ghaemiyeh.com
عوائد القواعد الفقهیّة
نویسنده:مظاهری، حسین
تعداد جلد:3
زبان:عربی
ناشر:مؤسسه فرهنگی مطالعاتی الزهراء (علیها السلام) - اصفهان - ایران
سال نشر:1397 هجری شمسی
محرر رقمی میثم حیدری
[24:] قاعدة القرعةُ لكلِّ أمرٍ مشكلٍ 13
[25:] قاعدة الميسور 45
[26:] قاعدة المؤمنونَ عند شروطِهم 59
[27:] قاعدة الوصيَّة حقٌّ علىٰ كلِّ مسلمٍ 83
[28:] قاعدة الوقوف علىٰ حسْبِ ما يُوقِفُها أهلُها 113
[29:] قاعدة اليد 153
[30:] قاعدة إنَّ الإجارةَ أحدُ معايش العبادِ 167
[31:] قاعدة إنحلال العُقود إلى عقودٍ أُخَر 189
[32:] قاعدة أخذ الأُجرة علىٰ الواجبات 199
[33:] قاعدة أصالة الصِّحَّة 217
[34:] قاعدة أصالة اللُّزوم في العُقُود 239
[35:] قاعدة بطلان كلِّ عقدٍ بتعذُّر الوفاءِ به 251
[36:] قاعدة تلف المبيع قبل القبض 257
[37:] قاعدة ثبوت الأحكام الوَضعيَّة علىٰ غير البالغِ المُكلَّف 273
[38:] قاعدة حجِّيَّة البيِّنة 283
[39:] قاعدة حجِّيَّة الظَّنِّ في الصَّلاة 289
[40:] قاعدة حرمة إبطال الواجبات 303
[41:] قاعدة حرمة الإهانة بالمقدَّسات 313
[42:] قاعدة حُرمة الرِّبا 325
[43:] قاعدة رجوع الإمام إلى المأموم في شكِّه وبالعكس 369
الفهرس التَّفصيلي 379
بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم
الحمد للَّه ربِّ العالَمين، وصلَّى اللَّه علىٰ سيِّدنا ومولانا محمَّدٍ المُصطفىٰ خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلىٰ أهل بيته الطَّاهرين إلى يوم الدِّين.
وبعد؛ فهذا هو كتاب عوائد القواعد الفقهيَّة، وقد قرَّرنا فيه ما يسَّر اللَّه - سبحانه وتعالىٰ! - لنا أن نستفيدَ من أبحاثٍ ألقاها شيخنا الأستاذ الفقيه آية اللَّه العُظمىٰ الشَّيخ حسين مظاهري الأصفهاني - أدام اللَّه عزَّه وجعله في حفظه ورَعْيه! - في حوزة أصفهان العِلميَّة - صينَتْ عن الحدثان! - حول القواعد الفقهيَّة؛ وللَّه - سبحانه وتعالىٰ! - الحمد والمنَّة حيث وفَّقنا لِما كنَّا نرومه.
وقد تكلَّمتُ - بشيءٍ من التَّفصيل - عن هذه المجموعة الَّتي تقعُ في ثلاث مجلَّداتٍ في مقدَّمةٍ قدَّمتُها علىٰ الكتاب، وسمَّيتُها ب: نثر الفوائد في التَّقديم علىٰ عوائد القواعد؛ فليُراجِع إليها من يريد التَّعريف بالكتاب.
وهذا هو المجلَّد الثَّاني منه؛ نُقدِّمه إلى القُرَّاء الكرام، عسىٰ أن يجعل اللَّه فيه نفعًا وبركةً - إنَّه وليُّ التَّوفيق! -.
كلُّ أمرٍ مشكلٍ ففيه القرعةُ(1).
لاإشكال في الجملة بين فقهاء الخاصَّة في حجِّيَّة القاعدة(2)، وإن قالَ بعضُهم بوجوب العمل بها في مواردها؛ كما عن ابن برَّاجٍ: «وكلُّ أمرٍ مشكلٍ فاستعمال القرعة
فيه هو الواجب»(1).
والمراد منها ثبوت حجِّيَّة القرعة بحسب أدلَّتها في كلِّ أمرٍ مشكلٍ حدَثَ ولا مفرَّ منها(2)وأدلَّة القاعدة هي الَّتي تُعيِّن مواردها أوَّلًا، وتُعيِّن سعتها ثانيًا.
و «المشكل» أمرٌ عرفيٌّ لاخفاء فيه، وإنْ قال المحقِّق المراغيُّ قدس سره: «وتحقيق الكلام في معنىٰ المشكل المراد هنا وضبط موارده وتنقيح كلمة الأصحاب بحيث ينطبق علىٰ ضابطةٍ ويقف علىٰ رابطةٍ، من المشكلات!»(3).
فلنقدِّم البحثَ عن تلك الأدلَّة، ثمَّ ننظر في مفادها ومدىٰ السَّعَة المستفادَة منها.
تدلُّ علىٰ ثبوت القاعدة وحجِّيَّتها الأدلَّة الأربعة(4)وهي في المقام:
فيدلُّ عليها منه:
قولُه - تعالى! -: «وَ مٰا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ»(5).
والاستدلال به يتمُّ بالنَّظر إلى أنَّه - سبحانه وتعالى! - نقل ما فعلوه أوَّلًا مخاطِبًا لنبيِّه
الكريم صلى الله عليه و آله، ثمَّ لم يردع عنه ثانيًا؛ ولم ينقل إلينا ردعٌ عنه من ناحيَة أهل العصمة الكُبرىٰ عليهم السلام أيضًا.
وانظر عن الآية الكريمة وما قيل فيها من وجهة نظر الفقه إلى ما قاله ابنُالعربي(1)، والجصَّاص(2)، والفاضل المقداد(3)، والعلَّامة الطَّبرسي(4).
وقوله - تعالى! -: «فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ»(5)، المُنبِىءُ عن سيرة نبي اللَّه يونس عليه السلام حيث شارك في إقراع أهل السَّفينة - وانظر عن الآية الكريمة إلى ما ذكره ابنُالعربي(6)، وشيخنا الطُّوسي(7)-، وسيرته عليه السلام حجَّةٌ بلاريبٍ؛ كما أنَّ عدم ردع اللَّه - تعالى! - إيَّاه حجَّةٌ أُخرىٰ في المقام(8).
فتدلُّ عليها جملةٌ من رواياتٍ أوردها المحدِّث المحقِّق الحرُّ قدس سره في الباب 13 من أبواب كيفيَّة الحكم من كتاب القضاء(9)، وادَّعىٰ المحقِّق المراغيُّ قدس سره أنَّها متواترة(10)
1) . راجع: أحكام القرآن، ج 1 ص 272.
2) . راجع: أحكام القرآن، ج 2 ص 292.
3) . راجع: كنز العرفان، ج 2 ص 20.
4) . راجع: مجمع البيان، ج 2 ص 747.
5) . كريمة 141 الصَّافَّات.
6) . راجع: أحكام القرآن، ج 4 ص 1622.
7) . راجع: التِّبيان، ج 8 ص 528.
8) . وانظر: العناوين الفقهيَّة، ج 1 ص 340.
9) . وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة، ج 1 ص 60.
10) . راجع: العناوين الفقهيَّة، ج 1 ص 341.
والعمدةُ منها هي:
أوَّلًا: مرسلة الصّدوق قدس سره، قال: «قال الصَّادق عليه السلام:... أيُّ قضيَّةٍ أعدلُ من القُرعة إذا فُوِّضَ الأمرُ إلى اللَّه؟، أ ليس اللَّهُ يقولُ: «فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ»»؛ علىٰ ما رواه الصَّدوق قدس سره(1)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(2).
والمرسلة لا إشكال فيها سندًا، لأنَّها من جازمات الصَّدوق.
هذا؛ مع أنَّ رواية 17 من نفس الباب(3)- وقد رواها البرقي أيضًا(4)- تشترك مع هذه في المضمون، بل الظَّاهر أنَّها هي نفسُها؛ وهي صحيحةٌ سندًا(5)ولو لم نقل بحجِّيَّة جازمات الصَّدوق قدس سره، فهي تؤيِّد ما نحن بصدده الآن.
ثانيًا: مصحَّحة حريز عن أبي جعفرٍ عليه السلام، «قال: أوَّل من سُوهِم عليه مريمُ بنتُ عِمرانَ، وهو قول اللَّه - عزَّ وجلَّ! -: «وَ مٰا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ». والسِّهام ستَّةٌ ثمَّ استهموا في يونسَ»(6).
الحديث صحيحٌ سندًا، لوجود حمَّاد بن عيسىٰ فيه(7)
1) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 92 الحديث 3390.
2) . راجع: وسائل الشَّيعة، ج 27 ص 261 الحديث 33722.
3) . راجع: وسائل الشَّيعة، ج 27 ص 261 الحديث 33726.
4) . راجع: المحاسن، ج 2 ص 603.
5) . مع وجود الاِرسال في السَّند.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 260 الحديث 33721؛ الفقيه، ج 3 ص 89 الحديث 3388.
7) . الَّذي هو من أصحاب الإجماع، راجع: رجال الكشَّيِّ، ص 375.
ودلالته علىٰ المطلوب وإن لم تكن بمثابة دلالة الأوَّل وضوحًا، لكن لاإشكال في دلالته علىٰ المراد أيضًا.
ثالثًا - وهو أظهر من الأوَّلَين وأدلُّ عليه منهما -، وهو ما رواه ثعلبة بن ميمون مرسلةً - الَّتي هي مصحَّحةٌ، لمكان ابن فضَّالٍ(1)في السَّند؛ ومن الغريب حُكْم المحقِّق المجلسيِّ قدس سره بكونه مرسلًا، من دون إشارةٍ إلى وقوع ابن فضَّالٍ فيه(2)، ومثله ما فعله شارح المفاتيح قدس سره(3)-، وهو يروي عن أبي عبداللَّه عليه السلام في جملة كلامٍ له: «وأيُّ قضيَّةٍ أعدلُ من قضيَّةٍ تُجالُ عليها السِّهامُ؟، يقول اللَّه - تعالى! -: «فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ». وقال: ما من أمرٍ يَختَلف فيه اثنانِ إلَّاوله أصلٌ في كتاب اللَّه، ولكن لاتبلغه عقولُ الرِّجال»؛ علىٰ مارواه البرقيُّ قدس سره(4)، والشَّيخ قدس سره(5)، والفيض قدس سره(6)، والحرُّ قدس سره(7).
وبالجملة يمكن أن يُدَّعىٰ بلوغ الرِّوايات في هذا المعنىٰ حدَّ التَّواتر المعنويِّ، وهي أيَّدتْ السِّيرة المستمرَّة عليها؛ إذ المستفادُ منها أنَّ أئمَّتنا المعصومين عليهم السلام كانوا
1) . لأنَّ الحسن بن عليِّ بن فضَّالٍ أيضًا يُعدُّ من أصحاب الإجماع؛ راجع: رجال الكشِّي، ص 556.
2) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 15 ص 370.
3) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 14 ص 516.
4) . راجع: المحاسن، ج 1 ص 268.
5) . راجع: التَّهذيب، ج 9 ص 357 الحديث 1275.
6) . راجع: الوافي، ج 25 ص 908 الحديث 25250.
7) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 26 ص 293 الحديث 33025.
يعملون بها، بل يأمرون بها أيضًا.
لايقال: «هذه الرِّوايات وردَتْ في موارد خاصَّةٍ، فلايمكن أن يُستفادَ منها العمومُ وجوازُ العمل بالإقتراع في غيرها من الموارد المشكلة»؛
إذ يُجاب عنه: نعم! للرِّوايات موارد خاصَّةٍ جزئيَّةٍ وردَتْ فيها، لكن للفقيه أن يستنبط منها عدمَ اختصاصها بها؛ ذلك نظرًا إلى كثرتها وورودها في موارد شتيتةٍ، بحيث لايمكن القول باختصاصها بهذه الموارد فقط؛ بل ليست هذه الموارد إلَّا مصاديق للقاعدة فقط، وللفقيه العدول عنها إلى غيرها ممَّا يُحتَاجُ فيه إلى الإقتراع.
أَضِف إلى ذلك أنَّ منها ما لم يرد في موردٍ خاصٍّ، بل هي بصدد بيان قاعدةٍ كلِّيَّةٍ لاتختصُّ بمقامٍ دون مقامٍ؛
منها: صحيحة منصور بن حازمٍ، قال: «سألَ بعضُ أصحابنا أباعبداللَّه عليه السلام عن مسألةٍ، فقال: هذه تُخرَجُ في القرعة؛ ثمَّ قال: فأيُّ قضيَّةٍ أعدل من القرعة إذا فوَّضُوا أمرَهم إلى اللَّه - عزَّ وجلَّ! -، أ ليس اللَّه يقول: «فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ»»؛ كما رواه البرقيُّ(1)، والشَّيخ الحرُّ(2)، وسيِّدُنا الأستاذ البروجرديُّ(3)وقال ابن طاوسٍ بشأن الحديث: «رويناه بعدَّة طُرُقٍ»(4).
ونظيرها ما رواه الشَّيخ الحرُّ قدس سره في الحديث 13(5)من نفس الباب.
ومنها: صحيحة محمَّد بن حكيمٍ قال: «سألت أبالحسن عليه السلام عن شيءٍ، فقال لي:
كلُّ مجهولٍ ففيه القرعةُ. قلتُ له: إنَّ القُرعةَ تُخطىءُ وتُصيبُ؟؛ قال: كلُّ ما حكَمَ اللَّهُ به فليس بمُخطِىءٍ»؛ علىٰ مارواه الصَّدوق قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والحرُّ قدس سره(3)، والفيض قدس سره(4).
والطَّريق إليه صحيحٌ في بعض وجوهه، وقويٌّ في بعضها الآخر، كما عن المجلسيِّ الأوَّل(5)وقول ثانيهما بكونه مجهولًا(6)، غريبٌ!. فالحديث عندنا صحيحٌ سندًا، لأنَّ الصَّدوق قدس سره رواه بسندٍ صحيحٍ(7)
وفي صحَّة السَّند نظرٌ واضحٌ.
. نعم! في طريق الشَّيخ إليه عليُّ بن عثمان، وهو مجهولٌ لايُحكَم بصحَّته؛ أمَّا محمَّد بن حكيمٍ فهو عندنا موثوقٌ به لاريب فيه، لأنَّه:أوَّلًا: وثَّقه الكشِّيُّ(8)وروىٰ بسندٍ صحيحٍ أنَّه أمره أبوالحسن موسىٰ بن
1) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 92 الحديث 3389.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 240 الحديث 593.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 259 الحديث 33720.
4) . راجع: الوافي، ج 16 ص 940 الحديث 16430.
5) . راجع: روضة المتَّقين، ج 6 ص 215.
6) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 10 ص 72.
7) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 92 الحديث 3389.
8) . لم أعثر علىٰ توثيق الكشِّيِّ إيَّاه، كما أنَّ العلَّامة عند ذكره اقتصر علىٰ أن قال: «رويٰالكشِّيُّ أنَّ أباالحسن عليه السلام كان يرضىٰ كلامه عند ذكر أصحاب الكلام»؛ راجع: خلاصة الأقوال، ص 151 الرَّقم 56؛ ولم يزد علىٰ هذا.
جعفرٍ عليه السلام أن يُجالِس أهلَ المدينة ويتكلَّم معهم ويُناظِرَهم(1)
وثانيًا: قد روىٰ عنه أجلَّاء الأصحاب، كصفوان(2)
وموارد عديدةٍ أخرىٰ.
، وابنِأبي عُميرٍ(3)وموارد عديدةٍ أخرىٰ.
، وعليِّ بن إبراهيم(4)وموارد عديدةٍ أخرىٰ.
.وبالجملة فالسَّند صحيحٌ بلا إرتيابٍ فيه.
أمَّا من حيث دلالتها علىٰ المطلوب، فهي أيضًا تامَّةٌ، لوضوح دلالته علىٰ العموم.
وما اختاره السَّيِّد الأستاذ قدس سره من «عدم عمومه، مستدِلَّا بأنَّه مسبوقٌ بسؤالٍ
1) . «حمدويه قال: حدَّثني محمَّد بن عيسىٰ قال حدَّثني يونس بن عبدالرَّحمن عن حمَّاد قال: كان أبوالحسن عليه السلام يأمر محمَّد بن حكيمٍ أن يُجالس أهل المدينة في مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وأن يُكلِّمهم ويخاصمهم...»؛ راجع: رجال الكشِّيِّ، ص 448 الخبر 843.
2) . فانظر على سبيل المثال: الاِستبصار، ج 3 ص 338 الحديث 1204؛ التَّهذيب، ج 7 ص 248 الحديث 1076؛ أيضًا: ج 7 ص 409 الحديث 1635؛ الكافي، ج 3 ص 522 الحديث 1؛
3) . فانظر على سبيل المثال: المحاسن، ج 1 ص 212 الحديث 89؛ الاِستبصار، ج 1 ص 268 الحديث 971؛ التَّهذيب، ج 2 ص 261 الحديث 1040؛ الكافي، ج 1 ص 56 الحديث 9؛ أيضًا: ج 6 ص 322 الحديث 3؛
4) . فانظر على سبيل المثال: معاني الأخبار، ص 12 الحديث 1؛ التَّهذيب، ج 7 ص 390 الحديث 1562؛ الكافي، ج 2 ص 284 الحديث 21؛
لم يَذكُره الرَّاوي في متن الحديث، ولعلَّ السُّؤال يُخصِّصُها»(1)
ليس بسديدٍ!، ضرورةَ:
أوَّلًا: أنَّ المورد لايُخصِّص المستفاد من المتن؛
وثانيًا: أنَّ صرف احتمال مسبوقيَّة قول الإمام عليه السلام بسؤالٍ، لايوجب رفع اليد عن عمومه وحجِّيَّته.
ونظير هذه الرِّوايات المُشار إليها ورد في مصادر العامَّة أيضًا؛ فاستعملوها في مواردَ(2).
والمشاهَد في هذه الرِّوايات - وفي غيرها أيضًا، الَّتي أضربنا عن ذكرها خوفًا عن الإطالة - أنَّ المعصوم عليه السلام حكَمَ بثبوت القُرعة في تلك الموارد، من غير أن ينكرَ عليه.
وهو من خصائص الشِّيعة الإماميَّة، حيث انعقد إجماعُهُم - أنار اللَّه برهانَهم! - علىٰ حجِّيَّة القرعة، سيَّما إذا انضُمَّ إليها حجِّيَّة الاِستخارة، أو جُعِلتْ هي من مصاديقها.
1) . قال: «إنَّ صدرَها غير مذكورٍ... بل لم يذكر المسؤول عنه في النَّقل، فلعلَّ السُّؤال كان علىٰ نحوٍ كان قرينةً علىٰ صرف الجواب إلى مجهولٍ خاصٍّ»؛ راجع: الرَّسائل - له -، ج 1 ص 350.
2) . فانظر على سبيل المثال: روضة الطَّالبين، ج 8 ص 344؛ المُدوَّنة الكبرىٰ، ج 3 ص 164؛ المبسوط - للسرخسيِّ -، ج 20 ص 139؛ الشَّرح الكبير على المغني، ج 7 ص 192.
وتفصيل ذلك: قال ابنُإدريسٍ قدس سره في باب سماع البيِّنات: «كلُّ أمرٍ مشكلٍ مجهولٍ يشتبه الحكمُ فيه فينبغي أن يُستَعمَل فيه القرعةُ، لما رُوِي عن الأئمَّة الأطهار عليه السلام، وتواترتْ به الآثارُ، وأجمعَتْ عليه الشِّيعة الإماميَّة»(1).
وقال الشَّيخُ قدس سره في الخلاف في تعارض البيِّنات بعد اختياره القرعةَ: «دليلُنا إجماع الفرقة علىٰ أنَّ القرعةَ تُستَعمَل في كلِّ أمرٍ مجهولٍ مشتبهٍ»(2).
وقال أوَّل الشَّهيدَين قدس سره في القواعد: «ثبتَ عندنا قولُهم: كلُّ مجهولٍ فيه القرعةُ»(3).
فبهذه الأقوال المنقولة هيهنا - وبنظائرها الكثيرة(4)- ثبتتْ حجِّيَّة القرعةِ بإجماع الفرقة. وادَّعىٰ المحقِّق المراغيُّ قدس سره ثبوتَ الإجماع المحصَّل فيها(5).
أمَّا العقل، فنستكشف حكمَه بثبوتها من خلال ثبوت سيرة العقلاء واستمرارها عليها، هذا من ناحيَةٍ؛
ومن ناحيَةٍ أُخرىٰ، فإنَّ الآية المشار إليها آنفًا، وكذلك قولُه - تعالى! -:
«فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ» (1)يدلَّان علىٰ إمضاء الشَّارع إيَّاها؛
أضِفْ إليهما هذه الطَّائفة الكبيرة من روايات الباب.
بل لنا أن نقول: لوصرَفنا النَّظَر عن مثبِتاتها في الشَّريعة الغرَّاء - وهي النُّصوص المقدَّسة القرآنيَّة والمعصوميَّة عليهم السلام - يكفي لحجِّيَّتها عدمُ الرَّدع عنها؛ وهو واضحٌ بالنَّظر إلى ثبوت سيرة العقلاء قَبل ظهور الإسلام علىٰ حجِّيَّة القُرعة.
وبما قلنا ظهر أنَّ العُمدة من أدلَّة القاعدة هي السِّيرة العُقلائيَّة؛ ومن الغريب غفلةُ الأصحاب عن هذا الدَّليل الرَّصين، فذهبوا إلى ما ذهبوا إليه واختاروا ما اختاروه!.
لاريب في اختصاص القرعة بالموضوعات، دون الأحكام، وقد فصَّل فيه الكلامَ المحقِّق القمِّيُّ قدس سره(2)، وذكره ثاني المحقِّقَين قدس سرهما(3)، وثاني المجلسيَّين قدس سرهما(4)، والفقيهُ الهمدانيُّ قدس سره(5)
وادَّعىٰ العلَّامة انعقاد الإجماع علىٰ جريانها في الأحكام، قال: «هي مشروعةٌ إجماعًا في حقِّ الأحكام الشَّرعيَّة والقضايا بين النَّاس»؛ راجع: مختلف الشِّيعة، ج 2 ص 356. پ
، وغيرهم؛ و قد ادَّعىٰ المحقِّق الفيروزآباديُّ قدس سره ثبوت الإجماع عليه(6)وادَّعىٰ العلَّامة انعقاد الإجماع علىٰ جريانها في الأحكام، قال: «هي مشروعةٌ إجماعًا في حقِّ الأحكام الشَّرعيَّة والقضايا بين النَّاس»؛ راجع: مختلف الشِّيعة، ج 2 ص 356. پ
،وعن العلَّامة قدس سره: «هي مشروعةٌ إجماعًا في حقِّ الأحكام الشَّرعيَّة والقضايا بين النَّاس»(1)فلاتجري فيها أصلًا؛ فلايمكن إثبات حكمٍ من الأحكام الخمسة أو نفيُها بها.
وهذا واضحٌ والتَّطويل فيه تطويلٌ بلاطائلٍ!؛ كيف ولايُفرَض عند العقلاء أن يُغنِي الشَّارعُ الفقيهَ في عمليَّة الاستنباط عن الأخذ بالأدلَّة والأصول مكتفِيًا فيه بالقرعة، فيفتي طبقًا لها؛ هذا ممَّا تضحَكُ من توهُّمه الثَّكلىٰ، فضلًا عمَّن هو من أهل الفضل!.
فهي موضوعةٌ لأن يُراجَع إليها في المتشابهات الموضوعيَّة، أو مشتبهاتها فقط.
القرعة تُعدُّ من الأصول العمليَّة؛ فهي أوَّلًا أصلٌ تجري عند الشَّكِّ وفي ظرفه، وثانيًا ليست إلَّاوظيفةً للشَّاكِّ؛ كما اشار إليه المحقِّق اللَّاريُّ قدس سره(2)، والشَّيخ الحائريُّ قدس سره(3)وغيرهما.
فإذن الأمارات - كلُّها - ترد عليها ورودَها علىٰ الشَّكِّ؛ إلَّاأنَّه في ظرف فقدانها تصلُ النَّوبة إلى القرعة، وهي ترفع الشَّكَّ، وليس لها بعد رفع الشَّكِّ شأنٌ آخر أصلًا؛
وكذلك الأصول، لأنَّها واردةٌ علىٰ القرعة، إذ الأصول - لفظيَّةً كانت أو عمليَّةً - شأنُها رفعُ الإشكال عمَّا أشكل حكمُه أو جُهِل؛ وعلىٰ الفقيه الإفتاء علىٰ طبق مؤدَّاها، وبعد رفعها إيَّاه لايبقىٰ موردٌ للقرعة حتَّى تجري فيه أو يُعمَل بها؛
وهذا واضحٌ حسب العقل والشَّرع لاسترة فيه.
فإذن القرعة أصلٌ عمليٌّ مؤخَّرٌ عن جميع الأصول والأمارات في مقام الجريان؛ هذا.
ومن الغريب أنَّ بعضَهم جعله في عداد الأمارات أوَّلًا، ثمَّ أشكل علىٰ نفسه ب «أنَّ بعض الأصول كالاِستصحاب واردٌ عليه»؛ ثمَّ أجاب عن إشكاله بأنَّ الاستصحاب لايجري في موردها، فلامورد لوروده عليها(1).
وهذا كلامٌ لاأفهم المراد منه!، إلَّاأن يكون المراد منه نفسَ ما ذكرناه؛ فتأمَّل!؛ إذ لوكانت القرعةُ أمارةً فهي مقدَّمةٌ علىٰ الاِستصحاب بلاريبٍ، فلاتصل النَّوبة إلى جريان الاِستصحاب في موردها؛
لكنَّ الكلام كلَّه في عدِّها في عداد الأمارات، إذ ليس لها عند العقلاء - وعند الشَّارع أيضًا - شأنُ الكاشفيَّة عن الواقع أو الاهتداء إليه، بل العقلاء جعلوا لها الحجِّيَّة تخلُّصًا عن موارد لاخلاص فيها بحسب الأدلَّة والأمارات؛
فلامورد لها إلَّاما لايجري فيه أصلٌ أو أمارةٌ.
1) . وانظر: العناوين، ج 1 ص 354.
القرعة(1)لايختصُّ جريانها بوقوعها بمحضرٍ من القاضي، كما عن بعض الأصحاب(2)، بل هي كما تقع بحضرته تقع بحضرة المُتخالِفَين في الموضوع أيضًا.
فليستْ هي من شؤون الحُكم والحكومة؛
بل لااِختصاص لها بباب الحقوق ومنازعاتها؛
وأعلىٰ من ذلك أنَّها لاتختصُّ بالمنازعات أصلًا، بل تجري في جميع مشاكل يحدثُ في الحياة الفرديِّ والجَماعيِّ.
هذا؛ لكن هيهنا عدَّة رواياتٍ تظهر منها خلاف ما اخترناه، فعلينا ذكرُ هذه الرِّوايات أوَّلًا، ثمَّ النَّظر فيها ليظهر جليًّا حقيقة المختار. فنقول:
منها: روىٰ يونس «في رجلٍ كان له عدَّة مماليكَ، فقال: أيُّكم علَّمَني آيةً من كتاب اللَّه فهو حرٌّ. فعلَّمه واحدٌ منهم، ثمَّ مات المولىٰ ولم يُدرَ أيُّهم الَّذي علَّمَه؟؛ أنَّه قال: يُستَخرَج بالقرعة؛ قال: ولايَستخرِجه إلَّاالإمام، لأنَّ له علىٰ القرعة كلامًا ودعاءً لايعلَمُه غيرُه»؛ كما رواه الكلينيُّ قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، والحرُّ قدس سره(5).
أمَّا السَّند فهو موثَّقٌ، وذلك لأنَّ يونس وإن كان مشتركًا بين عدَّةٍ - فمنهم يونس
بن عبدالرَّحمن، الَّذي قال الكشِّيُّ: «إنَّه ثقةٌ عالمٌ خيرٌ قمِّيٌّ»(1)
وقوله: «خيرٌ قميٌّ» ورد في ترجمة يونس في هذا الكتاب، لكنَّه واردٌ في عبدالعزيز بن المهتدي، لايونس؛ راجع: رجال الكشِّي، ص 483 الحديث 910.
ومنهم يونس بن ظبيان، الَّذي قال الكشِّيُّ أيضًا: «إنَّه من الكذَّابين المشهورين»(2)والقول نفسه ورد في رجال ابن داود، ص 507؛ الفوائد الرِّجاليَّة - للسَّيِّد بحرالعلوم -، ج 3 ص 274.
-، لكنَّه لابأس به، نظرًا إلى أنَّ أجلَّاء الطَّائفة - كابن أبي عُميرٍ(3)، وصفوان(4)، والبزنطيِّ(5)- أكثروا من النَّقل عنه. فلابدَّ من تأويل قول الكشِّيِّ علىٰ محملٍ صحيحٍ(6).فيونس هيهنا يُعتَمَد عليه وإن لم يكن مبيَّنٌ لنا من هو بالضَّبط؟.
1) . لم أهتد إلى المراد من العبارة، إذ توثيق يونس بن عبدالرَّحمن بل جلالة قدره يظهرممَّا ذكره الكشِّي، أمَّا التَّنصيص بتوثيقه فلم أجده في رجاله.
2) . حكىٰ الكشِّي في ترجمة أبي سُمَينة محمَّد بن عليٍّ الصَّيرفي عن بعض كتب فضل بن الشَّاذان: «الكذَّابون المشهورون... ويونس بن ظبيان و...»؛ راجع: رجال الكشِّي، ص 546 الخبر 1033.
3) . فانظر علىٰ سبيل المثال: الكافي، ج 6 ص 473 الحديث 2؛ ج 8 ص 373 الحديث 561؛ الاِستبصار، ج 2 ص 157 الحديث 513؛ التَّهذيب، ج 5 ص 32 الحديث 95.
4) . فانظر علىٰ سبيل المثال: المصدَرَين الأخيرين المذكورَين في التَّعليقة السَّالفة.
5) . رواية البزنطيِّ عن يونس قليلٌ جدًّا؛ فانظر علىٰ سبيل المثال: بحار الأنوار، ج 92 ص 87.
6) . كما عن المحدِّث النُّوريِّ: «لايخفىٰ أنَّ عدَّه البزنطيَّ من المشائخ والرِّواية عنه في محضره عليه السلام لايجتمع مع خبر اللَّعن المتقدِّم»؛ راجع: خاتمة مستدرك الوسائل، ج 9 ص 240.
وكيف كان فالسَّند لا إشكال فيه.
أمَّا من حيث الدِّلالة فللنَّظر في الحديث مجالٌ واسعٌ؛ لأنَّه:
أوَّلًا: أنَّه لم يُنسَب إلى معصومٍ، بل لعلَّه من كلام يونس نفسه؛
وثانيًا: تُعارِضُه الرِّوايات الكثيرةُ الدالَّة علىٰ جواز قيام غير الإمام عليه السلام بأمر القرعة؛
وثالثًا: إنَّ الدُّعاء قبل القرعة ليس إلَّامستحبًّا، وذلك بضرورة الفقه المستفادة من إجماع الفقهاء(1)
ورابعًا: قوله: «يُستَخرَج بالقرعة» يدلُّ بعمومه علىٰ عدم اختصاصها بالإمام وإباحتِها لغيره؛
وخامسًا: لوعوَّلنا علىٰ ظهور الحديث فيجبُ اِختصاص جميع المنازعات بالإمام أو الحاكم!، وهذا واضح البطلان؛
وسادسًا: لافرق بين الحاكم وعموم النَّاس في عدم معرفتهم بالدُّعاء المشار إليه، فهي إذن تختصُّ بالإمام عليه السلام فقط، لا بالحاكم.
ومنها: مصحَّحة معاوية بن عمَّارٍ عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إذا وطَأَ رجلان أو ثلاثةٌ جاريةً في طُهرٍ واحدٍ فولدَتْ فادَّعوه جميعًا أقرَعَ الوالي بينَهم، فمن قُرِعَ كان
1) . القول باستحباب الدُّعاء عند القرعة - لا وجوبه - يُوجَد عند كثيرٍ منهم، كثاني الشَّهيدين - راجع: الرَّوضة البهيَّة طبعة كلانتر، ج 8 ص 206؛ مسالك الأفهام، ج 13 ص 257 -؛ والمحقِّق الأردبيليِّ - مجمع الفائدة والبرهان، ج 11 ص 577 -؛ والشَّيخ حسين البحرانيِّ - راجع: الأنوار اللَّوامع في شرح مفاتيح الشَّرائع، ج 4 ص 516 -؛ وغيرهم.
الولَدُ ولدَه ويُرَدُّ قيمةَ الولد علىٰ صاحب الجارية»؛ كما عن الصَّدوق قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره في تهذيبه(2)، واستبصاره(3)، والشَّيخ الحرِّ قدس سره(4).
السَّند عندنا صحيحٌ لا إشكال فيه؛ حيث إنَّه وإن وقعَ فيه الحكَمُ بن مسكينٍ(5)
ونصَّ علىٰ ذلك المحقِّق الحكيم المير سيِّد احمد العلويُّ العامليُّ حيث قال: «الحكم بن مسكينٍ، وهو في الرِّجال مجهول الحال»؛ راجع: مناهج الأخيار، ج 1 ص 605.
إلَّا أنَّه لا بأس به(6)من جهتين:الجهة الأولىٰ: وقوعُه في أسانيد ابن أبي عُميرٍ(7)، والبزنطيِّ(8)، وعليِّ بن إبراهيم(9)
1) . الفقيه، ج 3 ص 92 الحديث 3392.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 8 ص 169 الحديث 590.
3) . راجع: الاِستبصار، ج 3 ص 368 الحديث 1318.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 261 الحديث 33723.
5) . حيث إنَّ الحكم بن مسكين الثَّقفي الأعمىٰ لم يرد فيه مدحٌ؛ فانظر: رجال النَّجاشي، ص 136 الرَّقم 350؛ رجال الشَّيخ، ص 197 الرَّقم 2483؛ رجال ابن داود، ص 130 الرَّقم 505؛ معجم رجال الحديث، ج 7 ص 188 الرَّقم 3887.
6) . وللشَّيخ طريقٌ إلى الرِّواية ليس فيه الحكم بن مسكين، راجع: الاستبصار، ج 3 ص 368 الحديث 1318؛ التَّهذيب، ج 8 ص 169 الحديث 590.
7) . فانظر علىٰ سبيل المثال: الكافي، ج 2 ص 191 الحديث 12؛ الاِستبصار، ج 1 ص 371 الحديث 1412؛ التَّهذيب، ج 2 ص 182 الحديث 727؛ ج 6 ص 365 الحديث 1048.
8) . فانظر علىٰ سبيل المثال: الكافي، ج 5 ص 492 الحديث 6؛ الوافي، ج 23 ص 1400 الحديث 23511.
9) . فانظر علىٰ سبيل المثال: الكافي، ج 5 ص 536 الحديث 3؛ ج 5 ص 19 الحديث 2؛ الاِستبصار، ج 3 ص 202 الحديث 731؛ التَّهذيب، ج 7 ص 335 الحديث 1374.
كثيرًا، فرواية هؤلاء الأجلَّاء عنه تدلُّ علىٰ توثيقه عندهم.
الجهة الثَّانيَة: توثيقُ جمعٍ من الأكابر إيَّاه، كالمحقِّقٖين الحلِّيِّ(1)، والبهبهانيِّ(2)، والفيض(3)، والنُّوريِّ(4)، والمامقانيِّ(5)وهؤلاء وإن كانوا من متأخِّري الأصحاب إلَّا أنَّ توثيقَهم بانضمام الجهة الأولىٰ يفيد القطع بالمطلوب. ولذلك حكم بصحَّتِها الموسويُّ العامليُّ قدس سره(6)، وثاني المجلسيَّين(7)، وحكم أوَّلُهما قدس سرهما بكونها قويًّا(8)، وذلك لاختلالف أسانيد الحديث عند المشايخ؛ ولذلك قال البحرانيُّ قدس سره: «... مارواه في التَّهذيب عن معاوية بن عمَّارٍ في الصَّحيح والصَّدوق عنه في الضَّعيف»(9).
إلَّا أنَّ المتن لايدلُّ علىٰ أزيدَ من وجوب الرُّجوع إلى الوالي في باب المنازعات الحقوقيَّة، ووجوب رفع المخاصمة عليه، والإقتراع من طرُق الرَّفع؛
فليست الرِّواية في مقام تخطئة المختار أصلًا.
1) . راجع:.
2) . قال عنه: «وهو كثير الرِّواية ومقبولها»؛ راجع: تعليقة الوحيد علىٰ منهج المقال المنقول في منتهىٰ المقال، ج 3 ص 107.
3) . راجع:.
4) . قال عنه: «أمَّا الحكم بن مسكينٍ فلم يوثَّقوه، ويمكن استفادة وثاقته من أمورٍ...»؛ راجع: خاتمة مستدرك الوسائل، ج 4 ص 174.
5) . راجع: تنقيح المقال، ج 1 ص 214.
6) . راجع: نهاية المرام، ج 1 ص 444.
7) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 13 ص 328.
8) . راجع: روضة المتَّقين، ج 6 ص 216.
9) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 25 ص 25.
ومنها: مرسلة حمَّاد عن أحدهما، قال عليه السلام: «القرعة لاتكون إلَّاللإمام»(1)علىٰ ما رواها الشَّيخُ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)، والحرُّ قدس سره(4).
أمَّا السَّند فلابأس به بعد كون المرسِل هو حمَّاد، الَّذي يُعدُّ من أصحاب الإجماع(5)، فهو معتبرٌ. خلافًا للمحقِّق المجلسيِّ قدس سره حيث اقتصر علىٰ أن قال:
«مرسلٌ»(6)ووفاقًا للمحقِّق القمِّيِّ قدس سره حيث صحَّحه(7)، وللمحقِّق الحائريِّ ابن الشَّيخ قدس سرهما حيث قال: «مرسَل حمَّاد المعتبر»(8).
أمَّا المتن فهو العمدة في الباب، لتعارضه الرِّوايات الكثيرة الواردة لبيان عدم اختصاص الإقتراع بالإمام عليه السلام، بل هو حجَّةٌ له عليه السلام ولغيره. ولايمكن تخصيص تلك العمومات الكثيرة بهذه الرِّواية:
للزوم التَّخصيص المستهجَن إذن أوَّلًا؛
ولمخالفتها الكتاب والسُّنَّة والإجماع ثانيًا؛
ولتخالفها مع السِّيرة العامَّة ثالثًا؛
1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 259 الحديث 33718؛ التَّهذيب، ج 6 ص 240 الحديث 592.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 240 الحديث 592.
3) . راجع: الوافي، ج 16 ص 941 الحديث 16432.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 259 الحديث 33718.
5) . راجع: رجال الكشِّي، ص 375 الخبر 705.
6) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 10 ص 71.
7) . راجع: رسائل الميرزا القمِّي، ج 2 ص 803.
8) . راجع: كتاب الخمس، ص 312.
فإذن لا سبيل إلَّاإلى رفض الرِّواية وعدمِ جعلها حجَّةً في المقام.
ثمَّ إنَّ هناك عدَّةَ رواياتٍ تدلُّ علىٰ أنَّ القرعة يُخرَج بها سهمُ المحِقِّ له، قد أشرنا إلى بعضها، ومنها:
وعنه عن عبدالرَّحمن بن أبي نجران عن عاصم بن حُمَيدٍ عن بعض أصحابنا عن أبي جعفرٍ عليه السلام قال: «بعث رسولُاللَّه صلى الله عليه و آله عليًّا عليه السلام إلى اليمن، فقال له حين قدم:
حدِّثْني بأعجب ما ورد عليك؟
فقال: يا رسول اللَّه! أتاني قومٌ قد تبايعوا جاريةً فوطأها جميعُهم في طُهرٍ واحدٍ، فولدَتْ غلامًا، فاحتجُّوا فيه كلُّهم يدَّعيه، فأسهمتُ بينَهم فجعلتُه للَّذي خرج سهمه وضمَّنتُه نصيبَهم.
فقال رسولُاللَّه صلى الله عليه و آله: ليس من قومٍ تنازعوا ثمَّ فوَّضوا أمرَهم إلى اللَّه إلَّاخرج سهمُ الُمحِقِّ»؛ كما عن الكلينيِّ قدس سره(1)، والصَّدوق قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره في تهذيبه(3)، واستبصاره(4)، والشَّيخ الحرِّ قدس سره(5).
والسَّند لابأس به وإنْ حسَّنَه ثاني الشَّهيدين قدس سرهما(6)، وثاني المجلسيَّين قدس سرهما(7)، ثمَّ
جعل سنده في التَّهذيب مرسلًا(1)وقد صحَّحه أوَّل المجلسيَّين قدس سرهما(2)، والمحقِّق البحرانيُّ قدس سره(3)أيضًا.
العيَّاشيُّ في تفسيره عن الُّثمالي عن أبي جعفرٍ عليه السلام في حديثِ يونسَ عليه السلام، قال:
«فساهم فوقَعَتْ السِّهام عليه، فجرت السُّنَّة، أنَّ السِّهام إذا كانت ثلاثَ مرَّاتٍ أنَّها لاتُخطىءُ، فألقىٰ نفسَه فالتقمَه الحوتُ»(4)، ورواه الشَّيخ الحرُّ(5)أيضًا.
هذا؛ وتلك الطَّائفة صريحةٌ في أنَّ القرعة تُعيِّن المحقَّ من المبطِل.
وترد عليها إشكالاتٌ:
الإشكال الأوَّل: إنَّه ليس في غالب هذه الموارد حقٌّ أو واقعٌ معلومٌ في علم اللَّه حتَّى تُعيِّنه القرعةُ.
الإشكال الثَّاني: علىٰ هذا التَّقرير لامناص من جعْل القرعةِ في عداد الأمارات؛ فهي أمارةٌ مُعيِّنة للواقع.
الإشكال الثَّالث: إنَّ القرعة كما تجري في ما إذا كان أحدُ المتخاصِمَين علىٰ الحقِّ، تجري في ما إذا كان المتخاصمان كِلاهما مبطِلَين في دعواهما غير مُحِقَّين فيها. وهذا الإشكال هو الَّذي أورده الطَّيَّار علىٰ الزُّرارة في الحديث الأوَّل المنقول من هذه الطَّائفة.
وقد أجاب عن الإشكال السَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيُّ قدس سره ب: «أنَّ المراد من هذه الطَّائفة أنَّ القرعة تُعيِّن المنكرَ وتميِّزه عن المدَّعي، فإذن عليه اليمين وعلىٰ من أنكره في دعواه إقامة الحجَّة والبيِّنة لاثبات إنكاره»(1).
ثمَّ إنَّه قدس سره استشهد بصحيحة الحلبيِّ الوارد فيها قوله عليه السلام: «فأيُّهم قُرِعَ فعليه اليمينُ وهو أولىٰ بالحقِّ»؛ وقد رواها باختلافٍ يسيرٍ الصَّدوق قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره في تهذيبه(3)، واستبصاره(4)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(5).
ونظير الصَّحيحة - كما صحَّحها ثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(6)، والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(7)، والمجلسيِّ الأوَّل قدس سرهما(8)، والمحقِّق السَّبزواريِّ قدس سره(9)وغيرهم - ما ورد في الرِّوايات السَّادس(10)والثَّامن(11)من نفس الباب.
لكن يرد علىٰ استشهاده: أنَّه مضافًا إلى أنَّ القرعة لاتختصُّ بباب القضاء - كما
1) . راجع: الرَّسائل - له -، ج 1 ص 352.
2) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 93 الحديث 3394.
3) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 235 الحديث 577.
4) . راجع: الاستبصار، ج 3 ص 40 الحديث 137.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 254 الحديث 33705.
6) . راجع: مسالك الأفهام، ج 14 ص 88.
7) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 12 ص 230.
8) . راجع: روضة المتَّقين، ج 6 ص 218.
9) . راجع: كفاية الفقه، ج 2 ص 727.
10) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 254 الحديث 33700.
11) . راجع: نفس المصدر والمجلَّد، ص 252 الحديث 33702.
مرَّ الكلام فيه -، أنَّ اِستظهاره هذا ينافي ما نصَّ عليه غيرُها من روايات نفس الباب؛
منها: صحيحة عبدالرَّحمن بن أبي عبداللَّه عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: «كان عليٌّ عليه السلام إذا أتاه رجلان بشهود عَدْلُهُم سواءٌ وعددُهُم أقرَعَ بينَهُم علىٰ أيِّهما تصيرُ اليمينُ وكان يقول: أللَّهمَّ ربِّ السَّمواتِ السَّبعِ أيُّهُم كان له الحقُّ فأدِّه إليه ثمَّ يجعل الحقَّ للَّذي يصير عليه اليمينُ إذا حلَف»؛ كما عن الكلينيِّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والشَّيخ الحرِّ قدس سره(3).
والحديث وإن ضعَّفه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره في مرآته(4)، وملاذه(5)، لكنَّه صحيحٌ عندنا كما عن المحقِّق النَّراقيِّ قدس سره(6)، والمراغيِّ قدس سره(7)، وعن الفقيه بحرالعلوم قدس سره:
«المصحَّحة في الفقيه المضعَّفة في الكافي»(8).
ومثلها من حيث المضمون ما ورد في الرواية الثَّانية عشرة(9)من ذلك الباب؛ ضرورة أنَّ أميرالمؤمنين عليه السلام كان يدعو اللَّه - تعالى! - أن يُخرِج للمُحِقِّ
1) . راجع: الكافي، ج 7 ص 419 الحديث 3.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 233 الحديث 571.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 251 الحديث 33699.
4) . راجع: مرآة العقول، ج 24 ص 288.
5) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 10 ص 52.
6) . راجع: عوائد الأيَّام، ص 643.
7) . راجع: العناوين الفقهيَّة، ج 1 ص 342.
8) . راجع: بلغة الفقيه، ج 3 ص 404.
9) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 254 الحديث 33706.
ويصيب له السَّهام.
ثمَّ إنَّ زرارة قد أجاب عن الإشكالات الَّتي أشرنا إليها ب: أنَّ المراد بخروج سهم المحقِّ هو الإباحة الظَّاهريَّة؛ وقوله هذا ورد في ما نقله ابنُأبي عميرٍ عن جميلٍ، قال: «قال الطَّيَّارُ لزرارة: ما تقول في المساهمة؟ أ ليس حقًّا؟،
فقال زرارة: بلىٰ، هي حقٌّ!.
فقال الطَّيَّار: أ ليس قد ورد أنَّه يخرج سهم المحقِّ؟،
قال: بلى!،
قال: فتعال حتَّى أدَّعي أنا وأنت شيئًا ثمَّ نُساهِم عليه وننظر هكذا هو؟
فقال له زرارة: إنَّما جاء الحديثُ بأنَّه ليس من قومٍ فوَّضوا أمرَهم إلى اللَّه ثمَّ اقترعوا إلَّاخرَج سهمُ المحقِّ، فأمَّا علىٰ التَّجارب فلم يُوضَع علىٰ التَّجارب.
فقال الطَّيَّارُ: أ رأيتَ إن كانا جميعًا مدَّعين ادَّعَيا ما ليس لهما من أين يخرج سهمُ أحدِهما؟،
فقال زرارة: إذا كان كذلك جعل معه سهمٌ مبيحٌ، فإن كان ادَّعَيا ما ليس لهما خرج سهمُ المبيح»؛ فيما رواه الشَّيخ قدس سره(1)، والفيض قدس سره(2)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(3)وقد صحَّحه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره(4)، والميرزا القمِّي قدس سره(5)، والمحقِّق النَّراقي قدس سره(6)، وغيرهم.
وجوابه عمَّا سأل عنه الطَّيَّار صحيحٌ لا غبار عليه، ولايرد عليه ما أورده عليه السَّيِّد الأستاذ قدس سره من كونه اقناعيًّا، بل فرارًا من أصل الإشكال(1)
لأنَّ مراده من المباح هو الإباحة الظَّاهريَّة، فهو كمن حصَّل علىٰ ما ليس له بالبيِّنة الكاذبة، أو اليمين الكاذب، لا الإباحة الواقعيَّة حتَّى يرد الإشكال عليه.
لكن بعدُ لاترتفع مادَّة الإشكال!.
فالتَّحقيق في الإجابة عنه: أنَّ الظَّاهر من روايات باب الإقتراع أنَّ القرعة كالاِستخارة، وهي تدلُّ الُمحِقَّ إلى ما هو الصَّواب له إذا فوَّض أمره إلى اللَّه - سبحانه وتعالى! -. فكما أنَّ الاِستخارة لايُراد منها ظهور الغيب في عالم الشَّهادة، بل ليس معناها إلَّاكون الفعل مصلحةً لو أمرَتْ به الاستخارة، كما أنَّ تركه علىٰ مصحلةٍ لو نهَتْ عنه؛
فكذك القرعةُ فعلًا وتركًا(2). فإذا فوَّض الأمر إلى اللَّه - تعالى! - فهو يُهديه إلى ما هو الخير له، وإن لم يُوافِق الواقعَ؛
فلو لم يخرج السَّهم له وكان محقًّا له في الواقع، فهذا هو ما يُصلِحُه وإن منعه عن حقِّه.
هذا ما يحصم مادَّةَ الإشكال من أصلها ويرتفع جميعَ الشُّبَه
الواردة علىٰ الإقتراع.
وبما قلنا ظهر ما في كلام سيِّدنا الإستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره، حيث خصَّصها أوَّلًا بالمنازعات الحقوقيَّة، ثمَّ خصَّصها - في آخر كلامه - بالحاكم، فجعلها من شؤون الحُكم الخاصَّة به(1).
يدلُّ علىٰ هذا - مضافًا إلى الآيات والرِّوايات المارِّ ذكرُها -: سيرةُ العقلاء في معايشهم، إذ من المشاهَد في جميع الأعصار والأمصار أنَّهم يرفعون بها موردَ النزاع في تقسيم الوظائف والأموال وما إلى ذلك؛ كما يدل عليه ظاهر قوله - تعالى! -:
«وَ مٰا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ» (2)أيضًا، حيث رفعوا النِّزاع الواقع بينهم في تكفُّل أمر مريمَ عليها السلام بالخضوع لدىٰ حكم القرعة.
قد يُقال بأنَّ القرعة ليستْ بحجَّةٍ إلَّافي موردٍ عمل بها الأصحاب فيه، لورود مخصِّصاتٍ عليها لوقلنا بحجِّيَّتها علىٰ الاطلاق - أي: سواءٌ عمِل بها الأصحاب أم لم يعملوا به - تُلزِمُه التَّخصيصَ المستَهْجنَ فيها!؛
فاحتفافها بقرائن وقيودٍ لم تصل إلينا، يدلُّ علىٰ عدم جواز الَّتمسُّك بها في غير موردٍ نجد استقرار عملِ الأصحاب عليها.
والمخصِّصات - علىٰ رأيهم - هي:
1 ً: تخصيصها بالموضوعات دون الأحكام؛
و 2 ً: تخصيصها بموردٍ لم يوجَد فيه أصلٌ أو أمارةٌ أصلًا؛
و 3 ً: تخصيصها بالحاكم في جملةٍ من موارد جريانها.
وفي هذا القول نظرٌ!؛ لأنَّا لم نجد حتَّى الآن مخصِّصًا واحدًا يُخصَّصُ به القرعة، فضلًا عن مخصِّصاتٍ تُخصِّصُه!.
وتفصيل ذلك:
أمَّا اختصاصها بالموضوعات دون الأحكام، فلأنَّها وُضِعت لذلك؛ فخروج الأحكام عن حيطتها خروجٌ تخصُّصيٌّ، لا تخصيصيٌّ.
وأمَّا تقدُّم الأمارت والأصول عليها، فللورود أيضًا، لا للتَّخصيص؛ فهو أيضًا خروجٌ تخصُّصيٌّ تعبُّديٌّ، لا تخصيصٌ.
وأمَّا اختصاصها بالحاكم، فلانجد عليه دليلًا، بل الآيتان المذكورتان أعلاه وكذلك رواياتُ الباب تُنفِيه؛ فلامجال له أصلًا.
أضف إلى ذلك ما أشرنا إليه من أنَّ جميع الأدلَّة الأربعة هيهنا وردتْ لإمضاء ما استقرَّتْ عليه سيرةُ العقلاء بما هم عقلاءٌ، لا بما هم أصحاب المذهب؛ فالقاعدة تابعةٌ لهذه السِّيرة في العموم والإطلاق، وفي كيفيَّتها أيضًا؛
فبما أنَّ العقلاء يخضعون قِبَلها أوَّلًا؛
ثمَّ يُخصِّصونها بالموضوعات دون الأحكام ثانيًا؛
وبالموضوعات الَّتي لا مُبيِّن لها من الأمارات والأصول ثالثًا؛
فليس عملُ الأصحاب في هذه الموارد - وفي غيرها أيضًا - حجَّةً بخصوصه، بل هو تابعٌ لما يُفهَم من السِّيرة العقلائيَّة العرفيَّة.
نعم! وردتْ نصوصٌ خاصَّةٌ في موارد من الموضوعات المشتبهَة تدلُّ علىٰ جواز الَّتمسُّك بالقرعة في تلك الموارد، كاشتباه القبلة، حيث أجمعوا علىٰ وجوب الإحتياط فيه؛ كما عن ابن زهرة قدس سره(1)، والفاضل الآبي قدس سره(2)، والشَّهيد الأوَّل قدس سرهما(3)ولو لم يتمكَّن المكلَّف من الإحتياط فيه فالإجماع ثابتٌ علىٰ التَّخيير، لا القرعة - كما ورد به النَّصُّ أيضًا، كما عن الشَّهيد الثَّاني(4)-.(5)
لكن يمكن أن يُدَّعىٰ أنَّ التَّخيير هيهنا ليس إلَّالأجل أنَّ الشَّارع رفع يدَه عن شرطيَّة القبلة، نظرًا إلى الحرَج فيها، فإذن ينتفي موضوع المشتبَه، فلامورد للقرعة أصلًا. فليس هذا الحكمُ مخصِّصًا لحكم القرعة وحجِّيَّتها، بل هو رافعٌ لموضوعها فقط - وهو وقوع الإشتباه في الموضوع -.
نعم! لوسُلِّم التَّخصيص في حكم الإقتراع فهو في غاية القلَّة، بل النُّدرة!؛
كما وأنَّه يُستغنىٰ عن عمل الأصحاب في كلِّ موردٍ وردَ فيه النَّصُّ الخاصُّ، فهو المخصِّص لحجِّيَّتها في هذا المورد، لا أنَّ عمل الأصحاب يخصِّصُها؛
كما ويمكن أن يُقال ثالثًا بأنَّ الإجماع المُدَّعىٰ في كلمات الأصحاب - والَّذي أشرنا إليه آنفًا - ينافي تخصيصَهم لها في بعض الأحيان.
فلايمكن المصير إلى هذا التَّخصيص أصلًا، فضلًا عن أن يكون تخصيصًا
مستهجنًا في حجِّيَّتها.
طلب الخير من اللَّه - سبحانه وتعالى! - في موردٍ خاصٍّ - المصطلح عليه بالاستخارة - يُعدُّ من مصاديق القرعة أيضًا، كما هو الظَّاهر من رواياتها؛
إلَّا أنَّ الاِستخارة تختصُّ بالمستخير وحده، بينما أنَّ القرعة تشترك فيها المتخاصمان، أو أكثر.
فليس المراد من الاِستخارة الإتيان بأمرٍ تعبُّديٍّ حتَّى يُقال بحرمتها - كما نُسِب إلى المحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(1)
وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة - للعلَّامة البجنوردي قدس سره -، ج 1 ص 74؛ بحوث فقهيَّة - للعلَّامة الشَّيخ حسين الحلِّي قدس سره -، ص 68.
وحرمتها منسوبةٌ إلى بعض العامَّة أيضًا؛ راجع: مقالات - للعلَّامة السَّيِّد عبدالحسين اللَّاري -، ص 498.
-؛كما أنَّها لاتُكشِف عن الواقع، بل لا طريق لها إليه - كما نُسِب إلى بعضهم، وكما هو المستفاد من سيرة عموم النَّاس قِبَلها -؛ بل هي من مصاديق القُرعة يُتُمسَّك بها لرفع المشاكل فقط إذا لم يكن هناك دليلٌ من العقل أو طريقٌ حاصلٌ من مشاورة ذي الاختصاص بذلك الأمر.
والدَّليل علىٰ حجِّيَّتها نفس الدَّليل الدَّالِّ علىٰ حجِّيَّة الإقتراع، وهي السِّيرةُ، إذ كما أنَّ النَّاس يقرعون في أحيانٍ، يستخيرون في مواردَ أُخَر، وعدم ردع الشَّارع عن الأخير - كما هو في الأوَّل - بل ذكر أقسامٍ منها في الشَّريعة الغرَّاء يدلُّ علىٰ
1) . راجع: زبدة البيان في أحكام القرآن، ص 325.
تأييدها إيَّاها.
وللسَّيِّد العارف عليِّ بن موسىٰ ابن طاوس قدس سره «فتح الأبواب بين ذوي الألباب وبين ربِّالأرباب في الاِستخارات»(1)ذكر فيه أقسامًا كثيرةً منها، وإن ذكَر فيه روايات بابَي الإقتراع والاِستخارة خلطًا بعضها ببعضٍ؛ كما فعله صاحب الوسائل قدس سره حيث ذكر المجموع في بابٍ واحدٍ(2).
هناك روايةٌ صعبةٌ بحسب المعنىٰ صحيحةٌ بحسب السَّند - كما عن العلَّامة المجلسي قدس سره(3)، والفقيه الطَّباطبائيِّ قدس سره(4)، والعلَّامة النَّراقي قدس سره(5)-، تدلُّ علىٰ جريان القرعة في أطراف العلم الإجماليِّ؛ ونصُّها: «محمَّد بن عيسىٰ عن الرَّجل عليه السلام - والظَّاهر أنَّه الإمام الهاديُّ عليه السلام أو مولانا العسكريُّ عليه السلام، كما عن صاحب الجواهر قدس سره(6)، والفقيه الأصفهانيِّ قدس سره(7)-؛ أنَّه سُئِل عن رجلٍ نظر إلى راعٍ نزٰا علىٰ شاةٍ؛ قال: إن عرَفَها ذبَحَها وأحرَقَها، وإن لم يعرِفْها قسَمَها نصفين أبدًا حتَّى يقع السَّهم
1) . طُبِع الكتاب طبعةً أنيقةً من قِبَل مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام بقم.
2) . وهو الباب 13 «باب الحكم بالقُرعة في القضايا المشكلة وجملةٌ من مواقعها وكيفيَّتها»؛ راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 257.
3) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 14 ص 203.
4) . راجع: رياض المسائل، ج 16 ص 170.
5) . راجع: عوائد الأيَّام، ص 650.
6) . راجع: جواهر الكلام، ج 36 ص 285.
7) . راجع: كشف اللِّثام، ج 9 ص 269.
بها فتُذبَح وتُحرَق وقد نجَتْ سائرُها»؛ كما رواها الشَّيخُ قدس سره(1)، والفيض قدس سره(2)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(3).
إذ الظَّاهر أنَّه لمَّا سُئِل الإمام عليه السلام عن حكم بهيمةٍ موطوئةٍ دخلتْ في عدَّة بهائم، أمَرَ عليه السلام بالإقتراع بين البهائم وإخراج واحدةٍ منها بالقُرعة كأنَّها هي الموطوئة؛
بينما أنَّ القاعدة تقتضي هيهنا العملُ بالعلم الإجماليِّ!.
ولو لم نقل بتنجُّز العلم الإجماليِّ هيهنا، فالأصل يتقتضي حلِّيَّة الأغنام جميعها.
وتخلُّصًا عن هذا الإشكال أقول: الظَّاهر أنَّ حكم الإمام عليه السلام هيهنا بالإقتراع ليس إلَّاحكمًا حكوميًّا من قِبَله عليه السلام، مستنِدًا فيه بقاعدة الحرج والضَّرر المنفيَّان في الشَّرع، وليس بفتوىً فقهيٍّ له عليه السلام.
هذا؛ وإن أبَيتَ عن المختار فلامناص عن الذِّهاب إلى أنَّ الرِّواية تخالف القواعد المعمول بها في الفقه، بل السِّيرة العُقلائيَّة أيضًا؛ فلوثبت عملُ الأصحاب بها - كما ادَّعاه بعضُهم(4)- فلابدَّ من عدم التَّعدِّي عن المورد إلى غيره من الموارد؛
وإلَّا فتُطرَح الرِّواية عن الحجِّيَّة رأسًا، وهذا ممَّا لابُدَّ منه.
هل يمكن للحاكم في موضوعٍ أشكل عليه حكمُه أن يستند إلى القرعة؟؛
القاعدة تقتضي جوازَه - ولذلك ادَّعىٰ الشَّيخ قدس سره أنَّه الَّذي يقتضيه مذهبُنا(1)-؛ والإحتياط يقتضي عدمَ جوازه!. فالقول بأنَّ الموارد مختلفةٌ فلاحكم كلِّيٍّ في المسألة بالنِّسبة إلى جميع الموارد، لايخلو عن قوَّةٍ، وهو المختار في المقام.
قال ابنُحمزة قدس سره في ميراث مولودٍ اشتبه كونُه ذَكَرًا أو أُنثىٰ، بعد بيان طرق الَّتمييز: «فإن اشتَبَه فالحكم للقُرعة»(2).
قال ثاني الشَّهيدَين قدس سرهما في حكم مواراة المقتول المُسلِم في المعركة إذا اشتبه بالكافر، تمييزًا بينهما: «وللقرعة وجهٌ»(3).
قال المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره في حكم الحاق ولَدٍ وُلِد من أَمَةٍ وطَئَها في طهرٍ واحدٍ رجلان وهما يدَّعيانَه: «فالحكم أيضًا للقُرعة»(4).
المراد من القاعدة: أنَّه لوأمر المولىٰ عبدَه بأمرٍ مركَّبٍ - كالوضوء، والغسل، والصَّلوة ونحوها -، ثمَّ أنَّ العبدَ لم يقدر علىٰ الإتيان بالمركَّب بجميعه، فهل يجب عليه أن يأتي بما يتيسَّر منه؟، أم يسقط منه الأمر أصلًا؟.
فليس الكلام في الإتيان بالأمر المطلق بعد عدم إمكان الإتيان به في وقته - فلوأمَرَ المولىٰ بأنْ يتوضَّأَ للصَّلوة ثمَّ لم يقدر العبدُ علىٰ الإتيان بالوضوء لصلوةٍ، فلاكلام و لاإشكال في وجوب الإتيان به للصَّلوة الَّتي تليها، فوجوب التَّوضُّىء في سائر الأوقات مع القدرة عليه ضروريٌّ قطعًا -؛
بل الكلام في المركَّب الَّذي لايقدر العبد علىٰ الإتيان بجميع أجزائه؛ فهل يسقط عنه التَّكليف رأسًا؟، أو عليه أن يأتي بما يمكن له منه؟.
هناك قاعدتان يجب أن نشيرَ إليهما أوَّلًا، ثمَّ نبحث عن مدرك القاعدة، للتَّزاحم الواقع بينها. فنقول:
إن قاعدة «إذا انتقىٰ الجزءُ انتفىٰ الكلُّ» تقتضي عدم وجوب الباقي إذا تعذَّر جزءٌ من الكلِّ؛
كما وأنَّ قاعدة «إذا انتفىٰ الجزئيُّ لاينتفي الكلِّيُّ» تقتضي وجوبَ الباقي؛ وهذا ما يُعبَّر عنه بقولهم: «ما لايُدرَك كلُّه لايُترَك كلُّه».
ثمَّ إنَّ القاعدتين من الضَّروريَّات العقليَّة الَّتي لاتحتاج إلى دليلٍ، ولا إلى الإكثار من القيل والقال؛ فخُذْ هذا وانتظر حتَّى نرجع إليهما ثانيًا.
ثمَّ هل هناك دليلٌ في المسألة يُخصِّص قاعدةَ «إذا انتفىٰ الجزءُ انتفىٰ الكلُّ»؟، أم لا؟. فيه قولان؛
لكن لاحاجة بنا إلى نقلِهِما!، حيث إنَّ المختارَ أنَّه لوكان هناك دليلٌ يُثبِت
القاعدةَ فليس معناه تخصيص القاعدة العقليَّة أصلًا، بل معناه تقبُّل المولىٰ الناقصَ بدلًا عن الكامل.
وبعبارةٍ أخرىٰ: إنَّ المركَّب له فردان:
فردٌ كاملٌ يشمل علىٰ جميع أجزاء المركَّب، وهو يُوجَد في فرض استطاعة العبد من الإتيان به؛
وفردٌ ناقصٌ يشمل علىٰ بعض أجزائه، وهو الَّذي تمكَّن العبدُ من الإتيان به في فرض تعذُّره من الإتيان بجميع أجزائه. وهذا كالشَّرط الذُّكرِيِّ الَّذي هو شرطٌ إذا علِمَ العبدُ به، وليس بشرطٍ إذا غفَل عنه.
إذا تقرَّر هذا فنقول: قد يُستَدَلُّ للقاعدة بأدلَّةٍ:
فمنها طائفةٌ من الأحاديث الَّتي اشتهر انتسابُها إلى النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله، وهي لم تُوجَد في مصادرنا أصلًا؛ وهي:
قوله صلى الله عليه و آله: «إذا أمرتُكُم بشيءٍ فأتوا منه ما استَطَعتُم»؛ وقد رواه احمدُ(1)، والبخاريُّ(2)، ومسلمٌ(3)، والبَيهَقيُّ(4)، وغيرهم.
والحديث في بعض المصادر ورد كما أوردناه - أي: بقوله صلى الله عليه و آله: «بشيءٍ»، كما في شرح النَّوَويِّ علىٰ صحيح مسلمٍ(5)
وفي بعضها بقوله صلى الله عليه و آله: «بأمرٍ»، أو: «بالأمر»؛ والمعنىٰ متَّحدٌ في جميع هذه الصُّور.
ثمَّ إنَّ العلَّامة المجلسيَّ قدس سره أورده أيضًا وقال: «قيل: خطب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقال:...»(1)، ولم أجد من ذَكَره غيره بين مصادرنا الرِّوائيَّة، إلَّاابن أبي جمهورٍ قدس سره حيث نسَبَه إليه صلى الله عليه و آله صريحًا في صورة: «إذا أُمِرتُم بأمرٍ فأْتُوا منه بما استطعتم»(2).
أمَّا الفقهاء فقد أوسعوا في انتِسابه إلى النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله؛ والظَّاهر أنَّهم تابعوا في هذا الاِنتساب المرتضىٰ قدس سره حيث قال: «قال صلى الله عليه و آله: إذا أمَرتُكم...»(3)منهم العلَّامة قدس سره في تذكرته(4)، ومنتهاه(5)، ونهايته(6)، والشَّهيد قدس سره(7)، والفاضل المقداد قدس سره(8)، والمحقِّق الثَّاني قدس سرهما(9)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما في روضه(10)، ومسالكه(11)، وصاحب
1) . راجع: بحار الأنوار، ج 22 ص 31.
2) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 4 ص 58 الحديث 206.
3) . راجع: رسائل الشَّريف المرتضىٰ، ج 2 ص 244.
4) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 7 ص 98.
5) . راجع: منتهىٰ المطلب، ج 3 ص 20.
6) . راجع: نهاية الإحكام، ج 1 ص 441.
7) . راجع: القواعد والفوائد، ج 2 ص 48.
8) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 1 ص 66.
9) . راجع: جامع المقاصد، ج 2 ص 203.
10) . راجع: روض الجَنان، ج 1 ص 270.
11) . راجع: مسالك الأفهام، ج 2 ص 308.
الجوهر قدس سره(1)، وغيرهم؛
وهذا يُنبِىءُ عن اعتمادهم عليه، لموافقته للقواعد؛ وإليه أشار المحقِّق المراغيُّ قدس سره بقوله: «رواه في عوالي اللَّآلىء، ورواه الأصحاب في كتب الفروع»(2)، حيث لم يجده في كتب الحديث.
ونُسِب له صلى الله عليه و آله: «المَيسورُ لايسقُط بالمعسور»؛
وهذا وإن اشتهر في الألسنة باسمه صلى الله عليه و آله، لكن لم أجده لا في مصادرنا الرِّوائيَّة ولا في مصادر العامَّة. نعم! أورده ابنُحجرٍ قدس سره ونسبه لبعض الفقهاء(3)، وكذا أورده الشَّعرانيُّ قدس سره(4)، والمناويُّ قدس سره(5)، وقد صرَّحا بأنَّه من القواعد أو من المشهورات.
ورواه ابنُ أبي جمهورٍ قدس سره ناسبًا إيَّاه صريحًا إليه صلى الله عليه و آله في صورة: «لايُترَك الميسور بالمعسور»(6). أمَّا الفقهاء فإن ذكروا هذا القول، لكن قلَّ منهم مَن عامل معه معاملة الحديث، كالشَّهيد الثَّاني قدس سرهما في روضه(7)، وكالوحيد قدس سره في حاشيته علىٰ المجمع(8)، ومصابيحه(9)، والمحقِّق الكبير الكاشاني قدس سره(10)، وشُبَّر الحسينيِّ قدس سره(11)، والشَّيخ
1) . راجع: جواهر الكلام، ج 2 ص 16.
2) . راجع: العناوين، ج 1 ص 466.
3) . راجع: فتح الباري، ج 13 ص 222.
4) . راجع: العُهُود المحمَّديَّة، ص 588.
5) . راجع: فيض القدير، ج 3 ص 244.
6) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 4 ص 58 الحديث 205.
7) . راجع: روض الجنان، ج 1 ص 270.
8) . راجع: حاشيَة مجمع الفائدة، ص 175.
9) . راجع: مصابيح الظَّلام، ج 3 ص 291.
10) . راجع: منتقد المنافع، ج 2 ص 516.
11) . راجع: العمل الأبقىٰ، ج 2 ص 14.
عليٍّ آل كاشف الغطاء قدس سره(1)
وأمَّا غير هؤلاء من الأعلام فقد استندوا إليه من غير إسناده إلى الحديث، ولاحاجة إلى سرد أسمائهم بعد كثرتهم واشتهاره بينهم،
لكونه موافقًا للعقل أوَّلًا،
وللقواعد والعمومات ثانيًا.
ونُسِب له صلى الله عليه و آله أيضًا أنَّه قال: «ما لايُدرَك كلُّه لايُترَك كلُّه»؛ ولم أعثر عليه في مصادر العامَّة أيضًا. نعم! ذكره القارىء(2)والألبانيُّ(3)والعظيم آباديُّ(4)من غير إشارةٍ إلى كونه حديثًا؛ وقد نصَّ العِجْلُونيُّ على أنَّه ليس بحديثٍ(5)وقال ابنُ أبي الحديد: «يُقال في المَثَل: ما لايُدرَك كلُّه...»(6). والقول ذكره العلَّامة المجلسيُّ قدس سره وقال: «نِعمَ ما قيل من: أنَّ ما لايُدرَك كلُّه...»(7). ومن الغريب أنَّ ابن أبي جمهورٍ قدس سره أورَدَه ونسبه إليه صلى الله عليه و آله صريحًا(8).
1) . راجع: النُّور السَّاطع، ج 1 ص 31.
2) . راجع: شرح مُسند أبي حنيفة، ص 47.
3) . راجع: تَمام المنَّة، ص 11.
4) . راجع: عون المعبود، ج 1 ص 233.
5) . راجع: كشف الخِفاء، ج 2 ص 305.
6) . راجع: شرح نهج البلاغة، ج 19 ص 75.
7) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 150.
8) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 4 ص 58 الحديث 207.
ولم أجِد من الفقهاء من ينسبه إلى أحدٍ من المعصومين غير الوحيد الفريد قدس سره في حاشيته علىٰ المجمع(1)، ومصابيحه(2)فقط؛
وهذا يُنبىءُ عن عدم اعتمادهم عليه كحديثٍ، وإن اِعتمدوا عليه كقاعدةٍ عقليَّةٍ موافقةٍ لغيرها من القواعد.
وبما قلنا ظهر ما في كلام المحقِّق البجنورديِّ قدس سره حيث قال بعد ذكر هذه الثَّلاثة:
«وهذه الرِّوايات الثَّلاث لكثرة اشتهارها بين الفقهاء وعملهم بها لايحتاج إلى التَّكلُّم عن سندها، أو الإشكال عليه بالضَّعف»(3)!.
لكنَّ الظَّاهر من الجميع - بعد غضِّ البصر عن سندها - أنَّها بأجمَعِها إرشادٌ إلى حكم العقل، فهي تُشيرُ إلى حكم الجزئيِّ من الكلِّيِّ، لا إلى حكم الجزء من الكلِّ، لأنَّ العقل - كما قلنا - يستقلُّ بذلك فيهما، كما وأنَّه يستقلُّ بالإنتفاء في الجزء والكلِّ؛
وحيث إنَّ الرِّوايات إرشاديَّةٌ، فهي تابعةٌ لما يُرشِد إليه العقلُ. فالبحث عن دلالتها علىٰ الجزئيِّ و الأجزاء معًا، سالبةٌ بانتفاء الموضوع قطعًا.
نعم! مع قطع النَّظر عن هذا نقول: إنَّ إرادة الجزء والجزئيَّة معًا من «الشَّيء» في قوله صلى الله عليه و آله: «إذا أمرتُكُم بشيءٍ فأتوا منه ما استطَعتُم»، ومن «ال» الموصولة في عبارة: «المَيسور لايسقط بالمعسور»، ومن «ما» الموصولة أيضًا في: «ما لايُدرَك كلُّه لايُترَك كلُّه»؛
جائزٌ لاإشكال فيه، حيث ليس من باب الجمع بين لحاظين مختلفين في لفظٍ واحدٍ، لأنَّ «الشَّيء» لفظٌ عامٌّ يشمل الكلَّ و الكلِّيَّ، والجزءَ والجزئيَّ في لحاظٍ واحدٍ.
إلَّا أنَّ ظهورَه البَدْويَّ في الجزئيِّ، لا الجزءِ.
وإن أبيتَ عن هذا الظُّهور فنقول: لا أقل من ثبوت الشَّكِّ في المراد منه؛ والأخذ بالقدر المُتَيقَّن منه - نظرًا إلى أنَّ الكلام لاإطلاق له، حيث إنَّه ليس في مقام بيان تمام الخصوصيَّات - يدلُّ علىٰ أنَّ المراد منه - كما قلنا - هو الجزئيُّ، لا الجزءُ. هذا.
ثمَّ إنَّه قد اُستُدلَّ بالإجماع الثَّابت من الفريقين علىٰ القاعدة أيضًا، لكنَّ الإجماع انعَقَدَ علىٰ عدم وجوب الكلِّ إذا تعذَّر بعضُ أجزائه، لا علىٰ وجوب الإتيان بالكلِّ بعد التَّعذُّر - إلَّاما أخرجه الدَّليل، كالصَّلوة(1)الَّتي ورد فيها: أنَّها لاتُترَك بحالٍ(2)
والنَّوَويُّ وإن ذكره - راجع: شرح صحيح مسلم، ج 6 ص 165؛ كالعظيم آباديِّ، راجع: عون المعبود، ج 3 ص 328 - لكنَّهما لم ينسباه إلى الرَّسول صلى الله عليه و آله؛
ولذلك فإنَّ السَّيِّد الإمام الخمينيَّ قدس سره قال بعد أن ذكره: «علىٰ فرض ثبوته»؛ راجع: كتاب الطَّهارة، ج 2 ص 361.
وانظر أيضًا: جواهر الكلام، ج 9 ص 307.
-؛فإذن ادِّعاء ثبوت الإجماع في المسألة غريبٌ جدًّا!.
نعم! ثبوت الإجماع علىٰ مفاد القاعدة في بعض الفروع الفقهيَّة لابأس به(3)، أمَّا
ثبوته علىٰ الإطلاق فغير ثابتٍ قطعًا؛ وهذا ممَّا صرَّح به الشَّيخ الأعظم قدس سره(1)أيضًا.
ثمَّ إنَّه قد اُستُدلَّ هيهنا باطلاق دليل المركَّب، كما عن البجنورديِّ قدس سره(2)والمراغيِّ قدس سره(3)وهذا خارجٌ عن نِطاق الكتاب، لوجوب الرُّجوع إلى كلِّ مسألةٍ في الفقه ليُرىٰ هل يُوجَد هذا الإطلاق في دليله لوكان مركَّبًا؟ أم لا؟.
وأمَّا بقولٍ مجمَلٍ، فسنُشير إلى أنَّه لاإطلاق هناك أصلًا.
واستدلَّ بالاِستصحاب أيضًا(4)، بتقريراتٍ العمدة منها:
التَّقرير الأوَّل: الاستصحاب الكلِّيُّ الجامع بين الكامل والنَّاقص.
وفيه:
أوَّلًا: إنَّه لم يرد في الشَّريعة الغرَّاء موردٌ ينطبق علىٰ الكلِّيِّ الجامع بين الكامل والنَّاقص، بل الواجبات بأجمعها وردتْ علىٰ العناوين الَّتي لا كامل ولا ناقص فيها.
وثانيًا: إنَّ هذا الاِستصحاب ليس إلَّامن ثالث أقسام الاِستصحاب الكُّلِّي، وهو غير حجَّةٍ وغير جائزٍ - والتَّفصيل فيه في محلِّه من علم الأصول(5)
أقول: وانظر أيضًا: إرشاد العقول إلى مباحث الأصول، ج 4 ص 127؛ الذُّخر في علم الأصول، ج 2 ص 80؛ وغيرها من مصادر الأصوليِّين.
-.التَّقرير الثَّاني: الاِستصحاب النَّفسيُّ.
بمعنى: إنَّ الصَّلوة كانت واجبةً بلاريبٍ واِرتيابٍ، ثمَّ بعد تعذُّر جزءٍ منها يُشكُّ في وجوب الباقي، والاِستصحاب يدلُّ علىٰ بقاء الوجوب في الباقي.
وفيه: أنَّه جائزٌ لوأُخِذ موضوع هذا الاِستصحاب من العُرف، وحيث إنَّ العُرف لايفهم من الموضوعات الاِختراعيَّة شيئًا، فلايثبت لهذا الاِستصحاب موضوعًا؛ فهذا الاِستصحاب لاجريان له أصلًا! - نظرًا إلى الشَّكِّ في وجود موضوعه، بينما أنَّ إحراز الموضوع ووحدته بين المُتَيَقَّن والمشكوك عرفًا ممَّا لابُدَّ منه في جريانه -.
التَّقرير الثَّالث: إنَّ الوجوب يشمُلُ جميع أجزاء المركَّب كلَّها، فكلُّ جزءٍ كأنَّه مستقلٌّ في كونه مرادًا للمولىٰ وموضوعًا للوجوب؛ فإذا تعذَّر جزءٌ خاصٌّ وشكَكنا في بقاء وجوب الباقي أو عدم بقائه، فإنَّ الاِستصحاب حينئذٍ يحكم ببقاء الوجوب علىٰ الباقي.
وفيه: إنَّ المركَّبات - بل الكلِّيَّات - لايتعلَّق الأمر بهما بالأمر المركَّب، بل الأمر فيهما أمرٌ بسيطٌ.
وادِّعاء استقلال كلِّ جزءٍ في كونه مرادًا فواجبًا؛
ليس بسديدٍ قطعًا!.
وها هو مختارنا في الكلِّيَّات، فضلًا عن الكلِّ!؛ حيث إنَّ الحقَّ أنَّ الأوامر والنَّواهي تتعلَّق بالعناوين من حيث هي هي، ولانظر لها إلى الأجزاء والجزئيَّات.
وإن شئتَ فعبَّرتَ عمَّا قلنا بقولك: إنَّ الجزئيَّات والأجزاء ظروفٌ لسقوط الوجوب، لا ظروف لتعلُّقه.
فتلخَّص ممَّا قلنا: إنَّ الاِستصحاب في المسألة لايفيد شيئًا، وليس له محلٌّ أصلًا؛
خلافًا للمحقِّق المراغيِّ قدس سره حيث قال: «ولاشبهة في جريانه في هذا المقام عند مَن قال بحجِّيَّته»(1).
واستُدلَّ بغيرها أيضًا(2)والإعراض عنه أجدَر وأولىٰ، لوضوح وهنِه وضعفه.
وهيهنا تنبيهٌ.
هل في المسألة موردٌ تنطبق القاعدة عليه؟.
الظَّاهر أنَّه لايُوجَد موردٌ تنطبق عليه، لأنَّا لانجد في الفقه موردًا يبقىٰ وجوب الباقي بعد تعذُّر بعض الكلِّ. فمِن أوَّل الفقه إلى آخر مسائله إذا تعذَّر جزءٌ من المركَّب يسقط الوجوب عن الكلِّ؛ أمَّا وجوب الإتيان بالباقي بعد تعذُّر البعض فالظَّاهر أنَّه غير موجودٍ في الفقه.
نعم! يُوجَد موارد كثيرةٌ في المندوبات تنطبق عليها هذه القاعدة، لكنَّ الموارد هذه ليست من باب قاعدة الميسور - المبحوث عنها هيهنا -، بل من باب قاعد التَّسامح في أدلَّة السُّنَن - والَّتي فرغنا عن البحث عنها -.
نعم! قد قيل بجريان القاعدة في الصَّلوة - كما قد نصَّ عليه الشَّيخ الأعظم قدس سره فقال: «للإجماع علىٰ قاعدة الميسور لايسقط بالمعسور في خصوص الصَّلاة، كما يُستفاد من التَّتبُّع»(3)وكما يظهر من الفاضل الأصفهانيِّ قدس سره(4)، والوحيد الفريد قدس سره(5)
-؛
لكنَّ المختار أنَّ الصَّلوة أيضًا تسقُطُ إلَّاإذا دلَّ دليلٌ علىٰ وجوب ما تمكَّن العبدُ من الإتيان به من أجزائها؛ كما قيل: «الصَّلوة لاتُترَك بحالٍ»(1)
فلودلَّ هذا الدَّليل علىٰ وجوب الباقي، فهو؛
وإلَّا فلاكلام عندنا في السُّقوط. ولذلك قد اشتهر بين الأصحاب: «إنَّ فاقِدَ الطَّهورَين تسقُطُ عنه الصَّلاة».
وهم بين:
القول بسقوطها مطلقًا - كما حكاه الشَّهيد قدس سره عن المفيد قدس سره(2)، وعن المحقِّق قدس سره(3)، وفي معتبره(4)، والعلَّامة قدس سره في تذكرته(5)، ونهايته(6)، وإرشاده(7)أيضًا -؛
أو بسقطوها ووجوب قضاءها أو غيره - كما عن الشَّهيد قدس سره نفسه في البيان(8)،
وفي الدُّروس(1)، وقواعده(2)، والصَّيمُريِّ قدس سره(3)، وثاني المحقِّقَين قدس سرهما(4)، والفيض قدس سره(5)، والعلَّامة المجلسيِّ قدس سره في مرآته(6)، وملاذه(7)، والبحرانيِّ قدس سره(8)، وصاحب الجواهر قدس سره(9)، وغيرهم أيضًا.
أشرنا آنفًا إلى أنَّ الظَّاهر أنَّه لايُوجَد في الفقه موردٌ تنطبق عليه القاعدة، فلانأتي هيهنا بأمثلةٍ لاِستعمال القاعدة في الفقه؛ خلافًا للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره، فراجع إلى كلامه إن شئتَ(10)!؛ كما أنَّ المحقِّق المراغيَّ قدس سره ذكر جملةً من مواردَ تنطبق عليها القاعدةُ(11)
وبما قلنا ظهر عدمُ انطباقها عليها مطلقًا.
1) . راجع: الدُّروسُ الشَّرعيَّة، ج 1 ص 132.
2) . راجع: القواعد والفوائد، ج 2 ص 318.
3) . راجع: غاية المرام، ج 1 ص 96.
4) . راجع: جامع المقاصد، ج 1 ص 217.
5) . راجع: الوافي، ج 4 ص 98.
6) . راجع: مرآة العُقول، ج 15 ص 425.
7) . راجع: ملاذُ الأخيار، ج 2 ص 135.
8) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 4 ص 317.
9) . راجع: جواهر الكلام، ج 5 ص 232.
10) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 4 ص 146.
11) . راجع: العناوين، ج 1 ص 464.
المراد من القاعدة أنَّه يجب علىٰ كلِّ مسلمٍ - بحسب أدلة القاعدة الشَّرعيَّة، وبحسب العقل وثبوت السِّيرة عليها، وسنفصِّل الكلام حول هذه الأدلَّة - أن يفي بما يلتزم به من الشُّروط قِبَل غيره في جميع المعاهَدات؛ فليس له أن يخالفه بعد أن التَزَم به؛ وهذا واضحٌ لايحتاج إلى مزيد بيانٍ(1).
وهي إجماعيَّةٌ بين الفقهاء، بل هي من أعمِّها استعمالًا عندهم؛ فاستدلَّ به
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 251.
ابنُالجنيد قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره في خلافه(2)، ومبسوطه(3)، وابنُالبرَّاج قدس سره(4)، وفي جواهره(5)، وابنُزهرة قدس سره(6)، وابنُإدريس قدس سره في أجوبته(7)، وسرائره(8)، والفاضل الآبي قدس سره(9)، والمحقِّق قدس سره(10)، والعلَّامة قدس سره في تحريره(11)، ومختلَفه(12)، ومنتهاه(13)، وغيرهم في غيرها؛
بل لاتجد صحيفةً من صحائف الفقهاء إلَّاواستُدِلَّ فيها بها؛ وهذا واضحٌ لمن أمعَنَ النَّظر في مصادرنا الفقهيَّة
اُستُدلَّ أو يُمكن أن يُستدَلَّ علىٰ القاعدة بأمورٍ:
1) . راجع: مجموعة فتاوىٰ ابن الجنيد، ص 185.
2) . راجع: كتاب الخلاف، ج 2 ص 155 ذيل المسألة 135.
3) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 171.
4) . راجع: المهذَّب، ج 1 ص 355.
5) . راجع: جواهر الفقه، ص 54.
6) . راجع: غُنيَة النُّزوع، ص 215.
7) . راجع: أجوبة مسائل ورسائل، ص 276.
8) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 245.
9) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 457.
10) . راجع: الرَّسائل التِّسع، ص 305.
11) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 354.
12) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 5 ص 77.
13) . راجع: منتهىٰ المطلَب، ج 14 ص 277.
أمَّا بالكتاب، فقوله - تعالى! - «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(1).
أمَّا العقود فقال أبوعُبيدة مَعْمَر بن مُثنَّىٰ: «واحدها: عقدٌ، ومجازها: العهود والأيمان الَّتي عقدتُم»(2).
ثمَّ إنَّ القطب الرَّاوندي وإن استدلَّ بالكريمة لوجوب الوفاء بالعهد، لكنَّه خصَّ البحث بالإمام حينما عقَدَ عقْدَ الهُدنَة مع المشركين(3)
والتَّعدِّي عن هذا المورد إلى غيرها من الموارد سهلٌ جدًّا؛ كما عن الفاضل المقداد: «المراد بالعقود كلُّ ما يعقده النَّاس في معامَلاتهم... والوفاء بالعقد: القيام بمقتضاه»(4)، ثمَّ بحث بحثًا وافيًا عن أقسام العقود وما تشير إليه هذه الكريمة. وانظر إلى ما ذكره المقدَّس الفاضلُ قدس سره(5)، وابن العربيِّ قدس سره(6)، والجصَّاص قدس سره(7)، والكياهراسيُّ قدس سره(8)، والشَّيخ قدس سره(9)، والطبرسيُّ قدس سره(10)، والقُرطُبيُّ(11)، وسيِّدنا الأستاذ
1) . كريمة 1 المائدة.
2) . راجع: مجاز القرآن، ج 1 ص 145.
3) . راجع: فقه القرآن، ج 1 ص 356.
4) . راجع: كنز العرفان، ج 2 ص 71.
5) . راجع: زبدة البيان، ج 1 ص 462.
6) . راجع: أحكام القرآن، ج 2 ص 523.
7) . راجع: أحكام القرآن، ج 3 ص 282.
8) . راجع: أحكام القرآن، ج 3 ص 7.
9) . راجع: التِّبيان، ج 3 ص 414.
10) . راجع: مجمع البيان، ج 3 ص 234.
11) . راجع: الجامع لأحكام القرآن، ج 6 ص 31.
العلَّامة قدس سره(1)بشأن الكريمة، فإنَّ فيه فوائد جمَّة.
قيل: إنَّ «العقودَ» في الكريمة مطلقٌ، - كما أشار إلى هذا الإطلاق مِن بعض نواحيه الوحيدُ الفريدُ قدس سره(2)، والفقيه المامقانيُّ قدس سره(3)، والمحقِّق الشَّهيديُّ قدس سره(4)، وغيرهم، فيشمل جميع المعاهَدات العُرفيَّة من العقود والإيقاعات والشُّروط والضَّمانات -، وليس مختصًّا بالعقود الاِصطلاحيَّة، وإلَّا يلزم أن لايشمل الإيقاعات؛
وهو كماترىٰ!.
واستُدِلَّ بقوله - تعالى! -: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لاٰ تَفْعَلُونَ»(5)أيضًا؛ كما استدلَّ به الشَّيخ جعفر الكبير لثبوت القاعدة(6).
ومن الغريب أنَّ أصحاب كتب فقه القرآن وتبيين أحكامه برُمَّتهم لم يذكروا شيئًا حول إمكان الاِستدلال بالآية الشَّريفة لهذه القاعدة؛ والشَّيخ وإن بحث عنها
بحثًا ضافيًا(1)، لكنَّه أيضًا لم يأت بشيءٍ في هذا المضمار، كشيخنا الأستاذ العلَّامة قدس سره(2).
ثمَّ إنَّ الكريمة قد تكلَّم عنها بعضُ الأكابر لشمول القاعدة للشُّروط الابتدائيَّة أيضًا أو عدم شمولها لها(3)وسنبحث عن هذا المطلب آنفًا.
وأمَّا بالسُّنَّة المطهَّرة:
فبقوله صلى الله عليه و آله: «المؤمنون عند شروطهم»، الَّذي وقع في رواياتٍ كثيرةٍ، وقد رواه عن النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله جمعٌ من أعلام الفريقَين، كالشَّيخ قدس سره في استبصاره(4)، وفي تهذيبه(5)أيضًا، والمحدِّث الفيض قدس سره(6)، والحرُّ قدس سره(7)بأسانيد قد وثَّق بعضَها العلَّامةُ المجلسيُّ قدس سره(8)، وصحَّح بعضَها الآخر صاحبُ المدارك قدس سره(9)، والمحقِّق السَّبزواريُّ قدس سره(10)، وغيرهما.
1) . راجع: التِّبيان، ج 9 ص 591.
2) . راجع: الميزان، ج 19 ص 248.
3) . فانظر: هداية الطَّالب، ج 1 ص 100؛ إرشاد الطَّالب، ج 1 ص 375.
4) . راجع: الاِستبصار، ج 3 ص 232 الحديث 835.
5) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 371 الحديث 1503.
6) . راجع: الوافي، ج 22 ص 550 الحديث 21692.
7) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 21 ص 276 الحديث 27081.
8) . راجع: ملاذُ الأخيار، ج 12 ص 262.
9) . راجع: نهاية المَرام، ج 1 ص 246.
10) . راجع: كفاية الأحكام، ج 2 ص 171.
وقد رواه عن العامَّة جمٌّ غفيرٌ، كالرَّافعيِّ(1)، والنَّوَوي(2)، والسُّبكيِّ(3)، والشَّربينيِّ(4)، وابن قُدامة(5)، وغيرهم.
ثمَّ إنَّ للحديث صورةً أُخرىٰ قريبةٌ من هذه الصُّورة المعروفة جدًّا؛ وهي:
«المسلمون عند شروطهم»، وهي منسوبةٌ لأميرالمؤمنين، ولمولانا أبي جعفرٍ الباقر عليه السلام، ولأبي الحسن موسىٰ بن جعفرٍ عليهما السلام، ولمولانا أبي عبداللَّه الصَّادق عليه السلام.
وقد رواها الحِميَريُّ قدس سره(6)، والكلينيُّ قدس سره(7)، والقاضي نعمان قدس سره(8)، والصَّدوق قدس سره(9)، والشَّيخ قدس سره(10)، والفيضُ قدس سره(11)، والحرُّ قدس سره(12)وغيرهم؛ بأسانيد صحَّح بعضَها الشَّهيد قدس سره(13)، وثانيهما قدس سره(14)، وصاحب الجواهر قدس سره(15)، والشَّيخ الأعظم قدس سره(16)،
1) . راجع: فتح العزيز، ج 10 ص 295.
2) . راجع: المجموع، ج 11 ص 65.
3) . راجع: فتاوىٰ السُّبكي، ج 2 ص 13.
4) . راجع: الإقناع، ج 2 ص 107.
5) . راجع: المُغني، ج 10 ص 550.
6) . راجع: قُرب الإسناد، ص 303.
7) . راجع: الكافي، ج 5 ص 169 الحديث 1.
8) . راجع: دعائم الإسلام، ج 2 ص 54 الحديث 143.
9) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 128.
10) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 22 الحديث 93.
11) . راجع: الوافي، ج 10 ص 596 الحديث 10165.
12) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 26 ص 55 الحديث 32480.
13) . راجع: الدُّروس، ج 3 ص 268.
14) . راجع: مسالك الأفهام، ج 7 ص 469.
15) . راجع: جواهر الكلام، ج 34 ص 264.
16) . راجع: كتاب المكاسب، ج 5 ص 35.
وغيرهم الكثيرين.
وكيف كان فصحَّة الحديث المرويِّ عن النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله المعاضَد بهذه الطَّائفة المنقولة عن أهل بيته المعصومين ممَّا لاريب فيه ولاشكَّ يعتريه(1).
وقد جعله الأصحاب عنوانًا للقاعدة - كما نصَّ عليه الشَّيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء قدس سره(2)-؛ لوضوحه من جانبٍ، ولكثرة وروده في النُّصوص من جانبٍ آخر(3).
ودلالة الحديث علىٰ الوفاء بالشُّروط وضعًا وتكليفًا، بيِّنٌ لايحتاج إلى تبيينٍ؛ بل لقائلٍ أن يقول: إنَّه - كالكريمة الشَّريفة - في الإطلاق وعدمِ اختصاصه بالشُّروط الاِصطلاحيَّة؛ بل في شمولها لمطلق المعاهَدات(4).
وأمَّا بالإجماع(5)،
فتمسَّكت الفقهاءُ بهذه القاعدة في الفقه، وجعلوها من الأمور المسلَّمَة الفقهيَّة
1) . وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 251.
2) . راجع: القواعد السِّتَّة عشر، ص 22 القاعدة 7.
3) . قد أشرنا آنفًا في تبيين المراد من القاعدة إلى جملةٍ من هذه النُّصوص.
4) . وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 252.
5) . وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 253.
الَّتي لاإشكال فيها أصلًا(1).
وأمَّا بسيرة العقلاء علىٰ الإلزام والإلتزام بالعقود والإيقاعات والشُّروط والضَّمانات،
فثبوتُ السِّيرة في المقام ممَّا لاينكُرُه أحدٌ، بل يمكن أن يُقال: إنَّ المنصوصَ به في الكتاب والسُّنَّة والإجماع ليس إلَّاإمضاءَ تلك السِّيرة الثَّابتة المستمرَّة؛
فإذن الجميعُ يرجع إلى دليلٍ واحدٍ، وهو سيرة العقلاء المُمضاة من قِبَل الشَّرع.
وهيهنا تنبيهاتٌ هامَّةٌ.
اشتهر بين الأصحاب أنَّه يشترط في لزوم هذه القاعدة تكليفًا ووضعًا عشرةُ شروطٍ:
كما يُستفاد ممَّا ذكره المحقِّق صاحب الحاشيَة قدس سره(2)، والمحقِّق المامقانيُّ قدس سره(3)، والمحقِّق الرَّشتيُّ قدس سره(4)، والمحقِّق الآخوند صاحب الكفاية قدس سره(5)، والمحقِّق الكُمبانيُّ
الأصفهانيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ احمد آل كاشف الغطاء قدس سره(2)، والمحقِّق البجنورديِّ قدس سره(3)، وغيرهم.
إذ الشُّروط الإبتدائيَّة(4)
وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 255.
غير لازمةِ الوفاء. فهي كالوعد الَّذي يجب الوفاء به أخلاقًا، لكن لايجب الوفاء به فقهيًّا؛كما نصَّ علىٰ عدم لزوم الوفاء به المحقِّق اللَّاريُّ قدس سره(5)، وفي تعليقه علىٰ الرِّياض(6)أيضًا، والمحقِّق الشَّهيديُّ قدس سره(7)، والشَّيخ الرَّاضي النَّجفيُّ قدس سره(8)
أقول: وبعضُ معاصرينا الفضلاء؛
راجع: نموذجٌ في الفقه الجعفريِّ، ص 571.
.واستدلُّوا علىٰ هذا الشَّرط:
أوَّلًا: بأنَّ عنوان القاعدة منصرِفٌ عن الشُّروط الإبتدائيَّة، وإذا ثبَتَ انصرافُه عنها فالأصل يقتضي عدمَ وجوب الوفاء بها.
1) . راجع: حاشيَة كتاب المكاسب، ج 4 ص 103.
2) . راجع: سفينة النَّجاة، ج 3 ص 141.
3) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 285.
4) . وهي الَّتي يُبتَدَأُ بها بعد العقد، لا الّزتي كان العقد مشروطًا بها حينه.
5) . راجع: التَّعليقة علىٰ المكاسب، ج 2 ص 291.
6) . راجع: التَّعليقة علىٰ رياض المسائل، ص 517.
7) . راجع: هداية الطَّالب، ج 1 ص 100.
8) . راجع: تحليل الكلام، ص 179.
وثانيًا: بلزوم تخصيص الأكثر المستهجَن أيضًا، لأنَّ ما يدلُّ علىٰ عدم الوفاء بالشُّروط الإبتدائيَّة كثيرةٌ جدًّا(1).
وثالثًا: بالإجماع المسلَّم في الفقه، من عدم لزوم الوفاء بها - وقد حكاه الفقيه آل كاشف الغطاء قدس سره بقوله: «وكاد أن ينعقد إجماع الإماميَّة بأنَّ مثل هذه الشُّروط الابتدائيَّة لايجب الوفاء بها»(2)-؛ هذا.
وفيه:
راجع: فقه المصارف والنُّقود، ص 534.
- أمَّا حكاية الإنصراف:فالعرف لايحكم به في مثل «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(4)، وفي أمثال قوله صلى الله عليه و آله: «المؤمنون عند شروطهم»؛
فالإنصراف لايحصل من العرف.
وأمَّا ألفاظ القاعدة الشَّتيتة، فهي بأجمعها تدلُّ علىٰ اشتمالها علىٰ الشُّروط الإبتدائيَّة أيضًا؛ فحاقُّ اللَّفظ لايدلُّ علىٰ إنصراف القاعدة عن تلك الشُّروط أصلًا.
وأمَّا حكاية تخصيص الأكثر:
أقول: وقد حكاه عنه بعض معاصرينا؛
4) . كريمة 1 المائدة.
فلانجد تخصيصًا أصلًا هيهنا، فضلًا عن كونه أكثر ممَّا يخالفه.
وأمَّا الإجماع:
فهو مدركيٌّ، مضافًا إلى أنَّ الُمحَصَّل منه غير حاصلٍ قطعًا، وأمَّا المنقول منه فهو الحاصِلُ من صِرف عدم تعرُّض الأصحاب للمسألة، لا لتنصيصِهِم عليها؛
وذلك ليس بحجَّةٍ إجماعًا.
وأمَّا حكاية قياسه بالوعد:
فهو قياسٌ مع الفارق عرفًا، لأنَّ الشَّرط قضيَّةٌ تعليقيَّةٌ، والوعد من القضايا البتِّيَّة؛ وليس بينهما ارتباطٌ أصلًا.
هذا؛ مع أنَّ القول ب «أنَّ الوعدَ غير لازمِ الوفاء» - كما عن السَّيِّد المجاهد قدس سره(1)، والشَّيخ جعفر الكبير قدس سره(2)، وصاحب الجواهر قدس سره(3)، والمحقِّق الكبير الشَّيخ الحلِّي قدس سره(4)، والسَّيِّد الحكيم قدس سره(5)، وبعضٍ من معاصرينا(6)-، قولٌ لايخفىٰ ما فيه!، فعهدتُه علىٰ مدَّعيه.
1) . راجع: المناهل، ص 198.
2) . راجع: شرح الشَّيخ جعفر علىٰ القواعد، ص 290.
3) . راجع: جواهر الكلام، ج 26 ص 364.
4) . راجع: بحوثٌ فقهيَّة، ص 109.
5) . راجع: مستمسك العروة، ج 10 ص 139، ثمَّ ج 13 ص 293.
6) . أقول: كالسَّيِّد الرَّوحانيِّ في فقه الصادق، ج 20 ص 35؛ والشَّيخ السُّبحانيِّ في الحجُّ في الشَّريعة الإسلاميَّة، ج 1 ص 232.
وفيه: إنَّ القدرةَ من شرائط التَّكليف العامَّة، ولا اختصاص لها بباب الشُّروط، وإلَّا فلابدَّ من إضافة البلوغ والعقل والعلم إلى القدرة أيضًا - لكون الشُّروط كلِّها لافرق بينها في هذا المضمار -.
كما أشار إلى هذا الشَّرط كثيرٌ من الفقهاء، كالمحقِّق الرَّشتي قدس سره(1)، والفقيه السَّيِّد الخوئيِّ قدس سره(2)، والشَّيخ احمد آل كاشف الغطاء قدس سره(3)، والمحقِّق البجنورديِّ قدس سره(4).
ثمَّ إنَّ من الأعلام مَن نفىٰ الخلافَ في هذا الشَّرط(5)، مع وجود المخالف فيه؛
أمَّا من المتقدِّمين فقد حُكِي عن الشَّيخ قدس سره والقاضي قدس سره وغيرهما القولَ بالخلاف(6)
أمَّا من المعاصرين فقد يُتراءىٰ عن بعض عبائرهم(7)عدم ذهابهم إلى هذا المبنىٰ؛
وكيف كان فثبوت الإجماع في المسألة في غاية الإشكال!.
1) . راجع: كتاب الإجارة، ص 73.
2) . راجع: مصباح الفقاهة، ج 5 ص 432.
3) . راجع: سفينة النَّجاة، ج 3 ص 140.
4) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 258.
5) . انظر: إرشاد الطَّالب، ج 4 ص 379.
6) . أقول: وانظر: فقه الصَّادق، ج 18 ص 40؛ منهاج الفقاهة، ج 6 ص 236.
7) . فانظر علىٰ سبيل المثال: كتاب البيع - للفقيه الشَّيخ الأراكي قدس سره -، ج 2 ص 366.
8) . للتَّفصيل في بيان أقسام الشَّرط الجائز وغير الجائز راجع: رسائل الميرزا القمِّي، ج 2 ص 917.
كما أشار إلى هذا الشَّرط بعضُهم(1).
وفيه أيضًا: إنَّه من الشَّرائط العامَّة للتَّكليف، ولا اختصاص له بباب الشُّروط، بل كلُّ معامَلَةٍ وقعَتْ علىٰ الُمحرَّمات فليسَت بصحيحةٍ(2).
أقول(3): هذا الشَّرط مذكورٌ في غير واحدٍ من الرِّوايات، لأنَّه يلزمُ عن مخالفته تحليلُ الحرام وتحريمُ الحلال؛
كقول الصَّادق عليه السلام: «كلُّ شرطٍ خالَفَ كتابَ اللَّه فهو ردٌّ» فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(4)، والفيض قدس سره(5)، والحرُّ قدس سره(6)وقد حسَّنه العلَّامة المجلسيُّ قدس سره(7)، وجعله ولده العظيم الحسنَ كالصَّحيح(8)، وقد صحَّحه المحقِّق الكمبانيُّ الأصفهانيُّ قدس سره(9)،
1) . أقول: فانظر علىٰ سبيل المثال: الدَّلائل في شرح منتخب المسائل، ج 5 ص 35؛ إرشاد الطَّالب، ج 4 ص 419.
2) . وانظر أيضًا: كتاب البيع - للإمام الخمينيِّ قدس سره -، ج 5 ص 232.
3) . لبيان الفرق بين هذا الشَّرط وما مضىٰ في الشَّرط الثَّالث راجع: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 259.
4) . راجع: الكافي، ج 5 ص 212 الحديث 17.
5) . راجع: الوافي، ج 17 ص 513 الحديث 17744.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 267 الحديث 23646.
7) . راجع: مرآة العُقول، ج 19 ص 239.
8) . راجع: روضة المتَّقين، ج 7 ص 50.
9) . راجع: حاشيَة كتاب المكاسب - الطَّبعة الحجريَّة الكبيرة -، ص 35.
وغيره من المعاصرين(1).
وكيف كان فإنَّ كثرةَ استشهاد القوم به - كالمحقِّق البحرانيِّ قدس سره(2)، وآل عصفور البحرانيِّ قدس سره(3)، وصاحب الرِّياض قدس سره(4)، والمحقِّق النَّراقي قدس سره(5)، والشَّيخ الأعظم قدس سره(6)وغيرهم من الفقهاء - تدلُّ علىٰ صحَّة الاِعتماد عليه.
وهذه الرِّوايات كثيرةٌ، والتَّفصيل فيها يأتي في محلِّه من هذه الرِّسالة.
وقد نصَّ علىٰ اشتراطه كثيرٌ من المتقدِّمين والمتأخِّرين، أو يُستفاد من كلماتهم، كفخر المحقِّقين قدس سره(7)، والصِّيمُريِّ قدس سره(8)، والمحقِّق المحدِّث البحرانيِّ قدس سره(9)، والمحقِّق الفشاركيِّ قدس سره(10)، والمحقِّق النَّجم آباديِّ قدس سره(11)، وسيِّدنا الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره(12)،
1) . فانظر: إرشاد الطَّالب، ج 4 ص 466.
2) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 32.
3) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 11 ص 386.
4) . راجع: رياض المسائل، ج 8 ص 376.
5) . راجع: عوائد الأيَّام، ص 130.
6) . راجع: كتاب المكاسب، ج 6 ص 100.
7) . راجع: إيضاح الفَوائد، ج 2 ص 10.
8) . راجع: غاية المرام، ج 2 ص 61.
9) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 14 ص 265.
10) . راجع: الرَّسائل الفشاركيَّة، ص 521.
11) . راجع: حاشيَة المكاسب، ص 567.
12) . راجع: كتاب البيع، ج 5 ص 273.
وولده العظيم قدس سره(1)، والسَّيِّد الفقيه الخوئي قدس سره(2)، والشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(3)، والشَّيخ احمد قدس سره منهم(4)، وغيرهم(5)
راجع: المرتقىٰ / كتاب الزَّكاة، ج 3 ص 114.
.هذا؛ إلَّاأنَّه لو لم يرد البائعُ ولاالمشتري تحليلًا ولا تحريمًا غير جائزين، بل أرادا تقييدَ المصداق بشرطٍ، فلا دليل إذن علىٰ البطلان.
فعلىٰ سبيل المثال: إنَّ المضاربةَ عقدٌ جائزٌ، فالمتضارِبان لوانعَقَدا علىٰ مضاربة شيءٍ مشترِطًا فيه أنَّها عقدٌ لازمٌ، فلايجوز عقدُهما، بل هو باطلٌ - لكون الشَّرط يشمل علىٰ ما يحرِّم الحلالَ -؛
أمَّا لوانعقدا مُسقِطًا في العقد الفسخَ، بحيث لم يكن لأحدهما أن ينفَسِخَ العقدَ، فهو عقدٌ صحيحٌ، لعدم المانع عنه؛ ويشمله حينئذٍ قوله: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».
كما يدلُّ عليه صريحُ العقل؛ وما يظهر من كلمات بعض الأعلام، كالشَّيخ الإماميِّ الخوانساريِّ قدس سره(6)، وسيِّدنا الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره(7)، والمحقِّق
البجنورديِّ قدس سره(1)، وغيرهم(2)
راجع: كتاب الخيارات، ج 2 ص 24؛ الشُّروط أو الإلتزامات التَّبعيَّة في العقود، ج 1 ص 97.
.وهذا الشَّرط يرجع إلى الجِدِّ في الشَّرط في الحقيقة؛ فليس هو شرطًا مستقلًّا بحِيالِه.
فلوباع الدَّار بشرط أن لايكون له ثمنٌ قِبَلَها، ففي الحقيقة لم يرد البيع، فبيعه إذن فاسدٌ!. نعم! لوأراد بذلك الهِبَة، فيمكن القول بالصِّحَّة، لخروج العقد إذن عن البيع.
وهذا الشَّرط يظهر من صريح كلام المحقِّق الثَّاني قدس سره(3)، والشَّهيد الثَّاني قدس سره(4)، والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(5)، والمحقِّق البحرانيِّ قدس سره(6)، والوحيد الفريد قدس سره(7)، وصاحب الرِّياض قدس سره(8)، والشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(9)، وصاحب الجواهر قدس سره(10)،
1) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 259.
2) . أقول: كالسَّيِّد مصطفىٰ الخميني قدس سره، والسَّيِّد عبدالمجيد الخوئي قدس سره؛
3) . راجع: جامع المقاصد، ج 8 ص 55.
4) . راجع: مسالك الأفهام، ج 7 ص 410، ثمَّ ج 10 ص 445.
5) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 10 ص 133.
6) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 21 ص 363.
7) . راجع: حاشيَة مجمع الفائدة، ص 411.
8) . راجع: رياض المسائل، ج 8 ص 245.
9) . راجع: أنوار الفقاهة / كتاب النِّكاح، ص 253.
10) . راجع: جواهر الكلام، ج 27 ص 68.
والمحقِّق البجنورديِّ قدس سره(1)بل قال العلَّامة المجلسي قدس سره: «المشهور بين الأصحاب عدم صحَّة اشتراط ما يكون منافيًا لمقتضىٰ العقد...»(2)
وقد بالغ المحقِّق القمِّي قدس سره في البحث عن هذا الشَّرط والتَّحقيق حوله، فراجع إلى كلامه المفيد في الباب(3).
وإلَّا يلزم الغَرَر، وقد «نهىٰ النَّبيُّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغَرَر» - كما عن ابنِطيٍّ قدس سره(4)، والشَّيخ الأعظم قدس سره(5)، والمحقِّق البجنورديِّ قدس سره(6)، والفقيه الأراكيِّ قدس سره(7)، وغيرهم(8)
راجع: المُهادَنة، ص 58؛ فقه الصَّادق، ج 18 ص 34.
-.وفيه:
أوَّلًا: إنَّ الدَّليل يرجع إلى البيع، لا إلى الشَّرط.
وثانيًا: إنَّه حُكمٌ تكليفيٌّ ونهيٌ عن أن يَغُرَّ المرءُ غيرَه، إذ الغَرَر من الُمحرَّمات الكِبار؛ فلاربط له بما نحن فيه.
1) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 267.
2) . راجع: ملاذُ الأخيار، ج 11 ص 24.
3) . راجع: رسائل الميرزا القمِّي قدس سره، ج 2 ص 914.
4) . راجع: المسائل الفقهيَّة، ص 297.
5) . راجع: كتاب المكاسب، ج 6 ص 51.
6) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 3 ص 279.
7) . راجع: الخيارات، ص 482.
8) . أقول: كسماحة السَّيِّد الفقيه الخامنه اي - مُدَّ ظلُّه -، والفقيه الرَّوحانيِّ؛
وثالثًا: إنَّه ضعيفٌ سندًا.
وقد فصَّلنا الكلام حول سند هذا الحديث في البحث عن قاعدة الشَّرط الفاسد؛ فراجِعْ إليه إن أردتَ!.
وادِّعاءُ جبرُ السَّند بعمل الأصحاب؛
فيه ما فيه!، إذ الأصحاب يعملون بهذا الأصل الأخلاقيِّ الَّذي يقوم عليه نظامُ المعاش في المجتمع، لا بهذا الخبر الضَّعيف سندًا!.
ورابعًا: أنَّه لوكان لهذا الشَّرط المجهول داعٍ عقلانيٌّ، فليس للبطلان إذن وجهٌ، وهذا يجري في الشَّرط وفي غيره من أجزاء البيع - بمعناه العام -.
وخامسًا: إنَّ المعاملات الغَرَريَّة كثيرةٌ في العُرف جدًّا، ورَدْعُها بمثل هذا الحديث لايجوز قطعًا.
أقول: لم نجد دليلًا يُشير إلى اشتراط كون الشَّرط في العقد، جائزًا كان أو لازمًا؛ هذا من ناحيَةٍ؛
ومن ناحيَةٍ أُخرىٰ، فجَعْلُ العقود الجائزة مشروطةً بشروطٍ كثيرٌ في الفقه جدًّا - كما لايخفىٰ علىٰ المتتبِّع الخبير -.
لأنَّ التَّعليق ينافِي الإنشاء.
1) . لتفصيل البحث عن اختلاف الأصحاب في الشَّرط في ضمن العقد اللَّازم، لا الجائز انظر: عوائد الأيَّام، ص 136.
والمراد بالتَّعليق عند القوم تعليق العقد بشرطٍ لم يُعلَم وجودُه؛ أمَّا لوكان الشَّرط أمرًا واقعيًّا لايوجب الشَّكَّ للمتعاقدين فلاكلام لهم في صحَّة اشتراطه، كما عن العلَّامة قدس سره(1)، وولده العظيم قدس سره(2)، والمحقِّق قدس سره(3)، وثانيهما قدس سره(4)، والشَّيخ قدس سره(5)، والشَّهيد الثَّاني قدس سرهما(6)، وغيرهم.
وفيه: إنَّ التَّعليق في التَّكوين محالٌ، وأمَّا قياس التَّشريع بالتَّكوين فغير جائزٍ قطعًا(7).
فلذلك نجدُ بالوجدان جواز التَّعليق في الإنشاء أيضًا.
وإن أبَيتَ عن ذلك فنقول: جواز التَّعليق في المُنشَأ جائزٌ قطعًا وإن لم يكن جائزًا - بحسب بعض الأقوال - في نفس الإنشاء.
حتَّى اشتهر في الفقه بمسألة دور العلَّامة قدس سره.
1) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 15 ص 222.
2) . راجع: إيضاح الفَوائد، ج 2 ص 360.
3) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 200.
4) . راجع: جامع المقاصد، ج 8 ص 305.
5) . راجع: المبسوط، ج 2 ص 385.
6) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 276.
7) . كما مضتْ الإشارة إليه.
8) . هذا تقرير كلام العلَّامة قدس سره وتقريبه؛ راجع: تذكرة الفقهاء - الطَّبعة الحجريَّة الكبيرة -، ج 1 ص 490.
وقد نفىٰ الشَّيخ الأعظمُ قدس سره الخلافَ في فساد البيع المشروط فيه هذا الشَّرط(1)، ثمَّ حكىٰ عن الشَّهيد قدس سره(2)أنَّه ذهب إلى بطلان هذا البيع، لعدم قصد البيع فيه حقيقةً(3).
وفيه:
أوَّلًا: إنَّ هذا الدَّور معيٌّ، ولايلزم منه المحالُ، بل الدَّور في عالَم الشَّرع مطلقًا يكون كذلك، ولاقياس بين عالَمَي التَّكوين و التَّشريع.
وثانيًا: إنَّ مثل هذا يقع في المعامَلات العُرفيَّة كثيرًا، فوقُوعُه بين النَّاس من الوِجدانيات. ثمَّ إنَّ رَدْعَ سيرة النَّاس يحتاج إلى دليلٍ قويٍّ؛ وبمثل هذه الَّتمحُّلات - من إشتمال البيع إذن علىٰ الدَّور - لايمكن ردعُها قطعًا.
فتلخَّص ممَّا تلوناه عليك: إنَّ الشَّرط لا شرط فيه أصلًا!. فما اشتهر باشتراط الشَّرط بالشُّروط العشرة، مطلقًا ليس بصحيحٍ؛
بل في الشُّروط ما ليس بنفسه بصحيحٍ قطعًا.
اعلم! أنَّ للشَّرط تقسيماتٍ،
كتقسيمه إلى الجائز وغير الجائز - وقد بحث عنه المحقِّق القمِّي قدس سره(4)-؛
وكتقسيمه بحسب متعلَّقه - وقد بحث عنه شيخنا الأعظم الأنصاريِّ قدس سره(1)-؛
والمراد هيهنا من تقسيماته هو ما بيَّنَّاه بأنَّ الشَّرط:
قد يكون فعليًّا، كما إذا اشترط زيدٌ أن يبيع دارَه من عمروٍ؛
وقد يكون الشَّرط غير فِعليٍّ، بمعنىٰ أنَّه يحصل بعدَ جريان العقد، كما إذا اشترَطَ أنَّه يشتري دارَ زيدٍ بشرط أن يكون مَعْمَلُه معها أيضًا. فباشتراء الدَّار يصير مالكًا للمَعْمَل أيضًا.
فهل إطلاق «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «المؤمنون عند شروطهم» يشمل كِلَي الفَردَين؟، أم لا؟.
الظَّاهرُ شمولُ أمثال الرِّوايَتَين لهما معًا بعد صدق العقد والشَّرط عليهما.
وما قيل من: «إنصراف الأدلَّة عن الشَّرط الَّذي يحصل بعد العقد»؛
لانرىٰ له وجهًا أصلًا. ولوكان فالانصراف بدْوِيٌّ لا وجه له.
هل مخالفةُ الشَّرط يُوجِب بطلانَ المعاملة؟، أو يُوجِب جوازَ فسخِها؟.
الأقوىٰ المختارُ هو الثَّاني، تبعًا للمشهور - كما قد بحث عنه ابنُفهدٍ قدس سره(2)، وحكاه العلَّامة قدس سره عن ابن الجنيد قدس سره، وابن البرَّاج قدس سره أيضًا(3)، والسَّبزواريِّ القمِّي قدس سره(4)،
والشَّيخ قدس سره(1)، وكثيرٍ من المعاصرين(2)-؛
لأنَّ العقدَ المشروط مركَّبٌ عُرفًا من ذات المشروط ومن الشَّرط، ولايكون بسيطًا؛ فإذا تخلَّف البائعُ - مثلًا - عن الشَّرط يبقىٰ ذات المشروط تحتَ العقد. نعم! اقتضاءُ التَّخلُّف عن الشَّرط جوازُ فسْخِ العقد الَّذي وقعَ مشروطًا.
هل يجوز في التَّخلُّف عن الشَّرط أن يطلب الأَرْشَ دون الفسخ؟؛ وبعبارةٍ أُخرىٰ: هل لمَن عقد علىٰ شرطٍ ثمَّ وجَدَ العقدَ غير وافٍ بالشَّرط التَّخييرُ بين الفسخ والأرش؟، أو لا؟، بل ليس له إلَّاالفسخ؟.
المشهور(3)علىٰ الثَّاني، إلَّافي خيار العيب.
ولكنَّ الأقوىٰ هو الأوَّلُ(4)
أقول: ونظر أيضًا: الخيارات - للعلَّامة الفقيه مصطفىٰ الخميني قدس سره -، ج 1 ص 113.
، ولافرق بين الخيارات، فجميعُها عندنا كخيار العيب، لأنَّ السِّيرة العُقَلائيَّة علىٰ التَّخيير، ولايختصُّ هذا التَّخييرُ بخيار العيب أصلًا؛هذا من ناحيَةٍ؛
ومن ناحيَةٍ أُخرىٰ، فإنَّ هذه السِّيرة لم يَردَعْ عنها شيءٌ من الشَّرع، فهي المتَّبَعَة.
«لواشترط المالكُ علىٰ العامل أن يعمل بنفسه فلايجوز له التَّعدِّي، اتِّفاقًا، لأنَّ المؤمنين عند شروطهم»(1).
وانظر إلى ما ذكره الشَّارح البحرانيُّ قدس سره(2)، والسَّيِّد صاحب الرِّياض قدس سره(3)في المقام أيضًا.
وانظر إلى ما ذكره شُرَّاح عبارته، كالسَّيِّد الحكيم قدس سره(5)، والسَّيِّد الفقيه الخوئيِّ قدس سره(6)، والسَّيِّد السَّبزواريِّ قدس سره(7)
أقول: وانظر أيضًا إلى ما ذكره بعض كبار المعاصرين، كالشَّيخ الاشتهارديِّ، والسَّيِّد القمِّي؛
راجع: مدارك العُروة، ج 28 ص 162؛ الغاية القُصوىٰ / كتاب المضاربة، ص 140.
.1) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 3 ص 98.
2) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 12 ص 104.
3) . راجع: رياض المسائل، ج 9 ص 374.
4) . راجع: العُروة الوثقىٰ، ج 5 ص 262.
5) . راجع: مستمسك العروة، ج 12 ص 442.
6) . راجع: مباني العُروة الوثقىٰ، ج 1 ص 208.
7) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 19 ص 362.
8) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 147 المسألة 2712.
سنُشيرُ إلى أنَّ القاعدة عنوانٌ جامعٌ يجمَعُ بين كثيرٍ من فروع كتابَي الوصيَّة والمواريث، وهو متَّخَذٌ من حديثٍ شريفٍ، وقد تطابقَتْ كلمات الفقهاء علىٰ استعماله؛ فليس لها عناوين أخرىٰ نذكرها هيهنا.
الوصيَّة اسمُ مصدرٍ من الإيصاء(1)ومعناها اِتِّصال شيءٍ بشيءٍ(2)ويُقال لما عهِد أن يُعمَلَ به بعد موته: الوصيَّة لاتِّصاله موته بحياته بذلك العهد.
وقريبٌ منه ماذكره اللُّغويُّون من أنَّ الوصيَّة «سُمِّيت وصيَّةً لاتِّصالها بأمر الميِّت»(1)ومثله ما عن ابن منظورٍ(2)، والزَّبيديِّ(3).
وعن الفاضل المقداد قدس سره: «وسُمِّي ذلك وصيَّةً لأنَّ المُوصي يصل تصرُّفَه بعد الموت بما قبله»(4).
واصطلاحًا هي تمليكُ المرء آخرَ شيئًا بعد موته، أو تعهُّده شيئًا بعد موته - كما عن المحقِّق قدس سره: «الوصيَّةُ تمليك عينٍ أو منفعةٍ أو تسليطٌ علىٰ تصرُّفٍ بعد الوفاة»(5)-؛ فهي تمليكُه إيَّاه وتعهُّده به.
الوصيَّة من المفاهيم العُرفيَّة الَّتي لاتحتاج إلى مستندٍ شرعيٍّ، ولذلك ترىٰ كثيرًا من الفقهاء لم يذكروا تعريفَها في بدأ كتاب الوصيَّة من آثارهم، كالمفيد قدس سره(6)، والكَيدُريِّ قدس سره(7)، والشَّيخ قدس سره(8)، وابنِسعيدٍ قدس سره(9)، والعلَّامة قدس سره(10)، وغيرهم أيضًا.
1) . راجع: تهذيب اللُّغة، ج 12 ص 187.
2) . راجع: لسان العرب، ج 15 ص 394.
3) . راجع: تاج العروس، ج 20 ص 296.
4) . راجع: كنز العرفان، ج 2 ص 89.
5) . راجع: المختصر النَّافع، ص 163.
6) . راجع: المقنِعة، ص 665.
7) . راجع: إصباح الشِّيعة، ص 353.
8) . راجع: النِّهاية ونُكتها، ج 3 ص 138.
9) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 492.
10) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 329.
ولذلك فإنَّ الآيات والأحاديث(1)الواردة فيها كلَّها تُشيرُ إلى حكم العقل والعقلاء فيها؛
قال اللَّه - تعالى! -: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ اَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ»(2)، وقال - تعالى! -:
«وَ وَصّٰى بِهٰا إِبْرٰاهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ» (3).
نعم! قد يكون هذا التَّعهُّد في حياة الموصي والموصىٰ إليه، قال - جلَّ وعزَّ! -:
«وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حُسْناً» (4)، فإذن يُقال له: الموعظة؛
كما وأنَّه قد يكون ذلك الَّتمليكُ في حياتهما، فيُقال له: الهِبَة.
وهكذا الأمرُ في أحاديث الباب؛ وسنشيرُ إلى بعضها في ما يأتي من بيان القاعدة.
وهيهنا تنبيهاتٌ هامَّةٌ.
الوصيَّة أمرٌ مرغوبٌ فيه عرفًا وشرعًا؛ وهي بحسب حُكمِها علىٰ أقسامٍ:
الأوَّل: قد تكون الوصيَّة واجبةً، ووجوبُها فيما كان عدمُ الوصيَّة يؤدِّي إلى تضييع أمورٍ هامَّةٍ، كتضييع أماناتٍ كانت عنده، أو الدُّيون الَّتي كانت في ذمَّته،...
ونحو ذلك، وكالواجبات الَّتي استقرَّتْ في ذمَّته وهو لم يقضاها، كالصَّلوة والصَّوم والحجِّ الفائتة وغيرها؛ وقد أوجز الشَّيخ الشَّهيد قدس سره حيث قال: «تجب الوصيَّةُ علىٰ كلِّ من عليه حقٌ»(1)وقد أشار إلى وجوبها عليه المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره(2)، وادَّعىٰ ابنُزهرة قدس سره ثبوتَ الإجماع علىٰ وجوبها(3).
ففي هذه الموارد كلِّها أوجبَ العقلُ القيامَ بها، وأمضاه الشَّارع أيضًا، حتَّى ورد:
«من مات بغير وصيَّةٍ مات ميَّة الجاهليَّة».
الثَّاني: قد تكون الوصيَّة مندوبةً مؤكَّدةً - كما عن ابن البرَّاج قدس سره(4)، وابنِسعيدٍ قدس سره(5)، وابنِحمزة قدس سره(6)، والعلَّامة قدس سره(7)، وغيرهم -، قال - عزَّ مِن قائلٍ! -:
«كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ اَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ» (8). قال الشَّيخ قدس سره مفسِّرًا الكريمةَ: «كُتِب... ههنا معناه
الحثُّ والتَّرغيبُ، دون الفرض والإيجاب»(1)وانظر أيضًا إلى ما ذكره سيِّدنا الأستاذ العلَّامة قدس سره(2)، والرَّاونديُّ قدس سره(3)، والفاضل المقداد قدس سره(4). ومن الغريب هيهنا قول المحقِّق الطَّبرسي قدس سره حيث اختارَ في تفسير الكريمة نفسِها وجوبَ الوصيَّة، لا ندبها(5)!؛ وكذلك الفاضل الجواد قدس سره(6)!. وانظر أيضًا إلى ما كتبه كلٌّ من القرطبيِّ قدس سره(7)، وابن العربيِّ قدس سره(8)، والجصَّاص قدس سره(9)، والكياهراسي قدس سره(10)، وغيرهم.
والكريمة الشَّريفة ناظرةٌ إلى الوصيَّة للأقرباء الَّذين لايرثون من الميِّت، والوالِدَين اللَّذَين يحتاجان إلى أزيد ممَّا يرثان منه؛ كما أشار إلى هذا المعنىٰ مُقاتل بن سليمان قدس سره(11)، والطَّبريُّ قدس سره(12)، وغيرهما.
ولايخفىٰ ما في قوله - تعالى! -: «حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ» من التَّأكيد البالغ في ذلك.
1) . راجع: التِّبيان، ج 2 ص 108.
2) . راجع: الميزان، ج 1 ص 439.
3) . راجع: فقه القرآن، ج 2 ص 300.
4) . راجع: كنز العرفان، ج 2 ص 90.
5) . راجع: مجمع البيان، ج 1 ص 483.
6) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 106.
7) . راجع: الجامع لأحكام القرآن، ج 2 ص 257.
8) . راجع: أحكام القرآن، ج 1 ص 70.
9) . راجع: أحكام القرآن، ج 1 ص 203.
10) . راجع: أحكام القرآن، ج 1 ص 57.
11) . راجع: تفسير مقاتل بن سليمان، ج 1 ص 159.
12) . راجع: جامع البيان، ج 2 ص 69.
وكذلك التَّرغيب إلى ذلك ورد في كثيرٍ من رواياتنا، حتَّى ذُكِر في عدَّةٍ منها إنَّ:
«الوصيَّة حقٌّ علىٰ كلِّ مسلمٍ»؛ كما قد رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، وأبوحنيفة نعمان المغربي قدس سره(2)، والصَّدوق قدس سره(3)، والشَّيخُ قدس سره(4)، والفيض قدس سره(5)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(6)وغيرهم.
بل إنَّها حقٌّ علىٰ كلِّ إنسانٍ؛ وقد جمع كثيرًا منها الشَّيخُ المحدِّثُ الحرُّ قدس سره في الباب الأوَّل من أبواب الوصيَّة من جامعه الكبير(7).
كما وأنَّ الوصيَّة العهديَّة بالخيرات والمبَرَّات وعملِ أقربائه سيَّما أولاده بهما أمرٌ مرغوبٌ فيه عقلًا وشرعًا.
الوصيَّةُ من العقود الَّتي تحتاج إلى إيجابٍ وقبولٍ. هذا هو المشهور بين الأصحاب؛ وقد نصَّ عليه سلَّار الدَّيلميُّ قدس سره(8)، والعلَّامة قدس سره في تحريره(9)،
1) . راجع: الكافي، ج 7 ص 2 الحديث 1.
2) . راجع: دعائم الإسلام، ج 2 ص 345 الحديث 1292.
3) . راجع: الفقيه، ج 4 ص 187 الحديث 5431.
4) . راجع: التَّهذيب، ج 9 ص 172 الحديث 701.
5) . راجع: الوافي، ج 24 ص 21 الحديث 23588.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 258 الحديث 24541.
7) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 257.
8) . راجع: المراسم العلويَّة، ص 202.
9) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 330 المسألة 4725.
ومختلفه(1)، وعن الفقيه النَّجفي قدس سره: «أنَّه لاإشكال بل لا خلاف في أنَّها تفتقر إلى إيجابٍ وقبولٍ، للإجماع بقِسمَيه»(2). وقد خالفهم في هذا شرذمةٌ قليلةٌ، كالمحقِّق الخوانساريِّ قدس سره(3).
نعم! أنَّها من العقود الجائزة لأنَّها لاتُنَجَّزُ إلَّابعد موت الموصي، كما عن ابنِسعيدٍ قدس سره(4)، والشَّهيد(5)، وثانيهما قدس سرهما(6)، والمحقِّق البحرانيِّ قدس سره(7)، و شارح المفاتيح قدس سره(8)، وغيرهم؛ وله أن يرجعَ عن وصيَّته. ففي الحقيقة أنَّ الموصىٰ به لايخرج عن مِلكِه إلَّابعد موته؛ ولذلك يمكن أن يُقال: أنَّها من العقود الجائزة قبل موت الموصي، ومن العقود اللَّازمة بعد موته وقبول الموصىٰ له إيَّاها.
هذا كلُّه في الوصيَّة الَّتمليكيَّة.
وأمَّا في الوصيَّة العَهديَّة(9)، فهي من الإيقاعات لاتحتاج إلى قبولٍ - كما عن
1) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 6 ص 408.
2) . راجع: جواهر الكلام، ج 28 ص 242.
3) . راجع: التَّعليقات علىٰ الرَّوضة البَهيَّة، ص 381.
4) . راجع: نزهة النَّاظر، ص 90.
5) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 2 ص 295.
6) . راجع: مسالك الأفهام، ج 6 ص 135.
7) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 22 ص 405.
8) . راجع: الأنوار اللَّوامع ج ج 13 ص 344.
9) . حول هذا الاصطلاح راجع: جواهر الكلام، ج 28 ص 461؛ بلغة الفقيه، ج 4 ص 53.
الفقيه اليزديِّ قدس سره(1)، وشارحي عبارته، كالسَّيِّد الحكيم قدس سره(2)، والسَّيِّد الفقيه الخوئي قدس سره(3)، والسَّيِّد السَّبزواري قدس سره(4)، والشَّيخ الإشتهاردي قدس سره(5)، وغيرهم أيضًا -؛ ولايجب الوفاء بها من قِبَل الموصىٰ له. فمن أوصىٰ أن يَبني الموصىٰ له مسجدًا باسمه ثمَّ لم يُوصِ بمالٍ لهذه الوصيَّة، فللموصىٰ له أن يقبل هذه الوصيَّة، أو لم يقبلها(6).
نعم! يستحبُّ له أن يقبلها ويعمل بها، حتَّى أنَّه إن قبلها قبل موتِ الموصي أو بعده، يجب عليه أن يقوم بالعمل بها، وليس له التَّخلُّف عنها.
اشتهر بين الأصحاب أنَّه لومات الموصىٰ له فالوصيَّة تنتقل إلى ورثته - كما عن سلَّار الدَّيلمي قدس سره(7)، والكَيدريِّ قدس سره(8)، والفاضل الآبي قدس سره(9)، والمحقِّق قدس سره(10)، والقمِّيِّ
1) . راجع: العُروة الوثقىٰ، ج 5 ص 652 المسألة 1.
2) . راجع: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 14 ص 536.
3) . راجع: موسوعة الإمام الخوئيِّ قدس سره، ج 33 ص 295.
4) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 22 ص 134.
5) . راجع: مدارك العُروة، ج 30 ص 197.
6) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 6 ص 224.
7) . راجع: المراسم العلويَّة، ص 204.
8) . راجع: إصباح الشِّيعة، ص 360.
9) . راجع: كشف الرُّموز، ج 2 ص 77.
10) . راجع: المختصر النَّافع، ص 164.
السَّبزواريِّ قدس سره(1)، وكثيرٍ من الأعلام غيرهم -؛
سواءٌ مات قبل الموصي،
أو بعده؛
وسواء قَبِل الوصيَّة ثمَّ مات،
أو لم يقبلها(2).
نعم! لومات قبلَ الموصي فللموصي أن يرجع من وصيَّته، كما يكون كذلك فيما إذا كان حيًّا قبل موت الموصي، فبدا له أن يُغيِّر وصيَّتَها، أو يغيِّر مَن يوصىٰ به.
وفي المسألة رواياتٌ كثيرةٌ أورَدَها الشَّيخُ المحدِّث الحرُّ قدس سره في الباب الثَّالث من أبواب كتاب الوصيَّة من جامعه(3)
منها: صحيحة محمَّد بن قيسٍ - كما قد صحَّحها صاحب الجواهر قدس سره(4)، وشارح المفاتيح قدس سره(5)، وعن ثاني المجلسيَّين أنَّها من الحسن كالصَّحيح(6)، وعن أوَّلهما قدس سرهما أنَّها حسنةٌ، كذا في مرآته(7)وملاذه(8)، وذلك للإختلاف الواقع في أسانيد الحديث؛ وكيف
1) . راجع: جامع الخلاف والوِفاق، ص 381.
2) . وانظر: كتاب الخلاف، ج 2 ص 145 المسألة 181.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 333.
4) . راجع: جواهر الكلام، ج 28 ص 259.
5) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 13 ص 345.
6) . راجع: روضة المتَّقين، ج 11 ص 91.
7) . راجع: مرآة العقول، ج 23 ص 23.
8) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 15 ص 194.
كان فلابأس بسنده أصلًا -، عن أبي جعفرٍ عليه السلام: «قضىٰ أميرُالمؤمنين عليه السلام في رجلٍ أوصىٰ لآخرَ والموصىٰ له غائبٌ فتوفِّي الموصىٰ له الَّذي أوصىٰ له قبل الموصي، قال:
الوصيَّةُ لوارث الَّذي أوصىٰ له. قال: ومَن أوصىٰ لأحدٍ شاهدًا كان أو غائبًا فتُوُفِّي الموصىٰ له قبلَ الموصي فالوصيَّةُ لوارث الَّذي أوصىٰ له إلَّاأن يرجع في وصيَّته قبل موتِه»؛ فيما رواها الكلينيُّ قدس سره(1)، والصَّدوق قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)، والفيض قدس سره(4)، والحرُّ قدس سره(5)- واللَّفظ له -.
قد وردتْ رواياتٌ كثيرةٌ في صحَّة وصيَّة الصَّغير غير البالغ، وعمل جملةٌ من الأصحاب بها - كما حكاه العلَّامة قدس سره ثمَّ حكىٰ عن ابن إدريس قدس سره «أنَّه لاتصحُّ وصيَّة غير البالغ»(6)كما وأنَّ المحقِّق البحرانيَّ قدس سره جعَل القول بصحَّة هذه الوصيَّة أحد الأقوال في المسألة(7)كالسَّيِّد المجاهد قدس سره(8)-؛ وهي ما رواه الشَّيخ الحرُّ قدس سره في الباب الرَّابع والأربعين من أبواب كتاب الوصيَّة(9)
1) . راجع: الكافي، ج 7 ص 13 الحديث 1.
2) . راجع: الفقيه، ج 4 ص 210 الحديث 5489.
3) . راجع: التَّهذيب، ج 9 ص 230 الحديث 903.
4) . راجع: الوافي، ج 24 ص 99 الحديث 23720.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 333 الحديث 24716.
6) . راجع: تذكرة الفقهاء - الطَّبعة الحجريَّة -، ص 459.
7) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 22 ص 407.
8) . راجع: المناهل، ص 83.
9) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 360.
لكنَّها تُخالِفُ الكتابَ العزيزَ!، قال اللَّه - جلَّ جلالُه! -: «وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا اَلنِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ»(1)وهي صريحةٌ في جواز تصرُّف غير البالغ بعد بلوغه وبعد رشده في أمواله، لا قبلهما؛
والوصيَّةُ أيضًا تصرُّفٌ،
فليس لغير البالغ أن يتصرَّف في أمواله بها.
فإذن لابدَّ من القول في هذه الرِّوايات بأنَّ المراد منها الوصيَّةُ بعد إجازة الوليِّ، أو إمضائه إيَّاها مع كونها مصلحةً لغير البالغ الصَّغير؛
وإلَّا فالرِّوايات تكون معرضًا عنها عند الأصحاب أوَّلًا؛
ومخالفةً للكتاب العزيز ثانيًا.
أجمعَت الأصحابُ قديمًا وحديثًا علىٰ أنَّه لايجوز الوصيَّة بأزيد من ثلث المال، قال الفقيه الأقدم ابنُبابويه قدس سره: «المشهور عند علمائنا كافَّةً أنَّ الوصيَّة تمضي من ثلث المال»(2)والمسألة مذكورةٌ عند غيره، كالعلَّامة قدس سره(3)، والمفيد قدس سره(4)، والشَّيخ قدس سره في نهايته(5)، وخلافه(6)، وابن البرَّاج قدس سره(7)، وفي جواهره(8)، وكذلك عن غيرهم بين
القدماء والُمحدثين والمعاصرين؛
فإن أوصىٰ بأزيد منه لاتتنجَّزُ الوصيَّةُ إلَّابعد إذن الورثة(1)- في حياة الموصي، أو بعد وفاته -؛ قال ابنُبابويه قدس سره بعد ما نقلنا عنه آنفًا: «وتبطل في الزَّائد إلَّامع الإجازة»(2). ومثله ما عن المفيد قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، وابن البرَّاج قدس سره(5)، وفي جواهره(6)أيضًا.
وتدلُّ عليه رواياتٌ وردَتْ فيه؛
منها: صحيحة اَحمد بن إسحاق - وإن كانت مكاتبةً، كما صحَّحها المجلسيَّان الأوَّل(7)والثَّاني قدس سرهما(8)- عن أبي الحسن الثَّالث عليه السلام: «أنَّ دُرَّة بنتَ مُقاتل تُوُفِّيَت وتركتْ ضيعةً أشقاصًا في مواضعَ وأوصَتْ لسيِّدنا في أشقاصها بما يبلغُ أكثرَ من الثُّلث؟...، فكتب بخطِّه: ليس يجب عليها في ترَكَتها إلَّاالثُّلث، وإن تفضَّلتُم وكنتُم
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 6 ص 261.
2) . راجع: مجموعة فتاوىٰ ابن بابويه، ص 110.
3) . راجع: المقنِعة، ص 670.
4) . راجع: المبسوط، ج 4 ص 17.
5) . راجع: المهذَّب، ج 2 ص 107.
6) . راجع: جواهر الفقه، ص 148.
7) . راجع: روضة المتَّقين، ج 4 ص 187.
8) . راجع: مرآة العقول، ج 23 ص 19.
الورثةَ كان جائزًا» - الحديث -؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والصَّدوق قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)، والحرُّ قدس سره(4).
نعم! تُعارِضُها موثقةُ عمَّار عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «الرَّجلُ أحقُّ بمالِه مادام فيه الرُّوح، إذا أوصىٰ به كلِّه فهو جائزٌ»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(5)، والصَّدوق قدس سره(6)، والشَّيخ قدس سره في اِستبصاره(7)، وتهذيبه(8)، والفيضُ قدس سره(9)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(10)- واللَّفظ له -.
ونُسِب إلى والد الصَّدوق قدس سره العملُ به؛ قال: «فإن أوصىٰ بالثُّلث فهو الغاية في الوصيَّة، فإن أوصىٰ بماله كلِّه فهو أعلم بما فعله»(11)كما وقد نسَبَه إليه العلَّامةُ قدس سره في المختلف(12)، والبحرانيُّ قدس سره(13)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(14)، والفقيه الخوانساريُّ قدس سره(15)،
1) . راجع: الكافي، ج 7 ص 10 الحديث 2.
2) . راجع: الفقيه، ج 4 ص 187 الحديث 5429.
3) . راجع: الوافي، ج 24 ص 52 الحديث 23645.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 375 الحديث 24580.
5) . راجع: الكافي، ج 7 ص 7 الحديث 2.
6) . راجع: الفقيه، ج 4 ص 202 الحديث 5468.
7) . راجع: الاِستبصار، ج 4 ص 121 الحديث 459.
8) . راجع: التَّهذيب، ج 9 ص 187 الحديث 753.
9) . راجع: الوافي، ج 24 ص 70 الحديث 23668.
10) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 281 الحديث 24598.
11) . راجع: مجموعة فتاوىٰ ابن بابويه، ص 110.
12) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 6 ص 393.
13) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 22 ص 421.
14) . راجع: مسالك الأفهام، ج 6 ص 147.
15) . راجع: جامع المدارك، ج 4 ص 94.
وغيرهم.
وهو شاذٌّ نادرٌ لايُعبَأ به روايةً وفتوىً.
أمَّا فتوىً، فظاهرٌ؛ أمَّا روايةً فلضَعفها، كما عن المحقِّق الثَّاني قدس سره(1)ولذلك قال الفقيه المحقِّق الخوئيُّ قدس سره: «إنَّ الخبر موهونٌ بمعارضته بغيره من الرِّوايات ممَّا هو أصحُّ سندًا وأكثر عددًا وأشهر؛ علىٰ أنَّ الخبر في نفسه ضعيفٌ ولايمكن الإعتماد عليه»(2).
قد اختلفَ الأصحابُ في الوصيَّة المُبهَمَة(3)وذلك لأجل الإختلاف في الرِّوايات الواردة فيها؛ فاختار الصَّدوق قدس سره واحدًا من العشرة(4)واختار مرَّةً أُخرىٰ واحدًا من السَّبعة(5)، والسَّبع اختاره القاضي ابنُالبرَّاج قدس سره(6)، وابنُحمزة قدس سره(7)، وابنُزهرة قدس سره(8)، وابنُ شهرآشوب قدس سره(9)، وابنُإدريس قدس سره(10)،
1) . راجع: جامع المقاصد، ج 11 ص 95.
2) . راجع: موسوعة الإمام الخوئيِّ قدس سره، ج 27 ص 85.
3) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 6 ص 287.
4) . راجع: المقنِع، ص 478.
5) . راجع: الهداية، ص 320.
6) . راجع: جواهر الفقه، ص 150.
7) . راجع: الوسيلة، ص 378.
8) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 308.
9) . راجع: متشابه القرآن، ج 2 ص 215.
10) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 3 ص 187.
والعلَّامة قدس سره في إرشاده(1)، وتبصرته(2)، وتحريره(3).
ولمَّا كانت الرِّواياتُ مختلفةً متعارِضةً، فتتساقطُ، فتُرجَع إلى عمومات الإرث؛
ولكن علىٰ الورثة إعطاءُ شيءٍ للموصىٰ له علىٰ سبيل الخير عرفيًّا؛ وهو القدر المُتيَقَّن من هذه الرِّوايات.
توضيح ذلك: إنَّ الرِّوايات الواردة في الباب الرَّابع والخمسين من أبواب الوصيَّة(4)منها ما يدلُّ علىٰ السُّبع من الثُّلث،
ومنها ما يدلُّ علىٰ العُشر من الثُّلث،
وهي صحيحةٌ سندًا ودلالةً، ولاجمع عرفيٍّ بينهما. وما قال به الشَّيخ قدس سره من: «أنَّ روايات السُّبع تدلُّ علىٰ الوجوب، وروايات العُشر تدلُّ علىٰ الاستحباب»(5)
جمعٌ تبرُّعيٌّ لا عرفيٌ، ضرورةَ أنَّ السُّبع منافٍ للعُشر عرفًا؛ فالإمامُ عليه السلام يستدلُّ للعُشر بقوله - تعالى! -: «اِجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً»(6)، وقال عليه السلام:
«لأنَّ الجبالَ عَشرةٌ» - فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(7)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(8)-؛
1) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 461.
2) . راجع: تبصرة المتعلِّمين، ص 130.
3) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 353.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 380.
5) . راجع: الاِستبصار، ج 4 ص 133 في التَّذييل علىٰ الحديث 501.
6) . كريمة 260 البقرة.
7) . راجع: الكافي، ج 7 ص 40 الحديث 3.
8) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 380 الحديث 24803.
وتارةً استدلَّ أميرالمؤمنين عليه السلام للسُّبع بقوله - تعالى! -: «لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ»(1)فيما رواه المفيد قدس سره في إرشاده(2)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(3)، والسَّيِّد شُبَّر قدس سره(4).
وبالجملة إنَّ الرِّوايات كلَّها صحيحةٌ سندًا ودلالةً، ولايمكن الجمع العُرفيُّ بينها، فالقاعدة تقتضي السُّقوط والرُّجوع إلى عمومات الإرث.
ولكن حيث إنَّ إعطاءَ الورثة للموصىٰ له مسلَّمٌ قطعيٌّ بلانقاشٍ، فيرجعُ الأمر إلى التَّخيير بين الأقلِّ والأكثر. والمُتيَقَّن هو الأقلُّ(5)، وإن كان الأكثرُ هو الأحوط والأحسن؛ ولعلَّ مراد الشَّيخ قدس سره بكلامه هو هذا.
هذا كلُّه إذا أوصىٰ ب «جزءٍ» من ماله.
وأمَّا إذا أوصي ب «سهمٍ» منه، فالمشهور بين الأصحاب هو الذِّهاب إلى أنَّ للموصىٰ له الُّثمن من المال، كالشَّيخ قدس سره في نهايته(6)، والقاضي ابنِالبرَّاج قدس سره(7)، وابن إدريس قدس سره(8)، والفاضل الآبي قدس سره(9)، والمحقِّق قدس سره في مختصره(10)، والمفيد قدس سره(11)،
1) . كريمة 44 الحُجر.
2) . راجع: الإرشاد، ص 118.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 382 الحديث 24808.
4) . راجع: الأصول الأصليَّة، ص 18.
5) . وانظر أيضًا: ايضاح الفوائد، ج 2 ص 533.
6) . راجع: النِّهاية، ص 613.
7) . راجع: جواهر الفقه، ص 150.
8) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 3 ص 187.
9) . راجع: كشف الرُّموز، ج 2 ص 85.
10) . راجع: المختصر النَّافع، ص 166.
11) . راجع: المقنِعة، ص 674.
والعلَّامة قدس سره(1)، والفاضل المقداد قدس سره(2)، وفي كنزه(3)، وابن فهدٍ قدس سره(4)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(5)، والفقيه الطَّباطبائيِّ قدس سره(6)، والفقيه النَّجفيِّ قدس سره(7)، وغيرهم؛
واختار بعضُهُم انصرافَ «السَّهم» إلى السُّدس، منهم: والد الصَّدوق قدس سره(8)، والصَّدوقُ قدس سره في مقنعه(9)، وهدايته(10)، والشَّيخُ قدس سره في خلافه(11)، ومبسوطه(12)، والرَّاونديُّ قدس سره(13)، وابنُزهرة قدس سره(14).
1) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 6 ص 351.
2) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 409.
3) . راجع: كنز العرفان، ج 2 ص 95.
4) . راجع: المهذِّب البارع، ج 3 ص 130.
5) . راجع: مسالك الأفهام، ج 6 ص 187.
6) . راجع: رياض المسائل، ج 10 ص 366.
7) . راجع: جواهر الكلام، ج 28 ص 320.
8) . راجع: فقهُ الرِّضا، ص 299.
9) . راجع: المقنِع، ص 478.
10) . راجع: الهداية، ص 321.
11) . راجع: كتاب الخلاف، ج 4 ص 140 المسألة 9.
12) . راجع: المبسوط، ج 4 ص 8.
13) . راجع: فقه القرآن، ج 2 ص 323.
14) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 308.
وقد تمسَّك المشهور من الفقهاءُ هيهنا بجملةٍ من الرِّوايات؛
منها: صحيحة أبي نصرٍ البزنطيِّ - كما صحَّحه شارحُ المفاتيح قدس سره(1)، والفقيه النَّجفيُّ قدس سره(2)، والسَّيِّد محمَّد بحرالعلوم قدس سره(3)، وغيرهم -: «سألتُ أباالحسن عليه السلام عن رجلٍ أوصىٰ بسهمٍ من ماله، فقال: السَّهمُ واحدٌ من ثمانيَةٍ، ثمَّ قرأ: «إِنَّمَا اَلصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ اَلْمَسٰاكِينِ»(4)»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(5)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(6)- واللَّفظ له -، والسَّيِّد شُبَّر الكاظميُّ قدس سره(7)، وغيرهم.
وأمَّا إذا أوصىٰ ب «شيءٍ» من ماله(8)، فالمشهور علىٰ أنَّ للموصىٰ له السُّدس، كما اختاره والد الصَّدوق في رسالته(9)، والصَّدوق قدس سرهما(10)، والشَّيخ قدس سره(11)، وابنُالبرَّاج قدس سره(12)، والرَّاوندي قدس سره(13)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(14)، والطَّباطبائي قدس سره(15)
1) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 13 ص 379.
2) . راجع: جواهر الكلام، ج 28 ص 320.
3) . راجع: بلغة الفقيه، ج 4 ص 122.
4) . كريمة 60 التَّوبة.
5) . راجع: الكافي، ج 7 ص 41 الحديث 2.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 385 الحديث 24816.
7) . راجع: الأصول الأصليَّة، ص 20.
8) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 6 ص 292.
9) . راجع: فقهُ الرِّضا، ص 299.
10) . راجع: المقنِع، ص 477.
11) . راجع: النِّهاية، ص 613.
12) . راجع: جواهر الفقه، ص 150.
13) . راجع: فقه القرآن، ج 2 ص 314.
14) . راجع: مسالك الأفهام، ج 6 ص 180.
15) . راجع: رياض المسائل، ج 10 ص 366.
وقال ابنُادريس قدس سره: «بغير خلافٍ»(1)، وعن البحرانيِّ قدس سره: «من غير خلافٍ»(2)، وعن الفقيه النَّجفيِّ قدس سره: «بلاخلافٍ معتَدٍّ به أجدُه فيه، بل الظَّاهر أنَّه إتِّفاقيٌّ»(3).
وقد تمسَّكوا هيهنا بصحيحة أبانٍ أنَّه: «سُئِل عن رجلٍ أوصىٰ بشيءٍ من ماله؟، فقال: الشَّيء في كتاب عليٍّ عليه السلام واحدٌ من السِّتَّة»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(4)، والصَّدوق قدس سره في معانيه(5)، وفقيهه(6)، والفيض قدس سره(7)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(8)
والحديث ضعَّفه المجلسيُّ قدس سره في مرآته(9)، ولذلك قال الفقيه النَّجفيُّ قدس سره: «خبرُ أبان»(10)لكنَّه - كما أشار إليه الفقيه البحرانيُّ قدس سره(11)- ممَّا رواه المشائخ الثَّلاثة بأسانيدهم، ولاشيء فيه عندنا.
1) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 3 ص 187.
2) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 22 ص 464.
3) . راجع: جواهر الكلام، ج 28 ص 321.
4) . راجع: الكافي، ج 7 ص 40 الحديث 2.
5) . راجع: معاني الأخبار، ص 217 الحديث 1.
6) . راجع: الفقيه، ج 4 ص 204 الحديث 5473.
7) . راجع: الوافي، ج 24 ص 143 الحديث 23796.
8) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 388 الحديث 24823.
9) . راجع: مرآة العقول، ج 23 ص 68.
10) . راجع: جواهر الكلام، ج 28 ص 321.
11) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 22 ص 464.
فالظَّاهر من هذه الفروعات الثَّلاث أنَّ الأصحابَ قد جعلوا المسألة الواحدة - وهي الوصيَّة المبهَمَة - مسائلَ ثلاثٍ ذات ثلاثة أحكامٍ؛
والأقوىٰ عندي توحُّدُها، حيث لافرق بين «الجزء» و «الشَّيء» و «السَّهم» عُرفًا إلَّاباختلاف التَّعبير فقط، لا باختلاف المهيَّة بين الثَّلاثة.
فإذن تصير روايات البابين الخامس والخمسين(1)والسَّادس والخمسين(2)من أبواب الوصيَّة معارضةً لما في الباب الرَّابع والخمسين(3)من تلك الأبواب؛
والقاعدةُ تقتضي السُّقوطَ والرُّجوعَ إلى عمومات الإرث؛
والمُتَيقَّن منها تخييرُ الورثة بين القليل والكثير، فإعطاؤُهُم الأكثرَ أحوطُ، وإعطاؤُهُم الأقلَّ أيضًا كافٍ لخروجهم عن عهدة التَّكليف.
قد تطابق النَّصُّ والفتوىٰ علىٰ أنَّه لايجوز للموصي أنْ يحرم بعض الورثة عن الإرث(4). واستدلُّوا عليه:
تارةً ب: أنَّ ذلك مخالفٌ لقانون الإرث المستفادِّ من الكتاب والسُّنَّة، فليس لأحدٍ أن يعمل به، لتخالفه معهما.
وتارةً ب: قوله - تعالى! - «فَمَنْ خٰافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ
فَلاٰ إِثْمَ عَلَيْهِ» (1). وقد ورد في بعض روايات الباب المفسِّر لهذه الكريمة: أنَّ المراد بالجنف أن يحرُمَ بعضَ الورثة من الإرث؛ قال عليه السلام: «فالجَنَفُ الميلُ إلى بعض ورثتك دون بعضٍ»؛ وقد رواه عليُّ بن إبراهيم في تفسيره(2)، والمجلسيُّ(3)، والحرُّ(4).
كما أشار إلى الحكم المحقِّق الأردبيليُّ(5)، والفيضُ(6)، وشارح مفاتيحه(7)، وغيرهم.
نعم! له أن يزداد في سهم بعض الوُرَّاث من الثُّلث المختصِّ بنفسه،
لترجيحٍ شرعيٍّ - ككونه أهلًا للعلم -،
أو عقليٍّ - ككونه فقيرًا لوكان الآخرون أغنياء -،
أو عرفيٍّ - ككونه مريضًا فالجًا -؛
ففي هذه الموارد وأمثالِها للموصي أن ينظر في سهام الوُرَّاث فيجعل بعضَها أكثرَ من الآخر، بل هذا حسنٌ مندوبٌ إليه شرعًا. قال - عَزَّ مِن قائِلٍ! -: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ...»(8)فلهُ أنْ يُوصي لبعض أقربائه الَّذين لايرثون من مالِه، كما أنَّ له أنْ يحرم بعضًا آخر من الثُّلث إذا كان فاجرًا مثلًا، أو كان مُتلِفًا للمال، أو يُصرِفه في
الفجور وموارد لايليق بالمؤمن أن يبذل فيها الأموال؛ وإلى ذلك أشار الإمامُ عليه السلام في رواية عليِّ بن السري الَّذي أوصىٰ بحِرمان إبنه من ثُلث ماله لأنَّه زنىٰ بامرأتِه الَّتي كانت أمَّ ولدٍ له، فأجاز موسىٰ بن جعفرٍ عليهما السلام ذلك؛ ونصُّها: «الحسن بن عليًّ الوشَّاء عن محمَّد بن يحيىٰ عن وصيِّ عليِّ بن السِّرِّي قال: قلتُ لأبي الحسن عليه السلام: إنَّ عليَّ ابن السِّرِّي تُوفِّي وأوصىٰ إليَّ، فقال: رحمه اللَّهُ!، فقلت: وإنَّ ابنَه جعفرًا وقع علىٰ أمِّ ولدٍ له فأمرني أن أُخرِجه من الميراث، فقال لي: أخرجه إن كنت صادقًا، فيُصيبُه خبلٌ... قال الوصيَّ: فأصابَه الخبلُ بعد ذلك. قال أبومحمَّدٍ الحسنُ بن عليٍّ الوشَّاء: رأيتُه بعد ذلك»؛ وقد رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والصَّدوق قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره في تهذيبه(3)، واِستبصاره(4)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(5)
وإلَّا فلايجوز العمل بالرِّواية وأن يحرم إبنَه الفاجر عن إرثه الَّذي نصَّ الكتابُ الكريمُ علىٰ عدم حِرمانه عنه.
إن قلتَ: إنَّ الرِّواية تُخصِّص الكتابَ الكريمَ؛
أقول: نعم! إلَّاأنَّ الأصحابَ لم يعملوا بها مطلقًا. نعم! ذهب الصَّدوقُ قدس سره والشَّيخ قدس سره إلى العمل بها في هذا المورد فقط؛ قال الصَّدوقُ قدس سره بعد ذكر الحديث:
«ومتىٰ أوصىٰ الرَّجل بإخراج اِبنِه من الميراث ولم يحدث هذا الحدث، لم يجز للوصيِّ
إنفاذ وصيَّته في ذلك»(1)وعن الشَّيخ قدس سره: «هذا الحكمُ مقصورٌ علىٰ هذه القضيَّة لايُتُعدَّى به إلى غيرها، لأنَّه لايجوز أن يُخرَج الرَّجل من الميراث المستحَقِّ بنسبٍ شائعٍ بقول الموصي»(2).
لكنَّه مشكلٌ جدًّا، بل لايجوز أصلًا!. إلَّاأن يقال: إنَّ الإمامَ المعصوم عليه السلام أمضىٰ هذه الوصيَّة حكومةً، لا فتوىً.
نُسِبَ إلى المشهور أنَّه لوأوصىٰ لأولاده دارًا أو بستانًا - ونحو ذلك - ولم يُعيِّن سِهامَهم في المال فيُقسَّم بينهم بالسَّوية، لا بقاعدة التَّقسيم بين الذَّكَر والأُنثىٰ. قال الشَّيخ قدس سره: «إن أوصىٰ إنسانٌ لأولاده وكانوا ذكورًا وإناثًا ولم يذكر كيفيَّة القسمة فيهم، كان ذلك بنيهم بالسَّويَّة»(3). ومثله ما عن الرَّاوندي قدس سره(4)، وابن إدريس قدس سره(5)، والمحقِّق قدس سره(6).
واستدلُّوا هيهنا بإطلاق الوصيَّة وعدم ذِكرِ المُوصي التَّفاوتَ فيها؛ وهذا ما عبَّر عنه العلَّامة قدس سره ب «أصالة التَّسوية»، وأنَّها ثابتةٌ في الأولاد الذُّكور والإناث(7).
لكن هناك روايةٌ صحيحةٌ سندًا ودلالةً تدلُّ علىٰ وجوب التَّقسيم علىٰ سبيل الكتاب والسُّنَّة، وهي صحيحة زرارة عن أبي جعفرٍ عليه السلام في رجلٍ أوصىٰ بثُلث ماله في أعمامه وأخواله، فقال: «لأعمامِه الثُّلثان ولأخواله الثُّلث»؛ وقد رواها الكلينيُّ قدس سره(1)، والصَّدوقُ قدس سره(2)، والشَّيخُ قدس سره(3)، والحرُّ قدس سره(4)وهي عند أوَّل المجلسِيَّين موثَّقٌ كالصَّحيح(5)، وعند ولده قدس سرهما حسنٌ كالصَّحيح(6)، أو ضعيفٌ(7)، وذلك لاختلاف أسانيدها في تلك المصادر.
والرِّواية لها طرقٌ صحاحٌ عدَّة رواها المشايخ الثَّلاثة.
ولايمكن رفع اليد عنها بإعراض الأصحاب عنها، لأنَّهم لم يتعرَّضوا لها، لا أنَّهم أعرَضوا عنها؛ وكم من الفرق بين المقامين!.
فالأقوىٰ عندي التَّقسيمُ حسب القانون المتَّبَع في الإرث.
الكلام في هذا التَّنبيه يُركَّز علىٰ منجَّزات المريض. والمسألة مسألةٌ هامَّةٌ علمًا وعملًا بحيث كانت هي المناط في تصديق بعض الأساتذة بلوغَ تلاميذهم إلى مرتبة
الإجتهاد، حيث كانوا يمتحنونَهم بها أوَّلًا، ثمَّ يصدِّقون بلوغَهم إلى هذه المرتبة العُليا من العلم.
ولذلك فإنَّ جعْلَ المسألة قاعدةً برأسها أجدَرُ وأولىٰ من البحث عنها في ضمن البحث عن قاعدة الوصيَّة!.
وتلخيص الكلام فيها: أنَّه لا حقَّ لإنسانٍ في الوصيَّة بأزيدَ من ثلث ماله - كما مرَّتْ الإشارةُ إليه -، وقد وردَتْ فيه رواياتٌ كثيرةٌ وأطبقت أقوالُ الأصحاب عليه، قال العلَّامة قدس سره: «إنَّما تصحُّ الوصيَّةُ بالثُّلث فما دون، سواءٌ كانت الوصيَّةُ بعينٍ، أو منفعةٍ»(1)ومثله ما عن غيره.
هذا في الوصيَّة؛
أمَّا الهِبَة والبيع وإبراءُ الذِّمَّة وما يُشبِهُها، فما هو الحكم فيها؟، هل المرءُ ممنوعٌ عن هذه التَّصرُّفات في ماله بأزيد من ثُلثه أيضًا؟؛ فالمريضُ لو أوصىٰ بأزيد من ثلث ماله لايُنَجَّز ما وصَّىٰ به إلَّابعد إمضاء الورثة إيَّاه، لكنَّه لووهَبَ ماله أو باعه من آخر أو أعطاه له لإبراء ذمَّته، هل تُنَجَّزُ هذه الأعمال بأجمعها؟، أو ليس له أن يتصرَّف في ماله بأزيد وأكثر من ثلثه أيضًا؟.
فيه خلافٌ؛ فذهب بعض الأعلام كالشَّيخ قدس سره في المبسوط(2)من المتقدِّمين، والمحقِّق قدس سره(3)، والعلَّامة قدس سره(4)، والشَّهيد الأوَّل(5)والثَّاني منهما(6)قدس سرهما، والفخر قدس سره(7)من
المتأخِّرين إلى نفوذ عمله في الثُّلث فقط،
ولذلك ادَّعىٰ ابنُفهدٍ قدس سره ثبوتَ الشُّهرة عليه(1).
ولافرق فيه بين الوصيَّة وغيرها ممَّا يُخرِج المال عن يده - كالهِبَة والبيع -.
واستدلُّوا برواياتٍ كثيرةٍ متواترةٍ معنىً وردَتْ في أبوابٍ متعدَّدةٍ؛
منها: ما رواه عليُّ بن عُقبة عن أبي عبداللَّه عليه السلام «في رجلٍ حضره الموتُ فأَعتَقَ مملوكًا له ليس له غيرُه، فأبىٰ الورثةُ أن يُجيزُوا ذلك، كيف القضاءُ فيه؟ قال:
ما يُعتَقُ منه إلَّاثلثه وسائرُ ذلك الورثةُ أحقُّ بذلك ولهم ما بقي»؛ علىٰ ما رواه الصَّدوقُ قدس سره(2)، والشَّيخُ قدس سره في استبصاره(3)، وتهذيبه(4)، والفيض قدس سره(5)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(6).
ونظيرُها كثيرٌ، وهي كالنَّصِّ في المقصود.
وحملُها علىٰ أنَّ عِتقَه علىٰ سبيل الوصيَّة لا الإنشاء؛
ضعيفٌ جدًّا يأباه العرفُ!.
وقد خالَفَهم في ذلك كثيرٌ من الأعلام، كالكلينيِّ قدس سره(1)، والمفيد قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره في مبسوطه(3)، وخلافه(4)، ونهايته(5)، والمرتضىٰ قدس سره(6)، وابنِزهرة قدس سره(7)، وابنِالبرَّاج قدس سره(8)، وابنِإدريس قدس سره(9)، وابن سعيدٍ قدس سره(10)من المتقدِّمين، حيث ذهبوا إلى جواز الإنتقال زائدًا علىٰ الثُّلث، بل له أن يتصرَّف في ماله بأجمعه.
وقد استدلَّتْ هذه الطَّائفةُ برواياتٍ كثيرةٍ أيضًا؛
منها: صحيحةُ أبي بصيرٍ عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «إنَّ لصاحب المال أن يَعمَلَ بمالِه ما شاء مادام حيًّا، إن شاء وهَبَه وإن شاء تصدَّقَ به، وإن شاء ترَكَه إلى أن يأتيه الموتُ، فإن أوصىٰ به فليس له إلَّاالثُّلُث»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(11)، والشَّيخ قدس سره في
1) . وجه انتساب القول إليه أنَّه قدس سره عقَد بابًا عنونه بقوله: إنَّ «صاحب المال أحقُّ بماله مادام حيًّا» - راجع: الكافي، ج 7 ص 7 -، واقتصر فيه علىٰ نقل الرِّوايات الدَّالَّة علىٰ هذا القول فقط؛ من غير أن يُشير فيه إلى الرِّوايات الدَّالَّة علىٰ القول الآخر.
2) . راجع: المقنِعة، ص 671.
3) . راجع: المبسوط، ج 4 ص 34.
4) . راجع: كتاب الخلاف، ج 4 ص 143 المسألة 12.
5) . راجع: النِّهاية، ص 620.
6) . راجع: الاِنتصار، ص 465.
7) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 301.
8) . راجع: الوسيلة، ص 372.
9) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 3 ص 217.
10) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 373.
11) . راجع: الكافي، ج 7 ص 8 الحديث 10.
استبصاره(1)، وتهذيبه(2)، والفيض قدس سره(3)، والحرُّ قدس سره(4)، وغيرهم.
وحمْلُ هذه الصَّحيحة وأمثالِها علىٰ حال الصِّحَّة فقط؛
يأباه العرفُ!.
فإذن ظهر التَّعارضُ بين هاتين الطَّائفتين من الرِّوايات، ولاوجه لتقديم إحداهما علىٰ الأخرىٰ. وما قيل من: «أنَّ الشُّهرة تُرجِّح روايات الثُّلث»(5)
لايُصغىٰ إليه! لأنَّ التَّرجيح مع الطَّائفة القائلة بالأصل الَّتي اختارها المتقدِّمون، لا القائلة بالثُّلث الَّتي اختارها المتأخِّرون.
لكن هذا المرجِّح ليس بمرجِّحٍ من أصله، فلاترجيح في المقام. نعم! بعد سقوط الرِّوايات تصل النَّوبة إلى الأصل، والأصلُ مع الأصلِ لا مع الثُّلث، لقاعدة «النَّاس مسلَّطُون علىٰ أموالهم»؛ كما أشار إليه فخرالمحقِّقين قدس سره(6)، والمحقِّق السَّبزواريُّ قدس سره(7).
ولقاعدة الاِستصحاب.
ولكنَّ المسألة بعدُ لايخلو عن غموضٍ وإشكالٍ؛ فتأمَّلْ لعلَّك تجد طريقًا أجود ممَّا ذهبنا إليه!.
أشرنا فيما تقدَّم إلى أنَّ القاعدة تُشير إلى جملةٍ من مباحث كتابٍ من كتب الفقه، فليسَتْ هي قاعدةً تُستَعمَل في بعض المسائل لنأتي بأمثلةٍ لها.
يجب اِتِّباع ما شرطه الواقفُ في العقد(1).
لايجوز إخراج الوقف عن شرطه الَّذي شرط فيه(2).
الوقف هو الحبسُ لغةً؛ واصطلاحًا هو الصدَّقةُ الجاريةُ، بمعنىٰ أنَّ أصل الوقف يصير محبوسًا وممنوعًا من التَّصرُّف لكن منافعه تُصرَفُ فيما يُوقَف له. فهو كالشَّجرة
الَّتي «أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وَ فَرْعُهٰا فِي اَلسَّمٰاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا»(1).
وهذا التَّعريف - كما جاء في غير روايةٍ، كحديثٍ رواه القاضي نعمان قدس سره عن أميرالمؤمنين عليه السلام(2)وآخر رُوِي عن النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله، رواه بعضُهم، كالعلَّامة قدس سره(3)، والشَّهيد قدس سره(4)، وابنُ أبي جمهورٍ قدس سره(5)وقد رواه احمدُ(6)أيضًا، ومسلمٌ(7)، وأبوداود(8)، والتِّرمذيُّ(9)واختاره بعضهم، أو أشار إليه في التَّعريف بالوقف، كثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(10)- أجودُ وأحسن من التَّعاريف الَّتي ذكرها القومُ، كقولهم: «هو تحبيسُ الأصل وإطلاق المنفعة» - كما عن المحقِّق قدس سره في الشَّرائع(11)، والمختصر(12)، والفاضل الآبي قدس سره(13)، والعلَّامة قدس سره في تحريره(14)، وقواعده(15)،
1) . كريمتان 24/25 إبراهيم.
2) . راجع: دعائم الإسلام، ج 2 ص 340 الحديث 1278.
3) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 2 ص 123.
4) . راجع: ذكرىٰ الشِّيعة، ج 2 ص 80.
5) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 1 ص 97 الحديث 10، ثمَّ ج 2 ص 53 الحديث 139.
6) . راجع: مسند احمد، ج 2 ص 372.
7) . راجع: صحيح مسلم، ج 3 ص 1255 الحديث 1631.
8) . راجع: سُنن أبي داود، ج 3 ص 117 الحديث 2880.
9) . راجع: سُنن التِّرمِذي، ج 3 ص 660 الحديث 1376.
10) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 310.
11) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 165.
12) . راجع: المُختصر النَّافع، ج 1 ص 156.
13) . راجع: كشف الرُّموز، ج 2 ص 44.
14) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 289.
15) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 387.
وولده الفخر قدس سره(1)، والمقداد قدس سره(2)، والقطَّان الحلِّي قدس سره(3)، والشَّهيد الثَّاني قدس سرهما(4)، وغيرهم -.
أو: «هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة»، كما عن الشَّيخ قدس سره(5)، وابن حمزة قدس سره(6)، والرَّاوندي قدس سره(7)، وابن إدريس قدس سره(8)، والكَيدُري قدس سره(9)، وابن سعيدٍ الحلِّي قدس سره(10)، وغيرهم.
أو: «هو صدقةٌ لاتُباعُ ولاتُوهَبُ ولاتُورَثُ»؛
المأخوذ ممَّا كتبه مولىٰ الكونين أميرالمؤمنين عليه السلام عند ما وقف داره بالمدينة في بني زُريق؛ كما عن الكلينيِّ قدس سره(11)، والقاضي نعمان قدس سره(12)، والصَّدوق قدس سره(13)،
1) . راجع: إيضاح الفَوائد، ج 2 ص 377.
2) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 299.
3) . راجع: معالم الدِّين، ج 1 ص 552.
4) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 309.
5) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 286.
6) . راجع: الوسيلة، ص 369.
7) . راجع: فقه القرآن، ج 2 ص 290.
8) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 3 ص 152.
9) . راجع: إصباح الشِّيعة، ص 345.
10) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 369.
11) . راجع: الكافي، ج 7 ص 39 الحديث 40.
12) . راجع: دعائم الإسلام، ج 2 ص 343.
13) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 4 ص 248 الحديث 5588.
والشَّيخ قدس سره(1)، وغيرهم.
وقد اشار إليه في التَّعريف بالوقف - كتعريفه، أو للتَّعريف به - الشَّيخ قدس سره في خلافه(2)، ومبسوطه(3)، والرَّاونديُّ قدس سره(4)، وشارح المفاتيح قدس سره(5)، والفقيه العاملي قدس سره(6)، والسَّيِّد المجاهد قدس سره(7)، وغيرهم.
وأحسن من الجميع ما فعله الشَّهيد قدس سره حيث صرَّح فقال: «الوقف وهو الصَّدقة الجارية، وثمرتُه تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة»(8)ونسبَه إلى الأعلام المحقِّقُ القمِّي قدس سره(9).
والمراد من القاعدة واضحٌ بعد وضوح عنوانها(10)ومع ذلك نُلخِّص الكلامَ في المراد منها ونقول:
حقيقة الوقف تقتضي أن يكون علىٰ ما أراده الواقفُ، فيجب علىٰ الموقوف عليه وغيره ممَّن يستفيدُ من الوقف أن يراعي فيه ما أراده الواقفُ في وقفه. فإذا
1) . راجع: الاِستبصار، ج 4 ص 98 الحديث 380.
2) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 540 المسألة 3.
3) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 291.
4) . راجع: فقه القرآن، ج 2 ص 292.
5) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 11 ص 295.
6) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 21 ص 423.
7) . راجع: كتاب المناهل، ص 468.
8) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 2 ص 263.
9) . راجع: جامع الشَّتات، ج 4 ص 74.
10) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 230.
وقف دارًا ليكون مسجدًا، فله أن يجعل جميعَه كالمسجد، أو أن يجعلَ طابقه العالي مسجدًا دون طابقه السَّافل، أو بالعكس؛
وإذا وقف بناءً لأنْ يكون مدرسةً للعلوم الإسلاميَّة مثلًا، فله أن يجعله بأجمعه مدرسةً، أو يجعل بعضَه مدرسةً؛
كما وله أن لايشترط فيه شرطًا خاصًّا، أو يشترط فيه شرطًا، كوقفه لتعلُّم بعض العلوم أو جميع العلوم الإسلاميَّة؛
أو يوقِفَه ليكون بأجمعه مدْرسًا، أو بعضه مدرسًا وبعضه دكَّانا، أو غيره.
وبالجملة للواقف أن يوقف كما يراه ويحبُّه، وعلىٰ غيره أن يعمل فيه حسب ما أوقفه.
وهذا هو الَّذي ذُكِر في الرِّوايات، فجعَلَه الأصحاب قاعدةً عامَّةً، وعبَّروا عنها بقولهم: «الوقوفُ علىٰ حسب ما يُوقِفُها أهلُها».
وهذا أمرٌ واضحٌ لا إشكال فيه؛ فأصل القاعدة مسلَّمٌ بلاإشكالٍ.
أمَّا الدَّليل علىٰ القاعدة، فهو العرفُ؛ لأنَّ الواقفَ له أنْ يُوقِفَ مطلقًا؛
كما وأنَّ له أنْ يُوقِف مشروطًا. فالوقفُ علىٰ حسْبِ ما يوقِفُه الواقفُ.
أضفْ إلى ما يستفادُ من العرفِ رواياتٍ تدلُّ علىٰ المطلوب؛
منها: قولُ أبي الحجَّة - روحي لتراب مقدمه الفداءُ! -، علىٰ ما رواه جمعٌ من
الأعلام - كالكلينيِّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)، وابنِ أبي جمهورٍ قدس سره(4)- وأورده الشَّيخ الحرُّ(5)أيضًا: «الوقوف علىٰ حسَب ما يَقِفُها أهلُها».
وقد أخذه الأصحاب فجعلوه عنوانًا للقاعدة.
وهيهنا رواياتٌ أُخر أضربنا عن ذكرها، لما أشرنا إليه من أنَّ الأصل في القاعدة هو العُرفُ(6)
وفي المقام تنبيهاتٌ.
الفرقُ بين الصَّدقة والهِبَة: أنَّ الصَّدقة يُشتَرَط فيها قصدُ القربة؛ وأمَّا الهِبَة فليس فيها هذا الشَّرط؛ كما عن الشَّيخ قدس سره: «إذا قصد الثَّواب والتَّقرُّب بالهِبة إلى اللَّه - تعالى! - سُمِّيَت صدقةً»(7)وقال العامليُّ قدس سره في تعقيب كلامه: «وفرَّق بذلك بينها وبين الهِبَة والهَديَّة»(8)
1) . راجع: الكافي، ج 7 ص 37 الحديث 4.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 9 ص 129 الحديث 555.
3) . راجع: الوافي، ج 10 ص 547 الحديث 10090.
4) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 3 ص 261 الحديث 7.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 175 الحديث 24387.
6) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 229.
7) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 303.
8) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 22 ص 79.
وأشار إلى المطلب صاحبُ الجواهر قدس سره(1)، والرَّاونديُّ قدس سره(2)، وابنُ داودٍ الحلِّي قدس سره(3)، والعلَّامة قدس سره في تحريره(4)، وولده العظيم(5)، والشَّهيد الثَّاني قدس سرهما(6)، وغيرهم.
فلذلك إنَّ الصَّدقة عقدٌ لازمٌ دون الهِبَة، لأنَّ الصَّدقة لمَّا كانت للَّه فجزاؤُهُ علىٰ اللَّه - سبحانه وتعالى! -؛ فهي في الحقيقة هِبَةٌ مُعَوَّضةٌ يُعوِّضُ بها اللَّهُ - سبحانه! -؛
فلارجوع فيها أصلًا، أو الرُّجوع فيها مكروهٌ كراهةً شديدةً - كما جاء في بعض روايات المسألة(7)-؛
بخلاف الهِبَة غير المعوَّضَة، حيث يجوز فيها الرُّجوع - وقد أشار إليه الصَّيمُريُّ قدس سره(8)، وشيخنا المفيد قدس سره(9)، وسيِّدُنا المرتضىٰ قدس سره(10)، وسلَّار قدس سره(11)،
1) . راجع: جواهر الكلام، ج 28 ص 125.
2) . راجع: فقه القرآن، ج 2 ص 294.
3) . راجع: الجوهرة في نظم التَّبصرة، ص 139.
4) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 273.
5) . راجع: إيضاح الفَوائد، ج 4 ص 29.
6) . راجع: مسالك الأفهام، ج 11 ص 264.
7) . وانظر: الاِستبصار، ج 4 ص 107 الباب 67؛ وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 204 الباب 11.
8) . راجع: غاية المَرام، ج 3 ص 486.
9) . راجع: المقنِعة، ص 658.
10) . راجع: الاِنتصار، ص 460 المسألة 261.
11) . راجع: المَراسم العلويَّة، ص 199.
والشَّيخ قدس سره(1)، وغيرهم -، لأنَّه عقدٌ جائزٌ غير لازمٍ.
ولمَّا كان الوقف من الصَّدَقات - حيث أُطلِق عليه عنوانُ الصَّدقة في بعض الرِّوايات(2)- فيُشتَرَط فيه قصد القربة، بل لفظ الوقف يدلُّ علىٰ وجود قصد القربة في حاقِّه(3).
ويدلُّ علىٰ هذا الشَّرط أيضًا ما رواه الشَّيخ الحرُّ قدس سره في الباب الثَّالث عشر من أبواب الوقوف(4).
الوقف هو جَعْل الموقوف للَّه - تعالى! - وسلبُ ملكيَّته عن الواقف وأولاده جيلًا بعد جيلٍ لوكان مقتضىٰ الوقف. فبما أنَّ مِلكيَّته للَّه - جلَّ وعزَّ! - فلاخلاف في اشتراط قصد القُربة فيه، من غير فرقٍ بين أن يكون الموقوفُ عليه:
من الأمور القربيَّة، كبناء المساجد والمدارس؛
أو الأمور غير القُربيَّة، كالوقف علىٰ الأولاد.
إلَّا أن يُقال: إنَّ الوقف لمَّا أُدرِجَ فيه قصدُ القربة، فالموقوف عليه يكون دائمًا من الأمور القُربيَّة، حتَّى لوكان وقفًا علىٰ الأولاد والأقرباء مثلًا، لأنَّ الوقف حينئذٍ يكون من باب إعانة المسلم في معاشه، والإعانة تُعَدُّ من الأمور الهامَّة القُربيَّة.
فلذلك سيأتي الكلامُ في أنَّ الموقوف عليه لو لم يكن مشروعًا، فالوقف لايتحقَّق
أصلًا، كما لووقف دارَه للقمار وشرب الخمر والإتيان بالفواحش.
التَّنيه الثَّالث هل الوقفُ عقدٌ؟ أو إيقاعٌ؟.
فيه وجهان(1)، بل قولان:
من أنَّه ليس في عقده القبولُ - كما هو منصوصٌ به عند العلَّامة قدس سره(2)، وفي تلخيصه(3)، والشَّهيد قدس سره(4)، والقطَّان قدس سره(5)، وابن طيٍّ قدس سره(6)-، مثلًا إذا وقف داره علىٰ المسجد يصير مسجدًا من غير أن يحتاج إلى قبولٍ، بل يكفي فيه إجراءُ صيغة الوقف من قِبَل الواقف؛
ومن أنَّ الوقف يُشتَرَط فيه القبضُ، كما تدلُّ عليه روايات الباب الرَّابع من أبواب الوقف(7)- كما نصَّ عليه الشَّيخ قدس سره(8)، والمحقِّق قدس سره(9)، وابن داودٍ الحلِّي قدس سره(10)، والعلَّامة قدس سره في تحريره(11)، وتذكرته(12)، وتلخيصه(13)، ومختلفه(14)، والشَّهيد قدس سره(15)،
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 234.
2) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 292.
3) . راجع: تلخيص المَرام، ص 151.
4) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 2 ص 129.
5) . راجع: معالم الدِّين، ج 1 ص 553.
6) . راجع: المسائل الفقهيَّة، ص 239.
7) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 178.
8) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 539 المسألة 2.
9) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 171.
10) . راجع: الجوهرة في نظم التَّبصرة، ص 140.
11) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 292.
12) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 15 ص 383.
13) . راجع: تلخيص المَرام، ص 151.
14) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 6 ص 323.
15) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 2 ص 270.
وغيرهم -؛
فالقبض هو القبول المعاطاتيُّ، وهو كالقبول اللَّفظيِّ من غير تفاوتٍ بينهما أصلًا.
وهذا القبض وإن لم يلصق بالإيجاب، إلَّاأنَّ الإلصاق لايُشتَرَط في صحَّة العقد، فلذلك إنَّ الأصحاب أجمَعُوا علىٰ كفاية القبول في المعاملات الفضوليَّة، وما نحن فيه أيضًا يكون كذلك.
فيكفي فيه الإيجاب فقط.
هذا؛ مع أنَّ القبولَ يقع من اللَّه - تعالى! -، وهو من مصاديق القبول، بل هو أظهر وأعلىٰ مصاديقه!.
فالأقوىٰ كون الوقف عقدًا، لا إيقاعًا. وقد ادَّعىٰ صاحبُ الجواهر قدس سره ثبوتَ الإجماع علىٰ هذا(1)وقد بحث بعضهم(2)
راجع: ماوراء الفقه، ج 4 ص 212؛ فقه المعاملات، ص 610.
- عن المسألة، فراجع إليه إن شئتَ!.وإن أبَيتَ عن ذلك وقلتَ أنَّه إيقاعٌ، فلاحرَجَ!، حيث لايكون في هذا الإصرار فائدةٌ إلَّابحَسَب المباحث العِلميَّة، لأنَّه كالطَّلاق وهو من الإيقاعات الإلزاميَّة من غير مخالفٍ.
فليس للواقف الرُّجوع إليه. نعم!، يُشتَرَط إذن أن يكون فيه القبضُ.
إنَّ الوقف يُعَدُّ من الأمور العُرفيَّة الَّتي أمضاها الشَّارع في رواياتٍ، ولا تعبُّدَ فيه أصلًا. نعم! للشَّارع أن يشترط في صحَّته شروطًا، كما في غيره من الأمور العُرفيَّة الَّتي أمضاها الشَّارع؛
وهذا لايُراد به أنَّه تعبُّديٌّ في أصله.
فما يُتَراءىٰ من بعض الأصحاب من كونه تعبُّديًّا، فلعلَّه أراد به ما قلنا، وإلَّا فلاسبيل للتَّعبُّد إلى أصله أصلًا.
نعم! يقع الكلام في اشتراط قصد القُربة فيه، مع أنَّ العُرف لايرىٰ هذا الشَّرط شرطًا فيه؛ فلذلك يُقبَلُ الوقفُ من الكافر أيضًا(1).
تُشترَطُ في الوقف أمورٌ:
وقد مرَّ الكلام فيه وفي دلالة غير واحدٍ من روايات الباب عليه، فلو لم يُقبَض له أن يَرُدَّه إلى ملكه؛ وكذلك لو لم يقبضه الموقوف عليه ومات يصير من جملة إرثه.
نعم! لايشترط في القبض الفورُ، واستفادة ذلك من مدارك المسألة ليستْ بصَعبٍ، مضافًا إلى إجماع الأصحاب في ذلك؛ وإن ذهب السَّيِّد العميديُّ قدس سره إلى
1) . وانظر: جواهر الكلام، ج 28 ص 8.
احتمال اشتراط الفور(1).
كما ولايُشتَرط فيه إذن الواقف مادام لم يُقبَض بعدُ، فلوبنىٰ مسجدًا وأوقفه ولم يُقبَض منه بعدُ يجوز للنَّاس أن يصلُّوا فيه، وليس له أن يمنعهم عن ذلك؛
أمَّا لوشُكَّ في أنَّه هل جعَلَ البناء للمسجد وأوقفها؟، أم لم يقِفها بعدُ؟،
فالأصل عدم الإجازة ولوكان بعد وقوع عقد الوقف. فلاتجري حينئذٍ أصالةُ الفساد، لأنَّها تجري فيما إذا شُكَّ في أصل العقد والإنتقال، وهو منفيٌّ في المقام(2).
اشترطوا في الوقف الدَّوامَ، بمعنىٰ أنَّه ليس للواقف أن يرجع إلى ما أوقفه.
وهذا الشَّرط قد أشار إليه العلَّامة قدس سره في إرشاده(3)، وتلخيصه(4)، وأوَّل الشَّهيدَين قدس سرهما(5)، وابن فهدٍ قدس سره(6)، وثاني المحقِّقَين قدس سرهما(7)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(8)، والبحرانيُّ صاحب الحدائق قدس سره(9)، وفي حدائقه(10)
1) . راجع: كنز الفوائد، ج 2 ص 128.
2) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 241.
3) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 451.
4) . راجع: تلخيص المَرام، ص 151.
5) . راجع: غاية المُراد، ج 2 ص 449.
6) . راجع: المهذَّب البارع، ج 3 ص 50.
7) . راجع: جامع المقاصد، ج 9 ص 111.
8) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 394.
9) . راجع: الأنوارُ الحيريَّة، ص 28.
10) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 22 ص 134.
وادَّعىٰ المحقِّق العامليُّ قدس سره ثبوتَ الإجماع عليه(1)، والمخالف فيه شاذٌّ نادرٌ، كالشَّيخ عبَّاس آل كاشف الغطاء قدس سره(2).
واستدلُّوا عليه:
أوَّلًا: بالسِّيرة المرويَة عن أهل البيت عليهم السلام في ما أوقفوه(3).
وفيه: إنَّ هذه «صدقةٌ لاتُباعُ ولاتُوهَبُ ولاتُورثُ حتَّىٰ يرثَها اللَّه الَّذي يرِثُ السَّمواتِ والأرضَ!»(4). ولاتُنافي سيرتُهم الوقفَ المؤقَّت.
وثانيًا: بأنَّ الوقف يساوي فكَّ المِلْك، وبعد الفكِّ هذا لامعنىٰ لرجوع الواقف إلى مالِه؛ كما أنَّ ثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(5)، والشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(6)، والشَّيخ عبَّاس قدس سره أيضًا(7)، والشَّيخ الأعظم قدس سره(8)، والمحقِّق القزوينيُّ قدس سره(9)أشاروا إلى أنَّ الوقف يساويه؛
1) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 21 ص 517.
2) . راجع: منهل الغمام، ج 3 ص 35.
3) . وانظر أيضًا: بلغة الفقيه، ج 1 ص 244.
4) . قد أشرنا آنفًا إلى مصادر هذه العبارة الَّتي أوردها اميرالمؤمنين عليه السلام فيما كتب عمَّا وقفه علىٰ خالاته.
5) . راجع: الرَّوضة البَهيَّة - مع حواشي سلطان العلماء قدس سره -، ج 1 ص 266.
6) . راجع: أنوار الفقاهة / كتاب الوقف، ص 47.
7) . راجع: منهل الغمام، ج 3 ص 7.
8) . راجع: كتاب المكاسب، ج 5 ص 189.
9) . راجع: ينابيع الأحكام، ج 2 ص 498.
وذهب المحقِّق الأصفهانيُّ قدس سره إلى أنَّ الفكَّ يُلازِم الوقف وليس بحقيقته(1)والتَّفصيل فيه خارجٌ عن وضع هذه الوجيزه.
وفيه: إنَّ الوقف علىٰ قسمين:
قسمٌ يجري فيه فَكُّ المِلْك، فهو وقفُ أبدٍ لاأمَدَ فيه للوقف، وهذا القسم لايُلائم التَّوقيت.
وقسمٌ لافكَّ فيه عن ملكيَّة المالك، وهو يلائم التَّوقيت. وهذا ما نصَّ عليه السلَّار قدس سره(2)، والسَّيِّد الفقيه الخوئيُّ قدس سره(3)واختار صاحب الجواهر قدس سره أنَّ الثَّاني ليس بوقفٍ، بل هو حبسٌ(4).
ثمَّ إذا ضَمَمنا إلى ذلك ما أشرنا إليه من «أنَّ الوقف حسب ما يوقِفُه الواقفُ» يظهر لك جليًّا أنَّ للواقف أن يوقف حسب الثَّاني من القسمين. فإذن ليس فيه فكُّ الموقوف عن ملكيَّة واقفه(5).
وصحيحةُ الصفَّار كالنَّصِّ في جواز التَّوقيت فيه، وعلَّلَ الإمامُ عليه السلام فيها قولَه بأنَّ الوقف تابعٌ لما يريدُ واقفُه؛ ونصُّ الصَّحيحة - وقد صحَّحها المامقانيُّ قدس سره(6)،
والخوانساريُّ قدس سره(1)، والفقيه السَّبزواريُّ قدس سره(2)، وغيرهم -: محمَّد بن الحسن الصفَّار قال: «كتبتُ إلى أبي محمَّدٍ عليه السلام أسألُه عن الوقف الَّذي يصحُّ، كيف هو؟، فقد رُوِي أنَّ الوقف إذا كان غير مؤقَّتٍ فهو باطلٌ مردودٌ علىٰ الورثة، وإذا كان مؤقَّتًا فهو صحيحٌ ممضي. قال قومٌ:... فوقَّع عليه السلام: الوقوف بحسَب ما يوقفها إن شاء اللَّه».
وقد رواها الشَّيخ قدس سره في الاِستبصار(3)، والتَّهذيب(4)، والفيضُ قدس سره(5)، والحُرُّ قدس سره(6).
واستُدِلَّ بالإجماع أيضًا(7)
وفيه ما فيه! بعد كثرة الرِّوايات في الباب ووضوح استناد الُمجمِعينَ إليها.
اشتهر بين الأصحاب اشتراطُ التَّنجيز في العقود مطلقًا، ومنها الوقفُ. والشَّرط منصوصٌ به عند ابن داودٍ الحلِّي قدس سره(8)، والعلَّامة قدس سره في إرشاده(9)، وتلخيصه(10)،
1) . راجع: الحاشيَة الثَّانيَة علىٰ المكاسب، ص 240.
2) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 22 ص 24.
3) . راجع: الاِستبصار، ج 4 ص 100 الحديث 384.
4) . راجع: التَّهذيب، ج 9 ص 132 الحديث 562.
5) . راجع: الوافي، ج 10 ص 547 الحديث 10092.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 192 الحديث 24415.
7) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 250.
8) . راجع: الجوهرة في نظم التَّبصرة، ص 140.
9) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 451.
10) . راجع: تلخيص المَرام، ص 151.
والمحقِّق قدس سره(1)، وابنِفهدٍ قدس سره(2)، والبحرانيِّ قدس سره(3)، وغيرهم.
واستدلُّوا عليه:
أوَّلًا: بأنَّ الإنشاء من الإيجاديَّات، وهو:
إمَّا واقعٌ،
وإمَّا غير واقعٍ،
فالإشتراط فيه محالٌ.
وفيه:
أوَّلًا: إنَّه ليس بمحالٍ، حيث إنَّ التَّعليق في المُنشَأ، لا في الإنشاء.
وثانيًا: إنَّ التَّعليق في التَّكوينيَّات محالٌ، أمَّا في الإعتباريَّات فلاإشكال في التَّعليق فيها أصلًا. فالإنشاء والإخبار من الإعتباريَّات وقد وقع فيه التَّعليقُ كثيرًا؛ كما أنَّ النَّذرَ والعهد والقسَمَ يجري علىٰ التَّعليق، كما أنَّ قول القائل: «يجيء زيدٌ إن جاء عمروٌ» ليس إلَّاعلىٰ أسلوب التَّعليق؛ وفاقًا لبعضهم، كالفاضل المقداد قدس سره، حيث اختار صحَّة التَّعليق علىٰ ما هو حاصلٌ أو هو عالِمٌ بوقوعه(4).
وثالثًا: - كما عن صاحب الجواهر قدس سره(5)- بأنَّ الظَّاهر من الأدلَّة هو التَّنجيز، لا التَّعليق. فلذا أجمع الأصحاب علىٰ التَّنجيز في الوقف وبطلان التَّعليق فيه.
وفيه: إنَّا لم نجد ظهورًا للرِّوايات والأدلَّة يدلُّ علىٰ بطلان التَّعليق، فإنْ وجدتَه أنتَ فاعمَلْ به!.
ورابعًا: بالإجماع(1).
وفيه: أنَّ الإجماعَ المُدَّعىٰ في المقام ليس بإجماعٍ أصلًا، بل هو عدمُ وجدان الخلاف فقط؛ وهذا غير حجَّةٍ قطعًا بلاخلافٍ بين الأصحاب فيه.
اشترطوا فيه أن لايكون الواقفُ نفسَ الموقوف عليه. فلايجوز أن يُوقِف شيئًا علىٰ نفسه، أو يجعل نفسَه شريكًا في الوقف. وهذا الشَّرط مشهورٌ بين الأصحاب مسطورٌ في كتبهم. وكثيرًا مَّا يُعبِّرون عنه بقولهم: «إخراجُه عن نفسه»؛ كما هو عند المحقِّق قدس سره في شرائعه(2)، ومختصره(3)، والعلَّامة قدس سره في إرشاده(4)، وتبصرته(5)، وقواعده(6)، والشَّهيد قدس سره في دروسه(7)، ولمعته(8)، والقطَّان قدس سره(9)، وابنِطيٍّ
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 255.
2) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 170.
3) . راجع: المُختصر النَّافع، ج 1 ص 156.
4) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 451.
5) . راجع: تبصرة المتعلِّمين، ص 126.
6) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 388.
7) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 2 ص 267.
8) . راجع: اللُّمعة الدِّمشقيَّة، ص 99.
9) . راجع: معالم الدِّين، ج 1 ص 557.
الفَقعانيِّ قدس سره(1)، وثاني المحقِّقَين قدس سرهما(2)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(3)، والبحرانيِّ قدس سره(4)، وكاشف الغطاء قدس سره(5)، وغيرهم.
واستدلُّوا عليه:
أوَّلًا: بالإجماع.
وقد حكاه المقداد قدس سره(6)، والبحرانيُّ قدس سره(7)، والفقيه الطَّباطبائيُّ قدس سره(8).
وثانيًا: بأنَّه تحصيلٌ للحاصل(9)لأنَّ منفعةَ الوقف قبلَه كانتْ للواقف، فلووقف علىٰ نفسه كانت المنفعةُ بعده أيضًا له، وهذا ليس إلَّاتحصيلًا لما هو الحاصلُ!؛ وهذا ما عبَّر عنه المحقِّق العامِليُّ قدس سره بقوله: «لايُقبَل تمليك الإنسان نفسَه مالَ نفسِه»(10)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(11)، وشارح المفاتيح قدس سره(12).
1) . راجع: الدُّرُّ المَنضود، ص 171.
2) . راجع: جامع المقاصد، ج 9 ص 27.
3) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 353.
4) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 22 ص 134.
5) . راجع: كشف الغِطاء، ج 4 ص 251.
6) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 310.
7) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 22 ص 158.
8) . راجع: رياض المسائل، ج 10 ص 112.
9) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 258.
10) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 21 ص 458.
11) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 361.
12) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 13 ص 302.
وثالثًا: برواياتٍ أوردها الشَّيخُ الحرُّ قدس سره في الباب الثَّالث من أبواب الوقف(1).
ولنا في جميع أدلَّتهم نظرٌ؛ حيث:
أوَّلًا: إنَّ الشُّهرة والإجماع بعد ثبوت الرِّوايات وتمسُّكِ الأصحاب بها ليستْ بحجَّةٍ أصلًا.
وثانيًا: إنَّ قضيَّة تحصيل ما هو الحاصل لاضيرَ فيه!، حيث إنَّ فائدة الوقف حينئذٍ عدم قدرة الواقف علىٰ إنتقال الموقوف إلى شخصٍ آخر - ببيعٍ، أو هِبةٍ، أو ما يماثلهما -؛ وهذا داعٍ عُقَلائيٌّ يتَّفقُ كثيرًا لكثيرٍ من النَّاس. وبهذه الفائدة تُصحَّح منفعةُ الوقف.
وثالثًا: إنَّ روايات الباب لاتدلُّ علىٰ مقصودهم، بل دلالتها علىٰ الجواز أوفىٰ من دلالتها علىٰ عدم الجواز قطعًا.
فالأقوىٰ عندنا صحَّةُ الوقف علىٰ النَّفس، أو علىٰ جمعٍ هو فيهم ومنهم؛ وفاقًا لبعضهم، كثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(2).
المشهور بين الفقهاء أنَّ الوقف كسائر العقود لابدَّ من أن يكون معيَّنًا بحسب الموقوف عليه، وبحسب الوقف، وبحسب ما يُوقَف له - أي: ما يُصرَف فيه الموقوفُ - وإن خصَّه المحقِّق قدس سره بالموقوف عليه فقط، فالتَّعيين عنده ليس شرطًا في غيره(3)،
كالعلَّامة(1).
وفيه: أنَّه لايُشتَرَط في صحَّة الوقف التَّعيينُ أصلًا. نعم! لوأمكن تعيينُه بعد جريان عقد الوقف بقول الواقف، أو بالقُرعة بين الموارد المشتَبَهة الَّتي يمكن أن تكون موردًا له، أو بالتَّخيير، أو بحكم الحاكم فلادليل علىٰ بطلانه بمجرَّد عدم تعيينه قبل جريان الصِّيغة؛ وقد مرَّ منا أنَّه لادليل علىٰ بطلان العقد بالجهل به إلَّاقول المعصوم عليه السلام الحاكي عن قوله عليه السلام: «نهىٰ النَّبيُّ عن بيع الغَرَر»؛
وهو غير تامٍّ من جهاتٍ عدَّةٍ، وقد فرغنا عن البحث عنه(2).
المشهور بينهم أيضًا أنَّ الوقف يجب أن لايكون في حرامٍ؛ فلوكان فيه، فهو فاسدٌ باطلٌ - كما عن الشَّهيد قدس سره(3)، والبحرانيِّ قدس سره(4)، وصاحب الرِّياض قدس سره(5)، وكاشف الغطاء قدس سره(6)، والعلَّامة قدس سره(7)-؛ كما إذا وقف دارَه لأنَّ تُعمَل فيها الفواحشُ - كشُرب الخمر مثلًا -.
واستدلُّوا عليه بأنَّ العقد حينئذٍ مخالفٌ للكتاب والسُّنَّة، والعقد المخالفُ لهما باطلٌ
قطعًا، فهذا الوقف باطلٌ.
قلتُ: لاكلام في هذا الشَّرط قطعًا؛ ويدلُّ عليه:
أوَّلًا: الضَّرورةُ الفقهيَّة؛
وثانيًا: إجماعُ الأصحاب؛
وثالثًا: جملةٌ من الآيات والرِّوايات الواردة في هذا المضمار المُشيرة إلى فساد الشَّرط إذا كان مخالفًا لهما(1). بل لأحدٍ أن يقول: إنَّ هذا من الشرائط الَّتي يدلُّ عليها العقلُ وبناء العقلاء، ثمَّ أمضاه الشَّارع، لأنَّ للعقلاء بما هم العقلاءُ محرَّماتٍ ومحلَّلاتٍ، والعقد الَّذي يحرم عندهم منهيٌّ عنه عندهم أيضًا، فهو فاسدٌ قطعًا.
والمراد منه ما هو المشهور بين القوم من أنَّه يُشتَرَط في الوقف - وكذلك في جميع المعامَلات - أن لايكون لهوًا ولعبًا صرفًا من دون داعٍ عَقلانيٍّ؛ بل يجب أن يكون في الوقف داعٍ من الدَّواعي العُقَلائيَّة ممَّا يُنتَفَع به؛ قال ثاني المحقِّقَين قدس سرهما:
«والمراد ب «ما يُنتَفَع به» كذلك: ما يكون له منفعةٌ مقصودةٌ عرفًا، فلايُعتَدُّ بالنَّفع اليسير الَّذي لايُعتَدُّ بمثله في العادة»(2).
فلووقف داره علىٰ أن تبقىٰ حتَّى تخربَ رغمًا لأنفِ الورثة مثلًا لايصحُّ هذا الوقفُ.
وأمَّا ما اشتهر بين أهل الأوربا وأمريكا من أن يوقف المرءُ أموالَه علىٰ كلبه أو هرَّته أو أمثالهما!، فالأقوىٰ عدم صحَّته، لأنَّه وإن كان صحيحًا عندهم بدعواهم وجود داعٍ عُقَلائيٍّ فيه، إلَّاأنَّه ليس مصداقًا للوقف، ولا للعقد عرفًا؛
فلاتشمله عموماتُ الوفاء بالعقد أصلًا.
في شرائط الموقوف. قد اشترط الأصحابُ فيما يوقفه الواقفُ شروطًا سبعةً(1)
وهي:
فلايجوز وقفُ المنفعة - كما عن الفيض قدس سره(2)، وشارحه قدس سره(3)، والطَّباطبائيِّ قدس سره(4)، والسَّيِّد المجاهد قدس سره(5)، والنَّراقي قدس سره(6)، والشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(7)، والعلَّامة قدس سره(8)، والشَّهيد قدس سره(9)، والفقعاني قدس سره(10)، وثاني المحقِّقَين قدس سرهما(11)-.
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 275.
2) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 3 ص 208.
3) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 13 ص 279.
4) . راجع: الشَّرح الصَّغير، ج 2 ص 240.
5) . راجع: كتاب المناهل، ص 493.
6) . راجع: مستند الشِّيعة، ج 14 ص 320.
7) . راجع: أنوار الفقاهة / كتاب الوقف، ص 30.
8) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 451.
9) . راجع: غاية المُراد، ج 2 ص 423.
10) . راجع: الدُّرُّ المنضُود، ص 171.
11) . راجع: جامع المقاصد، ج 9 ص 45.
فلايجوز وقفُ المأكولات والمشروبات الَّتي لادوام فيها - كما عن الفيض قدس سره(1)، وشارحه قدس سره(2)، والطَّباطبائيِّ قدس سره(3)، والسَّيِّد المجاهد قدس سره(4)، والشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(5)، والشَّيخ محمَّدحسين آل كاشف الغطاء قدس سره(6)، والشَّهيد قدس سره(7)، والفقعاني قدس سره(8)، وثاني المحقِّقَين قدس سرهما(9)-.
كالعين المرهونة، فلاوقف فيها. وقد نصَّ عليها الكثيرون، وإن اختلفوا في التَّعبير؛ كتعبير بعضِهم عن الاِختيار ب «جواز التَّصرُّف»؛
وكيف كان فانظر إلى ما ذكره المحقِّق قدس سره(10)، والعلَّامة قدس سره(11)، وثاني
1) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 3 ص 208.
2) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 13 ص 279.
3) . راجع: الشَّرح الصَّغير، ج 2 ص 240.
4) . راجع: كتاب المناهل، ص 493.
5) . راجع: أنوار الفقاهة / كتاب الوقف، ص 31.
6) . راجع: تحرير المجلَّة، ج 2 / القسم 3 ص 76.
7) . راجع: غاية المُراد، ج 2 ص 423.
8) . راجع: الدُّرُّ المنضُود، ص 171.
9) . راجع: جامع المقاصد، ج 9 ص 45.
10) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 167.
11) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 295.
الشَّهيدَين قدس سرهما في حاشيته علىٰ الشَّرائع(1)، وشرحه عليه(2)، والبحرانيِّ قدس سره(3)، والفقيه النَّجفيِّ قدس سره(4)، والمحقِّق النَّائيني قدس سره(5)، وصاحب الرِّياض قدس سره(6)، والمحقِّق الكاظمي قدس سره(7)، والمحقِّق البُجنوردي قدس سره(8).
فلاوقف في الطَّائر الَّذي يطير في السَّماء، وإن كان للواقف حقيقةً - كما عن السَّيِّد المجاهد قدس سره(9)، والعلَّامة قدس سره(10)، والشَّهيد قدس سره(11)، والفقعاني قدس سره(12)، وثاني المحقِّقَين قدس سرهما(13)-.
1) . راجع: حاشيَة شرائع الإسلام، ص 521.
2) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 323.
3) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 22 ص 181.
4) . راجع: جواهر الكلام، ج 28 ص 21.
5) . راجع: الرَّسائل الفقهيَّة - تقريرات المحقِّق النَّجم آبادي قدس سره -، ص 266.
6) . راجع: الشَّرح الصَّغير، ج 2 ص 240.
7) . راجع: مقابس الأنوار، ص 258.
8) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 4 ص 277.
9) . راجع: كتاب المناهل، ص 493.
10) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 451.
11) . راجع: غاية المُراد، ج 2 ص 423.
12) . راجع: الدُّرُّ المنضُود، ص 171.
13) . راجع: جامع المقاصد، ج 9 ص 45.
فما ليست له منفعةٌ، لاوقفَ فيه أصلًا - كما عن الطَّباطبائيِّ قدس سره(1)، والسَّيِّد المجاهد قدس سره(2)، والنَّراقي قدس سره(3)، والشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(4)-.
فلاوقف في الخمر والخنزير وأمثالهما ممَّا لايُملَكُ - كما عن الفيض قدس سره(5)، وشارحه قدس سره(6)، والطَّباطبائيِّ قدس سره(7)، والسَّيِّد المجاهد قدس سره(8)، والعلَّامة قدس سره(9)، والشَّهيد قدس سره(10)-.
فما لامنفعة محلَّلة فيه لاوقف فيه. ولاتغفَلْ عن الفرق بين هذا الشَّرط وبين ما مضىٰ في الشَّرط الخامس.
أقول: هذا ما اشتهر بينهم، وليس لهم دليلٌ علىٰ ما اختاروه!، لا بحسب العقل ولا بحسب المنقول عن الشَّرع.
1) . راجع: الشَّرح الصَّغير، ج 2 ص 240.
2) . راجع: كتاب المناهل، ص 494.
3) . راجع: مستند الشِّيعة، ج 14 ص 320.
4) . راجع: أنوار الفقاهة / كتاب الوقف، ص 31.
5) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 3 ص 208.
6) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 13 ص 280.
7) . راجع: الشَّرح الصَّغير، ج 2 ص 240.
8) . راجع: كتاب المناهل، ص 494.
9) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 451.
10) . راجع: غاية المُراد، ج 2 ص 423.
فوقف منفعة الدَّار دون عينه لاإشكال فيه؛ إلَّاأن يُقال: إنَّ روايات الباب منصرفَةٌ عنه؛
وهذا صرفُ ادِّعاءٍ لا دليل له!.
ووقف المأكولات والمشروبات الَّتي لابقاء لها، كذلك جائزٌ؛ خلافًا للمحقِّق الطَّباطبائيِّ قدس سره(1)، والشَّيخ محمَّدحسين آل كاشف الغطاء قدس سره(2)، والقطَّان الحلِّي قدس سره(3).
نعم! في غالب الأحيان لاوقف فيهما، بل فيهما الهِبَة مثلًا؛ لكن صرف الغلبة لايُوجِب خروجَهما عن شمول عمومات الرِّوايات(4).
ووقف العين المُرتَهَنَة أيضًا يجوز عندنا، بشرط أن يقبِضَ الواقفُ العينَ ويملكه بعد الوقف، أو مع إجازة المُرتَهِن.
ولادليل علىٰ اشتراط الفِعليَّة في تملُّك الموقوف حين إجراء صيغة الوقف.
وكذلك وقف المراتعِ والبساتين الَّتي لامنفعة فيها فعلًا، لاإشكال فيه ولا دليل علىٰ منعه(5).
أمَّا وقف الخنزير والخمر وغيرهما ممَّا لايكون مملوكًا - لعدم جريان المِلكيَّة فيه -، فلابأس بوقفه أيضًا، نظرًا إلى حقِّ الاِختصاص الَّذي يَثبُت بالنِّسبة إلى الواقف؛ فللواقف بالنَّظر إلى اختصاص الخنزير به أن يوقِفَه، كما في الكَلْب من غير تفاوتٍ
بينهما.
وكذلك وقفُ العبد الآبق والطَّائر الَّذي طار وليسا في يد الواقف، لابأس به؛ ولا دليل يمنَعُه.
نعم! هناك قاعدةٌ كلِّيَّةٌ في الوقف تجري في جميع موارد الوقف، وهي: أن يكون فيه داعٍ عُقَلائيٌّ، فإذا حصَل الدَّاعي تشمُلُه عمومات الباب؛ فيجب الوفاء به إذن.
في شرائط الواقف. قد اُشتُرِط فيه ما يُشتَرَط في غيره من العقود، من غير زيادةٍ أو نقصانٍ؛ من:
البلوغِ؛
والعقلِ؛
والقُدرةِ؛
والإختيارِ.
إلَّا أنَّه قد وردتْ رواياتٌ تدلُّ علىٰ صحَّة الوقف للصَّبيِّ المُميِّز؛ وقد رواها الشَّيخ الحرُّ قدس سره في الباب الخامس عشر من أبواب الوقف(1). لكنَّها بأجمعها معرَضٌ عنها عند الأصحاب، لأنَّ فيها جوازُ الطَّلاق(2)والعِتق له(3)، ولايقول بهما أحدٌ من الفقهاء.
نعم! لولا ذلك لُيمكِن حملُ هذه الرِّوايات علىٰ الصَّدقة الرَّائجة بين المؤمنين، لا علىٰ الوقف المُصطَلَح الفقهيِّ.
في شرائط الموقوف عليه اشتهر بين الأصحاب أنَّه يُشتَرَط في الموقوف عليه أن يكون:
موجودًا؛
معيَّنًا؛
ممَّن يصحُّ أن يتملَّك؛
ممَّن يجوز أن يُوقَف له.
والفقهاء وإن اختَلَفوا في التَّعبير عن تلك الشَّرائط لكنَّها هو المُتَيَقَّن في كلماتهم، كما عن المحقِّق قدس سره في شرائعه(1)، ومختصره(2)، والعلَّامة قدس سره في تحريره(3)، وإرشاده(4)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما في حاشيته علىٰ الشَّرائع(5)، وشرحه عليه(6)، والبحرانيِّ قدس سره(7)،
والشَّهيد قدس سره(1)، والمحقِّق الثَّاني قدس سرهما(2)، والشَّيخ قدس سره في نهايته(3)، و مبسوطه(4)، وابن حمزة قدس سره(5)، وابن زهرة قدس سره(6)، وابن إدريس قدس سره(7)، وابن سعيدٍ قدس سره(8)، و غيرهم.
أقول: لا دليل علىٰ هذه الشَّرائط كلِّها، فيجوز الوقفُ علىٰ أولاده وأولاد أولاده(9)الَّذين لم يُولَدُوا بعدُ، بل يُوجَدون بعد دهرٍ؛
ولا إشكال في هذا الوقف باتِّفاقٍ من الأعلام.
كما ويجوز أن يوقف لأَخيه أو لأُخته من غير أن يُعيِّن الموقوف عليه من بينهما، والتَّعيينُ علىٰ الحاكم، أو بالقرعة.
ويجوز أن يوقف مالًا لغُلامه ولوقلنا بأنَّ العبدَ لايَملِك شيئًا.
كما وأنَّه يجوز أن يوقف علىٰ:
الكافر - خلافًا لبعضهم، ووفاقًا لآخرين، وفصَّل ثالثٌ، واختار تفصيلًا آخر غيرُه؛ كما أنَّ الفقيه البحرانيَّ قدس سره حكىٰ في المسألة أقوالًا أربعةً(10)
1) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 2 ص 269.
2) . راجع: جامع المقاصد، ج 9 ص 38.
3) . راجع: النِّهاية، ص 595.
4) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 292.
5) . راجع: الوسيلة، ص 370.
6) . راجع: غُنيَة النُّزوع، ص 296.
7) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 3 ص 155.
8) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 369.
9) . وانظر: تذكرة الفقهاء - الطَّبعة الحجريَّة الكبيرة -، ج 1 ص 437.
10) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 22 ص 191.
والتَّفصيل خارجٌ عن موضوع هذه الرِّسالة ووضعها، فانظر إلى كلمات ابن إدريس قدس سره(1)، وابن سعيدٍ الحلِّي قدس سره(2)، وأوَّل الشَّهيدَين(3)، وثانيهما قدس سرهما(4)، والشَّيخ قدس سره في مبسوطه(5)، ونهايته(6)، والمفيد قدس سره(7)، والآخوند الخراسانيِّ قدس سره(8)، والمحقِّق البجنورديِّ قدس سره(9)في المسألة، ليظهر لك جليَّة الحال فيها -؛
أو الحَربيِّ - وفاقًا للمُتَقَدِّمين، كالمفيد قدس سره(10)، والدَّيلمي قدس سره(11)، والقاضي ابنِالبرَّاج قدس سره(12)وخلافًا للمتأخِّرين، كالمحقِّق قدس سره في شرائعه(13)، ونافعه(14)، والعلَّامة قدس سره في تحريره(15)، وإرشاده(16)، وتبصرته(17)، وولده العظيم قدس سره(18)،
1) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 3 ص 160.
2) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 369.
3) . راجع: غاية المُراد، ج 2 ص 434.
4) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 333.
5) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 294.
6) . راجع: النِّهاية، ص 597.
7) . راجع: المقنِعة، ص 653.
8) . راجع: كتابٌ في الوقف، ص 5.
9) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 4 ص 280.
10) . راجع: المقنِعة، ص 653.
11) . راجع: المَراسم العلويَّة، ص 198.
12) . راجع: المهذَّب، ج 2 ص 88.
13) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 214.
14) . راجع: المُختصر النَّافع، ص 157.
15) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 299.
16) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 453.
17) . راجع: تبصرة المتعلِّمين، ص 124.
18) . راجع: إيضاح الفَوائد، ج 2 ص 388.
والشَّهيد الثَّاني قدس سرهما(1)، وقد ادَّعىٰ ثبوتَ الشُّهرة علىٰ هذا القول -؛
أو لأولاده المُرتدِّين؛ والوقف حينئذٍ ينتقل إلى مولاه، أو إلى ورثته، أو إلى الحاكم.
نعم! لووقف دارَه لفعل الفواحش والإتيان بها فيها، لايجوز هذا الوقف ولايصح قطعًا؛ لأنَّ النَّهي في المعاملات يُوجِب فَسادَها؛ وأمَّا لوخُلِّي هذا الوقف وطبعُه من دون النَّظر إلى هذه القاعدة الأصوليَّة، فلادليل علىٰ بطلان هذا الوقف.
قد اشتهر بين الأصحاب أنَّه يجوز بيع الموقوف في موارد ثمانيَّةٍ(2)وهي:
أن يكون المال الموقوفُ بصدد الهدم، فيخرب بعد مدَّةٍ بحيث لاتكون له منفعةٌ ولايجوز تبديلُه بشيءٍ آخر.
أن يخرب بحيث لاتكون له منفعةٌ معتدَّةٌ، بل لاتحصل منه بعد مدَّةٍ إلَّافائدةٌ قليلةٌ.
أن يكون بحيث تزول منه الفائدةُ الَّتي أرادها الواقفُ منه.
أن يكون في بيعه نفعٌ بحسب الوقف.
أن يحتاج الموقوفُ عليه إلى ثمنه حاجةً ماسَّةً.
أن يقع بين الموقوف عليهم نزاعٌ فيه بحيث يُظَنُّ أنَّ النِّزاع سينجرُّ إلى نزاعٍ خارجٍ عن العُرف، كأن يقتل بعضُهم بعضًا بسببه.
أن يكون الموقوف ممَّا ذَكَرَ الواقف في جريان الصِّيغة جوازَ بيعه.
أن يحصل ظنٌّ قويٌّ بأنَّه يُتلَفُ، أو يُغصَبُ فيخرج عن الوقف أصلًا.
والأصحاب في ذكر هذه الشُّروط مجمَلًا أو مفصَّلًا بين مجمِلٍ ومفصِّلٍ، فبعضُهم خصَّ بالمسألة رسالةً مفردةً - كالشَّيخ حسين آل عصفورٍ البحرانيِّ قدس سره(1)-، وبعضُهم خاض في غِمارها - كصاحب الجواهر قدس سره(2)-؛ وكيف كان فلابن الجنيد قدس سره(3)، والمرتضىٰ قدس سره(4)، والشَّيخ قدس سره(5)، وابن زهرة قدس سره(6)، والكَيدُري قدس سره(7)، والمحقِّق قدس سره(8)، وغيرهم كلماتٌ هيهنا يجدر الرُّجوع إليها.
أقول: قد وردتْ في بعض هذه الموارد رواياتٌ(9)، لكن الَّذي نختاره: أنَّ الأمر بيد الحاكم في جميع هذه الأمور الَّثمانيَة، وفي غيرها أيضًا ولو كان من الموارد الَّتي
1) . في برهان الأشراف في المَنع من بيع الأوقاف.
2) . راجع: جواهر الكلام، ج 22 ص 357.
3) . راجع: مجموعة فتاوىٰ ابن جنيد، ص 233.
4) . راجع: الاِنتصار، ص 468.
5) . راجع: النِّهاية، ص 599.
6) . راجع: غُنيَة النُّزوع، ص 298.
7) . راجع: إصباح الشِّيعة، ص 346.
8) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 11.
9) . وانظر: التَّهذيب، ج 9 ص 130؛ الاِستبصار، ج 4 ص 97؛ وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 185.
وردَتْ فيها روايةٌ صحيحةٌ؛ فالأمر بيد الحاكم إن رأىٰ الخير في أن يبيع الموقوف فيبيعه، وإن رأىٰ صلاح الموقوف في حفظه يحفظه؛ وفاقًا لسيِّدنا الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره(1)
فإذا لم يَرَ الحاكمُ صلاح الموقوف في بيعه، ليس له أن يبيعَه وإن وردتْ فيه روايةٌ صحيحةُ السَّند ظاهرةُ الدِّلالة؛ إذ المختار أنَّ الرِّوايات لاتعبُّد فيها أصلًا، بل كلَّها إرشادٌ إلى حكم العقل وسيرة العقلاء في حكم الوقف.
لاإشكال في أنَّه يجوز في الوقف أن يتولّىٰ أحدٌ أمرَه حسب ما ذكره الواقف؛ بل لاإشكال في جواز أن ينظُرَ أحدٌ فيه لحفظه وحراسته عمَّا يخربه أو يُشينُه؛
حتَّى أنَّه لو لم يُعيِّن الواقفُ متولِّيًا له أو ناظرًا فيه، فعلىٰ الدَّولة الإسلاميَّة أن تُعيِّن متولِّيًا وناظرًا له؛ وكما عن الشَّيخ عليٍّ آل كاشف الغطاء قدس سره(2)، وغيره.
فأصل الكلام لانزاع فيه. إنَّما الكلامُ فيما يترتَّبُ علىٰ هذا الأصل؛ وهي:
وعلىٰ فرض الجواز، هل يجوز أن يُعيِّن لنفسه راتبةً للقيام بتوليَة الموقوف(3)؟.
قيل: لا، لأنَّ الوقف سلب الملكيَّة عن النَّفس، فليس للواقف بعد سلبه الملكيَّةَ أن يتولّىٰ أمره ثانيًا وأن يأخذ علىٰ تولِيَته عليه راتبةً.
وفيه ما لايخفىٰ!. فالأقوىٰ هو الجوازُ، لقاعدة «أنَّ الوقوف علىٰ حسب ما يُوقَف».
ولأعلام القوم كالمحقِّق الآخوند قدس سره(1)، والعلَّامة المجلسيِّ قدس سره(2)، والفقيه بحرالعلوم قدس سره(3)، والسَّيِّد الفقيه اليزديِّ قدس سره(4)، والشَّيخ احمد آل كاشف الغطاء قدس سره(5)، والشَّيخ محمَّدحسين قدس سره(6)منهم أيضًا هيهنا كلماتٌ يجدر الرُّجوع إليها.
الأقوىٰ: لا، لأنَّ الواقف بعد جريان الصِّيغة كأحدٍ من النَّاس، ولا فرق بينه وبين غيره من النَّاس بالنِّسبة إلى الموقوف.
فعلىٰ الحاكم إذن أن يُعيِّن الواقفَ أو غيرَه لتوليَة أمره، وهذا ممَّا يجب علىٰ الحاكم أن يقوم به(7).
1) . راجع: كتابٌ في الوقف، ص 17.
2) . راجع: ملاذُ الأخيار، ج 14 ص 396.
3) . راجع: بُلغة الفقيه، ج 3 ص 260.
4) . راجع: تكملة العُروة الوثقىٰ، ج 1 ص 227.
5) . راجع: سفينة النِّجاة، ج 2 ص 189.
6) . راجع: تحرير المجلَّة، ج 2 / القسم 3 ص 88.
7) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 310.
مقامَه من يقوم بهذا الأمر كما هو حقُّه؛ فهو كمَن جعَلَه الواقف أو الحاكمُ في هذا المنصب لكنَّه لايقوم بواجبه؛ فللحاكم أن يعزلَه(1)
أقول: وانظر أيضًا: فقه الإمام الصَّادق عليه السلام، ج 5 ص 70.
.نعم! ليس للمتولِّي عزلُه لو لم يشترطه عند جريان الصِّيغة؛ لأنَّه حينئذٍ بالنِّسبة إلى الموقوف كأحدٍ من النَّاس، فلاولاية له عليه.
لاإشكال في اشتراط كون المتولِّي بل النَّاظرِ ثقةً(2)
راجع: كلمة التَّقوىٰ، ج 6 ص 122.
فلواشتَرَط المتولِّي أو الحاكم أن يُعيَّنَ من ليس بأمينٍ - أي: ثقةٍ في ما يرتبط بحفظ الوقف - كمتولٍّ له، فهو شرطٌ فاسدٌ؛ وحينئذٍ فلوقيل بأنَّ الشَّرط الفاسد لايُفسِد العقدَ، فعقد الوقف صحيحٌ، لكن لاوقع لهذا الشَّرط أصلًا؛ فعلى الواقف أو الحاكم أن يعزله عن منصَبه ويجعل بدلَه مَن يقوم بوظائفه أمينًا فيها؛إذ الشَّارع لايرضىٰ بأن يُسلِّط غير الأمين علىٰ الوقف، كما لايرضىٰ أن يُسلِّط علىٰ أموال الصِّغار.
فلذلك إن صار المتولِّي فاسقًا بعد أن كان أمينًا، فيجب علىٰ الحاكم عزلُه.
نعم! لاتُشترط فيه العدالة المُصطلَح عليها في الفقه، إذ لا دليل علىٰ اشتراطها
فيه؛ بل تكفي فيه الأمانة وكونه أمينًا في حفظ الموقوف.
وبهذا يظهر مرادهم من أنَّ النَّاظِر المتولِّي يجب أن يكون عدْلًا، كما عن الشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(1)، وولده الشَّيخ عبَّاس قدس سره(2)، والبحرانيِّ قدس سره(3).
التَّنيه التَّاسع: الظَّاهر من ترقُّب المتولِّي أمر الوقف أن ينظُرَ في جميع ما يرتبط به، فيصحِّحه ويُمضيه، لا أن يطَّلع عليه فقط(4). نعم! لو أراد الواقف أو الحاكم أن يطَّلع المتولِّي علىٰ ما يجري علىٰ الوقف فقط، من دون أن يُصحِّح الخطأ منه، فعليهما أن يُصرِّحا بهذا عند نصب المتولِّي بهذا المقام؛
أمَّا لو لم يُصرِّحا به، فالظَّاهر العرفيُّ يحكمُ بأنَّه يجب عليه أن يُدقِّق النَّظر في جيمع شؤون الموقوف أوَّلًا، ثمَّ يُصلِحه ثانيًا لئلَّا يصير أمره إلى البوار والخروج عمَّا أوقفه الواقف له.
إنَّ قاعدة «الوقوف علىٰ حسب ما يوقفه أهلها» تقتضي أن يجعل الواقفُ شخصًا أو شخصين أو عدَّة أشخاصٍ علىٰ نحو الاِستقلال أو الشِّركة لترقُّب أمر الموقوف؛
كما أنَّ الواقفَ لو لم ينصبْ أحدًا لتوليته، فعلىٰ الحاكم أن يجعله أو يجعلهما أو يجعلهم لترقُّبه - علىٰ القول بعدم ملكيَّة الموقوف عليه علىٰ الموقوف؛ لكنَّ النَّظر فيه
علىٰ القول بالملكيَّة يختصُّ به، كما عن المحقِّق قدس سره(1)، والشَّهيد الثَّاني قدس سرهما في حاشيته علىٰ الشَّرائع(2)، وشرحه عليه(3)أيضًا، والفقيه النَّجفي قدس سره(4)، والشَّيخ عبَّاس آل كاشف الغطاء قدس سره(5)
وخير الكلمات وأجمعها هيهنا ما ذكره المحقِّق الفيضُ قدس سره(6)، وشارحه الخبير قدس سره(7)-؛
بل له أن يُنصِب ناظرًا في الوقف بعد أن عيَّن الواقفُ متولِّيًا لو رأىٰ المصلحة في ذلك.
كما أنَّ الواقف له أن يجعل التَّوليَة علىٰ سبيل الإطلاق، فهو إذن يتصرَّف في الموقوف علىٰ حسب ما يُجيزه الشَّارع؛
والحاكم أيضًا يكون كذلك.
فحين الإطلاق أو عدم قيام المتولِّي بما استقَرَّ عليه، لموته أو لعارضٍ غيره، يكون الواقف هو الَّذي يقوم بأمر الموقوف حسب ما يراه الشَّارع ويُمضيه.
وللأصحاب في هذه الفروع كلماتٌ وأقوالٌ تجمع بينهما، كالعلَّامة قدس سره(1)، والسَّيِّد العميديِّ قدس سره(2)، والشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(3).
وهذا كلُّه أمورٌ عرفيَّةٌ أمضاها الشَّارع، ولوبعدم الرَّدع عنها.
وشرَّاح العبارة والمُعَلِّقون عليها وإن أبدوا احتمالاتٍ غير عدمِ الصِّحَّة، إلَّاأنَّهم متَّفِقون عليه، كالشَّهيد قدس سره في حاشيته عليه(5)، وكذا في شرحه(6)، والفقيه النَّجفيِّ قدس سره(7)، والشَّيخ عبَّاس آل كاشف الغطاء قدس سره(8)
1) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 314.
2) . راجع: كنز الفوائد، ج 2 ص 131.
3) . راجع: أنوار الفقاهة / الوقف، ص 38.
4) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 168.
5) . راجع: حاشيَة شرائع الإسلام، ص 521.
6) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 327.
7) . راجع: جواهر الكلام، ج 28 ص 27.
8) . راجع: منهل الغمام، ج 3 ص 17.
9) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 389.
وانظر إلى ما ذكره هيهنا ولدُه العظيم قدس سره(1)، وثاني المحقِّقَين قدس سره(2)، والفقيه العامِلي قدس سره(3)، وإلى ما ذكره أيضًا صاحبُ الشَّرائع قدس سره(4)، والشَّهيد الأوَّل(5)، وثانيهما قدس سرهما(6)، والقطَّان قدس سره(7)، والفيض قدس سره(8)، وشارحه قدس سره(9).
وانظر أيضًا إلى ما ذكره العلَّامة قدس سره(11)، والشَّهيد قدس سره(12)، وابنُفهدٍ قدس سره(13)، والمحقِّق الفيض قدس سره(14)، والبحرانيُّ قدس سره(15)، والشَّيخ هادي
1) . راجع: إيضاح الفَوائد، ج 2 ص 382.
2) . راجع: جامع المقاصد، ج 9 ص 28.
3) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 21 ص 510.
4) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 171.
5) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 2 ص 267.
6) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 364.
7) . راجع: معالم الدِّين، ج 1 ص 558.
8) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 3 ص 211.
9) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 13 ص 303.
10) . راجع: كفاية الأحكام، ج 2 ص 13.
11) . راجع: تلخيص المَرام، ص 151.
12) . راجع: اللُّمعة الدِّمشقيَّة، ص 99.
13) . راجع: المهذَّب البارع، ج 3 ص 56.
14) . راجع: النُّخبة، ص 188.
15) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 22 ص 182.
القاعدة تُشيرُ إلى السُّلطة والاِستيلاء علىٰ شيءٍ، مهما كان.
والسُّلطة تختلف بحسب الموارد، فهي علىٰ المتاع علىٰ نحوٍ، وعلىٰ البيت علىٰ نحوٍ آخر، وعلىٰ المرتعِ وعلىٰ المملكة علىٰ أنحاءٍ أُخر أيضًا؛ وبالجملة إنَّ السُّلطة والاِستيلاء أمرٌ إعتباريٌّ عرفيٌّ، والعرف يرىٰ الإختلاف فيهما بحسب الأشخاص(1)، وبحسب المستولىٰ عليه، بعد اتِّفاق العقلاء في ثبوت استيلاء النَّاس علىٰ ما يملكونه، من غير خلافٍ فيه لأحدٍ منهم أصلًا.
1) . وانظر: عوائد الأيَّام، ص 739.
العُمدة في مدرك القاعدة هي سيرة العقلاء(1)، وتلك السِّيرة من الضَّروريَّات(2)ولايشكُّ فيها أحدٌ - كما أشرنا إليه آنفًا -. ولم يردَعْ عنها الشَّارعُ، بل أمضاها.
كما أنَّ كونَها أمارةً عندهم، بل كونها من أوضح الأمارات ممَّا لاإشكال فيه.
وبعد ثبوت ذلك لايهمُّنا البحث عن مدرك تلك السِّيرة وما تستند إليه؛ ولعلَّ ذلك هو حفظ نظام المعاش ونظام المجتمع، كما هو كذلك في خبر الثِّقة والخبر الثِّقة.
والقولُ ب: «أنَّها أصلٌ عمليٌّ عُيِّنتْ في ظرف الشَّكِّ»(3)
في غاية السُّقوط(4)!، لأنَّ إحتمال الخلاف فيها مغفولٌ عنه جدًّا بين النَّاس، حيث لايرون هذا الإحتمال قابلًا للنَّظر والتَّدقيق؛ وليس هذا إلَّالكونها أمارةً كاشفةً عن الواقع. فإذن يُمكن أن يُقال: إنَّ كشفَها عن الواقع أوضحُ وأجلىٰ من كشف خبر الثِّقة عنه عندهم(5). وهذا يتَّضحُ بأدنىٰ تأمُّلٍ، ولايحتاج إلى التَّطويل في البحث عنه.
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 1 ص 140.
2) . وانظر: الفوائد العليَّة، ج 1 ص 248.
3) . وانظر: حاشية الميرزا الشِّيرازي الثَّاني قدس سره علىٰ المكاسب، ج 1 ص 172؛ القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 1 ص 140.
4) . وانظر: فوائد الأصول، ج 4 ص 603.
5) . وانظر: الرَّسائل - للإمام الخميني قدس سره -، ج 1 ص 258.
ثمَّ إنَّ هناك عدَّةً من الرِّوايات(1)تشير إلى إمضاء الشَّارع تلك السِّيرة، بل يظهر من جملةٍ منها أنَّ حجِّيَّتها مفروغٌ عنها عند المتشرِّعة وعند روسائهم ساداتنا المعصومين عليهم السلام؛
منها: قوله عليه السلام في ذيل رواية يونسَ بن يعقوبَ: «مَن استولىٰ علىٰ شيءٍ منه فهو له».
والرِّواية هذه صدرَتْ في امرأةٍ تموت قبل زوجها، أو رجلٍ يموت قبل زوجه؛ قال عليه السلام: «ما كان من متاع النِّساء فهو للمرأة، وما كان من متاع الرِّجال والنِّساء فهو بينهما، ومَن استولىٰ علىٰ شيءٍ منه فهو له»؛ فيما رواه الشَّيخُ قدس سره(2)، والفيضُ قدس سره(3)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(4)- واللَّفظ له -.
والحديثُ وإن كان موثَّقًا - كما وثَّقه المجلسيُّ قدس سره(5)، والفقيه الطَّباطبائيُّ قدس سره(6)، والمحقِّق القمِّي قدس سره(7)وغيرهم -، لكن لابأس بها، لأنَّ يونس بن يعقوب لاخلاف في جلالته ووثاقته وإن كان في اعتقاده ما اضطرَّهُم إلى جَعْله من الموثَّقين؛
1) . وانظر: عوائد الأيَّام، ص 737؛ القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 1 ص 135.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 9 ص 302 الحديث 1079.
3) . راجع: الوافي، ج 22 ص 984 الحديث 22603.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 26 ص 216 الحديث 32857.
5) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 15 ص 285.
6) . راجع: رياض المسائل، ج 15 ص 190.
7) . راجع: رسائل الميرزا القمِّي، ج 2 ص 966.
وكيف كان فلابأس بالسَّند عندنا.
المشاهَد في هذه الرِّواية أنَّ الإمام عليه السلام جعَلَ الجملة الَّتي هي عنوان القاعدة كبرىً مفروغًا عنها، ثمَّ فرَّع عليها الحكمَ.
ومنها: رواية حفص بن غياثٍ، وفيها: «لو لم يَجُزْ هذا لم يقُمْ للمسلمين سوقٌ»؛ علىٰ ما رواها الكلينيُّ قدس سره(1)، والصَّدوقُ قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)، والحرُّ قدس سره(4).
فترىٰ أنَّ الإمامَ عليه السلام جعل القاعدة حجَّةً، وحجِّيَّتُها عند العقلاء ممَّا لا خلاف فيه؛ سيَّما مع التَّدقيق في صدر الحديث.
ومثلُهما غيرُهما.
وحيث إنَّ تلك الرِّوايات كلَّها صدرتْ في مقام بيان إمضاء السِّيرة فهي إرشاديَّةٌ، فلوفُرِضَتْ روايةٌ يُتُوهَّم منها كونُها أصلًا تعبُّديًّا؛
فلايُعتنىٰ بهذا التَّوهُّم أصلًا!، لأنَّ مثل ذلك التَّوهُّم بل مثل هذه الظَّواهر وأمثالها لايقدر علىٰ ردع السِّيرة؛ فلابدَّ من رفع اليد عن التَّوهُّم هذا، بل عن هذا الظهور أيضًا.
وعمدةُ ما يُتوهَّم منه أنَّها أصلٌ تعبُّديٌّ، هو رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللَّه الصَّادق عليه السلام: «سمعتُه يقول: كلُّ شيءٍ هو لك حلالٌ حتَّى تعلمَ أنَّه حرامٌ بعينه فتدَعه مِن قِبَل نفسك، وذلك مثل الثَّوب يكون عليك قد اشتريتَه وهو سَرِقَةٌ،
أو المملوك عندك ولعلَّه حرٌّ قد باع نفسَه أو خُدِع فبيعَ قهرًا، أو امرأةٍ تحتَكَ وهي أُختُك أو رضيعَتُك، والأشياءُ كلُّها علىٰ هذا حتَّى يستبين لك غيرُ ذلك أو تقومَ به البيِّنةُ»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(4)وغيرهم.
والحديث وإن كان وصفَه العلَّامةُ المجلسيُّ قدس سره في مرآته(5)وملاذه(6)بكونه ضعيفًا، لكن جعَلَه والدُه قدس سره من القويِّ كالصَّحيح(7)وعن البحرانيِّ قدس سره كونه موثَّقًا(8).
والتَّضعيف لمكان مسعدة بن صدقة - كما نصَّ عليه المحقِّق البهبهانيُّ الكرمانشاهيُّ قدس سره(9)-؛
لكن لابأس به عندنا، لكثرة نقل الأصحاب هذه الرِّواية أوَّلًا، ولكثرة نقل أصحاب المجامع عنه ثانيًا.
هذا؛ ولكنَّ الظَّاهر كون الأمثلة من باب التَّقريب بالذِّهن، لا أنَّها مصاديق لذلك الكبرىٰ، ضرورةَ أنَّ اشتراءَ العبد ودفع إحتمال كونه حرًّا وعدم الإلتفات إلى
1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 313 الحديث 40.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 226 الحديث 989.
3) . راجع: الوافي،، 17 ص 62 الحديث 16860.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 17 ص 89 الحديث 22053.
5) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 432.
6) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 434.
7) . راجع: روضة المتَّقين، ج 6 ص 488.
8) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 1 ص 141.
9) . راجع: مقامع الفضل، ج 1 ص 231.
هذا الإحتمال، ليس من باب قاعدة اليد، بل من باب قاعدة إقرار العقلاء علىٰ أنفسهم جائزٌ؛ وهو أمارةٌ أُخرىٰ من الأمارات؛
ودفع شبهة الأخت أو الرَّضيعة بالاِستصحاب، لا من باب قاعدة اليد، بل القاعدة لا مساس لها بها أصلًا؛
وكذلك في غيرها من الموارد المذكورة في هذا الحديث.
وكيف كان فلاينبغي التَّفصيل في ذكر هذه الطَّائفة من الرِّوايات، لكونها إرشادًا إلى حكم العقل وسيرة العقلاء فقط، وهي تُتابِعُها في السَّعة والضِّيق وغيرهما ممَّا يرجع إلى مدىٰ حجِّيَّة القاعدة.
واستُدِلَّ للقاعدة بالإجماع أيضًا، بل بكونها من ضروريَّات الشَّريعة - كما عن المحقِّق ثاني النَّراقيَّين قدس سرهما(1)-؛ وإن كان الإجماعُ هذا مدركيًّا غير حجَّةٍ - كما أشار إليه المحقِّق البُجنورديُّ قدس سره(2)-.
وهيهنا تنبيهاتٌ هامَّةٌ.
لاإشكال في أنَّ اليد كاشفةٌ عن الحجِّيَّة إذا استظهَر ذواليد أنَّ ما في يده ملكُه؛
كما لا إشكال في أنَّها كاشفةٌ عن عدم الملكيَّة إذا استظهَر أنَّه ليس له.
إنَّما الإشكال كلُّه في استظهار ذي اليد عدمَ العلم بكون ما في يده له، أو أنَّه ليس له؛ فهل اليد إذن كاشفةٌ عن كونِه له؟؛
أو ليس بكاشفةٍ عن ذلك(1)؟.
الأقوىٰ هو الكاشفيَّة، لأنَّ الدَّليل علىٰ حجِّيَّتها - وهو بناء العقلاء - يدلُّ علىٰ أنَّه ملكه، حتَّى يعلَمَ ويُوقِنَ بخلافه؛ وقد أمضىٰ الشَّارع المقدَّس هذه السِّيرة في جملةٍ من روايات الباب.
منها: رواية جميلٍ، قال: «قلتُ لأبي عبداللَّه عليه السلام: رجلٌ وجَدَ في منزله دينارًا؟، قال: يدخل منزلَه غيرُه؟، قلتُ: نعم! كثيرٌ، قال: هذا لُقَطَةٌ. قلتُ: فرجلٌ وجَدَ في صُندُوقه دينارًا؟، قال: يدخل أحدٌ يدَه في صُندُوقه غيرُه أو يضَع فيه شيئًا؟، قلتُ:
لا، قال: فهو له»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(2)، والصَّدوق قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، والفيض قدس سره(5)، والحرُّ قدس سره(6)- واللَّفظ له -؛
بسندٍ صحيحٍ، كما عن أوَّل المجلسيَّين(7)، وثانيهما قدس سرهما في مرآته(8)، وملاذه(9)،
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 1 ص 153.
2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 137 الحديث 3.
3) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 293 الحديث 4050.
4) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 390 الحديث 1168.
5) . راجع: الوافي، ج 17 ص 334 الحديث 17367.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 25 ص 446 الحديث 32321.
7) . راجع: روضة المتَّقين، ج 7 ص 334.
8) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 109.
9) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 10 ص 425.
والفقيهِ الطَّباطبائيِّ قدس سره(1)وغيرهم.
والرِّواية بوضوحٍ تامٍّ يدلُّ علىٰ المطلوب.
إذا ادَّعىٰ من كان الشَّيء بيده قبلًا ملكيَّةَ هذا الشَّيء الَّذي هو الآنَ بيد غيره، فلاإشكال في أنَّ قاعدة اليد محكَّمةٌ؛ فللمدَّعي إقامة البيِّنة علىٰ دعواه، سواءٌ كان أقرَّ ذواليد بكونه ملكًا للمدَّعي سابقًا، أو أنكر ذلك.
فما قيل مِن إنقلاب النِّسبة لوأقرَّ بملكيَّته عليه سابقًا، فيصير ذواليد إذن مدَّعيًا والمدَّعي منكرًا؛
لاوجه له أصلًا!، لحكومة قاعدة اليد علىٰ كلِّ أصلٍ يُتصوَّر جريانُه فيها - كاستصحاب بقاء المِلكيَّة(2)-.
ومن هذا القبيل قضيَّةُ فدك، لأنَّ الصِّدِّيقة الطَّاهرة المعصومة - صلوات اللَّه وسلامُه عليها! - كانتْ ذات اليد علىٰ فدك، وأنَّه كان نحلةً لها فانتقل إليها؛
فالَّذي ادَّعىٰ أنَّه فيءٌ للمسلمين، عليه إقامة البيِّنة علىٰ ذلك.
وإلى هذا أُشير في روايةٍ شريفةٍ، وهي: عليُّ بن إبراهيم في تفسيره(3)عن أبيه عن ابنِ أبي عميرٍ عن عثمانَ بنِ عيسىٰ وحمَّادِ بن عثمانَ جميعًا عن أبي عبداللَّه عليه السلام في حديث فدكَ: «أنَّ أميرالمؤمنين عليه السلام قال لأبي بكرٍ: أ تحكُمُ فينا بخلاف حُكمِ اللَّه في
المسلمينَ؟، قال: لا، قال: فإن كان في يد المسلمينَ شيءٌ يملكونه ادَّعَيتُ أنا فيه، مَن تسأل البيِّنَةَ؟، قال: إيَّاك كنتُ أسأل البيِّنةَ علىٰ ما تدَّعيه علىٰ المسلمين، قال: فإذا كان في يدي شيءٌ فادَّعىٰ فيه المسلمونَ تسألُني البيِّنةَ علىٰ ما في يدي وقد ملَكتُه في حيوة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وبعده ولم تسأل المؤمنينَ البيِّنةَ علىٰ ما ادَّعوا عليَّ كما سألتَني البيِّنةَ علىٰ ما ادَّعيتُ عليهم؟ إلى أن قال: وقد قال رسول اللَّه: البيِّنةُ علىٰ من ادَّعىٰ واليمينُ علىٰ من أنكرَ!»؛ وقد رواها الحرُّ قدس سره عنه - واللَّفظ له(1)-، والبحرانيُّ قدس سره(2)، وسيِّدُنا الأستاذ الفقيه البروجرديُّ قدس سره(3).
نعم! قاعدة اليد مع ادِّعاء المِلكيَّة محكَّمةٌ إلَّافي مواردَ يكون الادِّعاء من النَّوادر الَّتي لايُعبأ بها غالبًا، كما كان المِلكُ وقفًا سابقًا، فادِّعاءُ المِلكيَّة عليه مدَّعيًا أنَّه باعَهَ لطُرُوِّ مسوِّغات البيع عليه، ممَّا لايقبله العُقلاء؛
ولعلَّ ذلك لانصراف القاعدة عن مثل هذه الموارد.
ويمكن أن يُقال بتقدُّم اِستصحابِ الوقفيَّة أو اِستصحاب عدم طرُوِّ مسوِّغات البيع عليه(4)
لأنَّ الشَّكَّ في ملكيَّة ذي اليد مسبَّبٌ عن الشَّكِّ في الوقفيَّة، أو طروِّ المسوِّغات عليه؛
فالاِستصحابُ رافعٌ للشَّكِّ.
فيكون المقامُ من باب الأصل السَّببيِّ والمُسَبَّبيِّ.
لاإشكال عُرفًا في جواز ثبوت يدين علىٰ شيءٍ واحدٍ بالإشاعة؛ وهو الَّذي يُقال له في العُرف والفقه: الشِّركة(1).
فإذا انعقَد عقدُ الشِّركة واختلط ما وقع عليه العقدُ وكان بين اثنين أو أكثر منهما، يُقال لهذه الشِّركة: الشِّركةُ الإختياريَّة؛ كما أشار إلى هذا النَّوع من الشِّركة جمعٌ من الفقهاء، كالعلَّامة قدس سره(2)، والمحقِّق الثَّاني قدس سره(3)، والشَّهيد الثَّاني قدس سره(4)، والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(5)وغيرهم في طيِّ مباحثهم.
وإذا اختلط المالانِ من غير عقدٍ، أو مات أبٌ له ابنانِ مثلًا فوقع بينهما الشِّركة في مالِه، يقال لها: الشِّركة القَهْريَّة؛ وقد أُشير إلى هذا المُصطَلح في كلمات الفقهاء، كالمحقِّق الرَّشتي قدس سره(6)، والمحقِّق الهَمَدانيِّ قدس سره(7)، والسَّيِّد الفقيه اليزديِّ قدس سره(8)وغيرهم.
ومعنىٰ الشِّركة عند العُرف واضحٌ، إذ هو من المفاهيم الواضحة الَّتي بُني عليها
1) . وانظر: عوائد الأيَّام، ص 748.
2) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 16 ص 308.
3) . راجع: جامع المقاصد، ج 8 ص 16.
4) . راجع: مسالك الأفهام، ج 4 ص 306.
5) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 10 ص 195.
6) . راجع: فقه الإماميَّة / قسم الخيارات، ص 522.
7) . راجع: حاشيَة كتاب المكاسب، ص 88.
8) . راجع: حاشيَة المكاسب، ج 2 ص 47.
الحياةُ الجَماعيَّة.
ولازمُ الإشاعة عرفًا وشرعًا جوازُ انتقال مالِه إلى الغير من غير استجازةٍ من الشَّريك من ناحيَةٍ - وحقُّ الشُّفعَة مطلبٌ آخر لايرتبط بما نحن فيه الآنَ -؛
وعدمُ جواز تصرُّفه في المال إلَّاباستجازةٍ من الشَّريك - لعدم إمكان التَّصرُّف في مال الغير - من ناحيَةٍ أُخرىٰ، لأنَّ الإشاعة تلزم ذلك - أي: التَّصرُّف في مال نفسه ومال غيره -، إذ هو مستقلٌّ في التَّصرُّف في مال نفسه بينما ليس له يدٌ علىٰ مال الغير، لعدم جواز التَّصرُّف فيه إلَّابإذنٍ منه؛
فيلزم منه عدم جواز تصرُّف كلٍّ منهما في المال المُشاع!.
وعدم جواز تصرُّفِ كلٍّ منهما فيه ليس لأجل نقصان يدهما عليه، بل لاستلزام تصرُّفِهما في ملك الغير. فالشَّريكان تكون لكلٍّ منهما يدٌ مستقلَّةٌ علىٰ ماله فقط، دون مال الآخر؛
وليس في ذلك نقصٌ أصلًا.
وبما ذكرنا ظهر أنَّ القول ب: «أنَّ معنىٰ الإشاعة اجتماعُ المالِكَين علىٰ سبيل الاِستقلال لمالٍ واحدٍ» - كما يظهر ذلك عن السَّيِّد قدس سره في ملحقات العروة في كتاب القضاء(1)-؛
ليس له وجهٌ!.
كما أنَّ القول ب: «أنَّ الإشاعة هي اجتماع المالِكَين علىٰ سبيل النَّقص لمالٍ
1) . راجع: تكملة العُروة الوثقىٰ، ج 2 ص 123 المسألة 4.
واحدٍ» - كما يظهر من المحقِّق الأصفهانيِّ قدس سره(1)-؛
أيضًا لا وجه له!.
بل إنَّ القولين خلاف المُتفاهَم العرفيِّ، والعرفُ يأبىٰ عن مثل هذه الإحتمالات.
إذا تقرَّر هذا فنقول: إنَّ اليدين علىٰ شيءٍ واحدٍ علىٰ نحو الإشاعة يختلف الحكم فيها، فلوادَّعىٰ أحدُ الشريكين أنَّ يد الآخر يد غصبٍ، فهو المدَّعي، والآخر هو المنكر؛
ولوادَّعىٰ كلٌّ منهما أنَّ الآخر غصبيٌّ، فهما مدَّعيان بالنِّسبة إلى نصفِه المُشاع، وبالنِّسبة إلى النِّصف الآخر منكران؛
ولوادَّعىٰ واحدٌ منهما أنَّ الآخر شريك في المنفعة فقط دون العين، فهو المدَّعي أيضًا، لأنَّ الظَّاهر من اليد أنَّه مسلَّطٌ علىٰ العين؛ واليد علىٰ المنفعة وإن كانتْ جائزةً، إلَّا أنَّها فرعُ إحراز كون العين للآخر.
وللمسألة فروضٌ أُخرىٰ خارجةٌ عن محلِّ البحث.
هذا كلُّه في الدَّعوىٰ علىٰ سبيل الإجمال.
وأمَّا صحَّة تصرُّفات كلٍّ منهما بعد ثبوت يدِهما علىٰ العين الخارجيِّ، فهي بقاعدة اليد، وبقاعدة أصالة الصِّحَّة في فعل الغير. فقاعدة اليد تدلُّ علىٰ أنَّه يملك العينَ علىٰ نحو الإشاعة، وقاعدة أصالة الصِّحَّة تدلُّ علىٰ أنَّه يتصرَّف في العين بالإجازة؛
كما أنَّه لوأخبر بطهارة العين مثلًا، أو أجاز للغير التَّصرُّف في ماله، فقاعدة اليد
1) . راجع: وسيلة النَّجاة - مع حواشي السَّيِّد الفقيه الگلپايگاني -، ج 3 ص 76.
وقاعدة أصالة الصِّحَّة مثبِتَتان صحَّةَ تلك الإجازة وهذا الخبر؛
كما أنَّه لوباع حقَّ الغير فقط علىٰ نحو الإشاعة، فقاعدة أصالة الصِّحَّة تدلُّ علىٰ جواز ذلك.
وأقول أيضًا: بناءً علىٰ حجِّيَّة مثبَتات الأمارات ففي بعض الأمثلة قاعدة اليد كافيَةٌ، ولانحتاج معها إلى قاعدة أصالة الصِّحَّة أصلًا.
قال المحقِّق الحلِّي قدس سره في مسألة الإذن في الشِّركة: «ولوتعدَّىٰ المتصرِّف فيما حُدَّ له، ضمنَ»(1)فأضاف الفقيه النَّجفيُّ في مقام الاِستدلال له بقوله: «لقاعدة اليد»(2).
قال الفقيه الشَّيخ محمَّدحسين كاشف الغطاء قدس سره في مسألة المال المقبوض اشتباهًا: «لوتخيَّل أنَّ مال زيدٍ مالُه فأخذه فتلف في يده فإنَّه ضامنٌ له، بقاعدة اليد»(3).
قال السَّيِّد الفقيه اليزديُّ قدس سره في مسألة إذا كان في يده مالٌ لغيره يدَّعي أنَّه وكيلٌ عنه في التَّصرُّف يجوز الأخذ منه بالشِّراء: «سواءٌ كان ذلك الغير معيَّنًا، أو لا؛ وذلك لليد»(4).
العنوان مأخوذٌ من نصِّ حديثٍ شريفٍ رووه عن أميرالمؤمنين عليه السلام - وسنأتي بنصِّه -؛ ولذلك أجمعتْ كلمةُ الفقهاء عليه، فلم أجد له عنوانًا آخر غيره.
قد اشتهر بين الأصحاب في تعريف الإجارة: أنَّها تمليك المنفعة بعِوَضٍ؛ أو: أنَّها تسليط الغير علىٰ عينٍ للانتفاع منها بعِوضٍ. والأوَّل - بعينه، أو بزيادةٍ - ما اختاره العلَّامةُ قدس سره(1)، والمقداد قدس سره(2)، والمحقِّق الثَّاني قدس سرهما(3)، والشَّهيد الثَّاني قدس سرهما(4)، والفاضل
الأردبيليُّ قدس سره(1)، والفاضل الخراسانيُّ قدس سره(2)، وغيرهم؛
والثَّاني ما اختاره المحقِّق اليزديُّ صاحب العروة قدس سره(3)، وأشار إليه المحقِّق النَّائينيُّ قدس سره(4)، وغيرهما؛
ولها تعاريف أُخر أيضًا.
والتَّعريفان كلاهما جيِّدان، حيث لايلزم في التَّعريف أن يكون جامعًا للأفراد ومانعًا عن الأغيار؛ لأنَّ التَّعريف يُؤتىٰ به للتَّقريب إلى الذِّهن فقط، وهما كافيان لذلك.
فما يُتَراءىٰ من بعضِهم من التَّفصيل في قيود التَّعريف والقيل والقال فيه(5)،
لامحلَّ له قطعًا، بل هو تطويلٌ بلاطائلٍ!. ويظهر لك هذا بالنَّظر إلى مظانَّه، كأقوالٍ حكاها الفقيهُ العامليُّ قدس سره(6).
ولذلك قال الفقيه البحرانيُّ قدس سره بعد نقل اختلاف التَّعابير من ناحيَة الألفاظ:
«والبحثُ في ذلك لاثمرة له بعد ظهور المُراد»(7).
1) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 10 ص 67.
2) . راجع: كفاية الفقه، ج 1 ص 648.
3) . راجع: حاشيَة المكاسب، ج 1 ص 55.
4) . راجع: منيَة الطَّالب، ج 1 ص 122.
5) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 7 ص 59.
6) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 19 ص 221.
7) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 21 ص 532.
والقاعدة تُشير إلى أمرٍ عرفيٍّ شائعٍ بين النَّاس في جميع المِلَل والنِّحَل، وهو: إنَّ الإجارة طريقٌ من طُرُق النَّاس في أمر معيشتهم، حيث استقرَّتْ سيرتُهُم علىٰ إجارة شيءٍ عن آخر عند حصول الحاجة إليه.
وهذا أمرٌ عرفيٌّ لايطلب الكلامَ أزيدَ من هذا(1).
أمَّا مدرك القاعدة، فهو الأدلَّة الأربعة بأجمَعها.
فمن الكتاب(2)قوله - تعالى! -: «قٰالَتْ إِحْدٰاهُمٰا يٰا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ»(3). قال ابنُالعربيِّ الفقيه في قوله - تعالى! -: «اِسْتَأْجِرْهُ»: «دليلٌ علىٰ أنَّ الإجارةَ بينهم وعندهم مشروعةٌ معلومةٌ، وكذلك كانت في كلِّ ملَّةٍ، وهي من ضرورة الخليقة ومصلحة الخُلطَة بين النَّاس»(4)وعن الفاضل الجواد قدس سره: «وهي دالَّةٌ علىٰ مشروعيَّةِ الإجارة في زمن
1) . ولذلك قال الفقيه السَّبزواريُّ المعاصر قدس سره بعد الإشارة إلى التَّعريف وقيوده: «وعلىٰ هذا فمعنىٰ الإجارة من المعاني المرتَكَزة عند النَّاس في جميع الأزمان والأديان، ولايحتاج إلى إتعاب الفقيه نفسَه في بيان هذا المعنىٰ العامِّ الإبتلائيِّ»؛ راجع: مهذِّب الأحكام، ج 19 ص 6.
2) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 7 ص 57.
3) . كريمتان 27/26 القَصص.
4) . راجع: أحكام القرآن، ج 3 ص 1466.
شُعَيبٍ عليه السلام»(1)وللفاضل المقداد قدس سره هيهنا كلامٌ في غاية النِّفاسة، فراجع إليه(2)!.
ومن الغريب أنَّ الشَّيخ قدس سره لم يذكر شيئًا عن مباحث الإجارة الفقهيَّة في تفسير الآيتين(3)، نفس ما فعله الطَّبرسيُّ قدس سره فيها(4).
ومثل الآيتين غيرُهما ممَّا استفادَت الفقهاءُ منه جواز الإجارة.
ومن السُّنَّة المطهَّرة(5)رواياتٌ كثيرةٌ تدلُّ علىٰ أصل مشروعيَّتها وكيفيَّتها وأحكامها، حتَّى أنَّ كثيرًا من أصحاب المجامع الروائيَّة - كالكلينيِّ قدس سره(6)، والصَّدوق قدس سره(7)، والفيض قدس سره(8)، والحرِّ قدس سره(9)- قد عقدوا لها بابًا بحيالِه؛ فلاحاجة إلى ذكر بعضها حيث إنَّها في الاشتهار كالشَّمس في رابعة النَّهار.
ومن الإجماع ما حكاه كثيرٌ منهم، حيث ادَّعوا ثبوت الإجماع علىٰ مشروعيَّة
1) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 90.
2) . راجع: كنز العرفان، ج 2 ص 73.
3) . راجع: التِّبيان، ج 8 ص 144.
4) . راجع: مجمع البيان، ج 7 ص 398.
5) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 7 ص 59.
6) . راجع: الكافي، ج 5 ص 90.
7) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 244.
8) . راجع: الوافي، ج 18 ص 1019.
9) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 101.
أصل الإجارة وجواز العمل بها؛ منهم القطب الرَّاونديُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والعلَّامة قدس سره(3)، وغيرهم.
لكنَّ العُمدة هيهنا هو السِّيرة وبناء العقلاء، إذ - كما أشرنا إليه - قد استقرَّتْ سيرةُ العقلاء في جميع الأعصار والأمصار علىٰ أنَّ للمرء استيجارَ ما يحتاج إليه لوكان عادمًا له؛ ولذلك لانُجازِف في القول لوقلنا: إنَّ الأدلَّة الثَّلاثة الأُوَل تشير إلى هذه السِّيرة، فهي مرشدةٌ إليها فتتبَعُها في الحدود واللَّوازم وغيرهما ممَّا يرجع إليها.
وهيهنا تنبيهاتٌ.
لاريب في أنَّ عنوان القاعدة لايشير إلى قاعدةٍ كلِّيَّةٍ قطعًا، حيث ليست العبارةُ مشيرةً إلى قاعدةٍ تجري في أكثر من مسألةٍ واحدةٍ فقهيَّةٍ. ولذلك ترىٰ أنَّ الباحثين عنها - كالمحقِّق البُجنورديِّ قدس سره(4)- ذكروا هيهنا فروعَ كتاب الإجارة واستعابوا في البحث عنها؛
وهذا ممَّا لايليق بهم قطعًا!، إذ ليستْ مصادر القواعد موضوعةً لتبيين الفروع،
بل لبيان نفس القواعد فقط.
لكنَّا نتَّبع أثرَهم فنتكلَّم عن بعض هذه الفروع هيهنا باختصارٍ تامٍّ.
الإجارةُ عقدٌ لازمٌ يحتاج إلى إيجابٍ وقبولٍ، بأيِّ لفظٍ كان، وبأيٍّ عمل برَزَ من المتعاقدين. وقد نصَّ كثيرٌ من الأصحاب علىٰ لزومها، كابن زهرة قدس سره(1)، والكَيدريِّ قدس سره(2)، والمحقِّق قدس سره(3)، والقمِّيِّ السَّبزواريِّ قدس سره(4)، والعلَّامة قدس سره في إرشاده(5)، وتحريره(6)وعن المحقِّق النَّجفيِّ قدس سره: «الإجارة عقدٌ لازمٌ بلاخلافٍ ولاإشكالٍ»(7).
نعم! كثيرًا مَّا لاتجري فيها الصِّيغة، وهذا لشيوع المعاطاة وكثرتها في العُرف(8).
لكن القول بعدم كون الإجارة لازمةً، بل القولُ بأنَّها من الإباحات؛
ضعيفٌ جدًّا!.
لاتبطل الإجارةُ ببيع العين المستأجرة(9)، لعدم وجهٍ يدلُّ علىٰ فسادها
1) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 287.
2) . راجع: إصباح الشِّيعة، ص 276.
3) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 140.
4) . راجع: جامع الخلاف والوِفاق، ص 353.
5) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 425.
6) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 68 المسألة 4171.
7) . راجع: جواهر الكلام، ج 27 ص 205.
8) . وانظر: جامع المقاصد، ج 4 ص 59؛ مسالك الأفهام، ج 3 ص 151.
9) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 7 ص 65.
وبطلانها، سيَّما إذا عَلِم المشتري بذلك. نعم! له الخيارُ:
من جهة عدم قدرة البائع علىٰ نقل المُثمن أوَّلًا؛
ومن جهة كون المعاملة مغبونًا فيها ثانيًا.
هذا كلُّه إذا كان المشتري جاهلًا بكون العين المُشتراة مستأجرةً؛
وأمَّا إذا كان عالمًا، فالظَّاهر عدمُ ثبوت الخيار له، حتَّى لوقلنا بأنَّ ثمنَ الإجارة للبائع دون المشتري. وقد فصَّل الكلامَ الشَّيخُ قدس سره عن الفرع في خلافِه(1)، ونهايته(2)وأشار إليه ابنُالبرَّاج قدس سره(3)، والكيدريُّ قدس سره(4)، والمحقِّق قدس سره(5)، والعلَّامة قدس سره(6)، وغيرهم.
نعم! أُختُلِف في صحَّتها وفَسادها إذا كان المشتري هو المستأجر؛ والخلاف هذا أشار إليه وبيَّنَه العلَّامة قدس سره(7)، وولده الفاضل قدس سره(8)، والشَّهيدُ(9)، وثانيهما قدس سرهما في روضته(10)، ومسالكه(11)، والبحرانيُّ قدس سره(12)، وصاحب الجواهر قدس سره(13)، وغيرهم.
1) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 499 المسألة 20.
2) . راجع: النِّهاية، ص 441.
3) . راجع: المهذَّب، ج 2 ص 13.
4) . راجع: إصباح الشِّيعة، ص 277.
5) . راجع: نُكت النِّهاية، ج 2 ص 271.
6) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 71.
7) . راجع: تذكرة الفقهاء - الطَّبعة الحجريَّة -، ص 328.
8) . راجع: ايضاح الفوائد، ج 2 ص 244.
9) . راجع: اللُّمعة الدِّمشقيَّة، ص 155.
10) . راجع: الرَّوضة البَهيَّة - محشَّىٰ سلطان العلماء قدس سره -، ج 2 ص 1.
11) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 174.
12) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 21 ص 536.
13) . راجع: جواهر الكلام، ج 27 ص 206.
والأقوىٰ هو الصِّحَّة.
وعمدة ما قيل لعدم الصِّحَّة إذن قول المحقِّق الثَّاني قدس سره، وهو: أنَّه يلزم أنْ يعطي المشتري مالَه لنفسه(1).
وفيه:
أوَّلًا: أنَّه يلزم ذلك لوقلنا بأنَّ مال الإجارة ينتقل إلى المشتري، وأمَّا لوقلنا بأنَّ المال للبائع فلايلزم ذلك.
وثانيًا: أنَّ الإلتزام بذلك لابأس به، حيث لايلزم منه محالٌ - نظرًا إلى تعدُّد العِنوانين في شخصٍ واحدٍ، فبعنوانٍ يُعدُّ مشتريًا، وبعِنوانٍ آخر يكون مستأجرًا؛ ولا ضير في ذلك أصلًا -.
قد نُقِل عن بعض الأصحاب بطلانُ الإجارة بموت المؤجر، أو المستأجر؛ كما عن المفيد قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره في نهايته(3)، ومبسوطه(4)، وابن زهرة قدس سره(5)،
وابن سعيدٍ قدس سره(1)، وغيرهم.
وادَّعىٰ غيرُ واحدٍ منهم ثبوتَ الإجماع علىٰ ذلك، كما ادَّعاه الشَّيخُ قدس سره(2)
وهذا الإجماعُ موهونٌ جدًّا، كما سنذكرُ جملةً من الفقهاء القائلين بعدم فسخ الإجارة؛ ولذلك قال ابنُإدريس قدس سره: «فإن ادَّعىٰ أحدٌ إجماعًا فقد بيَّنَّا أنَّ أصحابنا مختلفون»(3)
وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 7 ص 71.
.أقول: لوكان هناك إجماعٌ، فهو؛ وإلَّا فإنَّ القاعدة تقتضي عدمَ البطلان، وما كان للميِّت يُنقَل إلى وارثه، عينُه ومنافعُه؛ ووافقنا في هذا الحكم كثيرٌ من الأصحاب، كأبي الصَّلاح قدس سره(4)، وابن إدريس قدس سره(5)، والمحقِّق قدس سره(6)، والفاضل الآبيِّ قدس سره(7)، والعلَّامة(8)، وولده الفاضل قدس سرهما(9)، والفاضل المقداد قدس سره(10)، والشَّهيد الثَّاني قدس سرهما(11)،
1) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 292.
2) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 491.
3) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 449.
4) . راجع: الكافي، ص 348.
5) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 449.
6) . راجع: المختصر النَّافع، ص 151.
7) . راجع: كشف الرُّموز، ج 2 ص 30.
8) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 68.
9) . راجع: ايضاح الفوائد، ج 2 ص 243.
10) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 254.
11) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 175.
والمحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(1)، وغيرهم.
وأمَّا إذا كانت المنافعُ للغير بالاستيجار، فالعين تُنقَل إلى الوارث مسلوبَ المنفعة، والمنافع تَبقىٰ عند المستأجر. نعم! له مالُ الإجارة بلاريبٍ.
وما قيل: أنَّ المنافع تتبعُ العينَ، فإذا انتقل العينُ إلى الوارث فتتبَعُه المنافع أيضًا(2)
ضعيفٌ جدًّا!، ضرورة أنَّه ليس للميِّت ملكيَّةٌ بالنِّسبة إلى المنافع ما دامت الإجارة حتَّى تنتقل إلى وارثه.
ثمَّ إنَّ تفكيك المنفعةِ عن العين أمرٌ بديهيٌّ عرفيٌّ؛ بل ليست الإجارة إلَّاهذا الفكِّ بين العين وبين منافعه.
نعم! يُتُمسَّك هيهنا برواية إبراهيم بن محمَّد الهَمَدانيِّ «قال: كتبتُ إلى أبي الحسن عليه السلام وسألتُه عن امرأةٍ آجرَتْ ضيعَتَها عشرَ سنين علىٰ أن تُعطىٰ الإجارة في كلِّ سنةٍ عند انقضائها لايُقدَّم لها شيءٌ من الإجارة ما لم يمضِ الوقتُ، فماتَتْ قبل ثلاث سنينَ أو بعدها، هل يجب علىٰ ورثَتِها إنفادُ الإجارة إلى الوقت أم تكونُ الإجارةُ منقضِيَةً بموت المرأةِ؟؛ فكتبَ: إن كان لها وقتٌ مسمًّى لم يبلغ فماتَتْ فلورَثَتَها تلك الإجارة، فإن لم تبلغ ذلك الوقت وبلغَتْ ثلثَه أو نصفَها أو شيئًا منه فتعطىٰ ورثتها بقدر ما بلغَتْ من ذلك الوقت إن شاء اللَّهُ»؛ الَّتي رواها الكلينيُّ قدس سره(3)،
والشَّيخُ قدس سره(1)، والفيض قدس سره(2)، والحرُّ قدس سره(3)وغيرهم؛
والسَّند قد صحَّحه صاحب الجواهر قدس سره(4). ونصُّها:
وفيها - كما رأيتَ - سُئِل عليه السلام عن وجوب إنفاذ الورثة الإجارةَ، فأجاب عليه السلام:
«فلورَثَتِها تلك الإجارة»؛
بتقريب أنَّ الإجارة بيد الورثة، فإنْ أحبُّوا أمضوها، وإن أحبُّوا أسقطوها وأبطلوها.
ولكن الظَّاهر أنَّ المرادَ من الحديث الشَّريف أنَّ الإجارة للورثة، بمعنىٰ أنَّ المالَ يُنتَقَل إليهم حالكونه مسلوبَ المنفعة؛
ولاأقلَّ من الشَّكِّ في المراد منها، فلا دلالة لها علىٰ ما أرادوا منها؛
ثمَّ تصِلُ النَّوبة إذن إلى الاِستصحاب(5)، وهو يدلُّ علىٰ بقاء الإجارة بعد موت المؤجر وانتقال العين إلى ورثته.
قد اشتهر(6)بين الأصحاب عدمُ جواز الضَّمان في العين، لكونه مخالفًا للكتاب
والسُّنَّة، ومقتضىٰ العقد، كما عن العلَّامة قدس سره(1)، وثاني المحقِّقَين قدس سرهما(2)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(3)، وغيرهم؛
لأنَّ المستأجرَ أمينٌ، فضمانُه بالشَّرط يخالفُ مقتضىٰ العقد ومقتضىٰ الكتاب والسُّنَّة(4).
أقول: قد اشتهر ذلك في جميع الأمانات ومنها العين المستأجرة؛ ولكنَّ الأقوىٰ هو الصِّحَّة، كما قال به السَّيِّد الفقيه اليزديُّ قدس سره في بابَي الإجارة والمضاربة وغيرهما من أبواب العروة(5)
وانظر أيضًا: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 12 ص 86.
.واستدلَّ السَّيِّدُ قدس سره بأنَّ ذلك لايخالف الكتابَ، ولا السُّنَّة المطهَّرة، لأنَّه بالشَّرط يُنتَقَلُ العينُ، لا أنَّ الشَّرط بدعةٌ تقابِلُ الكتابَ العزيز؛ واختاره الفقيهُ المحقِّقُ الطَّباطبائيُّ قدس سره أيضًا(6).
بل لنا أن نقول: إنَّ جميعَ الشُّروط في جميع المواضع يخالِفُ الكتابَ والسُّنَّة ومقتضىٰ العقد، فيستلزم القول ببطلان الشُّروط كلِّها علىٰ هذا القول!؛
1) . راجع: تحرير الأحكام، ج 3 ص 117.
2) . راجع: جامع المقاصد، ج 7 ص 258.
3) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 177.
4) . وانظر: كتاب الإجارة - للمحقِّق الرَّشتي قدس سره -، ص 121؛ المكاسب والبيع - للمحقِّق النَّائينيِّ قدس سره -، ج 1 ص 311؛ بُلغة الفقيه، ج 1 ص 113.
5) . قال قدس سره: «إذا استُؤجِر لحفظ متاعٍ فسُرِق لم يضمن، إلَّامع التَّقصير في الحفظ ولولغلبة النَّوم عليه، أو مع اشتراط الضَّمان»؛ راجع: العُروة الوثقىٰ، ج 2 ص 605 المسألة 15.
6) . راجع: رياض المسائل، ج 10 ص 17.
ولا قائل به قطعًا. وهذا هو أقوىٰ دليلٍ علىٰ الجواز.
قد اشتهر(1)- أيضًا - بين الأصحاب أنَّه لايجوز أن يؤجِر المستأجرُ موردَ الإجارة بآخر بأكثر ممَّا استأجره، إلَّاأن يُحدِثَ في العين حدَثًا مَّا؛ كما أشار إلى المسألة المرتضىٰ قدس سره(2)، وابنُإدريس قدس سره(3)، والدَّيلمي قدس سره(4)، والقاضي ابن البرَّاج قدس سره(5)، والفقيه الطَّباطبائيُّ قدس سره(6)
وقد فصَّل الكلامَ في المسألة وشقوقها المحقِّقُ البحرانيُّ قدس سره(7).
واستدلُّوا برواياتٍ؛
منها: موثَّقة عمَّارٍ عن الصَّادق عليه السلام: «أنَّ أباه كان يقول: لابأس أن يستأجر الرَّجلُ الدَّارَ أو الأرضَ أو السَّفينةَ ثمَّ يُؤاجِرَها بأكثرَ ممَّا استأجَرَها به إذا أصلَح فيها شيئًا»؛ فيما رواه الشَّيخ قدس سره(8)، والفيض قدس سره(9)، والحرُّ قدس سره(10)، وغيرهم.
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 7 ص 98.
2) . راجع: الاِنتصار، ص 231.
3) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 446.
4) . راجع: المراسم العلويَّة، ص 195.
5) . راجع: المهذَّب، ج 2 ص 11.
6) . راجع: رياض المسائل، ج 9 ص 387.
7) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 21 ص 292.
8) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 223 الحديث 979.
9) . راجع: الوافي، ج 18 ص 939 الحديث 18627.
10) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 129 الحديث 24292.
هذا؛ وفي رواية أبي بصيرٍ عن الصَّادق أبي عبداللَّه عليه السلام - ونصُّها: «إنِّي لأكره أن أستأجِرَ رحىً وحدها ثمَّ أُواجِرَها بأكثر ما استَأجَرُتها به، إلَّاأن يحدث فيها حدثًا أو يُغرَمَ فيها غَرامةٌ» - ذُكِرتْ الكراهةُ؛ وقد رواها الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(4)، وغيرهم.
ويمكن استفادة الحرمة من بعض روايات المسألة أيضًا.
والجمعُ بين الثَّلاثة وأشباهِها يقتضي القولُ بالكراهة، ولاأقلَّ من إحتمال الكراهة، لا الحرمة، لاسيَّما إذا دقَّقتَ النَّظر في أنَّ المنصوصَ به في بعض هذه الرِّوايات هو الدَّارُ ومثلُها؛ ثمَّ نُصَّ علىٰ جواز ذلك في الأرض وما يُشبِهها؛ وفي بعضها الآخر نُصَّ علىٰ عدم جواز ذلك في الأرض نفسِها!.
وهذا ونحوُه يدلُّ علىٰ عدم الحرمة، بل علىٰ الكراهة أو الشَّديدة منها(5).
هذا أوَّلًا؛
وثانيًا: إنَّ هذا القول يخالف مقتضىٰ القاعدة، حيث إنَّ المستأجِر كأنَّه يملك المنافع، فله أن يؤجِرها لمَن أحبَّ وشاء.
نعم! لابدَّ له من إستجازةٍ من المالك، لأنَّ انتقالَ العين إلى الغير من دون إجازة المالك يُعدُّ غَصبًا قطعًا. ولو قلتَ: إنَّ الإجارة صحيحةٌ والمستأجرُ المؤجرُ ضامنٌ
وقد فعل فعلًا محرَّمًا، لستَ قائلًا قولًا خلافًا للواقع.
لاإشكال في أنَّ المستأجر ليس ضامنًا للعين المستأجرة إذا تلفتْ لو لم يفرط في حفظها عادةً، لقاعدة السَّبيل - القائلة بأنَّه ليس علىٰ المحسنينَ من سبيلٍ(1)-؛
كما أنَّه لاإشكال في ضمانه بالنِّسبة إليها إذا تلفتْ لتفريطه فيها، لقاعدةِ مَن أتلَف مالَ الغير فهو له ضامنٌ(2)
وهذا ممَّا لاكلام فيه - وقد أشرنا إليه أيضًا -.
إنَّما الكلامُ فيما إذا أراد المستأجرُ أن يُصلِحَ العينَ فأفسدها!،
فهل هو ضامنٌ إذن؟؛
أو لا ضمان عليه؟ - والأصحاب قد بحثوا عن هذا الفرع في تلف العين في أيدي الصُّنَّاع، كالبحرانيِّ قدس سره(3)، وشارح المفاتيح قدس سره(4)، والفقيه النَّجفيِّ قدس سره(5)، وغيرهم -.
الأقوىٰ هو الضَّمان، لأنَّ الفَساد يُنسَب إليه عرفًا، فلامحالة يُنسَب الإتلاف إليه؛ فتدلُّ قاعدةُ من أتلفَ مال الغير علىٰ ثبوت الضَّمان عليه.
وهناك رواياتٌ أيضًا تدلُّ علىٰ المختار؛
منها: صحيحةُ الحلبيِّ عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «سُئِل عن القصَّار يُفسِد؟، فقال:
كلُّ أجيرٍ يُعطىٰ الأجرةَ علىٰ أن يُصلِحَ فيُفسِدُ فهو ضامنٌ»؛ وقد رواها الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره في اِستبصاره(2)، وتهذيبه(3)، والفيضُ قدس سره(4)، والحرُّ قدس سره(5)
وسندها وإن اختلف في المصادر ولكن لاضير في هذا الإختلاف؛ ولذلك قال أوَّل المجلسيَّين قدس سرهما: «في الصَّحيح والشَّيخان في الحسن كالصَّحيح»(6)وهي باعتبار سند الكلينيِّ قدس سره إليها حسنةٌ عند الأردبيليِّ قدس سره(7)، كما هي عند العلَّامة المجلسيِّ قدس سره في مرآته(8)وكذلك باعتبار إسناد الشَّيخ إليها عنده أيضًا(9).
لكن يعارضُها غيرُها ممَّا ورد في الباب، كرواية معاوية بن وهبٍ عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «سألتُه عن الصَّبَّاغ والقصَّار؟، قال: ليسا يُضَمَّنانِ»؛ علىٰ ما رواها الشَّيخُ قدس سره في تهذيبه(10)، واِستبصاره(11)، والفيضُ قدس سره(12)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(13)،
1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 241 الحديث 1.
2) . راجع: الاِستبصار، ج 3 ص 131 الحديث 470.
3) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 219 الحديث 955.
4) . راجع: الوافي، ج 18 ص 905 الحديث 18553.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 141 الحديث 24317.
6) . راجع: روضة المتَّقين، ج 7 ص 213.
7) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 10 ص 73.
8) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 295.
9) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 417.
10) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 220 الحديث 964.
11) . راجع: الاِستبصار، ج 3 ص 132 الحديث 477.
12) . راجع: الوافي، ج 18 ص 912 الحديث 18572.
13) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 145 الحديث 24330.
وغيرهم؛
وهي صحيحةٌ عند العلَّامة قدس سره(1)، والمحقِّق جمال الدَّين قدس سره(2)، وصاحب الجواهر قدس سره(3)، وغيرهم.
وأمثال الرِّوايتين كثيرةٌ جدًّا. والجمع بينها يقتضي القول بأنَّه لوكان التَّلفُ منسوبًا إليه، فهو ضامنٌ له؛ وإن لم يُنسب التَّلفُ إليه، فلاضمان عليه.
والشَّاهد لهذا الجمع قوله عليه السلام في صحيحة أبي بصيرٍ: «إن كان مأمونًا فليس عليه شيءٌ، وإن كان غير مأمونٍ فهو ضامنٌ»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(4)، والصَّدوق قدس سره(5)، والشَّيخ قدس سره(6)، والفيض قدس سره(7)، والحرُّ قدس سره(8)، وغيرهم؛
والسَّند لاخلاف في صحَّته، كما عن أوَّل المجلسيَّين(9)، وثانيهما قدس سرهما في مرآته(10)، وملاذه(11)، والطَّباطبائيِّ قدس سره(12)، وغيرهم.
1) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 6 ص 157.
2) . راجع: التَّعليقات علىٰ الرَّوضة البَهيَّة، ص 371.
3) . راجع: جواهر الكلام، ج 27 ص 343.
4) . راجع: الكافي، ج 5 ص 244 الحديث 6.
5) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 257 الحديث 3931.
6) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 216 الحديث 944.
7) . راجع: الوافي، ج 18 ص 911 الحديث 18570.
8) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 144 الحديث 24327.
9) . راجع: روضة المتَّقين، ج 7 ص 222.
10) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 301.
11) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 411.
12) . راجع: رياض المسائل، ج 16 ص 384.
لوادَّعىٰ من بيده العين: أنَّها إجارةٌ، وقال صاحب العين: أنَّها غصبٌ؛
فالمدَّعِي هو من يدَّعي الإجارة، فعليه البيِّنةُ؛ وإن لم تكن له بيِّنةٌ فعلىٰ صاحب المِلك اليمينُ، تثبيتًا لقوله.
وهذا واضحٌ جدًّا لاسترة فيه أصلًا!.
وما قيل من: «أنَّ أصالة الصِّحَّة في فعل الغير تدلُّ علىٰ أنَّ يده عليه يدٌ أمانيَّةٌ، فتدلُّ علىٰ كونه إجارةً، وإذن لاتصل النَّوبة إلى الدَّعوىٰ»(1)
ليس بسديدٍ قطعًا!، لأنَّ أصالة الصِّحَّة دليلٌ حيثيٌّ لامدخل لها في المُنازَعات أصلًا، بل لا محلَّ لها إلَّافي غير المنازَعات، لأنَّ الَّتمسُّكَ بها في المنازَعات يعادلُ الَّتمسُّك بالعامِّ في الشُّبهة المصداقيَّة، وهذا ممَّا أجمعَتْ الأصحابُ علىٰ بطلانه قطعًا.
هذا؛ مع تعارض أصالة الصِّحَّة هيهنا بأصالة الصِّحَّة في قول الغير، فتتعارضان، فتتساقطان.
وبالجملة أنَّه لامنزلة لأصالة الصِّحَّة في المقام وأمثاله أصلًا.
لوادَّعىٰ المستأجرُ تلفَ العين، وادَّعىٰ المؤجرُ البقاءَ؛ فالمدَّعي هو المستأجر، فعليه البيِّنة.
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 7 ص 173.
وما قيل: «أنَّه أمينٌ، والأمينُ مؤتمَنٌ»؛
قلتُ: لا اعتبار للقاعدة في الدَّعوىٰ، لأنَّ المؤجر ادَّعىٰ عدمَ كون المستأجر أمينًا، فلاتجري - إذن - القاعدةُ.
وهناك قولانِ للأصحاب:
فذهب بعضُهم إلى ثبوت الضَّمان عليه؛
وبعضٌ آخر إلى عدم ثبوته.
وتفصيل الكلام في المسألة - الخارج عن موضوع الرِّسالة - عند المحقِّق قدس سره(1)، والعلَّامة قدس سره(2)، وثاني المحقِّقَين قدس سرهما(3)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(4)، والفقيه الخراسانيِّ قدس سره(5)، وغيرهم
وللجميع رواياتٌ تمسَّكوا بها:
أمَّا القائلون بثبوت الضَّمان، فقد تمسَّكوا برواية الحلبيِّ عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «في الغسَّال والصَّبَّاغ: ما سُرِقَ منهم من شيءٍ فلم يخرُجْ منه علىٰ أمرٍ بَيِّنٍ أنَّه قد سُرِق وكلُّ قليلٍ له أو كثيرٍ فإن فعلَ فليس عليه شيءٌ، وإن لم يقُم البيِّنة وزعم أنَّه قد ذهب الَّذي ادَّعىٰ عليه فقد ضمِنَه إن لم يكن له بيِّنَةٌ علىٰ قوله»؛ كما رواها الكلينيُّ قدس سره(6)،
والشَّيخ قدس سره(1)، والفيض قدس سره(2)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(3)، وغيرهم؛
وهي حسنةٌ عند المجلسيِّ قدس سره(4)، وصحيحةٌ أو حسنةٌ عند البحرانيِّ قدس سره(5)، وصحيحةٌ عند شارح المفاتيح قدس سره(6)، والنَّراقي الثَّاني قدس سرهما(7)وكيف كان فلابأس بسندها.
أمَّا القائلون بعدم ثبوت الضَّمان، فقد تمسَّكوا بصحيحة أبي بصيرٍ - كما صحَّحها المجلسيُّ قدس سره(8)، والبحرانيُّ قدس سره(9)، والمحقِّق القمِّيُّ قدس سره(10)، وغيرهم - عنه عليه السلام:
«لايُضَمَّنُ الصَّائغُ ولا القصَّارُ ولا الحائِكُ إلَّاأن يكونوا متَّهَمين»؛ علىٰ ما رواها الصَّدوقُ قدس سره(11)، والشَّيخ قدس سره(12)، والفيض قدس سره(13)، والحرُّ قدس سره(14).
1) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 218 الحديث 34.
2) . راجع: الوافي، ج 18 ص 905 الحديث 18555.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 141 الحديث 24318.
4) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 295.
5) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 21 ص 617.
6) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 12 ص 181.
7) . راجع: مستند الشِّيعة، ج 17 ص 155.
8) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 414.
9) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 21 ص 619.
10) . راجع: رسائل المحقِّق القمِّي، ج 2 ص 629.
11) . راجع: الفقيه، ج 3 ص 257 الحديث 3928.
12) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 218 الحديث 951.
13) . راجع: الوافي، ج 18 ص 911 الحديث 18571.
14) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 19 ص 144 الحديث 24327.
وللرِّوايَتَين أمثالٌ كثيرةٌ تجدُها في موضعها من مصادرنا الرِّوائيَّة(1).
والجمعُ العرفيُّ بين هاتين الطَّائفتين من الرِّوايات يقتضي الذِّهاب إلى قوله عليه السلام في ذيل الحديث الأخير: «إلَّا أن يكونوا متَّهَمين». فإذن قاعدةُ الأمين غير ضامنٍ تدلُّ علىٰ عدم الضَّمان لو لم يكن بمفرِّطٍ في حفظ العين المستأجَرة.
نعم! لوكان متَّهمًا فليس بأمينٍ إذن، فهو ضامنٌ؛ إلَّاأن يُقيمَ بيِّنةً علىٰ كونه أمينًا، فلاضمانَ عليه إذن.
أشرنا إلى أنَّ القاعدة ليست من القواعد الَّتي تجري في طائفةٍ من المسائل الفقهيَّة، بل هي ليست إلَّاعنوانًا عامًّا يشمل جميع مباحث كتاب الإجارة؛
فنأتي هيهنا بإشارةٍ خاطفةٍ إلى جملةٍ من هذه المسائل كأنموذج لمباحث هذا الكتاب فقط، فتفطَّن من هذا جدًّا!.
قال الفقيه ثاني النَّراقيَّين قدس سره في مسألة «إذا وقعت الإجارة علىٰ العمل المعيَّن لايجوز العدول عنه إلى غيره»: «بلاخلافٍ إذا كان الغيرُ مرجوحًا، لقاعدة الإجارة السَّالمة عن المعارض بالمرَّة»(2).
قال المحقِّق الحلِّيُّ قدس سره: «إذا آجر مملوكًا له فأفسد كان ذلك لازمًا لمولاه في سعيه، وكذا لوآجر نفسَه بإذن مولاه»(3).
وانظر إلى ما ذكره شُرَّاح عبارته والمعلِّقين عليها، كالشَّهيد الثَّاني قدس سرهما في حاشيته عليها(1)، وشرحه عليها(2)، والفقيه النَّجفيِّ قدس سره(3).
ولشُرَّاح كلامه هيهنا فوائد لاتغفَلْ عنها!، كالسَّيِّد الحكيم قدس سره(5)، والشَّيخ الآملي قدس سره(6)، والسَّيِّد الشَّاهرودي قدس سره(7)، والسَّيِّد المحقِّق الخوئي قدس سره(8)، والسَّيِّد السَّبزواريِّ قدس سره(9)، وغيرهم(10)
راجع: براهين الحجِّ، ج 2 ص 166؛
والشَّيخِ الإشتهارديِّ قدس سره؛
راجع: مدارك العُروة، ج 25 ص 46؛
والشَّيخِ الفيَّاض؛
راجع: تعاليق مبسوطة علىٰ العُروة الوثقىٰ، ج 8 ص 375.
.1) . راجع: حاشيَة شرائع الإسلام، ص 503.
2) . راجع: مسالك الأفهام، ج 5 ص 225.
3) . راجع: جواهر الكلام، ج 27 ص 330.
4) . راجع: العُروة الوثقىٰ، ج 2 ص 513 المسألة 15.
5) . راجع: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 11 ص 47.
6) . راجع: مصباح الهُدىٰ، ج 12 ص 239.
7) . راجع: كتاب الحجِّ، ج 2 ص 72.
8) . راجع: موسوعة الإمام الخوئيِّ، ج 27 ص 54.
9) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 12 ص 254.
10) . أقول: وكبعض أعاظم معاصرينا الأجلَّاء، كالشَّيخ المدنيِّ الكاشانيِّ قدس سره؛
العقد ينحلُّ إلى عقودٍ(1).
قد اشتهرَتْ بين الأصحاب قاعدةٌ قائلةٌ بأنَّ العقود(2)كلَّها تنحلُّ إلى عقودٍ متَعدَّدةٍ أُخَر بحسب ما للعقد من الأجزاء، فمَن باع دارَه لغيره فهذا البيعُ ينحلُّ إلى بيوعٍ متعدَّدةٍ بحسب أجزاء هذا البيع.
هذا ما عبَّر عنه بعضُ الأعلام بقوله: «إنَّ الإنحلال في العقود عبارةٌ عن تعلُّق
العقد بالأجزاء مثل تعلُّقه بالكلِّ، أي: كما يكون المجموع في قبال مجموع ما جُعِل في العقد عِوَضًا، كذلك يكون كلُّ جزءٍ من أحد العِوَضين قي قبال الجزء من العِوَض الآخر»(1)
أقول: وانظر أيضًا: الأنوار البهيَّة، ص 207.
.أمَّا الأصحابُ(2)
أقول: وانظر أيضًا: الأنوار البهيَّة، ص 209.
فقد استدلُّوا علىٰ هذه القاعدة بحكم العقلاء وبنائهم في المقام.أقول: هذا خطأٌ صغرويًّا وكبرويًّا:
أمَّا صغرويًّا: فلأنَّ العقد يقعُ وينعقدُ علىٰ العنوان والهويَّة الخارجيَّة، والعنوان بسيطٌ، فإذن إنحلالُه إلى عقودٍ أُخَر محالٌ، نظرًا إلى أنَّه ليس بمركَّبٍ حتَّى ينحَلَّ إلى أجزاءٍ أُخَر. وأمَّا كبرويًّا: فلأنَّ إدِّعاء أنَّ العقدَ الواحد هي عقودٌ متعدَّدةٌ انحلَّ إليها، إدِّعاءٌ لاتقبله العقلاءُ، بل لايسمعون إليه أصلًا!، بل لاتستَغْرِب إن قلنا أنَّهم يستوحشون من هذا القول!!.
وأمَّا ما يُقال في بيان تركُّب البيع من الأجزاء من: «أنَّ المبيعَ لووُصِف بوصفٍ أو جزءٍ أو شرطٍ فظَهَر أنَّه ليس فيه هذا الوصف أو الجزء أو الشَّرط، فالبيع فاسدٌ
بالنِّسبة إلى هذا المفقود صحيحٌ بالنِّسبة إلى أصل المبيع - ويثبُتُ حينئذٍ الخيارُ للمشتري؛ كما جاء في المجلَّة: «إذا باع مالًا بوصفٍ مرغوبٍ فظهر المبيع خاليًا عن ذلك الوصف كان المشتري مخيَّرًا، إن شاء فسخ البيعَ وإن شاء أخذه بجميع الَّثمن»(1).
وعن الشَّهيدين قدس سرهما: «ولو ظهر كذبُه في الإخبار بقدر الَّثمن أو ما في حكمه أو جنسه أو وصفه أو غلط فيه، ببيِّنةٍ أو إقرارٍ، تخيَّر المشتري»(2)
وإليه يشير كلماتُ غيرهم، كالفقيه الشَّيخ عبَّاس آل كاشف الغطاء قدس سره(3)، والعلَّامة قدس سره(4)، وفي قواعده(5)أيضًا، والسَّيِّد العميديِّ قدس سره(6)، وغيرهم(7)
راجع: النُّجعَة، ج 7 ص 262.
-، وهذا دليلٌ علىٰ أنَّ البيعَ مركَّبٌ من عدَّة أجزاءٍ، فهو صحيحٌ بالنِّسبة إلى بعضها فاسدٌ بالنِّسبة إلى بعضها الآخر»(8)فاسدٌ قطعًا!، لأنَّ ثبوت الخيار في المقام لاربطَ له باِنحلال البيع إلى أجزاءٍ أصلًا، لأنَّ العقدَ انعَقَد علىٰ الهويَّة الخارجيَّة؛ فللمُشتري طلبُ المَبيع بما وُصِف له، فإذا
1) . راجع: تحرير المجلَّة، ج 1 / القسم الثَّاني ص 42 المادَّة 310.
2) . راجع: اللُّمعة، ص 117؛ شرح اللُّمعة - مع حواشي سلطان العلماء قدس سره -، ج 1 ص 318.
3) . راجع: منهل الغمام، ج 1 ص 257.
4) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 376.
5) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 58.
6) . راجع: كنز الفوائد، ج 1 ص 439.
7) . أقول: كالفقيه المحقِّق التُّستري قدس سره؛
8) . راجع: العناوين الفقهيَّة، ج 2 ص 73.
تخلَّف المبيعُ عن الوصف يَثبُتُ له الخيارُ عند العقلاء، جبرًا لما خَسُر به في المبيع؛
فالخيارُ أصلٌ عُقَلائيٌّ عندنا، وبه نقول في الخيارات كلِّها - وقد بحثنا في محلِّه من علم الفقه عن أنَّه لاتعبُّد في الخيارات أصلًا إلَّافيما شذَّ منها -؛ بل هي قائمةٌ علىٰ أساس رأي العُقلاء في معامَلاتِهم ومعاشَراتهم العرفيَّة.
نعم! للشَّارع بعضُ الزِّيادات علىٰ هذا البناء - والتَّفصيل في محلِّه -.
واستدلَّ المحقِّق المراغيُّ قدس سره هيهنا بالإجماع أوَّلًا؛
ثمَّ بالاِستقراء ثانيًا(1)وتابعه في الاِستدلال بالإجماع المحقِّق البجنورديُّ قدس سره(2).
وليس هذان غير بناء العقلاء الَّذي ذكرناه آنفًا، لرجوعهما إليه قطعًا.
قد تمسَّك الأصحاب(3)للاِنحلال هذا بأمثلةٍ كلُّها خارجةٌ عن المقام راجعةٌ إلى الكلِّيَّات والأفراد، لا إلى الكلِّ وأجزائه.
منها: بيع الخنزير مع الشَّاة.
فلوباع شاةً مع خنزيرٍ فالبيعُ صحيحٌ بالنِّسبة إلى الشَّاة باطلٌ بالنِّسبة إلى
الخنزير - كما وقد ذكر الفرعَ البحرانيُّ قدس سره(1)، والفاضل المقداد قدس سره(2)، وغيرهما -؛ فانحلَّ عقدُ البيع إلى بيعيَن صحيحٍ وفاسدٍ(3).
ومنها: إجارةُ ما يكون له منفعةٌ محلَّلَةٌ ومنفعةٌ غير محلَّلةٍ.
كما لوأجار دارَه لمَن سكن فيها ثمَّ جعل قسمًا منها محلًّا لبيع الخمر؛ فالإجارةُ بالنِّسبة إلى الجزء الأوَّل صحيحةٌ، أمَّا بالنِّسبة إلى الجزء الثَّاني فهي باطلةٌ قطعًا؛
لأنَّ الإجارة لامنع في أصلها، نعم! تعلَّق جزءٌ منها بما هو حرامٌ، فهذا الجزء حرامٌ؛ ولذلك قال أبوعبداللَّه الصَّادق عليه السلام في خبر جابرٍ حينما سأله «عن الرَّجل يُؤاجِرُ بيته فيبتاع فيه الخمرُ»: «حرامٌ أُجرتُه»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(4)، والفيضُ قدس سره(5)، والسَّيِّد الأستاذ البروجرديُّ قدس سره(6)، وغيرهم.
ولذلك نصَّ الأصحابُ علىٰ حرمة إجارة الدَّار، أو الدُّكَّان لعمل الخمر، أو لبيعه؛ كالشَّيخ محمَّد حسين آل كاشف الغطاء قدس سره(7)، والعلَّامة قدس سره في تذكرته(8)، وقواعده(9)، وتحريره(10)، وفخرالمحقِّقين قدس سره(11)، والمحقِّق الثَّاني قدس سره(12)، والشَّهيد
1) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 18 ص 402.
2) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 289.
3) . أقول: وانظر لنقد هذا القول: الأنوار البَهيَّة، ص 210.
4) . راجع: الكافي، ج 5 ص 227 الحديث 8.
5) . راجع: الوافي، ج 17 ص 179.
6) . راجع: جامع أحاديث الشِّيعة، ج 22 ص 536 الحديث 32213.
7) . راجع: سؤالٌ وجوابٌ، ص 132.
8) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 12 ص 139.
9) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 7.
10) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 468.
11) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 1 ص 403.
12) . راجع: جامع المقاصد، ج 4 ص 18.
الثَّاني قدس سره(1)، والمحقِّق العامليِّ قدس سره(2)، وغيرهم الكثيرين.
ونظير هذين المثالين كثيرٌ في الفقه.
وفيه: إنَّ اللَّفظ الَّذي جرىٰ عليه العقدُ في جميع الأمثلة واحدٌ في ظاهره متكرَّرٌ في واقعه؛ لأنَّ التِّكرار هو مقتضىٰ التَّثنيَة. ففي بيع الشَّاة مع الخنزير وقعَتْ صيغةٌ علىٰ بيع الشَّاة، وصيغةٌ أُخرىٰ علىٰ بيع الخنزير، والأوَّلُ وقعتْ صحيحةً والثَّاني فاسدةً؛
فالعقد لم ينحلَّ إلى عقدين، بل العقدان منهما ما هو صحيحٌ وما هو فاسدٌ، والفرقُ بينهما أوضحُ من أن يخفىٰ علىٰ أحدٍ.
وكذلك في ما تمثَّلوا به من إجارة داره، وكذلك في غيرهما من الأمثلة.
اشتهر بين الأعلام هيهنا ما هُم ساكتون عنه في علم الأصول، أو نافوه!؛ وهو:
إنَّ الأوامر والنَّواهي تنحلُّ إلى أوامر متعدَّدةٍ ونواهي متعدَّدة - فعبَّر بعضُهم عنه بقوله: «إنَّ الأوامر تنحلُّ إلى الأجزاء، وهي متشتِّتةٌ»(3)
راجع: المعالم المأثورة، ج 4 ص 383.
وبعضهم بقوله: «إعلم! أنَّكلَّ أمرٍ من الأوامر الإنحلاليَّة تنحلُّ بأوامر متعدِّدةٍ بعدد موضوعاتها»(1)
راجع: ذخيرة العقبىٰ، ج 3 ص 143.
.فقول المولىٰ الآمِر: «لاتشرَبْ الخمرَ» ينحلُّ إلى نواهي متعدَّدةٍ بحسب الموضوع؛
وكذلك في الأوامر، إلَّاأنَّه في الأخير لمَّا كان الموضوع صرفَ الوجود، فاذا أوجَد المكلَّفُ فردًا منه، سقَط الحكمُ بإتيانه.
وهذا خطأٌ بيِّنٌ!، ضرورة أنَّ الأوامر والنَّواهي تتعلَّق بالطَّبيعة، وحيث إنَّ الماهيَّة تُوجَد بفردٍ مَّا وتنعدم بجميع الأفراد - كما هو المشهور بينهم، وقد ذكره بعضُ مقرِّري أبحاث سيِّدنا الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره(2)، وغيره(3)
انظر علىٰ سبيل المثال: عمدة الأصول، ج 4 ص 30؛ شرح الحلقة الثَّالثة، ج 1 ص 478.
-؛ فبمقتضىٰ ذلك أنَّه إذا أوجد الطَّبيعة في الخارج فقد أتىٰ بالمأمور به، فلامحالة سقطَ التَّكليف عنه؛ لتطابُق المأمور به مع المأتيِّ به.وأمَّا في النَّواهي، فلاتحصل الطَّاعةُ إلَّابترك الطَّبيعة في الخارج، فإنْ أتىٰ به فيه ولوبفردٍ واحدٍ منها، فقد أوجدها، فحينئذٍ يصدُقُ عليه أنَّه عصىٰ النَّهيَ؛
فمقتضىٰ ذلك أنَّ الطَّاعة في النَّهي تتوقَّف علىٰ ترك جميع الأفراد.
فالإنحلال هيهنا أيضًا ليس بموجودٍ.
اشتهر - أيضًا - بين الأصحاب أنَّ الإنحلال هيهنا علىٰ ثلاثة أقسامٍ(1):
إنحلال العقود؛
إنحلال الأحكام بالنِّسبة إلى موضوعاتها(2)
إنحلال العلم الإجماليِّ إلى العلم التَّفصيليِّ والشَّكِّ البدويِّ في دوران الأمر بين الأقلِّ والأكثر(3).
وفيه: إنَّ الإنحلال ليس له واقعٌ أصلًا؛
أمَّا بالنِّسبة إلى العقود والأحكام، فقد تقدَّم الكلامُ فيه؛
وأمَّا قضيَّة العلم الإجماليِّ، فلامعنىٰ للإجمال في العلم أصلًا؛
وأمَّا في دوران الأمر بين المتبايِنَين، فالمعلوم مجمَلٌ، لا العلم؛ فلاإنحلال أيضًا أصلًا؛
وأمَّا في دوران الأمر بين الأقلِّ والأكثر، فمِن أوَّل الأمر لم يُوجَد في البين إلَّاعلمٌ تفصيليٌّ بالأقلِّ والشَّكُّ البدويُّ بالأكثر.
فما قيل من: «أنَّ العلم الإجماليَّ ينحلُّ إلى هذين العِلمين»؛
ضعيفٌ جدًّا!.
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 3 ص 164.
2) . وانظر لموارد من مصاديق هذا النَّوع من الإنحلال: مصباح الهدىٰ، ج 8 ص 46؛ جامع المدارك، ج 7 ص 262؛ مباني تكملة المنهاج - في موسوعة الإمام الخوئي قدس سره -، ج 42 ص 159؛ الشُّروط أو الإلتزامات التَّبعيَّة في العقود، ج 2 ص 185.
3) . وانظر لموارد من مصاديق هذا النَّوع من الإنحلال: رسالةٌ في اللِّباس المشكوك - للمحقِّق العراقي قدس سره -، ص 134؛ المعالم الزُّلفىٰ، ص 56.
فتلخَّص ممَّا قلنا: أنَّا لم نجد موردًا ينحلُّ فيه شيءٌ إلى شيءٍ آخر؛ كما لم نجد دليلًا من العُرف ولا من الشَّرع يدلُّ علىٰ هذا الإنحلال المزعوم!.
فالقاعدةُ إذًا سالبةٌ بانتفاء الموضوع.
قال المحقِّق العراقيُّ قدس سره في مسألة النَّائب في الحجِّ عن غيره إذا أحرم ومات قبل دخول الحرم أنَّه «يستحقُّ من المسمَّىٰ ما بإزاء عمله هذا، لأنَّه مأخوذٌ في محطِّ عقده المنحَلِّ إلى العقود الموجبة للمسمَّىٰ في قبال ما أتىٰ به من العمل»(1).
قال المحقِّق الخراسانيُّ قدس سره في التَّعليق علىٰ قول الشَّيخ الأعظم قدس سره: «هل يُعتَبَرُ في صحَّة الإجازة مطابقتها للعقد الواقع أم لا؟»: «لاريب في اعتبار المطابقة في الصِّحَّة، وإلَّا لزم تأثير ما لم يقع أو ما لم يجز؛ نعم! لوكان العقد ينحلُّ إلى العقود كما في العقد علىٰ صفقةٍ واحدةٍ، فلابأس بإجازته بالنِّسبة إلى بعضها»(2).
قال الفقيه الشَّيخ المدنيُّ الكاشانيُّ قدس سره في جملة كلامٍ له: «... إنَّ بطلان غير المملوك لايُوجِب بطلان المملوك إذا باعهما بصفقةٍ واحدةٍ، فيُحكَم بصحَّة البيع بالنِّسبة إلى المملوك دون غيره... لأنَّ البيع ينحلُّ إلى العقود المتعدِّدة بحسب تعدُّد أجزاء المبيع...»(3).
حكمُ أخذ الأجرة علىٰ ما يجب علىٰ الإنسان فعلُه(1).
قد اشتهَرَ بين الأصحاب بين القديم منهم والحديثِ في الجملة: أنَّه لايجوز أخذُ الأُجرة علىٰ الواجبات؛ كما نصَّ عليه المفيدُ قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)، وابنُإدريسٍ قدس سره(4)،
والمحقِّق الثَّاني قدس سره(1)، وفخرالمحقِّقين قدس سره(2). بل ادَّعىٰ ثاني الشَّهيدَين قدس سرهما أنَّه المشهور بين القوم(3)وعن المحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(4)والفقيه الطَّباطبائي قدس سره(5)ادِّعاءُ ثبوت الإجماع عليه؛
وإن ذهب بهضُهم إلى الجواز أيضًا، كالمرتضىٰ قدس سره(6)، والوحيد البهبهانيِّ قدس سره(7).
ولكن اختلفُوا في هذا اختلافًا شديدًا حتَّى كادت الأقوال في هذا الميدان أن تصل إلى عشرة أقوالٍ(8)!؛ من دون فرقٍ بين الواجب عينًا وكفايةً، تعبُّدًا أو توصُّلًا، كما نصَّ عليه الشَّيخ الأعظم قدس سره(9)، وكما ذكر أقسامَه البحرانيُّ قدس سره(10).
فنقول مقدَّمةً: الأصل في المقام - الَّذي تُطابِقها القاعدةُ - هو جواز أخذ الأُجرة
1) . راجع: جامع المقاصد، ج 4 ص 35.
2) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 1 ص 408.
3) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 130.
4) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 8 ص 89.
5) . راجع: رياض المسائل، ج 8 ص 83.
6) . علىٰ ما حكاه عنه في: جامع المقاصد، ج 4 ص 36.
7) . راجع: حاشيَة مجمع الفائدة والبرهان، ص 509.
8) . والتَّحقيق فيها وذكر قائليها خارجٌ عن موضوع هذه الرِّسالة؛ فانظر إلى ما ذكره الشَّيخ الأعظم قدس سره حول حرمة التَّكسُّب بالواجبات في: كتاب المكاسب، ج 2 ص 125.
9) . راجع: كتاب المكاسب، ج 2 ص 125.
10) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 18 ص 211.
علىٰ الواجبات، لجواز أخذ الأجرة علىٰ ما له فائدةٌ عُقلائيَّةٌ(1)
وقد أخذ عليه المحقِّق البجنورديُّ قدس سره بأمورٍ لا داعي إلى ذكرها، بعد وضوح المبنىٰ وتماميَّته؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 168.
بل القول بعدم الجواز يساوي الظُّلم علىٰ العامل!.وهذه قاعدةٌ عقلائيَّةٌ صار عليه العُقلاء في جميع شؤون معاشهم الفرديَّة والجَماعيَّة(2)، ضرورةَ دوران أمر المعاش علىٰ أخذ الأُجرة علىٰ العمل؛
وهذه السِّيرة العُقلائيَّة لم يردَع عنها الشَّارع، بل أمضاها صريحًا؛ فانظر إلى قوله - تعالى! -: «أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّٰا يَجْمَعُونَ»(3).
الآية الكريمة - كما نصَّ عليه شيخُ الطَّائفة قدس سره - تشيرُ إلى أنَّ اللَّه - سبحانه وتعالى! - «يقسم الرِّزق في المعيشة علىٰ حسب ما يعلم من مصالح عباده، فليس لأحدٍ أن يتحكَّم في شيءٍ من ذلك»(4).
1) . وهذا الأصل هو نفس القاعدة الَّتي أشار إليها الشَّيخ الأعظم قدس سره بقوله: «إنَّ مقتضيٰالقاعدة في كلِّ عملٍ له منفعةٌ محلَّلةٌ مقصودةٌ جوازُ أخذ الأجرة والجعل عليه»؛ راجع: كتاب المكاسب، ج 2 ص 134.
2) . وانظر: جواهر الكلام، ج 22 ص 119؛ حيث قال قدس سره: «لامانع من ذلك، ضرورة توقُّف النِّظام عليه».
3) . كريمة 32 الزُّخرف.
4) . راجع: التِّبيان، ج 9 ص 196.
وقد استشهد بها صاحب الجواهر قدس سره أيضًا في المقام(1).
فلم نعهَدْ لهذه القاعدة العقليَّة العُقلائيَّة مانعًا، بل المنع عنها يلزم اِختلال النِّظام، وهو قبيحٌ عقلًا ممنوعٌ شرعًا بلاريبٍ وارتيابٍ!.
فالقولُ بما يخالفها يحتاج إلى دليلٍ قويٍّ في المقام؛ ولِنَتكلَّم عن هذه الأدلَّة هيهنا لنَرىٰ مَدىٰ حجِّيَّتها.
إنَّ ما استدلُّوا به علىٰ ثبوت قاعدة عدم جواز أخذ الأُجرة علىٰ الواجبات - المخالفة للقاعدة الأوَّليَّة القائلة بجواز الأخذ -، هي أمورٌ لاتخرج عن الأدلَّة الاِصطياديَّة أصلًا.
قالوا: إنَّ العملَ بواسطة الإيجاب خرَج عن تحت قدرة العامل تشريعًا، لأنَّه في عالَم التَّشريع صار ضروريَّ الوجود، والضَّروريُّ الشَّرعيُّ كالضَّروريِّ التَّكوينيِّ - كما عن السَّيِّد الحكيم قدس سره(2)، والمحقِّق البجنورديِّ قدس سره(3)
أقول: وحكاه عنه بعض معاصرينا أيضًا؛ راجع: موسوعة أحكام الأطفال وأدلَّتها، ج 1 ص 372.
وقد نقله صاحب الجواهر قدس سره(4)عن الشَّيخ جعفر الكبير قدس سره -؛
فكما أنَّ إرتعاش اليد في اليد المرتعشة ضروريٌّ لايقدِر المرءُ علىٰ تركه، فكذلك جميع الواجبات الشَّرعيَّة لايجوز تركُها من قِبَل العامِل، وما لايجوز تركه - حيث لاخيار للعامل فيها - لايجوز أن يُؤخَذَ عليه الأجرُ والأجرةُ.
وفيه:
أوَّلًا: إنَّ هذا يختصُّ ببعض الواجبات فقط، وهو أخذ الأُجرة علىٰ ما يجب علىٰ نفس العامِل - كما إذا أراد أن يأخذ الأُجرة لأنْ يصلِّي صلاتَه الصُّبح، أو يغتسل إذا احتاج إلى الغسل الواجب -؛ أمَّا إذا أخذ الأجرة علىٰ ما لايجب علىٰ نفسه - كالنِّيابة عن الغير في حجِّه الواجب، أو النِّيابة عن الميِّت في صلاته الفائتة الواجبة عليه - فلايمنع عنه دليلٌ، لعدم وجوب هذا الفعل عليه أصلًا.
نعم! بعد اِنعقاد عقد الإجارة يجب عليه أن يقوم بمقتضىٰ الإجارة، فعَلَيه أن يصلِّي عن الميِّت ويحُجَّ عنه؛ وهذا الوجوب نشأ من العقد، لا من الإيجاب الشَّرعيِّ.
وثانيًا: إنَّ ما هو الضَّروريُّ في المقام - وهو الوجوبُ - حكمٌ من الأحكام الإلهيَّة، والمكلَّف لايقدر علىٰ الإتيان به، بل عليه أن يأتي بالمأتيِّ به الَّذي يُطابِق المأمور به حتَّى يسقط الوجوب عن عاتقه، ولاريب في أنَّ المأتيَّ به لايخرج عن قدرته، بل هو تحت يده وقدرته؛
والقولُ بعدم القدرة عليه مكابَرَةٌ جدًّا!، بل يلزم منه الجبرُ الَّذي لايقول به
أصحاب مذهب الجبر أيضًا هيهنا!.
وثالثًا: إنَّ قياس التَّشريع بالتَّكوين قياسٌ لامعنىٰ له أصلًا، بل تترتَّب علىٰ هذا القياس مصائبُ عظيمة في الفقه(1)
وانظر أيضًا: كتاب البيع - للإمام الخميني قدس سره -، ج 4 ص 273.
! - ونتكلَّم عن بعضها في هذه الرِّسالة، بإذن اللَّه وعونه! -.وبالجملة: إنَّ هذا الإشكال أهونُ الإشكالات في المقام!.
قالوا: إنَّ أخذ الأجرة علىٰ الواجبات ينافي الإخلاص الَّذي هو من أركان العمل الواجب، بل شرطٌ فيه، ولاأقلَّ من كونه شرطًا في كماله - كما عن صاحب الرِّياض قدس سره(2)، والشَّيخ عباس آل كاشف الغطاء قدس سره(3)، والسَّيِّد محمَّد بحرالعلوم قدس سره(4)، والسَّيِّد الحكيم قدس سره(5)-.
وفيه:
أوَّلًا: إنَّه يختصُّ بالتَّعبُّديَّات، دون التَّوصُّليَّات الَّتي لايلزم فيها قصد القربة
1) . هذا مطلبٌ هامٌّ يجب الانتباه إليه في الفقه لئلَّا يختلط بعضُ العلوم ببعضٍ آخر. ولذلك قال بعض أعاظم العصر قدس سره آخذًا علىٰ الشَّيخ الأعظم قدس سره: «قياس التَّشريع بالتَّكوين وبالعكس أمرٌ شططٌ!، لأنَّ لكلِّ واحدٍ منهما اتِّجاهه وقوانينه الَّتي لايُشبه بها الآخر»؛ راجع: ما وراء الفقه، ج 3 ص 305.
2) . راجع: رياض المسائل، ج 8 ص 84.
3) . راجع: الفوائد الجعفريَّة، ص 106.
4) . راجع: بلغة الفقيه، ج 2 ص 44.
5) . راجع: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 6 ص 227.
والخلوص - كما أشار إليه صاحبُ الجواهر قدس سره(1)، والشَّيخ الأعظم قدس سره(2)-.
وثانيًا: إنَّ مسألة الدَّاعي علىٰ الدَّاعي من الأمور المسلَّمة الثَّابتة في كثيرٍ من أفعال النَّاس(3)، ضرورةَ أنَّهم في أمورهم المَعاشيَّة يتمسَّكون بأمورٍ لا اِستقلال لها، بل يأتون بها لأجل مطلوبٍ آخر؛ وإذن المطلوبُ هو الثَّاني الَّذي جيء بالفعل لأجله، لا الأوَّل - كمن يزرعُ ويتحمَّل مشاقًّا كثيرةً فيه لأنْ يصلَ إلى ما يستحصل منه، فالمطلوب هو الأُرُزُّ والحنطةُ وما يشبهُهُما مما يُنتِجُه الزَّرعُ -.
وهذا حالُ جميع المقدَّمات الَّتي نأتي بها في أفعالنا للحصول علىٰ ذي المقدَّمة.
ومانحن الآنَ بصدده أيضًا من هذا القبيل، حيث إنَّ الَّذي استُؤجِرَ للقيام بالصَّلاة بدلًا عن الميِّت مثلًا، يصلِّي قُربةً إلى اللَّه، فيأتي بمقدَّماتها الدَّاخليَّة والخارجيَّة لأجل القُربة، لكنَّ الدَّاعي إلى هذا الفعل هو أخذ الأُجرة عليه.
وهذا أوضح من أن يخفىٰ علىٰ أحدٍ!.
بل يدلُّ عليه جملةٌ من الآيات والرِّوايات الواردة في النُّصوص؛
منها: قوله - جلَّ وعزَّ! -: «لِمِثْلِ هٰذٰا فَلْيَعْمَلِ اَلْعٰامِلُونَ»(4). وانظر عن الاستشهاد بها إلى ما ذكره شيخُ الطَّائفة قدس سره من قوله: «يحسن من العامل أن يعمل العملَ للثَّواب إذا أوقَعَه علىٰ الوجه الَّذي تدعو إليه الحكمةُ من وجوبٍ أو ندبٍ»(5)
وانظر أيضًا في المقام إلى ما ذكره القُرطبيُّ قدس سره(1)، وسيِّدنا الأستاذ العلَّامة الطَّباطبائيُّ قدس سره(2).
بل الآيات الَّتي تشير علىٰ ترتُّب ثوابٍ عظيمٍ علىٰ الأعمال الحسنة في دارَي الدُّنيا والآخرة(3)تؤيِّد هذا المبنىٰ؛
بل الرِّوايات الدَّالَّة علىٰ ترتُّب الثَّواب علىٰ رفعِ حوائج النَّاس - والَّتي رواها كثيرٌ من المحدِّثين، كالكلينيِّ قدس سره(4)، والصَّدوق قدس سره(5)، والرَّاوندي قدس سره(6)، وأوَّل المجلِسيَّين قدس سرهما(7)، وغيرهم - تدلُّ علىٰ ذلك، من غير إنكارٍ!.
بل يمكن أن يُقال: إنَّ مراتب الإخلاص - المبحوثُ عنها في علم الأخلاق، والَّتي تصلُ إلى أربع عشرة(8)- كلَّها أيضًا تُعَدُّ من قبيل الدَّاعي إلى الدَّاعي. نعم! للمرتبة الأخيرة منها - وهي مرتبته العُليا الَّتي أشار إليها أميرالمؤمنين عليه السلام في بعض
1) . راجع: الجامع لأحكام القرآن، ج 16 ص 84.
2) . راجع: الميزان، ج 17 ص 139.
3) . ككريمتين 70 الفرقان / 195 آل عمران، وغيرهما.
4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 197 الحديث 2.
5) . راجع: ثواب الأعمال، ص 261.
6) . راجع: الخرائج والجرائح، ج 2 ص 689.
7) . راجع: روضة المتَّقين، ج 9 ص 405.
8) . أقول: قد أشار كثيرٌ من أصحاب علوم المعرفة والأخلاق إلى مراتب الإخلاص ودرجاته؛ فانظر علىٰ سبيل المثال: معراج السَّعادة، ج 2 ص 629؛ آداب الصَّلاة - للإمام الخميني -، ص 164؛ دراساتٌ في الأخلاق وشؤون الحكمة العمليَّة - لشيخنا الأستاذ البارع -، ج 3 ص 9.
كلماته(1)
والحديث رواه كثيرٌ من الأعلام؛ منهم ابنُشعبة الحرَّاني، راجع: تحف العقول، ص 100؛ والآمِديُّ، راجع: غُرَر الحِكَم، ص 197 الحديث 3905.
- حكمٌ آخر غير هذا، لكن هذه المرتبة ليسَتْ من الواجبات في الأعمال العِباديَّة بعمومها، بل هي تختصُّ بالأوحديِّ من النَّاس.ولعل مراد صاحب الجواهر قدس سره من: «كون الإجارة مؤكِّدةً له، باعتبار تسبيبها الوجوب أيضًا»(2)
هو ما أشرنا إليه هيهنا. ولذلك قال المحقِّق العامليُّ قدس سره: «إنَّ تضاعُفَ الوجوب يؤكِّد الإخلاص»(3)وأشار إلى قوله الشَّيخُ الأعظم قدس سره(4)أيضًا. وقال الشَّيخ الأعظم نفسُه: «إذ الاِستيجار لايوجب امتناعَ قصد القربة»(5).
قالوا: إنَّه لمَّا كان علىٰ المكلَّف أن يأتِيَ بالواجب، فأَخْذُ الأُجرة عليه أكلٌ للمال بالباطل - كما أشار إلى الإشكال الشَّيخُ الأعظم قدس سره(6)وبعض كبار تلامذته، كالمحقِّق الآشتيانيِّ قدس سره(7)، والمحشِّين علىٰ كتابه كالسَّيِّد اليزدي قدس سره(8)، والميرزا الشِّيرازي قدس سره(9)،
1) . إشارةٌ إلى قول أميرالمؤمنين عليه السلام: «طوبىٰ لمن أخلَص للَّه عمَلَه وعلمه وحبَّه وبغضه وأخذَه وتركَه وكلامه وصُمته وفعله وقوله».
2) . راجع: جواهر الكلام، ج 22 ص 117.
3) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 12 ص 303.
4) . راجع: كتاب المكاسب، ج 2 ص 127.
5) . راجع: رسائل فقهيَّة، ص 244.
6) . راجع: كتاب المكاسب، ج 2 ص 135.
7) . راجع: كتاب القضاء، ج 1 ص 120.
8) . راجع: حاشيَة المكاسب، ج 1 ص 28.
9) . راجع: حاشيَة المكاسب، ج 1 ص 152.
والإيروانيِّ قدس سره(1)، والشَّهيدي التَّبريزي قدس سره(2)وغيرهم من متأخِّري الفقهاء، كالشَّيخ عبَّاس آل كاشف الغطاء قدس سره(3)، والسَّيِّد محمَّد بحرالعلوم قدس سره(4)، والسَّيِّد الحكيم قدس سره(5)، والسَّيِّد المحقِّق البهبهانيِّ قدس سره(6)، والسَّيِّد الخوئي قدس سره(7)، والسَّيِّد الكلبايكاني قدس سره(8)، وغيرهم الكثيرين -.
وفيه: إنَّ إتيانَ العمل للغير يوجبُ اِسقاطَه عنه، كمَن يصلِّي صلاةً لميِّتٍ كانتْ واجبةً عليه؛ فأين هذا من أكل المال بالباطل؟!.
كما وأنَّ إعطاء الأجر لأنْ يقومَ المرءُ بواجباته وما هو علىٰ نفسه، أيضًا له أجرٌ عظيمٌ!، بل إنَّه يُعدُّ من مصاديق الأمر بالمعروف - كمَن يُعطي أجرًا لولده إذا قام بصلاته الواجبة، فللوالد هيهنا أجرٌ عظيمٌ، لقيامه بالأمر بالمعروف -.
وهذا الإشكال هو أضعف الإشكالات؛ ولوقيل بأنَّه ممَّا أبدَعَه الشَّيخ
1) . راجع: حاشيَة المكاسب، ج 1 ص 52.
2) . راجع: هداية الطَّالب، ج 1 ص 116.
3) . راجع: الفوائد الجعفريَّة، ص 106.
4) . راجع: بُلغة الفقيه، ج 2 ص 44.
5) . راجع: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 6 ص 227.
6) . راجع: الفوائد العَليَّة، ج 2 ص 434.
7) . راجع: موسوعة الإمام الخوئي قدس سره، ج 14 ص 427.
8) . راجع: كتاب القضاء، ج 1 ص 95.
الأعظم قدس سره(1)
وانظر أيضًا: تحليل الكلام في فقه الإسلام، ص 224.
!.هذا هو العمدةُ ممَّا جاء به الأصحاب للقول بعدم جواز أخذ الأُجرة علىٰ الواجبات.
ثمَّ إنَّه ذُكِر هيهنا أدلَّةٌ لجواز الأخذ ليس لها واقعٌ علميٌّ!؛ والعمدة منها:
الأدلَّة الاِصطياديَّة القائلة بجواز أخذ الاجرة علىٰ الواجبات منها: العامل لايعمل إلَّالنفسه(2)
قالوا: إنَّ مَن يعمل عملًا للغير يعمل به لنفسه أوَّلًا، ثمَّ يُهدي ثوابَه للمؤجَر له - كما أشار إلى الدَّليل المحقِّق البجنورديُّ قدس سره(3)، والمحقِّق الآمليُّ قدس سره(4)، والمحقِّق المامقانيُّ قدس سره(5)، والمحقِّق الميرزا هاشم الآملي قدس سره(6)، وغيرهم -، سواءٌ كان في
1) . رأينا آنفًا في هذه التَّعليقات أنَّ أوَّل من أشار إلى هذا الدَّليل وذكَرَه، هو الشَّيخ الأعظم قدس سره؛ ويمكن أن يكون كلام شيخنا الأستاذ إشارةً إلى كلام أستاذه الجليل السَّيِّد الإمام الخميني قدس سره، حيث قال عند ذكره هذا الدَّليل: «ما أفاده العلَّامة الأنصاري»؛ راجع: المكاسب المحرمة - له -، ج 2 ص 283.
2) . هذا الدَّليل نقله المحقِّق الكبير النَّائيني قدس سره عن بعض الأعاظم، وجاء في حاشيَة عبارته: «هو العلَّامة المدقِّق الميرزا محمَّدتقي الشِّيرازي طاب ثراه»؛ راجع: المكاسب والبيع - للميرزا النَّائيني قدس سره -، ج 1 ص 65.
3) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 164.
4) . راجع: مصباح الهدىٰ، ج 8 ص 438.
5) . راجع: غاية الآمال، ج 1 ص 143.
6) . راجع: مجمع الأفكار، ج 5 ص 119.
التَّعبُّديَّات، أو التَّوصُّليَّات، وسواءٌ كان أخذُ الأُجرة لأنْ يعمل لنفسه، أو يعمَلَ لغيره؛
فجميعُ هذه الموارد من باب إعطاء الثَّواب، لا إعطاء العملِ نفسِه.
وفيه:
أوَّلًا: إنَّ الفرضَ خلاف الفرض الَّذي عنونه الفقهاءُ، فهو خارجٌ عن محلِّ البحث بتًّا(1)!.
وثانيًا: إنَّه لايُقصد في النِّيابة عن الميِّت في صلاته وصومه وأمثالهما إعطاء ثوابِ الفعل إلى الميَّت أصلًا، بل المُصلِّي يجعل نفسَه نائبًا عن الميِّت ويأخذ الأُجرة بدلًا عن تلك النِّيابة؛ حتَّى أنَّ من أخذ الأُجرة علىٰ أن يأتيَ بالصَّلوة الواجبة علىٰ نفسه لايُهدِي ثوابَها إلى مَن أعطاه الأجر، بل اللَّه - سبحانه وتعالى! - يُعطي المُعطي أجرًا بالغًا علىٰ ما فعله، لأنَّه ممَّن يُرغِّب إلى الحسنات، بل من الآمرين بالمعروف والنَّاهين عن المنكر.
قالوا: إنَّ الإتيان بالأعمال العباديَّة إجارةً لايحتاج إلى قصدِ القربة أصلًا(2)
وانظر أيضًا تعاليق السَّيِّد الكلانتر عليه في نفس الكتاب مع تعاليقه، ج 5 ص 75.
، لعدم إمكان الإتيان به؛ وحيث إنَّه ثبتَتْ صحَّة الإجارة فلامناص من إلغاء وجوب قصد القربة فيها.وفيه:
أوَّلًا: إنَّ العمل العباديَّ بلاقصد القُربة لامعنىٰ له أصلًا(1)!، كمَن صلَّىٰ مِن دون وضوءٍ، أو بلاتكبيرةٍ، فصلاتُه إذن ليستْ بشيءٍ.
وثانيًا: إنَّ هذا القول نشأ من شبهة عدم إمكان النِّيابة عن الغير في العمل التَّعبُّديِّ، وبما أنَّا أثبتنا جوازَها فلاوَقعَ لهذا القول إذن.
قالوا: إنَّ صحَّة الإجارة في العبادات تصحُّ بالقول بوجوب القُربة من جانب المؤجر له، لا الأجير؛ كمَن يبني مسجدًا قربةً إلى اللَّه - جلَّ وعلا! -، فقصدُ القربة في الواقف لا في العامِل الَّذي يبني المسجدَ. والمبنىٰ يُشير إليه بعضُ كلمات القوم، ككاشف الغطاء قدس سره(2)، والشَّيخ الأعظم قدس سره(3)، والعلَّامة الحلِّي قدس سره(4). وانظر أيضًا إلى ما ذكره ثاني النَّراقيَّين قدس سرهما في المقام(5).
وفيه: إنَّ الأجير لو لم يعمل بما وظَّفه عليه الشَّارعُ - وهو الصَّلوة مُتَقَرِّبًا بها إلى اللَّه، أي: مع قصد القربة - لم يأت بشيءٍ أصلًا ولايستحق عليه الأجر، لأنَّه لم يعمل بمورد الإجارة قطعًا.
1) . كما أنَّ صاحب الجواهر قدس سره جعل عدمَ القربة في العبادة معلوم الفساد عقلًا ونقلًا، بل ادَّعىٰ كون فساده ضروريًّا؛ راجع: جواهر الكلام، ج 9 ص 189.
2) . راجع: كشف الغطاء، ج 4 ص 26.
3) . راجع: كتاب المكاسب، ج 2 ص 146.
4) . راجع: تذكرة الفقهاء - الطَّبعة الحجريَّة القديمة -، ج 1 ص 299.
5) . راجع: مستند الشِّيعة، ج 7 ص 344.
وقياسُه بمَن يبني مسجدًا فيقصد القربةَ، قياسٌ مع الفارق؛ وسنشير آنفًا إليه.
هذا كلُّه فيما أُريدَ منه صحَّة أخذ الأُجرة علىٰ الواجبات؛ والظَّاهر أنَّه ليس شأنُ الفقيه البحث عن هذه الموارد وأمثالها، فضلًا عن أن يقبلها!.
قالوا: كما أنَّ للإجارة نسبَتَين: نسبةٌ إلى الأجير ونسبةٌ إلى المؤجر له، فكذلك تختلف نسبةُ الإجارة إلى اللَّذَين نُسِبت الإجارة إليهما - وهما الأجير والمؤجَر له -؛
فقد يكون المباشر - وهو الأجير - أقوىٰ من السَّبب - وهو الموجر له -؛
وقد يكون السَّبب أقوىٰ من المباشر - وهو الأجير -؛
ولذلك فإنَّ في القُربيَّات - أي: التَّعبُّديَّات - يجب قصد القربة ممَّن هو أقوىٰ من الآخر. فمثلًا مَن يبني مسجدًا للَّه - سبحانه وتعالى! - يجب عليه أن ينوي القربةَ، لأنَّه السَّبب الأقوىٰ، لا البَنَّاء والعامل باليد، إذ المباشر العامِل ليس إلَّاآلةً في الفعل(1)
أمَّا في مَن آجَرَ نفسَه للغير ليحُجَّ عنه، فالسَّبب أقوىٰ من المؤجر له؛ فلذلك لابدَّ له من أن يأتي بالعمل علىٰ طبق وظيفته، فعليه قصدُ القربة.
ولذلك لوآجر رجلٌ نفسَه لأنْ يصلِّي صلاةَ الصُّبح بدلًا عن إمرأةٍ ماتَتْ، فعليه الجهر في الحمد، ولوكانت الصَّلاة نيابةً عن المرأة، وذلك لوجوب الجهر علىٰ الرَّجل(2).
1) . أقول: وانظر أيضًا: فقه الشِّيعة / كتاب الإجارة، ص 746.
2) . والقاعدة هيهنا هي ما ذكره المحقِّق الفقيه الخوئيُّ قدس سره بقوله: «لابدَّ للمصلِّي من رعاية حال نفسه من حيث شرائط الصَّلاة، دون المنوب عنه... كما أنَّ الرَّجل يتعيَّن عليه الجهر في الجهريَّة... وإن ناب عن المرأة»؛ راجع: موسوعة الإمام الخوئي، ج 16 ص 248.
وبهذا ينحلُّ كثيرٌ من الإشكالات في الباب - كما وقد استخدم الفقهاءُ حديثَ السَّبب والمباشر في كثيرٍ من المسائل؛ فانظر إلى ما ذكره المحقِّق الرَّشتي قدس سره(1)، والمحقِّق الحائريُّ قدس سره(2)، والمحقِّق الخوئيُّ قدس سره(3)بشأن المسألة -، وبه يُجاب عمَّا أورَد أو يورَدُ علىٰ باب النِّيابة عن الحجِّ والصَّلوة والصَّوم وغيرها من العبادات.
قالوا: لافرق هيهنا بين الواجبات والمندوبات، فمَن آجر نفسه ليحُجَّ نيابةً عن الغير حجًّا ندبيًّا، فهو كمَن ناب عن الحجِّ الواجب - كما وقد نصَّ كثيرٌ من الأعلام علىٰ استواء أحكام النِّيابة بين النِّيابة عن الغير في الواجب، والنِّيابة عنه في المندوب؛ كالمحقِّق الثَّاني قدس سره(4)، والسَّيِّد المجاهد قدس سره(5)، وصاحب الجواهر قدس سره(6)وغيرهم -؛
فمَن قال بعدم الجواز هناك لابدَّ له من أن يُقال بعدم الجواز هيهنا أيضًا، للتَّنافي الواقع بين الإجارة مع قصد القربة في كِلَي الفرضَين.
نعم! لايتأتَّىٰ هيهنا ما يُقال مِن أنَّ الواجب لايكون تحت اختيار المرء، أو أخذ
الأجرة عليه ليس إلَّاأكل المال بالباطل؛ وأمَّا تنافي القُربة مع إيجار النَّفس فيأتي هيهنا أيضًا؛
وقد مرَّ مِنَّا الجوابُ عن هذا بأنَّ الإجارة تؤكِّد الاِستحباب؛ فلذلك قيل بجواز الإتيان بالواجب والمندوب، نظرًا إلى الدَّاعي إلى الدَّاعي.
وهيهنا تنبيهٌ هامٌّ جدًّا.
هل يجوز أخذ الأجرة علىٰ المحرَّمات للإتيان بها؟.
قيل: لا، لأنَّ المانع الشَّرعيِّ كالمانع العقليِّ يمنع عن فعلها، فهو غير مقدورٍ للأجير؛ بينما لابدَّ من أن يكون مورد الإجارة مقدورًا له(1)
أقول: وانظر أيضًا: تفصيل الشَّريعة / كتاب الإجارة، ص 508.
.وهذا ضعيفٌ جدًّا!، ضرورة أنَّ المُذنِب ليس ذنبُه خارجًا عن تحت اختياره.
وقياس فعله بالتَّكوين لاوجه له أصلًا(2)!.
نعم! لايجوز أخذُ الأجرة علىٰ فعل المحرَّمات - كما عن المحقِّق البحراني قدس سره(3)، والمحقِّق العامليِّ قدس سره(4)، والشَّيخ جعفر الكبير قدس سره(5)-؛ لأنَّه أكلٌ للمال بالباطل، لأنَّ اللَّه - تعالى! - «إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنَه»، فيما رواه كثيرٌ من الأصحاب الفقهاء ناسبًا إيَّاه
صريحًا إلى الرَّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، كالشَّيخ قدس سره(1)، وابنِزهرة قدس سره(2)، وابنِإدريسٍ قدس سره(3)، والسَّبزواري القمِّي قدس سره(4)، والعلَّامة الحلِّي قدس سره(5)، وولده العظيم قدس سره(6)، والفاضل المقداد قدس سره(7)، وغيرهم الكثيرين.
نعم! الحديث لم يُوجَد في مصادرنا، إلَّاما رواه الأحسائيُّ قدس سره(8)، والظَّاهر أنَّه أخذه عن مصادر العامَّة(9).
وهذا وإن تطابَقَ عليه بعضُ روايات الباب، لكنَّا لانحتاج في ذلك إلى روايةٍ أصلًا:
لدلالة العقل عليه أوَّلًا؛
ثمَّ إرشاد الرِّوايات إلى هذا الأمر العقليِّ ثانيًا.
بما أنَّ القاعدة قاعدةٌ كلِّيَّةٌ تبحثُ عن جواز أو عدم جواز أمرٍ كلِّيٍّ - وهو أخذ
1) . راجع: الخلاف، ج 3 ص 185.
2) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 213.
3) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 44.
4) . راجع: جامع الخلاف والوِفاق، ص 250.
5) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 8 ص 337.
6) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 4 ص 152.
7) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 4 ص 58.
8) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 2 ص 110 الحديث 301.
9) . راجع: سنن الدَّارقُطني، ج 3 ص 7 الحديث 20.
الأجرة علىٰ الواجبات أو المحرَّمات -، فلامورد لها مصداقيًّا حتَّى نأتي به هيهنا؛ حيث لا مصداق للقواعد الكلِّيَّة الَّتي تبحث عن صرف الجواز أو صرف عدم الجواز.
الأصل في تصرُّفات المسلم الصِّحَّة(1).
قبل الورود في صلب البحث نشير إلى أنَّا لانحتاج إلى البحث عن أنَّ المراد ب «الصِّحَّة» في العنوان هل هو:
الحُسن الَّذي يُقابله القبح والحرام؛
أو المؤثِّر الَّذي يقابله الفاسد، كما فعله بعضهم، كالمحكيِّ عن المحقِّق الفقيه
1) . هذا عنوانٌ ذكره المحقِّق النَّراقيُّ الأوَّل قدس سره للقاعدة؛ راجع: جامعة الأصول، ص 268.
أقولُ: كبعض معاصرينا الفضلاء؛
راجع: مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 45.
وذلك لوضوح المراد منها وعدم الخلاف فيه في العرف.
ومن الواضح أنَّ موضوع القاعدة هو العمل الشَّخصيُّ الخارجيُّ، فيكون حكمُه أيضًا جزئيًّا شخصيًّا؛ فالقاعدة من القواعد الفقهيَّة، إذ لاطريق إلى وقوعها في طريق الاِستنباط حتَّى تكون مسألةً أصوليَّةً(3)
راجع: المحكم في أصول الفقه، ج 5 ص 465.
.هذه القاعدة هي أصلٌ يجري في أفعال الغير وأقواله، ليُثبَت به صحَّة أفعاله وأقواله، أو غيرهما ممَّا يصدر منه؛
إمَّا بحسب الواقع؛
وإمَّا بحسب اِعتقاده - وسنتكلَّم عن هذا عن قريبٍ، فنبحث عن أنَّ المراد ب «الصِّحَّة» هل هي الصِّحَّة الواقعيَّة؟ أو الصِّحَّة بحسب اِعتقاد العامل أو المتكلِّم -. وبما قلنا ظهر: أنَّ جريان «الصِّحَّة» في فعل الغير يُشير إلى عدم جريان القاعدة في أصل الفعل أو القول لوشُكَّ في وجودهما، بل تجري لوشُكَّ في صحَّتِهما فقط.
فلوشُكَّ في أنَّ الفعل وقع أم لا؟، أو صدر من المدِّعي فعلَه أم لا؟، لاتجري هذه القاعدة لنفي الشَّكِّ هذا،
بل لوشُكَّ في صحَّته فتجري القاعدة لعدم الإعتناء بهذا الشَّكِّ فقط. ضرورة أنَّ الشَّكَّ في صحَّة الشَّيء لايقع إلَّابعد فرض وقوعه ووجوده؛ فأصل وجود المشكوك فيه لاتجري فيه القاعدةُ(1)، بينما أنَّها تجري عند الشَّكِّ في صحَّته(2).
فلوشُكَّ في أنَّ النَّائب في قضاء الصَّلوة أو الصَّوم لميِّتٍ هل قام بهما فأدَّاهما؟، أم لا؟، لايمكن للشَّاكِّ - حينئذٍ - القول ببراءة ذمَّة المنوب عنه جريًا علىٰ هذا الأصل؛
بل لابدَّ له - حينئذٍ - من الَّتمسُّك بأصلٍ آخر - كحجِّيَّة خبر الثِّقة مثلًا - لوأخبر النَّائب بأنَّه أدَّاهما.
نعم! لووقع الشَّكُّ في أنَّ ما فعله النَّائبُ هل كان صحيحًا؟ أم لا؟، فيمكن حينئذٍ الَّتمسُّك بأصالة الصِّحَّة لبراءة ذمَّة المنوب عنه عن تكليفه.
وكذلك لوشُكَّ في عروض الفَساد علىٰ ما فعله مَن يُبالِي بظواهر الشَّرع، فلايجوز الَّتمسُّك بأصالة الصِّحَّة لإثبات ترتُّب الأثر عليه؛
بل لوعلم بوقوعه صحيحًا أوَّلًا، ثمَّ شكَّ فيه فله أن يتمسَّك بهذا الأصل. مثلًا لوعلم بتحقُّق الإيجاب والقبول في بيعٍ فضوليٍّ ثمَّ شكَّ في تعقُّبِهما بإجازةِ مَن بيده الأمر، لايمكن له ترتُّب الأثر علىٰ أصل البيع، نظرًا إلى أصالة الصِّحَّة، بل لابدَّ له من تصحيح أصل البيع بأصلٍ آخر.
أمَّا مدرك القاعدة، فقد استَدَلَّ الشَّيخ قدس سره(1)لها بالأدلَّة الأربعة.
بمعنىٰ(2)
ولذلك فإنَّ المحقِّق الأردبيليَّ قدس سره في زبدة البيان والفاضل المقداد قدس سره في كنز العرفان لم يذكرا شيئًا حول الآية الكريمة؛
شأنُهما في ذلك شأن القُرطبيِّ قدس سره في جامعه قَبلَهما.
قوله - تعالى! -: «وَ قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً»(3).وظاهرٌ أنَّ المراد من «القول» هيهنا أعمٌّ من اللَّفظ - كما أشار إليه بعضُ أعلام المعاصرين(4)
راجع: القواعد الفقهيَّة - من موسوعة الفقه -، ص 153.
-.بقوله عليه السلام: «ضَعْ أمرَ أخيك علىٰ أحسنه»؛ كما رواه الكُلينيُّ قدس سره(5)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(6).
والظَّاهر أنَّ المراد بالأحسن هو الحَسَن(7)
راجع: القواعد الفقهيَّة - من موسوعة الفقه - ص 156.
.ثمَّ ردَّ قدس سره(1)علىٰ الاستدلال بهذه الطَّوائف من الآيات والرِّوايات بأنَّهما بصدد بيان أمرٍ آخر أخلاقيٍّ غير مربوطٍ بالمقام، وهو وجوب الاِجتناب عن سوء الظَّنِّ بالمسلمين، بل وجوب جريان الاِعتماد العُرفيِّ في مجتمعهم؛ وهذا لايترتَّب عليه الآثار المطلوبة من هذا الأصل.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ هذه الطَّائفة أقصىٰ ما تدلُّ عليه هو كون الإنسان أُذُنًا بالنِّسبة إلى أخيه المسلم، كما مدح اللَّهُ - تعالى! - نبيَّه الكريم صلى الله عليه و آله بذلك فقال: «قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ»(2)، «بتقريب أنَّ الأُذنَ مجازٌ عن كونه سريع التَّصديق لكلِّ ما يسمع»(3)، وأن يُصدِّقه في أفعاله وأقواله بترتُّب خصوص الآثار الَّتي تنفعه ولاتضرُّ غيره عليهما؛
كما وأنَّ القرطبيَّ قدس سره قال في تفسير الكريمة: «أي: هو أذنُ خيرٍ لا أذنُ شرٍّ، أي:
يسمع الخير ولايسمع الشَّرَّ»(4)
وعن الطَّبَرسيِّ قدس سره: «فإنَّه أُذُنُ خيرٍ فلايقبل إلَّا... ويصدِّق المؤمنين أيضًا فيما يخبرونه ويقبل منهم»(5)وانظر أيضًا ما ذكره شيخ الطَّائفة قدس سره(6)، وأستاذُنا العلَّامة
الطَّباطبائيُّ قدس سره(1).
لا أن يصدِّقه فيترتَّب علىٰ تصديقه إيَّاه هذا جميع الآثار المطلوبة الممكنة التَّرتُّب علىٰ هذا الأصل، كما هو المطلوب عنه، وكما هو المراد من قوله عليه السلام: «يا محمَّد! كَذِّبْ سمعَك وبصرك عن أخيك، فإن شَهِدَ عندك خمسون قسامةً وقال لك قولًا، فصدِّقْه وكذِّبهم»؛ رواه الشَّيخ الصَّدوق قدس سره(2)، والشَّيخ الحُرُّ قدس سره(3)- واللَّفظ لهما -، والكُلينيُّ قدس سره(4)
وإلَّا فكيف يمكن الحكم بتصديق الواحد في قوله وتكذيب الخمسين قِبَلَه؟!؛
فيكون المراد إذن تصديقُه بما ينفعه ولايضرُّ غيره، وتكذيبهم فيما يضرُّه ولاينفعهم.
هذا؛ وبما قلنا ظهر ما في كلام بعض المعاصرين حيث قال: «إنَّ مراده عليه السلام من تصديق الأخ المؤمن تصديقُ قوله بالحمل علىٰ الصِّدق ظاهرًا من دون ترتيب أثرٍ عليه»(5)
حيث إنَّ عدم ترتُّب الأثر علىٰ القول يساوق التَّكديب، لا التَّصديق!.
وبالجملة إنَّ هذه الآيات والرِّوايات خارجةٌ عن محلِّ الكلام؛ هذا محصَّل ما ذكره الشَّيخ الأعظم قدس سره.
أقول: الظَّاهر إنَّ قوله عليه السلام: «ضَعْ أمر أخيك علىٰ أحسنه» يدلُّ علىٰ أصالة الصِّحَّة؛ كما أنَّ قوله - تعالى! - «قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً»(1)خارجٌ عن محل الكلام، ولا دلالة فيه عليه؛ فلايمكن الَّتمسُّك به اِثباتًا لأصالة الصِّحَّة، وإن كان غير منطبقٍ علىٰ ما فسَّرَه به الشَّيخ الأعظم قدس سره أيضًا(2).
فلاإشكال في إنعقاد الإجماع بين الفقهاء علىٰ جواز الَّتمسُّك به. ومن تتبَّع موارد فتاوىٰ الفقهاء لايبقىٰ له الشَّكُّ في أنَّهم تمسَّكوا به في موارد كثيرةٍ لايمكن عدُّها قطعًا.
هذا، مع إنعقاد الإجماع العمليِّ عليه أيضًا - كما أشار إليه الشَّيخُ الأعظم قدس سره(3)
أقولُ: وقد تابعه فيه بعض أعاظم المعاصرين؛
راجع: القواعد الفقهيَّة - من موسوعة الفقه -، ص 157.
-؛ضرورة أنَّ سيرة المسلمين في جميع الأمصار والأعصار استقرَّتْ علىٰ صحَّته، حيث لايرتابون في جواز العمل به عند بروز الحاجة إليه.
هذا، ولكنَّ الإجماع هذا ليس بشيءٍ، لوضوح كونها محتمَل المدركيَّة، بل مقطوعها، نظرًا إلى تظافر الأدلَّة المُثبِة له - كما أشرنا إلى قسمٍ منها -؛
ولذلك قال المحقِّق الفقيه الخوئيُّ قدس سره - علىٰ ما في المحكيِّ منه -: «كونُه تعبُّديًّا كاشفًا عن رأي المعصوم عليهم السلام أشكل»(4)كما وعن غيره أيضًا(5)
فانظر: فقه الشِّيعة - كتاب الإجارة -، ص 950.
.فإنَّ العقل يستقلُّ بالحكم بهذا الأصل، نظرًا إلى أنَّه لولم يجر هذا الأصل في أمور المجتمع وبين سُكَّانها ليختلُّ نظام معاشهم، بل يلزم إختلال النِّظام قطعًا؛
ومن البديهيِّ أنَّ الإختلال اللَّازم من ترك العمل بهذا الأصل أزيد وأكثر من الإختلال الَّذي يحصل من ترك العمل بقاعدة اليد - كما اعترف به كثيرٌ منهم(1)-، مع أنَّ الإمام أباعبداللَّه الصَّادق عليه السلام بعد أن بيَّن حجِّيَّة قاعدة اليد وحكَمَ بصحَّتها قال:
«لولم يَجُزْ هذا لم يَقُمْ للمسلمين سوقٌ»؛ علىٰ ما رواه الكُلينيُّ قدس سره(2)، والصَّدوق قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(5).
فيدلُّ قوله هذا بفحواه علىٰ حجِّيَّة أصالة الصِّحَّة أيضًا وصحَّتها(6).
أضِف إلى ذلك صحَّة إحتمالٍ آخر، وهو: إنَّ الرِّواية بظاهرها - لابفحواها - تدلُّ علىٰ حجِّيَّة ما نحن بصدده الآن، بتقريب أن يُقال:
إنَّ كلَّ ما لزم الإختلال بدونه فهو حقٌّ - لأنَّ الإختلال باطلٌ -؛
1) . أقولُ: فانظر علىٰ سبيل المثال: المحكم في أصول الفقه، ج 5 ص 469.
2) . راجع: الكافي، ج 7 ص 387 الحديث 1.
3) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 51 الحديث 3307.
4) . راجع: التَّهذيب، ج 6 ص 261 الحديث 695.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 27 ص 292 الحديث 33780.
6) . أقولُ: وانظر أيضًا: فقه الشِّيعة - كتاب الإجارة -، ص 951.
وهذا الأصل من جملة ما يختلُّ النِّظام بدونه؛
فهو حقٌّ واجب الإنقياد والعمل.
ونظرًا إلى اهتمام الشَّارع بحفظ النِّظام جعَلَ بعضُهم «توقُّف حفظ نظام المعاش بل الحياة علىٰ جريان هذه القاعدة» دليلًا خامسًا من أدلَّة القاعدة(1)
راجع: مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 64.
.أقول: هذه الأدلَّة صحيحةٌ وإن كان في بعضها شيءٌ، لكنَّ العُمدة في المقام هو السِّيرة العقلائيَّة الحاكمة عليه، وهذه السِّيرة لاتختصُّ بطائفةٍ دون طائفةٍ أخرىٰ، بل ولا بالمسلمين فقط - كما نصَّ عليه بعضُهم(2)-؛ فالنَّاس كما يعملون بخبر الثِّقة ويعتمدون عليه، وكما يعملون علىٰ مقتضىٰ قاعدة اليد يعملون بقاعدة الصِّحَّة ويُسندون عليها؛ إذ كما أنَّهم يرون الخبر واليد أمارتان كاشفتان عن الواقع يرون أصالة الصِّحَّة كذلك أمارةً تُكشِفُ عن الواقع؛ وكما أنَّ إحتمال الخلاف مغفولٌ عنه بينهم فلايلتفتون إلى هذا الإحتمال ما لم يدلَّ عليه دليلٌ، فكذلك سيرتهم في أصالة الصِّحَّة؛
والشَّارع لم يردع عنها - بل أمضاها في موارد كثيرةٍ تُنبِىء عنها تلك الأحاديث الَّتي أشرنا إلى قسمٍ منها -، فالسِّيرة هذه حجَّةٌ شرعيَّةٌ أيضًا، ضرورةَ استقرار سيرة المعصومين عليهم السلام علىٰ المعاشرات العُرفيَّة مع النَّاس مِن البيع والشِّراء وإيكال الأمور إلى الغير بالوكالة ونحوها؛
ولايمكن تصحيح سيرتهم هذه إلَّابجريان جملةٍ من القواعد، كقاعدة اليد وقاعدة الصِّحَّة وقاعدة حجيَّة خبر الثِّقة وغيرها من الأصول والقواعد.
إذا ظهر هذا كلُّه ظهر أنَّه لايلزم علينا أن نبحث عن لِمِّيَّة استقرار هذه السِّيرة، وأنَّه هل كان لأجلِ التَّحرُّز عن إختلال النِّظام؟،
أو لأجلِ جعلٍ خاصٍّ من ناحيَة كُبَراء القوم؟،
أو غير ذلك من الاِحتمالات الجارية في تحليل لِمِّيَّته؛ وإن كان الظَّاهر أنَّ جعل تلك القواعد كلِّها ليس إلَّاحذرًا عن وقوع الإختلال فيه؛ كما أشار إليه أبوعبداللَّه الصَّادق عليه السلام بقوله فيما رواه حفصٌ: «لولم يَجُزْ هذا لم يَقُمْ للمسلمين سوقٌ».
وكيف كان فإنَّ السِّيرة هيهنا محكَمَةٌ بحيث ذهب الفقيه المحقِّق الخوئيُّ قدس سره إلى «أنَّ مدرك أصالة الصِّحَّة ليس إلَّاالسِّيرة المستمرَّة»(1)
وقال في بيان مدارك القاعدة: «العمدة هو قيام سيرة العقلاء إلى زمان الأئمَّة عليهم السلام علىٰ إجراء أصالة الصِّحَّة في فعل الغير»(2)
وإن ذهب في موضعٍ آخر علىٰ أنَّ الإجماع كالسِّيرة يدلُّ عليها(3).
ونصَّ بعضُهم علىٰ أنَّ مدرك هذا الأصل إنَّما هو السِّيرة فقط(4)
راجع: فقه الصَّادق، ج 15 ص 99.
.وتمسَّك بعضُهم بأدلَّةٍ أُخرىٰ لتصحيح القاعدة، كعموم وجوب الوفاء بالعقود،
وصحَّة التِّجارة عن تراضٍ، وغيرهما(1)
راجع: المحكم في أصول الفقه، ج 5 ص 466.
ولاحاجة إليها بعد إمكان الَّتمسُّك بالسِّيرة، المحكَمَة في المقام.
هل القاعدة تجري في فعل الغير فقط؟، أو في فعل نفسه أيضًا؟؛
وهل هي تختصُّ بفعل المسلمين؟، أو يشمل أفعال غيرهم أيضًا؟.
الظَّاهر إثبات العموم في هذه كلِّها، لجريان السِّيرة فيها، وفاقًا لبعضهم - كالمحقِّق اللَّاري قدس سره حيث أوسع في المقام فقال: «إنَّ أصالة الصِّحَّة لاتنحصر في أفعال المسلمين، بل ولا في أفعال القاصدين، بل ولا في فعلٍ من الأفعال. وكأنَّ مأخذه غلبة الصِّحَّة علىٰ الفساد وغلبة الَّتمام علىٰ النَّاقص في جميع الأشياء»(2)
وكغيره(3)
راجع: القواعد الفقهيَّة - من موسوعة الفقه - ص 158.
-؛وخلافًا لبعضهم الآخر، كالمحكيِّ عن المحقِّق الفقيه الخوئيِّ: «موضوعها - أي:
أصالة الصِّحَّة - فعل المؤمن دون غيره»(4). ومن الغريب هيهنا ما ذكره بعضُ
تلامذته مع أنَّه تابعٌ لآراء أُستاذه الكبير في قاطبة المواضع(1).
ومنهم من تمسَّك للذِّهاب إلى أنَّ موردَها هو فعل الغير:
بعنوان القاعدة أوَّلًا؛
وبالمُستفاد من أدلَّة القاعدة - من السِّيرة والنُّصوص - ثانيًا(2)
راجع: مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 45.
.أمَّا الأوَّل: فلاضير فيه، حيث إنَّ العنوان يشير إلى الغالب من موارد جريان القاعدة، ولاحصر فيه أصلًا.
أمَّا الثَّاني: فسنتكلَّم عن أنَّ العمدة في المقام هو السِّيرة، وهي تدلُّ علىٰ جريان الأصل في فعل النَّفس، كما وتدلُّ علىٰ جريانه في فعل الغير، وهذا واضحٌ لاسترة فيه.
وبعضُهم أرجَعَ فعلَ النَّفس إلى قاعدة الفراغ والتَّجاوز(3)
راجع: المحكم في أصول الفقه، ج 5 ص 471.
وهذا وإن كان صحيحًا لكن لاتنافي بينه وبين اِشتمالها لأفعال النَّفس أيضًا.
بما قلنا ظهر أنَّ أصالة الصِّحَّة تُعدُّ أمارةً في عداد غيرها من الأمارات، لا أصلٌ تعبُّديٌّ عُيِّنَت كوظيفةٍ في ظرف الشَّكِّ، لأنَّ احتمال الخلاف في فعل الغير مغفولٌ عنه عند العقلاء، فلولم تكن أصالة الصِّحَّة أولىٰ في ذلك من قاعدة اليد فلاأقلَّ من ثبوت
المساوات بينها وبين اليد.
وبما قلنا من أنَّ اِحتمال الخلاف في فعل الغير وجريان الشَّكِّ فيه ملغىً عند العقلاء، ظهر ما في كلام بعضهم حيث عدَّ القاعدة أصلًا من الأصول، متمسِّكًا باستقرار السِّيرة علىٰ جريان هذا الأصل عند الشَّكِّ في صحَّة فعل الغير(1)
راجع: مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 65.
وما في كلام المحقِّق البجنورديِّ قدس سره حيث عدَّ القاعدة أصلًا محرِزًا، مستنِدًا بدلالة بناء العُقلاء علىٰ ذلك(2)
بل الحقُّ مع غيره الَّذين لم يهتمُّوا بهذا الإحتمال(3)
راجع: المحكم في أصول الفقه، ج 5 ص 465.
.فما عن السَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره(4)والمحقِّق الفقيه الخوئيِّ قدس سره(5)تبعًا للشَّيخ الأعظم قدس سره(6)من عدم حجِّيَّة مثبَتاتها(7)،
لاوجه له أصلًا!، لأنَّ العقلاء كما يُثبِتون الأصل يُثبِتون لوازمه وملزوماته وملازماته؛ ألَا ترىٰ أنَّه لواشترى أحدٌ شيئًا يحكم العُرف بوقوعه في ماله، كما يحكم
1) . أقولُ: كبعض معاصرينا؛
2) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 1 ص 304.
3) . أقولُ: قال بعضُ كبار معاصرينا: «أصالة الصِّحَّة... الرَّاجعة إلى عدم الاِعتناء باِحتمال الفَساد في فعل الغير»؛
4) . راجع: الرَّسائل - له قدس سره -، ج 1 ص 334؛ تنقيح الأصول، ج 4 ص 423.
5) . راجع: دراساتٌ في علم الأصول، ج 4 ص 332.
6) . راجع: فرائد الأصول، ج 3 ص 371.
7) . وانظر: أصول الفقه - للآية الكبير الشَّيخ حسين الحلِّي قدس سره -، ج 11 ص 471.
بخروج الَّثمَن من يده؛ وهكذا في جميع الموارد؛ فالقول بالتَّفكيك بين أصل الأصل وما يدور حوله مستهجَنٌ بحسب العرف قطعًا؛ كمَن صلَّى ثمَّ شكَّ في أنَّه توضَّأ؟ أم لا؟، فيحكم بصحَّة صلواة نفسه قطعًا، كما يجوز للغير الاقتداء به فيها، حُكمًا لهم بكونه متوضِّأً جامعًا لشرائط الدُّخول في الصَّلاة.
فما يظهر من الشَّيخ قدس سره(1)من أنَّه لوشكَّ الإنسان في صحَّة البيع الواقع من غيره - كأن شكَّ في وقوع البيع علىٰ ما لايُملَك، كالخمر والخنزير بعينٍ من أعيان ماله - ليس له أن يحكم بخروج الَّثمن من يده مع صحَّة دخول المال في مِلكه، فيحكم بصحَّة البيع وعدم انتقال شيءٍ من ماله قِبَل المبيع، لأصالة عدمه؛
ليس بسديدٍ!، بل هو خارجٌ عن مدار العرف قطعًا، إذ يلزم من ذلك جواز تصرُّفه وتصرُّف وارثه في الَّثمن والمثمن معًا(2)
وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة - للبجنوردي قدس سره - ج 1 ص 306؛ عمدة الوسائل في الحاشيَة علىٰ الرَّسائل، ج 3 ص 216.
،وهذا ما لايُجوِّزه العرف بلاريبٍ فيه!.
هل المراد ب «الصِّحَّة» في عنوان الأصل هو الصِّحَّة الواقعيَّة؟ - كما اختاره
بعضُهم، منهم المحقِّق الرَّشتيُّ قدس سره(1)، والسَّيِّد المحقِّق الفشاركيُّ قدس سره(2)، والمحقِّق الآشتيانيُّ الكبير قدس سره(3)، والمحقِّق الخوئيُّ قدس سره(4)، ونُسِب إلى المحقِّق الميرزا القمِّي قدس سره أيضًا الذِّهاب إلى هذا القول(5)
راجع: مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 49.
، وللمحقِّق النَّراقي في المبحث كلامٌ رشيقٌ(6)-؛أم الصِّحَّة بحسب اعتقاد القائم بالفعل والقول ونحوهما؟.
فيه وجهان، بل قولان. والمسألة صعبَةٌ جدًّا، ولذلك فإنَّ الشَّيخ الأعظم قدس سره فارقها مردَّدًا في المراد من الصِّحَّة فيها(7).
والأقوىٰ المختار هو كون المراد بالصِّحَّة هي الصِّحَّة علىٰ مقتضى نظر القائم بالفعل، لأنَّ عمدة الأدلَّة في الباب - كما أشرنا إليه - هي السِّيرة العُقلائيَّة، والمستفاد منها أنَّهم لايجرون أصالة الصِّحَّة فيما إذا عُلِم أنَّ اعتقاد الفاعل - إجتهادًا، أو تقليدًا - يخالف اِعتقاد من أراد جريان أصالة الصِّحَّة في حقِّ الفاعل. فمَن رأىٰ عدم وجوب السُّورة في الصَّلوة أو عدم وجوب العربيَّة في العقد فصلَّى أو أجرىٰ العقد طبقًا لما يستحسنه ويفتي به، فليس لمَن رأىٰ وجوب السُّورة فيها ووجوب التَّكلُّم بالعربيَّة
1) . راجع: فقه الإماميَّة - قسم الخيارات -، ص 291؛ كتاب الإجارة - له قدس سره - ص 286.
2) . راجع: دُرَر الأصول، ص 239.
3) . راجع: كتاب القضاء، ج 1 ص 219.
4) . راجع: دراساتٌ في علم الأصول، ج 4 ص 321.
5) . أقولُ: نسبه إليه بعض معاصرينا؛
6) . راجع: عوائد الأيَّام، ص 236.
7) . قال قدس سره: «والمسألة محلُّ إشكالٍ، من إطلاق الأصحاب، ومن عدم مساعدة أدلَّتهم»؛ راجع: فرائد الاصول، ج 3 ص 355.
فيه أن يُجري أصالة الصِّحَّة في فعل الأوَّل، مع كون ما قام به مخالفًا لرأيه؛ فيحكم بأنَّه صلَّى مع السُّورة وأجرىٰ العقد بالعربيَّة؛
بل لايبعد القول بأنَّ جريان أصالة الصِّحَّة في بعض الموارد يساوق الفَساد وأصالته، كمَن رأىٰ - عن إجتهادٍ أو تقليدٍ - وجوب القصر عند البلوغ إلى أربعة فراسخ من موطنه وإن لم يرجع ليومه إليه، فجريان أصالة الصِّحَّة في صلواته من قِبَل مَن لايرىٰ القصر فيها يوجب حكمُه ببطلان صلاة نفسه، كما هو ظاهرٌ؛
فجريان أصالة الصِّحَّة في فعل الغير يساوق في بعض الأحيان جريان أصالة الفَساد في فعل نفسه!. وكذلك من أفتىٰ بحرمة صلوة الجُمُعة حال الغيبة لايجوز له الإقتداء بثاني صلاتَي من صلَّىٰ الجُمُعة، لأنَّ اللَّازم منه أن يكون الإمام في صلوة الظُّهر بينما أنَّه من الواضح كونه في صلوة العصر، لا الظُّهر. وأمثلة ذلك كثيرةٌ جدًّا؛
بل لامعنىٰ لجريان أصالة الصِّحَّة لاثبات أنَّ الفاعل يطابق بحسب الاعتقاد مَن يريد جريان الأصل في فعله.
والقول بأنَّ المراد بالصِّحَّة هي الصِّحَّة الواقعيَّة لا الصِّحَّة عند الفاعل، يرجع غالبًا إلى أنَّ المراد بالصِّحَّة هي الصِّحَّة عند العامل بالأصل الجاري له، ضرورةَ أنَّ الواقع لايُكِشف غالبًا إلَّابالاِعتقاد - إجتهادًا كان أو تقليدًا -، إذ «كُلُّ حِزْبٍ بِمٰا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»(1)!.
ولكنَّ الَّذي يُسهِّل الخطبَ: أنَّه لايُشترَط في جريان أصالة الصِّحَّة إحراز اعتقاد الفاعل أصلًا، ولامانع من القول بجريان الأصل في تلك الموارد أيضًا.
1) . كريمة 53 المؤمنون، و 32 الرُّوم.
وتفصيل ذلك: أنَّه لوقلنا باِبتناء الأصل علىٰ بناء العقلاء علىٰ الغاء اِحتمال الخلاف - لأجلِ أنَّ الغالب في أفعالهم صدورها علىٰ النَّحو الصَّحيح، لأنَّ الفاعل المُريد لإيجاد فعلٍ يتوقَّع ترتُّب الأثر عليه، فلايخلُ بشيءٍ ممَّا هو معتبرٌ فيه عمدًا(1)، وأمَّا إخلاله فيه سهوًا فنادرٌ بحيث لايُلتَفَت إليه أصلًا -؛
فالصِّحَّة حينئذٍ تساوق الصِّحَّة علىٰ رأي الفاعل، لندورة تخلُّفه عن شرائط صِّحَّة الفعل.
وأمَّا إن قلنا أنَّ مدركَه هو بناء العقلاء لأجلِ سهولة الأمر وعدم اِختلال النِّظام ونحو ذلك، فالصِّحَّة هذه هي الصِّحَّة الواقعيَّة غير المرتبطة باعتقاد الفاعل.
ثمَّ إنَّ الشَّيخ الأعظم قدس سره اختار أنَّ مدرك أصالة الصِّحَّة هو الثَّاني(2)، لا الأوَّل؛
ثمَّ تردَّد فيه وأخذ في الرَّدِّ والإجابة عنه.
ومختاره ليس بسديدٍ!، ضرورة أنَّ النَّفس تُدرِك أنَّ المدرك هو الأوَّل، دون الثَّاني. إلَّاأنَّ المدرك هيهنا بمنزلة الدَّاعي للجعل، فكما أنَّ الدَّاعي في جعل القوانين برمَّتها غير معتبرٍ لاشأن له غير نفس الجعل، فكذلك الدَّاعي في بناء العقلاء وسيرتهم ليس إلَّاكذلك؛ فكما أنَّ المناط في الجعل هو الظُّهورات، فكذلك المناط في سِيَر العقلاء هو جريُهم طبق الأصل وجريانهم إيَّاه في موارده، وقد مرَّ الكلام في أنَّهم لايجرون أصالة الصِّحَّة لاثبات الصِّحَّة الواقعيَّة، بل لتوافُقِهم علىٰ العمل بها
حفظًا للنِّظام عن الاِختلال فيه.
وبما قلنا ظهر أنَّه لاحاجة إلى تقسيم «موارد حمل فعل الغير علىٰ الصِّحَّة علىٰ صورٍ» ثلاثٍ - كما فعله بعضُهم(1)-؛
لعموم دلالة السِّيرة علىٰ الموارد كلِّها.
في أقسام الشَّكِّ في العمل
قد أشرنا إلى أنَّ أصالة الصِّحَّة لاتجري في الشَّكِّ في أصل وقوع الفعل وصدوره عن الفاعل، بل مجراه فيما إذا شُكَّ في صحَّة ما صدر عنه؛ ضرروة أنَّ صحَّة العمل فرعُ صدور أصله.
هذا كلُّه واضحٌ؛ إنَّما الإشكال والكلام فيما إذا شُكَّ في ركن العمل الَّذي لاقوام للعمل إلَّابه - كالنِّيَّة للصَّلوة، والإنشاء للعقد -، فهل يجري هذا الأصلُ لإثبات وقوع النِّيَّة وكون العمل بعدها، أو وقع العقد مع الإنشاء؟ أم لا؟.
فيه خلافٌ؛ والأقوىٰ المختار عندنا هو الجريان.
وقياس ذلك بما إذا شُكَّ في أصل العمل، معلِّلًا بأنَّ الإخلال بالرُّكن إخلالٌ بتحقُّق نفس العمل، فكما لايمكن جريان الأصل بالنِّسبة إلى أصل العمل، فكذلك لايمكن جريانه بالنِّسبة إلى ما هو الرُّكن والأصل فيه - كما عن السَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره(2)-؛
قياسٌ مع الفارق!، ضرورةَ أنَّ المفروض صدور الفعل عن الفاعل، وبعد ذلك لافرق في فَساده بين الإخلال بالرُّكن والإخلال بغيره ممَّا يوجب فَساده. فجريان أصالة الصِّحَّة فيهما علىٰ السِّواء، فهي كما تُصحِّح العمل فيما إذا كان الشَّكُّ من ناحيَة غير الرُّكن من الأجزاء والشَّرائط فكذلك تُصحِّحُه فيما إذا كان الشَّكُّ من ناحيَة الرُّكن وما هو قوام الفعل به.
وذهب المحقِّق النَّائينيُّ قدس سره إلى أنَّ دليل أصالة الصِّحَّة في العقود هو الإجماع(1)، وحيث إنَّه لا دليل لبِّيٍّ هناك فلابدَّ من الأخذ بالقدر المُتيقَّن في المقام، وهو ما إذا شُكَّ في تأثير العقد لنقل الَّثمن والمُثمن بعد الفراغ عن قدرة العاقد لإيجاد العقد من حيث نفسه، ومن حيث المعقود عليه؛ فلوشُكَّ في أهليَّة العاقد للعقد - كما إذا شُكَّ في بلوغه - أو شُكَّ في أهليَّة المعقود عليه - كما إذا شُكَّ في كونه خمرًا أو لحم خنزيرٍ - فلايكون مجرىٰ لأصالة الصِّحَّة؛
وبعبارةٍ أُخرى: أنَّهما مأخوذان في أصل وضع العقد، فلابدَّ من إحرازهما أوَّلًا ثمَّ لوشُكَّ في صحَّة ما يتبع العقد فيُمكننا جريانها إذن.
وفيه: مضافًا إلى أنَّ العمدة من أدلَّة أصالة الصِّحَّة هي بناء العقلاء، لا الإجماع - بل الإجماع مقطوع المدركيَّة، كما أشرنا إليه - فلابدَّ من مراعاة تلك السِّيرة وقد قدَّمنا أنَّ العرف يُجريها في مطلق ما يكون له دخلٌ في العمل بعد الفراغ عن أصل صدور الفعل: أنَّ المدَّعىٰ في صدر كلامه هو عدم ثبوت دليلٍ علىٰ جريان الأصل في الفرضَين المذكورين، وفي ذيله توقَّف جريان الأصل علىٰ وجود الشَّرطين، ولولا
1) . راجع: فوائد الأصول، ج 4 ص 677.
إحرازُهما لايجري - لعدم وجودهما -؛
وهذا تهافتٌ ظاهرٌ بين صدر كلامه وذيله!.
وبما قلنا ظهر الحال فيما إذا شُكَّ في صحَّة معاملةٍ من أجلِ الشَّكِّ في وجود شرطٍ مفسدٍ لو قلنا بمفسديَّة الشَّرط؛ أو شُكَّ في فَساد أصل شرطٍ أو عدم فَساده، ففي كلا الموردين تجري أصالة الصِّحَّة فيُثبِت صحَّة المعاملة وصحَّة الشَّرط معًا. مثلًا: إذا شُكَّ في أنَّ الشَّرط الَّذي وقع في العقد كان فاسدًا أو صحيحًا، فجريان أصالة الصِّحَّة في المعاملة يُثبت صحَّة المعاملة، كما أنَّ جريان الأصل في نفس الشَّرط يُثبت صحَّته؛ فلوإدَّعىٰ أحدُ المتعاقِدَين أنَّ الشَّرط الَّذي وقع في العقد كان فاسدًا - كاشتراط خياطة ثوبٍ غير معيَّنٍ مثلًا -، والآخر إدَّعىٰ أنَّه كان صحيحًا غير فاسدٍ - كاشتراط خياطة ثوبٍ معيَّنٍ -، فأصالة الصِّحَّة في الشَّرط أو أصالة الصِّحَّة في المعاملة جاريتان، وبجريانهما يُثبِت صحَّة المعاملة قطعًا(1)
وتفصيل هذا المطلب في: دراساتٌ في علم الأصول، ج 4 ص 323 ثمَّ ص 327.
.الظَّاهر أنَّه لاخلاف بين القوم في تقدُّم أصالة الصِّحَّة علىٰ الاِستصحاب الحكميِّ؛ أمَّا تقدُّمها علىٰ الاِستصحاب الموضوعيِّ أو تقدُّمه عليها، فوقع محلَّ الخلاف بين المتأخِّرين، حتَّى أنَّ الشَّيخ الأعظم قدس سره بحث عن المسألة بحثًا شافيًا(2)
لكنَّا في راحةٍ عنه، لأنَّ عمدة الأدلَّة في المقام - كما أشرنا إليها مرَّاتٍ عدَّة - هي السيرة، فهي حاكمةٌ في تقدُّم القاعدة علىٰ الاِستصحاب أو تقدُّمه عليها. وذلك - كما هو المحكيُّ عن المحقِّق الخوئيِّ قدس سره - ببيان أنَّ «في كلِّ موردٍ قامَتْ السِّيرةُ علىٰ جريانها تجري وتتقدَّم علىٰ الاِستصحاب الموضوعيِّ والحُكميِّ، لأنَّ السِّيرة قائمةٌ علىٰ ذلك، كالمخصِّص لدليل الاِستصحاب... وفي كلِّ موردٍ لم يثبت قيام السِّيرة عليها لاتجري»(1).
مع أنَّه علىٰ القول بكونها في عداد الأمارات - كما هو المختار - لاترديد في تقدُّمها علىٰ الاِستصحاب الموضوعيِّ، وهذا ممكنٌ علىٰ القول بكونها أصلًا أيضًا؛ كما أشار إليه المحقِّق البجنورديُّ قدس سره(2).
والحمدُ للَّه ربِّ العالَمين!.
وذهب العلَّامة إلى اِنصراف اللَّفظ إلى الُمحلَّل؛ قال: «لأصالة الصِّحَّة في
تصرُّفات المُسلم»(1).
قال الشَّهيد قدس سره في مَن «تخلَّف عن الإمام عمدًا حتَّى سبقه بتكبيرةٍ فصاعدًا»: «الوجه أنَّها لاتبطل... لأصالة الصِّحَّة»(2).
قال الفاضل المِقداد قدس سره في مواضع تحريم خطبة النِّكاح لوأجابَتْ فنكَحَها:
«لايلزم من تحريم الخُطبة لووقعت، تحريم النِّكاح بعدها، لأصحالة الصِّحَّة»(3).
الأصلُ في العقود الصِّحَّة واللُّزُوم(1).
الأصلُ في البيع اللُّزومُ، وكذا في سائر العقود(2).
الأصلُ في العقود اللُّزومُ(3).
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره السَّيِّد العَميديُّ قدس سره؛ راجع: كنز الفوائد، ج 2 ص 625.
2) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّهيد قدس سره؛ راجع: القواعد والفوائد، ج 2 ص 242 القاعدة 243.
3) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الفاضل المقداد قدس سره - راجع: نضد القواعد، ص 351 -؛ والصَّيمريُّ قدس سره - راجع: غاية المَرام، ج 2 ص 35 -؛ والمحقِّق الثَّاني 0 - راجع: جامع المقاصد، ج 7 ص 313 -؛ والشَّهيد الثَّاني 0 - راجع: الرَّوضة البَهيَّة مع حواشي سلطان العلماء قدس سره، ج 1 ص 372 -.
الأصلُ بناء العقودِ علىٰ اللُّزُوم(1).
الأصلُ في عقود المعاوَضات اللُّزُوم(2).
الأصلُ في المعاوَضات اللُّزُوم(3).
أصالة اللُّزوم في العقود(4).
أصالةُ اللُّزُوم في العقد والإيقاع(5).
المراد من القاعدة إنَّ جميعَ العهود - كالعقد والبيعة والشَّرط وما بمعناها - كحبْلٍ إذا وُجِد لاينحلُّ إلَّابقطع هذا الحبْلِ؛ فإذا انعقد العقدُ يصير لازمَ الوفاء، ولايجوز أن يُتُخلَّف عنه إلَّابإقالةٍ من المتعاقدَين. مثلًا: إذا وقع عقد بيعٍ وصار المُثمَن في ملك المشتري والَّثمَن في ملك البائع، فلايجوز للطَّرفين إرجاع الَّثمن أو المُثمن إلَّابإقالتهما
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّيخ الثَّاني 0 أيضًا؛ راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 204
2) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره الشَّهيد الثَّاني 0 أيضًا - راجع: مسالك الأفهام، ج 9 ص 375 -؛ والمحقِّق القمِّي قدس سره - راجع: رساول الميرزا القمِّي، ج 1 ص 558 -.
3) . أقول: هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره السَّيِّد الخلخاليُّ قدس سره؛ راجع: فقه الشِّيعة / كتاب الإجارة، ص 279.
4) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره السَّيِّد المجاهد قدس سره - راجع: المناهل، ص 479 -؛ والمحقِّق النَّراقي الثَّاني 0 - راجع: عوائد الأيَّام، ص 16 -؛ والشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره - راجع: أنوارُ الفقاهة / البيع، ص 74 -؛ والسَّيِّد المحقِّق القزويني قدس سره - راجع: ينابيع الأحكام، ج 2 ص 520 -؛ والسَّيِّد البجنورديُّ قدس سره - راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 193.
5) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقِّق المراغيُّ قدس سره؛ راجع: العناوينُ الفقهيَّة، ج 2 ص 35.
البيع(1).
وهذا معنىً عرفيٌّ واضحٌ لايحتاج إلى الإكثار من القيل والقال.
والظَّاهر أنَّ «العقد» هيهنا يشملُ الإيقاع أيضًا، فكلُّ عهدٍ هو عقدٌ يجب الإلتزام به، سواءٌ احتاج إلى الطَّرف والقبول، أم لا.
فكما أنَّ البيع يجب الإلتزام بعقده، فكذلك الطَّلاق يجب الالتزام بإيقاعه.
فتقسيم العقود إلى العقد والإيقاع صحيحٌ واقعيٌّ، وليس باصطلاحٍ فقهيٍّ صرفٍ فقط، إذ في الجميع يُوجَد حبْلٌ ممدودٌ بين المُتعاقِدَين؛ وهو الَّذي يجب الوفاء به - عرفًا في موارده، وشرعًا في موارده -؛ فمنه شرعيٌّ اعتباريٌّ، ومنه عقليٌّ تكوينيٌّ.
فقوله - تعالى! -: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» كما يشمل البيعَ ونحوه، يشمل الطَّلاق وغيره، من غير تفاوتٍ بينهما أصلًا.
الدَّليل علىٰ القاعدة هو الأدلَّة الأربعة(2).
فمن الكتاب قوله - تعالى! -: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(3)قال الشَّيخ قدس سره في تفسير الكريمة: «واختلَفَ أهلُ التَّأويل في العقود الَّتي أمر اللَّه - تعالى! - بالوفاء بها في هذه
الآية، بعد إجماعِهِم علىٰ أنَّ المرادَ بالعقودِ العهودُ...»(1).
والرَّاونديُّ قدس سره وإن خصَّ الآية بعقد الهُدْنَة للمشركين(2)، لكن لاخلاف في عمومِها بالنِّسبة إلى جميع العقود والعهود، والهُدنَة أيضًا منها؛ كما عمَّمَها الفاضلُ المقداد قدس سره(3).
ولكثيرٍ من فقهاء المفسِّرين هيهنا كلماتٌ جديرةٌ بالرُّجوع، كالمقدَّس المحقِّق الأردبيليِّ قدس سره(4)، وسيِّدنا الأستاد العلَّامة قدس سره(5)، وابنِالعربي(6)، والجصَّاص قدس سره(7)، والكياهراسي قدس سره(8)، والقُرطبيِّ قدس سره(9).
وانظر إلى ما ذكره المراغيُّ قدس سره(10)بهذا الشَّأن أيضًا.
وقوله - جلَّ وعلا! -: «وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِأَمٰانٰاتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رٰاعُونَ»(11)قال القرطبيُّ قدس سره في تفسيرالكريمة: «الأمانةُ والعهدُ يجمع كلَّ ما يحمِلُه الإنسان من أمر
1) . راجع: التِّبيان، ج 3 ص 414.
2) . راجع: فقه القرآن، ج 1 ص 355.
3) . راجع: كنز العرفان، ج 2 ص 71.
4) . راجع: زبدة البيان، ج 1 ص 462.
5) . راجع: الميزان، ج 5 ص 158.
6) . راجع: أحكام القرآن، ج 2 ص 523.
7) . راجع: أحكام القرآن، ج 3 ص 282.
8) . راجع: أحكام القرآن، ج 3 ص 7.
9) . راجع: الجامع لأحكام القرآن، ج 6 ص 31.
10) . راجع: العناوينُ الفقهيَّة، ج 2 ص 39.
11) كريمتان 8 المؤمنون، 32 المعارج.
دينه ودنياه، قولًا وفعلًا، وهذا يعُمُّ معاشرةَ النَّاس والمواعيد وغير ذلك»(1). وانظر أيضًا إلى ما ذكره الطَّبرسيُّ قدس سره(2)، والسَّيِّد المدرِّسي المعاصر(3)، وسيِّدنا الأستاذ العلَّامة قدس سره(4)، وابنُالعربي(5)، لترىٰ مدىٰ دلالة الآية الشَّريفة علىٰ المراد.
ومن السُّنَّة فرواياتٌ كثيرةٌ متواترةٌ معنىً.
منها: قوله صلى الله عليه و آله: «المؤمنون عند شروطهم»؛ فيما رواه الشَّيخ قدس سره في استبصاره(6)، وتهذيبه(7)، والفيضُ قدس سره(8)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(9).
والحديث متواترٌ معنىً، فلايحتاج إلى توثيقٍ سنديٍّ، وإن وثَّقَه العلَّامةُ المجلسي قدس سره(10)ولذلك قال المحقِّق العامليُّ قدس سره بعد نقل الحديث: «هذا الصَّحيح مشهورٌ بين الفقهاء والمحدِّثين في أبواب الفقه، وقد رواه الأقدمون من فقهاء أصحاب
1) . راجع: الجامع لأحكام القرآن، ج 13 ص 108.
2) . راجع: مجمع البيان، ج 7 ص 159.
3) . راجع: من هدىٰ القرآن، ج 8 ص 153.
4) . راجع: الميزان، ج 15 ص 11.
5) . راجع: أحكام القرآن، ج 3 ص 1311.
6) . راجع: الاِستبصار، ج 3 ص 232 الحديث 835.
7) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 371 الحديث 1503.
8) . راجع: الوافي، ج 22 ص 550 الحديث 21692.
9) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 21 ص 276 الحديث 27081.
10) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 12 ص 263.
الأئمَّة عليهم السلام»(1).
ومنها: قوله عليه السلام: «البيِّعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افتَرَقا فلاخيارَ بعد الرِّضا منهُما»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(2)، والشَّيخُ قدس سره(3)، والفيضُ قدس سره(4)، والحرُّ قدس سره(5). وهو صحيحٌ كما صحَّحَه العلَّامةُ المجلسيُّ قدس سره(6)، وفي ملاذه(7)، والعامليُّ قدس سره(8)، والفقيه الطَّباطبائيُّ قدس سره(9)، والميرزا القمِّي قدس سره(10)، والتُّستَريُّ قدس سره(11)، وغيرهم.
ومن الإجماع إنَّ كون العقود لازمةً إلَّاما أخرجه الدَّليل إجماعيٌّ، بل ضررويٌّ في الفقه.
وإلى هذا يشير كثيرٌ من كلماتهم في كثيرٍ من أبواب الفقه، مثل ما ذكره الشَّيخ قدس سره(12)، وابنُسعيدٍ قدس سره(13)، والعلَّامةُ قدس سره في تحريره(14)، وتذكرته(15)، وأوَّلُ
1) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 14 ص 216.
2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 170 الحديث 16.
3) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 20 الحديث 85.
4) . راجع: الوافي، ج 17 ص 506 الحديث 17729.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 6 الحديث 23013.
6) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 164.
7) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 10 ص 493.
8) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 14 ص 149.
9) . راجع: رياض المَسائل، ج 8 ص 294.
10) . راجع: جامع الشِّتات، ج 3 ص 380.
11) . راجع: مقابس الأنوار، ص 244.
12) . راجع: المبسوط، ج 3 ص 222.
13) . راجع: نُزهة النَّاظر، ص 89.
14) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 464 المسألة 3653.
15) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 14 ص 431 المسألة 596.
الشَّهيدَين قدس سرهما(1)، والمقداد قدس سره(2)، وابنُ أبي جمهورٍ قدس سره(3)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(4)، وأوَّلُ النَّراقيَّين قدس سرهما(5)، وغيرهم أيضًا.
ومن العقل بناءُ العقلاء علىٰ لزوم جميع العقود والعهود(6)ولذلك يُلامُون من انفسخ عقدًا من قِبَل نفسه، حيث يرون أنَّه لايمكن الإقالة إلَّابتوافُقِ المتعاقدين.
وإلى هذا البناء يرجع جميعُ الأدلَّة من الآيات والرِّوايات والإجماع. فالدَّليلان الأوَّلان ليسا إلَّاإمضاءان لهذا الحكم العقليِّ الَّذي جعلَه العقلاءُ حجَّةً في سيرتهم.
إنَّ العقد بحسب الماهيَّة - حسب ما أبدعه وذكره المحقِّق النَّائينيُّ قدس سره(7)وانظر
1) . راجع: القواعد والفوائد، ج 2 ص 242.
2) . راجع: نضد القواعد، ص 351.
3) . راجع: الأقطاب الفقهيَّة، ص 116.
4) . راجع: الرَّوضة البَهيَّة - مع حواشي سلطان العلماء قدس سره -، ج 2 ص 329.
5) . راجع: جامعة الأصول، ص 270.
6) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 199.
7) . راجع: منية الطَّالب، ج 1 ص 33 ثمَّ ص 112.
أيضًا إلى ما علَّقه السَّيِّد الكلانتر قدس سره علىٰ كتاب المكاسب(1)، وما ذكره المحقِّق البجنورديُّ قدس سره(2)لتوضيح هذا المبنىٰ -، ينقسم إلى قسمين:
الأوَّل: العقد العهديُّ - كالبيع والإجارة والنِّكاح -؛
الثَّاني: العقد الإِذْنيُّ - كالعارية والوكالة -.
فالأوَّل هو الإنتقال، فيصير جواز تصرف المالك في المال من باب التَّصرُّف في مِلكه وماله؛
والثَّاني هو عدم الإنتقال، فيصير جواز تصرُّفِه فيه من باب إذن المالك، لا من باب التَّصرُّف في ملك نفسه. وإن شئتَ قلتَ: لم يقع انتقالٌ في هذا القسم أصلًا، بل وقع جوازُ التَّصرُّف فقط. فإذن إطلاقُ العقد عليه من باب التَّسامُّح فقط.
قد يُقال: «إنَّ العمومات لكثرة التَّخصيصات الواردة عليها قد أوهنَتْ، فلايجوز أن يُتمَسَّك بها في المقام»(3).
ومثَّلوا له بالمعاطات الَّتي هي العمدة في المعاملات والعقود والعهود، بل العقود بالصِّيغة قليلةٌ جدًّا؛ ومثَّلوا بالوكالة والعارية والأمانة والهِبَة والمضاربة والمزارعة والمساقات؛ ومثَّلوا بالمعاملات الخياريَّة، وقلَّتْ معاملةٌ لايجري فيها الخيارُ(4).
قالوا: فبهذا ظهر أنَّه لايمكن القول باللُّزوم في جميع العقود، بل الأكثر الأغلبُ
فيها هو عدم اللُّزوم.
أقول: أمَّا المعاطات، فالقول بلزومها هو الأشهر بين الفقهاء، فلاتخصيص فيها أصلًا. نعم! علىٰ قول القدماء بكونها جائزةً غير لازمةٍ فهي من باب الإباحة، وليست بعقدٍ حتَّى تُخَصِّصَ العمومات؛ وأمَّا العقود الجائزة فهي وإن كانت كثيرةً إلَّا أنَّها:
أوَّلًا: لايلزم من التَّخصيص بها تخصيص الأكثر؛
وثانيًا: إنَّها ليستْ بعقدٍ أصلًا، بل هي صورة عقدٍ وفي الحقيقة ليست إلَّاالإِذن في التَّصرُّف وجوازه.
وأمَّا العقود الَّتي فيها الخيارُ، فهي تدلُّ علىٰ لزوم العقود كلِّها إلَّاما جرىٰ فيه الخيارُ، فلاتخصيص فيها؛ بل الخيار يؤيِّد المبنىٰ أيضًا؛ ولذلك قال المحقِّق النَّراقي الأوَّل قدس سرهما: «إنَّ الغرض من قولهم: الأصلُ فيه اللُّزوم أنَّه مع قطع النَّظر عن الأمور الخارجة يكون الأصل فيه اللُّزوم، فلاينافي وضعُ الخيار فيه»(1).
قد اختُلِف في جريان الاِستصحاب في أصالة اللُّزوم في المعاملات، فإذا شُكَّ في معاملةٍ هل الأصل فيها اللُّزوم؟، أم لا؟، هل يجري الاِستصحاب هيهنا لاِثبات اللُّزوم به؟، أم لا؟. والمسألةُ مذكورةٌ عند الشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(2)،
وغيره كالمراغيِّ قدس سره(1).
ومن الغريب أنَّ المحقِّق البجنورديَّ قدس سره قد أطال البحث في المقام بحيث استغرقَ البحثُ من كتابه ما يقرب من عشرين صفحةً(2)، وهذا غريبٌ منه جدًّا!، لأنَّ الأمر في المقام أوضح من أن يخفىٰ حتَّى يحتاجَ إلى هذا الحجم الهائل من البحث؛ لأنَّ الاِستصحاب:
الف: قد يكون في الشُّبهات الحكميَّة، كما إذا شُكَّ في أنَّ الوصيَّةَ عقدٌ لازمٌ؟، أو جائزٌ؟، مع فرض عدم وجود عامٍّ يُتمسَّكُ به في المقام.
ب: وقد يكون في الشُّبهات الموضوعيَّة، كما إذا شُكَّ في أنَّه هل ينطبق عنوانَي الصُّلح أو الوكالة مثلًا علىٰ عقدٍ؟، أم لا؟.
ففي الجميع إن قلنا أنَّ العقود كلَّها ليست إلَّامن باب تبديل الإضافَتَين ونقلِ شيءٍ من شخصٍ إلى شخصٍ آخر، والنَّقل يحصل بالعقد، فبعد الانتقال لوشُكَّ في عقدٍ هل يجوز أن يُفسَخَ أم لا؟ فالأصل عدم جواز الاِنفساخ، واِستصحابُ بقاء ملكيَّة البائع علىٰ ملكه.
فمبنىٰ القوم إذن أصالةُ عدم جواز الفسخ، فيترتَّب علىٰ هذا الأصلِ الحكمُ، وهو أصالةُ اللُّزوم.
وأمَّا علىٰ مبنانا من أنَّ العقود الجائزة ليست بعقدٍ أصلًا، بل هي أمانةٌ وإباحةُ تصرُّفٍ فقط، فلوشُكَّ في عقدٍ أنَّه عقدٌ أو لا - بل هو صِرفُ إباحةٍ وتصرُّفٍ -؟،
فأصالةُ عدم الاِنتقال - أي: اِستصحابُ بقاء المِلك في ملك صاحبه الأوَّل - جاريةٌ، فيترتَّب عليها الحكمُ - أي: أصالة عدم اللُّزوم -.
فلايكون البحثُ بحاجةٍ إلى هذا الكمِّ الهائل من الصَّفحات الَّتي اختصَّها بعضُهم به!. فتأمَّل في ما قلنا تجد الحقيقة بإذنه وعونه - تعالى! -.
فقال ولدُه قدس سره في شرحه عليه: «لأنَّ الأصلَ في البيع اللُّزُوم، ولهذا يُحكَمُ به عند الإطلاق وعدم العلم بالموانع»(2).
فقال الشَّهيد قدس سره في شرح العبارة: «وجه كون هذا أقرب أنَّ المبيع لوتلف أجمع كان من مال البائع، فكذا أبعاضُه وصفاتُه... ويُحتَمَلُ عدمُ رجوعه بالأرش، لأنَّ الأصل في البيع اللُّزوم وعدم التَّسلُّط بالأرش، والرَّدُّ إنَّما جاز لتطرُّقِ الضَّرر بالقبول، فيبقىٰ الباقي علىٰ الأصل»(4).
لم نجد عنوانًا آخر للقاعدة، وقلَّ من الأصحاب من تعرَّض لها باستقلالٍ.
المشهور بين الأصحاب أنَّ العقد يبطلُ إذا تعذَّر الوفاءُ به؛ كما إذا باع دارَه لآخر لكن تعذَّر علىٰ البائع تسليم الدَّار، لخرابها بسيلٍ، أو زلزلةٍ، أو لغصبها بغاصبٍ؛ فعقد البيع إذن يبطلُ؛
وكما إذا آجر عينًا لأحدٍ وملَّكه منفعَتَه، لكن سقطَتْ منفعةُ العين بحيث لايقدر علىٰ تسليم العين، أو تسليم منفعته؛ فإذن الإجارةُ تبطل؛ كما ذكره ابنُزهرة قدس سره(1)،
1) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 229.
والسَّبزواريُّ القمِّيُّ قدس سره(1).
ذُكرتْ أمورٌ كمدركٍ لهذه القاعدة؛ وهي:
الدَّليل الأوَّل(2): إنَّ الصِّحَّة والفَساد أمران إضافيَّان، فإذا لم يصحَّ عقدٌ فكان فاسدًا قهرًا - لعدم إمكان ارتفاع النَّقيضين في شيءٍ -، وحيث إنَّ قولَه - تعالى! - «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»(3)وأمثالَه لايشمل المقام - لأنَّه تكليفٌ بالمحال، لتعذُّر الوفاء به -، فلامحالة يكون العقد فاسدًا، لقاعدة أنَّ النَّقيضين لايجتمعان ولايرتفعان.
وفيه: إنَّ البرهان فاسدٌ من أصله وإن صُوِّر بصورةٍ منطقيَّةٍ!، لأنَّه مصادرةٌ بالمطلوب!، لأنَّ حقيقته أنَّ العقد لايصحُّ، فهو فاسدٌ.
وبعبارةٍ أُخرىٰ: أُدُّعي فيه أنَّ أدلَّة لزوم الوفاء بالعقد لايشمُلُه، فلايصحُّ إذن، فهو فاسدٌ. وجميع هذا ليس إلَّادعوىً لا دليل عليه إلَّاالمصادرة بالمطلوب!.
بل لقائلٍ أن يقول: إنَّ عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» وأضرابِه يشملُه، ولاوجه لعدم الشُّمول.
فإذن بعد تعذُّر تسليم العين أوَّلًا، وصحَّة العقد ثانيًا، لابدَّ من الرُّجوع إلى
القوانين والأصول الَّتي تجري في المقام، كقاعدة كلِّ مبيعٍ تلفَ قبل قبضِهِ فهو من مال بائعه؛ أو قاعدة وجوبِ تدارُكِ الخَسارات في المعاملات؛ أو قاعدة خيار الفسخ إذا تعذَّر الَّثمن أو المُثمَن؛ أو قاعدة الضَّمان بالمِثليِّ أو القِيميِّ، أو نحو ذلك من القواعد المُمَهَّدَة في الفقه للخروج عن المعاذير.
الدَّليل الثَّاني: بناءُ العقلاء لأنَّهم يرون فسادَ المعاملة إذا تعذَّر علىٰ مَن تعهَّدها.
وفيه: إنَّ بناء العقلاء علىٰ صحَّة المعاملة، لا فسادها!. أمَّا لوتعذَّر الوفاءُ به فمختارهم تداركِ الخسارة بقاعدةٍ من القواعد الجارية عندهم، وأجودُها في المقام هو خيار الفسخ؛ ولكن للمشتري أيضًا أن يختار المثلَ إن كان مِثليًّا، أو القيمة إن كان قِيميًّا.
الدَّليل الثالث: قاعدة كلُّ مَبيعٍ تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه.
وفيه:
أوَّلًا: إنَّ القاعدة عندنا ليس بتامٍّ، وقد مرَّ الكلام فيه مفصَّلًا.
وثانيًا: إنَّ القاعدة تعبُّديَّةٌ، لدلالة روايةٍ عليها، فموردها إذن خصوص المُثمَن في البيع دون السَّبب، فلاتسري إلى غير البيع من المعاملات، ولا إلى غير هذا القسم من البيع.
وثالثًا: إنَّ القاعدة تُعارِضُ قاعدةَ خيار تعذُّر المُثمَن أو الَّثمن.
ورابعًا: إنَّ القاعدة تقتضي صحَّة البيع، لا فساده؛ وقد مرَّ الكلام فيه.
الدليل الرَّابع: الإجماع، والظَّاهر أنَّه ليس إجماعًا في المسألة، بل هو عدم تعرُّض الأصحاب للمسألة فقط؛ وكم من الفرق بين إجماع الأصحاب علىٰ مطلبٍ وعدم
تعرُّضِهم لهذا المطلب في كتُبِهم!.
نعم! إنْ انعقد إجماعٌ أو شهرةٌ معتنىً بها في المسألة ولوكان مدركيًّا، فلايمكن عدم الاِعتناء به، لأنَّه جربزةٌ في الفقه والفقيه الُمجَربِزُ لاطريق له إلى السَّداد!.
قال الشَّيخ قدس سره: «إذا تلف المبيعُ قبل القبض للسَّلعَة بطل العقدُ... دليلُنا: أنَّه إذا باع فإنَّما يستحقُّ الَّثمنَ إذا قبض المبيع، فإذا تلف تعذَّر عليه التَّسليمُ، فلايستحقُّ العوضَ»(1).
أقول: وبعض اجلاء المعاصرين كالشَّيخ الإشتهارديِّ قدس سره؛
راجع: مدارك العُروة، ج 27 ص 103؛
والسَّيِّد الخلخاليِّ قدس سره؛
راجع: فقه الشِّيعة / كتاب الإجارة، ص 313.
حول العبارة.إذا تلف المبيعُ قبل القبض للسَّلعة بطل العقد(1).
إذا تلف المبيعُ قبل القبض فهو من مال البائع(2).
إذا تلف المبيعُ قبل قبضه فهو من مال بائعه(3)
أقول: وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة - للفقيه المحقِّق الآية مكارم الشِّيرازي -، ج 2 ص 351.
.كلُّ مبيعٍ تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه(1).
لوتلف المبيعُ قبل تسليمه إلى المشتري كان من مال البائع(2).
قد اشتهر بين الأصحاب - قدَّس اللَّه سرَّهم الشَّريف! - بين قديمِهم - كالشَّيخ قدس سره في الخلاف(3)، والمحقِّق الحلِّي قدس سره(4)، وابن سعيدٍ الحلِّي قدس سره(5)، وغيرهم - والجديد - كالسَّيِّد العميدي قدس سره(6)، وشمس الدِّين الحلِّي قدس سره(7)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(8)، والمحقِّق السَّبزواري قدس سره(9)، وصاحب الحدائق قدس سره(10)، وغيرهم الكثيرين -، بل اُدُّعِي ثبوت الإجماع(11)علىٰ: أنَّ كلَّ مبيعٍ تَلِف قبل قبضه فهو من مال بايعه؛ فلواشترىٰ المرءُ شيئًا وأدَّىٰ ثمنَه لكنَّ المبيع تلف قبل أن يُسلِّمه البايعُ للمشتري فهو علىٰ عهدة
1) . هذا عنوان القاعدة عند المحقِّق البجنورديِّ قدس سره؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 79.
2) . هذا عنوان القاعدة عند الفقيه السَّبزواري قدس سره؛ راجع: مهذِّب الأحكام، ج 17 ص 281.
3) . راجع: الخلاف، ج 3 ص 154 المسألة 243.
4) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 91.
5) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 247.
6) . راجع: كنز الفوائد، ج 1 ص 470.
7) . راجع: معالم الدِّين، ج 1 ص 437.
8) . راجع: مسالك الأفهام، ج 4 ص 201.
9) . راجع: كفاية الأحكام، ج 1 ص 595.
10) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 76.
11) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 8 ص 242.
البائع، وقد توجَّه الضَّررُ إليه.
ثمَّ إنَّ الأصحاب تمسَّكوا هيهنا بجملةٍ من الرِّوايات؛
فمنها: الرِّواية الَّتي رواها ابنُ أبي جمهورٍ في عواليه(1)وقد استدَلَّ به العلَّامة قدس سره(2)، ونجم الدِّين الزَّهدَري الحلِّي قدس سره(3)، وابنُفهدٍ الحلِّي قدس سره(4)، والصَّيمُريُّ قدس سره(5)، والمحقِّق النَّجفيُّ قدس سره(6)، وغيرهم.
وتمسَّكوا أيضًا برواية عقبة بن خالدٍ، وهي: محمَّد بن يعقوب عن محمَّد بن يحيىٰ عن محمَّد بن الحسين عن محمَّد بن عبداللَّه بن هلالٍ عن عقبة بن خالدٍ عن أبي عبداللَّه عليه السلام في رجلٍ اشترىٰ متاعًا من رجلٍ وأوجبه، غيرَ أنَّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه - قال: آتيك غدًا إن شاء اللَّهُ! - فسُرِق المتاعُ، مِن مال مَن يكون؟
قال: من مال صاحب المتاع الَّذي هو في بيته حتَّى يُقَبِّضَ المتاعَ ويُخرِجَه من بيته، فإذا أخرَجَه من بيته فالمُبتاعُ ضامنٌ لحقِّه حتَّى يُرِدَّ ماله إليه»، علىٰ مارواه
1) . راجع: عوالي اللَّالىء، ج 3 ص 212 الحديث 69؛ وحكاه عنه النُّوري قدس سره في مستدرك الوسائل، ج 13 ص 303 الحديث 15430.
2) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 10 ص 113.
3) . راجع: إيضاح تردُّدات الشَّرائع، ج 1 ص 274.
4) . راجع: المهذِّب البارع، ج 2 ص 380.
5) . راجع: غاية المرام، ج 2 ص 39.
6) . راجع: جواهر الكلام، ج 22 ص 242.
الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، وابنُ أبي جمهورٍ قدس سره(3)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(4).
أمَّا السَّند فلاإشكال فيه عندنا، لأنَّه:
أوَّلًا: أنَّ محمَّد بن عبداللَّه بن هلالٍ يُوجَد في طُرُق ابنِقولويه في كامل الزِّيارات 9(5)وكذلك عُقبَةُ بن الخالد(6).
وثانيًا: كِلاهما من مشايخ نوادر الحكمة، وقد وثَّقَهم ابنُالوليد قدس سره، وتلميذُه أبي داود قدس سره، والصَّدوقُ قدس سره(7).
وثالثًا: إنَّ عملَ الأصحاب منجبِرٌ لضعفه - لوثبت الضَّعفُ(8)-.
أمَّا دلالتُها، فتامَّةٌ، حيث لها ظهورٌ كاملٌ في المراد(9).
1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 171 الحديث 12.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 21 الحديث 89.
3) . راجع: عوالي اللَّآلىء، ج 3 س 212 الحديث 70.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 23 الحديث 23056.
5) . روىٰ ابنُقولويه عن محمَّد بن عبداللَّه في موضعين من كتابه، فانظر: كامل الزِّيارات، ص 23 الحديث 2، ثمَّ ص 26 الحديث 5.
6) . روىٰ ابنُقولويه عن عقبة بن خالد في موضعين من كتابه أيضًا، فانظر: كامل الزِّيارات، ص 26 الحديث 5، ثمَّ ص 49 الحديث 14.
7) .
8) . قد أشرنا آنفًا إلى أنَّ مضمون الرِّواية مشهورةٌ بين الأصحاب، بل اُدُّعي ثبوت الإجماع عليه.
9) . هناك احتمالاتٌ ثلاث في المراد من الحكم بأنَّ التَّلف من مال البائع، وقد بحث عنها المحقِّق البجنورديُّ قدس سره؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 80.
وقد تمسَّك بعضُهم(1)بالإجماع المُدَّعىٰ في المقام(2).
لكنَّ الإجماع هيهنا ليس بشيءٍ، لوضوح كونه مقطوع المدركيَّة.
لكنَّه مع ذلك فلسائلٍ أن يأتيَ فيقول: إنَّ بناء العقلاء لايُصدِّقُ المستفادَّ من الحديث، إذ البناء هذا يدلُّ علىٰ أنَّ المال للمُشتري وهو أمانةٌ عند البائع، فيد البائع إذن أمانيٌ، ولاغرامة علىٰ اليد الأمانيِّ. فإذا تلف المال فهو من مال المشتري، لا البائع؛ هذا من ناحيَةٍ؛
ومن ناحيَةٍ أُخرىٰ: إنَّ اشتراطَ عدم القبض في البيع إلَّافي الصَّرَف - كما عن كثيرٍ من الأصحاب، منهم الرِّجالي الكبيرُ ابنُداودٍ الحلِّي قدس سره:
القولُ في الصَّرف بشرط القبضِ *** في مجلسٍ ودونه لايُمضِي(3)-
والسَّلَم(4)والهِبَة - كما عن كثيرٍ من الأصحاب، منهم المرتضىٰ قدس سره حيث قال:
«الهبةُ... والقبضُ شرطٌ في وقوع الَّتمليك فيها»(5)- ونحو ذلك، مسلَّمٌ عند الأصحاب؛ فكيف يُجمَع بين هذين الحكمين؟!.
1) . راجع: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 2 ص 82.
2) . قد أشرنا إلى مأخذه؛ وانظر أيضًا: مجمع الفائدة والبرهان، ج 8 ص 242؛ تذكرة الفقهاء، ج 10 ص 115.
3) . راجع: الجوهرة في نظم التَّبصرة، ص 104.
4) . فانظر: المبسوط، ج 2 ص 122، حيث حكىٰ الشَّيخ قدس سره انعقاد الإجماع علىٰ هذاالحكم بين الأصحاب.
5) . راجع: رسائل الشَّريف المرتضىٰ، ج 4 ص 137.
أضِف إلى ذلك أنَّ ما قال به الأعاظم من أنَّه من باب اِنفساخ العقد آنًا مَّا ورجوع المُبتاع إلى مال البائع ولو بلحظةٍ - كما عن المحقِّق العامليِّ قدس سره(1)، وصاحب الجواهر قدس سره(2)، والمحقِّق الثَّاني قدس سره(3)، والشَّهيد الثَّاني قدس سره(4)، والشَّيخ الأعظم قدس سره(5)، وغيرهم -؛
فهو وإن كان صحيحًا، إلَّاأنَّه يحتاج إلى دليلٍ مفقودٍ في المقام!.
فإذن بعد ثبوت كون الرِّوايتين علىٰ خلاف مقتضىٰ بناء العقلاء، لابدَّ من:
تأويلِهِما،
أو اختصاصهما بما إذا باعَ كلِّيًّا لا جزئيًّا،
أو حَمْلِ الرِّوايَتَين علىٰ ما إذا أَتلَف المال، لاتلف.
وادِّعاء ردعِ بناء العقلاء بمثلِ هذين الحديثَين؛
مشكلٌ جدًّا لايُلتَفَتُ إليها أصلًا!، لقوَّة البناء.
فتأمَّلْ في الباب لعلَّك تجِدُ جوابًا آخر للإشكال.
وما اختاره المحقِّق البجنورديُّ قدس سره مِن أنَّ الأخذ والإعطاءَ عند العقلاء مأخوذان في ماهيَّة العقد المعاوَضيِّ وحقيقته حدوثًا وبقاءً، فإذا سقط العقدُ عن هذه
القابليَّة حدوثًا أو بقاءً فينفَسِخ العقد قهرًا(1)
ضعيفٌ جدًّا!، لأنَّ الدليل هذا عينُ المدَّعىٰ، بل لافرق بينهما أصلًا!؛ ولازم هذا القول اشتراطُ القبض في المعاملات كلِّها، وهو مردودٌ إجماعًا لايقول به أحدٌ إلَّافي الصَّرَف والسَّلَم(2)، وهما أيضًا فيه ما فيه - وتوضيح الكلام في محلِّه -.
وبالجملة إنَّ القبضَ لايُشتَرَط في العقود والإيقاعات إلَّافيما أخرجه دليلٌ - كالهِبَة في العقود، والوقف في الإيقاعات -؛ فالأخذ والإعطاء شرطٌ في المعامَلات المعاوضيَّة حدوثًا، أمَّا كونهما شرطًا فيها بقاءً فليس كذلك؛ ضرورةَ أنَّه بعد ثبوت المعاملة:
إن كانت كلِّيَّةً فالَّثمن ينتقل إلى ذمَّة المشتري كلِّيًّا، وعليه أن يردَّه خارجًا ومصداقًا، أمَّا المُثمَن فينتقل إلى ذمَّة البائع وعليه أن يردُّه مصداقًا أيضًا؛
وأمَّا لو كانت خارجيَّةً فالَّثمن الخارجيُّ ينتقل إلى البائع، والمُثمَن الخارجيُّ ينتقل إلى المشتري؛ فإذا تلف الَّثمن فهو من مال البائع، وإن تلف المبيع فهو من مال المشتري، ضرورة أنَّ التَّلف وقَعَ علىٰ مال المالك ولامعنىٰ لأنْ يُقال: أنَّه تلف من مال غير المالك؛
إلَّا أن يُقال بالخضوع قِبَل المبنىٰ تعبُّدًا، للإجماع وروايات الباب.
وبما ذكرنا ظهر ما في كلام المحقِّق البجنورديِّ قدس سره(3)، حيث تمسَّك ببناء العقلاء في
مساقِّ أدلَّة القاعدة.
وهذا غريبٌ جدًّا!.
وهيهنا تنبيهاتٌ.
هل يمكن التَّجاوز عن لفظة «المَبيع» إلى غيره ممَّا يُتلَف - كتلف الَّثمن، أو تلف وصفٍ من أوصاف المَبيع، أو تلف جزءٍ منه، أو تلف غير المبيع في المعاوَضات، كالهبة المعوَّضة، أو الصُّلح المعوَّض ونحو ذلك -؟.
يظهر من كلمات الأصحاب - ومنها ما ذكره الشَّيخ الأعظم الأنصاريُّ قدس سره(1)، والمحقِّق الأردبيلي قدس سره(2)، والفقيه العاملي قدس سره(3)، وصاحب الرِّياض قدس سره(4)، والسَّيِّد المجاهد قدس سره(5)، والفقيه الشَّيخ مهدي آل كاشف الغطاء قدس سره(6)- الشُّمولُ، خلافًا لقليلٍ منهم، كالفقيه النَّجفيِّ قدس سره(7)
فالقاعدة تشمل غير المبيع من المعَوَّضات.
والعمدةُ في المقام أخذُ مناطٍ جامعٍ في البين بإلغاء الخصوصيَّة عن «المَبيع»، أو بالَّتمسُّك بالإجماع المنعَقَد في كلماتهم.
هذا ما يظهر منهم.
أمَّا علىٰ المختار فلوثبَت الإجماعُ، فهو الحجَّة؛ وإلَّا فتنقيح المناط وإلغاء الخصوصيَّة عن المبيع في غاية الإشكال، سيَّما بناءً علىٰ ما ذهبنا إليه من كون أصل المسألة مخالفًا لعدَّةٍ من القوانين الجارية بين العقلاء، فلاطريق في التَّعدِّي عن المبيع إلى غيره إلَّاالَّتمسُّك بالإجماع؛
وثبوتُه في المقام - سيَّما مُتَمَسِّكًا بأمثال ما نقلوه هيهنا، كنقل الشَّيخ قدس سره أنَّ العلَّامة قدس سره ذهب في التَّذكرة إلى أنَّ التَّجاوز من المُسلَّمات(1)
وانظر أيضًا: تذكرة الفقهاء، ج 10 ص 130.
- دونه خرطُ القتاد!، لأنَّ كون المسألة مسلَّمةً لايدلُّ علىٰ كونها إجماعيًّا، لأنَّ الأوَّل يُشير إلى رأي العلَّامة قدس سره وكونها بديهيًّا في نظره الشَّريف، بينما الثَّاني يُشير إلى ثبوتها عند جميع الأصحاب؛وبينهما بونٌ بعيدٌ(2)
وانظر أيضًا إلى قول الشَّيخ الأعظم قدس سره حيث قال: «بل الظَّاهر أنَّه ممَّا لاخلاف فيه»؛ راجع: كتاب المكاسب، ج 6 ص 278.
!.وعليه فالمختار: أنَّ أصل المسألة - كجميع فروعاتها - مشكلٌ لايمكن الذِّهاب إليه؛ ولوسُلِّم فالحصر في ما يُشير إليه لفظ القاعدة - واللَّفظ مرويٌّ عن النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله - هو الطَّريق الوحيد في المقام، وهو منحصرٌ في «المَبيع» فقط، لا في غيره من المُعوَّضات.
هل نماء المَبيع المُنفَصل عنه قبل التَّلف يُعدُّ للبائع؟، أو للمشتري(1)؟.
فإن قلنا باشتراط الأخذ والإعطاء الخارجيَّيْن في البيع، فالنماء للبائع، لأنَّ المَبيع ملكُه ولم يخرج بَعدُ عن ملكه؛
أمَّا لوقلنا بأنَّ المبيع بمحض إنعقاد البيع ينتقل إلى المشتري وحين التَّلف ينتقل المَبيع آنًا مَّا إلى ملك البائع، فالِّنماء إذن للمشتري، لأنَّه ملكه.
وحيث اخترنا كون المسألة تعبُّديَّةً صرفةً ولامدرك لها غير الإجماع، فالمتاعُ للمشتري؛ لكن لوتلف قبل القبض فهو من مال البائع، فالِّنماء في هذا الفرض أيضًا له.
و هذا هو السِّرُّ في اختلاف الأصحاب في المسألة؛ فانظر إلى ما ذكره العلَّامة قدس سره(2)، وابن قطَّان الحلِّي قدس سره(3)، والمحقِّق الحلِّي قدس سره(4)، والشَّهيد الأوَّل قدس سره(5)،
والمحقِّق الثَّاني قدس سره(1)، والشَّهيد الثَّاني قدس سره(2)، والمقدَّس الأردبيليُّ قدس سره(3)، حيث إنَّهم اختاروا كون الِّنماء للمشتري لا للبائع. واستدلَّ لهم المحقِّق العامليُّ قدس سره بقوله: «لأنَّ التَّلف لايُبطِل البيعَ من أصله، بل يُفسِخه من حينه كما لوانفسخ بخيارٍ»(4).
هل يجوز إسقاط الضَّمان؟، كأنْ يقولَ المشتري للبائع: «إذا تلف المال عندك فهو من مالي، لا من مالك، وليس عليك جبرُه»؛
فيه خلافٌ «منشأه أنَّه هل يصحُّ الإبراء من الأعيان المضمونة قبل القبض؟، أم لا؟»(5).
والمشهور «عدم صحَّة الإبراء وعدم سقوط هذا الضَّمان به، بل الحكم بعد إبراء المشتري باقٍ علىٰ ما كان عليه قبل الإبراء»(6)كما اختار الحكمَ بعدم الإبراء العلَّامة قدس سره(7)، والشَّهيد الأوَّل قدس سرهما(8)، وثاني النَّراقِيَّين قدس سرهما(9).
الأقوىٰ هو الجوازُ، كإسقاط الضَّمان في المضاربة ونحوها.
1) . راجع: جامع المقاصد، ج 4 ص 308.
2) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 243.
3) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 8 ص 520.
4) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 14 ص 712.
5) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 3 ص 222.
6) . راجع: موسوعة الفقه الإسلامي طبقًا لمذهب أهل البيت عليهم السلام، ج 2 ص 408.
7) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 10 ص 133.
8) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 3 ص 212.
9) . راجع: مستند الشِّيعة، ج 14 ص 428.
ولايُعنىٰ به التَّصرُّف في الشَّرع ومقتضاه، بل المُعنىٰ به أنَّه لوتلف المال فالشَّرع وإن وَضَعَ الضَّمان وجعَلَه علىٰ البائع، إلَّاأنَّ للمشتري أن يسقُطَ هذا الضَّمان تعطُّفًا علىٰ البائع، أو بغرضٍ آخر؛ فليس الشَّرط مخالفًا للكتاب القويم أو السُّنَّة المطهَّرة.
فبما قلنا ظهر أنَّه ليس معنىٰ جواز رفع الضَّمان المنعَ عن حصول الاِنفساخ آنًا مًّا، حتَّى يقال: إنَّه أمرٌ قهريٌّ ليس بيد البائع ولابيد المشتري - كما اختاره المحقِّق البجنورديُّ قدس سره(1)وذهب إليه -؛
بل معناه: الإنصراف عن الحقِّ الَّذي جعله الشَّارع له - خلافًا للشَّيخ الأعظم قدس سره(2)-.
نعم! إنَّه يُعَدُّ في عِداد ضمانِ ما لم يجب، وهو لايضُرُّ عندنا، وله نظائر كثيرةٌ في الفقه. وأعلام القوم وإن قالوا ببطلانه وعدم جواز الإلتزام به - كما نصَّ عليه الشَّيخ قدس سره(3)، وابنُبرَّاجٍ قدس سره(4)، وابنُإدريس قدس سره(5)، والمحقِّق الحلِّي قدس سره(6)، والعلَّامة قدس سره(7)، والمحقِّق الثَّاني قدس سره(8)، وصاحب الجواهر قدس سره(9)، وكثيرٌ من الأعلام غيرهم -؛
1) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 2 ص 94.
2) . راجع: كتاب المكاسب، ج 6 ص 271.
3) . راجع: المبسوط، ج 2 ص 326.
4) . راجع: جواهر الفقه، ص 70.
5) . راجع: السرائر الحاوي، ج 2 ص 70.
6) . راجع: شرائع الإسلام، ج 4 ص 241.
7) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 553.
8) . راجع: جامع المقاصد، ج 5 ص 319.
9) . راجع: جواهر الكلام، ج 26 ص 147.
إلَّا أنَّهم لم يلتزموا بهذا القول، فأفتوا بثبوت ضمان ما لم يجب في كثيرٍ من المسائل الفقهيَّة.
لاإشكال(1)في أنَّ يد الوكيل كيد الموكِّل، ويد المولىٰ كيد المُوَلّىٰ عليه؛ فحينئذٍ لوسلَّم البائعُ المتاعَ لوكيل المشتري أو وليِّه فتلف في يدهما، فهو من مال المشتري، لأنَّه تلف بعد التَّسليم والإقباض؛ أمَّا لوأعطىٰ المتاعَ لوكيل نفسه ليُسلِّمه إلى المشتري أو وكيله أو وليِّه، فتلف في يد الوكيل فالمال من ماله والعهدةُ علىٰ البائع، لأنَّ المال لم يُرَد إلى المشتري بعدُ(2).
لوتسامَحَ المشتري في الأخذ بعد إصرار البائع علىٰ القبض والإقباض، فهل التَّالف من مال البائع؟ أو المشتري؟.
فيه وجهان:
مِن: أنَّ التَّلف يرجع إلى تسامح المشتري في القبض، فهو عليه(3)
ومِن: أنَّه تلَفٌ قبل الإقباض، فهو علىٰ البائع.
والأقوىٰ هو الثَّاني، لأنَّ تسامح المشتري أو البائع لايُوجِب ثبوت الضَّمان عليهما؛ إلَّاأن يُقال: إنَّ قاعدة الضَّرر(4)في بعض وجوهها تدلُّ علىٰ ثبوت الجبران
علىٰ البائع.
اشتهر بين الأصحاب: «أنَّ كلَّ مَبيعٍ تلف في زمن الخيار فهو مِن مال مَن لا خيار له»(1)فلوتلف المبيعُ في زمن ثبوت الخيار للمشتري فالتَّالف من مال البائع.
وتمسَّكوا برواياتٍ أورَدَها الشَّيخ الحرُّ قدس سره في الباب الخامس من أبواب الخيارات، وهي ظاهرةٌ في ذلك؛
منها: قوله عليه السلام: «ليس علىٰ الَّذي اشترىٰ ضمانٌ حتَّى يمضي شرطه».
إلَّا أنَّ في الرِّواية الثَّانيَة من نفس الباب ما يدلُّ علىٰ كون المَبيع كأمانةٍ في يد المشتري، ثمَّ بعد أن مضىٰ زمنُ خياره يصير ملكًا له؛ وهو قوله عليه السلام:
«حتَّى ينقضي الشَّرط ويصير المَبيعُ للمشتري».
فالرِّوايات حينئذٍ تُطابِقُ القواعد الجارية في باب المعاملات - كالقاعدة القائلة بأنَّ كلَّ شيءٍ أمانيٍّ في يد الغير فلوتلف فهو من مال صاحبه -.
أمَّا المشهور في لسان الأصحاب من أنَّه لوتلف فهو من مال البائع مع كونه ملكًا للمشتري وثبوت ملكيَّة المشتري عليه، فلوقيل به فهو تعبُّدٌ صرفٌ، ولابد للذِّهاب إليه من القول باِنفساخ العقد آنًا مَّا قبل التَّلف؛
وهو أشدُّ إشكالًا من أصل المبنىٰ!.
وعلىٰ كلِّ حالٍ فلوذهبنا إلى القاعدة - كما هو مختار المشهور - فإذا تعارضَتْ
1) . قد فرغنا عن البحث عن هذه القاعدة وأشرنا إلى مصادر أدلَّتها والأقوال فيها، فلانعيدها في هذا التَّنبيه حذرًا عن التَّكرار؛ فراجع إليها.
هذه القاعدة مع قاعدة «إذا تلف المبيعُ قبل القبض فهو من مال بايعه»؛
فقيل: إنَّ القاعدتين تتعارضان، فتتساقطان، فيُرجَع حينئذٍ إلى كون التَّلف من مال المالك - وهو المشتري(1)-.
لكنَّ الأقوىٰ المختار هو ورود قاعدة «إذا تلف المبيعُ قبل القبض» علىٰ قاعدة «إذا تلف المبيعُ في زمن الخيار...»، لأنَّه إذا تلف المبيعُ فلايبقىٰ موردٌ للخيار أصلًا حتَّى يُقال إنَّه لمَن لا خيار له؛ وهذا واضحٌ.
قال الفقيه الخوانساري قدس سره في تقسيم الأُجرة إلى أقسامٍ ثلاثةٍ وتلفها: «وإن كانت عينًا شخصيَّةً فهي مضمونةٌ إن لم نقل بكون التَّلف موجِبًا للبطلان، كما قيل في تلف العين المستأجرة نظير تلف المبيع قبل القبض»(2).
قال العلَّامة قدس سره في مسألة «لوباع عبدًا بعبدٍ وقبض أحدهما من صاحبه جاز له التَّصرُّف فيه»: «لأنَّ انفساخَ العقد بتلفه قد أُمِن، فإن باعه فتلف العبد الَّذي في يده قبل التَّسليم بطل الأوَّل، لتلف المبيع قبل القبض...»(3).
قال الفقيه الأراكيُّ قدس سره: «إذا تزوَّج الذِّمِّيَّان أو الحربيَّان وجعلا المهرَ خمرًا أو خنزيرًا ثمَّ أسلَما أو أسلَم أحدُهما قبل القبض فهل يُحكَم ببراءة الزَّوج؟ - لأنَّ العين موجودةٌ وإنَّما اُمتُنِع الإقباض والقبض -... أو يُحكَم بضمانه؟ - لأنَّه
عدم اشتراط الأحكام الوضعيَّة بالبلوغ(1).
لايُشترَط العقلُ والبلوغ في الوضعيَّات(2).
عدم شرطيَّة البلوع في الأحكام الوضعيَّة(3).
عدم شرطيَّة البلوع في الأحكام الوضعيَّة غير النَّاشئة من اللَّفظ(1).
قد أشرنا(2)في بيان قاعدة مشروعيَّة عبادات الصَّبيِّ إلى أنَّ الأحكام التَّكليفيَّة بحسب مراتب الإقتضاء والإنشاء والفِعليَّة ثابتةٌ لجميع النَّاس؛
لكنَّها بحسب مرتبة التَّنجُّز لاتتَنَجَّزُ علىٰ الصَّبيِّ، بل لاتتنَجَّز علىٰ الجاهل القاصر، بل المقصِّر منه إلَّاما أخرجه الدَّليل، فضلًا عن المجنون والعاجز وما يُماثِلُهما.
وهكذا في الأحكام الوضعيَّة، فإنَّها ثابتةٌ عليهم إلَّاما أخرجه الدَّليل في مرتبة التَّنجُّز أيضًا. فالصَّبيُّ ينجِّس بملاقاة النَّجس، وكذلك المجنون والنَّائم والعاجز والجاهل قصورًا وتقصيرًا؛ كما وأنَّه إذا وطَأ أو وُطِىء به يصير جُنبًا؛ علىٰ ما نصَّ به الصَّيمُريُّ قدس سره فقال:
«لافرق بين الفاعل والمفعول في وجوب الغسل»(3)، بعد قول المحقِّق قدس سره: «لو وطء غلامًا فأوقبه...»(4)وكذا يُستفاد الحكم ممَّا أتىٰ به القطَّان الحلِّي قدس سره(5)، والعلَّامة قدس سره(6)، والشَّهيد الثَّاني قدس سرهما(7)، وصاحب الجواهر قدس سره(8).
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقِّق المراغيُّ قدس سره؛ راجع: العناوين، ج 2 ص 652.
2) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 180.
3) . راجع: غاية المرام، ج 1 ص 66.
4) . راجع: شرائع الإسلام، ج 1 ص 18.
5) . راجع: معالم الدِّين، ج 1 ص 54.
6) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 6 ص 43.
7) . راجع: مسالك الأفهام، ج 1 ص 50.
8) . راجع: جواهر الكلام، ج 3 ص 35.
كما وأنَّ غيره من المذكورين هيهنا محكومٌ بأحكامٍ ثابتةٍ، بلاتفاوتٍ بين جميع النَّاس في ذلك بين البالغ والعاقل والعالِم والقادر منهم، وبين الصَّبيِّ والمجنون والعاجز والجاهل - قصورًا وتقصيرا - أيضًا منهم.
فلاحدَّ علىٰ الطِّفل والمجنون لوزَنَيا - كما عن القوم بأجمعهم، كالمفيد قدس سره(1)، وسلَّارٍ قدس سره(2)، وابن إدريس قدس سره(3)، والمحقِّق قدس سره(4)، وابن البرَّاج قدس سره(5)، و غيرهم -؛ وهو ثابتٌ علىٰ البالغين العامِلين المختارين
وكذلك في غيرها من الأحكام؛ فلوحاز الصَّبيُّ شيئًا من الموات فهو كالبالغ يملِكُه؛
كما عن المحقِّق اليزديِّ قدس سره(6)، والمحقِّق الأصفهانيِّ قدس سره(7)، والبيارجمنديِّ قدس سره(8)، والفقيه الخوئيِّ قدس سره(9).
كما وأنَّه إذا فوَّت أحدٌ عنه شيئًا فالمُفوِّت ضامنٌ بحسبه له؛
1) . راجع: مسائل العَويص / مصنَّفات الشَّيخ المفيد، ج 6 ص 45.
2) . راجع: المراسم العلويَّة، ص 252.
3) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 3 ص 444.
4) . راجع: نُكت النِّهاية، ج 3 ص 291.
5) . راجع: المهذَّب، ج 2 ص 521.
6) . راجع: حاشيَة المكاسب، ج 1 ص 113.
7) . راجع: حاشيَة المكاسب، ج 2 ص 24.
8) . راجع: مدارك العُروة، ج 1 ص 169.
9) . راجع: مِصباح الفقاهة، ج 3 ص 264.
وكما أنَّ الصَّبيَّ إذا أتلف شيئًا فهو له ضامنٌ - كما قال الشَّهيد الثَّاني قدس سرهما: «وهذه الأحكام ليستْ مشروطةً بالتَّكليف علىٰ المشهور، ومن ثمَّ حكم بضمان الصَّبيِّ والمجنون والسَّفيه ما أتلفوه من المال»(1)، وإليه أشار الفريد الوحيد قدس سره(2)-؛
وإذا أذنب ذنبًا فالوليُّ أو الحاكمُ يعزِّرُه، وإذا قتل نفسًا فعليه الدِّيةُ - كما عن ابن حمزة قدس سره(3)، والشَّيخ قدس سره(4)، وفخر المحقِّقين قدس سره(5)، وغيرهم -.
وبالجملة، جميع الأحكام الوضعيَّة ثابتٌ علىٰ الصَّبيِّ والمجنون والعاجز والجاهل؛ وقد نصَّ عليه المحقِّق القمِّي قدس سره(6)، والشَّيخ الأعظم قدس سره(7)، والمدقِّق القزوينيِّ قدس سره(8)، والشَّيخ عبَّاس آل كاشف الغطاء قدس سره(9)، وغيرهم الكثيرين.
ولاتُشتَرَط في الأحكام الوضعيَّة الشَّرائطُ العامَّة للتَّكليف؛ نعم! خُصِّصَ بعضُ الأحكام الوضعيَّة هيهنا بدليلٍ فخرج عن هذا الحكم، كالقصاص في جنايته علىٰ النَّفس أو علىٰ الأطراف؛ وهذا - كما أشرنا إليه هناك - يختصُّ بالقصاص فقط، حيث إنَّ حديثَ الرَّفع - أي: رُفِعَ القلمُ عن الصَّبيِّ والمجنون والجاهل و... - لايُراد منه إلَّا
1) . راجع: تمهيد القواعد، ص 37.
2) . راجع: حاشيَة مجمع الفائدة، ص 559.
3) . راجع: الوسيلة، ص 431.
4) . راجع: المبسوط، ج 7 ص 264.
5) . راجع: إيضاح الفَوائد، ج 4 ص 752.
6) . راجع: غنائم الأيَّام، ج 5 ص 69.
7) . راجع: كتاب المكاسب، ج 3 ص 278.
8) . راجع: ينابيع الأحكام، ج 2 ص 679.
9) . راجع: منهل الغُمام، ج 1 ص 49.
باب القصاص، إذ القدر المُتَيقَّن منه هو هذا، فعند الشَّكِّ في تعميم الحديث إلى غيره من الأبواب والأحكام يُقتَصَر علىٰ المُتَيَقَّن منه.
وما قلنا من اِختصاصه بهذا الباب، ممَّا قد ضلَّتْ فيه أقدامُ بعض الأعلام، فانظر إلى ما ذكره المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره(1)، والفاضل الأصفهانيُّ قدس سره(2)، والفقيه النَّجفيُّ قدس سره(3)، والشَّيخ الأعظم قدس سره(4)، وغيرهم في المقام ليتَّضح لك جليَّة الحال.
هذا؛ مع أنَّ القصاص أيضًا يُبَدَّلُ بالدِّية هيهنا - أي: في الصَّبيِّ -، من ماله، أو عاقلته، أو بيت المال؛ وذلك لعدم جواز الإهمال في أمر الدَّم، قتلًا أو جنايةً.
وهذا كلُّه من ضروريَّات الفقه، وعليه إجماع الفقهاء؛ بل الضَّرورة عقلًا وشرعًا، حتَّى أنَّ مَن ذهب إلى كون عبادات الصَّبيِّ تمرينيَّةً - بل ذهب إلى أنَّ جميع الأحكام التَّكليفيَّة عليه ليس إلَّاتمرينيًّا - يذهب هيهنا إلى ثبوت الأحكام الوضعيَّة عليه. وهذا يدل علىٰ عدم تماميَّة مختار هذا القائل، وتماميَّة ما اخترناه، من كون الأحكام كلِّها - تكليفيَّةً كانت أو وضعيَّةً، بحسب مراتب الإقتضاء والإنشاء والفعليَّة - عامَّةً شاملةً لجميع النَّاس، حتَّى العاجز والمجنون منهم، فضلًا عن الصَّبيِّ والجاهل؛
إلَّا أنَّ الشَّرائط الَّتي سمَّاها الفقهاء بالشَّرائط العامَّة للتَّكليف تدلُّ علىٰ عدم تنجُّزها عليهم، لعدم كون التَّنجُّز معقولًا حينئذٍ - أي: إذا كان المخاطَبُ بها الصَّبيَّ، أو
المجنونَ، أو الجاهلَ بالحكم، أو العاجز عن الإتيان به -.
ففي مرحلة التَّنجُّز نوافق المشهور؛
أمَّا في غيرها من المراحل فلامانع عقلًا ولاشرعًا لوَضْعِ قلم التَّكليف عليهم، لعدم إحتياج ذلك إلى البلوغ والعقل والقدرة والعلم.
نعم! فيما لايُعقَل تنجُّزُ التَّكليف الوضعيِّ علىٰ هذه الطَّوائف، يُبدَّلُ التَّكليف الوضعيُّ بشيءٍ يُعقَل أن يُحمَلَ عليهم، كتبديل القصاص بالدِّيَة.
فتلخَّص ممَّا ذكرنا: أنَّ الأحكام كلَّها - تكليفيَّةً كانت، أو وضعيَّةً - بحسب العقل والشَّرع عامَّةٌ:
إقتضاءً؛
وإنشاءً؛
وفعليَّةً؛
وتنجُّزًا، إلَّاأنَّ مقام التَّنجُّز لمَّا لم يُعقَل بالنِّسبة إلى الصَّبيِّ والمجنون والعاجز والجاهل، فتُخَصَّصُ بالنِّسبة إليهم، وتَختَصُّ بغيرهم.
هذا كلُّه في الأحكام التَّكليفيَّة(1)
أمَّا الأحكام الوضعيَّة، فلاتخصيص فيها أصلًا، بل هي تعمُّ جميعَ النَّاس من دون تفاوتٍ بينهم أصلًا.
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 173.
بما قلنا ظهر أنَّه يمكن أن يُستدَلَّ في المقام(1):
بإجماع الأصحاب أوَّلًا - وقد أشرنا إليه -؛
وبالسِّيرة الثَّابتة من العقلاء، ولاخلاف في اِنعقادها؛
وتطابق أقوال الفقهاء علىٰ الفروع الرَّاجعة إلى الصَّبيِّ والمجنون و... يدلُّ عليه.
وبروايات الباب(2)أيضًا، وهي مبثوثةٌ في أحكام حيازة المباحاة، وإحياء الموات، وأحكام الذِّبح، وأرباح المكاسب في الخمس وغيرها؛
ولاحاجة إلى تفصيل الكلام فيها بعد أن أشرنا إليها في توضيح مفاد القاعدة.
وانظر أيضًا إلى ما ذكره شُرَّاح عبارته، كالسَّيِّد الحكيم قدس سره(4)، والفقيه الآمليِّ قدس سره(5)، والفقيه السَّيِّد الخوئيِّ قدس سره(6)، والسَّيِّد السَّبزواريِّ قدس سره(7)، وغيرهم(8)
راجع: المُرتقىٰ إلى الفقه الأرقىٰ / كتاب الخمس، ص 258؛
والشَّيخ الإشتهارديِّ قدس سره؛
راجع: مدارك العُروة، ج 23 ص 396؛
والفقيه الشَّيخ الصَّافي قدس سره؛
راجع: ذخيرة العُقبىٰ، ج 10 ص 228؛
والسَّيِّد الخلخاليِّ قدس سره؛
راجع: فقه الشيعة / كتاب الخمس، ج 2 ص 373؛
والسَّيِّد القمِّي؛
راجع: الغاية القصوىٰ / كتاب الخمس، ص 224؛
والشَّيخ الفقيه الفيَّاض؛
راجع: تعليق مبسوطة، ج 7 ص 184.
.1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 4 ص 173.
2) . وقد عبَّر عنها المحقِّق المراغيُّ قدس سره ب «عموم الأدلَّة وعدم وجود المخصِّص»؛ راجع: العناوين، ج 2 ص 660.
3) . راجع: العُروة الوثقىٰ، ج 4 ص 304.
4) . راجع: مستمسك العروة، ج 9 ص 565.
5) . راجع: مِصباح الهُدىٰ، ج 11 ص 158.
6) . راجع: موسوعة الإمام الخوئيِّ قدس سره، ج 25 ص 307.
7) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 11 ص 465.
8) . أقول: كالسَّيِّد الرَّوحانيِّ قدس سره؛
وانظر إلى مقال فخرالمحقِّقين قدس سره(2)، وثاني المحقِّقين قدس سرهما(3)، والفاضل الأصفهانيِّ قدس سره(4)في المقام.
عدم اشتراط بلوغ الذَّابح، فيجوز أن يذبح الصَّبيُّ المميِّز الَّذي يُحسِنُ الذِّبحَ...»(1)، وانظر إلى ما كتبه الشَّيخ الحرُّ قدس سره(2)أيضًا.
«البيِّنة» في اللُّغة: الحجَّة - كما عن المُطَرِّزي(3)-؛ أو: الحجَّة الواضحة - كما عن نِشوان الحِميَري(4)-؛ أو: دلالةٌ واضحةٌ، عقليَّةً كانت أو محسوسةً - كما عن الزَّبيديِّ(5)
-؛ ونصَّ الزَّبيديُّ(1)والرَّاغب(2)علىٰ أنَّ شهادة الشَّاهدين سُمِّيت بيِّنةً.
وقول الصَّاحب إسماعيل: «البيِّنة: البيان»(3)أيضًا يرجع إلى هذا المعنىٰ؛
أو: الشَّهادة من أعلىٰ مصاديق البيان.
أمَّا المراد بالبَّيِّنة هيهنا فهي شهادة عدلَين؛ والمراد بالقاعدة نفسِها هو حجِّيَّة شهادة العدلين في الأحكام والموضوعات.
ويجب هيهنا الإشارة إلى أمرين:
الأمر الأوَّل: سعة حجِّيَّة البيِّنة. وهي - كما أشرنا إليه - تعمُّ الموضوعات فقط(4)، وسنبحث عن هذا آنفًا.
الأمر الثَّاني: للبيِّنة معانٍ أُخر تُراد عند استعمال اللَّفظة في تلك المعاني، وليست هي المنظور هيهنا؛ فتفطَّنْ!.
اُستُدلَّ علىٰ حجِّيَّة القاعدة بالأدلَّة الأربعة. لكن قبل الخوض في ذلك لابدَّ من أن يُبحَثَ عن حجِّيَّة خبر الثِّقة في الموضوعات، إذ لوثبتَتْ حجِّيَّةُ هذا الخبر فالبحث عن دلالة الأدلَّة الأربعة علىٰ المطلوب غير محتاجٍ إليه هيهنا؛ إذ يكفي حجِّيَّته لحجِّيَّة
القاعدة قطعًا، ولانحتاج إذن إلى البحث عن حجِّيَّة البيِّنة؛
لأنَّ البحث عن حجِّيَّة خبر الثِّقة بمنزلة الأصل؛
والبحث عن حجِّيَّة البيِّنة بمنزلة الفرع هيهنا؛
وجعْلُ الفرع مقام الأصل - كما يظهر من الأصحاب - غير جائزٍ قطعًا!.
فنبحث:
أوَّلًا عن حجِّيَّة خبر الثِّقة في الموضوعات؛
ثمَّ نبحث عن حجِّيَّة البَيِّنة ثانيًا.
فنقول: لاإشكال في أنَّ خبر الثِّقة في الموضوعات حجَّةٌ عقلًا، أي: عليها سارَتْ سيرةُ العقلاء طوالَ الدُّهور، كما أنَّه حجَّةٌ في الأحكام بلاإشكالٍ وكلامٍ؛
فسيرةُ الشَّارع أيضًا دارَتْ علىٰ ما دارَتْ عليه سيرةُ العقلاء، فتطابقَتْ السِّيرتان هيهنا.
بل لايبعد القول - تبعًا لكثيرٍ من الأعلام(1)- بأنَّ خبر الثِّقة كالظَّواهر يوجِب اِطمئنان النَّفس؛
فهذا الخبر بمنزلة العلم أو نفسِ العلم في المحاوَرات العُرفيَّة.
ولاتستغرِبْ هذا! فإنَّ جميع القواعد الفقهيَّة - كقاعدة اليد، والسُّوق، وأصالة الصِّحَّة وغيرها - يرجعُ إلى حجِّيَّة خبر الثِّقة؛
كما وأنَّ في كثيرٍ من أبواب الفقه يدورُ الأمرُ مدارَ حجِّيَّته.
1) . أقول: راجع: العروة الوثقىٰ مع تعليقات سماحة الشَّيخ المنتظري، ج 2 ص 822.
وقد يدلُّ عليها كثيرٌ من الأخبار، بل المُتَفَحِّص يجدُ تواترًا معنويًّا في المرويِّ عن الأئمَّة عليهم السلام، كخبر مسعدة بن صدقة عن الصَّادق عليه السلام، الَّذي رواه الشَّيخ قدس سره(1)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(2)، وغيرهما؛
وخبر عبداللَّه بن سليمان عن الصَّادق عليه السلام، الَّذي رواه الكلينيُّ قدس سره(3)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره(4)، وغيرهما؛
وغير هذين الخبرين.
وهو خير شاهدٍ علىٰ حجِّيَّته؛
هذا من ناحيَةٍ.
ومن ناحيَةٍ أُخرىٰ، فإنَّ المُتَفَحِّصَ في تراثنا الرِّوائيِّ يجد تواترًا دالًّا علىٰ اشتراط البيِّنة وخبر العَدلَين في الموضوعات؛
كخبر أبي بصيرٍ عن أبي الحسن عليه السلام، الَّذي رواه الكلينيُّ قدس سره(5)، والشَّيخ قدس سره(6)، وغيرهما.
فهذه الطَّائفة الثَّانيَة لاتُنفي حجِّيَّةَ خبر الثِّقة، بل تنُصُّ علىٰ أنَّ إثبات الموضوع
في الشَّريعة يحتاج إلى الخبر الَّذي يؤيِّده ثِقَتان ويرويانه.
ومع ذلك فإنَّ بين هاتين الطَّائفَتَين من الأخبار تهافتٌ يجب أن يُعالَجَ. وطريقُ العِلاج حملُ الظَّاهر علىٰ النَّصِّ، وهو يقتضي أن يكون اشتراطُ البيِّنة في الموضوعات علىٰ سبيل الإحتياط، لا اللُّزوم والوجوب؛
أو هذا الشَّرط مختصٌّ بمهامِّ الأمور - مثل ما يرجع إلى القضاء والشَّهادات -.
إذا تبيَّن لك هذا، ظهَرَ أنَّه لايجوز تخصيصُ سيرة العقلاء القَطعيَّة بهذه الرِّوايات، بل لايمكن تخصيصُها بها، للزوم حمل السِّيرة إذن علىٰ الفرد النَّادر، لوضوح أنَّ العُرف لاصلةَ له بالأحكام، بل الأحكام تختصُّ بالأديان وأمرها بيد اللَّه - جلَّ وعلا! -؛
بل يلزم من التَّخصيص هذا الرَّدعُ عن السِّيرة؛
فيلزم إذن أن لايكون خبرُ الثِّقة حجَّةً في الأحكام أيضًا!؛
ويلزم منه عدمُ جواز العمل بالأحاديث والأخبار!!.
هذا؛ مع أنَّ الرِّوايات بأجمعها تحتاج إلى تنقيح أسانيدها والبحثِ عن صحَّتها وسُقمِها؛ والسَّندُ يُعدُّ من الموضوعات؛
فلوكُنَّا نحتاج إلى البيِّنة لاِثبات صحَّة السَّند أو سقمه، ليختلُّ نظام الفقه ومدارِكه بأسره.
هذا؛ وقد بحَثنا عن هذا المطلب في بحوثنا في علمَي الرِّجال والدِّراية؛ والتَّفصيل فيه يُطلَب من هناك.
بما أنَّ القاعدة واضحةٌ من ناحيَةٍ، وأصوليَّةٌ من ناحيَةٍ أخرىٰ، فلاتنبيه فيها؛ والحمد للَّه ربِّ العالَمين!.
قال الشَّيخ قدس سره في مسألة إذا كان الوارثُ جماعةً «فأقرَّ اثنان رجلان أو رجلٌ أو امرأتان بنسبٍ وكانوا عدولًا، يثبت النَّسب، ويقاسمهم الميراثُ»(1).
وقال صاحب الشَّرائع قدس سره في نفس المسألة: «إذا أقرَّ ولدُ الميِّت بولدٍ له آخر فأقرَّا بثالثٍ، ثبت نسب الثَّالث إن كانا عدلين»(2).
قال القاضي ابنُالبَّراج قدس سره في مسألة ادِّعاء ردِّ الرَّهن والعين المستأجَّرة:
«إذا ادَّعىٰ المرتهِن ردَّ الرَّهن علىٰ الرَّاهن لم يُقبَل قولُه، إلَّاببيِّنةٍ، وكذلك المستأجر إذا ادَّعىٰ ردَّ العين المستأجَرة علىٰ صاحبها لم يُقبَل قوله، إلَّاببيِّنةٍ»(3).
والمراد من القاعدة: ما بيَّنه المحقِّق ثاني النَّراقيَّين قدس سرهما في بيان «حكم الظَّنِّ بأنْ يتردَّد ذهنُه بين أمرين وكان أحدُهما راجحًا عنده»(1)، بقوله: «وحكمُه البناءُ علىٰ الظَّنِّ بمعنىٰ جعل الواقع ما ظنَّه، من غير احتياطٍ، وتقدير الصَّلاة كأنَّها وقعتْ علىٰ هذا الوجه، سواءٌ اقتضىٰ الصِّحَّة أو الفَساد، فإن ظنَّ الأقلَّ بنىٰ عليه، وإن ظنَّ الأكثر...»(2).
ولبيان معنىٰ الظَّنِّ المعتبر في الصَّلاة راجع إلى ما ذكره الفقيه ابنُفهدٍ الحلِّي قدس سره(1).
ثمَّ إنَّ مِن البيِّن بين الأُصوليِّين عدم حجيَّة الظَّنِّ إلَّاما أخرجه الدَّليلُ، لأنَّ الشَّكَّ في حجِّيَّة شيءٍ يساوق عدمَ حجِّيَّته؛ فلوشُكَّ في حجِّيَّة الظَّنِّ فلامناص من القول بعدم حجِّيَّته إلَّاأن يدُلَّ عليها دليلٌ؛
ولذلك يقال: إنَّ اليقين حجَّةٌ لأنَّه نورٌ مساوقٌ للحجيَّة نفسِها؛ والأمارات - كالظَّواهر، وخبر الثِّقة - حجَّةٌ لاِثبات حجِّيَّتها بدليلٍ خاصٍّ - وهو بناءُ العقلاء منضَمًّا إلى إمضاء الشَّارع هذا البناء، ولوبعدم الرَّدع عنه -؛
أمَّا ما هو نظير الظَّنِّ في الصَّلوة فليس بحجَّةٍ لوخُلِّي وطبعُه؛ فلابدَّ من اِلتماس دليلٍ لحجِّيَّته.
واستدلُّوا هيهنا لحجِّيَّة الظَّنِّ في الصَّلوة بأدلَّةٍ؛
منها: ما اشتهر بين الأصحاب بل ادَّعىٰ غيرٍ واحد منهم ثبوتَ الإجماع علىٰ حجِّيَّته فيها مطلقًا(2)
وسنرجع إلى هذا المطلب ثانيًا.
، في جميع الرَّكعات، كما صرَّح به المحقِّق الأردبيليُّ قدس سره(3)، وجعلهبعضهم - كصاحب الذَّخيرة قدس سره(1)، والبحرانيِّ قدس سره(2)، والفقيه السَّيِّد عليٍّ الطَّباطبائي قدس سره(3)- مشهورًا بين الأصحاب؛
ونقَل بعضُهم الإجماعَ والشُّهرةَ معًا في المقام(4)- أولَيَين كانتا، أو أخيرَتَين -؛ كما عن المحقِّق اليزديِّ قدس سره: «الظَّنُّ المتَعَلَّق بالرَّكعات في حكم اليقين، من غير فرقٍ بين الرَّكعتين الأوَّلَتَين والأخيرتين»(5). وانظر إلى ما ذكره شرَّاحه والمعلِّقون عليه، كالسَّيِّد الحكيم قدس سره(6)، والسَّيِّد الخوئي قدس سره(7)، والسَّيِّد السَّبزواري قدس سره(8)
أقول: وانظر أيضًا إلى ما ذكره بعضُ كبار معاصرينا في المقام، كالاشتهارديِّ، والفيَّاض؛
راجع: مدارك العروة، ج 18 ص 125؛ تعاليق مبسوطة، ج 4 ص 191.
. وانظر أيضًا إلى قول شيخ الشَّريعة في المقام(9).بل وفي الأفعال(10)أيضًا.
1) . راجع: ذخيرة المعاد، ص 368.
2) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 206.
3) . راجع: رياض المسائل، ج 1 ص 217 - الطَّبعة الحجريَّة القديمة -.
4) . راجع: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 7 ص 590.
5) . راجع: العروة الوثقىٰ، ج 2 ص 56.
6) . راجع: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 7 ص 589.
7) . راجع: موسوعة الإمام الخوئي قدس سره، ج 19 ص 95.
8) . راجع: مهذِّب الأحكام، ج 8 ص 396.
9) . راجع: أحكام الشَّريعة، ص 166.
10) . خلافًا للسَّيِّد صاحب العروة قدس سره وجملةٍ من شرَّاحه والمعلِّقين عليه. فانظر إلى المصادر الَّتي ذكرناها في التَّعليقة السَّالفة أعلاه.
كما وقد استدلُّوا برواياتٍ كثيرةٍ أوردها صاحب الوسائل قدس سره في أبوابٍ عدَّةٍ من مباحث الخلل الواقعة في الصَّلوة؛
منها: ما رواه صَفوان: «إن كنتَ لاتدري كَم صلَّيتَ ولم يقَع وهمُك علىٰ شيءٍ فأَعِد الصَّلوةَ»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والمحدِّث الفيض قدس سره(3)، والمحدِّث الحرُّ قدس سره(4)، وغيرهم؛
بسندٍ صحيحٍ، كما صحَّحه الأردبيليُّ قدس سره(5)، والفيض قدس سره(6)، وشيخ الشَّريعة الأصفهاني قدس سره(7)، والفقيه المحقِّق الخوئيُّ قدس سره(8)، وغيرهم.
ومنها: ما رواه عبدالرَّحمن بن سيَّابة: «إذا لم تَدرِ ثلاثًا صلَّيتَ أو أربعًا ووقَعَ رأيُك علىٰ الثَّلاثِ فابْنِ علىٰ الثَّلاث، وإن وقع رأيُك علىٰ الأربع فسَلِّم وانصَرِف، وإن اعتَدَل وهمُك فانصَرِف وصَلِّ ركعتَين وأنت جالسٌ»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(9)،
1) . راجع: الكافي، ج 3 ص 358 الحديث 1.
2) . راجع: الاستبصار، ج 1 ص 373 الحديث 1419.
3) . راجع: الوافي، ج 8 ص 989 الحديث 7565.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 225 الحديث 10489.
5) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 3 ص 99.
6) . راجع: معتصم الشِّيعة، ج 3 ص 242.
7) . راجع: كتاب الصَّلاة، ص 200.
8) . راجع: موسوعة الإمام الخوئي قدس سره، ج 18 ص 219.
9) . راجع: الكافي، ج 3 ص 353 الحديث 7.
والشَّيخ قدس سره(1)، والشَّيخ الحرَّ قدس سره(2)، وغيرهم؛
بسندٍ صحيحٍ، كما صحَّحه الأردبيليُّ قدس سره(3)، والفريد البهبهانيُّ قدس سره(4)، والفقيه الخوانساريُّ قدس سره(5)، وغيرهم.
أمَّا العلَّامة المجلسي قدس سره فوثَّقه مرَّةً(6)، ووجعله موثَّقًا كالصَّحيح أخرىٰ(7).
ومنها: صحيحةُ الحلبيِّ - كما صحَّحه النراقي الثَّاني قدس سرهما(8)، والسَّيِّد اليزدي قدس سره صاحب العروة(9)، وغيرهما،
أمَّا المجلسيُّ قدس سره فقد حسَّنَه في المرآة(10)والملاذِّ(11)-: «... وإن كنتَ لاتدري ثلاثًا صلَّيتَ أم أربعًا ولم يذهَبْ وهمُك إلى شيءٍ فسَلِّم ثمَّ صَلِّ ركعتين وأنت جالسٌ ...»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(12)، والفيض قدس سره(13)، والحرُّ قدس سره(14)، وغيرهم.
1) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 2 ص 184 الحديث 733.
2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 211 الحديث 10448.
3) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 3 ص 127.
4) . راجع: مصابيح الظُّلام، ج 9 ص 241.
5) . راجع: جامع المدارك، ج 1 ص 446.
6) . راجع: مرآة العقول، ج 15 ص 197.
7) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 4 ص 123.
8) . راجع: مستند الشِّيعة، ج 7 ص 143.
9) . راجع: رسالةٌ في حكم الظَّنِّ في الصَّلاة، ص 5.
10) . راجع: مرآة العقول، ج 15 ص 143.
11) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 4 ص 121.
12) . راجع: الكافي، ج 3 ص 353 الحديث 8.
13) . راجع: الوافي، ج 8 ص 982 الحديث 7545.
14) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 217 الحديث 10464.
فدلالة هذه الطَّائفة من الرِّوايات - بعد صحَّة سندها - علىٰ حجِّيَّة الظَّنِّ في الرَّكعات الأخيرَتين لاإشكال فيها؛
ولا وجه للقيل والقال فيها، فالإعراض عمَّا ربَّما يُورَد علىٰ هذه الطَّائفة أجدَرُ وأولىٰ من الخوض فيه(1)
ثمَّ أخذ علىٰ الفقيه صاحب العروة قدس سره بما هو أغرب من قوله الأوَّل!!؛ راجع: أحكام الصَّلاة - له -، ص 165.
.واستُدِلَّ بغير هذه الأدلَّة؛ كالشَّهيد قدس سره(2)حيث ذهب إلى أنَّ دفعَ العُسر هو السَّبب في حجِّيَّة الظَّنِّ في المقام.
وفيه ما لايخفىٰ!، قال النَّراقيُّ قدس سره: «إذ لاعُسر إلَّامع الكثرة، ومعها يرتفع حكم الشَّكِّ»(3).
وفقهاء العامَّة أيضًا ذهبوا إلى حجِّيَّة الظَّنِّ في الصَّلوة، واستدلُّوا بما روَوه عن النَّبيِّ الأكرم صلى الله عليه و آله أنَّه قال: «إذا شَكَّ أحدُكم في الصَّلوة فليَنظُر أيَّ ذلك أحرىٰ إلى الصَّواب، فليَبْنِ عليه»؛ كما رواه مسلمٌ(4)، وابنُماجة(5)، والبيهقيُّ(6).
1) . كمناقشةٍ للعلَّامة شيخ الشَّريعة الأصفهاني قدس سره في المراد من قوله صلى الله عليه و آله - فيما يأتي بعد سطورٍ -: «فليَتَحَرَّ»؛ حيث اختار ما هو بعيدٌ عن الحديث!،
2) . راجع: ذكرىٰ الشِّيعة، ص 222 - الطَّبعة الحجريَّة القديمة -.
3) . راجع: مستند الشِّيعة، ج 7 ص 181.
4) . راجع: صحيح مسلم، ج 1 ص 400 الحديث 572.
5) . راجع: سنن ابن ماجة، ج 1 ص 380 الحديث 1205.
6) . راجع: السُّنن الكبرىٰ، ج 2 ص 341.
واستدلُّوا - أيضًا - بما رُوِي عنه صلى الله عليه و آله أنَّه قال: «إذا شكَّ أحدُكم في الصَّلاة فليتحَرَّ الصَّواب»؛ فيما رواه ابنُماجة(1)، والدَّارقُطني عليها السلام(2)، ورواه عنهم الشَّيخ(3)أيضًا.
وكيف كان فدلالة الرِّوايات والإجماع علىٰ المطلوب واضحةٌ؛ وإن كان الإجماع هنا ظاهرًا في كونه مدركيًّا.
بل يمكن ردُّ هذا الإجماع بنصوص الأصحاب القائلين بتخصيص الحكم بالرَّكعتين الأخيرَتين فقط، كما عن ابن إدريسٍ قدس سره(4)، والكلينيِّ قدس سره(5)، والصَّدوق قدس سره(6)، والمفيد قدس سره(7)، والشَّيخ قدس سره في نهايته(8)، ومبسوطه(9)، وخلافه(10)، والعلَّامة قدس سره(11)، والمحقِّق قدس سره(12)، والبحرانيِّ قدس سره(13)بل عن غيرهم التَّردُّد في
1) . راجع: سنن ابن ماجة، ج 1 ص 383 الحديث 1212.
2) . راجع: سنن الدَّارقطني، ج 1 ص 364 الحديث 1394.
3) . راجع: كتاب الخلاف، ج 1 ص 450.
4) . راجع: السرائر الحاوي، ج 1 ص 245.
5) . راجع: الكافي، ج 3 ص 359.
6) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 1 ص 225.
7) . راجع: المقنعة، ص 145.
8) . راجع: النِّهاية، ص 90.
9) . راجع: المبسوط، ج 1 ص 121.
10) . راجع: كتاب الخلاف، ج 1 ص 447.
11) . راجع: منتهىٰ المطلب، ج 1 ص 410.
12) . راجع: المختصر النَّافع، ص 44.
13) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 208.
الحكم، كما عن الأردبيليِّ قدس سره(1)، وصاحب الذَّخيرة قدس سره(2)، والمحقِّق السَّبزواريِّ قدس سره(3).
وكيف كان فإنَّ هذا الإجماع لايخلو عن شيءٍ:
لعدم ثبوته أوَّلًا؛
ولكونه مقطوع المدركيَّة علىٰ فرض ثبوته ثانيًا.
وهيهنا نكتٌ هامَّةٌ نأتي بها في تنبيهاتٍ.
هل الظَّنُّ في الرَّكعتين الأولَيَين أيضًا حجَّةٌ؟، أم لا(4)؟.
فيه وجهان، بل قولان، من:
أنَّه يجب الجَزم فيهما ولايجري فيهما الشَّكُّ - كما في الرِّوايات الكثيرة النَّاصَّة علىٰ أنَّ الجزمَ شرطٌ فيهما؛ كما اختاره الوحيد الفريدُ قدس سره(5)، وابنُإدريسٍ قدس سره(6)،
والبحرانيُّ قدس سره(1)-؛
ومِن أنَّ رواية صفوان والنَّبويَّ المَرويَّ بطرق أهل السُّنَّة والجماعة - المُشارإليه آنفًا - يشملان الأولَيَين أيضًا؛ كما عن السَّيِّد الأستاذ الفقيه البروجرديِّ قدس سره(2)، والسَّيِّد الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره(3)، وغيرهما.
والأقوىٰ وِفقًا للمشهور(4)هو الشُّمول؛ أمَّا الرِّوايات المشيرة إلى أنَّه لاشكَّ فيهما؛ كقول مولانا أبي جعفرٍ الباقر عليه السلام: «كان الَّذي فرض اللَّهُ علىٰ العباد من الصَّلاة عشر ركعاتٍ، وفيهن القراءة وليس فيهنَّ وهمٌ يعني سهوًا، فزاد رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله ربعًا وفيهنَّ الوهم وليس فيهنَّ قراءةٌ»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(5)، والحرُّ قدس سره(6)، وغيرهما.
فهي محكومةٌ بأمثال هاتين الرِّوايَتَين(7).
1) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 207.
2) . راجع: نهاية التَّقرير، ج 2 ص 481.
3) . راجع: وسيلة النِّجاة مع حواشي الإمام الخميني قدس سره، ص 188 هامش الرَّقم 2؛ زبدة الأحكام، ص 70.
4) . ثبوت الشُّهرة في جانب هذا القول واضحٌ، وقد نصَّ عليه المحقِّق الفقيه الخوئيُّ قدس سره؛ راجع: موسوعة الإمام الخوئي، ج 18 ص 221.
5) . راجع: الكافي، ج 3 ص 272 الحديث 2.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 6 ص 124 الحديث 7541.
7) . وفاقًا للمحقِّق الفقيه السَّيِّد الخوئي قدس سره، راجع: موسوعة الإمام الخوئي، ج 18 ص 222.
هل سعة الرِّوايات تشمل الأفعال أيضًا؟، أم تشمل الرَّكعات فقط؟.
هيهنا وجهان، من:
أنَّ الرِّوايات غير النَّبويِّ المذكور تختصُّ بالرَّكعات، فلادليل علىٰ حجِّيَّة الظَّنِّ في الأفعال؛
ومِن أنَّ النَّبويَّ شاملٌ للأفعال أيضًا، وضعفُه منجَبَرٌ بعمل الأصحاب؛
أو شمول الحكم للأفعال أيضًا مطلقًا، من غير استناده إلى النَّبويِّ المشار إليه، كما عن ثاني الشَّهيدين قدس سرهما في حاشيَة الألفيَّة(1)، وروض الجنان(2)، والمسالك(3)، والبحرانيِّ قدس سره(4)، وصاحب الجواهر قدس سره(5)
بل ادَّعىٰ الشَّيخ يوسف آل عصفور قدس سره وفاقَ جمهور الأصحاب علىٰ ذلك(6)كما وادَّعىٰ الشَّيخ الأعظم قدس سره حكايةَ الإجماع علىٰ ذلك(7)
وفيه:
أوَّلًا: لم يثبت اتِّفاق الأصحاب علىٰ هذا المبنىٰ بحيث تكون الشُّهرة جابرةً لضعف سنده؛
1) . راجع: الحاشيَة الثَّانيَة علىٰ الألفيَّة، ص 600.
2) . راجع: روض الجنان، ص 341 - الطَّبعة الحجريَّة -.
3) . راجع: مسالك الأفهام، ج 1 ص 295.
4) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 206.
5) . راجع: جواهر الكلام، ج 12 ص 369.
6) . راجع: شرح الرِّسالة الصَّلاتيَّة، ص 94.
7) . راجع: كتاب الصَّلاة، ج 2 ص 233.
كما وانَّه لايمكن القول بجبر ضعف سندهما بعمل الأصحاب أيضًا، لعدم العلم باستنادهم بهما في الحكم، كما عن السَّيِّد الحكيم قدس سره(1).
وثانيًا: إنَّهم تمسَّكوا بوجوهٍ اِستحسانيَّةٍ، ثمَّ تمسَّكوا بالنَّبويِّ تأييدًا لِمَا استحسنوه؛ فهو عندهم دليلٌ بعد دليلٍ، لا دليلًا بحياله واستقلاله.
كما أنَّهم قد تمسَّكوا بجملةٍ من هذه الوجوه الاِستحسانيَّة للذِّهاب إلى شمول الرِّوايات للظَّنِّ في الأفعال أيضًا؛ وعمدتها(2):
أوَّلًا: الأولويَّة القطعيَّة - كما أشار إلى الدَّليل الشَّيخ احمد بن صالحٍ البحرانيُّ قدس سره(3)-؛
بتقريب: أنَّه لوكان الظَّنُّ في الرَّكعات حجَّةً - ولاخلاف في حجِّيَّته فيها - فهو بطريقٍ أولىٰ حجَّةٌ في الأفعال أيضًا.
وفيه: إنَّه صرف اِستحسانٍ لايصل به الظَّنُّ إلى حدِّ الحجِّيَّة، إذ ليست الظُّنون حجَّةً إلَّاعند وصولها إلى حدِّ اليقين؛ وبما أنَّ هذا الظَّنَّ لم يصل إلى هذا الحدِّ، فليس بحجَّةٍ قطعًا(4).
وثانيًا: إلغاء الخصوصيَّة - كما أشار إليه سيِّدنا الأستاذ البروجرديُّ قدس سره(5)-؛
1) . راجع: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 7 ص 590.
2) . وانظر: القواعد الفقهيَّة - للمحقِّق البجنورديِّ قدس سره -، ج 2 ص 272 فما بعدها.
3) . راجع: الرَّسائل الأحمديَّة، ج 2 ص 251.
4) . وانظر: خلل الصَّلاة وأحكامه - للمحقِّق الفقيه الحائريِّ ابن الشَّيخ المؤسِّس 0 -، ص 412.
5) . راجع: تبيان الصَّلاة، ج 8 ص 192.
بتقريب: أنْ لاخصوصيَّة في الرَّكعات، فإذا كان الظَّنُّ حجَّةً فيها ولاخصوصيَّة لها بخصوصها، فبإلغاء الخصوصيَّة نقول: إنَّه حجَّةٌ في الأفعال أيضًا، نفس ما نذهب إليه في قوله عليه السلام مخاطِبًا الرِّجال: «إذا شَكَّ بين الثَّلاث والأربع فابنِ علىٰ الأربع»(1)، من إلغاء الخصوصيَّة عن الرَّجل وتعميم الحكم إلى المرأة أيضًا.
وفيه: إنَّه - أيضًا - ظنِّيٌّ والظَّنُّ ليس بحجَّةٍ، فلايمكن إعطاء الحجِّيَّة للظَّنِّ بالظَّنِّ!.
وذلك لأنَّ إلغاء الخصوصيَّة من الرَّكعة - المذكورة في نصِّ الحديث - وتسرية الحكم منها إلى الأفعال مشكلٌ جدًّا!، بل لا دليل عليه إلَّاهذه الاِستحسانات الَّتي لاأصل لها أصلًا.
وثالثًا: إنَّ بين القول بحجِّيَّة الظَّنِّ في الرَّكعة وبين عدم حجِّيَّته في أجزائها نحو تهافتٍ وتناقضٍ، لأنَّ الرَّكعة ليستْ شيئًا غير الأجزاء والأجزاءُ نفسُ الأفعال؛ فلايمكن الفصل بين الفعل والركعة أصلًا(2).
وفيه: إنَّ الفرق بينهما واضحٌ، إذ الرَّكعة هي الأجزاء بشرط الاِجتماع، بخلاف الأجزاء الَّتي لايُشتَرط فيها اجتماع الأجزاء معًا؛
هذا من ناحيَةٍ؛
ومن ناحيَةٍ أُخرىٰ: فإنَّ العُرف يرىٰ تبايُنًا بين الأجزاء والرَّكعة، بحيث لايمكن له حملُ كلِّ واحدٍ منهما علىٰ الآخر؛
ولذلك قد ثبتَتْ في الشَّريعة الغرَّاء لكلٍّ منهما أحكامٌ غير ما هو ثابتٌ للآخر.
رابعًا: إنَّ العلَّة المستنبَطة من الرِّوايات - وهي حجِّيَّة الظَّنِّ في الرَّكعات تسهيلًا للأمر ورحمةً علىٰ الأُمَّة - سيَّان في الرَّكعات والأفعال أيضًا؛ بل يظهر من رواياتٍ أُخَر حجِّيَّة المظَنَّة في مطلق ما تُطلَق عليه الصَّلوة - كالرِّوايات الواردة في الشُّكوك الَّتي لااعتبار بها، كالشَّكِّ الَّذي عَرَضَ للإمام والمأموم معًا في آنٍ واحدٍ(1)-؛
وهذا هو دليلٌ حسنٌ تطمئِنُّ به النَّفس؛ ويؤيِّدُه:
الشهرةُ أوَّلًا؛
والنَّبويُّ المُشارإليه أعلاه ثانيًا؛
والاِستحساناتُ المشارإليها آنفًا ثالثًا.
فبهذا الدَّليل يمكن الذِّهاب إلى حجِّيَّة الظَّنِّ في الأفعال كحجِّيَّته في الرَّكعات.
القاعدة هي من القواعد الَّتي تجري في بابٍ واحدٍ من ابواب الفقه - وهي باب الصَّلاة -؛ وقد أشرنا إلى أقوال القوم فيها، فلانذكر لها أمثلةً.
نعم! راجع أيضًا إلى ما ذكره ابن بابويه قدس سره(2)، ومفيد الأمَّة قدس سره(3)، وثاني
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره السَّيِّد الطباطبائيُّ قدس سره - راجع: رياض المَسائل، ج 5 ص 527 -؛ والشَّيخ الفقيه الكاشانيُّ قدس سره - راجع: منتقد المنافع، ج 2 ص 286 -.
2) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقِّق البجنورديُّ قدس سره - راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 249 -؛ ومؤلِّفوا الموسوعة - راجع: موسوعة الفقه الإسلامي طبقًا لمذهب أهل البيت عليهم السلام، ج 3 ص 38 -.
3) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقِّق البحرانيُّ قدس سره - راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 2 ص 350 -؛ والشَّيخ المراغيُّ قدس سره - راجع: العناوينُ الفقهيَّة، ج 1 ص 549 -؛ والفقيه الخوانساريُّ قدس سره - راجع: مشارق الشُّموس، ج 2 ص 224 -.
لاتُبطِلُوا أَعمٰالَكُمْ(1).
المشهور بين الأصحاب حرمةُ إبطال الواجبات من غير عُذرٍ(2).
اُستُدلَّ علىٰ القاعدة بأدلَّةٍ.
فمن الكتاب العزيز بقوله - تعالى! -: «أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ»(3)قال المحقِّق المراغيُّ قدس سره في وجه الاِستدلال به: «فإنَّ الجمعَ المضافَ مفيدٌ للعموم عند عدم العهد، والنَّهيَ ظاهرٌ في التَّحريم»(4). وفيه: إنَّ الآية الكريمة لاتدلُّ علىٰ أزيدَ من الحبط؛ بتقريب: إنَّ مخالفة اللَّه والرَّسول صلى الله عليه و آله تُوجِب حبطَ الأعمال؛ فبعض المخالفات الهامَّة - مثل ما وقع في سقيفة بني ساعدة - يوجب حبطَ عمل المسلمين في الدُّنيا والآخرة؛ خلافًا للمحقِّق
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقِّق قدس سره - راجع: المعتبر، ج 1 ص 400 -؛ والشَّيخ النَّراقي الثَّاني 0 - راجع: عوائد الأيَّام، ص 427 -؛ والشَّيخ الفقيه الكاشانيُّ قدس سره - راجع: تسهيل المسالك، ص 5 -.
2) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 251.
3) . كريمة 33 محمَّد.
4) . راجع: العناوينُ الفقهيَّة، ج 1 ص 550.
المراغي قدس سره حيث أنكر الهَبطَ بهذا المعنىٰ رأسًا(1).
هذا؛ وعن الشَّيخ قدس سره بعد ذكر الآية: «بأنْ توقعوها علىٰ خلاف الوجه المأمور به، فيبطل ثوابكم عليها وتستحقُّون العقابَ»(2)فقوله أجنبيٌّ عما استدَلَّ له بها الفقهاءُ. وكذا قول الطَّبرسيِّ قدس سره(3). وقد أشار سيِّدُنا الأستاذ قدس سره إلى قول الفقهاء فيها في تفسيره، لكنَّه نصَّ علىٰ أنَّه خلاف السِّياق المستفادِ من هذه الجملة من الآيات المباركات(4)ولم يبحث عنها الرَّاونديُّ قدس سره، ولا الفاضل المقداد قدس سره، ولا الفاضل الأردبيليُّ قدس سره. نعم! أشار ابنُالعربي إلى قولهم فيها(5)، والجصَّاصُ قدس سره(6)، والكياهراسي قدس سره(7)، والقرطبيُّ قدس سره(8).
وعلىٰ كلٍّ فإنَّ الآية لاتدلُّ علىٰ المقصود. خلافًا لمن استدَلَّ بها لحرمة قطع العبادات وإبطالها، كالمحقِّق قدس سره(9)، والعلَّامة قدس سره(10)، وفي تذكرته(11)، ومختَلَفه(12)،
1) . راجع: العناوينُ الفقهيَّة، ج 1 ص 552.
2) . راجع: التِّبيان، ج 9 ص 308.
3) . راجع: مجمع البيان، ج 9 ص 162.
4) . راجع: الميزان، ج 18 ص 247.
5) . راجع: أحكام القرآن، ج 4 ص 1704.
6) . راجع: أحكام القرآن، ج 5 ص 272.
7) . راجع: أحكام القرآن، ج 4 ص 375.
8) . راجع: الجامع لأحكام القرآن، ج 16 ص 255.
9) . راجع: المُعتبر، ج 1 ص 400.
10) . راجع: أحوبة المسائل المُهنَّائيَّة، ص 77.
11) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 2 ص 210.
12) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 1 ص 377.
وفخر المحقِّقين قدس سره(1)، والشَّهيد قدس سره(2)، وفي غيره أيضًا(3)، والمقداد قدس سره(4)، وابنِفهدٍ قدس سره(5)، والصَّيمُريِّ قدس سره(6)، وثاني المحقِّقَين قدس سرهما(7)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما في روضه(8)، ومسالكه(9)، وغيرهم الكثيرين أيضًا.
ومن الإجماع بأنَّه من المسلَّمات في الإسلام. كما وأنَّ الفاضل الأصفهانيَّ قدس سره قال بعد ذكر الكريمة السَّالف ذكرُها: «والظَّاهرُ الإتِّفاقُ عليه»(10)وقال المحقِّق السَّبزواريُّ قدس سره في مسألة تحريم قطع الصَّلاة: «ولا أعلمُ خلافًا فيه بينهم»(11)وعن الفيض قدس سره: «بلاخلافٍ»(12)وحكىٰ المحقِّق البجنورديُّ عن شارحِه قدس سرهما:
«أنَّه من
1) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 4 ص 100.
2) . راجع: ذكرىٰ الشِّيعة، ج 2 ص 397.
3) . راجع: غاية المراد، ج 1 ص 359.
4) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 1 ص 403.
5) . راجع: المهذِّب البارع، ج 1 ص 214.
6) . راجع: غاية المَرام، ج 1 ص 121.
7) . راجع: جامع المقاصد، ج 1 ص 508.
8) . راجع: روض الجنان، ج 2 ص 903.
9) . راجع: مسالك الأفهام، ج 2 ص 395.
10) . راجع: كشف اللِّثام، ج 4 ص 184.
11) . راجع: كفاية الفقه، ج 1 ص 115.
12) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 1 ص 169.
بديهيَّات الدِّين»(1).
وفيه: إنَّ الإجماع هذا محتَمَل المدرك، بل مقطوع المدرك!؛ وسيأتي البحث في مدركه.
ومن السُّنَّة برواياتٍ؛
كقول أميرالمؤمنين عليٍّ عليه السلام: «تحريمُها التَّكبيرُ وتحليلُها التَّسليمُ»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(2)، والصَّدوق قدس سره(3)، والفيض قدس سره(4)، والشَّيخ الحُرُّ قدس سره(5)وغيرهم. و «السَّند وإن كان ضعيفًا لكن الكلينيُّ والصَّدوقُ حكما بصحَّته»، ذكره أوَّل المجلسيَّين قدس سرهما(6)ولذلك حكم في كتابه الآخر بأنَّه ضعيفٌ باصطلاح المتأخِّرين، لا المُتَقدِّمين(7). وكيف كان فإنَّ مضمونَه يشهد بصحَّته وإن لم يُصحِّحه - فيما أعلمُ - أحدٌ من أصحابنا.
نعم! ذكره التِّرمِذيُّ فصحَّحه(8)، وذكره غيرُه من أعلام العامَّة، كأحمد(9).
1) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 252.
2) . راجع: الكافي، ج 3 ص 69 الحديث 2.
3) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 1 ص 33 الحديث 68.
4) . راجع: الوافي، ج 6 ص 365 الحديث 4475.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 1 ص 366 الحديث 963.
6) . راجع: روضَة المتَّقين، ج 1 ص 125.
7) . راجع: لوامع صاحبقرانى، ج 1 ص 352.
8) . راجع: سُنن التِّرمِذي / كتاب الطَّهارة / باب ما جاء أنَّ مفتاح الصَّلاة الطَّهور، الحديث 3.
9) . راجع: مسند احمد، ج 1 ص 129.
ولكن رُدَّ عليه بأنَّه في بيان حكمٍ وضعيٍّ(1).
فإذن قال بعضُهم بأنَّه لادليل علىٰ القاعدة إلَّاالإجماع، والإجماع دليلٌ لُبِّيٌّ، والقدر المُتَيقَّن منه هو قطع الصَّلاة بلاعُذرٍ.
ولكنَّ الأمر ليس كما ظنَّ هذا القائلُ!، لأنَّه قد وردَتْ رواياتٌ كثيرةٌ في أبوابٍ مختلفةٍ من الفقه تدلُّ علىٰ حرمة قطع الواجبات وإبطالها؛ كرواياتٍ تدلُّ علىٰ تعليقِ جواز قطع الصَّلوة علىٰ الخوف من ضياع المال، أو تلف النَّفس(2)
وكتعليق جواز إفطار الصَّوم الواجب غير شهر رمضان قبل الظُّهر وعدم جوازه بعد الزَّوال(3)
وكحرمة الرُّجوع إلى الصَّدقات والكفَّارات والزَّكوات والأخماس(4)
وكحرمة الإتيان بالُمحرَّمات بعد إحرام الحجِّ.
وبالتَّتبُّع في الرِّوايات الواردة في الأبواب المختلفة تجدُ أزيد من مأة روايةٍ تدلُّ بنصِّها أو بلوازمها علىٰ حرمة قطع الواجبات وإبطالها؛ فانظر إلى ما رواه القاضي النُّعمان قدس سره(5)، والشَّيخ الحرُّ قدس سره في أبوابٍ كثيرةٍ من كتابه(6)ليظهر لك ما قلناه.
فما قيل من: «أنَّه لا دليل علىٰ المسألة إلَّاالإجماع»(1)
ليس بسديدٍ!. نعم! الإجماع هيهنا مدركيٌّ، فليس بحجَّةٍ برأسه، بل هو مؤيِّدٌ للرِّوايات.
كما وأنَّ العقلاء يُقبِّحون من يَرفَع يده عن تعهُّدٍ تعهَّدَه بلاعذرٍ، فلونقَصَ العهدَ مَن عهدَ أنَّه يتمُّ عملًا - كزرع أرضٍ، أو بناء دارٍ - فالعقلاء يُقَبِّحونه علىٰ هذا النَّقض، بل يرون عليه الضَّمان في موارده.
فبناء العقلاء أيضًا تؤيِّد القاعدة وتدلُّ عليها.
وهيهنا نكتةٌ نأتي بها في تنبيهٍ.
قد اشتهر بين الأصحاب(2)أنَّه يجوز قطع الصَّلوة بداعٍ عقلانيٍّ، كفتح الباب، أو منع الهِرَّة من سرقة اللَّحم، أو ارضاع الرَّضيعة رضيعَها إذا بكىٰ واشتدَّ بكاوُه، فضلًا عمَّا إذا تزاحم الصلاةَ واجبٌ أو محرَّمٌ آخر، كدعوة أبيه أو أُمِّه للدُّخول إلى البيت، أو الخوف من رؤية الأجنبيَّة الَّتي تحرُمُ عليه رؤيتها، وهكذا.... والمسألة مذكورةٌ عند كثيرٍ منهم، كالفاضل الآبي قدس سره(3)، والعلَّامة قدس سره(4)، وفي نهايته(5)، وولده العظيم قدس سره(6)،
وثاني المحقِّقَين قدس سرهما(1)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(2)، والبحراني قدس سره(3)، والوحيد الفريد قدس سره(4)، والفقيه العامليِّ قدس سره(5).
واستدلُّوا علىٰ هذا بأنَّ دليل حرمة قطع الصَّلوة هو الإجماع(6)، وحيث إنَّه دليلٌ لبِّيٌّ فيرتفع بداعٍ عقلانيٍّ يقابِلُه(7).
وفيه:
أوَّلًا: إنَّا قد أشرنا إلى أنَّ دليل حرمة القطع ليس الإجماع فقط، بل الرِّوايات الكثيرة - الَّتي ذكرنا أنَّها تزيد علىٰ المأة - هي العمدةُ في الباب.
وثانيًا: لوسُلِّم فرَفْعُ اليد عن الحرام الَّذي مدركُه الإجماعُ بداعٍ مَّا عقلانيٍّ أو بواجبٍ أو حرامٍ آخر ليس له وجهٌ قطعًا؛
فحينئذٍ نقول: إنَّ حرمةَ قطع الواجبات لاترتفع إلَّابعذرٍ، والعذرُ بين قسمين:
الشرعيُّ، كوجوب حفظ النَّفس؛
والعرفيُّ، كلزوم حفظ المال المُعتَنىٰ به - كزادِه وراحتله -؛
1) . راجع: جامع المقاصد، ج 2 ص 358.
2) . راجع: فوائد القواعد، ص 187.
3) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 102.
4) . راجع: مصابيح الظَّلام، ج 8 ص 495.
5) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 8 ص 157.
6) . قد أشرنا آنفًا إلى عبارَتَي الفقيهين السَّبزواريِّ والفيض 0 في هذا المضمار، فراجعه.
7) . وانظر: العناوينُ الفقهيَّة، ج 1 ص 553.
ويجمع القسمين دورانُ الأمر بين الأهمِّ والمهمِّ، وقاعدةُ لزوم تقديم الأهمِّ علىٰ المهمِّ تقتضي جواز قطع الواجب - كالصَّلوة - لدرك الأهمِّ، نفسُه كانت هذا الأهمُّ أو ماله وعرضه.
قال الفقيه الشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره: «ولودخل في فريضةٍ فأحرم الإمامُ أو أذن وأقام كما يُستفادُ من نصوص المقام عدَلَ بها المأموم إلى النَّفلِ، أو أتَمَّها ركعتين. وليس له أن يقطعها، لحرمة إبطال العمل هنا من غير دليلٍ علىٰ جوازه»(1).
قال المحقِّق قدس سره: «من عجَزَ في أثناء الصَّلاة عن حالةٍ انتقل إلى ما دونها»(2)فقال العلَّامة قدس سره في نهايته: «لوانتفَتْ المشقَّةُ، فالأولىٰ عندي استحبابُ الاِستيناف»(3)فقال الفقيه النَّجفيُّ قدس سره في شرح قوله وبيان الأخذ عليه: «يعني لوكان القُعُودُ مثلًا للمشقَّة في القيام لا للعجز عنه فانتفَتْ في الأثناء استحبَّ له الاستينافُ، ولابأس به إن أراد بعد الإكمال، للتَّسامُح، وإلَّا كان محلَّ نظرٍ ومنعٍ، لحرمة إبطال العمل الَّتي لايجوز الخروج عنها إلَّابالدَّليل المعتبر»(4).
قال الفقيه اليزديُّ قدس سره: «إذا شكَّ في العشاء بين الثَّلاث والأربع وتذكَّرَ أنَّه
سها عن المغرب بطلَتْ صلاتُه»(1)فقال السَّيِّد الحكيم قدس سره في شرحه عليه: «يعني سلَّمَ عليها برجاء الظُّهر، لأنَّه يدور أمرُه بين أن يبطِلَها وأن يُسلِّم عليها، وأن يمضي فيها بعنوان العصر؛ والأوَّل مخالفةٌ قطعيَّةٌ، لحرمة إبطال الفريضة...»(2).
حرمةُ الإهانة بالشَّعائر ورجحانُ تعظيمِها(1).
حرمةُ إهانة الُمحتَرمات في الدِّين(2).
المؤمن يُعَظَّم ويحرم تحقيرُه(3).
حرمة إهانة المحتَرَمات(4).
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقِّق المراغيُّ قدس سره؛ راجع: العناوينُ الفقهيَّة، ج 1 ص 555.
2) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقِّق البجنورديُّ قدس سره؛ راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 291.
3) . أقول: هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره بعض أكابر المعاصرين قدس سره؛ راجع: الفقه / القواعد الفقهيَّة، ص 191.
4) . أقول: هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره بعضُ معاصرينا؛ راجع: مباني الفقه الفعَّال، ج 1 ص 145.
المراد ب «المقدَّسات» ما له حرمةٌ خاصَّةٌ في الشَّريعة الإسلاميَّة، كاللَّه - جلَّ ذكرُه وتقدَّستْ أسماؤه! -، ورسوله صلى الله عليه و آله والأئمَّة الطَّاهرين عليهم السلام، وما يرتبط بهم كالمسجد الحرام ومسجد النَّبيِّ والضَّرائح المقدَّسة والقرآن العظيم، بل كتب الأدعيَة وكتب الأحاديث والمؤمنين والمؤمنات والفقهاء وكتبهم الفقهيَّة، وما إلى ذلك(1)
وانظر أيضًا: القواعد الفقهيَّة - للمحقَّق البجنورديَّ قدس سره -، ج 5 ص 293.
.تدلُّ علىٰ حرمة الإهانة بالمقدَّسات الأدلَّة الأربعة.
فمن الكتاب(2)يكفيك قوله - تعالى! -: «إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اَللّٰهُ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذٰاباً مُهِيناً * وَ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتٰاناً وَ إِثْماً مُبِيناً»(3). وقد بحث القُرطبيُّ بحثًا ضافيًّا عن أنَّ «أذيَّة اللَّه بماذا تكون؟»، ثمَّ ذكر الأقوال فيها(4)ثمَّ ذكر أقسام أذيَّة المؤمنين
والمؤمنات أيضًا، وبيَّن أحكامها(1). وللشَّيخ قدس سره أيضًا كلامٌ رفيعٌ هيهنا(2)، ولغيره من المفسِّرين كسيِّدنا الأستاذ العلَّامة قدس سره(3)
أقول: وبعض كبار معاصرينا أيضًا؛
راجع: الفرقان، ج 24 ص 205.
، والجصَّاص قدس سره(4)أقوالٌ في تفسير المباركتين جديرةٌ بالرُّجوع إليها.ومن الرِّوايات(5)يكفيك أيضًا قوله - جلَّ وعزَّ! -: «مَن أهان وليًّا فقد بارَزَني بالمحاربة»(6)، وأمثاله الكثيرة الَّتي ذكَرَ قسمًا منها الشَّيخُ النُّوريُّ المحدِّثُ قدس سره في «باب تحريم إيذاء المؤمن»(7)، و «باب تحريم إهانة المؤمن وخذلانِه»(8)، و «باب تحريم إذلال المؤمن واحتقارِه»(9)، وفي غيرها من الأبواب أيضًا.
والرِّوايات الدالَّة علىٰ وجوب قتل سابِّ اللَّه والرَّسول صلى الله عليه و آله والأئمَّة
1) . راجع: نفس المصدر والمجلَّد، ص 240.
2) . راجع: التِّبيان، ج 8 ص 360.
3) . راجع: الميزان، ج 16 ص 339.
4) . راجع: أحكام القرآن، ج 5 ص 244.
5) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 299.
6) . راجع: مستدرك الوسائل، ج 9 ص 103 الحديث 10350، نقلًا عن لبُّ اللُّباب - للقطب الرَّاوندي قدس سره -.
7) . راجع: مستدرك الوسائل، ج 9 ص 99 الباب 125.
8) . راجع: نفس المصدر والمجلَّد، ص 101 الباب 126.
9) . راجع: نفس المصدر والمجلَّد أيضًا، ص 103 الباب 127.
المعصومين عليهم السلام؛ وقد ذكرها الشَّيخ المحدِّثُ الحرُّ قدس سره في «باب قتلِ من سبَّ النَّبيَّ صلى الله عليه و آله أو غيرَه من الأنبياء عليهم السلام»(1)، و «باب قتل من سبَّ عليًّا عليه السلام أو غيرَه من الأئمَّة عليهم السلام»(2)وأورد جملةً منها عليُّ بن جعفرٍ(3)، والكلينيُّ قدس سره(4)، والشَّيخ قدس سره(5)، وغيرهم أيضًا.
وأنَّ السَّابَّ أنجسُ من الكلب؛ وقد روىٰ ما يدلُّ عليه الصَّدوقُ قدس سره(6)، والحرُّ قدس سره(7)، والعلَّامة المجلسيُّ قدس سره(8)، وغيرهم.
والرِّوايات الدالَّة علىٰ حرمة تلَوُّثِ المساجد؛ وقد روىٰ طائفةً منها الكلينيُّ قدس سره(9)، والفيضُ قدس سره(10)، والحرُّ قدس سره(11)وغيرهم؛ ولذلك قد ادَّعىٰ جمعٌ من الفقهاء ثبوتَ الإجماع علىٰ وجوب إزالة النِّجاسة عن المساجد، كما عن
1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 28 ص 211 الباب 25.
2) . راجع: نفس المصدر والمجلَّد، ص 215 الباب 27.
3) . راجع: مسائل عليِّ بن جعفرٍ ومستدركاتُها، ص 291.
4) . راجع: الكافي، ج 7 ص 267.
5) . راجع: التَّهذيب، ج 10 ص 84.
6) . راجع: علل الشَّرائع، ج 1 ص 292 الحديث 1.
7) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 1 ص 220 الحديث 560.
8) . راجع: بحار الأنوار، ج 77 ص 37.
9) . راجع: الكافي، ج 5 ص 339 الحديث 1.
10) . راجع: الوافي، ج 21 ص 85 الحديث 20860.
11) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 2 ص 205 الحديث 1931.
الشَّيخ قدس سره(1)، وابن إدريس قدس سره(2)، والعلَّامة قدس سره(3)، والفيض قدس سره(4)، والشَّهيد قدس سره(5)، والسَّبزواري قدس سره(6)، وغيرهم أيضًا.
وأنَّ التَّلوُّث في الحَرَمين يوجب القتلَ؛ أو الضَّرب ضرْبًا شديدًا، كما رواه الكلينيُّ قدس سره(7)، والشَّيخُ قدس سره(8)، والفيضُ قدس سره(9)، والحرُّ قدس سره(10)وقد عقد لهذا الحكم الشَّيخُ الحُرُّ بابًا في جامعه(11).
والرِّوايات الدالَّة علىٰ حرمة سبِّ المؤمن ولوكان ميِّتًا؛ وقد عقد لها الشَّيخُ الحرُّ قدس سره(12)والشَّيخ المحدِّثُ النُّوريُّ قدس سره(13)
وانظر: العناوينُ الفقهيَّة، ج 1 ص 556.
بابًا ذكَرا فيه ما روياه في هذا المعنىٰ.1) . راجع: كتاب الخلاف، ج 1 ص 518 المسألة 260.
2) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 1 ص 163.
3) . راجع: نهج الحق، ص 436.
4) . راجع: مفاتيح الشَّرائع، ج 1 ص 74.
5) . راجع: ذكرىٰ الشِّيعة، ج 3 ص 129.
6) . راجع: ذخيرة المعاد، ص 156.
7) . راجع: الكافي، ج 2 ص 26 الحديث 4.
8) . راجع: التَّهذيب، ج 5 ص 469 الحديث 1642.
9) . راجع: الوافي، ج 12 ص 87 الحديث 11542.
10) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 13 ص 291 الحديث 17775.
11) . راجع: نفس المصدر والمجلَّد، ص 290 الباب 46 «باب وجوب تعزير من أحدَثَ في المسجد الحرام متعمِّدًا وقتلِ من أحدَثَ في الكعبة متعمِّدًا».
12) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 12 ص 297 الباب 158 «باب تحريم سبِّ المؤمن وعِرضِه ومالِه ودمِه».
13) . راجع: مستدرك الوسائل، ج 9 ص 136 الباب 138 «باب تحريم سبِّ المؤمن وعِرضِه ومالِه ودمِه» أيضًا.
ومن العقل فسيرة العقلاء الَّتي ثبتَتْ من إرتكازهم وإجماعهم علىٰ حرمة ذلك.
وكلَّما كان الشَّخص أو الشَّيء أعظم وأقدس، كانت الحرمة أعظم وأشدَّ، حتَّى جوَّزُوا القتلَ والزَّجر والضَّرب و... لبعض الحُرُمات، كالإهانة به - جلَّ وعلا! -، وبرسوله صلى الله عليه و آله، وبالمعصومين عليهم السلام من ذرِّيَته، كما ورد في الرِّوايات من أنَّه مرتدٌّ يجب قتلُه علىٰ جميع المؤمنين من غير حاجةٍ فيه إلى حكم الحاكم(1)
ولذلك قد حكم المحقِّقُ الأردبيليُّ قدس سره بحرمة تنجيس أسماء المعصومين عليهم السلام مطلقًا، قال: «بل يُكَفَّرُ الفاعلُ لوفعَلَه علىٰ طريق الإهانة، ولاشكَّ فيه!»(2).
ومن الإجماع فإنَّ المُسلَّم في أبوابٍ مختلفةٍ من الفقه حرمةُ ذلك؛ كالإجماع المنعَقَد علىٰ حرمة الاِستنجاء بالطَّعام؛ وقد حُكِي عن المعتبر أنَّ له حرمةً تمنع عن الاِستهانة به؛ و قد حكاه عنه المحقِّق السَّبزواريُّ قدس سره(3)
والإجماع علىٰ حرمة الاِستنجاء به يُوجَد عنده، وعند المحقِّق الخوانساريِّ قدس سره(4)،
وأوَّل النَّراقيَّين قدس سرهما(1)، والشَّيخ الأعظم الأنصاريِّ قدس سره(2)، والسَّيِّد الحكيم قدس سره(3)، والسَّيِّد الفقيه الخوئيِّ قدس سره(4)
وكالإجماع أو حكاية عدم الخلاف في حرمة الاِستناد إلى القبر أو المَشي عليه، كما ذكره العلَّامةُ قدس سره(5)، والمحقِّقُ قدس سره(6)، والفقيه السَّيِّد العامليُّ قدس سره(7)، والشَّهيدُ قدس سره(8)وقد علَّله الفقيه النَّجفيُّ قدس سره بأنَّ فيهما الاِستهانةَ بالميِّت(9).
وانظر أيضًا إلى ما ذكره المحقِّقان البجنورديُّ قدس سره(10)والمراغيُّ قدس سره(11)في هذا المضمار.
نعم! بما أنَّ المسألة من ضروريَّات العقل(12)، فالآيات والأحاديث الشَّريفة
1) . راجع: لوامع الأحكام، ص 231.
2) . راجع: كتاب الطَّهارة، ج 1 ص 465.
3) . راجع: مستمسك العُروة، ج 2 ص 218.
4) . راجع: التَّنقيح / الطَّهارة، ج 4 ص 78.
5) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 2 ص 107.
6) . راجع: المعتبر، ج 1 ص 305.
7) . راجع: مدارك الأحكام، ج 2 ص 152.
8) . راجع: ذكرىٰ الشِّيعة، ج 2 ص 37.
9) . راجع: جواهر الكلام، ج 4 ص 351.
10) . راجع: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 294.
11) . راجع: العناوينُ الفقهيَّة، ج 1 ص 556.
12) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 296؛ العناوينُ الفقهيَّة، ج 1 ص 556.
والسِّيرة والإجماع كلُّها تنشأ من هذا الحكم العقليِّ، فهي إمضاءٌ له.
والضَّرورة الفقهيَّة أيضًا تدلُّ عليه، وهي واضحةٌ لمَن أمعَنَ النَّظر في مسفورات الفقهاء(1).
وهيهنا تنبيهاتٌ.
إنَّ الإهانة والتَّعظيم ليس من باب العدم والملكة - كما قيل -، بل هما من باب الضِّدَّين، ضرورةَ أنَّ كثيرًا من عدم التَّعظيم لايكون من باب الإهانة، وكثيرًا من عدم الإهانة لايكون بتعظيمٍ. فالتَّعظيم أمرٌ مستقلٌّ لاربط بينه وبين الإهانة، والإهانة أمرٌ غير مربوطٍ بالتَّعظيم.
نعم! هما ضدَّان لأنَّهما أمران لايجتمعان ويطردُ كلٌّ منهما الآخر.
فما قيل: «إنَّ قوله - تعالى! -: «وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اَللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ»(2)تدلُّ علىٰ حرمة إهانة شعائر اللَّه» - كما ذكره الوحيدُ الفريدُ قدس سره(3)، والسَّيِّد الحسنيُّ شُبَّر قدس سره(4)، وغيرهم(5)ولم أجِد من مفسِّري فريقين من أشار إلى هذا
المطلب -؛ لقاعدة أنَّ الأمر بالشَّيء يقتضي النَّهي عن ضدِّه العامِّ، لأنَّ ضدَّ الإهانة العامَّ هو التَّعظيم؛
ليس بسديدٍ، لأنَّه:
مضافًا إلى أنَّ الأمر بالشَّيء هو الأمر بهذا الشَّيء فقط، ولايقتضي النَّهي عن تركه، ولا عن ضدِّه(1)
إنَّ الإهانة ليست هي عدم التَّعظيم، بل هي ضدُّ التَّعظيم(2).
إنَّ الإهانة كالتَّعظيم من العناوين القَصديَّة، وأنَّها لاتتحقَّق إلَّابالقصد؛ كما ذكره المحقِّق الكبير الشَّيخ الحلِّي قدس سره(3)، وسيِّدُنا الأستاذ الإمام الخمينيُّ قدس سره(4)، والسَّيِّد الفقيه الخوئيُّ قدس سره(5)، وغيرهم(6)
راجع: مدارك العُروة، ج 14 ص 332؛
والشَّيخ المنتظريِّ؛
راجع: كتاب الصَّوم، ص 29؛ والسَّيِّد الخلخاليِّ؛
راجع: فقه الشِّيعة / كتاب الإجارة، ص 461.
.1) . قد فصل الشَّيخُ الأستاذ - أدام اللَّه عزَّه! - الكلامَ عن هذا في مباحثه الأصوليَّة؛ راجع: عوائد الأصول الصَّغير، ج 1 ص 160.
2) . وانظر: العناوينُ الفقهيَّة، ج 1 ص 557.
3) . راجع: دليل العُروة الوثقىٰ، ج 2 ص 158.
4) . راجع: كتاب البيع - تقريرات سماحة السَّيِّد الطَّاهري الخُرَّم آبادي قدس سره -، ص 20.
5) . راجع: مصباح الفقاهة، ج 6 ص 152.
6) . أقول: كبعض معاصرينا، كالشَّيخ الإشتهارديِّ؛
فما قيل من: «أنَّ بعضَ مراتبها يُوجَد وإن لم يُقصد، كالسُّجود والسَّبِّ»(1)
ليس بسديدٍ قطعًا!، لأنَّ السُّجود ما لم يُقصَد به التَّعبُّد لايُوجَد فيه تعظيمٌ أصلًا، وكذلك السَّبُّ ونحو ذلك ما لم يُقصَد به التَّوهين لايُوجِب الوهنَ، بل ربَّما يُوجَد تعظيمٌ، كسبِّ العاشق معشوقَه.
وبالجملة إنَّ التَّعظيم والإهانة من الأمور القصدية، ولايتحقَّق ذلك إلَّابالقصد.
قال الشَّيخ جعفرٌ كاشف الغطاء قدس سره: «ما اتُّخِذ من الأشياء المحترمة كخشب الضرائح المقدَّسة وترابِها وتراب قبور النَّبيِّ صلى الله عليه و آله والأئمَّة عليهم السلام وتراب الكعبة، وهذه يجب احترامُها لنفسها، فلاتُلَوَّثُ بنجاسةٍ ويجب إزالتُها عنها...»(2).
وانظر عن نفس الفرع وعن هذا التَّعليل إلى ما ذكره الشَّيخُ قدس سره(1)، والفاضل الآبيُّ قدس سره(2)، وابنُ فهدٍ قدس سره(3)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(4)، والشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(5)، والفقيه النَّجفيُّ قدس سره(6)، والفقيه الخوانساريُّ قدس سره(7).
وانظر عن ذلك إلى ما ذكره شُرَّاح عبارته، كالشَّيخ الحائريِّ قدس سره(9)، والسَّيِّد الخوئيِّ قدس سره(10)، والشَّيخ الأراكيِّ قدس سره(11)، والسَّيِّد الحكيم قدس سره(12)، والسَّيِّد الحسينيِّ
1) . راجع: كتاب الخلاف، ج 1 ص 730 المسألة 560.
2) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 92.
3) . راجع: المهذِّب البارع، ج 1 ص 183.
4) . راجع: حاشيَّة المختصر النَّافع، ص 22.
5) . راجع: أنوارُ الفقاهة / الطَّهارة، ص 298.
6) . راجع: نجاة العباد، ص 41.
7) . راجع: جامع المدارك، ج 1 ص 157.
8) . راجع: العُروة الوثقىٰ، ج 1 ص 84 المسألة 2.
9) . راجع: شرح العُروة الوثقىٰ، ج 2 ص 19.
10) . راجع: فقه الشِّيعة / كتاب الطَّهارة، ج 4 ص 37.
11) . راجع: كتاب الطَّهارة، ج 1 ص 664.
12) . راجع: مستمسك العُروة، ج 1 ص 493.
الرِّبا عندنا في كلِّ مكيلٍ وموزونٍ(1).
الرِّبا في كلِّ ما يُكال أو يُوزَن(2).
لا ربا إلَّافيما يُكالُ أو يُوزَن(3).
«الرِّبا» لغةً: الزِّيادة؛ قال ابنُفارِسٍ: «الرَّاءُ والباء والحرف المُعتلُّ وكذلك
المهموزُ منه يدلُّ علىٰ أصلٍ واحدٍ، وهو الزِّيادة والَّنماء والعلُوُّ؛ تقول من ذلك: ربا الشَّيءُ يربوا إذا زاد»(1). وقال الخليلُ: «ربا الجرحُ والأرضُ والمالُ وكلُّ شيءٍ يربوا ربوًا: إذا زاد... وربا المالُ يربو في الرِّبا: أي: يزدادُ»(2)ومثله في صدر العبارة ما عن الأزهريِّ(3)، والجوهريِّ(4)، وابنِسيدة(5)، ونشوان الحِميَريِّ(6)، والمُطَرِّزيِّ(7)، وابنِالأثير المبارك بن محمَّدٍ(8)، وابن منظورٍ(9)، والفَيُّوميِّ(10).
ولوضوح معناه عند النَّاس اكتفىٰ الصَّاحبُ إسماعيل بأن قال: «الرِّبا معروفٌ»(11). وللرَّاغب هيهنا توضيحٌ وافٍ حول أقسام الرِّبا بحسب الشَّرع(12)وسنتكلَّم عنها.
1) . راجع: معجم مقائيس اللُّغة، ج 2 ص 483.
2) . راجع: العين، ج 8 ص 283.
3) . راجع: تهذيب اللُّغة، ج 15 ص 195.
4) . راجع: صحاح اللُّغة، ج 6 ص 2349.
5) . راجع: المُحكم والمُحيط الأعظم، ج 10 ص 327.
6) . راجع: شمس العُلوم، ج 4 ص 2395.
7) . راجع: المُغرب، ج 1 ص 318.
8) . راجع: النِّهاية، ج 2 ص 191.
9) . راجع: لسان العرب، ج 14 ص 304.
10) . راجع: المصباح المُنير، ج 2 ص 217.
11) . راجع: المُحيط في اللُّغة، ج 10 ص 276.
12) . راجع: مفردات ألفاظ القرآن، ص 340.
واصطلاحًا: أخذُ الزِّيادة بالشَّرط؛ كما عن الوحيد الفريد قدس سره، قال: «هو أخذ الزِّيادة معاملةً ومشارطةً في القرض وغيره»(1). وهيهنا تعاريف أُخَر للرِّبا ذكرها القومُ بين القائل بها والنَّاقل إيَّاها عن غيره، نأتي بجملةٍ منها لترىٰ رجوعَ الكلِّ إلى ما قلناه.
فمِن قائلٍ: «الرِّبا هو الزِّيادة في العين، إذا كان الجنس واحدًا»(2)،
ومِن قائلٍ: «الرِّبا هو التَّفاضُلُ بين شيئين من جنسٍ واحدٍ من المكيل والموزون خاصَّةً»(3)
ومِن قائلٍ: «الرِّبا هو الزِّيادة الَّتي لاعِوَض لها»(4)
ومِن قائلٍ: «الرِّبا هو بيعُ أحدِ المِثلَين بأزيد منه من الآخر»(5)
ومِن قائلٍ: «إنَّ الرِّبا هو الزِّيادة في العين إذا كان الجنسُ واحدًا»(6)
ومِن قائلٍ: «إنَّ الرِّبا هو الزِّيادة من غير عِوَضٍ، لغةً وشرعًا»(7)
ومِن قائلٍ: «الرِّبا هو بيعُ أحدِ المتماثِلَين بالآخر مع زيادةٍ»(8)
1) . راجع: حاشيَة ممع الفائدة والبرهان، ص 290.
2) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 367؛ وانظر أيضًا: مفتاح الكرامة، ج 13 ص 620؛ الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 305.
3) . راجع: إصباح الشِّيعة، ص 206.
4) . راجع: الرَّسائل التِّسع - للمحقِّق الحلِّي قدس سره -، ص 148.
5) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 10 ص 182.
6) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 5 ص 108.
7) . راجع: مختلف الشِّيعة أيضًا، ج 5 ص 309.
8) . راجع: كنز الفوائد، ج 1 ص 436.
ومِن قائلٍ: «الرِّبا هو الزِّيادة مطلقًا، أعمَّ منه في العين أو الصِّفة»(1)
ومِن قائلٍ: «الرِّبا هو الزِّيادة في المال، لغةً وعرفًا وشرعًا»(2)
ومِن قائلٍ: «الرِّبا هو مقابلةُ المتجانِسَين الرَّبوِيَّين متفاضلًا، بأن يحصُلَ انتقالُ مالِ كلٍّ منهما إلى الآخر»(3)
ومِن قائلٍ: «إنَّ الرِّبا هو المعاوضةُ المزيدُ فيها»(4)
ومِن قائلٍ: «الرِّبا هو الزِّيادة علىٰ رأسِ المال، من جنسه أو مماثِلِه إلى غير ذلك»(5)
ومِن قائلٍ: «الرِّبا هو بيعُ الجنس بمِثله مع زيادةٍ»(6)
ومِن قائلٍ: «الرِّبا هو الزِّيادةُ الَّتي يأخُذُها الدَّائنُ من المديونِ»(7)
ومِن قائلٍ: «الرِّبا هو وضع زيادةٍ بإزاءِ المال المُقتَرَض»(8)
ومِن قائلٍ: «إنَّ الرِّبا هو البيعُ المشتمَل على الزِّيادة، أو أنَّ الرِّبا المنهيَّ عنه هو الزِّيادة علىٰ أحد العِوَضيَن»(9).
1) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 101.
2) . راجع: حاشيَة مجمع الفائدة والبرهان، ص 316.
3) . راجع: جامع الشِّتات، ج 2 ص 425.
4) . راجع: أنوارُ الفقاهة / البيع، ص 182.
5) . راجع: جواهر الكلام، ج 23 ص 334.
6) . راجع: ينابيع الأحكام، ج 2 ص 117.
7) . راجع: بحوثٌ فقهيَّة - للفقيه الشَّيخ حسين الحلِّي قدس سره -، ص 115.
8) . راجع: البنك اللَّاربوي، ص 164.
9) . راجع: جامع المدارك، ج 3 ص 237.
ويُطلَق علىٰ نفس المعامَلة المشتملَة علىٰ هذه الزِّيادة أيضًا - كما أشرنا إليه، وقد أشار إليه المحقِّقُ البجنورديُّ قدس سره(1)أيضًا -.
والتَّعريف المختارُ إذن يشمل المَكيل والموزون إذا كانا متجانِسَين أيضًا.
ولابأس به، إذ:
أوَّلًا: إنَّ التَّعريف مشهوريٌّ، لا واقعيٌّ.
وثانيًا: إنَّ خروج المَكيل والموزون إذا كانا متجانِسَين عن الرِّبا تعبُّديٌّ - وسنتعرَّض له -.
وثالثًا: إنَّه أيضًا من باب الشُّروط واقعًا، فيشمله التَّعريف أوَّلًا، إلَّاأنَّه بالتَّعبُّد نُخرِجُه عن الرِّبا وحدِّه.
كون حرمة الرِّبا من ضروريات الدِّين واضحٌ لائحٌ، ومنكره كافرٌ في الجملة.
وتدلُّ علىٰ ذلك الأدلَّة الأربعة.
أمَّا الكتابُ العزيزُ ففيه آياتٌ جمَّةٌ تدلُّ علىٰ حرمته، فمنها:
قوله - تعالى! -: «اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبٰا لاٰ يَقُومُونَ إِلاّٰ كَمٰا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطٰانُ مِنَ اَلْمَسِّ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا اَلْبَيْعُ مِثْلُ اَلرِّبٰا وَ أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا»(2).
والآية الشَّريفة:
أوَّلًا: تدلُّ علىٰ حرمة الرِّبا حرمةً مؤكَّدةً. وهو ظاهرٌ؛ ولذلك قال شيخ الطَّائفة قدس سره بعد ذكر الآية: «والرِّبا مُحرَّمٌ مُتَوَعَّدٌ عليه كبيرةٌ بلاخلافٍ، بهذه الآية»(1).
ولفقهاء الفريقين - كالرَّاوندي قدس سره(2)، والفاضل المقداد قدس سره(3)، والفاضل الجواد قدس سره(4)، والجرجانيِّ قدس سره(5)، وابنِالعربيِّ(6)، وسيِّدنا الأستاذ العلَّامة قدس سره(7)- هيهنا كلماتٌ، فلاتغفَلْ عن الرُّجوع إليها.
وثانيًا: تدلُّ علىٰ دلالة العقل والعُرف علىٰ حرمة الرِّبا وقبحه، فلذا شبَّهتْ الآيةُ الكريمةُ كلامَ من قال بأنَّه مثل البيع بكلام المجانين!.
وثالثًا: تدلُّ علىٰ أنَّ الشَّرط الموجِب للرِّبا باطلٌ؛ أمَّا البَيع فهو صحيحٌ، إذ هو أمرٌ عرفيٌّ ولايسري الشَّرط الفاسد إليه.
ورابعًا: إنَّ تخَبُّطَ الشِّيطان المرءَ بالمسِّ مثالٌ للتَّقريب بالذِّهن، وإلَّا فلاواقع لهذا التَّخبُّط في الخارج - ويأتي زيادةُ توضيحٍ لهذه الموارد، إن شاء اللَّهُ العزيزُ! -.
ومنها قوله - تعالى! -: «يَمْحَقُ اَللّٰهُ اَلرِّبٰا وَ يُرْبِي اَلصَّدَقٰاتِ»(1).
والكريمةُ تدلُّ:
أوَّلًا: علىٰ أنَّ الرِّبا يَمحَقُه اللَّه، كما أنَّ الصدقات ينمُوها و يُبارِكُها.
وثانيًا: إنَّ الرِّبا لوشاع في مجتمعٍ يوجب مَحقَ اقتصاد هذا المجتمع، إذ يوجب تعطيلَ التِّجارات والزِّراعات والمعامل وغيرها ممَّا يوجب الُّنمُوَّ الإقتصاديِّ؛ أمَّا الصَّدقات - ومنها المعامَلات - فبعكسٍ من ذلك. كما أنَّ سيِّدَنا الأستاذ العلَّامة الطَّباطبائيَّ قدس سره أشار إلى أنَّه «قد قُوبِل في الآية بين إرباء الصَّدَقات ومَحقِ الرِّبا»(2)، ثمَّ أفاض في شرح هذا المطلب.
ومنها قوله - تعالى! -: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لاٰ تَظْلِمُونَ وَ لاٰ تُظْلَمُونَ»(3).
والآية الشَّريفة:
أوَّلًا: لها لسانٌ في الحُرمة لم يمكن أشدُّ لسانًا منه.
وثانيًا: تدلُّ علىٰ أنَّ آكلَ الرِّبا ليس بمؤمنٍ أصلًا.
وثالثًا: تدلُّ علىٰ أنَّ الشَّرط - وهو الرِّبا - يرجعُ إلى صاحبه، لا إلى أصل البَيع، لأنَّه حلالٌ لا إشكال فيه؛ فرجوع الشَّرط الفاسد إليه لاوجه له. وانظر أيضًا إلى ما
ذكره النَّاظرون في الكتاب الكريم من وِجهة نظر آياته الفقهيَّة، كالرَّاونديِّ قدس سره(1)، والفاضلين المقداد(2)والجواد قدس سرهما(3)، والجرجانيِّ قدس سره(4)، والقرطبيِّ قدس سره(5)، والشَّيخ قدس سره(6)، والطَّبرسيِّ قدس سره(7)وغيرهم الكثيرين، لتَرىٰ ما ذكروه حولها.
وأمَّا الرِّوايات، فكثيرةٌ جدًّا(8)ولايبعد دعوىٰ وجود التَّواتر المعنويِّ فيها؛ كما أنَّ بعضَ الأخباريِّين ادَّعاه(9)في صحيحة هشام بن سالمٍ - الَّتي سنذكرها آنفًا -.
والمُتَراءىٰ من هذه الطَّائفة الكثيرة الهائلة من الرِّوايات أمران:
أوَّلًا: إنَّ حرمة الرِّبا أشدُّ من حرمة الزِّنا بالمحارم، فقبح عملِ آخِذِ الرِّبا أشدُّ من قبح عمل الزَّاني بأُمِّه أو أُخته أو بنته.
منها: صحيحة هشام بن سالمٍ - كما صحَّحها العلَّامة المجلسيُّ قدس سره في مرآته(10)،
1) . راجع: فقه القرآن، ج 2 ص 46.
2) . راجع: كنز العرفان، ج 2 ص 38.
3) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 38.
4) . راجع: آيات الأحكام، ج 2 ص 139.
5) . راجع: الجامع لأحكام القرآن، ج 3 ص 362.
6) . راجع: التِّبيان، ج 2 ص 365.
7) . راجع: مجمع البيان، ج 2 ص 674.
8) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 85.
9) . راجع: سداد العِباد، ص 559.
10) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 122.
وملاذه(1)، والفيضُ(2)، والفاضل الجوادُ قدس سره(3)، وسيِّدنا الأستاذ الإمام الخمينيُّ قدس سره(4)وغيرهم - عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «درهمُ ربًا أشدُّ من سبعينَ زَنْيَةً كلُّها بذات مَحْرَمٍ»؛ كما رواه الكلينيُّ قدس سره(5)، والشَّيخ قدس سره(6)، والحُرُّ قدس سره(7)وغيرهم.
ومن المعلوم إنَّ هذه الطَّائفة من الرِّوايات بصدد بيان شدَّة حرمة الرِّبا؛ وحيث إنَّ الزِّنا بذات المحرم أقبحُ المحرَّمات وأشدُّها، فشُبِّه بها الرِّبا ليظهر أنَّه كأشدِّ المحرَّمات قبحًا وعقوبةً.
فالقول ب «أنَّه نفس الزِّنا بذات المحرم»؛
ليس ممَّا ينبغي!، بل تلك الرِّوايات كناياتٌ عن شدَّة حرمته بذكر اللَّازم وإرادة الملزوم.
وثانيًا: إنَّ الرِّبا يوجب أن يَفسُدَ إقتصاد المجتمع ويظهر في المجتمع التنازعُ الطَّبقاتيُّ الفِئويُّ، بتعطيل الصِّناعات والمصانع وإقدام الأثرياء بالتِّجارات الَّتي لافائدة فيها للمجتمع وأهله.
والرِّوايات المُشيرة إلى هذا الأمر الثَّاني أيضًا كثيرةٌ؛
منها: موثَّقة سَماعَةَ: «قلتُ لأبي عبداللَّه عليه السلام: إنِّي رأيتُ اللَّه - تعالى! - قد ذكَر الرِّبا في غير آيةٍ وكرَّره!، قال: أ وتدري لِمَ ذاك؟، قلتُ: لا!، قال: لئلَّا يمتنع النَّاسُ من اصطناع المعروف»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والفيض قدس سره(3)، والحُرُّ قدس سره(4)، وغيرهم. والتَّوثيق لمكان سَماعة بن مهران كما عن القوم، كالعلَّامة المجلسيِّ قدس سره في مرآته(5)، وملاذه(6)، وغيره؛ وإلَّا فموافقتها لغيرها من الأخبار تشهد بصحَّتها.
فانظُر إلى روايات الباب - في مظانِّها، كالكافي(7)، والوافي(8)، والوسائل(9)- تجد الأمرَين مصرَّحًا بهما فيها.
وأمَّا الإجماعُ، فالمسألةُ ممَّا لاإشكال فيها عند العامَّة والخاصَّة؛ كما قد كَثُرَ ادِّعاء ثبوت الإجماع هيهنا، كما عن صاحب الرِّياض قدس سره(10)، والشَّيخ حسن آل
1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 146 الحديث 7.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 17 الحديث 71.
3) . راجع: الوافي، ج 17 ص 379 الحديث 17467.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 118 الحديث 23274.
5) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 125.
6) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 10 ص 486.
7) . راجع: الكافي، ج 5 ص 144 باب الرِّبا.
8) . راجع: الوافي، ج 17 ص 375 باب الرِّبا.
9) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 117 أبواب الرِّبا.
10) . راجع: رياض المَسائل، ج 1 ص 542 - الطَّبعة الحجريَّة الكبيرة -.
كاشف الغطاء قدس سره(1)، وغيرهما؛
بل عن سيِّدنا الأستاذ الإمام الخمينيِّ قدس سره: «لايبعد كونها من ضروريَّات الدِّين»(2).
نعم! الإجماع هذا مدركيٌّ - كما أشار إليه المحقِّق البجنورديُّ قدس سره(3)-، فلايكون دليلًا برأسه كغيره من أدلَّة القاعدة.
وأمَّا العقلُ والعقلاءُ، فيرون قبحَ الرِّبا أمرًا واضحًا، فهو عندهم ظلمٌ، ولاسيَّما عند أخذه من المحتاج يحكمون بالظُّلم المضاعف فيه.
والسِّرُّ في ذلك أنَّ العقل باستقلاله يحكم بأنَّه من القبائح العُرفيَّة، حيث يَمحَقُ الإقتصادَ؛ والعقل في هذا الحكم لايحتاج إلى دقائق هذا العلم والتَّدبُّر فيه، بل بالبداهة يحكم بأنَّه أكلٌ بالباطل، فلايجوز نشرُه في المجتمع وإرتزاق بعض النَّاس منه.
وهيهنا تنبيهاتٌ.
أجمعَت الأصحاب علىٰ أنَّ بيع مِثلين بمِثلٍ إذا كانا من المَكيل والموزون واختلَفا في الكيفيَّة لايكون رَبَويًّا أصلًا؛ حيث اشترَطُوا في الرِّبا اتِّحاد الجنس؛ والإجماع هذا
يُستَفاد نقلُه ممَّا ذكره ابنُزهرة قدس سره(1)، وابنُإدريس قدس سره(2)، وصاحبُ الرِّياض قدس سره(3)، والعلَّامة قدس سره(4)وغيرهم؛
وادَّعىٰ صاحبُ الحدائق قدس سره عدم الخلاف فيه(5)وعن صاحب الجواهر قدس سره:
«بلاخلافٍ، كما اعترف به بعضُهم، بل الإجماعُ بقِسمَيه عليه»(6).
والمسألة لاإشكال فيها ولا كلام(7). وتدلُّ علىٰ صحَّتها رواياتٌ كثيرةٌ؛
منها: قول الباقر أبي جعفرٍ عليه السلام قال: «إذا اختلَفا الشَّيئان فلابأس به مثلَيْن بمِثْلٍ يدًا بيدٍ»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(8)، والشَّيخ قدس سره(9)، والفيض قدس سره(10)، والحرُّ قدس سره(11)، وسيِّدنا الأستاذ العلَّامة الفقيه البروجرديُّ قدس سره(12)وقد صحَّحها شارح المفاتيح قدس سره(13)،
1) . راجع: غنيَة النُّزوع، ص 224.
2) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 253.
3) . راجع: رياض المَسائل، ج 8 ص 414.
4) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 5 ص 87.
5) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 224.
6) . راجع: جواهر الكلام، ج 23 ص 341.
7) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 91.
8) . راجع: الكافي، ج 5 ص 189 الحديث 9.
9) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 95 الحديث 404.
10) . راجع: الوافي، ج 18 ص 579 الحديث 17885.
11) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 140 الحديث 23334.
12) . راجع: جامع أحاديث الشِّيعة، ج 23 ص 470 الحديث 33443.
13) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 11 ص 348.
والمجلسيُّ قدس سره في مرآته(1)، وملاذه(2)، وأبوه المعظَّم قدس سره(3)وغيرهم.
ومنها: قول أبي عبداللَّه الصَّادق عليه السلام: «ما كان من طعامٍ مختلفٍ أو متاعٍ أو شيءٍ من الأشياء يتفاضَلُ فلابأس ببيعه مِثلَيْن بمِثلٍ يدًا بيدٍ، فأمَّا نَظِرَةً فلايصلحُ»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(4)، والصَّدوق قدس سره(5)، والشَّيخ قدس سره(6)، والفيض قدس سره(7)، والحرُّ قدس سره(8)وغيرهم. والسَّند لابأس به وإن قال أوَّل المجلسيَّين قدس سرهما إنَّه من الموثَّق كالصَّحيح(9). وقد صحَّحه الفاضلُ الأردبيليُّ قدس سره(10)، وابنُفهدٍ الحلِّي قدس سره(11)، والشَّهيد قدس سره(12)وغيرهم؛ وكيف كان فلابأس به.
ومثلهما غيرهما أيضًا.
فهذا أمرٌ تعبُّديٌّ لابدَّ من أن يُؤخَذَ به وإن كان بحسب القواعد غالبًا ليس من
1) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 197.
2) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 99.
3) . راجع: روضَة المتَّقين، ج 7 ص 284.
4) . راجع: الكافي، ج 5 ص 191 الحديث 6.
5) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 279 الحديث 4006.
6) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 93 الحديث 395.
7) . راجع: الوافي، ج 18 ص 592 الحديث 17920.
8) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 145 الحديث 23344.
9) . راجع: روضَة المتَّقين، ج 7 ص 284.
10) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 8 ص 461.
11) . راجع: المهذِّب البارع، ج 2 ص 422.
12) . راجع: غاية المراد، ج 2 ص 118.
أخذ الزِّيادة؛ ضرورةَ أنَّ بيع مَنٍّ من الحنطة الجيِّدة بمَنٍّ من رديئها ليس من الرِّبا وأخذ الزِّيادة؛ لكن أجمعتْ الأصحابُ واتَّفقتْ الرِّوايات علىٰ كونه من مصاديق الرِّبا.
إلَّا أنْ يقال: إنَّه من مصاديق أخذ الزِّيادة، لأنَّه لوباع منًّا من الزَّبيب بمَنٍّ من الحِنطة تُراعىٰ في هذا البيع القيمةُ السُّوقيَّةُ، فيَجعَل المتبايعان أحدَهما ثمنًا والآخر مُثمنًا؛
وأمَّا إذا كان البيعُ في المِثلَين، فلايُراعِيا فيه القيمةَ، بل يُراعِيا فيه شرطَ الزِّيادة فقط.
وبهذا يمكن أن يُقال: إنَّ المسألةَ تكون من مصاديق باب الرِّبا.
قد اختُلِفَ في المراد بالمِثلَين، واختارَ كلُّ طائفةٍ من الأعلام فيه مذهبًا.
ومذاهِبُهم مبثوثَةٌ في أبواب الغصب، والاقتراض، والجناية، وغيرها.
والتَّفصيلُ:
قال الفاضل المقداد قدس سره في قوله - تعالى! -: «وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا»(1):
«المثل في الآية يُمكنُ حملُه علىٰ المساوي في الحقيقة، وعلىٰ المساوي في الحكم، وعلىٰ المساوي في الماليَّة؛ وقد يُعبَّر عن الأوَّل بما يشترك جزؤُه وكلُّه في صِدقِ الاسم. وهو المرادُ بالمِثليِّ في عبارة الفقهاء»(2).
وعن الفقيه السبزواريِّ: «المرادُ بالمِثليِّ ما يتساوىٰ أجزاؤُه في القيمة والمنفعة ويتقارب صفاتُه، كالحُبُوب والأدهان؛ ومع تعذُّر المِثل يُنتَقَل إلى القيمة»(1)،
وقال السَّيِّد عبداللَّه الجزائريِّ قدس سره: «المرادُ بالمِثليِّ ما لاتتفاوَتُ أجزاؤُه تفاوتًا مُعتَدًّا به، كالحُبُوب والأدهان والذَّهب والفضَّة الخالِصَين الغير المصوغَين؛ وبالقِيميِّ ما عداه»(2).
وعن صاحب الجواهر قدس سره: «المرادُ بالمِثليِّ في كلامهم هو الَّذي له مثلٌ، بمعنىٰ أنَّه مساوٍ له في جميع ما له مدخليَّةٌ في ماليَّته، من صفاته الذَّاتيَّة لاالعَرَضيَّة، كالمكان والزَّمان على وجهٍ يكون غالبًا في صِنفِه. وما عداه قِيميٌّ»(3).
وعن السَّيِّد الفقيه الأصفهانيِّ قدس سره: «المرادُ بالمِثليِّ ما تساوَتْ قيمةُ أجزائِه لتقاربها في غالب الصِّفات والخواصِّ، كالحبوبات من الحِنطَةِ والشَّعير والأُرُزِّ والذَّرَّة والدُّخن والماش والعدس وغيرها، وكذا الأدهان وعقاقير الأدوية ونحوها.
والمرادُ من القِيميِّ ما يكون بخلافه، كالعبيد و الإماء وأنواع الحيوان، كالفَرَس والبَغْل والحِمار والغنَم والبقر وغيرها»(4)
أقول: وعن بعض معاصرينا قدس سره: «المرادُ بالمِثليِّ هو الجنسُ الَّذي تتساوىٰ أجزاؤُه في القيمة السُّوقيَّة، لأنَّ أجزاؤُه تتقاربُ في الصِّفات والخواصِّ الَّتي تكون موضعًا للرَّغبة بين النَّاس في ذلك الجنس، كالحنطة والأُرُزِّ والشَّعير والسِّمسِمِ والعدس والماش وسائر أنواع الحبوب والأدهان والعقاقير. والمرادُ بالقِيميِّ ما يكون بخلاف ذلك من الأجناس، فلاتتساوىٰ أجزاؤُه»؛
راجع: كلمة التَّقوىٰ، ج 4 ص 50.
.والأقوىٰ المختارُ أنَّ المِثل معنىً عرفيٌّ، فلاتعريف له فقهًا؛ بل المرادُ منه ما يُشير إليه العُرف عند اِستعمال اللَّفظة. فالدُّهنُ واللَّبن والزَّبيبُ والرَّوبُ من الغَنَم ومن البقر مثليَّان؛ أمَّا الدُّهن واللَّبن فغير مثلِيَّين؛
واللَّحم من الغنم والبقر مثليَّان، أمَّا اللَّحم والدُّهن منهما فغيريَّان؛
والذَّهب والفضَّة غيريَّان، أمَّا الذَّهب الخالص والذَّهب الرَّديءُ فمثليَّان(1)
ويأتي زيادة توضيحٍ لذلك.
والعرفُ يدلُّ علىٰ المختار؛ فلورُوِي في بعض الرِّوايات أنَّ الحِنطة والشَّعير مثليَّان - كصحيحة هشام بن سالمٍ عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «يبيعُ الرَّجلُ الطَّعامَ الأكرارَ فلايكون عنده ما يتمُّ له ما باعَهُ، فيقول له: خُذْ منِّي مكانَ كلِّ قفيزِ حنطةٍ قفيزَيْن من شعيرٍ حتَّى تستوفي ما نقص من الكيل، قال: لايصلحُ!، لأنَّ أصل الشَّعيرِ من الحِنطة»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(2)، والفيضُ قدس سره(3)، والحرُّ قدس سره(4)وصحَّحَها المجلسيُّ الأوَّل(5)، والثَّاني قدس سرهما(6)، وبعضُ أصحابنا الأخباريِّين قدس سره(7)وغيرهم - فهو تعبُّدٌ آخر.
وللرِّواية مصدرٌ مجهول المعنىٰ يشير إلى كون الحِنطة أصل الشَّعير، وهو ما رواه الصَّدوق قدس سره في عِلَله، ونصُّه: «وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام سُئِلَ: مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ الشَّعِيرَ؟، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى! - أَمَرَ آدَمَ عليه السلام أَنِ ازْرَعْ مِمَّا اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ، وَجَاءَهُ جَبْرَئِيلُ بِقَبْضَةٍ مِنَ الْحِنْطَةِ، فَقَبَضَ آدَمُ عَلَى قَبْضَةٍ وَقَبَضَتْ حَوَّاءُ عَلَى أُخْرَىٰ، فَقَالَ آدَمُ لِحَوَّاءَ: لَاتَزْرَعِي أَنْتِ!، فَلَمْتَقْبَلْ أَمْرَ آدَمَ، فَكُلُّ مَا زَرَعَ آدَمُ جَاءَ حِنْطَةً وَكُلُّ مَا زَرَعَتْ حَوَّاءُ جَاءَ شَعِيرًا»(1).
ورواه أيضًا العلَّامة المجلسيُّ قدس سره في البحار(2)- وأشار إليه في مرآتِه(3)، وحكَم قدس سره بكونِه موثَّقًا كالصَّحيح في ملاذه(4)-؛ والمحدِّث النُّوريُّ قدس سره(5)وسيِّدُنا الأستاذُ الفقيهُ البروجرديُّ قدس سره(6).
وأشار إليه صواحب المفتاح قدس سره(7)، والرِّياض قدس سره(8)، والجواهر قدس سره(9)،
1) . راجع: عِلَل الشَّرائع، ج 2 ص 574.
2) . راجع: بحار الأنوار، ج 63 ص 255.
3) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 194.
4) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 101.
5) . راجع: مستدرك الوسائل، ج 13 ص 344.
6) . راجع: جامع أحاديث الشِّيعة، ج 23 ص 966 الحديث 34389.
7) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 14 ص 41.
8) . راجع: رياض المَسائل، ح 8 ص 418.
9) . راجع: جواهر الكلام، ج 23 ص 352.
والحدائق قدس سره(1). ولكنَّه ضعيفٌ سندًا ودلالةً(2).
وبالجملة إنَّ المرادَ من المِثل في الرِّوايات أمرٌ عرفيٌّ، فكلُّ ما حكم فيه بالمِثليَّة تجب فيه المساواة، وكلُّ ما حكم فيه بالغيريَّة فأخذ الزِّيادة فيه لايجوز؛
فلوشُكَّ في المِثليَّة والغيريَّة في شيئَين، فالأصل يقتضي الجوازَ.
في المراد من المَكيل والموزون.
المراد من المكيل والموزون أيضًا أمرٌ عرفيٌّ، فكلُّ شيءٍ يُكال أو يُوزَنُ في بلدٍ فلاتجوز في هذا البلد الزِّيادة فيه، وكلُّ شيءٍ يكون في بلدٍ من المعدود فكذلك لاتجيءُ فيه الزِّيادة؛ واختلافُ البلاد في شيءٍ في كونه مَكيلًا أو موزونًا أو غير مكيلٍ وغير موزونٍ، يُوجِبُ أن يُتَّبَعَ في كلِّ بلدٍ ما هو الغالبُ والمتعارَفُ فيه.
وما قيل: «إنَّ المناطَ هو الجاري في عَهدَي النَّبيِّ صلى الله عليه و آله والأئمَّة عليهم السلام»(3)
وانظر: أيضًا القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 98.
ليس له وجهٌ!، لأنَّ الحكمَ ثابتٌ من زمنهم عليهم السلام إلى زمننا - لقوله صلى الله عليه و آله: «حرامُ محمَّدٍ حرامٌ إلى يوم القيامة»؛ كما في الكافي(4)، والوسائل(5)، وعن الشَّيخ الحرِّ قدس سره في
موضعٍ آخر: «أنَّه من المتواتَر المعنويِّ»(1)، وعن الشَّيخ كاشف الغطاء قدس سره أيضًا(2)
ونُسِب إليه صلى الله عليه و آله أيضًا أنَّه قال: «حُكمِي علىٰ الواحد حُكمِي علىٰ الجماعة»(3)فيما رواه العامَّة، وأورَدَه ابنُ أبي جمهورٍ قدس سره(4)أيضًا، وبمعناه ما يُوجَد عندنا كثيرًا -؛ أمَّا إن كان شيءٌ مكيلًا في عهد النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه و آله بينما لم يكن في عصرنا مكيلاً، فبانتفاء الموضوع ينتفي الحكمُ بالنِّسبة إليه؛ ومن المعلوم أنَّ الزَّمانَ والمكان يُغيِّران الموضوعَ، فلامحالة يُغيِّران الحكمَ.
وهذا عندي واضحٌ لاسترة فيه، وإن وقع فيه بين الأعلام خلافٌ شديدٌ، حتَّى ادُّعِي الإجماعُ علىٰ أنَّ المناط في الأشياء هو خصوصُ عصر النِّبيِّ صلى الله عليه و آله وما كان جاريًا فيه.
وقد وافَقَنا في هذا الرَّأي بعضُهم وخالفنا فيه آخر؛ فانظُر إلى ما ذكره الأردبيليُّ قدس سره(5)، والبحرانيُّ قدس سره(6)، والوحيد الفريد قدس سره(7)، والشَّيخ قدس سره(8)، والعلَّامة قدس سره(9)، وفي نهايته(10)، والشَّهيد الثَّاني قدس سرهما(11)في هذه المسألة.
1) . راجع: الفوائد الطُّوسيَّة، ص 409.
2) . راجع: كشف الغطاء، ج 1 ص 190.
3) . راجع: سنن التِّرمِذي، ج 4 ص 151.
4) . راجع: عوالىء اللَّآلي، ج 1 ص 456 الحديث 197.
5) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 8 ص 177.
6) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 18 ص 471.
7) . راجع: حاشيَة مجمع الفائدة والبرهان، ص 118.
8) . راجع: المبسوط، ج 2 ص 90.
9) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 10 ص 195.
10) . راجع: نهاية الإحكام، ج 2 ص 545.
11) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 323.
وقد أشرنا إلى أنَّ هذا القول لاوجه له قطعًا.
قد اشتهر بين الأصحاب أنَّ الجِنسَين لو لم يكونا مثلِيَّين يجوز فيهما الزِّيادة، فمَن باع منًّا من الحِنطة بمَنَّين من الأَرُزِّ لابأس ببيعه؛
وكذلك يجوز فيهما التَّفاضل إذا كانا غير مَكيلٍ وغير مَوزونٍ، كالبَعير بالبَعيرين، والبيضة بالبيضتين؛ كما عن الشَّيخ قدس سره(1)، وابن إدريس قدس سره(2)، والفاضل الآبيِّ قدس سره(3)، والمحقِّق قدس سره(4)، والعلَّامة قدس سره(5)، والصَّدوق قدس سره(6)، وابن البرَّاج قدس سره(7)، والشَّهيد قدس سره(8)، والقطَّان قدس سره(9)، والصَّيمُريِّ قدس سره(10)، والشَّهيد الثَّاني قدس سرهما(11)،
1) . راجع: النِّهاية، ص 378.
2) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 262.
3) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 491.
4) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 39.
5) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 10 ص 142.
6) . راجع: المقنِع، ص 175.
7) . راجع: المهذَّب، ج 1 ص 362.
8) . راجع: غاية المراد، ج 3 ص 117.
9) . راجع: معالم الدِّين، ج 1 ص 407.
10) . راجع: غاية المَرام، ج 2 ص 79.
11) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 322.
والسَّبزواري قدس سره(1)، والطَّباطبائيِّ قدس سره(2)، والنَّجفيِّ قدس سره(3)وغيرهم.
ويدلُّ عليه:
أوَّلًا: الإجماع - كما ادَّعاه العلَّامة قدس سره(4)-؛
وثانيًا: تطابُقُ القواعد والعمومات عليه؛
وثالثًا: روايات الباب.
منها: صحيحة عليِّ بن جعفرٍ عن أخيه عليه السلام: «سألته عن رجلٍ اشترىٰ سَمْنًا ففَضَلَ له رحلٌ، أ يحلُّ له أن يأخذ مكانَه رطلًا أو رَطْلين زَيتًا؟، قال: إذا اختلفا وتراضَيا فليَأْخُذ ما أحبَّ فلابأس»؛ كما رواه عليٌّ نفسُه(5)، والحِميَريُّ قدس سره(6)، والحرُّ قدس سره(7)- باختلافٍ يسيرٍ -، والعلَّامة المجلسيُّ قدس سره(8)وغيرهم؛ وقد صحَّحها شارحُ المفاتيح قدس سره(9)وغيره.
ومنها: صحيحة داود بن الحُصَيْن: «أنَّه سأل أباعبداللَّه عليه السلام عن الشَّاة بالشَّاتين والبيضة بالبيضتين؟، فقال: لابأس ما لم يكن مَكيلًا أو موزونًا»؛ كما عن
1) . راجع: كفاية الفقه، ج 1 ص 500.
2) . راجع: رياض المَسائل، ج 8 ص 425.
3) . راجع: جواهر الكلام، ج 23 ص 358.
4) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 5 ص 83.
5) . راجع: مسائل عليِّ بن جعفرٍ ومستدركاتُها، ص 124 الحديث 85.
6) . راجع: قُرب الإسناد، ص 265 الحديث 1053.
7) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 148 الحديث 23353.
8) . راجع: بحار الأنوار، ج 100 ص 118 الحديث 19.
9) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 11 ص 357.
الكلينيِّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والصَّدوق قدس سره(3)، والحرِّ قدس سره(4)وفي الفقه المنسوب للإمام الرِّضا عليه السلام(5)أيضًا.
هذا؛ لكن في الباب تُوجَد رواياتٌ تدلُّ علىٰ عدم الجواز إذا كان البيع نسيئةً؛ وأمَّا إذا كان عن يدٍ فلابأس به.
منها قوله عليه السلام: «ما كان من طعامٍ مختلِفٍ أو متاعٍ أو شيءٍ من الأشياء يتفاضَلُ، فلابأس بِبَيْعه مثلَين بمِثلٍ يدًا بيدٍ، فأمَّا نَظِرَةً فلايصلُحُ»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(6)، والصَّدوق قدس سره(7)، والشَّيخ قدس سره(8)، والفيضُ قدس سره(9)، والحرُّ قدس سره(10)وغيرهم؛ وقد جعل أوَّلُ المجلسيَّين قدس سرهما طريقَ الصَّدوق إليه موثَّقًا كالصَّحيح(11)وطريقُ الكلينيِّ إليه ضعيفٌ عند ثانيهما قدس سرهما(12)، وطريقُ الشَّيخ إليه أيضًا ضعيفٌ عنده(13)، لكنَّه صحيحٌ عند
1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 191 الحديث 8.
2) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 118 الحديث 513.
3) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 178 الحديث 807.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 155 الحديث 23373.
5) . راجع: فقه الرِّضا عليه السلام، ص 258.
6) . راجع: الكافي، ج 5 ص 191 الحديث 6.
7) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 279 الحديث 4006.
8) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 93 الحديث 395.
9) . راجع: الوافي، ج 18 ص 592 الحديث 17920.
10) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 145 الحديث 23344.
11) . راجع: روضَة المتَّقين، ج 7 ص 281.
12) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 201.
13) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 95.
البحرانيِّ قدس سره(1)، والعامِليِّ قدس سره(2)، والسَّيِّد الفقيه الخوانساريِّ قدس سره(3)وغيرهم، وهو صحيحٌ عندنا أيضًا.
ومنها: عن جميلٍ عن أبي جعفر عليه السلام: «قال: البعيرُ بالبعيرَين والدَّابة بالدَّابَّتَين يدًا بيدٍ ليس به بأسٌ»؛ علىٰ ما رواه الكلينيُّ قدس سره(4)، والصَّدوق قدس سره(5)، والشَّيخ قدس سره في اِستبصاره(6)، وتهذيبه(7)، والفيض قدس سره(8)، والحرُّ قدس سره(9)وقد جعله ثاني المجلسيَّين قدس سرهما حسَنًا كالصَّحيح في شرح الكافي(10)، وصحيحًا في شرح التَّهذيب(11)، كوالده قدس سرهما(12)، وذلك لاختلاف الأسانيد؛ وقد صحَّحه العلَّامة قدس سره(13)،
1) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 225.
2) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 14 ص 23.
3) . راجع: جامع المدارك، ج 3 ص 253.
4) . راجع: الكافي، ج 5 ص 190 الحديث 1.
5) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 279 الحديث 4007.
6) . راجع: الاِستبصار، ج 3 ص 100 الحديث 347.
7) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 118 الحديث 511.
8) . راجع: الوافي، ج 18 ص 590 الحديث 17914.
9) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 155 الحديث 23372.
10) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 201.
11) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 11 ص 150.
12) . راجع: روضَة المتَّقين، ج 7 ص 282.
13) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 5 ص 84.
والبحرانيُّ قدس سره(1)، والعامليُّ قدس سره(2)وغيرُهم.
ولايخفىٰ ما بين هاتين الطَّائفَتَين من الأخبار من التَّعارض.
ثمَّ إنَّ هذا التَّعارض وإن كان قابلًا للجمع، بحمل العامِّ علىٰ الخاصِّ، إلَّاأنَّ الأصحاب لم يجمعوا بينهما بهذا الوجه، بل حملوهُما علىٰ الكراهة؛ بل كثيرٌ منهم جمعوا بينهما بحمل روايات عدم الجواز علىٰ التَّقيَّة؛ كما فعله الفقيه الطَّباطبائيُّ الحائريُّ قدس سره(3).
وهذا هو الأقوىٰ، لمكان التَّشتُّت الواقع في روايات الباب، إذ هذا التَّشتُّت يدُلُّنا علىٰ أنَّ صدور مثل هذه الرِّوايات المخالفة للقواعد والأصول لايمكن أن تُحمَل علىٰ الكراهة، بل لاوجه لهذا الحمل أصلًا(4)!.
هل الرِّبا مختصٌّ بالبيع والقرض؟، أم لا اختصاص له فيهما، بل إنَّه يعُمُّ جميعَ المعاملات الَّتي يمكن أن يُوجَد فيه الرِّبا؟.
فيه خلافٌ. فعن المحقِّق قدس سره(5)والشَّهيد قدس سره(6)الثَّانِيَين وجمعٍ آخر من الأصحاب -
كابن أبي طيٍّ قدس سره(1)، والفقيه السَّبزواريِّ قدس سره(2)، وشارح المفاتيح قدس سره(3)، وصاحب المناهل قدس سره(4)وغيرهم - اختيارُ القول الثَّاني، ونسب المقدَّس قدس سره هذا القول إلى المشهور(5)
وعن المحقِّق قدس سره في باب ربا الشَّرائع(6)والعلَّامة قدس سره في القواعد القولُ بالاختصاص، قال: «ولايُثبِتُ الرِّبا في غير البيع»(7)وانظر إلى ما ذكره شُرَّاحُ عبارتِه، كولده قدس سره(8)، وثاني الشهيدين قدس سرهما(9)، والعاملي قدس سره(10)، ففيه نكتٌ هامَّةٌ!.
لكنَّ المحقِّق قدس سره نفسه ذهب في كتاب الغصب من الشَّرائع إلى ثبوته في جميع المعاوَضات، قال قدس سره: «ولاتظُنَّنَّ أنَّ الرِّبا يختصُّ بالبيع، بل هو ثابتٌ في كلِّ معاوضةٍ علىٰ ربويَّين مقتفَى الجنس»(11).
والأقوىٰ هو القول الأوَّل، فيجري الرِّبا في جميع المعامَلات ولا اختصاص له
1) . راجع: مسائل ابنِ أبي طيٍّ، ص 344.
2) . راجع: كفاية الفقه، ج 1 ص 612.
3) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 13 ص 72.
4) . راجع: المناهل، ص 355.
5) . حكاه عنه صاحب الجواهر قدس سره؛ راجع: جواهر الكلام، ج 23 ص 336.
6) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 37.
7) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 60.
8) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 1 ص 474.
9) . راجع: فوائد القواعد، ص 599.
10) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 14 ص 9.
11) . راجع: شرائع الإسلام، ج 3 ص 189.
بالبيع والقرض(1)، بل لاوجه للاختصاص إلَّاعلىٰ القول بظهور الرِّوايات في ذلك، لكنَّ الظُّهور لاحجِّيَّة فيه، لكونه من باب المِثال؛ ولعموم قوله - جلَّ وعزَّ! -:
«وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا» (2)، كما استدلَّ به ثاني الشَّهيدين قدس سرهما(3)، وفي بعض رسائله أيضًا(4)، والبحرانيُّ قدس سره(5)، وشارحُ المفاتيح قدس سره(6)، والفقيهُ العامِليُّ قدس سره(7)وغيرهم.
فلوصالَحَ منًّا من الحنطة بمَنَّين منها فهو كمَن باع ذلك كذلك، فيجري فيه الرِّبا، فلايجوز هذا البيع، لأنَّه:
مضافًا إلى حكم العقلاء بذلك أوَّلًا؛
ومضافًا إلى العمومات الواردة فيه - كقوله عليه السلام: «درهم ربًا أشدُّ من سبعين زنْيَة كلِّها بذات محرَمٍ»؛ كما رواه الكلينيُّ قدس سره(8)، والصَّدوق قدس سره(9)، وفي هدايته(10)، والشَّيخ قدس سره(11)، والفيضُ قدس سره(12)، والحرُّ قدس سره(13)وغيرهم؛
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 106.
2) . كريمة 275 البقرة.
3) . راجع: فوائد القواعد، ص 599.
4) . راجع: رسائل الشَّهيد الثَّاني قدس سره، ج 1 ص 590.
5) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 270.
6) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 13 ص 72.
7) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 17 ص 40.
8) . راجع: الكافي، ج 5 ص 144 الحديث 1.
9) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 274 الحديث 3992.
10) . راجع: الهداية، ص 316.
11) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 14 الحديث 61.
12) . راجع: الوافي، ج 17 ص 375.
13) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 117 الحديث 23270.
وادَّعىٰ بعضُ أصحابِنا الأخباريِّين كونَه متواترًا معنويًّا(1)، ولذلك لايحتاج إلى تصحيح السَّند وإن صحَّحه المجلسيُّ الأوَّل(2)، والثَّاني قدس سرهما في مرآته(3)، وملاذه(4)، وغيرهما أيضًا - ثانيًا؛
ومضافًا إلى تنقيح المناط وعموم العلَّة الواردة في الآيات(5)والرِّوايات ثالثًا؛
يدلُّ علىٰ ذلك: ما ورد بخصوص ذلك الحكم رابعًا، كصحيحة محمَّد بن مسلمٍ عن أبي جعفرٍ عليه السلام: «سألتُه عن الرَّجل يدفع إلى الطَّحَّان الطعامَ فيُقاطِعُه علىٰ أن يُعطِيَ لكلِّ عشرة أرطالٍ اثنيٰعشر دقيفًا، قال: لا!، قلتُ: فالرَّجل يدفعُ السِّمْسِمَ إلى العصَّار ويضمن له لكلِّ صاعٍ أرطالًا مسمَّاةً؟، قال: لا!»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(6)، والشَّيخ قدس سره(7)، والفيضُ قدس سره(8)، والحرُّ قدس سره(9)- واللَّفظ له -؛ وقد صحَّحه ثاني
1) . راجع: سداد العِباد، ص 559.
2) . راجع: روضَة المتَّقين، ج 7 ص 271.
3) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 122.
4) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 10 ص 481.
5) . وقد أشرنا إلى عموم قوله - تعالى! -: «وَحَرَّمَ الرِّبٰا» آنفًا.
6) . راجع: الكافي، ج 5 ص 189 الحديث 11.
7) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 45 الحديث 197.
8) . راجع: الوافي، ج 18 ص 580 الحديث 17889.
9) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 141 الحديث 23336.
المجلسيَّين قدس سرهما في مرآته(1)، وملاذه(2)، والبحرانيُّ قدس سره(3)، وشارح المفاتيح قدس سره(4)، والطَّباطبائيُّ قدس سره(5)، وولده المعظَّم قدس سره(6)وغيرهم.
وأنت ترىٰ بوضوحٍ أنَّ الإمام عليه السلام نهىٰ عن الرِّبا في المقاطعة، وكذلك نهىٰ عنه في الضَّمان؛ فالأقوىٰ أنَّ الرِّبا يجيء في جميع المعامَلات ولايختصُّ بالبيع والقرض فقط.
قد ادَّعىٰ غير واحدٍ من الأصحاب - منهم الشَّيخ قدس سره(7)، والعلَّامة قدس سره(8)، وثاني المحقِّقَين قدس سرهما(9)- انعقادَ الإجماع علىٰ جواز رفع الرِّبا بالضَّميمة، فعلىٰ سبيل المثال لوباع دنانير بدنانير تفاضلًا - كبيع مأة دينارٍ بمأتين - ثمَّ ضمَّ درهمًا إلى المأة دينار أو ضمَّ ما له ماليَّةٌ كحبَّةٍ من النَّبات والطَّبَرزَد إلى المأة فالمعاملة صحيحةٌ ولا ربا فيها. قال في الرِّياض شارحًا قول المحقِّق قدس سره: «وقد يُتُخَلَّص من الرِّبا إن أُريد بيعُ أحد الرَّبويَّين بالآخر متفاضلًا بالضَّميمة، بأن يُجعَلَ مع النَّاقص منهما أو معهما إن أُشتُبِه
1) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 197.
2) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 10 ص 552.
3) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 276.
4) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 11 ص 348.
5) . راجع: رياض المَسائل، ج 8 ص 404.
6) . راجع: المناهل، ص 356.
7) . راجع: كتاب الخلاف، ج 3 ص 61.
8) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 2 ص 548.
9) . راجع: جامع المقاصد، ج 4 ص 275.
ناقصُهما متاعَ من غير جنسه، أي: النَّاقص، فتكون الضَّميمةُ في مقابلة الزِّيادة، مثلُ بيع درهمٍ ومُدٍّ من تَمرٍ بمُدَّين منه»(1)
ومثله ما عن الشَّهيد(2)، وثانيهما قدس سرهما(3).
وهذا:
مضافًا إلى ثبوت الإجماع عليه أوَّلًا؛
يدلُّ عليه ثانيًا ما ورد في المسألة من الرِّوايات؛
منها: ما رواه الكلينيُّ(4)قدس سره والصَّدوق(5)قدس سره والشَّيخ الحُرُّ(6)قدس سره عن عبدِالرَّحمنِ بنِ الحجَّاج قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الصَّرْفِ، فَقُلْتُ لَهُ: الرِّفْقَةُ رُبَّمَا عَجِلَتْ فَخَرَجَتْ فَلَمْنَقْدِرْ عَلَى الدِّمَشْقِيَّةِ وَالْبَصْرِيَّةِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ نَيْسَابُورَ الدِّمَشْقِيَّةُ وَالْبَصْرِيَّةُ، فَقَالَ:
وَمَا الرِّفْقَةُ؟، فَقُلْتُ: الْقَوْمُ يَتَرَافَقُونَ وَيَجْتَمِعُونَ لِلْخُرُوجِ، فَإِذَا عَجِلُوا فَرُبَّمَا لَمْيَقْدِرُوا عَلَى الدِّمَشْقِيَّةِ وَالْبَصْرِيَّةِ، فَبَعَثْنَا بِالْغِلَّةِ فَصَرَفُوا أَلْفًا وَخَمْسِينَ مِنْهَا بِأَلْفٍ مِنَ الدِّمَشْقِيَّةِ وَالْبَصْرِيَّةِ؛ فَقَالَ: لَاخَيْرَ فِي هَذَا، أَفَلايَجْعَلُونَ فِيهَا ذَهَبًا لِمَكَانِ زِيَادَتِهَا؟، فَقُلْتُ لَهُ:
أَشْتَرِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِينَارًا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ؟، فَقَالَ: لابَأْسَ بِذَلِكَ! إِنَّ أَبِي كَانَ أَجْرَأَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنِّي، فَكَانَ يَقُولُ هَذَا فَيَقُولُونَ: إِنَّمَا هَذَا الْفِرَارُ، لَوْجَاءَ رَجُلٌ بِدِينَارٍ لَمْيُعْطَ
1) . راجع: رياض المَسائل، ج 8 ص 439.
2) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 3 ص 298.
3) . راجع: الرَّوضة البَهيَّة - مع حواشي سلطان العلماء قدس سره - ج 1 ص 320.
4) . راجع: الكافي، ج 9 ص 246 الحديث 5.
5) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 290 الحديث 4043.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 178 الحديث 23431.
أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلَوْ جَاءَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لَمْيُعْطَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: نِعْمَ الشَّيْءُ - الْفِرَارُ مِنَ الْحَرَامِ إِلَى الْحَلالِ!».
ومنها: ما رواه الكلينيُّ(1)قدس سره والشَّيخ الحُرُّ(2)قدس سره عن عبدالرَّحمن بنِ الحجَّاجِ أيضًا عن أبي عبداللَّهِ عليه السلام «قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ لأَبِي 7: يَا أَبَاجَعْفَرٍ - رَحِمَكَ اللَّهُ! - وَ اللَّهِ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّكَ لَوْأَخَذْتَ دِينَارًا وَالصَّرْفُ بِثََمانِيَةَ عَشَرَ فَدُرْتَ الْمَدِينَةَ عَلَى أَنْ تَجِدَ مَنْ يُعْطِيكَ عِشْرِينَ مَا وَجَدْتَهُ، وَمَا هَذَا إلَّافِرَارٌ!، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: صَدَقْتَ وَاللَّهِ!، وَلَكِنَّهُ فِرَارٌ مِنْ بَاطِلٍ إِلَى حَقٍّ!».
منها: ما رواه الشَّيخُ قدس سره(3)والشَّيخ الحُرُّ قدس سره(4)عن عبدالرَّحمن بنِ الحجَّاج أيضًا أنَّه قال: «سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ يَأْتِي بِالدَّرَاهِمِ إِلَى الصَّيْرَفِيِّ فَيَقُولُ لَهُ: آخُذُ مِنْكَ الْمِائَةَ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، أَوْ بِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ حَتَّى يُرَاوِضَهُ عَلَى الَّذِي يُرِيدُ، فَإِذَا فَرَغَ جَعَلَ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ الزِّيَادَةِ دِينَارًا أَوْ ذَهَبًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: قَدْ رَادَدْتُكَ الْبَيْعَ وَإِنَّمَا أُبَايِعُكَ عَلَى هَذَا لأَنَّ الأَوَّلَ لايَصْلُحُ أَوْ لَمْيَقُلْ ذَلِكَ وَجَعَلَ ذَهَبًا مَكَانَ الدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ آخِرُ الْبَيْعِ عَلَى الْحَلالِ فَلابَأْسَ بِذَلِكَ. قُلْتُ: فَإِنْ جَعَلَ مَكَانَ الذَّهَبِ فُلُوسًا، قَالَ: مَا أَدْرِي مَا الْفُلُوسُ».
ومنها غيرها ممَّا هو مذكورٌ في موضِعها من مصادرنا الرِّوائيَّة.
وقد كُرِّر في هذه الرِّوايات قولُه عليه السلام: «نِعْمَ الشَّيءُ الفرارُ من الحرام إلى
الحلال»(1).
ولكنَّ القول عندي في غاية الإشكال!، لأنَّ الرِّوايات ليستْ بصدد تحليل الرِّبا، لأنَّه محالٌ ممتنعٌ، بل بصدد رفع الحاجة. توضيح ذلك: إنَّ هذه الرِّوايات صدرتْ كلَّها في المِثلِيَّين، سيَّما في الدِّينار، وبما أنَّ في تلك الأزمان كان النَّاس بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى تبديل الدَّنانير بالدَّنانير وكانت الدَّنانير مختلفةً قيمةً ووزنًا - لاختلافها في الخلوص والوزن، بحسب إختلاف المصانع - فتبديلُ ما هو الجيِّد بما هو الرَّديء يحتاج إلى الزِّيادة، فيلزم الرِّبا - لأنَّ الدِّينارَين مثلِيَّان -؛ فالإمام عليه السلام تمحَّل لذلك إلى إضافة درهمٍ إلى النَّقيصة، ثمَّ قال: هذا فرارٌ من الحرام إلى الحلال.
وإن شئتَ قلتَ: إنَّ الرِّبا في المِثلي ليس بربىً أصلًا، بل الرِّبا الواقعي يختصُّ بالقرض، لأنَّه يُؤخَذ فيه الزِّيادة بدلًا عن المدَّة؛ أمَّا بيع الذَّهب الرَّديء بالجيِّد منه مع التَّفاضل فهو أخذُ الَّثمن الواقعيِّ قِبَل المُثمَن، فلازيادة في البين أصلًا.
فبيع المِثلِيِّ بالمِثلِيِّ مع التَّفاضل ليس من الرَّبا الحرام بالأدلَّة الأربعة، بل إنَّه تعبُّدٌ، بل لولا إنعقاد الإجماع عليه لكُنَّا نقول: إنَّه من مباني العامَّة، وما اختاره أئمَّة أهل البيت عليهم السلام إلَّاتقيَّةً!.
وإن أبيتَ عن ذلك فنقول:
إنَّه تعبُّدٌ أوَّلًا؛
ثمَّ إنَّ الفرار بهذا الوجه هو تعبُّدٌ ثانٍ لتسهيل الأمر في معاملات النُّقود. فتأمَّلْ في روايات الباب تجِد صدق ما قلنا.
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 133.
هل يجوز تحليل الرِّبا بالحيلة - كما إذا أقرَضَه ألف تومانٍ بألف تومانٍ قرضًا غير ربويٍّ ثمَّ باع منه حبَّةَ نباتٍ بمأة تومانٍ -؟.
المشهور بين الأصحاب الجوازُ. فانظر إلى ما ذكروه هيهنا، كثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(1)، والعلَّامة المجلسيِّ قدس سره(2)، والوحيد الفريد قدس سره(3)، وشارح المفاتيح قدس سره(4)، والشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره(5)وادَّعىٰ البحرانيُّ قدس سره اتِّفاقَ الأصحاب علىٰ جواز الحِيَل فيه(6)، والعامليُّ قدس سره(7)أيضًا.
وقد تمسَّكوا بقوله عليه السلام الَّذي أشرنا إليه آنفًا أعلاه: «نِعمَ الفرارُ من الحرام إلى الحلال»(8).
والأقوىٰ عندي هو عدم الجواز - وفاقًا للمحقِّق المقدَّس قدس سره(9)-، لأنَّ الرِّواية هذه صدرتْ في الفرار عن بيع المِثليِّ بالتَّفاضل، ولم ترد روايةٌ ولا واحدةٌ في تحليل الرِّبا في القرض أصلًا.
1) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 232 ثمَّ ج 9 ص 204.
2) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 228.
3) . راجع: حاشيَة مجمع الفائدة والبرهان، ص 291.
4) . راجع: الأنوار اللَّوامع، ج 14 ص 531.
5) . راجع: أنوار الفقاهة / البيع، ص 196.
6) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 134.
7) . راجع: مفتاح الكرامة، ج 15 ص 122.
8) . فانظر علىٰ سبيل المثال: جامع الشِّتات، ج 4 ص 463.
9) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 8 ص 453.
والقول ب «ألاخذ بعموم العلَّة المستفادة من هذه الرِّوايات»؛
ليس بسديدٍ، لأنَّ تلك الرِّوايات - كما مضىٰ الكلام فيها - وردتْ في تحليل التَّفاضل تعبُّدًا، فلايكون ربًا أصلًا؛ فكيف نقول بذلك في تحليل الرِّبا الواقعي المحرَّم بالأدلَّة الأربعة؟!.
إن قلت: أنَّ الحيلة وقعتْ في معاملَتَين مستقلَّتَين، فهو إجحافٌ لا أنَّها ربًا يُوجِب الفساد والحرمةَ؟؛
قلت: نعم!، إلَّاأنَّ تصحيح الرِّبا وتحليله بهذه الحيلة يأباه العُرف، ولايُوجَد هيهنا ما يَردَعُ عن العرف حتَّى يُقال بعدم حجِّيَّته في المقام؛
بل العمومات - ولاسيَّما العلل الواردة فيها، كقوله تعالى!: «يَمْحَقُ اَللّٰهُ اَلرِّبٰا وَ يُرْبِي اَلصَّدَقٰاتِ»(1)- تشمل الرِّبا الَّذي جرتْ فيه الحيلةُ أيضًا.
بل قولُه - تعالى! -: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ»(2)يردعُ عن كلِّ حيلةٍ وينهىٰ عنها؛
بل العرفُ مضافًا إلى أنَّه يرىٰ عدم صحَّة ذلك، يرىٰ أنَّ الحيلةَ في الرِّبا لتحليله أقبح من أصل الرِّبا!.
وهذا ما نختاره في جميع الحِيَل المتَّخذة لتصحيح بيعٍ أو معاملةٍ حرامٍ، أو لتصحيح محرَّمٍ آخر، إذ من المحال أنْ تُوجِب الحيلةُ تحليلَ حرامٍ.
نعم! قد يقع المرأ بالضَّرورة لا بالاختيار في إرتكاب حرامٍ، أو ترك واجبٍ؛
فتلك الضَّرورة بالعنوان الثَّانوي المُتَّخَذ من حديث الرَّفع تُوجِب جوازَ ارتكاب الحرام، أو ترك الواجب؛ كما في قصَّة يوسف عليه السلام ونداء أصحابه: «أَيَّتُهَا اَلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسٰارِقُونَ»(1)- وقد ذكرها المفسِّرون، كالطَّبرسيِّ قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)، والفيض قدس سره(4)، وسيِّدنا الأستاذ العلَّامة قدس سره(5)وغيرهم -؛ وكما في قصَّة أيُّوب عليه السلام وحكاية أداء نذره عليه السلام - كما هي مذكورةٌ عند الشَّيخ قدس سره(6)، والطَّبرسي قدس سره(7)، والفيض قدس سره(8)، وسيِّدِنا الأستاذ العلَّامة قدس سره(9)وغيرهم في التَّذييل علىٰ كريمة 4(4) ص - ؛ وكما في جواز الكِذب وجواز الغيبة وأكل الشَّراب والمِيتة ونحوها لدَوَران الأمر بين الأهمِّ والمهم، ففي هذه الموارد يُؤخَذ بالأهمِّ ويُرفَع اليد عن المهمِّ.
وإذن العقلُ يحكم بالتشبُّث بالحيل حفظًا لتقدُّس الواجبات ووجوب الإجتناب عن المحرَّمات.
هل المعامَلات الرَّبويَّة فاسدةٌ مضافًا إلى حرمتها؟، أم ليست بفاسدةٍ بعد وفاق
الكلِّ علىٰ حرمتها؟.
فيه خلافٌ(1).
والأقوىٰ هو التَّفصيل بين عقد بيع المِثليِّ بالمِثليِّ، وبين القرض الرَّبويِّ؛ ففي الأوَّل يكون العقد فاسدًا - للنَّهي عنه والنَّهيُ في المعاملات إرشادٌ إلى فسادها -؛ وأمَّا في القَرض فالقرضُ ليس بفاسدٍ، بل الفاسد هو الشَّرط، والشَّرط الفاسد لايوجب فساد العقد. فلذلك لونَوىٰ المقترضُ أن لايؤدِّي الزيادةَ يجوز له - بل يجب عليه! - أن يعمل بما نواه.
وليست في الباب آيةٌ ولاروايةٌ تدلُّ علىٰ فَساد القرض حينئذٍ، بل ظاهر قوله - تعالى! -: «أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ وَ حَرَّمَ اَلرِّبٰا»(2)يدلُّ علىٰ حرمة الرِّبا وصحَّة العقد والبيع.
وما في المجمع من: «أنَّ التَّقدير: إنَّ اللَّه حرَّم البيع الرِّبويَّ»(3)
ليس له وجهٌ!، إذ لاوجه لرفع اليد عن الظُّهور.
فجميع مدارك الباب لو لم يكن ظاهرًا في صحَّة العقد وحرمة الرِّبا، فلاأقلَّ من الشَّكِّ في دلالته علىٰ ذلك، ولاوجه لرفع اليد عن الظُّهور بالشَّكِّ.
قد اشتهر بين الأصحاب - كما تدلُّ عليه جملةٌ من روايات الباب -: أنَّ من
ارتَكَب الرِّبا جهلًا بالحكم، أو بالموضوع، ثمَّ التفَتَ فله ما سلف، ولايجب أن يرُدَّه إلى صاحبه(1).
فالحرمةُ إذن تختصُّ بالعامد، دون الجاهل. قال الصَّدوق قدس سره: «ومَن أكَل الرِّبا بجَهالةٍ وهو لايعلَمُ أنَّه حرامٌ فله ما سلف، ولا إثمَّ عليه فيما لايعلم»(2)
وقريبٌ منه ما عن الفاضل الآبيِّ قدس سره(3)، والشَّهيد الثَّاني قدس سره(4)، والمجلسي الأوَّل قدس سرهما(5)، والبحرانيِّ قدس سره(6)، وفي دُرَرِه(7)أيضًا، والشَّيخ قدس سره(8)، والمحقِّق قدس سره(9)، وفي نُكَته(10)، وابنِفهدٍ قدس سره(11)، والسَّيِّد الطَّباطبائيِّ قدس سره(12).
وهذا قولٌ اختُصَّ بالخاصَّة دون العامَّة، أخذًا من قوله - تعالى! -: «فَمَنْ جٰاءَهُ
1) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 154.
2) . راجع: الهداية، ص 316.
3) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 484.
4) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 42.
5) . راجع: روضَة المتَّقين، ج 9 ص 261.
6) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 220.
7) . راجع: الدُّرَر النَّجفيَّة، ج 2 ص 151.
8) . راجع: النِّهاية، ص 376.
9) . راجع: المختصر النَّافع، ص 127.
10) . راجع: نُكت النِّهاية، ج 2 ص 117.
11) . راجع: المهذِّب البارع، ج 2 ص 419.
12) . راجع: رياض المَسائل، ج 8 ص 411.
مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اَللّٰهِ» (1).
وقد ورد في رواياتٍ كثيرةٍ تمسُّكُ أهل البيت عليهم السلام بهذه الآية رغمًا لأنفِ العامَّة، قائلًا بأنَّ التَّوبة تتداركُ ما سلف من الحكم الوضعيِّ والتَّكليفيِّ، إذ حرمةُ أكل الرِّبا - تكليفًا ووضعًا، جاهلًا بالحكم كان أو بالموضوع، والجهلُ بسيطًا كان أو مركَّبًا، وقصوريًّا كان أو تقصيريًّا - تختصُّ بالعامَّة فقط. ووافَقَهُم في هذا الحكم جمعٌ من أعلامنا، كالفاضل المقداد قدس سره(2)، وفي تنقيحه(3)أيضًا، وابنِإدريس قدس سره(4)، والعلَّامة قدس سره(5)، وفي نهايته(6)، ومُختَلَفه(7)، وولده المُعَظَّم قدس سره(8)، وثاني المحقِّقَين قدس سرهما(9)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(10).
وهذا ما أُشير إليه في طائفةٍ من الرِّوايات، وقد أوردها الشَّيخ الحُرُّ قدس سره في الباب الخامس من أبواب الرِّبا من كتابه؛
منها: صحيحة محمَّد بن مسلمٍ، قال: «دخل رجلٌ علىٰ أبي جعفرٍ عليه السلام من أهل
1) . كريمة 275 البقرة.
2) . راجع: كنز العرفان، ج 2 ص 37.
3) . راجع: التَّنقيح الرَّائع، ج 2 ص 87.
4) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 251.
5) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 10 ص 209.
6) . راجع: نهاية الإحكام، ج 2 ص 554.
7) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 5 ص 78.
8) . راجع: إيضاح الفوائد، ج 1 ص 480.
9) . راجع: جامع المقاصد، ج 4 ص 282.
10) . راجع: الحاشيَة علىٰ مختصر النَّافع، ص 97.
خراسانَ قد عمل بالرِّبا حتَّى كثُرَ مالُه، ثمَّ إنَّه سأل الفقهاءَ - أي: فقهاء العامَّة - فقالوا: ليس يُقبَل منك شيءٌ إلَّاأن ترُدَّه إلى أصحابه. فجاء إلى أبي جعفرٍ عليه السلام فقصَّ عليه قصَّتَه، فقال له أبوجعفرٍ عليه السلام: مخرجُك من كتاب اللَّه، «فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اَللّٰهِ»، و «الموعظةُ»: التَّوبةُ»؛ فيما رواه الشَّيخ قدس سره(1)، والفيض قدس سره(2)، والحرُّ قدس سره(3)بسندٍ صحيحٍ، كما صحَّحَه المجلسيُّ(4)، وأوَّلُهُما قدس سرهما(5)، والبحرانيُّ قدس سره(6)، والعاملِيُّ قدس سره(7)وغيرهم.
وأمَّا ما ورد في بعضٍ آخر من الرِّوايات من أنَّ الرِّبا لوكان معيَّنًا في ماله ولم يختلط به، فيجب ردُّه؛ مثل ما ورد في خبر أبي المَغْرا عن أبي عبداللَّه الصَّادق عليه السلام أنَّه قال:: «كُلُّ رِبًا أَكَلَهُ النَّاسُ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِذَا عُرِفَ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ.
وَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ مَالًا وَقَدْ عَرَفَ أَنَّ فِي ذَلِكَ الْمَالِ رِبًا - وَلَكِنْ قَدِ اخْتَلَطَ فِي التِّجَارَةِ بِغَيْرِهِ حَلَالٌ - كَانَ حَلَالًا طَيِّبًا فَلْيَأْكُلْهُ، وَإِنْ عَرَفَ مِنْهُ شَيْئًا أَنَّهُ رِبًا فَلْيَأْخُذْ رَأْسَ مَالِهِ وَلْيَرُدَّ الرِّبَا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ أَفَادَ مَالًا كَثِيرًا قَدْ أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الرِّبَا فَجَهِلَ ذَلِكَ ثُمَّ عَرَفَهُ بَعْدُ فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ فَمَا مَضَى فَلَهُ وَيَدَعُهُ فِيَما يَسْتَأْنِفُ»؛ وقد
رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والصَّدوق قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)، والفيض قدس سره(4)، والحرُّ قدس سره(5)وقد صحَّحه المجلسيُّ قدس سره في مرآته(6)، وملاذه(7)، وأوَّلُهُما قدس سرهما(8)، والبحرانيُّ قدس سره(9)وغيرهم؛
فيعارض الآيةَ والرِّوايات؛
فيجب طرحُه، لإعراض الأصحاب عنه.
المشهور بين الأصحاب أنَّه لاربا(10):
بين الكافر والمسلم إذا أخذ المسلمُ من الكافر،
ولا بين الوالد وولده،
ولا بين الزَّوج وزوجته،
ولابين العبد ومولاه؛ كما ذكره ابنُجُنَيدٍ قدس سره(11)، والمرتضىٰ قدس سره(12)، وفي بعض
1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 145 الحديث 4.
2) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 275 الحديث 3997.
3) . راجع: التَّهذيب، ج 7 ص 16 الحديث 69.
4) . راجع: الوافي، ج 17 ص 377 الحديث 17463.
5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 128 الحديث 23302.
6) . راجع: مرآة العقول، ج 19 ص 123.
7) . راجع: ملاذ الأخيار، ج 10 ص 485.
8) . راجع: روضَة المتَّقين، ج 7 ص 274.
9) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 19 ص 218.
10) . وانظر: القواعد الفقهيَّة، ج 5 ص 169.
11) . راجع: مجموعة فتاوىٰ ابن جنيد، ص 171.
12) . راجع: الإنتصار، ص 441.
رسائله(1)، والشَّيخُ قدس سره(2)، وابنُحمزة قدس سره(3)، وابنُإدريس قدس سره(4)، والكَيدُريُّ قدس سره(5)، والمحقِّقُ قدس سره(6)، وفي نُكَته(7)، وابنُسعيدٍ قدس سره(8)، والعلَّامة قدس سره في إرشاده(9)، وتذكرته(10)، وتحريره(11)، وتلخيصه(12)، وقواعده(13)، ومختلفه(14)، ونهايته(15)، والشَّهيدُ قدس سره(16)، والمحقِّق الثَّاني قدس سرهما(17)، والشَّهيد الثَّاني قدس سرهما(18)وغيرهم
1) . راجع: رسائل الشَّريف المرتضىٰ، ج 1 ص 230.
2) . راجع: النِّهاية، ص 376.
3) . راجع: الوسيلة، ص 254.
4) . راجع: السَّرائر الحاوي، ج 2 ص 252.
5) . راجع: إصباح الشِّيعة، ص 213.
6) . راجع: شرائع الإسلام، ج 2 ص 40.
7) . راجع: نُكت النِّهاية، ج 2 ص 118.
8) . راجع: الجامع للشَّرائع، ص 252.
9) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 379.
10) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 10 ص 207 المسألة 105.
11) . راجع: تحرير الأحكام، ج 2 ص 312 المسألة 3202.
12) . راجع: تلخيص المرام، ص 104.
13) . راجع: قواعد الأحكام، ج 2 ص 63.
14) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 5 ص 79.
15) . راجع: نهاية الإحكام، ج 2 ص 374.
16) . راجع: الدُّروس الشَّرعيَّة، ج 3 ص 299.
17) . راجع: جامع المقاصد، ج 4 ص 280.
18) . راجع: مسالك الأفهام، ج 3 ص 327.
الكثيرين، بل إدَّعىٰ غيرُ واحدٍ من الأصحاب ثبوتَ الإجماع علىٰ هذه الجملة من الأحكام؛ كما ادَّعاه ابنُزهرة قدس سره(1)، والمقداد قدس سره(2)، والفاضلُ الآبيُّ قدس سره(3)، والفيضُ قدس سره(4)وفي الجواهر بعد بيان الحكم: «إجماعًا محكيًّا مستفيضًا إن لم يكن متواترًا، صريحًا وظاهرًا، بل يمكن تحصيلُه»(5).
واستدلُّوا برواياتٍ ذكرها الشَّيخُ الحُرُّ قدس سره في الباب السَّابع من أبواب الرِّبا(6)والرِّوايات معتبرةٌ، ولا أقلَّ من جبر ضعف سند بعضها بعمل الأصحاب بها.
إلَّا أنِّي لاأزال في ترديدٍ من هذه كلِّها!؛ لجهتين:
الجهة الأولىٰ: إنَّ الرِّوايات تُعارِضُ الذِّكرَ الحكيم، لأنَّ عمومات الكتاب تأبىٰ التَّخصيص؛ خلافًا للمرتضىٰ حيث ذهب إلى تخصيص ظاهر القرآن العزيز بهذه الرِّوايات وهذا الإجماع(7)!.
الجهة الثَّانيَة: إنَّ في رواية زرارة - ونصُّها: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يس الضَّرِيرِ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: لَيْسَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَوَلَدِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ وَلا بَيْنَ أَهْلِهِ رِبًا، إِنَّمَا الرِّبَا فِيَما بَيْنَكَ
وَبَيْنَ مَا لا تَمْلِكُ. قُلْتُ: فَالْمُشْرِكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ رِبًا؟، قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّهُمْ مَمَالِيكُ؟، فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ تَمْلِكُهُمْ إِنَّمَا تَمْلِكُهُمْ مَعَ غَيْرِكَ أَنْتَ وَغَيْرُكَ فِيهِمْ سَوَاءٌ، فَالَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ، لأَنَّ عَبْدَكَ لَيْسَ مِثْلَ عَبْدِكَ وَعَبْدِ غَيْرِكَ»(1)- ذكَرَ علَّةً توجب اختصاص الرِّوايات بما إذا كان الرِّبا بينهم صوريًّا، لا واقعيًّا. والعلَّة هي قوله عليه السلام: «إنَّما الرِّبا بينك وبين ما لاتملِكُ»؛ يُعنىٰ: إنَّ مال الإبن وأبيه ومال الزَّوج وزوجته ومال العبد ومولاه مشترَكٌ فيه في غالب الأحيان بين الهؤلاء من طوائف النَّاس، أمَّا لو لم يكن كذلك بحيث كان لكلٍّ منهم مالٌ يختصُّ به ولا شراكة لغيره فيه، فالرِّبا هيهنا آتٍ وحرمته باقيَةٌ عندي.
فإن كان في هذه المسائل إجماعٌ، فهو؛
وإلَّا فرفع اليد عن ظهور الآيات بهذه الرِّوايات مشكلٌ جدًّا!، بل في غاية الإشكال!!.
ثمَّ لوقلنا بما اشتهر بين الأصحاب، فالقدر المُتَيَقَّن من الرِّوايات هو حلِّيَّة الرِّبا بين الأب والإبن فقط، وأمَّا تسريةُ الحكم إلى الأمِّ أو إلى ولد الولد أو إلى الزَّوجة بالنِّكاح المنقطع أو إلى الولد بالرِّضاع أو إلى الحاصل من الزِّنا بل إلى الوالد والبنت ونحو ذلك؛
فمشكلٌ جدًّا!، إذ عمومات حرمة الرِّبا محكمةٌ لايمكن رفع اليد عنها إلَّابدليلٍ محكمٍ، وهو مفقودٌ في المقام.
1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 135.
قال الشَّيخ قدس سره في زكاة الذَّهب والفضَّة: «أواني الذَّهب والفضَّة محظورٌ استعمالُها، ولاقيمة للصَّنعة يتعلَّق الزَّكاة بها... وإن أعطىٰ بقيمته فضَّةً لم يجز، لأنَّه ربًا»(1).
قال الكَيدُريُّ قدس سره في باب الصُّلح: «إذا صالَحَ مِن الدراهم علىٰ بعضِها لم يجُز، لأنَّه ربًا، ولكن إن قبضَ بعضَها وابرأه من الباقي جاز»(2).
لاشكَّ للإمام والمأموم مع حفظ الآخر(1)
أقول: وذكره أيضًا السَّيِّد المصطفويُّ؛
راجع: مأة قواعد فقهيَّة، ص 239.
.لاسهو علىٰ المأموم إذا حفظ عليه الإمام، وبالعكس(2).
لاحكم لشَّكِّ الإمام مع حفظ المأموم، وبالعكس(3).
لوشكَّ المأموم رجع إلى يقين الإمام في جميع الصَّلاة(1).
أجمع الأصحاب علىٰ أنَّه لاشكَّ في الجماعة؛ فإذا شكَّ الإمامُ أو المأموم في الصَّلاة يرفع شكَّه بالآخر؛ كما عن الصَّدوق قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره في اقتصاده(3)، ومبسوطه(4)، ونهايته(5)، والكَيدُرِيِّ قدس سره(6)، والفاضل الآبي قدس سره(7)، وصاحب الشَّرائع قدس سره(8)، وفي مختصره(9)أيضًا، والعلَّامة قدس سره في إرشاده(10)، وتبصرته(11)، وتحريره(12)، وتذكرته(13)، وغيرهم الكثيرين.
1) . هذا عنوانٌ للقاعدة ذكره المحقِّق الشَّيخ حسن آل كاشف الغطاء قدس سره، راجع: أنوار الفقاهة / كتاب الصَّلاة، ص 253.
2) . راجع: المقنِع، ص 111.
3) . راجع: الاقتصاد الهادي إلى طريق الرَّشاد، ص 266.
4) . راجع: المبسوط، ج 1 ص 123.
5) . راجع: النِّهاية، ص 94.
6) . راجع: إصباح الشِّيعة، ص 83.
7) . راجع: كشف الرُّموز، ج 1 ص 202.
8) . راجع: شرائع الإسلام، ج 1 ص 108.
9) . راجع: المختصر النَّافع، ج 1 ص 45.
10) . راجع: إرشاد الأذهان، ج 1 ص 269.
11) . راجع: تبصرة المتَعلِّمين، ص 51.
12) . راجع: تحرير الأحكام، ج 1 ص 303.
13) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 3 ص 323 المسألة 350.
وعن العلَّامة قدس سره أيضًا: «... لِما أجمع عليه العِصابةُ من أنَّه لاسهو علىٰ المأموم إذا حفظ عليه الإمام»(1).
تدلُّ علىٰ القاعدة رواياتٌ؛
منها ما أُفيض منهم عليهم السلام: «ليس علىٰ الإمام سهوٌ ولا علىٰ مَن خلفَ الإمام سهوٌ»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(2)، والشَّيخ قدس سره(3)، والحرُّ قدس سره(4)وقد صحَّحه أوَّل المجلسيَّين قدس سرهما(5)، والبحرانيُّ قدس سره(6)، والحكيم الفقيه العامِليُّ قدس سره(7)، وغيرهم.
وقد فُسِّر هذا القول(8)في جملةٍ من أحاديث الباب؛ منها قوله عليه السلام:
«ليس علىٰ الإمام سهوٌ إذا حفِظ عليه مَن خَلفه... وليس علىٰ مَن خلف الإمام
1) . راجع: مختلف الشِّيعة، ج 2 ص 427.
2) . راجع: الكافي، ج 3 ص 359 الحديث 7.
3) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 2 ص 344 الحديث 1428.
4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 240 الحديث 10535.
5) . راجع: روضة المتَّقين، ج 2 ص 435.
6) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 258.
7) . راجع: مناهج الأخيار، ج 1 ص 506.
8) . وانظر أيضًا: البيان الَّذي جاء به المحقِّق الفيض قدس سره في الوافي، ج 8 ص 1000 في التَّذييل علىٰ الحديث 7591.
سهوٌ إذا لم يَسْهُ الإمامُ»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(1)، والشَّيخ قدس سره(2)، والحرُّ قدس سره(3)، والصَّدوق قدس سره(4)، وغيرهم.
وفي المقام تنبيهاتٌ.
هل هذا حكمٌ تعبُّديٌّ؟ أو لا؟.
الأقوىٰ أنَّه ليس بتعبُّديٍّ، بل هو من باب الرُّجوع إلى الخبر المُعتَمَد عليه؛ فهو حجَّةٌ وأمارةٌ بنفسه. ولانحتاج إلى كون الخبر هذا ثقةً حتَّى يجبَ أن يُبحَثَ عن وثوقه؛ بل كون خبر المصلِّى - إمامًا كان أو مأمومًا - طريقًا إلى الواقع كافٍ لتقبُّله؛
كما أنَّ القدماء - تبعًا لسيرة العُقلاء - كانوا يقولون بحجِّيَّة الخبر المُعتَمَد عليه، والمراد منه ما هو طريقٌ إلى الواقع في كلِّ مسألةٍ.
والظَّاهر - كما هو المشهور بين الأصحاب - أنَّ تقسيمَ الخبر إلى أقسامه الأربعة - من: الثِّقة، والحسَن، والصَّحيح، والضَّعيف - من مُبدَعات العلَّامة قدس سره(5)
وانظر أيضًا: أعيان الشِّيعة، ج 5 ص 401؛ الحدائق النَّاضرة، ج 13 ص 191.
، ولا خبر1) . راجع: الكافي، ج 3 ص 358 الحديث 5.
2) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 2 ص 344 الحديث 1428.
3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 241 الحديث 10540.
4) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 1 ص 352 الحديث 1028.
5) . وبذلك قد أخذ عليه المحدِّث محمَّد أمين الأسترآبادي، واجاب عنه السَّيِّد نورالدِّين العاملي؛ راجع: الفوائد المدَنيَّة وبذيله الشَّواهد المكِّيَّة، ص 174.
عن هذا التَّقسيم قبلَه قدس سره في التُّراث الشِّيعيِّ(1).
وبما أنَّ الإمام والمأموم أرادا أن يأتيا بما وُظِّف عليهما من الصَّلوة الصَّحيحة واقعًا، فقولُهما حجَّةٌ في المقام، عادلين كانا أو لا؛ ثقتين كانا أو لا؛ رجلين كانا أو لا؛ بالغين كانا أو لا؛ بل جميع هذه الفروض في المقام في عرضٍ واحدٍ(2).
فيجوز الرُّجوع إلى خبرهم المعتَمَد عليه(3).
إذا ظنَّ الإمام أو المأموم، فهل يجوز لهما العمل به، حيث إنَّ الظَّنَّ في الصَّلوة حجَّةٌ - وقد أشرنا إلى قاعدة حجِّيَّة الظَّنِّ في الصَّلوة آنفًا -؟.
الأقوىٰ: نعم، لحجِّيَّته فيها - وفاقًا للأعلام، كأوَّل المجلسيَّين قدس سرهما(4)-؛ إلَّا إذا استَيقَن أحدُهما بخلافه، فحينئذٍ يقينُه حجَّةٌ علىٰ نفسه وعلىٰ الآخر أيضًا؛ فيجب رجوعُ كلِّ واحدٍ منهما إلى الآخر. وقد حكىٰ الفقيه الحسن آل كاشف الغطاء قدس سره أنَّ هذا القول هو الَّذي نُسِب إلى الأصحاب(5).
1) . وانظر التَّفصيل عن ذلك في مقال: العلَّامة الحلِّي وبذور تكوُّن مدرسة السَّند في الفكر الإماميِّ - للعلَّامة الشَّيخ حَيدَر حبُّ اللَّه - المطبوع في مجلَّة فقه أهل البيت عليهم السلام / بالعربيَّة، ج 39 ص 162 فما بعدها.
2) . كما عن المحقِّق المجلسي قدس سره في: الأربعين، ص 514.
3) . وانظر أيضًا: جواهر الكلام، ج 12 ص 404.
4) . راجع: روضة المتَّقين، ج 2 ص 436.
5) . راجع: أنوار الفقاهة / كتاب الصَّلاة، ص 254.
وكذلك في فرض ظنِّ أحدهما مع شكِّ الآخر؛ كما عن العلَّامة المجلسي قدس سره(1)، والمحقِّق البحراني قدس سره(2)وقد ناقش فيه الفقيه النَّجفيُّ قدس سره(3)، فراجعه.
أمَّا في فرض ثبوت الظَّنِّ لأحدهما، فبما أنَّ هذا الظَّنَّ حجَّةٌ لنفسه - لوقوعه في الصَّلاة -، فهو حجَّةٌ لغيره أيضًا، فيرجع إليه من باب رجوع اللَّاحجَّة إلى الحجَّة.
هل الرُّجوع هذا يختصُّ بالرَّكعات فقط؟ أم لا؟، بل يشمل الأفعال أيضًا؟؛
وهل يختصُّ بالرَّكعات الأُخرَيَين؟ أم لا؟، بل يشمل الرَّكعتين الأولَيَين أيضًا؟.
ذهب صاحبُ المدارك قدس سره إلى الثَّاني(4)قائلًا بالشُّمول، وادَّعىٰ ثبوتَ الإجماع عليه(5)وقد تابع في هذا القول ثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(6)، ووافقهما البحرانيُّ قدس سره(7).
واستشكل صاحبُ الجواهر قدس سره عليه(8)، معلِّلًا بأنَّ الدَّليل يختصُّ بالرَّكعات - حيث إنَّها مذكورةٌ فيه -؛ فشموله لغيرها من الأفعال مشكلٌ جدًّا؛ وقد وافَقَه فيه كثيرٌ من الأصحاب، كالسَّيِّد الحكيم قدس سره(9).
1) . راجع: بحار الأنوار، ج 85 ص 244.
2) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 275.
3) . راجع: جواهر الكلام، ج 12 ص 406.
4) . راجع: مدارك الأحكام، ج 4 ص 269.
5) . وصريح قوله نسبتُه إلى الأصحاب، راجع: نفس المصدر.
6) . راجع: مسالك الأفهام، ج 1 ص 298.
7) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 269.
8) . راجع: جواهر الكلام، ج 12 ص 365.
9) . راجع: مستمسك العروة الوثقىٰ، ج 7 ص 591.
والحقُّ مع صاحب الجواهر قدس سره إن ذهبنا إلى أنَّ مدركَ المسألة هو الرِّوايات، إلَّا أن يُقال بإلغاء الخصوصيَّة عن «الرَّكعات» المنصوص عليها في الدَّليل.
لكنَّ المدرك - كما أشرنا إليه آنفًا - هو رجوع مَن لا خبر له إلى الخبر المعتَمَد عليه، وهو في عِداد الأمارات؛ والعقلاء لايفرِّقون بين الشَّكِّ في الرَّكعات وبين الشَّكِّ في الأفعال،
فإذن الشُّمول هو المختار، تبعًا للفقيه صاحب المدارك قدس سره.
لوكانا ظانَّين وكان ظنُّ كلٍّ منهما يُخالِف ظنَّ الآخر(1)، أو شاكَّين كذلك، فلادليل لرجوع كلٍّ منهما إلى الآخر؛ بل يعمل كلٌّ بما هو وظيفته.
أمَّا لوكانا في ظنِّهما أو شكِّهما موافِقَين للآخر، فالعمل بالوظيفة أيضًا لايحتاج إلى الرُّجوع، بل يعملان بهذا الظَّنِّ، أو الشَّكِّ؛
فصورة الرُّجوع - المبحوثُ عنها في هذه القاعدة - تنحصر في ما إذا لم يكن لأحدهما شكٌّ أو ظنٌّ، وكان الآخر ظانًّا؛ فحينئذٍ يرجع من لا ظنَّ له إلى من استَقرَّ له الظَّنُّ.
لاإشكال في أنَّ الإمام لوسهىٰ فعليه جبرانُ سهوه(2)
راجع: مدارك العروة، ج 18 ص 106.
. فمثلًا: إذا قام بدلَ أن يقعد،أو بالعكس، أو سهىٰ فنسي التَّشهُّد أو السَّجدة فيجبر الفائت بعد الصَّلوة(1)
وكذلك المأموم بعينه، بلافرقٍ بينهما.
أمَّا القولُ بأنَّ الإمام هو الضَّامن في الصَّلوة، وليس علىٰ المأموم أن يتدارَكَ ما سهىٰ به فيها(2)
وبين المطلَبين بونٌ بعيدٌ، كما لايخفىٰ علىٰ المتأمِّل!.
فليس بشيءٍ!، بل - كما قلنا - لافرق بينهما من هذه الجهة أصلًا.
وهذا هو المشهورُ - خلافًا لبعضهم(3)-، والموافقُ للقواعد. وتدلُّ عليه رواياتٌ كثيرةٌ؛ منها:
ما رواه عبدالرَّحمن بن الحجَّاج عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «قال: الرَّجل يتكلَّم ناسيًا في الصَّلوة يقول: أقيمُوا صفوفَكم؟، فقال عليه السلام: يتمُّ صلاته ثمَّ يسجد سَجدتين»؛ فيما رواه الكلينيُّ قدس سره(4)، والشَّيخ قدس سره(5)، والحرُّ قدس سره(6)، والفيض(7)قدس سره؛
1) . كما عن الشَّيخ في فرعٍ ذكره في صلاة الخوف؛ راجع: المبسوط، ج 1 ص 165.
2) . والظَّاهر أنَّ هذا القول ناظرٌ إلى ما حكاه الشَّيخ عن مفيد الأمَّة في تهذيبه: «وإذا سها المأموم عن الرُّكوع حتَّى دخل الإمام في الرَّكعة الثَّانيَة فليركع وليلحق الإمام، وليس عليه شيءٌ»؛ راجع: التَّهذيب، ج 3 ص 54؛ وانظر أيضًا: ملاذ الأخيار، ج 4 ص 760.
3) . مثل ما حكاه المحقِّق قدس سره عن الشَّيخ قدس سره والمرتضىٰ قدس سره؛ راجع: المعتبر، ج 2 ص 394؛ الخلاف، ج 1 ص 171 المسألة 206؛ منتهىٰ المطلب، ج 7 ص 37.
4) . راجع: الكافي، ج 3 ص 356 الحديث 4.
5) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 2 ص 191 الحديث 755.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 206 الحديث 10435.
7) . راجع: الوافي، ج 8 ص 994 الحديث 7577.
وسنده صحيحٌ بلاريبٍ، كما صحَّحه ثاني المحقِّقَين قدس سرهما(1)، وثاني الشَّهيدَين قدس سرهما(2)، والمحقِّق الأردبيليُّ قدس سره(3)، وصاحب المدارك قدس سره(4)، والفيض قدس سره(5)، وغيرهم.
نعم! في المسألة رواياتٌ أُخَر تدلُّ علىٰ أنَّ الإمام ضامنٌ لجميع ما صدَرَ عن المأموم، ولايجب علىٰ المأموم شيءٌ إذا سهىٰ، من سجدَتَي السَّهو أو غيرهما؛ وقد أشار الشَّيخ صاحبُ الوسائل قدس سره إلى طائفةٍ من تلك الرِّوايات في أبواب الخلل الواقع في الصَّلوة(6).
لكنَّ الرِّوايات كلَّها تُحمَل علىٰ التَّقيَّة، لتوافُقِها مع آراء العامَّة في المسألة.
والشَّاهد علىٰ هذا الحمل رواياتٌ كثيرةٌ أيضًا؛ منها:
صحيحة معاوية بن وهبٍ: «قلتُ لأبي عبداللَّه عليه السلام: أ يضمنُ الإمامُ صلوةَ الفريضة؟، فإنَّ هؤلاء يزعمون أنَّه يَضْمَنُ، فقال: لايضمن، أيَّ شيءٍ يضمنُ؟!»؛ الَّتي رواها الشَّيخ قدس سره(7)، والفيض قدس سره(8)، والحرُّ قدس سره(9)، وغيرهم. وقد بحث عنها
1) . راجع: جامع المقاصد، ج 2 ص 341.
2) . راجع: روض الجنان، ج 2 ص 866.
3) . راجع: مجمع الفائدة والبرهان، ج 3 ص 158.
4) . راجع: مدارك الأحكام، ج 4 ص 281.
5) . راجع: معتصم الشِّيعة، ج 3 ص 179.
6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 187 فما بعدها.
7) . راجع: تهذيب الأحكام، ج 3 ص 277 الحديث 813.
8) . راجع: الوافي، ج 8 ص 1252 الحديث 8180.
9) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 373 الحديث 10937.
العلَّامة قدس سره(1)، والبحرانيُّ قدس سره(2)، والوحيد الفريد قدس سره(3)، والمحقِّق القمِّي قدس سره(4)، وغيرهم.
قلتُ: إنَّ المسألة أوضح من أن يحتاج إلى البحث أزيد من هذا؛ فلنختم الكلام هيهنا.
قال الشَّهيد الأوَّل قدس سره: «لاحكم لشكِّ الإمام مع حفظ المأموم، وبالعكس، لوجوب رجوع الشَّاكِّ إلى المتيقِّن»(5).
قال العلَّامة قدس سره: «ولاسهو علىٰ المأموم إذا حفظ عليه الإمام، وبالعكس، عملًا بأصالة البراءة»(6).
قال ثاني المحقِّقَين قدس سرهما: «لاحكم لشكِّ المأموم إذا حفظ عليه الإمام ... وكذا الإمام إذا نبَّهه المأمومُ عليه. ويجب عليه العمل بإشارة المأموم كالأمارة المفيدة لغلبة الظَّنِّ»(7).
1) . راجع: منتهىٰ المطلب، ج 7 ص 40.
2) . راجع: الحدائق النَّاضرة، ج 9 ص 278.
3) . راجع: مصابيح الظَّلام، ج 9 ص 269.
4) . راجع: مناهج الأحكام، ص 624.
5) . راجع: ذكرىٰ الشِّيعة، ج 4 ص 57.
6) . راجع: تذكرة الفقهاء، ج 3 ص 323.
7) . راجع: رسالةٌ في ترتيب قضاء الصَّلاة الفائتة في رسائل المحقِّق الكركي، ج 2 ص 143.
الفهرس الإجمالي 5
مقدَّمة المقرَّر 7
[24:] القرعةُ لكلِّ أمرٍ مشكلٍ
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 13
توضيح مفاد القاعدة 13
مدركُ القاعدة 14
أوَّلًا: الكتاب 14
ثانيًا: السُّنَّة 15
ثالثًا: الإجماع 21
رابعًا: العقل 22
تنبيهاتٌ 23
التَّنبيه الأوَّل 23
التَّنبيه الثَّاني 24
التَّنبيه الثَّالث 25
التَّنبيه الرَّابع 38
التَّنبيه الخامس 41
التَّنبيه السَّادس 42
التَّنبيه السَّابع 43
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 44
[25:] قاعدة الميسور
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 45
توضيح مفاد القاعدة 45
مدركُ القاعدة 46
تنبيهٌ 55
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 57
[26:] قاعدة المؤمنونَ عند شروطِهم
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 59
توضيح مفاد القاعدة 59 مدركُ القاعدة 60
أوَّلًا: الكتاب العزيز 61
ثانيًا: روايات الباب 63
ثالثًا: الإجماع 65
رابعًا: بناء العقلاء 66
تنبيهاتٌ 66
التَّنبيه الأوَّل 66
التَّنبيه الثَّاني 78
التَّنبيه الثَّالث 79
التَّنبيه الرَّابع 80
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 80
[27:] قاعدة الوصيَّة حقٌّ علىٰ كلِّ مسلمٍ
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 83
توضيح مفاد القاعدة 83
مدركُ القاعدة 84
تنبيهاتٌ 85
التَّنبيه الأوَّل 85
التَّنبيه الثَّاني 88
التَّنبيه الثَّالث 90
التَّنبيه الرَّابع 92
التَّنبيه الخامس 93
التَّنبيه السَّادس: 96
التَّنبيه السَّابع 102
التَّنبيه الثَّامن 105
التَّنبيه التَّاسع 106
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 111
[28:] قاعدة الوقوف علىٰ حسْبِ ما يُوقِفُها أهلُها
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 113
توضيح مفاد القاعدة 113
مدركُ القاعدة 117
أوَّلًا: بناء العقلاء 117
ثانيًا: الرِّوايات 117
تنبيهاتٌ 118
التَّنبيه الأوَّل 118
التَّنبيه الثَّاني 120
التَّنبيه الثَّالث 123
التَّنبيه الرَّابع 123
التَّنبيه الخامس 134
التَّنبيه السَّادس 139
التَّنبيه السَّابع 140
التَّنبيه الثَّامن 143
التَّنبيه التَّاسع 145
التَّنبيه العاشر 147
التَّنبيه الحادي عشر 148
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 150
[29:] قاعدة اليد
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 153
توضيح مفاد القاعدة 153
مدركُ القاعدة 154
أوَّلًا: سيرة العقلاء 154
ثانيًا: السُّنَّة المطهَّرة 154
ثالثًا: الإجماع 158
تنبيهاتٌ 158
التَّنبيه الأوَّل 158
التَّنبيه الثَّاني 160
التَّنبيه الثَّالث 162
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 165
[30:] قاعدة إنَّ الإجارةَ أحدُ معايش العبادِ
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 167
توضيح مفاد القاعدة 167
مدركُ القاعدة 169
أوَّلًا: الكتاب العزيز 169
ثانيًا: السُّنَّة المطهَّرة 170
ثالثًا: الإجماع 170
رابعًا: بناء العقلاء 171
تنبيهاتٌ 171
التَّنبيه الأوَّل 171
التَّنبيه الثَّاني 172
التَّنبيه الثَّالث 172
التَّنبيه الرَّابع 174
التَّنبيه الخامس 177
التَّنبيه السَّادس 179
التَّنبيه السَّابع 181
التَّنبيه الثَّامن 184
التَّنبيه التَّاسع 184
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 187
[31:] قاعدة إنحلال العُقود إلى عقودٍ أُخَر
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 189
توضيح مفاد القاعدة 189
مدركُ القاعدة 190
أوَّلًا: بناء العقلاء 190
ثانيًا: الإجماع 192
ثالثًا: دليل العقل 192
تنبيهاتٌ 192
التَّنبيه الأوَّل 192
التَّنبيه الثَّاني 194
التَّنبيه الثَّالث 195
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 197
[32:] قاعدة أخذ الأُجرة علىٰ الواجبات
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 199
توضيح مفاد القاعدة 199
مدركُ القاعدة 202
الأدلَّة الاِصطياديَّة القائلة بعدم جواز أخذ الاجرة علىٰ الواجبات 202
منها: خروج العمل عن قدرة العامل تشريعًا 202
ومنها: تنافي أخذ الأجرة مع الإخلاص 204
ومنها: إنَّ أخذ الأُجرة يساوي أكل المال بالباطل 207
الأدلَّة الاِصطياديَّة القائلة بجواز أخذ الاجرة علىٰ الواجبات 209
منها: العامل لايعمل إلَّالنفسه 209
منها: هذا العمل لايحتاج إلى قصد القربة أصلًا 210
منها: يكفي هذا القصد عن المؤجر له، ولا حاجة إلى قصد الأجير 211
منها: كفاية قصد القربة ممَّن هو أقوىٰ من الآخر 212
منها: لافرق بين الواجب والمندوب هيهنا 213
تنبيهٌ 214
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 215
[33:] قاعدة أصالة الصِّحَّة
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 217
توضيح مفاد القاعدة 217
مدركُ القاعدة 219
أوَّلًا: الكتاب 220
ثانيًا: السُّنَّة 220
ثالثًا: الإجماع 223
رابعًا: العقل 224
تنبيهاتٌ 227
التَّنبيه الأوَّل 227
التَّنبيه الثَّاني 228
التَّنبيه الثَّالث 230
التَّنبيه الرَّابع 234
التَّنبيه الخامس 236
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 237
[34:] قاعدة أصالة اللُّزوم في العُقُود
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 239
توضيح مفاد القاعدة 240
مدركُ القاعدة 241
أوَّلًا: الكتاب 241
ثانيًا: الرِّوايات 243
ثالثًا: الأدلَّة العقليَّة 245
تنبيهاتٌ 245
التَّنبيه الأوَّل 245
التَّنبيه الثَّاني 246
التَّنبيه الثَّالث 247
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه: 249
[35:] قاعدة بطلان كلِّ عقدٍ بتعذُّر الوفاءِ به
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 251
توضيح مفاد القاعدة 251
مدركُ القاعدة 252
الأدلَّةُ العقليَّة 252
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 254
[36:] قاعدة تلف المبيع قبل القبض
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 257
توضيح مفاد القاعدة 258
مدركُ القاعدة 259
أوَّلًا: السُّنَّة 259
ثانيًا: الإجماع 261
تنبيهاتٌ 264
التَّنبيه الأوَّل 264
التَّنبيه الثَّاني 266
التَّنبيه الثَّالث 267
التَّنبيه الرَّابع 269
التَّنبيه الخامس 269
التَّنبيه السَّادس 270
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 271
[37:] قاعدة ثبوت الأحكام الوَضعيَّة علىٰ غير البالغِ المُكلَّف
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 273
توضيح مفاد القاعدة 274
مدركُ القاعدة 278
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 279
[38:] قاعدة حجِّيَّة البيِّنة
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 283
توضيح مفاد القاعدة 283
مدركُ القاعدة 284
أوَّلًا: كون خبر الثِّقة حجَّةً في الموضوعات 285
ثانيًا: السُّنَّة 286
تنبيهاتٌ 287
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 288
[39:] قاعدة حجِّيَّة الظَّنِّ في الصَّلاة
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 289
توضيح مفاد القاعدة 289
مدركُ القاعدة 290
أوَّلًا: الإجماع 290
ثانيًا: السُّنَّة 292
ثالثاً: الأدلَّة الاِصطياديَّة 294
تنبيهاتٌ 296
التَّنبيه الأوَّل 296
التَّنبيه الثَّاني 297
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 301
[40:] قاعدة حرمة إبطال الواجبات
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 303
توضيح مفاد القاعدة 304
مدركُ القاعدة 304
أوَّلًا: الكتاب 304
ثانيًا: الإجماع 306
ثالثًا: الرِّوايات 307
رابعًا: الأدلَّة العقليَّة 309
تنبيهٌ 309
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 311
[41:] قاعدة حرمة الإهانة بالمقدَّسات
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 313
توضيح مفاد القاعدة 314
مدركُ القاعدة 314
أوَّلًا: الكتاب 314
ثانيًا: الرِّوايات 315
ثالثًا: الإجماع 318
رابعًا: العقل 319
تنبيهاتٌ 320
التَّنبيه الأوَّل 320
التَّنبيه الثَّاني 321
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 322
[42:] قاعدة حُرمة الرِّبا
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 325
توضيح مفاد القاعدة 325
مدركُ القاعدة 329
أوَّلًا: الكتاب 329
ثانيًا: الرِّوايات 332
ثالثًا: الإجماع 334
رابعًا: الأدلَّة العقليَّة 335
تنبيهاتٌ 335
التَّنبيه الأوَّل 335
التَّنبيه الثَّاني 338
التَّنبيه الثَّالث 342
التَّنبيه الرَّابع 344
التَّنبيه الخامس 348
التَّنبيه السَّادس 352
التَّنبيه السَّابع 356
التَّنبيه الثَّامن 358
التَّنبيه التَّاسع 359
التَّنبيه العاشر 363
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 366
[43:] قاعدة رجوع الإمام إلى المأموم في شكِّه وبالعكس
عناوين أُخرىٰ للقاعدة 369
توضيح مفاد القاعدة 370
مدركُ القاعدة 371
أوَّلًا: روايات الباب 371
تنبيهاتٌ 372
التَّنبيه الأوَّل 372
التَّنبيه الثَّاني 373
التَّنبيه الثَّالث 374
التَّنبيه الرَّابع 375
التَّنبيه الخامس 375
أمثلةٌ لاستعمال القاعدة في الفقه 378
الفهرس التَّفصيلي 379