المطلقات الظاهرة في ثبوت الخمس في مطلق الفائدة لا بد من رفع اليد عن ظهورها في الهدية و نحوها لما قيل: من أنه لو كان الخمس ثابتا فيها في زمان المعصومين عليهم السلام لعرف ذلك و ما وقع الاختلاف فيه لكثرة الابتلاء بذلك و عمومه.
فلو كان ثبوته مورد الاحتمال لكثر السؤال عنه بنحو يحصل العلم به و لم يعرف في عصر الائمة أو قدماء الاصحاب ذلك. و هذا كاشف عن عدم ثبوته و المفروغية عن عدم وجوب الخمس فيها.
و بالجملة، عدم ورود الدليل القطعي و عدم التزام قدماء الاصحاب بثبوت الخمس مع كثرة الابتلاء دليل على عدم وجوب الخمس فيها، و الا لظهر و بان للعيان.
و قد ذكر المحقق الهمداني رحمه الله أن المتيقن من أخبار التحليل ذلك و لكنه محل اشكال، لما عرفت ان القدر المتيقن هو المناكح.
(124) الفرق بين هذه الثلاثة بعد اشتراكها في كونها تمليكا مجانيا،
الموصىٰ به (125) و نحوها، بل لا يخلو عن قوة، نعم لا خمس في الميراث (126) إلا في الذي ملكه من حيث لا يحتسب فلا يترك الاحتياط فيه (127) كما إذا كان له رحم بعيد في بلد آخر لم يكن عالماً به فمات و كان هو الوارث له، و كذا لا يترك في حاصل الوقف
الشرح
هو ان..
الهدية: هو التمليك في مقام اظهار المودة و الاخلاص و الحنان، كهدايا الأعراس و المناسبات الخاصة كالاسفار و زيارة المشاهد المشرفة و نحوهما.
و الجائزة: هو التمليك في مقام التشجيع على عمل صدر من المملك أو صفة جميلة بدت فيه، فهي أشبه بالجعالة و الالتزام فيها بينه و بين نفسه على مقابلة العمل بالمال.
و الهبة: ما لم تكن كذلك.
و لا يخفى ان هذا الفرق مستفاد من الاستعمال العرفي لكل من هذه الالفاظ و ما يفهم العرف لها من معنى.
(125) فانه هبة و تمليك مجاني لكنه فيما بعد الوفاة و هو لا يوجب الفرق فيما هو المهم من عدم ثبوت الخمس.
(126) الوجه في استثناء الميراث من حيث يحتسب مع الالتزام بثبوت الخمس في مطلق الفائدة ما ورد في صحيحة علي بن مهزيار (المطروحة) من اثبات الخمس في الميراث من حيث لا يحتسب الظاهر في نفيه في الميراث من حيث يحتسب.
(127) لاٰ وجه للتوقف في الفتوى بعد الالتزام بالاطلاق و ورود الصحيحة
الخاص (128)، بل و كذا في النذور (129) و الأحوط استحباباً ثبوته في عوض الخلع و المهر و مطلق الميراث حتى المحتسب منه و نحو ذلك (130).
الشرح
فيه بخصوصه، إلا ان يكون السيرة على عدم أخذ الخمس من الميراث.
(128) لم يظهر وجه التوقف فيه و فيما بعده بعد الالتزام بثبوت الخمس في مطلق الفائدة، بل الحكم ثابت فيه حتى على اختصاص الحكم بالغلات و ارباح المكاسب، فانه بعد الالتزام بثبوت الحكم في الغلة لا وجه للفرق بين غلة الضيعة المملوكة أو الموقوفة فانه يصدق على كل منها غلة ضيعته، و قد عرفت أخذ الغلة موضوعا لثبوت الخمس في النصوص و هكذا غير الغلة من حاصل الوقف.
(129) ليس الحال فيها حال غلة الوقف، فانه لا دليل على ثبوت الخمس فيها بعد خروجها عن ارباح المكاسب و الغلات الذي هو القدر المتيقن من موضوع وجوب الخمس بخلاف الوقف، كما عرفت.
(130) أما المهر و الميراث من حيث يحتسب، فعدم وجوب الخمس فيها واضح من جهة خروجهما عن مورد القدر المتيقن، إذ ليسا من ارباح المكاسب، فثبوت الخمس فيهما بنحو الاحتياط الاستحبابي لا بأس به.
و أما عوض الخلع، فقد يلتزم بثبوت الخمس فيه - على المختار - من جهة صدق الربح عليه باعتبار انه بذل بازائه البضع و اسقط حقه من الزوجة بحذاء العوض، فهو أشبه بالجعالة.
هذا كله على المختار، و أما بناء على ثبوت الخمس في مطلق الفائدة كما هو مختار السيد المصنف فمقتضى ذلك ثبوت الخمس فيها، و لعل جهة حكمه
مسألة 50: إذا علم أن مورثه لم يؤد خمس ما تركه وجب إخراجه سواء كانت العين التي تعلق بها الخمس موجودة فيها أو كان الموجود عوضها (131)، بل لو علم باشتغال ذمته بالخمس وجب إخراجه من تركته مثل سائر الديون.
مسالة 51: لا خمس فيما ملك بالخمس أو الزكاة أو الصدقة
الشرح
بعدم ثبوته فيها الا بنحو الاحتياط الاستحبابي هو قيام السيرة(1)على عدم الخمس و بالاخص في المهر، اذ لم يعرف من السيرة اداء الخمس من المهر.
(131) هذا الحكم واضح لو كانت العين موجودة في ضمن التركة، لانها عين تعلق بحق الخمس و لم يؤد، فهي بعد مشغولة بالحق يجب اداؤه و لا يجوز التصرف فيها لتعلق حق الغير بها.
و أما لو لم تكن العين موجودة بل كان الموجود عوضها فثبوت الخمس في العوض يتوقف على امضاء المعاملة كي ينتقل الحق من العين الى عوضها، و بدونه لا وجه لثبوت الحق فيه اذ الحق انما تعلق بالعين فيدور معها و لا وجه لانتقاله الى العوض، بل تكون المعاملة بالنسبة الى مقدار الخمس باطلة، فيكون المقابل له من العوض ملك المشتري و نحوه.
نعم، اذا لم يمكن استرجاع مقدار الخمس من العين المنقولة بالمعاملة إما لتلفها أو لعدم تمكين المشتري منه فيكون بحكم التالف، اشتغلت منه بمقدار الخمس لانه ضامن له بتفريط، فيجب اداؤه عنه من التركة كسائر الديون، كما صرح بذلك في المتن.
1) قد يقرب ان المهر لا يصدق عليه الفائدة بعد اخذه مقابل سلطنة الزوج على الزوجة، و سلب استقلالها، كما لا يصدق على عوض الخلع لانه مبذول بازاء سلب هذه السلطنة من الزوج، فلا تصدق الفائدة في المقامين.
المندوبة و إن زاد عن مئونة السنة (132)، نعم لو نمت في ملكه ففي
الشرح
(132) الكلام في ثبوت الخمس فيه و عدمه يبتني على الجزم بان الفقير يصح أن يملك ابتداءً ما يزيد على مئونة سنته كما لو دفع له ذلك مرة واحدة.
و الا فلو استشكل في ذلك بان الفقير انما يملك ما يصرفه في سنته فقط بحيث اذا زاد عن مصرف السنة شيء يكشف عن عدم ملكه له من أول الامر، فلا تصل النوبة الى الكلام في ثبوت الخمس فيما زاد عن مئونة السنة من اموال الخمس أو الزكاة لعدم ملكه له.
نعم، قد تظهر ثمرة الكلام مع هذا الالتزام فيما لو كان له رأس سنة معين من أيام السنة جعله لحساب الخمس، و قبض من اموال الزكاة - مثلا - ما لا يفي بمئونة تمام السنة بل ببعضها و لكنه قبضه قبل حلول اليوم المعين له بقليل بحيث زيد المقبوض عن المصرف الى ذلك اليوم، مثلا كان رأس سنته أول رجب و اعطي من اموال الزكاة في أول جمادي ما يصرفه الى آخر رمضان، فانه يملك هذا المال بمجموعه لانه لا يزيد على مئونة سنته حين الاعطاء، فلو حلّ أول رجب كان لديه زائد على مئونة سنته (الخمسية) و هو يملكه، فيقع الكلام فيه.
لكن ذلك يتوقف على ثبوت تصور سنة أخرى للخمس غير سنة المؤنة من حين قبض المال و ليس محله هاهنا، فسيأتي الكلام فيه انشاء الله فانتظر.
و على كل، فلا دليل على نفي الخمس في المملوك بالخمس الا رواية علي بن الحسين بن عبد ربه(1)قال: «سرح الرضا عليه السلام بصلة الى أبي فكتب اليه ابي هل علي فيما سرحت الي خمس؟ فكتب اليه لا خمس عليك فيها سرح به صاحب الخمس» وجهة الاستشهاد بها واضحة، لكن الرواية ضعيفة السند مع امكان المناقشة في دلالتها - و ليس محله هاهنا اذ لا ثمرة فيه بعد ضعف السند -.
1) وسائل الشيعة/باب 11: من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 2.
نمائها يجب كسائر النماءات (133).
مسألة 52: إذا اشترى شيئاً ثمّ علم أن البائع لم يؤد خمسه كان البيع بالنسبة إلى مقدار الخمس فضولياً (134)، فإن أمضاه الحاكم رجع عليه بالثمن و يرجع هو على البائع إذا أداه، و إن لم يمض فله أن يأخذ مقدار الخمس من المبيع، و كذا إذا انتقل إليه بغير البيع من المعاوضات،
الشرح
و أما المملوك بالزكاة و الصدقة المندوبة، فلا يعلم لعدم ثبوت الخمس فيه وجه بعد فرض ثبوته في مطلق الفائدة.
(133) لو التزم بثبوت الخمس في مطلق الفائدة، كما هو مختار المصنف رحمه الله.
(134) لانه بيع ما لاٰ يملك او ما فيه الحق، فتتوقف صحته على اجازة الحاكم الشرعي لانه ولي الفقراء و نائب الامام عليه السلام..
فان أمضى البيع و كان الثمن شخصيا انتقل الحق(1)من العين الى الثمن فله الرجوع على البائع بخمس الثمن لانه ملكه.
و ان كان الثمن في الذمة، فله الرجوع على المشتري لانه بالامضاء يصير خمس الثمن المسمىٰ في ذمته فيرجع عليه الحاكم، و المشتري يرجع على البائع بمقدار الخمس اذا ادى الخمس للحاكم.
و اذا لم يمض البيع كان له أخذ حق الخمس من العين المبيعة لثبوت الحق فيها فله استيفاؤه منها.
1) كثيراً ما يرد التعبير عن الخمس بالحقّ و لا يعني ذلك اختيار ذلك في الخمس، فان تنقيحه سيأتي فيما بعد. و انما هو تعبير باحد فروض المسألة و الحكم المذكور لا يفترق على جميع الفروض و في مورد الافتراق ينبه عليه كما مر، فانتبه. «المقرر»
و إن انتقل إليه بلا عوض يبقى مقدار خمسه على ملك أهله (135).
مسألة 53: إذا كان عنده من الأعيان التي لم يتعلّق بها الخمس أو تعلق بها لكنه أداه فنمت و زادت زيادة متصلة أو منفصلة وجب الخمس في ذلك النماء (136)، و أما لو ارتفعت قيمتها السوقية من غير زيادة عينية لم يجب خمس تلك الزيادة (137) لعدم صدق التكسب و لا صدق حصول الفائدة، نعم لو باعها لم يبعد وجوب
الشرح
و الحال بعينه في غير البيع من المعاوضات لعدم الفرق ظاهراً.
(135) كما هو واضح، لعدم تحقق ما يوجب انتقاله الى غيره اذ لا موضوع للانتقال لعدم العوض و عدم الموجب لزوال الحق أيضا، بل تكون العين كغيرها من الاعيان التي تكون متعلقة لحق الغير و تملك لغير من عليه الحق، فان الحق بذلك لا يزول عن العين بل يبقى مستمرا معها.
(136) هذا بناء على مختار السيد واضح الوجه، لصدق الفائدة على النماء متصلاً كان أو منفصلاً.
و أما بناء على المختار، فهو انما يتجه لو كان قد اقتنى العين للتجارة و الكسب بها، لصدق ربح المكسب عليه. أما لو اقتناها بداع آخر غير التجارة، فلا وجه لثبوت الخمس في النماء اذ لا دليل على ثبوت الخمس في مطلق الفائدة، كما عرفت.
(137) لارتفاع القيمة السوقية صور ثلاث:
الاُولىٰ: ان تكون العين التي ارتفعت قيمتها السوقية قد اقتناها لاٰ لغرض الكسب و التجارة لاٰ بها و لا بمنافعها، بل لغرض آخر كالانتفاع بها شخصا، كشراء الحنطة لأكلها.
خمس تلك الزيادة من الثمن، هذا إذا لم تكن تلك العين من مال التجارة و رأس مالها كما إذا كان المقصود من شرائها أو إبقائها في ملكه الانتفاع بنمائها أو نتاجها أو أجرتها او نحو ذلك من منافعها، و أما إذا كان المقصود الاتجار بها فالظاهر وجوب خمس ارتفاع قيمتها بعد تمام السنة إذا أمكن بيعها و أخذ قيمتها.
الشرح
الثانية: ان تكون مقتناة لغرض الكسب و التجارة بمنافعها، كشراء الدار لإيجارها واخذ الاجرة أو شراء البستان لزرعها و بيع الزرع.
الثالثة: ان تكون مقتناة لداعي التكسب بها نفسها بان تكون جزء رأس مال تجارته، كشراء الحنطة لبيعها و الإتجار بها.
و الكلام يقع في كل صورة من هذه الصور الثلاث. و قبل التعرض الى حكم كل صورة لا بد من بيان شيء، و هو: أن ما يثبت فيه الخمس هو الذي تتعلق به الملكية و هو الاعيان أعم من ذوات الاعيان الخارجية أو منافعها أو ما في الذمة، دون الاوصاف سواء كانت حقيقية، كوصف البياض العارض على الجسم أو اعتبارية كوصف المالية، فالمملوك هو ذات العين لا وصف ماليتها - فالمراد من الاعيان ما يقابل الاوصاف فتشمل المنافع و ما في الذمة لا ما يقابل المنفعة - و ذلك فان الوصف لا تتعلق به الملكية عند العقلاء بل انما تتعلق بالعين.
و بعبارة أخرى: متعلق الملكية هو المال لا المالية أعني المعنون بعنوان المال لا وصف المالية. و هذا - أعني تعلق الملك - هو الذي يتعلق به الخمس و يثبت فيه دون غيره و يشهد لذلك قوله تعالى «وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ...».
فان الغنيمة و الملك انما يتعلقان بالاعيان و يردان عليها، و قد جعل موضوع الخمس متعلق الغنيمة و ان الثابت للّٰه و للرسول و غيرهما هو خمسه، بضميمة أن
..........
الشرح
ظاهر أن جميع أدلة ثبوت الخمس في مختلف الموضوعات ناظرة الى هذا الخمس الثابت بالآية. و قد عرفت ان موضوعه العين.
و بعد الفراغ عن هذه الجهة، لا بد ان يقع البحث في أن الملحوظ في ثبوت الخمس في العين هل هو ذات العين بنفسها بلا نظر الى جهة المالية؟ أو أن الملحوظ هو جهة ماليتها بالخصوص بلا نظر إلى ذاتها؟ أو أن الملحوظ كلتا الجهتين جهة الذات و جهة المالية معا.
و يترتب على الاول: ثبوت الخمس فيما لو زادت العين عما كانت عليه أولا بلا زيادة القيمة السابقة أصلا، كما لو كان لديه منّ من الحنطة قيمته دينار فصار لديه منّان من الحنطة قيمتهما معا دينارا. و لا يثبت الخمس على الثاني لعدم الزيادة المالية. و لا على الثالث لعدمها أيضا مع فرض دخلها في ثبوت الخمس.
و يترتب على الثاني: ثبوت الخمس فيما لو زادت قيمة العين عما كانت عليه مع نقص نفس العين كما لو كان عنده منّان من الحنطة بقيمة دينار، فصار عنده منّ بقيمة دينارين لارتفاع قيمة الحنطة.
و لا يثبت الخمس على الاول لنقص العين. و لا على الثالث لذلك اذ المفروض دخل زيادة العين في ثبوت الخمس. و انما يجب الخمس على الثالث فيما لو زادت العين و القيمة معا كما لو كان عنده منّ من الحنطة بدينار فصار عنده منان من الحنطة بدينارين و لا يجب الخمس في صورة زيادة احداهما دون الاخرى، كما عرفت.
ثمّ إن من العناوين الاشتقاقية ما لا يعرض عليه الزيادة و النقصان بزيادة مبدأ اشتقاقه و نقصه، كالعالم، فانه لا يتغير عما هو عليه بزيادة العلم و نقصه.
و منها ما يعرض عليه الزيادة و النقصان بزيادة مبدأ اشتقاقه و نقصه و يمكن تحديده بما يزيد مبدأ اشتقاقه من حيث العدد، كالمال، فانه يقبل الزيادة بزيادة مبدأ اشتقاقه و هو المالية، فيقال: ان ماله زاد كما يعرض عليه النقصان بنقص مبدأ
..........
الشرح
اشتقاقه فاذا نقصت مالية الشيء يقال إن ماله نقص، و هذا مما لا يقبل الانكار عرفاً.
و لا يخفىٰ أن الفائدة تصدق في صورة زيادة العين التي لها مالية بلا اشكال، فيقال لمن زادت عنده العين انه استفاد و ربح. و كذلك تصدق في صورة زيادة القيمة لزيادة المالية الموجبة لزيادة المال الموجبة لصدق الفائدة و الربح.
و على هذا، فلو بني على ثبوت الخمس في مطلق الفائدة ثبت الخمس في الموارد الذي يصدق فيها تحقق الفائدة، و منها مورد زيادة العين بخصوصها دون القيمة، و مورد زيادة القيمة بخصوصها دون العين، فيثبت الخمس في مورد زيادة العين، و مورد زيادة القيمة، بلا لزوم انضمام زيادة كل منهما للآخر.
و من هنا يظهر ثبوت الخمس في مورد زيادة القيمة السوقية في جميع الصور الثلاث، لصدق الفائدة بزيادتها.
و أما بناء على المختار من اختصاص ثبوت الخمس في ارباح المكاسب دون مطلق الفوائد.
ففي الصورة الاولى، فلا يجب الخمس لعدم كون الفائدة الحاصلة بزيادة القيمة من أرباح المكاسب لفرض كون اقتناء العين لا للتكسب.
و أما في الصورة الثانية، فقد يدعى وجوب الخمس باعتبار ان اقتناء العين و ان لم يكن لاجل الاكتساب بها بل بمنافعها، الا ان هذه الفائدة يصدق عليها بالدقة ربح الاكتساب بلحاظ الاكتساب بالعين بواسطة منافعها.
لكن لو سلم صدق التكسب بالعين و لو بالمداقة - إذ لا يصدق على هذه الفائدة ربح المكسب إذ الاكتساب بمنافع العين لا بنفسها.
فلنا أن نشكك في ثبوت الخمس، لانه ليس لدينا اطلاق يدل على ثبوت الخمس في ارباح المكاسب حتى يشمل كل مورد صدق فيه ربح المكسب، بل استفادة ثبوت الخمس في أرباح المكاسب كانت بملاحظة مجموع الروايات
..........
الشرح
و كونه القدر المتيقن، فاذا أمكن التشكيك في ثبوت الحكم لمورد ما باعتبار خصوصية فيه - كالمورد الذي نحن فيه فانه يشك في ثبوت الخمس للشك في اخذ مثل هذا الربح في موضوع الخمس - لم يكن لدينا دليل لفظي يدفع الشك و يتكفل اثبات الحكم، لمرجع أصالة البراءة من وجوب الخمس.
و أما في الصورة الثالثة، فثبوت الخمس فيها متعين لصدق ربح المكاسب على الزيادة السوقية، لان موضوعها مال التجارة و الاكتساب، و ذلك ظاهر.
هذا كله بناء على صدق الفائدة و الربح بزيادة القيمة السوقية - كما هو الحق -.
و أما بناء على عدم صدق الفائدة عليها - كما هو صريح المتن - فالحق عدم وجوب الخمس في الصورتين الاوليتين و جامعهما عدم شراء العين للاتجار بها سواء باعها ام لم يبعها..
أما قبل البيع فظاهر، اذ لا يصدق الربح و الفائدة كما هو الفرض، فلا موضوع للخمس.
و أما بعد البيع، فكذلك أيضا اذ لم يحصل له ربح بالبيع، لانه بدّل مالاً قيمته الف دينار - مثلا - بألف دينار أو بمال مساوٍ له في القيمة، فلم يربح بهذا البيع و لم يستفد اذ لم يبعها باكثر من قيمتها الفعلية فلا ربح كما هو ظاهر. فلاحظ جيدا.
و عليه، فلا يتجه ما جاء في المتن من وجوب الخمس لو باعها، و لذلك استشكل على السيد رحمه الله في بعض التعليقات الفتوائية على العروة.(1)
و أما الصورة الثالثة و هي ما لو كان اقتناؤه للعين لاجل الاتجار بها، فقد قيل بثبوت الخمس فيها قبل البيع و يمكن ان يوجه بأحد وجهين:
الاول: دعوى كون المقصود بالربح الاعم من الربح الفعلي أو التقديري
1) حكى سيدنا الاستاذ دام ظله ذلك عن المحقق النائيني قدس سره.
مسألة 54: إذا اشترى عيناً للتكسب بها فزادت قيمتها السوقية و لم يبعها غفلة أو طلباً للزيادة ثمّ رجعت قيمتها إلى رأس مالها أو أقل قبل تمام السنة لم يضمن خمس تلك الزيادة (138) لعدم تحققها
الشرح
و ان الربح كما يصدق على الاستفادة الفعلية كذلك يصدق على الاستفادة التقديرية الحاصلة على تقدير البيع القريب.
و هذا الوجه و ان كان معقولا ثبوتا إلا انه لا دليل عليه اثباتا، اذ الظاهر أخذ الربح الفعلي في موضوع الحكم كما هو الحال في كل موضوع حكم، فان الظاهر اعتبار فعلية التلبس في موضوع الحكم.
و الربح الحاصل في المستقبل لا يقال عنه ربح بالفعل بل هو ربح على تقدير البيع، فلا دليل على ثبوت الحكم فيه.
الثاني: ان خصوصيات الاعيان ملغاة في مال التجارة و انما الملحوظ عرفا هو ماليتها، فبزيادة القيمة السوقية ترتفع المالية قهرا، فتتحقق الفائدة.
و يرده منع صدق زيادة المال و الفائدة بالزيادة السوقية بعد فرض ان زيادة القيمة السوقية لا يوجب زيادة المال، كما هو صريح المتن.
نعم، هذا الوجه يتجه لو باع العين لزيادة المال بلا كلام. فلو تم ما ذكر من ان الملحوظ عرفا في مال التجارة هو ماليته لا خصوصياته العينية اتجه ثبوت الخمس بعد بيعه لصدق الربح عرفا. و ذلك هو الفارق بين مال التجارة و غيره في وجوب الخمس عند بيعه مع زيادة القيمة السوقية و عدم وجوبه في غيره مع بيعه كذلك كما عرفت. فلاحظ.
(138) الكلام في ضمان خمس الزيادة يبتني على الالتزام بثبوت الخمس فيها بمجرد حصولها - كما هو المختار -، و الا فلو بني على ثبوت الخمس بعد بيعها لا قبله و ان امكن بيعها لا وجه للكلام في ذلك اذ لم يثبت الخمس كي
في الخارج (139)، نعم لو لم يبعها عمداً بعد تمام السنة و استقرار وجوب الخمس ضمنه (140).
مسألة 55: إذا عمّر بستاناً و غرس فيه أشجاراً و نخيلاً للانتفاع بثمرها و تمرها لم يجب الخمس في نمو تلك الأشجار و النخيل (141) و أما إن كان من قصده الاكتساب بأصل البستان فالظاهر وجوب
الشرح
يتحقق موضوع الضمان.
و الوجه في عدم الضمان في مورد احتماله، هو: أن الزيادة السوقية و ان ثبت فيها الخمس عند حصولها الا انه حيث جاء الترخيص من الشارع في التأخر في اداء الخمس الى آخر السنة كان للمكلف ابقاء العين التي ارتفعت قيمتها السوقية تحت يده و تكون بمنزلة يد الامانة، فإذا رجعت القيمة السوقية الى رأس مالها كان ذلك بمنزلة التلف، و لا ضمان على اليد - اذا كانت يد امانة - مع التلف و ذلك ظاهر.
(139) لم يتضح وجه هذا التعليل، اذ عدم تحققها في الخارج لا يمنع من الضمان بعد فرض ثبوت الخمس فيها قبل بيع العين. نعم ذلك يتجه لو لم يلتزم بثبوت الخمس الا بعد البيع و لكنه خلاف الفرض.
(140) اذ لا ترخيص من الشارع في تأخير الخمس بعد تمام السنة. و مقتضى ذلك لزوم الاداء فوراً، فاذا تعمد عدم البيع كان ذلك تفريطا بالزيادة السوقية و اتلافا لها، فلا يرتفع الخمس برجوع القيمة الى رأس المال بل ينتقل الى الذمة بعد تلف العين. كما هو الحال في اتلاف العين المتعلقة لحق الخمس قبل ادائه، كما أشرنا اليه فيما تقدم.
(141) لم يتضح الوجه منه في هذه الفتوى بعد ما تقدم منه في المسألة الثالثة و الخمسين ما ينافيها، اذ التزم بوجوب الخمس في الزيادة المتصلة و المنفصلة.
و حمل كلامه هاهنا على عدم ارادة قصد التكسب انما يجدي لو كان قدس سره
الخمس في زيادة قيمته و في نمو أشجاره و نخيله.
مسألة 56: إذا كان له أنواع من الاكتساب و الاستفادة كأن يكون له رأس مال يتجر به و خان يؤجره و أرض يزرعها و عمل يد مثل الكتابة أو الخياطة أو النجارة أو نحو ذلك يلاحظ في آخر السنة ما استفاده من المجموع من حيث المجموع (142)، فيجب عليه خمس ما حصل منها بعد خروج مئونته.
مسألة 57: يشترط في وجوب خمس الربح أو الفائدة استقراره، فلو اشترىٰ شيئاً فيه ربح و كان للبائع الخيار لا يجب خمسه إلا بعد لزوم البيع
الشرح
يلتزم باعتبار قصد التكسب في وجوب الخمس و ليس كذلك، اذ تقدم منه ثبوت الخمس في مطلق الفائدة. فلاحظ.
(142) إن كان مراده ملاحظة المجموع ربحا واحدا بحيث تجبر الخسارة من كسب بربح الكسب الآخر، فهو لا يتلائم مع ما يأتي منه في المسألة الرابعة و السبعين من تقوية عدم الجبر. و سيأتي تحقيقه في تلك المسألة.
و إن كان مراده ان المؤنة تخرج من الجميع، فهو ليس بذي أثر كي ينبه عليه، اذ لا يفترق الحال بين استثناء المؤنة من بعض الارباح او من مجموعها.
و إن كان مراده أنه يحسب لمجموع الارباح سنة واحدة و عام واحد يبدأ من اول الربح او الكسب على الخلاف الذي سيأتي بيانه لا أن يكون لكل ربح سنة مستقلة، فله وجه.
و سيأتي تحقيق الحال في ذلك في المسألة الستين بعد الكلام في تعيين مبدأ السنة. فانتظر.
و مضي زمن خيار البائع (143).
مسألة 58: لو اشترىٰ ما فيه ربح ببيع الخيار فصار البيع لازماً فاستقاله البائع فأقاله لم يسقط الخمس، إلا إذا كان من شأنه أن يقيله (144) كما في غالب موارد بيع شرط الخيار إذا ردّ مثل الثمن.
الشرح
(143) يتصور ذلك - أعني شراء ما للبائع الخيار فيه - على نحوين:
الاول: ان يشتري شيئا بأقل من قيمته الواقعية بان يشتري ما قيمته مائة دينار بتسعين، فيربح بهذا الشراء عشرة دنانير. فاذا كان للبائع الخيار كان هذا الربح متزلزلا، اذ للبائع ان يفسخ المعاملة فيرجع الربح الى ملكه و يخرج عن ملك المشتري. و عدم وجوب الخمس فيه لانصراف الادلة عرفا الى الربح المستقر، اذ هو الذي يعد عرفا ربحا بالفعل، كما لا يخفى.
الثاني: أن يشتري شيئا بقيمته الواقعية و يكون للبائع الخيار في الفسخ ثمّ يبيعه على آخر بأكثر مما اشتراه، فانه اذا صححنا معاملة من ليس له الخيار في زمن الخيار، كان هذا البيع صحيحا و يكون الربح له مستقرا - اذ لو رجع البائع الاول عن بيعه فليس له بعد بيع العين من الآخر و تصحيح البيع سوى ثمن المثل -. فيجب فيه الخمس، اذ لا وجه لعدم ثبوته فيه.
و ظاهر المتن النظر الى الاول للتعبير «باشتراء ما فيه ربح» الظاهر في النحو الاول، كما لا يخفى.
هذا في الربح أما الفائدة، فهي تكون للمشتري في زمن الخيار و ان كان البيع متزلزلا غير مستقر، فلم يظهر اعتبار استقرار الفائدة في ملك المشتري.
و قد نبّه على هذا المعنى السيد البروجردي قدس سره في حاشيته الفتوائية على الكتاب.
(144) ناقش بعض المحشين على العروة في الاستثناء المذكور و حكم
مسألة 59: الأحوط إخراج خمس رأس المال إذا كان من ارباح مكاسبه (145)، فإذا لم يكن له مال من أول الأمر فاكتسب أو استفاد مقداراً و أراد أن يجعله رأس المال للتجارة و يتجر به يجب إخراج خمسه على الأحوط ثمّ الاتجار به.
مسألة 60: مبدأ السنة التي يكون الخمس بعد خروج مئونتها
الشرح
بوجوب الخمس و عدم سقوطه مطلقا.
و ناقش آخر فيه، فحكم بسقوطه مطلقا.
و الحق انه لاٰ حاجة لهذا الاستثناء بل سقوط الخمس مطلقا هو الظاهر.
و تقريب ذلك: ان الوجه في المتعارف من البيع الخياري هو جعل المبيع وثيقة بيد المشتري لحاجته الفعلية الى الثمن و عدم قدرته، عليه فاذا أدى البائع الثمن في زمن الخيار أخذ مبيعه، و اذا كان الامر كذلك كان عدم ارجاع المبيع بعد لزوم البيع مع طلب الاقالة يعد عرفا خلاف الانصاف و الانسانية و انه أشبه بالظلم، و لا يختلف في ذلك الشريف و الوضيع و الغني و الفقير، فان ذلك مساوق لإنسانية الانسان، فارجاع المبيع بطلب الاقالة أمر من شأن الانسان بما انه انسان و لا تختص شأنيته بشخص دون آخر.
فالمتجه هو الحكم بسقوط الخمس، لانه كسائر المؤن المستثناة و مما يتوقف عليه حفظ شأن الرجل و لا حاجة الى تقييد السقوط بما اذا كان من شأنه الاقالة، لما عرفت ان ذلك من شأن كل شخص و ليس هناك ما ليس شأنه ذلك عادة. فلاحظ.
(145) الوجه هو التفصيل بين ما اذا كان رأس المال المأخوذ من الربح مما يتوقف عليه معاشه و شأنه، و ما اذا لم يكن كذلك بل جعل من رأس مال التجارة توسعا في التجارة و طلبا للمزيد من الربح.
حال الشروع في الاكتساب (146) فيمن شغله التكسب، و أما من لم يكن مكتسباً و حصل له فائدة اتفاقاً فمن حين حصول الفائدة.
الشرح
فلا يجب الخمس في الاول لانه جزء المؤنة و ما يحتاج اليه، و يجب في الثاني لانه ربح زائد على المؤنة فتشمله أدلة ثبوت الخمس.
و أما الاحتياط و إخراج الخمس، فلا يعلم له وجه ظاهر، اذ لا وجه للتوقف، بل إما ان لا يجب الخمس أو يجب.
(146) الكلام يقع في جهات:
الجهة الاولى: في وجه استثناء مئونة السنة، و هو أمر متسالم عليه من الاصحاب، و لا خلاف فيه عندهم. و لكن الذي جاء في النصوص هو استثناء المؤنة بنحو مطلق أعني بلا تقييدها بمئونة السنة أو غيرها، فاستثناء مئونة السنة لا أثر له في النصوص بنحو صريح.
الا انه يمكن دعوى ظهور اطلاق المؤنة بلا تقييدها بغير السنة في ارادة مئونة السنة، بتقريب: ان المؤنة تارة تقيد بوقت خاص، كالسنة او الشهر او الاسبوع او نحو ذلك. و اخرى تذكر مطلقة بلا تقييد بوقت خاص أصلا.
فعلى الاول، تنصرف المؤنة الى مئونة الوقت الذي قيدت به و اضيفت اليه بلا اشكال.
و على الثاني، فالظهور الاولى لها هو مئونة الشخص مدة الحياة و البقاء.
فاطلاق لفظ المؤنة ظاهر في ارادة مئونة مدة الحياة.
إلا انه لا يمكن الالتزام بارادة هذا الظاهر من لفظ المؤنة المطلق الوارد في النصوص، اذ يعلم بعدم ارادة استثناء مئونة مدة الحياة اذ لازمه عدم وجوب اداء الخمس الا بعد الحياة، اذ له أن يؤخر اداء الخمس الى ما بعد المئونة فهو ما دام حيا له ان يؤخر اداء الخمس لعدم انتهاء وقت المؤنة ما دام في الحياة.
..........
الشرح
مضافاً الى أنه يتنافى مع ايجاب الخمس في الغلة و نحوها مما لا يفي بمئونة الشخص مدة حياته، اذ استثناء مئونة الحياة من موضوع الخمس و وجوب الخمس في الزائد عليه يقتضي عدم ثبوت الخمس في مثل الغلة، اذ هي عادة لا تفي بمئونة مدة الحياة فضلا عن ان تزيد عليها. فايجاب الخمس فيها يعني عدم كون المستثنىٰ مئونة الحياة.
و عليه، فاذا ثبت عدم ارادة الظاهر الاولى من الكلام، فيدور الامر بين ارادة مئونة السنة أو الشهر أو غيرهما كاليوم و الاسبوع.
لكنه يتعين ارادة مئونة السنة باعتبار انه الظاهر عرفا من اطلاق المؤنة بعد العلم بعدم ارادة مئونة الحياة.
و لعل منشأ هذا الظهور العرفي هو ان المؤنة يمكن تحديد مقدارها و ضابطها بلحاظ السنة بحيث يفرض و لو تخمينا ان مئونة السنة المقدار الكذائي، لتشابه السنين من حيث الفصول و ما تحتاجه من أمور المعاش و اللباس و الاجتماع. بخلاف الشهور و الايام لاختلافها من حيث البرد و الحر و الاعتدال و السفر و الحضر و غيرها من الحالات التي يختلف الصرف و المؤنة باختلافها بحيث لا يمكن تحديد مئونة الشهر و اليوم بمقدار، معين لاختلاف الشهور في الحالات بخلاف السنين، فإن الانسان بمقتضىٰ وضعه الطبيعي يعرف خصوصيات عمله و مصارفه في فصول السنة و مناسباتها فيمكن تحديد مقدار مئونتها.
و يؤيد ذلك بل يؤكده فهم الاصحاب من الصدر السابق الى الآن ذلك من استثناء المؤنة فانه شاهد على ظهور اللفظ في ارادة مئونة السنة، و لا يحتاج بعد ذلك الى ارجاع الاستظهار الى وجدان كل شخص و ارتكازه كي يقع مورد الانكار، فان في فهم الاصحاب أقوى شاهد على الفهم العرفي و الظهور بنظر العرف الذي ادعيناه.
..........
الشرح
و بهذا الوجه يمكن الجزم بكون المستثنى هو مئونة السنة. و يؤيده ورود التحديد بالسنة في صحيحة علي بن مهزيار التي تقدم الجزم بطرحها للجزم بعدم صدورها.
الجهة الثانية: بعد الفراغ عن استثناء مئونة السنة، فهل المراد بها سنة التكسب أو الربح، فتكون بداية السنة على الاول حال الشروع في الاكتساب و تكون بدايتها على الثاني أول الربح.
قيل: بالاول و ان مبدأ السنة هو حال التكسب.
و قيل: بالثاني و ان مبدأها اول الربح.
و قيل: بالتفصيل بين الربح الاعتيادي من الكسب، فيكون مبدؤها حال الكسب و الربح الاتفاقي فيكون مبدؤها حال الربح، و هو قول الشيخ رحمه الله(1)و تابعه عليه في المتن.
و استدل للاول و كون مبدأ السنة حال الكسب و ان المراد بها سنة التكسب و التجارة لا الربح، هو تبادر لفظ السنة الى ذلك و انصرافها الى سنة التكسب.
و يردّه: انه لم يرد في لسان الادلة لفظ السنة كي يدعىٰ انصرافها الى سنة الكسب. مضافا الى انكار الانصراف، بل انصراف السنة الى سنة الربح أولى لظهور كون المستثنى من الربح مئونة السنة في ارادة المؤنة التي يصرف الربح فيها و ذلك لا يرتبط بالمئونة المصروفة قبل حصول الربح إذا لم يصرف الربح فيها.
كما انه يستبعد بحسب مذاق الادلة و الشرع استثناؤها من الربح المتأخر عنه و لحاظ المؤنة المصروفة قبل الربح في المستثنى و ان كان في نفسه معقولاً.
و ذلك لان الظاهر من لسان الأدلة استثناء نفس المؤنة لا مقدارها و ذلك
1) الانصاري، الشيخ مرتضى: كتاب الخمس، ص 201، الطبعة الحديثة.
..........
الشرح
ظاهر ان المستثنى من الربح هو المؤنة الفعلية و هو يقتضي استثناء المؤنة من بداية الربح، لفعلية المؤنة حينذاك لاٰ المؤنة قبل الربح. نعم لو كان المستثنى هو المقدار امكن ان يدعى اخذ المؤنة من بداية الكسب.
و بالجملة، فالذي نراه قريبا الى ظاهر الادلة هو كون مبدأ سنة المؤنة هو حصول الربح، فهو المتعين.
الجهة الثالثة: في انه هل يحسب لكل ربح سنة واحدة، فيكون للربح الاول سنة واحدة و للثاني كذلك و هكذا، و مع اشتراكهما في بعض أشهر السنة - كما لو حصل الربح الثاني في بداية الشهر السابع لحصول الربح الاول - يتداخلان في استثناء المؤنة لان سنة الثاني تبدأ من حين حصوله و هو الشهر السابع و استثناء المؤنة من كل ربح، فلا وجه لتعين كون المستثنى منه هو أحدهما المعين لانه ترجيح بلا مرجح، فمقتضى القاعدة التوزيع عليهما بالسوية.
و هكذا لو حصل الربح الثابت في الشهر التاسع من سنة الاول فان الارباح الثلاثة تتداخل في الشهور الثلاثة الاخيرة من سنة الاول.
أو انه يحسب لمجموع الارباح سنة واحدة تكون بدايتها حصول أول ربح.
و المئونة تستثنىٰ من المجموع؟
المشهور هو الثاني. و اثبات الاول سهل المؤنة إذ هو ظاهر الادلة، فان ظاهرها ثبوت الخمس في كل ربح ربح بنحو العموم الاستغراقي، و استثناء المؤنة من الارباح الثابت فيها الخمس، فهي تستثنىٰ من كل ربح بنحو العموم الاستغراقي أيضا، فيحسب لكل ربح سنة خاصة به و تستثنى منه مئونتها و يدفع الخمس عن الزائد عليها. و قد يقال في اثبات الثاني وجوه:
الاول: أن مجموع الارباح باعتبار وجودها التدريجي تعد ربحا واحدا بنظر العرف، فيثبت فيها خمس واحد، كما يحسب لها سنة واحدة.
و فيه: أن الموجود التدريجي انما يعد عرفاً وجوداً واحداً فيما لو كان
..........
الشرح
متشابه الاجزاء و فواصلها و مستمرها بحيث لا يتخلل بينها العدم و الفصل الطويل، كالكلام المستمر و السير المستمر و نحوهما و منه دم الحيض كما يقال.
و ليس الربح كذلك، فانه مضافا الى انه قد لا يكون موجودا تدريجيا بل يوجد في عرض واحد، كما لو باع الحنطة و الشعير و السكر في وقت واحد و ربح فيها. مضافا الى ذلك قد لا يكون متشابه الاجزاء و قد يتخلله الفصل الطويل، اذ قد يكون الربح نقدا و يكون عينا مع اختلاف الاعيان ذاتاً. كما انه قد يحصل الربح الاول في اول الشهر و الآخر في وسطه و الثالث في آخره و هكذا.
و عليه، فدعوى وحدة مجموع الارباح بنظر العرف و ان المجموع يعد عرفا ربحا واحدا لا وجه لها بل هي دعوى مجازفة، اذ العرف يعدها أرباحاً لا ربحاً واحداً، كما لا يخفى.
الثاني: ان موضوع الحكم فيما نحن فيه هو الطبيعة لا الافراد، بمعنى ان موضوع الخمس هو طبيعي الربح لاٰ كل فرد.
و عليه، فهي لا تتعدد بتعدد افراد الربح، بل تحمل بمجرد حصول أول فرد فيثبت الحكم حينذاك و يكون حصول الربح ثانيا و ثالثا و هكذا موجبا لسعة دائرة وجود الموضوع لا لتعدده و تعدد الحكم، و الا فالحكم واحد يحصل بحصول موضوعه المتحقق بحصول أول فرد.
و بعبارة أخرى: ان موضوع الخمس ان كان هو الربح بنحو العموم الاستغراقي بمعنى ان كل فرد من افراد الربح يثبت له الحكم، كان مقتضى القواعد حساب السنة لكل ربح مستقلا.
أما لو كان الموضوع هو طبيعي الربح، فالملحوظ في السنة و مئونتها هو الطبيعي، فيستثنى منه، و يكون تعدد الربح موجبا لسعة الموضوع و هو الطبيعة الموجودة بافرادها. و ذلك نظير ما اذا اخذ في موضوع وجوب التصدق وجود المال أو الولد بنحو الطبيعة، فان تعدد المال و الولد لا يوجب تعدد الحكم اذ
..........
الشرح
الحكم وارد على الطبيعة لا الافراد.
و هذا الوجه وجيه إن تم ما بني عليه من أخذ الربح موضوعا بنحو الطبيعة لا الافراد و بنحو العموم الاستغراقي.
لكنه غير تام فيما نحن فيه، لانه انما يمكن فرضه في المورد الذي لا يكون لمتعلق الحكم شأن في نفس الموضوع و تعلق به، نظير الحكم بوجوب التصدق عند وجود الولد، فان التصدق نفسه لا يرتبط بالولد بمعنى أنه في وجوده أجنبي عنه فيمكن ان يفرض كون الموضوع طبيعي الولد، فلا يكون تعدد الولد موجبا لتعدد الحكم.
أما في المورد الذي يكون لمتعلق الحكم ارتباط بنفس الموضوع بحيث يفرض تحققه عند تحقق كل فرد من افراد الموضوع، نظير الحكم بوجوب التصدق من المال اذا وجد عندك، فان التصدق من المال لازم عند حصول المال، فلا يمكن هاهنا الالتزام بان الموضوع هو طبيعي المال، اذ عند حصول المال يجب التصدق منه، فاذا حصل ثانيا يجب التصدق أيضا و لا يمكن أن يكون هذا الوجوب هو الوجوب الاول، لامتثال الاول الموجب لسقوطه.
فطبيعة الحكم و نحو ثبوته يقتضي ان يكون الموضوع كل فرد بنحو العموم الاستغراقي. و ما نحن فيه من هذا القبيل، لان الخمس انما يتعلق بالربح و يخرج منه و يضاف اليه فهو خمس الربح و ليس أجنبيا عنه.
و عليه، فطبيعة تعلقه بالربح تقتضي ان يكون الملحوظ في موضوع الحكم هو كل فرد من افراده بنحو الاستغراق، و ذلك للزوم اخراج الخمس من كل ربح، فالوجوب الوارد على الربح الثاني لا يمكن أن يكون عين الاول المفروض انه متعلق بالطبيعة لإمكان امتثاله قبلا الموجب لسقوطه.
و عليه، فلا بد ان يكون غيره و بذلك يكون كل ربح موضوعا للحكم لا الطبيعة.
..........
الشرح
الثالث: أن المأخوذ في موضوع الخمس و ان كان كل ربح، و قد ورد استثناء المؤنة من الربح الثابت فيه الخمس، الا أن دليل استثناء المؤنة ليس في مقام البيان من جهة استثناء المؤنة من كل ربح ربح أو من مجموع الارباح، بل هو ليس الا في مقام بيان استثناء المؤنة من الربح لا اكثر، أما خصوصيات المستثنى منه و انه كل ربح أو المجموع، فذلك مما لا نظر للكلام اليه.
و عليه، فالكلام مجمل من هذه الناحية، و يؤخذ بالقدر المتيقن منه، و هو الاستثناء من مجموع الارباح، اذ المتيقن من الدليل استثناء المؤنة بهذا النحو فيرجع في غيره الى دليل ثبوت الخمس في الربح، فان الدليل يدل على ثبوت الخمس في الربح فعلا و مطلقا و دليل المؤنة اقتضى تأخيره(1)استثناء مقدار منه، و القدر المتيقن منه هو التأخير الى نهاية سنة الربح الاول و استثناء مقدار المؤنة لذلك الحد، فيبقى الباقي تحت دليل ثبوت الخمس و لزوم ادائه.
الرابع: ما يظهر من النصوص من ايجاب الخمس في الارباح التي يعلم عادة بعدم وفائها بمئونة السنة، كربح الصانع بيده و ربح الخياط خمسة دوانيق و ربح مطلق الكسب الشامل للكسب القليل، فانه لو التزم بحساب سنة لكل ربح خاصة لم يثبت الخمس على هؤلاء الا نادرا جدا، و هو لا يتلاءم مع الاهتمام ببيان وجوب الخمس و التأكيد عليه، كما يظهر من قوله عليه السلام في رواية عبد الله بن سنان المتقدمة(2)«حتى الخياط يخيط قميصا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق».
و هذان الوجهان لا مناقشة فيهما، و بهما يتعين الالتزام بما هو المشهور من استثناء مئونة السنة من مجموع الارباح، فتدبر.
الجهة الرابعة: في تعيين وقت الثبوت و وجوب الاداء، و فيه احتمالات ثلاثة بعد الفراغ عن عدم الالتزام بثبوت الخمس و تعين ادائه حين ظهور الربح و حصوله.
..........
الشرح
الاول: أن يكون وقت تحقق الحكم الوضعي و ثبوت الحق في المال حال ظهور الربح، الا ان وجوب ادائه لا يتعين في ذلك الحين بل يمتد الى نهاية السنة، فيكون وجوب الاداء من قبيل الوجوب الموسع.
الثاني: أن يكون وقت ثبوت الخمس حال حصول الربح الا ان وقت وجوب الاداء في نهاية السنة، فلا يجب قبلها، نظير الدين المؤجل، فان ثبوت الحق في الذمة من حين القرض الا ان وجوب ادائه حين حلول الاجل المعين لاٰ حين القرض.
الثالث: أن يكون وقت ثبوت الخمس و وجوب الاداء هو نهاية السنة، فالحكم الوضعي و التكليفي لا يتحققان الا عند نهاية السنة. و هو المختار و ذلك:
لان ظاهر الادلة الاولية و ان كان ثبوت الخمس في الربح المقتضي لثبوته حال حصوله، الا أن ما يدل على ان الخمس بعد المؤنة ظاهر في كون ثبوت الخمس بعد صرف المؤنة و هو يقتضي ان يكون تحققه عند نهاية السنة و بعد نهاية صرف المؤنة و هو حاكم على تلك الادلة، لانه بيان لوقت تعلق الخمس و كيفيته الثابت بتلك الادلة.
و قد نوقش في ذلك: بانه يبتني على استظهار ارادة التأخر الزماني من لفظ «بعد المؤنة» و هو غير ظاهر بل المراد من البعدية البعدية الرتبية التي معناها استثناء مقدار المؤنة من الربح و كون الخمس في الزائد من دون تعيين لزمان ثبوت الخمس.
و لا يمكن حمل الكلام على ارادة البعدية الزمانية و الرتبية، لان مقتضى البعدية الزمانية هو ثبوت الخمس في المجموع بعد زمان المؤنة، اذ لا يدل على استثناء المؤنة من الربح، بل يدل على ان الخمس في هذا الربح يكون في هذا الزمان، و هذا لا يتلاءم مع مقتضى البعدية الرتبية الذي علمت انه استثناء المؤنة
..........
الشرح
من الربح و كون الخمس في الزائد على المؤنة.
فارادة كلا المعنيين من اللفظ غير ممكنة لاستحالة استعمال اللفظ في معنيين لا جامع بينهما.
و يشكل: بان ظاهر لفظ «بعد» في ارادة البعدية الزمانية و التعاقب الزماني و لا وجه لحمله على غير ظاهره. و أما ما ادعي من ان مقتضى البعدية الزمانية تعلق الخمس بمجموع الربح بلا استثناء، فهو لا يقتضي حمل الكلام على ارادة البعدية الرتبية.
و ذلك لانه ممنوع، فان لفظ «بعد» و ان كان ظاهرا في البعدية الزمانية الا انه عرفا لا يقتضى ما ذكر و ذلك..
اولاً: لظهور تعلق الخمس بالمتبقى عرفا بعد الصرف، فاذا قيل: بع نصف الدار بعد انهدام نصفها، كان ذلك ظاهرا عرفا في الامر ببيع نصف ما يبقى بعد الهدم. و عليه فاذا قيل أعط خمس الربح بعد زمان المؤنة كان ذلك ظاهرا بنظر العرف في الامر باخراج خمس الباقي من الربح.
و ثانياً: لو سلم عدم ظهور ذلك عرفا، بل هو ظاهر في اخراج خمس كل الربح، الا انه بعد قيام الدليل على استثناء المؤنة من الربح يكون ذلك قرينة على استعمال اللفظ في معنى جامع ينطبق على الكل و البعض، فلا يكون ظاهرا في لزوم اداء خمس الكل بعد وقت المؤنة لاستعماله في معنى جامع بين الكل و البعض.
و بالجملة، فلا ملزم للخروج عن ظاهر لفظ «بعد» في ارادة التعاقب الزماني، لان ما يتوهم من ترتب ما لا يلتزم به عليه مندفع بما عرفت من الوجهين مع المحافظة على ظاهر لفظ «بعد».
و يضاف الى الاستدلال المتقدم للاحتمال الثالث بمثل قوله عليه السلام(1):
1) وسائل الشيعة/باب 8: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 1.
..........
الشرح
«الخمس بعد المؤنة»، الاستدلال برواية البزنطي(1)قال: «كتبت الى ابي جعفر عليه السلام الخمس اخرجه قبل المؤنة أو بعد المؤنة فكتب بعد المؤنة»، فان الظاهر كون السؤال عن مشروعية اخراج الخمس قبل المؤنة، فيظهر الجواب في عدم مشروعية الاخراج قبل المؤنة.
إلا أنه يمكن المناقشة في دلالتها على الاحتمال الثالث، اذ عدم مشروعية الاخراج قبل المؤنة لا ينفرد بها الاحتمال الثالث بل يشترك معه الاحتمال الثاني لفرض كون زمان الوجوب فيه نهاية السنة.
مضافا الى عدم ظهورها في السؤال عن المشروعية، بل يمكن أن يكون السؤال عن لزوم الاخراج قبل المؤنة و تعينه، فيكون الجواب ظاهراً في نفي التعين و هو لا يتنافى مع كونه واجبا قبل المؤنة بنحو الوجوب، الموسع كما هو المفروض في الاحتمال الاول.
و يمكن الاستشهاد للاحتمال الثالث بقوله عليه السلام في رواية ابن شجاع(2)«لي منه الخمس مما يفضل من مئونته»، و ذلك لان صدق عنوان الفاضل من المؤنة انما يتحقق بعد الصرف، و هو أمر لا يقبل الانكار، و لما كان الظاهر ترتب الحكم على الربح بهذا العنوان و فعلية الحكم بفعلية موضوعه كانت فعلية ثبوت الخمس بفعلية صدق عنوان الفاضل من المؤنة و هو انما يتحقق بعد الصرف و انتهاء السنة.
و من مجموع ذلك يتضح جليا تعين الالتزام بان وقت ثبوت الخمس وضعا و وجوب ادائه تكليفا انما هو نهاية السنة، إذ لا دليل على احد الاحتمالين
..........
الشرح
الاولين. فتدبر جيدا.
الجهة الخامسة: في معرفة وجه ما هو المتداول في هذه العصور بين الاعلام أو وكلائهم و الناس من إجراء المصالحة معهم في كمية الخمس و تعيين رأس سنة لهم بوقت معين بعد حساب جميع الارباح التي عندهم الى زمان المصالحة. فان ذلك يشكل من جهات:
الاولى: ادخال الربح الحادث الذي لم تمض عليه سنة في موضوع المصالحة واخذ الخمس منه اذ لا يجب عليه اداء خمسه قبل السنة.
الثانية: تعيين رأس السنة اليوم المعين فانه لا يتجه بعد ما عرفت بان بداية السنة اما بدء التكسب أو الربح فجعله يوما معينا ليس هو بداية الكسب و الربح بلا وجه. مضافا الى انه قد لا يحصل لديه ربح بعد المصالحة فورا بل يحصل لديه ربح بعد مضي شهر من المصالحة، و مقتضى المصالحة حساب مئونة الشهر السابق على الربح من الربح اللاحق، و قد عرفت الاشكال فيه و ان المستثنى هو المؤنة من بداية الربح.
الثالثة: استلزامه تفويت حق الفقراء في بعض الموارد، كما لو صالحه على ان يكون رأس السنة بأول محرم، و كانت بداية ربحه أول شوال السابق على محرم، ثمّ بعد ذلك ربح في رمضان الآتي مبلغا يزيد على مئونة سنته من أول شوال السابق الى نهاية رمضان، فمقتضى القاعدة دفع خمس الزائد، الا انه بالمصالحة يجوّز له التأخير الى حلول محرم، فقد يحتاج الى مئونة تكلفه جميع الربح، و ذلك يقتضي عدم ثبوت الخمس عليه، فبتعيين رأس السنة أول محرم لزم تفويت حق الفقراء، و ذلك يحتاج الى مجوز و لا نعرفه.
و ما قيل في دفع الاشكال وجهان:
الوجه الاول: إن هذا - أعني أخذ الخمس من جميع ما عنده فعلا من الارباح و تعيين رأس سنة خاصة له - انما يكون بطريق المصالحة الذي يرجع الى تراضي الطرفين به فلا اشكال.
..........
الشرح
و فيه: اولاً: انه انما يجدي لو بني على ثبوت الخمس قبل نهاية السنة و لكنه في سعة في الاداء الى آخرها، و قد عرفت الاشكال في ذلك و ان الخمس لا يتعلق بالعين الا عند نهاية السنة، فلا مبرر لأخذ الخمس من الشخص مما لم يمض عليه سنة من الارباح لعدم ثبوت الخمس فيه كي يؤخذ منه برضاه.
و ثانيا: لو اغمضنا النظر عن ذلك فهو انما يجدي في رفع الاشكال من الجهة الاولى، اذ له ان يتنازل عن حقه في التأخير و يعطي الخمس فورا بالمصالحة و التراضي.
أما الاشكال من الجهتين الاخريين، فلا يجدي ما ذكر في رفعه، اذ بعد كون المشرّع هو كون مبدأ السنة بدء التكسب أو بدء الربح فلا وجه لتعيين مبدئها وقتا آخر، و لا فائدة في التراضي و التصالح بعد ان لم يكن مشروعاً.
كما لاٰ فائدة في ثبوت ولاية الحاكم الشرعي، لان ولايته انما تنفذ على تقدير القول بها في الموارد المشروعة في نفسها المتوقفة على اجازة الولي، كبيع مال اليتيم و نحوه، دون الموارد غير المشروعة.
و هكذا لا ولاية له على تفويت حق الفقراء بذلك بل لا بد عليه من المحافظة عليه، كما ان ليس له تغيير التشريع، فاذا كان الواجب بمقتضى القواعد اخراج الخمس فعلا من الربح فليس له نفي وجوب الاداء فعلا و استيفاء المؤنة اللاحقة منه و لو أوجبت انعدامه و فوات موضوع الخمس.
و بالجملة، فالتصالح و التراضي لا يجدي في رفع الاشكال من الجهتين الاخريين بعد ان كان ذلك مقتضى القواعد الشرعية لان تغييرها ليس بيد الحاكم الشرعي و لا غيره من الناس.
الوجه الثاني: - و هو ما أفاده الفقيه الهمداني(1)قدس سره و ادعى أن عليه السيرة
1) الهمداني، الشيخ آغا رضا: مصباح الفقيه، ج 14: ص 194، الطبعة الحديثة.
..........
الشرح
و فتاوى المعظم و انه مقتضى اطلاقات الادلة - ان الحكم وارد على اخراج الخمس في كل سنة و لم يقيد ذلك بسنة معينة و عام مخصوص. و حيث يعلم عدم الوجوب في كل سنة يمكن ان تفرض للربح بنحو العموم الشمولي، بل الحكم يثبت في سنة واحدة.
فمقتضى ذلك حكم العقل بان المكلف مخير بين إحدى السنين التي يضاف اليها الربح و لا يتعين عليه التقيد بسنة معينة دون أخرى لعدم المعين. مثال ذلك: انه لو ربح أولا في بدء شهر صفر ثمّ ربح ثانيا في بدء شهر ربيع الاول ثمّ ربح ثالثاً في بدء شهر ربيع الثاني، فههنا سنوات ثلاث احداها بدايتها بدء شهر صفر و ثانيتها بدايتها بدء شهر ربيع الاول، و ثالثتها بدايتها بدء شهر ربيع الثاني.
و الربح الثالث يمكن ان يضاف الى هذه السنوات الثلاث.
و عليه، فللمكلف ان يختار سنة الربح (الثالث) الثالثة و يعينها فيه. و لا يتنافى ذلك مع اختياره كون متعلق الحكم هو طبيعة الربح بل يتلاءم معه، لانه ليس التزاما بتعلق الخمس بكل ربح بنحو العموم الاستغراقي، بل هو التزام بوجوب الخمس في كل سنة لطبيعة الربح، و لكن السنة التي يضاف اليها طبيعة الربح فيها لا تتعين بسنة معينة بل يمكن تطبيقها على كل ما يصلح ان يكون سنة للطبيعة. هذا ملخص ما ذكره قدس سره.
و الاشكال عليه: بأن جميع ما ذكر يتفرع على ورود لفظ السنة في الادلة كي يستظهر ان المراد بها العموم الاستغراقي مع عدم تقيدها بسنة معينة، فيستفاد منها البدلية من هذه الجهة، و لكن النصوص خالية عن هذا التعبير، فلا مجال لما ذكر بالمرة.
يندفع: بان لفظ السنة و ان لم يرد في النصوص بل ورد التعبير بالمئونة الا انه حيث علم ان لفظ المؤنة ينصرف عرفا - فيما نحن فيه - الى مئونة السنة، و مما لا شك فيه أخذ المؤنة بنحو العموم الاستغراقي اذ كل ما يجب فيه الخمس من
..........
الشرح
الارباح يستثنىٰ منه المؤنة بالتفصيل الذي تقدم و لم تعين مئونة سنة معينة في النص كي يتقيد به بل اخذت مطلقة من هذه الجهة، فيكون المستثنىٰ مئونة إحدى السنوات التي يمكن ان تفرض للربح، فما ذكر يتأتى و لو لم يرد التعبير بلفظ السنة.
الا ان ما لا يمكن المساعدة عليه من كلامه نقطتان:
إحداهما: فرض سنوات متعددة لكل ربح يتخير المكلف في اختيار إحداها. فان ذلك لا يتلاءم مع ما تقدم منه من كون متعلق الخمس طبيعة الربح أو ما عرفته من ان متعلقه في السنة مجموع الارباح.
اذ قد عرفت ان متعلق الخمس ليس كل ربح ربح بحيث يفرض لكل منها سنة معينة، بل السنة تضاف الى مجموع الارباح التي تبتدئ ببداية الربح فانه القدر المتيقن من التقييد و الاستثناء، و معه لا يمكن فرض سنين متعددة لكل ربح، بل ليس هناك الاسنة واحدة تبتدئ بأول ربح و هي المتعينة دون غيرها.
و هكذا بناء على ما التزم به قدس سره من كون الملحوظ هو الطبيعة و ان تحقق الربح ثانيا انما يوجب سعة موضوع الحكم لا تعدده، فانه عليه لا يكون الا سنة واحدة تضاف الى الطبيعة الحاصلة بحصول أول ربح.
و عليه، فما ذكره لا يتفق مع ما هو التحقيق من عدم حساب سنة لكل ربح بل حساب سنة واحدة لمجموع الارباح أو طبيعة الربح، اذ لا تتعدد السنة حينئذ لعدم تعدد الطبيعة. فلاحظ.
الثانية: استفادة تحقق الوجوب في كل سنة للربح من الادلة.
فانه ممنوع، لان الدليل لم يتكفل تحقق الوجوب في كل سنة و ليس لسانه هذا المعنى أعني اضافة الوجوب الى السنة، بل الدليل يتكفل ايجاب الخمس في الربح، و دليل السنة انما كان بلسان تقييد الدليل الدال على وجوب الخمس و يتكفل نفي الوجوب قبل السنة أو انه للمكلف تأخير الاداء الى مضي سنة.
مسألة 61: المراد بالمئونة - مضافاً إلى ما يصرف في تحصيل الربح - ما يحتاج إليه (147) لنفسه و عياله في معاشه بحسب شأنه اللائق بحاله في العادة من المأكل و الملبس، و ما يحتاج إليه
الشرح
و عليه، فمقتضى الادلة هو وجوب الخمس في الربح بعد مضي سنة، لا وجوبه في كل سنة في الربح و هذا الامر ظاهر لا غبار عليه.
الثالثة: ما ادعاه من كون التخيير بين السنوات مقتضى اطلاق الادلة.
فانه مدفوع، بان مقتضى اطلاقات الادلة عكس ذلك، اذ مقتضاها ثبوت الخمس في الربح بمجرد حصوله فتأخيره الى وقت آخر و امتداده خلاف الاطلاق بل هو ان ثبت مقتضى دليل التقييد.
و لعله هو المراد من كلامه و ان ذلك مقتضى اطلاق أدلة التقييد و عدم تقييدها بسنة معينة. لكنه خلاف الظاهر و الاصطلاح، اذ لا يصطلح على المقيد بذلك بل يعبر عنه بالمقيد مع ان التقييد لم يرد في أدلة متنوعة بل ليس للتقييد الا دليل واحد و هو السُنَّة. مضافا الى ما تقدم من المناقشة في استفادة ذلك من الدليل و استظهاره. فلاحظ.
ثمّ إن ما ذكره قدس سره أخص من مجرى السيرة، اذ مجراها على تعيين رأس السنة زمن المحاسبة و التصفية بلا لحاظ وجود الربح فيه كي يختار فيه هذه السنة دون غيرها، فما عليه السيرة أعم من المدعىٰ الذي حاول قدس سره تطبيقه على القواعد و بيان انه مقتضى الادلة و ليس امرا على خلافها.
فلا يكون ما أفاده قدس سره تصحيحا لما عليه السيرة و العمل الخارجي على تقدير تماميته في نفسه.
(147) استثناء مئونة التحصيل من الربح لا شبهة فيه - و ان استشكلنا في استثنائها من سائر موضوعات الخمس كالمعدن و الكنز كما تقدم - و ذلك لانه
..........
الشرح
لا يصدق الربح الا على المقدار الزائد على مئونة التحصيل فلو ربح مائة دينار و كان قد صرف في تحصيله عشرين دينارا لم يصدق عرفا ان ربحه مائة بل ثمانون دينارا. و أما استثناء مئونته فقد عرفت انه مقتضى النصوص الدالة على ان الخمس في المقدار الزائد على المؤنة. و هذا مما لا اشكال فيه.
و انما الاشكال في المقدار المستثنى، فقد وقع الخلاف فيه الى اقوال:
الاول: لزوم التقتير و الاقتصار على الضروري من مصارفه.
الثاني: تعميم المستثنى الى كل ما يصرفه في السنة و لو كان زائدا على ما تقتضيه حاله.
الثالث: كون المستثنى هو ما يصرفه بحسب ما يليق بحاله دون ما يكون زائد على اللائق به و دون لزوم الاقتصار على الضروري بحيث يلزم عليه التقتير.
أما الاحتمال الاول، فلا أعرف قائلا به فعلا و يظهر ضعفه مما يذكر في وجه القولين الآخرين.
و أما الاحتمال الثاني، فوجهه هو اطلاق لفظ المؤنة الشامل لكل ما يصرفه المرء في السنة و لم يثبت تقييده بغير الزائد بحسب شأنه و حاله.
إلا أنه يردّه ان لفظ المؤنة لا يظهر منه عرفا و لغة ما يرادف المصرف كي يتمسك باطلاقه لكل مصرف، بل الظاهر منه عرفا هو ما يصرف لسد الحاجة العرفية و ما يبذل في شئونه اللازمة له بحسب العرف و العادة، فلا اطلاق له بالنسبة الى كل مصرف و لو كان زائدا بحسب شأنه.
و لو تنزلنا عن ظهوره في ذلك فلا أقل من اجماله و عدم ظهوره في أحدهما، فيؤخذ بدليل التقييد بالمقدار المتيقن و هو ما يصرفه لسد حاجته بحسب شأنه و مقامه.
و بالجملة، فالمتعين الالتزام بالقول الثالث، فانه القول الذي تساعد عليه الادلة.
لصدقاته و زياراته و هداياه و جوائزه و أضيافه، و الحقوق اللازمة له بنذر أو كفارة أو أداء دين أو ارش جناية أو غرامة ما أتلفه عمداً أو خطأ، و كذا ما يحتاج إليه من دابة أو جارية (148) أو عبد أو أسباب أو ظرف أو فرش أو كتب، بل ما يحتاج إليه لتزويج أولاده أو ختانهم، و نحو ذلك مثل ما يحتاج إليه في المرض و في موت أولاده أو عياله إلى غير ذلك مما يحتاج إليه في معاشه، و لو زاد على ما يليق بحاله مما يعد سفهاً و سرفاً بالنسبة إليه لا يحسب منها.
مسألة 62: في كون رأس المال للتجارة مع الحاجة إليه من المئونة إشكال (149)، فالأحوط كما مرّ إخراج خمسه أوّلاً، و كذا في الآلات المحتاج إليها في كسبه مثل آلات النجارة للنجّار و آلات النساجة للنسّاج و آلات الزراعة للزرّاع و هكذا، فالأحوط إخراج خمسها أيضاً أوّلاً.
الشرح
(148) سيأتي بعض الكلام في مثل هذه الامور مما تقتني من الربح و تبقى اعيانها في نهاية السنة، كالدار و اللباس و الكتب و غيرها، فانتظر.
(149) قد عرفت سابقا أن رأس المال و نحوه كالآلات اذا كان محتاجا اليه في تجارته و متوقفا عليه معيشته و شأنه، كان عرفا من المؤنة، و كان مقتضى استثناء المؤنة من الربح استثناؤه منه.
و لا أعرف وجها للاشكال في استثنائه الا بقاء نفس العين في نهاية السنة فتكون الحاجة الى الانتفاع بها قد استوفيت منه لا الى نفس العين. و عليه، فمقتضى كونه ربحا زائدا على المؤنة تعلق الخمس به.
مسألة 63: لا فرق في المئونة بين ما يصرف عينه فتتلف مثل المأكول و المشروب و نحوهما و بين ما ينتفع به مع بقاء عينه مثل الظروف و الفروش و نحوها، فإذا احتاج إليها في سنة الربح يجوز شراؤها من ربحها و إن بقيت للسنين الآتية أيضاً.
مسألة 64: يجوز إخراج المئونة من الربح و إن كان عنده مال لا خمس فيه (150) بأن لم يتعلق به أو تعلّق و أخرجه فلا يجب
الشرح
إلا أنه إن كان هذا وجه الاشكال، فهو سار الى مثل الدار و الكتب و اللباس و نحوها المقتنى من الربح، اذ اعيانها باقية في نهاية السنة و كانت الحاجة الى منفعة الدار و الكتاب و اللباس مدة السنة، فتكون نفس الاعيان ارباحا زائدة على مئونة السنة، فلا بد من الحكم بتعلق الخمس بها مع أنه قدس سره حكم بعدم الخمس فيها.
فلا يظهر حينئذ وجه استشكاله في مثل رأس المال و جزمه في المسألة التالية بعدم الخمس في ما يبقى عنه مما يحتاج اليه، كالظروف و الفرش. و بالجملة، لا يتجه التفكيك بينهما اذ لا يعلم له وجه.
و الذي يمكن أن يقال في مقام دفع الاشكال في كلا المقامين: ان العين اذا احتيج اليها فعلا صدق عليها عرفا انها من المؤنة (مئونة السنة) و ان علم بقاؤها الى السنين الاخرى مع العلم باستمرار الحاجة اليها. فالملحوظ في صدق المؤنة عرفا هو الاحتياج الفعلي في هذه السنة مع استقراره في السنين اللاحقة و لو بقيت نفس العين. و مع عدم الجزم بالصدق العرفي يتوقف في استثناء نفس العين من الربح مع بقائها.
(150) الاحتمالات في هذا الفرع ثلاثة:
إخراجها من ذلك بتمامها و لا التوزيع، و إن كان الأحوط التوزيع، و الأحوط منه إخراجها بتمامها من المال الذي لا خمس فيه، و لو كان عنده عبد أو جارية أو دار أو نحو ذلك مما لو لم يكن عنده كان من المئونة لا يجوز احتساب قيمتها من المئونة (151) و أخذ مقدارها بل يكون حاله حال من لم يحتج إليها أصلاً.
الشرح
احدها: لزوم اخراج المؤنة من المال المخمس.
الثاني: لزوم التوزيع و عدم اخراجها من الربح جميعها.
الثالث: جواز اخراجها من الربح.
و وجه الاول انصراف استثناء المؤنة الى مورد الحاجة الىٰ اخراجها من الربح، فمع عدم الحاجة الى ذلك بوجود مال آخر لا دليل على جواز استثنائها من الربح.
و يردّه: انكار الانصراف لعدم الوجه فيه بل الوجه على خلافه اذ الغالب في التجار توفر مال لديهم بمقدار المؤنة غير الربح، و مع ذلك فقد ورد استثناء المؤنة من الارباح الحاصلة لديهم، فلا وجه لدعوى ورود التقييد مورد الغالب و انصرافه اليه.
و عليه، فالمتبع هو اطلاق دليل التقييد، و منه يظهر وهن القول الثاني اذ الوجه فيه ليس الا قاعدة العدل و الانصاف، و هي واردة في موارد خاصة في باب الاموال، فتطبيقها على ما نحن فيه لا يعدو كونه استحسانا و هو لا يصادم الاطلاق.
(151) لما ستعرفه من ان ما يستثنى هو المصروف لسد الحاجة دون ما لم يصرف او ما لا يحتاج اليه فعلا لوجوده.
مسألة 65: المناط في المئونة ما يصرف فعلاً (152) لا مقدارها، فلو قتر علىٰ نفسه لم يحسب له (153)، كما أنه لو تبرع بها متبرع لا يستثنى له مقدارها على الأحوط، بل لا يخلو عن قوّة.
مسألة 66: إذا استقرض من ابتداء سنته لمئونته أو صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح يجوز له وضع مقداره من الربح (154).
مسألة 67: لو زاد ما اشتراه و ادّخره للمئونة من مثل الحنطة و الشعير و الفحم و نحوها مما يصرف عينه فيها يجب إخراج خمسه عند تمام الحول (155)، و أما ما كان مبناه علىٰ بقاء عينه و الانتفاع به مثل الفرش و الأواني و الألبسة و العبد و الفرس و الكتب و نحوها
الشرح
(152) لظهور لفظ المؤنة في ذلك، اذ لا يصدق على المال قبل صرفه بانه مئونة بل يصدق عليه مثلا أنه بمقدار المؤنة أو يصرف فيها.
(153) لأن مئونته ما صرفه و هو المقدار القليل. و أما ما لم يصرفه فهو ليس من المؤنة و لا وجه لاستثنائه، لان المستثنى هو خصوص المصروف فعلا لانه المؤنة. و هكذا الكلام لو تبرع متبرع بمئونته. فلاحظ.
(154) هذا يتم لو قلنا بان المراد بالسنة التي تستثنىٰ مئونتها من الربح سنة التكسب، أما لو قلنا بأنها سنة الربح - كما عرفت تحقيقه - فلا وجه له لان بداية السنة تكون أول ظهور الربح، فلا يكون ما صرفه قبله من مئونة السنة الحالية للربح بل من مئونة السنة السابقة، فلا يتجه استثناؤه.
(155) لانه ربح زائد على المؤنة فيشمله دليل الخمس.
فالأقوىٰ عدم الخمس فيها (156)، نعم لو فرض الاستغناء عنها فالأحوط إخراج الخمس منها (157)، و كذا في حليّ النسوان إذا جاز وقت لبسهن لها.
مسألة 68: إذا مات المكتسب في أثناء الحول بعد حصول الربح سقط اعتبار المئونة في باقيه (158) فلا يوضع من الربح مقدارها علىٰ فرض الحياة.
مسألة: 69: إذا لم يحصل له ربح في تلك السنة و حصل في السنة اللاحقة لا يخرج مئونتها من ربح السنة اللاحقة (159).
الشرح
(156) لما عرفت من صدق المؤنة عرفا عليها و ان بقت العين.
(157) لعل الوجه في لزوم الاخراج هو أنه ربح و فائدة زائد على المؤنة، إذ المانع من لزوم الخمس فيه انما كان هو كونه من المؤنة، فاذا استغني عنه لم يكن من المؤنة فعلا. فتشمله أدلة الخمس. و هكذا الحال في حلّي النسوان و نحوها.
(158) قد يجعل من ثمرات الالتزام بكون ثبوت الخمس بعد السنة مورد الموت في اثنائها، فانه ان التزم بثبوت الخمس عند ظهور الربح كان الخمس ثابتا في العين و لو مات قبل السنة لحصول موضوعه. بخلاف ما لو التزم بان ثبوته بعد نهاية السنة، فانه اذا مات الرابح قبل نهاية السنة لم يثبت الخمس في ماله لعدم تحقق وقته و خروجه عن ملكه بموته لصيرورته ملك الورثة. فينتفي موضوع الخمس و التكليف عن نهاية السنة. لكن التحقيق خلاف ذلك.
(159) لأن المستثنى هو مئونة سنة الربح لاٰ غيرها، كما هو واضح.
مسألة 70: مصارف الحج من مئونة عام الاستطاعة، فإذا استطاع في أثناء حول حصول الربح و تمكن من المسير بأن صادف سير الرفقة في ذلك العام احتسب مخارجه من ربحه، و أما إذا لم يتمكن حتى انقضى العام وجب عليه خمس ذلك الربح (160)، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة الآتية وجب و إلا فلا، و لو تمكّن و عصى حتى انقضى الحول فكذلك على الأحوط (161)، و لو حصلت
الشرح
(160) لانه زائد على مئونته، اذ لم يصرفه في الحج بل لم يتمكن من صرفه المانع من وجوبه، فلا يكون من المؤنة أصلا.
(161) يريد - على الظاهر - يجب عليه الخمس أيضا في صورة التمكن و العصيان كصورة عدم التمكن اصلا، و الوجه فيه ما عرفته من كون المستثنى هو المصروف فعلاً لاٰ مقدار ما يحتاج اليه معيشته و لو لم يصرفه.
و لم يظهر وجه توقف المصنف رحمه الله في هذا الحكم بعد ما تقدم منه من عدم احتساب مقدار المؤنة من الربح في صورتي التقتير و التبرع عنه بالمئونة.
و لعله يوجه: بان ايجاب صرف المال في الحج لا يتلاءم مع ايجاب الخمس فيه و ان عصى و لم يصرفه.
و لكنه يشكل أولا: بان وجوب الصرف لم يتعلق بخصوص ما فيه الخمس بل بكلي المال فقد يكون لديه غير الربح - كما هو الغالب(1)فيمن عنده ربح -.
و ثانيا: أنه يمكن ان يكون ايجاب الخمس مأخوذ بنحو الترتب على عصيان الوجوب المتعلق بصرف المال.
1) لظهور الربح في وجود رأس مالٍ يحدث فيه الربح.
الاستطاعة من ارباح سنين متعددة وجب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة (162)، و أما المقدار المتمم لها في تلك السنة فلا يجب خمسه (163) إذا تمكن من المسير، و إذا لم يتمكن فكما سبق يجب إخراج خمسه.
مسألة 71: أداء الدين من المئونة (164) إذا كان في عام حصول
الشرح
(162) لكونه ربحاً زائداً على المؤنة.
(163) لكونه من المؤنة للحاجة اليه فعلا في اداء فريضة الحج.
(164) الدّين تارة: يكون للمئونة. و اخرى: لغير المؤنة، كالكسب و التجارة و نحوهما.
أما ما لا يكون للمئونة، فلاٰ يعد اداؤه من المؤنة عرفا و لعله لبقاء ما يقابله من الاعيان و غيرها المقتناة للتجارة.
و أما ما يكون للمئونة، فتارة يكون لمئونة السنة اللاحقة. و أخرى يكون لمئونة السنة الحالية - أعني سنة الربح -. و ثالثة يكون لمئونة السنة السابقة.
أما ما يكون لمئونة السنة اللاحقة، فاداؤه لا يعد عرفا من مئونة السنة الحالية و لعل السر في ذلك هو بقاء الاعيان التي يراد صرفها في السنة اللاحقة، فلا يعد ما يدفع بازائها من المؤنة، بل لا يرى العرف نقصا فيما استفاده بعد اداء الدين لوجود ما يقابله و هو الاعيان و هي ليست من المؤنة فعلا. و بالجملة، لا اشكال في عدم كون اداء هذا الدين من المؤنة.
و أما ما يكون لمئونة السنة الحالية، فهو لاٰ شبهة في انه من مئونة السنة و يستثنى من الربح، لان اداء الدين من الامور التي يحتاج اليها كل شخص
الربح أو كان سابقاً و لكن لن يتمكّن من أدائه (165) إلى عام حصول الربح، و إذا لم يؤد دينه حتى انقضى العام فالأحوط إخراج الخمس أولاً (166) و أداء الدين مما بقي، و كذا الكلام في النذور
الشرح
و ليست هي زائدة على حاجته بحسب شأنه و ليس هناك ما يقابل المبذول من الاعيان.
و أما ما يكون لمئونة السنة السابقة، فقد استشكل في كون ادائه منه مئونة السنة الحالية نظرا الى أن ما بازائه صرف في مئونة السنة السابقة، فيكون نظير ما يصرف لمئونة السنة اللاحقة.
و لكن الاشكال في غير محله، اذ صدق المؤنة عرفا على اداء الدين المطالب به مما لا شبهة فيه و لو كان قد صرف في مئونة السنة السابقة، لان ما يصرف في اداء الدين يقال عنه انه صرف في رفع الحاجة العرفية و هو معنى المؤنة، و الفرق بينه و بين اداء ما يصرف في مئونة السنة اللاحقة هو وجود ما يقابله من الاعيان في الثاني، كما عرفت، فلا يعد اداء الدين نقصا في الربح بخلاف الاول لعدم وجود ما يقابله. فلاحظ.
(165) بل و لو تمكن و اخّر، فان ذلك لا يرفع صدق المؤنة على اداء الدين اذ الاحتياج بالاختيار لا يضر في صدق المؤنة على ما يبذل في رفعه، كما لو أمرض نفسه اختياراً فان الدواء يعد من المؤنة عرفا بلا كلام.
(166) لعل ذلك بلحاظ عدم صرف الربح في المؤنة و هي اداء الدين، و قد عرفت ان المستثنى هو ما يصرف من الربح.
لكنه يشكل بان المراد من المؤنة المستثناة هو المصروف فعلا في سد
و الكفارات (167).
مسألة 72: متىٰ حصل الربح و كان زائداً علىٰ مئونة السنة تعلق به الخمس (168) و إن جاز له التأخير في الأداء إلى آخر
الشرح
الحاجة و ان لم يكن من عين الربح، و المفروض انه قد صرف الدين في المؤنة، فيستثنى من الربح و ان لم يؤد قبل نهاية السنة. و لعل ذلك هو وجه التوقف.
(167) فاداء النذر أو الكفارة يكون من مئونة السنة و لو كان النذر أو سبب الكفارة في السنة السابقة. نعم لو لم يؤد النذر أو الكفارة في السنة و التفت بعد انقضائها لم يحسب مقداره من الربح، لعدم صرفه اصلا لا من الربح و لا من غيره فيكون نظير التقتير فيختلف عن الدين في هذه الجهة. فتدبر.
(168) قد عرفت فيما تقدم أن المستفاد من الادلة كون تعلق الخمس بعد نهاية السنة لا من حين حصول الربح.
و قد عرفت أن الالتزام به مع الالتزام بان المقصود بالسنة سنة الربح لا سنة التكسب يستلزم اشكال الامر في كثير من الموارد، كما اذا عين شخص بداية حسابه في يوم معين و كان أول الربح واقعا في نصف السنة اعني بعد مرور ستة أشهر من ذلك اليوم، فانه اذا مرت سنة بعد ذلك اليوم، و اراد تصفية ما لديه و دفع الخمس الثابت عليه فهو يحسب الارباح الحاصلة من مرور ستة اشهر الى نهاية السنة و يدفع خمسها مع انه لم يحل بعد وقت تعلق الخمس بها لعدم نهاية السنة.
و لا يرتفع مثل هذا الاشكال الا برفع اليد عن أحد هذين الالتزامين، فيلتزم بان بداية السنة هي سنة التكسب، أو يلتزم بان الخمس يتعلق بالعين عند ظهور الربح، اذ يكون تعيين السنة بيده على الاول، كما انه له ان يدفع خمس الربح قبل مرور سنة على الثاني.
..........
الشرح
إلا أنه لا مجال للالتزام بكون السنة هي سنة التكسب لعدم الوجه فيه.
و أما كون الخمس متعلقا بالربح عند ظهوره، فقد عرفت انه يبتني على استظهار التأخر الرتبي من التعبير بان الخمس بعد المؤنة و نحوه.
و أما عدم استظهار ذلك إما باستظهار البعدية الزمانية أو التوقف، فلا يتوصل الى الجزم بتعلق الخمس عند ظهور الربح اذ لا اطلاق لدينا لم يرد فيه تقييد يتمسك به مع اجمال المقيد يرجع اليه في اثبات تعلق الخمس بالربح عند عدم ظهور المقيد في أحد المعنيين، و استفادة ثبوت الخمس في الربح و الفائدة من الروايات انما كان باعتبار استفاضتها و كون القدر المتيقن منها ذلك و الا فلا نص معتبرا يدل على ذلك باطلاقه.
و النصوص المعتبرة الواردة في الباب الدالة على ثبوت الخمس لو سلم اطلاقها، فلا يجدي في ما نحن فيه لتقييدها بما هو مجمل، و اجمال القيد المتصل يسري الى المقيد كما حقق في محله.
نعم، لو قلنا بعموم الآية للربح و الفائدة و عدم اختصاصها بغنائم الحرب امكن التمسك باطلاقها في اثبات ما ذكر مع اجمال المقيد للنصوص.
و لكن استفادة العموم منها مشكلة و محل توقف كما اشرنا اليه، فلا تصلح للتمسك بها على المدعىٰ.
و عليه، فالالتزام بتعلق الخمس حال ظهور الربح يبتني على استظهار ارادة البعدية الرتبية، فلا بد من النظر في كل رواية ورد فيها التقييد أو لم يرد و الحكم بما يوحيه الينا ظاهرها.
أما رواية الأشعري، فقد عرفت انه لا اطلاق فيها بالنسبة الى ثبوت الخمس في الفائدة بل يستفاد منها ذلك من سؤال السائل و هو لا اطلاق فيه.
و الجواب الوارد في ذيلها، مقيد بالمئونة، و قد تقدم ان ذكرنا ان ظاهر لفظ
..........
الشرح
«بعد» في التأخر الزماني و مع التشكيك في ذلك فلا أقل من اجمال الكلام و عدم ظهوره في احد المعنيين من التأخر الزماني أو الرتبي، و مع الاجمال لا نستطيع التمسك بها في اثبات المطلوب أعني ارادة البعدية الرتبية.
و أما رواية ابن شجاع، فذيلها دالّ على وجوب الخمس في الضيعة لكنه مقيد بما يفضل عن مئونته.
و قد عرفت ان صدق الفاضل عن المؤنة انما يكون بعد الصرف فانه أي الفاضل عنوان للمتبقى، فالكلام ظاهر في كون تعلق الخمس بعد صرف المؤنة.
و لا يمكن حمله على ارادة استثناء المقدار الا بتكلف حمل المضارع أعني يفضل على الاستقبال، فيكون المعنى ان الخمس في المقدار الذي يفضل عن المؤنة و بعد الصرف، و بذلك يكون موضوع الخمس فعلياً و هو الزائد على المؤنة و ما يعلم انه سيفضل عن المؤنة.
لكن هذا الحمل خلاف الظاهر فلا تحمل عليه الرواية.
فهذه الرواية كسابقتها في عدم الاطلاق فيها مستقلا، بل الحكم مقيد بانه بعد المؤنة و مع الاجمال لا اطلاق يرجع اليه.
و أما رواية علي بن مهزيار الاولى أعني ما رواه عن ابن راشد، ففيها قوله عليه السلام «يجب عليهم الخمس»، الا ان الظاهر ورود هذا الكلام لبيان اصل وجوب الخمس و ثبوته عليهم بلا نظر الى خصوصيات موضوعه و وقته، و يشهد لذلك تصدي السائل بعد ذلك للسؤال عن بعض الخصوصيات و كان الجواب مقيدا بالقيد المزبور.
و الكلام فيه كسابقه من حيث الظهور و الاجمال و عدم نهوضه على المدعىٰ، فلا نطيل.
و أما موثقة سماعة، فهي و ان كانت مطلقة لم يرد فيها تقييد إلا انك عرفت
..........
الشرح
ان النظر فيها إلى تعميم الحكم الى القليل و الكثير من الفائدة، فاطلاقها مقصور على هذه الجهة و لا اطلاق لها بالنسبة الى سائر الجهات لعدم كونه في مقام البيان بالنسبة اليها، فلا دلالة لها على ثبوت الخمس لمجرد الربح و الفائدة.
و أما رواية (ابن) يزيد، فهي أجنبيه عما نحن بصدده لانها ليست في مقام بيان وجوب الخمس في الربح بل في مقام بيان موضوع الخمس من الفائدة، فلا دلالة لها على نحو ثبوت الخمس و زمانه.
و أما رواية عبد الله بن سنان و رواية الريان ابن الصلت و رواية ابي بصير، فهي حاوية لإطلاق يدل على تعلق الخمس بالربح الظاهر في فعلية الثبوت بفعلية موضوعه و لم يقيد بشيء. و لكنها ضعيفة السند، فلا يمكن الركون الى اطلاقها مع اجمال الادلة الاخرى باجمال المقيد.
و المتحصل: ان مجموع هذه الروايات لا يمكن الاعتماد عليها في اثبات فعلية الوجوب بظهور الربح.
نعم، رواية علي بن مهزيار الاخرى قال: «كتب اليه ابراهيم بن محمد الهمداني أقرأني علي كتاب ابيك فيما أوجبه على اصحاب الضياع انه اوجب عليهم نصف السدس بعد المؤنة و انه ليس على من لم يتم ضيعته بمئونته نصف السدس و لا غير ذلك، فاختلف من قبلنا في ذلك فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد المؤنة مئونة الضيعة و خراجها لا مئونة الرجل و عياله، فكتب - و قرأه علي بن مهزيار - عليه الخمس بعد مئونته و مئونة عياله و بعد خراج السلطان».
يمكن الاعتماد عليها في ذلك، و ذلك لورود التعبير فيها بلفظ «بعد المؤنة» بالنسبة الى مئونة الضيعة و كون الخلاف في اختصاص المستثنىٰ بمئونة الضيعة و عمومه لمئونة الشخص. و من الظاهر ان لا معنى لإرادة البعدية الزمانية بالنسبة الى مئونة الضيعة لوضوح كون مئونتها سابقة زمانا على موضوع الخمس، اذ المراد
..........
الشرح
بها ما يصرف في سبيل ظهور الغلة و الزرع فلا يحتاج الى بيان، فالمراد منها التأخر الرتبي و ان الخمس بعد استثناء المؤنة و في المقدار الزائد عليها.
و قد فهم الاصحاب هذا المعنى بالنسبة الى مئونة الشخص و ان اختلفوا في استثنائها، و قررهم الامام عليه السلام في هذا الاستظهار و الفهم.
و عليه، فالذي يظهر من ذلك ان التعبير ب: «بعد المؤنة» ظاهر عند الاصحاب في ارادة التأخر الرتبي و كون الخمس في المقدار الزائد عليها.
و حيث أن التعبير بذلك وارد في جملة من الروايات. كما تقدم و لا يختلف عنه سنخاً، فيكشف عن ارادة البعدية الرتبية منه لا الزمانية، و بذلك تكون هذه الرواية قرينة على تعيين المراد في تلك الروايات، كما انها تكون قرينة على ان المراد بقوله عليه السلام في رواية بن شجاع «لي منه الخمس مما يفضل من مئونته» كون الخمس متعلقا في الزائد على المؤنة الذي يفضل عنها بعد الصرف، و هو الاحتمال الثاني فيها الذي قلنا انه خلاف الظاهر.
مضافا إلى أنه يمكن دعوى ظهور الرواية الاُولىٰ في ذلك من اطلاق لفظ المؤنة، إذ هي باطلاقها شاملة لمئونة المكسب و التجارة، فلا تتناسب البعدية الزمانية معها حينئذ، فيتعين كون المراد بها البعدية الرتبية و ان امكن المناقشة في ذلك بدعوى ظهور المؤنة في مئونة الرجل لكون السؤال عن خمس الاستفادة و ظاهرها أن مئونة الكسب مستثناة لعدم حصول الفائدة قبل استثنائها فتأمل.
و بالجملة، فرواية علي بن مهزيار ظاهرة في ان المراد بالتعبير ببعد المؤنة هو البعدية الرتبية و ان ذلك مقتضى فهم الاصحاب و تقرير الامام عليه السلام لهم. و بذلك يتجه الالتزام بان وقت تعلق الخمس هو اول ظهور الربح و بمجرده.
و لكن الذي يكون مورد التوقف هو الالتزام بجواز التأخير الى نهاية السنة، إذ لا دليل عليه بعد ثبوت الخمس بمجرد حصول الربح إلا ما يتوهم من دلالة رواية البزنطي: «كتبت الى أبي جعفر عليه السلام: الخمس أخرجه قبل المؤنة أو بعد
السنة (169)، فليس تمام الحول شرطاً في وجوبه و إنما إرفاق بالمالك لاحتمال تجدد مئونة اُخرىٰ زائداً علىٰ ما ظنه، فلو أسرف
الشرح
المؤنة فكتب بعد المؤنة».
و هي لا تنهض على المدعىٰ، لانها مع تسليم كون السؤال عن وقت لزوم الاخراج و تعيينه لاٰ عن وقت المشروعية - كما استظهرنا ذلك منها فيما تقدم فتكون منافية لظاهر الروايات الاخرى - لا ظهور لها في سعة الوجوب الى ما بعد نهاية السنة، لانه بعد ان عرفت تعارف التعبير ب: «بعد» و ارادة التأخر الرتبي لا الزماني لا يبقى ظهور لقوله «قبل المؤنة او بعدها» في التأخر الزماني اذ القبلية كالبعدية، فيحتمل ان يراد بها القبلية الرتبية ان لم نقل بظهورها في ذلك، فيكون السؤال عن ان الخمس يخرج من جميع الربح بلا استثناء المئونة أو بعد استثنائها، فتكون متفقة الدلالة مع غيرها من الروايات.
و لو لم يسلم ظهورها في ذلك فلا أقل من اجمالها، فلا تصلح للدلالة على شيء.
و أما تعليل جواز التأخير بانه من باب الاحتياط لاحتمال تجدد مئونة أخرى زائدة على ما ظنه، فهو غير مطرد في جميع الموارد، اذ من الموارد ما يعلم بزيادته على المؤنة، فلا يتجه التأخير فيه حينئذ.
و من هنا يعلم حال دعوىٰ الاجماع، إذ لاٰ يعلم كونه تعبديا بعد وجود الرواية و التعليل السابق.
و بالجملة، لا يظهر وجه لجواز التأخير الى آخر السنة، فلاحظ و تدبر.
(169) قد عرفت الاشكال فيه.
أو أتلف ماله في أثناء الحول لم يسقط الخمس (170)، و كذا لو وهبه أو اشترىٰ بغبن حيلة في أثنائه.
مسألة 73: لو تلف بعض أمواله مما ليس من مال التجارة أو سرق أو نحو ذلك لم يجبر بالربح و إن كان في عامه إذ ليس محسوباً من المئونة (171).
الشرح
(170) لتعلقه بالعين حال حصولها و عدم الموجب لسقوطه، اذ الاسراف و الاتلاف لا يعد مئونة كي يستثنى من الربح.
(171) ذكر المصنف رحمه الله حكم التلف و الخسارة بالنسبة الى جبرانهما من الربح و عدمه في هاتين المسألتين. و لتحقيق الكلام لا بد من الاشارة الى صور المسألة.
فنقول: إن الخسارة و الربح..
تارة: يكونان في معاملة واحدة، كما لو باع عينين ببيع واحد و خسر في احدهما بان كان نسبة ثمنه أقل مما اشتراه و ربح في الآخر بان كانت نسبة ثمنه أكثر مما اشتراه.
و أخرى: يكونان في فردين من معاملة واحدة لبيعين طوليين أو عرضيين، فالاول كما لو باع في ساعة ما فيه ربح و باع في أخرى ما فيه خسارة. و الثاني كما لو باع هو ما فيه ربح و باع وكيله في نفس الحين ما فيه خسارة.
و ثالثة: يكونان في نوعين من المعاملة، كما لو ربح في بيع و خسر في صلح.
و رابعة: يكونان من جنسين من اجناس التكسب، كما لو ربح من معاملة و خسر في زراعة.
و خامسة: لاٰ تكون الخسارة بواسطة معاملة او نحوها من طرق الكسب
مسألة 74: لو كان له رأس مال و فرّقه في أنواع من التجارة فتلف رأس المال أو بعضه من نوع منها فالأحوط عدم جبره بربح تجارة اُخرىٰ، بل و كذا الأحوط عدم جبر خسران نوع بربح اخرىٰ، لكن الجبر لا يخلو عن قوة خصوصاً في الخسارة، نعم لو كان له
الشرح
بل بحادث غير اختياري، كما لو انهدمت داره و نحو ذلك. فالصور خمس.
و الذي لا اشكال في جبران الخسارة من الربح فيه من هذه الصور هو الصورة الاولى، اذ لا يصدق الربح عرفا إلا على المقدار الزائد على مقدار الخسارة، و موضوع الخمس هو الربح كما لا يخفى.
كما انه لا اشكال في جبران الخسارة من الربح إذ كانت الخسارة توطئة و تمهيداً للربح و لتجارة أخرى يحصل بها الربح، اذ تعد حينئذ من مؤن التحصيل و قد عرفت استثناءها من الربح.
و أما سائر الصور، فمقتضى القواعد الاولية عدم الجبران، لان مقتضى الادلة تعلق الخمس بالربح و لم يستثنىٰ منه غير المؤنة، فلا يتجه استثناء الخسارة بعد تمامية موضوع الخمس بحسب الأدلة، إلا انه قد ادعي الجبران لوجوه:
الاول: انه لما كانت مجموع الارباح تعد ربحا واحدا و بمنزلته و لذا يحسب له سنة واحدة، كانت مجموع المعاملات بمنزلة معاملة واحدة، فتكون الخسارة و الربح الحاصلة فيها بمنزلة الخسارة و الربح في المعاملة الواحدة و قد عرفت تعين الجبران فيها.
و لا يخفى ان هذا الوجه لا يشمل الصورتين الرابعة و الخامسة لعدم كون كلاً من الربح و الخسارة في المعاملات، و لا وجه لعد جميع طرق التكسب بمنزلة
..........
الشرح
المعاملة الواحدة.
الثاني: انه مع الخسارة لا يصدق على الشخص انه رابح الا بمقدار الزائد على مقدار الخسارة لو كان، و معه لا يتحقق موضوع الخمس.
الثالث: و هو ما ذكره الفقيه الهمداني(1)رحمه الله ما يستظهر من قوله عليه السلام في رواية على بن مهزيار(2)«اذا امكنهم بعد مئونتهم» من كون الخمس فيما يزيد عنده بعد المؤنة على رأس المال لانه هو الممكن.
و كل هذه الوجوه لا تخلو عن خدش:
أما الاول، فلانه لا دليل على تنزيل المعاملات منزلة المعاملة الواحدة فتترتب عليها آثار المعاملة الواحدة، و تنزيل مجموع الارباح منزلة ربح واحد لا يصلح وجها لذلك، فان ذلك بخصوصه مقتضى الدليل لا غير.
و أما الثاني، فلان موضوع الخمس هو الربح لا الشخص الرابح. و قد عرفت صدق الربح في المعاملة مع الخسارة في المعاملة الاخرى.
و أما الثالث، فلان الرواية لا ظهور لها فيما ادعي، بل هي لا تدل إلا على وجوب الخمس بعد المؤنة مع الامكان الظاهر في امكان الدفع و الاداء و الايصال و هو حاصل في فرض الخسارة مع الربح.
و عليه، فلا يتجه القول بالجبران الا بدعوى عدم وجود المطلقات، فمجرد التشكيك في وجوب الخمس في الربح مع الخسارة كاف في الحكم بعدم الوجوب لأصالة البراءة و لا اطلاق يرفعها.
و إلا فمن يلتزم بوجود مطلق يدل على وجوب الخمس لا محيص له عن
تجارة و زراعة مثلاً فخسر في تجارته أو تلف رأس ماله فيها فعدم الجبر لا يخلو عن قوة خصوصاً في صورة التلف، و كذا العكس، و أما التجارة الواحدة فلو تلف بعض رأس المال فيها و ربح الباقي فالأقوى الجبر، و كذا في الخسران و الربح في عام واحد (172) في وقتين سواء تقدم الربح أو الخسران فإنه يجبر الخسران بالربح.
مسألة 75: الخمس بجميع أقسامه متعلّق بالعين (173)،
الشرح
الالتزام بعدم الجبران كما التزم بذلك صاحب الجواهر قدس سره.(1)
و نحن حيث ذكرنا فيما تقدم عدم وجود مطلق صالح للدلالة على ثبوت الخمس في الربح، و انما يستفاد ثبوت الخمس من مجموع الادلة كان التشكيك في وجوب الخمس في صور الخسارة موجبا للالتزام بعدم ثبوته لأصالة البراءة و عدم الدليل على الثبوت. فتدبر.
(172) يعني الخسارة، كالتلف، تجبر من الربح و ان كانت في غير معاملة الربح بنحو الطولية اذا كانت التجارة واحدة.
(173) الاحتمالات في نحو ثبوت الخمس متعددة:
الاحتمال الاول: أن يكون من باب اشتغال الذمة بمعنى ان الذمة تكون مشغولة بمقدار الخمس، كالدين. و يترتب عليه جواز التصرف في العين بلا ريب اذ الحق لا يتعلق بها بذاتها بل يتعلق في الذمة و اللازم اداؤه من أي مال كان و هو واضح.
1) النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 16: ص 61، الطبعة الأولى.
..........
الشرح
الاحتمال الثاني: أن يكون متعلقا بالعين من باب الملك و هو يتصور على انحاء:
النحو الاول: أن يكون من باب الشركة الحقيقية بان يثبت للامام و السادة ملك خمس العين مشاعا. و يترتب على هذا عدم جواز التصرف في جميع العين المتعلقة للخمس لشركة الغير في كل جزء يفرض منها، فيكون التصرف في كل جزء منها تصرفا في غير المملوك.
النحو الثاني: أن يكون من قبيل الشركة في المالية و معناها ان مستحق الخمس يملك خمس العين بما انه مال و مقتضى الجمع بين ملكية الشخص لجميع العين بصورتها الشخصية و النوعية و ملكية ارباب الخمس للعين بما انها مال، هو فرض ملكية ارباب الخمس لمقدار خمس المال المضاف الى العين الخاصة.
و يترتب على ذلك امكان تبديل العين الى عين اخرى أو تبديلها بالثمن، لانها ملك صاحبها بمجموعها و المطلوب ليس الا المحافظة على مالية الخمس المضاف اليها و ذلك يتحقق اما بالمحافظة على نفس العين أو على بدلها، اذ تصدق المحافظة على مالية العين ببدلها بما انه بدلها، فيجوز بيعها بثمنها او بأزيد لا بأقل من ثمنها اذ لا يحافظ بذلك على مالية الخمس، الا أن يقصد تطبيق المال الموجود عنده على مقدار الخمس، فتكون الخسارة منه خاصة دون الخمس.
النحو الثالث: أن يكون الخمس من قبيل الكلي في المعين و المراد به اشتغال الذمة بكلي المال لكنه بقيد كونه من هذه العين، فتكون الذمة مشغولة بكلي خاص لا مطلق.
و ليس المراد به ما هو المشهور من انه الوجود الخارجي المنتشر بين الوجودات المتعددة القابلة للانطباق على كل واحد منها. لانه لم نتصور لذلك
..........
الشرح
معنى معقولا لرجوعه حقيقة الى الفرد على البدل الذي تحقق عدم ثبوته و عدم وجوده في الخارج - و ليس هاهنا محل تحقيقه -. و يترتب على ذلك جواز التصرف بالعين في غير مقدار الخمس يعني في أربعة أخماس العين.
الثالث من الاحتمالات: ان يكون نحو ثبوت الخمس نحو ثبوت الحق، و هو يتصور على وجهين.
الوجه الاول: أن يكون من قبيل حق الرهانة بأن يكون مقدار الخمس بمنزلة الوثيقة لأرباب الخمس فاذا دفع اليهم أرتفع الحق. و يترتب عليه عدم جواز التصرف في الزائد على أربعة أخماس العين لانه وثيقة الفقراء.
الوجه الثاني: ان يكون من قبيل حق الجناية، و لا يمنع من جواز التصرف لانه حق ثابت في نفس العين فيدور اينما دارت و لا يرتبط بصاحب العين أو غيره، فلصاحب الحق استيفاؤه من العين أينما وجدت.
و لا يخفى أن من يستفيد من أدلة الخمس كونه بمنزلة الزكاة بحيث انه لا يختلف عن الزكاة في الاحكام و سائر الجهات، لا يكون في حاجة الى اثبات أحد هذه الاحتمالات بل يلتزم في باب الخمس بعين ما التزم به في باب الزكاة من نحو تعلقها و سنخ ثبوتها.
و أما من لا يلتزم بان الخمس بمنزلة الزكاة و لا يستفيد من الادلة ذلك بدعوى ان ما تدل عليه الادلة ليس الا ان جعل الخمس للسادات تدارك لما يفوتهم من الزكاة أما اشتراك الخمس مع الزكاة في سائر الجهات و الاحكام فذلك مما تقصر الادلة عن إفادته - من لا يلتزم بذلك كما هو الحق - لا بد له أن يبحث عن اثبات أحد هذه الاحتمالات بحسب ما يستفاد من أدلة الخمس ذاتها.
أما الاحتمال الاول - أعني احتمال كونه من باب اشتغال الذمة - فهو مما لا دليل عليه في أدلة الخمس، بل الدليل على خلافه لظهور الادلة في تعلق
..........
الشرح
الخمس بالعين، كقوله تعالي («وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ...»(1)الآية. و كقوله عليه السلام في النص(2)«لي منه الخمس» أو «الخمس في خمسة اشياء» و غير ذلك.
ثمّ إن الظاهر من النصوص كون ثبوت الخمس من قبيل الشركة الحقيقية لظهورها في تعلق الخمس بنفس العين و ان المملوك خمس العين.
إلا انه يمكن رفع اليد عن هذا الظهور بما يظهر من أدلة خمس ارباح المكاسب من تعلق الخمس بالارباح بعنوان كونها ربحا و فائدة بحيث يصدق هذا العنوان في حال تعلق الخمس و ثبوته، و هو لا يتلاءم مع كون ملكية الخمس بنحو الشركة الحقيقية، لان المال لا يكون بمجموعه ربحا بل الربح هو اربعة أخماسه لان الخمس الخامس مملوك لغير صاحب المال.
و انما يتلاءم مع الشركة في المالية، اذ نفس العين ملك لصاحبها بمجموعها.
و مع ثبوته بنحو الكلي في المعين لانه يملك تمام العين و له التصرف في اي جزء شاء من اجزائها سواء فسر الكلي في المعين بما ذكرنا أو بتفسير المشهور.
و عليه، فيدور الامر بين هذين الاحتمالين، و قد يستدل على كون ثبوته بنحو الشركة في المالية بروايات:
الاولى: رواية الحارث بن الحصيرة الازدي(3)المتقدمة، قال: «وجد رجل ركازا على عهد أمير المؤمنين عليه السلام فابتاعه أبي منه بثلاث مائة درهم و مائة شاة متبع، فلامته أمي... قال: فندم أبي فانطلق ليستقيله فأبى عليه الرجل...
..........
الشرح
فأخذ أبي الركاز و اخرج منه قيمة الف شاة فأتاه الآخر فقال خذ غنمك و اتني ما شئت فأبى فعالجه فاعياه فقال لأضرنّ بك، فاستدعى امير المؤمنين عليه السلام على أبي فلما قص على أمير المؤمنين عليه السلام أمره قال لصاحب الركاز، أد خمس ما أخذت فان الخمس عليك فانك انت الذي وجدت الركاز...» الحديث.
فانها ظاهرة في جواز التصرف و البيع و انتقال الخمس الى الثمن، كما يدل عليه قوله عليه السلام: «أدّ خمس ما أخذت، و انه ليس على الآخر شيء».
و لكن الاستدلال بها ممنوع بما ذكره صاحب الحدائق رحمه الله من: أنها لا تدل على شيء من الاحتمالات في المسألة، بعد ظهور أمر الامام عليه السلام باخراج الخمس من الثمن في كونه بيانا للحكم الشرعي لا أنه امضاء للمعاملة و انتقال الحق الى الثمن بمقتضى الولاية.
إذ مقتضى الشركة الحقيقية بطلان المعاملة بالنسبة الى مقدار الخمس و هكذا الحال بالنسبة الى مقتضى الثبوت بنحو الكلي في المعين لعدم جواز التصرف في مجموع العين. و مقتضى الشركة في المالية عدم صحة التصرف لفرض بيع العين بأقل من قيمتها و قد عرفت عدم صحته، مع انه يلزم اعطاء ما يقابل خمس العين حقيقة من الثمن لا خمس الثمن.
و هكذا الحال بناء على اشتغال الذمة، فان الذمة تشتغل بمقدار الخمس و خمس الثمن أقل منه و منه تعرف الحال فيما لو بنى انه بنحو الحق.
و بالجملة، لا يظهر انطباق وجوب خمس الثمن على احد هذه الاحتمالات، فالرواية ساقطة عن الاستدلال بها على المدعىٰ.
الثانية: رواية الريان بن الصلت(1)المتقدمة قال: «كتبت الى أبي محمد عليه السلام
1) وسائل الشيعة/باب 8: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 9.
..........
الشرح
ما الذي يجب عليّ يا مولاي في غلة رحى أرض في قطعية لي و في ثمن سمك و بردي و قصب أبيعه من أجمة هذه القطعية. فكتب يجب عليك فيه الخمس ان شاء الله تعالى».
و وجه دلالتها: ظهورها في تقرير الامام عليه السلام لبيع ما فيه الخمس و هو السمك و تعلق الخمس بثمنه و هو انما يتلاءم مع كون تعلقه الشركة في المالية، اذ بناء على النحوين الآخرين - الشركة الحقيقية و الكلي في المعين - لا يجوز التصرف بجميع العين و بيعها، كما تقدم.
الثالثة: رواية أبي بصير(1)المتقدمة: «... و عن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال انما يبيع منه الشيء بمائة درهم او خمسين درهما هل عليه الخمس؟ فكتب أمّا ما اكل فلا و أما البيع فنعم...».
و وجه دلالتها على المدعىٰ ظهورها أيضا في جواز بيع الفاكهة المتعلقة للخمس و ثبوت الخمس في ثمنها.
و قد يستشكل في دلالة الروايتين بظهورهما في وقوع المعاملة قبل انتهاء السنة بل في اثنائها، و هو مما لا إشكال في جوازه على جميع المباني بجواز تأخير اداء الخمس الملازم لجواز التصرف، كما سيأتي انشاء الله تعالى.
و يدفع: بما تقدم من عدم الدليل على جواز التأخير بل الظاهر لزوم تعجيل الاداء. و عليه فلا يجوز التصرف بالخمس. الا ان هاتين الروايتين ضعيفتا السند كما تقدم.
الرابعة: و هي - العمدة - رواية مسمع بن عبد الملك(2)قال: «قلت لأبي
..........
الشرح
عبد الله عليه السلام اني كنت وليت الغوص فأصبت اربعمائة الف درهم و قد جئت بخمسها ثمانين الف درهم و كرهت أن أحبسها عنك و أعرض لها و هي حقك الذي جعل الله تعالى لك في اموالنا...» الحديث.
فان ظهورها في جواز تبديل العين المتعلقة للخمس المخرجة بالغوص بالثمن و تعلق الخمس بالثمن و تقرير الامام عليه السلام ذلك و عدم انكاره و تنبيهه على الخطأ لا يكاد ينكر، و هو لا يتلاءم الا مع كون تعلق الخمس بنحو الشركة في المالية.
و هذه الرواية تامة السند، فيمكن الاعتماد عليها و تأييدها بالروايتين السابقتين.
إلا انه قد يستشكل في تعيين هذا الاحتمال أعني احتمال كون الخمس بنحو الشركة في المالية بما جاء في بعض الروايات من النهي عن شراء شيء بالخمس أو منه، كقوله عليه السلام في رواية(1): «لا يحل لأحد ان يشتري من الخمس شيئا حتى يصل الينا حقنا» و نحوه، فانه يتنافى مع هذا البناء اذ البناء على ذلك لا يمنع من التصرف.
الا انه يدفع بحمل مثل هذه الأخبار على النهي عن جعل العين المفروض تعلق الخمس بها ثمناً في المعاملة، لا النهي عن بيع العين المذكورة، و معنى عدم حلية مثل هذا العمل انما هو عدم التخلص عن تبعة الخمس بجعل متعلقه ثمناً في المعاملة.
و نظير هذا التعبير موجود في تراكيب اللغة الفارسيّة، يقال: «از حرام خريد» او «از خمس خريد» و مرادهم بذلك جعل المال الحرام أو الخمس ثمناً
1) وسائل الشيعة/باب 1: من ابواب ما يجب فيه الخمس، ح 4.
و يتخير المالك بين دفع خمس العين أو دفع قيمته (174) من مال آخر
الشرح
في المعاملة، و كلمة «از» مرادفة لكلمة «من» في اللغة الفارسية.
و عليه، فيمكن تنزيل قولهم عليهم السلام «لا يحل لأحد أن يشتري من الخمس...» و نحو ذلك علىٰ مفاد التعابير المتقدمة.
و هذا و ان كان على خلاف الظاهر ابتداءً، فان الظهور الاولى للنصوص المذكورة انما هو النهي عن جعل الخمس ثمناً، الذي مرجعه إلى عدم جواز تبديله بتبديل معاملي، الا انه لا مانع من الحمل عليه في المقام، و غير خفي ان هذا المعنى لا ينافي الشركة في المالية.
و عليه، فيتعين الالتزام بان ملكية الخمس من قبيل الشركة في المالية، كما التزم به المحقق النائيني قدس سره.
و من هنا يتبين اندفاع احتمال ثبوته بنحو الحق، لظهور الادلة في كونه بنحو الملك، كما تقدم.
و مع هذا الالتزام يرتفع الاشكال في شراء الاعيان المعلوم تعلق الخمس فيها و عدم اداء صاحبها له و المعاوضة عليها لصحة البيع و انتقال الخمس الى الثمن. و بدونه يشكل ذلك للعلم بملكية الفقراء لجزء من العين، فلاحظ.
(174) لا اشكال في جواز دفع القيمة بناء على الشركة في المالية، اذ هو يقصد تبديل الخمس بهذا المال فيكون المال هو الخمس.
و أما بناء على الشركة الحقيقية أو الكلي في المعين، فمقتضى القاعدة عدم جواز دفع القيمة لان حق الغير متعلق بنفس العين.
إلا انه يمكن الاستدلال على جواز دفع القيمة بالسيرة المستمرة المتصلة بزمان المعصوم عليه السلام، اذ يعلم انه لم يكن يتكلف من عليه الخمس بدفع الخمس
نقداً أو جنساً (175)، و لا يجوز له التصرّف في العين (176) قبل أداء الخمس و إن ضمنه في ذمته (177)، و لو أتلفه بعد استقراره ضمنه (178)، و لو اتجر به قبل إخراج الخمس كانت المعاملة فضولية (179) بالنسبة إلىٰ مقدار الخمس، فإن أمضاه الحاكم الشرعي
الشرح
من العين، بل كان المتعارف ارسال قيمة الخمس مالا الى الامام عليه السلام. لكن المتيقن من السيرة المورد الذي يكون فيه بعض الكلفة بدفع خمس العين من نفسها، كما لو كان في بلد بعيد أو كان بعسر تقسيم العين، دون المورد الذي يسهل فيه ذلك.
(175) فيه اشكال، أما بناء على كون الدليل على جواز دفع القيمة هو السيرة، فلان القدر المتيقن منها دفع القيمة مالا دون الجنس، فلا دليل على الاكتفاء به.
و أما بناء على جواز دفع القيمة من جهة ان ثبوت الخمس بنحو الشركة في المالية، فلان الثابت هو جواز تبديل الخمس بما يتمحض في المالية لا بعين اُخرى لها خصوصية غير كونها مالا. إذ لا بد من المحافظة على مقدار الخمس من المال في ضمن نفس العين أو في ضمن مال آخر يعد بدلا عن الخمس.
(176) بناء على كون ملكية الخمس بنحو الشركة في المالية لا مانع من التصرف في العين مع المحافظة على مالية الخمس، كما عرفت. و هكذا لا مانع من الاتجار به و لا تكون المعاملة فضولية.
(177) اذ لا دليل على انتقال المال الىٰ ذمته بمجرد ضمانه، اذ ضمان ملك الغير لا يوجب انتقاله الى الذمة و لا يبيح له التصرف فيه، كما هو واضح.
(178) لما دل على أن من أتلف مال غيره فهو لهو ضامن.
(179) لانه باع ما لاٰ يملك.
أخذ العوض (180) و إلا رجع بالعين بمقدار الخمس إن كانت موجودة و بقيمته إن كانت تالفة، و يتخيّر في أخذ القيمة (181) بين الرجوع على المالك أو على الطرف المقابل الذي أخذها و أتلفها، هذا إذا كانت المعاملة بعين الربح و أما إذا كانت في الذمة و دفعها عوضاً فهي صحيحة و لكن لم تبرأ ذمته بمقدار الخمس (182) و يرجع الحاكم به إن كانت العين موجودة و بقيمته إن كانت تالفة مخيراً حينئذ (183) بين الرجوع على المالك أو الآخذ أيضاً.
مسألة 76: يجوز له أن يتصرّف في بعض الربح (184) ما دام مقدار الخمس منه باقياً في يده مع قصده إخراجه (185) من البقية،
الشرح
(180) لانتقال الملك الى الثمن بعد الاجازة لصحة المعاملة.
(181) لان له الرجوع على كل من كانت له يد على عين الخمس لقاعدة:
«على اليد ما اخذت حتى تؤدي»(1)
الهندي، علاء الدين: كنز العمال، ج 5: ص 257، ط بيروت.
و كل من المالك و الطرف الآخر كانت له يد على العين قبل تلفها، فيكون كل منهما ضامنا.(182) لعدم حصول الوفاء بمال الغير و هو مقدار الخمس حتى بناء على الشركة في المالية، اذ لا يصح مثل هذا التصرف لانه تفويت لمال الغير، الا أن يقصد بدلية مقدار من العين المشتراة له، فتأمل.
(183) لما تقدم.
(184) هذا لا يتم بناء على كون ملكية الخمس بنحو الشركة الحقيقية.
(185) لم يتضح وجه التقييد، اذ له التصرف و لو لم يقصد لعدم انتفاء
1) البيهقي، احمد بن الحسين: سنن البيهقي، ج 6: ص 90، ط بيروت.
إذ شركة أرباب الخمس مع المالك إنما هي علىٰ وجه الكلي في المعين، كما أن الأمر في الزكاة أيضاً كذلك و قد مرّ في بابها.
مسألة 77: إذا حاصل الربح في ابتداء السنة أو في أثنائها فلا مانع من التصرف فيه بالاتجار (186)، و إن حصل منه ربح لا يكون ما يقابل خمس الربح الأول منه لأرباب الخمس، بخلاف ما إذا اتجر به بعد تمام الحول فإنه إن حصل ربح كان ما يقابل الخمس من الربح لأربابه مضافاً إلى أصل الخمس فيخرجهما أوّلاً ثمّ يخرج خمس بقيته إن زادت علىٰ مئونة السنة.
مسألة 78: ليس للمالك أن ينقل الخمس إلى ذمته ثمّ التصرف فيه
الشرح
الكلي به.
(186) أما بناء على كون ملكية الخمس بنحو الشركة في المالية، فواضح كما تقدم، و يكون الربح الزائد للمالك. اذ لا يملك اصحاب الخمس الا مقدار قيمة خمس الربح الاول و هي محفوظة، أما نفس العين فهي ملك المالك.
و أما بناء على غيره من المباني، فجواز الاتجار به يستفاد من دليل جواز التأخير بدعوى ظهوره عرفا في اجازة التصرف في مدة التأخير، و مقتضاه تحليل المعاملة الواقعة على الربح و امضاؤها.
و عليه، فلازمه أن يكون ما يقابل الخمس من الربح لأرباب الخمس لانه جزء ثمن الخمس المملوك لأربابه و لو بنحو الكلي في المعين كما لا يخفى.
و لذلك لا يظهر ما جاء في المتن من عدم كون الربح لأرباب الخمس.
و هكذا الكلام فيما لو تاجر به بعد تمام الحول.
فيه كما أشرنا إليه، نعم يجوز له ذلك بالمصالحة مع الحاكم (187)، و حينئذٍ فيجوز له التصرّف فيه و لا حصة له من الربح إذا اتجر به، و لو فرض تجدد مؤن له في أثناء الحول علىٰ وجه لا يقوم بها الربح انكشف فساد الصلح (188).
مسألة 79: يجوز له تعجيل إخراج خمس الربح إذا حصل في أثناء السنة و لا يجب التأخير إلىٰ آخرها فإن التأخير من باب الإرفاق كما مر و حينئذٍ فلو أخرجه بعد تقدير المئونة بما يظنه فبان بعد ذلك عدم كفاية الربح لتجدد مؤن لم يكن يظنها كشف ذلك عن عدم صحته خمساً (189) فله الرجوع به على المستحق (190) مع بقاء عينه لا مع تلفها في يده إلا إذا كان عالماً بالحال فإن الظاهر ضمانه حينئذٍ.
الشرح
(187) بان يأخذ الخمس منه ثمّ يقرضه اياه باعتبار ولايته. أما اجازة تصرفه فيه قبل الاداء فهي مشكلة الجواز.
(188) اذ المصالحة وقعت على ما عليه من الخمس فموضوعها الخمس الثابت، فاذا تبين ان ليس عليه الخمس يتبين بطلان الصلح لعدم الموضوع، و انما كان يتخيل الوجود.
(189) لان الخمس في الزائد من الربح على المؤنة و المفروض عدم الزيادة.
(190) قد تقدم نظير ذلك في باب الزكاة. و الكلام في جواز رجوع المالك على المستحق مع بقاء العين و تلفها مع العلم بالحال و الجهل بها، و ان مقتضى القواعد ما هو؟ فلا نعيده.
..........
الشرح
إنما الامر الذي يختص به باب الخمس في الذكر و ينفرد به عن الزكاة هو ما أشار اليه صاحب الجواهر رحمه الله(1)و أوضحه الشيخ قدس سره(2)من كون التخمين اُخذ موضوعا لمقدار الخمس لا طريقا الى مقداره، فانكشاف كون مقدار الخمس أقل من المخمن لا يجوز الرجوع به على المستحق مطلقا و لو مع بقاء العين.
و قرّبه الشيخ قدس سره بان الاجماع قام على جواز التأخير، و علل في كلماتهم بانه احتياط للمكلف.
و من الظاهر ان كون التأخير احتياطا انما يتم فيما لو كان في تقديم اخراج الخمس فواتا للمال و خسارة على المكلف، فيؤخر الاخراج احتياطا و احترازاً عنها.
و لو فرض أنه مع التخمين و انكشاف اقلية مقدار الخمس عن المخمن له الرجوع على المستحق بالخمس عينا او قيمة مع علمه بالحال، لم يكن في تأخير الاداء احتياط و احتراز عن الخسارة لعدم تحققها في صورة التعجيل، فالتعليل بكون جواز التأخير للاحتياط يظهر في أن التخمين في نظرهم اُخذ موضوعا بحيث لا يجوز الرجوع على المستحق لو انكشف الاشتباه اذ لا يخرج الموضوع عن كونه خمسا بعد تحقق موضوعه، لا طريقا كي يكون ظهور الاشتباه موجها لظهور عدم كون المدفوع خمسا فلا يستحقه المستحق.
و دعوى: تصور الاحتياط في التأخير مع الالتزام بطريقية التخمين، ببيان:
انه قد لا يتمكن المستحق من الدفع و اداء المضمون مع الالتزام بضمانه، فيكون في التعجيل تفويت للتمكن من هذا المال و كونه تحت تصرفه و ان لم يخرج عن ملكه لانه يملك مقداره في ذمة الفقير المستحق.
مسألة 80: إذا اشترى بالربح قبل إخراج الخمس جارية لا يجوز له وطؤها (191)، كما أنه لو اشترىٰ به ثوباً لا يجوز الصلاة
الشرح
مندفعة: بما أشار اليه الشيخ قدس سره في كلامه من ظهور الاحتياط في مقابل الخسارة لا الاسترداد و التمكن من المال كي يدعىٰ مجامعته طريقية التخميس، لامكان عدم تمكن الفقير من الاداء مع ضمانه. و الخسارة انما تكون بعدم الضمان، اذ مع الضمان لا خسارة و ان لم يتمكن من استرداد المال، لانه يملك مقداره في ذمته.
و عدم الضمان انما يصح بناء على موضوعية التخمين و عدم جواز الرجوع على تقدير الخطأ، لعدم انتفاء الخمس على تقديره لتحقق موضوعه.
و بهذا البيان لا يتجه الاشكال على ما ذهب اليه صاحب الجواهر و الشيخ 0 بعدم الدليل على الموضوعية، فانه اشكال خارج عن دائرة البحث العلمي.
نعم يشكل ذلك أولا: بعدم دليلية الاجماع على جواز التأخير لعدم احراز كونه تعبدياً، كما تقدم.
و ثانيا: لو سلم تمامية الاجماع على جواز التأخير، فلا يسلم قيامه على كونه لاجل الاحتياط كي يفسر بما ذكر، اذ لم يرد التعليل بالاحتياط في كلمات القوم أجمع بل ورد في بعض الكلمات فلا وجه له. فلاحظ.
و عليه، فالكلام في جواز الرجوع على المستحق مع الاشتباه بخصوصياته و عدم جوازه في باب الخمس عين الكلام المتقدم في باب الزكاة.
(191) لانها لم تدخل في ملكه بأجمعها، هذا بناء على الشركة الحقيقية او الكلي في المعين ان تصور في الجارية.
فيه، و لو اشترىٰ به ماءً للغسل أو للوضوء لم يصح و هكذا، نعم لو بقي منه بمقدار الخمس في يده و كان قاصداً لإخراجه منه جاز و صح (192) كما مر نظيره.
مسألة 81: قد مر أن مصارف الحج الواجب إذا استطاع في عام الربح و تمكن من المسير من مئونة تلك السنة، و كذا مصارف الحج المندوب و الزيارات، و الظاهر أن المدار على وقت انشاء السفر (193) فإن كان انشاؤه في عام الربح فمصارفه من مئونته ذهاباً و إياباً و إن تم الحول في أثناء السفر، فلا يجب إخراج خمس ما صرفه في العام الآخر في الإياب أو مع المقصد و بعض الذهاب.
الشرح
أما بناء على الشركة في المالية فلا مانع من وطئها، لصحة الشراء و دخولها جميعا في ملكه، و المملوك للغير مالية خمسها لا عين خمسها كما تقدم. الا ان يمنع تبديل المال المتعلق للخمس بالعين لعدم تمحض البدل في المالية.
و إنما تعرض المصنف لخصوص مثال شراء الجارية، لدفع توهم تحليلها باخبار التحليل، اذ القدر المتيقن منها غير هذه الصور و هي صورة ثبوت الخمس على غيره لا على نفسه.
(192) بناء على كون ثبوت الخمس بنحو الكلي في المعين.
أما بناء على الشركة الحقيقية فلا يجوز، لان كل جزء يفرض من أمواله يكون ملك الغير.
(193) موضوع الكلام ما اذا انتهت السنة في أثناء السفر بحيث كان ابتداء السفر في السنة الاولى، فهل تعد مصارف السفر الحاصلة في السنة الثانية من
مسألة 82: لو جعل الغوص أو المعدن مكسباً له كفاه إخراج خمسهما أوّلاً (194) و لا يجب عليه خمس آخر من باب ربح المكسب بعد إخراج مئونة سنته.
الشرح
مئونة هذه السنة فلا يخرج منها الخمس، أو لا تعد من مئونتها بل تكون ربحا يجب فيه الخمس؟
و لا يخفى ان المصروف على نحوين: نحو ينتفع به مع بقاء عينه، كالسيارة.
و نحو ينتفع به مع انعدام عينه، كالطعام.
أما النحو الاول، فهو عرفا من مئونة السنة التي أنشئ فيها السفر، لما عرفت من صدق المؤنة على ما يصرف لسد الحاجة و بقاء عينه مع استمرار الحاجة اليه بمجرد الحاجة الفعلية.
و أما النحو الثاني، فقد يستشكل في صدق المؤنة عليه باعتبار زيادته على مئونة السنة التي أنشئ فيها السفر و عدم الحاجة اليه. و لكن الظاهر خلاف ذلك، فان ما يصرف لحاجة واحدة بنظر العرف يعد من المؤنة بمجرد ابتداء تلك الحاجة في سنة ما و لو انتهت في اثنائها، و لذلك يرى العرف ان الغذاء المهيأ للاكل او المأكول نصفه من مئونة السنة بتمامه لو انتهت في اثناء الاكل و لا يعد نصفه من مئونة سنة و نصفه الآخر من مئونة سنة أخرى.
و عليه، فلما كان السفر الواحد كسفر الحج يحتاج الى مئونة تعد واحدة بنظر العرف، فاذا كانت بداية السفر في سنة الربح كانت مصروفات السفر بأجمعها من مئونة تلك السنة و إن انتهت في الاثناء. فلاحظ.
(194) لإطلاق ما دل على ثبوت الخمس في الغوص. و ما يدل على ثبوت الخمس في الربح قاصر عن شمول مثل الغوص أو المعدن المتخذ للاكتساب،
مسألة 83: المرأة التي تكتسب في بيت زوجها و يتحمل زوجها مئونتها يجب عليها خمس ما حصل لها من غير اعتبار إخراج مئونة إذ هي علىٰ زوجها إلا أن لا يتحمل (195).
مسألة 84: الظاهر عدم اشتراط التكليف و الحرية (196)
الشرح
لانه لا اطلاق فيه كما عرفت.
و استفادة ثبوت الخمس في الربح من مجموع الروايات باعتبار انه القدر المتيقن و هو غير صورة الغوص بحيث يكون فيه خمسان.
بل لو التزمنا بوجود المطلقات الدالة على ثبوت الخمس في مطلق الفائدة بحيث تشمل الغوص و المعدن، فلا اطلاق فيها من جهة تعدد الخمس بتعدد العنوان و انما هناك خمساً ثابتا في الغوص بعنوان الفائدة غير الخمس الثابت فيه بعنوانه.
و لا دليل على هذه الجهة، بل الدليل على خلافه لان الغالب في موارد الغوص اتخاذه مكسبا، فما يدل على ثبوت خمس واحد فيه ظاهر بعدم ثبوت خمس آخر فيه بعنوان آخر و الا لكان الأوجه التصريح بثبوت خمسين فيه لغلبة موردهما.
(195) اتضح حكم هذه المسألة مما تقدم، فراجع.
(196) لظهور الادلة في كون الخمس متعلقا بالعين و اطلاقها بالنسبة الى جميع الافراد بلا تقييد لها بالتكليف او الحرية بناء على ملكية العبد، و ليس الخمس حكما تكليفيا كي يختص بالمكلفين لما عرفت من ان متعلقه العين، و وجوب الاداء متفرع على ثبوته، فيكون نظير الضمان.
في الكنز و الغوص و المعدن و الحلال المختلط بالحرام و الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم، فيتعلّق بها الخمس، و يجب على الولي و السيد إخراجه، و في تعلّقه بأرباح مكاسب الطفل إشكال (197)، و الأحوط إخراجه بعد بلوغه.
الشرح
نعم، لا يجب على الصبي اداؤه، اذ لا تكليف في حقه و انما يجب على الولي ذلك لوجوب اداء الخمس فورا فيثبت في حق الولي، نظير الدين الحال الأجل المتعلق بالصبي فانه يجب على الولي اداؤه و لا يجوز له الامتناع حتى يكبر الصبي و يؤدي بنفسه.
(197) بل منع، لعدم وجود المطلق الدال على ثبوت الخمس في مطلق الربح بحيث يشمل ربح الصبي، و ربح الصبي مشكوك فلا يدخل في القدر المتيقن خصوصا بعد ملاحظة ما ورد في بعض النصوص من التعبير بوجوب الخمس الذي يعلم بعدم شموله للصبي لعدم التكليف عليه.
و من هنا لا يظهر الوجه في الاحتياط اللزومي باخراجه بعد البلوغ، لعدم ثبوت الخمس في الربح اصلا. نعم الاحتياط استحبابا بذلك لا بأس فيه. فلاحظ.
صل: في قسمة الخمس و مستحقه
مسألة 1: يقسّم الخمس ستة أسهم (1) على الأصح: سهم للّٰه سبحانه و سهم للنبي صلى الله عليه و آله و سلم و سهم للإمام عليه السلام و هذه الثلاثة الآن لصاحب الزمان أرواحنا له الفداء و عجّل اللّٰه تعالى فرجه،
الشرح
(1) فصل
في قسمة الخمس و مستحقه
كما هو المشهور، بل المتفق عليه - بحسب ما نعرف - بين علماء الاصحاب.
و الوجه في تعدد الاسهم ستة صريح الآية الشريفة: «وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ...».
لا بد لنا من اثبات جهتين:
الجهة الاولى: هو توزيع الخمس على هؤلاء الستة بحيث يكون لكل منهم سهم.
الجهة الثانية: ثبوت سهم معين لخصوص الامام عليه السلام. فنقول و عليه التوكل:
ان الظاهر بدواً من الآية الشريفة ان لكل من الله تعالى و الرسول وذي القربىٰ و اليتامى و المساكين و ابن السبيل سهم من الخمس يملكه بخصوصه، الا انه حيث يعلم بان اثبات ملكية الله لأحد هذه الاسهم مما لا جدوى فيه، اذ لا معنى لاعتباره تعالى ملكية بعض المال أو اعتبار العقلاء ملكيته جلّ اسمه مع انه مالك الملوك و كونه حقيقاً بالتصرف بما يشاء من الاموال.
..........
الشرح
فملكية الله سبحانه لا يظهر لها معنى معقول، فلا بد من ان يكون المراد من اللام ما يرجع الى وجهه تعالى لا ملكيته، فيكون المعنى ان الخمس لوجه اللّٰه و في ما يحبه و يرضاه.
و يؤيده ما جاء في النصوص من بدلية الخمس عن الزكاة و ليس للّٰه سهم في الزكاة و إنما تصرف في وجهه، فتأمل.(1)
و بما ان التعبير باللام في الجميع - أعني اللّٰه و الرسول وذي القربى - بنحو واحد و سياق متحد كان الظاهر أيضا من اللام في - الرسول و لذي القربى - وجههما لا ملكيتهما.
و يؤكد هذه الجهة أن مقتضى تقديم الخبر في قوله: «فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ» هو حصر المبتدأ فيه و اثبات انه جميعه للّٰه جل شأنه، ثمّ عطف على الاسم المبارك الرسول وذي القربى و غيرها. ظاهر العطف التشريك في الحكم الثابت له تعالى و هو ثبوت جميع الخمس له، فيكون الظاهر أن جميع الخمس للّٰه و جميعه للرسول و جميعه لذي القربى خصوصا بملاحظة ما جاء في بعض الروايات من بيان أن ذي القربىٰ قرنه اللّٰه بنفسه و بنبيّه، فهم في الحكم سواء و هو لا يتلاءم مع ظهور اللام في الملكية، اذ يمتنع تعدد المالك لمملوك واحد.
فلا بد ان يحمل على ارادة وجه اللّٰه و الرسول وذي القربى محافظة على ظهور الصدر في كون الخمس كله للّٰه بضميمة ظهور العطف في التشريك، فان هذا الظهور مقدم بنظر العرف على ظهور اللام في الملكية لأقوائيته.
و بالجملة، فبملاحظة ما ذكرناه تظهر الآية في كون الخمس لوجه اللّٰه و الرسول وذي القربى، و يؤيده أيضا انه لا معنى لملكية الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لانه إما أن يكون مالكا باعتبار ذاته، أو باعتبار انه رسول، أو باعتبار مقام الرسالة و ولاية
1) وجهه ان النصوص لو سلمت فهي ظاهرة في ان جعل الخمس للهاشميين بدل الزكاة لا جميع الخمس. (المقرر).
..........
الشرح
المسلمين.
فعلى الاول، يلزم انتفاء سهمه بعد موته لانتفاء موضوعه و هو مما لا يلتزم به أحد.
و على الثاني، يلزم ذلك أيضا لانتفاء الرسول.
و على الثالث، لا يتجه اعتبار نصيب معين للامام في قبال الرسول، اذ لا امامة في زمان الرسالة و لا ولاية للامام في حياة الرسول. فتأمل.
بخلاف ما اذا كان لوجه الرسول، فانه لا ينتفي مع موته اذ يمكن اعطاؤه لذي قربته صلى الله عليه و آله و سلم بما أنهم ذريته، فيكون صرفا للخمس لوجهه صلى الله عليه و آله و سلم.
و أما اليتامى و المساكين و ابن السبيل، فمقتضى العطف انه يصرف لوجههم الا أنه حيث كان الصرف لوجههم لا يتحقق الا بالصرف فيهم كانوا في عرض واحد في الصرف.
فيتحصل من الآية أن الخمس يصرف في اليتامى و المساكين و أبناء السبيل لوجه الله و الرسول وذي القربى. و مقتضى ذلك اعتبار كون المصروف عليهم من ذرية الرسول و الائمة كي يتحقق الصرف لوجههم. هذا هو الظاهر من الآية بعد التنبه الى ما ذكرناه من الجهات.
و أما الروايات، فهي متواترة تقريبا على تسهيم الخمس الى ستة أسهم و أن للّٰه سهما و للرسول سهما و لذي القربى سهما و لكل من اليتامى و المساكين و ابن السبيل سهما و هو الذي عليه الاصحاب عملا بظاهر الآية البدوي و الروايات.
و لكنه مع الجزم بظاهر الآية بما ذكرناه لا بد من رفع اليد عن ظاهر الروايات، لقيام القرينة القطعية على خلافها.
ثمّ إنه لو سلم تقسيم الخمس الى ستة أقسام يقع الكلام في ثبوت حصة معينة للامام عليه السلام منه.
و الذي عليه الاصحاب أن له خاصة سهم ذي القربى، و يضم اليه سهم الله
..........
الشرح
و سهم الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بدلالة النصوص، فيكون النصف للامام عليه السلام و النصف الآخر للاصناف الثلاثة الاخرى من بني هاشم.
و انت خبير بانه لا يستفاد من الآية الشريفة ما ذكر من ثبوت سهم للامام عليه السلام خاصة لإطلاق ذي القربى، و عدم ظهورها فيه. و الوارد في الروايات بيان كون المراد من ذي القربى قرابة الرسول و هم اعم من الامام عليه السلام.
نعم، ورد في بعض النصوص التصريح بان نصف الخمس للامام عليه السلام و ان له سهم ذي القربى، ك:
رواية حماد بن عيسى(1)عن بعض اصحابه عن العبد الصالح عليه السلام في حديث طويل: «... فسهم الله و سهم رسول الله لأولي الامر من بعد رسول الله وراثة و له ثلاثة أسهم: سهمان وراثة و سهم مقسوم له من الله، و له نصف الخمس كاملا و نصف الخمس الباقي بين اهل بيته فسهم ليتاماهم و سهم لمساكينهم و سهم لابناء سبيلهم...».
و رواية احمد بن محمد(2)عن بعض اصحابنا مرفوعة «... فالذي لله فلرسول الله فرسول الله أحق به فهو له خاصة و الذي للرسول هو لذي القربى و الحجة في زمانه فالنصف له خاصة و النصف لليتامى و المساكين و ابناء السبيل من آل محمد عليهم السلام...».
و رواية علي بن الحسين المرتضى(3)في (رسالة المحكم و المتشابه) نقلا من تفسير النعماني باسناده عن علي عليه السلام «... و يجري هذا الخمس على ستة أجزاء فيأخذ الامام منها سهم الله و سهم الرسول و سهم ذي القربى ثمّ يقسم الثلاثة سهام الباقية بين يتامى آل محمد و مساكينهم و ابناء سبيلهم».
..........
الشرح
و رواية اسحاق(1)عن رجل قال: «سألت ابا عبد الله عليه السلام عن سهم الصفوة فقال: كان لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أربعة اخماس للمجاهدين و القوّام و خمس يقسم فمنه سهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و نحن نقول: هو لنا و الناس يقولون ليس لكم و سهم لذي القربى و هو لنا و ثلاثة أسهم لليتامى و المساكين و ابناء السبيل يقسمه الامام بينهم».
و لكن هذه الروايات لا تنهض على المدعىٰ لضعف سندها بالارسال، مع انه لا دلالة صريحة للثالثة على انه للامام عليه السلام خاصة، اذ يمكن ان يكون أخذه لسهم ذي القربى من باب انه أظهر افراده و أحقهم. فتأمل.
و لا للرابعة اذ لا صراحة في التعبير ب: «لنا» في انه للامام عليه السلام، بل يمكن ان يراد به لذي القربى و هم اظهر مصاديقه.
و أما ما ورد في رواية سليم بن قيس(2)من قول الامام عليه السلام: «نحن و الله عنى (اللّٰه) بذي القربى و الذي قرننا الله بنفسه و برسوله...»، فهو لا يدل على شيء اذ لا ظهور لقوله عليه السلام «نحن» في ارادة خصوص الائمة، بل يمكن ان يراد به جميع بني هاشم او قرابة الرسول.
و يؤيده ما في ذيل الرواية من تعليل ثبوت الفيء لهم بتحريم الصدقة في حقهم، لظهور أن الصدقة حرام على جميع بني هاشم دون خصوص الائمة عليه السلام.
و أما رواية عبد الله ابن بكير(3)عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام «... خمس الله للامام و خمس الرسول للامام و خمس ذوي القربى لقرابة الرسول الامام...»، فهي و ان كانت ظاهرة في بيان كون المراد من ذوي القربى و قرابة الرسول هو الامام لظهور العطف في كونه عطف بيان الا أنها مرسلة.
..........
الشرح
مع انه ورد في بعض نسخ التهذيب العطف بالواو فجاء التعبير «لقرابة الرسول و الامام»، فلا تدل بذلك على المدعىٰ اذ لا ظهور لها حينئذ في اختصاص الامام عليه السلام بسهم ذي القربى، مع احتمال ارادة بيان اظهر مصاديق قرابة الرسول و انه الامام عليه السلام على تقدير حذف الواو.
و على كل، فالرواية مجملة غير صالحة للنهوض على المدعىٰ.
و المتحصل: أنه لا دليل من الروايات على اختصاص الامام عليه السلام بسهم و هو سهم ذوي القربى، بل الروايات المعتبرة تدل على ارادة قرابة الرسول بقول مطلق من ذي القربى، كما هو مقتضى اطلاق الآية.
و يؤيده ما جاء في بعض النصوص من اظهار التظلم من أبي بكر و عمر في انكارهم ما ثبت لهم بالكتاب مما يظهر في أن نص الكتاب ظاهر في شيء أنكره عمر و أبو بكر عملا.
و لا ظهور للكتاب الا في ثبوت سهم لذوي القربى مطلقا دون خصوص الامام عليه السلام، مع ثبوت منع أبي بكر حق الهاشميين خاصة من الخمس، و دعوى ارادة القرابة بالتقوى و العمل و الدين لا القرابة في النسب.
و لا يمكن حمل تظلمهم على انكار حقهم خاصة، اذ لا ظهور للكتاب فيه.
فللخصم ان يدعي عدم ثبوته فلا مجال لإلزامه بنص القرآن.
مع انه لو ثبت كون المراد بذي القربى هم أهل البيت، فلا يثبت لهم بما هم أئمة لان فاطمة عليها السلام منهم و هي ليست بامام، كما انه انما يثبت لخصوص علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام دون سائر الائمة عليهم السلام لعدم ثبوت إرادتهم من ذوي القربى.
نعم، الذي ثبت من النصوص المستفيضة أن للامام عليه السلام سهم اللّٰه و سهم الرسول أعني ثلث الخمس، فان النصوص في ذلك كثيرة و قد تقدم بعضها. لكن هذا مما لم يلتزم به أحد.
..........
الشرح
فالذي يساعد عليه مجموع الادلة هو ما استظهرنا من الآية و هو كون مصرف الخمس هو المسكين و اليتامى و أبناء السبيل من آل هاشم و الرسول - على ما يأتي تحقيقه - و هو أوفق بالاحتياط فانه القدر المتيقن من مصرف سهم الامام عليه السلام على تقدير ثبوته. فالذي عليه الاصحاب من كون نصف الخمس للامام عليه السلام لا تساعد عليه الادلة. فتدبر.
و ليعلم أن الكلام في الفروع الآتية يكون على طبق مجرى الاصحاب و فتاواهم لا على ما اخترناه. فلاحظ.
ثمّ إنه قد يستدل على ثبوت حصة خاصة للامام عليه السلام بروايات التحليل فانها ظاهرة في ملكية الخمس للامام عليه السلام و لذا جاز تحليله له.
لكنه مخدوش، بان روايات التحليل على صنفين: الاول ما لسانه تحليل الخمس. و الثاني ما لسانه تحليل حقهم من الخمس و ما هو لهم.
أما الصنف الاول، فغير ظاهر في المدعىٰ، بل هو ظاهر في أن للامام عليه السلام ولاية الخمس فله تحليله لمن يشاء، و الا لما حلّ جميع الخمس بتحليله عليه السلام بل انما يحل نصيبه خاصة.
و بعبارة أخرى: أن تحليله جميع الخمس و إن كان يجامع مع ثبوت حصة خاصة له، الا انه لا ظهور لنفس التحليل في ذلك لو لم يكن ظاهر في كون التحليل بحسب ولايته اذ ليس له تحليل جميع الخمس الا بهذا الاعتبار لانه ليس ملكه.
و أما الصنف الثاني، فلا ظهور له في التحليل المالكي و ان أمكن دعوى عدم شمول التحليل لجميع الخمس بل لحصته خاصة بنحو الموجبة الجزئية، و ذلك لان الظاهر أن تحليله عليه السلام انما يكون لاجل حلية التصرف في المال و جوازه، فلا بد ان يكون تحليله للجميع و الا لما حلّ التصرف الا بمقدار نصيبه، و تحليله للجميع انما يكون باعتبار ولايته، فلا ظهور للامام عليه السلام و نحوها في الملكية بل هي ظاهرة في الولاية. فتفكر.
و ثلاثة للأيتام و المساكين و أبناء السبيل، و يشترط في الثلاثة الأخيرة الإيمان (2)،
الشرح
(2) كما هو المشهور، و تردد فيه في الشرائع(1)، و عدم اعتبار الايمان مقتضى عموم الآية لعدم تخصيص الاصناف فيها بالمؤمنين. و قد ذكر لاعتباره وجوه:
الاول: ان المؤمن هو القدر المتيقن من اطلاق الدليل و غيره مشكوك.
و مقتضى الاصل عدم براءة الذمة بالدفع اليه.
و فيه: أن القدر المتيقن لو سلم انه مانع من انعقاد الاطلاق فهو يختص بالمطلق الذي يتوقف عمومه على تمامية مقدمات الحكمة دون العموم، فان دلالته وضعية لا يخل فيها وجود القدر المتيقن. و التعبير في الآية بالعام لا بالمطلق و هو الجمع بالالف و اللام. فتأمل.
الثاني: ما دل على ان الخمس جعل عوضا عن الزكاة بضميمة اشتراط الايمان في مستحقها، فغير المؤمن لا يستحق الخمس لانه لا يستحق الزكاة فينتفي موضوع العوضية فيه.
و فيه: انه لو سلم ذلك فلا اطلاق له في بدلية الخمس عن الزكاة بجميع الجهات كي يثبت ذلك فيما نحن فيه، و انما هو مسوق لبيان حكمة التشريع، فلا دلالة له على اشتراط جميع ما يشترط في مستحقي الزكاة في مستحقي الخمس لعدم الاطلاق فيه.
الثالث: أن الخمس انما جعل تكريما لبني هاشم و تنزيها لهم عن
1) الحلي، جعفر بن الحسن: شرائع الاسلام، ج 1: ص 210، ط مؤسسة المعارف الاسلامية.
و في الأيتام الفقر (3)، و في أبناء السبيل الحاجة في بلد
الشرح
الصدقات، كما تصرح به بعض النصوص، و غير المؤمن لا يستحق الاكرام اذ لا حرمة له فملاك جعل الخمس منتف فيه.
و فيه: أنه استحسان محض لا يوجب الجزم بالحكم اذ لا دليل عليه قطعياً.
مضافا الى أنه غير تام في نفسه اذ الاكرام في جعل الخمس للرسول صلى الله عليه و آله و سلم لتنزيه أقربائه عن الاوساخ لا لذوات أقربائه، وجهة الرسول محفوظة في المخالف فيكون دفع الخمس اليه بلحاظ انه من أقربائه صلى الله عليه و آله و سلم تكريما له صلى الله عليه و آله و سلم و اجلالا لمقامه.
و بالجملة، فلا دليل على اعتبار الايمان، بل قد يستفاد عدم اعتباره مما ورد من ثبوت الخمس لبني العباس مع العلم بندرة المؤمن فيهم في ذلك الحين لو لم نقل بانعدامه. و ان كان الاحوط.
(3) لم يتعرض لاعتبار الفقر في المسكين لعدم الحاجة لذلك لان معنى المسكين متقوم بالفقر و الحاجة، فلا يصدق المسكين بدون الفقر، فأخذ المسكين في موضوع الاستحقاق كافٍ في اعتبار الفقر، بل قيل ان المسكين اذا انفرد عن الفقير بالتعبير كان بمعناه و ان كان يختلف عنه اذا اجتمعا.
و أما الايتام، فظاهر الآية عدم تقييدهم بالفقر خصوصا بملاحظة جعله صنفا آخر في قبال المسكين، الا ان الكل او الجل على اعتبار الفقر فيهم.
فالكلام لا بد أن يقع اولاً في بيان جهة امكان اعتبار الفقر مع كونهم صنفا آخر غير المساكين، ثمّ يتكلم في وجود الدليل اثباتا على الفقر.
أما امكان اعتبار الفقر مع كونهم صنفا برأسه، فلاجل أن بين اليتامى و المساكين عموما من وجه، اذ صدق المسكنة و الفقر عرفا انما يكون في مورد
التسليم (4) و إن كان غنياً في بلده، و لا فرق بين أن يكون سفره في طاعة أو معصية (5)، و لا يعتبر في المستحقين العدالة (6) و إن كان
الشرح
تكون فيه الحاجة الى الصرف و ايصال المال الى نفسه او من عليه الانفاق عليه بحيث يشعر الانسان بالضائقة و الاحتياج، و عليه، فلا يصدق المسكين على مثل الرضيع من اليتامى. و بذلك يصح ان يجعل صنفا برأسه.
و أما الدليل على اعتباره، فهو ينحصر بما دل من النصوص على ان الخمس بدل الزكاة فيعطى من كان ممنوعا عن الزكاة من الهاشميين، بحيث يكون المانع من استحقاقه الزكاة ليس الا كونه هاشميا. و ذلك يقتضي ان باقي الشرائط موجودة فيه و منها الفقر، اذ مع انتفائه لا يستند عدم الاستحقاق الى خصوص الهاشمية بل الى عدم الفقر أيضا، فمستحق الخمس هو الهاشمي الفقير، فتأمل.
(4) لا حاجة الى التقييد بذلك إذ صدق ابن السبيل متقوم بالحاجة في السفر و لا يصدق على مطلق المسافر، فلا يتجه التقييد بعد تقوم العنوان بالقيد المأخوذ.
و أما اعتبار فقره و حاجته في بلده، فلا دليل عليه و لا قائل به.
(5) لصدق العنوان عليه و لم يقم دليل على التقييد و اخراج من كان سفره لمعصية، اللهم الا أن يقال: بان تشريع الخمس لا يتناسب مع كون السفر لمعصية.
و لكنه وجهٌ استحساني لا يعتمد عليه في مجال الحكم و الفتوى.
(6) كما هو المشهور، لعموم الدليل و عدم وجود ما يصلح للتخصيص، الا ما قد يقال من ثبوت اعتبارها في مستحقي الزكاة، و دليل البدلية يقتضي اعتبارها في الخمس أيضا و هو ممنوع صغرى و كبرى.
أما صغرى، فلعدم ثبوت اعتبار العدالة في مستحقي الزكاة.
و أما كبرى، فلما تقدم من عدم الدليل على لزوم اجتماع شرائط الزكاة في
الأولىٰ ملاحظة المرجّحات، و الأولى أن لا يعطى لمرتكبي الكبائر خصوصاً مع التجاهر (7)، بل يقوىٰ عدم الجواز إذا كان في الدفع إعانة على الإثم (8) و لا سيما إذا كان في المنع الردع عنه،
الشرح
الخمس لعدم اطلاق دليل البدلية، مضافا الى ان اعتبار العدالة بالمعنى المعروف - أعني الملكية المانعة من ارتكاب المحرمات - قد يؤدي الى تعطيل الخمس و الزكاة لعدم توفر المستحقين بهذه الصفة.
(7) الاولوية لا بأس بها لانه مذموم شرعا، و تأكدها في المتجاهر واضح.
(8) هذا الحكم ان لوحظ فيه عدم الاجزاء، فهو يبتني على أمرين:
الاول: كون الخمس من الواجبات العبادية.
الثاني: حرمة الدفع اذا كان إعانة على الاثم، فانه اذا كان حراماً امتنع التقرب به، فلا يكون الدفع اداء للواجب.
و أما اذا كان وجوب الخمس توصليا، كان الدفع مجزيا و ان كان حراما لحصول الغرض بمجرد الدفع، كسائر الواجبات التوصلية.
و لا يخفى انه لا دليل على كون الخمس عباديا لكن الجل أو الكل ملتزمون بذلك، كالتزامهم به في باب الزكاة.
و أما الدفع اذا كان إعانة على الاثم، فلو سلم حرمة الاعانة على الاثم و قيام الدليل عليها فالثابت و المتيقن غير مثل هذا المورد، بل صريح بعض الروايات جوازه، اذ ورد في الحديث عن الامام عليه السلام انه يبيع الكرم (العنب) ممن يعلم انه يصنعه خمرا. و هذا كاشف عن عدم الحزازة و الكراهة فيه فضلا عن جوازه. و عليه، فلا يحرم الدفع اذا علم انه يصرفه في محرم.
و مستضعف كلّ فرقة ملحق بها (9).
مسألة 2: لا يجب البسط على الأصناف بل يجوز دفع تمامه إلى أحدهم، و كذا لا يجب استيعاب أفراد كل صنف بل يجوز الاقتصار علىٰ واحد، و لو أراد البسط لا يجب التساوي بين الأصناف أو الأفراد (10).
الشرح
(9) هذه العبارة غير واضحة المراد و لعل المراد ان المستضعف من الشيعة يلحق بهم و من السنة يلحق بهم. فتدبر.
(10) الكلام يقع في مقامين:
الاول: في وجوب البسط على الاصناف الثلاثة و توزيعه عليهم، و عدم وجوبه بل جواز دفعه الى احدهم، كالمساكين فقط.
الثاني: في وجوب استيعاب افراد كل صنف بحيث يجب توزيع سهم الفقراء على جميعهم، و عدم وجوبه بل جواز دفعه الى واحد منهم خاصة.
أما المقام الاول: فالمشهور شهرة عظيمة و عليه السيرة - كما قيل - عدم لزوم البسط و جواز دفع الخمس الى خصوص صنف واحد، و قد خالف في ذلك بعض المتأخرين، كصاحب الحدائق،(1)فالتزم بلزوم البسط و التوزيع.
و لا يخفى ان من يقول بلزوم البسط في سعة و فسحة في مجال الادلة، لتوفر الادلة على وجوب البسط، اذ يدل عليه:
اولا: ظاهر الآية، اذ العطف بالواو ظاهر في اشتراك المعطوف مع المعطوف
1) البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص، الطبعة الأولى.
..........
الشرح
عليه فيما رتب عليه من الحكم سواء قلنا بظهور اللام في الملكية او المصرف و الوجه. فمقتضى الآية لزوم صرف الخمس و توزيعه على الاصناف اما لانه ملكهم أو لانهم مصرفه.
و ثانيا: الروايات الكثيرة المصرح بالتسهيم و ان لكل من اليتامى و المساكين و ابن السبيل سهما برأسه.
و ثالثا: أنه مقتضى الاصل، اذ بدون التوزيع يشك في براءة الذمة، فقاعدة الاشتغال تقتضي بالتوزيع تحصيلا للعلم ببراءة الذمة.
و بالجملة، ظهور الادلة في لزوم التوزيع مما لا ينكر، فمدعي لزوم البسط في قبال السيرة لا يعد مجازفا في القول و الحكم.
مضافا الى ما يسأل به المشهور - بعد حكمهم بلزوم دفع النصف من الخمس للامام عليه السلام لان له ثلاثة أسهم - من ان لزوم دفع النصف للامام عليه السلام اذا كان ناشئا من ظهور الآية في التسهيم و قيام الادلة على أن سهم اللّٰه و سهم الرسول و سهم ذي القربى له عليه السلام، فظهورها في التسهيم بالنسبة الى اليتامى و المساكين و أبناء السبيل ثابت، فما هو الدافع عنه؟
و اذا التزم بعدم ظهور الآية في التسهيم و انها لبيان المصرف كآية الزكاة، فما هو الملزم لتنصيف الخمس و فرض ان نصفه خاصة للامام عليه السلام، بل جاز بمقتضى ذلك دفع جميعه للامام عليه السلام كما جاز دفعه بأجمعه لليتامى؟ فتدبر.
و قد استدل على عدم وجوب البسط بأمور عمدتها أمران ذكرهما الفقيه الهمداني رحمه الله:(1)
الوجه الاول: رواية أبي نصير(2)عن الرضا عليه السلام قال: «سئل عن قول
..........
الشرح
الله عز و جل «وَ اِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبىٰ...» فقيل له: فما كان لله فلمن هو؟ فقال لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و ما كان لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فهو للامام عليه السلام فقيل له: أ فرأيت ان كان صنف من الاصناف اكثر و صنف أقل ما يصنع به؟ قال: ذاك الى الامام أ رأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم كيف يصنع أ ليس انما كان يعطي على ما يرى كذلك الامام».
فانها ظاهرة في ان للامام عليه السلام عدم التسوية في السهام و الغاء خصوصية التسهيم و التوزيع، و بما أن هذا الحكم ثابت بما ان له الولاية لا بما انه إمام، فيسري هذا الحكم الى كل من له الولاية على الخمس و لو لم يكن الامام.
و لكن يخدش الاستدلال بها بان الحكم الثابت فيها انما جعل للامام عليه السلام و ليس الظاهر منها اثبات الحكم له باعتبار الولاية بل الظاهر خلافه، لان الظاهر منها جعل الولاية على الخمس و توزيعه للامام عليه السلام فالولاية ثابتة للامام عليه السلام بهذه الرواية، لا بدليل آخر و الرواية تتكفل حكما بلحاظها، فانه لا ظهور للرواية في ذلك بل ظاهرها ما ذكرناه من اثبات الولاية للامام، فلا يتعدى منه الى غيره بهذا النص.
و لعله لاجل ذلك لم يعتمد الفقيه الهمداني رحمه الله على هذا الوجه بل اعتمد على..
الوجه الثاني ه لصحمو: أن المأخوذ في موضوع الاستحقاق هو الاحتياج و الفقر كما أخذ فيه الهاشمية، فملاك الخمس رفع الاحتياج. و حينئذ، فان وفى الخمس بدفع حاجة الجميع فهو، و الا فلا يرى العقل أثرا للتسهيم و توزيعه على الاصناف الثلاثة، بل لا فرق في نظره بين دفعه الى ثلاثة افراد من كل صنف فرد و دفعه الى ثلاثة افراد من صنف واحد، اذ رفع الحاجة بالنسبة الى جميع الافراد على حد سواء فلا موجب للتوزيع.
..........
الشرح
و لكن للخدشة في هذا الوجه مجال واسع أيضا، فانه ان تحفظنا على خصوصية كل صنف في موضوع الخمس و لم تلغ الخصوصية كما هو مقتضى ظاهر الآية، فكون الملاك رفع الحاجة لا يوجب حكم العقل بعدم الفرق بين التوزيع و عدمه، اذ لعل أخذ الخصوصية كان لجهة خاصة لا يدركها بحيث يكون في رفع الحاجة من كل صنف بمقدار ما أولى لدى الشرع من رفع حاجة بعض افراد صنف واحد. فتدبر.
نعم، لو التزم بالغاء خصوصيات الاصناف بدعوى: أن الموضوع هو الفقير المحتاج و ذكر الاصناف في الآية بلحاظ انها من مصاديقه و افراده الظاهرة. كان لعدم وجوب التوزيع وجه لكون الموضوع امراً واحداً و الجميع أفراده فيتساوون بنظر العقل في جهة استحقاقه. و لكنه لا يظهر من كلامه ذلك بل الظاهر هو الاول.
و قد التزم بذلك - أعني بكون الموضوع هو المحتاج - الشيخ قدس سره و لم يبين جهته الا بنحو الاجمال، فقد ذكر أن من تتبع في الروايات حصل له القطع بذلك.(1)
و توضيحه: بانه من الظاهر ان جعل سهم خاص بابن السبيل في قبال سهم الفقراء بحده و مقداره مع ندرة ابن السبيل و قلته مما تأباه حكمة تشريع الخمس و جعله و هي رفع الحاجة الفاقة، فان مثل هذا التوزيع غير عقلائي و لا يصدر من العقلاء مع كون الجهة رفع الفقر، اذ يعلم أن تشريع الخمس ليس لجهة تعبدية محضة و انما لهذه الجهة.
بل صرح بذلك في بعض النصوص و انه لو كان العدل لما احتاج هاشمي و مطلبي. فان ذلك يوجب القطع بان موضوع الحكم هو المحتاج و لا خصوصية للعناوين المذكورة في الآية، و يتأيد..
1) الانصاري، الشيخ مرتضى: كتاب الخمس، ص 308، الطبعة الحديثة.
..........
الشرح
بما ورد من كون الخمس عوض الزكاة التي موضوعها الفقير.
و بتسالم الاصحاب قدس سرهم على عدم البسط و عدم الغاء أحد السهام عند عدم موضوعه كابن السبيل بل يدفع الخمس الى الفقراء، فانه لو كان له سهم خاص لكان عدمه موجبا لسقوطه لعدم موضوعه.
و بالجملة، من المجموع يحصل الجزم بان الموضوع في الاصناف الثلاثة هو المحتاج الفقير و ان النصف له، فيجوز دفع الخمس الى افراد صنف واحد.
فتدبر جيداً و تفكر.
و أما المقام الثاني: فقد تسالم الاصحاب فيه على عدم لزوم استيعاب جميع أفراد كل صنف أو أحد الاصناف - على الاحتمالين في المقام الاول -.
و استشكل فيه صاحب الحدائق(1)قدس سره و وجه الاستشكال هو تردد المراد من قوله تعالى: «وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ» بين ان يكون هو العموم الاستغراقي، أو الطبيعة. فعلى الاول يجب الاستيعاب فانه مقتضى العموم الاستغراقي كما هو ظاهر جدا. و على الثاني لا يلزم الاستيعاب اذ المستحق هو الطبيعة فيكفي صرفه على بعض الافراد و ليس هو كل فرد حتى يجب الاستيعاب، كما هو مقتضى ارادة العموم الاستغراقي.
و مما يرجح احتمال كونه مأخوذا بنحو الطبيعة و يعينه دون غيره أمران:
الاول: ذكر ابن السبيل بلفظ المفرد لا الجمع، فالمراد به هو الطبيعة و مقتضى وحدة السياق و تناسق التعبير ارادة الطبيعة أيضا من لفظ الجمع في اليتامى و المساكين.
الثاني: الظهور العرفي في ارادة الطبيعة في مثل المقام و هو ما اذا رتب الحكم على موضوع بلفظ الجمع و علم بعدم امكان استيعاب جميع الافراد، فانه
1) البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 381، الطبعة الأولى.
مسألة 3: مستحق الخمس من انتسب إلى هاشم بالأبوّة (11)،
الشرح
يظهر في ارادة الطبيعة لا جميع الافراد و ان كان ظاهراً عرفا في الجميع مع امكان الاستيعاب، نظير ما اذا نذر اعطاء دينار للطلاب فانه لا يمكن استيعاب جميع افراد الطلاب بالدينار فان الظاهر عرفا من ذلك ارادة الطبيعة من الطلاب، و لذا لا يستشكل أحد في دفعه الى طالب واحد أو بعض الطلاب.
و ما نحن فيه كذلك، فان الخمس غالبا لا يمكن ان يستوعب جميع افراد الفقراء و المساكين و أبناء السبيل، فيظهر بذلك في ارادة الطبيعة و معه لا يلزم الاستيعاب، كما عرفت.
(11) هذا هو المشهور، بل قيل إن الكل عليه و لم يخالف فيه سوى السيد المرتضى قدس سره،(1)فقد التزم باستحقاق من انتسب الى هاشم بالام الخمس.
إلا أن صاحب الحدائق قدس سره(2)التزم به و نسب الالتزام به الى جماعة غير السيد، كالعلامة(3)و الشيخ قدس سره(4)في بعض كتبه و الاردبيلي رحمه الله.(5)و قد بسط الكلام في اثبات صدق الابن و الولد على ابن البنت بلا مسامحة و لا تجوز، فاستشهد بآيات متعددة فهم منها الاصحاب عموم الحكم لولد البنت من اطلاق الابناء او الاولاد او الآباء فيها، كالآية الواردة في تحريم زوجة الاب و زوجة الابن، و الآية الواردة في جواز نظر الابناء الى زينة الامهات و غيرهما.
1) علم الهدى، الشريف المرتضى: رسائل الشريف المرتضى، ج 3: ص 257، الطبعة الاولى.
2) البحراني، الشيخ يوسف: الحدائق الناضرة، ج 12: ص 390-415، الطبعة الأولى.
3) العلامة الحلي، الحسن بن يوسف:، ج: ص،.
4) الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن:، ج: ص،.
5) الاردبيلي، المولى احمد: مجمع الفائدة و البرهان، ج: ص، ط مؤسسة النشر الاسلامي.
..........
الشرح
كما استدل بالروايات الواردة عن الائمة عليهم السلام المتضمنة لاحتجاج الائمة عليهم السلام على كونهم أبناء رسول اللّٰه مستشهدين ببعض الآيات الكريمة.
و قد تحامل بعد هذا على من لا يلتزم باستحقاق ابن البنت الخمس و عبر عن جواب الشهيد بانه «مشعري لا يعتمد عليه و قشري لا يلتفت اليه» فلاحظ.
و قد نوقش هذا الالتزام بدليله بوجوه:
الاول: ان الآيات الشريفة المزبورة غير شاملة بنفسها لولد البنت و انما كان شمولها له بدليل خاص، فلا عبرة به حينئذ، اذ لا يدل على ان الاطلاق عرفي.
و قد أجاب صاحب الحدائق عن هذا بان الفقهاء و الاصحاب استدلوا على ثبوت الحكم لولد البنت بنفس الآيات و لم يكن هناك دليل خاص، كما لا يخفى على المتتبع.
الثاني: ما قيل في الجاهلية من الشعر الدال على أن ابن البنت ليس بابن و هو:
بنونا بنو ابنائنا و بناتنا *** بنوهن ابناء الرجال الاباعد.
و فيه: ان هذا قول جاهلي واحد لا يعرف مدى اطلاعه و معرفته، فكيف يصلح لمعارضة تسالم الكل و فهمهم على شمول الولد لولد البنت من اطلاق الآيات؟!
مضافا الى أنه لا يظهر منه في مقام نفي صدق الابن على ابن البنت عرفا و حقيقة، بل هو في مقام نفي بنوة ابن البنت من حيث آثار الابن و ثمراته من كونه من افراد القوم و مسئولا عن بعض شئونهم و يخدمهم بعض الخدمة، فان هذه الآثار تترتب على ابن الابن لا ابن البنت فانه يكون من افراد عشيرة أخرى لو كان ابوه كذلك.
فنفي «البنوة» الابنية عن ابن البنت نظير نفيها عن ولده الصلبي اذا كان عاقا
..........
الشرح
فيقول انه ليس ابني. و لم يلاحظ صدق الابن عرفا عليه و عدم صدقه. فلاحظ.
الثالث: انصراف لفظ الابن عن ابن البنت.
و فيه: انه ممنوع بعد ما عرفت من صحة الاطلاق عليه و فهم العرف منه العموم.
الرابع: و هو العمدة و قد ذكره صاحب الجواهر رحمه الله(1)و أوضحه الشيخ رحمه الله(2)أن ما ذكره صاحب الحدائق انما يتم لو اخذ في موضوع أدلة استحقاق الخمس عنوان الابن و الولد فيقال حينئذ بعمومه لولد البنت.
و لكن الامر ليس كذلك، اذ ليس مأخوذ في موضوع الاستحقاق عنوان الابن بل عنوان الهاشمي و بني هاشم، و من الظاهر ان الهاشمي لا يصدق الا على من انتسب الى هاشم بالاب دون الام بل ينسب المنتسب اليه بالام الى أبيه كالتميمي و نحوه و ان صح ان يقال عنه انه ابن هاشم.
و قد خلط صاحب الحدائق بين العنوانين و التبس عليه الامر فجاء بما تقدم.
و أما نقله عن الاعلام الالتزام بما التزم به، فهو ناشئ عن الالتباس، اذ كلام الجماعة انما هو في موارد الوقف و الميراث و ان الولد يصدق على ابن البنت فيترتب عليه بعض الاحكام و هو أجنبي عما نحن فيه، بل الذي يظهر من كلامهم البحث في شمول لفظ الولد لغير الصلبي من ذريته أعم من ان يكون ولد الولد او ولد البنت.
و بالجملة، ما ذكره من صحة اطلاق الولد على ابن البنت لا يرتبط بما نحن
..........
الشرح
فيه، اذ المأخوذ في موضوع الحكم عنوان الهاشمي لا ابن هاشم و هو لا يصدق الا على المنتسب الى هاشم بالاب.
ثمّ أكد صاحب الجواهر رحمه الله كلامه بانه لو كان الهاشمي يصدق على ابن البنت لزم ان يكون المنتسب الى هاشم بالام و إلى تميم بالاب مستحقا للخمس لانه هاشمي و للزكاة لانه تميمي، اذ النسبة من طرف الاب أقوى منها من طرف الام، كما لا يخفى.
و في هذا الكلام الاخير نظر ظاهر، و ذلك لانه لم يؤخذ في موضوع استحقاق الزكاة أحد هذه العناوين، كالتميمي و الاموي و نحوهما في عرض نفيها عن الهاشمي، كي يكون صدقه على فرد موجبا لاستحقاقه الزكاة كما انه صدق الهاشمي عليه موجبا لاستحقاق الخمس، بل المأخوذ في موضوع استحقاق الزكاة عنوان الفقير و خرج عنه الهاشمي بالتخصيص، فمن صدق عليه عنوان هاشمي لم يكن مستحقا للزكاة و ان صدق عليه عنوان تميمي. فلاحظ.
الخامس: مرسلة حماد(1)التي رواها المشايخ الثلاثة و عمل بها المشهور، فقد جاء فيها: «و من كانت أمه من بني هاشم و ابوه من سائر قريش فان الصدقات تحل له و ليس له من الخمس شيء». و الاعتماد عليها مع ارسالها لوجوه:
احدها: لرواية المشايخ الثلاثة لها.
الثاني: عمل المشهور بها.
الثالث: أن مرسلها و هو حماد من اصحاب الاجماع الذين أجمعت الصحابة على تصحيح ما صح عنهم.
و لكن هذه الوجوه لا تصلح لتجويز الاعتماد عليها.
1) وسائل الشيعة/باب 1: من ابواب قسمة الخمس، ح 8.
..........
الشرح
أما رواية المشايخ، فلم تعلم جهة تصحيحها للرواية بعد ان رويت مرسلة و لم يثبت صحة جميع ما رواه المشايخ و لو كان مرسلا.
و أما كون حماد من اصحاب الاجماع، فلانه لم يظهر المراد من اجماع العصابة على تصحيح روايته، اذ هو يحتمل وجهين:
الاول: أن العصابة أجمعت على ان الرواية المنتهية اليه بسند صحيح صحيحة و لو لم يعلم سندها منه الى الامام عليه السلام.
الثاني: أن العصابة أجمعت على تصحيحه و وثاقته في قبال من اختلف فيه من حيث الوثاقة.
فلو كان اجماع الصحابة على الاول. كان موجبا لصحة الاعتماد على الرواية و لو كانت مرسلة، الا انه لم يثبت كون معقد الاجماع ذلك، بل يمكن ان يكون هو..
الوجه الثاني، فلا تكون الرواية صالحة لان يعتمد عليها، الا اذا كانت مسندة بسند صحيح كسائر روايات الموثقين، فلاحظ.
و أما عمل المشهور، فلو سلمت كبرى كونه جابراً لضعف الرواية فهو في المقام ليس بجابر، اذ يحتمل استناد المشهور في عملهم الى فهمهم من اجماع العصابة الوجه الاول، او الى وجوه أخرى تذكر في طي كلامهم، كما أشرنا الى بعضها، فلا اعتماد عليه.
فعليه، فالعمدة في التزام المشهور هو الوجه الرابع أعني ما ذكره صاحب الجواهر قدس سره من كون موضوع الحكم هو الهاشمي و هو لا يصدق الا على المنتسب الى هاشم بالاب كغيره من عناوين النسبة.
و لكن الملاحظ للنصوص و الروايات يرى بان المأخوذ في موضوع الاستحقاق هو عنوان آل الرسول و قرابته لا عنوان هاشمي، و لا يخفى أن صدق القرابة على المنتسب بالام لا ينكر.
..........
الشرح
نعم، ورد في نصوص الزكاة تحريمها على الهاشمي و لكنه لا يثبت كون الهاشمي هو موضوع استحقاق الخمس الا بدعوى ثبوت الملازمة بين حرمة الزكاة و استحقاق الخمس، فاذا كان من لا يستحق الزكاة هو الهاشمي كان من يستحق الخمس هو الهاشمي أيضا، فلا بد لنا..
اولاً: من النظر في الادلة و انه هل يستفاد منها الملازمة المدعاة او لا؟
و ثانيا: على تقدير استفادة الملازمة من الادلة، فهل يرفع اليد عن عنوان الهاشمي او عن عنوان قرابة الرسول حيث يدور الامر بينهما كما ستعرف؟
و التحقيق في المقام: أن المستفاد من الادلة..
تارة: يكون ثبوت الملازمة بين الحكمين و هما حرمة الزكاة و استحقاق الخمس، فمع ثبوت حرمة الزكاة يثبت استحقاق الخمس و مع ثبوت استحقاق الخمس تثبت حرمة الزكاة. فمع ذلك..
تارة: يكون لما دل على حرمة الزكاة على الهاشمي مفهوم مقتضاه حلية الزكاة لغير الهاشمي. فيقع التعارض حينئذ بين المفهوم و بين ما دل على استحقاق أقرباء النبي الخمس، لشموله لمن ينتسب اليه بالام، فمقتضى المفهوم جواز اعطاء الزكاة له لانه ليس بهاشمي و مقتضى الدليل استحقاقهم للخمس، و كلا الحكمين لا يجتمعان بمقتضى الملازمة الثابتة بالادلة.
فيتعارض الدليلان المفهوم و ما دل على استحقاق اقرباء النبي الخمس و يتساقطان، و معه يرجع الى اطلاقات أدلة الزكاة و ما يدل على استحقاق مطلق الفقير غير الهاشمي المستثنى بالخصوص، فيثبت استحقاقه الزكاة خاصة.
و اخرى: لا يكون لدليل حرمة الزكاة على الهاشمي مفهوم و انما يستفاد حلية الزكاة لغير الهاشمي من اطلاق دليل الزكاة. فيقع التعارض بين ما يدل على حلية كل فقير الزكاة غير الهاشمي لشموله لمن ينتسب الى هاشم بالام اذ هو ليس بهاشمي، و ما دل على استحقاق كل قريب للخمس لشموله ايضا للمنتسب بالام
..........
الشرح
لانه قريب الرسول.
و مقتضى التعارض التساقط، فلا يكون هناك دليل على استحقاقه الخمس و لا الزكاة، و مقتضى الاحتياط عدم اخذه لكليهما، كما جاء في الجواهر.
و أخرى: يكون المستفاد من الادلة أن تمام الملاك و العلة في وجوب الخمس هو حرمة الزكاة، فيختص استحقاق الخمس بالهاشمي لانه هو الذي تحرم عليه الزكاة دون غيره اذ لا تحرم عليه الزكاة فلا ملاك لوجوب الخمس له، فيتضيق موضوع وجوب الخمس لعدم تحقق العلة فيه و ان كان بلفظه عاما.
و ثالثة: يكون المستفاد من الادلة هو كون موضوع وجوب الخمس من لا يستحق الزكاة بحيث يكون لسان الدليل لسان الحاكم و في مقام بيان الموضوع، فيكون مقتضاه عدم استحقاق المنتسب للام للخمس لانه يكون حاكما على العمومات، فيضيق الموضوع بمن لا يستحق الزكاة و هو خصوص الهاشمي دون غيره. هذا كله ثبوتا.
و أما إثباتا، فليس في روايات الباب - بحسب تتبعي - ما يثبت أحد هذه الاحتمالات، الا روايتين و هما:
رواية حماد(1)، حيث جاء: «و انما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم دون مساكين الناس و ابناء سبيلهم عوضا لهم من صدقات الناس و تنزيها من الله لهم لقرابتهم برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم»، فانها ظاهرة في كون الملاك و العلة في اختصاص قرابة الرسول بالخمس هو حرمة الزكاة و الصدقات عليهم بخلاف غيرهم.
و رواية أحمد بن محمد(2)، فقد جاء فيها: «و النصف لليتامى و المساكين و ابناء السبيل من آل محمد عليهم السلام الذين لا تحل لهم الصدقة و لا الزكاة»، فانها ظاهرة في بيان موضوع استحقاق الخمس و انه من لا تحل عليه الصدقة من
..........
الشرح
آل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، فيختص بالهاشميين منهم.
و لكن هاتين الروايتين مرسلتان و ضعيفتا السند، فلا يصلحان للاعتماد عليهما في اثبات الحكم المذكور.
و أما ما جاء في الحديث(1)عن الصادق عليه السلام من قوله: «لما حرم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس فالصدقة علينا حرام و الخمس لنا فريضة و الكرامة لنا حلال»، فهو لا يدل على كون العلة في جعل الخمس تحريم الصدقة، و لا يدل على الملازمة. و انما هو ظاهر في بيان رأفة اللّٰه تعالى بهم و عدم غفلته عنهم بجعل الخمس لهم في ظرف تحريم الصدقة عليهم، فيمكن ان تكون العلة فيه أمرا آخرا.
و هكذا ما ورد(2)عن الامام علي عليه السلام من قوله: «... و لم يجعل لنا سهم في الصدقة اكرم الله نبيه و اكرمنا ان يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس»، فانه غير ظاهر في علية حرمة الصدقة لجعل الخمس لهم و نحو ذلك، بل هو ظاهر في اظهار تكريم اللّٰه سبحانه لهم بتنزيههم عن أكل الاوساخ. فلاحظ.
و المتحصل: أن مقتضى الصناعة تعميم استحقاق الخمس لمطلق من انتسب الى هاشم بالام مما يصدق عليه أنه من آل الرسول و قرابته اذ لا دليل على تخصيصه بالهاشمي. كما انه يستحق الزكاة لعدم كونه هاشميا فلا يكون من أفراد الخاص. و ان كان مقتضى الاحتياط عدم دفع الخمس له، كما لا يخفى.
فالفتوى باختصاص الخمس بمن انتسب الى هاشم بالاب فقط ليست واضحة المدرك و الدليل كما عرفت.
تذييل: ذكر الشيخ رحمه الله(3)بمناسبة المبحث كلاما غير دخيل في اصل
..........
الشرح
الدعوى، الا أنه لا يخلو عن فائدة و الفات الى بعض الجهات التي يحسن الاطلاع عليها. و لذا رأينا التعرض الى ما ذكره.
و محصل ما تعرض اليه: أن الولد و الابن يطلق حقيقة و بلا مسامحة على الولد بلا واسطة - أما ما كان بواسطة سواء كان ولد الابن او البنت، فاطلاق الولد عليه يحتاج الى قرينة صارفة، كما انه مع وجود القرينة الصارفة عن الولد بواسطةٍ ظاهر في خصوص ولد الولد دون الاعم منه و من ولد البنت، بل لا بد في ارادة ولد البنت من قرينة اخرى.
فجعل رحمه الله للولد معان ثلاثة طولية، الولد بلا واسطة، و ولد الولد، و ولد البنت. ثمّ تعرض الى استدلال صاحب الحدائق بالآيات و الروايات على صدق الولد حقيقة على ولد البنت و ذكر أن نظر صاحب الحدائق في الروايات و الاحتجاجات الى ان الائمة عليهم السلام كانوا في مقام اثبات صحة اطلاق ابن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم حقيقة عليهم و ان الخصم ينكر ذلك و هم في مقام تفهيمه غلطه و عدم اطلاعه على استعمالات اللغة، فالاحتجاج و المخاصمة تدور حول أمر لغوي و هو حقيقة اطلاق الابن على ابن البنت و عدمه.
و أورد عليه الشيخ رحمه الله بانه لا يمكن ان يكون النظر في الاحتجاج الى ما ذكر و لم يذكر وجه الايراد، بل قال عنه انه كما ترى و هو واضح. لان اطلاق الولد على المنتسب بالواسطة غير حقيقي و لو كان بالاب، فتأمل. مضافا الى ان احتجاج الائمة عليهم السلام بالاستعمال لا يلزم الخصم بعد ان كان الاستعمال اعم من الحقيقة و المجاز.
و ذكر قدس سره الى أن نظر الائمة عليهم السلام الى ان اطلاق لفظ ابن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عليهم مع انتسابهم له بالام له وجه مصحح و ليس أمرا غلطا كي ينهىٰ عنه كما هو طلب الخصم و استنكاره، بلا نظر الى انه حقيقي أو غير حقيقي. بل النظر الى ان
..........
الشرح
مثل هذا الاطلاق له أساس في الاستعمالات.
و لكن الذي نراه هو ان النظر في الخصام و الاحتجاج الى جهة غير هاتين، فانه من الواضح ان صحة الاستعمال و عدم صحته و كونه حقيقيا او ليس بحقيقي ليس مما يستدعي الاهتمام البالغ من الخلفاء او الامراء، فيصرون على انكاره و طلب ردع الائمة عليهم السلام الناس عنه و يغضبون من سماعه، و تصدي الائمة عليهم السلام للدفاع و المفاخرة في مجالها.
فان صحة اطلاق لفظ عليهم بما انه لفظ لا يوجب فخرا. اذ المناسبات المصححة للاستعمال كثيرة كما ان غلط الناس في استعمال لفظ لا يوجب غضبا و مقتا اذ كثيراً ما يقع الناس في الغلط و لا يرىٰ مثل هذا الاهتمام.
و انما النظر الى جهة واقعية يكشف عنها هذا التعبير تستدعي الاهتمام من الخلفاء في انكارها كما توجب الفخر و الاعتزاز. تلك هي جهة تولد الائمة عليهم السلام من الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و كونهم من نطفته الزاكية، فان ذلك يصعب على اعداء أهل البيت عليهم السلام لانه مزية لهم تميّزهم و تعلو بهم على غيرهم.
و يشير الى ذلك ما ورد في بعض اقوال الرشيد من أن فاطمة ليست الا وعاء و أن النطفة من علي عليه السلام و لا فضل من الوعاء. و تصدي الامام عليه السلام للجواب بانها ليست مجرد وعاء و انما التولد يكون منها أيضا و باجتماع النطفتين.
و بالجملة، فبالتأمل القليل يظهر تعيين ما ذكرناه في جهة النظر و أن الخلفاء كان يصرون على الائمة عليهم السلام في ردع الناس عن التعبير المذكور لاجل كاشفيته عن الجهة التي ذكرناها بلا نظر الى صحة الاستعمال و فساده، كما انه من الظاهر انه لم يكن غضب الحجاج على سعيد بن جبير لاجل اشتباهه في التعبير و غلطه اذ من المقطوع انه لو كان سعيد قد غلط و عبر عن رداء الامام عليه السلام بالعمامة لا يغضب الحجاج من ذلك.
فإن انتسب إليه بالام لم يحلّ له الخمس و تحلّ له الزكاة، و لا فرق بين أن يكون علوياً أو عقيلياً أو عباسياً (12)، و ينبغي تقديم الأتم عُلقة بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم (13) علىٰ غيره أو توفيره كالفاطميين.
مسألة 4: لا يصدّق من ادعى النسب إلا بالبيّنة أو الشياع
الشرح
و يتأيد ما ذكرناه أيضا بما جاء في بعض احتجاجات الامام موسى بن جعفر عليه السلام مع هارون من أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم لا يخطب منه ابنته و لو خطب لا يزوجه اياها لانه ولده.
و قد يستشكل في ذلك بان حرمة نحو تزويج بنت الابن من البنت حكم تعبدي لم يظهر كونه لاجل خصوصية الانتساب و الصلة النسبية، فلا يدل على وجود الخصوصية.
و قد أجاب الامام عليه السلام عن ذلك بما جاء في الكتاب العزيز من مدح نوح عليه السلام و اعزازه بان من ذريته الانبياء و عدّ عيسى عليه السلام منهم مع انه ولد البنت، مما يكشف عن ان خصوصية الفخر في ولد البنت موجودة و انه متولد من جده و ليست اُمه مجرد وعاء. فلاحظ جيدا.
(12) لصدق قرابة النبي صلى الله عليه و آله و سلم على الكل و انطباق عنوان: «بني هاشم و هاشمي» عليهم، فلا يختص بالعلوي لعدم الوجه في اختصاصه.
(13) هذا الحكم لاٰ سند له من النصوص و قد ذكر في كلمات الفقهاء بعنوان الارجحية. و لعل الوجه فيه ان جعل الخمس كان لاجلال الهاشميين و ذرية الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و اكرامهم، فمن تكون صلته النسبية بالرسول صلى الله عليه و آله و سلم آكد و أشد يكون أولى بالاجلال طبعا. و لا يخفى ان هذا الوجه استحساني. فلاحظ.
المفيد للعلم (14)، و يكفي الشياع و الاشتهار في
الشرح
(14) ثبوت النسب و الانتساب الى هاشم بالعلم و البينة واضح. و أما ثبوته بدعواه فقد التزم به بعض قياساً له على مدعي الفقر، فانه كما تقبل دعوى مدعي الفقر كذلك تقبل دعوى مدعي النسب.
و لكن الانصاف انه لو ثبت قبول دعوى مدعي الفقر بوجوه صناعية أو استحسانية و التزم به، فقياس دعوى النسب عليها قياس مع الفارق، اذ في الفقر جهة يختلف بها عن النسب، و هي ان الغالب في الفقر عدم امكان تحقق العلم به لغير المدعي و عدم امكان التوصل الى معرفته عادة الا بطريق دعواه، اذ مهما اطلع المرء على حال غيره من بؤس و فاقة لا يحصل له الجزم عادة و غالبا بفقره، اذ يحتمل معه ان يكون قد أخفى مالا و قتر على نفسه و عياله لؤما. و ليس كذلك النسب اذ حصول العلم به عن حس و قرائن خارجية ممكن.
و قد يقرب قبول دعوى مدعي النسب بوجه صناعي، و هو دليل الانسداد المعبر عنه بالانسداد الصغير و المقصود منه حصول انسداد باب العلم في بعض الموضوعات و الاحكام الخاصة.
و قد أشار اليه الشيخ قدس سره في رسائله(1)و تقريبه: انه اذا رتب حكم على موضوع و كان تحصيل العلم بحصول ذلك الموضوع ممتنعا بحسب العادة بحيث يكون اختصاص الحكم بمورد العلم موجبا لتعطيله و عدم فعليته في مورد ما أو في أغلب الموارد، و يعلم جزما من جهة كون الشارع في مقام جعل الحكم
1) الانصاري، الشيخ مرتضى: فرائد الاصول، ص 169، الطبعة القديمة.
..........
الشرح
و تنفيذه و اجرائه على العباد و بالاخص اذا كان امتنانيا باكتفاء الشارع في ثبوت الحكم بحصول الظن بالموضوع و عدم اعتبار العلم لانتهائه الى تعطيل الحكم و لغويته.
و ذلك نظير رفع الحكم الضرري، فان حصول الضرر من الامور التي لا يحصل بها العلم عادة الا بعد فوات محل الحكم - أعني بعد العمل - لانه مهما بلغ المرض و نحوه من الشدة فهناك احتمال عقلي بان استعمال الماء - مثلا - للوضوء لا يكون مضرا في هذه المرة و النوبة، نعم بعد العمل يعرف ما اذا كان مضرا أو لا، و لكنه يفوت به مجال العمل بالحكم و اجرائه.
و لهذه الجهة أفتى الفقهاء بالاكتفاء بظن الضرر في عدم وجوب استعمال الماء في الوضوء بل حرمته و عدم صحة وضوئه، و نحوه من الاحكام التي ينشأ فيها الضرر، كالصوم.
و ما نحن فيه كذلك، فان العلم بانتساب المرء الى هاشم ممتنع عادة فمقتضى جعل الحكم و اجرائه الاكتفاء بظن النسب بلا اعتبار العلم.
و هذا الوجه كبرويا لا مناقشة فيه، و لكنه صغرويا محل تأمل، فان حصول الظن بدعوى الانتساب غير مسلم، اذ قلّ ما يوجد في العوائل العلوية و البيوت الهاشمية ما تكون سلسلة النسب معلومة الحال و متيقنة النسبة المدعاة، اذ كثير من افراد السلسلة أو أحدهم قد يكون مجهولا لا يعرف صحة انتسابه بل لا يعرف حاله لاحتمال ادعائه السيادة في وقته لغرض دنيوي لديه و لم يكن أحد يعرف حاله كي ينكر عليه دعواه، و استمر ذلك الى أحفاده. و بالاخص يتأكد ذلك في بلاد ايران حيث يسود فيها التشيع و احترام من ينتسب الى أهل البيت عليهم السلام، فيكثر بالطبع مدعوا السيادة و لو بالذهاب الى بلد غير بلدهم، فيصدقهم الناس لعدم
بلده (15)، نعم يمكن الاحتيال في الدفع إلى مجهول الحال بعد معرفة عدالته بالتوكيل (16) على الإيصال إلى مستحقه على وجه يندرج فيه الأخذ لنفسه أيضاً، و لكن الأولىٰ بل الأحوط عدم الاحتيال المذكور.
مسألة 5: في جواز دفع الخمس إلى من يجب عليه نفقته
الشرح
بنائهم على التحقيق و الدقة.
و عليه، فبملاحظة هذا الامر لا يمكن للانسان تحصيل الظن بسيادته أو بسيادة غيره، اذ قد تصل النوبة في سلسلة نسبه الى من لا يعرف عنه شيئا من قليل و لا كثير. فكيف يحصل له الظن بصحة نسبته و انتسابه الى من قبله حتى يصل الى أحد الائمة الطاهرين عليهم السلام. فدليل الانسداد لا يجدي فيما نحن فيه و لو سلم في نفسه.
و بالجملة، فالامر في قبول دعوى المدعي بعد ملاحظة ما ذكرنا مشكل جداً.
(15) اذا كان موجبا للعلم و الا فلا تتجه كفايته خصوصا بعد ملاحظة ما ذكرناه من تعارف استناد الشياع الى ورود جدهم الاسبق - مثلا - و ادعائه السيادة و لم يكن يعرف حاله.
(16) بناءً على استفادة ايكال الامر في التشخيص الى الوكيل و عدم اعتبار اكثر من وثاقته و عدم تفريطه في المال من دليل جواز التوكيل، كما مر في الزكاة، فيعتمد على علمه و تمييزه و إن كان في الواقع مشتبها و جاهلاً بواقع الحال. و إلا فلا فائدة في التوكيل لعدم علمه ببراءة ذمته.
إشكال (17)
الشرح
(17) بل منع، لأن موضوع الخمس هو المحتاج الفقير و لا يصدق هذا العنوان على من تجب نفقته على من عليه الخمس، اذ تكفل الغير بمئونته و نفقته يوجب عدم صدق الفقر عرفا، فيخرج عن موضوع استحقاق الخمس.
و يتأيد هذا بما ذكره الشيخ رحمه الله من إشعار ما ورد في منع اعطاء الزكاة لمن تجب عليه النفقة و التعبير بأنهم مما تعولون في المدعىٰ. فان فيه إشعاراً في أن العلة في المنع هو عدم صدق الفقر عليهم باعتبار الاعالة، فهو يشعر بان الاعالة مانعة من صدق الفقر و ان لم يكن صريحا في ذلك.
مضافا الى ما ورد من بدلية الخمس عن الزكاة، اذ قد ثبت عدم جواز اعطائه الزكاة لمن تجب نفقته فهكذا الخمس بمقتضى البدلية.
و بالجملة، لو لم يحصل الجزم من ذلك فلا أقل من حصول التوقف و الاشكال، كما جاء في المتن.
هذا مع استعداده لبذل النفقة الواجبة، و أما مع عدم استعداده لذلك و امتناعه من اداء النفقة جاز اخذهم الخمس من غيره لصدق الفقر و الاحتياج فيهم، أما منه فلا يجوز أخذ الخمس و لا تبرأ ذمته بذلك، لانه و ان كان يدفع لهم بعنوان الخمس الا أنهم باعتبار وجوب نفقتهم عليه و الزام الشارع له بها يتمكنون من احتساب ما يصل الى أيديهم من المال من النفقة لا الخمس، اذ لهم الزامه بها مع قدرتهم على ذلك.
و هذا أحد طرق الالزام، و لذلك يجوز للحاكم الشرعي اجباره على دفع النفقة لو امتنع من ادائها. و عليه، فلا يصدق عليهم عنوان الفقير مع دفعه اليهم.
فتدبر.
خصوصاً في الزوجة (18)، فالأحوط عدم دفع خمسه إليهم بمعنى الإنفاق عليهم محتسباً مما عليه من الخمس، أما دفعه إليهم لغير النفقة الواجبة مما يحتاجون إليه مما لا يكون واجباً عليه كنفقة من يعولون و نحو ذلك فلا بأس به، كما لا بأس بدفع خمس غيره إليهم و لو للإنفاق مع فقره حتى الزوجة إذا لم يقدر على إنفاقها (19).
مسألة 6: لا يجوز دفع الزائد عن مئونة السنة لمستحق واحد و لو دفعة على الأحوط (20).
الشرح
(18) لعل وجه التخصيص ما ورد في كلمات الفقهاء من أن نفقة الزوجة تكون دينا عليه و في ذمته، دون نفقة سائر الاقارب، و لذلك يجوز للزوجة مطالبتها بنفقة ما مضى من الايام و ليس لغيرها هذا الحق.
(19) الظاهر ان هذا القيد مما يستغنى عنه بقيد الفقر المذكور قبله، اذ المقصود من فقره كونه بحيث لا يملك مئونته و مئونة عياله و هو يستتبع عدم القدرة على الانفاق. و الامر سهل.
(20) أما عدم جواز دفعه تدريجا فواضح، لانه يخرج ببعض الدفعات عن الفقر و الاحتياج، فيكون الدفع بعد ذلك لغير المستحق، فمثلا لو كانت مئونة شخص مائة دينار، فدفع له أولا خمسون ثمّ ثلاثون ثمّ عشرون، فانه بذلك يخرج عن كونه فقيرا فلا يكون مستحقا، فلا يجوز دفع عشرة اليه بعد ذلك.
و أما دفع الزائد على المؤنة دفعة واحدة، فقد قيل بجوازه هنا لجوازه في باب الزكاة بضميمة نصوص البدلية المتكفلة لاثبات احكام الزكاة للخمس، فالجواز يبتني على مقدمتين..
احداهما: جواز دفع اكثر من المؤنة من الزكاة.
مسألة 7: النصف من الخمس الذي للإمام عليه السلام أمره في زمان الغيبة راجع إلى نائبه و هو المجتهد الجامع للشرائط (21)،
الشرح
و الاخرى: ثبوت احكام الزكاة - و منها هذا الحكم - للخمس بمقتضى النصوص المتضمنة لبدلية الخمس عن الزكاة.
و لكن كلتا المقدمتين ممنوعتان، اذ عرفت في باب الزكاة اختيار عدم جواز دفع اكثر من المؤنة لمستحق واحد، كما عرفت فيما تقدم هاهنا عدم نهوض اطلاق على ثبوت احكام الزكاة للخمس، و نصوص البدلية لا اطلاق فيها، كما أشرنا اليه.
و قد يستدل لعدم الجواز بمرسلة حماد، فانه يقتضي عدم جواز اعطائهم اكثر مما يتوسعون به و يكتفون.
و لكن عرفت الاشكال في سندها.
و التحقيق: أن مقتضى الاصل هو عدم الجواز، اذ لا إطلاق في المقام يدل على اعطاء الفقير الخمس كيفما يشاء اذ ليس في النصوص في هذا المقام مطلق، فان النصوص باجمعها واردة في مقام بيان المستحق، أما كيفية الاعطاء و قدره فلا تتكفل بيانه.
و عليه، فمع عدم الدليل الخاص على الجواز كما ثبت عدمه، يرجع الى الاصل و هو يقتضي عدم الجواز، لانه يشك مع دفعه اليه المقدار الزائد في براءة الذمة و الاصل عقلا هو اشتغال الذمة. فتدبر.
(21) يناسب لنا قبل تحقيق أمر سهم الامام عليه السلام و مرجعه و مصرفه أن نبحث في نيابة المجتهد الجامع للشرائط عن الامام عليه السلام و ولايته فيما يتولاه الامام عليه السلام و مقدار دلالة النصوص و الادلة على ذلك، لكثرة الابتلاء بها في كثير من
..........
الشرح
الموضوعات.
و مقدمة للشروع في هذا البحث و ايراد النقض و الابرام حول موضوعه، يحسن بنا أن نشير الى ولاية الامام عليه السلام و مقدارها و ما هو موضوع البحث فيها.
فنقول و بالله نستعين: لا اشكال في انه يجب اطاعة الامام عليه السلام في الاوامر و النواهي الشرعية، فان ذلك لازم امامته و اعتقاد ان ما يبلّغ انما هو عن اللّٰه جل شأنه، فأوامره أوامر اللّٰه تعالى. و أما اطاعته في الاوامر العرفية كأمره بالذهاب الى السوق و نحوه، فهي ثابتة أيضا. و البحث عن الدليل على ذلك ليس محله هاهنا.
و على كل، فليس جميع ذلك مرتبط بما نحن فيه.
و إنما الكلام في ولايته عليه السلام التي هي بمعنى نفوذ تصرفه. و الموضوع الذي يرتبط بالمقام ليس ولايته على الاحكام كحكمه بان زوجة زيد هي زوجة بكر و ان مال عمرو لخالد و نحو ذلك. و انما هو نفوذ تصرفه في الامور المشروعة في أنفسها، و قام الدليل على محبوبيتها أو مشروعيتها بذاتها و بعناوينها الخاصة بها، كالتصرفات المعاملية في أموال القاصرين من بيع و شراء و نحوهما، أو التصدق بمجهول المالك، أو اقامة الحدود و التعزيرات.
و بالجملة، موضوع الكلام هو ولايته في الامور المشروعة في أنفسها و لكنها مقيدة باذنه و اجازته عليه السلام.
و قد ذكر الشيخ قدس سره(1)ان بين الموردين عموما من وجه و لم يوضح ذلك و انما أوضحه غيره، فذكر أن افتراق المورد الاول في الحدود و التعزيرات، اذ المباشر لها انما هو الامام عليه السلام و افتراق المورد الثاني في التقاص، فان المباشر له
1) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 153، الطبعة الأولى.
..........
الشرح
هو ذو الحق و لكن باذن الامام عليه السلام. و يجتمعان في مثل مجهول المالك، فانه يمكن ان يباشر التصدق به نفس الامام عليه السلام كما يمكن ان يباشره غير الامام باذنه عليه السلام.
و على كل، فليس موضوع الكلام في ولاية الفقيه الا النحو الثاني. أما الاول، فلا يتكلم فيه. اذ لا اشكال في عدم الالتزام بان للفقيه طلاق زوجة الغير لو زوج الامرأة بدون علم الغير او علمها و نحو ذلك.
و أما ثبوتها للامام عليه السلام فسيكفينا دليلا عليه قوله تعالى: «اَلنَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»، بضميمة ما جاء في حديث الغدير من اثبات ولاية الرسول للامام عليه السلام بقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «أ لست أولى بكم من انفسكم قالوا اللهم بلى فقال من كنت مولاه فهذا علي مولاه» فان ذلك خير دليل على أن للامام عليه السلام الولاية المذكورة، فانه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، و لا حاجة بعد ذلك الى تكلف الاستدلال عليها ببعض الوجوه الضعيفة كما ارتكبه الشيخ قدس سره.
و إذا تبين أن موضوع الكلام هاهنا هو ولاية الفقيه في الموارد المشروطة باذن الامام عليه السلام، فلا بد من بيان ضابط لتلك الموارد إذ تصرف الامام عليه السلام و عمله لا يصلح ضابطا لانه كما يحتمل ان يكون لاجل توقف صحة التصرف على اذنه كذلك يحتمل ان يكون لاجل امامته و نفوذ تصرفه المطلق حتى في الموارد التي يعلم بعدم نفوذ تصرف الفقيه فيها، كموارد النحو الاول.
و أقرب ما يمكن ان يدعى في تحديد الضابط هو: كونه كل ما كان من الامور العامة التي يرجع فيها الى الرئيس عرفا بحيث تكون عن وظائفه و كلمته فيها هي النافذة، كحفظ اموال اليتيم و اموال المجانين و نحو ذلك.
فيقع الكلام في أن اذن الفقيه و تصرفه نافذ في هذه الموارد أولا؟ و هذا الضابط و ان لم يرفع اللبس في بعض الموارد لكنه أقرب ما يكون أن يقال في
..........
الشرح
الضابط.
و بعد هذه المقدمة و تحديد موضوع البحث يقع الكلام في المطلب نفسه و لا بد قبل الخوض من الاشارة الى ان موضوع البحث ما كان الفعل سائغا و مشروعا في نفسه، غاية الامر ان يكون مشروعا باذن الفقيه بمقتضى الدليل، و أما الفعل الذي يكون في نفسه محرما و غير مشروع و انما تحتمل مشروعيته بالاذن، فدليل الولاية لا يتكفل مشروعيته.
و بعبارة اخرى: أن دليل الولاية لو تم فانما يدل على نفوذ اذن الفقيه فيما هو مشروع في نفسه و مع قطع النظر عن الاذن، كالطلاق و التصدق بمجهول المالك، دون ما لم يكن مشروعا في نفسه و انما يحتمل مشروعيته بالاذن.
اذا عرفت ذلك، فالكلام يقع..
اولا: في مقتضى الاصل العملي لو لم يتم دليل الولاية.
و ثانيا: في اصل دليل الولاية و تماميته.
أما الاصل العملي، فتحقيق الكلام فيه أن الشك في نفوذ الاذن..
تارة: يكون من جهة الشك في دخالة اذن الامام او حضوره في اصل مشروعية الفعل، كما يدعىٰ بالنسبة الى صلاة الجمعة من كون مشروعيتها في زمن الحضور فقط.
و اُخرى: لا يكون من هذه الجهة بمعنى ان الفعل في نفسه محرز المشروعية لكنه يشك في لزوم انضمام اذن الفقيه في صحته.
فعلى الاول: تجري أصالة البراءة من التكليف، اذ يشك مع اذن الفقيه في وجوب الفعل، فالاصل البراءة. و لا مجال لاجراء استصحاب الوجوب لاحتمال دخالة زمان الحضور في موضوع الحكم، فلا يحرز بقاء الموضوع المعتبر في صحة الاستصحاب.
..........
الشرح
و على الثاني: فالمورد المشكوك..(1)
إما أن يكون من المعاملات، او الاحكام المتعلقة بمال الغير أو نفسه، أو الاحكام المحضة الصرفة.
أما اذا كان من المعاملات، كبيع مال اليتيم او المجنون، فالاصل فيه مع الشك في اعتبار اذن الفقيه في صحته هو الفساد، لأصالة عدم ترتب الاثر مع عدم الاذن، كما هو المقرر في باب المعاملات لو شك في اعتبار شيء في صحتها و لم يكن دليل ينفيه.
و عليه، فالجزم بصحة المعاملة يتوقف على اذن الفقيه.
و أما اذا كان من الاحكام المتعلقة بمال الغير، كوجوب الحد او التعزير أو التصدق بمجهول المالك فانه..
قد يتخيل ان الاصل هو البراءة، لان المورد من موارد الشك بين الاقل و الاكثر، اذ يعلم بوجوب الحد و يشك في وجوب الاذن أيضا و عدمه، فينفى الزائد على المتيقن بأصالة البراءة.
لكنه فاسد، و ذلك لكون المورد مشمولا لإطلاقات تحريم التصرف بمال الغير او بنفسه، و المتيقن كون الخارج عن الاطلاق هو الحد باذن الفقيه أو التصدق باذنه و غيره مشكوك الخروج، فلا يكون مشروعا.
و لو سلم امكان كونه مشروعا في نفسه، فالامر فيه يدور بين الوجوب و الحرمة، اذ مع اعتبار اذن الفقيه واقعا يكون الحد بدون الاذن حراما و مع عدم اعتبار إذنه يكون واجبا، و مع الدوران كذلك و امكان الاحتياط يجب الاحتياط، فالاصل في هذا المورد يقتضي اعتبار اذن الفقيه في صحة الفعل.
1) ذكر الاستاذ اولا للموارد شقين لكن عدل عنه الى تشقيقه الى ثلاثة تبعا للمحقق الاصفهاني.
..........
الشرح
و أما اذا كان من الاحكام الصرفة المحضة، كالصلاة على الميت مع عدم الولي و الشك في اعتبار اذن الفقيه أو لاٰ. فالاصل هو البراءة لان الامر يدور بين الاقل و الاكثر، اذ القدر المتيقن هو وجوب الصلاة او كونها مع اذن الفقيه أو عدمه فهو مشكوك، فينفى بالاصل. و المحذور المذكور في الشق الثاني لا يتأتى الى هنا كما لا يخفى.
و المتحصل: أن مقتضى الاصل مختلف باختلاف موارد الشك. فتارة يقتضي اعتبار الاذن و أخرى لا يقتضيه. فلاحظ جيداً.
و أما ما ذكره الشيخ رحمه الله(1)في صدر كلامه في المقام من انه يلزم الرجوع الى الفقيه في كل مورد شك في اعتبار نظر الفقيه في وجوبه أو وجوده.
فهو غير خال عن الاشكال، و ذلك لانه مع الشك في اعتبار نظر الفقيه في اصل الوجوب، يحصل الشك في اصل الوجوب و التكليف بدون نظر الفقيه و مقتضى اصل البراءة نفيه. و لا ملزم للرجوع الى الفقيه لانه شرط الوجوب و هو غير واجب التحصيل.
نعم، هذا يتأتى بالنسبة الى المقلد العامي، فانه يجب عليه الرجوع الى المجتهد مع احتماله وجوب شيء للزوم الفحص عليه عقلا و شرعا كما انه قضية التقليد، و الا لما بقي حجر على حجر اذ كثير من التكاليف مشكوكة بدون نظر الفقيه المجتهد.
لكن ما نحن فيه من البحث لا يتناسب مع المقلد و وظيفته بل هو أجنبي عنه بالمرة، و لا معنى لرجوع المجتهد الى مجتهد آخر لان المجتهد يحكم بمقتضى الادلة و الحجج الشرعية، فبدونها يحكّم الاصول العملية و ليس نظر غيره حجة
1) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 154، الطبعة الأولى.
..........
الشرح
عليه و دليلا له.
مضافا الى أن الشيخ قدس سره يذكر الادلة على لزوم الرجوع الى الفقيه بعد ذلك، و لو كان نظره فيما ذكره الى المقلد، لم يكن وجه لذلك، اذ المقلد لا يطالب المجتهد بالدليل.
و بالجملة، فكلام الشيخ قدس سره لا يخلو عن بعض غموض و قد تحامل عليه المحقق الايرواني رحمه الله(1)في نقده لما صرح به مما عرفته، و شدد النكير عليه، ثمّ ذكر ان الاصل الجاري في المقام هو البراءة، لدوران الامر بين الاقل و الاكثر.
غافلا عن وجود موارد يكون الاصل فيها غير البراءة، كموارد المعاملات و الاحكام المتعلقة بالاموال و النفوس - على ما عرفت - التي هي الموارد الغالبة من موارد الشك.
و لعل تحامله على الشيخ قدس سره و عدم تقيده بحدود مقام الشيخ العلمي هو الذي سبب له هذه الغفلة، فهي أثر وضعي لتعدّيه الحدود الادبية مع الشيخ قدس سره و انه سبحانه الأعلم.
هذا كله في تحقيق الاصل العملي في المقام.
و أما دليل الولاية و النيابة، فقبل تحقيق الحال فيهما لا بد من بيان شيء:
و هو ان الاحكام الثابتة للامام عليه السلام..
تارة: تكون من خواص الامام عليه السلام بحيث يتكفل دليلها لزوم قيام الامام عليه السلام بها بنفسه، فلا يجوز له فيه الاستنابة حتى في حال حضوره.
و اخرى: تكون من خواص زمان الحضور بحيث يؤخذ في موضوعها حضور الامام عليه السلام.
1) الايرواني، الميرزا علي: حاشية المكاسب، ص 155، الطبعة القديمة.
..........
الشرح
و ثالثة: لا تكون كذلك بل يعتبر فيها اذن الامام عليه السلام.
فدليل النيابة لو تم، فهو انما يتكفل ثبوت النحو الثالث من الاحكام للفقيه، دون النحوين الاولين اذ الاول لا يقبل النيابة حتى في حياة أو حضور الامام عليه السلام فلا يشرع لغيره. و الثاني مقيد بحال الحضور، فهو غير مشروع في زمن الغيبة اصلا.
فدليل النيابة انما يتكفل ثبوت نيابة الفقيه في العمل المشروع الذي يقبل النيابة دون غيره. فتدبر.
اذا عرفت هذا، فقد استدل لولاية الفقيه و نيابته عن الامام عليه السلام بنصوص عديدة:
منها: - و هو من عمدة الأدلة كما ذكر الشيخ قدس سره - ما جاء في مقبولة عمر بن حنظلة(1)من قوله عليه السلام: «... فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما».
و قد قرب الشيخ قدس سره(2)دلالتها على المدعىٰ بأحد وجهين:
الاول: أن الظاهر من جعله حاكما و قاضيا اسناد ما كان يسند للقضاة في ذلك الحين و الوقت له، و قد كان القاضي في ذلك الوقت يتولى الامور العامة و يعهد اليه بها. فيثبت للفقيه ذلك لان الظاهر أن نصبه قاضيا على غرار قضاة ذلك العصر.
الثاني: أن الظاهر عرفا من نصب الامام عليه السلام الحاكم اسناد الامور العامة له و جعل السلطنة له دون غيره، فتكون الحكومة و السلطنة للفقيه بمقتضى الحديث.
و الانصاف أن يقال: ان الحاكم يطلق و يراد منه..
..........
الشرح
تارة: من له السلطنة و النفوذ و الولاية، بحيث يكون له نصب القاضي و نحوه.
و اخرى: يراد منه القاضي و من له الحكومة في الخصومات و فصلها.
و لا يخفى ان المراد من لفظ الحاكم في الحديث ليس هو المعنى الاول، اذ هو لا يتناسب مع عصور الائمة و عدم ولايتهم و نفوذ جعلهم الولي على الناس، مع أنه عليه السلام في مقام جعل الفقيه حاكما لترتب اثر عملي عليه و ليس هو في مقام بيان رتبة الفقيه لا اكثر، فيستبعد ارادة الوالي و السلطان من لفظ الحاكم لعدم ترتب أي أثر عملي على ذلك، كما لا يخفى.
مضافا الى ظهور ترتب الحكم المذكور على كل من يجمع الشرائط المذكورة و هو لا يتناسب مع ارادة السلطان، اذ مقتضى السلطنة و الولاية التفرد بها و وحدانية القائم بشئونها لا تعدده.
و عليه، فيتعين كون المراد المعنى الثاني و هو القاضي. و معه لا تكون الرواية دالة على المدعىٰ.
فان ما ذكر من ظهور جعل القاضي ترتيب احكام القاضي الثابتة له عرفا، انما يمكن أن يدعىٰ لو كان الامام عليه السلام قد عين شخصاً معيناً للقضاء و أرسله الى بلد خاص و لم يبين وظيفته، فانه يمكن أن يقال بان وظيفته ما هو وظيفة القاضي عرفا.
و أما فيما نحن فيه، فلا يتم ما ذكر، اذ الظاهر من مورد الرواية و انه للمتخاصمين المختلفين في اختيار الحاكم و جعل الامام عليه السلام الحاكم هو الفقيه، كون الفقيه حاكما و نافذ القول في مقام فصل الخصومات دون غيرها من الآثار، اذ لم تكن جهة القضاء و آثارها ملحوظة بنحو الكلية و الموضوعية. و انما الملحوظ جعل الفقيه هو الخاصم للنزاع.
..........
الشرح
و بعبارة اخرى: جعل الفقيه حاكما بلحاظ قضية شخصية، و ليس هو حكم ابتدائي لشخص معين او لكل فقيه كي يدعى ما ذكر من ظهور ترتب جميع آثار القاضي عرفا عليه و منها الولاية على الامور العامة.
و بالجملة، فالرواية غير دالة على المدعىٰ، مضافا الى ضعف سندها بعمر بن حنظلة و اعتماد المشهور عليها غير جابر، فتدبر.
و منها: «مجاري الامور بيد العلماء بالله الامناء على دينه».(1)
وجهة الاستدلال به واضحة، فان ظاهرها كون الامور و تدبيرها بيد العلماء.
و لكن للمناقشة في دلالتها مجال واسع، فان الموضوع لم يجعل هو العلماء بالدين كي ينطبق على الفقهاء بل جعل العلماء باللّٰه المقصود بهم العارفون، و ذلك أجنبي عن العلم بالفقه، اذ العالم باللّٰه قد يكون مقلدا كما أن الفقيه قد لا يكون عالما باللّٰه، فلا يقال للفقيه بما هو كذلك عالم باللّٰه.
كما انه قد ورد تفسير الحديث بكون المراد من العلماء باللّٰه هم الائمة عليهم السلام،(2)فيكون اجنبياً بالمرة عن الفقهاء.
و قد قيل إن المراد من مجاري الامور مجاريها التكوينية و سيرها الطبيعي، و كون ذلك بيد العلماء باللّٰه و الائمة بلحاظ انهم مصدر الفيض و منشأ الرحمة الالهية، هذا مضافا الى ما قيل من عدم ظهور قوله: «مجاري الامور بيد العلماء» في جعل الولاية و نفوذ التصرف، فان ذلك ظاهر لو قيل: الامور بيد العلماء أو العلماء مجاري الامور، أما مجاري الامور بيد العلماء فظاهر في كون احكام
..........
الشرح
الامور التي تسير الامور على نحوها و مقتضاها بيد العلماء، فان مجرى الامر هو حكمه.
و ذلك لا يدل على الولاية، بل يدل على علمهم باحكام و هو اجنبي عن مقام الولاية، فتأمل.
هذا كله مع ضعف سند الرواية فانها منقولة عن تحف العقول.
و منها: التوقيع المروي عن إكمال الدين و احتجاج الطبرسي و غيبة الشيخ عن اسحاق بن يعقوب(1): «و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّٰه».
و هو من عمدة ما استدل به الشيخ قدس سره، و تقريب الاستدلال بها، كما ذكره الشيخ(2): ان قوله عليه السلام و أما الحوادث الواقعة عام يشمل جميع الامور التي تقع و تكون محلا للخلاف و النزاع و منها الامور التي ترتبط عرفا او شرعا او عقلا بالرئيس و الوالي. و استشهد على ذلك و أنه ليس المراد خصوص المسائل الشرعية بقرائن ثلاث:
الاولى: أنه لو كان المراد من الحوادث الحوادث المجهولة الحكم، كان المناسب التعبير بارجعوا في احكامها الى رواة حديثنا لا ارجعوا في الحادثة، فالتعبير الموجود يتناسب مع كون جهة الحيرة و الارجاع سير الحادثة نفسها، كالتصرف في مال اليتيم او مجهول المالك و نحوه.
الثانية: التعليل بأنهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّٰه، فانه إنما يناسب الامور التي يكون المرجع فيها هو الرأي و النظر، فكان هذا منصب ولاة للامام عليه السلام من
..........
الشرح
قبل نفسه لا أنه واجب من قبل اللّٰه تعالى على الفقيه بعد غيبة الامام و الا كان المناسب أن يقول أنهم حجج اللّٰه عليكم.
الثالثة: أن الرجوع في الاحكام و المسائل الشرعية للفقهاء أمر كان من البديهيات التي لا تحتاج الى السؤال و التي تخفىٰ على مثل اسحاق بن يعقوب حتى يسأل عنها الامام عليه السلام لجلالة قدره. بخلاف الرجوع الى الفقيه في الامور العامة و ما به يتم النظام، اذ يحتمل ان يكون الامام عليه السلام قد جعل ذلك في زمان غيبته الى شخص معين ثقة او اشخاص موثقين.
و قد نوقش في دلالة هذه الرواية على ولاية الفقيه بأن قوله عليه السلام: «و أما الحوادث الواقعة»، و ان كان جمعا محلى بالالف و اللام لكن دلالته على العموم انما هي بالاطلاق و عدم القرينة، و سياق الحديث ظاهر في انه جواب عن سؤال موضوعه الحوادث و لم يعلم ان المسئول عنه حوادث خاصة معينة شخصية خارجية أو انه مطلق الحوادث التي قد تقع، و هو انما يفيد لو كان السؤال عن الثاني و لكنه لا يعلم، فلا يدل الامر بالارجاع الى الفقيه في الحوادث على الرجوع اليه في مطلق الحوادث، اذ من المعلوم أن المراد بالحوادث في الشرط الحوادث الواقعة مورد السؤال و لم يعلم انها مطلق الحوادث. فلا اطلاق للكلام فتدبر.
و أما ما ذكره من القرائن على دلالة الحديث، فهو قابل للمناقشة..
أما ظهور التعبير ب: «فيها» في الارجاع في نفس الحوادث لا في احكامها، فهو غير مسلم لان الظاهر من الرجوع في القضية الى شخص هو الرجوع فيها لحل الاشكال فيها، فقد تكون جهة الاشكال هي الحكم و قد تكون غيره كالتصرف و نفوذه و نحوه. فقوله عليه السلام «ارجعوا فيها» لا يظهر في عدم الرجوع في الحكم و انما الرجوع في نفس الامر، اذ الرجوع في المسألة المشكوك حكمها
..........
الشرح
يقال عنه رجوع في المسألة، نعم لو عبر بارجاعها الى الرواة لا الرجوع فيها، لتم ما ذكر كما لا يخفى. فلاحظ.
و يؤيد ما ذكرنا استدلال الاعلام بالرواية على حجية قول الفقيه في مقام الفتوى، فانه لا يتلاءم مع ما ذكره الشيخ قدس سره من عدم كون المنظور جهة بيان الحكم أصلا.
و أما التعليل بأنهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّٰه، فظهوره فيما ذكر ممنوع، اذ يمكن ان يكون النظر الى مقام بيان الحكم الشرعي حيث انه موكول الى الامام عليه السلام و لذلك كان حجة اللّٰه علينا، و قد جعل الامام عليه السلام الواسطة لتبليغ الاحكام الفقهاء، فهم حججه على الناس و بالنسبة إلى اللّٰه عز و جل حيث انه يكون بذلك معذورا.
بل التعليل المذكور ظاهر في كون النظر الى مقام حجية رأيه في الحكم الشرعي، و ذلك لان معنى الحجية المنجزية و المعذرية، أو ما يلازمهما. و من المعلوم ان المنجزية و المعذرية انما تتصور في الحكم الشرعي، أما في صحة التصرفات و نفوذها فلا معنى لكون رأي الفقيه منجزا، اذ لا موضوع يقبل التنجيز و التعذير، لانهما بلحاظ العقاب و المؤاخذة و ذلك انما يثبت في مورد الحكم.
فلاحظ.
و أما ظهور صحة الرجوع الى الفقيه في المسائل الشرعية بحيث يكون من البديهيات، فهو لا يفيده شيئا فيما ادعاه، و ذلك لان ظهوره و بداهته انما كان بواسطة مثل هذه النصوص و الروايات بحيث لولاها لكان مما يقبل التشكيك و لم تعلم بداهته في تلك العصور و ان ثبتت الآن.
و جلالة قدره لا تمنع من سؤاله كيف و قد سأل من هو أجل قدراً منه عن وثاقة العمري و ابنه و جواز أخذ معالم الدين عنهما.
..........
الشرح
مضافا الى أن اسحاق ابن يعقوب مجهول الحال كما قيل.
و العجب من الشيخ رحمه الله انه يدعي بداهة جواز الرجوع الى الفقهاء في المسائل الشرعية مع انه يناقش في مبحث التقليد في أدلة جواز التقليد كلها بحيث تصل النوبة الى تحكيم دليل الانسداد و إعماله.
هذا كله مضافا الى ضعف الرواية سنداً.
ثمّ ان الشيخ رحمه الله(1)بعد أن استدل بهذا الحديث ذكر أنه قد يدعىٰ معارضة هذا الحديث و مثل هذا العموم بما جاء من العمومات الظاهرة في اذن الشارع في كل معروف مثل: «كل معروف صدقة»(2)و: «عون الضعيف من أفضل الصدقة»،(3)فانها ظاهرة في الاذن و الترغيب في عمل المعروف.
و النسبة بينهما العموم من وجه، لانهما يجتمعان في حفظ مال اليتيم فانه معروف و عون الضعيف، كما انه مما يحتاج الى الاذن بمقتضى الأدلة الاولية.
و يفترقان في مثل الحدود، فانها غير معروف و مثل اعطاء الفقير درهما فانها لا تتوقف على اذن الامام عليه السلام.
و مع كون النسبة بينهما هي العموم من وجه يحصل التعارض بينهما في مورد الاجتماع، إذ العمومات دالة على عدم جواز العمل بدون إذن الفقيه. و هذه الادلة تدل على جوازه لانه معروف، و مقتضى القواعد هو التساقط. فلا دليل حينئذ على لزوم الرجوع الى الفقيه فيها.
و لكن التحقيق أن العمومات الدالة على وجوب الرجوع الى الفقيه لو تمت
..........
الشرح
لكانت واردة على هذه الادلة، لأن أدلة الجواز قد أُخذ في موضوعها عنوان المعروف، فاذا دل الدليل على ان حفظ مال اليتيم لا يجوز الا باذن الفقيه كان حفظه بغير اذنه محرما و هو يقتضي ان لا يكون معروفا، اذ الحرام ليس بمعروف، فهذه العمومات تكون رافعة لموضوع هذه الادلة تعبدا و هو معنى الورود.
و هكذا بالنسبة الى دليل عون الضعيف، فانه مع دلالة الدليل على عدم جواز التصرف في مال اليتيم او المجنون الا باذن الفقيه و عدم نفوذ التصرفات لا يكون المتعامل بماله و الاتجار عوضاً له لعدم نفوذ المعاملات و التصرفات، و قد عبر الشيخ قدس سره عن ذلك بالحكومة و لكن الصحيح التعبير بالورود.
هذا، مع انه لو تمت المعارضة و التساقط فاللازم الرجوع الى الاصل، و قد عرفت انه في المعاملات يقتضي لزوم الرجوع الى الفقيه لأصالة عدم ترتب الاثر بدون اذنه.
و منها: - من النصوص التي استدل بها على المدعىٰ - قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «العلماء ورثة الانبياء».(1)
بتقريب أن الظاهر أن العلماء يرثون ما للانبياء من شئون و وظائف و منها الولاية و منصب الرئاسة العامة.
و لكن الظاهر أن الحديث وارد في بيان فضل العلماء و انهم وارثوا الانبياء في العلم، كما تقتضيه مناسبة الحكم و الموضوع، بل قد صرح في ذيل الحديث بهذه الجهة و انهم - أي الانبياء - لا يورثون درهما و لا دينارا و انما يورثون العلم و الحكمة.
1) وسائل الشيعة/باب 8: من ابواب صفات القاضي، ح 2.
..........
الشرح
و منها: «العلماء اُمناء الرسل».(1)
فانها ظاهرة في أمانتهم على الناس و شئونهم و هو معنى الولاية و الرئاسة.
و لكن الظاهر أن العلماء امناء الرسل على الاحكام، كما صرح بذلك في نفس الحديث اذ جاء امناء الرسل على وحيه.
و على كل، فيكفينا مجرد التشكيك في المراد بالامانة اذ لا ظهور لها في المدعىٰ، فتكون مجملة فلاٰ تفيد في مقام الاستدلال.
و منها: انه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «اللهم ارحم خلفائي (ثلاثا) قيل: و من خلفاؤك يا رسول الله قال: الذين يأتون بعدي و يروون حديثي و سنتي».(2)
فانه عبر عن الفقيه بخليفته، فهو ظاهر في أن للفقيه ما لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من المنصب.
و انت خبير بان المسوق له الكلام هو اظهار فضل العلماء بالترحم عليهم و أنهم بمنزلة تكون سببا لنظر النبي صلى الله عليه و آله و سلم اليهم و اهتمامه بهم، و ليس المسوق له الكلام جهة خلافتهم عنه صلى الله عليه و آله و سلم، كما لو قال العلماء خلفائي.
و عليه، فلا اطلاق للكلام في أمر الخلافة، فيمكن ان يكون التعبير عنهم بالخلفاء من جهة أنهم يقومون مقامه في بيان الحلال و الحرام، كما قد يظهر من الذيل، فلاحظه.
و المتحصل: انه ليس من هذه النصوص ما يفيد دلالة و سنداً في اثبات ولاية الفقيه و قد ذكرت نصوص اُخرى علم الاشكال في دلالتها مما تقدم، فلا
..........
الشرح
داعي الى ذكرها.
و قد يستدل على ولاية الفقيه بوجه عقلي: بيانه: أنه من المعلوم وجود أمور لا بد من ان تناط بشخص معين واحد يكون هو المدير لشئونها و النافذ القول فيها، للزوم اختلال النظام بدون ذلك، كأمر الحدود و التعزيرات و حفظ اموال اليتامى و المجانين و نحو ذلك. و حيث انه لم يعلم باناطتها لشخص خاص معين في الخارج و لم يثبت ذلك، فيتعين اناطتها بالفقيه و توقفها على إذنه، إذ المقام يكون من قبيل دوران الامر بين التعيين و التخيير. فانه إما ان تكون واقعا منوطة بخصوص الفقيه أو بكل أحد، اما اناطتها بغير الفقيه بخصوصه فهو معلوم العدم.
و عليه فبدون الرجوع الى الفقيه يشك في مشروعيتها و جوازها، فلا بد من الرجوع اليه.
و هذا الاستدلال ممنوع، اولاً: بانه أخص من المدعىٰ، اذ هناك من الامور التي لا يعلم بلزوم اناطتها لشخص واحد لعدم اختلال النظام بدون الاناطة، كالصلاة على الميت او التصدق بمجهول المالك و نحوهما، فلو تم الدليل المذكور فهو لا يشمل مثل هذه الصور لعدم تمامية ملاكه فيها.
و ثانيا: بانه لا يقتضي الرجوع الى الفقيه و لا يعنيه، لان الملاك في الرجوع الى شخص معين هو لزوم اختلال النظام بدونه. فالرجوع الى شخصٍ لحفظ النظام.
و ذلك يقتضي لزوم الرجوع الى شخص عارف في المصالح العقلائية و مطلع على جهات التصرفات و خصوصياتها و عادل في دينه لكي لا يخرج عن الحدود الشرعية سواء كان هذا فقيها مجتهداً او ليس بفقيه بل كان مقلداً.
و لا يلزم الرجوع الى الفقيه، لحصول حفظ النظام بغيره بل لو سلم تعيين الفقيه فلا بد من اشتماله على جهة المعرفة و حسن التدبير و التصرف، دون مطلق
..........
الشرح
الفقيه. اذ من الفقهاء من لا يعرف ادارة شئون نفسه فضلا عن شئون غيره، فان العلم بالفقه أجنبي عن الادراك العرفي و المعرفة الاجتماعية.
و بالجملة، فما دام لزوم الرجوع الى شخص بجهة حفظ النظام فالمدار على العارف و العالم في الامور العرفية لا الفقهية، اذ لا ملازمة بين الفقه و المعرفة الاجتماعية، فلا يحفظ النظام بولاية مطلق الفقيه.
و خلاصة ما ذكرنا: أنه لا دليل على ولاية الفقيه و اعتبار إذنه في الامور العامة - بل الثابت ليس الا نصب القضاء و فصل الخصومة و ان خالف فيه بعض الاكابر فاكتفى بجواز القضاء بالعلم بالحكم و ان كان عن تقليد، كما ثبت للفقيه جواز الافتاء و الرجوع اليه في الاحكام الشرعية -. فالمرجع فيها أي في الامور العامة هو الاصل العملي و قد عرفت تحقيق الحال فيه و أنه تارة يقتضي لزوم الرجوع الى الفقيه و اخرى لا يقتضي ذلك، فلا بأس بصرف العنان في الكلام الى الموارد الخاصة الجزئية التي قيل برجوع الامر فيها الى الفقيه و تحقيق الحال فيها.
و قد ذكرت موارد كثيرة منها ما يرتبط بالماليات، كالزكاة و الخمس و نحوهما، و منها ما لا يرتبط بالمال، كالصلاة على الميت و نحوها.
و ليكن البحث اولا في الماليات و نبتدي بمحل الكلام و هو سهم الامام عليه السلام و انه هل يجب الرجوع فيه الى الفقيه أو لا يجب؟ و الكلام فيه حسب ما يقتضيه الدليل او الاصل، و تحقيق الحال فيه يستدعي التكلم في جهتين:
الاولى: في تعيين الوظيفة فيه و مآله في زمان الغيبة.
الثانية: في اشتراط اذن المجتهد في جواز التصرف في المورد المشروع.
أما الجهة الاولى: و هي تعيين الوظيفة فيه، فقد ذهب بعض الى وجوب حفظ الخمس أجمع بقسميه، فلا يجوز صرفه بل يحفظه لديه، فاذا أشرف على
..........
الشرح
الموت يوصي به الى ثقة أمين و هكذا.
و استدل على ذلك بانه مال للغير فيجب حفظه حتى يوصل الى صاحبه و ينتهي اليه و لا يجوز التصرف به في شأن من الشئون، كما هو حال الامامة.
كما ذهب آخر الى لزوم دفنه أجمع ذاهبا الى ذلك بما ورد من أن الامام عليه السلام اذا ظهر دلّه اللّٰه على كنوز الأرض فيخرجها، بضميمة أن للامام عليه السلام ولاية التصرف بسهم غيره من الخمس - في كلا القولين - فافضل طريق الى ايصال هذا المال لصاحبه هو هذه الكيفية.
و هذان القولان و ان نسبا الى بعض الأكابر لكنهما في غاية الوهن و الفساد، فان ثبوت الحق الخاص للفقراء و المحتاجين بالآية الكريمة و النصوص، مع وجودهم و احتياجهم يمنع من الالتزام بلزوم الحفظ أو الدفن لان صاحب الحق موجود، فتأخير دفعه اليه و انتظار ظهور الامام عليه السلام أمر بعيد عن مذاق الشارع و حكمة جعل الخمس و لسان الادلة. و ولاية الخمس للامام عليه السلام ثابتة في فرض تصديه لذلك لا في فرض الغيبة. فتدبر.
و قد التزم البعض بوجوب حفظ سهم الامام عليه السلام خاصة و الايصاء به الى شخص ثقة أمين و هكذا حتى يظهر الامام عليه السلام كما هو الشأن في مال كل غائب فانه لا يجوز التصرف فيه بغير الحفظ، فانه القدر المتيقن جوازه من التصرفات.
للعلم برضاه بحفظ ماله و منع تلفه و صرفه بلا اشكال.
و لكنه مردود بان جواز الحفظ و الايداع انما يثبت في الفرض الذي لا يُطمأَن بتلف المال على مرور الايام، بل يطمئن بوصوله اليه مباشرة او بالواسطة سالما عن التلف.
و الامر في سهم الامام عليه السلام ليس كذلك، فانه لو لم يعلم و يجزم بتلف المال
..........
الشرح
و عدم وصوله الى الامام عليه السلام بمرور الايام، إما لعدم أمانة بعض الوسائط في الايداع و التأمين او لوقوعه في يد من لا يرى وجوب حفظ سهم الامام عليه السلام و جواز صرفه في بعض المصارف - لو لم يعلم بذلك - فلا أقل من حصول الاطمئنان بذلك، و معه لا يظهر لوجوب الحفظ وجه اذ لا يكون جواز التصرف بهذا النحو قدراً متيقنا.
و قد ذهب بعض الى وجوب دفنه حتى يظهر الامام عليه السلام فيستخرجه.
و يضعف هذا القول بما يأتي من قيام الدليل على جواز التصرف فيه.
و التزم آخرون بلزوم صرفه في الاصناف الثلاثة من الهاشميين خاصة و هم الفقراء و اليتامى و أبناء السبيل، مستدلين على ذلك بما جاء في النصوص(1)من أن الامام عليه السلام عليه أن يعطيهم من نصيبه اذا لم يفي نصيبهم بحاجتهم كما ان له الزائد عن مقدار الحاجة من نصيبهم.
و لكن الاستدلال بهذه النصوص موهون: اولا: بضعف سندها بالارسال.
و ثانيا: بضعف دلالتها على ما نحن فيه، فانها ظاهرة في ثبوت الحكم في فرض اجتماع الاخماس لدى الامام عليه السلام فيفضل نصيبهم تارة و لا يفضل بل ينقص اخرى. فلا شمول لها لصورة عدم اجتماع الاخماس، كما هو الحال في زمن الغيبة.
و قد استدل على جواز صرف سهم الامام في الاصناف الثلاثة المزبورة بل غيرهم اي غير الهاشميين من الفقراء و اليتامى و ابناء السبيل بالعلم برضا الامام عليه السلام بجواز الصرف.
و الكلام في جهات هذا الدليل و تحقيقه سيأتي بعد قليل.
1) وسائل الشيعة/باب 3: من أبواب قسمة الخمس، ح 2.
..........
الشرح
و هناك احتمال آخر في سهم الامام عليه السلام و هو كونه من المال المجهول المالك، فيكون مشمولا لما دل على جواز التصرف بمجهول المالك بعنوان التصدق به عن صاحبه.
و تقريب هذه الدعوى يبتني على الالتزام بان حكم مجهول المالك لا يختص بفرض جهل المالك و عدم العلم به بل يشمل فرض العلم به مع تعذر إيصال المال اليه، فالملاك هو تعذر ايصال المال الى صاحبه و ان كان المالك معلوم الاسم، و غاية ما يثبت به هذا التعميم هو صحيحة يونس بن عبد الرحمن و قد ذكرها الفقيه الهمداني في استدلاله على ذلك و سيأتي التعرض اليها.
و لا بد لنا في تحقيق الحال في هذا الاحتمال من النظر في مجهول المالك و تحديد موضوعه.
فنقول: الملكية من الاعتبارات العقلائية التي يعتبرها العقلاء و ظاهر بان اعتبارها انما يصح في مورد يكون له أثر شرعي أو عقلائي يترتب عليه بواسطة هذا الاعتبار. و بدون ترتب الاثر على الملكية يكون اعتبارها لغوا، فلا يتحقق من العقلاء. و من هنا قيل بجواز التصرف في الاراضي الواقعة في الشوارع المفتوحة من قبل الحكومة عنوة اذ بعد صيرورتها شارعا لا يبقى لاعتبار ملكية ملاكها أثر يترتب عليه، فتنتفي الملكية للغوية اعتبارها.
و عليه، فحكم مجهول المالك الذي لا يعلم مالكه و يحصل اليأس من معرفة مالكه يتضح مما ذكرنا، فانه بمقتضى القاعدة لا يكون مملوكا بل تزول ملكية مالكه عنه لعدم الاثر على اعتبارها، و بذلك يصير المال من المباحات و يشمله حكمها من أن السابق اليه يكون مالكا له شرعا بمقتضى ما ورد من انه من سبق الى ما لم يسبق اليه غيره فهو له.
لكن هذا انما يتم في صورة كون المال المجهول مالكه مما لا يد لأحد عليه
..........
الشرح
كالملقى على الأرض. أما ما كانت يد شخص عليه كالموجود في يد شخص جهل مالكه، فلا يتم ذلك، اذ اعتبار الملكية لهذا المال مما يترتب عليها اثر للمالك، اذ يمكن التصدق به عنه فيصل اليه ثواب التصدق و هو أثر يمكن اعتبار الملكية بلحاظه.
و من هنا يظهر أن الحكم بلزوم التصدق على طبق القاعدة، فانه هو الاثر المنحصر لاعتبار الملكية في المقام، فاذا فرض ثبوت العلم بعدم رضا صاحبه بالتصدق كان اعتبار الملكية حينئذ لغوا لعدم الاثر فيه فتزول ملكية صاحبه قهرا، فاعتبار الملكية يتوقف على العلم برضا صاحب المال بالتصدق بماله. و من هنا قلنا بان التصدق عن المالك على طبق القاعدة.
و مثل المال المجهول مالكه في الحكم المال المعلوم مالكه اذا لم يمكن ايصاله اليه و حصل اليأس من ذلك، فانه تزول الملكية عنه و يكون كالمباحات الاصلية، الا اذا كان بيد شخص و امكن التصدق به عن صاحبه على نحو ما عرفت.
و بهذا يظهر ان الروايات الواردة في اللقطة على طبق القاعدة.
و أما لزوم التعريف الى سنة مع امكان حصول اليأس قبل حلولها، فهو لا ينافي ما ذكرناه، لامكان ان يكون حكما تعبديا - كالحكم بضمانها كما مرّ - لاجل ردع المكلف عن تناول اللقطة من مكانها - لما في الحفظ سنة كاملة بلا انتفاع بها من العسر - كي يرجع صاحبها فيأخذها، لانها ان بقت في مكانها كان وصول المالك اليها أيسر بالتذكر و الفحص في مظان ضياعها، فتدبر.
و خلاصة ما ذكرناه: أن مجهول المالك هو المال غير المعلوم مالكه الذي حصل اليأس عن الوصول اليه.
..........
الشرح
و قد تعدى البعض و هو الفقيه الهمداني(1)في اسراء حكم مجهول المالك - و هو لزوم التصدق به - الى صورة احراز المالك و عدم التمكن من ايصال المال اليه، و بذلك اسروا حكم مجهول المالك الى سهم الامام عليه السلام باعتبار انه و ان علم مالكه و لكن لا يمكن الوصول اليه و ايصال المال.
و اساس هذه التسرية هو الالتزام بان الملاك - كما يظهر بالتتبع - ليس عدم العلم بشخص المالك بل عدم التمكن من ايصال المال اليه و ان كان معلوما، بل بعض النصوص وارد في خصوص هذا الموضوع - أعني مالكه و لم يمكن ايصاله اليه - ك:
صحيحة يونس بن عبد الرحمن(2)قال: «سئل ابو الحسن الرضا عليه السلام و أنا حاضر فقال: جعلت فداك تأذن لي في السؤال فان لي مسائل؟ قال: سل عما شئت. قال له: جعلت فداك رفيق كان لنا بمكة فرحل عنها الى منزله و رحلنا الى منازلنا فلما ان صرنا في الطريق اصبنا بعض متاعه معنا فأي شيء نصنع به؟ قال:
فقال تحملونه حتى تحيلوه الى الكوفة قال: لسنا نعرفه و لا نعرف بلده كيف نصنع؟ قال: اذا كان كذا فبعه و تصدق بثمنه، قال له: على من جعلت فداك؟ قال:
على اهل الولاية».
فان الظاهر منها انه كان يعلم صاحب المال و هو ذلك الشخص الخاص المعهود الذي كان معه و لكنه لم يكن يعرف بلده و لا شخصه ببعض عناوينه المعروفة فيما بين الناس على وجه يمكن الوصول اليه بالفحص و السؤال.
..........
الشرح
هكذا قرب ظهور الرواية في شمول الحكم بالتصدق للمال المعلوم صاحبه المتعذر ايصاله اليه، و لعله لظهور التعبير بالرفقة في صدر الحديث في حصول العلم به اذ مقتضى الرفاقة الاختلاط و التعارف، كما لا يخفى.
و اذا ثبت هذا الحكم بمقتضى الرواية، كان مقتضاه ثبوته بالنسبة الى كل مال لغائب لا يمكن ايصاله اليه و منه سهم الامام عليه السلام، فانه بحسب العبارة مما يتعذر ايصاله للامام عليه السلام.
و لكن الانصاف أنه لا يمكننا تسرية حكم مجهول المالك من لزوم التصدق الى سهم الامام عليه السلام، و ذلك لانه يبتني على تمامية أمرين:
الاول: ثبوت وجوب التصدق بالمال المعلوم صاحبه الذي لا يمكن ايصال المال اليه.
الثاني: كون سهم الامام عليه السلام من مصاديق مال الغائب الذي لا يمكن ايصال ماله اليه، حتى يثبت له حكمه و بدون ذلك لا يثبت الحكم.
و كلا الامرين محل خدشة..
أما الاول: فلان الظاهر من النصوص ترتب الحكم على المال المجهول مالكه و لم يثبت كون الملاك هو تعذر وصوله اليه من دون دخل لعدم معرفة صاحبه فيه، كي يسري الحكم الى كل مال يتعذر وصوله الى مالكه و ان علم المالك.
و أما صحيحة يونس، فلا ظهور لها في المدعىٰ، فان مجرد التوافق و التصاحب في السفر لا يستلزم معرفة كل فرد من افراد الرفقة للآخرين. فان المقصود بالتوافق يمكن ان يكون كونهم في قافلة واحدة و ليست العادة على معرفة كل فرد من القافلة افراد القافلة اذ قد تبلغ الافراد المئات او الآلاف كما كان عليه الحال في الزمان السالف، بل كما في بعض الاسفار في هذا الزمان كسفر مكة عن طريق البر، او السفر الى كربلاء على الاقدام في مثل زيارة الاربعين، فان
..........
الشرح
الناس يكونون زرافات. مع ان الكثير منهم قد لا يعرف الكثير بل يمكن استظهار كون صاحب المال غير معلوم من قوله للامام عليه السلام «لسنا نعرفه و لا نعرف بلده» فانه ظاهر في عدم معرفة صاحب المال و انه من هو.
و بالجملة، لو لم نقل بظهور الصحيحة في عدم معرفة صاحب المال فلا أقل من دعوى اجمالها و عدم ظهورها في معرفته. فلا دلالة لها على المدعىٰ.
و أما الثاني: فلان من عليه الخمس و ان لم يتمكن من ايصال المال الى الامام عليه السلام بحسب العادة الا أن الامام عليه السلام نفسه قادر على الوصول بنفسه الى ماله أو توجيه صرفه الى جهة معينة أو نصب وكيل معين لهذه الجهة، و عدم تحقق ذلك منه لعله يكون من جهة رضاه بصرفه في مصارفه الفعلية، فعلى تقدير انها تصرف في غير المصارف و الوجوه التي يصرف فيها فعلا و لم يكن يرضى بها كان بامكانه ان يطلب ماله او يأمر بصرفه في جهة خاصة.
فلو تم تنزلا ما ذكر من تسرية الحكم بوجوب التصدق الى كل مال يتعذر وصوله الى مالكه بمقتضى الرواية المزبورة او غيرها و عدم اختصاصه بمجهول المالك، لا يكون ذلك مستلزما لثبوت هذا الحكم في سهم الامام عليه السلام لانه يختلف موضوعا عن موضوع الحكم لفرض امكان وصول المال الى الامام عليه السلام من طريقه و بواسطته عليه السلام.
و الخلاصة: ان الحكم بوجوب التصدق بسهم الامام عليه السلام باعتبار ان فيه ملاك مجهول المالك غير وجيه و لا تساعد عليه الأدلة، فتدبر.
و قد أشرنا الى دعوى جواز صرف سهم الامام عليه السلام في الاصناف الثلاثة من الهاشميين بل فقراء الشيعة، لاجل العلم برضا الامام بذلك من جهة العلم باهتمامه عليه السلام باحوال شيعته و شفقته عليهم و كونه في مقام انعاشهم و لو بالتضييق
..........
الشرح
على نفسه خصوصا اذا كانوا من نسلهم عليهم السلام الذين هم بمنزلة عياله، فيعلم بملاحظة ذلك برضاه في صرفه في فقراء الشيعة و بالاخص الهاشميين منهم و اعانتهم على ضرورياتهم به لما في دفنه من التعطيل أو التلف.
و قد قرب الشيخ قدس سره(1)هذه الدعوى و أيدها بوجوه، فقال بعد ان صرح بالدعوى و ان الشك فيها ناشئ عن عدم التأمل في احوال الطرفين أو النسبة بينهما:
«مضافا الى أنه احسان محض ما على فاعله من سبيل و ان نعلم برضاه بالخصوص.
مضافا الى ان الظاهر ان المناط فيما ورد من الامر بالتصدق بمجهول المالك هو بتعذر الايصال الى مالكه لاجل الجهل فالجهل لا مدخل له في أصل الحكم و انما هو سبب المتعذر فاذا حصل التعذر من وجه آخر مع العلم بالشخص و تعينه جاء الحكم أيضا.
مضافا الى عموم ما دل على انه من لم يقدر على ان يصلنا فليصل فقراء شيعتنا.(2)
و خصوص ما مرّ من رواية ابن طاوس(3)في وصية النبي صلى الله عليه و آله و سلم يريد بها رواية عيسى بن المستفاد المتقدمة في اخبار التحليل، فقد جاء فيها: «و اخراج الخمس من كل ما يملكه احد من الناس حتى يرفعه الى ولي المؤمنين و اميرهم و من بعده من الائمة من ولده فمن عجز و لم يقدر الا على اليسير من المال فليدفع ذلك الى الضعفاء من اهل بيتي من ولد الائمة فمن لم يقدر على ذلك فلشيعتهم».
..........
الشرح
مضافا الى ما يشعر به ما دل على وجوب صرف نذر هدي البيت في زواره معللا بان الكعبة في غنى عن ذلك.(1)
و ما جاء في صرفه الوصية التي نسي مصرفها في وجوه البر(2). و كذا الوقف الذي انقرض اربابه.
مضافا الى ما مر من رواية الطبري(3)عن الرضا عليه السلام من ان الخمس عوننا على ديننا و على عيالاتنا و على موالينا و ما نبذله و نشتري به من اعراضنا ممن نخاف سطوته، فصرف حقه عليه السلام في أيام غيبته عليه السلام في حوائج ذريته و شيعته لا يخلو عن احد المصارف المذكورة في الرواية.
مضافا الى ما يشعر به من مرسلة حماد الطويلة المتقدمة(4)و مرفوعة احمد بن محمد(5)من أن عليه اتمام ما نقص و له ما زاد من مقدار استغناء الاصناف بقدر الكفاف، فيجوز حينئذ صرف حصته من الخمس او مال آخر مما يقع بأيدينا من أمواله عليه السلام في الذرية الطاهرة المحتاجين لان سد خلتهم كان احد المصارف لأمواله بل كان من أهمها». انتهى كلامه قدس سره.
و هذه الوجوه و ان كانت قابلة للمناقشة، الا انها صالحة لدعم الدعوى المزبورة بمقدار كونها تأييداً لا دليلا، بلحاظ ما يستشم منها من موافقة الدعوى.
..........
الشرح
و قد استشكل المحقق الهمداني(1)رحمه الله في هذا الوجه -(2)بعد تسليمه و تقريبه - بأن بينه و بين المدعىٰ عموماً من وجه، ببيان: أنه هل يمكن دعوى القطع برضا الامام عليه السلام بصرف ماله الى بعض ارحامه الذي ليس له شدة احتياج، بل قد يتكلف في ادراج نفسه في زمرة المحتاجين بصلح امواله الى زوجته و اولاده و نحو ذلك خصوصا لو لم يكن من اهل الصلاح و التقوى، مع وجود أرامل و ايتام و ضعفاء في شيعته و مواليه في غاية الفقر و الفاقة و كمال الديانة و التقوى، أو حصول بعض المصارف الذي يحصل به تشييد الدين و ترويج شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه و آله و سلم؟
و الحاصل أن ما يمكن دعوى القطع به انما هو رضاه بصرفه فيما هو الاهم فالاهم و لو بنظر المتصرف لا في خصوص بني هاشم و لا فيهم مطلقا، فيشكل حينئذ صرفه الى هاشمي فقير مع وجود من هو أحوج و أولى منه في الهاشميين او في غيرهم او مع وجود مصرف اهم مما يتعلق بحفظ الشرع و قوامه، كما لا يخفى. انتهى ما أفاده قدس سره.
و مرجع كلامه الى ان العلم بالرضا دليل لبّي لا إطلاق له كي يؤخذ به و انما يحصل بملاحظة بعض الجهات و المناسبات بين الامام عليه السلام و شيعته قد لا تكون هذه الجهات في بعض الاحيان موجبة للعلم لوجود جهة أخرى أهم منها بحيث نعلم ان الامام عليه السلام اكثر اهتماما بها، فكيف نقطع برضاه بصرفه في المورد المهم دون الاهم؟ انتهى مضمون كلامه.
..........
الشرح
و التحقيق: انه إن التزمنا بما تقدم منا من ظهور الآية في كون الخمس كله للاصناف الثلاثة من الهاشميين و عدم ثبوت حصة خاصة للامام عليه السلام، كان المتيقن صرفه فيهم و لا كلام بعد ذلك في شيء، إذ يخرج الكلام في موضوعه عن سهم الامام عليه السلام و مصرفه.
و أما إن وافقنا المشهور في تقسيم الخمس الى قسمين قسم للامام عليه السلام و قسم للمحتاجين من الهاشميين، فمع وجود رواية عيسى بن المستفاد لا يمكن حصول العلم بجواز صرفه في غير الهاشميين من الفقراء، و ذلك لانها و ان كانت ضعيفة السند بالارسال و غير معتمد عليها في مقام العمل، الا ان احتمال صدورها موجود - لظهور عدم القطع بعدم صدورها - و مع احتمال صدورها و تكفلها لتقديم فقراء السادة على غيرهم، لا يمكن العلم بجواز صرف سهمه عليه السلام في غيرهم. اذ احتمال صدورها مساوق لاحتمال عدم رضاه عليه السلام في صرف سهمه على غير السادة، فكيف يحصل العلم بجواز صرفه عليهم حتى فيما لو كانوا أهم ملاكاً؟
و مع التنزل بامكان دعوى احتمال صدور ما يتكفل تقديم الاهم من الفقراء و لو كانوا غير سادة أو من المصارف على المهم منهم و ان لم يصل الينا و لو مرسلا، فلا يحصل العلم أيضا بجواز صرف سهمه عليه السلام على فقراء السادة مع وجود الاهم منهم مصرفا.
مع وجود مثل هذا الاحتمال يعلم اجمالا برضاه عليه السلام في صرفه في أحد الموردين المتزاحمين من دون تعين لاحدهما على الآخر، فيتعارض الاحتمالان، فيرجع الى القواعد الاولية - المتكفلة لحكم مثل المورد -. و لعل الوجه التنصيف بمقتضى قاعدة العدل و الانصاف، و لا يقدم احدهما على الآخر لعدم العلم بجواز صرفه عليه بخصوصه، هذا غاية ما يقال في هذا الوجه.
و الخلاصة ان هذا الوجه تام و ثابت في الجملة و مما له اساس و ليس وجها
..........
الشرح
جزافا. و انما الاشكال و الاختلاف في تشخيص موارده و تمييزها.
و لكن يمكن الاستغناء عنه بما جاء في صحيحة علي بن مهزيار(1)المتقدمة في اخبار التحليل من قوله عليه السلام: «من أعوزه شيء من حقي فهو في حل»، فانه و ان ذكرنا سابقا ظهورها في تحليل الخمس لمن اوجب دفعه احتياجه فلا ربط لها بما نحن فيه.
الا أنه بعد مراجعة اللغة ظهر أن الاعواز بمعنى الاحتياج، فظاهر قوله من أعوزه شيء من أحتاج إلى شيء، كما هو الظاهر من استعمال هذه المادة و الهيئة، فانه يقال عن الشخص في مقام بيان احتياجه الى شيء ما: «فلان يعوزه كذا».
و عليه، فيكون مفاد الرواية: «من احتاج الى شيء من حقي فهو في حل» فتكون ظاهرة في تحليل سهمه عليه السلام لمطلق المحتاج و الفقير و لا اختصاص لها بالهاشمي. كما انها باطلاقها تنفي مراعاة الاهمية و كون الموضوع مطلق الفقير المحتاج عرفا. فتدبر.
و بذلك يمكننا الالتزام بانه يجوز دفع سهم الامام عليه السلام لكل فقير محتاج.
ثمّ إنه بعد تمامية ما ادعى من العلم بالرضا و استناد الاخذ الى هذه الجهة لا بد لنا من التكلم في جهتين:
الجهة الاولى: في تعين سهم الامام عليه السلام بتعيين من عليه الحق، فإنه قد يستشكل في هذا الامر لا من جهة ان تطبيق ذلك ليس بيد المالك، كي يدفع - كما في المستند(2)- بأن المستفاد من الادلة كون التطبيق بيد المالك لا بيد المستحق.
بل..
..........
الشرح
من جهة ان تطبيق الحق على المال و ان كان بيد المالك و من عليه الحق الا أن تعيينه في خصوص هذا المال مع ثبوته في المال أجمع بنحو الشركة او الكلي في المعين أو نحوه انما يكون بتسلم المستحق و قبضه، كما لو باعه صاعا من صبرة فان للمشتري صاعا بنحو الكلي في المعين، فتعيين حقه من بين مجموع المال لا يكون بمجرد تطبيق البائع له على صاع معين مفروز، بل بقبض المشتري ما طبق عليه الحق و لذا لو تلف قبل القبض و بعد العزل و التطبيق يكون من البائع لا من المشتري.
و صاحب المال فيما نحن فيه هو الامام عليه السلام فكيف يتعين سهمه من بين الاموال الموجودة بمال معين بلا قبضه بحيث يكون صرفه موجبا لفراغ الذمة و تحقق الامتثال؟!
الجهة الثانية: أنه من المقرر أن التصرفات الاعتبارية في مال الغير من بيع و شراء وهبة و نحوها لا يكفي فيها العلم برضا المالك بالتصرف، بل تتوقف صحتها على اذنه بالخصوص.
و على هذا، فيشكل تصحيح التصرفات الاعتبارية في سهم الامام عليه السلام بمجرد العلم بالرضا و عدم الاذن الصريح، بل لا بد من الاقتصار على خصوص التصرفات الخارجية، كالاكل و الشرب و اللبس و السكنى في موضوعاتها القابلة لذلك فانها يكتفى فيها بمجرد العلم بالرضا.
و ينحل الاشكال في كلا الجهتين بالعلم باذن الامام عليه السلام في تطبيقه و تعيينه في المال المعين، و في جواز التصرفات الاعتبارية بالملاك الذي قرر في بيان العلم بالرضا، فانه..
اذا علم من الامام عليه السلام بانه لا يرضى بتعطيل حقه و يرضى بصرفه على الفقراء و المحتاجين مع علمه عليه السلام ان ذلك يتوقف على التعيين و الافراز كما يتوقف
..........
الشرح
في بعض الأحيان على التصرفات الاعتبارية، كما هو الحال في مثل النقود مما لا اثر لها خارجيا بل أثرها وقوعها عرضا في المعاملات.
يعلم جزما بانه عليه السلام اذن للمالك تعيين حقه في المال الخاص و أوكله في هذه الجهة، كما أذن لمن يأخذ ماله في التصرفات الاعتبارية و ان لم يصل الينا الإذن بذلك، فالعلم بالرضا ملازم لإذنه في التصرفات الاعتبارية و تعيين حقه.
و لكن لا يخفى أن ما ذكر انما يثبت صدور الاذن فيما لا يمكن التصرف فيه بغير التصرفات الاعتبارية، كالنقود، دون ما يمكن التصرف فيه بالتصرف الخارجي، كالاكل في المأكول و اللبس في الملبوس و نحوهما، فان العلم بالرضا بالتصرف فيها لا يلازم العلم بالاذن منه بالتصرف الاعتباري، الا أنه إذا ثبت إذنه عليه السلام بالتصرف الاعتباري في مورد يعلم بانه إذن بذلك في مطلق ماله بلا تخصيص له بمورد يمتنع فيه التصرف الخارجي عرفا، كما لا يخفى.
ثمّ إنه على تقدير العلم بثبوت الاذن منه عليه السلام في جواز التصرف، لا يمكن الجزم بدخول المال في ملك الفقير الا على بعض التقادير، بيان ذلك: أن اذنه عليه السلام في جواز التصرف الاعتباري بماله يحتمل امرين:
احدهما: أن يأذن للفقير في أن يبيع ماله او يشتري به على ان يكون مقابله له عليه السلام، فيكون الفقير بمنزلة الوكيل عن الامام عليه السلام في البيع و الشراء له. نعم للفقير ان يتصرف في العوض باعتبار علمه برضاه عليه السلام بذلك.
و على هذا، لا يدخل مال الامام عليه السلام في ملك الفقير و لاٰ بدله، بل يبقى ملكا للامام عليه السلام و الثابت للفقير انما هو جواز التصرف لا غير.
ثانيهما: أن يكون اذنه عليه السلام على أن يشتري الفقير بماله عليه السلام لنفسه لاٰ له عليه السلام بحيث يدخل البدل في ملك الفقير بعد المعاوضة.
و عليه، فهل يشترط في صحة مثل هذه المعاملة دخول المال في ملك
..........
الشرح
الفقير حتى يدخل بدله في ملكه او لا؟
و قد تعرض الشيخ قدس سره الى هذا الفرع في مكاسبه في باب البيع(1)، و موضوعه ما اذا قال شخص لآخر اشتر لك داراً بمالي.
فعلى تقدير عدم اشتراط دخول المال في ملك المأذون بل يبقى على ملك مالكه و ان دخل بدله في ملك المأذون، لا يملك الفقير سهم الامام عليه السلام، اذ لا دليل عليه.
نعم، على تقدير اشتراط ذلك كان إذنه عليه السلام في التصرف ملازما لملكية الفقير المتصرف لماله عليه السلام الا انه لا يستلزم ان يكون مالكا له من حين قبضه، بل يكون مالكا له آناً ما قبل المعاوضة، اذ دليل الاشتراط لا يستلزم الا الملكية قبل المعاوضة بحيث يكون المال الذي تقع عليه المعاملة ملكا لمن يدخل في ملكه، و يكفي في ذلك الالتزام بملكية المتصرف للمال قبل العقد آناً ما، و لا دليل على ثبوت ملكيته باكثر من هذه المدة.
و الالتزام بمثل هذه الملكية انما كان جمعا بين الاذن في التصرف بهذا النحو و دليل اشتراط ملكية المال لمن يشتري لنفسه. فلاحظ.
و بالجملة، الاذن في التصرف الاعتباري لا يستلزم تمليك المال المتصرف الا على التقدير الأخير و هو انما يقتضي الملكية آناً ما لاٰ من حين القبض.
هذا كله ثبوتا، أما اثباتاً فقد قوّى بعض الأكابر التقدير الاول و التزم ببقاء المال على ملك الامام عليه السلام و هكذا بدله، الا اذا كان التصرف في البدل موجبا لتلفه، كأكل الخبز، فلا تبقى الملكية لعدم موضوعها.
و هو متجه، اذ لا يستفاد من الدليل - أعني العلم بالرضا - أكثر من اباحة
1) الانصاري، الشيخ مرتضى: المكاسب، ص 89، الطبعة الأولى.
..........
الشرح
الامام عليه السلام الانتفاع بماله و التصرف فيه بما يعود بالنفع على الشيعة و هو لا يستلزم تمليك المال له أو تخويله بالشراء له - اي للمستحق -، اذ يمكن ان يشتري للامام عليه السلام و يتصرف في المبيع اذا كان محتاجا اليه مع بقائه على ملك الامام عليه السلام و هكذا.
و بالجملة، لا دليل على خروج ما يشتري بمال الامام عليه السلام عن ملكه، فلاحظ.
ثمّ إنه بعد هذا يقع الكلام في..
الجهة الثانية - من جهتي البحث - و هي اعتبار اذن الفقيه او المقلد في جواز التصرف في سهم الامام عليه السلام.
و لا بد من الكلام في ذلك بلحاظ دليل جواز التصرف فيه و مشروعيته.
و الذي يتحصل مما بيناه أن الدليل المذكور على جواز التصرف فيه وجوه خمسة:
الاول: ما ورد في النصوص(1)من أن على الامام عليه السلام تتميم عوز السادات من نصيبه و سهمه.
الثاني: انه من قبيل المال المجهول المالك الذي يجب التصدق به عن صاحبه.
الثالث: حديث ابن المستفاد(2)الذي تقدم ذكره في أخبار التحليل أشرنا اليه قريبا.
الرابع: العلم بالرضا.
..........
الشرح
الخامس: صحيحة علي بن مهزيار(1)التي جاء فيها: «من أعوزه شيء من حقي فهو في حل».
فلا بد من الكلام في اعتبار الاذن بلحاظ كل وجه من هذه الوجوه.
أما الوجه الاول: فتحقيق الكلام فيه: أنه تارة: يلتزم بان سهم الامام عليه السلام ملك شخصي للامام عليه السلام و حقه بلحاظ شخصه. و أخرى: يلتزم بانه ملك له بلحاظ جهة رئاسته العامة و امامته للمسلمين.
فعلى الاول، لا دليل على لزوم الرجوع الى الفقيه، لانه على تقدير تسليم دلالة الأدلة السالفة الذكر على ولاية الفقيه و نيابته، فهي لا تتكفل ولايته على سهم الامام عليه السلام بل انما تتكفل ولاية الفقيه و نيابته عنه عليه السلام في الامور العامة لا في اُمور الامام عليه السلام الشخصية و على أمواله الخاصة.
و قد يقرب ذلك: بأن للفقيه الولاية على مال الغائب لنيابته عن الامام عليه السلام في ذلك و حيث ان سهم الامام عليه السلام مال لغائب كان للفقيه الولاية عليه نيابة عن الامام عليه السلام.
و يندفع ذلك: بأن الثابت هو ولاية الفقيه على مال الغائب بنحو لا يشمل الامام عليه السلام و ذلك لان ثبوت الولاية على الغائب من باب ولايته على نفس الغائب، و لا ريب في أن الفقيه لا ولاية له على نفس الامام عليه السلام، لان الولاية تتكفل معنى السلطنة و النفوذ و لا سلطان للفقيه على الامام عليه السلام و لا نفوذ.
و على الثاني، فيمكن أن تقرب ولاية الفقيه على السهم المبارك بعد ثبوت اصل الولاية: بانه حيث علم جواز صرفه على المعوزين من السادة و مشروعية ذلك في نفسه، و ان الامام عليه السلام مكلف اولاً بذلك و حيث انه لا يتمكن من ذلك عادة
1) وسائل الشيعة/باب 4: الانفال و ما يختص بالامام ح 2
..........
الشرح
كما هو مقتضى غيبته و اختفائه، كان مقتضى أدلة الولاية ثبوت هذا التكليف للفقيه بعد ثبوت كونه مشروعا في نفسه.
فولايته على صرف سهم الامام عليه السلام باعتبار مصداقيته للامر المشروع في نفسه الذي يكون وظيفة الامام عليه السلام في حال الحضور و ليس من باب الولاية على مال الغائب.
لكن قد تقدم الاشكال في اصل ثبوت الولاية و النيابة للفقيه، كما تقدم الاشكال في النص المتكفل للحكم المزبور أعني تتميم عوز الفقراء من مال الامام عليه السلام و معه يشك في مشروعية صرف السهم على المعوزين من السادة.
فتدبر.
و أما الوجه الثاني: فان لم تثبت ولاية الفقيه و نيابته عن الامام عليه السلام كان سهم الامام عليه السلام من المال الذي لا يمكن وصوله الى صاحبه، فيكون بحكم مجهول المالك - كما ادعي - و مقتضى اطلاق دليل التصدق في مجهول المالك نفي اعتبار إذن الفقيه.
نعم، من يلتزم في مجهول المالك برجوعه الى الفقيه كان ذلك جاريا في سهم الامام عليه السلام و هكذا الحال لو تم دليل الولاية، لما عرفت أنه إنما يقتضي ولاية المجتهد على الامور العامة لا اموال الامام الشخصية.
نعم، لو التزم بعموم الولاية و النيابة بحيث تشمل النيابة عنه في اُموره الشخصية يخرج سهم الامام عليه السلام عن كونه مجهول المالك لإمكان ايصاله الى وكيل المالك و هو بمنزلة الايصال اليه مباشرة، فلا يشمله حكم مجهول المالك.
لكن قد عرفت الاشكال في ثبوت أصل النيابة فضلا عن ثبوتها بهذا النحو من السعة.
و أما الوجه الثالث، فالرواية تتكفل جواز دفع سهم الامام عليه السلام الى السادة
..........
الشرح
عند عدم التمكن من ايصاله الى الامام عليه السلام.
و عليه، فان لم تثبت ولاية الفقيه و نيابته عنه عليه السلام، فيصدق على المال انه لا يمكن ايصاله الى الامام عليه السلام، و مقتضى الرواية جواز صرفه على السادة.
و هكذا الحال في ما لو التزم بثبوت الولاية في الامور العامة و ما يرتبط بشأن الرئيس، لان مال الامام عليه السلام ملك شخصي له و لا يمكن ايصاله اليه فيصرف على السادة الفقراء بمقتضى الرواية.
أما لو التزم بنيابته عنه حتى في اُموره الشخصية، كان الفقيه وكيلا عنه.
و عليه، فيكون الايصال اليه ايصالاً الى الامام عليه السلام و معه يرتفع موضوع جواز دفعه الى السادة، لان موضوعه عدم القدرة على ايصاله الى الامام عليه السلام و المفروض انه قادر بمقتضى وكالة الفقيه و نيابته.
لكن قد عرفت الاشكال في ثبوت الولاية للفقيه بمعناها الخاص فضلا عن ثبوتها بالمعنى الواسع العام.
و أما الوجه الرابع، فان حصل للعامي علم برضا الامام عليه السلام في صرفه في بعض المواضع جاز أن يصرفه فيه بلا كلام.
و أما اذا لم يعلم برضاه عليه السلام، فقد قيل بلزوم مراجعة مقلّده، و هو غير سديد.
و ذلك لان العلم بالرضا و عدمه أمر موضوعي و شبهة مصداقية، و لا وجه للرجوع فيه الى المقلَّد، فان المقَلد انما يكون مرجعاً في الشبهات الحكمية دون الموضوعية، فان تشخيص الموضوع و تحديد دائرته لا يرتبط بالمجتهد و لا وجه فيه، بل يرجع اليه في أصل الاحكام. أما الموضوعات فيرجع تشخيصها للمكلف نفسه.
نعم، اذا كان الموضوع مما يحتاج تحديده الى نظر و اعمال فكر و ملاحظة اُمور فيستنبط منها حد الموضوع و ما هو مقدار مفهومه، كان رأي المجتهد فيه هو
..........
الشرح
المحكم و المتبع و ليس للمقلد عدم اتباعه مع التشكيك فيه.
كما هو الحال في تحديد مفهوم الصعيد المأخوذ في موضوع التيمم، فانه من الموضوعات المستنبطة و لذا يقع الكلام في بيان مفهومها و تحديده بين الفقهاء.
و السر في لزوم اتباع رأي المجتهد هو رجوع استنباطه حدّ الموضوع الى فتواه بثبوت حكم شرعي كلي موضوعه هذا المعنىٰ و بما أن رأيه حجة في الاحكام فلا بد من اتباعه في مثل الحال.
و ليس العلم بالرضا الذي اُخذ موضوعا لجواز التصرف مما يحتاج الى اعمال نظر و ملاحظة نصوص و رجوع الى اخبار مما يعسر على العامي، كي يتبع فيه نظر المجتهد له. و انما هو أمر يدركه كل أحد بعد اطلاعه على حال الائمة عليهم السلام بالنسبة الى شيعتهم.
مضافا الى أن الكلام ليس في تحديد الموضوع و بيان مفهومه اذ مفهوم الرضا معلوم لا كلام فيه، و انما التشكيك في صدقه على المورد و تحققه فيه، و لا دليل على اتباع رأي المجتهد في تشخيص المصاديق لو ثبت جواز اتباعه في تحديد المفاهيم. فمع الشك في خمرية شيء و قال المجتهد انه خمر لا دليل على لزوم التعبد به، فان اتباعه انما ثبت في الاحكام الكلية و ليس حكمه بخمرية الشيء راجعا الى بيان حكم كلي بل جزئي و لا دليل على اتباعه.
و بالجملة، إن حصل للمقلِّد العلم بالرضا بدون قول مجتهده و رأيه أو بقوله و مصرفه فهو، و الا فيشكل دفعه اليه لعدم احرازه صرفه فيما يرضاه الامام عليه السلام و معه لا يحرز اداء الحق فتبقى ذمته مشغولة بمقتضىٰ الاصل، بل يشكل للمجتهد أخذه ممن عليه الحق اذا علم انه انما يدفعه اليه باعتبار فتواه بلزوم الرجوع فيه اليه بحيث لو لا الفتوى لما اعطاه اليه و تولى هو صرفه بنفسه. و ذلك لعدم ثبوت
فلا بد من الإيصال إليه أو الدفع إلى المستحقين بإذنه، و الأحوط له الاقتصار على السادة (22) ما دام لم يكفهم النصف الآخر، و أما النصف الآخر الذي للأصناف الثلاثة فيجوز للمالك دفعه إليهم بنفسه، لكن الأحوط فيه أيضاً الدفع إلى المجتهد أو بإذنه (23)
الشرح
الولاية و النيابة للفقيه. و المفروض ان صاحب الحق لا يرضى بتصرفه فيه لو لا فتواه أو احتياطه.
و أما الوجه الخامس، فظاهر الرواية أن التحليل من المالك و قد اجاز لكل فقير التصرف في ماله و حينئذ لا مجال لتوهم اعتبار اذن الفقيه و الرجوع اليه و لو قلنا بولايته و نيابته عنه عليه السلام، لصدور الاجازة في التصرف من نفس المالك و من له الحق. فلاحظ جدير أو تدبر.
و الخلاصة: انه لم يظهر الوجه الوجيه في لزوم الرجوع في سهم الامام عليه السلام الى الفقيه او الاستئذان منه. فلاحظ جيداً و تدبر.
(22) يعني الاحوط للمجتهد و يقصد بذلك بيان رأيه في المسألة و الا فالمجتهد لا يقلد غيره كي يكون الغير في مقام بيان تكليفه.
(23) لم يظهر الوجه في هذا التوقف بعد وجود مالك الحق في الخارج، الا ما قيل من ان المتعارف في زمان الائمة عليهم السلام كان دفع الخمس كله لهم عليهم السلام أو لوكلائهم، و مع احتمال لزوم ذلك و احتمال نيابة الفقيه و وكالته عن الامام عليه السلام في جميع الامور و منها هذا الامر - مع احتمال جميع ذلك - لا يقطع بفراغ الذمة عند دفع سهم السادة اليهم بدون اذن المجتهد، مع ان اشتغال الذمة يقتضي فراغها اليقيني عقلا. فلا بد من مراجعة المجتهد و كون افراز الخمس باذنه او بيده حتى يحصل العلم بفراغ الذمة.
لانه أعرف بمواقعه (24) و المرجحات التي ينبغي ملاحظتها.
مسألة 8: لا إشكال في جواز نقل الخمس من بلده إلىٰ غيره إذا لم يوجد المستحق فيه (25) بل قد يجب كما إذا لم يمكن حفظه مع
الشرح
الا أن هذا القول و ان كان بصورة البرهان، لكنه فاسد، لان احتمال لزوم الرجوع الى المجتهد يندفع بأصالة البراءة.
و ذلك لان التكليف ثابت بدفع الخمس الى السادات. و لزوم استئذان المجتهد او دفعه اليه بنحو الواسطة تكليف آخر يندفع مع الشك باصالة البراءة، كما هو الحال في كل مورد يدور الامر فيه بين الاقل و الاكثر، كما لو شككنا بوجوب جلسة الاستراحة او السورة في الصلاة، فانه أيضا يقال انه بدون السورة أو الجلسة لا يحصل العلم بالفراغ اليقيني، مع ان منشأ الشك في الفراغ هو الشك في وجوب السورة فاذا ارتفع بأصالة البراءة يرتفع الشك بالفراغ قهرا.
و بالجملة، ما قيل في وجوب لزوم الرجوع الى المجتهد أقرب للمغالطة منه للواقع. فتدبر.
و قد يقال في لزوم مراجعة المجتهد في تعيين الحق و ان لم يلزم مراجعته في صرفه اذ لاٰ دليل على استقلال المالك فيه.
(24) هذا التعليل عليل كما لا يخفى. فانه لا ارتباط بين الفقاهة و بين تشخيص موارد الفقر فقد يكون البقال أعرف من الفقيه بالفقراء لاطّلاعه على احوال الناس و انعزال الفقيه عنهم، كما ان المهندس أعرف من الفقيه في شئون الهندسة. فتدبر.
(25) الكلام في هذه المسألة انما هو في فرض وجود المستحق في البلد، و الا فمع عدم وجوده لا يستشكل أحد في جواز النقل لانحصار ايصال الحق الى
ذلك أو لم يكن وجود المستحق فيه متوقعاً بعد ذلك، و لا ضمان حينئذ عليه لو تلف، و الأقوى جواز النقل مع وجود المستحق أيضاً لكن مع الضمان لو تلف، و لا فرق بين البلد القريب و البعيد و إن كان الأولى القريب إلا مع المرجح للبعيد.
مسألة 9: لو أذن الفقيه في النقل لم يكن عليه ضمان و لو مع وجود المستحق، و كذا لو وكله في قبضه عنه بالولاية العامة ثمّ أذن في نقله.
مسألة 10: مئونة النقل على الناقل في صورة الجواز، و من الخمس في صورة الوجوب.
الشرح
أهله بواسطة النقل.
و قد اختلف في جواز نقل الخمس الى غير البلد مع وجود المستحق في البلد، فقيل بالجواز و قيل بالمنع. و وجّه المنع بوجوه:
الاول: ما ورد من أن صدقة أهل البوادي لاهل البوادي و صدقة الحضر للحضر، بضميمة اشتراك الخمس مع الزكاة فيما لها من الاحكام، فيثبت هذا الحكم في الخمس أيضا.
و فيه: أولا: منع عدم جواز نقل الزكاة، فقد تقدم منا التشكيك في تمامية الرواية المزبورة.
و ثانيا: منع اشتراك الخمس مع الزكاة في الاحكام، لعدم اطلاق دليل البدلية، كما تقدم.
الثاني: أن المستحق في البلد المطالب بالخمس لا يرضى بنقله الى غير
مسألة 11: ليس من النقل لو كان له مال في بلد آخر فدفعه فيه للمستحق عوضاً عن الذي عليه في بلده، و كذا لو كان له دين في ذمّة شخص في بلد آخر فاحتسبه خمساً، و كذا لو نقل قدر الخمس من ماله إلى بلد آخر فدفعه عوضاً عنه.
مسألة 12: لو كان الذي فيه الخمس في غير بلده فالأولىٰ دفعه هناك، و يجوز نقله إلى بلده مع الضمان.
الشرح
البلد، فيكون نقلا للمال بغير اذن مالكه و هو غير جائز.
و فيه: أن الخمس ملكا لكلي الفقير دون خصوص الموجود بالبلد كي يكون عدم رضاه مانعا من جواز النقل.
الثالث: أن النقل تغرير بالمال، اذ قد يتلف في الطريق و هو مشكل.
و فيه: أنه اذا التزم بالضمان مع التلف فلا تغرير، كما لا يخفى لعدم فوات الحق.
الرابع: أن النقل ينافي فورية ايصال الخمس الى مستحقيه و هي واجبة، كما هو مقتضى ظاهر التكليف به.
و فيه: أن اللازم هو عدم التهاون و التسامح في اداء الخمس دون الاسراع فيه و لذا جاز تأخير الاداء انتظاراً للمستحق المعتاد تسلمه الحق. و ليس في نقل الخمس أي تهاون، بل مقتضاه هو الاهتمام باداء الخمس فلا اشكال فيه.
هذا، مضافا الى أن منافاة النقل للفورية بنحو الكلية ممنوعة، اذ قد يكون ايصال الخمس الى مستحقيه مع النقل أسرع من ايصاله بدونه، و ذلك كما لو احتاج معرفة المستحق في البلد الى كثرة فحص و دقة تمييز تستغرق مدة طويلة، و كان معرفة المستحق في البلد المنقول اليه سهلة و بسرعة، فان ايصال المال الى
مسألة 13: إن كان المجتهد الجامع للشرائط في غير بلده جاز نقل حصّة الإمام عليه السلام إليه، بل الأقوىٰ جواز ذلك و لو كان المجتهد الجامع للشرائط موجوداً في بلده أيضاً، بل الأولى النقل إذا كان مَن في بلد آخر أفضل أو كان هناك مرجح آخر.
مسألة 14: قد مرّ أنه يجوز للمالك أن يدفع الخمس من مال آخر له نقداً أو عَروضاً، و لكن يجب أن يكون بقيمته الواقعيّة، فلو حسب العروض بأزيد من قيمتها لم تبرأ ذمته و إن قبل المستحق و رضي به.
الشرح
المستحق - في الفرض - بالنقل اسرع من ايصاله بالابقاء، فلاحظ.
و بالجملة، فلم يقم دليل متجه على عدم جواز نقل الخمس من البلد و لذا التزم بالجواز مع الضمان لو تلف بلحاظ بعض النصوص الواردة في باب الزكاة.
فتأمل.
و تحقيق الكلام: أن هناك جهتين..
احداهما: جواز نقل الخمس الى غير البلد و عدمه، و قد ثبت عدم الدليل على المنع.
الثانية: الضمان بالتلف و عدمه.
و لا يخفى أن الكلام فيه إنما يتجه لو التزم في الخمس بانه ينعزل بالعزل و يتعين المعزول خمسا كالزكاة، فانه يقال حينئذ بانه إذا تلف هل يضمن لصاحب الحق مقداره او لا؟
و لكنه لا دليل على تعين المال خمسا بالعزل، فان التعيين انما يتحقق
مسألة 15: لا تبرأ ذمته من الخمس إلا بقبض المستحق أو الحاكم سواء كان في ذمته أو في العين الموجودة، و في تشخيصه بالعزل إشكال.
مسألة 16: إذا كان في ذمة المستحق دين جاز له احتسابه خمساً، و كذا في حصّة الإمام عليه السلام إذا أذن المجتهد.
مسألة 17: إذا أراد المالك أن يدفع العوض نقداً أو عَروضاً لا يعتبر فيه رضا المستحق أو المجتهد بالنسبة إلى حصة الإمام عليه السلام و إن كانت العين التي فيها الخمس موجودة، لكن الأولىٰ اعتبار رضاه خصوصاً في حصّة الإمام عليه السلام.
الشرح
بقبض المستحق، أما بعزل المال و فرض كون هذا المقدار خمسا فحصول التعيين به خلاف القاعدة، و قد قام الدليل عليه في الزكاة و لم يقم دليل عليه في الخمس، و معه لا يتعين الخمس بالعزل.
و عليه، فلا معنى للكلام في الضمان و عدمه، لان المال التالف لم يكن خمسا بل كان من مال الشخص فهو يتلف عليه و يبقى الخمس ثابتاً عليه.
و هكذا الكلام في جواز النقل و عدمه، اذ ليس المنقول خمساً كي يتكلم في جواز نقله و عدم جوازه - الا ان ينظر بذلك عدم الجواز الوضعي بمعنى عدم جواز اعطاءه لفقير غير البلد و عدم براءة الذمة بذلك كما هو مقتضى الوجه الاول من وجوه المنع المتقدمة و لكنك عرفت عدم تماميته فتدبر -. و لا يفترق الحال في هذا الامر بين وجود المستحق في البلد و عدم وجوده، لان المال التالف ليس من الخمس بل هو مال الشخص. نعم لو نقل جميع المال و كان الخمس فيه ثابتا
مسألة 18: لا يجوز للمستحق أن يأخذ من باب الخمس و يردّه على المالك، إلا في بعض الأحوال كما إذا كان عليه مبلغ كثير و لم يقدر على أدائه بأن صار معسراً و أراد تفريغ الذمة فحينئذٍ لا مانع منه إذا رضي المستحق بذلك.
مسألة 19: إذا انتقل إلى الشخص مال فيه الخمس ممن لا يعتقد وجوبه كالكافر و نحوه لم يجب عليه إخراجه فإنهم عليهم السلام أباحوا لشيعتهم ذلك، سواء كان من ربح تجارة أو غيرها، و سواء كان من المناكح و المساكن و المتاجر أو غيرها.
الشرح
بنحو الكلي في المعين أو الشركة في المالية و تلف الجميع بما فيه مقدار الخمس كان للكلام في الضمان و عدمه مجال.
و الحق أنه بعد ثبوت جواز النقل و عدم تعريضه المال بالنقل للتلف بل كان النقل بالنحو المتعارف لا وجه للضمان بحسب القاعدة، اذ يكون كالأمين على المال غير ضامن مع عدم التفريط.
نعم، لو التزم بعدم جواز النقل أو عرض المال في النقل للتلف كان ضامنا، لعدم كونه كالأمين على الاول لانه لا يجوز له التصرف بالنقل، فيكون كالغاصب، فتشمله اطلاقات أدلة الضمان. و لكونه مفرطا بالمال على الثاني، فتدبر و لاحظ.
و اللّٰه سبحانه ولي التوفيق.
هذا آخر ما جاء به سيدنا الاستاذ في مباحث الخمس و قد كان السبب في عدم الاتمام حلول شهر رمضان المبارك من السنة الرابعة و الثمانين بعد الالف و الثلاثمائة فبنى على الشروع بعده في كتاب الصوم. و قد شرع فيه عصر الاحد الموافق 12 شوال من سنة 1384 نسأله تعالى التوفيق انه حسبنا و نعم الوكيل.