مروج الذهب و معادن الجوهر جلد 4

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

مروج الذهب

وَمَعَادِن الجوهر

تصنيف

أبي الحسَن عَلى بن الحسين بن عَلى المسعودي

المتوفى 346 هـ - 957 م

اعتَنَى بِهِ وَرَاجعه

كمال حسن مرعي

الجزء الرابع

المكتبة العصرية

صيدا - بيروت

محرر الرقمي: محسن حقاني فر

اشارة

مروج الذهب

وَمَعَادِن الجوهر

تصنيف

أبي الحسَن عَلى بن الحسين بن عَلى المسعودي

المتوفى 346 هـ - 957 م

اعتَنَى بِهِ وَرَاجعه

كمال حسن مرعي

الجزء الرابع

المكتبة العصرية

صيدا - بيروت

جميع الحقوق محفوظة لِلنَّاشِر

الطبعة الأولى

1425 هـ - 2005م

ISBN 9953-34-321-7

917 8995 3 3 4 3 2 11

ISBN 9953-34-317-9

شركة ابناء شريف الأَنصَارَى

للطباعة والنشر والتوزيع

المكتبة العصرية

الدار النمور حيّة المطبعة العصرية

بيروت - ص.ب 118355 - تِلفاكس 009611655015

صيدا - صَ. بَ 221 - تِلفَاكس 009617720317

E-mail: alassrya@terra.net.lb - alassrya@cyberia.net.lb

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ذكر خلافة المأمون

موجز

وبويع المأمون عبد الله بن هارُونَ الرشيد، وكُنيته أبو جعفر ، وأُمه باذغيسية، واسمها مراجل ، وقيل : إن كُنيته أبو العباس، وهو ابن ثمان وعشرين سنة وشهرين، وتوفي بالبديدون على عين القشيرة وهي عين يخرج منها النهر المعروف بالبديدون وقيل : إن اسمها بالرومية أيضاً ،رقة، وحُمِلَ إلى طوسوس، فدفن بها على يسار المسجد، سنة ثماني عَشَرَةَ ،ومائتين، وهو ابن تسع وأربعين سنة، فكانت خلافته إحدى وعشرين سنة، منها أربعة عشر شهراً كان يحارب أخاه محمد ابن زُبَيْدَةَ على ما ذكرنا وقيل : سنتان وخمسة أشهر، وكان أهل خُراسان في تلك الحروب يُسَلِّمُون عليه بالخلافة، وَيُدْعَى له على المنابر في الأمصار والحرمين والكور والسهل والجبل مما حَوَاه طاهر وَغَلَبَ عليه، وَيُسلَّم على محمد بالخلافة مَنْ كان ببغداد خاصة لا غيرها .

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

المأمون والفضل بن سهل

وغلب على المأمون الفضل بن سهل، حتى ضايقه في جارية أراد شراءها، فقتله، وادعى قوم أن المأمون دَس عليه من قتله، ثم سلّم عليه الوزراء بعد ذلك : منهم أحمد بن خالد الأحول، وعمرو بن مَسْعَدَة، وأبو عبادة، وكل هؤلاء سلّم عليهم برسم الوزارة .

عمرو بن مسعدة

منهم

ومات عمرو بن مَسْعَدَة سنة سبع عشرة ومائتين، فعرض لماله، ولم يعرض لمال وزیر غیره.

وغلب على المأمون آخراً الفَضْلُ بن مروان، ومحمد بن يزداد.

علي بن موسى الرضا

وفي خلافته قبض علي بن [موسى] الرضا مسموماً بِطُوس، ودفن هنالك [وهو يومئذ ابن تسع وأربعين سنةً وستة أشهر، وقيل غير ذلك].

المأمون وعمه إبراهيم

وهجا المأمون إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شِكْلَةَ عَمه، وكان المأمون يظهر التشيع، وابن شكلة التسنن، فقال المأمون :

إذا المُرْجِيُّ سَرَّكَ أن تراه *** يَمُوتُ لحينه من قبل مَوْتِهِ

فجدد عنده ذِكْرَى عَلِيٌّ *** وَصَلِّ عَلَى النبي وآل بيته

فأجابه إبراهيم رَادًا عليه :

إذا الشَّيعِيُّ جَمْجَمَ في مَقَال *** فَسَرَّكَ أن يبوح بذات نَفْسِة

فَصَلِّ عَلَى النبي وَصَاحِبَيْهِ*** وَزِيرَيْهِ وَجَارَيْهِ بِرَمْسِهُ

ولإبراهيم بن المهدي مع المأمون أخبار حسان هي موجودة في كتاب الأخبار لإبراهيم بن المهدي.

المأمون وأبو دلف

ودخل أبو دُلَف القاسم بن عيسى العِجْلي على المأمون، فقال له : يا قاسم، ما أحْسَنَ أبياتكَ في صفة الحرب، ولذاذتك بها، وزهدك في المغنيات! قال: يا أمير المؤمنين، أي أبيات هي؟ قال: قولك:

لِسَل السيوف وشَقِّ الصفوف*** ونَفْضِ التراب وضرب القُلَلْ

قال : ثم ماذا يا قاسم؟ قال :

ولبس العجاجة والخافقات *** تُريك المنايا بروس الأسل

وقد كشفت عن شَبَا نابها***[عروس المنية بين الشعل]

[ وجاءت تهادى وأبناؤها]*** كأنَّ عليهم شُرُوقَ الطَّفَل

خروس نَطُوق إذا استنطقت *** جهول يطيش على من جهل

إذا خطبت أخذت مهرها*** رؤوساً تساقط بين القُلَلْ

ألذ وأشهى من المسمعات*** وشرب المدامة في يوم طل

أنا ابن الحسام، ويَرْبُ الصِّفَاح*** ورَيْب المنون، وقرب الأجل

ثم قال: يا أمير المؤمنين، هذه لذتي مع أعدائك، وقُوَّتي مع أوليائك، ويدي معك، ولئن استلذ مستلذ شيئاً من المعاقرة مِلْتُ إلى المصادمة والمحاربة، قال يا قاسم، إذا كان هذا النمط من الأشعار شأنك واللذة لذتك فماذا تركت للوسنان مما خلفت، وأظهرت له من قليل ما سترت؟ قال : يا أمير المؤمنين، وأي أشعاري؟ قال : حيث تقول :

أيها الراقد المؤرقُ عيني*** نَم، هنيئاً لك الرقاد اللذيذ

عَلِمَ الله أنَّ قلبي مما*** قدجَنَتْ مُقْلَتَاكَ فيه وَقِيذُ

قال: يا أمير المؤمنين، سهوة بعد سهرة غلبت، وذلك [قسم] متقدم، وهذا ظن متأخر، قال: يا ،قاسم ما أحسن ما قال صاحب هذين البيتين :

أذمُّ لك الأيام في ذات بيننا*** وما لليالي في الذي بيننا عُذْرُ

إذا لم يكن بين المحبين زَوْرَة *** سوى ذكر شيء قد مضى دَرَسَ الفكر

قال أبو دلف: ما أحسن ما قال يا أمير المؤمنين!! هذا السيد الهاشمي والملك العباسي، قال : وكيف أدَّتْكَ الفطنة، ولم تداخلك الظُّنَّة ، حتى تحققت أني صاحبهما، ولم يداخلك الشك فيهما قال يا أمير المؤمنين إنما الشعر بساط صوف، فعن خلط الشعر بنقي الصوف ظهر رونقه عند التصنيف، ونار ضوؤه عند التأليف .

من كلمات المأمون

وكان المأمون يقول : يغتفر كل شيء إلا القدح في الملك، وإفشاء السر، والتعرض للحرم.

وقال المأمون : أخْرِ الحرب ما استطعت، فإن لم تجد منها بداً فاجعلها في آخر النهار.

وذكر أنه من كلام أنوشروان .

وكان المأمون يقول : أغيَتِ الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يُذبر، وإذا أدبر أن يُقبل.

ولما تأتى الملك للمأمون [ وخلص] قال : هذا جسيم لولا أنه عديم وهذا ملك لولا أنه بعده هلك، وهذا سرور لولا أنه غرور وهذا يوم لو كان يوثق بما بعده.

وكان المأمون يقول : البشر مَنْظَرٌ مُونِق وخَلْقٌ ،مشرق وزارع للقلوب، ومحل مألوف، وفضل منتشر وثناء بسيط، وتُحف للأحرار ، وذَرْعٌ ،رحيب، وأول الحسنات وذريعة إلى الجاه، وأحمد للشَّيَم، وباب لرضا العامة، ومفتاح لمحبة القلوب.

وكان المأمون يقول : سادة الناس في الدنيا الأسْخِياء، وفي الآخرة الأنبياء وإن الرزق الواسع لمن لا يستمتع به بمنزلة طعام على ميزاب البخل، لو كان طريقاً ما سلكته، ولو كان قميصاً ما لبسته .

وحضر المأمون إملاكاً لبعض أهل بيته، فسأله بعض مَنْ حضر أن يخطب ، فقال : الحمد الله، المحمود ،الله [والصلاة على] المصطفى رسول الله ، وخَيْرُ ما عُمِلَ به كتاب الله ، قال الله تعالى: وَأَنكِحُوا الْأَيْمَى مِنكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَابِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور: 32] ولو لم يكن في المناكحة آية محكمة ولا سنة متبعة إلا ما جعل الله في ذلك من تأليف البعيد والقريب لَسَارَعَ إليه الموفّق المصيب، وبادر إليه العاقل النجيب وفلان من قد عرفتموه في نسب لم تجهلوه، خَطَب إليكم

فتاتكم فلانة وبذل [لها] من الصداق كذا وكذا، فشفّعُوا شافعنا، وأنكحوا خاطبنا، وقولوا خيراً تحمدوا عليه وتؤجَرُوا ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

بين ثمامة ويحيى بن أكثم عند المأمون

وذكر ثُمَامَةُ بن أَشْرَسَ :قال : كنا يوماً عند المأمون، فدخل يحيى بن أكثم - وكان قد ثقل عليه موضعي منه - فتذاكرنا شيئاً فتذاكرنا شيئاً من الفقه، فقال يحيى في مسألة دارت : هذا قول عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وابن عمر وجابر ، قلت : أخطأوا كلهم، وأغفلوا وجه الدلالة فاستعظم [مني] ذلك [ يحيى] وأكبره وقال يا أمير المؤمنين إن هذا يخطىء أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كلهم ، فقال المأمون : سبحان الله ! ! أكذا يا تمامة؟ قلت : يا أمير المؤمنين، إن هذا لا يبالي ما قال ولا ما شَنّع به، ثم أقبلت عليه فقلت : ألست تزعم أن الحق في واحد عند الله عز وجل؟ قال: نعم، قلت: فزعمت أن تسعة أخطأوا وأصاب العاشر وقلت أنا أخطأ العاشر ، فما أنكرت ؟ قال : فنظر المأمون إلي وتبسم، وقال : لم يعلم أبو محمد أنك تجيب هذا الجواب، قال يحيى : وكيف ذلك؟ قلت : ألست تقول : إن الحق في واحد ؟ قال : بلى، قلت: فهل يخلي الله عز وجل هذا الحق من قائل يقول به من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قال : لا ، قلت : أفليس من يخالفه ولم يقل به فقد أخطأ عندك الحقِّ ؟ قال : نعم، قلت: فقد دخلت فيما عِبْتَ، وقلت بما أنكرت و به شنعت وأنا أوضح دلالة منك ، لأني خطأتهم في الظاهر، وكل مصيب عند الله الحق، وإنما خطأتهم عند الخلاف وأدَّتْني الدلالة إلى قول بعضهم، فخطأت من خالفني، وأنت خطأت خالفك من في الظاهر وعند الله عز وجل .

وقد الكوفة والمأمون

وقدم وفد الكوفة إلى بغداد، فوقفوا للمأمون، فأعْرَض عنهم، فقال شيخ شيخ منهم: يا أمير المؤمنين، يَذكَ أحق يد بتقبيل ؛ لعلوها في المكارم ، وبعدها من المآثم، وأنت يوسفي العفو في قلة التثريب مَنْ أرادك بسوء جعله الله حَصِيد سيفك، وطريد خوفك، وذليل دولتك، فقال : يا عمرو نِعْمَ الخطيب خطيبهم ، اقض حوائجهم [فقضيت].

المأمون والزنادقة ومعهم طفيلي

وذكر تُمَامة بن أشْرَسَ قال : بلغ المأمون خبر عشرة من الزنادقة ممن يذهب إلى قول ماني، ويقول بالنور والظلمة من أهل البصرة، فأمر بحملهم إليه بعد أن سموا

واحداً واحداً، فلما جُمِعُوا نظر إليهم طُفَيْلي فقال : ما اجتمع هؤلاء إلا لصنيع، فدخل في وسطهم، ومضى معهم، و[هو] لا يعلم بشأنهم، حتى صار بهم الموكلون إلى السفينة، فقال الطفيلي: نزهة لا شك فيها، فدخل معهم السفينة، فما كان بأسرع من أن جيء بالقيود، فقيد القوم والطفيلي معهم فقال الطفيلي: بلغ أمر تطفيلي إلى القيود، ثم أقبل على الشيوخ فقال : فَدَيْتكم أيش أنتم؟ قالوا : بل أيش أنت؟ ومن أنت من إخواننا؟ قال : والله ما أدري غير أني [ والله] رجل طفيلي خرجت من هذا اليوم من منزلي فلقيتكم فرأيت منظراً جميلاً وعَوَارِضَ حسنة [وبزة] ونعمة فقلت : شيوخ وكهول وشَبَابٌ جمعوا الوليمة، فدخلت في وسطكم وجاذبت بعضكم كأني في جملة أحدكم ، فصرتم إلى هذا الزورق ، فرأيته قد فُرِش بهذا الفرش ومهد ورأيت سفراً مملوءة وجُرباً وسلالا ، فقلت : نزهة يمضون إليها إلى بعض القصور والبساتين، إن هذا اليوم مبارك، فابتهجت سروراً، جاء هذا الموكل بكم فقيدكم وقيدني معكم ، فورد عليَّ ما قد أزال عقلي، فأخبروني ما الخبر، فضحكوا منه وتبسموا وفرحوا به وسُرُّوا ثم قالوا: الآن قد حصلت في الإحصاء وأوثقت في الحديد، وأما نحن فمانية عُمِزَ بنا إلى المأمون، وسندخل إليه، ويسائلنا عن أحوالنا ويستكشفنا عن مذهبنا ويدعونا إلى التوبة والرجوع عنه بامتحاننا بضروب من المحن منها إظهار صورة ماني لنا، ويأمرنا أن نتفل عليها، ونتبرأ منها، ويأمرنا بذبح طائر ،ماء، وهو الدُّرَّاج، فمن أجابه إلى ذلك نجا، ومن تخلف عنه قتل، فإذا دعيت وامتحنت فأخبر عن نفسك واعتقادك على حسب ما تؤدِّيكَ الدلالة إلى القول به، وأنت زعمت أنك طفيلي، والطفيلي يكون معه مُداخلات وأخبار ، فاقْطَعْ سَفَرَنا هذا إلى مدينة بغداد بشيء من الحديث وأيام الناس فلما وصلوا إلى بغداد وأدخلوا على المأمون جعل يدعو بأسمائهم رجلا رجلا فيسأله عن مذهبه فيخبره بالإسلام، فيمتحنه ويدعوه إلى البراءة من ماني ويظهر له صورته، ويأمره أن يَتْفُل عليها والبراءة منها، وغير أنا

ذلك، فيأبون، فيمرهم على السيف، حتى بلغ إلى الطفيلي بعد فراغه من العشرة، وقد استوعبوا عدة القوم ، فقال المأمون للموكلين : مَنْ هذا؟ قالوا والله ما ندري، غير وجدناه مع

القوم فجئنا به، فقال له المأمون ما خبرك؟ قال: يا أمير المؤمنين، امرأتي طالق إن كنت أعرف من أقوالهم شيئاً، وإنما أنا رجل طفيلي، وقص عليه خبره من أوله إلى آخره، فضحك المأمون، ثم أظهر له الصورة، فلعنها وتبرأ منها، وقال: أعطونيها حتى أسْلَحَ عليها، والله ما أدري ما ماني : أيهودياً كان أم مُسلماً، فقال المأمون : يؤدَّبُ على فرط تطفله ومخاطرته بنفسه .

وكان إبراهيم بن المهدي قائماً بين يدي المأمون فقال : يا أمير المؤمنين، هَبْ لي ذنبه وأحدثك بحديث عجب في التطفيل عن نفسي، قال: قل يا إبراهيم.

إبراهيم بن المهدي يتطفل

قال : يا أمير المؤمنين، خرجت يوماً فمررت في سكك بغداد متطرفاً، حتى انتهيت إلى موضع فشممت رائحة أبازير من جناح [في] دار عالية، وقدور قد فاح قتارها، فتاقت نفسي إليها، فوقفت على خيَّاط فقلت : لمن هذه الدار ؟ فقال : لرجل من التجار من ،البزازين :قلت ما اسمه؟ :قال فلان بن فلان فرفعت طرفي إلى الجناح، فإذا فيه شباك، فنظرت إلى كف قد خرجت من الشباك وَمِعْصَم ما رأيت أحْسَنَ منهما قط، فشغلني يا أمير المؤمنين حُسْنُ الكف والمعصم عن رائحة القدور، فبقيت باهتاً وقد ذُهِلَ ،عقلي ثم قلت للخياط : هو ممن يشرب النبيذ ؟ قال : نعم وأحسب أن عنده اليوم دعوة، ولا ينادم إلا تجاراً مثله [مستورين] فأنا كذلك إذ أقبل رجلان نبيلان راکبان من رأس الدرب فقال لي الخياط هذان منادماه قلت ما اسماهما؟ وما كُنَاهُمَا؟ فقال : فلان وفلان فحركت دابتي حتى دخلت بينهما وقلت جعلت فداكما ، قد استبطأكما أبو فلان أعَزَّه الله، وسايرتهما حتى انتهينا إلى الباب، فَقَدَّمَانِي، فدخلت وَدَخَلَا، فلما رآني صاحب المنزل لم يَشُكَّ إلا أني منهما بسبيل، فرحب وأجلسني في أجل موضع، فجيء يا أمير المؤمنين بالمائدة وعليها خبز نظيف وأتينا بتلك الألوان؛ فكان طعمها أطيب من رائحتها فقلت في نفسي : هذه الألوان قد أكلتها، وبقي الكف والمعصم، ثم رفع الطعام فغسلنا أيدينا، ثم صرنا إلى مجلس المنادمة، فإذا هو أَنْبَلُ مجلس وَأَجَلُ ،فرش، وجعل صاحب المجلس يلطف بي ويقبل عليّ بالحديث، والرجلان لا يشكان أنه مني بسبيل، وإنما كان ذلك الفعل منه بي لمَّا ظَنَّ أني منهما بسبيل، حتى إذا شربنا أقداحاً خرجت علينا جارية تتثنى كأنها غُصْنُ بَانِ، فسلّمت غير خَجِلَة، وهيئت لها وسادة، وأتي

بعُودٍ فوضع في حجرها فجسَّتْهُ فتبينت الحذق في جسها، ثم اندفعت تغني :

توهَّمها طَرْفِي فآلمَ خَدَّها*** فصار مكان الوهم من نظري أثرُ

وصافحها كَفِّي فالم كفها*** فمن لَمْس كفي في أناملها عَقْرُ

ومَرَّت بقلبي خاطراً فجرحتها*** ولم أر شيئاً قَط يَجُرحُه الفكر

فهيجت والله يا أمير المؤمنين علي بلابلي، وطربت لحسن غنائها وحذقها، ثم اندفعت تغني :

أشَرْتُ إليها : هل علمت مودتي*** فردَّت بطرف العين: إني على العهد

فحدت عن الإظهار عمداً لسرها*** وحادت عن الإظهار أيضاً على عمد

فصحت: السلامة، وجاءني من الطرب ما لا أملك [معه] النفس ولا الصبر، واندفعت تغني :

أليس عجيباً أن بيتاً يضمني ***وإياك لا تخلو ولا نتكلم

سوى أعْيُنٍ تشكو الهوى بجفونها*** وترجيع أحشاء على النار تضرم

إشارة أفواه، وغَمْرُ حواجب*** وتكسير أجفان، وكف يسلّم

فحسدتها والله يا أمير المؤمنين على حذقها، ومعرفتها بالغناء، وإصابتها معنى الشعر ، وأنها لم تخرج من الفن الذي ابتدأته ، فقلت : بقي عليك يا جارية شيء ، فغضبت وضربت بعودها الأرض، ثم قالت : متى كنتم تُحْضِرُونَ مجالسكم البغضاء؟ فندمت على ما كان مني، ورأيت القوم قد تغيروا [إليَّ]، فقلت: أليس ثُمَّ عُودٌ؟ قالوا: بلى يا سيدنا، فأتيت بعود فأصلحت من شأنه ما أردت واندفعت أغني:

ما للمنازل لا يُجِبْنَ حزيناً؟*** أصممن أم بَعُدَ المَدَى فبلينا؟

رَاحُوا العشيَّة روحة مذكورة*** إن متن متن، وإن حيين حيينا

فما استتممته جيداً حتى خرجت الجارية فأكَبَّتْ على رجلي تقبلها، وهي تقول: المعذرة والله لك يا سيدي فما سمعت من يغني هذا الصوت مثلك، وقام مولاها وكل من كان عنده فصنعوا كصنعها وطرب القوم، واستحثوا الشرب فشربوا بالطاسة ثم اندفعت أغني:

أبالله هل تُمْسِينَ لا تذكرينني*** وقد سَجَمَتْ عيناي من ذكرك الدَّمَا

إلى الله أشكو بُخْلَهَا وسَماحتي*** لها عسل مني وتبذل علقما

فردي مُصاب القلب أنت قتلته*** ولا تتركيه ذاهل العقل مغرما

إلى الله أشكو أنها أجنبية*** وأني لها بالود ما عشت مكرما

فجاء من طرب القوم [ يا أمير المؤمنين] ما خشيت أن يخرجوا من عقولهم، فأمسكت ساعة حتى إذا هدأ القوم اندفعت أغني الثالثة :

هذا محبك مَطْوِيٌّ على كمده*** صب، مدامعه تجري على جَسَدِه

له يَد تسأل الرحمن راحته*** ممابه، ويَد أخرى على كبده

يا من رأى كَلِفاً مستهتراً أسفاً*** كانت منيته في عينه ويده

فجعلت الجارية يا أمير المؤمنين تصيح :السلامة، هذا والله الغناء يا مولاي، وسكر القوم، وخرجوا من عقولهم، وكان صاحب المنزل جيد الشراب ونديماه دونه، فأمر غلمانه مع غلمانهم بحفظهم وصرفهم إلى منازلهم، وخلوت معه فشربنا أقداحاً، ثم قال: يا سيدي، ذهب والله ما خلا من أيامي باطلا، إذ كنت لا أعرفك، فمن أنت يا مولاي؟ فلم يزل يلح عليّ حتى أخبرته [فقام] فقبل رأسي، وقال: يا سيدي، وإني أعجب أن يكون هذا الأدب إلا لمثلك، وإذا أنا منذ اليوم مع الخلافة ولا أعلم وسألني عن قصتي وكيف حَمَلْتُ نفسي على ما فعلته فأخبرته خبر الطعام والكف والمعصم، فقال يا فلانة لجارية له قولي لفلانة تنزل فجعل ينزل إليَّ جواريه واحدة واحدة، فأنظر إلى كفها وأقول : ليست هي حتى قال : والله ما بقي غير أمي وأختي ولأنزلنَّهُما إليك، فعجبت من كرمه وسَعَةِ صدره فقلت له : جعلت فداك، ابدأ بالأخت قبل الأم، فعسى أن تكون صاحبتي، فقال: صدقت ففعل، فلما رأيت كفَّها ومعصمها قلت : هي هي، جعلت فداك، فأمر غلمانه من فَوْرِه فصاروا إلى عشرة مشايخ من جلةٍ جيرانهم ،فأحضروا، وجيء ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، ثم قال : هذه أختي فلانة وأنا أشهدكم أني قد زوجتها من سيدي إبراهيم بن المهدي وأمهرتها عنه عشرين ألف ،درهم فرضيت وقبلت النكاح ودفعت إليها البدرة الواحدة، وفرقت الأخرى على المشايخ ، وقلت لهم: اعذروا فهذا الذي حضرني في هذا الوقت، فقبضوها وانصرفوا ثم قال : يا سيدي أمهد لك بعض البيوت تنام مع أهلك فأحْشَمَنِي والله يا أمير المؤمنين ما رأيت من كرمه وسعة صدره فقلت : بل أحضر عمارية وأحملها إلى منزلي، فقال: افعل ما شئت فأحضرت عمارية وحملتها إلى منزلي، فوحقك يا أمير المؤمنين لقد حمل إلي من الجهاز ما ضاق عنه بعض دوري.

فتعجب المأمون من كرم ذلك الرجل، وأطلق الطفيلي، وأجازه بجائزة حسنة وأمر إبراهيم بإحضار ذلك الرجل ؛ فصار بعد من خواص المأمون وأهل مودته، ولم يزل معه على أفضل الأحوال السارة في المنادمة وغيرها.

إسحاق الموصلي وكلثوم العتابي عند المأمون

وذكر المبرد وثعلب قالا : كان كلثوم العتّابي واقفاً بباب المأمون، فجاء يحيى بن أكثم ، فقال له العتابي : إن رأيت أن تعلم أمير المؤمنين بمكاني قال : لست بحاجب قال : [قد] ،علمت ولكنك ذو فضل، وذو الفضل مِعْوَانُ، قال : سلكت بي غير طريقي، قال : إن الله قدألحقك بجاه ونعمة منه فهما مقيمان عليك بالزيادة إن شكرت وبالتقتير

إن كفرت، وأنا لك اليوم خَيْرٌ منك لنفسك، أدعوك لما فيه زيادة نعمتك وأنت تأبى ذلك، ولكل شيء زكاة وزكاة الجاه بذله للمستعين، فدخل يحيى فأخبر المأمون الخبر، فأدخل إليه العتابي، وفي المجلس إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فأمره بالجلوس، وأقبل يسأله عن أحواله وشأنه فيجيبه بلسان ،ناطق، فاستظرفه المأمون، وأخذ في مُدَاعبته فظن الشيخ أنه قد استخف به، فقال : يا أمير المؤمنين، الإيناس قبل الإبساس، فاشتبه عليه قوله، فنظر إلى إسحاق [فغمزه بعينه ] ثم قال : ألف دينار، فأتى بها فوضعت بين يدي العتابي، ثم دعا إلى المفاوضة وأغْرَى المأمون إسحاق بالعبث به، فأقبل إسحاق بعارضه في كل باب يذكره ويزيد عليه، فعجب منه، وهو لا يعلم أنه إسحاق، ثم قال : أيأذن أمير المؤمنين في مسألة هذا الرجل عن اسمه ونسبه؟ فقال: افعل، فقال له العتابي : من أنت؟ وما اسمك؟ قال : أنا من الناس واسمي كل بصل ! فقال له العتابي : أما النسبة فقد عرفت، وأما الاسم فمنكر، وما كل بصل من الأسماء؟ فقال له إسحاق : ما أقل إنصافكَ، وما كلثوم والبصل أطيب من الثوم، قال العتابي : قاتلك الله ! ما أَمْلَحَكَ !! ما رأيت كالرجل حلاوة، أفيأذن أمير المؤمنين في صلته بما وصلني به فقد والله غلبني ؟ فقال له المأمون : بل ذلك مُوَفِّر عليك ونأمر له بمثله، فانصرف إسحاق إلى منزله ونادمه بقية يومه .

العتابي

وكان العتابي من أرض جند قنسرين والعواصم ، وسكن الرقة من ديار مُضَرَ، وكان من العلم والقراءة والأدب والمعرفة والترسل وحسن النظم للكلام وكثرة الحفظ وحسن الإشارة وفصاحة اللسان وبراعة البيان وملوكية المجالسة وبراعة المكاتبة وحلاوة المخاطبة وجَوْدَة الحفظ وصحة القريحة على ما لم يكن كثير من الناس في عصره.

وذكر أنه قال : كاتب الرجل لسانه وحاجبه ،وَجْهُه وجليسه كله، ونظم في ذلك شعراً، فقال:

لسان الفَتَى کاتبه ***وَوَجْهُ الفى حاجبه

وَنَدمَــانـه کــله*** وكـل له واجـبه

وذكر عنه أنه قال : إذا وليت عملا فانظر مَنْ كاتبك، فإنما يعرف مقدارك مَنْ بعد عنك بكاتبك واستعقل حاجبك، فإنما يقضي عليك الوفود قبل الوصول إليك بحاجبك، واستكرم واستظرف جليسك ونديمك فإنما يُوزَنُ الرجل بمن معه .

بين كاتب ونديم

وقد فاخر كاتب نديماً فقال الكاتب : أنا معونة وأنت مؤونة، وأنا للجد وأنت للهزل، وأنا للشدة وأنت للذة، وأنا للحرب وأنت للسلم، فقال النديم : أنا للنعمة وأنت للنقمة، وأنا للحظوة وأنت للمهنة، وتقوم وأجلس وتحتشم وأنا مؤنس، تدأب لحاجتي، وتَشْقَى بما فيه سعادتي وأنا شريك وأنت معين وأنا قرين وأنت تابع، وإنما سمیت نديماً للندم على مفارقتي .

وللعتابي أخبار حسان، وتصنيفات ملاح في ذكرها خروج عما إليه قصدنا ،ونحوه يَمَّمنا، وإنما ذكرنا عنه هذه الفصول لتغلغل الكلام بنا إليها وتشعبه نحوها .

رجل يرفع قصة للمأمون

وحكى الجوهري عن العتبي عن عباس الديري قال: رفع رجل قصة إلى المأمون، وسأله أن يأذن له في الدخول عليه، والاستماع منه، فأذن له، فدخل فسلّم، فقال له المأمون : تكلم بحاجتك ، قال : أخبر أمير المؤمنين أن مصائب الدهر وأعاجيب الأيام [ ومحن الزمان] قصدتني فأخذت مني ما كانت الدنيا أعطتني، فلم تبق لي ضيعة إلا خربت، ولا نهر إلا اندقر ولا منزل إلا تهدِّمَ ولا مال إلا ذهب، وقد أصبحتُ لا أملك سَبَداً ولا لَبَداً، وعليَّ دَيْن كثير ، ولي عيال وأطفال وصبية صغار، وأنا شيخ كبير، قد قَعَدَتْ بي المطالب وكبرت عني المكاسب، وبي حاجة إلى نظر أمير المؤمنين وعطفه، قال : فبينما هو في الكلام إذ ضَرَطَ ، فقال : وهذا يا أمير المؤمنين من عجائب الدهر ومحنته، ولا والله ما ظهر مني قط إلا في موضعه ؛ فقال المأمون لجلسائه : ما رأيت قط أقوى قلباً ولا أرْبَطَ جاشاً ولا أشَدَّ نفساً من هذا الزجل، ثم أمر له بخمسين ألف درهم [ مُعَجَّلة ] .

المأمون وأبو العتاهية

قال أبو العتاهية : وَجَّه إليَّ المأمون[يوماً]فصِرْتُ إليه، فألفيته مُطرِقاً متفكراً مغموماً، فأحجمت [عن الدنو إليه وهو على تلك الحال، فرفع رأسه وأشار بيده :أن اذن، فدنوت]، فأطْرَقَ ملياً ثم رفع رأسه فقال : يا إسماعيل، شأن النفس الملَلُ، وحُبُّ الاستطراف، والأنس بالوحدة، كما نأنس بالألفة، قلت: أجل يا أمير المؤمنين، ولي في هذا بيت ،شعر، قال : وما هو؟ قلت :

لا يُصلح النَّفْسَ إذ كانت مُصَرّفة*** إلا التنقل من حال إلى حال

قال: أحسنت ،زدني فقلت : لا أقدر على ذلك، وآنسته بقية يومه، وأمر لي بمال، فانصرفت.

المأمون ورجل عامي

ويحكى أن المأمون أمر بعض خواصه من خَدَمه أن يخرج فلا يرى أحداً في الطريق إلا أتى به كائناً مَنْ كان من رفيع أو من رفيع أو خسيس، فأتاه برجل من العامة، فدخل وعنده المعتصم أخوه ويحيى بن أكثم ومحمد بن عمرو الرومي، وقد طبخ كل واحد منهم قذراً، فقال محمد بن إبراهيم الطاهري [للرجل العامي]: هؤلاء من خواص أمير المؤمنين فأجبهم عما يسألون، فقال المأمون : إلى أين خرجت في هذا الوقت وقد بقي عليك من الليل ثلاث ساعات؟ فقال : غرني القمر، وسمعت تكبيراً فلم أشك أنه أذان، فقال له المأمون اجلس فجلس، فقال له المأمون قد طبخ كل واحد منا قذراً هو ذا يقدِّمُ إليك من كل واحد منها قذراً [فذق ذلك] فأخبر عن فضائلها وما ترى من طيبها، فقال هاتوا فقدمت في طبق كبير كلها موضوعة عليه لا تمييز بينها، ولكل واحدة ممن طبخها علامة، فبدأ فذاق قذراً طبخها المأمون فقال : زه ، وأكل منها ثلاث لقمات، وقال : أما هذه فكأنها مسكة وطباخها حكيم نظيف ظريف مليح ، ثم ذاق قدر المعتصم فقال : هذه والله فكأنها والأولى من يد واحدة خرجتا، وبحكمة [متساوية] طبختا، ثم ذاق قدر محمد بن عمرو الرومي فقال : وهذه قِدْرُ طباخ بن طباخ ،أجاد ما أحكمه، ثم ذاق قدر يحيى بن أكثم [القاضي] فأعرض بوجهه وقال شه، هذه والله جعل طباخها فيها مكان بصلها خرا، فضحك القوم وذهب بهم الضحك [كلَّ مَذْهَبِ]، وقعد يحادثهم ويطايبهم ويتلهى معهم، وطابوا معه فلما برق الفجر قال له المأمون : لا يخرجَنَّ منك ما كنا فيه، وعلم أنه علم بهم ، فوَصَله بأربعة آلاف دينار، وقَسَّط له على أصحاب القدور[ كل واحد منهم على قدر مرتبته ] وقال : إياك أن تعود إلى الخروج في مثل هذا الوقت مرةً أخرى، فقال : لا أعدمكم الله الطبيخ ولا أعدمني الخروج ؛ فسألوه عن تجارته، وعرفوا منزله، وجعل [يعد] في خدمة المأمون وخدمة الجميع، وصار في جملتهم.

عي المأمون عن جواب ثلاثة

وحدث أبو عباد الكاتب - وكان خاصًا بالمأمون - قال : قال لي المأمون ما أعياني إلا جواب ثلاثة أنفس صرت إلى أم ذي الرياستين أعزيها عنه فقلت : لا تأسي عليه ولا تَحْزَنِي لفقده، فإن الله قد أخْلَفَ عليك مني ولداً يقوم لك مقامه، فمهما كنت تنبسطين إليه فيه فلا تنقبضين عني منه فبكت ثم قالت يا أمير المؤمنين، وكيف لا

أحزن على ولد أكسبني ولداً مثلك؟ وأتيت برجل قد تنبأ فقلت له : مَنْ أنت؟ قال: موسی بن عمران(عليه السلام) ، فقلت : ويحك !! إن موسى بن عمران(عليه السلام) كانت له آيات ودلالات بَانَ بها ،أمره منها أنه ألقى عصاه فابتلعت كَيْدَ السِّحَرة، ومنها إخراجه يَدَه من جيبه وهي بيضاء، وجعلت أعدّد عليه ما أتى به موسى بن عمران(عليه السلام) من دلائل النبوة، وقلت له : لو أتيتني بشيء واحدٍ من علاماته أو آية من آياته كنت أول من آمن بك، وإلا قتلتك فقال: صدقت، إلا أني أتيت بهذه العلامات لما قال فرعون أنا ربكم الأعلى، فإن قلت أنت كذلك أتيتك من العلامات بمثل ما أتيته ،به والثالثة أن أهل الكوفة اجتمعوا يَشْكُونَ عاملًا كنت أحمد مذهبه وأرتضي سيرته فوجهت إليهم إني أعلم سيرة الرجل، وأنا عازم على القعود لكم في غداة غد، فاختاروا رجلا يتولى المناظرة عنكم، فأنا أعلم بكثرة كلامكم فقالوا ما فينا من نرتضيه لمناظرة أمير المؤمنين، إلا رجل أطروش، فإن صبر أمير المؤمنين عليه تفضل بذلك، فوعدتهم الصبر عليه، وحضروا من الغد، فأمرت بالرجال فدخلوا والأطروش، فلما مثل بين يدي أمرتهم بالجلوس، ثم قلت له : ما تشكو من عاملكم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين، هو شر عامل في الأرض، أما في أول سنة ولينا فإنا بعنا أثاثاتنا وعَقَارَنَا، وفي السنة الثانية بعنا ضياعنا وذخائرنا، وفي السنة الثالثة خرجنا عن بلدنا فاستغثنا بأمير المؤمنين ليرحم شكوانا ويتطوَّلَ علينا بالأمر بصَرْفه عنا، فقلت له : كذبت لا أمان لك، بل هو رجل أحمدتُ سيرته ومذهبه وارتضيت دينه وطريقته واخترته لكم لمعرفتي بكثرة سخطكم على عمالكم قال يا أمير المؤمنين صدقت وكذبْتُ أنا ! ولكن هذا العامل الذي ارتضيت دينه وأمانته [وعفته] وعدله وإنصافه، كيف خصصتنا به هذه السنين دون البلاد

[ التي قد ألزمك الله عز وجل من العناية بأمورها مثل ما ألزمك من العناية بأمرنا ؟ فاستعمله على هذه البلاد] حتى يشملهم من إنصافه وعدله مثل الذي شملنا، فقلت له قم في غير حفظ الله، فقد عزلته عنكم .

مناظرة المأمون للفقهاء

وكان يحيى بن أكثم يقول : كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء، فإذا حضر الفقهاء ومَنْ يناظره من سائر أهل المقالات أدخلوا حجرة مفروشة وقيل لهم : انزعوا أخفافكم ، ثم أحضرت الموائد، وقيل لهم : أصيبوا من الطعام والشراب وجَدِّدوا الوضوء، ومن خُفُّه ضيق فلينزعه، ومن ثقلت عليه قَلَنسوته فليضعها، فإذا فرغوا أتوا بالمجامر فبخروا وطيبوا، ثم خرجوا فاستدناهم حتى يدنوا منه، ويناظرهم أحسن ،مناظرة، وأنْصَفَها وأبعدَهَا من مناظرة المتجبرين فلا يزالون كذلك إلى أن تزول

الشمس، ثم تُنصَبُ الموائد الثانية فيطعمون وينصرفون قال: فإنه يوماً لجالس إذ دخل عليه علي بن صالح الحاجب فقال : يا أمير المؤمنين رجل واقف بالباب عليه ثياب بيض غلاظ مشمرة، ويطلب الدخول للمناظرة فقلت : إنه بعض الصوفية، فأردت بأن أشير أن لا يؤذن له، فبدأ المأمون فقال : ائذن له، فدخل رجل عليه ثياب قد شمرها ونعله في يده فوقف على طرف البساط فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال المأمون : وعليك السلام فقال : أتأذن [لي] في الدنو منك؟ قال: اذن، فدنا، اذنُ، فدنا، ثم قال ،اجلس فجلس ثم قال : أتأذن في كلامك ؟ فقال : تكلم بما تعلم أن الله فيه رِضاً، قال: أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت قد جلسته أباجتماع من المسلمين عليك، ورضاً منك ، أم بالمغالبة لهم والقوة عليهم بسلطانك؟ قال : لم أجلسه باجتماع منهم ولا بمغالبة لهم، إنما كان يتولى أمر المسلمين سلطان قبلي أحْمَدَه المسلمون إما على رضا وإما على كره فعقد لي ولآخر معي ولاية هذا الأمر بعده في أعناق مَنْ حضره من المسلمين، فأخذ على من حضر بيت الله الحرام من الحاج البَيْعَةَ لي ولآخر معي فأعطوه ذلك إما طائعين وإما كارهين فمضى الذي عقد له معي على هذا السبيل التي مضى عليها، فلما صار [الأمر] إلي علمت أني أحتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على الرضا، ثم نظرت فرأيت أني متى تخلّيْتُ عن المسلمين اضطرب حبل الإسلام ومرج عهدهم]، وانتقضت أطرافه وغلب الهرج والفتنة، ووقع التنازع، فتعطلَتْ أحكام الله سبحانه وتعالى، ولم يحجّ أحد بيته، ولم يجاهد في سبيله، ولم يكن لهم سلطان يجمعهم ويَسُوسهم، وانقطعت السبل ، ولم يؤخذ لمظلوم من ظالم، فقمت بهذا الأمر حياطة للمسلمين، ومجاهداً لعدوهم، وضابطاً لسبلهم، وأخذاً على أيديهم، إلى أن يجتمع المسلمون على رجل تتفق كلمتهم على الرضا به فأسلم الأمر إليه، وأكون كرجل من المسلمين، وأنت أيها الرجل رسولي إلى جماعة المسلمين، فمتى اجتمعوا على رجل ورَضُوا به خرجت إليه من هذا الأمر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقام فأمر المأمون عليَّ بن صالح [الحاجب] بأن ينفذ في طلبه مَنْ يعرف مقصده، ففعل ذلك، ثم رجع وقال : وجهت يا أمير المؤمنين [من اتبع الرجل فمضى] إلى مسجد فيه خمسة عشر رجلا [في هيئته وزيه] فقالوا له : لقيت الرجل؟ فقال : نعم! :قالوا فما قال لك ؟ قال : ما قال لي إلا خيراً، ذكر أنه ضَبَطَ أمور المسلمين إلى أن تأمن سُلُهم، ويقوم بالحج والجهاد في سبيل الله، ويأخذ للمظلوم من الظالم، ولا يعطل الأحكام، فإذا رضي المسلمون برجل سلّم الأمر إليه وخرج إليه منه، قالوا: ما نرى بهذا بأساً، وافترقوا فأقبل المأمون على يحيى فقال : كفينا مؤنة هؤلاء بأيسر الخطب، فقلت : الحمد لله الذي ألهمك يا أمير المؤمنين الصواب والسداد في القول [والفعل].

يحيى بن أكثم قاضي البصرة

قال المسعودي: وكان يحيى [بن أكثم] وقد ولي قضاء البصرة قبل تأكد الحال بينه وبين المأمون، فرفع إلى المأمون أنه أفسد أولادهم بكثرة لواطه، فقال المأمون: لو طعنوا عليه في أحكامه قبل ذلك منهم قالوا يا أمير المؤمنين، قد ظهرت منه الفواحش وارتكاب الكبائر، واستفاض ذلك عنه، وهو القائل يا أمير المؤمنين في صفة الغِلْمَان وطبقاتهم ومراتبهم في أوصافهم قوله المشهور] فقال المأمون: وما الذي قال؟ فدفعت إليه القصة فيها جُمَل مما رمي به وحكي عنه في هذا المعنى، وهو قوله :

أربعة تَفْتِنُ ألحاظهم***فعين من يَعْشَقهم ساهره

فواحد دنياه في وجهه*** منافق لیست له آخره

وآخر دنیاه مفتوحة*** من خَلْفِهِ آخره وافره

وثالث قد حاز كلتيهما*** قد جمع الدنيا م الدنيا مع الآخره

ورابع قد ضاع ما بينهم*** ليست له ست له دنیا ولا آخره

فأنكر المأمون ذلك في الوقت واستعظمه وقال : أيكم سمع هذا منه؟ قالوا : هذا مستفاض من قوله فينا يا أمير المؤمنين، فأمر بإخراجهم عنه، وعَزَلَ يحيى عنهم .

وفي يحيى وما كان عليه بالبصرة يقول ابن أبي نعيم :

ياليت يحيى لم يلده أكْثَمُهُ*** ولم تطأ أرض العراق قَدَمُة

ألْوَط قاض في العراق نَعْلَمه*** أي دواة لم يلفها قلمه

وأي شغب لم يَلِجُهُ أرقمه

وضرب الدهر ضربانه فاتصل يحيى بالمأمون ونادمه ، ورخص له في أمور كثيرة، فقال له يوماً: يا أبا محمد من الذي يقول :

قاض يرى الحد في الزناء، ولا*** يرى على من يلوط من باس

قال : ذلك ابن أبي نعيم يا أمير المؤمنين، وهو القائل :

أمِيرُنَا يرتشي، وحاكمنا*** يلوط، والرأس شر ما رأس

قاض يرى الحد في الزناء، ولا*** يرى على من يلوط من باس

ما أحسب الجور ينقضي وعلى الـ*** أمة وَالٍ من آل عباس

فأطرق المأمون خجلا ساعة، ثم رفع رأسه وقال : يُنفى ابن أبي نعيم إلى السند ،

وكان يحيى إذا ركب مع المأمون في سفر ركب معه بمنطقة وقباء وسيف بمعاليق وساسية، وإذا كان الشتاء ركب في أقبيَةِ الخز وقلانس السمور والسروج المكشوفة، وبلغ من إذاعته ومجاهرته باللواط أن المأمون أمره أن يفرض لنفسه فرضاً يركبون بركوبه ويتصرفون في أموره، ففرض أربعمائة غلام مُزداً اختارهم حسان الوجوه، فافتضح بهم، وقال في ذلك راشد بن إسحاق يذكر ما كان من أمر يحيى في الفرض:

خليلي انظرا متعجبين*** لأظرف منظر مَقَلَتْهُ عَيْنِي

لفرض ليس يقبل فيه إلا*** أسيل الخدّ حلو المُقْلَتين

وإلا كل أشقر أكثمی*** قليل نبات شعرِ العارِضَيْن

يُقَدَّم دُونَ موقفِ صَاحِبیه*** بقدرجماله وبقبح ذين

يقودُهُمُ إلى الهيجاء قاض*** شديد الطعن بالرمح الرُّدَيني

إذا شهد الوغى منه شجاعُ*** تجدل للجبين ولليدين

يقودهم على علم وجلم*** ليوم سلامة لا يومِ حَيْنِ

وصار الشيخ منحنياً عليه*** بمدمجه يجوز الركبتین

يغادرهم إلى الأذقان صرعى*** وكلهم جريحُ الخصبتين

وفيه يقول راشد أيضاً:

وكنا نرجي أن نرى العدل ظاهراً ***فأعقبنا بعد الرجاء قُنُوطُ

متى تَصْلُح الدنيا ويصلح أهْلُهَا*** وقاضي قضاة المسلمين يلوط؟

وكان يحيى بن أكثم بن عمرو بن أبي رباح من أهل خراسان من مدينة مَرْوَ، وكان رجلا من بني تميم وسخط عليه المأمون في سنة خمس عشرة ومائتين وذلك بمصر، وبعث به إلى العراق مغضوباً عليه، وكان قد كتب الحديث وتفقه للبصريين كعثمان البَتّيِّ وغيره وله مصنفات في الفقه وفي فروعه وأصوله وكتاب أفرده سماه بكتاب «التنبيه» يردُّ فيه على العراقيين وبينه وبين أبي سليمان أحمد بن أبي دُوَاد بن علي مناظرات كثيرة.

وفاة الإمام الشافعي

وفي خلافة المأمون كانت وفاة أبي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبد الله بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف الشافعي في رجب ليلة الجمعة، وذلك سنة أربع ومائتين، ودفن صبيحة الليلة، وهو ابن أربع وخمسين سنة، وصلى عليه السري بن الحكم أميرُ مصر يومئذ،

كذلك ذكر عكرمة بن محمد بن بشر عن الربيع بن سليمان المؤذن، وذكر أيضاً محمد بن سفيان بن سعيد المؤذن وغيرهما عن الربيع بن سليمان مثل ذلك، ودفن الشافعي بمصر بحوسة قبور الشهداء في مقبرة بني عبد الحكم، وبين قبورهم وعند رأسه عمود من الحجر كبير ، وكذلك عند رجليه وعلى العالي الذي عند رأسه حفر قد كتب فيه في ذلك الحجر هذا قبر محمد بن إدريس الشافعي أمين الله وما ذكرنا فمشهور بمصر، والشافعي يتفق نسبه مع بني هاشم وبني أُمية في عبد مناف؛ لأنه من ولد المطلب بن عبد مناف، وقد قال النبي

(صلى الله عليه وآله وسلم) :« نحن وبنو المطلب كهاتين» وأشار بأصبعيه مضمومتين، وقد كانت قريش حاصَرَتْ بني المطلب مع بني هاشم في الشِّعْبِ .

وحدثني فقير بن مسكين عن المزني بهذا، وكان فقير يحدث عن المزني، وكان سماعنا من فقير بن مسكين بمدينة أسوان بصعيد مصر قال : قال المزني: دخلت على الشافعي غداة وفاته فقلت له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟ قال : أصبحت من الدنيا رَاحِلا، ولإخواني مفارقاً، وبكأس المنية شارباً ولا أدري إلى الجنة تصير روحي فأهنيها أم إلى النار فأعزيها، وأنشأ يقول :

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي*** جَعَلْتُ الرجا مني لعفوك سُلّما

تَعَاظَمَنِي ذنبي، فلما قرنته*** بعفوك ربي كان عفوك أعظما

وفاة أبي داود الطيالسي وابن الكلبي

وفي هذه السنة التي مات فيها الشافعي - وهي سنة أربع ومائتين – مات أبو داود - سليمان بن داود الطيالسي وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وفيها مات هشام بن محمد [بن السائب] الكلبي.

المأمون ورجل يدعي النبوة

وادَّعى رجل النبوة بالبصرة أيام المأمون، فحمل إليه مُوثَقاً بالحديد، فمثل بين يديه، فقال له : أنت نبي مرسل ؟ قال : أما الساعة فأنا مُوثَقٌ قال : ويلك !! مَنْ غرك؟ قال : أبهذا تُخَاطَبُ الأنبياء ؛ أما والله لولا أني مُوثَقٌ لأمرت جبريل أن يُدَمْدِمها عليكم؛ قال له المأمون والموثَقُ لا تجاب له دعوة؟ قال :الأنبياء خاصة إذا قُيدَتْ لا يرتفع دعاؤها، فضحك المأمون، وقال: من قيدك ؟ قال : هذا الذي بين يديك، قال: فنحن نطلقك وتأمر جبريل أن يدمدمها، فإن أطاعك آمنا بك وصدقناك، فقال: صدق الله إذ

يقول: فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس : 88] وإن شئت فافعل، فأمر بإطلاقه، فلما وجد راحة العافية قال : يا جبريل ومَدَّ بها صوته ابعثوا من شئتم فليس بيني وبينكم الآن عمل، غيري يملك الأموال وأنا لا شيء معي، ما يذهب لكم في حاجة إلا كشخان فأمر بإطلاقه والإحسان إليه .

المأمون ورجل يدعي أنه إبراهيم الخليل

وحدث ثمامة بن أشرس قال : شهدت مجلساً للمأمون وقد أتى برجل ادعى أنه إبراهيم الخليل، فقال له المأمون ما سمعت بأجرأ على الله من هذا قلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في كلامه قال : شأنك وإياه ، قلت : يا هذا إن إبراهيم(عليه السلام) كانت له براهين قال وما براهينه؟ قلت : أضْرِمَتْ له النار وألقي فيها فكانت عليه برداً وسلاماً، فنحن نُضْرِمُ لك ناراً ونطرحك فيها فإن كانت عليك بَرْداً وسلاماً كما كانت عليه آمنا بك وصدقناك قال هات [ما هو] ألْيَنُ عليّ من هذا قلت: فبراهين موسى(عليه السلام)، قال : وما هي؟ قلت : ألقى العصا فإذا هي حية تسعى تَلْقَفُ ما يأفكون، وضرب بها البحر فانفلق، وبياض يده من غير سوء ، قال : هذا أصعب، ولكن هات ما هو ألين [علي] من هذا قلت : فبراهين عيسى(عليه السلام) ، قال : وما براهينه؟ قلت : إحياء الموتى، فقطع الكلام في براهين عيسى وقال : جِئْتَ بالطامة الكبرى، دعني من براهين هذا قلت فلا بد من براهين قال ما معي من هذا شيء [وقد] قلت لجبريل إنكم توجهونني إلى شياطين فأعطوني حجة أذهب بها وإلا لم أذهب، فغضب جبريل(عليه السلام) علي، وقال: جئت بالشر من ساعة، اذهب أولا فانظر ما يقول لك القوم، فضحك المأمون وقال : هذا من الأنبياء التي تصلح للمنادمة .

وفي سنة ثمان وتسعين ومائة خَلَعَ المأمون أخاه القاسم بن الرشيد من ولاية العهد.

خروج أبي السرايا وابن طباطبا وقوم من العلويين

وفي سنة تسع وتسعين ومائة خرج أبو السَّرَايَا السري بن منصور الشيباني بالعراق، واشتدَّ ،أمره، ومعه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل [بن إبراهيم] بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو ابن طباطبا، ووثب بالمدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي رحمهم الله ووثب بالبصرة علي بن محمد بن جعفر بن[ محمد بن] علي بن [الحسن بن علي](عليه السلام) ، وزيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي]، فغلبوا على البصرة.

وفي هذه السنة مات ابن طباطبا الذي كان يدعو إليه أبو السَّرَايَا، وأقام أبو السرايا مكانه محمد بن محمد بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي.

وظهر في هذه السنة باليمن - وهي سنة تسع وتسعين ومائة – إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي، وظهر في أيام المأمون بمكة ونواحي الحجاز محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رحمهم الله ، وذلك في سنة مائتين ودعا لنفسه وإليه دعت السبطية من فرق الشيعة وقالت بإمامته، وقد افترقوا فرقاً : فمنهم مَنْ غَلَا، ومنهم من قصر، وسلك طريق الإمامية، وقد ذكرنا في کتاب المقالات في أصول الديانات وفي كتاب أخبار الزمان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة في الفن الثلاثين من أخبار خلفاء بني العباس ومن ظهر في أيامهم من الطالبيين وقيل : إن محمد بن جعفر هذا دعا في بدء أمره وعنفوان شبابه إلى محمد بن إبراهيم بن طَبَاطَبًا صاحب أبي السرايا، فلما مات ابن طَبَاطَبًا -وهو محمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن دعا لنفسه، وَتَسَمَّى بأمير المؤمنين، [وليس في آل محمد ممن ظهر لإقامة الحق ممن سلف وخَلَفَ قبله وبعده مَنْ تَسَمَّى بأمير المؤمنين] غير محمد بن جعفر هذا وكان يسمى بالديباجة ؛ لحسنه وبهائه وما كان عليه من البهاء والكمال، وكان له بمكة ونواحيها قصص حمل فيها إلى المأمون بخراسان والمأمون يومئذٍ بِمَرْو ، فأمنه المأمون، وحمله معه إلى جرجان [فلما صار المأمون] مات محمد بن جعفر، فدفن بها، وقد أتينا على كيفية وفاته وما كان من أمره وغيره من آل أبي طالب ومقاتلهم ببقاع الأرض في كتابنا حدائق الأذهان في أخبار آل أبي طالب ومقاتلهم في بقاع الأرض.

ظهور ابن الأفطس

وظهر في أيام المأمون أيضاً بالمدينة الحسين بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي، وهو المعروف بابن الأفطس، وقيل: إنه دعا في بدء أمره إلى ابن طَبَاطَبًا، فلما مات ابن طَبَاطَبًا دعا إلى نفسه والقول بإمامته وسار إلى مكة فأتى الناس وهم يمنى، وعلى الحاج داود بن عیسی بن موسى الهاشمي، فهرب داود، ومضى الناس إلى عرفة، ودفعوا إلى مزدلفة بغير إنسان عليهم من ولد العباس، وقد كان ابن الأفطس وافي الموقف بالليل ثم صار إلى المزدلفة والناس بغير إمام فصلى بالناس، ثم مضى إلى مِنّى فَنَحَرَ ودخل مكة، وجَرَّد البيت مما عليه من الكسوة إلا القباطي البيض فقط .

الظفر بأبي السرايا

وفي سنة مائتين ظفر حماد المعروف بالكندغوش بأبي السرايا، فأتى به الحسن بن

سهل، فقتله وصلبه على الجسر ببغداد ، وقد أتينا في كتابنا أخبار الزمان» على خبر أبي السرايا وخروجه وما كان منه في خروجه وقتله عبدوس بن [ محمد بن] أبي خالد ومن كان معه من قواد الأبناء واستباحته عسكره.

قال المسعودي: وفي سنة مائتين بعث المأمون برجاء بن أبي الضحاك وياسر الخادم إلى علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي الرضا لإشخاصه، فحمل إليه مكرماً، وفيها أمر المأمون بإحصاء ولد العباس من رجالهم ونسائهم وصغيرهم وكبيرهم، فكان عددهم ثلاثة وثلاثين ألفاً.

المأمون وعلي بن موسى الرضا

ووصل إلى المأمون [أبو الحسن] علي بن موسى الرضا، وهو بمدينة مَرْوَ، فأنزله المأمون أحْسَنَ إنزال ، وأمر المأمون بجميع خواص الأولياء، وأخبرهم أنه نظر في ولد العباس وولد علي رضي الله عنهم، فلم يجد في وقته أحداً أفْضَلَ ولا أحَقَّ بالأمر من علي بن موسى الرضا فبايَعَ له بولاية العهد، وضرب اسمه على الدنانير والدراهم، وزوج محمد بن علي بن موسى الرضا بابنته أم الفضل وأمر بإزالة السواد من اللباس والأعلام [ وأظهر بدلا من ذلك الخضرة في اللباس والأعلام وغير ذلك] ونمى ذلك إلى مَنْ بالعراق من ولد العباس، فأعْظَمُوه إذ علموا أن في ذلك خروج الأمر عنهم، وَحَجَّ بالناس إبراهيم بن موسى بن جعفر أخو الرضا بأمر المأمون، واجتمع مَنْ بمدينة السلام من ولد العباس [ومواليهم وشيعتهم على خلع المأمون ومبايعة إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلَةَ، فبويع له يوم الخميس لخمس ليالٍ خَلَوْنَ من المحرم سنة اثنتين ومائتين وقيل : إن ذلك في سنة ثلاث ومائتين.

مقتل الفضل بن سهل

وفي سنة اثنتين ومائتين قتل الفضل بن سهل ذو الرياستين في حمام غيلة، وذلك بمدينة سرخس من بلاد خراسان، وذلك في دار المأمون في مسيره إلى العراق [ فاستعظم المأمون ذلك وقتل قَتَلَته وسار المأمون إلى العراق] .

موت علي بن موسى الرضا

وَقُبِضَ علي بن موسى الرضا بطوس لعنب أكله وأكثر منه، وقيل: إنه كان مسموماً، وذلك في صفر سنة ثلاث ومائتين، وصلى عليه المأمون، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة ، وقيل : سبع وأربعين سنة وستة أشهر. وكان مولده بالمدينة سنة ثلاث

وخمسين ومائة للهجرة، وكان المأمون زَوَّجَ ابنته أم حبيبة لعلي بن موسى الرضا، فكانت إحدى الأختين تحت محمد بن علي بن موسى، والأخرى تحت أبيه علي بن موسى.

إبراهيم بن المهدي يخرج على المأمون

واضطربت بغداد في أيام إبراهيم بن المهدي، وثارت الرويبضة، وسموا أنفسهم المطوعة، وهم رؤساء العامة والتوابع ولما قرب المأمون من مدينة السلام صلى إبراهيم بن المهدي بالناس في يوم النحر، واختفى في يوم الثاني من النحر، وذلك في سنة ثلاث ومائتين، فخلعه أهلُ ،بغداد، وكان دخول المأمون بغداد سنة أربع ومائتين، ولباسه الخضرة، ثم غير ذلك، وعاد إلى لباس السواد، وذلك حين قدم طاهر بن الحسين من الرقة إليه .

خروج بابك الخرمي

وفي سنة أربع ومائتين كان القحط العظيم ببلاد المشرق والوباء بخراسان وغيرها، وفيها كان خروج بابك الخرَّمِي ببلاد البدين في أصحاب جاويدان بن شهرك ، وقد قَدَّمنا ذكرنا بلاد بابك وهي البدين من أرض أذربيجان والران والبيلقان فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لجبل القبخ والباب والأبواب ونهر الراس وجريانه نحو بلاد البدين.

الظفر بإبراهيم

وَبَثَّ المأمون عيونه في طلب إبراهيم بن المهدي، وقد علم باختفائه فيها، فظفر به ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شهر ربيع الآخر سنة سبع ومائتين في زي امرأة، ومعه امرأتان أخذه حارس بن أسود في الدرب المعروف بالطويل ببغداد، فأدخل إلى المأمون فقال : هيه يا إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين وليُّ الثأر مُحَكّم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الزمان واستولى عليه الاغترار بما مُدَّ له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي عفو، كما جعل كل ذي ذنب دوني، فإن تُعاقِب فبحقك، وإن تَعْفُ فبفضلك ، قال : بل العفو يا إبراهيم ، فكَبَّرَ ثم خَرَّ ساجداً، فأمر المأمون فصيرت [المقنعة] التي كانت عليه على صدره ليرى الناس الحال التي أخذ عليها ، ثم أمر به فصير في دار الحرس أياماً ينظر الناسُ إليه، ثم حول إلى أحمد بن [أبي] خالد، ثم رضي عنه من بعد أن كان وكل به، فقال إبراهيم في ذلك من كلمة له :

إن الذي قَسَمَ المكارم حَازَهَا*** من صُلْبِ آدم للإمام السابع

جمع القلوبَ عليك جامعُ أهلها*** وَحَوَى ودادك كل خير جامع

فبذلت أعظم ما يقوم بحمله*** وُسْعُ النفوس من الفعال البارع

وَعَفَوْتَ عَمَّنْ لم يكن عن مثله *** عفو، ولم يشفع إليك بشافع

زواج المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل

وانحدر المأمون إلى فم الصلح في شعبان سنة تسع ومائتين، وأملك بخديجة ابنة الحسن بن سهل التي تسمى بوران، ونثر الحسن في ذلك الإملاك من الأموال ما لم ينثره ولم يفعله ملك قط في جاهلية ولا في إسلام، وذلك أنه نثر على الهاشميين وَالقُوَّاد والكتاب وَالوُجُوه بَنَادِقَ مسكِ فيها رِقَاعٌ بأسماءِ ضِيَاع وأسماء جَوَارٍ وصفات دواب وغير ذلك، فكانت البندقة إذا وقعت في يد الرجل فتحها، فقرأ ما فيها فيجد على قدر إقباله وسعوده فيها فيمضي إلى الوكيل الذي نصب لذلك، فيقول له : ضيعة يقال لها فلانة الفلانية من طَسُّوج كذا من رُسْتَاق كذا، وجارية يقال لها فلانة الفلانية، ودابة صفتها كذا، ثم نثر بعد ذلك على سائر الناس الدنانير والدراهم وَنَوَافِجَ المسك وبَيْضَ العنبر، وأنفق على المأمون وقُوَّاده وعلى جميع أصحابه ومن كان معه من جنوده أيام مقامه عنده حتى المكارين والحمالين والملاحين وكل من ضمه العسكر من تابع ومتبوع مرتزق وغيره، فلم يكن أحد من الناس يشتري شيئاً في عسكر المأمون مما يطعم ولا مما تعتلفه البهائم، فلما أراد المأمون أن يصعد في دجلة منصرفاً إلى مدينة السلام قال للحسن : حَوَائِجَكَ يا أبا ،محمد قال : نعم يا أمير المؤمنين، أسألك أن تحفظ عَلَيَّ مكاني من قلبك، فإنه لا يتهيأ لي حفظه إلا بك، فأمر المأمون بحمل خراج فارس وكور الأهواز إليه سنة، فقالت في ذلك الشعراء فأكثرت، وأطنبت الخطباء في ذلك ،وتكلمت، فمما استظرف مما قيل في ذلك من الشعر قولُ [محمد] بن حازم الباهلي:

بارك الله للْحَــسن*** وَلبُورَانَ في الخَتَن

يا ابن هارون قد ظَفِرْ***تَ ولكن ببنت من

فلما نمى هذا الشعر إلى المأمون قال : والله ما ندري خيراً أراد أم شَرًّا .

أهل المأمون يحملونه على قتل إبراهيم بن المهدي

ودخل إبراهيم بن المهدي يوماً على المأمون بعد مدة من الظفر به، فقال: إن

هذين يحملانني على قتلك - يعني المعتصم أخاه والعباس بن المأمون - فقال : ما أشارا عليك إلا بما يُشار به على مثلك، ولكن تَدَعُ ما تخاف لما نرجو، وأنشد:

رَدَدْتَ مالي ولم تَبْخَلْ عَلَيَّ به*** وقبل رَبِّكَ مالي قد حقنت دمي

فبؤت منها وما كافيتها بِيَدٍ*** هما الحياتان من موت ومن عدم

البر وَطَّأَ منك العذر عندك لي*** فيما أتيت، ولم تعذل، ولم تلم

وقام عُذْرُكَ بي فَاحْتَجَّ عندك لي*** مقام شاهد عدل غير مُتهم

ولإبراهيم أخبار حسان، وأشعار ملاح، وما كان من أمره في حال اختفائه في سويقة غالب ببغداد، وتنقله من موضع إلى موضع بها، وخبره في الليلة التي قبض عليه فيها، قد أتينا على جميعها فيما سمينا من كتبنا التي كتابنا هذا تال لها [ومنبه عليها].

وقد صنف يوسف بن إبراهيم الكاتب صاحب إبراهيم بن المهدي كتباً منها كتابه الملوك في المآكل والمشارب والملابس، وغير ذلك، وكتابه في أخبار المتطببين مع المعروف بكتاب إبراهيم بن المهدي في أنواع الأخبار، وغير ذلك من كتبه .

من أخبار إبراهيم بن المهدي

ومن أحسن ما اختير من أخبار إبراهيم في حال تنقله واختفائه ببغداد خبره مع المزين، وهو أن المأمون لما دخل بغداد على ما ذكرنا فيما سلف من هذا الباب من بَثْهِ العيونَ طالباً لإبراهيم بن المهدي، وجعل لمن دَلَّ عليه جُعْلاً خطيراً من المال، قال إبراهيم: فخرجت في يوم صائف في وقت الظهر لا أدري أين أَتَوَجَّهُ، فصرت إلى زُقاق ولا مَنْفَذَ له فرأيت أسْوَدَ على باب دار فصرت إليه وقلت له : أعندك موضع أقيم فيه ساعة من نهار؟ فقال: نعم، وفتح ،بابه فدخلت إلى بيت فيه حصير نظيف ووسادة جلد نظيفة، ثم تركني وأغلق الباب في وجهي وَمَضى، فتوهمته قد سمع الجعالة فيَّ، وأنه خرج ليدل عَلَيَّ، فبينما أنا كذلك إذ أقبل ومعه طبق عليه كل ما يحتاج إليه من خبز ولحم، وقدر جديد وآلتها وَجَرَّة نظيفة، وكيزان نظاف، كل ذلك جديد، وقال لي: جعلني الله فداك، إني حَجَّام ، وإني أعلم أنك تَتَقَذَر ما أتَوَلّاهُ، فشأنك بما لم تقع عليه يدي، وكانت بي حاجة شديدة إلى الطعام، فقمت فطبخت لنفسي قدراً ما أذكر أني أكلت أطيب منها، ثم قال لي بعد ذلك: هل لك في النبيذ؟ فقلت : ما أكره ذلك، ففعل مثل فعله في الطعام، وأتاني بكل شيء نظيف لم يَمَسَّ شيئاً منه بيده، ثم قال لي بعد ذلك : أتأذن لي جعلني الله فداك أن أقعد ناحية منك، فآتي بنبيذ فأشرب منه سروراً بك؟ قال : فقلت : افْعَل ذلك، فلما شرب ثلاثاً دخل خزانة له وأخرج منها عُوداً وقال: يا سيدي

ليس من قَدْرِي أن أسألك أن تغني ولكن قد وجبت عليك حرمتي، فإن رأيت أن نشرف عبدك بأن تغنيه قال فقلت وكيف توهمت عَلَيَّ أني أحسن الغناء؟ فقال متعجباً : يا سبحان الله !! أنت أشهر من أن لا أعرفك ، أنت إبراهيم بن المهدي الذي جعل المأمون لمن دَلَّ عليك مائة ألف درهم، قال: فلما قال لي ذلك تناولتُ العود، فلما هممت بالغناء قال: يا سيدي أتجعل ما تغنيه ما أقترحه عليك؟ قلت: هات، فاقترح ثلاثة أصوات أتَقَدَّمُ فيها كلَّ مَنْ غَنّى، قلت : هَبْكَ ،عرفتني هذه الأصوات من أين لك بمعرفتها؟ قال : أنا أخدم إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وكثيراً ما كنت أسمعه يذكر المحسنين وما يُجيدُونَهُ، ولم أتوهم أني أسمع ذلك منك في منزلي، فغنيته، وأنست به واستظرفته فلما كان الليل خرجت من عنده وقد كنت حملت معي خريطة فيها دنانير فقلت له : خذها فاصرفها في بعض مُؤنتك، ولك عندنا مزيد إن شاء الله تعالى . فقال : ما أعجب هذا!! والله عزمت على أن أعرض عليك جملة ما عندي، وأسألك أن تتفضل بقبولها، ثم أجللتك عن ذلك، و امتنع من قبول شيء، ومضى حتى دَلّني على الموضع الذي احتجت إليه وانصرف وكان آخر العهد به.

يزيد بن هارون

وفي سنة ست ومائتين - وذلك في خلافة المأمون - مات يزيد بن هارون بن زادان الواسطي، وله تسع وثمانون سنة، وكان مولده سنة سبع عشرَةَ ومائة وهو مولى لبني سُلَيم، وكان أبوه يخدم في مطبخ زياد ابن أبيه وعبيد الله بن زياد ومصعب بن الزبير والحجاج بن يوسف، ويزيد هذا عند أهل الحديث من عليتهم، وعظيم من عظمائهم، وكانت وفاته بواسط العراق .

موت جماعة من أهل العلم

وفيها مات جرير بن خزيمة بن حازم وشيبة بن سَوَّار المدني، والحجاج بن محمد الأعور الفقيه، وعبد الله بن نافع الصائغ المدني مولى لبني مخزوم، ووهب بن جرير، ومؤمل بن إسماعيل، وروح بن عبادة وفيها مات الهيثم بن عدي وكان يغمز عليه نسبه، وفيه يقول القائل :

إذا نَسَبْتَ عَدِيَّا في بني ثُعَل*** فقدم الدال قبل العين في النسب

قصة وفاء وإيثار

وفي سنة تسع ومائتين مات الواقدي، وهو محمد بن عمرو بن واقد مولى لبني

هاشم، وهو صاحب السير والمغازي وقد ضعف في الحديث، وذكر ابن أبي الأزهر قال : حدثني أبو سهل الرازي عمن حدثه عن الواقدي قال : كان لي صديقان أحدهما هاشمي، وكنا كنفس واحدة فنالتني ضَيْقة شديدة، وحضر العيد، فقالت امرأتي: أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا هؤلاء فقد قطعوا قلبي رحمة لهم ؛ لأنهم يَرَوْنَ صبيان الجيران قد تَزَيَّنُوا في عيدهم وأصلحوا ثيابهم وهم على هذه الحال من الثياب الرنّةِ ، فلو اختلت بشيء تصرفه في كسوتهم ، قال : فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليَّ لما حضر فوجه إلى كيساً مختوماً ذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراري حتى كتب إلي الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت إلى صاحبي، فوجهت إليه الكيس بحاله، وخرجت إلى المسجد فأقمت فيه ليلي مستحيياً من امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني ولم تعنفني عليه، فبينا أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي : اصْدُقُنِي عما فعلته فيما وجهت إليك، فعرفته الخبر على جهته فقال : إنك وجهت إلي وما أملك على الأرض إلا ما بعثتُ به إليك ، وكتبت إلى صديقنا أسأله المواساة فوجه بكيسي بخاتمي ، قال : فتواسينا الألف ثلاثاً بعد أن أخرجنا إلى المرأة قبل ذلك مائة درهم ونمى الخبر إلى المأمون، فدعاني فشرحت له الخبر، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار لكل واحد ألفا دينار، وللمرأة ألف دينار، وقُبِضَ الواقدي وهو ابن سبع وسبعين سنة.

وفيها كانت وفاة يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين [بن علي] ببغداد، وصلى عليه المأمون، وقد أتينا على خبره فيما سلف من كتبنا .

بين أزهر وأبي جعفر المنصور

وفيها مات أزْهَرُ السمان، وكان صديقاً لأبي جعفر المنصور في أيام بني أُمية وكانا قد سافرا جميعاً وسمعا الحديث، وكان المنصور يألفه ويأنس إليه، ويكبر عنده، فلما أفْضَتِ الخلافة إليه أشْخَصَ إليه من البصرة، فسأله المنصور عن زوجته وبناته، وكان يعرفهنَّ بأسمائهن، وأظهر بره وإكرامه، ووصله بأربعة آلاف درهم، وأمره أن لا يقدم إليه مستميحاً، فلما كان بعد حَوْلٍ صار إليه، فقال له : ألم آمرك أن لا تسير إلي مستميحاً، فقال له : ما صرت إليك إلا مسلماً ومجدداً بك عهداً قال ما أرى الأمر كما ذكرت فأمر له بأربعة آلاف درهم، وأمره أن لا يصير إليه مسلماً ولا مستميحاً، فلما كان بعد سنة صار إليه، فقال : إني لم أقدم عليك للأمرين اللذين نهيتني عنهما، وإنما بلغني أن علة عرضت لأمير المؤمنين فأتيته عائداً ، فقال : ما أظنك أتيت إلا مستوصلا فأمر له بأربعة

آلاف درهم، فلما كان بعد الحول ألح عليه بناته وزوجته وقلن له : أمير المؤمنين صديقك فارجع إليه ، فقال : ويحكن !! ماذا أقول له وقد قلت له أتيتك مستميحاً ومسلماً وعائداً؟ ماذا أقول في هذه المرة؟ وبم أحتج ؟ فأبوا على الشيخ إلا الإلحاح، فخرج فأتى المنصور وقال : لم أتك مسترفداً ولا زائراً ولا عائداً، وإنما جئت لسماع حديث كنا سمعناه جميعاً في بلد كذا من فلان عن النبي فيه اسم من أسماء الله تعالى مَنْ سأل الله به لم يرده ولم يخيب دعوته، فقال له المنصور : لا تُرِذه فإني قد جَرَّبته فليس هو بمستجاب، وذلك أني مذ جئتني أسأل الله به أن لا يردّك إلي، وها أنت ترجع لا تنفك من قولك مسلماً أو عائداً أو زائراً، ووصله بأربعة آلاف درهم وقال له : قد أعيتني فيك الحيلة فصر إلي متى شئت

مقتل ابن عائشة

وفي سنة تسع ومائتين ركب المأمون إلى المطبق بالليل حتى قتل ابن عائشة، وهو رجل من ولد العباس بن عبد المطلب واسمه إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام أخي أبي العباس والمنصور، وقتل معه محمد بن إبراهيم الإفريقي وغيره، وابن عائشة هذا أول عباسي صُلب في الإسلام، وتمثل المأمون حين قتله بقول الشاعر :

إذا النار في أحجارها مُسْتَكِنَّة*** متى ما يُهِجْهَا قادح تتضرمِ

وكان رجل من ولد العباس بن علي بن أبي طالب ذو مال وثروة وعز ومنعة وفهم وبلاغة، وهو العباس بن العباس العلوي بمدينة السلام وكان المعتصم يَشْنَؤُه لحال كانت بينهما، فمكن في نفس المأمون أنه شانىء [له و] لدولته، ماقت لأيامه، فلما كان في ت الليلة لحق العباس بالمأمون على الجسر فقال له المأمون : ما زلت تنتظرها حتى وقعت، فقال : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، ولكني ذكرت قول الله عز وجل :مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِي [التوبة : 120] فحسن موقع ذلك منه ، ولم يزل يسايره حتى بلغ المطبق فلما قتل ابن عائشة قال : يأذن أمير المؤمنين في الكلام؟ قال : تكلم، قال: الله الله في الدماء، فإن الملك إذا ضَرِيَ بها لم يصبر عنها، ولم يُبْقِ على أحد قال : لو سمعت هذا الكلام منك قبل أن أركب ما ركبت ولا سفكت ،دماً، وأمر له بثلاثمائة ألف درهم .

وقد أتينا على خبر ابن عائشة هذا، وما أراد من الإيقاع بالمأمون، وما كان من أمره في كتابنا في «أخبار الزمان» .

موت أبي عبيدة معمر بن المثنى

وفي سنة إحدى عشرة ومائتين مات أبو عبيدة مَعْمر بن المثنى بالبصرة، وكان يرى رأي الخوارج، وبلغ نحواً من مائة سنة، ولم يحضر جنازته أحد من الناس، حتى اكترى لها من يحملها، ولم يكن يسلم عليه شريف ولا وضيع إلا تكلم فيه، وله مصنفات حِسَانٌ في أيام العرب وغيرها منها كتاب المثالب ويذكر فيه [ أنساب] العرب وفسادها، ويرميهم بما يُسيء الناسَ ذِكْرُه ، ولا يحسن وصفه، وكان أبو نواس الحسن بن هانىء كثير العبث به، وكان أبو عبيدة يقعد في مسجد البصرة إلى سارية من سَوَاريه فكتب أبو تواس عليها في غيبته [ عنها بهذين البيتين يُعَرِّضُ به] :

صَلّى الإلهُ عَلَى لوط وشيعته*** أبا عُبيدة قل بالله آمينا

[ وأنت عندي بلا شك بقيتُهُمْ ،مذ احتلمت وقد جاوزت تسعينا]

فلما جاء أبو عُبيدة ليجلس في مجلسه ويستند على تلك السارية رأى ذلك ، فقال : هذا فعلُ الماجِنِ اللواط أبي نواس، حُكُوه وإن كان فيه صلاة على نبي.

موت أبي العتاهية وشيء من أخباره

وفي -هذه السنة - وهي سنة إحدى عشرة ومائتين - مات أبو العتاهية إسماعيل بن القاسم الشاعر، متنسكاً لابساً للصوف، وكان له مع الرشيد أخبار حسان من ذلك ما قدمنا ذكره فيما سلف من هذا الكتاب، ومنها أن الرشيد أمر ذات يوم بحمله إليه وأمر أن لا يكلم في طريقه ولا يعلم ما يراد منه فلما صار في بعض الطريق كتب له بعض مَنْ معه في الطريق : إنما يراد قتلك فقال أبو العتاهية من فوره :

ولعل ما تخشاه ليس بكائن*** ولعل ماترجُوه سوف يكون

ولعل ما هَوَّنْتَ ليس بهین*** ولعل ما شَدَّدْتَ سوف يهون

وحج في بعض الحجج مع الرشيد، فنزل الرشيد يوماً عن راحلته، ومشى ساعة، ثم أعيا، فقال : هل لك يا أبا العتاهية أن تستند إلى هذا الميل؟ فلما قعد الرشيد [ أقبل على أبي العتاهية و]قال :له يا أبا العتاهية، حركنا، فقال:

[هب الدنيا تُوَاتيكا*** اليس الموت يأتيكا؟]

ألا يا طالب الدنیا***دع الدنيا لشانیکا

وما تصنع بالدنیا*** وظل الميل يكفيكا

ولأبي العتاهية أخبار وأشعار كثيرة حسان، قد قدمنا فيما سلف من كتبنا جملا مما اختير من شعره وما انتخب من قوافيه، وكذلك قدمنا من ذلك لمعاً فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار خلفاء بني العباس، ومما استحسن من ذلك قوله :

أحْمَد قال لي ولم يَدْرِ مابي: ***أتحب الغداة عتبة حقا؟

فتنفّستُ ثم قلت: نعم حُبَّـ*** ـأجرى في العروق عرقاً فعرقا

ليتني مُتُ فاسترحْتُ؛ فإني*** أبداً ما حییت منها مُلَقَّى

لا أراني أبقى، ومن يَلْقَ ما لا*** قَيْتُ من لوعة الجوى ليس يبقى

فاحْتَسِب صحبتي وقل رحمة اللـ *** ـه على صاحب لنا مات عشقا

أنا عَبْد لها وإن كنت لا أر*** زَقُ منها والحمد لله عتقا

ومما استحسن من شعره أيضاً قوله :

یا عتب ما لی ولَكِ *** یا لیتنی لم أَرَكِ

ملکتنی فانتهکی***ما شئت أن تنتهكي

ابِيتُ لیلي ساهراً***أرعى نجوم الفَلَك

مفترشاً جَمْرَ الغَضَى*** ملتحفاً بالْحَسَكِ

و من قوافيه الغريبة وأشعاره المستحسنة قوله :

أخِلَّاي بي شَجْوِّ ، وليس بكم شَجْرُ*** وكل امرىء من شَجْوِ صاحبه خِلْوُ

رأيت الهوى جَمْرِ الغضى، غير أنه*** على حَره في صدر صاحبه حُلْو

أذاب الهوى جسمي وعظمي وقُوتي*** فلم يَبْقَ إِلَّا الروحُ والبدن النّضْوُ

وما من حبيب نال ممن يحبه *** هوى صادقاً إلا يداخِله زَهْوُ

وإني لنائي الطرفِ مِنْ غير خُلَّتي*** وما لي سواها من حديث ولا لَهْوُ

لها دون إخواني وأهل مودتي*** من الود مني فَضْلَة، ولها العَفْوُ

ومما انتخب من شعره واستحسنه الناس من قوله قوله :

يا لهف نفسي على الذي اجتنبت ***بأي جُرم ترونها عَتَبَتْ

تبارك الله بئس ما صَنَعَتْ*** بي في هواها، وبئس ما ارتكبت

اتيتها زائراً فما انتجزتُ*** وَعْدِيَ إذْ جئتها وما احتسبت

کم من ديون والله يعلمها*** لنا عليها لم تُقضَ إذ وجبت

ما وهبَتْ لي مِنْ فضلها عِدَةٌ ***إلا استردت جميع ما وهبت

فأي خَيْرِ وأي منفَعَةٍ*** لِذَاتِ دَلّ تريق ما حلبت؟

الله بيني وبين ضالمتي ***طلبت منها وصالها فأبت

ماذا عليها لو أنها بعثت ***منها رسولًا إليَّ أو كتبت

رغبت في وصلها وقد زَهِدَتْ*** عتبة في وصلنا وما رغبت

وكان أبو العتاهية قبيح الوجه مليح الحركات حلو الإنشاد، شديد الطرب، ومن مليح شعره أيضاً قوله :

من لم يَذُقْ لصبّابة طعما*** فلقد أحَطتُ بطعمها علما

إني منحت مودتي سكناً*** فرأيته قد عَدَّها جُرْمَا

يا عُتْبَ ما أبقيت من جسدي*** لحماً، ولا أبقيت لي عظما

يا عتب ما أنا من صنيعك بي*** أعمى، ولكنَّ الهوى أعمى

إن الذي لم يدر ما كلفي*** ليرى على وجهي به وَسْمَا

وله أشعار خرج فيها عن العَرُوض مثل قوله :

هَمُ القاضي بيت يطرب*** قال القاضي لما عوتب

ما في الدنيا إلا مذنب *** هذا عذر القاضي واقلب

وزنه فَعْلُنْ فعلن أربع مرات، وقد قال قوم: إن العرب لم تقل على وزن هذا شعراً، ولا ذَكَره الخليل ولا غيره من العروضيين.

الزيادة في العروض على الخليل

قال المسعودي : وقد زاد جماعة من الشعراء على الخليل بن أحمد في العروض : من ذلك المديد، وهو ثلاثة أعاريض وستة ضروب عند الخليل، وفيه عروض رابع وضربان مُحدَثان ؛ فالضرب الأول من العروض الرابعة المحدثة قول الشاعر :

مَنْ لعین لاتنام *** دمعها سَحُ سجام

والضرب الثاني من العروض الرابعة المحدثة قول الشاعر :

یا لبکر لاتنــوا***لیس ذا حین ونا

وغير ذلك مما قد تكلموا فيه، وذكروه في هذا المعنى من الزيادات مما قد أتينا على وصفه وقدمنا من ذكره في كتابنا في« أخبار الزمان» .

أبو العباس الناشيء

وقد صنف أبو العباس عبد الله بن محمد الناشيء الكاتب الأنباري [على الخليل بن أحمد في ذلك كتاباً ذكر فيه أنواعاً من هذا المعنى مما خرج فيه] الخليل بن أحمد عن تقليد العرب إلى باب التعسف والنظر ونصب العلل عن أوضاع الجدل، كان ذلك له ،لازماً، ولما أورده كاسراً ، وللناشيء أشعار كثيرة حسان: منها قصيدة واحدة نحو من أربعة آلاف بيت قافية واحدة نونية منصوبة يذكر فيها أهل الآراء والنحل والمذاهب والملل، وأشعار كثيرة ومصنفات واسعة في أنواع من العلوم، فمما جود فيه قوله حين سار من العراق إلى مصر وبها كانت وفاته، وذلك في سنة ثلاث وتسعين ومائتين على حسب ما قدمنا ذكره :

يا ديار الأحباب هَلْ مِنْ مُجيب*** عنك يشفي غليل نائي المَزَارِ ؟

ما أجابت، ولكن الصمتُ منها*** فيه للسائلين طول اعتبار

إن تكن أوحَشَتْ فبعد أنيس*** أو خَلَتْ منهم فبعد قرار

قد لهونا بها زماناً وحيناً*** ووصلنا الأسحار بالأسحار

واغتبقنا على صَبُوحٍ ولهو*** وحنين النايات والأوتار

بين وَرْد ونرجس وخزامي*** وبنفس وسوسن وبهار

وأقاح وكل صنف من النَّوْ*** ر الشهيّ الْجَنَى والجُلنار

فرمتنا الأيام أحسن ما كـ*** ـناعلی حسین غَفْلة واغترار

فافترقنا من بعد طول اجتماع*** ونأينا بعد وتأينا بعد اقتراب الديار

نداء المأمون في أمر معاوية وسببه

وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين نادى منادي المأمون: برئت الذمة من أحد من الناس ذكر معاوية بخير أو قدمه على أحد من أصحاب رسول الله : وتكلم في أشياء من التلاوة أنها مخلوقة، وغير ذلك، وتنازع الناس في السبب الذي من أجله أمر بالنداء في أمر معاوية ؛ فقيل في ذلك أقاويل : منها أن بعض سُماره حَدَّث بحديث عن مطرف بن المغيرة بن شعبة الثقفي، وقد ذكر هذا الخبر الزبير بن بكار في كتابه في الأخبار المعروفة بالموفقيات التي صنفها للموفق، وهو ابن الزبير قال : سمعت المدائني يقول : قال مطرف بن المغيرة بن شعبة : وَفَدْتُ مع أبي المغيرة إلى معاوية، فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب مما يرى منه، إذ جاء

ذات ليلة فأمسك عن العَشَاء، فرأيته مغنماً، فانتظرته ساعة، وظننت أنه لشيء حدث فينا أو في عملنا فقلت له : ما لي أراك مغنماً منذ الليلة؟ قال : يا بني، إني جئت من عند أخْبَثِ الناس قلت له : وما ذاك ؟ قال : قلت له وقد خلوت به : إنك قد بلغت منا يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت عَدْلاً وبسطت خيراً فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، فقال لي: هيهات هيهات!! مَلَكَ أخو تَيْم فعدل وفعل ما فعل فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل : أبو بكر ، ثم ملك أخو عَدِيٍّ، فاجتهد وشَمَّر عشر سنين، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل : عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه فعمل ما عمل [وعمل به] فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره، وذكر ما فعل به ، وإن أخا هاشم يُصْرَحُ به في كل يوم خمس مرات : أشهد أن محمداً رسول الله ، فأي عمل يبقى مع هذا؟ لا أم لك ؛ والله ألا دفنا دفنا ، وإن المأمون لما سمع هذا الخبر بعثه ذلك على أن أمر بالنداء على حسب ما وصفنا وأنشئت الكتب إلى الآفاق بلعنه على المنابر ، فأعْظَمَ الناسُ ذلك وأكبروه واضطربت العامة [منه] فأشير عليه بترك ذلك، فأعرض عما كان هَمَّ به .

وفاة أبي عاصم النبيل وجماعة من أهل العلم

وفي خلافة المأمون كانت وفاة أبي عاصم النبيل، وهو الضحاك بن مخلد بن سنان الشيباني، وذلك في سنة اثنتي عشرة ومائتين وفيها مات محمد بن يوسف الفارابي.

وفي سنة خمس عشرة ومائتين - وذلك في خلافة المأمون-مات هوذة بن خليفة بن عبد الله بن أبي بكر، ويكنى بأبي الأشهب ببغداد، وهو ابن سبعين سنة، ودفن بباب ،البردان في الجانب الشرقي وفيها مات محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، وفيها مات إسحاق بن الطباع بأذَنَةَ من الثغر الشامي، ومعاوية بن عمرو، ويكنى بأبي عمرو، وقبيصة بن عقبة، ويكنى بأبي عامر من بني عامر بن صَعْصَعَةً .

غزو الروم

وفي سنة سبع عشرَةَ ومائتين دخل المأمون ،مصر، وقتل بها عبدوس، وكان قد تغلب عليها .

وفي سنة ثمان عشرة ومائتين غزا المأمون أرض الروم، وقد كان شرع في بناء

الطوانة، مدينة من مدنهم على فم الدرب مما يلي ،طرسوس وعمد إلى سائر حصون الروم ، ودعاهم إلى الإسلام، وخيرهم بين الإسلام والجزية والسيف، وذلل النصرانية فأجابه خلق من الروم إلى الجزية.

قال المسعودي: وأخبرنا القاضي أبو محمد عبد الله أحمد بن بن زيد الدمشقي بدمشق قال : لما توجّه المأمون غازياً، ونزل البديدون، جاءه رسول ملك الروم فقال له : إن الملك يخيرك بين أن يَرُدَّ عليك نفقتك التي أنفقتها في طريقك من بلدك إلى هذا الموضع، وبين أن يخرج كل أسير من المسلمين في بلد الروم بغير فداء ولا درهم ولا دينار، وبين أن يعمر لك كل بلد للمسلمين مما خربت النصرانية ويرده كما كان، وترجع عن غَزَاتِكَ، فقام المأمون ودخل خيمة، فصلى ركعتين، واستخار الله عز وجل وخرج، فقال للرسول : قل له أما قولك تَرُدُّ عليَّ نفقتي، فإني سمعت الله تعالى يقول في كتابه، حاكياً عن بلقيس : وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتُمُدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا عَاتَنِءَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا اتَنكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ نَفْرَحُونَ [النمل: 35، 36] وأما قولك : إنك تخرج كل أسير من المسلمين في بلد الروم، فما في يدك إلا أحد رجلين : إما رجل طلب الله عز وجل والدار الآخرة، فقد صار إلى ما أراد، وإما رجل يطلب الدنيا، فلا فَكَ الله أَسْرَهُ، وأما قولك : إنك تعمر كل بلد للمسلمين قد خربته الروم، فلو أني قلعت أقصى حجر في بلاد الروم ما اعتضت بامرأة عثرت عثرة في حال أسرها، فقالت : وا محمداه وا محمداه عُد إلى صاحبك فليس بيني وبينه إلا السيف يا غلام اضرب الطبل، فرحل فلم ينثن عن غَزَاتِهِ، حتى فتح خمسة عشر حصناً، وانصرف من غزاته .

علة المأمون وموته

فنزل على عَيْن البديدون المعروفة بالقشيرة على حسب ما قدمنا في هذا الكتاب فأقام هنالك حتى ترجع رُسُله من الحصون، فوقف على العين ومنبع الماء، فأعجبه بَرْدُ مائها وصفاؤه وبياضه وطيب [حسن] الموضع وكثرة الخضرة، فأمر بقطع خشب طوال وأمر به فبسط على العين كالجسر، وجعل فوقه كالأزج من الخشب وورق الشجر،وجلس تحت الكنيسة التي قد عقدت له والماء تحته، وطرح في الماء درهم صحيح فقرأ كتابته وهو في قرار الماء لصفاء الماء، ولم يقدر أحد يدخل يده في الماء من شدة بزده، فبينا هو كذلك إذ لاحت سمكة نحو الذراع كأنها سبيكة ،فضة ، فجعل لمن يخرجها سبقاً، فبدر بعض الفراشين فأخذها وصعد فلما صارت على حرف العين أو على الخشب الذي

عليه المأمون اضطربت وأفلتت من يد الفراش فوقعت في الماء كالحجر، فنضح من الماءعلى صدر المأمون ونحره وتَرْقُوتِهِ فبلت ثوبه، ثم انحدر الفراش ثانية فأخذها ووضعها بين يدي المأمون في منديل تضطرب، فقال المأمون : تُقلَى الساعة، ثم أخذته رعدة من ساعته، فلم يقدر يتحرك من مكانه فغطي باللحف والدواويج ، وهو يرتعد كالسعفة،ويصيح : البرد البرد، ثم حول إلى المضرب ودثر وأوقدت النيران حوله، وهو يصيح: البرد البرد ، ثم أتى بالسمكة وقد فرغ من قلبها فلم يقدر على الذوق منها، وشَغَله ما هو فيه عن تناول شيء منها، ولما اشتد به الأمر سأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه في ذلك الوقت عن المأمون وهو في سكرات الموت وما الذي يدل عليه علم الطب من أمره؟ وهل يمكن برؤه وشفاؤه؟ فتقدم ابن ماسويه فأخذ إحدى يديه وبختيشوع الأخرى، وأخذا المجسة من كلتا يديه فوجدا نبضة خارجاً عن الاعتدال، مُنْذِراً بالفناء والانحلال والتزقت أيديهما ببشرته لِعَرَقِ كان يظهر منه من سائر جسده، كالزيت أو كلعاب بعض الأفاعي، فأخبر المعتصم بذلك، فسألهما عن ذلك، فأنكرا معرفته، وأنهما لم يجدا في شيء من الكتب، وأنه دال على انحلال الجسد وأفاق المأمون من غشيته، وفتح عينيه من رقدته، فأمر بإحضار أناس من الروم، فسألهم عن اسم الموضع والعين، فأحضر له عدة من الأسارى والأدلة وقيل لهم : فسروا هذا الاسم القشيرة، فقيل له : تفسيره مُد رجليك، فلما سمعها اضطرب من هذا الفأل وتَطَيَّرَ به ، وقال : سَلُوهم ما اسم الموضع بالعربية فقالوا الرقة وكان فيما عمل من مولد المأمون أنه يموت بالموضع المعروف بالرقة، وكان المأمون كثيراً ما يحيد عن المقام بمدينة الرقة فَرَقاً من الموت، فلما سمع هذا من الروم علم أنه الموضع الذي وُعِدَ فيه فيما تقدم من مولده، وأن فيه وفاته، وقيل: إن اسم البديدون تفسيره مُدَّ ،رجليك والله أعلم بكيفية ذلك، فأحضر المأمون الأطباء حوله يؤمل خلاصه مما هو فيه، فلما ثقل قال : أخرجوني أُشْرِفُ على عسكري، وأنظر إلى رجالي وأتبين ملكي، وذلك في الليل، فأخرج فأشرف على الخيم والجيش وانتشاره وكثرته وما قد أوقد من النيران فقال : يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، ثم رُدَّ إلى مرقده وَأجْلَسَ المعتصم رَجُلًا يشهده لما ثقل، فرفع الرجل صوته ليقولها، فقال له ابن ماسويه : لا تَصِحُ فوالله ما يفرق بين ربه وبين ما بي في هذا الوقت ففتح المأمون] عينيه من ساعته وبهما من العظم والكبر والاحمرار ما لم يُرَ مثله قط ، وأقبل يحاول البطش بيديه بابن ماسويه ورام ،مخاطبته فعجز عن ذلك، فرمى بطرفه نحو السماء، وقد امتلأت عيناه دموعاً، فانطلق لسانه من ساعته وقال : يا مَنْ لا يموت

ارحم مَنْ يموت، وقضى من ساعته، وذلك في يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بَقِيَتْ من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وحمل إلى طرسوس، فدفن بها، على حسب ما قدمنا في أول أخباره من] هذا الكتاب.

قال المسعودي : وللمأمون أخبار حسان وَمَعَانٍ وسير ومجالسات وأشعار وأخلاق جميلة، قد أتينا على مبسوطها فيما سلف من كتبنا فأغني ذلك عن ذكرها .

وفي المأمون يقول أبو سعيد المخزومي :

هل رأيت النجوم أغنت عَنِ المأ***مون شيئاً وَمُلْكِهِ المأنوس

خَلَفُوهُ بعرصتي طرسوس*** مثل ما مثل ما خَلَفُوا أباه بِطُوسِ

وكان المأمون كثيراً ما ينشد هذه الأبيات:

وَمَنْ لا يزل غَرَضاً للمنو ***ن يَتْرُكه ذات يوم عميدا

فإنْ هُنَّ أخطأنه مرة*** فيوشك مخطئها أن يعودا

فبینایحید و تخطينه*** قصدن فأعجلنه أن يحيدا

ذكر خلافة المعتصم

موجز

وبويع المعتصم في اليوم الذي كانت فيه وفاة المأمون على عين البديدون، وهو يوم الخميس لثلاثَ عَشَرَةَ ليلةٌ بَقِيَتْ من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، واسمه محمد بن هارون ويكنى أبا إسحاق، وكان بينه وبين العباس بن المأمون في ذلك الوقت تنازع في المجلس، ثم انقاد العباس إلى بيعته والمعتصم يومئذ ابن ثمان وثلاثين سنة وشهرين، وأمه يقال لها ماردة بنت شبيب، وقيل: إنه بويع سنة تسع عشرة ومائتين، وتوفي بسُرَّ من رأى سنة سبع وعشرين وهو ابن ست وأربعين سنة وعشرة أشهر، فكانت خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر، وقبره بالجَوْسَقِ [بسُرَّ مَنْ رأى] على ما ذكرنا .

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

ابن الزيات وزير المعتصم وأحمد بن أبي دؤاد

وَاسْتَوْزَرَ المعتصم محمد بن عبد الملك إلى آخر أيامه، وغلب عليه أحمد بن أبي دؤاد، ولم يزل محمد بن عبد الملك في أيام المعتصم والواثق إلى أن ولي المتوكل، وكان في نفسه عليه شيء، فقتله، وسنذكر لمعاً من [خبر] مقتله فيما يرد من هذا الكتاب في أخبار المتوكل، وإن كنا قد أتينا على ذلك ملخصاً في الكتاب الأوسط.

حب المعتصم للعمارة

وكان المعتصم يحب العمارة ويقول : إن فيها أموراً محمودة، فأولها عمران الأرض التي يحيى بها العالم وعليها يزكو الخراج وتكثر الأموال، وتعيش البهائم، وترخص الأسعار، ويكثر الكسب، ويتسع المعاش، وكان يقول لوزيره محمد بن عبد الملك : إذا وجدت موضعاً متى أنفقت فيه عشرة دراهم جاءني بعد سنة أحد عشر درهماً فلا تؤامرني فيه .

بأس المعتصم وقوته

وكان المعتصم ذا بأس وشدة [ في جسمه، وشجاعة] في قلبه، فذكر أحمد بن أبي دؤاد - وكان به آنساً - قال : لما أنكر المعتصم نفسه وقوته دخلت عليه يوماً وعنده ابن ماسويه، فقام المعتصم فقال لي : لا تبرح حتى أخرج إليه، فقلت ليحيى بن ماسويه : ويُحك !! إني أرى أمير المؤمنين قد حال لونه ونقصت قوته، وذهبت سَوْرَته، فكيف تراه أنت؟ قال : هو والله زبرة من زُبَرِ ،الحديد، إلا أن في يديه فأساً يضرب بها تلك الزبرة ، فقلت : وكيف ذاك؟ قال : كان قبل ذلك إذا أكل السمك اتخذ له صباغاً من الخل والكراويا والكمون والسذاب والكرفس والخردل والجوز] فأكله بذلك الصباغ، يدفع أذى السمك وأضراره بالعصب، وإذا أكل الرؤوس اتخذت له أصباغ تدفع أذاها وتلطفها، وكان في أكثر أموره يلطف غذاءه ويكثر مشورتي فصار اليوم إذا أنكرت عليه

شيئاً خالفني، وقال: أكل هذا على رغم أنف ابن ماسويه[فما أقدر أن أصنع]، قال : وهو خلف الستر يسمع ما نحن فيه فقلت : ويلك يا أبا يحيى !! أدخل أصبعك في عينيه، قال : جعلت فداك ما أقْدِرُ أرُدُّه ولا أجترى عليه في خلاف فلما فرغ من كلامه خرج علينا المعتصم، فقال لي: ما الذي كنت فيه مع ابن ماسويه؟ قلت: ناظرته يا أمير المؤمنين في لونك الذي أراه حائلا وفي قلة طعمك الذي قد هَدَّ جوارحي وأنْحَلَ جسمي ،قال : فما قال لك؟ قلت : شكا أنك كنت تقبل منه ما يشير به [عليك] وكنت ترى في ذلك على ما يحب وأنك الآن تخالفه قال فما قلت له أنت؟ قال : فجعلت أصرف الكلام ، قال : فضحك وقال : هذا بعد ما دخل في عيني أو قبل ذلك؟ قال : فَارْفَضَضْتُ عَرَقاً، وعلمت أنه قد سمع ما كنا فيه، ورأى ما قد داخلني فقال : يغفر الله لك يا أحمد، لقد فرحت بما ظننت أنه أحزنك إذ سمعته وعلمت أنه نوع من أنواع الانبساط والأنس.

المعتصم وعلي بن الجنيد

وكان المعتصم يأنس بعلي بن الجنيد الإسكافي وكان عجيب الصورة عجيب الحديث، فيه سلامة أهل السواد فقال المعتصم يوماً لمحمد بن حَمَّاد : اذهب بالغَدَاة إلى [علي] بن الجنيد فقل له يتهيأ حتى يزاملني فأتاه فقال : إن أمير المؤمنين يأمرك أن تُزامله، فتهيأ لشروط مزاملة الخلفاء [ ومعادلتهم] فقال علي بن الجنيد وكيف أتهياً؟ أهيىء لي رأساً غير رأسي؟ أأشتري لحية غير لحيتي!! أأزيد في قامتي! أنا متهیی وفضلة ، قال : لست تدري بعد ما شروط مزاملة الخلفاء ومعادلتهم! فقال علي بن الجنيد : وما هي؟ هات يا من تَدْرِي قال له ابن حماد، وكان أديباً ظريفاً، وكان برسم الحجابِ : شرط المعادلة الإمتاع بالحديث والمذاكرة والمناولة، وأن لا يبزق، ولا يسعل، ولا يتنحنح، ولا يمخط، وألا يتقدم الرئيس في الركوب إشفاقاً عليه من الميل، وأن يتقدمه في النزول، فمتى لم يفعل المعادل هذا كان[هو] والمثقلة الرصاص التي تعدل بها القبة سَوَاءً وليس له أن ينام وإن نام الرئيس، بل يأخذ نفسه بالتيقظ، ومراعاة حال مَنْ هو معه وما هو راكبه ؛ لأنهما إذا ناما جميعاً فمال جانب لا يشعر بميله كان في ذلك ما لا خفاء به، وعلي بن الجنيد ينظر إليه، فلما أكثر عليه في هذا الوصف والشروط قطع عليه كلامه وقال كما يقول أهل السَّوَاد آه حرها اذهب له فقل له : ما يُزَامِلك إلا مَنْ أمه زانية وهو كشخان، فرجع ابن حماد فقال للمعتصم ما قال، فضحك المعتصم وقال: جئني ،به فجاءه، فقال يا علي أبعث إليك تزاملني فلا تفعل؟ فقال : إن رسولك هذا الجاهل الأزعر جاءني بشروط حَسَّان الشاشي وخالويه المحاكي فقال : لا

تبزق، ولا تفعل كذا وافعل كذا، وجعل يمطط في كلامه، ويفرقع في صاداته، ويشير بيديه، ولا تسعل ولا تعطس، وهذا لا يقوم لي ولا أقدر عليه، فإن رضيت أن أزاملك فإن جاءني الفُسَاء فَسَوْتُ عليك وضَرَطْتُ، وإذا جاءك أنت فأده فافُسُ واضرط، وإلا فليس بيني وبينك عمل، فضحك المعتصم حتى فحص برجليه وذهب به الضحك كل مذهب، وقال : نعم زاملني على هذه الشريطة قال نعم وكرامَةً، فزامَلَهُ في قبة على بغل، فسارا ساعة، وتوسطا البر، فقال علي : يا أمير المؤمنين حَضَر ذلك المتاعُ فما تری؟ قال : ذلك إليك إذا شِئتَ ، قال : تحضر ابن حماد فأمر المعتصم بإحضاره، فقال له علي : تعال حتى أسَارَكَ ، فلما دنا منه فَسَا و ناوله كمه وقال : أجِدُ دبيب شيء في كُمِّي فانظر ما هو فأدخل رأسه فشم رائحة الكنيف، فقال : ما أرى شيئاً، ولكني لم أعلم أن في جوف ثيابك كنيفاً، والمعتصم قد غَطّى فمه بكمه، وقد ذهب به الضحك كل مذهب، ثم جعل يفسو فُسَاء متصلا ، ثم قال لابن حماد قلت لي لا تسعل ولا تبزق ولا تمخط، فلم أفعل ولكني أخرى عليك ، قال : فاتصل فساؤه والمعتصم يخرج رأسه من العمارية، ثم قال المعتصم : قد نضجت القدر، وأريد أخرى، فقال المعتصم ورفع صوته حين كثر ذلك عليه وَيْلَكَ يا غلام الأرض، الساعة أموت .

ودخل علي بن الجنيد الإسكافي يوماً على المعتصم فقال له بعد أن ضاحكه وهازَلَه يا علي ما لي لا أراك ويلك !؟ أنسيت الصحبة وما حَفِظْتَ المودة؟ فقال له حينئذ : بالغ الكلام الذي أريد أن أقوله قلته أنت ما أنت إلا إبليس، فضحك، ثم قال : لم لا تجيئني؟ قال : ،آه كم أجيء فلا أصل إليك، أنت اليوم نبيل، فكأنك من بني مارية وبَنُو مَاريَةً أناس من أهل السواد يَضْرِبُ بهم أهل السواد الأمثال لكبرهم في نفوسهم، فقال له المعتصم : هذا سندان التركي، وأشار إلى غلام على رأسه بيديه مِذَبَّةٌ ، وقال له : يا سندان إذا حضر علي فأعلمني وإن أعطاك رقعة فأوصلها إليَّ، وإن حَمَّلك رسالة فأخبرني بها قال نعم يا سيدي وانصرف [علي] فأقام أياماً ثم جاء يطلب سندان :فقالوا هو نائم فانصرف ثم عاد فقالوا : هو داخل ولا تصل إليه، فانصرف وعاد، فقالوا : هو عند أمير المؤمنين، فاختالَ حتى دخل عند المعتصم من جهة أخرى، فضاحكه ساعة ، وعاتبه وقال له يا علي ألك حاجة ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين، إن رأيت سندان التركي فأقره مني السلام فضحك وقال : ما حاله؟ قال: حاله أنك جعلت بيني وبينك إنساناً رأيتك قبل أن أراه، وقد اشتقتُ إليه فأسألك أن تبلغه مني السلام، فغلب المعتصم الضحك، وجمع بينه وبين سندان [ثانية] وأكد عليه في مراعاة أمره،

، فكان لا يمنع منه .

المعتصم وشيخ زلق حماره في الطين

وَعَبّر المعتصم من سُرَّ مَنْ رأى من الجانب الغربي - وذلك في يوم مطير، وقد تبع ذلك ليلة مطيرة - وانفرد من أصحابه، وإذا حمار قد زلق ورمى بما عليه من الشوك، وهو الشوك الذي توقد به التنانير بالعراق، وصاحبه شيخ ضعيف واقف ينتظر إنساناً يمر فيعينه على حمله،

فوقف عليه وقال : ما لك يا شيخ؟ قال: فديتك ! حماري وقع عنه هذا الحمل، وقد بقيت أنتظر إنساناً يعينني على حمله فذهب المعتصم ليخرج الحمار من الطين، فقال الشيخ : جعلت فداك تفسد ثيابك هذه وطيبك الذي أشمه من أجل حماري هذا؟ قال : لا عليك فنزل واحتمل الحمار بيد واحدة وأخرجه من الطين فبهت الشيخ وجعل ينظر إليه ويتعجب منه ، ويترك الشغل بحماره ثم شَدَّ عنان فرسه في وسطه وأهوى إلى الشوك وهو حُزْمَتَانِ فحملهما فوضعهما على الحمار، ثم دنا من غدير فغسل يديه واستوى على فرسه ؛ فقال الشيخ السوادي : رضي الله عنك، وقال بالنبطية : أشقل غرمي تاحوتكا، وتفسير ذلك فديتك يا شاب وأقبلت الخيول فقال لبعض خاصته : أعْطِ هذا الشيخ أربعة آلاف درهم وكن معه حتى تجاوز به أصحاب المسالح وتبلغ به قريته .

وفاة جماعة من العلماء

وفي سنة تسع عشرة ومائتين كانت وفاة أبي نعيم الفضل بن دُكَيْن مولى آل طلحة بن عبيد الله بالكوفة، وبسر بن غياث المريسي، وعبد الله بن رجاء الغُدَاني.

وفيها ضَرَب المعتصم أحمد بن حنبل ثمانية وثلاثين سوطاً ليقول بخلق القرآن .

محمد بن علي بن موسى بن جعفر

سنة وفي هذه السنة - وهي تسع عشرة ومائتين - قبض محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وذلك لخمس خلون من ذي الحجة ودفن ببغداد في الجانب الغربي بمقابر قريش مع جده موسى بن جعفر، وصلّى عليه الواثق وقبض وهو ابن خمس وعشرين سنة، وقبض أبوه علي بن موسی الرضا ومحمد ابن سبع سنين وثمانية أشهر ، وقيل غير ذلك ، وقيل : إن أم الفضل بنت المأمون لما قدمت معه من المدينة إلى المعتصم سَمَّته، وإنما ذكرنا من أمره ما وصفنا لأن أهل الإمامة اختلفوا في مقدار سنه عند وفاة أبيه، وقد أتينا على ما قيل في ذلك في رسالة «البيان، في أسماء الأئمة وما قالت في ذلك الشيعةُ من القطعية .

محمد بن القاسم، العلوي

وفي هذه السنة-وهي سنة تسع عشرة ومائتين - أخاف المعتصم محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمهم الله ، وكان بالكوفة من العبادة والزهد والورع في نهاية الوصف، فلما خاف على نفسه هرب فصار إلى خراسان، فتنقل من مواضع كثيرة من كُوَرِهَا كمرو وسرخس والطالقان ونَسَا، فكانت له هناك حروب وكوائن وانقاد إليه وإلى إمامته خلق كثير من الناس، ثم حمله عبد الله بن طاهر إلى المعتصم، فحبسه في أزج اتخذه في بستان بسُرَّ مَنْ رأى، وقد تنوزع في محمد بن القاسم، فمن قائل يقول : إنه قتل بالسم، ومنهم من يقول : إن ناساً من شيعته من الطالقان أتوا ذلك البستان فتأتوا للخدمة فيه من غَرْس ،وزراعة واتخذوا سلالم من الحبال واللبود والطالقانية ونقبوا الأزج وأخرجوه فذهبوا به، فلم يعرف له خبر إلى هذه الغاية، وقد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزَّيْدِية إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - ومنهم خلق كثير يزعمون أن محمداً لم يمت، وأنه حي يرزق وأنه يخرج فيملؤها عدلا كما ملئت جوراً، وأنه مهدي هذه الأمة، وأكثر هؤلاء بناحية الكوفة وجبال طبرستان والدَّيْلَم وكثير من كُوَرِ خراسان، وقول هؤلاء في محمد بن القاسم نحو قول رافضة الكيسانية في محمد ابن الحنفية، ونحو من قول الواقفية في موسى بن موسی بن جعفر وهم الممطورة بهذا تعرف هذه الطائفة من بين فرق الشيعة، وقد أتينا على وصف قولهم [ في كتابنا ] في المقالات في أصول الديانات ووصف قول غُلَاتهم من المعنوية وغيرهم من المحمدية وسائر فرق أهل الباطل ممن قال بتنقل الأرواح في أنواع الأشخاص من بهائم الحيوان وغيره في كتابنا المترجم بكتاب سر الحياة .

جمع المعتصم للأتراك

وكان المعتصم يحب جمع الأتراك وشراء هم من أيدي مواليهم، فاجتمع له منهم أربعة آلاف فألبسهم أنواع الديباج والمناطق المذهبة والحلية المذهبة، وأبانهم بالزي عن سائر جنوده، وقد كان اصطنع قوماً من حوف مصر ومن حوف اليمن وحوف قيس، فسماهم المغاربة واستعد رجال خراسان من الفراغنة وغيرهم من الأشروسية، فكثر جيشه، وكانت الأتراك تؤذي العوام بمدينة السلام بجريها الخيول في الأسواق وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك، فكان أهل بغداد ربما ثاروا ببعضهم فقتلوه عند صدمه لامرأة أو شيخ كبير أو صبي أو ضرير، فعزم المعتصم على النقلة منهم، وأن ينزل في فضاء من الأرض، فنزل البراذان على أربعة فراسخ من بغداد فلم يستطب هواءها، ولا اتسع له

هواؤها، فلم يزل يتنقل ويتقرى المواضع والأماكن إلى دجلة وغيرها حتى انتهى إلى الموضع المعروف بالقاطول فاستطاب الموضع وكان هناك قرية يسكنها خلق من الجرامقة وناس من النَّبَطِ على النهر المعروف بالقاطول آخذاً من دجلة فبنى هناك قصراً وبنى الناسُ وانتقلوا من مدينة السلام وخلت من السكان إلا اليسير وكان فيما قاله بعض العَيّارِينَ في ذلك معيراً للمعتصم بانتقاله عنهم :

أيا ساكن القاطول بين الجزامِقَة*** تركت ببغداد الكباش البطارقة البَطَارِقَهُ

ونالت مَنْ مع المعتصم شدة عظيمة لبرد الموضع وصلابة أرضه، وتأذوا بالبناء ؛ ففي ذلك يقول بعض من كان في الجيش :

قالوا لنا إن بالقاطول مَشْتَانا*** فنحن نأمل صنع الله مولانا

الناس يأتمرون الرأي بينهم ***والله في كل يوم مُحْدِثُ شانا

تخطيط سامرا

ولما تأذى المعتصم بالموضع وتعذر البناء فيه خرج يتقرى المواضع، فانتهى إلى موضع سامرا، وكان هناك للنصارى دبر عادي، فسأل بعض أهل الدير عن اسم الموضع فقال : يعرف بسامرا، قال له المعتصم وما معنى سامرا ؟ قال نجدها في الكتب السالفة والأمم الماضية أنها مدينة سام بن نوح قال له المعتصم : ومن أي بلاد هي؟ وإلام تضاف؟ قال: من بلاد طبرهان وإليها تضاف فنظر المعتصم إلى فَضَاء واسع تسافر فيه الأبصار، وهواء طيب وأرض صحيحة ، فاسْتَمْرَأها واستطاب هواءها، وأقام هنالك ثلاثاً يتصيد في كل يوم، فوجد نفسه تَتُوقُ إلى الغذاء، وتطلب الزيادة على العادة الجارية، فعلم أن ذلك لتأثير الهواء والتربة والماء] ، فلما استطاب الموضع دعا بأهل الدَّيْرِ فاشترى منهم أرضهم بأربعة آلاف دينار وارتاد لبناء قصره موضعاً فيها، فأسس بنيانه، وهو الموضع المعروف بالوزيرية بسُرَّ من رأى، وإليها يضاف التين الوزيري، وهو أعذب الأتيان وأرَقُها قشراً، وأصغرها حباً، لا يبلغه تين الشام، ولا يلحقه تين أرجان وحلوان فارتفع البنيان، وأحضر له الفَعَلَة والصناع وأهل المهن من سائر الأمصار ونقل إليها من سائر البقاع أنواع الغُروسِ والأشجار، فجعل للأتراك قطائع متحيزة وجاورهم بالفراغنة والأشروسية وغيرهم من مدن خراسان على قدر قربهم منهم في بلادهم، وأقطع أشناس التركي وأصحابه من الأتراك الموضع المعروف بكرخ سامرا، ومن الفراغنة مَنْ أنزلهم الموضِعَ المعروف بالعمري والجسر، واختطت الخطط واقتطعت القطائع والشوارع والدروب وأفْرِدَ أهْلُ كل صنعة بسوق، وكذلك

التجار، فبنى الناس، وارتفع البناء، وشيدت الدور والقصور، وكثرت العمارة، واستنبطت المياه، وجرت من دجلة وغيرها وتسامع الناس أن دار ملك قد اتخذت، فقصدوها وأجهزوا إليها من أنواع الأمتعة وسائر ما ينتفع به الناس وغيرهم من الحيوان، وكثر العيش واتسع الرزق وشملهم الإحسان وعمهم العدل [فاتسع الخطب، وأقبلت الأرض] وكان بَدْءُ ما وصفنا فيما فعله المعتصم سنة إحدى وعشرين ومائتين.

خروج بابك الخرمي

واشتد أمر بابك [الخرمي ببلاد الران ،والبيلقان وكثرت غثرته في تلك البلاد] وسار عساکره نحو تلك الأمصار ، ففرق الجيوش، وهزم العساكر، وقتل الوُلَاةَ، وأفنى الناس، فسير إليه المعتصم الجيوش وعليها الأفشين وكثرت حروبه واتصلت، وضاق بابك في بلاده حتى انفض جمعه، وقتل رجاله، وامتنع بالجبل المعروف بالبدين من أرض الران، وهي بلاد بابك وبه يعرف هذا الموضع إلى هذا الوقت، فلما استشعر بابك ما نزل به وأشرف عليه هرب من موضعه، وزال عن مكانه ، فتنكر هو وأخوه وولده وأهله ومَنْ تبعه من خواصه وقد تزيَّا بزي السفر وأهل التجارة والقوافل، فنزل موضعاً من بلاد أرمينية من أعمال سهل بن سنباط من بطارقة أرمينية على بعض المياه، وبالقرب منهم راعي غنم ، فابتاعوا منه شاة وساموا شراء شيء من الزاد لهم، فمضى من فَوْرِه إلى سهل بن سنباط الأرميني، فأخبره الخبر، وقال: هو بابك لا شك فيه، وقد كان الأفشين لما هرب بابك من موضعه وزال عن جبله خشي أن يعتصم ببعض الجبال المنيعة أو يتحصن ببعض القلاع، أو ينضاف إلى بعض الأمم القاطنة ببعض تلك الديار فيكثر جمعه وينضاف إليه فلال عسكره، فيرجع إلى ما كان من أمره، فأخذه الطرق، وكاتب البطارقة في الحصون والمواضع من بلاد أرمينية وأذربيجان والران والبيلقان، وضمن في ذلك الرغائب، فلما سمع سهل بن سنباط من الراعي ما أخبره به سار من فَوْرِه فيمن حَضَره من عدده وأصحابه حتى أتى الموضع الذي فيه بابك، فترجل له ، ودَنَا منه، وسلم عليه بالملك، وقال له : أيها الملك، قُمْ إلى قصرك الذي فيه وليك وموضع يمنعك الله فيه من عدوك ، فسار معه إلى أن أتى قلعته، وأجلسه على سريره، ورفع منزلته، ووطأ له منزله ومن معه وقدمت المائدة، وقعد سهل يأكل ،معه فقال له بابك - بجهله وقلة معرفته بما هو فيه وما دفع إليه : أمثلك يأكل معي ؟ ! فقام سهل عن المائدة، وقال: أخطأت أيها الملك، وأنت أحق من احتمل عبده؛ إذ كانت منزلتي ليست بمنزلة من يأكل الملوك، وجاءه بحداد، وقال له : مُدَّ رجلك أيها الملك، وأوْثَقَه بالحديد، فقال له بابك : أغدراً يا سهل؟! قال يا ابن الخبيثة إنما أنت راعي غنم وبَقَر، ما أنت والتدبير

للملك ونظم السياسات وتدبير الجيوش ؟! وقيد مَنْ كان معه، وأرسل إلى الأفشين يخبره الخبر، وأن الرجل عنده فسرَّحَ إليه الأفشين أربعة آلاف فارس عليهم الحديد، وعليهم خليفة يقال له بوماده فتسلموا بابك ومن معه وأتى به إلى الأفشين ومعه سهل بن سنباط، فرفع الأفشين منزلة سهل وخلع عليه وجمله وتوجه، وقاد بين يديه، وأسقط عنه الخراج فأطلقه وأطلقت الطيور إلى المعتصم، وكتب إليه بالفتح ، فلما وصل إليه ذلك ضَجّ الناس بالتكبير ، وعَمَّهم ،الفرح وأظهروا السرور، وكتبت الكتب إلى الأمصار بالفتح، وقد كان أفنى عساكر السلطان فسار الأفشين ببابك، وتنقل بالعساكر، حتى أتى سُرَّ مَنْ رأى، وذلك سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتلقى الأفشين هارون بن المعتصم وأهل بيت الخلافة ورجال الدولة، ونزل بالموضع المعروف بالقاطول على خمسة فراسخ من سامرا، وبعث إليه بالفيل الأشْهَب، وكان قد حمله بعض ملوك الهند إلى المأمون، وكان فيلا عظيماً قد جلل بالديباج الأحمر والأخضر وأنواع الحرير الملون، ومعه ناقة عظيمة بُخْتِية قد جللت بما وصفنا، وحمل إلى الأفشين دُرَّاعَة من الديباج الأحمر منسوجة بالذهب قد رُبِّعَ صدرها بأنواع الياقوت والجوهر، ودراعة دونها وقلنسوة عظيمة كالبرنس ذات سفاسك بألوان مختلفة، وقد نظم على القلنسوة كثير من اللؤلؤ والجوهر، وألبس بابك الدراعة [ الجليلة]، وألبس أخوه الأخرى، وجعلت القلنسوة على رأس بابك، وعلى رأس أخيه نحوها ، وقُدِّمَ إليه الفيل وإلى أخيه الناقة، فلما رأى صورة الفيل استعظمه وقال ما هذه الدابة العظيمة؟ واستحسن الدراعة، وقال: هذه كرامة ملك عظيم جليل إلى أسير فقد العز ذليل، أخطأته الأقدار، وزالت عنه الجدود، وتَوَرّطته المحن، إنها لفرحة تقتضي ترحة، وضرب له المصاف صفين في الخيل والرجال والسلاح والحديد والرايات والبنود من القاطول إلى سامرا، مدد واحد متصل غير منفصل، وبابك على الفيل وأخوه وراءه على الناقة، والفيل يخطر بين الصفين ،به وبابك ينظر إلى ذات اليمين وذات الشمال ويميز الرجال والعُدَد، ويظهر الأسف والحنين على ما فاته من سفك دمائهم غير مستعظم لما يرى من كثرتهم، وذلك يوم الخميس لليلتين خَلَتَا من صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ولم ير الناس مثل ذلك اليوم، ولا مثل تلك الزينة، ودخل الأفشين على المعتصم فرفع منزلته، وأعلى مكانه، وأتى ببابك فَطَوَّفَ به بين يديه، فقال له المعتصم : أنت بابك؟ فلم يجب، وكررها عليه مراراً، وبابك ساكت فمال إليه الأفشين وقال : الويل لك! أمير المؤمنين يخاطبك وأنت ساكت ؟ فقال : نعم أنا بابك، فسجد المعتصم عند ذلك، وأمر بقطع يديه ورجليه .

قال المسعودي ورأيت في كتاب أخبار بغداد أنه لما وقف بابك بين يديه لم يكلمه مَلِيَّا، ثم قال له : أنت بابك؟ قال : نعم أنا عبدك وغلامك، وكان اسم بابك الحسن، واسم أخيه عبد الله ، قال : جَرِّدُوه فَسَلَبَه الخدَّامُ ما عليه من الزينة، وقطعت يمينه، وضرب بها ،وجهه وفعل مثل ذلك بيساره وثلث برجليه وهو يتمرغ في النطع في دمه، وقد كان تكلم بكلام كثير يرغب في أموال عظيمة قبله فلم يلتفت إلى قوله، وأقبل يضرب بما بقي من زنديه وجهه وأمر السياف أن يدخل السيف بين ضلعين من أضلاعه أسفل من القلب ليكون أطول لعذابه، ففعل، ثم أمر بجز لسانه وصلب أطرافه مع جسده [فصلب] ثم حمل الرأس إلى مدينة السلام، ونصب على الجسر، وحمل إلى خراسان بعد ذلك، يطاف به كل مدينة من مدنها وكورها لما كان في نفوس الناس من استفحال أمره، وعظم شأنه، وكثرة جنوده ، وإشرافه على إزالة مُلكِ وقلب ملة وتبديلها، وحمل أخوه عبد الله مع الرأس إلى مدينة السلام ففعل به إسحاق بن إبراهيم أميرها ما فعل بأخيه بابك بسامرا، وصلبت جثة بابك على خشبة طويلة في أقاصي سامرا، وموضعه مشهور إلى هذه الغاية يعرف بخشبة بابك، وإن كانت سامرا في هذا الوقت قد خلا منها ساكنها، وبَانَ عنها قاطنها إلا يسيراً من الناس في بعض المواضع بها.

ولما قتل بابك وأخوه وكان من أمره ما تقدم ذكره قام في مجلس المعتصم الخطباء فتكلموا وقالت الشعراء: فممن قام في ذلك اليوم إبراهيم بن المهدي فقال شعراً بدلا من الخطبة، وهو :

یا امین الله ، إن الـ***ـحمد لله كثیراً

هكذا النصر فلا زا***ل لك الله نصیرا

وعلى الأعداء أعطیـ*** ـت من الله ظهیرا

وهنیئا هیـا اللـ***ـۀ لك الفتح الخطيرا

فهو فتح لم یر النـ*** ـاس له فتحا نظیرا

وَجَزَى الأفْشِينَ عبدا***الله خیرا وحبُورًا

فلقد لاقی به با***بک یوماً فَمْطَريرًا

ذاک مولاک الذی الـ***ـفیته جَلْداً صَبُورًا

لك حَتَّى ضَرَّجَ السَّيـ*** ـف له خداً نضیراً

ضَرْبَةً ألقت عَلَى الدَّهْـ*** ـرله فی الوَجْهِ نُورًا

وتوج الأفشين بتاج من الذهب مرصع بالجوهر، وإكليل ليس فيه من الجوهر إلا

الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر قد شبك بالذهب، وألبس وشاحين وزوج المعتصم الحسن بن الأفشين بأترجة بنت أشناس وزفت إليه وأقيم لها عُرْسٌ يجاوز المقدار في البهاءوالجمال، وكانت توصف بالجمال والكمال، ولما كان من ليلة الزفاف ما عم سروره خواص الناس وكثيراً من عوامهم، قال المعتصم أبياتاً يصف حسنهما وجمالهما واجتماعهما، وهي:

زفت عَرُوسٌ إلى عَرُوس*** بنت رئيس إلى رئيس

أيهما كان ليت شعري*** أجل في الصدر والنفوس

أصاحب المُرْهَفِ المحلى*** أم ذو الوشاحين وَالشُّمُوس

غزو الروم زبطرة

وفي هذه السنة - وهي سنة ثلاث وعشرين ومائتين - خرج توفيل ملك الروم في عساكره ومعه ملوك برجان والبرغر والصقالبة، وغيرهم ممن جاورهم من ملوك الأمم، حتى نزل على مدينة زِبَطْرَةَ من الثغر الخزري، فافتتحها بالسيف، وقتل الصغير والكبير وسبى وأغار على بلاد ملطية، فضج الناس في الأمصار واستغاثوا في المساجد والديار، فدخل إبراهيم بن المهدي على المعتصم فأنشده [قائماً] قصيدة طويلة يذكر فيها ما نزل بمن وصفنا [ويحضه على الانتصار] ويحثه على الجهاد فمنها :

يا غارة الله قد عاينت فانتهكي*** هتك النِّسَاء وما منهن يرتكب

هب الرجال على أجرامها قتلت*** ما بال أطفالها بالذبح تنتهب

وإبراهيم بن المهدي أول من قال في شعره «يَا غَارَةَ الله» .

هزيمة الروم

فخرج المعتصم من فَوْرِه نافراً عليه دُرّاعَةٌ من الصوف بيضاء، وقد تعمم بعمامة الغُزَاة، فعسكر في غربي دجلة، وذلك يوم الاثنين، لليلتين خَلَتَا من جمادى الأولى من سنة ثلاث وعشرين ومائتين ونصبت الأعلام على الجسر ، ونودي في الأمصار بالنفير والسير مع أمير المؤمنين ، فسارت إليه العساكر والمطوعة من سائر الإسلام، وجعل على مقدمته أشناس التركي، ويتلوه محمد بن إبراهيم وعلى ميمنته إيتاخ التركي، وعلى ميسرته جعفر بن دينار الخياط وعلى سَاقَتِهِ بُغَا الكبير[ ويتلوه دينار بن عبد الله] وعلى القلب ،عجيف وسار المعتصم من الثغور الشامية، ودخل من درب السلامة، ودخل الأفْشِينُ من درب الحدث، ودخل الناس من سائر الدروب فلم يكن يحصي الناس

العدد، ولا يضبطون كثرة، فمن مكثر ومقلل ؛ فالمكثر يقول : خمسمائة ألف، والمقلل يقول : مائتي ألف ولقي ملك الروم الأفشين، فحاربه فهزمه الأفشين، وقتل أكثر بطارقته وأصحابه، وحَمَاهُ رجل من المتنصرة يقال له نصير في خلق من أصحابه، وقد كان الأفشين قصر عن أخذ الملك في ذلك اليوم حين ولّى ، وقال : هو ملك، والملوك تُبقي بعضُها على بعض ، وفتح المعتصم حصوناً كثيرة، ونزل على مدينة عمورية، ففتحها الله على يديه، وخرج إليه لاوي البطريق منها ، وَسَلَّمَها إليه، وأسر البطريق الكبير منها، وهو باطس، وقتل منها ثلاثين ألفاً، وأقام المعتصم عليها أربعة أيام يهدم ،ويحرق وأراد المسير إلى القسطنطينية، والنزول على خليجها والحيلة في فتحها بَراً وبحراً، فأتاه ما أزعجه وأزاله عما كان عزم عليه من أمر العباس بن المأمون، وأن ناساً قد بايعوه، وأنه كاتب طاغية الروم ، فأعجل المعتصم في مسيره وحبس العباس وشيعته.

وفي هذه السنة مات العباس بن المأمون.

خروج المازيار صاحب طبرستان وموته

وفي سنة خمس وعشرين ومائتين أدخل المازيار بن قارن بن بندار هرمس صاحب جبال طبرستان إلى سامرا [ وقد كان اصطنعه المأمون، فعصى في أيام المعتصم ، وكثرت عساكره، واتسعت جيوشه ، وكتب المعتصم إليه يأمره بالحضور، فأبى، فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمره ،بحربه فسير إليه من نيسابور عمه الحسن بن الحسين بن مصعب، فنزل مدينة السارية من بلاد طبرستان بعد حروب كثيرة كانت له مع المازيار وأتت الحسن بن الحسين عيونه بركوب محمد بن قارن - وهو المازيار - إلى الصيد في نفر يسير فبادره الحسن وناوشه الحرب، فأسر وحمل إلى سامرا] فأقر على الأفشين : أنه بعثه على الخروج والعصيان لمذهب كانوا اجتمعوا عليه، وَدِينِ اتفقوا عليه من مذاهب الثنوية والمجوس، وقبض على الأفشين قبل قدوم المازيار [بسامرا] بيوم، وأقر عليه كاتب له يقال له سابور فضرب المازيار بسوط حتى مات، بعد أن شهر وصلب إلى جانب بابك، وقد كان المازيار رَغَبَ المعتصم في أموال كثيرة يحملها [إليه] إن هو مَنَّ عليه بالبقاء فأبى قبول ذلك، وتمثل :

إنَّ الأسود أسود الغيل همتها*** يوم الكريهة في المَسْلُوب لا السلب

ومالت خشبة مازيار إلى خشبة بابك، فتدانت أجسامهما ، وقد كان صلب في ذلك الموضع باطس بطريق عمورية، وقد انحنت نحوهما خشبته، ففي ذلك يقول أبو تمام حبيب بن أوس من كلمة له :

ولقد شَفَى الأحشاء من بُرَحَائِهَا*** إذ صار بابَكُ جَارَ مَازِيَّارِ

ثانيه في كَبِدِ السماء، ولم يكن*** لاثنين ثَانٍ إذ هُمَا في الغار

فكأَنَّمَا الْحَنَيًا لكيما يَطُويًا*** عن باطس خبراً من الأخْبَارِ

ومات الأفشين في الحبس بعد أن جمع بينه وبين مازيار، فأقر عليه، وأخرج الأفشين ميتاً فصلب بباب العامة، وأحضرت أصنام زعموا أنها كانت حملت إليه، فألقيت عليه، وأضرمت النار، فأتت على الجميع.

موت أبي دلف العجلي

وفي سنة ست وعشرين ومائتين مات أبو دُلَف القاسم بن عيسى العجلي، وكان سيد أهله ورئيس عشيرته من عجل وغيرها من ربيعة وكان شاعراً مجيداً، وشجاعاً بطلا ، مغنياً مصيباً، وهو القائل :

يوماً تراني على طمر*** ترهبني الأَجْبُلُ الرواسي

ويوم لهو أحثُ كاسا***وخلف أذني قضیب آس

وذكر أن أبا دلف طعن فارساً، فنفذت الطعنة إلى أن وصل السنان إلى فارس آخر كان

من خلفه فقتلهما ؛ ففي ذلك يقول بكر بن النطاح من كلمة له :

قالوا: وينظم فارسين بطعنة*** يوم الهياج ولا نراه كليلا

لا تعجبوا فلو أنَّ طول قناته*** ميل إذا نظم الفوارس ميلا

وذكر عيسى بن أبي دُلَف أن أخاه دُلَفَ - وبه كان يكنى أبوه أبا دُلَفَ - كان ينتقص علي بن أبي طالب، ويضع منه ومن شيعته، وينسبهم إلى الجهل، وأنه قال يوماً - وهو في مجلس أبيه ، ولم يكن أبوه حاضراً - : إنهم يزعمون أن لا ينتقص عليا أحد إلا كان لغير رشدة وأنتم تعلمون غيرة الأمير يعني أباه وأنه لا يتهيأ الطعن على أحد من حرمه، وأنا أبغض عليا ، قال : فما كان بأوْشَكَ من أن خرج أبو دلف، فلما رأيناه قُمْنَا له فقال : قد سمعت ما قاله دُلَفُ والحديث لا يكذب والخبر الوارد في هذا المعنى لا يختلف، هو وَاللهِ لزَنْيَةٍ وَحَيْضَة، وذلك أني كنت عليلا فبعثت إلَيَّ أختي جارية لها، كنت بها معجباً، فلم أتمالك أن وقعت عليها وكانت حائضاً فعلقت به، فلما ظهر حَمْلها وَهَبتها لي .

عداوة أبي دلف وابنه

فبلغ من عداوة دلف هذا لأبيه ونصبه ومخالفته له لأن الغالب على أبيه التشيع والميل إلى علي أن شنع عليه بعد وفاته، وهو ما حدث به [محمد بن علي] القُوهِسْتانِي قال : حدثنا دُلَفُ بن أبي دلف، قال: رأيت في المنام آتياً أتاني بعد موت أبي، فقال لي : أَجِبِ الأمير، فقمت معه، فأدخلني داراً وَحشَة وَعْرَةً، وأصعدني على درج منها، ثم أدخلني غرفة في حيطانها أثر النار ، وفي أرضها أثر الرماد ، وإذا به عُزيان واضع رأسه بين ركبتيه، فقال كالمستفهم : دلف؟ قلت : دلف، فأنشأ يقول :

فلو أنا إذا مُتْنَا تُركنا*** لكان الموت راحة كل حَيّ

ولكِنَّا إذا مُتنَا بُعِثْنَا*** وَنُسْأَل بعده عن كل شي

ثم قال : أفهمت؟ قلت نعم وانتبهت .

موت جماعة من العلماء

وفي خلافة المعتصم - وذلك في سنة أربع وعشرين ومائتين – مات جماعة من نَقَلَة الأخبار وعِلْيّة أصحاب الحديث : منهم عمرو بن مرزوق الباهلي البصري، وأبو النعمان حازم بن محمد بن الفضل السدوسي، وأبو أيوب سليمان بن حرب الواشجي البصري من الأزد، وسعيد بن الحكم بن أبي مريم البصري، وأحمد بن عبد الله الغُدَاني، وسليمان الشاذكوني، وعلي المدني.

وفي سنة سبع وعشرين ومائتين مات بِشْرُ الْحَافي ببغداد، وكان من بلاد مَرْوَ، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي بالبصرة وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، وعبد الله بن عبد الوهاب الجمحي، وإبراهيم بن يسار الرَّمَادِي، وقيل: إن فيها كانت وفاة محمد بن كثير العبدي، والصحيح أن وفاته كانت في سنة ثلاث وعشرين ومائتين .

قال المسعودي : وفي سنة سبع وعشرين ومائتين كانت وفاة المعتصم، على دجلة في قصره المعروف بالخاقاني، يوم الخميس لثماني عشرة ليلة بَقِيَتْ من شهر ربيع الأول، وقيل : لساعتين من ليلة الخميس، وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وقيل: ست وأربعين سنة، على ما قَدَّمنا في صدر هذا الباب وكان مولده بالخلد ببغداد سنة ثمانين ومائة في الشهر الثامن من السنة، وهو ثامن الخلفاء، والثامن من ولد العباس، ومات عن ثمانية بنين وثمان بنات .

وللمعتصم أخبار حسان وما كان من أمره في فتح عَمُورِيَّةً، وما كان من حُرُوبه قبل الخلافة في السفارة نحو الشام ومصر وغير ذلك، وما كان منه بعد الخلافة، وما حَكَى عنه من حُسْن السيرة واستقامة الطريقة أحمد بن أبي دؤاد القاضي، ويعقوب بن إسحاق الكندي في لمع أوْرَدَها في رسالته المترجمة بسبيل الفضائل، وقد أتينا على جميع ذلك في كتابنا في «أخبار الزمان والكتاب الأوسط، وقد ذكرنا في هذا لمعاً مُنَبِّهة على ما سلف وباعثة على دَرْس ما تقدم.

ذكر خلافة الواثق بالله

موجز

وبويع هارون بن محمد بن هارون الواثق[ بالله ] ، ويكنى بأبي جعفر، وأُمه أُمُّ ولد رومية وتسمى قَرَاطِيس، وذلك في اليوم الذي كانت فيه وفاة المعتصم، وهو يوم الخميس لثماني عشرة ليلة خَلَتْ من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وبويع وهو ابن إحدى وثلاثين سنة وتسعة أشهر [ وتوفي بسامرًا وهو ابن سبع وثلاثين سنة وستة أشهر، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوماً، وقيل: إنه توفي في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، ووزيره محمد بن عبد الملك، على حسب ما قَدَّمنا في أيام المعتصم من هذا الكتاب والتواريخ متباينة في مقادير أعمارهم وأيامهم في الزيادة والنقصان .

ذكر لمع من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

صفات الواثق

كان الواثق كثير الأكل والشرب، واسع المعروف، متعطفاً على أهل بيته متفقداً لرعيته،وسلك في المذهب مذهب أبيه وعمه من القول بالعدل.

غلب عليه اثنان

وغلب عليه أحمد بن أبي دؤاد، ومحمد بن عبد الملك الزيات، فكان لا يَصْدر إلا عن رأيهما، ولا يعتب عليهما فيما رَأَيَاه، وقلدهما الأمر وفَوَّض إليهما ملكه .

أعرابي يصف الواثق وأعوانه

وذكر أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الجاسمي، نسبة إلى جاسم – وهي قرية من أعمال دمشق بين بلاد الأردن ودمشق بموضع يعرف بالجولان، ويعرف بجاسم على أميال من الجابية وبلاد ،نوى وهي من مراعي أيوب(عليه السلام)- قال : خرجت في [أول] أيام الواثق إلى سُرَّ من رأى فلما قربت منها لقيني ،أعرابي فأردت أن أعلم خبر العسكر منه، فقلت يا أعرابي ممن أنت؟ قال : من بني عامر ، قلت : وكيف علمك بعشكر أمير المؤمنين قال قَتَلَ أرضاً ،عالمها قلت : ما تقول في أمير المؤمنين؟ قال : وَثِق بالله فكفاه، أشجى العاصية، وَقَصَم العادية وعدل في الرعية، ورغب عن كل ذي جناية، قلت : فما تقول في أحمد بن أبي دُؤَاد (2) ؟ قال : هَضَبَة لا تُرَام وجبل لا يضام تشحذ له المدى، وتنصب له الحبائل، حتى إذا قيل قد هلك وثب وَثْبَة الذئب، وَخَتَل خَتْلَة الضب، قلت : فما تقول في محمد بن عبد الملك الزيات؟ قال: وسع الداني شره، ووصل إلى البعيد ضره له في كل يوم صريع لا يرى فيه أثر نَابِ ولا مِخْلَب ، قلت : فما تقول في عمرو بن فرج؟ قال : ضخم نهم استعذب الدم ينصبه القوم تُرْساً للوغى قلت : فما تقول في الفضل بن مروان؟ قال: رجل نُبِش بعد ما قبر، ليس تعد له حياة في الأحياء، وعليه خَفْتة الموتى قلت : فما تقول في أبي الوزير؟ قال : تخاله كبش

الزنادقة، أما تراه إذا أخمله الخليفة سَمِن وَرَتَع، وإذا هزه أمطر فأمْرَعَ ، قلت : فما تقول في أحمد بن الخصيب؟ قال : ذاك أكل أكلة نهم، فزرق زرقة بشم، قلت : فما تقول في إبراهيم أخيه ؟ قال :أموات غير أحياء وما يشعرون أيَّانَ يبعثون، قلت : فما تقول في أحمد بن إبراهيم؟ قال : لله دره أي فاعل هو ؟وأي صابر هو ؟ اتخذ الصبر دثاراً، والجود شعاراً[وأهون عليه بهم] قلت : فما تقول في المُعَلى بن أيوب؟ قال : ذاك رجل خير نصيح السلطان عفيف اللسان، سلم من القوم وسلموا منه ، قلت : فما تقول في إبراهيم بن رَبَاحٍ ؟ قال : ذاك رجل أوثقه كرمه، وأسلمه فَضله، وله دعاء لا يسلمه، ورب لا يخذله، وفوقه خليفة لا يظلمه قلت : فما تقول في الحسن ابنه ؟ قال : ذاك ذاك عود نُضَار، غُرس في منابت الكرم ، حتى إذا اهتز حصدوه] ، قلت : فما تقول في نجاح بن سلمة ؟ قال : لله دره !! أي طالب ،وتر، ومدرك ثأر؟ يلتهب كأنه شعلة نار له من الخليفة في الأحيان جلسة تزيل نعماً وتُحِلُّ نقماً ، قلت يا أعرابي، أين منزلك حتى آتيك؟ قال : اللهم غَفْراً ما لي منزل أنا أشتمل النهار، والتحف الليل، فحيثما أدركني الرقاد رقَدْتُ ، قلت : فكيف رضاك عن أهل العسكر؟ قال : لا أخلق وجهي بمسألتهم، إن أعطوني لم أحمدهم وإن منعوني لم أذمهم وإني كما قال هذا الغلام الطائي :

وما أُبالي وَخَيْرُ القول أصْدَقه ***حَقَنْتَ لي ماء وجهي أو حقنت دمي

قلت : فأنا قائل هذا الشعر ، قال : أثنك أنت الطائي؟ قلت : نعم ، قال : الله أبوك، وأنت القائل :

ما جُودُ كَفَّكَ إن جادت وإن بخلت*** من ماء وجهي وقد أخلقته عِوَضُ

قلت : نعم قال : أنت أشعر أهل زمانك.

[ وفي رواية أخرى ليست في الكتاب :قلت أنشدني شيئاً من شعرك، فأنشدني :

أقول وجنح الدجا مُلْبَدُ*** وَللَّيْلِ في ي ُكلِّ فَجٍّ يَدُ

ونحن ضجيعان في مُجْسَد*** فلله ما ضُمِّنَ المجسد

فيا غَدُ إِن كُنت بي مُحْسِناً*** فلا تَدْنُ من ليلتي يا غَدُ

ويا ليلة الوصل لا تنفدي ***كما ليلة الهجر لا تنفدُ

فقلت : الله أبوك !!] ورددته معي حتى لقيت ابن أبي دُوَادٍ وحدثته بخبره، فأوصله

إلى الواثق فأمر له بألف دينار، وأخذ له من سائر الكتاب وأهل الدولة ما أغناه به ، وأغنى عقبه بعده.

وهذا الخبر فمخرجه عن أبي تمام فإن كان صادقاً فيما قال، ولا أراه، فقد أحسن الأعرابي في الوصف، وإن كان أبو تمام هو الذي صنعه وَعَزَاه إلى هذا الأعرابي فقد قصَّر في نظمه، إذ كانت منزلته أكبر من هذا.

أبو تمام الطائي

وكانت وفاة أبي تمام بالموصل سنة ثمان وعشرين ومائتين، وكان خليعاً ماجناً [ في بعض أحواله]، وربما أداه ذلك إلى ترك موجبات فرضه تماجناً لا اعتقاداً.

وحدث محمد بن يزيد المبرد، عن الحسن بن رجاء ، قال : صار إليَّ أبو تمام وأنا بفارس، فأقام عندي مقاماً طويلا، ونمى إليَّ من غير وجه أنه لا يصلي، فوكلت به مَنْ يراعيه ويتفقده في أوقات الصلاة فوجدت الأمر على ما اتصل بي عنه، فعاتبته على فعله ذلك، فكان من جوابه أن قال : أتراني أنشط للشخوص إليك من مدينة السلام وأتجشم هذه الطرقات الشاقة وأكسل عن ركعات لا مؤونة عليَّ فيها، لو كنت أعلم أن لمن صلاها ثواباً أو على من تركها عقاباً قال فهممت والله بقتله، ثم تخوَّفْتُ أن يصرف الأمر إلى غير جهته، وهو القائل :

وأحق الأنام أن يَقْضِيَ الدَّيْنَ*** امْرُؤٌ كَانَ لِلإِلَهِ غَرِيمَا

وهذا قول مباين لهذا الفعل والناس في أبي تمام في طرفي نقيض : متعصب يعطيه أكثر من حقه، ويتجاوز به في الوصف ،قدره ويرى أن شعره فوق كل شعر، أو منحرف له معاند، فهو ينفي عنه حسنه، ويعيب ،مختاره ويستقبح المعاني الظريفة التي سَبَقَ إليها وتفرد بها .

وذكر عبد الله بن الحسن بن سعد، أن المبرد قال : كنت في مجلس القاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق، وحضر جماعة سَمَّاهم منهم الحارثي الذي قال فيه علي بن الجهم الشامي :

لم یطلُعَا إلا لآبدة*** الحارثي وَكَوْكَب الذنب

فجرى ذلك الشعر وإن كان الكلام تسلسل إلى ذكر أبي تمام وشعره، وأن الحارثي أنشد لأبي تمام معاتبة أحسن فيها، وأن المبرد استحيا أن يستعيد الحارثي الشعر ، أو يكتبه منه لأجل القاضي، قال ابن سعد (1) : فأعلمت المبرد أني أحفظ الشعر، فأنشدته إياه، فاستحسنه واستعاده مني مراراً حتى حفظه منى، وهو:

جعلت فداك ! عبد الله عندي*** بعقب النأي عنه والبعاد

له لُمَة من الفتيان بيض*** قضوا حق الصداقة والوداد

دعوتهُمُ عليك وَكُنْتُ ممن*** أناديه على النُّوبِ الشداد

قال : وسألته عن أبي تمام والبحتري أيهما أشعر ؟ قال : لأبي تمام استخراجات لطيفة، ومعان ظريفة، وجيده أجود من شعر البحتري ومن [شعر مَنْ] تَقَدَّمه من ،المحدثين وشعر البحتري أحسن استواء من شعر أبي تمام ؛ لأن البحتري يقول القصيدة كلها، فتكون سليمة من طعن طاعن أو عيب عائب وأبو تمام يقول البيت النادر ويتبعه البيت السخيف، وما أشبهه إلا بغائص البحر يخرج الدرة وَالمَحْشَلَبة فيجعلهما في نظام واحد، وإنما يؤتى هو وكثير من الشعراء من البخل بأشعارهم ، وإلا فلو أسقط من شعره على كثرة عدده ما أنكر منه لكان أشعر نظرائه، فدعاتي هذا القول منه إلى أن قرأت عليه شعر أبي تمام، وأسقطت خواطئه وكل ما ذُمّ من شعره، وأفردت جيده، فوجدت ما يتمثل به ويجري على ألسنة العامة وكثير من الخاصة مائة وخمسين بيتاً ، ولا أعرف شاعراً جاهليا ولا إسلامياً يتمثل له بهذا المقدار من الشعر، ثم قال المبرد: وبالبحتري يُخْتَمُ الشعر، وأنشدني له بيتين زعم المبرد أنهما لو أضيفا إلى شعر زهير لجازا فيه، وهما:

وما سَفَهُ السفيه وإن تَعَدَّى*** بأنْجَعَ فيك من حلم الحليم

متى أحْفَظْتَ ذا كرم تخطى*** إليك ببعض أفعال اللشيم

قال : وكان مما ذكرناه من شعر البحتري في هذا المجلس وقدمه محمد بن يزيد على نظرائه قوله في ابني صاعد بن مخلد:

وإذا رأيت مخايل ابْنَيْ صَاعِدٍ *** أدَّتْ إليك مخايل ابني مَخْلَدِ

كالفرقدين إذا تأمل ناظر*** لم يَعْلُ موضع فرقد من فرقد

وقوله :

مَنْ شاكِرٌ عني الْخَلِيفَةَ لِلَّذِي*** أولاهُ مِنْ بِرِّ وَمِنْ إحسان؟

حتى لقد أفضَلْتُ من إفضَالِه*** وأريت نهج الجود حيث أراني

أغْنَتْ يداه يدي، وَشَرَّدَ جوده*** بخلي، فأفقرني كما أغناني

ووثقت بالخلق الجميل معجلا*** منه، وأعطيت الذي أعطاني

وقوله :

وددتُ بياضُ السيف يوم لقينني*** مكان بياض الشيب كان بمفرقي

وقوله :

دنوت تواضعاً وعلوت قدراً*** فَشأناك انحدار وارتفاع

كذاك الشمس تَبْعُد أن تُسامي*** ويدنو الضوء منها والشعاع

وقوله في الفتح بن خاقان، وقد نزل إلى أسد فقتله :

حملت عليه السيف، لا عَزْمُكَ انثنى*** ولا يَدُكَ ،ارتدَّتْ، ولا حَدُّه نَبَا

فأحجم لما لم يجد فيك مطمعاً*** وصَمَّم لما لم يجد منك مهربا

وكنت متى تجمع يمينك والعلا*** لدى ضَيْغَم لم تبق للسيف مضربا

وقوله :

ما زال صرف الدهر يؤيس صَفْقَتِي*** حتى رَهَنْتُ على المشيب شَبَابِي

وقوله في المنتصر :

وإن عليّا لأولى بكم *** وأزكى بداً عندكم من عمر

وكل له فَضْلُه، والحجو*** لُ بوم البراذين دون الغُرَز

وقوله :

تعيب الغانيات علي شيبي*** ومن لي أن أمَتَّعُ بالمشيب

ثم ذكر انتقاض الصلح بين عشيرته فقال :

إذا ما الجرح زم على فساد*** تبيَّنَ فيه تفريط الطبيب

وقوله :

وللسَّهْمُ الشريد أخَفْ عِبثاً*** على الرامي من السهم المصيب

وقوله :

وما منع الفَتْحُ بن خاقان نيله*** ولكنها الأيام تُعْطِي وتحرم

سحاب خَطَاني جوده وهو مُسْبِل*** وبحر عَدَاني فيضه وهو مُنْعمُ

[وبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباً*** ومَوْضِعُ رجلي منه أسود مظلم]

أأشكو نداهُ بعد أن وَسِعَ الورى*** ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم؟

وذكر محمد بن أبي الأزهر قال : كان إبراهيم بن المدبر محله في العلم والأدب والمعرفة - يُسيء الرأي في أبي تمام ويحلف أنه لا يحسن شيئاً قط، فقلت له يوماً : ما تقول في قول مَنْ يقول :

غدا الشيب مختطاً بفَوْدَيَّ خطة*** سبيل الردى منها إلى النفس مَهْيَعُ

هو الزور يجفو، والمعاشر يحتوي*** وذو الإلف يُقْلَى، والجديد يرقعُ

له منظر في العين أبيض ناصع*** ولكنه في القلب أسْوَدُ أسْفَعُ

ونحن نرجيه على الكره والرضا*** وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع

وفيمن يقول :

فإن ترم عن عمرو تداعی به المدى*** فخانك حتى لم تَجِد فيه مترعا

فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة*** فقطعها ثم انثنى فتقطعا

وفيمن يقول :

شرف على أول الزمان وإنما الـ*** ـشرف المناسب ما يكون كريما

وفيمن يقول :

إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا بلا نعمة أحْسَنْتَ أن تتطَوَّلا

وفيمن يقول :

ممطر لي الحياة والمال لا ألـ*** ـقاك إلا مستوهباً أو وَهُوَبَا

وإذا ما أردت كنت رشاء*** وإذا ما أردت كنت قليبا

وفي القائل :

خشعوا لصولتك التي عودتهم*** كالموت يأتي ليس فيه عثار

فالمشي شي همس والنداء إشارة*** خوف انتقامك والحديث سِرَارُ

أيامنا معقودة أطرافها*** بك، والليالي كُلُّها أسحار

تَنْدَى عُفَاتك للعُفَاة، ويغتدي*** رفقاً إلى زوارك الزوار

وفيمن يقول :

إذا أَوْهَدْت أرضاً كان فيها*** رضاك فلا نحن إلى رُبَّاهَا

قال ابن أبي الأزهر: فوالله لكأني أغريت ابن المدبر بأبي تمام، حتى سبه ولعنه، فقلت : إذا فعلت ذلك لقد حدثني المعروف بأبي عمرو بن الحسن الطوسي الراوية أن أباه وَجّه به إلى ابن الأعرابي يقرأ عليه أشعار هُذَيْل قال : فمرت بنا أراجيز، فأنشدته أرجوزة لأبي تمام لم أنسبها إليه، وهي:

وعادل عذلته في عذله*** فظن أني جاهل من جهله

ماغبن المغبون مثل عقله*** مَنْ لك يوماً بأخيك كله

لبست رَيْعَانِي فدعني أُبله*** ومَلك في كبره ونبله

وسوقة في قوله وفعله ***بذلتُ مدحي فيه باغي بذله

فجز حبل أملي من وصله*** من بعد ما استعبدني بمَطْلِهِ

ثم اغتدى معتذراً بجهله*** ذاعَنَقٍ في الجهل لم يخله

تلحظني في جده وهزله*** [يعجب من تعجبي من بخله]

لحظ الأسیر حلقات كَبُله ***حتى كأني جئته بعذله

يا واحداً منفرداً بعدله*** أكسبتُكَ المال فلا تمله

ما يصنع الغِمْدُ بغير نصله*** والمدح إن لم يك عند أهله

فقال لابنه: اكتبها، فكتبها على ظهر كتاب من كتبه فقال له : جعلت فداك ! إنها لأبي تمام، فقال: خرق خرق.

وهذا من ابن المدبر قبيح مع علمه ،لأن الواجب أن لا يُدْفَعَ إحسان محسن عدوا كان أو صديقاً، وأن تؤخذ الفائدة من الوضيع والرفيع، فقد روي عن أمير المؤمنين علي أنه قال : الحكمة ضالة المؤمن ؛ فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك . وقد ذكر عن بزرجمهر بن البختكان - وكان من حكماء الفرس، وقد قدمنا ذكره فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار ملوك ساسان وهم الفرس الثانية - أنه قال : أخذت من كل شيء أحسن ما فيه، حتى من الكلب والهرة والخنزير والغراب قيل له ما أخذت من الكلب؟ قال : إلْفَهُ لأهله، وذَبَّه عن صاحبه قيل : فما أخذت من الغراب؟ قال: شدة حذره، قيل: فمن الخنزير ؟ قال : بكوره في حوائجه قيل فمن الهرة؟ قال : حسن نغمتها وتملّقها لأهلها عند المسألة .

ومَنْ عاب مثل هذه الأشعار التي ترتاح لها القلوب، وتُحَرِّك بها النفوس، وتصغي إليها الأسماع وتشحذ بها الأذهان، ويعلم كل من له قريحة وفضل ومعرفة أن قائلها قد بلغ في الإجادة أبعد غاية وأقصى نهاية، فإنما غَضَّ من نفسه، وطعن على معرفته واختياره .

وقد روي عن ابن عباس أنه قال : الهوى إله معبود، واحتج بقوله تعالى :أَفَرَهَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنهُ [الجاثية : 23] .

ولأبي تمام أشعار حسان ومعانٍ لطاف، واستخراجات بديعة .

وحكي عن بعض العلماء بالشعر أنه سئل عن أبي تمام، فقال: كأنه جمع شعرالعالم، فانتخب جوهره ، وقد كان أبو تمام ألف كتاباً وسَمَّاه : «الحماسة» وفي الناس من يسميه كتاب «الخيبة» انتخب فيه شعر الناس، ظهر بعد وفاته.

وقد صنف أبو بكر الصولي كتاباً جمع فيه أخبار أبي تمام وشعره وتصرفه في أنواع علومه ومذاهبه واستدل الصولي على ما وصف عن أبي تمام بما يوجد من شعره، من ذلك قوله في صفة الخمر :

جهمية الأوصاف، إلا أنهم*** قد لقبوها جوهر جوهر الأشياء

وقد رثته الشعراء بعد وفاته، والأدباء من إخوانه منهم الحسن بن وهب الكاتب، وكان شاعراً ظريفاً له حظ في المنثور والمنظوم، فقال:

سقى بالموصل الجَدَثَ الغريبا*** سحائب ينتحبن له نحيبا

إذا أطللنه أطللن فيه*** شعيب المزن يتبعها شعيبا

ولَطَّمت البروقُ له خدودا*** وشققت الرعود له جيوبا

فإنَّ تراب ذاك القبر یحوي*** حبيبا كان يدعى لي لبيباً

لبيباً شاعراً فطناً أديباً*** أصيل الرأي في الْجُلّى أرببا

إذا شاهدته رواك فیما*** یسرك رقة منه وطيبا

أبا تمام الطائي، إنَّا*** لقينا بعدك العجب العجيبا

فقدنا منك علقاً لا ترانا*** نصيب له مدى الدنيا ضريبا

وكنت أخاً لنا أبْدَى إلينا*** ضمير الود والنسب القريبا

فلما بنت كدرت الليالي*** قريب الدار والأقصى الغريبا

وأبدى الدهر أقبح صفحتيه*** ووجهاً كالحاً جَهُما قطوبا

فأخر بأن يطيب الموت فيه*** وأخر بعيشنا أن لا يطيبا

وللحسن أشعار حسان ومعان جياد منها قوله :

أبت مقلتاك لفرط الحَزَنْ*** عليك الرُّقَادَ وبرد الوَسَنُ

و حق لعينيك أن لا تناما*** وقلبك مختلس مرتهن

وبين الجوانح داء دفين*** لعمرك مستتر قد كَمَنْ

[نجيّ الهموم ، وقرن الكلوم*** ووهى الحلوم، وبعد الوطن]

[ شديد النفار كثير العثار،*** خليع العذار، يجرُّ الرَّسَنُ]

آفي كل يوم تُطِيلُ الوقوف*** تناجي الديار وتبكي الدِّمَنْ؟

وتستخبر الدار عن أهلها***وَتُدْرِي الدموع على من ظَعَنْ

كأنك لم ترفيما مضى*** من الدهر ذا صَبْوَة مفتتن

عذرتك أيام شرخ الشباب***وفرعك فرع نضير الغُصْن

فأما وقد زال ظل الشَّبا*** ب عنك وَوَلّى كأن لم يكن

وألبسك الشيب بعد الشَّبَابِ*** قناع بياض كلون القُطن

صرت قَذى في عيون الحسا*** ن يَخُنَّكَ عهداً وإن لم تَخنُ

وَيَصْدِفَنَ عنك إذا رمتهنَّ*** وَكُنْتَ لهن زَمَاناً سكن

فمالك عُذر وأنت امرؤ*** بما فيه رشدك طَبّ فطن

علي بن الجعد

وفي خلافة الواثق مات علي بن الجعد مولى بني مخزوم ، وكان من علية أصحاب الحديث وأهل النقل، وذلك في سنة ثلاثين ومائتين.

قتيل في المحنة

وفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين قَتَلَ الواثِقُ أحمد بن نصر الخزاعي في المحنة على القرآن

نديم

قال المسعودي : وكان يحضر مجلس الواثق فتى برسم الندماء [وكان] يقوم قائماً لصغر سنه، ولم يكن لذلك يُلْحَقُ في الجلوس بمراتب ذوي الأسنان وكان ذكيا مأذوناً له في الإفاضة مع الجلساء في كل ما يعرض لهم الكلام فيه والتكلم بما يسنح ويختلج في صدره من مثل سائر وبيت نادر وحديث ممتع وجواب مُسرع قال : وكان الواثق من شدة الشهوة للطعام والنهمة فيه على الحالة المشهورة المتعالمة، فقال لهم الواثق يوماً ما تختارون من النَّقْل؟ فبعض قال نبات السكر وبعض قال رمان وبعض قال تفاح، وبعض قال : قصب السكر ينضح بماء الورد وبعض أخرجته الفلسفة إلى النقيض، فقال ملح ،يغلي وبعض قال : صبر يمحى بمذاب النبيذ، ويجلى على سَوْرَة الشراب ومرارة النقل قال : ما صنعتم شيئاً، ولكن ما تقول أنت يا غلام؟ قال: خشکنانج مسير، فوافق ذلك مراد الواثق [وقرع به ما في نفسه]، وقال: أصبت وأحسنت بارك الله لك، وكان ذلك أول جلوسه .

محمد بن علي بن موسى

وقيل : إن أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم الرضوان توفي في خلافة الواثق، وقد بلغ من السن ما قَدَّمناه في خلافة المعتصم من هذا الكتاب، وقيل: إنه كتب إلى الواثق يا أمير المؤمنين ليس من أحد وإن ساعَدَتْهُ المقادير بمستخلص غضارة عيش إلا من خلال مكروه ، ومَنْ ترك معاجلة الدرك انتظار مؤاجلة الأشياء سلبته الأيام ،فرصته، فإن شرط الزمان الآفات، وحكم الدهر السلب.

عبد الله بن طاهر

وفي سنة ثلاثين ومائتين - وذلك في خلافة الواثق - توفي [أبو العباس] عبد الله بن طاهر بن الحسين] في ربيع الأول من هذه السنة، وفيه يقول الشاعر، وَقْتَ كون عبد الله بن طاهر بمصر :

يقول أناس : إنَّ مصر بعيدة *** وما بعدت مصر وفيها ابن طاهر

وأبعد من مصر رجال تَرَاهُمُ*** بحضرتنا معروفهُمْ غیر حاضر

عن الخير مَوْتَى، ما تبالي أزرتهم ***على طمع أم زرت أهل المقابر

مجلس للواثق في الفلسفة والطب

وكان الواثق [الله] محباً للنظر، مكرماً لأهله، مبغضاً للتقليد وأهله، محباً للإشراف على علوم الناس وآرائهم ممن تقدم وتأخر من الفلاسفة [وغيرهم من الشرعيين، فحضرهم ذات يوم جماعة من الفلاسفة ]والمتطببين، فجرى بحضرته أنواع من علومهم في الطبيعيات وما بعد ذلك من الإلهيات، فقال لهم الواثق : قد أحببت أن أعلم كيفية إدراك معرفة الطب ومأخذ أصوله أذلك من الحس أم من القياس والسنة؟ أم يدرك بأوائل العقل ؟ أم علم ذلك وطريقه يعلم عندكم من جهة السمع، كما يذهب إليه جماعة من أهل الشريعة؟ وقد كان ابن بختیشوع وابن ماسويه وميخائيل فيمن حضر، وقيل : إن حنين بن إسحاق وسلمويه فيمن حضر في هذا المجلس [أيضاً].

فقال منهم قائل : زعم طوائف من الأطباء وكثير من متقدميهم أن الطريق الذي يدرك به الطب هو التجربة فقط ، وحَدُّوه بأنه علم يتكرر الحس على محسوس واحد في أحوال متغايرة، فيوجد بالحس في آخر الأحوال كما يوجد في أولها، والحافظ لذلك هو المجرب، وزعموا أن التجربة ترجع إلى مَبَادٍ أربعة هن لها أوائل ومقدمات، وبها علمت ،وصحت وإليها تنقسم التجربة، فصارت بذلك أجزاء لها، فزعموا أن قسماً من تلك

الأقسام طبيعي، وهو ما تفعله الطبيعة في الصحيح والمريض من الرعاف، والعرق ،والإسهال والقيء التي تُعْقِبُ في المشاهدة منفعة أو ضرراً. [وقسماً عرضياً، وهو ما يعرض للحيوان من الحوادث والنوازل، وذلك كما يعرض للإنسان أن يجرح أو يسقط فيخرج منه دم قليل أو كثير ، أو يشرب في مرضه أو صحته ماء بارداً أو شراباً، فيعقب في المشاهدة منفعة أو ضرراً]، وقسماً إرادياً، وهو ما يقع من قبل النفس الناطقة، وذلك كمثل منام يراه الإنسان، وهو أن يرى كأنه عالج مريضاً به علة مشاهدة معقولة بشيء من الأشياء معروف فيبرأ ذلك المريض من مرضه، أو يخطر مثل ذلك بباله في حال فكره فيتردد ويعطب ظنه بعطبه فيجربه بأن يفعله كما يرى في منامه، فيجده كما يرى أو يخالف ذلك، ويفعله مراراً، فيجده كذلك. وقسماً هو نقل، وهو على ثلاثة أقسام : إما أن ينقل الدواء الواحد من مرض إلى مرض يشبهه، وذلك كالنقلة من ورم الحمرة إلى الورم المعروف بالنَّمْلَة، وإما من عضو إلى عضو يشبهه، وذلك كالنقلة من [ العضد إلى الفخذ، وإما من دواء إلى دواء يشبهه كالنقلة من] السفرجل إلى الزعرور في علاج انطلاق البطن وكل ذلك لا يعمل به عندهم إلا بالتجربة.

وذهبت طائفة أخرى منهم إلى أن الحيلة في تقريب أمر صناعة الطب وتسهيلها أن تُرَدَّ أشخاص من العلل ومُولّداتها إلى الأصول الحاضرة الجامعة لها، إذ كان لا غاية لتولدها، وأن يستدل على الدواء من نفس الطبيعة والمرض الحاضر الموجود في الحال والوقت، دون الأسباب المؤثرة الفاعلة التي عدمت ودون الأزمان والأوقات والأسباب والعادات ومعرفة طبائع الأعضاء وحدودها، والرصد والتحفظ لكل ما يكون في كل علة وجدت أو لم توجد وَبَرْهَنُوا بأن زعموا أن من المعلومات الظاهرة التي لا ريب فيها أن الضدين لا يجوز اجتماعهما في حال ، وأن وجود أحدهما ينفي وجود الآخر في الحال لا محالة، قالوا: وليس هذا كشيء ظاهر يستدل به على كل شيء خفي، والشيء الظاهر يحتمل الوجود فيختلف في الاستدلال ؛ فيكون القطع على ما يوجبه غير بين، وهذا قول جماعة من حذاق المتطببين وأهل التقدم في اليونانيين مثل نامونيس وساساليس وغيرهما، وهم قوم يعرفون بأصحاب الطب الجبلي.

قال الواثق لهم جميعاً: فأخبروني عن جمهورهم الأعظم إلامَ يذهبون في ذلك؟ فقالوا : إلى القياس ، قال : وكيف ذلك؟ قالوا جميعاً زعمت هذه الطائفة أن الطريق والقانون إلى معرفة الطب مأخوذ من مُقَدِّمات أوَّليَّة، فمنها معرفة طبائع الأبدان والأعضاء وأفعالها ومنها معرفة الأبدان في الصحة والمرض، ومعرفة الأهوية واختلافها، والأعمال والصنائع والعادات والأطعمة والأشربة والأسفار(1)، ومعرفة قُوَى

الأمراض وقالوا : ثبت في الشاهد أن الحيوان يختلف في صورته وطباعه، وكذلك أعضاؤه مختلفة في طباعها وَصُوَرها، وأن الأجساد الحيوانية تتغير بالأهوية المحيطة بها وبالحركة والسكون والأغذية من المأكول والمشروب والنوم واليقظة واستفراغ ما يخرج من الجسد واحتباسه والأعراض النفسانية من الغم والحزن والغضب والهم، قالوا: والغرض بالطب في تدبير الأجسام حفظ الصحة الموجودة في البدن الصحيح، واجتلابها للعليل، فالواجب أن يكون حفظ الصحة إنما هو بمعرفة الأسباب المصححة، فالواجب على الطبيب لا محالة من هذه المقدمات التي قد صحت إذا أراد علاج المريض النظر في طبائع الأمراض والأبدان والأغذية والعادات والأزمان والأوقات الحاضرة والأسباب ليستدل بجميع ذلك، وهذا يا أمير المؤمنين قول أبقراط وجالينوس فيمن تقدم وتأخر عنهم قالوا: وقد اختلفت هذه الطائفة في كثير من الأغذية والأدوية، مع اتفاقهم على ما وصفنا، وذلك لاختلافهم في كيفية الاستدلال ؛ فمنهم من زعم أنه يستدل على طبيعة الشيء من الأغذية والأدوية بطعمه أو ريحه أو لونه أو قوامه أو فعله أو تأثيره في الجسد، وزعموا أن الوثيقة في الاستدلال بالأجزاء إذا كانت الألوان والأرايح وسائر ما ذكرنا من أفعال الطبائع الأربع، كما أن الإسخان والتبريد والتليين فعل لها، وزعمت طائفة أخرى منهم أن أصح الشهادات وأثبت القضايا في الحكم على طبيعة الدواء والغذاء بما أخذ من فعله في الجسد دون الطعم والرائحة وما سوى ذلك، فإن الاستدلال بما سوى الفعل والتأثير لا يقطع به ولا يعول [ في الحكم] على طبيعة الدواء المفرد والمركب.

قال الواثق لحنين من بين الجماعة ما أول آلات الغذاء من الإنسان؟ قال : أول آلات الغذاء [من الإنسان] الفم، وفيه الأسنان والأسنان اثنتان وثلاثون سناً، منها في اللخي الأعلى ستة عشر سناً، وفي الآخي الأسفل كذلك، ومن ذلك أربعة في كل واحد من اللحيين عِرَاضٌ محددة الأطراف تسميها الأطباء من اليونانيين القواطع وذلك أن بها يقطع ما يحتاج إلى قطعه من الأطعمة اللينة، كما يقطع هذا النوع من المأكول بالسكين، وهي الثنايا والرَّبَاعِيَاتُ، وعن جنبي هذه الأربعة في كل واحد من اللحيين سِنَانٍ رؤوسهما حَادَّة وأصولهما عريضة، وهي الأنياب وبها يكسر كل ما يحتاج إلى تكسيره من الأشياء الصلبة مما يؤكل، وعن جَنْبي النابين في كل واحد من الأختين خمس أسنان أخر عوارض خشن، وهي الأضراس، ويسمها اليونانيون الطواحن؛ لأنها تطحن ما يحتاج إلى طحنه مما يؤكل، وكل واحد من الثنايا والرَّبَاعِيَاتِ والأنياب له أصل واحد، وأما الأضراس فما كان منها في اللَّحْي الأعلى فله ثلاثة أصول خلا الضرسين الأقصيين، فإنه ربما كان لكل واحد منهما أصول أربعة وما كان من الأضراس في اللحي الأسفل فلكل واحد منها

أصلان، حلا الضرسين الأقْصَيَيْن ؛ فإنه ربما كان لكل واحد منهما أصول ثلاثة، وإنما احتيج إلى كثرة أصول الأضراس دون سائر الأسنان لشدة قوة العمل بها، وخصت العليا منها بالزيادة في الأصول لتعلقها بأعلى الفم.

قال الواثق : أحسنت فيما ذكرت من هذه الآلات، فصنف لي كتاباً تذكر فيه جميع ما يحتاج إلى معرفته من ذلك، فصنف له كتاباً جعله ثلاث مقالات، يذكر فيه الفرق بين الغذاء والدواء والمسهل وآلات الجسد.

الواثق وحنين بن إسحاق أيضاً

وقد ذكر أن الواثق سأل حُنَيْناً في هذا المجلس وفي غيره عن مسائل كثيرة، وأن

حُنَيْناً أجاب عن ذلك، وصنف في كل ذلك كتاباً ترجمه بكتاب المسائل الطبيعية» يذكر فيه أنواعاً من العلوم، فكان مما سأل الواثق حُنَيْناً من المسائل، وقيل: بل أخضَرَ له [الواثق] نديماً من ندمائه فكان يسأله بحضرته والواثق يسمع ويتعجب مما يورده السائل والمجيب]، إلى أن قال: فما الأشياء المغيرة للهواء؟ قال حُنَيْن : خمس، وهي أوقات السنة، وطلوع الكواكب وغروبها والرياح والبلدان والبحار.

أوقات السنة

قال السائل : فكم هي أوقات السنة؟ قال [ حُنَيْنُ]: أربع الربيع والصيف والخريف والشتاء؛ فمزاج الربيع معتدل في الحرارة والرطوبة، ومزاج الصيف حار يابس ومزاج الخريف بارد يابس ومزاج الشتاء بارد رطب .

الكواكب

قال السائل : أخبرني عن كيفية تغيير الكواكب للهواء، قال حنين : إن الشمس متى قربت منها أو قربت هي من الشمس كان الهواء أزيد سُخُونَةٌ ، وخاصة كلما كانت أعظم، ومتى بعدت الشمس أو بعدت هي من الشمس كان الهواء أزيد برداً.

الرياح

قال :[السائل] أخبرني عن كيفية أعداد الرياح قال [حنين] أربع : الشَّمَال ، والجنوب، والصَّبَا ، والدَّبور ؛فأما قوة الشمال فباردة يابسة، وأما الجنوب فحارة رطبة، وأما الصَّبا والدبورفمعتدلان، غير أن الصَّبا أمْيَلُ إلى الحرارة واليبس والدبور أميل إلى البرودة والرطوبة من الصبا.

البلدان

قال : فأخبرني عن أحوال البلدان في ذلك قال: هي أربع ؛ الأول : الارتفاع والثاني :الانخفاض، والثالث مجاورة الجبال والبحار والرابع : طبيعة تربة الأرض، والنواحي أربع وهي الجنوب والشمال والمشرق والمغرب؛ فناحية الجنوب أسْخَنُ، وناحية الشمال ،أبرد ، وأما ناحيتا المشرق والمغرب فمعتدلتان، واختلاف البلدان بارتفاعها ،[ وانخفاضها ؛ لأن ارتفاعها ]يجعلها أبرد وانخفاضها يجعلها أسخن والبلدان تختلف بحسب مجاورة الجبال لها؛ لأن الجبل متى كان من البلد في ناحية الجنوب جعل ذلك البلد أزيد برداً لأنه يستره من الرياح الجنوبية، وإنما تهب فيه الريح الشمالية فقط، ومتى كان الجبل من البلد في ناحية الشمال جعل ذلك البلد أسخن .

تأثير البحار في البلدان

قال : فأخبرني عن اختلاف البلدان عند مجاورتها البحار كيف اختلفت؟

قال حنين: إن كان البحر من البلد في ناحية الجنوب فإن ذلك البلد يسخن ويرطب، وإن كان في ناحية الشمال كان ذلك البلد أبرد .

قال السائل : فأخبرني عن البلدان كيف اختلفت بحسب طبيعة تربتها، قال: إن كانت أرضها حَجَريَةً جعلت ذلك البلد أبرد وأخف [وإن كانت تربة البلد حصبانية جعلت ذلك البلد أخف وأسخن] وإن كانت طيناً جعلته أبرد وأرطب.

قال : فَلِمَ اختلف الهواء من قبل البحار؟ قال : إذا جاورت نقائع ماء أو جيفاً أو بُقُولا عَفِنَةٌ أو غير ذلك مما يتعفن تغير هواؤها .

فلما كثر هذا الكلام من السائل والمجيب أضْجَرَ ذلك الواثق، فقطع ذلك، وأجاز كل واحد ممن حضر، ثم أمرهم أن يخبر كل واحد منهم عما حضره في الزهد في هذا العالم الذي هو عالم الدُّثُورِ والفناء [والغُرور] فذكر كل واحد منهم ما سَنَحَ له من الأخبار عن زهد الفلاسفة من اليونانيين والحكماء المتقدمين كسقراط ودیوجانس .

نطق الحكماء على حدث الإسكندر

قال الواثق : قد أكثرتم فيما وصفتم، وقد أحسنتم الحكاية فيما ذكرتم، فليخبرني كل واحد عن أحسن ما سمع من نطق الحكماء الذين حضروا وفاة الإسكندر، وقد جعل في التابوت الأحمر.

فقال بعضهم : يا أمير المؤمنين، كل ما ذكروه حَسَنٌ ، وأحْسَنُ ما نطق به مَنْ حضر

ذلك المشهد من الحكماء ديوجانس وقد قيل : إنه لبعض حكماء الهند فقال : إن الإسكندر أمس أنْطَقُ منه اليوم وهو اليومَ أوْعَظُ منه أمس .

و [قد] أخذ هذا المعنى من قول الحكيم أبو العتاهية حيث قال :

كَفَى حَزَناً بدفنك ثمَّ إِنِّي*** نَفَضْتُ تراب قبرك مِنْ يَدَيَّا

وكانت في حياتك لي عظات*** وأنت اليوم أوْعَظُ منك حَيَّا

فاشتد بكاء الواثق، وعلا نحيبه وبكى معه كل من حضر من الناس، ثم قام من فَوْرِه ذلك وهو يقول :

وَصُرُوف الدهر في تقديره*** خُلِقَتْ فيها انخفاض وَانْحِدَارُ

بينما المَرْءُ على إعلائها*** إِذْهَوَى في هُوَّةٍ منها فَحَارٌ

إنما مُتَعَةٌ قوم ساعة*** وحياة المَرْءِ ثوب مُسْتَعَارُ

قال المسعودي : وللواثق أخبار حِسَانٌ مما كان في أيامه الأحداث وما كان يجري من المباحثة في مجلسه الذي عَقَدَه للنظر بين الفقهاء والمتكلمين في أنواع العلوم من العقليات والسمعيات في جميع الفروع والأصول، وقد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا، وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب في باب خلافة القاهر بالله بن المعتضد بالله جُمَلا من الأخبار في أخلاق الخلفاء من بني العباس لمعنى أوْجَبَ إيرادها في باب خلافة القاهر .

واعتل الواثق فصلى بالناس يوم النحر أحمد بن أبي دؤاد، وكان قاضي القضاة، فدعا في خطبته للواثق ، فقال : اللهم اشفه مما ابتليته وقد قَدَّمنا ذكر وقت وفاته فيما سلف من

أخباره في هذا الباب فأغني ذلك عن إعادته .

ذكر خلافة المتوكل على الله

موجز

وبويع جعفر بن محمد بن هارون ولقب المنتصر بالله، فلما كان في اليوم الثاني لقبه أحمد بن أبي دؤاد المتوكل على الله وذلك في اليوم الذي مات فيه الواثق أخوه ، وهو يوم الأربعاء لست بَقِينَ من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، ويكنى بأبي الفضل، وبويع له وهو ابن سبع وعشرين سنة وأشهر، وقتل وهو ابن إحدى وأربعين سنة فكانت خلافته أربع عشرة سنة] وتسعة أشهر وتسع لَيَالٍ، وأمه أم ولد خوارزمية يقال لها شجاع، وقُتل ليلة الأربعاء لثلاث خَلَوْنَ من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين .

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه

أمره بترك الجدل وإظهار السنة

ولما أفضَتِ الخلافة إلى المتوكل أمر بترك النظر والمباحثة في الجدال ، والتَّرْك لما كان عليه الناسُ في أيام المعتصم والواثق [والمأمون] وأمر الناس بالتسليم والتقليد وأمر شيوخ المحدثين بالتحديث وإظهار السنة والجماعة وأظهر لباس ثياب الملحمة، وفضل ذلك على سائر الثياب وَاتَّبَعَهُ مَنْ في داره على لبس ذلك، وشمل الناس لبسه، وبالغوا في ثمنه اهتماماً بعمله واصطنع الجيد منها؛ لمبالغة الناس فيها، وميل الراعي والرعية إليها، فالباقي في أيدي الناس إلى هذه الغاية من تلك الثياب يعرف بالمتوكلية، وهي نوع من ثياب الملحم نهاية في الحسن والصبغ وجودة الصنع .

أحدث اللعب والمضاحك

وكانت أيام المتوكل أحسن أيام وَأَنْضَرَهَا من استقامة الملك، وشمول الناس بالأمن والعدل، ولم يكن المتوكل ممن يوصف في عطائه وبذله بالجود ولا بتركه وإمساكه بالبخل، ولم يكن أحد ممن سلف من خلفاء بني العباس ظهر في مجلسه اللعب والمضاحك والهزل مما قد استفاض في الناس تركه إلا المتوكل ؛ فإنه السابق إلى ذلك وَالمُحْدِثُ له، وأحْدَثَ أشياء من نوع ما ذكر [نا] فاتبعه فيها الأغلب من خواصه وأكثر رعيته، فلم يكن في وزرائه والمتقدمين من كتابه وقواده مَنْ يوصف بجود ولا إفضال، أو يتعالى عن مجون وطرب .

علب عليه الفتح بن خاقان

وكان الفتح بن خاقان التركي مولاه أغْلَبَ الناس عليه، وأقربهم منه ، وأكثرهم تقدماً عنده، ولم يكن الفتح-مع هذه المنزلة من الخلافة ممن يُرْجَى فضله ويخاف شره، وكان له نصيب من العلم ومنزلة من الأدب، وألف كتاباً في [أنواع من] الأدب ترجمه بكتاب« البستان»

أحدث البناء الحيري

وأحدث المتوكل في أيامه بناء لم يكن الناس يعرفونه، وهو المعروف بالحيري والكمين والأروقة، وذلك أن بعض سُمَّاره حَدَّثه في بعض الليالي أن بعض ملوك الحيرة من النعمانية من بني نَضر أحدث بنياناً في دار قراره، وهي الحيرة، على صورة الحرب وهيئتها للهجه بها وميله نحوها لئلا يغيب عنه ذكرها في سائر أحواله، فكان الرواق فيه مجلس الملك وهو الصدرُ ، والكمان ميمنة وميسرة ويكون في البيتين اللذين هما الكمان من يقرب منه من خواصه وفي اليمين منهما خزانة الكسوة، وفي الشمال ما احتيج إليه من الشراب، والرواق قد عم فضاؤه الصدر والكمين والأبواب الثلاثة على الرواق، فسمي هذا البنيان إلى هذا الوقت بالحيري ،والكمين إضافة إلى الحيرة، واتبع الناس المتوكل في ذلك ائتماماً بفعله، واشتهر إلى هذه الغاية.

أخذه البيعة لأولاده الثلاثة

وبايع [المتوكل] لبنيه الثلاثة : محمد المنتصر بالله وأبي عبد الله المعتز بالله، والمستعين بالله، وفي ذلك يقول ابن المدبر في ذكره لهذه البيعة :

يا بيعة مثل بيعة الشَّجَرَه*** فيها لكل الخلائق الخِيَرَهُ

أكْدَهَا جعفر و صیرها*** إلى بنيه الثلاثة البَرْزَهُ

وفي ذلك يقول علي بن الجهم:

قل للخليفة :جعفر يا ذا الندى*** وابن الخلائف والأئمة والهدى

لما أردت صلاح دین محمد*** وليْتَ عهد المسلمين محمدا

وثنيت بالمعتز بعد محمد*** وجعلت ثالثهم أعَزَّ مؤيدا

وكان استخلاف المتوكل على الله بعد أن استخلف أبو العباس السفاح بمائة سنة، وبعد موت العباس بن عبد المطلب بمائتي سنة ، وقد قيل غير ذلك، والله أعلم، على تفاوت التواريخ في كمية أوقاتهم وعَدَدِ سِنِيهِمْ والزيادة في الأيام والشهور ونقصانها من مدة ملكهم .

سخطة على ابن الزيات

وقد كان سخط المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات بعد خلافته بأشهر فقبض أمواله وجميع ما كان له، وقلد مكانه أبا الوزير وقد كان ابن الزيات اتخذ للمصادرين والمغضوب عليهم تَنُوراً من الحديد رؤوس مساميره إلى داخل قائمة مثل

رؤوس المسال في أيام وزارته للمعتصم والواثق فكان يعذب الناس فيه، فأمر المتوكل بإدخاله في ذلك التنور ، فقال محمد بن عبد الملك الزيات للموكل به أن يأذن له في دواة وبطاقة ليكتب فيها ما يريد فاستأذن المتوكل في ذلك، فأذن له، فكتب:

هي السبيل فمن يوم إلى يوم كأنه ما تُرِيكَ العين في النوم لا تجزعَنَّ رويداً إنها دول دنيا تنقل من قوم إلى قوم قال : وتشاغل المتوكل في ذلك اليوم فلم تَصِلِ الرقعة إليه، فلما كان الغد قرأها فأمر بإخراجه فوجده ميتاً، وكان حَبْسُه في ذلك التنور إلى أن مات أربعين يوماً، وكان كاتباً بليغاً، وشاعراً مجيداً، وهو القائل في تحريض المأمون على إبراهيم بن المهدي [عمه] حين خرج عليه :

ألم تر أن الشيء للشيء علة*** تكون له كالنار تقدح بالزَّنْدِ

كذلك جَرْبنا الأمور، وإنما*** يدلُّك ما قد كان قبل على البعد

وظَنّي بإبراهيم أن فكاكه*** سيبعث يوماً مثل أيامه النكد

تذكَّر أمير المؤمنين قيامه ***وأيامه في الهزل منه وفي الجد

إذا هَزَّ أعواد المنابر باسمه*** تغنّی بلیلى أو بميَّةً أو هند

في شعر طويل جداً.

ومن شعره قوله في مرثية للمعتصم بالله :

وظل له سيف النبي كأنما ***مدامعه من شدة الحزن تَشْرِفُ

حمائله والبُرْدُ تشهد أنه ***هو الطيب الأولى الذي كان يعرف

أقول ومن حق الذي قلت إنني*** أقول وأثني بعد ذاك وأحلف

لما هاب أهل الظلم مثلك سائساً*** ولا أنْصَفَ المظلوم مثلُكَ منصف

وقد أتينا على أخباره وما استحسن من أشعاره في الكتاب الأوسط.

وزراؤه

فكانت أيام أبي الوزير في الوزارة يسيرة، وقد كان اتخذ للوزارة محمد بن الفضل الجرجرائي، ثم صرفه فاستكتب عبيد الله بن يحيى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين إلى أن قتل، وقد أتينا في الكتاب الأوسط على أخباره واتصاله بالمتوكل وأخبار الفتح بن خاقان.

المبرد ومجنون بدير هرقل

وذكر محمد بن يزيد المبرد قال : ذكرت للمتوكل لمنازعة جرت بينه وبين الفتح بن خاقان في تأويل آية وتنازَعَ الناسُ في قراءتها ، فبعث إلى محمد بن القاسم بن محمد بن سليمان الهاشمي، وكانت إليه البصرة فحملني إليه مكرماً، فلما اجتزت بناحية النعمان بين واسط وبغداد ذكر لي أن بدير هرقل جماعة من المجانين يُعالَجُونَ، فلما حاذيته دعتني نفسي إلى دخوله، فدخلته ومعي شاب ممن يرجع إلى دين وأدب، فإذا أنا بمجنون من المجانين قد دنا إلي فقلت : ما يقعدك بينهم وأنت بائن عنهم؟ فكسر جفنه ورفع عقيرته وأنشأ يقول :

إن وصفوني فَناحِلُ الجَسَدِ ***أو فتشوني فأبيض الكبد

أضْعَفَ وجدي وزاد في سَقَمِي*** أن لست أشكو الهوى إلى أحد

وضعت كَفِّي على فؤادِيَ من*** حَرِّ الأسى وانطويتُ فوق يدي

آه من حب آه من كبدي*** إن لم أمت في غد فبعد غد

كأن قلبي إذا ذكرتهم*** فريسة بين ساعدي أسَدِ

فقلت : أحسنت الله درك ! زدني، فأنشأ يقول:

ما أقْتَلَ البين للنفوس !! وما*** أوجع فقد الحبيب للكبد!!

عَرَّضْتُ نفسي من البلاء لما*** أسرف في مهجتي وفي جَلَدِي

يا حسرتي أن أموت معتقلًا ***بين اعتلاج الهموم والكمد

في كل يوم تفيض معولة*** عيني لعضو يموت في جسدي

فقلت : أحست [لله درك و] لا فض فوك ! زدني، فأنشأ يقول :

الله يعلم أنني كمدُ ***لا أستطيع أبت ما أجد

نفسان ان لي نفس تضمنها*** بلد، وأخرى حازها بلد

وأرى المقيمة ليس ينفعها*** صبر، وليس يُعِينها جَلَدُ

وأظن غائبتي كشاهدتي*** بمكانها تجد الذي أجد

فقلت والله أحسنت ،فاستزدته ، فقال : أراك كلما أنشدتك استزدتني، وما ذاك إلا لفرط أدب أو فراق شجن، فأنشدني أنت أيضاً ، فقلت للذي معي : أنشده، فأنشأ يقول :

عَذْلٌ وبَيْن وتوديع ومرتحل*** أي العيون على ذا ليس تَنْهَملُ؟

تالله ما جلدي من بعدهم جلد*** ولا اختزان دموعي عنهمُ بَخَلُ

بلى، وحرمة ما ألقيْن من خبل*** قلبي إليهنَّ مشتاق وقد رحلوا

وددت أن البحار السبع لي مَدَد*** وأن جسمي دموع كلها همل

وأنَّ لي بدلا من كل جانحة*** في كل جارحة يوم النوى مُقَلُ

لا در دَر النوى لو صادفت جبلا*** لانهد منها وشيكا ذلك الجبل

الهجر والبين والواشون والإبل*** طلائع يتراءى أنها الأجل

فقال المجنون: أحسنت، وقد حضرني في معنى ما أنشدت إليَّ شعرٌ أفأنشده؟ قلت : هات، فأنشأ يقول:

ترحَلُوا ثم نيطت دونهم سُجُفٌ*** لو كنت أملكهم يوماً لما رحلوا

يا حادي العيس مهلا كي نودعها*** رفقاً قليلًا ففي توديعها الأجل

ما راعني اليوم شيء غير فقدهم*** لما استقلت وسارت بالدمى الإبل

إني على العهد لم أنْقُض مودتهم*** فليت شعري وطال الدهر ما فعلوا

قال المبرد: فقال الفتى الذي معي ماتوا فقال :المجنون: آه آه إن ماتوا فسوف أموت، وسقط ميتاً فما برحتُ حتى غسل وكفن وصليت عليه ودفنته .

البحتري ينشد المتوكل

ووردتُ سر من رأى فأدخلت على المتوكل وقد عمل فيه الشراب فسألت عن بعض ما وردتُ ،له فأجبت وبين يدي المتوكل البحتري الشاعر، فابتدأ ينشده قصيدة يمدح بها المتوكل، وفي المجلس أبو العنبس الصيمري، فأنشد البحتري قصيدته التي أولها :

عن أي ثغر تبتسم؟ *** وبأي طرف تحتکم ؟

حسن يضیء بحسنه** والحسن أشبه بالكرم

قل للخليفة جعفر المـ*** ـتوكل ابن المعتصم

المرتَضَى ابن المجتبی*** والمنعم ابن بن المنتقم

أما الرعیه فهی من *** أمَنَاتِ عدلك في حَرَمْ

یا باني المجد الذی***قد کان قوض فانهدم

اسلم لدين محمد***فإذا سلمت فقد سلم

نلنا الهدى بعد العمى*** بك، والغنى بعد العَدَم

فلما انتهى [إلى ذلك] مشى القهقرى للانصراف، فوثب أبو العنبس فقال : يا أمير المؤمنين، تأمر برده فقد والله عارضته في قصيدته هذه، فأمر برده، فأخذ أبو العنبس ينشد شيئاً لولا أن في تركه بَتْراً للخبر لما ذكرناه ، وهو :

من أي سَلْح تلتقم ***وبأي كف تلتطم

أدخلت رأس البحتر***ي أبي عُبادة في الرَّحِمْ

ووصل ذلك بما أشبهه من الشَّتْم، فضحك المتوكل حتى استلقى على قفاه، وفحص برجله اليسرى، وقال : يُدْفَع إلى أبي العنبس عشرة آلاف درهم فقال الفتح : يا سيدي البحتري الذي هجا وأسمع المكروه ينصرف خائباً ؟ قال : ويدفع للبحتري عشرة آلاف درهم قال : يا سيدي وهذا البصري الذي أشخصناه من بلده، لا يشركهم فيما حصلوه ؟ قال : ويدفع إليه عشرة آلاف درهم، فانصرفنا كلنا في شفاعة الهزل، ولم ينفع البحتري جده واجتهاده وحزمه.

حمار أبي العنبس

ثم قال المتوكل لأبي العنبس: أخبرني عن حمارك ووفاته وما كان من شعره في الرؤيا التي أريتها قال نعم يا أمير المؤمنين كان أعقل من القضاة، ولم يكن له جريرة ولا زلة، فاعتل

[علة] على غفلة، فمات منها فرأيته فيما يرى النائم، فقلت له : يا حماري، ألم أبرد لك الماء، وأنق لك الشعير، وأحسن إليك جَهْدِي؟ فلم مُتَّ على غفلة؟ وما خبرك؟ قال: نعم، لما كان في اليوم الذي وَقَفْتَ على فلان الصيدلاني تكلمه في كذا وكذا مرت بي أتان حسناء، فرأيتها فأخذتْ بمجامع قلبي، فعشقتها واشتد وجدي بها، فمتُ كمداً متأسفاً، فقلت له يا حماري فهل قلت في ذلك شعراً؟ قال: نعم، وأنشدني :

هام قلبی باتان***عند باب الصيدلاني

تیمتنی یوم رحنا***بثنایاها الجسان

وبخذین اسیلیـ***ـن كلون الشنقراني

فبهامت ولو عشـ***ـت إذا طَالَ هوانی

قال: قلت: يا ،حماري فما الشنقراني؟ فقال : هذا من غريب الحمير، فطرب المتوكل وأمر الملهين والمغنين أن يغنوا ذلك اليوم بشعر الحمار، وفرح في ذلك اليوم فرحاً شديداً، وسُرَّ سروراً لم يُرَ ،مثله وزاد في تكرمة أبي العنبس وجائزته .

المتوكل وعلي بن محمد العلوي

وحدث أبو عبد الله محمد بن عرفة النحوي قال : حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال : قال المتوكل لأبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم : ما يقول ولد أبيك في العباس بن عبد المطلب؟ قال : وما يقول ولد أبي يا أمير المؤمنين في رجل افترض الله طاعة بنيه على خلقه وافترض طاعته على بنيه ؟ فأمر له بمائة ألف درهم، وإنما أراد أبو الحسن طاعة الله على بنيه فعرَّضَ.

وقد كان سعى بأبي الحسن علي بن محمد إلى المتوكل، وقيل له : إن في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته فوجه إليه ليلا من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممن في داره فوجده في بيت وحده مغلق عليه وعليه مِدْرَعة من شَعَرِ، ولا بساط في البيت إلا الرمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصوف متوجهاً إلى ربه يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، فأخذ على ما وجد عليه، وحمل إلى المتوكل في جَوْفِ الليل، فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده كأس ، فلما رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه، ولم يكن في منزله شيء مما قيل فيه ولا حالة يتعلل عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده فقال : يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي ودمي قط، فأغفني منه ،فعافاه ، وقال : أنشدني [شعراً أستحسنه، فقال : إني لقليل الرواية للأشعار ، فقال : لا بد أن تنشدني] فأنشده:

باتوا على قُلَل الأجبال تحرسهم*** غُلْبُ الرجال فما أغنتهمُ القُلَلُ

واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم ***فأودعوا حُفَراً، يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد ما قبروا*** أين الأسرة والتيجان والحلل ؟

أين الوجوه التي كانت مُنَعَّمة*** من دونها تضرب الأستار والكِلَلُ؟

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم*** تلك الوجوه عليها الدود يقتتلُ

قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا*** فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكِلُوا

وطالما عمروا دوراً لتحصنهم*** ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا

وطالما كنزوا الأموال وادَّخروا*** فخلفوها على الأعداء وارتحلوا

أضحت مَنَازِلُهم قفراً مُعطلة*** وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا

قال : فأشفق كل من حضر على عَلِي، وظن أن بادرة تبدر منه إليه، قال: والله لقد بكى المتوكل بكاء طويلا حتى بلت دموعه لحيته وبكى من حضره، ثم أمر برفع

الشراب ثم قال له يا أبا الحسن أعليك دَيْنٌ ؟ قال : نعم أربعة آلاف دينار، فأمر بدفعها إليه ، ورده إلى منزله من ساعته مكرماً .

وفاة ابن سماعة القاضي الحنفي

قال : وكانت وفاة محمد بن سماعة القاضي صاحب محمد بن الحسن وصاحب أبي حنيفة في خلافة المتوكل، وذلك في سنة [ثلاث وثلاثين ومائتين وهو ابن مائة سنة، صحيح الجسم والعقل والحواس، يفتض الأبكار، ويركب الخيل التي تقطف وتعنق، لم ينكر من نفسه شيئاً .

وحكى ابنه سماعة بن محمد قال : قال لي أبي محمد محمد قال : قال لي أبي محمد بن سماعة : وجدت في حياة سَوَّار بن عبدالله قاضي كتاباً له بخطه أراه من شعره أو أبيات استحسنها، وهي:

سَلَبْتِ عظامي لحمها فتركتها*** عوارِيَ في أجلادها تتكسر

وأخْلَيْتِ منها مُخَها فكأنها*** قوارير في أجوافها الريح تَصْفِرُ

[ إذا سمعت ذكر الفراق ترعدت*** فرائصها من خوف ماتتحذر]

خذي بيدي، ثم ارفعي الثوب وانظري*** ضَنَى جَسَدي لكنني أتستر

ولمحمد بن سماعة تصنيفات حسان في الفقه، وروايات عن محمد بن الحسن ،وغيره منها كتاب نوادر المسائل عن محمد بن الحسن في ألوف أوراق .

موت يحيى بن معين وجماعة من الأنباه

وفي هذه السنة - وهي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين- مات يحيى بن معين، وفي سنة خمس وثلاثين ومائتين مات أبو بكر بن أبي شيبة والقواريري، وكانا من علية أصحاب الحديث وحفاظهم وفيها مات إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وكان على بغداد، وولي [ابنه] مكانه وله أخبار حسان قد أتينا على غررها في كتابنا «أخبار الزمان» .

قصة سجين

ومن ظريف أخباره والمستحسن مما كان في أيامه وسيره ببغداد ما حدث به عنه موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي أنه رأى في منامه كأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له : أطلق القاتل، فارتاع لذلك رَوْعاً عظيماً، ونظر في الكتب الواردة لأصحاب الحبوس فلم يجد فيها ذكر قاتل، فأمر بإحضار السندي وعباس، فسألهما هل رفع إليهما أحد ادعى

عليه بالقتل؟ فقال له العباس: نعم، وقد كتبنا بخبره، فأعاد النظر، فوجد الكتاب في أضعاف القراطيس، وإذا الرجل قد شهد عليه بالقتل وأقرَّ به، فأمر إسحاق بإحضاره، فلما دخل عليه ورأى ما به من الارتياع قال له : إن صدقتني أطلقتك، فابتدأ يخبره بخبره، وذكر أنه كان هو وعدة من أصحابه يرتكبون كل عظيمة، ويستحلون كل محرم، وأنه كان اجتماعهم في منزل بمدينة أبي جعفر المنصور يعتكفون فيه على كل بلية، فلما كان في هذا اليوم جاءتهم عجوز كانت تختلف إليهم للفساد ومعها جارية بارعة الجمال، فلما توسطت الجارية الدار صرخت صرخة، فبادرتُ إليها من بين أصحابي فأدخلتها بيتاً وسَكَّنتُ ،روعتها، وسألتها عن قصتها فقالت : الله الله في فإن هذه العجوز خدعتني وأعلمتني أن في خزانتها حقاً لم يُر مثله فشوقتني إلى النظر إلى ما فيه، فخرجت معها واثقة بقولها، فهجمت بي عليكم، وجدي رسولُ الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ، وأمي فاطمة، وأبي الحسن بن علي، فاحفَظُوهُمْ فيَّ، قال الرجل : فضمنت خلاصها، وخرجت إلى أصحابي فعرفتهم [بذلك] فكأني أغريتهم بها وقالوا لما قضيت حاجتك منها أردت صرفنا عنها، وبادروا إليها، وقمت دونها أمنع عنها، فتفاقم الأمر بيننا إلى أن نالتني جراح، فعمدت إلى أشدهم كان في أمرها وأكلبهم على هتكها فقتلته، ولم أزل أمنع عنها إلى أن خلصتها سالمة وتخلصت الجارية آمنة مما خافته على نفسها، فأخرجتها من الدار فسمعتها تقول : سترك الله كما سترتني، وكان لك كما كنت لي، وسمع الجيران الضجة فتبادروا إلينا والسكين في يدي والرجل يتشعَّطُ في دمه، فرفعتُ على هذه الحالة ، فقال له إسحاق : قد عرفت لك ما كان من حفظك للمرأة، ووهبتك الله ورسوله، قال : فوحق من وهبتني له لا عاودت معصية ولا دخلت في ريبة حتى ألقى الله، فأخبره إسحاق بالرؤيا التي رآها، وأن الله لم يضيع له ذلك، وعَرَضَ عليه براً واسعاً، فأبى قبول شيء من ذلك .

رضاه عن يحيى بن أكثم

وفي سنة تسع وثلاثين ومائتين رضي المتوكل عن أبي محمد يحيى بن أكثم الصيفي، فأشخص إلى سر من رأى وولي قضاء القضاة وسخط على أحمد بن أبي دؤاد وولده أبي الوليد محمد بن أحمد، وكان على القضاء، وأخذ من أبي الوليد مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وجوهراً بأربعين ألف دينار، وأحضر إلى بغداد، وقد كان أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد فُلِج بعد موت عدوه ابن الزيات بسبعة وأربعين يوماً، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.

وفاة ابن أبي دؤاد

وفي سنة أربعين ومائتين كانت وفاة أبي عبد الله أحمد بن أبي دؤاد بعد وفاة [ولده] أبي الوليد محمد بن أحمد بعشرين يوماً، وكان ممن أجْرَى الله الخير على يديه على ما اشتهر من أمره وسَهَّل الله سبيله إليه وحَبّب إليه المعروف وفعله .

منزلة ابن أبي دؤاد عند المعتصم

وذكر أن المعتصم كان بالجوسق يوماً مع نُدَمَائه - وقد عزم على الاصطباح، وأمر كل واحد منهم أن يطبخ قذراً - إذ بصر بسلامة غلام ابن أبي دؤاد، فقال : هذا غلام ابن أبي دؤاد يتعرف خبرنا والساعة يأتي فيقول : فلان الهاشمي، وفلان القرشي، وفلان الأنصاري، وفلان العربي، فيعطلنا بحوائجه عما عزمنا عليه، وأنا أشهدكم أني لا أقضي اليوم له حاجة، فلم يكن بين قوله وبين استئذان الأتباع لأبي عبد الله إلا هنيهة فقال لجلسائه : كيف ترون قولي؟ قالوا : فلا تأذن له قال : سوءاً لكم، حُمَّى سنة أهْوَنُ عليَّ من ذلك، ودخل، فما هو إلا أن سلم وجلس وتكلم حتى أسْفَرَ وجه المعتصم وضحكت إليه جوارحه، ثم قال له: يا أبا عبد الله قد طبخ كل واحد من هؤلاء قذراً، وقد جعلناك حكماً في طبخها، قال: فلتحضر ثم آكل ثم أحكم بحكم] بعلم، فحملت إليه القُدُورُ ووضعت بين يديه فجعل يأكل من أول قدر أكلاً تاماً فقال له المعتصم : هذا ظلم، قال : وكيف ذلك ؟ قال : لأني أراك قد أمعنت في هذا اللون، وستحكم لصاحبه، قال : يا أمير المؤمنين علي أن أكل من هذه القدور كلها كما أكلت من هذا القدر، فتبسم له المعتصم وقال له : شأنك إذاً ، فأكل كما قال ثم قال : أما هذه فقد أحْسَنَ طابخها إذ أكثر فلفلها وأقل كمونها، وأما هذه فقد أجاد طابخها إذ أكثر خَلّها وأقل زَينَهَا ، وأما هذه فقد طيبها طابخها باعتدال ،توابلها وأما هذه فقد حذق مَنْ عملها بقلة مائها وكثرة مرقها، حتى وصف القدور [كلها] بصفاتٍ سُرَّ أهلها بها، ثم أكل مع القوم كما أكلوا أنْظَفَ أكْلِ وأحسنه مرة يحدثهم بأخبار الأكَلَةِ في صدر الإسلام: معاوية بن أبي سفيان، وعبيد الله بن زياد والحجاج بن يوسف وسليمان بن عبد الملك ؛ ومرة يحدثهم عن أكَلَة دهره مثل ميسرة الثَّمار، ودورق القصاب، وحاتم الكيال، وإسحاق الحمامي، فلما رفعت الموائد قال له المعتصم : ألك حاجة يا أبا عبد الله ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين قال : اذكرها فإن أصحابنا يريدون أن يتشاغلوا قال نعم يا أمير المؤمنين رجل من أهلك وَطِئه الدهر فغيّر حاله وخشن ،معیشته قال ومَنْ هو ؟ قال : سليمان بن عبد الله النوفلي قال قدر له ما يصلحه قال خمسين ألف درهم، قال: أنفذت ذلك له،

قال : وحاجة أخرى قال وما هي ؟ قال : ضِيَاعُ إبراهيم بن المعتمر تردُّهَا له قال : قد فعلت، قال: وحاجة أخرى قال : قد فعلت قال فوالله ما خرج حتى سأل ثلاث عشرةَ حاجة لا يردُّه عن شيء منها، حتى قام خطيباً فقال [في خطبته]: يا أمير المؤمنين، عمرك الله طويلا ، فبعمرك تُخْصِب جنات رعيتك، ويلين عيشهم وتثمر أموالهم ولا زلت ممتعاً بالسلامة مَحْبُوا بالكرامة، مرفوعاً عنك حوادث الأيام وغيرها، ثم انصرف ؛ فقال المعتصم : هذا والله يتزين بمثله ويبتهج بقربه ويعدل ألوفاً من جنسه، أما رأيتم كيف دخل؟ وكيف سلم ؟ وكيف تكلم؟ وكيف أكل؟ وكيف وصف القدور ثم انبسط في الحديث؟ وكيف طاب به أكلنا ؟ ما يردُّ هذا عن حاجة إلا لئيم الأصل خبيث الفرع، والله لو سألني في مجلسي هذا ما قيمته عشرة آلاف ألف درهم ما رَدَدْته عنها، وأنا أعلم أنه يكسبني بها في الدنيا حمداً وفي الآخرة ثواباً.

وفي أحمد بن أبي دؤاد يقول الطائي :

لقد أنْسَتْ مساوي كل دهرٍ*** مَحاسن أحمد بن أبي دؤاد

فما سافرتُ في الآفاق إلا*** ومن جدواه راحلتي وزادي

مقیم الظَّنَّ عندك والأماني*** وإن قَلِقَتْ ركابي في البلاد

المتوكل يشتهي قدراً طبخها ملاحون

وحكي عن الفتح بن خاقان قال : كنت عند المتوكل وقد عزم على الصَّبُوح بالجعفري، وقد وجّه خلف الندماء والمغنين قال : فجعلنا نطوف وهو متكىء علي وأنا أحادثه، حتى وصلنا إلى موضع يشرف منه على الخليج، فدعا بكرسي فقعد عليه، وأقبل يحادثني، إذ بصر بسفينة مشدودة بالقُرب من شاطىء ،الخليج، ومَلّاح بين يديه قدر كبيرة يطبخ فيها سكباج من لحم بقر، وقد فاحت روائحها فقال يا فتح رائحة قدر سكباج والله ، ويحك، أما ترى ما أطيب رائحتها عليَّ بها على حالها، فبادر الفراشون فانتزعوها من بين يدي الملاحين فلما عاين الملاحون أصحاب السفينة ما فعل بهم ذهبت نفوسهم فَرَقاً وخوفاً، وجاؤوا المتوكل بالقدر تفور كهيئتها، فوضعت بين أيدينا، فاستطاب ريحها واستحسن لونها ودعا برغيف فكسر منه كسرة ودفعها إليَّ، وأخذ هو منه مثلها، وأكل كل واحد منا ثلاث لقم، وأقبل الندماء والمغنون، فجعل يلقم كل واحد القدر، وأقبل الطعام ووضعت الموائد، فلما فرغ من أكله أمر بتلك القدرمنهم لقمة من القدر، ففرغت وغسلت بين يديه وأمر أن تملأ دراهم، فجيء ببذرة ففرغت فيها، فَفَضَلَ من الدراهم مقدار ألفي درهم، فقال لخادم كان بين يديه : خذ هذه القدر فامض بها حتى تدفعها [لأصحاب السفينة وقل لهم : هذا ثمن ما أكلنا من قدركم، وادفع ]إلى مَنْ

طبخها ما فضل من هذه البَدْرَة من الدراهم هِبَةً له على تجويده ،طبخها، قال الفتح : فكان المتوكل كثيراً ما يقول إذا ذكر قدر الملاح ما أكلت أحسن من سكباج أصحاب السفينة

في ذلك اليوم .

الجاحظ يصحب محمد بن إبراهيم في حراقته

وأخبرنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه بجهينة، وكان من حديثه الموصل، قال: حدثنا أبو الحسن الصالحي، قال: قال الجاحظ : ذُكرتُ لأمير المؤمنين المتوكل لتأديب بعض ولده فلما رآني استبشع مَنْظَرِي، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصَرَفَني، وخرجت من عنده فلقيت محمد بن إبراهيم وهو يريد الانصراف إلى مدينة السلام ، فعرض علي الخروج والانحدار في حَرَّاقته، فركبنا فيها، فلما أتينا فم نهر القاطول وخرجنا من سامرا نصب ستارته وأمر بالغناء فاندفعت عَوَّادة فغنت :

كل يوم قطيعة وعتاب*** ينقضي دهرنا ونحن غضاب

ليت شعري أنا خُصِصْتُ بهذا*** دون ذا الخلق أم كذا الأحباب

وسكتت، فأمر الطَّنْبُورية فغنت :

وارحمنا للعاشقينا ***ینقضی دهرنا ونحن غضاب

کم یهْجَرُونَ یصرمو***ن ويقطعون فيصبرونا ،

قال : فقالت لها العَوَّادة : فيصنعون ماذا ؟ قالت : هكذا يصنعون، وضربت بيدها إلى الستارة فهتكتها وبَرَزَتْ كأنها فلقة قمر فزجَتْ بنفسها إلى الماء، وعلى رأس محمد غلامٌ يضاهيها في الجمال وبيده مِذَبّة، فلما رأى ما صنعت ألقى المذبة من يده وأتى الموضع ونظر إليها وهي تمر بين الماء فأنشأ يقول :

وأنا الذي غرقتنی*** بعد القضا لو تعلمينا

فزج بنفسه في أثرها ، فأدار الملاح الحراقة فإذا هما معتنقان، ثم غاصا فلم يُرَيَا فهال ذلك محمداً واستعظمه وقال : يا عمرو لتحدثني حديثاً يسليني عن فقد هذين وإلا ألحقتك بهما قال : فحضرني حديث يزيد بن عبد الملك، وقد قعد للمظالم وعرضت عليه القصص، فمرت به قصة فيها : إن رأي أمير المؤمنين أعزه الله أن يخرج جاريته فلانة حتى تغنيني ثلاثة أصوات فعل فاغتاظ يريد، وأمر من يخرج إليه ويأتيه برأسه، ثم أمر بأن يتبع الرسول برسول آخر يأمره أن يُدْخِلَ إليه الرجل ، فلما وقف بين يديه قال له : ما الذي حملك على ما صنعت ؟ قال : الثقة بحلمك والاتكال على عفوك ، فأمره بالجلوس

حتى لم يبق أحد من بني أمية إلا خرج ، ثم أمر فأخرجت الجارية ومعها عُودُهَا، فقال لها

الفتى : غني :

أفاطم مَهْلًا بعض هذا التدلل*** وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

فغنته فقال له يزيد قل قال : غني:

تألق البَرْقُ بحديًّا، فقلت له:*** يا أيها البرق إني عنك مشغول

يكفيك عني عدو ثائر حنق*** في كفه صارم کالملح مسلول

فغنته، فقال : قل ، قال تأمر لي برطل ،خمر فما استتم شرابه حتى وثب وصعد على أعلى قبة ليزيد فرمى بنفسه على دماغه فمات، فقال يزيد :إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة : 156] ، أتراه الأحمق الجاهل ظن أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى مالي، يا ،غلمان خذوا بيدها واحملوها إلى أهله إن كان له أهل وإلا فبيعوها وتصدقوا بثمنها عنه، فانطلقوا بها إلى أهله فلما توسطت الدار نظرت إلى حفرة في دار يزيد قد أعدت للمطر، فجذبت نفسها من أيديهم وأنشأت تقول:

من مات عشقاً فليمت هكذا*** لا خیر في عشق بلا موت

فزجَتْ بنفسها على دماغها فماتت فسرى عن محمد وأحسن صلتي، وقيل: إن

هذا الخبر إنما كان مع سليمان بن عبد الملك [وليس هذا عن يزيد بن عبد الملك ] قال : فذكرت هذا الحديث لأبي عبد الله محمد بن جعفر الأنباري بالبصرة فقال : أنا أخبرك بنحو من هذا الحديث الذي حدثتني به حدثني فائق الخادم وكان مولى لمحمد بن حُمَيْد الطوسي، أن محمد بن حُمَيْد كَان جالساً مع ندمائه يوماً، فغنت جارية من وراء الستارة :

يا قَمَرَ القصر متى تطلع*** أشْقَى وغيري بك يستمتع؟

إن كان رَبِّي قد قضى ما رأى*** منك على رأسي فما أصنع

وعلى رأس محمد غلام بيده قَدَحٌ يسقيه فرمى بالقدح عن يده وقال: تصنعين هكذا ،ورمى بنفسه من الدار إلى دجلة فهتكت الجارية الستارة، ثم رَمَتْ بنفسها على إثره، فنزلت الغلمة خلفهما، فلم يجدوا أحداً منهما، فقطع محمد الشراب، وقام عن مجلسه .

سخط المتوكل على الرخجي

قال المسعودي: وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين سخط المتوكل على عمر بن الفرج الرخجي، وكان من عِلْيّة الكتاب، وأخذ منه مالا وجوهراً نحو مائة ألف وعشرين ألف دينار، وأخذ من أخيه نحواً من مائة ألف وخمسين ألف دينار، ثم صولح محمد على أحد وعشرين ألف ألف درهم على أن يرد إليه ضياعه، ثم غضب عليه غضبة ثانية، وأمر أن يُصْفَعَ في كل يوم، فأحصى ما صفع فكان ستة آلاف صفعة، وألبسه جبة ،صوف، ثم رضي عنه، وسخط عليه ،ثالثة وأحدر إلى بغداد ؛ وأقام بها حتى مات .

وأهدى الموبذان إلى المتوكل قارورة دهن وكتب إليه : إن الهدية إذا كانت من الصغير إلى الكبير فلطفت ودقت كان أبهى لها وأحسن وإن كانت من الكبير إلى الصغير فعظمت كان أرفع لها وأنفع .

وفاة الإمام أحمد بن حنبل

قال المسعودي : وكانت وفاة أحمد بن حنبل في خلافة المتوكل بمدينة السلام وذلك في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، ودفن بباب حَرْبٍ في الجانب الغربي، وصلى عليه محمد بن طاهر، وحضر جنازته خلق من الناس لم ير مثل ذلك اليوم والاجتماع في جنازة مَنْ سلف قبله وكان للعامة فيه كلام كثير جرى بينهم بالعكس والضد في الأمور منها أن رجلا منهم كان ينادي : الْعَنُوا الواقف عند الشبهات، وهذا بالضد عما جاء عن صاحب الشريعة(عليه السلام) في ذلك ، وكان عظيم من عظمائهم ومقدم فيهم يقف موقفاً بعد موقف أمام الجنازة وينادي بأعلى صوته :

وأظلمت الدنيا لفقد محمد*** وأظلمت الدنيا لفقد ابن حنبل

يريد بذلك أن الدنيا أظلمت عند وفاة محمد عليه الصلاة والسلام، وأنها أظلمت عند موت ابن حنبل كظلمتها عند موت الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) .

انقضاض الكواكب

وفي هذه السنة انقضت الكواكب الانقضاض الذي لم ير مثله قط، وذلك في ليلة الخميس لست خَلَوْنَ من جمادى الآخرة، وقد كان في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة انقضاض لكوكب عظيم هائل وهي الليلة التي وقعت فيها القرامطة بحاج العراق من طريق الكوفة، وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة .

وفاة جماعة من أهل العلم

وفي السنة التي مات فيها ابن حنبل كانت وفاة محمد بن عبد الله بن محمد الإسكافي، وكان من أهل النظر والبحث ومن عِلْيّة أهل العدل، وكانت وفاة جعفر بن المبشر سنة أربع وثلاثين ومائتين وكان من كبار أهل العدلية وأهل الديانة من البغداديين ومات جعفر بن حرب سنة ست وثلاثين ومائتين، وهو رجل من هَمْدَان وَوُجُوه ،قحطان، وإلى أبيه يضاف شارع باب حرب في الجانب الغربي من مدينة السلام وهو شيخ البغداديين من المتكلمين

[ ومات عيسى بن طغج سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان من حُذاقهم وأهل الديانات منهم].

بين هشام وأبي الهذيل

وذكر أبو الحسن الخياط أن أبا الهذيل محمد بن الهذيل كانت وفاته سنة سبع وعشرين ومائتين، ثم تنازع أصحابه في مولده ؛ فقال قوم: سنة إحدى وثلاثين ومائة وقال قوم : سنة أربع وثلاثين ومائة وقد كان أبو الهذيل هذا اجتمع مع هشام بن الحكم الكوفي ،الحرار، وكان هشام شيخ المجسمة والرافضة في وقته ممن وافقه على مذهبه وكان أبو الهذيل يذهب إلى نفي التجسيم ورفع التشبيه، وإلى ضد قول هشام في التوحيد والإمامة، فقال هشام لأبي الهذيل : إذا زعمت أن الحركة ترى فَلِمَ لا زعمت أنها تلمس ؟ قال : لأنها ليست بجسم فيلمس؛ لأن اللمس إنما يقع على الأجسام، فقال له هشام: فقل أيضاً إنها لا ترى ؛ لأن الرؤية إنما تقع على الأجسام، فرجع أبو الهذيل سائلا فقال له: من أين قلت إن الصفة ليست الموصوف ولا غيره؟ قال هشام: من قبل أنه يستحيل أن يكون فعلي أنا ويستحيل أن يكون غيري ؛ لأن التغاير إنما أوقعه على الأجسام والأعيان القائمة بأنفسها، فلما لم يكن فعلي قائماً بنفسه، ولم يجز أن يكون فعلي أنا وجب أنه لا أنا ولا غيري وعلة أخرى أنت قائل بها زعمت يا أبا الهذيل أن الحركة لیست مماسة ولا مباينة ؛ لأنها عندك مما لا يجوز عليه المماسة ولا المباينة ، فلذلك قلت أنا : إن الصفة ليست أنا ولا غيري وعلتي في أنها ليست أنا ولا غيري علتُكَ في أنها لا تماس ولا تباين فانقطع أبو الهذيل ولم يرد جواباً .

وفاة جماعة من المعتزلة

وكانت وفاة أبي موسى الفَرَّاء سنة ست وعشرين ومائتين، وكان من شيوخ العَذلية

وكبار المتكلمين من البغداديين ومات واصل بن عطاء - ويكنى بأبي حذيفة - في سنة إحدى وثلاثين ومائة ، وهو شيخ المعتزلة ،وقديمها وأول من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين، وهو أن الفاسق من أهل الملة ليس بمؤمن ولا كافر وبه سميت المعتزلة، وهو الاعتزال، وقد قَدَّمنا فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار بني أمية قول المعتزلة في الأصول الخمسة، فأغني ذلك عن إعادته، وكذلك فيما سلف من كتبنا على الشرح والإيضاح ، وقد بينا فيما سلف من هذا الكتاب خبر عمرو بن عُبيد ووفاته، وكان شيخ المعتزلة والمقدَّم فيها، وأن وفاته كانت سنة أربع وأربعين ومائة .

بين هشام وعمرو بن عبيد

وقد كان عمرو بن عُبَيْد اجتمع مع هشام بن الحكم وهشام يذهب إلى القول بأن الإمامة نَضٌ من الله ورسوله على عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وعلى مَنْ يلي عصره من ولده الطاهرين كالحسن والحسين ومن يلي ،أيامهم، وعمرو يذهب إلى أن الإمامة اختيار من الأمة في سائر الأعصار فقال هشام لعمرو بن عبيد: لم خلق الله لك عينين؟ قال : لأنظر بهما إلى ما خلق الله من السموات والأرض وغير ذلك فيكون ذلك دليلا لي عليه فقال هشام فلم خلق الله لك سمعاً؟ قال : لأسمع به التحليل والتحريم والأمر والنهي، فقال له هشام : لم خلق الله لك لساناً ؟ فقال عمرو : لأعبر به عما في قلبي وأخاطب به من افترض عليّ أمره ونهيه قال هشام فلم خلق الله لك قلباً؟ قال عمرو : لتكون هذه الحواس مؤدية إليه فيكون مميزاً بين منافعها ومضارها، قال هشام فكان يجوز أن يخلق الله سائر حواسك ولا يخلق لك قلباً تؤدي هذه الحواس إليه ؟ قال عمرو : لا فقال هشام ولم ؟ قال : لأن القلب باعث لهذه الحواس على ما يصلح له، فلو لم يخلق الله فيها انبعاثاً من نفسها استحال أن لا يخلق لها باعثاً يبعثها على ما خلقت له إلا بخلق القلب، فيكون هو الباعث لها على ما تفعله والمميز لها بين مضارها ومنافعها ويكون الإمام من الخلق بمنزلة القلب من سائر الحواس إذ كانت الحواس راجعة إلى القلب لا إلى غيره، ويكون سائر الخلق راجعين إلى الإمام لا إلى غيره، فلم يأت عمرو بفرق يعرف .

وهذا الذي حكيناه ذكره أبو عيسى محمد بن هارون الوراق ببغداد في كتابه المعروف بكتاب المجالس وكانت وفاة أبي عيسى [ ببغداد في الجانب الغربي في الموضع المعروف] بالرملة سنة سبع وأربعين ومائتين وله تصنيفات حسان كثيرة منها كتابه في المقالات في الإمامة وغيرها من النظر .

ابن الراوندي

وكانت وفاة أبي الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي برحبة مالك بن طَوْقِ ،وقيل : ببغداد سنة خمس ومائتين، وله نحو من أربعين سنة، وله كتب مصنفة مائة کتاب وأربعة عشر كتاباً .

وقد ذكرنا في كتابنا في أخبار «الزمان وفاة» أرباب المقالات وأهل المذاهب والجدل والآراء والنحل، وأخبارهم ومناظراتهم وتباينهم في مذاهبهم وكذلك في الكتاب الأوسط، إلى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وإنما يسنح لنا ذكر بعضهم في هذا الكتاب فنذكر لهم لمعاً، وكذلك غيرهم من الفقهاء وأصحاب الحديث .

وفاة الصولي الكاتب

وفيها مات إبراهيم بن العباس الصُّولِيُّ الكاتب، وكان كاتباً بليغاً، وشاعراً مجيداً، لا يعلم فيمن تقدم وتأخر من الكتاب أشعر منه، وكان يكتسب في حداثته بشعره، ورحل إلى الملوك والأمراء ومدحهم طلباً لجدواهم.

وذكر رجل من الكُتّاب أن إسحاق بن إبراهيم أخا زيد بن إبراهيم حدثه أنه كان يتقلد الصيمرة ،والسيروان وأن إبراهيم بن العباس اجتاز به يريد خراسان والمأمون بها، وقد بايع بالعهد لعلي بن موسى الرضا، وقد امتدحه بشعر يذكر فيه فضل آل علي وأنهم أحق بالخلافة من غيرهم قال : فاستحسنت القصيدة وسألته أن ينسخها لي، ففعل، ووهبت له ألف درهم وحملته على دابة وضرب الدهر من ضربه إلى أن ولي ديوان الضياع مكان موسى بن عبد الملك، وكنت أحد عمال موسى، وكان يحب أن يكشف أسباب ،موسى فعزلني وأمر أن تعمل مؤامرة فعملت وكثر علي فيها، و حضرت للمناظرة عنها، فجعلت أحتج بما لا يدفع فلا يقيله، ويحكم لي الكُتَّابُ فلا يلتفت إلى حكمهم ويُسمعني في خلال ذلك قذعاً من الكلام إلى أن أوجب عليَّ الكُتّاب اليمين على باب من الأبواب فحلفت عليه فقال : ليست يمين السلطان عندك يميناً لأنك رافضي، فقلت له : تأذن لي في الدنو منك؟ فأذن لي، فقلت له : ليس مع تعريضك بمهجتي للقتل صبر، وها هو المتوكل إن كتبت إليه بما أسمع منك لم آمنه على نفسي، وقد احتملت كل شيء إلا الرفض والرافضي: من زعم أن علي بن أبي طالب أفضل من العباس، وأن ولده أحَقُّ من ولد العباس بالخلافة قال ومن قال ذلك؟ قلت : أنت وخطك عندي به وأخبرته بالشعر فوالله ما هو إلا أن قلت ذلك له حتى سقط في يده، ثم قال : أحضر الدفتر الذي بخطي ، فقلت له : هيهات!! لا والله أو توثق لي بما أسكُنُ

إليه أنك لا تطالبني بشيء مما جرى على يدي، وتخرق هذه المؤامرة، ولا تنظر لي في حساب، فحلف لي على ذلك بما سكنتُ إليه، وخرق العمل المعمول، وأحضرته الدفتر، فوضعه في خفه وانصرفت وقد زالت عني المطالبة.

ولإبراهيم بن العباس مكاتبات قد دونت وفصول حسان من كلامه قد جمعت، وقد أتينا على كثير منها في الكتاب الأوسط، فمما استحسن من فصوله وإن كانت كلها في نهاية الجودة وانتخبناه من كلامه : وقديماً غَذَت المعصبة أبناءها فحلبت عليهم من دَرْهَا ،مرضعة، وبسطت لهم من أمانيها مطمعة، وركبت فيهم مخاطرها مُوضِعَة، حتى إذا رَتَعُوا فأمنوا ، وركبوا فاطمأنوا ، وانقضى رَضَاع وآن فِطَامٌ ، سقتهم سُما، ففجرت مجاري ألبانها منها دماً ، وأعقبتهم من غذائها مُرًا، وحطت بهم من معقل إلى عقال، ومن عز إلى حسرة قتلا وأسراً، وإباحة وقسراً ، وقَلَّ من أوضع في الفتنة مرهجاً في لهبها ومقتحماً عند ضلالها إلا استقحمته آخذة بمُخَنّقِهِ، وموهِنَة بالحق ،كيده ، حتى تجعله لعاجله جزراً، ولآجله حطباً وللحق موعظة وللباطل ،حجة، ذلك لهم جزاء في الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر وَمَا رَبُّكَ بِظَلَمٍ لِلْعَبِيدِ[فصلت: 46] .

وله أشعار حسان، فمما استحسن من شعره الذي لم يسبقه عند جماعة أهل الأدب أحد من زمانه قوله :

لنا إبل كُومٌ يضيقُ بها الفَضَا*** وَيَفْتَرُ عنها أرضها وسماؤها

فمن دونها أن تُشتَبَاح دماؤنا*** ومن دوننا أن يستدم دماؤها

جمى وقرى فالموت دون مرامها*** وأهْوَن خطب في الحقوق فناؤها

وقوله :

ولكن الجواد أبا هشام*** وفي الغيب مأمون المغيب

[ غني عنك ما استغنيت عنه*** وطلاع عليك مع الخطوب]

وقوله :

هب الزمان رمانی*** الشأن في الجلان

فیمن ذخرت زَمَانِي*** شنات فی الخلان

ومن ذَخَرْتُ لنفسی *** فعاد ذخر الزَمَانِ

لو قيل لي خُذْ أماناً*** من اعظم الحدثان

لما أخذتُ أمانا*** الا من الإخوان

وقوله :

وإذا جَزَى الله امرأ بفعاله*** فجزى أخاً لك ماجداً سمحا

نبهتَهُ مِنْ كذبه فكأنما*** نبهت إذنبهتهُ صُبْحًا

ومما يجب على الرؤساء أن يحفظوه قوله :

نزيده الأيام إن أقْبَلَتْ***حزماً وعلماً بتصاريفها

كأنها في وقت إسعافها*** تسمعه صوت تخاريفها

ومما أحسن فيه وبَرَّزَ عن نظرائه قوله :

سقْياً وَرَعياً لأيام لنا سلفت*** بكيت منها فصرتُ اليوم أبكيها

كذاك أيامنا لا شك نندبها*** إذا تقضت ونحن اليوم نشكُوها

وقوله :

أولى البرية طراً أن تواسيه*** عند السرور لمن واساك في الحزن

إن الكرام إذا ما [ أيسروا] ذكروا*** من كان يألفهم في المنزل الخَشِنِ

وقوله :

لا تَلُمْنِي فَإِنَّ همك أن تُثـ*** ـرِي وهَمي مكارم الأخلاق

كيف يستطيع حفظ ما جمعت كـ*** ـفاه مَنْ ذاق لذة الإنفاق

وقوله :

أسدّ ضار إذا ما هجته*** وأبٌ بَرّ إذا ما افتقرا

یعلم الأقصى إذا أثرى، ولا يعلم الأدنى إذا ما

وكان إبراهيم بن العباس يقول : مثل أصحاب السلطان مثل قوم عَلَوْا جبلا ثم

وقعوا منه، فكان أقربهم إلى التلف أبعدهم من الارتقاء وكان إبراهيم يدعى خؤولة العباس بن الأحنف الشاعر .

العباس بن الأحنف

وحكى أبو العباس أحمد بن جعفر بن حمدان القاضي، عن سليمان بن الحسن بن مخلد، عن أبيه الحسن قال : أنشد إبراهيم بن العباس قول العباس بن الأحنف:

إن قال لم يفعل، وإن سيل لم*** يبذل، وإن عوت يبذل، وإن عوتب لم يُعْتِبِ

صَبٌ بهجرا جراني، ولو قال لي: ***«لا تشرب البارد» لم أشرب

فقال : هذا والله الشعر الحسن المعنى السهل اللفظ العذب المستمع، القليل النظير، ما سمعت كلاماً أجزل منه في رقة ولا أسهل في صعوبة، ولا أبلغ في إنصاف، من هذا فقال له الحسن : كلامك والله أحسن من شعره :

ومما استحسن من شعر العباس بن الأحنف قوله :

تحمل عظيم الذنب ممن تحبه*** وإن كنت مظلوماً فقل: أنا ظالم

فَطُوبى لمن أغفى من الليل ساعة*** وذاق اعتماضاً؛ إن ذاك لناء

وقوله :

اصرف فؤادك يا عباس معتمداً*** عنها، وَإِلّا تَمُتْ في حبها كمدا

لو أنها من وراء الروم في بلد*** ماكنت أسكن إلا ذلك البلدا

يا من شكا شوقه من هول غيبته*** اصبر لعلك تلقى ما تحب غدا

وقوله :

أغب الزيارة لما بدا*** له الهجر أو بعض أسبابه

وما صدَّ عنا ، ولكنه ***طرید ملالة أحبابه

وفاة العباس بن الأحنف

حدثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال حدثنا الرياشي قال : ذكر جماعة من أهل البصرة قالوا خرجنا نريد الحج ، فلما كنا ببعض الطريق إذا غلام واقف على المحجّة وهو ينادي : يا أيها الناس هل فيكم أحد من أهل البصرة؟ قال : فملنا إليه وقلنا له: ما تريد ؟ قال : إن مولاي لما به يريد أن يوصيكم فملنا معه، فإذا بشخص مُلقى على بعد من الطريق تحت شجرة لا يُحيرُ جواباً، فجلسنا حوله، فأحَسَّ بنا، فرفع طرفه، وهو لا يكاد يرفعه ضعفاً، وأنشأ يقول :

يا غريب الدار عن وطنه*** مفرداً يبكي على شَجَنة

كلما جَدَّ البكاء به*** دَبَّتِ الأسقام في بدنه

ثم أغمي عليه طويلا، وإنا لجلوس حوله إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة،

وجعل يغرد ففتح الفتى عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر، ثم قال :

ولقد زاد الفؤاد شَجَّى ***طائر يبكي على فنية

شَقَّه ماشفني فبكى ***كلنا يبكي على سَكَنِة

قال : ثم تنفس تنفساً فاضت نفسه منه فلم نبرح من عنده حتى غسلناه وكفناه وتولّينا الصلاة عليه فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه، فقال: هذا العباس بن الأحنف .

وقد أخبرنا بهذا الخبر أبو إسحاق الزجاجي النحوي ، عن أبي العباس المبرد عن المازني، قال حدثنا جماعة من أهل البصرة بما ذكرناه

وكانت وفاة أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي سنة أربعين ومائتين.

نفي المتوكل علي بن الجهم

وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين نَفَى المتوكل علي بن الجهم الشاعر إلى خراسان، وقيل : في سنة تسع وثلاثين ومائتين وقد أتينا على خبره وما كان من أمره ورجوعه بعد ذلك إلى العراق وخروجه يريد السفر، وذلك في سنة تسع وأربعين ومائتين، فلما صار بالقرب من حلب من بلاد قنسرين والعواصم بالموضع المعروف بخشبات لقيته خيل الكلبيين فقتلته فقال في ذلك وهو في الشرق :

أزيد في اليل ليلُ*** أم سال بالصبح سَيْلُ؟

ذکرت أهل دُجَيْل*** و أين مني دُجَيْل؟

وكان علي بن الجهم السامِيُّ هذا - مع انحرافه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإظهاره التسنن - مطبوعاً مقتدراً على الشعر، عذب الألفاظ، غزير الكلام ، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب طعن من طعن على نسبه، وما قال الناس في عقب سَامَةَ بن لؤي بن غالب، وقول علي بن محمد بن جعفر العلوي الشاعر :

وسَامَةُ منا فأما بنوه*** فأمرهُمُ عندنا مُظْلِم

أناس أتونا بأنسابهم*** خُرَافَة مضطجع يحلم

وقلت لهم مثل قول النبي*** وكل أقاويله محكم

إذا ما سئلت ولم تدر*** تقول فقل ربنا أعلم

وقول العلوي فيه أيضاً:

لو اكتنفت النَّضْرَ أو مَعَدًا ***أو اتخذت البيت كهفاً مَهْدًا

وزمزما شریعة ووردا ***والأخشبين محضرا ومَبْدًا

ما ازددت إلا من قريش بعدا*** كنت إلا مصقلياً وغدًا

وإنما أعدنا ذكر هذا الشعر في هذا الموضع - وإن كنا قد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب - لما سنح لنا من ذكر علي بن الجهم في أيام المتوكل، ولما احتجنا إليه عند ذكرنا لشعر علي بن الجهم وإجابته العلوي على هذا الشعر فكان ما أجاب به على الجهم لعلي بن محمد بن جعفر العلوي:

لم تُذقنِي حلاوة الإنصاف*** وتعسَفْتَنِي أَشَدَّ اعتساف

وتركت الوفاء علماً بما فيـ*** ـه وأسْرَفْتَ غاية الإسراف

غیر أني إذا رجعت إلى حـ***ـق بني ها بن عبد مناف

لم أجد لي إلى التشفّي سبيلا*** بقواف ولا بغیر قواف

لي نفس تأبى الدنية والإشـ***ـراف لا تعتدي على الأشراف

وله في الحبس شعر معروف لم يسبقه إلى معناه أحد، وهو قوله :

قالوا: حبست، فقلت: ليس بضائري*** حبسي، وأي مهند لا يُغْمد؟

أو ما رأيت الليث يألف غيله*** کبرا، وأوباش السباع تردد

والشمس لولا أنها محجوبة*** عن ناظريك لما أضاء الفَرْفَد

والنار في أحجارها مخبوأة *** لا تُصْطَلَى إن لم تُثِرْهَا الأرْنُدُ

والحبس ما لم نَغْشَه لدنية*** شنعاء نِعْمَ المنزل المستورد

بيت يجدد للکریم كرامة*** ويزار فيه ولا يزور ويحفد

لو لم يكن في الحبس إلا أنه*** لا يستذلُّكَ بالحجاب الأعبُدُ

ومما أحسن فيه قوله :

خليلي ما أحلى الهوى وأمره*** وأعلمني بالحلو منه وبالمر

بما بيننا من حرمة هل رأيتما*** أرق من الشكوى وأقسى من الهجر؟

وأفصح من عين المحب لسره*** ولا سيما إن أطْلَقَتْ عَبرة تجري

ومما اختير من قوله :

حسرت عني القناع ظلومُ*** وتولت ودمعها مسجوم

شر ما أنكرت تصرم عهد***لم يَدُمُ لى ، وأي عهد يدوم؟

أنكرت ما رأت برأسي وقالت :*** أمشيب أم لؤلؤ منظوم

[قلت : أولاهما علمت فقالت:*** آية يستثيرها المهموم]

ليس هَمِّي من الهموم التي يحـ***ـن فیها العزاء والتسليم

إن أمراً أخنَى عليّ بشيب الر***أس في ليلة لأمرٌ عظیم

ليس عندي وإن تَعَزَّيت إلا*** طاعة حرة وقلب سلیم

ومن جيد شعره :

هي النفس ما حملتها تتحمل*** وللدهر أيام تجور وتعدل

وعاقبة الصبر الجميل جميلة*** وأكمل أخلاق الرجال التفضل

ولا عار إن زالت عن المرء نعمة*** ولكن عاراً أن يزول التجمل

وما المال إلا حسرة إن تركته*** وغنم إذا قَدَّمته متعجَّلُ

ومما اعتذر فيه فأحسن قوله في المتوكل :

إنَّ ذُلّ السؤال والاعتذار*** خطة صعبة على الأحرار

ليس من باطل يوردها المر*** ، ولكن سوابق الأقدار

فارْضَ للسائل الخضوع وللقا*** رف ذنباً بذلة الاعتذار

إن تجافَيْتَ مُنْعِماً كنت أولى*** مَنْ تجافى عن الذنوب الكبار

أو تُعَاقِب فأنت أعرف باللـ**ـه، وليس العقاب منك بعار

ومما جود فيه قوله لما قيد :

فعلت لها والدمع شتى طريقه*** ونار الهوى بالقلب يَذْكُو وقودها

فلا تجزعي إمَّا رأيت قيوده*** فإن خلاخيل الرجال قيودها

وكان في لسانه فضل قَلَّ مَنْ سَلِم معه منه، وكان محمد بن عبد الله منحرفاً عنه، فاستشفع عليه بوصيف التركي حتى أصلح له ناحيته ثم فسد عليه وصيف، فاستشفع عليه بمحمد بن عبد الله وكتب إليه :

الحمد لله شكراً*** قلوبنا فی یدیه

صار الأمیر شفیعا***إلی شفیعی إلیه

وله أشعار نادرة وأمثال ،سائرة اخترنا منها ما قدمنا ذكره واقتصرنا بذلك عن غيره، وقد رثاه جماعة من الشعراء بعد قتله، منهم أبو صاعد، فقال:

أريقي الدمع واجتنبي الهجوعا*** وصوني شمل وجدك أن يضيعا

وقولي: إنَّ كهف بني لؤي*** غدا بالشام منجدلاً صريعا

عزاء يا بني جَهم بن بدر*** فقد لاقيتمُ خَطْباً فَظِيعا

أما والله لو تَدْرِي المَنَايَا*** بما لا قَيْتُمُ لبَكَتْ نَجيعا

ثوى كهف الأرامل واليتامى*** ومن كان الزمان به ربيعا

فَتّى كان السهام على الأعادي*** وليثاً دون حادثة منيعا

قال : وفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين كان خروج المتوكل من دمشق إلى سُرَّ من رأى، فكان بين خروجه منها ورجوعه إليها ثلاثة أشهر وسبعة أيام، وفي خروجه يقول [ يزيد] المهلبي شعراً طويلا اخترنا منه قوله :

أظن الشام يَسْمَتُ بالعراق*** إذا عزم الإمام على انطلاق

فإن تَدَعِ العراق وساكنيها*** فقد تُبلى المليحة بالطلاق

ولما نزل دمشق أبى أن ينزل المدينة لتكاثف هواء الغُوطَة [عليها] وما يرتفع من بخار ،میاهها فنزل قصر المأمون، وذلك بين داريا ودمشق على ساعة من المدينة، في أعلى الأرض، وهذا الموضع بدمشق يُشْرِف على المدينة وأكثر الغُوطة ويعرف بقصر المأمون إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة .

المتوكل في دمشق

وذكر سعيد بن نكيس قال : كنت واقفاً بين يدي المتوكل في مضربه بدمشق إذ شَغَبَ الجند واجتمعوا وضَحُوا يطلبون الأعْطِيَةَ ، ثم خرجوا إلى تجريد السلاح والرمي بالنشاب وأقبلت أرى السهام ترتفع في الرواق، فقال لي: يا أبا سعيد ادع لي رجاء الحضاري فدعوته، فقال له يا رجاء، أما ترى ما خرج إليه هؤلاء؟ فما الرأي عندك؟ فقال : يا أمير المؤمنين قد كنت مُشفقاً في هذا السفر من مثل هذا، فأشرت بما أشرت من تأخيره ، فمال أمير المؤمنين إليه وقال : دَعْ ما مضى وقل الآن مما حضر برأيك، فقال : يا أمير المؤمنين توضع الأعطية ، فقال له : فهذا ما أرادوا ، وفيه مع ما خرجوا إليه ما يعلم قال : يا أمير المؤمنين مُز بهذا فإن الرأي بعده، فأمر عبيد الله بن يحيى بوضع الأعطية فيهم ، فلما خرج المال وبدىء بإنفاقه دخل رجاء فقال : مُرِ الآن يا أمير المؤمنين بضرب الطبل للرحيل إلى العراق، فإنهم لا يأخذون مما أخرج إليهم شيئاً، ففعل ذلك، فترك الناس الأعطية [فرجعوا] حتى إن المُعْطِيَ ليتعلق بالرجل ليعطيه رزقه فلا يأخذه.

الأتراك يدبرون وقيعة

قال سعيد : وقد كان الأتراك قد رأوا أنهم يقتلون المتوكل بدمشق، فلم يمكنهم فيه

حيلة بسبب بغا الكبير، فإنهم دبَّرُوا في إبعاده عنه، فطرحوا في مضرب المتوكل الرقاع يقولون فيها : إن بُغَا دبر أن يقتل أمير المؤمنين والعلامة في ذلك أن يركب في يوم كذا في خيله ورجله، فيأخذ عليه أطراف عسكره، ثم يأخذ جماعة من الغلمان العجم يدخلون عليه فيفتكون به فقرأ المتوكل الرقاع فبهت مما تضمنته ، ودخل في قلبه من بُغَا كل مدخل وشكا إلى الفتح ذلك، وقال له في أمر بُغَا والإقدام عليه، وشاوره في ذلك، فقال : يا أمير المؤمنين إن الذي كتب الرقاع قد جعل للأمر دلائل في وقت بعينه [ سمّاه له] من ركوب الرجل بالأطراف من العسكر وتوكيله بنواحيه، وبعد ذلك يتبين الأمر، وأنا أرى أن تمسك ، فإن صح هذا الدليل نظرنا كيف نفعل وإن بطل ما كتب به فالحمد الله ، وأقبلت الرقاع تطرح في كل وقت على جهة التنصح وأن في أعناق من كتبها بيعة لم يجد معها بدأ من النصح والصدق، فلما علموا بما علم به الخليفة وتمكن به ما عندهم من الأمر كتبوا رقاعاً فطرحوها في مضرب بُغاً يقولون فيها: إن جماعة من الغلمان والأتراك قد عزموا على الفتك بالخليفة في عسكره، ودبَّرُوا ذلك، واتفقوا عليه، وتعاقدوا على أن يأتوه من نواحي كذا ونواحي ،كذا فالله الله إلا ما احترست لأمير المؤمنين، وحرسته في هذه الليلة من هذه المواضع ، وحَصَّنتها بنفسك ومن تثق به، فإنا قد نصحنا وصدقنا وأكثروا طرح الرقاع بهذا المعنى والتوكيد في حراسة ،الخليفة ، فلما وقف بُغَا عليها وتتابعت عليه لم يأمن أن يكون ما كتب إليه فيها حقاً، مع ما كان وقع عليه من الأمر قبل ذلك، فلما كانت الليلة التي ذكروها جمع جيوشه وأمرهم بالركوب بالسلاح وركب بهم إلى المواضع التي ذكرت فأخذها على المتوكل وحرسها واتصل الخبر بالمتوكل فلم يشك أن ما كتب له حق فأقبل يتوقع من يوافيه فيفتك به، وسهر ليلته، وامتنع من الأكل والشرب، فلم يزل على تلك الحال إلى الغَدَاة، وبُغَا يحرسه، والأمر عند المتوكل على خلاف ذلك وقد اتهم ،بُغَا، واستوحش من فعله فلما عزم المتوكل على الانصراف قال :له يا بُغَا، قد أبت نفسي مكانك مني، ورأيت أن أقلدك هذا الصقع وأقر عليك ما كان لك من رزق وحِبَاء ونُزُل ومعونة وكل سبب، فقال : أنا عبدك يا أمير المؤمنين فافعل ما شئت وأمرني بما أحببت فخلفه بالشام وانصرف، فأحدث الموالي عليه ما أحدثوا فلم يعلم المتوكل وجه الحيلة ولم يعلم كل واحد منهما الحيلة في

، ذلك إلى أن تمت الحيلة .

تدبير المؤامرة ضد المتوكل

قال : ولما عزم بُغَا الصغير على قتل المتوكل دعا بباغر التركي، وكان قد اصطنعه واتخذه وملأ عينه من الصلات، وكان مقداماً أهوج، فقال له : يا باغر أنت تعلم محبتي لك وتقديمي إياك وإيثاري لك وإحساني إليك، وإني قد صرت عندك في حد من لايُعْصَى له أمر ولا يخرج عن محبته، وأريد أن آمرك بشيء فعرفني كيف قلبك فيه، فقال :أنت تعلم كيف أفعل فقل لي ما شئت حتى أفعله قال : إن ابني فارس قد أفسد علي عملي وعزم على قتلي وسَفْكِ دمي، وقد صح عندي ذلك منه ، قال : فتريد مني ماذا؟ قال : أريد أن يدخل علي غداً فالعلامة بيننا أن أضع قلنسوتي في الأرض، فإذا أنا وضعتها في الأرض فاقتله، قال: نعم، ولكن أخاف أن يبدو لك أو تجد في نفسك عليَّ ، قال : قد آمنك الله من ذلك. فلما دخل فارس حضر باغر ووقف موقف الضارب، فلم يزل يراعي بُغا أن يضع قلنسوته، فلم يفعل، وظن أنه نسي، فغمزه بعينه أن أفعل؟ قال : لا ، فلما لم ير العلامة وانصرف فارس قال له بغا : اعلم أني فكرت في أنه حَدَثٌ وأنه ولدي، وقد رُمْتُ أن أستخلصه هذه المرة فقال له باغر : أنا قد سمعت وأطعت وأنت أعلم وما دبرت وقدرت عليه فيه صلاحه ؛ ثم قال :له وههنا أمر أكبر من ذلك وأهم فعرفني كيف : تريد أن تكون فيه ، قال له : قل ما شئت حتى أفعله قال: أخي وصيف قد صح عندي أنه يدبر عَلَيَّ وَعَلى رفقائي، وأن مكاننا قد ثقل عليه، وأنه عَوَّلَ على أن يقتلنا ويفنينا وينفرد بالأمور ؛ قال : فماذا تريد أن يُصْنَعَ به؟ قال : افعل هذا فإنه يصير إليّ غداً فالعلامة أن أنزل عن المصلّى الذي يكون معي قاعداً عليه فإذا رأيتني نزلت عنه فضع سيفك عليه، واقتله ؛ قال : نعم، فلما صار وصيف إلى بغا حضر باغر وقام مقام المستعد، فلم ير العلامة حتى قام وصيف وانصرف قال : فقال له :بغا يا باغر إني فكرت في أنه أحي وأني قد عاقدته وحلفت له فلم أستجز أن أفعل ما ،دبرته ووصله وأعطاه . ثم إنه أمسك عنه مدة مديدة ودعا به فقال يا ،باغر، قد حضرت حاجة أكبر من الحاجة التي قدمتها فكيف قلبك؟ قال : قلبي على ما تحبُّ فقل ما شئت حتى أفعله، فقال : هذا المنتصر قد صح عندي أنه على إيقاع التدبير عَلَيَّ وَعَلَى غيري حتى يقتلنا وأريد أن أقتله، فكيف ترى نفسك في ذلك؟ ففكر باغر في ذلك ونكس رأسه [ طويلا] وقال : هذا لا يجيء منه شيء، قال : وكيف؟ قال : يقتل الابن والأبُ باقٍ ؟ إذاً لا يستوي لكل شيء ويقتلكم أبوه كلكم به؟ قال فما ترى عندك ؟ قال : نبدأ بالأب أولا فنقتله، ثم يكون أمر الصبي أيسر من ذلك، فقال له : ويحك ويُفعل هذا ويُتهيأ ؟ قال : نعم أفعله وأدخل عليه حتى أقتله،فجعل يردد عليه فيقول : لا تفعل غير هذا، ثم قال له : فادخل أنت في أثري فإن قتلته

وإلا فاقتلني وضَعْ سيفك عَلَيَّ، وقل : أراد أن يقتل ،مولاه، فعلم بغا حينئذ أنه قاتله وتوجه له في التدبير في قتل المتوكل .

وفاة شجاع أم المتوكل

وفي سنة سبع وأربعين [ومائتين] توفيت شجاع أم المتوكل، وصلى عليها المنتصر، وذلك في شهر ربيع الآخر.

مقتل المتوكل

ثم قتل المتوكل بعد وفاتها بستة أشهر ليلة الأربعاء لثلاث ساعات خلت من الليل، وذلك لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين وقيل: لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين .

وكان مولده بفم الصلح حدث البحتري قال : اجتمعنا ذات ليلة الندماء في مجلس المتوكل فتذاكرنا أمر السيوف، فقال بعض من حضر : بلغني يا أمير المؤمنين أنه وقع عند رجل من أهل البصرة سيف من الهند ليس له نظير ولم يُرَ مثله فأمر المتوكل بكتاب إلى عامل البصرة يطلبه بشرائه بما بلغ فنفذت الكتب على البريد وورد جواب عامل البصرة بأن السيف اشتراه رجل من أهل اليمن فأمر المتوكل بالبعث إلى اليمن بطلب السيف وابتياعه، فنفذت الكتب بذلك، قال البحتري : فبينا نحن عند المتوكل إذ دخل عليه عبيد الله بن يحيى] والسيف معه وعَرَّفه أنه ابتيع من صاحبه باليمن بعشرة آلاف درهم فسر بوجوده وحمد الله على ما سهل من أمره وانتضاه فاستحسنه وتكلم كل واحد منا بما يحب وجعله تحت ثني فراشه فلما كان من الغداة قال للفتح : اطلب لي غلاماً تثق بنجدته وشجاعته أدفع له هذا السيف ليكون واقفاً به على رأسي لا يفارقني في كل يوم ما دمت جالساً ، قال : فلم يستتم الكلام حتى أقبل باغر التركي فقال الفتح يا أمير المؤمنين، هذا باغر التركي قد وصف لي بالشجاعة والبسالة، وهو يصلح لما أراد أمير المؤمنين، فدعا به المتوكل فدفع إليه السيف، وأمره بما أراد، وتقدم أن يزاد في مرتبته، وأن يضعف له الرزق، قال البحتري : فوالله ما انتضى ذلك السيف ولا خرج من غمده من الوقت الذي دفع إليه إلا في الليلة التي ضربه فيها باغر بهذا السيف . قال البحتري : لقد رأيت من المتوكل في الليلة التي قتل فيها عجباً، وذلك أننا تذاكرنا أمر الكبر ، وما كانت تستعمله الملوك من الجبرية، فجعلنا نخوض في ذلك وهو يتبرأ منه ، ثم حَوَّلَ وجهه إلى القبلة فسجد وعفر وجهه بالتراب خضوعاً الله عزّ وجلّ، ثم أخذ من ذلك التراب فنثره في لحيته ورأسه وقال : إنما أنا عبد الله وإن من صار إلى التراب لحقيق أن يتواضع ولا يتكبر .

قال البحتري : فتطيرت له من ذلك، وأنكرت ما فعله من نَثرِهِ التراب على رأسه ولحيته، ثم قعد للشراب، فلما عمل فيه غنى من حضره من المغنين صوتاً استحسنه، ثم التفت إلى الفتح فقال : يا فتح ما بقي أحد سمع هذا الصوت من مخارق غيري وغيرك، ثم أقبل على البكاء .

قال البحتري : فتطيرت من بكائه وقلت هذه ثانية ؛ فإنا في ذلك إذ أقبل خادم من خدم قبيحة ومعه منديل وفيه خلعة وجهت بها إليه قبيحة فقال له الرسول يا أمير المؤمنين تقول لك قبيحة : إني استعملت هذه الخلعة لأمير المؤمنين واستحسنتها ووجهت بها لتلبسها قال فإذا فيها دراعة حمراء لم أر مثلها قط، ومُطْرَفُ خز أحمر كأنه ديبقي من رفته ، قال : فلبس الخلعة والتَحَفَ بالمطرف. قال [ البحتري : فتصيدت لأبدره بنادرة تكون سبباً لأخذ المطرف] فإني على ذلك إذ تحرك المتوكل فيه وقد كان التف عليه المطرف فجذبه جذبة فخرقه من طرفه إلى طرفه ، قال : فأخذه ولفه ودفعه إلى خادم قبيحة الذي جاءه بالخلعة وقال : قل لها احتفظي بهذا المطرف عندك ليكون كفناً لي عند وفاتي فقلت في نفسي :إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: 156]، انقضت والله المدة ؛ وسكر المتوكل سكراً شديداً ، قال : وكان من عادته أنه إذا تمايل عند سكره أن يقيمه الخدم الذين عند رأسه قال : فبينما نحن كذلك ومضى نحو ثلاث ساعات من الليل إذ أقبل باغر ومعه عشرة نفر من الأتراك وهم متلثمون والسيوف في أيديهم تبرق في ضوء تلك الشمع، فهجموا علينا وأقبلوا نحو المتوكل حتى صعد باغر ومعه آخر من الأتراك على السرير، فصاح بهم الفتح : ويلكم !! مولاكم؛ فلما رآهم الغلمان ومَنْ كان حاضراً من الجلساء والندماء وتطايروا على وجوههم فلم يبق أحد في المجلس غير الفتح وهو يحاربهم ويمانعهم قال البحتري : فسمعت صيحة المتوكل وقد ضربه باغر بالسيف الذي كان المتوكل دفعه إليه على جانبه الأيمن، فَقَدَّه إلى خاصرته، ثم ثناه على جانبه الأيسر ففعل مثل ذلك، وأقبل الفتح يمانعهم عنه فبَعَجَه واحد منهم بالسيف الذي كان معه في بطنه فأخرجه من متنه، وهو صابر لا يتنحى ولا يزول، قال البحتري : فما رأيت أحداً كان أقوى نفساً ولا أكرم منه ،ثم طرح بنفسه على المتوكل، فماتا جميعاً، فلفا في البساط الذي قتلا فيه وطرحا ناحية فلم يزالا على حالتهما في ليلتهما وعامة نهارهما حتى استقرت الخلافة للمنتصر، فأمر بهما فدفنا جميعاً ، وقيل : إن قبيحة كفنته بذلك المطرف المخرق بعينه .

وقد كان بُغَا الصغير توحش من المتوكل فكان المنتصر يجتذب قلوب الأتراك وكان أوتامش غلام الواثق مع المنتصر، فكان المتوكل يبغضه لذلك، وكان أوتامش

يجتذب قلوب الأتراك إلى المنتصر، وعبيد الله بن خاقان الوزير والفتح بن خاقان منحرفين عن المنتصر مائلين إلى المعتز، وكانا قد أوْغَرا قلب المتوكل على المنتصر، فكان المنتصر لا يُبْعِدُ المتوكل أحداً من الأتراك إلا اجتذبه فاستمال قلوب الأتراك وكثيراً من الفراغنة والأشروسية إلى أن كان من الأمر ما ذكرناه .

[وقد ذكر في كيفية قتل المتوكل غير ما ذكرنا ] ، وهذا ما اخترناه في هذا الموضع إذ كان أحسن ألفاظاً وأقرب مأخذاً، وقد أتينا على جميع ما قيل في ذلك في الكتاب الأوسط، فأغني ذلك عن تكراره في هذا الكتاب .

ولم يكن المتوكل يوماً أشد سروراً منه في اليوم الذي قتل فيه؛ فلقد أصبح في هذا اليوم نشيطاً فرحاً مسروراً وقال : كأني أجد حركة الدم فاحتجم في ذلك اليوم، وأحضر الندماء والملهين، فاشتد سروره وكثر فرحه، فانقلب ذلك الفرح ترحاً والسرور حزناً؛ فمن ذا الذي يغتر بالدنيا ويسكن إليها، ويأمن الغدر والنكبات فيها إلا جاهل مغرور؟ فهي دار لا يدوم نعيمها ولا يتم فيها سرور ، ولا يؤمن فيها محذور، قد قرنت منها السراء بالضراء والشدة بالرخاء والنعيم بالبلوى ؛ ثم يتبعها الزوال، فمع نعيمها البؤس، ومع سرورها الحزن، ومع محبوبها المكروه، ومع صحتها السقم، ومع حياتها الموت، ومع فرحاتها الترحات، ومع لذاتها الآفات، عزيزها ذليل، وقويها مهين، وغنيها محروب، وعظيمها مسلوب، ولا يبقى إلا الحي الذي لا يموت ولا يزول ملكه وهو العزيز الحكيم .

وفي ذلك يقول البحتري في غدر المنتصر بأبيه وفتكه به من قصيدة له :

أكان ولي العهد أضمر غَدْرَةٌ *** فَمَن عَجَب أو وُليَ العهد غادِرُهُ

فلا مُلّي الباقي تراث الذي مضى*** ولا حملت ذاك الدعاء منابره

وصف أيام المتوكل

وكانت أيام المتوكل في حسنها ونضارتها ورفاهية العيش بها وحمد الخاص والعام لها ورضاهم عنها أيام سراء لا ضراء، كما قال بعضهم : كانت خلافة المتوكل أحسن من أمْنِ السبيل ورخص السعر وأماني الحب، وأيام الشباب؛ وقد أخذ هذا [المعنى] بعض الشعراء فقال : قربك أشهى موقعاً عندنا*** من لين السعر وأمن السبيل

ومن ليالي الحب موصولة *** بطيب أيام الشباب الجميل

قال المسعودي : وقد قيل : إنه لم تكن النفقات في عصر من الأعصار ولا وقت من الأوقات مثلها في أيام المتوكل .

ويقال : إنه أنفق على الهاروني والجوسق الجعفري أكثر من مائة ألف ألف درهم، هذا مع كثرة الموالي والجند والشاكرية ودرور العطاء لهم وجليل ما كانوا يقبضونه في كل شهر من الجوائز والهبات.

ويقال : إنه كان له أربعة آلاف سرية وطئهن كلهن ومات وفي بيوت الأموال أربعة آلاف ألف دينار وسبعة آلاف ألف درهم، ولا يعلم أحد في صناعته في جد ولا هزل إلا وقد حَظِيّ في دولته وسعد بأيامه، ووصل إليه نصيب وافر من ماله.

الحسين الخليع بين يدي المتوكل

وذكر محمد بن أبي عون قال : حضرت مجلس المتوكل على الله في يوم نيروز وعنده محمد بن عبد الله ،طاهر وبين يديه الحسين بن الضحاك الخليع الشاعر، فغمز المتوكل خادماً على رأسه حَسَنَ الصورة أن يسقي الحسين (1) كأساً ويحييه بتفاحة عنبر، ففعل ذلك، ثم التفت المتوكل إلى الحسين (1) فقال : قل فيه أبياتاً، فأنشأ يقول:

وكالدرة البيضاء حَيًّا بعنبر*** من الورد يسعى في قَرَاطِقَ كالورد

له عَبَنَات عند كل تحية*** بعينيه تستدعي الخليَّ إلى الوجد

تمنيت أن أُسْقَى بكفيه شربة*** تذكرني ما قد نسيت من العهد

سقى الله دهراً لم أبت فيه ساعة*** من الليل إلا من حبيب على وعد

قال المتوكل: أحسنت والله يُغطى لكل بيت مائة دينار، فقال محمد بن عبد الله : ولقد أجاب فأسرع، وذكر فأوجع ،ولولا أن يد أمير المؤمنين لا تطاولها يد لأجزلت له العطاء ولو بالطارف والتالد، فقال المتوكل عند ذلك : يعطى لكل بيت ألف دينار.

قال : ويروى أنه لما أتى بمحمد بن المغيث إلى المتوكل وقد دعا له بالنطع ،والسيف، قال له يا محمد ما دعاك إلى المشاقة ؟ قال : الشقوة يا أمير المؤمنين، وأنت ظل الله الممدود بينه وبين خلقه، وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو عن عبدك وأنشأ يقول :

أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي*** إمام الهدى، والعَفْوُ بالحر أجمل

وهل أنا إلا جبلة من خطيئة*** وعفوك من نور النبوة يجمل

تضاءل ذَنْبِي عند عفوك قلة ***فمن لي بفضل منك، والمَن أفضل

لأنك خير السابقين إلى العُلا*** وإنك خَيْرَ الفعلتين ستفعل

فقال المتوكل : أفعل خيرهما، وأمن عليك، ارجع إلى منزلك، قال ابن المغيث : يا أمير المؤمنين الله أعلم حيث يجعل رسالته .

من رثاء المتوكل

ولما قتل المتوكل رثته الشعراء؛ فممن رثاه علي بن الجهم، فقال من قصيدة له :

عَبِيدُ أمير المؤمنين قتلنه*** وأعظم آفات الملوك عبيدها

بني هاشم، صبراً فكل مصيبة*** سَيَبْلى على وجه الزمان جديدها

وفيه يقول يزيد بن محمد المهلبي من قصيدة طويلة :

جاءت منيته والعين هاجعة*** هلا أتته المنايا والْقَنا قِصَدُ

عَلَتْكَ أسياف مَنْ لا دونه أحد*** وليس فوقك إلا الواحد الصمد

خليفة لم ينل ما ناله أحد*** ولم يضع مثله روح ولا جسد

وفيه يقول بعض الشعراء:

سرت ليلًا منيته إليه ***وقد خلّى مناعمه وناما

فقالت قم، فقام وكم أقامت ***أخامُلْكِ إلى مُلْك فقاما

وفيه يقول الحسين بن الضحاك الخليع :

إن الليالي لم تحسن إلى أحد*** إلا أساءت إليه بعد إحسان

أما رأيت خُطُوبَ الدهر ما فعلت*** بالهاشمي وبالفتح بن خاقان

محبوبة جارية المتوكل

وذكر علي بن الجهم قال : لما أفْضَتِ الخلافة إلى أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله أهدى إليه الناس على أقدارهم وأهدى إليه ابن طاهر هدية فيها مائتا وصيفة ،ووصيف، وفي الهدية جارية يقال لها محبوبة كانت لرجل من أهل الطائف قد أدبها وثقفها وعلمها من صنوف العلم وكانت تقول الشعر وتلحنه وتغني به على العود] وكانت تحسن كل ما يحسنه علماء الناس فحسن موقعها من المتوكل، وحَلّتْ من قلبه محلا جليلاً لم يكن أحد يعدلها عنده قال علي : فدخلتُ عليه يوماً للمنادمة، فلما استقر بي المجلس قام فدخل بعض المقاصير، ثم خرج وهو يضحك، فقال لي : ويلك يا علي ،

دخلت فرأيت قينة قد كتبت في خدها بالمسك جعفراً فما رأيت أحسن منه، فقل فيه شيئاً، فقلت يا سيدي [وحدي] أو أنا ومحبوبة قال لا بل أنت ومحبوبة، قال: فدعت بدواة وقرطاس فسبقتني إلى القول، ثم أخذت العود فترنمت،ثم خفقت عليه حتى صاغت له لحناً وتضاحكت منه ملياً، ثم قالت يا أمير المؤمنين، تأذن لي؟ فأذن لها، فغنت :

وكاتبة في الخد بالمسك جعفراً*** بنفسي محط المسك من حيث أثرا

لئن أودَعَتْ خطاً المسك خَدَّهَا *** لقد أودعت قلبي من الوجد أسطرا

فيا من لمملوك يظل ملیکه *** مطیعاً له فيما أسَرَّ وأجهرا

ويا من لعيني مَنْ رأى مثل جعفر*** سقى الله صوب المستهلات جعفرا

قال علي: وتبلدت خواطري حتى كأني ما أحسن حرفاً من الشعر ، قال : فقال لي المتوكل ويلك يا علي ما أمرتك به، فقلت يا سيدي أقِلْني فوالله لقد عَزَبَ عن ذهني، فلم يزل يضرب به على رأسي ويعيرني به إلى أن مات .

قال علي: ودخلت عليه أيضاً لأنادمه، فقال لي: ويلك يا علي، علمت أني غاضبت محبوبة، وأمرتها بلزوم مقصورتها، ونهيت الحشم عن الدخول إليها، وأنفت من كلامها؟ فقلت يا سيدي إن كنت غاضبتها اليوم فصالحها غداً، ویدیم الله سرور أمير المؤمنين ويمد في عمره قال : فأطرق مليا، ثم قال للندماء: انصرفوا وأمر برفع الشراب فرفع فلما كان من غد دخلتُ إليه ، فقال : ويلك يا علي، إني رأيت البارحة في النوم أني قد صالحتها، فقالت جارية يقال لها شاطر كانت تقف أمامه : والله لقد سمعت الساعة في مقصورتها هينمة لا أدري ما هي فقال لي: قم ويلك حتى ننظر ما هي، فقام حافياً وقمت أتبعه حتى قربنا من مقصورتها ، فإذا هي تخفق عوداً وتترنم بشيء كأنها تصوغ لحناً، ثم رفعت عقيرتها وتغنت :

أدور في القصر لا أرى أحداً *** أشكو إليه ولا يكلمني

حتی كأني أتَيْتُ معصيةً*** ليس لها توبة تخلصني

فَمَنْ شفيع لنا إلى ملك*** قد زارني في الكرى وصالحني

حتى إذا ما الصباحُ عاد لنا*** عاد إلى هجره وصَارَمني

قال : فصفق المتوكل طرباً، فصفقت معه فدخل إليها فلم تزل تقبل رجل المتوكل وتمرغ خديها على التراب حتى أخذ بيدها ورجعنا وهي ثالثتنا .

قال علي : فلما قتل المتوكل ضمت هي وكثير من الوصائف إلى بُغَا الكبير،

فدخَلْتُ عليه يوماً للمنادمة، فأمر بهَتْكِ الستارة، وأمر بالْقَينات فأقبلن يرفلن في الحلي والحلل، وأقبلت محبوبة حاسرة من الحلي ،والحلل عليها بياض، فجلَسَتْ مُطرقة منكسة، فقال لها وصيف غني، قال : فاعتلت عليه فقال : أقسمت عليك، وأمر بالْعُود فوضع في حجرها ، فلما لم تجد بدا من القول تركت العود في حجرها، ثم غنت عليه غناء مرتجلا :

أي عیش یَلَذُ لی***لا أرى فیه جعفرا

ملك قد رأيته***فی نجیعٍ معفرا

كل من كان ذا خبا***لٍ وسقم قد بَرَا

غیرمحوبة التي ***لو ترى الموت یُشتَرَی

لاشترته بما حوتـ***ـه یداها لتُقبرا

قال : فغضب عليها وصيف وأمر بسجنها فسجنت وكان آخر العهد بها.

وفاة جماعة من أهل العلم

قال المسعودي ومات في خلافة المتوكل جماعة من أهل العلم ونقلة الآثار وحفاظ الحديث : منهم علي بن جعفر المديني بسامرا يوم الاثنين لثلاث بَقِينَ من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين ومائتين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة وأشهر .

وتنوزع في السنة التي مات فيها ابن المديني، وقد قَدَّمنا فيما سلف من هذا الكتاب السنة التي قيل فيها إن وفاته كانت فيها .

وفي هذه السنة مات أبو الربيع بن الزهراني وقد تنوزع في السنة التي مات فيها يحيى بن معين ؛ فمنهم مَنْ رأى ما قَدَّمنا في هذا الكتاب ومنهم مَنْ رأى – وهو الأكثر - أنه مات في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، ويكنى بأبي زكريا مولى بني مرة، وقد بلغ من السن خمساً وسبعين سنة ،وأشهراً بالمدينة وقيل إن في هذه السنة كانت وفاة أبي الحسن علي بن محمد المدائني الأخباري وقيل مات في أيام الواثق في سنة ثمان وعشرين ومائتين وفيها كانت وفاة مسدد بن مُسَرْهد واسمه عبد الملك بن عبد العزيز.

وفيها مات الحماني ،الفقيه وابن عائشة واسمه عبد الله بن محمد بن حفص، ويكنى بأبي عبد الرحمن، وهو من تيم قريش.

وفي خلافة المتوكل مات هذبة بن خالد، وشيبان بن فروخ الأبلي، وإبراهيم بن محمد الشافعي، وذلك في سنة ست وثلاثين ومائتين.

وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين مات العباس بن الوليد النَّرْسِي بالبصرة، وعبد الله بن أحمد النرسي، وعبيد الله بن معاذ العنبري .

وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين مات إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وبشر بن الوليد القاضي الكندي صاحب أبي يوسف وقد قيل : إن في هذه السنة مات العباس بن الوليد النّرْسِي .

وفي سنة تسع وثلاثين ومائتين مات عثمان بن أبي شَيْبَة الكوفي بالكوفة، والصَّلْتُ بن مسعود الجَحْدَري.

وفي سنة أربعين ومائتين مات شباب بن خليفة العصفري، وعبد الواحد بن عتاب .

وفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين مات هشام بن عمار الدمشقي، وحميد بن مسعود الناجي، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وفيها مات يحيى بن أكثم القاضي في الرَّبَذَة، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب.

وفي سنة ست وأربعين ومائتين مات محمد بن المصطفى الحمصي، وعنبسة بن إسحاق بن شمر وموسى بن عبد الملك .

قال المسعودي : وللمتوكل أخبار وسِيرَ حِسَان غير ما ذكرنا، وقد أتينا عليها على الشرح والإيضاح في كتابنا أخبار الزمان»، والله الموفق للصواب.

ذكر خلافة المنتصر بالله

موجز

وبويع محمد بن جعفر المنتصر في صبيحة الليلة التي قتل فيها المتوكل، وهي ليلة الأربعاء لثلاث خَلَوْنَ من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، ويكنى بأبي جعفر، وأمه أم ولد يقال لها حبشية رومية واستخلف وهو ابن خمس وعشرين سنة، وكانت بيعته بالقصر المعروف بالجعفري الذي أحدث بناءه المتوكل ومات سنة ثمان وأربعين ومائتين وكانت خلافته ستة أشهر .

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

الموضع الذي قتل فيه المتوكل

كان الموضع الذي قتل فيه المتوكل هو الموضع الذي قتل فيه شيرويه أباه كسرى أبرويز، وكان الموضع يعرف بالماخورة، وكان مقام المنتصر بعد أبيه في الماخورة سبعة أيام، ثم انتقل عنه وأمر بتخريب ذلك الموضع .

وحكي عن أبي العباس محمد بن سهل قال: كنت أكتب لعتاب بن عتاب على ديوان جيش الشاكرية في خلافة المنتصر، فدخلت إلى بعض الأزوقة، فإذا هو مفروش ببساط سوسنجرد و مسند ومصلى ووسائد بالحمرة ،والزرقة وحول البساط دارات فيها أشخاص ناس وكتابة بالفارسية، وكنت أحسن القراءة بالفارسية، وإذا عن يمين المصلى صورة ملك، وعلى رأسه تاج كأنه ينطق، فقرأت الكتابة فإذا هي «صورة شيرويه القاتل لأبيه أبرويز الملك مَلَك ستة أشهر ثم رأيت صور ملوك شتى، ثم انتهى بي النظر إلى صورة عن يسار المصلى عليها مكتوب صورة يزيد بن [الوليد بن ] عبد الملك قاتل ابن عمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك ملك ستة أشهر» فتعجبت من ذلك واتفاقه واتفاقه عن يمين مقعد المنتصر وعن شماله فقلت: لا أرى يدوم ملكه أكثر من ستة أشهر، فكان والله كذلك، فخرجت من الرواق إلى مجلس وَصِيف وبُغَا، وهما في الدار الثانية، فقلت لوصيف : أعَجَزَ هذا الفَرَّاش أن يفرش تحت أمير المؤمنين إلا هذا البساط الذي عليه صورة يزيد بن الوليد قاتل ابن عمه وصورة شيرويه قاتل أبيه أبرويز، وعاشا ستة أشهر بعد ما قتلا، فجزع وصيف من ذلك وقال : عليَّ بأيوب بن سليمان النصراني خازن الفُرُشِ، فمثل بين يديه فقال له وصيف لم تجد ما يفرش في هذا اليوم تحت أمير المؤمنين إلا هذا البساط الذي كان تحت المتوكل ليلة الحادثة وعليه صورة ملك الفرس وغيره، وقد كان نالته آثار من الدماء؟ قال : سألني أمير المؤمنين المنتصر عنه، وقال: ما فعل البساط ؟ فقلت عليه آثار [دماء] فاحشة، وقد عزمت أن لا أفرشه من ليلة الحادثة،

فقال : لم لا تغسله وتطويه؟ فقلت : خشيت أن يشيع الخبر عند من يرى ذلك البساط من أثر الحادثة، فقال : إن الأمر أشهر من ذلك، يريد قتل الأتراك لأبيه المتوكل، فطويناه وبسطناه تحته، فقال وصيف وبُغَا : إذا قام أمير المؤمنين من مجلسه فخذه وأحرقه بالنار، فلما قام أحرق بحضرة وصيف ،وَبُغَا، فلما كان بعد أيام قال لي المنتصر : افرش ذلك البساط الفلاني، قلت : وأين ذلك البساط ؟ فقال : وما الذي كان من أمره؟ فقلت : إن وصيفاً وبُغَا أمراني بإحراقه، قال: فسكَتَ ولم يُعِد في أمره شيئاً إلى أن مات.

وقد كان المنتصر طرب في هذه الأيام، فدعا ببنان بن الحارث العواد، وكان مطرباً مجيداً، وقد كان غضب عليه، فأحضره فغناه :

لقد طال عهدي بالإمام محمد*** وما كُنت أخشى أن يطول به عهدي

فأصبحتُ ذا مُعْدٍ وداري قريبة*** فيا عجباً من قرب داري ومن بُعْدِي

رأيتك في بُرْدِ النبي محمد*** كَبَدر الدجا بين العمامة والبُرْدِ

[ فيا ليت أن العيد عاد ليَوْمه*** فإني رأيت العيد وَجْهَك لي يُبْدِي]

وكان ذلك ثاني يوم [عيد] الأضحى، وقد كان المنتصر صلّى بالناس في هذا العيد، ومما غنى به من الشعر للمنتصر في ذلك اليوم :

رأيتك في المنام أقل بخلا*** وأطْوَعَ منك في ير المنام

فليت الصبح باد ولا نراه*** وليست وليت الليل ألْفَ عام

ولو أن النعاس يُبَاعُ بيعاً*** لأغليت النعاس على الأنام

ومن شعر المنتصر أيضاً مما غنى بحضرته :

إني رأيتك في المنام كأنما*** أعطيتني من ريق فيك البارد

وكأن كَنّك في يَدِي، وكأنما*** بتناجميعاً في لحاف واجد

ثم انتيهت و معصماكِ كلاهما ***بيدي اليمين وفي يمينك ساعدي

فظللت يومي كله متراقداً ***لأراكِ في نومي ولست براقد

وزير المنتصر ابن الخصيب

وقد كان استوزر أحمد بن الخصيب وندم على ذلك، وكان نفي عبيد الله بن يحيى خاقان، وذلك أن أحمد بن الخصيب ركب ذات يوم فتظلم إليه متظلم بقصة ، فأخرج رجله من الركاب فزج بها في صدر المتظلم فقتله، فتحدث الناس بذلك، فقال بعض شعراء ذلك الزمان :

قل للخليفة يا ابن عم محمد*** اشكُل وزيرك، إنه رَكَّالُ

اشكله عن ركل الرجال، فإن ترد*** مالا فعند وزيرك الأموال

وزير المقتدر

قال المسعودي ولو لحق هذا الشاعر الوزير حامد بن العباس في وزارته للمقتدر بالله لرأى منه قريباً مما ظهر من ابن الخصيب، وذلك أنه خاطبه مخاطب ذات يوم، فقلب ثيابه على كتفه ولَكمَ حَلْقَهُ.

ولقد دخلت عليه ذات يوم أم موسى القهرمانة الهاشمية، أو غيرها من القَهَّارِمة، فخاطبته في شيء من الأموال عن رسالة المقتدر ، فكان مما خاطبها به أن قال :

اضرطي والتقطي*** واحسبي لا تغلطي

فأخجلها ذلك، فقطعها عما له قصدت فمضت من فَوْرِها إلى المقتدر والسيدة فأخبرتهما بذلك، فأمر القِيَان [أن] يغنين ذلك اليوم بهذا الكلام، وكان يوم طرب وسرور.

وقد أتينا على خبره وأخبار غيره من وزراء بني العباس وكُتّاب بني أمية إلى هذا الوقت . وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . في الكتاب الأوسط.

مرض المنتصر وموته

وأخبرت عن أبي العباس أحمد بن محمد بن موسى بن الفُرَاتِ قال : كان أحمد بن الخصيب سيىء الرأي في والدي، وكان عاملا ،له، فجاءني مخبر من خَدَم الخاصة فقال : إن الوزير قد ندب لأعمالكم فلاناً، وقد أمره في والدك بكل مكروه، وأن يُصادره على جملة من المال غليظة ذكرها، فقعدت وعندي بعض أصدقائنا من الكتاب أبادر بالكتاب إلى والدي بذلك، فاشتغلت عن جليسي الكاتب فاتكاً على الوسادة وغفا، فانتبه مرعوباً، وقال : إني قد رأيت رؤيا عجيبة، رأيت أحمد بن الخصيب واقفاً في هذا الموضع وهو يقول لي : يموت الخليفة المنتصر إلى ثلاثة أيام قال قلت له : الخليفة في الميدان يلعب بالصولجان، وهذه الرؤيا ضرب من البلغم والمرار وقد قدمنا الطعام، فما استتممنا الكلام حتى دخل علينا داخل فقال : رأيت الوزير بدار الخاصة غير مُسْفِر الوجه، وإني سألتُ عن سبب ذلك فقيل لي : إن الخليفة المنتصر انصرف من الميدان وهو عرق، فدخل الحمام ونام في الباذهنج فضربه الهواء، وركبته حمى هائلة، فدخل عليه أحمد بن الخصيب فقال له يا سيدي أنت متفلسف وحكيم الزمان تنزل من الركوب تبعاً فتدخل

الحمام ثم تخرج عَرِقاً فتنام في الباذهنج ؟ فقال له المنتصر : أتخاف أن أموت؟ رأيت في المنام البارحة آتياً أتاني فقال لي : تعيش خمسا وعشرين سنة، فعلمت أن ذلك بشارة في المستقبل من عمري وأني أبقى في الخلافة هذه المدة ، قال : فمات في اليوم الثالث، فنظروا فإذا هو قد استوفى خمسا وعشرين سنة.

وقد ذكر جماعة من أصحاب التواريخ أن المنتصر ضربته الريح يوم الخميس لخمس بَقِينَ من شهر ربيع الأول، ومات مع صلاة العصر لخمس لَيَالٍ خَلَوْنَ من ربيع الآخر، وصلى عليه أحمد بن محمد المستعين وكان أول خليفة من بني العباس أظهر قبره، وذلك أن أُمه حبشية سألت ذلك، فأذن لها، وأظهرته بسامرا .

الخلاف في سبب موت المنتصر

وقد قيل : إن الطيفوري الطبيب سَمه في مشراط حَجَمَه ،به، وقد كان عزم على تفريق جمعالأتراك، فأخرج وصيفاً في جمع كثير إلى غَزَاة الصائفة بطرسوس، ونظر يوماً إلى بغا الصغير . وقد أقبل في القصر، وحوله جماعة من الأتراك . فأقبل على الفضل بن المأمون، فقال: قتلني الله إن لم أقتلهم وأفرق جمعهم، بقتلهم المتوكل على الله ، فلما نظر[ت] الأتراك إلى ما يفعل بهم ، وما قد عَزَمَ عليه، وجدوا منه الفرصة.

وقد شكا ذات يوم حرارة، فأراد الحجامة، فخرج له من الدم ثلاثمائة درهم وشرب شربة بعد ذلك فحلت ،قواه ويقال : إن السم كان في مبضع الطبيب حين فَصَدَه .

وقد ذكر ابن أبي الدنيا، عن عبد الملك بن سليمان بن أبي جعفر قال: رأيت في نومي المتوكل والفتح بن خاقان، وقد أحاطت بهما نار، وقد جاء محمد المنتصر فاستأذن عليهما، فمنع الوصول، ثم أقبل المتوكل عليّ فقال : يا عبد الملك قل لمحمد : بالكأس الذي سقيتنا تشرب ، قال : فلما أصبحت غَدَوْت على المنتصر فوجدته محموماً، فواظبت علي عيادته، فسمعته في آخر علته يقول : عَجِّلْنَا فَعُوجلنا فمات من ذلك المرض.

من صفات المنتصر

وكان المنتصر واسع الاحتمال راسخ العقل، كثير المعروف راغب في الخير سخيًا، أديباً، عفيفاً، وكان يأخذ نفسه بمكارم الأخلاق، وكثرة الإنصاف، وحسن المعاشرة، بما لم يسبقه خليفة إلى مثله .

وكان وزيره أحمد بن الخصيب قليل الخير كثير الشر، شديد الجهل.

صنيع المنتصر بآل أبي طالب

وكان آل أبي طالب قبل خلافته في محنة عظيمة، وخوف على دمائهم قد منعوا زيارة قبر الحسين والغري من أرض الكوفة ، وكذلك منع غيرهم من شيعتهم حضور هذه المشاهد، وكان الأمر بذلك من المتوكل سنة ست وثلاثين ومائتين وفيها أمر المعروف بالذيريج بالسير إلى قبر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وهَدْمِه ومَحْوِ أرضه وإزالة أثره، وأن يعاقب من وجد به، فبذل الرغائب لمن تقدم على هذا القبر، فكل خشي العقوبة، وأحْجَمَ ، فتناول الذيريج مِسْحَاة وهدم أعالي قبر الحسين، فحينئذ أقدم الفَعَلَة فيه، وأنهم انتهوا إلى الحفرة وموضع اللحد فلم يروا فيه أثر رمة ولا غيرها،ولم تزل الأمور على ما ذكرنا إلى أن استخلف المنتصر، فأمن الناس، وتقدم بالكف عن آل أبي طالب، وترك البحث عن أخبارهم، وأن لا يمنع أحد زيارة الحيرة لقبر الحسين رضي الله تعالى عنه ولا قبر غيره من آل أبي طالب، وأمر برد فَدَكَ إلى ولد الحسن والحسين، وأطْلَقَ أوقاف آل أبي طالب، وترك التعرض لشيعتهم ودفع الأذى عنهم، وفي ذلك يقول البحتري من أبيات له :

وإن علياً لأولى بكم*** وأزكي يداً عندكم من عمر

وكل له فَضْلُه ، والحجو*** ل يوم التر ل يوم التراهن دون الغرر

وفي ذلك يقول يزيد بن محمد المهلبي . وكان من شيعة آل أبي طالب . وما كان امتحن به الشيعة في ذلك الوقت وأغريت بهم العامة :

ولقد بررت الطالبية بعدما *** ذموا زماناً بعدها وزمانا

وَرَدَدْتَ ألفة هاشم، فرأيتهم *** بعد العداوة بينهم إخوانا

آنست ليلَهُمُ وجُدْتَ عليهم*** حتى نَسُوا الأحقاد والأضغانا

لو يعلم الأسلاف كيف بَرَرْتُهم*** لرأوك أثقل مَنْ بها ميزانا

خلع أخويه من ولاية العهد

وفي سنة ثمان وأربعين ومائتين خلع المنتصر بالله أخويه المعتز وإبراهيم من ولاية العهد بعده، وقد كان المتوكل على الله أخذ لهم العهد في كتب كتبها وشروط اشترطها وأفرد لكل واحد منهم جزءاً من الأعمال رَسَمَه له وجعل ولي عهده والتالي لملكه محمداً المنتصر، وتالي المنتصر وولي عهده المعتز وتالي المعتز وولي عهده إبراهيم المؤيد وأخذت البيعة على الناس بما ذكرنا ، وفرق فيها أموالاً وعَمَّ الناس بالجوائز والصلات،

وتكلمت في ذلك الخطباء، ونطقت به الشعراء، فما اختير من قولهم في ذلك قول مروان أبي الجنوب من قصيدة:

ثلاثة أملاك فأما محمد*** فنور هُدَى يَهْدِي به الله من يهدي

وأما أبو عبد الإله فإنه*** شبيهك في التقوى ويُجْدِي كما تجدي

وذو الفضل إبراهيم للناس عصمة*** تَقِيُّ وفِيُّ بالوعيد، وبالوعد

فأولهم ،نور، وثانيهم هدی ،***وثالثهم ،رشد، وكلهم مَهْدِي

وقوله للمتوكل مما أجاد فيه وأحسن :

يا عاشر الخلفاء دُمْتَ ممتعاً*** بالملك تعقد بعدهم للعاشر

حتى تكون إمامهم وكأنهم*** زُهْرُ النجوم ذنت لبدر زاهر

وفي بيعة المتوكل لمن ذكرنا من ولده الثلاثة بولاية العهد يقول الشاعر المعروف بالسلمي

[ من أبيات له] :

لقد شدَّ ركن الدين بالبيعة الرضا*** وطائر سعد جعفر بن محمد

بمنتصر بالله أثبت ركنه*** وأكد بالمعتز قبل المؤيد

وممن في قال ذلك فأحسن القول، وأجاد النظم إدريس بن أبي حفصة حيث يقول :

إن الخلافة مالها عن جعفر*** نور الهدى وبنيه من تحويل

فإذا قضى منها الخليفة جعفر*** [وَطَرا، ومَلَّ وليس بالمملول]

[فمحمد بعد الخليفة جعفر]*** للناس. لا فقدوه. خيرُ بديل

فبقاء ملكك وانتظار محمد*** خير لنا وله من التعجيل

خروج الشاري باليمن

وقد كان خرج أيام المنتصر بناحية اليمن والبوازيج والموصل أبو العمود الشاري، فحكم واشتد أمره فيمن انضاف إليه من المحكمة من ربيعة وغيرهم من الأكراد، فسرح إليه المنتصر جيشاً عليهم سيما التركي، فكانت له مع الشاري حروب، فأسِرَ الشاري وأتى به المنتصر، فجاد عليه بالعفو، وأخذ عليه العهد، وخلي سبيله.

وحكى عنه وزيره أحمد بن الخصيب بن الضحاك الجرجاني أنه قال حين رضي عن الشاري : إن لذة العفو أعذب من لذة التشفي وأقبح أفعال المقتدر الانتقام.

وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد :قال رأى بعض الكتاب في المنام في الليلة التي استخلف في صبيحتها المنتصر كأن قائلا يقول :

هذا الإمام المنتصر*** والْمَلِكُ الحادي عشر

وأمره إذا إذا أمر*** كالسيف ما لاقى بَتَرْ

وطرفه إذا نظر*** كالدهر في خير وشر

وقد كان أظهر الإنصاف في الرعية فمالت إليه قلوب الخاصة والعامة مع شدة الهيبة منها له.

وحدثني أبو الحسن أحمد بن علي بن يحيى المعروف بابن النديم، قال: حدثنا علي بن يحيى المنجم ، قال : ما رأيت أحداً مثل المنتصر ولا أكرم أفعالا بغير تبجح منه ، ولا تكلف، لقد رآني يوماً وأنا مغموم شديد الفكر بسبب ضيعة مجاورة لضيعتي، وكنت أحب شراءها، فلم أزل أعمل الحيلة عند مالكها حتى أجابني إلى بيعها، ولم يكن عندي ذلك الوقت قيمة ثمنها، فصرت إلى المنتصر وأنا على تلك الحال، فتبين الانكسار في وجهي، وشغل القلب، فقال لي أراك مفكراً فما قضيتك؟ فجعلت أزْوِي عنه خبري، وأستر ،قصتي فاستحلفني فصدقته عن خبر الضيعة، فقال لي المنتصر : فكم مبلغ ثمنها فقلت : ثلاثون ألف درهم قال : فكم عندك منها؟ قلت: عشرة آلاف، فأمسك عني ولم يجبني، وتشاغل عني ساعة، ثم دعا بدواة وبطاقة، ثم وقع فيها بشيء لا أدري ما هو، وأشار إلى خادم كان على رأسه بما لم أفهم، فمضى الغلام مسر وأقبل يشغلني بالحديث ويُطَاعمني الكلام إلى أن أقبل الغلام فوقف بين يديه، فنهض المنتصر وقال لي يا علي إذا شئت فانصرف إلى منزلك، وقد كنت قدرت عند مسألته أنه سيأمر لي بالثمن أو نصفه، فأتيت وأنا لا أعقل غماً، فلما وصلت إلى داري استقبلني وكيلي فقال : إن خادم أمير المؤمنين صار إلينا ومعه بغل عليه بدرتان، فسلمهما إليَّ وأخذ خطي بقبضهما قال : فداخلني من الفرح والسرور ما لم أملك به نفسي، ودخلت وأنا لا أصدق قول الوكيل، حتى أخرج إلى البدرتين فحمدت الله تعالى ما حباه لي، ووجهت في وقتي إلى صاحب الضيعة فوفيته الثمن، وتشاغلت سائر يومي بتسليمها والإشهاد بها على البائع، ثم بكرت إلى المنتصر من الغد، فما أعاد علي حرفاً، ولا سألني عن شيء من خبر الضيعة حتى فرق الموت بيننا .

حديث عن العشق

قال المسعودي : وذكر الفضل بن أبي طاهر في كتابه في أخبار المؤلفين قال :

حدثني أبو عثمان سعيد بن محمد الصغير مولى أمير المؤمنين قال : كان المنتصر في أيام إمارته ينادمه جماعة من أصحابه، وفيهم صالح بن محمد المعروف بالحريري، فجرى في مجلسه ذات يوم ذكر الحب والعشق فقال المنتصر لبعض مَنْ في المجلس : أخبرني عن أي شيء أعظم عند النفس فقداً، وهي به أشد تفجعاً ؟ قال : فَقَدُ خِلٌ مُشاكل، وموت شكل موافق، وقال آخر ممن حضر ما أشد جولة الرأي عند أهل الهوى وفطام النفس عند الصبا، وقد تصدعت أكباد العاشقين من لوم العاذلين، فلوم العاذلين قُرْطٌ في آذانهم، ولوعات الحب نيران في أبدانهم، مع دموع المعاني، كغروب السَّوَانِي، وإنما يعرف ما أقول من أبكته المغاني والطلول وقال :آخر مسكين العاشق كل شيء عدوه هبوب الرياح يُقلقه، ولمعان البرق يؤرقه والعذل يؤلمه، والبعد ينحله، والذكر يسقمه، والقرب يهيجه، والليل يضاعف بلاءه، والرقاد يَهْرُبُ منه . ورسوم الدار تحرقه والوقوف على الطلول يبكيه. ولقد تداوت منه العشاق بالقرب والبعد فما نجع فيه دواء. ولا هداه عزاء. ولقد أحسن الذي يقول :

وقد زعموا أن المحب إذا دنا*** يمل، وأنَّ النأي يَشْفِي من الوجد

بكل تداوينا فلم يُشفَ ما بنا*** على أن قرب الدار خير من البعد

فكل قال : وأكثر الخطب في ذلك، فقال المنتصر لصالح بن محمد الحريري يا صالح هل عشقت قط ؟ قال : إي والله أيها الأمير، وإن بقايا ذلك لفي صدري قال : ويلك لمن؟ قال : أيها الأمير كنت آلف الرصافة في أيام المعتصم . وكانت لقيْنَة أم ولد الرشيد جارية تخرج في حوائجها وتقوم في أمرها وتلقي الناس عنها، وكانت قينة تتولى أمر القصر إذ ذاك، وكانت [الجارية] تمر بي فأحتشمها ،وأعاينها، ثم راسلتها فطردت رسولي وهددتني، وكنت أقعد على طريقها لأكلمها، فإذا رأتني ضحكت وغمزت الجواري بالعَبَثِ بي والهراء، ثم فارقتها وفي قلبي منها نار لا تخمد وغليل لا يبرد ووجد يتجدد فقال له المنتصر : فهل لك أن أحضرها وأزوجكها إن كانت حرة أو أشتريها إن كانت أمة ؟ فقال : والله أيها الأمير إن بي إلى ذلك أعظم الفاقة وأشد الحاجة، قال: فدعا المنتصر بأحمد بن الخصيب وسأله أن يوجه له في ذلك غلاماً من غلمانه منفرداً ويكتب معه كتاباً مؤكداً إلى إبراهيم بن إسحاق وصالح الخادم المتولي لأمر الحرم بمدينة السلام فمضى الرسول وقد كانت [قينة] أعتقتها وخرجت من حد الجواري إلى حد النساء البوالغ، فحملها إلى المنتصر، فلما حضر [ت] نَظَرْتُ إليها، فإذا عجوز قد حدبت وعنست وبها بقية من الجمال فقال لها : أتحبين أن أزوجك؟ قالت : إنما أنا أمتك أيها

الأمير ومولاتك، فافعل ما بدا لك، فأحضر صالحاً وأملكه بها وأمهرها؛ ثم مزح به فأحضر جوزاً مرصصاً وفركاً مخلقاً فنثره عليه، وأقامت مع صالح مدة طويلة، ثم مَلّهَا ،ففارقها، وقال يعقوب التمار في ذلك :

منح الله أبا الفضـ*** ـل حياة لا تُنَغَصُ

وتولاه ؛فقد با*** لغ في الحب وأخلص

عاشقاً كان على التز*** ويج للعقد تَحَرَّص

من هوى من شعرها يخـ*** ـضب بالحنا المعفص

[ فتراه عندما ينصُـ*** ـلُ كالبرد المحرص]

فهی من أملح خلق ا*** الله في التاج المفصص

رُزْقَ الصبر عليها*** فتأتی وتربص

شيخة هام بها من*** وجْدِهِ شيخ مقرفص

قرنصت في عهد نوح*** صاحب الفلك وقرنص

أيّ حظ نال لولا الـ*** ـفرك والجوز المرصص

ليته قد جعل الأمـ***ـر إلیها و تخلص

فأبو الجوزان منها*** يحن يدنو يتقلص

صنيعة مع عاشق

وذكر أبو عثمان سعيد بن محمد الصغير ، قال : كان المنتصر في أيام إمارته وجهني إلى مصر في بعض أموره للسلطان، فعشقت جارية كانت لبعض النخاسين عرضت للبيع محسنة في الصنعة مقبولة في الخلقة قائمة على الوزن من المحاسن والكمال فساومت مولاها فأبى أن يبيعها إلا بألف دينار، ولم يكن ثمنها متهيئاً معي، فأزعجني السفر وقد عَلَقها قلبي فأخذني المُقِيمُ المُقْعِدُ من حبها، وندمت على ما فاتني من شرائها. فلما قدمت وفرغت مما وجهني إليه وأديت إليه ما عملت حمد أثري فيه؛ وسألني عن حاجتي وخبري، فأخبرته بمكان الجارية وكَلَفِي بها، فأعرض عني وجعل لا يزداد إلا حدة وقلبي لا يزداد إلا كَلَفاً وصبري لا يزداد إلا ضعفاً، وسليت نفسي عنها بغيرها، فكأني أغريتها ولم تتسل عنها، وجعل المنتصر كلما دخلت إليه وخرجت من عنده يذكرها ويهيج شوقي إليها، وتحتلت إليه بندمائه وأهل الأنس به وخاص من يحظى من جواريه وأمهات أولاده وجدته أم الخليفة أن يشتريها لي وهو لا يجيبني إلى ذلك،

ويعيرني بقلة الصبر وكان قد أمر أحمد بن الخصيب أن يكتب إلى عامل مصرفي ابتياعها وحملها إليه من حيث لا أعلم فحملت إليه وصارت عنده، فنظر إليها وسمع منها فعذرني فيها، ودفعها إلى قيمة جوارية فأصلحت من شأنها، فلما كان يوماً من الأيام استجلسني وأمرها أن تخرج إلى الستارة، فلما سمعت غناءها عرفتها ، وكرهت أن أعلمه أني قد عرفتها حتى ظهر في ما كتمت وغلب علي ،صبري فقال : ما لك يا سعيد؟ قلت : خيراً أيها الأمير ، قال : فاقترح عليها صوتاً كنت قد أعلمته أني سمعته منها، وأني أستحسنه من غنائها . فغنته فقال : أتعرف هذا الصوت؟ قلت : إي والله أيها الأمير، وكنت أطمع في صاحبته، فأما الآن فقد أيست منها ، وكنت كالقاتل نفسه بيده وكالجالب الحتف إلى حياته؛ فقال : والله يا سعيد ما اشتريتها إلا لك ويعلم الله أني ما رأيت لها وجهاً إلا ساعة دخلت عليها وقد استراحت من ألم السفر، وخرجت من شحوبة التبذل فهي لك، فدعوت له بما أمكنني من الدعاء وشكره عني مَنْ حضره من الجلساء، وأمر بها فهيئت وحملت إليَّ فردت إليَّ حياتي بعد أن أشرفت على الهلكة، ولا أحد عندي أحظى منها [ولا ولد أحب إلي من ولدها].

شهادة الحمير

ومن ملاحات أحاديث الملهين المجان ما ذكره أبو الفضل بن أبي طاهر قال : حدثني أحمد

بن الحارث الجزار عن أبي الحسن المدائني وأبي علي الحرمازي قالا : كان بمكة سفيه يجمع بين الرجال والنساء على أفحش الريب وكان من أشراف قريش، ولم يذكر اسمه، فشكا أهل مكة ذلك إلى الوالي فغر به إلى عرفات، فاتخذها منزلاً ودخل إلى مكة مستتراً فلقي بها حرفاءه من الرجال والنساء، فقال: وما يمنعكم مني؟ فقالوا وأين بك وأنت بعرفات؟ فقال : حمار بدرهمين وصرتم إلى الأمن والنزهة والخلوة واللذة ؛ قالوا نشهد إنك لصادق ؛ فكانوا يأتونه، فكثر ذلك حتى أفسد على أهل مكة أحداثهم وحواشيهم، فعادوا بالشكية إلى أميرهم، فأرسل إليه فأتي به فقال : أي عدو الله طردتك من حرم الله فصرت إلى المشعر الأعظم تفسد فيه وتجمع بين الخبائث؟ فقال : أصلح الله الأمير إنهم يكذبون عليَّ ويحسدونني! فقالوا للوالي : بيننا وبينه واحدة ؛ تجمع حُمُرَ المكارين وترسلها إلى عرفات فإن لم تقصد إلى بيته لما تعودت من إتيان السفهاء والفُجّار [إياه] فالقول ما قال ؛ فقال الوالي : إن في هذا الدليلا، وأمر بجمع الحمر فجمعت ثم أرسلت فقصدت منزله وأتاه أمناؤه فقال : ما بعد هذا شيء، جردوه ! فلما نظر إلى السياط قال : ولا بد من ضربي ؟ قال : لا بد يا عدو الله ، قال : اضرب فوالله ما في هذا شيء بأشد من أن يسخر بنا أهل العراق ويقولون: أهل مكة يجيزون شهادة

الحمير مع تقريعهم لنا بقبول شهادة الواحد مع يمين ،الطالب، قال: فضحك الوالي وقال : لا أضربك اليوم وأمر بتخلية سبيله وترك التعرض له .

قال المسعودي: وللمنتصر بالله أخبار حسان وأشعار وملح ومنادمات ومكاتبات و مراسلات قبل الخلافة، وقد أتينا على مبسوطها وما استحسناه منها مما لم نورده في هذا الكتاب في كتابنا أخبار الزمان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة، وكذلك في الكتاب الأوسط ؛ إذ كنا ما ضمناه كل كتاب منها لم نتعرض لذكره في الآخر، ولو كان كذلك لم يكن بينها فرق وكان الجميع واحداً، وسنورد بعد فراغنا من هذا الكتاب كتاباً نضمته فنوناً من الأخبار على غير نظم من التأليف ولا ترتيب من التصنيف على حسب ما يسْنَحُ من فوائد الأخبار] ويخلله بالآداب وفنون الآثار، تالياً لما سلف من كتبنا ومعقباً لما تقدم من تصنيفنا. إن شاء الله تعالى.

ذكر خلافة المستعين بالله

موجز

وبويع أحمد بن محمد بن المعتصم في اليوم الذي توفي فيه المنتصر، وهو يوم الأحد لخمس خَلَوْنَ من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين ويكنى بأبي العباس، وكانت أمه أم ولد صقلبية يقال لها مخارق، وخلع نفسه، وسلم الخلافة إلى المعتز فكانت خلافته ثلاث سنين وثمانية أشهر . وقيل : ثلاث سنين وتسعة أشهر . وكانت وفاته يوم الأربعاء لثلاث خَلَوْنَ من شوال سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وقتل وهو ابن خمس وثلاثين سنة .

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

وزراؤه وكتابه

واستوزر المستعين بالله أبا موسى ،أو تامش، وكان المتولي لأمر الوزارة والقيم بها كاتباً لأوتامش يقال له شجاع بن القاسم]، وبعد أن قتل أو تامش وكاتبه [شجاع] صار على وزارته أحمد بن صالح بن شيرزاد ولما قتل وصيف وبغا باغر التركي تعصبت الموالي، وانحدر وصيف وبُعا إلى مدينة السلام والمستعين معهما، فأنزلاه دار محمد بن عبد الله بن طاهر، وذلك في المحرم سنة إحدى وخمسين ومائتين، والمستعين لا أمر ،له والأمر لبغا ،ووصيف، وكان من حصار بغداد ما ذكرناه في الكتاب الأوسط ؛ وفي المستعين بالله يقول بعض الشعراء [في هذا العصر]:

خليفة في قفص*** بين وصيف وبُغَا

يقول ما قالا له*** كمايقول البَبغَا

وقد كانت المستعين نَفَى أحمد بن الخصيب إلى إقريطش سنة ثمان وأربعين ومائتين، ونَفَى عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى برقة واستوزر عیسی بن فرخانشاه، وقَلّد سعيد بن حميد ديوان الرسائل .

سعيد بن حميد

وكان سعيد حافظاً لما يُستحسن من الأخبار، ويُستجاد من الأشعار متصرفاً في فنون العلم، ممنعاً إذا حَدَّث، مفيداً إذا جُولِسَ، وله أشعار كثيرة حسان؛ فمما يُستحسن ويختار من شعره قوله :

وكُنت أخرقه بالدعاء*** وأخشى عليه من المائم

فلما أقام على ظلمه*** تركت الدعاء على الظالم

وقوله :

أسيدتي ما لي أراكِ بخيلةٌ *** مقيم على الحرمان من يستزيدها

فأصْبَحْتِ كالدنيا نذم صروفها*** وتتبعها دمًا ونحن عبيدها

وقوله :

الله يعلم ، والدنيا مولية*** والعيش منتقل، والدهر ذو دُوَلِ

فَلَلْفِرَاقِ . وإن هاجت فجيعته*** عليك. أخوف في قلبي من الأجل

وكنت أفرح بالدنيا ولذتها ***واليأس يحكم للأعداء في الأمل

وقوله :

وما كان حبّيها لأول نظرة*** ولا غمرة من بعدها فَتَجَلَّتِ

ولكنها الدنيا تولت، وما الذي*** يُسَلِّي عن الدنيا إذا ما تولت؟

وقوله :

كأن انحدار الدمع حين تُجيله*** على خدها الرَّيَّان دُرّ عَلَى دُرِّ

إلا أن سعيداً . على ما وصفنا عنه من الأدب . كان يتنصب، ويظهر التسنن والتخيل، وظهر عنه الانحراف عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن الطاهرين من ولده، وفي ذلك يقول بعض الشعراء :

ما رأينالسعيد بـ*** ـن حمید من شبیه

ما له يؤذي رسول الله ***فی شَتمِ أخیه

إنه الزنديق مستو***لٍ على دین أبی

وكان سعيد بن حميد من أبناء المجوس، وفيه يقول بعض الشعراء، وهو أبو علي البصير:

رأس من يدعي البلاغة مني*** ومن الناس كلهم في حِرامهِ

وأخونا ولست أعني سعيد بـ*** ـن حميد تؤرخ الكتب باسمه

وكان لسعيد بن حُمَيْد وأبي علي البصير وأبي العيناء معاتبات ومكاتبات ومداعبات، وقد أتينا على ذكرها في الكتاب الأوسط .

أبو علي البصير

وكان أبو علي البصير من أطبع الناس في زمانه لا يزال يأتي بالبيت النادر> والمثل

السائر، الذي لا يأتي به غيره وكان ابن مَيَّادة بسوء اختياره يرى أنه أشعر من جرير،ويحسبه مقدماً على أهل عصره، وهو فوق نظرائه في وقته ودون البحتري ؛ فمن مشهور شعره قوله في المعلى بن أيوب:

لعمر أبيك ما نُسِبَ المُعَلَّى*** إلى كرم، وفي الدنيا كريم

ولكنَّ البلاد إذا اقشَعَرت*** وصَوَّح نبتُهَارُعِيَ الهشیم

ومما استحسن له من شعره قوله :

إذا ما اعتدت طلابة العلم ما لها *** من العلم إلا ما يخلّد في الكتب

غدوت بتشمير وجد عليهم*** فمحبرتي سمعي، ودفترها قلبي

ومما استحسن من قوله وهو يريد الحج :

خرجنا نبتغي مكـ*** ـة حُجَّاجاً وعُمارا

فلما شارف الحیر ***ة راعي إبلي جارا

فقلت: احطط بها رحلي*** ولا تعبأ بمن جارا

فصادفنا بها لهواً *** وبستانا وخمارا

وظبياً عاقداً بين الـ***ـنقا والخصر زُنّارا

فما ظَنُّكَ بالحلفا*** ء إن أشعلْتَهَا نارا

ظهور يحيى بن عمر الطالبي

وظهر في هذه السنة، وهي سنة ثمان وأربعين ومائتين بالكوفة أبو الحسن يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن عبد عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الطيار ، [ وأمه فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الطيار] وقيل : إن ظهوره كان بالكوفة سنة خمسين ومائتين فقتل وحمل رأسه إلى بغداد وصلب فضج الناس من ذلك لما كان في نفوسهم من المحبة له، لأنه استفتح أموره بالكَفْ عن الدماء، والتَّوَرُّع عن أخذ شيء من أموال الناس، وأظهر العدل والإنصاف وكان ظهوره لذلّ نزل به وجفوة لحقته، ومحنة نالته من المتوكل وغيره من الأتراك، ودخل الناس إلى محمد بن عبد الله بن طاهر يهنئونه بالفتح، ودخل فيهم أبو هاشم الجعفري . وهو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بينه وبين جعفر الطيار ثلاثة آباء . ولم يكن يعرف في ذلك الوقت أقعد نسباً في آل أبي طالب وسائر بني هاشم وقريش منه ، وكان ذا زهد وورع

ونسك وعلم، صحيح العقل سليم الحواس منتصب القامة وقبره مشهور، وقد أتينا على خبره وما روي عنه من الرواية عن أبيه ومَنْ شاهد من سلفه في كتاب «حدائق الأذهان» في أخبار [آل] النبي( صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال لابن طاهر : أيها الأمير، إنك لتهنأ بقتل رجل لو كان رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم)حيا لعُزّي به فلم يجبه محمد وخرج من داره وهو يقول : يا بني طاهر البيتين وقد كان المستعين أمر بنصب الرأس، فأمر ابن طاهر بإنزاله لما رأى الناس وما هم عليه ، وفي ذلك يقول أبو هاشم الجعفري:

يا بني طاهر كُلوه وَبِيًّا*** إن لحم النبی غیر مَرِی

إن وتراً يكون طالبه الله*** لَوِتْرٌ بِالْقَوْتِ غير حَرِيٌّ

وقد رُثِيَ أبو الحسين يحيى بن عمر بأشعار كثيرة، وقد أتينا على خبر مقتله وما رثي به من الشعر في الكتاب الأوسط ومما رئي به ما قاله فيه أحمد بن طاهر الشاعر من قصيدة طويلة :

سلام على الإسلام فهو مودع*** إذا ما مضى آل النبي فودَّعُوا

فَقَدْنا العلا والمجد عند افتقادهم*** وأضحت عروش المكرمات تَضَعْضَع

أنجمعُ عَيْنٌ بين نوم ومضجع*** ولا بن رسول الله في الترب مضجع

فقد أقفرَتْ دار النبي محمد*** من الدين والإسلام؛ فالدار بَلْقَعُ

وقُتلَ آل المصطفى في خلالها*** وبُدِّدَ شملٌ منهم ليس يجمعُ

ألم تر آل المصطفى كيف تصطفي*** نفوسَهُمُ أم المنون فتتبعُ

بني طاهر، واللوم منكم سجية*** وللغدر منكم حاسر ومُقَتَعُ

قواطعكم في الترك غير قواطع*** ولكنها في آل أحمد تقطع

لكم كُل يوم مشرب من دمائهم*** وغُلّتها من شربها ليس تَنْقَعُ

وما حكم للطالبيين شرع*** وفيكم رماح الترك بالقتل شُرَّعُ

لکم مرتع في دار آل محمد*** وداركُمُ للترك والجيش مرتع

أخلتم بأن الله يرعى حقوقكم*** وحق رسول الله فيك مضيعُ؟

وأضحوا يُرَجُون الشفاعة عندَهُ*** وليس لمن يرميه بالوتر يشفع

فيغلب مغلوب ويقتل قاتل*** ويخفض مرفوع ويدني المرفع

قال: وكان يحيى دَيناً، كثير التعطف والمعروف على عوام الناس، بارا بخواصهم واصلا لأهل بيته مؤثراً لهم على نفسه مُثْقَل الظهر بالطالبيات، يجهد نفسه ببرهنّ والتحنن عليهن، لم تظهر له زلة، ولا عرفت له خزية.

ولما قتل يحيى جزعت عليه نفوس الناس جزعاً كثيراً، ورثاه القريب والبعيد، وحزن عليه الصغير والكبير، وجزع لقتله المليء والدنيء، وفي ذلك يقول بعض شعراء عصره ومَنْ جزع على فقده :

بكت الخيل شَجْوَها بعد يحيى*** وبكاه المهند المصقول

وبكته العراق شرقاً وغرباً*** وبكاه الكتاب والتنزيل

والمصلى والبيت والركن والحجـ***ـرُ جميعاً لهم عليه عَوِيل

كيف لم تسقط السماء علينا*** يوم قالوا: أبو الحسين قتيل

وبنات النبي يندبن شَجُواً*** مُوجَعَات، دموعُهُنَّ تسيل

ويُؤَ بنَ للرزية بدراً*** فقده مفظع عزیز جلیل

قَطعت وج وجهه سيوف الأعادي*** بأبي جهه الوسيم الجميل

وليحيى الفتى بقلبي غليل*** كيف يؤذي بالجسم ذاك الغليل

قَتْلُه مذكر لقتل علي*** وحسين، ويوم أودي الرسول

فصلاة الإله وقفاً عليهم*** مابکى مُوجَعُ وَحنَّ تَكُول

وكان ممن رثاه علي بن محمد بن جعفر العلوي الحماني الشاعر، وكان ينزل بالكوفة في حمان، فأضيف إليهم قال :

يا بقايا السلف الصا *** لح والتجر الربیح

نحن للأيام من بيـ*** ـن قتيل وجریح

خابَ وَجْهُ الأرض كم *** غَيَّب من وجه صبیح

آه من يوم مك ما أو*** داه للقلب القریح

وفيه يقول :

تَضَوَّع مسكاً جانب القبر إذ ثوى *** وما كان لولا شِلوه يتضوّعُ

مصارع فتیان كرام أعزة ***أتيح ليحيى الخير منهنَّ مَصْرَعُ

وقوله :

إني لقومي من أحساب قومكم*** بمسجد الخيف في بحبوحة الخيف

ما علق السيف منا بابن عاشرة*** إلا وهمته أمضى من السيف

وقد كان علي بن محمد بن جعفر العلوي هذا . وهو أخو إسماعيل العلوي لأمه . لما

دخل الحسن بن إسماعيل الكُوفة . وهو صاحب الجيش الذي لقي يحيى بن عمر . قعد عن سلامه ولم يمض إليه ولم يتخلّف عن سلامه أحد من آل علي بن أبي طالب الهاشميين، وكان علي بن محمد الحماني نقيبهم بالكوفة وشاعرهم ومدرسهم ولسانهم، ولم يكن أحد بالكوفة من آل علي بن أبي طالب يتقدمه في ذلك الوقت، فتفقده الحسن بن إسماعيل، وسأل عنه، وبعث بجماعة فأحضروه، فأنكر الحسن تخلفه عن سلامه، فأجابه علي بن محمد بجواب مستقل آيس من الحياة ، فقال : أردت أن آتيك مهنئاً بالفتح وداعياً بالظفر وأنشد شعراً لا يقوم على مثله من يرغب في الحياة، وهو:

قتلت أعز من ركب المطايا*** وجئتك أَسْتَلِينُكَ في الكلام

وَعَزَّ عَلَيَّ أن ألقاك إلا*** وفيما بيننا مد الحسام

ولكنَّ الْجَناح إذا أهيضت*** قوَادِمُهُ يَرِفُ على الأكام

فقال له الحسن بن إسماعيل : أنت ،موتور، فلست أنكر ما كان منك، وخلع عليه، وحمله إلى منزله.

بين الموفق وعلي بن محمد العلوي

قال : وكان أبو أحمد الموفق بالله حبس علي بن محمد العلوي لأمر شنع به عليه من أنه يريد الظهور فكتب إليه من الحبس :

قد كان جدك عبد الله خَيْرَ أب*** لابني علي حُسَيْنِ الخيرِ والْحَسَنِ

فالكف يوهن منها كل أنملة *** ما كان من أختها الأخرى من الْوَهَنِ

فلما وصل هذا الشعر إليه كفل وخلى إلى الكوفة.

وله أشعار ومراث في أخيه إسماعيل وغيره من أهله وفي ذم الشيب، قد أتينا على كثير من ذكرها في كتابنا «أخبار الزمان» عند ذكر أخبار الطالبيين، وفي كتاب «مزاهر الأخبار وطرائف الآثار في أخبار [آل] النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) » .

ومما رَثَى به علي بن محمد أيضاً أبا الحسين يحيى بن عمر فأجاد فيه وافتخر على غيرهم من قريش قوله :

لعمري لئن سُرَّتْ قريش بهلكِهِ*** لما كان وَقَافاً غَدَاةَ التوقف

فإن مات تلقاء الرماح فإنه*** لمنْ مَعْشَر يَشْنَوْنَ موت التترف

فلا تشمتوا فالقوم من يبق منهم*** على سنن منهم مقام المخلف

لهم معكم إما جدعتم أنوفكم*** مقامات ما بين الصَّفَا والمُعَرَّف

تراث لهم من آدم و محمد*** إلى الثقلين من وصايا ومصحف

وفيه يقول أيضاً في الشيب:

قد كان حين بدا الشباب به*** يَفقَ السوالف حالك الشَّعْرِ

وكأنه قمرتَمَنْطَقَ في*** أفق السماء بدارة البدر

يا ابن الذي جعلت فضائله*** فلك العلا وقلائد السور

من أُسرة جعلت مَخَايلهم*** للعالمین مخايل النظرِ

تنهيب الأقدار قدرهم*** فكأنهم قدر على قدر

والموت لا تشوى رميته*** فلك العلا ومواضع الغرر

ومن مراثيه المستحسنة في أخيه :

هذا ابن أُمي عديل الروح في جسدي*** شق الزمان به قلبي إلى كبدي

فاليوم لم يبق شيء أستريح به*** إلا تَفَتُتُ أعضائي من الكمد

أو مقلة بخَفِي الهم باكية*** أوبيت مرثية تبقى على الأبد

تُرى أناجيك فيها بالدموع وقد*** نام الخلي ولم أهجع ولم أكَدِ

من لي بمثلك يا نور الحياة ويا*** يُمنى يدي التي شلتْ من العضد

من لي بمثلك أدعوه لحادثة*** يُشْكَى إليه ولا يشكو إلى أحد

قد دنت أنواع تُكُل كُنْتَ أبْلَغَها*** على القلوب وأجناها على كبدي

قل للردى لا تغادر بعده أحداً*** وللمنية من أحببت فاعتمدي

إن الزمان تَقَضى بعد فرقته *** والعيش آذن بالتفريق والنكد

وكانت وفاة علي بن محمد العلوي في خلافة المعتمد في سنة ستين ومائتين .

ظهور الحسن بن زيد العلوي

وفي خلافة المستعين. وذلك في سنة خمسين ومائتين . ظهر ببلاد طبرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، فغلب عليها وعلى جرجان بعد حروب كثيرة وقتال شديد وما زالت في يده إلى أن مات سنة سبعين ومائتين، وخَلَفه أخوه محمد بنزيد فيها إلى أن حاربه رافع بن هرثمة ودخل محمد بن زيد إلى الديلم في سنة سبع وسبعين ومائتين، فصارت في يده وبايعه بعد ذلك رافع بن هرثمة وصار في جملته،

وانقاد لدعوته، والقول بطاعته وكان الحسن بن زيد ومحمد بن زيد يدعوان إلى الرضا من آل محمد، وكذلك مَنْ طرأ بعدهما ببلاد طبرستان . وهو الحسن بن علي الحسني المعروف بالأطروش وولده . ثم الداعي الحسن بن القاسم الذي قتله أسفار بطبرستان وكان الحسن بن القاسم من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب وقد أتينا على خبر سائر آل أبي طالب بطبرستان، ومن ظهر منهم بالمشرق والمغرب وغير ذلك من بقاع الأرض إلى هذا الوقت . وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . في كتابنا أخبار الزمان» وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً من سائر ما يجب ذكره لئلا يخلو هذا الكتاب من ذكرهم .

ظهور محمد بن جعفر

وظهر في هذه السنة . وهي سنة خمسين ومائتين - بالري محمد بن جعفر بن الحسن، ودعا للحسن بن زيد صاحب طبرستان وكانت له حروب بالري مع أهل خراسان من المسودة، فأسر وحمل إلى نيسابور إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فمات في محبسه بنيسابور .

ظهور أحمد بن عيسى العلوي

وظهر بعده بالري أحمد بن عيسى بن علي بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ودعا إلى الرضا من آل محمد وحارب محمد بن طاهر، وكان بالري فانهزم عنه وسار إلى مدينة السلام فدخلها العلوي .

ظهور الكوكي بقزوين

وفي هذه السنة، وهي سنة خمسين ومائتين .ظهر بقزوين الكركي وهو الحسن بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو من ولد الأرقط، وقيل: إن اسم الكركي الحسن بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فحاربه موسى بن بُغَا، وصار الكركي إلى الديلم ثم وقع إلى الحسن بن زيد الحسيني فهلك قبله.

ظهور الحسين بن محمد العلوي

وظهر بالكوفة الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب فسرح إليه محمد بن عبد الله بن طاهر من بغداد جيشاً عليه ابن خاقان فانكشف الطالبي واختفى لترك أصحابه له وتخلفهم عنه، وكان ذلك في سنة إحدى وخمسين ومائتين .

عزم على أخذ البيعة لابنه

وفي سنة تسع وأربعين ومائتين عقد المستعين لابنه العباس على مكة والمدينة والبصرة والكوفة، وعزم على البيعة له فأخرها لصغر سنه، وكان عيسى بن فرخانشاه قال لأبي علي البصير الشاعر أن يقول في ذلك شعراً يشير فيه بالبيعة له، فقال في ذلك قصيدة طويلة يقول فيها :

بك الله حاط الدين وانْتَاسَ أهله*** من الموقف الدَّحْض الذي مثله يُرْدِي

فول ابنك العباس عهدك، إنه*** له موضع، واكتب إلى الناس بالعهد

فإن خَلّفته السن فالعقل بالغ*** به رتبة الشيخ الموفّق للرشد

وقد كان يحيى أوتي العلم قبله *** صبياً، وعيسى كُلّم الناس في المهد

بين محمد بن طاهر وأبي العباس المكي

وقال أبو العباس المكي : كنت أنادم محمد بن طاهر بالري قبل مواقعته الطالبيين فما رأيته في وقت من الأوقات أشد سروراً منه ولا أكثر نشاطاً قبل ظهور العلوي بالري وذلك في سنة خمسين ومائتين وقد كنت عنده ليلة أتحدث، والخير وافد والسَّتْرُ مسبل، إذ قال : كأني أشتهي الطعام فما أكل؟ قلت: صدر دراج أو قطعة من جدي باردة، :قال یا غلام هات رغيفاً وخلا وملحاً، فأكل من ذلك، فلما كان في الليلة الثانية قال : يا أبا العباس، كأني جائع فما ترى أن أكل؟ قلت : ما أكَلْتَ البارحة ، فقال : أنت لا تعرف فرق ما بين الكلامين قلت البارحة كأني أشتهي الطعام وقلت الليلة : كأني جائع، وبينهما ،فرق فدعا بالطعام ثم قال لي : صف لي الطعام والشراب والطيب والنساء والخيل، قلت : أيكون ذلك منثوراً أو منظوماً ؟ قال : لا ، بل منثوراً قلت أطيب الطعام ما لقي الجوع بطعم وافق شهوة، قال : فما أطيب الشراب؟ قلت: كأس مدام تبرد بها غليلك، وتعاطي بها خليلك، قال: فأي السماع أفضل؟ قلت: أوتار أربعة وجارية ،متربعة غناؤها عجيب وصوتها مصيب قال أي الطيب أطيب؟ قلت : ريح حبيب تحبه، وقرب ولد ،تربه قال فأي النساء أشهى؟ قلت من تخرج من عندها كارهاً

: وترجع إليها والها ؟ قال : فأي الخيل أفره؟ قلت : الأشدق الأعين الذي إذا طُلِبَ سبق ، وإذا طَلَبَ لحق، قال: أحسنت يا بشر أعطه مائة دينار، قلت : وأين تقع مني مائتا دينار ؟ قال : أو قد زدت نفسك مائة دينار؟ يا غلام أعطه المائة كما ذكرنا والمائة الأخرى لحسن ظنه بنا، فانصرفت بمائتي دينار فما كان بين هذا الحديث وبين تنحيه من الري إلا جمعة.

معرفة المستعين بالأخبار

وكان المستعين حسن المعرفة بأيام الناس وأخبارهم، لهجاً بأخبار الماضين.

وحدث محمد بن الحسن بن دُرَيْد قال : أخبرني أبو البيضاء مولى جعفر الطيار، وكان طيب الحديث ، قال : وَفَدْنَا في أيام المستعين من المدينة إلى سامرا وفينا جماعة من آل أبي طالب وغيرهم من الأنصار، فأقمنا ببابه نحواً من شهر ، ثم وصلنا إليه ، فكل تكلّم وعبر عن نفسه فقرب وآنس وابتدأ بذكر المدينة ومكة وأخبارهما، وكنت أعرف الجماعة بما شرع فيه فقلت : أيأذن أمير المؤمنين في الكلام؟ قال : ذلك إليك، فشرعت معه فيما قصد إليه وتسلسل بنا الكلام إلى فنون من العلم في أخبار الناس [ثم] انصرفنا وأقيم لنا الإنزال ،والإفضال، فلما كان في أول الليل جاءنا خادم ومعه عدة من الأتراك وفرسان، فحملت على جنيبة كانت معهم وأتي بي إلى المستعين فإذا هو جالس في الجوسق فقربني ،وأدناني، ثم أخذ بعد أن أنسني في أخبار العرب وأيامها ، وأهل التتيم فانتهى بنا الكلام إلى أخبار العذريين والمتيمين، فقال لي : ما عندك من أخبار عُرْوَة بن حزام، وما كان منه مع عَفْرَاء؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إن عُرْوَة بن حزام لما انصرف من عند عفراء بنت عقال توفي وَجْداً بها وصبابة إليها .

عروة بن حزام

فمر به رَكْبٌ ،فعرفوه فلما انتهوا إلى منزل عفراء صاح صائح منهم :

ألا أيها القصر المغفل أهله *** نعينا إلَيْكُمْ عروة بن حزام

ففهمت صوته، وأشرفت عليه وقالت :

ألا أيها الرَّكْب المجدُونَ وَيْحَكُمْ*** بِحَقِّ نعيتم عروة بن حزام؟

فأجابها رجل من القوم، فقال:

نعم قد تركناه بأرض بعيدة *** مقيماً بها في سَبْسَبٍ وأكام

فقالت لهم :

فإن كان حَقًّا مَا تَقُولُونَ فَاعْلَمُوا*** بأن قد نعيتم بَدْرَ كل ظلام

فلا لَقِي الفتيانُ بَعْدَكَ لذةٌ*** ولا رجعوا من غيبة بسلام

ولا وضعت أُنثَى شريفاً كمثله*** ولا فرحت من بعده بغلام

ولا لا بلغتم حيث وجهتم له*** ونغصتم لذات كُلّ طعام

ثم سألتهم : أين دفنوه؟ فأخبروها، فصارت إلى قبره، فلما قاربته قالت : أنزلوني فإني أريد قضاء حاجة، فأنزلوها فَانْسَلَتْ إلى قبره فأكَبَّتْ عليه، فما راعهم إلا صوتها، فلما سمعوه بادروا إليها ، فإذا هي ممتدة على القبر قد خرجت نَفْسُهَا، فدفنوها إلى جانب قبره. قال: فقال لي : فهل عندك من خبره غير ما ذكرت؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين هذا ما أخبرنا به مالك بن الصباح العدوي عن الهيثم بن عدي بن هشام بن عروة، عن أبيه قال: بعثني عثمان بن عفان مصدقاً في بني عُذْرَة في بلاد حي منهم يقال لهم بنو منبذة، فإذا ببيت جديد منحاش عن الحي، فملت إليه فإذا بشاب قائم في ظل البيت، وإذا عجوز جالسة في كسر البيت فلما رآني ترنم بصوت ضعيف يقول :

جعلت لِعَرَّاف اليمامة حكمه*** وَعَرَّاف نجد إن هما شَفَيَانِي

فقالا: نعم نشفي من الداء كله *** وقاما مع العُوَّاد يبتدران

فماتركالي رُقْيَةً يعرفانها*** ولا شَرْبَة إلا بها سقياني

وقالا : شفاك الله، والله مالنا*** بما حُمْلَتُ منك الضلوع يدان

فلهفي على عفراء لهفاً كأنه*** على النحر والأحشاء حد سنان

فعفراء أحظى الناس عندي مَوَدَّة *** وعفراء عَنِّي المُعْرِضُ المتداني

وإني لأهوى الحشر إذ قيل: إنني*** وعفراء يوم الحشر ملتقيان

ألا لَعَنَ الله الوُشاة وَقَوْلَهُمْ:*** فُلَانَة أضحت خُلَةٌ لفلان

ثم شهق شهقة خفيفة، فنظرت في وجهه فإذا هو قد مات، فقلت: أيها العجوز ما أظن هذا النائم بفناء بيتك إلا قد مات قالت وأنا والله أظن ذلك، فنظرت في وجهه، وقالت : فَاضَ ورَبِّ الكعبة، فقلت: من هذا؟ فقالت : عروة بن حزام العذري وأنا ،أمه، والله ما سمعت له أنّةً من سنة إلا في صدر يومي هذا، فإني سمعته يقول:

من كان من أُمهاتي باكياً أبداً*** فاليوم؛ إني أراني فيه مقبوضا

تسمعيه فإني غير سامعه*** إذا علوت رقاب القوم معروضًا

قال : فأقمت حتى شهدت غسله وتكفينه والصلاة عليه ، ودفنه ، قال : فقال عثمان : وما دعاك إلى ذلك؟ قلت اكتساب الأجر فيه والله قال فوصل الجماعة وفَضَّلني عليهم في الجائزة .

حديث عن مجنون بني عامر

قال المسعودي : ولمن سلف من المُتَيَّمين أخبار عجيبة وأشعار ،حسان فمن

ذلك ما حدثنا به أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي القاضي، قال: حدثنا محمد بن سلام الجمحي، قال: أخبرني أبو الهياج بن سابق النجدي، ثم الثقفي، قال: خرجت إلى أرض بني عامر ، لا لشيء إلا للقاء المجنون، فإذا أبوه شيخ كبير، وإذا إخوته ،رجال وإذا نعم ظاهرة وخير كثير، فسألتهم عن المجنون؛ فاستعبروا، وقال الشيخ : كان والله أبر هؤلاء عندي ؛ فهوى امرأة من قومه والله ما كانت تطمع في مثله : فلما عرف أمره وأمرها كره أبوها أن يزوجها منه؛ فزوجها من رجل آخر ؛ فقيدناه، فكان يعض شفتيه ولسانه حتى خشينا أن يقطعهما ؛ فلما رأينا ذلك خَلَّيْنَا سبيله ؛ فمرَّ في هذه الفَيَافِي يذهب إليه في كل يوم بطعامه فيوضع له بحيث يراه فإذا عاينه جاء فأكل، وإذا خلقت ثياب جاؤوه بثياب؛ فوضعت بحيث يراها فسألتهم أن يدلوني عليه، فدلوني على فتى من الحي، وقالوا: إنه لم يزل صديقاً له، وليس يأنس بأحد سواه؛ فسألته أن يدلني عليه ؛ فقال : إن كنت تريد شعره فكل شعره عندي إلى أمس وأنا ذاهب إليه غداً؛ فإن كان قد ذكر شيئاً أتيتك به ، قلت : أريد أن تدلني عليه ، قال : إن رآك يفر منك، وأخاف أن يذهب مني فيما بعد ؛ فيذهب شعره، فأبيت إلا أن يدلني فقال : اطلبه في هذه الصحراء؛ فإذا رأيته فَادْنُ منه مستأنساً ، فإنه يتهددك ويتوعدك أن يرميك بشيء في يده، فاجلس كأنك لا تنظر إليه والْحَظهُ، فإذا رأيته قد سكن فاجهد أن تروي لقيس بن ذريح شيئاً فإنه معجب به، قال فخرجت إليه ،يومي، فوجدته بعد العصر جالساً على تل، يخط بأصبعه خطوطاً، فدنوت منه غير منقبض، ففَرَّ والله كما يفرُّ الوحش من الإنسان، وإلى جانبه أحجار، فتناول منها ،واحداً فأقبلت حتى جلست قريباً منه، فمكثت ساعة، وهو كأنه نافر، فلما طال جلوسي سَكَنَ ، وأقبل يعبث بأصابعه، فنظرت إليه وقلت : أحسن والله قيس بن ذريح، حيث يقول :

وإني لَمُفْنِ دَمْعَ عيني بالبكا*** حِذاراً لما قد كان أو هو كائن

وقالوا: غداً! أو بعد ذاك بليلة*** فراق حبيب لم يَبِنْ وَهُوَ بائن

وما كنت أخشى أن تكون مَنِيَّتِي*** بكفي إلّا أنَّ مَا حَانَ حائن

قال : فبكى والله حتى سالت دموعه ثم قال: أنا والله أشعر منه، حيث أقول :

أبى القلب إلا حبها عامرية *** لها كُنّية عمرو، وليس لها عمرو

تكاد يدي تَنْدَى إذا ما لمستها*** وينبت في أطرافها الورق الخضر

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها*** فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر

فيا حبها زِدْنِي جَوِّى كل ليلة*** ويا سلوة الأيام موعدك الحشر

قال: ثم نهض، فانصرفت، ثم عُدْتُ من الغد، فأصبته، ففعلت فعلي بالأمس، وفعل مثل فعله فلما أنس قلت: أحسن والله قيس بن ذريح حيث يقول : قال : ماذا؟ قلت:

هَبُونِي امرأ إن تحسنوا فهو شاكر*** لذلك، وإن لم تحسنوا فهو صافح

فإن يك قوم قد أشاروا بهجرنا *** فإن الذي بيني وبينك صالح

قال فبكى وقال : أنا والله أشعر منه حيث أقول :

وأدنيتني حتى إذا ماسبيتني*** بقول يحل العُصْم سهل الأباطح

تجافَيتِ عني حيث مالي حيلة*** وَخَلَفْت ما خلفت بين الجوانح

ثم ظهرت لنا ظبية، فوثب في إثرها فانصرفت ثم عدت في اليوم الثالث فلم أصادفه فرجعت فأخبرتهم؛ فوجهوا الذي كان يذهب بطعامه؛ فرجع، وأخبرهم أن الطعام على حاله! ثم غدوت مع إخوته فطلبناه يومنا وليلتنا ! فلما أصبحنا أصبناه في وادٍ كثير الحجارة؟ وإذا هو ميت؟ فاحتمله إخوته ورجعت إلى بلدي.

وفاة بغا الكبير

قال المسعودي : وفي سنة ثمان وأربعين ومائتين كانت وفاة بُغا الكبير التركي؟ وقد نيف على التسعين سنة، وقد كان باشَرَ من الحروب ما لم يباشره أحد، فما أصابته جراحة

ت قط، وتقلد ابنه موسى بن بُغَا ما كان يتقلّده، وضم إليه أصحابه، وجعلت له قيادته، وكان بُغَا دَيناً من بين الأتراك، وكان من غلمان المعتصم، يشهد الحروب العظام، ويباشرها بنفسه، فيخرج منها سالماً، ويقول : الأجل جوشن .

بغا يرى رسول الله في الحلم

ولم يكن يلبس على بدنه شيئاً من الحديد، فعذل في ذلك، فقال: رأيت في نومي النبي

(صلی الله علیه وآله وسلم)ومعه جماعة من أصحابه فقال لي: يا بُغَا أحسنت إلى رجل من أمتي فدعا لك بدعوات استجيبت له فيك قال فقلت يا رسول الله ومَنْ ذلك الرجل؟ قال : الذي خلصته من السباع فقلت يا رسول الله، سَل ربك أن يطيل عمري، فرفع يديه نحو السماء وقال : اللهم أطل عمره، وأتم ،أجله ، فقلت : يا رسول الله، خمس وتسعون سنة ، فقال رجل كان بين يديه : ويُوَقِّي من الآفات فقلت للرجل : من أنت؟ قال : أنا علي بن أبي طالب، فاستيقظت من نومي وأنا أقول : علي بن أبي طالب .

قصة له مع طالبي

وكان بُغَا كثير التعطف والبر للطالبيين فقيل :له من [كان] ذلك الرجل الذي خلصته من السباع ؟ قال : كان أتي المعتصم برجل قد رمى ببدعة، فجرت بينهم في الليل مخاطبة في خلوة، فقال لي المعتصم : خذه فألقه إلى السباع فأتيت بالرجل إلى السباع لألقيه إليها وأنا مُغتاظ عليه، فسمعته يقول : اللهم إنك تعلم ما تكلمت إلا فيك، ولم أرد بذلك غيرك، وتقرباً إليك بطاعتك، وإقامة الحق على من خالفك، أفتسلمني؟ قال: فارتعذتَ وداخلتني له رِقَةٌ، وملىء قلبي له رعباً، فجذبته عن طرف بركة السباع، وقد كدت أن أُزُج به فيها، وأتيت به حجرتي فأخفيته فيها، وأتيت المعتصم فقال : هيه، قلت ألقيته قال فما سمعته يقول ؟ قلت : أنا عجمي وهو يتكلم بكلام عربي ما أدري ما يقول، وقد كان الرجل أغْلَظَ ، فلما كان في السحر قلت للرجل : قد فتحت الأبواب وأنا مخرجك مع رجال الحرس، وقد آثرتك على نفسي، ووَقَيْتكَ بروحي، فاجْهَدْ أَلَّا تظهر في أيام المعتصم قال نعم قلت : فما خبرك ؟ قال : هجم رجل من عماله في بلدنا على ارتكاب المكاره والفُجُور وإماتة الحق ونضر الباطل، فسَرَى ذلك إلى فساد الشريعة وهَدّم التوحيد، فلم أجد عليه ،ناصراً، فوثبت عليه في ليلة فقتله؛ لأن جرمه كان يستحق به في الشريعة أن يفعل به ذلك.

بين المستعين والأتراك

قال المسعودي: ولما انحدر المستعين ووصيف وبُغَا إلى مدينة السلام اضطربت الأتراك والفراغنة وغيرهم من الموالي بسامرا، وأجمعوا على بعث جماعة إليه يسألونه الرجوع إلى دار ،ملكه فصار إليه عدة من وجوه الموالي ومعهم البُرْدُ والقَضِيبُ وبعض الخزائن ومائتا ألف دينار، ويسألونه الرجوع إلى دار ملكه واعترفوا بذنوبهم، وأقروا بخطئهم، وضمنوا ألا يعودوا ولا غيرهم من نظرائهم إلى شيء من ذلك مما أنكره عليهم، وتذللوا وخضعوا فأجيبوا بما يكرهون، وانصرفوا إلى سر من رأى فأعلموا أصحابهم وأخبروهم بما نالهم وإياسهم من رجوع الخليفة .

الموالي يجمعون على بيعة المعتز

وقد كان المستعين اعتقل المعتز والمؤيد حين انحدر إلى بغداد ولم يأخذهما معه، وقد كان حذر من محمد بن الواثق حين انحداره فأخذه معه، ثم إنه هرب منه بَعْدُ في حال الحرب، فأجمع الموالي على إخراج المعتز والمبايعة له والانقياد إلى خلافته، ومحاربة المستعين وناصريه ببغداد فأنزلوه من الموضع المعروف بلؤلؤة الجوسق،

وكان معتقلاً فيه مع أخيه المؤيد فبايعوه، وذلك يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة إحدى وخمسين ومائتين، وركب من غد ذلك اليوم إلى دار العامة، فأخذ البيعة على الناس، وخَلَعَ على أخيه المؤيد، وعقد له عقدين أسود وأبيض، فكان الأسود لولاية العهد بعده ، والأبيض لولاية الحرمين وتقلدهما، وانبتت الكتب في سامرا بخلافة المعتز بالله إلى سائر الأمصار وأرخت باسم جعفر بن محمد الكاتب، وأحْدَرَ أخاه أبا أحمد مع عدة من الموالي لحرب المستعين إلى بغداد فنزل عليها، فكان أول حرب جرت بينهم ببغداد بين أصحاب المعتز ،والمستعين وهرب محمد بن الواثق إلى المعتز بالله، ولم تزل الحرب بينهم وبين أهل بغداد للنصف من صفر من هذه السنة، فلما نشبت الحرب بينهم كانت أمور المعتز تَقْوَى وحالة المستعين تضعف، والفتنة عامة.

فلما رأى محمد بن عبد الله بن طاهر ذلك كاتب المعتز وجَنَحَ إليه، ومال إلى الصلح على خلع المستعين وقد كانت العامة ببغداد . حين علمت ما قد عزم عليه من خلع المستعين. ثارت مُنكرة لذلك، متحيزة إلى المستعين ناصرة له، فأظهر محمد بن عبد الله المستعين على أعلى قصره فخاطبته العامة وعليه البردة [والقَضِيبُ]، فأنكر ما بلغهم من ،خلعه وشكر محمد بن عبد الله بن طاهر، ثم التقى محمد بن عبد الله بن طاهر وأبو أحمد الموفق بالشماسية، فاتفقا على خلع المستعين على أن له الأمان ولأهله وولده وما حوته أيديهم من أملاكهم وعلى أنه ينزل مكة هو ومن شاء من أهله، وأن يقيم بواسط العراق إلى وقت مسيره إلى مكة فكتب له المعتز على نفسه شروطاً أنه متى نقض نقض شيئاً من ذلك فالله ورسوله منه بَرَاء والناسُ في حل من بيعته ، وعهوداً يطول ذكرها، وقد خذل المعتز بعد ذلك لمخالفتها حين عالج في نقضها، فخلع المستعين نَفْسَه من الخلافة، وذلك يوم الخميس لثلاث خَلَوْنَ من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين فكان له مذ وافى مدينة السلام إلى أن خلع سنة كاملة، وكانت خلافته . منذ تقلد الأمر على ما بيناه آنفاً إلى أن زال عنه ملكه . ثلاث سنين وثمانية أشهر وثمانية عشر يوماً على ما ذكرناه من الخلاف وأحدر إلى دار الحسن ابن وهب ببغداد، وجمع بينه وبين أهله وولده ثم أحدر إلى واسط، وقد وكل به أحمد بن طولون التركي، وذلك قبل ولايته مصر، وعلم عجز محمد بن عبد الله بن طاهر عن قيامه بأمر المستعين حين استجار به وخذلانه إياه وميله إلى المعتز بالله، وفي ذلك يقول بعض شعراء العصر من أهل بغداد:

أطافت بنا الأتراك حَوْلًا مُجَرَّما*** وما برحَتْ في جُحرها أم عامر

أقامت على ذلّ بها ومَهَانة*** فلما بَدَتْ أبدت لنا لؤم غادر

ولم ترع حق المستعين؛ فأصبحت*** تعين عليه حادثات المقادر

لقد جمعت لؤماً وخبثاً وذِلَةٌ*** وأبقت لها عاراً على آل طاهر

ولما كان من الأمر ما قدمناه من خلع المستعين انصرف أبو أحمد الموفق من بغداد إلى سامرا، فخلع عليه المعتز وتوج ووشح بوشاحين، وخلع على من كان معه من قواده، وقدم على المعتز عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أخو محمد بن عبد الله بالبُرْدِ والقضيب والسيف وبجوهر الخلافة، ومعه شاهك الخادم وكتب محمد بن عبد الله إلى المعتز في شاهك: إن من أتاك بارث رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم) لجدير أن لا تخفر ذمته .

وخلع المستعين وعلي وزارته أحمد بن صالح بن شير داد.

موت المستعين

ولما كان في شهر رمضان من هذه السنة . وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين . بعث المعتز بالله سعيد بن صالح الحاجب ليلقى المستعين، وقد كان في جملة مَنْ حمله من واسط فلقيه سعيد وقد قرب من سامرا فقتله واحتز رأسه وحمله إلى المعتز بالله، وترك جثته ملقاة على الطريق حتى تولى دفنها جماعة من العامة .

وكانت وفاة المستعين بالله يوم الأربعاء لست خَلَوْنَ من شوال سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهو ابن خمس وثلاثين سنة على ما قدمنا في صدر هذا الباب .

وذكر شاهك الخادم قال : كنت عديلًا للمستعين عند إشخاص المعتز له إلى سامرا، ونحن في عمارية، فلما وصل إلى القاطول تَلَقَّاه جيش كثير ، فقال : يا شاهك انْظُرْ مَنْ رئيس القوم؟ فإن كان سعيد الحاجب فقد هلكت، فلما عاينته قلت: هو والله سعيد فقال : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة : 156] ، ذهَبَتْ والله نفسي، وجعل يبكي فلما قرب سعيد منه جعل يقنعه بالسوط ، ثم أضجعه وقَعَدَ على صدره واحتز رأسه، وحمله على ما ذكرنا واستقامت الأمور للمعتز واجتمعت الكلمة عليه .

وللمستعين أخبار غير ما ذكرناه في هذا الكتاب وأوردناه في هذا الباب، وقد أتينا على ذكرها في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وإنما ذكرنا ما أوردنا في هذا الكتاب لئلا يتوهم أنا أغفلنا ذكرها أو عَزَبَ عنا فهمها، فإنا بحمد الله لم نترك شيئاً من أخبار الناس وسيرهم وما جرى في أيامهم إلا وقد ذكرناه، وأوردنا في كتبنا أحْسَنَهُ، وفوق كل ذي علم عليم والله الموفق للصواب.

ذكر خلافة المعتز بالله

موجز

بويع المعتز بالله وهو الزبير بن جعفر المتوكل، وأمه أم ولد يقال لها قبيحة، ويكنى أبا

عبد الله، وله يومئذٍ ثمان عشرة سنة، بعد خلع المستعين لنفسه، وذلك يوم الخميس لليلتين خَلَتَا من المحرم ، وقيل : لثلاث خَلَوْنَ منه سنة اثنتين وخمسين ومائتين على ما قَدَّمنا، وبايعه القُوَّاد والموالي والشاكرية وأهل بغداد وخطب له في المسجد الجامع ببغداد في الجانبين.

ثم خلع المعتز نفسه يوم الاثنين لثلاث بَقِينَ من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، ومات بعد أن خلع نفسه بستة أيام.

فكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر، ودفن بسامرا، فجملة أيامه منذ بويع بسامرا قبل خلع المستعين إلى اليوم الذي خلع فيه أربع سنين وستة أشهر وأياماً، ومنذ بويع له بمدينة السلام ثلاث سنين وسبعة أشهر، وتوفي وله أربع وعشرون سنة .

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

قول الناس في خلعه نفسه

ولما خلع المستعين بالله وأخدِرَ إلى واسط بعد أن أشْهَدَ على نفسه أنه قد بَرِى من الخلافة وأنه لا يصلح لها ؛ لما رأى من الخلاف الواقع، وأنه قد جعل الناس في حل من بيعته . قالت في ذلك الشعراء فأكثرت، ووصفته في شعرها فأغرقت، فقال في ذلك البحتري من قصيدة طويلة :

إلى وَاسِطِ خلف الدَّجَاج، ولم يَكُن*** لينبت في لَحْمِ الدَّجَاجِ مخالب

وفي ذلك يقول الشاعر المعروف بالكناني من قصيدة:

إني أراك من الفراق جَزُوعا*** أَمْسَى الإمام مُسَيَّراً مخلوعا

وغدا الخليفة أحمد بن محمد*** بعد الخلافة والبهاء خليعا

كانت به الأيام تضحك زهرة *** وهو الربيع لمن أراد ربيعا

فأزاله المقدور من رتب العُلا*** فثوى بِوَاسِط لا يحس رجوعا

وكان بين خلع المستعين وقتله تسعة أشهر ويوم .

وفاة جماعة من أهل العلم

ومات في خلافة المستعين جماعة من أهل العلم والمحدثين : منهم أبو هاشم محمد بن زيد الرفاعي وأيوب بن محمد الموراق، وأبو كريب محمد بن العلاء الهمداني بالكوفة وأحمد بن صالح المصري، وأبو الوليد السَّرِي الدمشقي وعيسى بن حماد زغبة المصري بمصر، ويكنى أبا موسى، وأبو جعفر بن سوار الكوفي، وذلك في سنة ثمان وأربعين ومائتين.

وفي خلافة المستعين وذلك في سنة تسع وأربعين ومائتين . كانت وفاة الحسن بن صالح البزار ، وكان من عِليَّة أصحاب الحديث، وهشام بن خالد الدمشقي، ومحمد بن

سليمان الجهني بالمصيصة، والحسن بن محمد بن طالوت، وأبو حفص الصيرفي بسامرا، ومحمد بن زنبور المكي بمكة، وسليمان بن أبي طيبة، وموسى بن عبد الرحمن البرقي.

وفي خلافة المستعين . وذلك في سنة خمسين ومائتين . مات إبراهيم بن محمد التميمي، قاضي البصرة، ومحمود بن خداش، وأبو مسلم أحمد بن [أبي] شعيب الحراني، والحارث بن مسكين المصري، وأبو طاهر أحمد بن عمرو بن السرح، وغير هؤلاء ممن أعرضنا عن ذكره من شيوخ المحدثين وَنَقَلة الآثار ، ممن قد أتينا فى ذكرهم من أول زمن الصحابة، إلى وقتنا هذا . وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . في سنة ست، ومن كتابنا المترجم بالأوسط، وإنما نذكر من وفاة من ذكرنا لئلا نخلي هذا الكتاب من نبذ مما يحتاج إلى ذكره على قدر الطالب له .

فص من الياقوت الأحمر

وقد كان المستعين في سنة ثمان وأربعين ومائتين أخرج من خزانة الخلافة فص ياقوت أحمر، يعرف بالجبلي، وكانت الملوك ،تصونه وكان الرشيد اشتراه بأربعين ألف دينار ونقش عليه [اسمه] أحمد، ووضع ذلك الفص في أصبعه، فتحدث الناس بذلك، وقد ذكر أن ذلك الفص قد تداولته الملوك من الأكاسرة وقد نقش في قديم الزمان، وذكر أنه لم ينقشه ملك إلا مات قتيلا، وكان الملك إذا مات وجلس تاليه في الملك حك النقش، فتداولته في اللبس الملوك ، وهو غير منقوش، فيقع للنادر من الملوك فينقشه وكان ياقوتاً أحمر، يضيء بالليل كضياء المصباح إذا وضع في بيت لا مصباح فيه أشرق، ويرى فيه بالليل تماثيل ،تلوح وله خبر طويل ظريف، وقد ذكرناه في كتابنا أخبار الزمان في ذكر خواتم ملوك الفرس، وقد كان هذا الفص ظهر في أيام المقتدر ، ثم خفي أثره بعد ذلك .

بعض ما قيل في المعتز

وقد كان جماعة من الشعراء قالوا في المعتز . حين استتم له الأمر، واستقامت له الخلافة، وخلعها المستعين . أقوالا كثير، فمن ذلك قول مروان بن أبي الجنوب من قصيدة طويلة :

إن الأمور إلى المعتز قد رَجَعَتْ*** والمستعينُ إلى حالاته رَجَعَا

قد كان يعلم أن المُلْكَ ليس له*** وأنه لك لكن نَفْسَهُ خدعا

وفي ذلك يقول رجل من أهل سامرا، وقد قيل إنه البحتري :

الله دَرَّ عصابة تركية***رَدُّوا نوائب دهرهم بالسيف

قتلوا الخليفة أحمد بن محمد*** وكَسَوا جميع الناس ثوب الخوف

وطَغَوْا فأصبح ملكنا متقسما*** وإمامنا فيه شبيه الضيف

وفي المعتز ورجوع الأمر إليه واتفاق الكلمة عليه يقول أبو علي البصير :

آب أمرُ الإسلام خَيْرَ مآبه*** وغدا الملك ثابتاً في نصابه

مستقراً قراره مطمئناً*** آهلا بعد نأيه واغترابه

فأحمد الله وَحْدَه والتمس بالـ*** ـعفو عمن هفا جزیل ثوابه

وزراء المعتز

وكان على وزارة المعتز جعفر بن محمد، ثم استوزر جماعة ، فكانت الكتب تخرج باسم صالح بن وصيف كأنه مرسوم بالوزارة.

وكانت وفاة أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد في خلافة المعتز بالله.

وذلك في يوم الاثنين لأربع بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين، وهو ابن أربعين سنة ، وقيل : ابن اثنتين وأربعين سنة ، وقيل : أكثر من ذلك، وسمع في جنازته جارية تقول : ماذا لقينا في يوم الاثنين قديماً وحديثاً؟ وصلى عليه أحمد بن المتوكل على الله، في شارع أبي أحمد وفي داره بسامرا، ودفن هناك.

علي بن محمد الطالبي

حدثنا ابن الأزهر، قال: حدثني القاسم بن عباد، قال: حدثني يحيى بن هرثمة، قال : وَجْهني المتوكل إلى المدينة لإشخاص علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر لشيء بلغه عنه ؛ فلما صرت إليها ضجّ أهلها وعجوا ضجيجاً وعجيجاً ما سمعت مثله، فجعلت أسكنهم وأحلف لهم أني لم أومر فيه بمكروه، وفتشت بيته، فلم أجد فيه إلا مصحفاً ، ودعاء، وما أشبه ذلك، فأشخصته وتوّليتُ خدمته وأحسنت ،عشرته، فبينا أنا نائم] يوماً من الأيام والسماء صاحية، والشمس طالعة؛ إذ ركب وعليه ممطر، وقد عقد ذنب ،دابته فعجبت من فعله فلم يكن بعد ذلك إلا هنيهة حتى جاءت سحابة فأرخت عزاليها ونالنا من المطر أمر عظيم جداً، فالتفت إليَّ، وقال: أنا أعلم أنك أنكرت ما رأيت وتوهمت أني علمت من الأمر ما لا تعلمه، وليس ذلك كما ظننت،

ولكن نشأت بالبادية، فأنا أعرف الرياح التي يكون في عقبها المطر، فلما أصبحت هَبَّتْ ريح لا تخلف وشممت منها رائحة المطر، فتأهبت لذلك. فلما قدمت مدينة السلام بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري. وكان على بغداد فقال لي: يا يحيى، إن هذا الرجل قد وَلَدَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتوكل مَنْ ،تعلم، وإن حرضته على قتله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خَصْمكَ ، فقلت : والله ما وقفت له إلا على كل أمر جميل .

فصرت إلى سامرا، فبدأت بوصيف التركي، وكنت من أصحابه، فقال: والله لئن سَقَطَتْ من رأس هذا الرجل شَعْرَة لا يكون المطالب بها ،غيري، فعجبت من قولهما، وعَرَّفت المتوكل ما وقفت عليه وما سمعته من الثناء عليه فأحسن جائزته، وأظهر بره وتكرمته .وجه

وحدثني محمد بن الفرج بمدينة جرجان في المحلة المعروفة ببئر أبي عنان قال : حدثني أبو دعامة قال : أتيت علي بن محمد بن علي بن موسى عائداً في علّته التي كانت وفاته منها في هذه السنة، فلما هممت بالانصراف قال لي: يا أبا دعامة قد حَقُكَ، أفلا أحدثك بحديث تُسَرُّ به؟ قال: فقلت له : ما أحوجني إلى ذلك يا ابن رسول الله ، قال : حدثني أبي محمد بن علي قال : حدثني أبي علي بن موسى قال : حدثني أبي موسى بن جعفر قال حدثني أبي جعفر بن محمد قال : حدثني أبي محمد بن علي قال : حدثني أبي علي بن الحسين قال حدثني أبي الحسين بن علي قال: ، حدثني أبي علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ! قال : قال رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)«اكتب يا علي» قال : قلت : وما أكتب؟ قال لي : «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، الإيمان ما وقرته القلوب وصدقته الأعمال، والإسلام ما جرى به اللسان وحلت به المناكحة» قال أبو دعامة : فقلت يا ابن رسول الله ما أدري والله أيهما أحسن الحديث أم الإسناد ؟ فقال : إنها لصحيفة بخط علي بن أبي طالب بإملاء رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) نتوارثها صاغراً عن كابر. قال المسعودي : وقد ذكرنا خبر علي بن محمد بن موسی رضي الله عنه مع زينب الكذابة بحضرة المتوكل، ونزوله رضي الله عنه إلى بركة السباع ،وتذللها ،له ورجوع زينب عما ادعته من أنها ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب وأن الله تعالى أطال عمرها إلى ذلك الوقت في كتابنا أخبار الزمان وقيل : إنه مات مسموماً ! .

موت محمد بن عبد الله بن طاهر

قال المسعودي : وفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين . وذلك في خلافة المعتز . مات محمد بن عبد الله بن طاهر، للنصف من ذي القعدة بعد قتل وصيف بثلاثة عشر يوماً،

والقمر مكسوف وكان من الجود والكرم وغزارة الأدب، وكثرة الحفظ، وحسن الإشارة، وفصاحة اللسان، وملوكية المجالسة على ما لم يكن عليه أحد من نظرائه [ في عصره] وفيه يقول الحسين بن علي بن طاهر من قصيدة له :

كسف البدر والأمير جميعاً*** فانجلى البدرُ والأمير غَمِيدُ

عاود البدر نوره لتجليـ*** ـه ونور الأمير ليس يعودُ

یا کسوفين ليلة الأحد النحـ*** ـس أحَلّتكما هناك السعود

واحد كان حده مثل حد السـ*** ـيف والنار شُبَّ فيها الوقود

ماني الموسوس

وذكر أبو العباس المبرد قال : ارتاح محمد بن عبد الله بن طاهر يوماً للمنادمة، وقد حضره ابن ،طالوت وكان وزيره وأخَصَّ الناس به، وأحضرهم لخلواته، فأقبل عليه وقال : لا بد لنا[ اليوم] من ثالث تطيب لنا به المعاشرة وتلذ بمنادمته المؤانسة، فمن ترى أن يكون؟ وأَعْفِنَا أن يكون شرير الأخلاق، أو دنس الأعراق، أو ظاهر الإملاق، قال فأعلمت الفكر وقلت أيها الأمير خطر ببالي رجل ليس علينا من مجالسته من مؤونة، وقد برىء من إبرام المُجَالس، وخلا من ثقل المؤانس، خفيف الوطأة إذا أحببت سريع الوثبة إذا أردت ، قال : ومن ذلك؟ قلت: ماني الموسوس، قال : أحسنت والله فليتقدم إلى أصحاب الثماني والعشرين الربع في طلبه يرفعوه رفعة، فما كان بأسرع من أن اقتنصه صاحبُ الكَرْخِ ، فصار به إلى باب الأمير، فأخذ وحذف ونظف وأدخل الحمام وألبس ثياباً نظافاً وأدخل عليه ، فقال : السلام عليك أيها الأمير، فقال محمد وعليك السلام يا ماني، أما آن لك أن تزورنا على حين تَوَقَانٍ منا إليك ومنازعة قلوب منا نحوك ؟ فقال ماني : الشوق ،شديد والحب عتيد، والمزار بعيد والحجاب صعب والبواب فظ، ولو سهل لنا في الإذن لسهلت علينا الزيارة، فقال: ألْطَفْتَ في الاستئذان فليلطف لك في الإذن، لا يمنع ماني أي وقت ورد من ليل أو نهار، ثم أذن له في الجلوس، فجلس ، ودعا بالطعام فأكل ، ثم غسل يديه وأخذ مجلسه، وكان محمد قد تَشوَّقَ إلى السماع من مؤنسة جارية بنت المهدي، فأحضرت فكان أول ما غنت به :

ولَسْتُ بِنَاسٍ إِذْ غَدَوْا فتحمّلُوا***دموعي على الأحباب من شدة الوجدِ

وقولي وقد زالت بليل حُمُولُهم:*** بواكر نجد لا يكن آخر العهد

فقال ماني : أحسنت وبحق الأمير إلا ما زدت فيه :

وقمت أناجي الفكر والدمع حائر*** بمُقْلة موقوف على الضر والجهد

ولم يعدني هذا الأمير بغيرة*** على ظالم قد لج في الهجر والصد

فاندفعت تغنيه فقال له محمد : أعاشق أنت يا ماني ؟ فاستحيا، وغمزه ابن طالوت أن لا يبوح له بشيء، فيسقط من عينيه فقال : مبلغ طرب وشوق كان كامناً فظهر، وهل بعد الشيب صَبْوَة؟ ثم اقترح محمد على مؤنسة هذا الصوت :

حَجَبُوهَا عن الرياح لأني*** قلت: يا ريحُ بلغيها السلاما

لو رَضُوا بالحجاب ،هان ولكن*** منعوها عند الرياح الكلاما

فغنته، فطرب محمد، ودعا برطل فشرب، فقال ماني : ما على قائل هذا الشعر لو زاد فيه :

فتَنَفَسْتُ ثم قلت لطَّيْفي:*** آه إن زُرْتَ طيفها إلماما

خُصَّهُ بالسلام مني؛ فأخْشَى*** يمنعوها لشقوتي أن تناما

لكان أثقب لزند الصَّبَابة بين الأحشاء، وأشد تغلغلا إلى الكبد الصَّدْيَا من زلال الماء، مع حسن تأليف نظامه والانتهاء بالمعنى إلى نهاية ،تمامه، فقال محمد : أحسنت يا ماني، ثم أمره مؤنسة بإلحاقهما بالبيتين الأولين والغناء بهما، ففعلت، ثم غنت بهذين البيتين :

یاخليلي ساعة لا تريما*** وعلى ذي صبابة فأقيما

ما مررنا بدار زینب إلا*** هَتَكَ الدمعُ سِرَّنَا المكتوما

فاستحسنه محمد، فقال ماني : لولا رهبة التعدّي لأضَفْتُ إلى هذين البيتين بيتين لا يَرِدَانِ على سمع ذي لب فيصدران إلا عن استحسان لهما، فقال محمد يا ماني الرغبة في حسن ما تأنى به حائلةٌ دون كل ،رهبة، فهات ما عندك، فقال:

ظبية كالهلال لو تلحظ الصخـ*** ـر بطَرْفِ لغادرته هشيما

وإذا ما تبسَّمَتْ خِلْتُ إيما*** ص بروقٍ أو لؤلؤاً منظوما

فقال : أحسنت يا ماني، فأجز هذا الشعر:

لم تَطِبِ اللذات إلا بمن *** طابت بها اللذات مأنوسه

غنت صوت أطْلَقَتْ عَبْرَةً ***كانت بسجن الصبر محبوسه

فقال ماني :

وكيف صبر النفوس عن غادة*** أظلمها إن قلت طاووسه

وجُرْتُ إِن سَمّيتها بانة*** في جنة الفردوس مغروسه

وغَيْرُ عَدْلٍ إن عدلنا بها*** جوهرة في البحر مغموسه

ثم سكت، فقال محمد: ما عدا في وصفه لها، فقال ماني:

جلَتْ عن الوصف فما فكرة*** تلحقها بالنعت محسوسه

فقال محمد: أحسنت، فقالت مؤنسة : وجب شكرك يا ماني فساعدتك دهرك وعطف عليك الْفُكَ، وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله يديم لنا ذلك ببقاء مَنْ به اجتمع شملنا فقال لها ماني عند قولها : وعطف عليك إلفك مجيباً :

ليس لي إلفّ فيعطفني*** فارقَتْ نفسی الأباطيل

أنا موصول بنعمة من*** حَبْلُه بالمجد موصول

أنا مغبوط بنعمة من*** طَبْعُه بالخير مأمول

فأومأ إليه ابن طالوت بالقيام، فنهض وهو يقول:

ملك قل النظیر له*** زانه الغُرُ البهاليل

طاهري فی مواکبه***عُرْفُه في الناس مبذول

[دَمُ مَنْ يشقى بصارمه*** مَعْ هبوب الريح مطلول]

يا أبا العباس صُنْ أدبا*** حَده بالدهر مَفلُول

فقال محمد: وجب جزاؤك لشكرك على غير نعمة سبقت، ثم أقبل على ابن طالوت فقال : ليست خساسة المرء، ولا اتضاع الدهر، ولا نبؤ العين عن الظاهر بمذهب جوهرية الأدب المركب في الإنسان، وما أخطأ صالح بن عبد القدوس حيث يقول :

لا يعجبنك من يصون ثيابَهُ *** خَوْفَ الغبار وعِرْضُه مبذول

فلربما افتقر الفتى فرأيته*** دنس الثياب وعرضه مغسول

قال ابن طالوت: فما رأيت أحْضَرَ ذهناً منه، إذ تقول الجارية : «عطف عليك إلفك» وإنشاده عند قولها ذلك :

ليس لي إلف فيعطفني*** فارقت نفسي الأباطيل

قال: فلم يزل محمد مُجْرِياً عليه رزقه حتى توفي .

المعتز وولاة العهد

ونمي إلى المعتز أن المؤيد يدبر عليه، وأنه قد استمال جماعة من الموالي، فحبس المؤيد وأبا أحمد . وهما لأب وأم . وطولب المؤيد بأن يخلع نفسه من ولاية العهد. فُضرِبَ أربعين عصا إلى أن أجاب، وأشهد على نفسه بذلك، ثم اتصل بالمعتز أن جماعة من الأتراك اجتمع رأيهم على إخراج المؤيد من حبسه ، فلما كان يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة اثنتين وخمسين ومائتين أخرج المؤيد ميتاً ، وأحضر القضاة والفقهاء حتى رأوه ولا أثر فيه فيقال : إنه أدرج في لحاف مسموم وشد طرفاه حتى مات فيه، وضيق حبس أبي أحمد فكان بين دخوله سر من رأى وما لقي بها من الإكرام وبين حبسه ستة أشهر وثلاثة أيام، ثم أشخص إلى البصرة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان بعد قتل المؤيد بخمسين يوماً، ورتب إسماعيل ابن قبيحة . وهو أخو المعتز لأبيه وأمه . مكان المؤيد في ولاية العهد، واجتمع قواد الموالي إلى المعتز فسألوه الرضا عن وصيف وبُغَا، فأجابهم إلى ذلك .

حوادث

وفي هذه السنة مات زرافة صاحب دار المتوكل بمصر.

وقد كان يوسف بن إسماعيل العلوي غلب على مكة فمات في هذه السنة فخلفه بعد وفاته أخوه محمد بن يوسف وكان أسن منه بعشرين سنة، فنال الناس في هذه السنة [ بسببه] جَهْد شديد فبعث المعتز بأبي الساج الأشروسي إلى الحجاز؛ فهرب محمد بن يوسف، وقتل خلق من أصحابه .

وفيها أوقع الحسن بن زيد الحسيني السليمان بن عبد الله بن طاهر، فأخرجه عن طبرستان .

وفي هذه السنة قدم إلى سامرا عيسى ابن الشيخ الشيباني من مصر، ومعه مال كثير، وستة وسبعون رجلا من سائر ولد أبي طالب من ولد علي وجعفر وعقيل كانوا قد خرجوا من الحجاز خَوْفَ الفتنة والجهد النازل بالحجاز إلى مصر، فحملوا منها، فأمر المعتز بتكفيلهم، والتخلية عنهم؛ لما وقف عليه من أمرهم.

وولى عيسى ابن الشيخ فلسطين .

وفي هذه السنة . وهي سنة ثلاث وخمسين ومائتين . مات صفوان العقيلي صاحب ديار مُضَرَ في حبس سامرا .

وفي هذه السنة [كان] قتل أهل كَرْخ سامراء من الفراغنة والأتراك لوصيف التركي،وتخلّص بُغَا منهم، واشتد أمر مساور الشاري، ورتب صالح بن وصيف [في] موضع وصيف .

موت بغا الصغير

وفي سنة أربع وخمسين ومائتين خرج من سامرا إلى ناحية الموصل، فانتهبت الموالي داره وانفض من كان معه من الجيش وانحدر في زَوْرَق [متنكراً] فوقع به بعض المغاربة بجسر سامرا فقتل ونصب رأسه بسامرا، وهو بُغَا الصغيرة ، ثم أخذ الرأس إلى مدينة السلام فنصب على الجسر .

وكان المعتز في حياة بُغا لا يلتذُ بالنوم، ولا يخلع سلاحه، لا في ليل ولا في نهار، خوفاً من بُغَا، وقال: لا أزال على هذه الحالة حتى أعلم لبغا رأسي أو رأسه لي وكان يقول : إني لأخاف أن ينزل عليَّ بُغَا من السماء أو يخرج علي من الأرض، وقد كان بغَا عزم على أن ينحدر سراً فيصل إلى سامرا في الليل، ويصرف الأتراك عن المعتز، ويفيض فيهم الأموال فكان من أمره ما وصفنا .

الأتراك والمعتز

ولما رأى الأتراك إقدام المعتز على قتل رؤسائهم، وإعماله الحيلَةَ في فنائهم، وأنه قداصطنع المغاربة والفراغنة دونهم صاروا إليه بأجمعهم، وذلك لأربع بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وجعلوا يقرعونه بذنوبه ويوبخونه على أفعاله، وطالبوه بالأموال، وكان المدبر لذلك صالح بن وصيف مع قُوَّاد الأتراك، فلج وأنكر أن يكون قبله شيء من المال، فلما حصل المعتز في أيديهم بعث إلى مدينة السلام في محمد بن الواثق الملقب بالمهتدي، وقد كان المعتز نَفَاه إليها واعتقله فيها، فأتى به في يوم وليلة إلى سامرا، فتلقاه الأولياء في الطريق، ودخل إلى الجوسق وأجاب المعتز إلى الخلع، على أن يعطوه الأمان أن لا يُقْتَلَ وأن يؤمنوه على نفسه وماله وولده وأبى محمد بن الواثق أن يقعد على سرير الملك أو يقبل البيعة حتى يرى المعتز ويسمع كلامه، فأتي بالمعتز وعليه قميص مدنّس وعلى رأسه منديل فلما رآه محمد بن الواثق وَثَبَ إليه فعانقه، وجلسا جميعاً على السرير، فقال له محمد بن الواثق يا أخي ما هذا الأمر؟ قال المعتز أمر لا أطيقه ولا أقوم به، ولا أصلح له، فأراد المهتدي أن يتوسط أمره، ويصلح الحال بينه وبين الأتراك، فقال المعتز : لا حاجة لي فيها، ولا يَرْضَوْنَنِي لها، قال المهتدي فأنا في حلّ من بيعتك ، قال : أنت في حل ،وَسَعَة فلما جعله في حل من بيعته

حَوَّلَ وجهه عنه ، فأقيم عن حضرته، ورُدَّ إلى محبسه، فقُتِلَ في محبسه بعد أن خلع بستة

أيام على ما قدمنا في صدر هذا الباب .

وقد قالت الشعراء في خلع المعتز وقتله فأكثرت، ورثته فأحسنت، فمن ذلك قول بعض أهل ذلك العصر من قصيدة له :

عَيْنُ لا تبخلي بسفح الدموع*** واندبي خير فاجع مفجوع

خانه الناصح الشفيق ونالتـ*** ـه أكُفُ الردى بحثف سريع

بَكَرَ الترك ناقمين عليه*** خالعيه، أفديه من مخلوع

قَتَلُوهُ ظلما وجوراً فألقو*** ه كريم الأخلاق غير جَزُوع

كان يغشى بحسنه بهجة البد*** ر فتلقاه مُظْهِراً للخضوع

وترى الشمس تستكين فلا تشـ*** ـرق إمَّا رأته وقت الطلوع

لم يهابوا جيشاً، ولا رهبوا السيـ*** ـف ، فَلَهْفِي على القتيل الخليع

أصبح الترك مالكي الأمر والعا*** لم ما بين سامع ومطيع

وترى الله فيهمُ مالك الأمـ*** ـر سيخزيهم بقتل ذريع

وقال فيه آخر من قصيدة طويلة :

أصْبَحَتْ مقلتي بدمع سفوحا*** حين قالوا أضحى الإمام ذبيحا

قتلوه ظلماً وجوراً وغدراً *** حين أهْدَوْا إليه حتفاً مُرِيحًا

نَضَّرَ الله ذلك الوجه وجهاً*** وسقى الله ذلك الروح روحا

أيها الترك سوف تلقون للدهـ*** ـرسيوفاً لاتس سيوفاً لا تستبل الجريحا

فاستعدوا للسيف عاقبة الأمـ*** ـرفقد جئتم فقد جئتم فعالًا قبيحا

وقال آخر من قصيدة طويلة أيضاً :

أصبحت مقلتي تَسُحُ الدموعا*** إذ رأت سيد الأنام خليعا

لهف نفسي عليه، ما كان أعلا*** ه وأسراه تابعاً متبوعا

ألزموه ذَنْباً على غير جرم *** فشوى فيهم قتيلًا صريعا

وبنو عمه وعم أبيه*** أظهروا ذلة، وأبدوا خضوعا

ما بهذا يصحُ مُلْكُ، ولا يغـ*** ـزى عدو، ولا يكون جميعا

المعتز أول من ركب بحيلة الذهب

وكان المعتز أول خليفة أظهر الركوب بحلية ،الذهب وكان مَنْ سلف قبله من

خلفاء بني العباس. وكذلك جماعة من بني أمية .يركبون بالحلية الخفيفة من الفضةوالمناطق وأنجاد السيوف والسروج واللُّجُم، فلما ركب المعتز بحلية الذهب اتبعه الناس في فعل ذلك .

المستعين أول من وسع الأكمام

وكذلك المستعين قبله أحْدَثَ لبس الأكمام الواسعة، ولم يكن يعهد ذلك، فجعل عرضها ثلاثة أشبار ونحو ذلك ، وصغَر القلانس، وكانت قبل ذلك طوالا كأقباع القضاة.

علي بن زيد وعيسى بن جعفر العلويان

وفي سنة خمس وخمسين ومائتين ظهر بالكوفة علي بن زيد وعيسى بن جعفر العلوي، فسرح إليهما المعتز سعيد بن صالح المعروف بالحاجب في جيش عظيم فانهزم الطالبيان لتفرق أصحابهما عنهما .

كان من

وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب وفاة إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وما نال أهل المدينة وغيرهم من أهل الحجاز في أيامه من الجهد والضيق وما أمر أخيه بعد وفاته، وهو محمد بن يوسف مع أبي الساج وحربه إياه، ولما انكشف من بين يدي أبي الساج سار إلى اليمامة والبحرين فغلب عليها، وخلفه بها عقبه المعروف ببني الأخضر إلى اليوم، وقد كان ظَهَرَ بناحية المدينة بعد ذلك ابن لموسى بن عبد الله بن موسى بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب .

بعض الطالبيين الذين نالهم مكروه

قال المسعودي : وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان سائر أخبار من ظهر من آل أبي طالب، ومن مات منهم في الحبس وبالسم، وغير ذلك من أنواع القتل منهم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، وهو أبو هاشم، سقاه عبد الملك بن مروان السم، ومحمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حمله سعيد الحاجب من البصرة فحبس حتى مات وكان معه ابنه علي فلما مات الأب خُليَ عنه، وذلك في أيام المستعين، وقيل غير ذلك، وجعفر بن إسماعيل بن موسی بن جعفر قتله ابن الأغلب بأرض المغرب، والحسن بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قتله العباس بمكة، وحمل في أيام المعتز من الري علي بن موسى بن

إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد ومات في حبسه، وحَمَلَ سعيدٌ الحاجب من المدينة موسى بن عبد الله بن موسى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان من النسك والزهد في نهاية الوصف، وكان معه إدريس بن موسى، فلما صار سعيد بناحية زبالة من جادة الطريق اجتمع خلق من العرب من بني فزارة وغيرهم لأخذه موسى من يده ،فَسَمَّه فمات هنالك، وَخَلَّصَت بنو فزارة ابنه إدريس بن موسى.

وفي خلافة المعتز في سنة اثنتين وخمسين ومائتين كان بُدو الفتنة بين البلالية والسعدية بالبصرة، وما نتج من ذلك من ظهور صاحب الزنج .

وللمعتز أخبار حسان غير ما ذكرنا قد أتينا على مبسوطها في كتابينا «أخبار الزمان»والأوسط، وبالله التوفيق.

ذكر خلافة المهتدي بالله

موجز

وبويع المهتدي محمد بن هارون الواثق قبل الظهر من يوم الأربعاء، لليلة بَقِيَتْ من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، وأمه أم ولد رومية يقال لها قرب، ويكنى بأبي عبد الله، وله يومئذ سبع وثلاثون سنة ، وقيل : تسع وثلاثون سنة ، وإنه قتل ولم يستكمل الأربعين سنة في سنة ست وخمسين ومائتين فكانت ولايته أحد عشر شهراً، ودفن بسامرا، وقيل إن مولده كان في سنة ثماني عشرة ومائتين.

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

وزراؤه

واستوزر المهتدي بالله جماعة . على قصر مدته . فسلموا منه من قتل وغيره، منهم عيسى بن فَرْخَانْشَاه .

قبة المظالم وشيء من سيرته

وبنى المهتدي قبة لها أربعة أبواب وسماها قبة المظالم، وجلس فيها للعام والخاص للمظالم، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وحَرَّم الشراب، ونهى عن القيان وأظهر العدل، وكان يحضر كل جمعة إلى المسجد الجامع، ويخطب الناس ويؤم بهم فثقلت وطأته على العامة والخاصة بحمله إياهم على الطريق الواضحة، فاستطالوا ،خلافته وسئموا ،أيامه وعملوا الحيلة عليه حتى قتلوه، وذلك أن موسى بن بُغَا الكبير كان عاملاً غائباً بالري مشتغلا بحرب آل أبي طالب كالحسن بن زيد الحسني ومما كان من الديلم ببلاد قزوين ودخولهم إياها عَنْوة وقتلهم أهْلَهَا، فلما نمي إلى موسى بن بغا قتل المعتز وما كان من أمر صالح بن وصيف والأتراك في ذلك قَفَلَ من تلك الديار متوجهاً إلى سامرا منكراً لما جرى على المعتز .

الخلاف في مقتل المعتز

وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في [ ذكر ] أخبار المعتز قتل المعتز مجملا ولم نبين كيفية قتله، وتنازع الناس في ذلك مفصلا، ورأيت أصحاب السير والتواريخ وذوي العناية بأخبار الدول قد تباينوا في مقتله : فمنهم من ذكر أن المعتز مات في حبسه في خلافة المهتدي بالله على ما قدمنا من التاريخ حتفَ أنفه، ومنهم من ذكر أنه منع من حبسه من الطعام والشراب فمات عند قطع مواد الغذاء عنه من المأكل والمشرب، ومنهم من رأى أنه حقن بالماء الحار المغلي فمن أجل ذلك حين أخرج إلى الناس وجدوا جوفه وارماً، والأشْهَرُ في الأخباريين ممن عني بأخبار العباسيين أنه أدخل حماماً وأكره في

دخوله إياه وكان الحمام محميّا ومنع الخروج منه، ثم تنازع هؤلاء : فمنهم من قال إنه ترك في الحمام حتى فاضت نفسه، ومنهم من ذكر أنه أخرج بعد أن كادت نفسه تتلف للحمى، ثم أسقي شربة ماء مقرورة بثلج، فنثرت الكبد وغيره، فخمد من فوره، وذلك ليومين خَلَوَا من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وقد أتينا على مبسوط هذه الأخبار [و تنازعهم في هذه الآثار] في كتابنا «أخبار الزمان».

بين المهتدي وموسى بن بغا

ولما اتصل بالمهتدي مسير موسى بن بُغَا إلى دار الخلافة أنكر ذلك، وكاتبه بالمقام في موضعه وأن لا يحل عن مركزه للحاجة إليه، فأبى موسى بن بُغَا إلا إغذاذ المسير والسرعة فيه حتى وافى سامرا، وذلك في سنة ست وخمسين ومائتين، وصالح بن وصيف يدبر الأمر مع المهتدي، فلما دنا موسى من سامرا صاحت العامة في مواضعها والغوغاء في طرقاتها يا فرعون، قد جاء موسى وكان صالح بن وصيف قد نفر عن المهتدي حين علم بموافاة موسى وقال : إن المهتدي راسَلَ موسى في السر في المسير إلى سامرا، والشخوص إليها، وكاتبه في ظاهر الأمر وراسله أن لا يقدم وكان رجل من قواد الأتراك يقال له بايكيال قد غلب على الأمر أيضاً، وترأس، فدخل موسى سامرا حتى انتهى إلى مجلس المهتدي وهو جالس للمظالم، والدار غاصة بخواص الناس وعوامهم، فشرع أصحاب موسى فدخلوا الدار وجعلوا يخرجون العامة منها بأشد ما يكون من الضرب بالدبابيس والطبرزينات والعسف فضجّتْ العامة، فقام المهتدي منكراً عليهم فعلَهُمْ بمن في الدار ، فلم يرجعوا عما هم عليه فتنحى مُغْضَبا، فقدم إليه فرس [فركب] وقد استشعر منهم الغَدْرَ ، فمضى به إلى دار يارجوج، وقد ، فمضى به إلى دار يارجوج، وقد كان موسى بن بُغَا انصرف عن دار المهتدي لما نظر إلى ضَجّة العامة فيها، فنزل تلك الدار فسير بالمهتدي إليها، فأقام فيها ثلاثاً عند موسى بن بُغَا [فأخذ عليه موسى العهود والمواثيق ألا يغدر به، وكان أكثر الجيش مع موسى بن بُغَا] وكان فيه ديانة وتقشف، حتى إن الجند تَأْسَوْا به، ولم يكن يشرب النبيذ، وكان المهتدي في أخلاقه شَرَاسة فنافر ،موسى، وكاد الأمر أن ينفرج، والحال أن يتسع ، غير أن موسى تعطف عليه، وأعملا الحيلة في قتل صالح بن وصيف وخاف موسى أن يكون صالح بن وصيف يعمل الحيلة عليهم في حال اختفائه، فبثَّ في طلبه العيون حتى وقع عليه، فلما علم صالح هجومهم عليه] قاتل ومانع عن نفسه،فقتل واحتز رأسه وأتي به إلى موسى بن بُغَا، ومنهم من رأى أنه أحمى له حمام وأدخل إليه فمات فيه على حسب ما فعل بالمعتز .

مقتل المهتدي

وقوي أمر مُسَاور الشاري ودنا في عسكره من سامرا، وعم الناس بالأذى، وانقطعت السابلة، وظهرت الأعراب، فأخرج المهتدي بالله موسى بن بُغَا وبايكيال إلى حرب الشاري وخرج معهما ،فشيعهما، ثم قَفَلا من غير أن يلقيا شَرًا، فلما استشعر المهتدي رجوعهما خرج فعسكر بجسر سامرا في جمع من المغاربة والفراغنة وغيرهم من الرسوم ليحارب بايكيال [وقد قيل : إن بايكيال أقرأ موسى كتاباً للمهتدي بقتل موسى وَالفَتْك ،به وإنه كتب إلى موسى بمثل ذلك، وإنهما علما بتضريب الأمر بينهما ، فرجَعًا عما خرجا إليه، وأشرف بايكيال على المهتدي] فانصرف موسى على ظهر سامرا متحرجاً لقتال المهتدي فكانت بين المهتدي وبين بايكيال حرب عظيمة قتل فيها خلق كثير من الناس، وانكشف بايكيال، واستظهر المهتدي عليه فخرج كمين بايكيال على المهتدي وفيه يارجوج التركي فولّى المهتدي وأصحابه ودخل سامرا مستغيثاً بالعامة مستنصراً بالناس يصيح في الأسواق فلا مغيث وقدامه أناس من الأنصار، فمضى مؤيساً من النصر إلى دار ابن خيعونة بسامرا مختفياً، فهجموا عليه وعزلوه، وحملوه منها إلى دار يارجوج، وقيل له : أتريد أن تحمل الناس على سيرة عظيمة لم يعرفوها ؟ فقال : أريد أن أحملهم على سيرة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)وأهل بيته والخلفاء الراشدين، فقيل له : إن] الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)كان مع قوم قد زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وأنت إنما رجالك ما بين] تركي وخَزَرِي [ وفرغاني] ومغربي وغير ذلك من أنواع الأعاجم لا يعلمون ما يجب عليهم من أمر آخرتهم، وإنما غرضهم ما استعجلوه من هذه الدنيا، فكيف تحملهم على ما ذكرت من الواضحة؟ فكثر منهم ومنه الكلام والمراجعة في هذا المعنى وأشباهه، ثم انقادوا إليه على حسب ما ظهر للناس من فلما كاد الأمر أن يتم قام فيهم سليمان بن وهب الكاتب . وقيل : غيره . وقال : هذا سوء رأي منكم وخطأ في تدبيركم إن أعطاكم بلسانه فنيته فيكم غير هذا ، قال : وسيأتي عليكم جميعاً، ويفرق جمعكم، فلما سمعوا هذا القول استرجعوا وجاؤوه بالخناجر، فكان أول من جرحه ابن عم لبايكيال، جرحه بخنجر في أوداجه وانكب عليه فالتقم الجرح والدم يفور منه، وأقبل يمص الدم حتى روي منه والتركي سكران، فلما روي من دم المهتدي قام قائماً وقد مات المهتدي فقال : يا أصحابنا قد رَوِيتُ من دم المهتدي كما رَوِيتُ في هذا اليوم من الخمر .

وقد تنوزع فيما ذكرنا من قتل المهتدي والأشْهَرُ ما ذكرناه من قتله بالخناجر، ومنهم من رأى أنه عصرت مذاكيره حتى مات ومنهم من رأى أنه جعل بين لوحين

عظيمين وشد بالحبال إلى أن مات، وقيل: قتل خنقاً، وقيل : كبس عليه بالبسط والوسائد حتى مات .

فلما مات داروا به ينوحون ويبكون عليه وندموا على ما كان منهم من قتله ؛ لما تبينوا من نسکه وزهده وقيل : إن ذلك كان يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وكان موسى بن بُغَا ويارجوج التركي غير داخلين في فعل الأتراك.

سبب حنق الأتراك

وكان حَنَقُ الأتراك على المهتدي بسبب قتله بايكيال، وذلك أن بايكيال وقع بيد المهتدي فضرب عنقه، ورمى به إلى أصحابه، ومنهم من رأى أنه قتل في الحرب المتقدم ذكرها في الموضع المعروف بجسر سامرا .

قتله لكاتبين

وقد كان المهتدي لما أفْضَتِ الخلافة إليه أخرج أحمد بن إسرائيل الكاتب وأبا نوح الكاتب إلى باب العامة بسامرا يوم الخميس لثلاث خلون من شهر رمضان، فضرب كل واحد منهما خمسمائة سوط، فماتا وذلك لأمور كانت منهما استحقا عند المهتدي فيما يجب في حكم الشريعة أن يفعل بهما ذلك.

وقتل المهتدي وله من الولد سبعة عشر ذكراً وست بنات .

ابن المدبر

وقد كان المهتدي ولي أحمد بن المدبر خَرَاجَ فلسطين، وكانت له معه أخبار قد أتينا على جميعها فيما سلف من كتبنا وأخبار ابن المدبر لما وصل إلى فلسطين وما حمل إلى سامرا، وقيل: إن المعتز بالله كان أخرجه إلى الشام ولأحمد بن المدبر أخبار حسان ولإبراهيم بن المدبر أخيه مع صاحب الزنج أخبار حين أسره.

مع طفيلي

قال المسعودي فمن أخبار أحمد بن المدبر المستحسنة مما دَوَّنَهَا الناسُ في أخبار الطفيليين أن أحمد كان قليل الجلوس للمنادمة، وكان له سبعة ندماء لا يأنس بغيرهم، ولا ينبسط إلى سواهم قد اصطفاهم لعشرته، وأخذهم لمنادمته كل رجل منهم قد انفرد بنوع من العلم لا يساويه فيه غيره، وكان طفيلي يعرف بابن دَرَّاج من أكمل الناس

أدباً، وأخفهم ،روحاً، وأشدهم في كل مليحة افتناناً، فلم يزل يحتال إلى أن عرف وقت جلوس أحمد بن المدبر للندماء، فتزيَّا في زي ندمائه ودخل في جملتهم، وظن حاجبه أن ذلك بعلم من صاحبه ومعرفة من أولئك الندماء، ولم ينكر شيئاً من حاله وخرج أحمد بن المدبر فنظر إليه بين القوم، فقال لحاجبه : اذهب إلى ذلك الرجل فقل له : ألك حاجة؟ فسقط في يد الحاجب وعلم أن الحيلة قد تمت عليه، وأن ابن المدبر لا يرضى في عقوبته إلا بقتله فمر وهو يجرُّ ،برجليه فقال له : الأستاذ يقول لك : ألك حاجة؟ فقال : قل له لا فقال له : ارجع إليه فقل له : ما جُلُوسُكَ؟ فقال : الساعة جلسنا يا بغيض ، فقال : ارجع إليه فقل له : أي شيء أنت ؟ فقال : قل له طفيلي يرحمك الله ، فقال له ابن المدبر : أنت طفيلي؟ قال : نعم أعزك الله قال : إن الطفيلي يُحْتَمل على دخوله بيوت الناس وإفساده عليهم ما يريدونه من الخلوة بندمائهم والخوض في أسرارهم الخصال : منها أن يكون لاعباً بالشطرنج أو بالنرد أو ضارباً بالعود أو الطنبور، فقال: أيدك الله أنا أحسن هذه الأشياء كلها ، قال : وفي أي وظيفة أنت منها؟ قال : في العُلْيا من جميعها، قال لبعض ندمائه : لاعبه بالشطرنج فقال الطفيلي: أصلح الله الأستاذ فإن قُمِرْتُ؟ قال : أخرجناك من ديارنا ، قال : فإن قَمَرْتُ ؟ قال : أعطيناك ألف درهم، قال : فإن رأيت أيدك الله أن تحضر الألف درهم فإن في حضورها قوة للنفس والإيقان بالظَّفَرِ، فأحضرت فلعبا فغلب الطفيلي ومد يده ليأخذ الدراهم فقال الحاجب لينفي عن نفسه بعض ما وقع فيه : أعزك الله إنه زعم أنه في الطبقة العليا، وابن فلان غلامك يغلبه، فأحضر الغلام فغلب الطفيلي، فقال له انصرف فقال أحضروا النرد فأحضرت فلوعب ،فَغَلَبَ، فقال الحاجب ولا هذا يا سيدي في الطبقة العليا من النرد ولكن بوابنا فلان يغلبه، فأحضر البواب، فغلب الطفيلي، فقال له اخرج فقال : يا سيدي فالعود فأتي بالعود، فضرب فأصاب، وغنى فأطرب ، فقال :الحاجب : يا سيدي في جوارنا شيخ هاشمي يُعَلِّم القيان أخذَقُ منه ، فأحضر الشيخ فكان أطرب منه ، فقال له : اخرج ، فقال : فالطنبور، فأعطي طنبوراً فضرب ضرباً لم ير الناس أحسن منه، وغنى غناء في النهاية، فقال الحاجب : أعز الله الأستاذ فلان المحتكر في جوارنا أخذَقُ فأحضر المحتكر فكان أحذق منه وأطيب فقال له ابن المدبر : قد تقصينا لك بكل جهد فأبت حرفتك إلا طردك من منزلنا فقال يا سيدي بقيت معي بابة حسنة، قال: ما هي؟ قال : تأمر لي بقوس بندق مع خمسين بندقة رصاص، ويقام هذا الحاجب على أربع وأرميه في دبره بهن [ جميعاً] وإن أخطأت بواحدة منهن ضربت رقبتي، فضج الحاجب من ذلك، ووجد ابن المدبر في ذلك شفاء لنفسه وعقوبة ومكافأة له على ما فَرَطَ منه في إدخال الطفيلي إلى مجلسه، فأمر بإكافين فأحضرا وجعل أحدهما فوق الآخر وشُدَّ الحاجب فوقهما، وأمر

بالقوس والبندق فدفع إلى الطفيلي، فرمى به فما أخطأه، وخلى عن الحاجب وهو يتأوه لما به ،فقال له الطفيلي: أعلى باب الأستاذ من يحسن مثل هذا ؟ فقال : يا قرْنَان ما دام البرجاس استي فلا!

وللطفيليين أخبار حسان مثل خبر بنان الطفيلي مع المتوكل في اللوزينج، وما ابتدأ من العدد من الواحد إلى ما فوقه من القرآن ولغيره منهم ما قد أتينا على ذكره في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، على الشرح والتمام والكمال، وإنما نورد في هذا الكتاب لمعاً مما لم يتقدم له ذكر فيما سلف من كتبنا في هذا المعنى.

سيرة المهتدي

وقد كان المهتدي بالله ذهب في أمره إلى القصد والدين فقرَّب العلماء، ورفع من منازل الفقهاء وعمهم ،ببره، وكان يقول : يا بني هاشم، دعوني حتى أسلك مسلك عمر بن عبد العزيز فأكون فيكم مثل عمر بن عبد العزيز في بني أمية، وقلل من اللباس والفرش والمطعم والمشرب، وأمر بإخراج آنية الذهب والفضة من الخزائن فكسرت وضربت دنانير ودراهم وعمد إلى الصور التي كانت في المجالس فمحيت، وذَبَحَ الكباش التي كان يُناطَحُ بها بين يدي الخلفاء والديوك وقتل السباع المحبوسة، ورفع بسُط الديباج وكل فرش لم ترد الشريعة بإباحته وكانت الخلفاء قبله تنفق على موائدها في كل يوم عشرة آلاف درهم، فأزال ذلك وجعل لمائدته وسائر مؤنه في كل يوم نحو مائة ،درهم، وكان يواصل الصيام.

وقيل : إنه لما قتل استخرج رحله من الموضع الذي كان يأوي إليه، فأصيب له سفط مقفل، فتوهموا أن فيه مالاً أو جوهراً ، فلما فتح وجد فيه جبة صوف وغل، وقيل: جبة شعر، فسألوا من كان يخدمه فقال : كان إذا جَنَّ الليل لبسها وغل نفسه، وكان يركع ويسجد إلى أن يدركه الصباح وإنه كان ينام من الليل ساعة من بعد العشاء الآخرة ثم يقوم، وإنه سمعه بعض من كان يأنس إليه قبل أن يقتل وقد صلى المغرب وقد دنا من إفطاره وهو يقول : اللهم إنه قد صَحَّ عن نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال : ثلاثة لا تحجب لهم دعوة عن الله دعوة الإمام العادل، وقد أجهدت نفسي في العدل على رعيتي، ودعوة المظلوم، وأنا مظلوم، ودعوة الصائم حتى يفطر، وأنا صائم، وجعل يدعو عليهم وأن يكفى شرهم.

طرف من القول بخلق القرآن

وذكر صالح بن علي الهاشمي قال : حضرت يوماً من الأيام جلوس المهتدي

للمظالم، فرأيت من سهولة الوصول إليه ونفوذ الكُتب عنه إلى النواحي فيما يتظلم به إليه ما استحسنته، فأقبلت أرْمُقُهُ ببصري إذا نظر في القصص، فإذا رفع طرفه إليَّ أطرقْتُ، فكأنه

علم ما في نفسي، فقال لي: يا صالح، أحْسَبُ أن في نفسك شيئاً تحب أن تذكره قلت : نعم يا أمير المؤمنين، فأمسك، فلما فرغ من جلوسه أمرني أن لا أبرح ونهض فجلست جلوساً طويلا، ثم دعاني فدخلت إليه وهو على حصير الصلاة فقال لي: يا ،صالح ، أتحدثني بما في نفسك أو أحدثك به؟ قلت :بل هو من أمير المؤمنين أحسن، فقال: كأني بك قداستحسنت ما رأيت من مجلسنا فقلت: أي خليفة إن لم يكن يقول ، بخلق القرآن فقلت نعم فقال : قد كنت على ذلك برهة من الدهر حتى أقدم على الواثق شيخ من أهل الفقه والحديث من أهل أذنة من الثغر الشامي مقيد طُوَال، حسن الهيئة ، فسلم عليه غير هائب، ودعا فأوجز، فرأيت الحياء منه في حماليق عين الواثق والرحمة له فقال له : يا شيخ أجب أبا عبد الله أحمد بن أبي دؤاد فيما يسألك عنه، فقال : يا أمير المؤمنين، أحمد يقل ويضعف عن المناظرة فرأيت الواثق قد صار في مكان الرقة والرحمة له غضباً ، فقال له : أبو عبد الله يضعف عن المناظرة؟ فقال له : هَوِّنْ عليك يا أمير المؤمنين أتأذن في كلامه ؟ فقال له الواثق : قد أذنت لك ، فأقبل الشيخ على أحمد فقال له يا أحمد ماذا دعوت الناس إليه ؟ فقال : إلى القول بخلق القرآن فقال الشيخ : مقالتك هذه التي دَعَوْتَ الناس إليها من القول بخلق القرآن، داخلة في الدين فلا يكون الدين تاماً إلا بالقول بها ؟ قال : نعم، قال الشيخ : رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)دعا الناس إليها أو تركهم؟ قال : تركهم قال فعلمها رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)أو لم يَعْلَمْهَا؟ قال : علمها ، قال : فلم دعوت الناس إلى ما لم يَدْعُهم إليه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) وتَرَكَهم منه؟ فأمسك أحمد، فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين هذه واحدة، ثم قال له بعد ساعة : يا أحمد، قال الله في كتابه العزيز :الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة : 3] فقلت أنت : لا يكون الدين تاماً إلا بمقالتكم بخلق القرآن فالله أصدق في إكماله وإتمامه أو أنت في نقصانك؟ فأمسك، قال الشيخ : يا أمير المؤمنين وهذه ثانية، ثم قال له بعد ساعة : أخبرني يا أحمد عن قول الله عز وجل في كتابه :يَنَايُّهَا الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ [المائدة: 67] الآية فمقالتك هذه التي دعوت الناس إليها مما بلغه الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) للأمة أم لا ؟ فأمسك ، فقال الشيخ يا أمير المؤمنين وهذه ثالثة، ثم قال بعد ساعة : أخبرني يا أحمد لما علم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)من مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها وإلى القول بها من خلق القرآن أوَسِعَهُ أن أمْسَكَ عنهم أم لا ؟ قال أحمد : بل اتسع له ذلك، فقال : وكذلك لأبي بكر وعمر، وكذلك لعثمان وكذلك لعلي ، رضي الله عنهم ! قال : نعم، فصرف وجهه إلى الواثق وقال يا أمير المؤمنين إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول

الله(صلی الله علیه وآله وسلم) والأصحابه فلا وَسَّع الله علينا، فقال الواثق : نعم لا وَسَّعَ الله علينا إن لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، و لأصحابه، ثم قال الواثق : اقطعوا قيده، فلما فكوا قيده [عنه] جاذب عليه فقال الواثق : دعوه، ثم قال للشيخ : لم جاذبت عليه ؟ قال : لأني عقدت في نيتي أن أجاذب عليه، فإذا أخذته أوصيت أن يجعل بين كفني وبدني حتى أقول : يا رب، سَلْ عبدك هذا لم قَيَّدَنِي ظلماً وأراع في أهلي فبكى الواثق، وبكى الشيخ وكل من حضر، ثم قال له الواثق يا شيخ، اجعلني في حِل ، فقال : يا أمير المؤمنين، ما خرجت من منزلي حتى جعلتك في حل إعظاماً لرسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)[و] القرابتك منه ، [ و ] لقرابتك منه ، فتهلل وجه الواثق وسره ، ثم قال له : أقم عندي أنس بك ، فقال : مكاني في ذلك الثغر أنفع ، أنا شيخ كبير ولي حاجة ، قال : سَل ما بدا لك ، قال : يأذن أمير المؤمنين لي في الرجوع إلى الموضع الذي أخرجَنِي منه هذا الظالم قال : قد أذنت لك، وأمر له بجائزة، فلم يقبلها، فرجعت من ذلك الوقت [ عن تلك المقالة]. وأحسب أن الواثق رَجَعَ عنها.

قال : وعرض على المهتدي يوماً دفاتر خزائن الكتب، فإذا على ظهر كتاب منها هذه الأبيات قالها المعتز بالله وكتبها بخطه وهي:

اني عرفت علاج الطب من وَجَعِي*** وما عرفت علاج الحُبِّ والخدع

جزعت للحب، والحمى صبرت لها*** إني لأعجب من صبري ومن جزعي

مَنْ كان يشغله عن الفه وجع*** فليس يشغلني عن حُبِّكُم وجعي

وما أَمَل حبيبي، ليتني أبداً*** مع الحبيب، وَيَا لَيْتَ الحبيب معي

فقطبَ وجه المهتدي بالله وقال : حَدَث وسلطان الشباب، وكان المهتدي كثيراً ما ينشد البيت الأول من هذا الشعر .

خبر نوف عن علي بن أبي طالب

وذكر محمد بن علي الربعي . وكان ممن يكثر ملازمة المهتدي وكان حسن المجلس، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم . قال : كنت أبايتُ في الليالي المهتدي] فقال لي ذات ليلة : أتعرف خبر نوف الذي حكاه عن عليّ بن أبي طالب حين كان يُبايته ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ذكر نوف قال : رأيت عليا رضي الله عنه [ليلة] قد أكثر الخروج والدخول والنظر إلى السماء، ثم قال لي يا نوف أنائم أنت؟ قال : قلت : بل رامِقٌ[ أرمق] بعيني منذ الليلة يا أمير المؤمنين فقال لي يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، أولئك قوم اتخذوا أرض الله بساطاً وترابها ثياباً، وماءها طيباً، والكتاب شعاراً، والدعاء دثاراً، ثم قرضوا الدنيا قرضاً على منهاج المسيح عيسى ابن

مريم(عليه السلام)، يا نوف، إن الله تعالى أوحى إلى عبده عيسى(عليه السلام)أنْ قُلْ لبني إسرائيل ألا يدخلوا إليَّ إلا بقلوب وَجِلَة ، وأبصار خاشعة، وأكف نقية، وَأَعْلِمْهُمْ أني لا أجيب لأحد منهم دعوة ولأحَدٍ من خلقي قِبَلَهم مَظْلمة . قال محمد بن علي الربعي : فوالله لقد كتب المهتدي هذا الخبر بخطه، وقد كنت أسمعه في جوف الليل وقد خلا بربه في بيت كان لخلوته وهو يبكي ويقول يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، ويمرُّ في الخبر إلى آخره إلى أن كان من أمره ما كان من الأتراك وقتلهم إياه .

علة حب الدنيا

قال محمد بن علي : قلت للمهتدي ذات يوم . وقد خَلَوْت به، وقد أكثرنا من ذكر آفات الدنيا ومَنْ رَغِبَ فيها، ومن انحرف عنها [وزهد فيها]: يا أمير المؤمنين ما للإنسان العاقل المميز مع علمه بجميع آفات الدنيا وسرعة انتقالها وزوالها وغرورها لطلابها يحبها ويأنس إليها ؟ قال المهتدي : حُقَّ ذلك له، منها خُلق فهي أمه، وفيها نشأ فهي عَيْشُه ومنها قدر رزقه فهي حياته، وفيها يعاد فهي كِفَاتُه ، وفيها اكتسب الجنة فهي مبدأ سعادته والدنيا ممر الصالحين إلى الجنة، فكيف لا يحب طريقاً تأخذ بسالكها إلى الجنة في نعيم مقيم خالداً

[مخلداً] إن كان من أهلها ؟ !

وقيل : إن هذا الكلام في جواب علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم،

[و] أجاب به سائلا سأله عن ذلك، وهو مأخوذ من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين مدح الدنيا وذم الذام لها على حسب ما قَدَّمنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب ذكر زهده وأخباره.

خروج صاحب الزنج بالبصرة

قال المسعودي: وكان خروج صاحب الزنج بالبصرة في خلافة المهتدي، وذلك في سنة خمس وخمسين ومائتين، وكان يزعم أنه علي بن [محمد بن] أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأكْثَرُ الناس يقول : إنه دَعِيُّ آل أبي طالب ينكرونه] وكان من أهل قرية من أعمال الري يقال لها ،ورزنين، وظهر من فعله ما دلّ على تصديق ما رمي به [من]أنه كان يرى رأي الأزارقة من الخوارج ؛ لأن أفعاله في قتل النساء والأطفال وغيرهم من الشيخ الفاني وغيره ممن لا يستحق القتل يشهد بذلك، عليه، وله خطبة يقول في أولها الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، ألا لا حكم إلا لله ، وكان يرى الذنوب كلها شركاً، وكان أنصاره الزنج، وكان ظهوره ببئر نخل بين مدينة الفتح وكرخ البصرة في ليلة الخميس لثلاث بَقِينَ من شهر رمضان سنة

خمس وخمسين ومائتين [ وغلب على البصرة في سنة سبع وخمسين ومائتين]، وقتل ليلة

السبت لليلتين خَلَتَا من صفر سنة سبعين ومائتين، وذلك في خلافة المعتمد على الله، وقد صنف الناسُ في أخباره وحروبه وما كان من أمره كتباً كثيرة، وكان أول من صنف أخباره وما كان من بَدْءِ أمره ووقوعه إلى بلاد البحرين وما كان من خبره مع الأعراب محمد بن الحسن بن سهل ابن [أخي ذي الرياستين الفضل بن سهل صاحب المأمون، وهو الرجل الذي كان من أمره مع المعتضد بالله ما قد ذكرناه واشتهر قبل ذلك في الناس وما كان من أمره إلى أن جعله كَدَجَاج على النار وجِلْدُهُ ينتفخ ويتقرقع .

وقد ذكر الناس صاحب الزنج في أخبار المبيضة وكتبهم، وقد أتينا على جميع خبره وَبَدْءِ خبر البلالية والسعدية بالبصرة في الكتاب الأوسط، فأغني ذلك عن إعادته، و سنورد في هذا الكتاب في الموضع المستحق له لمعاً من ذكره، وما كان من أمره في مقتله .

عمرو بن بحر الجاحظ

قال المسعودي: وفي هذه السنة [وهي] سنة خمس وخمسين ومائتين، وقيل: سنة ست وخمسين ومائتين كانت وفاة عمرو بن بحر الجاحظ بالبصرة في المحرم ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتباً منه مع قوله بالعثمانية، وقد كان أبو الحسن المدائني كثير الكتب إلا أن أبا الحسن المدائني كان يؤدي ما سمع، وكتب الجاحظ . مع انحرافه المشهور . تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان، لأنه نظمها أحْسَنَ نظم، ورصفها أحسن رصف وكساها من كلامه أجْزَلَ لفظ، وكان إذا تخوَّفَ مَلَلَ القارىء وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة، وله كتب حسان منها كتاب البيان والتبيين، وهو أشرفها، لأنه جمع فيه بين المنثور والمنظوم، وغُرَر الأشعار، ومستحسن الأخبار، وبليغ الخطب، ما لو اقتصر عليه مقتصر [عليه] لاكتفى به وكتاب الحيوان، وكتاب الطفيليين، وكتاب البخلاء وسائر كتبه في نهاية الكمال، مما لم يقصد منها إلى نصب ولا إلى دفع حق، ولا يُعْلَم ممن سلف وخلف من المعتزلة أفصح منه ، وكان غُلَامَ إبراهيم بن سَيَّار النظام، وعنه أخذ، ومنه تَعلّم.

و حدث يموت بن المزرع . وكان الجاحظ خاله . قال : دخل إلى خالي أناسٌ من البصرة من أصدقائه في العلة التي مات فيها، فسألوه عن حاله ، فقال : عليل من مكانين : من الأسقام والدَّيْنِ ثم قال أنا في هذه العلة المتناقضة التي بتخوف من بعضها التلف وأعظمها نيف وسبعون سنة، يعني عمره.

قال يموت بن المزرع وكان يَطْلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور لشدة حرارته ، والنصف الآخر لو قُرض بالمقاريض ما شعر به من خدره وبرده .

قال ابن المزرع: وسمعته يقول : رأيت [بالبصرة] رجلا يروح ويغدو في حوائج الناس، فقلت له : قد أتعبت بذلك ،بدنك، وأخلقت ثيابك، وأعجفْتَ بِرْذَوْنك، وقتلت غلامك، فما لك راحة ،ولا ،قَرَار فلو اقتصدت بعض الاقتصاد قال : سمعت تغريد الأطيار في الأسحار ، في أعالي الأشجار، وسمعت محسنات القيان على الأوتار] فما طربت طربي لنغمة شاكر أوليته معروفاً أو سعيت له في حاجة .

يموت بن المزرع

وكان يموت لا يعود مريضاً خوفاً من أن يتطير باسمه وله أخبار حسان، وأشعار جياد، وقد كان سكن طبرية من بلاد الأردن من الشام فمات بها، وذلك بعد الثلاثمائة ، وكان من أهل العلم والنظر والمعرفة والجدل وله ولد يقال له مهلهل بن يموت بن المزرع، وهو شاعر مجيد من شعراء هذا الوقت، وهو سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وفيه يقول أبوه يموت بن المزرع:

مهلهل قد حَلَبْتُ شُطُور دهر*** فكافحني بها الزمنُ العنوت

وجاريت الرجال بكل ربع*** فأذعن لي الحثالة والرتوت

فأوجع ما أجن عليه قلبي*** كَرِيمٌ عَضَه زمن عتوت

كفى حزناً بِضَيْعَة ذي قديم*** وأبناء العبيد لها التخوت

وقد أَسْهَرْتُ عيني بعد غَمْضِ*** مَخَافَة أن تَضِيعَ إذا فَنِيتُ

وفي لطف المهيمن لي عَزاء*** بمثلك إن فنيت وإن بقيتُ

وإن يشتد عظمك بعد موتي*** فلا تقطعك جائحة سنوت

وقل: بالعلم كان أبي جَوَاداً*** يقال: ومن أبوك؟ فقل: يموت

تُقِرّ لك الأباعد والأداني*** بعلم ليس يجحده البهوت

وللمهتدي أخبار حسان قد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا، والله ولي التوفيق .

ذكر خلافة المعتمد على الله

موجز

وبويع المعتمد أحمد بن جعفر المتوكل يوم الثلاثاء لأرْبَعَ عَشْرَةَ ليلةً بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين وهو ابن خمس وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس وأُمه أم ولد كوفية يقال لها فتيان ومات في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وهو ابن ثمان وأربعين سنة، فكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة .

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

وزراؤه

ولما أفْضَتِ الخلافة إلى المعتمد على الله استوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان [وزير المتوكل، فلما مات عبيد الله ] استوزر الحسن بن مخلد ثم صارت الوزارة إلى سليمان بن وهب ثم صارت إلى صاعد .

حرب صاحب الزنج

وخلع المعتمد على أخيه أبي أحمد الموفق وعلى مفلح ، يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين وأشخصهما إلى البصرة لمحاربة صاحب الزنج، فأوقع مفلح التركي بصاحب الزنج يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين ومائتين، فأصاب مفلحاً سهم في صُدْغِه ، فأصبح يوم الأربعاء ميتاً، وحمل إلى سامرا فدفن بها، وانصرف أبو أحمد عن محاربة صاحب الزنج.

الإمام الثاني عشر

وفي سنة ستين ومائتين قبض أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)في خلافة المعتمد، وهو ابن تسع وعشرين سنة، وهو أبو المهدي المنتظر، والإمام الثاني عشر عند القطعية من الإمامية، وهم جمهور الشيعة وقد تنازع هؤلاء في المنتظر من آل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) بعد وفاة الحسن بن علي وافترقوا على عشرين فرقة، وقد ذكرنا حِجَاجَ كل طائفة منهم لما اجتبته لنفسها واختارته لمذهبها في كتابنا المترجم به سر الحياة وفي كتاب:«المقالات » في أصول الديانات وما ذهبوا إليه من الغيبة وغير ذلك .

وقد كان المهتدي سير بقبيحة أم المعتز وعبد الله بن المعتز وإسماعيل بن المتوكل وطلحة بن المتوكل وعبد الوهاب بن المنتصر إلى مكة، فلما أفْضَتِ الخلافة إلى المعتمد بعث بحملهم إلى سامرا .

يعقوب الصفار

وفي سنة اثنتين وستين ومائتين كان مسير يعقوب بن الليث الصفار نحو العراق في جيوش عظيمة، فلما نزل دير العاقول على شاطىء دِجْلَة بين واسط وبغداد، وقد أتينا في كتابنا

«أخبار الزمان» على بَدء خبر يعقوب بن الليث ببلاد سجستان، وكونه في حال صغره صفاراً، وخروجه من مطوعة سجستان إلى حرب الشراة واتصاله بدرهم بن نصر، وخبر شادرق مدينة الشراة مما يلي بلاد سجستان المعروفة، بأوق، وترقي الأمر بيعقوب إلى أن كان من أمره ودخوله بلاد زابلستان . وهي بلاد فيروز بن كبك ملك زابلستان . وما كان من أمره مع رسول ملك الهند على جسر بسط ودخوله بلاد هَرَاةَ ثم بلخ، وإعماله الحيلة إلى أن دخل بلاد نيسابور، وقبضه على محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين ثم دخوله إلى بلاد طبرستان ومواقعته الحسن بن زيد الحسني، مع ما قدمنا قبل وصفنا من خبر حمزة بن أدرك الخارجي، وما كان من أمره في أيام عبد الله بن طاهر، وإليه تضاف الحمزية من الخوارج، وانتهينا بأخبار يعقوب بن الليث من بدئه إلى غايته ووفاته ببلاد جندي سابور من كُورِ الأهواز .

فلما نزل يعقوب بن الليث دير العاقول خرج المعتمد فعسكر يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخر سنة اثنتين وستين ومائتين في الموضع المعروف بالقائم بسامرا، واستخلف ابنه المفوض، ووصل المعتمد إلى سيب بني كوما يوم الخميس لخمس خلون من رجب من هذه السنة، فواقع الصفار يوم الأحد لتسع خلون من رجب من السنة في الموضع المعروف باضطربد بين السيب ودير العاقول فهزم الصفار، واستباح عسكره وأخذ من أصحابه نحو عشرة آلاف رأس من الدواب، وذلك أنه فجر عليه النهر المعروف بالسيب، فغشي الماء الصحراء، وعلم الصفار أن الحيلة قد توجهت عليه، وقد كان حمل على أصحاب السلطان في ذلك اليوم بِضْعَ عشرَةَ حملة، وغرق إبراهيم بن سيما، وقتل بيده خلقاً كثيراً، وطعن محمد بن أوتاش التركي وكان يتوهم أنه خادم، وقال لأصحابه : ما رأيت في عسكرهم مثل هذا الخادم وقد كان الصفار في هذا اليوم قصد الميمنة . وكان عليها موسى بن بُغَا . وقتل خلقاً كثيراً من الناس منهم المغربي المعروف بالمبرقع، ونجا الصفار بنفسه والخواص من أوليائه واتبعه جيش المعتمد وأهل القرى والسواد، فغنم الأكثر من ماله الله وعدده واستنقذ محمد بن طاهر بن عبد بن طاهر، وكان مقيداً، كان أسره من نيسابور على ما قدمنا ومعه علي بن الحسين من قريش، وأتى الموفق . وكان في القلب . محمد بن طاهر فَفَكَ قيوده وخلع عليه، ورده إلى مرتبته . وقيل : إن السبب في هزيمة الصفار في ذلك اليوم . مع ما ذكرنا من فجر النهر وارتطام

الخيول فيه . أن نصيراً الديلمي مولى سعيد بن صالح الحاجب كان في الشذوات في بطن دجلة، فوافى مؤخر عسكر الصفار وسواده فخرج من الشذوات فطرح النار في الإبل والبغال والحمير] والخيول وكان في عسكره خمسة آلاف جمل بختي من جمازيات وغيرها؛ فتفرقت الإبل في العسكر، وشردت البغال والخيل واضطرب الناس في مصاف الصفار لما سمعوه ورأوه في عسكره وسواده من ورائهم، فكانت الهزيمة على الصفار بما ذكرنا، ويقال : إن يعقوب بن الليث قال في سفرته هذه أبياتاً، وفي مسيره، وأنه خرج منكراً على المعتمد ومن معه من الموالي إضاعَتَهُمُ الدين، وإهمالهم أمر صاحب الزنج، فقال:

خراسان أحويها وأعمال فارس*** وما أنا من ملك العراق بآيس

إذا ما أمور الدين ضاعت وأهملت*** ورَثَتْ فصارت كالرسوم الدوارس

خرجتُ بعون الله يمناً ونصرة*** وصاحب رايات الهدى غير حارس

وكانت وفاة الصفار يوم الثلاثاء لسبع بقين من شوال سنة خمس وستين ومائتين، على ما ذكرنا بجندي سابور .

وخلف في بيت ماله خمسين ألف ألف درهم وثمانمائة ألف دينار، وخلفه أخوه عمرو بن الليث مكانه .

سياسة الصفار

وكانت سياسة يعقوب بن الليث لمن معه من الجيوش سياسة لم يسمع بمثلها فيمن سلف من الملوك في الأمم الغابرة من الفرس وغيرهم ممن سلف وخلف، وحسن انقيادهم لأمره، واستقامتهم على طاعته لما كان قد شملهم من إحسانه وغمرهم من بره، وملأ قلوبهم من هيبته.

طاعة أتباعه له

فما ذكر من [ ظهور ] طاعتهم له أنه كان بأرض فارس، وقد أباح الناس أن يرتعوا، ثم حدث أمر أراد النقلة والرحيل من تلك الكورة فنادى مناديه بقطع الدواب عن الرتع ، وأنه رؤي رجل من أصحابه قد أسرع إلى دابته والحشيش في فمها، فأخرجه من فيها مخافة أن تلوكه بعد سماعه النداء، وأقبل على الدابة مخاطباً فقال بالفارسية: أمير المؤمنين دوابر أزتر بريدند وتفسير ذلك : اقطعوا الدواب عن الرطبة، وأنه رؤي في عسكره في ذلك الوقت رجل من قواده ذو مرتبة والدرع الحديد على بدنه لا ثوب بينه وبين بشرته، فقيل له في ذلك، فقال : نادى منادي الأمير البسوا السلاح، وكنت

[ عرياناً] أغتسل من جنابة، فلم يسعني التشاغل بلبس الثياب عن السلاح، وكان الرجل إذا أتاه راغباً في خدمته مؤثراً للانقطاع إليه تفرّسَ فيه فإذا أعجبه منظره امتحن خبره واستبرأ ما عنده من رمي أو طعام أو غير ذلك من ثقافة، فإذا رأى منه ما يعجبه سأله عن خبره وحاله، ومن أين أقبل ، ومع من كان، فإذا وافقه ما سمعه منه قال له : اصدقني عما معك من المال والمتاع والسلاح، فيقف على جميع ما معه، ثم يبعث أناساً قد رتبوا لذلك، فيبيعون جميع ذلك، ويجعلونه عيناً أو وَرقاً، ويدفع إليه، ويثبت في الديوان، ثم تزيح علله في اللباس والسلاح والمأكل والمشرب والدواب والبغال والحمير من إصطبله، حتى لا يفقد الرجل جميع ما يحتاج إليه من أمره على قدر مكانه ومرتبته، فإن نقم عليه بعد ذلك ،مذهبه، ولم يرض اختياره، سلبه جميع ما أنعم به عليه، حتى يخرج من عسكره نحو ما دخل إليه، محتملاً بما معه من ذلك العين والوَرِق ، إلا أن يكون ذلك الرجل معتضداً، فيصير له فضل من أرزاقه، فلا يمنعه ما كان له من متقدم ماله، وكانت جميع دوابه ملكاً له وإن أعلافها من قبله ولها ساسة ووكلاء يقومون بأمرها، إلا خصوص دوابهم التي تكون عندهم إلا أن ملكها له، واتخذ لنفسه عريشاً من خشب يشبه السرير، حيثما توجه من مسيره فيكثر الجلوس عليه ويشرف منه على أهل معسكره وعلى قضيم دوايه، ويرمق الخلل من وكلائه ، فإذا رأى شيئاً يكرهه بادر بتغييره، وقد كان انتخب من أصحابه ألف رجل على اختيار لهم والغني الظاهر منهم، والنكاية في حروبهم، فجعلهم أصحاب الأعمدة الذهب كل عمود منها فيه ألف مثقال من الذهب ،ثم يليهم في اللباس والغنى فوج ثان هم أصحاب الأعمدة الفضة، فإذا كان في الأعياد، أو في الأيام التي يحتاج فيها إلى مباهاة الأعداء والاحتفال، دفع إليهم تلك الأعمدة، وإنما ضربت هذه الأعمدة عُدَّة للنوائب.

وسئل بعض ثقاته ممن ممن ينظر حاله ، اشتغاله في خلواته، وعن مجالسته مع أهل بطانته، وهل يسمر مع أحد أو يجالسه، فذكر أنه لا يطلع أحداً على سره، ولا يعرف أحد بتدبيره وعزمه، وأكثر نهاره خالياً بنفسه يفكر فيما يريده، ويظهر غير ما يضمره، ولا يشرك أحد فيما يدبره برأي ولا غيره، وإن تفرجه واشتغاله بغلمان صغار يتخذهم، ويؤدبهم، ويُخَرِّجهم ، ويدعوهم ، ويدفع لهم ما قد عمله لهم من السيور يتضاربون بها بين يديه، ففي هذا أكثر شغله إذا فرغ من تدبيره.

ولما واقع الصفار الحسن بن زيد الحسني بطبرستان . وذلك في سنة ستين ومائتين، وقيل : سنة تسع وخمسين ومائتين . وانكشف الحسن بن زيد وأمعن يعقوب في الطلب، وكانت معه رسل السلطان قد قصدوه بكتب ورسالة من المعتمد، وهم راجعون من طلب

الحسن بن زيد قال له بعضهم لما رأى من طاعة رجاله وما كان منهم في تلك الحرب : ما رأيت أيها الأمير كاليوم قال له الصفار وأعجب منه ما أريك إياه، ثم قربوا من الموضع الذي كان فيه عسكر الحسن بن زيد فوجدوا البدر والكراع والسلاح والعدد ،وجميع ما خلف في العسكر حين الهزيمة على حاله لم يلتبس أحد من أصحابه منه بشيء، ولا دنوا إليه معسكرين بالقرب منه من حيث يرونه بالموضع الذي خلفهم فيه الصفار، فقال له الرسول : هذه سياسة ورياضة راضهم الأمير بها إلى أن تأتي له منهم ما أراده .

وكان لا يجلس إلا على قطعة مسح يشبه أن يكون طوله سبعة أشبار في عرض ذراعين أو أرجح، وإلى جانبه ترسه وعليه اتكاؤه، وليس في مضربه شيء غيره، فإذا أراد أن ينام من ليله أو نهاره اضطجع على ترسه ونزع راية فيجعلها مخدته، وأكثر لباسه خفتان مصبوغ فاختي .

وكان من سنته [أن] للقواد والرؤساء والعظماء عنده مراتب في الدخول بباب مضربه بحيث تقع عينه عليهم ، ويَرَى مداخلهم، فيمرون مع أطناب الشقاق إلى خيمة مضروبة، بحيث لا يرى هو موضعها ، لكنه يرى مداخلهم إليها، ومخرجهم منها، فمن احتاج إليه منهم واحتاج إلى كلامه أو أمره أو نهيه دعاه فأمره، وكان دخولهم بحيث يقع نظره عليهم عوضاً من السلام عليه، ولم يكن لأحد أن يتقدم إلى باب مجلسه إلا رجل من ،خواصه، يعرف بالعزيز، وإخوته، وله من وراء خيمته خيمة تقرب من أطناب مجلسه، فيها غلمان من خواصه، فإذا احتاج إلى أمر يأمر به صاح بهم، فخرجوا إليه، وإلا فهو في أكثر نهاره وليله في ذلك الموضع لا يقومون على رأسه، وخيمته من داخل أخبية مطنبة كلها يدور فيها خمسمائة غلام يبيتون من داخل مضربه على كل نفس منهم ،ثقة، قد وكل بتفقد أحواله، لئلا يكون منهم عبث أو فساد، فهو المأخوذ به، ويذبح له في كل يوم عشرون شاة، فتطبخ في خمس قدور من الصفر الكبار، وله قدور حجارة يتخذ له فيها بعض ما يشتهيه، وله أرزة في كل يوم وخبيصة وفالوذج مع القدور الخمس، وهي ألوان غليظة، فيأكل منها، ويفرق الباقي في الغلمان الذين في داخل مضربه، ثم أهل عسكره حول مضربه وقربهم منه على حسب مراتبهم عنده.

وقال بعض من ورد إليه برسالة السلطان: أيها الأمير أنت في رياستك ومجلسك ليس في خيمتك إلا سلاحك ومسح أنت عليه قال : إن رئيس القوم يأتم به أصحابه في ما يظهر من] أفعاله وسيرته، لو استعملت ما ذكرت من الأثاث، لأثقلنا البهائم ، ولأتم

بي في فعلي من في عسكري، ونحن نقطع في كل يوم المهامه والمفاوز والأودية والقيعان، ولا يصلح لنا إلا التخفيف.

وكان قليل الاستعمال للبغال في عسكره، وكان في عسكره خمسة آلاف جمل بُخْت وأضعاف عددها حمير شُهب ،كالبغال وهي شهب كالبغال وهي الحمير المعروفة بالصفارية، تحمل الأثقال عوضاً من البغال وكان السبب في ذلك أنه إذا نزل خليت الجمال والحمير للرعي، وليس في وسع البغال ذلك .

قال المسعودي : وليعقوب بن الليث الصفار وعمرو بن الليث أخيه، سير وسياسات عجيبة، وحيل ومكايد في الحروب، قد أتينا على ذكرها، وما انتظم لنا من وصفها، في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وإنما نذكر في هذا الكتاب منها لمعاً مما لم نعرض لذكره فيما سلف من كتبنا .

وفاة موسى بن بغا

وفي سنة أربع وستين ومائتين . وذلك في خلافة المعتمد . كانت وفاة موسى بن بُغَا، وفيه يقول بعض الشعراء، وكان قد امتدحه فلم يصله بشيء :

مات موسى فهان ذاك علينا*** لم يَضِرْني إذ قيل قد مات شيا

وكذا لا يضربني موتُ مَنْ لم*** يُسْدِ خيراً إليَّ إذ كان حيا

موت المزني

وفي هذه السنة . وهي سنة أربع وستين ومائتين . مات أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني صاحب المختصر من علم محمد بن إدريس الشافعي يوم الخميس، لست بقين من شهر ربيع الأول من هذه السنة، بمصر.

موت جماعة من أهل العلم

وفيها مات أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب ،صاحب مالك بن أنس، وقد روي عن عمه عبد الله بن وهب عن مالك .

وفيها مات يونس بن عبد الأعلى الصدفي بمصر، وهو ابن اثنتين وتسعين سنة.

وفيها مات أبو خالد يزيد بن سنان ،بمصر، وصلى عليه بكار بن قتيبة القاضي وشَخَصَ الموفق لمحاربة صاحب الزنج في صفر، سنة سبع وستين ومائتين، وقدم الموفق ابنه أبا العباس في ربيع الآخر إلى سوق الخميس، وقد كان الشعراني صاحب

العلوي قد تحصن بها في جمع كثير من الزنج، ففتح هذا الموضع، وغنم جميع ما كان فيه، وفتح مواضع كثيرة، وقتل من كان فيها من الزنج ، وسار الموفق إلى الأهواز فأصلح ما أفسده الزنج ، ثم عاد إلى البصرة، فلم يزل منازلا لصاحب الزنج حتى قتل، فكانت مدة أيامه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر، يقتل الصغير والكبير، والذكر والأنثى، ويحرق ويخرب، وقد كان أتى بالبصرة في وقعة واحدة على قتل ثلاثمائة ألف من الناس.

من أعمال المهلبي بالبصرة

وقد كان المهلبي من عِلية أصحاب علي بن محمد بعد هذه الوقعة بالبصرة، فنصب منبراً بالموضع المعروف بمقبرة بني يشكر، وكان يصلي يوم الجمعة بالناس، ويخطب على ذلك المنبر لعلي بن محمد، ويترحم بعد ذلك على أبي بكر وعمر، ولا يذكر عثمان ولا علياً في خطبته، ويلعن جبابرة بني العباس، وأبا موس الأشعري، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان على ما قدمنا من قوله في هذا الكتاب، وأنه كان يذهب إلى رأي الأزارقة من الخوارج.

ولما ركن مَنْ بقي بالبصرة إلى هذا الفعل من المهلبي بها اجتمعوا في بعض الجمع ، فوضع فيهم السيف ، فمن ناج سالم ومن مقتول، ومن غريق، واختفى كثير من الناس في الدور والآبار، فكانوا يظهرون بالليل فيأخذون الكلاب فيذبحونها ويأكلونها ، والفئران والسنانير فأفنوها حتى لم يقدروا منها على شيء، فكانوا إذا مات منهم الواحد أكلوه [ ويراعي بعضهم موت بعض، ومن قدر منهم على صاحبه قتله وأكله ] وعدموا مع ذلك الماء العذب.

وذكر عن امرأة منهم أنها حضرت امرأة تنازع ومعها ،أختها، وقد احتوشوها ينظرون أن تموت فيأكلوا لحمها قالت المرأة فما ماتت حتى ابتدرناها فقطعنا لحمها وأكلناها، ولقد حَضَرَتْ أختها وقد جاءت على النهر [ ونحن على مشرعة عيسى بن أبي حرب] وهي تبكي ومعها رأس أختها، فقيل لها ويحك !! ما لك تبكين؟ قالت : اجتمعوا على أختي فما تركوها تموت موتاً حسناً حتى قطعوها، فظلموني، فلم يُعْطُوني من لحمها شيئاً إلا رأسها هذا ، وهي تشتكي ظلمهم لها في أختها، ومثل هذا كثير، وأعظم مما وصفنا.

وبلغ من أمر عسكره أنه كان ينادي فيه على المرأة من ولد الحسن والحسين والعباس وغيرهم من ولد هاشم وقريش وغيرهم من سائر العرب وأبناء الناس، تباع الجارية منهم بالدرهمين ،والثلاثة وينادي عليها بنسبها : هذه ابنة فلان الفلاني، لكل زنجي منهم العشرة والعشرون والثلاثون : يطؤهن الزنج، ويخدمن النساء والزنجيات،

كما تخدم الوصائف، ولقد استغاثت إلى علي بن محمد امرأة من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب كانت [عند] بعض الزنج، وسألته أن ينقلها منه إلى غيره من الزنج أو يعتقها مما هي

فيه، فقال [لها]: هو مولاك وأولى بك من غيره .

وقد تكلم الناس في مقدار ما قتل في هذه السنين من الناس فمكثر ومقلل فأما المكثر فإنه يقول : أفنى من الناس ما لا يدركه العد[د]، ولا يقع عليه الإحصاء، ولا يعلم ذلك إلا عالم الغيب، فيما فَتَحَ من هذه الأمصار والبلدان والضياع وأباد [من] أهلها، والمقلل يقول : أفنى من الناس خمسمائة ألف نفر، وكلا الفريقين يقول في ذلك ظناً وحَدْساً، إذ كان شيئاً لا يدرك ولا يضبط .

وكان مقتله [على] ما بينا آنفاً سنة سبعين ومائتين، وذلك في خلافة المعتمد.

صاعد بن مخلد

وقد كان الموفق بعد ذلك وجه بصاعد بن مخلد في سنة اثنتين وسبعين ومائتين إلى حرب الصفار، فأمره على مَنْ معه من الجيوش، وشَيَّعه الموفق، فلما صار إلى بلاد فارس تجبر واشتدَّ سلطانه وانصرف من المدائن في بعض الأيام فاحتجم في خفة ورانة عليه، ونمي ذلك إلى الموفق وما هو عليه من التجبر، فقال في ذلك أبو محمد عبد الله بن الحسين بن سعد القطرُّ بليُّ الكاتب في قصيدة طويلة اقتصرنا منها على ما نذكره، وهو :

تكفهر لماطغى*** ودان بدين العجم

وأصبح في خفة *** وفي رانة محت

فأشخصه الموفق إلى واسط، فكان مدة مقامه في الوزارة سبع سنين إلى أن قبض عليه وعلى أخيه عبدون النصراني .

وماتت جارية لصاعد بعد حبسه ، وكانت الغالبة على أمره، وكان يقال لها جعفر، وماتت بعدها بأيام أم الموفق ؛ ففي ذلك يقول عبد الله بن الحسين بن سعد من أبيات له :

أخَذَتْ جعفر برأس القطار*** ثم قالت: آذنتکم بالبوار

فأجابت أم الأمير، وقالت:*** قد أتياك أول الزوار

وسيأتيك صاعد عن قريب ***كتبه للبلاء في الاستطار (1)

وأحصي ما وجد لصاعد من الرقيق والمتاع والكسوة والسلاح والآلات في خاصة نفسه، دون ما وجد لأخيه عبدون، فكان مبلغه ثلاثمائة ألف دينار، وكان مبلغ غَلّته في سائر ضياعه ألف ألف وثلاثمائة ألف .

ومات صاعد في الحبس، وذلك في سنة ست وسبعين ومائتين .

وفاة جماعة من الأعيان

وفي سنة سبعين ومائتين كانت وفاة [أبي سليمان داود بن علي الأصبهاني، الفقيه

ببغداد، وفيها مات أبو أيوب سليمان] بن وهب الكاتب، وأحمد بن طولون، وذلك بمصر يوم السبت لعشر خَلَوْنَ من ذي القعدة من سنة سبعين ومائتين، وله خمس وستون سنة .

أحمد بن طولون وابنه

وكانت ولاية أحمد بن طولون سبع عشرة سنة، وكان بين الظفر بصاحب الزنج ومرض أحمد بن طولون عشرة أشهر ، ولما يئس أحمد بن طولون نفسه من بايع لابنه أبي الجيش بالأمر من بعده، فلما توفي جَدَّدَ أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون العَهْدَ لنفسه .

وقعة الطواحين

ووجه الموفق ابنه أبا العباس لمحاربة أبي الجيش خمارويه في سنة إحدى وسبعين ومائتين، فكانت الوقعة بينهما بالطواحين من أعمال فلسطين يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال في هذه السنة فكانت الهزيمة على أبي الجيش، واحتوى أبو العباس على جميع عسكره، وأفلَتَ أبو الجيش في جماعة من قُوَّاده حتى أتى الفسطاط، وتخلف غلامه سعد الأعسر فواقع أبا العباس، فهزمه واستباح عسكره، وقتل رؤساء قُوَّاده، وجلّةً أصحابه، ومضى أبو العباس لا يلوي على شيء حتى أتى العراق، وقلد أبو الجيش أمر وزارته عَليَّ بن أحمد المادراني وأبو بكر محمد بن علي بن أحمد المادراني هو المعتقل في يد الإخشيد محمد بن طغج في هذا الوقت . وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . وقد كان على وزارته بمصر هو وولده الحسين بن ،محمد فلما استوزر الإخشيد أبا الحسن علي بن خلف بن طباب وانفصل من دمشق إلى الفسطاط قبض عليه وَعَلَى أخيه إبراهيم بن خلف واستوزر أبا الحسن محمد بن عبد الوهاب.

الربيع المرادي

وفي سنة سبعين ومائتين كانت وفاة الربيع بن سليمان المرادي، المؤذن، صاحب محمد بن إدريس الشافعي والراوي لأكثر كتبه عنه بمصر.

وأخبرنا أبو عبد الله الحسن بن مروان المصري وغيره عن الربيع بن سليمان قال : استعار الشافعي من محمد بن الحسن الكوفي شيئاً من كتبه، فلم يبعث بها إليه، فكتب إليه الشافعي :

یا قل لمن لم ترعيـ*** ـن من رآه مثله

من كان من قد راءه*** ماقد رأى مَنْ قبله

ومن كلامنا له*** حیث علقنا عقله

لأن ما یجنه*** فاق الكمال كلّه

العلم يَنْهى أهله ***أن يممنعوه أهله

لعله يبذل *** لأهله لعله

فبعث إليه محمد بن الحسن بأكثر كتبه التي سأل عنها.

المعتمد والموفق

وبايع المعتمد لابنه جعفر، وسماه المفوض إلى الله، وقد كان المعتمد أثر اللذة واعتكف على الملاهي، وغلب أخوه أبو أحمد الموفق على الأمور وتدبيرها، ثم حظر على المعتمد ،وحبسه فكان أول خليفة قهر [وحبس] وحجر عليه، ووكل به بفم الصلح، وقد كان قبل ذلك هرب وصار إلى حديثه الموصل، فبعث الموفق بصاعد إلى سامرا، وكتب إلى إسحاق بن كنداج فردَّه من [حديثه] الموصل.

خروج أحمد بن طولون

وفي سنة أربع وستين ومائتين كان خروج أحمد بن طولون من مصر مظهراً للغزو في عساكر كثيرة وخلق من المطوعة قد انجذبوا معه من مصر وفلسطين، فقبل وصوله إلى دمشق مات ماجور التركي بدمشق، وقد كان عليها، فدخلها أحمد، واحتوى على جميع تركته من الخزائن وغيرها، وسار منها إلى حمص وسار منها إلى بلاد أنطاكية، ووصلت مقدمته إلى بلاد الإسكندرية من شاطىء بحر الروم، ووصل هو إلى الموضع المعروف ببغراس من جبل اللكام، وقد تقدمته المطوعة والغزاة إلى الثغر الشامي، ثم عطف هو

راجعاً من غير أن يكون تقدم إلى الناس معرفة ذلك منه، حتى نزل مدينة أنطاكية، وفيها يومئذ سيما الطويل في عدة منيعة من الأتراك وغيرهم وقد قدمنا فيما تقدم من هذا الكتاب الخبر عن كيفية بناء أنطاكية وقصة سورها والملك الباني لها وصفة سورها في السهل والجبل. وقد كان قبل نزول أحمد بن طولون على أنطاكية وقع بين سيما وبين أحمد المؤيد حروب كثيرة ببلاد جند قنسرين والعواصم من أرض الشام، وكان سيما الطويل قد عم أذاه أهلها من قتل وأخذ مال وكان نزول ابن طولون على باب من أبوابها يعرف بباب فارس تلقاء السوق، وقد أحاطت عساكره بها ونزل غلامه المعروف بلؤلؤ على باب من أبوابها يعرف بباب] البحر، وقد كان لؤلؤ بعد ذلك انحدر إلى السلطان مستأمناً، فأتى الموفق وهو مُنازِل لصاحب الزنج، فكان من أمره وقتل صاحب الزنج ما قدمنا ذكره فيما سلف من كتبنا من وقوع المشاجرة بين أصحاب لؤلؤ وأصحاب الموفق كما قدمنا أيهم القاتل لصاحب الزنج، وكادت الحال أن تنفرج بينهم في ذلك اليوم حتى قيل في عسكر الموفق :

كيفما شئتم فقولوا *** إنما الفتح لِلُولُو

فكان ابن طولون على أنطاكية في آخر سنة أربع وستين ومائتين، وكان افتتاحه إياها في سنة خمس وستين ومائتين بالحيلة من داخلها من بعض أهلها بالليل وقد أخذوا بحراسهم سورها فتحدر بعضهم مما يلي الجبل وباب ،فارس فأتى ابن طولون وقد يئس من فتحها لمنعتها وحصانة سورها، فوعدوه فتحها، فضم إليهم عدة من رجاله فتسلقوا من حيث نزلوا، واستعد هو في عسكره وأخذ أهبته وسيما في داره، فما انفرج عمود الصبح إلا والطولونية قد كَبَّرُوا على سورها، ونزلوا منحدرين إليها، وارتفع الصوت وكثر الضجيج، وركب سيما فيمن تسرع معه من خواصه فأرسلت عليه امرأة من أعالي سطح حَجَرَ رَحًا فأتت عليه وأخذ بَعْضُ من عرفه رأسه فأتى به ابن طولون وقد دخل من باب فارس ونزل على عين هنالك ومعه الحسين بن عبد الرحمن القاضي المعروف بابن الصابوني الأنطاكي الحنفي فعاث أصحاب ابن طولون ساعة بأنطاكية، وشمل الناسَ أذاهم، ثم رفع ذلك لساعتين من النهار، وارتحل ابن طولون يوم الثغر الشامي، فأتى المصيصة وأذَنَةَ ، وامتنع من أهل طرسوس وفيها يازمان ،الخادم، فلم يكن له في فتحها حيلة، فرجع عنها وقد أراد الغزو . على ما قيل والله أعلم لأمر بلغه أن العباس ولده قد عصى عليه وفزع أن يحال بينه وبين مصر . فحثَّ في السير ودخل الفسطاط، ولحق العباس ببرقة من بلاد المغرب خوفاً من أبيه وقد حمل معه ما أمكنه حمله من الخزائن

والأموال والعدد، وقد أتينا على ما جرى بين أحمد بن طولون وولده العباس من المراسلات في كتابنا «أخبار الزمان».

يازمان غلام الفتح بن خاقان

وكانت وفاة يازمان الخادم في أرض النصرانية غازياً في جيش الإسلام تحت الحصن المعروف بكوكب، وكان مولى الفتح بن خاقان فحمل إلى طرسوس، فدفن بباب الجهاد، وذلك للنصف من رجب سنة ثمان وسبعين ومائتين، وكان معه في تلك الغَزَاة من أمراء السلطان المعروف بالعجيفي وابن أبي عيسى وكان على إمرة طرسوس، وكان يازمان في نهاية البلاغة في الجهاد في البر والبحر، وكان معه رجال من البحرين لم ير مثلهم ولا أشد منهم، وكان له في العدو نكاية عظيمة، وكان العدو يهابه وتفزع منه النصرانية في حصونها، ولم ير في الثغور الشامية والجزرية . بعد عمرو بن عبيد الله بن مروان الأقطع صاحب ملطية، وعلي بن يحيى الأرمني صاحب الثغور الشامية - أشدُّ إقداماً على الروم من يازمان الخادم .

عمرو بن عبيد الله الأقطع

وكانت وفاة عمرو بن عبيد الله الأقطع وعلي بن يحيى الأرمني في سنة سنة واحدة

استشهدا جميعاً، وذلك في سنة تسع وأربعين ومائتين في خلافة المستعين بالله .

وقد كان عمرو بن عبيد الله غازياً في تلك السنة في المَلْطِيِّين، فلقي ملك الروم في خمسين ألفاً، فصبر الفريقان جميعاً، فاستشهد عمرو بن عبيد الله ومن كان معه من المسلمين إلا اليسير وذلك يوم الجمعة للنصف من رجب من هذه السنة.

علي بن يحيى الأرمني

وقد كان علي بن يحيى الأرمني انصرف عن الثغر الشامي وولي أرمينية ثم صرف عها. فلما صار إلى بلاد ميَّافارقين من ديار بكر عدل إلى ضياع له هنالك ووقع النفير ، فخرج مسرعاً وقد أغارت جيوش الروم، فقَتَلَ علي بن يحيى مقدار أربعمائة نفس، والروم لا تعلم أنه علي بن يحيى الأرمني.

وأخبرني بعض الروم . ممن كان قد أسلم وحسن إسلامه . أن الروم صورت عشرة أنفس في بعض كنائسها من أهل البأس والنجدة والمكايد في النصرانية والحيلة من المسلمين منهم الرجل الذي بعث به معاوية حين احتال على البطريق فأسره من القسطنطينية، فأقاد منه بالضرب وردَّه إلى القسطنطينية ؛ وعبد الله البطال، وعمرو بن

عبيد الله، وعلي بن يحيى الأرمني والعريل بن بكار ، وأحمد بن أبي قطيفة، وقرنياس البيلقاني صاحب مدينة إبريق . وهي اليوم للروم . وكان بطريق البيالقة، وكانت وفاته في سنة تسع وأربعين ومائتين ؛ وحرس خارس أخت قرنياس ؛ ويازمان الخادم في موكبه والرجال ،حوله، وأبو القاسم بن عبد الباقي ؛ وقد أتينا على وصف مذهب البيالقة واعتقادهم وهو مذهب بين النصرانية والمجوسية، وقد دخلوا في هذا الوقت . وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . في جملة الروم، وقد فسرنا خبرهم في كتابنا «أخبار الزمان».

من حمية معاوية

فأما خبر معاوية وما ذكرناه من خبر الرجل الذي أسر البطريق من مدينة القسطنطينية، فهو أن المسلمين غَزَوْا في أيام معاوية، فأسر جماعة منهم، فأوقفوا بين يدي الملك، فتكلم بعض أسارى المسلمين فدنا منه بعض البطارقة ممن كان واقفاً بين يدي الملك فلَطَمَ حُرَّ وجهه فآلمه . وكان رجلا من قريش . فصاح واإسلاماه، أين أنت عنا يا معاوية؟ إذا أهملتنا وضيعت ثغورنا وحكمت العدو في ديارنا ودمائنا وأعراضنا، فنمي الخبر إلى معاوية ،فالمه وامتنع من لذيذ الطعام والشراب، فخلا بنفسه وامتنع من الناس، ولم يظهر ذلك لأحد من المخلوقين، ثم أجمل الأمر في إعمال الحيلة بإقامة الفداء بين المسلمين والروم إلى أن فادى بذلك الرجل ، فلما صار الرجل إلى دار الإسلام دعاه معاوية فبره وأحسن إليه ثم قال له: لم نهملك ولم نضيعك ولا أبخنا دمك وعرضك، ومعاوية مع ذلك يجيل الرأي ويعمل الحيلة ثم بعث إلى رجل من ساحل دمشق من مدينة صور وكان به عارفاً كثير الغزوات في البحر، صمل من الرجال، مرطان بالرومية، فأحضره وخَلَا به وأخبره بما قد عزم عليه، وسأله إعمال الحيلة فيه والتأتي له فتوافقا على أن يدفع للرجل مالا عظيماً يبتاع به أنواعاً من الطَّرَفِ والمُلح والجهاز والطيب والجوهر وغير ذلك، وابتني له مركب لا يلحق في جريه سرعة، ولا يدرك في مسيره بنياناً عجيباً، فسار الرجل حتى أتى مد قبرس فاتصل برئيسها وأخبره أن معه جارية للملك، وأنه يريد التجارة إلى القسطنطينية، قاصداً إلى الملك وخواصه بذلك، فروسل الملك بذلك، وأعلم بحال الرجل، فأذن له في الدخول، فدخل خليج القسطنطينية، وسار فيه حتى انتهى إلى القسطنطينية، وقد أتينا على مقدار مسافة هذا الخليج واتصاله بالبحر الرومي وبحر مانطس عند ذكرنا البحار فيما سلف من هذا الكتاب . فلما وصل إلى القسطنطينية أهدى للملك وجميع بطارقته، وبايعهم وشاراهم ولم يعط للبطريق الذي لطم وجه القرشي شيئاً، وقصده إلى ذلك البطريق الذي لطم الرجل القرشي، وتأتى الصوري في الأمر على حسب ما رسمه له معاوية، وأقبل الرجل

من القسطنطينية إلى الشام، وقد أمره البطارقة والملك بابتياع حوائج ذكروها ، وأنواع من الأمتعة وصفوها، فلما صار إلى الشام سار إلى معاوية سراً، وذكر له من الأمر ما جرى، فابتيع له جميع ما طلب منه وما علم أن رغبتهم فيه، وتقدم إليه فقال : إن ذلك البطريق إذا عُدت إلى كرتك هذه سيعذلك عن تخلفك عن بره واستهانتك به، فاعتذر إليه ولاطفه بالقصد والهدايا، واجعله القيم بأمرك، والمتفقد لأحوالك، وانظر ماذا يطلب منك حين أوبك إلى الشام، فإن منزلتك ستعلو وأحوالك تزداد عندهم، فإذا أتقنت جميع ما أمرتك به وعلمت غرض البطريق منك وأي شيء يأمرك بابتياعه لتكون الحيلة بحسب ذلك، فلما رجع الصوري إلى القسطنطينية ومعه جميع ما طلب منه والزيادة على ما لم يطلب منه زادت منزلته وارتفعت أحواله عند الملك والبطارقة وسائر الحاشية، فلما كان في بعض الأيام و وهو يريد الدخول إلى الملك قبض عليه ذلك البطريق في دار الملك وقال له : ما ذَنْبِي إليك؟ وبماذا استحق غيري أن تقصده وتقضي حوائجه وتُعرِض عني؟ فقال له الصوري : أكثر من ذكرت ابتدأني وأنا رجل غريب أدخل إلى هذا الملك والبلد كالمتنكر من أسارى المسلمين وجواسيسهم، لئلا ينموا بخبري ويعنوا بأمري إلى المسلمين فيكون في ذلك فقدِي، وإذ قد علمت ميلك إليَّ فلست أحب أن يعتني بأمري سواك ولا يقوم به عند الملك وغيره غيرك، فأمر بي بجميع حوائجك وجميع ما يعرض من أمورك بأرض الإسلام وأهدى إلى البطريق هدية حسنة من الزجاج المخروط والطيب والجواهر والطرائف والثياب، ولم يزل هذا فعله يتردد من الروم إلى معاوية، ومن معاوية إلى الروم، ويسأله الملك والبطريق وغيره من البطارقة الحوائج والحيلة لا تتوجه لمعاوية حتى مضي على ذلك سنين فلما كان في بعضها قال البطريق للصوري، وقد أراد الخروج إلى دار الإسلام قد اشتهيت أن تغمرني بقضاء حاجة وتمنَّ بها علي : أن تبتاع لي بساطاً سوسنجرد بمخاده ووسائده يكون فيه من أنواع الألوان من الحمرة والزرقة وغيرهما، ويكون من صفته كذا وكذا، ولو بلغ ثمنه كل مبلغ ؛ فأَنْعَمَ له بذلك، وكان من شأن الصوري إذا ورد إلى القسطنطينية تكون مركبة بالقرب من موضع ذلك البطريق، وللبطريق ضيعة سرية وفيها قصر مشيد ومنتزه حسن على أميال من القسطنطينية راكبة على الخليج، وكان البطريق أكثر أوقاته في ذلك المنتزه، وكانت الضيعة مما يلي فم الخليج مما يلي بحر الروم والقسطنطينية، فانصرف الصوري إلى معاوية سراً، وأخبره بالحال؛ فأحضر معاوية بساطاً بوسائد ومخاد ومجلس ؛ فانصرف به الصوري مع جميع ما طلب منه من دار الإسلام، وقد تقدم إليها معاوية بالحيلة وكيفية إيقاعها، وكان الصوري فيما وصفنا من هذه المدة قد صار كأحدهم في المؤانسة وفي العشرة، وفي الروم طَمَعَ وشَرَه ؛ فلما دخل من البحر إلى خليج القسطنطينية . وقد طابت له الريح، وقد قرب من ضيعة

البطريق . أخذ الصوري خبر البطريق من أصحاب القوارب والمراكب ؛ فأخبر أن البطريق في ضيعته، وذلك أن الخليج طوله نحو من ثلاثمائة ميل وخمسين ميلا بين هذين البحرين وهما الرومي ومانطس على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب والضياع والعمائر على هذا الخليج من حافتيه والمراكب تختلف والقوارب بأنواع المتاع والأقوات إلى القسطنطينية، وهذه المراكب لا تحصى في هذا الخليج كثرة، فلما علم الصوري أن البطريق في ضيعته فرش ذلك البساط ونضد ذلك الصدر والمجلس بالوسائد والمخاد في صحن المركب ومجلسه، والرجال تحت المجلس بأيديهم المجاذيف مشكلة قائمة غير قاذفين بها، ولا يعلم بهم أنهم في بطن المركب إلا مَنْ ظهر منهم في المركب عمله والريح في القلع والمركب مار في الخليج كأنه سهم قد خرج من كبد قوس لا يستطيع القائم على الشط أن يملأ بصره منه ؛ لسرعة سيره واستقامته في جريه، فأشرف على قصر البطريق وهو جالس في مستشرفه مع حرمه وقد أخذت منه الخمر وَعَلَاهُ الطرب وذهب به الفرح والسرور[ كل مذهب] فلما رأى البطريق مركب الصوري غَنّى طرباً، وصاحب فرحاً وسروراً وابتهاجاً بقدومه فدنا من أسفل القصر، وحط القلع ، وأشرف البطريق على المركب، فنظر إلى ما فيه من حسن ذلك البساط ونظم ذلك الفرش كأنه رياض تزهر فلم يستطع الليث في موضعه حتى نزل قبل أن يخرج ذلك الصوري من مركبه ،إليه فطلع ،المركب، فلما استقرت قدمه في المركب ودَنَا من المجلس ضرب الصوري بعقبه على مَنْ تحت البساط من الوقوف . وكانت علامة بينه وبين الرجال الذين في بطن المركب . فما استقر دقه بقدمه حتى اختطف المركب بالمجاذيف فإذا هو في وسط [الخليج يطلب] البحر لا يلوي على شيء، وارتفع ،الصوت، ولم يدر ما الخبر لمعاجلة الأمر ، فلم يكن الليل حتى خرج من الخليج وتوسط البحر، وقد أوثق البطريق كتافاً، وطابت له الريح، وأسعده الجد، وحملته المجاذيف في ذلك الخليج ، فتعلق في اليوم السابع بساحل الشام، ورأى البر، وحمل الرجل، فكانوا في اليوم الثالث عشر حضوراً بين يدي معاوية بالفرح والسرور لإثلاجه بالأمر وتمام الحيلة، وأيقن معاوية بالظفر وعلو الجد فقال : علي بالرجل القرشي، فأتي به، وقد حضره خواص الناس فأخذوا مجالسهم وانغص المجلس بأهله، فقال معاوية [ للقرشي : قم فاقتص من هذا البطريق الذي لطم وجهك على بساط معظم الروم ؛ فإنا لم نضيعك ولا أبحنا دمك وعرضك، فقام القرشي ودنا من البطريق، فقال له معاوية ] : انظر لا تتعد ما جرى عليك منه واقتص منه على حسب على حسب ما صنع بك، ولا تتعد، وراع ما أوجب الله عليك من المماثلة، فَلَطَمه القرشي لطمات، ووكزه في حلقه، ثم انكبّ القرشي على يد[ي] معاوية وأطرافه يقبلها وقال : ما أضاعك مَنْ سَوَّدك، ولا خاب فيك

أمَلُ من أملك، أنت ملك لا تضام، تمنع حماك وتصون رعيتك، وأغْرَقَ في دعائه ووصفه، وأحسن معاوية إلى البطريق وخلع عليه ، وبَرَّه، وحمل معه البساط، وأضاف إلى ذلك أموراً كثيرة وهدايا إلى الملك، وقال له : ارجع إلى ملكك، وقل له : تركت ملك العرب يقيم الحدود على بساطك ويقتص لرعيته في دار مملكتك وسلطانك، وقال للصوري : سر معه حتى تأتي الخليج فتطرحه فيه ومن كان أسِرَ معه ممن بادر فصعد المركب من غلمان البطريق ،وخاصته فحملوا إلى صور مكرمين، وحملوا في المركب فطابت لهم الريح فكانوا في اليوم الحادي عشر متعلقين ببلاد الروم، وقربوا من فم الخليج، وإذا به قد أحكم بالسلاسل والمنعة من الموكلين به فطرح البطريق ومن معه، وانصرف الصوري ،راجعاً وحمل البطريق من ساعته إلى الملك ومعه الهدايا والأمتعة، تباشرت الروم بقدومه وتلقوه مهنئين له من الأسر ؛ فكافأ الملك معاوية على ما كان من فعله بالبطريق والهدايا ؛ فلم يكن يستضام أسير من المسلمين في أيامه، وقال الملك : هذا أمكر الملوك وأذهَى العرب، ولهذا قدمته العرب عليها فساس أمرها والله لو هَمّ بأخذي لتمت له الحيلة علي .

وقد أتينا على خبر معاوية فيما سلف من هذا الكتاب وأتينا على مبسوطه وأخبار الوافدين والوافدات عليه من الأمصار فيما سلف من كتبنا وإن كنا قد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب من أخبار معاوية جملاً .

ولملوك الروم وبطارقتها . ممن سلف وخلف إلى هذا الوقت . أخبار حسان . مع ملوك بني أمية والخلفاء من بني العباس في المَغَازي والسَّرَايا وغيرها، وكذلك لأهل الثغور الشامية والجزرية إلى هذا الوقت . وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . وقد أتينا على مبسوطها فيما سلف من كتبنا، وقدمنا في هذا الكتاب جملا من أخبارهم ومقادير أعمارهم وأيامهم ولمعاً من سيرهم، وكذلك أخبرنا عن ملوك الأمم وسيرهم.

محبة المعتمد للهو

أول من اتخذ العود ونحوه

قال المسعودي : وكان المعتمد مشغوفاً بالطرب، والغالب عليه المعاقرة ومحبة أنواع اللهو والملاهي، وذكر عبيد الله بن خرداذ به أنه دخل عليه ذات يوم، وفي المجلس عدة من ندمائه ذوي العقول والمعرفة والحجى فقال له : أخبرني عن أول من اتخذ العود، قال ابن خرداذبه : قد قيل في ذلك يا أمير المؤمنين أقاويل كثيرة : أول من من اتخذ العود لمك بن متوشلخ بن محويل بن عاد بن خنوخ بن فاين بن آدم، وذلك أنه كان له

ابن يحبه حباً شديداً، فمات، فعلقه بشجرة، فتقطعت أوصاله، حتى بقي منه فخذه والساق والقدم والأصابع، فأخذ خشباً فرققه وألصقه، فجعل صدر العود كالفخذ، وعنقه كالساق، ورأسه كالقدم والملاوي كالأصابع والأوتار كالعروق، ثم ضرب به وناح عليه، فنطق العود، قال الحمدوني:

وناطق بلسان لا ضميرله*** كأنه فَخِذ نيطت إلى قدم

يُبْدِي ضمير سواه في الحديث كما*** يُبْدِي ضمير سواه منطق القلم

واتخذ توبل بن لمك الطبول والدفوف وعملت ضلال بنت لمك المعازف، ثم اتخذ قوم لوط الطنابير، يستميلون بها الغلمان [ثم اتخذ الرعاة والأكراد نوعاً مما يصفر به ،فكانت أغنامهم إذا تفرقت صفروا فاجتمعت ؛ ثم اتخذ الفرس الناي للعود، والدياتي للطنبور والسرياني للطبل، والسنج الصنج ، وكان غناء الفرس بالعيدان والصنوج، وهي لهم، ولهم النغم والإيقاعات والمقاطع والطروق الملوكية وهي سبع طروق : فأولها سكاف، وهو أكثرها استعمالا لتنقل الأنهار، وهو أفصحها مقاطع، وأمرسه، وهو أجمعها لمحاسن النغم، وأكثرها تصعداً وانحداراً وما دار وسنان، وهو أثقلها، وسايكاد، وهو المحبوب للأرواح ، وسيسم، وهو المختلس المنقل، وحويعران، وهو الدرج الموقوف على نغمة، وكان غناء أهل خراسان وما والاها بالزنج، وعليه سبعة أوتار، وإيقاعه يشبه إيقاع الصنج، وكان غناء أهل الري وطبرستان والديلم بالطنابير وكانت الفرس تقدم الطنبور على كثير من الملاهي، وكان غناء النبط والجرامقة بالغيروارات، وإيقاعها يشبه إيقاع الطنابير .

وقال فندروس الرومي: جعلت الأوتار أربعة بإزاء الطبائع، فجعلت الزبر بإزاء المرة الصفراء والمثنى بإزاء الدم والمثلث بإزاء البلغم، واليم بإزاء المرة السوداء.

ملاهي الروم

وللروم من الملاهي الأرغل، وعليه ستة عشر وتراً، وله صوت بعيد المذهب وهو من صنعة اليونانيين والسلبان وله أربعة وعشرون وتراً، وتفسيره ألف صوت، ولهم اللورا، وهي الرباب، وهي من خشب ولها خمسة أوتار ولهم القيثارة، ولها اثنا عشر وتراً، ولهم الصلنج وهو من جلود العجاجيل، وكل هذه معازف مختلفة الصفة، ولهم الأرغن، وهو ذو منافخ من الجلود والحديد .

الهند

وللهند الكنكلة وهو وتر واحد يمد على قرعة فيقوم مقام العود والصنج.

حداء العرب

قال : وكان الحُدَاء في العرب قبل الغناء، وقد كان مضر بن نزار بن معد سقط عن بعير في بعض أسفاره فانكسرت يده فجعل يقول : يا يَدَاه، يا يَدَاه، وكان من أحسن الناس صوتاً، فاستوسقت الإبل وطاب لها السير، فاتخذه العرب حُدَاء برجز الشعر، وجعلوا كلامه أول الحداء فمن قول الحادي :

يا هادياً يا هادياً*** ويا يداه يا يداه

فكان الحُدَاء أول السماع والترجيع في العرب، ثم اشتق الغناء من الحُدَاء، ونحن نساء العرب على موتاها، ولم تكن أمة من الأمم بعد فارس والروم أولَعَ بالملاهي والطرب من العرب، وكان غناؤهم النصب ثلاثة أجناس الركباني، والسناد الثقيل، والهزج الخفيف .

أول الغناء في العرب

وكان أول من غنّى من العرب الجرادتان وكانتا قينتين على عهد عاد لمعاوية بن بكر العملقي، وكانت العرب تسمي القينة الكربنة، والعود المزهر، وكان غناء أهل اليمن بالمعازف وإيقاعها [جنس واحد وغناؤهم] جنسان حنفي، وحميري؛ والحنفي أحسنهما ، ولم تكن قريش تعرف من الغناء إلا النصب، حتى قدم النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي من العراق وافداً على كسرى بالحِيرَةِ ؛ فتعلم ضرب العود والغناء عليه ؛ فقدم مكة فعلم أهلها، فاتخذوا القينات.

أثر الغناء

والغناء يرق الذهن، ويلين العريكة،[ ويبهج] النفس ويَسُرُّها، ويشجع القلب، ويسخي ،البخيل، وهو مع النبيذ يعاونان على الحزن الهادم للبدن، ويُحْدِثان له نشاطاً، ويفرجان الكرب، والغناء على الانفراد يفعل ذلك، وفضل الغناء على المنطق كفضل المنطق على الخَرَس والبرء على السقم وقد قال الشاعر :

لا يبعثن على همومك إذ ثَوَتْ*** غير المدام ونغمة الأوتار

فالله در حكيم استنبطه، وفيلسوف ،استخرجه أي غامض أظهر؟ وأي مكنون كَشَفَ؟ وعلى أي فن دَلَّ؟ وإلى أي علم وفضيلة سبق ؟ فذلك نسيجُ وَحْدِهِ، وقريع دهره.

وقد كانت الملوك تنام على الغناء ليسري في عروقها السرور، وكانت ملوك الأعاجم لا تنام إلا على غناء مطرب، أو سمر لذيذ، والعربية لا تُنوِّمُ ولَدَهَا وهو يبكي، خَوْفَ أن يسري الهم في جسده ويدب في عروقه، ولكنها تنازعه وتضاحكه حتى ينام وهو فَرِحٌ ،مسرور، فينمو جسده، ويصفو لونه ودمه، ويشف عقله، والطفل يرتاح إلى الغناء، ويستبدل ببكائه ضحكاً.

وقد قال يحيى بن خالد بن برمك : الغناء ما أطْرَبَكَ فأرْقَصَكَ، وأبكاك فأشْجَاكَ،وما سوى ذلك فَبَلاء وهم.

قال المعتمد : قد قلتَ فأحسنتَ، ووصفت فأطنبت، وأقمت في هذا اليوم سوقاً للغناء، وعيداً لأنواع الملاهي، وإن كلامك لمثل الثوب المُوَشَّى، يجتمع فيه الأحمر، والأصفر والأخضر، وسائر الألوان؛ فما صفة المغني الحاذق؟

المغني الحاذق

قال ابن خرداذبه : المغني الحاذق يا أمير المؤمنين من تمكن من أنفاسه ولطف في اختلاسه، وتفرع في أجناسه.

أنواع الطرب

قال المعتمد فعلى كم تنقسم أنواع الطرب؟

قال : على ثلاثة أوجه يا أمير المؤمنين، وهي طرب محرك، مستخف الأريحية، ينعش النفس، ودواعي الشيم عند السماع وطرب شجن وحزن، لا سيما إذا كان الشعر في وصف أيام الشباب والشوق إلى الأوطان والمراثي لمن عدم الصبر من الأحباب وطرب يكون في صفاء النفس ولطافة الحس، ولا سيما عند سماع جودة التأليف. وإحكام الصنعة ؛ إذ كان مَنْ لا يعرفه ولا يفهمه لا يسرُّه بل تراه متشاغلا عنه ؛ فذلك كالحجر الجَلْمد والجماد الصَّلد ، سواء وُجُودُه ، وعَدَمُه ، وقد قال يا أمير المؤمنين بعض الفلاسفة المتقدمين، وكثير من حكماء اليونانيين : مَنْ عرضت له آفة في حاسة الشم كَرِهَ رائحة الطيب، ومن غَلُظَ حسه كره سماع الغناء، وتشاغل عنه ، وعَابَهُ ، وذَمَّهُ .

منزلة الإيقاع وألقابه

قال المعتمد : فما منزلة الإيقاع وأنواع الطروق وفنون النغم؟

قال :قد قال في ذلك يا أمير المؤمنين من تقدم : إن منزلة الإيقاع من الغناء بمنزلة العروض من الشعر، وقد أوضحوا الإيقاع، ووَسَمُوه بسمات، ولَقْبُوه بألقاب، وهو أربعة أجناس : ثقيل الأول، وخفيفه وثقيل الثاني، وخفيفه، والرمل الأول، وخفيفه، والهزج وخفيفه والإيقاع هو الوزن، ومعنى أوقع وَزَنَ ، ولم يوقع : خرج من الوزن، والخروج إبطاء عن الوزن أو سرعة ؛ فالثقيل الأول : نقره ثلاثة ثلاثة اثنتان ثقيلتان بطيئتان ثم نقرة واحدة وخفيف ثقيل الثاني : نقرة اثنتان متواليتان، وواحدة بطيئة، واثنتان ،مزدوجتان وخفيف الرمل نقره اثنتان اثنتان مزدوجتان وبين كل زوج وقفة، والهزج : نقرة واحدة واحدة مستويتان ممسكة وخفيف الهزج : نقرة واحدة واحدة متساويتان في نسق واحد أخف قدراً من الهزج والطرائق ثمان : الثقيلان الأول والثاني، وخفيفاهما، وخفيف الثقيل [الأول] منهما يسمى بالمَاخُورِيّ، وإنما سُمِّي بذلك؛ لأن إبراهيم بن ميمون الموصلي . وكان من أبناء فارس وسكن الموصل . كان كثير الغناء في هذه المواخير بهذه الطريقة والرمل وخفيفه ويتفرع من كل واحد من هذه الطرائق مزموم مطلق وتختلف مواقع الأصابع فيها فيحدث لها ألقاباً تميزها، كالمعصور والمخبول والمحثوث، والمخدوع، والأدراج.

والعُودُ عند أكثر الأمم وجُل الحكماء يوناني، صَنَعَهُ أصحاب الهندسة على هيئة طبائع الإنسان ؛ فإن اعتدلت أوتاره على الأقدار الشريفة جَانَسَ الطبائع فأطرب، والطَّرَبُ : رَدُّ النفس إلى الحال الطبيعية دفعة وكل وَتَرَ مثل الذي يليه ومثل ثلثه . والدستبان الذي يلي الأنف موضوع على خط التسع من جملة الوتر [ والذي يلي المشط موضوع على خط الربع من جملة الوتر] فهذه يا أمير المؤمنين جوامع في صفة الإيقاع ومنتهى حدوده .

ففرح المعتمد في هذا اليوم وخلع على ابن خرداذبه، وعلى مَنْ حضره من ندمائه، وفَضَّله عليهم، وكان يوم لهو وسرور .

فلما كان صبيحة تلك الليلة دعا المعتمد من حضره في اليوم الأول ، فلما أخذوا مراتبهم من المجلس قال لبعض من حضره من ندمائه [ومغنيه] صف لي الرقص وأنواعه ، والصفة المحمودة من الراقص، واذكر لي شمائله .

الرقص وأنواعه

فقال المسؤول : يا أمير المؤمنين، أهل الأقاليم والبلدان مختلفون في رقصهم من أهل خراسان وغيرهم فجملة الإيقاع في الرقص ثمانية أجناس : الخفيف، والهرج،

والرمل، وخفيف الرمل [وخفيف الثقيل الثاني، وثقيله] وخفيف الثقيل الأول، وثقيله، والراقص يحتاج إلى أشياء في طباعه، وأشياء في خِلْقته، وأشياء في عمله؛ فأما ما يحتاج إليه في طباعه فخفة الروح ، وحسن الطبع على الإيقاع، وأن يكون طالبه مرحاً إلى التدبير في رقصه والتصرف فيه، وأما ما يحتاج إليه في خلقته فطول العنق والسوالف، وحسن الدَّل والشمائل، والتمايل في الأعطاف، ورقة الخصر [والخفة وحسن أقسام الخلق وواقع المناطق واستدارة الثياب من أسافلها ومخارج النفس والإراحة، والصبر على طول الغاية، ولطافة الأقدام، ولين الأصابع، وإمكان لينها في نقلها وفيما يتصرف فيه من أنواع الرقص من الإبل، ورقص الكرة ،وغيره ولين المفاصل، وسرعة الانتقال في الدوران، ولين الأعطاف. وأما ما يحتاج إليه في عمله فكثرة التصرف في ألوان الرقص، وإحكام كل حد من حدوده، وحسن الاستدارة وثبات القدمين على مدارهما، واستواء ما تعمل يُمنى الرِّجْل ،ويسراها، حتى يكون في ذلك واحداً. ولوضع القدم ورفعها وجهان: أحدهما أن يوافق بذلك الإيقاع، والآخر أن يتثبط به، فأكثر ما يكون هو فيه أمكن وأحسن فليكن ما يوافق الإيقاع فهو من الحس والحسن سواء، وأما ما يتثبط به فأكثر ما يكون هو فيه أمكن وأحسن ؛ فليسكُن ما يوافق الإيقاع مترافعاً، وما يتثبط به متسافلا.

قال المسعودي: وللمعتمد مجالسات ومذاكرات ومجالس قد دونت في أنواع من الأدب، منها : مدح النديم [ وذكر فضائله، وذم التفرد بشرب النبيذ، وما قيل في ذلك من المنثور والشعر، وما قيل في أخلاق النديم] وصفاته وعفافه وأمن عَبَيْه، والتداعي إلى المنادمات والمراسلات في ذلك، وعدد أنواع الشرب في الكثرة، وهيئة السماع وأقسامه وأنواعه وأصول الغناء ومبادئه في العرب وغيرها من الأمم، وأخبار الأعلام من مشهوري المغنين المتقدمين والمحدثين وهيئة المجالس، ومنازل التابع والمتبوع وكيفية مراتبهم وتعبية مجالس الندماء والتحيات كما قال العطوي في ذلك :

حي التحية أصحاب التحيات*** القائلين إذا لم تَسْقِهم : هات

أما الغداة فَسَكْرى في نعيمهم *** وبالعشي فَصَرْعى غير أموات

وبين ذلك قَصْفٌ لا يُعَادِلُه*** قصف الخليفة من لهو ولذات

وقد أتينا على وصف جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان» مما لم يتقدم له ذكر كَصُنوف الشراب والاستعمال لأنواع النقل إذا وضع ذلك في المناقل والأطباق فنضد نضداً، ورصف رصفاً، والإبانة عن المراتب في ذلك، ووصف جمل آداب الطبيخ مما يحتاج التابع إلى معرفته والأديب إلى فهمه من المتولدات في معرفة الألوان، ومقادير

التوابل والأبزار، وأنواع المحادثات وغسل اليدين بحضرة الرئيس، والمقام عن مجلسه، وإدارات الكاسات، وما حكي في ذلك عن الأسلاف من ملوك الأمم وغيرهم، وما قيل في الإكثار والإقلال من الشراب، وما ورد في ذلك من الأخبار، وطلب الحاجات والاستمناحات من أهل الرياسة على المعاقرات وهيئة النديم وما يلزمه لنفسه، وما يلزم الرئيس ،لنديمه والفرق بين التابع والمتبوع والنديم والمنادم وما قال الناس في العلة التي من أجلها سمي النديم نديماً، وكيفية الأدب في لعب الشطرنج، والفرق بينها وبين النزد ، وما ورد في ذلك من الأخبار، وانتظمت فيه من الدلائل والآثار، وما ورد عن العرب في أسماء الخمر وَوُرُود التحريم فيها، وتنازع الناس في رد غيرها من أنواع الأنبذة عليها قياساً، وَوَضف أنواع آنيتها ومن كان يشربها في الجاهلية ومن حَرَّمها، وَوَصْف السكر، وما قال الناس في ذلك، وكيفية وقوعه : أمن الله أم من خلقه؟ وغير ذلك مما لحق بهذا الباب واتصل بهذه المعاني، وإنما نذكر هذه اللمع منبهين بها على ما قدمنا فيما سلف من كتبنا .

ثورة تنتهي بموت الموفق وقيام المعتضد

وكان أبو العباس المعتضد محبوساً فلما خرج أبوه الموفق [إلى الجبل] خلفه بدار الوزير إسماعيل بن ،بلبل وكان مُضَيّقاً عليه، إلى أن وافى الموفق من أذربيجان عليلا مدنفاً مورماً في بيت من الخشب قد اتخذ له مبطناً بالخز والحرير وفي أسفله حلق قد جعل فيها الدهن فتحمله الرجال على أكتافها نوائب. وكان وصوله إلى بغداد يوم الخميس لليلتين خَلَتَا من صفر سنة ثمان وسبعين ومائتين، فأقام بمدينة السلام أياماً فاشتدت علّته ؛ وأرجف بموته ؛ وانصرف إسماعيل بن بلبل وقد يئس منه، فوجهَ إسماعيل بن بلبل إلى كفهمن ، وقيل : إلى بكتمر . وكان موكلّا بالمعتضد بالمدائن، على أقل من يوم من مدينة السلام أن ينصرف بالمعتضد والمفوض إلى الله ابنه إلى بغداد، فدخل المعتضد إليها في يومه واتصل بإسماعيل صلاح الموفق، فانحدر ومعه المعتضد والمفوض في طيارة إلى دار ولده ، وقد كان يأنس الخادم ومؤنس الخادم وصافي الحرمي وغيرهم من خدم الموفق وغلمانه أخرجوا أبا العباس من الموضع الذي كان فيه ،محبوساً وساروا به إلى الموفق وأحضر إسماعيل بن بلبل والمعتضد والمفوض معه ، وكثر اضطراب القُوَّاد والموالي، وأسرعت العامة وسائر الخدم في النهب ، فانتهبوا دار إسماعيل بن بلبل، ولم تبق دار جليل ولا كاتب نبيل إلا ،نهبوها، وفتحت الجسور، وأبواب السجون، ولم يبق أحد في المطبق ولا في الحديد إلا أخرج وكان أمراً فظيعاً

غليظاً، وخلع على أبي العباس، وعلى إسماعيل بن بلبل، وانصرف كل واحد منهما إلى منزله فلم يجد إسماعيل في داره ما يقعد عليه حتى وَجّه إليه الشاه ابن ميكال ما قعد عليه وقام بأمر طعامه وشرابه، وقد كان إسماعيل أسْرَعَ في بيوت الأموال، وأسرف في النفقات والجوائز والخلع [والعطايا]، وأمَدَّ العرب وأجزل لهم الأنزال والأرزاق، واصطنع بني شيبان من العرب وغيرهم من ربيعة وكان يزعم أنه رجل من بني شيبان وطالب بخراج سَنَةٍ مبهمة، فثقل على الراعية، وكثر الداعي عليه، ومكث الموفق بعد ذلك ثلاثة أيام، ثم توفي ليلة الخميس، لثلاث بقين من صفر سنة ثمان وسبعين ومائتين، ومات وله تسع وأربعون سنة، وأمه أم ولد ،رومية يقال لها : أسحر، وكان اسم الموفق طلحة، وفيه يقول الشاعر :

لما استظل بظل الملك واجتمعت*** له الأمور فمنقاد ومقسور

حُطَّتْ عليه لمقدارٍ مَنِيَّتُه*** كذاك تَصْنَعُ بالناس المقادير

فلما مات الموفق قام المعتضد بأمور الناس في التدبير مكان أبيه الناصر، وهو الموفق، وخلع جعفر المفوض من ولاية العهد وقام إسماعيل بن بلبل في الوزارة بعد شغب كثير كان في مدينة السلام وكان لأبي عبد الله بن أبي الساج ولخادمه وصيف خطب جليل، وقيد إسماعيل بن بلبل، ووجه أبو العباس إلى عبد الله بن سليمان بن وهب فأحضره وخلع عليه ورد إليه أمر كتابه، وذلك في يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر سنة ثمان وسبعين ومائتين ولم يزل إسماعيل بن بلبل يعذبُ بأنواع العذاب، وجعل في عنقه غل فيه رمانة حديد والغل والرمانة مائة وعشرون ،رطلا، وألبس جبة صوف قد صيرت في ودك الأكارع، وعلق معه رأس ميت؛ فلم يزل على ذلك حتى مات في جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين ومائتين، ودفن بِغُله وقيوده، وأمر المعتضد بضرب جميع الآنية التي كانت في خزانته، فضربت وفرقت في الجند.

غداة المعتضد الذي مات عقيبه

قال المسعودي: وقد كان المعتمد قعد للغداء واصطبح يوم اثنين لإحدى عشرة [ليلة] بقيت من رجب [الفرد] سنة تسع وسبعين ومائتين فلما كان عند العصر قدم الطعام فقال يا موشكيره للموكل به . ما فعلت الرؤوس بأرقابها؟ وقد كان قدم من الليل أن يقدم له رؤوس حملان، وقد فصل فيها أرقابها ، فقدمت، وكان معه على المائدة رجل من ندمائه [وسُمَّاره] يعرف بقف الملقم ؛ ورجل آخر يعرف بخلف المضحك؛ فأول من ضرب بيده إلى الرؤوس الملقم ، فانتزع أذن واحد منها، [ولقمه في الرقاق،

وغمسها في الأصباغ، وأهوى بها إلى فيه، وأمعن في الأكل] وأما المضحك فإنه يقتلع اللهازم والأعين، فأكلوا وأكل المعتمد وأتموا يومهم؛ فأما الملقم صاحب اللقمة الأولى فإنه تهرأ في الليل وأما المضحك فإنه مات قبل الصباح،وأما المعتمد فأصبح ميتاً قد لحق بالقوم. ودخل إسماعيل بن حماد القاضي إلى المعتضد وعليه السواد، فسلم عليه بالخلافة، وكان أول مَنْ سلّم عليه بها وحضر الشهود منهم أبو عوف والحسين بن سالم وغيرهم من العدول حتى أشرفوا على المعتمد ومعهم بدر غلام المعتضد يقول : هل ترون به من بأس أو أثر ؟ مات فجأة، وقتلته مداومته لشرب النبيذ، فنظروا إليه فإذا ليس به من أثر فغسل وكفن وجعل في تابوت قد أعد له وحُمِل إلى سامرا فدفن بها .

وذكروا - والله أعلم-أن سبب وفاته أنه سقي نوعاً من السم في شرابهم الذي كانوا يشربونه، وهو نوع يقال له البيش يحمل من بلاد الهند وجبال الترك والتبت وربما وجدوه في سنبل الطيب وهو ألوان ثلاثة، وفيه خواص عجيبة .

وللمعتمد أخبار حسان وما كان في أيامه من الكوائن والحوادث مما كان [بخراسان] من حروب الصفار ، وغيره، وما كان من ولد أبى دُلّفَ بأرض الجبل، وَما كان من العرب من الطولونية وما كان بديار بكر من بلاء وأسر وغيرهما من أحمد بن عيسى ابن الشيخ وما كان باليمن، قد أتينا على مبسوطها وجميع ذلك كله وَالغُرَر منه وما حدث في كل سنة من أيامه من الحوادث في كتابينا أخبار الزمان» والأوسط، فأغني ذلك عن إعادته في هذا الكتاب .

ذكر خلافة المعتضد بالله

موجز

وبويع أبو العباس أحمد بن طلحة المعتضد بالله في اليوم الذي مات فيه المعتمد على الله [عمه] وهو يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، وأُمه أم ولد رومية يقال لها ضرار، وكان وفاته يوم الأحد لسبع بَقِينَ من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين ؛ فكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر ويومين، وتوفي بمدينة السلام وله سبع وأربعون سنة، وقيل إنه ولي الخلافة وهو ابن إحدى وثلاثين سنة، وتوفي سنة تسع وثمانين على ما ذكرنا . وله أربعون سنة وأشهر، على تباين أصحاب التواريخ في كتبهم، وما أرَّخُوه في أيامهم، والله الموفق.

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

حال الرعية في أيامه

ولما أفضَتِ الخلافة إلى المعتضد بالله سكنت الفتن وصلحت البلدان وارتفعت الحروب، ورخصت الأسعار، وهدأ الهرج، وسالمه كل مخالف، وكان مُظَفَّراً قد دانت له الأمور، وانفتح له الشرق والغرب، وأديل له [في] أكثر المخالفين عليه وَالمُنابذين له، وظفر بهارون الشاري .

وكان صاحب المملكة والقيم بأمر الخلافة بذرٌ ،مولاه، وإليه جميع المعارف في جميع الآفاق، وإليه أمر الجيوش وسائر القواد .

مالية الدولة في عهده

وخلف المعتضد في بيوت الأموال تسعة آلاف ألف دينار، ومن الوَرِقِ أربعين ألف ألف درهم، ومن الدواب والبغال [ والجمازات] والحمير والجمال اثني عشر ألف رأس، وكان مع ذلك شحيحاً بخيلا ينظر فيما لا ينظر فيه العوام.

تقتيره

وحكى عبد الله بن حمدون . وكان نديمه وخاصته وممن كان يأنس به في خلواته . أنه أمر أن تنقص حَشَمُه ومن كان يجري عليه الأنزال من كل رغيف أوقية، وأن يبتدأ بأمر خبزه ؛ لأن للوصائف عدداً من الرغفان فيها ثلاث لذا وأربع لذا وأكثر من ذلك، قال ابن حمدون: فتعجبت من ذلك في أول أمره ثم تبينت القصة ؛ فإذا أنه يتوفر من ذلك في كل شهر مال عظيم، وتقدم إلى خَزَّانه أن يختار له من الثياب التسترية والدبيقية أحسنها لتقطيعها لنفسه .

أنواع من قسوته

وكان مع ذلك قليل الرحمة كثير الإقدام،سفاكاً للدماء، شديد الرغبة في أن يمثل بمن يقتله.

وكان إذا غضب على القائد النبيل، والذي يختصه من غلمانه أمر أن تحفر له حفيرة

[بحضرته] ثم يدلى على رأسه فيها، ويطرح التراب عليه ونصفه الأسفل ظاهر على التراب ويداس ،التراب فلا يزال كذلك حتى تخرج روحه من دبره .

وذكر من عذابه أنه كان يأخذ الرجل فيكتف وَيُقَيَّد؛ فيؤخذ القطن فيحشى في أُذنه وخيشومه وفمه، وتوضع المنافخ في دبره حتى ينتفخ ويعظم جسمه ثم يسد الدبر بشيء من القطن، ثم يفصد، وقد صار كالجمل العظيم من العرقين اللذين فوق الحاجبين فتخرج النفس من ذلك الموضع وربما كان يقام الرجل في أعلى القصر مجرداً موثقاً ويرمى بالنشاب حتى يموت .

واتخذ المطامير، وجعل فيها صنوف العذاب وجعل عليها نجاح الحرمي المتولي لعذاب الناس، ولم يكن له رغبة إلا في النساء والبناء؛ فإنه أنفق على قصره المعروف بالثريا أربعمائة ألف دينار، وكان طول قصره المعروف بالثريا ثلاثة فراسخ .

وزراؤه

وأقر عبيد الله بن سليمان على وزارته فلما مات استوزر القاسم بن عبيد الله.

صلاته العيد

وقد كان المعتضد في هذه السنة . وهي سنة تسع وسبعين ومائتين ركب يوم الفطر . وهو يوم الاثنين . إلى مصلى اتخذه بالقرب من ،داره [فصلي بالناس] وكبر في الركعة الأولى ست تكبيرات، وفي الآخرة تكبيرة واحدة، ثم صعد المنبر، فحصر ولم تسمع له خطبة ؛ ففي ذلك يقول بعض الشعراء :

حصر الإمام ولم يبين خطبة*** للناس في حل ولا إحرام

ما ذاك إلا من حياء لم يكن*** ما كان من عي ولا إفحام

زواجه بنت خمارويه

وفي هذه السنة قدم الحسن بن عبد الله المعروف بابن الجصاص رسولا من مصر لخمارويه بن أحمد، ومعه هدايا كثيرة وأموال جليلة [ وطراز] ، فوصل إلى المعتضد يوم

الاثنين لثلاث خَلَوْنَ من شوال وخلع عليه وعلى سبعة نفر معه، ثم سعى في تزويج ابنة خمارويه من علي المكتفي فقال المعتضد : إنما أراد أن يتشرف بنا، وأنا أزيد في تشريفه أنا أتزوجها فتزوجها، وتولى ابن الجصاص أمرها وحمل جهازها فيقال : إنه حمل معها جوهراً لم يجتمع مثله عند خليفة قط ؛ فاقتطع ابن الجصاص بعضه، وأعلم قطر الندى بنت خمارويه أن ما أخذ مُودَع لها عنده إلى وقت حاجتها إليه؛ فماتت والجوهر عنده ؛ فكان ذلك سبب غناه واستقلاله، وقد كانت لابن الجصاص محن بعد ذلك في أيام المقتدر، وما كان من القبض عليه، وما أخذ منه من الأموال بهذا السبب ،وغيره وحمل المعتضد صداق قطر الندى وهو بمدينة بلد إلى أبي الجيش، وكان الصداق ألف ألف درهم، وغير ذلك من المتاع والطيب ولطائف الصين والهند والعراق، وكان مما خص به أبا الجيش في نفسه وَحَبَاه به بَدْرَة من الجوهر المثمن فيها در وياقوت وأنواع من الجوهر ووشاح وتاج وإكليل وقيل : قلنسوة وكرزن. وكان وصولهم إلى مصر في رجب سنة ثمانين ومائتين، وانحدر المعتضد من مدينة بلد والموصل بعد أن حمل ما وصفنا إلى مدينة السلام في الماء.

ابن الجصاص

وحدث أبو سعيد أحمد بن الحسين بن منقذ قال : دخلت يوماً على الحسن بن الجصاص وإذا بين يديه سفط مبطن بالحرير فيه جوهر قد نظم منه سبح؛ فرأيت شيئاً حسناً ووقع في نفسي أن عددها يجاوز العشرين؛ فقلت له : جعلني الله فداك! كم عدد[ ما في] كل سبحة ؟ فقال لي : مائة حبة ، وزن كل حبة كوزن صاحبتها لا تزيد ولا تنقص وقد عدلت كل سبحة وزن صاحبتها، وإذا بين يديه سبائك ذهب توزن بقَبَّان كما يوزن الحطب ؛ فلما خرجت من عنده تلقاني أبو العيناء فقال لي: يا أبا سعيد على أي حال تركت هذا الرجل؟ فوصفت له ما رأيت فقال رافعاً رأسه إلى السماء : اللهم إن كنت لم تُسَاوِ بيني وبينه في الغنى، فَسَاوِ بيني وبينه في العمى، ثم اندفع يبكي، فقلت: يا أبا عبيد الله ، ما شأنك؟ فقال : لا تنكر ما رأيت مني، لو رأيت ما رأيتُ لضعفت، ثم قال : الحمد لله على هذه الحالة وقال : يا أبا سعيد ، ما حَمَدْتُ الله تعالى على العمى إلا في وقتي هذا؛ فقلت لمن يخبر حال ابن الجصاص بأي شيء ختم هذا السبح؟ فقال: بياقوتة حمراء لعل قيمتها أكثر مما تحتها .

أبو العيناء

وكانت وفاة أبي العيناء سنة اثنتين وثمانين ومائتين بالبصرة في جمادى الآخرة،

وكان يكنى بأبي عبيد الله، وكان قد انحدر من مدينة السلام إلى البصرة في زورق فيه ثمانون نفساً في هذه السنة فغرق الزورق، ولم يتخلص مما كان فيه إلا أبو العيناء، وكان ضريراً، تَعَلَّقَ بأطراف الزورق فأخرج حَيَّا، وتلف كل من كان معه، فبعد أن سلم ودخل البصرة مات .

وكان لأبي العيناء من اللسان وسرعة الجواب والذكاء ما لم يكن عليه أحد من تُظَرَائِه، وله أخبار حسان وأشعار ملاح مع أبي علي البصير وغيره، وقد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا .

وحضر مجلس بعض الوزراء، فتعارضوا حديث بعض البرامكة وكرمهم وما كانوا عليه من الجود ، فقال الوزير لأبي العيناء، وقد كان أمْعَنَ في وصفهم وما كانوا عليه من البذل والإفضال : قد أكثرت من ذكرهم ووصفك إياهم، وإنما هذا من تصنيف الوراقين وتأليف المحسنين، فقال له أبو العيناء فلم لا يكذب الوَرَّاقون عليك أيها الوزير بالبذل والجود؟ فأمْسَكَ عنه الوزير، وتعجب الناس من إقدامه عليه .

واستأذن يوماً على الوزير صاعد بن مخلد فقال له الحاجب : الوزير مشغول فانتظر، فلما أبطأ إذنه قال للحاجب : ما صنع الوزير ؟ قال : يصلي، قال: صدقت لكل جدید لذة، يعيره بأنه حديث عهد بالإسلام.

وقد كان أبو العيناء دخل على المتوكل في قصره المعروف بالْجَعْفَرِي، وذلك في سنة ست وأربعين ومائتين فقال له كيف قولك في دارنا هذه ؟ فقال : إن الناس بَنَوْا الدور في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك، فاستحسن ذلك ثم قال له : كيف شربك النبيذ ؟ فقال : أعجز عن قليله، وافتضح من كثيره ، فقال له : دَع هذا عنك ونادمنا ، فقال : أنا امرؤ محجوب، والمحجوب تتخطرف إشارته، ويجور قصده، وينظر منه إلى ما لا ينظر إليه، وكل مَنْ في مجلسك يخدمك، وأنا أحتاج أن أخْدَمَ، وأخرى لست آمن أن تنظر إلَيَّ بعين رَاضِ وقلبك غضبان أو بعين غضبان وقلبك رَاضِ، ومتى لم أميز بين هاتين ،هلكت فأختار العافية على التعرض للبلاء، فقال : بلغنا عنك بَذَاء ، قال : يا أمير المؤمنين، قد مد مدح الله تعالى وذم فقال :نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابُ [ص: 30] وقال جل ذكرههَمَّازٍ مَشَاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم: 11] الآية فإن لم يكن البذاء بمنزلة العقرب يلدغ النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)والذمي فلا ضَيْرَ في ذلك، قال الشاعر :

إذا أنا بالمعروف لم أك صادقاً*** ولم أشتم النَّكْسَ اللئيم المذمما

ففيمَ عَرَفْتُ الخير والشر باسمه*** وَشَقَ ليَ الله المسامع والفما؟

قال: من أين أنت؟ قال: من البصرة قال : ما تقول فيها؟ قال : ماؤها أجاج ، وحرها عذاب، وتطيب في الوقت الذي تطيب فيه جهنم .

وكان وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان واقفاً على رأسه ، قال : ما تقول في عبيد الله بن يحيى بن خاقان؟ قال : نعم العبد منقسم بين طاعة الله تعالى وخدمتك.

ودخل ميمون بن إبراهيم صاحب ديوان البريد فقال له : ما تقول في ميمون؟

قال : يد تسرق، وأست تضرط ، وهو بمنزلة يهودي قد سرق نصف خزينة ، له إقدام ومعه ،إحكام إحسانه ،تكلف وإساءته طبيعة ، فأضحكه ذلك منه، ووصله وصرفه .

هدايا الصفار للمعتضد

وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين ورَدَتْ هدايا من قبل عمرو بن الليث الصفار : منها مائة دابة من مَهَاري خراسان وجمازات كثيرة وصناديق كثيرة وأربعة آلاف ألف درهم، وكان معها صنم من صفر على مثال امرأة لها أربعة أيد وعليها وشاحان من فضة مُرَصَّعَانِ بالجوهر الأحمر والأبيض، وبين يدي هذا المثال أصنام صغار لها أبد ووجوه وعليها الحلي والجوهر وكان هذا التمثال على عَجَلٍ قد عمل على مقدارها تجره الجمازات ؛ فصير بذلك أجمع إلى دار المعتضد ؛ ثم رد هذا التمثال إلى مجلس الشرطة في الجانب الشرقي ؛ فنصب للناس ثلاثة أيام ثم رد إلى دار المعتضد، وذلك في يوم الخميس لأربع خلون من شهر ربيع الآخر من هذه السنة ؛ قسمت العامة هذا التمثال شغلا؛ لاشتغالهم عن أعمالهم بالنظر إليه عدة هذه الأيام.

وقد كان عمرو بن الليث قد حمل هذا الصنم من مدن افتتحها من بلاد الهند ومن جبالها مما يلي بلاد بسط ومعبر وبلاد الدوار، وهي ثغور في هذا الوقت . وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . مما يليها من الأكافر والأمم المختلفة حَضَرٌ وبَدو، فمن الحضر بلاد کابل و بلاد بامیان وهي بلاد متصلة ببلاد زابلستان ،والرخج وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار الأمم الماضية والملوك الغابرة أن زابلستان تعرف ببلاد فیروز بن كبك ملك زابلستان

وقد كان عيسى بن علي بن ماهان دخل في طلب الخوارج في أيام الرشيد إلى السند وجبالها والقندهار والرخج وزابلستان يقتل ويفتح فتوحاً لم يتقدم مثلها في تلك الديار ؛ ففي ذلك يقول الأعمى الشاعر المعروف بابن العذافر القمي:

کاد عيسى يكون ذا القرنين*** بلغ المغربين والمشرقين

لم يَدَع كابلا ولا زابلستا*** ن فما حولها إلى الرخجين

وقد قدمنا فيما سلف من كتبنا الأخبار عن قلاع فيروز بن كبك الملك ببلاد زابلستان التي ليس في قلاع العالم على ما ظهر للناس من ذوي العناية والتنقير ومَنْ أكثر في الأرض المسير أحْصَنُ منها ، ولا أمنع ولا أعلى في الجو، ولا أكثر عجائب منها، وذكرنا عجائب تلك الديار إلى بلاد الطبسين و بلاد خراسان واتصالها بسجستان وعجائب المشرقين والمغربين من عامر وغامر ، وما في العامر من الأمم المختلفة الخلق والخلق .

قدوم أهل البصرة على المعتضد

وقد كان أهل البصرة وردوا على المعتضد في مراكب بحرية بيض مشحمة بالشحم والنورة على ما في بحرهم، ووفد فيها خلق من خطبائهم ومتكلميهم وأهل الرياسة والشرف والعلم : منهم أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، وكان مولى آل جُمح من ،قريش، وكان ولي القضاء بعد ذلك، يشكون إلى المعتضد ما نزل بهم من محن الزمان وجدب لحقهم، وجَوْرٍ من العمال اعتورهم وألحوا بالصياح والضجيج في مراكبهم في دجلة، فجلس لهم المعتضد من وراء حجاب، وأمر الوزير القاسم بن عبيد الله وغيره من كتاب الدواوين بالجلوس لهم من حيث يسمع المعتضد خطابهم، فيقصون لهم بما يشكونه من حكم الدواوين، ثم أذن للبصريين فدخلوا وأبو خليفة في أولهم عليهم الطيالسة الزرق والأقناع على رؤوسهم ذوو عوارض جميلة وهيئة حسنة، فاستحسن المعتضد ما رأى منهم، وكان المبتدىء منهم بالنطق أبو خليفة ؛ فقال : عمر العامر ، ودَثَرَ الظاهر، واختلفت العَوَّاء، وخسفت الجوزاء، وأناخت علينا المصائب، واعتورتنا المحن، وقام كل رجل منا في ظلمة، واصطلمت ،الضياع وانخفضت القلاع، فانظر إلينا بعين الإمام تستقيم لك الأيام، وتنقاد لك الأنام، وإلا فنحن البصريون لا تدفع عن فضيلة، ولا نتنافس عن جليلة وسَجَعَ في كلامه وأغرق في خطابه، فقال له الوزير أحسبك مؤدباً أيها الشيخ فقال له : أيها الوزير المؤدبون أجلسوك هذا المجلس، قال له الوزير : كم في خمس من الإبل ؟ قال له أبو خليفة : الخبير سألت؛ في خمس من الإبل شاة، وفي العشر شاتان؛ ثم مضى في وصف فرائض الإبل واصفاً لما يجب فيها ، ذاكراً للتنازع في موضعه منها ؛ ثم شرع في البقر والغنم، بلسان فصيح وخطاب حسن في إيجاز من خطاب وبيان من الوصف ؛ فبعث المعتضد . وقد أعجبه ما سمع، وأكثر لذلك من الضحك . بخادم إلى الوزير، فقال له : اكتب لهم عما يريدون، وأجبهم إلى ما سألوه، ولا تصرفهم إلا شاكرين؛ فهذا شيطان قذف به البحر، ومثله فَلْيَفِذ على الملوك .

أبو خليفة الجمحي

وكان أبو خليفة لا يتكلف الإعراب، بل قد صار له كالطبع، لدوام استعماله إياه من عنفوان حداثته، وكان ذا محل من الإسناد.

وله أخبار ونوادر حسان قد دونت منها أن بعض عمال الخراج بالبصرة كان مصروفاً عن عمله وأبو خليفة مصروفاً عن قضائه فبعث العامل إلى أبي خليفة أن مبرمان النحوي صاحب أبي العباس المبرد قد زارني في هذا اليوم إلى بعض الأنهار والبساتين، فأتوه مبكرين مع من حضرنا من أصحابنا، وسألوه الحضور معهم، فجلسوا في سمارية متفكهين قد غيروا ظواهر زيهم حتى أتوا نهراً من أنهار البصرة [واستحسنوا بعض البساتين فقدموا إليه وخرجوا إلى الشط وجلسوا تحت النخل على شط النهر] وقدم إليه ما حمل معهم من الطعام وكان أيام المبادي وهي الأيام التي يُثْمِر فيها الرطب فيكبسونه في القواصر تمراً، وتكون حينئذ البساتين مشحونة بالرجال ممن يعمل في التمر من الأكَرَة ، وهم الزراع وغيرهم ؛ فلما أكلوا قال بعضهم لأبي خليفة غير مكن له خوفاً أن يعرفه من حضر ممن ذكرنا من الأكَرَةِ والعمال في النخل : أخبرني أطال الله بقاءك عن قول الله عز وجل : تَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: 6] هذه الواو ما موقعها من الإعراب؟ قال أبو خليفة : موقعها رفع، وقوله : «قوا» هو أمر للجماعة من الرجال، قال له : كيف تقول للواحد من الرجال وللاثنين؟ قال : يقال للواحد من الرجال : ق ،وللاثنين ،قيا، وللجماعة : قوا، قال: كيف تقول للواحدة من النساء وللاثنتين منهن وللجماعة منهن ؟ قال أبو خليفة : يقال للواحدة قي، وللاثنتين : قيا، وللجماعة : قِينَ . قال : فأسألك أن تعجل بالعَجَلةِ كيف يقال للواحد من الرجال والاثنين والجماعة والواحدة من النساء والاثنتين منهن والجماعة منهن ؟ قال أبو خليفة عجلان : ق قيا قوا قي قيا ،قين وكان بالقرب منهم جماعة من الأكَرَةِ، فلما سمعوا ذلك استعظموه، وقالوا يا زنادقة أنتم تقرؤون القرآن بحروف الدجاج ، وعَدَوْا عليهم فصفعوهم، فما تخلص أبو خليفة والقوم الذين كانوا معه من أيديهم إلا بعد كد طويل .

وقد أتينا على نوادر أبي خليفة وأخباره ومخاطبته لبغلته حين ألقته وما تكلم به حين دخول اللص إلى داره وغير ذلك في كتابنا الأوسط.

وكانت وفاة أبي خليفة بالبصرة في سنة خمس وثلاثمائة .

ابن الشيخ في آمد

وفي سنة ست وثمانين ومائتين في ربيع الأول نزل المعتضد على آمد، وذلك بعد

وفاة أحمد بن عيسى ابن الشيخ عبد الرزاق، وقد تحصن بها ولده محمد بن أحمد بن عيسى بن عبد الرزاق، فَبَثَّ جيوشه حولها وحاصرها فحدث علقمة بن عبد الرزاق قال : حدثنا رواحة بن عيسى بن عبد الملك عن شعبة بن شهاب اليشكري قال: وَجّه بي المعتضد إلى محمد بن أحمد بن عيسى ابن الشيخ لآخذ بالحجة عليه، فلما صرت إليه واتصل الخبر بأم الشريف أرسلت إلي فقالت يا ابن شهاب كيف خَلَّفْتَ أمير المؤمنين؟ قال : فقلت : خَلَّفْتُه والله ملكاً جدلاً وحكماً عدلاً، أماراً بالمعروف فعالا للخير متعززاً على أهل الباطل، متذللا للحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، قال: فقالت لي : هو والله أهل لذلك ومستحقه ومستوجبه، وكيف لا يكون ذلك كذلك وهو ظل الله الممدود على بلاده وخليفته المؤتمن على عباده أعزّ به دينه، وأحيا به سُنّته، وثبت به شريعته . ثم قالت لي : وكيف رأيت صاحِبَنَا؟ تعني ابن أخيها محمد بن أحمد، قال : فقلت : رأيت غلاماً حَدَثاً معجباً قد استحوذ عليه السفهاء فاستمدَّ بآرائهم وأنْصَتَ لأقوالهم، فهم يزخرفون له الكلام، ويوردونه النَّدَم ، فقالت لي : فهل لك أن ترجع إليه بكتاب فلعلنا أن نَحُلَّ ما عَقَدَه السفهاء؟ قال : قلت : أجل، فكتبَتْ إليه كتاباً لطيفاً [حسناً] أجزلت فيه الموعظة وأخلصت فيه النصيحة وكتبت في آخره هذه الأبيات:

اقْبَل نصيحة أم قلبها وَجِعٌ*** عليك، خوفَاً ،وإشفاقاً، وقُلْ سَدَدًا

واستَعْمِل الفكر في قولي ؛ فإنك إن***فَكَرْتَ أَلَفَيْتَ في قولي لك الرّشَدَا

ولا تثق برجال في قلوبهم *** ضغائن تبعث الشَّنْآن والحسدا

مثل النعاج خمول في بيوتهم*** حتى إذا أمنوا ألفيتهم أسُدا

وَدَاوِ ذلك والأدواء ممكنة ***وإذا طبيبك قد ألْقَى إليك بدا

واعط الخليفة ما يرضيه منك، ولا *** تَمْنَعْهُ مالاً ولا أهلا ولا ولدا

واردد أخا يشكر رداً يكون له*** ردءاً من السوء لم تُشْمِتْ به أحدا

قال : فأخذتُ الكتاب وسرت به إلى محمد بن أحمد فلما نظر فيه رمى به إليَّ، ثم قال : يا أخا يشكر ما بآراء النساء تُسَاس الدول ولا بعقولهن يُساس الملك ارجع إلى صاحبك فرجعت إلى أمير المؤمنين؟ فأخبرته الخبر عن حقه وصدقه، فقال: وأين كتاب أم الشريف؟ قال : فأظهرته، فلما عرض عليه أعجبه شعرها وعقلها، ثم قال : إني لأرجو أن أشفعها في كثير من القوم ؛ فلما كان في فَتْح آمد ما كان ونزل محمد بن أحمد على الأمان لما عظم القتال وجّه إليَّ أمير المؤمنين فقال : يا شعلة بن شهاب ؛ هل عندكم علم من أم الشريف؟ قال : قلت : لا والله يا أمير المؤمنين ، قال : امْضِ مع هذا الخادم

فإنك تَجِدُها في جملة نسائها قال فمضيت، فلما بصرت بي أسفرت عن وجهها وأنشأت تقول :

رَیَّبُ الزمان وصَرْفُه*** وعتوه كشف القناعا

وأذَلَّ بعد العز منـ***ـا الصَّعْب والبطل الشجاعا

ولقد نصحت فما أُطعـ***تُ، وکم حرمت بأن أطاعا

فأبي بنا المقدور إلَّا***أن نُقَسم أو نباعا

یالیت شعري هل ترى*** يوماً لفرقتنا اجتماعا

قال : ثم بكت وضربت بيدها على الأخرى، ثم قالت لي: يا [ابن] شهاب كأني والله كنت أرى ما أرى ، فإنا لله وإنا إليه راجعون :قال فقلت لها : إن أمير المؤمنين قد وَجْهَنِي إليك، وما ذاك إلا لحسن رأي منه فيك قالت فهل لك أن توصل إليه كتابي هذا بما فيه؟ قلت : نعم فكتبت إليه بهذه الأبيات:

قل للخليفة والإمام المرتضى*** وابن الخَلَائِفِ من قريش الأبطح

بك أصلح الله البلاد وأهْلَهَا*** بعد الفساد، وطالما لم تصلح

وتزحزحت بك قبة العز التي*** لولاك بعد الله لم تتزحزح

وأراك رَبُّكَ ما تحب فلاترى*** ما لا يُحِبُّ، فَجُدْ بعفوك واصْفَح

[يا بهجة الدنيا وبَدْرَ ملوكها*** هَبْ ظالمي ومفدي لمصلح]

قال : فأخذت الكتاب وسرت به إلى أمير المؤمنين فلما عرضت عليه الأبيات ،أعجبته وأمر أن يحمل إليها تُخُوتُ من الثياب وجملة من المال، وإلى ابن أخيها محمد بن أحمد مثل ذلك ، وشَفّعها في كثير من أهلها ممن عظم جرمه واستحق العقوبة عليه .

حرب مع رافع بن ليث

وكتب المعتضد إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلَفَ بمواقعة رافع بن ليث وذلك في سنة تسع وسبعين ومائتين، فسار أحمد بن عبد العزيز إلى رافع، والتقوا بالري لسبع بقين من ذي القعدة من هذه السنة، وأقامت الحرب بينهم أياماً، ثم كانت على رافع بن ليث فولى، وركب أصحاب ابن أبي دُلَفَ أكتافهم، واستولوا على عسكرهم، وكان وصول هذا الخبر إلى بغداد لست خلون من ذي الحجة من هذه السنة .

محمد بن الحسن بن سهل يدعو لرجل طالبي

وفي سنة ثمانين ومائتين أخذ ببغداد رجل يعرف بمحمد بن الحسن بن سهل ابن أخي ذي الرياستين الفضل بن سهل يلقب بشميلة، ومعه عبيد الله بن المهتدي، ولمحمد بن الحسن بن سهل هذا تصنيفات في أخبار المبيضة، وله كتاب مؤلف في أخبار علي بن محمد صاحب الزنّج على حسب ما ذكرنا من أمره فيما سلف من هذا الكتاب، فأقرَّ عليه جماعة من المستأمنة من عسكر العلوي وأصيب له جرائد فيها أسماء رجال قد أخذ عليهم البيعة لرجل من آل أبي طالب وكانوا قد عزموا على أن يظهروا ببغداد في يوم بعينه ويقتلوا المعتضد، فأدخلوا إلى المعتضد، فأبى مَنْ كان مع محمد بن الحسن أن يقروا وقالوا : أما الرجل الطالبي فإنا لا نعرفه وقد أخذت علينا البيعة له ولم نَرَهُ، وهذا كان الواسطة بيننا وبينه يعنون محمد بن الحسن، فأمر بهم فقتلوا، واستبقى شميلة طمعاً في أن يدله على الطالبي، وخلّي عبيد الله بن المهتدي لعلمه ببراءته، ثم أراد المعتضد بالله بمحمد بن الحسن بجميع الجهات أن يدله على الطالبي الذي أخذ له العهد على الرجال فأبى، وجرى بينه وبين المعتضد خطب طويل وكان في مخاطبته للمعتضد أن قال : لو شَوَيْتَنِي على النار ما زدتك على ما سمعت مني، ولم أقر على مَنْ دعوتُ الناسَ إلى طاعته وأقررت بإمامته، فاصنع ما أنت له صانع، فقال له المعتضد : لسنا نعذبك إلا بما ذكرت ، فذكر أنه جعل في حديدة طويلة أدخلت في دبره وأخرجت من فمه وأمسك بأطرافها على نار عظيمة حتى مات بحضرة المعتضد وهو يسبه ويقول فيه العظائم والأشهر أنه جعل بين رماح ثلاثة وشُدَّ بأطرافها وكتف وجعل فوق النار، من غير أن يماسها وهو في الحياة يدار عليها ويشوى كما تشوى الدجاج وغيرها إلى أن تفرقع جسمه، وأخرج فصلب بين الجسرين من الجانب الغربي.

محاربة بني شيبان

وفي هذه السنة كان خروج المعتضد في طلب الأعراب من بني شيبان، و[قد] كانوا عَتَوْا وأكثروا الفساد وأوقع بهم مما يلي الجزيرة والزاب في الموضع المعروف بوادي الذئاب ، فقَتَلَ وأسَرَ وساق الذراري وسار إلى الموصل.

وفي هذه السنة افتتح أبو عبد الله بن أبي الساج المراغة من بلاد أذربيجان، فقبض على عبد الله بن الحسين واستصفى ،أمواله ثم أتى عليه بعد ذلك .

فتح عمان

وفي هذه السنة كانت وفاة أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلَفَ

وفي هذه السنة افتتح أحمد بن ثور عمان وكان مسيره إليه من بلاد البحرين ، فواقع الشراة من الأباضية، وكانوا في نحو من مائتي ألف، وكان إمامهم الصَّلت بن مالك ببلاد بروي من أرض عمان ؛ وكانت له عليهم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وحمل كثيراً من رؤوسهم إلى بغداد [فنصبت بالجسر].

وفيها دخل المعتضد بغداد منصرفاً من الجزيرة.

[وفي هذه السنة كان دخول عمرو بن الليث نيسابور].

ابنة ابن أبي الساج

وفي هذه السنة نقلت ابنة محمد بن أبي الساج إلى بدر غلام المعتضد ؛ وقد أتينا على خبر ابن أبي الساج وما كان من تزويجه ابنته لبدر بحضرة المعتضد ؛ وما كان من خبر ابن أبي الساج ورحلته عن باب خراسان متوجهاً إلى أذربيجان في الكتاب الأوسط.

مسير إسماعيل بن أحمد إلى أرض الترك

وفي هذه السنة سار إسماعيل بن أحمد . بعد وفاة أخيه نصر بن أحمد واستيلائه على إمرة خراسان . إلى أرض الترك، ففتح المدينة الموصوفة من مدنهم بدار الملك، وأسر خاتون زوجة الملك، وأسر خمسة عشر ألفاً من الترك وقتل منهم عشرة آلاف ويقال : إن هذا الملك يقال له طنكش، وهذا الاسم سِمَةً لكل ملك مَلَكَ هذا البلد من ملوكهم، وأراه من الجنسين المعروفين بالخدلجية، وقد أتينا فيما سلف من هذا الكتاب على جمل من أخبار الترك وأجناسهم وأوطانهم، وكذلك فيما سلف من كتبنا .

بين وصيف وعمرو بن عبد العزيز

وفي سنة إحدى وثمانين ومائتين كانت الحرب بين وصيف خادم ابن أبي الساج وعمرو بن عبد العزيز ببلاد الجبل وكان من أمره ما ذكرنا فيما سلف من كتبنا، وكان المعتضد خرج في هذه السنة إلى الجبل لأمور بلغته منها قصة محمد بن زيد العلوي الحسيني صاحب بلاد طبرستان فولّي ولده عليا المكتفي الري، وأنزله بها، وأضاف إليه قزوین وزنجان وأبهر وقم وهمذان وانصرف المعتضد إلى بغداد وقد قلد عمرو بن عبد العزيز أصبهان وكرخ أبي دُلَفَ .

أحداث

وفيها استأمن إلى المكتفي على كوره، وسار إلى المعتضد في عدة كثيرة، وفيها

سار طغج بن شبيب أبو الإخشيد صاحب مصر في هذا الوقت . وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . في عساكر كثيرة من دمشق، فدخل طرسوس غازياً وافتتح ملوريه مما يلي بلاد برغوث ودرب الراهب .

وفي هذه السنة نزل المعتضد على حمدان بن حمدون وقد تحصن في القلعة المعروفة بالصوارة نحو عين الزعفران وسارع إسحاق بن أيوب العنبري [إلى طاعة المعتضد، ودخل في عسكره، واستأمن الحسين بن حمدان بن حمدون] ومن كان معه من أصحابه إلى المعتضد، وقد أتينا على خبر حمدان بن حمدون وما كان من أمره وصعوده الجبل الجودي وعبوره دجلة وكاتبه النصراني ودخول عسكر المعتضد ليلا إلى إسحاق بن أيوب حتى أتي به إلى المعتضد، وإخراب المعتضد لهذه القلعة، وقد كان حمدان أنْفَقَ عليها أموالاً جليلة وهو حمدان بن حمدون بن الحارث بن منصور بن لقمان، وهو جد أبي محمد الحسن بن عبد الله الملقب بناصر الدولة في هذا الوقت . وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . وما كان من الحسين بن حمدان في طلبه هارونَ الشاري، وما كان من أخذ الحسين بن حمدان إياه بعد هذا الموضع فيما يَرِدُ من هذا الكتاب.

مقتل أبي الجيش خمارويه

قال المسعودي وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين ذُبِحَ أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون بدمشق في ذي القعدة، وقد كان بَنَى في سفح الجبل أسفل من دير مروان قصراً، وكان يشرب فيه في تلك الليلة، وعنده طغج، وكان الذي تولى ذلك خادماً من خدمهم، وأتى بهم على أميال فقتلوا وصلبوا، ومنهم من رُمِيَ بالنشاب ومنهم من شرح لحمه أفخاذه من ،وعجزته، وأكله السودان من مماليك أبي الجيش.

الخصيان

وقد أتينا على أخبار الخدم من السودان والصقالبة والروم والصين، وذلك أن أهل الصين يَخْصُون كثيراً من أولادهم كفعل الروم بأولادهم، وما اجتمع عليه الخصيان من التضاد، وذلك لما حدث بهم من قطع هذا العضو في كتابنا «أخبار الزمان» وما أحدثته الطبيعة فيهم عند ذلك كما قاله الناس فيهم وما ذكروه من الصفات.

وذكر المدائني أن معاوية بن أبي سفيان دخل ذات يوم على امرأته فاختة . وكانت ذات عقل وحزم . ومعه خصي، وكانت مكشوفة الرأس، فلما رأت معه الخصي غَطَّتْ رأسها ، فقال لها معاوية : إنه خصي فقالت : يا أمير المؤمنين، أترى المثلة به أحلت له

ما حرم الله عليه ؟ فاسترجع معاوية، وعلم أن الحق ما قالته، فلم يُدْخِل بعد ذلك على حرمه خادماً، وإن كان كبيراً فانياً.

وقد تكلم الناس فيهم، وذكروا الفرق بين المجبوب والمسلوب، وأنهم رجال مع النساء ونساء مع الرجال ، وهذا خَلْفٌ من الكلام، وفاسد من المقال، بل هم رجال وليس في عدم عضو من أعضاء الجسد ما يوجب إلحاقهم بما ذكروا، ولا عدم نبت اللحية محيلا لهم عما وصفوا ومن زعم أنهم بالنساء أشبه فقد أخبر عن تغيير فعل الباري جل وعز لأنه خَلَقَهم رجالًا [لا ،نساء، وذُكْرَاناً ، لا إناثاً، وليس في الجناية عليهم ما يقلب أعيانهم، ويزيل خَلقَ الباري جل وعز [لهم]، وقد قلنا في علة عدم نتن الآباط في الخدم وما قالته الفلاسفة فيما سلف من كتبنا، لأن الخادم بطيء لا يوجد لآباطه رائحة وهذا من فضائل الخدم.

نقل جثة خمارويه إلى مصر

وحمل أبو الجيش في تابوت إلى مصر، وَوَرد الخبر بذلك إلى مصر [يوم الأحد لخمس ليال خَلَوْنَ من ذي الحجة، وكان ذبحه لأيام بقيت من ذي القعدة، فبويع لابنه جيش . وكان خمارویه به یکنی . من الغد يوم الاثنين، وأتى بأبي الجيش إلى مصر]، فأخرج من التابوت وجعل على السرير، وذلك على باب مصر، وخرج ولده الأمير جيش، وسائر الأمراء والأولياء، فتقدم القاضي أبو عبد الله محمد بن عبدة المعروف بالعبداني وصلى عليه، وذلك في الليل.

فحكى أبو بشر الدولابي عن أبي عبد الله النجاري . وكان شيخاً من أهل العراق وكان يقرأ في دور آل طولون ومقابرهم. أنه كان في تلك الليلة ممن يقرأ عند القبر، وقد قدم أبو الجيش ليُدَلّي في القبر، ونحن نقرأ جماعة من القراء سبعة سورة الدخان، فأحدر من السرير، وَدُلّي في القبر، وانتهينا من السورة في هذا الوقت إلى قوله عز وجل : خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُوا فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الكريم [الدخان : 47 - 49] قال : فخفضنا أصواتنا وأدغمنا حباء ممن حضر.

من حزم المعتضد

ومما ذكر من خبر المعتضد وحزمه في الأمور وحيله أنه أطلق من بيت المال لبعض الرسوم في الجند عشرِ ،بدر فحملت إلى منزل صاحب عطاء الجيش ليصرفها فيهم، فنقب منزله في تلك الليلة، وأخذت العشر البدر ، فلما أصبح نظر إلى النقب ولم ير المال، فأمر بإحضار صاحب الحرس، وكان على الحرس يومئذ مؤنس العجلي، فلما

أتاه قال له : إن هذا المال للسلطان والجند ومتى لم تأت به أو بالذي نقبه وأخذ المال ألزمك أمير المؤمنين ،غرمه، فجد في طلبه وطلب اللص الذي جَسَرَ على هذا الفعل، فصار إلى مجلسه وأحضر التوابين والشرط والتوابون هم شيوخ أنواع اللصوص الذين قد كبروا وتابوا فإذا جرت حادثة علموا مِنْ فِعْل مَنْ هي فدلوا عليه وربما يتقاسمون اللصوص ما سرقوه، فتقدم إليهم في الطلب، وتهدّدهم، وأوعدهم ، وطالبهم فتفرق القوم في الدروب والأسواق والغرف والمواخير ودكاكين الرواسين ودور القمار . فما لبثوا أن أحضروا رجلا نحيفاً ضعيف الجسم رث الكسوة هين الحالة فقالوا : يا سيدي هذا صاحب الفعلة وهو غريب من غير هذا البلد وأطبق القوم كلهم على أنه صاحب النقب ولص المال، فأقبل عليه مؤنس العجلي فقال له : ويلك !! مَنْ كان معك؟ وَمَنْ أعانك؟ وأين أصحابك؟ ما أظنك تقدر على عشر بدر وحدك في ليلة ما كنتم إلا عشرة وأقل ذلك خمسة، فأقر [لى] بالمال إن كان مجتمعاً، وعلى أصحابك إن كان المال قد قسم، فما زاده على الإنكار شيئاً، فأقبل يترفَّقُ به ويَعِدُه أن يثيبه ويرزقه ويعظم جائزته، ويعده بكل جميل على رده والإقرار ،به ويتوعده بكل مكروه [وهو] على جحوده ،وإنكاره، فلما غاظه ذلك وأنكره ويئس من إقراره أخذ في عقوبته ومساءلته، فضربه بالسوط والقلوس والمقارع والدرة على ظهره وبطنه وقفاه ورأسه وأسفل رجليه وكعابه ،وعضله، حتى لم يكن للضرب فيه موضع وبلغ به ذلك إلى حالة لا يعقل فيها ولا ينطق، فلم يقر بشيء، فبلغ ذلك المعتضد، فأحضر صاحب الجيش، فقال له: ما صنعت في المال؟ فأخبره الخبر ، فقال له : ويلك !! تأخذ لصاً قد سرق من بيت المال عشر بدر فتبلغ به الموت والتلف حتى يهلك الرجل ويضيع المال، فأين حيل الرجال؟[ قال : يا أمير المؤمنين ما أعلم الغيب ، ولم تكن لي في أمره حيلة غير ما فعلت، قال: أحضرني الرجل] فأتى به وقد حمل في جل، فوضع بين يديه وقد نقل، فسأله فأنكر ؛ فقال له : ويلك !! إن مت لم ينفعك، وإن برئت من هذا الضرب [ونجوت] لم أدعك تصل إليه، فلك الأمان والضمان على ما تصلح به حالتك ويحمد به أمرك فأبى إلا الإنكار ، فقال : علي بأهل الطب فأحضروا، فقال: خذوا هذا الرجل إليكم فعالجوه بأرفق العلاج وواظبوا عليه بالمراهم والغذاء والتعاهد واجتهدوا أن تبرئوه في أسرع وقت فأخذوه إليهم، وأخرج مالا مكان المال وأمر بتفريقه على الجند، فيقال : إنه بريء وصلح في أيام يسيرة ثم واظبوا عليه بالطعام والشراب والوطاء والطيب حتى صَحَ وقوي جسمه وظهر لونه ورجعت إليه نفسه، ثم ذكر به، فأمر بإحضاره، فلما حضر بين يديه سأله عن حاله، فدعا وشكر، وقال : أنا بخير ما أبقى الله أمير المؤمنين، ثم سأله عن المال، فعاد إلى الإنكار ، فقال له : ويلك !! لست تخلو من أن تكون أخذته وحدك كله أو

وصل إليك بعضه، فإن كنت أخذته كله فإنك تنفقه في أكل وشرب ولهو، ولا أظنك تفنيه قبل موتك، وإن مت فعليك ،وزره وإن كنت أخذت بعضه سمحنا لك به، فأقر النا به وأقر] على أصحابك، فإني أقتلك إن لم تقر، ولا ينفعك بقاء المال ،بعدك، ولا يبالي أصحابك بقتلك، ومتى أقررت دفعت إليك عشرة آلاف درهم ، وأخذت لك من أصحاب الجسر مثل ذلك ، ورسمتك من التوابين، وأجريت لك في كل شهر عشرة دنانير تكفيك لأكلك وشربك وكسوتك وطيبك، وتكون عزيزاً، وتنجو من القتل، وتتخلص من الإثم، فأبى إلا الإنكار ، فاستحلفه بالله [فحلف] وأظهر له مصحفاً، [واستحلفه] فحلف عليه فقال : إني سأظهر على المال، فإن أنا ظهرت عليه بعد هذه اليمين قتلتك ولم أستبقك، فأبى إلا الإنكار ، فقال له : فضع يدك على رأسي واحلف بحياتي، فوضع يده على رأسه وحلف بحياته أنه ما أخذه وأنه مظلوم متهم ، وأن التوابين قد تبرؤوا به ، فقال له المعتضد : فإن كنت قد كذبت قتلتك وأنا بريء من دمك؟ قال: نعم، فأمر بإحضار ثلاثين ،أسود، بحيث يراهم ويرونه، وأمرهم أن يتناوبوا في ملازمته، فأتت عليه أيام وهو قاعد لا يتكيء [ولا يستند] ولا يستلقي ولا يضطجع، وكلما خفق خَفْقَةٌ وجِيء فكه وقمع رأسه، حتى إذا ضعف وقارب التلف أمر بإحضاره، فأعاد عليه ما كان خاطبه به واستحلفه بالله وبغير ذلك من الأيمان، فخلف على ذلك كله وبما لم يستحلفه به أنه ما أخذ المال ولا يعرف من أخذه، فقال المعتضد لمن حضر : قلبي يشهد أنه بريء، وأن ما يقول حق خَفْقَةً، وأن التوابين قد عرفوا ،صاحبه وقد أثمنا في هذا الرجل، وسأله أن يجعله في جلَّ، ففعل، ثم أمر بإحضار مائدة عليها طعام، وأحضر بارد الشراب، وأمره بالجلوس والأكل والشراب، فأقبل يأكل ويشرب، ويُحثُ على الأكل، ويلقم ويعاد الشراب عليه ويكرر حتى لم يبق للأكل والشرب موضع ، ثم أمر ببخور وطيب فبخر وطيب، وأتى له بحشية ريش فوطىء له ومهد ، فلما استلقى واستراح وغفا أمر بإزعاجه وسرعة إيقاظه فحمل من موضعه حتى أقعد بين يديه وفي عينيه الوَسَنُ، فقال له : حدثني كيف صنعت؟ وكيف نقبت ؟ ومن أين خرجت؟ وإلى أين ذهبت بالمال؟ ومَنْ كان معك ؟ قال : ما كنت إلا وحدي وخرجت من النقب الذي دخلت منه وكان مقابل الدار حمام له كوم شوك يوقد به فأخذت المال ورفعت ذلك الشوك والقماش والقصب فوضعته تحته وغطيته، وهو هنالك، فأمر برده إلى فراشه فردوه وأضجعوه عليه، ثم بإحضار المال، فأحضر عن آخره، وأحضر مؤنس العجلي وأحضر الوزير والجلساء، وقد غطي المال بالبساط ناحية من المجلس، ثم أمر بإيقاظ اللص وقد اكتفى في النوم وذهب عنه الوَسَنُ ، فقال له بحضرة الجميع مثل قوله الأول، فجحد وأنكر ، فأمر بكشف البساط ،وقال له : ويلك !! أليس هذا المال؟ أليس فعلت كذا وكذا ؟ يصف له ما كان

حَدَّثه، به، فأسقط في يد اللص، ثم أمر فقبض على يديه ورجليه وأوثق، ثم أمر بمنفاخ فنفخ في دبره، وأتي بقطن فحشي في أذنيه وفمه وخيشومه، وأقبل ينفخ، وخلي عن يديه ورجليه من الوثاق ؛ وأمسك بالأيدي وقد صار كأعظم ما يكون من الزقاق المنفوخة، وقد ورم سائر أعضائه وعظم جسمه وعيناه قد امتلأتا وبَرَزَا، فلما كاد أن ينشقّ أمر بعض الأطباء فضربه في عرقين فوق الحاجبين وهما في الجبين، فأقبلت الريح تخرج منهما مع الدم ولها صوت وصفير إلى أن خمد وتلف وكان ذلك أعظم منظر رؤي في ذلك اليوم من العذاب، وقيل: إن البِدَرَ كانت عَيْناً، وإن عددها كان أكثر مما وصفنا.

ابن المغازلي المضحك

وقد كان ببغداد رجل يتكلم على الطريق ويقص على الناس بأخبار ونوادر ومَضَاحك ويعرف بابن المغازلي . وكان في نهاية الحذق لا يستطيع من يراه ويسمع كلامه أن لا يضحك . قال ابن المغازلي : فوقفت يوماً في خلافة المعتضد على باب الخاصة أضحك وأنادر؛ فحضر حلقتي بعض خدمة المعتضد، فأخذت في حكاية الخدم، فأعجب الخادم بحكايتي، وأشغف بنوادري، ثم انصرف عني، فلم يلبث أن عاد وأخذ بيدي وقال: إني لما انصرفت عن حلقتك دخلت فوقفت بين يدي المعتضد أمير المؤمنين، فذكرت حكايتك وما جرى من نوادرك فاستضحكت فرآني أمير المؤمنين فأنكر ذلك مني ، وقال : ويلك !! ما لك؟ فقلت : يا أمير المؤمنين على الباب رجل يعرف بابن المغازلي يُضحك ويحاكي ولا يدع حكاية أعرابي وتركي ومكي ونجدي ونبطي وزنجي وسندي وخادم إلا حكاها، ويخلط ذلك بنوادر تضحك الشكول وتضبي الحليم، وقد أمرني بإحضارك ولي نصف جائزتك ، فقلت له وقد طمعت في الجائزة السنية : يا سيدي، أنا ضعيف وعليَّ عَيْلَة ، وقد مَنَّ الله عليّ بك فما عليك إن أخذت بعضها سدسها أو ربعها، فأبى إلا نصفها فطمعت في النصف وقنعت به ؛ فأخذ بيدي وأدخلني عليه، فسلمت وأحسنت، ووقفت في الموضع الذي أوقفت فيه، فردَّ عليّ السلام، وقد كان ينظر في كتاب، فلما نظر في أكثره أطبقه ثم رفع رأسه إليَّ وقال لي : أنت ابن المغازلي؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين قال : قد بلغني أنك تحكي وتُضحك، وأنك تأتي بحكايات عجيبة ونوادر طريفة قلت نعم يا أمير المؤمنين الحاجة تفتق الحيلة، أجمع بها الناس، وأتقرب إلى قلوبهم بحكايتها ألتمس برهم، وأتعيش بما أناله منهم، ، قال : فهات ما عندك، وخُذ في فنك، فإن أضحكتني أجزتك بخمسمائة درهم وإن لم أضحك فما لي عليك؟ فقلت للحَيْنِ والخذلان ما معي إلا قفاي فاصفعه ما أحببت،

وكم شئت، وبما شئت فقال لي : قد أنصفت، إن ضحكت فلك ما ضمنت ، وإن أنا لم أضحك صفعتك بهذا الجراب عَشْرَ صفعات فقلت في نفسي : ملك لا يصفع إلا بشيء يسير، وبشيء خفيف هَيْن، ثم التفت وإذا أنا بجراب أدم ناعم في زاوية البيت، فقلت في نفسي : : ما أخطأ حَزْري، ولا أخْلَفَ ظني، وما عسى أن يكون من جِرَابٍ فيه ريح، إن أنا أضحكته ربحت، وإن أنا لم أضحكه فأمر عشر صفعات بِجرَاب منفوخ هَيِّن، ثم أخذت في النوادر والحكايات والنفاسة والعبارة، فلم أدع حكاية أعرابي ولا نحوي ولا مُخنث ولا قاض ولا زُطِّي ولا نَبَطِي ولا سندي ولا زنجي ولا خادم ولا تركي ولا شطارة ولا عيارة ولا نادرة ولا حكاية إلا أحضرتها وأتيت بها، حتى نفد جميع ما عندي وتصدع رأسي[وانقطعت وسكت وَفَتَرْت وَبَرَدْت فقال لي هيه هات ما عندك، وهو مغضب لا يضحك ولا يبتسم] ولم يبق ورائي خادم إلا هرب ولا غلام إلا ذهب لما استَفَزَّهم الضحك وورد عليهم من الأمر، فقلت: يا أمير المؤمنين قد نفذ والله ما معي، وتصدَّعَ رأسي، وذهب معاشي، وما رأيت قط مثلك، وما بقيت لي إلا نادرة واحدة فقال : هاتها، فقلت: يا أمير المؤمنين وعدتني أن تصفعني عشراً وجعلتها مكان الجائزة، فسألك أن تضعف الجائزة وتضيف إليها عشراً، فأراد أن يضحك فاستمسك، ثم قال: نفعل یا غلام خذ بيده فأخذ بيدي ومددت قفاي فصفعت بالجِرَاب صفعة، فكأنما سقط على قفاي قلعة وإذا فيه حصى مُدَوّر كأنه صنجات فصفعت به عشراً كادت أن تنفصل رقبتي وينكسر عنقي، وَطَنّت أذناي، وقدح الشعاع من عيني، فلما استوفيت العشرة صحْتُ يا سيدي نصيحة، فرفع الصفع عني بعد أن عزم على إيفاء ما كنت

سألته من إضعاف جائزتي فقال ما نصيحتك ؟ فقلت يا سيدي، إنه ليس في الديانة أحسن من الأمانة، الأمانة ولا أقبح من الخيانة، وقد ضمنت للخادم الذي أدخلني عليه نصف الجائزة على قلتها أو كثرتها، وأمير المؤمنين أطال الله بقاءه بفضله وكرمه قد أضْعَفَهَا، فقد استوفيت نصفها وبقي لخادمك نصفها فضحك حتى استلقى، واستفزه ما كان قد سمعه مني أولا، وتحامل وتحامل له وصبر عليه فما زال يضرب بيده ويفحص برجله ويمسك بمَرَاق بطنه، حتى إذا سكن ضحكه ورجَعَتْ إليه نفسه قال : علي بفلان الخادم، فأتي به، وكان طُوَالا، فأمر بصفعه فقال : يا أمير المؤمنين أي شيء قضيتي؟ وأي جناية جنايتي؟ فقلت له هذه جائزتي وأنت شريكي، وقد استوفيت نصفها، وبقي نصيبك منها ، فلما أخذه الصفع وطرق قفاه الصافع أقبلت عليه أقول له : قلت لك : إني ضعيف

مُعْيل وَشَكَوْت إليك الحاجة والمسكنة وأقول لك يا سيدي، لا تأخذ نصفها لك سدسها لك ،ربعها وأن تقول ما آخذ إلا نصفها ولو علمت أن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه جوائزه صَفْعُ وهبتها لك كلها، فعاد إلى الضحك من قولي للخادم، وعتابي له فلما استوفى صفعه وسكن أمير المؤمنين من ضحكه أخرج من تحت تكأته صُرَّة قد كان أعَدَّها فيها خمسمائة درهم ثم قال له وقد أراد الانصراف قف، هذه كنت أعددتها لك، فلم يَدَعْكَ فضولك حتى أحضرت لك شريكاً فيها، ولعلني كنت أمنعه منها. فقلت يا أمير المؤمنين أين الأمانة وقبح الخيانة؟ ووددت أنك كنت تدفعها كلها إليه ،وتصفعه مع العشرة عشرة أخرى وتدفع له الخمسمائة درهم فقسم الدراهم بيننا، وانصرفنا .

وفاة جماعة

وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين كانت وفاة إسماعيل بن إسحاق القاضي،

والحارث بن أبي أسامة وهلال بن العلاء الرقي.

حرب هارون الشاري

وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين نزل المعتضد تكريت وسار الحسين بن حمدان في الأولياء لحرب هارون الشاري فكانت بينهم حرب عظيمة كانت للحسين بن حمدان عليه، فأتى به المعتضد أسيراً بغير أمان ومعه أخوه فدخل المعتضد بغداد، وقد نُصِبَتْ له القباب وزينت له الطرقات وَعَبَّاً المعتضد بالله جيوشه بباب الشماسية أحسن ما يكون من التعبئة وأكمل هيئة فاشتقوا بغداد إلى القصر المعروف بالحسني، ثم خلع المعتضد على الحسين بن حمدان خِلَعاً شَرَّفَه ،بها، وطوقه بطوق من ذهب، وخلع على جماعة من فُرْسَانه ورؤساء أصحابه وأهله وشهرهم في الناس كرامة لما كان من فعلهم وحسن بلائهم، ثم أمر بالشاري فأركب فيلا وعليه دُرّاعَة ديباج، وعلى رأسه برنس خز طويل، وخلفه أخوه على جمل فالج وهو ذو السنامين وعليه دراعة ديباج وبرنس خز، وسيرهما في أثر الحسين بن حمدان وأصحابه، ثم دخل المعتضد في أثره عليه قباء أسود وقلنسوة محدودة على فرس صناي عن يساره أخوه عبد الله بن الموفق، وخلفه بدر غلامه وأبو القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب وزيره وابنه القاسم بن عبيد الله، فأكثر الناسُ الدعاء له، وتكاثف الناس في منصرفهم من الجانب الشرقي إلى الغربي، فانخسف بهم كرسي الجسر الأعلى، وسقط على زورق مملوء ناساً، فغرق في هذا اليوم

نحو من ألف نفس ممن عرف دون من لم يعرف واستخرج الناس من دجلة بالكلاليب وبالغَاصَة، وارتفع الضجيج، وكثر الصُّرَاخ من الجانبين جميعاً، فبينما الناس كذلك إذ أخرج بعض الغَاصَةِ صبيا عليه حلي فاخرة من ذهب وجوهر، فبصر به شيخ من النظارة طَرَّار ،فجعل يلطم وجهه حتى أدمى أنفه، ثم تمرغ في التراب، وأظهر أنه ابنه، وجعل يقول : يا سيدي لم تَمُتْ إذ أخرجوك صحيحاً سويًا لم يأكلك السمك، ولم تمت، حبيبي ليتني كحلت عيني بك مرة قبل الموت وأخذه فحمله على حمار ثم مضى به ،فما برح القوم الذين رأوا من الشيخ ما رأوا حتى أقبل رجل معروف باليسار مشهور من التجار حين بلغه الخبر وهو لايشك إلا أن الصبي في أيديهم، وليس يهمه ما كان عليه من حلي وثياب ، وإنما أراد أن يكفنه ويصلي عليه ويدفنه فخبره الناس بالخبر، فبقي هو ومن معه من التجار متعجبين مبهوتين، وسألوا عنه واستبحثوا فإذا لا عين ولا أثر ، وعَرَفَ تَوَّابُوا هذا الجسر هذا الشيخ المحتال فأيأسوا أبا الغريق منه، وذكروا أنه شيخ قد أعياهم أمره وحيرهم كيده وأنه بلغ من حيله وخبثه ودهائه أنه أتى يوماً من أول الصباح إلى باب بعض العُدُولِ الكبار المشهورين بالرياسة واليسار ومعه جرة فارغة قد حملها على عاتقه وفأس وزنبيل ، فقام في ثوب خَلَقٍ، ولم يتكلم حتى وضع الفأس في الدكاكين التي على باب ذلك العَدْلِ فهدمها، وجعل ينقي الآجر ويعزله، فسمع ذلك العدل بهدمها، ووقع الفأس والهدم، فخرج لينظر فإذا الشيخ دائب يهدم دكاكينه التي على باب دارِهِ ، فقال : يا عبد الله أي شيء تصنع ؟ ومَنْ أمرك بهذا ؟ فجعل الشيخ يعمل عمله، ولا يلتفت إلى العدل، ولا يكلمه، فاجتمع الجيران وهما في المحاورة، فأخذوا بيد الشيخ، فوكزه هذا ودفعه ،هذا فالتفت إليهم فقال: [ما لكم؟] ويلكم !! أي شيء تريدون مني ؟ أما تستحيون؟ تعبثون بي وأنا شيخ كبير ؟ فقالوا : ما لنا والعبث بك؟ وَيْحَك !! مَنْ أمرك بهذا ؟ قال : ويحكم !! أمرني صاحِبُ الدار ، فقالوا : هذا صاحب الدار يكلمك ، قال : لا والله ما هو هذا، فلما سمعوا كلامه وغفلته ،رحموه وقالوا هذا مجنون أو مخدوع خَدَعَهُ بعض جيران هذا العدل ممن قد حسده على ما أنعم الله تعالى به عليه، وهم الذين حملوا هذا الشيخ على هذا الفعل ؛ فلما منعوه من الهدم مضى إلى الجرة التي جاء بها . وقد كان وضعها إلى جانب الباب . فأدخل يده فيها كأنه قد خبأ ثيابه بها، فصرخ ويكي، فلم يَشُكُ العدلُ أن محتالًا خدعه وأخذ ثيابه، فقال: وأي شيء ذهب لك؟ قال: قميص جدید اشتريته أمس وَمِلْحَفَة لبيتي وسَراويل، فرقوا له جميعاً، ودعاه العَدْلُ فكساه ووهب له دراهم كثيرة ووهب له الجيران دراهم كثيرة، وانصرف غانماً، وهذا الشيخ كان يُعرف بالعقاب وكني بأبي الباز، وله أخبار عجيبة وحيل [لطيفة] وهو الذي احتال للمتوكل حين بايعه بختيشوع الطبيب أنه إن سرق من داره شيئاً يعرفه في ثلاث ليالٍ

ذكرت من ذلك الشهر فعليه أن يحمل إلى خزانة أمير المؤمنين عشرة آلاف دينار، وإن خرجت هذه الليالي ولم يتم عليه ما ذكرنا فله الضيعة المعين ذكرها في المبايعة، فأتى بهذا الشيخ في عنفوان شبابه إلى المتوكل، فضمن للمتوكل أن يأخذ من دار بختيشوع شيئاً لا ينكره، وقد كان بختيشوع حَرَسَ داره وحصنها في هذه الليالي، فاحتال هذا الشيخ المعروف بالعقاب بحيل لطيفة إلى أن سرق بختيشوع وجعله في صندوق وأتى به المتوكل، في خبر ظريف، وأنه رسول لعيسى ابن مريم نزل إلى بختيشوع بشمع أَسْرَجَه وتخليط عمله وبنج في طعام اتخذه أطعمه لحراس داره في تلك الليلة، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا أخبار الزمان وهذا الشيخ قد بَرَّزَ في مكايده وما أورده من حيله على دالة المحتالة وغيرها من سائر المكارين والمحتالين ممن سلف وخلف منهم .

الكيمياء

ولطلاب صنعة الكيمياء من الذهب والفضة وأنواع الجوهر من اللؤلؤ وغيره وصنعة أنواع الإكسيرات من الإكسير المعروف بالفرار وغيره وإقامة الزئبق وصنعته فضة وغير ذلك من خُدَعِهم وحيلهم في القرع والمغناطيس والتقطير والتكليس والبوادق والحطب والفحم والمنافخ أخبار عجيبة وحيل [ في هذا المعنى] قد أتينا على ذكرها ووجوه الخدع فيها وكيفية الاحتيال بها في كتابنا أخبار الزمان» وما ذكروه في ذلك من الأشعار، وما عَزَوْهُ إلى من سلف من اليونانيين والروم، مثل قلوبطرة الملكة ومارية وما ذكره خالد بن يزيد بن معاوية في ذلك، وهو عند أهل هذه الصنعة من المتقدمين فيهم في شعره الذي يقول فيه :

خذ الطلق مع الأشق*** وما يوجد في الطرق

وشيئاً يشبه البرقا*** فدبره بلا حرق

فإن أحببت مولاكا*** فقد سُوِّدْتَ في الخلق

وقد صنف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي رسالة في ذلك، وجعلها مقالتين يذكر فيها تعذر فعل الناس لما انفردت الطبيعة بفعله، وخُدَعَ أهل هذه الصناعة وحِيَلَهم، وتَرْجَمَ هذه الرسالة بإبطال دعوى المدعين صنعة الذهب والفضة من غير معادنها، وقد نقض هذه الرسالة على الكندي وأبو بكر محمد بن زكريا الرازي الفيلسوف صاحب الكتاب المنصوري في صناعة الطب الذي هو عشر مقالات وأرى القول إن ما ذكره الكندي فاسد وأن ذلك قد يتأتى فعله ولأبي بكر بن زكريا في هذا المعنى كتب قد صنفها، وأفرد كل واحد منها بنوع من الكلام في هذه الصنعة في الأحجار المعدنية

[والشعر] وغير ذلك من كيفية الأعمال، وهذا باب قد تنازع الناس فيه من فعل قارون وغيره، ونحن نعوذ بالله من التهوس فيما يخسف الدماغ، ويذهب بنور الأبصار، ويكسف الألوان من بخار التصعيدات ورائحة الزاجات وغيرها من الجمادات .

جيش ابن خمارويه وأصحابه

وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين كان الفداء [بالأسْرِ] بين المسلمين والروم في ،شعبان، وكان بدؤه الثلاثاء، وفيه كان مسير جيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون من الشام إلى مصر في جيوشه ، فخالفه طغج بدمشق بعد ذلك.

وفيها خرج عن [عسكر] جيش بن خمارويه خاقان المفلحي وبندقة بن كمجور ابن كنداج فساروا إلى وادي القرى ودخلوا مدينة السلام فخلع عليهم المعتضد، وفيها كان الشغب بمصر، وقتل علي بن أحمد المارداني أبو محمد المارداني المقبوض عليه في هذا الوقت . وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - بمصر، وقبض على جيش ابن خمارويه، ونصب أخوه هارون بن خمارويه مكانه وكانوا قد نقموا على جيش تقدمه لغلامه نجح المعروف بالطولوني وأخيه سلامة المعروف بالمؤتمن، وقد كان أخوه سلامة هذا بعد ذلك صحب جماعة من الخلفاء منهم القاهر والراضي، وأراه مع المتقي في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة .

وفاة مقدام الرعيني

وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين كانت وفاة أبي عمرو مقدام بن عمرو الرعيني بمصر، ليومين بَقِيًا من شهر رمضان، وكان من جلّة الفقهاء، ومن كبار أصحاب مالك .

وفيها وَلّى المعتضد يوسف بن يعقوب القضاء بمدينة السلام وخلع عليه، وانتدبه للجانب الشرقي .

مصادرة ابن الطيب السرخسي ومقتله

وفي هذه السنة . وهي سنة ثلاث وثمانين ومائتين . قبض المعتضد على أحمد بن الطيب بن مروان السرخسي صاحب يعقوب بن إسحاق الكندي، وسَلّمه إلى بدر غلامه، وَوَجَّه إلى داره مَنْ قبض على جميع ماله وقرر جواريه على المال حتى استخرجوه، فكان جملة ما حصل من العين والوَرِقَ وثمن الآلات خمسين ومائة ألف دينار، وكان ابن الطيب قد ولي الحِسْبَة ببغداد، وكان موضعه من الفلسفة لا يُجْهَل، وله مصنفات حسان في أنواع من الفلسفة وفنون من الأخبار .

وقد تنازع الناس في كيفية قتله والسبب الذي من أجله كان قتل المعتضد إياه، وقد أتينا على ما قيل في ذلك في كتابنا المترجم بالأوسط، فأغني ذلك عن إعادته في ذلك الكتاب.

رافع بن هرثمة

وفيها ورد الخبر بقتل عمرو بن الليث لرافع بن هَرْثَمة.

وفي سنة أربعة وثمانين ومائتين أدخل إلى بغداد رأس رافع بن هرثمة، ثم صُلِبَ

ساعة من نهار ثم رُدَّ إلى دار السلطان.

ثورة

وفي هذه السنة كان لأهل بغداد ثورة مع السلطان لصياحهم بالخدم السودان يا عقيق صب ماء واطرح دقيق يا ،عاق يا طويل الساق، وذلك أن الخدم في دار السلطان منهم اجتمعوا فكلموا المعتضد بما يلحقهم في الأزقة والشوارع والدروب وسائر الطرق من الصغير والكبير من العوام، فأمر المعتضد بجماعة من العامة، فضربوا بالسياط فشغب العامة لذلك.

شبح يتشكل للمعتضد

وفي هذه السنة ظهر للمعتضد شخص في صُوَرٍ مختلفة في داره، فكان تارة يظهر في صورة راهب ذي لحية بيضاء وعليه لباس ،الرُّهْبَان وتارة يظهر شاباً حسن الوجه ذا لحية سوداء بغير تلك البِزَّة، وتارة يظهر شيخاً أبيض اللحية ببزة التجار، وتارة يظهر بيده سيف مسلول،وضرب بعض الخدم فقتله، فكانت الأبواب تؤخذ وتغلق فيظهر له أين كان في بيت أو صحن أو غيره، وكان يظهر له في أعلى الدار التي بناها، فأكثر الناس القول في ذلك، واستفاض الأمر، واشتهر في خواص الناس وعوامهم، وسارت به الركبان، وانتشرت به الأخبار والقول في ذلك على حسب ما كان يقع لكل واحد منهم، فمن قائل : إن شيطاناً مريداً صمد له يظهر فيؤذيه، ومنهم من يقول : إن بعض مؤمني الجن رأى ما هو عليه من المنكر وسفك الدماء فظهر له رادعاً وعن المنكر زاجراً، ومنهم من رأى أن ذلك بعض خدمه كان قد هوى بعض جواريه فاحتال بحيلة فلسفية من بعض العقاقير الخاصة فيضعها في فمه فلا يدرك بحاسة البصر، وكل ذلك ظن وحسبان فأحضر المعتضد المعزمين، واشتدَّ قَلَقُه واستوحش وجاز عليه أمره، فقتل وغرق جماعة من خدمه وجواريه وضرب وحبس جماعة منهم، وقد أتينا على الخبر في ذلك

وما حكي عن أفلاطون في هذا المعنى، وعلى خبر شغب أم المقتدر بالله والسبب الذي من أجله حبسها المعتضد وأراد قطع أنفها والتشويه بها في كتابنا «أخبار الزمان».

وفي هذه السنة وَرَدَ الخبر بقتل أبي الليث الحارث بن عبد العزيز بن أبي دلف بسيفه لنفسه في الحرب، وذلك أن سيفه كان على عاتقه مشهراً فكبابه فرسه فذبحه سیفه ،فأخذ عيسى النوشري رأسه وأنفذه إلى بغداد.

يوم الأجفر

وفي سنة خمس وثمانين ومائتين وقع صالح بن مدرك الطائي في نبهان وسنبس وغيرهم من طيىء بالحاج، وعلى الحاج جيء الكبير، وكانت لجيء مع صالح ومَنْ معه من الطائيين حرب عظيمة في الموضع المعروف بقاع الأجفر، وتشوش الحاج وأخذهم السيف، فمات عطشاً وقتلا خلائقُ من الحاج، وأصاب جيء ضربات كثيرة، وكانت العرب ترتجز في ذلك اليوم وتقول :

ما إن رأى الناس كيوم الأجفر*** الناس صَرْعَى والقبور تحفر

وأخذ من الناس نحو من ألفي ألف دينار.

وفاة إبراهيم بن محمد الحربي الفقيه

وفي هذه السنة .وهي سنة خمس وثمانين ومائتين . كانت وفاة أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفقيه المحدث في الجانب الغربي وله خمس وثمانون سنة، وكانت [وفاته] يوم الاثنين لسبع بقين من ذي الحجة، ودفن مما يلي باب الأنبار وشارع السكبش والأسد، وكان صدوقاً عالماً فصيحاً جواداً عفيفاً، وكان زاهداً عابداً ناسكاً، وكان . مع ما وصفنا من زهده وعبادته . ضاحك ،السن، ظريف الطبع ، سلس القياد، ولم يكن معه تجبر ولا تكبر، وربما مزح مع أصدقائه بما يستحسن منه، ويُسْتقبح من غيره وكان شيخ البغداديين في وقته وظريفهم وناسكهم وزاهدهم ومسندهم في الحديث، وكان يتفقه لأهل العراق وكان له مجلس يوم الجمعة في المسجد الجامع الغربي.

وأخبرنا أبو إسحاق [إبراهيم ]بن جابر قال كنت أجلس يوم الجمعة في حلقة إبراهيم الحربي، وكان يجلس إلينا غلامان في نهاية الحسن والجمال من الصورة والبِزَّة من أبناء التجار من الكرخيين وبزَّتهما ،واحدة كأنهما روحان في جسد، إن قاما قاما معاً، وإن قعدا قعدا معاً، فلما كان في بعض الجمع حضر أحدهما وقد بان الاصفرار بوجهه والانكسار في عينيه فتوسمت أن غيبة الآخر لعلة [و]قد لحق الحاضر من أجل

ذلك الانكسار ، فلما كان الجمعة الثانية حضر الغائب ولم يحضر الذي كان في الجمعة الأولى منهما، وإذا الصفرة والانكسار بين في لونه ونشاطه، فعلمت أن ذلك للفراق [الواقع] بينهما، ولأجل الألفة الجامعة لهما، فلم يزالا يتسابقان في كل جمعة إلى الحلقة، فأيهما سبق صاحبه إلى الحلقة لم يجلس الآخر ، فصح عندي ما كان تقدم في نفسي جواز كونه فلما كان في بعض الجمع حضر أحدهما فجلس إلينا، وجاء الآخر فأشرف على الحلقة، فإذا صاحبه قد سبق وإذا المسبوق المطلع إلى الحلقة قد خنقته العبرة، فتبينت ذلك في حماليق عينيه، وإذا في يسراه رفاع صغار مكتوبة فقبض بيمينه رقعة من تلك الرقاع وحذف بها في وسط الحلقة، وانساب بين الناس ماراً مستحياً، وأنا أرْمُقُه ببصري، وكذلك جماعة ممن كان جالساً في الحلقة، وكان إلى جانبي على اليمين أبو عبد الله علي بن الحسين بن حوثرة، وذلك في عنفوان الشباب وأوان الحداثة، فوقعت الرقعة بين يدي إبراهيم الحربي، فقبض عليها ونَشَرَها ،وقرأها وكان من شأنه فعل ذلك إذا وقعت في يده رقعة فيها دعاء أن يدعو لصاحبها مريضاً كان أو غير ذلك، ويؤمنُ على دعائه مَنْ ،حضر فلما قرأ الرقعة أقبل يتأمل ما فيها تأملا شافياً لأنه رأى ملقيها، ثم قال : اللهم اجمع بينهما، وألف بين قلوبهما ، واجعل ذلك مما يقرب منك ويُزْلِفُ لديك، وأمَّنُوا على دعائه كما جرت العادة منهم بفعله، ثم أدرج الرقعة بسبابته وإبهامه وحذفني بها، فتأملت ما فيها، وقد كنت مستطلعاً نحوها لتبين الملقى لها، فإذا فيها مكتوب :

عَفَا الله عن عبد أعَانَ بدعوة*** لخلين كانا دائمين على الود

إلى أن وشى واشي الهوى بنميمة*** إلى ذاك من هذا فحالا عن العهد

فكانت الرقعة معي فلما كانت الجمعة الثانية حضرا معاً وإذا الاصفرار والانكسار قد زالا

[عنهما]، فقلت لابن حوثرة: إني لأرى الدعوة قد سبقت لهما بالإجابة من الله تعالى، وإن دعاء الشيخ كان على التمام إن شاء الله تعالى؛ فلما كان في تلك السنة كنت ممن حج فكأني أنظر إليهما بين منى وعرفات محرمين جميعاً، فلم أزل أراهما متألفين إلى أن كهلا ، وأرى أنهما في صف أصحاب الديباج في الكرخ، أو غيره من الصفوف.

إبراهيم بن جابر القاضي

قال المسعودي وهذا الخبر سمعته من إبراهيم بن جابر القاضي قبل ولايته القضاء، وهو يومئذ ببغداد يعالج الفقر، ويتلقاه من خالقه بالرضا، ناصراً للفقر على الغنى، فما مضت أيام حتى لقيته بحلب من بلاد قنسرين والعواصم من أرض الشام ،

وذلك في سنة تسع وثلاثمائة ، وإذا هو بالضد عما عهدته، متولياً القضاء على ما وصفنا، ناصراً ومشرفاً للغنى على الفقر، فقلت له : أيها القاضي تلك الحكاية التي كنت تحكيها عن الوالي الذي كان بالري، وأنه قال لك : إن الخواطر اعترضتني بين منازل الفقراء والأغنياء، فرأيت في النوم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال لي: يا فلان؛ ما أحسَنَ تواضع الأغنياء للفقراء شكراً الله تعالى وأحسن من ذلك تعزز الفقراء على الأغنياء ثقة بالله تعالى، فقال لي : إن الخلق تحت التدبير لا ينفكون من أحكامه في جميع متصرفاتهم، وكنت كثيراً ما أسمعه فيما وصفنا من حال فقره يذم ذوي الحرص على الدنيا، ويذكر في ذلك خبراً عن علي كرم الله وجهه . وهو أن عليا كان يقول : ابن آدم، لا تتحمل هَمَّ يومك الذي لم يأتِ على يومك الذي أنت فيه ؛ فإنه إن يكن من أجَلِكَ يأت الله فيه برزقك واعلم أنك لن تكتسب شيئاً فوق قُوتِكَ إلَّا كنت خازناً فيه لغيرك . فركب بعد ذلك الهماليج من الخيل .

ولقد أخبرت أنه قطع لزوجته أربعين ثوباً تسترياً وقصباً وأشباه ذلك من الثياب على مقراض واحد، وخَلَّفَ مالا عظيماً لغيره .

وفاة المبرد

وفي هذه السنة . وهي سنة خمس وثمانين ومائتين . كانت وفاة أبي العباس محمد بن يزيد النحوي المعروف بالمبرد ، ليلة الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة وله تسع وسبعون سنة، ودفن بمقابر باب الكوفة من الجانب الغربي بمدينة السلام.

محمد بن يونس

وفي سنة ست وثمانين ومائتين مات محمد بن يوسف الكوفي المحدث، ويكنى بأبي العباس، يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة، وله مائة سنة وست سنين، ودفن بمقابر [باب] الكوفة من الجانب الغربي، وكان عالي الإسناد.

أبو سعيد الجنابي

وفي هذه السنة كان الفَزَعُ من أبي سعيد الجنابي بالبصرة ومن معه البحرين خوفاً من أن يكبسها، وكتب الواثقي . وهو أحمد بن محمد وكان على حربها . إلى المعتضد بذلك، فأطلق لسورها أربعة عشر ألف دينار فبنيت وحصنت .

أبو الأغر والأعراب

وفي هذه السنة ظفر أبو الأغر خليفة بن المبارك السلمي بصالح بن مدرك الطائي بناحية فيد مكرا في ذهابهم إلى مكة، وقد كانت الأعراب جمعت لأبي الأغر ليستنقذوا من يده فواقعهم وقتل رئيسهم جحش بن ذيال وجماعة معه وأخذ رأسه، فلما علم صالح بن مدرك بقتل جحش بن ذيال يئس من الخلاص من يد أبي الأغر، فلما نزل المنزل المعروف بمنزلة القرشي أتاهم غلام بطعام فاستلب منه سكيناً وقتل نفسه، فأخذ أبو الأغر رأسه وأظهره بالمدينة، فتباشر الحاج، وكانت لأبي الأغر في رجوعه وقعة عظيمة اجتمع هو وتحرير وغيرهما من أمراء قوافل الحاج مع الأعراب، وكانت الأعراب قد اجتمعت وتحشدت من طيىء وأحلافها، فكانت رَجّالتها نحواً من ثلاثة آلاف راجل والخيل نحواً من ذلك، فكانت الحرب بينهم ثلاثاً، وذلك بين معدان القرشي والحاجر، ثم انهزمت الأعراب وسلم الناس، وكان ممن تولى مع أبي الأغر الحيلة على صالح بن مدرك سعيد بن عبد الأعلى.

ودخل أبو الأغر مدينة السلام وقُدَّامه رأس صالح وجحش ورأس غلام لصالح أسود، وأربعة أسارى، وهم بنو عم صالح بن مدرك ، فخلع السلطان في ذلك اليوم على أبي الأغر، وطَوَّقه بطوق من ذهب، ونصب الرؤوس على الجسر من الجانب الغربي، وأدخل الأسارى المطبق .

أحداث

وفي هذه السنة مات إسحاق بن أيوب العبيدي وكان على حرب ديار ربيعة. وفيها شخص العباس بن عمر الغنوي إلى البصرة لحرب القرامطة بالبحرين.

وفي هذه السنة كانت الحرب بين إسماعيل بن أحمد وعمرو بن الليث صاحب بلخ فأسر عمرو، وقد أتينا على كيفية أسره في الكتاب الأوسط.

وفي [رجب من هذه السنة، وهي ] سنة سبع وثمانين ومائتين كان خروج العباس بن عمرو من البصرة في جيش عظيم ومعه خلق من المطوعة نحو هجر، فالتقى هو وأبو سعيد الجنابي، فكانت بينهم وقائع انهزم فيها أصحاب العباس، وأسر وقتل من أصحابه نحو سبعمائة صبراً دون من هلك من الرمل والعطش، فأحرقت الشمس أجسادهم ؛ ثم إن أبا سعيد مَنَّ على العباس بن عمرو بعد ذلك فأطلقه فصار إلى المعتضد فخلع عليه، وبعد هذه الوقعة افتتح أبو سعيد مدينة هجر بعد حصار طويل، وقد أتينا على مبسوط هذه الحروب والسبب الذي من أجله كانت تخلية أبي سعيد العباس بن عمرو

الغنوي [في كتابنا الأوسط، وما كان من أمر العباس بن عمرو] مع مَنْ بالبحرين من قومه

وعصبتهم له .

الداعي العلوي

وفي هذه السنة . وهي سنة سبع وثمانين ومائتين . كان مسير الداعي العلوي من طبرستان إلى بلد جرجان في جيوش كثيرة من الديلم وغيرهم، فلقيته جيوش المسودة من قبل إسماعيل بن أحمد وعليها محمد بن هارون فكانت وقعة لم ير مثلها في ذلك العصر، وصبَرَ الفريقان جميعاً، وكانت للمبيضة على المسودة، ثم كانت مكيدة من محمد بن هارون لما رأى من ثبوت الديلم على مصافها، فلم ينقض صفوفه، وولى، فأسرعت الديلم ونقضت صفوفها فرجعت عليهم المسودة، وأخذهم السيف، فقتل منهم بشر كثير وأصاب الداعي ضربات وذلك أن أصحابه لما نقضوا صفوفهم في الغنيمة ولم يعرجوا عليه ثبت مع من وقف لنصره ، فكرت عليهم الجيوش، فأسفرت الحرب وقد أنْخِنَ بالكُلُوم وأسر ولده زيد بن محمد بن زيد وغيره، وبقي محمد الداعي أياماً يسيرة، وتوفي لما ناله فدفن بباب جرجان وقبره هناك معظم إلى هذه الغاية .

وقد أتينا على خبره بطبرستان وغيرها وما كان من سيرته وخبر بكر بن عبد العزيز بن أبي دلف حين دخل إليه مستأمناً في كتابنا أخبار الزمان» وكذلك ذكرنا خبر يحيى بن الحسين الحسني الرَّسُي باليمن وتظافره هو وأبو سعد بن يعفر على ما كان من حروبهم باليمن مع باليمن مع القرامطة، وما كان من أمرهم مع علي بن الفضل صاحب المذيخرة، وما كان من قصته وخبر وفاته، وقصة شيخ لاعة صاحب قلعة نحل وخبر ولده إلى هذا الوقت بها . وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - ونزول يحيى بن الحسين الرسي مدينة صعدة من بلاد اليمن وخبر ولده أبي القاسم، وخبر ولد ولده إلى هذه الغاية وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً منبهين على ما قدمنا من تصنيفنا مما بسطناه من أخبار من ذكرناه وشرحنا من قصصهم وسيرهم وما كان منهم .

المعتضد ووصيف الخادم

وفي هذه السنة هذه السنة . وهي سنة ثمان وثمانين ومائتين . كان دخول المعتضد إلى الثغر الشامي في طلب وصيف الخادم وراسله مع رشيق المعروف بالخزامي، واستأمن إلى المعتضد وصيف البكتمري وغيره من القواد قواد الخادم، وأصحابه، وقد كان وصيف الخادم لما أُخِذَ الأكثر من أصحابه أراد الدخول إلى أرض الروم والتعلق بالدروب، وقد وهو المعتضد

كان المعتضد أسرع من السير من بغداد وسَتَرَ أخباره ولم يعلم بذلك وصيف مع شدة حذره وتفقده لأمره، حتى عبر المعتضد الفرات وسار إلى الشام، فلم يفلح جسد المعتضد لذلك لما أتعب نفسه في سرعة السير، وقد كان المعتضد لما توسط الثغر الشامي خلف سواده بالكنيسة السوداء، وجرد القواد في طلب وصيف فساروا في طلبه خمسة عشر ميلا إلى أن أدركه أوائل الخيل وفيهم خاقان المفلحي ووصيف موشكين وعلي كورة وغيرهم من القواد فقاتلهم وصيف، وذلك في الموضع المعروف بدرب الجب، فلما أشرف المعتضد ووصيف قد خَذَلَه أصحابه وتفرق عنه جمعه أسر وأتى به المعتضد فسلمه إلى مؤنس الخادم، وأمن جميع أصحابه إلا نفراً انضافوا إليه من الثغر الشامي وغيره وأحرق المعتضد المراكب الحربية، وحمل من طرسوس أبا إسحاق إمام الجامع، وأبا عمير عدي بن أحمد بن عبد الباقي صاحب مدينة أذَنَةَ من الثغر الشامي وغيرهم من البحريين مثل البغيل وابنه ، وكان دخول المعتضد إلى مدينة السلام في الماء لسبع خلون من صفر سنة ثمان وثمانين ومائتين، ودخل جعفر بن المعتضد وهو المقتدر، وبدر الكبير وسائر الجيش عَلَى الظهر، وقد زينت الطرق، وبين أيديهم وصيف الخادم عَلَى جمل فالج وعليه دراعة ديباج وبرنس وخلفه على جمل آخر البغيل، وخلف البغيل ابنه على جمل آخر، وخلف ابن البغيل على جمل آخر رجل من أهل الشام يعرف بابن المهندس، وقد لبسوا الدراريع من الحرير الأحمر والأصفر، وعلى رؤوسهم البرانس ، وطُوق وسُوِّرَ خاقان المفلحي وغيره من القواد ممن أبلى في ذلك اليوم الذي كان فيه أسر وصيف الخادم، وقد كان المعتضد أراد استحياء وصيف [الخادم] وأسف على موت مثله لشهامته وشجاعته وحسن حيله وإقدامه ثم قال : ليس في طبع هذا الخادم أن يرأسه أحد، بل في طبعه أن يرؤس [في نفسه ؛ وقد كان بعث إليه بعد أن قبض عليه وأوثق بالحديد: هل لك من شهوة؟ قال : نعم باقة من الريحان أشمها، وكتب من سير الملوك الغابرة أنظر فيها، فلما رجع الرسول إلى المعتضد وأخبره [بما سأله أمر له بما طلب ، وأمر مَنْ يراعي نظره في الكتب في أي فصل ينظر ؟ فأخبر] أنه يديم النظر في سير الملوك وحروبها ،ومحنها دون سائر ما حمل إلى حضرته من الدفاتر فتعجب المعتضد وقال : هو يُهَوِّنُ على نفسه الموت .

وفاة ابن أبي الساج

وفي هذه السنة كانت وفاة أبي عبيد الله محمد بن أبي الساج بأذربيجان، فاختلف كلمة أصحابه وغلمانه بعده ؛ فمنهم من انحاز إلى أخيه يوسف بن أبي الساج، ومنهم من انحاز إلى ولده بودار .

بشر بن موسى المحدث

وفي هذه السنة . وهي سنة ثمان وثمانين ومائتين . كانت وفاة أبي علي بشر بن موسى بن صالح بن صبيح بن عمير المحدث، وله ثمان وسبعون سنة، ودفن في الجانب الغربي بمقابر باب التين].

عمرو بن الليث

وفي هذه السنة أدخل عمرو بن الليث إلى مدينة السلام في جمادى الأولى، قدم به عبد الله بن الفتح رسول السلطان فشهر ،عمرو، وأركب على جمل فالج وقد ألبس دراعة ديباج وخلفه بدر والوزير القاسم بن عبيد الله في الجيش، فأتوا به الثريا فرآه المعتضد، ثم أدخل المطامير، وقد كان في هذا الوقت ثارت عساكر الشاكرية من قبل طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث غضباً لجده ،عمرو، ولحقته ببلاد الأهواز، وخرجت عن حدود ،فارس، واضطرب الأمر، وبعث المعتضد بعبد الله بن الفتح وأشناس إلى إسماعيل بن أحمد ومعهما هدايا منها : مائة بدنة ديباج منسوجة بالذهب، مُرَصَّعَة بالجوهر، ومنطقة ذهب مُرَصَّعَة بالجوهر، وغير ذلك من الجواهر، وثلاثمائة ألف دينار ليفرقها في أصحابه، ويبعثهم إلى بلاد سجستان إلى حرب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث، وأمر عبد الله بن الفتح أن يحمل في طريقه من خراج ما يجتاز به من بلاد الجبل عَشَرَةَ آلاف ألف درهم، ويضيفها إلى الثلاثمائة ألف دينار، وسار بدر غلام المعتضد بالله في عساكره إلى بلاد فارس من هذه السنة، فنزل شيراز وانكشف عن البلد الشاكرية .

وفاة وصيف الخادم

وفي أول يوم من المحرم . وهو يوم الثلاثاء سنة من تسع وثمانين ومائتين . توفي وصيف الخادم، فأخرج وصلب على الجسر بدناً بلا رأس، وقد كان الخدم سألوا المعتضد أن يستروا عورته، فأباح لهم ذلك، فألبس ثياباً ، وَلُفٌ عليه ثوب جديد، وخيط على مكان الثياب من سرته إلى الركبتين وطلى بدنه بالصبر وغيره من الأطلية القابضة والماسكة لأجزاء جسمه، فأقام مَضلُوب على الجسر لا يبلى إلى سنة ثلاثمائة في خلافة المقتدر بالله .

وفي هذه السنة شعب الجند والعامة، فعمدت العامة إليه تماجُناً وحطوه من فوق الخشبة، وقالوا : قد وجب علينا حق الأستاذ أبي علي وصيف الخادم لطول مجاورته لنا وصبره علينا ولا يبلى على هذه الخشبة، فلفوه في رداء بعضهم، وحملوه على أكتافهم، وهم نحو من مائة ألف من الناس يرقصون ويغنون ويصيحون حوله : الأستاذ،

الأستاذ، فلما ضجروا من ذلك طرحوه في دجلة [ فغرق في ذلك اليوم منهم قوم في دجلة وذلك أنهم شَيَّعوه في الماء سباحة، فغرق منهم في جرية الماء خلق كثير .

أبو الفوارس القرمطي

وفي هذه السنة أتى بجماعة من القرامطة من ناحية الكوفة، منهم المعروف بأبي الفوارس [ فأدخلوا على الجمل، فأمر المعتضد بالله بقتل أبي الفوارس] بعد أن قطعت يداه ورجلاه، وصلب إلى جانب وصيف الخادم، ثم حول إلى ناحية الكنائس مما يلي الياسرية من الجانب الغربي فصلب مع قرامطة هناك.

وقد كان لأهل بغداد في قتل أبي الفوارس هذا أراجيف كثيرة، وذلك أنه لما قُدِّمَ ليضرب عنقه أشاعت العامة أنه قال لمن حضر قتله من العوام : هذه عمامتي تكون قبلك، فإني راجع بعد أربعين يوماً، فكان يجتمع في كل يوم خلائق من العوام تحت خشبته ويحصون الأيام ويقتتلون ويتناظرون في الطرق في ذلك، فلما تمت الأربعون يوماً. وقد كان كثر لغطهم واجتمعوا فكان بعضهم يقول : هذا ،جسده، ويقول آخر : قد مَرَّ، وإنما السلطان قتل رجلا آخر وصلبه موضعه لكي لا يفتتن الناس . فكثر تنازع الناس في ذلك حتى نودي بتفريقهم، فترك التنازع والخوض فيه .

المعتضد والطالبيون

وكان ورد مال من محمد بن زيد من بلاد طبرستان ليفرق في آل أبي طالب سِرًّا، فغمز بذلك إلى المعتضد، فأحْضَرَ الرجل الذي كان يحمل المال إليهم، فأنكر عليه إخفاء ذلك، وأمره بإظهاره ، وَقَرَّبَ آل أبي طالب. وكان السبب في ذلك قرب النسب، ولما أخْبَرَنَا به أبو الحسن محمد بن الفقيه المعروف بابن الغنوي علي الوراق الأنطاكي بأنطاكية ، قال : أخبرني محمد بن يحيى بن أبي عباد ،الجليس، قال : رأى المعتضد بالله وهو في سجن أبيه كأن شيخاً جالساً على دجلة، يمدُّ يَدَهُ إلى ماء دجلة، فيصير في يده وتجف ، دجلة، ثم يردُّه من يده فتعود دجلة كما كانت قال: فسألت عنه، فقيل لي: هذا علي بن أبي طالب ! قال فقمت إليه وَسَلّمت عليه ، فقال : يا أحمد إن هذا الأمر صائر إليك، فلا تتعرض لولدي ولا تُؤْذِهِم فقلت : السمع والطاعة يا أمير المؤمنين .

وغم الناس تأخُرُ الخراج عنهم ،وكان إنعام المعتضد عليهم، فقالت الشعراء في ذلك وأكثرت، ووصفت في أشعارها ذلك ،وأطْنَبَتْ [فممن وصف] فأحسن يحيى بن علي المنجم ، فقال :

يا مُحْيِيَ الشرف اللَّبَاب*** وَمُجَدِّدَ الملك الخراب

ومعيد رُكن الدين فيـ*** ـنا ثابتاً بعد اضطراب

فت الملوك مبرزا*** فَوْت المبرز في الحِلاب

أسْعَد بنیروز جمعـ*** ـت الشكر فيه إلى الثواب

قدمت في تَأْخِيرِمًا*** قد قَدَّمُوه إلى الصَّوَاب

وقوله :

يوم نيروزك يوم*** واحد لا يَتَأَخَّرْ

من حزيران يُوَافِي*** أَبَداً في أحد عَشَر

وصول قطر الندى للمعتضد

وكان وصول قطر الندى بنت خمارويه إلى مدينة السلام مع ابن الجصاص في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين ومائتين ؛ ففي ذلك يقول علي بن العباس الرومي :

يا سيد العرب الذي زُفَّتْ له*** باليمن والبركات سيدة العجم

أسْعَد به كسعودها بك، إنها*** ظفرت بما فوق المطالب والهمم

ظفرت بِمَلأَى نَاظِرَيْهَا بهجة*** وضميرها نُبلًا، وَكَفَيْهَا كَرَم

شمس الضحى زفت إلى بدر الدجى*** فتکشفت بهما عن الدنيا الظُّلَم

ولما دخل عمرو بن الليث مدينة السلام من المصلى العتيق رافعاً يديه يدعو وهو على جمل فالج، وهو ذو السنامين وكان أنْفَذَهُ إلى المعتضد في هدايا تَقَدَّمت له قبل أسره، فقال في ذلك الحسن بن محمد بن فهم:

ألم تَرَ هذا لدهر كيف صُرُوفه*** يَكُون عسيراً مَرَّةٌ ويسيرا

وَحَسْبُكَ بالصفار نُبلًا وَعِزَّة*** يروح وَيَغدو في الجيوش أميرا

حَبَاهُم بأجمال ، ولم يَدْرِ أَنَّه*** عَلَى جمل منها يُقاد أسيرا

وفي ذلك يقول محمد بن بَسَّام :

أيُّهَا المُعْتَرُّ بالدنـ*** ـيا أما أبصرت عَمْرَا

مُقْبِلًا قد أركب الفا*** لج بعد الملك قَسْرًا

وعليه بُرْنُسُ السَّخـ***ـطة إذلالا وَقَهْرَا

رافعاً كَفَّيْهِ يَدْعُو*** الله أسراراً وَجَهرا

أن ينجيه من القتـ*** ـل وأن يعمل صفرًا

ولما [ظَهَرَ] قتل محمد بن هارون لمحمد بن زيد العلوي أظهر المعتضد لذلك النكير والحزن، تأسفاً على قتله .

وكانت وفاة نصر بن أحمد صاحب ما وراء نهر بلخ في أيام المعتضد، وذلك في سنة تسع وثمانين ومائتين وصار الأمر إلى أخيه إسماعيل بن أحمد.

وفاة جماعة من الأعيان

وكانت وفاة أحمد بن أبي طاهر الكاتب صاحب كتاب أخبار بغداد سنة ثمانين ومائتين .

وفيها كانت وفاة أحمد بن محمد القاضي الذي يحدث. وفي سنة إحدى وثمانين ومائتين كانت وفاة أبي بكر عبد الله محمد بن بن أبي الدنيا القرشي مؤدب المكتفي بالله، في المحرم، وهو صاحب الكتب المصنفة في الزهد وغيره .

وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين كانت وفاة أبي سهل محمد بن أحمد الرازي[ القاضي] المحدثِ .

وإنما نذكر وفاة هؤلاء لدخولهم في التاريخ ، وَحَمْل الناس العِلْمَ عنهم من الآثار عن رسول الله .

وكانت وفاة عبيد الله بن شريك المحدث في سنة خمس وثمانين ومائتين ببغداد.

وفيها [ كانت] وفاة بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلَفَ بطبرستان.

وفيها مات محمد بن الحسين الجنيد.

وفي سنة ثمان وثمانين ومائتين مات أبو علي بشر [بن موسى بن صالح ابن شیخ ] ابن عميرة البغدادي وكانت وفاة أبيه أبي محمد موسى بن صالح ابن شيخ ابن عميرة الأسدي في سنة سبع وخمسين ومائتين في خلافة المعتمد على الله، وله نيف وتسعون سنة، وقُبِضَ ولده وهو ابن تسع وتسعين سنة.

وفيها مات أبو المُثَنَّى معاذ بن المُثَنَّى بن معاذ العنبري في أيام المعتضد.

قال المسعودي : وقد ذكرنا من اشتهر من الفقهاء والمحدثين وغيرهم من أهل الآراء والأدب في كتابينا «أخبار الزمان» و«الأوسط» وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً مُلوّحين على ما سلف .

وفاة المعتضد

وكانت وفاة المعتضد لأربع ساعات خلت من ليلة الاثنين لثمانٍ بَقِينَ من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين في قصره المعروف بالحسني، بمدينة السلام، وقيل: إن وفاته كانت بسمّ إسماعيل بن بلبل قبل قتله إياه فكان يَسْرِي في جسده، ومنهم من ذكر أن جسمه تحلل في مسيره في طلب وصيف الخادم على ما ذكرنا، ومنهم مَنْ رأى أن بعض جواريه سَمَّتَهُ في منديل أعطته إياه يتنشَفُ به، وقيل غير ذلك مما عنه أعرضنا .

وقد كان أوصى أن يُدْفَنَ في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، في الجانب الغربي من الدار المعروفة بدار الرخام، فلما اعتراه الغَشْيُ ووقع للموت شكوا في وفاته ، فتقدم الطبيب إلى بعض أعضائه فجسه فأحس به وهو على ما به من السكرات، فأنف من ذلك وَرَكَلَه برجله فقلبه أذرعاً، فيقال : إن الطبيب مات منها ومات المعتضد من ساعته، وسمع ضجة وهو على ما به من الحال ففتح عينيه، وأشار بيديه كالمستفهم، فقال له مؤنس الخادم يا سيدي الغلمان قد ضجوا عند القاسم بن عبيد الله، فأطلقنا لهم العَطَاء، فقطب وهمهم في سكرته، فكادت أنْفُسُ الجماعة أن تخرج من هيبته، وحمل إلى دار محمد بن عبد الله بن طاهر، فدفن بها .

قال المسعودي : وللمعتضد أخبار وسير وحروب ومسير في الأرض غير ما ذكرنا، قد أتينا على ذكرها وَالغُرَر من مبسوطها في كتابينا «أخبار الزمان» و«الأوسط».

ذكر خلافة المكتفي بالله

موجز

وبويع المكتفي بالله . وهو علي بن أحمد المعضد بمدينة السلام في اليوم الذي كانت فيه وفاة أبيه المعتضد وهو يوم الاثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين وأخَذَ له البيعَةَ القاسم بن عبيد الله والمكتفي يومئذ بالرقة وللمكتفي يومئذ نيف وعشرون سنة، ويكنى بأبي محمد فكان وصول المكتفي إلى مدينة السلام [ من الرقة يوم الاثنين لسبع ليالي بقين من جمادى الأولى سنة تسع وثمانين ومائتين، وكان دخوله في الماء، ونزل قصر الحسني على دجلة، وكانت وفاته يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين وهو يومئذ ابن إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر فكانت خلافته ست سنين وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوماً، :وقيل: : ست سنين وستة أشهر وستة عشر يوماً على تباين الناس في تواريخهم، والله أعلم .

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

اسم علي في الخلفاء

ولم يتقلد الخلافة إلى هذا الوقت . وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة . من خلافة

المتقي بالله من اسمه علي إلا علي بن أبي طالب والمكتفي .

رد المظالم إلى أهلها

ولما نزل المكتفي قصر الحسني في اليوم الذي كان فيه دخوله إلى مدينة السلام خلع على القاسم بن عبيد الله، ولم يخلع على أحد من القُوَّاد، وأمر بهدم المطامير التي كان المعتضد اتخذها لعذاب الناس ،وإطلاق من كان محبوساً فيها، وأمر برد المنازل التي كان المعتضد اتخذها لموضع المطامير إلى أهلها ، وفرق فيهم أموالا ، فمالت قلوب الرعية إليه، وكثر الداعي له بهذا السبب .

غلب عليه جماعة

وغلب عليه القاسم بن عُبيد الله وفاتك مولاه، ثم غلب عليه بعد وفاة القاسم[ بن عبيد الله ] وزيره العباس بن الحسن وفاتك، وقد كان القاسم بن عبيد الله أوقع بمحمد بن غالب الأصبهاني، وكان يتقلد ديوان الرسائل وكان ذا علم ومعرفة، وأوقع بمحمد بن بشار وابن منارة لشيء بلغه عنهم ، فأوثقهم بالحديد، وأحْدَرَهُمْ إلى البصرة، فيقال : إنهم غرقوا في الطريق ولم يعرف لهم خبر إلى هذه الغاية؛ ففي ذلك يقول علي بن بسام :

عذرناك في قتلك المسلمين*** وقلنا: عداوة أهل الملل

فهذا المغاري ما ذنبه*** ودينكما واحد لم يزل

إيقاعه ببدر

وقد كانت الحال انفرجت بين القاسم بن عبيد الله وبدر قبل هذا الوقت، فلما

استخلف المكتفي أغراه القاسم ،ببدر، وكان ميل جماعة من القواد عن بدر فساروا إلى حضرة السلطان، وسار بدر إلى واسط، فأخرج القاسم المكتفي إلى نهر ذيال، فعسكر هنالك، وجعل في نفس المكتفي من بدر كل حالة يقدر عليها من الشر، وأغراه به، فأحضر القاسم أبا حازم القاضي وكان ذا علم ودراية فأمره عن أمير المؤمنين بالمسير إلى بدر فيأخذ له الأمان ويجيء به معه ويضمن له عن أمير المؤمنين ما أحَبَّ، فقال أبو حازم ما كانت أبلغ عن أمير المؤمنين رسالة لم أسمعها منه، فلما امتنع عليه أحضر أبا عمرو [محمد] بن يوسف القاضي فأرسل به إلى بدر في شذاء، فأعطاه الأمان [والعهود] والمواثيق عن المكتفي، وضمن له أن لا يسلمه عن يده إلا عن رؤية أمير المؤمنين، فخلى عسكره، وجلس معه في الشذاء مُصْعِدِينَ فلما انتهوا إلى ناحية المدائن والسبب تلقاه جماعة من الخدم فأحاطوا بالشذاء، وتنحى أبو عمرو عنه إلى طيار فركب فيه، و قرب بدر إلى الشط، وسألهم أن يصلي ركعتين، وذلك في يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان سنة تسع وثمانين ومائتين قبل الزوال من ذلك اليوم، فأمهلوه للصلاة، فلما كان في الركعة الثانية قطعت عنقه، وأخذ رأسه فحمل إلى المكتفي، فلما وضع الرأس بين يدي المكتفي سجد وقال : الآن ذقت طعم الحياة ولذة الخلافة .

ودخل المكتفي إلى مدينة السلام يوم الأحد لثمان خلون من شهر رمضان؛ ففي محمد بن يوسف القاضي يقول بعض الشعراء في ضمانه لبدر العهود والمواثيق عن المكتفي :

قل لقاضي مدينة المنصور*** بم أحللت أخذ رأس الأمير؟

بعد إعطائه المواثيق والعهـ*** ـد وعقد الأمان في منشور

أيْنَ أيمانك التي يشهد الله على*** أنهایمين فجُور؟

أين تأكيدك الطَّلَاق ثلاثاً*** ليس فيهن نية التخيير؟

أن كَفَّيْكَ لا تفارق كفيـ***ـه إلى أن ترى مليك السرير

يا قليل الحياء يا أكذب الأمـ***ـة يا شاهدا شادة زور

ليس هذا فعل القضاة ولا تُحـ*** ـسِنُ أمثاله ولاة الجسور

قد مضى من قتلت في رمضان*** راكعاً بعد سجدة التكبير

أي ذنب أتَيْتَ في الجمعة الزهـ*** ـراء في خير خير خير الشهور؟

فأعِدَّ الجواب للحكم العا*** دل من بعد منكر ونكير

يا بني يوسف بن يعقوب أضْحَى*** أهْلُ بغداد منكُمُ في غرور

شتَتَ الله شملكم، وأراني*** بكم الذل بعد ذلك الوزير

أنتم كلكم فداء أبي فداء أبي حا***زم المستقيم كل الأمور

منزلة بدر

قالوا: وكان بدر حراً، وهو بدر بن خير من موالي المتوكل، وكان بدر في خدمة ناشىء غلام الموفق صاحب ركابه ، ثم اتصل بالمعتضد، وقرب من قلبه وخفٌ بين يديه في أيام الموفق، وكان للمعتضد غلام يقال له فاتك وكان من أعلى غلمانه، فبعد من قلبه، وانحطت مرتبته وكان السبب في ذلك أن المعتضد غضب على بعض جواريه فأمر ببيعها، فدس فاتك من ابتاعها له، فكان السبب في إبعاده من قلب المعتضد عند نمو ذلك إليه، وزاد أمر ،بدر وعَلَتْ ،مرتبته حتى كان يلتمس الحوائج به من المعتضد، وكانت الشعراء تقرن مدح بدر بمدح المعتضد، وكذلك من خاطبه فيما عدا المنظوم من الكلام.

قال المسعودي وأخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي النديم الشطرنجي بمدينة السلام قال : كان لي وعد على المعتضد فما ظفرت به حتى عملت قصيدة ذكرت فيها بدراً أولها :

أيها الهاجر مَرْحاً لا مجد*** أجَزَاءُ الود أن يُلْقَى بصد؟

لأمير المؤمنين المعتضد*** بَحْرُ جودٍ ليس يعدوه أحد

وأبو النجم لمن يقصده*** جدول منه إلى البحر يَرِدْ

قد مضى الفطر إلى الأضحى وقد ***آن أن يقرب وعد قد بعد

ما اقتضائي الوَعْدَ أَنْ لَسْتُ عَلَى*** ثقة من أنه أخذ بيد

غير أن النفس تهوى عاجلا*** وسوا أعطى كريم أو وَعَدْ

قال : فَضَحِكَ وأمر بما وعدني به .

وأخبرنا محمد بن النديم بمدينة السلام قال : سمعت المعتضد يقول : أنا أنفُ من هبة القليل، ولا أرى الدنيا لو كانت لى أموالها وجمعت عندي تفي بقدر جودي والناس يزعمون أني بخيل، أتراهم لا يعلمون أني جعلت أبا النجم بيني وبينهم أعرف ما مبلغ ما ينفقه يوماً [فيوماً] لو كنت بخيلا ما أطلقت ذلك له .

وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الفقيه الوَرَّاقُ الأنطاكي بمدينة أنطاكية قال: أخبرني إبراهيم بن محمد الكاتب، عن يحيى بن علي المنجم النديم ، قال : كنت يوماً بين يدي المعتضد وهو مُقَطِّب، فأقبل بدر، فلما رآه من بعيد ضحك وقال لي: يا يحيى من الذي يقول من الشعراء:

في وجهه شافع يمحو إساءته*** من القلوب وَجِيه حيثما شَفَعَا

فقلت : يقوله الحكم بن قنبرة المارني[البصري]، فقال : لله دره! أنشدني هذا الشعر، فأنشدته :

وَيْلي عَلَى مَنْ أطار النوم فامتنعا*** وزاد قلبي على أوجاعه وَجَعَا

كأنما الشمس في أعطافه لمعت ***حسناً، أو البدر من أزراره طلعا

مستقبل بالذي يهوى، وإن كثرت*** منه الذُّنُوبُ، ومعذور بما صنعا

في وجهه شافع يمحو إساءته*** من القلوب وَجِيه حيثما شفعا

قال : وأخذ قوله :

أو البدر من أزراره طلعا

أحمد بن يحيى بن العراف الكوفي فقال :

بدا وكأنما قمر *** علی أزراره طلعا

يحث المسك من عرق الجبـ*** ـین بنانه ولعا

ظهور القرمطي بالشام

وفي سنة تسع وثمانين ومائتين ظهر القِرْمِطِيُّ بالشام، وكان من حروبه مع طغج وعساكر المصريين ما قد اشتهر خبره ، وقد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا] وما كان من خروج المكتفي إلى الرقة وأخذ القَرَامِطة وذلك في سنة إحدى وتسعين ومائتين، وكذلك ما كان من ذكرويه بن مهرويه ووقوعه بالحاج في سنة أربع وتسعين ومائتين إلى أن قتل وأدخل إلى مدينة السلام.

فداء الغدر وفداء التمام

قال المسعودي : وكان فداء الغدر في ذي القعدة من سنة اثنتين وتسعين ومائتين باللامس بعد أن فادوا بجماعة من المسلمين والروم، ثم إن الروم غدروا بعد ذلك، وكان فداء التمام باللامس بين الروم والمسلمين على التمام في شوال من سنة خمس وتسعين ومائتين، والأمير في الفداءين جميعاً رستم وكان على الثغور الشامية، فكان عِدَّةُ من فدى به من المسلمين في فداء ابن طغان في سنة ثلاث وثمانين ومائتين . على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب من ذكره . ألفي نفس وأربعمائة وخمساً وتسعين نفساً من ذكر

وأنثى، وكان عدة من فدى به من المسلمين في الغدر ألفاً ومائة وأربعاً وخمسين نفساً، وعدد من فودي به في فداء التمام ألفين وثمانمائة واثنتين وأربعين نفساً.

مالية الدولة

ومات المكتفي وقد خَلّف في بيوت الأموال [من العين] ثمانية آلاف ألف دينار ومن الوَرِق خمسة وعشرين ألف ألف درهم من الدواب والبغال والجمازات وغيرها تسعة آلاف رأس، وكان مع ذلك بخيلا ضيقاً.

وأخبرنا أبو الحسن أحمد بن يحيى المنجم المعروف بابن النديم، وكان من حذاق أهل النظر والبحث وأهل الرياسة من أهل التوحيد والعدل، وفي أخيه علي بن يحيى

يقول أبو هفان: الزمان في الْحَوْلِ وقت وابْنُ يحيى في كل وقتٍ رَبيع

رَجُل عنده المكارم شوق يشتري دَهْرَه ونحن نبيعُ

وظيفته من الطعام

قال : وكانت وظيفة المكتفي بالله عشرة ألوان في كل يوم، وجدي في كل جمعة، وثلاث جامات حلواء، وكان يردد عليه الحلواء، ووكل على مائدته بعض خدمه، وأمره أن يحصي ما فضل من الخبز، فما كان من المكسر عزله للثريد، وما كان الصحاح رُدَّ إلى

من الغد، وكذلك كان يفعل بالبوارد والحلواء .

مائدته

نهب ضياعاً من أهلها

وأمر أن يتخذ له قصر بناحية الشماسية بإزاء قطريل، فأخذ بهذا السبب ضياعاً كثيرة ومَزارع كانت في تلك النواحي بغير ثمن من مُلاكها، فكثر الداعي عليه، فلم يستتم ذلك البناء حتى توفي وكان هذا الفعل مشاكلا لفعل أبيه المعتضد في بناء المطامير .

قسوة وزيره

وكان وزيره القاسم بن عبيد الله عظيم الهيبة، شديد الإقدام، سفاكاً للدماء، وكان الكبير والصغير على رعب [ وخوف] منه لا يعرف أحد منهم لنفسه نعمة معه .

وفاة الوزير

وكانت وفاته عشية الأربعاء لعشر خلون من ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين

ومائتين، وله نيف وثلاثون سنة ؛ ففي ذلك يقول بعض أهل الأدب، وأراه عبد الله بن الحسن بن سعد :

شربنا عَشِيّةً مات الوزير*** ونَشْرَب يا قوم في ثالثه

فلا قدَّسَ الله تلك العظام*** ولا بارك الله في وارثه

مقتل عبد الواحد بن الموفق

وكان ممن قتل القاسم بن عبيد الله عبد الواحد بن الموفق، وكان معتقلاً عند مؤنس[الفحل] فبعث إليه حتى أخذ برأسه، وذلك في أيام المكتفي، وقد كان المعتضد يُعِزُّه ويميل إليه ميلا شديداً، ولم يكن لعبد الواحد همة في خلافة ولا سمو إلى رياسة، بل كان همته في اللعب مع الأحداث، وقد كان المكتفي أخبر عنه أنه راسل عدة من غلمانه الخاصة، فوكل به مَنْ يراعي خبره وما يظهر من قوله إذا أخذ الشراب منه، فسمع منه وقد طرب وهو ينشد شعر العتابي حيث يقول :

تلوم على ترك الغِنَى باهليَّةٌ***طَوَى الدهر عنها من طريف وتالد

رَأتْ حَوْلَها النسوان يمشين خلسة*** مُقَلَّدَةٌ أجيادُهَا بالقلائد

أسَرَّكِ أني نلت ما نال جعفر***من الملك أو ما نال يحيى بن خالد

وأن أمير المؤمنين أغَصَّنِي*** مُغَصَّهُمَا بِالْمُرْهَفَاتِ البوارد

ذَرِيني تجئني مِيتَتِي مطمئنة ***ولم أتَجَشَّم هَوْل تلك الموارد

فإنَّ نفيسات الأمور مَشُوبة *** بمستودعات في بطون الأساود

وإن الذي يسمو إلى دَرَك العلا*** مُلَقَّى بأسباب الردى والمكايد

فقال له بعض ندمائه وقد أخذ منه الشراب يا سيدي، أين أنت عما تمثل به يزيد بن المهلب :

تأخَرْتُ أستبقي الحياة فلم أجد*** حياةً لنفسي مِثْلَ أن أتَقَدَّمَا

فقال له عبد الواحد : مه، لقد أخطأت ،الغرض، وأخطأ ابن المهلب، وأخطأ قائل هذا البيت وأصاب أبو فرعون التميمي حيث يقول قال النديم: حيث يقول ماذا ؟ قال :

وما بي شيء في الوغى غير أنني*** أخاف على فَخَارتي أن تحطّما

ولو كنت مُبْتَاعاً من السوق مثلها*** لدى الروع ما باليت أن أتقدما

فلما انتهى ذلك إلى المكتفي ضحك وقال قد قلت للقاسم ليس عمي عبد الواحد ممن تسمو همته إليها هذا قول مَنْ ليس له همة غير فرجه وجوفه وأمرد يعانقه وكلاب بهارش بها وكباش يناطح بها وديوك يقاتل بها أطلقوا لعمي كذا وكذا، فلم يزل القاسم بعبد الواحد حتى قتله .

وقد كان المكتفي لما أن مات القاسم وتبين قتله لعبد الواحد أراد نبش القاسم من قبره وضَرْبه ،بالسوط، وَحَرْقه بالنار، وقد قيل غير ذلك، والله أعلم.

مقتل ابن الرومي

أهلكه وممن القاسم بن عبيد الله على ما قيل بالسم في خشكنانجة علي بن العباس بن جَرَيْج الرومي، وكان منشؤه ببغداد ووفاته بها، وكان من مختلقي معاني الشعراء والمجودين في القصير والطويل، متصرفاً في المذهب تصرفاً حسناً، وكان أقل أدواته الشعر، ومن محكم شعره وجيده قوله :

رأيت الدهر يجرحُ ثم يأسُو*** يعوض أو يسلي أو ينسي

أَبَتْ نفسي الهلوع لفقد شيء*** كَفَى حُزناً لنفسي فقد نفسي

ومن قوله العجيب الذي ذهب إلى معاني فلاسفة اليونانيين وَمَنْ مَهَرَ من المتقدمين

قوله في القصيدة التي قالها في صاعد بن مخلد:

لما تُؤْذِنُ الدنيا به من زوالها*** يكُونُ بكاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُوضَعُ

وإلا فما يُبْكِيهِ منها، وإنها*** لأفسَحُ مما كان فيه وَأَوْسَعُ؟

ومما دَقّ فيه فأحسن وذهب إلى معنى لطيف من النظر على ترتيب الجدليين وطريقة حذاق المتقدمين قوله :

غموض الشيء حين تَذَبُ عنه*** يُقَلّل ناصر الخصم المحقق

تضيقُ عقول مستمعيه عنه*** فيقضي للمجل على المدقق

ومما أجاد فيه في وصف القناعة قوله :

إذا ما شئت أن تعلـ***ـم يوماً كذب الشهوه

فَكُل ما شئت يصدرك*** عن المرة والحلوه

وَطَأ ما شئت یحصنک***عنالحسناء في الْخَلْوَة

وكم انسَاك اك ما تهوا***ه نیل الشيء لم تهوه

وقوله :

بأبي حُسْنُ وجهك اليوسفي *** يا كفي الهوى وفوق الكفي

فيه ورد ونرجس، وعجيب*** اجتماع الشتوي والصيفي

وقوله في العنب الرازقي :

ورازقي مُخطف الخصور*** كأنه مخازن البلور

ألين في المس من الحرير*** [وَرِيحُه كَماءِ وَرْدِ جوري]

لو أنه يبقى على الدهر*** لقَرَّطُوه للحسان الحور

ولابن الرومي أخبار حسان مع القاسم بن عبيد الله الوزير، وأبي الحسن علي بن سلميان الأخفش النحوي وأبي إسحاق الزجاج النحوي .

وكان ابن الرومي الأغلب عليه من الأخلاط السوادء، وكان شَرِها نَهما، وله أخبار تدل على ما ذكرناه من هذه الجمل مع أبي سهل إسماعيل بن علي النُّوبختي وغيره من آل نوبخت.

وفاة جماعة من الأعيان

وفي سنة تسعين ومائتين مات عبد الله بن أحمد بن حنبل، يوم بن حنبل، يوم السبت لعشر بَقِينَ من جمادى الآخرة.

وفي سنة إحدى وتسعين ومائتين كانت وفاة أبي العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب ليلة السبت لثمان بقين من جمادى الأولى، ودُفن في مقابر باب الشام في حجرة اشتريت له، وَخَلَّف إحدى وعشرين ألف درهم وألفي دينار، وغلة بشارع باب الشام قيمتها ثلاثة آلاف دينار.

من أخبار ثعلب

ولم يزل أحمد بن يحيى مقدماً عند العلماء منذ أيام حداثته إلى أن كبر وصار إماماً في صناعته، ولم يخلف وارثاً إلا ابنة لابنه فرد ماله عليها، وكان هو ومحمد المبرد عالين قد ختم بهما الأدباء وكانا كما قال بعض الشعراء من المحدثين :

أيا طالب العلم لا تجهلَنْ*** وعُذ بالمبرد أو ثعلب

تجد عند هذين علم الورى*** ولاتك كالجمل الأجرب

علوم الخلائق مقرونة*** بهذين في الشرق والمغرب

وكان محمد بن يزيد المبرد يحب أن يجتمع في المناظرة مع أحمد بن يحيى ويستكثر منه، وكان أحمد بن يحيى يمتنع من ذلك.

وأخبرنا أبو القاسم جعفر بن حمدان الموصلي الفقيه . وكان صديقهما . قال : قلت لأبي عبد الله الدينوري خَتَنِ ثعلب: لم يأبى أحمد بن يحيى الاجتماع مع المبرد؟ فقال لي: أبو العباس محمد بن يزيد حسن العبارة حلو الإشارة، فصيح اللسان، ظاهر البيان، وأحمد بن يحيى مَذْهَبُه مذهب المعلمين فإذا اجتمعا في محفل حكم لهذا على الظاهر إلى أن يعرف الباطن.

وأخبرنا أبو بكر القاسم بن بشار الأنباري النحوي أن أبا عبد الله الدينوري هذا كان يختلف إلى أبي العباس المبرد يقرأ عليه كتاب سبيويه عمرو بن عثمان بن قنبر فكان ثعلب يَعْذِله على ذلك، فلم يكن ذلك يَرْدَعُه .

وقيل : إن وفاة أحمد بن يحيى ثعلب كانت في سنة اثنتين وتسعين ومائتين .

وفاة جماعة من العلماء

وفي هذه السنة -وهي سنة إحدى وتسعين ومائتين -مات محمد بن محمد الجذوعي القاضي، وله أخبار عجيبة فيما كان به من المذهب قد أتينا على وصفه ونوادره فيها وما كان له من التعزز في الكتاب الأوسط .

وفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين كانت وفاة أبي حازم عبد العزيز بن عبد الحميد القاضي، يوم الخميس لسبع ليال خلون من جمادى الآخرة من هذه السنة ببغداد، وله نیف وتسعون سنة .

أحداث

وفي هذه السنة تغلب ابن الخليجي على مصر.

وفيها وقع الحريق العظيم، فأحرق بباب الطاق نحواً من ثلاثمائة دكان وأكثر .

وظفر بابن الخليجي في سنة ثلاث وتسعين ومائتين بمصر، وأدخل إلى بغداد، وقد أشهر وقدامه أربعة وعشرون إنساناً من أصحابه منهم صندل المزاحمي الخادم الأسود، وذلك للنصف من شهر رمضان من هذه السنة .

وفيات

وفي سنة أربع وتسعين ومائتين مات موسى بن هارون بن عبد الله بن مروان

البزاز المحدث المعروف بالحمال في يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شعبان ببغداد ويكنى أبا عمران وهو ابن نيف وثمانين سنة، ودفن في مقابر باب حرب إلى جانب أحمد بن حنبل .

وقد قدمنا العذر فيما سلف من هذا الكتاب لذكرنا وفاة هؤلاء الشيوخ إذ كان الناس في أغراضهم ،مختلفين، وفي طلبهم الفوائد متباينين، وربما قد يقف على هذا الكتاب من لا غرض له فيما ذكرناه فيه ويكون غرضه معرفة وفاة هؤلاء الشيوخ .

وكانت وفاة أبي مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي البصري المحدث في المحرم سنة اثنتين وتسعين ومائتين [وهو ابن اثنتين وتسعين سنة] وكان مولده في شهر رمضان سنة مائتين .

وقبض أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب وهو في سن أبي مسلم على ما ذكرنا من تنازع الناس في تاريخ وفاته، وقد كان أبو العباس أحمد بن يحيى قد ناله صَمَمٌ وزاد عليه قبل موته حتى كان المخاطب له يكتب ما يريده في رقاع .

وصف القطائف

وأخبرنا محمد بن يحيى الصولي الشطرنجي قال : كُنا يوماً نأكل بين يدي المكتفي، فوضعت بين أيدينا قطائف رفعت من بين يديه في نهاية النضارة ورقة الخبز وإحكام العمل فقال : هل وصفت الشعراء هذا؟ فقال له يحيى بن علي: نعم، قال أحمد بن يحيى فيها:

قطائف قد حُشِيَتْ باللوز*** والسكر الماذِي حَشْوَ الموز

تسبح في آذى دهن الجوز *** سررت لما وقعت في حوزي حَوْزِي

سُرُور عباس بقرب فَوْزِ

قال : وأنشدته لابن الرومي قوله :

وأتت قطائف بعد ذاك لطائف

فقال : هذا يقتضي ابتداء، فأنشدني العشر من أوله، فأنشدته لابن الرومي :

وَخَبِيصَة صَفْراء دينارية*** ثمناً ولوناً زَفّهَالك حَزْوَر

عظمت فكادت أن تكون إوزة*** وثوت فكاد إهابها يتفطر

طفقت تجود بوبلها جوذابة *** فإذا لُباب اللوز فيها السكر

نعم السماء هناك ظل صَبِيبُهَا*** يَهْمِي، ونعم الأرض ظلت تُمْطِر

يا حسنها فوق الخوان ودهنها*** قدامها بصهیرهایتفرغر

ظَلْنَا نُقَشر جلدها عن لحمها*** وكأن تبراً عن لجين يُقْشَر

وتقدمَتْها قبل ذاك ثرائد*** مثل الرياض بمثلهنَّ يُصَدَّر

وَمُرَقَّقَات كلهن مزخرف*** بالبيض منها ملبس ومدثر

وأتت قطائف بعد ذاك لطائف*** تَرْضَى اللهاة بها وَيرْضَى الحنجر

ضحك الوجوه من الطبرزد فوقها*** دمع العيون مع الدهان يقطر

وصف اللوزينج

فاستحسن المكتفي بالله الأبيات وأومأ إليَّ أن أكتبها له، فكتبتها له .

قال محمد بن يحيى الصولي : وأكلنا يوماً بين يديه بعد هذا بمقدار شهر، فجاءت لوزينجة، فقال: هل وصف ابن الرومي اللوزينج؟ فقلت : نعم، فقال: أنشدنيه ،فأنشدته :

لا يخطئني منك لوزينج*** إذا بدا أعجب أو عَجَّبًا

لم تُغْلِقِ الشهوة أبوابها*** إلا أَبَتْ زلفاه أن يحجبا

لو شاء أن يذهب في صخرة*** لَسَهَّلَ الطيب له مَذْهَبًا

يدور بالنفخة في جامه*** دوراً ترى الدهن له لولبا

عاون فيه منظر ظر مخبراً*** مستحسن ساعد مستعذبا

[كالحسن المحسن في شَدوه*** ثم فأضحى مغرياً مطربا]

مستكثف الحَشو، ولكنه*** أرقُ جلداً من نسيم الصبا

كأنما قُدَّتْ جلابيبه*** من أعين القطر الذي قبيا

یخال من رقة أجزائه*** شارك في الأجنحة الْجُندَبَا

لو أنه صُورَ من خبزه*** ثغر لكان الواضح الأشْنَبَا

من كل بيضاء يودُّ الفتى*** أن يجعل الكف لها مَرْكَبًا

مدهونة زرقاء مدفونة*** شهباء تحكي الأزَرَقَ الأشهبا

ذيقَ له اللوز فما مُرَّةٌ*** مَرَّتْ على الذائق إلا أبى

وانتقد السكر نقاده*** وشارفوا في نقده المذهبا

فلا إذا العين رأتها نَبَتْ ***ولا إذا الضرس علاهانبا

فحفظها المكتفي ؛ فكان يُنْشِدُهَا .

من شعر المكتفي

ومما استحسن من شعر المكتفي لنفسه:

إني كَلِفْتُ، فلا تَلْحُوا، بجارية*** كأنها الشمس، بل زادت على الشمس

لها من الحسن أعلاه فرؤيتها*** سَعْدِي، وَغَيْبَتُهَا عن ناظري نحسي

وللمكتفي أيضاً:

بلغ النفس ما اشْتَهَتْ*** فإذا هي قد اشْتَفَتْ

إنما العيش ساعة*** أنت فيها وما انقضت

كل من يعذل المحب*** إذا ما هذا سکت

وله أيضاً :

مَنْ لي بأن يعلم ما ألقي*** فيعرف الصَّبْوَةَ والعشقا

ما زال لي عبداً، وَحُبّي له ***صَيْرني عبداً له رقا

أُعْتِقَ من رقى، ولكنني ***من حبه لا أملك العتقا

شراب الدوشاب

وأخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي المعروف بنفطويه، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حمدون قال تذاكرنا يوماً بحضرة المكتفي أصناف الأشربة ، فقال : فيكم مَنْ يحفظ في نبيذ الدوشاب شيئاً ؟ فأنشدته قول ابن الرومي :

إذا أجَدْتَ حبه وَدِبْسَهُ *** ثم أجَدْتَ ضربه وَمَرْسَهُ

ثم أطلت في الإناء حَبْسَه*** شرب منه البابلي بلي نفسه

فقال المكتفي : قبحه الله !! ما أَشْرَهَهُ !! لقد شَوَّقَني في هذا اليوم إلى شرب الدوشاب .

قصة هريسة

وقدم الطعام، فوضع بين أيدينا طيفورية عظيمة فيها هريسة، وقد جعل في وسطها مثل السكرجة الضخمة مملوءة من دسم الدجاج ؛ فضحكت وخطر ببالي خبر الرشيد مع أبَانَ القاري، فلحظني المكتفي، وقال: يا أبا عبد الله ؛ ما هذا الضحك؟ فقلت : خبر ذكرته في الهريسة يا أمير المؤمنين ودهن الدجاج مع جدك الرشيد، فقال: وما هو؟ قلت نعم يا أمير المؤمنين ذكر العتبي والمدائني أن أبَانَ القاري تَغَدَّى مع الرشيد،

فجاؤوا بهريسة عجيبة في وسطها مثل السكرجة الضخمة على هذا المثال من دهن الدجاج ، قال :أبان فاشتهيت من ذلك الدسم، وأجللت الرشيد من أن أمد يدي فأغمس فيه قال : ففتحت بأصبعي فيه فتحاً يسيراً، فانقلب الدسم نحوي، فقال الرشيد : يا أبان، أخرقتها لتغرق أهلها ؟ فقال :أبان لا يا أمير المؤمنين، ولكن سقناه لبلد ميت، فضحك الرشيد حتى

أمسك صدره.

هدية من أبي مضر بن الأغلب

وفي سنة خمس وتسعين ومائتين وردت إلى مدينة السلام هدية زيادة الله بن عبد الله ويكنى أبا مضر وكانت الهدية مائتي خادم أسود، وأبيض، ومائة وخمسين جارية، ومائة من الخيل العربية وغير ذلك من اللطائف

آل الأغلب بإفريقية

وقد كان الرشيد في سنة أربع وثمانين ومائة . وذلك بالرقة . قلد إبراهيم بن الأغلب أمر إفريقية من أرض المغرب، فلم يزل آل الأغلب أمراء إفريقية حتى أخرج عنها زيادة الله ابن عبد الله هذا في سنة ست وتسعين ومائتين ، وقيل : في ستة خمس وتسعين ومائتين، أخرجه من المغرب أبو عبد الله المحتسب الداعية الذي ظهر في كتامة وغيرها من البربر، فدعا إلى عبيد الله صاحب المغرب، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب تولية المنصور للاغلب بن سالم السعدي المغرب.

علة المكتفي

قال : واشتدت علة المكتفي بالله بالذرب فأحضر محمد بن يوسف القاضي وعبد الله بن علي بن أبي ،الشوارب، فأشهدهما على وصيته بالعهد إلى أخيه جعفر، وقد قَدَّمنا ذكر وفاته فيما سلف من هذا الكتاب فأغني ذلك عن إعادته في هذا الموضع. قال المسعودي : وللمكتفي بالله أخبار حسان وما كان في عصره من الكوائن قي قصة ابن البلخي بمصر، وأمر القِرْمِطي بالشام، وأمر ذكرويه وخروجه على الحاج، وغير ذلك مما كان في خلافته، وقد أتينا على جميع ذلك في كتابينا «أخبار الزمان» والأوسط، فأغني ذلك عن إعادة ذكره .

ذكر خلافة المقتدر بالله

موجز

وبويعالمقتدر بالله جعفر بن أحمد في اليوم الذي توفي فيه أخوه المكتفي بالله، وكان يوم الأحد لثلاثَ عَشْرَةَ ليلةٌ خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين، ويكنى أبا الفضل، وأمه أم ولد يقال لها شغب، وكذلك أم المكتفي أم ولد يقال لها ظَلُوم ، وقيل غير ذلك، وكان له يَوْمَ بويع ثلاث عشرة سنة، وقتل ببغداد بعد صلاة العصر يوم الأربعاء لثلاث ليالٍ بَقِينَ من شوال سنة عشرين وثلاثمائة ؛ فكانت خلافته أربعاً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وستة عشر يوماً، وبلغ من السن ثمانية وثلاثين سنة وخمسةً عَشَرَ يوماً، وقد قيل في مقدار عمره غير ما ذكرنا والله أعلم .

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

مقتل وزيره

وبويع المقتدر وعلي وزارته العباس بن الحسن إلى أن وَثَبَ الحسين بن حمدان، ووصيف بن سوارتكين، وغيرهما من الأولياء على العباس بن الحسن فقتلوه وفاتكاً معه، وذلك وذلك في يوم السبت لإحدى عَشْرَةَ ليلةً بقيت من ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين، وكان من أمر عبد الله بن المعتز ومحمد بن داود وغيرهما ما قد اتضح في الناس واشتهر وأتينا على ذكره في الكتاب الأوسط وغيره في أخبار المقتدر بالله .

مصنفات في سيرة المقتدر

وقد صنف جماعة من الناس أخبار المقتدر مجتمعة مع أخبار غيره من الخلفاء ومُفْرَدَةٌ، وعمل ذلك في أخبار [ الدولة من أخبار] ،بغداد وقد صنف أبو عبد الله بن عبدوس الجهشياري أخبار المقتدر بالله في ألوف من الأوراق ووقع لي منها أجزاء يسيرة.

وأخبرني غير واحد من أهل الدراية أن ابن عبدوس صنف أخبار المقتدر في ألف ورقة، وإنما نذكر من أخبار كل واحد منهم لمعاً وإنما الغرض جوامع من أخبارهم تبعث على دَرْسه وحفظ ما فيه ونَسْخِه.

عبد الله بن المعتز

وكان عبد الله بن المعتز أديباً بليغاً شاعراً مطبوعاً، مجوداً، مقتدراً على الشعر ، قريب المأخذ، سَهْلَ اللفظ جيد القريحة حسن الاختراع للمعاني، فمن ذلك قوله :

تقول العاذلات: تَعَزَّ عنها*** وأطف لهيب قلبك بالسلو

وكيف وقُبْلَةٌ منها اختلاسا*** ألذ من الشماتة بالعَدُو؟

وقوله :

ضعيفة أجفانه ***والقلب منه حَجَرُ

كأنما ألحاظه*** من فعله تعتذر

وقوله :

تولى الجهل، وانقطع العتاب،*** ولاح الشيب، وافتضح الخضاب

لقد أبغضت نفسي في مشيبي*** فكيف تحبني الخود الكعاب؟

وقوله :

عجباً للزمان في حالتيه*** وبلاء دفعت منه إليه

رُبَّ يوم بكيت فيه فلما ***صرت في غيره بكيت عليه

وقوله في أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات الوزير :

أبا حسن، ثَبَّتْ في الأرض وَطأتي*** وأدركتني في المعضلات الهزاهز

والبستني درعاً عليَّ حصينة*** فناديت صرف الدهر هل من مبارز

وقوله [أيضاً]:

ومن شر أيام الفتى بذلُ وجهه*** إلى غير من خَفَتْ عليه الصنائع

متى يدرك الإحسان من لم تكن له*** إلى طلب الإحسان نفس تنازع

وقوله :

فإن شئت عادتني السقاة بكأسها*** وقد فَتَحَ الإصباح في ليلة فَمَا

فخلت الدجا والفجر قد مد خيطه*** رداءٌ مُوَشَّى بالكواكب مُعْلَما

وقوله :

وأبكي إذا ما غاب نجم كأنني *** فقدت صديقاً أو رُزِلْتُ حميما

فلوشق من طرف الليالي كواكب *** شققت لها من ناظري نجوما

ومما أحسن فيه قوله في عبيد الله بن سليمان :

لآل سليمان بن وهب صنائع*** إلي، ومعروف لدي تقدما

هم علموا الأيام كيف تَبَرُّنِي*** وهم غَسَلُوا من ثوب والدي الدما

وقوله عند وفاة المعتصم بالله :

قضوا ما قضوا من حقه ثم قدموا*** إماماً يوم الخلق بين يديه

وصَلَّوْا عليه خاشعين كأنهم*** صفوفٌ قيام للسلام عليه

وقوله في فصادة المعتضد بالله :

يا دماً سال من ذراع الإمام** أنت أزكي من عنبر ومدام

قد ظنناك إذ جريت إلى الطسـ***ـت دموعاً من مقلتي مستهام

إنما غرق الطبيب شبا المبـ*** ـضع في نفس مهجة الإسلام

وقوله :

اصبر على حسد الحسو ***د فإنَّ صبرك قاتلة

فالنار تأكل نفسها*** إن لم تجد ما تأكلة

وقوله :

يطوف بالراح بيننا رَشَاً *** مُحكّم في القلوبِ والمُقَلِ

يكاد لحظ العيون حين بدأ*** يسفك من خده دَمَ الخجل

وقوله :

رَشَأ یتیه بحسن صورته*** عَبَثُ الفتور بلحظ مقلته

وكأن عقرب صُدْغه وقفت*** لما دنت من نار وجنته

وقوله :

إذا اجتنى وردة من خده فمه*** تكونت تحتها أخرى من الخجل

وفاة محمد بن داود الأصفهاني

قال : وكانت وفاة أبي بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الأصبهاني الفقيه سنة ست وتسعين ومائتين وكان ممن قد علا في رتبة الأدب وتصرف في بحار اللغة، وتفنّن في موارد المذاهب وأشفى على أغراض المطالب، وكان عالماً بالفقه منفرداً، و واحداً فيه فريداً، وألف في عنفوان صباه وقبل كماله وانتهائه الكتاب المعروف بالزهرة، ثم تناهت فكرته ونسقت ،قوته فصنف في الفقهيات ككتابه الوصول إلى معرفة الأصول، وكتاب الإنذار، وكتاب الأعذار والإيجاز، وكتابه المعروف بالانتصار على محمد بن جرير وعبد الله بن شرشير وعيسى بن إبراهيم الضرير .

ومما قال فيه فأحسن في عنفوان شبابه وأثبته في كتابه المترجم بالزهرة، وعَزَاهُ إلى بعض أهل عصره، وإن كان محسناً في سائر كلامه من منظومه ومنثوره قوله :

على كبدي من خيفة البين لوعة *** يكاد لها قلبي أسى يتصدَّعُ

يخاف وقوع البين والشمل جامع*** فيبكي بعين دَمْعُها متسرعُ

فلو كان مسروراً بما هو واقع*** كما هو محزون بما يتوقَّعُ

لكان سواء برؤه وسقامه*** ولكن وشك البين أدهى وأوجع

وقوله :

تمتع من حبيبك بالوَدَاع*** إلى وقت السرور بالاجتماع

فكم جَرَّبت من وصل وهجر*** ومن حال ارتفاع واتّضَاع

وكم كأس أمر من المنايا*** شربت فلم ضق عنها ذراعي

فلم أر في الذي لاقيت شيئاً*** أمَرَّ من الفراق بلا وداع

تعالى الله كُل مواصلات*** وإن طالت تؤول إلى انقطاع

وقوله :

لا خير في عاشق يُخْفِي صَبَابته*** بالقول، والشوقُ في زَفْرَاتِهِ بادي

يخفي هواه وما يخفى على أحد*** حتى على العيس والركبان والحادي

وفاة علي بن بسام

وفي سنة ثلاث وثلاثمائة في خلافة المقتدر بالله كانت وفاة علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بَسَّام ؛ وكان شاعراً لسناً مطبوعاً في الهجاء، ولم يسلم منه وزير ولا أمير ولا صغير ولا كبير. وله هجاء في أبيه وإخوته وسائر أهل بيته، فما قال في أبيه [محمد بن

نصر ] :

بنى أبو جعفر داراً فشيَّدَهَا*** ومثله لخيار الدور بناءُ

فالجوع داخلها، والذل خارجها، ***وفي وفي جوانبها بؤس وضَرَّاء

ما ينفع الدار من تشييد حائطها*** وليس داخلها خبز ولا ماء

وله فيه :

هَبْكَ عُمَرْتَ عمر عشرين نسراً*** أترى أنني أموت وتبقى

فلئن عشتُ بعد يومك يوماً*** لأشقنَّ جيب مالك شقا

وله فيه :

رأى الجوع طباً، فهو يحمي ويحتمي*** فلست ترى في داره غير جائع

ويزعم أن الفقر في الجود والسخا*** وأن ليس حظ في اكتساب الصنائع

لقد أمن الدنيا، ولم يخش صَرْفَهَا ***ولم يدر أن المرء رهن الفجائع

وأنشدني أبو الحسن محمد بن علي الفقيه الوَرَّاق الأنطاكي بأنطاكية، لعلي بن محمد بن بسام يهجو الموفق والوزير أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، والطائي أمير بغداد، وعبدون النصراني أخا صاعد، وأبا العباس بن بَسْطَام، وحامد بن العباس وزير المقتدر بالله بعد ذلك، وإسحاق بن عمران أمير الكوفة يومئذ :

أيرجو المُوَفَّقُ نَصْرَ الإله*** وأمر العباد إلى دانيه

ومن قبلها كان أمر العباد *** لَعَمْرُ أبيك إلى زانیه

فإن رضيت رضيت أنه***کالدالية فوقها داليه

وَظَلَّ ابن بُلبل يُدْعَى الوزير*** ولم يَكُ في الأعصر الخاليه

وطحان طي تولى الْجُسُور*** وَسَقى الفرات وزر قاميه

ويحكم عبدون في المسلمين*** ومن مثله تؤخذ الجاليه

وأحول بسطام ظل المشير*** وكان يَحُولُ ببرزاطيه

و حامد يا قوم لو أمره***أمره إلَيَّ لألزمته الراويه

نعم، ولأرجعته صاغراً ***الی بیع رمان حضراويه

وإسحاق عمران يدعي الأمير*** لداهیه أيما داهيه

فهذي الخلافة قد وَدَعَتْ *** وَظَلَّتْ على عرشها خاويه

فَخَل الزمان الأوغاده*** إلى لعنة الله والهاويه

فيارب قد ركب الأرذلون ***ورجلي من رجلهم عالیه

فإن كنت حامِلَنَا مثلهم*** وإلا فأرحل بني الزانيه

جمع في شعره هذا جميع رؤساء أهل الدولة في ذلك العصر.

وأنشد أبو إسحاق الزجاج النحوي صاحب المبرد [ لابن بسام] في المعتضد، وقد خَتَنَ ابنه جعفراً المقتدر :

انصرف الناس من ختان*** يدعون من جوعهم حزاما

فقلت: لاتعجبوا لهذا *** فهكذاتَخْتَنُ اليتامى

وله أيضاً في المعتضد :

إلى كم لا نرى ما نرتجيه*** ولاننفك من أملٍ كَذُوب

لئن سَمَّوْكَ معتضداً فإني*** أظنك سوف تعضد عن قريب

وله في الوزير العباس بن الحسن، وابن عمرويه الخراساني، وكان أمير بغداد يومئذ:

لعن الله الذي قَلـ*** ـدَ عباس الوزاره

والذي ولّى ابن عمرو***یه ببغداد الإماره

فوزير شنج الوجـ***ـه بطین کالغراره

وقفاً فیه سناما***ن ورأس کالخیاره

لم یزل یعرف بالزو***ر قديماً والعیاره

وأمير أعجمی ***کحمار بن حماره

رحل الإسلام عنا *** بتولیه الاداره

وأنشدني في أبي الحسن جَحْظَة البرمكي المغني:

لجحظة المحسن عندي يد*** أشْكُرُهَا منه إلى المَحْشَرِ

لما أراني وَجْهَ برذونه*** وصانني عن وجهه المنكر

وله في أبيه محمد بن نصر بن منصور بن بسام :

خبيصة تعقد من سُكّره *** وبُرْمَةٌ تطبخ من قنبره

عند فتى أسمح من حاتم*** يطبخ قدرين على مجمره

و ليس ذا في كل أيامه*** لكنه في الدعوة المُنْكَرَهُ

في يوم لهو فظع هائل*** ومجمع اللذات والقرقره

يقول للاكل من خبزه :*** تَعْساً لهذا البطن ما أكبره

وله في أبيه أيضاً:

خبز أبي جعفر طباشير*** فيه الأفاوية والعقاقير

فيه دواء لكل معضلة*** للبطن والصدر والبواسیر

وقصعة مثل مدهن صغراً *** فتزعق من حولها النواظير

ونَيْلُ ما ترتجيه من يده*** مالیس تجري به المقادير

وله فيه :

بعثت لأستهديه عَيْراً ولم أكن*** لأعلم أن العير صار لنا صهرا

فَوَجَّه لي كي نستوي في ركوبه*** فيركبه بطناً وأركبه ظهرا

وقال في جماعة من الرؤساء:

قل للرؤوس ومن تُرْجى نوافلهم ***ومن يؤمل فيه الرِّفْدُ والعمل

إن تشغلوني بأعمال أصيرها*** شغلاً، وإلا ففي أعراضكم شُغُلُ

وله أيضاً :

مالي رأيتك دائباً*** مستسخطاً أبداً لرزقك

ارجع إلى ماتستحـ***ـق فإن قوتك فوق حقك

وله في عبيد الله بن سليمان الوزير :

عبید الله ليس له معاد*** ولا عَقْلٌ ، وليس له سَدَاد

رددت إلى الحياة فعدت عنها*** قول الله: لو ردوا لعادوا

وله في القاسم بن عبيد الله بن سليمان :

قل للمولّى دولة السلطان:*** عند الكمال تَوَقُعُ النقصان

كم من وزير قد رأيت معظماً*** أضحى بدار مذلّة وهوان

وله في عبيد الله بن سليمان :

لابديانفس من سجود *** في زمن القرد للقرود

هَبَّتْ لك الريح يا ابن وهب*** فخة فخذلها أهبة الركود

وله في إسماعيل بن بلبل الوزير:

لأبی الصقر دولة*** مثله في التخلف

مُزْنَةٌ حين أطمعت*** آذنت بالتكشف

وله في العباس بن حسن الوزير :

تحمل أوزار البرية كلها*** وزير بظلم العالمين يجاهر

ألم تر أسباب الذين تقدموا*** وكيف أتتهم بالبلاء الدوائر 10001517

وله في الوزير صاعد بن مخلد:

سجدنا للقرود رجاء دنیا*** حَوَتْها دوننا أيدي القرود

فما نالت أناملُنا بشيء*** عملناه سوى ذل السجود

وله في العباس بن الحسن الوزير :

بَنَيْتَ على دجلة مجلساً*** تباهی به فِعْلَ مَنْ قد مضى

فلا تفرحَنَّ فكم مثل ذا*** رأيناه ما تم حتى انقضى

وله في الوزير علي بن محمد بن الفرات :

وقفت شهوراً للوزير أعُدُّها*** فلم تثنه نحوي الحقوق السوالف

فلا هو يرعى لي رعاية مثله*** ولا أنا أستحيي الوقوف وأنفُ

وله في أبي جعفر محمد بن جعفر الغربلي:

سألت أبا جعفر*** فقال : يَدِي تَقْصُرُ

فقلت له : عاجلًا*** يكون کما تذكر

وله فيه :

لحية كَثّةٌ أضر بها النَّثـ*** ـفُ، ووجه مشوه ملعون

قلت لما بدا يجمجم في القو*** ل ويهذي كأنه مجنون :

صدق الله ، أنت مَنْ َذكَرَ *** الله مَهِينٌ ولا يكاد يبين

وله في ابن المَرْزُبَانِ، وقد كان سأله دابة فمنعه :

بَخِلْتَ عني بمقرف عطب*** فلن تراني ما عشت أطلبه

وإن تكن صُنْتَه فما خلق*** الله مصوناً وأنت تركبه

وله مما أحسن فيه :

تضمن لي في حاجتي ما أحبه*** فلما اقتضيت الوعد قطب واعتلى

وصَيَّر عذراً شُغله واتصاله*** ولولا اتصال الشغل ما كان أشغلا

ولعلي بن محمد بن بسام في هذه المعاني أشعار كثيرة، اكتفينا بذكر البعض عن إيراد ما هو أكثر منه في هذا الكتاب لما قدمنا ذكره فيما سلف قبله من الكتب، وقد كان أبوه محمد بن نصر بن منصور في غاية السرور والمروءة، وكان رجلا مترفاً، حسن الزي، ظاهر المروءة، مشغوفاً بالبناء .

وذكر أبو عبد الله القمي قال : دخلت عليه يوماً شاتياً شديد البرد ببغداد، فإذا هو في قبة واسعة قد طليت بالطين الأحمر الأرمني، وهو يلوح بريقاً، فقدرت أن تكون القبة عشرين ذراعاً في مثلها، وفي وسطها كانون بزرافين إذا اجتمع ونُصِبَ كان مقداره عشرة أذرع في مثلها، وقد ملىء جمر الغَضَى، وهو جالس في صدر القبة عليه غِلالة تسترية، وما فضل عن الكانون مفروش بالديباج الأحمر، فأجلسني بالقرب منه، فكدت أتلظى، فدفع إلى جام ماء الورد وقد مزج بالكافور، فمسحت به وجهي، ثم رأيته قد استسقى ماء، فأتوه بماء رأيت فيه ثلجاً، فلم يكن لي وُكُدّ إلا قطع ما بيني وبينه، ثم خرجت من عنده إلى برد مائع، وقد قال لي : لا يصلح هذا البيت لمن يريد الخروج منه .

طعام محمد بن نصر

قال : ودخلت عليه في بعض الأيام وهو جالس في موضع آخر في داره، وقد رفعه على بركة، وفي صدره صفة، وهو يُشْرِف منها على البستان، وعلى حِيرِ الغزلان وحظيرة القماري وأشباهها، فقلت له يا أبا جعفر أنت والله جالس في الجنة، قال: فليس ينبغي لك أن تخرج من الجنة حتى تصطبح فيها، فما جلست واستقر بي المجلس حتى أتوه بمائدة جزع لم أر أحسن منها، وفي وسطها جام جزع ملونة، وقد لوى على جنباتها الذهب الأحمر، وهي مملوءة من ماء ورد وقد جعل سافاً على ساف كهيئة الصومعة من صدور الدجاج، وعلى المائدة سكرجات جزع فيها الأصباغ وأنواع الملح، ثم أتينا بسنبوسق يفور وبعده جامات اللوزينج، ورفعت المائدة، وقمنا من فورنا إلى موضع الستارة، فقدم بين أيدينا إجانة صيني بيضاء قد كومت بالبنفسج والخيري، وأخرى مثلها قد عبيء فيها التفاح الشامي قدرنا مقدار ما حضر فيها ألف تفاحة فما رأيت طعاماً أنظف منه ولا ريحاناً أظرف منه ، فقال لي : هذا حَقُّ الصَّبُوح ، فما أنسى إلى الساعة طِيبَ ذلك اليوم .

قال المسعودي: وإنما ذكرنا هذا الخبر عن محمد بن نصر ليعلم أن علي بن محمد ابنه أخبر عنه بضد ما كان عليه، وأنه لم يسلم من لسانه إنسان وله أخبار وهجو كثير في الناس قد أتينا على مبسوطها فيما سلف من كتبنا وما كان من قوله في القاسم بن عبيد الله، ودخوله إلى المعتضد وهو يلعب بالشطرنج ويتمثل بقول علي بن بسام :

حَيَاةُ هذاكموت هذا*** فليس تخلو من المصائ

فلما شال رأسه نظر إلى القاسم فاستحيا فقال : يا قاسم، اقْطَعْ لسان ابن بسام عنك، فخرج القاسم مبادراً ليقطع لسانه، حتى قال له المعتضد: بالبر والشغل ولاً

تعرض له بسوء، فولاه القاسم البريد والجسر بجند قنسرين والعواصم من أرض الشام وما كان من قوله في أسَدِ بن جَهْوَر الكاتب وخبره معه وما عم بهجائه أسداً وغيره من الكتاب وهو :

تَعِس الزمان لقد أتى بعجائب*** ومحارُسُومَ الظرف والآداب

أو ما ترى أسَدَ بن جَهْور قد غدا***متشبهاً بأجلّة الكتاب

وأتى بأقوام لو انبسطت يدي*** فيهم رددتهم إلى الكتاب

وزراء المقتدر

ولما قتل العباس بن الحسن استوزر المقتدر علي بن محمد بن موسى بن الفرات[يوم الأربعاء لأربع ليال خلون من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين] فكانت وزارته إلى أن سخط عليه ثلاث سنين وتسعة أشهر وأياماً .

واستوزر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان في اليوم الذي سخط فيه على علي بن محمد بن موسى بن الفرات، وهو يوم الأربعاء لأربع خلون من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين وخلع عليه ولم يخلع على أحد غيره، وقبض عليه يوم الاثنين لعشر خَلَوْنَ من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة .

وخلع على الوزير علي بن عيسى بن داود بن الجراح يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة [ خلت] من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة وقبض عليه يوم الاثنين لثمان خلون من ذي الحجة سنة أربع وثلاثمائة .

واستوزر علي بن محمد بن الفرات ثانية، وخلع عليه يوم الاثنين لثمان خلون من ذي الحجة سنة أربع وثلاثمائة، وقبض عليه يوم الخميس لأربع بقين من جمادى الأولى

سنة ست وثلاثمائة .

وخلع على الوزير حامد بن العباس يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثمائة وأطلق علي بن عيسى في اليوم الثاني من وزارته، وهو يوم الأربعاء، وفوضت الأمور إليه، وقبض على حامد بن العباس.

واستوزر علي بن محمد بن الفرات، وهي الثالثة من وزارته، وقد كان ولده محسن بن علي هو الغالب على الأمور في هذه الوزارة فأتى على جماعة من الكتاب ا ثم قبض عليه وعلى ولده على حسب ما قدمنا من خبرها في صدر هذا الباب].

واستوزر المقتدر عبد الله بن محمد بن عبيد الله الخاقاني، ثم استوزر بعده أحمد بن عبيد الله الخصيبي ثم استوزر علي بن عيسى ثانية، ثم استوزر [أبا] علي

محمد بن علي بن مقلة، ثم استوزر بعده سليمان بن الحسن بن مخلد ثم استوزر بعده عبيد الله بن محمد الكلواذي ثم استوزر بعده الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، وهو المقتول بالرقة، ثم استوزر بعده الفضل بن جعفر بن موسى بن الفرات .

مقتل المقتدر

وقتل المقتدر بالله ببغداد وقت صلاة العصر يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من شوال سنة عشرين وثلاثمائة وكان قتله في الوقعة التي كانت بينه وبين مؤنس الخادم بباب الشماسية من الجانب الشرقي، وتولّى دفن المقتدر العامة وكان وزيره في ذلك اليوم أبا الفتح الفضل بن جعفر [بن موسى بن الفرات على حسب ما ذكرنا].

وذكر أن الفضل أخذ الطالع في وقت ركوب المقتدر بالله إلى الوقعة التي قتل فيها، فقال له المقتدر : أي وقت هو ؟ فقال : وقت الزوال، فقطَّبَ له المقتدر، وأراد أن لا يخرج حتى أشرفت عليه خيل مؤنس فكان آخر العهد به من ذلك الوقت.

السادس من بني العباس

وكل سادس من خلفاء بني العباس مخلوع ،مقتول فكان السادس منهم محمد بن هارون المخلوع والسادس الآخر المستعين والسادس الآخر : المقتدر بالله . وللمقتدر أخبار حسان وما كان في أيامه من الحروب والوقائع، وأخبار ابن أبي الساج وأخبار مؤنس وأخبار سليمان بن الحسن الحماني وما كان منه بمكة في سنة عشرة وثلاثمائة ،وغيرها وما كان في المشرق والمغرب وقد أتينا على جميع ذلك في كتابنا «أخبار الزمان» مفصلا ، وفي الكتاب الأوسط مجملا ، وذكرنا منه في هذا الكتاب لمعاً، وأرجو أن يفسح الله لنا في البقاء ويمدَّ لنا في العمر ويسعدنا بطول الأيام، فنعقب تأليف هذا الكتاب بكتاب آخر تضمنه فنون الأخبار، وأنواعاً من ظرائف الآثار، على غير نظم من تأليف ولا ترتيب من تصنيف على حسب ما يسنح من فوائد الأخبار، ويوجد من بوادر الآثار ونترجمه بكتاب وصل المجالس بجوامع الأخبار ومخلط الآداب، تالياً لما سلف من كتبنا، ولاحقاً لما تقدم من تصنيفنا .

وفاة موسى بن إسحاق الأنصاري

وكانت وفاة موسى بن إسحاق الأنصاري القاضي في خلافة المقتدر، وذلك في سنة سبع وتسعين ومائتين، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة[الفقيه] الكوفي، ودفن في الجانب الشرقي، وكان هذا [ن] من علماء أهل الحديث وكبار أهل النقل.

غرق البيت الحرام

وورد الخبر إلى مدينة السلام بأن أركان البيت الحرام الأربعة غرقت حتى عَمَّ الغرق الطواف وفاضَتْ بئر زمزم وأن ذلك لم يعهد [ وه] فيما سلف من الزمان .

وفيات

وفيها كانت وفاة يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد القاضي، وذلك في شهر رمضان بمدينة السلام، وهو ابن خمس وتسعين سنة ، وقيل : إن في هذه السنة كانت وفاة محمد بن داود بن [علي بن] خلف الأصبهاني الفقيه، وقد قدمنا ذكره، وأن وفاته كانت فی سنة ست وتسعين ومائتين وإنما حكينا الخلاف في ذلك .

وفي هذه السنة، وهي سنة سبع وتسعين ومائتين كانت وفاة ابن أبي عوف البروري المعدل ببغداد، وذلك في شوال، وهو ابن نيف وثمانين سنة، ودفن في الجانب الغربي .

وإنما نذكرُ هؤلاء لنقلهم السنن واشتهارهم بذلك، وحاجة أهل العلم وأصحاب الآثار إلى معرفة وقت وفاتهم.

وفيها مات أبو العباس أحمد بن مسروق المحدث وهو ابن أربع وثمانين سنة، ودفن بباب آل حرب من الجانب الغربي.

وقد قدمنا في هذا الكتاب أخبار من ظهر من آل أبي طالب في أيام بني أمية وبني العباس، وفي غيره مما سلف من كُتُبنا، وما كان من أمرهم من قتل أو حَبْس أو حرب.

ظهور طالبي في مصر

وقد كان ظهر بصعيد مصر أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن [إسماعيل بن إبراهيم بن] الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب، فقتله أحمد طولون، بعد أقاصيص قد أتينا عليها فيما سلف من كُتُبنا .

وإنما نذكر من ظهر من آل أبي طالب واللمع من أخبارهم في هذا الكتاب لاشتراطنا فيه على أنفسنا من إيراد ذكرهم ومقاتلهم وغير ذلك من أخبارهم من منذ [قتل] أمير المؤمنين إلى الوقت الذي ينتهي إليه تصنيفنا لهذا الكتاب.

وفاة الرسي

وكانت وفاة يحيى بن الحسين [الحسني] الرسي بعد أن قطن بمدينة صَعْدَةَ منأرض اليمن في سنة ثمان وسبعين ومائتين وقام بعده ولده الحسن بن يحيى.

ظهور ابن الرضا

وكان ظهور ابن الرضا. وهو محسن بن جعفر بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد . في أعمال دمشق في سنة ثلاثمائة، وكانت له مع أبي العباس أحمد بن كيغلغ وقعة فقتل صبراً، وقيل: قتل في المعركة، وحمل رأسه إلى مدينة السلام فنصب على الجسر الجديد بالجانب الغربي.

ظهور الأطروش العلوي

وظهر ببلاد طبرستان والديلم الأطروش . وهو الحسن بن علي . وأخرج عنها المسودة، وذلك في سنة إحدى وثلاثمائة، وقد كان ذا فهم وعلم ومعرفة بالآراء والنحل، وقد كان أقام في الديلم سنين وهم كُفَّار على دين المجوسية ومنهم جاهلية، وكذلك الجيل، فدعاهم إلى الله عز وجل فاستجابوا وأسلموا، وقد كان للمسلمين بإزائهم ثغور مثل قزوين ،وغيرها وبنى في الديلم ،مساجد، والديلم زعم كثير من الناس من ذوي المعرفة بالنسب أنهم من ولد باسل بن من ولد باسل بن ضبة بن أدد وأن الجيل من تميم، وقد قيل: إن دخول الأطروش إلى طبرستان كان في أول يوم من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة، وإن في هذا اليوم دخل صاحب البحرين البصرة وقتل أميرها طمسك المفلحي، وقد أتينا على خبر الأطروش العلوي وخبر ولده وخبر أبي محمد الحسن بن القاسم الحسني الداعي واستيلائه على طبرستان ،ومقتله وما كان من الجيل والديلم في أمره في كتابنا أخبار الزمان .

وفيات

وكانت وفاة أبي العباس أحمد بن عمر بن] سُرَيج القاضي في سنة ست وثلاثمائة.

وكانت وفاة أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الفقيه ببغداد في سنة عشر وثلاثمائة، وكانت وفاة أبي إسحاق إبراهيم بن جابر القاضي بحلب، وأدخل الليث ابن علي بن الليث ابن أخي الصفار إلى مدينة السلام على الفيل في سنة سبع وتسعين ومائتين وقدامه الجيش وحوله وقد ،شهر ، وقيل : إن الليث أدخل إلى مدينة السلام في سنة ثمان وتسعين ومائتين .

وفي هذه السنة، وهي سنة ثمان وتسعين ومائتين . مات ببغداد أبو بكر محمد بن

سليمان المروزي ،المحدث صاحب الجاحظ، وقيل أيضاً: إن وفاته كانت في سنة ثمان وتسعين.

أحداث

وفي هذه السنة كان دخول فارس صاحب مراكب الروم وحربها إلى ساحل الشام، فافتتح حصن القبة بعد حرب طويل وعدم مغيث يغيثهم من المسلمين، وافتتح مدينة اللاذقية فسبي منها خلقاً كثيراً، ووقع بالكوفة بَرَد عظيم الواحدة رطل بالبغدادي، وريح مظلمة، وذلك في شهر ،رمضان وانهدم كثير من المنازل والبنيان، وكان فيها رجفة عظيمة هلك فيها خلق كثير من الناس هذا كان بالكوفة في سنة تسع وتسعين ومائتين، وكان بمصر في هذه السنة زلزلة عظيمة، وفيها طلع نجم الذنب .

وفيها غزا دمنانة صاحب الغزو بالبحر الرومي في مراكب المسلمين جزيرة قبرص وقد كانوا نَقَضُوا العهد الذي كان في صدر الإسلام أن لا يعينوا الروم على المسلمين ولا المسلمين على الروم، وأن خراجه نصفه للمسلمين ونصفه للروم، وأقام دمنانة في هذه الجزيرة أربعة أشهر يَسْبي ويحرق ويفتح مواضع قد تحصن فيها، وقد أتينا على خبر هذه الجزيرة فيما سلف من هذا الكتاب عند إخبارنا عن جمل البحار وَمَبَادِي الأنهار ومطارحها ؛ فمنع ذلك من إعادة وصفها.

موت ابن ناجية

وفي سنة إحدى وثلاثمائة مات عبد الله بن ناجية المحدث بمدينة السلام، وكان مولده في سنة اثنتي عشرة ومائتين .

ابن الجصاص

وكان القبض على ابن الجَصَّاص الجوهري بمدينة السلام في سنة اثنتين وثلاثمائة ، والذي صح مما قبض من ماله من العين والوَرِقِ والجوهر والفرش والثياب والمستغلات خمسة آلاف ألف وخمسمائة ألف دينار.

وفاة القاسم بن الحسن بن الأشيب

وفيها مات القاسم بن الحسن بن الأشيب. ويكنى أبا محمد . يوم الاثنين لليلتين بَقِيَتَا من جمادى الأولى، وكان من كبار العلماء والمحدثين، ودُفن في الجانب الغربي في الشارع المعروف بشارع الحمالين، وحضر جنازته محمد بن يوسف القاضي، وأبو

جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول القاضي، وغيرهما من الفقهاء والعدول والكتاب وأهل الدولة، وهو أبو أبي عمران موسى بن القاسم بن الحسن المعروف بابن الأشيب، وهو كبير من فقهاء الشافعيين في هذا الوقت.

غارة البربر على مصر

وفي هذه السنة هذه السنة . وهي سنة اثنتين وثلاثمائة. ورد الجيش من الغرب؛ فكان لأهل مصر من أصحاب السلطان معهم بمصر ] حروب عظيمة، وقتل فيها خلق كثير، واستأمن رجل من وجوه البرابرة يعرف بأبي جرة إلى السلطان وسار إلى مدينة السلام، فخلع عليه.

ابن أبي الساج

وفي سنة سبع وثلاثمائة أدخل يوسف بن أبي الساج إلى مدينة السلام، وقد شهر على الجمل الفالج وعليه دُرَّاعة الديباج التي لبسها عمرو بن الليث ووصيف الخادم، وعلى رأسه برنس طويل بشقائق وجلاجل، وحوله الجيوش ومؤنس الخادم وراءه مع [ سائر] أرباب الدولة من أصحاب السيوف، وقد أتينا على خبر هذه الوقعة التي أسَرَ فيها مؤنس الخادم ابْنَ أبي الساج بناحية أردبيل، ومن حضرها من الأمراء مثل ابن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، وعلي بن حسان وأبي الفضل المروي وأحمد بن علي أخي صعلوك، وغيرهم من الأمراء والقواد وذكرنا تخلية المقتدر لابن أبي الساج، وخروجه من ديار ربيعة ومضر [ ومسيره إلى أعماله من ] بلاد أذربيجان وأرمينية، وما كان من غلامه سبك واستيلائه على عمل مولاه ومفارقته الفارقي، وما كان من سائر أخبار ابن أبي الساج ومسيره إلى واسط ثم مسيره إلى الكوفة، وما كان من خبره في حربه لأبي طاهر سليمان بن الحسن الجنابي وأسره إياه وقتله له نحو الأنبار وهيت حين أشرف على سواده بليق ونظيف غلام ابن أبي الساج وما كان في هذه الوقعة وَهَزْمه لبليق ونظيف، ومسير القرمطي ونزوله على هيت وغير ذلك، وذلك في سنة خمس عشرة وثلاثمائة، فيما سلف من كتبنا، وكذلك ذكرنا ما كان من مؤنس الخادم و من كان [معه]من أولياء السلطان منالقتال لجيش صاحب المغرب بمصر، وذلك في سنة تسع وثلاثمائة .

ذكر خلافة القاهر بالله

موجز

وبويع القاهر محمد بن أحمد المعتضد بالله يوم الخميس لليلتين بَقِيَتًا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة، ثم خلع يوم الأربعاء لخمس خَلَوْنَ من جمادى الأولى سَنَة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وَسُمِلَتْ عيناه، وكانت خلافته سنة وستة أشهر وستة أيام، ويكنى بأبي منصور، وأمه أم ولد.

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع ما كان في أيامه

وزراؤه

واستوزر القاهر أبا علي محمد بن علي بن مُقْلَةً في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ثم عزله واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان [ثم عزله، واستوزر أبا العباس أحمد بن عبيد الله الخصيبي].

أخلاقه

وكانت أخلاقه لا تكاد تحصل لتقلبه ،وتلونه وكان شَهْماً شديد البطش بأعدائه، وأبَادَ جماعة من أهل الدولة منهم مؤنس الخادم ،وبليق وعلي بن بليق، فهابه الناس وَخَشُوا صَوْلته، واتخذ حربة عظيمة يحملها في يده إذا سعى في داره ويطرحها بين يديه في حال جلوسه ويباشر الضرب بتلك الحربة لمن يريد قتله، فسكن من كان يستعمل على مَنْ قبله من الخلفاء التشغب والتوثب عليهم، وكان قليل التثبت في أمره ، مَخُوفَ السطوة، فأدَّاهُ ما وصفنا من فعله إلى أن احتيل عليه في داره فقبض عليه، وسملت كلتا عينيه وهو حي في هذا الوقت في الجانب الغربي في دار ابن طاهر، على ما نُمِيَ إلينا من خبره واتصل بنا من أمره، وذلك أن الراضي بالله غَيَّبَ خبره وقطع ذكره، فلما بويع إبراهيم المتقي بالله أصيب القاهر معتقلا في بعض المقاصير، فأمر به إلى دار ابن طاهر، فاعتقل بها إلى هذه الغاية على ما وصفنا.

الخراساني الأخباري يصف الخلفاء العباسيين للقاهر بالله

وذكر محمد بن علي العبدي الخراساني الأخباري وكان القاهر به آنساً، قال: خلا بي القاهر فقال : اصدقني أو هذه . وإشار إلي بالحربة . فرأيت والله الموتَ عِيَاناً بيني وبينه ، فقلت : أصدقك يا أمير المؤمنين، فقال لي انظر ، يقولها ثلاثاً، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين قال : عما أسألك عنه، ولا تُغَيّب عني ولا تُغَيِّب عني شيئاً، ولا تحسن القصة، ولا

تسجع فيها، ولا تسقط منها شيئاً، قلت نعم يا أمير المؤمنين، قال : أنت عَلَّامة بأخبار [خلفاء] بني العباس في أخلاقهم وشيمهم من أبي العباس[ السفاح] فمن دونه، فقلت: على أن لي الأمان يا أمير المؤمنين، قال: ذلك لك.

وصف السفاح

قال : قلت : أما أبو العباس السفاح، فكان سريعاً إلى سفك الدماء، واتَّبعه عماله في الشرق والغرب في فعله، وَاسْتَنُّوا بسيرته، مثل محمد ته مثل محمد بن الأشعث بالمغرب، وصالح بن علي بمصر وخازم بن خزيمة، وحميد بن قَحْطَبة، ، وكان مع ذلك بحراً سَمْحاً وَصُولاً جواداً بالمال وسلك من ذكرنا من عماله وغيرهم ممن كان في عصره ،سبيله وذهبوا ،مذهبه مؤتمین به.

وصف المنصور

قال : وأخبرني عن المنصور قلت الصدق يا أمير المؤمنين؟ قال: الصدق .

قلت : كان والله أول من أوقع الفُرْقَة بين ولد العباس بن عبد المطلب وبين آل أبي طالب، وقد كان قبل ذلك أمرهم واحداً، وكان أول خليفة قَرَّبَ المنجمين وعمل بأحكام النجوم، وكان معه نُوبَخْتُ المجوسي المنجم، وأسلم على يديه، وهو أبو هؤلاء النوبختية، وإبراهيم الفزاري المنجم، صاحب القصيدة في النجوم، وغير ذلك من علوم النجوم وهيئة الفلك، وعلي بن عيسى الإسطرلابي المنجم، وهو أول خليفة ترجمت له كتب من اللغات العجمية إلى العربية منها كتاب كليلة ودمنة، وكتاب «السندهند»، وترجمت له كتُبُ أرسطاطاليس من المنطقيات ،وغيرها وترجم له كتاب «المجسطي» لبطليموس، وكتاب «الأرتماطيقي»، وكتاب «إقليدس» وسائر الكتب القديمة من اليونانية، والرومية والفهلوية والفارسية والسريانية وأخرجت إلى الناس، فنظروا فيها، وتعلقوا إلى علمها وفي أيامه وضع محمد بن إسحاق كتاب «رالمغازي، والسير : وأخبار المبتدأ» ولم تكن قبل ذلك مجموعة ولا معروفة ولا مُصَنَّفة، وكان أول خليفة استعمل مواليه وغلمانه [في أعماله] وصرفهم في مهماته، وقدّمهم على العرب، فامتثل ذلك الخلفاء من بعده من ولده فسقطت وبادت العرب، وزال بأسها، وذهبت مراتبها، وأفضَتِ الخلافة إليه، وقد نظر في العلم، وقرأ المذاهب وارتاض في الآراء، ووقف على النِّحَلِ، وكتب الحديث، فكثرت في أيامه روايات الناس، واتسعت عليهم

علومهم .

وصف المهدي

قال القاهر : قد قلت فأحسنت وعبرت فبينت فأخبرني عن المهدي كيف كانت أخلاقه؟

قلت: كان سَمْحاً سخياً كريماً جواداً، فسلك الناس في عصره سبيله، وذهبوا في أمرهم مَذْهَبه واتسعوا في مساعيهم، وكان من فعله في ركوبه أن يحمل معه بدر الدنانير والدراهم، فلا يسأله أحد إلا أعطاه وإن سكت ابتدأه المفرق بين يديه، وقد تقدم بذلك إليه، وأمعن في قتل الملحدين والمداهنين عن الدين لظهورهم في أيامه، وإعلانهم باعتقاداتهم في خلافته؛ لما انتشر من كتب ماني وابن ،دَيْصَان، ومرقيون مما نقله عبد الله بن المقفع وغيره،وترجمت من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما صنفه في ذلك ابن أبي العرجاء، وحماد عَجْرَدٍ ويحيى بن زياد، ومطيع بن إياس من تأیید المذاهب المانية، والدَّيْصَانية والمرقيونية، فكثر بذلك الزنادقة، وظهرت آراؤهم في الناس، وكان المهدي أول من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب على الملحدين ممن ذكرنا من الجاحدين ،وغيرهم، وأقاموا البراهين على المعاندين وأزالوا شُبَهَ الملحدين فأوضحوا الحق ،للشاكين، وشرع في بناء المسجد الحرام ومسجد النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) على ما هما عليه إلى هذه الغاية وبَنَى بيت المقدس، وقد كان هدمته الزلازل.

وصف الهادي

قال : فأخبرني عن الهادي على قصر أيامه كيف كانت أخلاقه وشيمه؟

قلت: كان جَبَّاراً عظيماً، وأول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المُرْهَفة، والأعمدة المشهورة،والقِسِيِّ الموتورة ، فسلكت عماله ،طريقته، ويمموا منهجه، وكثر السلاح في عصره.

قال : لقد أجَدْتَ في وصفك ، وبالغت فيما ذكرت من قولك، فأخبرني عن الرشيد كيف كانت طريقته؟

وصف الرشيد

قلت: كان مواظباً على الحج، متابعاً للغزو، واتخاذ المصانع والآبار والبرك والقصور في طريق مكة وأظهر ذلك بها وبمُنى وعَرَفَات ومدينة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، فعم الناس

،إحسانه مع ما قرن به من ،عدله، ثم بنى الثغور ، ومَدَّن المدن، وحَصَّن فيها الحصون،

مثل طرسوس وأذنة، وعمر المصيصة ومرعش وأحكم بناء الحرب، وغير ذلك من دورالسبيل والمواضع للمرابطين، واتبعه عماله، وسلكوا طريقته، وقفته رعيته مقتدية بعمله، مُسْتَنِدة بإمامته فقمع الباطل، وأظهر الحق، وأنار الأعلام، وبرز على سائر الأمم، وكان أحسن الناس في أيامه فعلا أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور لما أحدثته من بناء دور السبيل بمكة، واتخاذ المصانع والبرك والآبار بمكة، وطريقها المعروفة إلى هذه الغاية، وما أحدثته من الدور للتسبيل بالثغر الشامي وطرسوس وما أوقفت على ذلك من الوقوف، وما ظهر في أيامه من فعل البرامكة وجُودِهم وإفضالهم وما اشتهر عنهم من أفعالهم. وكان الرشيد أول خليفة لعب بالصولجان في الميدان ورمى بالنشاب في البرجاس، ولعب بالأكرة والطبطاب. وقرب الحذاق في ذلك فعم الناس ذلك الفعل. وكان أول من لعب بالشطرنج من خلفاء بني العباس، وبالنرد وقدم اللعاب وأجرى عليهم الرزق، فسمى الناس أيامه لنضارتها، وكثرة خيرها وخصبها . أيام العروس، وكثير مما يجاوز النعت ويتفاوت فيه الوصف .

وصف أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور

قال القاهر : فأراك قد قصرت في تفصيل [أفعال] أم جعفر، فلم ذلك؟

قلت: يا أمير المؤمنين ميلا إلى الاقتصار وطلباً للإيجاز .

قال : فتناول الحربة وهَزَّهَا، فرأيت الموت الأحمر في طرفها، ثم برق عينيه مع ذلك فاستسلمت وقلت : هذا ملك الموت، ولم أشك أنه يقبض روحي؛ فأهوى بها نحوي، فزُغْتُ منها، فاسترجع وقد أخطأتني فقال : ويلك!! أبغضت ما فيه عيناك، ومللت الحياة؟ قلت : ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال : أخبار أم جعفر زدني منها ، قلت : نعم يا أمير المؤمنين كان من فعلها وحسن سيرتها في الجد والهزل ما بَرَّزَتْ فيه على غيرها، فأما الجد والآثار الجميلة التي لم يكن في الإسلام مثلها، مثل حفرها العين المعروفة بعين المشاش بالحجاز، فإنها حفرتها ومهدت الطريق لمائها في كل خفض ورفع وسَهْل وجبل ووَغر، حتى أخرجتها من مسافة اثني عشر ميلا إلى مكة، فكان جملة ما أنفقت عليها . مما ذكر وأحصي . ألف ألف وسبعمائة ألف دينار، وما قَدَّمت ذكره من المصانع والدور والبرك والآبار بالحجاز والثغور وإنفاقها الألوف على ذلك، دون ما كان من وقتها من البذل وما عم أهل الفاقة من المعروف والخصب، وأما الوجه الثاني . مما تتباهى به الملوك في أعمالهم ، وينعمون به في أيامهم ، ويصونون به دُولَهم، ويدون في أفعالهم وسيرهم . فهو أنها أوَّلُ من اتخذ الآلة من الذهب والفضة المكللة بالجوهر، وصنع لها الرفيع من الوشي، حتى بلغ الثوب من الوشي الذي اتخذ لها خمسين ألف

دينار، وهي أول من اتخذ الشاكرية من الخدم والجواري يختلفون على الدواب في جهاتها، ويذهبون في حوائجها برسائلها وكتبها وأول من اتخذ القباب [من]الفضة والآبنوس والصندل وكلاليبها من الذهب والفضة ملبسة بالوشي والسمور والديباج وأنواع الحرير من الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق، واتخذت الخفاف المرصّعة بالجوهر وشمع العنبر ، وتَشَبَّه الناس في سائر أفعالهم بأم جعفر .

ولما أفضى الأمر إلى ولدها يا أمير المؤمنين قَدَّمَ الخدَمَ وآثرهم ورفع منازلهم ككوثر وغيره من خَدَمِه، فلما رأت أم جعفر شدة شغفه بالخدم واشتغاله بهم اتخذت الجواري المقدودات الحسان الوجوه، وعممت رؤوسهن، وجعلت لهن الطُّرَر والأضداغ والأقفية، وألبستهن الأقبية والقراطق والمناطق فماست قدودهن، وبرزت أردافهن، وبعثت بهن إليه فاختلفن في يديه، فاستحسنهن واجتذبن قلبه إليهن، وأبرزهن للناس من الخاصة والعامة واتخذ الناس من الخاصة والعامة الجواري المطمومات وألبسوهن الأقبية والمناطق، وسموهن الغُلاميات .

وصف المأمون

فلما سمع القاهر ذلك الوصف ذهب به الفرح والطرب والسرور، ونادى بأعلى صوته : يا غلام، قَدَح على وصف الغلاميات، فبادر إليه جَوَارِ كثيرة قدهن واحد، توهمتهن غلماناً بالقَرَاطِقِ والأقبية والطرر والأقفية ومناطق الذهب والفضة، فأخذ الكأس بيده فأقبلْتُ أتأمل صفاء جوهر الكأس ونورية الشراب، وشعاعه، وحسن أولئك الجواري والحربة بين يديه وأسرع في شربه، فقال : هيه.

فقلت: نعم يا أمير المؤمنين ثم أفضى الأمر إلى المأمون، فكان في بدء أمره . لما غلب عليه الفضل بن سهل وغيره . يستعمل النظر في أحكام النجوم وقضاياها، وينقاد إلى ،موجباتها، ويذهب مذاهب من سلف من ملوك ساسان كاردشير بن بابك [وغيره] واجتهد في قراءة الكتب القديمة وأمعن في درسها وواظب على قراءتها، فافتن في فهمها، وبلغ درايتها ؛ فلما كان من الفضل بن سهل ذي الرياستين ما اشتهر وقَدِمَ العراق انصرف عن ذلك كله وأظهر القول بالتوحيد والوعد والوعيد، وجالس المتكلمين وقرب إليه كثيراً من الجدليين [المبرزين] والمناظرين كأبي الهذيل وأبي إسحاق إبراهيم بن سَيَّار النظام وغيرهم من وافقهم وخالفهم وألزم مجلسه الفقهاء، وأهل المعرفة من الأدباء، وأقدمهم من الأمصار وأجرى عليهم الأرزاق، فرغب الناسُ في صنعة النظر، وتعلموا البحث والجَدَلَ، ووضع كل فريق منهم كتباً ينصر فيها مذهبه ويؤيد بها قوله، وكان أكثر الناس عفواً، وأشدهم احتمالا ، وأحسنهم مقدرة ، وأجودهم

بالمال الرغيب وأبذلهم للعطايا، وأبدعهم من التسافه واتَّبعه وزراؤه وأصحابه في فعله، وسلكوا سبيله وذهبوا مذهبه .

وصف المعتصم

ثم المعتصم، فإنه يا أمير المؤمنين سلك في النحلة رأي أخيه المأمون، وغَلَبَ عليه حب الفروسية والتشبه بالملوك الأعاجم في الآلة، ولبس القلانس والشاشيات فلبسها الناس اقتداءً بفعله وائتماماً ،به فسميت المعتصميات، وعم الناس إفضاله، وأمِنَتِ به السبل في أيامه، وشمل [ الناس] إحسانه .

وصف الواثق

ثم هارون بن محمد الواثق فإنه اتبع ديانة أبيه وعمه، وعاقب المخالف، وامتحن الناس، وكثر معروفه، وأمر القضاة في سائر الأمصار أن لا يقبلوا شهادة مَنْ خالفه، وكان كثير الأكل، واسع العطاء، سهل الانقياد متحبباً إلى رعيته .

وصف المتوكل

ثم المتوكل يا أمير المؤمنين،فإنه خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقاد، ونهى عن الجدل والمناظرة في الآراء وعاقَبَ عليه، وأمر بالتقليد، وأظهر الرواية للحديث فحسنت ،أيامه وانتظمت ،دولته و دام ،ملكه، وغير ذلك يا أمير المؤمنين مما اشتهر من أخلاقه .

قال القاهر : قد سمعت كلامك وكأني مشاهد للقوم على ما وصفت ؛ معاين لهم فيما ذكرت، ولقد سَرَّني ما سمعت منك، ولقد فتحت أبواب السياسة، وأخبرت عن طرق الرئاسة ، ثم أمر لي بجائزة عجل لي عطاءها في وقتها، ثم قال لي : إذا شئت فقم فقمت وقام على أثري بحربته، فخيل والله لي أنه يرميني بها من ورائي، ثم عَطَفَ نحو دار الخدم فما مضت إلا أيام يسيرة حتى كان من أمره ما ظهر .

قال المسعودي: وهذا الرجل الذي أخْبَرْتُ عنه بهذا الحديث له أخبار حسان، وهي حي يرزق إلى هذه الغاية وهي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، مداحاً للملوك، معاشراً لأهل الرياسات حسن الفهم جيد الرأي.

وفاة ابن دريد

وفي خلافة القاهر بالله . وهي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة . كانت وفاة أبي بكر

محمد بن الحسن بن دُرَيْدٍ ،ببغداد وكان ممن قد بَرَعَ في زمننا هذا في الشعر، وانتهى في اللغة، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وأورد أشياء في اللغة لم تُوجَد في كتب المتقدمين، وكان يذهب في الشعر كل مذهَب فطوراً يجزل، وطوراً يرقُ، وشعره أكثر من أن نحصيه أو يأتي عليه كتابنا هذا، فمن جيد شعره قصيدته المقصورة [التي مدح بها الشاه ابن ،ميكال ويقال : إنه أحاط فيها بأكثر المقصور] وأولها :

إمَّا تَرَى رأسي حاكي لونُهُ*** طُرَّةَ صبح تحت أذيال الدجى

واشتعل المبيض في مسوده*** مثل اشتعال النار في جَزْلِ الْغَضَى

ومنها :

إن الجديدين إذا ما استوليا*** على جديد أدْنَيَاه لليلى

[ وفيها يقول]:

لست إذا ما أبْهَظَتْنِي غَمْرَةٌ*** ممن يقول : بَلَغَ السيل الزبى

ومنها :

وإن تَوَتْ بين ضلوعي زَفْرَةٌ*** تملأ ما بين الرجا إلى الرجا

وقد عارضه في هذه القصيدة المقصورة جماعة من الشعراء منهم أبو القاسم علي بن محمد بن داود بن فَهم التنوخي الأنطاكي، وهو في وقتنا هذا . وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة بالبصرة في جملة البريديين وأول قصيدته المقصورة التي يمدح فيها تَنُوخَ وقومه من قُضَاعة:

لولا انتهائي لم أُطِعْ نَهْيَ النهى*** أي مَدِّى يَطْلُبُ مَنْ جاز المَدَى

إن كُنت أقصرت فما أقصر قل***ـب دامياً تُدْمِيه ألحاظ الدمى

وَمُقْلَة إن مقلت أهل الغضا *** أغْضَتْ وفي أجفانها جمر الغضى

وفيها يقول :

وكم ظباء رَعْيُهَا ألحاظها ***أسرع في الأنفس من حَدُ الظَّبى

أسْرَعُ من حرف إلى جر، ومن*** حب إلى حَبَّةٍ قلب وَحَشَي

قضاعة بن مالك بن حمير*** ما بعده لِلْمُرتقين مُرْتَقَى

وقد سبق إلى المقصورة أبو المقاتل نصر بن نصير الحلواني في محمد بن زيد الداعي

[الحسني] بطبرستان بقوله :

قفا خليليَّ على تلك الربي*** وسائلاها أين هاتيك الدُّمَى؟

أين اللواتي ربعت ربوعها*** عليك؟ باستنجادها تَشْفِي الْجَوَى!

ولابن ورقاء في المقصورة أيضاً :

ما شئت قل هي المها هي القنا *** جواهر بكين أعطاف الدمي

وممن تأخر موته بعد موت ابن دُرَيد العُماني أبو عبد الله المفجع، وكان كاتباً شاعراً بصيراً بالغريب وهو صاحب الباهلي المصري الذي كان يناقض ابن دريد، فما جَوْدَ فيه المفجع قوله:

ألا طرب الفؤاد إلى رُدَين*** ودون مزارها ذو الجلهتين

ألَمْ خَيَا لها وهناً برحلي*** فولّى رعية الشرطين عيني

وقد أتينا على ما كان في أيام القاهر . مع قصر مدته . من الكوائن في الكتاب الأوسط، فمنع ذلك من ذكره في هذا الكتاب.

ذكر خلافة الراضي بالله

موجز

وبويع الراضي بالله محمد بن جعفر المقتدرُ، ويكنى أبا العباس يوم الخميس لست خَلَوْنَ من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، فأقام في الخلافة إلى أنمضى من ربيع الأول عشرة أيام سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ومات حَتْفَ أنْفِهِ بمدينة السلام، وكانت خلافته ست سنين وأَحَدَ عَشَرَ شهراً وثلاثة أيام، وأمه أم ولد يقال لها ظَلُوم .

ذکر جمل من اخباره وسیره ولمع مما کان فی أیامه

وزراؤه

وَاستَوزر الراضی أبا علی محمد بن علی بن مُقلَهَ، ثم استَوزر أبا علی عبدالرحمن بن عیسی بن داود بن الجراحِ ،ثم أبا جعفر محمد بن القاسم الکرخی،ثم أبا القاسم سلیمان بن الحسن بن مخلد،ثم أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات،ثم أبا عبد الرحمن بن محمد البریدی.

من شعر الراضي

وكان الراضي أديباً شاعراً ظريفاً، وله أشعار حِسَانٌ في معان مختلفة، إن لم يكن ضَاهَى بها ابن المعتز فما نقص عنه، فمن ذلك قوله في وصف حاله وحال معشوقه إذا التقيا :

يصفر وجهي إذا تأمله*** طرفي، ويحمر وجهه خجلا

حتى كأنَّ الذي بوَجْنَته*** من دم وجهي إليه قد نقلا

ومن جيد شعره قوله :

يا رُبَّ ليل ل قد دنا مزاره*** یسترني ومؤني أزراره

سَاقٍ مليحُ القد كدجاره*** سراجه، ووجهه مناره

یشهد لي ببذله زُنّاره*** تاه بخد ظَهَرَ احْمِرَاره

مَاسٌ مع الحمرة جُلّنَارُهُ*** أَيَّ کشيب قد حوى إزَارُهُ؟

وأي غصن ضُمِّنَتْ أزراره*** طوع الكؤوس ، غَرَّه عذاره

[إخفاؤه تعتاده أمراره *** لا كان لهو لم يثر غباره]

وقد كان أبو بكر الصولي يروي كثيراً من أشعار الراضي، ويذكر حسن أخلاقه

وجميل أخباره، وارتياضه بالعلم وفنون الأدب، وإشرافه على علوم المتقدمين، وخوضه في بحار الجدليين من أهل الدراية والمتفلسفين.

من محاسن الصولي أبي بكر

وذكر أن الراضي رأى في بعض منتزهاته بالثريا بستاناً مُونِقاً، وزهراً رائقاً، فقال لمن حضر من ندمائه] هل رأيتم أحسن من هذا؟ فكل قال أشياء ذهب فيها إلى مدحه ووصف محاسنه وأنها لا يفي بها شيء من زهرات الدنيا، فقال: لعب الصولي الشطرنج والله أحسن من هذا

[الزهر] ومن كل ما تصفون .

وذكر أن الصولي في بَدء دخوله إلى المكتفي، وقد كان ذكر له بجودة لعبة الشطرنج، وكان الماوردي اللاعب [ مقدماً عنده متمكناً من قلبه] معجباً بلعبه، فلعبا جميعاً بحضرة المكتفي فحمل المكتفي حسن رأيه في الماوردي وتقدم الحرمة والألفة على نُصْرَته وتشجيعه حتى أدهش ذلك الصولي في أول وهلة، فلما اتصل اللعب بينهما وجمع له الصولي غايته وقصد ،قصده غلبه] غلباً لا يكاد يرد عليه شيئاً، وتبين حسن لعبه للمكتفي، فعدل عن هواه ونصره للماوردي، وقال له : صار ماء وردك بَوْلاً .

قال المسعودي : وقد تناهى بنا الكلام وتغلغل بنا التصنيف إلى جمل من أخبار الشطرنج، وما قيل فيها مع ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا الأخبار الهند ومبادىء اللعب بالشطرنج والنرد واتصال ذلك بالأجسام العُلوية والأجرام السماوية، فلنذكر جملا مما ذكر في ذلك مما لم يتقدم له ذكر فيما سلف من هذا الكتاب.

الخليل بن أحمد

[وذكر عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه في تفضيل صنعة الكلام، وهي الرسالة المعروفة بالهاشمية، أن الخليل بن أحمد من أجل إحسانه في النحو والعروض وضع كتاباً في الإيقاع وتراكيب الأصوات، وهو لم يعالج وتراً قط ، ولا مَسَّ بيده قضيباً قط ، ولا كثرت مشاهدته للمغنين وكتب كتاباً في الكلام، ولو جهد كل بليغ في الأرض أن يعتمد ذلك الخطأ والتعقيد لما وقع لها، ولو أن ممروراً استغرق قُوَى مرته في الهذيان لَمَا تهيأ له مثل ذلك منه، ولا يتأتى مثل ذلك لأحد إلا بخذلان الذي لا يقي منه شيء، قال :الجاحظ ولولا أن أسخف الكتاب وأهجر الرسالة وأخرجها من حد الجد إلى الهزل حكيت صدر كتابه في التوحيد وبعض ما وصفه في العدل قال ولم يرض بذلك حتى عمد إلى الشطرنج فزاده في الدولاب ،حملا فلعبت به أناس من حاشية الشطرنجيين، ثم رموا به].

أنواع آلات الشطرنج

وقد ذكر الناس ممن سلف وخلف أن جميع آلات الشطرنج على اختلاف هيئاتها ستُ صُوَرٍ لم يظهر في اللعب غيرها؛ فأولها الآلة المربعة المشهورة، وهي ثمانية أبيات في مثلها ونسبت إلى قدماء الهند ثم الآلة المستطيلة وأبياتها أربعة في ستة عشر ، والأمثلة تنصب فيها في أول وهلة في أربعة صفوف من كلا الوجهين، حتى تكون الدواب منها في صفين، والبيادق أيضاً أمامها ،صفين ومسيرها كمسير أمثلة الصورة الأولى، والآلة المربعة . وهي عشرة في مثلها . والزيادة في أمثلتها قطعتان تسميان الدبابتين، ومسيرهما كمسير الشاه إلا أنهما يأخذان ويُؤْخَذَانِ ثم الآلة المدورة المنسوبة إلى الروم ، ثم الآلة [المدورة] النجومية التي تسمى الفلكية وأبياتها اثنا عشر على عدد بروج الفلك، مقسومة نصفين، وينقل فيها سبعة أمثلة مختلفة الألوان على عدد الخمسة الأنجم والنيرين وعلى ألوانهما .

وقد بينا فيما سلف من أخبار الهند كيفية اتصالها بالأجسام السماوية، وما قيل في عشقها للأشخاص العُلوية، وأن تحرك الفلك لعشقه لما فوقه، وقولهم في النفس ونزولها عن عالم العقل إلى عالم الحس حتى نسيت بعد الذكر وجهلت بعد العلم، وغير ذلك من تخاليطهم مما يتصل علمه عندهم بمنصوبات الشطرنج .

ثم آلة أخرى تسمى الجوارحية استحدثت في زماننا هذا، وهي سبعة أبيات في ثمانية، وأمثلتها اثنا عشر في كل جهة منها ستة، كل واحد من الستة يسمى باسم جارحة من جوارح الإنسان التي بها يميز وينطق ويسمع ويبصر ويبطش ويَسْعَى وهي سائر الحواس والحاس المشترك وهو الذي من القلب .

وقد ذكرت الهند وغيرها من اليونانيين والفرس والروم وغيرهم ممن لعب بها كيفية صورها ونضبها ومباديها ووجوه عللها والغرائب فيها وتصنيف القوائم والمفردات وأنواع ظرائف المنصوبات .

وقد استعمل لُعاب الشطرنج عليها فنون الهزل والنوادر المدهشة ؛ فزعم كثير منهم أن ذلك مما يبعث على لعبها وانصباب المواد وصحيح الأفكار إليها، وأن ذلك بمنزلة الارتجاز الذي يستعمله أهلُ القتال عند اللقاء والحادي عند الإعياء والمائح للغَرْبِ عند الاستقاء، وأن ذلك عُدَّة للاعب كما أن الشعر والارتجاز من عدة المحارب.

وقد قيل فيما وصفنا أشعار كثيرة مما قاله بعض اللعاب؛ فمن ذلك :

نوادر الشطرنج في وقتها*** أخر من ملتهب الجمر

كم من ضعيف اللعب كانت له*** عوناً على مستحسن القَمْرِ

ومما قيل فيها فأحسن قائلها وبالغ في وصف اللعب بها :

أرض مربعة حمراء من أدم *** ما بين الْفَيْن موصوفين بالكرم

تذاكرا الحرب فاحتالا لها شَبَهاً*** من غير أن يَسْعَيًا فيها يَسَفك دم

هذا يُغِيرُ على هذا وذاك على*** هذا يغير، وعين الحرب لم تنم

فانظر إلى الخيل قد جاشت بمعرفة*** في عسكرين بلا طَبْل ولا عَلَمِ

ومما قيل فيها فبولغ في وصفها، واستوعب النظر لأكثر معانيها، ما قاله أبو الحسن بن أبي البغل الكاتب، وكان من جلّة الكتاب وكبار العمال وممن اشتهر بمعرفتها واللعب بها، وهو

فتى نَصَبَ الشطرنج كيما يرى بها*** عواقب لا تَسْمُو لها عين جاهل

وأبصر أعْقَابَ الأحاديث في غد*** بعيني مُجِد في مَخِيلَة هازل

فأجدَى على السلطان في ذاك أنه*** أراه بها كيف اتقاء الغوائل

وتصريف ما فيها إذا ما اعتبرته*** شبيه بتصريف القنا والقنابل

كلمات في النرد

قال المسعودي : فأما ما قيل في النرد وأوصافها فقد قدمنا فيها سلف من هذا الكتاب كيفية نصبها والمحدث للعبها على ما حكي من التنازع في ذلك عند ذكرنا أخبار الهند، وفيها عند ذوي المعرفة بها ضروب من اللعب وفنون من الترتيب، ووجوه من النصب، إلا أن عدد البيوت واحد لا زيادة فيها ولا نقصان على ما تقدم في ذلك من علمها والمعهود في أصولها وأن الفصين فيه مُحكمان واللاعب بهما وإن لم يكن مختاراً ولا خارجاً عن حكم الفصين فيها وقضائهما محتاج إلى أن يكون صحيح النقل وسابقه صحيح الحساب حسن الترتيب جيده .

وقد قيل في لعبها ووصفها وإحكام الفصين فيها وقضائهما على لعابها أشعار كثيرة بالغوا بالقول فيها، وأغرقوا في استيعاب معانيها، من ذلك قول بعضهم:

لا خير في النَّرْدِ لا يغني ممارسهَا *** حُسْنُ الذكاء، إذا ما كان محروما

تريك أفعال فَصَّيْهَا بحكمهما*** ضدين في الحال ميموناً ومشؤوما

فما تكاد ترى فيها أخا أدب*** يفوته القَمْرُ إلا كان مظلوما

وأخبرني أبو الفتح محمود بن الحسين السندي بن شاهك الكاتب المعروف

بكشاجم وكان من أهل العلم والرواية والمعرفة والأدب، أنه كتب إلى صديق له يذم النرد، وكان بها مشتهراً، أبياتاً، وهي:

أيها المعجب المفاخر بالنَّرْ***د ليزهى بها على الإخوان

قد لعمري حرصت جهداً على قمـ***ـرك لو لم تواتك الفصان

غير أن الأريب يكذبه الظـ*** ـن ويَبْكِي لشدة الحرمان

وإذا ما القضاء جاءت بحكم*** لم يجد عن قضائها الخصمان

ولعمري ما كنت أول إنسا*** ن تمنَّى فأخلفته الأماني

وأنشدني أبو الفتح أيضاً لأبي نواس :

ومأمورة بالأمر تأتي بغيره*** ولم تتبع في ذاك غَيَّا ولا رشدا

إذا قلت لم تفعل وليست مطيعة*** وأفعل ما قالت، فَصِرْتُ لها عبدا

وقد قدمنا في باب أخبار ملوك الهند فيما سلف من هذا الكتاب قول من قال في النرد والفصين : إنها جعلت مثلا للمكاسب، وإنها لا تنال بالكيس ولا بالحيل، وما ذكر عن أردشير بن بابك في ذلك أنه أول من لعب بها وأرى تقلب الدنيا بأهلها، وجعل بيوتها اثني عشر على ترتيب عدد الشهور، وإن كلابها ثلاثون كلباً بعدد أيام الشهور، وإن الفصين مثال للقدر وتَلَعُبِهِ بأهل هذا العالم، وغير ذلك مما وصفنا من أحوالها، وما قدمنا من ذكرها في هذا الكتاب وغيره مما سلف من كتبنا .

وذكر بعض أهل النظر من الإسلاميين أن واضع الشطرنج كان عدلياً مستطيعاً فيما يفعل، وأن واضع النرد كان مجبراً، فتبين باللعب بها أنه لا صُنْعَ له فيها، بل تصرفه فيها على ما يوجبه القَدَرُ عليه بها .

العروضي يحكي عن الراضي وسعة اطلاعه

وذكر العروضي . وهو ممن كان أدَّبَ الراضي وغيره من الخلفاء وأبنائهم . قال : حدثت الراضي ذات يوم خبراً لقتيبة بن مسلم الباهلي في الكبر وغيره من الخصال التي توجد في أهل الرياسات مما يحمد فيهم وما يكره منهم من الأخلاق، فكتب ذلك في حال صباه وعنفوان حداثته ولقد رأيته مواظباً على درسه إلى أن استكمل إتقانه في مجلسه، فداخله عند ذلك طرب وفرح وأريحية لم أعهدها منه، ثم قال لي وقد أقبل عليَّ : لعل الزمان أن يبلغ بي أن أتأدب بهذه الخصال، وأكون في مرتبة من يرتاض بهذه الآداب، وهوأنه قيل لقتيبة بن مسلم وهو وَال على خراسان للحجاج [و] محارب

للترك : لو وجهت فلاناً . لرجل من أصحابه إلى حرب بعض الملوك على الجيش، فقال قتيبة : إنه رجل عظيم الكبر ، ومَنْ عظم كبره اشتد عجبه ومن أعجب برأيه لم يشاور كفياً، ولم يؤامر نصيحاً ومَنْ تَبجَّحَ بالإعجاب وفخر بالاستبداد، كان من الصنع بعيداً، ومن الخذلان قريباً، والخطأ مع الجماعة خير من الصواب مع الجماعة خير من الصواب مع الفرقة، ومن تكبر على عدوه حَقَره ، وإذا حَقَره تهاون بأمره، ومن تهاون بأمر عدوه ووثق بأمر قوته وسكن إلى جميع عُدته قل احتراسه، ومن قل احتراسه كثر ،عِثَاره وما رأيت عظيماً تكبر على صاحب حرب قَطُّ إلا كان منكوباً ومهزوماً ومخذولا لا والله حتى يكون أسمع من

فرس، وأبصر من عُقاب وأهدى من قَطَاةٍ وأحذر من عَقْعَق، وأشد إقداماً من أسد، وأوثب من فهد، وأحقد من جمل وأروغ من ثعلب، وأسخى من ديك، وأشح من ظبي، وأحرس من كركي، وأحفظ من كلب ، وأصبر من ضب، وأجمع من النمل، وإن النفس إنما تسمح بالعناية على قدر الحاجة، وتتحفظ على قدر الخوف، وتطمع على قدر السبب ؛ وقد قيل على وجه الدهر : ليس لمعجب رأي، ولا لمتكبر صديق، ومن أحب أن يُحَبَّ تحبب

بين معاوية وقيس بن سعد

قال العروضي وتذاكرنا يوماً بحضرة الراضي بالله في حال صباه . وقد حضر جماعة من ذوي العلم والمعرفة بأخبار الناس ممن غَبَرَ . فانتهى بنا الأمر إلى خبر معاوية بن أبي سفيان حين ورد عليه كتاب من ملك الروم أن يرسل إليه سراويل أجْسَم رجل عنده فقال معاوية : لا أعلمه إلا قيس بن سعد، فقال لقيس : إذا انصرفت فابعث إلي بسراويلك، فخَلَعَها ورمى بها ، فقال معاوية : هلا بعثت بها من منزلك، فقال قيس :

أردت لكيما يعلم الناسُ أنها*** سراويل قيس، والوفود شهود

وأن لا يقولوا: غاب قيس، وهذه*** سراويل عَادٍ قد نمته ثمود

فقال قائل ممن حضر : قد كان جَبَلَةُ بن الأيهم أحد ملوك بني غَسَّان طوله اثنا عشر شبراً، فإذا ركب مسحت قدماه الأرض، فقال له الراضي بالله : قد كان قيس بن سعد هذا المذكور [إذا ركب ]تخط قدماه الأرض، وإذا مشى بين الناس يتوهمون أنه راكب، وقد كان جَدِّي علي بن عبد الله بن العباس طويلاً جميلا يتعجب الناس من طوله، وكان يقول : كنت إلى منكب عبد الله بن عباس وكان عبد الله إلى منكب جَدي العباس، وكان العباس بن عبد المطلب إذا طاف بالبيت يرى كأنه فُسْطَاط أبيض ، قال : فتعجب والله مَنْ حضر من إيراده هذا الخبر [ ومن كلامه] مع صغر سنه .

طير الكيكم

ثم تذاكرنا عجائب البلدان، وما خَصَّ به كل صقع من الأرض من أنواع النبات والحيوان والجماد من أنواع الجواهر وغيرها، فقال لي قائل ممن حضر : إن أعجب ما في الدنيا[ طير ] يكون بأرض طبرستان على شاطىء الأنهار شبيه بالباشق ، وأهل طبرستان يسمونه بالكيكم، وهو صياحه الذي يصيح به، ولا يصيح في السنة إلا في هذا الفصل[يعني الربيع ] فإذا صاح اجتمعت عليه العصافير وصغار الطيور مما يكون في المياه وغيرها؛ فتزقه من أول النهار، حتى إذا كان في آخره أخذ واحداً مما قرب من الطير فأكله، وكذلك يفعل في كل يوم إلى أن ينقضي هذا الفصل الربيعي فإذا انقضى ذلك انعكست عليه الطيور فلا تزال تجتمع عليه وتضربه وتطرده ، وهو يَهْرُبُ منها ولا يسمع له صوت إلى الفصل الربيعي، وهو طير حسن موشى حسن العينين، قال: وذكر علي بن زيد الطبيب الطبري صاحب كتاب فردوس الحكمة أن هذا الطائر ليس يكاد يُرَى ، ولم تُرَ قط قدماه على الأرض معاً ، بل يطأ على الأرض بإحدى قدميه على البدل لا يطأ الأرض بهما [ معاً ] في حالة واحدة قال : وقد ذكر الجاحظ أن هذا الطير من إحدى عجائب الدنيا، وذلك أنه لا يطأ الأرض بقدميه، بل بإحداهما ، خوفاً على الأرض أن تنخسف به من تحته .

قال: والعجب الثاني دودة تكون من المثقال إلى الثلاثة تضيء بالليل كضوء الشمع، وتطير بالنهار، ويرى لها أجنحة خضراء ،مَلساء ولا جناحين لها، غذاؤها التراب لا تشبع منه ،قط خوفاً أن يَفْنَى تراب الأرض فتهلك جوعاً، وفيها خواص كثيرة ومنافع واسعة .

قال والعجب الثالث أعجب من الطير ،والدودة من يكري نفسه للقتل، يعني المرتزقة من الجند .

فاستحسن هذا الخبر من حضر، فقال أبو العباس الراضي معارضاً لهذا الخبر الذي أخبر بالخبر الأول : قد ذكر عمرو بن بحر الجاحظ أن أعجب ما في الدنيا ثلاث: البوم لا يظهر بالنهار خوفاً أن تصيبها العين لحسنها وجمالها ولما قد تصور في نفسها أنها أحسن الحيوان؛ فتظهر بالليل والعجب الثاني الكركي لا يطأ بقدميه الأرض، بل بإحداهما ، فإذا وطىء بإحداهما لا يعتمد عليها اعتماداً قوياً، ومشى بالتأني، خوفاً من أن تنخسف الأرض من تحته لثقله والعجب الثالث الطائر الذي يقعد على بُتُوقِ الماء من الأنهار إذا انخرقت الذي يعرف بمالك الحزين على شبه الكركي خوفاً من الماء أن يفنى من الأرض فيموت عطشاً .

قال العروضي : فافترقَ مَنْ حضره وكل متعجب من الراضي مع صباه وصغر سنه كيف تتأتى منه هذه المذاكرات، مع أن من حضره من أهل الرأي والسن والمعرفة.

قال المسعودي : وقد أتينا فيما سلف من كتبنا على عجائب الأرض والبحار وما فيها من عجائب البنيان والحيوان والجماد والمائع والرجراج؛ فأغني ذلك عن إيرادها في هذا الموضع .

وإنما نذكر أخبار الراضي وما كان من أمره في صباه وما أخبر عنه مؤدبه، ونظمنا من أخباره ما تأتى لنا ذكره في هذا الكتاب.

الراضي يعد العروضي بمنحه إذا أضحكه

وأخبرنا العروضي قال : سمرت عند الراضي في ليلة شاتية صُهَابية؛ فرأيته قلفاً متململا ؛ فقلت له : يا أمير المؤمنين، أرى منك خصالاً لم أعهدها، وضيق صدر لم أعرفه ؛ فقال له : عنك هذا، وحدثني بحديث فإن أنت أزلت بحديثك ما أجده من الهم فلك ما عليَّ وما تحتي على أن أشترط عليك إزالة الهم بالضحك قلت يا أمير المؤمنين، رَحَلَ رجل من بني هاشم إلى ابن عمه بالمدينة ؛ فأقام عنده حولا لم يدخل مُسْتَرَاحاً ؛ فلما كان بعد الحول أراد الرجوع إلى الكوفة ، فحلف عليه [ابن عمه] أن يقيم عنده أياماً أخر، فأقام ، وكان للرجل قَيْنَتَانِ فقال لهما : أما رأيتما ابن عمي وظَرْفَه؟ أقام عندنا حولاً لم يدخل الخلاء، فقالتا له فعلينا أن نصنع له شيئاً لا يجد معه بدا من الخلاء ، قال : شأنكما وذلك ، فعمدتا إلى خشب العُشَر ،فدقتاه وهو مسهل، وطرحتاه في شرابه، فلما حضر وقت شرابهما قَدَّمتاه إليه وسَقَتا مولاهما من غيره، فلما أخذ الشراب مأخذه منه تناوم ،المولى وتمغص الفتى [ من جوفه] فقال للتي تليه يا سيدتي أين الخلاء؟ فقالت لها صاحبتها ما يقول لك؟ قالت : يسألك أن تغنيه :

خلا من آل فاطمة الديار*** فمنزلُ أهلها منها قِفَارُ

فغنته، فقال الفتى : أظنهما كوفيتين وما فهمتا عني ثم التفت إلى الأخرى، فقال لها : يا سيدتي أين الحُشُ؟ فقالت لها صاحبتها ما يقول لك؟ قالت : يسألك أن تغنيه :

أوْحَشَ الدقرات فالدير منها*** فعناها بالمنزل المعمور

فغنته، فقال الفتى: أظنهما عراقيتين وما فهمتا ،عني ثم التفت إلى الأخرى فقال لها : أعزك الله أين المتوضأ ؟ فقالت لها صاحبتها ما يقول لك ؟ قالت : يسألك أن تغنيه :

توضأ للصلاة وَصل خمساً*** وآذن بالصلاة على النبي

فغنته، فقال : أظنهما حجازيتين وما فهمتا عني، ثم التفت إلى الأخرى فقال لها :

يا سيدتي أين الكنيف؟ قالت لها صاحبتها: ما يقول لك؟ قالت : يسألك أن تغنيه :

تكنَّفَني الواشون من كل جانب*** ولو كان واش واحد لكفانيا

فغنته، فقال : أظنهما يمانيتين وما فهمتا عني ، ثم التفت إلى الأخرى، فقال لها : يا هذه أين المستراح ؟ فقالت لها صاحبتها : ما قال لك؟ قالت : يسألك أن تغنيه :

ترك الفكاهة والمزاحا*** وقلا الصبابة واستراحا

فغنته ،والمولى يسمع ذلك وهو متناوم، فلما اشتد به الأمر أنشأ يقول :

تكتفتي السلاح وأضجروني*** على مابي بتكرير الأغاني

فلما ضاق عن ذاك اصطباري*** ذَرَقْتُ به على وجه الزواني

ثم إنه حَل سراويله وسَلَحَ عليهما، فتركهما آية للناظرين، وانتبه المولى في أثر ذلك، فلما رأى ما نزل بجواريه قال يا أخي ما حملك على هذا الفعل؟ قال : يا ابن الفاعلة لك جَوَارٍ يَرَيْنَ المخرج صراطاً مستقيماً لا يدللني عليه، فلم أجد جزاء غير هذا. ثم رحل عنه ، قال : فذهب بالراضي الضحك كل مذهب ، وسَلّم إليَّ كل ما كان عليه وتحته من لباس وفرش فكان مبلغ ثمن ذلك نحواً من ألف دينار.

لبس المأمون الخضرة ثم السواد

وذكر الصولي قال : قال لي الراضي ما كان السبب في لبس المأمون الخضرة ورفعة السواد ثم لبسه السواد بعد ذلك؟ قلت : هو ما أخبرنا به محمد بن زكريا الغلابي قال : حدثنا يعقوب بن جعفر بن سليمان قال : لما قدم المأمون بغداد اجتمع الهاشميون إلى زينب بنت سليمان بن علي، وكانت أقعد ولد العباس نسباً، وأكبرهم سناً، فسألوها أن تكلم أمير المؤمنين المأمون في تغييره الخضرة فضمنت لهم ذلك، وجاءت إلى المأمون فقالت : يا أمير المؤمنين إنك على بر أهلك من ولد علي بن أبي طالب أقْدَرُ منك على برهم لنا من غير أن تزيل سنة من مضى من آبائك، فدع لباسك الخضرة، ولا تطمعن أحداً فيما كان منك قال لها : يا عمة ما كلمني أحد في هذا المعنى بكلام أوقع من كلامك، ولا أقصد منه لما أردت ، لكن رسول الله توفي فولى الإمرة أبو بكر، فقد عرفت ما كان من أمره فينا أهل البيت، ثم وليها عمر فلم يتعد فيها فعل من تقدمه، ثم وليها عثمان فأقبل على بني أمية وأعرض عن غيرهم، ثم آل الأمر إلى علي بن أبي طالب من غير صفو كصفوها لغيره بل مَشُوبة بالأكدار، فولى مع ذلك عبد الله بن العباس

البصرة، وولى عبيد الله بن العباس ،اليمن، وولى قُتَمَ البحرين، وما ترك منهم أحداً إلا ولاه، فكانت هذه في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلت ولا يكون بعد هذا إلا ما تحبون، ثم رجع إلى لبس السواد وللمأمون يا أمير المؤمنين شعر يشاكل معنى ما ذكرت من هذا الخبر وهو قوله :

ألَامُ على شكر الوَصِيِّ أبي الحسن*** وذلك عندي من عجائب ذا الزمن

خليفة خير الناس والأوَّلُ الذي *** أعان رسول الله في السر والعلن

ولولاه ما عُدَّتْ لهاشم امرة*** وكانت على الأيام تقضي وتُمْتَهَنْ

فولى بني العباس ما اختص غيرهم*** ومن مسه أولى بالتكرم والمنن

فأوضح عبد الله بالبصرة الهدى*** وفاض عبيد الله جوداً على اليمن

وقَسَمَ أعمال الخلافة بينهم*** فلا زلت مربوطاً بذا الشكر مرتهن

بين القاهر والراضي

وكان القاهر قد عمد إلى كثير من الأموال عند قتله لمؤنس وبليق وابنه علي وغيرهم فغيّبها ، فلما قبض عليه وسُمِلت عيناه وأفضت الخلافة إلى الراضي طولب القاهر بالأموال، فأنكر أن يكون عنده شيء من ذلك، فأوذي وعُذِّب بأنواع من العذاب، وكل ذلك لا يزيده إلا إنكاراً، فأخذه الراضي وقربه ،وأدناه، وطالت مجالسته إياه، وإكرامه ،له وأعطاه حق العمومية والسن والتقدم في الخلافة، ولاطفه وأحسن إليه غاية الإحسان، وكان للقاهر في بعض الحصون بستان نحو من جريب قد غرس فيه النارنج وقد حمل إليه من البصرة وعمان مما حمل من أرض الهند قد اشتبكت أشجاره، ولاحت ثماره كالنجوم من أحمر وأصفر، وبين ذلك أنواع الغروس والرياحين والزهر، وقد جعل مع ذلك في الصحن أنواع الأطيار من القَمَاري والدباسي والشحارير والببغاء، مما قد جلب إليه من الممالك ،والأمصار وكان ذلك في غاية الحسن، وكان القاهر كثير الشرب عليه، والجلوس في تلك المجالس، فلما أفضَتِ الخلافة إلى الراضي اشتد شغفه بذلك الموضع، فكان يداوم الجلوس والشرب فيه، ثم إن الراضي رَفَقَ بالقاهر، وأعلمه بما هو فيه من مطالبة الرجال بالأموال والحاجة إليها، ولا شيء قبله منها، وسأله أن يُسْعِفه بما عنده منها إذ كانت الدولة له، وأن يدبر تدبيره ويرجع في كل الأمور إلى قوله، وحلف له بالأيمان الوكيدة أن لا يسعى في قتله ولا الإضرار به ولا بأحد من ولده، فأنعم له القاهر بذلك وقال : ليس لي مال إلا في بستان النارنج؛ فصار الراضي إلى البستان وسأله عن الموضع فقال له القاهر: قد حجب بصري فلست أعرف موضعه، ولكن مر بحفره فإنك تظهر على الموضع ولا يخفى عليك مكان ذلك، فحفر البستان ،

وقلع تلك الأشجار والغروس والأزهار حتى لم يبق منه موضع إلا حفره، وبولغ في حفره فلم يجد شيئاً، فقال له الراضي فما ههنا شيء مما ذكرت فما الذي حملك على ما صنعت ؟ فقال له القاهر : وهل عندي من المال شيء؟ إنما كانت حَسْرَتي [على] جلوسك في هذا الموضع وتمتعك به، وكان لذني من الدنيا، فتأسفت على أن يمتع به بعدي غيري، فتأسف الراضي على ما توجّه عليه من الحيلة في أمر ذلك البستان، وندم على قبوله منه، وأبعد القاهر ، فلم يكن يدنو منه خوفاً على نفسه أن يتناول بعض أطراف.

خلق الراضي وعاداته

وكان الراضي كثير الاستعمال للطيب، حسن الهيئة، سخياً، جواداً، حسن المذاكرة بأخبار الناس وأيامهم، مقرباً لأهل العلم والأدب والمعرفة، كثير الدنو منهم، فائضاً بجوده عليهم، ولم يكن ينصرف عنه أحد من ندمائه في كل يوم إلا بصلة أو خلعة أو طيب، وكانوا عدة ندماء منهم محمد بن يحيى الصولي، وابن حمدون النديم ، وغيرهما، فعوتب على كثرة إفضاله على مَنْ يحضره من الجلساء، فقال: أنا أستحسن فعل أمير المؤمنين أبي العباس

[السفاح ] ؛ لأنه كانت فيه فضائل لا تكاد تجتمع في أحد، لا يحضره نديم ولا معن مُلْه ولا قينة فينصرف إلا بصلة أو كسوة قَلتْ أو كثرت، وكان لا يؤخر إحسان محسن لغد، ويقول : العجب من إنسان يفرح إنساناً فيتعجل السرور ويؤخر ثواب مَنْ سره تسويفاً وعِدَةً، فكان أبو العباس في كل ليلة أو يوم يقعد لشغله لا ينصرف أحد ممن حضره إلا مسروراً ، ونحن إن لم تتأت لنا الأمور كتأتيها لمن سلف فإنا نواسى جلساءنا، بل إخواننا ببعض ما حضرنا، وكان سخياً على سائر الأشياء لا يستكثر لأحد من ندمائه كثرة ما يصل إليه على طول الأيام ، حتى كان بعضهم ربما يتأخر عن الحضور لما يترادف عليه من فضله وكان الغالب عليه من الخدم راغب الخادم وزيرك، ومن الغلمان ذكي وغيره .

الراضي بالله وبحكم التركي

وحدث أبو الحسن العروضي مؤدب الراضي قال : اجتزت في يوم مهرجان بدجلة بدار بحكم التركي ؛ فرأيت من الهرج والملاهي واللعب والفرح والسرور ما لم أر مثله ، ثم دخلت إلى الراضي بالله فوجدته خالياً بنفسه قد اعتراه هَمٌ؛ فوقفت بين يديه، فقال لي اذنُ، فدنوت ؛ فإذا بيده دينار ودرهم في الدينار نحو من مثاقيل وفي الدرهم كذلك، عليهما صورة بجكم شاك في سلاحه وحوله مكتوب :

إنما العز فَاعْلَم*** للأمير المُعْظَمِ

سيد الناس بجكم

ومن الجانب الآخر الصورة بعينها، وهو جالس في مجلسه كالمفكر المطرق فقال الراضي : أما ترى صنع هذا الإنسان، وما تسمو إليه همته، وما تحدثه به نفسه؟ فلم أجبه بشيء، وأخذت به في أخبار من مضى من الخلفاء وسيرهم في أتباعهم، ثم نقلته إلى [ أخبار] ملوك الفرس ،وغيرها وما كانت تَلْقاه من أتباعها وصبرهم عليهم، وحسن سياستهم لذلك، حتى تصلح أمورهم، وتستقيم أحوالهم ؛ فسلا عما عرض لنفسه، ثم قلت: ما يمنع أمير المؤمنين أن يكون كالمأمون في هذا الوقت حيث يقول :

صل الندمان يوم المهرجان*** بصافٍ من مُعَتَقَة الدُنَان

بكأس خُسْرواني عتيق*** فإن العيد عيد خسرواني

وَجَنِّبْنِي الزبيبين طُرًا *** فشأن ذوي الزبيب خلاف شأني

فأشربها وأزعمها حراماً*** وأرجو عفو رب ذي امتنان

ويشربها ويزعمها حلالا*** وتلك على الشَّقِيِّ خطيئتان

قال : فطرت وأخذته أزيَحيَّته، فقال لي : صدقت تَرْكُ الفرح في مثل هذا اليوم عجز، وأمر بإحضار الجلساء، وقعد في مجلس التاج على دجلة، فلم أر يوماً كان أحسن منه في الفرح والسرور، وأجاز في ذلك اليوم من حَضَرَه] من الندماء والمغنين والملهين بالدنانير والدراهم والخلع وأنواع الطيب، وأتته هدايا بجكم وألطافه من أرض العجم، فسُرَّ في ذلك اليوم وجميع من حضره.

قال المسعودي : وقد أتينا على ما كان في أيام الراضي من الكوائن والحوادث مجملا ومفصلا في كتابنا أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان، من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة وما كان من أمره في حال خروجه مع بحكم إلى بلاد الموصل وديار ربيعة، وما كان بين بحكم وأبي محمد الحسن بن عبد الله بن حَمْدَان المسمى بعد ذلك بناصر الدولة، وَقَصْدُنَا فيما ذكرنا في هذا الكتاب إلى الاختصار، دون الشرح والإكثار ، إذ كان في الإكثار من الأخبار ثقل على القلوب، ومَلَل للسامع، وقليل الأخبار، يغني عن كثير الاقتدار .

ذكر خلافة المتقي بالله

موجز

وبويع المتقي الله ، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر ، لعشر خَلَوْنَ من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وخلع وَسُمِلَتْ عيناه يوم السبت لثلاث خَلَوْن من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وكانت خلافته ثلاث سنين وَأَحَدَ عَشَرَ شهراً وثلاثة وعشرين يوماً، وأمه أم ولد.

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

وزراؤه

ولما أفضَتِ الخلافة إلى المتقي الله أقرَّ على الوزارة سليمان بن الحسن بن مخلد، ثم استوزر أبا الحسن أحمد بن محمد بن ميمون وكان كاتبه قبل الخلافة، ثم استوزر أبا إسحاق محمد بن أحمد القَرَارِيطي، ثم استوزر أبا العباس أحمد بن عبد الله الأصبهاني، ثم استوزر أبا الحسن علي بن [محمد بن] مُقْلَة، وَغَلَبَ على الأمر أبو الوفاء توزون التركي .

انتقاض الأمر عليه

واشتد أمر البريديين بالبصرة، ومنعوا السفن أن تصعد وعظم جيشهم، وكثرت رجالهم، وصار لهم جيشان: جيش في الماء في الشذوات والطيارات والسميريات والزبازب، وهذه أنواع من المراكب يُقَاتَلُ فيها صغار وكبار ، وجيش في البر عظيم واصطنعوا الرجال، وبذلوا الرغائب، فانضاف إليهم حجرية السلطان وغلمانه وصار جيش السلطان الأتراك والديلم والجبل ونفراً من القرامطة، وكلُّ ذلك مع توزون، وكان توزون من رفقاء بجكم والخواص من أصحابه، فانحدر توزون إلى واسط الحرب البريديين، وكانوا ملكوا واسط وتغلبوا عليها، فكانت بينهم سِجَالا ، والمتقي الله لا أمر له ولا نَهى، فكاتب المتقي أبا محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان ناصر الدولة، وأخاه أبا الحسن علي بن عبد الله سيف الدولة أن يُنْجِدوه ويستنقذوه مما هو فيه، ويفوض إليهما الملك والتدبير، وقد كان قبل ذلك خرج إليهم وتوزون في جملتهم منضاف وغيره من الأتراك والديلم، وذلك عند قتلهم محمد بن رائق في سنة ثلاثين وثلاثمائة ، وانحدارهم إلى مدينة السلام واستيلائهم على الملك والقيام به وحربهم البريديين، وما كان بينهم من الوقائع إلى أن توجّة عليه ما ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان من خروج أبي محمد الحسن بن عبد الله من الحضرة إلى الموصل، ولحوق أخيه أبي الحسن [علي بن عبد الله ، وخَلَاصه مما دَبَّرَه عليه توزون وجعجع التركي، وخرج المتقي إلى

الموصل، فلما بلغ توزون ذلك رجع إلى بغداد وقصد بني حَمْدان، فكان التقاؤهم ،بعكبرا ، فكانت بينهم ،سجالا ، ثم كانت لتوزون عليهم ، فرجع إلى بغداد، ثم أجمعوا له أيضاً، ورجعوا إليه، فتركهم حتى قربوا إلى بغداد فخرج عليهم فلقيهم فهزمهم بعد مواقعات كانت بينهم وسار وراءهم حتى دخل الموصل، وخرج عنها إلى مدينة بلد، فصالحوه على مال حملوه إليه ؛ فرجع إلى بغداد وهو مُسْتَظهر بمن معه من الأتراك والجبل والديلم وكمال العدة والكراع ، وسار المتقي إلى نصيبين، ورجع عنها إلى الرقة فنزلها، وذلك لأيام بقين من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وكاتب الإخشيد] محمد بن طغج [صاحب مصر ] فسار إلى الرقة وحمل إليه مالا كثيراً، وأهدى إليه غلماناً وأثاثاً، وضم إليه قائداً من قواده وجَمَّل أمره، وزاد في حاله، وبَرَّ جميع من معه من وزيره أبي الحسن علي بن محمد بن مقلة، وقاضي القضاة أحمد بن عبد الله بن إسحاق الخرقي وسلام الحاجب المعروف بأخي نجح الطولوني، وجماعة الوجوه والغلمان، ثم لم يعبر الإخشيد محمد بن طغج إلى الرقة ولا إلى شيء من جانب الجزيرة وديار مُضَرَ، وعبر المتقي، وسار إلى معسكره من الجانب الشامي ؛ فكانت بينهم خطوب وأيمان وعهود وأبو الحسن علي بن عبد الله بن حَمْدَان مقيم بحران على طول مُقَام المتقي بالرقة وقد كان أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن حَمْدَان سار عن حلب وبلاد حمص عند مسير الإخشيد إلى بلاد قنسرين والعواصم ؛ فانفَضُّ جمعه، وتفرق جنده عنه، وانضافوا إلى أبي الحسن علي بن عبد الله ، واتصلت كُتُب توزون بالمتقي، وتواترت رسله يسأله الرجوع إلى الحضرة، وأشهد توزون من حضره من القضاة والفقهاء والشهود، وأعطى العهود والمواثيق بالسمع والطاعة للمتقي، والتصرف له بين أمره ونهيه، وترك الخلاف عليه وأنفذ إليه كتب القضاة والشهود بما بذل من الأيمان وأعطى من العهود، وأشار بنو حمدان على المتقي أن لا ينحدر ، وخَوَّفوه من توزون، وحَذَّروه أمره، فإنه لا يأمنه على نفسه ؛ فأبى إلا مخالفتهم والثقة بما ورد عليه من توزون، وقد كان بنو حمدان أنفقوا على المتقي نفقة واسعة عظيمة طول مقامه عندهم واجتيازه بهم، يكثر وصفها ويعسر علينا في التحصيل إيرادها بإكثار المخبرين لنا بتحديدها، وانصرف الإخشيد عن الفُرَات متوجهاً نحو مصر، وانحدر المتقي في الفرات؛ فتلقاه أبو جعفر بن شیرزاد کاتب توزون بأحسن لقاء ، وأقام له الأتراك، ومضى في انحداره حتى دخل النهر المعروف بنهر عيسى، وسار إلى الضيعة المعروفة بالسندية على شاطىء هذا النهر ؛ فتلقاه توزون هنالك ، وتَرَجُلَ له ومشى بين يديه ؛ فأقسم عليه أن يركب ففعل، حتى وافى به إلى المضرب الذي كان ضَرَبَه له على الشط من نهر عيسى، وذلك على شَوْطٍ من مدينة السلام؛ فأقام هنالك، وأنفذ رسلا إلى دار طاهر ليحضر المستكفي، فلما حصل

المستكفي في المضرب قبض على المتقي، ونهب جميع ما كان معه وقبض على وزيره أبي الحسن علي بن محمد بن مُقْلَة، وعلى قاضيه أحمد بن عبد الله بن إسحاق، ونهب جميع العسكر، وانصرف القائد الذي كان الإخشيد ضمه إلى المتقي ومن معه إلى صاحبهم، وأحضر المستكفي فبويع له، وكُحِلَ المتقي، فصاح وصاح النساء والخدم لصياحه، فأمر توزون بضرب الدبادب حول المضرب ، فخفي صُرَاحُ الخدم، وأدخل إلى الحضرة، مسمول العينين وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم، وسُلَّم إلى المستكفي بالله ، وبلغ ذلك القاهر فقال : قد صرنا اثنين تحتاج إلى ثالث يُعرض بالمستكفي بالله .

المتقي يطلب رجلا أخبارياً يأنس به

وحدث محمد بن عبد الله الدمشقي قال : لما نزل المتقي الرقة كنت فيمن يتصرف بين يديه، وأقرب منه في الخدمة لطول صحبته، فقال لي في بعض الأيام في الرقة وهو جالس في داره مُشْرِفاً على الفرات : اطلب لي رجلا أخبارياً يحفظ أيام الناس أتفرج إليه في خلواتي وأستريح به في الأوقات، قال: فسألت بالرقة عن رجل بهذا الوصف، فأرشدت إلى رجل بالرقة كهل لازم لمنزله فصرت إليه، ورغبته في الدخول إلى المتقي بالله، فقام معي وجهه كالمكره، وصرنا إلى المتقي فأعلمته إحضاري للرجل الذي طلبه، فلما خلا وجهه دعا به واستدناه فوجد عنده ما أراد، فكان معه أيام مُقَامِه بالرقة، فلما انحدَرَ كان معه في الزورق ، فلما صار إلى فم نهر سعيد وذلك بين الرقة والرحبة . أرق المتقي ذات ليلة فقال للرجل : ما تحفظ من أشعار المبيضة وأخبارها؟ فمر الرجل في أخبار آل أبي طالب إلى أن صار إلى أخبار الحسن بن زيد وأخيه محمد بن زيد [بن الحسن] وما كان من أمرهما ببلاد طبرستان وذكر كثيراً من محاسنهما، وقصد أهل العلم والأدب إياهما ، وما قالت الشعراء فيهما ، فقال له المتقي : أتحفظ شعر أبي المقاتل نصر بن نصير الحلواني في محمد بن زيد الحسني الداعي ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين لكن معي غلام لي قد حفظ بحداثة سنه وحدة مزاجه وغلبة الهمة لطلب العلم والأدب عليه ما لم أحفظ من أخبار الناس وأيامهم وأشعارهم ، قال : أحضره، ولم أخفيت عني خبر مثل هذا فيكون حضوره زيادة في أنسنا؟ فأحضر الغلام من زورق آخر، فوقف بين يديه، فقال له صاحبه : أتحفظ قصيدة أبي المقاتل في ابن زيد؟ قال: نعم، قال المتقي : أنشدنيها، فابتدأ ينشده إياها :

قصيدة أبي المقاتل في الداعي العلوي

لا تفل بُشرى وقل لي بُشْرَيان*** غُرَّةُ الداعي ويوم المهرجان

خلِقَتْ كَفَّاهُ موتاً وحياة*** وَحَوَتْ أخلاقه كُنة الجنان

فَهْوَ فصل في زمان بدوي*** وابن زيد مالك رقّ الزمان

فَهْوَ للكل بكل مستقل*** بالعطايا والمنايا والأمان

أوْحَدٌ حَدٌ قام بتشييد المباني*** فيهِ اسْتُنْبِطَ أجناس المعان

مُسْرِف في الجود من غير اعتذار*** وعظيم البر من غير امتنان

وهو مَنْ أرسى رسول الله فيه*** وعلياه المعلى والحسان

سید عرق فيه السيدان*** والذي يكبر عن ذكر الحصان

سخْتَفِ فكرته في كل شيء*** فَهُوَ في كل محل ومكان

يعرفُ الدهر على ما غاب عنه*** فيرى المضمر في شخص العِيَان

يتناءى لفظنا عنه، ولكن*** هو بالأوصاف في الأذهان دان

أخرجت ألفاظه ما في الخفايا*** وكفاه الدهر نطق الترجمان

کافر بالله جهراً والمثاني*** كل من قال: له في الخلق ثان

وإذا ما أسبغ الدرع عليه*** وانكفت يمناه بالسيف اليمان

بعثت سطوته في الموت رُعباً*** أيقن الموت بأن الموت فان

يحدقُ الأبطال بالألحاظ حتى*** يترك المقدام في شخص الجبان

مَلَكُ الموت يناديه أجرني*** منك، كم تغزو بضرب وطعان؟

لا تكلفني فوقَ الوُسع وارفق*** فلقد مَلَّكك الله عِنان

يا شقيق القدر المحتوم كم قد*** رُضْتُ بالصَّيْلم عمداً ذا حِرَان

[لك يومان فيوم من ليان*** يقتفي يوم أرون أرونان]

أنْجَزَتْ كفاك وعداً ووعيداً*** وأحاطت لك بالدنيا اليدان

فإذا ما أروت اليمنى حِبَاء*** هَمَّتِ اليسرى بإرواء السنان

جَدَّتا في النفع والضر بداراً*** فهما في كل حال ضرتان

أرَّخَتْ كفاك في الآفاق حتى*** ماتلاقي بسواك الشفتان

قدمتك المِدَحُ الغُرُّ وصالت*** لك أيضاً في أعاديك الهجان

أنت لا تَحْوِي بمعقول كتاب*** لك شأن خارج عن كل شان

لك أثقال أيادٍ مثقلات ***عجزت عن حملهنَّ الثقلان

إنما مدحك وَحْيّ وزَبُورٌ*** والذي ضمت عليه الدفتان

هاكها جوهرة تبرية تو*** لي وجوه الموت تكفين الحنان

يا إمام الدين خُذْهَا من إمام *** ملكتَتْ أشعاره سبق الرهان

واستمع للرمل الأول ممن*** كشف المحنة من غير امتحان

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن*** ستة أجزاؤها عند الوزان

كرة الآفاق لا تَطْلُعُ إلا*** صارت الريح لها كالصولجان

جليت في صنعة الألفاظ مما*** يرتجيه كل ذي عفو وجان

أنت تحكي جَنَّةَ الخلد طباعاً*** والقوافي فيك كالحور الحسان

فَابْقَ للشعر بقاء الشعر والشكـ*** ـر مع الدهر فنعم الباقيان

عُمْرُ رضوی بل ثبير وشآم*** وأرام وشماريخ أبان

شهد الله على ما في ضميري*** فاستمع لفظي ترجيع أذان

حسنات ليس فيها سيات*** مدحة الداعي، اكتبا یا کاتبان

فلم يزل المتقي كلما مر به بیت ،استعاده ثم أمر الغلام بالجلوس، فلما كان في اليوم الذي لقيه فيه ابن شیرزاد الكاتب سمعه ينشد هذا البيت:

لا تقل بشرى وقل لي بشريان

فقال له الغلام، وقد كان أنس به، يا أمير المؤمنين :

دَامَتِ البشرى فقل لي بُشْرَيَانُ

وقد كان أنشده أولا القصيدة« لا تقل بشرى» وأنشده ثانياً هذا الوجه دامت البشرى فقل لي بشريان وذكر له خبر أبي المقاتل مع الداعي فوالله ما زال المتقي يقول«لا تقل لبشرى» ولا يختار في ذلك الوجه غير ذلك، فقال له الرقي والغلام : والله لتطيَّرْنا لأمير المؤمنين من اختياره إنشاد هذا البيت على هذا الوجه فكان من أمره ما ذكرنا .

ومن صفات الخيل

وحدث محمد بن عبد الله الدمشقي قال : لما انحدرنا مع المتقي من الرحبة وصرنا إلى مدينة عانة دعا بالرقي وغلامه فحادثاه وتسلسل بهم القول إلى فنون من الأخبار إلى أن صاروا إلى ذكر الخيل، فقال المتقي : أيكم يحفظ خبر سليمان بن ربيعة الباهلي [ مع عمر بن الخطاب] فقال الغلام: ذكر [أبو] عمرو بن العلاء يا أمير المؤمنين أن سليمان بن ربيعة الباهلي كان يُهَجُنُ الخيل ويعربها في زمن عمر بن الخطاب، فجاءه عمرو بن معد يكرب بفرس كميت [ فكتبه] هَجيناً، فاستعدى عليه عمر وشكاه إليه، فقال سليمان: ادع بإناء رَجْرَاج قصير الجُدُر، فدعا به، فصب فيها ماء، ثم أتى بفرس عتيق لا

شك في عنقه، فأسرع وبرك وشرب، ثم أتى بفرس عمرو الذي كان هجن فأسرع فصب سنبكه ومد عنقه كما فعل العتيق، ثم ثَنَى أحد السنبكين قليلا فشرب، فلما رأى ذلك عمر بن الخطاب وكان ذلك بمحضره قال : أنت سليمان الخيل، فقال المتقي : فما عندكم من الأصمعي وغيره من علماء العرب في صفاتها ؟ قال الرقي : ذكر الرياشي عن الأصمعي قال : إذا كان الفرس طويل أو ظِفَةِ اليدين قصير أوْ ظِفَةِ الرجلين طويل الذراعين قصير الساقين طويل الفخذين طويل العضدين مفرع الكتفين لم يكد يُسْبَقُ ، وقال : إذا سلم من الفرس شيئان لم يضره عيب سواهما : مغروز عنقه في كاهله، ومغروز عجزه في صلبه، وإذا جادت حوافره فهو هو، وأنشدنا المبرد:

ولقد شهدت الخيل تحمل شِكْتِي*** عَتَدٌ كسرحان القصيمة منهب

فرس إذا استقبلته فكأنه*** في العين جزع من أوال مشزب

وإذا اعترضت له استوَتْ أقطاره*** فكأنه مستدبر متصوب

وسأل يا أمير المؤمنين معاوية مطر بن دراج: أي الخيل أفضل وأوجز؟ فقال: الذي إذا استقبلته قلت نافر وإذا استدبرته قلت ،زاخر وإذا استعرضته قلت ،زافر سوطه عنانه ، وَهَوَاه أمامه ، قال : فأي البراذين شر؟ قال : الغليظ الرقبة، الكثير الجَلبة، الذي إذا أرسلته قال : أمسكني، وإذا أمسكته قال : أرسلني قال الغلام : أحسن ما قيل في الفرس ووصفه قول بعضهم :

خیرمايركب

خير ما يركب الشجاع إذا ما*** قيل يوماً ألا اركبوا للغوار

كلُّ نَهْدِ ْأقَبَّ معتدل الخلـ*** ـق متين الشظى عتيق النجار

سلجم اللحى واسع السِّحْر حد الـ*** ـأذن وافى الدماغ والوجه عار

ما حَمَتْه الحرار واشتدَّ عليا*** ه فأكْدَى مُحْدَوْدِباً بالعوار

محضر القصر مكرب الرسغ دامي الـ*** ـابط ساعي الجفون والأشفار

مُشْرِفٌ مُقبل يخب إذا أد*** بَرَ مُسْتَدبر ککر مغار

هُوَ في خلقه طوال ورحب*** وعراض إلى سداد قصار

طال هاديه والذراعان والأضـ*** ـلاع منه فقيم في جفار

ثم طالت وأبدت فخذاه*** فهو كفت الوثوب ثبت الخيار

والرحيب الفروج والجلد والمشـ*** ـفر قُدَّام منخر كالوجار

والعريض الوظيف والجنب والأو ***راك والجبهة العريض الفقار

والحديد الفؤاد والسمع العر*** قوب والطرف حدة في وقار

فهو صافي الأديم والعين والحا*** فرغمر بديهة الإحضار

والقصير الكُراع والظهر والرسـ*** ـغ القصير العسيب والصلب وار

لم تخن متنه القطاة ولم يسـ***ـلمه ترکیب ببها إلى استئخار

مطمئن النسور بين حزام*** كل لأم أحم كالمنقار

يكفت المشي كالذي يتخطى*** طُنُباً أوي کالمسمار

وإذا ما استمرَّ من غير ما باً***سِ به مانع من استمرار

لأن فاهتز مقبلًا فإذا أد*** بر أهوى متابع الإدبار

في تعاقيب كالتماثيل أو كالجـ***ـن أو كالظباء أو كالحوار

فإذا ما طَحَا به الجري فالعقـ*** ـبان تهوى كواسر الأعسار

من أخبار حلبة الخيل

فلما كان في الليلة الثانية دعا بهما ، فقال : عُودًا إلى ما كنتما عليه البارحة، واشرعا في أخبار الحلائب ومراتب الخيل فيها، قال الغلام يا أمير المؤمنين، أذكر قولاً جامعاً أخبرني به كلاب بن حمزة العقيلي قال : كانت العرب ترسل خيلها عشرة عشرة أو أسفل، والقصب تسعة ولا يدخل الحجرة المحجرة من الخيل إلا ثمانية، وهذه أسماؤها : الأول السابق، وهو المجلي، قال أبو الهندام كلاب : إنما سمي المجلي لأنه جَلّي عن صاحبه ما كان فيه من الكرب والشدة، وقال الفراء : إنما سمي المجلي لأنه يُجَلِّي عن وجه صاحبه، والثاني المصلي ؛ لأنه وضع جَحْفَلته على قطاة المجلي، وهي صَلاه والصلا: عَجب الذنب بعينه والثالث المسلّي ؛ لأنه كان شريكاً في السبق، وكانت العرب تعد من كل ما تختار ثلاثة، أو لأنه سَلِّي عن صاحبه بعض همه بالسبق، والرابع التالي، سمي بذلك لأنه تلا هذه المسلّي في حال دون غيره، والخامس المرتاح، وهو المفتعل من الراحة ؛ لأن في الراحة خمس أصابع لا يعد منهاغيرهن، وإذا أومأت العرب من العدد إلى خمس فتح الذي يومىء بها يَدَه وفرق أصابعه الخمس،وذلك أيضاً ما يؤمنون به من غير عقد الحساب، ثم يكون بعدها إلى أن تكون عشرة فيفتح الذي يومىء بها يديه جميعاً، ويقابل الخمس أصابع بالخمس، فلما كان الخامس مثل خامسة الأصابع وهي الخنصر سمي مرتاحاً، وسمي السادس حظياً؛ لأن له حظًا، وقيل: لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )أعطى السادس قضيبه، وهي آخر حظوظ خيل الحلبة، غير أنه له حظ وسمي بالسابع العاطف؛ لدخوله الحجرة لأنه قد عطف بشيء وإن قل، وحسن إذ كان قد دخل الحجرة المحجورة، وسمي الثامن المؤمل على القلب والتفاؤل كما سموا الفَلَاة مَفازة واللديغ سليماً، وكنوا الحبشي أبا البيضاء، ونحو ذلك، فكذلك سموا الخائب

المؤمل ، أي أنه يؤمل وإن كان خائباً ؛ لأنه قرب من بعض ذوات الحظوظ بعد، والتاسع اللطيم ؛ لأنه لو رام الحجرة للطم دونها لأنه أعظم جرماً من السابع والثامن، والعاشر السكيت لأن صاحبه يعلوه خشوع وذلة ويَسْكُت حزناً وغماً، فكانوا يجعلون في عنق السكيت حبلا ويحملون عليه قرداً، ويدفعون للقرد سوطاً ؛ فيركضه القرد ليعير بذلك صاحبه وأنشد في ذلك الوليد بن حصن الكلبي :

إذا أنت لم تسبق وكنت مُخَلَّفاً*** سُبِقْتَ إذا لم تدع بالقرد والحبل

وإن تك حقًّا بالسكيت مخلفاً*** فتورث مولاك المذلة بالنبل

أما ذكره النبل فإن بعضهم كان يفعل ذلك : ينصب فرسه ثم يرميه بالنبل حتى يتعجف، وقد فعل ذلك النعمان بفرسه النهب قال كلاب بن حمزة ولم نعلم أحداً من العرب في الجاهلية والإسلام وَصَفَ خيل الحلبة العشرة بأسمائها وصفاتها وذكَرَها على مراتبها غير محمد بن یزید بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان وكان بالجزيرة بالقرية المعروفة بحصن مَسْلَمة من إقليم بنسخ من كورة الرقة من ديار مضر فإنه قال في ذلك :

شهدنا الرهان غداة الرهان*** بمَجْمَعَةٍ ضَمَّها الموسم

نقود إليها مقاد الجميع*** ونحن بصنعنعتها أقْوَمُ

غدونا بمقوودة كالقداح*** غدت بالسعود لها الأنْجُمُ

مقابلة نسبة في الصریح*** نما هُنَّ للأكرم الأكرمُ

کميت إذا ما تباطي يبل*** يفوت الخطوط إذا يُلْجَم

فمنهنَّ أحوى ممر أغر*** وأجود ذو غرة أرثم

تلألأ في وجهه فرجة*** كان تلألؤها المرزم

فقيدت لمدخور ماعندها*** لمنتظري أنها تنجم

عليهن سحم صغار الشخوص*** نماهم لحام أتى أسحم

كأنهم فوق أشباحها*** زرازیر فی سقف حُوم

فصفت على الحبل في محضر*** بلى أمره ثقة مسلم

تراضَوا به حكماً بينهم*** فبالحق بينهم يحكم

وربك بالسبق عن ساعة ***من الناس كلهمُ أعْلَمُ

فقلت ونحن على جدة*** من الأرض نيرها مظلم

لقد فرغ الله مما يكون*** ومهما يكن فَهْوَ لا يُكْتَمُ

فأقبل في أمرنا نافر*** كما يُقبل الوابل المثجم

وأتبع فَوْضَى ومرفضة*** كما ارفض من سلكه المنظ

أو السرب سرب القطا راعه*** من الجو شوذانق مظلم

فواصل من كل قسطالة*** كأن عَثَانينها العنذم

وللمرء من فرج ما تستثیر*** سنابکهنً سنا مضرم

فجلى الأغر، وصلّى الكميت،*** وسلّى فلم يُذْمَم الأدهم

وأردفها رابع تالیاً*** وأين من المنجد المتهم؟

وما ذم مرتاحها خامساً*** وقد جاء يقدم ما يقدم

وجاء الحَظِيُّ لها سادساً*** فأسهمه حَظَّه المسهم

وسابعها العاطف المستحير *** یکاد لحيرته يُحْرَمُ

وجاء المؤمل فيها يخيب*** وعَنَّ له الطائر الأشأم

وجاء اللطيم لها تاسعاً ***فمن كل ناحية يُلطَمُ

يخبُّ السكيت على إثره***وذفرَاهُ من قبة أعظم

كأن جوانبه بین ذی***جمانة نيط بها قمقم

إذا قيل مَنْ ربُّ ذالم يُجر*** من الخزى بالصمت يستعصم

ومن لا يعد للحلاب الجياد*** وشيك لعمرك ما يندم

وما ذو اقتضاب لمجهولها *** كمن ينتمیها و يستلزم

فَرُحْنَا بسبق شهرنا به***ونيل به الفخر والمغنم

وأحرزن عن قضبات الرهان*** رغائب أثقالها تقسم

بُرُودٌ من القصب مَوْشِيَّة*** وأكسية الخز والملحم

فراحت عليهن منشورة*** كأن حَوَاشِيَهُنَّ الدَّمُ

ومن ورق صامت بدرة*** ينوء بها الأغلب الأعصم

فَفُضَّتْ لِنَهبِ خواتیمها *** وبدرتنا الدَّهْرَ لا تختم

نوزعها بین خُدامها ***ونحن لها منهم أخدم

وإنا لنرنبط المعربا*** ت في اللَّزَبَاتِ فما ترزم

يعد لها المحض بعد الحليب*** كما يصلح الصبية المقطم

ويَخْلطها بصمیم اللعيال*** بمن له حب هو المحرم

مشاربها الصافيات العذاب*** ومطعمها فَهُوَ المَطْعَمُ

فهنَّ بأكناف أبياتنا*** صَوَافِنُ يصهلن أو حُوَّم

ومال محمد بن يزيد في كلمته هذه إلى أنه لا حَظَّ للثامن، وجعل للسابع حظاً في السبق ، والهندسة إجراء الخيل وتجربتها فيما دون الغاية وإنما سميت الحَلْبة حلبة لأن العرب تحلب إليها خيولها من كل مكان .

قال المتقي : أثبتا ما يجري في هذه الأوقات ودَوِّنَاهُ، فلم يزالا معه في ذلك يحدِّدُ لهما البر إلى أن كان من أمره ما قد اشتهر .

وقد تناهى بنا الكلام إلى هذا الموضع من خلافة المتقي ؛ فلنذكر الآن بعض من اشتهر شعره في هذا الوقت واستفاض في الناس وظهر .

أبو نصر الخبزأرزي

فمنهم أبو القاسم نصر بن أحمد الخبز أرزي، وهو أحد المطبوعين المجودين في البديهة المعروفين بالغزل ؛ فمن جيد شعره قوله :

أنضى الهوى جسدي وبَدَّلَني به*** جَسَداً تكون من هوى متجسد

ما زال إيجاد الهوى عدمي إلى*** أن صرت لو أعدمته لم أوجد

ومن جيد شعره ما عاتب به ابن لنكك الشاعر، وهو :

لم لا تَرَى لصداقتي تصديقاً*** فينا، ولم تَدْعُ الصديق صديقا؟

ذو العقل لا يرضى بوَسمِ صداقة*** حتى يرى لحقوقها تحقيقا

فلمن يرجى الحق أن يدعى أخا*** وعلى الرفيق بأن يكون رفيقاً

إن غاب غاب محافظاً، أو حَل كا*** ن مداعباً، أو قال كان صدوقا

وفي هذا الشعر يقول :

ويكاد مَنْ عَلِقَ الهوى بفؤاده*** مماتفكر أن يُرَى زنديقا

وقوله :

أعليك أعْتِبُ أم على الأيام؟*** بدأت، وكنت مؤكداً بتمام

قطع التواصل قربنا بتواعد*** وَقَطَعْتَ أنت تواصل الأقلام

هلا ألفت إذ الزمان مُشتت*** والإلف للأرواح لا الأجسام

وفي هذا الشعر يقول :

عذراً أبا عيسى عَسَى لك في الْقِلَا*** عُذْرٌ ، وذا علم بلا إعلام

من غابت الأخبارُ عنه وَدِينُهُ*** دِينُ الإمامة قال بالأوهام

خذ من فَرَائدك الذي أعطيتني*** فالدر درك والنظام نظامي

حِكَم معانيها معانيك التي*** فَضَّلْتَها لي، والكلام كلامي

وشعره في الغزل وغيره أكثر من أن نأتي عليه، وأكثر الغناء المحدثِ في وقتنا هذا من شعره، وقد أشيع بموته وأن البريدي غَرَّقَهُ لأنه كان هجاه، وقيل: بل هرب من البصرة ولحق بهَجَرَ وَالأحْسَاء بأبي طاهر بن سليمان بن الحسن صاحب البحرين.

مقتل بجكم

قال المسعودي: وقد أتينا على أخبار المتقي وما كان في أيامه من الكوائن والأحداث على الشرح والإيضاح في الكتاب الأوسط الذي كتابنا هذا تال له، وإنما نذكر من أخبارهم في هذا الكتاب لمعاً لاشتراطنا فيه على أنفسنا الاختصار والإيجاز، وكذلك أتينا على خبر مقتل بحكم التركي وكان مقتله في رجب سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وما كان من أمره مع الأكراد بناحية واسط وما كان من كورتكين الديلمي واستيلائه على جيش بجكم وانحدار محمد بن رائق من الشام ومحاربته كورتكين بعكبرا، ومخاتلته إياه، ودخوله الحضرة وما كان بينهم من الوقعة بالحضرة إلى أن انهزام كورتكين واستولى محمد بن رائق على الأمر، وما كان من البريديين وموافاتهم الحضرة، وخروج المتقي عنها مع محمد بن رائق الموصلي، في كتابنا المترجم بأخبار الزمان» فأغْنَى ذلك عن إعادته في هذا الكتاب والله الموفق للصواب.

ذكر خلافة المستكفي بالله

موجز

وبويع المستكفي بالله، وهو أبو القاسم عبد الله بن علي المكتفي، يوم السبت لثلاث خَلَوْنَ من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وخُلِعَ في شعبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، لسبع بقين من هذا الشهر، فكانت خلافته سنة وأربعة أشهر إلا أياماً، وأمه أم ولد.

ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه

ذكر أول أمره

قد قدَّمنا عندما ذكرنا خَلْعَ المتقي الله أن المستكفي بويع له بالسبق على نهز عيسى من أعمال بادوريا بإزاء القرية المعروفة بالسندية في الوقت الذي سُمِلَتْ فيه عينا المتقي، بايع له أبو الوفاء توزون وسائر مَنْ حضره من القُوَّاد وأهل الدولة، وأهل عصره من القضاة منهم القاضي أبو الحسن محمد بن الحسين بن أبي الشوارب وجماعة من الهاشميين، فصلى بهم في يومهم ذلك المغرب والعشاء، وسار حتى نزل في يوم الأحد بالشَّمَّاسية، فلما كان في يوم الاثنين انحدر في الماء راكباً في الطيار الذي يسمى الغزل،وعليه قلنسوة طويلة محدودة، ذُكِرَ أنها كانت لأبيه المكتفي بالله، وعلى رأسه توزون التركي ومحمد بن محمد بن يحيى بن شيرزاد وجماعة من غلمانه، وسُلّم إليه المتقي ضريراً، وأحمد بن عبد الله القاضي مقبوضاً عليه، وحضر بعد ذلك سائر القضاة والهاشميين فبايعوا ،له واستوزر أبا الفرج محمد بن علي السامري مدة ثم غضب عليه وغلب على أمره محمد بن شيرزاد وجلس للناس، وسأل القضاة، وَكَشَفَ عن أمر شهود الحضرة، فأمر بإسقاط بعضهم وأمر باستتابة بعضهم من الكذب وقبول بعضهم لأشياء كان قد علمها منهم قبل الخلافة فامتثل القضاة ما أمر به من ذلك، واستقضى على الجانب الشرقي محمد بن عيسى المعروف بابن أبي موسى الحنفي، وعلى الجانب الغربي محمد بن الحسين بن أبي الشوارب الأموي الحنفي، فقالت العامة : إلى ههنا انتهى سلطانه، وانتهى في الخلافة أمره وَنَهْيُه، وقد كان بينه وبين الفضل بن المقتدر الذي يسمى بالمطيع قبل ذلك مجاورة في دار ابن طاهر، وعداوة في اللعب بالحمام وتطييرها واللعب بالكباش والديوك والسمان ، وهو الذي يسمى بالشام النفخ ، فلما حمل المستكفي إلى نهر عيسى ليبايع له هرب المطيع من داره، وعلم أن سيأتي عليه، فلما استقرت للمستكفي طلب المطيع، فلم يقف له على خبر، فهدم داره وأتى على جميع ما قدر عليه من بستان وغيره.

المستكفي وغلام ضمه له توزون

وذكر أبو الحسن علي بن أحمد الكاتب البغدادي قال : لما استخلف المستكفي ضم إليه توزون غلاماً تركياً من غلمانه يقف بين يديه، وكان للمستكفي غلام قد وقف على أخلاقه ونشأ في خدمته ؛ فكان المستكفي يميل إلى ،غلامه، وكان توزون يريد من المستكفي أن يقدم المضمون إليه على غلامه الأول ؛ فكان المستكفي يبعث بالغلام التركي في حوائجه اتباعاً لمراضاة توزون، فلا يبلغ له ما يبلغ غلامه .

من أخبار الحجاج مع أهل الشام

قال : وأقبل المستكفي يوماً على محمد بن محمد بن يحيى بن شيرزاد الكاتب فقال له : أتعرف خبر الحجاج بن يوسف مع أهل الشام؟ قال : لا يا أمير المؤمنين ، قال : ذكروا أن الحجاج بن يوسف كان قد اجْتَبى قوماً من أهل العراق وجَدَ عندهم من الكفاية ما لم يجد عند مختصيه من الشاميين؛ فشق ذلك على الشاميين وتكلموا فيه، فبلغ إليه كلامهم؛ فركب في جماعة من الفريقين، وأوْغَلَ بهم في الصحراء ؛ فلَاحَ لهم من بُعْدِ قطارُ إبل ؛ فدعا برجل من أهل الشام ، فقال له : امْضِ فاعرف ما هذه الأشباح ، واسْتَقْصِ أمرها ، فلم يلبث أن جاء وأخبره أنها إبل ، فقال : أمحملة هي؟ أم غير محملة؟ قال : لا أدري، ولكني أعود وأتعرف ذلك، وقد كان الحجاج أتبعه برجل آخر من أهل العراق وأمره بمثل ما كان أمَرَ الشامي، فلما رجع العراقي أقبل عليه الحجاج وأهل الشام يسمعون ما هي؟ قال : إبل ، قال : وكم عددها؟ قال : ثلاثون قال : وما تحمل؟ قال : زيتاً، قال : ومن أين صَدَرَتْ ! قال : من موضع كذا قال وأين قصدت؟ قال : موضع كذا قال : ] ومَنْ ربها؟ قال : فلان فالتفت إلى أهل الشام، فقال:

أُلام على عمرو ، ولو مات أو نأى*** لقل الذي يُغْنِي غَنَاءَكَ يا عمرو

فقال ابن شیرزاد: فقد قال يا أمير المؤمنين بعض أهل الأدب في هذا المعنى :

شر الرسولين مَن يحتاج مرسله*** منه إلى العَوْدِ، والأمران سيَّانِ

كذاك ما قال أهل العلم في مَثَل*** طريق كل أخي جهل طريقان

قال المستكفي : ما أحسن ما وصف البحتري الرسول بالذكاء بقوله :

وكأنَّ الذكاء يبعث منه*** في سواد الأمور شُعْلَةَ نار

وعلم ابن شيرزاد استثقال المستكفي لغلام توزون؛ فأخبر توزون بذلك فأعفاه منه، وأزاله عن خدمته .

مسامرة في وصف الخمر

وَحَدَّثَ أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق المعروف بابن الوكيل البغدادي قال : كان أبي قديماً في خدمة المكتفي، فلما كان من أمره ما اشتهر، صرت في خدمة ابنه عبد الله بن المكتفي، فلما أفْضَتِ الخلافة إليه كنت أخَصُ الناس به ؛ فرأيته في بعض الأيام وعنده جماعة من ندمائه ممن كان يعاشرهم قبل الخلافة من جيرانه بناحية دار ابن طاهر، وقد تذاكروا الخمر وأفعالها وما قال الناس فيها من المنثور والمنظوم، وما وصفت به فقال بعض مَنْ :حضر يا أمير المؤمنين ما رأيت أحداً وصف الخمرة بأحسن من وصف بعض من تأخر ؛ فإنه ذكر في بعض كتبه في الشراب ووصفه أنه ليس في العالم شيء واحد أخذ من أمهاته الأربع فَضِيلَتَها وابتزها أكرم خواصها إلا الخمرة؛ فلها لون النار، وهو أحسن الألوان، ولُدُونَة ،الهواء وهي ألين المجسَّاتِ، وعذوبة الماء، وهي أطيب المذاقات، وَبَرْدُ الأرض، وهي ألذ المشروبات، قال : وهذه الأربع وإن كُنَّ في جميع المآكل والمشارب متركبة فليس الغالب عليه ما وصفنا من الغالب على الخمر قال :واصفها قد قلت في اجتماع الصفات التي ذكرنا فيها :

لست أرى كالراح في جَمْعِها ***لأربع هُنَّ قوام الورى

عذوبة الماء، ولين الهوا،*** وسخنة النار، وبرد الثرى

ولما كانت الراح بالموضع الذي وصفناها به من الفضل على سائر ما ينال [من هذه الدنيا، كانت الأوصاف أحسن لها من سائر ما ينال] ويوصف من صنوف اللذات والمدح بها بما تبعث من فنون الشهوات .

قال : فأما [شعاع] الخمر فإنه يشبه بكل شيء نوري من شمس وقمر ونجم ونار،وغير ذلك من الأشياء النورية ، فأما لونها فيحتمل أن يشبه بكل أحمر في العالم وأصفر، من ياقوت وعقيق وذهب وغير ذلك من الجواهر النفيسة والحلي الفاخرة قال : وقد شبهها الأولون بدم الذبيح ودم الجَوْفِ ، وشبهها غيرهم بالزيت والرازقي وغيرهما، و تشبيهها بالجوهر الأكرم أفضل لها، وأحسن في مدحها .

قال : فأما صفاؤها فيحتمل أن يشبه بكل ما يقع عليه اسم الصفاء، وقد قال بعض الشعراء المتقدمين في صفائها :

تريك القذى من دونها وهي دونه

وهذا أحسن ما قاله الشعراء في وصف الخمر ، قال : وقد أتى أبو نواس في وصفها ووصف طعمها وريحها وحسنها ولونها وشعاعها وفعلها في النفس وصفة آلاتها وظروفها وأدْنَانِهَا ، وحال المنادمات عليها والاصطباح والاغتباق وغير ذلك من أحوالها، بما يكاد يغلق به باب وصفها لولا اتساع الأوصاف لها واحتمالها إياها، وأنها لا تكاد تحصر، ولا يبلغ إلى غاياتها قال : وقد وصف أبو نُوَاس نورها فقال :

فكأنها في كفه*** شمس، وراحته قمر

وقال :

فعلت في البيت إذ مُزجَتْ*** مثل فعل الصبح في الظُّلَم

فاهتدى ساري الظَّلام بها*** كاهتداء السفْرِ بالعم

وقال أيضاً:

بنت عشر صَفَتْ ورقَتْ ؛ فلو صبَّـ***ـت على الليل راح كل ظلام

وقال أيضاً:

إذا عب فيها شاربُ القوم خِلْتَه*** يُقَبلُ في داج من الليل كَوْكَبَا

ترى حيثما كانت من البيت مشرقاً*** وما لم تكن فيه من البيت مغربا

وقال أيضاً:

وكأن شاربها لفَرْطِ شعاعها*** في الكأس يكرع في ضيا مقباس

وقال أيضاً:

فقلت له : ترفق بي فإني*** رأيت الصبح من خلل الديار

فقال تعجباً مني: أصبحُ*** ولا صبح سوى ضوء العُقَارِ

وقام إلى الدنان فَسَدَّ فاها*** فعاد الليل مصبوغ الإزار

وقال أيضاً:

وحمراء قبل المزج صفراء دونه*** كأن شعاع الشمس يلقاك دونها

وقال :

كأن ناراً بها مُحَرشة*** تهابها تارة وتخشاه

وقال أيضاً:

حمراء لولا انكسار الماء لاختطفت*** نور النواظر من بين الحماليق

وقال أيضاً:

ينقضُ منها شعاع كلما مزجت ***كالشهب تنقضُ في إثر العفاريت

وقال :

عُتْقَتْ في الدنان حتى استفادت*** نور شمس الضحى وبَرْدَ الظلام

وقال :

فجوزَهَا عني عُقاراً ترى لها*** إلى الشرف الأعلى شعاعاً مطنبا

وقال :

قال : ابغني المصباح ، قلت له : اتئد*** حَسْبي وحَسْبُكَ ضوؤها مصباحا

فسكبت منها في الزجاجة شربة*** كانت لنا حتى الصباح صباحا

قال : وله في هذا الفن أشياء كثيرة قد وصفها في مشابهة النار ومجانسة الأنوار والرفع للظلام وتصيير الليل نهاراً والظلم أنواراً مما هو إغراق الواصف واشتطاط المادح ، قال : وليس إلى صفة لونها ونورها ما هو أحسن مما وصفها ، إذ ليس بعد الأنوار شيء في الحسن قال : فداخل المستكفي سرور وفرح وابتهاج بما وصف، فقال: ويحك !! فرج عني من هذا الوصف، قال: نعم يا سيدي .

قال عبد الله بن محمد الناشي : وقد كان المستكفي تَرَكَ النبيذ حين أفْضَتِ الخلافة

إليه، فدعا بها من وقته ودعا إلى شربها، وقد كان المستكفي . حين حين أفضت الخلافة إليه . طَلَبَ الفضل بن المقتدر، على حسب ما قدمنا لما كان بينهما من العداوة فيما ذكرنا، وغير ذلك مما عنه أعرضنا، فهرب الفضل ، وقيل : إنه هرب إلى أحمد بن بُوَيْهِ الديلمي متنكراً، وأحسن إليه أحمد ولم يظهره، فلما مات توزون ودخل الديلمي إلى بغداد وخرج الأتراك عنها صار إلى ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن عبد الله حَمْدَان ،

بن وانحدر معه هو وابن عمه أبو عبد الله بن أبي العلاء، فكان بينه وبين ابن بُوَيْهِ الديلمي من الحرب ما قد اشتهر وانحاز الديلمي إلى الجانب الغربي ومعه المستكفي والمطيع مُخْتَفِ ببغداد والمستكفي يطلبه أشدَّ الطلب، وأنزل المستكفي في بيعة النصارى المعروفة بدُرْنًا من الجانب الغربي .

فذكر أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق المعروف بابن الوكيل، ومنزلَتَهُ من خدمة المستكفي ما قدمنا قال كان المستكفي في سائر أوقاته فازعاً وَجِلا من المطيع أن يلي

الخلافة، ويُسَلّم إليه فيحكم فيه بما يريد، فكان صدره يضيق لذلك، فيشكو ذلك في بعض الأوقات إلى من ذكرنا ممن كان يألفه من ندمائه فيشجعونه ويهونون عليه أمر المطيع ، إلى أن قال لهم في بعض الأيام : قد اشتهيت أن نجتمع في يوم كذا كذا فنتذاكر أنواع الأطعمة وما قال الناس في ذلك منظوماً ، فاتفق معهم على ذلك، فلما كان في اليوم الذي حضروا أقبل المستكفي فقال : هاتوا ما الذي أعَدَّه كل واحد منكم؟ فقال واحد منهم : قد حضرني يا أمير المؤمنين أبيات لابن المعتز يصف سلة فيها سكارج كوامخ فقال : [هاتها، قال] :

لابن المعتز في وصف سلة كوامخ

أمتع بسلة قضبان أتتك وقد*** حَفَّتْ جوانبها الجامات أسطار

فيهاسكارج أنواع مصففة*** حمر وصفر، وما فيهنَّ إنكار

فيهن کامخ طرخون مبوهرة*** وكامخ أحمر فيها وكبار

أعطته شمس الضحى لوناً فجاء به*** كأنه من ضياء الشمس عطار

فيهنَّ كامخ مَرْزَنجُوش قابله*** من القرنفل نوع منه مختار

وكامخ الدارصيني فليس له ***في الطعم شبه، ولا في لونه عار

كأنه المسك ريحاً في تنسمه*** حريف في طعمه والريح معطار

وكامخ الزّعتر البري إن له*** لوناً حكاه لدينا المسك والقار

وكامخ الثوم لما أن بصرت به*** أبصرت عطراً له بالأكل أمارُ

كأن زيتونها فيها ظلام دُجى*** في الجنب منه من الممقور أسفار

إذا تأملت ما فيهن من بصل*** كأنهنَّ لجين حَشْوُهُ نار

وَسَلْجَمٌ مستدير والقد خالطه*** طعم من الخل قد حازته أسطار

كأن أبيضه فيه وأحمره*** دراهم صففت فيهن دينار

في كل ناحية منها يلوح لها*** نجم إلينا بضوء الفجر نَظَارُ

كأنها زهرة البستان قابلها*** بدر وشمس وإظلام وأنوار

قال المستكفي : تحضر هذه الجونة بعينها على هذا الوصف وهاتوا فلسنا نأكل اليوم إلا ما تصفون فقال آخر من الجلساء : يا أمير المؤمنين لمحمود بن الحسين الكاتب المعروف بكشاجم في صفة سلة نوارد :

في وصف سلة نوادر

متی ننشَطُ للأكل*** فقد أصلحت الجونه

وقد زَيَّنها الطاهی*** لنا أحْسَنَ ما زينه

فجاءت وهي من أطيـ*** ـب مايؤكل مشحونه

فمن جَدِّي شَوَيْنَاهُ*** وعصبنا مصارينه

ونضدنا عليه نعـ*** ـنع البقل وطرخونه

وفرخ وافر الزور ***أجَدْنا لك تسمينه

وطیهوج و وفروج ***أجَدْنَا لك تطجينه

وسنبوسجة مقلو*** ة في إثر طردينه

وحمراء من البیضاء*** إلى جانب زیتونه

وأوساط شطیرات *** بزيت الماء مدهونه

پولدن لذي التخمـ*** ـة جوعاً ويُشَهيئة

ترنج بکسور النـ***ـد بالعنبر معجونه

وحريف من الجبن***به الأوساط مقرونه

وطلع كاللآلي في*** سموط الغيد مكنونه

و خل ترعف الآنا*** ف منه و وهي مختونه

وباذنجان بوران*** به نَفْسُك مفتونه

وهلميون وعهدي بـ*** ـك تستعذب هلیونه

ولوزينجة في الدهـ***ــن والسكر مَدْفُونَهُ

[وعندي لك رستيجـ*** ـة مطبوخ وقنينه ]

وساق وَعَدَتْ بالوصـ***ـل منه عطفة النونه

له شدة ألحاظ*** وفي الفاظ لینه

وقُمْري يغنيك*** لحوناً غير ملحونه

الا يا من لمحزون*** نأي عن دار محزونه

فما عذرك في أن لا*** ترى من سكره طينه

لابن الرومي في وصف وسط

فقال المستكفي : أحسنت وأحسن القائل فيما وصف، ثم أمر بإحضار كل ما يجري في وصفه مما يمكن إحضاره، ثم قال هاتوا مَنْ معه شيء في هذا المعنى؟ فقال آخر : في هذا المعنى لابن الرومي في صفة وسط :

يا سائلي عن مجمع اللذات*** سألت عنه أنْعَتَ النُّعَاتِ

فهاك ما أنشأته من قصه*** مسلماً من شوبه ونقصه

خذ يا مريد المأكل اللذيذ*** جردقتي خيز من السميذ

لم ترعينا ناظر مثليهما*** فقشر الحرفين عن وجهيهما

حتى إذا ما صارتا طفاطفا*** فاضفُ على إحداهما تفايفا

من لحم فروج ولحم فرخ ***تذوب جوذاباهما بالنفخ

واجعل عليها أسطراً من لوز*** معارضات أسطراً من جوز

إعجامها الجبن مع الزيتون*** وشكلها النعنع بالطرخون

حتى ترى بينهما مثل اللبن*** مقسومة كأنه وَشْيُ الیمن

واعمد إلى البيض السليق الأحمر*** فَدَرْهِم الوَسْطَ به وَدَنّر

وَتَرْبِ الأسطر بالملح، ولا *** تكثر، ولكن قدراً معتدلا

وَرَدُّدِ العينین فيه لحظا***فإن لعينین منه حظا

ومَتَّع العین به مليا*** وأطبق الخبز وكل هنيا

وامسك بنابيك وأكدم كدما*** تسرع فيما قد بنيت هَدْمَا

[ طوراً ترى كحلقة الدولاب*** روفه و دوره کالداب]

[وتارة مثل الرحى بِلا سَغَبْ *** قد شذبت عنها بنابيك الشذب]

[لهفي عليها وأنا الزعيم ***بمعدة شيطانها رجیم ]

في وصف سنبوسج

وقال آخر : يا أمير المؤمنين لإسحاق بن إبراهيم الموصلي في صفة سنبوسج :

یا سائلي عن أطيب الطعام ***سألت عنه أبْصَرَ الأنام

اعمد إلى اللحم اللطيف الأحمر*** قدقة بالشحم غير مُكْثِر

واطرح عليه بصلا مدوراً*** وكرنباً رطباً جنياً أخضرا

والق السذاب بعده موفراً ***ودار صیني وكف كزبرا

وبعده شيء من القرنفل ***وزنجبيل صالح وفلفل

وكف كمون وشيء من مري*** وملء كَفْین بملح تدمر

فدُقَهُ يا سيدي شديداً***ثم أُوقد النار له وقودا

واجعله في القدر وَصُبَّ الماء*** من فوقه واجعل له غطاء

حتى إذا إذا الماء فني وَقَلا*** ونشفته النار عنه كلا

فلفه إن شئت في رُقاقِ*** ثم احكم الأطراف بالإلزاق

أو شئت خذ جزءاً من العجين*** معتدل التفريك مستلين

فابسطه بالسويق مستديراً*** ثم اطفرن أطرافه تطفيرا

وَصُبَّ في الطابق زيتاً طيباً*** ثم أقلُهُ بالزيت قلياً عجبا

وضعه في جام له لطيف*** ووسطه من خردل حریف

وكله أكلًا طيباً بخردل*** فهو أَلَذُّ المأكل المعجل

في وصف هليون

فقال آخر: يا أمير المؤمنين، لمحمود بن الحسين بن السندي كشاجم الكاتب في وصف هليون :

لنا رماح في أعاليها أَوَدْ ***مُفَتَّلَات الجسم فتلًا كَالمَسَدْ

مستحسنات ليس فيها من عُقَد*** لها رؤوس طالعات في جَسَدٌ

مكسوة من صنعة الفَرْد الصَّمَد*** منتصبات كالقداح في العمد

ثوب من السندس من فوق بَرَدْ *** قد أشربت حمرة لون يتقد

كأنه ممزوجة حمرة خد*** قد قرصت حمرتَهُ كَفُ حرد

[فخالطته حمرة خد وَيَد*** كأنها كأنها في صحن جام أو بَرَدْ]

منَضّدات كتناضيد الزَّرَدُ*** نسائج العسجد حسناً منتضد

كأنها مطرف خز قد مهد*** لو أنها تبقى على طول الأبد

كانت فصوصاً لخواتيم الخرد*** من فوقها مري عليها يطرد

يجول في جانبها جزر و مد*** مَكْسُوَّة من زيتها ثوب زبد

كأنه من فوقه حين لبد*** شراك تبرأو لجين قد مسد

فلو رآها عابد أو مجتهد*** أفْطَرَ مما يشتهيها وَسَجَدْ

فلما فرغ منها قال له المستكفي : هذا مما يتعذر وجوده في هذا الوقت بهذا الوصف في هذا البلد إلا أن نكتب إلى الإخشيد محمد بن طغج يحمل إلينا من ذلك البر من دمشق، فأنشدونا فيما يمكن وجوده.

في وصف أرزية

قال :آخر يا أمير المؤمنين لمحمد ابن الوزير المعروف بالحافظ الدمشقي في صفة أرزية :

لله در أرزَةٍ وافی بها*** طاءٍ كحسن البدر وسط سماء

أنقى من الثلج المضاعف نَسْجُه***من صنعة الأهواء والأنداء

وكأنها في صحفة مقدودة*** بيضاء مثل الدرة البيضاء

بَهَرَتْ عيون الناظرين بضوئها*** وتريك ضوء البدر قبل مساء

وكأن سُكْرَها على أكتافها*** نُورٌ تَجَسَّدَ فوقها بضياء

في وصف هريسة

فقال آخر : يا أمير المؤمنين أنشدت لبعض المتأخرين في هريسة :

أَلذ ما يأكله الإنسان*** إذا أتى من صیفه نیسان

وطالت الجديان والخرفان***هريسة يصنعها النسوان

لهنَّ طيب الكف والإتقان*** يُجمع فيها الطير والحملان

وتلتقي في قِدْرِهَا الأدهان*** واللحم والألية والشحمان

و بعده إوزة سما*** وَالْحِنْطَةُ البيضاء والجلبان

وبعد هذا اللوز والإبان*** جَوْدَهَا بطَحْنِهِ الطَّحان

وبعده الملح وخولنجان**** قد تعبت لعقدها الأبدان

تخجل من رؤيتها الألوان*** إذا بدت يحملها الغلمان

تضمها الصحفة والْخِوَانُ*** وفوقها کالقبو خيزران

یمسك سقف له حيطان*** مُقَبَّب وما له أركان

أبرزها للاكل الولدان*** [ تفتر من لهيبها العينان]

[ والمرء فيها فله مكان]*** يؤثرها الْجَائِع والشبعان

ويشتهيها الأهل والضيفان*** لهاعلى أضرابها السلطان

تصفو بها العقول والأذهان*** وانتفعت بأكلها الأبدان

أبدعها في عصره ساسان***وأعجبت كسرى أنو شروان

إذا رآها الجَائِع الغَرْثَانُ*** لم يُعْطَ صبراً معها الجيعان

في وصف المضيرة

وقال آخر : يا أمير المؤمنين لبعض المتأخرين في صفة المَضِيرَة :

إنَّ المَضِيرَةً في الطعام*** کالبدر في ليل التمام

إشراقها فوق الموا*** ئد کالضياء على الظلام

مثل الهلال إذا بدا*** للناس في خَلَل الغمام

فی صحفة مملوءة*** للناس من جزع التهام

حتی لقد مال الهوی*** بهواه عن طلب الصيام

ولقد رأى في أکلها***حظاً فبادر بالقيام

ولقد تنكب أن يكو***ن مؤاكلًا عند الإمام

إذ لیس ثم مضیره*** تشفي السقيم من السَّقَام

لا غَرو فی إتیانها***من غیر إتیان الحرام

فهی اللذيذة والغريـ*** ـبة والعجیبة في الأنام

في وصف جوذابة

وقال آخر يا أمير المؤمنين لمحمود بن الحسين في صفة جوذابة :

جوذابة من أرز فائق*** مصفرة في اللون كالعاشق

عجیبة مشرقة لونُها*** من كَفَّ طاه محکم حاذق

نسيجة كالتبر في حُمْرَة*** وَرْدِية من صنعة الخالق

بسكر الأهواز مصبوغة*** فطعمها أحلى من الرائق

غريقة في لي الدهن رَجْرَاجَة*** تَدُور بالنَّفْخ من الذائق

لینة ملمسها زبدة*** وريحها كالعنبر الفائق

كأنها في جامها إذ بَدَتْ*** تزهو كالكوكب في الغاسق

عقيقة صفْرَتْها فاقع*** في جيد خودِ بضة عاتق

أحلى من الأمن أتى مؤمناً*** إلى فؤاد قلق خافق

في وصف جوذابة

وقال آخر : يا أمير المؤمنين معي لبعض المحدثين في صفة جوذابة :

وجوذابة مثل لون العقيق*** وفي الطعم عندي كطعم الرحيق

من الكر المحض معمولة*** ومن خالص الزعفران السحيق

مُغَرَّقة بشحوم الدَّجاج*** وبالشحم، أكرم بها من غريق

لذيذة طعم إذا استعملت*** وفي اللون منها كلون الخلوق

[عليها اللالىء من فوقها *** تضم جوانبها ضم ضيق]

يُرَدّدها في الإنا تفخه *** وما في حلاوتها من مُطِيق

في وصف قطائف

وقال آخر : يا أمير المؤمنين لمحمود بن الحسين كشاجم في صفة قطائف:

عندي لأصحابي إذا اشتد الشعب*** قطائف مثل أضابير الكتب

كأنه إذا ابتدى من الكثب*** كوافر النحل بياضاً قد ثقب

قد مَجٌ دهن اللوز مما قد شرب*** وَابْتَل مما عام فيه وَرَسَبْ

وجاء ماء الورد فيه وذهب*** فهي عليه خبَبٌ فوق حَبَب

إذا رآه واله القلب طرب*** مدرج تدريج أبناء الكتب

أطیب منه أن تراه ينتهب*** کل امرىء لَذَّتُهُ فيما أحب

لأبي نواس في وصف ياطرنجا

فأقبل المستكفي على معلم كان يعلمه في صباه طيب النفس، وكان يضحك منه ويستطرفه ، فقال له : [قد] أنشدنا ما سمعت فأنشدنا ،أنت قال : لا أدري ما قال هؤلاء، وما أنشدوا، غير أني مضيت في أمس يومنا هذا أدور حتى أتيت باطرنجا، فرأيت رياضها، فذكرت [قول أبي نواس فيها، فوالله لقد شجاني، وذهب بي كل مذهب، فقال له المستكفي وما الذي قال أبو نُوَاس ووصف] من أمرها؟ قال :

نوم عينيك يا ابن وهب غِرَارُ*** ولنار الهوى بقلبك نار

[ باطرنجا بها ثَوَائِي، ولي فيـ*** بها إذا دارت الكؤوس اعتبار]

من حديثي أني مررت بهايو*** ماً وقلبي من الهوى مُسْتَطَار

و بها نَرْجِس ينادي غلامي*** قف فقد أدْرَكَتْ لدينا العقار

وتغنَّى الدرّاج واستمطر اللهـ*** ـو وجادت بنَوْرِهَا الأزهار

فانثنينا إلى رياض عیون*** ناظرات ما إن بهِنَّ احْوِرَارُ

ومكان الجفون منها ابيضاض*** ومكان الأحداق منها اصفرار

بينما نحن عندها صَرَخَ الوَرْ*** دُ: إلينا يا أَيُّهَا السُّمَّارُ

عندنا قهوة تغافل عنها*** دهرها فالوجود منها خُمَارُ

وانثنينا للورد من غير أن تنـ*** بو عَنِ النرجس المُضَاعف دار

فرأى النرجس الذي صنع الوَرْ*** د، فنادى مستصرخاً :َيا بَهَارُ

ورأى الورد عسكرين من الصـ***ـفر فنادی فجاءه الْجُلَّنَارُ

واستجاشا تُفَاحَ لُبْنَان لمَّا*** حَمِيَتْ من وطيسها الأوتار

واستجاش البَهَارُ جيشاً من الأتـ***ـرج فيه صِغَارُه والكبار

فرأيت الربيع في عسكر الصف***ـر وقلبي يشفه الاحمرارُ

ليس إلا لحمرة من خُدُودٍ*** من أُناس بَغَوْا علينا وَجَارُوا

فلم أر المستكفي منذ ولى الخلافة أشد سروراً منه في ذلك اليوم، وأجاز جميع مَنْ حضر من الجلساء والمغنين ،والملهين، ثم أحضر ما حضره في وقته من عَيْنِ وَوَرِقٍ مع ضيق الأمر إليه ، فوالله ما رأيت له بعد ذلك يوماً مثله ، حتى قَبَضَ عليه أحمد بن بُوَيْهِ الديلمي، وسَمَلَ عينيه، وذلك أن الحرب لما طالت بين أبي محمد الحسين بن عبد الله حمدان . وكان في الجانب الشرقي ومعه الأتراك . وابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان وبين أحمد بن بُوَيْهِ الديلمي في الجانب الغربي، والمستكفي معه، اتهم الديلمي المستكفي بمساءلة بني حَمْدَان ومكاتبتهم بأخباره، وإطلاعهم على أسراره [مع] ما كان تقدم له في نفسه ؛ فَسَمَلَ عينيه، ووَلّى المطيع، وأعمل الديلمي الحيلة في البيات بالديلم ؛ فحملهم في السفن مع بوقات ودبابات في الليل، وألقاهم في مواضع كثيرة من الشارع إلى الجانب الشرقي ؛ فَتَوَجَّهَتْ له على بني حَمْدَان الحيلة فخرجوا نحو الموصل من بعد أحداث كثيرة بين الأتراك وبينهم ببلاد تكريت واستوثق الأمر لأحمد بن بُوَيْهِ الديلمي، وشرع في عمارة البلد، وسد البثوق، على حسب ما ينمو إلينا من أخباره واتصل بنا من أفعاله على بعد الدار وفساد السبل، وانقطاع الأخبار وكوننا ببلاد مصر والشام .

قال المسعودي : ولم يتأت لنا من أخبار المستكفي . مع قصر أيامه . غير ما ذكرنا ، والله الموفق للصواب.

ذكر خلافة المطيع الله

موجز مبدئه

وبويع المطيع الله . وهو أبو القاسم الفضل بن جعفر المقتدر . لسبع بقين من شعبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وقيل: إنه بويع في جمادى الأولى من هذه السنة، وَغَلَبَ على الأمر ابن بُوَيْهِ [الديلمي]، والمطيع في يده لا أمر له ولا نَهى، ولا خلافة تعرف، ولا وزارة ،تذكر وقد كان أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد يدبر الأمر بحضرة الديلمي قيماً بأمر الوزارة برسم الكتابة، ولم يُخَاطَبْ بالوزارة إلى أن استأمن الحسين بن عبد الله بن حَمْدان إلى الجانب الغربي، وخرج معه عند خروجه إلى ناحية الموصل، إلى أن اتَّهَمَهُ بتغريته الأتْرَاكَ عليه ؛ فسمل عينيه، وقد قيل : إن أبا الحسن [ علي بن محمد بن علي بن مُقْلة يعرض الكتب على الديلمي والمطيع، ويتصرف برسم الكتابة، لابرسم الوزارة في هذا الوقت، وهو جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ولم نفرد بجوامع تاريخ المطيع باباً مفصلا عن أخباره كإفرادنا لغيره مما سلف ذكره في هذا الكتاب لأنا في خلافته بَعْدُ .

قال المسعودي : وقد كُنَّا شرطنا [على أنفسنا] في صدر كتابنا هذا أن نذكر مقاتل آل أبي طالب، ومن ظهر منهم في أيام بني أمية وبني العباس، وما كان من أمرهم من قتل أو حبس أو ضرب، ثم ذكرنا ما تأتى لنا ذكره من أخبارهم من قتل أمير المؤمنين علي بن

وبقي علينا من ذلك ما لم نورده، وقد ذكرناه في هذا الموضع، أبي طالب رضي الله عنه ، الله عنه، وبقي وَفَاء بما تقدم من شرطنا في هذا الكتاب .

طالبي يظهر بصعيد مصر أيام ابن طولون

فمن ذلك أنه ظهر بصعيد مصر أحمد بن عبد الله بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقتله

أحمد بن طولون، يعد أقاصيص قد أتينا على ذكرها فيما سلف من كتبنا، وذلك نحو سنة

سبعين ومائتين .

وكان خروج أبي عبد الرحمن العجمي على أحمد بن طولون بصعيد مصر وما كان من أمره إلى أن قتل.

ظهور محسن بن الرضا بدمشق

ومن ذلك ظهور ابن الرضا وهو محسن بن جعفر بن[ محمد بن] علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، أعمال دمشق سنة ثلاثمائة، فكان له مع أميرها أحمد بن كيغلغ [أحداث] فقتل صبراً، وقيل : قتل في المعركة وحمر رأسه إلى مدينة السلام فنصب على الجسر الجديد بالجانب الغربي .

ظهور الأطروش بطبرستان

وظهر ببلاد طبرستان والديلم الأطروش، وهو الحسن بن علي بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وأخرج عنها المسودة، وذلك في سنة إحدى وثلاثمائة وقد كان أقام في الديلم والجبل سنين وهم جاهلية ومنهم مجوس ؛ فدعاهم إلى الله تعالى فاستجابوا وأسلموا إلا قليلا منهم في مواضع من بلاد الجبل والديلم في جبال شاهقة وقلاع وأودية ومواضع خشنة على الشرك إلى هذه الغاية، وبنى في بلادهم مساجد، وقد كان للمسلمين بإزائهم ثغور مثل قزوین و شالوس وغيرهما من بلاد طبرستان، وقد كان بمدينة شالوس حصن منيع وبنيان عظيم بنته ملوك ،فارس يسكن فيه الرجال المرابطون بإزاء الديلم، ثم جاء الإسلام فكان كذلك إلى أن هدمه الأطروش وقد كان بين الأطروش والحسن بن القاسم الحسني الداعي حروب على بلاد طبرستان، فكانت بينهم سجالاً ، وكان الحسن بن القاسم الحسني الداعي وافى الريَّ، وذلك في سنة سبع عشرة وثلاثمائة في جيوش كثيرة من الجبل والديلم ومعه ماكان بن كاكي الديلمي أحد فتاك الديلم ووجوهها فأخرج عساكر نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحبه عنها واستولى عليها وعلى قزوين وزنجان وقم وأبْهَرَ وغير ذلك، مما اتصل بالري فكتب المقتدر إلى نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان ينكر عليه ذلك ويقول : إني ضمَّنتُكَ المال والدم فأهملت أمر الرعية، وأضعفتها، وأهملت البلد، حتى دخلته المبيضة، وألزمه إخراجهم عنه، فوقع اختيار نصر صاحب خراسان على إنفاذ رجل من أصحابه من الجبل يقال له أسفار بن شيرويه، وأخرج معه

ابن المحتاج، وهو أمير من أمراء ،خراسان في جيش كثير ليحارب مَنْ مع الداعي وماكان بن كاكي من الديلم لماكان بين الجبل والديلم من الضغائن والتنافر، فسار أسفار بن شيرويه البجلي فيمن معه من الجيوش إلى حدود الري، فكانت الوقعة بين أسفار بن شيرويه الجبلي وبين ماكان بن كاكي الديلمي، فاستأمن أكثر أصحاب ماكان بن كاكي الديلمي وقواده، مثل مشير وتالجين وسليمان بن شركلة الأشكري ومرد الأشكري وهشونة بن أومكر في آخرين من قواد الجبل فحمل عليهم ماكان في نفر يسير من غلمانه سبع عشرة حملة، وصبرت له عساکر خراسان وصبرت له عساكر خراسان ومن معه من الأتراك، فولّى ماكان ودخل بلاد طبرستان وانهزم الداعي بين يديه وما كان على حاميته؛ فلحقته خيول خراسان والجبل والديلم والأتراك، فيهم أسفار بن شيرويه، ومضى ماكان لكثرة الخيول وانحاز الداعي وقد لحق بقرب آمل قصبة بلاد طبرستان إلى طاحونة هنالك وقد تخلى عنه من كان معه من الأنصار ، فقتل هنالك، ولحق ماكان بالديلم، واستولى أسفارابن شيرويه على بلاد ،طبرستان ،والري ،وجرجان و قزوين وزنجان، وأبهر، وقم، وهمذان، والكرخ، ودعا لصاحب خراسان واستوثقت له الأمور، وعظمت جيوشه وكثرت عُدّته، فتجير ،وطغى وكان لا يدين بملة الإسلام وعصى صاحب خراسان وخالف عليه، وأراد أن يعقد التاج على رأسه وينصب بالري سريراً من ذهب للملك، ويتملك على ما في يديه مما قد ذكرنا من البلاد ويحارب السلطان وصاحب خراسان، فسير المقتدر هارون بن غريب في الحال نحو قزوين فكانت له معه حروب، فانكشف هارون وقتل من أصحابه خلق كَثير، وذلك بباب ،قزوين وقد كان أهل قزوين عاونوا أصحاب السلطان، فقتلوا منهم عِدة، فكانت لهم بعد هزيمة هارون بن غريب مع الديلم حروب، وسار إليهم أسفار بن شيرويه ؛ فأتى على خَلْقٍ عظيم بها، وملك القلعة التي في وسط ،قزوین، وتدعى بالفارسية : كشوين وهو الحصن الذي كان للمدينة أولا في نهاية المَنَعَة، مما كانت الفرس جعلته ثغراً بإزاء الديلم وشحنته بالرجال، لأن الديلم والجبل . مذ كانوا . لم ينقادوا إلى ملة ولا استحبوا شرعاً ثم جاء الإسلام، وفتح الله على المسلمين ،البلاد، فجعلت قزوين للديلم ثغراً هي وغيرها مما أطاف ببلاد الديلم والجبل وقصدها المطوعة والغزاة ؛ فرابطوا وغزوا ونفروا منها إلى أن كان من أمر الحسن بن علي العلوي الداعي الأطروش؛ وإسلام من ذكرنا من ملوك الجبل والديلم على يديه ما تقدم ذكره في صدر هذا الباب من خبره والآن قد فسدت مذاهبهم وتغيرت آراؤهم وألحد أكثرهم، وقد كان قبل ذلك جماعة من ملوك الديلم يدخلون في الإسلام، وينصرون مَنْ ظهر ببلاد طبرستان من آل أبي طالب مثل الحسن ومحمد ابني زيد الحسيني ؛ وخَرَّب أسفار بن شيرويه قزوين لماكان من فعل أهلها ومعاونتهم أصحاب

السلطان على رجاله وقلع أبوابها وسبى وأباح الفروج وسمع المؤذن يؤذن على صومعة الجامع، فأمر أن ينكس منها على أم رأسه، وخرب المساجد، ومنع الصلوات، فاستغاث الناس في المساجد في أمصار المشرق واستفحل أمره، وسار صاحب خراسان يريد الري لحرب أسفار بن شيرويه في عساكره، وانفصل عن مدينة بخارى، وهي دار مملكة صاحب خراسان في هذا الوقت، وعبر نهر بلخ فنزل مدينة نيسابور وسار أسفار بن شيرويه إلى الري، وجمع عساكره، وضم إليه رجاله من الأطراف،وعزم على محاربة صاحب خراسان فأشار عليه وزيره. وهو مطرف الجرجاني، وكان يخاطب بالرئيس أن يلاطف صاحب ،خراسان ويراسله ويطمعه في المال وإقامة الدعوة؛ فإن الحرب ،تارات وأوقاتها ،سجال والإنفاق عليها من رأس المال، فإن جَنّح إلى ما دعوته [إليه] وراسلته ،به وإلا فالحرب بين يديك، لأن من معك من الأتراك وأكثر فرسان خراسان إنما هم رجاله، وإنما قد تملكتهم بالإحسان إليهم، ولا تدري لعله إذا قرب منك صاروا مع صاحبهم، فقبل قوله وأمر بمكاتبته فلما وردت الكتب على صاحب خراسان أبى أن يقبل شيئاً من ذلك، وعزم على المسير إليه، فأشار عليه وزيره أن يقبل منه ما بذل، وأن يَرْضى منه بما تحمل من الأموال وإقامة الدعوة فإن الحرب عَثَرَاتُهَا لا تُقَال ولا يدري إلى ما تؤول لأن الرجل قوي بالمال والرجال، فإن هزم لم يكن في ذلك كبير فتح، إذ كان رجلا من رجالك انتدبته لحرب عدوك وضمنت إليه عساكرك وغلمانك، فخالف عليك، وإن كانت وعائذ بالله عليك لم تستقل من ذلك، فشاور صاحب خراسان ذوي الرأي من قواده وأصحابه فيما قال وزيره فسددوا رأيه، وصَوَّبوا ،قوله فجنح إلى قولهم وما أشير عليه، فأجاب أسفار ابن شيرويه إلى ما سأل، وأعطاه ما طلب من بعد شروط اشترطها عليه من حمل أموال وغير ذلك، فلما ورد الكتاب على أسفار بن شيرويه قال لوزيره هذه أموال عظيمة قد اشترط علينا حملها ولا سبيل إلى إخراجها من بيت المال فالواجب أن نستفتح خراج هذه البلاد، فقال له وزيره إن في استفتاح الخراج في غير وقته مضرة على أرباب الضياع وخراب البلاد، وجلاء لكثير من أهل الضياع قبل إدراك غَلَّاتِهم، قال له أسفار فما الوجه ؟ قال الوزير: الخراج إنما يخص بعض الناس من أرباب الضياع خاصة، وههنا وجه يعم سائر الناس من أرباب الضياع وغيرهم من المسلمين، وسائر أهل الملل من أهل هذه البلاد وغيرهم من الغرباء، من غير ضرر عليهم ولا كثير مؤنة، بل إعطاء شيء يسير، وهو أن تجعل على كل رأس ديناراً، فيكون في ذلك ما اشترط علينا حمله من المال وزيادة عليه كثيرة، فأمره أسفار بذلك، فكتب أهل الأسواق والمحال من المسلمين وأهل الذمة حتى وصل في الإحصاء إلى مَنْ في الفنادق والخانات من الغرباء من التجار وغيرهم، وحشَرَ الناس إلى دار

الخراج بالري وسائر أعمالها فطولبوا بهذه الجزية فمن أدى كتب له براءة بالأداء مختومة على حسب ما تكتب براءة أهل الذمة عند أدائهم الجزية في سائر الأمصار، فأخبرني جماعة من أهل الري وغيرهم ممن طرأ عليهم من الغرباء من التجار وغيرهم . وأنا يومئذ بالأهواز وفارس أنهم أدوا هذه الجزية وأخذوا هذه البراءة بأدائها، فاجتمع من ذلك أموال عظيمة حمل منها ما اشترط عليه، وكان الباقى من ذلك ألف ألف دينار ونيفاً، وقيل : أضعاف ما ذكرنا على حسب الخلائق الذين بالري وأعمالها، ورجع صاحب خراسان إلى بخارى وعظم أمر أسفار على خلاف ما عهد، وبعث برجل من أصحابه كان صاحب جيش من الجبل يقال له مرداويج بن زيار إلى ملك من ملوك الديلم مما يلي قزوين، وهو صاحب الطرم من أرض الديلم ، وهو ابن أسوار المعروف بسلار الذي ولده في هذا الوقت صاحب أذربيجان وغيرها، ليأخذ عليه البيعة لأسفار بن شيرويه، والعَهْدَ والدخول في طاعته، فسار مرداويج إلى سلار فتشاكيا ما نزل بالإسلام من أسفار بن شيرويه، وإخرابه البلاد، وقتله الرعية، وتركه العمارة والنظر في عواقب الأمور، فتحالفا وتعاقدا على التظافر على أسفار والتعاون على حربه، وقد كان أسفار سار في عساكره إلى ،قزوين وقرب من تُخُوم الديلم من أرض الطرم من مملكة ابن أسوار منتظراً لصاحبه مرداويج بن زيار وأنه إن لم يَنْقَدِ ابن أسوار إلى طاعته ورجع إليه رسوله بما لايحب وطى بلاده، وسلار هذا هو خَالُ علي بن وهوذان المعروف بابن حسان ملك آخر من ملوك الديلم ، وهو الذي قتل بالري قتله ابن أسوار هذا في خبر يطول ذكره، فلما هرب مرداويج من عساكر أسفار راسَلَ قواده وكاتبهم في معاونته على الفتك بأسفار ، وأعملهم مظاهرة سلار عليه، وقد كان القواد وسائر أصحابه سئموا أيامه ، ومَلُوا ،دولته وكرهوا سيرته، فأجابوا مرداويج إلى ذلك، فلما دنا من الجيش استشعر أسفار بن شيرويه البلاء، و علم توجه الحيلة عليه، وأن لا ناصر له من أصحابه ولا غيرهم لما تقدم من سوء سيرته ، فهرب في نفر من غلمانه، فوافى مرداويج وقد فاته أسفار فاستولى على الجيش وحاز الخزائن ،والأموال وأحضر وزير أسفار المعروف بمطرف الجرجاني، فاستخرج منه الأموال، وأخذ البيعة على القواد والرجال، وفرق فيهم الأموال من الأرزاق والجوائز، وزاد في إنزالهم، وأحسن إليهم بما لم يكونوا يعرفونه من أسفار ومضى أسفار إلى نحو مدينة السارية من بلاد طبرستان فلم يجد له ملجأ يقصده ، وحار في أمره، فرجع يريد قلعة من قلاع الديلم منيعة تعرف بقلعة الموت، وكان فيها شيخ من شيوخ الديلم يعرف بأبي موسى مع عدَّةٍ من الرجال قبلهُ ذخائر أسفار بن شيرويه وكثير من خزائنه وأمواله، وكان مرداويج لما توجه له ذلك وملك الجيش والأموال خرج يتصيد على أميال من قزوين نحو الطريق الذي سلكه أسفار ليستعلم أمره وأي البلاد سلك وإلى أي القلاع لجأ، فمال

إلى القلعة فنظر إلى خيل يسيرة في بعض الأودية ؛ فأسرع أصحابه نحوها [ ليأخذوا خبرها ] فوجدوا أسفار بن شيرويه في عِدَّةِ يسيرة من غلمانه يؤم القلعة ليأخذ ماله فيها من الأموال ويجمع الرجال من الديلم والجبل ويعود إلى حرب مرداويج بن زيار فأتى عليه مرداویج فلما وقعت عينه عليه نزل فذبحه من ساعته وأقبل رجال الديلم والجبل نحو مرداویج ؛ لما ظهر من بذله وإحسانه إلى جنده، وتسامع الناس بإذرَاره الأرزاق على جنده، فقصدوه من سائر الأمصار ، فعظمت عساكره، وكثرت جيوشه واشتد أمره، ولم يسعه ما في يديه من الأمصار ولا كفى رجاله ما فيها من الأموال، ففرق قواده إلى بلاد قم وكرخ ابن أبي دلف والبرج وهمذان ،وأبهر ،وزنجان فكان ممن أنفذ إلى همذان ابن أخت له في جيش كثيف مع

جماعة من قواده ورجاله، وكان بها جيش للسلطان مع أبي عبد الله محمد بن خلف الدينوري السرماني، ومعه خفيف غلام أبي الهيجاء عبد الله بن حَمْدَان في جماعة من قواد السلطان؛ فكانت لهم مع الديلم حروب متصلة ووقائع كثيرة ، وعاون أهل همذان أصحاب السلطان فقتل من رجال مرداويج خلق كثير من الديلم والجبل نحو] أربعة آلاف وقتل ابن أخت مرداويج صاحب الجيش والمعروف بأبي الكراديس بن علي بن عيسى الطلحي، وكان من وجوه قواد ،مرداویج وولت الديلم نحو مرداويج أوْحَشَ ،هزيمة، فلما أتاه الخبر وضَجَّتْ أخته ورأى ما نزل بها من أمر ولدها سار عن الري في جيوشه حتى نزل مدین همذان على الباب المعروف بباب الأسد، وإنما سمي هذا الباب بباب الأسد لأن أسداً من حجارة كان على رَبْوَة من الأرض على الطريق المؤدية إلى الري وجَادَّةِ خراسان أعظم ما يكون من الأسد كالثور العظيم أو كالجبل البارك كأنه أسد حي حتى يدنو الإنسان منه فيعلم أنه حجر قد صور أحسن صورة ومثل أقرب ما يكون من تمثيل الأسد، فكان أهل همذان يتوارثون أخبارهم عن أسلافهم مستفيضاً فيهم أن الإسكندر بن فيلبس بنى همذان حين انصرف من بلاد خراسان ورجوعه من مطافه من الهند والصين وغيرهما وأن ذلك الأسد جعل طلسماً للمدينة وسورها، وأن خراب البلد وفناء أهله وهدم سورها والقتل الذريع يكون عند كسر ذلك الأسد وقلعه من موضعه، وأن ذلك من وجهة الديلم والجبل، وكان أهل همذان يمنعون من يجتاز بهم من العساكر والسابلة والمتولعة من أحداثهم أن يقلبوا ذلك الأسد أو يكسروا شيئاً منه، ولم يكن ينقلب لعظمه وصلابة حجره إلا بالخلق الكثير من الناس، وقد كان عسكر مرداويج الذي سيره مع ابن أخته [إلى همذان] نزلوا على هذا الباب وانبسطوا في تلك الصحراء قبل الوقعة بينهم وبين أصحاب السلطان، فقلب على ما ذكر هذا الأسد فكسر، فكان من أمر الواقعة ما ذكرنا وذلك على طريق الولع من الديلم فلما سار مرداويج ونزل على هذا الباب، ونظر إلى مصارع أصحابه، وقتل أهل همذان

لابن أخته واشتد غضبه لذلك، فكانت بينه وبين أهل همذان ثورة، ثم ولى القوم وقد أسلمهم قبل ذلك أصحاب السلطان ورحلوا عنهم فقتلوا في اليوم الأول في قول المقلل من الناس على ما ذكر لنا ممن أدركه الإحصاء ممن حمل السلاح في المعركة، نحواً من أربعين ألفاً وأقام السيف يعمل فيهم ثلاثة أيام والنار والسبي، ثم نادى برفع السيف في اليوم الثالث وأمن بقيتهم، ونادى أن تخرج البلد ومستوروه إليه، فلما سمعوا النداء أمَّلُوا الفرج، فخرج من وثق بنفسه من الشيوخ وأهل الستر، ومن لحق بهم ،فخرجوا إلى المصلى، فدخل إليه صاحب عذابه وكان يقال له : السقطي فسأله عن أمره فيهم، فأمره أن يطوف بهم الديلم والجبل بحرابهم وخناجرهم فيؤتى عليهم، فأطافت بهم الرجال من الديلم، فأتى على القوم جميعاً، وألحقوا بمن مضى منهم، وبعث منها بقائد من ،قواده يعرف بابن علان القزويني وكان يقلب بخواجه، وذلك أن أهل خراسان إذا عَظْموا الشيخ فيهم سَمَّوه ،خواجه في عسكر من عساكره إلى مدينة الدينور ، ومن همذان إليها ثلاثة أيام فدخلها بالسيف وقتل من أهلها في اليوم الأول سبعة عشرألفاً في قول المقلل، والمكثر يقول : خمسة وعشرين ألفاً، فخرج إليه في مستوري أهل الدينور وصوفيتها وزهادها رجل يقال له ابن مشاد وبیده مصحف قد نشره فقال لابن علان المعروف بخواجه أيها الشيخ اتَّقِ الله وارفع السيف عن هؤلاء المسلمين، فلا ذنب لهم ولا جناية يستحقون بها ما قد نزل بهم، فأمر بأخذ المصحف من يده فضرب به وجهه ثم أمر به فذبح وسبى وأباح الأموال والدماء والفروج، وبلغت عساکر مرداويج وجنوده إلى الموضع المعروف بالشجرتين، وهو فرز بين بلاد الجبل وأعمال حلوان مما يلي ،العراق، وذلك بين بلاد طرر والمطامير ومرج القلعة، قتلا وسَبيا، وغنم الأموال ثم ولت جيوشه راجعة وقد غنمت الأموال، وقتلت الرجال، وملكت الأولاد، وأخذوا الغلمان وتملكوهم، وسَبَوْا من بلاد الدينور وقرماسين والزبيدية إلى حيث ما بلغوا مما وصفنا من البلاد مما أدركه الإحصاء من الجواري العواتق والغلمان في قول المقلل خمسين ألفاً، وفي قول المكثر مائة ألف، فلما تم لمرداويج ما وصفنا وحملت إليه الأموال والغنائم بعث بها إلى أصبهان بجماعة من قواده في قطعة من عساکره فملكوها، وأقيمت لهم الأنزال والعلوفات وعمرت لهم قصور أحمد بن عبد العزيز بن] أبي دُلَفَ العِجْلي، وهيئت له البساتين والرياض، وزرع له فيها أنواع الرياحين على حسب ما كان في آل عبد العزيز، فسار مرداويج إلى أصبهان، فنزلها وهو في نحو خمسن ألفاً، وقيل: أربعين سوى ماله بالري وقم وهمذان، وسائر أعماله من العساكر، وقد كان أنفذ جماعة من قواده وعساكره مع أبي الحسن محمد بن وهبان الفضيلي، وهو الذي استأمن بعد ذلك إلى السلطان، ثم قصد بعد ذلك إلى محمد بن

رائق، وهو بالرقة من بلاد ديار مضر قبل دخول الشام ومحاربته الإخشيد محمد بن طغج، فاحتال عليه رافع القرمطي وكان من قواد ابن رائق، حتى فرق بينه وبين عسكره وغرقه في الفرات، وذلك نحو رحبة مالك بن طَوق وقد أتينا على خبره وما كان من الحيلة في أمره ومدة بقائه في الماء مقيداً إلى أن خرج، ثم قتل بعد ذلك، في الكتاب الأوسط في أخبار محمد رائق، وسار ابن وهبان فيمن معه من العساكر إلى صقع كور الأهواز ، وذلك على طريق مناذر وتستر وأيذج ، واحتوى على هذه البلاد وجبى أموالها، وحمل ذلك إلى مرداويج ، فطَغَى مرداويج وتكبر، وعظمت جيوشه وأمواله وعساكره، وضرب سريراً من الذهب، رُبِّعَ له بالجوهر، وعملت له بدلة وتاج من الذهب، وجمع في ذلك أنواع الجواهر، وقد كان سأل عن تيجان الفرس وهيآتها، فصورت له ومُثْلَتْ فاختار منها تاج أنوشروان بن قباذ.

وكان نمي إليه من كتابه ومن أطاف به من أتباعه من ، دُهَاة العالم وشياطينه، أن الكواكب ترمي بشعاعها إلى بلاد أصبهان فيظهر أنها ديانة وينصب بها سرير ملك، ويُخبى له كنوز الأرض، وأن الملك الذي يليها يكون مصفر الرجلين ويكون من صفته كيت وكيت، وأن مدة عمره في الملك كذا وكذا، ثم يتلوه من ولده من بعده في هذه المملكة أربعون ملكاً، وقربوا له الزمان في ذلك وحددوه وتقربوا إليه بأشياء من هذه المعاني مما مال إليه هَوَاه واستدعاه منهم واستهواه وأظهر أنه المصفر الرجلين الذي يتملك الأرض، وكان معه من الأتراك نحو أربعة آلاف مماليك له في خاصته، دون مَن في عسكره من الأتراك مع ما عنده من الأمراء والأتراك، وكان سيىء الصحبة لهم، كثير القتل فيهم، فعملوا على قتله وتحالفوا وقد كان على المسير إلى مدينة السلام والقبض على الملك، وتولية أصحابه مدن الإسلام بأسرها في شرق البلاد وغربها مما في يد ولد العباس، وغيرهم، فأقْطَعَ الدور ببغداد لأهله، ولم يشك أن الأمر في يده والملك له، فخرج ذات يوم إلى الصيد وهو فرح مسرور ، وانصرف وهو كذلك لما قد تم له من الأمر وتأتى له من الملك، فدخل الحمام بعد رجوعه في قصر أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلَفَ العِجْلي بأصبهان، فدخل إليه غلام من وجوه الأتراك، وهو بجكم، وكان من خواص الغلمان، ومعه ثلاثة نَفَرٍ من وجوه ومعه ثلاثة نَفَرِ من وجوه الأتراك أرى أحدهم توزون مدبر الدولة بعد بجكم، فقتلوه فخرج بجكم ومن معه، وقد كان أعلم الأتراك بذلك فكانوا له متأهبين دون سائر مَنْ في العسكر ، فركبوا من فَوْرِهِم . وذلك في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في خلافة الراضي . وتفرق الجيش عند وقوع الضجة وانتهب بعض الناس بعضاً، وأخذت الخزائن وانتهبت الأموال، ثم إن الجبل والديلم ثابوا واجتمعوا وتشاوروا، وقالوا: إن

بقينا على ما نحن عليه من التحزب بغير رئيس ننقاد إليه هلكنا فاجتمع أمرهم على مبايعة وشمكير أخي مرداويج ، وتفسير وشمكير بالعربية الآخذ وتفسير مرداويج معلق الرجال، وقد يكتب مزداويج بالزاي فبايعوا وشمكير بعد أن تفرق كثير من الجيش، ففرق فيهم كثيراً مما بقي من الأموال وأحسن إليهم، وَتَوَجَّهَ فيمن معه من العساكر إلى الري فنزلها، وسار بحكم التركي فيمن معه من الأتراك وقد جمعوا أنفسهم إلى أن يخلصوا من الديلم، وسار إلى بلاد الدِّينَوَرِ فجبى منها الخراج وأخذ كثيراً من الأموال، وسار إلى النهروان على أقل من يومين من مدينة السلام فراسل الراضي، وكان الغالب على أمره الساجية وعدة من الغلمان الحجرية فأبوا أن يتركوه يصل إلى الحضرة خوفاً أن يغلب على الدولة، فمضى بحكم لما منع من الحضرة إلى واسط إلى محمد بن رائق، وكان مقيماً بها، فأدناه ، وَحَيَّاه وغلب عليه ، وقوى أمر بحكم واصطنع الرجال، وضعف أمر ابن رائق عنه فكان من أمره ما قد اشتهر ، وقد قدمنا ذكره فيما سلف من كتبنا من اختفائه وخروج بجكم مع الراضي إلى الموصل ومعهم علي بن خلف بن طباب إلى ديار بني حَمْدَان من بلاد الموصل وديار ربيعة، وظهور محمد بن رائق ببغداد، ومعاونة الغَوْغَاء له، ومسيره إلى دار السلطان وقتله لابن بدر السيرافي وخروجه عن الحضرة ومن تبعه من الجبل والقرامطة مثل رافع وعمارة ،وغيرهما، وكانوا أنصاره، ومسيره إلى ديار مضر، ونزوله الرقة وما كان بينه وبين نميرة ودخول يأنس المؤنسي في جملته، ومسيره إلى جند قنسرين والعواصم ، وإخراجه طريفا السكري عنها وتوليته الثغر الشامي .

وقد أتينا في الكتاب الأوسط الذي كتابنا هذا تال ،له والأوسَطُ تال لكتابنا أخبار الزمان، ومن أباده الحدثان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة على ما كان منه، ومحاربته الإخشيد محمد بن طغج بالعريش من بلاد مصر، وانكشافه، ورجوعه إلى دمشق وما كان من قتله لأخي الإخشيد محمد بن طغج باللجون من بلاد الأردن، وما كان قبل وقعة العريش بينه وبين عبد الله بن طغج وما كان معه من القواد ،وانكشافهم عنه، واستئمان من استأمن منهم إليه مثل محمد بن تكين الخاصة وتكين الخاقاني غلام خاقان المفلحي وغيرهما، وغير ذلك من أخباره وأخبار غيره وذكرنا مقتل طريف السكري في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة على باب طرسوس وما كان من وقعته مع الثميلية، وه وهم غلمان ثميل الخادم، فأغني ذلك عن إعادته مبسوطاً في هذا الكتاب.

وإنما تغلغل بنا الكلام في التصنيف فيما ذكرنا من أخبار الديلم والجبل وما كان من أمر أسفار بن شيرويه ومرداويج عند ذكرنا لآل أبي طالب وأمر الداعي الحسن بن القاسم

الحسني صاحب طبرستان ومقتله، وخبر الأطروش الحسن بن علي الحسني.

قال المسعودي وقد أتينا على ذكر سائر الأحداث والكوائن في أيام مَنْ ذكرنا من الخلفاء والملوك في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وذكرنا في هذا الكتاب ما يكتفي به الناظِرُ فيه وانتهى بنا التصنيف فيه إلى هذا الوقت وهو جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ، ونحن بفسطاط ،مصر ، والغالب على أمر الدولة والحضرة أبو الحسن أحمد بن بوَيْهِ الديلمي المسمَّى مُعِزَّ الدولة، وأخوه الحسن بن بُوَيْهِ صاحب بلاد أصبهان وكُوَرِ الأهواز وغيرها المسمى ركن الدولة، وأخوهما الأكبر، والرئيس فيهم المعظم علي بن بُوَيْهِ الملقب بعميد الدولة المقيم بأرض فارس والمدبر منهم لأمر المطيع أحمد بن بُوَيْهِ مُعِزُّ الدولة وهو المحارب للبريديين بأرض البصرة، والمطيع معه على حسب ما ينمو إلينا من أخبارهم، ودللنا في كتابنا هذا بالقليل على الكثير، وبالخبر اليسير على الجليل الخطير ، وذكرنا في كل كتاب من هذه الكتب ما لم نذكره في الآخر إلا ما لا يسع تركه، ولم يجد بداً من إيراده لما دعت الضرورة إلى وصفه، وأتينا على أخبار أهل كل عصر وما حَدَث فيه من الأحداث، وما كان فيه من الكوائن إلى وقتنا هذا، مع ما أسلفناه في هذا الكتاب من ذكرنا البر والبحر، والعامر منهما والغامر ، والملوك وسير وسيرها، والأمم وأخبارها .

المؤلف يعد بتأليف كتاب في الأخبار

وأرجو أن يَفْسَحَ الله تعالى لنا في البقاء، ويمد لنا في العمر، ويسعدنا بطول الأيام ؛ فنعقب تأليف هذا الكتاب بكتاب آخر نضمنه فنوناً من الأخبار، وأنواعاً من طرائف الآثار، على غير نظم من التأليف ولا ترتيب من التصنيف، على حسب ما يَسْنَحُ من فوائد الأخبار، ويوجد من نوادر الآثار، ونترجمه بكتاب «وصل المجالس بجوامع الأخبار ومختلط الآثار» تالياً لما سلف من كتبنا ولا حقاً بما تقدم من تصنيفنا .

وجميع ما أوردناه في هذا الكتاب لا يَسَعُ ذوي الدراية جهله، ولا يُعْذَرُ في تركه والتغافل عنه ؛ فمن عَدَّ أبواب كتابي هذا ولم يمعن النظر في قراءة كل باب منه لم يبلغ حقيقة ما قلنا ولا عرف للعلم مقداره ؛ فلقد جمعنا ما فيه في عدة السنين باجتهاد وتعب عظيم، وجَولان في الأسفار وطواف في البلدان من الشرق والغرب في كثير من الممالك غير مملكة الإسلام.

فمن قرأ كتابنا هذا فليتدبره بعين المحبة وليتفضل بهمته بإصلاح ما أنكر منه مما غَيْره الناسخ وصحفه الكاتبُ ، وليرع لي نسبة العلم وحرمة الأدب، وموجبات الرواية،

وما تجشمت من التعب فيها، فإن منزلتي فيه وفي نظمه وتأليفه بمنزلة من وَجَدَ جوهراً منثوراً ذا أنواع مختلفة وفنون متباينة فَنَظَمَ منها سلكاً، واتخذ عقداً نفيساً ثميناً باقياً لطلابه .

وليعلم من نظر فيه أني لم أنتصر فيه المذهب، ولا تحيزت إلى قَوْلِ، ولا حكيت عن الناس إلا مجالس أخبارهم ، ولم أعرض فيه لغير ذلك.

فلنذكر الآن الباب الثاني من جامع التاريخ على حسب ما قدمنا الوَعْدَ بإيراده في صدر هذا الكتاب [ وبالله أستعين وعليه أتوكل]

ذكر جامع التاريخ الثاني من الهجرة إلى هذا الوقت

تقدمة

وهو جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة الذي فيه انتهينا من الفراغ من هذا الكتاب.

قد أفردنا فيما سلف من هذا الكتاب باباً في تاريخ العالم والأنبياء والملوك إلى مولد نبينا محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)ومبعثه إلى هجرته، ثم ذكرنا هجرته إلى وفاته، وأيام الخلفاء والملوك إلى هذا الوقت على حسب ما يوجبه الحساب وما في كتب السير وأصحاب التواريخ ممن عُني بأخبار الخلفاء والملوك، ولم نعرض فيما ذكرنا من ذلك لما في كتب الزيجات مما ذكره أصحاب النجوم، على حسب ما يوجبه تاريخهم، فلنذكر في هذا الباب جميع ما أثبتوه في كتب زيجات النجوم من الهجرة إلى هذه الوقت المؤرخ، ليكون ذلك أكثر لفائدة الكتاب، وأجمع لمعرفة تباين أصحاب التواريخ من الأخباريين والمنجمين وما اتفقوا عليه من ذلك .

المبدأ ومقابله من تاريخ الإسكندر

فالذي وجدناه من ذلك في كتاب الزيجات أن الابتداء في يوم الجمعة مستهل المحرم سنة إحدى للتروية، وذلك يوم ستة عشر من تموز سنة تسعمائة وثلاثة وثلاثين لذي القرنين وكانت هجرة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)من مكة إلى المدينة سنة إحدى بعد أن مضى منها شهران وثمانية أيام فمكث بها حتى قبض(صلی الله علیه وآله وسلم) تسع سنين وأحد عشر شهراً واثنين وعشرين يوماً ؛ فذلك عشر سنتين وشهران.

زمن أبي بكر

أبو بكر الصديق رضي الله عنه : سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام، فذلك اثنتا عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية أيام.

زمن عمر

عمر بن الخطاب رضي الله عنه : عشر سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوماً، فذلك اثنتان وعشرون سنة [ وأحد عشر شهراً وخمسة وعشرون يوماً].

[وكانت الشورى بعد عمر ثلاثة أيام فذلك اثنتان وعشرون سنة وأحد عشر شهراً وثمانية وعشرون يوماً].

عثمان

عثمان بن عفان رضي الله عنه : إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وتسعة عشر يوماً [فذلك أربع وثلاثون سنة وأحد عشر شهراً وسبعة عشر يوماً].

علي

علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أربع سنين وسبعة أشهر، فذلك تسع وثلاثون سنة وثمانية أشهر وسبعة عشر يوماً .

وإلى بيعة معاوية بن أبي سفيان ستة أشهر وثلاثة أيام، فذلك أربعون سنة وشهران وعشرون يوماً.

معاوية

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه : تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة وعشرون يوماً، فذلك تسع وخمسون سنة وستة أشهر وخمسة وعشرون يوماً.

يزيد بن معاوية

يزيد بن معاوية : ثلاث سنين وثمانية أشهر [ فذلك ثلاث وستون سنة وشهران وخمسة عشر يوماً] .

معاوية بن يزيد

معاوية بن يزيد بن معاوية : ثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوماً، فذلك ثلاث وستون سنة وستة أشهر وسبعة أيام].

مروان

مروان بن الحكم أربعة أشهر [ فذلك ثلاث وستون سنة وعشرة أشهر وسبعة

عبد الله بن الزبير

عبد الله بن الزبير ثمان سنين وخمسة أشهر [ فذلك اثنتان وسبعون سنة وثلاثة أشهر وسبعة أيام].

عبد الملك بن مروان

عبد الملك بن مروان حتى قتل ابن الزبير : سنة وشهرين وستة أيام [ فذلك ثلاث وسبعون سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام].

ذكر أيام بني مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان بن الحكم اثنتي عشرة سنة وأربعة أشهر وخمسة أيام.

الوليد بن عبد الملك : تسع سنين وتسعة أشهر وعشرين يوماً.

سليمان بن عبد الملك سنتين وسبعة أشهر وعشرين يوماً.

عمر بن عبد العزيز بن مروان سنتين وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوماً .

يزيد بن عبد الملك : أربع سنين ويوماً واحداً.

هشام بن عبد الملك : تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وسبعة أيام، فذلك مائة سنة وأربعة وعشرون سنة وثلاثة أشهر وستة أيام.

الوليد بن يزيد بن عبد الملك حتى قتل : سنة وشهرين وعشرين يوماً، فذلك مائة سنة وخمس وعشرون سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرون يوماً، وكانت الفتنة بعد مقتله شهرين وخمسة وعشرين يوماً، فذلك مائة سنة وخمس وعشرون سنة وثمانية أشهر واثنان وعشرون يوماً.

يزيد بن الوليد بن عبد الملك : شهرين وسبعة أيام فذلك مائة وخمس وعشرون سنة وأحد عشر شهراً ويوم واحد .

إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك حتى خلع شهرين وأحد عشر يوماً، فذلك مائة سنة وست وعشرون سنة وشهر واثنا عشر يوماً.

مروان بن محمد حتى قتل خمس سنين ،و،شهرين فذلك مائة سنة وإحدى وثلاثون سنة وثلاثة أشهر واثنا عشر يوماً .

ذكر الخُلفاء من بني هاشم

اشارة

أبو العباس عبد الله بن محمد : أربع سنين وثمانية أشهر ويومين؛ فذلك مائة [سنة] وخمس وثلاثون سنة وأحد عشر شهراً وأربعة عشر يوماً وحتى انتهت البيعة إلى المنصور أربعة عشر يوماً ؛ فذلك مائة سنة وخمس وثلاثون سنة وأحد عشر شهراً وثمانية وعشرون يوماً.

أبو جعفر عبد الله بن محمد المنصور : إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وثمانية أيام

[فذلك مائة وسبع وخمسون سنة وأحد عشر شهراً وستة أيام] وحتى انتهى الخبر إلى المهدي اثني عشر يوماً؛فذلك مائة وسبع وخمسون سنة وأحد عشر شهراً وثمانية عشر يوماً . المهدي : عشر سنين وشهراً واحداً وخمسة أيام، فذلك مائة [سنة] وثمان وستون سنة وثلاثة عشر يوماً، وحتى انتهى الخبر إلى الهادي ثمانية أيام، فذلك مائة [سنة] وثمان وستون سنة وشهر واحد ويوم واحد.

الهادي : سنة واحدة وشهراً واحداً وخمسة عشر يوماً، فذلك مائة [سنة] وتسع وستون سنة وشهران وستة عشر يوماً .

الرشيد : ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وستة عشر يوماً ، فذلك مائة واثنتان وتسعون سنة وخمسة أشهر ، وثلاثة أيام، وحتى انتهى الخبر إلى الأمين ابنه اثنا عشر يوماً، فذلك مائة سنة واثنتان وتسعون سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوماً .

الأمين حتى خلع وحبس : ثلاث سنين وخمسة عشرين يوماً، فذلك مائة وخمس وتسعون سنة وستة أشهر وعشرة أيام ومكث محبوساً يومين، فذلك مائة وخمس وتسعون سنة وستة أشهر واثنا عشر يوماً، وأخرج وبويع له وحارب وحوصر حتى قتل سنة وستة أشهر وثلاثة عشر يوماً.

المأمون : عشرين سنة وخمسة أشهر واثنين وعشرين يوماً، فذلك مائتان وسبع عشرة سنة وستة أشهر وتسعة عشر يوماً .

المعتصم ثمان سنين وثمانية أشهر ويومين ؛ فذلك مائتان وستة وعشرون سنة وشهران وتسعة عشر يوماً .

الواثق خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام ؛ فذلك مائتان وإحدى وثلاثون سنة وأحد عشر شهراً وأربعة وعشرون يوماً .

المتوكل أربعة عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة أيام ؛ فذلك مائتان وست وأربعون سنة وتسعة أشهر ويوم واحد .

المنتصر : ستة أشهر، فذلك مائتان وسبع وأربعون سنة وثلاثة أشهر ويوم واحد، وإلى أن انْحَدَرَ المستعين إلى مدينة السلام سنتين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، فذلك مائتان وخمسون سنة وأربعة أيام [وإلى أن بويع للمعتز بسامرا عشرة أيام، فذلك مائتان وخمسون سنة وأربعة عشر يوماً] وإلى أن خطب للمعتز بمدينة السلام أحَدَ عشر شهراً وعشرين يوماً، فذلك مائتان وإحدى وخمسون سنة وأربعة أيام، وإلى أن خلع المعتز ثلاث سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً، فذلك مائتان وأربع وخمسون سنة وستة أشهر وسبعة وعشرون يوماً وإلى بيعة المهتدي يومين فذلك مائتان وأربع وخمسون سنة وسبعة أشهر.

المهتدي: أحد عشر شهراً وثمانية عشر يوماً، فذلك مائتان وخمس وخمسون سنة وستة أشهر وسبعة عشر يوماً .

المعتمد ثلاثاً وعشرين سنة وثلاثة أيام فذلك مائتان وثمان وسبعون سنة وستة أشهر وعشرون يوماً.

المعتضد: تسع سنين وتسعة أشهر ،ويومين فذلك مائتان وثمان وثمانون سنة وثلاثة أشهر واثنان وعشرون يوماً.

المكتفي: ست سنين وستة أشهر وعشرين يوماً ، فذلك مائتان وأربع وتسعون سنة وعشرة أشهر واثنا عشر يوماً .

المقتدر حتى خلع إحدى وعشرين سنة وشهرين وخمسة أيام، فذلك ثلاثمائة سنة وست عشرة سنة وتسعة عشر يوماً .

ابن المعتز حتى خلع يومين، فذلك ثلاثمائة سنة وست عشرة سنة وأحد وعشرون يوماً .

المقتدر حتى قتل ثلاث سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام فذلك ثلاثمائة وتسع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة عشر يوماً .

القاهر حتى خلع : سنة وستة أشهر وعشرة أيام فذلك ثلاثمائة سنة وإحدى وعشرون سنة وأربعة أشهر وتسعة أيام.

الراضي: ست سنين وأحد عشر شهراً وثمانية أيام، فذلك ثلاثمائة وثمانية وعشرون سنة وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً .

المتقي : ثلاث سنين وتسعة أشهر وسبعة عشر يوماً، فذلك ثلاثمائة واثنتان وثلاثون سنة وشهر واحد وثلاثة أيام.

المستكفي: سنه وثلاثة أشهر،فذلک ثلاثمائة سنه وثلاث وثلاثون سنه وأربعة أشهر وثلاثه أيام.

المطيع الله إلى غرة جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة: سنتين وثمانية أشهر

وخمسة عشر يوماً، فذلك ثلاثمائة وخمس وثلاثون سنة وأربعة أشهر إلا ثلاث ليال.

قال المسعودي : وسِنُو الهجرة قمرية، وبين هذا التاريخ وتاريخ أصحاب الأخبار والسير تفاوت من زيادات الشهور والأيام، ومُعَوَّلنا . فيما ذكرنا من التاريخ من الهجرة إلى هذا الوقت . على ما وجدنا في كتب الزيجات، إذ كان أهل هذه الصناعة يراعون هذه الأوقات، ويحصلون علمها على التحديد والذي نقلناه من التاريخ فمن زيج أبي عبد الله محمد بن جابر البناني وغيره من الزيجات إلى هذا الوقت، فأما ما قدمنا ذكره في هذا الكتاب. من الهجرة إلى هذا الوقت فإنا نعيد ذكره مفصلا في هذا الباب، لكي يقرب تناوله على الطالب له ولا يبعد عما ذكرناه من الزيجات.

من مبعث الرسول

فالذي صح من تاريخ أصحاب السير والأخبار من أهل النقل والآثار، أنه بعث(صلی الله علیه وآله وسلم) ، وهو ابن أربعين سنة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر عشراً، وقبض وهو ابن ثلاث وستين سنة (صلی الله علیه وآله وسلم)،

أبو بكر : سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام.

عمر بن الخطاب : عشر سنين وستة أشهر وأربع ليالٍ.

عثمان بن عفان : اثنتا عشرة سنة إلا ثمانية أيام.

علي بن أبي طالب : أربع سنين وتسعة أشهر وثمان لَيَال .

الحسن بن علي : ستة أشهر وعشرة أيام.

معاوية بن أبي سفيان : تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يوماً.

يزيد بن معاوية : ثلاث سنين وثمانية أشهر إلا ثمان لَيَالِ .

معاوية بن يزيد: شهراً واحداً وأحد عشر يوماً .

مروان بن الحكم: ثمانية أشهر وخمسة أيام.

عبد الملك بن مروان: إحدى وعشرين سنة وشهراً ونصفاً.

الوليد بن عبد الملك: تسع سنين وثمانية أشهر ويومين .

سلیمان بن عبد الملك :سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام.

عمر بن عبد العزيز: سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام.

يزيد بن عبد الملك: أربع سنين وشهراً ويومين .

هشام بن عبد الملك: تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وإحدى عشرة ليلة .

الوليد بن يزيد: سنة وشهرين واثنين وعشرين يوماً.

يزيد بن الوليد: خمسة أشهر وليلتين .

مروان بن محمد: خمس سنين وعشرة أيام.

عبد الله بن محمد السفاح: أربع سنين وتسعة أشهر .

المنصور: اثنتين وعشرين سنة إلا تسع لَيَالٍ.

المهدي : عشر سنين وشهراً وخمسة عشر يوماً .

الهادي: سنة وثلاثة أشهر.

الرشيد: ثلاثاً وعشرين سنة وستة أشهر.

الأمين: أربع سنين وستة أشهر .

المأمون: إحدى وعشرين سنة سَوَاء.

المعتصم: ثمان سنين وثمانية أشهر .

الواثق :خمس سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوماً .

المتوكل: أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسع ليال.

المنتصر : : ستة أشهر.

المستعين: ثلاث سنين وثمانية أشهر.

المعتز: أربع سنين وستة أشهر .

المهتدي: أحد عشر شهراً.

المعتمد ثلاثاً وعشرين سنة .

المعتضد: تسع سنين وتسعة أشهر ويومين.

المكتفي: ست سنين وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوماً .

المقتدر : أربعاً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وستة عشر يوماً .

القاهر: سنة وستة أشهر وستة أيام.

الراضي: ست سنين وأحد عشر شهراً وثمانية أيام.

المتقي: ثلاث سنين وأحد عشر شهراً وثلاثاً وعشرين يوماً.

المستكفي سنة وثلاثة أشهر.

المطيع إلى غرة جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة : سنة وثمانية أشهر وخمسة عشر يوماً .

ونحن نؤمل من الله تعالى البقاء والزيادة في العمر، لنزيد في هذا الكتاب ما يحدث في أيامهم، وما يكون في المستقبل من دولتهم .

فهذا جمل التاريخ من الهجرة إلى هذا الوقت وهو جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وقد أوردنا في الكتاب ما ذكر الفريقان جميعاً، لكي لا يبعد فهم ذلك على مريده والطالب له، إن شاء الله تعالى.

مبدأ الأخذ بتاريخ الهجرة

والتاريخ من المولد إلى هذا الوقت معلوم، ومن المبعث إلى الوفاة معروف غير مجهول، ولا يتعدّرُ تناوله على ذي الدراية من هذا الكتاب إلا أن مُعَوَّلَ الناس أن بَدءَ التاريخ من الهجرة، على حسب ما بينا فيما سلف من كتبنا من مشاورة عمر الناس في التاريخ عند حدوث أمورٍ وجب تدوينها، وما قاله الناس من كل فريق منهم، وأخذه بقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يؤرخ بهجرة النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، وتركه أرض الشرك، وأن ذلك كان من عمر رضي الله عنه عنه في في سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة على حسب التنازع في ذلك، والله أعلم .

ذكر تسمية من حج بالنّاس من أول الإسلام إلى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة

أول من حج بالناس نيابة عن الرسول

قال المسعودي : فتح رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) له مكة في شهر رمضان، سنة ثمان من الهجرة، ورجع إلى المدينة، واستعمل عَتَّابَ بن أسيد بن أبي العيص بن أمية على مكة، فحج بالناس سنة ثمان وقيل: بل حج الناس أوْزَاعاً ليس عليهم أحد .

ثم حج أبو بكر

ثم كانت سنة تسع ، فحج بالناس أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حين خرج من المدينة مع ثلاثمائة ، وبعث رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) و معه عشرين بَدَنَةٌ ، ثم أرسل على أثره علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأدركه بالعزج ومعه سورة براءة، فأذَّنَ بها يوم النحر عند العقبة، فأقام أبو بكر الحجّ، وخطب أبو بكر بمكة قبل التزوية بيوم، ويوم عرفة بعرفة، ويوم النحر بمنى .

حجة الوداع

ثم كانت سنة عشر ، فحج بالناس سيد المرسلين رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)[ وفي هذه السنة توفي].

أيام الخلفاء الراشدين

ثم كانت سنة إحدى عشرة فحج بالناس عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

ثم كانت سنة اثنتي عشرة، فحج بالناس أبو بكر الصديق رضي الله عنه .

ثم كانت سنة ثلاث عشرة فحج بالناس عبد الرحمن بن عَوْفٍ رضي الله عنه .

ثم كانت سنة أربع عشرة فحج بالناس عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

ثم كانت سنة خمس عشرة، فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم كانت ست عشرة

فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم كانت سنة سبع عشرة فحج بالناس عمر بن الخطاب [ثم كانت سنة ثمان عشرة فحج بالناس عمر بن الخطاب ثم كانت سنة تسع عشرة، فحج بالناس عمر بن الخطاب ، ثم كانت سنة عشرين، فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم كانت سنة إحدى وعشرين فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم كانت سنة اثنتين ،وعشرين فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم كانت سنة ثلاث وعشرين فحج بالناس عمر بن الخطاب، ثم قتل رضي الله عنه آخر ذي الحجة.

ثم كانت سنة أربع وعشرين فحج بالناس عبد الرحمن بن عَوْفٍ .

ثم كانت سنة خمس وعشرين فحج بالناس عثمان بن عفان إلى ستة أربع وثلاثين.

ثم كانت سنة خمس وثلاثين فحج بالناس عبد الله بن عباس بأمر عثمان، وهو محصور

كانت سنة ست وثلاثين، فحج بالناس عبد الله بن عباس .

ثم كانت سنة سبع وثلاثين، بعث علي بن أبي طالب على الموسم عبد الله بن العباس، وبعث معاوية بن أبي سفيان يزيد بن شجرة الرهاوي، فاجتمعا بمكة وتنازعا الإمارة ولم يُسَلَّم أحدهما لصاحبه، فاصطلحا على أن يصلي بالناس شيبة بن عثمان[ بن أبي طلحة بن عبد الله بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار حاجب البيت] الجمحي، ففعل ذلك .

ثم كانت سنة ثمان وثلاثين فحج بالناس قثم بن عباس نائب مكة .

ثم كانت سنة تسع وثلاثين فحج بالناس شيبة بن عثمان .

ثم كانت سنة أربعين والتنازع بين معاوية والحسن بن علي في الخلافة، فحج بالناس المغيرة بن شعبة عن كتاب، يقال: إنه افتعله عن معاوية.

في زمن بني أمية

ثم كانت [سنة] إحدى وأربعين فحج بالناس عُتبةُ بن أبي سفيان، ثم كانت سنة اثنتين وأربعين فحج بالناس عُتْبَةُ بن أبي سفيان ثم كانت سنة ثلاث وأربعين فحج بالناس مروان بن الحكم، ثم كانت سنة أربع وأربعين حج معاوية بن أبي سفيان ثم كانت سنة خمس وأربعين حج بالناس مروان بن الحكم ثم كانت سنة ست وأربعين حج بالناس عتبة بن أبي سفيان ثم كانت سنة سبع وأربعين حج بالناس عتبة بن أبي

سفيان ثم كانت سنة ثمان وأربعين حج بالناس مروان بن الحكم ، ثم كانت سنة تسع

وأربعين حج بالناس سعيد بن العاص، ثم كانت سنة خمسين حج بالناس يزيد بن معاوية، ثم كانت سنة إحدى وخمسين فحج بالناس معاوية بن أبي سفيان ثم كانت سنة اثنتين وخمسين، حج بالناس سعيد بن العاص عامين، ثم كانت سنة أربع وخمسين، حج بالناس مروان بن الحكم ثم كانت [سنة] خمس وخمسين، حج بالناس مروان بن الحكم ، ثم كانت سنة ست وخمسين فحج بالناس عتبة بن أبي سفيان، ثم كانت سبع وخمسين حج بالناس الوليد بن عتبة عامين، ثم كانت سنة تسع وخمسن حج بالناس عثمان بن محمد بن أبي سفيان ثم كانت سنة ستين حج بالناس عمرو بن سعيد بن العاص، ثم كانت سنة إحدى وستين حج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ثم كانت سنة اثنتين وستين حج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ثم كانت سنة ثلاث وستين، حج بالناس عبد الله بن الزبير، إلى سنة إحدى وسبعين، ثم كانت سنة اثنتين وسبعين فحج بالناس الحجاج بن يوسف فأتوا مِنّى ولم يطوفوا بالبيت العتيق، ثم كانت سنة ثلاث وسبعين فحج بالناس الحجاج أيضاً، وقتل عبد الله بن الزبير، ثم كانت سنة أربع وسبعين فحج بالناس الحجاج بن يوسف، ثم كانت سنة خمس وسبعين حج بالناس عبد الملك بن مروان بن مروان، ثم كانت سنة ست وسبعين حج بالناس إلى سنة ثمانين أَبَانُ بن عثمان بن عفان ثم كانت سنة إحدى وثمانين حج بالناس سليمان بن عبد الملك مروان، ثم كانت سنة اثنتين وثمانين حج بالناس أَبَانُ بن عثمان بن عفان، ثم كانت سنة ثلاث وثمانين حج بالناس إلى سنة خمس وثمانين هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي ثم كانت سنة ست وثمانين حج بالناس العباس بن الوليد بن عبد الملك، ثم كانت سنة سبع وثمانين حج بالناس عمر بن عبد العزيز بن مروان، ثم كانت سنة ثمان وثمانين حج بالناس الوليد بن عبد الملك، ثم كانت سنة تسع وثمانين حج بالناس عمر بن عبد العزيز، ثم كانت سنة تسعين حج بالناس عمر بن عبد العزيز، ثم كانت سنة إحدى وتسعين حج بالناس الوليد بن عبد الملك، ثم سنة اثنتين وتسعين حج بالناس عمر بن عبد العزيز، ثم كانت سنة ثلاث وتسعين حج بالناس عثمان بن الوليد بن عبد الملك وقيل : بل عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك]، ثم كانت سنة أربع وتسعين حج بالناس مسلمة بن عبد الملك، ثم كانت سنة خمس وتسعين حج بالناس [بشر بن الوليد بن عبد الملك ثم كانت سنة ست وتسعين حج بالناس أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، ثم كانت سنة سبع وتسعين حج بالناس سليمان بن عبد الملك، ثم كانت سنة ثمان وتسعين حج بالناس عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، ثم كانت سنة تسع وتسعين حج

بالناس أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، ثم كانت سنة مائة حج بالناس أبو بكر أيضاً،ثم كانت سنة إحدى ومائة حج بالناس عبد العزيز بن عبد الله أمير مكة، ثم كانت سنة اثنتين ومائة حج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك الفهري ، ثم كانت سنة ثلاث ومائة حج بالناس عبد الله بن كعب بن عمير بن سبع بن عوف بن نصر بن معاوية النَّصْرِيُّ، ثم كانت سنة أربع ومائة حج فيها أيضاً، ثم كانت سنة خمس ومائة حج بالناس إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، ثم كانت سنة ست ومائة حج بالناس هشام بن عبد الملك، ثم كانت سنة سبع ومائة حج بالناس إبراهيم بن هشام المخزومي، إلى سنة اثنتي عشرة ومائة . ثم كانت سنة ثلاث عشرة ومائة حج بالناس سلیمان بن هشام بن عبد الملك . ثم كانت سنة أربع عشرة ومائة حج بالناس خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن العاص بن أمية ثم كانت سنة خمس عشرة ومائة حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة، ثم كانت سنة ست عشرة ومائة حج بالناس الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو ولي عهد، ثم كانت سنة سبع عشرة ومائة حج بالناس خالد بن عبد الملك الحارث بن الحكم بن أبي العاص : وقيل : مَسْلَمة بن عبد الملك، ثم كانت سنة ثمان عشرة ومائة حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل، ثم كانت سنة تسع عشرة ومائة حج بالناس مَسْلَمة بن هشام بن عبد الملك أبو شاكر، وقيل: بل مسلمة بن عبد الملك، ثم كانت سنة عشرين ومائة حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل، ثم كانت سنة إحدى وعشرين ومائة حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل، إلى سنة أربع وعشرين ومائة ، ثم سنة خمسة وعشرين ومائة حج بالناس يوسف ابن أخي الحجاج بن يوسف، ثم كانت سنة ست وعشرين ومائة حج بالناس عمر بن عبد الله بن عبد الملك، ثم كانت سنة سبع وعشرين ومائة حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ثم كانت سنة ثمان وعشرين ومائة حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ثم كانت سنة تسع وعشرين ومائة حج بالناس عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، وكان أبو حمزة المختار بن عوف الخارجي من الأزد داعية المعروف بطالب الحق قد وقف وخرج تلك السنة، فكلّمه الناس حتى نزل عبد الواحد يصلي بالناس ويخرج إلى منزله، ثم كانت سنة ثلاثين ومائة حج بالناس محمد بن عبد الملك بن مروان، ثم كانت سنة إحدى وثلاثين ومائة حج بالناس [الوليد بن] عروة بن محمد بن عطية السعدي بكتاب افتعله على لسان عمه عبد الملك بن محمد وهو والي الحجاز واليمن لمروان بن محمد .

في عهد بني العباس

قال المسعودي : فهذا آخر ما حج بنو أمية ، ثم كانت سنة اثنتين وثلاثين ومائة فحج بالناس داود بن علي بن عبد الله بن العباس بن [عبد] المطلب، ثم كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائة حج بالناس زياد بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، ثم كانت سنة أربع وثلاثين ومائة حج بالناس عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم كانت سنة خمس وثلاثين ومائة حج بالناس سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ، ثم كانت سنة ست وثلاثين ومائة حج بالناس أبو جعفر المنصور وفيها بويع لأبي جعفر المنصور، ثم كانت سنة سبع وثلاثين ومائة حج بالناس إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس، ثم كانت سنة ثمان وثلاثين ومائة حج بالناس الفضل بن صالح بن علي ثم كانت سنة تسع وثلاثين ومائة حج بالناس العباس بن محمد بن علي، ثم كانت سنة أربعين ومائة حج بالناس أبو جعفر المنصور، ثم كانت سنة إحدى وأربعين ومائة حج بالناس صالح بن علي، ثم كانت سنة اثنتين وأربعين ومائة حج بالناس إسماعيل بن علي، ثم كانت سنة ثلاث وأربعين ومائة حج بالناس عيسى بن موسى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة أربع وأربعين ومائة حج بالناس أبو جعفر المنصور ثم كانت سنة خمس وأربعين ومائة فحج بالناس السَّرِي بن عبد الله الحارث [بن العباس بن عبد المطلب] ، ثم كانت سنة ست وأربعين ومائة حج بالناس عبد الوهاب بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ثم كانت سنة سبع وأربعين ومائة حج بالناس أبو جعفر المنصور [ ثم كانت سنة ثمان وأربعين ومائة فحج بالناس جعفر بن أبي جعفر المنصور] وقيل : محمد بن إبراهيم الإمام، وقيل: بل المنصور، ثم كانت سنة تسع وأربعين ومائة حج بالناس عبد الوهاب بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، ثم كانت سنة خمسين ومائة حج بالناس عبد الصمد بن علي، ثم كانت سنة إحدى وخمسين ومائة حج بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي ثم كانت سنة اثنتين وخمسين ومائة حج بالناس أبو جعفر المنصور، ثم كانت سنة ثلاث وخمسين ومائة حج بالناس المهدي محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي، ثم كانت سنة أربع وخمسين ومائة حج بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، ثم كانت سنة خمس وخمسين ومائة حج بالناس عبد الصمد بن علي، ثم كانت سنة ست وخمسين ومائة حج بالناس العباس بن محمد بن علي، ثم كانت سنة سبع وخمسين ومائة حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة ثمان وخمسين ومائة حج بالناس إبراهيم بن يحيى أيضاً،

ثم كانت سنة تسع وخمسين ومائة حج بالناس يزيد بن منصور بن عبد الله بن شهیر ابن يزيد بن مثوب الحميري، ثم كانت سنة ستين ومائة حج بالناس [المهدي محمد بن المنصور، ثم كانت سنة إحدى وستين ومائة فحج بالناس ] الهادي موسى بن المهدي وهو ولي عهد ثم كانت سنة اثنتين وستين ومائة حج بالناس إبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر، ثم كانت سنة ثلاث وستين ومائة حج بالناس علي بن محمد بن](1) المهدي، ثم كانت سنة أربع وستين ومائة حج بالناس صالح بن أبي جعفر، ثم كانت سنة خمس وستين ومائة حج بالناس صالح صالح أيضاً ثم كانت سنة ست وستين ومائة حج بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، ثم كانت سنة سبع وستين ومائة حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة ثمان وستين ومائة حج بالناس علي بن محمد المهدي، ثم كانت سنة تسع وستين ومائة حج بالناس سليمان بن أبي جعفر المنصور، ثم كانت سنة سبعين ومائة حج بالناس هارون الرشيد، ثم كانت سنة إحدى وسبعين ومائة حج بالناس [ يعقوب بن المنصور ثم كانت سنة اثنتين وسبعين ومائة فحج بالناس ] عبد الصمد بن علي، ثم كانت سنة ثلاث وسبعين ومائة حج بالناس هارون الرشيد خرج محرماً من عسكره إلى مكة، ثم كانت سنة أربع وسبعين ومائة بالناس هارون الرشيد إلى سنة تسع وسبعين ومائة ، ثم كانت سنة ثمانين ومائة حج بالناس موسى بن عيسى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة إحدى وثمانين ومائة حج بالناس هارون الرشيد، ثم كانت سنة اثنتين وثمانين ومائة حج بالناس موسى بن عيسى، ثم كانت سنة ثلاث وثمانين ومائة حج بالناس العباس بن موسى المهدي، ثم كانت سنة أربع وثمانين ومائة حج بالناس إبراهيم بن المهدي، ثم كانت سنة خمس وثمانين ومائة حج بالناس المنصور بن المهدي، ثم كانت سنة ست وثمانين ومائة حج بالناس هارون الرشيد، ثم كانت سنة وثمانين ومائة حج بالناس عبد الله بن العباس بن محمد بن علي، وقيل: منصور بن المهدي ثم كانت سنة ثمان وثمانين ومائة حج بالناس هارون الرشيد، ثم كانت سنة تسع وثمانين ومائة حج بالناس العباس بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي ثم كانت سنة تسعين ومائة حج بالناس عيسى بن موسى بن محمد، ثم كانت سنة إحدى وتسعين ومائة حج بالناس العباس بن عبد الله بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، ثم كانت سنة اثنتين وتسعين حج بالناس العباس بن عبد الله أيضاً، ثم كانت سنة ثلاث وتسعين ومائة حج بالناس داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة أربع وتسعين ومائة حج بالناس علي بن الرشيد، ثم كانت سنة خمس وتسعين ومائة حج بالناس داود بن عيسى بن موسى ثم كانت سنة ست وتسعين ومائة حج بالناس العباس بن موسى إلى ثمان وتسعين، ثم كانت سنة تسع وتسعين ومائة حج

بالناس محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، ووثب ابنُ الأَفْطَسِ العلوي بمكة فقبض عليها فتنحى محمد بن داود وخرج الناس، فوقفوا بغير إمام، فلما كانوا بالمزدلفة طلع عليهم [ابن] الأفْطَسِ فأقام لهم باقي حجتهم، ثم كانت سنة مائتين حج بالناس أبو إسحاق المعتصم ، ثم كانت سنة إحدى ومائتين حج بالناس إسحاق بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي، ثم كانت سنة اثنتين ومائتين حج بالناس إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهو أول طالبي أقام للناس الحج في الإسلام، على أنه أقامه متغلباً عليه، لا مُوَلّى من قبل خليفة، وكان ممن سَعَى في الأرض بالفساد، وقتل أصحاب إبراهيم بن عبيد الله الحجبي وغيره في المسجد الحرام، ويزيد بن محمد بن حنظلة المخزومي وغيره من أهل العبادة، ثم كانت سنة ثلاث ومائتين حج بالناس عبد الله بن جعفر بن سليمان بن علي، ثم كانت سنة أربع ومائتين حج بالناس عبيد الله بن الحسن بن عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب من قبل المأمون، وهو واليه على الحرمين]، ثم كانت سنة خمس ومائتين حج بالناس عبيد الله بن الحسن أيضاً، ثم كانت سنة ست وسبع ومائتين حج بالناس أبو عيسى بن الرشيد، ثم كانت سنة ثمان ومائتين بالناس صالح بن الرشيد ومعه ، زبيدة إلى سنة عشر ومائتين، ثم كانت سنة إحدى عشرة ومائتين حج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد بن علي، ثم كانت سنة اثنتي عشرة ومائتين حج بالناس ،المأمون، ثم كانت سنة ثلاث عشرة ومائتين حج بالناس أحمد بن العباس، ثم كانت سنة أربع عشرة ومائتين حج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد بن علي ثم كانت سنة خمس عشرة ومائتين حج بالناس عبد الله بن عبيد الله أيضاً، ثم كانت سنة ست عشرة ومائتين حج بالناس عبد الله بن عبيد الله أيضاً، ثم كانت سبع عشرة ومائتين حج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي، ثم كانت سنة ثمان عشرة ومائتين حج بالناس سليمان أيضاً، ثم كانت سنة تسع عشرة ومائتين حج بالناس صالح بن العباس بن محمد ثم كانت سنة عشرين ومائتين حج بالناس صالح بن العباس أيضاً ثم كانت سنة إحدى وعشرين ومائتين حج بالناس أيضاً صالح بن العباس بن محمد ثم كانت سنة اثنتين وعشرين ومائتين حج بالناس محمد بن داود بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ثم كذلك إلى سنة ست وعشرين ومائتين، ثم كانت سبع وعشرين ومائتين حج بالناس جعفر المتوكل بن المعتصم بن ،الرشيد ثم كانت سنة ثمان وعشرين ومائتين حج بالناس إلى سنة خمس وثلاثين ومائتين محمد بن داود بن عيسى ثم كانت سنة ست وثلاثين ومائتين حج بالناس محمد المنتصر ابن المتوكل، ومعه جدته شجاع، ثم كانت سنة

سبع وثلاثين ومائتين حج بالناس علي بن موسى بن جعفر بن المنصور، ثم كانت سنة ثمان وثلاثين ومائتين إلى سنة إحدى وأربعين ومائتين حج بالناس عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم كانت سنة اثنتين وأربعين ومائتين حج بالناس إلى سنة أربع وأربعين ومائتين عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ثم كانت سنة خمس وأربعين ومائتين حج بالناس إلى سنة ثمان وأربعين ومائتين محمد بن سليمان بن عبد الله محمد بن إبراهيم الإمام، ثم كانت سنة تسع وأربعين ومائتين حج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله، ثم كانت سنة خمسين ومائتين حج بالناس جعفر بن الفضل بن موسى بن عيسى بن ،موسى ويلقب بشاشات، ثم كانت سنة إحدى وخمسين ومائتين، فوقف بالناس إسماعيل بن يوسف العلوي المقدم ذكره فيما مضى من هذا الكتاب، وَبَطَلَ الحج إلا يسيراً؟ لأن إسماعيل هذا طلع على الحاج وهم بعرفَةً في جموعه، فقتل من المسلمين خلقاً عظيماً حتى زعموا أنه كان يسمع بالليل تلبية ،القتلى وكان شأنه في الفساد عظيماً، ثم كانت سنة اثنتين وخمسين ومائتين حج بالناس كعب البقر محمد [بن أحمد] بن عيسى بن جعفر بن المنصور، ثم كانت سنة ثلاث وخمسين ومائتين حج بالناس بن محمد بن سليمان بن عبد الله الرسُيُّ ، ثم كانت سنة أربع وخمسين عبد بالناس علي بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي، ثم كانت سنة خمس وخمسين ومائتين حج بالناس علي بن الحسن أيضاً، ثم كانت سنة ست وخمسين ومائتين حج بالناس كعب البقر محمد بن أحمد بن عيسى بن جعفر بن المنصور، ثم كانت سنة وخمسين ومائتين حج بالناس الفضل بن العباس بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي ثم كانت سنة ثمان وخمسين ومائتين حج بالناس الفضل بن العباس أيضاً، ثم كانت سنة تسع وخمسين ومائتين حج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن برّية، ثم كانت سنة ستين ومائتين حج بالناس ابن برّية أيضاً، ثم كانت سنة إحدى وستين حج بالناس الفضل بن العباس بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي، ثم كانت سنة اثنتين وستين ومائتين حج بالناس الفضل بن العباس أيضاً، ثم كانت سنة ثلاث وستين ومائتين حج بالناس الفضل بن العباس أيضاً، ثم كانت سنة أربع وستين ومائتين حج بالناس إلى سنة ثمان وسبعين ومائتين خمس عشرة حجة متوالية هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عیسی بن موسی بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس، ثم كانت سنة تسع وسبعين ومائتين حج بالناس إلى سنة سبع وثمانين ومائتين

تسع حجج متوالية أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن داود بن عيسى بن موسى، ثم كانت سنة ثمان وثمانين ومائتين حج بالناس محمد بن هارون بن العباس بن إبراهيم بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، ثم كانت سنة تسع وثمانين ومائتين حج بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمد بن علي، ولم يزل يحج بالناس كل سنة إلى سنة خمس وثلاثمائة، ثم كانت سنة ست وثلاثمائة حج بالناس أحمد بن العباس بن محمد بن عيسى بن سليمان بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهو المعروف بأخي أم موسى الهاشمية قهرمانة شغب أم المقتدر بالله، ثم كانت سنة سبع وثلاثمائة حج بالناس بالناس أحمد بن العباس أيضاً، ثم كانت سنة ثمان وثلاثمائة حج بالناس إلى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة إسحاق بن عبد الملك عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد، ثم كانت سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة حج بالناس الحسن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله العباس، ثم كانت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة حج بالناس أبو طالب عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد خليفة لعمه الحسن، وكذلك سنة أربع عشر وثلاثمائة، ثم كانت سنة خمس عشرة وثلاثمائة حج بالناس عبد الله بن سليمان بن محمد الأكبر عبد الله بن عبيد الله بن محمد المعروف بأبي أحمد الأزرق خليفة للحسن بن عبد العزيز العباسي، ثم كانت سنة ست عشرة وثلاثمائة حج بالناس أبو أحمد الأزرق أيضاً، ثم كانت سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فدخل سليمان بن الحسن صاحب البحرين مكة، وقد حضر عمر بن الحسن بن عبد العزيز المقدم نسبُ أبيه لإقامة الحج خليفة لأبيه، فكان من أمر الناس ما كان فيما قَدَّمنا ذكره فيما سلف من سنة هذا الكتاب، ولم يتم حج في موسم سبع عشرة وثلاثمائة هذه من أجل حادثة القَرَامِطَة لعنهم الله إلا لقوم يسير غزواً، وأقيم حجهم دون إمام، وكانوا رجالة، ثم كانت سنة ثمان عشرة وثلاثمائة فحج بالناس عمر بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي خليفة لأبيه الحسن بن عبد العزيز، ثم كانت سنة تسع عشرة وثلاثمائة حج بالناس فيها جعفر بن علي بن سليمان خليفة للحسن بن عبد العزيز، ثم كانت سنة عشرين وثلاثمائة حج بالناس فيها عمر بن الحسن بن عبد العزيز خليفة لأبيه أيضاً، ولم يزل يحج بالناس إلى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وهو على قضاء مكة في هذا الوقت، وهو جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وإليه قضاء مصر وغيرها .

المؤلف يختم كتابه بذكر صنيعه

قال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي رحمه الله : قد ذكرنا فيما

سلف من هذا الكتاب أنواعاً من الأخبار، وفنوناً من العلم من أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والملوك وسيرها، والأمم وأخبارها وأخبار الأرض والبحار، وما فيها من العجائب والآثار وما اتصل بذلك، ليستدل به على ما سلف من كتبنا، ومدخلاً إلى ما تقدم من تصنيفنا في أنواع العلوم مما قَدَّمنا ذكره، ولم نترك نوعاً من العلوم، ولا فَنَّا من الأخبار ولا طريفاً من الآثار، إلا أوردناه في هذا الكتاب مُفَصَّلا، أو ذكرناه مجملا ، أو أشرنا إليه بضرب من الإشارات أو لَوَّحْنَا إليه بِفَحْوَى من العبارات، من أخبار العجم والعرب والكوائن والأحداث في سائر الأمم ، فمن حَرَّفَ شيئاً من معنى هذا الكتاب، أو أزال ركناً من مَبْنَاه، أو طَمَسَ واضحة من معانيه أو لَبَّسَ شاهرة من تراجمه، أو غَيَّره أو بَدَّله ، أو انتحله، أو اختصره، أو نسبه إلى غيرنا أو أضافه إلى سوانا، أو أسقط منه ذكرنا، فوافاه من غضب الله وسرعة نقمته وفَوَادح بلاياه ما يعجز عنه صَبْرُه ، ويَحَار له فكره، وجعله الله مُثْلَةٌ للعالمين، وعبرة للمعتبرين وآية للمتوسمين، وسلبه الله ما أعطاه، وحال بينه وبين ما أنعم به عليه من قوة ونعمة مُبْدِعُ السموات والأرض، من أي الملل كان أو الآراء، إنه على كل شيء قدير .

تخويف المؤلف لمن يغير في كتابه

وقد جعلنا هذا التخويف في أول كتابنا هذا وآخره، وكذلك نقول في سائر ما تقدم من تصنيفنا ونظمناه من تأليفنا فليراقب امرؤ ،ربه وليحاذر منقلبه؛ فالمدة يسيرة، والمسافة قصيرة، وإلى الله المصير.

معذرة المؤلف

وقد قَدَّمنا الاعتذار فيما سلف من هذا الكتاب من سَهْوِ إِن عَرَضَ أو تصحيف أو تغيير من الكاتب إن وقع ولما قد دُفِعْنَا إليه من الأسفار المتواترة، والحركة المتصلة: تارة مُشَرِّقين وتارة ،مغربين وطوراً متيامنين وطوراً متشائمين، وما يلحقنا من سهو الإنسانية، ويصحبنا من عجز البشرية عن بلوغ الغاية، وتَقَطِّي النهاية، ولو كان لا يؤلف كتاباً إلا مَنْ حَوَى جميع العلوم إذا ما ألف أحد كتاباً، ولا تأتي له تصنيف؛ لأن الله عز وجل يقول : وَفَوْقَ كُلَّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: 76] جعلنا الله ممن يُؤْثِر طاعته، وَيُوَفِّقُ لرشده، ونسأله أن يمحو بخير شَرًّا، ويجد هَزْلا ، ثم يعود علينا بعد ذلك بعفوه، ويتغمدنا بفضله إنه جَوَاد ،مَنَّان ، لا إلهَ إلا هو رب العرش العظيم [وصلى الله على سيد الأنام محمد وعلى آله الطاهرين وسلم تسليما] .

قال أبو أحمد، وهو محمد محيي الدين : قد انتهيت بحمد الله تعالى من مراجعة

أصول هذا الكتاب ،وترقيمه وضبط غريبه والتعليق عليه. وقد بالغت في تجويده وتيسيره . بحسب طاقتي، وما وسعه جهدي ومعرفتي . فإن كنت قد بلغت الغاية التي يرجوها المحقق فذلك توفيق الله وهدايته وإن تكن الأخرى فبحسبي أنني اجتهدت، وإني لأثني هنا على عمال مطبعة السعادة وعلى رأسهم الشاب النابه علي أفندي بن محمد إسماعيل ،مديرها الذين أسْهَمُوا في تجويد هذا الكتاب واحتملوا في سبيله من الجهد والمصاعب ما يستحقون عليه جزيل الشكر .

والله تعالى المسؤول أن يجعل أحسن أعمالنا خواتمها، وأن يحشرنا وآباءنا وذريتنا وإخواننا في الله يوم القيامة مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً آمين.

الفهرس

ذكر خِلافة المأمون ...5

موجز ....5

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه....6

المأمون والفضل بن سهل ....6

عمرو بن مسعدة...6

علي بن موسى الرضا....6

المأمون وعمه إبراهيم ...6

المأمون وأبو دلف...7

من كلمات المأمون ...8

بين ثمامة ويحيى بن أكثم عند المأمون....9

وفد الكوفة والمأمون ...9

المأمون والزنادقة ومعهم طفيلي....9

إبراهيم بن المهدي يتطفل ....11

إسحاق الموصلي وكلثوم العتابي عند المأمون...13

العتابي ....14

بين كاتب ونديم ...15

رجل يرفع قصة للمأمون ...15

المأمون وأبو العتاهية...15

المأمون ورجل عامي...16

عي المأمون عن جواب ثلاثة ...16

مناظرة المأمون للفقهاء....17

يحيى بن أكثم قاضي البصرة...19

وفاة الإمام الشافعي ....20

وفاة أبي داود الطيالسي وابن الكلبي...21

المأمون ورجل يدعي النبوة....21

المأمون ورجل يدعي أنه إبراهيم الخليل...22

خروج أبي السرايا وابن طباطبا وقوم من العلويين...22

ظهور ابن الأفطس ....23

الظفر بأبي السرايا ....23

المأمون وعلي بن موسى الرضا ...24

مقتل الفضل بن سهل ...24

موت علي بن موسى الرضا....24

إبراهيم بن المهدي يخرج على المأمون ...25

خروج بابك الخرمي ...25

الظفر بإبراهيم ....25

زواج المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل...26

أهل المأمون يحملونه على قتل إبراهيم بن المهدي...26

من أخبار إبراهيم بن المهدي...27

یزید بن هارون ...28

موت جماعة من أهل العلم ...28

قصة وفاء وإيثار ...28

بين أزهر وأبي جعفر المنصور...29

مقتل ابن عائشة ...30

موت أبي عبيدة معمر بن المثنى...31

موت أبي العتاهية وشيء من أخباره....31

الزيادة في العروض على الخليل....33

أبو العباس الناشىء ...34

نداء المأمون في أمر معاوية وسببه...34

وفاة أبي عاصم النبيل وجماعة من أهل العلم...35

غزو الروم ...35

علة المأمون وموته ...36

ذكر خلافة المعتصم ...39

موجز ...39

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه ...40

ابن الزيات وزير المعتصم وأحمد بن أبي دؤاد ...40

حب المعتصم للعمارة ....40

بأس المعتصم وقوته....40

المعتصم وعلي بن الجنيد...41

المعتصم وشيخ زلق حماره في الطين ....43

وفاة جماعة من العلماء....43

محمد بن علي بن موسى بن جعفر...43

محمد بن القاسم العلوي ...44

جمع المعتصم للأتراك ....44

تخطيط سامرا ...45

خروج بابك الخرمي ....46

غزو الروم زبطرة ....49

هزيمة الروم ...49

خروج المازيار صاحب طبرستان وموته....50

موت أبي دلف العجلي...51

عداوة أبي دلف وابنه ....52

موت جماعة من العلماء...52

ذكر خلافة الواثق بالله ....54

موجز ....54

ذكر لمع من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه...55

صفات الواثق ....55

غلب عليه اثنان ....55

أعرابي يصف الواثق وأعوانه ...55

أبو تمام الطائي ...57

علي بن الجعد ....63

قتيل في المحنة ....63

ندیم ...63

محمد بن علي بن موسى ...64

عبد الله بن طاهر ....64

مجلس للواثق في الفلسفة والطب ...64

الواثق وحنين بن إسحاق أيضاً...67

أوقات السنة ...67

الكواكب ...67

الرياح ...67

البلدان ....68

تأثير البحار في البلدان ...68

نطق الحكماء على جدث الإسكندر....68

ذكر خلافة المتوكل على الله ...70

موجز ...70

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه ...71

أمره بترك الجدل وإظهار السنة ...71

أحدث اللعب والمضاحك ...71

علب عليه الفتح بن خاقان ...71

أحدث البناء الحيري....72

أخذه البيعة لأولاده الثلاثة ....72

سخطة على ابن الزيات ...72

وزراؤه ...73

المبرد ومجنون بدير هر قل ...74

البحتري ينشد المتوكل...75

حمار أبي العنبس ...76

المتوكل وعلي بن محمد العلوي....77

وفاة ابن سماعة القاضي الحنفي ...78

موت يحيى بن معين وجماعة من الأنباه ...78

قصة سجين ...78

رضاه عن يحيى بن أكثم ...79

وفاة ابن أبي دؤاد ...80

منزلة ابن أبي دؤاد عند المعتصم ....80

المتوكل يشتهي قدراً طبخها ملاحون....81

الجاحظ يصحب محمد بن إبراهيم في حراقته ...82

سخط المتوكل على الرخجي .....84

وفاة الإمام أحمد بن حنبل ...84

انقضاض الكواكب ....84

وفاة جماعة من أهل العلم...85

بين هشام وأبي الهذيل ....85

وفاة جماعة من المعتزلة ...85

بین هشام وعمرو بن عبيد...86

ابن الراوندي ...87

وفاة الصولي الكاتب....87

العباس بن الأحنف...89

وفاة العباس بن الأحنف....90

نفي المتوكل علي بن الجهم ...91

المتوكل في دمشق...94

الأتراك يدبرون وقيعة ....95

تدبير المؤامرة ضد المتوكل ...97

وفاة شجاع أم المتوكل ....97

مقتل المتوكل ...97

وصف أيام المتوكل....99

الحسين الخليع بين يدي المتوكل....100

من رثاء المتوكل ...101

محبوبة جارية المتوكل...101

وفاة جماعة من أهل العلم...103

ذكر خلافة المنتصر بالله ...105

موجز ....105

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه ....106

الموضع الذي قتل فيه المتوكل ....106

وزير المنتصر ابن الخصيب ...107

وزير المقتدر ....108

مرض المنتصر وموته....108

الخلاف في سبب موت المنتصر ...109

من صفات المنتصر ....109

صنيع المنتصر بآل أبي طالب ....110

خلع أخويه من ولاية العهد ...110

خروج الشاري باليمن ...111

حديث عن العشق ....112

صنيعة مع عاشق ....114

شهادة الحمير ....115

ذکر خلافة المستعين بالله ...117

موجز ....117

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه ...118

وزراؤه وكتابه ....118

سعيد بن حميد ....118

أبو علي البصير ....119

ظهور يحيى بن عمر الطالبي....120

بين الموفق وعلي بن محمد العلوي ....123

ظهور الحسن بن زيد العلوي ....124

ظهور محمد بن جعفر ....125

ظهور أحمد بن عيسى العلوي ....125

ظهور الكوكي بقزوين ...125

ظهور الحسين بن محمد العلوي....125

عزم على أخذ البيعة لابنه....126

بين محمد بن طاهر وأبي العباس المكي....126

معرفة المستعين بالأخبار ....127

عروة بن حزام ....127

حديث عن مجنون بني عامر....128

وفاة بغا الكبير ...130

بغا يرى رسول الله في الحلم ....130

قصة له مع طالبي....131

بين المستعين والأتراك...131

الموالي يجمعون على بيعة المعتز...131

موت المستعين ....133

ذكر خلافة المعتز بالله...134

موجز ....134

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه...135

قول الناس في خلعه نفسه ....135

وفاة جماعة من أهل العلم ....135

فص من الياقوت الأحمر ....136

بعض ما قيل في المعتز...136

وزراء المعتز...137

علي بن محمد الطالبي ...137

موت محمد بن عبد الله بن طاهر ....138

ماني الموسوس ....139

المعتز وولاة العهد ....142

حوادث ...142

موت بغا الصغير....143

الأتراك والمعتز ....143

المعتز أول من ركب بحيلة الذهب ...144

المستعين أول من وسع الأكمام ....145

علي بن زيد وعيسى بن جعفر العلويان....145

بعض الطالبيين الذين نالهم مكروه ....145

ذکر خلافة المهتدي بالله ....147

موجز ....147

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه ....148

قبة المظالم وشيء من سيرته ....148

وزراؤه ....148

الخلاف في مقتل المعتز ....148

بين المهتدي وموسى بن بغا....149

مقتل المهتدي ....150

سبب حنق الأتراك....151

قتله لكاتبين ....151

ابن المدبر ....151

مع طفيلي ....151

سيرة المهتدي....153

طرف من القول بخلق القرآن ... 153

خبر نوف عن علي بن أبي طالب....155

علة حب الدنيا ....156

خروج صاحب الزنج بالبصرة ...156

عمرو بن بحر الجاحظ ....157

يموت بن المزرع ....158

ذكر خلافة المعتمد على الله ....159

موجز ....159

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه ...160

وزراؤه ....160

حرب صاحب الزنج....160

الإمام الثاني عشر ...160

يعقوب الصفار ...161

سياسة الصفار ....162

طاعة أتباعه له ....162

وفاة موسى بن بغا....165

موت المزني...165

موت جماعة من أهل العلم ...165

أعمال المهلبي بالبصرة ...166

صاعد بن مخلد....167

وفاة جماعة من الأعيان....168

أحمد بن طولون وابنه ....168

وقعة الطواحين ....168

الربيع المرادي ....169

المعتمد والموفق ....169

خروج أحمد بن طولون ...169

یازمان غلام الفتح بن خاقان....171

عمرو بن عبيد الله الأقطع...171

علي بن يحيى الأرمني...171

من حمية معاوية ....172

محبة المعتمد للهو ...175

أول من اتخذ العود ونحوه ...175

ملاهي الروم ....176

الهند ...177

حداء العرب...177

أول الغناء في العرب...177

أثر الغناء ...177

المغني الحاذق...178

أنواع الطرب ....178

منزلة الإيقاع وألقابه ...178

الرقص وأنواعه ...179

ثورة تنتهي بموت الموفق وقيام المعتضد ...181

غداة المعتضد الذي مات عقيبه ....182

ذكر خلافة المعتضد بالله ....184

موجز ....184

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه ...185

حال الرعية في أيامه ....185

مالية الدولة في عهده ....185

تقتيره ...185

أنواع من قسوته ....186

وزراؤه ....186

صلاته العيد....186

زواجه بنت خمارويه ...186

ابن الجصاص ....187

أبو العيناء ....187

هدايا الصفار للمعتضد ...189

قدوم أهل البصرة على المعتضد....190

أبو خليفة الجمحي ...191

ابن الشيخ في آمد....191

حرب مع رافع بن ليث....193

محمد بن الحسن بن سهل يدعو لرجل طالبي ....194

محاربة بني شیبان ...194

فتح عمان ...194

ابنة ابن أبي الساج...195

مسير إسماعيل بن أحمد إلى أرض الترك...195

بين وصيف وعمرو بن عبد العزيز ...195

أحداث ...195

مقتل أبي الجيش خمارويه...196

الخصيان ....196

نقل جثة خمارويه إلى مصر...197

من حزم المعتضد ....196

ابن المغازلي المضحك ...200

وفاة جماعة ....202

حرب هارون الشاري ...202

الكيمياء ...204

جيش ابن خمارويه وأصحابه ...205

وفاة مقدام الرعيني ...205

مصادرة ابن الطيب السرخسي ومقتله ...205

رافع بن هرثمة ...206

ثورة ...206

شبح يتشكل للمعتضد...206

يوم الأجفر...207

وفاة إبراهيم بن محمد الحربي الفقيه...207

إبراهيم بن جابر القاضي ....208

وفاة المبرد ...209

محمد بن يونس ...209

أبو سعيد الجنابي ...209

أبو الأغر والأعراب...210

أحداث ...210

الداعي العلوي...211

المعتضد ووصيف الخادم...211

وفاة ابن أبي الساج ...212

بشر بن موسى المحدث....213

عمرو بن الليث ...213

وفاة وصيف الخادم ...213

أبو الفوارس القرمطي ....214

المعتضد والطالبيون ....214

وصول قطر الندى للمعتضد ...215

وفاة جماعة من الأعيان وفاة المعتضد ...215

ذكر خلافة المكتفي بالله ...218

موجز ...218

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه ...219

اسم علي في الخلفاء ....219

رد المظالم إلى أهلها ....219

غلب عليه جماعة ....219

إيقاعه ببدر ...219

منزلة بدر ...221

ظهور القرمطي بالشام ...222

فداء الغدر وفداء التمام ...222

مالية الدولة ...223

وظيفته من الطعام ...223

نهب ضياعاً من أهلها ...223

قسوة وزيره ...223

وفاة الوزير ...223

مقتل عبد الواحد بن الموفق...224

مقتل ابن الرومي ...225

وفاة جماعة من الأعيان...226

من أخبار ثعلب ...226

وفاة جماعة من العلماء ...227

أحداث ....227

وفيات ...227

وصف القطائف ....228

وصف اللوزينج ....229

من شعر المكتفي ....230

شراب الدوشاب....230

قصة هريسة...230

هدية من أبي مضر بن الأغلب....231

آل الأغلب بإفريقية ....231

علة المكتفي ....231

ذکر خلافة المقتدر بالله....232

موجز ....232

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه...233

مقتل وزیره ....233

مصنفات في سيرة المقتدر ....233

عبد الله بن المعتز...233

وفاة محمد بن داود الأصفهاني ...235

وفاة علي بن بسام ...236

طعام محمد بن نصر ...241

وزراء المقتدر ...243

مقتل المقتدر ...243

السادس من بني العباس ...243

وفاة موسى بن إسحاق الأنصاري....243

غرق البيت الحرام ...244

وفيات ...244

ظهور طالبي في مصر ...244

وفاة الرسي ....244

ظهور ابن الرضا...245

ظهور الأطروش العلوي ...245

وفيات ...245

أحداث ...246

موت ابن ناجية...246

ابن الجصاص ...246

وفاة القاسم بن الحسن بن الأشيب...246

غارة البربر على مصر ...247

ابن أبي الساج ...247

ذكر خلافة القاهر بالله ...248

موجز ...248

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع ما كان في أيامه ...249

وزراؤه ....249

أخلاقه ...249

الخراساني الأخباري يصف الخلفاء العباسيين للقاهر بالله ...249

وصف السفاح ....250

وصف المنصور ....250

وصف المهدي...251

وصف الهادي ...251

وصف الرشيد ...251

وصف أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور...252

وصف المأمون ....253

وصف المعتصم ....254

وصف الواثق ...254

وصف المتوكل ....254

وفاة ابن دريد ...254

ذكر خلافة الراضي بالله ...257

موجز ...257

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه ...258

وزراؤه ...258

من شعر الراضي ...258

من محاسن الصولي أبي بكر ...259

الخليل بن أحمد...259

أنواع آلات الشطرنج...260

كلمات في النرد ...261

العروضي يحكي عن الراضي وسعة اطلاعه ...262

بين معاوية وقيس بن سعد ...263

طير الكيكم ...264

الراضي يعد العروضي بمنحه إذا أضحكه ...265

لبس المأمون الخضرة ثم السواد ....266

بين القاهر والراضي ...267

خلق الراضي وعاداته ....268

الراضي بالله وبحكم التركي...268

ذكر خلافة المتقي بالله ...270

موجز ....270

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه ...271

وزراؤه ...270

انتقاض الأمر عليه ...271

المتقي يطلب رجلاً أخبارياً يأنس به ...273

قصيدة أبي المقاتل في الداعي العلوي ...273

ومن صفات الخيل ....275

من أخبار حلبة الخيل ...277

أبو نصر الخبزأرزي... 280

مقتل بجكم ...281

ذکر خلافة المستكفي بالله ...282

موجز ...282

ذكر جمل من أخباره وسيره، ولمع مما كان في أيامه ...283

ذكر أول أمره ....283

المستكفي وغلام ضمه له توزون...284

من أخبار الحجاج مع أهل الشام...284

مسامرة في وصف الخمر ...285

لابن المعتز في وصف سلة كوامخ...288

في وصف سلة نوادر ....289

لابن الرومي في وصف وسط...290

في وصف سنبوسج ...290

في وصف هليون ...291

في وصف أرزية ...292

في وصف هريسة ...292

في وصف المضيرة ...293

في وصف جوذابة ...293

في وصف جوذابة...294

في وصف قطائف ...294

لأبي نواس في وصف ياطرنجا...294

ذكر خلافة المطيع الله ....296

موجز مبدئه ...296

طالبي يظهر بصعيد مصر أيام ابن طولون ...296

ظهور محسن بن الرضا بدمشق ...297

ظهور الأطروش بطبرستان ....297

المؤلف يعد بتأليف كتاب في الأخبار ....305

ذكر جامع التاريخ الثاني من الهجرة إلى هذا الوقت ...307

تقدمة ...307

المبدأ ومقابله من تاريخ الإسكندر...307

زمن أبي بكر ...307

زمن عمر ....308

عثمان ...308

علي ....308

معاوية ....308

يزيد بن معاوية ...308

معاوية بن يزيد ....308

مروان ...309

عبد الله بن الزبير ...309

عبد الملك بن مروان ...309

ذكر أيام بني مروان بن الحكم ...310