ghaemiyeh.com
مُوسُوعة
سيرة اهل البیت (علیهم السلام)
الجزء الثلاثون
الامام علی بن موسی الرضا (علیه السلام)
تأليف
باقر شریف القرشی
تحقيق
مهدی باقر القرشی
مؤسسة الإمام الحسن (علیه السلام)
لاحياء ترات اهل البيت (علیهم السلام)
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
محرر الرقمي: اصغر مصطفائي بفراجرد
موسوعة
سيرة اهل البيت (علیهم السلام)
الامام علی بن موسی الرضا(علیه السلام)
موسوعة
سيرة اهل البيت (علیه السلام)
الجزء الثلاثون
الامام علی بن موسی الرضا (علیه السلام)
تأليف
باقر شریف القرشی
تحقيق
مهدي باقر القرشي
موسسة الأمام الحسین
لإحياء تراث أهل البيت
موسوعة سيرة أهل البيت (علیهم السلام)
تأليف: باقر شریف القرشی
تحقيق : مهدی باقر القرشي
الناشر :... دار المعروف - موسسة الأمام الحسین
المطبعة... ستار
الطبعة الثانية :...1433ه/ 2012م
عدد النسخ... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة:1-42-8275-964-978
ردمك الجزء (30):8-72-8275-964-978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول الله مكتبة الإمام الحسن الله - هاتف 009647805694970
بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحیمِ
إلى رائد النهضة الفكرية والعلميّة في الإسلام
إلى سليل النبوّة ، ومعدن العلم والحكمة
الأمامِ الصَّادِق (عَلَيهِ السَّلَامُ)
أرفع لمقامه العظيم هذا المجهود المتواضع
الذي بَحَثتُ فيه عن سيرة حفيده
الإمَام الرَّضَا (عَلَيهِ السَّلَامُ)
راجياً التفضّل علَىَّ بالقبول ليكون لى ذخراً يوم ألقى الله
المؤلّف
1-هذه دراسة عن حياة الإمام الرضا(عَلَيهِ السَّلَامُ) الإمام الثامن من أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهو قبس من نور الله تعالى، ونفحة من رحماته ، وكنز من كنوز حكمته، وله ولآبائه قادة الفكر الإسلامي في مدح الله تعالى غنى عن مدح المادحين ووصف الواصفين ، فقد أذهب عنهم الرجس ، وطهرهم من الزيغ .
قال تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطهيراً»(1).
كما فرض تعالى مودتهم على جميع أبناء الإسلام . قال تعالى: «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ
عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»(2).
وقرنهم جّدهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمحكم التنزيل ، فقد قال : « إِني تاركٌ فيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ما إِن تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي ، أَحَدُهُما أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ : كِتابُ اللهِ حَبْلُ مَمْدودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْتی ، وَلَنْ يَفْتَرِنَا حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَانظروا كَيْفَ تَخْلُفوني فيهما»(3).
كما جعلهم(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) سفن نجاة هذه الأمة ، قال : « إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ كَسَفِينَةٍ نوحٍ ،
مَنْ رَكِبَها نَجا ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ ، وَإِنَّما مَثَلُ أَهْلِ بَيْتي فيكُمْ مَثَلُ بابٍ حِطَّةَ فق بني إسرائيل ، مَنْ دَخَلَهُ غُفِرَ لَه»(1).
ووجه المأمون سؤالاً لعبد الله بن مطر ، وهو من أعلام الفكر والأدب في عصره ، فقال له : ما تقول في أهل البيت ؟
فأجابه عبدالله بهذه الكلمة المشرقة قائلاً: ما قولي في طينة عُجنت بماء الرسالة، وغُرست بماء الوحى ، هل ينفح منها إلا مسك الهدى ، وعنبر التقى.
وملكت هذه الكلمة الذهبية قلب المأمون ، وكان الإمام الرضا(علیه السلام) حاضراً في
المجلس ، فأمر المأمون أن يحشى فم عبد الله لؤلؤاً(2).
إن جميع القيم الرفيعة ، والمبادئ الأصيلة التي يعتز بها هذا الكائن الحي من بني الإنسان كلّها ماثلة في أئمة أهل البيت(علیه السلام)، فهي من عناصرهم ومن ذاتيّاتهم.
2-أما نزعات الإمام الرضا(عَلَيهِ السَّلَامُ) وعناصره النفسية ، فهي كنزعات آبائه الأئمة العظام (عَلَيهِم السَّلَامُ) تجرداً عن الدنيا ، وزهداً في مباهجها ، وإعراضاً عن زينتها ، وإقبالاً على الله وانقطاعاً إليه ، وتمسكاً بطاعته ، وعلماً بأحكام الدين ، وإحاطة شاملة بشريعة سيّد المرسلين ، وعوناً للضعفاء ، وغوثاً للمحرومين ، وسعياً لقضاء حاجات المحتاجين ، إلى غير ذلك من الصفات الكريمة التي جعلتهم في قمّة الشرف والمجد في دنيا العرب والإسلام .
وملك الإمام الرضا(علیه السلام) هذه القيم الأصيلة بجميع صورها وألوانها ، فقد تجرّد عن الدنيا تجرّداً كاملاً ، وطلّقها ثلاثاً كما طلقها جده الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلم يحفل بزينتها ومباهجها ، وقد تجلى ذلك - بوضوح - حينما تقلّد ولاية العهد التي هي أعظم مركز في الدولة الإسلامية ، فقد كان الشخصية الثانية بعد المأمون ، فقد رفض جميع
مغريات الحكم والسلطان ، وكره كأشدّ ما تكون الكراهية ما يقيمه الناس لملوكهم وحكّامهم من المهرجانات الشعبيّة ، وصنوف العظمة والتكريم ، وقد أعلن ذلك بقوله : «إِنَّ مَشْيَ الرِّجالِ خَلْفَ الرِّجَالِ فِتْنَةٌ لِلْمَتبوعِ ، وَمَذَلَّةٌ لِلتَّابِعِ»(1).
وكان - فيما يقول الرواة - يدخل حمّام السوق، وصاحب الحمام لا يعرفه ، وقد اتفق أنّ جندياً كان في الحمام ، فطلب منه أن يقوم بتدليكه وتنظيفه ، فانبرى مجيباً لطلبه ، وحينما علم الجندي بذلك استولى عليه الفزع والرعب ، فهدّأ الإمام روعه ، وعرّفه أنه قام بخدمة إنسانيّة له .
وكان من معالي أخلاقه أنه كان يأكل مع غلمانه وخدمه ، ويكره أن يتميّز عليهم ، إلى غير ذلك من سموّ أخلاقه التي ورثها من جدّه الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
3-ولأئمة أهل البيت (علیهم السلام) سياستهم المشرقة ، ومنهجهم النيّر في عالم الحكم والسياسة ، فهم يرون أن الحكم يجب أن يكون وسيلة لإقامة العدل الخالص، والحق المحض ، ونشر المحبة والألفة بين الناس ، ولا بد أن يكون أداة لإنعاش الشعوب ورفاهيتها وأمنها ورخائها ، ولا قيمة للحكم عندهم إذا لم يحقق هذه الأهداف النبيلة التي تسعد بها الشعوب .
استمعوا إلى ما يقوله سيّد العترة الإمام أمير المؤمنين(علیهم السلام) إلى وزيره ومستشاره عبدالله بن عباس ، وقد رفع إليه نعله التي كانت من ليف ، فقال له : يابْنَ عَبّاس، ما قيمَةُ هذا النَّعْل ؟
وسارع ابن عباس قائلاً : لا قيمة له يا أمير المؤمنين .
فانبرى الإمام قائلاً : إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ خِلافَتِكُمْ هَذِهِ ، إِلَّا أَنْ أَقِيمَ حَقًّا وَأَدْفَعَ باطِلاً.
ولم يحفل قاموس السياسة في تقييم الحكم بكلمة أجل ولا أسمى من هذه الكلمة
1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 453 . سنن الدارمي : 1 : 134 .
التي أدلى بها عملاق الفكر الإسلامي الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فلا قيمة للسلطة ما لم يقم في ظلها الحق والعدل ، ويقصى فيها الباطل والجور .
إنّ هذا هو منهج الله تعالى الذي يريده لعباده لتستقيم حياتهم ، وينعمون في ظلّ
حكم لا خداع فيه ولا تضليل ولا تلاعب بما تملكه الأُمة من مقدرات.
4-وبرز الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مسرح الحياة السياسيّة في الإسلام كألمع سياسي عرفه التاريخ الإسلامي، فقد كان صلباً في مواقفه السياسية ، فلم تخدعه الأساليب البراقة ، ولا الأماني المزيفة التي قدمها له الملك العباسي المأمون من تنازله عن العرش ، وترشيحه له ، فلم يكن هذا العرض واقعيّاً ولا صادقاً بحال من الأحوال ، وإنما كان لأغراض سياسية ، لعل من أهمها القضاء على الثورات الملتهبة التي كادت أن تحرق الحكم العبّاسي ، وتلف لواءه ، والتي منها ثورة أبي السرايا ، فقد كان قائداً عسكرياً ملهماً ، فهو كأبي مسلم الخراساني الذي أطاح بالحكم الأموى ، ومضافاً لذلك جلب عواطف الإيرانيين وسائر القوى الموالية لأهل البيت (علیهم السلام) الذين جهدت الحكومات العبّاسيّة المتعاقبة على ظلمهم والتنكيل بهم، وحرمانهم من حقوقهم الطبيعية.
ولم تخف على الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) دوافع المأمون السياسية بتنازله عن رئاسة الدولة ، وتقديمها بسخاء له ، فامتنع (علیهم السلام) امتناعاً شديداً من قبولها ، ولما يئس منه عرض عليه ثانياً ولاية العهد ، فامتنع كذلك ، إلّا أنّه تهدّده وتوعّده بالقتل إن لم يستجب لذلك ، فاستجاب على كره ، وقد شرط عليه شروطاً ألقت الأضواء على كراهيته وعدم رضاه ، وهي :
1 - لا يأمر ولا ينهي .
2- لا يعزل أحداً عن منصبه .
2- لا ينصّب أحداً فى أى منصب من مناصب الدولة .
ومعنى هذه الشروط أن يكون له مجرّد الشكل الظاهري من أنه ولي عهد المأمون ، كما أن معناه أن حكومة المأمون ليست شرعية ، ولو كانت شرعيّة لما شرط عليه هذه الشروط .
ولم تمض الأيام حتى استبان للجميع عمق ما ذهب إليه الإمام ، وزيف ما عرضه المأمون على الإمام ، وإنّه إنما عمد لذلك للعبة سياسيّة ، فلما انتهت قام باغتيال الإمام لأنه لا يمكنه عزله ، وسنوضح جميع هذه البحوث في غضون هذا الكتاب
5-ومن بين بحوث هذا الكتاب التدليل على مدى الثروات العلمية الهائلة التي يملكها الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد شملت جميع ألوان العلوم والمعارف من علم الفلسفة وعلم الكلام والطب والفقه وغيرها ، وقد دلّت على ذلك بصورة موضوعية وواضحة مناظراته مع كبار الفلاسفة والعلماء الذين جلبهم المأمون من مختلف أقطار الدنيا وأمصارها إلى خراسان لامتحان الإمام ، وقد عقد مع كلّ وفد منهم اجتماعاً خاصّاً وسرّياً ، ووعدهم بالثراء العريض إن أفحموا الإمام وأعجزوه عن إجابتهم ليتخذ من ذلك وسيلة للطعن والتشهير بما تذهب إليه الشيعة من أنّ أئمة أهل البيت (علیهم السلام) أعلم الأمّة ، وأن الله آتاهم من العلم والفضل كما أتى أنبياءه وأوصياءه .
واستجاب العلماء لدعوة المأمون ، فسألوا الإمام عن أعقد المسائل وأكثرها غموضاً ، ويقول المؤرّخون : إنهم سألوه عن أكثر من عشرين ألف مسألة في أبواب متفرّقة ، فأجابهم عنها جواب العالم الخبير المتخصص ، فبهر العلماء من سعة علومه ، ودان الكثيرون منهم بإمامته ، مما اضطر المأمون إلى حجب الإمام عن وغيرهم ، وفرض الرقابة الشديدة عليه لئلا يفتتن الناس به .
ومن الجدير بالذكر أنّ تلك المناظرات قد دوّنها بعض تلامذة الإمام (علیهم السلام) ، إلّا أنّا لم نعثر عليها ، ولعلّها من جملة المخطوطات التي خسرها العالم العربي والإسلامي .
وعلى أي حال ، فقد نقل مؤرّخو الشيعة طائفة يسيرة من تلك المناظرات ،
وهى ذات أثر مهم للغاية ، فإنّها على قلتها تكشف عن مدى ثروات الإمام العلمية . وتدلّل على أنه من عمالقة الفكر والعلم في دنيا الإسلام .
6- وأثرت عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)كوكبة من الكتب نص عليها المعنيون بتدوين أسماء الكتب ، كابن النديم والطوسي وغيرهما ، كما نص عليها المترجمون للإمام ، وهي :
1- طب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)
وهي رسالة جليلة كتبها الإمام للمأمون بطلب منه ، وسميت ب« الرسالة الذهبيّة » لنفاستها ، وقد عرضت بصورة موضوعية وشاملة إلى برامج الأغذية الصحية التي تعتبر الأساس للصحة العامة ، كما عرضت إلى ما يصلح بدن الإنسان ويقيه من الإصابة بكثير من الأمراض ، وكان من جملة تلك الوصفات عدم الإسراف في تناول الطعام ، فإنّ الإسراف فيه يعرّض الإنسان للإصابة بارتفاع الضغط الدموي ، والإصابة بداء السكر ، وتصلب شرايين القلب ، وغير ذلك من الأمراض الخطرة . ومن المؤكد أنّ وصايا الإمام الصحيّة لو طبّقت على مسرح الحياة لجعلت الطبّ وقائيّاً.
ونظراً لأهمّية هذه الرسالة ، فقد انبرى جمع من الفضلاء إلى شرحها ، فكان منهم
الدكتور السيد صاحب زيني ، فقد شرحها بما يتّفق والطّب الحديث .
2 - مسند الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)
أو صحيفة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، وقد احتوت على طائفة من الأخبار يروي الإمام (علیه السلام) بعضها بسنده عن جده الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وقد طبعت في القاهرة ، طبعها وعلّق عليها العلّامة عبدالواسع بن يحيى الواسمي .
3- جوامع الشريعة
وقد جمعت غرر الأحكام الشرعيّة ، وأمهات المسائل الفقهيّة ، وقد أملاها
الإمام (علیه السلام) على الفضل بن سهل(1)رئيس وزراء المأمون ، وذلك بطلب منه ، وذكرت هذه الرسالة في « تحف العقول، وغيره من مؤلفات الشيعة ، وقد نقلناها عنهم ، وأثبتناها في غضون هذا الكتاب ، وهذه الكتب إنّما هي من بعض ثروات الإمام العلميّة . أما فقه الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد دللنا على أنه ليس من مؤلفاته ، وإنما هو لغيره و منسوب إليه .
وعلى أي حال ، فقد ذكر الرواة للإمام طائفة كبيرة من غرر الحكم والآداب هي برنامج للحياة المتطوّرة التي يريدها الإسلام لأبنائه .
V- وحفل هذا الكتاب بترجمة طائفة من كبار العلماء والرواة ممن تتلمذ وأشرف على يد الإمام (علیهم السلام) ، ورووا حديثه ، وقد ألف بعضهم نسخاً من أحاديثه وحكمه .
و من المؤكد أنّ عرض ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبحث عن حياته ، فإنه يكشف عن مدى اهتمام الأوساط العلمية في ذلك العصر بتلقي العلوم والمعارف عنه ، فقد كان بإجماع الرواة والمؤرّخين عملاق الفكر الإسلامي ، وكانت علومه امتداداً ذاتياً لعلوم آبائه الأئمة الطاهرين (علیهم السلام) الذين هم خزنة علوم النبي (صلی الله علیه و آله) وورثة حكمته .
8- و تناول هذا الكتاب دراسة عصر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعرض ما فيه من الأحداث السياسية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية ، وغير ذلك مما يمسّ حياة الناس في ذلك العصر.
إنّ دراسة مثل هذه الأمور أصبحت من البحوث المنهجية التي لا غنى للباحث عنها ، لأن مجريات الأحداث في كل عصر لها الدخل المباشر في التأثير على حياة الإنسان ، وعلى مكوّناته الفكرية ، كما أكّدت ذلك بحوث علم النفس وعلم الاجتماع .
1) ستأتي ترجمته لاحقاً.
وقد حفل عصر الإمام (علیه السلام) بكثير من الأحداث الجسام ، كان من بينها الصراع المسلح بين الأمين والمأمون ، والذي كان سببه الرشيد ، وهو المسؤول عنه ، وقد أدّى ذلك الصراع إلى خراب بغداد التي كانت زينة الشرق ، وإلى قتل طائفة كبيرة من الناس ، ومن بين تلك الأحداث ثورة القائد الملهم أبي السرايا ، وغيرها من الثورات الكبرى التي كادت تقضي على الدولة العباسية وتلف لواءها ، إلا أن المأمون قد استطاع بدهائه وحنكته السياسية أن يتغلب على جميع الأحداث التي ألمّت به ، فأجبر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو أمل الأمة الإسلامية على قبول ولاية العهد ، الأمر الذي أدّى إلى فشل تلك الثورات وإخماد نارها ، بالإضافة إلى انشغال الرأي العام بهذا الحادث الخطير .
و من بين الأحداث المهمة في ذلك العصر فتنة «خلق القرآن» وهي مسألة كلامية كانت خفيّة أو مهملة ، فأثارها المأمون ، وقد أدّت إلى سفك الدماء بغير حقّ ، وشيوع
الاضطراب والفتنة بين المسلمين .
9- و درسنا بعمق وشمول سيرة ملوك بني العباس الذين عاصرهم الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كانت سيرتهم شبيهة إلى حد بعيد بسيرة ملوك الأمويّين الذين اتخذوا مال الله دولاً ، وعباد الله خولاً ، وليس في سيرتهم -بعد الدراسة الجادة - أي جدّ أو نشاط للعمل الصالح وما ينفع المسلمين ، وإنما كانت سيرهم غنيّة بالملذّات ، وثرية بالشهوات ، فقد أنفقوا على لياليهم الحمراء في بغداد الملايين من أموال المسلمين ، وقد حظى بالثراء من قبلهم المغنون والعابثون والماجنون ، في حين أنّ الفقر والبؤس قد أخذا بخناق الناس.
وكان من مظاهر حكمهم أن شرعت سياطهم ، وشهرت سيوفهم ، وفتحت أبواب سجونهم للأحرار ، وفي طليعتهم السادة العلويّون الذين كانوا يطالبون بتحقيق العدالة الاجتماعية ، وقد لاقى الزراع وذوو الحرف وأرباب الصناعات ضروباً قاسية ومرهقة من المحن والخطوب من الجباة الذين كانوا يجلبون الخراج وسائر الضرائب ، فكانوا
يأخذونها بمنتهى الشدّة والقسوة ؛ إذ قد ألهبت سياطهم أبدان الناس ، وأمعنوا في ظلمهم إلى حدّ بعيد .
10- أما دراسة التاريخ الإسلامي ، فيجب أن تكون موضوعية ونزيهة وبعيدة عن التّيارات المذهبية، والعواطف التقليدية، فقد خلط التاريخ بكثير من الموضوعات أوجبت خفاء الحق وستر الحقائق ، فمن الواجب بذل المزيد من الجهد لمعرفة الصحيح من السقيم ، والحق من الباطل .
وكان من بين ما مني به التاريخ من الخلط والخبط إضفاء النعوت الكريمة والألقاب العظيمة على الكثيرين من ملوك بني أمية وبني العباس ، فقد لقّبوا بخلفاء الله في الأرض ، وهذا اللقب الكريم يمثّل الحق والعدل والقانون ، وأعوذ بالله أن يتصف به أمثال يزيد ومروان والوليد ، وأمثالهم من ملوك بني العباس الذين حوّلوا حياة الناس إلى جحيم لا يطاق .
إنّ بعض المؤرّخين والكتاب يرون أن المقياس في سموّ الشخص وعظيم مكانته استيلاؤه على كرسي الحكم ، وتسلّمه لزمام السلطة العامة في البلاد ، وهذا ليس بصحيح إطلاقاً ، فإنّ المقياس في الفكر الإسلامي هو ما يسديه الحاكم من الخدمات للأمة في عالم الاقتصاد والثقافة والأمن والرخاء ، ولو جرّد المؤرّخون والكتاب لقب الخليفة وغيره من الألقاب العظيمة من هؤلاء الملوك ، وأضفوها على الذين خدموا القضايا العظيمة للأمة ، لأدوا بذلك خدمة كبرى إلى التاريخ الإسلامي ، فقد تعرّض الإسلام لكثير من النقود من المستشرقين وغيرهم من الحاقدين على الإسلام بسبب ما صدر عن بعض هؤلاء الملوك من الأعمال المجافية لروح العدالة والقانون معتقدين بأنهم يمثلون الإسلام في تصرفاتهم وأعمالهم ، ولو أنّ الناقدين راجعوا أحكام الإسلام لوجدوها نديّة خلاقة تساير العدل، وتواكب الفطرة ، وليس فيها - والحمد لله - ما يساير الظلم ، بل فيها ما يناهضه ويناجزه ، فالتصرفات الشاذة من بعض ملوك المسلمين لا تمت إلى الإسلام بصلة ، ولا يؤاخذ بشيء منها .
11- وليس هذا أوّل كتاب صدر عن حياة الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد صدرت عن حياته عدة دراسات باللغة العربية وغيرها ، ومن أهمها - فيما أحسب - «حياة الإمام الرضا(عَلَيهِ السَّلَامُ)» للسيد جعفر مرتضى ، فقد كان ثرياً مع تحقيقاته وبحوثه . ولا يحكي ما ألف عن هذا الإمام العظيم واقع شخصيّته ، فذاك أمر بعيد المنال ، فقد كان(علیه السلام) يحمل ثراءً فكرياً لا حدود له ، فهو من أئمة الهدى(علیهم السلام) ، سدنة الإصلاح الاجتماعي ، وورثة علوم النبي(صلی الله علیه و آله).
والله ولي التوفيق
مکتبة الإمام الحسن العامّة
باقر شریف القرشی
النجف الاشرف
وقبل الحديث عن ولادة الإمام الزكي أبي محمد (علیه السلام)، وما رافقها من شؤون نعرض إلى نسبه الوضّاح ، ذلك النسب الرفيع المتّصل برسول الله (صلی الله علیه و آله)، الذي هو مصدر الفيض والعطاء ، ومصدر الخير والرحمة إلى الناس ، فأي نسب أسمى وأجلّ من نسب الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهو ثمرة من ثمرات رسول (صلی الله علیه و آله) ، وفرع مشرق من فروعه ، وهذه لمحة موجزة عن أصوله الكريمة:
أما أبو الإمام الرضا فهو الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام
محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين ابن الإمام الحسين ابن الإمام عليّ بن أبي
طالب السلام (علیهم السلام).
وليس في دنيا الأنساب أرفع ولا أزكى هذا النسب ، ومن المؤكد أنّ هؤلاء الأئمة الطاهرين هم خلفاء رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأوصياؤه ، وسنذكر في البحوث الآتية لمحة عن حياة أبيه الإمام موسى (علیه السلام) .
أمّا أمّ الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد تحلّت بجميع مزايا الشرف والفضيلة التي تسمو بها المرأة المسلمة من العفّة والطهارة وسموّ الذات ، وهي من السيّدات الماجدات
في الإسلام ، وكانت أمة ، وهذا لا ينقص من شأنها ومكانتها ؛ لأنّ الإسلام جعل
المقياس في تفاوت الناس بالتقوى والعمل الصالح ، ولا أثر لغير ذلك.
ونقل الرواة عدّة أقوال في كيفية زواج الإمام الكاظم (علیه السلام) بهذه السيدة الماجدة ، وهذه بعضها :
1- إنها كانت من أشراف العجم ، وكانت مُلكاً للسيدة حميدة أمّ الإمام موسی (علیه السلام)، وهي من أفضل النساء في عقلها ودينها وإعظامها لمولاتها السّيدة حميدة، حتّى إنّها ما جلست بين يديها مذ ملكتها إجلالاً وإعظاماً لها ، وقد قالت حميدة لابنها الإمام موسى (علیه السلام) : «يا بنيّ ، إنّ تكتم جارية ، ما رأيت جارية قطُّ أفضل
منها ، ولست أشكُّ أنّ الله تعالى سيظهر نسلها ، وقد وهبتها لك ، فاستوص بها خيراً»(1).
2 - روى هشام بن أحمر ، قال : « قال أبو الحسن الأول - وهو الإمام موسى (علیه السلام) : هَلْ عَلِمْتَ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ قَدِمَ ؟
قلت : لا.
فقال (علیه السلام): بَلَى قَدْ قَدِمَ رَجُلٌ ، فَانْطَلِقْ بِنا إِلَيْهِ ، فركب وركبنا معه ، حتى انتهينا إلى الرجل ، فإذا رجل من أهل المغرب معه رقيق ، فقال له : اعْرِضْ عَلَيْنا ، فعرض علينا تسع جوارٍ ، كل ذلك يقول أبو الحسن : لا حاجة لي فيها .
ثم قال له : اعْرِضْ عَلَيْنا .
فقال : ما عندي شيء .
فقال له : بَلَى اعْرِضْ عَلَيْنا .
قال : لا والله ما عندي إلا جارية مريضة .
1) عيون أخبار الرضا(عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 14 و 15. إعلام الورى بأعلام الهدى : 2 : 41 .
فقال له : ما عَلَيْكَ أَنْ تَعْرِضَها ، فأبى ، ثم انصرف (علیه السلام) ، ثمّ إنّه أرسلني من الغد إليه ، فقال لي : قل له : كَمْ عَايَتُكَ فيها ؟ فَإِذا قالَ : كَذَا وَكَذا -يعني من المال - فَقُلْ : قَدْ أَخَذْتُها ، فأتيته ، فقال له : ما أريد أن أنقصها من كذا - وعيّن مبلغاً خاصاً - فقلت : قد أخذتها وهو لك.
فقال : هي لك ، ولكن من الرجل الذي كان معك بالأمس ؟
فقلت : رجل من بني هاشم .
فقال : من أي بني هاشم ؟
فقلت : من نقبائهم .
فقال : أريد أكثر من هذا.
فقلت : ما عندي أكثر من هذا .
فقال : أخبرك عن هذه ، إنّى اشتريتها من أقصى المغرب ، فلقيتنى امرأة من أهل
الكتاب ، فقالت : من هذه الوصيفة معك ؟
فقلت : اشتريتها لنفسي .
فقالت : ما ينبغي أن تكون عند مثلك ، إن هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض ، فلا تلبث عنده إلا قليلاً حتى تلد منه غلاماً يدين له شرق الأرض وغربها .
قال : فأتيته بها ، فلم تلبث عنده إلا قليلاً حتى ولدت له عليّاً»(1).
3 - روي أن الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لأصحابه : والله ما اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ
إِلَّا بِأَمْرِ مِنَ اللَّهِ وَوَحْيه.
1) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1: 17 و 18 . أصول الكافي : 1: 487 . كشف الغمّة : 3 : 102 ، الاختصاص : 197 . بحار الأنوار : 49: 7 ، الحديث 11.
وسئل عن ذلك ، فقال : بَيْنَما أَنا نائِمٌ إِذ أَتاني جَدَي وَأَبِي وَمَعَهُما قِطْعَةُ حَريرٍ ، فَنَشَراها ، فَإذا قميص فيهِ صورَةُ هذِهِ الْجارِيَةِ ، فَقالا : يا موسى ، لَيَكونَنَّ لَكَ مِنْ هذِهِ الْجاريَةِ خَيْرُ أَهْل الْأَرْضِ بَعْدَكَ ، ثُمَّ أَمَرَنى أبى إذا وُلِدَ لى وَلَدٌ أَنْ اُسَمّيهِ عَلِيّاً ، وَقالا : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيُظْهِرُ بِهِ الْعَدْلَ وَالرَّحْمَةَ ، طوبى لِمَنْ صَدَّقَهُ ، وَوَيْلٌ لِمَنْ عاداهُ وجَحَدَهُ»(1).
هذه بعض الروايات التي قيلت في كيفية زواج الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه السيّدة الكريمة ، وقد حباها بخالص الحبّ وأصفاه ، وكانت تنعم بالإكبار والتقدير في بيته .
أمّا اسم هذه السيدة الزكية ، فقد اختلفت فيه أقوال الرواة ، وهذه بعضها :
تكتم : وذهب كثير من المؤرّخين إلى أن اسمها تكتم ، وفي ذلك يقول الشاعر في مدحه للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ):
ألا أَن خَيرَ النَّاسِ نَفْساً وَوالِداً *** وَرَهْطاً وَأَجداداً عَلَى الْمُعَظَّمُ
أَتَتْنا به للعلم والحِلْمِ ثامناً *** إماماً يُؤَدِّي حُجَّةَ اللهِ تُكْتَم(2)
وهذا الاسم عربيّ تُسمّى به السيّدات من نساء العرب ، وفيه يقول الشاعر :
طافَ الخَيالانِ فَزادا سَقَماً
خَيالُ تُكْنى وَخَيالُ تُكْتَماً(3)
1) الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة / يوسف بن حاتم الشافعي : 677. دلائل الإمامة : 349 ، الحديث 303.
2) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1 : 15 ، وجاء فيه : « أنّه نسب قوم هذا الشعر إلى عمّ أبي ، إبراهيم بن العباس ، ولم أروه ، وما لم يقع لي به رواية ولا سماع ، فإنّي لا أحقّقه ولا أُبطله » . بحار الأنوار: 5:49 ، الحديث 7.
3) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 80. عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 2 : 25 ، الحديث 2.
2 - الخيزران(1).
3 - أروى(2).
4 - نجمة(3)
ه - أمّ البنين(4)، والظاهر أنه كنية لها .
هذه بعض الأقوال التي قيلت في اسمها ، وليس في تحقيق ما هو الصحيح منها بذي فائدة على القرّاء .
وكانت هذه السيّدة الزكيّة من العابدات ، فقد أقبلت على طاعة الله إقبالاً شديداً،
فقد تأثرت بسلوك زوجها الإمام الكاظم (علیه السلام) إمام المتقين والمنيبين إلى الله تعالى، وكان من مظاهر عبادتها أنها لمّا ولدت الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالت : « أعينوني بمرضعة.
فقيل لها : أنقص الدرّ ؟
قالت : ما أكذب، ما نقص الدرّ ، ولكن علَيَّ ورد من صلاتي وتسبيحي»(5).
أرأيتم هذه النفس الملائكية التي هامت بحبّ الله وانقطعت إليه ، فقد طلبت أن
يعاونوها على إرضاع ولدها لأنّه يشغلها عن أورادها من الصلاة والتسبيح .
1) تذكرة الخواص : 361 . بحر الأنساب : 28 ،بحار الأنوار: 49: 3. المقنعة : 482 .
2) الصراط السوي / الشيخاني القادري : الورقة 169 ( مصوّر). نور الأبصار: 138. عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 2 : 25 ، الحديث 2.
3) كشف الغمة : 3 : 102 . كمال الدين : 307 . الاختصاص : 197.
4) الإرشاد : 2 : 247. المقنعة : 479. عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 2 : 25 ، الحديث 2.
5) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 2 24 ، الحديث 2. بحار الأنوار: 5:49 ، الحديث 7 . أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 80 .
وأشرقت الأرض بمولد الإمام الرضا (علیه السلام) ، فقد ولد خير أهل الأرض ، وأكثرهم عائدة على الإسلام ، وسرت موجات من السرور والفرح عند آل النبي (صلی الله علیه و آله) ، وقد استقبل الإمام الكاظم (علیه السلام) النبأ بهذا المولود المبارك بمزيد من الابتهاج ، وسارع إلى السيّدة زوجته يهنّيها بوليدها قائلاً: « هَنيئاً لَكِ يَا نَجْمَةُ كَرامَةٌ لَكِ مِنْ رَبِّكِ».
وأخذ وليده المبارك وقد لفّ في خرقة بيضاء ، وأجرى عليه المراسم الشرعية ، فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ودعا بماء الفرات فحنّكه به ، ثمّ ردّه إلى أمّه ، وقال لها : « خُذيهِ ، فَإِنَّهُ بَقِيَّةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ»(1).
لقد استقبل سليل النبوّة أول صورة في دنيا الوجود ، صورة أبيه إمام المتقين ، وزعيم الموحّدين ، وأوّل صوت قرع سمعه هو : «الله أكبر ... لا إله إلا الله » .
وهذه الكلمات المشرقة هي سرّ الوجود ، وأنشودة المتقين .
وسمّى الإمام الكاظم (علیه السلام) وليده المبارك باسم جدّه الإمام أمير المؤمنين علي (علیه السلام) ، تبركاً وتيمناً بهذا الاسم الذي يرمز لأعظم شخصية خلقت في دنيا الإسلام ، والتي تحلّت بجميع فضائل الدنيا.
ولقب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكوكبة من الألقاب الكريمة ، وكلّ لقب منها يرمز إلى صفة من صفاته الكريمة ، وهذه بعضها :
1) كشف الغمّة : 3 : 88. عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1 : 18 . وسائل الشيعة : 21 : 407 ، الحديث 27426 . بحار الأنوار : 9:49 ، الحديث 1.
واختلف المؤرّخون والرواة في الشخص الذي أضفى على الإمام (علیه السلام) هذا اللقب الرفيع ، حتّى غلب عليه وصار اسماً يُعرف به ، وهذه بعض الأقوال:
فقال له البزنطي : ألم يكن كل واحد من آبائك الماضين (علیه السلام) رضى الله عزّ وجلّ ولرسوله والأئمة بعده ؟
بلى .
لِمَ سُمّى أبوك من بينهم بالرضا؟
لأَنَّهُ رَضى بِهِ الْمُخالِفُونَ مِنْ أَعْدائِهِ ، كَمَا رَضِيَ بِهِ الْمُوافِقُونَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ ،وَلَمْ يَكُنْ ذلِكَ لأَحَدٍ مِنْ آبَائِهِ ، فَلِذلِكَ سُمِّيَ مِنْ بَيْنِهِمْ بِالرِّضا»(3).
الإمام موسى (علیه السلام) : وذهب بعض الرواة إلى أنّ الإمام موسى الكاظم (علیه السلام) هو الذي أضفى على ولده هذا اللقب ، فقد روى سليمان بن حفص ، قال :«كان موسى بن جعفر سمّى ولده عليّاً الرضا، وكان يقول : ادْعوا لي وَلَدي الرّضا ، وَقُلْتُ لِوَلَدي الرِّضا ، وَقَالَ لِي وَلَدِي الرّضا.
الغمّة : 3 : 88.
3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1: 13. علل الشرائع : 1 : 237 ، الحديث 1. بحار الأنوار: 49: 4. مدينة المعاجز : 7 : 244 ، الحديث 2298 . كشف الغمة : 3 : 88.
وإذا خاطبه قال : يا أبا الْحَسَن»(1).
هذه بعض الأقوال في منحه هذا اللقب الكريم ، وقد علّل أحمد البزنطي السبب الذي من أجله لقب بالرضا ، قال : « إنّما سمّي الرضا لأنه رضى الله تعالى في سمائه ، ورضى لرسوله والأئمة بعده في أرضه»(2).
الزکیّ(4)
لقد كان الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أزكياء البشر ، ومن نبلاتهم وأشرافهم.
الوفیّ(5)
أما الوفاء فهو عنصر من عناصر الإمام ، وذاتيّ من ذاتياته ، فقد كان وفيّاً لأمّته ووطنه.
قرّة عين المؤمنين(1)
ومن ألقابه الكريمة أنّه كان قرّة عين المؤمنين، فقد كان زيناً وفخراً لهم ، وكهفاً وحصناً لهم .
مكيدة الملحدين(2)
وإنّما لقّب بذلك لأنه أبطل شبه الملحدين ، وفنّد أوهامهم ، وذلك في مناظراته التي أقيمت في البلاط العباسي ، والتي أثبت فيها أصالة القيم والمبادئ الإسلامية .
الصدّيق(3)
فقد كان (علیه السلام) كيوسف الصدّيق الذي ملك مصر ، فقد تزعّم جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وكانت له الولاية المطلقة عليه .
الفاضل(4)
وهو أفضل وأكمل إنسان في عصره ، ولهذه الظاهرة لقّب بالفاضل .
هذه بعض الألقاب الكريمة التي لُقّب بها ، وهي تنمّ عن سموّ شخصيته وعظيم
شأنه .
واعتاد أئمة أهل البيت (علیه السلام) بتكنية أبنائهم منذ صغرهم ، وهذا من محاسن التربية الإسلامية الهادفة إلى ازدهار الشخصية ، وإشعار الطفل بأنّ له مكانة عند أهله ،
وقد كُني الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما يلي :
كنّاه بذلك أبوه الإمام موسى الكاظم (علیه السلام)(1)، فقد قال (علیه السلام) لعليّ بن يقطين: «يا عَليُّ هذا ابني - وأشار إلى الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ)- سَيِّدُ وُلدي ، وَقَدْ نَحَلْتُهُ كُنْيَتى»(2).
لقد كان الإمام الكاظم يكنّى بأبي الحسن ، ولما كانت هذه الكنية مشتركة بينهما قيل للإمام الكاظم أبي الحسن الماضي وللإمام الرضا أبي الحسن الثاني ، وذلك للتفرقة بين الكنيتين .
ليس هذا فقط ، ففي الروايات يُطلق عليه أبو الحسن ، وغالباً إذا جاءت هذه الكنية مجردة فإنّها تعود للإمام الكاظم (علیه السلام)، إلا ما ندر ، وكذلك أبو الحسن الأوّل ،
فالمراد به الإمام الكاظم (علیه السلام)، ويكنّى الإمام الهادي بأبي الحسن الثالث.
وهذه الكنية نادرة ، ولم يُعرف بها إلا نادراً ، فقد روى أبو الصلت الهروي ،قال : « سألنى المأمون يوماً عن مسألة ، فقلت : قال فيها أبو بكر كذا وكذا .
فقال المأمون : مَن هو أبو بكر ؟ أبو بكرنا أو أبو بكر العامة ؟
قلت : أبوبكرنا .
قال عيسى : قلت لأبي الصلت : مَن هو أبو بكركم ؟
فقال : علي بن موسى ، كان يكنّى بها»(3).
واختلف المورّخون اختلافاً كثيراً في السنة التي ولد فيها الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)،
وكذلك اختلفوا في الشهر الذي ولد فيه ، وهذا بعض ما أثر عنهم :
1 - إنّه ولد سنة 147ه(1).
2 -ولد سنة 148ه (2)، وهذا هو المشهور بين الرواة ، وهي السنة التي توفّي فيها جده الصادق (علیه السلام)(3).
3- ولد سنة 150ه(4).
4 - ولد سنة 151ه(5).
ولد سنة 153ه(6)..
هذه بعض الأقوال في سنة ولادته ، وقد اختلف المؤرخون أيضاً في الشهر الذي ولد فيه ، وهذه بعض أقوالهم:
1 - إنّه ولد يوم الخميس أو ليلته لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول(7).
1) نور الأبصار: 138 .
2) غاية الاختصار : 148 .بحر الأنساب : 28 .أصول الكافي:1: 486. الإرشاد : 2 : 248 . الدرّ المسلوك : الورقة 139 (مصوّر ) . أخبار الدول : 114. جوهرة الكلام : 143. مرآة الجنان : 2 : 11.
3) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 77 و 78. الدر النظيم : 687 .
4) المجدّدون في الإسلام : 87.
5) سرّ السلسلة العلوية : 38 .
6) الدرّ النظيم : 677 . دائرة معارف القرن العشرين : 6 : 665 .
7) کشف الغمة : 3 : 87.
2 - ولد في ذي القعدة(1)في الحادي عشر منه ، يوم الخميس (2).
3 - ولد في شوّال في السابع منه ، وقيل : في ثامنه ، وقيل : سادسه(3).
هذه بعض الأقوال التي أدلى بها المؤرّخون والرواة .
وذهب كثير من المؤرّخين إلى أنّ الإمام (علیه السلام) كان أسمر شديد السمرة(4).
وقيل : إنه كان أبيض معتدل القامة(5).
وأنه كان شديد الشبه بجدّه رسول الله (صلی الله علیه و آله)(6). وكما شابه جدّه في ملامحه فقد شابهه في مكارم أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيين .
أما هيبة الإمام أبي محمد ، فكانت تعنو له الجباه ، فقد بدت عليه هيبة الأنبياء والأوصياء الذين كساهم الله بنوره ، وما رآه أحد إلا هابه ، وكان من هيبته أنه إذا جلس
للناس أو ركب لم يقدر أحد أن يرفع صوته من عظيم هيبته(7).
ويقول الرواة : « إنّه إذا جاء إلى المأمون بادره الحجّاب والخدم بين يديه ، ورفعوا
له الستر، ولما بلغهم أنّ المأمون يريد أن يبايع له بولاية العهد تواصوا على أنّه إذا جاء لا يصنعون له الحفاوة والتكريم الذي كانوا يصنعونه .
وجاء الإمام على عادته ، فأخذتهم هيبته ، وبادروا إلى تكريمه كما كانوا يصنعون ، وتلاوموا فيما بينهم ، وأقسموا أنه إذا عاد لا يقابلوه بذلك التكريم ، ولما جاء (علیه السلام) اليوم الثاني قاموا إليه وسلّموا عليه ، إلا أنهم لم يرفعوا له الستر ،فجاءت ریح فرفعته كعادته ، ولما أراد الخروج أيضاً رفعت الريح الستر .
فقال بعضهم لبعض : إنّ لهذا الرجل شأناً ، والله به عناية ، ارجعوا إلى خدمتكم»(1).
إنّ لأئمة أهل البيت (علیه السلام) شأناً ومكانة عند الله تعالى ، فهو يؤيدهم ويسدّدهم بما يسدد به أنبياءه ورسله.
أما النقش على الخاتم وما رسم عليه من كلمات ، فإنّه - على الأكثر - يمثّل اتجاهات الشخص وميوله ، وقد وسم على خاتم الإمام الرضا(عَلَيهِ السَّلَامُ) ما يلي : « وليّ الله »(2).
وله خاتم آخر قد نقّش عليه : « العزة لله »(3).
وهذه النقوش تمثّل مدى انقطاعه إلى الله تعالى ، وتمسّكه به .
نشأ الإمام الرضا(عَلَيهِ السَّلَامُ) في بيت من أجلّ البيوت وأرفعها في الإسلام. إنّه بيت
الإمامة ، ومركز الوحي ، ذلك البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه ، في هذا البيت العريق ترعرع الإمام الرضا (علیه السلام) ونشأ ، وقد سادت فيه أرقى وأسمى ألوان التربية الإسلاميّة الرفيعة ، فكان الصغير يحترم ويبجّل الكبير ، والكبير يعطف على الصغير ، كما سادت فيه الآداب الرفيعة ، والأخلاق الكريمة ، ولا تسمع فيه إلا تلاوة كتاب الله ، والحثّ على العمل الصالح وما يقرّب الإنسان من ربّه.
وقد أكد علماء التربية على أنّ البيت من أهمّ العوامل في تكوين الشخص ، وبناء سلوكه، فإن كان البيت تسوده المحبّة والألفة ، والعادات الرفيعة ، والتقاليد الحسنة ، ويجتنب فيه هجر الكلام ومرّه ، فإنّ الطفل ينشأ نشأة سليمة وبعيدة عن التعقيد ، وازدواج الشخصيّة ، وإن كان البيت مصاباً بالانحراف والشذوذ ، وتنتشر فيه البغضاء والكراهية ، فإنّ الطفل حتماً يمنى بالتعقيد والجنوح والانحراف .
أمّا البيت الذي نشأ فيه الرضاء (علیه السلام) فهو من أعزّ البيوت وأمنعها في دنيا الإسلام ، فقد كان مركزاً من مراكز الفضيلة ، ومنبعاً للأخلاق الكريمة ، وقد أنجب خيرة البشر وأئمّة الحق والعدل في الإسلام ، ويضاف إلى البيت في تكوين الشخص البيئة التي نشأ فيها الشخص ، وكانت البيئة التي عاش فيها الإمام الرضا(علیه السلام) تضم خيرة الرجال، وخيره العلماء الذين ينتهلون من نمير علوم أبيه الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ).
إن جميع عوامل التربية الرفيعة ومكوّناتها الفكرية توفرت للإمام الرضا (علیه السلام)،
فنشأ في إطارها كما نشأ آباؤه العظام الذين هم من ذخائر الإسلام.
أما سلوك الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كان أنموذجاً رائعاً لسلوك آبائه الذين عرفوا
بنكران الذات ، والتجرّد عن كلّ نزعة لا تمت إلى الحقّ والواقع بصلة .
لقد تميّز سلوك الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالصلابة للحقّ ، ومناهضة الباطل ، فقد كان يأمر
المأمون العباسي بتقوى الله تعالى ، وينعى عليه تصرّفاته التي لا تتّفق مع واقع الدين ، وقد ورم أنف المأمون من ذلك وضاق منه ذرعاً ، فقدم على اقتراف أفظع جريمة ، وهي اغتيال الإمام (علیه السلام) ، كما سنوضّح ذلك في غضون هذا الكتاب.
وكان سلوكه مع أهل بيته وإخوانه مثالاً آخر للصرامة في الحق ، فمن شذّ منهم في تصرفاته عن أحكام الله تعالى جافاه وابتعد عنه ، وقد حلف أن لا يكلّم أخاه زيداً حتى يلقى الله تعالى حينما اقترف ما خالف شريعة الله .
أما سلوكه مع أبنائه فقد تميّز بأروع ألوان التربية الإسلامية ، خصوصاً مع ولده الإمام الجواد (علیه السلام) ، فكان لا يذكره باسمه وإنما كان يكنّيه ، يقول : كَتَبَ إِلَيَّ أَبو جَعْفَر ، كُنتُ كَتَبْتُ إلى أبي جَعْفَر»(1)، كل ذلك لتنمية روح العزة والكرامة في نفسه.
1) معجم رجال الحديث : 14 : 283 .
أمّا عناصر الإمام الرضا (علیه السلام) و و مكوّناته النفسيّة ، فكانت ملتقى للفضيلة بجميع أبعادها وصورها ، فلم تبق صفة شريفة يسمو بها الإنسان إلا وهي من ذاتيّاته ومن نزعاته ، فقد وهبه الله كما وهب آباءه العظام كلّ مكرمة ، وحباه بكل شرف ،و جعله علماً لأمّة جدّه ، يهتدي به الحائر ، ويرشد به الضالّ، وتستنير به العقول . وهذه بعض خصاله وعناصر مكارم أخلاقه :
أما أخلاق الإمام الرضا (علیه السلام) فإنها نفحة من أخلاق جدّه الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) الذي امتاز على سائر النبيين بهذه الظاهرة الكريمة ، فقد استطاع (صلی الله علیه و آله)بسموّ أخلاقه أن يطوّر حياة الإنسان ، وينقذه من أوحال الجاهليّة الرناء ، وقد حمل الإمام الرضا (علیه السلام) أخلاق جدّه ، فكانت من أهم عناصره . انظروا ما يقوله إبراهيم بن العبّاس عن مكارم أخلاقه ، يقول :
«ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ما جفا أحداً قط ، ولا قطع على أحد كلامه ، ولا ردّ أحداً عن حاجة ، وما مدّ رجليه بين جليسه ، ولا اتكأ قبله ، ولا شتم مواليه ومماليكه ، ولا قهقه في ضحكه ، وكان يجلس على مائدته مماليكه ومواليه ، قليل النوم بالليل ، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى آخرها ، كثير المعروف والصدقة ، وأكثر ذلك في الليالي المظلمة»(1).
1) مناقب آل أبي طالب : 3 : 469. كشف الغمة : 3 : 110 . أعيان الشيعه : 2 : 14 .
حكت هذه الكلمات ما اتصف به الإمام من مكارم الأخلاق ، وهي :
1- إنّه لم يجفو أي أحد من الناس ، سواء أكانوا من أحبّائه أم من أعدائه ، وإنّما كان يقابلهم ببسمات فيّاضة بالبشر .
2- إنّه لم يقطع على أي أحد كلامه ، وإنّما يتركه حتّى يستوفي حديثه .
3- من معالي أخلاقه أنه لم يمدّ رجليه بين جليسه ، وإنّما يجلس متأدبّاً .
4 - إنّه لم يتكئ قبل جليسه ، وإنّما يتكئ بعده مراعاة له .
ه - إنه لم يشتم أي أحد من مماليكه ومواليه ، وإن أساء وا له .
6 - إنّه لم يترفّع على مواليه ومماليكه ، وكان يجلس معهم على مائدة الطعام.
7 - إنّه كان كثير العبادة، وكان يقضي لياليه بالصلاة وتلاوة كتاب الله.
8 - إنّه كان كثير المعروف والصدقة على الفقراء ، وكان أكثر ما يتصدّق عليهم في
الليالي المظلمة لئلّا يعرفه أحد.
هذه بعض مكارم أخلاقه التي شاهدها إبراهيم بن العباس ، ومن معالي أخلاقه أنه كما تقلّد ولاية العهد التي هي أرقى منصب في الدولة الإسلامية لم يأمر أحداً من
مواليه وخدمه في الكثير من شؤونه ، وإنّما كان يقوم بذاته في خدمة نفسه.
ويقول الرواة : « إنّه احتاج إلى الحمام فكره أن يأمر أحداً بتهيئته له ، ومضى إلى حمام في البلد لم يكن صاحبه يظنّ أنّ ولي العهد يأتي إلى الحمام في السوق فيشغل فيه ، وإنّما حمّامات الملوك في قصورهم .
ولمّا دخل الإمام الحمّام كان فيه جندي ، فأزال الإمام عن موضعه ، وأمره أن يصبّ الماء على رأسه ، ففعل الإمام ذلك ، ودخل الحمام رجل كان يعرف الإمام فصاح بالجندي هلكت ، أتستخدم ابن بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله) ؟
فذعر الجندي، ووقع على الإمام يقبّل أقدامه ، ويقول له متضرعاً : يابن
رسول الله ، هلّا عصيتني إذ أمرتك ؟
فتبسم الإمام في وجهه وقال له برفق ولطف : إنّها لمثوبة ، وما أردت أن أعصيك فيما أثاب عَلَيْهِ»(1).
ومن سموّ أخلاقه أنه إذا جلس على مائدة أجلس عليها مماليكه حتى السائس
والبواب(2).
وقد أعطى بذلك درساً لهم إلغاء التمايز بين الناس ، وأنهم جميعاً على صعيد واحد ، ويقول إبراهيم بن العباس : «سمعت على بن موسى الرضا يقول : حَلَفْتُ بِالْعِتْقِ وَلَا أَحْلِفُ بِالْعِتْقِ إِلَّا أَعْتَقْتُ رَقَبَةٌ ، وَأَعْتَقْتُ بَعْدَها جَميعَ مَا أَمْلِكُ ، إِنْ كَانَ يَرى أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ هذا ، وأومأ إلى عبد أسود من غلمانه ، إذا كانَ ذلِكَ بِقَرابَةٍ مِنْ رَسولِ الله (صلی الله علیه و آله)، إِلَّا أَنْ يَكونَ لَهُ عَمَل َصالِحٌ فَأَكونَ أَفْضَلَ بِهِ مِنْهُ»(3).
وقال له رجل : والله ما على وجه الأرض أشرف منك أباً .
فقال (علیه السلام) : التَّقْوى شَرَّفَتْهُمْ ، وَطاعَةُ اللهِ أَحْفَظَتْهُمْ .
وقال له شخص آخر : أنت والله خير الناس.
فرد عليه قائلاً: لَا تَخْلِفُ يا هذا ، خَيْرٌ مِنّي مَنْ كَانَ اتْقَى لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَطْوَعَ لَهُ ، وَاللَّهِ مَا نُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ
1) نور الأبصار: 138 عيون التواريخ : 3 : 227 (مصوّر ) .
2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1 : 170 . مسند الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 48 .
3) بحار الأنوار: 49 95 ، الحديث 9. عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1 : 262 ،الحديث 11 .
4) الحجرات 13/49.
5) بحار الأنوار: 93: 224 ، الحديث 21.
وأثر عنه من الشعر في ذلك قوله :
لَبِسْتُ بِالْعِفَّةِ ثَوبَ الْغِنى
وَصِرتُ أَمْشي شامِحَ الرَّأْسِ
لَستُ إِلى النَّسناسِ مُسْتَأْنِساً
لكِنَّني آنسُ بِالنَّاسِ(1)
إِذا رَأَيتُ النّبِهَ مِنْ ذِي الْغِنى
تِهْتُ عَلَى النّائِهِ بِالْياسِ(2)
ما إِنْ تَفَاخَرْتُ عَلَى مُعدَمٍ
وَلَا تَضَعَّفْتُ لإفلاس(3)
ودلّل هذا الشعر على سموّ مكارم الإمام (علیه السلام)التي هي ملء فم الدنيا ، والتي هي موضع الاعتزاز والفخر للمسلمين .
ومن ذاتيات الإمام الرضا (علیه السلام) وعناصره : الزهد في الدنيا، والإعراض عن مباهجها وزينتها ، وقد تحدّث عن زهده محمّد بن عبّاد ، قال : «كان جلوس الرضا
على حصيرة في الصيف ، وعلى مسح(4)في الشتاء ، ولباسه الغليظ من الثياب حتّى إذا برز الناس تزيّاً»(5).
ويقول الرواة : « إنّه التقى به سفيان الثوري ، وكان الإمام قد لبس ثوباً من خزّ ، فأنكر عليه ذلك وقال له : لو لبست ثوباً أدنى من هذا ؟
فأخذ الإمام (علیه السلام) يده برفق وأدخلها في كمه ، فإذا تحت ذلك الثوب مسح
1) النسناس : دابّة وهميّة على شكل الإنسان . لسان العرب : 6: 231 - نسس .
2) التيه : الكبر . لسان العرب : 13 : 482 - تيه.
3) مناقب آل أبي طالب : 4 : 361 . بحار الأنوار : 49: 112 ، الحدیث 10 .
4) المسح : الكساء من الشعر . لسان العرب : 2 : 586 - مسح .
5) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 2 : 178 . مناقب آل أبي طالب : 4 : 361 . وسائل الشيعة : 5: 53 ، الحديث 5883 .
وقال(علیه السلام) له : يا سفيان ، الْخَز لِلْخَلْقِ ، وَالْمِسْحُ لِلْحَقِّ»(1).
لقد كان الزهد من أبرز الذاتيات في خلق الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن أظهر مكوّناته النفسيّة ، ويجمع الرواة أنه حينما تقلّد ولاية العهد لم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة ، ولم يقم لها أي وزن ، ولم يرغب في أي موكب رسمي ، وكره مظاهر العظمة التي يقيمها الناس لملوكهم .
ولم يكن شيء في الدنيا أحبّ إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الإحسان إلى الناس والبرّ بالفقراء ، وقد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة من جوده وإحسانه ، كان منها ما يلي :
1- إنّه أنفق جميع ما عنده على الفقراء حينما كان في خراسان ، وذلك في يوم عرفة ، فأنكر عليه الفضل بن سهل(2)
أسلم على يد المأمون سنة ( 190ه) ، وكان من أخبر الناس بعلم النجوم ، وقد طلب المامون من والدة الفضل أن ترسل إليه بما خلفه ابنها ، فأرسلت إليه صندوقاً صغيراً مختوماً ففضّه ، فإذا فيه درج ، وفي الدرج رقعة من حرير مكتوب فيها بخطه بعد البسملة : «هذا ما قضى الفضل بن سهل على نفسه ، قضى أنّه يعيش 48 سنة ثم يقتل ما بين ونار» ، وقد عاش هذه المدّة ، ثمّ قتله غالب خال المأمون بسرخس ، ومن بديع ما قاله إبراهيم بن العباس الصولي في مدحه :
لفضل بن سهل يد
تقاصر عنها المثل
فنائلها للغنى
وسطوتها للأجل
وباطنها للندى
وظاهرها للقبل
ويقول في مدحه أبو محمد عبدالله بن محمّد :
لعمرك ما الأشراف في كل بلدة
وإن عظموا للفضل إلا صنائع
ترى عظماء الناس للفضل خشعاً
إذا ما بدا والفضل لله خاشع
تواضع لما زاده الله رفعة
وكل جليل عنده متواضع
وأصيب الفضل بابن يقال له العبّاس ، فجزع عليه جزعاً شديداً ، فدخل عليه إبراهيم
نجل الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام)، فعزاه وأنشده :
خير من العباس أجرك بعده
والله خير منك للعبّاس
فقال له الفضل : صدقت ، جاء ذلك في وفيات الأعيان : 3: 209 - 211.
، وقال له : إنّ هذا المغرم .فأجابه الإمام : بَلْ هُوَ الْمَغْنَمُ ، لَا تَعْدِنُ مَغْرَماً ما ابْتَغَيْتَ بِهِ أَجْراً وَكَرَماً»(1).
إنّه ليس من المغرم في شيء صلة الفقراء والإحسان إلى الضعفاء ابتغاء مرضاة الله تعالى ، وإنّما المغرم هو الإنفاق بغير وجه مشروع ، كإنفاق الملوك والوزراء الأموال الطائلة على المغنين والعابثين .
2- ووفد عليه رجل فسلّم عليه ، وقال له : أنا رجل من محبّيك ومحبّي آبائك ، ومصدري من الحجّ ، وقد نفدت نفقتي ، وما معي ما أبلغ مرحلة ، فإن رأيت أن ترجعني إلى بلدي ، فإذا بلغت تصدقت بالذي تعطيني عنك.
فقال له : اجْلِسْ رَحِمَكَ اللهُ ، وأقبل على الناس يحدّثهم حتى تفرّقوا ، وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة ، فاستأذن الإمام منهم ودخل الدار ، ثم خرج وردّ الباب وخرج من أعلى الباب وقال : أَيْنَ الْخُراساني ؟ فقام إليه.
فقال له : خُذْ هَذِهِ الْمَانَتي دينارٍ وَاسْتَعِنْ بِها في مَوْونَتِكَ وَنَفَقَتِكَ ، وَلَا تَتَصَدَّقُ بها عَنّي ، وانصرف الرجل مسروراً قد غمرته نعمة الإمام ، والتفت إليه سليمان فقال له : جعلت فداك ، لقد أجزلت ورحمت ، فلماذا سترت وجهك عنه ؟
فأجابه(علیه السلام) : إِنَّما صَنَعْتُ ذلِكَ مَخافَةَ أَنْ أَرى ذَلَّ السُّؤالِ فِي وَجْهِهِ لِقَضائي حاجَتَهُ ، أَما سَمِعْتَ حَدِيثَ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله): الْمُسْتَتِرُ بِالْحَسَنَةِ تَعْدِلُ سَبْعِينَ حِجَّةٌ ، وَالْمُذيعُ
1) (1) مناقب آل أبي طالب : 4 : 361 .
بِالسَّيِّئَةِ مَخْذولٌ .
أَما سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ :
مَتى آتِهِ يَوماً لأطلب حاجَةٌ
رجعتُ إِلى أَهْلي وَوَجْهِي بِمائِه(1)ِ
3- ومن سخائه أنه إذا أتي بصحفة طعام عمد إلى أطيب ما فيها من طعام ووضعه في تلك الصحفة ، ثم يأمر بها إلى المساكين ، ويتلو هذه الآية : «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ»(2).
ثم يقول : عَلِمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَيْسَ كُلُّ إِنْسانِ يَقْدِرُ عَلَى عِتْقِ رَقَبَةٍ ، فَجَعَلَ لَهُ السَّبِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ بِإِطْعَامِ الطَّعامِ»(3).
4- ومن بوادر جوده وكرمه أن فقيراً قال له : أعطني على قدر مروّتك .
فأجابه الإمام : لا يسعني ذلك.
والتفت الفقير إلى خطأ كلامه فقال ثانياً : أعطني على قدر مروّتي .
وقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً: إِذَنْ نَعَمْ .
وأمر له بمائتي دينار(4).
إن قدر مروءة الإمام لا يمكن وصفها ، فلو أعطاه جميع ما عنده فإنّ ذلك ليس على قدر مروءته ورحمته التي هي امتداد لمروءة جده الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله).
5- ومن معالى كرمه ما رواه أحمد بن عبيد الله ، عن الغفاري ، قال : «كان لرجل من آل أبي رافع مولى رسول الله (صلی الله علیه و آله) عليَّ حق فتقاضاني ، وأُلحَ عليَّ ، فلما رأيت
ذلك صليت الصبح في مسجد رسول الله (صلى الله علیه و آله) ، ثم توجّهت نحو الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان في العريض ، فلما قربت من بابه خرج وعليه قميص ورداء ، فلما نظرت إليه استحييت منه ووقف لمّا رآني ، فسلّمت عليه وكان ذلك في شهر رمضان ، فقلت له : جعلت فداك ، لمولاك - فلان - علَيَّ حقّ شهرني ، فأمرني بالجلوس حتّى يرجع ، فلم أزل في ذلك المكان حتى صليت المغرب وأنا صائم ، وقد مضى بعض الوقت فهممت بالانصراف ، فإذا الإمام قد طلع وقد أحاط به الناس ، وهو يتصدق على الفقراء والمحوجين، ومضيت معه حتى دخل بيته ، ثم خرج فدعاني فقمت إليه ، وأمرني بالدخول إلى منزله فدخلت ، وأخذت أحدثه عن أمير المدينة ، فلما فرغت من حديثي قال لي : ما أَظُنُّكَ أَفْطَرْتَ بَعْدُ .
قلت : لا ، فدعا لي بطعام ، وأمر غلامه أن يتناول معي الطعام ، ولما فرغت من الإفطار أمرني أن أرفع الوسادة وآخذ ما تحتها ، فرفعتها ، فإذا دنانير ، فوضعتها في كمّي ، وأمر بعض غلمانه أن يبلّغوني إلى منزلي ، فمضوا معي ، ولما صرت إلى منزلي دعوت السراج ونظرت إلى الدنانير ، فإذا هي ثمانية وأربعون ديناراً ، وكان حق الرجل عليَّ ثمانية وعشرين ديناراً ، وقد كتب على دينار منها : إِنَّ حَقَّ الرَّجُلِ عَلَيْكَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ ديناراً ، وَما بَقِيَ فَهُوَ لَكَ»(1).
هذه بعض بوادر كرمه ، وهي تنمّ عن نفس خُلقت للإحسان والبرّ والمعروف .
كان الله يكرم الضيوف ويغدق عليهم بنعمه وإحسانه ، وكان يبادر بنفسه لخدمتهم ، وقد استضافه شخص ، وكان الإمام يحدّثه في بعض الليل فتغيّر السراج ، فبادر الضيف لإصلاحه ، فوثب الإمام وأصلحه بنفسه ، وقال لضيفه : إِنَّا قَوْمٌ
1) بحار الأنوار: 49: 59 ، الحديث 76. الكافي : 1 : 487 ، الحديث 4. الإرشاد : 2 : 255.
لَا نَسْتَخْدِمُ أَضْيَافَنا(1)..
ومن أحبّ الأمور إلى الإمام الرضا (علیه السلام) عتقه للعبيد ، وتحريرهم من العبودية ، ويقول الرواة : «إنّه أعتق ألف مملوك»(2).
وكان الإمام (علیه السلام)كثير البر والإحسان إلى العبيد ، وقد روى عبدالله بن الصلت
رجل من أهل بلخ ، قال : كنت مع الإمام الرضا (علیه السلام) في سفره إلى خراسان ، فدعا يوماً بمائدة ، فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم ، فقلت : جعلت فداك ، لو عزلت لهؤلاء مائدة ؟
فأنكر عليَّ ذلك وقال لي : إِنَّ الرَّبَّ تَبارَكَ وَتَعالى واحِدٌ ، وَالأم واحِدَةٌ ، وَالْجَزاء الأَعْمالِ»(3).
إنّ سيرة أئمة أهل البيت (علیهم السلام) كانت تهدف إلى إلغاء التمايز العنصري بين الناس ، وأنّهم جميعاً يعبدون ربّاً واحداً لا يفضّل بعضهم على بعض إلا بالتقوى والعمل
الصالح .
والشيء البارز في شخصية الإمام الرضا (علیه السلام) هو إحاطته التّامة بجميع أنواع العلوم والمعارف ، فقد كان بإجماع المؤرّخين والرواة أعلم أهل زمانه ، وأفضلهم وأدراهم
بأحكام الدين، وعلوم الفلسفة والطب وغيرها من سائر العلوم ، وقد تحدث عبدالسلام الهروي عن سعة علومه ، وكان موافقاً له ، يقول : « ما رأيت أعلم من
عليّ بن موسى الرضا، ما رآه عالم إلا شهد له بمثل شهادتي ، ولقد جمع المأمون في مجالس له عدداً من علماء الأديان وفقهاء الشريعة والمتكلمين ، فغلبهم عن آخرهم ، حتى ما بقي منهم أحد إلا أقرّ له بالفضل ، وأقرّ له على نفسه بالقصور ، ولقد سمعته يقول : كنت أجلس في (الروضة) والعلماء بالمدينة متوافرون ، فإذا عيي الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليَّ بأجمعهم ، وبعثوا إلىَّ المسألة فأجيب عنها»(1).
لقد كان الإمام أعلم أهل زمانه ، كما كان المرجع الأعلى في العالم الإسلامي الذي يرجع إليه العلماء والفقهاء فيما خفي عليهم من أحكام الشريعة والفروع الفقهية.
ويقول إبراهيم بن العباس : «ما رأيت الرضا يسأل عن شيء قط إلا علم ، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الأوّل إلى وقته وعصره ، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء ، فيجيب»(2).
لقد كان الإمام الرضا (علیه السلام) من عمالقة الفكر في الإسلام ، وهو ممّن صنع للمسلمين حياتهم العلمية والثقافية.
وقال المأمون : « ما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل ( يعني الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على وجه جه الأرض»(3).
وقد دلّلت مناظراته في خراسان والبصرة والكوفة حيث سئل عن أعقد المسائل ، فأجاب عنها جواب العالم الخبير المتخصّص ، وقد أذعنت له جميع علماء الدنيا في عصره ، وأقرّوا له بالفضل والتفوق عليهم.
وظاهرة أخرى من علومه ومعرفته التامة ، إحاطته الشاملة بجميع اللغات ، ويدلّل على ذلك ما رواه أبو إسماعيل السندي ، قال : «سمعت بالهند أنّ لله في العرب حجة ، فخرجت في طلبه ، فدللت على الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقصدته وأنا لا أحسن العربية ، فسلّمت عليه بالسنديّة ، فردّ عليّ بلغتي ، فجعلت أكلمه بالسنديّة ، وهو يردّ عليَّ بها ، وقلت له : إني سمعت أنّ لله حجّة في العرب ، فخرجت في طلبه .
فقال (علیه السلام): أنا هُوَ ، ثم قال لي : سَلْ عَمَّا أَرَدْتَهُ ، فسألته عن مسائل فأجابني (علیه السلام) عنها بلغتي(1)، وقد أكد هذه الظاهرة الكثيرون ممن اتصلوا بالإمام . يقول أبو الصلت الهروي : «كان الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ)يكلّم الناس بلغاتهم ، فقلت له في ذلك
فقال : يا أبا الصَّلْتِ ، أَنا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَتَّخِذَ حُجَّةٌ عَلَى قَوْمٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ لُغَاتِهِمْ ، أَوَ ما بَلَغَكَ قَوْلُ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام): أَو تينا فَصْلَ الْخِطَابِ ، وَهَلْ هُوَ إِلَّا مَعْرِفَتُهُ لِلْغاتِ»(2).
وروى ياسر الخادم ، قال : «كان لأبي الحسن(علیه السلام) في البيت صقالبة وروم ، وكان أبو الحسن قريباً منهم فسمعهم يتكلمون بالصقلبيّة والرومية ، ويقولون : إنّا كنّا نفصد كلّ سنة في بلادنا ، ولا نفصدها هنا، ولما كان من الغد بعث إليهم
من يفصدهم»(1).
ونظم هذه الظاهرة الشيخ محمد بن الحسن الحرّ في أرجوزته . يقول :
وعلمهُ بِجُملة اللغات
مِنْ أَوْضَحِ الإِعْجازِ وَالْآياتِ(2)
وأخبر الإمام الرضا (علیه السلام) عن كثير من الملاحم والأحداث قبل وقوعها ، وتحقّقت بعد ذلك على الوجه الأكمل الذي أخبر به ، وهي تؤكّد - بصورة واضحة - أصالة ما تذهب إليه الشيعة من أنّ الله تعالى قد منح أئمة أهل البيت(علیهم السلام) المزيد من الفضل والعلم كما منح رسله ، ومن بين ما أخبر به ما يلي :
1 - روى الحسن بن بشّار ، قال : « قال الرضا(عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ - يعني المأمون - يَقْتُلُ مُحَمَّداً - يعني الأمين-.
فقلت له : عبد الله بن هارون يقتل محمّد بن هارون ؟!
قال : نَعَمْ ، عَبْدُ اللَّهِ الَّذِي بِخُراسانَ يَقْتُلُ مُحَمَّدَ بْنَ زُبَيْدَةَ الَّذي هُوَ بِبَعْدادَ ، وكان يتمثل بهذا البيت:
وإِن الصِّغْنَ بَعد الضغن يَفْشو
عَلَيْكَ وَيُخْرِجُ الدّاءَ الدَّفينا(3)
ولم تمض الأيّام حتى قتل المأمون أخاه الأمين ، وسنعرض لذلك في بحوث هذا الكتاب .
2 - ومن بين الأحداث التي أخبر عنها : إنّه لما خرج محمد ابن الإمام الصادق بمكّة ، ودعا الناس إلى نفسه ، وخلع بيعة المأمون ، قصده الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)،
وقال له : يا عَمٌ ، لَا تُكَذِّبْ أَباكَ وَلَا أخاك-يعني الإمام الكاظم (علیه السلام)- فَإِنَّ هَذَا الأَمْرَ لا يَتِمُّ ، ثم خرج .
ولم يلبث محمد إلا قليلاً حتى لاحقته جيوش المأمون بقيادة الجلودي ، فانهزم محمد ومن معه وطلب الأمان ، فآمنه الجلودي ، وصعد المنبر وخلع نفسه ، وقال : إنّ هذا الأمر للمأمون وليس لي فيه حق(1).
3- روى الحسين نجل الإمام موسى (علیه السلام)، قال : «كنا حول أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونحن شبّان من بني هاشم ؛ إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي وهو رثّ الهيئة ، فنظر بعضنا إلى بعض وضحكنا من هيئته.
فقال الرضا: لَتَرَوُنَّهُ عَنْ قَرِيبٍ كَثيرَ الْمَالِ ، كَثيرَ التَّبع ، فما مضى إلا شهر ونحوه حتّى ولي المدينة وحسنت حاله»(2).
4 - روى محول السجستاني ، قال : «لما جاء البريد بإشخاص الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى خراسان كنت أنا بالمدينة ، فدخل المسجد ليودّع رسول الله (صلی الله علیه و آله)، فودّعه مراراً ، كل ذلك يرجع إلى القبر، ويعلو صوته بالبكاء والنحيب ، فتقدمت إليه ، وسلّمت عليه ، فردّ السلام ، وهنأته ، فقال : ذَرْني ، فَإِنِّي أَخْرُجُ مِنْ جِوار جَدّي ، فَأَموتُ في غُرْبَةٍ ، وَادْفَنُ فِي جَنْبِ هارونَ .
قال : فخرجت متّبعاً طريقه ، حتّى وافي خراسان فأقام فيها وقتاً، ثم دفن
بجنب هارون»(1).
وتحقّق ما أخبر به فقد مضى إلى خراسان ، ولم يعد منها ، واغتاله المأمون العبّاسي ودفن إلى جنب هارون .
5- روی صفوان بن يحيى ، قال : «لمّا مضى أبو إبراهيم - يعني الإمام الكاظم(علیه السلام) - وتكلّم أبو الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) خفنا عليه ، فقيل له : إنّك قد أظهرت أمراً عظيماً ، وإنّا نخاف عليك هذا الطاغية - يعني هارون -.
فقال (علیه السلام): لِيَجْهَدْ جُهْدَهُ ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيَّ »(2).
وتحقق ذلك ، فإنّ هارون لم يعرض له بسوء ، وقد أكد الإمام هذا المعنى لبعض أصحابه ، فقد روى محمّد بن سنان ، قال : « قلت لأبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أيام هارون : إنّك قد شهرت نفسك بهذا الأمر ، وجلست مجلس أبيك ، وسيف هارون يقطر الدم-أي من دماء أهل البيت وشيعتهم -.
فقال (علیه السلام) : جَرَّأَنِي عَلى هذا ما قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله سلم) : إِنْ أَخَذَ أَبو جَهْلِ مِنْ رَأْسِي شَعْرَةً ،فَاشْهَدُوا أَنِّي لَسْتُ بِنَبِيَّ ، وَأَنا أَقولُ لَكُمْ: إِنْ أَخَذَ هَارُونُ مِنْ رَأْسِي شَعْرَةٌ فَاشْهَدوا أَنِّي لَسْتُ بِإِمام»(3).
لقد أعلن (علیه السلام) غير مرّة أنّ هارون لا يعرض له بسوء، وأنه يدفن إلى جانب هارون ، فقد روى حمزة بن جعفر الأرّجاني : «خرج هارون من المسجد الحرام من باب ، وخرج علي الرضا من باب ، فقال (علیه السلام): يا بُعْدَ الدّارِ وَقُرْبَ الْمُلْتَقى .
1) الإتحاف بحبّ الأشراف : 59 .أخبار الدول : 114 . عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1: 234 ، الحديث 26.
2) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 97. بحار الأنوار: 49: 113 ، الحديث 2.الكافي :1: 487 ، الحديث 2 . عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1: 246 ، الحديث 4 .
3) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 97 . الكافي : 8: 257 و 258 ، الحديث 371.
إن طوسَ سَتَجْمَعُني وَإِيَّاهُ»(1).
وأكد الإمام دفنه بالقرب من هارون في كثير من الأحاديث ، فقد روى موسى بن هارون ، قال : «رأيت عليّاً الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)في مسجد المدينة وهارون الرشيد يخطب ، قال (علیه السلام): تَروْني وَإِيَّاهُ تُدْفَنُ في بَيْتِ وَاحِدٍ»(2).
6- و من بين الأحداث التي أخبر عنها أنّه أخبر عن نكبة البرامكة ، فقد روى مسافر ، قال : «كنت مع أبي الحسن علي الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فمرّ يحيى بن خالد البرمكي وهو مغط وجهه بمنديل من الغبار ، فقال (علیه السلام): مَساكينُ هؤلاء ، ما يَدْرونَ ما يَحِلُّ بِهِمْ في هذه السنة.
وأضاف الإمام قائلاً : وَأَعْجَبُ مِنْ هذا أَنا وَهارونُ كَهاتَيْنِ ، وختم إصبعيه السبابة والوسطى .
قال مسافر : فوالله ما عرفت معنى حديثه في هارون إلّا بعد موت الرضا، ودفنه بجانبه»(3).
7- روی محمد بن عيسى ، عن أبي حبيب النباجي ، قال : «رأيت رسول الله (صلی الله علیه و آله) في المنام قد وافى النباج(4)، ونزل في المسجد الذي ينزله الحجّاج في كلّ سنة ، وكأنّي مضيت إليه ، وسلّمت عليه ، وكان بين يديه طبق من خوص فيه تمر صيحاني ، وكأنه قبض قبضة من ذلك التمر ، فناولني فعددته فكان ثماني عشرة تمرة ، فتأوّلت الرؤيا بأنّي أعيش بعدد كل تمرة سنة .
1) الإتحاف بحبّ الأشراف : 59، مناقب آل أبي طالب : 4 : 340 و 341 .
2) المصدر المتقدم . عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1 : 247 ، الحديث 1.
3) الإتحاف بحبّ الأشراف : 59 . عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1 : 245 ، الحديث 2. بحار الأنوار:44:49 ، الحديث 36 .
4) النباج : منزل لحجاج البصرة . لسان العرب : 2: 372 - نبج .
فلما كان عشرين يوماً كنت في أرض تعمر لي بالزراعة ؛ إذ جاءني من أخبرني بقدوم الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المدينة ونزوله في ذلك المسجد ، ورأيت الناس يسعون إليه ، فمضيت نحوه ، فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت رسول الله (صلی الله علیه و آله) فيه في المنام ، وبين يديه طبق من خوص فيه تمر صيحاني ،فسلمت عليه ، فردّ عليّ السلام ، واستدناني ، فناولني قبضة من ذلك التمر ، فعددته ، فإذا هو بعدد ما ناولني رسول الله (صلى الله علیه و آله) ، فقلت : زدني يابن رسول الله.
فقال : لَوْ زادَكَ رَسولُ اللهِ (صلى الله علیه و آله) لَزِدْناك»(1).
8- روی جعفر بن صالح ، قال : « أتيت الرضا فقلت : امرأتي حامل ، فادع الله أن يجعله ذكراً . فقال : هُما اثنان .
فانصرفت وقلت : أسمّي أحدهما محمداً ، والآخر عليّاً ، ثم أتيته فقال لي : سَمِّ واحِداً عَلِيّاً ، وَالْآخَرَ اُمَّ عَمْرو ، فلما قدمت الكوفة رأيتها ولدت غلاماً وبنتاً ، فسمّيت الذكر عليّاً ، والأنثى أم عمرو»(2).
وذكر الرواة بوادر كثيرة من الملاحم والأحداث التي أخبر عنها قبل وقوعها ، وهي تدلّل على ما منحه الله من العلم بمجريات الأحداث الذي خصّ به أولياءه وعباده الصالحين .
ومن أبرز ذاتيّات الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) انقطاعه إلى الله تعالى وتمسّكه به ، وقد ظهر ذلك في عبادته التي مثّلت جانباً كبيراً من حياته الروحية التي هي نور وتقوى وورع .
يقول بعض جماعته : ما رأيته قطّ إلّا ذكرت قوله تعالى : «كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ»(1).
ويقول الشبراوي عن عبادته : «إنّه كان صاحب وضوء وصلاة ، وكان في ليله كلّه يتوضّأ ويصلّي ، ويرقد ، وهكذا إلى الصباح»(2).
لقد كان الإمام (علیه السلام) أتقى أهل زمانه ، وأكثرهم طاعة الله تعالى . اسمعوا ما یرويه رجاء بن أبى الضحّاك عن عبادة الإمام ، وكان المأمون قد بعثه إلى الإمام ليأتي به إلى خراسان ، فكان معه من المدينة المنوّرة إلى مرو. يقول :
«والله ما رأيت رجلاً كان أتقى الله منه ، ولا أكثر ذكراً له في جميع أوقاته ، ولا أشدّ خوفاً الله عزّ وجلّ ، كان إذا أصبح صلّى الغداة ، فإذا سلّم جلس في مصلاه يسبّح الله ويحمده ويكبّره ويهلّله ، ويصلّي على النّبي (صلی الله علیه و آله) حتّى تطلع الشمس ، ثمّ يسجد سجدة يبقى فيها حتّى يتعالى النهار ، ثمّ يقبل على الناس يحدّثهم ويعظهم إلى قرب الزوال ، ثمّ جدّد وضوءه وعاد إلى مصلاه .
فإذا زالت الشمس قام وصلّى ستّ ركعات يقرأ في الركعة الأولى : الحمد و«قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ» ، وفي الثانية : الحمد و«قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» ، ويسلّم ، وفي كلّ ركعتين يقنت فيهما في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة .
ثم يؤذن ، ثمّ يصلّي ركعتين ، ثم يقيم ، ويصلّي الظهر ، فإذا سلّم سبّح الله وحمده وكبره وهلّله ما شاء الله ، ثم يسجد سجدة الشكر ويقول فيها مائة مرة : شكراً لله ، فإذا رفع رأسه قام فصلّى ستّ ركعات ، يقرأ في كل ركعة الحمد لله و«قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ» ، ويسلّم في كلّ ركعتين ، ويقنت في ثانية كل ركعتين قبل الركوع وبعد القراءة ، ثمّ يؤذّن ، ثم يصلى ركعتين ويقنت في الثانية .
فإذا سلّم قام وصلّى العصر ، فإذا سلّم جلس في مصلاه يسبح الله ويحمده ويكبّره ويهلّله ، ثم يسجد سجدة يقول فيها مائة مرة : حمداً لله .
فإذا غابت الشمس توضّأ وصلّى المغرب ثلاثاً بأذان وإقامة ، وقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة ، فإذا سلّم جلس في مصلاه يسبّح الله ويحمده ويكبّره ويهلّله ما شاء الله ، ثمّ يسجد سجدة الشكر ، ثمّ يرفع رأسه ولا يتكلّم ، حتى يقوم ويصلّي أربع ركعات بتسليمتين ، يقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة ، وكان يقرأ في الأولى من هذه الأربع : الحمد و «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ» ، وفي الثانية : الحمد و «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد»، ثمّ يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء الله حتّى يمسي ، ثمّ يفطر ، ثمّ يلبث حتى يمضي من الليل قريب من الثلث.
ثمّ يقوم فيصلّي العشاء الآخرة أربع ركعات ، ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة ، فإذا سلّم جلس في مصلاه يذكر الله عزّ وجلّ ويسبّحه ويحمده ويكبّره و يهلله ما شاء الله ، ويسجد بعد التعقيب سجدة الشكر ، ثم يأوي إلى فراشه .
وإذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار ، فاستاك ثم توضأ ، ثمّ قام إلى صلاة الليل ، فصلّى ثمان ركعات ويسلّم في كلّ ركعتين ، يقرأ في الأوليين منها في كل ركعة : الحمد وثلاثين مرّة «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ».
ويصلي صلاة جعفر بن أبي طالب أربع ركعات ، يسلّم في كل ركعتين ، ويقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع ، ويحتسب بها من صلاة الليل ، ثمّ يصلّي الركعتين الباقيتين ، يقرأ في الأولى : الحمد وسورة الملك ، وفي الثانية : الحمد و «هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ».
ثم يقوم فيصلي ركعتي الشفع ، يقرأ في كل ركعة الحمد مرّة و«قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» ثلاث مرّات ، ويقنت في الثانية.
ثم يقوم فيصلي الوتر ركعة ، يقرأ فيها الحمد و«قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» ثلاث مرّات ، و«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ»مرة واحدة ، و «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» مرة واحدة ، ويقنت فيها قبل الركوع وبعد القراءة ، ويقول في قنوته :
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ ، وَعافِنا فيمَنْ عَافَيْتَ ، وَتَوَلَّنا فيمَنْ تَوَلَّيْتَ ، وَبارِكَ لَنا فيما أَعْطَيْتَ ، وَقِنا شَرَّ ما قَضَيْتَ ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ والَيْتَ ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ ، تَبارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ».
ثم يقول : اسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَسْأَلُهُ التَّوْبَةَ سبعين مرّة ، فإذا سلّم جلس في التعقيب ما شاء الله.
وإذا قرب الفجر قام فصلّى ركعتي الفجر ، يقرأ فى الأولى : الحمد و« قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ»، وفى الثانية : الحمد و «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ».
فإذا طلع الفجر أذّن وأقام وصلّى الغداة ركعتين ، فإذا سلّم جلس في التعقيب حتّى تطلع الشمس ، ثم سجد سجدة الشكر حتى يتعالى النهار ... »(1).
لقد عرض هذا الحديث بالتفصيل إلى صلاة الإمام الرضا(عَلَيهِ السَّلَامُ) المفروضة ونوافلها وما يقرأ فيها من سور القرآن الكريم ، والتعقيبات التي يؤديها ، ومعنى ذلك أنه كان فی أغلب أوقاته مشغولاً بعبادة الله تعالى .
لقد سرى حبّ الله في قلب الإمام ، وتفاعل في عواطفه ومشاعره حتى صار
1) بحار الأنوار: 49: 93 ، الحديث 7 ، وفي الحديث بقية في بيان بعض أذكاره وعباداته وقراءته لبعض السور في صلاته المندوبة . عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1: 194 - 197 ، الحديث 5، وسائل الشيعة : 7: 156 و 157 ، الحديث 8994.
عنصراً من عناصره وذاتاً من ذاتياته .
وكان الإمام الله (علیه السلام) يدعو بهذا الدعاء الجليل في قنوته :
الْفَزَعُ ، الْفَزَعُ إِلَيْكَ ، يا ذا الْمُحاضَرَةِ وَالرَّغْبَةِ ، الرَّغْبَةُ إِلَيْكَ يَا مَنْ بِهِ الْمُفاخَرَةُ، وَأَنْتَ اللَّهُمَّ مُشاهِدُ هَواجِسَ النفوسِ ، وَمُراصِدُ حَرَكاتِ الْقُلوبِ ، وَمَطالِعُ مَسَرَاتِ السَّرائِرِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا تَعَسُّفٍ ، وَقَدْ تَرَى اللّهُمَّ ما لَيْسَ عَنْكَ بِمُنْطَوي ، وَلكِنَّ حِلْمَكَ آمَنَ أَهْلَهُ عَلَيْهِ جُرْأَةٌ وَتَمَرُّداً ، وَعُتُوّاً وَعِناداً ، وَما يُعانيهِ أَوْلِيَاؤُكَ مِنْ تَعْقِيَةِ آثار الْحَقِّ ، وَدُروسِ مَعالِمِهِ ، وَتَزَيَّدِ الْفَوَاحِشِ ، وَاسْتِمْرارِ أَهْلِها عَلَيْهَا ، وَظُهورِ الْباطِلِ ، وَعُموم التَّعْاشُمِ ، وَالتَّراضِي بِذلِكَ فِي الْمُعامَلاتِ وَالْمُتَصَرِّفاتِ ، مُذْ جَرَتْ بِهِ العادات ، وَصارَ كَالْمَفْروضاتِ وَالْمَسْنونات .
اللهُمَّ فَبَادِرِنا مِنْكَ بِالْعَوْنِ الَّذي مَنْ أَعَنْتَهُ بِهِ فَازَ ، وَمَنْ أَيَّدْتَهُ لَمْ يَخَفْ لَمْزَ لَمَازِ، وَخُذِ الظَّالِمَ أَخْذاً عَنيفاً ، وَلَا تَكُنْ لَهُ راحِماً وَلَا بِهِ رَؤوفاً.
اللهُمَّ اللّهمَّ اللّهمَّ بادِرْهُم . اللهمَّ عاجِلهُم . اللَّهُمَّ لَا تُمْهِلْهُم .
اللهُمَّ غادِرْهُمْ بُكْرَةً وَهَجِيرَةً(1)، وَسُحْرَةً وَبَياتاً وَهُمْ نَائِمُونَ ، وَضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ ، وَمَكْراً وَهُمْ يَمْكُرُونَ ، وَفَجْأَةً وَهُمْ آمِنونَ.
1) نصف النهار وعند زوال الشمس.
اللهُمَّ بَدِّدْهُمْ ، وَبَدِّدْ أَعْوانَهُمْ ، وَافْلُلْ أَعْضَادَهُمْ ، وَاهْزِمْ جُنودَهُمْ ، وَافْلُلْ حَدَّهُمْ ، وَاجْتَثَّ سَنامَهُمْ ، وَأَضْعِفْ عَزائِمَهُمْ .
اللَّهُمَّ امْنَحْنا أَكْتافَهُمْ ، وَمَلكْنا أَكْنَافَهُمْ ، وَبَدِّلْهُمْ بِالنِّعَمِ النَّقَمَ ، وَبَدِّلْنا مِنْ مُحاذَرَتِهِمْ وَبَغْيِهِمْ بِالسَّلامِ ، وَاغْنِمْناهُمْ أَكْمَلَ الْمَغْنَم.
اللهُمَّ لَا تَرُدَّ عَنْهُمْ بَأْسَكَ الَّذِي إِذا حَلَّ بِقَوْمٍ «فَسَاءَ صَباحُ الْمُنْذَرينَ»(1).(2)
وحكى هذا الدعاء نقمة الإمام (علیه السلام) على الظالمين والمستبدّين من حكّام عصره الذين أغرقوا العالم الإسلامي بالمحن والخطوب، وأرغموا المسلمين على ما يكرهون ، وهذا الدعاء من الأدعية السياسية التي حكت الأوضاع الراهنة في ذلك العصر .
روی سلیمان بن جعفر ، قال : « دخلنا على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو ساجد في سجدة الشكر ، فأطال سجوده ، ثمّ رفع رأسه ، فسألوه عن إطالة سجوده ، فأخبرهم أنه دعا بهذا الدعاء ، وحثّهم عليه ، وأمرهم بكتابته ، فكتبوه ، وهذا نصّه :
اللهُمَّ الْعَنِ اللَّذَيْنِ بَدَّلَا دِينَكَ ، وَغَيَّرا نِعْمَتَكَ ، وَاتَّهَما رَسولَكَ (صلى الله علیه و آله)، وَخالَفا مِلَّتَكَ ، وَصَدًا عَنْ سَبيلِكَ ، وَكَفَرا آلاءَكَ ، وَرَدًا عَلَيْكَ كَلامَكَ ، وَاسْتَهْزَءاً بِرَسولِكَ ، وَقَتَلا ابْنَ نَبِيِّكَ ، وَحَرَّفا كِتَابَكَ ، وَجَحَدا آياتِكَ ،
وَسَخِرا بآياتِكَ ، وَاسْتَكْبَرا عَنْ عِبادَتِكَ ، وَقَتَلا أَوْلِياءَكَ ، وَجَلَسا فی مَجْلِسٍ لَمْ يَكُنْ لَهُما بِحَقِّ ، وَحَمَلا النَّاسَ عَلَى أَكْتافِ آلِ مُحَمَّدٍ.
اللهُمَّ الْعَنْهُما لَعْناً يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضاً ، وَاحْشُرْهُما وَأَتْبَاعَهُما إِلَى جَهَنَّمَ زُرْقاً.
اللهُمَّ إِنَّا نَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِاللَّعْنَةِ عَلَيْهِما ،
وَالْبَراءَةِ مِنْهُما في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ .
اللّهُمَّ الْعَنْ قَتَلَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقَتَلَةَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَابْنِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسولِ اللهِ (صلى الله عليه و آله سلم). اللَّهُمَّ زِدْهُما عَذاباً فَوْقَ عَذَابٍ ، وَهَوَاناً فَوْقَ هَوَانٍ ، وَذُلّا فَوْقَ ذُلُّ ، وَخِزْيِاً فَوْقَ خِزْيِ.
اللَّهُمَّ دُعَّهُما في النّارِ دَعَاً ، وَأَرْكِسْهُما في أليم عِقابِكَ رَكْساً ، اللهُمَّ احْشُرْهُما وَأَتْبَاعَهُما إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً ، اللهُمَّ فَرَّقُ جَمْعَهُمْ ، وَشَنّتْ أَمْرَهُمْ ، وَخَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ ، وَبَدِّدْ جَمَاعَتَهُمْ ، وَالْعَنْ أَئِمَّتَهُمْ ، وَاقْتُلْ قادَتَهُمْ وَسادَتَهُمْ وَكُبَرَاءَهُمْ ، وَالْعَنْ رُؤَسَاءَهُمْ ، وَاكْسِرْ رايَتَهُمْ ، وَأَلْقِ الْبَأْسَ بَيْنَهُمْ ، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ دَيَاراً .
اللهُمَّ الْعَنْ أَبا جَهْل وَالْوَلِيدَ لَعْناً يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضاً ، وَيَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضاً . اللهُمَّ الْعَنْهُما لَعْناً يَلْعَنْهُما بِهِ كُلُّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ، وَكُلُّ نَبِيٌّ مُرْسَلٍ ، وَكُلُّ مُؤْمِن امْتَحَنْتَ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ .
اللهُمَّ الْعَنْهُما لَعْناً يَتَعَوَّذُ مِنْهُ أَهْلُ النَّارِ. اللَّهُمَّ الْعَنْهُما لَعْناً لَمْ يَخْطُرْ
لأَحَدٍ بِبالِ ، اللَّهُمَّ الْعَنْهُما فِي مُسْتَسِرِّ سِرِّكَ ، وَظَاهِرٍ عَلانِيَتِكَ ، وَعَذَّبْهُما عَذاباً في التَّقْدِيرِ ، وَشارِك مَعَهُما ابْنَتَيْهِما ، وَأَشْيَاعَهُما وَمُحِبِّيهِما وَمَنْ شايَعَهُما ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ(1).
ويمثّل هذا الدعاء مدى نقمة الإمام على بعض الخلفاء الذين استولوا بغير حق على السلطة العامة في البلاد ، فجروا الويل والدمار للعالم الإسلامي ، وذلك بإقصاء العترة الطاهرة عن السلطة، وهي أعلم بشؤون الإسلام وأحكامه من غيرهم ، وهذا الدعاء الجليل من الأدعية السياسية.
و من مظاهر حياة الإمام الروحيّة تسلّحه بالدعاء إلى الله تعالى ، والتجاؤه إليه في جميع أموره ، وكان يجد فيه متعة روحية لا تعادلها أية متعة من متع الحياة ، وقبل أن نعرض لبعض أدعيته نذكر ما أثر عنه من أهمية الدعاء وغيره :
حثّ الإمام (علیه السلام) أصحابه على الدعاء إلى الله ، فقال لهم : عَلَيْكُمْ بِسِلاح الأنبياء . فقيل له : وما سلاح الأنبياء ؟ قال : الدُّعاءُ(2)
8657.
.وأوصى الإمام أصحابه بإخفاء الدعاء ، وأن يدعو الإنسان ربّه سراً لا يعلم به
أحد . قال (علیه السلام): دَعْوَةُ الْعَبْدِ سِرّاً دَعْوَةً واحِدَةً تَعْدِلُ سَبْعِينَ دَعْوَةً عَلانِيَةٌ(1).
وتحدّث الإمام (علیه السلام) عن الأسباب التي توجب إبطاء الإجابة في الدعاء ، فقد روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، قال : قلت لأبي الحسن - يعني الإمام الرضا(عَلَيهِ السَّلَامُ)- :
جعلت فداك ، إنّي قد سألت الله حاجة منذ كذا وكذا سنة ، وقد دخل قلبي من إبطائها شيء ؟
فقال (علیه السلام): يا أَحْمَدُ ، إِيَّاكَ وَالشَّيْطَانَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْكَ سَبِيلٌ حَتَّىٰ يُقْنَطَكَ . إِنَّ أَبا جَعْفَرٍ - يعني الإمام الباقر صلوات الله عليه - كانَ يَقولُ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَاجَتَهُ ، فَيُؤَخِّرُ عَنْهُ تَعْجِيلَ إِجابَتِهِ حُبّاً لِصَوْتِهِ ، وَإِسْتِمَاع نَحِيبِهِ.
ثمّ قال : وَاللهِ ما أَخَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَن الْمُؤْمِنينَ ما يَطْلُبُونَ مِنْ هذِهِ الدُّنْيا خَيْرٌ لَهُمْ مِمَا عَجَّلَ لَهُمْ فيها ، وَأَيُّ شَيْءٍ الدُّنْيا ؟ إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ(علیه السلام)كَانَ يَقولُ : يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكونَ دُعاؤُهُ فِي الرَّحَاءِ نَحْواً مِنْ دُعَائِهِ فِي الشَّدَّةِ ، لَيْسَ إِذا أُعْطِيَ فَتَرَ ، فَلَا تَمِلَّ الدُّعاءَ ، فَإِنَّهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَكانٍ - أي بمنزلة - وَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ ، وَطَلَبِ الْحَلالِ ، وَصِلَةِ الرَّحِم .
وَإِيَّاكَ وَمُكاشَفَةَ النَّاسِ ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ نَصِلُ مَنْ قَطَعَنا ، وَنُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَساءَ إِلَيْنَا ، فَنَرَى وَاللهِ فِي ذلِكَ الْعاقِبَةَ الْحَسَنَةَ . إِنَّ صَاحِبَ النِّعْمَةِ في
1) أصول الكافي : 2 : 476 . الذكرى : 63. جواهر الكلام : 12 : 100 .
الدُّنْيا إِذا سَأَلَ فَأُعْطِيَ طَلَبَ غَيْرَ الَّذِي سَأَلَ وَصَغُرَتِ النِّعْمَةُ فِي عَيْنِهِ فَلَا يَشْبَعُ مِنْ شَيْءٍ ، وَإِذا كَثُرَتِ النِّعَمُ كانَ الْمُسْلِمُ مِنْ ذلِكَ في خَطَرٍ لِلْحُقوقِ الَّتى تَجبُ عَلَيْهِ ، وَما يُخافُ مِنَ الْفِتْنَةِ فيها.
أَخْبِرْنِي عَنْكَ لَوْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ قَوْلاً أَكُنْتَ تَتِقُ بِهِ مِنِّي ؟
وسارع أحمد قائلاً: جعلت فداك ، إذا لم أثق بقولك فبمن أثق وأنت حجة الله على خلقه .
فأجابه الإمام : فَكُنْ بِاللهِ أَوْثَقَ ، فَإِنَّكَ عَلَى مَوْعِدٍ مِنَ اللهِ ، أَلَيْسَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ»(1).
وَقالَ :«لَا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ»(2).
وَقالَ :«وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً»(3).
فَكُنْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْثَقَ مِنْكَ بِغَيْرِهِ ، وَلَا تَجْعَلُوا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا خَيْراً ، فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ لَكُمْ(4).
وأعرب الإمام (علیه السلام) عن الأسباب التي تحجب الدعاء ، وتؤخر إجابته ، كما دعا إلى
التحلّي بأخلاق أهل البيت (علیهم السلام) والاقتداء بهم .
وأثرت عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كوكبة من الأدعية الشريفة ، كان من بينها ما يلي :
1 - من أدعيته هذا الثدعاء ، يطلب فيه الإمام الا الأمن والإيمان ، قال :
يا مَنْ دَلَّنِي عَلَى نَفْسِهِ ، وَذَلَّلَ قَلْبِي بِتَصْدِيقِهِ ، أَسْأَلُكَ الْأَمْنَ وَالْإِيمَانَ فى الدُّنْيا وَالْآخِرَة(1).
وحفل هذا الدعاء على إيجازه بظاهرة من ظواهر التوحيد ، وهي أنّ الله تعالى دلّ على ذاته ، وعرّف نفسه لخلقه ، وذلك بما أودعه وأبدعه في هذا الكون من العجائب والغرائب ، وكلّها تنادي بوجوده
2- وكان لا يدعو بهذا الدعاء الجليل :
اللهمَ اعْطِنِي الْهُدى وَثَبِّتْني عَلَيْهِ ، وَاحْشُرْنِي عَلَيْهِ آمِناً ، أَمْنَ مَنْ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ ، وَلَا حُزْنَ وَلَا جَزَعَ ، إِنَّكَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(2).
لقد دعا الإمام (علیهم السلام) بطلب الهداية ، والانقياد الكامل إلى الله الذي هو من أعلى
درجات المقرّبين والمنيبين إلى الله تعالى.
3-من أدعيته هذا الدعاء الشريف ، وقد علّمه لصاحبه وتلميذه موسى بن بكير ، وقال له : احْفَظْ ما أَكْتُبُهُ لَكَ ، وَادْعُ بِهِ فِي كُلِّ شِدَّةٍ تَخافُ مِنْها ، وقد جاء فيه بعد البسملة :
اللهُمَّ إِنَّ ذُنوبي وَكَثْرَتَها قَدْ أَخْلَقَتْ وَجْهِي عِنْدَكَ ، وَحَجَبَتْني عَنِ اسْتيهالِ رَحْمَتِكَ ، وَباعَدَتْني عَنِ اسْتِيجابٍ مَغْفِرَتِكَ ، وَلَوْلَا تَعَلُّقي بِالَائِكَ ، وَتَمَسُّكي بِالدُّعاءِ ، وَما وَعَدْتَ أَمْثَالِي مِنَ الْمُسْرِفِينَ ، وَأَشْبَاهِي وَأَمْثالي مِنَ الْخاطِئِينَ ، وَوَعَدْتَ الْقَانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِكَ بِقَوْلِكَ :«و يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»(1).
وَحَذَرْتَ الْقانِطينَ مِنْ رَحْمَتِكَ ، فَقُلْتَ : «وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ»(2).
ثُمَّ نَدَبْتَنا بِرَأْفَتِكَ إِلى دُعائِكَ ، فَقُلْتَ:«ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ»(3).
إلهي لَقَدْ كانَ الْإِياسُ عَلَيَّ مُشْتَمِلاً ، وَالْقُنوطُ مِنْ رَحْمَتِكَ عَلَيَّ مُلْتَحِفاً ، إلهي لَقَدْ وَعَدْتَ الْمُحْسِنَ ظَنْهِ بِكَ ثَواباً ، وَأَوْعَدْتَ الْمُسيءَ ظَنَّهُ بِكَ عِقاباً ، اللهُمَّ وَقَدْ أَمْسَكَ رَمَقي حُسْنُ الظَّنِّ بِكَ فِي عِتْقِ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ ، وَتَغَمُدِ زَلَّتِي ، وَإِقَالَةِ عَشْرَتي.
اللهمَّ قَوْلُكَ الْحَقُّ الَّذي لَا خُلْفَ لَهُ وَلَا تَبْدِيلَ «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ
بِإِمَامِهِمْ» وَذَلِكَ يَوْمُ النُّشورِ ، إِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ ، وَبُعْثِرَ ما في الْقُبورِ.
اللهُمَّ فَإِنّي أؤْمِنُ وَأَشْهَدُ ، وَأَقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ وَلَا أَجْحَدُ ، وَأُسِرُّ وَأُعْلِنُ ، وَأُظْهِرُ وَأُبْطِنُ ، بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لا إلهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسولُكَ(صلى الله علیه و آله).
وَأَنَّ عَلِيّاً أَمْيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، سَيِّدُ الْأَوْصياءِ، وَوَارِثُ عِلْمِ الْأَنْبِياءِ ، عَلَمُ الدِّينِ ، وَمُبيرُ الْمُشْرِكِينَ ، وَمُمَيَّزُ الْمُنافِقِينَ ، وَمُجَاهِدُ الْمارِقِينَ ، وإمامي وَحُجَّتِي وَعُرْوَتي وَصِراطي وَدَليلي وَمَحَجَتي ، وَمَنْ لَا أَثِقُ بِأَعْمَالِي وَلَوْ زَكَتْ ، وَلَا أَراها مُنْجِيَةً لِي وَلَوْ صَلُحَتْ إِلَّا بِوَلَايَتِهِ وَالْإِنْتِمامِ بِهِ ، وَالْإِقْرَارِ بِفَضائِلِهِ ، وَالْقَبولِ مِنْ حَمَلَتِها ، وَالتَّسْلِيم لِرُواتِها ، وَأُقِرُّ بِأَوْصيائِهِ مِنْ أَبْنائِهِ أَئِمَّةً وَحُجَجاً ، وَأَدِلَّةً وَسُرْجاً ، وَأَعْلاماً وَمَناراً، وَسادَةً وَأَبْرَاراً ، وَأُؤْمِنُ بِسِرِّهِمْ وَجَهْرِهِمْ ، وَظَاهِرِهِمْ وَباطِنِهِمْ ، وَشَاهِدِهِمْ وَغائِبِهِمْ، وَحَيْهِمْ وَمَيِّتِهِمْ ، لَا شَكٍّ في ذلِكَ وَلَا ارْتِيَابَ عِنْدَ تَحَوُّلِكَ وَلَا انْقِلابَ.
اللهُمَّ فَادْعُني يَوْمَ حَشْرِي وَنَشْرِي بِإِمَامَتِهِمْ ، وَأَنْقِذْني بِهِمْ -يا مَولايَ- مِنْ حَرِّ النَّيرانِ ، وَإِنْ لَمْ تَرْزُقْنِي رَوْحَ الْجِنانِ ، فَإِنَّكَ إِنْ أَعْتَقْتَني مِنَ النَّارِ كُنْتُ مِنَ الْفَائِزِينَ.
اللهُمَّ وَقَدْ أَصْبَحْتُ يَوْمي هذا لَا ثِقَةَ لي وَلَا رَجاءَ ، وَلَا مَلْجَأَ
(1) الإسراء 71:17
وَلَا مَفْزَعَ ، وَلَا مَنْجىً ، غَيْرَ مَنْ تَوَسَّلْتُ بِهِمْ إِلَيْكَ ، مُتَقَرِّباً إِلَى رَسولِكَ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله) ، ثُمَّ عَلِيٌّ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالزَّهْراءِ سَيِّدَةِ نِساءِ الْعالَمينَ ، وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ، وَعَلِيٌّ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَجَعْفَرٍ ، وَمُوسَى، وَعَلِيٌّ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَعَلِيُّ ، وَالْحَسَنِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ يُقيمُ الْمَحَجَّةَ إِلَى الْحُجَّةِ الْمَسْتورَةِ مِنْ وُلدِهِ ، الْمَرْجُو لِلأُمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ.
اللهُمَّ فَاجْعَلْهُمْ في هذَا الْيَوْمِ وَما بَعْدَهُ حِصْنِي مِنَ الْمَكَارِهِ ، وَمَعْقِلي مِنَ الْمَخاوِفِ ، وَنَجِّنِي بِهِمْ مِنْ كُلِّ عَدُوٌّ وَطَاغِ وَباغِ وَفَاسِقٍ وَمِنْ شَرّ ما أَعْرِفُ ، وَما أُنْكِرُ ، وَما اسْتَتَرَ عَنِّي ، وَما أَبْصِرُ ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دابَّةٍ رَبِّي آخِذٌ بِنَاصِيَتِها ، إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
اللّهُمَّ فَبِتَوَسُّلِي بِهِمْ إِلَيْكَ ، وَتَقَرُّبِي بِمَحَبَّتِهِمْ ، وَتَحَصُّني بِإِمامَتِهِمْ ، افْتَحْ عَلَيَّ فِي هَذَا الْيَوْم أَبْوابَ رِزْقِكَ ، وَانْشُرْ عَلَيَّ رَحْمَتَكَ ، وَحَبِّبْني إِلى خَلْقِكَ ، وَجَنِّبْنِي بُغْضَهُمْ وَعَداوَتَهُمْ ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
اللهُمَّ وَلِكُلِّ مُتَوَسِّلٍ ثَوَابٌ ، وَلِكُلِّ ذِي شَفَاعَةٍ حَقٌّ ، فَأَسْأَلُكَ بِمَنْ جَعَلْتُهُ إِلَيْكَ سَبَبي ، وَقَدَّمْتُهُ أَمَامَ طَلِبَتي ، أَنْ تُعَرِّفَني بَرَكَةَ يَوْمِي هذا ، وَشَهْري هذا ، وَعامى هذا .
اللهُمَّ وَهُمْ مَفْزَعِي وَمَعونَتي في شِدَّتي وَرَحْاني ، وَعَافِيَتِي وَبَلائي ، وَنَوْمِي وَيَقْظَتِي ، وَظَعْني وَإِقَامَتِي ، وَعُسْرِي وَيُسْرِي ، وَعَلانِيَتي وَسِرَي ، وَإِصْباحِي وَإِمْسائي ، وَتَقَلبي وَمَثْوَايَ ، وَسِرَي وَجَهْري.
اللّهُمَّ فَلَا تُخَيِّبْني بِهِمْ مِنْ نائِلِكَ ، وَلَا تَقْطَعْ رَجَائِي مِنْ رَحْمَتِكَ ، وَلَا تُؤْيِسْنِي مِنْ رَوْحِكَ ، وَلَا تَبْتَلِنِي بِانْغِلاقِ أَبْوابِ الْأَرْزاقِ ، وَانْسِدادِ مَسالِكِها ، وَارْتياح مَذاهِبِهَا ، وَافْتَحْ لي مِنْ لَدُنْكَ فَتْحاً يَسيراً ، وَاجْعَلْ لي مِنْ كُلِّ ضَنَكٍ مَخْرَجاً ، وَإِلى كُلِّ سَعَةٍ مَنْهَجاً ، إِنَّكَ أَرْحَمُ الرّاحِمينَ ،وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطّاهِرينَ ، آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(1).
وحكى هذا الدعاء مدى اعتصام الإمام صلوات الله عليه بالله تعالى وعبوديّته المطلقة له ، كما حكى فضل الأئمة الطاهرين (علیهم السلام) ، الذين هم أعلام الدين ، وسدنة حكمة سيّد المرسلين.
4- وكان الإمام (علیه السلام) يدعو بهذا الدعاء لطلب الرزق والسعة في العيش ، وكان يدعو به عقيب كلّ فريضة ، وهذا نصّه :
يا مَنْ يَمْلِكُ حَوائِجَ السَّائِلِينَ ، وَيَعْلَمُ ضَمير الصّامِتينَ ، لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْكَ سَمْعٌ حَاضِرٌ وَجَوابٌ عَتِيدٌ ، وَلِكُلِّ صامِتٍ مِنْكَ عِلْمٌ باطِنٌ مُحيط ، أَسْأَلُكَ بِمَواعيدُكَ الصَّادِقَةِ ، وَأَياديكَ الْفَاضِلَةِ ، وَرَحْمَتِكَ الْواسِعَةِ ، وَسُلْطانِكَ الْقاهِرِ ، وَمُلْكِكَ الدّائِم ، وَكَلِماتِكَ النَّامَاتِ ، يَا مَنْ لَا تَنْفَعُهُ طاعَةُ الْمُطيعينَ ، وَلَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ الْعاصِينَ (صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ) ، وَارْزُقْني مِنْ فَضْلِكَ ، وَأَعْطِني فيما تَرْزُقُني الْعافِيَةَ ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ(2).
5- ومن بين أدعيته الشريفة هذا الدعاء العظيم ، وجاء فيه بعد البسملة :
اللهُمَّ يا ذا الْقُدْرَةِ الْجامِعَةِ ، وَالرَّحْمَةِ الْواسِعَةِ ، وَالْمِنَنِ الْمُتَتَابِعَةِ ، وَالْاَلاَءِ الْمُتَوَالِيَةِ ، وَالْأَيادى الجَميلَةِ ، وَالْمَوَاهِبِ الْجَزيلَةِ، يَا مَنْ لَا يُوصَفُ بِتَمْثِيلِ ، وَلَا يُمَثَلُ بِنَظِيرٍ ، وَلَا يُغْلَبُ بَظَهِيرٍ .
يا مَنْ خَلَقَ فَرَزَقَ ، وَأَلْهَمَ فَأَنْطَقَ ، وَابْتَدَعَ فَشَرَعَ ، وَعَلا فَارْتَفَعَ ، وَقَدَّرَ فَأَحْسَنَ ، وَصَوَّرَ فَأَتْقَنَ ، وَاحْتَجَّ فَأَبْلَغَ ، وَأَنْعَمَ فَأَسْبَغَ ، وَأَعْطى فَأَجْزَلَ ، وَمَنَحَ فَأَفْضَلَ.
يا مَنْ سَما فِي الْعِزَّ فَفَاتَ خَواطِفَ الْأَبْصارِ ، وَدَنا في النُّطْفِ فَجازَ هَواجِسَ الْأَفْكَارِ. يَا مَنْ تَفَرَّدَ بِالْمُلْكِ فَلَا نِدَّ لَهُ فِي مَلَكُوتِ سُلْطانِهِ ، وَتَوَحَّدَ بِالْكِبْرِياءِ فَلَا ضِدَّ لَهُ فِي جَبَرُوتِ شَأْنِهِ.
يا مَنْ حارَتْ فِي كِبْرِياءِ هَيْبَتِهِ دَقَائِقُ لَطَائِفِ الْأَوْهَامِ ، وَانْحَسَرَتْ دونَ إِدْراكِ عَظَمَتِهِ خَطَائِفُ أَبْصَارِ الْأَنامِ . يا عَالِمَ خَطَرَاتِ قُلُوبِ الْعَالَمِينَ وَشاهِدَ لَحَظاتِ أَبْصار النّاظِرينَ.
يا مَنْ عَنَتِ الوجوهُ لِهَيْبَتِهِ ، وَخَضَعَتِ الرّقابُ لِعَظَمَتِهِ وَجَلالِهِ ، وَوَجِلَتِ الْقُلوبُ مِنْ خِيفَتِهِ ، وَارْتَعَدَتِ الْفَرائِصُ مِنْ فَرَقِهِ ، يا بَديءُ يا بَديعُ ، يا قَوِيٌّ يا مَنيعُ یا عَلِيٌّ يا رَفيعُ ، صَلِّ عَلى مَنْ شُرِّفَتِ الصَّلاةُ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ ، وَانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ ظَلَمَنِي ، وَاسْتَخَفَّ بي ، وَطَرَد الشَّيعَةَ عَنْ بابی ، وَأَذِقهُ مَرَارَةَ الذُّلِّ وَالْهَوانِ كَما أَذاقَنيها ، وَاجْعَلْهُ طَرِيدَ الْأَرْجَاسِ ، وَشَريدَ الْأَنْجَاسِ ،وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ
الطَّيِّبينَ الطَّاهِرينَ(1).
وحفل هذا الدعاء الشريف بحمد الله والثناء عليه بأجمل ألوان الثناء ، كما حفل في آخره بما جرى عليه من الظلم والأذى والاضطهاد من قبل المأمون العبّاسي ، فقد طرد شيعة الإمام (علیه السلام) ، واستخفّ به ، لما ظهر للعالم الإسلامي سموّ مكانة الإمام وعظيم شخصيّته وتفاهة شخصيّة المأمون ، وأنه لا رصيد له من الدين والأخلاق ما يستحق به مركز الخلافة الإسلامية ، ويبدو من هذا الدعاء مدى تألّم الإمام من المأمون حيث دعا عليه بحرارة وألم.
6 - من بين أدعيته الشريفة هذا الدعاء ، وقد جاء فيه بعد البسملة :
اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلى مَرَدَّ نَوازِلِ الْبَلاءِ ، وَمُلِماتِ الضَّرَاءِ ، وَكَشْفِ نَوائِبِ اللَّأَواءِ(2)، وَتَوالي سُبوغ النَّعْماءِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ رَبِّ عَلَى هَنيءِ عَطائِكَ ، وَمَحْمُودِ بَلائِكَ ، وَجَليل آلائِكَ.
وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى إِحْسانِكَ الْكَثِيرِ ، وَخَيْرِكَ الْغَزِيرِ، وَتَكْلِيفِكَ الْيَسِيرَ ،وَدَفْعِكَ الْعَسِيرَ.
وَلَكَ الْحَمْدُ عَلى تَثْمِيرِكَ قَليلَ الشُّكْرِ، وَإِعْطَائِكَ وافِرَ الْأَجْر ،وَحَطَّكَ مُنْقِلَ الْوِزْرِ ، وَقَبولِكَ ضِيقَ الْعُذْرِ ، وَوَضْعِكَ باهِضَ الْإِصْرِ، وَتَسْهِيلِكَ مَوْضِعَ الْوَعْرِ، وَمَنْعِكَ مَقْطَعَ الْأَمْرِ .
وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى الْبَلاءِ الْمَضْروفِ ، وَوَافِرِ الْمَعْرُوفِ ، وَدَفْعِ الْمَخوفِ ، وَإِذْلالِ الْعَسوفِ .
وَلَكَ الْحَمْدُ عَلى قِلَّةِ التَّكْلِيفِ ، وَكَثْرَةِ التَّخْفِيفِ ، وَتَقْوِيَةِ الضَّعيف . وَإِعَاثَةِ اللَّهِيفِ ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلى سِعَةِ إِمْهَالِكَ ، وَدَوامِ إِفْضالِكَ ، وَصَرْفِ إِمْحَالِكَ ، وَحَمِيدِ فِعَالِكَ ، وَتَوالى نَوالِكَ .
وَلَكَ الْحَمْدُ عَلى تأخيرِ مُعاجَلَةِ الْعِقابِ ، وَتَرْكِ مُعَافَصَةِ الْعَذَابِ ، وَتَسْهِيلِ طُرُقِ الْمَآبِ ، وَإِنْزالِ غَيْثِ السَّحابِ ، إِنَّكَ الْمَنَانُ الْوَهّابُ(1).
وحوى هذا الدعاء جملاً من آيات الثناء على الله تعالى ، خالق الكون وواهب الحياة .
هذه بعض أدعيته (علیه السلام) وهي تكشف عن جانب من حياته الرّوحية ، وهي الانقطاع إلى الله والاتّصال به ، والاعتصام بحبله ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض معالم شخصيته الكريمة.
كان الإمام (علیه السلام) يتسلّح بهذا الدعاء الشريف :
بسم الله الرحمن الرحيم
يا مَنْ لَا شَبيهَ لَهُ وَلَا مِثَالَ ، أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، وَلَا خَالِقَ إِلَّا أَنْتَ ،
1) مصباح الكفعمي : 546 و 547 . الدعوات: 71 و 72 ، الحدیث 170 .
تُفْنى الْمَخْلُوقينَ وَتَبْقى ، أَنْتَ حَلُمْتَ عَمَّنْ عَصاكَ وفى الْمَغْفِرَ رضاك»(1).
كما كان متشبّثاً بهذا الدعاء الجليل :
اسْتَسْلَمْتُ مَولايَ لَكَ ، وَأَسْلَمْتُ نَفْسي إِلَيْكَ ، وَتَوَكَّلْتُ في كُلِّ أموري عَلَيْكَ ، وَأَنا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ ، إِخْبَانِي اللَّهُمَّ فِي سِتْرِكَ عَنْ شِرارِ خَلْقِكَ ، وَاعْصِمْني مِنْ كُلِّ أذىً وَسُوءٍ بِمَنْكَ ، وَاكْفِنِي شَرَّ كُلِّ ذِي شَرِّ بِقُدْرَتِكَ .
اللَّهُمَّ مَنْ كادَني أَوْ أَرادَني فَإِنِّي أَدْرَأُ بِكَ فِي نَحْرِهِ ، وَأَسْتَعِينُ بِكَ مِنْهُ ، وَأَسْتَعِيذُ مِنْهُ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ ، فَسُدَّ عَنّي أَبْصارَ الظَّالِمِينَ، وَشُدَّ عَنّي أَيْدِي الظَّالِمِينَ إِذْ كُنْتَ نَاصِرِي ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وَإِلَهَ الْعالَمينَ ، أَسْأَلُكَ كِفايَةَ الْأَذَى ، وَالْعافِيَةَ وَالشَّفاءَ وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْداءِ ، وَالتَّوْفِيقَ لِما تُحِبُّ رَبَّنا وَتَرْضى ، يا إلهَ الْعَالَمِينَ، يا جَبَارَ السَّمَواتِ وَالْأَرَضِينَ، يا رَبَّ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرينَ صَلَواتُكَ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ(2).
لقد استسلم الإمام (علیه السلام) وأسلم نفسه وجميع أموره للواحد القهار الذي بيده جميع مجريات الأحداث ، وقد احتجب بهذا الدعاء ليرد الله عنه كيد المعتدين وظلم الظالمين.
أمّا شخصيّة الإمام أبي محمد الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهي ملء فم الدنيا في فضائل ومواهبها ، وقد احتلت عواطف العلماء والمؤلّفين في كل جيل وعصر ، فأدلوا بجمل من الثناء والتعظيم على شخصيته ، ومن بينهم ما يلي :
وأشاد الإمام الكاظم (علیه السلام) بولده الإمام الرضا (علیه السلام)، وقدّمه على السادة الأجلّاء من أبنائه ، وأوصاهم بخدمته ، والرجوع إليه في أمور دينهم ، فقال لهم : هذا أَخوكُمْ عَلِيُّ بْنُ موسى عالِمٌ آلِ مُحَمَّد الله (صلی الله علیه و آله) ، سَلوهُ عَنْ أَدْیانِكُمْ ، وَاحْفَظوا ما يَقولُ لَكُمْ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (علیه السلام) يَقولُ لى : إِنَّ عَالِمَ آلِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله) لَفِي صُلْبكَ ، وَلَيْتَنى أَدْرَكْتُهُ ، فَإِنَّهُ سَمِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ»(1).
لقد أعلن الإمام الكاظم (علیه السلام) أن نجله المعظّم عالم آل محمد (صلی الله علیه و آله)، وهو أعظم وسام قد منحه له ، فآل محمّد هم معدن العلم والحكمة في الإسلام، والإمام سيّدهم في هذه الظاهرة الكريمة . وسنعرض لكلّيات أخرى أثرت عنه في شأن ولده .
1) كشف الغمة : 3 : 107. أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 100 . بحار الأنوار: 49: 100 ،الحديث 17 .
وأعلن المأمون الخليفة العباسي فضل الإمام الرضا(عَلَيهِ السَّلَامُ) وسموّ مكانته ومنزلته في كثير من المناسبات ، وهذه بعضها :
فالإمام حسب قول المأمون أعلم علماء الدنيا ، وأفضلهم في جميع أنحاء المعارف والعلوم.
أشاد المأمون بالإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رسالته التي بعثها للعباسيّين الذين نقموا عليه تقليده للإمام بولاية العهد ، قال : « ما بايع له المأمون - أي للإمام الرضا(علیه السلام) - إلا مستبصراً في أمره ، عالماً بأنه لم يبق أحد على ظهرها - أي على ظهر الأرض - أبين فضلاً، ولا أظهر عفّة ، ولا أورع ورعاً ، ولا أزهد زهداً في الدنيا ، ولا أطلق نفساً ، ولا أرضى في الخاصّة والعامّة ، ولا أشدّ في ذات الله منه ، وأن البيعة له الموافقة لرضى الربّ»(2).
وحدّدت هذه الكلمات بعض الصفات الرفيعة الماثلة في الإمام(علیه السلام) ، والتي تميّز
بها على غيره ، وهي :
1 - إنّ الإمام أبين الناس فضلاً وعلماً .
2 - إنّه أعف إنسان على وجه الأرض .
3 - إنّه أزهد الناس في مباهج الحياة وزينتها .
1) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 133 . بحار الأنوار: 49: 145 ، الحديث 23 . إعلام
الورى : 2 : 73.
2) بحار الأنوار: 49: 211 . الطرائف : 279.
4- إنّه أندى الناس كفّاًّ ، وأوفرهم جوداً وعطاءً للمحرومين .
5- إنّ الخاصة والعامة قد أجمعت على الإقرار له بالفضل ، ولم يظفر بذلك أحد غيره .
6 -إنه من أشدّ الناس في ذات الله ، فإنّه لا يخشى في جنب الله لومة لائم .
7 - إنّ بيعة إنّ بيعة المأمون للإمام بولاية العهد كانت موافقة لرضى الله تبارك وتعالى .
وجاء في الوثيقة التي عهد بها بولاية العهد للإمام (علیه السلام) ما نصّه :
«فكانت خيرته بعد استخارته لله ، وإجهاد نفسه في قضاء حقّه في عباده وبلاده في البيتين - أي البيت العباسي والأسرة العلوية زادها الله شرفا- جميعاً علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما رأى من فضله البارع ، وعلمه الناصع ، وورعه الظاهر ، وزهده الخالص ، وتخليه من الدنيا ، وتسلّمه من الناس ، وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة ، والألسن عليه متفقة ، والكلمة فيه جامعة ، ولما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعاً وناشئاً وحدثاً ومكتملاً ، فعقد له بالعهد والخلافة من بعده»(1).
وأشادت هذه الكلمات بالصفات الكريمة التي تميّز بها الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الأسرة العلوية والأسرة العبّاسيّة ، وهي :
1- الفضل البارع ، والعلم الناصع .
2 - الورع عن محارم الله تعالى
3- عدم إساءته إلى أي إنسان ، فقد كان مصدر خير ورحمة للناس .
4 - الزهد في الدنيا .
ه - اجتماع كلمة المسلمين عليه .
1) کشف الغمّة : 3 : 125 . بحار الأنوار: 49: 151.
وقد عرف المأمون هذه الصفات الرفيعة الماثلة في الإمام ، وهي التي حفّزته لترشيح الإمام لولاية العهد حسبما يقول.
الصولي ، الكاتب المبدع ، والشاعر المشهور ، قال : « ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا، ومن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدّقه»(1).
إنّ الإمام نسخة من الفضائل والمواهب لا ثاني لها في عصره ، فهو من دعائم الفكر والفضل في دنيا الإسلام.
قال أبو الصلت عبد السلام الهروي ، وهو من أعلام عصره ، قال :«ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا، ولا رأه عالم إلّا شهد له بمثل شهادتي ، ولقد جمع المأمون في مجلس له عدداً من علماء الأديان، وفقهاء الشريعة والمتكلمين ، فغلبهم عن آخرهم ، حتّى ما بقى منهم أحد إلا أقرّ له بالفضل ، وأقرّ على نفسه بالقصور»(2).
وحكت هذه الكلمات الطاقات العلميّة الهائلة التي يملكها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهو أعلم أهل زمانه وأفضلهم ، ويدلّل على ذلك المناظرات التي عقدها المأمون في بلاطه لإمتحان الإمام ، وقد جمع جميع علماء الأقطار والأمصار ، فامتحنوا الإمام بأعقد المسائل ، فأجاب عنها جواب العالم المتخصّص ، فبهر العلماء واعترفوا بعجزهم ،
و أقرّوا بالفضل له.
أما الرجاء بن أبي الضحّاك ، فهو من القادة العسكريّين ، وقد أُعجب بالإمام ، يقول :«والله ما رأيت رجلاً كان أتقى الله منه ، ولا أكثر ذكراً له منه في جميع أوقاته ، ولا أشد خوفاً لله عزّ وجلّ منه»(1).
وتناولت هذه الكلمات الجانب الروحى من شخصيّة الإمام ، فقد كان من أتقى الناس ، وأكثرهم ذكراً الله ، وأشدهم خوفاً منه.
قال زعيم الشيعة محمّد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي ، الملقّب بالشيخ المفيد : «كان الإمام القائم بعد أبي الحسن موسى بن جعفر (علیهما السلام) ابنه أبا الحسن علي بن موسى الرضا (علیه السلام) لفضله على جماعة إخوته وأهل بيته ، وظهور علمه وحلمه وورعه ، واجتماع الخاصة والعامة على ذلك ، ومعرفتهم به منه»(2).
وألمح الشيخ المفيد إلى بعض خصال الإمام الرضا (علیه السلام) التي امتاز بها على بقية
إخوانه وأهل بيته ، وهي :
العلم.
الحلم.
الورع.
وهذه الصفات الكريمة بعض خصائصه ومكوّناته .
قال الواقدي : «سمع عليّ الحديث من أبيه وعمومته وغيرهم ، وكان ثقة ، يفتي بمسجد رسول الله (صلی الله علیه و آله) وهو ابن نيف وعشرين سنة ، وهو من الطبقة الثامنة من التابعين من أهل البيت»(1).
وعرض الواقدي إلى صفتين من صفات الإمام (علیه السلام)، وهما :
1 - الوثاقة . 2- فتواه بالجامع النبوي وهو ابن نيف وعشرين سنة.
قال جمال الدين أحمد بن عليّ النسّابة المعروف بابن عنبة : « الإمام الرضا يكنّى أبا الحسن ، ولم يكن في الطالبيّين في عصره مثله ، بايع له المأمون بولاية العهد ، وضرب اسمه على الدراهم والدنانير ، وخطب له على المنابر»(2).
وعرض السيّد جمال الدين إلى أنّه لم يكن مثل الإمام في عصره ، وذلك لما يتمتّع به من المواهب والعبقريّات التي جعلته نادرة زمانه .
قال جمال الدين ، أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي : « الإمام أبو الحسن الهاشمي ، العلوي ، الحسيني ، كان إماماً عالماً ، وكان سيد بني هاشم في زمانه وأجلّهم ، وكان المأمون يعظمه ويبجّله ، ويخضع له ، ويتغالي فيه ، حتى جعله وليّ عهده »(3).
وألقت هذه الكلمات الأضواء على بعض معالم شخصية الإمام (علیه السلام)، وهي : إنّه كان عالماً ، وإنّه سيّد بني هاشم وأجلّهم ، ونظراً لعظم شخصيّته فقد جعله المأمون وليّ عهده.
قال ابن ماجة : «كان - أي الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) - سيد بني هاشم ، وكان المأمون
يعظمه ويبجّله ، وعهد له بالخلافة ، وأخذ له العهد »(1).
ونظر ابن ماجة إلى شأن من شؤون الإمام (علیه السلام)، وهو أنّه سيّد بني هاشم. ومن الطبيعي أنّه بذلك سيّد البشر في عصره ؛ لأنّ بني هاشم سادة الناس في آدابهم ، وسموّ أخلاقهم ، وحسن تربيتهم .
قال ابن حجر : «كان الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أهل العلم والفضل مع شرف النسب»(2).
قال اليافعي : « الإمام الجليل المعظم ، سلالة السادة الأكارم : علي بن موسى الكاظم ، أحد الأئمة الإثني عشر أولي المناقب الذين انتسبت الإمامية إليهم ، وقصروا بناء مذهبهم عليهم»(3).
إن الإمام الرضا (علیه السلام) أحد الكواكب المشرقة في دنيا الإسلام ، فهو من أئمة
أهل البيت (علیهم السلام) الذين أضاءوا الحياة الفكرية ، ووطّدوا دعائم الحق والعدل في الأرض ، وإليهم - بشرف واعتزاز - تنسب الشيعة كما دانت بولائهم والأخذ بما أثر عنهم من الأحكام الشرعية ، وإنّما دانت الشيعة بذلك لا عن تعصب أو تقليد أعمى ، وإنّما فرضت عليهم تلك الحجج القاطعة والأدلة الحاسمة التي يجب على المسلم الأخذ بها ، فقد فرض القرآن الكريم مودتهم ، وطهرهم من الرجس والزيغ ، كما جعلهم النبي سفن النجاة ، وأمن العباد ، وقرنهم بمحكم التنزيل ، ولو ساعدت الأدلة الشرعيّة على الأخذ بغير مذهبهم لأخذت بذلك الشيعة ودانت به .
وعلّق عامر الطائي على كتاب صحيفة أهل البيت (علیهم السلام) الذي هو من مؤلفات الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله :«حدثنا علي بن موسى الرضا(عَلَيهِ السَّلَامُ) إمام المتقين ، وقدوة أسباط سيد المرسلين ...»(1).
لقد كان الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيد المتقين، وإمام العابدين، وقد ذكرنا في البحوث
السابقة أنماطاً من عبادته وتقواه تدلّل على ما ذكره الطائي.
وأدلى بعض الأئمة بحديث عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) جاء فيه : « مناقب عليّ بن الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أجل المناقب، وامداد فضائله ، وفواضله متوالية كتوالي الكتائب ، وموالاته محمودة البوادي والعواقب، وعجائب أوصافه من غرائب العجائب ، وسؤدده ونبله قد حلّا من الشرف في الذروة والمغارب ، فلمواليه السعد الطالع ، ولمناويه النحس الغارب .
1) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 188 . خاتمة المستدرك : 1 : 218 .
أما شرف آبائه فأشهر من المصباح المنير ، وأضواً من عارض الشمس المستدير ، وأما أخلاقه وسماته وصفاته ودلائله وعلاماته ونفسه الشريفة ، فناهيك من فخار، وحسبك من علوّ مقدار ، جاز على طريقة ورثها عن الآباء ، وورثها عنه البنون ، فهم جميعاً في كرم الأرومة ، وطيب الجرثومة ، كأسنان المشط متعادلون ، فشرفاً لهذا البيت العالي الرتبة ، السامي المحلّة ، لقد طال السماء عُلا نبلاً، وسما على الفراقد منزلة ومحلّاً ، واستوفى صفات الكمال فما يستثنى شيء منه لغيره ... »(1).
هذا الكلام مرتب قد غلب فيه السجع ، وهو يدلّ على ولاء قائله لأئمة أهل البيت (علیهم السلام)، منحه الله شفاعتهم .
قال العلّامة المغفور له السيد هاشم معروف الحسني : « وامتاز الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخلق رائع ساعده على أن يجتذب بحبّه العامة والخاصة ، واستمده من روح الرسالة التي كان من حفظتها والأمناء عليها والوارثين لها»(2).
وحكى هذا الكلام ظاهرة من ظواهر الإمام (علیه السلام)، وهي سموّ الأخلاق ، فقد كانت أخلاقه الرفيعة امتداداً ذاتياً لأخلاق جده الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) الذي ساد على جميع النبيين .
قال الذهبي : « هو الإمام أبو الحسن بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، الهاشمي ،
العلوي . وكان سيّد بني هاشم في زمانه ، وأحلمهم وأنبلهم ، وكان المأمون يعظمه ،ويخضع له ، ويتغالى فيه ، حتى أنه جعله ولي عهده»(1).
والذهبي الذي عرف بالبغض والعداء لأهل البيت(علیه السلام) لم يسعه إلا الاعتراف بالواقع والإقرار بفضل الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).
قال محمود بن وهيب البغدادي : « وكراماته - أي الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)- كثيرة (رضی الله عنه) إذ هو فريد زمانه»(2).
لقد كان الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) فريد زمانه في علمه وتقواه وورعه وحلمه وسخائه ،
ولا يشبهة أحد في فضائله ومواهبه.
قال عارف تامر : «ويعتبر أي الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)- من الأئمة الذين لعبوا دوراً كبيراً على مسرح الأحداث الإسلامية فى عصره»(3).
لقد استطاع الإمام في الفترة القصيرة التي تقلّد فيها ولاية العهد أن يبرز القيم الأصيلة في السياسة الإسلامية ، فقد أمر المأمون بإقامة العدل وتحقيق المساواة بين المسلمين ،ونهاه عن التبذير بأموال الدولة ، إلى غير ذلك من الأمور التي سنذكرها في بحوث هذا الكتاب التي تدعم ما ذكره السيد عارف تامر من أنّ الإمام شأنه شأن آبائه الذين لعبوا دوراً كبيراً على مسرح الأحداث الإسلامية .
قال محمد بن شاكر الكتبي : « وهو - أي الإمام الرضا (علیه السلام)- أحد الأئمة الإثني
عشر ، كان سيد بني هاشم في زمانه»(1).
قال عبد المتعال الصعيدي: «كان- أي الإمام الرضا (علیه السلام)- على جانب عظيم من العلم والورع ، وقد قيل لأبي نواس : علام تركت مدح علي بن موسى والخصال التي تجمعن فيه ؟
فقال : لا أستطيع مدح إمام كان جبريل خادماً لأبيه ، والله ما تركت ذلك - أي المدح - إلا إعظاماً له ، وليس يقدر مثلي أن يقول في مثله»(2).
لقد كان الإمام مجموعة من الفضائل التي لا تحدّ ، فالعلم والورع من بعض صفاته التي تميّز بها على غيره .
قال يوسف النبهاني : « علي الرضا ابن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق (علیه السلام) أحد أكابر الأئمة ، ومصابيح الأمة من أهل بيت النبوة ، ومعادن العلم والعرفان والكرم والفتوة . كان عظيم القدر ، مشهور الذكر ، وله كرامات كثيرة ، منها أنّه أخبر أنّه يأكل عنباً ورماناً فيموت ، فكان كذلك»(3).
إنّ الإمام (علیه السلام) فرع زاك من الأسرة النبوية التي أعز الله بها العرب والمسلمين،
وبالإضافة لنسبه الوضاح فقد كان من دعائم الفضل ، ومن أعمدة الشرف ، وله الكرامات المشهورة ، كما يقول النبهاني .
قال عبد القادر أحمد اليوسف : « تاريخ الإمام حافل بجلائل الأعمال ، فمن علم لا يدرك مداه ، وعصمة متوارثة ، وقدسيّة لا تضارعها قدسيّة في عصره ومن بعده ، إلّا من انحدر من صلبه من الأئمة المعصومين ، فهو علم هدى زمانه ، ومثل أعلى في التقوى والورع والحلم والأخلاق ، وما عساني أن أذكر في حياة وصيّ من أوصياء الله ، وما عسى قلمي أن يكتب في تعريفه ، أولم يكن ذكر اسمه هو التعريف الكامل ، فذكره قبس من نور الله يهدي المستجير به نحو السبيل الأقوم المؤدّي للصالح العام .
إنّ حياة الإمام مكرّسة لإعلاء شأن المسلمين ، فما من عمل صدر منه إلا كان منطلقاً من عقيدة الإيمان ، مستهدفاً صلاح الناس ، ومنتهياً لما فيه رضى ربّ العالمين»(1).
لقد حفل تاريخ الإمام بجميع الفضائل التي يعتز بها الإنسان ، والتي كان من أبرزها العلم والتقوى والورع والحلم وسموّ الأخلاق والآداب -كما يقول عبد القادر- ، فالإمام هو المثل الأعلى لجميع القيم الإنسانية ، ولا يضارعه في صفاته وخصائصه إلا السادة من آبائه وأبنائه .
قال يوسف بن اوغلي سبط ابن الجوزي: «كان علي بن موسى -كما سمي - رضاً ، جواداً ، عدلاً، عابداً ، معرضاً عن الدنيا ، ولولا خوفه من المأمون لما أجاب
1) الإمام علي الرضا ولي عهد المأمون : 1.
إلى ولاية العهد »(1).
وتوفّرت في شخصية الإمام أبي محمد الرضا (علیه السلام) جميع الصفات الكريمة من الجود والعدالة والعبادة والإعراض عن الدنيا ، مما جعلته في قمة الشرف والمجد في دنيا الإسلام.
قال خير الدين الزركلي : « عليّ بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ، أبو الحسن ، الملقب بالرضيّ ، ثامن الأئمة الإثني عشر عند الإماميّة ، ومن أجلاء السادة عند أهل البيت وفضلائهم»(2).
قال العلّامة محمد جواد فضل الله : « الإمام الرضا قاعدة من قواعد الفكر الإسلامي ، وأحد منطلقاتها الغنية بالمعرفة ، انتهت إليه بعد أبيه الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام) أسرار الرسالة ، ومفاتيح كنوزها ، فكان منهله منها ، وعطاؤه من فيضها .
وهو أحد الأئمة الإثني عشر من أهل البيت الذين أغنوا الفكر الإسلامي بشتّى صنوف المعرفة مما أملوه على تلامذتهم أو أجابوا به من سألهم ، أو ما نقله لنا التاريخ من حاوراتهم العلميّة والعقائدية مع أصحاب المذاهب الأخرى»(3).
الإمام الرضا كنز من كنوز الإسلام ، وثمرة مشرقة من ثمرات الرسول الأعظم(صلی الله علیه و آله)
وفيض من فيوضاته التي استوعبت جميع لغات الأرض . قد أغنى الله به الفكر ، وأوضح به القصد ، وجعله علماً في بلاده، يهدي الحائر ، ويستردّ به الضالّ .
قال أحمد الخزرجي : « علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، الهاشمي ، أبو الحسن الرضا ، روى عن أبيه وعنه عبد السلام بن صالح وجماعة عدّة نسخ ، وكان سيّد بني هاشم ، وكان المأمون يعظمه ويبجّله ، وعهد له بالخلافة، وأخذ له العهد ، مات مسموماً بطوس »(1).
وحكى الخزرجي في هذا الكلام أنّ جماعة من تلاميذ الإمام (علیه السلام) رووا عنه عدّة نسخ ، ومن المؤكّد أنها تتعلق بأحكام الشريعة وآداب الإسلام وسننه ، كما حكى أنّه مات مسموماً ، وهو ما نذهب إليه أنّ المأمون سقاه السم ليتخلّص منه بعدما رأى إجماع المسلمين على تعظيمه وتبجيله ، وسوف نعرض لهذا في البحوث الآتية .
قال بعض أحبّته والمعجبين به : «على الرضا ابن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق (علیه السلام) فاق أهل البيت شأنه، وارتفع فيهم مكانه ، وظهر برهانه حتى أحلّه الخليفة المأمون محلّ مهجته ، وأشركه في خلافته ، وفوض إليه أمر مملكته ، وعقد على رؤوس الأشهاد عقد نكاح ابنته ، فكانت مناقبه علية ، وصفاته سنيّة ، ونفسه الشريفة هاشمية ، وأرومته الكريمة نبوية، وكراماته أكثر من أن تحصر ،وأشهر من أن تذكر(2)».
قال الشبراوي :«كان (رضی اله عنه) كريماً جليلاً ، مهاباً موقراً ، وكان أبوه موسى الكاظم (علیه السلام) يحبه حباً شديداً ، ووهب له ضيعة البسرية التي اشترها بثلاثين ألف دينار»(1). كان الإمام موسى (علیه السلام) يخلص لولده الإمام كأعظم ما يكون الإخلاص ، فقدّمه على بقية أبنائه ، وجعله القائم من بعده ، وأوصى له بهذه القطعة من الأرض -كما يقول الشبراوي- ولم يكن الإمام مدفوعاً بدافع الحب المنبعث عن العواطف والأهواء ، وانّما كان من أجل أن ولده قاعدة من قواعد الإسلام ، وأنه أحد أوصياء الرسول الأعظم الذين نص عليهم حسبما تواترت الأخبار بذلك.
وكان ممن مدح الإمام (علیه السلام) أبو نواس الشاعر المشهور ، وقد قال الشعر فيه مرتين
وأجاد فيهما ، وهما :
1 - إنّ الشعراء المعاصرين للإمام قالوا فيه الشعر ومدحوه سوى أبي نواس ، فعوتب على ذلك (2)
فقال : والله ما تركت ذلك إلا اعظاماً له ، وليس يقدر مثلي أن يقول في مثله». ثم أنشد بعد ساعة هذه الأبيات .
، فقال هذه الأبيات الرائعة :قيل لي أَنتَ أَوْحَدُ النَّاسِ طُرًا
في فنونِ مِنَ الْكَلامِ(3)النَّبيه
لك مِنْ جَوهَرِ الْكَلامِ نِظامٌ
يُثمِرُ الدُّرَ في يَدَي مُجْتَنيه
فَعَلى مَ(1)تَرَكْتَ مَدْحَ ابْنِ موسى
والخِصال التي تَجَمَّعنَ فيهِ
قُلْتُ لَا أَهْتَدي لِمَدح إمام
كان جبريل خادماً لأبيه(2)
وهذه الأبيات الشائعة الذكر قد حفظها الناس جيلاً بعد جيل ، واعتبروها من روائع الشعر العربي ؛ لأنها عبّرت عن أحاسيسهم تجاه أئمة أهل البيت (علیهم السلام)، وما يحملون لهم من إكبار وتعظيم .
ومن الطريف أنّ الذهبي الذي عُرف بالحقد على أهل البيت قد علّق على البيت الأخير من هذه الأبيات بقوله : « قلت : هذا لا يجوز إطلاقه من أن جبريل خادم لأبيه ، والنص معدوم فيه ، وقد كذبت الرافضة على عليّ الرضا»(3).
إن لأهل البيت (علیه السلام) منزلة كريمة عند الله تعالى ، فقد ناهضوا الضالّين من حكّام بني أمية وبني العباس ، وجاهدوا في الله كأعظم ما يكون الجهاد ، حتى تقطعت أوصالهم ، وسبيت نساؤهم ، وعانوا من الإضطهاد والتنكيل ما لا يوصف ، لمرارته وقسوته ، كل ذلك في سبيل إعلاء دين الله ، ونشر العدل بين الناس ، ولكنّ الذهبي وأمثاله من المنحرفين عن الحقّ لا يعقلون ذلك.
2 - خرج الإمام الرضا (علیه السلام) يوماً على بغلة فارهة ، فدنا منه أبو نواس، وسلّم عليه ، وقال له : يابن رسول الله ، قلت فيك أبياتاً أحبّ أن تسمعها منّي ؟
وبادر الإمام قائلاً: قُلْ .
فانبرى أبو نواس قائلاً:
مُطَهَّرُونَ نَقِيّاتٌ ثِيابهم
تَجْرِي الصَّلاةُ عَلَيْهِمْ كُلَّما ذُكِروا
مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَويّاً حينَ تَنْسِبُهُ
فَماله في قديم الدَّهْرِ مُفْتَخَرُ
والله لما بَرا خَلْقاً فَصَوَّرَهُ
صَفَاكُمْ وَاصْطَفاكُمْ أَيُّها البَشَرُ
أُولئِكَ الْقَومُ أَهْلُ البَيْتِ عِنْدَهُمُ
عِلْمُ الْكِتابِ وَما جاءَتْ بِهِ السَّوَرُ(1)
وهذه الأبيات من أصدق الشعر وأروعه قد اقتبس الشطر الأوّل من القرآن الكريم ، قال تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً»(2)، لقد طهّرهم الله من الزيغ، وأذهب عنهم الرجس ، وجعلهم قدوة لعباده يهتدي بهم الحائر .
وأعجب الإمام بهذه الأبيات ، فقال لأبي نواس : قَدْ جِئْتَنا بِأَبْيَاتٍ مَا سَبَقَكَ إِلَيْهَا أَحَدٌ.
ثم التفت إلى غلامه ، فقال له : ما مَعَكَ مِنْ فَاضِل نَفَقَتِنا؟
فقال : ثلاثمائة دينار.
قال : ادْفَعْها لَهُ ، ثم لما ذهب إلى بيته قال لغلامه : لَعَلَّهُ اسْتَقَلَّها ، سُقْ إِلَيْهِ الْبَغْلَةَ »(3).
وأكثر دعبل في مدح الإمام الرضا (علیه السلام) وفي رثائه ، وممّا قال فيه :
لَقَدْ رَحَلَ ابْنُ مُوسَى بِالْمَعالي
وَسارَ بِيُسْرِهِ العِلْمُ الشَّريف
وَتَابَعَهُ الهُدى وَالدِّينُ طُرّاً
كَما يَتَتَبَّعُ الْإِلْفَ الْأَليف(1)
ومعنى هذا الشعر أنّ الإمام الرضا (علیه السلام) قد حوى جميع صنوف الشرف والمعالي ، كما تابعه العلم والهدى والدين، وقد تميّز بهذه الصفات الكريمة التي كانت من ذاتياته .
أما الصاحب بن عبّاد الوزير، فقد هام بحبّ الإمام الرضا (علیه السلام) ، وقد أهدى تحيّاته
العطرة إلى الإمام بهذه الأبيات:
یا سائراً زائراً إلى طوس
مَشْهَدِ طُهْرٍ وَأَرْضِ تَقْدِيسِ
أَبْلِغْ سَلامي الرّضا وَحُط على
أَكْرَمِ رَمْسٍ لِخَيرِ مَرموس
وَاللَّهِ وَاللهِ حِلْفَةٌ صَدَرَتْ
مِنْ مُخلِص فِي الْوَلَاءِ مَغمُوسِ
إِنِّي لَوْ كُنتُ مالِكاً أَربي
كانَ بِطوسِ الفِناءِ تَعْريسي
لِمَشْهَدٍ بِالذَّكاءِ مُلتَحِفٍ
وَبِالسَّناءِ وَالثَّناءِ مَأنوس
إلى أن يقول :
يابْنَ النَّبِيُّ الذي بِهِ قَمَعَ الل
هُ ظُهورَ الجَبابِرِ الشَّوسِ(2)
وَابْنَ الوَصِيَّ الذي تَقَدِّمَ في ال
فَضْلِ عَلَى البَزلِ القَناعِيسِ(1)
وَحائِزَ الفَخرِ غَيرَ مُنْتَقِصٍ
ولابسَ الْمَجدِ غَيرَ تَلبيسِ(2)
ويقول في مقطوعة أخرى :
يا زائِراً قَدْ نَهَضا
مُبْتَدِراً قَدْ رَكَضا
وَمَنْ قَدْ مَضى كَأَنَّهُ
البَرْقُ إذا ما أَوْمَضا
أَبْلِغْ سَلامي زاكياً
بِطوس مَولايَ الرّضا
سِبْطَ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى
وَابْنَ الوَصِيُّ المُرْتَضى
مَنْ حازَ عِزّاً أَقْعَساً(3)
وَشادَ مَجْداً أَبْيَضا
وَقُلْ لَهُ مِنْ مُخْلِص
يرى الوَلا مُفْتَرَضا(4)
وأُثر عن ابن الحجاج الشعر الكثير في مدح الإمام الرضا (علیه السلام) ، كان منه هذان البيتان :
يابْنَ مَنْ تُؤْثَرُ المَكارِمُ عَنْهُ
وَمَعالي الآدابِ تَمتارُ مِنْهُ
1) البزل - جمع بازل - : وهو البعير الذي انشقّ وهو في التاسعة . لسان العرب : 11 : 52 - بزل . القناعيس - جمع قنعاس - وهو الإبل العظيم ، ويوصف به الرجل الشديد لسان العرب6: 184 - قنعس
2) عيون أخبار الرضاء (علیه السلام): 1 : 4 . مسند الإمام الرضا (علیه السلام):168:1.
3) الأقعس : الشيء الثابت . تاج العروس : 4 : 219 - قعس .
4) عيون أخبار الرضا (علیه السلام): 1 : 6. الغدير : 4 : 68.
مَنْ سُمِّيَ الرَّضا عَلِيُّ بْنُ موسى
رضِيَ اللهُ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْهُ(1)
قال عبد الله بن المبارك في مدح الإمام هذا البيت :
هذا عَلِيٌّ وَالْهُدى يَقودُهُ
مِنْ خَيْرِ فِتْيانِ قُرَيشِ عوده(2)
قال الصولي في مدح الإمام :
أَلا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ نَفْساً وَوالِداً
وَرَهْطاً وَأَجداداً عَلِيُّ الْمُعَظَّمُ
أَتَتْنَا بِهِ لِلْحِلمِ وَالْعِلمِ ثامِنَاً
إماماً يُؤدّي حُجَّةَ اللهِ تُكتَم(3)
قال الشاعر ابن حمّاد في مدح الإمام الرضا (علیه السلام):
ساقَها شَوْقي إلى طوس
وَمَنْ تَحْويهِ طوسُ
مَشْهَدٌ فيهِ الرّضا
العالمُ وَالْحَبْرُ النفيس
ذاكَ بَحرُ العِلم وال
حِكْمَةِ إِنْ قاسَ مَقيسُ
ذاك نورُ اللهِ لا يُطفى
لَهُ قَطُّ طَميسُ(4)
قال علي بن عيسى الإربلي في قصيدة يمدح بها الإمام ويتشوّق لزيارة مرقده :
أَيُّها الرّاكِبُ المُجِد فَفِ العيس
إذا ما حَلَلْتَ في أرض طوسا
لا تَخَفْ مِنْ كَلالِها وَدَعَ التَّأد
يبَ دونَ الوُقوفِ وَالتَّعْريسا
وَالثِم الْأَرْضَ إِنْ رَأَيْتَ تَرى
مَشْهَدِ خَيْرِ الورَىٰ عَلِيِّ بْنِ مُوسى
وَأَبْلِغَنْهُ تَحِيَّةٌ وَسَلاماً
كَشَذى المِسْكِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ عيسى
قُلْ سَلامُ الإِله في كُلِّ وَقْتٍ
يَتَلَقَّى ذاكَ المَحَلَّ النَّفيسا
مَنزِلٌ لَمْ يَزَلْ بِهِ ذاكِرُ اللهِ
يتلو التسبيحَ وَالتَّقْديسا
دارُ عِزٍّ ما انفَكَّ قاصدُها
يُرجى إليها آمالَه والعِيسا
بَيْتُ مَجْدٍ ما زالَ وَقْفاً عَلَيهِ
الْحَمْدُ وَالمَدْحُ وَالثَّناءُ حَبيسا
ما عَسَى أَنْ يُقَالَ فِي مَدْحِ قَومٍ
أَسَّسَ اللهُ مَجْدَهُمْ تَأسيسا
ما عَسَى أَنْ أَقولَ فِي مَدْحِ قَومٍ
قَدَّسَ اللهُ ذِكْرَهُمْ تَقْديسا
هُمْ هُداةُ الورى وَهُمْ أَكْرَمُ
النَّاسِ أصولاً شَريفَةً وَنُفوسا
إِن عَرَتْ أَزمةٌ تَنَدُوا غُيوثاً
أَوْ دَجَتْ شُبْهَةٌ تَبَدّوا شموسا
شَرَّفوا الخَيْلَ وَالمَنابِرَ لَمّا
افْتَرعوها والناقة العنتريسا(1)
مَعشَرٌ حُبُّهُمْ يُجَلّي هموماً
ومزاياهُم تُجَلَى طُروسا
كُرموا مؤلِداً وطابوا أصولاً
وَزَكوا مَحْتِداً وَطالوا غُروسا
لَيْسَ يَشْقى بِهِمْ جَليسٌ وَمَنْ كَانَ
ابنُ شورى إذا أرادوا جَليسا
1) العنتريس : الناقة الغليظة الوثيقة . لسان العرب : 6: 130 - عترس .
قُمتُ في نَصرِهِمْ بِمَدحِيَ لَمّا
فاتَني أَنْ أَجُرَّ فيهِ خَميساً
مَلأوا بالولاء قلبي رجاء
وَبِمَدْحي لَهُمْ مَلَاتُ الطُّروسا
فترانى لَهُمْ مُطيعاً حَنيناً
وَعَلى غَيْرِهِمْ أَبِيّاً شَموسا
يا عَلِيَّ الرّضا أبتكَ وُدّاً
غادَرَ الْقَلبَ بِالغَرامِ وَطيسا
مَذْهَبي فيكَ مَذْهَبي وَبِقَلْبي
لَكَ حُبُّ أَبقى جوى وَرَسيا
لا أرى داءَهُ بِغَيرِك يَشفى
لا وَلَا جُرْحَهُ بِغَيرِكَ يوسى
أَتَمَنِّى لَوْ زُرْتُ مَشْهَدَكَ
العالي وَقَبَّلْتُ رَبِّعَكَ الْمَأنوسا
وَإِذا عَرُ أن أزورك يقظان
فَزُرْنِي فِي النَّوْمِ وَأَشْفِ السّيسا
أنا عَبدٌ لَكُمْ مُطيع إذا ما
كانَ غَيري مُطاوِعاً إبليسا
قد تمَسَّكْتُ مِنْكُمْ بِوَلاء
ليسَ يَلْقى القشيبُ مِنْهُ دَريسا
أَتَرجى بهِ النَّجاة إذا ما
خافَ غَيْري في الحَشْرِ ضُرّاً وَيُؤسا
فَأَرانى وَالوَجْهُ مِنّي طَلِقُ
وَأَرى أَوْجُة السُّناةِ عَبوسا
لا أقيس الأنامَ مِنْكُمْ بِشِسْعٍ
جَلَّ مِقدارُ مَجدِكُمْ أَنْ أَقيسا
مَن عَدَدْنَا مِنَ الورى كان مر
ؤوساً وَمِنْكُمْ مَنْ عُدَّ كان رئيسا
فَغَدا الْعَالِمُونَ مِثْلَ الذُّنابي
وَغَدَوْتُمْ لِلْعالَمينَ رُؤوسا(1)
1) كشف الغمّة : 2 : 341 و 342.
عاش الإمام الرضا (علیه السلام) تسعاً وعشرين سنة وأشهراً في كنف أبيه الإمام موسى الكاظم (علیه السلام)، وقد شاهد ضروباً قاسية من المحن والخطوب التي حلّت بأبيه الذي كان مثار قلق وخوف للحكم العبّاسي ؛ لأنه كان محط أنظار المسلمين ، وموضع آمالهم في إنقاذهم من الطغمة العبّاسيّة الحاكمة التي تمادت في ظلم الناس و إرغامهم على ما يكرهون .
وبالإضافة إلى ذلك ، فقد دان شطر كبير من المسلمين بإمامة الإمام الكاظم (علیه السلام)،
وأنّه الخليفة الشرعى للرسول (صلی الله علیه و آله) ، و أحقّ بمركزه ومقامه من هارون وغيره من ملوك بني العباس الذين عاصرهم الإمام (علیه السلام)، وقد أقضّ ذلك مضاجع العباسيين ، وورمت أنوفهم ، فاتخذوا جميع الوسائل لاضطهاد الإمام والتنكيل به .
وعلى أي حال، فإنّا نعرض بصورة مجملة إلى شخصية الإمام (علیه السلام)، وما يتصل بذلك من بعض الشؤون التي ترتبط بحياة الإمام الرضا (علیه السلام).
أمّا معالم شخصيّة الإمام الكاظم (علیه السلام) فهي ملء فم الدنيا شرفاً وفضلاً، فقد توفرت في شخصيته الكريمة جميع عناصر الفضيلة ومقومات الحكمة والآداب ، والتي منها :
والشيء الذي لا شكّ فيه أنّ الإمام موسى (علیه السلام) كان أعلم أهل عصره ، وأدراهم بجميع العلوم ، أمّا علم الفقه والحديث فكان من أساطينه ، وقد احتف به العلماء والرواة وهم يسجّلون ما يفتي به ، وما يقوله من روائع الحكم والآداب ، وقد شهد الإمام الصادق (علیه السلام) العملاق هذه الأمة ورائد نهضتها الفكرية ، بوفرة علم ولده ، فقد قال لعيسى : إِنَّ ابني هذا - وأشار إلى الإمام موسى (علیه السلام)- لَوْ سَأَلْتَهُ عَمَا بَيْنَ دَفَّتَي الْمُصْحَفِ لَأَجابَكَ فِيهِ بِعِلْمٍ»(1).
وقال في فضله : « وَعِنْدَهُ عِلْمُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمُ وَالسَّخاءُ ، وَالْمَعْرِفَةُ بِما يَحْتاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ فيما اخْتَلَفوا فيهِ مِنْ أَمْرِ دينِهِمْ».
وقد روى العلماء عنه جميع أنواع العلوم ممّا ملأوا به الكتب ، وقد عرف بين الرواة بالعالم .
وقال الشيخ المفيد : « وقد روى الناس عن أبي الحسن فأكثروا ، وكان أفقه أهل زمانه»(2).
لقد قام الإمام موسى (علیه السلام) بتطوير الحياة العلمية ونموّها ، وكان من ألمع أئمّة
المسلمين في نشره للثقافة الإسلامية.
وأجمع الرواة على أنّ الإمام الكاظم (علیه السلام) كان من أعظم الناس طاعة الله ، ومن أكثرهم عبادة له ، وكانت له ثفنات كثفنات البعير من كثرة السجود الله ، كما كانت
لجدّه الإمام زين العابدين (علیه السلام)، حتى لقّب بذي الثفنات ، وكان من مظاهر عبادته أنّه إذا وقف مصلياً بين يدي الخالق العظيم أرسل ما في عينيه من دموع وخفق قلبه ، وكذلك إذا ناجي ربه أو دعاه(1).
ويقول الرواة : « إنّه كان يصلّي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح ، ثم يعقب حتّى تطلع الشمس ، ويخر الله ساجداً فلا يرفع رأسه من الدعاء والتمجيد الله حتى يقرب زوال الشمس»(2).
وكان من مظاهر طاعته أنه دخل مسجد جده رسول الله (صلی الله علیه و آله) في أول الليل ، فسجد سجدة طويلة وهو يقول بنبرات تقطر خوفاً من الله : « عَظُمَ الذَّنْبُ مِنْ عِنْدِي ، فَلْيَحْسُنِ الْعَفْوُ مِنْ عِنْدِكَ . يا أَهْلَ التَّقْوى ، وَيا أَهْلَ الْمَغْفِرَةِ».
وجعل يردّد هذا الدعاء بإنابة وإخلاص وبكاء حتى أصبح الصبح(3).
وحينما أودعه الطاغية الظالم هارون الرشيد العبّاسي في ظلمات السجون تفرّغ للعبادة وشكر الله على ذلك قائلاً: «اللَّهُمَّ إِنِّي طالما كُنْتُ أَسْأَلُكَ أَنْ تُفَرِّغَنِي لِعِبَادَتِكَ وَقَدِ اسْتَجَبْتَ لي ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى ذلِكَ»(4).
وكان الطاغية هارون يشرف من أعلى قصره على السجن فيبصر ثوباً مطروحاً في مكان خاصّ لم يتغيّر عن موضعه ، وعجب من ذلك وراح يقول للربيع : ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع ؟
فأجابه الربيع قائلاً : يا أمير المؤمنين ، ما ذاك بثوب، وإنما هو موسى بن جعفر ، له في كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال .
وبهر الطاغية وقال : أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم .
وسارع الربيع طالباً منه أن يطلق سراح الإمام ولا يضيّق عليه في سجنه قائلاً: يا أمير المؤمنين ، مالك قد ضيّقت عليه في الحبس ؟
وسارع هارون قائلاً: هيهات لا بدّ من ذلك(1).
وقد عرضنا بصورة شاملة إلى عبادته وطاعته لله ، وما صدر عنه من صنوف العبادة التي تدلّ على أنّه كان إمام المتقين وسيّد العابدين والموحدين في عصره .
وزهد الإمام الكاظم (علیه السلام) في الدنيا ، واعرض عن مباهجها وزينتها ، وآثر طاعة الله
تعالى على كلّ شيء ، وكان بيته خالياً من من جميع أمتعة الحياة ، وقد تحدّث عنه إبراهيم بن عبد الحميد ، فقال : « دخلت عليه في بيته الذي كان يصلّي فيه ، فإذا ليس فيه شيء سوى خصفة ، وسيف معلّق ، ومصحف»(2).
وكان كثيراً ما يتلو على أصحابه سيرة الصحابي الثائر العظيم أبي ذر الغفاري الذي طلّق الدنيا ، ولم يحفل بأي شيء من زينتها ، قائلاً: «رَحِمَ اللهُ أَبَاذَرٍّ ، فَلَقَدْ كانَ يَقولُ : جَزَى الله الدُّنْيا عَنِّي مَذَمَّةً بَعْدَ رَغِيفَيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ أَتَغَذَّى بِأَحَدِهِمَا ، وَأَتَعَشَى بِالْآخَرِ ، وَبَعْدَ شَمْلَتَي الصّوفِ الْتَزِرُ بِأَحَدِهِما ، وَأَتَرَدَى بِالأخْرى»(3).
لقد وضع الإمام موسى (علیه السلام)نصب عينيه سيرة العظماء الخالدين من صحابة جده سيده المرسلين ، يشيد بسيرتهم ، ويتلو مآثرهم على أصحابه وتلاميذه لتكون لهم
قدوة حسنة في حياتهم .
105
أما الحلم فهو من أبرز صفات سيدنا الكاظم (علیه السلام) ، فقد كان مضرب المثل في حلمه وكظمه للغيظ ، ويقول الرواة : إنّه كان يعفو عمّن أساء إليه ، ويصفح عمّن اعتدى عليه ، وذكر الرواة بوادر كثيرة من حلمه ، كان منها :
1 - إن شخصاً من أحفاد عمر بن الخطّاب كان يسيء للإمام موسى ويسبّ جده الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، فأراد بعض شيعة الإمام اغتياله ، فنهاهم عن ذلک، ورأى أن يعالجه بغير ذلك ، فسأل عن مكانه ، فقيل له : إنّ له ضيعة في بعض نواحي يثرب وهو يزرع فيها ، فركب الإمام بغلته ومضى متنكراً إليه ، فأقبل نحوه ، فصاح به العمري لا تطأ زرعنا ، فلم يحفل به الإمام إذ لم يجد طريقاً يسلكه غير ذلك ، ولما انتهى إليه قابله الإمام ببسمات فياضة بالبشر قائلا له : كَمْ غَرِمْتَ في زَرْعِكَ هذا ؟
مائة دينار.
كَمْ تَرْجُو أَنْ تُصِيبَ مِنْهُ ؟
أنا لا أعلم الغيب .
إِنَّما قُلْتُ لَكَ : كَمْ تَرْجُو أَنْ يَجِينَكَ مِنْهُ ؟
أرجو أن يجيئني منه مائتا دينار.
فأعطاه سليل النبوّة ثلاثمائة دينار ، وقال : هذِهِ لَكَ وَزَرْعُكَ عَلَى حالِهِ ، فانقلب العمري رأساً على عقب ، وخجل على ما فرّط في حق الإمام ، وانصرف الإمام عنه وقصد الجامع النبوي ، فوجد العمري قد سبقه ، فلما رأى الإمام قام إليه ، وهو يهتف بين الناس : الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء .
وبادر أصحابه منكرين عليه هذا التغيير ، فأخذ يخاصمهم ويذكر مناقب الإمام
ومآثره ، والتفت الإمام إلى أصحابه قائلاً: أيُّما كانَ خَيْراً ، ما أَرَدْتُمْ أَوْ مَا أَرَدْتُ أَنْ أصْلَحَ أَمْرَهُ بِهذا الْمِقْدارِ ؟(1).
لقد عامل الإمام مبغضيه ومناوئيه بالإحسان واللطف ، فاقتلع من نفوسهم النزعات الشريرة ، وغسل أدمغتهم التي كانت مترعة بالجهل والنقص ، وقد وضع أمامه قوله تعالى : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ»(2).
2- ومن آيات حلمه أنه اجتاز على جماعة من أعدائه كان فيهم ابن هياج ، فأمر بعض أتباعه أن يتعلّق بلجام بغلة الإمام ويدعي أنها له ، ففعل ذلك ، وعرف الإمام غايته ، فنزل عن البغلة وأعطاها له(3).
وقد أعطى الإمام بذلك مثلاً أعلى للحلم وسعة النفس ، وكان (علیه السلام) يوصي أبناءه بالتحلّي بهذه الصفة الكريمة ، فقد قال لهم : « يا بَنِيَّ ، إِنِّي مُوصِيكُمْ بِوَصِيَّةٍ مَنْ حَفِظَهَا انْتَفَعَ بِها إِذا أَتاكُمْ آتٍ ، فَأَسْمَعَ أَحَدَكُمْ فى الأذُنِ الْيُمْنى مَكْروهاً ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْأُذُنِ الْيُسْرَى فَاعْتَذَرَ ، وَقَالَ لَمْ أَقُلْ شَيْئاً فَاقْبَلُوا عُذْرَهُ »(4).
وبهذه الوصية نقف على مدى حلمه وسعة أخلاقه ، وعدم مقابلة المسيء بالمثل ، وهذه الظاهرة من أهم الوسائل الداعية إلى التآلف وجمع الكلمة بين الناس.
وكان الإمام موسى (علیه السلام) من أندى الناس كفّاً، ومن أكثرهم عطاءً للبائسين
والمحرومين . ومن الجدير بالذكر أنه كان يتطلب الكتمان وعدم ذيوع ما يعطيه مبتغياً بذلك الأجر عند الله تعالى .
ويقول الرواة : « إنّه كان يخرج في غلس الليل البهيم، فيوصل البؤساء والضعفاء ، وهم لا يعلمون من أي جهة تصلهم هذه المبرة ، وكانت صلاته لهم تتراوح ما بين المائتين دينار إلى الأربعمائة دينار(1)، وكان أهله يقولون : عجباً لمن جاءته صرار موسى وهو يشتكي القلّة والفقر»(2).
وقد حفلت كتب التاريخ ببوادر كثيرة من بره وإحسانه إلى الفقراء ، فقد أغدق عليهم الأموال الطائلة مما أغناهم عن الحاجة والسؤال ، ويجمع المترجمون له أنه كان يرى أنّ أحسن صرف للمال هو ما يرد به جوع جائع ، أو يكسو به عارياً ، وقد ذكرنا بوادر وأمثلة كثيرة من جوده في كتابنا الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام).
ومن أبرز ذاتيات الإمام موسى (علیه السلام) إغاثته للملهوفين وإنقاذهم مما ألمّ بهم من محن الأيّام وخطوبها ، وكانت هذه الظاهرة من أحب الأمور إليه ، وقد أفتى شيعته بجواز الدخول في حكومة هارون بشرط الإحسان إلى الناس ، وقد شاعت عنه هذه الفتوى : «كَفَارَةُ عَمَل السُّلْطانِ الْإِحْسَانُ إِلَى الْإِخْوانِ».
ويقول الرواة : « إنّ شخصاً من أهالي الري كانت عليه أموال طائلة لحكومة الري ، وقد عجز عن تسديدها، وخاف من الحكومة أن تصادر أمواله ، وتنزل به العقوبة الصارمة ، فسأل عن الحاكم فأخبروه أنّه من شيعة الإمام الكاظم (علیه السلام)، فسافر إلى يثرب ، فلما انتهى إليها تشرّف بمقابلة الإمام وشكا إليه حاله وضيق مجاله،
فاستجاب (علیه السلام) بالوقت له ، وكتب إلى حاكم الريّ رسالة جاء فيها بعد البسملة : اعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ ظِلَا لَايَسْكُنُهُ إِلَّا مَنْ أَسْدِى إِلى أَخِيهِ مَعْرُوفاً ، أَوْ نَفَّسَ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ أَدْخَلَ عَلى قَلْبِهِ سُروراً ، وهذا أخوك ، وَالسَّلام .
وأخذ الرسالة ، وبعد أدائه لفريضة الحج اتجه صوب وطنه ، فلما انتهى إليه مضى إلى الحاكم ليلاً فطرق باب بيته ، فخرج غلامه فقال له : من أنت ؟
فهرع إلى مولاه فأخبره بذلك ، فخرج حافي القدمين مستقبلاً له ، فعانقه وقبل ما بين عينيه ، وطفق يسأله بلهفة عن حال الإمام وهو يجيبه ، ثم ناوله رسالة الإمام ، فأخذها بإكبار وقبلها ، فلما قرأها طلب جميع أمواله وثيابه فقاسمه في جميعها ، وأعطاه قيمة ما لا يقبل القسمة ، وهو يقول له : يا أخي ، هل سررتك ؟
وسارع الرجل قائلاً: إي والله وزدت على ذلك.
ثم استدعى الحاكم السجلّ فشطب جميع الديون التي على الرجل ، وأعطاه براءة منها ، فخرج وقد غمرته موجات من الفرح والسرور ، ورأى أن يجازي إحسانه بإحسان فيمضي إلى بيت الله الحرام ويدعو له، ويخبر الإمام بما أسداه عليه من المعروف ، ولما أقبل موسم الحج سافر إلى بيت الله الحرام ، ولما انتهى إليه دعا للرجل بإخلاص ، وأخبر الإمام بما أسداه حاكم الري من الإحسان إليه ، فسرّ الإمام بذلك سروراً بالغاً ، والتفت إليه الرجل قائلاً: يا مولاي ، هل سرّك ذلك ؟
وهذه المبادرة تمثل مدى اهتمامه بإغاثة الملهوفين، وبها نطوي الحديث
1) بحار الأنوار : 48 : 174 ، الحديث 16 .
عن بعض خصائصه وصفاته .
109
وعانى الإمام الكاظم (علیه السلام) ألواناً قاسية من المحن والخطوب في عهد الطاغية هارون الذي جهد على ظلمه والتنكيل به ، فقد قضى زهرة حياته في ظلمات سجونه ، محجوباً عن أهله وشيعته ، ونقدّم عرضاً سريعاً إلى ما لاقاه في عهد هارون :
وثقل الإمام على هارون ، وورم أنفه منه ؛ وذلك لأنه أعظم شخصية في العالم الإسلامي يكنّ له المسلمون المودّة والاحترام ، في حين أنه لم يحظ بذلك.
ويقول الرواة :«إنّ من الأسباب التي أدّت بهارون لسجنه للإمام أنّه لما زار قبر النبي (صلی الله علیه و آله) وقد احتفّ به الأشراف والوجوه والوزراء وكبار رجال الدولة ، وأقبل على الضريح المقدّس ووجّه له التحيّة قائلاً : السلام عليك يابن العمّ .
ولقد افتخر على من سواه برحمه الماسّة من النبي (صلی الله علیه و آله) ، فإنه إنما نال الخلافة بهذا السبب ، وكان الإمام موسى (علیه السلام) إلى جانبه فسلّم على النبي العظيم قائلاً: السَّلامُ عَلَيْكَ يا أَبَتِ .
وفقد الرشيد صوابه ، وورم أنفه ، وانتفخت أوداجه ، فإنّ الإمام (علیه السلام) أقرب منه إلى
الله النبي (صلی الله علیه و آله)، وألصق به من غيره ، فاندفع الطاغية بنبرات تقطر غضباً قائلاً: لِمَ قلت إنك أقرب إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) منا ؟
فأدلى الإمام بالحجّة القاطعة التي لا يمكن إنكارها قائلاً : لَوْ بُعِثَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) حَيّاً وَخَطَبَ مِنْكَ كَريمَتَكَ هَلْ كُنْتَ تُجِيبُهُ إِلَى ذلِكَ ؟
وسارع هارون قائلاً: سبحان الله ! وإنّي لأفتخر بذلك على العرب والعجم .
وانبرى الإمام (علیه السلام) يقيم عليه الدليل أنّه أقرب إلى النبي (صلی الله علیه و آله) منه قائلاً : وَلكِنَّهُ لَا يُخْطِبُ مِنّي ، وَلَا أَزَوِّجُهُ ؛ لأنَّهُ والِدُنا لا والِدكُمْ ، فَلِذلِكَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ . وأقام الإمام دليلاً آخر على قوله ، فقال لهارون : هَلْ يَجوزُ لِرَسولِ اللهِ (صلى الله عليه و آله وسلم) أَنْ يَدْخُلَ عَلى حَرَمِكَ وَهُنَّ كاشفات ؟ فقال هارون :لا .
وقال الإمام : لكِنْ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلى حَرَمى ، وَيَجوزُ لَهُ ذلِكَ ، فَلِذلِكَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ»(1).
وثار الرشيد ، ولم يجد مسلكاً ينفذ منه لتفنيد حجّة الإمام (علیه السلام) ، وانطوت نفسه
على الشرّ، فجاء إلى قبر النبي (صلی الله علیه و آله) وقال له : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، إنِّي أعتذر إليك من أمر عزمت عليه أنّي أريد أن آخذ موسى بن جعفر فأحبسه لأني قد خشيت أن يلقي بين أمتك حرباً يسفك فيها دماءهم .
لقد حسب أنّ اعتذاره إلى النبي(صلی الله علیه و آله) من ارتكاب الجريمة يجديه وينفي عنه
المسؤوليّة في يوم يخسر فيه المبطلون .
وفي اليوم الثاني أصدر أوامره بإلقاء القبض على الإمام ، فألقت الشرطة القبض عليه وهو قائم يصلّي عند رأس جده النبي(صلی الله علیه و آله) ، فقطعوا عليه صلاته ، ولم يمهلوه لإتمامها ، فحمل من ذلك المكان الشريف ، وقيّد ، وهو يذرف أحر الدموع ، ويبثّ شكواه إلى جده قائلاً: إلَيْكَ أَشكو يا رسول الله.
وحمل الإمام وهو يرسف في القيود ، فمثل أمام الطاغية هارون فجفاه ، وأغلظ له في القول(2).
وحمل الإمام مقيّداً إلى البصرة ، وقد وكّل حسّان السري بحراسته والمحافظة عليه ، وفي الطريق التقى به عبدالله بن مرحوم الأزدي ، فدفع له الإمام كتباً ، وأمره بإيصالها إلى وليّ عهده الإمام الرضا (علیه السلام)، وعرّفه بأنه الإمام من بعده(1).
وسارت القافلة تطوي البيداء حتى انتهت إلى البصرة ، وذلك قبل التروية بيوم(2)، فسلّم حسّان الإمام إلى عيسى بن جعفر فحبسه في بيت من بيوت المحبس وأقفل عليه أبواب السجن ، فكان لا يفتحها إلّا في حالتين : إحداهما خروجه إلى الطهور ، والأخرى لإدخال الطعام إليه .
وأقبل الإمام على العبادة والطاعة ، فكان يصوم في النهار ويقوم في الليل ، ويقضي عامّة وقته في الصلاة والسجود والدعاء وقراءة القرآن ، واعتبر تفرّغه للعبادة من نِعم الله تعالى عليه ، فكما يقول :
اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَسْأَلُكَ أَنْ تُفَرِّغَنى لِعِبادَتِكَ ، اللهُمَّ وَقَدْ فَعَلْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ(3).
وأوعز هارون إلى عيسى عامله على البصرة باغتيال الإمام (علیه السلام)، وثقل الأمر على عيسى ، فاستشار خواصّه بذلك فمنعوه وخوّفوه من عاقبة الأمر ، فاستجاب لهم ، ورفع رسالة إلى هارون جاء فيها :
«يا أمير المؤمنين ، كتبت إليَّ في هذا الرجل ، وقد اختبرته طول مقامه بمن حبسته معه عيناً عليه ، لينظروا حيلته وأمره وطويته ممّن له المعرفة والدراية ، ويجري من الإنسان مجرى الدم ، فلم يكن منه سوء قطّ ، ولم يذكر أمير المؤمنين إلا بخير ، ولم يكن عنده تطلّع إلى ولاية ، ولا خروج ، ولا شيء من أمر الدنيا ، ولا دعا قط على أمير المؤمنين ، ولا على أحد من الناس ، ولا يدعو إلا بالمغفرة والرحمة له ولجميع المسلمين مع ملازمته للصيام والصلاة والعبادة .
فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من أمره ، أو ينفذ من يتسلّمه منّي ، وإلا سرّحت سبيله ، فإنّي منه في غاية الحرج»(1).
ودلّت هذه الرسالة على خوف عيسى من الإقدام على اغتيال الإمام ، وقد بقي في سجنه سنة كاملة .
واستجاب الرشيد لطلب عامله عيسى ، فأمره بحمل الإمام إلى بغداد ، فحمل إليها ، تحفّ به الشرطة والحرس ، ولما انتهى إليها أمر الرشيد بحبسه عند الفضل بن الربيع ، فأخذه الفضل وحبسه في بيته ، ولم يحبسه في السجون العامة وذلك لسموّ مكانة الإمام ، وعظم شخصيّته ، فخاف من حدوث الفتنة واضطراب الرأي العام .
وأقبل الإمام (علیه السلام) على العبادة والطاعة ، وقد بهر الفضل بعبادته ، فقد روى عبدالله
القزويني ، قال : « دخلت على الفضل بن الربيع ، وهو جالس على سطح داره، فقال لي : ادن منّي ، فدنوت حتّى حاذيته ، ثمّ قال لي : اشرف على الدار.
وأشرف عبدالله على الدار ، فقال له الفضل : ما ترى في البيت ؟
1) الفصول المهمة : 221 و 222.
فتأمل عبدالله ، ونظر مليّاً فقال : رجل ساجد .
-لا.
هذا مولاك .
من مولاي ؟
تتجاهل عليّ ؟
ما أتجاهل ، ولكن لا أعرف لي مولى.
هذا أبو الحسن موسى بن جعفر .
وكان عبد الله ممّن يدين بإمامته، وأخذ الفضل يحدّثه عن عبادته ، قائلاً : إنّي أتفقده الليل والنهار ، فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على الحال التي أخبرك بها، إنّه يصلي الفجر فيعقب ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس ، ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس ، وقد وكل من يترصد له الزوال ، فلست أدري متى يقول الغلام : قد زالت الشمس ؟
إذ يثب فيبتدئ بالصلاة من غير أن يجدّد الوضوء ، فاعلم أنه لم ينم في سجوده ولا أغفى ، فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر ، فإذا صلى العصر سجد سجدة ، فلا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلّي العتمة ، فإذا صلّى العتمة أفطر على شوى(1)يؤتى به ، ثمّ يجدّد الوضوء ثم يسجد ، ثم يرفع رأسه فينام نومة خفيفة ، ثم يقوم فيجدّد الوضوء ، ثم يقوم فلا يزال يصلّي حتى يطلع الفجر ، فلست أدري متى يقول الغلام إنّ الفجر قد طلع إذ قد وثب هو لصلاة الفجر ، فهذا دأبه
1) شوی : تصغير شواء ، أي شواء قليل .
منذ حُوّل إليَّ ... » .
وهكذا كان الإمام سيّد المتقين ، وإمام المنيبين، قد طبع على قلبه حبّ الله تعالى ، وهام بعبادته وطاعته
ولما رأى عبد الله إكبار الفضل للإمام حذّره من أن يستجيب لهارون باغتياله قائلاً له : اتق الله ولا تحدث في أمره حدثاً يكون منه زوال النعمة ، فقد تعلم أنه لم يفعل أحد بأحد سوءاً إلا كانت نعمته زائلة. فانبرى الفضل يؤيّد ما قاله عبد الله : قد أرسلوا إليَّ غير مرة يأمرونني بقتله ، فلم أجبهم إلى ذلك(1).
لقد خاف الفضل من نقمة الله وعذابه في الدنيا والآخرة إن اغتال الإمام ، أو تعرّض له بمكروه.
ونصّب الإمام موسى (علیه السلام) ولده الإمام الرضا (علیه السلام) علماً لشيعته ومرجعاً لأمته ، وقد خرجت من السجن عدة ألواح كتب فيها : « عَهْدي إِلى وَلَدي الْأَكْبَرِ»(2).
وقد اهتم الإمام موسى بتعيين ولده إماماً من بعده ، وعهد بذلك إلى جمهرة كبيرة من أعلام شيعته ، كان من بينهم ما يلي:
روى محمّد بن إسماعيل الهاشمي ، قال : « دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر ، وقد اشتكى شكاة شديدة ، فقلت له : أسأل الله أن لا يريناه - أي فقدك - فإلى من ؟
قال (علیه السلام) : إلى ابني عَلِيُّ ، فَكِتابُهُ كِتابي ، وَهُوَ وَصِيِّي وَخَليفَتى مِنْ بَعْدي»(1).
روى عليّ بن يقطين ، قال : «كنت عند أبي الحسن موسى بن جعفر (علیه السلام) وعنده علي ابنه ، فقال : يا عَلِيُّ ، هذا ابني سَيِّدُ وُلدي ، وَقَدْ نَحَلْتَهُ كُنْيَتي ، وكان في المجلس هشام بن سالم ، فضرب على جبهته ، وقال : إنّا لله ، نعى والله إليك نفسه»(2).
روی نعیم بن قابوس ، قال : « قال أبو الحسن (علیه السلام): عَلِيُّ ابْنِي أَكْبَرُ وُلدي ، وَأَسْمَعُهُمْ لِقَوْلي ، وَأَطْوَعُهُمْ لأَمْري ، يَنْظُرُ فِي كِتابِ الْجَفْرِ وَالْجامِعَةِ ، وَلَا يَنْظُرُ فيهِما إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيَّ»(3).
روى داود بن كثير الرقي ، قال : «قلت لموسى الكاظم : جُعلت فداك ، إنّي قد كبرت وكبر سنّي ، فخذ بيدي وانقذني من النار ، من صاحبنا بعدك ؟
فأشار (علیه السلام) إلى ابنه أبي الحسن الرضا ، وقال : هذا صاحِبُكُمْ بَعْدي »(4).
روى سليمان بن حفص المروزي ، قال : «دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر وأنا أريد أن أسأله عن الحجّة على الناس بعده ، فلما نظر إليَّ ابتدأني وقال : يا سُلَيْمانُ ، إِنَّ عَلِيّاً ابْني وَوَصِيَّي ، وَالْحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ بَعْدِي ، وَهُوَ أَفْضَلُ وُلدي ، فَإِنْ بَقيتَ بَعْدِي فَاشْهَدْ لَهُ بِذلِكَ عِنْدَ شِيعَتِي وَأَهْلِ وَلايَتي ، الْمُسْتَخْبِرينَ عَنْ خَليفَتي بعدی»(1).
قال عبد الله الهاشمي : «كنا عند القبر - أي قبر النبي (صلی الله علیه و آله)- نحو ستين رجلاً منا ومن موالينا ؛ إذ أقبل أبو إبراهيم موسى بن جعفر (علیه السلام) و يد على ابنه في يده ، فقال : أَتَدْرُونَ مَنْ أَنا ؟
قلنا : أنت سيّدنا وكبيرنا .
فقال : سَمّوني وَانْسِبوني .
قلنا : أنت موسى بن جعفر بن محمد.
فقال : مَنْ هذا ؟ وأشار إلى ابنه .
قلنا : هو علي بن موسى بن جعفر.
قال : فَاشْهَدوا أَنَّهُ وَكيلي في حَياتي ، وَوَصِي بَعْدَ مَوْتي»(2).
روی عبدالله بن مرحوم ، قال : « خرجت من البصرة أريد المدينة ، فلما صرت في بعض الطريق لقيت أبا إبراهيم وهو يذهب به إلى البصرة ، فأرسل إليَّ ، فدخلت عليه ، فدفع إلى كتباً ، وأمرني أن أوصلها إلى المدينة.
فقلت : إلى من أدفعها ، جعلت فداك ؟
قال : إِلَى عَلِيَّ ابْنِي ، فَإِنَّهُ وَصِنِّي ، وَالْقَيِّمُ بِأَمْرِي ، وَخَيْرُ بَنِيَّ»(1).
روى عبدالله بن الحرث ، قال : « بعث إلينا أبو إبراهيم فجمعنا ، ثمّ قال : أَتَدْرُونَ لمَ جَمَعْتُكُمْ ؟
قلنا : لا.
قال : اشْهَدُوا أَنَّ عَلِيّا ابْني هذا وَصِنِّي ، وَالْقَيِّمُ بِأَمْرِي ، وَخَليفَتِي مِنْ بَعْدِي ، مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدي دَيْنٌ فَلْيَأْخُذُهُ مِنِ ابْني هذا ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدِي عِدَةٌ فَلْيَسْتَنْجِزْها مِنْهُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدَّ مِنْ لِقاني فَلا يَلْقَني إِلَّا بِكِتَابِهِ»(2).
روى حيدر بن أيوب ، قال : «كنا بالمدينة في موضع يعرف بالقبا ، فيه محمد بن زيد بن عليّ ، فجاء بعد الوقت الذي كان يجيئنا فيه فقلنا له: جعلنا الله فداك، ما حبسك - أي ما أخرك عن المجيء - ؟
قال : دعانا أبو إبراهيم اليوم سبعة عشر رجلاً من ولد علي وفاطمة (علیها السلام)، فأشهدنا لعليّ ابنه بالوصيّة والوكالة في حياته وبعد موته ، وإن أمره جائز - أي نافذ - عليه وله.
ثمّ قال محمد : والله يا حيدر لقد عقد له الإمامة اليوم، وليقولن الشيعة به من بعده.
قلت : بل يبقيه الله ، وأي شيء هذا ؟
قال : يا حيدر ، إذا أوصى إليه فقد عقد له بالإمامة »(1).
قال الحسين بن بشير : « أقام لنا أبو الحسن موسى بن جعفر ابنه عليّاً ، كما أقام رسول الله (صلی الله علیه وآله) علياً يوم غدير خم ، فقال : يا أَهْلَ الْمَدينَةِ ، - أو قال : يا أَهْلَ الْمَسْجِدِ -هذا وَصِيِّي مِنْ بَعْدي»(2).
روی جعفر بن خلف ، قال : « سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر يقول : «سمعت أباالحسن موسى بن جعفر (علیه السلام) يقول : سَعِدَ امْرُؤٌ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يُرى مِنْهُ خَلَفٌ ، وَقَدْ أَرانِيَ اللهُ مِنِ ابْني هذا خَلَفاً ، وأشار إليه - يعني الرضا (علیه السلام)-»(3).
روی نصر بن قابوس ، قال : « قلت لأبي إبراهيم موسى بن جعفر (علیه السلام): إني سألت
أباك من الذي يكون بعدك ؟ فأخبرني أنك أنت هو ، فلمّا توفّي أبو عبدالله ذهب الناس يميناً وشمالاً ، وقلت أنا وأصحابي بك، فأخبرني من الذي يكون بعدك ؟
قال : ابْني عَلِيٌّ»(1).
روی محمد بن سنان ، قال : « دخلت على أبي الحسن قبل أن يحمل إلى العراق بسنة ، وعلي ابنه بين يديه ، فقال لي : يا مُحَمَّدُ .
فقلت : لبيك
قال : إِنَّهُ سَيَكونُ في هَذِهِ السَّنَةِ حَرَكَةٌ فَلا تَجْزَعْ مِنْها ، ثمّ أطرق ونكت بيده في الأرض ، ورفع رأسه إلى ، وهو يقول : وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمينَ ، وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ.
قلت : وما ذاك جعلت فداك ؟
قال : مَنْ ظَلَمَ ابْني هذا حَقَّهُ ، وَجَحَدَ إِمَامَتَهُ مِنْ بَعْدِي ، كَانَ كَمَنْ ظَلَمَ عِلِيَّ بْنَ أَبِي طالب(علیه السلام) حَقَّهُ ، وَجَحَدَ إِمَامَتَهُ مِنْ بَعْدِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله)، فعلمت أنه قد نعى إلى نفسه ، ودلّ على ابنه .
فقلت : والله لئن مد الله في عمري لأُسَلّمن إليه حقه ، ولأقرنّ له بالإمامة ،وأشهد أنّه من بعدك حجّة الله تعالى على خلقه ، والداعي إلى دينه.
فقال لى : يا مُحَمَّدُ ، يَمُدُّ الله فى عُمُرِكَ ، وَتَدْعو إلى إمامَتِهِ ، وَإِمَامَةِ مَنْ يَقومُ مَقامَهُ مِنْ بَعْدِهِ .
فقلت : من ذاك جعلت فداك ؟
1) عيون أخبار الرضا (علیه السلام): 1 : 31 ، الحديث 26. الكافي : 1 : 313 ، الحدیث 12. بحار الأنوار: 20:49 ، الحديث 24 .
قال : مُحَمَّدٌ ابْنُهُ.
قال : قلت : فالرضا والتسليم .
قال : نَعَمْ ، كَذلِكَ وَجَدْتُكَ فِي كِتَابِ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام): أَمَا إِنَّكَ مِنْ شِيعَتِنا أَبْيَنَ مِنَ الْبَرْقِ فى اللَّيْلَةِ الظُّلْماء.
ثمّ قال : يا مُحَمَّدُ ، إِنَّ الْمُفَضَّلَ كانَ أَنْسى وَ مُسْتَراحي ، وَأَنْتَ أَنْسُهُما وَمُسْتَراحُهُما(1)حرامٌ عَلَى النَّارِ أَنْ تَمَسَّكَ أَبَداً»(2).
هذه بعض النصوص التي أثرت عن الإمام موسى (علیه السلام) على إمامة ولده الإمام الرضا (علیه السلام)، وقد حفلت باهتمام الإمام موسى في هذا الموضوع ، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى تفنيد القائلين بالوقف على إمامته ، وإبطال شبههم ، وتحذير المسلمين منهم .
وأقام الإمام موسى (علیه السلام) ولده الرضا وصيّاً من بعده ، وقد أوصاه بوصيّتين، وهما تتضمنان ولايته على صدقاته ونيابته عنه في شؤونه الخاصة والعامة ، وإلزام أبنائه باتباعه والانصياع لأوامره ، كما عهد إلى السيدات من بناته أن يكون زواجهنّ بيد الإمام الرضا (علیه السلام)، لأنه أعرف بالكفؤ من غيره ، فينبغي أن لا يتزوجن إلا بمؤمن تقي يعرف مكانتهن ومنزلتهن .
أما الوصيّة الثانية فقد ذكرناها في كتابنا حياة الإمام موسى (علیه السلام)، فلا حاجة لذكرها ، فإنّي لا أحب أن أذكر شيئاً قد كتبته.
وأمر الرشيد بسجن الإمام في سجن السندي بن شاهك وهو شرير لم تدخل الرحمة إلى قلبه ، وقد تنكر لجميع القيم لا يؤمن بالآخرة ولا يرجو الله وقاراً ، فقابل الإمام بكل قسوة وجفاء ، فضيّق عليه في مأكله ومشربه ، وكبّله بالقيود ، ويقول الرواة : « إنّه قيّده بثلاثين رطلاً من الحديد».
وأقبل الإمام على عادته على العبادة ، فكان في أغلب أوقاته يصلّي لربه ،ويقرأ كتاب الله ، ويمجده ويحمده على أن فرّغه لعبادته .
وأرسل الإمام رسالة إلى هارون أعرب فيها عن نقمته عليه ، وهذا نصها :
«إِنَّهُ لَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّى يَوْمٌ مِنَ الْبَلاءِ حَتَّى يَنْقَضِيَ عَنْكَ يَوْمٌ مِنَ الرَّحَاءِ حَتَّىٰ نَفْنى جَميعاً إِلَى يَوْمِ لَيْسَ فِيهِ انْقِضَاءٌ ، وَهُناكَ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ»(1).
وحكت هذه الرسالة ما ألمّ بالإمام من الجزع والأسى من السجن ، وأنه سيحاكم الطاغية أمام الله تعالى في يوم يخسر فيه المبطلون .
وعهد الطاغية إلى السندي أو إلى غيره من رجال دولته باغتيال الإمام ، فدسّ له سماً فاتكاً في رطب ، وأجبره السندي على تناوله ، فأكل منه رطبات يسيرة ، فقال له السندي : زد على ذلك
1) البداية والنهاية : 10 : 183. بحار الأنوار : 48 148 ، الحدیث 12 . كشف الغمة : 3: 8 و 9.
فرمقه الإمام بطرفه وقال له : حَسْبُكَ قَدْ بَلَغْتَ مَا تَحْتاجُ إِلَيْهِ(1).
وتفاعل السمّ في بدن الإمام ، وأخذ يعاني الآلام القاسية وقد حقت به الشرطة القساة ، ولازمه السندي ، فكان يسمعه مرّ الكلام وأقساه ، ومنع الاسعافات ليعجّل له النهاية المحتومة .
لقد عانى الإمام في تلك الفترة الرهيبة أقسى ألوان المحن والخطوب ، فقد تقطعت أوصاله من السمّ ، وكان أشقّ عليه ما يسمعه من انتهاك لحرمته وكرامته من السندي وجلاوزته .
وسرى السم في جميع أجزاء بدن الإمام (علیه السلام)، وأخذ يعاني أقسى ألوان الأوجاع والآلام ، واستدعى الإمام السندي ، فلما مثل عنده أمره أن يحضر مولى له ينزل عند دار العبّاس بن محمّد في مشرعة القصب ليتولى تجهيزه ، وسأله السندي أن يأذن له في تجهيزه ، فأبى ، وقال : إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مُهورُ نِسائِنَا ، وَحَجُ صَرورَتِنَا ، وَأَكْفَانُ مَوْتَانَا مِنْ طاهِرِ أَمْوالِنا ، وَعِنْدِي كَفَني(2).
وأحضر له السندي مولاه ، فعهد له بتجهيزه.
ولما ثقل حال الإمام وأشرف على النهاية المحتومة استدعى المسيّب بن زهرة ، وقال له : إنّى عَلى ما عَرَّفْتُكَ مِنَ الرَّحيلِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِذَا دَعَوْتُ بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرَبْتُها وَرَأَيْتَنِي قَدِ انْتَفَخْتُ ، وَاصْفَرَّ لَوْنِي وَاحْمَرَّ وَاخْضَرُ ، وَأَتَلَوْنُ أَلواناً ، فَأَخْبِر الطاغية بوفاتي.
قال المسيّب : فلم أزل أراقب وعده ، حتى دعا (علیه السلام) بشربة فشربها،ثم استدعاني فقال : يا مُسَيَّبُ ، إِنَّ هَذَا الرِّجْسَ السِّنْدِي بْنَ شاهِكِ سَيَزْهُمْ أَنَّهُ يَتَولّى غُسْلِي وَدَقْني، وَهَيْهاتَ هَيْهاتَ أَنْ يَكونَ ذلِكَ أَبَداً ، فَإِذا حُمِلْتُ إِلَى الْمَقْبَرَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِمَقابِرِ قُرَيْشٍ فَأَلْحِدوني بها ، وَلَا تَرْفَعُوا قَبْرِي فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَصابع مُفَرِّجَاتٍ ، وَلَا تَأْخُذُوا مِنْ تُرْبَتِي شَيْئاً لِتَتَبَرَّكُوا بِهِ ، فَإِنَّ كُلَّ تُرْبَةٍ لَنا مُحَرَّمَةٌ إِلَّا تُرْبَةُ جَدَّيَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَهَا شِفَاءٌ لِشيعَتِنَا وَأَوْلِيَائِنَا .
قال المسيب : ثم رأيت شخصاً أشبه الأشخاص به جالساً إلى جانبه ، وكان عهدي بسيدي الرضا (علیه السلام) وهو غلام ، فأردت أن أسأله ، فصاح بي سيدي موسى وقال : أَلَيْسَ قَدْ نَهَيْتُكَ ، ثمّ إنّه غاب ذلك الشخص ، وجئت إلى الإمام فإذا به جثّة هامدة قد فارق الحياة ، فانتهيت بالخبر إلى الرشيد(1).
لقد سمت روح الإمام إلى خالقها العظيم تحفّها ملائكة الرحمن بطاقات من زهور الجنة ، وتستقبلها أرواح الأنبياء والأوصياء والمصطفون الأخيار .
سيدي أبا الرضا ، لقد مضيت إلى دار الخلود بعد أن أدّيت رسالتك ، ورفعت كلمة الله عالية في الأرض ، ونافحت عن حقوق المظلومين والمضطهدين ، وقاومت الطغيان والاستبداد ، فما أعظم عائدتك على الإسلام والمسلمين.
سيدي أبا الرضا : لقد تجرّعت أنواع المحن والغصص والخطوب من طاغية زمانك ، فأودعك في سجونه ، وضيق عليك في كلّ شيء ، وحال بينك وبين شيعتك وأبنائك وعائلتك ، لأنك لم تسايره ولم تبرر منكره ، فقد تزعمت الجبهة المعارضة للظلم والطغيان ، ورحت تندّد بسياسته الهوجاء التي بنيت على سرقة
1) حياة الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام): 2 : 514 و 515 . عيون أخبار الرضا (علیه السلام): 1: 103 ،الحديث 6.
أموال المسلمين ، وإنفاقها في ملذاته ولياليه الحمراء ، فسلام الله عليك غادية ورائحة ، وسلام الله عليك يوم ولدت ويوم متّ ويوم تُبعث حياً .
وقامت الشرطة بدورها في التحقيق في سبب وفاة الإمام ، وقد بذلت قصارى جهودها في أنّ الإمام مات حتف أنفه لتبرئ ساحة الطاغية هارون ، وقد قام بذلك السندي بن شاهك ، وكان ذلك في مواضع منها ما رواه عمرو بن واقد ، قال : « أرسل إليَّ السندي بن شاهك في بعض الليل وأنا ببغداد ، فخشيت أن يكون لسوء يريده بي ، فأوصيت عيالي بما احتجت إليه ، وقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم ركبت إليه ، فلما رآني مقبلاً قال : يا أبا حفص ، لعلنا أرعبناك وأزعجناك ؟
نعم .
ليس هنا إلا الخير .
فرسول تبعثه إلى منزلي ليخبرهم خبري ؟
نعم .
ولمّا هدأ روعه ، وذهب عنه الخوف ، قال له السندي : يا أبا حفص ، أتدري لِمَ أرسلت إليك ؟
لا
أتعرف موسى بن جعفر ؟
إي والله أعرفه وبيني وبينه صداقة منذ دهر .
هل ببغداد ممّن يقبل قوله تعرفه أنّه يعرفه ؟
نعم .
ثم إنّه سمّى له أشخاصاً ممن يعرفون الإمام ، فبعث خلفهم ، فقال لهم :
هل تعرفون قوماً يعرفون موسى بن جعفر ؟
فسمّوا له قوماً فأحضرهم ، وقد استوعب الليل فعله حتّى انبلج نور الصبح، ولما كمل عنده من الشهود نيف وخمسون رجلاً ، أمر بإحضار كاتبه ، ويعرف اليوم بكاتب الضبط ، فأخذ في تسجيل أسمائهم ومنازلهم وأعمالهم وصفاتهم ، وبعد انتهائه من الضبط أخبر السندي بذلك ، فخرج من محله ، والتفت إلى عمرو، فقال له : قم يا أبا حفص فاكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر ، فكشف عمرو الثوب عن وجه الإمام، والتفت السندي إلى الجماعة ، فقال لهم : انظروا إليه ، فدنا واحد منهم بعد واحد ، فنظروا إليه جميعاً ثم قال لهم : تشهدون كلكم أن هذا موسى بن جعفر ؟
ثمّ أمر غلامه بتجريد الإمام من ملابسه ، ففعل الغلام ذلك ، ثم التفت إلى القوم فقال لهم : أترون به أثراً تنكرونه ؟
فقالوا : لا .
ثمّ سجّل شهادتهم وانصرفوا(1).
كما استدعى فقهاء بغداد ووجوهها ، وفيهم الهيثم بن عدي ، فسجّل شهادتهم بأنّ الإمام مات حتف أنفه(2).
وفعل هارون مثل ذلك من الاجراءات ، والسبب في ذلك تنزيهه من اقتراف الجريمة ، ونفى المسؤولية عنه
ووضع جثمان الإمام سليل النبوّة على جسر الرصافة ينظر إليه القريب والبعيد ، وتتفرّج عليه المارّة ، وقد احتفت به الشرطة ، وكشفت وجهه للناس ، وقد حاول الطاغية بذلك إذلال الشيعة والاستهانة بمقدساتها ، وكان هذا الإجراء من أقسى ألوان المحن التي عانتها الشيعة ، فقد كوى بذلك قلوبهم وعواطفهم .
يقول الشيخ محمّد ملة :
منْ مُبِلعُ الإِسْلامَ أَن زعيمه
قَدْ ماتَ فى سِجْنِ الرَّشيدِ سَميما
فَالغَيُّ بات بِمَوتِهِ طَرِبُ الحَشا
وَغَدا لِمَأْتَمِهِ الرَّشادُ مُقيما
ملقى على جسر الرَّصافَةِ نَعْشُهُ
فيهِ المَلائِك أَحْدَقوا تَعْظيما
وقال الخطيب المفوّه الشيخ محمد علي اليعقوبي :
مِثْلُ موسى يُرْمَى عَلَى الْجِسْرِ مَيْتاً
لمْ يُشَيِّعَهُ لِلقُبور موحد مُوَحّدْ
حَمَلُوهُ وَلِلحَديدِ بِرِجلَيْهِ هَز
يجٌ لهُ الأهاضيبُ تَنْهَد(1)
يا لهول المصاب ، يا لروعة الخطب ، لقد انتهك السندي جميع حرمات الإسلام ، فقد أمر الجلادين أن ينادوا على الجثمان المقدس بنداء مؤلم ، فبدل أن ينادوا بالحضور لجنازة الطيب ابن الطيب أمرهم أن ينادوا بعكس ذلك ، وانطلق العبيد والأنذال يجوبون شوارع بغداد رافعين أصواتهم بذلك النداء القذر ، وأمرهم ثانياً أن ينادوا بنداء آخر : « هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت ،
1) حياة الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام): 2 : 521 .
انظروا إليه ميتاً »(1).
وكان سليمان مطلّاً على نهر دجلة في قصره ، فرأى الشرطة وقطعات من الجيش تجوب الشوارع ، والناس مضطربة فزعة ، فهاله ذلك ، فالتفت إلى ولده وغلمانه قائلاً: ما الخبر ؟
فقالوا له : هذا السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر .
وأخبروه بندائه الفظيع ، فخاف سليمان من حدوث الفتنة وانفجار الوضع بما لا تحمد عقباه ، وصاح بولده : انزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم ، فإن مانعوكم فاضربوهم وخرّقوا ما عليهم من سواد - وهو لباس الشرطة والجيش -(2).
وانطلق أبناء سليمان مسرعين ومعهم غلمانهم وحراسهم إلى الشرطة ، فأخذوا الجثمان المقدّس من أيديهم، ولم تبد الشرطة أيّة مقاومة معهم ، فسليمان عمّ الخليفة وأهم شخصيّة لامعة في الأسرة العباسية .
وحمل جثمان الإمام إلى سليمان ، فأمر أن ينادى في شوارع بغداد بنداء معاكس لنداء السندي ، وانطلق المنادون رافعين أصواتهم بهذا النداء : « ألا من أراد أن يحضر جنازة الطيب ابن الطيب موسى بن جعفر فليحضر».
وخرج الناس على اختلاف طبقاتهم لتشييع جثمان إمام المسلمين وسيد المتقين والعابدين، وخرجت الشيعة وهي تلطم الصدور، وتذرف الدموع ، وخرجت السيدات من نسائهم وهنّ يندبن الإمام ، ويرفعن أصواتهن بالنياحة عليه.
وسارت مواكب التشييع وهي تجوب شوارع بغداد وتردّد أهازيج اللوعة والحزن ، وأمام النعش المقدّس مجامير العطور ، وانتهي به إلى موضع في سوق سمّي بعد ذلك بسوق الرياحين ، كما بني على الموضع الذي وضع فيه الجثمان المقدس لئلا تطأه الناس بأقدامهم تكريماً له(1).
وانبرى شاعر ملهم فأبن الإمام بهذه الأبيات الرائعة :
قَدْ قُلتُ لِلرَّجُل المُوَلّى غُسلَهُ
هَلا أَطَعْتَ وَكُنتَ مِنْ نُصحَائِهِ
جَنَّبْهُ ماءَكَ ثُمَّ غَسَلْهُ بِما
أَذْرَتْ عُيونُ المَجْدِ عِنْدَ بُكائِهِ
وَأَزِلْ أَفاوية الحُنوط وَنَحْها
عَنْهُ وَحَطهُ بِطيبٍ ثَنائِهِ
وَمُرِ الْمَلائِكَةَ الْكِرَامَ بِحَمْلِهِ
كَرَماً أَلَسْتَ تَراهُمُ بِإِزائِهِ
لاتوهِ أَعْناقَ الرّجالِ بِحَمْلِهِ
يَكْفي الَّذي حَمَلوهُ مِنْ نَعْمائِهِ(2)
وسارت المواكب متجهة إلى محلّة باب التبن ، وقد ساد عليها الوجوم والحزن ، حتى انتهت إلى مقابر قريش ، فحفر للجثمان العظيم قبر ، وأنزله فيه سليمان بن أبي جعفر ، وهو مذهول اللبّ ، فواراه فيه ، وقد وارى فيه الحكم والكرم والعلم والإباء .
وانصرف المشيعون وهم يعدّدون فضائل الإمام ، ويذكرون بمزيد من اللوعة الخسارة التي مُني بها المسلمون ، فتحيّات من الله على تلك الروح العظيمة التي ملأت الدنيا بفضائلها وآثارها ومآثرها .
وتقلد الإمام الرضاء (علیه السلام) بعد وفاة أبيه الزعامة الدينية الكبرى ، والمرجعية العامة
للمسلمين ، وقد احتفّ به العلماء والفقهاء وهم يسجّلون آراءه في ميادين الآداب والحكمة ، وما يفتي به من المسائل الشرعيّة ، وغير ذلك من صنوف المعارف والعلم .
وبعد وفاة الإمام الكاظم (علیه السلام) سافر الإمام الرضا (علیه السلام) إلى البصرة للتدليل على إمامته ، وإبطال شبه المنحرفين عن الحق ، وقد نزل ضيفاً في دار الحسن بن محمد العلوي ، وقد عقد في داره مؤتمراً عاماً ضمّ جمعاً من المسلمين ، كان من بينهم عمروبن هداب ، وهو من المنحرفين عن آل البيت (علیهم السلام) والمعادين لهم ، كما دعا فيه جائليق النصارى ، ورأس الجالوت(1)، والتفت إليهم الإمام فقال لهم : إنّي إِنَّما جَمَعْتُكُمْ لِتَسْأَلُونِي عَمَا شِئْتُمْ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ وَعَلامَاتِ الْإِمَامَةِ الَّتِي لَا تَجِدونَها إلَّا عِنْدَنا أَهْلَ الْبَيْتِ ، فَهَلِمُوا مَسائِلَكُمْ.
وبادر عمرو بن هداب فقال له : إنّ محمّد بن الفضل الهاشمي أخبرنا عنك أنّك تعرف كل ما أنزله الله ، وأنّك تعرف كل لسان ولغة .
وانبرى الإمام (علیه السلام) فصدّق مقالة محمد بن الفضل في حقه قائلاً : صَدَقَ مُحَمَّدُ بْنُ
الْفَضْل ، أنا أَخْبَرْتُهُ بِذلِكَ.
وسارع عمر و قائلاً : إنا نختبرك قبل كل شيء بالألسن واللغات ، هذا رومي وهذا هندي وهذا فارسي وهذا تركي قد أحضرناهم .
فقال (علیه السلام): فَلْيَتَكَلَّموا بِما أَحَبّوا ، أَجِبْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِلِسَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وتقدّم كلّ واحد منهم أمام الإمام فسأله عن مسألة ، فأجاب (علیه السلام) عنها بلغته ،
1) رأس الجالوت : هو أحد علماء اليهود.
130
وبهر القوم وعجبوا .
والتفت الإمام إلى عمر و فقال له : إِنْ أَنا أَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ سَتَبْتَلَى فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِدَمِ ذِي رَحِمٍ لَكَ هَلْ كُنْتَ مُصَدِّقاً لِي ؟
وردّ الإمام عليه مقالته : أَوَلَيْسَ اللهُ تَعالى يَقولُ :«عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ»(1)، فَرَسولُ اللهِ (صلی اللهُ علیه و آله) عِنْدَ اللَّهِ مُرْتَضى ، وَنَحْنُ وَرَثَةُ ذلِكَ الرَّسولِ الَّذِي أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ غَيْبِهِ ، فَعَلِمْنَا مَا كانَ وما يَكونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ .
وَإِنَّ الَّذي أَخْبَرْتُكَ بِهِ يَابْنَ هداب لَكَائِنٌ إِلى خَمْسَةِ أَيَّامٍ ، وَإِنْ لَمْ يَصُحُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَإِنِّي .. وَإِنْ صَحَ فَتَعْلَمَ أَنَّكَ رَادُّ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ .
وأضاف الإمام قائلاً : أَما إِنَّكَ سَتُصابُ بِبَصَرِكَ وَنَصِيرُ مَكْفُوفاً ، فَلَا تُبْصِرُ سَهْلاً وَلَا جَبَلاً، وهذا كائِنٌ بَعْدَ أَيَّامٍ ، وَلَكَ عِنْدي دَلالَةٌ أُخْرى ، إِنَّكَ سَتَحْلِفُ يَمِيناً كَاذِبَةٌ ، فَتُضْرَبِ بِالْبَرَصِ».
وأقسم محمّد بن الفضل بالله بأنّ ما أخبر به الإمام قد تحقق ، وقيل لابن هداب : هل صدق الرضا بما أخبر به ؟
فقال : والله لقد علمت في الوقت الذي أخبرني به أنّه كائن ، ولكنّي كنت أتجلّد . والتفت الإمام إلى الجائليق(2)فقال له : هَلْ دَلَّ الْإِنْجِيلُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله)؟
وسارع الجائليق قائلاً : لو دلّ الإنجيل على ذلك ما جحدناه .
ووجّه الإمام له السؤال التالي : أخبرني عن السكنة التي لكم في السفر الثالث ؟
وأجاب الجائليق : إِنَّهَا إِسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى لَا يَجوزُ لَنا أَنْ نُظْهِرَهُ.
وردّ عليه الإمام قائلاً : فَإِنْ قَرَّ بِهِ رَبُّكَ أَنَّهُ اسْمُ مُحَمَّدٍ ، وَأَقَرَّ عيسىٰ بِهِ ، وَأَنَّهُ بَشَّرَ بَني
إِسْرَائِيلَ بِمُحَمَّدٍ لِتَفِرَّ بِهِ وَلَا تُنْكِرُهُ ؟
ولم يجد الجاثليق بدّاً من الموافقة على ذلك قائلاً: إن فعلت أقررت ، فإني لا أردّ الإنجيل ولا أجحده .
وأخذ الإمام يقيم عليه الحجّة قائلاً: خُذْ عَلَى السِّفْرِ الثَّالِثِ الذي فيهِ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله) وَبِشَارَةُ عيسى بِمُحَمَّدٍ ؟
وسارع الجائليق قائلاً: هات ما قلته.
فأخذ الإمام (علیه السلام) يتلو عليه السفر من الإنجيل الذي فيه ذكر الرسول محمد (صلی الله علیه و آله)،وقال للجائليق : مَن هذا الْمَوْصوفُ ؟
قال الجاثليق : صفه.
وأخذ الإمام (علیه السلام) في وصفه قائلاً: لَا أَصِفُهُ إِلَّا بِما وَصَفَهُ اللهُ ، وَهُوَ صاحِبُ النّاقَةِ وَالْعَصا وَالْكِساءِ ، النَّبِيُّ الأمِيُّ الَّذِي يَجِدونَهُ مَكْتوباً عِنْدَهُمْ في التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ(1)، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ، يَهْدِي إِلَى الطَّريقِ الْأَقْصَدِ ، وَالْمِنْهَاجِ الْأَعْدَلِ ، وَالصَّرَاطِ الْأَقْوَمِ.
سَأَلْتُكَ يا جائليقُ بِحَقِّ عيسى روح اللهِ وَ كَلِمَتِهِ ، هَلْ تَجِدونَ هَذِهِ الصَّفَةَ فِي الْإِنْجِيلِ
1) إشارة إلى قوله تعالى في الأعراف 7: 157: «النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ».
لهذا النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم)؟
وأطرق الجائليق مليّاً برأسه إلى الأرض ، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت ،فقد سدّ عليه الإمام كلّ نافذة يسلك منها ، ولم يسعه أن يجحد الإنجيل ، فأجاب الإمام قائلاً : نعم هذه الصفة من الإنجيل ، وقد ذكر عيسى في الإنجيل هذا النبي ولم يصحّ عند النصارى أنّه صاحبكم .
وانبرى الإمام يقيم عليه الحجة ، ويبطل أوهامه قائلاً : أَمَا إِذا لَمْ تَكْفُرْ بِجُحودِ الْإِنْجِيلِ ، وَأَقْرَرْتَ بِما فِيهِ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله)، فَخُذْ عَلَى السِّفْرِ الثَّانِي ، فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُ وَذَكَرَ وَصِيَّهُ ، وَذَكَرَ ابْنَتَهُ فاطِمَةَ وَذَكَرَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ .
وقد استبان للجائليق ورأس الجالوت أنّ الإمام (علیه السلام) عالم بالتوراة والإنجيل ، وأنه واقف على جميع ما جاء فيهما ، وفكّرا في التخلص من حجج الإمام ، فأبديا الشك في أنّ الذي بشّر به موسى ، والسيد المسيح هو النبي محمد (صلی الله علیه و آله) ، وطفقا قائلين : لقد بشّر به موسى وعيسى جميعاً ، ولكن لم يتقرّر عندنا أنه محمّد هذا ، فأما كون اسمه محمد ، فلا يجوز أن نقرّ لكم بنبوّته ، ونحن شاكّون أنه محمّدكم أو غيره .
وانبرى الإمام ففنّد شبهتهم قائلاً : احْتَجَجْتُمْ بِالشَّكَ ، فَهَلْ بَعَثَ اللهُ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ مِنْ وُلْدِ آدَمَ إِلى يَوْمِنا هذا نَبِيَّاً اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ تَجِدونَهُ في شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الَّتي أَنْزَلَها الله عَلَىٰ جَمِيعِ الْأَنْبِياءِ غَيْرَ مُحَمَّدٍ ؟
وأحجما عن الجواب، ولم يجدا شبهة يتمسكان بها ، وأصرا على العناد والجحود قائلين : لا يجوز لنا أن نقر لك بأن محمداً هو محمّدكم ، فإنّا إن أقررنا لك بمحمد ووصيه وابنته وابنيها على ما ذكرتم أدخلتمونا في الإسلام كرهاً .
وانبرى الإمام قائلاً: أنتَ يا جائليقُ آمِنْ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسولِهِ ، أَنَّهُ لَا يَبْدَوكَ مِنا شَيْءٌ تَكْرَهُهُ .
وسارع الجاثليق قائلاً: إذ قد آمنتني ، فإنّ هذا النبي الذي اسمه محمّد ،
وهذا الوصيّ الذي اسمه عليّ ، وهذه البنت التي اسمها فاطمة، وهذان السبطان اللذان اسمهما الحسن والحسين في التوراة والإنجيل والزبور .
وطفق الإمام قائلاً : هَلْ هذا صِدْقٌ وَعَدْلٌ ؟
وسكت الجائليق واعترف بالحقِّ ، والتفت الإمام إلى رأس الجالوت فقال له : اسْمَعْ يا رَأْسَ الْجالوتِ السَّفْرَ الْفُلَانِيَّ مِنْ زَبورِ داودَ .
قال رأس الجالوت : بارك الله فيك وفيمن ولدك ، هات ما عندك .
وأخذ الإمام يتلو عليه السفر الأوّل من الزبور حتى انتهى إلى ذكر محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين ، ووجّه الإمام له السؤال التالي : سَأَلْتُكَ يا رَأْسَ الْجالوت بِحَقِّ اللَّهِ هذا في زبور داودَ ؟
وانبرى الإمام قائلاً: بِحَقِّ الْعَشْرِ الآياتِ الَّتى أَنْزَلَها اللَّهُ عَلَىٰ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فِي التَّوْرَاةِ ، هَلْ تَجِدُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ وَعَلِيَّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فِي التَّوراةِ مَنْسوبينَ إِلَى الْعَدْلِ وَالْفَضْل ؟
ولم يسع رأس الجالوت إلا الإقرار والاعتراف بذلك ، وأخذ الإمام يتلو في سفر آخر من التوراة ، وقد بهر رأس الجالوت من اطلاع الإمام ومن فصاحته وبلاغته ، وتفسيره ما جاء في النبي وعلي وفاطمة والحسنين.
فقال رأس الجالوت : والله يابن محمد لولا الرئاسة التي حصلت لي على جميع اليهود لأمنت بأحمد ، واتبعت أمرك ، فوالله الذي أنزل التوراة على موسى ، والزبور على داود ، ما رأيت أقرأ للتوراة والإنجيل والزبور منك ، ولا رأيت أحسن تفسيراً وفصاحة لهذه الكتب منك .
وقد استغرقت مناظرة الإمام معهم وقتاً كثيراً حتّى صار وقت صلاة الظهر
فقام (علیه السلام) فصلى بالناس صلاة الظهر، وانصرف إلى شؤونه الخاصة ، وفي الغد عاد إلى مجلسه ، وقد جاءوا بجارية رومية لامتحان الإمام (علیه السلام) ، فكلّمها الإمام بلغتها والجائليق حاضر ، وكان عارفاً بلغتها ، فقال الإمام للجارية : أَيُّما أَحَبُّ إِلَيْكِ مُحَمَّدٌ أَمْ عيسى ؟
فقالت الجارية : كان فيما مضى عيسى أحبّ إليَّ ، لأني لم أكن أعرف محمّداً ،وبعد أن عرفت محمّداً ، فهو أحبّ إليَّ من عيسى .
والتفت لها الجائليق فقال لها : إذا كنت دخلت في دين محمد ، فهل تبغضين عيسى ؟
وأنكرت الجارية كلامه ، فقالت : معاذ الله ، بل أحبّ عيسى ، وأؤمن به، ولكنّ محمّداً أحبّ إليَّ .
والتفت الإمام إلى الجائليق فطلب منه أن يترجم للجماعة كلام الجارية ، فترجمه لهم ، وطلب الجائليق من الإمام أن يحاجج مسيحيّاً من السند له معرفة بالمسيحية ، وصاحب جدل ، فحاججه الإمام بلغته ، فآمن السندي بالإسلام ، وأقر للإمام (علیه السلام) بالإمامة ، وطلب (علیه السلام) من محمد بن الفضل أن يأخذه إلى الحمام ليغتسل ويطهر بدنه من درن الشرك ، فأخذه محمد إلى الحمام ، وكساه بثياب نظيفة ، وأمر الإمام بحمله إلى يثرب ليتلقى من علومه ، ثمّ ودّع الإمام أصحابه ومضى إلى المدينة المنورة(1).
وغادر الإمام (علیه السلام) يثرب متوجّهاً إلى الكوفة ، فلما انتهى إليها استقبل فيها استقبالاً حاشداً ، وقد نزل ضيفاً في دار حفص بن عمير اليشكري ، وقد احتف به العلماء والمتكلمون وهم يسألونه عن مختلف المسائل وهو يجيبهم عنها ، وقد عقد مؤتمراً
1) بحار الأنوار : 49: 253 - 254 ، بتصرف منا . الثاقب في المناقب : 192.
عاماً ضمّ بعض علماء النصارى واليهود ، وجرت بينه وبينهم مناظرات أدّت إلى انتصاره وعجزهم عن مجاراته ، والتفت الإمام (علیه السلام) إلى الحاضرين فقال لهم : يا مَعاشِرَ
االنَّاسِ ، أَلَيْسَ أَنْصَفُ النَّاسِ مَنْ حاجَ خَصْمَهُ بِمِلَّتِهِ وَبِكِتَابِهِ وَشَرِيعَتِهِ ؟
فقالوا جميعاً : نعم .
فقال (علیه السلام): اعْلَموا أَنَّهُ لَيْسَ بِإِمامِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله) إِلَّا مَنْ قامَ بِمَا قامَ بِهِ مُحَمَّدٌ(صلی الله علیه و آله) حينَ يَفْضِي لَهُ الْأَمْرُ ، وَلَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ إِلَّا مَنْ حاجَ الْأُمَمَ بِالْبَرَاهِينِ لِلْإِمَامَةِ .
و انبرى عالم يهودي فقال له : ما الدليل على الإمام ؟
فقال (علیه السلام): أَنْ يَكونَ عالِماً بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبورِ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ، فَيُحاجَّ أَهْلَ الثَّوْراةِ بِتَوْرائِهِمْ ، وَأَهْلَ الإنجيل بإنجيلِهِمْ ، وَأَهْلَ الْقُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ ، وَأَنْ يَكونَ عَالِماً بِجَميع اللغاتِ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ لِسانٌ وَاحِدٌ ، فَيُحاج كُلَّ قَوْمٍ بِلُغَتِهِمْ ، ثُمَّ يَكونُ مَعَ هذِهِ الْخِصالِ تَقِيّاً ، نَقِيّاً مِنْ كُلِّ دَنَسٍ ، طَاهِراً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، عَادِلاً ، مُنْصِفاً ، حَكِيماً ، رؤوفاً ، رَحيماً ، غَفُوراً ، عَطوفاً ، صادِقاً ، مُشْفِقاً، باراً ، أميناً ، مأموناً ...»(1).
وجرت بينه وبين بعض الحاضرين مناظرات أدّت إلى تمسّك الشيعة بالإمام (علیه السلام)، وزيادة إيمانهم بقدراته العلميّة الهائلة ، كما أدت إلى إفحام القوى المعارضة للإمام ، وعجزهم عن مجاراته .
وبهذا نطوي الحديث عن دور الإمام في ظلال أبيه وبعد وفاته .
1) الخرائج والجرائح : 1 : 350. بحار الأنوار : 49: 80 ، ونقلنا الحديث بتصرّف.
واتّسم عصر الإمام الرضا (علیه السلام) بشيوع المناظرات والاحتجاجات بين زعماء الأديان والمذاهب الإسلاميّة وغيرها، وقد احتدم الجدال بينهم في كثير من البحوث الكلامية، خصوصاً فيما يتعلق بأصول الدين، وقد حفلت الكتب الكلامية وغيرها بألوان من ذلك الصراع العقائدي مشفوعة بالأدلة التي أقامها المتكلمون على ما يذهبون إليه .
ومن بين المسائل التي عظم فيها النزاع ، واحتدم فيها الجدال بين الشيعة والسنة ( الإمامة ) ، فالشيعة تصرّ على أنّ الإمامة كالنبوّة غير خاضعة لاختيار الأمة وانتخابها ، وإنّما أمرها بيد الله تعالى ، فهو الذي يختار لها من يشاء من صلحاء عباده ممّن امتحن قلوبهم للإيمان كما يشترطون في الإمام أن يكون معصوماً عن الخطأ، وأن يكون أعلم الأمة وأدراها ، لا في شؤون الشريعة الإسلامية فحسب ، وإنما في جميع علوم الحياة ، وأنكر جمهور أهل السنّة ذلك جملة وتفصيلاً.
ومن الجدير بالذكر أنّ أروقة الملوك والوزراء في عصر الإمام قد عقدت فيها مجالس للمناظرة بين زعماء المذاهب الإسلامية ، فقد عقدت البرامكة مجالس ضمت المتكلمين من علماء السنّة ، فناظروا العالم الكبير هشام بن الحكم وحاججوه في أمر الإمامة ، فتغلب عليهم ببالغ الحجة وقوة البرهان ، ومما لا ريب فيه أن عقد البرامكة للخوض في هذه البحوث الحسّاسة لم تكن بواعثه علميّة فقط ، وإنّما كانت للاطلاع على ما تملكه الشيعة من الأدلة الحاسمة لإثبات
معتقداتها في الإمامة .
ولما جعل المأمون ولاية العهد للإمام الرضاء (علیه السلام) التي لم تكن عن إخلاص ولا عن إيمان ، بأنّ الإمام أحق وأولى بالخلافة منه ، وإنّما كانت لأسباب سياسية سوف نتحدث عنها في غضون هذا الكتاب، وقد أوعز إلى ولاته في جميع أنحاء العالم الإسلامي بإحضار كبار العلماء من المتمرسين في مختلف أنواع العلوم بالحضور إلى خراسان ليسألوا الإمام عن أعقد المسائل العلميّة ، ولما حضروا عنده عرض عليهم الأمر ، ووعد بالثراء العريض كلّ من يسأل الإمام (علیه السلام) سؤالاً يعجز عن إجابته ، والسبب في ذلك - فيما نحسب - يعود إلى ما يلي :
أوّلاً: إنّ المأمون أراد أن ينسف عقيدة الشيعة ويقضي على جميع معالمها فيما إذا عجز الإمام الرضا (علیه السلام)، فإنه يتخذ من ذلك وسيلة لنقض ما تذهب إليه الشيعة من أنّ الإمام أعلم أهل عصره، وأدراهم بجميع أنواع العلوم. ومن الطبيعي أن ذلك يؤدي إلى زعزعة كيان التشيّع ، وبطلان عقيدتهم في أئمة أهل البيت (علیهم السلام).
ثانياً : إنّ الإمام لو عجز عن أجوبة المسائل التي يقدّمها العلماء له ، فإن المأمون يكون في سعة من عزله عن ولاية العهد بعد أن استنفدت أغراضه السياسية منها ، فقد أظهر للناس في بداية الأمر أنّه إنّما رشح الإمام لهذا المنصب الخطير لأنه أعلم الأمّة ، ولكن لما ظهر له خلاف ذلك قام بعزله ، وفي نفس الوقت تقوم وسائل إعلامه بإذاعة ذلك ، والحطّ من شأن الإمام ، وفي ذلك استجابة لعواطف الأسرة العباسية التي غاظها ترشيح المأمون للإمام لولاية العهد ، فعمدت إلى عزله ومبايعة المغنّي إبراهيم ، كما سنتحدّث عن ذلك.
وعلى أي حال، فقد قام العلماء بالتفتيش عن أعقد المسائل وأكثرها صعوبة وعمقاً في جميع أنواع العلوم، وعرضوها على الإمام ، فأجاب عنها جواب العالم الخبير المتمرس فيها
ويقول الرواة : إنّه سئل عن أكثر من عشرين ألف مسألة في نوب متفرقة عاد فيها بلاط المأمون إلى مركز علمي، وخرجت الوفود العلميّة وهي مليئة بالإعجاب والإكبار بمواهب الإمام وعبقرياته، وأخذت تذيع على الناس ما يملكه الإمام من طاقات هائلة من العلم والفضل ، كما ذهب معظمهم إلى القول بإمامته ، مما اضطرّ المأمون إلى حجب الإمام عن العلماء خوفاً أن يفتتنوا به ، ولم يذكر الرواة إلا كوكبة يسيرة منها ، نعرض لها ولبعض ما أثر عنه في هذا الموضوع ، وفيما يلي ذلك :
وكان عمران الصابئ من كبار فلاسفة عصر الإمام (علیه السلام)، كما كان الزعيم الروحية لطائفة الصابئة ، وقد انتدبه المأمون لامتحان الإمام ، فاختار له أعمق المسائل الفلسفية وأكثرها تعقيداً وغموضاً ، وقد شرحها وعلّق عليها المحقق الشيخ محمد تقي الجعفري ، قال : « وقد اشتمل هذا الاحتجاج على أهم المسائل الإلهيّة وأغمضها، وهي على إطلاقها عويصات في الحكمة المتعالية ، قد أتعبت أفكار الباحثين الناظرين في ذلك الفنّ ، ولم يأت هؤلاء الأساطين بأجوبة كافية لتلك المسائل ، بل تعقبها أسئلة أخرى ربما تكون أغمض من نفس الأسئلة ، وقد وقعت تلك الغوامض موارد الأسئلة عمران في هذه الرواية ، وأجاب عنها الإمام علي بن موسى الرضا (علیه السلام) ثامن حجج الله على عباده ، وأمنائه في أرضه ، وما بينه الإمام في هذا الاحتجاج في معقل المحسوسات مناهج واضحة لم يطمسها غبار الحجب المادية التي تثيرها العقول المحدودة في معقل المحسوسات المظلمة ، هكذا ينكشف عند المتمسكين بأذيال أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومهبط الوحي ، حقائق ضلّت في سبيل الوصول إليها الأفكار الناقصة » .
ونعرض للنص الكامل من أسئلة الصابئ وجواب الإمام عنها حسبما ذكره الشيخ الصدوق في « عيون أخبار الرضا » مع مقتطفات من تعليقات الشيخ الجعفري عليها.
لقد قدّم الوفد الذي كان مع عمران جملة من المسائل ، وبعدما أجاب الإمام (علیه السلام) عن أسئلة الوفد الذي هو من كبار علماء النصارى واليهود والصابئة ، قال لهم :يا قَوْمِ ، إِنْ كَانَ فِيكُمْ أَحَدٌ يُخالِفُ الْإِسْلامَ ، وَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ ، فَلْيَسْأَلْ غَيْرَ مُحْتَشِمٍ.
فانبرى إليه عمران الصابئ ، وكان متطلعاً بصيراً في علم الكلام فخاطب الإمام بأدب وإكبار قائلاً: يا عالم الناس ، لولا أنّك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل ، فلقد دخلت الكوفة والبصرة والشام والجزيرة ولقيت المتكلمين ، فلم أقع على أحد يثبت لي واحداً -يعني أنّ الله تعالى واحد لا ثاني له - ليس غيره قائماً بوحدانيته ، أفتأذن لي أن أسالك.
عرض الصابئ إلى عمق مسألته ، وأنّه لم يهتد لحلّها علماء الكوفة والبصرة والشام والجزيرة ، ويطلب من الإمام (علیه السلام) حلها ، فقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً : إِنْ كانَ فِي الْجَمَاعَةِ عِمْرَانُ الصَّابِيُّ فَأَنْتَ هُوَ.
أنا هو .
سَلْ يا عِمْرانُ ، وَعَلَيْكَ بِالنَّصَفَةِ ، وَإِيَّاكَ وَالْخَطَلَ(1)وَالْجَوْرَ .
وأطرق الصابئ بوجهه إلى الأرض ، وقال بنبرات تقطر أدباً وإجلالاً للإمام : والله يا سيدي، ما أريد إلا أن تثبت لى شيئاً أتعلق به فلا أجوزه.
لقد أعرب الصابئ عن نواياه الحسنة ، وأنّه يريد الحقيقة ، والوصول إلى الواقع ،ولا صلة له بغير ذلك ، فقال (علیه السلام): سَلْ عَمّا بَدا لَكَ .
وكان المجلس مكتظاً بالعلماء والقادة ، وفي طليعتهم المأمون فانضم بعضهم إلى بعض ، وانقطعوا عن الكلام ليسمعوا أسئلة الصابئ وجواب الإمام عنها ، وتقدّم الصابئ بأسئلته :
1) الخطل : المنطق الفاسد.
أخبرني عن الكائن الأوّل ، وعمّا خلق .. أمّا المسؤول عنه في هذه الكلمات فهو الشيء الأوّل والمادة الأولى التي خلق الله تعالى الأشياء منها ، وليس المسؤول عنه وجود الله المبدع العظيم ، فإنّه من الأمور الواضحة التي لا يشكّ فيها من يملك وعيه وإرادته ، فإنّ جميع ما في الكون يدلّل على وجود خالقه ، فإنّه من المستحيل أن يوجد المعلول من دون علته ..ولنستمع إلى جواب الإمام (علیه السلام) عن هذه المسألة :
أَمَا الْواحِدُ فَلَمْ يَزَلْ واحِداً كائناً لَا شَيْءَ مَعَهُ ، بلا حدودٍ وَلَا أَعْراضِ ، وَلَا يَزالُ كَذلِكَ ، ثُمَّ خَلَقَ خَلْقاً مُبْتَدِعاً (1)مُخْتَلِفاً بِأَعْراضِ وَحُدودٍ مُخْتَلِفَةٍ ، لَا فِي شَيْءٍ أَقامَهُ ، وَلَا فِي شَيْءٍ حَدَّهُ ، وَلَا عَلى شَيْءٍ حَذاهُ ، وَمَثْلَهُ لَهُ ، فَجَعَلَ الْخَلْقَ مِنْ بَعْدِ ذلِك صَفْوَةً وَغَيْرَ صَفْوَةٍ ، وَاخْتِلافاً وَ ائتِلافاً ، وَأَلْواناً وَذَوْقاً وَطَعْماً ، لَا لِحَاجَةٍ كَانَتْ مِنْهُ إِلَى ذلِكَ ، وَلَا لِفَضْلِ مَنْزِلَةٍ لَمْ يَبْلُعَها إِلَّا بِهِ ، وَلَا رَأَى لِنَفْسِهِ فِيمَا خَلَقَ زِيادَةً وَلَا نُقصاناً.
وحكى هذا المقطع من جواب الإمام (علیه السلام) ما يلي :
أولاً : إن الله تعالى واحد لا شيء معه ، وهو مجرد من الحدود والأعراض التي هی من صفات الممكن ، فهو كائن واحد ، ما زال ولا يزال ، وليست وحدته عدديّة أو نوعيّة أو جنسيّة ، وإنّما بمعنى عدم ارتباطه بأي شيء مادي أو غير مادي ، فهو بمرتبة من الكمال لا يشابهة أي شيء من الممكنات التي نسبتها إليه نسبة الصانع إلى المصنوع ، فتبارك الله.
ثانياً : إنّ النظرة البدوية في الأشياء أنّ كل صورة لا بد لها من مادة تقوم وتحلّ بها ، ولكن هذا بالنسبة إلى غير الواجب تعالى ، أما هو فإنّه يخلق الأشياء لا من شيء كان ، ولا من شيء خلق ، وإنّما يقول للشيء كن فيكون ، فقد ابتدع خلق الأشياء لا على شيء حذاه ، ومثله له ، فهو القوة الكبرى المبدعة لخلق الأشياء لا لحاجة
1) في بعض النسخ : « مُبْتَدِءاً » .
منه إليها ، فهو المصدر الوحيد للفيض على جميع الكائنات.
والتفت الإمام (علیه السلام) إلى عمران فقال له : تَعْقِلُ هذا يا عِمْرانُ ؟
نعم، والله يا سيدي .
اعْلَمْ يا عِمْرانُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِحَاجَةٍ لَمْ يَخْلُقُ إِلَّا مَنْ يَسْتَعينُ بِهِ عَلى حاجَتِهِ ، وَلكانَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْلُقَ أَضْعافَ ما خَلَقَ لأَنَّ الْأَعْوَانَ كُلَّما كَثروا كانَ صَاحِبُهُمْ أقوى ، وَالْحَاجَةُ يا عِمْرانُ لَا يَسَعُها لأَنَّهُ كانَ لَمْ يُحْدِثُ مِنَ الْخَلْقِ شَيْئاً إِلَّا حَدَثَتْ فيهِ حاجَةٌ أُخْرى ، وَلِذلِكَ أَقولُ : لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ لِحَاجَةٍ ، وَلَكِن تَقِلُّ (1)بِالْخَلْقِ الْحَوَائِجِ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ ، وَفَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، بلا حاجَةٍ مِنْهُ إِلى مَنْ فَضَّلَ ، وَلَا نِقْمَةٍ مِنْهُ عَلَى مَنْ أَذَلَّ.
وهذا الكلام متمّم لما قبله من أن الله تعالى خلق الخلق في غنى عنهم ، فهم المحتاجون إلى فيضه ورحمته وعطائه ، فهو الجواد المطلق الذي بسط الرحمة والإحسان على جميع الموجودات والكائنات ، وكان من فضله أنه فضل بعض مخلوقاته على بعض بلا حاجة منه إلى من فضّل ، ولا نقمة منه على من أذلّ.
وهذا السؤال عميق للغاية، وتوضيحه - حسبما ذكره الشيخ الجعفري -: إن تحصّل شيء وتحقّقه في الانكشاف العلمي كواقع ذلك الشيء ينحلّ إلى هوية نفسه ، وطارديّته لغيره، وبذلك يكون محدوداً ، فإنّ الحجر ما لم يضف إلى هويّته عدم جميع أضداده لا يتحصّل تحصلاً علميّاً ، فإنّ النفس المعلومة ما لم يلاحظ طرد جميع ما سواها عنها لا تكون معلومة ومحصلة عند العالم ، وكأنّ هذا هو الموجب لسؤال عمران عن كونه تعالى معلوماً عند نفسه ، فحينئذ لو أجاب الإمام
1) في عيون أخبار الرضا (علیه السلام): «نَقِلٌّ».
بثبوته لاستشكل عمران هل كان تحصيل نفسه عند نفسه ملازماً لطرد غيره من المعقولات أم لا ؟
نَفْسِهِ بِتَحْدِيدِ مَا عَلِمَ مِنْها .
والتفت الإمام إلى عمران ، فقال له : أَنْهِمْتَ يَا عِمْرانُ ؟
وحاصل ما أجاب به الإمام (علیه السلام) أن ما ذكره الصابئ إنّما يصح فيما لو كان المعلوم مقارناً بعدة أشياء تخالفه ، فيلزم حينئذ نفي تلك الأشياء لتحصيل المعلوم ، إلا أنّ الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة ما لم يكن هناك شيء يقارنه فلاحاجة إلى نفيه ليقرر إرادته بذلك النفي.
أراد الصابئ بهذا السؤال إلزام الإمام بالقول بالتركيب في ذاته تعالى ، من جهة أنه ذو ضمير .
أراد الإمام أنّ ذلك الضمير لا بد أن يعرف حقيقته وماهيته ، وقد وجّه الإمام إليه السؤال التالي : فَما ذلِكَ الضَّميرُ ؟
فانقطع الصابئ عن الكلام ولم يستطع أن يقول شيئاً، فقد سدّ الإمام عليه كل نافذة يسلك فيها لإثبات ما يذهب إليه، والتفت الإمام إليه قائلاً: لَا بَأْسَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنِ الضَّمِيرِ نَفْسِهِ فَتَعْرِفُهُ بِضَمِيرِ آخَرَ ، فَإِنْ قُلْتَ : نَعَمْ ، أَفْسَدْتَ عَلَيْكَ قَوْلَكَ وَدَعْواك .
وأقام الإمام الحجّة الكاملة والبرهان القاطع على بطلان ما التزم به الصابئ من أنّه تعالى يعلم بواسطة الضمير ، وعلى هذا فلابد من ضمير آخر يقع به الإدراك لذاته تعالى ، وهذا الضمير الآخر يتوقف على ضمير غيره، وهكذا فيلزم التسلسل ، ما لا نهاية له ، وإن توقف الضمير الثاني على الضمير الأول فيلزم منه الدور والأمران ممّا أجمع على فسادهما لترتب الأمور الفاسدة عليها حسبما ذكره الفلاسفة والمنطقيون ، وتمّم الإمام (علیه السلام) حجّته وبرهانه بقوله : يا عِمْرانُ ، أَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْواحِدَ لَيْسَ يُوصَفُ بِضَمِيرٍ ، وَلَيْسَ يُقالُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِ وَعَمَلٍ وَصُنْعِ ، وَلَيْسَ يُتَوَهُمُ مِنْهُ مَذاهِبٌ وَتَجْزِنَةٌ كَمَذاهِبِ الْمَخْلُوقينَ وَتَجْزِنَتِهِمْ ، فَاعْقَلْ ذلِكَ وَابْن عَلَيْهِ ما عَلِمْتَ صَواباً .
أراد الإمام (علیه السلام) أن صدور الأفعال والأعمال المختلفة من الله تعالى ليست على غرار غيره من الممكنات التي تحتاج إلى العلل والأسباب كالعقل ، وغيره من سائر الجوارح الظاهرية ، فإنّه تعالى يستحيل عليه ذلك.
واستفسر عمران عن حدود المخلوقات التي تميّز بعضها عن بعض ، فأجابه (علیه السلام)- - قَدْ سَأَلْتَ فَاعْلَمْ أَنَّ حُدودَ خَلْقِهِ عَلَى سِتَّةِ أَنْوَاعِ : مَلْموس ، وَمَوْرُونٌ ، وَمَنْظُورٌ إِلَيْهِ ، وَما لَا ذَوْقَ لَهُ ، وَهُوَ الرّوحُ ، وَمِنْهَا مَنْظورٌ إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ لَهُ وَزْنٌ ، وَلَا لَمْسٌ ، وَلَا حِس ، وَلَا لَوْنٌ ، وَلَا ذَوْقٌ ، وَالتَّقْدِيرُ وَالأعْراضُ وَالصُّوَرُ وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ ، وَمِنْها الْعَمَلُ وَالْحَرَكاتُ الَّتى تَصْنَعُ الأَشياءَ وَتَعْمَلُها ، وَتُغَيِّرُها مِنْ حَالٍ إِلى حالٍ وَتَزيدُها وَتَنْقُصُها ، فَأَمَّا الْأَعْمَالُ وَالْحَرَكاتُ فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ لأَنَّهُ لَا وَقْتَ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ قَدَرِ مَا يُحْتاجُ إِلَيْهِ ، فَإِذا فَرِغَ مِنَ الشَّيْءِ انْطَلَقَ بِالْحَرَكَةِ وَبَقِيَ الأَثَرُ ، وَيَجْرِي مَجْرى الْكَلامِ الَّذي يَذْهَبُ وَيَبْقَى أَثَرُهُ .
وحفل جواب الإمام (علیه السلام) بذكر الخواص والصفات التي تتميز بها الأشياء ، سواء أكانت من الكائنات الحيّة أم من غيرها .
يا سيدي ، ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحداً لا شيء غيره، ولا شيء معه ، أليس قد تغيّر بخلقه الخلق .
ومعنى هذا السؤال أنّ الحقائق الطبيعية التي أوجدها الله تعالى أنها توجب تغيّر الخالق العظيم بتغييرها ، وهذا إنّما يلزم على القول باتّحادها معه تعالى ذاتاً ، وهذا مستحيل .
وحاصل جواب الإمام (علیه السلام) أن الخالق العظيم لما كان هو الصانع والموجد للأشياء ، وهو قديم فلا يلزم منه التغيير بتغيير الممكنات والكائنات .
يا سيدي ، فبأي شيء عرفناه ؟
بِغَيْرِهِ .
إن جميع ما في الكون مما يرى ومما لا يرى يدلّل على وجود الخالق العظيم ، عرفناه بمخلوقاته ، وآمنّا به بما نشاهده من بدائع صنعته ، وقد استبان بصورة واضحة لا غموض فيها في هذه العصور التي غزا الإنسان فيها الفضاء الخارجي ، فقد ظهر للبشرية عظيم صنعته تعالى بما أودعه في هذا الفضاء من الكواكب التي لا تحصى ولا تعد ، وكلها تسير بانتظام ودقّة ، ولو اختلفت في مسيرها لحظة لتصادمت ، وتلاشت ، ولم يبق لها أثر ، فسبحان الله المبدع الحكيم .
أي شيء غيره ؟
مَشيئَتُهُ وَاسْمُهُ وَصِفَتُهُ ، وَما أَشْبَهَ َذلِكَ ، وَكُلُّ ذلِكَ مُحْدَتْ مَخْلُوقٌ مُدَبَّرٌ .
لقد عرفنا الله تعالى بمشيئته واسمه وصفاته التي دلّت عليه سبحانه ، ففي دعاء الصباح : « يا مَنْ دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ» ، وكل ما في الكون من موجودات تستند إليه
استناد المصنوع إلى الصانع.
يا سيدي ، أي شيء هو ؟
هُوَنورٌ ، بِمَعْنى أَنَّهُ هادٍ خَلْقَهُ مِنْ أَهْلِ السَّماءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ ، وَلَيْسَ لَكَ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ تَوْحيدي إِيَّاهُ .
لقد أراد عمران بسؤاله معرفة حقيقة الله تعالى ، متوهّماً أنه تعالى كسائر الممكنات والموجودات ، ولما كان ذلك مستحيلاً؛ إذ كيف يحيط الإنسان الذي لا يعرف ذاته وما فيها من الأجهزة الدقيقة ، كيف يعرف حقيقة الخالق العظيم المصوّر والمبدع للأكوان ، وقد أجاب الإمام (علیه السلام) أنه يعرف بأوصافه الظاهرية من هدايته لخلقه ، وغير ذلك من الأدلّة الصريحة الواضحة التي تنادي بوجود خالقها العظيم .
يا سيدي ، أليس قد كان ساكتاً قبل الخلق لا ينطق ، ثم نطق ؟
و معنى جواب الإمام (علیه السلام) إن السكوت والنطق إنّما يعرضان موضوع قابل لهما ، توارد العدم والملكة ، وحيث إنّ نطق الله تعالى ليس على غرار ما يتصف به الناطقون من الممكنات ، فيصح عليه النطق ، كما يصح السكوت ، وقد ذهبت الشيعة إلى أنّ التكلّم من صفات الأفعال لا يقوم بذاته تعالى قوام الأوصاف الذاتية ، فإنّه تعالى هو الذي خلق النطق والكلام إذا أراده ، وقد مثل الإمام (علیه السلام) لذلك بالسراج ، فإنّه لا يقال له إنّه ساكت لا ينطق ، كما أنّ إسناد الإضافة إلى السراج ليس اختيارياً له .
هذه بعض الاحتمالات في تفسير كلام الإمام (علیه السلام).
يا سيدي، فإنّ الذي كان عندي أنّ الكائن قد تغيّر في فعله عن حاله بخلقه الخلق .
يا عِمْرانُ ، في قَوْلِكَ إِنَّ الْكَائِنَ يَتَغَيَّرُ فِي وَجْهِ مِنَ الْوجوهِ حَتَّى يُصِيبَ الذَاتَ مِنْهُ ما يُغَيْرُهُ ، هَلْ تَجِدُ النَّارُ تَغَيَّرَها تَغَيَّرَ نَفْسِها ، وَهَلْ تَجِدُ الْحَرارَةُ تَحْرِقُ نَفْسَها ؟ أوْ هَلْ رَأَيْتَ بَصِيراً قَطُّ رَأى بَصَرَهُ ؟
إنّ هذا السؤال من عمران قد تقدّم ، وقد أجابه الإمام (علیه السلام)، وقد زاده (علیه السلام)توضيحاً ، فقال له : إنّ الكائن لا يتغيّر بوجه من الوجوه ، فأفعال النفس - مثلاً - التي تصدر منها لا توجب زيادة فيها ولا نقصاناً ، وهناك مثال آخر وهو البصر ، فإنّ صدور الرؤية منه لا توجب زيادة فيه ولا نقصاناً.
ألا تخبرني يا سيدي أهو في الخلق أم الخلق فيه ؟
أَجَلٌ هُوَ - يا عِمْرَانُ عَنْ ذلِكَ ، لَيْسَ هُوَ فِي الْخَلْقِ ، وَلَا الْخَلْقُ فِيهِ تَعَالَى عَنْ ذلِكَ ، وَسَأعَلِّمُكَ ما تَعْرِفُهُ ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْمَرْأَةِ أَنْتَ فيها أَمْ هِيَ فيكَ ؟ فَإِنْ كانَ لَيْسَ واحِدٌ مِنْكما في صاحِبِهِ ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَدْلَلْتَ بِها عَلَى نَفْسِكَ يَا عِمْرَانُ ؟
لقد أحال الإمام (علیه السلام) الحلول الله تعالى في خلقه ، وحلولهم فيه ، ومثّل لذلك بالصورة التي تنعكس في المرآة ، فإنّها لا تحلّ فيها ، وكذلك المرأة لا تحلّ في الصورة ، وإنما النور هو الذي أوجب رؤية الصورة في المرآة ، وهو غير حال في شيء منهما . يقول ابن الفارض :
بِوَحْدتِهِ دامَتْ لَها كُلُّ كَثرَة
فَصَحُتْ وَقَدْ آنَتْ لَها كُلُّ عِلَّةٍ
قَدْ صارَ عَينُ الْكُلِّ فَرْداً لِذاتِهِ
وَإِن دَخَلَتْ أَفْرادُهُ تَحْتَ عِدَّةِ
نَظَرْتُ فَلَمْ أُبْصِرْ سِوى مَحْضِ وَحْدَةٍ
بِغَيْرِ شَريكَ قَدْ تَغَطَّتْ بِكَثْرَةِ
وهنا بحوث فلسفية عميقة أعرضنا عن ذكرها إيثاراً للايجاز .
بضوء بيني وبينها ؟
وهذا السؤال مرتبط بما قبله ، وقد أوضحناه .
هَلْ تَرَى مِنْ ذلِكَ الضَّوْءِ فِي الْمِرْاَةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَرَاهُ فِي عَيْنِكَ ؟
نعم .
فَأَرناهُ .
وسكت عمران ولم يدر ما يقول ، فقد سدّ الإمام عليه كل نافذة يسلك منها ، وواصل الإمام حديثه قائلاً : فَلَا أَرَى النّورَ إِلَّا وَقَدْ دَلكَ ، وَدَلَّ الْمِرْاَةَ عَلى أَنْفُسِكُما مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكونَ في واحِدٍ مِنْكُما ، وَلِهذا أَمْثَالٌ كَثيرَةٌ غَيْر هذا لَا يَجِدُ الْجاهِلُ فيها مقالاً ولله الْمَثَلُ الأعْلى.
وحضر وقت الصلاة ولم يجد الإمام بُداً من تأجيل المناظرة ، فالتفت إلى المأمون فقال له : الصَّلاةُ قَدْ حَضَرَتْ ، وخاف عمران من عدم استئناف الحوار بينه وبين الإمام ، فقال له : يا سيدي، لا تقطع على مسألتي ، فقد رقّ قلبي .
فوعده الإمام (علیه السلام) بالعودة إلى مناظرته ، ونهض الإمام فأدّى فريضة الصلاة .
وعادت الجلسة ، وقد حضرها المأمون وكبار العلماء والقادة ، والتفت الإمام (علیه السلام)
إلى عمران فقال له : سَلْ يا عِمْرانُ.
يا سيدي ، ألا تخبرني عن الله عزّ وجلّ، هل يوحّد بحقيقة أو يوحّد بوصف ؟
إِنَّ اللَّهَ الْمُبْدِئَ ، الْواحِدَ ، الْكائِنَ ، الْأَوَّلَ ، لَمْ يَزَلْ وَاحِداً لَا شَيْءَ مَعَهُ ، فَرْداً
لا ثانِيَ مَعَهُ ، لَا مَعْلوماً - يعني بحقيقته - وَلَا مَجهولاً ، وَلَا مُحْكَماً وَلَا مُتَشابهاً ،وَلَا مَذْكوراً وَلَا مَنْسِيّاً ، وَلَا شَيْئاً يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْياءِ غَيْرِهِ ، وَلَا مِنْ وَقْتٍ كانَ وَلَا إِلى وَقْتِ يَكونُ ، وَلَا بِشَيْءٍ قامَ وَلَا إِلَى شَيْءٍ يَقومُ ، وَلَا إِلَى شَيْءٍ اسْتَنَدَ وَلَا فِي شَيْءٍ اسْتَكَنَّ ، وَذلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ الْخَلْقِ(1)، إِذْ لَا شَيْءَ غَيْرَهُ ، وَمَا أَوْقَعْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُلِّ فَهِيَ صِفاتٌ مُحْدَثَةٌ ، وَتَرْجَمَةٌ يَفْهَمُ بِها مَنْ فَهِمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِبْداعَ وَالْمَشِيئَةَ وَالْإِرادَةَ مَعْناها واحِدٌ ، وَأَسْمَاؤُها ثَلَاثَةٌ ، وَكانَ أَوَّلُ إِبْداعِهِ وَمَشيئَتِهِ الْحُرُوفُ وَإِرَادَتِهِ الَّتِي جَعَلَهَا أَصْلاً لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَدَليلاً عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُدْرِك ، وَفاصلاً لِكُلِّ مُشْكِلٍ ، وَبِتِلْكَ الْحُروفِ تَفْرِيقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنِ اسْمِ حَقٌّ وَبَاطِلٍ فِعْلٍ أَوْ مَفْعُولٍ ، أَوْ مَعْنى أَوْ غَيْرِ مَعْنى ، وَعَلَيْهَا اجْتَمَعَتِ الْأُمورُ كُلُّهَا وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْحَرُوفِ في إِبْداعِهِ لَهَا مَعْنى غَيْرَ أَنْفُسِها ، تَتَناهى وَلَا وُجودَ لَهَا ؛ لأَنَّهَا مُبْدَعَةٌ بِالْإِبْداع.
وَالنّورُ في هَذَا الْمَوْضِع أَوَّلُ فِعْلِ اللهِ الَّذي هُوَ نورُ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ ، وَالْحُروفٌ هِيَ الْمَفْعُولُ بِذلِكَ الْفِعْلِ ، وَهِيَ الْحُرُوفُ الَّتي عَلَيْهَا مَدَارُ الْكَلامِ ، وَالْعِبَادَاتُ كُلُّهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَّمَها خَلْفَهُ ، وَهِيَ ثَلاثَةٌ وَثَلاثونَ حَرْفاً ، فَمِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلى لُغَاتِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلى لُغَاتِ السِّرْيانِيَّةِ وَالْعِبْرانِيَّةِ ، وَمِنْهَا خَمْسَةُ أَحْرُفٍ مُتَحَرِّفَةٌ في سَائِرِ العَاتِ مِنَ الْعَجَمِ وَالأَقاليم ، وَاللُّغات كُلِّهَا ، وَهِيَ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ تَحَرَّفَتْ مِنَ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ حَرْفاً مِنَ اللغاتِ فَصارَتِ الْحُروفُ ثَلاثَةٌ وَثَلاثِينَ حَرْفاً ، فَأَمَا الْخَمْسَةُ الْمُخْتَلِفَةُ ف«يتجحخ» لَا يَجوزُ ذِكْرُها أَكْثَرَ مِمَا ذَكَرْناهُ ، ثُمَّ جَعَلَ الْحُروفَ بَعْدَ إِحْصائِهَا وَإِحْكامِ عِدَّتِها ، فِعْلاً مِنْهُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: «كُنْ فَيَكُونُ»(2)، وَكُنْ مِنْهُ صُنْعَ ، وَمَا يَكُونُ بِهِ الْمَصْنوعُ.
فَالْخَلْقُ الْأَوَّلُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْإِبْداعُ لَا بِوَزْنٍ وَلَا حَرَكَةٍ وَلَا سَمْعَ وَلَا لَوْنٍ وَلَا حِسَّ.
وَالْخَلْقُ الثاني الْحُروفُ ، لَا وَزْنَ لَها وَلا لَوْنَ ، وَهِي مَسْموعَةٌ مَوْصوفَةٌ ، غَيْرُ مَنْظُورٍ إِلَيْهَا . وَالْخَلْقُ الثَّالِثُ ما كانَ مِنَ الأنواع كُلَّها مَحْسوساً ملموساً ، ذا ذَوْقٍ مَنْظوراً إِلَيْهِ ، وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعالى سابِقٌ لِلْإِبْداع لأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْءٌ ، وَلَا كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ سَابِقٌ وَالْإِبْداعُ لِلْحُروفِ ، وَالْحُروفُ لَا تَدُلُّ عَلَى غَيْرِ نَفْسِها .
وبهر المأمون ولم يفهم أكثر محتويات هذه الكلمات العميقة التي تحتاج إلى وقت طويل لبيانها ، وقال للإمام : كيف لا تدلّ - أي الحروف - على غير أنفسها ؟
فأجابه الإمام موضّحاً له الأمر قائلاً : إِنَّ اللهَ تَبارَكَ وَتَعَالَىٰ لَا يَجْمَعُ مِنْهَا شَيْئاً لِغَيْرِ مَعْنى أَبَداً ، فَإِذا أَلَّفَ مِنْها أَحْرُفاً أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةَ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ أَوْ أَقَلَّ ، لَمْ يُؤَلِّفْها بِغَيْرِ مَعْنى وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِمَعْنى مُحْدَثٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذلِكَ شَيْئاً .
كيف لنا بمعرفة ذلك ؟
أَمَا الْمَعْرِفَةُ فَوَجْهُ ذلِكَ وَبَيَانُهُ : إِنَّكَ تَذْكُرُ الْحُروفَ إِذا لَمْ تُرِدْ بِها غَيْرَ نَفْسِها ذَكَرْتَها فَرْداً قُلْتَ : أَ ب ت ث ج ح خ حَتَّى تَأْتِي عَلَىٰ آخِرِهَا ، فَلَمْ تَجِدْ لَهَا مَعْنى غَيْرَ أَنْفُسِها ، وَإِذا أَلَّفْتَها وَجَمَعْتَ مِنْها أَحْرُفاً وَجَعَلْتَهَا اسْماً وَصِفَةٌ لِمَعْنى ما طَلَبْتَ ، وَوَجْهِ ما عَنيتَ ، كَانَتْ دَليلَةٌ عَلى مَعانيها داعِيَةٌ إِلَى الْمَوْصوفِ بِهَا أَفَهِمْتَه ؟
نعم .
وواصل الإمام حديثه في بيان معاني الحروف عند تركيبها قائلاً: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَكونُ صِفَةٌ لِغَيْرِ مَوْصوفٍ ، وَلَا إِسْمٌ لِغَيْرِ مَعْنَى ، وَلَا حَدٌ لِغَيْرِ مَحدودٍ ، وَالصَّفاتُ وَالْأَسْمَاءُ كُلَّها تَدُلُّ عَلَى الْكَمالِ ، وَالْوجودِ وَلَا تَدُلُّ عَلَى الإحاطةِ ، كَما تَدُلُّ الحُدودُ
التي هي التَّرْبِيعُ وَالتَّعْليثُ وَالتَّسْديسُ ، لأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ تُدْرَكُ مَعْرِفَتُهُ بِالصِّفاتِ وَالْأَسْمَاءِ ، وَلَا تُدْرَكُ بِالتَّحْدِيدِ بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ ، وَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ، وَاللَّوْنِ وَالْوَزْنِ ، وَما أَشْبَهَ ذلِكَ ، وَلَيْسَ يَحِلُّ بِاللَّهِ ، وَتَقَدَّسَ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ حَتَّى يَعْرِفَهُ خَلْقُهُ بِمَعْرِفَتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِالضَّرُورَةِ الَّتِي ذَكَرْنا.
وَلكِنْ يُدَلُّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِصِفاتِهِ وَيُدْرَكُ بِأَسْمَائِهِ ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِخَلْقِهِ حَتَّى لَا يَحْتاجُ في ذلِكَ الطَّالِبُ الْمُرتادُ إِلى رُؤْيَةِ عَيْنِ ، وَلَا اسْتِماعِ أُذُنِ ، وَلَا لَمْسِ كَفَّ ، وَلَا إِحَاطَةٍ بِقَلْبٍ ، وَلَوْ كانَتْ صِفاتُهُ جَلَّ ثَناؤُهُ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَأَسْماؤُهُ لَا تَدْعو إِلَيْهِ ، وَالْمَعْلَمَةُ مِنَ الْخَلْق لَا تُدْركَهُ لِمَعْناهُ كانَتِ الْعِبادَةُ مِنَ الْخَلْقِ لَأَسْمَائِهِ وَصِفاتِهِ دونَ مَعْناهُ ، فَلَوْلا أَنَّ ذلِكَ كَذلِكَ لَكَانَ الْمَعْبُودُ الْمُوَحَّدُ غَيْرَ اللهِ لأَنَّ صِفاتِهِ وَأَسْماءَهُ غَيْرُه .. أَفَهَمْتَ يا عِمْرانُ ؟
وواصل الإمام حديثه الممتع ، وقد استولى الذهول على من حضر من العلماء والقادة قائلاً : إِيَّاكَ وَقَوْلَ الْجُهَالِ مِنْ أَهْلِ الْعَمَى وَالضَّلالِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللهَ جَلَّ وَتَقَدَّسَ مَوْجودٌ في الآخِرَةِ لِلْحِسابِ فى الثَّوابِ وَالْعِقابِ ، وَلَيْسَ بِمَوْجود في الدُّنْيا للطَّاعَةِ وَالرَّجاءِ ، وَلَوْ كانَ فى الوجودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَقْصُ وَاهْتِضَامٌ لَمْ يوجَدْ فِى الْآخِرَةِ أَبَداً ، وَلكِنَّ الْقَوْمَ تاهوا وَعَمُوا وَصَمُوا عَن الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ، وَذلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:«وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً»(1). يَعْني أَعْمَى عَنِ الْحَقائِقِ الْمَوْجودَةِ ، وَقَدْ عَلِمَ ذَوو الْأَلْبابِ أَنَّ الإِسْتِدْلَالَ عَلى ما هناك لا يكون إلا بما هاهنا ، وَمَنْ أَخَذَ عِلْمَ ذلِكَ بِرَأيهِ ، وَطَلَبَ وُجودَهُ وَإِدْراكَهُ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ
إِلَّا غَيْرِها لَمْ يَزْدَدْ مِنْ عِلْمٍ ذلِكَ إِلَّا بُعْداً ؛ لأنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ عِلْمَ ذلِكَ خاصَّةٌ عِنْدَ قَوْمٍ
1) الإسراء 17: 72.
يَعْقِلُونَ وَيَعْلَمُونَ وَيَفْهَمون.
أقول : علّق الشيخ الجعفري على هذه المسألة بقوله :«إنّ هذه المسألة أيضاً ممّا أعيى الأذهان والعقول البشريّة ؛ لأنّها التي أوجبت افتراق المسالك والفرق المختلفة ، فمنهم من قال باستحالة الإبداع مطلقاً أكان من الواجب أم من الممكن ، ومن قبيل المواد والصور أو العقول والنفوس وغيرها ، ومنهم من جوّزه مطلقاً، ومنهم من حصر إمكان الإبداع على الله تعالى على نحو العموم ، أي إنّه تعالى قادر على أن يبدع أي موجود شاء دون مادّة سابقة له ، وقع التغيّر عليه ، وقد قالوا : إنّه مقتضى قدرته المطلقة وقابلية الموضوع ، ومنهم من ذهب مذاهب أخرى »(1).
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ ما أَوْجَدَتْكَ الْحَوَاسُ فَهُوَ مَعْنى مُدْرِكَ لِلْحَواسِ ، وَكُلَّ حَاسَةٍ تَدُلُّ عَلَى ما جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهَا فِي إِدْراكِهَا ، وَالْفَهْمَ مِنَ الْقَلْبِ بِجَمِيعِ ذلِكَ كُلِّهِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْواحِدَ الَّذي هُوَ قائِمٌ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ وَلَا تَحْدِيدٍ خَلَقَ خَلْقاً مُقَدَّراً بِتَحْدِيدٍ وَتَقْدِيرٍ ، وَكانَ الَّذِي خَلَقَ خَلْقَيْنِ اثْنَيْنِ : التَّقْدِيرُ وَالْمُقَدَّرُ ، وَلَيْسَ فِي كُلِّ واحِدٍ مِنْهُما لَوْنٌ وَلَا وَزْنَ ، وَلَا ذَوْقٌ ، فَجَعَلَ أَحَدَهُما يُدْرَكُ بِالْآخَرِ ، وَجَعَلَهُما مُدْرِكِينَ بِنَفْسِهِما ، وَلَمْ يَخْلُقُ شَيْئاً فَرْداً قائِماً بِنَفْسِهِ دونَ غَيْرِهِ لِلَّذِي أَرادَ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَإِثْبَاتِ وجودِهِ ، فَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَرْدٌ واحِدٌ لَا ثانِيَ مَعَهُ يُقيمُهُ ، وَلَا يَعْضِدُهُ ، وَلَا يُكِنُّهُ ،
1) تحف العقول : 527 .
وَالْخَلْقُ يُمْسِكُ بَعْضُهُ بَعْضاً بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشيئَتِهِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ النّاسُ في هذا الْبَابِ حَتَّى تاهوا وَتَحَيَّروا وَطَلَبوا الْخَلاصَ مِنَ الظُّلْمَةِ بِالظُّلْمَةِ فِي وَصْفِهِمُ اللَّهَ تَعَالَى بِصِفَةِ أَنْفُسِهِمْ ، فَازْدادوا مِنَ الْحَقِّ بُعْداً ، وَلَوْ وَصَفوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِصِفاتِهِ ، وَوَصَفوا الْمَخْلُوقينَ بِصِفاتِهِمْ لَقالوا بِالْقَهم وَالْيَقِينِ ، وَلَما اختلفوا ، فَلَمّا طَلَبوا مِنْ ذلِك ما تَخَيَّرُوا فِيهِ ارْتَبَكوا ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقيم.
أشهد أنه كما وصفت ، ولكن بقيت لي مسألة.
سَلْ عَمَّا أَرَدْتَ .
أسألك عن الحكيم في أي شيء هو ؟ وهل يحيط به شيء ؟ وهل يتحول من شيء إلى شي ؟ أو به حاجة إلى شيء ؟
أَخْبِرُكَ يا عِمْرانُ فَاعْقَلْ ما سَأَلْتَ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ مِنْ أَغْمَضِ مَا يَرِدُ عَلَى الْخَلْقِ في مَسائِلِهِمْ ، وَلَيْسَ يَفْهَمُ الْمُتَفاوِتُ عَقْلُهُ، الْعازِبُ حِلْمُهُ ، وَلَا يَعْجَزُ عَنْ فَهْمِهِ أُولُو الْعَقْلِ الْمُنْصِفُونَ ، أَمَا أَوَّلُ ذلِكَ ، فَلَوْ كانَ خَلَقَ ما خَلَقَ لِحَاجَةٍ مِنْهُ لَجَازَ لِقائِلِ أَنْ يَقُولَ: يَتَحَوَّلُ إلى ما خَلَقَ لِحَاجَتِهِ إِلَى ذلِكَ ، وَلكِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقُ شَيْئاً لِحَاجَةٍ ، وَلَمْ يَزَلْ ثابتاً لا في شَيْءٍ ، وَلَا عَلى شَيْءٍ ، إِلَّا أَنَّ الْخَلْقَ يُمْسِكُ بَعْضُهُ بَعْضاً ، وَيَدْخُلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ ، وَاللهُ جَلَّ وَتَقَدَّسَ بِقُدْرَتِهِ يُمْسِكُ ذلِكَ كُلَّهُ ، وَلَيْسَ يَدْخُلُ في شَيْءٍ ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ ، وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُ ، وَلَا يَعْجَرُ عَنْ إِمْسَاكِهِ ، وَلَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ كَيْفَ ذلِكَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَنْ أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ رُسُلِهِ وَأَهْلِ سِرِّهِ ، وَالْمُسْتَحْفِظِينَ لأَمْرِهِ وَخُزَانِهِ الْقائِمينَ بِشَرِيعَتِهِ ، وَإِنَّمَا أَمْرُهُ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ، إِذا شَاءَ شَيْئاً فَإِنَّما يَقولُ لَهُ «كُنْ فَيَكُونُ» بِمَشيئَتِهِ وَإِرادَتِهِ ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ ، وَلَا شَيْءٌ أَبْعَدَ مِنْهُ مِنْ شَيْءٍ .. أَفَهِمْتَ يَا عِمْرَانُ ؟
نعم يا سيدي .
أقول : إنّ الإنسان مهما أوتي من علم فهو عاجز عن معرفة نفسه وما فيها من الأجهزة الدقيقة المذهلة ، فكيف ليعرف أو يحيط علماً بالخالق العظيم ، مبدع الأكوان ، وواهب الحياة . يقول ابن أبي الحديد :
فيك يا أعجوبة الكون غدا الفكرُ عَليلاً
كُلَّما قَدَّمتُ فِكْري شبراً فرَّ ميلا
أَنْتَ حَيَّرت ذوى اللُّبُ وَيَلْبَلْتَ الْعُقُولا
إن فكر الإنسان محدود ، فكيف يعرف حقيقة الله تعالى . نعم ، عرفناه وآمنا به بمخلوقاته ، فكل ذرّة في هذا الوجود تنادي بوجود الخالق العظيم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماء والأرض .
ولما رأى عمران الصابئ الطاقات الهائلة من العلم التي يتمتّع بها الإمام (علیه السلام) والتي منها أجوبته الحاسمة من أعمق المسائل الفلسفية التي لا يهتدي لحلها إلا أوصياء الأنبياء الذين منحهم الله العلم وفصل الخطاب ، أعلن عمران إسلامه وطفق يقول : أشهد أنّ الله تعالى على ما وصفت ووحّدت ، وأشهد أنّ محمداً (صلی الله علیه و آله) عبده المبعوث بالهدى ودين الحق .
ثمّ خرّ ساجداً الله تعالى وأسلم ، وبهر العلماء والمتكلمون من علوم الإمام ومواهبه وعبقرياته ، وراحوا يحدّثون الناس عن فضل الإمام وسعة علومه ، وانصرف المأمون وهو غارق بالألم ، وقد أترعت نفسه بالحقد والحسد للإمام .
وخاف عمّ الإمام محمّد بن جعفر عليه من المأمون ، وكان حاضراً في المجلس ،ورأى كيف تغلّب على عمران الصابئ الذي هو في طليعة فلاسفة العصر ، فاستدعى
الحسن بن محمد النوفلي ، وكان من أصحاب الإمام ، فقال له : يا نوفليّ ، أما رأيت ما جاء به صديقك - يعني الإمام - ؟ لا والله ما ظننت أن علي بن موسى الرضا خاض في شيء قطّ ولا عرفناه به ، إنّه كان يتكلم بالمدينة أو يجتمع إليه أصحاب الكلام ؟
وراح النوفلي يعرّفه بعلم الإمام وفضله قائلاً: قد كان الحاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم بحاجة.
وراح محمد يبدي مخاوفه من المأمون على ابن أخيه قائلاً: إنّي أخاف عليه أن يحسده هذا الرجل فيسمه أو يفعل به بليّة ، فأشر عليه بالإمساك عن هذه الأشياء .
وكان النوفلي يظنّ خيراً بالمأمون ، ولا يخاف منه على الإمام ، فقال لمحمد : ما أراد الرجل - يعني المأمون - إلا امتحانه ليعلم هل عنده شيء من علوم آبائه (علیهم السلام)؟
ولم يقنع محمّد بكلام النوفلي ، فقد كان يظن السوء بالمأمون ، وراح يقول له : قل له : إن عمّك قد كره هذا الباب ، وأحبّ أن تمسك هذه الأشياء لخصال شتّى.
وكان عمّ الإمام مصيباً في حدسه ، عالماً بما تكنه الأسرة العباسية من العداء والحقد لأهل البيت (علیهم السلام) ، وقد أثارت أسئلة الصابئ وإسلامه على يد الإمام أحقاد المأمون ، فأقدم على اغتيال الإمام ، كما سنوضح ذلك في غضون هذا الكتاب .
ونقل النوفلي كلمات محمد إلى الإمام (علیه السلام) فشكره على ذلك ، ودعا له بالخير.
وكسب الإمام (علیه السلام) في مناظراته إسلام عمران الذي هو في طليعة علماء عصره ،
فقد بعث خلفه ، فلما مثل عنده رحّب به وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم ،ودعا له بكسوة فخلعها عليه ، وأعطاه عشرة آلاف درهم ، ففرح عمران بذلك ، وأخذ يدعو للإمام ويشكره على ذلك قائلاً: جعلت فداك ، حكيت فعل جدّك أمير المؤمنين (علیه السلام).
وجعل عمران يتردّد على الإمام ويكتسب من فيض علومه ، وصار بعد ذلك -فيما يقوله المؤرّخون - داعية من دعاة الإسلام، وجعل المتكلمون من أصحاب المقالات والبدع يفدون عليه ، ويسألونه عن مهام المسائل وهو يجيبهم عنها حتّى اجتنبوه ، ووصله المأمون بعشرة آلاف درهم ، كما أعطاه الفضل بن سهل مالاً ، وولّاه الإمام على صدقات بلخ ، فأصاب الرغائب(1).
1) عيون أخبار الرضا (علیه السلام): 1 : 168 - 178 ، وذكر الطبرسي ما يقرب من ذلك في «الاحتجاج » ، والمجلسي في «بحار الأنوا»ر ، والحسن بن شعبة في «تحف العقول » .
أما سليمان المروزي ، فكان متضلّعاً بالفلسفة ، ومتمرّساً في البحوث الكلامية ، وكان يعدّ في طليعة علماء خراسان ، وقد انتدبه المأمون لامتحان الإمام الرضا (علیه السلام)، وقد قابله بحفاوة وتكريم ، وقال له : إنّ ابن عمّي عليّ بن موسى الرضا قدم عليَّ من الحجاز ، وهو يحبّ الكلام وأصحابه ، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته .
وخاف سليمان من ذلك ، فقد ظنّ أنّ الإمام سوف يعجز عن أجوبة مسائله ، فيحقد عليه العلويّون ، وراح يعتذر من المأمون قائلاً: إنّي أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة من بني هاشم ، فينتقص عند القوم إذا كلّمني ، ولا يجوز الانتقاص عليه.
وتعهد له المأمون ووعده أن لا يصيبه أي أذى أو مكروه قائلاً: إنّما وجّهت إليه المعرفتي بقوّتك ، وليس مرادي إلا أن تقطعه عن حجّة واحدة فقط .
وهذا الكلام يدلّل على سوء ما يضمره المأمون للإمام ، وما يكنّه له من الحقد والعداء ، واطمأنّ سليمان من أي اعتداء عليه ، وراح يقول للمأمون : حسبك يا أمير المؤمنين ، اجمع بيني وبينه وخلّني والذمّ .
ووجّه المأمون في الوقت رسوله إلى الإمام يطلب منه الحضور لمناظرة سليمان ، فأجابه الإمام إلى ذلك ، وحضر معه وفد من أعلام أصحابه ضمّ عمران الصابئ الذي أسلم على يده ، وجرى حديث بينه وبين سليمان حول البداء ، فأنكره سليمان ، وأثبته عمران ، وطلب سليمان رأي الإمام فيه فأقره ، واستدل عليه بآيات من الذكر الحكيم، والتفت المأمون إلى سليمان ، فقال له : سل أبا الحسن عما بدا لك ، وعليك بحسن الاستماع والانصاف ، ووجّه سليمان الأسئلة التالية للإمام (علیه السلام):
ما تقول فيمن جعل الإرادة اسماً وصفة مثل : حي ، وسميع وسميع ، ويصير ، وقدير ؟
إِنَّما قُلْتُمْ حَدَثَتِ الأَشْياءُ وَاخْتَلَفَتْ لأَنَّهُ شَاءَ وَأَرادَ ، وَلَمْ تَقُولُوا : حَدَثَتِ الْأَشْياءُ وَاخْتَلَفَتْ لأَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، فَهذا دَليلٌ عَلى أَنَّهُما - أي الإرادة والمشيئة - لَيْسَتا مِثْلَ سَمِيعٌ ، وَلَا بَصيرٌ ، وَلَا قَديرٌ .
وانبری سلیمان قائلاً: فإنّه لم يزل مريداً .
وردّ عليه الإمام : يا سُلَيْمَانُ ، فَإِرَادَتُهُ غَيْرُهُ ؟
وذهب سليمان إلى التعدّد مع أن الله تعالى متحد مع إرادته ، وأبطل الإمام شبهته قائلاً: قَدْ أَثْبَتْ مَعَهُ شَيْئاً غَيْرَهُ لَمْ يَزَلْ ؟
ما أثبت ؟
أَهِيَ - أي الإرادة - مُحَدَثَةٌ ؟
لا ما هي محدثة.
وضيّق الإمام على سليمان الخناق ، وراحت أقواله تتناقض ، فتارة يقول بقدم الإرادة ، وأخرى يقول بحدوثها ، فصاح به المأمون ، وطلب منه عدم المكابرة والإنصاف في حديثه قائلاً: عليك بالإنصاف ، أما ترى من حولك من أهل النظر ؟
والتفت المأمون إلى الإمام قائلاً : كلّمه يا أبا الحسن ، فإنه متكلّم خراسان .
وسأله الإمام قائلاً: أَهِيَ مُحْدَثَةٌ ؟
فأنكر سليمان حدوث الإرادة، فردّ عليه الإمام : يا سُلَيْمانُ مُحْدَثَةٌ ، فَإِنَّ الشَّيْءَ إِذا لَمْ يَكُنْ أَزَلِيّاً كانَ مُحْدَثاً ، وَإِذا لَمْ يَكُنْ مُحْدَثاً كانَ أَزَلِيّاً .
وانبرى سليمان قائلاً: إرادته - أي الله - منه ، كما أن سمعه وبصره وعلمه منه.
وأبطل الإمام عليه قوله قائلاً : فَأَرادَ نَفْسَهُ ؟
وأخذ الإمام يفنّذ مقالته قائلا له : لَيْسَ الْمُرِيدُ مِثْلَ السَّمِيعِ وَالْبَصيرِ.
وراح سليمان يتخبّط خبط عشواء ، فقد ضيّق الإمام عليه ، وسدّ كلّ نافذة يسلك منها ، قائلاً: إنّما أراد نفسه كما سمع نفسه ، وأبصر نفسه ، وعلم نفسه.
وانبرى الإمام فأبطل مقالته ، قائلا له : ما مَعْنى أَرادَ نَفْسَهُ ؟ أَرادَ أَنْ يَكونَ شَيْئاً ، وَأَرادَ أَنْ يَكونَ حَيّاً ، أَوْ سَميعاً ، أَوْ بَصيراً ، أَوْ قَديراً ؟
ولم يدر سليمان ماذا يقول ، فأجاب : نعم .
فقال له الإمام : أفبإرادَتِهِ كَانَ ذلِكَ ؟
وطفق الإمام يبطل مقالته ، ويبدي ما فيها من التناقض قائلاً : فَلَيْسَ لِقَوْلِكَ : أَرادَ أَنْ يَكونَ حَيّاً سَميعاً بصيراً مَعْنى ، إِذا لَمْ يَكُنْ ذلِكَ بِإِرادَتِهِ .
والتبس الأمر على سليمان ، وراح يقول : بلى قد كان ذلك بإرادته .
وعجّ المجلس بالضحك ، وضحك المأمون والرضا (علیه السلام) من تناقض كلام سليمان ، والتفت الإمام إلى الجماعة وطلب منهم الرفق بسليمان ، ثم قال له : يا سُلَيْمانُ ، فَقَدْ حالَ - أي الله تعالى - عِنْدَكُمْ عَنْ حالِهِ ، وَتَغَيَّرَ عَنْهَا ، وَهَذا ما لَا يُوصَفُ اللهُ بِهِ .
وبان العجز على سليمان وانقطع الكلام، والتفت الإمام إليه ليقيم عليه الحجّة قائلاً: يا سُلَيْمَانُ ، أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ ؟
سل جعلت فداك .
أَخْبِرْنِي عَنْكَ وَعَنْ أَصْحَابِكَ تُكَلِّمُونَ النَّاسَ بِما تَفْقَهُونَ وَتَعْرِفُونَ؟ أَوْ بِما لَا تَفْقَهُونَ وَلَا تَعْرِفُونَ ؟
وأخذ الإمام يقيم الحجّة والبرهان على خطأ ما ذهب إليه سيمان قائلاً: فَالَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ أَنَّ الْمُريدَ غَيْرُ الْإِرادَةِ ، وَأَنَّ الْمُريدَ قَبْلَ الْإِرادَةِ ، وَأَنَّ الْفَاعِلَ قَبْلَ الْمَفْعُولِ ، وهذا يبطل قولكم : إِنَّ الْإرادة والمريد شيء واحد .
وطفق سلیمان قائلاً: جعلت فداك ، ليس ذلك منه على ما يعرف الناس ، ولا على ما يفقهون ؟
واندفع الإمام يبطل ما ذهب إليه قائلاً : فَأَرَاكُمْ ادَّعَبْتُمْ عِلْمَ ذلِكَ بِلا مَعْرِفَةٍ ، وَقُلْتُمْ الْإِرَادَةُ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ إِذا كانَ ذلِكَ عِنْدَكُمْ عَلى ما لَا يُعْرَفُ وَلَا يُعْقَلُ .
وحار سليمان ولم يطق جواباً أمام هذه الطاقات الهائلة من العلم التي يملكها الإمام (علیه السلام) ، واستأنف الإمام حديثه ليتمّ عليه الحجّة قائلاً: يا سُلَيْمَانُ ، هَلْ يَعْلَمُ اللهُ جَميعَ ما في الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ؟
وأسرع سليمان قائلاً: نعم .
وانبرى الإمام قائلاً : أَفَيكونُ ما عَلِمَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَكونُ مِنْ ذلِكَ ؟
نعم .
فَإِذا كانَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ ، أَلَا كَانَ يَزيدُهُمْ أَوْ يَطُويهِ عَنْهُمْ ؟
فأجاب سلیمان : بل يزيدهم .
وأبطل الإمام قوله : فَأَراهُ في قَوْلِكَ قَدْ زادَهُمْ ما لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يَكونُ .
وطفق سليمان يقول : جعلت فداك ، فالمريد لا غاية له .
ومضى الإمام يفنّد شبه سليمان قائلاً : فَلَيْسَ يُحيطُ عِلْمُهُ عِنْدَكُمْ بِما يَكونُ فيهما إِذا لَمْ يَعْرِفْ غايَةَ ذلِكَ ، وَإِذا لَمْ يُحِطْ عِلْمُهُ بِما يَكونُ فيهِما لَمْ يَعْلَمْ ما يَكونُ فيهِما قَبْلَ أَنْ يَكونَ ، تَعالَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كَبيراً .
وراح سليمان يعتذر ويوجّه ما قاله . إنّما قلت : لا يعلمه ؛ لأنه لا غاية لهذا ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ وصفهما بالخلود ، وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعاً .
وراح الإمام (علیه السلام) يفنّد شبهه وأوصافه قائلاً: لَيْسَ عِلْمُهُ بِذلِكَ بِمَوجِبٍ لانْقِطَاعِهِ عَنْهُمْ ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ ذلِكَ ، ثُمَّ يُزيدُهُمْ ، ثُمَّ لَا يَقْطَعُهُ عَنْهُمْ ، وَكَذلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ : «كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ»(1).
وَقالَ لأَهْل الْجَنَّةِ : «عَطَاءٌ غَيْرَ مَجْذُوذٍ»(2).
وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ : «وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ»(3)، فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ يَعْلَمُ ذلِكَ وَلَا يَقْطَعُ عَنْهُمُ الزَّيَادَةَ. أَرَأَيْتَ ما أَكَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَما شَرِبوا يَخْلِفُ مَكَانَهُ؟
بلى .
أَفَيَكونُ يَقْطَعُ ذلِكَ عَنْهُمْ وَقَدْ أَخْلَفَ مَكَانَهُ ؟
لا .
ومضى الإمام (علیه السلام) يقرر ما ذهب إليه قائلاً : فَكِذلِكَ كُلَّما يَكونُ فِيهَا إِذا أَخْلَفَ مَكَانَهُ
فَلَيْسَ بِمَقْطُوعِ عَنْهُمْ .
وراح سليمان يتمسك بالشبه والأوهام ، ثمّ تزيله عنها هذه الحجج البالغة التي أقامها الإمام قائلاً : بلى يقطعه عنهم ولا يزيدهم .
وانبرى الإمام فأبطل ذلك بقوله : إذا يَبيدُ فيها ، وهذا يا سُلَيْمَانُ إِبْطالُ الْخُلُودِ ، وَخِلافُ الْكِتابِ ؛ لأنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «لَهُم مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزيدٌ»(4).
وَيَقولُ عَزَّ وَجَلَّ :«َطَاءٌ غَيْرَ مَجْذُوذٍ».
وَيَقولُ عَزَّ وَجَلَّ :«وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ»(1).
وَيَقولُ عَزَّ وَجَلَّ :«خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً»(2)
التغابن 64:9 . الطلاق 65 : 11 . الجن :72: 23. البينة :8:98.
.وَيَقولُ عَزَّ وَجَلَّ :«وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ».
ووجم سليمان ، وحار في الجواب ، وراح يسدّ عليه كلّ نافذة يسلك فيها لإثبات شبهه قائلا له : يا سُلَيْمَانُ ، أَلا تُخْبِرْنِي عَنِ الْإِرادَةِ أَفِعْلُ هِي أَمْ غَيْرُ فِعْلٍ ؟
وردّ الإمام عليه : فَهِيَ مُحْدَثَةٌ ؛ لأنَّ الْفِعْلَ كُلَّهُ مُحْدَث .
إنّ كلّ ممكن معلول ومصنوع وحادث ، أما واجب الوجود تعالى فهو عارٍ عن صفات الممكن ومستحيلة عليه .
ولم يستطع سليمان أن يقول شيئاً ، وراح يناقض نفسه فقال : ليست - أي الإرادة - بفعل .
وقد اعترف سليمان سابقاً بأنّها فعل ، والتفت إليه الإمام فقال : فَمَعَهُ - أي مع الله -غَيْرُهُ لَمْ يَزَلَ ؟
وراوغ سليمان ، ولم يجب الإمام عن سؤاله ، وقال : الإرادة هي الإنشاء .
فأجابه الإمام (علیه السلام): هذَا الَّذِي عِبْتُموهُ عَلَى ضِرار(3)وَأَصحابَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ كُلَّ ما خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سَمَاءٍ أَوْ أَرْضِ ، أَوْ بَحْرٍ أَوْ بَر ، مِنْ كَلْبِ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ فِرْدٍ أَوْ
إِنْسَانٍ أَوْ دَابَّةٍ ، إِرادَةُ اللهِ ، وَأَنَّ إِرادَةَ اللهِ تَحْيِي وَتَموتُ ، وَتَذْهَبُ وَتَأْكُلُ وَتَشْرَبُ ، وَتَنْكَحُ ، وَتَلذَّذُ ، وَتَظْلِمُ ، وَتَفْعَلُ الْفَوَاحِشَ ، وَتَكْفُرُ وَتُشْرِكُ ، فَيَبْرَأُ مِنْهَا ، وَيُعاديها ، وهذا حدها.
عرض الإمام (علیه السلام) إلى الآراء الفاسدة التي التزم بها ضرار والتي عابها على سليمان وأصحابه ، فإنّ هذه اللوازم الفاسدة كلّها ترد على سليمان ، إلا أنّه لم يع مقالة الإمام ، وراح يقول : إنّها - أي الإرادة - كالسمع والبصر والعلم .
لقد كرّر سليمان ما قاله سابقاً من أنّ الإرادة كالسمع والبصر ، وقد أبطل الإمام ذلك ، فقال (علیه السلام) : أَخْبِرْني عَنِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ أَمَصْنوع ؟
وانبرى الإمام يدلّه على تناقض كلامه قائلاً: كَيْفَ نَفَيْتموهُ ، قُلْتُمْ : لَمْ يُرِدْ ، وَمَرَّةً قُلْتُمْ : أَرادَ ، وَلَيْسَتْ - أي الإرادة - بِمَفْعول لَهُ ؟
وراح سليمان يتخبّط خبط عشواء ، فقال : إنما ذلك كقولنا مرّة علم ، ومرّة لم يعلم .
فأجابه الإمام ببالغ الحجة قائلاً : لَيْسَ ذلِكَ سَواءٌ لأَنَّ نَفْي الْمَعْلُومِ لَيْسَ بِنَفْيِ الْعِلْمِ ، وَنَفْيَ الْمُرَادِ نَفْيَ الْإِرادَةِ أَنْ تَكُونَ ؛ لأنَّ الشَّيْءَ إِذا لَمْ يُرِدْ لَمْ تَكُنْ إِرَادَةٌ ، فَقَدْ يَكونُ الْعِلْمُ ثابتاً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْلُومُ بِمَنْزِلَةِ الْبَصَرِ ، فَقَدْ يَكونُ الْإِنْسانُ بَصيراً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُبْصِرَ وَيَكونُ الْعِلْمُ ثابتاً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْلُومَ .
وأجاب سليمان : إنّها - أي الإرادة - مصنوعة.
وأبطل الإمام قول سليمان قائلاً : فَهِيَ مُحْدَثَةٌ ، لَيْسَتْ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ ؛ لأَنَّ السَّمْعَ
وَالْبَصَرَ لَيْسا بِمَصْنوعَيْنِ ، وَهَذِهِ مَصْنوعَةٌ .
فقال سليمان : إنّها صفة من صفاته لم تزل .
وردّ عليه الإمام قائلاً : فَيَنْبَغِي أَنْ يَكونَ الْإِنْسَانُ لَمْ يَزَلْ لأَنَّ صِفَتَهُ لَمْ تَزَل.
وأخذ سليمان يراوغ في كلامه قائلاً : لا ، لأنه لم يفعلها .
فأنكر الإمام عليه ذلك وقال : يا خُراسانِيُّ ، ما أَكْثَرَ غَلَطَكَ ، أَفَلَيْسَ بِإِرادَتِهِ وَقَوْلِهِ تكون الأشياء ؟
وأصرّ سليمان على خطئه قائلاً : لا .
فأجابه الإمام : إِذا لَمْ تَكُنْ بِإِرادَتِهِ وَلَا مَشِيَّتِهِ وَلَا أَمْرِهِ وَلَا بِالْمُباشَرَةِ ، فَكَيْفَ يَكونُ ذلِكَ ؟ تَعَالَى اللهُ عَنْ ذلِكَ .
وحار سليمان فلم يستطع أن يقول شيئاً ، وراح الإمام يفنّد شبه سليمان ، وما تمسك به من أوهام قائلاً له : أَلَا تُخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:«وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا»، يَعْني ذَلِكَ أَنَّهُ يُحْدِثُ إِرادَةً ؟
وسارع سليمان قائلاً : نعم .
فأجابه الإمام : فَإِذا أَحْدَثَ إِرادَةً كَانَ قَوْلُكَ : إِنَّ الْإِرادَةَ هِيَ هُوَ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ باطِلاً ؛لأَنَّهُ لَا يَكونُ أَنْ يُحْدِثَ نَفْسَهُ ، وَلَا يَتَغَيَّرُ عَنْ حالِهِ ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذلِكَ .
وانبری سلیمان قائلاً: إنّه لم يكن عنى بذلك أنه يحدث إرادة .
فَما عَنى بِهِ؟
عنى فعل الشيء .
فزجره الإمام قائلاً : وَيْلَكَ كَمْ تُرَدِّدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ، وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ الْإِرادَةَ مُحْدَثَةٌ؛لأَنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ مُحْدَثٌ .
وراح سليمان يتمسك بالشبه قائلاً إنّما عنيت أنّها - أي الإرادة - فعل من الله تعالى لم يزل .
وردّ عليه الإمام قائلاً : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ما لَمْ يَزَلْ لَا يَكونُ مَفْعُولاً وَقَدِيماً وَحَديثاً في حالة واحِدَةٍ .
وحار سليمان في الجواب، فقد أبطل الإمام جميع شبهه ، وأوضح له أنّ كلّ ممكن حادث وليس أزليّاً ، وإرادة الله تعالى ليست على غرار صفات الممكن.
وراح الإمام يقيم عليه الحجّة قائلاً: لَا بَأْسَ أَتْمِمْ مَسْأَلَتَكَ .
وأنكر الإمام عليه تكراره لهذه المسألة قائلاً: كَمْ تُرَدِّدُ عَلَيَّ أَنَّهَا صِفَةٌ مِنْ صِفاتِهِ ، فَصِفَتُهُ مُحْدَثَةٌ أَوْ لَمْ تَزَلْ ؟
محدثة .
اللهُ أَكْبَرُ ، فَالْإِرادَةُ مُحْدَثَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ صِفَةٌ مِنْ صِفاتِهِ لَمْ تَزَلْ فَلَمْ يُرِدْ شَيْئاً ، إِنَّ ما لَمْ يَزَلْ لَا يَكونُ مَفْعولاً .
وراح سليمان يغالط نفسه قائلاً : ليس الأشياء إرادة ، ولم يرد شيئاً .
ورد الإمام عليه قائلاً: وَسْوَسْتَ يا سُلَيْمَانُ ، فَقَدْ فَعَلَ وَخَلَقَ مَا لَمْ يَزَلْ خَلَقَهُ وَفَعَلَهُ ، وَهَذِهِ صِفَةٌ مَنْ لَا يَدْرِي مَا فَعَلَ ؟ تَعَالَىٰ عَنْ ذلِكَ.
وغالط سليمان فقال : يا سيدي ، فقد أخبرتك أنّها كالسمع والبصر والعلم .
وصاح به المأمون قائلاً: ويلك يا سليمان كم هذا الغلط والتردّد ؟ اقطع هذا ،وخذ في غيره ؛ إذ لست تقوى على غير هذا الردّ .
والتفت الإمام إلى المأمون قائلاً: دَعْهُ يا أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَا تَقْطَعْ عَلَيْهِ مَسْأَلَتَهُ ، فَيَجْعَلَها حُجَّةً .
ونظر الإمام إلى سليمان قائلاً : تَكَلَّمْ يَا سُلَيْمَانُ .
ومضى سليمان قائلاً : قد أخبرتك أنّها - أي الإرادة - كالسمع والبصر والعلم .
فردّ عليه الإمام : لَا بَأْسَ ، أَخْبِرْنِي عَنْ مَعْنى هَذِهِ ، أَمَعْنَى وَاحِدٌ أَمْ مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٌ ؟
معنى واحد.
فَمَعْنَى الْإِرادَاتُ كُلُّهَا مَعْنى وَاحِدٌ ؟
نعم .
وردّ عليه الإمام ببالغ الحجّة قائلاً : فَإِذا كانَ مَعْناها واحِداً كَانَتْ إِرادَةُ الْقِيامِ إِرادَةُ الْقُعودِ وَإِرَادَةُ الْحَياةِ إِرادَةُ الْمَوْتِ ، إِذا كانَتْ إِرادَتُهُ واحِدَةً لَمْ تَتَقَدَّمُ بَعْضُهَا بَعْضاً ، وَلَمْ يُخالِفُ بَعْضُها بَعْضاً ، وَكانَتْ شَيْئاً واحداً ؟
وأجاب سليمان قائلاً: إن معناها مختلف.
وأشكل الإمام عليه قائلاً : أَخْبِرْنِي عَنِ الْمُرِيدِ أَهْوَ الْإِرادَةُ أَمْ غَيْرُها ؟
فأجابه الإمام : الْمُريدُ عِنْدَكُمْ مُخْتَلِفٌ إذا كانَ هُوَ الْإِرادَةَ .
وأشكل الإمام عليه قائلاً : فَالْإِرادَةُ مُحْدَثَةٌ ، وَإِلَّا فَمَعَهُ غَيْرُهُ .
إنها اسم من أسمائه.
هَلْ سَمّى نَفْسَهُ بِذلِكَ ؟
لا ، لم يسم نفسه بذلك ؟
فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُسَمِّيهِ بِما لَمْ يُسَمَّ بِهِ نَفْسَهُ.
وراوغ سليمان ، فقال : قد وصف نفسه بأنّه مرید .
وقال الإمام : لَيْسَ صِفَتُهُ نَفْسَهُ ، إِنَّهُ مُرِيدٌ إِخْبَارٌ عَنْ أَنَّهُ إِرادَةٌ وَلَا إِخْبَارٌ عَنْ أَنَّ الْإِرادَةَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ.
وأجابه الإمام : إِذا عَلِمَ الشَّيْءَ فَقَدْ أَرادَهُ.
وانبرى الإمام يوضّح فساد ما ذهب إليه سليمان قائلاً: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ ذلِكَ؟ وَما الدَّليلُ عَلَى أَنَّ إِرادَتَهُ عِمْلُهُ ؟ وَقَدْ يَعْلَمُ ما لَا يُريدُهُ أَبَداً ، وَذلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ»(1)، فَهُوَ يَعْلَمُ كَيْفَ يُذْهَبِ بِه، وَهُوَ لَا يُذْهِبُ بِهِ أَبَداً.
قال سليمان : لأنه قد فرغ من الأمر فليس يزيد فيه شيئاً .
وردّ الإمام عليه قائلاً: هذا قَوْلُ الْيَهُودِ ، فَكَيْفَ قَالَ تَعَالَى:«ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ»(2)إِنَّما أَعْنِي بِذلِكَ أَنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ.
قال : أفيعد ما لا يفي به ، فكيف ؟
قال : «يَزيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ»(3)، وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ :«يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ»(4)وَقَدْ فَرَغَ مِنَ الْأَمْرِ .
وحار سليمان ، فقد سدّ الإمام عليه كلّ نافذة ، فأين ما اتجه فالإمام يواجهه ببالغ الحجّة ، وقوّة البرهان في إبطال ما يذهب إليه . ومضى الإمام (علیه السلام) في إبطال شبه
سليمان قائلاً: يا سُلَيْمانُ ، هَلْ يَعْلَمُ أَنَّ إِنسَاناً يَكونُ وَلَا يُريدُ أَنْ يَخْلُقَ إِنسَاناً أَبَداً ، وَأَنَّ
إِنْسَاناً يَموتُ الْيَوْمَ وَلَا يُريدُ أَنْ يَموتَ الْيَوْم ؟
وسارع سليمان قائلاً: نعم.
وسارع الإمام راداً عليه هذا التناقض في كلامه قائلاً : فَيَعْلَمُ أَنَّهُ يَكونُ ما يُريدُ أَنْ يَكونَ ، أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكونُ ما لا يُريدُ أَنْ يَكونَ ؟
وانبرى سليمان قائلاً: يعلم أنهما يكونان جميعاً .
وأجابه الإمام بما يترتّب على قوله من التناقض قائلاً : إِذا يَعْلَمُ أَنَّ إِنْسَاناً حَيٌّ مَيَّتٌ، قائِمٌ فاعِدٌ ، أَعْمَى بَصيرٌ ، في حالةٍ واحِدَةٍ ، وهذا هُوَ الْمَحال .
وراح سليمان يكثر من التناقض في كلامه الذي ألزمه به الإمام قائلاً : أَفَتَعْلَمُ أَنْتَ ذاکَ؟
نعم .
فَأَنْتَ يا سُلَيْمَانُ إِذا أَعْلَمُ مِنْهُ ؟
وراح سليمان يقول : المسألة محال .
فردّ الإمام عليه قائلاً: محالٌ عِنْدَكَ ، إِنَّهُ واحِدٌ ، لَا شَيْءَ مَعَهُ ، وَأَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ،حكيم قادِرٌ .
وأجابه الإمام بمنطق العلم والحكمة قائلاً: كَيْفَ أَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ وَاحِدٌ ، حَيٌّ ، سَمِيعٌ ، بَصيرٌ ، حَكيمٌ ، قادِرٌ ، عَليمٌ ، خَبِيرٌ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ذلِكَ ، وَهَذا رَدُّ ما قال وَتَكْذِيبُهُ ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذلِكَ .
وأضاف الإمام قائلاً: كَيْفَ يُريدُ صُنْعَ ما لَا يَدْرى صُنْعَهُ ، وَلَا مَا هُوَ ؟ وَإِذا كانَ الصَّانِعُ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ الشَّيْءَ قَبْلَ أَنْ يَصْنَعَهُ فَإِنَّما هُوَ مُتَحَيَّرٌ ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذلِك عُلُوّاً كَبِيراً .
وراح سليمان يتخبّط فقال : فإنّ الإرادة القدرة .
فرد الإمام عليه بقوله : وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْدِرُ عَلى ما لا يُريدُهُ أَبَداً ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذلِكَ ؛ لأَنَّهُ قالَ تَبارَكَ وَتَعالى: «وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ»، فَلَوْ كَانَتِ الْإِرادَةُ هِيَ الْقُدْرَةُ كَانَ قَدْ أَرادَ أَنْ يُذْهِبَ بِهِ لِقُدْرَتِهِ .
وبان العجز على سليمان ، ووقف حائراً أمام هذا البحر المتلاطم من العلم والفضل ، فانقطع عن الكلام ، والتفت إليه المأمون مشيداً بمواهب الإمام وعبقرياته :قائلاً: یا سلیمان ، هذا أعلم هاشمي .
واحتوت هذه المناظرة على بحوث فلسفيّة بالغة الأهمية دلّت على مدى ما يحمله الإمام الرضا (علیه السلام) من طاقات علميّة هائلة أثبتت صدق وواقعية ما تذهب إليه الشيعة الإمامية من أنّ الإمام لا بد أن يكون أعلم أهل عصره ، وبذلك فقد باءت بالفشل محاولة المأمون الذي أراد تعجيز الإمام ولو بمسألة واحدة ليتخذ منها وسيلة للطعن في معتقدات الشيعة بالإمام .
وقد علّق الشيخ الصدوق نضّر الله مثواه على هذه المناظرة بقوله : «كان المأمون يجلب على الرضا من متكلّمي الفرق والأهواء المضلّة كل من سمع به حرصاً على انقطاعه عن الحجّة مع واحد منهم ، وذلك حسداً منه له ، ولمنزلته من العلم ، فكان لا يكلّمه أحد إلا أقرّ له بالفضل ، وألزم الحجّة له عليه ؛ لأنّ الله تعالى ذكره يأبى إلا أن يُعلي كلمته ، ويتم نوره ، وينصر حجّته ، وهكذا وعد تبارك وتعالى في كتابه فقال : «إِنَّا لَتَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا»(1)، يعنى بالذين آمنوا الأئمة الهداة ، وأتباعهم العارفين بهم ، والآخذين عنهم بنصرهم بالحجة على مخالفيهم ما داموا في الدنيا ، وكذلك يفعل بهم في الآخرة ، وأن الله عزّوجل لا يخلف الميعاد»(2).
وتصدّى الإمام الرضا (علیه السلام) لتزييف الشبه وإبطالها ، التي أثيرت حول العقيدة الإسلامية ، وقد قصد أبو قرّة خراسان الامتحان الامام (علیه السلام)، وطلب من صفوان بن يحيى وهو من خواص الإمام أن يستأذن منه للدخول عليه ، فأذن الإمام له ، فلما تشرّف بالمثول أمامه سأله عن أشياء من الحلال والحرام ، والفرائض والأحكام ، فأجابه عنها ، ثمّ سأله عن بعض قضايا التوحيد ، وهي :
أخبرني جعلني اللهُ فداك عن كلام الله لموسى ؟
اللهُ أَعْلَمُ بِأَي لِسَانٍ كَلَّمَهُ بِالسِّرْيانِيَّةِ أَمِ الْعَبْرانِيَّةِ.
وأخرج أبو قرّة لسانه ، وقال : إنّما أسألك عن هذا اللسان ، ومعنى ذلك أنه هل کلمه بلسان كلسان الإنسان ؟
فردّ الإمام عليه ذلك بقوله : سُبْحانَ اللهِ عَمَّا تَقولُ وَمَعاذ الله أنْ يُشبه خَلْقَهُ أوْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ ما هُمْ مُتَكَلَّمونَ ، وَلكِنَّهُ تَبارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَلَا كَمِثْلِهِ قَائِلٌ وَلَا فاعِلٌ .
وانبرى أبو قرّة قائلاً : كيف ذلك ؟
فقال (علیه السلام) : كَلامُ الْخالِقِ لِمَخْلُوقِ لَيْسَ كَكَلامِ الْمَخْلُوقِ لِمَخْلُوقِ ، وَلَا يَلْفِظُ بِشَقٌ فَم وَلِسانٍ ، وَلكِنْ يَقولُ : «كُنْ» ، فَكانَ بِمَشِيَّتِهِ ما خَاطَبَ بِهِ مُوسَى مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْي مِنْ
غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِي نَفَسٍ.
إن كلام الله تعالى ليس بواسطة الجارحة كما في كلام الإنسان ، فإنّه تعالى يستحيل عليه ذلك ، إذ ليس كمثله شيء ولا قائل .
ما تقول في الكتب ؟
التَّوراةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرقانُ ،وَكُلُّ كِتَابٍ أُنْزِلَ كَانَ كَلَامَ اللَّهِ ، أَنْزَلَهُ لِلْعَالَمِينَ نُوراً وَهُدى ، وَهِيَ كُلُّها مُحْدَثَةٌ ، وَهِيَ غَيْرُ اللهِ حَيْثُ يَقولُ : «أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذكْراً»(1).
قالَ : «مَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرِ مِن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ»(2)، وَاللهُ أَحْدَثَ الْكُتُبَ كُلَّهَا الَّتِي أَنْزَلَها.
هل تفنى - أي الكتب - ؟
أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ ما سِوَى اللهِ فَانٍ ، وَما سِوَى اللهِ فِعْلُ اللهِ ، وَالتَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرقانُ فِعْلُ اللهِ ، أَلَمْ تَسْمَعِ النَّاسُ يَقولونَ: رَبُّ الْقُرْآنِ ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ يَقولُ يَوْمَ الْقِيامَةِ : «يا رَبِّ هذا فُلانٌ - وَهِيَ أَعْرَفُ بِهِ مِنْهُ - قَدْ أَطْمَأْتُ نَهَارَهُ ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَهُ ، فَشَفَعْنِي فِيهِ ، وَكَذلِكَ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزّبورُ وَهِيَ كُلُّها مُحْدَثَةٌ ، مَرْبوبَةٌ ، أَحْدَثَهَا مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، هُدَى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُنَّ لَمْ يَزَلْنَ مَعَهُ فَقَدْ أَظْهَرَ أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَوَّلِ قَديمٍ ، وَلَا وَاحِدٌ ، وَأَنَّ الْكَلامَ لَمْ يَزَلَ مَعَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ بُدْرٌ ، وَلَيْسَ بِإِله .
إنا روبنا أن الكتب كلها تجيء يوم القيامة والناس في صعيد واحد ، قيام لربّ العالمين ، ينظرون حتى ترجع فيه لأنها منه ، وهي جزء منه ، فإليه تصير .
هكذا قالَتِ النَّصارى في الْمَسيحَ أَنَّهُ روحُهُ ، جُزْءٌ مِنْهُ ، وَيَرْجِعُ فيهِ ، وَكَذلِكَ قالَتِ الْمَجوس فى النَّارِ وَالشَّمْسِ أَنَّهُما جُزْءٌ مِنْهُ ، تَرْجِعُ فِيهِ . تَعَالَى رَبُّنَا أَنْ يَكونَ
مُتَجَزْناً أَوْ مُخْتَلِفاً ، وَإِنَّما يَخْتَلِفُ وَيَأْتَلِفُ الْمُتَجَنِّي لأَنَّ كُلَّ مُتَجَنِّي مُتَوَهَم وَالْكَثْرَةُ وَالْقِلَّةُ مَخْلُوقَةٌ دالةٌ عَلى خالِقٍ خَلَفَها .
إنا روينا أنّ الله قسّم الرؤية والكلام بين نبيّين، فقسّم لموسى الكلام ولمحمد (صلی الله علیه و آله) الرؤية ؟
فَمَنِ الْمُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ الثَّقَلَينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، إِنَّهُ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ، وَلَا يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، أَلَيْسَ مُحَمَّدٌ (صلی الله علیه و آله)؟
بلی
وأوضح الإمام (علیه السلام) له الأمر ، وكشف ما التبس عليه قائلاً: كَيْفَ يَجِيءُ رَجُلٌ إِلَى الْخَلْقِ جَمِيعاً فَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَأَنَّهُ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ بِأَمْرِ اللهِ ، وَيَقولُ : إِنَّهُ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبصارُ وَلَا يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، ثُمَّ يَقولُ أَنَا رَأَيْتُهُ بِعَيْني ، وَأَحَطتُ بِهِ عِلْماً ، وَهُوَ عَلى صورَةِ الْبَشَرِ ، أَما تَسْتَحْيونَ ؟ ما قَدَرَتِ الزَّنادِقَةُ أَنْ نَرْمِيَهُ بِهذا ؟ أَنْ يَكُونَ أَتَى عَنِ اللَّهِ بِأَمْرٍ ثُمَّ يَأْتِي بِخِلافِهِ مِنْ وَجْهِ آخَرِ
إنه يقول :«وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى»(1).
إِنَّ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَة ما يَدُلُّ عَلى ما رَأَى حَيْثُ قالَ :«مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى»(2)يَقولُ : ما كَذَبَ فُؤادُ مُحَمَّدِ (صلی الله علیه و آله) ما رَأَتْ عَيْناهُ ، فَقالَ : «لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى»(3)، فَآيَاتُ اللهِ غَيْرُ اللَّهِ ، وَقالَ : «وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً»(4)، فَإِذا رَأَتْهُ الْأَبْصَارُ فَقَدْ أَحاطَ بِهِ الْعِلْمُ ، وَوَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ .
فنكذّب بالرواية ؟
إذا كانَتْ الرّوايَةُ مُخالِفَةٌ لِلْقُرْآنِ كَذَّبْتُها ، وَما أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ - أى الله تعالى - لَا يُحاطُ بِهِ عِلْماً ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ .
لقد وضع الإمام (علیه السلام) لصفة الخبر وزيفه مقياساً ، وهو أنّ الخبر إن اتفق مع القرآن
الكريم فهو صحيح ، وإلا فهو باطل .
ما معنى قوله تعالى :«سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»(1)؟
لَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَسْرَى بِهِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ - أَي الله - أَنَّهُ لِمَ أُسْرِيَ بِهِ - أي أخبر الله عن العلة في هذا الإسراء - فَقالَ :«لِنُرِيَهُ مِن آيَاتِنَا» ، فَآيَاتُ اللهِ غَيْرُ اللهِ ، فَقَدْ أَعْذَرَ وَبَيْنَ لِمَ فَعَلَ بِهِ ذلِكَ ، وَما رآه .
وَقالَ :«فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ»(2).
أين الله ؟
الْأَيْنُ مَكانٌ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ شاهِدٍ عَنْ عَائِبٍ ، فَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِغَائِبِ ، وَلَا يَقْدِمُهُ قادِمٌ ، وَهُوَ بِكُلِّ مَكانٍ ، مَوْجودٌ ، مُدَبِّرٌ ، صانع ، حافظ ، مُمْسِكُ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ.
أليس هو فوق السماء دون ما سواها ؟
«وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ»(3).
«وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلهُ»(1).
«هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ»(2).
«وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ»(3).
وَهُوَ الَّذِي اسْتَوى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخانٌ(4).
وَهُوَ الَّذِي اسْتَوى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَاهُنَّ سَبْعَ سَماوَاتٍ(5).
وَهُوَ الَّذِي اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ(6).
قَدْ كانَ وَلَا خَلق ، وَهُوَ كَما كَانَ إِذْ لَا خَلْقَ ، لَمْ يَنْتَقِلْ مَعَ الْمُنْتَقِلِينَ.
فما بالكم إذا دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء ؟
إِنَّ اللهَ اسْتَعْبَدَ خَلْقَهُ بِضُروبٍ مِنَ الْعِبادَةِ ، وَلِلَّهِ مَفَازِعٌ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ ، وَمُسْتَعْبِدٌ فَاسْتَعْبَدَ عِبادَهُ بِالْقَوْلِ وَالْعِلْمِ ، وَالْعَمَلِ وَالتَّوَجُهِ ، وَنَحْوَ ذلِكَ اسْتَعْبَدَهُمْ بِتَوْجِيهِ الصَّلاةِ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَوَجَّهَ إِلَيْهَا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، وَاسْتَعْبَدَ خَلْقَهُ عِنْدَ الدُّعاءِ وَالطَّلَبِ ، وَالتَّضَرُّع بِبَسْطِ الأيدي وَرَفْعِهَا إِلَى السَّمَاءِ حالِ الْإِسْتِكانَةِ ، وَعَلَامَةِ الْعُبودِيَّةِ وَالتَّذَلُّلِ لَهُ .
من أقرب إلى الله الملائكة أو أهل الأرض ؟
إِنْ كُنْتَ تَقولُ بِالشَّبْرِ وَالذُّراعِ ، فَإِنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا بَابٌ واحِدٌ هِيَ فِعْلُهُ لَا يُشْغَلُ بِبَعْضِها عَنْ بَعْضٍ ، يُدَبِّرُ أَعْلَى الْخَلْقِ مِنْ حَيْثُ يُدَبِّرُ أَسْفَلَهُ ، وَيُدَبِّرُ أَوَّلَهُ مِنْ حَيْثُ يُدَبِّرُ
1) الزخرف 43: 84.
2) آل عمران 3: 6.
3) الحديد 4:57.
4) إشارة إلى قوله تعالى :«ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ» فصّلت 11:41 .
5) إشارة إلى قوله تعالى :«ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ» البقرة 2: 29 .
6) إشارة إلى قوله تعالى :«ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ» الأعراف 7: 54 .
آخِرَهُ مِنْ غَيْرِ عَناءٍ ، وَلَا كُلْفَةٍ ، وَلَا مَؤُونَةٍ ، وَلَا مُشاوَرَةٍ ، وَلَا نَصْبٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تَقولُ مَنْ أَقْرَبُ إِلَيْهِ فِي الْوَسيلَةِ ، فَأَطْوَعُهُمْ لَهُ ، وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّ أَقْرَبَ مَا يَكونُ الْعَبْدُ إِلَى اللهِ وَهُوَ ساجِدٌ ، وَرَوَيْتُمْ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَمْلاكِ الْتَقَوا أَحَدُهُمْ مِنْ أَعْلَى الْخَلْقِ ، وَأَحَدُهُمْ مِنْ أَسْفَل الْخَلْقِ ، وَأَحَدُهُمْ مِنْ شَرْقِ الْخَلْقِ ، وَأَحَدُهُمْ مِنْ غَرْبِ الْخَلْقِ ، فَسَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَكُلُّهُمْ قالَ : مِنْ عِنْدِ اللهِ ، أَرْسَلَني بِكَذا وكذا ، فَفي هذا دَليلٌ عَلَى أَنَّ ذلِكَ فِي الْمَنْزِلَةِ دونَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ .
أتقرّ أن الله محمول ؟
كُلُّ مَحْمولٍ مَفْعولٌ ، وَمُضافٌ إِلى غَيْرِهِ مُحْتاجُ ، فَالْمَحْمُولُ اسْمٌ نَقَصَ في اللَّفْظِ ، وَالْحامِلُ فاعِلٌ ، وَهُوَ فِي اللَّفْظِ مَمْدوحٌ ، وَكَذلِكَ قَوْلُ الْقائِلِ فَوْقَ ، وَتَحْتَ . وَأَعْلى ، وَأَسْفَلَ ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: «وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بهَا»(1)، وَلَمْ يَقُلْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ أَنَّهُ مَحْمولٌ ، بَلْ هُوَ الْحامِلُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَالْمُمْسِك لِلسَّمواتِ وَالْأَرْضِ ، وَالْمَحْمُولُ ما سِوَى اللَّهِ ، وَلَمْ نَسْمَعْ أَحَداً آمَنَ باللهِ وَعَظْمَهُ قَطُّ قالَ في دُعائِهِ : يا مَحْمولُ .
أفنكذب بالرواية أنّ الله إذا غضب يعرف غضبه الملائكة الذين يحملون العرش ، يجدون ثقله في كواهلهم فيخرّون سجّداً ، فإذا ذهب الغضب خفّ فرجعوا إلى مواقفهم .
أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُنْذُ لَعَنَ إِبْلِيسَ إِلى يَوْمِكَ هذا ، وَإِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، فَهُوَ غَضْبَانٌ عَلى إبْلِيسَ وَأَوْلِيَائِهِ أَوْ عَنْهُمْ رَاضِ ؟
وأيد أبو قرّة كلام الإمام قالاً : نعم هو غضبان عليه .
1) الأعراف 7: 180.
وانبرى الإمام قائلاً: وَيْحَكَ كَيْفَ تَجْتَرى أَنْ تَصِفَ رَبَّكَ بِالتَّغَيرِ مِنْ حَالٍ إِلى حالٍ ، وَأَنَّهُ يَجْري عَلَيْهِ ما يَجْرِي عَلَى الْمَخْلُوقينَ ؟ سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ مَعَ الزَّائِلِينَ ، وَلَمْ يَتَغَيَّرُ مَعَ الْمُتَغَيِّرِينَ(1).
واستولى الذهول على أبي قرّة ، وحار في الجواب، وانهزم من المجلس وهو مندحر ، قد أترعت نفسه بالغيظ والحقد على الإمام .
1) التوحيد / الصدوق : 441 - 454 . الاحتجاج : 2 : 178 - 189 .
ومن بين الاجراءات التي اتخذها المأمون لامتحان الإمام لعلّه يظفر بتعجيزه أنّه أوعز إلى وزيره الفضل بن سهل أن يجمع له الأعلام المتكلمين من أصحاب المقالات والأديان ، مثل :الجائليق ، ورأس الجالوت ، والهربذ الأكبر(1)، وأصحاب زردهشت(2)، ونسطاس الرومي(3)، وسائر المتكلمين ، فجمعهم الفضل في بلاط المأمون ، ثمّ أدخلهم عليه ، فقابلهم بمزيد من الحفاوة والتكريم ، وعرض عليهم ما يرومه قائلاً: إنّما جمعتكم لخير ، وأحببت أن تناظروا ابن عمّي المدني القادم علَيَّ ، فإذا كان بكرة فاغدوا عليَّ ولا يتخلّف منكم أحد .
فأجابوه بالسمع والطاعة ، والامتثال لأمره ، وأمر المأمون ياسر الخادم أن يدعو الإمام لمناظرة علماء الأديان في اليوم الثامن ، فخفّ ياسر إلى الإمام وأبلغه مقالة المأمون ، فأجابه إلى ذلك والتفت الإمام إلى الحسن بن محمد النوفلي ، فقال له : يا نوفلي ، أنت عراقي ، ورقّة العراقي غير غليظة ، فما عندك في جمع ابن عمي علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات ؟
وعرف النوفلي غاية المأمون ، فقال للإمام : جعلت فداك ، يريد الامتحان ، يحبّ أن يعرف ما عندك ، ولقد بنى على أساس غير وثيق البنيان ، وبئس والله ما بني .
وسارع الإمام قائلاً: وما بناؤه في هذا الباب ؟
وعرض النوفلي على الإمام ما يحذّره ويخافه عليه منهم قائلاً: إن أصحاب الكلام والبدع خلاف العلماء؛ وذلك أنّ العالم لا ينكر غير المنكر ، وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة . إن احتججت عليهم بأنّ الله واحد قالوا : صحّح وحدانيته ، وإن قلت : إن محمداً (صلی الله علیه و آله) رسول ، قالوا : أثبّت رسالته ، ثمّ يباهتون الرجل - وهو مبطل عليهم بحجّته - ويغالطونه حتى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك .
لقد أعرب النوفلي عن مخاوفه من هؤلاء الذين يحاججهم الإمام لأنهم لا يبغون الوصول إلى الواقع ، والتعرّف على الحقِّ ، وهم دوماً يعتمدون على المغالطات للوصول إلى أهدافهم الرخيصة .
وأزال الإمام المخاوف من نفس النوفلي قائلاً: أَتَخافُ أَنْ يَقْطَعُوا عَلَيَّ حُجَّتي ؟ إنّهم أمام بحر من العلم ، وطاقات هائلة من الفضل ، فكيف يقطعون على الإمام حجّته ، وسارع النوفلي فقال : لا والله ما خفت عليك قطّ ، وإنّي لأرجو أن يظفرك الله بهم ، إن شاء الله.
وانبرى الإمام قائلاً: يا نَوْفَلِيُّ ، أَتُحِبُّ أَنْ تَعْلَمَ مَتى يَنْدَمُ الْمَأْمونُ ؟
نعم .
إذا سمع احتجاجي عَلى أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْراتِهِمْ ، وَعَلَى أَهْلِ الْإِنجيل بإنجيلهم ، سَمِعَ بِإِنْجِيلِهِمْ وَعَلَى أَهْل الزبور بزبورِهِمْ ، وعَلى الصّابِئِينَ بِعَبْرانِيَّتِهِمْ ، وَعَلى أَهْلِ الهَرابِذَةِ بِفارِسِيَّتِهِمْ ، وَعَلى أَهْلِ الرُّومِ بِرُومِيَّتِهِمْ ، وَعَلى أَهْلِ الْمَقالاتِ بِلُغَاتِهِمْ ، فَإِذا قَطَعْتُ كُلَّ صِنْفٍ ، وَدَحَضْتُ حُجَّتَهُ ، وَتَرَكَ مَقالَتَهُ ، وَرَجَعَ إِلى قَوْلى ، عَلِمَ الْمَأمونُ أَنَّ الَّذِي هُوَ بِسَبيلِهِ لَيْسَ بِمُسْتَحِقُّ لَهُ ، فَعِنْدَ ذلِكَ تَكونُ النَّدامَةُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
لقد كشف الإمام (علیه السلام) بهذه الكلمات عمّا يملكه من ثروات علمية لا تحدّ ،
وأنه باستطاعته أن يناظر جميع أهل الأديان والمذاهب ، ويفنّد أوهامهم ، ويوضّح لهم الحق ، وإذا استبان ذلك للمأمون فإنّه يندم على هذه الإجراءات ، ويظهر له على غير صواب.
ولما انقضى النهار وأقبل اليوم الثاني خفّ الفضل بن سهل مسرعاً إلى الإمام (علیه السلام). فقال له : جعلت فداك ، إنّ ابن عمّك - يعني المأمون - ينتظر ، وقد اجتمع القوم ، فما رأيك في إتيانه ؟
فأجابه الإمام أنّه مستعدّ للحضور ، وأنه قادم على المأمون ، وخرج الإمام وهو بهيبة تعنو لها الجباه ، فكان يلهج بذكر الله ودخل على المأمون ، وكان المجلس مكتظاً بالطالبيّين والهاشميين ، وقادة الجيش والعلماء ، من مسلمين وغيرهم ، وقام المأمون وجميع من في المجلس تكريماً للإمام ، وجلس الإمام والناس وقوف احتراماً له ، فأمرهم المأمون بالجلوس، وبعدما استقر المجلس بالإمام التفت المأمون إلى الجاثليق فقال له : يا جاثليق ، هذا ابن عمّي عليّ بن موسى بن جعفر ، وهو من ولد فاطمة بنت نبينا (صلی الله علیه و آله)، وابن علي بن أبي طالب (علیه السلام)، فأحب أن تكلّمه وتحاجّه وتنصفه .
وانبرى الجائليق قائلاً : يا أمير المؤمنين ، كيف أحاجّ رجلاً يحتج عليَّ بكتاب أنا منكره ، ونبي لا أؤمن به ؟
لقد حسب الجائليق أنّ الإمام (علیه السلام) يستدل على ما يذهب إليه بآيات من القرآن الكريم ، أو بكلمات من الرسول (صلی الله علیه و آله)، وهو لا يؤمن بذلك ، وإنما يبغي دليلاً وبرهاناً من كتبهم ، وردّ الإمام عليه مقالته : باتَصْرانِيُّ ، فَإِنِ احْتَجَجْتُ عَلَيْكَ بِإِنْجِيلِكَ أَتَفِرُّ بِهِ ؟
وسارع الجائليق قائلاً: هل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل . نعم ، والله أقرّ به .
سَلْ عَمَّا بَدا لَكَ ، وَاسْمَعِ الْجَوابَ .
ما تقول في نبوّة عيسى وكتابه ، هل تنكر منهما شيئاً ؟
أنا مُقِرٌ بِنُبُوَّةِ عِيسَى وَكِتَابِهِ ، وَمَا بَشَّرَ بِهِ أُمَّتَهُ ، وَأَقَرَّتْ بِهِ الْحَوَارِيَونَ ، وَكَافِرٌ بِنُبُوَّةِ
عيسى لَمْ يُقِرَّ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ وَ كِتَابِهِ ، وَلَمْ يُبَشِّرْ بِهِ أُمَّتَهُ.
وسارع الجائليق قائلاً: أليس إنّما تقطع الأحكام بشاهدي عدل ؟
بلی.
فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوّة محمد ممن لا تنكره النصرانية ،وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملّتنا .
وصدق الإمام مقالته ، فقد جاء بالنصف قائلاً: الآنَ جِئْتَ بِالنَّصَفَةِ . يا نَصْراني ، أَلَا تَقْبَلْ مِنّي الْعَدْلَ ، وَالْمُقَدَّمَ عِنْدَ الْمَسِيحِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ؟
ومن هذا العدل سمّه لي ؟
ما تَقولُ في يُوحَنَا الدَّيْلَمِيَّ ؟
وسارع الجائليق قائلاً : بخ ، بخ ، ذكرت أحب الناس إلى المسيح .
وانبرى سليل النبوة قائلاً: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ هَلْ نَطَقَ الْإِنْجِيلُ أَنَّ يُوحَنَا َقالَ: إِنَّمَا الْمَسِيحَ أَخْبَرَنِي بِدينِ مُحَمَّدٍ الْعَرَبِيِّ ، وَبَشَّرَني بِهِ ، أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَعْدِي ، فَبَشِّرْتُ بِهِ الْحَوَارِيِّينَ ، فَآمَنوا بِهِ .
ولم يسع الجائليق إنكار ذلك إلا أنه قال : إنّ يوحنّا لم يسمّه لنا حتى نعرفه .
وردّ عليه الإمام : فَإِنْ جِئْنَاكَ بِمَنْ يَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ فَتَلا عَلَيْكَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَأُمَّتَهُ ، أَتُؤْمِنُ بِهِ ؟
قال بصوت خافت : أمر سديد .
والتفت الإمام (علیه السلام) إلى نسطاس الرومي ، فقال له : كَيْفَ حِفْظُكَ لِلسِّفْرِ الثَّالِثِ
مِنَ الْإِنْجِيلِ؟
وخاطب الإمام الجائليق فقال له : أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ ؟
خُذْ عَلَى السِّفْرِ الثَّالِثِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ذِكْرُ مُحَمَّدِ (صلی الله علیه و آله) وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَأُمَّتِهِ فَاشْهَدُوا لِي ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذِكْرُهُ فَلَا تَشْهَدوا لي .
وتلا الإمام عليه السفر الثالث حتى إذا بلغ ذكر النبي (صلی الله علیه و آله) التفت إلى الجائليق فقال له : إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ أَتَعْلَمُ أَنِّي عَالِمٌ بِالْإِنْجِيلِ ؟
ثم قرأ ما في السفر الثالث من ذكر النبي وأهل بيته وأمته ، وأضاف قائلاً: وما تَقولُ ؟ هذا قَوْلُ عِيسَى بْن مَرْيَمَ (علیه السلام)، فَإِنْ كَذَّبْتَ مَا نَطَقَ بِهِ الْإِنْجِيلُ فَقَدْ كَذَّبْتَ مُوسى وعيسى (علیهما السلام)، وَ مَتى أَنْكَرْتَ هَذَا الذِّكْرَ وَجَبَ عَلَيْكَ الْقَتْلُ لأَنَّكَ تَكونُ قَدْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ وَنَبِيِّكَ وَكِتابِكَ .
وراح الجائليق يقول : لا أنكر ما قد بان لي من الإنجيل ، وإنّي لمقرّبه .
والتفت الإمام (علیه السلام) إلى الحاضرين، فطلب منهم الشهادة على إقراره ، ثمّ قال له :
یا جائليقُ ، سَلْ عَمّا بَدا لَكَ .
وسارع الجائليق سائلاً:
أخبرني عن حواري عيسى بن مريم كم كان عدّتهم ، وعن علماء الإنجيل كم كانوا ؟
وأضاف الإمام قائلاً: وَاللَّهِ إِنَّا لَنُؤْمِنُ بِعِيسَى الَّذِي آمَنَ بِمُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله و سلم) ، وَمَا نَنْقِمُ عَلَى عِيسَى شَيْئاً إِلَّا ضَعْفَهُ ، وَقِلَّةَ صيامِهِ وَصَلاتِهِ
وحينما سمع الجائليق الكلمات الأخيرة من هذا ، فصاح : أفسدت والله علمك ، وضعف أمرك ، وما كنت ظننت إلا أنك أعلم أهل الإسلام .
وقابله الإمام بهدوء فقال له : وكَيْفَ ذلِكَ ؟
وفقد الجاثليق صوابه ، وراح يقول : من قولك إن عيسى كان ضعيفاً ، قليل الصوم والصلاة ، وما أفطر عيسى يوماً قط ، وما نام بليل قطّ ، وما زال صائم الدهر ، قائم الليل .
وانبرى الإمام ينسف العقيدة المسيحيّة الزاعمة بأن المسيح إلنه يُعبد من دون الله ، فقال (علیه السلام): لِمَنْ كانَ يَصومُ - أي المسيح - وَيُصَلِّي ؟
فانقطع الجائليق عن الجواب ، ولم يدرِ ما يقول ، والتفت الإمام إليه قائلاً: إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ ؟
ووجّه إليه الإمام سؤاله : ما أَنْكَرْتَ أَنَّ عِيسى (علیه السلام) كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ؟ وأجاب الجائليق : أنكرت ذلك من قبل ، إن من أحيى الموتى ، وأبرأ الأكمه والأبرص فهو ربّ مستحق لأن يُعبد .
وردّ الإمام عليه مقالته : فَإِنَّ الْبَسَعَ قَدْ صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعَ عِيسَى (علیه السلام)، مَشَى عَلَى الْمَاءِ ، وَأَحْيَى الْمَوْتى ، وَأَبْرَأَ الأَكْمَهَ وَالْأَبْرَضَ ، فَلِمَ لا تَتَّخِذُهُ أُمَّتُهُ رَبِّاً ، وَلَمْ يَعْبُدُهُ أَحَدٌ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَلَقَدْ صَنَعَ حِزْقِيلُ النَّبِيُّ (علیه السلام) مِثْلَ ما صَنَعَ عِيْسِ بْنُ مَرْيَمَ ، فَأَحْيِي خَمْسَةٌ وَثَلاثِينَ
أَلْفَ رَجُلٍ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ بِسِتِّينَ سَنَةٍ .
يا رَأْسَ الْجالوتِ ، أَتَجِدُ هَؤُلاءِ فِي شَبابِ بَني إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ اخْتارَهُمْ ( بخت نَصْرُ) مِنْ سَبْى بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ غَزا بَيْتَ الْمَقْدِسِ ثُمَّ انْصَرَفَ بِهِمْ إِلَى بابِكَ ، فَأَرْسَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ فَأَحْيَاهُمْ . هذا في التَّوْراةِ لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا كافِرٌ مُنْكِرٌ .
وبُهر الجاثليق بمعلومات الإمام عنهم ، وقال : قد سمعنا به وعرفناه .
والتفت الإمام إلى يهوديّ كان في المجلس ، فأمره أن يقرأ إحدى فصول التوراة ، فأخذ في قراءتها ، وكان فيه ذكر لبعض الأنبياء ، وأقبل الإمام على رأس الجالوت فقال له : أَهؤُلاءِ - يعني الأنبياء - كانوا قَبْلَ عِيسَى ، أَمْ عِيسَى كَانَ قَبْلَهُمْ ؟
وأخذ الإمام يتلو عليهم بعض معجزات جدهّ الرسول الأعظم خاتم الأنبياء قائلاً: لَقَدِ اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ (صلی الله عليه وآآله وسلم). فَسَأَلُوهُ أَنَّ يُحْيِيَ لَهُمْ مَوْتاهُمْ ، فَوَجَّهَ مَعَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبي طالب (علیه السلام)، فَقالَ لَهُ : اذْهَبْ إِلَى الْجَبَانَةِ فَنادِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ، الذينَ يَسْأَلُونَ عَنْهُمْ بِأَعْلَى صَوْتِكَ. يا فُلانُ ، و يا فُلانُ ، و يا فُلانُ ، يَقولُ لَكُمْ مُحَمَّدٌ رَسولُ الله «صلى الله عليه وآله و سلم»: قوموا بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَقاموا يَنْفُضونَ التُّرابَ عَنْ رُؤوسِهِمْ ، فَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٍ تَسْأَلُهُمْ عَنْ أُمورِهِمْ ، ثُمَّ أَخْبَرُوهُمْ أَنَّ مُحَمَّداً قَدْ بُعِثَ نَبِيَّاً ، فَقالوا : وَدَدْنا أَنَا أَدْرَكْنَاهُ ، فَتُؤْمِنُ بِهِ ، وَلَقَدْ أَبْرَأَ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَالْمَجانينَ ، وَكَلَّمَتْهُ الْبَهَائِمُ وَالطَّيْرُ وَالْجِنُّ وَالشَّياطينُ ، وَلَمْ نَتَّخِذُهُ رَبِّاً مِنْ ُدونِ اللهِ ، وَلَمْ تُنكِرُ لأَحَدٍ مِنْ هَؤُلاءِ فَضْلَهُمْ ، فَمَتَى اتَّخَذْتُمْ عِيسَى رَبِّاً جازَ لَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْيَسَعَ وَحِزْقِيلَ رَبَّيْن ، لأنَّهُما قَدْ صَنَعا مِثْلَ ما صَنَعَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ مِنْ إِحْياءِ الْمَوْتَى وَغَيْرَهُ ، وَإِنَّ قَوْماً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَرَجوا مِنْ بلادِهِمْ مِنَ الطَّاعونِ وَهُمْ ألوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ، فَأَمانَهُمُ اللهُ فى سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَعَمِدَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ فَحَظرُوا عَلَيْهِمْ حَظِيرَةٌ ، فَلَمْ يَزالوا فيها حَتَّى نَخِرَتْ عِظامُهُمْ ، وَصاروا رَميماً ، فَمَرَّ بِهِمْ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِياءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَتَعَجَّبَ مِنْهُمْ وَمِنْ كَثْرَةِ الْعِظَامِ الْبَالِيَةِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ : أَتُحِبُّ أَنْ أَحْيِيهِمْ لَكَ فَتُنْذِرَهُمْ ؟
قالَ : نَعَمْ يا رَبِّ .
فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ أَنْ نادِهِمْ ، فَقالَ : أَيَّتُهَا الْعِظامُ الْبالِيَةُ ، قُومي بِإِذْنِ اللهِ ،
فَقاموا أَحْيَاءٌ أَجْمَعِينَ يَنْقُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ ، ثُمَّ إِبْراهِيمُ خَليلُ الرَّحْمنِ (علیه السلام) حينَ أَخَذَ الطَّيْرَ فَقَطَّعَهُنَّ قِطَعاً، ثُمَّ وَضَعَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ، ثُمَّ ناداهُنَّ فَأَقْبَلْنَ سَعْياً إِلَيْهِ ، ثُمَّ مَوسَى بْنُ عِمْرانَ وَأَصْحابُهُ السَّبْعُونَ الَّذينَ اخْتارَهُمْ ، صاروا مَعَهُ إِلَى الْجَبَلِ ، فَقالوا لَهُ : إِنَّكَ قَدْ رَأَيْتَ اللَّهَ فَأَرِناهُ كَمَا رَأَيْتَهُ.
فَقالَ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَرَهُ .
فَقالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةٌ ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فَاحْتَرَقوا عَنْ آخِرِهِمْ ، فَبَقِيَ مُوسى وَحيداً .
فَقالَ : يا رَبِّ ، اخْتَرْتُ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجِئْتُ بِهِمْ ، فَأَرْجِعُ أنا نْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ، وَحْدي ، فَكَيْفَ يُصَدِّقُني قَوْمِي بِمَا أَخْبِرُهُمْ بِهِ ، فَلَوْ شِئتَ أهلَکتَهُم مِن قَبلُ وَ إیّایَ، أَفَتُهْلِكُنا بما فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنا ؟
فَأَحْيَاهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ ، وَكُلُّ شَيْءٍ ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنْ هَذا لا تَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ ، لأَنَّ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقانَ قَدْ نَطَقَتْ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ كُلُّ مَنْ أَحْيى الْمَوْتى وَأَبْرَأَ الأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَالْمَجانِينَ يُتَّخَذُ رَبِّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَاتَّخِذْ هؤلاءِ كُلَّهُمْ أَرْباباً ، ما تَقولُ يَا يَهودِيُّ ؟
لقد نعى الإمام (علیهم السلام) على النصارى اتخاذهم السيد المسيح رباً من دون الله لأنه أحيى الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص ، فقد جرت أمثال هذه المعاجز إلى سيد الأنبياء الرسول (صلی الله علیه و آله) وبعض الأنبياء العظام ، ولم يتخذوا أرباباً يعبدون من دون الله تعالى .
وانبرى الجاثليق فخاطب الإمام بعد ما سمع منه هذه الكلمات المشرقة ، فقال : القول قولك ، ولا إله إلا الله.
والتفت الإمام إلى رأس الجالوت فقال له : أَقْبِلْ عَلَيَّ أَسْأَلُكَ بِالْعَشْرِ الآيَاتِ الَّتي
انْزِلَتْ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرانَ (علیهم السلام) هَلْ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتوباً نَبَأَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وسلم) وَأُمَّتِهِ إِذا جاءَتِ الأُمَّةُ الأخيرَةُ اتِّباعَ راكِبِ الْبَعير ، يُسَبِّحُونَ الرَّبَّ جِدَا جِداً تَسْبيحاً جديداً في الْكَنائِسِ الْجُدَدِ - أراد بها المساجد - فَلْيَفْزَع بنو إسرائيلَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى مَلِكِهِمْ ، لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ ، فَإِنَّ مَا بِأَيْدِيهِمْ سُيوفاً يَنْتَقِمُونَ بِها مِنَ الأمم الْكافِرَةِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ ، أَهَكذا هُوَ مَكْتُوبٌ في التَّوْرَاةِ .
وبهر الجالوت ، وراح يقول : نعم ، إنّا لنجد ذلك كذلك .
والتفت الإمام (علیهم السلام) إلى الجائليق فقال له : كَيْفَ عِلْمُكَ بِكِتابِ شَعْيا ؟
وخاطب الإمام الجائليق ورأس الجالوت فقال لهما : أَتْعِرفانِ هذا مِنْ كَلامِهِ : يا قَوْمِ ، إِنِّي رَأَيْتُ صورَةَ رَاكِبِ الْحِمارِ لابِساً جَلابيبَ النُّورِ ، وَرَأَيْتُ رَاكِبَ الْبَعِيرِ ضَوْءُهُ مِثْلُ ضَوْءِ الْقَمَرِ .
وطفقا قائلَين : قد قال ذلك شعيا.
والتفت الإمام إلى الجائليق فقال له : أَتَعْرِفُ قَوْلَ عِيسَى : إِنِّي ذاهِبٌ إِلَى رَبَّكُمْ وَرَبِّي ، وَالْبارِقليطا جَاءَ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لِي بِالْحَقِّ كَما شَهِدْتُ لَهُ ، وَهُوَ الَّذِي يُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ ، وَهُوَ الَّذِي يُبْدِي فَضائِحُ الأُمَمِ ، وَهُوَ الَّذِي يَكْسِرُ عَمودَ الْكُفْرِ.
وبهر الجاثليق وقال : ما ذكرت شيئاً من الإنجيل إلّا ونحن مقرون به .
وراح الإمام يقرّره أن ما ذكره ثابت في الإنجيل قائلاً: أَتَجِدُ هذا في الإنجيل ثابتاً ؟
نعم.
يا جائليقُ ، ألا تُخْبِرْنِي عَنِ الْإِنجِيلِ الْأَوَّلِ حينَ افْتَقَدْ تُموهُ عِنْدَ مَنْ وَجَدْتموهُ ؟وَمَنْ وَضَعَ لَكُمْ هذا الْإِنْجِيلَ ؟
وأخذ الجاثليق يتخبّط خبط عشواء قائلاً: ما افتقدنا الإنجيل إلا يوماً واحداً ، حتى وجدناه غضاً طرياً ، فأخرجه إلينا يوحنّا ومتّي .
فَردّ عليه الإمام قائلاً : ما أَقَلَّ مَعْرِفَتَكَ بِسُنَنِ الإنجيل وَعُلَمائِهِ ، فَإِنْ كَانَ كَمَا تَزْعُمُ فَلِمَ اخْتَلَفْتُمْ فِي الْإِنْجِيلِ ؟ وَإِنَّما وَقَعَ الاخْتِلافُ في هذَا الْإِنْجِيلِ الَّذي في أَيْدِيكُمُ الْيَوْمَ ، فَلَوْ كانَ عَلَى الْعَهْدِ الْأَوَّلِ لَمْ تَخْتَلِفُوا فِيهِ ، وَلكِنِّي مُفيدُكَ عِلْمَ ذلِكَ . اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَا افْتَقِدَ الإِنْجِيلُ الأَوَّلُ اجْتَمَعَتِ النَّصارى إلى عُلَمائِهِمْ ، فَقالوا لَهُمْ : قُتِلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ، وَافْتَقَدْنَا الْإِنْجِيلَ ، وَأَنْتُمُ الْعُلَماءُ ، فَما عِنْدَكُمْ ؟
فَقالَ لَهُمْ الُوقا وَمِرْقابوس وَيُوَحَنَا وَمَتَي : إِنَّ الْإِنْجِيلَ فِي صُدورِنَا نُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ سِفْراً في كُلِّ أَحَدٍ ، فَلَا تَحْزَنُوا عَلَيْهِ ، وَلَا تُخْلُوا الْكَنَائِسَ ، فَإِنَّا سَنَتْلُوهُ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ أَحَدٍ سِفْراً سِفْراً حَتَّى نَجْمَعَهُ كُلَّهُ.
وأضاف الإمام : إِنَّ الُوقا وَمِرْقَانوس وَيُوحَنَّا وَمَتَى وَضَعوا لَكُمْ هذا الْإِنْجِيلَ بَعْدَما افْتَقَدْتُمُ الإنْجِيلَ الأَوَّلَ ، وَإِنَّمَا كانَ هَؤُلاءِ الأَرَبْعَةُ تلاميذ تلاميذ الأَوَّلِينَ ، أَعَلِمْتَ ذلِكَ ؟
وراح الجائليق يبدي إكباره للإمام ، ويعترف له أنّه لا علم له بذلك ، قائلاً : أما قبل هذا فلم أعلمه ، وقد علمته الآن ، وقد بان لي من فضل علمك بالإنجيل ، وقد سمعت أشياء كما علمته شهد قلبي أنها حقّ ، واستزدت كثيراً من الفهم.
والتفت الإمام (علیه السلام) إلى المأمون وإلى من حضر من أهل بيته وغيرهم ، فطلب منهم أن يشهدوا عليه ، فقالوا : شهدنا ، ووجّه كلامه صوب الجائليق فقال له : بِحَقِّ الْإِبْنِ وَأُمِّهِ ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ مَتّي قالَ إِنَّ الْمَسيحَ هُوَ ابْنُ دَاوُدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ ابْنِ يَهُودَ بْنِ خَضْرونَ ؟
وَقالَ مِرْقانوسُ في نِسْبَةِ عِيسَى : إِنَّهُ كَلِمَةُ اللهِ أَحَلَّها فِي الْجَسَدِ الْآدَمي فَصَارَتْ إِنسَاناً وَقَالَ الُوقا : إِنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ كَانَا إِنْسَانَيْنِ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ ، فَدَخَلَ فِيهِمَا رُوحُ الْقُدُسِ .
ثُمَّ إِنَّكَ تَقولُ : في شَهَادِةِ عِيسَى عَلى نَفْسِهِ : حَقًّا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَا يَصْعَدُ إلَى السَّماءِ
إِلَّا مَنْ نَزَلَ مِنْها ، إِلَّا راكِبُ الْبَعِيرِ خاتَمُ الْأَنْبِياءِ ، فَإِنَّهُ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْزِلُ فَما تَقولُ في هذا ؟
واعترف الجائليق بما قالوه في المسيح ، وما قاله السيد المسيح في نفسه ، فقال :
هذا قول عيسى لا ننكره .
قال : فَما تَقولُ في شَهادَةِ الُوقا وَمِرقانُوسَ وَمَنِّي عَلَى عِيسَى وَمَا نَسَبُوا إِلَيْهِ ؟ وراح الجائليق يزكّي السيد المسيح ويكذب ما نسبوه له قائلاً: كذبوا على عیسی.
والتفت الإمام الرضا (علیه السلام) إلى من حضر في مجلسه من القادة والعلماء قائلاً:
يا قَوْم ، أَلَيْسَ قَدْ زَكَاهُمْ ، وَشَهِدَ أَنَّهُمْ عُلماء الإنجيل وَقَوْلُهُمْ حَقٌّ ؟
ويان الانكسار على الجائليق ، وراح يلتمس من الإمام أن لا يسأله ، فقال : يا عالم المسلمين ، أحبّ أن تعفيني من أمر هؤلاء.
فأعفاه الإمام ، ثمّ قال له : سَلْني عَمّا بَدا لَكَ .
وبهر الجائليق من علوم الإمام التي هي امتداد ذاتي لعلوم جدّه سيّد الكائنات محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقال بخضوع وإكبار للإمام : ليسألك غيري ، فوالله ما ظننت أنّ في علماء المسلمين مثلك(1).
وأطرق الجائليق برأسه إلى الأرض ، وعجّ المجلس بالتهليل والتكبير ، واستبان للمأمون وغيره أنّ الإمام (علیه السلام) نفحة قدسيّة من نفحات الله ، فقد وهبه لهذه الأمة كما وهب آباءه ، ومنحهم من العلوم المرتبة التي لا توازيها أي مرتبة .
1) التوحيد : 417 - 428 . الاحتجاج : 2 : 199 - 215 .
وكان رأس الجالوت يمثّل الطائفة اليهودية في ذلك المجلس الذي أعده المأمون لامتحان الإمام ، فقال له الإمام : تَسْأَلُني أَوْ أَسْأَلُكَ ؟
بل أسألك ، ولست أقبل منك حجّة إلا من التوراة ، أو من الإنجيل ، أو من زبور داود ، أو من صحف إبراهيم وموسى.
فأجابه الإمام بالموافقة على هذا الشرط قائلاً : لَا تُقْبَلْ مِنّي حُجَّةٌ إِلَّا بِما نَطَقَ بِهِ التَّوْراةَ عَلَى لِسانِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ، وَالْإِنْجِيلُ عَلَى لِسانِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ، وَالزَّبُورُ عَلَى
لسان داود (علیه السلام).
شَهِدَ بِنُبُوَّتِهِ مُوسَى بْنُ عِمْرانَ ، وَعِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ، وَداودُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ.
وطلب رأس الجالوت إثبات ذلك قائلاً: اثبت قول موسى بن عمران .
فقال الإمام : تَعْلَمُ يا يَهودي أَنَّ مُوسى أَوْصى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ سَيَأْتيكُمْ نَبِيُّ فيهِ(1)
صحبته فيه ، أي اقصدوه واسمعوا ما يقوله .
فَصَدَّقوا ، وَمِنْهُ فَاسْمَعوا ، فَهَلْ تَعْلَمُ أَنَّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اخْوَةٌ غَيْرَ وُلْدِ إِسماعيل ؟ إِنْ كُنْتَ تَعْرِفُ قَرابَةَ إِسْرَائِيلَ مِنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَالنَّسَبَ الَّذِي بَيْنَهُما مِنْ قِبَلِ إبراهيم.واعترف رأس الجالوت بذلك قائلاً: هذا قول موسى لا ندفعه.
1) هكذا في النسخ المخطوطة والمطبوعة ، والصواب : «فبه» بالباء ، والمعنى : إن أدركتم
وألزمه الإمام الحجّة والبرهان قائلاً : هَلْ جاءَكُمْ مِنْ إِخْوَةِ بَني إِسْرَائِيلَ غَيْرُ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله و سلم)؟
وانبرى الإمام قائلاً: أَلَيْسَ هَذا قَدْ صَحٌ عِنْدَكُمْ ؟
وتلا الإمام عليه قطعة من التوراة قائلاً : هَلْ تُنْكِرُونَ التَّوْراةَ تَقولُ لَكُمْ : جاءَ النُّورُ مِنْ قِبَلِ طُورِ سَيْناءَ ، وَأَضَاءَ لِلنَّاسِ مِنْ جَبَلِ ساعِيرَ ، وَاسْتَعْلَنَ عَلَيْنَا مِنْ جَبَلِ فارانَ ؟
وأقرّ رأس الجالوت بهذه الكلمات ، إلا أنه طلب من الإمام تفسيرها .
فقال (علیه السلام) له : أنا أُخْبِرُكَ بِها . أَمَا قَوْلُهُ : جاءَ النُّورُ مِنْ قِبَلِ طُورِ سَيْناءَ فَذلِكَ وَحْيُ اللَّهِ تَبارَكَ وَتَعالَى الَّذى أَنْزَلَهُ عَلى مُوسَىٰ عَلَى جَبَل طُورِ سَيْناءَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَضَاءَ لِلنَّاسِ في جَبَلِ ساعِيرَ ، فَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَهُوَ عَلَيْهِ .
وأَمَّا قَوْلُهُ : وَاسْتَعْلَنَ عَلَيْنا مِنْ جَبَل فارانَ ، فَذاكَ جَبَلْ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَها يَوْمَانِ أَوْ يَوْمٌ .
قالَ شَعْيا النَّبِيُّ - فيما تَقولُ أَنْتَ وَأَصْحَابَكَ فِي التَّوْرَاةِ-: رَأْيت راكِبَيْنِ أَضَاءَ لَهُما الْأَرْضُ ، أَحَدُهُما عَلى حِمارٍ ، وَالْآخَرُ عَلَى جَمَلٍ ، فَمَنْ رَاكِبُ الْحِمارِ ، وَمَنْ رَاكِبُ الْجَمَل ؟
ولم يعرف رأس الجالوت ذلك رغم أنه موجود في التوراة ، فطلب من الإمام إيضاح ذلك له .
فقال (علیه السلام): أما راكِبُ الْحِمَارِ فَعِيسى ، وَأَمَّا رَاكِبُ الْجَمَلِ فَمُحَمَّدٌ (صلى الله عليه و آله و سلم)، أَتُنْكِرُ هذا
في التَّوْراةِ ؟
ووجّه الإمام إليه السؤال التالي : هَلْ تَعْرِفُ حَيْقوقَ النَّبِيَّ ؟
وأخذ الإمام (علیه السلام) يقرأ ما أثر عنه قائلاً : فَإِنَّهُ قالَ - وَكِتَابُكُمْ يَنْطِقُ بِهِ- : جَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْبَيانِ مِنْ جَبَلِ فارانَ ، وَامْتَلَاتِ السَّمواتُ مِنْ تَسْبيح أَحْمَدَ وَأُمَّتِهِ ، يَحْمِلُ خَيْلَهُ فِي الْبَحْرِ ، كَما يَحْمِلُ فِي الْبَرِّ ، يَأْتِينَا بِكِتابٍ جديدٍ - يعني القرآن الكريم - بَعْدَ خَرابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، أَتَعْرِفُ هذا وَتُؤْمِنُ بِهِ؟
واعترف رأس الجالوت بذلك ، والتفت إليه الإمام فأقام عليه حجّة أخرى ، وهي ما جاء في الزبور من التبشير بالرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) قائلاً : فَقَدْ قَالَ داود فى زَبورِهِ - وَأَنْتَ تَقْرَأَهُ- : اللَّهُمَّ ابْعَثْ مُقيمَ السُّنَّةِ بَعْدَ الْفَتْرَةِ ، فَهَلْ تَعْرِفُ نَبِيَّاً أَقامَ السُّنَّةَ بَعْدَ الْفَتْرَةِ غَيْرَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله و سلم)؟
وأخذ رأس الجالوت يراوغ وينكر الحقّ قائلاً: هذا قول داود نعرفه ولا ننكره ، ولكنّه عنى بذلك عيسى ، ، وأمامه هي الفترة .
فردّ عليه الإمام قائلاً: جَهِلْتَ أَنَّ عِيسَى كانَ مُوافِقاً لِسُنَّةِ التَّوْرَاةِ حَتَّى رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، وَفِي الْإِنْجِيلِ مَكْتوبٌ أَنَّ ابْنَ الْبَرَّةِ - أي عيسى - ذاهِبٌ ، وَالْبَارِقليطا جَاءَ مِنْ بَعْدِهِ ، وَهُوَ الَّذِي يَحْفَظُ الآصارَ ، وَيُفَسِّرُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ ، وَيَشْهَدُ لِي كما شَهِدْتُ لَهُ ، أَنَا جِئْتُكُمْ بِالْأَمْثالِ ، وَهُوَ يَأْتيكُمْ بِالتَّأْوِيلِ ، أَتُؤْمِنُ بِهَذَا فِي الْإِنْجِيلِ ؟
وطفق رأس الجالوت يقول : نعم لا أنكره .
ووجّه الإمام إليه السؤال التالي : أسْأَلُكَ عَنْ نَبِيَّكَ مُوسَى بْنِ عِمْرانَ ؟
ما الْحُجَّةُ عَلَى أَنَّ مُوسى ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ ؟
وأخذ رأس الجالوت يستدلّ على نبوّة موسى قائلاً : إنّه جاء بما لم يجئ به أحد من الأنبياء قبله .
مِثْلُ ماذا ؟
مثل فلق البحر ، وقلبه العصا حيّة تسعى ، وضربه الحجر فانفجرت منه العيون، وإخراجه يده بيضاء للناظرين، وعلاماته لا يقدر الخلق على مثلها .
وصدّق الإمام مقاتله قائلاً : صَدَقْتَ في أَنها حُجَّةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ ، إِنَّهُ جَاءَ بِما لَمْ يَقْدِرِ الْخَلْقُ عَلَىٰ مِثْلِهِ ، أَفَلَيْسَ كُلُّ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَجاءَ بِمَا لَمْ يَقْدِرِ الْخَلْقُ عَلَى مِثْلِهِ وَجَبَ عَلَيْكُمْ تَصْدِيقُهُ ؟
وأنكر اليهودي مقالة الإمام قائلاً: لا ؛ لأنّ موسى لم يكن له نظير لمكانه من ربّه ، وقربه منه ، ولا يجب علينا الإقرار بنبوّة من ادعاها ، حتّى يأتي من الأعلام بمثل ما جاء به .
ونقض الإمام كلام اليهودي قائلاً : كَيْفَ أَقْرَرْتُمْ بِالْأَنْبِياءِ الَّذِينَ كانوا قَبْلَ مُوسَى وَلَمْ يَخْلُقُوا الْبَحْرَ ، وَلَمْ يُفَجِّرُوا مِنَ الْحَجَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةً عَيْناً ، وَلَمْ يُخْرِجُوا أَيْدِيَهُمْ مِثْلَ إِخْراج مُوسى يَدَهُ بَيْضاءَ ، وَلَمْ يَقْلِبُوا الْعَصا حَيَّةَ تَسْعَى .
وأجاب اليهودي : قد خبّرتك أنه متى جاءوا على نبوتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله ، ولو جاء وا بمثل ما جاء به موسى أو كانوا على ما جاء به موسى وجب تصديقهم .
وردّ الإمام (علیهم السلام) حجته قائلاً: يا رَأْسَ الْجالُوتِ ، فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِقْرَارِ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَكَانَ يُحْيِي الْمَوتى ، وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ .
وراوغ اليهودي ، فقال : يقال : إنّه فعل ذلك ولم نشهده .
وردّ الإمام عليه ببالغ الحجّة قائلاً : أَرأَيْتَ ما جاءَ بِهِ مُوسَىٰ مِنَ الْآيَاتِ شَاهَدْتَهُ ؟ أَلَيْسَ إِنَّما جَاءَتِ الْأَخْبارُ مِنْ تُقاةِ أَصْحَابِ مُوسى أَنَّهُ فَعَلَ ذلِكَ .
وألزمه الإمام الحجّة القاطعة قائلاً: كَذلِك أيضاً أَتَتْكَ الْأَخْبَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ بِمَا فَعَلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ، فَكَيْفَ صَدَّقْتُمْ بِمُوسَى وَلَمْ تُصَدِّقوا بعيسى ؟
ووجم رأس الجالوت ، فقد سدّ عليه الإمام كلّ نافذة ، وأقام عليه الحجّة البالغة وبان عليه العجز ، وأضاف الإمام (علیه السلام) يقول : وَكَذلِكَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله و سلم) وَمَا جَاءَ بِهِ ، وَأَمْرُ كُلِّ نَبِيَّ بَعَثَهُ اللهُ ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّهُ كَانَ يَتِيماً فَقيراً ، راعِياً أجيراً ، وَلَمْ يَتَعَلَّمْ وَلَمْ يَخْتَلِفْ إِلى مُعَلَّم ، ثُمَّ جَاءَ بِالْقُرْآنِ الَّذِي فِيهِ قَصَصُ الْأَنْبِياءِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَأَخْبَارِهِمْ حَرْفًا حَرْفاً ، وَأَخْبارُ مَنْ مَضَى وَمَنْ بَقِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ كَانَ يُخْبِرُهُمْ بِأَسْرارِهِمْ ، وَما يَعْمَلُونَ في بِيُوتِهِمْ ، وَجاءَ بِآيَاتِ كَثيرَةٍ .
وقطع رأس الجالوت على الإمام كلامه قائلاً : لم يصح عندنا خبر عيسى ،ولا خبر محمّد ، ولا يجوز أن نقرّ لهما بما لا يصحّ .
وفند الإمام (علیه السلام) كلام اليهودي قائلاً : فَالشَّاهِدُ الَّذي يَشْهَدُ لِعِيسَى وَمُحَمَّدٍ شَاهِدُ
زور(1)؟
وأُخرس رأس الجالوت ووجم وهو كظيم ، وراح يفتّش في حقيبة مغالطاته شبهة يتمسّك بها ، فلم يجد وسيلة يتمسّك بها لدعم أباطيله.
1) الاحتجاج : 2: 199 - 212 .
وبعدما فشل رؤساء المذاهب والأديان في امتحان الإمام ، وبان عليهم العجز ، ولم يبق إلّا الهربذ الأكبر المرجع الأعلى للمجوس ، فالتفت إليه الإمام الله فقال له : أَخْبِرْنِي عَنْ زَرْدَشْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، ما حُجَّتُكَ عَلَى نُبُوَّتِهِ ؟
فقال الهربذ : إنّه أتى بما لم يأتنا به أحد قبله ، ولم نشهده ، ولكنّ الأخبار من أسلافنا وردت علينا بأنّه أحلّ لنا ما لم يحلّه لنا غيره ، فاتبعناه .
وانبرى الإمام فقال له : أَفَلَيْسَ إنَّما أَتَتْكُمُ الأَخْبارُ فَاتَّبَعْتُمُوهُ ؟
وراح الإمام يقيم عليه الحجّة التي لا مجال لإنكارها قائلاً: فَكَذلِكَ سائِرُ الأمَمِ السَّالِفَةِ أَتَتْهُمُ الْأَخْبارُ بِما أَتى بِهِ النَّبِيُّونَ وَأَتَىٰ بِهِ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمُحَمَّدٌ (صلى الله عليه و آله و سلم) فَمَا عُذْرُكُمْ فِي تَرْكِ الْإقْرارِ بِهِمْ إِذْ كُنتُمْ إِنَّمَا أَقْرَرْتُمْ بِزَرْدَشْتَ مِنْ قِبَلِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بأَنَّهُ جَاءَ بِمَا لَمْ يَجِئْ بِهِ غَيْرُهُ ؟
استولت عليه الحيرة والذهول ، وحار في الجواب ، فانقطع عن الكلام ، والتفت سليل النبوة إلى من حضر من رؤساء الأديان فقال لهم : يا قَوْمِ ، إِنْ كَانَ فِيكُمْ أَحَدٌ يُخالِفُ الْإِسْلامَ ، وَأَرادَ أَنْ يَسْأَلَ فَلْيَسْأَلْ غَيْرَ مُحْتَشِم(1).
لقد أفحمت هذه المناظرات القوى المعادية للإسلام ، وأثبتت بوضوح مدى
1) الاحتجاج : 2: 212 - 215 . كامل المناظرة : 215. عيون أخبار الرضا (علیه السلام) : 2 : 139 -169 ، الباب 13 بحار الأنوار 54 : 47 - 58 ، باب 27 و 28 .
الطاقات الهائلة من العلوم التي منحها الله للإمام ، والتي دلّلت على صحّة ما تذهب إليه الشيعة من أنّ أئمة أهل البيت (علیهم السلام) قد منحهم الله ثروات علمية ، وأنّهم أعلم هذه الأمة لا في المجالات التشريعية ، وإنما في جميع أنحاء العلوم .
وقد عجّت أندية خراسان بهذه المناظرات التي تغلّب الإمام فيها على من ناظرهم ، وفي نفس الوقت ألهبت مشاعر المأمون وعواطفه بالحقد والعداء للإمام (علیه السلام) ، فقد باء بالفشل لما كان يرومه من تعجيز الإمام ليتّخذ من ذلك وسيلة للتشهير به ، وعزله عن ولاية العهد ، وأخذ يسعى جاهداً للتخلّص من الإمام ، فرأى أن لا وسيلة له إلّا باغتياله ، ودسّ السمّ إليه ، وسنوضّح ذلك بمزيد من التفصيل في البحوث الآتية.
وخفّ زنديق متمرس في الزندقة والإلحاد إلى الإمام الرضا (علیه السلام)، وكان في مجلسه جماعة ، فالتفت الإمام إليه قائلاً : أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُكُمْ مِنْ إِنْكَارِ اللَّهِ تَعالى، وَلَيْسَ هُوَ كَما تَقولون : أَلَسْنَا وَإِيَّاكُمْ شَرْعاً سَواءٌ ، وَلَا يَضُرُّنا ما صَلَّيْنا وَصُمْنا ، وَزَكَّيْنا وَأَقْرَرْنا ؟
فسكت الزنديق أمام هذه الحجّة الدامغة ، فإنّه لو كان الأمر كما يذهب إليه الزنادقة من إنكار الله تعالى ، فما الذي يضرّ الموحدين من صلاتهم وصومهم .
وأضاف الإمام بعد ذلك قائلاً : وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْقَوْلُ قَوْلَكُمْ ، وَهُوَ كَما نَقولُ : أَلَسْتُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ وَنَجَوْنا .
وأراد الإمام أنه إذا انكشف الأمر لهم من وجود الخالق العظيم المدبّر لهذه الأكوان ، فقد هلك الملحدون ، ویاء وا بالخزي والعذاب الأليم ، وفاز المؤمنون والمتقون .
وقدّم الزنديق إلى الإمام (علیه السلام) الأسئلة التالية :
رحمك الله ، أوجدني كيف هو - يعني الله - وأين هو ؟
إِنَّ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ غَلَطٌ ، وَهُوَ أَيْنَ الْأَيْنَ ، وَكانَ وَلَا أَيْنَ ، وَهُوَ كَيْفَ الْكَيْفَ . وَكانَ وَلَا كَيْفَ ، وَلَا يُعْرَفُ بِكَيْفَوفَتِهِ ، وَلَا بِأَيْنونَتِهِ ، وَلَا يُدْرَكُ بِحاسَةٍ ، وَلَا يُقاسُ بِشَيْ
إن الله تعالى نور السموات والأرض، ويستحيل أن يتّصف بالأين والكيف وغيرهما من صفات الممكن الذي مثاله إلى العدم، فهو سبحانه لا يدرك بحاسة ،
ولا يقاس بشيء .
إذن إنّه لا شيء إذا لم يدرك بحاسّة من الحواسّ ؟
وَيْلَكَ! الَمّا عَجِزَتْ حَواسَكَ عَنْ إِدْراكِهِ أَنْكَرْتَ رُبوبِيَّتَهُ ، وَنَحْنُ إِذا عَجِزَتْ حَواسنا عَنْ إِدْراكِهِ أَيْقَنَا أَنَّهُ رَبُّنَا ، وَأَنَّهُ شَيْءٌ بِخِلافِ الْأَشْياءِ .
إنّ إدراك الحواسّ محدود كمّاً وكيفاً ، كما أنها لا تدرك الأشياء الكثيرة من الممكنات ، فهي لا تدرك - مثلاً - حقيقة الروح ، فكيف تدرك واجب الوجود تعالى وتقدّس ؟
أخبرني متى ؟
أَخْبِرْنِي مَتى لَمْ يَكُنْ ، فَأَخْبِرُكَ مَتى كانَ ؟
لقد سخر الإمام (علیه السلام) من سؤاله ، فالله تعالى حقيقة مشرقة يبصره كلّ أحد بآثاره ، وعظيم صنعه ، وبدائع مخلوقاته ، ففي كل مرحلة من الوجود هو موجود ، ويستحيل أن يقال إنه متى كان .
إِنِّي لَمَا نَظَرْتُ إِلى جَسَدي ، فَلَمْ يُمْكِنَى فيهِ زِيادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ فِي الْعَرْضِ وَالطُّوْلِ ، وَدَفْعُ الْمَكارِهِ عَنْهُ ، وَجَرُّ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْهِ ، عَلِمْتُ أَنَّ لَهَذَا الْبُنْيَانِ بِانِياً ، فَأَقْرَرْتُ بِهِ ، مَعَ ما أَرى مِنْ دَورانِ الْفُلْكِ بِقُدْرَتِهِ ، وَإِنْشاءِ السَّحَابِ ، وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ، وَمَجْرَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجومِ ، وَغَيْرَ ذلِكَ مِنَ الآياتِ الْعَجيباتِ الْمُثْقَناتِ عَلِمْتُ أَنَّ لهذا مُقَدِّراً وَ مُنْشِئاً .
إنّ كلّ ذرّة في هذا الكون تدلّ على وجود الخالق العظيم المكوّن لها .
إن الإنسان إذا نظر إلى نفسه وإلى ما فيه من الأجهزة والخلايا العجيبة ، فإنّه يؤمن بالله تعالى ، وفي الحديث : «مَنْ عَرَفَ نَفْتُه فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» ، لقد خلق الله تعالى
الإنسان في أحسن تقويم ، فلا يمكن الزيادة أو النقصان في أعضائه . ومن المعلوم أنّ خلق الإنسان بهذه الدقة المذهلة يدلّ على وجود الله ، فإنّ الأثر يدلّ على المؤثر ، والمعلول يدلّ على وجود علّته - كما يقول المنطقيون-.
ومن آيات الله تعالى دوران الفلك ، وإنشاء السحاب ، وتصريف الرياح ، ومجرى الشمس والقمر . قال تعالى :«لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»(1)، فسبحان الله ما أكثر آياته التي تدل عليه.
لِمَ لا تدركه حاسة البصر ؟
لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ الَّذِينَ تُدْرِكُهُمْ حَاسَةُ الْإِبْصارِ ، مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ ، ثُمَّ هُوَ أَجَلُ مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ بَصَرٌ ، أَوْ يُحيطَ بِهِ وَهُمْ ، أَوْ يَضْبِطَهُ عَقْل.
إنّ حاسّة البصر وغيرها من حواس الإنسان محدودة ، فكيف تدرك الخالق العظيم ، أو تبصره ، وتنظر إليه ، إنّما تدرك وتبصر بعض الممكنات .
حده - أي الله تعالى - لي ؟
لا حَدَّ .
إنّ الحدّ إنّما هو للممكنات ، وأما واجب الوجود فإنّه يستحيل عليه الحدّ .
لِمَ - أي لماذا لا يحدّ ؟
لأنَّ كُلَّ مَحدودٌ مُتَناءِ إِلى حَدَّ، وَإِذا احْتَمَلَ التَّحْدِيدَ احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ ، وَإِذا احْتَمَلَ الزِّيادَةَ احْتَمَلَ النُّقْصانَ ، فَهُوَ غَيْرُ مَحْدودٍ ، وَلَا مُتَزايدٌ ، وَلَا مُتناقص ، وَلَا مُتَجَزِّي ، وَلَا مُتَوَهُمْ .
لقد أقام الإمام (علیه السلام) البرهان على استحالة تحديد الواجب العظيم ، فإنّ التحديد
1) پس 36 :40.
-كما ذكرنا - إنما هو من شؤون الممكنات.
أخبرني عن قولكم : إنّه لطيف ، وسميع ، وبصير ، وعليم ، وحكيم ، أيكون السميع لا بالأذن ، والبصير لا بالعين ، واللطيف لا بعمل اليدين، والحكيم لا بالصنعة ؟
إِنَّ اللطيف مِنا - أي من المخلوقات - عَلى حَدٌ إِيجَادِ الصَّنْعَةِ ، أَوْ مَا رَأَيْتَ أَنَّ الرَّجُلَ اتَّخَذَ شَيْئاً فَيَلْطُفُ في اتِّخاذه .
فَيُقالُ : ما أَلْطَفَ فُلاناً ، فَكَيْفَ لا يُقالُ لِلْخالِقِ الْجَليل ( لَطيفٌ ) ؛ إِذْ خَلَقَ خَلْقاً لطيفاً وَجَليلاً، وَرَكَّبَ فِى الْحَيَوانِ مِنْهُ أَرْواحَها ، وَخَلَقَ كُلَّ جِنسِ مُبايناً مِنْ جِنْسِهِ في الصُّورَةِ ، وَلَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً ، فَكُلُّ ما بِهِ لُطْفٌ مِنَ الْخَالِقِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ فِي تَرْكِيبِ صُورَتِهِ .
ثُمَّ نَظَرْنا إِلَى الأَشْجار وَحِمْلِها أَطايبها الْمَأْكولَةَ مِنْها وَغَيْرَ الْمَأْكولَةِ ، فَقُلْنا عِنْدَ ذلِكَ : إِنَّ خَالِقَنا لطيفٌ لَا كَلُطْفِ خَلْقِهِ ، وَقُلْنَا : إِنَّهُ سَمِيعٌ لأَنَّهُ لَا يَخْفى عَلَيْهِ أَصْواتُ خَلْقِهِ ما بَيْنَ الْعَرْشِ إِلَى الثَّرى مِنَ الذَّرَّةِ إلى ما هُوَ أَكْبَرُ مِنْها ، في بَرْهَا وَبَحْرِها ، وَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ لُغَاتُها ، فَقُلْنَا : إِنَّهُ سَمِيعٌ لَا بِاذْنٍ ، وَقُلْنَا : إِنَّهُ بَصِيرٌ لَا بِبَصَرٍ؛ لأنَّهُ يَرَى أَثَرَ الذَّرَّةِ السَّحْمَاءِ(1)في اللَّيْلَةِ الظُّلْماءِ عَلَى الصَّخْرَةِ السَّوداءِ ، وَيَرى دَبِيبَ النَّمْلِ فِي اللَّيْلَةِ الدَّجِيَّةِ ، وَيَرى مَضارَها وَمَنافِعَها وَمَفاسِدَها ، وَفِراخَها وَنَسْلَها ، فَقُلْنا عِنْدَ ذلِكَ : إِنَّهُ بَصِيرٌ لَا كَبَصَرٍ خَلْقِهِ(2)
وهناك زيادة على هذه الرواية جاءت في «الاحتجاج » ، ولا يخالجنا شكّ في أنّها منحولة . وليست من كلام الإمام؛ وذلك لعدم الدقة في التعبير ، وإعراض الشيخ الصدوق عنها.
.ومن مناظرات الإمام مع أهل المقالات والأديان هذه المناظرة التي جرت بينه وبين علي بن محمد بن الجهم ، فقد سأل الإمام (علیه السلام) قائلاً : يابن رسول الله ، أتقول بعصمة الأنبياء ؟
وأخذ يشكل على الإمام بهذه الآيات قائلاً: ما تقول(1)في قول الله عزّ وجلّ : «وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى»(2).
وقوله عزّ وجلَ :«وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ»(3).
وفي قوله عزّ وجلّ في يوسف :«وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا».(4)
وفي قوله عزّ وجل في داود:«وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ»(5).
وقوله تعالى في نبيه محمد (صلی الله علیه و آله) :«وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مِبْدِيهِ»(6).
وزجره الإمام لتمسكه بظواهر هذه الآيات، وهو لا يعلم تفسيرها وتأويلها ، وأخذ يتلو عليه تفسيرها قائلاً:
وأخذ الإمام في تفسير الآيات قائلاً:
أَمَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آدَمَ :«وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى»، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ حُجَّةٌ فِي أَرْضِهِ ، وَخَليفَةً فِي بِلادِهِ ، لَمْ يَخْلُقْهُ لِلْجَنَّةِ ، وَكانَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ لَا فِي الْأَرْضِ ، وَعِصْمَتُهُ تَجِبُ أَنْ تَكونَ فِي الْأَرْضِ لِيُتِمَّ مَقادِيرَ أَمْرِ اللَّهِ ، فَلَمَا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ وَجُعِلَ حُجَّةٌ وَخَلِيفَةٌ عُصِمَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ :«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ»(2).
وَأَمَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:« وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ» إِنَّمَا ظَنَّ بِمَعْنَى اسْتَيْقَنَ أَنَّ اللهَ لَنْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ، أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ»(3)، أَي ضَيَّقَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ، وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَفَرَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى يُوسُفَ : «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا» ، فَإِنَّها هَمَّتْ بِالْمَعْصِيَةِ ، وَهَمَّ يُوسُفُ بِقَتْلِها إِنْ أَجْبَرَتْهُ لِعِظَمِ ما تَداخَلَهُ ، فَصَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ قَتْلَها وَالْفَاحِشَةَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:«كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ»(4)،يَعْنِي الْقَتْلَ وَالزَّنا .
والتفت الإمام إلى عليّ بن الجهم ، فقال له : فَما يَقولُ مَنْ قِبَلُكُمْ فِيهِ ؟
وأخذ عليّ بن الجهم يتلو على الإمام ما أثر عنهم في تفسير الآية قائلاً : يقولون : إنّ داود (علیه السلام) كان في محرابه يصلّي ، فتصوّر له إبليس على صورة طير، أحسن ما يكون من الطيور ، فقطع داود صلاته ، وقام ليأخذ الطير ، فخرج الطير إلى الدار ، ثم خرج الطير إلى السطح ، فصعد في طلبه ، فسقط الطير في دار أوريا بن حنان ، فاطلع داود في أثر الطير ، فإذا بامرأة أوريا تغتسل ، فلما نظر إليها هواها ، وكان قد خرج أوريا في بعض غزواته ، فكتب إلى صاحبه أن قدم أوريا إلى التابوت ، فقدّم ، فظفر أوريا بالمشركين ، فصعب ذلك على داود ، فكتب إليه ثانية أن قدّمه أمام التابوت ، فقدّم ، فقتل أوريا ، فتزوّج داود امرأته.
وفي هذه الرواية نسبة الفحشاء والمنكر إلى نبي من أنبياء الله تعالى ، مضافاً إلى ما احتوته من الخرافة ، من ملاحقة داود إلى الطير ، وقد تأثر الإمام (علیه السلام) منها ، وقال :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ ، لَقَدْ نَسَبْتُمْ نَبِيَّاً مِنْ أَنْبِياءِ اللَّهِ إِلَى النَّهَاوُنِ بِصَلَاتِهِ حَتَّىٰ خَرَجَ في أَثَرِ الطَّيْرِ ، ثُمَّ الْفَاحِشَةِ ، ثُمَّ بِالْقَتْلِ .
وانبرى ابن الجهم يطلب من الإمام إيضاح الأمر منه ، قائلاً: يابن رسول الله ، فما كانت خطيئته ؟
وأجابه الإمام بما هو الواقع من قصة داود قائلاً : إِنَّ داودَ إِنَّما ظَنَّ أَنَّ ما خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلْقاً هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ الْمَلَكَيْنِ ، فَتَسَوَّرَ الْمِحْرَابَ ، فَقالا :«خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ»(1)، فَعَجَّلَ داودُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَقَالَ :«لَقَدْ ظَلَمَكَ
1) ص 38: 22 و 23.
بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ»(1)وَلِمَ يَسْأَلِ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلى ذلِكَ ، وَلَمْ يُقْبِلْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ : ما تَقولُ ؟ فَكانَ هذا خَطيئَتُهُ رَسْمَ الْحُكْمِ ، لَا مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ ، أَلَا تَسْمَعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ :«يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِع الْهَوَى»(2).
وطلب ابن الجهم من الإمام أن يوضّح له قصة داود مع أوريا قائلاً: يابن رسول الله ، فما قصته مع أوريا ؟
وأخذ الإمام (علیه السلام) يشرح له قضته قائلاً : إِنَّ الْمَرْأَةَ فِي أَيَّامٍ داود كانَتْ إِذا ماتَ بَعْلُها لَا تَتَزَوَّجُ بَعْدَهُ أَبَداً ، وَأَوَّلُ مَنْ أَبَاحَ اللهُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ قُتِلَ بَعْلُها كان داود (علیه السلام)، فَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أوربا لَمّا قُتِلَ ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُها ، فَذلِكَ الذي شَنَّ عَلَى النَّاسِ مِنْ قَتْلِ أَوْريا .
وَأَمَا مُحَمد (صلى الله عليه و آله و سلم) وَقَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ :«وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مِبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ»(3)، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَرَّفَ نَبِيَّهُ أَسْمَاءَ أَزْواجِهِ فِي دَارِ الدُّنْيا ، وَأَسْماءَ أَزْواجِهِ في دارِ الْآخِرَةِ ، وَإِنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِحْدَاهُنَّ مَنْ سُمِّيَ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، فَأَخْفى اسْمَهَا فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهِ لِكَيْلا يَقُولَ أَحَدُ الْمُنافِقِينَ : إِنَّهُ قالَ فِي امْرَأَةٍ في بَيْتِ رَجُلٍ أَنَّهَا إِحْدَى أَزْواجِهِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَخَشِيَ قَوْلَ الْمُنافِقِينَ ، فَقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:«وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ»، يَعْنى فى نَفْسِكَ ، وَأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ما تَوَلَّى تَزْويجَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ
إِلَّا تَزْويجَ حَوَاءَ مِنْ آدَمَ ، وَزَيْنَبَ مِنْ رَسولِ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) بِقَوْلِهِ :«فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا»(1)، وَفاطِمَةً مِنْ عَلِيٍّ (علیه السلام).
ولما سمع ذلك عليّ بن الجهم بكى ، وقال : يابن رسول الله ، أنا تائب إلى الله عزّ وجلّ من أن أنطق في أنبياء الله بعد يومي هذا إلا بما ذكرته(2).
هذه بعض مناظراته مع كبار الفلاسفة والعلماء من مختلف الأديان ، وقد أثبتت تفوقه عليهم، وإقرارهم له بالفضل ، واعترافهم بالعجز عن مجاراته ، فقد كان سلام الله عليه يملك طاقات هائلة من العلوم لا تحدّ .
وعرض المأمون على الإمام الرضا (علیه السلام) كوكبة من المسائل ، وأكبر الظنّ أنّه أراد
امتحانه بها ، فأجابه الإمام عنها ، وفيما يلي ذلك :
یابن رسول الله ، أليس قولك أنّ الأنبياء معصومون ؟
قال : بلى .
قال : فما معنى قول الله عزّ وجلّ :«وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى»(1)؟
إِنَّ اللهَ تَبارَكَ وَتَعالى قالَ لآدَمَ :«اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتَما وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ»، وَأَشارَ لَهُما إِلى شَجَرَةِ الْحُنْطَةِ «فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ»(2)، وَلَمْ يَقُلْ لَهُما : لَا تَأْكُلا مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ ، وَلَا مِمَّا كانَ مِنْ جِنْسِها ، فَلَمْ يَقْرَبَا تِلْكَ الشَّجَرَةَ وَلَمْ يَأْكُلا مِنْهَا ، وَإِنَّما أَكَلا مِنْ غَيْرِها ، وَلَمَا أَنْ وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ لَهُما وَقالَ :«مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ»(3)، وَإِنَّمَا يَنْهَاكُما أَنْ تَقْرَبا غَيْرَها ، وَلَمْ يَنْهَكُما عَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا «إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ»(4)، وَلَمْ يَكُنْ آدَمُ وَحَوَاءُ شَاهَدا قَبْلَ ذلِكَ مَنْ يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذباً ، فَدَلَّهُما بِغُرورهِ فَأَكَلا مِنْها ثِقَةٌ بيَمِينِهِ باللهِ ، وَكانَ ذلِكَ مِنْ آدَمَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذلِكَ بِذَنْبٍ كَبيرِ اسْتَحَقَّ بِهِ دُخول النّارِ ، وَإِنَّما كانَ مِنَ الصَّغائِرِ
الْمَوْهوبَةِ الَّتِي تَجوزُ عَلَى الْأَنْبِياءِ قَبْلَ نُزولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِمْ ، فَلَمَا اجْتَبَاهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ وَجَعَلَهُ
نَبِيَّاً كانَ مَعْصوماً لا يُذْنِبُ صَغِيرَةً وَلَا كَبيرَةً .
قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:«وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى»(1). وقال عَزَّ وَجَلَّ:«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ»(2).
ما معنى قول الله عزّ وجلّ :«فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا».
إِنَّ حَوَاءَ وَلَدَتْ لَآدَمَ خَمْسمانَةِ بَطْنِ ذَكَراً وأنثى ، وَإِنَّ آدَمَ وَحَوَاءَ عَاهَدا الله عَزَّ وَجَلَّ وَدَعَواهُ وَقالا : «لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً»(3)مِنَ النَّسْلِ خَلْقاً سَوِيّاً ، بَرِيئاً مِنَ الزَّمَانَةِ(4)وَالْعاهَةِ ، وَكانَ مَا آتَاهُما صِنْفَيْنِ : صِنفاً ذكراناً ، وَصِنفاً إناثاً ، فَجَعَلَ الصَّنْفَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ «شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا» ، وَلَمْ يَشْكُراهُ كَشَكْرٍ أَبَوَيْهِما لَهُ عَزَّ وَجَلَّ.
قالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعالى :«فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ».
أشهد أنك ابن رسول الله (صلی الله علیه و آله). أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ في حق إبراهيم : «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبَاً قَالَ هَذَا رَبِّي»؟
إِنَّ إِبْراهيمَ (علیه السلام) وَقَعَ إِلى ثَلاثَةِ أَصْنافِ : صِنْفٌ يَعْبُدُ الزَّهْرَةَ ، وَصِنف يَعْبُدُ الْقَمَرَ ،
وَصِنف يَعْبُدُ الشَّمْسَ ، وَذلِكَ حينَ خَرَجَ مِنَ السَّرْبِ(1)الَّذي أَخْفى فيهِ .
فَلَمَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرأَى الزُّهْرَةَ ، «قَالَ هَذَا رَبِّي» عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْإِسْتِخْبَارِ ، .
«فَلَمَّا أَفَلَ» الْكَوْكَبُ ، «قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ»(2)، لأنَّ الأقولَ مِنْ صِفاتِ الْمُحْدَثِ لَا مِنْ صِفاتِ الْقَديم .
«فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِعاً قَالَ هَذَا رَبِّي» عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْإِسْتِخْبَارِ .
«فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ»(3).
يَقولُ : لَوْ لَمْ يَهْدني رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ .
فَلَمّا أَصْبَحَ «رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةٌ قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ»(4)مِنَ الزُّهْرَةِ وَالْقَمَرِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْإِسْتِخْبارِ لَا عَلَى الْإِخْبَارِ وَالْإِقْرارِ ، فَلَمّا أَفَلَتْ قَالَ لِلْأَصْنافِ الثَّلَاثَةِ مِنْ عَبَدَةِ الزُّهْرَةِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ :«يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ»(5)، وَإِنَّما أَرادَ إِبْراهِيمُ بِما قالَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ بُطْلانَ دينِهِمْ ، وَيُثْبِتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعِبادَةَ لَا لِمَنْ كانَ بِصِفَةِ الزُّهْرَةِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ ، وَإِنَّما تَحِقُّ الْعِبادَةُ لِخَالِقِها وَخالِقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَكانَ ما احْتَجَّ بِهِ عَلى قَوْمِهِ مِمَّا أَلْهَمَهُ اللهُ تَعَالَى وَآتَاهُ ، كَما قالَ عَزَّ وَجَلَّ :«وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ»(6).
لله درّك يابن رسول الله ، أخبرني عن قول إبراهيم :«رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي».
فَقالَ إِبْرَاهِيمُ : بَلِ اللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
بارك الله فيك يا أبا الحسن ، أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ :«فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ».
إِنَّ مُوسى دَخَلَ مَدينَةٌ مِنْ مَدائِن فِرْعَوْنَ عَلى حين غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ، وَذَلِكَ بَيْنَ الْمَغْرب وَالْعِشَاءِ ، «فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْن يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِن عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِن عَدُوِّه» ، فَقَضَىٰ مُوسَى عَلَى الْعَدُوِّ ،
1) البقرة 2 : 260 .
بِحُكْمِ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ،«فَوَكَزَهُ» فَمَاتَ.
«قَالَ هَذَا مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ» يَعْنِى الْإِثْتِتالَ الَّذى وَقَعَ بَيْنَ الرَّجُلَيْن ، لَا مَا فَعَلَهُ مُوسَى مِنْ قَتْلِهِ ، أَنَّهُ - يعني الشيطان - «عَدُوٌّ مُضِلٌ مُبِينٌ»(1).
ما معنى قول موسی «رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي»؟
يَعْني : إِنِّي وَضَعْتُ نَفْسي غَيْرَ مَوْضِعِها بدخولي هذِهِ الْمَدينَةِ «فَاغْفِرْ لِي»، أَي اسْتَرْنِي مِنْ أَعْدائِكَ لِئَلَّا يَظْفُروا بي فَيَقْتُلُونِي «فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»(2).
قالَ مُوسى : «رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ» مِنَ الْقُوَّةِ حَتَّى قَتَلْتُ رَجُلاً بِوَكْزَةٍ «فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ»(3)، بَلْ أَجَاهِدُ في سَبِيلِكَ بِهَذِهِ الْقُوَّةِ حَتَّىٰ تَرْضَىٰ ، «فَأَصْبَحَ» مُوسَى «فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ» عَلَى آخَرَ «قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ»(4)قَاتَلْتَ رَجُلاً بِالْأَمْسِ ، وَتُقاتِلُ هذَا الْيَوْمَ ، لأُؤَدِّبَنَّكَ ، وَأَرادَ أَن يَبْطِشَ بِهِ «فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا» ، وَهُوَ مِنْ شَيعِتِهِ «قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ»(5).
جزاك الله عن أنبيائه خيراً يا أبا الحسن ، ما معنى قول موسى لفرعون : «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ»؟
إِنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِمُوسى لَمَا أَتَاهُ :«وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ
الکافرین»(1)بی.
قالَ مُوسى :«فَعَلْتُهَا إِذا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ»(2)عَنِ الطَّرِيقِ بوقوعي إِلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدائِتِكَ ، «فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمَا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ»(3)، وَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله) :«أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى»(4). يَقولُ : أَلَمْ يَجِدْكَ وحيداً فَآوى إلَيْكَ النّاسَ ، «وَوَجَدَكَ ضَالاً» يَعْني عِنْدَ قَوْمِكَ «فَهَدَى»(5)، أي هَداهُمْ إِلى مَعْرِفَتِكَ ، «وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى»(6). يَقولُ : أَغْناكَ بأَنْ جَعَلَ دُعاءَكَ مُسْتَجاباً .
بارك الله فيك يابن رسول الله ، ما معنى قول الله عزّ وجل :«وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي»(7)، كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران (علیه السلام) لا يعلم أنّ الله تبارك وتعالى ذكره ، لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال ؟
إِنَّ كَليم الله مُوسَى بْنَ عِمْرانَ عَلِمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعَزُّ(8)أَنْ يُرىَ بِالْأَبْصارِ ، وَلكِنَّهُ لَمَا كَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَرَّبَهُ نَجِيَا ، رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ وَناجاهُ ، فَقالوا : «لَن تُؤْمِنَ لَكَ» حَتَّى نَسْتَمِعَ كَلامَهُ كَما سَمِعْتَ ، وَكانَ الْقَوْمُ
سَبْعَمَائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ ، فَاخْتارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلاً لِميقاتِ رَبِّهِمْ ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلى طورِ سَيْناءَ فَأَقامَهُمْ في سَفَح الْجَبَلِ ، وَصَعَدَ مُوسَى إِلَى الطُّورِ ، وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُكَلِّمَهُ وَيُسْمِعَهُمْ كَلامَهُ ، فَكَلَّمَهُ اللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَسَمِعوا كَلامَهُ مِنْ فَوْقِ وَأَسْفَلِ ، وَيَمينِ وَشِمالٍ ، وَوَرَاءِ وَأَمامِ، لأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحْدَثَهُ فِي الشَّجَرَةِ ، وَجَعَلَهُ مُنْبَعِنَا مِنْهَا حَتَّىٰ سَمِعوهُ مِنْ جَميع الوجوه .
فَقالوا : «لَن نُّؤْمِنَ لَكَ» بِأَنَّ هَذَا الَّذِي سَمِعْناهُ كَلَامُهُ «حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً» ، فَلَمّا قالوا هذَا الْقَوْلَ الْعَظيمَ ، وَاسْتَكْبَرُوا وَعَتَوا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ صاعِقَةٌ فَأَخَذَتْهُمْ بِظُلْمِهِمْ ، فَماتوا . فَقالَ مُوسَى : يَا رَبِّ ، ما أَقولُ لِبَني إِسْرَائِيلَ إِذا رَجَعْتُ إِلَيْهِمْ وَقَالُوا : إِنَّكَ ذَهَبْتَ بِهِمْ فَقَتَلْتَهُمْ؛ لأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ صادِقاً فيما ادَّعَيْتَ مِنْ مُناجاةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاكَ ، فَأَحْيَاهُمُ اللهُ
وَبَعَثَهُمْ مَعَهُ
فَقالوا : إِنَّكَ لَوْ سَأَلْتَ اللهَ أَن يُرِيكَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ لأَجابَكَ ، وَكُنْتَ تُخْبِرُنَا كَيْفَ هُوَ فَنَعْرِفُهُ حَقُّ مَعْرِفَتِهِ.
فَقالَ مُوسى : يا قَوْمِ ، إِنَّ اللهَ لَا يُرى بِالْأَبْصارِ ، وَلَا كَيْفِيَّةً لَهُ ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِآيَاتِهِ ، وَيُعْلَمُ بِإِعْلامِهِ .
:فَقالوا :«لَن تُؤْمِنَ لَكَ» حَتَّى تَسْأَلُهُ .
فَقالَ مُوسَى : يَا رَبِّ ، إِنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ مَقَالَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِصَلاحِهِمْ .
فَأَوْحَى اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ : يا مُوسَى، سَلَّني ما سَأَلوكَ فَلَنْ أواخِذَكَ بِجَهْلِهِمْ .
فَعِنْدَ ذلِكَ قَالَ مُوسَى :«رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ وَهُوَ يَهْوِي فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ» بِآيَةٍ مِنْ آيَاتِهِ «جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ» :يَقولُ:
رَجَعْتُ إِلى مَعْرِفَتى بِكَ عَنْ جَهْلِ قَوْمى «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» مِنْهُمْ بأَنَّكَ لا تُرى .
وطفق المأمون يبدي إعجابه بمواهب الإمام ، وسعة معارفه وعلومه قائلاً: لله درّك يا أبا الحسن . أخبرني عن قول الله عزّ وجل :«وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ»(1)؟
لله درّك يا أبا الحسن . أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ :«وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ»؟
وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ»(2)، أَيْ ضَيَّقَ وَقَدَّرَ ، «فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ » أَيْ ظُلْمَةُ الْبَحْرِ ، وَظُلْمَةُ بَطْنِ الْحَوتِ «أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»(3)بِتَرْكي مِثْلَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الَّتِي قَدْ فَرَّغْتَنِي لَهَا فى بطن الحوتِ ، فَاسْتَجابَ اللهُ لَهُ ، وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ : «فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ»(4).
الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا»(1)؟
يَقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلٌ : «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ» مِنْ قَوْمِهِمْ ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِبوا جاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنا .
لله درّك يا أبا الحسن . أخبرني عن قول الله عز وجل : «لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ»(2)؟
لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ عِنْدَ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ أَعْظَمَ ذَنْباً مِنْ رَسولِ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) ؛ لأَنَّهُمْ كانوا يَعْبُدونَ مِن دونِ اللهِ ثَلاثَمانَةٍ وَسِتِّينَ صَنَماً ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ (صلی الله علیه و آله و سلم) بِالدَّعْوَةِ إِلى كَلِمَةِ الْإِخْلاصِ كَبُرَ ذلِكَ عَلَيْهِمْ وَعَظُمَ ، وَقالوا : ( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهَا وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقُ»(3).
فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ مَكَّةَ قَالَ لَهُ : يا مُحَمَّدُ ،«إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ»(4)عِنْدَ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ بِدُعَائِكَ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ فيما تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؛ لأَنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ ، وَخَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَكَّةَ ، وَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إِنكارِ التَّوْحِيدِ عَلَيْهِ ، إِذا دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ ، فَصارَ ذَنْبُهُ عِنْدَ ذلِكَ مَغْفُوراً بِظُهورِهِ عَلَيْهِمْ .
لله درّك يا أبا الحسن . أخبرني عن قول الله عزّ وَجَلَّ :«عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُم»(1)؟
هذا مِمَّا نَزَلَ بِ: إِيَّاكَ أَعْني وَاسْمَعي يا جارَةً، خاطَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذلِكَ نَبِيَّه وَأَرَادَ بِهِ أُمَّتَهُ ، وَكَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :«لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ»(2).
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : «وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدةً تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً»(3).
قال : صدقت یا بن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجل : «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مِبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ»؟
فَقالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: «أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقولُونَ قَوْلاً عَظِيماً»(4).
فَلَمّا عادَ زَيْدٌ إِلى مَنْزِلِهِ أَخْبَرَتْهُ امْرَأَتُهُ بِمَجِيءِ رَسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) ، وَقَوْلِهِ لَهَا : سُبْحانَ الَّذي خَلَقَكِ ، فَلَمْ يَعْلَمْ زَيْدُ ما أَرادَ بِذلِكَ ، وَظَنَّ أَنَّهُ قالَ ذلِكَ لِما أَعْجَبَتْهُ مِنْ حُسْنِها ،
فَجاءَ إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله و سلم) وَقالَ لَهُ : يَا رَسولَ اللهِ ، إِنَّ امْرَأَتي في خُلُقِها سوءٌ ، وَإِنِّي أُريدُ طَلاقها .
فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ، وَاتَّقِ اللهَ » ، وَقَدْ كانَ اللَّهُ عَرَّفَهُ عَدَدَ أَزْواجِهِ ، وَأَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ مِنْهُنَّ ، فَأَخْفى ذلِكَ فِي نَفْسَهِ ، وَلَمْ يُبْدِهِ لِزَيْدِ ، وَخَشِيَ النَّاسُ أَنْ يقولوا : إِنَّ مُحَمَّداً يَقولُ لِمَوْلاهُ : إِنَّ امْرَأَتَكَ سَتَكونُ لِي زَوْجَةٌ يَعِيبُونَهُ بِذلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ - يعني بالإسلام - وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ - يعني بالعتق - أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مِبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ».
ثُمَّ إِنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ طَلَّقَها وَاعْتَدَّتْ مِنْهُ ، فَزَوْجَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ نَبِيِّهِ مُحَمَّد (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وَأَنْزَلَ بِذلِكَ قُرْآناً ، فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً»(1). ثُمَّ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الْمُنافِقِينَ سَيَعيبُونَهُ بِتَزْوِيجِهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : «مَا كَانَ عَلَى النَّبِيُّ مِن حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ»(2).
وانتهت بذلك هذه المناظرة التي دلّلت على مدى ثروات الإمام العلمية ، وإحاطته الشاملة بكتاب الله العظيم ، فقد نزّه الإمام أنبياء الله العظام عن اقتراف المعصية ، وأثبت لهم العصمة بهذا البيان المدعم بالأدلة والبراهين الحاسمة .
وأشاد المأمون بمواهب الإمام ، وراح يقول : «شفيت صدري يابن رسول الله ، وأوضحت ما كان ملتبساً عليّ ، فجزاك الله عن أنبيائه وعن الإسلام خيراً».
وانصرف المأمون عن المجلس ، وأخذ بيد عمّ الإمام محمد بن جعفر فقال له : كيف رأيت ابن أخيك ؟
وانبرى محمّد يبدي إعجابه البالغ بالإمام قائلاً : إنّه عالم ، ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم .
وأوقفه المأمون على حقيقة الأمر قائلاً: إنّ ابن أخيك من أهل بيت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الذين قال فيهم النبي : « أَلَا إِنَّ أَبْرَارَ عِتْرَتي ، وَأَطائِبَ أَرومَتي ، أَحْلَمُ النّاسِ صِغاراً ، وَأَعْلَمُ النّاسِ كِباراً ، فَلَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ ، لَا يُخْرِجُونَكُمْ عَنْ هُدى، وَلَا يُدْخِلونَكُمْ فِي بَابِ ضَلالَةٍ ) .
ونقل عليّ بن الجهم ثناء المأمون وإطراءه على الإمام ، وما قاله فيه محمد بن جعفر ، فتبسّم الإمام وقال : لَا يَغُرَّنَّكَ ما سَمِعْتَهُ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ سَيَعْتالُني ، وَاللهُ تَعالى يَنْتَقِمُ لي مِنْهُ(1).
وتحقق تنبؤ الإمام (علیه السلام) ، فقد أترعت نفس المأمون بالكراهية والحسد للإمام على ما وهبه الله من الفضل والعلم ، فقدم على اقتراف أفظع جريمة في الإسلام ، فدسّ السمّ له واغتاله ، وبذلك فقد قضى على سليل النبوّة ، ومعدن العلم والحكمة في الأرض.
1) عيون أخبار الرضا (علیه السلام) : 1 : 195 - 204 .
ووفد أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدورقي ، المعروف ب(ابن السكيت) ، وهو من أجلّاء علماء عصره على الإمام الرضاء (علیه السلام)، وقدّم له السؤال التالي : لماذا بعث الله موسى بن عمران باليد البيضاء ، وبعث عيسى بآية الطبّ ، وبعث محمّداً بالكلام والخطب ؟
فأجابه الإمام بحكمة ذلك قائلاً : إِنَّ اللهَ لَمَا بَعَثَ مُوسى كانَ الْغَالِبُ عَلى أَهْل عَصْرِهِ السِّحْرَ ، فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِ الْقَوْمِ مِثْلُهُ ، وَبِما أَبْطَلَ بِهِ سِحْرَهُمْ وَأَثْبَتَ بهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ.
وَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ عيسى في وَقْتٍ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ الزَّماناتُ ، وَاحْتاجَ النَّاسُ إِلَى الطَّب ، فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ بِما لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِثْلُهُ ، وَبِما أَحْيا لَهُمُ الْمَوْتى ، وَأَبْرَأَ الأَكْمَة وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ.
وَإِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه و آله و سلم) فِي وَقْتِ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلى أَهْلِ عَصْرِهِ الْخُطَبَ وَالْكَلامَ(1)، فَأَتَاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ مَواعِظِهِ وَأَحْكامِهِ ما أَبْطَلَ بِهِ قَوْلَهُمْ ، وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ .
وبهر ابن السكّيت بعلم الإمام وراح يقول : والله ما رأيت مثلك قطّ ، فما الحجة على الخلق اليوم ؟
فأجابه الإمام : الْعَقْلُ يُعْرَفُ بِهِ الصَّادِقُ عَلَى اللهِ فَيُصَدِّقُهُ ، وَالْكاذِبُ عَلَى اللهِ فَيُكَذِّبُهُ».
1) قال الراوي لهذا الحديث : « وأظنّه كان الشعر » .
وطفق ابن السكّيت قائلاً: هذا هو والله الجواب(1).
لقد خلق الله العقل فجعله الحجّة على الإنسان ، فإذا ما أطاعه جلب الرحمة له ، وإذا عصاه جلب الشقاء له ، وبه يعرف الصادق من الكاذب ، والمحقِّ من المبطل . فهو الحجّة من الله على عباده .
1) الاحتجاج : 2 : 224 و 225 .
ودخل عليه رجل لم يذكر المؤرّخون اسمه ، فلمّا استقرّ به المجلس التفت إلى الإمام (علیه السلام) فقال له : يابن رسول الله ، ما الدليل على حدوث العالم ؟
فأجابه الإمام بالدليل الحاسم : إِنَّكَ لَمْ تَكُنْ ثُمَّ كُنْتَ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّكَ لَمْ تُكَوِّنْ نَفْسَكَ ، وَلَا كَونَكَ مَنْ هُوَ مِثْلُك(1).
1) الاحتجاج : 2: 170 و 171.
ومن بين احتجاجات الإمام الرضا (علیه السلام) هذا الاحتجاج الذي دلّل فيه على اصطفاء العترة الطاهرة ، وأقام على ذلك أوثق الأدلّة ، وكان ذلك بحضور المأمون ، وجماعة من علماء العراق وخراسان ، فقد سأل المأمون العلماء عن معنى هذه الآية : «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا»(1).
وبادر العلماء فقالوا : إنّ الذين اصطفاهم الله هم المسلمون كلّهم .
والتفت المأمون إلى الإمام ، فقال له : ما تقول يا أبا الحسن ؟
وسارع المأمون وقد استفزّه قول الإمام ، فقال : كيف عنى العترة دون الأمة ؟
وانبرى الإمام فأقام الدليل القاطع على ما ذهب إليه قائلاً: لَوْ أَرادَ الأُمَّةَ لَكَانَتْ بِأَجْمَعِها في الْجَنَّةِ ، وَاللهُ تَعَالَى يَقولُ : «فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ»(2).
وأضاف الإمام يقول : فَصارَتِ الْوِراثَةُ لِلْعِتْرَةِ الطَّاهِرَةِ لَا لِغَيْرِهِمْ ، هُمُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ في كِتَابِهِ ، فَقالَ : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً»(3).
وَهُمُ الَّذِينَ قالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): « إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ : كِتابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْنِي ، لَنْ يَفْتَرِفًا حَتَّى بَردا عَلَيَّ الْحَوْضَ . انْظُرُوا كَيْفَ تَخْلفوني فيهما .
أَيُّها النَّاسُ ، لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ»(1).
وسارع العلماء قائلين بصوت واحد : أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة : هم الآل أو غير الآل ؟
فقال (علیه السلام) : هم الآلُ.
واعترضوا على الإمام قائلين : هذا رَسولُ الله (صلی الله علیه و آله) یُؤَثِّرُ عَنْهُ أَنَّهُ قالَ : أمَّتي آلی ، وَ هَؤُلاءِ أَصْحابُهُ يَقولونَ بِالْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ الَّذي لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ آلُ مُحَمَّدٍ أُمَّتُهُ .
وأخذ الإمام يردّ على افتعال الحديث وعدم صحّته قائلاً: أَخْبِرُونِي هَلْ تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ؟
نعم .
هَلْ تَحْرُمُ - أي الصدقة - عَلَى الْأُمَّةِ ؟
لا .
وسارع الإمام بعد إقامة الحجّة عليهم قائلاً: هذا فَرْقٌ بَيْنَ الآلِ وَبَيْنَ الْأُمَّةِ . وَيْحَكُمْ أَيْنَ يَذْهَبُ بِكُمْ « أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ»(2). أَما عَلِمْتُمْ إِنَّمَا وَقَعَتِ الرَّوايَةُ في الظَّاهِرِ عَلَى الْمُصْطَفَينَ الْمُهْتَدِينَ دونَ سَائِرِهِمْ .
وقالوا جميعاً : من أين قلت يا أبا الحسن ؟
وأخذ الإمام يتلو عليهم فضل العترة الطاهرة قائلاً : مِنْ قَوْلِ اللهِ : «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُهْتَدِ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ»(1)، فَصارَتْ وِراثَةُ النُّبُوَّةِ وَالْكِتابِ فِي الْمُهْتَدِينَ دونَ الْفَاسِقِينَ .
أَما عَلِمْتُمْ أَنَّ نوحاً سَأَلَ رَبَّهُ فَقَالَ : «وَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ»(2)؛ وَذلِكَ أَنَّ اللهَ وَعَدَهُ أَنْ يُنْجِيَهُ وَأَهْلَهُ ، فَقَالَ لَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ»(3).
وتميّز المأمون غضباً وغيظاً قائلاً : هل فضل الله العترة على سائر الناس ؟
وبادر الإمام قائلاً : إِنَّ اللهَ الْعَزِيزَ الْجَبَارَ فَضَّلَ الْعِتْرَةَ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ فِي مُحْكَمِ کِتابِه.
وراح المأمون يقول : أين ذلك من كتاب الله.
و انبرى الإمام يتلو عليه كوكبة من الآيات الكريمة التي أشادت بفضل أهل البيت (علیهم السلام) قائلاً: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ *ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ»(4).
وَقالَ اللهُ في مَوْضِع آخَرٍ : «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُلْكَاً عَظِيماً»(5).
ثُمَّ رَدَّ الْمُخاطَبَةَ في أَثَرِ هذا إِلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَقالَ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(1)يَعْني الذينَ أَوْرَتَهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَحُسِدوا عَلَيْهِما بِقَوْلِهِ : «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِيماً» يَعْني الطَاعَةَ لِلْمُصْطَفَينَ الطَّاهِرينَ ، وَالْمُلْكُ هاهنا الطَّاعَةُ لَهُمْ .
وانبرى العلماء قائلين : هل فسّر الله تعالى الاصطفاء في الكتاب ؟
وأجابهم الإمام : فَسَّرَ الْإِصْطِفَاءَ في الظَّاهِرِ سِوَى الْبَاطِنِ فِي إِثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعاً :
فَأَوَّلُ ذلِكَ قَوْلُ اللهِ : «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »(2)وَرَهْطَكَ الْمُخْلِصِينَ» ، هكذا في قِراءَةِ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَلَمَا أَمَرَ عُثْمَانُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَنْ يَجْمَعَ الْقُرْآنَ خَنَسَ هَذِهِ الْآيَةَ(3)، وَهَذِهِ مَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ ، وَفَضْلٌ عَظِيمٌ ، وَشَرَفٌ عالٍ عَلَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بذلِكَ الآلَ ، فَهَذِهِ واحِدَةٌ .
وَالآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْإِصْطِفَاءِ قَوْلُ اللَّهِ : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(4)، وَهذَا الْفَضْلُ الَّذي لَا يَجْحَدُهُ مُعانِدٌ؛ لأَنَّهُ فَضْلٌ بَيِّنٌ .
وَالآيَةُ الثَّالِثَةُ : حينَ مَيَّزَ اللَّهُ الطَّاهِرِينَ مِنْ خَلْقِهِ أَمْرَ نَبِيَّهُ فِي آيَةِ الْإِبْتِهالِ ، فَقالَ: «فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ»(5)، فَأَبْرَزَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم) عَلِيّا وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ
وَفاطِمَةَ (علیها السلام) ، فَقَرَنَ أَنْفُسَهُمْ بِنَفْسِهِ .
ثم التفت الإمام إلى العلماء فقال لهم : هَلْ تَدْرُونَ ما مَعْنى قَوْلِهِ : «وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ»؟
وأجاب العلماء : عنی به نفسه.
فقال (علیه السلام) : غَلَطْتُمْ ، إِنَّما عَنى بِهِ عَلِيّاً(1)، وَمِمَا يَدُلُّ عَلَى ذلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله و سلم) حِينَ قالَ : لينتهي بنو وَليعَةَ(2)، أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْهِمْ رَجُلاً كَنَفْسي ، يَعْني عَلِيّاً(علیه السلام)(3)
فاطمة (علیها السلام) ، وقد اتفق جمهور المفسّرين على ذلك .
، فَهَذِهِ خُصوصِيَّةٌ لَا يَتَقَدَّمُها أَحَدٌ ، وَفَضْلٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ بَشَرٌ ، وَشَرَفٌ لَا يَسْبِقُهُ إِلَيْهِ خَلْقٌ ، إِذْ جَعَلَ نَفْسَ عَلَى كَنَفْسِهِ ، فَهَذِهِ الثَّالِثَةُ.وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: فَإِخْرَاجُهُ النَّاسَ مِنْ مَسْجِدِهِ ما خَلَا الْعِتْرَةَ ، حينَ تُكَلِّمَ فِي ذلِكَ ، وَتَكَلَّمَ الْعَبّاسُ ، فَقالَ : يا رسولَ اللهِ ، تَرَكْتَ عَلِيّاً وَأَخْرَجْتَنا .
فَقالَ رَسولُ الله (صلی الله علیه و آله): « ما أَنا تَرَكْتُهُ وَأَخْرَجْتُكُمْ ، وَلكِنَّ اللهَ تَرَكَهُ وَأَخْرَجَكُمْ»، وفي هذا بَيانُ قَوْلِهِ لِعَلِيَّ (علیه السلام) : « أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى».
وقال العلماء : فأين هذا من القرآن ؟
فأجابهم الإمام : إِنَّ ذلِكَ مَوْجودٌ فِي الْقُرْآنِ الْكَريم.
فقالوا له : هات .
فتلا عليهم قول الله تعالى : «وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةٌ»(1)، فَفي هذِهِ الْآيَةِ مَنْزِلَةٌ هارونَ مِنْ مُوسَى ، وَفِيها أَيْضاً مَنْزلَةً عَلى (علیه السلام) مِنْ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله) ، وَمَعَ هذا دليل ظاهِرٌ في قَوْلِ رَسولِ الله (صلی الله علیه و آله) : « إِنَّ هَذَا الْمَسْجِدَ لَا يَحِلُّ لِجُنُبِ وَلَا لِحَائِضِ إِلَّا لِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ » .
وأنكرت العلماء معرفة ذلك ، وقالوا للإمام : هذا الشرح وهذا البيان لا يوجد ، إلا عندكم معشر أهل بيت رسول الله (صلی الله علیه و آله) ؟
فأجابهم الإمام : وَمَنْ يُنْكِرُ لَنا ذلِكَ ؟ وَرَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) يقولُ: «أَنا مَدينَةُ الْعِلْم وَعَلِيٌّ بابها ، فَمَنْ أَرَادَ مَدِينَةَ الْعِلْمِ فَلْيَأْتِهَا مِنْ بابِها»، فَفَيمَا أَوْضَحْنا وَشَرَحْنَا مِنَ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ وَالتَّقْدِمَةِ وَالْإِصْطَفَاءِ وَالطَّهَارَةِ ما لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مُعَانِدٌ ، وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْحَمْدُ عَلَى ذلِكَ ، فَهَذِهِ الرابعة
وأَمَّا الْخامِسَةُ : فَقَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ»(2)خُصوصِيَّةٌ خَصَّهُمُ اللهُ الْعَزِيزُ الْجَبَارُ بها ، وَاصْطَفاهُمْ عَلَى الأُمَّةِ ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله) قالَ : ادْعوا لي فاطِمَةَ ، فَدَعْوها لَهُ ، فَقالَ: يا فاطِمَةُ .
فَقالَتْ : لَبَّيْكَ يا رَسولَ اللهِ .
فقالَ : إِنَّ فَدَكاً لَمْ يوجَفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكابٍ ، وَهِيَ لي خاصَّةٌ دونَ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ جَعَلْتُها لَكِ ، لِما أَمَرَنِي اللهُ بِهِ ، فَخُذيها لَكِ وَلِوِلْدِكَ ، فَهَذِهِ الْخامِسَةُ .
وَأَمَا السَّادِسَةُ : فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي
الْقُرْبَى»(1)، فَهَذِهِ خُصوصِيَّةٌ لِلنَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله) دونَ الْأَنْبِياءِ ، وَخُصوصِيَّةٌ لِلْآلِ دونَ غَيْرِهِمْ ، وَذلِكَ أَنَّ اللهَ حَكَى عَنْ الْأَنْبِياءِ فِي ذِكْرِ نُوح(علیه السلام) : «وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُم عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ »(2).
وَحَكَى عَنْ هُودٍ ، قَالَ : «يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ»(3).
وَقالَ لِنَبِيَّهِ : «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» ، وَلَمْ يَفْرِضِ اللهُ مَوَدَّتَهُمْ ، إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَرْتَدُونَ عَن الدّين أَبَداً ، وَلَا يَرْجِعونَ إِلى ضَلالَةٍ أَبَداً .
وَأَخْرى : أَنْ يَكونَ الرَّجُلُ واداً لِلرَّجُل ، فَيَكونُ بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِهِ عَدُوا لَهُ فَلَا يَسْلَمُ قَلْبٌ ، فَأَحَبَّ اللَّهُ أَنْ لَا يَكونَ فِي قَلْبِ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله) عَلَى الْمُؤْمِنِينَ شَيْءٌ؛ إِذْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ مَوَدَّةَ ذَوى الْقُرْبى ، فَمَنْ أَخَذَ بها وَأَحَبَّ رَسولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله) وَأَحَبَّ أَهْلَ بَيْتِهِ (علیهم السلام) لَمْ يَسْتَطِعْ رَسولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله) أَنْ يُبْغِضَهُ ، وَمَنْ تَرَكَهَا وَلَمْ يَأْخُذْها وَأَبْغَضَ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ (صلی الله علیه و آله) فَعَلَى رَسولِ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) أَنْ يُبْغِضَهُ، لأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ فَريضَةً مِنْ فَرائِضِ اللَّهِ ، وَأَيُّ فَضيلَةٍ وَأَيُّ شَرَفٍ يَتَقَدِّمُ هذا .
وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ (صلی الله علیه و آله) : «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» قامَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) في أَصْحَابِهِ ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرْضاً ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُؤَدَوهُ ؟ » ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ .
فَقامَ فِيهِمْ يَوْماً ثانياً ، فَقالَ مِثْلَ ذلِكَ ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ .
فَقامَ فيهِمُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ ، فَقالَ: «أَيُّها النّاسُ ، إِنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمْ فَرْضاً ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُؤدَوهُ ؟» ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ.
فَقالَ: «أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّهُ لَيْسَ ذَهَباً وَلَا فِضَّةٌ ، وَلَا مَأكولاً وَلَا مَشروباً».
قالوا : فَهاتِ إِذا ، فَتَلا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.
فَقالوا : أَمَّا هَذِهِ فَنَعَمْ ، فَما وَفي بِها أَكْثَرُهُمْ .
وأضاف الإمام قائلاً : حَدَّثَني أبي ، عَنْ جَدّي ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (علیه السلام)، قَالَ : «اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرونَ وَالْأَنْصَارُ إِلى رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله) . قالوا : إِنَّ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَؤونَةٌ فِي نَفَقَتِكَ ، وَفِيمَنْ يَأْتيكَ مِنَ الْوفودِ ، وَهَذِهِ أَمْوالُنَا مَعَ دِمائِنا ، فَاحْكُمْ فيها باراً مأجوراً ، أَعْطِ ما شِئْتَ ، وَأَمْسِكَ ما شِئْتَ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ الرّوحَ الْأَمِينَ ، فَقالَ : يا مُحَمَّدُ «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» لَا تُؤذوا قَرابَتي مِنْ بَعْدِي ، فَخَرجوا .
فَقالَ أَناسٌ مِنْهُمْ : ما حَمَلَ رَسُولَ اللهِ عَلَى تَرْكِ ما عَرَضْنَا عَلَيْهِ إِلَّا لِبَحُثْنَا عَلَى قَرابَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ، إِنْ هُوَ إِلَّا شَيْءٌ افْتَرَاهُ في مَجْلِسِهِ ، وَكانَ ذلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ عَظيماً ، فَأَنْزَلَ اللهُ هذِهِ الْآيَةَ : «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»(1)، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ الله فَقالَ : هَلْ مِنْ حَدَثٍ ؟
فَقالوا : إِن وَاللهِ يا رَسولَ اللهِ ، لَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُنَا كَلاماً عَظيماً فَكَرِمْناهُ ، فَتَلا عَلَيْهِمْ رَسولُ اللهِ الآية فَبَكُوا وَاشْتَدَّ بُكاؤُهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: «وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ
1) الأحقاف 8:46.
عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ»(1)، فَهَذِهِ السّادِسَةُ .
وَأَمَا السَّابِعَةُ : فَيَقُولُ اللَّهُ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلَّمُوا تَسْلِيماً»(2)، وَقَدْ عَلِمَ الْمُعانِدُونَ مِنْهُمْ أَنَّهُ لَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قالوا : يا رسولَ اللهِ ، قَدْ عَرَفْنا التَّسْلِيمَ عَلَيْكَ ، فَكَيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْكَ ؟
فَقالَ : « تَقولونَ: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّد كَما صَلَّيْتَ عَلى إِبْراهيمَ وَآلِ إِبْراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجِيدٌ».
والتفت الإمام إلى العلماء فقال لهم : هَلْ في هذا اخْتِلافٌ ؟
فقالوا جميعاً بصوت واحد : لا .
وانبرى المأمون ، فقال : هذا ما لا اختلاف فيه ، وعليه الإجماع ، فهل عندك في الآل شيء أوضح من هذا في القرآن ؟
وأخذ الإمام يدلي بمزيد من الأدلة الحاسمة على فضل آل البيت (علیه السلام) قائلاً: أَخْبِروني عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : «يَسَ * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيم»(3)، فَمَنْ عَنى بِقَوْلِهِ : «يس»؟
فقالت العلماء : عنى بذلك محمداً (صلی الله علیه و آله) ما في ذلك شكّ .
والتفت الإمام للحاضرين فقال لهم : أَعْطَى اللهُ مُحَمَّداً وَآلَ مُحَمَّدٍ مِنْ ذلِكَ فَضْلاً لَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ كُنْهَ وَصْفِهِ لِمَنْ عَقِلَهُ ، وَذلِكَ أَنَّ اللهَ لَمْ يُسَلَّمْ عَلى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى الأَنْبِياءِ صَلواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : «سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ»(4).
وَقالَ : «سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»(1).
وَقالَ : «سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ»(2)، وَلَمْ يَقُلْ : سَلامٌ عَلى آلِ نُوح ، وَلَمْ يَقُلْ : سَلامٌ عَلى آلِ إِبْراهِيمَ، وَلَا قَالَ: سَلامٌ عَلى آلِ مُوسى وهارونَ ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : «سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ»(3)، يَعْنِي آلَ مُحَمَّدٍ .
والتفت المأمون إلى الإمام فقال له : لقد علمت أنّ في معدن النبوة شرح هذا وبيانه .
وَأَمَا الثَّامِنَةُ : فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى»(4)، فَقَرَنَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى مَعَ سَهْمِهِ وَسَهُم رَسُولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله)، فَهذا فَصْلٌ بَيْنِ الآلِ وَالأُمَّةِ ؛ لأنَّ اللهَ جَعَلَهُمْ فِي حَيِّز وَجَعَلَ النَّاسَ كُلُّهُمْ فِي حَيِّز دونَ ذلِكَ ، وَرَضِيَ لَهُمْ ما رَضِيَ لِنَفْسِهِ ، وَاصْطَفاهُمْ فِيهِ وَابْتَدَأَ بِنَفْسِهِ ، ثُمَّ تَنَى بِرَسُولِهِ ، ثُمَّ بِذِي الْقُرْبى في كُلِّ ما كانَ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا رَضِيَهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ وَرَضِيَهُ لَهُمْ ، فَقالَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ : «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى» ، فَهذا تَوْكِيدٌ مُؤَكَّدٌ ، وَأَمْرٌ دائِمٌ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ في كِتابِ اللهِ النَّاطِقِ الَّذِي «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِن حَكِيم حَمِيدٍ»(5).
وَأَمَّا قَوْلُهُ : «وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ» ، فَإِنَّ الْيَتِيمَ إِذا انْقَطَعَ يُتْمُهُ خَرَجَ مِنَ الْمَعَانِمِ ،
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْمَغْنَمِ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ ، وَسَهُمُ ذِي الْقُرْبَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قائِمٌ لِلْغَنى والفقير؛ لأَنَّهُ لَا أَحَدَ أَغْنى مِنَ اللهِ وَلَا مِنْ رَسُولِهِ (صلی الله علیه و آله) ، فَجَعَلَ لِنَفْسِهِ مِنْهَا سَهْماً ، وَلِرَسُولِهِ سَهْماً ، فَما رَضِيَ لَهُ وَلِرَسولِهِ رَضِيَهُ لَهُمْ .
وَكَذلِكَ الْفَيْءُ ما رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ وَلنَبِيِّهِ (صلی الله علیه و آله) رَضِيَهُ لِذي الْقُرْبى ، كَما جازَ لَهُمْ الْغَنِيمَةِ ، فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ ، ثُمَّ بِرَسُولِهِ (صلی الله علیه و آله) ، ثُمَّ بِهِمْ ، وَقَرَنَ سَهْمَهُمْ بِسَهْمِ اللهِ وَسَهْمِ رَسولِهِ الله (صلی الله علیه و آله).
وَكَذلِكَ في الطَّاعَةِ . قالَ عَزَّ وَجَلَّ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(1)، فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ ، ثُمَّ بِرَسُولِهِ ، ثُمَّ بِأَهْلِ بَيْتِهِ .
وَكَذلِكَ آيَةُ الْوَلايَةِ : «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا»(2)، فَجَعَلَ وَلَا يَتَهُمْ مَعَ طَاعَةِ الرَّسُولِ مَفْرُونَةٌ بِطَاعَتِهِ ، كَمَا جَعَلَ سَهْمَهُ مَعَ سَهْمِ الرَّسُولِ مَفْرُونَا بِأَسْهُمِهِمْ فِي هذَا الْبَيْتِ .
فَلَمّا جاءَتْ قِصَّةُ الصَّدَقَةِ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَزَّ ذِكْرُهُ ، وَنَزَّهَ رَسولَهُ (صلی الله علیه و آله)، وَنَزَّهَ أَهْلَ بَيْتِهِ عَنْهَا ،فَقالَ : «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةٌ مِنَ اللهِ»(3)، فَهَلْ تَجِدُ في شَيْءٍ مِنْ ذلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ لِنَفْسِهِ سَهْماً أَوْ لِرَسُولِهِ (صلی الله علیه و آله) أَوْ لِلذِي الْقُرْبى؛ لأَنَّهُ لَمَا نَزَّهَهُمْ عَنِ الصَّدَقَةِ نَزَّهَ نَفْسَهُ ، وَنَزَّهَ رَسولَهُ ، وَنَزَّهَ أَهْلَ بَيْتِهِ ، لَا بَلْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ؛ لأَنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، وَهِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ لَا تَحِلُّ لَهُمْ؛ لأَنَّهُمْ طُهَرُوا مِنْ
كُلِّ دَنَسٍ وَوَسَخ ، فَلَمّا طَهَّرَهُمْ وَاصْطَفاهُمْ رَضِيَ لَهُمْ ما رَضِيَ لِنَفْسِهِ ، وَكَرِهَ لَهُمْ ما كَرِهَ لِنَفْسِهِ .
وَأَما التَّاسِعَةُ : فَنَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ الَّذِينَ قالَ اللهُ في مُحْكَمِ كِتَابِهِ : «فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُم لَا تَعْلَمُونَ»(1).
واعترض العلماء على الإمام ، فقالوا له : إنّما عنى بذلك اليهود والنصارى .
وأبطل الإمام ما ذهبوا إليه فقال : وَهَلْ يَجوزُ ذلِكَ إذا يَدعونا إلى دينهم ؟ وَيَقولونَ: إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ دِينِ الْإِسْلامِ؟
والتفت المأمون إلى الإمام يطلب منه المزيد من الايضاح فيما قاله قائلاً: هل عندك في ذلك شرح يخالف ما قالوا ؟
وَأَمَا الْعَاشِرَةُ : فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ التَّحْريم : «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ»(3).
وخاطب الإمام العلماء ، فقال لهم : أَخْبِروني هَلْ تَصْلُحُ ابْتَني أَوِ ابْنَةُ ابْني أو ما تَناسَلَ مِنْ صُلْبي لِرَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله) أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لَوْ كَانَ حَيَّاً ؟
فقالوا مجمعين : لا .
وسألهم الإمام ثانياً ، فقال لهم : أَخْبِروني هَلْ َكانَتِ ابْنَةُ أَحَدِكُمْ تَصْلُحْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَها ؟
فَفى هذا بَيانٌ أَنَا مِنْ آلِهِ وَلَسْتُمْ مِنْ آلِهِ ، وَلَوْ كُنتُمْ مِنْ آلِهِ لَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ بَناتُكُمْ كَما حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بَناتي؛ لأنَا مِنْ آلِهِ وَأَنْتُمْ مِنْ أُمَّتِهِ ، فَهذا فَرْقُ بَيْنَ الآلِ وَالأمة؛ لأن الآل مِنْهُ وَالأمَّةُ إِذا لَمْ تَكُنِ الآلُ فَلَيْسَتْ مِنْهُ ، فَهَذِهِ الْعَاشِرَةِ .
وَأَمَّا الْحادِيَةَ عَشَرَةَ : فَقَوْلُهُ في سورَةِ الْمُؤْمِنِ حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ رَجُلٍ : «وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُم بالْبَيِّنَاتِ مِن رَبَّكُمْ»(1)، وَكَانَ ابْنَ حَالِ فِرْعَوْنَ فَنَسَبَهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِنَسَبِهِ ، وَلَمْ يُضِفْهُ إِلَيْهِ بِدينِهِ ، وَكَذلِكَ حُصِّصْنا نَحْنُ إِذ كُنَّا مِنْ آلِ رَسولِ (صلی الله علیه و آله) بِوَلادَتِنَا مِنْهُ ، وَعَمَّمْنا النَّاسَ بِدينِهِ ، فَهذا فَرْقَ بَيْنَ الآلِ وَالأمَّةِ ، فَهَذِهِ الْحادِيَةُ عَشَرَةَ .
وَأَمَا الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ ، فَقَوْلُهُ : «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا»(2)، فَخَصَّنا بِهَذِهِ الْخُصوصِيَّةِ : إِذْ أَمَرَنَا مَعَ أَمْرِهِ ، ثُمَّ خَصَّنا دونَ الأُمَّةِ ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) يَجِيءُ إِلى بَابِ عَلِيَّ وَفاطِمَةَ(علیهما السلام) بَعْدَ نُزولِ هَذِهِ الْآيَةِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ، فِي كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ حُضورِ كُلِّ صَلاةٍ خَمْسَ مَرَاتٍ ، فَيَقولُ : « الصَّلاةَ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ» ، وَمَا أَكْرَمَ اللَّهُ أَحَداً مِنْ ذَرَارِي الْأَنْبِياءِ بِهَذِهِ الْكَرَامَةِ التي أَكْرَمَنَا بِها وَخَصَّنَا مِنْ جَميع أَهْلِ بَيْتِهِ ، فَهَذا فَرْقٌ
ما بَيْنَ الآلِ وَالأمة.
وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمينَ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ(1)
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض احتجاجات الإمام الرضا(علیه السلام) ، وهي تمثّل جانباً من حياته العلمية ، ونضاله في الدفاع عن الإسلام.
1) تحف العقول : 425 - 436 . أمالي الصدوق : 625 - 636. بحار الأنوار : 25: 233 - 244 . الحدائق الناضرة : 12: 403 - 414 .
ونقل المؤرّخون والرواة أنّ الإمام الرضا (علیه السلام) ألف مجموعة من الكتب ، كان بعضها بطلب من المأمون ، وقد خاض في بعضها في بيان أحكام الشريعة ، ومهمّات مسائل الفقه ، كما دوّن في بعضها ما أثر عن جده الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) من الأحاديث ، وقد سمّي هذا بمسند الامام الرضا (علیه السلام)، ومن بين مؤلفاته الرسالة الذهبية في الطبّ ، ذكر فيها الإمام (علیه السلام) ما يصلح بدن الإنسان ومزاجه ، وما يفسده ، وهي من أمّهات الكتب الموجزة في هذا الفنّ. ونعرض فيما يلي لبعض مؤلّفاته :
وأوعز المأمون إلى وزيره الفضل بن سهل أن يتشرّف بمقابلة الإمام الرضا (علیه السلام) ويقول له : إنّي أحبّ أن تجمع لي من الحلال والحرام ، والفرائض والسنن ، فإنّك حجة الله على خلقه، ومعدن العلم .
وأجاب الإمام طلب المأمون ، وأمر بدواة وقرطاس ، فأحضر تاله ، وأمر الفضل أن يكتب فأملى عليه بعد البسملة هذه الرسالة الجامعة لغرر أحكام الشريعة ، وفيما يلي نصها :
«حَسْبُنَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، أَحَداً ، صَمَداً ، لَمْ يَتَّخِذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً ، قَيُّوماً ، سميعاً ، بصيراً قوياً ، قائِماً ، باقياً ، نوراً ، عالماً
لَا يَجْهَلُ ، قادِراً لَا يَعْجِزُ، غَنِيّاً لَا يَحْتاجُ ، عَدْلاً لَا يَجورُ ، خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، لَا شِبْهَ لَهُ ، وَلَا ضِدَّ وَلَا نِدَّ وَلَا كُفُوَ .
... وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَمِينُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ ، سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ، وَخاتَمُ النَّبِيِّينَ ، وَأَفْضَلُ الْعالَمينَ ، لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ ، وَلَا تَبْدِيلَ لمثْله ، وَلَا تَغْيير.
وَأَنَّ جَميعَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه و آله و سلم) إِنَّهُ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ، نُصَدِّقُ بِهِ وَبِجَمِيعِ مَنْ مَضَى مِنْ رُسُلِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَحُجَجِهِ ، وَنُصَدِّقُ بِكِتَابِهِ الصَّادِقِ «لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ»(1)، وَإِنَّهُ كِتابُهُ الْمُهَيْمِنُ عَلَى الْكُتُبِ كُلّها ، وَإِنَّهُ حَقٌّ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى حَاتِمَتِهِ ، نُؤْمِنُ بِمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ ، وَخاصَهِ وَعامِّهِ ، وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ، وَناسِخِهِ وَمَنْسوخِهِ وَأَخْبَارِهِ ، لَا يَقْدِرُ واحِدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ أَنْ يَأْتِي بِمِثْلِهِ.
وَأَنَّ الدليلَ وَالْحُجَّةَ مِنْ بَعْدِهِ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْقائِمُ بِأمورِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالنَّاطِقُ عَنِ الْقُرْآنِ ، وَالْعالِمُ بِأَحْكامِهِ أَخوهُ ، وَخَليفَتُهُ وَوَصِيُّهُ ، وَالَّذِي كانَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإمامُ الْمُتَّقِينَ ، وَقائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ ، يَعْسوبُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَفْضَلُ الْوَصِيِّينَ بَعْدَ النَّبِيِّينَ ، وَبَعْدَهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ (علیه السلام) ، واحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ
1) فصلت 42:41.
إِلى يَوْمِنا هذا ، عِتْرَةُ الرَّسُولِ ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْكِتابِ وَالسُّنَّةِ ، وَأَعْدَلُهُمْ بِالْقَضِيَّةِ ، وَأَوْلاهُمْ بِالْإِمَامَةِ فِي كُلِّ عَصْرِ وَزَمَانٍ ، وَإِنَّهُمُ الْعُرْوَةُ الْوثْقَى ، وَأَئِمَّةُ الْهُدى ، وَالْحُجَّةُ عَلى أَهْلِ الدُّنْيا حَتَّى يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ، وَهُوَ خَيْرُ الْوارِثينَ.
وَأَنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَهُمْ ضَالٌ مُضِلَّ ، تارِكْ لِلْحَقِّ وَالْهُدى ، وَأَنَّهُمُ الْمُعَبِّرُونَ عَنِ الْقُرْآنِ ، النَّاطِقُونَ عَنِ الرَّسُولِ بِالْبَيانِ ، مَنْ ماتَ لَا يَعْرِفُهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ، وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةٌ.
وَأَنَّ مِنْ دينهُمُ الْوَرَعَ وَالْعِفَّةَ ، وَالصَّدْقَ وَالصَّلاحَ، وَالْإِجْتِهادَ وَأَداءَ الْأَمَانَةِ إِلَى الْبِرِّ وَالْفَاجِرِ، وَطُولَ السُّجودِ وَالْقِيامِ بِاللَّيْلِ ، وَاجْتِنابِ الْمَحارِمِ ، وَانْتِظارَ الْفَرَج بِالصَّبْرِ، وَحُسْنَ الصُّحْبَةِ ، وَحُسْنَ الْجِوارِ ، وَبَذْلَ الْمَعْرُوفِ ، وَكَفَّ الأذى ، وَبَسْطَ الْوَجْهِ وَالنَّصِيحَةَ وَالرَّحْمَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وحكى هذا المقطع الثناء على الله تعالى وتمجيده ، وذكر بعض صفاته ، كما حفل بالثناء على الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله)، وأنه الملهم الأول لفكر الإنسان بالخير والفضل ، وأنّه هو الذي اختاره الله تعالى لرسالته ، وإنقاذ عباده من حضيض الجهل ، وقد أتحفه تعالى بالمعجزة الخالدة ، وهي القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فهو الدستور لإصلاح الإنسان ، ومعالجة جميع قضاياه ومشاكله.
كما عرض الإمام (علیه السلام) إلى رائد الحقّ والعدالة في الإسلام وصيّ الرسول وخليفته من بعده الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، وإمام المتّقين ، وأفضل الوصيين ، وأشاد (علیه السلام)
بالأئمة الطاهرين الذين هم على الخير أدلّة هذه الأمة إلى الجنّة ومسالكها ، الناطقون عن الرسول (صلی الله علیه و آله) والمعبرون عن القرآن ، فقد أدّوا أمانة الله ، وأوضحوا أحكامه ،
وبلّغوا رسالته .
ویعد هذا العرض شرع الإمام (علیه السلام) في بيان جوامع الشريعة الغراء ، قال :
الْوُضوءُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ غَسْلُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ ، واحِدٌ فَريضةٌ ، وَإِثْنَانِ إِسْباعٌ ، وَمَنْ زادَ أَثِمَ وَلَمْ يُؤْجَرْ،وَلَا يَنْقُضُ الوضوءَ إِلَّا الرّيحُ وَالْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَالنَّوْمُ وَالْجَنابَةُ .
وَمَنْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَدْ خَالَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَكِتابَهُ ، وَلَمْ يَجْزِ عَنْهُ وضوءُهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيّاً (علیه السلام) خالَفَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ (صلى الله عليه و آله و سلم) يَمْسَحُ.
فَقالَ عَلِيٌّ : قَبْلَ نُزولِ سورَةِ الْمَائِدَةِ أَوْ بَعْدَها ؟
قالَ : لَا أَدْري.
قالَ عَلِيٌّ : وَلكِنِّي أَدْري . إِنَّ رَسولَ الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لَمْ يَمْسَحْ عَلَى خُفَّيْهِ مُذ نَزَلَتْ سورَةُ الْمائِدَةِ .
إنّ أوّل ما عرض له الإمام (علیه السلام) من مناهج الشريعة الغرّاء هو الوضوء الذي هو نور وطهارة للإنسان ، وهو من ألمع مقدّمات الصلاة التي يسمو بها الإنسان ، ويتشرّف بالاتّصال بخالقه العظيم ، وقد تناول عرض الإمام للوضوء ما يلي :
أما أفعال الوضوء فهي كما يلي :
غسل الوجه من قصاص شعر الرأس إلى طرف الذقن طولاً ، وما دارت عليه الإبهام والوسطى عرضاً .
غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع .
مسح الرأس الرأس ، وهو مقدّمه مما يلى الجبهة ، ولابدّ أن يكون المسح على البشرة أو على الشعر المختص بالمقدّم بشرط أن لا يخرج بمده عن حدّه .
مسح ظاهر القدمين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين ، وهما قبّتا القدمين ، ويجب أن يكون المسح على البشرة ، ولا يجوز المسح على الحائل كالخفّ والجورب ، ومن مسح عليهما فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله ، ولم يجز عنه وضوءه حسب ما أعلن الإمام (علیه السلام)، وتواترت بذلك النصوص عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام).
وذكر الإمام (علیه السلام) النواقضاً للوضوء ومبطلاته ، وهي :
الريح الذي يخرج من الدبر .
البول .
الغائط .
النوم الغالب على العقل.
الجنابة .
وهذه الأمور من نواقض الوضوء ومن مبطلاته
قال (علیه السلام): وَالْإِغْتِسالُ مِنَ الْجَنابَةِ ، وَالْإِحْتِلامِ ، وَالْحَيْضِ ، وَالْغُسْلُ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ فَرْضٌ . وَالْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَالْعِيدَيْنِ ، وَدُخولِ مَكَّةَ وَالْمَدينَةِ ، وَغُسْلُ الزَّيَارَةِ ، وَغُسْلُ الْإِحْرامِ ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ ، وَأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ ، وَلَيْلَةِ تِسْعَ عَشَرَةَ مِنْهُ ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَثَلاثِ وَعِشْرِينَ مِنْهُ سُنَّةٌ.
من روائع التشريع الإسلامي، وبدائع حكمه وسننه تشريعه للغسل الذي يقي الأبدان من الإصابة بكثير من الأمراض ، وفي نفس الوقت فإنّه موجب لنظافة البدن ، وإزالة الأوساخ عنه ، وهو على قسمين : واجب ومندوب ، وقد عرض الإمام (علیه السلام) إلى كل منهما .
ويجب الغسل في الأمور التالية ، وهي :
أما سبب الجنابة ، فأمران :
الأوّل : خروج المادة المنويّة ، التي تتوفّر فيها الشهوة ، والدفق ، وفتور الجسد ، فمن احتلم وخرجت منه هذه المادة فهو جنب ، ويجب عليه الغسل .
الثاني : الجماع ، ولو لم ينزل ، ويتحقّق بإدخال الحشفة في القّبل أو الدبر من غير فرق بين الواطئ والموطوء .
الحيض دم تعتاده النساء ،خلقه الله تعالى في الرحم لمصالح ، وهو في الغالب
دم أسود أو أحمر ، له دفع وحدّة وحرقة ، فإذا أعرض للمرأة وانتهت منه وجب عليها الغسل ، ويحرم عليها في أثناء الحيض مسّ اسم الله تعالى وأسماء الأنبياء والأئمة الطاهرين، ومسّ كتابة القرآن ، واللبث في المساجد ، والدخول فيها بغير الاجتياز ، وغير ذلك.
يجب الغسل بمسّ بدن الإنسان الميت بعد برده و قبل غسله ، أما غير الإنسان من الحيوانات ، فإنّ مسّها بعد الموت لا يجب فيه الغسل.
هذه بعض الأغسال الواجبة التي أدلى بها الإمام (علیه السلام) وبقي منها غسل الأموات
وغسل المستحاضة ، وقد ذكرها الفقهاء بالتفصيل .
أمّا الأغسال المندوبة ، فهي أنواع ثلاثة : زمانيّة ، ومكانيّة ، وفعليّة .
أما الزمانية ، فهي :
غسل الجمعة : وهو من أهمّها ، ووقته من طلوع الفجر الثاني من يوم الجمعة إلى الزوال .
غسل يوم العيدين (عيد الأضحى ، وعيد الفطر ) : ويستحبّ أيضاً الغسل يوم الغدير ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، وهو اليوم الخالد الذي نصّب فيه النبي (صلی الله علیه و آله) سيد عترته ، وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) خليفة من بعده .
غسل يوم عرفة .
الغسل لأوّل ليلة من شهر رمضان المبارك .
الغسل لليلة التاسع عشر من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث
وعشرين منه . وهي الليالي المباركة التي يظنّ أن تكون فيها ليلة القدر .
وأمّا الأغسال المكانيّة ، فهي:
الغسل لدخول مكة المكرّمة .
الغسل لدخول المدينة المنوّرة .
الغسل لزيارة الأضرحة المقدّسة .
وأما الأغسال الفعليّة ، فهي :
غسل الإحرام ، أو الطواف ، وغير ذلك حسبما ذكره الفقهاء .
قال (علیه السلام): وَصَلاةُ الْفَرِيضَةِ : الظُّهْرُ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ ، وَالْعَصْرُ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ ، وَالْمَغْرِبُ ثَلاثُ رَكَعَاتٍ ، وَالْعِشَاءُ الْآخِرَةِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ ، وَالْفَجْرُ رَكْعَتَانِ ، فَذلِكَ سَبْعَ عَشَرَةَ رَكْعَةً .
وَالسُّنَّةُ أَرْبَعٌ وَثَلاثونَ رَكْعَةً : مِنْها ثَمانِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَثَمانٍ بَعْدَها ، وَأَرْبَعَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَتَانِ مِنْ جُلوسِ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ تُعَدُّ بواحِدَةٍ ، وَثَمانِ في السَّحَرِ ، وَالْوَتْرُ ثَلاثُ رَكْعَاتٍ(1)، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الوثر(2).
وحكى هذا المقطع بعض الصلاة الواجبة التي منها الصلاة اليومية ، وهي خمس فرائض : فصلاة الصبح ركعتان ، والظهر أربع ، والعصر أربع ، والمغرب ثلاث ، والعشاء أربع ، ومجموعها سبع عشرة ركعة ، كما حكى عدد الرواتب اليومية ،
وهي النوافل المستحبة : فثماني ركعات نافلة الظهر قبلها ، وثمان بعدها قبل العصر للعصر ، وأربع ركعات نافلة المغرب وواحدة نافلة العشاء بعد العشاء ، وثماني ركعات صلاة الليل ، وركعتا الشفع بعدها ، وركعة الوتر بعدها ، وركعتا الفجر قبل صلاة الصبح ، ومجموع هذه الرواتب أربع وثلاثون ركعة .
قال (علیهم السلام): وَالصَّلاةُ فِي أَوَّلِ الْأَوْقاتِ ، وَفَضْلُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْفَرْدِ بِكُلِّ رَكْعَةٍ أَلْفَيْ رَكْعَةٍ ، وَلَا تُصَلِّ خَلْفَ فَاجِرٍ ، وَلَا تَقْتَدِ إِلَّا بِأَهْلِ الْوَلَايَةِ.
وحفلت هذه الكلمات بما يلي :
أولاً : إنّ الإمام ندب إلى الصلاة في أول وقتها ، وقد تواترت الأخبار عن أئمة الهدى (علیهم السلام) بذلك.
ثانياً : عرض الإمام (علیه السلام) إلى فضل صلاة الجماعة ، وأن فضل الركعة الواحدة
تعدّ بألف .
ثالثاً : إنّ الإمام (علیهم السلام) لمنع من الاقتداء بإمام الجماعة إذا كان فاجراً أو كان من
ولاة الجور.
قال (علیهم السلام) : وَلَا تُصَلِّ في جُلُودِ الْمَيْتَةِ ، وَلَا جُلُودِ السّباع.
عرض الإمام (علیهم السلام) لبعض الشرائط التي تعتبر في لباس المصلّي ، والتي منها أن لا يكون من جلود الميتة ، ولا من أجزائها التي تحلّها الحياة ، سواء أكانت من حيوان محلّل الأكل أم محرّم الأكل ، كما يشترط أن لا يكون من جلود السباع .
وبالإضافة إلى ذلك ، فإنّه يشترط أن يكون مباحاً ، فلا يجوز الصلاة في المغصوب ، وأن يكون طاهراً ، فلا يجوز الصلاة في اللباس النجس ، وأن لا يكون من الحرير الخالص للرجال ، وغير ذلك من الشرائط التي ذكرها الفقهاء .
قال (علیهم السلام) : وَالتَّقْصِيرُ فِي أَرْبَعِ فَراسِحَ بَرِيدٌ (1)ذاهباً ، وَبَريد جائِياً ، إِثْنا له عَشَرَ ميلاً، وَإِذا فَصَّرْتَ أَفْطَرْتَ .
وتناول الإمام (علیهم السلام) بهذه الكلمات صلاة المسافر التي تقصر فيها الصلاة الرباعية ، وذلك بإسقاط الركعتين الأخيرتين منها ، ويشترط في السفر قصد قطع المسافة ، ثمانية فراسخ امتدادية ذهاباً أو إياباً ، أو ملفقة من أربعة ذهاباً وأربعة إياباً ، وليس قصد قطع المسافة وحده هو الشرط ، وإنما هناك شروط أخرى ذكرها الفقهاء ، والتي منها : أن يكون السفر مباحاً ، فإذا كان حراماً كما إذا سافر لقتل نفس محترمة أم للسرقة وغير ذلك من المحرّمات ، فإنّه يجب عليه التمام في صلاته.
ومنها : استمرار القصد ، فإذا عدل عن السفر قبل بلوغ الأربعة فراسخ وجب عليه التمام في صلاته .
ومنها : أن لا يتّخذ السفر عملاً له ، كالمكاري والتاجر الذي يدور في تجارته ، والملاح ، وغير ذلك .
وذكر الإمام (علیهم السلام) من أحكام القصر أنّه كلّما قصّر الإنسان صلاته فيجب عليه الإفطار ، وقد ورد في الحديث : « لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصّيامُ في السَّفَرِ » .
قال (علیهم السلام): وَالْقُنوتُ في أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ: فِي الْغَدَاةِ ، وَالْمَغْرِبِ ، وَالْعُتْمَةِ (2)، وَيَوْم الْجُمُعَةِ ، وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَكُلُّ الْقُنوتِ قَبْلَ الرُّكوع ، وَبَعْدَ القِراءَةِ.
وأما القنوت فإنّه من المستحبّات في الصلاة ، خصوصاً في الصلاة الجهرية ، كالصبح ، والمغرب ، ويوم الجمعة ، وفي صلاة الظهرين، وهو في كلّ صلاة مرّة بعد القراءة قبل الركوع في الركعة الثانية ، إلا في الجمعة ، ففيها قنوتان قبل الركوع في الأولى ، وبعده في الثانية ، وأما صلاة العيدين ففي الركعة الأولى خمس قنوتات ، وفي الركعة الثانية أربع قنوتات .
قال (علیه السلام): وَالصَّلاةُ عَلَى الْمَيِّتِ خَمْسُ تَكْبيراتٍ ، وَلَيْسَ في صَلاةِ الْجَنائِزِ تَسْلِيمَ؛ لأَنَّ التَّسْلِيمَ فِي الرُّكوعِ وَالسُّجودِ ، وَلَيْسَ لِصَلاةِ الْجَنائِزِ رُكوع وَلَا سُجود.
تجب الصلاة وجوباً كفائياً على كلّ ميّت ،مسلم ، ذكراً كان أم أنثى.
وكيفيّتها : أن يكبّر المصلّي أولاً ، ويتشهّد الشهادتين ثم يكبّر ثانياً ، ويصلّي على النبي (صلی الله علیه و آله) ثم يكبّر ثالثاً ، ويدعو للمؤمنين ثم يكبر رابعاً ، ويدعو للميّت ثمّ يكبّر خامساً، وينصرف ، ولا يعتبر في هذه الصلاة الطهارة من الحدث والخبث وإباحة اللباس وستر العورة ، كما يعتبر ذلك في سائر الصلاة ، ومن ثم ذهب بعض الفقهاء إلى أنها دعاء وليست بصلاة حقيقية .
قال (علیه السلام): وَالْجَهْرُ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي الصَّلاةِ ، مَعَ فَاتِحَةِ الْكِتاب .
من المستحبّات التي ينبغي مراعاتها للمصلّي الجهر بالبسملة ، ويتأكد ذلك في الظهرين في الحمد والسورة.
قال (علیه السلام): وَالزَّكاةُ الْمَفْرُوضَةُ مِنْ كُلِّ مَانَتَيْ دِرْهَم خَمْسَةُ دَرَاهِمٍ، وَلَا تَجِبُ فيما دونَ ذلِكَ ، وَفيما زادَ في كُلِّ أَرْبَعينَ دِرْهَماً دِرْهَم
وَلَا تَجِبُ فيما دونَ الْأَرْبَعيناتِ شَيْءٌ ، وَلَا تَجِبُ حَتَّى يَحولَ الْحَوْلُ ، وَلَا تُعْطِ إِلَّا أَهْلَ الْوَلايَةِ وَالْمَعْرِفَةِ ، وَفِي كُلِّ عِشْرِينَ ديناراً نِصْفُ دينارٍ.
الزكاة من أروع الأنظمة الخلّاقة في النظام الاقتصادي في الإسلام ، فقد وضعها الإسلام للقضاء على غائلة الفقر ، ونشر الرخاء بين الناس ، وبالإضافة لذلك فإنّها تجمع المسلمين على صعيد المحبّة ، وتوحّد بين صفوفهم ، فقد جُبلت الناس على حب من يحسن إليها ، والزكاة من أظهر مصادق الإحسان والبرّ .
وقد عرض هذا المقطع من كلام الإمام (علیه السلام) إلى ما يلي :
أولاً : بيّن الإمام (علیه السلام) الحكم في زكاة النقدين ، ويعتبر فيها بلوغ النصاب ، الفضّة مائتا درهم ، ويجب فيها خمسة دراهم ، ثمّ كلّما زاد أربعين كان فيها درهم بالغاً ما بلغ ، وليس فيما دون المائتين ولا فيما دون الأربعين شيء .
وأما نصاب الذهب فعشرون ديناراً ، وفيها نصف دينار ، وإذا زاد عليها أربع دنانير وجب فيها قيراطان ، ويساويان عُشر الدينار ، وكلما زاد على الأربع وجب فيها ذلك ، وليس فيما نقص عنها شيء، ويعتبر في زكاة النقدين مضيّ حول عليهما، فإذا لم يمضِ عليهما الحول فلازكاة عليهما .
ثانياً : إنّ الزكاة تصرف على ثمانية أصناف ، منها : الفقراء والمساكين، ويشترط فيهم أن لا يكونوا مخالفين للحقِّ ، فإن إعطاء الزكاة لهم لا يكون مجزياً.
قال (علیه السلام): وَالْخُمُسُ مِنْ جَميعِ الْمَالِ مَرَّةً واحِدَةً .
أما الخمس ، فهو من الضرائب الماليّة التي فرضها الإسلام ، والتزم به شيعة أهل البيت (علیهم السلام) ، ولم يلتزم به غيرهم من الفرق الإسلامية ، وقد فرضه الله تعالى للرسول الأعظم وذرّيّته ، زادهما الله شرفاً، عوضاً لهم عن الزكاة ، وهو يجب في سبعة أشياء ، منها أرباح المكاسب ، فما يفضل عن مؤونة السنة للمكلّف ولعياله
من فوائد الصناعات والزراعات والتجارات والاجارات وسائر أنواع التكسّبات يجب فيه الخمس .
ومن المؤن ما ينفقه الإنسان في حجّه وزياراته وصدقاته وصلة أرحامه وهداياه ونذوره وكفاراته وتزويج أولاده، وغير ذلك مما يحتاج إليه ، ويصرفه في غير الوجه المحرّم ، ويقسم الخمس نصفين : نصف للإمام صلوات الله عليه في حال حضوره ، وفي حال غيبته يعطى لنائبه الفقيه العادل الجامع للشرائط لينفقه على ترويج الشريعة الإسلامية ، ونشر أحكام الدين، ومؤونة أهل العلم ، وغير ذلك من الأمور التي يحرز فيها رضى الإمام (علیه السلام) . وأما النصف الثاني فيعطى لأيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم ، وفي الخمس بحوث كثيرة عرض لها الفقهاء في رسائلهم العمليّة .
قال (علیه السلام): وَالْعَشْرُ مِنَ الْحُنْطَةِ وَالشَّعيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبيبِ وَكُلُّ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ مِنَ الْحُبوبِ ، إِذا بَلَغَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، فَفِيهِ الْعُشْرُ إن كانَ يُسْقَى سَيْحاً ، وَإِن كَانَ يُسْقَى بِالدّوالي فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ لِلْمُعْسِ وَالْموسِرِ، وَتُخْرَجُ مِنَ الْحُبوبِ الْقَبْضَةُ وَالْقَبْضَتانِ؛ لأنَّ اللهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ، وَلَا يُكَلِّفُ الْعَبْدَ فَوْقَ طَاقَتِهِ ، وَالْوَسَقُ : سِتّونَ صاعاً ، وَالصّاعُ : سِتَّةُ أَرْطالٍ ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ ، وَالْمُدُّ : رَطِّلانِ وَرُبُعُ بِرَطِّلِ الْعِراقِيُّ ، وَقالَ الصَّادِقُ (علیه السلام): هُوَ تِسْعَةُ أَرْطالِ بِالْعِرَاقِيِّ ، وَسِتَّةُ أَرْطَالٍ بِالْمَدَنِيَّ.
عرض الإمام (علیه السلام) في هذا المقطع إلى زكاة الغلات الأربع ، وهي : الحنطة ،والشعير ، والتمر ، والزبيب ، وفي هذه الغلات تجب الزكاة . وأما ما عداها فتستحبّ فيه الزكاة ، فقوله (علیه السلام): ( وَكُلُّ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ مِنَ الْحُبوبِ »، وإن كان معطوفاً على الغلات الأربع ، وظاهره الوجوب ، إلا أن هناك حشداً من الأخبار الصحيحة
دلّت على عدم الوجوب ، فتحمل على الاستحباب ، وهذا من موارد الجمع بين الأخبار ، كما أدلى بذلك الفقهاء .
وإنّما تجب الزكاة في الغلات الأربع إذا بلغت النصاب ، وهو خمسة أوسق ، وتقدّر في هذا العصر بوزن الكيلو بثمانمائة وسبعة وأربعين كيلو تقريباً(1)، والمقدار الواجب إخراجه من زكاة الغلات هو العشر إذا سقي الزرع سيحاً أو بماء السماء ونصف العشر إذا سقى بالدلاء أو بالماكنة والناعور ونحو ذلك ، وتجب الزكاة على ملك هذا المقدار من الغلة ، سواء في ذلك الفلاح ومالك الأرض ، ويستوي في ذلك الغني والفقير .
قال (علیه السلام): وَزَكاةُ الْفِطْرِ فَرِيضَةٌ عَلَى رَأْسِ كُلِّ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ، حُرِّ أَوْ عَبْدِ ، مِنَ الْحِنْطَةِ نِصْفُ صاع ، وَمِنَ التَّمْرِ وَالزَّبيبِ صاعٌ ، وَلَا يَجوزُ أَنْ تُعْطى غَيْرَ أَهْلِ الْوَلايَةِ لأَنَّها فَريضَةٌ .
أما زكاة الفطرة ، فهي أوّل فريضة مالية في الإسلام ، وتسمّى زكاة الأبدان ، وإنّما تجب على من استجمع الشرائط من البلوغ والعقل وعدم الإغماء وعدم الفقر ، فإذا توفّرت هذه الشروط قبل الغروب ليلة عيد الفطر وجبت الزكاة على كل مسلم ، وعلى من يعول بهم ، كباراً كانوا أم صغاراً .
ويجب إخراج صاع عن كل إنسان ، ومقدار الصاع يساوي ثلاث كيلوات تقريباً. وذهب فقهاء الإماميّة أنّ الضابط في جنس الفطرة أن يكون قوتاً شائعاً لأهل ذلك البلد ، كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والأرز والذرّة والأقط ، والصاع في جميع هذه الأنواع ، كما أنّه يشترط إعطاؤها إلى المؤمن الموالي لأهل البيت (علیهم السلام) .
ولا يجوز إعطاؤها لغيره .
1) منهاج الصالحين : 1: 266 .
قال (علیه السلام): وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشْرَةُ أَيَّامٍ ، وَأَقَلَّهُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ ، وَالْمُسْتَحاضَةُ تَغْتَسِلُ وَتُصَلّي، وَالْحائِضُ تَتْرُلُ الصَّلاةَ وَلَا يضي ، وَتَتْرُكُ الصِّيام وَتَقْضِيهِ.
وحكى هذا المقطع ما يلي :
أولاً: إن أكثر حيض المرأة عشرة أيام، وأقله ثلاثة أيام ، فما تراه المرأة من الدم زائداً على العشرة أو ناقصاً عن الثلاثة فهو ليس بدم حيض ، وإنما دم استحاضة .
ثانياً : إنّ المستحاضة على ثلاثة أقسام : قليلة ، ومتوسطة ، وكثيرة ، أما القليلة فحكمها وجوب الوضوء لكلّ صلاة فريضة . وأما المتوسطة فحكمها الوضوء لكلّ صلاة والغسل قبل صلاة الصبح . وأما الكثيرة ، فحكمها الوضوء لكل صلاة والغسل الصلاة الصبح ، والغسل لصلاة الظهرين، والغسل لصلاة العشائين ، وعليها تبديل القطنة التي تمنع من سيلان الدم في جميع الصور المذكورة .
ثالثاً : أما حكم الحائض بالنسبة إلى عبادتها ، فإنّ الواجب عليها ترك الصلاة ، ولا يجب عليها قضاؤها ، وأما بالنسبة إلى الصوم فلا يجوز لها الصوم ، وعليها قضاؤه .
قال (علیه السلام) : وَيُصامُ شَهْرُ رَمضانَ لِرُؤْيَتِهِ ، وَيُفْطَرُ لِرُؤْيَتِهِ .
يثبت شهر رمضان المبارك ونهايته برؤية الهلال ، وذلك لقوله (علیه السلام): « صُمْ لِلرُّؤْيَةِ ، وَافْطِرْ لِلرُّؤْيَةِ » ، ولا يثبت بقول المنجّمين وغيرهم ، ويثبت بمضي ثلاثين يوماً من شهر شعبان ، كما يثبت شهر شوّال بمضي ثلاثين يوماً من شهر رمضان .
قال (علیه السلام): وَلَا يَجوزُ التَّراويحُ فِي جَمَاعَةٍ .
أما صلاة التراويح ، فلم تكن مشرعة في عهد الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد ابتدعها
عمر ، وهي عشرون ركعة سوى الوتر، ووقتها بعد صلاة العشاء ، ويندب لمن يصلّي التراويح أن يجلس بدون صلاة للاستراحة ، وسمّيت صلاة التراويح لهذه الجهة ، وتسنّ فيها الجماعة عند المذاهب الأربعة(1)، ولم يجز الإمام (علیه السلام) الجماعة فيها.
قال (علیه السلام): وَصَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ سُنَّةٌ ، مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ : يَوْمُ الْخَميسِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَلِ ، وَالْأَرْبَعَاءِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ ، وَالْخَمِيسِ مِنَ الْعَشْرِ الْآخِرِ.
وَصَوْمُ شَعْبَانَ حَسَنٌ ، وَهُوَ سُنَّةٌ ، وَقالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) : شَعْبَانُ شَهْرِي ،وَشَهْرُ رَمَضانَ شَهْرُ اللَّهِ ، وَإِنْ قَضَيْتَ فائِتَ شَهْرٍ رَمَضانَ مُتَفَرِّقاً أَجْزَاكَ.
عرض الإمام (علیه السلام) لبعض أنواع الصوم المندوب ، والذي منه صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، والأفضل في كيفيّتها حسب ما أفاد الإمام (علیه السلام) صوم أوّل خميس من الشهر ، وأوّل الأربعاء من العشر الأوسط ، وآخر خميس من العشر الآخر .
ويستحبّ صوم تمام شهر شعبان ، وقد أفاد الإمام (علیه السلام) أن من فاته صيام شهر رمضان فيخيّر في قضائه بين أن يوصل في أيام القضاء أو يفرّق بينها ، فكلّ منهما
مجز.
قال (علیه السلام) : وَحَجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ، وَ السَّبِيلُ زادٌ وَراحِلَةٌ ، وَلَا يَجوزُ الْحَجُّ إِلَّا مُتَمَتِّعَاً ، وَلَا يَجوزُ الْإِفْرادُ وَالْقِرانُ الَّذي تَعْمَلُهُ الْعامَّةُ ، وَالْإحْرام دونَ الْمِيقَاتِ لَا يَجوزُ . قالَ اللهُ: « وَأَتِمُّوا الْحَجَّ
1) الفقه على المذاهب الأربعة : 1 : 340 - 343 .
وَالْعُمْرَةَ لِلهِ»(1)، وَلَا يَجوزُ في النُّسُكِ الْخَصِيُّ لأَنَّهُ ناقص ، وَيَجوزُ الْمَوْجُوءُ.
الحج أحد الدعائم الخمس التي بُني عليها الإسلام ، وهو عبادة روحية وسياسية يتدفق بالمنافع والمصالح الروحيّة والصحية والاقتصاديّة ، وهو مؤتمر سياسي یجمع المسلمين فى أقدس مكان ليتعارفوا بينهم ، ويعرض بعضهم على بعض مشاكل بلدهم وقومهم السياسية والاقتصادية ، ويشكّلوا وحدة متراصّة فيما بينهم ، وغير ذلك من المنافع ، وتشير الآية الكريمة إلى ذلك . قال تعالى : «وَأَذَن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ»(2).
وقد اتّفق المسلمون على وجوب الحجّ مرّة واحدة في العمر. وقد عرض الإمام (علیه السلام) في هذا المقطع إلى كوكبة من أحكام الحجّ ، وهي :
أولاً : إنّ الحجّ إنّما يجب على المسلم إذا توفّرت له الاستطاعة ، وذكر الإمام بندین منها ، وهما : الزاد والراحلة ، وهما من أظهر شروط الاستطاعة ، ومن شروطها إمكان السير بصحة البدن ، وتخلية السرب.
ثانياً : إن أنواع الحج ثلاثة ، وهي كما يلي :
حجّ التمتّع : وهو فرض من نأى عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كل جانب ، ومن مميّزات هذا الحج أنّ إحرامه من بطن مكة ، ووجوب الهدي فيه ، وتقديم العمرة فيه على الحج ، وارتباط عمرته بحجّه حتى كأنهما كالعمل الواحد .
حجّ القِرآن : أمّا حجّ القِران ، فهو فرض أهالي مكّة ومن حولها بشرط أن
لا يتجاوز المقدار الذي ذكر لحجّ التمتّع ، ويحرم القارن من دويرة أهله ، ويعتبر فيه سياق الهدي وإشعاره بشقّ سنامه من الجانب الأيمن ولطخه بدمه إن كان بدنة ،و تقليده بأن يعلّق في رقبته نعلاً قد صلّى فيه إن كان ذلك الهدي غير بدنة .
ثالثاً : إنّ الإحرام للحجّ لابدّ أن يكون من الميقات ، فلا يصحّ قبل الميقات ، ولا يجوز للمكلّف أن يتجاوز الميقات بغير إحرام ، عدا ما استثني من المتكرّر ، ومن ليس قاصداً دخول مكة عند مروره على الميقات .
رابعاً : إنّه يشترط في الهدي أن يكون تام الخلقة ، فلا يجزي الأعور ، ومقطوع شيء من الأذن ، والخصيّ ، وهو الذي سلّت خصيتاه ونزعتا منه . أما رضَ الخصيتين المعبّر عنهما بالموجوء ، فإنّه ليس عيباً ، ويكون مجزياً.
قال (علیه السلام) : وَالْجِهادُ مَعَ إِمام عادِلٍ ، وَمَنْ قاتَلَ فَقُتِلَ دونَ مَالِهِ وَرَحْلِهِ وَنَفْسِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ .
أمّا الجهاد فهو باب من أبواب الجنّة ، فتحه الله لخاصة أوليائه - على حدّ تعبير الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) - وهو على أقسام ، وهي :
جهاد المشركين لدعوتهم إلى الإسلام .
جهاد من يهاجم المسلمين من الكفّار .
جهاد من يريد قتل نفس محترمة ، أو أخذ مال أو سبي حريم ، وربما أُطلق على هذا الدفاع لا الجهاد .
وإنما يجب الجهاد بشرط الإمام العادل أو نائبه الخاصّ ، وهو المنصوب للجهاد .
ومن قُتل في ساحة الجهاد فهو شهيد يجري عليه حكمه ، فيدفن بثيابه ولا يُغسَل. وأما من قاتل دون ماله ورحله ونفسه فقُتل ، فإنّ له أجر الشهيد ، ويغسّل ويكفّن .
قال (علیه السلام): وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ فِي دَارِ التَّقِيَّةِ إِلَّا قاتِل أَوْ باغِ؛وذلِكَ إِذا لَمْ تَحْذَرْ عَلى نَفْسِكَ ، وَلَا أَكْلُ أَمْوالِ النّاسِ مِنَ الْمُخالِفينَ وَغَيْرِهِمْ.
أما الكفّار الداخلون في ذمّة الإسلام فدماؤهم محرّمة ، وأموالهم مصونة ، شأنهم شأن المسلمين ، ويفقد الكافر هذه الصيانة إذا كان قاتلاً لنفس محترمة أو كان باغياً على السلطة الشرعية في البلاد.
وكذلك يحرم أكل أموال المخالفين وغيرهم ، فإنّ الإسلام قد صان أموال الناس كما صان دماءهم وأعراضهم .
أما التقيّة فقد شرّعت في زمان استخدمت فيه السلطات الحاكمة جميع أجهزتها ضد أئمة أهل البيت (علیهم السلام) و ضدّ شيعتهم ، ففي زمان الذئب الجاهلي معاوية بن أبي سفيان كان يقال للرجل زنديق وكافر خير من أن يقال له إنّه من شيعة أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وقد سار معظم ملوك الأمويين والعباسيين على هذه الخطّة الكافرة التي سنّها ابن هند ، ولولا حكمة الأئمة الطاهرين ، وإلزامهم بالتقية لشيعتهم لما بقي ذكر لأهل البيت (علیهم السلام)، وقد أفتى الإمام الرضا (علیه السلام) بوجوب التقيّة ، وأنه لا حنث لمن حلف تقيّة.
قال (علیه السلام): وَالطَّلاقُ بِالسُّنَّةِ عَلى ما ذَكَرَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلی الله علیه و آله)، وَلَا يَكونُ طَلَاقٌ بِغَيْرِ سُنَّةٍ ، وَكُلُّ طَلَاقٍ يُخالِفُ الْكِتابَ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ ، وَكُلُّ نِكَاحٍ يُخَالِفُ السُّنَّةِ فَلَيْسَ بِنِكَاحٍ.
وَلَا تَجْمَعْ بَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ حَرائِرٍ ، وَإِذا طُلَّقَتِ الْمَرْأَةُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لِلسُّنَّةِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ، وَقالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنينَ (علیه السلام): اتَّقوا الْمُطَلَّقاتِ ثَلاثاً ، فَإِنَّهُنَّ دَواتُ أَزْواجِ . .
الطلاق فصم العلاقة الزوجية ، وهو من أشدّ المبغوضات إلى الله تعالى؛ لأنه يؤدّي إلى انهيار الخلايا في المجتمع الإنساني ، ويشيع الكراهية والبغضاء بين الناس.
وقد حفل هذا المقطع ببعض أحكام الطلاق والزواج ، كان منها ما يلي :
أوّلاً : إنّ الطلاق إنّما يحكم بصّحته إذا توفّرت فيه الشروط ، وهي :
أن يكون المطلّق بالغاً ، عاقلاً، مختاراً ، فلا يصحّ طلاق الصبيّ والمجنون ،والسكران ممّن لا قصد له.
دوام الزوجية ، فلا يصحّ طلاق المتمتّع بها.
خلو ّالزوجة من الحيض والنفاس إذا كانت مدخولاً بها .
الصيغة التي يقع بها الطلاق ، وهي أن يقول الزوج : أنت طالق ، أو هي طالق .
سماع شاهدين عدلين صيغة الطلاق .
هذه بعض الشروط التي يجب توفّرها في صحّة الطلاق ، وأمّا غير ذلك من الطلاق ، كطلاق الهازل والغافل والساهي ، فإنّه لا يقع عند الشيعة الإمامية ، وتصحّحه بعض المذاهب الإسلامية ، كما إنّ الطلاق لا يقع إلّا بلفظ : « أنت طالق » أو «هی طالق»، وأجاز بعض المذاهب الإسلاميّة(1)وقوعه بلفظ الفراق و السراح وغيرهما .
1) فقه السنّة : 2 : 224.
ثانياً : إنّ النكاح المخالف للسنّة فهو باطل ، وذلك كنكاح المكرهة أو من كانت فى العدّة ، أو كانت من المحرّمات النسبيّة أو بالمصاهرة ، فإنّ النّكاح لهنّ باطل .
ثالثاً : إنّه ليس للرجل أن يجمع أكثر من زوجات أربع بالعقد الدائم .
رابعاً : إنّ المرأة إذا طلّقت ثلاثاً فلا تحلّ لزوجها حتّى تنكح زوجاً غيره .
قال (علیه السلام): وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آۀه و سلم) فِي كُلِّ الْمَوَاطِنِ عِنْدَ الرِّياحِ وَالْعِطَاسِ وَغَيْرِ ذلِكَ .
وَحُبُّ أَوْلِياءِ اللهِ وَأَوْليائِهِمْ ، وَبُغْضُ أَعْدائِهِ وَالْبَراءَةُ مِنْهُمْ وَمِنْ أَيْمَتِهِمْ.
ويستحبّ الصلاة على الرسول الأعظم منقذ البشرية ، ورائدها إلى السعادة والخير في الدنيا والآخرة ، فما أعظم عائدته على الإنسانيّة ، ومن حقّه الصلاة عليه في كلّ موطن ، وفي جميع الأحوال .
ومن مناهج الإسلام حبّ أولياء الله وأوليائهم ، وبغض أعداء الله ، والبراءة منهم ومن أئمّتهم ، فإنّ ذلك من عناصر التقوى ومن صميم الدعوة الإسلامية .
قال (علیهم السلام): وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، وَإن كانا مُشْرِكَيْنِ فَلَا تُطِعْهُما(1)، وَصَاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفاً؛ لأنَّ اللهَ يَقولُ: «اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا»(2).
قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) : ما صاموا لَهُمْ وَلَا صَلّوا ، وَلكِنْ أَمَروهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَأَطاعوهُمْ.
ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسولِ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) يَقولُ : مَنْ أَطاعَ مَخْلُوقا في غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ ، فَقَدْ كَفَرَ وَاتَّخَذَ إِلَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ » .
ومن روائع التشريع الإسلامي، ومن بدائع نظمه الخلّاقة إلزامه البرّ والإحسان للوالدين ، وجعلهما في المرتبة الثانية بعد الخالق العظيم في الطاعة والانقياد لأمرهما ، وذلك جزاء لما عانوه من جهد شاقّ في تربية أبنائهم ، خصوصاً الأمّ ، فلولا رعايتها وحنانها وعطفها على ولدها لما أمكن أن يعيش ، فهي التي تغذّيه ، وتسهر على تربيته ، فما أعظم حقها .
وتجب طاعة الوالدين في غير معصية الله ، أما في المعصية فلا تجب طاعتهما .
قال (علیه السلام) : وَذَكَاةُ الْجَنينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ .
عرض الإمام (علیه السلام) إلى حكم الجنين من الحيوانات التي يحلّ أكلها إذا ذكيت أُمّه ، ومات في جوفها حلّ أكله ، وإذا خرج حيّاً فإن ذكي حلّ أكله ، وإن لم يذكّ حرم.
قال (علیه السلام) : وَذنوبُ الْأَنْبِياءِ صِغارٌ مَوْهوبَةٌ لَهُمْ بِالنُّبُوَّةِ .
وأكبر الظنّ أنّ هذه الجملة منحولة ، قد وضعت في كلام الإمام (علیه السلام) ، فإنّ الأنبياء معصومون ، ويمتنع منهم صدور أي ذنب ، وقد أقام الإمام نفسه الأدلة على ذلك في بعض مناظراته .
قال (علیه السلام) : وَالْفَرائِضُ عَلى ما أَمَرَ اللهُ لَا عَوْلَ فيها ، وَلَا يَرِثُ مَعَ الْوالِدَيْنِ له وَالْوَلَدِ أَحَدٌ إِلَّا الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ ، وَذو السَّهُم أَحَقُّ مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ ، وَلَيْسَتِ
الْعُصْبَةُ مِنْ دينِ اللهِ .
عرض الإمام (علیه السلام) في هذا المقطع لبعض أحكام المواريث ، وهي :
أوّلاً: إنّ الفرائض التي فرضها الله تعالى والمواريث لا عول فيها ، وبيان ذلك أنّ الورثة إذا تعدّدوا وكانت فروضهم زائدة على الفريضة كما إذا ترك الميّت زوجاً وأبوين وينتين ، فإنّ السهام في هذا الفرض الربع والسدسان والثلثان ، فذهب أهل السنّة إلى العول ، وهو أن يرد النقص على كلّ واحد من ذوي الفروض على نسبة فرضه ، وعند الشيعة يدخل النقص على بعض معيّن دون بعض ، ولا يدخل على الجميع ، وقد دللوا على ذلك في بحوث الإرث .
ثانياً : إنّ المرتبة الأولى فى المواريث صنفان : أحدها الأبوان دون الأجداد والجدّات . ثانيهما : الأولاد وإن نزلوا ذكوراً وإناثاً ، ويرث مع هذين الصنفين الزوجة ، فإنّ لها الربع مع عدم الولد والثمن معه ، وأما الزوج فإنّه يرث الربع مع الولد والنصف مع عدمه .
ثالثاً : إنّ المواريث لا تعصيب فيها عند الشيعة ، ويلتزم به غيرهم من أبناء الفرق الإسلامية ، ومثال ذلك أنّ الميت إذا ترك بنتاً واحدة فإنّ لها النصف مما ترك بالفريضة ، وترث النصف الثاني بالردّ ، ورأي غير الشيعة أن النصف الثاني من المال يعطى إلى العصبة ، وهم الذكور الذين ينتسبون إلى الميت بغير واسطة أو بواسطة الذكر ، وربّما عمّموها للأنثى على تفصيل عندهم.
قال (علیه السلام) : وَالْعَقيقَةُ عَنِ الْمَوْلودِ الذَّكَرِ وَالأنْثَى يَوْمَ السَّابع ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ يَوْمَ السّابع ، وَيُسَمّى يَوْمَ السّابع ، وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِ شَعْرِهِ ذَهَباً
260
أَوْ فِضَّةٌ يَوْمَ السَّابعِ .
عرض الإمام (علیه السلام) إلى المستحبّات الشرعيّة التي ينبغي إجراؤها على المولود ،
وهي :
العقيقة : ويستحبّ أن يعقِّ عن المولود في اليوم السابع من ولادته بكبش إن كان ذكراً وشاة إن كان أنثى ، وقد سنّ ذلك الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) حينما ولد سبطه وريحانته سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسن (علیه السلام) ، وفعل مثل ذلك حينما ولد سبطه الثاني سيّد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (علیه السلام) .
حلق رأس الطفل : ويستحبّ أن يحلق رأس الطفل في اليوم السابع من ولادته ويتصدّق بزنته ذهباً أو فضة على المساكين ، وقد أجرى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ذلك على
سبطيه وريحانتيه سلام الله عليهما .
قال (علیه السلام) : وَإِنَّ أَفْعَالَ الْعِبادِ مَخْلُوقَةٌ خَلْقَ تَقْدِيرِ لَا خَلْقَ تَكْوِينِ.
أشار الإمام (علیه السلام) إلى أفعال العباد وأعمالهم ، فإنّ الله تعالى عالم بها ، ولم يخلقها
خلق تكوين وإلا استندت إليه .
قال (علیه السلام) : وَلَا تَقُلْ بِالْجَبْرِ وَلَا بالتَّقْويضِ .
وحكت هذه الكلمات ما تذهب إليه الشيعة من إبطالهم للجبر والتفويض ، والتزامهم بالأمر ما بين الأمرين، وقد فنّدوا الجبر والتفويض ، وحفلت كتبهم الإسلاميّة بالاستدلال على ذلك . قال (علیه السلام) :
«وَلَا يَأْخُذُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْبَرِيءَ بِجُرْمِ السَّقيمِ ، وَلَا يُعَذِّبَ اللهُ الْأَبْناءَ وَالْأَطْفَالَ بِذُنوبِ الْآبَاءِ ، وَإِنَّهُ قالَ : «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى»(1)،«وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ»(2)، وَاللَّهُ يَغْفِرُ وَلَا يَظْلِمُ .
إنّ العدل الإلهي قضى بأنّ كلّ إنسان مسؤول عمّا يقترفه من ذنب ، ولا تلقى المسؤولية على غيره ، فلا يؤخذ البريء بذنب السقيم ، وقد قضى أعداء الله بعكس ذلك ، فقد قال المجرم الأثيم زياد بن أبيه : « إنّي أعاقب البريء بذنب السقيم ، وأعاقب على الظنّة والتهمة » ، وهذه السياسة الهوجاء يبرأ منها الإسلام ، وهي سياسة أعداء الإسلام وخصومه .
ومن عدل الله تعالى أنّه لا يعذب الأبناء بذنوب الآباء ، فقد قال الله :«وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» ، و : «وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» ، وهذا هو منتهى العدل .
قال (علیه السلام) : لَا يَفْرِضُ اللهُ عَلَى الْعِبادِ طَاعَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَظْلِمُهُمْ وَيُغويهِمْ، وَلَا يَخْتارُ لِرِسالَتِهِ ، وَيَصْطَفى مِنْ عِبادِهِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْفُرُ وَيَعْبُدُ الشَّيْطانَ مِنْ دُونِهِ.
إنّ الله تعالى ينشد العدل الخالص لعباده ، ويدعوهم إلى التمرّد على الظالمين والمستبدين من الحكّام ، كما أنّه تعالى إنّما يختار لأداء رسالته ، وإصلاح عباده ممن تتوفّر فيهم جميع صفات الكمال والفضل التي منها أنه لا يكفر بالله ، ولا يعبد الشيطان الرجيم .
قال (علیه السلام) : وإِنَّ الْإِسْلَامَ غَيْرُ الْإِيمانِ ، وَكُلُّ مُؤْمِن مُسْلِمٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِ مُؤْمِناً ، لَا يَسْرِقُ السّارِقُ حينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَشْرَبُ الشَّارِبُ حينَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَأَصْحابُ الحُدودِ لَا مُؤْمِنينَ وَلَا كَافِرِينَ(1)، وَأَنَّ اللهَ لَا يُدْخِلُ النّارَ مُؤْمِناً ، وَقَدْ وَعَدَهُ الْجَنَّةَ وَالْخُلودَ فيها ، وَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ بِنِفَاقٍ أَوْ فِسْقٍ ، أَوْ كَبِيرَةٍ مِنَ الْكَبَائِرِ، لَمْ يُبْعَثْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا مِنْهُمْ ، وَلَا تُحيطُ جَهَنَّمُ إِلَّا بِالْكَافِرِينَ ، وَكُلُّ إِثْمِ دَخَلَ صَاحِبُهُ بِلُزومِهِ النارَ فَهُوَ فَاسِقٌ ، وَمَنْ أَشْرَكَ أَوْ كَفَرَ أَوْ نافَقَ أَوْ أَتَى كَبِيرَةً ، وَالشَّفاعَةُ جَائِزَةٌ
لِلْمُسْتَشْفِعِينَ .
إنّ الإسلام أوسع دائرة ، وأعمّ موضوعاً من الإيمان ، فمن أقرّ بالشهادتين حكم بإسلامه ، وحقن دمه وماله وعِرضه ، سواء أكان مؤمناً أم كان فاسقاً ، أمّا الإيمان فهو عبارة عن ملكة تمنع الإنسان من اقتراف الذنوب والجرائم ، ويصدّه عن مخالفة الله تعالى ، والمؤمن أعدّ له الله تعالى في دار الخلود المقام الكريم ، وبوّأه الجنّة يتبوّأ منها حيث ما يشاء ، وأما الفاسق الذي يقترف الذنوب والكبائر فإنّ مقامه في جهنّم وساءت مصيراً.
قال (علیه السلام) : وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِاللِّسانِ وَاجِبٌ .
عرض الإمام (علیه السلام) إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهما من دعائم
1) أي أنّهم مسلمون ، لا بمؤمنين ولا بكافرين. هكذا جاء في العيون .
الإسلام الذي ينشد إقامة مجتمع كريم تسوده الأعراف الإنسانية ، ويجب على كلّ مسلم أن يؤدّي واجبه تجاه دينه ووطنه ، فيأمر بإقامة المعروف ، وينهي عن المنكر ، ولهذا الواجب شروط ذكرها الفقهاء في رسائلهم.
قال (علیه السلام) : وَالْإِيمَانُ أَداءُ الْفَرائِضِ ، وَاجْتِنابُ الْمَحارِمِ ، وَالإِيمَانُ هُوَ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ ، وَإِقْرَارٌ بِالنِّسانِ ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكانَ .
حدّد الإمام (علیه السلام) الإيمان بأنّه أداء فرائض الله واجتناب محارمه ، وأنه نافذ إلى أعماق القلب ودخائل النفس .
قال (علیه السلام) : وَالتَّكْبِيرُ فِي الْأَضْحَى خَلْفَ عَشْرِ صَلَواتٍ يُبْتَدِئُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَفِي الْفِطْرِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْر.
من المستحبّات المؤكّدة التكبير في عيد الأضحى عقيب عشر صلوات ، كما يستحبّ التكبير في ليلة عيد الفطر عقيب صلاة المغرب وبعدها بأربع صلوات ، ويستحبّ أيضاً تلاوة الأدعية المأثورة عن أئمة الهدى (علیهم السلام) .
قال (علیه السلام) : وَالنَّفَساءُ تَقْعُدُ عِشْرِينَ يَوْماً لَا أَكْثَرَ مِنْهَا ، فَإِنْ طَهُرَتْ قَبْلَ ذلِكَ صَلَّتْ ، وَإِلَّا فَإِلى عِشْرِينَ يَوْماً ، ثُمَّ تَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي وَتَعْمَلْ عَمَلَ الْمُسْتَحاضَةِ.
وأكبر الظنّ أنّ هذه الفقرة منحولة ليست من كلام الإمام (علیه السلام) ، فقد اتّفق فقهاء الإمامية الذين يستندون فيما يفتون به إلى ما أثر عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام) على أن دم النفاس لا حد لقليله ، وحدّ كثيره عشرة أيام من حين الولادة ، وإذا رأت الدم بعد
العشرة لم يكن دم نفاس، وتجعله دم استحاضة ، والنفساء بحكم الحائض يحرم عليها ما يحرم على الحائض ، وهنا بحوث مهمة ذكرها الفقهاء .
قال (علیه السلام) : وَيُؤْمِنُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمُنْكِرٍ وَنَكيرٍ ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْحِسابِ ، وَالْمِيزَانِ ، وَالصِّراطِ .
إنّ من الواجبات على المسلم أن يعتقد بعذاب القبر إذا كان قد اقترف الجرائم والذنوب ، كما يجب عليه أن يعتقد بسؤال منكر ونكير له في قبره ، وأنه سيبعث بعد الموت ، ويحاسب على أعماله ، وتوضع أعماله في الميزان ، فمن رجحت حسناته على سيّئاته فاز بالجنّة ، وإلا فماله إلى النار ، ويعاقب على مقدار عمله ، ولا يظلم ربِّك أحداً ، كما أنّه لا بد من الاجتياز على الصراط ، فإن كان قد عمل صالحاً فيمر بيسر وسهولة ، وإلا فيهوي في النار .
قال (علیه السلام) : وَالْبَراءَةُ مِنْ أَئِمَّةِ الضَّلالِ وَأَتْباعِهِمْ ، وَالْمُوالاة لأَوْلياءِ اللهِ .
إنّ البراءة من أئمة الضلال وأشياعهم ، وموالاة أولياء الله من العناصر المهمة في العقيدة الإسلامية التي تشجب الظلم ، وتناهض الجور ، وتنشد العدالة بين الناس .
قال (علیه السلام) : وَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ ، قَليلِها وَكَثِيرِها ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلَّما أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَليلُهُ حَرامٌ ، وَالْمُضْطَرُّ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا تَقْتُلُه.
الخمر من الآفات المدمّرة للصحة ، فهو يؤدّي إلى الإصابة بأمراض خطيرة ، كما يؤدّي إلى فساد الأخلاق ، وانهيار المثل الكريمة التي يعتزّ بها الإنسان . ويعتبر تحريم الإسلام له من أهمّ بنوده التشريعيّة الهادفة إلى رفع مستوى الإنسان . وقد حذّر الإمام (علیه السلام) من شربه ، سواء أكان كثيراً أم قليلاً؛ وذلك لما يترتّب عليه من الأضرار البالغة .
قال (علیه السلام) : وَتَحْرِيمُ كُلِّ ذي نابٍ مِنَ السَّباع ، وَكُلٌّ ذِي مَخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ ، وَتَحْرِيمُ الطَّحالِ فَإِنَّهُ دَمّ ، وَالْجِرَي وَالطَّافي(1)وَالْمارماهي وَالزَّمِّير(2)، وَكُلِّ شَيْءٍ لَا يَكونُ لَهُ قُشورٌ ، وَمِنَ الطَّيْرِ ما لَا تَكونُ لَهُ قائِصَةٌ.
وحرّم الإسلام لحوم بعض الحيوانات ، وذلك لما فيها من المفاسد التي توجب الإضرار بالصحة العامة ، وقد عرض الإمام بعضها ، وهي :
السباع : ويحرم أكل السباع ، سواء أكانت بريّة - كالأسود والذئاب والنمور - أم كانت طائرة - كالبازي والرخمة وغيرهما - .
الطحال: ويحرم أكل الطحال لأنه دم على حدّ تعبير الإمام (علیه السلام) ، كما يحرم أكل المثانة من الذبيحة والمشيمة والنخاع والغدد وخرزة الدماغ وغيرها ممّا ذكره الفقهاء لأنّها تسبّب أضراراً جسيمة .
الجرّي : ويحرم أكل الجرّي ، وهو حيوان مائي لا تأكله الكلاب ، وكذلك يحرم أكل السمك الميت الطافي على الماء ، والمارماهي ، والزمير ، وكلّ ما لا فلس له من الأسماك .
ما لاقانصة له : ويحرم من الطيور ما لاقانصة له ، ولا حوصلة ، ولاصيصية(3)، ويحلّ من الطيور ما كان دفيفه أكثر من صفيفه .
قال (علیه السلام) : وَمِنَ الْبَيْضِ كُلَّمَا اخْتَلَفَ طَرَفاهُ فَحَلالٌ أَكْلُهُ ، وَما اسْتَوى طَرَفاهُ فَحَرامٌ أَكْلُهُ.
أما البيض فهو تابع للحيوان ، الذي ولد منه في الحلية والحرمة ، وقد أعطى الإمام (علیه السلام) قاعدة عامة لمعرفة الحلال والحرام منه ، فإن كان طرفا البيضة متساويين فحرام أكلها ، وإن كانتا مختلفتين فحلال أكلها .
قال(علیه السلام) : وَاجْتِنابُ الْكَبَائِرِ، وَهِيَ : قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ ، وَشُرْبُ لها الْخَمْرِ، وَعُقوقُ الْوالِدَيْنِ ، وَالْفِرارُ مِنَ الرَّحْفِ ، وَأَكْلُ مالِ الْيَتامى ظُلماً ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنزيرِ ، وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ ضَرورَةٍ بِهِ ، وَأَكْلُ الرِّبا ، وَالسُّحْتُ بَعْدَ البَيِّنَةِ ، وَالْمَيْسِرُ ، وَالْبَخْسُ في الميزان وَالمِكْيالِ ، وَالْبَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ ، وَالْقُنوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ، وَمُعاوَنَةُ الظَّالِمينَ وَالرُّكونُ إلَيْهِمْ ، وَالْيَمينُ الْغَموسُ ، وَحَبْسُ الْحُقوقِ مِنْ غَيْرِ عُسْرِ ، وَالْكِبْرُ ، وَالْكُفْرُ ، وَالْإِسْرافُ ، وَالتَبْذِيرُ ، وَالْخِيانَةُ ، وَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ ، وَالْمَلاهي الَّتي تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ، مِثْلُ الْغِناءِ وَضَرْبِ الْأَوتارِ ، وَالْإِصرارُ عَلَى الصَّغَائِرِ مِنَ الذُّنوبِ. فَهَذِهِ أُصولُ الدِّينِ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ
وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيَّهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً
وانتهت بذلك هذه الرسالة الغرّاء التي حفلت ببعض البحوث الكلامية ، وبأمهّات المسائل الفقهية .
ولم تقتصر علوم الإمام الرضا (علیه السلام) على أحكام الشريعة الإسلامية الغرّاء ، وإنّما شملت جميع أنواع العلوم ، والتي منها علم الطبّ ، فقد كان علماً من أعلامه ، ومتمرساً بجميع فروعه وجزئياته ، ويدلّ على ذلك بصورة واضحة هذه الرسالة التي سمّاها المأمون بالرسالة الذهبيّة ، كما منح في تقريضه لها وسام الطبيب للإمام (علیه السلام) وقد وضعت البرامج العامة لإصلاح بدن الإنسان، ووقايته من الإصابة بالأمراض التي هي القاعدة الأساسيّة للطبّ الوقائي في هذه العصور، والذي يعدّ من أعظم الوسائل في تقدّم الصحة وازدهارها .
وعلى أي حال، فلابدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عمّا يتعلّق بهذه الرسالة قبل عرضها، وفيما يلي ذلك :
وتميز بلاط المأمون بأنّه كان في معظم الأوقات ندوة من ندوات العلم والأدب ، خصوصاً في عهد الإمام الرضا (علیه السلام) العملاق هذه الأمّة ورائد نهضتها الفكرية والعلميّة ، فقد تحوّل البلاط العبّاسي إلى مسرح للبحوث العلمية والفلسفيّة ، كما ذكرنا ذلك في البحوث السابقة .
ومن بين البحوث العلميّة التي عرضت في تلك الندوة هو ما يضمّه بدن الإنسان من الأجهزة والخلايا العجيبة ، وبدائع تركيب أعضائه التي تجلّت فيها حكمة الخالق العظيم ، وروعة قدرته ، وخاض القوم فيما يصلح بدن الإنسان ويفسده ، وقد ضمّت الجلسة كبار العلماء والقادة ، كان في طليعتهم :
1 - الإمام الرضا (علیه السلام).
2 - المأمون .
4 - جبريل بن بختیشوع .
5 - صالح بن بهلة الهندي .
وقد خاض هؤلاء القوم سوى الإمام في البحوث الطبية والإمام (علیه السلام) ساكت لم يتكلّم بشيء ، فانبرى إليه المأمون قائلاً له بإكبار : ما تقول يا أبا الحسن في هذا الأمر الذي نحن فيه اليوم، والذي لابدّ منه من معرفة هذه الأشياء ، والأغذية النافع منها والضارّ وتدبير الجسد ؟
لقد طلب المأمون من الإمام (علیه السلام) أن يفتح له آفاقاً من العلم فيما يتعلّق بأجهزة بدن الإنسان ، ويرشده إلى النافع من الأغذية والضارّ منها ، وما يصلح جسم الإنسان وما يضرّه .
وانبرى الإمام فأجابه : عِنْدِى مِنْ ذلِكَ ما جَرَّبْتُهُ ، وَعَرَفْتُ صِحتَهُ بِالاخْتِبارِ ، وَمُرور الأَيَّامِ ، مَعَ ما وَقَفَني عَلَيْهِ مَنْ مَضى مِنَ السَّلَفِ مِمَا لا يَسَعُ الإِنْسَانُ جَهْلَهُ ، وَلا يُعْذَرُ في تَرْكِهِ ، فَأَنا أَجْمَعُ ذَلِكَ مَعَ ما يُقارِبُهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ.
إنّ الإمام (علیه السلام) من خزنة الحكمة ، ومن ورثة الأنبياء ، وعنده علم ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم، وقد استجاب الإمام إلى طلب المأمون فزوّده بالرسالة الذهبية الآتي نصّها.
ونظراً لأهمّية هذه الرسالة ، فقد عكف على شرحها وترجمتها جمهرة من العلما نصّ عليهم في تقديم هذه الرسالة سماحة الحجّة المحقّق السيّد مهدي الخرسان ،
وهم :
1- السيِّد الإمام ضياء الدين أبي الرضا فضل الله بن عليّ الراوندي ( المتوفّى سنة 548 ه) سمّاه « ترجمة العلوي للطب الرضوي » .
2- الوليّ فيض الله عصارة التستري ، وهو معاصر لفتح علي خان ، له ترجمة الذهبية بالفارسية .
3- محمّد باقر المجلسي (المتوفى سنة 1111ه) ، ترجمها إلى اللغة الفارسيّة .
4 - ابن محمد هاشم الطبيب ، شرحها بالفارسية .
ه - محمد شريف بن محمد صادق الخواتون آبادي ، له شرح عليها ذكره في كتابه « حافظ الأبدان » .
6 - السيد عبد الله شبّر ( المتوفى سنة 1242ه) ، له شرح عليها .
7 - الميرزا محمد هادي ابن الميرزا محمد صالح الشيرازي ، شرحها وأسماها «عافية البرية في شرح الذهبية » ، وكان معاصراً للسلطان حسين الصفوي .
8 - المولى محمد ابن الحاج محمد حسن المشهدي المدرّس .
10 - محمد بن يحيى ، له شرح الذهبية بالفارسية .
11 - نوروز علي البسطامي ، له شرح على الذهبية أشار إليه في كتابه «فردوس التواريخ » .
12 - الحاج الميرزا كاظم الموسوي الزنجاني ( المتوفى سنة 1292ه) ، له شرح عليها أسماه « المحمودية » .
13- السيد نصر الله الموسوي الأرومي ، له شرح بالفارسية سماه « الطب الرضوي» .
14 - مقبول أحمد ، له شرح سمّاه «الذهبيّة في أسرار العلوم الطبيعية » باللغة الأوردية ، طبع بحيدرآباد .
15 - السيد محمود ، له « مفاتيح الصحة » جمع فيه طبّ النبي (صلی الله علیه و آله) وطب الأئمة والرسالة الذهبية مع شرح يسير بالفارسية ، طبع سنة (1379ه) بالنجف الأشرف .
16 - السيد ميرزا عليّ ، له شرح الرسالة الذهبية بالفارسية .
17- السيد حسين بن نصر الله الأرومي الموسوي ، له ترجمة « الموسوي في الطب الرضوي » .
18- أبو القاسم سحاب ، له شرح بالفارسية باسم «بهداشت رضوي » ، وقد طبعه في آخر الجزء الأوّل من كتابه «زندگانی حضرت امام رضا (علیه السلام) من الصفحة 350-301.
19 - الدكتور السيد صاحب زيني ، له شرح على الرسالة تناول فيه جوانباً على ضوء علم الطب الحديث ، طبع في بغداد في سلسلة ملتقى العصرين .
20 - عبدالواسع ، ترجم الرسالة إلى اللغة الفارسية(1).
ونظراً لأهميّتها البالغة فقد كتبت بخطوط أثرية جميلة ، وتوجد نسخة قديمة بخط عبدالرحمن بن عبدالله الكرخي ، وقد كتبت سنة (715ه ) وهي بمكتبة الإمام الحكيم : التسلسل 237.
1) توجد الترجمة بخط المؤلّف في مكتبة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : التسلسل 377.
وبعث الإمام الرضا (علیه السلام) برسالته الذهبية إلى المأمون ، فأُعجب بها إعجاباً بالغاً ، وأمر أن تكتب بالذهب ، كما أمر أن تكتب نسخ منها وتوزّع على أولاده وأفراد أسرته وجهاز دولته ، كما أمر أن تودع نسخة منها في بيوت الحكمة ، ومما لا شك فيه أنّها عرضت على أعلام الطب في عصره فأقروها ، وقد قرّظها المأمون بالرسالة التالية ،فقد جاء فيها بعد البسملة :
«الحمد الله أهل الحمد ووليه ، وله آخره وبدؤه ، ذو النعم والإفضال ، والإحسان والإجمال ، أحمده على نعمه المتظاهرة ، وفواضله وأياديه المتكاثرة ، وأشكره على منحه ومواهبه شكراً يوجب زيادته ، ويقرب زلفى .
أشهد أن لا إله إلا الله شهادة مخلص له بالإيمان غير جاحد ، ولا منكر له بربوبيته ووحدانيته ، بل شهادة تصدق نسبته لنفسه ، وأنّه كما قال عزّ وجلّ : «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» ، وكذلك ربّنا عزّ وجلّ .
وصلى الله على سيّد الأولين والآخرين محمّد بن عبدالله خاتم النبيين .
أما بعد : فإنّي نظرت في رسالة ابن عمّي العلوي الأديب ، والفاضل الحبيب . والمنطقي الطبيب ، في إصلاح الأجسام ، وتدبير الحمام ، وتعديل الطعام ، فرأيتها في أحسن التمام ، ووجدتها في أفضل الإنعام ، ودرستها متدبّراً ، ورددت نظري فيها متفكّراً ، فكلما أعدت قراءتها والنظر فيها ظهرت لي حكمتها ، ولاحت لي فائدتها ، وتمكنت من قلبي منفعتها . فوعيتها حفظاً، وتدبرتها فهماً ، إذ رأيتها من أنفس العلائق ، وأعظم الذخائر ، وأنفع الفوائد، فأمرت أن تكتب بالذهب لنفاستها ، وحسن موقعها، وعظم نفعها ، وكثرت بركتها ، وسمّيتها ( المذهبة ) ، وخزنتها في خزانة الحكمة ، وذلك بعد أن نسخها آل هاشم فتيان الدولة ، لأنّ بتدبير الأغذية
تصلح الأبدان ، وبصحّة الأبدان تدفع الأمراض ، وبدفع الأمراض تكون الحياة ، وبالحياة تنال الحكمة ، وبالحكمة تنال الجنّة، وكانت أهلاً للصيانة والادّخار، وموضعاً للتأهيل والاعتبار ، وحكماً يعوّل عليه ، ومشيراً يرجع إليه ، ومن معادن العلم أمراً وناهياً ينقاد له ، ولأنها خرجت من بيوت الذين يوردون حكم الرسول (صلی الله علیه و آله) المصطفى ، وبلاغات الأنبياء ، ودلائل الأوصياء ، وآداب العلماء ، وشفاء للصدور والمرضى من أهل الجهل والعمى رضوان الله عليهم وبركاته ، أولهم وصغيرهم وكبيرهم .
فعرضتها على خاصّتي وصفوتي من أهل الحكمة والطبّ وأصحاب التأليف والكتب ، المعدودين في أهل الدراية ، والمذكورين بالحكمة ، وكل مدحها وأعلاها، ورفع قدرها وأطراها ، إنصافاً لمصنّفها ، وإذعاناً لمؤلّفها ، وتصديقاً له فيما حكاه فيها ، فمن وقعت إليه هذه الرسالة من بعدنا من أبنائنا ، وأبناء دولتنا ، ورعايانا ، وسائر الناس على طبقاتهم فليعرف قدرها ، والموهبة له ، وتمام النعمة له ، وليأخذها بشكر ، فإنّها أنفس من العقيان ، وأعظم خطراً من الدر والمرجان ، وليستعمل حفظها وعرضها على همته وفكره ليلاً ونهاراً ، فإنّها عائدة عليه بالنفع والسلامة من جميع الأمراض والأعراض ، إن شاء الله تعالى ، وصلى الله على رسوله محمد وأولاده الطيبين الطاهرين أجمعين ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، والحمد لله ربّ العالمين.
وحكى هذا التقريظ على رسالة الإمام (علیه السلام) ما يلي :
1 - محتوياتها الطبيّة : أما محتويات رسالة الإمام (علیه السلام) حسب ما أدلى به المأمون ، فهي :
تدبيره الحمام الذي هو من العناصر الأساسيّة للصحة ، فإنّه كما يعنى بنظافة البدن ، كذلك يعنى في بثّ النشاط في جسم الإنسان.
2 - دراسته لها ودرس المأمون رسالة الإمام دراسة وثيقة بإمعان وتدبير ، وأنّه كلّما جدّد قراءته لها ظهرت له بدائعها، وعظيم حكمتها، وقد وجدها من ذخائر الكتب، ومن مناجم الثروات ، فقد حوت أصول الصحة العامة ، وقواعد الطبّ في وقت كان الطبّ في أوّل مراحله ، وتعتبر هذه الرسالة تطوّراً في هذا الفنّ ، فقد فتحت آفاقاً مشرقة له.
3 - عرضها على الأطباء : وعرض المأمون رسالة الإمام على أعلام الطبّ في عصره ، فكل واحد منهم أثنى عليها وأقرها وأطراها ورفع قدرها ، وقد اعترف جميع من راجعها من كبار الأطباء بفضل الإمام (علیه السلام) ، وتمرّسه في هذا العلم .
هذه بعض المحتويات في هذا التقريظ .
أمّا نصّ هذه الرسالة الغرّاء ، فنحن ننقله عن طبّ الإمام الرضا (علیه السلام) من منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف ، وقد طبع سنة ( 1385ه)، وقد جاء فيه بعد البسملة والثناء على الإمام (علیه السلام) ، ما نصّه :
«اعْلَمْ يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ - يعني المأمون - أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَبْتَلِ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِبَلاءِ - يَعْنِي المَرَضَ - حَتَّى جَعَلَ لَهُ دَواءٌ يُعالَجُ بِهِ ، وَلِكُلِّ صِنْفٍ مِنَ الدّاءِ صِنْفٌ مِنَ الدَّواءِ ، وَتَدْبِيرٌ وَنَعْتُ وَذلِكَ ».
وحكى هذا المقطع حكمة الله البالغة في خلقه للإنسان الذي يحتوي على
الأجهزة العجيبة ، التي هي عرضة للإصابة بأنواع الأمراض ، وأن الله تعالى لم يخلق مرضاً إلا وله دواء يقضي عليه ويحسمه ، فقد طويت في هذه العصور التي بلغ فيها الطبّ الذروة جمهرة من الأمراض وألقيت في البحر ، كمرض السلّ والتهاب الأمعاء والتيفوئيد ، وذلك بفضل المضادات الحياتيّة ، كالبنسلين والأرومايسين وغيرهما ، بالإضافة إلى عالم الجراحة الذي قضى على كثير من الأمراض ، وبهذا فقد تجلت الحكمة البالغة في كلمة الإمام سليل النبوّة من أن الله تعالى قد جعل لكلّ صنف من الداء صنفاً من الدواء، وسوف يطوى في ملف الطب من أنّ بعض الأمراض لا دواء لها .
قال (علیه السلام) :« إِنَّ الأَجْسَامَ الإِنْسانِيَّةَ جُعِلَتْ عَلَى مِثَالِ المَلِكِ ، فَمَلِك الْجَسَدِ هُوَ الْقَلْبُ ، وَالعُمّالُ الْعُروقُ وَالأَوْصالُ ، وَالدَّماغ ، وَبَيْتُ المَلِكِ قَلْبُهُ ، وَأَرْضُهُ الْجَسَدُ ، وَالأَعْوانُ يَداهُ وَرجَلاهُ ، وَعَيْناهُ وَشَفَتاهُ وَلِسَانُهُ ، وَأُذْناهُ ، وَخِزَانَتُهُ مِعْدِتُهُ وَبَطْنُهُ ، وَحِجابُهُ صَدْرُهُ . فَاليَدانِ عَوْنانِ يُقِرِّبانِ ، وَيُبَعْدانِ ، وَيَعْمَلانِ عَلى ما يوحي إِلَيْهِما المَلِكُ ، وَالرّجُلانِ يَنْقَلانِ المَلِكَ حَيْثُ يَشاءُ ، وَالعَيْنانُ يَدُلانِهِ عَلى ما يَغيبُ عَنْهُ ، لأنَّ المَلِكَ وَراءَ حِجابِ ، لا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِهِما ، وَهُما سِراجاهُ أَيْضاً ، وَحِصْنُ الْجَسَدِ وَحِرْزُهُ الأذْنانِ لا يُدْخِلانِ عَلى المَلِكِ إلّا ما يُوافِقُهُ لأَنَّهُما لا يَقْدِرانِ أَنْ يُدْخِلا شَيْئاً حَتَّى يوحي المَلِكُ إِلَيْهِما ، فَإِذا أَوْحَىٰ إِلَيْهِما أَطْرَقَ المَلِكُ مُنْصِتاً لَهُما حَتَّى يَسْمَعَ مِنْهُما ، ثُمَّ يُجيبُ بِما يُريدُ فَيُتِرْجَمُ عَنْهُ اللَّسانُ بِأَدَوَاتٍ كَثيرَةٍ مِنْها ريحُ الفُؤادِ ، وَبُخارُ المِعدَةِ، وَمَعونَةُ الشَّفَتَيْنِ وَلَيْسَ لِلشَّفَتَيْنِ قُوَّةً إِلا بِالأَسْنانِ ، وَلَيْسَ يُسْتَغْنى بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ».
عرض الإمام الحكيم إلى بدن الإنسان . هذا البدن العجيب الذي تجلّت فيه قدرة الله الهائلة ، وإبداعه المدهش ، وتنظيمه المحكم . قال تعالى : «يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ » فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكْبَك»7(1).
هذا البدن الذي حوى من الأجهزة والخلايا ما يعجز عنه الوصف . يقول فيه رائد الحكمة والبيان في الإسلام الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) :
أَتَحْسَبُ أَنَّكَ جُرْمٌ صَغير
وفيك انْطَوَى الْعالَمُ الأَكْبَرُ
نعم، إن الإنسان ليس هيكلاً محدوداً ، ولا جرماً صغيراً، وإنما حوى العالم بأسره ، فهو مجموعة من الأكوان والعوالم.
وقد شبّه سليل النبوّة ، ومعدن العلم والحكمة بدن الانسان بالدولة التي يتكوّن جهازها من الرئيس والجند والأعوان، والأرض التى يكون حاكماً لها، وقد ذكر الإمام (علیه السلام) من أعضاء البدن وأجهزته الرئيسة ما يلي :
1 - القلب : أمّا القلب فهو من آيات الله الرائعة في جسم الإنسان ، فهو يدفع الدم إلى نواحي الجسم جميعها حاملاً معه مواد الغذاء والأوكسجين ليوزعها في كلّ مكان من الجسم ، وليأخذ الفضلات معه لتخليص الجسم منها(2).
إنّ القلب يدفع الدم إلى الرئتين حيث يأخذ كفايته من الأوكسجين من الهواء الذي يتنفّسه ، وفي الرئتين يتخلّص الدم من بعض الفضلات التي جمعها من نواحي الجسم على شكل غاز يعرف باسم غاز ثاني أوكسيد الكاربون ، والقلب يدفع الدم إلى الكليتين أيضاً(3)، أما تنظيم ضربات القلب فهي سرّ من أسرار الخلق والإبداع ،
فهو ينبض بمعدّل (70) ضربة في الدقيقة الواحدة ، أي بمعدل يصل (100) ألف مرّة يوميّاً و (40) مليون مرّة سنوياً ، وما يزيد عن (2000) مليون مرة في متوسط العمر ، ولننظر إلى هذا التسبيح العظيم الذي لا يكفّ ولا يفتر في ليل أو نهار ، ولننظر إلى هذه الآية الرائعة في الجسم ، والتي هي تنظيم الحرارة .
إنّ هناك ما يشبه ميزان الحرارة داخل الجسم ، فإذا جاءت الأخبار الحسيّة من الجلد تخبر عن الوسط الخارجي ودرجة حرارته سارعت هذه المناطق الكائنة فی الجذع الدماغي وما فوقه إلى جهاز الدوران تستحثّه على أن يحمي الحدود الخارجيّة ، وتأمره أن يقوم بدور العامل المخلص في هذه الأزمة ، ويستجيب جهاز الدوران المرن ، وسرعان ما تحدث تقلّصات العروق الدموية ونضح القلب للدم بما يفي حاجة الجلد ، فإذا كان بارداً قل تدفّق الدم الذي يحمل الحرارة ليعدل البرودة ، والعكس بالعكس(1).
إن القلب هو مصدر الحياة للإنسان وغيره ، فهو ملك الجسم ، وجميع الإنسان جنوده وأعوانه .
2 - العروق : أمّا العروق ، فإنّها عصب الحياة ، وهي التي تسيطر على الجسم ، وتعمل عملها في الغضب والخوف وسائر الانفعالات والمباريات والعمل الجنسي وغيرها ، وقسم من الأعصاب يُسمّى بالأعصاب الإرادية ، وهي التي تسيطر على طائفة معينة من العضلات في الجسم ، وهي التي تسمّى بالعضلات المخططة ، وهنا بحوث مهمة ذكرت في علم وظائف الأعضاء ، وهى تدلّل على عظمة الخالق الحكيم .
3 - الدماغ : أما الدماغ ، فهو من أعظم مخلوقات الله ، وهو الذي يهيمن على الجسم كله ، ويسيطر على جميع حركاته ، ويبعثه حيث ما شاء ، ويه تميّز
1) الطب محراب الإيمان : 141 و 142 .
الإنسان على سائر الحيوانات ، وقد خصّه الله تعالى للإنسان وشرّفه به على جميع المخلوقات .
إنّ الدماغ دنيا من العجائب المذهلة ، فلا يضاهيه في عظمته أي مخلوق آخر ، فهو يحوي على مخازن لا تمتلئ ، ويحفظ ما يودع فيه من علم وغيره، فسبحان المبدع والخالق له ، أما البحث عن عجائبه فهو يستدعي وضع كتاب له .
4 - اليدان والرجلان: من الأجهزة المذهلة في بدن الانسان اليدان الّلتان تقومان بما يحتاج إليه الإنسان من مأكله وشرابه ، وتصنعان الأعمال البديعة من الكتابة والصياغة والبناء وغير ذلك بإشارة الدماغ وتوجيهه ، فهما عاملان في مصنعه ، وكذلك الرجلان يسيران لبلوغ الإنسان إلى حاجاته ، ولولاهما لما أمكنه أن يصنع شيئاً ، فسبحان الخالق الحكيم .
5 - حاسة السمع: من الأجهزة العجيبة في بدن الإنسان حاسّة السمع ، وقد حوت ما يلي :
الأذن الوسطى : وفيها ثلاث عظام تشبه أدوات الحدّاد ( المطرقة والسندان) وركابة السرج ، وعضلتان ( المطرقة والركابة ) ، ويوجد نفق يوصل ما بين الأذن الوسطى والبلعوم .
الأذن الداخلية : وتحوي على ما يشبه الحلزون، وثلاثة اطارات ، وهذه الأقسام متصلة بعضها ببعض، ومتداخلة ، وفي داخل الأقنية أقنية غشائية تشبه الكيس ، وداخل الحلزون الذي يدور دورتين ونصف يوجد عضو كورتي .
والأذن الداخلية هي التي تستقبل الأصوات، وأما الأذن الوسطى والخارجية فهما اللتان تنقلان الصوت .
أمّا انتقال الصوت ، فهو نتيجة اهتزاز جزئيات المادة ، ولهذا فإنّ الصوت لا ينتقل ما لم يكن هناك وسط مادي « هواء سائل ، غازات ، أجسام صلبة » ، وهنا بحوث مهمة تكشف تكشف عن عظمة الخالق الحكيم وبديع صنعه ، عرضت لها كتب الطب(1).
6 - البصر : أما العين، فإنّها من آيات الله العظمى، فبواسطة العين يتلقى الإنسان النور ، والتعرّف على المحيط الخارجي ، وبها يتعرّف على الأشياء من ناحية شكلها ولونها.
وهي من أروع غرف التصوير الفنية ، فهي غرفة مظلمة مغلقة بثلاثة جدران ، هي من الظاهر إلى الباطن : الصلبة وهي التي تعطي اللون الأبيض للعين، والمشيمية : وهي التي تروي العين بعروقها ، والشبكية : وهي التي تحمل العناصر الحسّاسة ، والمستقبلة للضوء ، وهي المخاريط والعصيات.
وفي المقدمة توجد بلّورة رقيقة هي القرنية تدخل النور القادم إلى العين ، ثم يجتاز النور بعد القرنية سائلاً شفافاً كاسراً للنور هو الخلط المائي الذي يقع ما بين القرنية والقزحية ، والقزحية هي التي تعطي العينين لونهما المعهود ، وتفتح في مرکزها بثقبة واحدة خاصة لاستقبال النور كعدسة المصوّر ، وهي الحدقة ، وإذا دخل النور الحدقة واجه بلورة من نوع جديد هي الجسم البلّوري .
وهي أعجب بلّورة موجودة في الوجود؛ لأنها تتمدّد وتتقلّص بحيث تختلف وجوه تحدّبها إلى درجة كبيرة ، وبالتالي تتطابق العين مع المناظر التي تقع أمامها ، فإذا كانت المسافة المرئيّة قريبة تمدّدت وتقطعت بما يناسب الحالة ، والعكس بالعكس ، فهي البلّورة الحركية العاقلة ، وبعد الجسم البلوري يدخل النور خلطاً جديداً شفافاً كاسراً للنور هو الخلط الزجاجي ، فإذا انتهى النور من عبوره وصل إلى الشبكية حيث تستقبله العصيّات والمخاريط ، وتنقله بشكل سيّالة عصبية
1) الطب محراب الإيمان : 191 - 202 .
إلى الفصّ القفوي(1).
ومضافاً إلى عجائب صنعها بدائع حمايتها ووقايتها ، فقد جعل الله تعالى العينين فی منطقة من الوجه منخفضة يحيط بها ثلاث تلال مرتفعات ، وهي : الحاجب ، والهرم الأنفي والبروز العظمي من الجبهة .
وبالإضافة إلى ذلك فإنّهما مغطّاتان بجفنين يفتحان ويغلقان بمنتهى السرعة ، كما أحاطهما تعالى بالدمع لتطهيرهما وترطيبهما ، فسبحان الخالق المبدع العظيم .
هذه بعض الأعضاء التي أشار إليها الإمام (علیه السلام) ، وقد عرض إلى خصوصياتها ووظائفها علم التشريح ، ولننتقل إلى فصل آخر من هذه الرسالة.
قال (علیه السلام) : « وَالْكَلَامُ لَا يَحْسُنُ إِلَّا بِتَرْجِيعِهِ فِي الْأَنْفِ ، لأنَّ الأَنْفَ يُزَيِّنُ الكَلامَ كَما يُزَيِّنُ النَّافخ المِزْمارِ ، وَكَذلِكَ المَنْخَرانِ هُما ثَقْبا الأَنْفِ ، يُدْخِلانِ عَلى المَلِكِ - أَي القَلبِ -مِمَّا يُحِبُّ مِنَ الرّوائح الطَّيِّبَةِ ، فَإِذا جاءَتْ ريحٌ تَسوءُ المَلِكَ ، أَوْصى إِلى اليَدَيْنِ فَحَجَبَتْ بَيْنَ المَلِكِ ، وَبَيْنَ تِلْكَ الرَّوائح . وَلِلْمَلِكِ عَلى هذا ثَوابٌ ، وَعِقابٌ ، فَعَذابُهُ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ المُلوكِ الظَّاهِرَةِ القاهِرَةِ في الدُّنْيا ، وَثَوابُهُ أَفْضَلُ مِنْ ثَوابِهِم ، فَأَمَّا عَذابُهُ فَالحُزْنُ ، وَأَمَا تَوابُهُ فَالْفَرَحُ ، وَأَصْلُ الْحُزْنِ في الطَّحالِ وَأَصْلُ الْفَرّح فى الثربِ(2)وَالْكِلْيَتَيْنِ(3). وفيهما عِرْقانِ موصلانِ إِلى الوَجْهِ
فَمِنْ هُناكَ يَظْهَرُ الْفَرَحُ وَالحُزْنُ ، فَتَرى عَلامَتَهُما فِي الوَجْهِ ، وَهَذِهِ العُروقُ كُلُّها طرقٌ مِنْ طُرُقِ العُمَالِ إِلى المَلِكِ ، وَمِنَ المَلِكِ إِلَى العُمّال وَمِصْداقُ ذلِكَ : أَنَّهُ إِذا تَناوَلْتَ الدَّواءَ أَدَّتْهُ العُروقُ إِلى مَوْضِعِ الدَاءِ بِإِعَانَتِها ».
عرض سليل النبوّة إلى عمليّة النطق والبيان ، وهي أعجوبة بذاتها ، فالكلام يخرج منسجماً متوازناً يهدف إلى معنى معيّن ، وهو من الظواهر الفذّة العجيبة الدالّة على عظمة الخالق العظيم . قال تعالى :«الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ» ، فما يريد أن يؤدّيه الإنسان يتكوّن قبل التلفظ به في الدماغ ، وهو يوحي إلى اللسان بتأديته ، وذلك بعمليّة عجيبة ذكرها المعنيّون بهذه البحوث .
وذكر الإمام (علیه السلام) ثواب القلب والدماغ لجسم الإنسان وعقابهما له ، وكلاهما يظهران على سحنات الوجه ، فالفرح يغطّي الوجه بانبساطه ، والحزن يغمر الوجه بانقباضه ، وأفاد الإمام أن أصل الحزن في الطحال، وأصل الفرح في الترب والكليتين ، فمن هذه الأعضاء تنبعث هذه الظواهر في جسم الإنسان .
قال (علیه السلام): « وَاعْلَمْ يا أميرَ المُؤْمِنِينَ ، أَنَّ الجَسَدَ بِمَنْزِلَةِ الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ مَتى تُعوهِدَتْ بِالعِمارَةِ وَالسَّقْي مِنْ حَيْثُ لا يُزْدادُ في الماءِ فَتَغْرَق ، وَلا يُنْقَصُ مِنْهُ فَتَعْطَش دامَتْ عِمارَتُها ، وَ كَثُرَ ريعُها ، وَزَكِيَ زَرْعُها ، وَإِنْ تُغوفِلَ عنها فَسَدَتْ ، وَلَمْ يَنْبُتْ فيها العِشْبُ ، فَالجَسَدُ بِهذِهِ المَنْزِلَةِ ، وَبِالتَّدْبِيرِ فِي الْأَغْذِيَةِ وَالْأَشْرِبَةِ يَصْلُحُ ، وَيَصُحُ وَتَزْكُو العافِيَةُ فيه.
فَانْظُرْ يا أَميرَ المُؤمِنينَ ما يُوافِقُكَ ، وَيُوافِقُ مِعْدِتَكَ ، وَيَقْوى عَلَيْهِ بَدَنُكَ وَيَسْتَمْريهِ مِنَ الطَّعامِ وَالشَّرابِ فَقَدِّرْهُ لِنَفْسِكَ ، وَاجْعَلْهُ غَذاءَكَ.
وَاعْلَمْ يا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ أَنَّ كُلُّ واحِدَةٍ مِنْ هذِهِ الطبايع تُحِبُّ ما يُشاكِلُها ، فَاغْتَذِ ما يُشاكِلُ جَسَدَكَ ، وَمَنْ أَخَذَ مِنَ الطَّعَامِ زِيادَةً لَمْ يُفِدْهُ ، وَمَنْ أَخَذَ بِقَدَرٍ لا زِيادَةَ عَلَيْهِ وَلَا نَقْصَ ؛ غَذَّاهُ وَنَفَعَهُ ، وَكَذلِكَ الْمَاء فَسَبيلهُ أَنْ تَأْخُذَ مِنَ الطَّعَامِ كِفايَتَكَ فِي أَيَّامِهِ ، وَارْفَعْ يَدَيْكَ مِنْهُ ، وَبِكَ إِلَيْهِ بَعْضُ القَرَم(1). وَعِنْدَكَ إِلَيْهِ مَيْلٌ ، فَإِنَّهُ أَصْلَحُ لِمِعْدَتِكَ وَلِبَدَنِكَ ، وَأَذْكى لِعَقْلِكَ ، وَأَخَفٌ لِجِسْمِكَ ».
ووضع الإمام الحكيم المنهج العامّ للصحّة العامة ، وأساسها التوازن ، وعدم سراف في الأكل والشرب ، وقد أعلن القرآن الكريم هذه القاعدة في حفظ بدن الإنسان ووقايته من الإصابة بالأمراض . قال تعالى : «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»(2).
إن الجهاز الهضمى من أهمّ أجهزة الإنسان، وأكثرها حيويّة وحساسيّة ، وهو يتأثّر بالإسراف في الأكل الذي تنجم منه السمنة التي هي من أعظم الآفات المدمّرة
لبدن الإنسان .
إنّ العناية بالتغذية ، خصوصاً في مقتبل العمر ، لها تأثير كبير على الحالة الصحيّة السنوات التالية من عمر الإنسان ، كما تطيل في فترات الشباب ، وهي من أحدث الوسائل في الصحة الوقائيّة ، فما يصيب الإنسان - على الأكثر - من الأمراض
المتنوّعة إنّما هي من من النتائج المباشرة لإسرافه في الطعام والشراب ، وعدم توازنه في حياته الجنسيّة وغيرها من شؤون حياته.
لقد شبّه الإمام الحكيم بدن الإنسان بالأرض الخصبة ، وهو تشبيه بديع للغاية ، فإنّ الإنسان إذا اعتنى بأرضه، وسهر على إصلاحها ، أثمرت وأعطت أطيب الثمرات ، وإذا أعرض عنها وأهملها ، فإنّها تتلف وتموت ولا تعطي أي ثمار، وكذلك بدن الإنسان إذا أصلحه ولم يفسده بكثرة الأكل والشرب ، فإنّه يصلح ويتمتّع بالصحّة التي هي من أثمن ما يظفر به الإنسان في حياته .
لقد أكد الإمام (علیه السلام)على ضرورة عدم الإسراف في الطعام ، وأن يرفع الإنسان يده منه وعنده ميل إليه ، فإن ذلك أجدى في حفظ صحّته ووقايته من الإصابة بالأمراض . إنّ الإفراط في الأكل يؤدّي إلى السمنة ، وهي تسبّب ما يلي :
عجز القلب .
ارتفاع الضغط الدموي .
إلى غير ذلك من الأمراض الناجمة من الإفراط في تناول الطعام ، ولننتقل لفصل آخر من هذه الرسالة.
قال (علیه السلام): « وَاعْلَمْ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، كُلِ البَارِدَ في الصَّيْفِ ، وَالحار في الشّتاءِ ، وَالمُعْتَدِلَ فِى الْفَضْلَيْن ، عَلى قَدْرِ قُوَّتِكِ وَشَهْوَتِكَ ، وَابْدَأْ بِأَوَّلِ الطَّعامِ بِأَخَفِّ الأَغْذِيَةِ الَّتِي يَتَغَذَّى بِهَا بَدَنُكَ ، بِقَدَرِ عَادَتِكَ ، وَبِحَسَبِ طاقتِكَ ، وَنِشاطِكَ ، وَزَمانِكَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَكْلُكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ عِنْدَ ما يَمْضِي مِنَ النَّهَارِ ثَمَانُ ساعاتٍ أَكْلَةً وَاحِدَةً ، أَوْ ثَلاثَ أَکلاتٍ في يَوْمَيْنِ ، تَتَغَذَّى باكِراً فِي أَوَّلِ يَوْمٍ ، ثُمَّ تَتَعَشَى ، فَإِذَا كَانَ فِي الْيَوْمُ الثَّاني
فَعِنْدَ مُضِيَّ ثَمانِ ساعاتٍ مِنَ النَّهارِ أَكَلْتَ أَكْلَةً واحِدَةً ، وَلَمْ تَحْتَجْ إِلى العِشَاءِ.
وَكَذَا أَمَرَ جَدِّي مُحَمَّدٌ (صلی الله علیه و آله و سلم) عَلِيّاً (علیه السلام) في كُلِّ يَوْمٍ وَجْبَةٌ وَفِي غَدِهِ وَجْبَتَيْنِ ، وَلْيَكُنْ ذلِكَ بِقَدَرٍ لا يَزِيدُ ، وَلا يَنْقُصُ ، وَارْفَعْ يَدَكَ مِنَ الطَّعامِ وَأَنْتَ تَشْتَهِيهِ وَلْيَكُنْ شَرابُكَ عَلَى أَثَرِ طَعَامِكَ ».
وحكى هذا المقطع تنظيم الأكل الذي تبتني عليه أسس الصحّة العامة ، وكان من بين ما حفل به :
1 - تناول المواد الباردة في أيّام الصيف، فإن تناول الأطعمة الثقيلة يعود بالأضرار الجسيمة على بدن الإنسان ، وأمّا في الشتاء فبالعكس ، فإنّه يحسن تناول
الأطعمة الثقيلة التي تحتوي على السمن والسكر ، فإنّ البدن يحتاج إليها .
2- أن يأكل الإنسان من الطعام قدر طاقته ، وليس له أن يجهد نفسه ويحمّلها رهقاً أكثر من ذلك .
3 - أن يتناول الإنسان أخفّ الأغذية ، وأيسرها على جهازه الهضمي ، وفي نفس الوقت يلاحظ مقدار سنّه ، فإنّ الإنسان كلّما تقدّم به السنّ فينبغي أن يكون طعامه خفيفاً ، قليل الملح والسمن؛ لأنهما يؤديّان إلى تصلّب الشرايين، خصوصاً من تجاوز عمره الخمسين عاماً.
5 - وأكّد الإمام على ضرورة أن لا يأكل الإنسان طعاماً إلّا وهو يشتهيه ، ولا يمتلئ منه ، وهذا من أثمن الوصايا الصحيّة. ولنقرأ فصلاً آخر من هذه الرسالة :
قال (علیه السلام) : « وَنَذْكُرُ ما يَنْبَغِى ذِكْرُهُ مِنْ تِدبير فُصولِ السَّنَةِ ، وَشُهورها الرُّومِيَّةِ الْواقِعَةِ فيها فى كُلِّ فَصْل عَلى حِدَةٍ ، وَما يُسْتَعْمَلُ مِنَ الأَطْعِمَةِ وَالأَشْرِبَةِ ، وَما يُجْتَنَبُ مِنْهُ ، وَكَيْفِيَّةَ حِفْظِ الصَّحَّةِ مِنْ أَقاويل العُلَماءِ القدماء....
وهذا المقطع مقدّمة تمهيديّة إلى بيان ما يتناوله الإنسان في فصول السنة ، وما يجتنب عنه فيها .
قَالَ (علیه السلام): أَمَا فَضْلُ الرَّبيع فَإِنَّهُ مِنْ روح الزَّمانِ .
وَأَوَّلُهُ (آذارُ) وَعِدَّةُ أَيَّامِهِ َواحِدٌ وَثَلاثونَ يَوْماً ، وَفِيهِ يَطيبُ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، وَتَلينُ الأَرْضُ ، وَيَذْهَبُ سُلْطانُ البَلْغَم ، وَيَهِيجُ الدَّمُ ، وَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ مِنَ الغِذاءِ اللَّطيفُ وَاللُّحومُ ، وَيُتَّقى فيهِ أَكْلُ البَصَل وَالثّومِ ، وَالحَامِضِ ، وَيُسْتَعْمَلُ فيهِ شَرابُ المُسْهِلِ ، وَيُسْتَعْمَلُ فيهِ الفَصْدُ وَالحِجَامَةُ .
عرض الإمام (علیه السلام) إلى فصل الربيع ، وهو من أزهى فصول السنة ، ومن أكثرها عائدة على الكائنات الحيّة ، وما أروع قول الإمام (علیه السلام) أنه روح الزمان ، ففيه يطيب الليل والنهار ، وتلين الأرض ، ويهيج الدم ، وقد حذّر الإمام من تناول البصل والثوم والحامض؛ لأنّها تسبّب أمراضاً سوف يكشفها الطبّ الحديث ، كما ندب الإمام إلى شرب المسهل ، وأخذ شيء من الدم بالفصد أو الحجامة .
قال (علیه السلام) : «(نيسانُ) ثَلاثونَ يَوْماً . يَطولُ فيهِ النَّهارُ ، وَيَقْوى مِزاج الْفَصْلِ ، وَيَتَحَرَّلُ الدَّمُ ، وَتَهُبُّ فِيهِ الرِّياحُ الشَّرْقِيَّةُ ، وَيُسْتَعْمَلُ فيهِ مِنَ
المَآكِلِ وَالمَشْوِيَّةِ ، وَما يُعْمَلُ بِالخَلِّ ، وَلُحومِ الصَّيْدِ ، وَيَصْلَحُ الجِماعُ ، والتمْريخِ بِالدِّهْنِ فِي الْحَمَامِ ، وَيُشْرَبُ الْماءُ عَلَى الرِّيقِ ، وَيُشَمُ الرَّياحين وَالطَّيبُ».
عرض الإمام (علیه السلام) إلى شهر نيسان ، وذكر مميّزاته ، وهي :
1- طول النهار ، وقصر الليل .
2 - قوّة المزاج .
3 - تحرّك الدم .
-4- هبوب الرياح الشرقيّة .
وقد ندب الإمام إلى تناول المآكل المشويّة ، وما يطبخ بالخلّ مع لحوم الصيد ، فإنّ ذلك يعود بفائدة على الجسم ، كما ندب إلى دخول الحمّام ، وتمريغ البدن بالدهن ، وأوصى بشرب الماء على الريق ، وذلك لما له من الأثر في تنظيف المجاري البوليّة ، وإزالة الرمل منها .
قال (علیه السلام) (آيارُ ) واحِدٌ وَثَلاثونَ يَوْماً تَصْفو فيهِ الرِّياحُ ، وَهُوَ آخِرُ فَضْلِ الرَّبِيعِ ، وَقَدْ نُهِيَ فِيهِ عَنِ أَكْلِ المُلوحاتِ ، وَالنُّحومِ الغَلِيظَةِ كَالرُّؤْسِ وَلُحومِ البَقَرِ، وَاللَّبَنِ ،وَيَنْفَعُ فِيهِ دُخولُ الْحَمَامِ أَوَّلَ النَّهارِ ، وَتُكْرَهُ فِيهِ الرِّيَاضَةُ قَبْلَ الغِذاءِ ».
أما آيار فهو على أعتاب الصيف ، والجهاز الهضمي لا يتحمّل الأغذية الثقيلة ، خصوصاً إذا بلغ الإنسان مرحلة الشيخوخة ، فإن تناول اللحوم الغليظة يؤدّي إلى الأضرار الجسيمة كالإصابة بالضغط الدموي وغيره.
قال (علیه السلام): (حَزيرانُ) ثلاثونَ يَوْماً يَذْهَبُ فِيهِ سُلْطانُ البَلْغَمِ
وَالدَّمِ ، وَيُقْبِلُ زَمانُ الصُّفْرَةِ ، وَيُنْهَى فِيهِ عَنِ التَّعَبِ ، وَأَكْلِ اللَّحْمِ دَسِماً ، وَالإِكْثَارِ مِنْهُ ، وَشَمِّ المِسْكِ وَالعَنْبَرِ ، وَيَنْفَعُ فيهِ أَكْلُ البقولِ البارِدَةِ كَالهِندباء(1)، وَ البَقْلَةِ الحَمْقاءِ(2)، وَأَكْلُ الخُضْرِ كَالخِيارِ ، وَالشَّيرِخَشْتِ(3)، وَالفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ ، وَاسْتِعْمَالُ الْمَحَمِضَاتِ ، وَمِنَ لَحْم المَعْزِ النَّني ، وَالجِداءِ(4)، وَمِنَ الطُّورِ الدَّجاج وَالطَّيْهوج ، وَالدُّرَاج ،وَالألبانِ ، وَالسَّمَكِ الطّرى ... .
أمّا حزيران ، فهو أوّل شهور الصيف، وتضعف فيه الأبدان لأنها تواجه قسوة الحرّ ومرارته ، وقد أكد الإمام (علیه السلام) على اجتناب ما يلي:
1 - عدم التعب.
2- عدم تناول اللحم بكثرة .
3 - أكل الخضروات والفواكه وذلك للطافتها وعدم ثقلها .
قَال (علیه السلام): ( تَمُوزُ) واحِدٌ وَثَلاثونَ يَوْماً ، فيهِ شِدَّةُ الحَرارَةِ ، وَتَغورُ فيهِ المِياهُ ، وَيُسْتَعْمَلُ فيهِ شِرْبُ الْماءِ البارِدِ عَلى الرِّيقِ ، وَتُؤْكَلُ فيهِ
1) الهندباء : هو صنفان : برّي وبستاني فالبرّي أعرض ورقاً من البستاني وأجود للمعدة منه ، والبستاني منه صنفان أحدهما قريب الشبه من الخس ، عريض الورق والآخر أدقّ ورقاً منه .
2) البقلة الحمقاء : هي سيدة البقول وهي الرجلة ، واستحمقت لأنها تنبت في المسيل . مجمع البحرين: مادة بقل .
3) الشيرخشت : هو طل يقع من السماء ببلاد العجم على شجر الخلاف بهراة ، وهو حلو إلى الإعتدال .
4) الجداء : جمع جدي ، الذكر من أولاد المعز في السنة الأولى.
الأَشْياءُ البَارِدَةُ الرَّطْبَةُ ، وَتُؤْكَلُ فِيهِ الْأَغْذِيَةُ السَّرِيعَةُ الهَضْمِ ، -كَمَا ذُكِرَ في حَزيرانَ- وَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ مِنَ الشُّمومِ وَالرَّياحينِ البارِدَةِ الرَّطْبَةِ ، الطَّيِّبَةِ الرّائِحَةُ .
أما تموز ، فهو من أثقل فصول السنة ، وأشدّها قسوة على الإنسان؛ وذلك لشدّة
الحرّ الذي يسبّب غور المياة ، وقد أكد الإمام (علیه السلام) على استعمال الأشياء الباردة ، وأكل الأطعمة الخفيفة السريعة الهضم ، حتّى لا يتأثر الجهاز الهضمي بها ، كما أكّد الإمام (علیه السلام) على شمّ الرياحين الباردة الطيبة الرائحة ، وذلك لما لها من الأثر الفعّال على الجهاز العصبي .
قَالَ (علیه السلام) : (آب) واحِدٌ وَثَلاثونَ يَوْماً ، وَفِيهِ تَشْتَدُّ السُّمومُ ، وَيَهيجُ الزَّكامُ بِاللَّيْلِ وَيَهُبُّ الشِّمالُ ، وَيَصْلُحُ المِزاجُ بِالتَّبْريدِ ، وَالتَّرْطيبِ ، وَيَنْفَعُ فِيهِ شِرْبُ اللَّبَنِ الرَائِبِ ، وَيُجْتَنَبُ فيهِ الجِماعُ ، وَالمُسْهِلُ ، وَيُقَلَّلُ مِنَ الرِّياضَةِ وَيُشَمُّ الرِّياحينُ البارِدَةُ ... .
أمّا شهر آب ، فهو كشهر تموز في حرارته ، وشدّة قسوته ، وفيه يشتدّ الزكام؛ وذلك لضعف الأبدان بسبب الحرّ، وقد ندب الإمام إلى استعمال الأشياء الباردة لتخفّف من شدّة الحرّ .
قال (علیه السلام): (أَيْلولُ ) ثَلاثونَ يَوْماً فِيهِ يَطِيبُ الْهَواءُ، وَيَقْوى سُلْطانُ المُرَّةِ السَّوداءِ ، وَيَصْلُحُ شِرْبُ المُسْهِل ، وَيَنْفَعُ فِيهِ أَكْلُ الحَلاوَاتِ ، وَأَصْنافِ اللُّحومِ المُعْتَدِلَةِ ، كَالجداءِ ، وَالحَولى(1)مَنِ الضَّأْنِ ، وَيُجْتَنَبُ
1) الحولي : ما أتى عليه حول من ذي حافر وغيره .
فيهِ لَحْمُ الْبَقَرِ وَالإِكْثَارُ مِنْ لَحْمِ الشَّواءِ ، وَدُخولُ الحَمَامِ ، وَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ الطَّيبُ المُعْتَدِلُ المِزاج ، وَيُجْتَنَبُ فِيهِ أَكْلُ البِطَّيخ وَالقِثَاءِ.
أما في أيلول ، فقد انكسرت فيه شدّة الحرّ، وذهبت قسوته ، خصوصاً في أواخره ، فإنّ الهواء يطيب فيه ، وينفع فيه أكل أنواع الحلويّات بشرط أن لا يكون الشخص مبتلى بداء السكر أو مصاباً بالسمنة ، فإنّ استعمال الحلويات مضرّ للغاية ، كما ينفع أكل اللحوم بجميع أصنافها ، إلّا لحم البقر ، فإنّه مضرّ ، وحذّر الإمام من أكل البطيخ والخيار لأنهما مضرّان في هذا الفصل .
قالَ (علیه السلام): (تِشْرِينُ الأَوَّلِ ) واحِدٌ وَثَلاثونَ يَوْماً ، فيهِ تَهُبُّ الرّياحُ المخْتَلِفَةُ ، وَيَتَنَفَّسُ فيهِ ريحُ الصَّبا ، وَيُجْتَتَبُ فيهِ الفَصْدُ ، وَشِرْبُ الدَّواءِ ، وَيُحْمَدُ فيهِ الجِماعُ وَيَنْفَعُ فِيهِ أَكْلُ اللَّحْمِ ، وَيُقَلَّلُ فِيهِ شِرْبُ الماءِ ، وَتُحْمِدُ فيهِ الرِّياضِةُ .
أما تشرين الأوّل ، فهو من فصول السنة الممتازة الذي انطوت فيه مرارة الحرّ، وهبّت فيه ريح الصبا ، وقد حذّر الإمام (علیه السلام) من الفصد ، فإنّه يعود بالضرر على الجسم ، وأمر بتقليل شرب الماء ، كما أمر بالرياضة لأنّها تنفع في حيویّة الجسم ،
وبثّ النشاط فيه .
قال (علیه السلام): (تِشْرِينُ الثاني) ثَلاثونَ يَوْماً فِيهِ يَقَعُ المَطَرُ الوَسْمِيُّ(1)، وَيُنْهى فيهِ عَنْ شِرْبِ الماءِ بِاللَّيْلِ ، وَيُقَلَّلُ فيهِ مِنْ دُخولِ الحَمَامِ ، وَالجِماعِ ، وَيُشْرَبُ بُكْرَةً كُلَّ يَوْمٍ جُرْعَةَ ماءٍ حَارٌ ، وَيُجْتَنَبُ أَكْلُ الْبُقولِ
1) الوسمى : المطر النازل في أول الفصل.
كَالكَرَفْسِ ، وَالنَّعْناعِ وَالجِرْجِيرِ(1).
أما تشرين الثاني ، فهو من أطيب فصول السنة ، فإنّ الناس يستقبلون فيه الشتاء ، ويقع فيه المطر الوسمي الذي هو من مصادر الخير والرحمة للناس ، فمنه تخضرّ الأرض ، وتأتي ثمراتها ، وينبغي لكل إنسان أن يشرب جرعة من الماء الحار في صباحه المبكّر ليسلم من غائلة البرد .
وقد حذر الإمام من أكل الكرفس وبعض الخضروات الأخرى لما فيها من الأضرار البالغة على الإنسان .
قال (علیه السلام): (كانُونُ الأَوَّلُ) واحِدٌ وَثَلاثونَ يَوْماً ، تَقْوى فيهِ العَواصِفُ . وَيَشْتَدُ فيهِ البَرْدُ وَيَنْفَعُ فِيهِ كُلُّ ما ذُكِرَ في (تِشْرينِ الثَّاني ) وَيُحَذِّرُ فيهِ مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ الْبَارِدِ ،وَيُتَّقى فيهِ الحِجَامَةُ ، وَالفَصْدُ ، وَيُسْتَعْمَلُ فيهِ الأغْذِيَةُ الحارَّةُ بِالقُوَّةِ وَالفِعْل.
أمّا شهر كانون الأوّل ، فهو أوّل شهور الشتاء ، ويواجه الناس فيه البرد القارص ، وتقوى فيه العواصف ، وقد حذّر الإمام (علیه السلام) من تناول الأطعمة الباردة ، وذلك لأنها تؤثر على الصحة ، ويصاب الإنسان من جرّائها ببعض الأمراض ، كما دعا إلى تناول الأغذية الحارّة وذلك لما فيها من الفوائد الصحية .
قال (علیه السلام): (كانون الثانى) واحِدٌ وَثَلاثونَ يَوْماً يَقْوى فيهِ غَلَبَةُ البَلْغَمُ ، يَنْبَغِي أَنْ يُتَجَرَّعُ فيه الماء الحارُّ عَلى الرِّيقِ ، وَيُحْمَدُ فيهِ الجِماعُ ، وَيَنْفَعُ الأَحْشَاءَ فِيهِ أَكْلُ البقولِ الحارَّةِ كَالكَرَفْسِ وَالجِرْجِيرِ وَالكُرَاثِ ، وَيَنْفَعُ
1) الجرجير : بقلة يكثر زرعها في ثغرة الإسكندرية وهي بري وبستاني.
فيهِ دُخولُ الحَمَامِ ، وَالتمْريخُ بِدِهْنِ الخَيْرِيُ(1)ّ.
أما كانون الثاني فيواجه الناس فيه قسوة البرد وشدّته ، وقد ندب الإمام إلى شرب الماء الحارّ في الصباح الباكر ليتقي فيه الإنسان مخلّفات البرد ، كما دعا إلى استعمال البقول الحارّة ، وذلك لتدفئة الجسم ووقايته من البرد ، كما ندب إلى دخول الحمام لأنّ به تنشط الدورة الدموية ، وحذّر من أكل السمك الطري واللبن والحلويات ، فإنّها تضرّ بالبدن .
قال (علیه السلام): (شباط) ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْماً تَكْثُرُ فيهِ الرِّياحُ ، وَتَكْثُرُ الأَمْطَارُ ، وَيَجْرِي فِيهِ المَاءُ في العودِ ، وَيَنْفَعُ فِيهِ أَكْلُ الثّومِ وَلَحْمِ الطَّيْرِ ، وَالصّيودِ ، وَالفَاكِهَةِ ، وَيُقَلَّلُ أَكل الحَلاوَاتِ وَتُحْمَدُ فيهِ كَثْرَةُ الحَرَكَةِ وَالرِّياضَةِ .
ويدخول شباط تنتهي قسوة البرد وشدّته ، وتكثر فيه الأمطار، ويظهر العشب ، ويجري الماء ، وندب الإمام إلى أكل الثوم الذي هو من أعظم البقول عائدة على جسم الإنسان ، فهو يقي الانسان من كثير من الأمراض ، كارتفاع الضغط الدموي ، والسكر وغيرهما .
وبهذا ينتهي حديث الإمام عن فصول السنة ، وما ينبغي أن يستعمله الإنسان من الأغذية ، وما يجتنبه منها في فصولها .
قَالَ (علیه السلام): وَاعْلَمْ يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَنَّ قُوَّةَ النَّفْسِ تابِعَةٌ لأَمْزِجَةِ الْأَبْدانِ ،
1) قال الجوهري : الخيري معرب قيل هو الخَطْمِيُّ ، وفي الحديث أن الخيري يدهن فيه أبو الحسن (علیه السلام) : مجمع مجمع البحرين .
وَإِنَّ الْأَمْزِجَةَ تَابِعَةٌ لِلْهَواءِ ، وَ تَتَغَيَّرُ بِحَسَبِ الهَواء في الأَمْكِنَةِ .
من المؤكّد أنّ قوّة الفكر وسلامته تابعة لصحّة الجسم ، فإذا كان مصاباً ومبتلى بالأمراض فتضعف القوى العقليّة ، وفي المثل : « العقل السليم في الجسم السليم» ، كما أنّ من المؤكد أن طيب الهواء وعذوبته ، وعدم تلوّثه من العناصر الأساسيّة في الصحة العامة .
قال (علیه السلام) - في صفة الشراب الحلال ، وكيفيّة تركيبه - : صِفَةُ الشَّرابِ الَّذي يَحِلُّ شِرْبُهُ ، وَاسْتِعْمَالُهُ بَعْدَ الطَّعامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نَفْعِهِ فِي ابْتِدائِنا بِالْقَوْلِ عَلَى فُصولِ السَّنَةِ ، وَما يُعْتَمَدُ فيها مِنْ حِفْظِ الصَّحَّةِ ، وَصِفَتُهُ هُوِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الزَّبيبِ المُنَقَىٰ عَشْرَةَ أَرْطَالٍ(1)فَيُغْسَلَ وَيُنْقَعَ فِي مَاءٍ صافٍ فِي غَمْرَةٍ ، وَزِيادَةِ عَلَيْهِ أَرْبَعَ أَصابعَ وَيُتْرَكُ فِي إِنائِهِ ، ذلِكَ ثَلَاثَةٌ أَيَّامٍ فِي الشَّتاءِ ، وَفِي الصَّيْفِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ثُمَّ يُجْعَلُ فِي قِدْرِ نَظِيفٍ ، وَلْيَكُنْ المَاءُ مَاءَ السَّمَاءِ إِنْ قُدِرَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَاءِ العَذْبِ الَّذي يَنْبوعُهُ مِنْ ناحِيَةِ الْمَشْرِقِ مَاءً بَرَاقاً ، أَيْضاً خَفِيفاً ، وَهُوَ القَابِلُ لِما يَعْتَرِضُهُ عَلَى سُرْعَةٍ مِنَ السُّخونَةِ وَالبُرودَةِ وَتِلْكَ دَلالَةٌ عَلَى صَفاءِ الماءِ ، وَيُطْبَخُ حَتَّى يَنْتَفِخُ الزَّبيبُ وَيَنْضَجَ ثُمَّ يُعْصَرُ وَيُصَفَى مَاؤُهُ وَيُبَرَّدُ ، ثُمَّ يُردُّ إِلى القِدْرِ ثانياً وَيُؤْخَذُ مِقْدَارُهُ بِعودٍ وَيُغْلَى بِنارِ لَيَّنَةٍ غَلَياناً لَيْناً رَقيقاً حَتَّى يَمْضِيَ ثُلُثَاهُ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْ عَسَل النَّحْلِ المُصَفَى رَطْلٌ فَيُلْقى عَلَيْهِ ، وَيُؤْخَذُ مِقدارُهُ
1) الرطل : وزنه قرابة 340 غراماً .
مِقْدارَ المَاءِ إِلَى أَيْنَ كَانَ مِنَ الْقِدْرِ وَيُغْلَى حَتّى يَذْهَبَ قَدَرُ العَسَلِ، وَيَعودَ إِلى حَدَّهِ ، وَيُؤْخَذُ صَفيفِةٌ(1)فَيُجْعَلُ فيها الزَّنْجَبيلَ(2)وَزْنَ دِرْهَم(3)وَمِنَ القُرْنْفُلِ(4)نِصْفَ دِرْهَم ، وَمِنَ الدَّرْصيني(5)نِصْفَ دِرْهَم وَمِنَ الزَّعْفَرانِ دِرْهَمْ، وَمِنْ سُنْبُلِ الطَّيِّبِ(6)نِصْفَ دِرْهَم وَمِنَ الهِنْدبَاءِ مِثْلُهُ وَمِنْ الْمَصطَكي(7)نِصْفَ دِرْهَم بَعْدَ أَنْ يُسْحَقَ الجَميعُ كُلُّ واحِدَةٍ عَلَى حِدَةٍ وَيُجْعَلُ فِى الخِرْقَةِ وَيُشَدُّ بِخَيْطٍ شَداً جَيِّداً ، وَتُلْقَى فِيهِ وَتُمْرَسِ الخِرْقَةُ في الشَّرابِ بِحَيْثُ تَنْزِلُ قُوى العقاقير التي فيها وَلَا يَزالُ يُعاهِدُها بِالتَّحْرِيكِ عَلى نارٍ لَيَّنَةٍ بِرِفْقٍ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ مِقدارُ العَسَلِ وَيُرْفَعَ القِدْرُ ، وَيُبَرَّدَ ، وَيُؤْخَذُ(8)مُدَّةَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ حَتَّىٰ يَتَداخَلَ مِزاجُهُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، وَحينَئِذٍ يُسْتَعْمَلُ ، وَمِقدار ما يُشْرَبُ مِنْهُ أَوْقِيَةٍ(9)إِلَى
1) صفيفة : أي كثيف النسج .
2) الزنجبيل : أصوله صفار مثل أصول السعد لونها إلى البياض وطعمها شبيه بطعم الفلفل طيب الرائحة .
3) وزن الدرهم: 2 / 5 غراماً .
4) القرنفل : نبات في حد الصين، وهو ثمرة ذلك النبات ، وهو يشبه الياسمين لكنّه أسود.
5) الدارصيني : هو أصناف كثيرة لها أسماء عند الأماكن التي تكون فيها وهو مما تبقى قوته زماناً .
6) سنبل الطيب : هو ينبل العصافير.
7) المصطكى : هو علك الروم وهو ثمرة المصطكا.
8) يؤخذ : أي يترك .
9) الأوقية : تساوي (323) غراماً .
أَوْقِيَتَيْنِ مِنَ المَاءِ القِراحِ فَإِذَا أَكَلْتَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مِقْدارَ ما وَصَفْتُ لَكَ مِنَ الطَّعَامِ فَاشْرِبْ مِنْ هَذا الشَّرابِ مِقْدارَ ثَلَاثَةَ أَقْدَاحٍ بَعْدَ طَعَامِكَ ، فَإِذا فَعَلْتَ ذلِكَ فَقَدْ أَمِنْتَ بِإِذْنِ اللهِ يَوْمَكَ وَلَيْلَتَكَ مِنَ الأوجاع البارِدَةِ المُؤْمِنَةِ كَالنَّفْرِسِ(1)، وَالرِّياح ، وَغَيْرَ ذلِكَ مِنْ أَوْجاع العَصَبِ وَالدَّماغ ، وَالمِعْدَةِ وَبَعْضِ أَوْجَاعِ الْكَبِدِ وَالطَّحالِ وَالأَمْعَاءِ ، وَالْأَحْشَاءِ فَإِنْ صَادَفْتَ بَعْدَ ذلِكَ بِشَهْوَةِ المَاءِ فَلْتَشْرَبَ مِنْهُ مِقْدارَ النَّصْفِ مِمَّا كَانَ يُشْرَبُ قَبْلَهُ ، فَإِنَّهُ أَصْلَحُ لِبَدَنِ أَميرِالمُؤْمِنينِ ، وَأَكْثَرُ وَأَشَدُّ لِضَبْطِهِ وَحِفْظِهِ .
فَإِنَّ صَلاحَ البَدَنِ وَقَوامِهِ يَكونُ بِالطَّعامِ وَالشَّرابِ ، وَفَسادُهُ يَكونُ بِهِما ، فَإِنْ أَصْلَحْتَهُما صَلُحَ البَدَنُ ، وَإِنْ أَفْسَدْتَهُما فَسَدَ البَدَنُ».
وصف الإمام (علیه السلام) هذا الشراب بأنه الشراب الحلال الذي يعود على البدن بأهمّ الفوائد الصحّية ، ويقيها من كثير من الأمراض ، وقد ذكر مواد تركيبه ، وكيفيّة صنعه ،
فقد حوى على عناصر مهمّة في تقوية جسم الإنسان، كان من بينها الزبيب ، وهو يحتوي على كميّات كبيرة من الفيتامينات، ومن بينها العسل ، وهو غنيّ بالفيتامينات ، مضافاً إلى العناصر الأخرى التي تضمّ إلى هذا الشرب.
ومن الجدير بالذكر أنّ الإمام (علیه السلام) اعتبر النظافة الكاملة في الزبيب كما اعتبر في الماء أن يكون من ماء السماء أو من ماء عذب ، حتّى لا يكون ملوّثاً ، فيسبّب بعض الأمراض ويذهب بفعاليّة هذا الشرب.
يقول الدكتور صاحب زيني: « لهذا الشراب الحلال قيمة غذائية كبيرة لما يحويه
1) النقرس - بالكسر : ورم أو وجع في مفاصل الكعبين وأصابع الرجلين.
من عناصر مفيدة تعتبر أهمّ مصادر ومولدات الطاقة الحرارية التي يحتاجها الجسم دائماً وبصورة مستمرّة ، وخاصة في الفصول الباردة ، أما عن سهولة هضمه ، وتمثيل عناصره ، فحدّث عنه ولا حرج؛ إذ يعتبر سكر العنب (سكّر الكلوكوز) من أسهل المواد هضماً ، ومن المواد التي يأخذها يمكن الاستغناء عن أكثر أصناف الغذاء الأخرى لسهولة تحويله إلى مادة الكلايكوجين التي تخزن في الكبد كغذاء احتياطي يمكن استعماله في أي وقت من الأوقات.
ويحوي الزبيب كميّات كبيرة من الحديد ، ويفيد كعنصر يولّد كريات الدم الحمراء ، ولعلاج مرض فقر الدم، وزيادة عمّا لهذا الشراب من قيم غذائية عديدة ، فهو من أحسن العقاقير لمداواة حالات مرضيّة كثيرة ، كسوء الهضم ، وبعض حالات التهاب المعدة ، وتولّد الغازات في المعدة والأمعاء ، وبعض أمراض الكبد ، وحالات ركود الأمعاء والإمساك»(1).
قال (علیه السلام) : اعْلَمْ يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَنَّ النَّوْمَ سُلْطانُ الدَّماغ ، وَهُوَ قِوامُ الجَسَدِ وَقُوَّتِهِ ، فَإِذا أَرَدْتَ النَّوْمَ فَلْيَكُنِ اضْطِجاعَكَ أَوَّلاً عَلى شِفّك الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ انْقَلِبْ عَلى شِفَّكَ الأَيْسَرِ. وَكَذَلِكَ فَقُمْ مِنْ مُضْطَجَعِكَ عَلَىٰ شِقِّكَ الأيْمَنِ كَما بَدَأْتَ بِهِ عِنْدَ نَوْمَكَ ، وَعَوِّدْ نَفْسَكَ القُعودَ مِنَ اللَّيْلِ ، وَادْخُلْ الخَلاءَ لِحَاجَةِ الإِنْسَانَ وَالْبَثْ فِيهِ بِقَدَرِ مَا تَقْضِي حَاجَتَكَ ، وَلا تُطِلْ فِيهِ ، فَإِنَّ ذلِكَ يورِثُ داءَ الفيل(2).
النوم من العناصر الأساسيّة لحياة الإنسان ، وصحّة جسده ، فقد خلق الله في
جسم الإنسان بعض الأجهزة التي يتولد منها النوم ، وتقوم في نفس الوقت على إعطاء الجسد الحيوية والنشاط ، وتزيل عنه ما عاناه جسمه في أثناء النهار من التعب والجهد ، وبيّن الإمام (علیه السلام) كيفية النوم الصحيّة ، وهي : أن ينام الإنسان على شقّه الأيمن ، فإنّ في ذلك راحة للقلب، وسلامة للجسم ، كما بيّن (علیه السلام) كيفية الدخول إلى المرافق ، وأنّ من الحكمة أن لا يطيل الإنسان المكث فيها بعد قضاء حاجته لئلّا يصاب بداء الفيل .
قال (علیه السلام) : وَاعْلَمْ يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَنَّ أَجْوَدَ مَا اسْتَكْتَ بِهِ لِيفُ الأَراكِ(1)فَإِنَّهُ يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ ، وَيَشُدُّ اللَّةَ ، وَهُوَ نافِعٌ مِنَ الحَفَرِ(2)إِذا كانَ ذلِكَ بِاعْتِدالِ وَالإِكْثَارُ مِنْهُ يُرِقُ الأَسْنانَ ، وَيُزَعْزِعُهَا ، وَيُضْعِفُ أُصولَهَا. فَمَنْ أَرادَ حِفْظَ أَسْنانِهِ فَلْيَأْخُذْ قَرْنَ الأيْل(3)محرقاً ، وكزمازجاً(4)وَسِعْداً وَوَرْداً ، وَسُنْبُلَ الطَّيبِ أَجْزاءاً سَواءاً وَمِلْحاً انْدَرانِيّاً(5)رُبْعَ جُزْءٍ فَيَدُقُّ الجَميعَ ناعِماً ، وَيَسْتَنُّ بِهِ فَإِنَّهُ يُمْسِكُ الأَسْنانَ ، وَيَحْفَظُ أُصولها مِنَ الآفاتِ العَارِضَةِ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ تَبْيَضَّ أَسْنَانُهُ، فَلْيَأْخُذْ مِنْ مِلْحِ انْدَراني ، وَمِثْلَهُ مِنْ زَبَد البَحْرِ فَيَسْحَقَهُما ناعِماً ، وَيَسْتَنُّ بِهِ.
عرض الامام إلى طبّ الأسنان ، وقد ذكر وصفتين لإصلاح الأسنان: الأولى : السواك بعود الأراك ، وهو من أجود الوصفات في إصلاح الأسنان ، فقد حلّل هذا العود فتبيّن أنّه من أروع الأدوية لتطهير الأسنان وصيانتها من الإصابة بالأمراض ، وأنه أصلح بكثير من المعاجين الحديثة(1).
الوصفة الثانية : هي المعجون ، وقد ذكر الإمام (علیه السلام) الأجزاء التي يتألّف منها ،
وهو ممّا يقضي على تسوّس الأسنان.
قَالَ (علیه السلام) وَاعْلَمْ يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ أَحْوَالَ الْإِنْسَانِ الَّتِي بَنَاهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ عَلَيْها وَجَعَلَهُ مُتَصَرِّفاً بها أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ :
الحالَةُ الأولى : خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً ، وفيها صباهُ ، وَحُسْنُهُ ، وَبَهاؤُهُ وَسُلْطانُ الدَّمِ فِي جِسْمِهِ.
ثُمَّ الحالَةُ الثَّانِيَةُ : مَنْ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً إِلَى خَمْسٍ وَثَلاثِينَ سَنَةٍ وَفِيها سُلْطانُ المَرَّةُ الصَّفْراءِ ، وَقُوَّةُ غَلَبَتِها عَلَى الشَّخْصِ ، وَهِيَ أَقْوى ما يَكونُ ، وَلا يَزالُ كَذلِكَ حَتَّى يَسْتَوْفِى المُدَّةَ المَذْكُورَةَ ، وَهِيَ خَمْسٌ وَثَلاثونَ سَنَةً .
ثُمَّ الحالَةُ الثَّالِثَةُ : إِلى أَنْ تَتَكامَلَ مُدَّةُ العُمُرِ سِتّونَ سَنَةً فَيَكونُ في سُلْطانِ المُرَّةِ السَّوْداءِ ، وَهِيَ سِنُّ الحِكْمَةِ وَالمَعْرِفَةِ ، وَالدّرايَةِ وَانْتَظام الأُمورِ، وَصِحَّةٌ في العواقبِ ، وَصِدْقُ الرَّأْيِ ، وَثَباتُ الجَأْشِ في التَّصَرُّفات .
1) بثّت هذا الخبر دار الإذاعة البريطانية.
...
ثُمَّ تَدْخُلُ الحالَةُ الرّابِعَةُ: وَهِيَ سُلْطانُ البَلْغَمِ ، وَهِيَ الحالَةُ التي يَتَحَوَّلُ عَنْهَا مَا بَقِيَ إِلَى الهَرَمِ ، وَنَكَدِ العَيْشِ ، وَذُبُولٍ ، وَنَقْصٍ وَفَسادٍ فِي تَكَونِهِ ، وَاسْتَنْكَرَ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى صَارَ يَنامُ عِنْدَ القَوْمِ ، وَيَسْهَرُ عِنْدَ النَّوْم ، وَيَتَذَكَّرُ ما تَقَدَّمَ ، وَيَنْسى ما يُحَدِّثُ بِهِ فِى الأَوْقاتِ ، وَيَذْبَلُ عودُهُ ، وَيَتَغَيَّرُ مَعْهُودُهُ ، وَيَخِفُّ ماءُ رَوْنَقِهِ وَبِهاؤُهُ ، وِيقُل نَبْتُ شَعْرِهِ ، وَأَظْفَارِهِ ، وَلَا يَزالُ جِسْمُهُ فِي انْعِكاسِ ، وَإِدْبارِ ما عاشَ ، لِأَنَّهُ فِي سُلْطَانِ الْبَلْغَمِ ، وَهُوَ بَارِدٌ وَجَامِدٌ ، فَجُمودَهُ وَيَرْدُهُ يَكونُ فَناءَ كُلِّ جِسْمِ تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ في الأخيرِ الْقُوَّةُ البَلْغَمِيَّةُ .
حكى هذا المقطع الأدوار من عمر الإنسان ، وهي أربعة أدوار :
الدور الأول : يبدأ من ولادته وينتهي ببلوغه الخامسة عشرة ، وهو دور الصبا ، وبداية الشباب الذي هو من أروع أدوار العمر ، ومن أكثرها حيويّة .
الدور الثاني : ويبدأ من الخامسة عشرة ، وينتهي بالخامسة والثلاثين ، وهو من أروع فترات العمر ، ففيه تتكامل قوة الإنسان ونشاطه وبهاؤه .
الدور الثالث: ويبدأ من الخامسة والثلاثين وينتهي بالستّين ، وفي هذا الدور تتكامل معرفة الإنسان ، وتنتظم فيه أموره ، وذلك من خلال تجاربه للأمور ، ومعرفته بالأحداث ، ففي هذا السنّ يكمل نشاطه الفكري ، إلا أن قواه الجسمية تضعف.
الدور الرابع : ويبدأ من الستّين حتى يوافيه الأجل المحتوم ، ففي هذا السنّ تضعف جميع أجهزته وخلاياه ، وتنحلّ قواه ، ويكون عالة على غيره ، خصوصاً إذا أخذ بعنق الثمانين عاماً ، فتكثر شكواه وأنينه . يقول الشاعر:
إِنَّ الثَّمانين وقد بلغتها
قَدْ أَحْوَجَتْ سَمْعِي إِلَى تَرْجُمان
وفي المثل : « إنّ الشيخوخة سحابة تمطر بالأمراض». إنّ الجسم في هذه السنّ - کما یقول الامام (علیه السلام) - يذبل عوده ، ويجف ماء رونقه ، وهو دور فنائه.
قال (علیه السلام): وَقَدْ ذَكَرْتُ لأميرِ الْمُؤْمِنِينَ جَميعَ مَا يَحْتاجُ إِلَيْهِ فِي سِياسَةِ الْمِزاج ، وَأَحْوالِ جِسْمِهِ وَعِلاجِهِ ، وَأَنَا أَذْكُرُ مَا يَحْتاجُ إِلَىٰ تَناوُلِهِ مِنَ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَمَا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي أَوْقاتِهِ.
فَإِذا أَرَدْتَ الْحِجَامَةَ فَلْيَكُنْ فِي اثْنَتَيْ عَشَرَةَ لَيْلَةً مِنَ الْهِلَالِ إِلَى خَمْسَ عَشَرَةَ ، فَإِنَّهُ أَصْلَحُ لِبَدَنِكَ ، فَإِذا نَقَصَ الشَّهْرُ فَلَا تَحْتَجِمْ إِلَّا أَنْ تَكونَ مُضْطَراً إلى ذلِكَ ، وَهُوَ لأَنَّ الدَّمَ يَنْقُصُ فِى نِقْصانِ الْهِلالِ ، وَيَزيدُ في زِيادَتِهِ ، وَلْتَكُنِ الْحِجَامَةُ بِقَدَرِ ما يَمْضِي مِنَ السِّنينِ ، فَابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً يَحْتَجِمُ في كُلِّ عِشْرِينَ يَوْماً ، وَابْنُ الثَّلاثينَ في كُلِّ ثَلاثِينَ يَوْماً مَرَّةً واحِدَةً ، وَكَذِلِكَ مَنْ بَلَغَ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَحْتَجِمُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً مَرَّةً ، وَما زادَ فَبِحَسَبِ ذلِكَ .
وَاعْلَمْ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْحِجَامَةَ إِنَّمَا يُؤْخَذُ دَمُهَا مِنْ صِغَارِ الْعُروقِ الْمَبْثُوثَةِ فِي اللَّحْمِ ، وَمِصْداقُ ذلِكَ ما ذَكَرْتُهُ أَنَّهَا لَا تُضَعَفُ الْقُوَّةَ ، كَما يوجَدُ مِنَ الضَّعْفِ عِنْدَ الْفَصْدِ ، وَحِجَامَةُ التَّقْرَة(1)تَنْفَعُ مِنْ ثِقْلِ الرَّأْسِ ، وَحِجَامَةُ الْأَخْدَعَيْنِ(2)عَيْنِ تُخَفِّفُ عَنِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَالْعَيْنَيْنِ ، وَهِيَ نَافِعَةٌ
لِوَجَعِ الْأَضْراسِ ، وَرُبَّما نابَ الْفَصْدُ عَنْ جَميعِ ذلِكَ ، وَقَدْ يُحْتَجَمُ تَحْتَ الذَّقْنِ لِعِلاج الْقَلْدَعِ(1)فِي الْقَمِ ، وَمِنْ فَسادِ اللَّثّةِ ، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ أَوْجاع الْفَم ، وَكَذلِكَ الْحِجَامَةُ بَيْنَ الْكِتْفَيْنِ تَنْفَعُ مِنَ الْخَفَقانِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْإِمْتِلاءِ وَالْحَرارَةِ ، وَالَّذي يوضَعُ عَلَى السَّاقَيْنِ قَدْ يُنْقِصُ مِنَ الْإِمْتِلاءِ نقصاناً بَيِّناً ، وَيَنْفَعُ مِنَ الْأَوْجَاعِ الْمُؤْمِنَةِ فِي الْكِلىَ وَالْمَثَانَةِ وَالْأَرْحَامِ ، وَيُدِرُّ الطَّمَثَ، غَيْرَ أَنَّها تُنْهِكُ الْجَسَدَ وَقَدْ يَعْرُضُ مِنْهَا الْغَشْيَ الشَّدِيدُ ، إِلَّا أَنَّها تَنْفَعُ ذَوي البُثورِ وَالدَّماميل.
وَالَّذِي يُخَفَّفُ مِنْ أَلَم الْحِجَامَةِ تَخْفِيفُ الْمَصَّ عِنْدَ أَوَّلِ مَا يَضَعُ الْمَحاجِمَ ، ثُمَّ يَدْرُجُ الْمَصَّ قَليلاً وَالتَّواني أَزْيَدَ فِي الْمَصِّ مِنَ الْأَوائِلِ ، وَكَذلِكَ الثَّوالِثُ فَصاعِداً ، وَيَتَوَفَّفُ عَنِ الشَّرْطِ حَتَّى يَحْمَرَّ الْمَوْضِعُ جَيِّداً بِتَكْرِيرِ الْمَحاجِم عَلَيْهِ ، وَيُلَيِّنُ الْمِشْراطَ عَلَى جُلُودٍ لَيِّنَةٍ ،وَيَمْسَحُ الْمَوْضِعَ قَبْلَ شَرْطِهِ بِالدُّهْنِ ، وَكَذلِكَ الْفَصْدُ فَإِنَّهُ يُقَدِّلُ الْأَلَمَ ، وَكَذلِك يُلَيِّنُ الْمِشْرَطَ وَالْمِبْضَعَ عِنْدَ الْحِجَامَةِ ، وَعِنْدَ الْفِراغ مِنْهَا يُلَيِّنُ الْمَوْضِعَ بِالدُّهْنِ ، وَيُقَطَّرُ عَلَى الْعُرُوقِ إِذا فَصَدَ شَيْئاً مِنَ الدُّهْنِ لِكَيْلا يَحْتَجِبَ فَيَضُرَّ ذلِكَ بِالْمَقْصودِ ، وَلْيَعْمَدَ الْفاصِدُ أَنْ يَفْصِدَ مِنَ الْعروقِ ما كانَ في الْمَواضِعِ الْقَليلَةِ اللَّحْمِ ، لأَنَّ فِي قِلَّةِ اللَّحْمِ مِنْ فَوْقِ الْعُروقِ قَلَّةَ الْأُلَمِ،
1) القلدع : قرحة في جلد الفم واللسان .
وَأَكْثَرُ العُروقِ أَلَماً إِذا فُصِدَ حَبْلُ الذِّراع(1)وَالْقيفال(2)لاتّصالهما بِالْعَضِدِ(3)وَصَلابَةِ الْجِلْدِ .
فَأَمَا الْباسليقُ(4)وَالْأَكْحَلُ ، فَإِنَّهُما فِي الْفَصْدِ أَقلَّ أَلَماً ، إِذا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُما لَحْمٌ ، وَالْواجِبُ تَكْمِيدُ(5)مَوْضِعَ الْفَصْدِ بِالْمَاءِ الْحارِّ لِيَظْهَرَ الدَّمُ ، وَخاصَّةً فِي الشَّتاءِ ، فَإِنَّهُ يُلَيِّنُ الْجِلْدَ ،وَيُقَلِّلُ الأَلمَ ، وَيُسَهِّلُ الفَصْدَ وَيَجِبُ فِي كُلِّ ما ذَكَرْناهُ مِنْ إِخْراج الدَّمِ اجْتِنابُ النِّساءِ قَبْلَ ذلِكَ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً.
وَيَحْتَجَمُ في يَوْمٍ صاح صافٍ لا غَيْمَ فيهِ ، وَلَا ريحَ شَديدَةً ، وَيُخْرَجُ مِنَ الدَّمِ بِقَدَرِ مَا يُرى مِنْ تَغَيَّرِهِ ، وَلَا تَدْخُلْ يَوْمَكَ ذلِكَ الْحَمَامَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الدّاءَ ، وَصُبَّ عَلى رَأْسِكَ وَجَسَدِكَ الْمَاءَ الْحَارَّ ، وَلَا تَفْعَلْ ذلِك مِنْ ساعَتِكَ.
وإِيَّاكَ وَالْحَمَامَ إِذا احْتَجَمْتَ ، فَإِنَّ الْحُمّى الدّائِمَةَ تَكونُ فيهِ ، فَإِذا اغْتَسَلْتَ مِنَ الْحِجَامَةِ ، فَخُذْ خِرْقَةَ مَرْعِزَّيا(6)فَأَلْقِها عَلى مَحاجِمِكَ أَوْ
تَوْباً لَيْنَا مِنْ قَزَّ أَوْ غَيْرِهِ ، وَخُذْ قَدَرَ حُمُّصَةٍ مِنَ التَّرْياقِ الْأَكْبَرِ(1)وَاشْرَبْهُ إِنْ كان شتاءً .
وَإِنْ كانَ صَيْفاً فَاشْرَبْ السَّكَنْجِينَ العنصلي(2)، وَامْزِجْهُ بِالشَّرابِ الْمُفْرِح الْمُعْتَدِلِ ، وَتَناوَلُهُ ، أَوْ بِشَرابِ الْفَاكِهَةِ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذلِكَ فَشَرابُ الأترج ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ شَيْئاً فَتَناوَلُهُ - أَى الأَتْرُجَ- بَعْدَ عَلْكِهِ نَاعِماً تَحْتَ الْأَسْنانِ ، وَاشْرَبْ عَلَيْهِ جِرَعَ الْمَاءِ الْفَاتِرِ.
وَإِنْ كانَ ذلِكَ في زَمَانِ الشَّتاءِ وَالْبَرْدِ فَاشْرَبْ عَلَيْهِ السَّكَنْجِينَ الْعَسِليَّ، فَإِنَّكَ مَتى فَعَلْتَ ذلِكَ أَمِنْتَ مَن التَّقْوَةِ وَالْبَرَصِ وَالْبَهَقِ وَالْجُدَامِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَامْتَصَّ مِنَ الرُّمَانِ فَإِنَّهُ يُقَوَى النَّفْسَ ، وَيُحْيِي الدَّمَ .
وَلَا تَأْكُلْ طَعَاماً مَالِحاً بَعْدَ ذلِكَ بِثَلاثِ ساعاتٍ ، فَإِنَّهُ يُخَافُ أَن يَعْرِضَ مِنْ ذلِكَ الْجَرَبُ ، وَإِنْ شِئْتَ فَكُلْ مِنَ الطَّياهيج(3)إِذا احْتَجَمْتَ ، وَاشْرَبْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرابِ الْمُزَكَّى الَّذى ذَكَرْتُهُ أَوَّلاً ، وَادْهَنْ بِدُهْنِ الْخَيْرِي أَوْ شَيْءٍ مِنَ الْمِسْكِ وَمَاءِ الْوَرْدِ ، وَصُبَّ مِنْهُ عَلَى هَامَتِكَ سَاعَةَ فِراغِكَ مِنَ الحِجامة .
وَأَمَا فِي الصَّيْفِ ، فَإِذا احْتَجَمْتَ فَكُلِ السِّكْباجَ(1)وَالْهَلامَ (2)وَالْمَصوص(3)وَالْحامِضَ ، وَصُبَّ عَلى هَامَتِكَ دُهْنَ الْبَنَفْسَج بِماءِ الْوَرْدِ ، وَشَيْئاً مِنَ الْكافورِ ، وَاشْرَبْ مِنْ ذلِكَ الشَّرابِ الَّذِى وَصَفَتُهُ لَكَ بَعْدَ طَعامِكَ ، وَإِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الْحَرَكَةِ وَالْغَضَبَ ، وَمُجامَعَةَ النِّساءِ لِيَوْمِكَ .
عرض الإمام (علیه السلام) فيه المقطع للحجامة التي تعود على البدن بأعظم الفوائد ، وتعيد له نشاطه ، وتنفي عنه الأسقام والأمراض ، فهي أعظم وصفة ، وأكثرها نجاحاً للمصابين بارتفاع الضغط الدموي ، فالدم الذي يخرج إنما يخرج من صغار العروق المبثوثة في اللحم - على حدّ تعبير الإمام (علیه السلام) - وهو لا يوجب ضعفاً في البدن ،وقد ذكر الإمام بعض الأمراض التي تعالج بالحجامة ، وهي :
1 - احتقان الأسنان واللّثة .
2 - أمراض الكلى المزمنة والمثانة والرحم .
3 - قلة الحيض .
4 - البثور والدمامل.
وقد وصف الإمام عمليّة الحجامة ، وأحاط بجميع جوانبها ، وما ينبغي أن يستعمله الإنسان بعدها ، وما ينبغي له تركه من الأطعمة والأشربة .
كما عرض الإمام إلى الفصد ، وذكر الأوردة التي تفصد كحبل الذراع والقيفال، وذكر أيضاً ما ينبغي استعماله بعد الفصد من شرب بعض المشروبات المنعشة ،
كما منع من بعض الأطعمة التي تسبّب بعض المخاطر .
قال (علیه السلام): وَاحْذَرْ يا أَميرَ المُؤْمِنينَ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ البَيْضِ وَالسَّمَكِ في المِعْدَةِ في وَقْتٍ واحِدٍ فَإِنَّهُما مَتَى اجْتَمَعَا فِي جَوْفِ الإِنْسانِ وَلَّدا عَلَيْهِ النَّفْرِسَ ، وَالقَوْلَنْجَ(1)وَ البواسيرَ ، وَوَجَعَ الأَضْراسِ .
وَاللَّبَنُ وَالنَّبيذُ الَّذي يَشْرَبُهُ أَهْلُهُ وَلَّدا النَّقْرِسَ ، وَالبَرَصَ، وَمُداوَمَةٌ أَكْلِ البَصَلِ(2). يَعْرُضُ مِنْهُ الكَلَفُ(3). في الوَجْهِ ، وَأَكْلُ المُلوحَةِ ، وَاللَّحْمَانِ المَمْلُوحَةِ ، وَأَكْلُ السَّمَكِ المَمْلُوحٍ بَعْدَ الفَصْدِ وَالحِجَامَةِ يَعْرُضُ مِنْهُ البَهَقُ وَالجَرَبُ ، وَأَكْلُ كَلْيَةِ الغَنَمِ وَأَجْوافِ الغَنَمِ يُعَكِّرُ المَثانَةَ .
وَدُخولُ الحَمامِ عَلى البِطْنَةِ يُوَلِّدُ القَوْلَنْجَ ، وَالإِغتِسالُ بِالمَاءِ البَارِدِ بَعْدَ أَكْلِ السَّمَكِ يُورِثُ الفَالَجَ ، وَأَكْلُ الأُتْرُجُ(4)فِي اللَّيْلِ يَقْلِبُ العَيْنَ، وَيوجِبُ الحَوْلَ ، وَإِنْيانُ المَرْأَة الحائِضِ يورِثُ الجُدَامَ في الوَلَدِ وَالجِماعُ مِنْ غَيْرِ إِهْرَاقِ المَاءِ عَلَى أَثَرِهِ(5)يوجِبُ الحَصاةَ ، وَالْجِماعُ بَعْدَ الجماع مِنْ غَيْرِ فَصْلِ بَيْنَهُما بِغُسْلِ يورِثُ لِلوَلَدِ الجُنونَ ، وَكَثْرَةُ أَكْلِ
البَيْضِ(1)وَإِدْمانِهِ يُورِثُ الطَّحالَ وَرِياحاً في رَأْسِ الْمِعْدَةِ وَالإِمْتِلاءُ مِنَ البَيْضِ المَسْلُوقِ يورِثُ الرَّبْوَ وَالإِبْتِهارَ(2)وَأَكْلُ اللَّحْمَ النَّيِّءِ يُوَلِّدُ الدّودَ فى الْبَطْنِ ، وَأَكْلُ التِّينِ يَعْمَلُ مِنْهُ الْجَسَدَ إِذا أَدْمَنَ عَلَيْهِ .
وَشِرْبُ المَاءِ البَارِدِ عُقَيْبَ الشَّيْءِ الحَارِّ وَالحَلاوَةِ يَذْهَبُ بِالْأَسْنانِ ، وَالإِكْثَارُ مِنْ أَكْلِ لحومِ الوَحْشِ وَالبَقَرِ يورِثُ تَغْييرَ العَقْلِ ، وَتَحَيَّرَ الفَهْمِ ،وَتَبَلَّدَ الذَّهْنِ ، وَكَثْرَةَ النِّسْيان».
حذّر الإمام (علیه السلام) في هذا المقطع من الجمع بين ألوان من الأطعمة في الأكل ، وذلك لما تورثه من الأمراض ، وكان من بين ما حذّر منه الجمع بين أكل السمك والبيض ، وذلك لما يعقبه من الأمراض التالية :
1 - داء النقرس .
2 - القولنج .
3 - البواسير .
4- وجع الأضراس.
كما حذّر من تناول الطعام المالح لأنه يؤدّي إلى تصلب الشرايين ، وارتفاع ضغط الدم.
وكان من بين ما حذّر منه الإمام شرب الماء البارد عقيب الشيء الحارّ ، أو عقيب
أكل الحلويّات ، فإنّه يوجب تدمير الإسنان ، كما أكّد ذلك أطبّاء الأسنان ، فقد ذكروا
أنّ ذلك مما يوجب تدمير الأسنان.
لقد حوى هذا المقطع على فوائد صحيّة في غاية الأهمّية لو أخذ بها الناس لأصبح الطب وقائيّاً ، وما احتاجوا إلى عيادة الأطباء .
قال (علیه السلام) : وَإِذا أَرَدْتَ دخول الْحَمّام ، وَأَنْ لَا تَجِدْ فِي رَأْسِكَ ما يُؤذيك فَابْدَأَ عِنْدَ دُخولِ الْحَمَامِ بِخَمْسِ أَكْفَ مَاءٍ حَارٌ تَصُبُّهَا عَلَىٰ رَأْسِكَ ، فَإِنَّكَ تَسْلَمُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنْ وَجَع الرَّأْسِ وَالشَّقيقَةِ.
وَاعْلَمْ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْحَمَامَ رُكَّبَ عَلَى تَرْكيبِ الْجَسَدِ ، لِلْحَمَامِ أَرْبَعَةُ بُيوتٍ مِثْلِ طَبَائِعِ الْجَسَدِ، الْبَيْتُ الْأَوَّلُ : وَهُوَ الْمَسْلَخُ الَّذِي يُنْزَعُ فيهِ التّيابُ ، بارِدٌ يابِسٌ ، والثاني بارِدٌ رَطِبٌ ، وَالثَّالِثُ : حارٌ رَطِبٌ ، وَالرّابِعُ : حارٌ يابس ، وَمَنْفَعَةُ الْحَمَامِ عَظيمَةٌ ، يُؤَدِّي إِلَى الْإِعْتدال ، وَيُنَقَّى الدَّرَنُ ، وَيُلَيِّنُ الْعَصَبَ وَالْعُروقَ ، وَيُقَوَى الْأَعْضاءَ الكِبارَ ، وَيُذيبُ الْفُضولَ ، وَيُذْهِبُ الْعَفَنَ .
فَإِذا أَرَدْتَ أَنْ لَا يَظْهَرَ فِي بَدَنِكَ بَتْرَةٌ وَلَا غَيْرُها ، فَابْدَأْ عِنْدَ دُخول الْحَمَامِ بِدُهْنِ بَدَنِكَ بِدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ .
وَإِذا أَرَدْتَ اسْتِعْمالَ النّورَةِ وَلَا يُصيبُكَ فَرْحٌ وَلَا شَقائِقٌ وَلَا سَواءٌ ، فَاغْتَسِلْ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ قَبْلَ أَنْ تَتَنَوَّرَ ، وَمَنْ أَرادَ دخول الْحَمّام للنّورَةِ ، فَلْيَجْتَنِبِ الْجِمَاعَ قَبْلَ ذلِكَ بِاثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَاعَةً ، وَهُوَ تَمَامُ يَوْمٍ ، وَلْيَطْرَحْ في النّورَةِ شَيْئاً مِنَ الصَّبْرِ وَالْأَفَاقِيا(1)وَالْحَضَضِ ، أَوْ يَجْمَعُ ذَلِكَ وَيَأْخُذُ
1) الأقاقيا : الشوكة المصرية.
مِنْهُ الْيَسير إذا كانَ مُجْتَمِعاً أَوْ مُتَفَرِّقاً ، وَلَا يُلْقِي فِي النُّورَةِ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ حَتّى تُمَاثَ النَّورَةُ بِالْمَاءِ الْحارِّ الَّذي طُبِخَ فِيهِ بابُونَجُ وَمَرْزَنْجوشُ أَوْ وَرْدُ بَنَفْسَج يابسٍ أَوْ جَميعُ ذلِكَ أَجْزاءً يَسِيرَةً مَجْمُوعَةٌ أَوْ مُتَفَرِّقَةً بِقَدَرِ ما يَشْرَبُ الْمَاءَ رائِحَتَهُ ، وَلْيَكُنِ الزِّرْنِيخُ مِثْلَ سُدْسِ النّورَةِ ، وَيُدْلَك الْجَسَدُ بَعْدَ الْخُروج مِنْهَا بِشَيْءٍ يَقْلَعُ رَائِحَتَهَا كَوَرَقِ الْخوج ، وَثَجِيرِ الْعُصْفُرِ، وَالْحِنَاءِ ، وَالْوَرْدِ ، وَالسُّنْبُل ، مُفْرَدَةً أَوْ مُجْتَمِعَةً .
وَمَنْ أَرادَ أَنْ يَأْمَنَ مِنْ إِحْراقِ النّورَةِ فَلْيُقْلْ مِنْ تقليبها ، وَلْيُبادِرْ إِذا عَمِلَ فِي غَسْلِها ، وَأَنْ يَمْسَحَ الْبَدَنَ بِشَيْءٍ مِنَ دُهْنِ الْوَرْدِ ، فَإِنْ أَحْرَقَتِ الْبَدَنَ - وَالْعِياذُ بِاللَّهِ - يُؤْخَذُ عَدَسٌ مُقَشَرٌ وَيُسْحَقُ وَيُدافُ في ماءِ وَرْدٍ وَخَلٌّ ، وَيُطْلَى بِهِ الْمَوْضِعُ الَّذِي أَثْرَتْ فِيهِ النُّورَةُ ، فَإِنَّهُ يَبْرَأْ بِإِذْنِ اللَّهِ . وَالَّذِي يَمْنَعُ مِنْ آثَارِ النَّورَةِ فِي الْجَسَدِ هُوَ أَن يُدْلَكَ الْمَوْضِعُ بِخَلُ الْعِنَبِ التَّقيفِ وَدُهْن الْوَرْدِ دَلْكاً جَيّداً.
الحمّام ضرورة ملحّة للإنسان لا غنى له عنه ، فيه نظافته ، وسلامة بدنه من الأوساخ والأقذار ، التي تسبّب الأمراض الجلدية ، وقد تحدّث عنه سليل النبوّة ، ومعدن العلم والحكمة عن جميع نواحيه ووجوهه ومنافعه التي منها اعتدال البدن ونقايته من الدرن وذهاب العفن .
إن حديث الإمام (علیه السلام) عن الحمّام كان حديثاً مفصبلاً؛ لأنه من الوسائل الصحية ، ومن مصادر الطهارة والنظافة التي تزيل ما ران على الجسد من الأوساخ الخارجيّة ، وإفرازات الدهن السطحية ، كما تحدث (علیه السلام) بصورة شاملة عن النورة التي يزال بها الشعر المتراكم فى البدن ، والذي يؤدّي إزالته إلى إنعاش البدن ونظافته .
قال (علیه السلام) وَمَنْ أَرادَ أَلَا يَشْتَكي مَثانَتَهُ فَلَا يَحْبِسِ البَوْلَ ، وَلَوْ عَلَىٰ ظَهْرِ دايَتِهِ.
وَمَنْ أَرادَ أَلَّا تُؤْذِيهِ مِعْدَتُهُ فَلا يَشْرَبْ بَيْنَ طَعامِهِ ماءاً حَتّى يَفْرَغَ مِنْهُ ، وَمَنْ فَعَلَ ذلِك رَطْبَ بَدَنُهُ ، وَضَعُفَتْ مِعْدَتُهُ وَلَمْ تَأْخُذِ العُروقُ قُوَّةَ الطَّعامِ فَإِنَّهُ يَصيرُ فِي المِعْدَةِ فَجَاً إِذا صُبَّ المَاءُ عَلَى الطَّعامِ أَوَّلاً فَأَوَّلاً .
وَمَنْ أَرادَ أَلَا يَجِدِ الحَصاةَ وَحَصْرَ البَوْلِ فَلا يَحْبِسِ المَنِيَّ عِنْدَ نُزولِ الشَّهْوَةِ ، وَلا يُطِل المَكْثَ عِنْدَ النِّساءِ.
وَمَنْ أَرادَ أَن يَأْمَنَ مِنْ وَجَع السِّفْلِ، وَلَا يَظْهَرَ بِهِ وَجَعُ البَواسِيرِ، فَلْيَأْكُلْ كُلَّ لَيْلَةٍ سَبْعَ ثَمَرَاتِ بَرْنِي بِسَمْنِ الْبَقَرِ، وَيُدْهَنْ بَيْنَ أَنْثَيَيْهِ بِدُهْنِ زَنْبَقِ خالِصٍ .
وَمَنْ أَرادَ أَن يَزِيدَ حافِظَتَهُ ، فَلْيَأْكُلْ سَبْعَ مَثاقِيلَ زَبِيبٍ عَلَى الرِّيقِ .
وَمَنْ أَرَادَ أَن يَقِلُّ نِسْيانُهُ وَيَكُونَ حَافِظاً ، فَلْيَأْكُلْ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ قِطَعِ زَنْجَبيلَ مُرَبِّي بِالْعَسَلِ ، وَيَصْطَبِعْ(1)بِالْخَرْدَلِ مَعَ طَعَامِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ.
وَمَنْ أَرادَ أَن يَزِيدَ فِي عَقْلِهِ يَتَناوَلُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ هيليجا بِسُكَّر ابلوج(2).
وَمَنْ أَرادَ أَنْ لَا يَنْشَقَّ ظِفْرُهُ ، وَلَا يَميلَ إِلَى الصُّفْرَةِ ، وَلَا يَسْوَدَّ حَوْلَ ظِفْرِهِ ، فَلَا يُقَلِّمُ ظِفْرَهُ إِلَّا يَوْمَ الْخَمِيسِ .
وَمَنْ أَرادَ أَن لَا تُؤْلِمَهُ أَذنَهُ ، فَلْيَجْعَلْ فيها عِنْدَ النَّوْمِ قِطْنَةٌ .
وَمَنْ أَرادَ رَدْعَ الزَّكامِ مُدَّةَ أَيَّامِ الشَّتَاءِ فَلْيَأْكُلْ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ لُقَمِ مِنَ الشَّهْدِ.
عرض الإمام (علیه السلام) في هذا المقطع إلى وصايا صحيّة بالغة الأهمية ، فقد أعطى
وصفات صحية للسلامة والوقاية من كثير من الأمراض ، كان منها :
1 - سلامة الجهاز البولي .
-2- سلامة المعدة .
3 - الوقاية من الحصاة .
4 - الوقاية من البواسير .
إلى غير ذلك من الوصايا التي تتضمّن سلامة البدن من الإصابة بالأمراض.
قال (علیه السلام): وَاعْلَمْ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ لِلْعَسَلِ دَلَائِلَ يُعْرَفُ بِها نَافِعُهُ مِنْ ضارِّهِ، وَذلِكَ أَنَّ مِنْهُ شَيْئاً إِذا أَدْرَكَهُ الشَّمُ عَطَسَ ، وَمِنْهُ شَيْءٌ يُسْكِرُ ، وَلَهُ عِنْدَ الذَّوْقِ حُرْقَةٌ شَدِيدَةٌ ، فَهَذِهِ الْأَنْواعُ مِنَ الْعَسَلِ قاتِلَةٌ .
وَلَا يُؤَخَّرُ شَمُ النَّرْجِسِ ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الزَّكامَ فِي مُدَّةِ أَيَّامِ الشَّتاءِ ، وَكَذلِكَ الْحَبَّةُ السَّوْداءُ ، وَإِذا خافَ الْإِنسانُ الزُّكامَ فِي أَيَّامِ الصَّيْفِ فَلْيَأْكُلَ كُلَّ يَوْمٍ خِيارَةً ، وَلْيَحْذَرِ الْجُلوسَ في الشَّمْسِ .
وَمَنْ خَشِيَ الشَّقيقة(1)وَالشَّوصَةَ(2)، فَلَا يُؤَخِّرْ أَكْلَ السَّمَكِ الطَّرِيِّ صَيْفاً أَوْ شِتاءً .
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكونَ صالِحاً ، خَفِيفَ الْجِسْمِ وَاللَّحْمِ ، فَلْيُقَلِّلْ مِنْ عِشَائِهِ بِاللَّيْلِ.
وَمَنْ أَرادَ أَن لَا يَشْتَكِي سِرَّتَهُ فَلْيَدْهَنْها مَتَى دَهَنَ رَأْسَهُ.
وَمَنْ أَرادَ أَنْ لَا تَشَقَّقَ شَفَتاهُ ، وَلَا يَخْرُجَ فيها باسورٌ(3)، فَلْيَدْهَنْ حاجَبَهُ مِنْ دُهْنِ رَأْسِهِ.
وَمَنْ أَرادَ أَنْ لَا تَسْقُطَ أَذْناهُ(4)وَلَهاتاهُ ، فَلَا يَأْكُلْ حُلُوا حَتَّى يَتَغَرْغَرَ بَعْدَهُ بِخَلٌّ .
وَمَنْ أَرادَ أَنْ لَا يُصِيبَهُ الْيَرقانُ ، فَلَا يَدْخُلْ بَيْتاً فِي الصَّيْفِ أَوَّلَ مَا يَفْتَحُ بابَهُ ، وَلَا يَخْرُجْ مِنْهُ أَوَّلَ مَا يَفْتَحُ بابَهُ فِي الشَّتاءِ غَدْوَةً.
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ لَا يُصِيبَهُ رِيحٌ فِي بَدَنِهِ ،فَلْيَأْكُلِ الثّومَ كُلَّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً . وَمَنْ أَرادَ أَنْ لَا تَفْسِدَ أَسْنانَهُ ، فَلَا يَأْكُلْ حُلُوا إِلَّا بَعْدَ كِسْرَةِ خُبْزِ.
وَمَنْ أَرادَ أَنْ يَسْتَمْرِي طَعَامَهُ ، فَلْيَتَّكِى بَعْدَ الْأَكْلِ عَلَى شَفِّهِ الْأَيْمَنِ،
ثُمَّ يَنْقَلِبُ بَعْدَ ذلِكَ عَلَىٰ شِقِّهِ الْأَيَسْرَ حَتَّىٰ يَنامَ .
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُذْهِبَ الْبَلْغَمَ مِنْ بَدَنِهِ وَيُنْقِصَهُ ، فَلْيَأْكُلْ كُلَّ يَوْمٍ بُكْرَةً شَيْئًا مِنَ الْجَوارِشِ الْحَرِيفِ(1)، وَيُكْثِرُ دُخولَ الْحَمَامِ ، وَمُضاجَعَةَ النِّساءِ ، وَالْجُلوسَ فِي الشَّمْسِ ، وَيَجْتَنِبُ كُلَّ بارِدٍ مِنَ الْأَغْذِيَةِ ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الْبَلْغَمَ وَيَحْرُقُهُ.
وَمَنْ أَرادَ أَنْ يُطْفِئَ لَهَبَ الصَّفراءِ ، فَلْيَأْكُلْ كُلَّ يَوْمٍ شَيْئاً رَطِباً بارداً وَيُرَوِّحْ بَدَنَهُ ، وَيُقِلْ الْحَرَكَةَ ، وَيُكْثِرُ النَّظَرَ إِلى مَنْ يُحِبُّ .
وَمَنْ أَرادَ أَنْ يَحْرُقَ السَّوداءَ فَعَلَيْهِ بِكَثْرَةِ الْقَيْءِ وَفَصْدِ الْعُروقِ ،وَمُداوَمَةِ النّورَة.
وَمَنْ أَرادَ أَنْ يُذْهِبَ بِالرِّيحِ الْبَارِدِ فَعَلَيْهِ بِالْحُقْنَةِ ، وَالْأَدْهَانِ اللَّيِّنَةِ عَلَى الْجَسَدِ ، وَعَلَيْهِ بِالتَّكْمِيدِ بِالْمَاءِ الْحارُ بِالْأَبْزَنِ(2).
وَمَنْ أَرادَ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ الْبَلْغَمُ ، فَلْيَتَناوَلْ بُكْرَةً كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْاطْريفلِ الصَّغيرِ مِثْقالاً واحِداً.
عرض الإمام (علیه السلام) في أكثر فصول هذا المقطع إلى صحة أعضاء الإنسان ، فوضع
الوصفات الصحية لسلامتها ووقايتها من الإصابة بالأمراض ، فقد وضع الأسس الكفيلة للوقاية من الزكام الذي هو فاتحة الأمراض ، وقد أعطى الوصفة في الشتاء ، ووصفة أخرى في أيام الصيف
لقد أبدى الإمام (علیه السلام) نصائحه الطبية لسلامة أجهزة بدن الإنسان ، ووضع لها
الوصفات الناجحة التي تحسم الداء .
قَال (علیه السلام): وَاعْلَمْ يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَنَّ المُسافِرَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنَ الحَرِّ إِذا سافَرَ وَهُوَ مُمْتَلِيٌّ مِنَ الطَّعامِ ، وَلَا خَالِي الجَوْفِ ، وَلْيَكُنْ عَلَى حَدَّ الإِعْتِدالِ وَلْيَتَناوَلْ مِنَ الْأَغْذِيَةِ الْبَارِدَةِ مِثْلَ الغَريضِ(1)وَالهَلامِ (2)و الخَلِّ وَالزَّيْتِ ، وَمَاءِ الحِصْرِمِ ، وَنَحْوَ ذلِكَ مِنَ الأَطْعِمَةِ البارِدَةِ .
وَاعْلَمْ يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ السَّيْرَ الشَّديد في الحَرِّ الشَّديدِ ضارٌّ بِالْأَبْدانِ المَنْهُوكَةِ إِذا كانَتْ خَالِيَةٌ مَنَ الطَّعَامِ ، وَهُوَ نافِعٌ بِالأَبْدانِ الخَصْبَةِ وَأَمَّا صَلاحُ المِياهِ لِلْمُسافِرِ ، وَدَفْعُ الأذى عَنْهُ فَهُوَ أَنْ لا يَشْرَبَ مِنْ مَاءٍ كُلِّ مَنْزِلٍ يَرِدُهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَمْزِجَهُ بِمَاءِ المَنْزِلِ الَّذِي قَبْلَهُ ، أَوْ بِشَرابِ واحِدٍ غَيْرَ مُخْتَلِفِ فَيَسُوبُهُ بالمِياهِ عَلَى اخْتِلافِها ، وَالواجِبُ أَنْ يَتَزَوَّدَ المُسافِرُ مِنْ تُرْبَةِ وَطَنِهِ الَّتِي رُبِّيَ عَلَيْهَا ، وَكُلَّما وَرَدَ إِلَى مَنْزِلٍ طَرَحَ فِي إِنائِهِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنْهُ شَيْئاً مِنَ الطَّين الّذى تَزَوَّدَهُ مِنْ بَلَدِهِ ، وَيَشوبُ الماءَ بِالطِّينِ في الآنِيَةِ بِالتَّحْرِيكِ ، وَيُؤَخِّرُ قَبْلَ شِرْبِهِ حَتَّىٰ يَصْفو صَفاء اً جَيِّداً .
وَخَيْرُ المَاءِ شِرْباً لِمَنْ هُوَ مُقيمٌ أَوْ مُسافِرٌ ما كَانَ يَنْبوعُهُ مِنَ الجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ مِنَ الخَفِيفِ الأَبْيَضِ ، وَأَفْضَلُ المِياهِ ما كَانَ مَخْرَجُها مِنْ مَشْرِقِ
الشَّمْسِ الصَّيْفِي وَأَصَحُها وَأَفْضَلُها ما كانَ بِهذا الوَصْفِ الَّذِي نَبَعَ مِنْهُ ، وَكانَ مَجراهُ في جِبالِ الطَّيْنِ ، وَذلك لأنَّها تَكونُ حارَةً في الشَّتاءِ ، بارِدَةً في الصَّيْفِ ، مَلَيْنَةٌ لِلْبَطْنِ ، نافِعَةً، لأَصْحَابِ الحَراراتِ .
وَأَما المياه المالِحةُ التَّقيلَةُ ، فَإِنَّها يَبَسُ البَطْنِ ، وَمِياهُ الثَّلوج وَالجَلِيدِ رَدِيَّةٌ لِسائِرِ الأَجْسَادِ ، وَهِيَ كَثِيرَةُ الضَّرَرِ جِدّاً .
وَأَمَا مِياهُ السُّحُبِ فِإِنَّها خَفِيفَةٌ عَذْبَةٌ ، صافِيَةٌ ، نَافِعَةٌ لِلأَجْسامِ إِذا لَمْ يَطُلْ خَزْنُها وَحَبْسُها فِي الْأَرْضِ .
وَأَمَا مِياهُ الجُبِّ فَإِنَّها عَذْبَةٌ ، نافِعَةٌ ، إِنْ دامَ جَرْيُها ، وَلَمْ يَدُمْ حَبْسُها في الأَرْضِ.
وَأمّا البَطَائِحُ(1)وَالسِّباحُ(2)فَإِنَّها حارَةٌ غَلِيظَةٌ فِي الصَّيْفِ لِرُكودِها ، وَدَوامِ طُلوعِ الشَّمْسِ عَلَيْها وَقَدْ يَتَوَلَّدُ مِنْ دَوامِ شِرْبِهَا الْمَرَّةُ الصَّفْراوِيَّةُ ، وَتَعْظُمُ بِهِ أَطْلِحَتُهُمْ.
ووضع الإمام (علیه السلام) البرامج الحيّة لسلامة المسافر ووقايته من الأمراض ، فقد أوصى بعدم السفر إذا كان الشخص ممتلئ البطن، فإنّ ذلك لا يساعده على جهد السفر وعنائه، كما ينبغي أن لا يكون خالي الجوف ، فإنّه لا يقوى على السفر ،ونهى الإمام عن السفر في الحر الشديد ، فإنّ ذلك يعرض المسافر للخطر .
كما عرض الإمام (علیه السلام) إلى المياه ، فذكر أنواعها ، وما ينبغي أن يشرب منها ،
و ما ينبغي أن لا يشرب؛ لأنّه مما يضر بالصحة العامة .
لقد كان وصف الإمام للمياه وصفاً دقيقاً ، لم يسبق أن عرض لها بهذه الكيفية غيره .
قال (علیه السلام) وَقَدْ وَصَفْتُ لَكَ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتابي هذا ما فيه كِفايَةٌ لِمَنْ أَخَذَ بِهِ ، وَإِنَّمَا أَذْكُرُ أَمْرَ الْجِمَاعِ .
فَلَا تَدْخُلِ النِّسَاءَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ صَيْفاً وَلَا شِتاء؛ وَذلِكَ لأَنَّ الْمَعِدَةَ وَالْعُرُوقَ تَكونُ مُمْتَلِيَةً ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْمودٍ ، وَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ القولَنْجُ وَالْفَالَجُ وَاللّقْوَةُ وَالنَّقْرِسُ وَالْحَصاةُ وَالتَّقْطيرُ وَالْفَتْقُ وَضَعْفُ الْبَصَرِ وَرِفَّتِهِ ، فَإِذا أَرَدْتَ ذلِكَ فَلْيَكُنْ فِي آخِرِ اللَّيْلِ ، فَإِنَّهُ أَصْلَحُ لِلْبَدَنِ، وَأَرْجى لِلْوَلَدِ . وَأَزْكَى لِلْعَقْلِ فِي الْوَلَدِ الَّذِي يَقْضي اللهُ بَيْنَهُما .
وَلَا تُجامِع امْرَأَةً حَتَّى تُلاعِبَها ، وَتُكْثِرَ مُلاعَبَتَهَا ، وَتَغْمِزَ ثَدْيَيْهَا ، فَإِنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذلِكَ غَلَبَتْ شَهْوَتُهَا ، وَاجْتَمَعَ مَاؤُها؛ لأنَّ ماءَها يَخْرُجُ مِنْ ثَدْيَيْهَا ، وَالشَّهْوَةُ تَظْهَرُ مِنْ وَجْهِهَا وَعَيْنَيْها ، وَاشْتَهَتْ مِنْكَ مِثْلَ الَّذى تَشْتَهِيهِ مِنْها.
وَلَا تُجامِعِ النِّساءَ إِلَّا وَهِيَ طَاهِرَةٌ ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ فَلَا تَقُمْ قَائِماً ، وَلَا تَمِلْ جالساً ، وَلكِنْ تَمِيلُ عَلَى يَمينِكَ .
ثُمَّ انْهَضْ لِلْبَوْلِ إِذَا فَرَغْتَ مِنْ ساعَتِكَ ، فَإِنَّكَ تَأْمَنُ مِنَ الْحَصَاةِ بِإِذْنِ اللَّهِ تعالى.
ثُمَّ اغْتَسِلْ وَاشْرَبْ مِنْ سَاعَتِكَ شَيْئاً مِنْ المُومْيائي بِشَرابِ الْعَسَلِ أَوْ بِعَسَلٍ مَنْزوع الرَّغْوَةِ ، فَإِنَّهُ يَرِدُّ مِنَ الْمَاءِ مِثْلُ الَّذِي خَرَجَ مِنْكَ.
وَاعْلَمْ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ جِمَاعَهُنَّ وَالْقَمَرُ فِي بُرْجِ الْحَمْلِ أَوْ الدَّلْوِ مِنَ الْبروج أَفْضَلُ ، وَخَيْرٌ مِنْ ذلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي بُرْجِ التَّوْرِ لِكَوْنِهِ شَرَفَ الْقَمَر(1).
وَمَنْ عَمِلَ فيما وَصَفْتُ فِي كِتابي هذا ، وَدَبَّرَ بِهِ جَسَدَهُ أَمِنَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ داءٍ ، وَصَحَ جِسْمُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الْعَافِيَةَ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَيَمْنَحُهَا إِيَّاهُ .
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلاً وَآخِراً ، وَظَاهِراً وَباطِناً
وتناول الإمام (علیه السلام) في هذا المقطع الحياة الجنسيّة ، وقد أدلى بكثير من الجوانب المهمّة التي يجهلها الناس ، فقد حذّر من إتيانها في أوّل الليل ، وذلك لما يترتّب عليها من الأضرار التي منها الإصابة بما يلي :
1 - القولنج .
2 - الفالج .
3 - اللقوة .
4 - النقرس.
5 - الحصاة .
1) قال المجلسي : « ولعلّ ذكر هذه الأمور - إن كان منه - لبعض المصالح موافقة لما اشتهر في ذلك الزمان عند المأمون وأصحابه من العمل بآراء الحكماء.
6 - الفتق.
7 - ضعف البصر .
ودعا إلى ممارستها في الهزيع الأخير من الليل ، كما نبّه على كثير من الفوائد.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن هذه الرسالة الذهبيّة التي هي من ذخائر كتب الطبّ .
من مؤلفات الإمام الرضا (علیه السلام) هذه الرسالة الغراء التي سُمّيت ب( صحيفة الرضا) ، وسمّاها فريق من الرواة ب( مسند الإمام الرضا) ، وهذه التسمية أقرب إلى وضع الكتاب؛ لأنّه حوى بعض ما يرويه من الأخبار عن جده النبي (صلی الله علیه و آله) ، وعن آبائه الأئمة الطاهرين (علیهم السلام)، وقد نصّ جمهرة من المحققين على أنّ هذه أنّ هذه الرسالة من مؤلّفات الإمام (علیه السلام)(1).
وعلى أي حال ، فإنّ هذه الرسالة من ذخائر النبوة ، وكنوز أهل البيت ، ومواريث الأئمة التي بلغت من علوّ الإسناد ذروة الشرف ، وكامل العزّ، كما يقول الدكتور حسين على محفوظ(2).
ونحن ننقل بعض هذه الرسالة عن نسخة طُبعت في القاهرة بمطبعة المعاهد بجوار الأزهر سنة ( 1340ه) ، وقد طبعها العلّامة عبدالواسع بن يحيى الواسمي ، ورتّبها على عشرة أبواب ، وهي :
1) کشف الظنون : 2 : 1076 . هدية العارفين : 1 : 668. معجم المؤلفين : 7: 250 . الذريعة : 5 : 17 و 18 . کشف الحجب والأستار : 366 و 367 . بحار الأنوار: 1: 11.مستدرك الوسائل : 3 :344 . مسند الرضا (علیه السلام): 5 . فقه الرضا (علیه السلام): 1 - 11 .أعيان الشيعة : 2 : 26 .مصباح الفقاهة : 1 : 36 .
2) صحيفة الرضا : 2 .
وبعد مقدّمة ذكرها الشيخ عبد الواسع تتعلّق بضرورة ذكر السند ، قال : أروي هذه الصحيفة بالسند الصحيح المتّصل إلى الإمام القاسم بن محمد (علیه السلام)، عن شيخه السيد أمير الدين بن عبدالله ، عن السيّد أحمد بن عبد الله الوزير ، عن الإمام المطهّر بن محمّد بن سليمان، عن الإمام المهدي أحمد بن يحيى ، عن سليمان بن
إبراهيم بن عمر العلوي ، عن أبيه إبراهيم ، عن رضاء الدين إبراهيم بن محمد الطبري ، عن الإمام نجم الدين التبريزي ، عن الحافظ ابن عساکر، عن زاهر الشحامي ، عن الحافظ البيهقي .
1 - عن أبي القاسم المفسّر ، عن إبراهيم بن جعدة ، عن أبي القاسم عبد الله بن احمد بن عامر الطائي بالبصرة ، قال : حدّثني عليّ بن موسى الرضا (علیه السلام) سنة (194ه) ، قال : حدّثني أبي موسى بن جعفر ، قال : حدثني أبي جعفر بن محمد ، قال : حدثني أبي محمد بن علي ، قال : حدثني أبي علي بن الحسين ، قال : حدثني أبي الحسين بن عليّ ، قال : حدثني أبي علي بن أبي طالب سلام الله عليهم أجمعين ، آمين إلى يوم الدين ، قال : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : يَقولُ اللهُ تَعَالَى : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ حِصْنِي ، فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي»(1).
إنّ هذه الكلمة المشرقة هي سرّ الوجود ، ومصباح المتّقين ، ودليل العارفين ، فمن قالها عن معرفة وإيمان دخل حصن الله الذي من دخله فاز برضوان الله تعالى ، وأمن من عذابه.
1) في رواية الطبرسي : « بِشَرْطِها وَشُروطِها، وَأَنَا مِنْ شُروطِها» ، وسنتكلّم عن هذا الحديث الشريف في غضون هذا الكتاب.
2 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): «وقالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَنْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ فَلْيَحْمَدِ الله عَلَيْها ، وَمَنِ اسْتَبْطَأَ الرِّزْقَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ ، وَمَنْ أَحْزَنَهُ أَمْرٌ فَلْيَقُلْ : لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله الْعَلِيُّ الْعَظيمِ».
إنّ ذكر الله تعالى والانقطاع إليه يستوجب المزيد من نعمه وألطافه ، ومن قال هذه الكلمات في هذه المواضع شملته رحمة الله ، وظفر بالخير العميم .
2- وبإسناده ، قال (علیه السلام): «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) :الْإِيمَانُ إِقْرَارٌ بِاللَّسانِ ، وَمَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكانِ».
الإيمان شعلة من النور تضيء القلب ، وتسري سريان الحياة في نفوس المتّقين و العارفين، وتستولي على عواطفهم ومشاعرهم .
4 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): يَقولُ اللهُ : مَا مِنْ مَخْلُوقٍ يَعْتَصِمُ بِمَخْلُوقٍ دوني إِلَّا قَطَعْتُ أَسْبَابَ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ مِنْ دُونِهِ ، فَإِنْ سَأَلَنِي لَمْ أَعْطِهِ ، وَإِنْ دَعانِي لَمْ أَجِبْهُ ، وَما مِنْ مَخْلُوقٍ يَعْتَصِمُ بي مِنْ دُونِ خَلْقِي إِلَّا ضَمَّنْتُ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ بِرِزْقِهِ ، فَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ ، وَإِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ ، وَإِنِ اسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ».
لقد خاب وباء بالفشل والخسران من يرجو غير الله تعالى الذي بيده مجريات الأحداث . يقول بعض الشعراء :
تَرِبَتْ يَدٌ سَأَلَتْ سِواكَ وَأَجدبَتْ
أَرْضٌ بِغَيْرِ سَحَابِ جودِكَ توسَمُ
فَالْعِزُ إِلَّا مِنْ لَديكَ مُحَرمٌ
والمال إلا من يديك مُحرَّمُ
إنّ العبد إذا انقطع إلى الله واعتصم به ، فقد ظفر بالخير ، وفاز بالنعم في دنياه وآخرته .
5 - وبإسناده ، قال : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : أَفْضَلُ الْأَعْمالِ عِنْدَ اللهِ إيمانُ لَا شَكٍّ فيهِ ، وَغَزْرٌ لا غُلولَ فيهِ ، وَحَجٌ مَبْرُورٌ ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ شَهِيدٌ، وَعَبْدٌ مَمْلوك
أَحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ ، وَنَصْحَ لِسَيِّدِهِ ، وَرَجُلٌ عَفيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذو عِيالٍ ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ
إمامٌ مُسَلَّطْ لَمْ يَعْدِلْ ، وَذو ثَرْوَةٍ مِنَ الْمَالِ لَمْ يَقْضِ حَقَّهُ ، وَفَقيرٌ فَخورٌ» .
وألمّ هذا الحديث الشريف بأفضل الأعمال ، وأكثرها مثوبة وأجراً عند الله تعالى ، وهو الإيمان بالله تعالى الذي لا يخامره شكّ ، والغزو الذي لا غلول فيه ، وإنما يقصد فيه نشر كلمة الله في الأرض ، وحج بيت الله الحرام .
كما حكى هذا الحديث الشريف أفضل الرجال عند الله تعالى ، وأكرمهم عليه ، وهم : الشهداء في سبيل الله لا في سبيل مغنم أو شيء من متع الحياة ، والعبد المملوك المؤمن بربّه والناصح لسيّده ، والرجل العفيف ذو العيال الذي يسعى لإعاشة عياله .
وحكى هذا الحديث أيضاً أبغض الرجال إلى الله ، والذين يستحقّون نار جهنّم ، وأوّل من يدخلونها من العصاة والمجرمين :الحاكم الذي يظلم عباد الله ، ولا يسير بين الناس بالحق والعدل، وصاحب الثراء العريض الذي يبخل بحقوق الله ، ولا يسعف الفقير ، والفقير الفخور الذي يفخر بنفسه وأُسرته ويتجبّر ويتكبّر على خلق الله .
6- وبإسناده ، قال (علیه السلام): « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): مَنْ حَفِظَ عَلَىٰ أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثاً يَنْتَفِعونَ بِها ، بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقيهاً عالِماً».
إنّ الأحاديث النبوية شعلة من النور تهدي الحائر ، وترشد الضالّ ، وتنير الطريق لأنها من ينابيع الحكمة ، فمن أذاعها بين المسلمين فقد ساهم في بناء الفكر الإسلامي ، وقد وعده الرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يبعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً.
7- وبإسناده ، قال (علیه السلام) :« قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ السَّمواتُ وَالْأَرْضُ».
إنّ من أكثر الجرائم بشاعة ، وأكثرها إثماً فتوى الناس بغير علم ، فإنّه تضليل
للناس ، وإشاعة للكذب ، وافتراءٌ على الله .
8- وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولِ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : التَّوَكَّلُ وَالتَّوْحِيدُ نِصْفُ الدِّينِ ، وَاسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالصَّدَقَةِ ».
إنّ التوكل على الله ، والإقرار له بالتوحيد إنّما هو من صميم الدين ، وعنصر أساس في كيانه ، وحثّ الإمام على الصدقة لأنّ بها إسعافاً للفقراء والمحرومين ، ووعد المتصدّق بأنّ الله تعالى يمنحه الرزق والعطاء.
9 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): «وقالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِنَّ مُوسَى بْنِ عِمْرانَ سَأَلَ رَبَّهُ، فَقالَ : بَعيدٌ أَنْتَ يا رَبِّ فَأناديك ، أَمْ قَريبٌ فَأناجيكَ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : يا مُوسَى ، أَنا جَليسُ مَنْ ذَكَرَني».
إنّ الله تعالى قريب لكل من يناجيه ويدعوه وينيب إليه ، فيشمله برحمته ولطفه .
10- وبإسناده ، قال : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : دُعاءُ أَطْفَالِ أُمَّتِي مُسْتَجَابٌ ، ما لَمْ يُقارِفوا الذُّنوبَ».
إنّ دعاء أطفال المؤمنين مستجاب ، فلايردّ الله لهم دعوة ، ولكن إذا لم يقترفوا الجرائم والذنوب .
11 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): «وقالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقابِر وَقَرَأَ «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» إحدى عَشْرَةَ مَرَّةً ، ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ لِلْأَمْواتِ ، أَعْطِيَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْواتِ » .
إن قراءة سورة التوحيد للأموات المسلمين له الأجر المضاعف عند الله والثواب الجزيل .
12 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) :«قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : الدُّعاءُ سَلاحُ الْمُؤْمِن ، وَعِماد
الدِّينِ ، وَنورُ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ ، فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعاءِ ، وَأَخْلصوا النِّيَّةَ».
وحكى هذا الحديث أهمية الدعاء ، فهو سلاح المؤمن، وعماد الدين ، ونورالسموات والأرض ، وقد حاز بذلك أسمى مكانة عند الله تعالى .
13- وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ حَاجَةً فَلْيُباكِرْ فِي طَلَبِها يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَلْيَقْرَأُ إِذا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ آخِرَ آلِ عِمْرَانَ ، وَآيَةَ الْكُرْسِيُّ ، وَإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَأُمَّ الْكِتابِ ، فَإِنَّ فيها قضاءَ حَوائِجِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ».
وحوى هذا الحديث المنهاج لقضاء الحوائج ، فقد حدّد الزمان ، وحدّد ما يقرأ فيه من الآيات والسور من كتاب الله العزيز .
14- وبإسناده ، قال (علیه السلام): « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): سِتَّةٌ مِنَ الْمُروءَةِ : ثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي الْحَضَرِ ، وَثَلاثَةٌ فِي السَّفَرِ.
أما الَّتِي فِي الْحَضَرِ : فَتِلاوَةُ الْقُرْآنِ ، وَعِمَارَةُ الْمَسْجِدِ ، وَاتِّحَاذُ الْإِخْوانِ فِي اللَّهِ .
وأما التي في السَّفَرِ فَبَذْلُ الزَّادِ ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالْمِزاح في غَيْرِ مَعاصِي الله» .
إنّ هذه الخصال تحكي شرف الإنسان ومروءته وحسن طويته .
15- وبإسناده ، قال (علیه السلام): «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : اللَّهُمَّ ارْحَمْ خُلَفَائِي ثَلاثَ مَرَاتٍ .
قيلَ : يا رَسولَ اللهِ ، مَنْ خُلَفَاؤُكَ ؟
قالَ : الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي ، وَيَرْوونَ أَحاديثي وَسُنَّتي ، وَيُعَلِّمُونَهَا النَّاسَ مِنْ بَعْدي».
إنّ الذين يروون أحاديث النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ويذيعونها بين الناس ، ويعلّمونهم معالم الدين ، وأحكام الشريعة هم خلفاء النبي (صلی الله علیه و آله) ، وأقرب الناس إليه .
16 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ خَزائِنُ اللهِ ، وَ مَفاتيحُهُ
السُّؤالُ ، فَأَسْأَلُوا يَرْحَمُكُمُ اللهُ ، فَإِنَّهُ يُوجَرُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ : السّائِلُ ، وَالْمُعَلَّمَ ، وَالْمُسْتَمِعُ،
وَالْمُجيب » .
حثّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الجاهل على السؤال عما لا يعلمه من شؤون دينه وغيره، فإنّ في ذلك إذاعة للعلم ونشراً له .
17 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): « قالَ رَسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَنْ قَرَأَ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ أَرْبَعَ مَرَاتٍ كانَ كَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ».
إن قراءة هذه السورة الكريمة أربع مرات يترتّب عليها هذا الأثر العظيم ، وهو قراءة القرآن كلّه.
18- وبإسناده ، قال (علیه السلام): «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): أَتاني مَلَكَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ، إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامُ ، وَيَقولُ لَكَ : إِنْ شِئْتَ جَعَلْتُ لَكَ بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهَباً .
قالَ : فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : يا رَبِّ ، أَشْبَعُ يَوْماً فَأَحْمَدُكَ ، وَأَجوعُ يَوْماً فأسألك».
لقد زهد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في الدنيا ، وأعرض عن زخارفها ، واتّجه صوب الله تعالى وكان ذلك من خصائصه التي امتاز بها على سائر النبيّين .
19 - وبإسناده ، قال :«وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (علیه السلام): أَنَّ يَهُودِيَا سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طالب (علیه السلام) ، قال : أَخْبِرْنِي عَمَّا لَيْسَ لِلَّهِ ، وَعَمَّا لَيْسَ عِنْدَ اللهِ ، وَعَمّا لَا يَعْلَمُهُ اللهُ ؟
فَقالَ عَلِيٌّ (علیه السلام): أَما ما لَا يَعْلَمُهُ اللهُ فَذلِكَ قَوْلُكُمْ يا مَعْشَرَ الْيَهُودِ: عَزَيْرٌ ابْنُ اللهِ ، وَاللهُ لَا يَعْلَمُ لَهُ وَلَداً ، وَأَما ما لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ فَلَيْسَ عِنْدَ اللهِ ظُلْمَ لِلْعَبِيدِ ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ للَّهِ فَلَيْسَ اللَّهِ شريك .
قالَ الْيَهُودِيُّ : وَأَنا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسولُ اللهِ».
إنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) هو باب مدينة علم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ، وهو عملاق هذه
الأمّة ، ورائد نهضتها الفكرية والعلميّة ، ومن المقطوع به أنه لو ثنيت له الوسادة ، وتسلّم قيادة الحكم بعد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لما بقي يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، و الا دخلوا في حظيرة الإسلام، وانتهلوا من نميره العذب.
20 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): « حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (علیه السلام)، قَالَ : قَالَ (علیه السلام): خَمْسَةٌ له لَوْ دَخَلْتُمْ فِيهِنَّ ما قَدَرْتُمْ عَلَى مِثْلِهِنَّ : لَا يَخافُ عَبْدٌ إِلَّا ذَنْبَهُ ، وَلَا يَرْجُو إِلَّا رَبَّهُ ، وَلَا يَسْتَحي الْجاهِلُ إِذا سُئِلَ عَمَّا لَمْ يَعْلَمْ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، وَلَا يَسْتَحِي الَّذِي لَا يَعْلَمُ أَنْ يَتَعَلَّمَ ، وَالصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ ، وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ له».
وتجسّدت الحكمة في هذه الأمور ، التي يسمو بها الإنسان لو أخذ بها ، ويكون مثلاً أعلى للفضيلة والأدب.
21 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «وحَدَّثَنِى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٌّ (علیه السلام)، قَالَ : «وُجِدَ لَوْحٌ تَحْتَ حائِطِ مَدِينَةٍ مِنَ الْمَدائِنِ مَكْتُوبٌ فِيهِ : أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنا ، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي . عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ ؟!
وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ ؟!
وَعَجِبْتُ لِمَنِ اخْتَبَرَ الدُّنْيا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْها ؟!
وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسابِ كَيْفَ يُذْنِبُ ؟!
وحوى هذا اللوح موعظة جليلة لو تأملها الانسان لابتعد عن كلّ ذنب ، وعمل كلّ ما يقربه إلى الله زلفى .
22 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ أَميرَ الْمُؤْمِنينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (علیه السلام): لَمَا بَدَأَ رَسولُ الله (علیه السلام) تعليم الأذانِ أَتى جَبْرَئِيلُ بِالْبُراقِ فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَتَاهُ بِدَابَّةٍ يُقالُ لَها بَراقَةُ ، فَاسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ ، فَقالَ لَهُ جَبْرئِيلُ : اسْكُني ، فَما رَكَبَكِ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ ، فَسَكَنَتْ .
فَقالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): فَرَكِبْتُها حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى الْحِجابِ الَّذِي يَلي الرَّحْمَنَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَخَرَجَ مَلَكَ مِنْ وَراءِ الْحِجابِ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ .
قالَ : فَقُلْتُ : يا جَبْرَئِيلُ ، مَن هذَا الْمَلَك ؟
قال : وَاللهِ الَّذي أَكْرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ ، ما رَأَيْتُ هذَا الْمَلَكَ قَبْلَ ساعَتي هذه .
فَقالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللهُ أَكْبَرُ ، فَنودِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجابِ : صَدَقَ عَبْدِي أَنا أَكْبَرُ ، أَنا أَكْبَرُ .
قالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) : فَقالَ الْمَلَكُ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَنُودِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ : صَدَقَ عَبْدِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنا .
قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): فَقالَ الْمَلَكُ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسولُ اللَّهِ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ، فَنودِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجابِ : صَدَقَ عَبْدِي أَنا أَرْسَلْتُ مُحَمَّداً رَسولاً .
قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : فَقالَ الْمَلَكُ : حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ ، فَنودِيَ مِنْ وَراءِ الْحِجاب : صَدَقَ عَبْدِي ، وَدَعَا إِلى عِبادَتي .
قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): فَقالَ الْمَلَكُ : حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ ، فَنودِيَ مِنْ وَراءِ الْحِجابِ : صَدَقَ عَبْدِي ، وَدَعَا إِلى عِبادَتِي ، وَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ واظَبَ عَلَيْها .
قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : أَكْمَلَ اللهُ لِى الشَّرَفَ عَلَى الْأَوَّلِينَ و الْآخِرِينَ»(1).
لقد أجمعت الشيعة على أنّ النبى (صلى الله عليه و آله و سلم) هو الذي شرّع الأذان بهذه الكيفية التي ذكرت في هذا الحديث ، أو بما يقرب منها ، في حين أنّ أبناء السنّة والجماعة ذكروا أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لما قدم المدينة صعب على الناس معرفة أوقات صلاته ، فتشاوروا في أن ينصبوا علامة يعرفون وقت صلاة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)كيلا تفوتهم الجماعة.
فأشار بعضهم بالبوق ، فقال : هو لليهود ، وأشار بعضهم بالدفّ ، فقال : هو للروم ، وأشار بعضهم بإيقاد النار ، فقال : ذلك للمجوس ، وأشار بعضهم بنصب راية ، فإذا رآها الناس أعلم بعضهم بعضاً ، فلم يعجبه (صلى الله عليه و آله و سلم) ذلك ، فقام (صلى الله عليه و آله و سلم) مهتمّاً ، فبات عبدالله رسول بن زيد مهتمّاً باهتمام رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، فرأى في نومه ملكاً علّمه الأذان والإقامة ، فأخبر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بذلك ، وقد وافقت الرؤيا الوحي ، فأمر بهما النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)(2).
وهذا بعيد جداً؛ لأنّ الأذان والإقامة من مقدمات الصلاة ، شأنهما شأن بقيّة المقدّمات من الطهارة واستقبال القبلة وإباحة المكان وجميع هذه المقدّمات مع بيان الصلاة قد نزل بها الوحي ، ثمّ لماذا رأى عبدالله بن زيد لماذا رأى عبدالله بن زيد المَلَك ولم يره بقيّة
الصحابة ممن هم أجلّ شأناً منه .
23 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : لَا يَزالُ الشَّيْطَانُ ذاعِراً(1)مِنِ ابْنِ آدَمَ ما حافَظَ عَلَى الصَّلَواتِ الْخَمْسِ ، فَإِذا ضَيَّعَهُنَّ تَجَرَّأَ عَلَيْهِ ، وَأَوْقَعَهُ فِي الْعَظَائِمِ».
إنّ الله تعالى شرّف الإنسان وكرّمه بالصلاة والمثول بين يديه في الصلوات الخمس ، وإنّ الشيطان الرجيم ليعبث بالإنسان ، ويجهد على أن يحرمه من هذه الفضيلة والمنزلة الكريمة .
24 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَنْ أَدَى فَرِيضَةً فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ».
إن أداء الفريضة ، سواء أكانت صلاة أم صوماً أم حجّاً أم غيرها ، فإن لها من الأجر عند الله تعالى أن يستجيب له دعوة .
25 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : لَا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرِ مَا تَحَابُوا ، وَأَدَوا الأمانَةَ ، وَاجْتَنبوا الْحَرامَ ، وَأَقْرَوا الضَّيْفَ ، وَأَقاموا الصَّلاةَ ، وَآتوا الزَّكَاةَ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذلِكَ ابْتلوا بالسِّنينَ وَالْقَحْطِ».
دعا النبي (صلی الله علیه و آله) أُمَّتَه إلى المحافظة على هذه الخصال الكريمة ،ووعدهم أن يكونوا بخير ما داموا يؤدونها ، فإذا أهملوها فإنّ الله تعالى يصيبهم ببلاء عظيم .
26 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِذا لَمْ يَسْتَطِعِ الرَّجُلُ أَنْ يُصَلَّى قَائِماً صَلَّى جالساً ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلَّى جَالِسًا فَلْيُصَلِّ مُسْتَلْقِياً عَلَىٰ قَفَاهُ ، رِجْلَيْهِ حَيالَ الْقِبْلَةِ يُومى إيماء».
1) ذاعراً : أي فزعاً .
من أهمّ الفرائض الإسلامية الصلاة ، ولا تسقط عن المكلّف بحال المكلف بحال من الأحوال ، فإذا كان قادراً صلّى من قيام ، وإذا كان عاجزاً صلّى من جلوس ، وكذا حيث ما ذكر في الرواية .
27 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): « قالَ رَسولُ اللهِ(صلى الله عليه و آله و سلم) : حافِظوا عَلَى الصَّلواتِ الْخَمْسِ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَدْعو الْعَبْدَ ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَسْأَلُ عَنْهُ الصَّلاةَ ، فَإِذا جاءَ بِها تامَّةً ، وَإِلَّا زُج في النّارِ».
إنّ أوّل ما يسأل عنه المكلّف في حشره ونشره هي الصلاة ، فإذا جاء بها تامة فقد سلم من عقاب الله تعالى ، وإذا لم يأت بها أو كانت فاقدة لبعض شروطها ، فإنّه يزجّ في النار .
28 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : وقالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله) لأَصْحَابِهِ : لَا تُضَيِّعوا صَلاتَكُمْ ، فَإِنَّ مَنْ ضَيَّعَ صَلاتَهُ حُشِرَ مَعَ قارونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ، وَكانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ النّارَ مَعَ الْمُنافِقِينَ ، وَالْوَيْلُ لِمَنْ لَمْ يُحافِظ عَلَى صَلاتِهِ وَأَداءِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ».
لقد اهتمّ الإسلام بالصلاة اهتماماً بالغاً ، وميّزها على بقية العبادات ، فمن أدّاها كان مسلماً ، ومن أنكرها مات ميتة جاهليّة ، وحشر مع الظالمين والكافرين .
29- وبإسناده ، قال (علیه السلام): « قالَ عَلِيٌّ صَلَواتُ اللَّهُ عَلَيْهِ : صَلَّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) صَلاةَ السَّفَرِ ، فَقَرَأَ في الأولى : الْحَمْدَ وَ «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ» ، وَفي الأَخْرى : الْحَمْدَ وَ «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» ، ثُمَّ قَالَ : قَرَأْتُ لَكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَرُبْعَهُ».
وتقصر الصلاة الرباعية في السفر ، وقد قرأ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ، وفى الركعة الثانية قرأ بعد الفاتحة سورة التوحيد ، وبيّن (صلى الله عليه و آله و سلم) ثواب ذلك بأنه قد قرأ نصف القرآن في الركعة الأولى ، و ربع القران الکریم في الركعة الثانية».
30 - وبإسناده ، قال : « سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (علیه السلام) عَنِ الصَّلاةِ فَزَعَمَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقْصُرُ الله الصَّلاةَ في السَّفَرِ».
أما تقصير الصلاة في السفر فإنّها من ضروريات مذهب أهل البيت (علیه السلام) ، وقد دلّ
على ذلك الكتاب والسنّة .
31 - وبإسناده ، قال : « رَأَيْتُ النَّبِيَّ (صلى الله عليه و آله و سلم) كَبَّرَ عَلَىٰ عَمِّهِ حَمْزَةَ (علیه السلام) لا خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ ، وَكَبَّرَ عَلَى الشُّهَداءِ بَعْدَهُ خَمْسَ تَكْبيراتٍ ، فَلَحَقِّ بِحَمْزَةَ سَبْعونَ تَكْبِيرَةً».
أما الصلاة على الأموات فهي من الواجبات الكفائية ، فإذا قام بها البعض سقطت عن الباقين ، أما كيفيتها فهي : أن يأتي بخمس تكبيرات يأتي بالشهادتين بعد الأولى ، والصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد الثانية ، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بعد الثالثة ، والدعاء للميت بعد الرابعة ، ثمّ يكبّر الخامسة وينصرف(1).
وقد تظافرت بذلك الأخبار عن أئمة الهدى (علیهم السلام)(2).
أما أهل السنّة فإنّهم ذهبوا إلى أنّ التكبيرات أربع ، وينصرف المصلّي بعد الرابعة(3).
32- وبإسناده ، قال (علیه السلام): «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : يا عَلِيُّ ، إِذا صَلَّيْتَ عَلَى جَنازَةٍ فَقُلْ : اللهمَّ إِنَّ هذا عَبْدُكَ ، وَابْنُ أَمَتِكَ ، ماضٍ في حُكْمِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُوراً ، زاركَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَزور ، اللهُمَّ لَقَّنْهُ حُجَّتَهُ ، وَأَلْحِفْهُ بِنَبِيِّكَ ، وَنَوْرْ لَهُ فِي قَبْرِهِ ، وَوَسِّعْ عَلَيْهِ فِي مَدْخَلِهِ ، وَثَبِّتْهُ فِي الْقَوْلِ الثَّابِتِ ، فَإِنَّهُ افْتَقَرَ إِلَيْكَ ، وَاسْتَغْنَيْتَ عَنْهُ ، وَكَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لَهُ ، اللهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ ، وَلَا تَفْتِنَا بَعْدَهُ.
يا عَلِيُّ ، إِذا صَلَّيْتَ عَلَى امْرَأَةٍ فَقُلْ : اللهم أَنْتَ خَلَقْتَها، وَأَنْتَ أَحْيَيْتَهَا ، وَأَنْتَ أَمَيُّها ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّها وَعَلانِيَتِها ، جِئْنَاكَ شُفَعاءَ لَها ، فَاغْفِرْ لَها . اللهم لا تَحْرِمْنا أَجْرَها ، وَلَا تَفْتِنَا بَعْدَها .
يا عَلِيُّ ، إِذا صَلَّيْتَ عَلى طِفْلِ ، فَقُلْ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لأَبَوَيْهِ سَلَفاً وَذُخْراً ، وَاجْعَلْهُ فَرَطاً ، وَاجْعَلْهُ لَهُما نوراً وَرُشْداً ، وَأَعْقِبْ والِدَيْهِ الْجَنَّةَ ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ».
أما كيفية الصلاة على الأموات فقد ذكرناها ، وأما هذا الدعاء فهو بعد التكبيرة الرابعة ، وأما الصلاة على الطفل ، فإن كان قد توفّي وسنّه ست سنين فيصلى عليه صلاة الجنائز وجوباً ، وإذا لم يبلغ هذه السن فيستحبّ عليه الصلاة .
وهو على ثلاثة أقسام :
33 -وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : يا عَلِيُّ ، أَنا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَأَنْتَ يَعْسوبُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإمامُ الْمُتَّقِينَ ، وَقائِدُ الْغَرِّ الْمُحَجَلِينَ».
أما الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) فهو رائد الفكر والحكمة في الإسلام، وهو نفس النبي وباب مدينة علمه ، ووصيّه من بعده ، وقد أشاد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ، بسمو منزلته ، وعظيم مكانته ، ولم يؤثر عنه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه أشاد بأحد من أصحابه كما أشاد بالإمام أميرالمؤمنين (علیه السلام) ، والغرض من ذلك هو التدليل على خلافته من بعده.
34- وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : لَمَا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ أَخَذَ
جَبْرَئِيلُ بِيَدِي ، وَأَقْعَدَنِي عَلَى دُرْنوکٍ(1)مِنْ دَرَانِيكِ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ ناوَلَني سَفَرْجَلَةٌ مِنْهَا ،
وَهِيَ مُعَدَّةٌ بِمَا فِيهَا لِلْإِمَامِ عَلِيٌّ (علیه السلام).
إن الله تعالى أعد لعلي (علیه السلام) في الدار الآخرة جميع ما فيها من نعم ، ويوأه الفردوس الأعلى يتبوأ منه حيثما يشاء .
35 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «وقالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : يا عَلِيُّ ، إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي فيك خَمْسَ خِصَالٍ ، فَأَعْطَانِي ، أَمَا أَوَّلُهُنَّ : فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ تَنْشَقَّ عَنِّي الْأَرْضُ ، وَانْفُضُ التُّرابَ عَنْ رَأْسِي وَأَنْتَ مَعِي ، فَأَعْطَانِي.
وأَمَا الثّانِيَةُ : فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُوقِفَني عِنْدَ كَفَّةِ الْمِيزَانِ وَأَنْتَ مَعي ، فَأَعْطَانِي .
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ : فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَك حامل اللواءِ ، وَهُوَ لِواءُ اللهِ الْأَكْبَرُ تَحْتَهُ الْمُفْلِحونَ الْفائِزونَ فِي الْجَنَّةِ ، فَأَعْطاني .
وَأَمَّا الرّابِعَةُ: فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ تَسْقِيَ أُمَّتِي مِنْ حَوْضي ، فأعطاني .
وَأَمَّا الْخامِسَةُ : فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَكَ قائِدَ أُمَّتِي إِلَى الْجَنَّةِ ، فَأَعْطَانِي رَبِّي ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيَّ بِذلِكَ».
لقد خص الله الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام) بكل مكرمة ، وحباه بكلّ فضيلة ،وقد استجاب دعاء نبيّه فيه أن يمنحه هذه الخصال الكريمة .
36 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إذا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَخَذْتُ بِحُجْزَةِ اللهِ ، وَأَخَذْتَ أَنْتَ بِحُجْزَتي ، وَأَخَذَ وُلْدُكَ بِحُجْزَتِكَ ، وَأَخَذَتْ شِيعَةً وُلْدِكَ بِحُجْزَتِهِمْ(2)، فَتَرى أَيْنَ يَؤُمُ بِنا».
إنّ للإمام أمير المؤمنين(علیه السلام) منزلة كريمة عند الله تعالى يسمو بها على جميع الصالحين والمتقين ، ويتميّز بها هو وأبناؤه وشيعته يوم حشر الناس وبعثهم .
37 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : يا عَلِيُّ ، إِنَّكَ قَسيمُ الْجَنَّةِ وَالنّارِ ، وَإِنَّكَ تَقْرَعُ بابَ الْجَنَّةِ فَتَدْخُلَهَا بِلَا حِسَابٍ».
وهذا الحديث رواه جمهور العلماء من الشيعة والسّنة ، وهو يحكي فضل الإمام أميرالمؤمنين (علیه السلام) ، وعظيم شأنه عند الله ، وأنه بلغ منزلة من الله لم يبلغها أي أحد من الناس سوى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم).
38-وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : یا عَلِيُّ ، إِذا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كُنْتَ أَنْتَ وَوُلْدُكَ عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ مُتَوَّجونَ بِالدُّرِّ وَالْيَاقوتِ ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ بِكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالنَّاسُ ينظرونَ » .
ما أعظم منزلة الإمام وأبنائه الطيبين عند الله ، فقد خصهم بكل مكرمة ، وميّزهم على جميع خلقه .
39 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إذا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نُودِيتُ مِنْ بُطْنانِ الْعَرْشِ : نِعْمَ الْأَبُ أَبوكَ إِبْرَاهِيمُ ، وَنِعْمَ الْأَخُ أَخوكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ».
وخصّ الله نبيه العظيم (صلى الله عليه و آله و سلم) بجميع ألوان الفضل التي منها أنّه من ذرية إبراهيم خليل الله ، وأن أخاه الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) لها المنافح عن كلمة التوحيد ، والذاب عن قيم الإسلام ومبادئه .
40 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : قال رسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ : عَلِيَّ ، وَسَلْمَانَ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ».
إنّ هؤلاء الأربعة قد ساهموا في بناء الإسلام ، ورفعوا مشعل التوحيد ، وقد أمر الله تعالى نبيّه بحبّهم؛ لأنّهم من عناصر التقوى والصلاح .
41- وبإسناده ، قال(علیه السلام) : قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : يا عَلِيُّ ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ وَلِذُريَّتِكَ وَلِشيعَتِكَ وَلِمُحبّي شيعَتِكَ وَلِمُحِبّي مُحِبّي شيعَتِكَ ، فَأَبْشِرْ ، فَإِنَّكَ الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ : مَنْزوع مِنَ الشِّرْكِ ، مَبْطُونَ مِنَ الْعِلْمِ».
ولعظيم اتصال الإمام (علیه السلام) بالله تعالى ، فقد منحه هذه الفضيلة الكبرى بأن غفر له ولأبنائه وشيعته ومن يتعلّق بهم .
42 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ ، اللهم والِ مَنْ والاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ».
أعلن النبي (صلی الله علیه و آله) هذه الكلمات المشرقة التي هي من أغلى الأوسمة التي منحها للإمام يوم غدير خم ، وهو من أهم أعياد المسلمين ، فقد نصب الإمام خليفة من بعده ، وأمر المسلمين بمبايعته ، وقد بايعته حتّى نساء النبي (صلی الله علیه و آله)، وبذلك اليوم الخالد تمّت النعمة الكبرى على المسلمين ، ونزلت فيه الآية الكريمة :«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً» .
43 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله سلم) : یا عَلِيُّ ، لَوْلاكَ مَا عُرِفَ الْمُؤْمِنونَ بَعْدي »(1).
إنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) هو المحك ّالذي يعرف به المؤمن من الفاسق ،
فمن أحبّه كان مؤمناً ، ومن عاداه فهو فاسق . تقول عائشة :
إذا ما التِّبرُ حُكْ عَلى مَحَکَّ
تَبيَّنَ غِشُّهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ
1) المائدة 5: 3.
وفينا الْغِشُ وَالذَّهَبُ الْمُصَفّى
عَلِيٌّ بَيْنَنَا شِبْهُ الْمَحَكَ(1)
درر السمطين : 133 . الفصول المهمة : 2 : 882.
44 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب(علیه السلام) ، قالَ : وَرِثْتُ مِنْ رَسولِ الله (صلی الله علیه و آله) كِتابَيْنِ : كِتابَ اللهِ تَعَالَى ، وَكِتاباً فِي قِرابِ سَيْفي .
قيلَ : يا أميرَ الْمُؤْمِنينَ ، وَما الْكِتَابُ في قِرابِ سَيْفِكَ ؟
قالَ : مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ ، أَوْ ضَرَبَ غَيْرَ صَارِبِهِ ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ ».
لقد ورث الإمام أمير المؤمنين الله (علیه السلام) جميع صفات الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) ومقوماته ، والتي منها ما ذكره (علیه السلام).
45 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : يا عَلِيُّ ، إِنَّكَ أعْطِيتَ ثَلاثاً ما أُعْطِيتُ أنا مِثْلَهُنَّ .
قُلْتُ : فِداكَ أَبِي وَأُمِّي ، ما أَعْطِيتُ ؟
قال(صلى الله عليه و آله و سلم) : أعْطِيتَ صِهْراً مِثْلِي ، وَأعْطِيتَ مِثْلَ زَوْجَتِكَ فَاطِمَةَ سَلامُ اللهِ عَلَيْها ، وَأعْطِيتَ مِثْلَ وَلَدَيْكَ الْحَسَن وَالْحُسَيْن.
لقد خصّ الله تعالى الإمام أمير المؤمنين بهذه الخصال الثلاث التي ما حُبي أحد بمثلهنّ.
46 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : لَيْسَ فِي الْقِيَامَةِ رَاكِبٌ غَيْرُنَا ، وَنَحْنُ أَرْبَعَةٌ .
فَقامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصارِ ، فَقالَ لَهُ : يا رسولَ اللهِ ، مَنْ هُمْ ؟
الأنا على بن و الصالحية الجزء الثلاثون
1) الثاقب في المناقب : 123 و 124 ، الحديث 122. مناقب آل أبي طالب : 2 : 288. نظم
فَقالَ : أَنا عَلى دابَّةِ الْبَراقِ ، وَأَخي صالِحُ عَلى نافَةِ اللَّهِ الَّتي عُقِرَتْ ، وَعَمّي حَمْزَةُ عَلَىٰ ناقَتِي الْعَصْباءِ ، وَأَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(علیه السلام) عَلَى ناقَةٍ مِنْ نُوقِ الْجَنَّةِ ، وَبِيَدِهِ لِواءُ الْحَمْدِ يُنادي : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) ، فَيَقولُ الْآدَمِيَونَ : ما هذا إِلَّا مَلَكَ مُقَرَّبٌ ، أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، أَوْ حَامِلُ عَرْشِ ، فَيُجِيبُهُمْ مَلَكَ مِنْ يُطْنَانِ الْعَرْشِ : يَا مَعْشَرَ الآدمِیّينَ ، لَيْسَ مَلَكاً مُقَرَّباً ، وَلَا نَبِيَّاً مُرْسَلاً ، وَلَا حَامِلَ عَرْشِ . هذا عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب ».
إنّ الله تعالى ليظهر يوم القيامة مكانة وليّه الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) وسموّ منزلته عنده ، حتّى لا يبقى ملك مقرّب، ولا نبي مرسل ، ولا وليّ ، ولا خلق غير ذلك ، إلا عرّفهم مدى أهمية الإمام (علیه السلام) عنده .
47 - وبإسناده ، قال : « قالَ عَلِيٌّ (علیه السلام) : مَنْ أَحَبَّنِي وَجَدَنِي عِنْدَ مَمَاتِهِ بِحَيْثُ
ما يُحِبُّ ، وَمَنْ أَبْغَضَنِي وَجَدَنِي عِنْدَ مَمَاتِهِ بِحَيْثُ يَكْرَهُ».
وقد تظافرت الأخبار بأنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ليحضر عند ممات كل أحد مؤمناً كان أو كافراً ، فإن كان مؤمناً أوصى ملك الموت بالرفق به ، وإن كان كافراً أوصى
بالشدة به .
48 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِنَّما سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى فَطَمَها وَفَطَمَ مَنْ أَحَبَّها مِنَ النَّارِ».
يعرض هذا القسم إلى ما أثر عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في فضل بضعته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، والتي منها هذا الحديث الشريف ، وقد أعلن أنّ الله تعالى قد فطم سيّدة نساء العالمين من النار ، كما فطم شيعتها ومحبّيها من النار .
49 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ لِغَضَبِ فَاطِمَةَ،
وَيَرْضى لرضاها».
وهذا الحديث مجمع عليه ، وهو يدلّ على سموّ منزلة بضعة الرسول وريحانته عند الله ، وأنها قد احتلّت عنده تعالى مكانة متميّزة لم يحتلّها غيرها من المؤمنات .
50 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قال رسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : تُحْشَرُ ابْنَتِي فَاطِمَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : وَمَعَها ثِيابٌ مَضبوغَةٌ بِدَمِ الْحُسَيْنِ ، فَتَتَعَلَّقُ بِقائِمَةٍ مِنْ قَوائِمِ الْعَرْشِ ، فَتَقولُ : يا رَبِّ، احْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ قاتِلِ وَلَدى.
قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : فَيَحْكُمُ لابنتي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ».
إنّ فاجعة سيّد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قد اهتزّ لهولها العالم بأسره ، وإن من أعظم المصابين بكارثته ورزيّته سيدة النساء ، وبضعة الرسول ، وأنها سوف ترفع قميصه ملطّخاً بدمائه الزكيّة أمام الله تعالى شاكية ما جرى على ولدها من عظم الرزايا:
يقول الشاعر :
لا بُدَّ أَنْ تَرِدَ الْقِيامَةَ فَاطِمٌ
وَقَمِيصُها بِدَمِ الْحُسَيْنِ مُلَطَّخُ
ويقول أبو العلاء:
ثبتا في قَمِيصِهِ لَيَجِيءَ الْحَشْرَ
مُسْتَعْدِياً إلى الرَّحْمنِ
51- وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : تُحْشَرُ ابْنَتى فاطِمَةُ وَعَلَيْها حُلَّةٌ الْكَرامَةِ ، وَقَدْ عُجنَتْ بماءِ الْحَياةِ ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا الْخَلائِقُ فَيَتَعَجبونَ ، ثُمَّ تُكسى أَيْضاً حُلْتَيْنِ مِنْ حُلَل الْجَنَّةِ مَكتوبٌ عَلى كُلِّ حُلَّةٍ بِخَطَّ أَخْضَرَ : أَدْخِلُوا بِنْتَ مُحَمَّدٍ الْجَنَّةَ ، مَكتوباً عَلى أَحْسَن الصُّورَةِ ، وَأَحْسَنِ الْكَرَامَةِ ، وَأَحْسَنِ الْمَنْظَر، فَتُزَقُ إِلَى الْجَنَّةِ كَما تُزَفُّ الْعَروسُ ، وَيُوَكَّلُ بِها سَبْعونَ أَلْفَ جارِيَةٍ».
إن الله تعالى سيظهر يوم القيامة فضل سيّدة النساء التي جاهدت كأعظم ما يكون
الجهاد في سبيل الإسلام، والتي أقامت التشيّع بخطبها الخالدة ، ومواقفها البطولية التي لم يقفها أحد غيرها .
52 - وبإسناده ، قال : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إذا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نادى مُنَادٍ مِنْ بطْنَانِ الْعَرْشِ : يا مَعْشَرَ الْخَلائِقِ ، غَضُوا أَبْصارَكُمْ حَتَّى تَجوز فاطِمَةً بِنْتُ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله و سلم)».
وهذا من مواطن التكريم والتعظيم لسيّدة النساء سلام الله عليها يوم حشر الناس أمام ربّ العالمين .
53 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب (علیه السلام) : كُنَّا مَعَ النَّبِي (صلى الله عليه و آله و سلم) في حَفْرِ الْخَنْدَقِ؛ إذ جَاءَتْ فَاطِمَةً (علیها السلام) وَمَعَهَا كَسَيْرَةٌ مِنْ خُبْزِ ، فَدَفَعَتْها إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله و سلم) فَقالَ(صلى الله عليه و آله و سلم) . ما هذِهِ الْكُسَيْرَةُ ؟
قالَتْ : قُرْصُ خُبْزِ شَعِيرٍ خَبَرْتُهُ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ جِئْتُكَ مِنْهُ بِهَذِهِ الْكُسَيْرَةِ .
فَقالَ (صلى الله عليه و آله و سلم) : يا فَاطِمَةُ ، أَما إِنَّهُ أَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فِي فَمِ أَبِيكِ مُنْذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ».
ويكشف هذا الحديث عن مواساة أهل البيت (علیهم السلام) بعضهم لبعض والإيثار فيما
بينهم ، كما يكشف عن زهدهم وإعراضهم عن زخارف الحياة .
54 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : أَتاني مَلَكَ ، فَقالَ : يا مُحَمَّدُ ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَؤُكَ السَّلامَ ، وَيَقولُ : قَدْ زَوَّجْتُ فاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ ، فَزَوِّجْهَا مِنْهُ ، وَأَمَرْتُ شَجَرَةَ طُوبىٰ أَنْ تَحْمِلَ الدُّرَّ وَالْمَرْجانَ وَالْيَواقِيتَ ، وَأَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ قَدْ فَرِحوا بِذلِكَ ، وَسَيولَدُ لَهُما وَلَدانِ سَيْدا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَبِهِما تَزَيَّنَ أَهْلُ الْجَنَّةِ ، فَأَبْشِرْ يا مُحَمَّدُ فَأَنْتَ خَيْرُ الْأَوَّلِينَ وَالآخِرينَ».
وتظافرت الأخبار أنّ زواج سيّدة النساء وبضعة الرسول بالإمام أمير المؤمنين(علیه السلام) إنما كان بأمر من الله تعالى ليعطي بذلك مثلاً أعلى للقرآن في الإسلام ، وإنّه مبنيّ على الكرامة والفضيلة ، ولا شأن فيه بأي حال من الأحوال للاعتبارات المادية التي
337
مآلها إلى الزوال ، فقد زوّج الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) سيدة النساء من الإمام أمير المؤمنين في حين أنه كان أفقر المسلمين ، ولم يكن عنده من متع الحياة سوى درعه وسيفه ، فباع درعه وجعله صداقاً لسيدة النساء ، واشترى بثمنه جهازاً كان أزهد جهاز في ذلك العصر، ولكنّه أنفس وأغلى جهاز في الإسلام ، لأنه قائم على الفضيلة والشرف وسموّ الذات ، فسلام الله على أهل البيت الذين مثّلوا جوهر الإسلام في جميع شؤونهم وأحوالهم .
55 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) :«حَدَّثني أبي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَتْني أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ، قَالَتْ : كُنْتُ عِنْدَ جَدَّتِكَ فاطِمَةَ (علیهما السلام) إِذ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) وَفِي عُنُقِها قِلادَةٌ مِنْ ذَهَبٍ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ اشْتَرَاهَا مِنْ فَيْءٍ لَهُ .
فَقالَ لَها النَّبِيُّ (صلى الله عليه و آله و سلم) : لا يَغُرَّنَّكِ النَّاسُ أَنْ يَقولوا : بِنْتُ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه و آله و سلم) وَعَلَيْكَ لِبْسُ الْجَبَابِرَةِ ، فَقَطَعَتْها فَبَاعَتْها ، وَاشْتَرَتْ رَقَبَةً وَاعْتَقَتْها ، فَسُرَّ النَّبِيُّ (صلى الله عليه و آله و سلم) بذلك».
لقد أراد الرسول (صلی الله علیه و آله) أن تكون سيّدة النساء قدوة حسنة ، ومثلاً أعلى للفضيلة ، ونكران الذات ، وأن تشارك البائسات من نساء المسلمين في فقرهنّ ، ولا يكون لها أي امتياز عليهن .
56 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَأبوهما خَيْرٌ مِنْهُما».
إن سبطى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) سيدا شباب أهل الجنّة ، وسراجان لها ، فسلام الله عليهما وعلى أبيهما سيّد العترة الطاهرة .
57- وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): الْوَلَدُ رَبْحانَةٌ ، وَرَيْحَانَتايَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ».
إنّ الإمامين الزكيّين ريحانتا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ووديعتاه في أمته ، وقد أخلص لهما النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أعظم ما يكون الإخلاص .
58 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) :«حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(علیه السلام) أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ كانا يَلْعَبانِ عِنْدَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله و سلم) ، حَتَّى مَضى عامَّةُ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قَالَ (صلى الله عليه و آله و سلم) : انْصَرِفا إِلَى أُمِّكُما ، فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ فَما زالَتْ تُضِيءُ لَهُما حَتَّى دَخَلا عَلى فَاطِمَةَ ، وَالنَّبِيُّ (صلى الله عليه و آله و سلم) يَنْظُرُ إِلَى الْبَرْقَةِ ، فَقالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَنا أَهْلَ الْبَيْتِ».
لقد خص الله تعالى السبطين (علیهما السلام) بكل مكرمة ، وحباهما المزيد من ألطافه ،
واصطفاهما من بقية خلقه .
59 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : النُّجومُ أَمانٌ لأَهْلِ السَّماءِ ،وَأَهْلُ بَيْتي وَأَوْلادي أمانٌ لأمتي».
إنّ أهل البيت (علیهم السلام) أمان لأهل الأرض ، بهم يستدفع البلاء ، وتنزل الرحمة ،
ويعمّ الخير .
60 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : حُرِّمَتِ الْجَنَّةُ عَلَى مَنْ ظَلَمَ أَهْلَ بَيْتي ، وَقاتَلَهُمْ ، وَالْمُعينِ عَلَيْهِمْ ، وَمَنْ سَبَّهُمْ ، أُولئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ»(1).
الويل كلّ الويل لمن جحد ولاية أئمة أهل البيت (علیهم السلام) ، وسنّ ظلامتهم ،والويل
لمن ظلمهم ، وناهضهم ، فقد حرم من الجنّة وباء بغضب من الله ورسوله.
61 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : أَرْبَعَةٌ أَنَا شَفِيعٌ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَة:
1) إشارة إلى قوله تعالى :»إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» آل عمران 3 : 77 .
الْمُكْرِمُ لِذُرِّيَّتي ، وَالْقاضِي لَهُمْ حَوائِجَهُمْ ، وَالسّاعِي لَهُمْ في أمورِهِمْ عِنْدَما اضْطُرُّوا إِلَيْهَا ، وَالْمُحِبُّ لَهُمْ بِقَلْبِهِ وَلِسانِهِ» .
إِنَّ مَن يحبّ أهل البيت (علیهم السلام)، وقام بتكريمهم وتعظيمهم فقد ظفر بالخير العميم ،ونال شفاعة جدّهم سيّد المرسلين .
62 - وبإسناده ، قال: «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ ، وَأُمِرْنا بِإِسْباغ الوضوءِ ، وَأَنْ لَا تُنْزِي حِماراً عَلَى عَتيقَةٍ».
لقد حرّمت الصدقة الواجبة - كالزكاة - على أهل البيت (علیهم السلام)، وكذلك على من
انتسب إليهم من العلويين زادهم الله شرفاً.
63 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « مَنْ سَبَّ نَبِيَّاً قُتِلَ ، وَمَنْ سَبَّ صَاحِبَ نَبِيَّ جُلِدَ».
64- وبإسناده ، قال (علیه السلام): « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ كَسَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَها نَجا ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْها زُج في النّارِ».
إن أهل البيت(علیهم السلام) سفن النجاة ، وأمن العباد ، من تبعهم فقد نجا ، ومن تخلّف عنهم فقد غرق ، وقد شبّههم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بهذا الحديث المجمع على صحّته بسفينة نوح (علیه السلام) التي كانت نجاة للمؤمنين من أصحابه حينما أحاطت بهم أمواج من الماء غرق فيها كلّ من زاغ عن الحق ، ونجا من كان على سفينة نوح من المؤمنين ، فكذلك أهل بيت النبوة سلام الله عليهم ،فمن أقر بولايتهم فقد فاز ، ومن كذّبهم وظلمهم فقد هوى إلى أسفل درك من النار .
65 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : الْوَيْلُ لِظَالِمِي أَهْلِ بَيْتِي ، عَذَابُهُمْ مَعَ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» .
الويل كلّ الويل لمن ظلم واعتدى على أهل بيت النبوّة الذين هم مصدر الوعي والفكر لا لهذه الأمة فحسب، وإنّما للناس أجمعين . إنّ مصير الظالمين لهم
هو العذاب الدائم في الدار الآخرة ، وإن الله تعالى لا يغفر لهم ، ولا ينجيهم من العذاب الأليم .
66 - وبإسناده ، قال(علیه السلام): « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : كَأَنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأَجَبْتُ ، وَإِنِّي تَارِكٌ فيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُما أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ : كِتابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتي أَهْلَ بَيْتِي ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفوني فيهما؟».
لقد قرن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بين كتاب الله العظيم وبين العترة الطاهرة ، فلو لم يكونوا أهل بيته معصومين من الخطأ لما صحّت المقارنة بين القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبين العترة الطاهرة، وكما أنّ التمسّك بالكتاب سبب النجاة ، فكذلك التمسّك بأهل البيت (علیهما السلام).
67 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) :اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ وَغَضَبُ رَسُولِهِ عَلَى مَنْ أَهْرَقَ دَمَ ذُرِّيَّتي ، أَوْ آذاني في عِنْرَتي».
لقد استشفّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من وراء الغيب ما يجري على ذريّته من الظلم والاعتداء من خصوم الإسلام وأعدائه ، فقد أراقوا دماءهم ، وصبّوا عليهم من الظلم والجور ما لم يشاهد مثله في جميع أدوار التاريخ .
68- وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّد (علیهما السلام) : السَّبْتُ لَنا ، وَالْأَحَدُ لشيعَتِنا ، وَالاثْنَيْنُ لِبنَى أُمَيَّةَ ، وَالثلاثاءُ لِشيعَتِهِمْ ، وَالْأَرْبَعاءُ لِبَنِى الْعَباسِ ، وَالْخَميس لشيعَتِهِمْ ، وَالْجُمْعَةُ اللَّهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ سَفَرٌ . قالَ اللهُ تَعَالَى:«فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ»(1)».
قسّم الإمام (علیه السلام) أيام الاسبوع إلى هذه الأقسام ، وخصّ يوم الجمعة بالمزيد من
1) الجمعة 62: 10 .
الفضل ، وجعله الله تعالى ، ومن خصوصياته أنه يكره السفر فيه قبل الزوال حتى يؤدّي المكلف صلاة الجمعة .
69 - وبإسناده ، قال : ( حَدَّثَنِي أَبي مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ : كَانَ عَلَىٰ خاتَمِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ : ظَنّي بِاللهِ حَسَنٌ ، وَبِالنَّبِيِّ الْمُؤْتَمَنِ ، وَبِالْوَصِيَّ ذِي الْمِنَنِ ، وَبِالْخَيْرَيْنِ الْحُسَيْنِ وَالْحَسَن ) .
وتتجلى مظاهر العبودية والطاعة لله تعالى في كلّ مظهر من مظاهر حياة الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم ، والتي منها ما كانوا يكتبونه من كلمات التوحيد على الأحجار التي يتختمون بها .
70 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) :«قالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (علیهما السلام):ساداتُ النَّاسِ فِي الدُّنْيا الأَسْخِياءُ ، وَساداتُ النَّاسِ فِي الْآخِرَةِ الْأَنْقياءُ».
71 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) :«قالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْن(علیهما السلام) :الْعافِيَةُ مِلْكَ خَفِيٌّ».
إن من نعم الله الكبرى على الإنسان هي العافية ، فهي أعظم نعمة على الإنسان ، وكلما يتمتّع به الإنسان من النعم لا أثر له إذا كان فاقداً للصحة.
72- وبإسناده ، قال (علیه السلام):«قالَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب(علیه السلام):قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم):مَنِ اصْطَنَعَ صَنيعَةً إِلى واحِدٍ مِنْ أَوْلادِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَلَمْ يُجازِهِ عَلَيْهَا،فَأَنا أجازيهِ غَداً إذا لقيتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ».
73- وبإسناده،قال(علیه السلام):«قالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(علیهما السلام):إِنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه و آله و سلم) أَذَّنَ فِي أُذُنِ عام الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بِالصَّلاةِ- أي بأذان الصلاة - يَوْمَ وُلِدا».
لقد أجرى النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) على سبطيه وريحانتيه يوم ولدا المراسم الشرعيّة التي منها أنه أذّن في أذنهما اليمنى ، وأقام في اليسرى ، وقد صار ذلك سنّة شرعيّة تجري على كل مولود مسلم.
74 - وبإسناده ، قال (علیه السلام):«حَدَّثَنِي أَبي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(علیهما السلام) ، قَالَ:حَدَّثَتْنِي الله أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ، قَالَتْ : قَبِلْتُ جَدَّتَكَ بِالْحَسَنِ وَالْحُسَيْن(علیهما السلام) ، فَلَمّا وُلِدَ الْحَسَنُ (علیه السلام) جاءَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه و آله و سلم) فَقالَ : يا أَسْماءُ ، هاتي ابني ، فَدَفَعْتُهُ في خِرْقَةٍ صَفْراءَ ، فَرَمَى بها النَّبِيُّ (صلى الله عليه و آله و سلم)فقال: يا أَسْمَاءُ ، أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكَ أَنْ لَا تَلِفَي الْمَوْلُودَ فِي خِرْقَةٍ صَفْراءَ ، فَلَفَفْتُهُ في خِرْقَةٍ بَيْضَاءَ ،فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ ، فَأَذْنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى ، وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى ،
ثُمَّ قال (صلى الله عليه و آله و سلم) : بِأَيِّ شَيْءٍ سَمَّيْتَ ابْني هذا يا عَلِيُّ ؟
قال (صلى الله عليه و آله و سلم):ما كُنتُ لأَسْبِقَكَ بِاسْمِهِ يا رَسولَ اللهِ ، وَقَدْ كُنْتُ أَحِبُّ أَنْ أُسَمِّيَهُ حَرْباً.
فَقالَ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِنِّي لَا أَسْبِقُ بِاسْمِهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ هَبَطَ جِبْرِيلُ(علیه السلام)،فَقالَ: يا مُحَمَّدُ،الْعَلِيُّ الْأَعَلى يُقْرِؤُكَ السَّلامَ ، وَيَقولُ لَكَ : عَلِيٌّ مِنْكَ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسى ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدَكَ ، فَسَمَّ ابْنَكَ هذا بِاسْمِ ابْنِ هَارُونَ .
فقال (صلى الله عليه و آله و سلم) : ما اسْمُ ابْنُ هارون يا جبريل؟
فَقالَ : شُبَّرُ.
فَقَالَ (صلى الله عليه و آله و سلم) : لِسانِي عَرَبِيٌّ .
فَقالَ : سَمَّهِ الْحَسَنَ .
فَقالَتْ أَسْمَاءُ : فَسَمَاهُ الْحَسَنَ .
فَلَمّا كانَ يَوْمُ سَابِعِهِ عَزَّ عَنْهُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه و آله و سلم) بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ ، فَأَعَطَى الْقَابِلَةَ فَخِذَ كَبْشِ ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ ، وَتَصَدَّقَ بِوَزْنِ الشَّعَرِ وَرَقاً ، وَطَلى رَأْسَهُ بِالْخُلوقِ(1)ثم قال: یا أَسْمَاءُ ، الدَّمُ فِعْلُ الْجَاهِلِيَّةِ(2).
فَقالَتْ أَسْمَاءُ : فَلَمّا كانَ بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ مَوْلِدِ الْحَسَنِ (علیه السلام) وُلِدَ الْحُسَيْنُ (علیه السلام) ، فَجَاءَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه و آله و سلم)، فَقالَ : يا أَسْمَاءُ ، هَلُمّي إِبْني ، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ فِي خِرْقَةٍ بَيْضَاءَ ، فَأَذْنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنى ، وَأَقامَ فِي الْيُسْرَى، وَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِهِ ، فَبَكَى.
فَقالَتْ أَسْمَاءُ : فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، مِمَّ بُكَاؤُكَ ؟
فَقالَ (صلی الله علیه و آله): مِنِ ابْني هذا.
قلت : إِنَّهُ وُلِدَ السَّاعَةَ .
فَقالَ (صلى الله عليه و آله و سلم): تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ مِنْ بَعْدِي ، لَا أَنالَهُمُ اللهُ شَفاعَتي .
ثُمَّ قَالَ (صلى الله عليه و آله و سلم): لَا تُخْبِري فاطِمَةَ ، فَإِنَّها حَدِيثَةٌ عَهْدٍ بِوَلادَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ (صلى الله عليه وآله و سلم) لِعَلِيَّ : بِأَيِّ شَيْءٍ سَمَّيْتَ ابْني هذا ؟
قال : ما كُنْتُ لأَسْبِقَكَ بِاسْمِهِ يا رَسولَ اللهِ ، وَقَدْ كُنْتُ أَحِبُّ أَنْ أُسَمِّيَهُ حَرْباً.
فقال (صلى الله عليه و آله و سلم): ما كُنْتُ لأَسْبِقَ بِاسْمِهِ رَبِّي ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ(علیه السلام) فَقَالَ : الْجَبَارُ يَقْرَؤُكَ السَّلَامَ وَيَقولُ: سَمِّهِ بِاسْم ابْنِ هارون .
فَقالَ (صلى الله عليه و آله و سلم): مَا اسْمُ ابْنِ هارون ؟
فَقالَ : شَبيرٌ.
فَقالَ (صلى الله عليه و آله و سلم): لِسانِي عَرَبِيٌّ .
فَقالَ : سَمِّهِ الْحُسَيْنَ ، فَسَمَاءُ الْحُسَيْنَ .
ثُمَّ عَقَّ عَنْهُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه و آله و سلم) يَوْمَ السَّابع بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَتَصَدَّقَ بِوَزْنِ شَعْرِهِ وَرَقاً ، وَطَلَى رَأْسَهُ بِالْخُلُوقِ ، وَقالَ : الدَّمُ فِعْلُ الْجاهِلِيَّةِ ، وَأَعْطَى الْقَابِلَةَ فَخِذَ كَبْشِ».
والذي نراه أنّ بعض الفقرات من هذا الحديث من الموضوعات، وهي رغبة الإمام أميرالمؤمنين (علیه السلام) في تسمية السبطين باسم ( حرب ) ، وهذا اللفظ لا يحمل أي طابع من الجمال ، وهو اسم لجدّ الأسرة الأموية التي حاربت الإسلام وجهدت على إطفاء نور الله ، بالإضافة إلى أنّ الإسلام دين السلام ، وهو تحيّة المسلمين فيما بينهم ، وقد نصّت كتب الفقه الإمامي على كراهة تسمية المولود باسم حرب.
75 - وبإسناده ، قال : وحَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(علیه السلام) إِنَّهُ سُمِّيَ حَسَناً يَوْمَ
سابِعِهِ ، وَاشْتُقَّ مِنِ اسْم الْحَسَنِ الْحُسَيْنُ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما إِلَّا الْحَمْلُ».
إنّ أغلب مراسم الولادة الشرعيّة إنّما تجري على المولود في اليوم السابع من عمره والتي منها تسميته .
76 - وبإسناده ، قال : « حَدَّثَنِي أَبي عَلِيُّ بْنِ الْحُسَيْنِ(علیه السلام): أَنَّ فَاطِمَةَ(علیها السلام) عَقَّتْ عَن الْحَسَن وَالْحُسَيْن ، فَأَعْطَتِ الْقابِلَةَ فَخِذَ شاةٍ وَدِيناراً».
77 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): « قالَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب (علیه السلام) : كَأَنِّي بِالْقُصورِ وَقَدْ شُيِّدَتْ حَوْلَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ، وَكَأَنِّي بِالْأَسْواقِ وَقَدْ حَفَّتْ حَوْلَ قَبْرِهِ ، وَلَا تَذْهَبُ الأَيَّامُ وَالليالي حَتَّىٰ يُسارُ إِلَيْهِ مِنَ الْآفَاقِ ، وَذَلِكَ عِنْدَ انْقِطَاعِ بَنِي مَرْوانَ».
لقد تحقّق ما تنبّأ به الإمام (علیه السلام) ، فقد شُيّدت القصور والأسواق في كربلاء مدينة الشرف والإباء ، وصار قبر الإمام الشهيد العظيم مزاراً ومقصداً لكلّ مسلم ، ولكلّ إنسان يؤمن بإنسانيّته ، فهو أقدس مزار في جميع آفاق الكون.
78 - وبإسناده ، قال(علیه السلام): « سُئِلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(علیه السلام) عَنْ زِيارَةِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ (علیه السلام)، قالَ : أَخْبَرَني أَبِي ، قَالَ : مَنْ زارَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَارِفاً بِحَقِّهِ كَتَبَهُ اللهُ في أَعْلَى عَلِيِّينَ ، ثُمَّ َقالَ : إِنَّ حَوْلَ قَبْرِهِ لِسَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ شُعْناً غُبْراً يَبْكُونَ عَلَيْهِ إِلى أَنْ تَقوم السَّاعَةُ».
لقد تظافرت الأخبار عن أئمة أهل الهدى (علیهم السلام) في الحثّ على زيارة سيد الشهداء ، وصانع الكرامة الإنسانيّة ، الإمام الحسين (علیه السلام) ، فإنّ في زيارته صلة للرسول الأعظم ، وتكريماً لهذا الإمام الذي رفع مشعل التوحيد ، ولولا تضحيته لقضى الأمويون على الإسلام ، ومحوا جميع أحكامه .
79 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): إِنَّ قاتِلَ الْحُسَيْنِ فِي تابوتِ مِنَ النّارِ ، عَلَيْهِ نِصْفُ عَذابِ أَهْلِ النَّارِ ، وَقَدْ شُدَّتْ يَداهُ وَرِجْلَاهُ بِسَلاسِلٍ مِنْ نَارٍ ، فَيُنْكَسُ في النَّارِ حَتَّى يَفَعَ في قَعْرِ جَهَنَّمَ ، وَلَهُ رِيحٌ يَتَعَوَّذَ أَهْلُ النَّارِ إِلى رَبِّهِمْ مِنْ شِدَّةِ نَتْتِهِ ، وَهُوَ فيها خالِدٌ ذائِقَ الْعَذاب الأليم ، كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلَ اللهُ الْجُلُودِ لِيَذوقوا الْعَذابَ الأَليمَ ، لَا يُفَتِّرُ عَنْهُمْ سَاعَةً ، وَيُسْفَونَ مِنْ حَمِيمٍ جَهَنَّمَ ، فَالْوَيْلُ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَجَلَّ»(1)
«لَا يُفَتَرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ» الزخرف 43: 75.
.الويل لكلّ أثيم مجرم حارب سيّد شباب أهل الجنّة الذي ثار من أجل حقوق المظلومين والمضطهدين ، وإنقاذهم من الحكم الأموي الإرهابي الذي استهان بأرواح الناس وكرامتهم . إنّ الله تعالى أعدّ العذاب الأليم ، والعقاب الشديد الذي لم يعاقب بمثله المجرمون لكل من اشترك في حرب ريحانة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) وسيد شباب أهل الجنة .
80 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « حدثني أبو القاسم الطائي ، قال : حدثني عليّ بن موسى الرضا (علیه السلام) ، قال : حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قالَ: حَدَّثَني أبي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٌّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي
1) إشارة إلى قوله تعالى :«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزيزاً حَكِيماً» النساء 56:4.
أَبِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثني أبي عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب(علیه السلام) ، قال : قالَ رَسولُ الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرانَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقالَ : يا رَبِّ ، إِنَّ أَخي هارونَ قَدْ مَاتَ فَاغْفِرْ لَهُ ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ : يا موسى ، لَوْ سَأَلْتَني فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ لأَجَبْتُكَ ما خَلا قاتِلَ الْحُسَيْنِ ، فَإِنِّي لَا أَغْفِرُ لَهُ ، وَأَنْتَقِمُ مِنْ قاتِلِهِ ».
إنّ الله تعالى الذي وسعت رحمته جميع عباده، فإنّها لا تشمل قاتل الإمام الحسين (علیه السلام) الذي انتهكت في قتله جميع حرمات الله، وحرمات رسوله .
81 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) :«قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَثَلُ الْمُؤْمِن عِنْدَ اللهِ كَمَثَل مَلَك مُقَرَّبٍ ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ تائِبٍ ، أَوْ مُؤْمِنَةٍ تائِبَةٍ» .
إنّ المؤمن من له الكرامة والمنزلة الرفيعة، ما ليست لأحد من خلقه ، فقد یسمو المؤمن بمثله فيكون أسمى من الملائكة ، وأقرب إلى الله تعالى منهم .
82 - وبإسناده ،قال (علیه السلام):«وقالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُعْرَفُ فِي السَّمَاءِ كَما يُعْرَفُ الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ ، وَإِنَّهُ أَكْرَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّب».
83 - وبإسناده ،قال(علیه السلام) :« قالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله): أَتاني جِبْرِيلُ عَنْ رَبِّهِ ، وَهُوَ يَقولُ : رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَؤُكَ السَّلامَ ويقولُ : يا مُحَمَّدُ ، بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ ، وَيُؤْمِنونَ بِكَ ، وَيُحِبّونَ أَهْلَ بَيْتِكَ بِالْجَنَّةِ ، فَإِنَّ لَهُمْ عِنْدِي جَزاء الْحُسْنى
وَسَيَدْخُلونَ الْجَنَّةَ».
إن المؤمنين الذين يتّصفون بهذه الصفات لهم المنزلة الكريمة في الفردوس الأعلى يتبوّأون فيه حيثما شاءوا .
84- وبإسناده ، قال(علیه السلام): «قال رسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَنْ عَامَلَ النَّاسَ وَلَمْ يَظْلِمْهُمْ ، وَحَدَّثَهُمْ فَلَمْ يُكْذِبْهُمْ ، وَوَعَدَهُم فَلَمْ يُخْلِفَهُمْ ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَمُلَتْ مُروءَتُهُ ، وَظَهَرَتْ عَدالَتُهُ ، وَوَجَبَتْ مَحَبَّتُهُ ، وَحَرُمَتْ غِيبَتُهُ».
إنّ هذه الصفات الكريمة إذا تحلّى بها الإنسان ، فإنّه يكون كامل الإيمان والمروءة والعدالة ، وعلى الناس أن يخلصوا له ، ويجتنبوا غيبته.
85 - وبإسناده ، قال(علیه السلام):«قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): مَنْ بَهَتَ مُؤْمِناً أَوْ مُؤْمِنَةٌ ، أَوْ قَالَ ِفيهِ ما لَيْسَ فِيهِ أَقامَهُ اللهُ عَلى تَلٍّ(1)مِنْ نارٍ حَتَّى يَخْرُجَ مِمّا قالَ فيهِ».
إنّ للمؤمن حرمة عند الله ، وقد ألزم تعالى بصيانته ، فليس لأحد أن ينال من كرامته ،ويطعن في شخصيته .
86 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : مِنْ كَرامَةِ الْمُؤْمِنِ عَلَى اللهِ أَنْ لا يَجْعَل لأَجَلِهِ وَقْتاً مَعْلُوماً حَتَّى يَهِمَّ بِبائِقَةٍ قَبَضَهُ اللَّهُ رَأْفَةٌ».
ومعنى هذا الحديث أنّ الله تعالى يمدّ بعمر المؤمن، لكنه إذا اقترف ذنباً قصّر عمره ، وقد قال الإمام الرضا(علیه السلام): «اجتنبوا الْبَوائِقَ يَمُدُّ اللهُ لَكُمْ فِي الْأَعْمارِ».
87 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولِ اللهِ(صلى الله عليه و آله و سلم) : عَلَيْكُمْ بِحُسْنِ الْخُلْقِ ، فَإِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ فِي الْجَنَّةِ لَا مَحالَةَ».
ومن أهم المبادئ الإسلامية العليا : حسن الأخلاق ، وهي من أجمل وأكمل صفات النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) التي امتاز بها على سائر النبيين، وقد أكّد الإسلام على ضرورة
1) التلّ : هو المجتمع من التراب أو الرمل ، كما في القاموس.
الاتصاف بهذه الصفة الكريمة ، وحثّ الأمم في حال بداوتها ، فتمايز فيما بينها بالقوّة البدنيّة ، فإذا ارتقت تمايزت بالعلم ، فإذا بلغت من الإرتقاء غايته تمايزت بالأخلاق.
88 - وبإسناده ،قال(علیه السلام):«قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) :« لَوْ يَعْلَمُ الْعَبْدُ ما لَهُ مِنْ حُسْن الْخُلُقِ لَعَلِمَ أَنَّ ما يَحْتاجُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ حُسْنُ الْخُلُقِ».
وفي هذا الحديث الدعوة إلى التحلّي بحسن الخلق ، وأن الله تعالى أعدّ الثواب الجزيل لمن يتّصف بهذه الصفة الكريمة .
89 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قال رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم):إِذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تَجَلَّى اللَّهُ لِعَبْدِهِ صلى الله الْمُؤْمِن فَوقِفَهُ عَلَى ذُنُوبِهِ ذَنْباً ذَنْباً ، ثُمَّ يَغْفِرُ اللهُ لَهُ ، وَلَا يُطْلِعُ اللَّهُ عَلى ذلِكَ مَلَكاً مُقَرَّباً ، وَلَا نَبِيَّاً مُرْسَلاً ، وَسَتَرَ عَلَيْهِ ما يَكْرَهُ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، ثُمَّ يَقولُ لِسَبْناتِهِ كُنْ حَسَناتٍ».
وحكى هذا الحديث رحمة الله الواسعة ، وعفوه الشامل لعباده المؤمنين، ، وأنه تعالى سيمنحهم بلطفه ، ويغفر للمسيئين منهم ، نسأله تعالى أن يشملنا برحمته.
90 - وبإسناده ، قال (علیه السلام):« قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَن اسْتَذَلَّ مُؤمِناً أَوْ مُؤمِنَةً أَوْ حَقَّرَهُ لِفَقْرِهِ ، وَقِلَّةَ يَدِهِ ، شَهَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ يَفْضَحُهُ».
من الذنوب التي يعاقب الله عليها إذلال المؤمن وإهانته وتحقيره ، فإنّ الله تعالى قد رفع شأنه، وأعلى منزلته ، فمن استهان به فقد استهان بالله تعالی.
91- وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِنَّ الْعَبْدَ يَنالُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ دَرَجَةَ الصّائِمِ الْقائِمِ) .
لقد أكّد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) على ضرورة الاتّصاف بهذه الصفة الكريمة ليسمو المسلم، ويتميز على غيره .
92 - وبإسناده ، قال(علیه السلام):قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):ما مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ في الميزان
مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ».
93 - وبإسناده ، قال(علیه السلام): «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : الخَلْقُ السَّيءُ يُفْسِدُ الْعَمَل كَما يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ».
لقد حذّر النبي (صلی الله علیه و آله) من الأخلاق السيئة التي تلقي الناس في شرّ عظيم ، بالإضافة إلى أنّها تفسد ما يعمله الإنسان من الأعمال الصالحة.
94 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب (علیه السلام) : مِنْ كُنوزِ الْبِرِّ إِخْفَاءُ الْعَمَلِ ، وَالصَّبْرُ عَلَى الرَّزايا ، وَكِتْمَانُ الْمَصائِبِ».
إن من أميز صفات الإنسان هذه الصفات الكريمة التي هي من كنوز البرّ ، وتدلّل على سموّ الشخص.
95 - وبإسناده ، قال(علیه السلام): «حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب(علیه السلام) : حُسْنُ الْخُلُقِ خَيْرُ قرينٍ ، وَقالَ : أَكْمَلُكُمْ إِيمَاناً أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقاً».
إن حسن الخلق خير قرين وخير حارس ، فهو يقي الإنسان من كثير من لمشاكل والمصاعب ، وفي نفس الوقت دليل على كمال إيمان الشخص .
96- وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : عِنْوانُ صَحِيفَةِ الْمُسْلِم حُسْنُ الخُلق».
إنّ السمت البارز في شخصية المسلم -كما يريد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من أمته - هو حسن الخلق .
97 - وبإسناده عن أمير المؤمنين(علیه السلام) ، قال : «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ : ما أَكْثَرُ ما يُدْخِلُ
الْجَنَّةَ ؟
قالَ : تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ .
وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ ما يُدْخِلُ النَّارَ ؟
قالَ : الْأَجْوَفانِ : الْبَطْنُ وَالْفَرْجُ».
إن تقوى الله ، والتجنّب عن معاصيه ، والاتصاف بحسن الخلق من أوثق الأسباب التي يفوز بها الانسان في مرضاة الله ، ويدخل الجنّة ، كما إن عدم المبالاة في أكل الحرام ، والعمليّة الجنسيّة الغير مشروعة مما يوجب دخول النار .
98 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : أَقْرَبُكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ الْقِيَامَة أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً ، وَخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ».
إن من تزيّن بحسن الخلق فهو من ألصق الناس وأقربهم إلى الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله و سلم) يوم القيامة ، كما إنّ أقرب الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من كان خيراً لأهله ، رؤوفاً بهم ،عطوفاً عليهم ، قائماً بشؤونهم.
99 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله): أَحْسَنُ النَّاسِ إيماناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ ، وَأَنَا الْطَفَكُمْ بِأَهْلِي».
وهذا الحديث يؤكّد على حسن الأخلاق ، والبرّ بالأهل والإحسان إليهم ، وإنّ ذلك من صفات الرسول الكريم (صلى الله عليه و آله و سلم).
100 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله سلم) : إِذا سَمَّيْتُمُ الْوَلَدَ مُحَمَّداً فَأَكْرِموهُ ، وَأَوْسِعوا لَهُ الْمَجْلِسَ ، وَلَا تُقَبِّحُوا لَهُ وَجْهاً».
لقد ندب الإسلام إلى تسمية المولود من المسلمين باسم النبي ( محمد ) «صلى الله عليه و آله و سلم»، وإنّ من سمّي بهذا الاسم فيستحق التكريم والتبجيل ، ويوسّع له في المجلس ، ولا يستقبل بالإعراض .
101 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : ما مِنْ قَوْمِ كَانَتْ لَهُمْ مَشْورَةٌ فَحَضَرَ مَعَهُمْ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ أَحْمَدُ ، فَأَدْخَلُوهُ فِي الْمَشْوَرَةِ إِلَّا خِيرَ لَهُمْ».
وفي هذا الحديث دعوة إلى تسمية المسلمين أبنائهم باسم النبي العظيم(صلى الله عليه و آله و سلم)،
وأن يبجّلوا ويكرّموا من سمّي بهذا الاسم المبارك .
102 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : ما مِنْ مَائِدَةٍ وُضِعَتْ فَقَعَدَ عَلَيْهَا مَنِ اسْمُهُ مُحَمد أَوْ أَحْمَدُ إِلَّا قَدَّسَ اللهُ ذلِكَ الْمَنْزِلَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ».
103 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «كانَ رَسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا أكل طعاماً قال : اللهم بارك لنا فيهِ ، وَارْزُقْنَا خَيْراً مِنْهُ .
وَإِذا شَرِبَ لَبَناً قالَ : اللَّهُمَّ بارِكْ فِيهِ ، وَارْزُقْنا مِنْهُ خَيْراً».
وحفل هذا الحديث بدعاء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عند تناوله للطعام و عند شربه للّبن، وهو من الآداب الشرعيّة التي تربط الإنسان دوماً بخالقه العظيم.
104 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «كانَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا شَربَ لَبَناً مَضْضَ فاهُ ، وَقالَ : إِنَّهُ لَهُ دَسَماً».
لقد كره النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) من أن يبقى في فمه الشريف أثراً من آثار الدسم الذي في الحليب ، وذلك لأضراره الصحيّة .
105 - وبإسناده ، قال أبي الحسين بن على(علیه السلام) ، قال :«كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنينَ (علیه السلام) يَأْمُرُنَا إِذا أَكَلْنا أَنْ لَا نَشْرَبَ حَتَّى نَتَمَضْمَضَ ثَلاثاً».
وحكى هذا الحديث الدعوة إلى تنظيف الأسنان قبل تناول الطعام؛ وذلك لما له من أثر فعّال في الصحة.
106 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب (علیه السلام) ، قال : قالَ رَسولُ
الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَنْ أَرادَ الْبَقاءَ ، وَلَا بَقاءَ ، فَلْيُباكِرِ الْغِدَاءَ ، وَيُجيدُ الْحِذاءَ ، وَيُخَفِّفُ الرِّداءَ ، وَيُقِلُّ غَشَيانَ النِّساءِ».
وحكى هذا الحديث بعض الوصايا الصحيحة التي تمدّ في عمر الإنسان ، وهي :
التبكير في الغذاء .
المحافظة على لبس الحذاء .
تخفيف الرداء .
التقليل من العمليّة الجنسية.
107 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ (علیه السلام) : أُتِيَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله و سلم) بِطَعَامٍ فَأَدْخَلَ إِصْبِعَهُ فَإِذا هُوَ حارٌ ، فَقالَ (صلى الله عليه و آله و سلم) : دَعوهُ حَتَّى يَبْرُدَ ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ بَرَكَةٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُطْعِمْنا الحارة».
لقد كره النبي (صلی الله علیه و آله) تناول الطعام الحارّ ؛ وذلك لأنّه مضرّ ضرراً شديداً بالصحة ،
خصوصاً على الأسنان والفم ، وغيرها من الأجهزة الهضميّة .
108 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : لَيْسَ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى اللَّهِ مِنْ بَطْنٍ مَلْآن».
إنّ الإمتلاء من الطعام والإكثار منه يعود بالأضرار الجسيمة على الإنسان ، والتي منها أنه يصبح عرضة للإصابة بضغط الدم، وتصلّب الشرايين ، والسكّر وغيرها ، فلهذا نهى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عنه.
109 - وبإسناده ، قال(علیه السلام):«حَدَّثَنِي أَبي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (علیه السلام) ، قَالَ أَبو جُحَيْفَةَ :أَتَيْتُ النَّبِيَّ (صلى الله عليه و آله و سلم) وَأَنَا أَتَجَشَّاً ، فَقالَ لي : يا أبا جُحَيْفَةَ ، اكْفُفْ جَشَأَكَ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شبعاً في الدُّنْيا أَطْوَلُهُمْ جُوعاً يَوْمَ الْقِيامَةِ .
قالَ : فَمَا مَلَأَ أَبو جُحَيْفَةَ بَطْنَهُ مِنْ طَعَامٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى».
وفى هذا الحديث الشريف التحذير من الإكثار من الطعام الذي هو آفة مدمّرة للجسم .
110 - وبإسناده ، قال(علیه السلام): «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَنْ يُحْسِنُ النَّفَقَةَ فَلَهُ حَسَنَةٌ » .
وفى هذا الحديث دعوة خلّاقة إلى الاقتصاد الإسلامي الذی منه التوازن في الصرف والإنفاق وعدم الإسراف والتقتير ، وهو يقي الإنسان من الأزمات الاقتصادية الخانقة .
111 - وبإسناده ، قال(علیه السلام): «وقالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): سَيِّدُ طَعَامِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ ، وَسَيِّدُ شَرابِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ الْمَاءُ ، وَأَنا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ، وَالْفَقْرُ فَخْرِي ».
إنّ سيّد الأطعمة هي اللحوم، وذلك لما فيها من الفيتامينات التي هي ضرورة لحفظ البدن ، كما إنّ سيّد الشراب هو الماء القراح .
وأعرب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في هذا الحديث أنه سيّد ولد آدم ، وأن الفقر فخر له ، فقد توفّى (صلی الله علیه و آله و سلم) ولم يخلف من متاع الدنيا شيئاً.
112 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : سَیِّدُ طَعَامِ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ اللَّحْمُ وَالْأَرْزُه».
وحكى هذا الحديث فضل اللحم والأرز ، وأنهما من سادات الأطعمة وخيارها ، وذلك لما فيهما من الفوائد التي تنمّي الجسم .
113 - وبإسناده ، قال(علیه السلام): «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم): عَلَيْكُمْ بِاللَّحْم ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ اللَّحْمَ ، وَمَنْ تَرَكَ اللَّحْمَ أَرْبَعِينَ يَوْماً ساءَ خُلُقُهُ».
أما اللحم فهو من أنفع الأغذية للجسم ؛ وذلك لما يحويه من المواد الزلالية ، والأملاح المعدنية ، والكلس ، والبروتين ، وغيرها من المواد التي هي ضرورة لبناء الجسم واستقامته ، خصوصاً إذا استعمل مع الخضروات ، فإنّه يحقّق للإنسان
تغذية كاملة.
114 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِذا طَبَخْتُمْ فَأَكْثِرُوا الْقَرْعَ ، فَإِنَّهُ يَشُدُّ قَلْبَ الْحَزِينِ».
115 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (علیه السلام) ، قَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْقَرْعِ فَإِنَّهُ يَزِيدُ في الدماغ ».
وحثّ هذا الحديث وما قبله على أكل اليقطين؛ وذلك لما فيه من الفوائد الغذائية ، فهو يحتوي على فيتامين «A» وعلى الحديد والكلس وغيرها ، كما إنّ تناول بذوره يطرد الدودة الوحيدة من الأمعاء .
116 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِذا أَكَلْتُمُ الشَّرِيدَ فَكُلُوا مِنْ جَوانِبِهِ ، فَإِنَّ الذَّرْوَةَ - أي أعلاها - فيها بَرَكَةٌ » .
ومع هذا الحديث دعوة إلى آداب الأكل ، وإنّ من يأكل الثريد فليتناول من جوانب الإناء لا من أعلاه.
117 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) :«قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : عَلَيْكُمْ بِالْعَدَسِ ، فَإِنَّهُ مُبارَكَ ، مُقَدَّس ، يُرِقُ الْقَلْبَ ، وَيُكْثِرُ الدَّمْعَةَ ، وَإِنَّهُ قَدْ بارَكَ فيهِ سَبْعُونَ نَبِيّاً آخِرُهُمْ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ(علیه السلام)».
أمّا العدس فهو من أغنى الأغذية بما يحوي من القيم الغذائية ، فهو معادل للحم من حيث الغذاء، ويحتوي على الكالسيوم والحديد والفوسفور وفيتامين «B» ، ونسبة البروتين فيه تفوق بكثير سائر البقول ، فهو مبارك(1)، ومن ثمراته رقّة القلب ،وتكثير الدمع .
1) الغذاء لا الدواء : 561 .
118 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) :«مَنْ بَدَأَ بِالْمِلْحِ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُ سَبْعِينَ داءٌ ، أَوَّلُها
الْجُذام».
تختلف حاجة الإنسان إلى الملح باختلاف المناطق التي يعيش فيها ، فسكّان المناطق الاستوائية الحارّة يحتاجون إلى الملح باعتبار أن ما يخرج من أجسامهم من العرق يطرح منها جانباً كبيراً مما يتناولونه من الطعام الذي فيه الملح ، ولعلّ الحديث ناظر إليهم ، وأما في المناطق الباردة كسيبيريا ، فإنّ سكّانها لا يحتاجون إلى الملح بل يمجّونه .
119- وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : لَا تَسْتَرْضِعُوا الْحَمْقَاءَ،وَلَا الْعَمْشاءَ ، فَإِنَّ اللَّبَنَ يَتَعَدّى».
إنّ للبن تأثيراً على طباع الطفل ، فالطفل الذي يتغذّى من امرأة حمقاء أو عمشاء فإنّه يصاب بالحمق في مستقبل حياته ، وقد أكدت ذلك البحوث الطبية الحديثة ، وقد أوضحنا ذلك بصورة مفصلة في كتابنا « نظام الأسرة في الإسلام».
120 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : لَيْسَ لِلصَّبِيَّ لَبَنٌ خَيْرٌ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ».
إنّ الطفل الذي يتغذّى بلبن أمه يكون بمنأى عن الإصابة بكثير من الأمراض ، ويكون في صحّة جيّدة؛ لأنّ لبن أمّه مزوّد بجميع ما يحتاج إليه من الغذاء ، أما لبن غير أُمّه - خصوصاً في هذه العصور من تغذية الأطفال بالوسائل المعروفة - فإنّه يكون عرضة للإصابة بالأمراض الناجمة عن عدم تعقيم ( المحة ) وعدم اتفاق الحليب الصناعي مع بدن الطفل.
121 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : نِعْمَ الإدامُ الْخَلُّ ، وَلَمْ يَفْتَقِرْ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ الْخَلَّ».
إنّ الخل له فوائده الكثيرة ، فهو مصرف للطعام ، ومن أحسن الأشربة ،
وفي العصور السابقة كان الخلّ هو الأدام الشائع بين الناس .
122- وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : كُلُوا التَّمْرَ عَلَى الرِّيقِ ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُ الديدانَ فِي الْبَطْنِ».
إنّ التمر غني بالفيتامينات ، فهو يحتوي على نسبة عالية من فيتامين «A» ، وهو مما يساعد على نمو الأطفال ، ويطلق عليه الأطباء اسم ( عامل النمو ) ، ويحفظ رطوبة العين وبريقها ، وجحوظ الكرة العينيّة ، كما يعمل على تكوين الارجوان الشبكي .
كما أنّه يعمل على تقوية الأعصاب السمعية ، إلى غير ذلك من الفوائد المهمة التي ذكرها الأطباء ، وقد أكد الإسلام على تناوله ؛ وذلك لما فيه من الفوائد العظيمة .
123- وبإسناده ، قال (علیه السلام) :«قالَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب(علیه السلام) : جَاءَ جَبْرِيل(علیه السلام) ُ إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله و سلم) وَقالَ : عَلَيْكُمْ بِالتَّمْرِ الْبَرْنِيِّ ، فَإِنَّهُ خَيْرُ تَمْرِكُمْ ، يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ ، وَيُبَعدُ مِنَ النار .
ولعل السبب في الحثّ عليه أن فيه تنمية للفكر ، وصفاء للنفس ، ومن الطبيعي أنّ النفس إذا تجرّدت من الأوهام، فإنّها تتّجه نحو خالقها العظيم ، وتعمل كلّ ما يقربها إليه زلفى ، ولهذه الجهة حثّ النبي الله (صلى الله عليه و آله و سلم) على تناول التمر البرني الذي هو من خيرة التمور.
124 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «قالَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب : كُلُوا الرُّمَانَ بِشَحْمِهِ ،فَإِنَّهُ دِباغُ الْمَعِدَةِ».
أمّا الرمّان فهو من الفواكه الغنيّة بالفيتامين، فهو يحتوي على حامض الليمون ، والسكر ، وفيتامين «C» ، ومن خصائص شحمه أنّه يصلح الجهاز الهضمي .
125 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : كُلُوا الْعِنَبَ حَبَّةٌ حَبَّةٌ ، فَإِنَّهُ
أَمْرَأُ وَأَهْنَا » .
أمّا العنب فهو من أغنى الفواكه ، وذلك بما يحتوي عليه من فيتامين «A» و «B»و «C» ، وله دور فعّال في بناء الجسم وتقوية أنسجته ، وهو طعام لذيذ ، سريع الهضم، وهو يفيد في حالات سوء الهضم، والحصاة الكبدية ، والحصاة البولية ، والتسمّم ، ويفيد المصابين بفقر الدم، ونقص الكلس .
ويقول الدكتور «كارليه »: « إنّ من الضروري إعطاء العنب للمصابين بفقر الدم ، والذين خرجوا من عمليّات جراحية » ، إلى غير ذلك من الفوائد التي ذكرتها كتب الطب .
126 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) :«قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : عَلَيْكُمْ بِالزبيب ، فَإِنَّهُ يَكْشِفُ الْمُرَّةَ ، وَيَذْهَبُ بِالْبَلْغَمِ ، وَيَشُدُّ الْعَصَبَ ، وَيُحَسِّنُ الْخُلُقَ ، وَيُطَيِّبُ النَّفَسَ ، وَيُذْهِبُ الْهَمَّ ».
أمّا الزبيب فهو العنب المجفّف، وهو يحتفظ بأكثر خواص العنب الطريّ ، وبما فيه من الفيتامينات ، وقد تحدّثنا عن فوائد العنب وخواصه ، ومن بينها ما ذكر هذا الحديث الشريف.
127 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِنْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ فَفِي شَرْطَةِ الْحَجَامِ أَوْ شُرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ .
ذكرنا في البحوث السابقة ما في الحجامة والعسل من الفوائد العظيمة والمنافع المهمة.
128 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : لَا تَرُدُّوا شُرْبَةٌ مِنْ عَسَلٍ مَنْ أَتَاكُمْ بها».
129- وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) :الطَّيبُ يُسْرٌ ، وَالْعَسَلُ يُسْر ،
وَالنَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ يُسْر ، وَالرُّكوبُ يُسْر».(1)
إن هذه الأمور تبعث على الانشراح والسرور.
130 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : ادَّهِنوا بِالْبَنَفْسَجِ ، فَإِنَّهُ بَارِدٌ فِي الصَّيْفِ ، حارٌّ في الشّتاءِ».
البنفسج هو من النباتات العطرة الجميلة ، وحوى الحديث على بعض الخصائص في دهنه التي منها برودته في الصيف وحرارته في الشتاء.
131 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «حَدَّثني أبو جَعْفَرٍ (علیه السلام) ، قَالَ: «أَدْنَى الْعُفوقِ أَفّ ، وَلَوْ عَلِمَ اللهُ شَيْئاً أَهْوَنَ مِنْ أَفٍّ لَنَهى عَنْهُ».
وأوجب الإسلام احترام الأبوين، وحرم الاعتداء عليهما ، ولو بكلمة « أفّ » . قال تعالى :«فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ»(2)، ولو كان هناك كلمة أقل من «أفّ» لنهى عنها ، كما يقول الإمام .
132 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « حَدَّثَنِي أَبو جَعْفَرٍ (علیه السلام) ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) قالَ : صِلَةُ الرَّحِم ، وَحُسْنُ الْأَخْلاقِ زِيادَةٌ فِي الْإِيمانِ».
إن حسن الأخلاق وصلة الأرحام دليلان على إيمان الإنسان ، وصلته بالله تعالى .
133- وبإسناده ، قال : «قالَ رَسولُ الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : مَنْ ضَمِنَ لي واحِدَةٌ ضَمِنْتَ لَهُ
أَرْبَعاً : يَصِلُ رَحِمَهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُهُ ، وَيُوَسُعُ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ ، وَيُزادُ في أَجَلِهِ ، وَيُدْخِلُهُ اللهُ الْجَنَّةَ الَّتِي وَعَدَهُ».
إن صلة الرحم من أفضل الأعمال التي ندب إليها الإسلام؛ لأنها توجب ترابط المجتمع ووحدته وتضامنه.
134 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (علیه السلام) ، قالَ: «صِلَةَ الْأَرْحَامِ وَحُسْنُ الْجِوارِ زِيادَةٌ فِي الْأَمْوالِ » .
إن من محاسن الأعمال التي حثّ عليها الإسلام البرّ بالأرحام والإحسان إلى الجار ، فإنّ ذلك مما يوجب وحدة المسلمين وانتشار المحبّة والمودّة فيما بينهم .
135 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب : سَمِعْتُ رَسولِ اللهِ(صلى الله عليه و آله و سلم) يَقولُ: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمُ اسْتِخْفافاً بِالدِّينِ ، وَبَيْعَ الْحِكْمَةِ ، وَفَطِيعَةَ الرَّحِمِ ، وَأَنْ تَتَّخِذُوا الْقُرْآنَ مَزامِيرَ ، تُقَدِّمونَ أَحَدَكُمْ وَلَيْسَ بِأَفْضَلِكُمْ فِي الدِّينِ».
إنّ هذه الأمور التي حذّر منها النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) توجب هلاك المجتمع وتدميره وانحرافه عن المثل العليا التي تبّناها الإسلام.
136- وبإسناده ، قال (علیه السلام) :«قالَ رَسولُ الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : لَيْسَ مِنا مَنْ غَشَّ مُسْلِماً أَوْ ضَرَّهُ أَوْ مَا كَرَهُ».
إنه ليس من الإسلام في شيء غش المسلم أو إضراره أو مماكرته لأنها توجب انتشار البغضاء وانعدام الثقة بين المسلمين.
137 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ ، فَإِنَّهُ يُخَرِّبُ
قُلوبَكُمْ».
وحارب الإسلام الظلم ، وتواترت الأخبار عن أئمة الهدى (علیهم السلام) في التحذير منه ، وإنّ الله تعالى بالمرصاد للظالمين يخرّب ديارهم ، وينتقم منهم كأشدّ ما يكون الانتقام .
138 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «حَدَّثَنِي أَبِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيَّ(علیه السلام) ، قَالَ : خَطَبَنا أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ ، وَقالَ : سَيَأْتي عَلَى النَّاسِ زَمانُ عَضوضٌ ، يَعَضُّ الموسرُ عَلى ما في يَدَهِ ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذلِكَ . قَالَ اللهُ تَعَالَى:«وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»(1).
وَسَيَأْتى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُقَدَّمُ الْأَشْرَارُ ، وَيُسْتَذَلُّ الْأَخْبَارُ ، وَيَبِيعُ الْمُضْطَرُونَ ، وَقَدْ نَهى رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَعَنْ بَيْعِ التَّمْرِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بيْنَكُمْ ، وَاحْفَظوني في أَهْلي».
وطليعة هذه الكلمات التي أدلى بها باب مدينة علم النبي الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من الملاحم ، وقد تحقّقت على مسرح الحياة في هذه العصور ، فقد عضّ الموسر على ما في يده ، ولم ينفق شيئاً من أمواله في سبيل الله تعالى ، كما تقدّم الأشرار والأنذال، واستذل الصالحون والمتقون ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون .
139 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : « قالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(علیه السلام) : مَنْ كَفَّ عَنْ أَعْراضِ النَّاسِ أَقالَ اللهُ عَشْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ».
إنّ من أحكام الإسلام ومن تعاليمه الكفّ عن أعراض الناس وعدم تناولها بسوء صيانة للأعراض ، وحفاظاً على وحدة المسلمين.
140 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) :«وقالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (علیه السلام) : إِيَّاكُمْ وَالْغِيبَةَ ، فَإِنَّها إدام
1) البقرة 2 : 237.
كَلاب أَهْلِ النَّار».
عرض الإمام سيّد المتقين علي بن الحسين (علیه السلام) إلى حرمة الغيبة ، وهي من أفحش المحرّمات؛ لأنّها تؤدّي إلى انتشار الرذيلة ، وشيوع الفحشاء بين المسلمين .
141 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «قال رسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الرَّجُلَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ فَلَا يُقابِلُهُ ».
من الآداب الإسلامية تكريم كلّ من يدخل بيت إنسان وعدم الإعراض عنه ، وقضاء حاجته ، خصوصاً الفقراء والمحتاجين.
142 - وبإسناده ، قال (علیه السلام) : «قالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ : بَيْنَما أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) يَخْطُبُ النّاسَ ، وَيَحُضُهُمْ عَلَى الْجِهادِ إِذْ قامَ إِلَيْهِ شَابٌ فَقالَ: يا أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَخْبِرْنِي عَنْ فَضْلِ الْغُزاةِ فِي سَبِيلِ اللهِ.
فَقالَ (علیه السلام) : كُنْتُ رَديفَ رَسولِ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) عَلَى ناقَتِهِ الْعَباءِ وَنَحْنُ مُقْفِلُونَ مِنْ غَزْوَةِ ذاتِ السَّلاسِلِ ، فَسَأَلْتُهُ عَمَا سَأَلْتَني عَنْهُ ، فَقالَ : إِنَّ الْغُزاةَ إِذا هَمُّوا بِالْغَزْوِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ بَراءَةٌ مِنَ النَّارِ ، وَإِذا تَجَهَّزوا باهَى اللَّهُ بِهِمُ الْمَلائِكَةَ».
والحديث طويل عرض فيه الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى فضل الغزو والجهاد في سبيل الله الذي هو باب من أبواب الجنّة فتحه الله تعالى لخاصّة أوليائه ، على حدّ تعبير الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام).
143- وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : يَقولُ اللهُ تَعَالَى : يَابْنَ آدَمَ ،أَما تَنْصِفُني ، أَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ ، وَ تَتَمَفَّتُ إِلَيَّ بِالْمَعَاصِي ، خَيْرِي إِلَيْكَ مُنْزَلٌ ، وَشَرُّكَ إِلَيَّ صاعِدٌ ، وَلَا يَزالُ مَلَكَ كَرِيمٌ يَأْتِينِي عَنْكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِعَمَلٍ قَبيح.
يابْنَ آدَمَ ، لَوْ سَمِعْتَ وَصْفَكَ مِنْ غَيْرِكَ ، وَأَنْتَ لَا تَدْرِي مَنِ الْمَوْصُوفُ لَسَارَعْتَ إِلَى مَقْته».
وهذا الحديث الشريف من المواعظ التي تدعو الناس إلى فعل الخير ، وتحذّرهم
من فعل الشرّ .
144 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): « قالَ رَسولُ الله (صلی الله علیه و آله): يَقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : يابْنَ آدَمَ ، لَا يَغُرَّنَّكَ ذَنْبُ النَّاسِ عَنْ ذَنْبِ نَفْسِكَ ، وَلَا نِعْمَةُ النّاسِ عَنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ ، وَلَا تُقَنِّطِ النّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ تَرْجوها لِنَفْسِكَ ».
وأهاب هذا الحديث بالإنسان أن لا تغرّه ذنوب الناس عن ذنوب نفسه ، فإنّ كلّ إنسان مسؤول أمام الله عما يقترفه من ذنب ، كما لا تغرّه النعم التي أفاضها الله على عباده عن نعمه تعالى عليه ، فما أعظم نعمه على العبد فليس له أن يستصغرها حينما يرى نعم الله على عباده وأن لا يقنّط الآخرين من رحمة الله الواسعة وهو يرجوها لنفسه.
145- وبإسناده ، قال(علیه السلام): « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : ثَلَاثٌ أَخَافُهُنَّ عَلَى أُمَّتِي بَعْدِي : الضَّلالَةُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ ، وَمُضِلّاتُ الْفِتَنِ ، وَشَهْوَةُ الْبَطْنِ وَالْفَرْج».
إنّ هذه الفتن الثلاثة تصدّ الإنسان عن الله تعالى ، وتلقيه في شرّ عظيم.
146 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ الله (صلی الله علیه و آله) في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى :«يَوْمَ نَدْعُوا له كُلَّ أُناسٍ بِإِمَامِهِمْ»(1)، قالَ : يُدْعَى كُلُّ قَوْمٍ بِإِمامِ زَمَانِهِمْ ، وَكِتَابِ رَبِّهِمْ ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ».
عرض هذا الحديث الشريف إلى حشر الناس يوم القيامة ، وأنّ كلّ قوم يحشرون مع إمامهم ، وكتاب ربِّهم ، وسنّة نبيهم ، فإن كانوا ملتزمين بها ، وعاملين بأحكامها ،
فقد فازوا ونجوا من عذاب الله ، وإن خالفوها فقد باء وا بالخسران المبين .
147 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): « قالَ رَسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : إِنَّ اللهَ يُحاسِبُ كُلَّ خَلْقٍ إِلَّا مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُحَاسَبُ ، وَيُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ».
148 - وبإسناده ، قال (علیه السلام): «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : اخْتِمُوا أَوْلَادَكُمْ يَوْمَ السَّابِعِ ، فَإِنَّهُ أَظْهَرُ وَأَسْرَعُ نَباتاً لِلَّحْمِ».
من روائع التشريع الإسلامي دعوته إلى ختان الطفل في اليوم السابع من ولادته ، فإنّ الختان في هذه السنّ يكون سريع الشفاء بالنسبة لجرحه ، كما لا يعاني الطفل المزيد من الآلام ، أما إذا تجاوز تلك السنّ ، خصوصاً إذا زاد عمره على سنتين أو ثلاث ، فإنّ الختان يكون صعباً، ويعاني الطفل الكثير من الآلام .
149 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : الْمَغْبونُ لَا مَحْمودٌ وَلَا مَأْجُورٌ».
أمّا المغبون إذا كان جاهلاً فإنّه لا يستحق الحمد ولا الأجر؛ لأنّه قصّر في معاملته ، وأما إذا كان عالماً ، وقدم على الغبن فإنّه يستحقّ اللوم والذمّ .
150 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه و آله و سلم) : اصْنَعِ الْمَعْرُوفَ إِلَىٰ أَهْلِهِ ، وَإِلَىٰ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِهِ ، فَإِنْ تُصِبْ أَهْلَهُ فَهُوَ لَهُ أَهْلَ ، وَإِنْ لَمْ تُصِبْ أَهْلَهُ فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِهِ ».
1) الإسراء 17: 71.
وفي هذا الحديث دعوة خلّاقة إلى صنع المعروف والإحسان لجميع الناس، وهذه من محاسن التعاليم الإسلامية التي أقيمت على البرّ والإحسان .
151 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) : رَأْسُ الْعَقْل بَعْدَ الدِّينِ التَّوَدُّدُ إلَى النَّاسِ ، وَاصْطِنَاعُ الْخَيْرِ إِلَى كُلِّ بَرَّ وَفاجِرٍ » .
إن التودّد إلى الناس ، واصطناع المعروف إليهم دليل على نضوج الفكر ، وسلامة العقل ، وبعد النظر .
152 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) : إِنَّ أَفْواهَكُمْ طُرُقٌ مِنْ طُرُقِ رَبِّكُمْ فُنَظَفوها».
دعا هذا الحديث إلى تنظيف الأفواه ، وذلك باجتنابها عن قول الفحشاء والمنكر ،والتحلّي بالصدق والآداب ، وغير ذلك ممّا يزينها .
153 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) : مَنْ صَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَبْراً وَاحْتِساباً أُعْطِيَ أَجْرَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ غُرُ زُهْرٍ ، لَا تُشَابِهَهُنَّ أَيَّامُ الدُّنْيا».
وفي هذا الحديث ترغيب في صوم يوم الجمعة الذي هو من أجلّ أيام الاسبوع ،
ففي صيامه الأجر الجزيل والثواب العظيم .
154 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) :«قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) : اختاروا الْجَنَّةَ عَلَى النار ،وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فَتُقْذَفوا في النّارِ ، مُنَكِّسِينَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً » .
دعا النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) إلى الفوز بالفردوس الأعلى ، وذلك بالإخلاص في العمل ، وعدم إبطاله بالرياء وغيره التي توجب فساده ، كما حذّر(صلى الله عليه وآله و سلم) من النار أعاذنا الله منها.
155 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «قالَ رَسولُ (صلى الله عليه وآله و سلم) : لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِالصّومِ ».
أما الاعتكاف فقوامه الصوم ، وأن يكون في أحد مساجد الله ، والصوم فيه ثلاثة
أيام ، وليس للمعتكف من سبيل إلى الخروج من الجامع إلا بعد ثلاثة أيام .
156 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) : لَوْ رَأَى الْعَبْدُ أَجَلَهُ وَسُرْعَتَهُ لأَبْغَضَ الأمَلَ وَطَلِبَةَ الدُّنْيا».
إنّ الإنسان لو فكّر وتأمّل في مصيره إلى القبر، وسرعة الخروج من هذه الدنيا لأبغض الأمل وكره الدنيا .
157 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) :«حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ (علیه السلام) ، قالَ : مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّهْمَةِ وَالدَّخول فيما يُوجِبُ هَدْرَ كَرامَتِهِ ، فَقَدْ سَلَّطَ عَلى نَفْسَهِ سُوءَ الظَّنِّ بِهِ ، وَهُوَ الَّذِي جَرَّ لَهُ ذلِكَ ».
158 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « قالَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالب(علیه السلام) : لا دينَ لِمَنْ دانَ لِمَخْلُوقٍ الله
الله»/
إِنَّ كُلَّ من يدين لمخلوق في معصية خالقه فهو عار من الدين لا تربطه مع الله
تعالى صلة .
159 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) :«حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ(علیه السلام) : إِنَّ أَعْمَالَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ما مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » .
إن أعمال المسلمين في كل يوم تعرض على الله تعالى ، سواء أكانت حسنات أم سيئات، فهنيئاً لمن عمل صالحاً ، واتقي ربه.
160 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «حَدَّثَنِي أَبي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(علیه السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «لَوْلَا أَن رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ»(1)، قَالَ : قَامَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ عَلَى صَنَمِ فَسَتَرَتْهُ ، فَقَالَتْ : إِنَّهُ يَرانا .
1) يوسف 12 : 24 .
فَقالَ لَها يُوسُفُ : ما هذا ؟
قالَتْ : اسْتَحِي مِنَ الصَّنَمِ أَن يَراني .
فَقالَ لَها يوسُفُ : أَتَسْتَحي مِمَّنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ ، وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، وَلَا تَسْتَحي مِمَّنْ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ وَعَلِمَ بِها ، فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعالى :«بُرْهَانَ رَبِّهِ»».
161 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : «كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ(علیه السلام) إِذَا رَأَى الْمَرِيضَ قَدْ بَرِئَ قالَ : يُهنيك الطهورُ مِنَ الذُّنوبِ».
وتظافرت الأخبار عن أئمة الهدى(علیهم السلام) أن المرض مطهّر للشخص من الذنوب التي اقترفها ، وأنّه يزيد في حسنات الشخص.
162 - وبإسناده ، قال(علیه السلام) : « حَدَّثَنِي أَبي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(علیه السلام) ، قَالَ : أَخَذْنَا ثَلَاثَةٌ مِنْ
ثَلاثَةِ : الصَّبْرَ مِنْ أَيُّوبُ ، وَالشَّكْرَ مِنْ نوحٍ ، وَالْحَسَدِ مِنْ بَنِي يَعْقُوبَ».
163 - وبإسناده ، قال(علیه السلام): «سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ(علیه السلام) : لِمَ أُوتِمَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله و سلم) مِنْ أَبَوَيْهِ ؟
قالَ(علیه السلام) : لئلا يُوجَدَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِمَخْلوقٍ».
وعلل يتم الرسول(صلى الله عليه وآله و سلم) بهذا التعليل في كثير من الأخبار ، وثمّة تعليل آخر هو أنّ هذا اليتيم قد استطاع أن يغيّر مجرى تاريخ العالم ، وينقذ الإنسان من خرافات الجاهليّة وعاداتها ، ويقيم في الأرض دولة قد رفعت مشعل التوحيد ، وأنارت آفاق الدنيا بما أقامته من معالم الحق والعدل .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن مسند الإمام الرضا(علیه السلام) وصحيفته ، وقد أسقطنا منها طائفة من الأخبار لأنها فيما نحسب مدسوسة في هذه الصحيفة ، وليست من أخبار أهل البيت . ولعلّ هذا السبب أوجب توقف بعض العلماء في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام وعدم اعتمادهم عليه كحجّة في الاستدلال به على بعض الأحكام الشرعية.
ونسب للإمام الرضا(علیه السلام) كتاب «الفقه الرضوي» ولم يكن معروفاً في الأوساط العلميّة الإمامية الأولى ، وإنّما ظهر متأخراً في زمان الفاضل المجلسي ، يقول(رحمه الله) : «كتاب فقه الرضا(علیه السلام) أخبرني به السيّد الفاضل المحدّث القاضي امیر حسین طاب ثراه بعدما ورد أصفهان ، قال : قد اتفق في بعض سنّي مجاورتي بيت الله الحرام ، أن أتاني جماعة من أهل قم حاجّين ، وكان معهم كتاب قديم يوافق تاريخه عصر الرضا صلوات الله عليه ، وسمعت الوالد(رحمه الله) أنه قال : سمعت السيّد يقول : كان عليه خطّه صلوات الله عليه ، وكان عليه إجازات جماعة كثيرة من الفضلاء .
وقال السيد : حصل لي العلم بتلك القرائن أنه تأليف الإمام(علیه السلام) ، فأخذت الكتاب وكتبته وصحّحته ، فأخذ والدي قدّس الله روحه هذا الكتاب من السيد واستنسخه وصحّحه، وأكثر عباراته موافق لما يذكره الصدوق(رحمه الله) في كتاب « من لا يحضره الفقيه » من غير سند ، وما يذكره والده في رسالته إليه ، وكثير من الأحكام التي ذكرها أصحابنا ولا يعلم مستندها مذكورة فيه»(1).
وقد أقرّ به ، واعتمد عليه جمهور من أعلام الفقه الإمامي ، كالفاضل الكاشاني ،
وصاحب الرياض ، والمحدّث البحراني ، وغيرهم .
وأنكره فريق آخر من كبار العلماء والمحقّقين ، ولا يزال مثار الجدل بين الأعلام ، والمتأمل في الكتاب تواجهه بعض المؤاخذات التي تبعد نسبته للإمام(علیه السلام) ، وهي :
أوّلاً : إن هذا الكتاب لو كان للإمام لما كان مغموراً عدة قرون لم يطلع عليه أحد
(1)
1) بحار الأنوار: 1 : 11 .
من قدامى فقهاء الإماميّة ، وأصحاب الحديث مع اهتمامهم البالغ بجميع ما أثر عن أئمة الهدى(علیهم السلام) ، فلم يشر إليه أحد منهم بكلمة .
ثانياً : إنّ الشيخ الصدوق(رحمه الله) الذي دوّن جميع الآثار الاردة من الإمام الرضا(علیه السلام) في كتابه عيون أخبار الرضا ، فإنّه لم يشر إليه في هذا الكتاب ولا في جميع مؤلفاته.
ثالثاً : إنّ فيه بعض الأخبار المخالفة لعقيدة التشيّع ، كالغلو الذي حاربه الأئمّة الطاهرون ، وبنوا على كفر من يذهب إليه ، فقد جاء في هذا الكتاب في باب استقبال القبلة في الصلاة : « واجعل واحداً من الأئمة نصب عينيك » ، وهذا غلوّ فاحش ، فإنّ المصلّي عليه أن يتجه بقلبه وعواطفه ومشاعره أمام الله خالق الكون وواهب الحياة .
هذه بعض المؤاخذات التي تواجه هذا الكتاب ، وهي تبعد نسبته للإمام(علیه السلام) ، وقد نشر هذا الكتاب المؤتمر العالمي للإمام الرضا(علیه السلام) في مشهد المقدّسة ، وقامت بتحقيقه مؤسسة آل البيت(علیهم السلام) الإحياء التراث في قم زادها الله شرفاً، وقد قدّم له سماحة السيد جواد الشهرستاني ، وعرض إلى ما قاله المثبتون لهذا الكتاب والنافون له من الأدلّة .
وخاض الإمام الرضا(علیه السلام) في بحوثه ومحاضراته الكثير من المسائل العقائدية ، ونفى ما يحوم حولها من الشبه والأوهام التي أثارها الحاقدون على الإسلام والجاهلون بأحكامه ، وقد عرضنا إلى قسم كبير منها في مناظراته مع علماء الفرق والأديان ، والتي نالت إعجاب العلماء وإيمانهم بالقدرات العلمية الهائلة التي يملكها الإمام ، وقد عجّت بها أروقة السياسة وأندية أهل العلم . ونعرض إلى جانب آخر من تلك البحوث التي لم تكن في إطار المناظرات ، وهي :
وأثيرت كثير من التساؤلات حول قضايا التوحيد أجاب عنها الإمام(علیه السلام) ، وفنّد ما أُلصق بها من شكوك وأوهام، وكان من بينها ما يلي :
إن من المستحيل أن يوصف الله تعالى بصفة تلمّ بحقيقة ذاته المقدّسة ، وقد انبرى أبوهاشم الجعفري، وهو من أعلام عصره في فضله وعلمه وتقواه ، فقال للإمام الرضا(علیه السلام): هل يوصف الله ؟ وقد أراد بذلك الوقوف والإحاطة بمعرفة الله ، فأجابه الإمام(علیه السلام) : أَما تَقْرَأُ الْقُرْآن ؟
وأحال الإمام(علیه السلام) الجواب على كتاب الله تعالى ، فقال : أَما تَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعَالَى : «لَا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأبْصَارَ»(1)؟
وأسرع أبو هاشم قائلاً: ما هي ؟
وأجاب أبو هاشم عمّا يعرفه عن الأبصار قائلاً: إبصار العيون.
فأنكر الإمام(علیه السلام) لذلك قائلاً : إِنَّ أَوْهَامَ الْقلوبِ أَكْبَرُ مِنْ إِبْصَارِ الْعيونِ ، فَهُوَ لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهامُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الأوهام(2).
إن نظرة العقل أوسع وأكثر شمولاً من رؤية البصر ، وأن العقل بجميع مدركاته وتصوّراته أيضاً محدود ، ولا يمكن أن يحيط علماً بمعرفة ذات الله تعالى .
من المستحيل رؤية الله تعالى ، وقد شاع في بعض أوساط ذلك العصر أنّ النّبي محمد(صلى الله عليه وآله و سلم) قد رآه وقد خفّ كل من إبراهيم بن محمد الخزّاز ، ومحمد بن الحسين إلى الإمام الرضا(علیه السلام) يسألانه عن ذلك ، وقالا له : إنّ محمداً رأى ربّه في صورة الشاب الموفّق في سنّ أبناء ثلاثين سنة ؟
وأسندا هذه المقالة إلى جماعة من أعلام الشيعة ، وأنهم قالوا : إنه تعالى أجوف إلى السرة والبقية صمد ، ولا شبهة أنّ ذلك مدسوس عليهم ، ولا علاقة لهم بهذه
المنكرات .
واضطرب الإمام حينما سمع هذه الأباطيل ، وخرّ ساجداً الله تعالى ، وجعل يخاطبه بتذلّل وخشوع : سُبْحانَكَ ما عَرَفوكَ ، وَلَا وَحْدوكَ ، فَمِنْ أَجْلِ ذلِكَ وَصَفوكَ ،
سُبْحانَكَ لَوْ عَرَفوكَ لَوَصَفُوكَ بِما وَصَفْتَ بِهِ نَفْسَكَ ، سُبْحانَكَ كَيْفَ طَاوَعَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يُشَبِّهوكَ بِغَيْرِكَ .
الّلهمَّ لَا أَصِفُكَ إِلَّا بِما وَصَفْتَ بِهِ نَفْسَكَ ، وَلَا أَشَبِّهُكَ بِخَلْقِكَ ، أَنْتَ أَهْلُ لِكُلِّ خَيْرٍ، فَلَا تَجْعَلْنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .
ثم التفت(علیه السلام) إليهم فقال : ما تَوَهَّمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَوَهُموا اللهَ غَيْرَهُ .
يعني أنّ كلّ ما يتوهمه الإنسان ويتصوّره بالنسبة إلى ذات الله تعالى ، فليتصوّر بأنّ
الله تعالى غير الذي تصوّره .
ثم التفت إلى محمد بن الحسين ، فقال له : نَحْنُ اَلُ مُحَمَّدٍ النَّمَطُ الأَوْسَطُ الذى لَا يُدْرِكُنا الغالي ، وَلَا يَسْبِقُنا التالي .
یا مُحَمَّدُ ، إِنَّ رَسولَ الله(صلى الله عليه وآله و سلم) حينَ نَظَرَ إِلى عَظَمَةِ رَبِّهِ كان(صلى الله عليه وآله و سلم) في هَيْئَةِ الشَّابُ الْمُوَفِّق وَسِنُ أَبْناءِ ثَلاثِينَ سَنَةٌ ؟
يا مُحَمَّدُ ، عَظُمَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ فِي صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ.
و انبرى محمد بن الحسين قائلاً: من كانت رجلاه في خضرة ؟
فأجابه الإمام : ذاكَ مُحَمَّدٌ كَانَ إِذا نَظَرَ إِلَى رَبِّهِ بِقَلْبِهِ جَعَلَهُ فِي نورٍ مِثْلِ نورِ الْحُجُبِ، حَتَّى يَسْتَبِينَ لَهُ ما فِي الْحُجُبِ ، إِنَّ نورَ اللَّهِ مِنْهُ أَخْضَرُ ، وَمِنْهُ أَحْمَرُ ، وَمِنْهُ أَبْيَضُ ، وَمِنْهُ غَيْرُ ذلِكَ .
يا مُحَمَّدُ ، ما شَهِدَ لَهُ الْكِتابُ وَالسُّنَّةُ فَنَحْنُ الْقائِلُونَ بِهِ»(1).
1) أصول الكافي : 1 : 101 و 102 .
ونفى الإمام(علیه السلام) جميع ألوان الشبه والصور ألوان الشبه والصور عن الله تعالى ، وذلك في حديث جرى بينه وبين الفتح بن يزيد الجرجاني ، وهو في طريقه إلى خراسان ، فقد قال الإمام(علیه السلام) : يا فَتْحُ ، مَنْ أَرْضَى الْخَالِقَ لَمْ يُبالِ بِسَخَطِ الْمَخْلُوقِ ، وَمَنْ أَسْخَطَ الْخالِقَ فَقَمِنٌ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِ سَخَطَ الْمَخْلُوقينَ ، وَأَنَّ الْخالِقَ لَا يوصَفُ إِلَّا بِما وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، وَأَنَّى يوصَفُ الذي تَعْجَزُ الْحَواس أَنْ تُدْرِكَهُ ، وَالْأَوْهامُ أَنْ تَنالَهُ ، وَالْخَطَرَاتُ أَنْ تَحِدَّهُ ، وَالْأَبْصَارُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ.
جَلَّ عَمّا وَصَفَهُ الْواصِفُونَ ، وَتَعَالَى عَمَّا يَنْعَتُهُ النَّاعِتونَ ، نَأَى فِي قُرْبِهِ ، وَقَرُبَ فِي نَايِهِ ،فَهُوَ فى بُعْدِهِ قَريبٌ ، وَفِي قُرْبِهِ بَعيدٌ ، كَيْفَ الْكَيْفَ فَلَا يُقالُ لَهُ : كَيْفَ ، وَأَيْنَ الْأَيْنَ فَلَا يُقالُ لَهُ أَيْنَ؛ إِذْ هُوَ مُبْدِعُ الْكَيْفوفِيَّةِ وَالْأَيْنونِيَّةِ .
يا فَتْحُ ، كُلُّ جِسْم مُغَذَّى بِغِذاءِ إِلَّا الْخالِقُ الرّازقُ ، فَإِنَّهُ جَسَّمَ الْأَجْسَامَ ، وَهُوَ لَيْسَ بِجِسْمِ وَلَا صورَةٍ ، لَمْ يَتَجَزَّأُ وَلَمْ يَتَناءَ ، وَلَمْ يَتَزايَدْ وَلَمْ يَتَناقَصْ ، مُبَرَّاً مِنْ ذاتِ ما رَكَّبَ في ذاتِ مَنْ جَسَّمَهُ(1)، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، السَّميعُ الْبَصِيرُ ، الواحِدُ الأحَدُ الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، مُنْشِئُ الْأَشْياءِ ، وَمُجَسَّمُ الْأَجْسامِ ، وَمُصَوِّرُ الصُّوَرِ ، لَوْ كانَ كَما يَقولُ الْمُشَبِّهَةُ لَمْ يُعْرَفِ الْخالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ ، وَلَا الرّازقُ مِنَ الْمَرْزُوقِ ، وَلَا الْمُنْشِئُ مِنَ الْمُنْشَأُ لَكِنَّهُ الْمُنْشِيُّ ، فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ جَسَّمَهُ وَصَوَّرَهُ ، وَشَيَّأَهُ وَبَينَّهُ إِذْ كَانَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ .
و انبرى الفتح قائلاً: الله واحد ، والإنسان واحد ، فليس قد تشابهت الوحدانية ؟
1) أي أنّه تعالى منزّه من ذوات الأشياء ، والأجزاء التي ركّبها وجعلها في ذات من أوجده جسماً.
وفنّد الإمام هذه الشبهة قائلاً: أحَلْتَ - أي أتيت بالمحال - ثَبَّتَكَ اللهُ ، إِنَّما التَّشْبيه
في الْمَعانِي ، فَأَمَّا الْأَسْمَاءُ فَهِيَ وَاحِدَةٌ(1)وَهِيَ الَّةٌ عَلَى الْمُسَمّى ، وَذلِكَ أَنَّ الْإِنْسانَ وَإِنْ قبل واحِدٌ فَإِنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّهُ جُنَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ بِاثْنَيْن ، وَالْإِنْسانُ نَفْسُهُ لَيْسَ بواحِدٍ لأنَّ أَعْضَاءَهُ مُخْتَلِفَةٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَجْزاءٌ مُجَزَّأَ لَيْسَ سَواءٌ ، دَمُهُ غَيْرُ لَحْمِهِ ، وَلَحْمُهُ غَيْرُ دَمِهِ ، وَعَصَبُهُ غَيْرُ عُروقِهِ ، وَشَعَرُهُ غَيْرُ بَشَرِهِ ، وَسَوادُهُ غَيْرُ بَياضِهِ ، وَكَذلِكَ سَائِرُ جَميعِ الْخَلْقِ ، فَالْإِنْسانُ وَاحِدٌ فِي الْإِسْمِ لَا وَاحَدٌ فِي الْمَعْنى.
وَاللهُ جَلَّ جَلالُهُ واحِدٌ لا واحِدَ غَيْرَهُ ، وَلَا اخْتِلافَ فِيهِ وَلَا تَفاوُتَ ، وَلَا زِيادَةَ وَلَا نُقصانَ ، فَأَمَّا الْإِنْسانُ الْمَخْلُوقُ الْمَصْنوعُ الْمُؤَلَّفَ مِنْ أَجْرَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وَجَواهِرَ شَتَىٰ غَيْرَ أَنَّهُ بِالْإِجْتِمَاعِ شَيْءٌ وَاحِدٌ .
إنّ إطلاق الواحد على الله تعالى يغاير إطلاق الواحد على الإنسان ، فإنّ الإنسان مؤلّف من أجزاء مختلفة ومتباينة ، كالقلب والرئتين والعينين والكليتين، وغيرهما من الخلايا والأعضاء ، وباجتماعها أطلق عليها الواحد ، أما بالنسبة إلى الخالق العظيم تعالى ، فإنّه لم يكن مركباً ولا مؤلّفاً من عدة أجزاء مجتمعة كي يطلق عليه لفظ الواحد .
وقال الفتح : فسّر لي اللطيف ، فإنّي أعلم أنّ لطفه خلاف لطف غيره للفصل.
وأجابه الإمام(علیه السلام) : يا فَتْحُ ، إِنَّما قُلْتُ اللطيفُ لِلْخَلْقِ اللطيفِ ، وَلِعِلْمِهِ بِالشَّيْءِ اللطيفِ ، أَلَا تَرى إِلى أَثَرِ صُنْعِهِ - أي صنع الخالق العظيم - في النَّباتِ اللطيفِ وَغَيْرِ اللطيفِ ، وَفِي الْخَلْقِ اللَّطِيفِ مِنْ أَجْسامِ الْحَيوانِ مِنَ الْجِرْجِسِ وَالْبَعوضِ ، وَمَا هُوَ
1) المراد أن التشبيه الذي ينفى عنه تعالى ، إنّما هو في الحقائق لا في الأسماء والألفاظ ، فإنه يقع فيه تعالى وفي غيره ، فيصح إطلاق الواحد على الإنسان وعلى الله تعالى.
أَصْغَرُ مِنْهُما مِمَّا لَا يَكادُ تَسْتَبِينُهُ العيونُ ، بَلْ لَا يَكادُ يُسْتَبانُ لِصَغَرِهِ الذَّكَرُ مِنَ الأنثى، وَالْمَوْلودُ مِنَ الْقَديم ، فَلَمّا رَأَيْنا صِغَرَ ذلِكَ فِي لُطْفِهِ ، وَاهْتِدائِهِ لِلسِّفَادِ ، وَالْهَرَبِ مِنَ الْمَوْتِ ، وَالْجَمْع لما يُصْلِحُهُ بِما في لُجَجِ الْبِحارِ ، وَما فِي لِحاءِ الأَشْجارِ وَالْمَفاوِزِ وَالْقِفارِ ، وَإِنْهامِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ مَنْطِقَهَا ، وَمَا تَفْهَمُ بِهِ أَوْلَادُها عَنْهَا ، وَنَقْلَهَا الْغِدَاءَ إِلَيْها ، ثُمَّ تَأليف ألوانها ، حُمْرَة مَعَ صُفْرَةٍ ، وَبَياضٌ مَعَ حُمْرَةٍ ، عَلِمْنا أَنَّ خالِقَ هذا الْخَلْقِ لَطيفٌ ، وَأَنَّ كُلَّ صانع شَيْءٍ فَمِنْ شَيْءٍ صَنَعَ ، وَاللهُ الْخالِقُ اللطيفُ الْجَليلُ ، خَلَقَ وَصَنَعَ لَا مِنْ شَيْءٍ.
وحكى هذا المقطع الآثار المدهشة لبدائع خلق الله تعالى وذلك في خلقه لأجسام الحيوانات الصغار من الجرجس والبعوض وماهو أصغر منهما ، ممّا لا يتميّز فيها الذكر من الأنثى ، فقد وهبها الله تعالى الإدراك فاهتدت إلى السفاد لبقائها واستمرارها على الأرض ، كما وهبها الإدراك للفرار من الأخطار التي تواجهها ، فسبحان الخالق اللطيف .
ومضافاً لذلك ما تتمتّع به من الألوان الزاهية الجالبة للنظر ، واتخاذها لحاء الأشجار والمفاوز والقفار مقرّاً وبيوتاً لها ، إلى غير ذلك من ألطاف الله التي تحيط بها ،فسبحان الخالق العظيم ما أعظم ألطافه على الكائنات الحيّة .
وانبرى الفتح قائلاً: جعلت فداك ، وغير الخالق الجليل خالق ؟
فأجابه الإمام(علیه السلام): إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقولُ :«فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»(1)، فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ فِي عِبادِهِ خَالِقِينَ مِنْهُمْ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ خَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ اللهِ فَصارَ طَائِراً بِإِذْنِ اللهِ ، وَالسّامِرِيُّ خَلَقَ لَهُمْ عِجْلاً لَهُ خُوارٌ .
واعترض الفتح على الإمام قائلاً: إنّ عيسى خلق من الطين طيراً دليلاً على نبوّته
1) المؤمنون 23 : 14 .
والسامري خلق عجلاً جسداً لنقض نبوّة موسى(علیه السلام) ، وشاء الله أن يكون ذلك كذلك ؟ إنّ هذا لهو العجب !
وأجابه الإمام ببالغ الحجة قائلاً: يا فَتْحُ ، إِنَّ اللَّهِ إِرَادَتَيْنِ وَ مَشِيئَتَيْنِ : إِرَادَةً حَتْم ، وَإِرَادَةً عَزْمِ ، يَنْهَى وَهُوَ يَشَاءُ ، وَيَأْمُرُ وَهُوَ لَا يَشَاءُ ، أَوَمَا رَأَيْتَ أَنَّهُ نَهَى آدَمَ وَزَوْجَتَهُ عَنْ أَنْ يَأْكُلا مِنَ الشَّجَرَةِ ، وَهُوَ يَشاءُ ذلِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَأْكُلا ، وَلَوْ أَكَلَّا لَغَلَبَتْ مَشيئَتُهُما مَشيئَةَ اللهِ وَأَمَرَ إِبْراهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ ، وَشَاءَ أَنْ لَا يَذْبَحَهُ ، وَلَوْ لَمْ يَشَأْ أَنْ لَا يَذْبَحَهُ لَغَلَبَتْ مَشيئَةُ إِبْرَاهِيمَ مَشيئَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وفنّد الإمام(علیه السلام) شبهة الفتح ، وذلك بتقسيمه إرادة الله تعالى إلى قسمين : إرادة عزم ، وهي الإرادة التشريعية التي يسمّيها علماء الكلام، وهي عبارة عن أوامر الله تعالى ونواهيه لعباده التي فيها توازنهم وصلاحهم في سلوكهم في هذه الحياة ، ولايستحيل فيها تخلّف المراد عن الإرادة ، فقد يطيع العبد وقد يعصي .
القسم الثاني من الإرادة وهي الإرادة الحتميّة التي يسمّيها المتكلمون بالإرادة التكوينية ، ويستحيل في هذه الإرادة أن يتخلّف عنها المراد ، فإنّه تعالى إذا قال للشيء كن فيكون ، وقصة آدم وإبراهيم(علیهما السلام) إنما هي من النوع الأول من الإرادة .
وقد بهر الفتح بكلام الإمام وراح يقول : فرّجت عنّي فرج الله عنك ، غير أنّك قلت : السميع البصير ، هل هو سميع بالأذن ، بصير بالعين ؟
فأجابه الإمام : إِنَّهُ- أي الله - يَسْمَعُ بِما يُبْصِرُ ، وَيَرى بِمَا يَسْمَعُ ، بَصِيرٌ لَا بِعَيْنِ مِثْلِ عَيْنِ الْمَخْلُوقينَ ، وَسَمِيعٌ لَا بِمِثْلِ سَمْعِ السَّامِعِينَ ، لَكِنْ لَمَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ حَافِيَةٌ مِنْ أَثَرِ الذَّرَّةِ السَّوْداءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظُّلْماءِ تَحْتَ التَّرى وَالْبِحارِ ، قُلْنَا : بَصِيرٌ لَا بِمِثْلِ عَيْنِ الْمَخْلُوقينَ ، وَلَمَا لَمْ يَشْتَبِعْ عَلَيْهِ ضُروب اللغاتِ ، وَلَمْ يَشْغَلُهُ سَمْعَ عَنْ سَمْعِ قُلْنَا : سَمِيعٌ لَا مِثْلَ سَمْعِ السَّامِعِينَ .
وأزاح الإمام(علیه السلام) الشبهة عن الفتح ، وأوضح له أنّ بصر الله تعالى وسمعه ليسا على غرار سمع الإنسان وبصره .
وطفق الفتح يقول للإمام : جعلت فداك ، بقيت مسألة ؟
قلت : يعلم القديم ، الشيء ، الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون ؟
فقال(علیه السلام) : أَما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقولُ :«لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا»(1).
وَقَوْلَهُ :«وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ»(2).
وَقالَ - يَحْيِي قَوْلَ أَهْلِ النَّارِ-: «أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ»(3).
وَقالَ :«وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ»(4)، فَقَدْ عَلِمَ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوْ كانَ كَيْفَ كَانَ يَكونُ».
وبهر الفتح بعلم الإمام(علیه السلام) وإحاطته بهذه المسائل الكلاميّة المعقّدة ، وقد حاول أن يقبّل يد الإمام ورجله ، فلم يمكّنه من ذلك ، فقبّل رأسه الشريف ، وخرج وهوجذلان مسروراً؛ لأنّ الإمام أزال عنه ما يختلج في نفسه من الشكوك والأوهام(5).
وقد أحاط الإمام(علیه السلام) في حديثه مع الفتح بكثير من قضايا التوحيد ، وأوضح الغوامض من مسائله.
وأدلى الإمام(علیه السلام) ببعض الأحاديث عن حقيقة التوحيد ، كان منها ما يلي:
1 - مسألة محمّد بن يزيد عن التوحيد ، فأملى عليه ما يلي :
الْحَمْدُ لله فاطِر الأشياء إنشاء ، وَمُبْتَدِعِها ابتداءً بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ ، لَا مِنْ شَيْءٍ فَيُبْطُلُ الْإِخْتِراعُ ، وَلَا لِعِلَّةٍ فَلَا يَصِحُ الْإِبْتِداعُ ، خَلَقَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ ، مُتَوَحَداً بِذلِكَ لإظهارِ حِكْمَتِهِ ، وَحَقيقَةِ رُبوبِيَّتِهِ ، لَا تَضْبُطُهُ الْعُقولُ ، وَلَا تَبْلُغُهُ الأوْهامُ ، وَلَا تُدركه الْأَبْصارُ ، وَلَا يُحيطُ بِهِ مِقدارٌ ، عَجِزَتْ دونَهُ الْعِبارَةُ ، وَكَلَّتْ دونَهُ الْأَبْصَارُ ، وَضَلَّ فِيهِ تصاريف الصِّفاتِ ، احْتَجَبَ بِغَيْرِ حِجَابٍ مَحْجوب ، وَاسْتَتَرَ بِغَيْرِ مِثْرِ مَسْتورٍ ، عُرِفَ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ ، وَوُصِفَ بِغَيْرِ صُورَةٍ ، وَنُعِتَ بِغَيْرِ جِسْمِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ(1).
وحكى هذا الحديث الشريف القدرة البالغة للخالق العظيم الذي فطر الأشياء ،وأنشأها لا من شيء ، ولا من مثال سبقها ، فسبحانه ما أعظمه لا تدركه الأبصار ، ولا تحيط به الأوهام ، ولا تحيط بكنه عظمته الألفاظ.
2 - وتشرّف بمقابلة الإمام(علیه السلام) محمد بن عيسى بن عبيد ، فسأله الإمام : ما تَقولُ
إِذا قيلَ لَكَ : أَخْبِرْنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شَيْءٌ هُوَ أَمْ لا .
فأجابه محمّد جواب العالم الخبير قائلاً: قد أثبت الله عزّ وجلّ نفسه شيئاً حيث قال : «قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةٌ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ»(2)، فأقول : إنه شيء لا كالأشياء؛ إذ في نفي الشيئية عنه إبطاله ونفيه.
واستحسن الإمام جوابه فقال له : صَدَقْتَ وَأَصَبْتَ .
وأضاف الإمام قائلاً : لِلنَّاسِ فِي التَّوْحِيدِ ثَلاثُ مَذاهِبِ : نَفْيَّ وَتَشْبيةٌ ، وَإِثْبَاتٌ بِغَيْرِ تَشْبِيهِ ، فَمَذْهَبُ النَّفْي لَا يَجوزُ، وَمَذْهَبُ التَّشْبِيهِ لَا يَجوزُ ، لأنَّ اللهَ تَبارَكَ وَتَعَالَى
لا يَشْبِهُهُ شَيْءٌ ، وَالسَّبيلُ هِيَ الطَّريقَةُ الثَّالِثَةُ إثبات بلا تشبيه(1).
سأل محمد بن عرفة الإمام(علیه السلام) السؤال التالي : خلق الله الأشياء بالقدرة أم بغير القدرة ؟
فأجابه الإمام : لا يَجوزُ أَنْ يَكونَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْقُدْرَةِ لأَنَّكَ إِذا قُلْتَ : خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْقُدْرَةِ فَكَأَنَّكَ جَعَلْتَ الْقُدْرَةَ شَيْئاً غَيْرَهُ ، وَجَعَلْتَهَا آلَةٌ لَهُ بِها خَلَقَ الْأَشْيَاءَ ، وَهذا شِرْكَ ، وَإِذا قُلْتَ : خَلَقَ الأَشْيَاءَ بِقُدْرَةٍ ، فَإِنَّما تَصِفُهُ أَنَّهُ جَعَلَها بِاقْتِدارِ عَلَيْهَا وَقُدْرَةٍ ، وَلكِنْ لَيْسَ هُوَ بِضَعيفٍ ، وَلَا عاجِزِ، وَلَا يَحْتاجُ إِلَى غَيْرِهِ».
ومعنى كلام الإمام(علیه السلام) أنّ الله تعالى قادر ، وهذه الصفة عين ذاته ، ولم يخلق الأشياء بقدرة خارجة عن ذاته ، فإنّ ذاته ، فإنّ جميع صفاته الكريمة عين ذاته حسب ما دلّل
عليه في علم الكلام .
وقد أكد الإمام(علیه السلام) ذلك في كلامه : «سُبْحانَ مَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ ، وَأَتْقَنَ : ما خَلَقَ بِحِكْمَتِهِ ، وَوَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ مَوْضِعَهُ بِعِلْمِهِ ، سُبْحانَ مَنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»(2).
من البحوث المهمّة التي أدلى بها الإمام(علیه السلام) هي قدم الخالق العظيم وصفاته.
قال(علیه السلام) لبعض أصحابه : اعْلَمْ عَلَّمَكَ اللهُ الْخَيْرَ : إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعالى قَديمٌ ، وَالْقِدَمُ صِفَتُهُ الَّتي دَلَّتِ الْعَاقِلَ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ قَبْلَهُ ، وَلَا شَيْءَ مَعَهُ فِي دَيْمُومِيَّتِهِ ، فَقَدْ بِانَ لَنا بِإِقْرارِ الْعامَّةِ مُعْجِزَةُ الصِّفَةِ ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ قَبْلَ اللَّهِ ، وَلَا شَيْءَ مَعَ اللَّهِ فِي بَقائِهِ ،وَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ كانَ مَعَهُ شَيْءٌ ، وذلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ فِي بَقَائِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يكونَ خالِقاً لَهُ؛ لأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ ، فَكَيْفَ يَكونُ خالِفاً لِمَنْ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ ، وَلَوْ كَانَ قَبْلَهُ شَيْءٌ كَانَ الْأَوَّلُ ذلِكَ الشَّيْءُ لَا هذا ، وَكانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ خَالِقاً لِلْأَوَّلِ.
ثُمَّ وَصَفَ نَفْسَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِأَسْمَاءٍ دَعَا الْخَلْقَ إِذْ خَلَقَهُمْ وَتَعَبَّدَهُمْ وَابْتَلاهُمْ إِلى أنْ يَدْعوه بها ، فَسَمّى نَفْسَهُ سَميعاً ، بَصيراً ، قادِراً ، قائِماً ، ناطقاً، ظاهراً، باطِناً، لطيفاً ، خبيراً ، قوباً ، عَزيزاً ، حكيماً ، عَليماً ، وَما أَشْبَة هذه الأسماء.
فَلَمّا رَأى ذلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ الْقَالونَ الْمُكَذِّبُونَ وَقَدْ سَمِعونا نُحَدِّثُ عَنِ اللَّهِ ، أَنَّهُ لَا شَيْءٍ مِثْلَهُ ، وَلَا شَيْءٍ مِنَ الْخَلْقِ في حالِهِ ، قالوا : أَخْبِرونا إِذا زَعَمْتُمْ أَنَّهُ لَا مِثْلَ ذلِك وَلَا شِبْهَ لَهُ ، كَيْفَ شارَكْتُمُوهُ فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى فَتَسَمَّيْتُمْ بِجَمِيعِها ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ دَليلاً عَلى أَنَّكُمْ مِثْلُهُ في حالاتِهِ كُلِّها أَوْ فِى بَعْضِها دونَ بَعْضٍ إِذْ جَمَعْتُمُ الْأَسْمَاءَ الطَّيْبَةَ ؟
قيلَ لَهُمْ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَلْزَمَ الْعِبادَ أَسْماءٌ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَى اخْتِلافِ الْمَعانى ، وذلِكَ كَما يَجْمَعُ الْإِسْمُ الْواحِدُ مَعْنَيَيْن مُخْتَلِفَيْن ، وَالدَّليلُ عَلى ذلِكَ قَوْلُ النَّاسِ الْجائِز عِنْدَهُمْ السَّائِعِ ، وَهُوَ الَّذِي خَاطَبَ اللهُ بِهِ الْخَلْقَ فَكَلَّمَهُمْ بِمَا يَعْقِلُونَ لِيَكُونَ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ في تضييع ما ضَيَّعوا ، فَقَدْ يُقالُ لِلرَّجل : كَلْبٌ ، وَحِمارٌ ، وَثَوْرٌ ، وَسَكْرَةٌ ، وَعَلْقَمَةٌ ، وَأَسَدٌ ، كُلُّ ذلِكَ عَلَى خِلافِهِ وَحالاتِهِ لَمْ تَقَعِ الْأَسامي عَلَى مَعَانيها الَّتِي كَانَتْ بُنِيَتْ
عَلَيْها؛ لأَنَّ الْإِنْسانَ لَيْسَ بِأَسَدٍ وَلَا كَلْبٍ ، فَافْهَمْ ذلِكَ رَحِمَكَ اللَّهُ.
وَإِنَّما سُمِّيَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعِلْم(1)ٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ حَادِثٍ عَلِمَ بِهِ الْأَشْيَاءَ ، اسْتَعَانَ بِهِ عَلَى حِفْظِ ما يُسْتَقْبِلُ مِنْ أَمْرِهِ ، وَالرَّوِيَّةِ فيما يَخْلُقُ مِنْ خَلْقِهِ ، وَيَفْسِدُ ما مَضى مِمَّا أَفْنى مِنْ خَلْقِهِ ، مِمَّا لَوْ لَمْ يَحْضَرْهُ وَيُغَيِّبْهُ كانَ جَاهِلاً ضعيفاً ، كَما أَنا لَوْ رَأَيْنا عُلَماءَ الْخَلْقِ إِنَّما سُمّوا بِالْعِلْمِ لِعِلْم حادثٍ إِذْ كانوا فيهِ جَهَلَةٌ(2)، وَرُبَّما فَارَقَهُمُ الْعِلْمُ بِالْأَشْيَاءِ فَعادُوا إِلَى الْجَهْلِ ، وَإِنَّما سُمِّيَ اللهُ عَالِماً لأَنَّهُ لَا يَجْهَلُ شَيْئاً ، فَقَدْ جَمَعَ الْخالِقُ وَالْمَخْلُوقُ اسْمَ الْعالِمِ ، وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى عَلَى مَا رَأَيْتَ.
وَسُمِّيَ رَبُّنَا سَمِيعاً لَا بِخَرْقٍ فِيهِ يَسْمَعُ الصَّوْتَ ، وَلَا يُبْصِرُ بِهِ كَمَا أَنَّ خَرْقَنَا الَّذِي بِهِ نَسْمَعُ لَا نَقْوىٰ بِهِ عَلَى الْبَصَرِ ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٍ مِنَ الْأَصْوَاتِ ، لَيْسَ عَلى حَدَّ ما سَمَّيْنا نَحْنُ ، فَقَدْ جَمَعَنَا الْإِسْمُ بِالسَّمْع ، وَاخْتَلَفَ الْمَعْنَى ،وَهَكَذَا الْبَصَرُ لَا بِخَرْقٍ مِنْهُ أَبْصَرَ ، كَما أَنَا تُبْصِرُ بِخَرْقٍ مِنّا لَا تَنْتَفِعُ بِهِ فِي غَيْرِهِ ، وَلكِنَّ اللهَ بَصِيرٌ لَا يَحْتَمِل شَخْصاً(3)مَنْظوراً إِلَيْهِ ، فَقَدْ جَمَعَنَا الْإِسْمُ وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى .
وَهُوَ قائِمٌ لَيْسَ عَلى مَعْنَى انْتِصاب وقيام عَلى ساقٍ فِي كَبَدٍ كَما قامَتِ الْأَشْياءُ ،وَلِكُن قائِمٌ(4)يُخْبِرُ أَنَّهُ حافِظٌ كَقَوْلِ الرَّجُلِ : الْقائِمِ بِأَمْرِنَا فُلانٌ ، وَاللَّهُ هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلَّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ، وَالْقائِمُ أَيْضاً كَلامَ النّاسِ: الْباقي ، وَالْقَائِمُ أَيْضاً يُخْبِرُ عَنِ الْكِفَايَةِ ، كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ : قُمْ بِأَمْرِ بَني فُلانٍ ، أَي اكْفِهِمْ ، وَالْقائِمُ مِنًا قَائِمٌ عَلَى سَاقٍ ، فَقَدْ جَمَعَنا الْإِسْمُ ، وَلَمْ يَجْمَعْنا الْمَعْنى .
وَأَمّا اللطيفُ فَلَيْسَ عَلَى قِلَّةٍ وَفَصافَةٍ وَصِغَرٍ ، وَلَكِنَّ ذلِكَ عَلَى النَّفَاذِ فِي الْأَشْيَاءِ ، وَالإمتناع مِنْ أَنْ يُدْرَكَ كَقَوْلِهِ لِلرَّجُلِ: لَطْفَ عَنّي هَذَا الْأَمْرُ ، وَلَطْفَ فُلانٌ في مَذْهَبِهِ ، وَقَوْلُهُ : يُخْبِرُكَ أَنَّهُ غَمَضَ فِيهِ الْعَقْلُ ، وَفاتَ الطَّلَبُ ، وَعادَ مُتَعَمِّقاً مُتَلَطْفاً ، لَا يُدْرِكُهُ الْوَهْمُ ، فَكَذلِكَ لُطْفُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى أَنْ يُدْرَكَ بِحَدٌ أَوْ يُحَدَّ بِوَصْفٍ ، وَاللَّطافَةُ مِنا الصَّغَرُ وَالْقِلَّةُ ، فَقَدْ جَمَعَنا الإِسْم وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى .
وَأَمَّا الْخَبِيرُ ، فَالَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَفوتُهُ ، لَيْسَ لِلتَّجْرِبَةِ ، وَلَا لِلْإِعْتِبَارِ بِالْأَشْياءِ ، فَعِنْدَ التَّجْرِبَةِ وَالْإِعْتِبَارِ عِلْمَانِ ، وَلَوْلاهُما مَا عَلِمَ؛ لأَنَّ مَنْ كانَ كَذلِكَ كَانَ جاهلاً ، وَاللهُ لَمْ يَزَلْ خَبِيراً بِمَا يَخْلُقُ الْخَبِيرُ مِنَ النَّاسِ الْمُسْتَخْبِرُ عَنْ جَهْلِ الْمُتَعَلِّمِ ، فَقَدْ جَمَعَنَا الْإِسْمُ وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى .
وَأَمَّا الظَّاهِرُ ، فَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَلَا الْأَشْيَاءَ بِرُكوبٍ فَوْقَهَا ، وَقُعودٍ عَلَيْهَا ، وَتَسَنُّم لِذُراها ، وَلكِنْ ذلِكَ لِقَهْرِهِ وَلِغَلَبَتِهِ الْأَشْيَاءَ ، وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ : « ظَهَرْتُ عَلَى أَعْدائي » ، وَ«أَظْهَرَني اللهُ عَلى خَصْمِي» ، يُخْبِرُ عَنِ الْفَلَجِ وَالْغَلَبَةِ ، فَهَكَذَا ظُهورٌ عَلَى الأشياء.
وَوَجْهُ آخَرُ أَنَّهُ الظَّاهِرُ لِمَنْ أَرادَهُ ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَأَنَّهُ مُدَبِّرٌ لِكُلِّ ما بَرَأَ ، فَأَيُّ ظاهِرٍ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ مِنَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعالى؛ لأَنَّكَ لَا تَعْدِمُ صَنْعَتَهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهْتَ ، وَفِيكَ مِنْ آثَارِهِ ما يُغْنِيكَ ، وَالظَّاهِرُ مِنَا الْبارِزُ بِنَفْسِهِ ، وَالْمَعْلُومُ بِحَدِّهِ ، فَقَدْ جَمَعَنَا الْإِسْمُ وَلَمْ يَجْمَعْنَا الْمَعْنى .
وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى الْإِسْتِبْطَانِ لِلْأَشْياءِ بِأَنْ يَغور فيها ، وَلكِنْ ذلِكَ مِنْهُ عَلَى اسْتِبْطَانِهِ لِلْأَشْياءِ عِلْماً وَحِفْظاً وَتَدْبيراً ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : « أَبْطَنْتُهُ» ، يَعْنِي خَبَرْتُهُ ، وَعَلِمْتُ مَكْتُومَ سِرِّهِ ، وَالْبَاطِنُ مِنَا الْغائِبُ في الشَّيْءِ الْمُسْتَتِرِ، وَقَدْ جَمَعَنَا الْإِسْم وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى .
وَأَمَا الْقَاهِرُ فَلَيْسَ عَلَى مَعْنى عِلاجِ وَنَصْبٍ وَاحْتِيَالٍ ، وَمُدارَاةٍ وَمَكْرٍ ، كَما يَظْهَرُ الْعِبادُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً ، وَالْمَقْهُورُ مِنْهُمْ يَعودُ قاهِراً ، وَالْقاهِرُ يَعودُ مَقهوراً ، وَلكِنْ ذلِكَ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى أَنَّ جَميعَ مَا خَلَقَ مُلَبَّسٌ بِهِ الذُّلَّ لِفاعِلِهِ ، وَقِلَّةِ الْإِمْتِناعِ لِما أَرادَ بِهِ ،لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ طَرْفَةَ عَيْنِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: «كُنْ فَيَكُونُ»(1)، وَالْقَاهِرُ مِنّا عَلى ما ذَكَرْتُ وَوَصَفْتُ ، فَقَدْ جَمَعَنَا الْإِسْمُ وَاخْتَلَفَ الْمَعْنى .
وهكذا جَميعُ الْأَسْمَاءِ ، وَإِنْ كُنَّا لَمْ نَسْتَجْمِعها كُلَّهَا فَقَدْ يَكْتَفِي الْإِعْتِبَارُ بِمَا أَلْقَيْنَا
إِلَيْكَ ، وَاللهُ عَوْنُكَ وَعَوْنُنَا فِي إِرْشَادِنَا وَتَوْفِيقِنا»(2).
وحفلت هذه الرسالة بالاستدلال على قِدم الخالق العظيم المبدع والمكوّن للأشياء على اختلاف أنواعها ، كما حفلت بذكر بعض أسماء الله تعالى ، وأنّها وإن أطلقت على الإنسان إلّا أنّ المعنى مختلف ، فإطلاقها على الله غير إطلاقها على الإنسان المفتقر إلى الله تعالى في جميع شؤونه وأحواله .
ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الرسالة وصفها الكليني بأنها مرسلة وليست بمسندة .
وتنزّه الخالق العظيم عن المكان والزمان اللذين هما من لوازم الموجودات التي تستند في وجودها إلى الله تعالى ، وقد خفّ رجل من وراء نهر بلخ نحو الإمام الرضا(علیه السلام) فقال له : إنّي أسألك عن مسألة ، فإن أجبتني فيها بما عندي قلت بإمامتك .
وعرض مسألته على الإمام قائلاً: أخبرني عن ربّك متى كان ؟ وكيف كان اعتماده ؟
وأجابه الإمام ببالغ الحجّة قائلاً : إِنَّ اللهَ تَبارَكَ وَتَعالى أَيْنَ الأيْنَ بِلا أَيْنِ ، وَكَيْفَ الْكَيْفَ بِلَا كَيْفِ ، وَكَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَى قُدْرَتِهِ.
إنّ الله تعالى هو الذي أوجد المكان والزمان ، فهما من مخلوقاته ، فكيف يتّصف بهما ؟
وبهر الرجل من جواب الإمام وسارع فقبّل رأسه ، وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأن علياً وصيّ رسول الله ، والقيّم بعده بما أقام به رسول الله ، وأنكم الأئمة الصادقون ، وأنك الخلف من بعدهم(1).
لقد كان الإمام من مصادر الهداية والنور في الأرض ، فأشاع في عصره الإيمان بالله ، وأقام الحجة على الخلق .
وكتب محمد بن عبيد إلى الإمام الرضا(علیه السلام) يسأله عن الرؤية - أي رؤية الله تعالى-وما ترويه العامّة والخاصّة في ذلك ، وسأل الإمام أن يشرح له ذلك.
فكتب الإمام إليه الرسالة التالية :
اتَّفَقَ الْجَمِيعُ لَا تَمانُعَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ ضَرورَةٌ ، فَإِذا جازَ أَنْ يُرَى اللهُ بِالْعَيْنِ وَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ ضَرورَةٌ ، ثُمَّ لَمْ تَخْلُ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ مِنْ أَنْ تَكونَ إيماناً أَوْ لَيْسَتْ بِإِيمَانٍ ، فَإِنْ كانَتْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيا إيماناً ، فَالْمَعْرِفَةُ التي في دارِ الدُّنْيا مِنْ جِهَةِ الْإِكْتِسابِ لَيْسَتْ بِإِيمَانِ لأَنها ضِدُّهُ ، فَلَا يَكونُ في الدُّنْيا مُؤْمِنٌ لأَنَّهُمْ
1) أصول الكافي : 1 : 88.
لَمْ يَرُوا اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيا إِيمَاناً لَمْ تَخْلُ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الْإِكْتِسابِ أَنْ تَزَولَ ، وَلَا تَزولُ فِي الْمَعادِ ، فَهذا دَليلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُرى بِالْعَيْنِ إِذِ الْعَيْنُ تُؤدّي إلى ما وَصَفْنا(1).
وأبطل الإمام بهذه الحجّة البالغة رؤية الخالق العظيم بالعين لا بالفكر والعقل، فإنّ الإيمان به تعالى لو كان مرتبطاً بها للزم أن يكون الإيمان الناشئ من الأدلّة الوجدانية على وجود الله ليس إيماناً ، وهو باطل ، وإن كانت معرفة الله تعالى ناشئة من الرؤية ليست إيماناً ، فلازمه أن لا تكون المعرفة الناشئة من الأدلة موجبة للإيمان ، وهو باطل أيضاً.
إن الإيمان بالخالق تعالى من الضروريِّات التي لا ينكرها إلا من زاغ فكره ، وضل عقله ، والله تعالى أبرز حقيقة ظاهرة في هذا الوجود تدلّل عليه مخلوقاته .
أما التفويض فهو يتصادم مع الدين الإسلامي ، وكذلك الجبر ، فإنّه ليس من الإسلام في شيء ، وقد سأل الحسن بن عليّ الوشّاء الإمام عن ذلك فقال له : الله فوّض الأمر إلى العباد ؟
وسارع الإمام في إبطال ذلك قائلاً: اللهُ أَعَزُّ مِنْ ذلِك
وانبرى الحسن قائلاً: وجبرهم على المعاصي ؟
فردّه الإمام قائلاً: اللهُ أَعْدَلُ وَأَحْكَمُ مِنْ ذلِكَ.
وأضاف الإمام قائلاً : قال الله : يابْنَ آدَمَ ، أنا أولى بِحَسَناتِكَ مِنْكَ ، وَأَنْتَ أَوْلى
1) أصول الكافي : 1 : 96 و 97.
بِسَيِّئاتِكَ مِنِّي ، عَمِلْتَ بِالْمَعاصِي بِقُوَّتي التي جَعَلْتُها فيك(1).
إن الله تعالى منح عباده الإرادة الكاملة ، فهم بمحض إرادتهم يطيعون أو يعصون ،
وليسوا بمجبرين على شيء منهما .
وممّا أثر عن الإمام الرضا(علیه السلام) في إبطال الجبر والتفويض ما رواه سليمان بن جعفر لجعفري ، قال : « ذكر عند الإمام الرضا(علیه السلام) الجبر والتفويض .
فقال : ألا أعطيكُمْ فى هذا أَصْلاً لا تَخْتَلِفونَ فيهِ ، وَلَا يُخاصِمُكُمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا كَسَرْتُمُوهُ ؟
فقال أصحابه : إن رأيت ذلك .
فقال(علیه السلام) : إِنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُطَعْ بِإِكْراءِ ، وَلَمْ يُعْصَ بِغَلَبَةٍ ، وَلَمْ يُهْمِلِ الْعِبادَ في مُلْكِهِ ، وَهُوَ الْمالِكُ لِما مَلَكُهُم ، وَالْقادِرُ عَلى ما أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ ، فَإِنِ انْتَمَرَ الْعِبادُ بِطاعَتِهِ لَمْ يَكُنِ اللهُ عَنْها صاداً ، وَلَا مِنْها مانِعاً ، وَإِنِ الْتَمَرُوا بِمَعْصِيَتِهِ فَشَاءَ أَنْ يَحولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ فَعَلَ ، وَإِنْ لَمْ يَحُلْ فَفَعَلُوا ، فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُمْ فِيهِ.
وعقب هذا البرهان الحاسم قال(علیه السلام) لأصحابه : مَنْ يَضْبِطْ حُدودَ هَذَا الْكَلامِ فَقَدْ خَصَمَ مَنْ خَالَفَهُ»(2).
وأكّد الإمام هذا الأمر في حديثه مع عليّ بن أسباط ، فقد سأله الاستطاعة ، فأجابه : يَسْتَطيعُ الْعَبْدُ بَعْدَ أَرْبَعِ خِصَالٍ : أَنْ يَكونَ مُخَلَّى السِّرْبِ ، صَحِيحَ الْجِسْمِ ، سَليمَ الْجَوارِحِ ، لَهُ سَبَبٌ وارِدٌ مِنَ اللهِ .
وانبرى عليّ قائلاً: جعلت فداك ، فسّر لي هذا ؟
وأوضح الإمام(علیه السلام) هذه الأمور بقوله : أنْ يكونَ الْعَبْدُ مُخَلَّى السِّرْبِ ، صَحيح الْجِسْمِ ، سَليمَ الْجَوارِحِ ، يُريدُ أَنْ يَزْنِي فَلَا يَجِدُ امْرَأَةً ، ثُمَّ يَجِدُها ، فَأَمَا أَنْ يَعْصِمَ نَفْسَه فَيَمْتَنِعُ كَمَا امْتَنَعَ يُوسُفُ(علیه السلام) ، أَوْ يُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِرَادَتِهِ فَيَرْنِي فَيُسَمِّى رَانِياً ، وَلَمْ يُطع اللهَ بِإِكْرَاهِ ، وَلَمْ يَعْصِهِ بِغَلَبَةٍ(1).
لقد عرض الإمام الرضا(علیه السلام) وبقيّة أئمة أهل البيت(علیهم السلام) إلى بطلان الجبر والتفويض ، وأثبتوا بصورة حاسمة لا تقبل الشّك أنّ الأمر بين الأمرين ، لا جبر ولا تفويض .
وفنّد الإمام الرضا(علیه السلام) اللها آراء القدريّة ، وأبطل شبههم في حديث له مع يونس بن عبد الرحمن.
قال(علیه السلام) : يا يونس ، لَا تَقُلْ بِقَوْلِ الْقَدْرِيَّةِ ، فَإِنَّ الْقَدْرِيَّةَ لَمْ يَقُولُوا بِقَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَلَا بِقَوْلِ أَهْلِ النّارِ ، وَلَا بِقَوْلِ إِبْلِيسَ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ قالوا:«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ»(2).
وَقالَ أَهْلُ النَّارِ :«رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِفْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ»(3).
وَقالَ إِبْلِيسُ :«رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي» الآية(4).
وأنكر يونس أن يقول بمقالتهم قائلاً: والله ما أقول بقولهم ، ولكني أقول : لا يكون
إلا بما شاء الله وأراد وقدّر وقضى.
و ردّ(علیه السلام) قائلاً: يا يونُسُ ، لَيْسَ هكذا ، لَا يَكونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَأَرَادَ ، وَقَدَّرَ وَقَضَى .
يا يونُسُ ، تَعْلَمُ مَا الْمَشِيئَةُ ؟
قال يونس : لا .
وأوضح الإمام له حقيقة المشيئة قائلاً: هِيَ الذِّكْرُ الْأَوَّلُ . تَعْلَمُ مَا الْإِرادَةُ ؟
قال يونس : لا
وبين الإمام له واقع الإرادة قائلاً : هِيَ الْعَزيمَةُ عَلى ما يَشاءُ . تَعْلَمُ ما الْقَدَرُ ؟
قال يونس : لا
فقال(علیه السلام) : هِيَ الْهَنْدَسَةُ ، وَوَضْعُ الْحدودِ مِنَ الْبَقاءِ وَالْفَناءِ ، وَالْقَضاءُ هُوَ الْإِبْرامُ ، وَإِقَامَةُ الْعَيْنِ .
وانحنى يونس إكباراً وإجلالاً للإمام ، وقبل رأسه ، وقال له : فتحت لي شيئاً كنت عنه في
غفلة(1).
1) أصول الكافي : 1 : 157 .
ومن بين البحوث العقائدية التي خاضها الإمام الرضا(علیه السلام) الإمامة ، فقد عرض لها في كثير من مناظراته وبحوثه ، كان منها ما يلي :
الإمامة من أهم المراكز الحسّاسة في الإسلام ، لأنها تصون الأمة وتحميها من الاعتداء ، وتوفّر لها الكرامة والحرية ، وتحقق لها جميع ما تصبو إليه.
وقد أدلى الإمام(علیه السلام) بحديث شامل إلى عبد العزيز بن مسلم عرض فيه بصورة موضوعيّة عن أهمية الإمامة ، وأنها من أهم الأهداف والمبادئ التي تبنّاها الإسلام ، فالرسول (صلى الله عليه وآله و سلم) قبل أن ينتقل إلى حظيرة القدس قد أقام القائد والمرجع لأمته، وهو الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام) ، رائد الحكمة في دنيا الإسلام . استمعوا إلى حديث الإمام الرضا(علیه السلام) عن الإمامة.
ثم قال(علیه السلام) : يا عَبْدَ الْعَزِيزِ ، جَهِلَ الْقَوْمُ وَخُدِعوا عَنْ أَدْيَانِهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَزَّ لَمْ يَقْبِضَ نَبِيِّهُ (صلى الله عليه وآله و سلم) حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ الدِّينَ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَبَيَّنَ فِيهِ الْحَلَالَ وَالْحَرامَ ، وَالْحُدودَ وَالْأَحْكامَ ، وَجَميعَ ما يَحْتاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ كُملاً ، فَقالَ :«مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ»(1). وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي حِجَّةِ الْوِداعِ ، وَهِيَ آخِرُ عُمْرِهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) :«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
1) الأنعام 6 :38 .
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً»(1).
وَأَمْرُ الْإِمَامَةِ مِنْ كَمالِ الدِّينِ ، وَلَمْ يَمْضِ (صلى الله عليه وآله و سلم) حَتَّى بَيَّنَ لأُمَّتِهِ مَعَالِمَ دِينِهِ ، وَأَوْضَحَ لَهُمْ سُبُلَهُمْ ، وَتَرَكَهُمْ عَلى قَصْدِ الْحَقِّ ، وَأَقامَ لَهُمْ عَلِيّاً(علیه السلام) عَلَماً وَإِماماً ، وَما تَرَكَ شَيْئاً مِمَا تَحْتاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَّا وَقَدْ بَيَّنَهُ.
وحكى هذا المقطع الأهمية البالغة للإمامة عند النبي(صلى الله عليه وآله و سلم) ، فهي من أهمّ العناصر في رسالته الخالدة ، فبها كمال الدين ، وإتمام النعمة ، وقد اختار(صلى الله عليه وآله و سلم) لهذا المنصب الخطير أخاه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه ، فقد أقامه خليفة من بعده ، وأمر المسلمين بمبايعته في غدير خم ، وقد أوضح(صلى الله عليه وآله و سلم) بذلك السبيل لأمته ، ولم يترك الأمر فوضى من بعده .
ولنستمع إلى بند آخر من حديثه(علیه السلام) يقول :
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكْمِلْ دِينَهُ فَقَدْ رَدَّ كِتابَ اللَّهِ ، وَمَنْ رَدَّ كِتابَ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ. هَلْ يَعْرِفُونَ قَدْرَ الْإِمَامَةِ وَمَحَلَّها مِنَ الْأُمَّةِ فَيَجُوزَ فِيهَا اخْتِيَارُهُمْ ؟
إِنَّ الْإِمَامَةَ خَصَّ اللهُ بِها إِبْرَاهِيمَ الْخَليلَ(علیه السلام) بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَالخِلَّةِ مَرْتَبَةٌ ثالِثَةٌ ، وَفَضيلَةً شَرَّفَهُ بها ، وَأَشادَ بها ذِكْرَهُ ، فَقالَ جَلَّ وَعَزَّ :«وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ»(2)، فَأَبْطَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِمَامَةَ كُلِّ ظَالِم إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَصارَتْ في الصَّفْوَةِ.
عرض الإمام(علیه السلام) في هذا المقطع إلى استحالة الاختيار والانتخاب للإمامة ، وأنها غير خاضعة لإرادة الجماهير الذين لا علم لهم بواقع الأمور وحقيقة الأشياء ، وإنّما أمرها بيد الله تعالى ، فهو الذي يختار لقيادة عباده من تتوفّر فيه الصفات الرفيعة من التقوى والحريجة في الدين ، والعلم بما تحتاج إليه الأمة في جميع مجالاتها ليضمن لها حياة كريمة لا ظلّ فيها للقهر والظلم والغبن والفقر.
الإمامة كالنبوة أمرها بيد الله تعالى ، وقد منحها لأفضل عباده ، وهو إبراهيم الخليل(علیه السلام) ، وانتقلت من بعده إلى أفاضل ذرّيّته كإسحاق ويعقوب ، ثم انتقلت إلى سيّد الأنبياء الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله و سلم) ، فقلّدها من بعده إلى باب مدينة علمه ، وأفضل أمته الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام) ، ثمّ من بعده إلى الأئمة الطاهرين من ذريّته الذين هم صفوة خلق الله تعالى.
ولننتقل إلى فصل آخر من كلام الإمام(علیه السلام) يقول :
ثُمَّ أَكْرَمَهَا اللهُ بِأَنْ جَعَلَها فِي ذُرِّيَّةِ أَهْلِ الصَّفْوَةِ وَالطَّهَارَةِ ، فَقالَ:« وَ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلَا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ
الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(1).
فَلَمْ تَزَلْ تَرِتُها ذُرِّيَّتُهُ بَعْضُ عَنْ بَعْضٍ ، قَرْنا فَقَرْنا ، حَتَّى وَرِثَها النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله و سلم) ، فَقالَ اللهُ:«إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا»(2).
فَكانَتْ لَهُمْ خاصَّةً ، فَقَلَّدَها النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله و سلم) عَلِيّاً(علیه السلام) ، فَصارَتْ في ذُرِّيَّتِهِ الْأَصْفياءِ الَّذينَ آتَاهُمُ اللهُ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ ، وَذلِكَ قَوْلُهُ :«وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَايَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»(1)عَلى رَسْم ما جَرى ، وَما فَرَضَهُ اللهُ في وُلْدِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ إِذْ لَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله و سلم) ، فَمَنْ أَيْنَ يَخْتارُ هَذِهِ الْجُهَالُ الْإِمَامَةَ بِآرَائِهِمْ ؟
إِنَّ الْإِمَامَةَ مَنْزِلَةُ الْأَنْبِياءِ ، وَإِرْثُ الْأَوْصياءِ .
إِنَّ الْإِمَامَةَ خِلَافَةُ اللَّهِ ، وَخِلَافَةٌ رَسُولِهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) ، وَمَقَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(علیه السلام) ،وَخِلَافَةُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ(علیهما السلام).
إِنَّ الْإِمَامَ زِمَامُ الدِّينِ ، وَنِظامُ الْمُسْلِمينَ ، وَصَلاحُ الدُّنْيا ، وَعِز الْمُؤْمِنِينَ.
الْإِمَامُ أُسُّ الْإِسْلَامِ النَّامِي، وَفَرْعُهُ السَّامِي.
بِالْإِمَامِ تَمامُ الصَّلَاةِ ، وَالزَّكاةِ ، وَالصِّيامِ، وَالْحَجِّ ، وَالْجِهَادِ ، وَتَوْفِيرِ الْفَيْءِ ، وَالصَّدَقَاتِ ، وَإِمْضاءِ الحُدودِ وَالْأَحْكامِ، وَمَنْعُ الثَّغور وَالْأَطْرافِ .
الْإِمَامُ يُحَلِّلُ حَلَالَ اللَّهِ ، وَيُحَرِّمُ حَرامَهُ ، وَيُقيمُ حُدودَ اللهِ ، وَيَذُبُ
1) الروم 30: 56 .
عَنْ دِينِ اللهِ ، وَيَدْعو إِلَى سَبِيلِ اللَّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَالْحُجَّةِ الْبالِغَةِ .
الْإِمَامُ كَالشَّمْسِ الطَّالِعَةِ الْمُجَلَّلَةِ بِنورِها لِلْعَالَمِ، وَهُوَ بِالْأُفُقِ حَيْثُ لَا تَنالُهُ الْأَبْصَارُ وَلَا الْأَيْدِي.
الإمامُ الْبَدْرُ الْمُنيرُ ، وَالسِّراجُ الزّاهِرُ ، وَالنُّورُ الطَّالِعُ ، وَالنَّجْمُ الْهَادِي في غَياباتِ الدُّجى ، وَالدَّليلُ عَلَى الْهُدَى ، وَالْمُنْجِي مِنَ الرَّدى .
الْإِمَامُ النَّارُ عَلَى الْيَفاع الْحارُّ لِمَنِ اصْطَلَى ، وَالدَّليلُ فِي الْمَهَالِكِ ، مَنْ فارَقَهُ فَهالِك.
الإمامُ السَّحابُ الْماطِرُ ، وَالْغَيْثُ الْهاطِلُ ، وَالسَّماءُ الظَّلِيلَةُ ، وَالْأَرْضُ الْبَسِيطَةُ ، وَالْعَيْنُ الْغَزِيرَةُ ، وَالْغَديرُ وَالرَّوْضَةُ .
الْإِمَامُ الأمينُ الرَّفيقُ ، وَالْوَلَدُ الشَّفيقُ ، وَالأخُ الشَّقيقُ ، وَكَالأُمِّ الْبَرَّةِ بِالْوَلَدِ الصَّغِيرِ، وَمَفْزَعُ الْعِبَادِ.
الْإِمَامُ أَمِينُ اللهِ فِي أَرْضِهِ وَخَلْقِهِ ، وَحُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ ، وَخَلِيفَتُهُ فِي بِلَادِهِ ، وَالدّاعِي إِلَى اللَّهِ ، وَالذَّابُ عَنِ حَرِيمِ اللَّهِ.
الْإِمَامُ مُطَهَّرٌ مِنَ الذُّنوبِ ، مُبَرَّءٌ مِنَ الْعُيوبِ ، مَخْصوص بِالْعِلْمِ ، مَوْسوم بِالْحِلْمِ ، نِظامُ الدِّينِ ، وَعِزُّ الْمُسْلِمِينَ ، وَغَيْظُ الْمُنافِقِينَ، وَبَوارُ الْكافِرِينَ.
الإمامُ وَاحِدُ دَهْرِهِ ، لَا يُدانِيهِ أَحَدٌ ، وَلَا يُعادِلُهُ عَالِمٌ ، وَلَا يُوجَدُ لَهُ بَدَلٌ ، وَلَا لَهُ مِثَلٌ وَلَا نَظِيرٌ.مَخْصوص بِالْفَضْلِ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ وَلَا اكْتِسابِ ، بَلِ اخْتِصاصٌ مِنَ الْمُفَضَّلِ الْوَهَابِ ، فَمَنْ ذا يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ الْإِمام أَوْ كُنْهَ وَصْفِهِ .
حفل هذا المقطع من كلام الإمام(علیه السلام) بأهميّة الإمام ، وأنّه ظلّ الله في الأرض ، وعليه تدور جميع مصالح الأمة ، وما تنشده من أهداف ، كما ترتبط به إقامة الحدود ، وصيانة الثغور ، وتحليل الحلال ، وتحريم الحرام ، وتطبيق أحكام الله تعالى على واقع الحياة العامّة التي يعيشها المسلمون .
ومن المؤكّد أنّ هذه الأهداف الأصيلة والمبادئ العليا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحقّقها على مسرح الحياة إلّا أئمة الهدى(علیهم السلام) الذين أقصتهم أئمة الظلم والجور عن مراكزهم التي منحها الله لهم ، فعانت الأمة من جراء ذلك جميع ألوان الظلم والجور .
ويواصل الإمام(علیه السلام) حديثه بالإشادة بأئمة أهل البيت(علیه السلام)، ومناهضة أئمة الجور ، وينعى على الذين أقاموهم . يقول(علیه السلام):
هَيْهاتَ هَيْهاتَ ، ضَلَّتِ الْعُقولُ، وَتَاهَتِ الْحُلومُ ، وَحارَتِ الْأَلْبَابُ ، وَحَصَرَتِ الْخُطَبَاءُ ، وَكَلَّتِ الشُّعَراءُ ، وَعَجَزَتِ الْأَدَبَاءُ ، وَعَيبَتِ الْبُلَغَاءُ ، وَفَحَمَتِ الْعُلَماءُ عَنْ وَصْفِ شَأْنٍ مِنْ شَأْنِهِ ، أَوْ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضائِلِهِ ، فَأَقَرَّتْ بِالْعَجْزِ وَالتَّقْصِيرِ ، فَكَيْفَ يُوصَفُ بِكُلِّيَّتِهِ ، أَوْ يُنْعَتُ بِكَيْفِيَّتِهِ ، أَوْ يُوجَدُ مَنْ يَقومُ مَقامَهُ ، أَوْ يُغْنِي غِناهُ ، وَأَنَّى وَهُوَ بِحَيْثُ النَّجْمِ عَنْ أَيْدي الْمُتَناولينَ ، وَوَصْفِ الْواصِفينَ ؟
أَيَظُنُّونَ أَنَّهُ يُوجَدُ ذلِكَ فى غيرِ آلِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ ؟ كَذَبْتُهمْ وَاللَّهِ أَنْفُسُهُمْ ، وَمَنَتْهُمُ الْأَباطيلُ إِذِ ارْتَقَوْا مُرْتَقَى صَعْباً ، وَمَنْزِلاً دَحْضاً . زَلَّتْ بِهِمْ إِلَى الْحَضِيضِ أَقْدَامُهُمْ ، إِذْ رَامُوا إِقَامَةَ إِمَامٍ بِآرَائِهِمْ .
وكَيْفَ لَهُمْ بِاخْتِيارِ إِمَامٍ ، وَالْإِمَامُ عالِمٌ لَا يَجْهَلُ ، وَراعِ لَا يَمْكُرُ ؟ مَعْدِنُ النُّبُوَّةِ لَا يُعْمَرُ فِيهِ بِنَسَبٍ ، وَلَا يُدانِيهِ ذُو حَسَبٍ ، فَالْبَيْتُ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَالذُّرْوَةُ مِنْ هَاشِمٍ ، وَالْعِتْرَةُ مِنَ الرَّسُولِ (صلى الله عليه وآله و سلم) . شَرَفُ الْأَشْرافِ ، وَالْفَرْعُ عَنْ عَبْدِ مُنافٍ . نامي الْعِلْم ، كامِلُ الْحِلْم ، مُضْطَلِعْ بِالْأَمْرِ ، عالِمٌ بِالسّيَاسَةِ ، مُسْتَحِقُ لِلرئاسةِ ، مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ ، قَائِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ ، ناصِحٌ لِعِبَادِ اللهِ .
إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْصِياءَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ يُوَفِّقُهُمُ اللهُ ، وَيُسَدِّدُهُمْ ، ویوتِهِمْ مِنْ مَخْرُونِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ مَا لَا يُؤْتِيهِ غَيْرَهُمْ ، يَكونُ عِلْمُهُمْ فَوْقَ عِلْمٍ أَهْلِ زَمَانِهِمْ .
وَقَدْ قالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ :«أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(1).
وَقالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ طَالُوتَ :« إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ»(2).
وَقالَ في قِصَّةِ داودَ : «وَقَتَلَ دَاوُدُ(علیه السلام) جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ
وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ»(1).
وَقالَ لِنَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) :«وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَك مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً»(2).
وَقالَ فِي الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَعِتْرَتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ :«أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ - إلى قوله تعالى : - سَعِيراً»(3).
وإِنَّ الْعَبْدَ إِذا اخْتارَهُ اللهُ لأمورِ عِبادِهِ شَرَحَ صَدْرَهُ لِذلِكَ ، وَأَوْدَعَ قَلْبَهُ يَنابيعَ الْحِكْمَةِ ، وَأَطْلَقَ عَلَى لِسَانِهِ ، فَلَمْ يَعيَ بَعْدَهُ بِجَوابِ ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ غَيْرَ صَوابٍ ، فَهُوَ مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ مُؤَيَّدٌ ، قَدْ أَمِنَ مِنَ الْخَطَأُ وَالزَّلَل.
خَصَّهُ بِذلِكَ لِيَكُونَ ذلِكَ حُجَّةً عَلى خَلْقِهِ ، شَاهِداً عَلَى عِبَادِهِ ، فَهَلْ يَقْدِرُونَ عَلَى مِثْلِ هذا فَيَخْتارُونَهُ فَيَكونُ مُخْتارُهُمْ بِهَذِهِ الصَّفَةِ»(4).
وانتهى هذا الحديث الشريف الذي هو من أوثق الأدلّة ، وأشملها على ضرورة الإمامة ، وأنّها من أهمّ المراكز الحسّاسة في الإسلام ، وليست خاضعة لاختيار الأمّة وانتخابها ، وإنّما أمرها بيد الخالق العظيم ، فهو الذي يعين ، وينتخب افضل عباده ، وأتقاهم لهذا المنصب الخطير ليقيم بين الناس العدل الخالص ، والحقّ المحض ، و یسوسهم بسياسة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله و سلم) .
وأدلى الإمام(علیه السلام) بحديث عن علامات الإمام وصفاته ، جاء فيه :
«لِلْإِمَامِ عَلاماتٌ : يَكونُ أَعْلَمَ النَّاسِ ، وَأَحْكَمَ النَّاسِ ، وَأَتْقَى النَّاسِ ، وَأَحْلَمَ النَّاسِ ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ ، وَأَسْحَى النَّاسِ ، وَأَعْبَدَ النَّاسِ»(1).
ويجب أن تتوفّر في الإمام هذه الصفات حتّى يصلح لقيادة الأمة ورفع مستواها اجتماعيّاً واقتصادياً .
روى أبو مسعود الجعفري ، قال :«سمعت الإمام أبا الحسن الرضا(علیه السلام) يقول : الأئِمَّةُ خُلَفَاءُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَرْضِهِ»(2).
والشيء الذي لا ريب فيه أنّ أئمة أهل البيت(علیهم السلام) هم خلفاء الله تعالى في أرضه وحججه على عباده ، وأمناؤه في بلاده ، فهم قادة هذه الأمة ، والأدلّاء على مرضاة الله تعالى وطاعته .
كان الإمام الرضا(علیه السلام) حليف القرآن الكريم يتلوه باستمرار ، ويتأمل آياته بإمعان ، وكان يجد في تلاوته له متعة لا تعادلها أيّة متعة في الحياة ، ويقول الرواة : «إنّ جميع كلامه تأثّر تأثيراً مباشراً بالقرآن ، فكان جوابه وتمثّله انتزاعات منه»(1).
وبلغ من شغفه وولعه بالقرآن أنه كان يختمه في كلّ ثلاثة أيام ، ويقول : «لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَخْتِمَهُ فِي أَقْرَبِ مِنْ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ لَفَعَلْتُ ، وَلكِنِّي مَا مَرَرْتُ بِآيَةٍ قَطُّ إِلَّا فَكَّرْتُ فيها ، وَفي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ ؟ فَلِذلِكَ صِرْتُ أُخْتِمُ فِي كُلِّ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ»(2).
ومعنى ذلك أنه كان في أغلب أوقاته مشغولاً بتلاوة القرآن الكريم ، والإمعان في تفسيره ، وأسباب نزول آياته.
ويقول المؤرخون : «إنّه كان يكثر بالليل في فراشه من تلاوة القرآن ، فإذا مرّ بآية فيها ذكر الجنّة أو النار بكي ، وسأل الله الجنّة ، وتعوّذ به من النار»(3). وقبل أن نعرض لنماذج من تفسيره لبعض الآيات نلمح لبعض الجهات التي ترتبط بالموضوع .
كان الإمام(علیه السلام) إذا قرأ بعض سور القرآن الكريم عقّب عليها ببعض الكلمات
ومن بينها هذه السور:
1
سورة التوحيد : وكان إذا فرغ من تلاوة سورة التوحيد عقب عليها بقوله :
كَذلِكَ اللهُ رَبُّنا » ، يقول ذلك ثلاثاً .
2 - سورة الجحد : وإذا فرغ من قراءة سورة الجحد قال ثلاثاً : «رَبِّيَ اللهُ ، وَديني الإِسلام».
3 - سورة التين: وبعد الفراغ من قراءتها يقول : «بَلَى وَأَنا عَلى ذلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ».
4- سورة القيامة : وإذا قرأ سورة القيامة قال : «سُبْحانَكَ اللهم».
5- سورة الفاتحة : وبعد فراغه من قراءة سورة الفاتحة يقول : «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ».
6 - سورة سبّح اسم ربّك : وإذا تلى هذه السورة قال : «سُبْحانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»(1).
تطرّق الإمام(علیه السلام) إلى بعض شؤون البسملة في جملة من أحاديثه ، كان منها ما يلي :
إنّ للبسملة أهميّة خاصّة عند أئمة أهل البيت(علیهم السلام) ، فقد روي عن الإمام أبي جعفر(علیه السلام) أنها :«أَوَّلُ كُلِّ كِتابٍ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
وروي عن الإمام الرضا(علیه السلام): «أَنَّها أَقْرَبُ إِلَى اسْمِ اللهِ الْأَعْظَمِ مِنْ نَاظِرِ الْعَيْنِ
1) عيون أخبار الرضا(علیه السلام) : 2 : 183 .
إلى سوادها»(1).
وأعلن الإمام(علیه السلام) أن البسملة جزء من سور القرآن الكريم ، فقد روي أنّه قيل للإمام أميرالمؤمنين(علیه السلام) : أخبرنا عن بسم الله الرحمن الرحيم ، أهي من فاتحة الكتاب ؟
فقال : نَعَمْ ، كانَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) يَقْرَأُهَا وَيَعُدُّها آيَةٌ مِنْهَا ، وَيَقولُ : فَاتِحَةُ الْكِتَابِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثاني»(2).
وكان الإمام الرضا(علیه السلام) يجهر بالبسملة في جميع صلواته بالليل والنهار(3).
وشجب من يخفت بها ، فقال : «ما بالُهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ عَمَدُوا إِلَىٰ أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتابَ اللَّهِ فَزَعَمُوا أَنَّهَا بِدْعَةٌ إِذا أَظْهَرُوها»(4).
واهتم الإمام الرضا(علیه السلام) اهتماماً بالغاً في تفسير القرآن الكريم ، فأولاه المزيد من العناية في محاضراته وبحوثه التي ألقاها على الفقهاء والعلماء وسائر طلّابه ، وقد نقلها الرواة والمفسّرون للقرآن ، وهذه بعضها :
1- قَالَ تَعَالَى:«خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ».«7»
قال(علیه السلام) في تفسير هذه الآية :«الْخَتْمُ هُوَ الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِ الْكُفَّارِ عُقوبَةٌ عَلى كَفْرِهِمْ»(1).
2- قَالَ تَعَالَى:«مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ».«17»
قال(علیه السلام) في تفسير قوله تعالى :«وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ»: «إِنَّ اللهَ لا يُوصَفُ بالتَّرْكِ كَما يُوصَفُ خَلْقَهُ ، وَلكِنَّهُ مَتى عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعونَ عَنِ الْكُفْرِ وَالضَّلالَةِ ، فَمَنَعَهُمُ الْمُعاوَنَةَ وَاللَّطْفَ ، وَخَلَّىٰ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اخْتِيَارِهِمْ»(2).
3- قَالَ تَعَالَى:«وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ».«25»
سأل عبد السلام بن صالح الهروي الإمام الرضا(علیه السلام) ، فقال له : يابن رسول الله ، أخبرني عن الشجرة التي أكل منها آدم وحواء ما كانت ، فقد اختلف الناس فيها ، فمنهم من يروي أنّها الحنطة ، ومنهم من يروي أنّها العنب ، ومنهم من يروي أنّها شجرة الحسد ؟
فقال(علیه السلام) : كُلُّ ذلِكَ حَقٌّ .
فقال عبد السلام : ما معنى هذه الوجوه على اختلافها ؟
فقال(علیه السلام) : يابْنَ الصَّلْتِ ، إِنَّ شَجَرَةَ الْجَنَّةِ تَحْمِلُ أَنواعاً ، وَكانَتْ شَجَرَةَ الْحِنْطَةِ وَفِيها عِنَبٌ ، وَلَيْسَتْ كَشَجَرَةِ الدُّنْيا(1).
وعلّق الإمام السبزواري(قدس سره) على هذه الرواية بقوله : «لا ريب في أنّ تلك الجنّة ولو كانت من الدنيا لها خصوصية ليست تلك الخصوصيّة في جميع جنّات الدنيا ، ومن جهة قلة التزاحم والتنافي في تلك الجنّة أو عدمهما فصحّ أن تحمل شجرة منها أنواعاً»(2).
4- قَالَ تَعَالَى:«وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةٌ».«55»
قال(علیه السلام) في تفسير الآية الكريمة :«إِنَّهُمْ- أي الذين قالوا لموسى هذا القول - السَّبْعونَ الَّذينَ اخْتارَهُمْ مَوسى وَصاروا مَعَهُ إِلَى الْجَبَلِ ، فَقَالُوا : إِنَّكَ قَدْ رَأَيْتَ اللَّهَ ، فَأَرِنَاهُ كَما رَأَيْتَهُ.
فَقالَ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَرَهُ .
فَقالوا لَهُ :«لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً»»(3).
5- قَالَ تَعَالَى:«وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ
يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لنا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جَنْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ».«67»-«71»
وأدلى الإمام(علیه السلام) بتفسير هذه الآيات ، فقد روى أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ، قال : «سمعت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) يقول : إِنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتَلَ قَرَابَةٌ لَهُ ، ثُمَّ أَخَذَهُ وَطَرَحَهُ عَلَى طَرِيقِ أَفْضَلِ سِبْطٍ مِنْ أَسْباط بَنِي إِسْرَائِيلَ ، ثُمَّ جَاءَ يَطلُبُ بِدَمِهِ.
فقالوا لموسى(علیه السلام) : إِنَّ سِبْطَ آلِ فُلانٍ قَتَلُوا فُلاناً ، فَأَخْبِرْنا مَنْ قَتَلَهُ ؟
قالَ : انتوني بِبَقَرَةٍ :«قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ».
«قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ»، يَعْني لَا صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ«عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ»، وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمَدوا إِلى أَي بَقَرَةٍ أَجْزَأَتْهُمْ ، وَلكِنْ شَدَّدوا ، فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ .
«قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ»، وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمَدوا إِلى بَقَرَةٍ أَجْزَأَتْهُمْ ، وَلكِنْ شَدَّدوا ، فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ .
«قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ*قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جَنْتَ بِالْحَقِّ»، فَطَلَبوها فَوَجَدوها عِنْدَ فَتى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقَالَ:
لا أَبيعُ إِلَّا بِمِلْءِ مِسْكٍ ذَهَباً ، فَجاءوا إلى مُوسى(علیه السلام) وقالوا لَهُ ذلِكَ ، فَقالَ : اشْتَروها فَاشْتَرَوْهَا ، وَجاءوا بها ، فَأَمَرَ بِذَبْحِها ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يَضْرِبُوا الْمَيِّتَ بِذَنَبِهَا ، فَلَمّا فَعَلُوا ذلِكَ حَيِيَ الْمَقْتولُ ، وَقالَ : يا رَسولَ اللهِ ، إِنَّ ابْنَ عَمّي قَتَلَني دونَ مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِ قَتْلِي ، فَعَلِموا بذلك قاتِلَهُ .
فَقالَ لِرسولِ اللهِ مُوسى بَعْضُ أَصْحابهِ : إِنَّ هَذِهِ الْبَقَرَةَ لَها نَبَأٌ.
فَقالَ مُوسى : ما هُوَ ؟
قالوا : إِنَّ فَتى مِنْ بَني إِسرائيل كانَ باراً بِأَبِيهِ ، وَأَنَّهُ اشْتَرَى بَيعاً ، فَجَاءوا إلى أبيه وَالْأَقالِيدُ (الْمَقالِيدُ) تَحْتَ رَأْسِهِ فَكَرِهَ أَنْ ُيوقِظَهُ ، فَتَرَكَ ذلِكَ الْبَيْعَ ، فَاسْتَيْقَظَ أَبوهُ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ لَهُ : أَحْسَنْتَ ، هَذِهِ الْبَقَرَةُ فَهِيَ لَكَ عِوَضاً لِمَا فَاتَكَ.
قالَ : فَقالَ لَهُ رَسولُ اللهِ مُوسى : انْظُرْ إِلَى الْبَرِّ ما بَلَغَ أَهْلُهُ»(1).
6- قَالَ تَعَالَى:«وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ».«102»
قال(علیه السلام) في تفسير هذه الآية :«وَأَما هاروت وماروتُ فَكانَنا مَلَكَيْن عَلَّما النَّاسَ السِّحْرَ لِيَتَحَرَّرُوا بِهِ عَنْ سِحْرِ السَّحَرَةِ ، وَيُبْطِلُوا كَيْدَهُمْ ، وَما عَلَّما أَحَداً مِنْ ذلِكَ شَيْئاً إلا قالا لَهُ:«إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ»، فَكَفَرَ قَوْمٌ بِاسْتِعْمَالِهِمْ لِما أُمِرُوا بِالْإِحْتِرازِ عَنْهُ ، وَجَعَلُوا يُفَرِّقُونَ بِما يُعَلِّمُونَهُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، قَالَ اللهُ تعالى:«وَمَا هُم بِضَارِّينَ وَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ»»(2).
7- قَالَ تَعَالَى:«فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي»«196»
قال(علیه السلام) في تفسير هذه الآية :«يعني شاةً ، وَضَعَ عَلى أَدْنَى الْقَوْمِ قُوَّةً لِبَسَعَ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ»(1).
8- قَالَ تَعَالَى:«وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ»«205»
هذه الآية الكريمة نزلت في الأخنس بن شريك حليف بني زهرة ، أقبل إلى النّبیّ(صلى الله عليه وآله و سلم) في المدينة ، وقال : جئت أريد الإسلام ، ويعلم الله أنّي لصادق ، فاعجب النبي(صلى الله عليه وآله و سلم) منه ، ثمّ إنّه خرج من عند النبي(صلى الله عليه وآله و سلم) فمرّ بزرع لقوم من المسلمين وحمر ، فأحرق الزرع ، وعقر الحمر(2).
وقد فسّر الإمام الرضا(علیه السلام) النسل بالذرّية ، والحرث بالزرع(3).
9- قَالَ تَعَالَى:«هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأَمُورُ»«210»
سأل ابن فضال الإمام الرضا عن تفسير هذه الآية ، فأجابه :«هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ» بِالْمَلائِكَةِ «فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ» وَهَكَذَا نَزَلَتْ» .
وعلق السيّد السبزواري على تفسير الإمام بقوله : «ما ورد في الحديث حسن جداً للآية الشريفة ، كما هو شأنه(علیه السلام) في بيان الآيات المتشابهات ، والمراد
بقوله(علیه السلام) : هكذا نَزَلَتْ هو النزول البياني والتفسيري على قلب رسول الله(صلى الله عليه وآله و سلم) (1).
10 - قَالَ تَعَالَى:«وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي»«260»
سأل صفوان بن يحيى الإمام الرضا(علیه السلام) عن هذه الآية ، وقال له : أكان في قلب إبراهيم شكّ ؟ فقال(علیه السلام) : لا كانَ عَلى يَقين ، وَلكِنَّهُ أَرادَ مِنَ اللهِ الزِّيَادَةَ في يَقينِهِ(2).
11 - قَالَ تَعَالَى:«إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ»«33»و«34»
استدل الإمام الرضا(علیه السلام) بهذه الآية الكريمة حينما سأله المأمون : هل فضّل الله العترة على سائر الأمة ؟
فقال(علیه السلام) : إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبَانَ فَضْلَ الْعِتْرَةِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ.
فقال المأمون : وأين ذلك من كتاب الله ؟
فقال : في قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ» إِنَّ الْعِترَةَ داخِلُونَ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ لأَنَّ رَسُولَ الله (صلى الله عليه وآله و سلم) مِنْ وُلْدِ إِبْراهيمَ ، وَهُوَ دَعْوَةُ إِبْراهيمَ ، وَعِتْرَتُهُ مِنْهُ»(3).
وكلام الإمام(علیه السلام) ليس من التفسير ، وإنّما هو من الاستدلال بظاهر الآية على ما ذكره .
12 - قَالَ تَعَالَى:«قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ»«55»
قال(علیه السلام) في تفسير الآية :«إِنَّهُ ما شَبِهَ أَمْرُ أَحَدٍ مِنْ أَنْبِياءِ اللَّهِ وَحُجَجِهِ عَلَى النَّاسِ إِلَّا أَمْرُ عِيسَى وَحْدَهُ لأَنَّهُ رُفِعَ مِنَ الْأَرْضِ حَيّاً ، وَقَبَضَ روحَهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ رَوحَهُ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ:«إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهَّرُكَ».
وَقالَ اللهُ حِكَايَةٌ عَنْ عِيسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ :«وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»(1)»(2).
وعلّق السيد السبزواري على هذا الحديث بقوله :«الحديث يدل على توفّي عيسى(علیه السلام) وموته قبل رفعه إلى السماء ، وبهذا يمكن أن يجمع بين جميع الأقوال لفرض صراحة الحديث بأنه مات ما بين السماء والأرض ، ثمّ أرجع الله روحه إليه ورفعه»(3).
13- قَالَ تَعَالَى:«هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ»«163»
فسّر الإمام الرضا(علیه السلام) الدرجات والتفاوت بين المتّقين يوم القيامة ، فقال(علیه السلام) «الدَّرَجَةُ ما بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ»(4).
إن الدرجات بين الأخيار والصالحين تختلف اختلافاً كثيراً ، فدرجة الأنبياء غیر درجة المتّقين ، وهكذا بالنسبة إلى المتّقين.
14- قال تعالى:«لَتَبْلَهُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ»«186»
قال(علیه السلام) في تفسير هذه الآية :«لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ بِإِخْراج الزَّكاةِ ، وَفي أَنْفُسِكُمْ بِالتَّوْطِينِ عَلَى الصَّبْرِ»(1).
15- قال تعالى:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا».«200»
قال(علیه السلام): «إذا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُنادي مُنادٍ : أَيْنَ الصّابِرُونَ ؟ فَيَقومُ فِئامٌ(2)مِنَ النَّاسِ .
فقال له بعض أصحابه : جُعلت فداك ، ما الصابرون ؟
قال : عَلَى أَداءِ الْفَرائِضِ ، وَالْمُتَصَبُرُونَ عَلَى اجْتِنابِ الْمَحارِمِ»(3).
16 - قَالَ تَعَالَى:«فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ»«3»
دلت الآية الكريمة على جواز زواج الرجل بأربع نساء ، من دون أن يسمح للمرأة
بذلك ، وقد تحدّث الإمام(علیه السلام) عن بعض الحكم والمصالح في هذا التشريع .
قال(علیه السلام) : « عِلَّةً تَزْويج الرَّجُلِ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، وَتَحْريم أَنْ تُزَوَّجَ الْمَرْأَةُ أَكْثَرَ مِنْ واحِدٍ؛لأَنَّ الرَّجُلَ إِذا تَزَوَّجَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ كَانَ الْوَلَدُ مَنسوباً إِلَيْهِ ، وَالْمَرْأَةُ لَوْ كَانَ لَهَا زَوْجَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذلِكَ لَمْ يُعْرَفِ الْوَلَدُ لِمَنْ هُوَ ؟ إِذْ هُمْ مُشْتَرِكونَ في نكاحها ، وَفِي ذلِكَ فَسادُ الأنساب وَالْمَوارِيثِ وَالْمَعارِفِ»(1).
17 - قَالَ تَعَالَى:«يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ»«26»
سئل الإمام الرضا(علیه السلام) عن إرادة العباد وإرادة الله تعالى ، فقال : «إِنَّ الْإِرادَةَ مِنْ الْعِبادِ الضَّمِيرُ ، وَما يَبْدو بَعْدَ ذلِكَ مِنَ الْفِعْلِ ، وَأَمَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَالْإِرادَةُ لِلْفِعْلِ إِحْداثه ، إِنَّما يَقولُ : كُنْ فَيَكُونُ ، بِلا تَعَبٍ وَكَيْف»(2).
18 - قال تعالى:«الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِن أَمْوَالِهِمْ»
استشهد الإمام بهذه الآية الكريمة في جوابه لمحمد بن سنان حينما سأله عن العلّة في إعطاء المرأة نصف ما يُعطى الرجال من الميراث ، فقال(علیه السلام) :«إعطاءِ النِّساءِ نِصْفُ ما يُعْطَى الرّجالُ مِنَ المِيراتِ لأَنَّ الْمَرْأَةَ إذا تَزَوجَتْ أَخَذَتْ ، وَالرَّجُلَ يُعْطَى فَلِذلِكَ وَفَّرَ عَلَى الرِّجَالِ».
وَعِلَّةٌ أُخْرى في إِعْطَاءِ الذَّكَرِ نِصْفُ ما تُعْطَى الأنثى؛ لأنَّ الأُنْثَى مِنْ عِبالِ الذَّكَرِ
إذا احتاجَتْ وَعَلَيْهِ أَنْ يَعولَها وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَعولَ الرَّجُلَ ، وَلَا تُؤْخَذْ بِنَفَقَتِهِ إذا احتاجَ ، فَوَفِّرَ عَلَى الرِّجالِ ذلِكَ ، وَذلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّل :«الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِن أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ»(1).
19 - قَالَ تَعَالَى:«إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا»«58»
سأل بريد العجلي الإمام الرضا(علیه السلام) عن تفسير هذه الآية ، فقال(علیه السلام) : «هُمُ الأَئِمَّةُ مِنْ آلِ مُحَمَّد(صلى الله عليه وآله و سلم) أَنْ يُؤدوا الأمانَةَ إلى مَنْ بَعْدَهُ ، وَلَا يَخُصُّ بِها غَيْرَهُ ، وَلَا يَزْوِيها عَنْهُ»(2).
ودلّت هذه الرواية على أنّ أمر الإمامة بيد الله تعالى ، وأنه تعالى يهبها لأفضل عباده وأتقاهم ، وأنّ الإمامة أمانة عند الإمام ، فعند ارتحاله إلى حظيرة القدس لا بدّ أن يعهد بها إلى من هو المنصوص عليه من قبل النبي(صلى الله عليه وآله و سلم) وليس له أن يقلّدها لأيّ شخص كان.
20 - قال تعالى:«وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً»«125»
قال(علیه السلام) :«سَمِعْتُ أَبي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ(علیه السلام) ، أَنَّهُ قالَ : إِنَّمَا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَليلاً لأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ أَحَداً ، وَلَمْ يَسْأَلْ أَحَداً قَطُّ ، غَيْرَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»(3).
21- قَالَ تَعَالَى:«وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ
يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ».«140»
قال(علیه السلام) في تفسير الآية الكريمة :«إِذا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَجْحَدُ الْحَقَّ ، وَيُكَذِّب بِه، وَيَقَعُ فِى أَهْلِهِ ، فَقُمْ مِنْ عِنْدِهِ وَلَا تُقاعِدْهُ»(1).
22- قَالَ تَعَالَى:«وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً».«141»
قال لا في تفسير الآية :«لَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُؤْمِنينَ حُجَّةٌ ، وَلَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْ كُفَّارٍ قَتَلُوا نَبِيَّهُمْ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَمَعَ قَتْلِهِمْ إِيَّاهُمْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ عَلَىٰ أَنْبِيائِهِ سبيلاً»(2).
23 - قال تعالى:«يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ»«142»
قال(علیه السلام) في تفسير الآية الكريمة :«اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى لَا يُخادِعُ ، وَلَكِنَّهُ يُجازِيهِمْ جزاءَ الْخَديعَةِ»(3).
24 - قَالَ تَعَالَى:﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِن خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ»«33»
سئل الإمام الرضا(علیه السلام) عن تفسير الآية الكريمة ، وقيل له :«ما الذي إذا فعله استوجب واحدة من هذه الأربع ؟
فقال(علیه السلام) : إذا حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ ، وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَساداً فَقَتَلَ قُتِلَ بِهِ ، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ المالَ قُتِلَ وَصْلِبَ ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلافٍ ، وَإِنْ شَهَرَ السَّيْفَ فَحارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَساداً وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ نُفِيَ مِنَ الْأَرْضِ .
قلت : كيف ينفى من الأرض ، وما حدّ نفيه ؟
قال(علیه السلام) : يُنفى مِنَ الْمِصْرِ الَّذِي فَعَلَ فِيهِ ما فَعَلَ إِلَى مِصْرٍ غَيْرِهِ ، وَيُكْتَبُ إِلَى أَهْلِ ذلِكَ الْمِصْر أَنَّهُ مَنْفِيٌّ فَلَا تُجالِسوهُ ، وَلَا تُبايعوهُ ، وَلَا تُناكِحوهُ ، وَلَا تُوْاكِلُوهُ ، وَلَا تُشارِبُوهُ ، فَيُفْعَلُ ذلِكَ بِهِ سَنَةٌ ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ ذلِكَ الْمِصْرِ إِلَى غَيْرِهِ كُتِبَ إِلَيْهِمْ بِمِثْلِ ذلِكَ حَتّى تَتِمُ السَّنَةُ .
قلت : فإن توجّه إلى أرض الشرك ليدخلها ؟
قال(علیه السلام) : إِنْ تَوَجَّهَ إِلى أَرْضِ الشِّرْكِ لِيَدْخُلَها قُوتِلَ أَهْلُها»(1).
25 - قال تعالى:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ»«101»
استشهد الإمام(علیه السلام) بهذه الآية الكريمة في جوابه عن مسائل أحمد بن محمد.
قال(علیه السلام) :«أَوَلَمْ تُنْهَوا عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِل فَأَبَيْتُمْ أَنْ تَنتهوا . إِيَّاكُمْ وَذَلِكَ ،فَإِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ . قالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعالى:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا
1) الميزان في تفسير القرآن : 5 : 331.
عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ»»(1).
26 - قَالَ تَعَالَى:«قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ»«19»
قال(علیه السلام) :«لِلنَّاسِ في التَّوْحِيدِ ثَلاثَةُ مَذاهِبِ : نَفْيِّ ، وَتَشْبيةٌ ، وَإِثْبَاتٌ بِغَيْرِ تَشْبِيهِ .
فَمَذْهَبُ النَّفْي لَا يَجوزُ، وَمَذْهَبُ التَّشْبِيهِ لَا يَجوزُ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعالى لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ . وَالسَّبيلُ في الطَّريقَةِ الثَّالِثَةِ إِثْبَاتٌ بِلَا تَشْبيه».
وأوضح السيّد الطباطبائي هذه المذاهب الثلاثة ، قال :«المراد بمذهب النفي نفي معاني الصفات عنه تعالى كما ذهبت إليه المعتزلة ، وفي معناه إرجاع الصفات الثبوتية إلى نفي ما يقابلها كالقول بأن معنى القادر أنه ليس بعاجز ، ومعنى العالم أنه ليس بجاهل ، إلا أن يرجع إلى ما ذكره(علیه السلام) من المذهب الثالث».
والمراد بمذهب التشبيه أن يشبهه تعالى بغيره - وليس كمثله شيء - أي أن يثبت له من الصفة معناه المحدود الذي فينا المتميّز من غيره من الصفات ، بأن يكون قدرته كقدرتنا ، وعلمه كعلمنا ، وهكذا ، ولو كان ما له من الصفة كصفتنا احتاج كاحتياجنا ، فلم يكن واجباً تعالى عن ذلك .
والمراد بمذهب الإثبات من غير تشبيه أن يثبت له من الصفة أصل معناه ، وتنفى عنه خصوصيته التي قارنته في الممكنات المخلوقة ، أي تثبت الصفة وينفى الحد»(2).
27 - قال تعالى:«مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ»«38»
استشهد الإمام(علیه السلام) بالآية الكريمة في حديثه التالي.
قال :«إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَقْبِضُ نَبِيَّنَا حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ الدِّينَ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فيهِ تبيانُ كُلِّ شَيْءٍ ، يُبَيِّنُ فِيهِ الْحَلالَ وَالْحَرامَ ، وَالْحُدودَ وَالْأَحْكامَ ، وَجَميعَ مَا يَحْتاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ كَمَلاً ، وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ:«مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ»»(1).
28 - قَالَ تَعَالَى:«فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي»«76»
سأل المأمون الإمام الرضا(علیه السلام) عن عصمة الأنبياء ، فأجابه أنهم معصومون .
واعترض عليه المأمون بهذه الآية أنه كيف يقول للكوكب : هذا ربي ، وهذا مما ينافي العصمة.
فأجابه الإمام(علیه السلام) بما يلي : إِنَّ إِبْراهِيمَ(علیه السلام) وَقَعَ إِلى ثَلاثَةِ أَصْنافٍ : صِنْفٌ يَعْبُدُ الزَّهْرَةَ ، وَصِنْفٌ يَعْبُدُ الْقَمَرَ ، وَصِنْفٌ يَعْبُدُ الشَّمْسَ ، وَذلِكَ حينَ خَرَجَ مِنَ السَّرْبِ(2)الَّذِي أَخْفى فيهِ ، فَلَمَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَأَى الزُّهْرَةَ ،«قَالَ هَذَا رَبِّي» عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْإِسْتِخْبارِ ،«فَلَمَّا أَفَلَ» الْكَوْكَبُ ، «قَالَ لَا أُحِبُّ الأفِلِينَ»(3)لأنَّ الأفولَ مِنْ صِفاتِ الْمُحْدَثِ لَا مِنْ صِفاتِ الْقَديم ،«فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِعَا قَالَ هَذَا رَبِّي» عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْإِسْتِخْبَارِ ،«فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ»(4).
يَقولُ : لَوْ لَمْ يَهْدني رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ «رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ»(1)مِنَ الزُّهْرَةِ وَالْقَمَرِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْإِسْتِخْبَارِ لَا عَلَى الْإِخْبَارِ وَالْإِقْرارِ ، فَلَمَا أَفَلَتْ قَالَ لِلْأَصْنافِ الثَّلاثَةِ مِنْ عَبَدَةِ الزُّهْرَةِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ :«يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ»(2)، وَإِنَّما أَرادَ إِبْرَاهِيمُ بِمَا قالَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ بُطْلانَ دِينِهِمْ ، وَيُثْبِتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعِبادَةَ لَا لِمَنْ كَانَ بِصِفَةِ الزُّهْرَةِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ ، وَإِنَّما تَحِقُّ الْعِبادَةُ لِخالِفِها وَخالِقِ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ ، وَكانَ ما احْتَجَ بِهِ عَلى قَوْمِهِ مِمَّا أَلْهَمَهُ اللهُ تَعَالَى وَآتَاهُ ، كَما قالَ عَزَّ وَجَلَّ :«وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ»(3).
ولم يخفِ المأمون إعجابه بهذا الجواب الحاسم ، فقال للإمام : لله درّك يابن رسول الله»(4).
29 - قَال تعَالَى:«فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ»«125»
سأل سليمان النيشابوري الإمام الرضا(علیه السلام) عن تفسير هذه الآية الكريمة ، فقال :««فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ» بِإِيمَانِهِ في الدُّنْيا ، وَإِلى جَنَّتِهِ وَدارِ كَرامَتِهِ فِي الْآخِرَةِ ، «يَشْرَحْ صَدْرَهُ»لِلتَّسْلِيمِ لِلَّهِ ، وَالثَّقَةِ بِهِ ، وَالسُّكونِ إِلَىٰ مَا وَعَدَ مِنْ ثَوابِهِ حَتَّىٰ يَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ.
«وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ» عَنْ جَنَّتِهِ وَدارِ كَرامَتِهِ فِي الْآخِرَةِ لِكُفْرِهِ بِهِ ، وَعِصْيانِهِ لَهُ فِي الدُّنْيا «یَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِى السَّمَاءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ»(1).
30 - قال تَعَالَى:«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ»«32»
استشهد الإمام(علیه السلام) بهذه الآية الكريمة في حديثه التالي :
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، قال :«قال لي الإمام الرضا: ما تقول في اللباسِ الْخَشِن ؟
فقلت : بلغني أنّ الحسن كان يلبس ، وأن جعفر بن محمد كان يأخذ الثوب الجديد فيأمر به فيغمس في الماء .
فقال(علیه السلام) : إِلْبَسْ وَجَمِّلْ ، فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ كَانَ يَلْبَسُ الْجُبَّةَ الْخَزَّ بِخَمْسِمانَةِ دِرْهَمِ ، وَالْمِطْرَفَ الْخَزَّ بِخَمْسِينَ دِيناراً ، فَيَشْتُو فِيهِ ، فَإِذَا خَرَجَ الشَّتاءُ بِاعَهُ وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ ، وَتَلا هذِهِ الآيَةَ :«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق»»(2).
31 - قَالَ تَعَالَى:«وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ
الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ»«175»
قال(علیه السلام) في تفسير هذه الآية :«إِنَّهُ أعْطِيَ بَلْعَمُ بْنُ باعورَ الْإِسْمَ الْأَعْظَمَ ، وَكَانَ يَدْعو بِهِ فَيُسْتَجَابُ لَهُ ، فَمَالَ إِلَى فِرْعَونَ ، فَلَمَا أَمَرَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِ مُوسَى وَأَصْحَابِهِ قالَ فِرْعَوْنَ لِبَلْعَمَ : ادْعُ اللهَ عَلَى مُوسَى وَأَصْحَابِهِ لِيَحْبِسَهُ عَلَيْنَا ، فَرَكِبَ حِمارَتَهُ فَأَقْبَلَ يَضْرِبُهَا ، فَأَنْطَقَها اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَتْ : وَيْلَكَ عَلى ماذا تَضْرِبُني ؟ أَتُرِيدُ أَنْ أَجِيءَ مَعَكَ لِتَدْعُوَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ؟ وَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُهَا حَتَّىٰ قَتَلَهَا ، فَانْسَلَخَ مِنْ لِسانِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ :«فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ»(1)، وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ»(2).
32 - قَالَ تَعَالَى:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفَاً فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ»«15»
قال(علیه السلام) في تفسير هذه الآية المباركة :«حَرَّمَ اللهُ الْفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَهْنِ في الدِّينِ ، وَالْإِسْتِخْفافِ بِالرُّسُلِ وَالأَئِمَّةِ الْعادِلَةِ ، وَتَرْكِ نُصْرَتِهِمْ عَلَى الْأَعْداءِ ، وَالْعُقوبَةِ لَهُمْ عَلَى تَرْكِ ما دعوا إِلَيْهِ مِنَ الْإِقْرارِ بِالرُّبوبِيَّةِ ، وَإِظْهَارِ الْعَدْلِ ، وَتَرْكِ الْجَوْرِ ، وَإماتَةِ الْفَسادِ ، لما في ذلِكَ مِنْ جُرْأَةِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَما يَكونُ فِي ذلِكَ مِنَ
السَّبْيُّ وَالْقَتْلِ ، وَإِبْطالِ دينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفَسادِ»(1).
32 - قال تعالى:«فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ»«98»
عرض(علیه السلام) في حديث له إلى قصّة يونس(علیه السلام) لما رفع الله عنهم العذاب.
قال(علیه السلام) :«إِنَّ ُيونُسَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِما أَمَرَهُ ، فَأَعْلَمَ قَوْمَهَ فَأَظَلَّهُمُ الْعَذَابَ ، فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَوْلادِهِمْ وَبَيْنَ الْبَهَائِمِ وَأَوْلادِها ، ثُمَّ عَجُوا إِلى اللهِ ، وَضَحُوا ، فَكَفَّ اللهُ الْعَذَابَ عنهم»(2).
قَالَ تَعَالَى:«وَلَا يَنفَعُكُمْ نَصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ»«34»
إن نوح(علیه السلام) قال لقومه مضمون هذه الآية الكريمة ، وقد علّق الإمام الرضا(علیه السلام) على ذلك بقوله :«الْأَمْرِ إِلَى اللهِ يَهْدِي وَيُضِلُّ»(3).
35 - قَالَ تَعَالَى:«قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِن أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ»«46»
روى الحسن بن علي الوشّاء ، عن الإمام الرضا(علیه السلام)، قال : «سمعته يقول : قال أبي : قال أَبو عَبْدِ اللهِ(علیه السلام) : إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِنوحٍ : «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ» لأَنَّهُ كَانَ مُخالِفاً لَهُ ، وَجَعَل من اتَّبَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ.
قال - أي الحسن -: وسألني : كَيْفَ يَقْرَأُونَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي ابْنِ نوحٍ ؟
فقلت : يقرأها الناس على وجهين : إنّه عَمَلٌ - جعلوه مصدرا- وإنّه عَمِلَ - جعلوه فعلاً ماضياً.
فقال : كَذِبوا هُوَ ابْنُهُ ، وَلكِنَّ اللهَ نَفَاهُ حِينَ خَالَفَهُ فِي دِينِهِ».
قال السيد الطباطبائي(قدس سرّه) : «وكأنّ المراد من قراءة الآية تفسيرها ، والراوي يشير بإيراد القراءتين إلى تفسير من فسّر الآية بأنّ المراد أنّ امرأة نوح حملت الابن من غیره فألحقه بفراشه(1)».
36 - قال تعالى:«وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ»«24»
سأل عليّ بن محمّد بن الجهم الإمام الرضا(علیه السلام) في مجتمع حاشد ، فقال له : يابن رسول الله ، أتقول بعصمة الأنبياء ؟
1) الميزان في تفسير القرآن : 11 : 245 .
فأجابه(علیه السلام) بتفسير الآية ، وأنّه ليس كما توهّم من الأخذ بظاهره قائلاً : إِنَّها-زليخا-هَمَّتْ بِالْمَعْصِيَةِ ، وَهَمَّ يوسُفُ بِقَتْلِها إِنْ أَجْبَرَتْهُ لِعَظيمِ ما تَداخَلَهُ ، فَصَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ قَتْلَها ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :«كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ»، وَالسُّوءُ : الْقَتْلُ وَالْفَحْشَاءُ الزِّنا»(1).
37 - قَالَ تَعَالَى:«قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبَا فَمَا حَصَدتُّم فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ»«47»
فسّر الإمام الرضا(علیه السلام) الآية وما قبلها بالحديث التالي :
روى الحسن بن علي بن الياس ، قال :«سمعت الرضا الله يقول : وَأَقْبَلَ يوسُفُ عَلَى جَميعِ الطَّعَامِ في السَّبْعِ سِنِينَ الْمُخْصِبَةِ يَكْسِبُهُ فِي الْخَزائِنِ ، فَلَمّا مَضَتْ تِلْكَ السنونَ وَأَقْبَلَتِ السَّنونَ الْمُجْدِبَةِ أَقْبَلَ يُوسُفُ عَلَى بَيْعِ الطَّعَامِ ، فَبَاعَهُمْ فِي السَّنَةِ الْأُولَىٰ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنانيرِ ، حَتَّىٰ لَمْ يَبْقَ بِمِصْرَ وَما حَوْلَها دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِلَّا صَارَ فِي مُلْكِ يُوسُفَ .
وَباعَهُمْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ بِالْحِلِيِّ وَالْجَوْهَرِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِمِصْرَ وَمَا حَوْلَها حِليٌّ وَلَا جَوْهَرٌ إِلَّا صارَ في مُلْكِهِ .
وَباعَهُمْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ بِالدَّوابِّ وَالْمَواشِيَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِمِصْرَ وَمَا حَوْلَها عَبْدٌ وَلَا أَمَةً إِلَّا صارَ في مُلْكِهِ .
وَباعَهُمْ في السَّنَةِ الْخامِسَةِ بِالدُّورِ وَالْفِناءِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي مِصْرَ وَما حَوْلَها دارٌ
1) الميزان في تفسير القرآن : 11: 166.
424
وَلَا فِناءٌ إِلَّا صارَ في مُلْكِهِ .
وَباعَهُمْ في السَّنَةِ السَّادِسَةِ بِالْمَزارِعِ وَالْأَنْهَارِ حَتَّىٰ لَمْ يَبْقَ بِمِصْرَ وَمَا حَوْلَها نَهْرٌ وَلَا مَزْرَعَةٌ إِلَّا صارَ في مُلْكِهِ.
وَباعَهُمْ في السَّنَةِ السّابِعَةِ بِرِقابِهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِمِصْرَ وَمَا حَوْلَهَا عَبْدٌ وَلَا حُرِّ إِلَّا صَارَ عَبْداً لِيُوسُفَ .
فَمَلَكَ أَحْرارَهُمْ وَعَبيدَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ ، وَقالَ النَّاسُ : مَا سَمِعْنَا بِمَلِكِ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ما أَعْطى هذَا الْمَلِكَ حُكْماً وَعِلْماً وَتَدْبيراً .
ثُمَّ قالَ يُوسُفُ لِلْمَلِكِ : ما تَرى فيما خَوَّلَنى رَبِّي مِنْ مُلْكِ مِصْرَ وَما حَوْلَها ؟ أَشِرْ عَلَيْنَا بِرَأْيكَ ، فَإِنَّني لَمْ أَصْلِحْهُمْ لأَفْسِدَهُمْ ، وَلَمْ أُنْجِهِمْ مِنَ الْبَلاءِ لِيَكُونَ بَلَاءٌ عَلَيْهِمْ ،وَلكِنَّ اللهَ أَنْجَاهُمْ بِيَدي .
قالَ الْمَلِكُ : الرَّأْيُ رَأْيَكَ .
قالَ يُوسُفُ : إِنِّي اُشْهِدُ اللهِ ، وَاُشْهِدُكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنّي قَدْ أَعْتَقْتُ أَهْلَ مِصْرَ كُلَّهُمْ ، وَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَعَبيدَهُمْ ، وَرَدَدْتُ عَلَيْكَ الْمُلْكَ وَخاتَمَكَ وَسَرِيرَكَ وَتَاجَك عَلَى أَنْ لَا تَسِيرَ إِلَّا بِسِيرَتي ، وَلَا تَحْكُمْ إِلَّا بِحُكْمِي .
قالَ الْمَلِكُ : إِنَّ ذلِكَ لَزَيْنِي وَفَخْرِى أَنْ لَا أَسيرَ إِلَّا بِسيرَتِكَ ، وَلَا أَحْكُمَ إِلَّا بِحُكْمِكَ ، وَلَوْلاكَ ما تَوَلَّيْتُ عَلَيْهِمْ وَلَا اهْتَدَيْتُ لَهُ ، وَقَدْ جَعَلْتَ سُلْطَانِي عَزِيزاً ما يُرامُ ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وَأَنَّكَ رَسولُهُ ، فَأَقِمْ عَلَىٰ مَا وَلَّيْتُكَ ، فَإِنَّكَ لِدَيْنا مكين أمين»(1).
1) تفسیر مجمع البيان : 5 : 420. بحار الأنوار: 12 : 292 و 293. تفسير الصافي : 3 : 28 .
38- قَالَ تَعَالَى:«قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ».
استشهد الإمام الرضا(علیه السلام) بالآية الكريمة في حديثه مع رجل قال له : أصلحك الله ، كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون ؟
لقد أنكر على الإمام قبوله لولاية العهد من قبل المأمون ، فردّ الإمام عليه قائلاً : أَيُّمَا أَفْضَلُ النَّبِيُّ أَوِ الْوَصِيُّ ؟
لا ، النبي .
أَيُّمَا أَفْضَلُ مِسْلِمٌ أَوْ مُشْرِكٌ ؟
لا ، بل مسلم .
وأدلى الإمام(علیه السلام) بالحجّة القاطعة قائلاً : فَإِنَّ عَزيزَ مِصْرَ كَانَ مُشْرِكاً ، وَكَانَ يُوسُفُ نَبِيّاً ، وَإِنَّ الْمَأْمونَ مُسْلِمٌ وَأَنا وَصِيٌّ ، وَيُوسُفُ سَأَلَ الْعَزيزَ أَنْ يُوَلِّيَهُ حَتَّى قَالَ : اسْتَعْمِلْنِي عَلَى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ، وَالْمَأْمونُ أَخْبَرَني عَلى ما أنا فيه .
وفسّر الإمام قوله تعالى :«حَفِيظٌ عَلِيمٌ» بأنه - أي يوسف - حافظ على ما في يده، عالم بكل لسان»(1).
39- قال تعالى:«قَالُوا إِن يَسْرِقُ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَ يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ»«77»
قال(علیه السلام) في تفسير هذه الآية الكريمة:«كان لإسحاقَ النَّبِيِّ مَنْطَقَةٌ يَتَوَارَتُها الأنبياء وَالْأَكابِرُ، وَكانَتْ عِنْدَ عَمَّةٍ يُوسُفَ ، وَكانَ يُوسُفُ عِنْدَهَا ، وَكَانَتْ تُحِبُّهُ ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا
1) الميزان في تفسير القرآن : 11 : 207.
أبوهُ : أَنْ ابْعَثبِهِ إِليَّ وَأَرَدُّهُ إِلَيْكِ ، فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ : أَنْ دَعْهُ عِنْدي اللَّيْلَةَ لأشِمَّهُ ، ثُمَّ أرْسِلُهُ إِلَيْكَ غَدْوَةٌ ، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَخَذَتِ الْمَنْطَقَةَ فَرَبَطَتْها فى حَفْوِهِ ، وَأَلْبَسَتْهُ قميصاً ، فَبَعَثَتْ بِهِ إِلَيْهِ ، وَقالَتْ : سَرَقْتَ الْمِنْطَقَةَ ، فَوَجَدَتْ عَلَيْهِ ، وَكانَ إِذا سَرَقَ أَحَدٌ فِي ذلِكَ الزَّمانِ دُفعَ إلى صاحِبِ السَّرِقَةِ ، فَأَخَذَتْهُ فَكانَ عِنْدَها»(1).
40 - قَالَ تَعَالَى:«وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُشْرِكُونَ»«106»
قال(علیه السلام) في تفسير الآية :«إِنَّهُ شِرْكٌ لَا يَبْلُغُ حَدَّ الْكُفْرِ».
والمعنى أنه شرك فى طاعتهم للشيطان ، وليس شرك عبادة ليلحقوا بقافلة الكفّار .
41 - قَالَ تَعَالَى:«حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا»«110»
وطلب المأمون من الإمام الرضا(علیه السلام) تفسير الآية الكريمة ، فقال(علیه السلام) : يَقولُ الله : حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ قَوْمِهِمْ ، فَظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كُذِبُوا جَاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنَا»(2).
42 - قال تعالى: «وَلَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ»«11»
قال(علیه السلام) في تفسير الآية الكريمة :«إنَّ الأَمْرَ صارَ إِلَى اللهِ تَعالى»(1).
43 - قوله تعالى :«هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً»«12»
قال(علیه السلام) في تفسير الخوف والطمع في الآية :«خَوْفاً لِلْمُسافِرِ ، وَطَمَعاً لِلْمُقِيمِ»(2).
44 - قال تعالى:«فَاصْفَح الصَّفْحَ الْجَمِيلَ»«85»
فسّر الإمام(علیه السلام) الصفح الجميل بالعفو من غير عتاب(3).
45- قَالَ تَعَالَى:«قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً»«66»
روى محمّد بن علي بن بلال ، عن يونس في كتاب رفعوه إلى الإمام الرضا(علیه السلام) يسألونه عن العالم الذي أتاه موسى أيهما كان أعلم ؟ وهل يجوز أن يكون على موسى حجة في وقته .
فكتب(علیه السلام) في الجواب : أَتى مُوسَى الْعالِمَ فَأَصابَهُ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ ،إما جالساً وَإِمَّا مُتَّكِناً ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى ، فَأَنْكَرَ السَّلامَ، إِذْكانَ الْأَرْضُ لَيْسَ بِها سَلامُ .
قالَ : مَنْ أَنْتَ ؟
قالَ : أَنا مُوسَى بْنِ عِمْرانَ .
-نَعَمْ.
ما حاجَتُكَ ؟
جِئْتُ لِتُعَلِّمَنى مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً.
إِنِّي وَكُلْتُ بِأَمْرِ لَا تُطِيقُهُ ، وَوَكَّلْتَ بِأَمْرِ لَا أَطِيقُهُ.
وَساقَ لَهُ الْأَمْرَيْنِ»(1).
46 - قَالَ تَعَالَى:«وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَايَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ»«19»
استشهد الإمام الرضا(علیه السلام) بهذه الآية الكريمة على عصمة الملائكة .
قال(علیه السلام) : «إِنَّ الْمَلائِكَةَ مَعْصومونَ ، مَحْفُوظونَ عَنِ الْكُفْرِ وَالْقَبائِحِ بِأَلْطافِ اللهِ تَعالى . قالَ اللهُ تعالى فيهِمْ :«لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ»(2).
وقال عَزَّ وَجَلَّ:«وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ»(3)»(4).
47 - قال تعالى:«وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ »«72»و«73»
استشهد الإمام الرضا(علیه السلام) بالآيتين الكريمتين على طهارة الأنبياء ، وأنهم صفوة خلق الله .
قال(علیه السلام) :«ثُمَّ أَكْرَمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ - يعني إبراهيم - بأَنْ جَعَلَها - يعني الإمامة - في ذُرِّيَّتِهِ وَأَهْل الصَّفْوَةِ وَالطَّهَارَةِ ، فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ:«وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ».
فَلَمْ تَزَلْ - يعني الإمامة - في ذُرِّيَّتِهِ يَرِثُهَا بَعْضُ عَنْ بَعْضٍ ، قَرْنا قَرْنا ، حَتَّىٰ وَرِثَها النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله و سلم) فَقالَ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ:«إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ»(1)، فَكانَتْ خاصَّةٌ ، فَقَلَّدَها عَلِيّاً بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسْمِ ما فَرَضَ اللهُ تَعَالَى ، فَصارَتْ في ذُرِّيَّتِهِ الأصفياء الذينَ آتَاهُمُ اللهُ الْعِلْمَ والْإِيمَانَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:«وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ»(2).
فَهِيَ - أي الإمامة - في وُلْدِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالب خاصَّةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ إِذْ لَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ(صلى الله عليه وآله و سلم) »(3).
48 - قَالَ تَعَالَى:«لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ»«28»
تحدّث الإمام الرضا (علیه السلام) عن المنافع في الحجّ ، والغاية من تشريعه.
قال(علیه السلام):«وَعِلَّةُ الْحَجَّ الْوِفادَةُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَطَلَبُ الزَّيَادَةِ ، وَالْخُروجُ مِنْ كُلِّ ما اقْتَرَفَ ، وَلِيكونَ تائِباً مِمّا مَضى مُسْتَأْئِفاً لِما يُسْتَقْبِلُ ، وَمَا فِيهِ مِنِ اسْتِخْراجِ الْأَمْوالِ ، وَتَعَبِ الْأَبْدانِ ، وَحَظْرِها عَنِ الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَالتَّقَرُّبِ بِالْعِبَادَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ،وَالْخُضوعِ وَالْإِسْتِكانَةِ وَالذُّلُّ شاخِصاً فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ، وَالْأَمْنِ وَالْخَوْفِ تَائِباً فِي ذلِكَ دائماً.
وَما في ذلِكَ لِجَميعِ الْخَلْقِ مِنَ الْمَنافِعِ وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَمِنْهُ تَرْكُ قَسْوَةِ الْقَلْبِ ، وَجَسَاوَةِ النَّفْسِ ، وَنِسْيانِ الذِّكْرِ ، وَانْقِطاع الرَّجاءِ وَالْأَمَلِ ، وَتَجْدِيدِ الْحُقوقِ ، وَحَظْرِ النَّفْسِ عَنِ الْفَسَادِ ، وَمَنْفَعَةِ مَنْ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا ، وَمَنْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، مِمَّنْ يَحِجُّ وَمَنْ لَا يَحِجُ ، مِنْ تاجِرٍ وَجالِبٍ وَبائِعِ وَمُشْتَرٍ وَكَاسِبٍ وَمِسْكِينٍ ، وَقَضاءِ حَوائِجِ أَهْلِ الْأَطْرافِ وَالْمَواضِعِ الْمُمْكِنِ لَهُمُ الْإِجْتِمَاعُ فيها ، كَذلِكَ لِيَشْهَدوا مَنافِعَ لَهُمْ»(1).
49 - قال تعالى:«ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَنَهُمْ»«29»
فسّر الإمام(علیه السلام) التفث بتقليم الأظفار ، وطرح الوسخ وطرح الإحرام عنه - أي عن
1) الميزان في تفسير القرآن : 14 : 377 و 378.
الحاجّ بعد قضائه لعملية الحجّ(1)-۔
50 - قال تعالى:«واللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»«35»
قال(علیه السلام) في تفسير الآية :«الله هادٍ لأهْلِ السَّمواتِ ، وَهادٍ لِأَهْلِ الْأَرْضِ»(2).
51 - قَالَ تَعَالَى:«فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلَّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي»«15»و«16»
وجّه المأمون إلى الإمام الرضا (علیه السلام) السؤال التالي ، فقال له : يابن رسول الله ، أليس من قولك إن الأنبياء معصومون ؟
بلى .
أخبرني عن قول الله :«فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَل الشَّيْطَان»؟
فأجابه الإمام عن تفسير الآية : إِنَّ مُوسى دَخَلَ مَدينَةٌ مِنْ مَدائِنِ فِرْعَوْنَ عَلَىٰ حِينٍ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ، وَذلِكَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ،«فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِن عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِن عَدُوِّه»، فَقَضى
مُوسى عَلَى الْعَدُوِّ بِحُكْم الله تَعَالَى ذِكْرُهُ ،«فَوَكَزَهُ» فَماتَ .
«قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» يَعْنِي الْإِقْتِتالَ الَّذي وَقَعَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ، لَا مَا فَعَلَهُ موسَى مِنْ قَتْلِهِ ، أَنَّهُ - يعني الشيطان -«عَدُوٌّ مُضِلٌ مُبِينٌ».
وطفق المأمون قائلاً: فما معنى قول موسى :«رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي»؟
فأجابه الإمام عن معنى الآية الكريمة : يَقولُ إِنِّي وَضَعْتَ نَفْسي غَيْرَ مَوْضِعِها بِدخولي هذِهِ الْمَدِينَةِ «فَاغْفِرْ لِي» ، أَي اسْتَرْنِي مِنْ أَعْدائِكَ لِئَلَّا يَظْفروا بي فَيَقْتُلُونِي ،«فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»(1).
قالَ مُوسى :«رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ» مِنَ الْقَوَّةِ حَتَّى قَتَلْتُ رَجُلاً بِوَكْزَةٍ «فَلَنْ أكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ»(2)، بَلْ أَجَاهِدُهُمْ في سَبِيلِكَ بِهَذِهِ الْقُوَّةِ حَتَّى تَرْضَى ،«فَأَصْبَحَ» مُوسَى «فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ*يَسْتَصْرِخُهُ» عَلَى آخَرَ «قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ»(3)قاتَلْتَ رَجُلاً بِالْأَمْسِ، وَتُقاتِلُ هَذَا الْيَوْمَ ، لأُؤَدِّبَنَّكَ ، وَأَرادَ أَن يَبْطِشَ بِهِ «فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا» وَهُوَ مِنْ شَيعِتِهِ «قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ»(4).
فقال المأمون : جزاك الله عن أنبيائه خيراً يا أبا الحسن(5).
52- قال تعالى:«كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ»«57»
قال(علیه السلام) :«قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) : لَمّا نَزَلَتْ «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ»(1)قُلْتُ: يا رَبِّ أَيَموتُ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ وَيَبْقَى الْأَنْبياءُ؟
فَنَزَلَتْ :«كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ»»(2).
53 - قَالَ تَعَالَى:«خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا»«10»
استشهد الإمام (علیه السلام) بالآية الكريمة في الحديث التالي :
روى الحسين بن خالد ، قال :«قلت لأبي الحسن الرضا (علیه السلام): أخبرني عن قول
الله :«وَالسَّمَاءِ ذات الْحُبُكِ»(3).
قال : هِىَ مَحْبُوكَةُ إِلَى الْأَرْضِ ، وشبك بين أصابعه.
فقلت : كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله يقول :«رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا»(4).
فقال (علیه السلام): سُبْحانَ اللَّهِ! أَلَيْسَ اللهُ يَقولُ :«بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا».
فقلت : بلى .
فقال : فَثَمَّ عَمَدٌ وَلكِنْ لَا تَرَوْنَها»(1).
54 - قال تعالى:«ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لَّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ»«32»
روى أحمد بن عمر ، قال :»سألت أبا الحسن الرضا (علیه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ :«ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا» الآية ، فقال(علیه السلام) : وُلْدُ فَاطِمَةَ(علیها السلام) ،وَالسَّابِقُ بِالْخَيْراتِ لَا يَعْرِفُ الْإِمامَ»(2).
55 - قَالَ تَعَالَى: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»«40»
روى الأشعث بن حاتم ، قال :«كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا والفضل بن سهل ، والمأمون في الإيوان بمرو ، فوضعت المائدة ، فقال الرضا (علیه السلام): إِنَّ رَجُلاً مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ سَأَلَنِي بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ : النَّهارُ خُلِقَ قَبْلُ أَمِ اللَّيْلُ ، فَما عِنْدَكُمْ ؟
قال : وأداروا الكلام ، فلم يكن عندهم في ذلك شيء .
فقال الفضل للرضا : أخبرنا بها أصلحك الله.
قال : نَعَمْ ، مِنَ الْقُرْآنِ أَمْ مِنَ الْحِسابِ ؟
قال له الفضل : من جهة الحساب .
فقال : قَدْ عَلِمْتُ يا فَضْلُ إِنَّ طالِعَ الدُّنْيا السَّرَطانُ ، وَالْكَواكِبُ فِي مَواضِعِ شَرَفِهَا ، فَرُحَلُ فِي الْمِيزانِ ، وَالْمُشْتَرِي فِي السَّرَطانِ ، وَالْمِرِّيخُ فِي الْجَدْيِ ، وَالشَّمْسُ في الْحَمْل ، وَالزُّهْرَةُ فى الْحُوتِ، وَعَطارِدُ فى السُّنْبُلَةِ ، وَالْقَمَرُ في النَّوْرِ ، فَتَكونُ الشَّمْسُ في الْعاشِرِ في وَسَطِ السَّمَاءِ ، فَالنَّهَارُ قَبْلَ اللَّيْلِ.
وَمِنَ الْقُرْآن قَوْلُهُ تَعَالَى:«وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ»، أَي اللَّيْلُ قَدْ سَبَقَهُ النَّهَارُ».
ونقل الآلوسي في تفسيره روح المعاني هذا الحديث ، وعقبه بقوله : « وفي الاستدلال بالآية بحث ظاهر ، وأما بالحساب فله وجه في الجملة ، ورأى المنجّمين أنّ ابتداء الدورة دائرة نصف النهار ، وله موافقة لما ذكره ، والذي يغلب على الظنّ عدم صحة الخبر من مبتدئه ، فالرضا أجلّ من أن يستدل بالآية على ما سمعت من
دعواه ».
وعلّق السيد الطباطبائي على مقال الآلوسي بقوله :«وقد اختلط عليه الأمر في تحصيل حقيقة معنى الليل والنهار . توضيحه : إنّ الليل والنهار متقابلان تقابل العدم والملكة كالعمى والبصر ، فكما أن العمى ليس مطلق عدم البصر حتى يكون الجدار مثلاً أعمى لعدم البصر فيه ، بل هو عدم البصر ممّا من شأنه أن يتصف بالبصر كالإنسان كذلك الليل ليس هو مطلق عدم النور ، بل هو زمان عدم استضاءة ناحية من نواحي الأرض بنور الشمس . ومن المعلوم أنّ عدم الملكة يتوقّف في تحققه على تحقق الملكة المقابلة له قبله حتّى يتعيّن بالإضافة إليه ، فلولا البصر لم يتحقق عمى ، ولولا النهار لم يتحقق الليل .
فمطلق الليل بمعناه الذي هو به ليل مسبوق الوجود بالنهار ، وقوله :«وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ »، وإن كان ناظراً إلى الترتيب المفروض بين النهار والليل ، وأنّ هناك
نهاراً ،وليلاً ونهاراً وليلاً، وأن واحداً من هذه الليالي لا يسبق النهار الذي بجنبه.
لكنه تعالى أخذ فى قوله :«وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ» مطلق الليل ، ونفى تقدّمه على مطلق النهار ، ولم يقل : إنّ واحداً من الليالي الواقعة في هذا الترتيب لا يسبق النهار الواقع في الترتيب قبله.
فالحكم في الآية مبني على ما يقتضيه طبيعة الليل والنهار بحسب التقابل الذي أودعه الله بينهما ، وقد استفيد منه الحكم بانخفاض الترتيب في تعاقب الليل والنهار ، فإنّ في كلّ ليل هو افتقاد النهار الذي يتلوه ، فلا يتقدم عليه .
وإلى هذا يشير (علیه السلام) بعد أن ذكر الآية بقوله : أَي اللَّيْلُ قَدْ سَبَقَهُ النَّهَارُ ، يعني أنّ سبق النهار الليل هو خلقه قبله ، وليس كما يتوهم أن هناك نهاراً أو ليالي موجودة ، ثم يتعيّن لكل منها محله .
وقول المعترض : وأما الحساب فله وجه في الجملة ، لا يدري وجه قوله : في الجملة ، وهو وجه تامّ مبني على تسليم أصول التنجيم صحيح بالجملة على ذلك التقدير لا في الجملة.
وكذا قوله : ورأى المنجّمين أنّ ابتداء الدورة دائرة نصف النهار ، وله موافقة لما ذكره ، لا يحصل ؛ لأنّ له دائرة نصف النهار ، وهي الدائرة المارة على القطبين ، ونقطة ثالثة بينهما غير متناهية في العدد لا تتعيّن لها نقطة معيّنة في السماء دون نقطة أخرى ، فيكون كون الشمس فى إحداهما نهاراً للأرض دون الأخرى»(1).
1) الميزان في تفسير القرآن : 17 : 95 و 96.
56- قال تعالى:«وَهَلْ أَتَاكَ نَبَوُا الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ *إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ»«21»و«22»
استشهد الإمام (علیه السلام) بالآيتين وما بعدهما على بطلان ما ذهب إليه ابن الجهم وقومه في شأن نبي الله داود (علیه السلام).
قال الإمام (علیه السلام) لابن الجهم :«وَأَما داودُ فَما يَقولُ مَنْ قِبَلَكُمْ فِيهِ ؟
قال ابن الجهم : إنهم يقولون : إن داود كان يصلّي في محرابه إذ تصوّر له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور ، فقطع داود صلاته وقام يأخذ الطير إلى الدار ، فخرج في أثره فطار الطير إلى السطح ، فصعد في طلبه ، فسقط الطير في دار أوريا بن حيان .
فاطلع داود في أثر الطير ، فإذا بامرأة أوريا تغتسل ، فلمّا نظر إليها هواها ، وكان قد خرج أوريا في بعض غزواته ، فكتب إلى صاحبه أن قدّم أوريا إلى التابوت ، فقدّم ، فظفر أوريا بالمشركين ، فصعب ذلك على داود ، فكتب إليه ثانية أن قدّمه أمام التابوت ،فقدّم ، فقتل أوريا ، فتزوّج داود امرأته .
ولما سمع الإمام هذه الأباطيل التي أُلصقت بنبيّ من أنبياء الله تعالى ضرب جبهته ، وقال : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ ، لَقَدْ نَسَبْتُمْ نَبِيّاً مِنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ إِلَى النَّهَاوُنِ بِصَلَاتِهِ حَتّى خَرَجَ فِي أَثَرِ الطَّيْرِ ، ثُمَّ بِالْفاحِشَةِ ، ثُمَّ بِالْقَتْلِ.
وشرح الإمام قصّة داود قائلاً : إِنَّ داودَ ظَنَّ أَنَّهُ ما خَلَقَ اللهُ عَزَّ وَجَل خَلقاً هُوَ أَعْلَمُ
مِنْهُ ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ مَلَكَيْن ، فَتَسَوَّرا الْمِحْرابَ ، فَقالا :«خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْع وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ»(1)، فَعَجَّلَ داودُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَقالَ :«لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ»(2)وَلَمْ يَسْأَلِ الْمُدَّعى الْبَيِّنَةَ عَلى ذلِكَ ، وَلَمْ يُقْبلْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيقولَ لَهُ : ما تَقولُ ؟ فَكانَ هذا خَطيئَةُ رَسْمِ الْحُكْمِ ، لَا مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ ، أَلَا تَسْمَعُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ:«يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى»(3).
فقال :يابن رسول الله ، فما قصّته مع أوريا؟
فقال(علیه السلام) : إِنَّ الْمَرْأَةَ فِي أَيَّامِ داودَ كَانَتْ إِذا ماتَ بَعْلُها أَوْ قُتِلَ لَا تَتَزَوَّجُ بَعْدَهُ أَبَداً ،وَ أَوَّلُ مَنْ أَبَاحَ اللهُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ قُتِلَ بَعْلُها كانَ داودُ (علیه السلام) ، فَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أُورُيَا لَمَا قُتِلَ ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُها ، فَذلِكَ الَّذي شَقَّ عَلَى النَّاسِ مِنْ قَتْلِ أَوْريا(4).
57 - قَالَ تَعَالَى:«قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»«75»
سأل محمد بن عبيدة الإمام الرضا (علیه السلام) عن تفسير قوله تعالى:«لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ».
قال :«يَعْنِي بِقُدْرَتي وَقُوَّتي»(1).
58- قال تعالى:«إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ»«10»
استشهد الإمام الرضا(علیه السلام) بالآية الكريمة في الحديث التالي :
روی عبدالسلام بن صالح الهروي ، قال :«سألت عليّ بن موسى الرضا(علیه السلام) : يابن رسول الله ، ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث : إنّ المؤمنين يزورون ربِّهم من منازلهم في الجنّة ؟
فقال(علیه السلام) : يا أبا الصَّلْتِ ، إِنَّ الله تعالى فَضَّلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً عَلَى جَميعِ خَلْقِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمَلائِكَةِ ، وَجَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَتَهُ ، وَمُبايَعَتَهُ مُبايَعَتَهُ ، وَزِيارَتَهُ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ زِيارَتَهُ ، فَقالَ عَزَّ وَجَلَّ :«مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله»(2).
وَقالَ :«إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ».
وَقالَ النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله و سلم) : مَنْ زارني في حَياتِي أَوْ بَعْدَ مَماتِي ، فَقَدْ زارَ اللهَ ، وَدَرَجَتُهُ في الْجَنَّةِ أَعَلَى الدَّرَجاتٍ ، وَمَنْ زارَهُ فِي دَرَجَتِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ مَنْزِلِهِ فَقَدْ زارَ اللهَ تَبارَكَ وَتَعالى»(3).
59- قَالَ تَعَالَى:«وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم»«49»
قال(علیه السلام) : «أَدْبارُ السُّجودِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَإِدبارُ النُّجومِ رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْح»(1).
60- قالَ تَعَالَى:«قَدْ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتِ».«10»و«11»
سئل الإمام الرضا(علیه السلام) عن الذكر في الآية الكريمة ، فقال(علیه السلام) : « الذِّكْرُ رَسولُ الله(صلى الله عليه وآله و سلم) ، وَنَحْنُ أَهْلُهُ»(2).
61 - قالَ تَعَالَى:«عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ»«26»«27»
التقى الإمام بابن هداب ، فقال(علیه السلام) له: إِنْ أَنا أَخِبْرُكَ أَنَّكَ سَتَبْتَلى في هذِهِ الْأَيَّامِ
بِدَم ذي رَحِمٍ لَكَ لَكُنْتَ مُصَدِّقاً لي ؟
قال : لا ، فإنّ الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى .
قال الإمام(علیه السلام) : أَوَلَيْسَ أَنَّهُ يَقولُ :«عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً *إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ» ، فَرَسولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله و سلم) عِنْدَ اللهِ مُرْتَضى ، وَنَحْنُ وَرَثَةُ ذلِكَ الرَّسولِ الَّذِي أَطْلَعَهُ اللهُ عَلى ما يَشاءُ مِنْ غَيْبِهِ ، فَعَلَّمَنا ما كانَ وَما يَكونُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ»(1).
62- قَالَ تَعَالَى:«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ»«22»و«23»
قال(علیه السلام) في تفسير الآيتين :«يَعْني مُشْرِقَةٌ تَنْتَظِرُ ثَوابَ رَبِّهَا»(2).
63- قال تعالى:«وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً»«26»
سأل أحمد بن محمد الإمام علي بن موسى الرضا(علیه السلام) عن التسبيح في الآية .
فقال : صَلاةُ اللَّيْل(3).
64- قال تعالى:«وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَك صَفاً صَفاً»«22»
سأل عليّ بن فضّال الإمام الرضا(علیه السلام) عن تفسير هذه الآية ، فقال : إنَّ اللهَ لَا يُوصَفُ بِالْمَجِيءِ وَالذَّهَابِ ، تَعَالَى عَنِ الْإِنْتِقالِ ، وَإِنَّما يَعْني بِذلِكَ : وَجَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَالْمَلَك صَفًّا صَفًّا(1).
65 - قال تعالى:«فَلَا افْتَحَمَ الْعَقَبَةَ»«11»
استشهد الإمام(علیه السلام) بهذه الآية في الحديث التالي :
روی جعفر بن خلّاد ، قال : «كان أبو الحسن الرضا(علیه السلام) إذا أكل أتي بصحفة ، فتوضع قرب مائدته ، فيعمد إلى أطيب الطعام مما يؤثر به فيأخذ من كلّ شيء شيئاً ، فيضع في تلك الصحفة ، ثم يأمر بها للمساكين ، ثمّ يتلو هذه الآية:«فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ».
ثمّ يقول : عَلِمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ إِنْسَانٍ يَقْدِرُ عَلَى عِتْقِ رَقَبَةٍ ، فَجَعَلَ لَهُمُ السبيل إلَى الْجَنَّة»(2).
66 - قَال تعَالى:«أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى *وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى»«6»-«8»
سأل المأمون الإمام الرضا(علیه السلام) عن تفسير هذه الآيات ، فقال :«قالَ اللهُ تعالى : «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى».
يَقولُ : أَلَمْ يَجِدْكَ وَحيداً فَآوَى إِلَيْكَ النَّاسَ ؟
«وَوَجَدَكَ ضَالاً» يَعْنِي عِنْدَ قَوْمِكَ «فَهَدَىٰ» أَيْ هَداهُمْ إِلَى مَعْرِفَتِكَ ؟
«وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى» يَقولُ : أَغْناكَ بأَنْ جَعَلَ دُعاءَكَ مُسْتَجاباً ؟
فقال المأمون : بارَكَ اللهُ فيكَ يَابْنَ رَسولِ الله » (1).
67 - قال تعالى:«قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»«1»
قال الإمام(علیه السلام) في تفسير «أَحَدٌ» إِنَّهُ أَحَدٌ لَا بِتَأْوِيلِ عَدَدٍ(2).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الآيات التي أدلى الإمام الرضا(علیه السلام) بتفسيرها ، والتي استشهد بها في معرض أحاديثه، وهي تدلل على أنه كان حليف القرآن الكريم ، وأنّه أولاه المزيد من العناية في محاضراته وبحوثه.
وليس من نافلة القول ، ولا من الغلوّ في شيء القول بأن فقه أهل البيت(علیهم السلام) هو من أفضل ما قنّن في عالم التشريع ، فهو يساير الفطرة ، ويساير العقل ولا يشذّ عن سنن الكون ، وليس في بنوده عسر ولا حرج ولا جمود ، وإنما هو متوازن ومتطوّر ومتكامل ، قد عالج قضايا الإنسان ، ووضع لها الحلول الحاسمة على ضوء الفكر والمنطق.
وثمّة ميزة أخرى بالغة الأهمية لهذا الفقه ، وهو أنّه قد أُخذ عن أئمة الهدى الذين هم من ركائز الوعي والهدى في دنيا الإسلام ، وقد أعلن كل واحد منهم أنه لم يفت في واقعة أو نازلة عن رأيه واجتهاده الخاصّ ، وإنّما هو مستمد ومأخوذ عن جدّهم النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)، فقد آثرهم بعلمه ، وخصّهم بحكمته ، وجعلهم سفن النجاة ، وأمن العباد ، وألزم الأمة باتباع منهجهم ، والاقتداء بسلوكهم ، كما دلّت على ذلك أحاديث كثيرة أثرت عنه رواها ثقات الرواة في صحاحهم.
ومن الجدير بالذكر أن جميع ما أثر عن أئمة أهل البيت(علیه السلام) من الأحكام يعتبر عندالشيعة من السنّة التي هي من مصادر الفتوى، ومن مدارك التشريع ، والتي يجب فيها العمل على طبقها ، والتعبد بها إن صحّ طريق السند إليهم ، وكان صدوره منهم لبيان الحكم الواقعي لا للتقيّة ، ونحو ذلك من الشروط التي نص عليها علماء الأصول فى اعتبار الحديث ، وكسبه درجة الصحّة.
وعلى أي حال ، فإنّ الإمام الرضا(علیه السلام) من أعلام أئمة الهدى(علیهم السلام) ، فقوله وفعله من
السنّة ، وقد أثرت عنه كوكبة من أحكام التشريع نعرض لنماذج منها في بعض هذا الكتاب ، ونتحدّث الآن عن فقهه.
عرضنا في البحوث السابقة لإحدى رسائل الإمام(علیه السلام) و قد دوّن فيها غرر الأحكام الشرعيّة ، وقد أثرت عنه كوكبة أخرى من المسائل الفقهيّة ، وهذه بعضها :
كتب محمد بن إسماعيل إلى رجل يسأله أن يسأل الإمام الرضا(علیه السلام) عن ماء البئر .
فقال(علیه السلام) : ماءُ الْبِكْرِ واسع لَا يُفْسِدُهُ شَيْءٌ ، إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ ، فَيُنْزَحُ مِنْهُ حَتَّى يَذْهَبَ الرِّيحُ ، وَيُطيبَ طَعْمُهُ؛ لأَنَّ لَهُ مادَةٌ(1).
أمّا ماء البئر فهو بمنزلة الماء الجاري لا ينجس إلا إذا تغيّر، وقد أفتى فقهاء الإمامية بذلك استناداً إلى هذه الرواية وغيرها .
أما نواقض الوضوء فقد ذكر الإمام ما يخرج من السبيلين : البول والغائط والريح ، والنوم .
قال(علیه السلام) : إِنَّما وَجَبَ الوضوءُ مِمّا خَرَجَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ خاصَّةٌ ، وَمِنَ النَّوْمِ دونَ سَائِرِ الْأَشْياءِ؛ لأَنَّ الطَّرفَيْنِ هُما طَريقُ النَّجَاسَةِ ، وَلَيْسَ لِلْإِنْسانِ طَريقٌ تُصِيبُهُ النَّجَاسَةُ إِلَّا مِنْهُما ، فَأُمِرُوا بِالطَّهَارَةِ عِنْدما تُصيبُهُمْ تِلْكَ النَّجاسَةُ(2).
كما أعلن الإمام(علیه السلام) أنه ليس من نواقض القيء والرعاف والمدّة(3).
وأفتى بعض أئمة المذاهب الإسلامية إلى أنّ هذه الأمور من نواقض الوضوء .
كما أعلن الإمام(علیه السلام) أنه ليس من نواقض الوضوء القيء والرعاف والمدة .
روى إسماعيل بن مهران ، قال :«كتبت إلى الرضا(علیه السلام) أسأله عن حدّ الوجه - وهو الذي يغسل في الوضوء-.
فكتب(علیه السلام) : مِنْ أَوَّلِ الشَّعَرِ إِلَى آخِرِ الْوَجْهِ ، وَكَذلِكَ الْجَبينان»(1).
وقد حدّه الفقهاء بأنّه من قصاص الشعر إلى الذقن طولاً ، وما اشتمل عليه الإبهام
والوسطى عرضاً .
روى عبد الرحمن بن الحجّاج ، قال :«سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن الكسير تكون عليه الجنائز أو تكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء ، وعند غسل الجنابة ، وغسل الجمعة ؟
فقال(علیه السلام) : يَغْسِلُ ما وَصَلَ إِلَيْهِ الْغُسْلُ مِمّا ظَهَرَ مِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ الْجَبائِرُ ، وَيَدَعْ ما سوى ذلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَطِيعُ غُسْلَهُ ، وَلَا يَنْزِعُ الْجَبائِرَ وَيَعْبَتُ بِجِراحَتِهِ»(2).
الجبائر هي اللفافات - في اصطلاح العصر - أو غيرها مما يوضع على الكسور والجروح والقروح والدماميل، وهي إما أن تكون على موضع يجب غسله في الوضوء أو الغسل أو في موضع يجب فيه المسح .
فإذا أمكن غسل المحلّ فيما يغسل أو مسحه فيما يمسح ، بلا مشقّة وجب ذلك ،
وإن لم يكن ذلك لضرر الماء ونحوه فيغسل إلى الموضع الذي فيه الجبيرة ، ثمّ يمسح عليها ، وإن كانت الجبيرة في موضع المسح ، ولم يمكن رفعها ، والمسح على البشرة ، فيمسح على الجبيرة ، وذكر فقهاء الإمامية في هذه المواضع بحوثاً مهمة .
روى محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن الإمام أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال :«فَرَضَ اللهُ عَلَى النِّسَاءِ في الوضوءِ لِلصَّلاةِ أَنْ يَبْتَدِثْنَ بِباطِنِ أَذْرُعِهِنَّ ، وَفي الرَّجُلِ بظاهِرِ الذراع»(1).
وروى محمد بن علي بن الحسين ، قال :«قال الرضا(علیه السلام): فَرَضَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النَّاسِ فِي الْوضوءِ أَنْ تَبْدَأَ الْمَرْأَةُ بِباطِنِ ذِراعَيْهَا ، وَالرَّجُلُ بِظَاهِرِ الذراع»(2).
من مستحبّات الوضوء أن يبدأ الرجل بغسل ظاهر ذراعيه ، وأما المرأة فيستحبّ لها أن تغسل باطن ذراعيها ، ومعنى الفرض في الحديثين بمعنى قدّر وبيّن لا بمعنى أوجب وألزم(3).
روى الحسن بن عليّ الوشّاء ، قال :«دخلت على الرضا(علیه السلام) وبين يديه ابريق يريد أن يتهيّأ منه للصلاة ، فدنوت منه لأصبّ عليه ، فأبى ذلك ، فقال : مَهُ يا حَسَنُ.
فقلت له : لِمَ تنهاني أن أصبّ على يديك ؟ تكره أن أوجر ؟
قال : تُوجَرُ أَنت وَاوْزَرُ أَنا.
فقلت : كيف ذلك ؟
فقال : أَما سَمِعْتَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ :«فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً»(1)وها أنا ذا أَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَهِيَ الْعِبَادَةُ ، فَأَكْرَهُ أَنْ يَشْرِكَني فيها أَحَدٌ»(2).
وعلى ضوء هذه الرواية وغيرها مما أثر عن أئمة الهدى ، فقد أفتى فقهاء الإمامية بكراهة الاستعانة في مقدمات الوضوء(3).
روى إسماعيل بن همام الكندي عن الإمام الرضا(علیه السلام) ، قال :«التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْن»(4).
ذهب مشهور الفقهاء إلى أنّ التيمّم إذا كان بدلاً عن الوضوء يكفي فيه ضربة واحدة للوجه واليدين، وإذا كان بدلاً عن الغسل فيجب فيه التعدّد(5)، والرواية دلّت على اعتبار التعدّد مطلقاً ، ولعلّها حملت التعدّد على الاستحباب .
روى عليّ بن مطر عن بعض أصحابنا ، قال : «سألت الرضا(علیه السلام) عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب أيتيمّم بالطين ؟
قال : نَعَمْ صَعِيدٌ طَيِّبٌ ، وَماءٌ طَهُورٌ»(1).
والرواية صريحة في جواز التيمّم بالطين بعد فقد الماء والتراب .
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الإمام الرضا(علیه السلام) في الرجل تصيبه الجنابة ، وبه قروح أو جروح ، أو يكون يخاف على نفسه من البرد .
فقال : لَا يَغْتَسِلُ وَيَتَيَمَّمُ(2).
والرواية صريحة في جواز التيمم بعد تعذّر الغسل ؛ لأن في الغسل حرجاً وهو منفي «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ»(3).
روی قاسم الصيقل ، قال :«كتبت إلى الرضا(علیه السلام) : إني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة ، فتصيب ثيابي ، فأصلّي فيها
فكتب(علیه السلام) إليَّ : اتَّخِذْ ثَوْباً لِصَلاتِكَ»(4).
أما جلود الميتة فهي نجسة ، فإذا أصابت الثوب وكانت فيه رطوبة فإنّ النجاسة تنتقل إليه ، ولا يجوز الصلاة إلا في الثياب الطاهرة .
روى محمد بن إسماعيل بن بزيع ، قال:«سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن آنية الذهب والفضّة فكرههما .
فقلت : روى بعض أصحابنا أنه كان لأبي الحسن(علیه السلام)- وهو الإمام الكاظم(علیه السلام) - مرأة ملبّسة فضة ، فقال(علیه السلام) : لَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِنَّمَا كانَتْ لَهُ حَلَقَةُ فِضَّةٍ وَهِيَ عِنْدي ، له ثم قال : إِنَّ الْعَبَاسَ حينَ عُذِرَ عُمِلَ لَهُ قَضِيبٌ مُلَبَّسٌ مِنْ فِضَّةٍ مِنْ نَحْو ما يُعْمَلُ لِلصَّبْيَانِ تَكونُ فِضَّةٌ نَحْواً مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِم فَأَمَرَ بِهِ أَبو الْحَسَنِ فَكُسِرَ»(1).
أمّا أوانى الذهب والفضة ، فقد ذهب معظم الفقهاء إلى حرمة استعمالها ، وتحمل الكراهة في الرواية إما على الحرمة أو على التقيّة؛ لأن جماعة من العامة بنوا على عدم التحريم .
روى عبدالله بن المغيرة عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام)، قال :«سألته عن الغسل يوم الجمعة ؟
فقال : واجِبٌ عَلى كُلِّ ذَكَرِ أَوْ أُنثى ، عَبْدِ أَوْ حُرَّ»(2).
أما الغسل يوم الجمعة فهو من المستحبّات المؤكدة ، وحمل الوجوب في الرواية على تأكّد الاستحباب .
أما مسّ ميتة غير الآدمي فلا غسل فيه ، فقد روى الفضل بن شاذان عن الإمام
الرضا(علیه السلام)، فإن قال : فَلِمَ لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ عَلَى مَنْ مَسَّ شَيْئاً مِنَ الْأَمْوَاتِ غَيْرَ الْإِنسَانِ ، كَالطُّيُورِ وَالْبَهَائِم وَالسِّباعِ وَغَيْرِ ذلِك.
قيل : لأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّها مُلْبَّسَةٌ رِيشاً وَصُوفاً وَشَعَراً وَوَبَراً ، وَهَذا كُلُّهُ ذَكِيٌّ لا يَموتُ ، وَإِنَّما يُماسٌ مِنْهُ الشَّيْءَ الَّذي هُوَ ذَكِيٌّ مِنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ»(1).
قال الشيخ الحر العاملي :«التعليل غير حقيقي ، ومثله كثير جداً، ويحتمل كونه تعليلاً للفرد الأغلب خاصة»(2).
روى الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا(علیه السلام)، قال:«إنَّما جَوزنا الصَّلاةَ عَلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ وُضوءٍ لأنَّهُ لَيْسَ فيها رُكوعٌ وَلَا سُجودٌ ، وَإِنَّما هى دُعاءٌ وَمَسْأَلَةٌ ، وَقَدْ يَجوزُ أَنْ تَدْعو اللهَ وَتَسْأَلَهُ عَلى أَيّ حالٍ كُنْتَ ، وَإِنَّما يَجِبُ الوضوء في الصَّلاةِ الَّتي فيها رُكوع وسجود»(3).
لقد ذهب معظم فقهاء الإمامية إلى أنّ الصلاة على الميت إنما هي دعاء وليست صلاة حقيقية ولذا لا يشترط فيها الطهارة ، ولا إباحة اللباس ، ولا غير ذلك من شروط الصلاة.
روی یونس ، قال : « سألت الرضا(علیه السلام)، قلت : جعلت فداك ، إنّ الناس يرفعون أيديهم في التكبير على الميت في التكبيرة الأولى ، ولا يرفعون فيما بعد ذلك ،
فاقتصر على التكبيرة الأولى كما يفعلون ، أو أرفع يدي في كل تكبيرة ؟
فقال : ارْفَعْ يَدَكَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ»(1).
روى يحيى بن حبيب ، قال :«سألت الرضا(علیه السلام) عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى من الصلاة ؟
قال : سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ رَكْعَةً فَرائِضُهُ وَنَوافِلُهُ.
قلت : هذه رواية زرارة .
قال : أَوَتَرى أَحَداً كَانَ أَصْدَعَ بِالْحَقِّ مِنْهُ»(2).
روى محمد بن الفضل عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام)، أنه قال : «الصَّلاةُ قُرْبانُ كُلِّ نَقِيَّ»(3).
روى سعد بن سعد ، عن الإمام الرضا(علیه السلام)، أنه قال:«إِذا دَخَلَ الْوَقْتُ عَلَيْكَ فَصَلِّ ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا يَكونُ»(4).
إنّ الصلاة في أوّل وقتها قد تواترت الأخبار باستحبابها وكراهة تأخيرها .
وقال الإمام الرضا(علیه السلام) في حديث آخر له :«الصَّلاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِها أَفْضَلُ»(1).
روى إسماعيل بن مهران ، قال :«كتبت إلى الرضا أسأله عن أوقات الصلاة ، خصوصاً صلاة المغرب(2).
فكتب(علیه السلام): كَذلِكَ الْوَقْتُ غَيْرَ أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ ضَيِّقٌ ، وَآخِرُ وَقْتِها ذَهابُ الْحُمْرَةِ وَمَصِيرُها إِلَى الْبَياضِ فِي أُفُقِ الْمَغْرِبِ».
وقد نظر الإمام(علیه السلام) إلى وقت الأفضلية ، لا وقت الوجوب ، فإنّه يمتدّ وقتها ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل(3).
روى إسماعيل بن مهران ، قال :«كتبت إلى الرضا(علیه السلام) : ذكر أصحابنا أنه إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر ، وإذا غربت دخل وقت المغرب والعشاء ، إلّا أنّ هذه قبل هذه في السفر والحضر ، وإن وقت المغرب إلى ربع الليل ، فكتب : كَذلِكَ الْوَقْتُ ، غَيْرَ أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِب ضَيِّق»(4).
روى محمد بن يحيى ، قال :«كتبت إلى أبي الحسن الرضا(علیه السلام) : تكون عليَّ
الصلوات النافلة متى أقضيها ؟
فكتب(علیه السلام) : في أَي ساعَةٍ شِئْتَ مِنْ لَيْل أَوْ نَهَارٍ»(1).
وأفتى فقهاء الإمامية على ضوء هذه الرواية وغيرها مما أثر عن أئمة الهدى(علیه السلام) في استحباب قضاء الرواتب ، وإذا عجز عن القضاء استحبّ له الصدقة عن كلّ ركعتين بمدّ(2).
يجوز تقديم صلاة الليل في أوّل الليل لذوي الأعذار ، فقد روى الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا(علیه السلام)، أنه قال : إِنَّما جازَ لِلْمُسافِرِ وَالْمَريضِ أَنْ يُصَلِّيا صَلاةَ اللَّيْل في أَوَّلِ اللَّيْلِ لاشْتِعَالِهِ وَضَعْفِهِ ، وَلِيُحْرِزَ صَلاتَهُ فَيَسْتَريحُ الْمَرِيضُ في وَقْتِ راحَتِهِ ، وَلِيَشْتَنِلَ الْمُسافِرُ بِأَشْعَالِهِ وَارْتِحالِهِ وَسَفَرِهِ »(3).
ولا تجوز الصلاة في جلود السباع ، فقد روى إسماعيل بن سعد الأحوص ، قال :«سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن الصلاة فی جلود السباع،فقال :لا تُصَلِّ فیها».
و جوّز الامام (علیه السلام) الصلاة فی الخزّ، فقد روی معمر بن خلّاد ، قال: «سألت
اباالحسن الرضا(علیه السلام) عن الصلاة فی الخز؟
فقال : صَلِّ فيهِ»(1).
وروی سعد بن سعد ، عن الرضا(علیه السلام) ، قال :«سألته عن جلود الخز ، فقال : هُوَذا نَحْنُ نَلْبَسُ .
فقلت : ذاك الوبر جعلت فداك .
قال : إِذا حَلَّ وَبَرُهُ حَلَّ جِلْدُهُ»(2).
وأفتى فقهاء الإمامية بكراهة الصلاة في الطرق ، ومن أدّلتهم على ذلك ما رواه الحسن بن الجهم عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال : كُلُّ طَرِيقٍ يُوطَأُ فَلَا تُصَلُّ فِيهِ.
قلت له : إنّه قد روي عن جدّك أنّ الصلاة في الظواهر لا بأس بها .
قال : ذاكَ رُبَّما سايَرَني عَلَيْهِ الرَّجُلُ.
قال : قلت : فإن خاف الرجل على متاعه ؟
قال : فَإِنْ خَافَ فَلْيُصَلِّ»(3).
وتجوز الصلاة إلى خلف قبر المعصوم أو إلى أحد جانبيه ، فقد روى الحسن بن عليّ بن فضّال ، قال : «رأيت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) وهو يريد أن يودّع للخروج إلى العمرة ، فأتى القبر من موضع رأس النبي(صلى الله عليه وآله و سلم) ولزق بالقبر ، ثمّ انصرف حتّى أتى
القبر ، فقام إلى جانبه يصلّي ، فألزق منكبه الأيسر بالقبر قريباً من الاسطوانة المخلقة التي عند رأس النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) له فصلّى ستّ ركعات أو ثمان ركعات»(1).
وحثّ الإمام على الصلاة في المسجد الحرام ، فقد روی موسی بن سلام ، قال :«اعتمر أبو الحسن الرضا(علیه السلام)، فلما ودّع البيت وصار إلى باب الحنّاطين ليخرج منه وقف في صحن المسجد في ظهر الكعبة .
ثمّ رفع يديه فدعا ، ثم التفت إلينا فقال : نِعْمَ الْمَطْلُوبُ بِهِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ الصَّلاةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ في غَيْرِهِ بِسِتِّينَ سَنَةٍ وَأَشْهُراً ، فَلَمّا صَارَ عِنْدَ الْبَابِ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ عَلى أن لا إلهَ إِلَّا أَنْتَ»(2).
روى الحسن بن الجهم ، قال:«سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن أفضل موضع في المسجد يصلّى فيه ؟
قال : الْحَطيمُ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ وَبِابِ الْبَيْتِ.
قلت : والذي يلي ذلك في الفضل ؟
فذكر أنّه عند مقام إبراهيم .
قلت : ثم الذي يليه في الفضل ؟
قال : في الْحَجَرِ .
قلت : ثمَّ الذي يلي ذلك ؟
قال : كُلُّ ما دَنَا مِنَ الْبَيْتِ»(1).
روى الحسن بن عليّ الوشّاء ، عن الرضا(علیه السلام)، قال :«سألته عن الصلاة في المسجد الحرام ، والصلاة في مسجد الرسول في الفضل سواء ؟
فقال : نَعَمْ ، وَالصَّلاةُ فيما بَيْنَهُما تَعْدِلُ أَلْفَ صَلاةٍ»(2).
وحثّ الإمام الرضا(علیه السلام) على الدعاء عند الخروج من المنزل ، فقال :«كان أبي إذا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ قالَ : بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، خَرَجْتُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ لَا حَوْلَ منّی وَلَا قُوَّةَ لی، بَلْ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ ، يا رَبِّ مُتَعَرِّضاً لِرِزْقِكَ فَأْتِنِي بِهِ فِي عَافِيَةٍ»(3).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ، عن الرضا(علیه السلام) ، قال :«سألته عن القعدة بين الأذان والإقامة ؟
فقال : الْقَعْدَةُ بَيْنَهُما إِذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما نافِلَةٌ»(4).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضا(علیه السلام) ، أنه قال :«يُؤَذِّنُ الرَّجُلُ وَهُوَ جالِسٌ ، وَيُؤَذِّنُ وَهُوَ راكِبٌ»(1).
الإقامة : روى أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الرضا(علیه السلام) ، قال:«تُؤَذِّنْ وَأَنْتَ جالِسٌ ، وَلَا تُقِيمَ إِلَّا وَأَنْتَ عَلَى الْأَرْضِ وَأَنْتَ قائِمٌ»(2).
كان الإمام الرضا(علیه السلام) يجهر بالقراءة في صلاة المغرب والعشاء ، وصلاة الليل والشفع والوتر ،والغداة - أي صلاة الصبح - ويخفي القراءة في الظهر والعصر(3).
يجب الجهر بالقراءة على الرجال في صلاة الصبح ، والركعتين الأوليتين من المغرب والعشاء، ويجب الإخفات في صلاة الظهر والعصر في غير يوم الجمعة ، وأما فيه فيستحبّ الجهر في صلاة الجمعة ، وإذا أخل بذلك عمداً بطلت صلاته ، وإن كان ناسياً أو جاهلاً صحت صلاته(4).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي صاحب الإمام الرضا(علیه السلام)، قال :«سألته عن رجل أراد أن يقرأ مائة آية أو أكثر في نافلة ، فتخوّف أن يضعف ويكسل ، هل يصلح أن يقرأها وهو جالس ؟
قال : لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ بِما أَحَبَّ ، ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ فَلْيَقْرَأْ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ مِمَّا أَرادَ قِراءَتَهُ ، فَإِنَّ ذلِكَ يَجْزِيهِ مَكَانَ قِراءَتِهِ وَهُوَ قائِمٌ ، فَإِنْ بَدا لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلْيَقْرَأْ فَلَا بَأْسَ »(1).
إن الرجل الذي أحبّ أن يقرأ مائة آية أو أكثر في نافلة ولم يكن ملزماً بذلك بنذر وشبهه ، فهو بالخيار إن شاء أن يصلي ركعتين جالساً ويقرأ بما أحب أن يقرأه من الآيات ، وإن شاء أن يصلي ركعتين ويسلّم ، ويقرأ ما أحبه من الآيات بعد الصلاة .
روى البزنطي ، قال:«سألته - أي الرضا - عن الرجل يلتفت في صلاته ، هل يقطع ذلك صلاته ؟
قال : إِذا كانَتِ الْفَريضَةُ وَالْتَفَتَ إِلَى خَلْفِهِ فَقَدْ قَطَعَ صَلاتَهُ ، فَيُعِيدُ ما صَلَّى وَلَا يَعْتَدُّ به»(2).
إنّ الالتفات إلى الخلف يمحو صورة الصلاة، وكلّ ما يمحو صورتها فهو مبطل لها.
روى محمّد بن القاسم بن الفضل ، قال:كتبت إلى أبي الحسن الرضا(علیه السلام) أسأله عن الوصي أيزكّي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال ؟
قال : فكتب : لَا زَكَاةَ عَلَى يَتيم»(3).
أمّا زكاة الفطرة فلا تجب على اليتيم ، ولا على وليّه ، وليس له أن يخرجها من مال اليتيم كما دلّت على ذلك الرواية ، وأفتى بمضمونها الفقهاء ، وذلك لعدم تكليف اليتيم حتى يبلغ .
روى إبراهيم بن أبي محمود ، قال :«قلت لأبي الحسن الرضا(علیه السلام): الرجل يكون له الوديعة والدّين فلا يصل إليهما ، ثم يأخذهما متى يجب عليه الزكاة ؟
قال : إذا أَخَذَهُما ثُمَّ يَحولُ عَلَيْهِ يُزَكِّي»(1).
من شروط الزكاة التمكّن من التصرّف ، فلا تجب في المال الذي لا يتمكّن مالكه من التصرف فيه بأن كان غائباً عنه ، فمال الوديعة إذا كان بإمكانه استرجاعه ، فتجب عليه زكاته ، وكذلك الدين إنّما تجب الزكاة فيه بعد قبضه ، ومضي حول عليه .
روی سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام)، قال :«سألته : عن الزكاة فی الحنطة والشعير والتمر والزبيب متى تجب على صاحبها ؟
قال : إذا ما صُرمَ ، وَإِذا خُرصَ»(2).
ذهب المشهور من الفقهاء إلى أنّ تعلّق الزكاة بالغلات يكون في أوقات معيّنة، ففي الحنطة والشعير عند انعقاد حبّهما ، وفي ثمر النخل حين اصفراره أو احمراره ، وفي ثمرة الكرم انعقادها حصرماً ، وقيل غير ذلك(3).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضا(علیه السلام)، قال :«سألته عن الصدقة تحلّ لبني هاشم ؟
فقال : لا ، وَلكِنْ صَدَقَاتُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ نَحِلُّ لَهُمْ»(1).
روى سعد بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام)، قال : «سألته عن الرجل تحلّ عليه الزكاة في السنة في ثلاثة أوقات ، أيؤخّرها حتى يدفعها في وقت واحد ؟
فقال : مَتى حَلَّتْ أَخْرَجَها»(2).
إنّ الشخص إذا كان مالكاً لعدة أعيان زكوية بأن كان مالكاً للغلات والأنعام والنقدين ، فيخرج زكاة كلّ نوع عند استحقاق دفعها .
روی عبدالرحمن بن الحجاج ، قال:«سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن رجل ينفق على رجل ليس من عياله ، إلّا أنّه يتكلف له نفقته وكسوته ، أتكون عليه فطرته ؟
فقال : لا ، إنَّما تَكونُ فِطْرَتُهُ عَلَى عيالِهِ صَدَقَةً دونِهِ.
وقال : الْعِيالُ الْوَلَدُ وَالْمَمْلُولُ وَالزَّوْجَةُ اُمُّ الْوَلَدِ»(3).
تجب زكاة الفطرة على كلّ مكلّف، وعلى من يعول به حين دخول ليلة الفطر، من غير فرق بين واجب النفقة عليه وغيره ، ولا بين الصغير والكبير ، ولا تجب على من يتكلّف نفقته وكسوته ، وهو خارج عن العيال ، والمدار هو صدق العيلولة حسبما ذكر الفقهاء.
روى عليّ بن الحسن بن علي بن فضال ، عن أبيه ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) في حديث ، قال :«كانَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ خَمْسٌ مِنَ السُّنَنِ أَجْراها اللهُ لَهُ فِي الْإِسْلامِ : حَرَّمَ نِساءَ الْآبَاءِ عَلَى الْأَبْناءِ ، وَمِنَ الدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ ، وَكَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْواطِ ، وَوَجَدَ كَنْزاً فَأَخْرَجَ مِنْهُ الْخُمْسَ ، وَسَمّى زَمْزَمَ حِينَ حَفَرَها سِقايَةَ الْحاج»(1).
روى الشيخ المفيد بسنده ، قال :«سئل الإمام الرضا(علیه السلام) عن مقدار الكنز الذي يجب فيه الخمس .
فقال : ما يَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ مِنْ ذلِكَ بِعَيْنِهِ فَفِيهِ الْخُمُسُ ، وَما لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ فَلا خُمْسَ فِيهِ»(2).
الكنز هو المال المذخور في الأرض ، سواء أكان من الذهب أم الفضّة ، المسكوكين أم غير المسكوكين ، أم من غيرهما ، ويشترط فيه بلوغ النصاب ، وهو عشرون ديناراً ، فإذا لم يبلغ هذا المقدار فلا خمس فيه .
روی محمد بن زيد الطبري ، قال :«كتب رجل من تجّار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا(علیه السلام)،يسأله الإذن في الخمس ، فكتب إليه بعد البسملة :
إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ كَريمٌ ، ضَمِنَ عَلَى الْعَمَل الثَّوابَ ، وَعَلَى الضّيق الهم، لا يَحِلُّ مال إِلَّا مِنْ وَجْهِ أَحَلَّهُ اللهُ. إِنَّ الْخُمُسَ عَوْنُنَا عَلَى دِينِنَا وَعَلَى عِيالِنَا وَعَلَىٰ مَوالِينَا ، وَمَا تَبْذِلُهُ وَنَشْتَرى مِنْ أَعْراضِنا مِمَّنْ نَخافُ سَطْوَتَهُ ، فَلَا تَزْووهُ عَنَا ، وَلَا تَحْرِموا أَنْفُسَكُمْ دُعاءَنا ما قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ إِخْرَاجَهُ مِفْتَاحُ رِزْقِكُمْ ، وَتَمْحيصُ ذُنوبِكُمْ ، وَما تُمهدونَ لأَنفُسِكُمْ لِيَوْمٍ فَاقَتِكُمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ يَفِي لِلَّهِ بِمَا عَهِدَ إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ الْمُسْلِمُ مَنْ أَجابَ بِاللسان، وَخالَفَ بِالْقَلْبِ ، وَالسَّلامُ»(1).
روی محمّد بن زید ، قال :«قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا(علیه السلام)، فسألوه أن يجعلهم في حل من الخمس.
فقال : ما أُحِلُّ هذا تُمْحِضونَا الْمَوَدَّةَ بِأَلْسِنَتِكُمْ ، وَتَزْوونَ عَنَا حَقًّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَنا ،وَجَعَلَنَا لَهُ ، وَهُوَ الْخُمُسُ ، لَا نَجْعَلُ ، لَا تَجْعَلُ ، لَا نَجْعَلُ لأَحَدٍ مِنْكُمْ فِي حِلَّ»(2).
ودلّ هذا الحديث وما قبله على لزوم إيصال الخمس إلى الإمام(علیه السلام) . هذا في حضور الإمام ، أما في حال غيبته فيدفع إلى نائبه ، وهو المرجع العامّ للعالم الإسلامي .
روی عبدالسلام بن صالح الهروي ، قال:«قلت للرضا(علیه السلام): يابن رسول الله ، قد رُوي عن آبائك(علیه السلام) فيمن جامع في شهر رمضان ، أو أفطر فيه ثلاث كفّارات ، وروي عنهم أيضاً كفّارة واحدة ، فبأي الحديثين نأخذ؟
قال : بِهِما جميعاً ، مَتى جامَعَ الرَّجُلُ حَراماً ، أَوْ أَفْطَرَ عَلَى حَرَامِ فِي شَهْرِ رَمَضانَ فَعَلَيْهِ ثَلاثُ كَفَاراتٍ : عِتْقُ رَقَبَةٍ ، وَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ، وَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً ، وَقَضاءُ ذلِكَ الْيَوْمِ ، وَإِنْ كَانَ نَكَحَ حَلالاً أَوْ أَفْطَرَ عَلَى حَلالٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ كَانَ ناسياً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ»(1).
على ضوء هذه الرواية وغيرها مما أثر عن أئمة الهدى(علیه السلام) ، فقد أفتى فقهاء الإمامية بأنّ الصائم إذا أفطر على محرم في أثناء النهار ، كما إذا شرب خمراً أو أكل مغصوباً ، ونحو ذلك ، فإنّه تجب عليه كفارة الجمع، وهي عتق رقبة ، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكيناً ، وإذا أفطر على مباح بأن شرب ماء مثلاً، فتجب عليه خصلة واحدة من هذه الخصال الثلاث مخيّراً بينها.
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، أنه سأل الإمام الرضا(علیه السلام) عن الرجل يحتقن في شهر رمضان ؟
فقال الله : لَا يَجوزُ لَهُ أَنْ يَحْتَقِنَ»(2).
واستند فقهاء الإمامية إلى هذه الرواية ونظائرها مما أثر عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام) ،
فأفتوا بأنّ الاحتقان بالمائع من المفطرات.
روى موسى بن أبي الحسن الرازي ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال :«سأله بعض جلسائه عن السواك في شهر رمضان ؟
قال : جائز .
فقال بعضهم : إنّ السواك تدخل رطوبته في الجوف ؟
فقال : ما تَقولُ في السَّواكِ الرَّحِبِ تَدْخُلُ رُطُوبَتَهُ فِي الْحَلْقِ ؟
فقال : الْماءُ لِلْمَضْمَضَةِ أَرْطَبُ مِنَ السَّواكِ الرَّطِب ، فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : لَا بُدَّ مِنَ الْماءِ لِلْمَضْمَضَةِ مِنْ أَجْلِ السُّنَّةِ ، فَلَا بُدَّ مِنَ السَّواكِ مِنْ أَجْلِ السُّنَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا جَبْرَئِيلُ عَلَى النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله و سلم) »(1).
وأفتى الفقهاء بعدم فساد الصوم في السواك ، وأنه لا يضرّ بصحّته .
روى صفوان ، عن الرضا(علیه السلام) في حديث ، قال :«لَوْ أَنَّهُ يُرِيدُ النَّهْرَوانَ ذاهِباً وَجائِياً لَكانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِي مِنَ اللَّيْلِ سَفَراً وَالْإِفْطَارَ ، فَإِنْ هُوَ أَصْبَحَ وَلَمْ يَنْوِ السَّفَرَ فَبَدا لَهُ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَصْبَحَ فِي السَّفَرِ قَصَّرَ ، وَلَمْ يُفْطِرْ يَوْمَهُ ذلِكَ»(2).
وعلى ضوء هذه الرواية فقد أفتى الإمام الخوئي(قدس سره) بأن المسافر لابدّ أن ينوي السفر من الليل ، فإذا لم ينو وسافر قبل الزوال وجب عليه إتمام الصيام والقضاء .
روى المرزبان بن عمران ، قال :«قلت للرضا(علیه السلام) : أريد السفر فأصوم لشهري الذي أُسافر فيه ؟
قال : لا.
قلت : فإذا قدمت أقضيه ؟
قال : لَا ، كَما لَا تَصومُ كَذلِكَ لَا تَقْضِي»(1).
ومثل هذه الرواية ما رواه سعد بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام)، قال :«سألته عن صوم ثلاثة أيام في الشهر ، هل فيه قضاء على المسافر ؟
قال : لا»(2).
روی محمد بن سنان ، قال :«سألت الرضا(علیه السلام) لعن يوم الشكّ .
فقال : إِنَّ أَبي كانَ يَصومُهُ ، فَصُمْهُ»(3).
إذا شكّ في هلال شهر رمضان أنّه هلَّ أم لا ، فقد أمر الإمام(علیه السلام) بصيامه ،ونية الصوم حسبما ذكر الفقهاء أنّه ينويه من شعبان ندباً ، أو قضاء عمّا في ذمّته ، فإذا تبيّن أنّه من رمضان فإنّه يجزيه ، وأما إذا صامه بنيّة شهر رمضان بطل صومه(4).
روى الفضل بن شاذان ، عن الرضا(علیه السلام) في حديث ، قال :
«إِنْ قالَ : فَلِمَ إِذا مَرِضَ الرَّجُلُ أَوْ سَافَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ سَفَرِهِ أَوْ لَمْ يَقْوَ مِنْ مَرَضِهِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضانَ آخِرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْفِداهُ لِلْأَوَّلِ وَسَقَطَ الْقَضاءُ ، وَإِذا أَفَاقَ بَيْنَهُما أَوْ أَقامَ وَلَمْ يَفْضِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضاءُ وَالْفِدَاءُ ؟
قيلَ : لأَنَّ ذلِكَ الصَّوْمَ إِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فِي هَذَا الشَّهْرِ ، فَأَمَا الَّذِي لَمْ يفِي فَإِنَّهُ لَما مَرَّ عَلَيْهِ السَّنَةُ كُلُّها ، وَقَدْ غَلَبَ اللهُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ السَّبِيلَ إِلَى أَدائِها سَقَطَ عَنْها ، وَكَذلِكَ كُلُّ ما غَلَبَ اللهُ عَلَيْهِ ، مِثْلُ الْمُغْمَى الَّذِي يُغْمَى عَلَيْهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضاءُ الصَّلواتِ ، كَما قالَ الصَّادِق(علیه السلام)ُ : كُلُّ ما غَلَبَ اللهُ عَلَيْهِ فَهُوَ أَعْذَرُ لَهُ؛ لأَنَّهُ دَخَلَ الشَّهْرُ وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الصَّوْمُ في شَهْرِهِ وَلَا فِي سَنَتِهِ لِلْمَرَضِ الذي كانَ فِيهِ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْفِداءً لأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَداءَهُ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْفِدَاءُ ، كَما قَالَ اللهُ تَعَالَى :«فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً»(1).
وَكَما قَالَ :«فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ»(2)، فَأَقامَ الصَّدَقَةَ مَقامَ الصِّيامِ إِذا عَسِرَ عَلَيْهِ .
فإِنْ قالَ : فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ إِذ ذاكَ وَالْآنَ يَسْتَطِيعُ .
قيلَ : لأَنَّهُ لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضانَ آخَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْفِدَاءُ لِلْماضِي إِنَّهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمٌ فِى كَفَّارَةٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْهُ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْفِداءُ ، وَإِذا وَجَبَ عَلَيْهِ
الْفِداءُ سَقَطَ الصَّوْمُ ، وَالصَّوْمُ ساقِطْ وَالْفِداءُ لازمٌ ، فَإِنْ أَفَاقَ فيما بَيْنَهُما وَلَمْ يَصُمْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْفِداءُ لِتَضْيِيعِهِ وَالصَّوْمُ الاسْتِطَاعَتِهِ»(1).
إذا فات المكلف شهر رمضان أو بعضه لمرض ، واستمر به العذر إلى رمضان الثاني سقط عنه القضاء وتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام . أما إذا فاته لعذر غير المرض وجب القضاء وتجب الفدية أيضا(2).
روى إسماعيل بن داود ، قال :«سألت الرضا(علیه السلام) عن الصيام - الصيام المندوب-.
فقال : ثَلاثَةُ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ: الْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيسِ ، وَالْجُمُعَةِ»(3).
روى الفياض بن محمد بن عمر الطوسي أنّه شهد أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا(علیه السلام) في يوم الغدير ، وبحضرته جماعة من خاصّته قد احتبسهم للإفطار ، وقد قدّم إلى منازلهم الطعام والبر والصلات والكسوة حتى الخواتيم والنعال ، وقد غيّر من أحوالهم أحوال حاشيته ، وجدّدت له آلة غير الآلة التي جرى الرسم بابتذالها قبل يومه ، وهو يذكر فضل اليوم وقدمه ، فكان من قوله : حَدَّثَني الهادي أبي ، عَنْ آبائِهِ ، عَنْ أَمير الْمُؤْمِنينَ(علیه السلام) أَنَّهُ اتَّفَقَ فِى زَمَانِهِ الْجُمْعَةُ وَالْقَديرُ ، فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ عَلى
خَمْس ساعاتٍ مِنْ نَهارِ ذلِكَ الْيَوْم .
ثم ذكر خطبته(علیه السلام) بطولها - إلى أن قال-: ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمَعَ لَكُمْ مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ في هذَا الْيَوْمِ عِيدَيْنِ عَظِيمَيْنِ كَبِيرَيْنِ لَا يَقومُ أَحَدُهُما إِلَّا بِصَاحِبِهِ لِيُكْمِلَ عِنْدَكُمْ جَميلَ صَنيعِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ فَضْل يَوْم الْغَدير شَيْئاً كَثيراً جداً ، إلى أَنْ قالَ:
فَالدَّرْهَمُ فِيهِ بِمَائَةِ أَلْفِ دِرْهَم ، وَالْمَزيدُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَصَوْمُ هَذَا الْيَوْمِ مِمّا نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ ، وَجَعَلَ الْجَزاء الْعَظيمَ كَفَاءً لَهُ عَنْهُ ، حَتَّىٰ لَوْ تَعَبَّدَ عَبْدٌ مِنَ الْعَبِيدِ فِي الشَّبيبَةِ مِنِ ابْتِدَاءِ الدُّنْيا إِلى تَقَفَّيها صائِماً نَهارَها ، قائِماً لَيْلَها ، إِذا أَخْلَصَ الْمُخْلِصُ فى صَوْمِهِ لَقَصُرَتْ إِلَيْهِ أَيَّامُ الدُّنْيا عَنْ كَفَائِهِ ، وَمَنْ أَسْعَفَ أَخَاهُ مُبْتَدِنَا وَبَرَّهُ راغِباً فَلَهُ كَأَجْرِ مَنْ صَامَ هذَا الْيَوْمَ وَقامَ لَيْلَتَهُ ، وَمَنْ فَطَّرَ مُؤْمِناً فِي لَيْلَتِهِ فَكَأَنَّما فَطَّرَ فِئاماً وَفِئاماً يَعُدُّها بَيَدِهِ عَشَرَةٌ .
فَنَهَضَ ناهِضٌ ، فَقالَ: يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَما الْقِتَامُ ؟
قالَ : مَانَهُ أَلْفِ نَبِيٍّ وَصِدِّيقِ وَشَهِيدٍ ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَكَفَّلَ عَدَداً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ، وَأَنا ضَمِيتُهُ عَلَى اللهِ تَعَالَى الأَمانَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ ، وَإِنْ مَاتَ فِي لَيْلَتِهِ أَوْ يَوْمِهِ أَوْ بَعْدَهُ إِلَى مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ ، وَمَنِ اسْتَدانَ لإخْوَانِهِ وَأَعانَهُمْ فَأَنَا الضَّامِنُ عَلَى اللهِ إِنْ بَقَاهُ قَضاهُ ، وَإِنْ قَبَضَهُ حَمَلَهُ عَنْهُ ، وَإِذا تَلاقَيْتُمْ فَتَصافحوا بِالتَّسْلِيمِ ، وَتَها بوا النِّعْمَةَ في هَذَا الْيَوْمِ ، وَلْيُبَلِّغ الْحاضِرُ الْغَائِبَ ، وَالشَّاهِدُ الْبائِنَ ، وَلْيَعُدْ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ ، وَالْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ ، أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ بِذلِكَ.
ثُمَّ أَخَذَ(علیه السلام) في خُطْبَتِهِ ، وَجَعَلَ صلاةَ جُمْعَتِهِ صَلاةَ عيدٍ ، وَانْصَرَفَ بِوُلْدِهِ وَشِيعَتِهِ إِلَى مَنْزِلِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيَّ(علیه السلام) بِمَا أَعَدَّ لَهُ مِنْ طَعَامٍ ، وَانْصَرَفَ غَنِيُّهُمْ وَفَقَيرُهُمْ بِرِفْدِهِ إِلَىٰ عياله»(1).
1) مصباح المتهجّدين : 524 . وسائل الشيعة : 7 : 326 .
إنّ عيد الغدير من أهمّ الأعياد الإسلامية ، ففي هذا اليوم الخالد أقام الرسول (صلى الله عليه وآله و سلم) الإمام أمير المؤمنين خليفة من بعده، ومرجعاً لأمته ، وقد أثرت الأخبار عن أئمة الهدى(علیهم السلام) باستحباب صومه ، وترتيب آثار العيد عليه ، وقد وفّقت الطائفة الإمامية لإحيائه ، وإقامة المهرجانات الأدبية التي تتلى فيها آيات الشعر وروائع الكلمات التي تشيد بفضل أبي الحسين(علیه السلام)، كما يؤمّ مرقده الشريف آلاف الزائرين في هذا اليوم إحياء لذكراه .
روى الحسن بن عليّ الديلمي مولى الإمام الرضا(علیه السلام)، قال :«سمعت الرضا يقول : مَنْ حَجَّ بِثَلاثَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدِ اشْتَرى نَفْسَهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بالثَّمَن»(1).
ودلّ هذا الحديث على استحباب دعوة المؤمنين للحجّ والقيام بنفقاتهم ، فإنّ هذا من أفضل الأعمال التي تقرب الإنسان إلى الله.
روی محمّد بن عبدالله ، قال :«سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن الرجل يموت فيوصي بالحجّ ، من أين يحجّ عنه ؟
قال : عَلى قَدْرِ مالِهِ ، إِنْ وَسِعَهُ مَالُهُ فَمَنْ مَنْزِلِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَسَعْهُ مالُهُ فَمِنَ الكوفة ، فَإِنْ لَمْ يَسَعْهُ مِنَ الْکوفَةِ فَمِنَ الْمَدِينَةِ»(2).
روى محمد بن عيسى اليقطيني ، قال :«بعث إليَّ أبو الحسن الرضا(علیه السلام) رزم ثياب
وغلماناً ، وحجّة لي وحجّة لأخي موسى بن عبيد ، وحجّة ليونس بن عبدالرحمن ، وأمرنا أن نحجّ عنه ، فكانت بيننا مائة دينار أثلاثاً فيما بيننا»(1).
واستند الفقهاء لهذه الرواية وغيرها في جواز الاستنابة عن الحي في الحج المندوب ،كما أفتوا بجواز الاستنابة عن الحج الواجب ، كحجة الإسلام عن الحي فيما إذا كان المكلّف عاجزاً عن الحج .
قال : لا يَجوزُ الْإحْرام دونَ الْمِيقات»(2).
روى صفوان بن يحيى ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال :«كتبت إليه : أنّ بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العقيق وليس بذلك الموضع ماء ولا منزل ، وعليهم فی ذلك مؤونة شديدة ، ويعجلهم أصحابهم وجمالهم من وراء بطن عقيق بخمسة عشر ميلاً منزل فيه ماء وهو منزلهم الذي ينزلون فيه ، فترى أن يحرموا من موضع الماء لرفقة بهم وخفّته عليهم ؟
فكتب : إِنَّ رَسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) وَقَتَ الْمَوَاقِيتَ لِأَهْلِهَا ، وَمَنْ أَتَى عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِها . وفيها رُخْصَةٌ لِمَنْ كانَتْ بِهِ عِلَّةٌ ، فَلَا تُجاوز الميقات إلَّا مِنْ عِلَّةٍ(3).
إنّ كلّ من اجتاز على ميقات وهو يريد مكّة المكّرمة وجب عليه الإحرام كما دلّت على ذلك الرواية وغيرها .
روى أحمد بن محمد ، قال:«قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا(علیه السلام) :كيف أصنع إذا أردت أن أتمتّع ؟
فقال : لَبِّ بِالْحَجِّ ، وَانْوِ الْمِتْعَةَ ، فَإِذا دَخَلْتَ مَكَّةَ طُفْتَ بِالْبَيْتِ ، وَصَلَّيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقامِ ، وَسَعَيْتَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَقَصَّرْتَ ، فَنَسَخْتَها وَجَعَلْتَها مِتْعَةٌ»(1).
ودلّت هذه الرواية على جواز نيّة الحج والتلبية له التي ينعقد بها الإحرام ، ثمّ يأتي ببقية الأعمال من الطواف بالبيت الحرام والصلاة خلف مقام إبراهيم ، ثمّ السعي سبعة أشواط بين الصفا والمروة ، ثم يقصر ، ويجعلها عمرة تمتّع.
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الإمام الرضا(علیه السلام) أنه سئل عن المتمتّع متى يقطع التلبية ؟
قال : إِذا نَظَرَ إِلَى عِرَاشِ مَكَّةَ عَقَبَةَ ذِي طُوىٰ .
قلت : بيوت مكة ؟
قال : نَعَمْ»(2).
إنّ الحاج إذا أحرم من إحدى المواقيت استحبّ له التلبية طيلة الوقت حتّى ينتهي إلى مكة ، فإذا شاهد بيوتها قطع التلبية .
روى سعد بن سعد الأشعري القمّي ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال :«سألته
عن المحرم يشتري الجواري ويبيعها ؟
قال : نَعَمْ»(1).
ويحرم على المحرم أن يعقد على امرأة ويتزوّج بها ، وكذلك يحرم عليه أن يجري عقد النكاح للغير، أما شراء الجواري وبيعها فلا حرمة فيه حسبما دلّت عليه هذه الرواية .
روى محمد بن إسماعيل بن بزيع ، قال :«رأيت على أبي الحسن الرضا(علیه السلام)-وهو محرم - خاتماً»(2).
روی محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، قال :«كتبت إلى الرضا(علیه السلام) : هل يجوز للمحرم أن يمشي تحت ظلّ المحمل ؟
فكتب(علیه السلام) : نَعَمْ»(3).
من جملة التروك للمحرم ترك التظليل ، أما المشي تحت الظلال فلا مانع منه ، وقد أثارت هذه المسألة كثيراً من التساؤلات، فقد روى الطبرسي ، قال :«سأل محمد بن الحسن أبا الحسن موسى بن جعفر(علیه السلام)بمحضر من الرشيد ، وهم بمكّة ، فقال له : أيجوز للمحرم أن يظلّل عليه محمله ؟
فقال له الإمام : لَا يَجوزُ لَهُ ذلِكَ مَعَ الْإِخْتيار.
فقال له محمد بن الحسن : أفيجوز أن يمشي تحت الظلال مختاراً ؟
قال له : نَعَمْ ، فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك.
فقال له الإمام : أَتَعْجَبُ مِنْ سُنَّةِ رَسولِ الله ِ(صلى الله عليه وآله و سلم) وَتَسْتَهْزِئُ بِها . إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) كَشَفَ ظِلالَهُ فِي إِحْرامِهِ ، وَمَشَى تَحْتَ الظَّلالِ وَهُوَ مُحْرِمٌ . إِنَّ أَحْكامَ اللَّهِ - يَا مُحَمَّدُ- لا تُقاسُ ، فَمَنْ قاسَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبيل»(1).
روی صفوان بن يحيى ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال :«مَنْ أَصابَ طَيْراً في الْحَرَمِ وَهُوَ مُحِلٌّ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ ، وَالْقِيمَةُ دِرْهَم يَشْتَرِي عَلَفاً لِحَمامِ الْحَرَمِ »(2).
روى سعد بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال:«سألته عن المحرم يظلّل على نفسه ؟
فقال : أَمِنْ عِلَّةٍ ؟
فقلت : يؤذيه حرّ الشمس وهو محرم .
فقال : هِيَ عِلَّةٌ ، يُظَلِّلُ وَيَفْدِي»(3).
وروى إبراهيم بن أبي محمود ، قال:«قلت للرضا(علیه السلام): المحرم يظلّل على محمله ويفدي إذا كانت الشمس والمطر يضرّان به؟
روى سعد بن سعد ، عن الإمام الرضا(علیه السلام) ، قال :«كنت معه في الطواف، فلما صرنا بحذاء الركن اليماني قام (علیه السلام) فرفع يده إلى السماء ، ثم قال : يا الله ، يا وَلِيَّ الْعَافِيَةِ ، وَخالِقَ الْعافِيَةِ ، وَرازِقَ الْعَافِيَةِ ، وَالْمُنْعِمُ بِالْعَافِيَةِ ، وَالْمَنَّانُ بِالْعافِيَةِ ، وَالْمُتَفَضّل بِالْعَافِيَةِ عَلَيَّ وَعَلَىٰ جَمِيعِ خَلْقِكَ .
يا رَحْمَنَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمَهُما ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَارْزُقْنَا الْعافِيَةَ ،وَتَمامَ الْعَافِيَةِ ، وَشُكْرَ الْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ»(2).
قال(علیه السلام) : «طَوافُ الْفَرِيضَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَكَلَّمَ فِيهِ إِلَّا بِالدُّعاءِ ، وَذِكْرِ اللَّهِ ، وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ ، وَالنّافِلَةِ - أي الطواف المستحبّ- يَلْقَى الرَّجُلُ أَخاهُ وَيُحَدِّثُهُ بِالشَّيْءِ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ وَالدُّنْيا لَا بَأْسَ بِهِ»(3).
وليس هذا الحكم إلزامياً ، وإنّما هو مندوب ، ويستحب أن لا يتكلّم المحرم إلا بذكر الله تعالى في طوافه.
روى إسماعيل بن همام ، قال :«سمعت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) يقول : لا تَزمِ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ - أي يوم العيد - حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»(1).
والنهي ظاهره المنع عن الرمي قبل طلوع الشمس.
روى سوادة وعلي بن أسباط ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قالا :«قلنا له : جعلنا فداك ، عزّت الأضاحي علينا بمكة ، أفيجزي اثنين أن يشتركا في شاة ؟
فقال : نَعَمْ ، وَعَنْ سَبْعِينَ»(2).
هذا في الحج المندوب ، وأما في الحج الواجب فلا يجزي الهدي الواحد إلا عن واحد ، ولا يجزي عن اثنين.
روى عليّ بن أسباط ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال :«قلت له : رجل تمتّع بالعمرة إلى الحج وفي عيبته ثياب له ، أيبيع من ثيابه شيئاً ويشتري هديه ؟
قال : لا ، هذا يَتَزَيَّنُ بهِ الْمُؤْمِنُ ، يَصومُ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ ثِيابِهِ شَيْئاً»(3).
إذا عجز المكلّف عن الهدي كما في هذه الصورة فينتقل إلى الصوم فيصوم ثلاثة
أيام في الحجّ ، وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله.
روى الحسن بن الجهم ، قال :«قلت لأبي الحسن الرضا(علیه السلام) : أيهما أفضل : رجل يأتي مكة ولا يأتي المدينة ، أو رجل يأتي النبي ولا يأتي مكة ؟
قال : فقال لي : أَيَّ شَيْءٍ تَقُولُونَ أَنْتُمْ ؟
فقلت : نحن نقول في الحسين(علیه السلام) ، فكيف بالنبي ؟
فقال : أَما لَئِنْ قُلْتَ ذلِكَ لَقَدْ شَهِدَ أَبو عَبْدِ اللهِ (علیه السلام) عِيْداً بِالْمَدِينَةِ ، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله و سلم) فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قالَ لِمَنْ حَضَرَهُ : لَقَدْ فَضَلْنا أَهْلَ الْبُلْدَانِ كُلَّهُمْ مَكَّةَ فَمَا دُونَهَا لِسَلامِنَا عَلَى رَسُولِ الله(صلى الله عليه وآله و سلم) »(1).
روى محمّد بن سنان :«أنّ أبا الحسن الرضا(علیه السلام) اكتب إليه فيما كتب من جواب مسائله : حَرَّمَ اللهُ الْفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَهْنِ فِي الدِّينِ ، وَالْإِسْتِخْفافِ بِالرُّسُلِ وَالْأَئِمَّةِ الْعادِلَةِ ، وَتَرْكِ نُصْرَتِهِمْ عَلَى الْأَعْداءِ ، وَالْعُقوبَةِ لضهُمْ عَلَى تَرْكِ مَا دُعوا إِلَيْهِ مِن الإقرار بالربوبيَّةِ ، وَإِظهار الْعَدْلِ ، وَتَرْكِ الْجَوْرِ ، وَإِمَاتَةِ الْفَسادِ؛ لِما فى ذلِكَ مِنْ جَراءَةِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمينَ ، وَما يَكونُ فِي ذلِكَ مِنَ السَّبْي وَالْقَتْلِ ، وَإِبْطَالِ دينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْفَسَادِ»(2).
وحرم الإسلام الفرار من الزحف ، وذلك لما فيه من الأضرار البالغة التي يمني بها
المسلمون ، والتي منها تسلّط القوى الكافرة على الإسلام، وقيامها بمحق الإسلام
والتنكيل بالمؤمنين.
روى محمد بن سنان : « أنّ أبا الحسن الرضا(علیه السلام) كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله : وَحَرَّمُ اللهُ التَّعَرُّبَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ لِلرُّجوع عَنِ الدِّينِ ، وَتَرْكِ الْمُوازَرَةِ لِلْأَنْبِياءِ وَالْحُجَج(علیهم السلام) ، وَ ما فِي ذلِكَ مِنَ الْفَسادِ وَإِبْطالِ حَقٌّ كُلٌّ ذِي حَقٌّ لِعِلَّةٍ سُكْنَى الْبَدْوِ ، وَلِذلِكَ لَوْ عَرَفَ الرَّجُلُ الدِّينَ كامِلاً لَمْ يَجُزْ لَهُ مَساكَنَةَ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْخَوْفِ عَلَيْهِ؛ لَأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ تَرْكُ الْعِلْمِ وَالدَّخولُ مَعَ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالنَّمَادِي فِي ذلِكَ»(1).
وحرّم الإسلام التعرّب بعد الهجرة؛ وذلك لأنه يوجب الرجوع عن الدين ، والتخلق بأخلاق الجهلة ، فإنّ الحياة الاجتماعية حياة تأثير وتأثر ، فكل إنسان يتأثر فيمن حوله كما هو يؤثر فيمن حوله ، ولهذه العلة فقد حرم الإسلام ذلك ، وهذه الحرمة إنّما تخصّ الجهّال من المسلمين ، أما من تسلّح بالعلم والفضل فلا حرمة عليه لأنه لا يخاف عليه من الانجراف بأخلاق الجهّال .
روی محمد بن عبد الله ، قال:«سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن قوم خرجوا ، وقتلوا أناساً من المسلمين ، وهدموا المساجد ، وإن المتولّي هارون بعث إليهم فأُخذوا ، وقتلوا ، وسُبي النساء والصبيان ، هل يستقيم شراء شيء منهم ويطأهنّ أم لا ؟
قال(علیه السلام) : لا بَأْسَ بِشِراءِ مَتاعِهِنَّ وَسَبْيهِنَّ»(2).
وروى زكريّا بن آدم ، قال:«سألت الرضا(علیه السلام) عن قوم من العدوّ صالحوا ثمّ خفروا ، ولعلّهم إنّما خفروا لأنه لم يعدل عليهم ، أيصلح أن يشترى من سبيهم؟
قال(علیه السلام) : إِنْ كَانَ مِنْ عَدُوَّ قَدِ اسْتَبانَ عَداوَتُهُمْ فَاشْتَرِ مِنْهُ ، وَإِنْ كانَ قَدْ نُفِرُوا وَظُلِموا فَلَا يُباعُ مِنْ سَبيهِمْ»(1).
وفصّل الإمام(علیه السلام) في الحديث الثاني بين الخارجين على الحكومة الإسلامية ، فإن كان خروجهم عن ظلم عانوه لأنّ الحكومة لم تف بمعاهداتها ، وخاست بوعودها لهم فلا سبيل لشراء شيء من سباياهم ، وإن كان خروجهم عداء للإسلام، وحقداًعلى السملمين فيباح للمسلمين شراء سباياهم.
وفصّل الإمام الرضا(علیه السلام) حکم الخراج في الأراضي ، وفي حديثه مع أحمد بن محمد بن أبي نصر ، قال:«ذكرت لأبي الحسن الرضا(علیه السلام) الخراج ، وما سار به أهل بيته ، فقال : الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ طَوْعاً ، تُرِكَتْ أَرْضُهُ فِي يَدَهِ ، وَأُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْر فيما عَمَّرَ مِنْهَا ، وَما لَمْ يُعَمِّرُ مِنْها أَخَذَهُ الْوالى فَقَبلَهُ مِمَّنْ يُعَمِّرْهُ ، وَكانَ لِلْمُسْلِمينَ ، وَلَيْسَ فيما كانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْساقٍ شَيْءٌ ، وَمَا أُخِذَ بِالسَّيْفِ فَذلِكَ إلى الإمام يَقْبَلُهُ بالذى يرى ، كَما صَنَعَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) بِخَيْبَرَ قَبْلَ أَرْضَهَا وَنَخْلَهَا ، وَالنَّاسُ يَقولونَ : لَا تَصْلُحُ قُبالَةُ الْأَرْضِ وَالنَّخْل إذا كانَ الْبَياضُ أَكْثَرَ مِنَ السَّوادِ ، وَقَدْ قَبلَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) خَيْبَرَ ، وَعَلَيْهِمْ فِي حِصَصِهِمُ الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ»(2).
قال(علیه السلام):«لِتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ فَيَدْعو خيارُكُمْ فَلَا يُسْتَجابُ لَهُمْ»(1).
وقال(علیه السلام) :«كانَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) يَقولُ : إِذا أُمَّتى تَواكَلَتِ الأمْرَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَلْيَأْذَنُوا بِوِقاعِ مِنَ اللَّهِ»(2).
إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قاعدتان أساسيّتان في الإسلام يُبتنى عليهما تطوّر الأمة وأمنها وسلامتها من الفتن والزيغ .
وقال(علیه السلام) :«والْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ إِذا أَمْكَنَ ، وَلَمْ يَكُنْ خيفَةً عَلَى النَّفْسِ»(3).
إن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطاً كان منها عدم الخوف على النفس والأهل والمال ، أمّا إذا ما حرّمت هذه الشروط ، فان الوجوب يسقط.
روى البزنطي صاحب الإمام الرضا(علیه السلام)، قال :«سألته - أي الإمام - عن الرجل تكون له الغنم يقطع من أليائها وهى أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع ؟
قال : نَعَمْ ، يُذيبُها ، وَيَسْرجُ بها ، وَلَا يَأْكُلُها وَلَا يَبيعُها»(4).
و دلّت هذه الرواية على جواز الانتفاع بإلية الغنم المبانة من الحيّ ، ولكنّ الانتفاع
بها محدود في الإضاءة لا غير .
سُئل الإمام الرضا(علیه السلام) عن الأجرة على كتابة المصحف ، فقال(علیه السلام): لَا بَأْسَ(1).
وحرّم الإسلام الميسر ، وقرنه بالخمر ، وقد فسّر الإمام(علیه السلام) الميسر بالقمار(2).
وقال(علیه السلام): «إنَّ الشَّطْرَنْجَ وَالنَّرْدَ ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ ، وَكُلَّ ما قُومِرَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَهُوَ مَيْسِر»(3).
روى سليمان الجعفري ، قال : قلت لأبي الحسن الرضا(علیه السلام): ما تقول في أعمال السلطان ؟
فقال : يا سُلَيْمَانُ ، الدخول في أَعْمَالِهِمْ ، وَالْعَوْنُ لَهُمْ ، وَالسَّعْيُ فِي حَوائِجِهِمْ عَديلُ
الْكُفْرِ ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهِمْ عَلَى الْعَمْدِ مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي يُسْتَحَقُّ بِهَا النَّارُ»(4).
وقد سوّغ الإمام الرضا(علیه السلام) الولاية من قبل الجائر، ولكن بشرط نفع المؤمنين، ودفع الأذى عنهم .
قال(علیه السلام): « إِنَّ لِلَّهِ مَعَ السُّلْطانِ أَوْلِيَاءَ يَدْفَعُ بِهِمْ عَنْ أَوْلِيَائِهِ»(5).
وروى الحسن بن الحسين الأنباري ، عن أبي الحسن الرضا ، قال : «كتبت إليه : أربع عشرة سنة استأذنه في عمل السلطان ، فلمّا كان في آخر كتاب كتبته إليه أذكر أني أخاف على خيط عنقي ، وأنّ السلطان يقول لي إنك رافضي ، ولسنا نشكّ في أنك تركت العمل للسلطان للرفض .
فكتب إليَّ أبو الحسن(علیه السلام): فَهِمْتُ كِتابَكَ ، وَما ذَكَرْتَ مِنَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِكَ ، فَإِنْ كُنْتُ تَعْلَمُ أَنَّكَ إِذا وُلِّيتَ عَمِلْتَ في عَمَلِكَ بِما أَمَرَ بِهِ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) ، ثُمَّ تُصَيِّرُ
أَعْوَانَكَ وَكُتَابَكَ أَهْلَ مِلَّتِكَ ، وَإِذا صَارَ إِلَيْكَ شَيْءٌ َواسَيْتَ بِهِ فُقَراءَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّىٰ تَكونَ واحِداً مِنْهُمْ ، كانَ بِذا بذا ، وَإِلَّا فَلا»(1).
روى عليّ بن أسباط ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام)، قال:«سمعته يقول : الْخِيارُ في
الْحَيَوانِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لِلْمُشْتَرِي وَفِي غَيْرِ الْحَيْوانِ أَن يَفْتَرِقا»(2).
وعلى ضوء هذه الرواية وغيرها ، فقد أفتى الفقهاء بأنّ للمشتري حقّ الخيار في الحيوان إلى ثلاثة أيام ، وفي غيره ما لم يفترقا ، وسمّي ذلك بخيار المجلس .
روى يونس ، قال:«كتبت إلى الرضا(علیه السلام): أنّ لي على رجل ثلاثة آلاف درهم ، وكانت تلك الدراهم تنفق بين الناس تلك الأيام ، وليست تنفق اليوم ، فلي عليه تلك الدراهم بأعيانها أو ما ينفق اليوم بين الناس ؟
قال : فكتب لي : لكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ ما يُنْفِقُ بَيْنَ النَّاسِ ، كَما أَعْطَيْتَهُ ما يُنْفَقُ
بَيْنَ النَّاسِ»(1).
روى الحسن بن علي الوشّاء ، قال :«سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) : هل يجوز بيع النخل إذا حمل - أراد بيع الثمر-.
قال : لَا يَجوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يَزْهُو .
قلت : وما الزهو جعلت فداك ؟
قال : يَحْمَرُ وَيَصْفَرُّ ، وَشِبْهُ ذلك»(2).
روى زكريا بن آدم ، قال :«سألت الرضا(علیه السلام) عن أهل الذمّة أصابهم جوع ، فأتاه رجل بولده ، فقال : هذا لك أطعمه وهو لك عبد.
فقال : لا تَبْتَعْ حُرّاً ، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَكَ ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الذُّمَّةِ»(3).
إنّ أهل الذمة أحرار ولا يجوز بيعهم .
روی محمد بن سليمان ، عن رجل من أهل الجزيرة يكنّى أبا محمّد ، قال :«سأل الرضا (علیه السلام)الرجل وأنا أسمع ، فقال له : جعلت فداك ، إنّ الله جل وعزّ يقول :«وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ»(4)، أخبرني عن هذه النظرة التي ذكر الله
عزّ وجلّ في كتابه لها حدّ يُعرف إذا صار هذا المعسر إليه لا بد له أن ينتظر وقد أخذ مال هذا الرجل ، وأنفقه على عياله ، وليس له غلّة ينتظر إدراكها ، ولا دين ينتظر محلّه ، ولا مال غائب ينتظر قدومه ؟
قال(علیه السلام) : نَعَمْ ، يَنْتَظِرُ بِقَدَرِ ما يَنْتَهِي خَبَرُهُ إِلَى الْإِمَامِ ، فَيَقْضِي مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ مِنْ سَهُم الْغَارِمِينَ ، إِذا كانَ أَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِنْ كَانَ أَنْفَقَهُ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْإِمَامِ .
:قلت : فما لهذا الرجل الذي ائتمنه وهو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة الله أم في معصيته ؟
قال : يَسْعَى لَهُ فى مالِهِ فَيَرُدَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صاغِرٌ»(1).
روی محمد بن الفضيل ، قال : « قلت للرضا(علیه السلام) : رجل اشترى ديناً على رجل ، ثم ذهب إلى صاحب الدين فقال له : ادفع إليَّ ما لفلان عليك فقد اشتريته منه.
قال : يَدْفَعُ إِلَيْهِ قِيمَةَ مَا دَفَعَ إِلى صاحِبِ الدَّيْنِ ، وَبَرِئَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالَ مِنْ جَمِيعِ ما بَقِيَ عَلَيْهِ»(2).
روى عليّ بن إسماعيل، عن رجل من أهل الشام ، أنه سأل الرضا(علیه السلام) عن رجل علیه دین قد فدحه ، وهو يخالط الناس وهو يؤتمن بسعة شراء الفضول من الطعام والشراب ، فهل يحلّ له أم لا ؟ وهل يحلّ أن يتطلع من الطعام أم لا يحلّ له إلا قدر
ما يمسك به نفسه ويبلغه ؟
قال(علیه السلام) : لا بَأسَ بما أكل»(1).
وظاهر الحديث أنه لا يضيق على المستدين، وأنه في سعة من أمره في شراء ما يحتاجه من الطعام .
روى سليمان بن جعفر الجعفري ، قال:«كنت مع الرضا(علیه السلام) افي بعض الحاجة ، فأردت أن أنصرف إلى منزلي ، فقال لي :انْصَرِفْ مَعي ، فَبِتْ عِنْدِي اللَّيْلَةَ ، فانطلقت معه فدخل إلى داره مع المغيب ، فنظر إلى غلمانه يعملون في الطين أواري(2)
محبس الدابة ، والجمع أوأري يخفّف ويشدّد وهو في التقدير فاعول».
الدواب ، وغير ذلك ، وإذا معهم أسود ليس منهم ، فقال : ما هذَا الرَّجُلُ مَعَكُمْ ؟قالوا : يعاوننا ونعطيه شيئاً .
قال : قاطَعْتُمُوهُ عَلَى أُجْرَتِهِ .
قالوا : لا هو يرضى بما تعطيه.
وغضب لذلك غضباً شديداً ، فقلت : جعلت فداك ، لِمَ تدخل على نفسك ؟
فقال : إِنِّي قَدْ نَهَيْتُهُمْ عَنْ مِثْلِ هذا غَيْرَ مَرَّةٍ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُمْ أَحَدٌ ، حَتَّىٰ يُقاطِعوهُ عَلَى أَجْرَتِهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ ما مِنْ أَحَدٍ يَعْمَلُ لَكَ شَيْئاً بِغَيْرِ مُقاطَعَةٍ ، ثُمَّ زِدْتَهُ لِذلِكَ الشَّيْءِ ثَلاثَةَ أَضْعَافٍ عَلَى أَجْرَتِهِ إِلَّا ظَنَّ أَنَّكَ قَدْ نَقَصْتَهُ أَجْرَتَهُ ، وَإِذا قاطَعْتَهُ ثُمَّ أَعْطَيْتَهُ أَجْرَتَهُ حَمِدَكَ عَلَى الْوَفاءِ ، فَإِنْ زِدْتَهُ حَبَّةٌ عَرفَ ذلِك لَكَ ، وَرأَى أَنَّكَ قَدْ زِدْتَهُ»(3).
إن من محاسن التشريع الإسلامي معاملة الأجير وقطع أجرته قبل عمله ، فإذا لم تعيّن أجرته فمهما أعطي فإنّه لا يرضى ، ويكون ذلك مدعاة للنزاع والخصومة .
روى يونس ، قال :«كتبت إلى الرضا(علیه السلام) أسأله عن رجل تقبّل من رجل أرضاً أو غير ذلك سنين مسمّاة ، ثمّ إنّ المقبل أراد بيع أرضه التي قبلها قبل انقضاء السنين المسماة ، هل للمتقبل أن يمنعه من البيع قبل انقضاء أجله الذي تقبّلها منه إليه ، وما يلزم المتقبّل له ؟
قال(علیه السلام): لَهُ أَنْ يَبيعَ إِذا اشْتَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّ الْمُقْتَبِلَ مِنَ السِّنينَ ما لَهُ»(1).
لا مانع من بيع العين المستأجرة ، ولكن يشترط إعلام المشتري بالأمر ، فيبيعه علیه مسلوبة المنفعة إلى مدة انقضاء الإجارة ، وإذا لم يعلمه بذلك فله خيار الفسخ .
روی صفوان بن یحیی ، قال:«سألت الرضا(علیه السلام) عند رجل كان له مال فوهبه لولده الأكبر ، فذكر له الرجل المال الذي له عليه ، فقال : إنه ليس عليك منه شيء في الدنيا والآخرة - ومعنى ذلك أنّه وهبه له - يطيب له ذلك ، وقد كان وهبه لولده؟
قال(علیه السلام) : نَعَمْ ، يَكونُ وَهَبْهُ لَهُ ثُمَّ نَزَعَهُ فَجَعَلَهُ لهذا»(2).
إنّ الهبة قبل القبض يجوز ارتجاعها ، وهي من العقود الجائزة التي يجوز الرجوع فيها.
نعم ، الهبة لذوي الأرحام أو المعوضة تكون لازمة بعد القبض لا قبله.
روى أبو طالب عبدالله بن الصلت ، قال :«كتب الخليل بن هاشم إلى ذي الرئاستين ، وهو والي نيسابور : إنّ رجلاً من المجوس مات وأوصى للفقراء بشيء من ماله ، فأخذه قاضي نيسابور فجعله في فقراء المسلمين ، فكتب الخليل إلى ذي الرئاستين بذلك ، فسأل المأمون عن ذلك ، فقال : ليس عندي في هذا شيء ، فسأل أبا الحسن(علیه السلام) .
فقال أبو الحسن : إِنَّ الْمَجُوسِيَّ لَمْ يُوصِ لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ
مِقدارُ ذلِكَ الْمَالِ مِنْ مالِ الصَّدَقَةِ فَيُرَدُّ عَلَى فُقَرَاءِ الْمَجوس»(1).
وروى مثل ذلك عليّ بن إبراهيم، عن ياسر الخادم ، قال :«كتب من نيسابور إلى المأمون : إنّ رجلاً من المجوس أوصى عند موته بمال جليل يفرّق في المساكين والفقراء ، ففرّقه قاضي نيسابور في فقراء المسلمين .
فقال المأمون للرضا : ما تقول في ذلك ؟
فقال الرضا(علیه السلام): إِنَّ الْمَجُوسَ لَا يَتَصَدَّقُونَ عَلى فُقَراءِ الْمُسْلِمِينَ ، فَاكْتُبْ إِلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ بِقَدَرِ ذلِكَ مِنْ صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ فَيَتَصدَّقُ بِهِ عَلَى فُقَراءِ الْمَجُوسِ»(2).
روى الريّان بن شبيب ( بن الصلت) ، قال :«اوصت ماردة لقوم نصارى فراشين بوصّية ، فقال أصحابنا : اقسم هذا في فقراء المؤمنين من أصحابك ، فسألت الرضا(علیه السلام) فقلت : إنّي أختي أوصت بوصيه لقوم نصارى ، وأردت أن أصرف ذلك إلى
قوم من أصحابنا مسلمين .
فقال(علیه السلام) : امْضِ الْوَصِيَّةَ عَلى ما أَوْصَتْ بِهِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:«فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ»(1)»(2).
روى سعد بن إسماعيل ، عن أبيه ، قال :«سألت الرضا(علیه السلام) عن وصيّ أيتام يدرك أيتامه فيعرض عليهم أن يأخذوا الذي لهم ، فيأبون عليه ، كيف يصنع ؟
قال : يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ، وَيُكْرِهُهُمْ عَلَيْهِ»(3).
إن اليتيم إذا بلغ وكان رشيداً فإنّه لا سلطان للوصي من قبل أبيه عليه ،ويجب عليه إرجاع المال إليه ، وإذا امتنع فيجبره الحاكم الشرعي على قبوله .
روى صفوان وأحمد بن محمد بن أبي نصر ، قالا:«سألنا الرضا(علیه السلام) عن رجل أوصى لك بسهم من ماله ، ولا ندري السهم أي شيء هو ؟
فقال(علیه السلام) : لَيْسَ عِنْدَكُمْ فيما بَلَغَكُمْ عَنْ جَعْفَرٍ وَلَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فِيهَا شَيْءٌ ؟
فقلنا له : ما سمعنا أصحابنا يذكرون شيئاً من هذا عن آبائك(علیهم السلام)؟
فقال : السَّهْمُ واحِدٌ مِنْ ثَمَانِيَةٍ - إلى أن قال- : قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ:«إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرَّقَابِ وَالْغَارِمِينَ
وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ»(1)، ثمّ عقد بيده ثمانية ، قال : وَكَذلِكَ قَسَّمَها رَسُولُ الله ع(صلى الله عليه وآله و سلم) َلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُم ، فَالسَّهْمُ واحِدٌ مِنْ ثَمانِيَةٍ»(2).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن أبي جميلة ، عن الرضا(علیه السلام)، قال :«سألته عن رجل أوصى لرجل بسيف، وكان في جفن، وعليه حلية ، فقال له الورثة :إنّما لك النصل وليس لك السيف.
فقال(علیه السلام) : لا بَل السَّيْفُ بما فيه»(3).
روی سعد بن سعد ، قال :«سألته - يعني أبا الحسن الرضا(علیه السلام)- عن رجل كان له ابن يدّعيه ، فنفاه وأخرجه من الميراث ، وأنا وصيّه ، فكيف أصنع ؟
فقال(علیه السلام) : لَزِمَهُ الْوَلَدُ لإِقْرَارِهِ بِالْمَشْهَدِ لَا يَدْفَعُهُ الْوَصِيُّ عَنْ شَيْءٍ قَدْ عَلِمَهُ»(4).
إنّ إقرار الرجل بأنّ الولد ابنه يلزمه ذلك ، ولا ينفيه عنه إذا نفاه .
روى صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال:«ما أَفَادَ عَبْدٌ فَائِدَةً خَيْراً مِنْ زَوْجَةٍ صالِحَةٍ إِذا رَاهَا سَرَّتْهُ ، وَإِذا غَابَ عَنْها حَفِظَتْهُ في نَفْسِها وَمَالِهِ»(5).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال : «سألته عن الرجل يتزوّج المرأة ويتزوّج أم ولد أبيها .
قال(علیه السلام): لَا بَأْسَ بِذلِكَ.
قلت : بلغنا عن أبيك أنّ علي بن الحسين(علیه السلام) تزوّج ابنة الحسن بن علي(علیه السلام) واُمّ ولد الحسن .
فقال : لَيْسَ هكَذا ، إِنَّمَا تَزَوَّجَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ابْنَةَ الْحَسَنِ وَأُمَّ وَلَدٍ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَقْتولِ عِنْدَكُمْ»(1).
روى الحسين بن بشار الواسطي ، قال :«كتبت إلى أبي الحسن الرضا (علیه السلام): أنّ لي قرابة قد خطب إلىَّ وفي خلقه سوء . قال : لَا تُزَوِّجُهُ إنْ كانَ سَيَّءَ الْخُلُق»(2).
وحمل هذا النهى على الكراهة لا على التحريم .
روى الحسن بن علي الوشّاء ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال :«سمعته يقول في التزويج ، قال : مِنَ السُّنَّةِ التَّزويجُ بِاللَّيْلِ ؛ لأنَّ اللهَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً ، وَالنِّسَاءُ إِنَّما هُنَّ سَكَن»(3).
روى الحسن بن علي الوشّاء ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال :«سمعته يقول : صلى الله
لَمَا خَطَبَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) آمِنَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيانَ فَزَوَّجَهُ دَعَا بِطَعَامٍ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ الْإِطْعَامَ عِنْدَ التَّزْويجِ»(1).
قال(علیه السلام) فيما كتبه إلى محمّد بن سنان عن جواب مسائله :«وَحُرِّمَ النَّظَرُ إِلى شُعورِ النِّساءِ الْمَحْجوباتِ بِالْأَزْواج ، وَغَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَهَيُّج الرِّجالِ ، وَما يَدْعو التَّهْيجُ إِلَى الْفَسادِ وَالدُّخول فيما لَا يَحِلُّ وَلَا يُحْمَلُ ، وَكَذلِكَ ما أَشْبَهَ الشُّعورَ إِلَّا الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعَالَى : «وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ»(2)، غَيْرَ الْجِلْبَابِ ، وَلَا بَأسَ بِالنَّظَر إلى شعور مِثْلِهِنَّ»(3).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضا(علیه السلام)، قال:«سألته عن الرجل يحلّ له أن ينظر إلى شعر أخت امرأته ؟
فقال : لَا ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْقَوَاعِدِ .
قلت له : أخت امرأته والغريبة سواء ؟
قال : نَعَمْ » الحديث(1).
روی عبد العزيز بن المهتدي ، قال :«سألت الرضا(علیه السلام)، قلت : جعلت فداك ، إن أخي مات وتزوّجت امرأته ، فجاء عمّى فادّعى أنّه كان تزوجها سرّاً ، فسألتها عن ذلك فأنكرت أشدّ الإنكار ، وقالت : ما كان بيني وبينه شيء قطّ.
فقال(علیه السلام) : يَلْزَمُكَ إِقْرَارُها ، وَيَلْزَمُهُ إِنْكَارُها»(2).
ومعنى ذلك أنّ القول قول المرأة ، وينفذ إنكارها في حق عمّ الزوج.
روى ابن أبي نصر ، عن المشرقي ، عن الإمام الرضا(علیه السلام)، قال :«قلت له : ما تقول في رجل ادعى أنّه خطب امرأة إلى نفسها وهي مازحة ، فسئلت عن ذلك ، فقالت : نعم .
فقال : لَيْسَ بِشَيْءٍ .
قلت : فيحلّ للرجل أن يتزوجها ؟
قال : نَعَمْ»(3).
روى علي بن إدريس ، قال :«سألت الرضا(علیه السلام) عن جارية كانت في ملكي
قوطأتها ، ثم خرجت من ملكي فولدت جارية يحلّ لابني أن يتزوجها ؟
قال : نَعَمْ ، لَا بَأْسَ بِهِ قَبْلَ الْوَطْءِ وَبَعْدَهُ »(1).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضا(علیه السلام)، قال:«سألته عن رجل تكون عنده امرأة يحلّ أن يتزوّج أختها متعة ؟ قال(علیه السلام) : لا»(2).
لا يجوز الجمع بين الأختين ، سواء أكان العقدين دواماً أم متعة . نعم ، إذا توفّيت زوجته الأولى أو طلقها طلاقاً بائناً ، وانتهت العدّة جاز له أن يتزوج بأختها .
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الإمام الرضا(علیه السلام)، قال:«سألته عن المرأة تقبلها القابلة فتلد الغلام يحلّ للغلام أن يتزوّج قابلة أُمّة ؟
قال : سُبْحانَ اللهِ وَما يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ ذلِكَ»(3).
روى الحسن التفليسي ، أنه سأل أبا الحسن الرضا(علیه السلام): يتمتّع الرجل اليهوديّة والنصرانيّة .
فقال الرضا(علیه السلام) : يَتَمَتَّعُ مِنَ الْحُرَّةِ الْمُؤْمِنَةِ ، وَهِيَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْها»(4).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، قال:«سألت الرضا(علیه السلام): عن الرجل تكون له الزوجة النصرانية فتسلم ، هل يحلّ لها أن تقيم معه ؟
قال : إِذا أَسْلَمَتْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ» ، الحديث(1).
روى محمد بن إسماعيل ، عن الرضا(علیه السلام) في حديث ، قال:«لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ إِلَّا بِمَأْمُونَةٍ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ :«الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ»(2)»(3).
روی محمد بن عبدالله الأشعري ، قال :«قلت للرضا(علیه السلام) : الرجل يتزوّج بالمرأة فيقع في قلبه أن لها زوجاً .
فقال : وَما عَلَيْهِ ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ سَأَلَهَا الْبَيَّنَةَ كَانَ يَجِدُ مَنْ يَشْهَدُ أَنْ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ»(4).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضا(علیه السلام) ، قال:«سألته يتمتّع بالأمة بإذن أهلها ؟
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال :«قال أَبو جَعْفَرٍ : عِدَّةُ الْمُتْعَةِ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَوْماً ، وَالْإِحْتِياطُ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً»(3).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال:«قلت له : الرجل يتزوّج المرأة متعة سنة أو أقل أو أكثر .
قال : إذا كانَ شَيْئاً مَعْلُوماً إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ .
قال : قلت : وتبين بغير طلاق ؟
قال : نَعَمْ»(4).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال : «تزويج الْمِتْعَةِ نِكَاحَ بِميراث ، وَنِكَاحَ بِغَيْرِ ميراث ، إِنِ اشْتَرَطَتْ كَانَ ، وَإِنْ لَمْ تَشْتَرِطْ لَمْ يَكُن »(5).
روی معمر بن خلاد ، قال :«سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) : عن الرجل يتزوج المرأة متعة فيحملها من بلد إلى بلد .
فقال : يَجوزُ النِّكاحُ الْآخَرُ ، وَلَا يَجوزُ هذا»(1).
ودلّ الحديث على جواز نقلها من بلد إلى آخر ، ولا مانع من ذلك.
روى إسماعيل بن بزيع ، أنه سأل الرضا(علیه السلام): عن امرأة أحلت لزوجها جاريتها .
فقال : ذلِكَ لَهُ .
قال : فإن خاف أن تكون تمزح ؟
قال : فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا تَمْزَحُ فَلَا»(2).
روى إسماعيل بن بزيع ، قال : «سألت الرضا(علیه السلام) عن الرجل يأخذ من أم ولده ما وهبه لها من خدم أو متاع أيجوز ذلك له ؟
قال : نَعَمْ ، إِذا كانَتْ أُمَّ وَلَدٍ»(3).
روى الوشّاء ، عن الرضا(علیه السلام) ، قال : «سمعته يقول : لَوْ أَنَّ رَجُلاً تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ
وَجَعَلَ مَهْرَها عِشْرِينَ أَلفاً ، وَجَعَل لأبيها عَشَرَةَ آلافٍ كانَ الْمَهْرُ جَائِزاً ، وَالَّذِي جَعَلَهُ لأبيها فاسداً»(1).
أمّا الذي جعله لأبيها فقد كان جزءاً من المهر ، وهو لا يستحقّه ، فلذلك كان فاسداً .
روى سعد بن إسماعيل ، عن أبيه ، قال : «سألت الرضا(علیه السلام) : رجل تزوّج امرأة بشرط أن لا يتوارثا ، وأن لا يطلب منها ولداً.
قال (علیه السلام) : لَا أُحِبُّ»(2).
ودلّت الرواية على عدم لزوم هذا الشرط ، وعدم لزوم الوفاء به.
روى الحسين بن خالد ، قال : « سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن التهنئة بالولد متى هي ؟
قال : إِنَّهُ لَمّا وُلِدَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(علیه السلام)هَبَطَ جَبْرَئِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) بِالتَّهْنِئَةِ فِي الْيَوْمِ السّابع ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُسَمِّيَهُ وَيُكَنِّیَهُ ، وَيَحْلِقَ رَأْسَهُ ، وَيَعِقَّ عَنْهُ ، وَيَثقُبَ أَذْنَهُ ، وَكَذَلِكَ حينَ وُلِدَ الْحُسَيْنُ(علیه السلام) أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ فَأَمَرَهُ بِمِثْلِ ذلِكَ»، الحديث(3).
روی سعد بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال : « سألته الصبيّ ، هل يرضع أكثر من سنتين ؟
فقال: عامَينِ.
فقلت : فإن زاد على سنتين هل على أبويه من ذلك شيء ؟
قال : لا»(1).
روى سعد بن سعد الأشعري ، قال : «سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن الرجل يكون بعض ولده أحب إليه من بعض ، ويقدّم بعض ولده على بعض .
فقال : نَعَمْ ، قَدْ فَعَلَ ذلِكَ أَبو عَبْدِ اللهِ(علیه السلام) ، نَحَلَ مُحَمَّداً ، وَفَعَلَ ذلِكَ أَبو الْحَسَنِ،نَحَل أَحْمَدَ شَيْئاً ، فَقُمْتُ أنا بِهِ حَتّى حُزْتُهُ لَهُ.
فقلت : الرجل تكون بناته أحبّ إليه من بنيه ؟
فقال : الْبَناتُ وَالْبَنونَ فِي ذلِكَ سَواءٌ ، إِنَّمَا هُوَ بِقَدَرِ ما يُنْزِلُهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»(2).
روى أبو القاسم الفارسي ، قال :«قلت للرضا(علیه السلام) : جعلت فداك ، إنّ الله يقول في كتابه :«فَإِمْسَاكَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ»(3)، وما يعني بذلك ؟
فقال : أَمَّا الْإِمْسَالُ بِالْمَعْرُوفِ فَكَفَّ الأذى ، وَإِحْباءُ النَّفَقَةِ ، وَأَما التَّسْريحُ بِإِحْسانِ فَالطَّلاقُ عَلى ما نَزَلَ بِهِ الْكِتابُ»(1).
روى محمد بن علي بن الحسين ، قال :«قال أبو الحسن الرضا : يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُوسُعَ عَلى عِيالِهِ لِئَلَّا يَتَمَنَّوا مَوْتَهُ»(2).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضا (علیه السلام)، قال : « سألته عن رجل طلق امرأته بعدما غشيها بشاهدين عدلين.
قال : لَيْسَ هذا طَلاقاً .
فقلت له : فكيف طلاق السنّة ؟
فقال : يُطَلِّقُها إِذا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِها قَبْلَ أَن يَغْشاها بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ، فَإِنْ خَالَفَ ذلِكَ رُدَّ إِلى كِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قلت : فإنّه طلّق من غير جماع بشهادة رجل وامرأتين .
قال : لا تَجوزُ شَهادَةُ النِّساءِ في الطلاق»(3).
روى زكريا بن آدم ، قال:«سألت الرضا(علیه السلام) عن طلاق السكران ، والصبيّ ،
والمعتوه ، والمغلوب على عقله ، ومن لم يتزوج بعد.
فقال : لا يَجوزُ »(1).
إن طلاق هؤلاء لا يصحّ ، فالسكران لا يحفل بطلاقه لأنّه لا وعي له ، وأما الصبي فقد رُفع القلم عنه ، فلا يصح طلاقه ، وكذلك المعتوه ، ولا يصحّ طلاق من لم يتزوج ، أي لم يعقد على امرأة ، فإن طلاقه لاغٍ.
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، أنه سأل أبا الحسن الرضا(علیه السلام) : عن الرجل تكون عنده المرأة يصمت ولا يتكلّم .
قال : أَخْرَسُ هُوَ ؟
قلت : نعم ، ويعلم منه بغضه لامرأته وكراهته ،لها ، أيجوز أن يطلق عنه وليّه ؟
قال : لَا ، وَلكِنْ يُكْتُبُ وَيُشْهِدُ عَلى ذلِكَ .
قلت : فإنّه لا يكتب ولا يسمع كيف يطلّقها ؟
قال : بِالَّذي يُعْرَفُ مِنْ أَفْعالِهِ مِثْلَ مَا ذَكَرْتَ مِنْ كَرَاهَتِهِ وَبُغْضِهِ»(2).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن صفوان ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال :«سئل عن رجل طهرت امرأته من حيضها ، فقال : فلانة طالق ، وقوم يسمعون كلامه ، ولم يقل لهم : اشهدوا أيقع الطلاق عليها ؟
قال(علیه السلام) : نَعَمْ ، هذِهِ شَهادَةٌ»(3).
قال(علیه السلام) في كتابه إلى المأمون :«وَإِذا طُلَّقَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الْعِدَّةِ ثَلاثَ مَرَاتٍ لَمْ تَحِلَّ لِزَوْجِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ»(1).
روى عليّ بن الفضل الواسطي ، قال:«كتبت إلى الرضا(علیه السلام) :رجل طلق امرأته الطلاق الذى لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره فتزوّجها غلام لم يحتلم .
قال : لَا ، حَتَّى يَبْلُغَ .
فكتب إليه : ما حد البلوغ ؟
فقال : ما أَوْجَبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْحدودَ»(2).
روی محمد بن مضارب ، قال:«سألت الرضا(علیه السلام) عن الخصيّ يحلّل ؟
قال : لَا يُحَلَّلُ»(3).
روى سعد بن سعد ، عن المرزبان ، قال:«سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) : عن رجل قال لامرأته : اعتدّي فقد خلّيت سبيلك - وذلك بأن طلقها طلاقاً جامعاً للشرائط - ثمّ أشهد على رجعتها بعد ذلك بأيام ، ثمّ غاب عنها قبل أن يجامعها حتّى مضت
لذلك أشهر بعد العدة أو أكثر فكيف تأمره ؟
فقال : إِذا أَشْهَدَ عَلَىٰ رَجْعَتِهِ فَهِيَ زَوْجَتُهُ»(1).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، قال:«سألت الرضا(علیه السلام) عن رجل طلق امرأته بشاهدين ثمّ راجعها ولم يجامعها بعد الرجعة حتّى طهرت من حيضها ، ثمّ طلّقها على طهر بشاهدين أيقع عليها التطليقة الثانية وقد راجعها ولم يجامعها ؟
قال : نَعَمْ»(2).
سأل المأمون الإمام الرضا(علیه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ:«لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ»(3).
قال : يَعْني بِالْفَاحِشَةِ الْمُبَيِّنَةِ أَنْ تُؤْذِي أَهْلَ زَوْجِهَا ، فَإِذَا فَعَلَتْ فَإِنْ شَاءَ أَن يُخْرِجَهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها ، فَعَلَ»(4).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضا(علیه السلام) ، قال:«سأله صفوان وأنا حاضر عن رجل طلّق امرأته وهو غائب فمضت أشهر .
فقال : إِذا قامَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا وَكانَتْ عِدَّتُها قَدِ انْقَضَتْ فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْواجِ .
قال : فالمتوفّى عنها زوجها .
فقال : هذهِ لَيْسَتْ مِثْلَ تِلْكَ ، هَذِهِ تَعْتَدُّ مِنْ يَوْم يَبْلُغُهَا الْخَبَرُ لأَنَّ عَلَيْها أَنْ تَحِدَّ»(1).
روى إسماعيل بن بزيع ، عن الرضا(علیه السلام) في حديث الخلع ، قال : وَإِنْ شاءَتْ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْها ما أَخَذَ مِنْهَا ، وَتَكونَ امْرَأَتَهُ فَعَلَتْ»(2).
إنّ المختلعة إذا رجعت فيما بذلت صار الطلاق رجعيّاً ، وللزوج أن يرجع بها .
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضا(علیه السلام)، قال : « الظَّهارُ لَا يَقَعُ عَلَى الْغَضْبِ»(3).
يشترط في صحّة الظهار أن يقع عن اختيار ورضى ، فإذا كان غضباناً أو مكرهاً فلا أثر له .
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضا(علیه السلام)، قال:«سألته عن الرجل
يظاهر من أمته ؟
فقال : كانَ جَعْفَرُ(علیه السلام) يَقولُ : يَقَعُ عَلَى الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الظَّهارُ»(1).
سأل الحسين بن مهران الرضا(علیه السلام) عن رجل ظاهر من أربع نسوة.
قال : يُكَفِّرُ لِكُلِّ واحِدَةٍ كَفَارَةً .
وسأله عن رجل ظاهر من امرأته وجاريته ما عليه ؟
قال : عَلَيْهِ لِكُلِّ َواحِدَةٍ مِنْهُما كَفَّارَةٌ ، عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً»(2).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضا(علیه السلام)، قال : « سألته عن الرجل يؤلي من أمته ؟ فقال : لا كَيْفَ يُؤْلِي وَلَيْسَ لَهَا طَلاقٌ»(3).
دخل ابن أبي سعيد المكاري على أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، فقال له :رجل قال عند موته : كلّ مملوك لي قديم فهو حرّ لوجه الله.
قال : نَعَمْ ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ :«حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ»(4)، فَمَا كَانَ
مِنْ مَمَالِيكِهِ أَتَى لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَهُوَ قَديمٌ حُرِ»(1).
روى الحسن بن علي الوشّاء ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال:«سألته عن رجل دبر جاريته وهي حبلى ؟
فقال : إِنْ كانَ عَلِمَ بِحَبَلِ الْجَارِيَةِ فَما فِي بَطْنِها بِمَنْزِلَتِها ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ فَما فِي بَطْنِها رِقٌ»(2).
لابد أن يكون مفروض المسألة في الجارية التي دبرها الرجل وقال لها : أنت حرّة بعد وفاتي أن تكون حبلى من غيره، وإلّا فإن كانت منه فهي أم ولد ، وتعتق من نصيب ولدها بعد وفاته .
روى إسماعيل بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال:«سألته عن رجل حلف في قطيعة رحم .
فقال : قالَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله و سلم) : لَا نذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَلَا يَمِينَ فِي قَطِيعَةِ رَحْم»(3).
اليمين والنّذر إنما ينعقدان في الشيء الراجح ، أما المرجوح فلا ينعقدان به.
روى إسماعيل بن سعد الأشعري ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام)في حديث ، قال :
«سألته عن رجل أحلفه السلطان بالطلاق أو غير ذلك ، فحلف.
قال : لَا جُناحَ عَلَيْهِ .
وعن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلف لينجو به منه ؟
قال : لَا جُناحَ عَلَيْهِ .
وسألته : هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله ؟
قال : نَعَمْ»(1).
اليمين إنّما ينعقد إذا كان بالله تعالى ، أما اليمين بالطلاق من دون ذكر لفظ الجلالة فلا أثر له ، وإذا حلف بالله تعالى لدفع الظلم عنه وعن إخوانه أمام السلطان الجائر فيجوز ولا كفّارة عليه.
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن الرضا(علیه السلام) ، قال : « سألته عن طروق الطير بالليل في وكرها ؟
فقال : لا بأس بذلك»(2).
وأكد جواز ذلك في حديثه التالي : روى يونس بن عبد الرحمن ، عن الرضا(علیه السلام) ، قال : «قلت له :جعلت فداك ، ما تقول في صيد الطير في أوكارها ، والوحش في أوطانها ليلاً، وإن الناس يكرهون ذلك ؟ فقال : لا بَأسَ بذلك»(3).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر ، قال : « سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) : عن الرجل يصيد الطير يساوي دراهم كثيرة ، وهو مستوي الجناحين فيعرف صاحبه أو يجيئه فيطلبه من لا يتّهمه .
فقال : لَا يَحِلُّ لَهُ إِمْسَاكُهُ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ .
فقلت : فإن صاد ما هو مالك لجناحيه لا يعرف له طالباً ؟
قال : هُوَ لَهُ»(1).
روى محمد بن إسماعيل ، قال : «كتبت إلى أبي الحسن الرضا(علیه السلام): اختلف الناس علَيَّ في الربيثا ، فما تأمرني به فيها ؟
فكتب(علیه السلام): لَا بَأْسَ بِها»(2).
روى سليمان بن جعفر الهاشمي ، قال :«حدثني أبو الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال : طرقنا ابن أبي مريم ذات ليلة وهارون بالمدينة ، فقال : إنّ هارون وجد في خاصرته وجعاً في هذه الليلة ، وقد طلبنا له لحم النسر ، فأرسل إلينا منه شيئاً .
فقال : إِنَّ هذا شَيْءٌ لَا نأْكُلُهُ ، وَلَا نُدْخِلُهُ في بُيوتِنا ، وَلَوْ كانَ عِنْدَنا ما أَعْطَيْنَاهُ»(3).
روی سعد بن سعد ، قال : « قلت لأبي الحسن الرضا(علیه السلام) : إن أهل بيتي يأكلون لحم الماعز، ولا يأكلون لحم الضأن.
قال : ولِمَ ؟
قلت : يقولون إنه يهيّج المرارة .
قال(علیه السلام): لَوْ عَلِمَ اللهُ خَيْراً مِنَ الضَّأْنِ لَفَدىَ بِهِ إِسْحَاقَ»(1).
روى محمد بن أحمد ، عن العمركي ، قال :«قلت للرضا(علیه السلام) : إنّ ابن داود ذكر أنّك قلت له : شاربُ الْخَمْرِ كافِرٌ.
فقال : صَدَقَ قَدْ قُلْتُ ذلِكَ لَهُ»(2).
روی محمّد بن عيسى ، عن الوشّاء ، قال :«كتبت إليه - يعني الرضا(علیه السلام)- أسأله عن الفقاع.
قال : فكتب : حَرامٌ ، وَهُوَ خَمْرٌ»(3).
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن محمّد بن عبدالله ، قال : «سألت
الرضا(علیه السلام) عن الرجل تكون له الضيعة ، وتكون لها حدود تبلغ حدودها عشرين ميلاً أو أقل أو أكثر يأتيه الرجل فيقول : أعطني من مراعي ضيعتك وأعطيك كذا وكذا درهماً.
فقال : إذا كانَتِ الضَّيْعَةُ لَهُ فلا بَأْسَ»(1).
روى القاسم بن الفضيل ، عن الرضا(علیه السلام) في رجل مات وترك امرأة قريبة ليس له قرابة غيرها . قال : يُدْفَعُ الْمالُ كُلُّهُ إِلَيْها»(2).
روى محمّد بن الفضيل ،قال:«سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) قلت له : تجوز شهادة النساء في نكاح أو طلاق أو رجم؟
قال : تَجوزُ شَهادَةُ النّساءِ فيما لا يَسْتَطِيعُ الرّجالُ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ ، وَتَجوزُ شَهادَتُهُنَّ فى النكاح إذا كُنَّ مَعَهُنَّ رَجُلٌ ، وَتَجوزُ شَهادَتُهُنَّ فِى حَدَّ الزّنا إِذا كانَ ثَلاثَةُرَجالٍ وَامْرَأَتَانِ ، وَلَا تَجوزُ شَهادَةُ رَجُلَيْنِ وَأَرْبَعِ نِسْوَةٍ فِي الزَّنَا أَوِ الرَّجُمِ ، وَلَا تَجوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِي الطَّلاقِ وَلَا فِي الدَّمِ»(3).
روى عبيد الله المدائني ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) ، قال : « سئل عن قول الله
عزّ وجلّ :«إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً» الآية(1)، فما الذي إذا فعله استوجب واحدة من هذه الأربع؟
فقال : إِذا حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَقَتَلَ قُتِلَ بِهِ ، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ وَصْلِبَ ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلافٍ ، وَإِنْ شَهَرَ السَّيْفَ وَحارَبَ اللهَ وَرَسولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَساداً وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ ، نُفِيَ مِنَ الْأَرْضِ»(2).
روى عبيد الله المدائني ، عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام) في حديث المحارب ، قال :«قلت كيف ينفي؟ وما حد نفيه؟
قال : يُنفى مِنَ الْمِصْرِ الَّذِي فَعَلَ فِيهِ ما فَعَلَ إِلى مِصْرٍ غَيْرِهِ ، وَيُكْتَبُ إِلَى أَهْلِ ذلِكَ الْمِصْر أَنَّهُ مَنْفِيٌّ فَلَا تُجالِسوهُ ، وَلَا تُبايعوهُ ، وَلَا تُناكِحوهُ ، وَلَا تُوَاكِلُوهُ ، وَلَا تُشاريوهُ ، فَيُفْعَلُ ذلِكَ بِهِ سَنَةٌ ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ ذلِكَ الْمِصْرِ إِلَى غَيْرِهِ كُتِبَ إِلَيْهِمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ حَتَّى تيم السَّنَةُ.
قلت : فإن توجّه إلى أرض الشرك ليدخلها ؟
قال : إِنْ تَوَجَّهَ إِلى أَرْضِ الشِّرْكِ لِيَدْخُلَها قُوتِلَ أَهْلُها»(3).
روی محمد بن الفضيل ، عن الرضا(علیه السلام)، قال:«سألته عن لصّ دخل على امرأة
وهي حبلى ، فقتل ما في بطنها ، فعمدت المرأة إلى سكّين فوجأته فقتلته.
فقال : هُدِرَ دَمُ اللَّصِّ»(1).
روی محمّد بن سليمان ويونس بن عبد الرحمن ، قالا:«سألنا أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن رجل استغاث به قوم لينقذهم من قوم يغيرون عليهم ليستبيحوا أموالهم ، ويسبوا ذراريهم ، فخرج الرجل يعد و بسلاحه في جوف الليل ليغيث القوم الذين استغاثوا به ، فمرّ برجل قائم على شفير البئر يستقي منها فدفعه وهو لا يريد ذلك ولا يعلم ، فسقط في البئر فمات، ومضى الرجل فاستنقذ أموال أولئك القوم الذين استغاثوا به ، فلمّا انصرف إلى أهله قالوا له : ما صنعت ؟
قال : قد انصرف القوم عنهم ، وأمنوا وسلموا.
فقالوا له : أشعرت أنّ فلان ابن فلان سقط في البئر فمات؟
فقال : أنا والله طرحته.
قيل : وكيف ذلك؟
فقال : إنّي خرجت أعدو بسلاحي في ظلمة الليل ، وأنا أخاف الفوت على القوم الذين استغاثوا بي ، فمررت بفلان وهو قائم يستقي من البئر فزحمته ، ولم أرد ذلك ، فسقط في البئر فمات ، فعلى مَن دية هذا ؟
فقال(علیه السلام) : دِيتُهُ عَلَى الْقَوْمِ الَّذينَ اسْتَنْجَدوا الرَّجُلَ فَأَنْجَدَهُمْ ، وَأَنْقَذَ أَمْوالَهُمْ وَنِساءَهُمْ وَذرارِيَهُمْ ، أَما إِنَّهُ لَوْ كانَ بِأَجْرَةٍ لَكَانَتِ الدِّيَهُ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ عَاقِلَتِهِ دونَهُمْ ، وَذَلِكَ أَنْ سُلَيْمانَ بْنَ داودٍ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ عَجوزٌ تَسْتَعْدِيهِ عَلَى الرّيح ، فَقالَتْ : يَا نَبِيَّ اللهِ ، إِنِّي كُنْتُ
1) من لا يحضره الفقيه : 4 : 122 . وسائل الشيعة : 19 : 42 .
نائِمَةٌ عَلَى سَطْح لي ، وَأَنَّ الرِّيحَ طَرَحَتْني مِنَ السَّطْحِ فَكَسَرَتْ يَدي ، فَأَعْدِني عَلَى الربح.
فَدَعا سُلَيْمَانُ بْنُ داودَ الرِّيحَ ، فَقالَ لَها : ما دَعاكِ إِلَى مَا صَنَعْتِ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ ؟
فَقالَتْ : صَدَقَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّ رَبَّ الْعِزَّةِ جَلَّ وَعَزَّ بَعَثَنِي إِلَىٰ سَفِينَةِ بَنِي فُلانٍ لَأُنْقِذُها مِنَ الْغَرَقِ ، فَخَرَجْتُ فِي سَنَنٍ ، وَعَجَلَني إلى ما أَمَرَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ ، فَمَرَرْتُ بِهَذِهِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ عَلَى سَطْحِهَا ، فَعَثَرْتُ بِها وَلَمْ أَرَهَا ، فَسَقَطَتْ فَانْكَسَرَتْ يَدُها.
فَقالَ سُلَيْمَانُ : يَا رَبِّ ، بِمَا أَحْكُمُ عَلَى الرِّيحِ ؟
فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِ : يَا سُلَيْمَانَ، احْكُمْ بِأَرْشِ كَسْرِ يَدِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ عَلَى أَرْبابِ السَّفِينَةِ الَّتي أَخَذَتْها الرِّيحُ مِنَ الْغَرَقِ ، فَإِنَّهُ لَا يُظْلَمُ لَدَى أَحَدٌ مِنَ الْعالَمينَ».
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الأحكام التي أثرت عن الإمام الرضا(علیه السلام)، وقد شملت معظم أبواب الفقه من العبادات والمعاملات والايقاعات وغيرها - من السنّة - عند الشيعة ، والتي يفتي على ضوئها الفقيه الإمامي .
ومن الجدير بالذكر أنّ للإمام الرضا(علیه السلام) جمهرة أخرى من الأخبار المتعلّقة بالأحكام الشرعيّة ذكرت في موسوعات كتب الفقه ، ولم نعرض لها؛ لأنّ هذا الكتاب ليس من كتب الفقه ، وإنما ذكرنا هذه النماذج من فقهه للتدليل على ثرواته العلمية ، وأنّه كان المرجع الأعلى في عصره للفتيا في العالم الإسلامي .
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين
الإهداء... 7
تقريض سماحة آية الله السيد عبد الأعلى السبزواري(رحمه الله)... 9
تقديم... 11
ولادته و نشاته(علیه السلام) 21-37
الأب... 23
الأم... 23
اسمها... 26
تقواها... 27
الوليد العظيم... 28
ألقابه(علیه السلام)... 28
1 - الرضا... 29
2 - الصابر... 30
3 - الزكيّ... 30
4 - الوفيّ... 30
5- سراج الله... 30
6 - قرة عين المؤمنين... 31
7 - مكيدة الملحدين... 31
8 - الصديق... 31
9 - الفاضل... 31
كنيته(علیه السلام)... 31
1 - أبو الحسن... 32
2 - أبو بكر... 32
سنة ولادته(علیه السلام)... 33
صفته(علیه السلام)... 34
هيبته(علیه السلام)... 34
نقش خاتمه(علیه السلام)... 35
نشأته (علیه السلام)... 35
سلوكه (علیه السلام)... 36
عَنَاصِرُهُ النَفْسِيَةُ 39-74
زهده (علیه السلام)... 44
سخاؤه (علیه السلام)...45
تكريمه(علیه السلام) للضيوف... 48
عتقه(علیه السلام) العبيد... 49
إحسانه(علیه السلام) إلى العبيد... 49
علمه (علیه السلام)... 49
معرفته(علیه السلام) بجميع اللغات... 51
الملاحم والأحداث... 52
عبادته وتقواه (علیه السلام)... 56
دعاؤه (علیه السلام) في قنوته... 60
دعاؤه(علیه السلام) في سجدة الشكر... 61
تسلّحه (علیه السلام) بالدعاء... 63
الدعاء سلاح الأنبياء... 63
إخفاء الدعاء... 63
إبطاء الإجابة في الدعاء... 64
من أدعيته (علیه السلام)... 66
حرزه (علیه السلام)... 73
انطباعاتٌ عَن شخصيتِهِ (علیه السلام) 75-98
1 - الإمام الكاظم (علیه السلام)... 77
2- المأمون... 78
3- إبراهيم بن العبِّاس... 80
4 - أبو الصلت الهروى... 80
5- الرجاء بن أبي الضحّاك... 81
6 - الشيخ المفيد... 81
7- الواقدي... 82
8- جمال الدين... 82
9 - يوسف بن تغري بردي... 82
10 - ابن ماجة... 83
11 - ابن حجر... 83
12 - اليافعي... 83
13 - عامر الطائي... 84
14 - بعض الأئمّة... 84
15 - هاشم معروف... 85
16 - الذهبي... 85
17 - محمود بن وهيب... 86
18 - عارف تامر... 86
19 - محمد بن شاكر الكتبي... 87
20 - عبد المتعال... 87
21 - يوسف النبهاني... 87
22 - عبدالقادر أحمد... 88
23 - يوسف بن اوغلي... 88
24 - الزركلي... 89
25 - محمد جواد فضل الله... 89
26 - أحمد الخزرجي... 90
27 - بعض أحبّته... 90
28 - الشبراوى... 91
29 - أبو نواس... 91
30 - دعبل الخزاعي... 94
31 - الصاحب بن عباد... 94
32 - ابن الحجاج... 95
33 - عبد الله بن المبارك... 96
34 - الصولي... 96
35 - ابن حمّاد... 96
36 - الإربلي... 97
فی ظلال ابیه(علیه السلام) 99-135
مواهبه(علیه السلام) العلمية... 102
عبادته وتقواه (علیه السلام)... 102
زهده (علیه السلام)... 104
حلمه (علیه السلام)... 105
جوده (علیه السلام)... 106
إغاثته (علیه السلام) للملهوفين... 107
الإمام مع هارون... 109
إلقاء القبض على الإمام (علیه السلام)... 109
سجنه (علیه السلام) في البصرة... 111
الإيعاز لعيسى باغتياله (علیه السلام)... 111
سجنه (علیه السلام) في بغداد... 112
نصه (علیه السلام) على إمامة الرضا (علیه السلام)... 114
1 - محمد بن إسماعيل... 114
2- علي بن يقطين... 115
3 - نعيم بن قابوس... 115
4 - داود بن كثير... 115
5 - سليمان بن حفص... 116
6- عبدالله الهاشمي... 116
7 - عبد الله بن مرحوم... 117
8 - عبد الله بن الحرث... 117
9 - حيدر بن أيوب... 117
1 - الحسين بن بشير... 118
11 - جعفر بن خلف... 118
12 - نصر بن قابوس... 118
13 - محمد بن سنان... 119
وصية الإمام (علیه السلام)... 120
سجن السندي... 121
كتابه إلى هارون... 121
اغتيال الإمام (علیه السلام)... 121
إلى الرفيق الأعلى... 122
تحقيق الشرطة في الحادث... 124
وضعه (علیه السلام)على الجسر... 126
النداء الفظيع... 126
قیام سليمان بتجهيز الإمام (علیه السلام)... 127
تقلّد الإمام الرضا (علیه السلام) للزعامة الكبرى... 128
سفره (علیه السلام) إلى البصرة... 129
سفره (علیه السلام) إلى الكوفة... 134
احتجاجاته ومناظراته (علیه السلام) 137-234
1 - أسئلة عمران الصابئ... 141
تأجيل المناظرة... 150
استئناف المناظرة... 150
إسلام الصابئ... 156
خوف محمد على الإمام... 156
تكريم الإمام لعمران... 157
2 - أسئلة سليمان المروزي... 159
3- مناظرته(علیه السلام) مع أبي قرّة... 172
4 - مناظرته (علیه السلام) مع الجائليق179
5 - مناظرته(علیه السلام) مع رأس الجالوت160
6 - مناظرته (علیه السلام) مع الهربذ الاكبر... 195
7-مناظرته (علیه السلام) مع زنديق... 197
8- مناظرته(علیه السلام) مع عليّ بن الجهم... 201
9- مسائل المأمون وأجوبة الإمام (علیه السلام)... 206
إشادة المأمون بمواهب الإمام (علیه السلام)... 216
10 - مسائل ابن السكيت... 218
11 - احتجاجه (علیه السلام) على رجل... 220
12 - احتجاجه (علیه السلام) على اصطفاء العترة... 221
مؤلفاته (علیه السلام) 235-268
أولاً : رسالته (علیه السلام) في جوامع الشرائع... 237
1 - أفعال الوضوء... 241
2 - نواقض الوضوء... 241
1 - الأغسال الواجبة... 242
غسل الجنابة... 242
غسل الحيض... 242
غسل مسّ الميت... 243
2 - الأغسال المندوبة... 243
ثانياً : رسالته (علیه السلام) الذهبية في الطب... 267
1 - سبب تأليفها... 267
2 - شرحها وترجمتها... 268
3 - تقريظ المأمون... 271
نص الرسالة الذهبية... 273
ثالثاً : صحيفة الرضا (علیه السلام)... 316
الباب الأول: في الذكر... 317
الباب الثاني: في الأذان... 324
الباب الثالث: في الحثّ على الصلوات الخمس... 326
الباب الرابع: في فضل أهل البيت (علیه السلام)... 329
القسم الأوّل: في فضل علي بن أبي طالب (علیه السلام)... 329
القسم الثاني: في فضل فاطمة (علیها السلام)... 334
القسم الثالث: في فضل الحسنين(علیه السلام) ، وولادتهما... 337
الباب الخامس: في فضل المؤمن، وحسن الخلق... 346
الباب السادس: في ذكر الأطعمة والفواكه، والأدهان... 351
الباب السابع: في بر الوالدين، وصلة الأرحام... 358
الباب الثامن: في التحذير من الغشّ والغيبة والنميمة... 359
الباب التاسع: في فضل الغزو والجهاد... 361
الباب العاشر: في أحاديث متفرّقة... 362
رابعاً : الفقه الرضوي... 367
بُحُوتُ عَقَانِدیّة
269-398
قضايا التوحيد... 371
1 - استحالة المعرفة الكاملة بذات الله تعالى... 371
2 - استحالة رؤية الله تعالى... 372
3 - نفي الشبه عن الله تعالى... 374
حقيقة التوحيد... 379
قدرة الله تعالى... 380
قِدم الخالق العظيم وصفاته... 381
نزاهة الخالق عن المكان... 384
امتناع رؤية الله تعالى... 385
إبطال التفويض والجبر... 386
تفنيده لآراء القدرية... 388
الإمامة... 390
أهمية الإمامة... 390
علامات الإمام... 398
الأئمّة خلفاء الله... 398
في رحاب القرآن الكريم 399-443
تعقيبه (علیه السلام) على بعض الأمور... 401
البسملة... 402
1 - أهمية البسملة... 402
2 - البسملة جزء من السورة... 403
3- الجهر بالبسملة في الصلاة... 403
نماذج من تفسيره (علیه السلام) للقرآن... 403
البقرة - (2)... 404
آل عمران - (3)... 409
النساء - (4)... 411
المائدة - (5)... 414
الأنعام - (6)... 416
الأعراف - (7)... 419
الأنفال - (8)... 420
يونس - (10)... 421
هود - (11)... 421
يوسف - (12)... 422
الرعد - (13)... 426
الحجر - (15)... 427
الكهف - (18)... 427
الأنبياء - (21)... 428
الحج - (22)... 430
النور - (24)... 431
العنكبوت -(29)... 433
لقمان - (31)... 433
فاطر - (35)... 434
يس - (40)... 434
سورة ص - (38)... 437
الفتح - (48)... 439
الطور - (54)... 440
الطلاق - (65)... 440
الجن - (72)... 440
القيامة - ( 75)... 441
الإنسان - (76)... 441
الفجر - (89)... 442
البلد - (90)... 442
الضحى - (93)... 443
التوحيد -(112)... 443
عِلمُ الفَقْه 445-516
نماذج من فقهه (علیه السلام)... 449
1 - طهارة ماء البئر... 449
2- نواقض الوضوء... 449
3- حدّ الوجه في الوضوء... 450
4- وضوء الجبيرة... 450
5- وضوء الرجل والمرأة... 451
6 - كراهة الاستعانة على الوضوء... 451
7 - كيفية التيمم... 453
8 - التيمم بالطين... 453
9- عدم التمكن من غسل الجنابة... 453
10 - الجلود غير المذكاة... 453
11 - أواني الذهب والفضّة... 454
12 - الغسل يوم الجمعة... 45
13 - مش ميتة غير الآدمی... 454
14 - الصلاة على الميت بلا وضوء... 455
15- رفع اليدين في التكبير لصلاة الميت... 455
16 - الصلاة أفضل عبادة... 456
17- الصلاة قربان كل تقي... 456
18 - الصلاة في وقتها... 456
19 - وقت صلاة المغرب... 457
20 - وقت صلاة الظهرين... 457
21 - قضاء النوافل... 457
22- صلاة الليل لذوي الأعذار... 458
23 - عدم جواز الصلاة في جلود السباع... 458
24 - الصلاة في الخزّ... 458
25 كراهة الصلاة في الطرق... 459
26 - الصلاة إلى جنب قبر النبيّ... 459
27 - الصلاة في المسجد الحرام... 460
28 - الصلاة في الحطيم... 460
29 - الصلاة في المسجدين... 461
30- استحباب الدعاء عند الخروج من المنزل... 461
31 - الجلوس بين الأذان والإقامة... 461
32 - الأذان... 461
33 الجهر والإخفات في الصلاة... 162
34 - تأخير بعض القراءة في النافلة... 462
35- الالتفات في الصلاة... 463
36 - زكاة الفطرة... 463
37- زكاة الوديعة والفرض... 464
38 - زكاة الغلات... 465
39- زكاة العلوي للعلوي... 465
40- إخراج الزكاة عند حلولها... 465
41 - فطرة من خرج عن العيال... 465
42 - الخمس... 466
43- وجوب الخمس في الكنز... 466
44 - إيصال الخمس إلى الإمام... 467
45- دفع الخمس للإمام... 467
46 - كفّارة الإفطار على المحلل والمحرم... 468
47 - الاحتقان بالمائع... 468
48 - السواك في رمضان... 469
49 - نيّة السفر في الليل... 469
50- لاقضاء للصوم المندوب... 470
51 - صوم يوم الشك... 470
52 - مَن كان عليه قضاء رمضان... 471
53 - الصوم المندوب... 472
54 - صوم يوم عيد الغدير... 472
55 - استحباب الحجّ بالمؤمنين... 474
56 - الحج عن الميت... 474
57 - النيابة عن الحي... 474
58- الإحرام قبل الميقات... 475
59 - المرور على الميقات... 475
60 - العدول من الحج إلى عمرة التمتّع... 476
61 - قطع التلبية... 476
62 - شراء المحرم للجواري... 476
63 - جواز لبس الخاتم للمحرم... 477
64 - مشي المحرم تحت الظلّ... 477
65 - كفّارة قتل الحمامة في الحرم... 478
66 - فدية التظليل... 478
67 - الدعاء عند الركن اليماني... 479
68- طواف الفريضة... 479
69 - رمي الجمرة... 480
70- إجزاء الهدي عن جماعة... 480
71- عدم بيع الثياب لشراء الهدي... 480
72 - استحباب زيارة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم)... 481
73- حرمة الفرار من الزحف... 481
74 - حرمة التعرّب بعد الهجرة... 482
75 - جواز شراء سبايا الكفار... 482
76 - حكم الخراج... 482
77 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... 484
78 - الانتفاع بألية الغنم المبانة من حيّ... 484
79- الأجرة على كتابة المصحف... 485
80- الميسر هو القمار... 485
82- العمل للسلطان الجائر... 485
82- خيار الحيوان... 486
83 - تبديل السكة... 486
84 - بيع الثمر قبل بدء صلاحه... 487
85- حرمة شراء أبناء أهل الذمة... 487
86 الإمام يقضي ديون الغارمين... 487
87- شراء الدين... 488
88 - عدم التضييق على المستدين... 488
89- كراهة استعمال الأجير قبل تعيين أجرته أجرته... 489
90 - الإجارة لاتبطل بيع العين... 490
91 - الرجوع في الهبة قبل القبض ... 490
92 - مجوسي أوصى بمال للفقراء... 491
93 - مسلمة أوصت للنصارى... 491
94 - دفع مال اليتيم إذا بلغ... 492
95 - رجل أوصى بسهم من ماله للإمام... 492
96 - الوصية بالسيف... 493
97 - حكم الوصية في نفي الولد... 493
98 - الزوجة الصالحة... 493
99- جواز الزواج بامرأة مع الزواج بأم ولد أبيها... 494
100- كراهة زواج المرأة بسيء الخلق... 494
101 - الزواج في الليل... 494
102 - الإطعام عند الزواج... 495
103 - حرمة النظر إلى شعر المرأة الأجنبية... 495
104 - عدم جواز النظر إلى شعر أخت الزوجة... 495
105 - الزواج بامرأة ادّعى شخص أنّها زوجته... 496
106 - بطلان العقد مع قصد المزاح... 496
107 - زواج الولد بابنة جارية أبيه... 596
108 - حرمة الجمع بين الأختين... 597
109 - عدم حرمة الزواج بالقابلة... 597
110 - التمتع بالذمية... 597
111 - إسلام الزوجة... 598
112 - اختيار الزوجة المأمونة... 498
113 - تصديق المرأة في نفي الزوج... 498
114 - التمتع بالأمة... 498
115 - عدّة المتعة... 499
116 - الأجل في المتعة... 499
117- عدم الميراث في المتعة... 499
118 - نقل المتمتّع بها من بلد إلى بلد... 500
119 - تحليل الزوجة جاريتها لزوجها... 500
120 - جواز أخذ الهبة من أمّ ولده... 500
121 - زيادة المهر عن مهر السنّة... 501
122 - حكم ما لو شرط لزوجته عدم التوارث... 501
123 - التهنئة بالطفل يوم السابع... 502
124 - مدة رضاع الطفل... 502
125 - تفضيل بعض الأبناء على بعض... 502
126 - إمساك المرأة بمعروف... 503
127 - التوسعة على العيال... 503
128 - بطلان الطلاق الفاقد للشروط... 503
129 - طلاق السكران... 503
130 - طلاق الأخرس... 504
131 - صحة الطلاق أمام الحاضرين... 504
132 - الطلاق الثلاث بعد العدّة... 505
133 - يشترط في المحلل البلوغ... 505
134 - الخصيّ لا يحلل المطلقة ثلاثاً... 505
135 - الشهود على رجعة الزوج... 505
136 - الطلاق الثاني من دون جماع... 506
137 - إخراج ذات العدّة الرجعية من منزلها... 506
138 - الفرق بين عدّة الطلاق وعدة الوفاة... 506
139 - المختلعة إذا رجعت في البذل... 507
140 - الظهار لا يقع من الغضب... 507
141 - الظهار يقع على الأمة... 507
142 - حكم من ظاهر من نسائه... 508
143 - الإيلاء من الأمة... 508
144 - عتق العبد القديم... 508
145 - رجل دبر جاريته الحبلى... 509
146 - حكم اليمين الفاسدة... 509
147 - الحلف باليمين الكاذبة... 509
148 - حليّة صيد الطير في الليل... 510
149 - صيد الطير الذي له صاحب... 511
150 - حليّة السمك الربيثا... 511
151 - تحريم لحم النسر... 511
152 - لحم الضأن... 512
153 - حرمة الخمر... 512
154 - الفقّاع حرام... 512
155 - بيع المرعى في الملك الخاصّ... 512
156 - المرأة القريبة ترث المال إذا لم يكن غيرها... 513
157- شهادة النساء... 513
158 - حدّ المحارب لله تعالى... 513
159 - نفي المحارب... 514
160 - دم اللص هدر... 514
161 - حكم من أغاث فقتل شخصاً... 515
محتویات کتاب... 517