ghaemiyeh.com
مروج الذهب
وَمَعَادِن الجَوهَر
تصنيف أبي الحسَن عَلى بن الحسين بن عَلى المسعودي
المتوفى 346ه - 957م
اعتَنَى بِهِ وَرَاجعه
كمال حسن مرعي
الجزء الثاني
المکتبة العصریة
صيدا - بيروت
جميع الحقوق محفوظة لِلنَّاشِر
الطبعة الأولى
ه- - 2005م 1425
مروج الذهب
وَمَعَادِن الجَوهَر
تصنيف أبي الحسَن عَلى بن الحسين بن عَلى المسعودي
المتوفى 346ه - 957م
اعتَنَى بِهِ وَرَاجعه
كمال حسن مرعي
الجزء الثاني
المکتبة العصریة
صيدا - بيروت
محرر الرقمی: ولی رادمرد
جميع الحقوق محفوظة لِلنَّاشِر
الطبعة الأولى
ه- - 2005م 1425
ISBN 9953-34-319-5
978995 3 3 43 198
ISBN 9953-34-317-9
شركة ابناء شريف الأَنصَارَى
للطباعة والنشر والتوزيع
المكتبة العصرية
الدار التمور الحية المطبعة العصرية
بيروت - ص.ب 118355 - تِلفاكس 009611655015
صَيدا - صَ. بَ 221 - تلفاكس 009617720317
E-mail: alassrya@terra.net.lb - alassrya@cyberia.net.lb
بسم الله الرحمن الرحیم
قال المسعودي: [و] لما تفرق ولد نوح في الأرض سار ولد كوش بن کنعان نحو المغرب حتى قطعوا نيل مصر، ثم افترقوا فسارت منهم طائفة ميَّمَّنة بين المشرق والمغرب وهم النوبة والبجة والزنج، وسار فريق منهم نحو المغرب وهم أنواع كثيرة نحو الزغاوة والكانم ومركه وكوكو وغانة وغير ذلك من أنواع السودان والدمادم، ثم افترق الذين مضوا بين المشرق والمغرب، فصارت الزنج من المكير والمشكر وبربرا وغيرهم من أنواع الزنج، وقدمنا فيما سلف عند ذكرنا للبحر الحبشي، الخليج البربريّ وما عليه من أنواع السودان واتصالهم في ديارهم إلى بلاد الدهلك والزيلع وناصع، وهؤلاء القوم أصحاب جلود النمور الحمر وهي لباسهم، ومن أرضهم تحمل إلى بلاد الإسلام، وهي أكبر ما يكون من جلود النمورة وأحسنها للسروج، وبحر الزنج والأحابش هو عن يمين بحر الهند وإن كانت مياههما متصلة، ومن أرضهم يحمل الذبل من ظهور السلاحف وهو الذي تتخذ منه الأمشاط كالقرون، وأكثر ما تكون الدابة المعروفة بالزرافة في أرضهم، وإن كانت عامة الوجود في أرض النوبة دون سائر بلاد الأحابش.
وقد تنوزع في نتاج هذا النوع من الدواب المعروفة بالزرافة ؛ فمنهم من رأى أن بدء نتاجها من الإبل ومنهم من رأى أن ذلك كان بجمع بين الإبل والنمورة وأن الزرافة ظهرت من ذلك، ومنهم من زعم أنه نوع من الحيوان قائم بذاته كقيام الخيل والحمير والبقر، وأن ليس سبيلها كسبيل البغال المولدة من [النتاج بين] الخيل والحمير، وتدعى الزرافة بالفارسية اشتركاو، وقد كانت تُهْدَى إلى ملوكهم من أرض النوبة كما تحمل إلى ملوك العرب ومَنْ مضى من خلفاء بني العباس وولاة مصر، وهي دابة طويلة اليدين والرقبة قصيرة الرجلين لا ركبتين لرجليها وإنما الركبتان ليديها، وقد ذكر الجاحظ في
کتاب الحيوان عند ذكر الزرافة كلاماً كثيراً في نتاجها، وأن في أعالي بلاد النوبة يجتمع سباع ووحوش ودواب كثيرة في حَمَارَّة القيظ إلى شرائع المياه، فتتسافد هنالك، فيلقح منها ما يلقح ويمتنع منها ما يمتنع، فيجيء من ذلك خلق كثير مختلفون في الصور والأشكال ؛ منها الزرافة ذات الأظلاف، وهي دابة منحنية إلى خلفها، منصوبة الظهر إلى مؤخرها، وذلك لقصر رجليها، وللناس في الزرافة كلام كثير على حسب ما قدمنا في بدء نتاجها، وأن النمور ببلاد النوبة عظيمة الخلق، وأن الإبل صغيرة الخلق قصيرة القوائم وأن ذلك كاتساع أرحام القِلَاصِ العربية، الفوالج كرمان وغيرها من إبل خراسان، فيظهر بينهما ويتولد عنهما الجمال البُحْتُ والجمازات، ولا ينتج بين بختي وبختية، وإنما يصح هذا النوع من الإبل بين فوالج الإبل، وهي ذات السنامين، وبين قلاص الإبل، وهي النوق العربية، وكنتاج البُختِ بين البجاوية والمهرية وللزرافة أخبار كثيرة قد ذكر ذلك صاحب المنطق في كتابه الكبير [ في الحيوان] ومنافع أعضائها وغير ذلك من سائر أعضاء الحيوان وقد أتينا على جميع ما يحتاج إليه من ذلك في كتابنا المترجم ب«القضايا والتجارب»
والزرافة عجيبة الفعل في إلفها، وتودُّدها إلى أهلها، وهي كالفيلة: منها وحشية، ومنها مستأنسة أهلية، مع من قدمنا ذكره من الزنوج والأجناس من الأحابش الذين صاروا عن يمين النيل، ولحقوا بأسافل البحر الحبشي، وقطعت الزنج دون سائر الأحابش الخليج المنفصل من أعلى النيل الذي يصبُّ إلى بحر الزنج، فسكنت الزنج في ذلك الصقع، واتصلت مساكنهم إلى بلاد سفالة، وهي أقاصي بلاد الزنج، وإليها تقصد مراكب العمانيين والسيرافيين، وهي غاية مقاصدهم في [أسافل] بحر الزنج كما أن أقاصي بحر الصين متصل ببلاد السيلي، وقد تقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب، وكذلك أقاصي بحر الزنج هو بلاد سفالة، وأقاصيه بلاد الواق واق، وهي أرض كثيرة الذهب،كثيرة العجائب، خصبة حارة.
واتخذها الزنج دار مملكة، ومَلّكُوا عليهم ملكاً ملكاً سموه وقليمي، وهي سمة لسائر ملوكهم في سائر الأعصار على ما قدمنا آنفاً، ويركب وقليمي - وهو يملك ملوك سائر الزنوج - في ثلاثمائة ألف فارس، ودوّابهم البقر، وليس في أرضهم خيل وَلا بغال وَلا إبل، وَلا يعرفونها، وكذلك لا يعرفون الثلج والبرد، ولا غيرهم من الأحابش، ومنهم أجناس محدّدة الأسنان يأكل بعضهم بعضاً .
ومساكن الزنج من حد الخليج المتشعب من أعلى النيل إلى بلاد سفالة والواق
واق، ومقدار مسافة مساكنهم واتصال مقاطنهم في الطول والعرض نحو سبعمائة فرسخ أودية وجبال ورمال.
والفيلة في بلاد الزنج في نهاية الكثرة، وحشية كلها غير مستأنسة، والزنج لا تستعمل منها شيئاً في حروب ولا غيرها، بل تقتلها، وذلك أنهم يطرحون لها نوعاً من وَرق الشجر ولحائه وأغصانه يكون بأرضهم في الماء، ويختفي رجال الزنج، فترد الفيلة لشربها، فإذا وردت وشربت من ذلك الماء [حرقها و] أسكرها، فتقع، ولا مفاصل لقوائمها ولا رُكَبَ على حسب ما قدمنا، فيخرجون إليها بأعظم ما يكون من الحِرَاب فيقتلونها لأخذ أنيابها ؛ فمن أرضهم تجهز أنياب الفيلة، في كل ناب منها خمسون ومائة مَنْ، بل أكثر من ذلك [ والاثنان منها ثلاثمائة مَنّ، وأكثر من ذلك] فيجهز الأكثر منها من بلاد عمان إلى أرض الصين والهند، وذلك أنها تحمل من بلاد الزنج إلى عمان، ومن عمان إلى حيث ذكرنا، ولولا ذلك لكان العاج بأرض الإسلام كثيراً، وأهل الصين يتخذ ملوكها وقوادها وأراكنتها الأعمدة من العاج، ولا يدخل قُوَّادها ولا أحد من خواصها على ملوكها بشيء من الحديد، بل بتلك الأعمدة المتخذة من العاج، ورغبتهم فيما استقام من أنياب الفيلة ولم يتقوس ؛ لاتخاذ الأعمدة منها على ما ذكرنا، ويستعمل العاج في دخن بيوت أصنامها وأبخرة هياكلها، كاستعمال النصارى في الكنائس الدخنة المعروفة بدخنة مريم وغيرها من الأبخرة، وأهل الصين لا يتخذون الفيلة في أرضهم، ويتطيرون من اقتنائها [ عندهم] والحرب عليها ؛ لخبر كان لهم في قديم الزمان في بعض حروبهم.
والهند كثيرة الاستعمال لما يجهز إليهم من العاج في نُصب الخناجر، وهي الحراري واحدها حَرِّي، وفي قوائم سيوفها وهي القراطل، واحدها، قرطل، وهي سيوف معوجة، والأغلب في استعمال الهند العاج اتخاذها منه الشطرنج والنرد، والشطرنج ذو صور وأشكال على صور الحيوان من الناطقين وغيرهم، كل قطعة من الشطرنج كالشبر في عرض ذلك بل أكثر، فإذا لعبوا بها فإنما يقوم الواحد [منهم] قائماً فينقلها في بيوتها، والأغلب عليهم القمار في لعبهم بالشطرنج والنرد على الثياب والجواهر، وربما أنفد الواحد منهم ما معه فيلعب في قطع عضو من أعضاء جسمه، وهو أن يجعلوا بحضرتهم قدراً من النحاس صغيرة على نار فحم فيها دهن لحم أحمر فيغلى
ذلك الدهن المدمل للجراح والماسك لسيلان الدم، فإذا لعب في أصبع من أصابعه وقُمِرَ قطعها بذلك الخنجر، وهو مثل النار، ثم غمس يده في ذلك الدهن فكواها، ثم عاد إلى لعبه، فإذا توجه عليه اللعب أبان أصبعاً ثانية، وربما توجه عليه اللعب في قطع الأصابع والكف ثم الذراع والزند وسائر الأطراف، وكل ذلك يستعمل فيه الكي بذلك الدهن، وهو دهن عجيب يعمل من أخلاط وعقاقير بأرض الهند عجيب المعنى، لما ذكرنا، وما ذكرناه عنهم فمستفيض من فعلهم.
والهند تتخذ الفيلة [في بلادها] وتتناتج في أرضها، ليس فيها وحشية، وإنما هي حربية ومستعملة كاستعمال البقر والإبل، وأكثرها يأوي [إلى] المروج [والضياع] والغياض كالجواميس في أرض الإسلام، والفيلة تهرب من المكان الذي يكون فيه الكركدن على حسب ما قدمنا، فلا ترعى في موضع تشم فيه رائحة الكركدن، ويعمر الفيل بأرض الزنج نحواً من أربعمائة سنة، كذلك يذكر الزنج؛ لأنها تعرف في ديارها ومفاوزها، والفيل العظيم مما لا يتأتى لهم قتله، ومنها الأسود والأبيض والأبلق والأغبر، وفي أرض الهند منها ما يعمر المائة سنة والمائتين، ويضع المائة سنة والمائتين، ويضع حمله في كل سبع سنین.
ولها بأرض الهند آفة عظيمة نوع من الحيوان يعرف بالزبرق، وهي دابة أصغر من الفهد أحمر ذو زَغب وعينين براقتين [ عجيبة] سريع الوثبة، يبلغ في وثبته الثلاثين والأربعين والخمسين ذراعاً، وأكثر من ذلك، فإذا أشرف على الفيل رشش عليه بوله بذنبه فيحرقها . وربما لحق الإنسان فأتى عليه، وفي الهند من إذا أشرفت عليه هذه الدابة تعلق بأكبر ما يكون من [ شجر ] الساج، وهي أكبر من النخل وأكبر من شجر الجوز، تُكِنَّ الشجرة منها الخلق الكثير من الناس وغيرهم من الحيوان على حسب ما يحمل إلى البصرة والعراق ومصر من خشب الساج في طوله، فإذا تعلق الإنسان بأعلى تلك الشجرة وعجز هذا الحيوان عن إدراكه لصق بالأرض ووثب إلى أعلى الشجرة، فإن لم يلحق الإنسان في وثبته رشش من بوله إلى أعلى الشجرة، وإلا وضع رأسه في الأرض وصاح صياحاً عجيباً، فيخرج من فيه قطع دم ويموت من ساعته وأي موضع من الشجر سقط عليه بوله أحرقه وإن أصاب الإنسان شيء من بوله أتلفه وكذلك سائر الحيوان.
وملوك الهند تتخذ في خزائنها مرارة هذه الدابة ومذاكيره، ومواضع من أعضائه،
وهو السم القاتل من ساعته ومنه ما يسقى به السلاح فيتلف من فوره، ومذاكير هذه الدابة كمذاكير كلب الماء الذي يخرج منه الجندبادستر، وهذا الكلب [أمره] مشهور عند الصيادلة،وغيرهم، وهو اسم فارسي معرب وإنما هو كند وتفسير ذلك الخصية، فعرب فقيل جندبادستر. والدابة المتقدم ذكرها المعروفة بالزبرق لا تأوي إلى موضع يكون فيه النوشان - وهو الكركدن - وتهرب منه كما يهرب منه الفيل أيضاً، والفيل يهرب من السنانير - وهي القطاط - ولا يقف لها البتة إذا أبصرها، وقد ذكر عن ملوك الفرس أنها كانت توقي الفيلة المقاتلة بالرجالة حولها ومراعاة حيل الأعداء عند الحرب بتخلية السنانير عليها، وكذلك أفعال ملوك السند والهند إلى هذه الغاية، وقد ذكر أن الخنازير ربما تهرب منها الفيلة.
وقد كان رجل بالمولتان من أرض السند يدعى هارون بن موسى مولى الأزد، وكان شاعراً شجاعاً ذا رياسة في قومه ومَنَعَة بأرض السند مما يلي أرض المولتان، وكان في حصن،له، فالتقى مع بعض ملوك الهند وقد قدمت الهند أمامها الفيلة، فبرز هارون بن موسى أمام الصف وقصد لعظيم [من] الفيلة وقد خبأ تحت ثوبه سنوراً، فلما دنا في حملته من الفيل خلى القط عليه، فولى الفيل منهزماً لما بصر بذلك الهر، وكان ذلك هزيمة الجيش، وقتل الملك، وغلبة المسلمين عليهم، ولهارون بن موسى قصيدة يصف فيها ما ذكرناه، وهي:
أليس عجيباً بأن تلقه ***له فطن الأسد في جرم فيل
وأطرف من من نسبه زوله ***بحلم يجل عن الخنشبيل
أليس عجيباً بأن تلقه ***غليظ الدراك لطيف الحويل
وأرقص مختلف خلقه ***طويل النيوب قصير النصيل
ويخضع لليث ليث الْعَرِينِ***فإن ناشب الهر من رأس ميل
ويلقى العدو بناب عظيم***وجوف رحيب وصوت ضئيل
وأشبه شيء إذا قسته ***بخنزیر بر وجاموس غيل
ينازعه كل ذي أربع ***فما في الأنام له من عَدِيل
ويعصف بالبَبرِ بعد النمور ***كما تعصف الريح بالعندبيل
و شخص ترى يده أنفه ***فإن وصلوه فسیف صقيل
وأقبل كالطَّوْد هادي الخميس ***بصوت شديد أمام الرعيل
فمرَّ بسيل كسيل الأتي ***بخطو خفيق وجرم ثقيل
فإن سُمْتَه زاد في هوله ***بشاعة أذنين في رأس غول
وقد كنت أعددت هراً ***له قليل التهيب للزندبيل
فلما أحَسَّ به في العجاج ***أتانا الإله بفتح جليل
وطار وراغمَ فَيَّاله ***بقلب نخيب وجسم ثقيل
فسبحان خالقه وحده ***إله الأنام ورب الفيول
العندبيل: طائر صغير يكون بأرض السند والهند، تذكره الشعراء في أشعارها تمثلاً به لصغره، والزندبيل: هو العظيم من الفيلة والمقدَّم فيها، وقد قيل: إن الزندبيل هو اسم لما اشتد في الحرب من إناث الفيلة، وقد ذكر بعض الشعراء في هذا المعنى الزندبيل عند ذكره للفيل فقال:
ذاك الذي مشفره طويل ***وهو من الأفيال زندبيل
: وقال آخر
وفيله کالطود زندبيل
وقد ذكر عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الحيوان هذه القصيدة، وفسر بعض أبياتها، وذكر في معنى الخنشبيل وتفسيره قول الأنصاري في صفة النحل:
[تبيض العشاء بأذنابها ***وفي مَدَرِ الأرض عنها فضول]
ويشبعها المص مص الثرى ***إذا عاجت الشاة والخنشبيل
قال: وهذا غير قوله:
قد علمت جارية عُطْبُول ***أنى بتصل الصيف خَنْشَبِيلُ
والفيلة لا تنتج ولا تتوالد إلا بأرض الزنج والهند، ولا تعظم أنيابها بأرض السند والهند على حسب ما تعظم بأرض الزنج، والزنج تتخذ من جلود الفيلة الدَّرَقَ وكذلك الهند، ولا يلحق ذلك في المنعة شيء من الدرق الصيني والتبتي، [واللمطي] والبجاوي، ولا ما نقع في اللين وغير ذلك من أنواع الدرق.
و خرطومه أنفه، وبه يوصل الطعام والشراب إلى جَوْفه، وهو شيء بين الغضروف واللحم والعصب وبه يقاتل ويضرب، ومنه يصيح وليس صوت الفيل على مقدار عظم جسمه وكبر خلقه.
وقد كان المنصور عُني بجمع الفيلة لتعظيم الملوك السالفة إياها واقتنائها لها، وإعدادها للحروب والزينة في الأعياد وغيرها؛ فإنها أوطأ مراكب الملوك وأمْهَدُها، وأخبرني بعض الكتاب ممن يرجع إلى أدب [ وعقل] ومعرفة بأيام الناس بمدينة السلام، أنه اشترى بغلة في غاية الفَرَاهة والحسن، فكان يركبها في مهماته وتصرفاته، وكانت إذا رأت الجمال البُخْتَ أو العراب من العَمَّالة أو غيرها في الطريق نفرت وَشَبَّتْ، وكان يلقى منها جهداً جهيداً فيصبر على ذلك المكروه؛ لما هي عليه من الفراهة والحسن، وأنه لا يحمله غيرها لعظم جسمه وكبر بطنه [وسمنه] قال: فلما كان في بعض الأيام اجتزت بباب الطاق - وذلك في أيام المقتدر، وقد أخرج الفيلة للرياضة والتمهيد وليحمل عليها الليث بن علي الصفار وأصحابه، وقد كان مؤنس [المظفر] الخادم أسره ببلاد فارس حين خرج على السلطان - قال: فأشرفت على قطار من الجمال البُخْتِ منهزمة خائفة الفيل، تجمز في مشيتها، لا سبيل لمن عليها أن يحبسها لما قد لحقها من الجزع، فلما رأت البغلة ذلك شَبَّتْ وَوَلت على عقبها، ورمت بي الأرض فوقعت كجلد ثور منفوخ، ودخلت الجمال إلى درب لا ينفذ، وقد كانت البغلة حين رمت بي ونفرت من الجمال دخلت ذلك الدرب، وجاءت الفيلة على أثر ذلك، فلما نظرت البغلة إلى الفيلة وعظم خلقها لحقت بالجمال ودخلت بينها كأنها لم تزل معها وتزلزلت كتزلزل الجمال، إذ رآني من الناس، فرفعوني، ودخل الغلام فأخرج البغلة وما استطاع إخراجها حتى مضت الفيلة، وأخرجت من وسط بعض الجمال، فوالله ما نفرت بعد ذلك من جمل، وقد ألفت الجمال حتى كأنها بعضها؛ لاستصغارها صورة الجمل عندما شاهدت [من عظم] صورة الفيل
وكل حيوان ذي لسان فأصل لسانه إلى داخل، وطرفه إلى خارج، إلا الفيل؛ فإن طرفه لسانه إلى داخل وأصله إلى خارج، والهند تزعم أنه لولا أن لسانه مقلوب ثم لقن الكلام لتكلم، والهند تُشَرِّفُ الفيل وتفضله على سائر الحيوان، لما اجتمع فيه من الخصال المحمودة: من علو سمكه، وعظم صورته، وبديع منظره، واتصال صَهْوَته، وطول خرطومه، وسَعَة أذنه، وكبر غرموله، مع خفة وطئه، وطول عمره، وثقل جسمه، وقلة اكتراثه بما وضع على ظهره، وأنه - مع كبر هذا الجسم وعظم هذه الصورة - يمربالإنسان فلا يحس بوطئه، ولا يشعر به [حتى يغشاه] لحسن خطوته واستقامة مشيه.
وقد وصف [عمرو بن بحر] الجاحظ الفيل في كتاب الحيوان فأغرق في وصفه، وأكثر في مدحه، وعدد معاني كثيرة في صفة الفيل وهيئته، وما هو عليه من عجيب التركيب وغريب التأليف، والمعاني الصحيحة، والإحساسات اللطيفة، وفي قبولها التأديب [وصحة تمييزها] وسرعتها إلى التلقين والتقويم، وما في أبدانها من الأعضاء الكريمة، والأجزاء الشريفة، وكم مقدار منافعها، ومبلغ مضارها، وبتلك الفضيلة من الإحساس فاقت تلك الأجناس، وما فيها من الآيات والبرهانات والعلامات النيرات التي جلاها الله لعيون خلقه، وفرق بينها وبين عقول عباده، وقيدها عليهم، وحفظها لهم، لتكثر لهم، وتزيد بهم إلى وضوح الحجة، وتسخرهم لتمام النعمة، وما ذكر الله في الكتاب الناطق والخبر الصادق، وفي الآثار المعروفة، والأمثال المضروبة، والتجارب الصحيحة، وما قالت الشعراء فيه، ونطقت به الفصحاء، وميزته العلماء، وعجبت منه الحكماء، وحالها عند الملوك، وموضع نفعها عند الحروب، وتباينها في العلوم، وجلالتها في الصدور، وفي طول أعمارها، وقوة أبدانها، وفي اعتزامها وتصميمها وأحقادها وشدة اكتراثها، وطلبها بطوائلها، وارتفاعها عن ملك السّقاط واقتناء السفلة والأراذل وعن ارتخاصها في الثمن، وارتباطها على الخسف، وابتذالها، وإذلالها، وعن امتناع طبائعها، وتمنع غرائزها أن تصلح أبدانها وتنبت أنيابها وتعظم جوارحها وتتسافد وتتلاقح إلا في معادنها وبلادها ومغارس أعراقها، مع التماس الملوك ذلك منها، وطمع القوم عليها بالتقرب بذلك منها، حتى أعجزت الحيل، وخرجت عن حد الطمع، وعن الأخبار عن حملها ووضعها ومواضع أعضائها، والذي خالفت فيه الأشكال الأربعة التي تحيط بالجميع مما يستناخ أو يقوم أو يمشي أو يطير، وجميع ما ينتقل عن أولية خلقه، وما يبقى على الطبع الأول من صورته، وعما يتنازعه من شَبَه الحيوان، وما يخالف فيه جميع الحيوان، وعن القول في شدة قلبه وأسره وفي حدته على ما هو أعظم بدناً وأشد قلباً وأحَدٌ ظفراً وأذرب لساناً وهربه مما هو أصغر جسماً، وأكلّ حدّاً، وأضعف أسراً، وأخمل ذكراً، وعن الأخبار عن خصاله المذمومة وأموره المحمودة، وعن القول في لونه وجلده وشعره ولحمه وشحمه وعظمه وبوله ونجوه، وعن لسانه وفمه، مع غير ذلك من المواعيد الكثيرة التي تضمن إيرادها، فلما انتهى إلى موضع نظمها وإيراد وصفها وما أسلفه من القول في هذه المعاني التي قدَّمها أورد جوامع متفرقة، ولمعاً غير متسقة في الفيلة وغيرها، وأعرض عن إيراد خواص أعضائها وأكثرمنافعها، وعجيب خصالها، وما ذكر من أسرار الطبيعة فيها، وما قالته فلاسفة الهند في بدئها، وما أثرته عمن تقدم من حكمائها في بدء أوليتها وعلة تكوينها في أرض الزنج والسند، دون سائر البقاع من الأرض، والسبب المانع لتكونها في غيرها، والتضاد الذي بينها وبين الكركدن مع عظم
خَلْقها؛ وفرارها من السنور، مع صغر حجم جسمه ولطافة منظره، وعن كثرة الطرب الذي يوجد في الفيل دون غيره من الحيوان، وقبولها الرياضة والدربة والمعرفة عند المحاورة والدهاء، والخبث، والتمييز.
وقد ذكر صاحب المنطق في كتاب الحيوان جملاً كثيرة من خصال الفيل ومنافع أعضائه، وسلك طريقة لم يسلكها من تقدم من حكماء الهند [ في الفيل، وما ذهب إليه حكماء الهند] من أن العالم بما فيه من الأجسام على جهات ثلاث: متفق ومختلف، مضاد وأن ذلك في الجملة هو جماد ونام، وإخراجهم عن العالم الأفلاك والنجوم والبروج وغير ذلك من الأجسام السماوية، وأنها ليست بجماد ولا نام، وأنها أحياء ناطقة.
قال المسعودي: فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه آنفاً في صدر هذا الباب، من ذكر الزنج وبلادهم وغيرهم من أنواع الأحابش ؛ فالزنج - مع كثرة اصطيادها لما ذكرنا من الفيلة وجمعها لعاجها - غير منتفعة بشيء من ذلك في آلاتها إنما تتحلى الزنج بالحديد بدلاً عن الذهب والفضة، وما ذكرنا من دوابهم أنها بقر، وأنهم عليها يتقاتلون بدلا من الإبل والخيل، وهي بقر تجري كالخيل بسروج ولجم.
ورأيت بالري نوعاً من هذا البقر يبرك كما يبرك الجمل ويثور بحمله كما تثور الإبل إذا استقلت بأحمالها، وهذا النوع من البقر يحمل عليه الميتة من الحيوان كالخيل والإبل والحمير والبغال، ومُلاكها نوع من المجوس مَزْدَقية، ولهم خارج الري قرية لا يسكن معهم فيها غيرهم، فإذا مات بالري أو قزوين شيء مما ذكرنا من البهائم ورد الواحد منهم مع ثوره فأناخه، وحمل عليه تلك الجيفة وسار بها إلى قريته، فأكلهم منها، وبنيانهم من عظامها، ويحففون من لحمها ما يدخرونه لشتائهم، فأكثر أكلهم وأكل بقرهم من تلك
اللُّحْمَان رطباً ويابساً، وهذا النوع من البقر الغالب عليه حمرة الحدق، وسائر البقر تنفر وتهرب من هذا البقر، ورأيت بأصبهان وقم منها ما في أنوفها حلق الحديد والصّفر، قد حزمت فيها الحبال، وخطمت بها كما يفعل بالجمال البُخت، وكذلك بالري رأيت ثوراً منها قد عدا نحو ثور من غير هذا النوع، فلما رآه [قد] قصده قام فزعاً من هذا الجنس .
وليس في سائر أنواع البقر ما يأوي المياه والجزائر والبحيرات إلا البقر المعروف الحبشية التي تكون ببلاد مصر وأعمالها، وبحيرة تنيس ودمياط وما اتصل بتلك الديار،
وأما الجواميس فإنها بالثغر الشامي تجر أكبر ما يكون من العَجَل، في أنوفها حلق الحديد والصُّفر على ما ذكرنا من البقر، وكذلك منها ببلاد أنطاكية، وأكثر ذلك ببلاد السند والهند و طبرستان، وقرون تلك البقر أكبر من قرون هذه الجواميس التي بأرض الإسلام، وطول القرن منها نحو الذراع والذراعين وكذلك الجواميس كثيرة بأرض العراق مما يلي طفوف الكوفة والبصرة والبطائح وما اتصل بهذه الديار، والناس يذكرون عَنْقاء مُغرب ويصورون العنقاء في الحمامات وغيرها، ولم أجد أحداً في هذه الممالك ممن شاهدته أو نمي إليَّ خبره ذكر أنه رآها، ولست أدري كيف ذلك، ولعله اسم لا مسمى له!
ولنرجع الآن إلى أخبار الزنج وأخبار ملوكها فأما تفسير اسم ملك الزنج - الذي هو وقليمي - فمعنى ذلك ابن الرب الكبير؛ لأنه اختاره لملكهم والعدل فيهم، فمتى جار الملك عليهم في حكمه وحاد عن الحق قتلوه وحرموا عقبه المُلْكَ، ويزعمون أنه إذا فعل ذلك فقد بطل أن يكون ابن الرب الذي هو ملك السموات والأرض، ويسمون الخالق عز وجل ملكنجلو، وتفسيره الرب الكبير، والزنج أولو فصاحة في ألسنتهم، وفيهم خطباء بلغتهم، يقف الرجل الزاهد منهم فيخطب على الخلق الكثير منهم، ويرغبهم في القرب من بارئهم، ويبعثهم على طاعته، ويرهبهم من عقابه وصولته ويذكرهم من مضى من ملوكهم وأسلافهم، وليس لهم شريعة يرجعون إليها، بل رسوم لملوكهم، وأنواع من السياسات يسوسون بها رعيتهم، وأكلهم الموز، وهو ببلادهم كثير، وكذلك بأرض الهند، والغالب على أقوات الزنج الذرة، ونبت يقال له الكلاري يقلع من الأرض: كالكمأة والراسن، ومنه كثير ببلاد عدن وما اتصل بها من أرض اليمن، ويشبه هذا الكلاري القلقاس الذي يكون بالشام ومصر، ومن غذائهم أيضاً العسل واللحم، ومن هوي منهم شيئاً من نبات أو حيوان أو جماد يجده، وجزائرهم في البحر لا تحصى كثرة، وفيها النارجيل يعم أكله سائر الزنج، ومن بعض تلك الجزائر جزيرة بينها وبين ساحل الزنج نحو من يوم أو يومين، فيها خلائق من المسلمين يتوارثها ملوك من المسلمين، يقال لها قنبلو، على حسب ما ذكرنا من أمرها في هذا الكتاب.
وأما النوبة فافترقت فرقتين: فرقة في شرق النيل وغربيه، وأناخت على شطيه، فاتصلت دیارها بديار القبط [من] أرض مصر والصعيد من بلاد أسوان وغيرها، واتسعت مساكن النوبة على شاطىء النيل مُضعِدة، ولحقوا بقريب من أعاليه، وبنوا دار مملكة،
وهي مدينة [عظيمة] تدعى دنقلة، والفريق الآخر من النوبة يقال لهم علوة، وبنوا مدينة عظيمة وسموها سرية.
قال المسعودي: وانتهيت في تصنيفي إلى هذا الموضع من كتابنا هذا في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وتلاثين وثلاثمائة [ وكنت بفسطاط مصر] فأخبرت أن الملك في مدينة دنقلة للنوبة:«كابل» بن سرور، وهو ملك ابن ملك ابن ملك فصاعداً وملكه يحتوي على ما قرة وعلوة،والبلد المتصل بمملكته بأرض أسوان يعرف بمريس، وإليه تضاف الريح،المريسية وعمل هذا الملك متصل بأعمال مصر من أرض الصعيد ومدينة أسوان.
وأما البجة فإنها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر، وتشعبوا فرقاً، وملكوا عليهم ملكاً، وفي أرضهم معادن الذهب، وهو التبر، ومعادن الزمرد، وتتصل سراياهم [ ومناسرهم] على النُّجُب إلى بلاد النوبة، فيغيرون ويسبون، وقد كانت النوبة قبل ذلك أشدمن البجة، إلى أن قوي الإسلام وظهر، وسكن جماعة من المسلمين معدن الذهب وبلاد العلاقي وعيذاب، وسكن في تلك الديار خلق من العرب من ربيعة بن نزار بن، معد بن عدنان فاشتدت شوكتهم، وتزوجوا في البجة ؛ فقويت البجة بمن صاهرها من ربيعة، وقويت ربيعة بالبجة على من ناوأها وجاورها من قحطان وغيرهم من مضر بن نزار ممن سكن تلك الديار، وصاحب المعدن في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - أبو مروان بشر بن إسحاق، وهو من ربيعة، يركب في ثلاثة آلاف من ربيعة وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألف حراب على النُّجب من البجة بالحجف البجاوية، وهم الحداربة، وهم المسلمون ممن بين سائر البجة، وباقي البجة كفار يعبدون صنماً لهم.
وأما الحبشة فاسم مملكتهم كعبر وهي مدينة عظيمة، وهي دار مملكة النجاشي، وللحبشة مدن كثيرة وعمائر واسعة، يتصل ملك النجاشي بالبحر الحبشي، ولهم ساحل لهم فيه مدن كثيرة، وهو مقابل لبلاد اليمن: فمن مدن الحبشة على الساحل الزيلع والدهلك وناصع، وهذه مدن فيها خلق من المسلمين إلا أنهم في ذمة الحبشة، وبين ساحل الحبشة ومدينة غلافقة وهي ساحل زبيد من أرض اليمن - ثلاثة أيام عرض البحر بين الساحلين، ومن هذا الموضع عبرت الحبشة البحر حين ملكت اليمن في أيام ذي نواس وهو صاحب الأخدود المذكور في القرآن، وصاحب زبيد في وقتنا هذا إبراهيم ابن
زياد صاحب الحرملي ومراكبه تختلف إلى ساحل الحبشة، وتركب فيها التجار بالأمتعة، وبينهم مهادنة، وهذا الموضع من البحر بين هذين الشطين - أعني ساحل اليمن، وساحل الحبشة - أقل المواضع فيه عرضاً، وهنالك جزائر بين هذين الساحلين: منها جزيرة العقل، يقال: إن فيها ماء يعرف بماء العقل، يستسقي منه أرباب المراكب، ويفعل في القرائح والذكاء فعلا جميلا، وقد ذكر بعض الفلاسفة المتقدمين ما يفعل هذا الماء وما له من الخواص، وذكر علة ذلك، وقد أتينا على الخبر في كتابنا «أخبار الزمان» عند ذكرنا لأخبار المتطببين في تجاربهم وما كان من قضاياهم في علاجاتهم ممن سلف قبل ظهور الإسلام وغيرهم ممن اتصل بالملوك والخلفاء بعد ظهور الشرع، وقد غلب ابن زياد على الجزيرة، وله في هذا الوقت رجال مرتبون فيها من أصحابه.
وفي هذا البحر مما يلي بلاد عدن جزيرة تعرف بسقطرة، إليها يضاف الصبر السقطري، ولا يوجد إلا فيها، ولا يحمل إلا منها، وقد كان أرسطاطاليس بن نقوماخس كتب إلى الإسكندر بن فيلبس حين سار إلى الهند في أمر هذه الجزيرة يوصيه بها، وأن يبعث إليها جماعة من اليونانيين يُسكنهم فيها من أجل الصبر السقطري الذي يقع في الأيارجات وغيرها، فصيَّر الإسكندر إلى هذه الجزيرة خلقاً من اليونانيين أكثرهم من مدينة أرسطاطاليس بن نقوماخس، وهي مدينة إسطاغر، في المراكب بأهليهم في بحر القلزم ؛ فغلبوا على من كان بها من ملوك الهند، وملكوا الجزيرة، وكان للهند بها صنم عظيم، فنقل ذلك الصنم في أخبار يطول ذكرها، وتناسل مَنْ بالجزيرة من اليونانيين فيها، ومضى الإسكندر فظهر المسيح فتنصر من كان بها إلى هذا الوقت، وليس في الدنيا - والله أعلم - موضع فيه قوم من اليونانيين يحفظون أنسابهم لم يُداخلهم في أنسابهم رومي ولا غيرهم غير أهل هذه الجزيرة، وهم في الوقت تأوي إليهم بَوَارجُ الهند الذين يقطعون على المسلمين في هذه البوارج - وهي المراكب - على من أراد الصين والهند وغيرها كما يقطع الروم في الشواني على المسلمين في البحر الرومي من ساحل الشام ومصر، ويحمل من جزيرة سقطرة الصبر [ السقطري] وغيره من العقاقير، ولهذه الجزيرة أخبار عجيبة، ولما فيها من خواص النبات والعقاقير قد أتينا على كثير من ذكرها فيما سلف من كتبنا.
وأما غير هؤلاء من الحبشة الذين قدمنا ذكرهم ممن أمعن في المغرب - مثل
الزغاوة والكوكو والقراقر ومديدة ومريس والمبرس والملانة والقوماطي ودويلة والقرمة - فلكل واحد من هؤلاء وغيرهم من أنواع الأحابش ملك، ودار مملكة.
وقد أتينا على ذكر جميع أجناس السودان وأنواعهم ومساكنهم ومواضعها من الفلك، ولأية علة تفلفلت شعورهم واسودت ألوانهم، وغير ذلك من أخبارهم وأخبار ملوكهم وعجائب سيرهم وتشعبهم في أنسابهم ؛ في كتابنا «أخبار الزمان» في الفن الأول من جملة الثلاثين فناً، ثم في الكتاب الأوسط مما لم نذكره في كتابنا «أخبار الزمان» من أخبارهم، وذكَرْنا في هذا الكتاب ما لا يسع ترك إيراده فيه ولا تعريته منه.
قال المسعودي: وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما افتتح عمرو بن العاص مصر كتب إليه بمحاربة النوبة، فغزاهم المسلمون، فوجدوهم يرمون الحدق وأبي عمرو بن العاص أن يصالحهم، حتى صُرِفَ عن مصر، ووليها عبد الله بن سعد، فصالحهم على رؤوس من السَّبي معلومة، مما يسبي هذا الملك المجاور للمسلمين من غيرهم من ممالك النوبة المقدم ذكرها فيما سلف من صدر هذا الباب المدعو بملك مريس وغيرها من أرض النوبة، فصار ما قبض منه من السبي سُنَّةٌ جارية في كل سَنَة إلى هذه الغاية يحمل إلى صاحب مصر ويدعي هذا السبي [في العربية] بأرض مصر والنوبة بالبقط، وعدد ذلك ثلاثمائة رأس وخمس وستون رأساً، وأراه رسم على عدد أيام السنة، هذا لبيت مال المسلمين بشرط الهدنة بينهم وبين النوبة، وللأمير بمصر غير ما ذكرنا من عدد السبي أربعون رأساً، ولخليفته المقيم ببلاد أسوان المجاورة لأرض النوبة، وهو المتولي لقبض هذا البقط، وهو السبي، عشرون رأساً غير الأربعين، وللحاكم المقيم بأسوان الذي يحضر مع أمير أسوان قبضُ البقط خمسة رؤوس غير العشرين التي يقبضها الأمير، ولاثني عشر شاهداً عدولاً من أهل أسوان يحضرون مع الحاكم حين قبض البقط اثنا عشر رأساً من السبي حسب ما جری به الرسم في صدر الإسلام في بدء إيقاع الهدنة بين المسلمين والنوبة، والموضع الذي يتسلّم فيه هذا البقط ويحضره من سميناه وغيرهم من النوبة من ثقات الملك يعرف بالقصر، وهو على ستة أميال من مدينة أسوان بالقرب من جزيرة بلاق، وبلاق هذه مدينة في الموضع المعروف بالجنادل في الجبال والأحجار، وهذه المدينة في هذه الجزيرة يحيط بها ماء النيل كإحاطة ماء الفرات بالمدن التي في الجزائر [الكائنة] بين رَحْبَة مالك بن طوق وهيت، وهي ناوسة وعانة والحديثة وفي مدينة بلاق خلق كثير من الناس ومنبر ونخل كثير من كلا الشطين، وهذه المدينة إليها تنتهي سفن النوبة وسُفُن المسلمين من بلاد مصر وأسوان، ومدينة أسوان يسكنها
كثير من العرب من قحطان ونزار بن معد من ربيعة ومضر وخلق من قريش، وأكثرهم ناقلة من الحجاز وغيره، والبلد كثير النخل خصيب كثير الخير تُودَعُ النواة الأرض فتنبت نخلة، ويؤكل من ثمرها بعد سنتين، وليست تربتهم كتربة البصرة ولا الكوفة ولا غيرهما من أرض النخل ؛ لأن النخل بالبصرة لا ينبت من النوى بل ينبت من الثال والفسيل، وهو النخل الصغير، وما يخرج من النواة فليس يثمر ولا يفلح، ولمن بأسوان من المسلمين ضياع كثيرة داخلة بأرض النوبة يؤدون خراجها إلى ملك النوبة، وابتيعت هذه الضياع من النوبة في صدر الزمان في دولة بني أمية وبني العباس، وقد كان ملك النوبة استعدى المأمون حين دخل مصر على هؤلاء القوم بوفد أوفدهم إلى الفسطاط، ذكروا عنه أن ناساً من أهل مملكته وعبيده باعوا ضياعاً من ضياعهم ممن جاورهم من أهل أسوان، وأنها ضياعُه والقوم عبيد [ه، و ] لا أملاك لهم، وإنما تملكهم على هذه الضياع تملك العبيد العاملين فيها، فرد المأمون أمرهم إلى الحاكم بمدينة أسوان ومن بها من أهل العلم والشيوخ، وعلم من ابتاع هذه الضياع من أهل أسوان أنها ستنزع من أيديهم فاحتالوا على ملك النوبة بأن تقدموا إلى من ابتاع منهم من أهل النوبة أنهم إذا حضروا حضرة الحاكم أن لا يقروا لمليكهم بالعبودية وأن يقولوا سبيلنا معاشر المسلمين سبيلكم مع ملككم تجب علينا طاعته وترك مخالفته، فإن كنتم أنتم عبيداً لملككم وأموالكم له فنحن كذلك، فلما جمع الحاكم بينهم وبين صاحب الملك أتوا بهذا الكلام للحاكم أو نحوه مما وقفوا عليه من هذا المعنى فمضى البيع لعدم إقرارهم بالرق لملكهم إلى هذا الوقت، وتوارث الناس تلك الضياع بأرض النوبة من بلاد مريس، وصار النوبة أهل مملكة هذا الملك نوعين: نوع ممن وصفنا أحرار غير عبيد، والنوع الآخر من أهل مملكته عبيد وهم مَنْ سكن النوبة في غير هذه البلاد المجاورة لأسوان، وهي بلاد مَرِيس.
ومعدن الزمرد في عمل الصعيد الأعلى من أعمال مدينة قفط، ومنها يخرج إلى هذا المعدن، والموضع الذي فيه الزمرد يعرف بالخربة مفاوز وجبال، والبجة تحمي هذا المكان المعروف بالخربة، وإليها يؤدي الخفارات من يرد إلى حفر الزمرد، والزمرد الذي يقتلع من هذا المكان يتنوع أربعة أنواع: النوع الأول منها يعرف بالمر، وهو أجودها وأغلاها ثمناً، وهو شديد الخضرة كثير الماء، وتشبه خضرته بأشد ما يكون من السلق خضرة، وهذا اللون غير كدر ولا ضارب إلى السواد، والنوع الثاني يدعى بالبحري، ومعناهم في هذه التسمية هو أن ملوك البحر من السند والهند والزنج والصين ترغب في
هذا النوع من الزمرد، وتباهي في استعماله ولباسه في تيجانها وأكاليلها وخواتيمها وأسورتها، فسمي البحري لما ذكرنا، وهو ثاني المر في الجودة وتشبه خضرته بالأول والماء كفراخ ورق الآس الذي يظهر في أوائل أغصان الآس وأطرافه، والنوع الثالث يعرف بالمغربي، ومعناهم في هذه التسمية وإضافتهم إياه إلى المغرب هو أن ملوك المغرب من الإفرنجة والنوكبرد والأندلس والجلالقة والوشكند والصقالبة والروس، وإن كان أكثر هؤلاء الأمم متصلين بالجدي وهو ما بين المشرق والمغرب على حسب ما ذكرنا من ديار ولد یافث بن نوح يتنافسون في هذا النوع من الزمرد كتنافس من ذكرنا من ملوك الهند والصين في النوع المعروف بالبحري، والنوع الرابع هو المسمى بالأصم، وهو أدنى الأنواع وأقلها ثمناً ؛ لقلة مائه وخضرته، وهذا النوع يتفاوت في اللون من الخضرة في القلة والكثرة، وجملة الوصف لهذه الأنواع الأربعة في الجودة والمبالغة في الثمن هو أكثرها ماء وأصفاها وأكثرها خضرة وأنقاها من السواد والصفرة، وغير ذلك من الألوان، مع تعري هذا الجوهر من النموشة، فإذا سلم مما ذكرنا كان في نوعه غاية في الجودة ونهاية في الوصف، وفي حجارته ما يبلغ الخمسة المثاقيل من الوزن، إلى أن ينتهي إلى حد العدسة في المقدار، فيدخل ذلك في النظم من المخانق وغيرها.
وآفات هذا الجوهر كثيرة، منها الريم والحجارة، والعروق البيض التي تشوب هذا الجوهر وتُوجَد فيه، ولا تناكر بين ذوي الدراية بهذا الجوهر ومن عني بمعرفته أن الحيات والأفاعي وسائر أنواع الحيات من الثعابين وغيرها إذا أبصرت الزمرد الخالص سالت أحداقها، وأن الملسوع إذا سقي من الزمرد الخالص، وزن دانقين على الفور أمن على نفسه من أن يسري السم في جسده، ولا يوجد شيء من أنواع الحيات يقرب من معدنه وأرضه، وهو حجر لين،رخو، يتكلس إذا ورد على النار.
وقد كانت ملوك اليونانيين ومن تلاهم من ملوك الروم تعظم شأن هذا الجوهر؛ وتفضله على غيره من سائر الجواهر؛ لما اجتمع فيه من الخواص العجيبة، والمنافع الكثيرة، ولخفته في الوزن دون سائر الجواهر المعدنية.
وأكثر ما يوجد من هذه الأنواع الأربعة العروق في الأرض، وهو المتنافس فيه، إذا سلم من الاعوجاج والثقب، واستقام سلكه، واستطال ما استدار، وأدناه ما ينحل في معدنه من التراب ويلتقط من الطين، وقد يوجد على ظهر الأرض في هذا المعدن في وهاده وجباله وما انخفض وارتفع من أرضه نوعان منه وهما المغربي والأصم المقدم ذكرهما.
وقد يحمل من أرض الهند من بلاد،سندان ونحو كنباية من مملكة البلهرا صاحب
المانكير المقدم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب نوع من الزمرد يلحق بما وصفناه من النور والخضرة والشعاع، إلا أنه حجر صلب أصلب مما وصفنا، وأثقل مما ذكرنا، ولا يُفرِّقُ بين هذا النوع المحمول من أرض الهند وبين الأنواع الأربعة المقدم ذكرها إلا ذو دراية فطن أو ماهر فيه، وهذا النوع الهندي يعرفه أصحاب الجوهر بالمكي؛ لأنه يحمل من أرض الهند إلى بلاد عدن وغيرها من سواحل اليمن، ويؤتى به مكة، فاشتهر بهذا الاسم لما وصفنا، وبان بهذا النعت لما ذكرنا.
وقد أتينا على مبسوط أخبار الجواهر الشفافة وغيرها ووصف معادنها على الشرح والإيضاح في كتابنا «أخبار الزمان» ووجدت جماعة بصعيد مصر، من ذوي الدراية - ممن اتصلت معرفته بهذا المعدن، وعرف هذا النوع من الجوهر الذي هو الزمرد - يخبرون أن هذا الزمرد يكثر ويقل في فصول من السنة، وفي قوة من مواد الهواء، وهبوب نوع من الرياح الأربع، وتَقْوَى الخضرة فيه والشعاع النوري في أوائل الشهر والزيادة في نور القمر، وكذلك وجدت في أخبار من عُني بمعرفة أكثر المعادن بني بمعرفة أكثر المعادن من الجوهرية وغيرها أن الكبريت الأبيض والأصفر وغيرهما من أنواع الكبريت يكثر في معدنه في السنة التي يكثر بَرْقُها، وتشتد صواعقها، على حسب ما أخبرنا به فيما سلف من هذا الكتاب عن الكافور في بلاد منصورة وغيرها من أرض الهند أنه يكثر في السنة التي تكثر فيها الصواعق والرعود والبروق، ولولا أن المكثار كحاطب ليل، والإيجاز لمحة دالة، وَوَحيَّ صَرَّح عن ضمير، والبلاغة إيضاح بإيجاز لأسهبت في هذا الباب.
وبين هذا الموضع المعروف بالخربة الذي فيه معدن هذا النوع من الجوهر، وهو الزمرد، وبين ما اتصل به من العمارة وقَرُب منه من الديار، مسيرة سبعة أيام وهي فقط وقوص وغيرهما من صعيد مصر، وقوص راكبة للنيل، وبين النيل وقفط نحو من ميلين، ولمدينتي قفط وقوص أخبار عجيبة في بدء عمرانهما وما كان في أيام الأقباط [من أخبارهما ] إلا أن مدينة قفط في هذا الوقت متداعية للخراب، وقوص أعمر، والناس فيها أكثر.
وبوادي البجة المالكة لهذا المعدن تتصل ديارها بالعلاقي، وهي معدن الذهب على حسب ما قدمنا في هذا الباب، وبين العلاقي والنيل خمس عشرة مرحلة، وماء أهل العلاقي ما انهل من السماء، ولهم ماء من عين يسيل في وسط العلاقي، وأقرب العمارة إليه مدينة أسوان، ومنها يسمى العلاقي، والنوبة متصلة بتجارتها وقوافلها بمدينة أسوان، وأهل أسوان مختلطون بالنوبة.
قال المسعودي: وأما بلاد الواحات - وهي بين بلاد مصر والإسكندرية وصعيد مصر والمغرب وأرض الأحابش من النوبة وغيرهم - فقد ذكرنا جملاً من أخبارها، وكيفية العمران بها، والخواص في أرضها، فيما سلف من كتبنا، وبها أرض شبية وزاجية وعيون حامضة وغير ذلك من الطعوم، وصاحب الواحات في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - عبد الملك بن مروان، وهو رجل من لواتة، إلا أنه مرواني المذهب، ويركب في ألوف من الناس خيلاً [ ورجلا] ونجباً، وبينه وبين الأحابش نحو من ستة أيام، وكذلك بينه وبين سائر ما ذكرنا من العمائر هذا المقدار من المسافة، وفي أرضه خواص وعجائب، وهو بلد قائم بنفسه، غير متصل بغيره، ولا مفتقر إليه، ويحمل من أرضه التمر والزبيب والأعناب، وقد رأيت صاحب هذا الرجل المقيم بالواحات بباب الإخشيد محمد بن طغج، وذلك سنة ثلاثين وثلاثمائة، وسألته عن كثير من أخبار بلدهم، وما احتجت أن أعلمه من خواص أرضهم، وكذلك كان فعلي مع غيره في سائر الأوقات ممن لم أصل إلى بلادهم، وأخبرني هذا الرجل عما بأرضهم من الشب وأنواع الزاج، وما يحمل من بلادهم، وما بأرضهم من أنواع العيون الحامضة، وغير ذلك من المياه المختلفة الطعوم.
وقد ذكر صاحب المنطق أن ببعض المواضع عيوناً حامضة يستعمل ماؤها، كاستعمال الخل، وذكر المواضع التي تنبع منها العيون المرة، وأن قوة مائها في المرارة لا يخالط شيئاً إلا مَرَّره، وأن العلة في اختلاف هذه الطعوم في المياه أن الأرضين مختلفة مثل مواضع الشب والمواضع النارية والرمادية، وذكر الأطعمة التي ببلاد صقلية المقدم ذكرها إذا خالطت الماء أفادته طعوماً مختلفة على قدر اختلافها وأعداد طعومها.
وأعداد الطعوم ثمانية: فأولها العذب،والملح، والدسم، والحلو، والحامض والمر، والقابض، والحريف، وقد تنازع الناس فيما ذكرنا ؛ فمنهم من رأى أن أعدادها سبعة، ومنهم من ذهب إلى أنها ستة، وأكثرمن قال في أعدادها هو ما ذكرنا آنفاً [من أنها ] ثمانية، وقد قال سلف في قوى المياه أقاويل مختلفة: فمن ذلك أن العذب مُغذِّ
وإن كان سخناً ؛ فإن استعمل من داخل أو من خارج [ بقدر الحاجة إليه] فإنه ينقي الجسد، وإن استعمل أكثر مما يحتاج إليه فإنه يرخي الأعضاء ويضعفها، وأن الماء البارد يشد الأعضاء، ويقطع العطش وأن الزيادة منه تخدر الجسد وتميته، وأن الماء الأجاج ينفع من
سُدّد الكبد والطحال، وأن الماء الكبريتي ينفع الجراح والقروح العتيقة والحكة، والبورقي نافع للحكة والجرب، وأما القاري فإنه نافع من أوجاع الصلب والعصب، وماء الحديد نافع من الاسترخاء في الأحشاء وَما بَطَن من الأوعية، وماء النحاس نافع من الرطوبة والبلة الكائنة في الجسد والرأس، وماء الجص يشنج المعدة ويقبضها ويكرشها، وماء الزاج يحبس الدم، وماء البحر نافع من البرص، وقد ذكر جماعة أنه ينفع من الأخلاط الفاسدة إذا شرب منه اليسير مع دهن اللوز، وله في البصر اتعاب فظيع، وأن أصح المياه للأجساد الأبيضُ البراق الذي يخرج من جبال الطين من مشرق الشمس نحو مغربها . القابل بسرعة ما يرد إليه من الحر والبرد، وللناس فيما ذكرنا كلام كثير في أنواع المياه أوصافها ومنافعها ومضارها، وليس كتابنا هذا موضعاً له، وإنما تغلغل بنا الكلام إلى ذكرها، وتشعب بنا القول إلى وصفها.
وكُلُّ ما ذكرنا من بلاد الأحابش ما كان من غربي اليمن وجدة والحجاز مما يلي بحر القلزم، فبلاد قشفة لا خير في أرضها، ولا شيء يحمل من ساحلها إلا ما وصفنا من الذبل والنمو [وغيرهما]، وكذلك ما عليه من ساحل الشحر وبلاد الأحقاف من ساحل حضرموت إلى عدن، فبلد لا خصب لأهله فيه، ولا يحملُ من أرضهم [في وقتنا] إلا اللبان ويسمى الكندر، وهذا البحر اتصاله بالقلزم وهو عن يمين بحر الهند وإن كان الماء متصلاً، وليس في البحار، وما ذكرنا من الخلجان مما احتوى عليه البحر الحبشي، أصعبُ ولا أكثر حيالاً، ولا أسهَك رائحة ولا أقحط ولا أقل خيراً في بطنه وظهره من بحر القلزم، وسائر البحر الحبشي تقطعه المراكب في إبان سيرها فيه بالليل والنهار، إلا بحر القلزم ؛ فإن المركب تسير فيه بالنهار، فإذا جَنّ الليل أرسَتْ في مواضع معروفة كالمراحل المشهورة، والمنازل المعروفة ؛ لكثرة جباله وظلمته ووحشته، وليس هذا البحر مما اتصل به من بحر الهند والصين وغيره في شيء، وهو بالضد من ذلك؛ لأن بحر الهند والصين في قعره اللؤلؤ، وفي جباله الجواهر، ومعادن الذهب والفضة والرصاص القلعي، وفي أفواه دوابه العاج، وفي منابته الآبنوس، والخيزران، والقنا، والبقم، والساج، والعود وأشجار الكافور، والجوز والقرنفل، والصندل والأفاويه والطيب والعنبر، وطيوره البباغي البيض والخضر، واحدها ببغة، ثم الطواويس وأنواعها في صورها واختلافها في الصغر والكبر ومنها ما يكون كالنعامة كبراً، وحشرات أرض الهند الزباد كالسنانير بأرض الإسلام كثيرة متخذة كالسنور، وأكثر ما يخرج من ضروعها الطيب المعروف بلبن الزباد، وهو نوع من الطيب عجيب، ثم ما يظهر في وقت
من السنة من جباه الفيلة بأرض الهند ورؤوسها من العرق الذي هو كالمسك، والهند تراعي ظهور هذا الطيب في الفصل من الزمان الذي يكون فيه، فتأخذه وتجعله على بعض أدهانها الطيبة، فيكون أغلى طيبها والمستطرف عندها، والذي تستعمله ملوكها وخواصها لضروب من المنافع منها طيب الرائحة والتجمر الذي قد فاق على سائر الطيب عندهم، وما يؤثر في الإنسان عند شمه إياه واستعماله من ظهور الشَّبق من الرجال والنساء والطلب للباه والاغتلام والطرب والنشاط والأريحية، وكثير من فُتّاك الهند وشجعانهم يستعمل هذا الدهن عند اللقاء والحرب؛ لأن ذلك عندهم مما يشجع القلب، ويقوي النفس، ويبعثها على الإقدام، وأكثر ما يظهر هذا النوع من العرق في جباه الفيلة في ذلك الفصلمن السنة حال اغتلامها وهيجانها، وإذا كان ذلك منها هرب عنها سُوَّاسُها ورعاتها، ولا تفرق بين من تعرف وغيره من الناس، وإذا وجد الفيل ما وصفنا سلك الأودية والجبال والغياض، وندَّ عن بلده، وغاب عن وطنه ؛ فإذا قدم على النوشان الذي هو الكركدن هرب حينئذ من الفيل، ولا يقيم في الموضع الذي هو فيه؛ لأن الفيل عند ذلك بحال السكران لا يعقل ولا يميز بين الكركدن الذي كان يخافه قبل ذلك وغيره ؛ فإذا خرج عنه ذلك الفصل من السنة واسترجع عاد إلى بلاده على مسيرة شهر وأكثر من ذلک،وهوفي بقية من سكره، فيبقى نحو ذلك المقدار الذي كان هيجانه فيه عليلاً، ولا يكون ذلك إلا في الفحول من الفيلة وذوي الجرأة منها والإقدام، وما ذكرنا من ظباء المسك وغير ذلك مما عنه أمسكنا من عجائبه [ وخيراته] وفيما ذكرنا تنبيه على غيره.
وللهند خطب طويل في ظهور هذا النوع من الطيب في هذه الحالة من الفيلة، والفرق بينه وبين سائر أنواع الدواب وما يظهر من الفيل من الجزع عند وروده المياه من الغدران والأنهار للشرب إذا كان الماء صافياً، فإنه يثيره ويكدره ويمتنع من شربه حين صفائه، وإن ذلك يوجد في أكثر الخيل إذا وردت الماء، وكان صافياً ضربته بأيديها فكدَّرته فتشرب حينئذ، وتوافق الخيل الفيلة في هذا المعنى دون سائر الحيوان، وإن ذلك لمشاهدة صورها في الماء لصقالته وصفائه، ولعلها تقصد زوال ذلك عند كدر [ما تضربه بأيديها ؛ لعدم ظهور الصور فيه في حال الكدر]، وإن الإبل الأغلب منها يفعل ذلك، ولمعان غير ذلك مما وصفنا من أن ما عظم من الحيوان إذا رأى صورته منعكسة على صفاء الماء أعجبته لعظمها وحسنها وما بان به من حسن الهيئة عما دونه من أنواع الحيوان، وليس شيء يفعل ذلك من الحيوان غير ما ذكرنا من الخيل والإبل [والفيلة]، وإن الفيل - مع عظم جسمه [ولطافة نفسه] وخفة روحه وحسن تمييزه والتفرقة بين وليه
وعدوه من الناطقين وغيرهم وقبوله الرياضة - يمتنع من الأنثى كما تمتنع النوق إذا لقحت، وليس شيء من الدواب يمتنع من السِّفاد من الإناث عند حملها إلا الفيلة والإبل، وهذا باب إن نحن تَقصَّيناه وذكرنا ما فيه طال به الكتاب، وخرج عن حد الاختصار والإيجاز. وقد أتينا على وصف جميع ذلك في كتابنا «أخبار الزمان» وغيره من كتبنا، فلنذكر الآن أنواعاً من ولد يافث بن نوح ؛ إذ كنا قد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب كثيراً من ذكر الأمم مع اختلاف ألوانهم، وتباينهم في ديارهم، واختلافهم في أحوالهم، إن شاء الله تعالى.
الصقالبة: من ولد مار بن يافث بن نوح، وإليه يرجع سائر أجناس الصقالبة، وبه يلحقون في أنسابهم، هذا قول كثير من أهل الدراية ممن، بهذا الشأن، ومساكنهم بالجدي إلى أن يتصلوا بالمغرب، وهم أجناس مختلفة وبينهم حروب، ولهم ملوك، ومنهم من ينقاد إلى دين النصرانية إلى رأي اليعقوبية، ومنهم من لا كتاب له ولا ينقاد إلى شريعة، وهم جاهلية لا يعرفون شيئاً من الشرائع، وهؤلاء أجناس: فمنهم جنس الملك فيهم قديماً في صدر الزمان، وكان ملكهم يدعى ماجك، وهذا الجنس يدعى وليناناً، وكان يتلو هذا الجنس في القديم سائر أجناس الصقالبة؛ لكون الملك فيهم، وانقياد سائر ملوكهم إليه، ثم يتلو هذا الجنس من أجناس الصقالبة اصطبرانة، وملكهم في هذا الوقت يدعى بصقلائح، وجنس يقال له دلاونة،وملكهم يدعى وانج علاف وجنس يقال لهم نامجين،وملكهم يدعى عزانة، وهذا الجنس أشجع أجناس الصقالبة وأفرس، وجنس يدعى منابن، وملكهم يدعى زنبير، ثم جنس [يقال له سرتين وهو جنس] عند الصقالبة لعلل يطول ذكرها وأوصاف يكثر شرحها، ونفرتهم من ملة ينقادون إليها، ثم جنس يقال له صاصين، ثم جنس يقال له جروانيق، ثم جنس يقال له خشانين، ثم جنس يقال له برانجابين، وما سميناه من أسماء بعض ملوك هذه الأجناس فَسِمَةٌ معروفة لملوكهم، والجنس الذي سميناه المعروف بسرتين يحرقون أنفسهم بالنار إذا مات فيهم الملك والرئيس، ويحرقون دوابه، ولهم أفعال مثل أفعال الهند، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب طرفاً من ذكرهم عند ذكرنا لجبل القبخ والخزر، وأن في بلاد الخزر [مع الخزر] خلقاً من الصقالبة والروس، وأنهم يحرقون أنفسهم بالنيران، وهذا الجنس من الصقالبة وغيرهم متصلون بالمشرق ويعبرون من المغرب .
فالأول من ملوك الصقالبة ملك الدير، وله مدن واسعة، وعمائر كثيرة، وتجارات المسلمين يقصدون دار ملكه بأنواع التجارات.
ثم يلي هذا الملك من ملوك الصقالبة ملك الأوانج، وله مدن وعمائر واسعة، وجيوش كثيرة، وعدد كثير، ويحارب الروم والإفرنج والنوكبرد، وغير هؤلاء من الأمم، والحرب بينهم سجال.
ثم يلي هذا الملك من ملوك الصقالبة ملك الترك، وهذا الجنس أحسن الصقالبة صوراً، وأكثرهم عدداً، وأشدهم بأساً.
والصقالبة أجناس كثيرة، وأنواع واسعة، لا يأتي كتابنا هذا على وصف أجناسهم وتفريع أنواعهم، وقد قدمنا الأخبار عن الملك الذي كان ينقاد إليه ملوكهم في قديم الزمان، وهو ماجك [ملك] وليناناً، وهذا الجنس أصل من أصول الصقالبة مُعظم في أجناسهم، وله قدم فيهم.
ثم اختلفت الكلمة بين أجناسهم؛ فزال نظامهم، وتحزّبَت أجناسهم، وملك كل جنس [منهم] ملكاً على حسب ما ذكرنا من ملوكهم لأمور يطول ذكرها، وقد أتينا على جمل من شرحها وكثير من مبسوطها في كتابنا «أخبار الزمان» من الأمم الماضية، والأجيال الخالية، والممالك الدائرة.
الإفرنجة والصقالبة والنوكبرد والأشبان ويأجوج ومأجوج والترك والخرز وبرجان واللان والجلالقة وغير ذلك ممن ذكرنا ممن حل الجدي، وهو الشمال، لا خلاف بين أهل البحث والنظر من الشرعيين أن جميع من ذكرنا من هؤلاء الأمم من ولد يافث بن نوح [وهو الأصغر من ولد نوح] ؛ فالإفرنجة أشد هؤلاء الأجناس بأساً، وأمنعهم هيبة، وأكثرهم عُدَّة، وأوسعهم ملكاً، وأكثرهم مدناً، وأحسنهم نظاماً وانقياداً لملوكهم، وأكثرهم طاعة ؛ إلا أن الجلالقة أشد من الإفرنجة بأساً، وأعظم منهم نكاية، والرجل من الجلالقة يقاوم عدة من الإفرنجة، وكلمة الإفرنجة متفقة على ملك واحد، لا تنازع بينهم فی ذلك، ولا تحزب، واسم دار مملكتهم في وقتنا هذا بويرة،وهي مدينة عظيمة، ولهم المدن نحو من خمسين ومائة مدينة غير العمائر والكور.
وكان أوائل بلاد الإفرنجة قبل ظهور الإسلام في البحر جزيرة رودس، وهي الجزيرة التي ذكرنا أنها مقابلة للإسكندرية، وأن فيها دار صناعة المراكب في وقتنا هذا للروم، ثم جزيرة إقريطش، وقد كانت للإفرنجة أيضاً ففتحها المسلمون ونزلوها إلى هذه الغاية، وكانت بلاد إفريقية وجزيرة صقلية للإفرنجة أيضاً، وقد أتينا على أخبار هذه الجزائر وخبر الجزيرة المعروفة بالبركان، وهي الأطمة التي يخرج منها أجسام من النار كأجساد الناس بلا رؤوس فتعلو في الهواء بالليل، ثم تسقط في البحر [فتطفو على الماء] وهی الحجارة التي يحك بها الكتابة من الدفاتر، وهي خفاف بيض على هيئة الشهد وأكوار الزنابير الصغار، وهي الأطمة المعروفة بأطمة صقلية، وفيها قبر فرفوريس الحكيم الذي صنف كتاب إيساغوجي، وهو المدخل إلى علم المنطق، وهذا الكتاب بهذا الرجل يعرف، وكذلك أتينا على ذكر آطام الأرض، كأطَمة وادي برهوت من بلاد حضرموت وبلاد الشّحر، وأطمة بلاد الزابج من بحر الصين، وأطمة بلاد أسك، وهي ما بين بلاد
فارس [ وبلاد الأهواز من أعمال مدينة أرجان من بلاد فارس]، وهذه النار ترى بالليل من نحو عشرين فرسخاً، وهي مشهورة بأرض الإسلام، وتفسير أطمة هي عين الناس التي تنبع من الأرض.
ولم نتعرض في هذا الكتاب لذكر الحمامات الكبريتية والزاجية، ولا الحمامات التي تظهر من مائها النار بالأطمة التي ببلاد ماسبدان من أرض أريوجان والسيروان يقال لها النومان [وهي أطمة تظهر من وسط مائها النار] وهي أطمة عجيبة تمنع ورود الماء عن إطفائها، وتدفعه بشدة قوتها وسلطان لهبها، وهي إحدى عجائب العالم؛ إذ كنا قد أتينا على علل جميع ذلك فيما سلف من كتبنا.
وقد أتينا على منافع أنواع المياه بجوامع ذكرناها، ولمع لوحنا بها، فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لأرض الواحات من بلاد،مصر، وإن كنا قد أتينا على مبسوط ذلك فيما تقدَّم من كتبنا.
قال المسعودي: ووجدت في كتاب وقع إليَّ بفسطاط مصر سنة ست وثلاثين وثلاثمائة أهداه عرماز الأسقف بمدينة جريدة من مدن الإفرنجة في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة إلى الحكم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية [بن هشام] بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ولي عهد أبيه عبد الرحمن صاحب الأندلس في هذا الوقت في عهده: يا أمير المؤمنين، إن أول ملوك إفرنجة «قلودية»، وكان مجوسياً فنصَّرته امرأته وكان اسمها غرطلة، ثم ملك بعده ابنه «لذريق»، ثم ولي بعد لذريق ابنه «دقشرت»، ثم ولي بعده ابنه الذريق»، ثم ولي بعده «قرطان» بن دقشرت ثم ولي بعده ابنه «قارلة» ثم ولي بعده ابنه «تبين» ثم ولي بعده «قارلة بن تبين» وكانت ولايته ستاً وعشرين سنة، وكان في أيام الحكم صاحب الأندلس، وقد تدافع أولاده بعده ووقع الاختلاف بينهم، حتى تفانت الإفرنجة بسببهم، وصار الذريق بن قارلة صاحب ملكهم ؛ فملك ثمانياً وعشرين سنة وستة أشهر، وهو الذي أقبل إلى طرطوشة فحاصرها، ثم ولي بعده ابنه «قارلة بن لذريق» وهو الذي تَهَادَن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، وكان محمد يخاطب بالإمام، وكانت ولايته تسعاً وثلاثين سنة، وستة أشهر، ثم ولي بعده ابنه «لذريق» ستة أعوام، ثم وثب عليه قائد الإفرنجة المسمى «نوسة»، وملك إفرنجة، وأقام في ملكه ثمان سنين، وهو الذي صالح المجوس على بلده سبع سنين بستمائة رطل ذهب وستمائة رطل فضة يؤديها صاحب الإفرنجة إليهم، ثم
ولي بعده «قارلة بن تقويرة» أربع سنين، ثم ملك بعده «قارلة» آخر، ومكث إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، ثم ولي بعده «لذريق بن قارلة» وهو ملك إفرنجة إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - وقد استوفى في مملكته عشر سنين إلى هذا التاريخ على حسب ما نمي إلينا من خبره.
قال المسعودي: وأشد ما على الأندلس من الأمم المحاربة لهم الجلالقة، كما أن الإفرنجة حرب لهم، غير أن الجلالقة أشد بأساً، وقد كان لعبد الرحمن بن محمد صاحب الأندلس في هذا الوقت وزير من ولد أمية يقال له أحمد بن إسحاق فقبض عليه عبد الرحمن الأمر كان منه استحق عليه في الشريعة العقوبة، فقتله عبد الرحمن، وكان للوزير أخ يقال له أمية في مدينة من ثغور الأندلس، يقال لها شَتَرِين، فلما نمي إليه ما فعل بأخيه عصى على عبد الرحمن ؛ فصار في حيز رذمير ملك الجلالقة، فأعانه على المسلمين، ودلَّة على عوراتهم، ثم خرج أمية في بعض الأيام من المدينة يتصيد في بعض منتزهاتها، فغلب على المدينة بعض غلمانه ومنعوه من الدخول إليها، وكتبوا إلى عبد الرحمن، ومضى أمية بن إسحاق أخو الوزير المقتول إلى رذمير، فاصطفاه، واستوزره، وصيره في جملته، وغزا عبد الرحمن صاحب الأندلس سمورة مملكة الجلالقة المتقدمة صفة بنيانها وأسوارها في باب جمل الأخبار عن البحار وما فيها وما حولها من العجائب والأمم ومراتب الملوك وأخبار الأندلس وغير ذلك، وكان عبد الرحمن في مائة ألف أو يزيدون، فكانت الواقعة بينه وبين رذمير ملك الجلالقة فى شوال سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بعد الكسوف الذي كان في هذا الشهر بثلاثة أيام، وكانت للمسلمين عليهم، ثم أنابوا بعد أن حوصروا وأولجوا إلى المدينة فقتلوا من المسلمين - بعد عبورهم الخندق – خمسين ألفاً، وقيل: إن الذي منع رذمير من طلب من نجا من المسلمين أمية بن إسحاق، وخَوَّفه الكمين، ورغبه فيما كان في معسكر المسلمين من الأموال والعُدَدِ والخزائن، ولولا ذلك لأتى على جميع المسلمين، ثم إن أمية بعد ذلك استأمن إلى عبد الرحمن، وتخلص من رذمير، فقبله عبد الرحمن أحسن قبول، وقد كان عبد الرحمن [صاحب الأندلس] بعد هذه الواقعة جَهَّز عساكر مع عدة من قواده إلى الجلالقة، وكانت لهم معهم حروب هلك فيها من الجلالقة ضعف ما قتل من المسلمين في الوقعة الأولى، وكانت للمسلمين عليهم إلى هذه الغاية، ورذمير ملك الجلالقة إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - وكان قبله على الملك أردون [ وكان قبل أردون أذبوشن]، والجلالقة والإفرنجة تدين بدين النصرانية على رأي الملكية.
قد تقدم ذكرنا للنوكبرد، وأنهم من ولد يافث بن نوح، وبلادهم متصلة بالمغرب، ومحلهم بالجدي، ولهم جزائر كثيرة فيها أمم من الناس، وهم ذوو بأس شديد ومنعة، ولهم مدن كثيرة يجمعهم ملك واحد، وأسماء ملوكهم في سائر الأعصار «أدنكبس» والمدينة العظمى من مدنهم ودار مملكتهم هي يست، ويخترقها نهر عظيم، وهي جانبان، وهذا النهر أحد أنهار العالم الموصوفة بالكبر والعجائب يقال له سايبط، قد ذكره جماعة ممن عني بهذا المعنى ممن تقدم، وكان المسلمون ممن جاورهم من بلاد الأندلس والمغرب غلبوهم على مدن كثيرة من مدنهم مثل مدينة باري ومدينة طارنيو ومدينة شبرامة وغيرها من مدنهم الكبار .
ثم إن النوكبرد أنابوا ورجعوا على من [كان] في تلك المدن من المسلمين فأخرجوهم عنها بعد حرب طويل، وما ذكرنا من المدن في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - في أيدي النوكبرد.
قال المسعودي: ومن ذكرنا من الجلالقة والإفرنجة والصقالبة والنوكبرد وغيرها من الأمم فديارهم متقاربة، والأكثر منهم حَربٌ لأهل الأندلس، وصاحب الأندلس في هذا الوقت ذو منعة وقوة عظيمة على ما قدمنا من نسبه وأخباره، وقدكان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام سار إلى الأندلس في أول دولة بني العباس، وله أخبار كثيرة في كيفية وصوله إلى الأندلس، ودار مملكة الأندلس قرطبة على ما ذكرنا، ولهم مدن كثيرة وعمائر [ متصلة] واسعة، وثغور في أطراف أرضهم، وربما يجتمع عليهم من جاورهم من الأمم من ولد يافث من الجلالقة وبرجان والإفرنجة وغيرها من الألسن وصاحب الأندلس في هذا الوقت يركب في مائة ألف، وهو ذو مَنَعَة بالرجال والمال والكُراع والعدد، والله أعلم.
ذكَرَ جماعة من ذوي العناية بأخبار العالم أن الملك يُؤثر من بعد نوح من عاد الأولى التي بادت قبل سائر ممالك العرب كلها، ومصداق ذلك قوله عز وجل: وَأَنَّهُ أهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: 50] فإنه يدل على تقدمهم، وأن هناك عاداً ثانية، وأخبر الله عن ملكهم، ونطق بشدة بطشهم، وما بنوه من الأبنية المشيدة التي تدعى على مر الدهور العادية، وقد أخبر الله تعالى عن قول نبيه هود (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخطابه إياهم: أَتَبَنُونَ بِكُلِّ رِبعٍ ءَايَةً تعبثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء: 128 – 130].
وعاد أول من ملك في الأرض قول هذه الطائفة، بعد أن أهلك الله عز وجل الكفار من قوم نوح، وذلك لقوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَصَّطَةٌ [الأعراف: 69] وذلك أن هؤلاء القوم كانوا في هيئات النخل طولاً، وكانوا في اتصال الأعمار وطولها بحسب ذلك من القدر، وكانت نفوسهم قوية، وأكبادهم غليظة، ولم يكن في الأرض أمة هي أشد بطشاً وأكثر آثاراً وأقوى عقولاً وأكثر أحلاماً من قوم عاد، ولم يكن الهلك يعرض في أجسامهم، لقوة آثار الطبيعة فيها، وما أوتوه من الزيادة في تمام البنية وكمال الهيئة على حسب ما أخبر الله عزّ وجلَّ.
وكان عاد رجلاً جباراً عظيم الخلقة، وهو عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح، وكان عاد يعبد القمر، وذكروا أنه رأى من صلبه أربعة آلاف ولد، وأنه تزوج ألف امرأة، وكانت بلاده متصلة باليمن، وهي بلاد الأحقاف، وبلاد صحاري [هي و] بلاد عمان إلى حضرموت على حسب ما قدمنا آنفاً فيما سلف من هذا الكتاب وغيره من كتبنا .
وقد ذكر جماعة من الأخباريين - ممن عني بأخبار العرب، أن عاداً لما توسط العمر
واجتمع له الولد وولد الولد ورأى البطن العاشر من ولده، وظهور الكثرة مع تشييد الملك واستقامة الأمر، غمر إحسانه الناس، وَقَرى الضيف، وأحواله منتظمة، والدنيا عليه مقبلة، فعاش ألف سنة ومائتي سنة ثم مات.
وكان الملك بعده في الأكبر من ولده، وهو «شديد بن عاد» وكان ملكه خمسمائة سنة وثمانين سنة، وقيل غير ذلك.
ثم ملك بعده أخوه «شداد بن عاد» وكان ملكه تسعمائة سنة، ويقال: إنه احتوى على سائر ممالك العالم، وهو الذي بنى مدينة إرَمَ ذات العماد، على حسب ما قدمنا فيما سلف من كتبنا عند إخبارنا عن هذه المدينة وتنازع الناس في كيفيتها [وماهيتها] وفي أي بلاد هي .
وهذه عاد الثانية التي ذكرها الله تعالى فقال: أَلَمْ تَرَ كيف فعل ربك بعاد إرم ذات الْعِمَادِ [الفجر: 6، 7] وإلى هذه الأمة انتهى البطش، ولشداد بن عاد مسير في الأرض، وطواف في البلاد [وبأس] عظيم في ممالك الهند وغيرها من ممالك الشرق والغرب، وحروب كثيرة، أعرضنا عن ذكرها لشرط الاختصار، ومُعوّلنا في ذلك على ما بسطناه من أخبارهم في كتاب »أخبار الزمان: من الأمم الماضية، والأجيال الخالية، والممالك الدائرة» وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب- عند ذكرنا تفرق الناس ببايل وتشعب الأنساب، وما قالوا في ذلك من الأشعار - جملا من أخبار عاد ونبيها هود، فأما تنازع الناس ممن سلف وخلف في العلة التي لها عظمت أجسامهم وطالت أعمارهم فقد أتينا على ذكر ذلك في كتابنا المترجم ب-«كتاب الرؤوس السبعة من السياسة الملوكية» وكذلك في كتابنا المترجم ب- «بكتاب الزلف».
[وذكرنا العلة التي ومن أجلها عدم كون السباع والجمال بأرض الأندلس، وما يتكون في هذه الأرض من الجواهر في نباتها ومعادتها، وما في أرض جليقية، وإلى هذه الأرض أضيفت مملكة الجلالقة المقدم ذكرها فيما سلف من هذا الكتاب، وهم أشد الأمم على أهل الأندلس، وأعظمهم بطشاً ممن جاورهم، ثم يليهم في الناس أمة عظيمة الملك يقال لها الوشكنش، على حسب ما قدمنا من ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب وفي غيره من كتبنا مما تقدم تأليف هذا الكتاب].
قد ذكرنا فيما سلف من ذكر ثمود [ ونبيها صالح (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمعاً، وإن كنا قد بسطنا ذلك ] في غير هذا الكتاب، وكان ملك ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي، وديارهم بفج الناقة، وبيوتهم إلى وقتنا هذا أبنية منحوتة في الجبال، ورسومهم باقية، وآثارهم بادية، وذلك في طريق الحاج لمن وَرَدَ من الشام بالقرب من وادي القرى، وبيوتهم منحوتة في الصخر بأبواب صغار، ومساكنهم على قدر مساكن أهل عصرنا، وهذا يدل على أن أجسامهم على قدر أجسامنا، دون ما يخبر به القُصَّاص من بعد أجسامهم، وليس هؤلاء كعاد؛ إذ كانت آثارهم ومواضع مساكنهم وبنيانهم بأرض الشحر تدل على بعد أجسامهم.
وكان ملك الملك الأول من ملوكهم مائتي سنة، وهو عابر بن ارم بن ثمود بن عابر ب[ن إرم] بن سام بن نوح.
ثم ملك بعده «جندع بن عمرو» بن الذبيل بن ارم بن ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح، وكان ملكه إلى أن هلك مائتي سنة وتسعين سنة، وهلك جندع هذا بعد أن كان من أمر صالح النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما كان على ما ذكرنا أربعين سنة، فجميع ما ملك هذا الملك - وهو جندع - ثلاثمائة وسبع وعشرون سنة؛ فهؤلاء ملوك ثمود.
وبعث الله صالحاً نبياً وهو غلام حَدَثٌ لثمود على حين فترة كانت بينه وبين هود نحو من مائة سنة، فدعاهم إلى الله، وملكهم يومئذ هو جندع بن عمرو على ما ذكرنا، فلم يجب صالحاً من قومه إلا نفر يسير، وكبر صالح، ولم يزدد قومه من الإيمان إلابعداً، فلما تواتر عليهم إعذاره وإنذاره ووعده ووعيده ساموه المعجزات، وإظهار
العلامات؛ ليمنعوه من دعائهم، وليعجزوه عن خطابهم، فحضر عيداً لهم، وقد أظهروا أوثانهم، وكان القومُ أصحاب إبل، فساموه الآية من جنس أموالهم، وطالبوه بما هو مجانس لأملاكهم، [وذلك] من بعد اتفاق آرائهم فقال له زعيم من زعمائهم: يا صالح، إن كنت صادقاً في قولك، وأنك مُعَبر عن ربك، فأظهر لنا من هذه الصخرة ناقة، ولتكن [وَبْرَاء] سوداء عُشَراء نتوجاً حالكة صافية اللون ذات عرف وناصية وشعر ووبر، فاستغاث بربه، فتحركت الصخرة وتململت، وبدا منها حنين وأنين، ثم انصدعت من بعد تمخض شديد كتمخض المرأة حين الولادة، وظهر منها ناقة على ما طلبوه من الصفة، ثم تلاها من الصخرة سَقْبٌ لها نحوها في الوصف، فأمْعَنَا في رَعْي الكلأ وطلب [الماء و] المرعى، فآمن خلق ممن حضره، وزعيمهم الذي سأله وهو جندع بن عمرو، وأقامت الناقة يحلبون من لبنها ما يعم شربه ثموداً كلها، وضايقتهم في الكلأ والماء، وكان في ثمود امرأتان ذَوَاتا حسن وجمال، فزارهما رجلان من ثمود، وهما قدار بن سالف، ومصدع بن مفرج، والمرأتان عنيزة بنت غنم، وصدوف بنت المجبا، فقالت صدوف: لو كان لنا في هذا اليوم ماء لأسقيناكما خمراً، وهذا يوم الناقة ووردها [إلى الماء] ولا سبيل لنا إلى الشرب، فقالت عنيزة: بلى والله ولو أن لنا رجالاً لكفونا إياها، وهل هي إلا بعير من الإبل؟!! فقال قدار:يا صدوف، إن أنا كفيتك أمر الناقة فما لي عندك؟ فقالت: نفسي، وهل حائل دونها عنك، فأجابت الأخرى صاحبها بنحو ذلك،:فقالا: ميلا علينا بالخمر، فشربا حتى توسطا السكر، ثم خرجا فاستغويا تسعة رهط وهم التسعة الذين أخبر الله تعالى عنهم في كتابه بقوله: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ يَسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ [النمل: 48] وقصدوا طريق الناقة في حال صدورها، فضرب قدار عرقوبها بالسيف، فعرقبها، وأتبع صاحبه الآخر العرقوب الآخر [بسهمه]، فخرت الناقة لوجهها، ووَجاً قدار لَبَّتها فنحرها، ولاذ السَّقب بصخرة فلحقه بعضهم فعقره [وفرقوا لحم الناقة]، وورد صالح فنظر إلى ما فعلوه، فوعَدَهم العذاب، وكان ذلك في يوم الأربعاء، فقالوا له مستهزئين: يا صالح، متى يكون ما وعدتنا به من العذاب عن ربك؟ فقال: تصبح وجوهكم يوم مؤنس - وهو يوم الخميس - مصفرة، ويوم العروبة محمرة، ويوم شيار مسودة، ثم يصبحكم العذاب يوم أول، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب أسماء الشهور والأيام بلغتهم، فَهَمَّ التسعة بقتل صالح، وقالوا: إن كان صادقاً كنا قد عاجلناه قبل أن يعاجلنا، وإن كان كاذباً كنا قد ألحقناه بناقته، فأتوه ليلاً، فحالت الملائكة بينهم وبينه، وأمطرتهم الحجارة، ومنعه الله منهم، فلما أصبحوا نظروا إلى وجوههم كما وعدهم صفراء كأنها الورس: قد حالت الألوان، وتغيرت الأجسام، وتيقن القوم صدق الوعيد وأن العذاب واقع بهم، وخرج صالح في ليلة الأحد من بين ظهرانيهم مع من خف
من المؤمنين، فنزل موضع مدينة الرملة من بلاد فلسطين، وأتاهم العذاب يوم الأحد، وفيهم يقول بعض من آمن بصالح (عَلَيهِ السَّلَامُ)
أراكم يا رجال بني عتيد ***كأن وجوهكم طليت بِوَرْسِ
ويوم عروبة احْمَرَّت وجوه***مُصفَّرَة، ونادوا يال مرس
ويوم شیار فاسْوَدَّت وجوه***من الحيين قبل طلوع شمس
فلما كان أول في ضحاه***أتتهم صيحة عمَّت بِتَعْسِ
وفيهم يقول حباب بن عمرو، وكان ممن اعتزلهم من المؤمنين [وبان عن ديارهم]:
كانت ثمود ذوي عزَّ ومكرمة***ما إن يُضام لهم في الناس مِنْ جَارِ
[لا يرهبون من الأعداء حولهم***وَقْعَ السيوف، ولا نزعاً بأوتار]
فأهلكوا ناقة كانت لرَبِّهم***قد أنذروها وكانوا غير أبرار
[ نادوا قداراً ولحم السَّقْبِ بينهم***هل للعجول وهل للسقب من ثار]
[ لم يَرْعَيًا صالحاً في عقر ناقته***وأخفروا العهد هَذياً أي إخفار]
[فصادفوا عنده من ربه حَرَساً***فَشَدَّخوا رؤوسهم شَدْحاً بأحجار]
وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب - عند ذكرنا لتفرق الناس ببابل - من ن أخبار ثمود جُمَلاً، وما كان من أمر الناس [بأرض بابل] وافترق لغاتهم، وما قاله كل فريق منهم من الشعر، على حسب ما أعطاه الله من اللسان، وإن كنا قد أتينا على شرح ذلك على الكمال فيما تقدم لنا من كتابنا «أخبار الزمان» وبالله التوفيق.
ذكر مكة وأخبارها وبناء البيت ومن تداوله من جرهم،وغيرها وما لحق بهذا الباب
ولما أسكن إبراهيم ولده إسماعيل مكة مع أمه هاجر، واستودعهما خالقه على حسب ما أخبر الله عنه أنه أسكنه بواد غير ذي زرع، وكان موضع البيت رَبْوَةٌ حمراء - أمر إبراهيم هاجر أن تتخذ عليها عريشاً يكون لها مسكناً، وكان من ظمأ إسماعيل وخبر هاجر ما كان إلى أن أنبع الله لهما زمزم، وأقحط الشحر واليمن، فتفرق العماليق وجرهم [في البلاد] وَمَنْ هناك من بقايا عاد.
فيممت العماليق نحو تهامة يطلبون الماء والمرعى والدار الخصيبة، وعليهم السميدع بن هوبر بن لاوي بن قيطور بن كركر بن حيدان، فلما أمعنت بنو كركر في المسير - وقد عدمت الماء [والمرعى]، واشتد بها الجهد - أقبل السميدع بن هوبر يحثهم على السير في شعر له ويشجعهم بما قد نزل بهم، وهو:
سيروا بني الكركر في البلاد***إني أرى ذا الدَّهْرَ في فساد
قد سار من قحطان ذي الرشاد***[جُرْهُمُ لمَّا هَدَّها التعادي]
فأشرف رُوّادهم - وهم المتقدمون منهم لطلب الماء - على الوادي، فنظروا الطير ترتفع وتنخفض، فهبطوا الوادي ونظروا إلى العريش على الرَّبوة الحمراء، وفيها هاجر وإسماعيل، وقد زَمَّتْ حول الماء بالأحجار ومنعته من الجريان، وقد روي أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قال: «رحم الله أمنا هاجر، لولا أنها بخلت ومنعت ماء زمزم من أن يجري بما حَوَّطَت حوله من الأحجار لجرى الماء على وجه الأرض» فسلم الرُّوَّاد عليها، واستأذنوها في نزولهم وشربهم من الماء، فأنِسَتْ إليهم، وأذنت لهم في النزول، فتلقوا مَنْ [كان] وراءهم من أهليهم، وأخبروهم خبر الماء، فنزلوا الوادي مطمئنين، مستبشرين بالماء،
وبما أضاء الوادي من نور النبوة وموضع البيت الحرام، [ فرحين وَعيَّل إسماعيل]، وتكلم إسماعيل بالعربية خلاف لغة أبيه.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب وغيره ما قاله الناس في ذلك من قَحْطَان ونزار وتزَوج إسماعيل بالجداء بنت سعد العملاقي.
وقد كان إبراهيم استأذن سارة في زيارة إسماعيل، فأذنت له، فوافى مكة وإسماعيل في الصيد [والرعي] ومعه أمه هاجر، فسلم على الجداء [بنت سعد] زوجة إسماعيل، فلم تردَّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال: هل من منزل ؟ فقالت: لاها الله، قال: فما يفعل رب البيت؟ قالت: هو غائب، فقال لها: إذا ورد فأخبريه أن إبراهيم يقول لك بعد مسألته عنك وعن أمك: استبدل بعتبة بيتك غيرها، وانصرف إبراهيم من فوره نحو الشام، وراح إسماعيل وهاجر، فنظر إلى الوادي قد أشرق وأنار، والأغنام تتنسم الآثار، فقال لزوجته الجداء: هل كان لك بعدي من خبر ؟ قالت: نعم، شيخ وَرَدَ عليّ، وأخبرته بالقصة، فقال: ذاك أبي خليل الرحمن، وقد أمرني بتخليتك، فالحقي بأهلك، فلا خير فيك.
وتسامعت جرهم ببني كركر ونزولهم الوادي، وما هم فيه من الخصب وإدرار الضَّرع، وهم في حال القحط، فبادروا نحو مكة، وعليهم الحارث بن مُضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن ظالم بن هيني بن نبت بن جُرهم، حتى أتوا الوادي، ونزلوا مكة، واستوطنوها مع إسماعيل ومن تقدمهم من العماليق من بني كركر، وقد قيل في [بني] كركر: إنهم من العماليق، وقيل: إنهم من جرهم، والأشهر أنهم من العماليق، وتزوج إسماعيل زوجته الثانية، وهي سامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف بن هيني بن نبت.
واستأذن إبراهيم سارة في زيارة إسماعيل، فاستحلفته غيرة عليه أنه إذا أتى الموضع لا ينزل من ركابه، وقد تنازع الناس على أي شيء كان ركوبه: فمنهم من قال: إنه كان راكباً على البراق، ومنهم من قال: على أتان، وقيل غير ذلك من الحيوان، فلما أتى. إبراهيم الوادي سلم على زوجة إسماعيل الجرهمية، فسلمت عليه، ورحبت به وتلقته بأحسن لقاء، وسألها عن إسماعيل وهاجر، فأخبرته بخبرهما، وأنهما في رعيهما، وعرضت عليه النزول، فأبى، وقيل: إن هاجر كانت قد ماتت ولها من السن تسعون
سنة، وألحت الجرهمية على إبراهيم في النزول، فأبى، فقدمت إليه لبناً وشرائح من لحم الصيد، فدعا فيه بالبركة، وجاءته بحجر كان في البيت فمال عن ركابه، وجعلته تحت قدمه اليمنى، ثم رَبَّلَت شعره ودهنته، ثم حولت الحجر إلى شماله، فوضع رجله اليسرى عليه أيضاً، ومال برأسه نحوها، فرجلته ودهنته، فأثرت قدماه في الحجر على ما وصفنا من ترتيب اليمين والشمال، فلما رأت الجرهمية ذلك أكبرت ما شاهدته، وهذا الحجر هو مقام إبراهيم، فقال لها إبراهيم،ارفعيه، فسيكون له شأن ونبأ بعد حين، ثم قال لها: إذا جاءك إسماعيل فقولي له: إن إبراهيم يقرأ عليك السلام ويقول لك: احتفظ بعتبة بيتك، فنعمت العتبةُ هي، وسار إبراهيم راجعاً نحو الشام.
وقيل: إنما سمي إسماعيل لأن الله سمع دعاء هاجر ورحمها حين هَرَبَتْ من سيدتها سارة أم إسحاق، وقيل: إن الله سمع سمع دعاء إبراهيم.
وقبض إسماعيل وله مائة وسبع وثلاثون سنة ؛ فدفن في المسجد الحرام حيال الموضع الذي [كان] فيه الحجر الأسود.
وولد لإسماعيل اثنا عشر ولداً ذكراً، وهم نابت،وقيدار، وأدبيل، ومبسم،ومشمع ودوما، ودوام،ومسا وحداد وثيما، ويطور،ونافش وكل هؤلاء قد أنْسَلَ.
وقد كان إبراهيم قدم إلى مكة ولإسماعيل ثلاثون سنة، حين أمره الله تعالى ببناء البيت فبناه، وكان إسماعيل يأتي بالحجر من عدة جبال ذكرت، وطوله ثلاثون ذراعاً، والحجر فيه وهو سبعة أذرع]، وعرضه اثنان وعشرون ذراعاً، وسمكة سبعة أذرع، وجعل له باباً، ولم يسقف ووضع الركن موضعه وألصق المقام بالبيت، وذلك قوله عزّ وجل: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ [البقرة: 127]، وأمر الله تعالى إبراهيم أن يؤذِّنَ في الناس بالحج.
ولما قبض إسماعيل قام بالبيت بعده نابت بن إسماعيل، ثم قام من بعده أناس من جُرهم، لغلبة جرهم على ولد إسماعيل، وكان ملك جُزهم يومئذ الحارث بن مُضاض،
وهوأول من ولي البيت، وكان ينزل هناك في الموضع المعروف بقُعَيْقِعَان في هذا الوقت، وكان كل من دخل مكة بتجارة عشرها عليه، وذلك في أعلى مكة، وملك العماليق السَّمَيدع بن هو بر [بن ولاي بن قيطور بن كركر بن حيد] وكان ينزل أجياداً من أسفل مكة، وكان يُعشِّر من دخل مكة من ناحيته، وكانت بينهم حروب، فخرج الحارث ابن مضاض ملك جرهم تتقعقع معه الرماح والدرق، فسمي الموضع بقعيقعان لما ذكرنا، وخرج السميدع ملك العماليق ومعه الجياد من الخيل فعرف الموضع بأجياد إلى هذا الوقت، فكانت على الجرهميين وافتضحوا فسمي الموضع فاضحاً إلى هذا الوقت، ثم اصطلحوا ونحروا [الجزر] وطبخوا فسمي الموضع بطابخ إلى الآن، وصارت ولاية البيت إلى العماليق، ثم كانت لجرهم عليهم، وأقاموا ولاة البيت نحو ثلاثمائة سنة، وكان آخر ملوكهم الحارث بن مُضَاض الأصغر ابن عمرو بن الحارث بن مُضَاض الأكبر، وزادوا في بناء البيت ورفعته على ما كان عليه من بناء إبراهيم .
وبغت جرهم في الحرام وطغت، حتى فسق رجل منهم في الحرم بامرأة، وكان الرجل يدعى بإساف والمرأة نائلة، فمسخهما الله عزّ وجلَّ حجرين صيرا بعد ذلك وثنين وعُبدا تقرباً بهما إلى الله تعالى، وقيل: بل هما حجران نحتا ومُثلا بمن ذكرنا وسميا بأسمائهما، فبعث الله على جرهم الرعاف والنمل وغير ذلك من الآفات فهلك كثير منهم، وكثر ولد إسماعيل [وصاروا ذوي قوة ومَنَعَة فَغَلبوا على أخوالهم جرهم] وأخرجوهم من مكة، فلحقوا بجهينة، فأتاهم في بعض الليالي السيل فذهب بهم، وكان الموضع يعرف بإضم، وقد ذكر ذلك أمية بن أبي الصلت الثقفي في شعر له فقال:
وجرهم دمنوا تهامة في الد***هر فسالت بجمع إضَمُ
وفي ذلك يقول الحارث بن مُضاض الأصغر الجرهمي:
كأن لم يكن بين الْحَجُون إلى الصفا***أنيس، ولم يسمر بمكة سامر
بل نحن كنا أهلها، فأبادَنَا***صروف الليالي والجدود العوائر
وكنا لإسماعيل صهراً ووصلة***ولمَّا تَدُرُ فيها علينا الدوائر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت***نطوف بذاك البيت والخير ظاهر
[ فَبَدَّلَنَا ربي بهادار غربة***بها الذئب يعوي والعدو المحاصر]
وفيما ذكرنا من أخبارهم يقول عمرو بن الحارث بن مُضاض الأصغر الجرهمي.
وكنا ولاة البيت والقاطِنَ الذي***إليه يؤدي نذرَهُ كل محرم
سكنا بها قبل الظباء وراثة***لها عن بني هَيْني بن نبت بن جُرْهُم
[وفي ذلك يقول.
کهفنا جرهم، وأية كهف***وَوُلاةٌ لبيته والحجاب
فسقوا في الحرام بعد تُقَاهم***واستعاضوا العقاب بعد الثواب]
ثم صارت ولاية البيت في ولد إياد بن نزار بن معد وكانت حروب كثيرة بين مضروإياد، وكانت لمضر على إياد، فانجلوا عن مكة إلى العراق .
وسنورد بعد هذا جملاً من أخبار مكة وولد نزار وخزاعة وغيرهم.
قال المسعودي: وقد أتينا على جمل من الأخبار في هذا الباب من أخبار جرهم وغيرها، ووجدت في [وجه] آخر من الروايات أن أول من من ملك من ملوك جرهم بمكة مُضَاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هيني بن نبت بن جرهم بن قحطان مائة سنة، ثم ملك بعده ابنه عمرو بن مضاض مائة وعشرين سنة، ثم ملك بعد الحارث بن عمرو مائتي سنة، وقيل دون ذلك، ثم ملك بعده عمرو بن الحارث مائتي سنة [وقيل دون ذلك] ثم ملك مُضَاض بن عمرو الأصغر ابن الحارث بن عمرو بن مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هيني بن نبت بن جرهم بن قحطان أربعين سنة.
وانقرضت العرب العاربة من عاد وثمود وعبيد وطسم وجديس والعماليق ووبار وجرهم، ولم يبق من العرب إلا من كان من عدنان وقحطان،ودخل من بقي ممن ذكرنا من العرب البائدة في عدد قحطان وعدنان، فانمحت أنسابهم وزالت آثارهم.
وقد كانت العماليق بَغَتْ في الأرض، فسلط الله عليهم ملوك الأرض فأفنتها، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا للروم وأنسابها مَنْ ألحق ولد عملاق وغيرهم، ممن ذكرنا، بولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأن علماء العرب تنسبهم إلى غير هذا النسب، وهو الأشهر في الناس ؛ وقد رثتهم الشعراء: فقال بعض من رثاهم:
مضى آل عملاق فلم يبق منهم***خطير، ولا ذو نخوة متشاوس
عَتَوْا فأدال الله منهم، وحكمه***على الناس هذا وعده وهو سائس
وأما طَسْم وجديس فتفانت في نحو من سبعين سنة في البراري، بما كان بينهم من الشَّخناء، وطلب الرياسة، فدثروا، ولم يبق لهم باقية، فضربت بهم العرب المثل، وضربت بهم الشعراء المقال [فمن ذلك ما قاله بعض الشعراء ممن رثاهم في قوله:
فوَيْلي من جوى هم رسیس***من اللأوا لطَسْم أو جديس
بنو عم تفانوا بالمذاكي***وباليوم الأحَم العيطموس]
أما الرسُ وأصحابه فقد قدمنا ذكرهم فيما سلف من كتبنا، وهم قوم حنظلة بن صفوان العبسي، بعثه الله [إليهم] فكذبوه، وقد ذكرنا من خبره لمعاً، وقد قيل في أصحاب الرسُ أوْجُة كثيرة غير ما ذكرنا في هذا الكتاب وقد ذكرت هذه القبائل في التوراة، وكل يرجع إلى ولد سام بن نوح . من بني إرم بن سام وهو من ولده عوص بن،إرم ومن ولده عابر بن إرم ومن ولده] ماش بن إرم .
[فولد عوص عاد بن عوص وولد عابر ثمود بن عابر، وولد ماش بن إرم] نبيط ابن ماش؛ فسائر النبط وملوكها ترجع في أنسابها إلى نبيط بن ماش.
فحل عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح وولده الأحقاف من بلاد حضرموت، وحل ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح وولده أكناف الحجاز، وحل جديس بن عابر بلاد جَو، وهي بلاد اليمامة ما بين البحرين والحجاز، وهذا البلد في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - بيد ولد الأخيضر العلوي، وهو من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو مجاور للبحرين، ومن فيها إلى هذا الوقت، وحلَّ طَسْم ابن لود بن سام بن نوح وولده اليمامة مع بني جَدِيس، وحل عمليق بن لود بن سام بن نوح الحجاز، وقد ذكرنا ولد عيلام فيما سلف من هذا الكتاب أنهم حلوا الأهواز وفارس، وهو عيلام بن سام بن نوح وحلَّ نبيط بن ماش بن ارم بن سام بن نوح بابل،
فغلبوا على العراق، وهم النبط، ومنهم ملوك بابل الذين قدمنا ذكرهم، وأنهم الملوك الذين عمروا الأرض، ومهدوا البلاد، وكانوا أشر ملوك الأرض، فأدال منهم الدهر، وسلبهم الملك والعزّ، فصاروا على ما هم عليه من الذل في هذا الوقت بالعراق وغيرها.
وقد زعم جماعة من المتكلمين - منهم ضرار بن عمرو وثمامة بن الأشرس وعمرو ابن بحر الجاحظ - أن النبط خير من العرب ؛ لأن من جعل الله
تبارك وتعالى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منهم لم يَدَعْ أكبر شرف في الدنيا إلا وقد [ أعطاهم إياه، ومَنْ لم يجعله منهم فلم يدع أكبر شرف في الدنيا إلا وقد] أعراهم منه وسَلبهم إياه، ولا نعمة على من جعل الله تعالى النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منهم أكبر من النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولا بَلْوَى على من لم يجعل الله عزّ وجلَّ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منهم أكبر من خروج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عنهم، إلا أنهم مع هذا كله لهم عند الله فضل ما بين النعمة والبلاء.
قال المسعودي: ولما لم يبال من قدمنا ذكره من تشريف النبط وتفضيلهم على ولد قحطان وعدنان وفيهم الفضل والشرف من النبوة والملك والعزة قال لهم المحتج عن قحطان ونزار: إذا كان النبط قد صاروا أفضل من العرب لما امتحن الله به النبط من سَلْبه النبوة منهم وأنعم على العرب بكون النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) منهم، فللعرب أيضاً التعلق بهذه العلة التي اعتل بها النبط، فتقول: قد صرنا بعد أفضل من النبط؛ لما امتحنا به من سلب ما جعل الله للنبط من الفضل في شدة امتحانهم بسلب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عنهم، والنبط أيضاً قد صاروا دون العرب ؛ إذ للعرب من فضل النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مما جعله الله لهم بتعريتهم من فضل النبط على شدة امتحانهم بتعرية الله إياهم من النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما ليس للنبط ؛ فتصير العرب أيضاً خيراً من النبط، وهذا لا يصح لهم إلا كما يصح عليهم، والكلام متوجه عليهم فيما قالوه، ومكافىء لعلتهم فيما أوردوه: من تفضيل النبط على العرب.
وقد ذكرنا تنازع الناس في الأنساب والفضل بها وبالأعمال دون الأنساب [ومن قال العمل والنسب] ومن قال العمل دون النسب، وما قالته الشعوبية وغيرها في كتابنا « المقالات، في أصول الديانات».
وقد ذكر أبو الحسن أحمد بن يحيى في كتابه في الرد على الشعوبية عللاً كثيرة، وذكر أن من اختصه الله تعالى من عباده، واصطفاه من خلقه، أذاك على طريق الثواب أم على طريق التفضيل ؟ قال: فإن زعم زاعم أن ذلك ثواب خرج من معقول كلام العرب
ومفهوم خطابها؛ لأنه لا يقال لمن أعطى الأجير أجرته ووفّى العامل ثوابه: قد اختص فلان فلاناً بعطيته، وإنما يقال ذلك إذا تطوع عليه بالعطية بغير عمل ومنعها غيره بغير جرم، وإن زعموا أنه تفضّل قلنا لهم: فإذا جاز أن يصرف الله عزّ وجل رحمته إلى بعض خلقه بغير عمل استحقوها به، فَلم لا يجوز أن يشرفهم بأنسابهم، وإن لم تكن الأنساب من أعمالهم ؟! فإن قالوا: ليس من العدل أن يشرفهم بغير أعمالهم، قلنا لهم: أرأيتكم إن عارضكم مُعارض؛ فزعم أنه ليس من العدل أن يمن عليهم برحمته دون غيرهم بغير عمل كان منهم، وبغير معصية كانت من غيرهم، ماذا يكون الفصل بينكم معاشر الشعوبية وبينه، وقد أخبر الله عمن اصطفاه من خلقه قال: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَعَالَ إِبْرَاهِيمَ وال عمرانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ الله) [آل عمران: 33-34] ؟
والواجب على ذي النسب الشريف، والمجد الرفيع، أن لا يجعل ذلك سلماً إلى التراخي عن الأعمال الموافقة لنسبه، والاتكال على آبائه، فإن شرف الأنساب يحض على شرف الأعمال، والشريف بهذا أولى؛ إذ كان الشرف يدعو إلى الشرف [ولا يثبط عنه ] كما أن الحسن يدعو إلى الحسن [ويحرك عليه] وأكثر الممدوحين إنما مدحوا بأعمالهم دون أنسابهم، وهذا كثير في أشعار الناس ومنثور كلامهم، وقد قال الشاعر في هاشم بن عبد مناف وهو إمام ذوي الأنساب:
عَمرو الذي هَشَمَ الثريد لقومه***ورجال مكة مُسْيَتُونَ عِجافُ
فمدحه بعمله ولم يذكر نسبه، وإن كان شريفاً رفيعاً، وإنما ينبغي لذوي الأنساب أن يكونوا كما قال أخوهم وشريكهم في النسب [عامر بن الطفيل]:
وإني وإن كُنْتُ ابْنَ سيد عامر***وفي السِّرِّ منها والصَّريح المُهَذَّب
فما سَوَّدَتْنِي عامر عن وراثة***أبى الله أن أسْمُو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها، وأتقي***أذاها وأرمي مَنْ رماها بمقنب
وكما قال الآخر:
لسنا وإن كرمت وأوائلنا***يوماً على الأحسابِ نتكل
نبني كما كانت أوائلنا***تبني، ونفعل كالذي فعلوا
قال المسعودي: ولما خرج عمرو بن عامر وولده من مأرب انخزع بنو ربيعة، فنزلوا تهامة، فسُمُوا خَزَاعَة لانخزاعهم، ولما ثارت الحرب بين إياد ومضر ابني نزار،
وكانت على إياد قلعت الحجر الأسود ودفنته في بعض المواضع، فرأت ذلك امرأة من خزاعة، فأخبرت قومها، فاشترطوا على مضر أنهم إن رَدُّوا الحجر جعلوا ولاية البيت فيهم، فوفَوْا لهم بذلك، ووليت خُزاعة أمر البيت.
وكان أول من وليه منهم عمرو بن لُحيّ، واسم لحي حارثة بن عامر، فغير دين إبراهيم وَبَدَّله، وبعث العرب على عبادة التماثيل ؛ لخبر قد ذكرناه في هذا الكتاب وغيره، حين خرج إلى الشام ورأى قوماً يعبدون الأصنام، فأعطوه منها صنماً فنصبه على الكعبة، وقويت خزاعة، وعم الناس ظلم عمرو بن لحي، وفي ذلك يقول رجل من جُرْهُم كان على دين الحنيفية:
یا عمرو لا تظلم بمكَّةَ***إنها بَلَد حرام
سائل بعَادٍ أين هُمْ***وكذاك تُخَتَرم الأنام
وبني العماليق الذين***لهم بها كان السَّوَام
ولما أكثر عمرو بن لحي من نَضب الأصنام حول الكعبة وغلب على العرب عبادتها، وانمحت الحنيفية منهم إلا لمعاً، قال في ذلك شحنة بن خلف الجرهمي:
يا عمرو، إنك قد أحدثت آلهة***شتى بمكة حول البيت أنصابا
وكان للبيت رَبِّ واحد أبداً***فقد جعلت له في الناس أربابا
لتعرفَنَّ بأن الله مَهَل***سيصطفي دونكم للبيت حُجَّابا
وَعُمْرَ عمرو بن لحي ثلاثمائة سنة وخمساً وأربعين سنة.
وكانت ولاية البيت في خُزاعة وفي مضر ثلاث خصال: الإجازة بالناس من عَرَفَةَ، والإفاضة بالناس غَدَاةَ النحر إلى مِنّى، فانتهى ذلك منهم إلى أبي سيارة فدفع أبو سيارة من مزدلفة إلى منى أربعين سنة على حمار له، ولم يعتل في ذلك، حتى أدركه الإسلام، فكانت العرب تتمثل به فتقول «أَصَحُ من عَيْرِ أبي سيارة».
وفي أبي سيارة يقول قائلهم:
نحن دفعنا عن أبي سَيَّاره***حتى أفاض مُحْرِماً حماره
مستقبل القبلة يدعو جاره
والنسء للشهور الحُرُم، وكانت النّسَأة في بني مالك بن كنانة، وكان أولهم أبوالقلمس حذيفة بن عبد، ثم ولده قلع بن حذيفة، وورد الإسلام وآخرهم أبو ثمامة، وذلك أن العرب كانت إذا فرغت من الحج وأرادت الصَّدَر اجتمعت إليه، فيقوم فيهم، فيقول: اللهم إني قد أحللت أحد الصَّفَرَيْنِ الصفر الأول، وأنسأت الآخر للعام المقبل، وظهر الإسلام وقد عادت الشهور الحرم إلى بَدْئِها على ما كانت عليه في أصلها، وذلك قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» وما ذكر عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث إلى آخره، فأخبر الله عزّ وجل عنهم بذلك بقوله تعالى: (إِنَّمَا النَّبِي زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ ﴾ [التوبة: 37] وقد فَخَر بذلك عمير بن قيس ابن جذل الطَّعَان فقال:
ألسنا الناسئين على معد***شهور الحل نجعلها حراما؟
وقد كان قصي بن كلاب بن مرة تزوج ابنة حليل، وحليل هو آخر من ولي البيت من خُزَاعة، وقد كان عمرو بن لحي - حين عُمر ما ذكرنا من السنين - مات وله من الولد وولد الولد ألف، ولما حضرت حليلاً الوفاة - وهو آخر من ولي البيت من خُزَاعة - وقد كان عمرو على ما ذكرنا جعل ولاية البيت إلى ابنته زوج قصي بن كلاب، فقيل له: إنها لا تقوم بفتح الباب وَغَلقِهِ، فجعل ولاية البيت إليها، وفتح الباب وَغَلْقه إلى رجل من خزاعة يعرف بأبي عَبْشَان الخزاعي، فباعه أبو غبشان إلى قصي ببعير وزق خمر، فأرسلت العرب ذلك مثلاً، فقالت «أخْسَرُ من صفقة أبي عَبْشَان» وفي بيعه لولاية البيت ببعير وزق من الخمر ونقله ولاية البيت من قومه من خُزَاعة إلى قصي بن كلاب، يقول الشاعر:
أبو غبشان أظلم من قصي***وأظلم من بني فَهْرٍ خُزَاعَهُ
فلا تَلْحَوْا قصيًّا من شِرَاهُ***وَلُومُوا شيخكم إذ كانَ بَاعَهُ
وقال في ذلك آخر:
إذا افتخرت خُزاعة في قديم***وجدنا فَخْرَها شرب الخمور
وباعت كعبة الرحمن جهراً***بزقٌ، بئس مُفْتَخَرُ الفخور
وقد كانت ولاية البيت في خزاعة ثلاثمائة سنة، واستقام أمر قصي، وعَشَر على مَنْ دخل مكة من غير قريش، وبنى الكعبة، ورتب قريشاً على منازلها في النسب بمكة، وَبَيَّن الأبطحي من قريش، وهم الأباطح، وجعل الظاهري ظاهرياً.
وقريش البطاح: هي قبائل عبد مناف، وبني عبد الدار، وبني عبد العُزَّى بن قصي، وزُهرة، ومخزوم، وتيم بن مرة، وجُمَح، وسَهم، وعدي، وهم لَعَقَة الدم، وبنو عتيك بن عامر بن لؤي.
وقريش الظواهر بنو [محارب، و] الحارث بن فهر، وبنو الأدرم بن غالب بن فهر، وبنو هصيص بن عامر بن لؤي، وفي ذلك يقول ذكوان مولى عبد الدار للضَّحَّاك ابن قيس الفهري:
تطاوَلْتُ للضحاك حتى رَدَدْتُه***إلى نسب في قومه متقاصر
فلو شاهدتني من قريش عصابة***قريش البطاح لا قريش الظواهر
ولكنهم غابوا وأصبحتُ شاهداً***فقبحت من حامي ذمار وناصر
فريقان منهم ساكن بطن يثرب***ومنهم فريق ساكن بالمشاعر]]
والأحلاف من قريش: بنو عبد الدار بن قصي، وسهم، وجُمَح، وعدي، ومخزوم.
والمُطَيِّبون: بنو عبد مناف، وبنو أسد بن عبد العُزَّى، وزُهرة، وتيم، وبنوالحارث بن لؤي.
وفي ذلك يقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي في امرأة:
ولها في المطيبين جدود***ثم نالت ذوائب الأحلاف
إنها بين عامر بن لؤي***حين تُدعى وبين عبد مناف
وأخذت قريش الإيلاف من الملوك، وتفسير ذلك الأمن، وتَقَرَّشت، والتقرش: الجمع، ومنه قول ابن حلزة اليشكري:
إخوة قَرَّشُوا الذنُوب علينا***في حديث من دهرنا وقديم
ورحلت قريش - حين أخذ لها الإيلاف من الملوك - إلى الشام [والحبشة] واليمن والعراق، وفي ذلك يقول مطرود الخزاعي:
يا أيها الرجل المُحَوِّل رَحْلَه***هَلا نزلت بآلِ عبد مناف
الآخِذِينَ العهد من آنافنا***والرَّاحِلِينَ بِرحلة الإيلاف
ولقريش أخبار كثيرة، وكذلك لجرهم وخُزَاعَة وغيرهما من معد، وقد أتينا على جميعها فيما سلف من كتبنا، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً، تنبيهاً بها على ما سلف، وسنورد عند ذكرنا تفرق الناس من بابل جملاً من أخبار مكة وعبد المطلب والحبشة، وغير ذلك مما لحق بهذا المعنى، إن شاء الله.
ذكر ذوو الدراية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - حين فتح الله البلاد على المسلمين من العراق والشام ومصر وغير ذلك من الأرض - كتب إلى حكيم من حكماء العصر: إنا أنَاسٌ عرب، وقد فتح الله علينا البلاد، ونريد أن نتبوأ الأرض، ونسكن [البلاد و] الأمصار، فَصِف لي المدن وأهويتها ومساكنها، وما تؤثره التربة والأهوية في سكانها.
فكتب إليه ذلك الحكيم: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله تعالى قد قسم الأرض أقساماً: شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، فما تناهى في التشريق [ ولَجَ في المطلع السانح منه النور] فهو مكروه لاحتراقه وناريته وحدته وإحراقه لمن دخل فيه، وما تناهى مغرباً أيضاً أضرَّ سكانه ؛ لموازاته ما أوغل في التشريق، وهكذا ما تناهى في الشمال أضر ببرده وقره وثلوجه وآفاته الأجسام فأورثها الآلام، وما اتصل بالجنوب وأوغل فيه أحرق بناريته ما اتصل به من الحيوان؛ ولذلك صار المسكون من الأرض جزءاً يسيراً، ناسَبَ الاعتدال، وأخذ بحظه من حسن القسمة، وسأصف لك - يا أمير المؤمنين - القطع المسكونة من الأرض.
أما الشام فسُحُبِّ وآكام، وريح وغمام، وغَدَق وركام، ترطب الأجسام، وتبلد الأحلام، وتصفي الألوان لا سيما أرض حمص فإنها تحسن الجسم، وتصفي اللون وتبلد الفهم، وتنزح غوره، وتجفي الطبع، وتذهب بماء القريحة، وتنصب العقول، والشام - يا أمير المؤمنين وإن كانت على ما وصفت لك - فهي مَسْرَح خصب، ووابل سكب كثرت أشجاره، واطّردت أنهاره وغمرت أعشاره، وبه منازل الأنبياء،
والقدس المجتبى، وفيه حَلَّ أشراف خلق الله تعالى من الصالحين والمتعبدين، وجباله مساكن المجتهدين والمنفردين.
وأما أرض مصر فأرض قَوْراء غَوْرَاء، ديار الفراعنة، ومنازل الجبابرة، تحمد بفضل نيلها، وذمها أكثر من حمدها، هواؤها راکد، وحرها زائد، و شرها وارد، تکدر الألوان، وتخبب الفطن [وتكثر الإحَنَ] وهي معدن الذهب والجوهر والزمرد، والأموال ومغارس الغَلات، غير أنها تسمن الأبدان وتسود الأبشار، وتنمو فيها الأعمار، وفي أهلها مكر ورياء، وخبث ودهاء وخديعة، إلا أنها بلد مكسب لا بلد مسكن ؛ لترادف فتنها، واتصال شرورها..
وأما اليمن فيضعف الأجسام، ويذهب الأحلام، ويذهب بالرطوبة، في أهله همم كبار، ولهم أحساب وأخطار، مغايضه خصبة، وأطرافه جدبة، وفي هوائه انقلاب، وفي سكانه اغتيال، وبهم قطعة من الحسن، وشعبة من الترفه وفقرة من الفصاحة.
وأما الحجاز فحاجز بين الشام واليمن والتهائم، هواؤه حَرُور، وليله بهور، ينحف الأجسام، ويُجفف الأدمغة، ويشجع القلوب، ويبسط الهمم، ويبعث على الإحن [وهو بلد مَحْل قَحْط جذب ضَنك.
وأما المغرب فَيُقَسِّي القلب، ويوحش الطبع، ويُطيش اللب] ويذهب بالرحمة، ويكسب الشجاعة، ويقشع الضراعة، وفي أهله غذر، ولهم خبث ومكر، ديارهم مختلفة، وهممهم غير مؤتلفة، ولديارهم في آخر الزمان نبأ عظيم، وخطب جسيم، من أمر يظهر، وأحوال تبهر.
وأما العراق فمنار الشرق، وسُرَّة الأرض وقلبها، إليه تحادرت المياه، وبه اتصلت النضارة، وعنده وقف الاعتدال، فصفت أمزجة أهله، ولطفت أذهانهم، واحتدّت
خواطرهم، واتصلت مسراتهم، فظهر منهم الدهاء، وقويت عقولهم، وثبتت بصائرهم، وقَلْبُ الأرض العراق [وهو المجتبى من قديم الزمان] وهو مفتاح الشرق، ومسلك النور [ومسرح العينين ومدنه المدائن وما والاها] ولأهله أعدل الألوان، وأنقى الروائح، وأفضل الأمزجة، وأطوع القرائح، وفيهم جوامع الفضائل، وفوائد المبرات، وفضائله كثيرة؛ لصفاء جوهره، وطيب نسیمه،واعتدال تربته، وإغداق الماء عليه، ورفاهية العيش به.
وأما الجبال فتخشن الأجسام وتغلظها، وتبلد الأفهام وتقطعها، وتفسد الأحلام، وتميت الهمم ؛ لما هي عليه من غلظ التربة، ومتانة الهواء، وتكاثفه، واختلاف مهابه، وسوء متصرفاته.
والأخلاق والصور - يا أمير المؤمنين - تناسب البلد وتحاذيه، وتقاربه، وتوافقه وتضاهيه، وكل بلد اعتدل هواؤه، وخف ماؤه، ولطف غذاؤه - كانت صور أهله وخلائقهم تناسب البلد وتحاذيه، وتشاكل ما عليه أركانه،وما أسِّسَ عليه بنيانه [ وكل بلد يزول عن الاعتدال، انتسب أهله إلى سوء الحال].
وأما خراسان فتكبر الهام؛ وتعظم الأجسام ؛ وتلطف الأحلام؛ ولأهلها عقول وهمم طامحة ؛ وفيهم غَوْص وتفكير ؛ ورأي وتقدير.
وأما بلد فارس فخصب الفضاء رقيق الهواء، متراكم الماء، مُعتمّ بالأشجار، كثير الثمار ؛ وفي أهله شح، ولهم خبّ ؛ وغرائزهم سيئة، وهممهم دنيئة، وفيهم مكر وخداع .
وأما بلاد خوزستان فهي كدرة الأهواء، تفسد الأحلام، وتبلد الأفهام، وتخبث الهمم، وتستأصل الكرم، يساق أهله سَوْقَ الأنعام، وهم الهمجُ الطَّغام.
وأما أرض الجزيرة فتناسب البر بالهواء اللطيف، وفيها خصب وسرح، ولأهلها بأس ومراس.
والبر - يا أمير المؤمنين - أفضل قطع الأرض وأسناها، وأشرفها وأعلاها، نحوالأنجاد والتهائم ؛ لحماية الهواء الأقذاء سكانه، ودفعه الآفات عن قُطَّانه، وسماحة المثوى، وتهذيب الماء، وصحة المُتَنَسم، وارتفاع الأكدار، وذهاب الأضرار .
واعلم - يا أمير المؤمنين - أن الله تبارك وتعالى قسم الأرض أقساماً فَضَّل بعضها على بعض، فأفضلُ أقسامها العراق، فهو سيد الآفاق، وقد سكنه أجيال وأمم ذوو كمال.
وأما الهند والصين وبلاد الروم فلا حاجة بي إلى وصفها لك ؛ لأنها منازل شاسعة، وبلدان نائية كافرة طاغية .
وفي الذي ذكرته لك ما أشفى بك إلى ما شَمَّرتَ إلى علمه، وكل ما وصفته في هذه البلدان فهو الأعم من أمور أهلها، والأغلب على أحوالهم، فإن وجد فيهم أحد بخلاف ذلك فهو النادر يا أمير المؤمنين والحكم [ في ذلك] للأغلب.
قال المسعودي: وذكر جماعة من أهل العلم بالسير والأخبار أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أراد الشخوص إلى العراق - حين بلغه ما عليه الأعاجم من الجمع ببلادهم - سأل كعب الأخبار عن العراق، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله لما خلق الأشياء ألحق كل شيء بشيء، فقال العقل: أنا لاحق بالعراق، فقال العلم: وأنا معك، فقال المال: وأنا لاحق بالشام، فقالت الفتن: وأنا معك، [فقال الخصب: وأنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك، فقال الفقر: وأنا لاحق بالحجاز، فقالت القناعة: وأنا معك ]، فقال الشقاء: وأنا لاحق بالبوادي، فقالت الصحة: وأنا معك.
قال المسعودي: وأوسط الأقاليم الإقليم الذي ولدنا به، وإن كانت الأيام أنأت بيننا وبينه، وساحقت مسافتنا عنه، وولدت في قلوبنا الحنين إليه، إذ كان وطننا ومسقطنا، وهو إقليم بابل، وقد كان هذا الإقليم عند ملوك الفرس جليلاً، وقدره عظيماً، وكانت عنايتهم إليه مصروفة، وكانوا يشتون بالعراق، وأكثرهم يصيفون بالجبال، وينتقلون في الفصول [إلى الصرود من الأرض والحرور]، وقد كان أهل المروءات في الإسلام كأبي دُلَفَ القاسم بن عيسى العِجُلي وغيره يشتون في الحرور، وهو العراق، ويصيفون في الصرود، وهي الجبال، وفي ذلك يقول أبو دلف:
وإني امرؤ كِسْرَوِيُّ الفعال***أصيفُ الجبال وأشْتُو العراقا
وذلك لما خص به هذا الإقليم من كثرة مرافقه، واعتدال أرضه، وغضارة عيشه، ومادة الوافدين إليه، وهما دجلة والفرات، وعموم الأمن فيه، وبعد الخوف عنه، وتوسطه الأقاليم السبعة، وقد كانت الأوائل تشبهه من العالم بالقلب من الجسد ؛ لأن أرضه من إقليم بابل الذي تشعبت الآراء عن أهله بحكمة الأمور كما يقع ذلك عن القلب، وبذلك اعتدلت ألوان أهله [ واقتدرت] أجسامهم، فسلموا من شقرة الروم والصقالبة، وسواد الحبشة، وغلظ البربر، ومَنْ جفَا من الأمم، واجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار، وكما اعتدلوا في الجبلة كذلك لطُفوا في الفطنة، والتمسك بمحاسن الأمور، وأشرف هذا الإقليم مدينة السلام، ويعز علي ما أصارتني إليه الأقدار من فراق هذا المصر الذي عن بقعته فصلنا، وفي قاعته تجمعنا، لكنه الزمن الذي من شيمته التشتيت، والدهر الذي من شروطه الإبانة [ولقد أحسن أبو دلف العجلي حيث يقول:
أيا نكُبَةَ الدهر التي طَوَّحَت بنا***أيادي سَباً في شرقها والمغارب
قفي بالتي نهْوَى فقد طِرْت بالق***إليها تناهت راجعات المصائب]
وقد ذكر الحكماء - فيما خرجنا إليه من هذا المعنى - أن من علامة وفاء المرء ودوام عهده حنينه إلى إخوانه، وشوقه إلى أوطانه، وبكاءه على ما مضى من زمانه، وأن من علامة الرشد أن تكون النفوس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تَوَّاقة، وللإلف والعادة قطع الرجل نفسه لصلة وطنه.
وقال ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم، وقال بعض حكماء العرب: عمر الله البلدان بحب الأوطان، وقالت الهند حرمة بلدك عليك كحرمة والديك ؛ لأن غذاءك منهما، وغذاء هما منه وقال:آخر أولى البلدان [بصيانتك] بلد رضعت،ماءه وطعمت غذاءه، وقال آخر: ميلك إلى موضع مولدك من كرم مَحْتِدِك، وقال بقراط: يداوي كل عليل بعقاقير أرضه ؛ فإن الطبيعة تتطلع إلى هوائها، وتنزع إلى غذائها، وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنفع أدويتها، وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه كما تنبت الحبة ببلل الأرض.
وللنفوس في علة حنينها إلى الأوطان كلام ليس هذا موضعه، وقد ذكرناه في كتابنا المترجم به سر الحياة وفي كتاب «طب النفوس».
ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر لبطل أول العلم، وضاع آخره؛ إذ كان كل علم من الأخبار يستخرج [وكل حكمة منها تستنبط] والفقه منها يستثار والفصاحة منها تستفاد، وأصحاب القياس عليها يبنون، وأهل المقالات بها يحتجون ومعرفة الناس منها تؤخذ، وأمثال الحكماء فيها توجد، ومكارم الأخلاق ومعاليها منها تقتبس، و آداب سياسة الملك والحزم منها تلتمس، وكل غريبة منها تعرف، وكل عجيبة منها تستطرف، وهو علم يستمتع بسماعه العالم والجاهل، ويستعذب موقعه الأحمق والعاقل، ويأنس بمكانه وينزع إليه الخاصي والعامي، ويميل إلى رواياته العربي والعجمي.
وبعد؛ فإنه يوصل به کل کلام، ویتزین به في كل مقام، ويتجمل به في كل مشهد، ويحتاج إليه في كل محفل، ففضيلة علم الأخبار بينة على كل علم، وشرف منزلته صحيح في كل فهم، فلا يصبر على فهمه وتيقن ما فيه، وإيراده وإصداره إلا إنسان قد تجرد له، وفهم معناه، وذاق ثمرته، واستسفر من غرره ونال من سروره، وقد قالت الحكماء: الكتاب نعم الجليس، ونعم الذخر، إن شئت ألهتك نوادره وأضحكتك بوادره وإن شئت أشجتك مواعظه وإن شئت تعجبت من [غرائب] فوائده، وهو يجمع لك الأول والآخر [والغائب والحاضر] والناقص والوافر [ والشاهد والغائب] والبادي والحاضر، والشكل وخلافه، والجنس وضده، وهو ميت ينطق عن الموتى، ويترجم عن الأحياء وهو مؤنس ينشط بنشاطك، وينام بنومك، ولا ينطق [معك] إلا بما تهوى، ولا نعلم جاراً أبر، ولا خليطاً أنصف، ولا رفيقاً أطوع، ولا معلماً أخضع، ولا صاحباً أظهر كفاية، وأقل خيانة، ولا أجدى نفعاً، ولا أحمد أخلاقاً [ولا أقل خلافاً] ولا أدوم سروراً، ولا أسكت غيبة، ولا أحسن موافاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أخف مؤنة [منه] إن نظرت إليه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وأيَّدَ فهمك، وأكثر علمك، وتعرف منه في شهر، ما لا تأخذه من أفواه الرجال في دهر، ويغنيك عن كد الطلب، وعن الخضوع لمن أنت أثبت منه أصلاً، وأسمح فرعاً، وهو المعلم الذي لا يجفوك، وإن قطعت عنه المائدة، لم يقطع عنك الفائدة، وهو الذي يطيعك بالليل طاعته لك بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته لك في الحضر، وقد قال الله تبارك وتعالى: أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِى عَلَمَ بِالْقَامِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَوْ يَعلَم [العلق: 1-5]، كإخباره عن نفسه بالكرم، وفي ذلك يقول بعض أهل الأدب:
لمَّا عَلِمْتُ بأني لست أعجزهمفوتاً ولا هرباً قدمتُ أحتجبُفصرت بالبيت مسروراً به جذلاًحاوي البراءة لا شكوى ولا شغبفرداً يُحدثني حقاً وينطق ليعن علم ما غاب عني منهم الكتبالمؤنسون هُمُ اللائي عُنيتُ بهمفليس لي في جليس غيرهم أرَبُلله در جليسي لا جليسهمفذا عشيرهم للسوء يرتقب]]وقد كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب لا يجالس الناس، ونزل مقبرة، وكان لا يُرى إلا وفي يده كتاب يقرؤه، فسئل عن ذلك، فقال: لم أرَ واعظاً أوعظ من قبر، ولا ممتعاً أمتع من كتاب، ولا شيئاً أسلم من الوحدة، فقيل له: قد جاء في الوحدة ما جاء ؛ فقال: ما أفسدها للجاهل وقد قال بعض الشعراء فيمن يجمع الكتب ولا يعلم ما فيها:زَوَامِلُ للأسفار لا علم عندهمبجيدها إلا كعلم الأباعرلَعَمْرُك ما يدري البعيرُ إذا غدا***بأحماله أو راح ما في الغرائرِ
## ذكر تنازع الناس في المعنى الذي من أجله سمي يمناً،والعراق عراقاً والشام شاماً، والحجاز حجازاًتنازع الناس في اليمن وتسميته؛ فمنهم من زعم أنه إنما سمي يمناً لأنه عن يمين الكعبة [وهو التيمن] وسمي الشام شاماً لأنه عن شمال الكعبة، وسمي الحجاز حجازاً لأنه حاجز بين اليمن والشام، نحو ما أخبر الله عز وجل عن البرزخ الذي بين بحر القلزم وبحر الروم بقوله عز وجل: ﴿ وَجَعَلَ بَين الْبَحْرَيْنِ حَاجِزا [النمل: 61] وإنما سمي العراق عراقاً لمصب المياه إليه كالدجلة والفرات وغيرهما من الأنهار، وأظنه مأخوذاً من عراقي الدلو وعراقي القربة.)ومنهم من زعم أن اليمن إنما سمي يمناً ليمنه، والشام شاماً لشؤمه، وهذا قول يُعزى إلى قطرب النحوي في آخرين من الناس.ومنهم من رأى أنه إنما سمي [اليمن] يمناً لأن الناس حين تفرقت لغاتهم ببابل تَيَامَنَ بعضهم يمين الشمس وهو اليمن، وبعضهم تشاءم فوسم له هذا الاسم، وسنذكر تفرق هذه القبائل من أرض بابل بعد هذا الموضع، وبعض ما قالوه في ذلك من الشعر، عند مسيرهم في الأرض واختيارهم البقاع.وقيل: إنما سمي الشام شاماً لشاماتٍ في أرضه بيض وسود، وذلك في التراب والبقاع [ والحجر] وأنواع النبات والأشجار، وهذا قول الكلبي .وقال الشرقي بن القطامي: إنما سمي الشام شاماً بسام بن نوح، لأنه أول من نزله وقَطَن فيه، فلما سكنته العرب تطيرت من أن تقول سام، فقالت: شام.وقيل: إن سَامَرًا إنما سميت بذلك إضافة إلى سام.وقيل: إن أول من سكنها من خلفاء بني العباس سماها بهذا الاسم، وإنها سرورلمن رآها.وقد ذكر في أسماء هذه [المعاقل و] البقاع والأمصار وجوه غير ما ذكرنا قد اتيناعليها فيما سلف من كتبنا.
## ذكر اليمن وأنسابها وما قاله الناس في ذلكاختلف الناس في أنساب قحطان؛ فحكى هشام بن الكلبي عن أبيه والشرقي بن القطامي أنهما كانا يذهبان إلى أن قحطان بن الهميسع بن نبت - وهو نابت - بن إسماعيل ابن إبراهيم الخليل، ويحتجان لذلك بوجوه من الأخبار. منها ما روي عن النبي، وهو ما رواه هشام عن أبيه عن ابن عباس، ورواه الهيثم عن الكلبي عن أبي صالح أن النبي مر على فتية من الأنصار يتناضلون، فقال: «ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً، ازموا وأنا مع ابن الأدرع رجل من خزاعة، فرمى القوم نبالهم، وقالوا يا رسول الله، مَنْ كنت معه فقد نَضَلَ !! فقال «ارْمُوا وأنا معكم جميعاً».»قال المسعودي: وسائر ولد قحطان من حمير وكهلان يأبى هذا القول وينكره وقد ثبت أن قحطان هو يقطن، وإنما عُرْبَ فقيل له: قحطان.وحكى ابن الكلبي، أن اسم يقطن في التوراة الجبار بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ ابن سام بن نوح، والواضح من أنساب اليمن، وما تدين به كهلان وحمير ابنا قحطان إلى هذا الوقت قولاً وعملاً، وينقله الباقي عن الماضي والصغير عن الكبير [ والذي] وجدت عليه التواريخ القديمة للعرب وغيرها من الأمم، وعليه وجدت الأكثر من شيوخ ولد قحطان من حمير وكهلان بأرض اليمن والتهائم والأنجاد وبلاد حضرموت والسحر والأحقاف وبلاد عمان وغيرها من الأمصار أن الصحيح في نسب قحطان أنه قحطان بن عابر بن شالخ [بن سالم] - وهو قينان - بن ارفخشذ بن سام بن نوح، وقد كان لعابر ثلاثة أولاد: فالغ،وقحطان، وملكان، والخضر من ولد ملكان في قول كثير من الناس، وولد لقحطان أحد وثلاثون ذكراً، وأمهم حَيّ بنت روق بن فزارة بن منقذ ابن سويد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، فولد قحطان يعرب بن قحطان، وولد يعرب يشجب، وولد يشجب ولدين، أحدهما عبد شمس - وهو سبأ بن يشجب - وإنما سمي سبأ لسبيه السبايا، فولد سبأ حمير وكهلان ابني سبأ، والثاني لم يعقب، وإنما العقب من ولد هذين - وهما حمير وكهلان ؛ فهذا المتفق عليه عند أهل الخبرة بهما، والمتيقن لديهما.
وكان الهيثم بن عدي الطائي [ ينكر أيضاً أن يكون قحطان من ولد إسماعيل، وإنما ] إسماعيل تكلم بلغة جرهم ؛ لأن إسماعيل كان سرياني اللسان على لغة أبيه خليل الرحمن حين أسكنه هو وأمه هاجر بمكة على ما ذكرناه، فصاهرجرهم، ونشأ على لغتها، ونطق بكلامها [ وقفا في مُرَاده خطابها].و نزار تأبى أن يكون إسماعيل نشأ على لغة جُزهم، ويقولون: إن الله عز وجل أعطاه هذه اللغة، وذلك أن إبراهيم خلفه هو وأمه هاجر، وإسماعيل ابن ست عشرة سنة، وقيل: ابن أربع عشرة سنة، في واد غير ذي ذرع ولا أنيس، فحفظهما الله تعالى، وأتبع لها زمزم، وعلّم إسماعيل هذه اللغة العربية.قالوا: ولغة جرهم غير هذه اللغة، ووجدنا لغة ولد قحطان بخلاف لغة ولد نزار بن معد، فهذا يقضي بإبطال قول من قال: إن إسماعيل أعرب بلغة جرهم، ولو وجب أن يكون إسماعيل [إنما كان] عربي اللسان لأجل جرهم [ ونشئه فيها] لوجب أن تكون لغته موافقة للغة جرهم، أو لغيرها ممن نزل مكة، وقد وجدنا قحطان سرياني اللسان، وولده يعرب بخلاف لسانه، وليس منزلة يعرب عند الله أعلى من منزلة إسماعيل ولا منزلة قحطان أعلى من منزلة إبراهيم [خليل الرحمن] فيمنع إسماعيل فضيلة اللسان العري التي أعطيها يعرب بن قحطان.ولولد نزار وولد قحطان خطب طويل ومناظرات كثيرة لا يأتي عليها كتابنا هذا، في التنازع والتفاخر بالأنبياء والملوك، وغير ذلك مما قد أتينا على ذكر جُمَل من حِجَاجهم وما أدلى به كل فريق منهم ممن سلف وخلف، وكذلك مناظرات السودان والبيضان والعرب والعجم ومناظرات الشعوبية في كتابنا «أخبار الزمان».وزعم الهيثم [ بن عدي] أن جرهم بن عابر بن سبأ بن يقطن هو قحطان، وتأول الهيثم قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ - حين قال الرماة من الأنصار، «ارْمُوا يا بني إسماعيل» - أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) نسبهم إلى إسماعيل من جهة الأمهات، وما نالهم من الولادات من ولد إسماعيل ؛ لأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا يزيل نسباً قد ثبت، ولا يثبت نسب قوم إلى غير آبائهم، وقد نقلوا ذلك قولاً وعملاً وقد روي عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن سائلاً سأله من مُراد عن سَبَاً: أرجلاً كان أو امرأة أو وادياً أو جبلاً؟ فقال له: «كان رجلاً، ولد له عشرة فتشاءم أربعة وتيامن ستة ؛ فالذين تشاءموا لجم وجُذام وعاملة وغَسَّان، والذين تيامنوا حمير والأزد ومذحج وكنانة والأشعريون وأنمار الذين هم بجيلة وخثعم».)وقال أبو المنذر: هو أنمار بن إياد بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
قال المسعودي: وقد تنوزع في نسب أنمار؛ فذهب الأكثر إلى أن أنماراً وإياداً وربيعة ومضر بنو نزار بن معد بن عدنان، وإنما دخلوا في اليمن فأضيفوا إليهم، وما ذكرناه عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ فيمن تيامن وتشاءم فمن أخبار الآحاد، وليس مجيئه مجيء الاستفاضة التي يقطع بها العذر ويثبت بها الحكم.)وللناس في هؤلاء كلام كثير، وقد ذكر هشام عن أبيه الكلبي قال: كان يقال لسائر ولد سبأ السَّبئيون، ولم تكن لهم قبائل تجمعهم دون سبأ.وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب خبر عمرو بن عامر مزيقياء، وخبر طريفة الكاهنة، وخبر عمران الكاهن، وهو أخو عمرو بن عامر، وأخبار العرم والسيل، وما كان من كهانتهما في أمر السد وسيل العرم، وتفرق القبائل من مأرب، ومن لحق بعمان وشنوءة والسَّراة والشام وغير ذلك من بقاع الأرض.
## ذكر اليمن وملوكها، ومقدار سينها### سبأأول من يُعدَ من ملوك اليمن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، واسمه عبد شمس، وقد أخبرنا فيما سلف من هذا الكتاب وغيره من كتبنا لأية علة سمي سبأ على ما قيل، والله أعلم، وكان ملكه أربعمائة سنة وأربعاً وثمانين سنة.### حميرملك بعده ولده حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب، وكان أشجع الناس فی وقته، وأفرسهم، وأكثرهم جمالاً، وكان ملكه خمسين سنة، وقيل: أكثر من ذلك، وقيل: أقل [وكان يعرف بالمتوج] وكان أول من وضع على رأسه تاج الذهب من ملوك اليمن.### كهلانثم ملك بعده أخوه كهلان بن سبأ، فطال عمره، وكبر سنه، واستقامت له الأمور، وكان ملكه ثلاثمائة سنة، وقيل غير ذلك.ثم عاد الملك بعد أن هلك كهلان إلى ولد حمير؛ لأخبار يطول ذكرها، وتنازع في الملك [بين] ولد حمير وكهلان.### عمرو بن سبأثم ملك أبو مالك عمرو بن سبأ، واتصل ملكه، وغمر الناس عدله، وشملهم إحسانه، وكان ملكه ثلاثمائة سنة.### قول آخروقيل: إن أول من ملك بعد كهلان الرائش، وهو الحارث بن شداد. ثم ملك جبار
بن غالب [بن زيد بن كهلان، فكان ملكه عشرين ومائة سنة.ثم ملك بعده الحارث بن مالك] بن إفريقس بن صيفي بن يشجب بن سبأ، وكان ملكه مائة سنة ونحو أربعين سنة، وقيل: إن هذا الملك هو [أبو] أبرهة بن الرائش المعروف بذي المنار.### جماعة من ملوك اليمنثم ملك بعده الرائش بن شداد بن ملظاظ، وكان ملكه مائة وخمساً وعشرين وسنة.ثم ملك بعده أبرهة بن الرائش، وهو ذو المنار، وكان ملكه مائة وثمانين سنة.[ثم ملك بعده إفريقس بن أبرهة، فكان ملكه مائة وأربعاً وستين سنة ] .ثم ملك بعده أخوه العبد بن أبرهة، وهو ذو الأذعار، وكان ملكه خمساً وعشرين سنة.### ذو الأذعارثم ملك بعده الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، وقد تنوزع في مقدار ملكه؛ فمنهم من رأى أنه عاش عشر سنين، ومنهم من ذكر سبعاً، ومنهم من قال: ستّاً.### تبع الأولثم ملك تبع الأول، وكان ملكه أربعمائة سنة، وذكر كثير من الناس أن بلقيس قتلته، وقيل غير ذلك، والأشهر ما قدمنا.### بلقيس وسليمانثم ملکت بعده بلقيس بنت الهدهاد، وكان لمولدها خبر ظريف ذكرته الرواة فيما روي أنه تصور لأبيها في بعض قنصه حيّتان سوداء وبيضاء فأمر بقتل السوداء منهما، وما ظهر له بعد ذلك من شيخ وشاب من الجن، وأن الشيخ زوجه بابنته، واشترط عليه شروطاً [لها]، فعلقت منه ببلقيس، ونقض تلك الشروط المأخوذة عليه لها، فغابت عنه، في خبر ظريف، وهو موجود في كتاب [أخبار] التبابعة.وإنما نحكي هذه الأخبار على حسب ما وجدناه في كتب الأخباريين وعلى حسب ما توجبه الشريعة والتسليم لها، وليس قصدنا من ذلك وصف أقاويل أصحاب القدم؛ لأنهم ينكرون هذا ويمنعونه، وإنما نحكي في هذا الكتاب أقاويل أصحاب الحديث المنقادين للشرع والمسلّمين للحق، وأخبار الشياطين على حسب ما نطق به الكتاب
المنزل على النبي المرسل، وما قارن ذلك من الدلائل الدالة على صدقه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وإعجاز الخليقة أن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .)وكان ملك بلقيس عشرين ومائة سنة، وكان من أمرها مع سليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ لما ذكر الله عزّ وجلَّ في كتابه، وما اقتص من خبر الهدهد، وما اقتص من أمرهما، فملك سليمان اليمن ثلاثاً وعشرين سنة.)### بقية ملوك اليمنعاد بعد ذلك الملك إلى إلى حمير؛ فملكهم ناشر النعم بن عمرو بن يعفر وكان ملکه خمساً وثلاثين سنة. ثمثم ملك بعده شمر بن إفريقس بن أبرهة، فكان ملكه ثلاثاً وخمسين سنة. [ثم ملك بعده تُبَّع الأقْرَنُ بن شمر، فكان ملكه مائة وثلاثاً وستين سنة].ثم ملك بعده كليكرب بن تبع وكان ملكه مائة سنة وعشرين سنة، وَسَيَّرَ قومه نحوالشرق من بلاد خراسان والتبت والصين وسجستان.ثم ملك بعده حسان بن تُبَّع، فاستقام له الأمر، ثم وقع بعد ذلك في ملکه تنازع وخلاف، وكان ملكه إلى أن قتل خمساً وعشرين سنة .ثم ملك بعده عمرو بن تُبع، وهو القاتل لأخيه حسان الملك الماضي، وكان ملكه أربعاً وستين سنة، ويقال: إنه عدم النوم، لما كان من فعله من قتل أخيه.ثم ملك بعده تبع بن حسان بن كليكرب، وهو الملك السائر من اليمن إلى الحجاز، وكانت له مع الأوس والخزرج حروب، وأراد هدم الكعبة فمنعه مَنْ كان معه من أخبار اليهود، فكساها القصب اليماني، وسار نحو اليمن وقد تهود وغلبت على اليمن اليهودية، ورجعوا عن عبادة الأصنام وكان ملكه نحو مائة سنة.ثم ملك عمرو بن تبع بعد تفرق وتنازع كان بينهم في الملك، ثم خلع عن الملك وملكوا عليهم مرثد بن عبد كلال، وكان في اليمن تنازع وحروب، وكان ملكه أربعين سنة.ثم ملك بعده وليعة بن مرثد وكان ملكه تسعاً وثلاثين سنة.ثم ملك بعده أبرهة بن الصباح بن وليعة بن مرثد، وهو الذي يدعى شيبة الحمد، وكان ملكه ثلاثاً وتسعين سنة، وقيل: أقل من ذلك، وكان علامة وله سير مُدَوَّنة.
ثم ملك بعده عمرو بن ذي قيفان، وكان ملكه سبع عشرة سنة ثم ملك بعده ذو شَنَاتر، ولم يكن من أهل بيت الملك، فغري بالأحداث من أبناء الملوك، وطالبهم بما تُطالب به النسوان، وأظهر الفسق باليمن واللواط، وعدل ذلك في الرعية، وأنصف المظلوم، وكان ملكه ثلاثين سنة، وقيل: تسعاً وعشرين سنة، وقتله يوسف ذو نواس، وكَان من أبناء الملوك، خوفاً على نفسه، وأنفة أن يفسق به.### أبرهة أبو يكسومثم ملك بعده يوسف ذو نُواس بن زرعة بن نبع الأصغر ابن حسان بن كليكرب، وقد ذكرنا خبره في غير هذا الموضع من كتبنا، وما كان من أمره ما أصحاب الأخدود، وتحريقه إياهم بالنار، وهم الذين خبر الله تعالى عنهم في كتابه فقال: (قُتِلَ أَصْحَبُ الْأَخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُود [البروج: 4، 5] وإليه عبرت الحبشة من بلاد ناصع والزيلع، وهو ساحل الحبشة على حسب ما ذكرنا، إلى بلاد [غلافقة من ساحل] زبيد من أرض اليمن، فغرق يوسف نفسه بعد حروب طويلة خوفاً من العار؛ وكان ملكه مائتي سنة وستين سنة، وقيل أقل من ذلك، وذلك أن النجاشي ملك الحبشة لما بلغه فعل ذي نواس بأتباع المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما يعذبهم به من أنواع العذاب والتحريق بالنار بعث إليه الحبشة وعليهم أرياط بن أصحمة فملك اليمن عشرين سنة، ثم وثب عليه أبرهة الأشرم أبو يكسوم فقتله وملك اليمن، فلما بلغ ذلك من فعله إلى النجاشي غضب عليه، وحلف بالمسيح أن يجز ناصيته، ويريق دمه، ويطأ تربته - يعني أرض اليمن - فبلغ ذلك أبرهة فجز ناصيته وجعلها في حق من العاج، وجعل من دمه في قارورة وجعل من تراب اليمن في جراب، وأنفذ ذلك إلى النجاشي ملك الحبشة، وضم إلى ذلك هدايا كثيرة وألطافاً، وكتب إليه يعترف بالعبودية، ويحلف له بدين النصرانية أنه في طاعته، وأنه بلغه أن الملك حلف بالمسيح أن يجزنا ناصيته ويريق دمه ويطأ أرضه، وأنفذت إلى الملك ناصيتي فليجزها بيده، وبدمي في قارورة فليهرقه، وبجراب من تربة بلادي فليطأه بقدميه، وليطفىء الملك عني غضبه، فقد أبررت يمينه، وهو على سرير ملكه، فلما وصل ذلك إلى النجاشي استصوب رأيه، واستحسن عقله، وصفح عنه [وكان ذلك في ملك قباذ ملك فارس].)### أبو رغالوأبرهة أبو يكسوم هو الذي سار بأصحاب الفيل [إلى مكة] لإخراب الكعبة وذلك لأربعين سنة خلت من ملك [كسرى] أنو شروان، فعدل إلى الطائف فبعثت معه ثقيف بأبي رُغال ليدله على الطريق السهل إلى مكة، فهلك أبو رُغال في الطريق بموضع يقال له
المُعَمَّس بين الطائف ومكة، فَرُجم قبره بعد ذلك [ والعرب تتمثل بذلك]، وفي ذلك يقول جرير بن الخطفي في الفرزدق.إذا مات الفرزدق فارْجُمُوهُكما تَرْمُونَ قَبْرَ أبي رغالقال المسعودي رحمه الله، وقيل: إن أبا رُغَال وجْهَهُ صالح النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ على صدقات الأموال، فخالف أمره، وأساء السيرة، فوثب عليه ثقيف - وهو قسي بن منبه - فقتله قتلَةً شنيعة لسوء سيرته في أهل الحرم ؛ فقال غيلان بن سلمة. وذكر قسوة أبيهم ثقيف على أبي رغال نحن قسيّ وقسا أبونا وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي:)نَفَوْا عن أرضهم عَدْنَان طُرًّاوكانوا للقبائل قاهريناوهم قتلوا الرئيس أبا رُغالبمكة إذ يسوق بها الوضيناوفي ذلك يقول عمرو بن دراك العبدي:تراني إن قطعت حبال قيسوخالفتُ المُرُورَ على تميملأعظمُ فَجْرَةٌ من أَبي رُغالٍ***وأجْوَرُ في الحَكُومَةِ مِنْ سَدُومٍ[وقال مسكين الدارمي:وأرْجُمُ قبرَهُ في كل عامٍ كَرَجُمِ الناس قبر أبي رُغَالَ]وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب قصه الحبشة وورودهم الحرم وما كان من أمرهم فی ذلك.### قبر العباديقال: وفي طريق العراق إلى مكة - وذلك بين الثعلبية والهبير نحو البطان - موضع يعرف بقبر العبادي، ترجمه المارة إلى هذه الغاية كما ترجم قبر أبي رُغال، وللعبادي خبر ظريف قد أتينا على ذكره في كتاب «أخبار الزمان» وفي كتاب «حدائق الأذهان» وفي أخبار أهل البيت رضي الله عنهم .فكان ملك أبرهة على اليمن إلى أن هلك بعد أن رجع من الحرم وقد سقطت أنامله وتقطعت أوصاله حين بعث الله عليه الطير الأبابيل ثلاثاً وأربعين سنة.وكان قدوم أصحاب الفيل مكة يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثمانمائة واثنتين وثلاثين سنة للإسكندر وست عشرة سنة ومائتين من تاريخ العرب الذي أوله حجة الغدر.
وسنذكر بعد هذا في الموضع المستحق له من هذا الكتاب جملاً من تاريخ عالم وتاريخ الأنبياء والملوك، في باب نفرده لذلك إن شاء الله تعالى.ثم ملك اليمن بعد أبرهة الأشرم ولده يكسوم، فعمّ أذاه سائر اليمن، وكان ملكه إلى أن هلك عشرين سنة.### مسروق بن أبرهةثم ملك بعده مسروق بن أبرهة، فاشتدت وطأته على اليمن، وعم أذاه سائر الناس، وزاد على أبيه وأخيه في الأذى، وكانت أمه من آل ذي يَزَن، وكان سيف بن ذي يَزَن قد ركب البحار، ومضى إلى قيصر يستنجده، فأقام بیابه سبع سنين، فأبى أن يُنْجِده، وقال: أنتم يهود، والحبشة نصارى، وليس في الديانة أن ننصر المخالف على الموافق، فمضى إلى كسرى أنوشروان فاستنجده ومَتَّ إليه بالقرابة، وسأله النصرة، فقال له کسرى: وما هذه القرابة التي أذلَيتَ بها إليَّ؟ فقال: أيها الملك الجبلة وهي الجلدة البيضاء؛ إذ كنت أقرب إليك منهم، فوعده أنوشروان بالنصرة [على السودان] وشغل بحرب الروم وغيرها من الأمم، ومات سيف بن ذي يزن، فأتى بعده ابنه معد يكرب بن سيف، فصاح على باب الملك، فلما سئل عن حاله، قال: لي قبل الملك ميراث، فوقف بين يدي أنوشروان، فسأله عن ميراثه، فقال: أنا ابن الشيخ الذي وعده الملك بالنصرة على الحبشة، فوجّه معه وَهْرِز إصبهبذ الديلم في أهل السجون، فقال: إن فتحوا فلنا، وإن هلكوا فلنا،وكلا الوجهين فَتْح، فحملوا في السفن [ في دجله] ومعهم خيولهم وعُددهم وأموالهم، حتى أتوا أُبَلَّةَ البصرة - وهي فرج البحر، ولم يكن حينئذ بصرة ولا كوفة، وهذه مدن إسلامية - فركبوا في سفن البحر، وساروا حتى أتوا ساحل حضرموت بموضع يقال له مَثْوَبَ، فخرجوا من السفن، وقد كان أصيب بعضهم في البحر، فأمرهم وهرز أن يحرقوا السفن ليعلموا أنه الموت، ولا وجه يؤملون المَفَرَّ إليه فيجهدون أنفسهم، وفي ذلك يقول رجل من حضرموت:أصبح في مَثْوَب أَلْفُ في الجُنَنْمن رهط ساسان ورهط مهرسنليخرجوا السودان من أرض اليمندَلّهُمُ قصد السبيل ذو يَزَنْفي شعر له طويل، ونما خبرهم إلى ملك اليمن مسروق بن أبرهة فأتاهم في مائة ألف من الحبشة وغيرهم من حمير وكهلان ومن سائر مَنْ سكن اليمن [من الناس] وتصاف القوم، وكان مسروق على فيل عظيم، فقال وهرز لمن كان معه من الفرس: أصدقوهم الحملة، واستشعروا الصبر، ثم تأمل ملكهم وقد نزل عن الفيل فركب جملاً،
ثم نزل عن الجمل فركب فرساً، ثم أنف أن يحارب على فرس فركب حماراً استصغاراً لأصحاب السفن، فقال وَهُرزُ: ذهب ملكه، وتنقل من كبير إلى صغير، وكان بين عيني مسروق ياقوتة حمراء معلقة في تاجه بمعلاق من الذهب تضيء كالنار، فرمى وَهُرزُ، ورمي القوم، وقال وَهرزُ لأصحابه: قد رميت ابن الحمارة، فانظروا إن كان القوم يجتمعون عليه [ولا يتفرقون عنه فهو حي وإن كان أصحابه يجتمعون عليه] ويتفرقون عنه فقد هلك، فنظروا إليهم [فرأوهم] يجتمعون ويتفرقون عنه، فأخبروه بذلك، فقال: احملوا على القوم واصدقوهم [فحملوا عليهم وصدقوهم]، فانكشفت الحبشة وأخذهم السيف، ورفع رأس مسروق ورؤوس خواص الحبشة ورؤسائهم، فقتل منهم نحو ثلاثين ألفاً، وقد كان أنوشروان اشترط على معد يكرب شروطاً: منها أن الفرس تتزوج باليمن ولا تتزوج اليمن منها [ وفي ذلك يقول الشاعر:على أن ينكحوا النسوان منهمولا ينكحوا في الفارسينا][و خراج يحمله إليه ] فتوَّجَ وهرز معد يكرب بتاج كان معه وبدنه من الفضة ألبسه إياها، [ورتبه في ملكه على اليمن]، وكتب إلى أنوشروان بالفتح، وخلف هناك جماعة من أصحابه.وكان جميع ما ملكت الأحابش [ اليمن] اثنتين وسبعين سنة، وكان ملك مسروق ابن أبْرَهَة إلى أن قتله وهرزُ ثلاث سنين، وذلك لخمس وأربعين خلت من ملك أنوشروان. .[وأتت معد يكرب الوفود من العرب تهنئه بالملك، فأتاه عبد المطلب وجَدُ أُمية بن أبي الصلت، وقد ذكرنا خبر عبد المطلب ووفادته على ابن ذي يزن في هذا الكتاب فيما بعد، وما قيل من الشعر] وفي مسير الفرس إلى اليمن ونصرتهم على الحبشة يقول بعض أولاد فارس:نحن خصنا البحار حتى فككناحميراً من بَلِيَّةِ السودانبليوث من آل ساسان شوسيمنعون الحريم بالمرانوببيض بواتر تتلالاكسَنَا البرق في ذري الأبدانفقتلنا مسروق إذ تاه لَمَّاأن تداعَتْ قبائل الحبشانوفلقنا ياقوتة بين عينيهبنُشَّابة الفتى الساسانيوه-رزُ الديلمي لما رآهرابط الجأش ثابت الأركان]وحوَيْنا بلاد قحطان قسراًثم سرنا إلى ذري غُمْدان
فنعمنا فيه بكل سروروَمَنَنَّا على بني قحطانوفي ذلك يقول البحتري يمدح أبناء العجم، ويذكر فضل الفرس على أسلافه لأنه من قطحان:فكم لكم من يَدٍ يزكو الثناء بها ونعمة ذكرُها باقٍ على الزمنإن تفعلوها فليست بكر أنعمكم ولا يد كأياديكم على اليمنأيام جَلَّى أنوشروان جدكم غيابة الذل عن سيف بن ذي يزنإذ لا تزال خيول الفرس دافعةبالضرب والطعن عن صَنْعا وعن عَدَنأنتم بنو المنعم المُجْدِي ونحن بنو***مَنْ فاز منكم بفضل الطّول والمنن### وفود العرب تهنيء معد يكربقال المسعودي: وأتت معد يكرب الوفود من العرب تهنئه بعود الملك إليه وأشراف العرب وزعماؤها، وفيهم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف [ وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف]، وخويلد بن أسد بن عبد العزى [بن قصي] و [أبو زَمْعَة] جَدُّ أُمية بن أبي الصَّلْت الثقفي، وقيل: بل أبو الصلت أبوه، فدخلوا إليه وهو في أعلى قصره بمدينة صنعاء المعروف بغُمدان وهو مُضَمَّح بالعنبر، وسواد المسك يلوح على مفرقه، وسيفه بين يديه، وعلى يمينه ويساره الملوك [ وأبناء الملوك] وأبناء المقاول.### عبد المطلب يهنىء الملكفتكلمت الخطباء، ونطقت الزعماء، وقد تقدمهم عبد المطلب بن هاشم فقال عبد المطلب: إن الله جل جلاله قد أحلك - أيها الملك - مَحَلاً رفيعاً، صعباً منيعاً، شامخاً، باذخا، وأنبتك مَنْبتاً طابت أرومته، وعزت جُرثُومته، وثبت أصله وبَسَق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب [موضع و] موطن فأنت - أبيت اللعن! - رأس العرب وربيعها الذي تُخصب به، وأنت - أيها الملك - ذروة العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي تلتجىء إليه العباد، سلَفُكَ خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يحمل ذكر من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، أيها الملك، نحن أهل (حرم الله، وسَدَنَة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب الذي فَدَحَنَا، ونحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة فقال له الملك،وأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فقال الملك معد يكرب بن سيف: ابْنُ أختنا؟ قال: نعم، قال: أدْنُوه مني، فأدني، ثم أقبل عليه وعلى الوفد، فقال لهم: مرحباً،وأهلاً، وناقة وَرَحلاً،)
ومستناخاً سهلاً، وملكاً ربحلاً، يعطى عطاء جزلاً، قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل والنهار، لكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم.### أبو زمعة يهنئهثم قام أبو زمعة جد أمية بن أبي الصلت الثقفي، فأنشأ يقول:ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزنفي لجة البحر أحوالاً وأحوالاحتى أتى ببني الأحرار يحملهمتخالهم في سواد الليل أجبالالله درهُمُ من عصبة خرجواما إن رأيت لهم في الناس أمثالاأرسلت أسداً على سود الكلاب فقدأمسى شريدهُمُ في الأرض فُلالَافاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاًفي رأس غمدان داراً منك محلالاثم اطْلُ بالمسك إذ شالت نعامتهموأسْبِل اليوم في بُرْدِيكَ إسبالاتلك المكارم لاقعْبَانِ من لبن***شيباً بماء فعادا بعد أبوالاولمعد يكرب بن سيف بن ذي يزن كلام كثير مع عبد المطلب وكوائن أخبره بها في أمر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ وبَدء ظهوره، بَشَّر به عبد المطلب وأخبره عن أحواله، وما يكون من أمره، وحبًا جميع الوفد، وانصرفوا، وقد أتينا على ما كان من أخبارهم في كتابنا «أخبار الزمان» فأغنى عن إعادته ووصفه.)### مقتل معديكربقال المسعودي: وأقام معد يكرب بن سيف بن ذي يزن ملكاً على اليمن، واصطنع عبيداً من الحبشة حرابة يمشون بين يديه بالحراب، فركب في بعض الأيام من باب قصره المعروف بغمدان بمدينة صنعاء، فلما صار إلى رحبتها عطفت عليه الحرابة من الحبشة، فقتلوه بحرابهم، وكان ملكه أربع سنين، وهو آخر ملوك اليمن من قحطان، فعدد ملوكهم سبعة وثلاثون ملكاً [و] ملكوا ثلاثة آلاف سنة ومائة وتسعين سنة.### رواية عبيد بن شريةقال المسعودي: وأما عبيد بن شَرِّيَّة الجرهمي حين وفد على معاوية، وسأله عن أخبار اليمن [وملوكها] وتواريخ سنيها، فإذا ذكر أن أول ملوك اليمن على حسب سب ما قدمنا في هذا الباب سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ملك مائة سنة وأربعاً وثمانين سنة.
ثم ملك بعده الحارث بن شداد بن ملظاط بن عمرو، مائة وخمساً وعشرين سنة.ثم ملك بعده أبرهة بن الرائش، وهو [أبرهة ] ذو المنار، مائة وثلاثاً وثلاثين سنة.ثم ملك بعده إفريقس بن أبرهة، مائة وأربعاً وستين سنة.[ثم ملك بعده أخوه العبد بن أبرهة، خمساً وأربعين سنة].ثم ملك بعده الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو، وهو ذو الصرح، سنة.ثم ملكت [بعده] بلقيس بنت الهدهاد، سبع سنين.ثم ملك سليمان بن داود (عَلَيهِم السَّلَامُ، ثلاثاً وعشرين سنة، على حسب ما قدمنا من أمر بلقيس.)ثم ملك بعده رحبعم بن سليمان، سنة.ثم رجع الملك إلى حمير، فملك من بعد رحبعم بن سليمان ناشر النعم بن يعفربن عمرو ذي الأذعار، خمساً وثلاثين سنة، وقد قيل في تسميته ذا الأذعار خبر تأباه العقول، وتنكر النفوس كون مثله في العالم، ويجوز كون ذلك في المقدور وأنه إنما سمن الأذعار لأنه وصل إلى قوم في أقاصي مفاوز اليمن و [ أرض] حضرموت مشوهي الخلقة عجيبي الصورة وجوههم في صدورهم، فلما رأى أهل اليمن ذلك أذْعَرَهم ما شاهدوا من ذلك، وجزعت منه نفوسهم، فسمي ذا الأذعار، وقيل غير ذلك، والله أعلم بكيفيته.ثم ملك بعده عمرو بن شمر بن إفريقس، ثلاثاً وخمسين سنة.[ثم ملك بعده تبع الأقرن بن عمرو، وهو تبع الأكبر، مائة سنة وثلاثاً وخمسين سنة]ثم ملك بعده ابنه ملكيكرب بن تبع [خمساً وثلاثين سنة .ثم ملك بعده تبع بن ملكيكرب بن تبع] وهو تبع أبو كرب أسعد بن ملكيكرب أربعاً وثمانين سنة.ثم ملك بعده كلال بن مثوب أربعاً وسبعين سنة.ثم ملك بعده تبع بن حسان بن تبع [ ثلاثمائة سنة وستاً وعشرين سنة].ثم ملك بعده مرثد، سبعاً وثلاثين سنة.
ثم ملك بعده أبرهة بن الصباح، ثلاثاً وسبعين سنة.ثم ملك بعد ذوشناتر بن زرعة، ويقال يوسف، ويقال: بل اسمه عريب بن قطن، تسعاً وثمانين سنة.ثم ملك بعده لخنيعة، ويعرف بذي الشناتر، أربعاً وثمانين سنة.فذلك ألف [وتسعمائة سنة وسبع وعشرون سنة، وإنما ذكرنا ما حكيناه عن عبيد ابن شَرِيَّة في ترتيب ملوكهم، وتباين تواريخ سنيهم، لنأتي على جميع ما قبل في ذلك من التنازع، والله ولي التوفيق.### ملك فارس باليمنولما قتلت الحبشة معد يكرب بن سيف بن ذي يزن - على حسب ما قدمنا - في الرحبة بحرابهم كان بصنعاء خليفة لوهرز في جماعة من العجم، ممن كان ضمهم وهرز إلى معد يكرب (فركب و أتى على من كان هنالك من الحبشة، وضبط البلد، وكتب بذلك إلى وهرز وهو بباب أنوشروان الملك، وذلك بالمدائن من أرض العراق، فأعلم وهرز بذلك الملك، فسيره في البر في أربعة آلاف من الأساورة، وأمره بإصلاح اليمن، وأن لا يبقي على أحد من بقايا الحبشة، ولا على جَعْد قطط قد شرك السودان في نسبه، فأتى وهرزاليمن، ونزل صنعاء فلم يترك بها أحداً من السودان ولا من أنسابهم، وملك أنوشروان وهرز على اليمن إلى أن هلك بصنعاء [ثم ملك بعده النوشجان بن وهرز إلى أن هلك بها] ثم ملك بعده رجل من فارس يقال له سبحان، ثم ملك بعده خرزاد ستة أشهر، ثم ملك بعده ابن سبحان، ثم ملك بعده المرزبان وكان من أهل بيت مملكة فارس، ثم ملك بعده خر خسرو، وكان مولده باليمن، ثم ملك بعده باذان بن ساسان.)### ملك اليمن في أبناء إبراهيمقال المسعودي: فهؤلاء جميع من ملك اليمن من قحطان والحبشة والفرس، وقد ملك اليمن رجل من ولد إبراهيم الخليل(عَلَيهِ السَّلَامُ، وهو يعد من ملوك اليمن واسمه هنيبة ابن أميم بن بدل بن مدين بن إبراهيم الخليل(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان له شأن عظيم في (ملك) اليمن، وطالت أيامه، وذكره امرؤ القيس في شعره (فقال:)وهينية الذي زادت قواهعلى زيدان إذ حان الزوالتمکن قائماً وبني طريقاًإلى زيدان أعيط لا ينال(ويقال: إنه منتبه بن أميم بن بدل بن لسان بن إبراهيم الخليل)
### عاصمة اليمنوقد كانت ملوك اليمن تنزل بمدينة ظَفَار، مثل آل ذي سحر وآل ذي الكلاع وآل ذي أصبح وآل ذي يزن، إلا اليسير منهم فإنهم نزلوا غيرها وكان على باب ظفار مكتوب بالقلم الأول في حجر أسود:يوم شيدت ظفار قيل: لمن أن***ت؟ فقالت: لحمير الأخيارثم سيلت: مَنْ بعد ذاك؟ فقالت:***إن ملكي للأحْبُش الأشرارثم سيلت: مَنْ بعد ذاك؟ فقالت:***إن ملكي لفارس الأحرار(ثم سیلت ما بعد ذاك؟ فقالت:إن ملكي إلى قريش التِّجَار)(ثم سيلت ما بعد ذاك ؟ فقالت:إن ملكي لحمير وصحار)وقليلاً ما يلبث القومُ فيهامنذ شيدت مَشِيدُها للبوارمن أسود يلقيهمُ البحر فيهاتشعل النار في أعالي الدياروهذا خبر عن ملوك تداولوها، أخبروا عن ملكهم قبل كونه، فتداولتها (هذه الملوك على حسب ما وصفناه، وينتظر في المستقبل من الزمان ما ذكرنا من وقود النيران في أعالي الديار، وعند أهل اليمن أن ديارهم سيغلب عليها الأحابش في آخر الزمان بعد هنات وكوائن وأحداث، وبُعثَ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعلى اليمن وعُمَّال كسرى، ثم غلب الإسلام فظفر بحمد الله .)وقد أتينا على أخبار من ذكرناه من الملوك، وسيرهم، ومطافاتهم في البلاد وحروبهم، وأبنيتهم في سائر مطافاتهم، في الكتاب الأوسط، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الباب.### مساحة اليمن وحدودهوبلد اليمن طويل عريض: حده مما يلي مكة إلى الموضع المعروف بطلحة الملك سبع مراحل، ومن صنعاء إلى عدن - وهو آخر عمل اليمن - تسع مراحل، والمرحلة من خمسة فراسخ إلى ستة، والحد الثاني من وادي وحا إلى ما بين مفاوز حضرموت وعمان عشرون مرحلة، ويلي الوجه الثالث بحر اليمن على ما ذكرنا أنه بحر القلزم والصين والهند، فجميع ذلك عشرون مرحلة في ست عشرة مرحلة. وأسماء ملوك اليمن كذي يزن وذي نُوَاس وذي منار وغير ذلك مضافة إلى مواضع
وإلى أفعال لهم وسير وحروب وغير ذلك، وهي سمات لهم تميزهم عن غيرهم، وتبين كل واحد منهم عن غيره من ملوكهم.وإذا قد ذكرنا جوامع من أخبار اليمن وملوكها فلنذكر الآن ملوك الحيرة من بني نَصْر وغيرهم للحوقهم باليمن، ثم نعقب ذلك بملوك الشام وغيرهم من الملوك، إنشاء الله تعالى.
## ذكر ملوك الحيرة من بني نصر وغيرهم### جذيمة الوضاح ومقتلهولما هلك جذيمة الوضاح وأتت عليه الزَّبَّاء بنت عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة ابن السميدع بن هوبر، وقد كان ملك من مشارق الشام إلى الفرات من قبل الروم، وكانت داره بالموضع المعروف بالمضيق، بين بلاد الخانوقة وقرقيسيا، وقد كانت الزباء تملكت بعد أبيها، وأطعمت جذيمة في نفسها إلى أن قتلته، وأقام جذيمة ملكاً في زمن ملوك الطوائف خمساً وتسعين سنة، وفي ملك أردشير بن بابك وسابور الجنود بن أردشير ثلاثاً وعشرين سنة ؛ فكان ملكه مائة وثمان عشرة سنة، وكان يكنى بأبي مالك، وفيه يقول بعض شعراء الجاهلية وهو سويد بن أبي كاهل اليشكري:إن أذُق حتفي حتفي فقبلي ذاقَهُطسم عاد وجديس ذو الشنعوأبو مالك القَيْلُ الذيقتلته بنت عمرو بالخدع### مالك بن فهموكان الملك قبل جذيمة أباه، وهو أول من ملك الحيرة، والله أعلم، وكان يقال له مالك بن فهم بن دوس بن الأزد بن الغوث [بن نبت] بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان سار من اليمن مع ولد جفنة بن عمرو بن عامر مزيقياء، فسار بنو جفنة نحو الشام، وانفصل مالك نحو العراق فملك على مضر بن نزار اثنتي عشرة سنة، ثم ملك بعده ابنه جذيمة على ما ذكرنا.### عمرو بن عديثم ملك بعد حذيمة ابن أخته عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك ابن غنم بن نمارة بن لخم، وهو أول من نزل من الملوك الحيرة واتخذها منزلاً ودار ملك، وإليه تنسب الملوك النصرانية، وهم ملوك الحيرة ؛ فكان ملك عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة مائة سنة.
### قصة عمرو بن عديقال المسعودي وقد ذكر غير واحد ممن عني بأخبار العرب وأيامها أن جذيمة أول من ملك من قضاعة، وهو وهو جذيمة بن مالك بن فَهم التّنوخي، وأنه قال ذات يوم لندمائه: لقد ذكر لي عن غلام من [لخم، في أخواله من] إياد، له ظَرف وأدب، فلو بعثت إليه فوليته كأسي والقيام على رأسي لكان الرأي، قالوا: الرأي ما رأي الملك، فليبعث إليه، ففعل، فلما قدم عليه قال: من أنت؟ قال: أنا عدي بن نصر بن ربيعة، فولاه مجلسه، فعشقته رَقَاش ابنه مالك أخت الملك، فقالت: يا عدي، إذا سقيت القوم فامْزُج لهم، وَغَدِّق للملك، فإذا أخذت الخمر منه فاخطبني منه فإنه يزوجك، فأشهد القوم إن فعل، ففعل الغلام ذلك [ وخطبها] وزوجها به، فأشهد عليه، وانصرف الغلام إليها فأنبأها، فقالت: عَرِّس بأهلك، ففعل، فلما أصبح غداً متضرجاً بالخُلوق، فقال له جذيمة: ما هذه الآثار يا عدي؟ قال: آثار العرس، وقال: وأي عرس؟ قال: عرس رقاش فنَخَروأكبّ على الأرض، ورفع عدي جراميزه، [وهرب] وأسرع جذيمة في طلبه، فلم يجده، وقال بعضهم: بل قتله، وبعث إليها يقول: حَدِّثيني رَقَاشِ لا تكذبينيأبحر زنيت أم بهجين؟أم بعبدٍ فأنت أهل لعبدأم بدون فأنت أهل لدون؟فأجابته رقاش تقول:أَنْتَ زَوْجتني ومَا كُنت أدريوأتاني النساء للتزيينذاك من شُرْبِك المدامةَ صِرْفاًوتماديكَ في الصبا وَالمُجُونِفنقلها جذيمة إليه، وحَصَّنها في قصره، فاشتملت على حمل، وولدت غلاماً فسمته عمراً، ووشحته، حتى إذا ترعرع حَلَّته وعطرته وألبسته كسوة فاخرة.ثم أزارته خالَهُ، فأُعجب به، وألقيت عليه منه محبة [ومودة] حتى إذا خرج الملك في سنة مُكلئة قد أكمات، فبسط له روضة، وخرج عمرو في غلمة يجتنون الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة طيبة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خَبَأَها، ثم أقبلوا يتعادون وعمرو يتقدمهم، ويقول:هذا جَنَايَ وخياره فيه***إذ كل جانٍ يده إلى فيه### قصة نديمي جذيمةفالتزمه جذيمة وحَبَاه، ثم إن الجن استطارته، فضرب له جذيمة في الآفاق زماناً،
فلم يسمع له بخبر [فكف عنه] إذ أقبل رجلان يقال لأحدهما: مالك، وللآخر: عقيل، ابنا فالج، وهما يريدان الملك بهدية، فنزلا على ماء، ومعهما قينة يقال لها أم عمرو، فنصبت [لهما] قدراً، وأصلحت لهما طعاماً، فبينما هما يأكلان إذ أقبل رجل أشعث أغبر الرأس قد طالت أظفاره وساءت حاله، حتى جلس مَزْجَرَ الكلب، ومد يده، فناولته القينة طعاماً، فأكل، فلم يغن عنه شيئاً، فمد يده، فقالت القينة: إن تعط العبد كراعاً طلب ذراعاً، فأرسلتها مثلاً، ثم ناولت صاحبيها من شرابها، وأوكت زقها، فقال عمرو بن عدي:عدلت الكأس عنا أم عمرووكان الكأس مجراها اليميناوما شَرُّ الثلاثة أم عمروبصاحبك الذي لا تصبحينافقال له:الرجلان من أنت ؟ فقال: إن تنكراني فلن تنكرا حسبي، أنا عمرو بن عدي، فقاما إليه فلثماه، وَغَسلا رأسه، وقلما أظفاره، وَقَصَّرا من لمته، وألبساه من طرائف ثيابهما، وقالا: ما كنا لنهدي إلى الملك هدية هي أنفس عنده ولا هو عليها أحرص من ابن أخته، قد ردَّه الله إليه، فخرجا به، حتى إذا وقفا على باب الملك بشراه به [فسر به] وصرفه إلى أمه، وقال لهما: حكمكما، فقالا: حكمنا منادمتك ما بقيت وبقينا، قال: ذلك لكما، فهما ندمانا جذيمة المعروفان، وإياهما عني متمم بن نويرة اليربوعي في مرثيته لأخيه مالك حين قتله خالد بن الوليد [بن المغيرة] يوم البطاح:] وكنا كَنَدْماني جذيمة حقبةًمن الدهر حتى قبل: لن يتصدعافلما تفرقنا كأني ومالكاًلطول اجتماع لم نبت ليلة معاوقال أبو خراش الهذلي:ألم تعلمي أن قد تَفَرَّقَ قبلنا***خليلاً صفاء مالك وعقيلوإن أم عمرو عمدت إليه، فبعثت معه حَفَدَة يقومون عليه في الحمام، حتى إذا خرج ألبسته من طرائف ثياب الملوك، وجعلت في عنقه طوقاً من ذهب لنذر كان عليها، ثم أمرته بزيارة خاله، فلما رأى خاله لحيته والطوق في عنقه قال: شَبّ عمرو عن الطوق، وأقام عمرو مع جذيمة خاله قد حمل عنه عامة أمره.### بين الزباء وجذيمةوإن الزباء ابنة عمرو بن ظرب بن حسان [بن أذينة بن السميدع بن هوبر] ملكة الشام والجزيرة من أهل بيت عاملة من العماليق كانوا من سليح، وقال بعضهم: بل كانت
رومية، وكانت تتكلم بالعربية، مدائنها على شاطىء الفرات من الجانب الشرقي والغربي، وهي اليوم خراب، وكانت - فيما ذكر - قد سقفت الفرات [وجعلت من فوقه أبنية رومية] وجعلته أنقاباً بين مدائنها، وكانت تغزوا بالجنود [قبائل] فخطبها جذيمة الأبرش، فكتبت إليه: إني فاعلة، ومثلك من يُرْغَبُ فيه، فإذا شئت فاشخص إلي، وكانت بكراً، فجمع عند ذلك جذيمة أصحابه، فاستشارهم، فأشاروا عليه بالمضي، وخالفهم قصير بن سعد تابع كان له من لخم، فأمره أن لا يفعل، ويكتب إليها، فإن كانت صادقة أقبلت إليك، وإلا لم تقع في حبالها، فعصاه وأطاعهم [وسار] حتى إذا كان ببقة - من دون هيتَ إلى الأنبار - جمعهم وشاورهم فأمروه بالشخوص إليها لما علموا من رأيه فی ذلك، وقال قصير: تنصرف وَدَمُكَ في وجهك، فقال جذيمة: ببقة قضى الأمر، فأرسلها مثلاً، وقال قصير بن سعد حين رآه قد عزم: لا يطاع لقصير أمر، فأرسلها مثلاً، وظعن جذيمة، حتى إذا عاين مدينتها - وهي بمكان دون الخانوقة - ونظر إلى الكتائب [ من] دونها، فهاله ما رأى، فقال: أني قصير، ما الرأي ؟ فقال قصير: إني تركت الرأي ببقة، فقال عند ذلك: أشر علي، فقال: إن لقيتك الكتائب فحيتك بتحية الملك وانصرفوا أمامك فالمرأة صادقة، وإن هم أخذوا بجنبيك ووقفوا دونك فالقوم منعطفون عليك فيما بينهم وبين جنودهم، فاركب العصا فإنها لا تدرك ولا تسبق، يعني فرساً كانت جنبت معه، فاستقبله القوم وأحاطوا به، فلم يركب العصا، فعمد إليها قصير فركبها وحمل وانطلق، فالتفت جذيمة فإذا هو بالعصا عليها قصير أمام خيلهم حتى توارت به، فقال جذيمة: ما ضل من تجري به العصا، فأدخل على الزباء فاستقبلته وقد كشفت عن كَبَعثاتها (أي عفلها وتنظفت باستها، وقالت: يا جذيمة، أي متاع عروس ترى؟ قال: أرى متاع أمَةٍ لكعاء غير ذات خَفر، فقالت: أما والله ما ذاك من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكن شيمة ما أناس، ثم أجلسته على نطع، ودعت له بطست من عسجد، فقطعت رواهشه واستنذفته، حتى إذا ضعفت قواه ضرب بيده فقطرت قطرة [من دمه] على دعامة من رخام، وقد قيل لها: إنه إن وقع من دمه قطرة في غير طنت طلب بدمه، فقالت: أي جذيمة، لا تضيعن من دمك شيئاً، فإني إنما بعثت إليك لأنه بلغني أن دمك شفاء من الخبل، فقال جذيمة: وما يُحزنك من دم أضاعه أهْلُه !!؟ وفي ذلك يقول البعيث:)من الدارميين الذين دماؤهم***شفاء من الداء المجنة والخبلواستصفت دمه، وجعلته في برنية، وقال بعضهم: دخل عليها جذيمة في قصر لها
ليس فيه إلا الجواري، وهي على سريرها، فقالت للإماء: خُذْنَ بيد سيدكن، ثم دعت بنطع فأجلسته عليه [فعرف الشر] وكشفت عن عورتها فإذا هي قد عقدت شعر استها من وراء، فقالت: أشَوَار عروس ترى؟ فقال: بل شوار أمة بظراء، فقالت: أما والله ما ذاك من عدم مَوَاس، ولا قلة أواس، ولكنها شيمة ما أناس، ثم أمرت برَوَاهشة فقطعت، فجعل دمه يشخب في النطع كراهة أن يفسد مقعدها، فقال جذيمة: لا يحزنك دَم أراقه أهله.### عمرو بن عدي يأخذ بثأر خالهونجا قصير، فأورد الخبر على عمرو بن عبد الجن التنوخي بالحيرة، فأشفق لذلك، فقال له قصير: اطلب بثأر ابن عمك، وإلا سبتك العرب، فلم يحفل بذلك، فخرج قصير إلى عمرو بن عدي، فقال له: هل لك في أن أصرف الجنود إليك على أن تطلب ثار خالك ؟ فضمن له ذلك، فصرف وجوه الجنود إليه، ومناهم بالمال والحال، فانصرف إليه منهم بَشَرٌ كثير، فالتقى هو والتنوخي، فلما خافوا الفناء تابعه التنوخي، وتم الأمر لعمرو بن عدي، فقال له قصير: انظر ما وعدتني به في الزباء، فقال عمرو: وكيف لَنا بها وهي أمنع من عُقاب الجو ؟ فقال: أما إذا أبيت فإني جادع أنفي وأذني ومحتال لقتلها جَهْدي، فأعنّي وخلاك ذم، فقال له عمرو: أنت أبصر، وعليَّ معونتك، فجدع أنفه، فقيل: لأمر ما جدع قصير أنفه، ثم انطلق حتى دخل على الزباء، فقالت: من أنت؟ فقال: أنا قصير، لا ورب المشارق ما كان على وجه الأرض بَشَر كان أنصح الجذيمة ولا أغش لك مني، حتى جدع عمرو بن عدي أنفي وأذني، فعرفتُ أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه مني معك، فقالت: أي قصير، نقبل منزلتك ونصرفك في بضائعنا، فأعطته مالاً للتجارة، فأتى بيت مال الحيرة، فاستخفَّ ما فيه بأمر عمرو بن عدي، وانصرف به إليها، فلما رأت ما جاءها به فرحت بذلك، وزادته مالا إلى ما جاء به، وقال: إنه ليس من ملك إلا وهم يتخذون في مدائنهم أنقاباً تكون لهم عدداً، فقالت له: أما إني قد فعلت ذلك، قد نقبت سَرَباً وبنيته من تحت سريري هذا حتى أخرج من تحت الفرات إلى سرير أختي رحيلة ففرح بذلك قصير، ثم ظعن حتى أتى عمراً، فركب عمرو في ألفي رجل على ألف بعير في الصناديق، حتى صار إليها، فتقدم قصير وسبق الأبعرة، فقال لها: اصعدي حائط مدينتك. وانظري إلى مالك، وتقدمي إلى بوابك فلا يتعرض لشيء من أموالنا، فإني قد جئت بمال صامت. وكانت قد أمنته، فلم تكن تخافه، وصعدت وفعلت ما أمرها، فلما نظرت إلى ثقل مشي الجمال قالت:
ما للجمال مشيها وئيداًأجَنْدَلًا يحملن أم حديداأم صَرَفاناً بارداً شديداًأم الرجال جُلْماً قعودا؟ودخلت الإبل المدينة، حتى إذا بقي آخرها جملاً عيل صبر البواب، فطعن بمنخسة كانت في يده خاصرة رجل فضرط، فقال البواب: بشتا بشتا، وهي بالنبطية أي: في الجوالق شر، وثار الرجال من الجوالق ضرباً بأسيافهم، فخرجت الزباء هاربة إلى سَرَبها، فأبصرت قصيراً عند نفقها مُضلتاً سيفه، فانصرفت راجعة، وتلقاها عمرو بن عدي، فضربها . وقال بعضهم: مَصَّت خاتمها، وكان فيه ساعة، وقالت: بيدي بيد عمرو، وخربت المدينة وسبيت الذراري، فقالت الشعراء في أمرها وأمر قصير فأكثرت ؛ فمن ذلك قول المتلمس: ومن طلب الأوتار ما حزَّ أنفهقصير ورام الموت بالسيف بَيْهَسُ[نعامة لما صرَّع القوم رهطهتبين في أثوابه كيف يلبسُ]ومن ذلك قول عدي بن زيد التميمي يصف ذلك من أمرهم: [ألا يأيها الملك المرجىألم تسمع بخطب الأولينادعا بالبقة الأمراء يوماًجذيمة عام ينجو ينجوهم ثبيناوطاوع أمرهم، وعصا قصيراً وكان يقول - لو وقع - اليقينالخطبته التي غدرت وخانتوهُنَّ ذوات غائلة لحينا]]مع أشعار كثيرة قيلت في ذلك.وكانت الزباء لا تأتي حصناً إلا ضفرت شعر أستها من خلفه، ثم تقاعست فتقلعه، حتى فعلت ذلك بمارد - حصن دومة الجندل - وبالأبلق - حصن تيماء - حصنين منيعين، فقالت: تمرد مارد وعز الأبلق [ فذهبت مثلاً]، وهما الحصنان اللذان تذكرهما العرب في أشعارها [كثيراً]، قال الأعشى في ذلك:بالأبلق الفرد من تيماء منزلهحصن حصين وجار غير غَدَّارِوجذيمة الوضاح الذي يقول فيه:ماست مودعة الحديثفمنجِد منهم وغائرأن تاه أحْوَرُ ذو رعينلنا وأحوى ذو أباعروالملك كان لذي نُوَا***س حوله من ذي بحائر
بالسابغات وبالقناو البيض تبرق والمغافرأزمان عملاق وفیهممنهم بادٍ وحاضروإنما سمي جذيمة الأبرش الوضاح لأنه كان به بَرص، فكني عنه إعظاماً له.قال المسعودي: هذا بدء خبر بني عدي، وقد قدمنا أن مدة ملكه كانت [ مائة سنة.### بقية ملوك الحيرةوملك بعده ولده امرؤ القيس بن عمرو بن عدي ستين سنة.وملك بعده عمرو بن امرىء القيس، وهو مُحرّق العرب خمساً وعشرين سنة، وكانت أمه مارية البرية أخت ثعلبة بن عمرو من ملوك غسان.وملك النعمان بن امرىء القيس قاتل الفرس خمساً وستين سنة، وكانت أمه الهيجمانة بنت سلول من مراد، ويقال: من إياد .وملك المنذر بن النعمانه] بن امرىء القيس خمساً وعشرين سنة، وكانت أمه الفراسية بنت مالك بن المنذر، من آل نصر.وملك النعمان بن المنذر فارس حليمة، وهو الذي بني الخورنق وكردس الكراديس خمساً وثلاثين سنة، وكانت أمه هند [بنت زيد مناة من آل غسان .وملك الأسود ابن النعمان ؛ عشرين سنة، وكانت أمه هند] بنت الهيجمانة، من آل نصر.وملك المنذر بن الأسود بن النعمان بن المنذر أربعاً وثلاثين سنة، وكانت أمه ماء السماء بنت عوف بن النمر بن قاسط بن هيت بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار؛ وإنما سميت ماء السماء لحسنها وجمالها.ثم ملك بعده عمرو بن المنذر، أربعاً وعشرين سنة، وكانت أمه حليمة بنت الحارث من آل معد يكرب.وملك المنذر بن عمرو بن المنذر، ستين سنة، وكانت أمه أخت عمرو بن قابوس من آل نصر .ثم ملك قابوس بن المنذر ثلاثين سنة، وكانت أمه هند بنت الحارث، من آل معاوية بن معد يكرب.وملك النعمان بن المنذر، وهو الذي يقال له: «أبيت اللعين!» اثنتين وعشرين سنة، وكانت أمه سلمى بنت وائل بن عطية من كلب.
### بين النابغة والنعمانوذكر عدة من الأخباريين أن النابغة استأذن على النعمان يوماً، فقال له الحاجب: إن الملك على شرابه، قال:[النابغة] فهو وقت الملق، تقبله الأفئدة وهو جذل للرحيق و[السماع]، فإن تلج تلق المجد عن غرر مواهبه، فأنت قسيم ما أفدت ؛ قال له الحاجب: ما تفي عنايتي بدون شكرك، فكيف أرغب فيما وصفت ودون ما طلبت رهبة التعدي؟ [فهل من سبب ؟] قال النابغة: ومن عنده؟ قال الحاجب: خالد بن جعفر الكلابي نديمه، فقال النابغة: هل لك إلى أن تؤدي إلى خالد عني ما أقول لك؟ قال: وما هو؟ قال: تقول إن من قدرك وفاء الدرك بك وناحيتي من الشكر ما قد علمت، فلما صار خالد إلى بعض ما تبعثه موارد الشراب عليه نهض، فاعترضه الحاجب، فقال: ليهنك [أبا البسّام] حادث النعيم، قال: وما ذاك؟ فأخبره الخبر، وكان خالد رفيقاً، يأتي الأشياء بلطف وحسن بصيرة، فدخل مبتسماً، وهو يقول:إلا لمثلك أو من أنت سابقهسبق الجواد إذا استولى على الأمدواللات لكأني أنظر إلى [ أملاك] ذي رُعين، وقد مدت لهم قضبان المجد إلى [معالم أحسابكم]، ومناقب أنسابكم، في حلبة أنت - أبيت اللعن ! - غُرَّتها فجئت سابقاً متمهلاً، وجاؤوا لم يلم لهم سعي، قال النعمان: لأنت في وصفك أبلغ إحساناً من النابغة في نظام قافيته، فقال خالد ما أبلغ فيك حسناً، إلا وهو دون قدرك استحقاقاً للشرف الباهر، ولو كان النابغة حاضراً لقال وقلنا، فأمر النعمان بإدخاله، فخرج [إليه] الحاجب، [فقال النابغة: ما وراءك] فقال: قد أذن بفتح الباب، ورفع الحجاب، ادخل، فدخل ثم انتصب بين يديه، وحياه بتحية الملك، وقال: أبيت اللعن ! أتفاخر وأنت سائس العرب، وغرة الحسب، واللات لأمسك أيمن من يومه، ولقفاك أحسن من وجهه، وليسارك أسمح من يمينه، ولوعدك أصلح من رفده، ولعبيدك أكثر من قومه، ولاسمك أشهر من قدره، ولنفسك أكبر من جده، وليومك أشرف من دهره، ثم قال:أخلاق مجدك جلتْ ما لها خطرفي الجود والبأس بين العلم والخبرمُتوّج بالمعالي فوق مفرقه***وفي الوغى ضيغم في صورة القمرفتهلل وجه النعمان بالسرور، ثم أمر فحشي فُوه جوهراً، ثم قال: بمثل هذا فلتمدح الملوك.
### بين النعمان وزيد بن عدي وكسرىوقد كان النعمان قتل عدي بن زيد العبادي، وكان يكتب لكسرى أبرويز بالعربية، ويترجم له إذا وفد عليه زعماء العرب ؛ لموحدة وجدها عليه النعمان، في خبر طويل الشرح، فلما قتل صار زيد بن عدي ابنه مكان أبيه، فذكر لأبرويز جمال نساء آل المنذر، ووصفهن له، فكتب إلى النعمان يأمره أن يبعث إليه بأخته، فلما قرأ النعمان كتابه، قال للرسول - وهو زيد بن عدي - يا زيد، أما لكسرى في مها السواد كفاية حتى يتخطى إلى العربيات؟! فقال زيد: إنما أراد الملك إكرامك - أبيت اللعن! - بصهرك، ولو علم أن ذلك يشق عليك لما فعله، وسأحسن ذلك عنده، وأعذرك بما يقبله، فقال له النعمان: فافعل، فقد تعرف ما على العرب في تزويج العجم من الغضاضة والشناعة، [فلما انصرف إلى كسرى أخبره أنه رغب عنه ] فأدى إليه قوله في مها السواد على أقبح الوجوه، وأوجده عليه، وقال: ما المها؟ فقال: البقر، [فأخذ عليه] وقال: رُبَّ عبد قد صار في الطغيان إلى أكثر من هذا، فلما بلغت كلمته [إلى] النعمان تخوّفه، فخرج هارباً حتى صار إلى طيىء، لصهر كان له فيهم، ثم خرج من عندهم حتى أتى بنى رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس، فقالوا له: أقم معنا فإنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا، فجزاهم الخير، ورحل عنهم يريد كسرى ليريد فيه رأيه، وذلك قول زهير بن أبي سلمى:ألم تر للنعمان كان بِنَجْوَةمن الدهر لو أن امرأ كان نَاجِيَافغير عنه ملك عشرين حجةمن الدهر يوم واحد كان عَاوِيَافلم أر مسلوباً له مثل ملكهأقل صديقاً معطياً أو مُوَاسِيَاخلا أن حيا من رواحة حافظواوكانوا أُناساً يَتَّقُونَ المَخَازِيَايسيرون حتى جيَّشُوا عند ثأرههِجَانَ المطايا والعتاق المَذَاكِيَافجازاهُمُ خيراً وأثنى عليهموودعهم توديع أن لا تَلَاقِيَاوأقبل النعمان حتى أتى المدائن، فصَفَّ له كسرى ثمانية آلاف جارية عليهم المصبغات صفين، فلما صار النعمان بينهن قلن له: أما فينا للملك غنى عن بقر السواد !؟ فعلم النعمان أنه غير ناج منه، ولقيه زيد بن عدي، فقال له النعمان: أنت فعلت هذا بي، لئن تخلصت لأسقينك بكأس أبيك، فقال له زيد: امض نُعيم، فقد أحبت لك أخيَّةً لا يقطعها المهر الأرنُ، وأمر كسرى بالنعمان، فحبس بساباط المدائن، ثم أمر به فرمي تحت أرجُل الفيلة، وقال بعضهم: بل مات في محبسه بساباط، وقد ذكرت ذلك الشعراء فأكثرت؛ فمن ذلك قول الأعشى وأجاد:
ولا الملك النعمان يوم لقيتهبغبطته يعطي الصكاك ويرفق[ويجبي إليه المسلمون، وعندهصريعون في أنهارها والخورنق]ويقسم أمر الناس يوماً وليلةوهم ساكتون والمنيَّة تنطقفذاك، وما أنجى من الموت ربهبساباط حتى مات وهو محزرقوقال هاني بن مسعود الشيباني:إن ذا التاج، لا أبا لك، أضحىفي الورى رأسه تخوت الفيولإن كسرى عدا على الملك النعمان حتى سقاه مر البليلومما رئي به النعمان:لم تبكه هند ولا أختهاخرقاء، واستعجم ناعيهبين فيول الهند تخبطنَهمختبطاً تدمى نواحيهوقد كان النعمان حين أراد المضي إلى كسرى مستسلماً مر على بني شيبان فأودعهم سلاحه وعياله عند هانيء بن مسعود (بن هانىء الشيباني، فلما أتى كسرى على النعمان بعث إلى هاني بن مسعود، وطالبه بتركته، فامتنع، وأبى أن يخفر الذمة، فكان ذلك السبب الذي أهاج حرب ذي قار، وقد أتينا على ذلك في الكتاب الأوسط فأغنى عن إعادته هنا.)### بنت النعمان عند سعد بن أبي وقاصوقد كانت حرقة بنت النعمان بن المنذر إذا خرجت إلى بيعتها يفرش لها طريقها بالحرير والديباج، مغشى بالخز والوشي، ثم تقبل في جواريها حتى تصل إلى بيعتها، ويرجع إلى منزلها، فلما هلك النعمان تكبها الزمان، فأنزلها من الرفعة إلى الذلة، ولما وفد سعد بن أبي وقاص القادسية أميراً عليها لما هزم الله الفرس وقتل رُستُم، فأتت حرقة بنت النعمان في حفدة حفدة من قومها وجواريها وهن في زيها عليهن المسوح والمقطعات السود، مترهبات تطلب صلته، فلما وقفن بين يديه أنكرهن سعد، فقال: أفيكن حرقة؟ قالت: ها أنا ذه، قال: أنت حرقة؟ قالت: نعم، فما تكرارك في استفهامي؟ ثم قالت: إن الدنيا دار زوال، ولا تدوم على حال، تنتقل بأهلها انتقالاً، وتُعقبهم بعد حال حالاً، كنا ملوك هذا المصر يجبى لنا خراجه، ويطيعنا أهله مدى المدة وزمان الدولة، فلما أدبرالأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا وشتّت شملنا، وكذلك الدهر يا سعد، إنه ليس يأتي قوماً بمسرة إلا ويعقبهم بحسرة، ثم أنشأت تقول:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرناإذا نحن فيهم سوقة ليس نعرففأفٌ لدنيا لا يدوم نعيمهاتقلب تاراتٍ بنا وتصرف[فقال سعد: قاتل الله عدي بن زيد، كأنه ينظر إليها حيث يقول:إن للدهر صولة فاحذرنهالا تبيتنَّ قد أمنت الدهوراقد يبيت الفتى مُعافى فيرديولقد كان آمناً مسروراً]قال: فبينا هي واقفة بين يدي سعد إذ دخل عمرو بن معد يكرب، وكان زوّاراً لأبيها في الجاهلية، فلما نظر إليها قال: أنت حرقة؟ قالت: نعم، قال: فما دهمك فأذهب محمودات شيمك، وأين تتابع نعمتك وسطوات نقمتك؟ فقالت: يا عمرو، إن للدهر لسطوات وعثرات وعبرات، تعثر بالملوك وأبنائهم، فتخفضهم بعد رفعة، وتفردهم بعد منعة، وتذلهم بعد عزة، إن هذا لأمر كنا ننتظره، فلما حل بنا لم ننكره، قال: فأكرمها سعد، وأحسن جائزتها، فلما أرادت فراقه قالت: حتى أحييك بتحية ملوكنا بعضهم لبعض، لا نَزَعَ الله من عبد صالح نعمة إلا جعلك سبباً لردها عليه! ثم خرجت من عنده فلقيها نساء المدينة، فقلن لها: ما فعل بك الأمير ؟ قالت: حاط لي ذمتي، وأكرم وجهي، إنما يكرم الكريم الكريم.وسنذكر خبر هند بنت النعمان مع المغيرة بن شعبة أيام إمرته على الكوفة، فيما يرد من هذا الكتاب، عند ذكرنا لأخبار معاوية بن أبي سفيان.قال أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي: فهؤلاء ملوك الحيرة إلى أن ظهر الإسلام، فأظهره الله، وأذل الكافرين، فجميع من سمينا من هؤلاء الملوك من ولد عمرو ابن عدي ابن أخت جذيمة الأبرش، على حسب ما قدمنا آنفاً في صدر هذا الباب، ثم جاء الإسلام وملكُ الفرس كسرى أبرويز بن هرمز، فملك على العرب بالحيرة إياس بن قبيصة الطائي، فكان ملكه تسع سنين، ولثمانية أشهر، مضت من ملك إياس، كان مبعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، ثم ملك الحيرة جماعة من الفرس، وقد كان قبل عمرو بن عدي ملوك على الحيرة على حسب ما ذكرنا، وكان عدة الملوك بالحيرة ثلاثة وعشرين ملكاً من بني نصر وغيرهم من العرب والفرس، وكان مدة ملكهم ستمائة سنة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر، وقد قيل: إن عُمران الحيرة وبدوه إلى أن خربت في وقت بناء الكوفة، كان خمسمائة سنة وبضعاً وثلاثين سنة.)
### خراب الحيرةقال المسعودي: ولم يزل عُمرانها يتناقص من الوقت الذي ذكرنا إلى صدر من أيام المعتضد، فإنه استولى عليها الخراب، وقد كان جماعة خلفاء بني العباس - کالسفاح،والمنصور، والرشيد، وغيرهم - ينزلونها ويصلون المقام بها لطيب هوائها، وصفاء جوهرها، وصحة تربتها، وصلابتها، وقرب الخورنق، والنجف منها، وقد كان فيها ديارات كثيرة فيها رهبان، فلحقوا بغيرها من البلاد، لتداعي الخراب إليها، وأقفرت من كل أنيس في هذا الوقت ليس بها إلا الصَّدَى والبُومُ، وعند كثير من أهل الدراية التامة بما يحدث في المستقبل من الزمان: أن سعدها سيعود بالعمران، وأن هذا النحس عنها سیزول ؛ وكذلك الكوفة.قال المسعودي: ولمن سمينا من ملوك الحيرة أخبار وسير وحروب قد أتينا على ذكرها والغرر من مبسوطها في كتابنا «أخبار الزمان»، [وفيما بعد من هذا الكتاب] فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الباب.
## ذكر ملوك الشام من اليمن من غشان وغيرهم من الملوك### أول ملوك الشامكان أول من ملك الشام من اليمن فالغ بن يغور.ثم ملك بعده يوتاب، وهو أيوب بن رزاح، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه ما كان من خبره على لسانه نبيه، وما اقتص من أمره، ثم غلبت الروم على ديارها، فتفرقوا في البلاد، وكانت قُضاعة بن مالك بن حمير أول من نزل الشام، وانضافوا إلى ملوك الروم، فملكوهم بعد أن دخلوا في النصرانية على من حوى الشام من العرب.### تنوخ ونسبهاوكان أول من ملك من تنوخ النعمان بن عمرو بن مالك ثم ملك بعده عمرو بن النعمان بن عمرو، ثم ملك بعده الحواري بن النعمان، ولم يملك من تنوخ إلا من ذكرنا، وهو تنوخُ بن مالك بن فهم بن تيم اللات بن الأزد بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان [بن عمران] بن إلحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير.وقد تنوزع في قضاعة: أمن معد كان أم من قحطان؟ فقضاعة تأبى أن تكون من معذ، وتزعم أنها من قحطان، على ما ذكرنا.وقد قيل في نسب قضاعة واتصالها بحمير غير ما ذكرنا من النسب.### سليح ونسبهاثم وردت سليح الشام فغلبت على تنوخ، وتنصرت فملكتها الروم على العرب الذين بالشام، [وهم ولد سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، فاستقام ملك سليح بالشام] وتفرقت قبائل العرب لما كان بمأرب وقصة عمرو بن عامر مزيقياء؛ فسارت غسان إلى الشام وهم من ولد مازن، وذلك أن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك ابن زيد بن كهلان بن سبأ بن مازن يشجب بن يعرب بن قحطان ولد مازن، وإليه ترجع
جميع قبائل غسان، وإنما غسان ماء شربوا منه فسموا بذلك [وهو ما بين زبيد ورمع، وادي الأشعريين بأرض اليمن] وفي ذلك يقول حسان بن ثابت الأنصاري:إمَّا سألتِ فإِنَّا معشر نُجُبْ***الأزد نسبتُنَا، والماءُ غَسَّانُوسنذكر بعد هذا الموضع خبر عمرو بن عامر مزيقياء، وخبر سيل العرم، وتفرقهم في البلاد، وخبر الماء المعروف بغسّان، وقد ذكر أن عمرو بن عامر حين خرج من مأرب لم يزل مقيماً على هذا الماء إلى أن أدركه الموت، وكان عمره ثمانمائة سنة: أربعمائة سوقةً، وأربعمائة ملكاً.### ملوك غسان على الشاموغلبت غسان على من بالشام من العرب، فملكها الروم على العرب، فكان أول من ملك ملوك غسان بالشام: الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس ابن ثعلبة بن مازنف وهو غسان بن الأزد بن الغوث.ثم ملك بعده الحارث بن ثعلبة [ بن جفنة] بن عمرو بن عامر بن حارثة وأمه مارية ذات القُرطين بنت أرقم بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو، وذكر أنها مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور وهو كندة، وهي التي ذكرتها الشعراء في أشعارها، وتنسب جماعة من ملوك غسان إليها .وملك بعده النعمان بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو .[ثم ملك بعده المنذر أبو شمر بن الحارث بن جبلة بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو . ثم ملك بعده عوف بن أبي شمر.ثم ملك بعده الحارث بن أبي شمر] فكان ملكه حين بعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ.)### حسان والحارث الغسانيوذكر عدة من الأخباريين أن حسان بن ثابت الأنصاري زار الحارث بن أبي شمر الغساني - بالشام - وكان النعمان بن المنذر اللخمي ملك الحيرة يُساميه - فقال له وهو عنده: يا بن الفريعة، لقد نبئت أنك تفضل النعمان عليَّ، فقال: وكيف أفضله عليك !! فوالله لقفاك أحسنُ من وجهه، ولأمك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من نداه، ولقليلك أكثر من كثيره، ولثمادك أمرعُ من غديره، ولكرسيك أرفع من سريره، ولجداولك أغور من بحره، وليومك أطول من شهره، ولشهرك أَمَدُّ من حوله، ولحولُك خير من حقبه، ولزندك أورى من زنده،
ولجندك أعز من جنده، وإنك من غسان وإنه من لخم، فكيف أفضله عليك أو أعدله بك؟؟ فقال: يا بن الفريعة، هذا لا يسمع إلا في شعر، فقال:ونبئت أن أبا منذريساميك للحارث الأصغرقفاؤك أحسن من وجههوأمك خير من المنذروَيُسرى يديك على عُسْرِها.. کیمنی يديه على المعسر### جبلة بن الأيهمثم ملك بعده جبَلَة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن [مازن وهو غسان بن] الأزد بن الغوث، وهوالملك الذي امتدحه حسان بن ثابت الأنصاري، حيث يقول في شعر طويل:أشهرنها فإنَّ ملكت بالشام إلى الروم فخر كل يمانيوفيه يقول أيضاً:لمن الدار أقفرت بمعانبين أعلى اليرموك والصَّمانمن قريات من ثلاثين عدتناسكا منه بالقصور الدوانيقد دَنَا الفصحُ والولائد ينظمنسراعاً أكلة سراعاً أكلة المرجانذاك مغنى لآل جفنة في الده-***ر، وحقاً تصرف الأزمانصلواتُ المسيح في ذلك الدي-ر دعاء القسيس والرهبان### منازل غسانوهذه مواضع وقرى من غوطة دمشق وأعمالها بين الجولان واليرموك.وكانت ديار ملوك غسان باليرموك والجولان وغيرهما، من غوطة دمشق وأعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام.وجَبَلة [ بن الأيهم] هو الذي أسلم وارتد عن دينه خوف العار والقود من اللطمة، وخبره واضح مشهور، قد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا، وسائر أخبار ملوك تنوخ وسليح [وغسان] وغيرهم ممن ملك الشام، ودعاء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ الحارث بن أبي شمر الغساني إلى الإسلام وترغبيه في الإيمان، وقد أتينا على خبره وما كان من أمر إسلامه وأخباره مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في كتابنا «أخبار الزمان»، وفي أبيه يقول النابغة:)هذا غُلامٌ حسن وجههمستقبل الخير سريع التّمامللحارث الأكبر والحارث الأصغر،***والحارث خیر الأنام
ثم لهند ولهند، وقدأسرع في الخيرات منه أمامخمسة آباؤهم ما همأكرم من يشرب صوب الغمامفجميع من ملك من ملوك غسان بالشام أحد عشر ملكاً، وقد كان بالشام ملوك ببلاد مأدب، من أرض البلقاء من بلاد دمشق، وكذلك مدائن قوم لوط من أرض الأردن وبلاد فلسطين، وكانت خمس مدن، وكانت دار المملكة منها، والمدينة العظمى مدينة سدوم، وكانت سمة كل ملك يملكها بارعاً، وكذلك ذكر في التوراة، وذكرت أسماء هذه المدن، أعرضنا عنه ؛ إذ كان فيه خروج عن شرط الاختصار.وقد كان لكندة وغيرها من العرب من قحطان ومعد ملوك كثيرة لم نتعرض لذكرها؛ إذ كان لا أسماء لهم تعمهم وتشهرهم، كقولنا الخليفة وقيصر وكسرى والنجاشي، ولئلا يطول الكتاب بذكرهم.وقد أتينا على سائر ملوك العرب من معد وقحطان وغيرهم ممن وسم بالملك في بعض الممالك في سائر الأمم الخالية، والممالك الباقية، من البيضان والسودان، ممن أمكن ذكره وتأتي لنا الإخبار عنه، وإنما ذكرنا في هذا الكتاب من الملوك من اشتهر ملكه، وعرفت مملكته ميلاً إلى الاختصار، وطلباً للإيجاز، وتنبيهاً على ما سلف من أخبارهم في كتبنا المتقدم ذكرها من تصنيفنا. والله الموفق.
## ذكر البوادي من العرب، وغيرها من الأمم وعلة سكناها البدو وجمل من أخبار العرب وغير ذلك مما اتصل بهذا المعنى### إشارة:قد تقدم ذكرنا لولد قحطان، وأن مَن عداهم من العرب العاربة دَثَرت من عاد وطسم وجديس وعملاق وجرهم وثمود وعبيل ووبار، وسائر من سمينا، وأن مَنْ بقي ممن ذكرنا دخلوا في العرب الباقية إلى هذا الوقت، وهم قحطان، ومعد، ولا نعلم أن قبيلاً بقي يشار إليه في الأرض من العرب الأولى غير معد وقحطان، وذكرنا من طاف البلاد من ملوكهم، مثل التبابعة والأذواء، ومن شيَّد البنيان في الشرق والغرب، ومصر الأمصار، وبنى المدن الكبار، كإفريقس من أبرهة، وما بني بالمغرب من المدن كمدينة إفريقية وصقلية، وما كوّر من الكُوَر هنالك، وما اتخذ من العمائر وكمسير شمر إلى أرض المشرق، وبنيانه سمرقند، ومن خلف هنالك من حمير بها، ويبلاد التبت والصين، وقد ذكر ذلك جماعة من شعرائهم ممن سلف وخلف.### بين دعبل والكميتوقد افتخر دعبل بن علي الخزاعي في قصيدته التي يردُّ فيها على الكميت، وفخردعبل بمن سلف من ملوكهم ومسيرهم في الأرض، [وأن لهم من الفضل ما ليس لمعد ابن عدنان، فقال في شعره:هُمُو كتبوا الكتاب بباب مَرْوِوباب الصين كانوا الكاتبيناوهم جمعوا الجموع بسمرقندوهم غرسوا هناك التبتينا]وقد كان لليمن ملوك لا يدعون بالتبابعة، ممن تقدم وتأخر منهم، حتى ينقاد إلى ملكه أهل الشَّجر وحضرموت، فحينئذ يستحق أن يسمى تبعاً، ومن تخلف عن ملكه من ذكرنا سمي ملكاً، ولم يطلق عليه اسم تُبَّع، وقد قال الله عز وجل في قصة قريش وتفاخرها بقوتها وعددها: (أَهُمْ خَيْرُ أَمْ قَوْمُ تُبَّع [الدخان: 37] حين دخل الحرم فبعث الله عليه الظلة، وإنما سمي تبعاً بمن تبعه، وكذلك حكي عن عبدالله بن العباس.
وقد كان تبع أبو كرب سار في الأرض، ووطىء الممالك وذللها، ووطىء أرض العراق في مُلك الطوائف، وعميد الطوائف حينئذ جوذر بن سابور، فلقي أبو كرب ملكاً من الطوائف يقال له قباذ، وليس بقباذ بن فيروز من الساسانية، فانهزم قباذ، وأتى تبع أبوكرب على ملكه، وملك العراق والشام والحجاز وكثيراً من الشرق.
وفي ذلك يقول تبع ويذكر ما صنع:
[[وَرَد الملك تُبَّع وبنوه***ورَّثوهم ج-دوده-م وال-ج-دودا]
إذ جَنَبْناً جيادنا من ظفار***ثم سرنا بها مسيراً بعيدا
فاستبحنا بالخيل ملك قباذ***وابن أقلود قائماً مصفودا
فكسونا البيت الذي حرم الله***مُلا مُقصَّباً وبُرودا
وأقمنا به من الشهر عشراً***وجعلنا لبابه إقليدا
[ ثم طفنا بالبيت سبعاً وسبعاً***وسجدنا عند المقام سجوداًه
وقال أيضاً فيه:
لَسْتُ بالتبع اليماني إن لم***تركُض الخيل في سواد العراق
وتؤدّي ربيعة الخرج قسراً***أو تعقني عوائق العواق
وقد كانت لنزار بن معد معه وقائع وحروب كثيرة، واجتمعت عليه معد بن ربيعة ومضر وإياد وأنمار، وتداعت بجدها نزار، وتواهبت ما كان بينها من الدماء والثأر، فكانت لهم عليه ؛ ففي ذلك يقول أبو دواد الإيادي:
ضَرَبنا على تُبَّع جزية***جياد البرود وخرج الذهب
وولى أبو كرب هارباً***وكان جباناً كثيرالرَّهب
[ [وأتبعه فهوى للجبين***وكان العزيز بها من غلب]
وقد ذكرنا في الكتاب الأوسط بدء النسب من إبراهيم عليه الصلاة والسلام وولد إسماعيل وتفرق النسب إلى نزار بن معد وتشعب الناس من نزار بن معد بن عدنان، فلنذكر، الآن في هذا الموضع خبر ولد نزار الأربعة مع الأفعى ابن الأفعى الجرهمي، ثم نعقب ذلك بما إليه قصدنا في هذا الباب من هذا الكتاب، من علة سكني البوادي من العرب البدو وغيرهم ممن سكن الجبال والأودية وسائر البراري والقفار.
ذكر عدة من [رواة] أخبار العرب أن نزار بن معد ولد أربعة أولاد: إياداً، وبه كان يكنى، وأنماراً - وبجيلة وخثعم من ولده على ما قيل، إذ كان فيما ذكرنا تنازع لأن من الناس من ألحقهم باليمن، ومن الناس من ذكر فيهم ما وصفنا أنهم من ولد أنمار بن نزار- وربيعة،ومُضر، فلما حضرت نزاراً الوفاة دعا بنيه ودعا بجارية له شمطاء، فقال لإياد: هذه الجارية وما أشبهها من مالي فلك، ثم أخذ بيد مُضر فأدخله قبة له حمراء من أدم، ثم قال: هذه القبة وما أشبهها من مالي فلك، ثم أخذ بيد ربيعة وقال له: هذا الفرس الأدهم والخباء الأسود وما أشبههما من مالي فلك، ثم أخذ بيد أنمار وقال له: هذه البدرة والمجلس وما أشبههما من مالي فلك، فإن أشكلت عليكم هذه القسمة فأتُوا الأفعى ابن الأفعى الجرهمي - وكان ملك نجران - حتى يقسم بينكم وتراضوا بقسمته، فلم يلبث نزار إلا قليلاً حتى هلك.
وأشكلت القسمة على ولده، فركبوا رواحلهم ثم قصدوا نحو الأفعى، حتى إذا كانوا منه على يوم وليلة من أرض نجران، وهم في مفازة، إذا هم بأثر بعير فقال إياد: إن هذا البعير الذي ترون أثره أعور، فقال أنمار: وإنه لأبتر، قال ربيعة: وإنه لأروز، قال مضر: وإنه لشرود، فلم يلبثوا أن رفع إليهم راكب تُوضعُ به راحلته، فلما غشيهم قال لهم: هل رأيتم من بعير ضال في وجوهكم؟ قال إياد [أكان] بعيرك أعور؟ قال: فإنه لأعور، قال أنمار: [أكان] بعيرك أبتر ؟ قال: فإنه لأبتر، قال ربيعة: أكان بعيرك أزور؟ قال: فإنه لأزور، قال مضر: أكان بعيرك شروداً، قال: إنه لشرود، ثم قال لهم: فأين بعيري؟ دلّوني عليه، قالوا: والله ما أحسسنا لك ببعير ولا رأيناه، قال: أنتم أصحاب بعيري وما أخطأتم من نعته شيئاً، قالوا ما رأينا [لك] بعيراً، فتبعهم حتى قدموا نجران، فلما أناخوا بباب الأفعى استأذنوا عليه، فأذن لهم، فدخلوا، وصاح الرجل من وراء الباب: أيها الملك، هؤلاء أخذوا بعيري ثم حلفوا أنهم ما رأوه، فدعا به الأفعى فقال: ما تقول ؟ فقال: أيها الملك هؤلاء ذهبوا ببعيري وهم أصحابه، فقال لهم الأفعى: ما تقولون؟ قالوا: رأينا في سفرنا هذا إليك أثر بعير فقال إياد: إنه لأعور، قال: وما يدريك أنه أعور؟ قال: رأيته مجتهداً في رعي الكلاً من شق قد لحسه والشق الآخر واف كثير الالتفاف لم يمسه فقلت: إنه أعور، وقال أنمار، رأيته يرمي ببعره مجتمعاً ولو كان أهلب لمصع به فعلمت أنه أبتر، وقال ربيعة: رأيت أثر إحدى يديه ثابتاً والآخر فاسداً
فعلمت أنه أزور، وقال مضر: رأيته يرعى الشقة من الأرض ثم يتعدّاها فيمر بالكلأ الملتفُ الغض فلا ينهش منه حتى يأتي ما هو أرق منه، فيرعى فيه، فعلمت أنه شرود، فقال الأفعى: صدقوا، قد أصابوا أثر بعيرك وليسوا بأصحابه، التمس بعيرك ثم قال الأفعى للقوم: من أنتم؟ فأخبروه بحالهم، وانتسبوا إليه فرحب بهم وحياهم ثم قال: ما خطبكم ؟ فقصوا عليه قصة أبيهم، قال الأفعى: وكيف تحتاجون إليَّ وأنتم على ما أرى؟ قالوا: أمرنا بذلك أبونا، ثم أمر بهم فأنزلوا، وأمر خادماً له على دار الضيافة أن يحسن إليهم ويكرم مثواهم إلطافهم بأفضل ما يقدر عليه ثم أمر وصيفاً له من بعض خدمه ظريفاً أديباً، فقال له: انظر كل كلمة تخرج من أفواههم فأتني بها، فلما نزلوا بيت الضيافة أتاهم القهرمان بقرص من شهد فأكلوا وقالوا: ما رأينا شهداً أعذب ولا أحسن ولا أشد حلاوة منه، فقال إياد: صدقتم لولا أن نحله ألقاه في هامة جبَّار، فوعاها الغلام، فلما حضر غداؤهم وجيء بالشواء فإذا بشاة مشوية فأكلوها وقالوا: ما رأينا شواء أجود شيا ولا أرخص لحماً ولا أسمن منه، فقال أنمار: صدقتم لولا أنه غُذي بلبن كلبة. ثم جاءهم بالشراب فلما شربوا قالوا: ما رأينا خمراً أرق ولا أعذب ولا أصفى ولا أطيب رائحة منه، فقال ربيعة: صدقتم لولا أن كرمها نبت على قبر. ثم قالوا: ما رأينا منزلاً أكرم قري ولا أخصب رِحَلاً من هذا الملك . قال مضر: صدقتم لولا أنه لغير أبيه . فذهب الغلام إلى الأفعى فأخبره بما كان منهم، فدخل الأفعى على أمه، فقال: أقسمت عليك إلا ما أخبرتني من أنا ومن أبي، فقالت: يا بني، وما دعاك إلى هذا؟ أنت ابن الأفعى الملك الأكبر، قال: حقاً لتصدقني، فلما ألح عليها قالت: يابني إن أَباك الأفعى الذي تُدْعَى له كان شيخاً قد أثقل، فخشيت أن يخرج هذا الملك عنا أهل البيت، وقد كان قدم إلينا شاب من أبناء الملوك، فدعوته إلى نفسي، فعلقْتُ بك منه، ثم بعث إلى القهرمان، فقال: أخبرني، عن الشهد الذي بعثت به إلى هؤلاء النفر ما خطبه؟ قال: إنا أخبرنا بدبرفی طف.
فبعثت إليه من يشورُه، فأخبروني أنهم هجموا على عظام نخرة منكرة في ذلک الطف، فإذا النحل قد عسلت في جمجمة من تلك العظام، فأتوا بعسل لم أر مثله فقدمته إلى القوم لجودته، ثم بعث إلى صاحب مائدته فقال: ما هذه الشاة التي شويتها لهؤلاء القوم؟ قال: إني بعثت إلى الراعي أن ابعث إليَّ بأحسن شاة عندك، فبعث بها إليَّ، وما سألته عنها، فبعث إلى الراعي أن أعلمني خبر هذه الشاة، قال: إنها أول ما ولدت من غنمي عام أول، فماتت أمها، فبقيت، وكانت كلبة لي قد وضعت فأنست السَّخلة بجراء الكلبة، فكانت ترضع من الكلبة من جرائها، فلم أجد في غنمي مثلها، فبعثت بها إليك،
ثم بعث إلى صاحب الشراب، فقال: ما هذا الخمر الذي سقيت لهؤلاء القوم؟ قال: من حبة كرم نبتت غرستها على قبر أبيك، فليس في العرب مثل شرابها، فقال الأفعى: ما هؤلاء القوم ؟ إن هم إلا شياطين، ثم أحضرهم فقال: ما خطبكم؟ قُصوا عليَّ قصتكم، فقال إياد: إن أبي جعل لي خادماً شمطاء وما أشبهها من ماله، فقال: إن أباك ترك غنماً برشاء فهي لك ورعاؤها مع الخادم، قال أنمار: إن أبي جعل لي بدرة ومجلسه وما أشبههما من ماله، قال: فلك ما ترك أبوك من الرقة والحرث والأرض، فقال ربيعة: إن أبي جعل لي فرساً أدهم وبيتاً أسود وما أشبههما من ماله، قال: فإن أباك ترك خيلاً دُهماً وسلاحاً فهي لك وما فيها من عبيد، فسمي ربيعة الفرس، فقال مضر: إن أَبي جعل لي قبة حمراء من أدم وما أشبههما من ماله، فقال: إن أباك ترك إبلاً حمراء، فهي لك وما أشبهها من ماله، فصارت لمضر الإبل والقبة الحمراء، والذهب، فسمي مضر الحمراء، وكانوا على ذلك مع أخوالهم جرهم أخوالهم جرهم بمكة فأصابتهم سنة أهلكت الشاء وعامة الإبل، وبقيت الخيل، وكان ربيعة يغزو عليها ويصل إخوته، وذهب ما كان لأنمار من شاء في تلك السنين، ثم عاود الناس الخصب والغيث، فرجعت الإبل وثابت إليها أنفسها ومشت، فتناسلت وكثرت وقام مضر بأمر إخوته، فبينما هم كذلك وقد قدم الرعاء بإبلهم فتعشوا ليلاً وعشوا رعاءهم فقام مضر يوصي الرعاء وفي يد أنمار عظم بتعرقه فرمى به ظلمة الليل وهو لا يبصر فأوتد في عين مضر وفقأها فتأوه مضر وصاح: عيني، عيني، وتشاغل به إخوته، فركب أنمار بعيراً من كرائم إبله، فلحق بديار اليمن، وكان بين إخوته ما ذكرنا من التنازع.
فهؤلاء ولد نزار الأربعة: إليهم يرجع سائر ولد نزار على حسب ما قَدَّمنا أن مضر الحمراء لما ذكرنا من أمر القبة، وبذلك تفتخر مضر في كلامها من المنثور والمنظوم، وربيعة الفرس وربيعة القشعم من الفروسية والشجاعة والنجدة والعز وشن الغارات لما ذكرنا من أمر الفرس، وإياد وقد ذكرنا ما لحق عقبه، وأنمار وقد بينا الخلاف في تفرع نسله وما قاله النسابون في عقبه.
ولكل واحد من هؤلاء ومن أعقب أخبار كثيرة يطول ذكرها، ويتسع شرحها: من ذكر ما حلوا به من الديار، وتشعب أنسابهم وتسلسلها، قد أتى الناس على ذكرها، وقد قدمنا فيما سلف من كتبنا اليسير من مبسوطها؛ فمنعنا ذلك من إعادته في هذا الكتاب.
فلنذكر الآن الغرض من هذا الباب الذي به ترجم، وإليه نسب، من سكنى من حل البدو من العرب وغيرها من الأمم المتوحشة كالترك والكرد والبجة والبربر، ومن تقطن بالبراري وقطَنَ الجبال، والعلة الموجبة لذلك من فعلهم.
تباين الناس في السبب الموجب لما وصفنا، فذهب كثير من الناس إلى أن الجبل الأول ممن سكن الأرض مكثوا حيناً من الزمان لم يبنوا بناء، ولا شيدوا مدناً، وكان سكناهم في شبه الأكواخ والمظال، ثم إن نفراً منها أخذوا في ابتناء المساكن، وخَلَفَ من بعدهم خلف فابتنوا الأبنية، وثبتت فرقة منهم على سجيتها الأولى في البيوت والأظلال ينتجعون الأماكن الرفهة الخصبة، وينتقلون عنها إذا أجدبت، فمضت هذه الطائفة على نهج الاقدمین.
وذكرت طائفة أن أول ذلك أن الناس لما نَضَبَ عنهم الطوفان الذي أهلك الله به الأرض في زمن نوح على نبينا (عَلَيهِ السَّلَامُ) تفرق من نجا في طلب البقاع الخصبة المتخيرة، وانفرد من انفرد بانتجاع الأرضين وحلول البيداء، [واستوطن] آخرون بقاعاً تخيروها، كمن ابتنى إقليم بابل من النبط، ومن حله من ولد حام بن نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع نمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن نمروذ الأول بن كوش بن حام بن نوح، وذلك حين تملك على إقليم بابل من قبل الضحاك، وهو بيوراسف وكمن حَلَّ بلاد مصر من ولد حام على حسب ما ذكرنا في باب مصر وأخبارها [في هذا الكتاب] وكمن عمر الشام من الكنعانيين، وكمن حلَّ بوادي البربر وهم هوارة وزناتة وضريسة ومغلية وورفجومة ونفزة وكتامة ولواتة و مزانة ونفوسة ولفظة وصدينة ومصمودة وزنارة وغمارة وقالمة ووارقة وأتيتة وبابه وبنو سبخون وأركنة وهي من زناتة وبنو كلان وبنو مصدريان وبنو أفباس وزبجن وبنو منهوسا وصنهاجة، ومن سكن من أنواع الأحابيش وغيرهم الغابة المعروفة بغابة العافريم سون ورعوين والعورفة ويكسوم، ومنهم من سكن غير الغابة واتسع في هذه البلاد من المغرب.
وقد ذكرنا أن أرض البربر خاصة كانت أرض فلسطين من بلاد الشام، وأن ملكهم كان جالوت، وهذا الاسم سمةٌ لسائر ملوكهم، إلى أن قتل داود عليه الصلاة والسلام ملكهم جالوت، فلم يتملك عليهم بعده ملك، وأنهم انتهوا إلى ديار المغرب إلى موضع يعرف بلوبية [ومراقية ]، فانتشروا هنالك، فنزل منهم زنانة ومغيلة وضريسة الجبال من تلك الديار وتبطنوا الأودية، ونزلوا أرض برقة، ونزلت هوارة بلاد إياس وهي بلاد طرابلس المغرب أي الثلاث المدن، وقد كانت هذه الديار للإفرنجة والروم، فانجلوا عن البربر حين أوطنوا أرضهم إلى جزائر البحر الرومي فسكن الأكثر منهم جزيرة صقلية، وتفرقت البربر ببلاد إفريقية وأقاصي بلاد المغرب من نحو من مسافة ألفي ميل، وانتهوا إلى موضع يعرف بقبوسة، على أكثر من ألفي ميل من بلاد القيروان، وتراجعت الروم
والإفرنجة إلى مدنهم وعمائرهم وذلك على موادعة وصلح من البربر، واختارت البربر سكنى الجبال والأودية والرمال والدهاس وأطراف البراري والقفار.
ومن بحر إفريقية وصقلية يخرج المرجان، وهو المتصل ببحر الظلمات المعروف ببحر أقيانس، وغير هؤلاء ممن ذكرنا [من الأمم] ممن سكن قطع الأرض وابتنى المدائن شرقاً وغرباً.
ورأت العرب أن جولان الأرض وتخير بقاعها على الأيام أشبه بأولي العز وأليق بذوي الأنفة، وقالوا: لنكون محكمين في الأرض ونسكن حيث نشاء أصلح من غير ذلك، فاختاروا سكنى البدو، من أجل ذلك وذكر آخرون أن القدماء من العرب لما ركبهم الله من سمو الأخطار، ونيل الهمم والأقدار، وشدة الأنقة، والحمية من المعرة، والهرب من العار، بدأت بالتفكير في المنازل، والتقدير للمواطن، فتأمَّلُوا شأن المدن والأبنية، فوجدوا فيها معرة ونقصاً، وقال ذو المعرفة والتمييز [منهم]: إن الأرضين تمرض كما تمرض الأجسام، وتلحقها الأفات. والواجب تخير المواضع بحسب أحوالها من الصلاح. إذ الهواء ربما قوي فأضر بأجسام سكانه، وأحال أمزجة قُطَّانه، وقال ذوو الآراء منهم: إن الأبنية والتحويط حضر عن التصرف في الأرض، ومقطعة عن الجولان، وتقييد للهمم، وحبس لما في الغرائز من المسابقة إلى الشرف، ولا خير في اللبث على هذه الحالة. وزعموا أيضاً أن الأبنية والأطلال تحصر الغذاء وتمنع اتساع الهواء، وتسد سروحه عن المرور وقذاه عن السلوك، فسكنوا البر الأفيح الذي لا يخافون فيه من حصر ومنازلة ضر، هذا مع ارتفاع الأقذاء، وسماحة الأهواء، واعتزال الوباء، ومع تهذيب الأحلام في هذه المواطن، ونقاء القرائح في التنقل في المساكن، مع صحة الأمزجة، وقوة الفطنة، وصفاء الألوان وصيانة الأجسام. فإن العقول والآراء تتولد من حيث تولد الهواء، وطبع الهواء الفضاء وفي هذا الأمن من العاهات والأسقام والعلل والآلام، فآثرت العرب سكنى البوادي والحلول في البيداء، فهم أقوى الناس همماً، وأشدهم أحلاماً، وأصحهم أجساماً وأعزهم جاراً، وأحماهم ذماراً، وأفضلهم جواراً، وأجودهم فطناً ؛ لما أكسبهم إياه صفاء الجو ونقاء الفضاء؛ لأن الأبدان تحتوي أجزاؤها على متكاثف الأكدار [ وعناء الأقذار] مما يرتفع إليه، ويتلاطم في عرصاته وأفقه من جميع المستحيلات، والمستنقعات من المياه، ففي أكنافه جميعما يتصعد إليه، ولذلك تراكبت الأقذاء والأدواء والعاهات في أهل المدن، وتركبت في أجسامهم، وتضاعفت في أشعارهم وأبصارهم، ففضلت العرب على سائر من عداها من بوادي الأمم المتفرقة لما ذكرنا من تخيرها الأماكن وارتيادها المواطن.
قال المسعودي: ولذلك جانبوا فظاظة الأكراد وسكان الجبال من الأجيال الجافية وغيرهم الذين مساكنهم خُزُونُ الأرض ودهاسها، وذلك أن هذه الأمم الساكنة هذه الجبال والأودية تناسب أخلاقها مساكنها في انخفاضها وارتفاعها؛ لعدم استقامة الاعتدال في أرضها، فلذلك أخلاقُ قُطَّانها على ما هي عليه من الجفاء والغلظ.
وذكر الهيثم بن عدي والشرقي بن القطامي وغيرهما من الأخباريين أنه وفد على كسرى أنوشروان بعض خطباء العرب،فسأله كسرى عن شأن العرب وسكناها البر واختيارها البدو، فقال: أيها الملك ملكوا الأرض ولم تملكهم، وأمنُوا عن التحصن بالأسوار، واعتمدوا على المرهفات الباترة، والرماح الشارعة جنناً وحصوناً، فمن ملك قطعة من الأرض فكأنها كلها له، يردون منها خيارها، ويقصدون ألطافها، قال: فأين حظوظهم من الفلك ؟ قال: من تحت الفرقدين ورأس المجرة وسعد الجدي مشرقين في البر بحسب ذلك، قال: فما رياحها؟ قال: أكثرها النكباء بالليل والصبا عند انقلاب الشمس، قال: فكم الرياح ؟ قال: أربع، فإذا انحرفت واحدة منهن قيل: نكباء، وما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر جنوب، وما بإزائهما مما يستقبلهما من المغرب شمال، وما جاء من وراء الكعبة فهي دبور، وما جاء من قبل ذلك فهي صباً، قال: فما أكثر غذائهم؟ قال: اللحم واللبن والنبيذ والتمر، قال: فما خلائقهم؟ قال: العز، والشرف، والمكارم وقري الضيف، وإذمام الجار، وإجارة الخائف، وأداء الحمالات، وبذل المهج في المكرمات، وهم سُراة الليل، وليوث الغيل، وعمار البر، وأنس القفر، ألفوا القناعة، وشنُفوا الضراعة، لهم الأخذ بالثار، والأنفة من العار، والحماية للدمار، قال کسرى: لقد وصفت [عن] هذا الجيل كرماً ونبلا؛ وما أولانا بإنجاح وفادتك فيهم.
فتخيرت العرب في البر انزالاً منها مشاتٍ ومنها مصايف ؛ فمنهم المنجد والمتهم [فالمنجد منهم هم الذين سكنوا أرض نجد والمتهم هم الذين سكنوا أرض تهامة، ومنهم من ] سكن أغوار الأرض كغور بيسان وغور غزة من أرض الشام من بلاد فلسطين والأردن ومن سكنه من لجم وجُذام، ولجميع العرب مياه يجتمعون عليها وملكية يعرجون إليها،كالدهناء والسماوة والتهائم وأنجاد الأرض والبقاع والقيعان والوهاد، ولست تكاد ترى قبيلاً من العرب توغل من الأماكن المعروفة لهم والمياه المشهورة بهم، كماء ضارج وماء العقيق والهباءة وما أشبه ذلك من المياه.
وأما أجناس الأكراد وأنواعهم فقد تنازع الناس في بدئهم ؛ فمنهم من رأى أنهم من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، انفردوا في قديم الزمان، وانضافوا إلى الجبال والأودية، دعتهم إلى ذلك الأنفة، وجاوروا من هنالك من الأمم الساكنة المدن والعمائر من الأعاجم والفرس، فحالوا عن لسانهم، وصارت لغتهم أعجمية؛ ولكل نوع من الأكراد لغة لهم بالكردية، ومن الناس من رأى أنهم من مُضَر بن نزار، وأنهم من ولد كرد بن مرد ابن صعصعة بن هوزان، وأنهم انفردُوا في قديم الزمان لوقائع [ودماء] كانت بينهم وبين غسان، ومنهم من رأى أنهم من ربيعة ومضر، وقد اعتصموا في الجبال طلباً للمياه والمراعي فحالوا عن اللغة العربية لما جاورهم من الأمم.
ومن الناس من ألحقهم بإماء سلیمان بن داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين سلب ملكه ووقع على إمائه المنافقات الشيطان المعروف بالجسد، وعصم الله منه المؤمنات أن يقع عليهم، فعلق منه المنافقات، فلما رَدَّ الله على سليمان مُلكه ووضع تلك الإماء الحوامل من الشيطان قال: أكردوهن إلى الجبال والأودية، فربتهم أمهاتهم،وتناكحوا، وتناسلوا، فذلك بدء نسب الأكراد.
ومن الناس من رأى الضحاك ذا الأفواه المقدَّم ذكره في هذا الكتاب الذي تنازعت فيه الفرس والعرب من أي الفريقين هو، أنه خرج بكتفيه حيتان فكانتا لا تُغذِّيان إلا بأدمغة الناس، فأفنى خلقاً كثيراً من فارس، واجتمعت إلى حربه جماعة كثيرة وافاه أفريدون بهموقد شالوا راية من الجلود تسميها الفرس درفش كاوان، فأخذ أفريدون الضحاك وقيده في جبل دنباوند على ما ذكرنا، وقد كان وزير الضحاك في كل يوم يذبح كبشاً ورجلاً ويخلط أدمغتهما، ويطعم تينك الحيتين اللتين كانتا في كتفي الضحاك، ويطرد من تخلص إلى الجبال، فتوحشوا وتناسلوا في تلك الجبال فهم بدء الأكراد، وهؤلاء من نسلهم، وتشعبوا أفخاذاً، وما ذكرنا من خبر الضحاك فالفرس لا يتناكرونه، ولا أصحاب التواريخ القديمة ولا الحديثة.
وللفرس في أخبار الضحاك مع إبليس أخبار عجبية، وهي موجودة في كتبهم، وتزعم الفرسُ أن طهومرث المقدم ذكره في ملوك الفرس الأولى هو نوح النبي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتفسير درفش بالفارسية الفهلوية - وهي الأولى - الراية والمطرد والعلم.
وَأما الترك وأجناسها فقد قدمنا كثيراً من أخبارها، وقد غلط قوم فزعموا أن الترك من ولد طوح بن أفريدون، وهذا غلط [بين ؛ لأن طوح ولاه أفريدون] على الترك وسلم على الروم، وكيف توليه عليهم وهم ولده؟ وما قلنا يدل على أن الترك من غير ولد طوح.
ابن أفريدون، بل لطوح في الترك عقب مشهور، والمعظم في أجناس الترك هم التبت، وهم من حمير على حسب ما ذكرنا أن بعض التبابعة بعض التبابعة ربتهم هناك.
وما قلنا من الأكراد فالأشهر عند الناس ؛ والأصح من أنسابهم؛ أنهم من ولد ربيعة ابن نزار ؛ فأما نوع من الأكراد - وهم الشوهجان ببلاد ما بين الكوفة والبصرة، وهي أرض الدينور وهمذان - فلا تناكر بينهم أنهم من ولد ربيعة بن نزار بن معد، والماجردان - وهم من الكنكور ببلاد أذربيجان والهلبانية والسراة وما حوى بلاد الجبال من الشاذنجان واللزبة والمادنجان والمزدنكان والبارسان والخالية والجابارقية والجاوانية والمستكان ومن حلَّ بلاد الشام من الدبابلة وغيرهم - فالمشهور فيهم أنهم من مضر بن نزار، ومنهم اليعقوبية والجورقان و هم نصاری، و ديارهم مما يلي بلاد الموصل وجبل الجودي.
وفي الأكراد من رأيهم رأي الخوارج والبراءة من عثمان وعلي رضي الله عنهما فهذه جمل من أخبار بوادي العالم، وقد أعرضنا عن ذكر الغوز والخزلج وهم أنواع من الترك نحو بلاد غرش وبسطام وبنت مما يلي بلاد سجستان وكذلك من ببلاد كرمان من أرض القفص والبلوج والجت..
قال المسعودي: فأما أيام العرب ووقائعها وحروبها فقد ذكرناها فيما سلف من كتبنا، وما كان منها في الجاهلية والإسلام،كيوم الهباءة، وحروب ذبيان وغطفان، [وما كان بين عبس وسائر العرب من نزار واليمن] وحرب داحس والغبراء، وحرب بكر بن وائل وتغلب، وهي حرب البسوس، ويوم الكلاب، ويوم خزاز، ومقتل شاس بن زهير، ويوم ذي قار، ويوم شعب جَبَلة، وما كان من بني عامر وغيرهم، وحرب الأوس والخزرج، وما كان بین غسَّان وعَكَ.
وسنورد بعد هذا الباب جملاً من أخبار العرب الدائرة وغيرها وتفرقها في البلاد، ونذكر جملاً من آرائها ودياناتها في الجاهلية، وما ذهبت إليه في الغيلان والهواتف والقيافة والكهانة والتفرس والصَّدى والهام، وغير ذلك من شيمها وبالله التوفيق.
قال المسعودي:كانت العرب في جاهليتها فرقاً، منهم الموحد المقر بخالقه، المصدق بالبعث والنشور، موقناً بأن الله يثيب المطيع، ويعاقب العاصي، وقد تقدم ذكرنا في هذا الكتاب وغيره من كتبنا من دعا إلى الله عز وجل ونَبَّه [ أقوامه] على آياته في الفترة،كقُس بن ساعدة [الإيادي] ورئاب الشَّنّي، وبحيرا الراهب وكانا من عبد القيس .
وكان من العرب من أقر بالخالق وأثبت حدوث العالم [وأقر] بالبعث والإعادة، وأنكر الرسل، وعكف على عبادة الأصنام، وهم الذين حكى الله عز وجل قولهم: (مَا نَعبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [الزمر: 3] وهذا الصنف هم الذين حجوا إلى الأصنام وقصدوها، ونحروا [لها] البدن، ونسكوا لها النسائك، وأحلوا لها وحرموا.
ومنهم من أقر بالخالق، وكذَّب بالرسل والبعث، ومال إلى قول أهل الدهر، وهؤلاء الذين حكى الله تعالى إلحادهم وخبّر عن كفرهم، بقوله تعالى ؛ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: 24] [فردَّ الله عليهم بقول ]: وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلم إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجانية: 24]
ومنهم من مال إلى اليهودية والنصرانية.
ومنهم المارُ على عنجهيته، الرَّاكب لهجمته.
وقد كان صنف من العرب يعبدون الملائكة، ويزعمون أنها بنات الله ؛ فكانوا يعبدونها لتشفع لهم إلى الله، وهم الذين أخبر الله عز وجل عنهم بقوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلهِ الْبَنَاتِ سُبْحَنَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ [النحل: 57] وقوله تعالى: (أَفَرَيَمُ الَّلتَ وَالْعُزَّى وَمَنَوةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى الكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيري ﴾ [ النجم: 19 -22 ].
فممن كان مقراً بالتوحيد، مثبتاً للوعيد، تاركاً للتقليد: عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وقد كان حفر بئر زمزم، وكانت مطوية، وذلك في ملك كسرى قباذ، فاستخرج منها غزالتي ذهب عليهما الدر والجوهر، وغير ذلك من الحلي، وسبعة أسياف قلعية، وسبعة أدرع سوابغ ؛ فضرب من الأسياف باباً للكعبة، وجعل إحدى الغزالتين صفائح [ذهب في الباب]، وجعل الأخرى في الكعبة، وكان عبد المطلب أول من أقام الرفادة والسقاية اللحاج، وكان أول من سقي الماء] بمكة عذباً، وجعل باب الكعبة مذهباً، وفي ذلك يقول عبد المطلب: [
أعطى بلا شُح ولا مشاحح***سقياً على رغم العدو الكاشح
بعد كنوز الحلي والصفائح***حلياً لبيت الله ذي المسارح
وكان قد نذر إن رزقه الله عز وجل عشرة أولاد ذكور أن يقرب أحدهم الله تعالى فكان أمره - حين رزقه الله إياهم - أن قرب أحبهم إليه وهو عبد الله أبو النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فضرب عليه بالقداح حتى افتداه بمائة من الإبل، في خبر طويل.
وقد كان أبرهة حين سار بالحبشة وأتى أنصاب الحرم، فنزل بالموضع المعروف بحب المحصب، فأتى بعبد المطلب بن هاشم فأخبر أنه سيد مكة، فعظمه وهابه لاستدارة نور النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في جبينه، فقال له:سلني يا عبد المطلب فأبى أن يسأله إلا إبلاً له، فأمر بردها [عليه] وقال له: ألا تسألني الرجوع ؟ فقال: أنا رب هذه الإبل، وللبيت رب سيمنعه [منك] وانصرف عبد المطلب إلى مكة وهو يقول:
يا أهل مكة قد وافاكم ملك***مع الفيول على أنيابها الزَّرَدُ
هذا النجاشي قد سارت كتائبه***مع الليوث عليها البَيْضُ تَتَّقد]
یرید کعبتكم، والله مانعه***كمنع تُبَّع لما جاءها حرد]
وأمر قريشاً أن تلحق ببطون الأودية ورؤوس الجبال من مَرَّة الحبشة، وقَلَّد الإبل النعال وخلاها في الحرم [ووقف بباب الكعبة ] وهو يقول:
[یا رب لا أَرجو لهم سواكا***يا رب فامنع منهم حماكا]
إن عَدُوَّ البيت من عاداكا***فامنعهم أن يخربوا قراكا]]
ويقول:
یا رب إن العبد یمنع***رحله فامنع رحالك
لا يغلبنَّ صلبهم***ومحالهم أبداً محالك
فأرسل الله عليهم الطير الأبابيل، أشباه اليعاسيب،ترميهم بحجارة من سجيل، وهو طين خلط بحجارة خرجت من البحر، مع كل طير ثلاثة أحجار فأهلكهم الله عزوجل.
وقد ذكرنا خبر أبي رُغال فيما سلف من هذا الكتاب حين دلهم [على الطريق،] وهلاكه في الطريق، وجعلت الحبشة يومئذ تسأل عن نُفيل بن حبيب الجثعمي يدلها على الطريق، ونفيل يسمع كلام الحبشة وسؤالها عنه وقد ريع لما عمهم من البلاء، وانفرد من جملتهم يؤمل الخلاص، وقد تاهوا، فأنشأ يقول:
ألا رُدّي جمالك يا رُدينا***نعمناكم مع الإصباح عينا
فإنك لو رأيت ولن تريه***لدى جنب المحصب ما رأينا
حمدت الله إذ عاينت طيراً***وحصب حجارة تلقى علينا
وكل القوم يسأل عن نفيل***كأن عليّ للحبشان دينا
وقد ذكرنا ما كان منهم في هلك عميدهم فيما سلف من هذا الكتاب، فلما صَدَّهم الله عز وجل عن الكعبة أنشأ عبد المطلب يقول:
أيها الداعي لقد أسمعتني***ثم ما بي عن نداكم من صَمَمْ
إن للبيت لربا مانعاً***من يُرده بأثام يُصطلم
رامه تبع فيمن جَنَّدَتْ***حمير والحي من آل قدم
فانثني عنه وفي أوداجه***جارح أمسك منه بالكَظَم
قلت والأشرم تردي خيله***: إن ذا الأشرم غر بالحرم
نحن آل الله فيما قد مضى***لم يزل ذاك على عهد أَبْرَهَمْ
نحن دَمَّرنا ثموداً عنوة***ثم عاداً قبلها ذات الإرم
نعبد الله وفينا سُنَّة***صلة القربي وإيفاء الذمم
حجة***يدفع الله بها عنا النّقَمُ لم تزل الله فينا
قال المسعودي: وقد استدل قوم ممن ذهب إلى الغلو في بعض المذاهب
والخروج عما أوجبته قضية العقل وضرورات الحواس بهذا الشعر وقول عبد المطلب فيما كان منهم في قديم الزمان، وأيدوا ذلك الشعر بشعر العباس بن عبد المطلب في مدحه النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو ما ذكره قريم بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي أنه هاجر إلى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقدم عليه منصرفة من تبوك فأسلم، قال: سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله، إني أريد أن أمتدحك، فقال: رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «قل لا يفضُض الله فاك [ يا عمي، ]» فأنشأ يقول:
من قبلها طبتَ في الظلال وفي***مستودع حيث يُخْصَفُ الوَرَقُ
ثم هبطت البلاد، لا بشر***أنت، ولا مضغة، ولا علق
بل حجة تركب السفين، وقد***ألجم نشراً وأهلة الغرق
تنقل من صالب إلى رحم***إذا مضى عالم بدا طَبَقُ
وأنت لما ولدت أشرقت ال***أرض، وضاءت بنورك الأفق
[ حتى احتوى بيتك المهيمن من***خندف علياء تحتها النطق]
فنحن في ذلك الضياء وفي الن***ور وسبل الرشاد نخترق
قالوا: وهو الخبر قد ذكره أصحاب السير والأخبار والمغازي، ونقلوا هذا المديح من قول العباس، وما كان من سرور النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بذلك واستبشاره به فجعلت هذه الطائفة الغُلاة ما ذكرنا من الشعرين - شعر عبد المطلب، وشعر العباس - دلالة لهم على مواطن ادعوها، وتغلغلوا إلى شبه بعيدة استخرجوها، يمنع منها ما تقدم من أوائل العقول، وموجبات الفحص، ذكر ذلك جماعة من مصنفي كتبهم، ومن حذاق مبرزيهم ؛ من فرق المحمدية والعلبانية، وغيرهم [من فرق الغلاة ] منهم إسحاق بن محمد النخعي المعروف بالأحمر في كتابه المعروف بكتاب الصراط، وقد ذكر ذلك الفياض بن علي [ابن محمد بن الفياض في كتابه المعروف بالقسطاس] في نقضه لكتاب الصراط وذكره المعروف بالنهكيني في نقضه هذا الكتاب المترجم بالصراط، وهؤلاء محمدية نقضوا هذا الكتاب، وهو على مذهب [العلبانية]، وقد أتينا على ذكر هؤلاء المحمدية والعلبانية والمغيرية والقدرية وسائر فرق الغُلَاة وأصحاب التفويض والوسائط، واستقصينا النقض عليهم وعلى سائر من ذهب إلى القول بتناسخ الأرواح في أنواع أشلاء الحيوان ممن ادعى الإسلام وغيرهم ممن سلف من اليونانيين والهند والثنوية والمجوس واليهود والنصارى، وذكرنا قول أحمد بن حائط وابن يافوس وجعفر القاضي، إلى مَنْ نجم في وقتنا ممن تقدم وتأخر إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - ممن أحدث قولاً تفريعاً
على ما سلف من أصولهم، وأبدى شبهاً أيَّدَ بها ما تقدم من مذاهبهم، مثل الحسين ابن منصور المعروف بالحلاج، وأصحاب أبي يعقوب المزايلي، ثم أصحاب السوق ومن تأخر عنهم وفارقهم في أصولهم، مثل أبي جعفر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي الغرائر وغيرهم ممن أمم نهجهم، وذكرنا الفرق بينهم وبين غيرهم من أصحاب الدور في هذا الوقت ممن يراعي وقت الظهور، وأصحاب حجج الليل والنهار ؛ إذ كان هؤلاء قد أثبتوا القول بالتناسخ، وأن الأرواح تنتقل في شيء من الأجسام الحيوانية، وأحالوا على القديم عز وجل أن يجوز عليه شيء مما تقدم، فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه آنفاً، وما تغلغل بنا الكلام عنه من ذكر عبد المطلب.
تنازع الناس في عبد المطلب: فمنهم من رأى إنه كان مؤمناً موحداً، وأنه لم يشرك بالله عزّ وجل، ولا أحد من آباء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنه نقل في الأصلاب الطاهرة، وأنه أخبر أنه ولد من نكاح لا من سفاح، ومنهم من رأى أن عبد المطلب كان مشركاً، وغيره من آباء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلا من صح إيمانه، وهذا موضع فيه تنازع بين الإمامية والمعتزلة والخوارج والمرجئة وغيرهم من الفرق في النص والاختيار، وليس كتابنا هذا موسوماً للحجاج فنذكر حجاج كل فريق منهم .
وقد أتينا على قول كل فريق منهم وما أيد به قوله في كتابنا «المقالات في أصول الديانات» وفي كتاب الاستبصار» ووصف أقاويل الناس في الإمامة وفي كتاب «الصفوة» أيضاً.
وكان عبد المطلب يوصي ولده بصلة الأرحام، وإطعام الطعام، ويرغبهم و[يرهبهم] فعل من يراعي في المتعقب معاداً وبعثاً ونشوراً، وجعل السقاية والرفادة إلى ابنه عبد مناف - وهو أبو طالب - وأوصاه بالنبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وقد تنوزع في اسم أبي طالب: فمنهم من رأى أن اسمه عبد مناف، على ما وصفنا، ومنهم من رأى أن كنيته اسمه، وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كتب في كتاب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ليهود خيبر بإملاء النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «وكتب علي بن أبي طالب» [بإسقاط الألف] وقد ذكر عبد المطلب في شعر له وصية أبي طالب بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال:
أوصيت مَنْ كنيته بطالب***يا بن الذي قد غاب ليس بائب
وقد كان أكثر العرب ممن بقي ودثَرَ يقرُّ بالصانع، ويستدل على الخالق.
ذلك
وقد كان في ملك النمرود بن كوش بن حام بن نوح هيجان الريح التي نسفت صرح النمروذ ببابل من أرض العراق، فبات الناس ولسانهم سرياني، وأصبحوا [و] قد تفرقت لغاتهم على اثنين وسبعين لساناً، فسمي الموضع من ذلك الوقت بابل، فصار من في ولد سام بن نوح تسعة عشر لساناً [ وفي ولد حام بن نوح ستة عشر لساناً] وفي ولد یافث بن نوح سبعة وثلاثون لساناً على حسب ما ذكرنا في صدر هذا الكتاب، وكان مَنْ تكلم بالعربية يعرب وجرهم وعاد وعبيل وجديس وثمود وعملاق وطسم، ووبار وعبدضخم.
بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح بمن تبعه من ولده وغيرهم وهو يقول: فسار يعرب بن قحطان
أنا ابن قحطان الهمام الأفضل***[الأيمن المعرب ذي المهلل]
يا قوم سيروا في الرعيل الأول***أنا الْبَديُّ باللسان المسهل
الأبين المنطق غير المشكل***حثوت والأمة في تبلبل]
[يا قوم سيروا في الرعيل الأول]***نحو يمين الشمس في تمهل
فحل باليمن على ما وصفنا آنفاً من هذا الكتاب.
وسار بعده عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه وهو يقول:
إني أنا عاد الطويل البادي***وسام جدي ابن نوح الهادي
فقد رأيتم يعرب الزيادي***وسَوْقه الطارف والتلاد
فحل بالأحقاف [وأداني الرمل] بين عمان وحضرموت واليمن، وتفرق هؤلاء في الأرض، فانتشر منهم ناس كثير: منهم جيرون بن سعد بن عاد حَلَّ بدمشق فمصر مصرها، وجمع عمد الرخام والمرمر إليها، وشيد بنيانها، وسماها إرم ذات العماد، وقد
روي عن كعب الأحبار في إرم ذات العماد غير هذا، وهذا الموضع بدمشق في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - سوق من أسواقها عند باب المسجد الجامع، يعرف بجيرون، وجيرون: هو بنيان عظيم، كان قصر هذا الملك، عليه أبواب من نحاس عجيبة: بعضها على ما كانت عليه، والبعض من مسجد الجامع، وقد ذكرنا فيما مر خبر نبي الله هود.
وسار بعد عاد بن عوص ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه.
وهو يقول:
أنا الفتى الذي دعا ثمودا***یا قوم سیروا ودَعُوا الترديدا
لعلنا أن ندرك الوفودا***فنلحق البادي لنا العديدا
إنا أبينا اليعرب الحميدا***وعاد ما عاد الفتى الجليدا]
فنزل هؤلاء الحجر إلى فرع، وقد تقدم ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب، وخبرنبيهم صالح (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنهم نحو وادي القُرَى، بين الشام والحجاز.
وسار بعد ثمود جديس بن عابر بن ارم بن سام بن نوح بولده، ومن تبعه [وهو يقول:
أنا جديس والمسير المسلكا***فَدَتْكَ نفسي يا ثمود المهلكا
دعوتني فقد قصدت نحوكا***إذ سارت العيس وأبدت شخصكا]
وقد قلنا فيما سلف: إن هؤلاء الذين نزلوا اليمامة.
وسار بعد جديس عملاق بن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح [بولده] ومن تبعه: وهویقول:
تبعه: وهو يقول:
لما رأيت الناس ذا تبلبل***وسار منا ذو اللسان الأول
[ وحدثتنا في اللحاق الأول]***فسرت حقًّا بالسوام المهمل
فنزل هؤلاء أكناف الحرم والتهائم، ومنهم من سار إلى بلاد مصر والمغرب، وقيل: إن هؤلاء بعض فراعنة مصر، وقد ذكرنا قول من ألحق العماليق وغيرهم ممن ذكرنا بعيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وزعم أنهم من ولد العيص على حسب ما ذكرنا فيما تقدم.
وقد كانت للعماليق ملوك كثيرة سلفت في مواضع من الأرض بالشام وغيره، وقد أتينا على أخبارهم وذكر ممالكهم وحروبهم في كتابنا « أخبار الزمان»، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب قصة يوشع بن نون مع ملك العماليق ببلاد أيلة، وهو السميدع بن هوبر، وقد كان من بقي من العماليق انضافوا إلى ملوك الروم ؛ فملكتهم الروم على مشارق الشام والغرب والجزيرة من ثغور الشام فيما بينهم وبين فارس.
فممن ملك الروم من العماليق: أذينة بن السميدع، الذي ذكره الأعشى في قوله:
أزال أذينة عن ملكه***وأخرج عن ملکه ذا يزن
وقد كان ملك بعد العماليق حسان بن أذينة بن طرب [بن حسان] ويقال: هو الذي يعرف بأمه [ زَيَّاء].
ثم ملك عمرو بن،طرب، ويقال: هو الذي كان يعرف بأمه [زباء]، وقد كان بينه وبين جذيمة الأبرش الأزدي أبي مالك حروب كثيرة، فقتله جذيمة على ما ذكرنا، وما كان من قتل الزباء الجذيمة [ وقول الشاعر:
كأن عمرو بن زَيَّا لم يعش ملكاً***ولم يكن حوله الرايات تختفق
لاءم جذيمة من ضرساء مشعلة***فيها خراشف بالنيران ترتشق]
ثم سار طسم بن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح بعد عملاق بن لاوذ بولده ؛ ومن تبعه [وهو يقول:
إني أنا طسم وجدي سام***سام بن نوح وهو الإمام
لما رأيت الأخ والأعلاما***قلت لنفسي: الحقي السواما
أخاك عملاقاً وذا الإقدام***يافث لا كان وليي حام]
فنزل هؤلاء البحرين.
وقد كان جميع من ذكرنا [بذواً]، وانتشروا في الأرض، على حسب ما ذكرنا من مساكنهم، وكثرت جديس، فملكت عليها الأسود بن غفار، وكثرت طسم، فملكت عليها عملوق، بن جديس، وقد ذكر عبيد بن شريَّة الجرهمي حين وفد على معاوية [ وأخبره] أن طسم بن لاوذ [بن ارم بن سام بن نوح وجديس بن عابر بن] سام بن نوح، هم العرب العاربة، وقد كان منزلهم جميعاً باليمامة، واسمها إذ ذاك جَوِّ.
وكان لطسم ملك يقال له،عملوق وكان ظلوماً غشوماً، لا ينهاه شيء عن هواه، مع إصراره وإقدامه على جديس، وتعديه عليهم، وقهره إياهم، فلبثوا في ذلك دهراً، وهم أهل مظالم، قد غمطوا النعمة، وانتهكوا الحرمة،وبلادهم أفضل البلاد، وأكثرها خيراً، فيها صنوف الشجر والأعناب، وهي حدائق ملتفة، وقصور مصطفة، فلم يزل على ذلك حتى أتته امرأة من جديس، يقال لها هزيلة بنت مازن، وزوج لها قد فارقها، يقال له ماشق، فأراد قبض ولده منها، فأبت عليه، فارتفعا إلى الملك عملوق ليحكم بينهما، فقالت المرأة: أيها الملك، هذا الذي حملته تسعاً، ووضعته دفعاً، وأرضعته شفعاً، ولم أنل منه نفعاً، حتى إذا تمت أوصاله، واستوفت خصاله، أراد أن يأخذه قسراً، ويسلبنيه قهراً، ويتركني منه صفراً، قال زوجها: قد أخذت المهر كاملاً، ولم أنل منه نائلاً، إلا ولداً خاملاً، فافعل ما كنت فاعلاً. فأمر الملك أن يؤخذ الولد منهما ويجعل في غلمانه، فقالت هزيلة في ذلك:
أتينا أخا طسم ليحكم بيننا***فأبرم حكماً في هزيلة ظالما
لعمري لقد حُكِّمت لا متورّعاً***ولا فهماً عند الحكومة عالما
ندمتُ فلم أقدر على متزحزح***وأصبح زوجي حائر الرأي نادما
فبلغ الملك قولُ هُزيلة، فغضب، وأمر أن لا تتزوج امرأة من جديس فتزف إلى زوجها حتى تحمل إليه، فيفترعها قبل زوجها، فلقوا من ذلك ذلاً طويلاً، ولم تزل تلك حالتهم حتى تزوجت عفيرة، وقيل: الشموس، بنت غفار الجديسي أخت الأسود بن غفار، فلما كانت ليلة هديها إلى زوجها انطلق بها إلى عملوق الملك ليطأها على عادته،ومعها القينات يغنين ويقلن في غنائهن:
إبدي بعملوق وقُومي فاركبي***وبادِرَي الصبح بأمر معجب
فمالبكر بعدكم من مذهب
فلما دخلت عفيرة على عملوق افترعها وخلى سبيلها، فخرَجَتْ عفيرة على قومها في دمائها شاقة جيبها عن قبلها ودبرها، وهي تقول:
لا أحد أذل من جديس***أهكذا يفعل بالعروس؟
وقالت أيضاً تحرض [قومها] جديس على طسم، وأبت أن تمضي إلى زوجها من كلمة:
أيَصْلُح ما يؤتى إلى فتياتكم***وأنتم رجال فيكم عدد الرمل
أيَصْلُح تمشي في الدما فتياتكم***صبيحة زُفّت في النساء إلى البعل
فإن أنتم لا تغضبوا بعد هذه***فكونوا نساء لا تفروا من الكحل
ودونكم طيب العروس؛ فإنما***خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فقبحاً وشيكاً للذي ليس دافعاً***ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
فلو أننا كنا الرجال وكنتم***نساء لكنا لا نقر على الذل
فموتوا كراماً، واصبروا لعدوكم***بحرب تَلَظَّى في القرام من الجزل
ولا تجزعوا للحرب،قوم، إنما***تقوم بأقوام كرام على رجل
فيهلك فيها كل نكس مواكل***ويسلم فيها ذو النجابة والفضل
[وفي ذلك يقول أخوها:
جاءَتْ تَمَشَّى طَسْمُ في خميس***كالرِّيح في هشهشة اليبيس
يا طَسّم ما لقيت من جديس***حَقَّاً لك الويل فهيسي هيسي]]
قال: فلما سمعت جديس بذلك وغيره من قولها اجتمعت غضباً لذلك، فقال لهم الأسود بن غفار - وكان فيهم سيداً مطاعاً -: يا جديس، أطيعوني فيما آمركم به، وأدعوكم إليه، ففي ذلك عز الدهر، وذهاب الذل، قالوا: وما ذلك؟ قال: قد علمتم أن هؤلاء - يعني طسماً - ليسوا بأعز منكم، ولكن ملك صاحبهم عليكم وعليهم هو الذي يُذْعِننا إليه بالطاعة، ولولا ذلك ما كان له علينا من فضل، ولو امتنعنا منه لكان لنا النصف، فقالوا: قد قبلنا قولك، ولكن القوم أقراننا، وأكثر عدداً وعدداً مِنَّا، فنخاف إن ظفروا بنا أن لا يقيلونا، فقال: والله يا جديس لتطيعنني فيما آمركم به وأدعوكم إليه أو
لأتكئن على سيفي فأقتل [به] نفسي، قالوا: فإننا نطيعك فيما قد عزمت عليه، قال: إني صانع لعملوق وقومه من طسم طعاماً وداعيهم إليه، فإذا جاؤوا إليه متفضلين في الحلل والنعال نهضنا إليهم بأسيافنا، فانفردت أنا بالملك، وانفرد كل رجل منكم برجل منهم، قالوا له: فافعل ما بدا لك، واجتمع رأيهم عليه، فقالت عفيرة لأخيها الأسود: لا تفعل هذا؛ فإن الغدر فيه ذلة وعار، ولكن كابدوا القوم في ديارهم تظفروا أو تموتوا كراماً، قال: لا، ولكن نمكر بهم، فيكون ذلك أمْكَنَ لنا من نواصيهم، وأبلغ في الانتقام منهم،فقالت عفيرة في ذلك أشعاراً قد ذكرناها فيما سلف كتبنا.
ثم إن الأسود صنع طعاماً كثيراً، وأمر قومه فاخترطوا سيوفهم ودفنوها في الرمل حيث أعَدُّوا الطعام، ثم قال لهم: إذا أتاكم القوم يرفلون في حليهم فخذوا أسيافكم ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم، وابدأوا بالرؤساء ؛ فإنكم إذا قتلتموهم لم تبالوا بالسَّفلة، ولم تكن بعد ذلك منهم حال تكرهونها، قالوا نفعل ما قلت .
ثم دعا الأسود بعملوق الطسمي ومن معه من رؤساء طسم باليمامة، فأسرعوا إجابة دعوة الأسود، فلما توافوا إلى المدعاة وَثَبَتْ جديس، فاستثاروا سيوفهم من الرمل، وشدوا على عملوق وأصحابه فقتلوهم حتى أفنوهم عن آخرهم، ومضوا إلى ديارهم فانتهبوها، وقال الأسود بن غفار في ذلك أشعاراً يرثي بها طسماً، ويذكر بغيها وفعل عملوق بأخته، يطول بذكرها الكتاب، وقد تقدمت فيما سلف من كتبنا.
قال: وهرب رجل من طسم، وكان اسمه رباح بن مرة الطسمي، فأتى إلى حسان ابن تُبع [ الحميري ملك اليمن يومئذ] فاستغاث به، وقد كان عمد إلى جريدة نخل رطبة فجعل عليها طيناً رطباً، وحملها معه وأخرج معه كلبة، فلما ورد على حسان كسر يَدَ كلبته، ونزع الطين عن الجريدة فخرجت خضراء ودخل إلى حسان واستعاذ به، وأخبره بالذي صنعت جديس بقومه، فقال له الملك: لله أبوك، فمن أين مَبْدَاك؟ قال: جئتك، أبيت اللعن من أرض قريبة وقوم انتهك منهم ما لم ينتهك من أحد، أنا رباح بن مرة الطمسي، دعتنا جديس إلى مَدْعَاة لهم فأجبناهم متفضلين في الحلل وقد أعدوا لنا السلاح عند جفانهم، فما ذُقْنَا الطعام حتر صرنا حُطَاماً، بلا طلب دم ولا ترَةٍ سلفت، فدونك - أبيت اللعن !- قوماً قطعوا أرحامنا، وسفكوا دماءنا، قال الملك حسان: أمعك خرجت هذه الجريدة وهذه الكلبة؟ قال: نعم، فقال الملك: إن كنت صادقاً لقد خرجت من أرض قريبة، ووَعَده بالنصرة، ثم نادى في حمير بالمسير، وأعلمهم بما فعل بطسم، قالوا: مَنْ فعل هذا أبيت اللعن؟ قال عبيدهم، قالوا: ما لنا في هذا من أرَب، هم
إخواننا فلا نعين بعضنا على بعض، وهم عبيدك أيها الملك فدعهم، فقال حسان: ما هذا بحسن، أرأيتم لو كان هذا فيكم أكان حسناً لملككم أن يهدر دماءكم؟ وما علينا في الحكم إلا أننا ننصف بعضنا من بعض، فقام فرسانهم فقالوا: أبيت اللعن الأمر أمرك، فمرنا بما أحببت، فأمرهم بالمسير، فساروا وسار بهم رباح بن مرة حتى إذا صاروا من اليمامة على ثلاث قال رباح بن مرة للملك حسان: أبيت اللعن، إن لي أختاً متزوجة في جديس ليس في الأرض أبصر منها، إنها تبصر الراكب على مسيرة ثلاث ليال، وأنا أخاف أن تنذر القوم بك، فتأمر كل واحد من أصحاب أن يقتلع شجرة من الأرض فيجعلها أمامه ثم يسير، فأمرهم حسان بذلك، ففعلوا ثم ساروا، وكان اسم أخت رباح «يمامة» [بنت مرة] فأشرفت من منظرها فقالت: يا جديس لقد سارت إليكم الشجر، قالوا لها: وما ذاك؟ قالت: أرى أشجاراً تسير [و] وراءها شيء، وإني لأرى رجلاً من وراء شجرة ينهش كتفاً أو يخصف نعلاً، فكذبوها، وكان ذلك كما ذكرت فغفلوا عن أخذ أهبة الحرب،ففي ذلك تقول اليمامة الجديس [تحذرهم]:
إني أرى شجراً من خلفها بشر***فكَيْفَ تجتمع الأشجار والبشر؟
ثورُوا بأجمعكُمْ في وجه أولهم***فإن ذلك منكُمْ فاعلموا ظَفَرُ
وأقبل الملك حسان بحمير، حتى إذا كان من جَوِّ على مسيرة ليلة عباً جيشه ثم صبحها فاستباح أهلها من جديس قتلاً، فأفناهم وسبى نساءهم وصبيانهم، وهرب الأسود بن غفار ملكها حتى نزل بدار طيىء فأجاروه من الملك وغيره، من غير أن يعرفوه؛ فيذكر أن نسله اليوم في طيىء مذكور.
فلما فرغ حسان من جديس دعا باليمامة بنت،مرة وكانت امرأة زرقاء، فأمر فنزعت عيناها فإذا في داخلها عروق سود، فسألها عن ذلك، فقالت: حجر أسود يقال له الإثمد كنت أكتحل به [فنشب إلى بصري] وكانت [هي] أول من اكتحل به، فاتخذوه بعد ذلك كحلاً، وأمر الملك باليمامة، فصلبت على باب جو، وقال: سموا جواً باليمامة ؛ فسميت بها إلى اليوم.
قال المسعودي: ثم سار - بعد طسم بن لاوذ - وَبَارُ بن أميم بن لاوذ بن ارم بن سام ابن نوح بولده ومن تبعه من قومه، فنزل بأرض وَبَارِ بالأرض المعروفة برمل عالج،فأصابهم نقمة من الله فهلكوا لما كان من بغيهم في الأرض، وقد قدمنا فصلاًمن ذلک
فيما سلف من هذا الكتاب على ما زعم الأخباريون من العرب، وخروجهم بذلك عن حد المعقول والمعتاد من الأمر المفهوم، بزعمهم أن الله عز وجل حين أهلك هذه الأمة العظيمة، المعروفة بوبار، كما أهلك طسماً وجديساً وداسماً، وكانت ديار داسم بأرض السماوة فأهلكُوا بالريح السوداء الحارة، وداسم كانت ديارهم بالجولان وجازر من أرض نوى من بلاد حُورَان والبثنية، وذلك بين دمشق وطبرية من أرض الشام، وعملاق وعاد وثمود، وأن الجن كانت تسكن في ديار وبار، وحمتها من كل من أرادها وقصد إليها من الإنس، وأنها كانت أخصب بلاد الله عز وجل وأكثرها شجراً وأطيبها ثمراً وعنباً ونخلاً وموزاً، وإن دنا أحد من الناس إلى تلك البلاد غالطاً أو متعمداً حَثَتِ الجن في وجهه التراب، وسفت عليه سَوَافي الرمل، وأثارت عليه الزوابع، فإن أراد الرجوع عنها خبلوه،وتيهوه وربما،قتلوه، وهذا الموضع عند كثير من ذوي الحجا باطل، فإذا قيل لهم: دلونا على جهته، وقِفُوناً على حده، زعموا أنها من أرادها ألقى على قلبه الصَّرْفة، حتى كأنهم بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى في التيه فصدهم الله تعالى عن الخروج، ولم يجعل لهم سبيلاً إلى أن تم فيهم مراده، وانتهى فيهم حكمه، وقد قال في ذلك شاعرهم يخبر بمثل ما وصفنا من قولهم في هذه الأرض المجهولة.
دعا جحفلاً لا يهتدي لمقيله***من اللوم حتى يهتدي لوبار
وداع دعا والليل مُرخ سدوله***رجاء القرى یا مسلم بن جبار]]
وأقوالهم في مثل هذا كثيرة.
والعرب ممن سلف وخلف في الجاهلية والإسلام يخبرون عن هذه الأرض كإخبارهم عن وادي القُرَى وَالصَّمَّان وَالدَّهْنَاء والرمل الذي بيبرين وغيرها من الأرضين التي نزلوا فيها، ويخيمون عليها طلباً للماء والكلأ، وزعموا أنه ليس بهذه الأرض اليوم أحد إلا الجن والإبل الوحشية، وهي عندهم من الإبل التي قد ضربت فيها فحول الجن، فالوحشية من نسل إبل الجن، والعبدية والعسجدية والعمانية قد ضربت فيها الوَحْشية، وفي ذلك يقول أبو هريم:
كأني عَلَى وَحْشِية أو نعامة***لها نسب في الطير وَهُوَ ظليم
والأشعار في ذلك كثيرة.
وفي بسطنا لجوامع أخبار العرب فيما نقلته عن أسلافها - مما أمكن كونه وخرج عن حد الوجوب والجواز - خروج عن حد الإيجاز والاختصار، وقد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا.
وسار بعد وبار بن أميم عبد ضخم بن ارم بن نوح بولده ومن تبعه فنزلوا الطائف، فهلك هؤلاء ببعض غوائل الدهر، فدثروا وذكرتهم الشعراء، [وفيهم يقول الأزدي:
وعبد ضخم إذا نسبتهم ***ابيض أهل الحي بالنسب
ابتدعوا منطقاً يجمعهم***فبين الخط قحة العرب]
وذكروا أن هؤلاء أول من كتب بالعربية، ووضع حروف المعجم وهي حروب أ ب ت ث وهی التسعة والعشرون حرفاً، وقد قيل غير ذلك، على حسب تنازع [ الناس في بدء] الكتابة.
وسار بعد عبد ضخم بن إرم جُرْهُم بن قحطان بولده ومن تبعه، وطافوا البلاد،حتى أتوا مكة فنزلوها [ وفي ذلك يقول مُضاض بن عمرو الجرهمي:
هذا سبيل كسبيل يعرب***البادىء القول المبين المعرب
يا قوم سيروا عن فعال الأجنب***جرهم جدي وقحطان أبي]
وسار أميم بن لاوذ بن إرم بعد جرهم بن قحطان فحلَّ بأرض فارس؛ فالفرس- على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب، في باب تنازع الناس في أنساب فارس - من ولد كيومرث بن أميم بن ولاذ بن ارم بن سام بن نوح، وفي ذلك يقول بعض مَنْ تقدم من أهل الحكمة من شعراء فارس في الإسلام:
أبونا أميم الخير من قبل فارس***وفارس أرباب الملوك ؛ بهم فخري
وما عد قوم من حديث وحادث***من المجد إلا ذِكْرُنَا أفضل الذكر ]
وقد ذكر جماعة من أهل السير والأخبار أن جميع من ذكرنا من هذه القبائل كانوا أهل خيم وبدواً مجتمعين في مساكنهم في الأرض، وأن أميماً أول من ابتنى البنيان، ورفع الحيطان، وقطع الأشجار، وسقف السقوف، واتخذ السطوح، وأن ولد حام [بن نوح حلوا ببلاد الجنوب، وأن ولد كوش بن كنعان خاصة هم النوبة، على حسب ما قدمنا
آنفاً في باب السودان من هذا الكتاب، وأن فخذاً من ولد كنعان بن حام] ساروا نحو بلاد إفريقية وطنجة من أرض المغرب، فنزلوها، وزعم هذا القائل أن البربر من ولد كنعان بن حام.
وقد تنازع الناس في بدء انساب البربر ؛ فمنهم من رأى أنهم من غسان وغيرهم من اليمن، وأنهم تفرقوا حول تلك الديار حين تفرق الناس من بلاد مأرب عندما كان من سيل العَرِمِ، ومنهم من رأى أنهم من قيس عيلان، ومنهم من رأى غير ذلك، وقد ذكرناه فيما سلف من كتبنا.
ونزل ولد كنعان بن حام - وهم الأغلب من ولد كنعان - بلاد الشام، فهم الكنعانيون، وبهم تعرف تلك الديار، فقيل: بلاد كنعان.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أخبار مصر بن حام وبيصر والأنباط .
وسار نوفير بن فوط بن حام بولده ومن تبعه إلى أرض الهند والسند، وبالسند أمم لهم أجسام طوال، وهم على بلاد المنصورة من أرض السند؛ فعلى هذا القول أن الهند والسند من ولد نوفير [بن فوط] بن حام بن نوح، فولد حام في الجنوب من الأرض الأكثر منهم، ولد يافث في الشمال فيما بين الشرق والمغرب على حسب ما ذكرنا من الأمم وتفرقها في الشرق وغيره مما يلي جبل القبخ والباب والأبواب.
وبَغَتْ عاد في الأرض وملكها الخلجان بن الوهم؛ فكانوا يعبدون ثلاثة أصنام، وهي: صمود،وصداء، والهباء، فبعث الله إليهم هوداً على حسب ما قدمنا، فكذبوه، وهو هود بن عبد الله بن رياح بن خالد بن الخلود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح، وقد قدمنا أن قوم عاد كانوا عشرة قبائل، وقد تقدم ذكر أسمائهم، فدعا عليهم هود؛ فمنعوا المطر ثلاث سنين، وأجدبت الأرض فلم يَدِرّ عليهم ضَرْع.
وقد كان من ذكرنا من الأمم لا يجحد الصانع جل وعز، ويعلمون أن نوحاً (عَلَيهِ السَّلَامُ)كان نبياً، وأنه وفي لقومه بما وعدهم من العذاب، إلا أن القوم دخلت عليهم شُبّه بعد
ذلک لتركهم البحث واستعمال النظر، ومالت نفوسهم إلى الدَّعَة، وما تدعو إليه الطبائع المَلَاذُ والتقليد، وكان في نفوسهم هيبة الصانع، والتقرب إليه بالتماثيل وعبادتها،لظنهم أنها مقربة لهم إليه، وكانوا مع ذلك يعظمون موضع الكعبة، وكان موضعها على ما ذكرنا ربوة حمراء.
فوفدت عاد إلى مكة يستسقون لهم، وكان بمكة يومئذ العماليق، فأتى الوفد مكة، فأقبلوا على الشرب واللهو، حتى غَنَّتْهم الجرادتان قَيْنَتَا معاوية بن بكر بشعر فيه حث لهم على ما وردوا من أجله، وهو:
ألا يا قَيْل وَيْحَكَ قم فَهَينِم***لعل الله يمطرنا غماما
فيسقي أرض عادٍ، إنَّ عاداً***قَدَ امْسَوْا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجو***به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وإن الوحش تأتي أرض عاد***فلا تخشى لراميهم سهاما
وأنتم ههنا فيما اشتهيتم***نهارَكُمُ وليلكُمُ التماما
فَقبح وفدكم من وفد قوم***ولا لُقُوا التحية والسلاما
[ثم إن معاوية بن بكر دعا إحدى الجرادتين فغنت:
ألا يا قيل من عُوصٍ***ومن عاد بن سام
وعادکالشماریخ***من طول الكرام
معاً صَوْبَ الغمام] سقی الله بنی عاد***
فاستيقظ القوم من غفلتهم، وبادروا إلى الاستسقاء لقومهم؛ فكان من أمرهم في مجيء السحاب واختيارهم لما اختاروه منها ما قد اتضح، وفيهم يقول مرثد بن سعد من كلمة:
عَصَتْ عاد رسولَهم فأمسوا***عِطَاشاً لا تَبُلّهم السماء
ألا قبح الإلهُ حُلُومَ عاد***فإن قلوبهم قَفْرُ هواء
[لهم صنم يقال له صمود***يقابله صداء والهباء]
[فبصَّرنا النبي سبيل رشد***فأبصرنا الهدى ونأى العماء
[وإني موقن فاستيقنوه***بأن إله هود هو العلاء]
[وأن إله هود هو الهی***على الله التوكل والرجاء]
[وأني لاحق بالأمس هوداً***وإخوته إذا حق المساء]
فأرسل الله عز وجل على عاد الريح العقيم، فخرجت الريح عليهم من وادٍ لهم، فلما رأوا ذلك قالوا: (هَذَا عَارِضُ مُمْطِرُنَا ﴾ [الأحقاف: 24] وتباشروا بذلك، فلما سمع هود ذلك من قولهم قال: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحُ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [الأحقاف: 24] فأتتهم الريح يوم الأربعاء، فلم تأت الأربعاء الثانية ومنهم حَيَّ، فمن أجل ذلك كره الناس يوم الأربعاء.
وقد بينا فيما يرد من هذا الكتاب كيفية، ذلك، وكيف وقوعه من أيام الشهر في باب [ذكر] الشهور، فلما شاهد هود النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما نال قومه انفرد هو ومن معه من المؤمنين، وفي ذلك يقول الهيل بن الخليل:
لو أن عاداً سَمَعِتْ من هود***واتبعت طريقة الرشيد
وقد أتى بالوعد والوعيد***عاداً وبالتقريب والتبعيد
ما أصبحت عاثرة الجدود***صَرْعَى على الأناف والخدود
ساقطة الأجساد بالوصيد***ماذا جنى الوفد من الوفود؟
أحدوثة في الأبد الأبيد
[وقال مهد بن سعد في شعر له:
دعاهم خيفة لله هود***فما نفع النذير ولا أجابوا
فلما أن أبوا إلا عتواً***أصابهم ببغيهم العذابُ]
وقد كان الآخر من ملوكهم الخلجان، وقد تقدم ذكرنا في هذا الباب لملك عاد وثمود وغيرهم، وقيل: إن أول من ملك عاداً من الملوك عاد من الملوك عاد بن عوص [ثلاثمائة سنة، ثم ملك بن عاد بن عوص
قال: ولما دثرت هذه الأمم من العرب والقبائل خلت منهم الديار فسكنها غيرهم من الناس، فنزل قوم من بني حنيفة اليمامة واستوطنوها، وقد كانوا نزلوا بلاد الجُحْفَة بين مكة والمدينة [وقطنوها ؛ فقال شاعرهم يرثي من كان في تلك الديار:
إنْ طَسْماً وجُرْهُماً وجديساً***والعماليق في السنين الخوالي
عمروا البيت حِقْبَة ثم وَلَّوْا***واستمرت بهم صروف الليالي
وأراك الزمان منهم، وأضحى غيرهم ساكناً بتلك الخوالي
ورماهم رَيْبُ الزمان فأمسوا***دورهم بلقع لِمَرُ الشمال]
وقد كان نزل بلاد الجحفة بين مكة والمدينة عبيل بن عوص بن ارم بن سام بن نوح هو وولده ومن تبعه، فهلكوا بالسيل، فسمي ذلك الموضع بالجُحفة لإجحافها عليهم.
وكان يثرب بن قاتية بن مهليل بن إرم بن عبيل نزل بالمدينة هو وولده ومن تبعه فسميت به يثرب، فهلك هؤلاء أيضاً ببعض غوائل الدهر وآفاته، فقال شاعرهم:
عَيْنُ جودي على عبيل، وهل ير***جع ما فات فيضُها بالسجام؟
عَمَّرُوا يثرباً وليس بها سفر***ولا صارخ ولا ذو سَنام
غرَسوا لينها بمجری معین***ثم حفوا الفسيل بالآجام
وقد أخبر الله جلت قدرته عنهم، فقال: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادُ بِالْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاعِيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُوا بِرِيج صَرْصَرٍ عاتية) [الحاقة: 4 -6].
وقد تنازع أهل الشرائع في قوم شعيب بن نويل بن رعويل بن مر بن عنقاءبن مدین بن إبراهيم الخليل(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وكان لسانه العربية: فمنهم من رأى أنهم من العرب الدائرة، والأمم البائدة، وبعض من ذكرنا من الأجيال الخالية، ومنهم من رأى أنهم من ولد المحض بن جندل بن يعصب بن مدين بن إبراهيم وأن شعيباً أخوهم في النسب، وقد كانوا عدة ملوك تفرقوا في ممالك متصلة [ومنفصلة] فمنهم المسمى بأبي جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت، وهم على ما ذكرنا بنو المحض بن جندل.
وأحرف الجمل على أسماء هؤلاء الملوك، وهي التسعة والعشرون حرفاً التي [ يدور] عليها حساب الجمل، وقد قيل في هذه الأحرف غير ما ذكرنا من الوجوه، على حسب ما قدمنا في هذا الكتاب، وليس كتابنا هذا موضعاً لما قاله الناس فيها، وتنازعوا تأويلها والمراد بها، وكان أبجد ملك مكة وما يليها من الحجاز، وكان هوز وحطي ملكين ببلاد وجّ، وهي أرض الطائف وما اتصل بذلك من أرض نجد، وكلمن وسعفص
وقرشت ملوكاً بمَدْيَن، وقيل: ببلاد مصر، وكان كلمن على ملك مدين، ومن الناس مَنْ رأى أنه كان ملكاً على جميع من سمينا مشاعاً متصلاً على ما ذكرنا.
وأن عذاب يوم الظُّلة كان في ملك كلمن منهم، وأن شعيباً دعاهم فكذبوه، فوعدهم بعذاب يوم الظلة، ففتح عليهم باب من السماء من نار، وانحاز شعیب بمن آمن معه إلى الموضع المعروف بالأيكة، وهي غَيْضةٌ نحو مدين، فلما أحس القوم بالبلاء واشتد عليهم الحر وأيقنوا بالهلاك طلبوا شعيباً ومن آمن معه وقد أظلتهم سحابة بيضاء طيبة النسيم والهواء لا يجدون فيها ألم العذاب، فأخرجوا شعيباً ومن آمن معه من موضعهم وأزالوهم عن أماكنهم وتوهموا أن ذلك ينجيهم مما نزل بهم، فجعلها الله عليهم ناراً، فأتت عليهم فرثت حارثة بنت كلمن أباها فقالت وكانت بالحجاز:
کلمن هَدّم ركني***هلْكُه وَسْطَ المحّله
سيد القوم أتاه الحَتْفُ***ناراً تحت ظلّه
کونت ناراً، وأضحت***دار قومی مضمحله
وفي ذلك يقول المنتصر بن المنذر المديني:
ألا يا شعيب قد نَطَقْتَ مقالة***أتيت بها عمراً وحَيَّ بني عمرو
وهم ملكوا أرض الحجاز وأوجها***كمثل شعاع الشمس في صورة البدر
ملوك بني حُطي وسَعْفَصَ ذي الندى***وهَوَّزَ أرباب البنية والحجر
وهم قطنوا البيت الحرام ورتبوا***خطوراً وساموا في المكارم والفخر
ولهؤلاء الملوك أخبار عجيبة من حروب وسير، وكيفية تغلبهم على هذه الممالك وتملكهم عليها، وإبادتهم من كان فيها وعليها [قبلهم] من الأمم، قد أتينا على ذكرها فيما تقدم من كتبنا هذا المعنى مما كتابنا هذا منبه عليها وباعث على درسها.
وأما بنو حضورا وكانت أمة عظيمة ذات بطش وشدة، فغلبت على كثير من الأرض والممالك، وقد تنازع الناس فيهم: فمنهم من ألحقهم بمن ذكرنا من العرب البائدة ممن سمينا، ومنهم من رأى أنهم من ولد يافث بن نوح، وقيل في أنسابهم غير ما ذكرنا من الوجوه، وقد كان الله عز وجل بعث إليهم شعيب بن مهدم بن حضورا بن عدي نبياً ناهياً عما كانوا عليه، وهذا غير شعيب بن نويل بن رعويل بن مر بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم الخليل صاحب مدين المتزوج ابنته موسى بن عمران المقدم ذكره، وبينهما مئون من
السنين، وقد وكان بين موسى بن عمران وبين المسيح ألف نبي، ولما بُعث إلى حضورا، واشتد كفرهم جَدَّ نبيهم شعيب بن مهدم في دعائهم وخَوَّفهم وتوعدهم، فقتلوه من بعد ظهور معجزات كانت له ودلائل أظهرها الله على يديه تدل على صدقه وتثبت حجته على قومه، فلم يضيع الله دمه، ولم يكذب وعيده، فأوحى الله تعالى إلى نبي كان في عصره- وهو برخيا بن أخبيا بن رزنائيل بن شالتان - وكان من سبط يهوذا ابن إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ) - أن يأتي بختنصر - وكان بالشام - وقيل: غيره من الملوك، فيأمره أن يغزو العرب الذين لا أغْلَاقَ لبيوتهم، فلما أتى برخيا ذلك الملك قال له الملك: صدقت، لي سبع ليال أومَرُ في نومي بما ذكرت، وأنادي بمجيئك إلي وأبشر بخطابك، ويقال لي ما أمرتني به، وأن أنتصر للنبي المقتول الفريد المظلوم فسار إليهم في جنوده وغشي دارهم في عساكره، وصاح بهم صائح من السماء وقد استعدوا لحربه من حيث عَمَّ الصوت جميعهم، وهو يقول:
سَيُعْلَبُ قوم غالبوا الله جهرة***وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا
كذاك يضل الله من كان قلبه***مريضاً وَمَنْ وَالَى النفاق وألحدا
فلما سمعوا ذلك علموا أن الأمر قد نزل بهم، فانفضت جنودهم، وتفرقت جموعهم وولّت كتائبهم يتراكضون، وأخذهم السيف، فحصدوا أجمعين.
وقد ذكر أن في قصة هلكهم قال الله عز وجل من قائل: فَلَمَّا أَحَسُّوا بأسَنَا إِذَا مِنْهَا يَرْكُضُونَ [الأنبياء: 12
وقد تنوزع في ديارهم والموضع الذي كانوا فيه: فمن الناس من رأى أنهم كانوا بأرض السماوة، وأنها كانت عمائر متصلة ذات جنان ومياه متدفقة، وذلك بين العراق والشام إلى حد الحجاز، وهي الآن ديار خراب براري وقفار، ومنهم من رأى أن ديارهم كانت [بلاد جند قنسرين إلى تل ماسح إلى خناصرة ]إلى بلاد سورية، وهذه المدن في هذا الوقت مضافة إلى أعمال حلب من بلاد قنسرين من أرض الشام.
قال المسعودي: وقد أتينا على جمل من أخبار العرب الماضية والباقية، وقد كان قبل ظهور الإسلام للباقي منهم مذاهب وآراء في النفوس وتغول الغيلان والهواتف والجن، وسنورد جملاً منها منفردة على حسب ما يقتضيه شرط الاختصار في هذا الكتاب، وعلى حسب ما نمي إلينا من أخبارهم، واتصل بنا من آثارهم، وذكره الناس من آرائهم، عن الفاني والباقي منهم، إن شاء الله تعالى
كانت للعرب مذاهب في الجاهلية في النفوس، وآراء ينازعون في كيفياتها: فمنهم من زعم أن النفس هي الدم [لا غير ] وأن الروح الهواء الذي في باطن جسم المرء منه نفسه، ولذلك سموا المرأة منه نُفساء، لما يخرج منها من الدم، ومن أجل ذلك تنازع فقهاء الأمصار فيما له نَفْسُ سائلة إذا سقط في الماء: هل ينجسه أم لا؟ وقال تأبط شرا لخاله الشنفرى الأكبر [ وقد سأله عن قتيل قتله - كيف] كانت قصته؟ فقال: ألجمته عضباً فسالت نفسه سكباً، وقالوا: إن الميت لا ينبعث منه الدم ولا يوجد فيه، بَدأ في حال الحياة، وطبيعته [طبيعة الحياة] والنماء مع الحرارة والرطوبة؛ لأن كل حي في حرارة ورطوبة، فإذا مات بقي اليبس والبرد، ونفيت الحرارة، وقال ابن براق من كلمة:
وكم لاقيت ذا نجب شدید***تسيل به النفوس على الصدور
[إذا الحرب العوان به استهامت***وحال، فذاك يوم قمطرير]
وطائفة منهم تزعم أن النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان، فإذا مات أو قتل لم يزل مطيفاً به متصوراً إليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشاً، وفي ذلك يقول بعض الشعراء وذكر أصحاب الفيل::
سلط الطير والمنون عليهم***فلهم في صَدَى المقابر هامُ
لأن هذا الطائر يسمونه الهام، والواحدة هامة، وجاء الإسلام وهم على ذلك حتى قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) «لا هام ولا صَفَر».»
ويزعمون أنَّ هذا الطائر يكون صغيراً، ثم يكبر حتى يصير كضرب من البوم وهي أبداً تتوحش وتَصدَح، وتوجد أبداً في الديار المعطلة والنواويس، وحيث مصارع [القتلى وأجداث] الموتى.
ويزعمون أن الهامة لا تزال [على ذلك] عند ولد الميت في محلته بفنائهم؛ لتعلم ما يكون بعده فتخبره به، حتى قال الصلت بن أمية لبنيه:
هامي تخبرني بما تستشعروا***فتجنبوا الشنعاء والمكروها
وفي ذلك يقول في الإسلام توبة في ليلى الأخيلية:
ولو أن ليلى الأخيلية سلّمت***عليَّ ودوني جندل وصفائح
لسَلَّمت تسليم البشاشة، أو زقا***إليها صدّى من جانب القبر صائح
وهذا من قولهم يدل على أن الصَّدَى [قد] ينزل إلى قبورهم ويصعد [ ومن ذلك ماروي عن حاتم طيىء مما سنورد خبره في هذا الكتاب .
أتيت لصحبك تبغي القرى***لدى حُفَر صدحت هامها]
وسنذكر هذا الشعر في أخبار الحجاج بن يوسف مع ليلى الأخيلية من هذا الكتاب، وقد قيل: إن هذه الأبيات لغير توبة في [غير ليلى]، وهذا كثير في أشعارهم ومنثور كلامهم وسَجْعهم وخطبهم، وغير ذلك من محاوراتهم.
وللعرب وغيرهم من أهل الملل ممن سلف وخَلَفَ كلام كثير في تنقل الأرواح وقد أتينا على [مبسوط] ذلك في كتابنا المترجم ب«سر الحياة» وكتاب «الدعاوى» وبالله التوفيق.
للعرب في الغيلان وتغولها أخبار طريفة.
العرب يزعمون أن الغول يتغول لهم في الخلوات، ويظهر لخواصهم في أنواع من الصور فيخاطبونها، وربما ضَيَّفوها، وقد أكثروا من ذلك في أشعارهم، فمنها قول تأبط شرَّا:
وأدهم قد جُبت جلبابه***كما اجتابت الكاعب الخيعلا
[على إثر نارٍ يَنُور بها***فبتُ لها مديراً مقبلا]
فأصبحتُ والغول لي جارة***فيا جارتي أنت ما أهْوَلَا
وطالبتها بضعها فالتوت***بوجه تغول فاستغولا
فمن كان يسأل عن جارتي***فإن لها باللّوى منزلا
وبزعمون أن رجليها رجلا عنز، وكانوا إذا اعترضتهم الغول في الفيافي يرتجزون ويقولون:
یا رجل عنز أنهقي يقي نهيقاً***لن نترك السبسب والطريقا
وذلك أنها كانت تتراءى لهم في الليالي وأوقات الخلوات، فيتوهمون أنها إنسان فيتبعونها، فتزيلهم عن الطريق التي هم عليها، وتتيههم. وكان ذلك قد اشتهر عندهم وعرفوه، فلم يكونوا يزولون عما كانوا عليه من القصد فإذا صيح بها على ما وصفنا شردت عنهم في بطون الأودية ورؤوس الجبال .
وقد ذكر جماعة من الصحابة [ذلك ]: منهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه! أنه
شاهد ذلك في بعض أسفاره إلى الشام، وأن الغول كانت تتغول له، وأنه ضربها بسيفه، وذلك قبل ظهور الإسلام، وهذا مشهور عندهم في أخبارهم.
وقد حكي عن بعض المتفلسفين أن الغول حيوان شاذ من جنس الحيوان [مُشَوَّه] لم تحكمه،الطبيعة، وأنه لما خرج منفرداً في نفسه وهيئته توحش من مسكنه، فطلب القفار، وهو يناسب الإنسان والحيوان البهيمي في الشكل، وقد ذهبت طائفة من الهند إلى أن ذلك إنما يظهر من فعل ما كان غائباً من الكواكب عند طلوعها، مثل الكوكب المعروف بكلب الجبار، وهي: الشِّعْرَى الْعَبُور، وأن ذلك يحدث داء في الكلاب، وسهيل في الحمل والذئب في الدب وحامل رأس الغول يحدث عند طلوعه تماثيل وأشخاص تظهر في الصحارى، وغيرها من العامر والخرائب، فتسميه عوام الناس غولاً، وهي ثمانية وأربعون كوكباً، وقد ذكرها بطليموس وغيره ممن تقدم وتأخر، وقد وصف ذلك أبو معشر في كتابه المعروف ب« المدخل الكبير إلى علم النجوم» وذكر كيفية صورة كل كوكب عند ظهوره في أنواع مختلفة.
[وزعمت طائفة الناس أن الغول اسم لكل] شيء يعرض للسفّار، ويتمثل في ضروب من الصور، ذكراً كان أو أنثى، إلا أن أكثرهم كلامهم على أنه أنثى، وقد قال أبو المطراب [ عبيد بن أيوب العنبري]:
[وحالفني الوحوش على الوفاء***وتحت عهودهن وبا البعاد]
وغولاً قفزة ذكراً وأنثى***كأن عليهما قطع النجاد
وقال آخر [وهو كعب بن زهير الصحابي]:
فما تَدُومُ على حال تكون بها***كما تَلَوَّنُ في أثوابها الغول]]
وقد قدمنا ذكر ذلك فيما سلف من كتبنا في هذا المعنى، وأن كل كوكب من هذه يظهر في صورة محالفة لما تقدمه من الصور يحدث في هذا العالم نوعاً من الأفعال لم ينفرد يفعله غيره من الكواكب.
[وكانت العرب قبل الإسلام تزعم أن الغيلان توقد بالليل النيران للعبث والتحيل،واختلال السابلة، قال أبو المطراب:
در الغول، أي رفيقة***لصاحب قفر حالف وهو معبر فلله
أرنَّتْ بلحن بعد لحن وأوقدت***حوالي نيراناً تلوح وتزهر]
وقد فرقوا بين السِّعْلاة والغول، قال عبيد [بن أيوب]:
وساخرة مني، ولو أن عينها***رأت ما رأت عيني من الهول جُنَّتِ
أبيت بسعلاة وغول بقفرة***إذا الليل وارى الجنَّ فيه أرَنَّتِ
وقد وصفها بعضهم، فقال:
وَحافِرُ العنز في ساقٍ مُدَمْلَجة***وجفن عين خلاف الإنس بالطول
وللناس كلام كثير في الغيلان،والشياطين،والمردة، والجن، والقطرب، والغدار، وهو نوع من الأنواع المتشيطنة، يعرف بهذا الاسم، يظهر في أكناف اليمن والتهائم، وأعالي صعيد مصر، وأنه ربما يلحق الإنسان فينكحه فيتدود دبره فيموت، وربما يتوارى للإنسان فيذعره، فإذا أصاب الإنسان ذلك منه يقول له أهل تلك النواحي التي سمينا: أمنكوح هو أم مذعور؟ فإن قالوا منكوح يُئس منه، وإن كان مذعوراً أسكن روعه، وشجع مما ناله، وذلك أن الإنسان إذا عَايَنَ ذلك سقط مغشياً عليه، ومنهم من يظهر له ذلك فلا يكترث [به] الشهامة قلبه، وشجاعه نفسه، وما ذكرنا مشهور في البلاد التي سمينا، ويمكن جميع ما قلنا مما حكيناه عما ذكرنا من أهل هذه البقاع أن يكون ضرباً من السوانح الفاسدة والخواطر الرديئة، أو غير ذلك من الآفات والأدواء المعترضة لجنس الحيوان من الناطقين، [وغيرهم]، والله أعلم بكيفية ذلك.
ولم نذكر في هذا الكتاب ما ذكره أهل الشرائع، وما ذكره أهل التواريخ والمصنفون لكتب البدو، كوهب بن منبه، وابن إسحاق، وغيرهما أن الله تعالى خلق الجان من نار السموم، وخلق منه زوجته، كما خلق حواء من آدم، وأن الجان غشيها، فحملت منه، وأنها باضت بإحدى وثلاثين بيضة، وأن بيضة من تلك البيض تفلقت عن قطربة، وهي: أم القطارب، وأن القطرية على صورة الهرة، وأن الأبالس من بيضة أخرى منهم الحارث أبو مرة، وأن مسكنهم [البحور، وأن المردة من بيضة أخرى مسكنهم] الجزائر، وأن الغيلان من بيضة أخرى، مسكنهم الخلوات والفلوات، وأن السعالى من بيضة أخرى، سكنوا الحمامات والمزابل، وأن الهوام من بيضة أخرى، سكنوا الهواء في صورة الحيات ذوات أجنحة يطيرون هنالك، وأن من بيضة أخرى [الدواسق، وأن من بيضة أخرى] الحماميص - لأنا قد ذكرنا ذلك فيما سلف من كتبنا، وتقدم من تصنيفنا،
وأتينا على ذكر [ما تشعب] من أنسابهم والمشهور من أسمائهم ومساكنهم من الأرض والبحار، وإن كان ما ذكره أهل الشرع مما وصفنا ممكناً غير ممتنع ولا واجب، وإن كان أهل النظر والبحث والمستعملون لقضية العقل والفحص يمتنعون مما ذكرناه، ويأبون ما وصفنا، والمصنف حاطب ليل، فأوردنا ما قاله الناس من أهل الشرائع وغيرهم ؛ إذ كان الواجب على كل ذي تصنيف أن يورد جميع ما قاله أهل الفرق في معنى ما ذكرناه، وأتينا أيضاً على سائر ما خبرنا من الأشخاص التي هي غير مرئية من الجن والشياطين وما قالوه في سلوك الجن [في الناس] في كتابنا المترجم بكتاب «المقالات، في أصول الديانات» وبالله التوفيق.
قال المسعودي: فأما الهواتف فقد كانت كثرت في العرب، واتصلت بديارهم، وكان أكثرها أيام مولد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وفي أولية مبعثه، ومن حكم الهواتف أن تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي.
قال المسعودي: وقد تنازع الناس في الهواتف والجان: فذكر فريق منهم أن ما تذكره العرب وتُنبىء به من ذلك إنما يعرض لها من قبل التوحد في القفار، والتفرد في الأودية، والسلوك في المهامة والمَرَوْرَاة الموحشة ؛ لأن الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن وتوحد تفكر، وإذا هو تفكر وجِلَ وجَبنَ، وإذا هو جبن داخلته الظنون الكاذبة، والأوهام المؤذية، والسوداوية [الفاسدة]، فصورت له الأصوات، ومثلت له الأشخاص، وأوهمته المحال، بنحو ما يعرض لذوي الوسواس، وقُطْبُ ذلك وأسه سوء التفكير، وخروجه على غير نظام قوي، أو طريق [مستقيم] سليم؛ لأن المتفرد في القفار والمتوحد في المَرَوْرَاة مستشعر للمخاوف، متوهم للمتالف، متوقع للحُتُوف؛ لقوة الظنون الفاسدة على فكره، وانغراسها في نفسه، فيتوهم ما يحكيه من هَتْف الهواتف به و اعتراض الجان له.
وقد كانت العرب قبل ظهور الإسلام تقول: إن من الجن مَنْ هو على صورة نصف الإنسان، وأنه كان يظهر لها في أسفارها وحين خلواتها وتسميه شِقًا.
وذكروا عن علقمة بن صفوان بن أمية بن محرب الكناني جد مروان بن الحكم لأمه أنه خرج في بعض الليالي يريد مالا له بمكة، فانتهى إلى الموضع المعروف إلى هذا الوقت بحائط حرمان ؛ فإذا هو بشق قد ظهر له في أوصاف ذكرها فقال شق:
علقم إنی مقتول***وإنلحمی مأکول
أضربهم بالمسلول***ضَرْبَ غلامٍ مشمول
رحب الذراع بهلول
فقال علقمة:
شقُّ، ما لي ولك***اغمد عنی مُنْصْلَكْ
تقتل من لا يقتلك؟
فقال شق:
علقم،غنیت لک***کیما أبیح معقلک
فاصبر لما قد حُمّ لک
فضرب كل منهما صاحبه، فخرا ميتين، وهذا مشهور عندهم، وأن علقمة بن صفوان قتلته الجن.
وذكروا عن الجن بيتين من الشعر قالتهما في حرب بن أمية حين قتلته الجن وهما:
وقبر حرب بمكان قفر***ولیس قرب قبر حرب قبر
واستدلوا على أن هذا [الشعر] من قول الجن بأن أحداً من الناس لا يتأتى له أن ينشد هذين البيتين ثلاث مرات متواليات لا يتتعتع في إنشادهما؛ لأن الإنسان قد ينشد العشرين بيتاً والأكثر والأقل أشد من هذا الشعر وأثقل منه ولا يتتعتع فيه.
وممن قتلته الجن مرداس [بن أبي عامر] السُّلَمي، وهو أبو عباس [بن مرداس] السُّلَمي، ومنهم الغريض المغني، بعد أن ظهر غناؤه [ وحمل عنه]، وقد كانت الجن نهته أن يغني بأبيات من الشعر، فغناها فقتلته.
وحدث يحيى بن عقاب، عن علي بن حرب، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عن منصور بن يزيد الطائي [ثم الصامتي] قال: رأيت قبر حاتم طيىء ببقة، وهو [أعلى] جبل له واد يقال له الخابل، وإذا قدرّ عظيمة من بقايا قدور حجر مكفأة في ناحية من القبر من
القدور التي كان يطعم فيها الناس، وعن يمين قبره أربع جوار من حجارة، وعلى يساره أربع جوار من حجارة، كلهن صاحبة شعر منشور محتجرات على قبره كالنائحات عليه، لم ير مثل بياض أجسامهن وجمال وجوهن، مِثْلهن الجن على قبره، ولم يكن قبل ذلك، والجواري بالنهار كما وصفنا، فإذا هدأت العيون ارتفعت أصوات الجن بالنياحة عليه، ونحن في منازلنا نسمع ذلك، إلى أن يطلع الفجر [فإذا طلع الفجر ] سكتن وهدأن، وربما مر المار فيراهن فيفتتن بهن فيميل إليهن عجباً بهنَّ ؛ فإذا دنا منهن وجدههن حجارة.
وحدث يحيى بن عقاب الجوهري [قال: حدثنا علي] قال: أنبأني عبد الرحمن ابن يحيى المنذري، عن أبي المنذر هشام الكلبي، قال: حدثنا أبو مسكين بن جعفر بن محرز بن الوليد، عن أبيه، وكان مولى لأبي هريرة [قال: سمعت محمد بن أبي هريرة] يحدث قال: كان رجل يكنى أبا البختري مر في نفر من قومه بقبر حاتم طييء، فنزلوا قريباً منه، فبات أبو البختري يناديه: يا أبا الجعد، أقرِنَا، فقال قومه له: مهلاً ما تكلم رمَّةً بالية؟ قال: إن طيئاً تزعم أنه لم ينزل به أحد قط إلا قراه، وناموا، [فلما أن كان في آخر الليل قام أبو البختري مذعوراً فزعاً ينادي]: واراحلتاه، فقال له أصحابه: ما بدا لك؟ قال: خرج حاتم من قبره بالسيف، وأنا أنظر، حتى عقر،ناقتي قالوا له: كذبت، ثم نظروا إلى ناقته بین نوقهم مَجدَّلة لا تنبعث، فقالوا له: قَدْ والله قَرَاك، فظلوا يأكلون من لحمها شواء وطبيخاً حتى أصبحوا، ثم أردفوه، وانطلقوا سائرين، فإذا راكب بعير يقود آخر قد لحقهم فقال: أيكم أبو البختري؟ فقال أبو البختري: أنا ذلك، قال: أنا عدي بن حاتم، وإن حاتماً جاءني الليلة في النوم ونحن نزول وراء هذا الجبل، فذكر شَتْمك إياه، وأنه قَرَى أصحابك براحلتك، وأنشد [ني يقول في شعره]:
أبا البختري، لأنت امرؤ ظلومُ***العشيرة شَتَامُها
أَتَيْتَ بصحبك تبغي القرى***لدى حفرة صدحَتْ هامها
أتبغي لي الذم عند المبيت***وحولك طي وأنعامها؟
إنَّا سنشبع أضيافنا***ونأتي المطي فنعتامها
وقد أمرني أن أحملك على بعير مكان راحلتك، فدونكه.
وقد ذكر هذا سالم بن زرارة الغطفاني في مدحه عدي بن حاتم حيث يقول:
أبوك أبو سَفَّانَة الخير لم يزل***لدن شَبَّ حتى مات في الخير راغبا
[به تضرب الأمثال في الشعر ميتاً***وكان لَهُ إذ ذاك حياً مصاحبا]
قَرَى قبره الأضياف إذ نزلوا به***ولم يقر قبر قبله الدَّهْرَ راكبا
وحدث أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم السجستاني، عن أبي عبيدة مَعْمَر بن المثنى، قال: سمعت شيخاً من العرب قد أناف على المائة يقول: إنه خرج وافداً على بعض ملوك بني أمية، قال: فسرت في ليلة صهاكية حالكة كأن السماء قد برقعت نجومها بطرائق السحاب، وضللت الطريق، فتولجت وادياً لا أعرفه،فأهمتني نفسي [ بطرحها حتى الصباح ] فلم آمن عريف الجن، فقلت: أعوذ برب هذا الوادي من شره، وأستجيره في طريقي هذا، وأستر شده، فسمعت قائلاً يقول من بطن الوادي:
تيامن تجاهك تلق الكلا***تسير وتأمن في المسلك
قال: فتوجهت حيث أشار إلي وقد أمنت بعض الأمن فإذا أنا بأقباس نار تلمع أمامي في خللها كالوجوه على قامات كالنخيل السحيقة، فسرت وأصبحت بأوشال - وهو ماء لكلب - بقرب برية دمشق.
وقد ذكر الله عز وجل ذلك من فعلهم [في كتابه] فقال: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِيَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقا [الجن: 6].
تنازع الناس في العيافة والقيافة وغيرها مما ذكر: فذهبت طائفة إلى تحقيق القيافة والأخذ بها؛ لأن الأشباه تنزع، وغير جائز أن يكون الولد غير مشبه لأبيه، أو أحد من أهله من جهة من الجهات، ومنهم من ذهب إلى أن في الولد مواضع تلحقها القيافة دون غيرها من الأعضاء مما لم يحلها الشبه، ولا توافق بينهما بحد مشترك، وأبى آخرون ما وصفنا؛ إذ كان الناس قد يتشابهون في حد الإنسانية [ وغير ذلك] من الحدود، ويفترقون في غيرها من الصور، وليس وجود الأغلب من الأشباه مما يوجب إلحاق الشبه بشبهه، دون أن يخالف من حيث أو جبت قضية [العقل] الاختلاف بالتباين.
وهذه المعاني من خواص ما للعرب، وما تفردت به، دون سائر الأمم في الأغلب منها، وإن كانت الكهانة قد وجدت في غيرها، فإن القيافة والزجر والتفاؤل والتطير ليس لغيرها في الأغلب من الأمور، وليس هو موجوداً في سائر العرب، وإنما هو للخاص منها القطن والمتدرب الظنن، وإن وجد ذلك في بعض الأمم، كوجود ذلك في الإفرنجة، وما جانسها ممن هنالك من الأمم، فيمكن أن يكون ذلك موروثاً عن العرب، ومأخوذاً منها في سالف الدهر، لأن العرب قد تنقلت في البلاد، وتغيرت لغاتها، فنسب ذلك إلى الجنس الذي قطنت بينهم العرب، ويمكن أن تكون الإفرنجة، ومن وجد فيها ذلك من الأمم، وأخذوه بعد ظهور الإسلام عمن جاورهم من أمم العرب، ممن سكن بلاد الأندلس من الأرض الكبيرة، وإن كان ذلك قبل ظهور الإسلام فهو ما ذكرنا آنفاً، ويمكن أن يكون الله عز وجل خص بذلك أمما غير العرب كما خص العرب به؛ إذ كان ذلك داخلاً في الإمكان، خارجاً من باب الممتنع [والواجب]، فيكون الزجر والفأل شاملاً لبعض العرب وغيرها من خواص الأمم كوجود النقط للبربر، والنظر في الكتف، وغير ذلك مما خص به كل جنس من الناس
وقد ذهبت طائفة ممن سلف، من أهل البحث والتنقير إلى أن القيافة: اسم مشتق من القَفْو، وهو معنى استدلاليّ، وأصل ذلك: أن الأشكال انفصلت في صورة أنسابها بأشياء تخص الأنواع بالتشكيل وخواص وجدت لما به ضربت الفواصل أضرابها في وحيدات الأشخاص، وكان التناسل على وساعه وقدر من الغير لما توجبه الطبيعة من اتفاق كل شيء في حوزته، وصرفه إلى وجهه، كما خصت الطبيعة كل نوع من الجنس بفصل أبانته من أغياره، وفرقت بينه وبين أشكاله، فكذلك أيضاً خصت أوحاد الأشخاص المنفصلة في الهيئة، بتغير الغير من أغياره، وكذلك لا تكاد فنون الصور تتراءى في المرائي لغير من أغياره ؛ وكذلك لا تكاد وإن ضمها النوع وشملتها المادة فالقائف يقارب بين الهيآت، فيحكم للأقرب صورة ؛ لأن تشبيه النسل أقرب من تشبيه النوع . وكذلك تشبيه الشخص إلى النوع أقرب منه إلى الجنس؛ لأن النوع والشخص ضمهما حدان مشتركان، وإنما ضم الجنس واحد فهو أصل القيافة عند هذه الطائفة، وهو ضرب من ضروب البحث، وإلحاق النظير في الأغلب بنظيره، ومن حيث تساويهما من حيث ذكرنا في قضية العقل، وهو القياس بعينه، وليس هذا الاستدلال من كلام أحد من فقهاء القائسين ولا غيرهم من المسلمين، وإنما هذا [الكلام] انتزعناه من كلام الفلاسفة المتقدمين ؛ فيجب أن يكون نظر القائف على قول هذا الطائفة إلى القَدَم ؛ لأنها نهاية الشكل وغاية الهيئة، والولد لو خالف صورة أبيه في كنه أفعاله، وباينه في سائر شكله في الأغلب يوافقه في القَدَم ؛ لأن النسل لا بد له من تخصيص قوته بشيء يميزه من غيره ويبينه من سواه، ولذلك وجدوا الطول في أزد شَنُوأة، ولذلك صار الجفاء والغلظ في الروم، وأصحاب الأجبال، والأكثر من أهل الشام وأوباش مصر، واللؤم في الخزر وأهل حران من بلاد ديار بكر، والشح بفارس، واللؤم على الطعام بأصفهان، وصار تفرطح الرجلين وفَطَس الأنوف في السودان، والطرب في الزنج خاصة .
وهذا الذي وصفنا عند هذه الطائفة من أسرار الطبيعة، وخواص تأثير الأشخاص العلوية، والأجسام السماوية، وقد تقصينا هذا الشأن على كماله [في كتابنا في الأسرار الطبيعية وخواص تأثير الأشخاص العلوية والغرائب الفلسفية في كتابنا في الرؤوس السبعية ] في أنواع السياسات المدنية وملكها الطبيعية وفي كتاب الاسترجاع في الكلام على من زعم أن العالم متغير جوهره إلى الظلمة، وأن النور فيه غريب مختار، وأن ستة أنفس كانوا نوراً بلا أجساد: شيث بن آدم،وزرادشت، والمسيح، ويونس، واثنان لا يمكن ذكرهما، وأن النور والظلمة قديمان، وأنهما لا يُريان إلا غير ممتزجين وأن
الأشياء لا تعمل إلا في جوهرهما ثم امتزجا من تلقاء أنفسهما، من غير داخل عليهما ولا مكره أكرههما، وهذا الخلف من الكلام والفاسد من المقال، وأعجب من هذا القول قول زرادشت نبي المجوس: إن القديم تعالى ذكره طالت وحدته فطالت فكرته، فلما أن طالت فكرته، واشتدت وحشته، توالد الهم منه، وهو الشيطان، من تلك الوحشة التي ولدتها تلك الفكرة، ونتجتها الوحدة، وأن الله عز وجل لو كان قادراً على إفناء الهم منه لما ضرب له أجلا، ولا أجل له أمراً يغوي عباده، ويفسد بلاده. وهذا هو المُحال بعينه، والتناقض بنفسه، وعجب آخر من الآراء من قول بولص: إن المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الذي أرسله، وإن المسيح إنسان وإله ؛ لأنه إنه صار إنساناً، وإنسان صار إلها، وقد أتينا على جمل من متناقضات أهل الآراء، في أثناء ما تقدم من كتبنا، وإنما تشعب بنا الكلام إلى هذا النوع، وتغلغل بنا القول إلى هذا المعنى، لأنه من جنس ما كنا فيه، لكن عند ذكرنا لما أودعناه كتاب الاسترجاع والإبانة عن غرض فيه.
فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه من هذا الكتاب:
وحدث المنقري عن العتبي، قال: وقف عُبَيْد الراعي ذات يوم مع ركب بفيفاء قفر، وكانوا يريدون استقصاد رجل من تميم ؛ إذ سنحت ظباء سود منكرة، ثم اعترضت الركب مقصرة في حضرها، واقفة على شأنها، فأنكر ذلك عُبيد الراعي، ولم ينتبه له أصحابه، فقال عبيد:
ألم تَدْرِ ما قال الظباء السوانح؟***أطَفْنَ أمام الركب والركب رائح؟
فكر الذي لم يعرف الزَّجْرَ منهم***وأيقن قلبي أنهن نوائح
ثم شارفوا مقصدهم، فألَفَوُا الرئيس قد نهشته أفعى، فأتت عليه.
قال أبو عبيدة مَعْمر بن المثنى: وهذا من غريب الزجر، وذلك أن السائح مَرْجُو عند العرب، والبارح: هو المخوف، وأظن عبيداً إنما زجر الظباء في حالة حالة رجوعها، ووصف الحال الأول في شعره، كما أن من شرط الواصف أن يبدأ بهوادي الأسباب فيوضح عنها، فهذا وجه زجر عبيد الراعي في شعره.
ويقال: إن الكهانة لليمن، والزجر لبني أسد، والقيافة لبني مدلج وأحياء مضر ابن نزار بن معد، لما كان من فعل بني نزار الأربعة في مسيرهم نحو الأفعى الجرهمي،
ووصفهم الجمل الشارد، على ما ذكرنا، وذلك منهم قيافة؛ فمن هنالك تفرقت القيافة من أحياء مضر على حسب ما تغلغل في العروق ونزع، وأهل المياه أكْهَنُ، وأهل البر الفائح أقْوَفُ، وبأرض الجفار - وهي بلاد الرمل بين بلاد مصر وأرض الشام - أناس من العرب في تلك الجفار يتناول الإنسان من تمر نخلهم فيغيب عنهم السنين ولم يروه ولا شاهدوه، فإن رأوه بعد مدة علموا أنه الآخذ لتمرهم، ولا يكادون يخطئون وهذا من فعلهم مشهور، ولا يكاد تخفى عليهم أقدام أي الناس هم.
ورأيت بهذه الأرض أناساً قد رتبهم ولاة المنازل يطوفون في هذا الرمل، يُعرفون بالقُصَّاص، يقصون آثار الناس وغيرهم، فيخبرون ولاة المنازل أي الناس هم ممن طرق تلك البلاد، وهم لم يروهم، بل رأوا آثار أقدامهم، وهذا معنى لطيف وحس دقيق.
وقد قَفَتْ القافَةُ بقريش حين خرج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبو بكر إلى الغار، حتى أتت باب الغار على حجر صلد وصخر صم وجبال لا رمل عليها ولا طين ولا تراب تتبين الأقدام، فحجبهم الله تعالى عن نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بما كان من نَسْج العنكبوت، وما سَفَتْ عليه الرياح، وما لحق القائف من الحيرة، وقوله: إلى هنا انتهت الأقدام، ومعه الجماعة من قريش، لا يرون على الصلد ما يرى ولا على الصفوان ما يشاهد، وأبصارهم سليمة، والآفات عنها مرتفعة، والموانع زائلة، ولولا أن هنالك لطيفة لا يتساوى الناس في علمها، ولا يتفقون بالأبصار إحصاء إدراكها، لما استأثر بذلك طائفة دون أخرى، وأهل الجبال والقفار والدهاس أزْجَرُ وأعرف.
وقد ذهب قوم من أهل الشريعة، من فقهاء الأمصار وغيرهم ممن سلف إلى الحكم بالقيافة؛ استدلالاً على شرف القيافة، وعظم خطرها، وكبر محلها، وتحقيق فضلها ؛ لتعجب النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، منها وتصديقه مُخرز المدلجي.
وقد أنكر جماعة من فقهاء الأمصار، ممن سلف وخلف، الحكم بالقيافة، والدليل على فساد الحكم بها إلحاق النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الولد بأبيه حين شك فيه لعدم التشابه، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي وضعت غلاماً وإنه لأسود فقال النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مقرباً إلى فهمه وقصداً منه لفساد علته التي قصدها وشك [من أجلها في ولده] «فهل لك من إبل»؟ قال: نعم، قال: «فما ألوانها»؟ قال: حُمْز، قال «فهل فيها من أوْرَقَ»؟ قال: نعم، قال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «فمن أين ذلك؟ لعل عرقاً نزع» وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في قصة شريك بن سَحْماء «إن جاءت به على النعت
المكروه، فهو للذي رميت به» فلما جاءت به على النعت المكروه وجد التشابه بينه وبين من رميت به، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): « لولا حكم الله لكان لي ولك شأن» فألحق الولد مع عدم الشبه هنالك، ولم يلحق بالشبه هاهنا، ولم يجعله حكما، وقصى بوجود الفراش وثبوت النص على فساد الحكم بالتشابه.
وهذا باب قَصَدْنا فيه الكلام، وإنما ذكرنا هذا الفصل لتذكر الحكم بضده من القيافة، وهذا باب يطول فيه الخطب، ويكثر في معانيه الشرح ؛ لغموضه ولطفه، وقد ذكرنا وجه الكلام في ذلك وما ذهبت إليه كل فرقة من الناس ممن سلف وحلف في كتابنا المترجم ب« كتاب الرؤوس السبعة في الإحاطة بسياسة العالم وأسراره» [وهو كتاب مشهور مستوعب]
تنازع الناس في الكهانة: فذهبت طائفة من حكماء اليونانيين والروم إلى التكهن، وكانوا يدعون العلوم من الغيوب، فادعى صنف منهم أن نفوسهم أن نفوسهم قد صَفَتْ فهي مطلعة على أسرار الطبيعة، وعلى ما تريد أن يكون منها ؛ لأن صور الأشياء عندهم في النفس الكلية، وصنف منهم ادعى أن الأرواح المنفردة - - وهي الجن - تخبرهم بالأشياء قبل كونها، وأن أرواحهم كانت قد صَفَتْ، حتى صارت لتلك الأرواح من الجن متفقة.
وذهب قوم من النصارى أن السيد المسيح إنما كان يعلم الغائبات من الأمور، ويخبر من الأشياء قبل كونها؛ لأنه كانت فيه نفس عالمة بالغيب، ولو كانت تلك النفس في غيره من أشخاص الناطقين لكان يعلم الغيب، ولا أمة خلت إلا [وقد] كان فيها كَهانة، ولم يكن الأوائل من الفلاسفة اليونانية يدفعون الكهانات، وشهر فيهم أن فيثاغورس كان يعلم علوماً من الغيب وضروباً من الوحي؛ لصفاء نفسه وتجردها من أدران هذا العالم، والصابئة تذهب إلى أن أوريايس الأول وأوريايس الثاني - وهما: هُرْمُس، وأغاثيمون - كانوا يعلمون الغيب ؛ ولذلك كانوا أنبياء عند الصابئة، ومنعوا أن تكون الجن أخبرت مَنْ ذكرنا بشيء من ضروب الغيب، لكن صفت نفوسهم حتى اطلعوا على ما استتر عن غيرهم من جنسهم.
وطائفة ذهبت إلى أن التكهن سبب نفساني لطيف يتولد من صفاء مزاج الطباع، وقوة النفس، ولطافة الحس.
وذكر كثير من الناس أن الكهانة تكون من قبل شيطان يكون مع الكاهن يخبره بما غاب عنه، وأن الشياطين كانت تسترق السمع وتلقيه على ألسنة الكهان فيؤدون إلى الناس الأخبار، بحسب ما يرد إليهم، وقد أخبر الله عز وجل بذلك في كتابه فقال:( وَأَنَا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) [الجن: 8] إلى آخر القصة، وقوله تعالى: يُوحِي بعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَولِ غُرُوراً [الأنعام: 121] وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الشَّيْطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى))
أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجيلُوكُمْ [الأنعام: (121] الآية والشياطين والجن لا تعلم الغيب، وإنما ذلك لاستراقها السمع مما تسمع من الملائكة بظاهر قوله عز وجل: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبا: 14]. وطائفة ذهبت إلى أن وجه سبب الكهانة من الوحي الفلكي، وأن ذلك يكون في المولد عند ثبوت عطارد على شرفه، وأما ما عداه من الكواكب المدبرات من النيرين والخمسة إذا كانت في عقد متساوية وأرباع متكافئة ومناظر متوازية وجب لصاحب المولد التكهن والإخبار بالكائنات قبل حدوثها؛ لإشراف هذه الأشراق الكوكبية، ومن هؤلاء من أوجب كون ذلك في القرانات الكبار.
وذهب كثير ممن تقدم [ وتأخّر] أن علة ذلك علل نفسانية، وأن النفس إذا قويت وزادت قهرت الطبيعة، وأبانت للإنسان كل سر لطيف، وخبرته بكل معنى شريف، وغاصت بلطافتها في انتخاب المعاني اللطيفة البديعة فاقتنصتها وأبرزتها على الكمال، وكشفت هذه الطائفة وجه اعتلالها فيما ذكرنا ؛ فإنهم قالوا: رأينا الإنسان ينسب إلى قسمين، وهما النفس والجسد، ووجدنا الجسد مَوَاتاً لا حركة له ولا حس إلا بالنفس، وكان الميت لا يعلم شيئاً ولا يؤدِّيه ؛ فوجب أن يكون العلم للنفس، والنفوس طبقات: منها الصافي وهي النفس الناطقة، ومنها الكَدِرُ، وهي النفس الحسية والنفس النزاعية والنفس المتخيلة، ومنها ما قوته في الإنسان أزيد [من قوة الجسم، ومنها ما قوة الجسم أزيد] منه، فلما كانت النسبة النورية للإنسان إلى النفس كانت تهدي الإنسان إلى استخراج الغيب وعلم الآتي، وكانت فطنته وظنونه أبعث وأعم؛ فإذا كانت النفس في غاية البرور ونهاية الخلوص وكانت تامة النور وكاملة الشعاع كان تولجها في دراية الغائب بحسب ما عليه نفوس الكهنة، وبهذا وجد الكهان على هذه السبيل من نقصان الأجسام وتشويه الخلق، كما اتصل بنا عن شق وسطيح وسملقة وزوبعة وسديف بن هو ماس وطريفة الكاهنة وعمران أخي مُزيقياء، وحارثة وجهينة وكاهنة باهلة وأشباههم من
الكهان.
وأما العراف - وهو دون الكاهن - فمثل الأبلق الأزدي، والأخلح الدهري، وعروة بن زيد الأزدي، ورباح بن عجلة عراف اليمامة الذي قال فيه عُرْوَةُ:
جعلتُ لِعَرَّاف اليمامة حكمه***وعَرَّاف نجد إن هما شَفَيانِي
وكهند صاحب المستنير، وكان في نهاية التقدم في العرافة.
والكهانة أصلها نفسي ؛ لأنها لطيفة باقية ومقارنة لأعجاز باهرة، وهي تكون في العرب على الأكثر وفي غيرهم على وجه الندرة ؛ لأنه شيء يتولد على صفاء المزاج الطبيعي، وقوة مادة نور النفس، وإذا أنت اعتبرت أوطانها رأيتها متعلقة بعفة النفس وقمع شرها بكثرة الوحدة وإدمان التفرد وشدة الوحشة من الناس وقلة الأنس بهم، وذلك أن النفس إذا هي تفردت فكرت، وإذا هي فكرت تعدت [وإذا تعدت] هَطَلَ عليها سُحُبُ العلم النفسي، فنظرت بالعين النورية، ولحظت بالنور الثاقب، ومضت على الشريعة المستوية، فأخبرت عن الأشياء على ما هي به [وعليه] وربما قويت النفس في الإنسان فأشرفت به على دراية الغائبات قبل ورودها. وكان كبراء اليونانيين ينعتون هذه الطائفة بالروحانية، ويقولون: إن النفس إذا هي زادت وكانت أكبر جزء في الإنسان تَهَدَّتْ إلى استخراج البدائع والأخبار المستترات، واستدلوا على ذلك أن الإنسان إذا قوي فكره وزادت مواد نفسه وخاطره فكر في الطارىء قبل وروده فعلم صورته فيكون وروده إلى حال على ما تصوره وهكذا النفس أيضاً إذا تهذبت كانت الرؤيا في النوم صادقة وفي الزمان موجودة.
وقد تنازع الناس في الرؤيا، والسبب الموقع لها وماهيتها وكيفية وقوعها، فقال فريق: إن النوم هو اشتغال النفس عن الأمور الظاهرة بملاقاة حوادث باطنة فيها، وذلك على وجهين: أحدهما معروف بالعين قائم بالصفة في خواطر تحدث في النفس معاني تعبرها وتفرق بينها، فتشغل به عن استعمال الظاهر، والباطن فيه يؤدي إليه الحواس الخمس فتبطل الحواس عن الإدراك إلى الحاس أعني الروح لاشتغال الروح عن استعمالها، وإذا وجب بطلانها سمي نوماً عرضياً، لأنه ليس النوم الكلي الذي يعم الأطفال والعجائز والشيوخ الذين خرجوا من موقع السرور أو مخافة الشر. وكذلك نوم الليل على ما وصفنا، والوجه الآخر - وهو النوم الكلي الذي يعم الأطفال والعجائز والطبقات الحيوانية ذوات الفكر وغيرها - وهي طبيعة توجبها الخلقة في وقته ضرورة كما يوجب الجوع في وقته ضرورة؛ لأن الجوع عند أهل صناعة الطب علة، وهي الموجبة تحديد الكبد من الفراغ من الأغذية.
ومنهم من رأى أن النفس تدرك صورة الأشياء على ضربين: أحدهما حس والآخر فكر ؛ فالصورة المحسوسة لا تدركها إلا في هيئتها ؛ فإذا تخلص علمها عندها كان
إداركها مفرداً من طبعها ؛ فيكون فكر الإنسان ما لم يتم تابعاً للحس، حتى إذا نام فعدمت النفس الحواس كلها كانت تلك الصورة التي أخذتها من أعيان الأشياء فيها قائمة كأنها محسوسة؛ لأن الحس بها في أعيانها كان قبل استيلائها بالفكر ضعيفاً، فلما ارتفع الحس قوي الفكر فصار يُصَوِّر الأشياء كأنها محسوسة يخطر على بال النائم منها كما يخطر على باله إذا كان يَقظَان الشيء الذي قد كان أنيسه، وليس لذلك نظام، وإنما هو ما اتفق ؛ فلذلك يرى الإنسان كأنه يطير وليس بطائر، وإنما [يرى] صورة الطيران مفردة كما يعلمها إذا غابت ؛ ولكن فكرته فيها تقوى حتى كأنها معاينة له، فأما ما يراه النائم من الأشياء التي تدل على ما يريد فإنما ذلك لأن النفس عالمة بالصور، فإذا خلصت في المنام من شوائب الأجسام أشرفت على [ما تريد] أن ينالها، وهي عالمة أنها في حال اليقظة لا يمكنها معرفة ذلك فتتخيل خيالات تدل على تلك الأشياء التي تريد أن تكون، حتى إذا [انتبهت] تذكرت تلك الخيالات وتلك الأشياء ؛ فمن كانت نفسه صافية لم تكذ رؤياه تكذب [ ومن كانت نفسه كدرة كانت تكذب] كثيراً، ثم ما بين الكدرة والصافية وسائط على حسب مَرَاتبها من الصفاء والكَدّر يكون صدق ما تخيلته وكذبه.
وقال فريق آخر: إذا بطل استعمال النفس للحواس ظاهراً لم يبطل استعمالها في نفسها، ولم يبطل استعمال قواها؛ فتنتقل في الأماكن، وتشاهد الأشخاص بالقوة الروحانية التي ليست بجسم، لا بالقوة الجسمانية الغليظة، وذلك أن القوة الجسدانية لا تدرك إلا بمشاركه وملابسة الأشياء: إما باتصال كاتصال اللون [من الملون] وإما بانفصال كانفصال الجسم من الأماكن، والروح تدرك المتصل والمنفصل جميعاً، لا بمشاركة الجسد الذي يوجب الحاجة إلى قرب المدرك.
ومنهم من رأى أن النوم هو اجتماع الدم وجريانه إلى الكبد.
ومنهم من رأى ذلك هو سكون النفس وهدوء الروح.
ومنهم من زعم أن ما يجده الإنسان في نومه من الخواطر إنما هو من عمل الأغذية والأطعمة والطبائع .
ومنهم من رأى أن بعض الرؤيا من الملك وبعضها من الشيطان، واعتل هؤلاء بقوله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا [المجادلة: 10].)ومنهم من رأى أنها جزء من إحدى وستين جزءاً من النبوة، وتنازع هؤلاء في كيفية ذلك الجزء وماهيته.ومنهم من ذهب إلى أن الإنسان الحساس هو غير هذا الجسم [المرئي] وأنه يخرج عن البدن في حال النوم فيشاهد العالم ويرى الملكوت، على حسب صفائه، واعْتَل
هؤلاء وغيرهم - ممن ذهب إلى نحو هذا المعنى - بقوله عز وجل: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِها إلى قوله هو (إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) [الزمر: 42] .)وذهب الجمهور من المتطببين في ذلك إلى أن الأحلام من الأخلاط، وترى بقدر مزاج كل واحد منها وقوته، وذلك أن الذين تشتغل أجسادهم من المرة الصفراء يَرَوْنَ في منامهم النيران والنواويس ودخاناً ومصابيح وبيوتاً تحترق ومدائن تلتهب بالنار ونحو ذلك وما أشبهه، والغالب على من كان مزاجه البَلْغَم أن يرى بحوراً وأنهاراً وعيوناً وأحواضاً وغُدْرَاناً ومياهاً كثيرة وأمواجاً، ويرى كأنه يسبح أو يصيد سمكاً ونحو ذلك وما قاربه، والغالب على من كان مزاجه السوداء أن يرى في منامه أجداثاً وقبوراً وأمواتاً [ مكفنين بسواد] وبكاء ونوحاً ورنيناً وصراخاً وأشياء مفزعة وأموراً مفظعة وفيلة وأسوداً، والغالب على من كان مزاجه الدم أن يرى خمراً ونبيذاً ورياحين ولعباً وقَصْفاً وعَزْفاً وأنواع الملاهي والرقص والسكر والفرح والسرور والثياب المُصَبَّغَات من الحمرة وغيرها وما لحق بهذا الباب مما وصفنا من أنواع السرور.ولا خلاف بين المتطببين في أن الضحك واللعب - على ما ذكرناه - من أنواع السرور من الدم، وأن كل حزن وخوف وإن اختلفت معانيه فإن ذلك من المرة السوداء، واحتجوا بضروب من الاحتجاجات؛ فهذه جملتها، وقد أوضحنا هذا في كتابنا «الرؤيا والكمال» وفي كتاب « طب النفوس» فلا وجه لإطنابنا في هذا الموضع من كتابنا هذا؛ إذ كان هذا الكتاب كتاب خبر لا كتاب بحث ونظر.وإنما تغلغل بنا الكلام لما تشعب من مذاهبهم في إخبارنا عنهم، ولم نعرض في هذا الكتاب لما ذهبت إليه الناس في تحديد النفس، وما قاله أفلاطون في تحديده للنفس إن النفس جوهر محرك للبدن، وما حَدَّه صاحب المنطق أن حد النفس كمال الجسم الطبيعي، وحدها من وجه آخر أنه حَيٌّ بالقوة، ولا للفرق بين النفس والروح ؛ لأن الفرق بينهما أن الروح جسم والنفس لاجسم، وأن الروح يحويه البدن، وأن النفس لا يحويها البدن، وأن الروح إذا فارق البدن بطل والنفس تبطل أفعالها في البدن، ولا تبطل هي في ذاتها، والنفس تحرك البدن وتنيله الحس، وقد ذكر أفلاطون في كتاب السياسة المدنية نهر البستان وما يلحق الإنسان من صفات النفس الداخلة على النفس الناطقة، وذكر أفلاطون في كتابه إلى طيماوس، وفي كتاب فاردون، وكيفية مقتل سُقراط الحكيم وما تكلم في ذلك في النفس والصورة.وقد تكلم الناس في طبقات النفوس وصفاتها من أصحاب الاثنين وغيرهم من الفلاسفة، ثم تنازع أهل الإسلام في ماهية الإنسان الحساس الدراك المأمور المنهي، وما
قالته المتصوفة وأصحاب المعارف والدعاوى في طبقات النفوس من النفس المطمئنة والنفس اللوامة، والنفس الأمارة بالسوء، وغير ذلك مما ذهب إليه اليهود [والنصارى] والمجوس والصابئة، وغير ذلك مما قد أتينا على إيضاحه في كتاب «سرالحياة» وغيره من كتبنا.### سطيح وشق الكاهناتوقد كان سَطِيحُ الكاهن - وهو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان - يدرج سائر جسده كما يدرج الثوب، لا عظم فيه إلا جمجمة الرأس، وكانت إذا لمست باليد يلين عظمها، وكان شق بن [مصعب بن شكران بن أترك بين قيس بن] عنقر بن أنمار بن ربيعة بن نزار معه معه في عصر واحد، وكان فيهما جمرة الكهانة، وكذلك سملقة وزوبعة كانا في عصر واحد، والله أعلم.
## ذكر جمل من أخبار الكهان، وسيل العزم وتفرق الأزد في البلدان### إشارة:قال المسعودي: قد ذكرنا جملاً من الكهانة والقيافة والزجر والبارح والسانح فلنذكر الآن لمعاً من أخبار الكهان، وتفرق ولد سبأ في البلدان.### السد وبانيه ومكانهولم يزل ولد قحطان في أطيب عيش إلى أن هلك سبأ، وكان القوم بعد مضى سبأ تداولتهم الأعصار قرناً بعد قرن إلى أن أرسل الله عليهم سيل العرم وذلك أن الرئاسة انتهت فيهم إلى عمرو بن [عمرو مزيقياء - وهو عمرو بن] عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن ثعلبة بن امرىء القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن كهلان بن سبأ - وذلك ببلاد مازن من أرض اليمن، وهي بلاد سبأ التي ذكر الله في القرآن أنه أرسل على أهلها سيل العرم، وهو السد، وكان فرسخاً في فرسخ، بناه لقمان الأكبر العادي – وهو لقمان ابن عاد بن عاد - وقد ذكرنا خبره وخبر غيره ممن كان عُمر منهم عمر النسور، وهذا السد هو الذي كان يردُّ عنهم السيل فيما سلف من الدهر إذا حان أن يغشي أموالهم، فمزقهم الله كل ممزق، وباعد بين أسفارهم، والناس في قصة هلكهم يختلفون، وفي سياقة أخبارهم يتباينون.### وصف بلاد سبأوذكر أصحاب التاريخ القديم أن أرض سبأ كانت من أخصب أرض اليمن، وأثراها،وأغدقها، وأكثرها جناناً وغيطاناً، وأفسحها مُرُوجاً، مع بنيان حسن وشجر مَصْفوف، ومساكب للماء متكاثفة، وأنهار [ وأزهار] متفرقة، وكانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجد على هذه الحالة، وفي العرض مثل ذلك، وأن الراكب والمار كان يسير في تلك الجنان من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها لا تواجهه الشمس ولا تعارضه، لاستتار الأرض بالعمارة الشجرية، واستيلائها عليها، وإحاطتها بها، وكان أهلها في أطيب عيش وأرفهه وأهنأ حال، وأرغد قرى، وفي نهاية الخصب وطيب الهواء، وصفاء الفضاء،
وتدفق الماء، وقوة الشوكة، واجتماع الكلمة، ونهاية المملكة وكانت بلادهم في الأرض مثلاً، وكانوا على طريقة حسنة من اتباع شريف الأخلاق، وطلاب الأفضال على القاصد والسفر بحسب الإمكان وما توجبه القدرة من الحال؛ فمكثوا على ذلك ما شاء الله من الأعصار، لا يعاندهم ملك إلا قصموه، ولا يوافيهم جبار في جيش إلا كسروه، فذلت لهم البلاد، وأذعن لطاعتهم العباد، فصاروا تاج الأرض، وكانت المياه التي هي أكثر ما يرد إلى أرض سبأ تظهر من مخراق من الحجر الصلد والحديد من [ذلك] السد والجبال، طول المخراق فيما وصفنا فرسخ، وكان وراء السد والجبال أنهار عظام، وكان [في] هذا المخراق الآخذ من تلك الأنهار ثلاثون نَقْباً مستديرة في استدارة الذراع طولاً وعرضاً مدورة على أحسن هندسة وأكمل تقدير، وكانت المياه تخرج من تلك الأنقاب في مجاريها حتى تأتي الجنان فترويها سَقْياً، وتعم شرب القوم، وقد كانت أرض سبأ قبل ما وصفنا من العمارة والخصب يركبها السيل من تلك المياه، وكان ملك القوم في الزمان يقرب الحكماء، ويدنيهم، ويُؤثرهم، ويحسن إليهم، فجمعهم من أقطار الأرض للالتجاء إلى رأيهم، والأخذ من محض عقولهم، فشاورهم في دفع ذلك السيل وحصره، وذلك أنه كان ينحدر من أعالي الجبل هابطاً على رأسه [حتى] يهلك الزرع ويسوق من حملته البناء، فأجمع القوم رأيهم على عمل مصارف [له] إلى براري تقذف به إلى البحر، وأخبروا الملك أن الماء إذا حفرت المصارف الهابطة طلبها، وانحدر فيها، ولم يتراكم حتى يعلو الجبال ؛ لأن في طباع الماء طلاب الجفض فحفر الملك المصارف حتى انحدر الماء وانصرف وتدافع إلى تلك الجهة واتخذوا السد في الموضع الذي كان فيه بدء جريان الماء من الجبل إلى الجبل، وجعلوا فيه المخراق على ما وصفنا آنفاً، ثم اجتذبوا من تلك المياه نهراً مرسلًا [و] مقداراً معلوماً ينتهي في جريانه إلى المخراق، ثم ينبعث الماء منه إلى تلك الأنقاب، وهي الثلاثون مخراقاً الصغار التي قدمنا ذكرها، وكانت البلاد عامرة على ما وصفنا [آنفاً].### مبدأ التهدمثم إن تلك الأمم بادت ومرت عليها السنون، وضربها الدهر بضرباته وطَحَنها بكلكله، وعمل الماء في أصول ذلك المخراق، وأضعفه مَمَرُّ السنين عليه وتدافع الماء حوله، وقد قيل في المثل: إذا أثر تواتر الماء على الحجر الصلد فما ظنك بسيل يتدافع على حديد وحجر مصنوع؟فلما سكنت أبناء قحطان ما وصفنا من هذه الديار وتغلبت على من كان فيها من القطان لم تعلم الآفة من انحطام السد والمخراق [وضعفه، فغلب الماء عند تناهي السد
والبنيان في الضعف عنه على السد والمخراق] والبنيان فقذف به في جريه ورمي به في تیاره، وذلك إيَّان زيادة الماء، واستولى الماء على تلك الديار والجنان والعمائر والبنيان، حتى انقرض سكان تلك الأرض، وزالوا عن تلك المواطن، فهذه جملة من أخبار سيل العرم وبلاد سبأ.### العرمولا خلاف بين ذوي الدراية منهم أن العرم هو المسناة التي قد أحكموا عملها لتكون حاجزاً بين ضياعهم وبين السيل، ففجرته فأرة، ليكون ذلك أظهر في الأعجوبة، كما أفار الله تعالى [ماء] الطوفان من جوف تنور ليكون أثبت في العبرة وأوْكَدَ في الحجة، ولا يتناكر أحلاف قحطان من أهل تلك الديار إلى هذا الوقت ما كان من العرم ؛ لاستفاضته فيهم، وشهرته عندهم.### مفاخرة عند السفاح بين قحطاني وعدنانيوقد فخر بعض أولاد قحطان في مجلس السفاح بمناقب قحْطَان من حمير وكهلان على ولد نزار، وخالد بن صفوان وغيره من نزار بن معد منصتون هيبة للسفاح؛ لأن أخواله من قحطان، فقال السفاح الخالد بن صفوان: ألا تنطق وقد غمرتكم قحطانبشرفها وعلت عليكم بقديم مناقبها ؟ فقال خالد: ماذا أقول لقوم ليس فيهم إلا دابغ جلد، أو ناسج برد، أو سائس قرد، أو راكب عرد، عند أغرقتهم فأرة، وملكتهم امرأة، ودل عليهم هدهد، ثم مر في ذمهم إلى أن انتهى إلى ما كان من قصتهم وتملك الحبشة وما كان من استنقاذ الفرس إياهم على حسب ما قدمنا آنفاً.### العرم في شعر العربوقد ذكرنا في أشعارهم العرم، وما كان لسبأ وأرض مأرب، وأن مأرب سِمَةٌ للملك الذي [كان] يتملك على هذه البلدة، وأن هذا الاسم وقع على هذا البلد فاشتهر به وصار سمةً له، وقال الشاعر:من سبأ الحاضرين مأرب إذايبنون من دون سيله العرماوقد قيل: إن مأرب سَمِةٌ لقصر هذا الملك في صدر الزمن، قال أبو الطَّمَحان في ذلك:ألم تروا مأرباً ما كان أحْصَنَهُوما حواليه من سور وبنيان؟
[ظل العبادي يسقى فوق قُلتهولم يهب رَيْبَ دهر جِد خَوَّان]حتى تناوله من بعدما هجعوايرقى إليه على أسباب كتان]]وقد ذكر الأعشى [في شعره] ما وصفنا [ه] حيث يقول في كلمته:ففي ذاك للمؤتسي أسْوَةٌبمأرب عَفَّى عليها الْعَرِمُرخام بناه لهم حميرإذا جاء ماؤهُمُ لم يرمفأغنى الحروث وأغنامهاعلى ساعة ماؤهم قد قسمفطار الفيولُ وفَيَّالهابها في فيافي سَرَابٌ يطموكانوا بذلكُم حقبةفمال بهم جارف منهدمفطاروا سراعاً وما يقدمون منه لشرب بي فطم### طول العمر وعمر النسوروقد ذكرنا في كتابنا «أخبار الزمان» الملك الذي طال عمره وحسنت سيرته، وأنه بنى هذا السد الذي هو المسناة، وأن عمره انتهى على عمر النسور، عند ذكرنا لطول الأعمار، وقد أكثرت العرب في صفة طول عمر النسر، وضربت به الأمثال وبلبد، وبصحة بدن الغراب ؛ فمن ذلك ما ذكره الخزرجي في شعره عند ذكره لطول عمرمعاذ ابن مسلم بن رجاء مولى القعقاع بن حكيم من قوله فيه عند ذكره سنة وهرمه، وهو:إنَّ معاذ بن مسلم رجلقد ضَجَّ من طول عمره الأبد[ قد شاب رأس الزمان واختضبالدهر وأثوابُ عمره جُدُدُ]يا نسر لقمان كم تعيش؟ وكمتلبس ثوب الحياة يا لُبَدُ؟قد أصبحت دار حمير خربتوأنت فيها كأنك الوَتِدُتسأل غربانها إذا حجلت***كيف يكون الصُّداع والرمد### علة طول الأعمال ونقصهاوقد قدمنا فيما سلف في مواضع من هذا الكتاب ما قالت الأوائل في علة طول الأعمار وقصرها، وعظم الأجسام في بدء الأمر، وتناقضها على مرور الأعصار وَمُضي الدهور، وأن الله تبارك وتعالى لما بدأ الخلق كانت الطبيعة التي جعلها الله جبلة للأجسام في تمام الكثرة ونهاية القوة والكمال، والطبيعة إذا كانت تامة القوة كانت الأعمار أطول، والأجسام أقوى ؛ لأن طرق الموت الطاريء يكون بانحلال قوى الطبيعة، فلما كانت القوة أتم كانت الأعمار أزيد، وكان العالم في أولية شأنه تامَّ العمر، ثم لم يزل ينقص أولاً
فأولاً لنقصان المادة فتنقص الأجسام والأعمار مع نقصان المادة حتى يكون آخر مائية الطبيعة في تناهي النقص في الأجسام والأعمار..وقد أبى ما ذكرنا من عظم أجسام الناطقين في صدور الزمان كثير من أهل النظر والبحث ممن تأخر، وزعموا أن تأثيرهم في بنيانهم وما ظهر في الأرض من أعمالهم يدل على صغر أجسامهم، وأنها كانت كأجسامنا، لما شاهدوه من مساكنهم وأبوابهم وممراتهم فيما أحدثوه من البنيان والهياكل والديار والمساكن في سائر الأرض، كديار ثمود ونحتها المساكن في الجبال وحفرها في الصخر الصلد بيوتاً صغاراً وأبواباً لطافاً، وكذلك أرض عاد ومصر والشام وسائر بقاع الأرض في الشرق والغرب، وهذا [باب] إن أكثرنا القول فيه طال، وإن أطنبنا في صفته كثر، فلنرجع الآن إلى ما عنه عَدَلْنا ومن صفته خرجنا من ذكر سبأ ومأرب، وما كان من الملك في ذلك الوقت وهو عمرو بن عامر.### عود لذكر سبأوكان للملك عمرو بن عامر المقدم ذكره في هذا الباب أخ كاهن عقيم، يقال له عمران، وكان لعمرو كاهنة أهله من من حمير يقال لها طريفة الخير فكان أول شيء وقع بمأرب وعرف من سيل العرم أن عمران الكاهن أخا عمرو رأى في كهانته أن قومه سوف يمزقون كل ممزق ويباعد بين أسفارهم، فذكر ذلك لأخيه عمرو، وهو الملك مزيقياء الذي كانت محنة القوم في أيام ملكه، والله أعلم بكيفية ذلك.### طريفة الكاهنةوبينا طريفة الكاهنة ذات يوم نائمة إذ رأت فيما يرى النائم أن سحابة غشيت أرضهم وأرعدت وأبرقت ثم صعقت فأحرقت ما وقعت عليه ووقعت إلى الأرض، فلم تقع على شيء إلا أحرقته، ففزعت طريفة لذلك، وذعرت ذعراً شديداً، وانتبهت وهي تقول: ما رأيت مثل اليوم، قد أذهب عني النوم، رأيت غيما أبرق، وأرعد طويلا ثم أصعق، فما وقع على شيء إلا أحرق، فما بعد هذا إلا الغرق، فلما رأوا ما دخلها من الرعب خفضوها وسكنوا من جأشها حتى سكنت، ثم إن عمرو بن عامر دخل حديقة من حدائقه ومعه جاريتان له فبلغ ذلك طريفة، فأسرعت نحوه، وأمرت وصيفاً لها يقال له سنان أن يتبعها، فلما برزت من [باب] بيتها عارضها ثلاث [مَنَاجِدَ] منتصبات على أرجلهن واضعات أيديهن على أعينهن، وهي دواب تشبه اليرابيع يكن بأرض اليمن، فلما رأتهن طريفة وضعت يدها على عينها وقعدت، وقالت لوصيفها: إذا ذهبت هذه المناجد عنا فأعلمني، فلما ذهبت أعلمها، فانطلقت مسرعة، فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها
عمرو وثبت من الماء سُلَحفاة، فوقعت على الطريق على ظهرها وجعلت تريد الانقلاب فلا تستطيع، فتستعين بذنبها وتحثو التراب على بطنها وجنبها وتقذف بالبول، فلما رأتها طريفة جلست إلى الأرض، فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت [ طريفة ] إلى أن دخلت على عمرو الحديقة حين انتصف النهار في ساعة شديد حرها، فإذا الشجر يتكفأ من غير ريح، فنفذت حتی دخلت على عمرو ومعه جاريتان [له] على الفراش، فلما رآها استحيا منها، وأمر الجاريتين فنزلنا عن الفراش، ثم قال لها: هلمي يا طريفة إلى الفراش، فتكهنت، وقالت: والنور والظلماء، والأرض والسماء، إن الشجر التالف، وسيعود الماء لما كان في الدهر السالف، قال عمرو: مَنْ خَبرك بهذا ؟ قالت: خَبرك بهذا ؟ قالت: أخبرني المَنَاجد، بسنين شدائد، يقطع فيها الولد والوالد، قال: ما تقولين؟ قالت:أقول: قول النَّدمان لهفاً، قد رأيت سُلحفاة تجرف التراب جرفاً، وتقذف بالبول قذفاً، فدخلت الحديقة فإذا الشجر يتكفا، قال:عمرو: وما ترين ذلك؟ قالت: هي داهية ركيمة، ومصائب عظيمة، لأمورجسيمة، قال: وما هي ؟ ويلك! قالت: أجل إن لي الويل، وما لك فيها من نيل، فلي ولك الويل، مما يجيء به السيل، فألقى عمرو نفسه على الفراش وقال: ما هذا يا طريفة؟ قالت: هو خطب جليل، وحزن طويل، وخلف قليل، والقليل خير من تركه، قال عمرو: وما علامة ذلك؟ قالت: تذهب إلى السد فإذا رأيت جُرْداً يكثر [بيديه] في السد الحفر، ويقلب برجليه من الجبل الصخر؛ فاعلم أن النقر عقر، وأنه وقع الأمر، قال: وما هذا الأمر الذي يقع ؟ قالت: وعد من الله نزل، وباطل بطل، ونكال بنا نزل، فبغيرك یا عمرو فليكن الثكل، فانطلق عمرو إلى السد يحرسه، فإذا الجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلاً فرجع إلى طريفة فأخبرها الخبر وهو يقول:أبصرت أمراً عادني منه ألموهاج لي من هَوْله بَرْحُ السّقَمْمن جُرَدٍ كفَحْلِ خنزير الأجَمُأو تَيْس مرم من أفاريق الْغَنَميسحب صخراً من جلاميد العَرِمُله مخاليب وأنياب قضمما فاته سحلاً من الصخر قصمكأنما يرعى حظيراً من سَلَمفقالت له طريفة: إن من علامة ما ذكرت لك أن تجلس في مجلسك بين الجنتين، ثم تأمر بزجاجة فتوضع بين يديك، فإنها ستمتلىء بين يديك من تراب البطحاء من سَهْلة الوادي ورمله، وقد علمت أن الجنان مظلة ما يدخلها شمس ولا ريح، فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه، فلم يمكث إلا قليلاً حتى امتلأت من تراب البطحاء، فذهب عمرو إلى طريفة فأخبرها بذلك، وقال: متى ترين هلاك السد؟ قالت: فيما بينك وبين السبع السنين، قال: ففي أيها يكون؟ قالت: لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، ولو علمه أحد
لعلمته، ولا يأتي عليك ليلة فيما بينك وبين السبع السنين إلا ظننت هلاكه في غداها أو في تلك الليلة.### عمرو بن عامر يتحيل للخروج من بلادهورأى عمرو في النوم سيل العرم، وقيل له: إن آية ذلك أن ترى الحصباء قد ظهرت في سعف النخل، فذهب إلى كَرَب النخل وسعفه فوجد الحصباء قد ظهرت فيها، فعلم أن ذلك واقع بهم، وأن بلادهم ستخرب، فكتم ذلك وأخفاه، وأجمع أن يبيع كل شيء له بأرض سبأ، ويخرج منها هو وولده، ثم خشي أن يستنكر [الناس] ذلك، فصنع طعاماً وأمر بإبل فنحرت، وبغنم فذبحت، وصنع طعاماً واسعاً، ثم بعث إلى أهل مأرب أن عمراً صنع يوم مجد وذكر فاحضُرُوا طعامه، ثم دعا ابناً له يقال له مالك، ويقال: بل كان يتيماً في حجره، فقال: إذا جلستُ أطعم الطعام الناس فاجلس عندي ونازعني الحديث، واردده علي، وافعل بي مثل ما أفعله بك، وجاء أهل مأرب، فلما جلسوا أطعم الناس وجلس عنده الذي أمره [بما أمره به ] فجعل ينازعه الحديث، ويردُّ عليه، فضرب عمرو وجهه وشتمه، فصنع الصبي بعمرو مثل ما صنع [به] فقام عمرو وصاح: واذلّاه !! يوم فخر عمرو ومجده يضربُ وجْهَه صبي، وحلف ليقتلنه، فلم يزالوا بعمرو حتى تركه [ ففي ذلك قال حاجر الأزدي:یا رب لطمة غَدْرٍ قد سخنت بها***بكف عمرو التي بالغدر قد غرقت]ثم قال: والله لا أقيم ببلد صنع هذا فيه، ولأبيعن عقاري فيه وأموالي، فقال الناس بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو، واشتروا منه أمواله قبل أن يرضى، فابتاع الناس منه جميع ماله بأرض مأرب، وفشا بعض حديثه فيما بلغه من شأن سيل العرم، فخرج ناس من الأزد وباعوا أموالهم، فلما أكثروا البيع استنكر ذلك الناس، فأمسكوا بأيديهم [عن الشراء ] فلما اجتمعت إلى عمرو بن عامر أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم، فقال أخوه عمران الكاهن: قد رأيت أنكم ستمزَّقون كل مُمَزَّق، ويباعد بين أسفاركم، وإني أصف لكم البلدان فاختاروا أيها شئتم، فمن أعجبه منكم صفة بلد فليصر إليها، من كان منكم ذا هم بعيد وجمل شديد [ ومزاد جديد] فليلحق بقصر عمان المشيد،[ فكان الذين نزلوه أزد عمان] قال: ومن كان منكم ذا هم غير بعيد، وجمل غير شديد [ومزاد غير جديد] فليلحق بالشعب من كرود، قال: وهي أرض همدان، فلحق به وادعة بن عمرو، فانتسبوا فيهم، وقال الكاهن، ومن كان منكم ذا حاجة ووطر [وسياسة] ونظر، وصبر على أزمات الدهر، فليلْحَقِّ ببطن مَرَّ، وكان الذين سكنوه خزاعة [سميت
بذلك] لانخزاعها في ذلك الموضع عمن كان معها من الناس، وهم بنو عمرو بن لحيّ، فتخزعت هنالك إلى هذه الغاية، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت:ولمّا هَبَطْنا بطنَ مَرَّ تَخَزَعَتْ***خزاعة منا في ملوك كراكر[ في شعر له طويل] ومالك وأسلم ومَلْكان بنو قصي بن حارثة بن عمرو مزيقياء، وقال الكاهن: ومن كان يريد الراسيات في الرحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، وهي المدينة، وكان الذين سكنوها الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء، قال الكاهن: ومن كان يريد منكم الخمر والخمير، والديباج والحرير، والأمر والتدبير، فليلحق ببصرى وحفير، وهي أرض الشام [فكان الذين سكنوها غسان] قال الكاهن: ومن كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيول العتاق، والكنوز والأرزاق، فليلحق بالعراق، وكان الذين لحقوا بالعراق مالك منهم بن فهم الأزدي وولده، ومَنْ كان بالحيرة من غسان، على حسب ما قدمنا آنفاً فيما سلف من هذا الکتاب.وقال هشام بن الكلبي: وأما أبي فكان يقول: إنما نزل بالحيرة من غسان مع تبع بعد هذا بزمان.ثم خرج عمرو بن عامر مزيقياء وولده، من مأرب، وخرج من كان بمأرب من الأزدي يريدون أرضاً تجمعهم يقيمون بها، ففارقهم وادعة بن عمرو بن عامر مُزيقياء فسكنوا همدان، وتخلف مالك بن اليمان بن فهم بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد، وكان بعدهم بمأرب ملكاً إلى أن كان من أمرهم ما كان في الهلال، ثم ساروا حتى إذا كانوا بنجران تخلف أبو حارثة بن عمرو بن عامر مُزيقياء ودعبل بن كعب بن أبي حارثة فانتسبوا في مذحج، قال أبو المنذر: ويقال: إن أبا حارثة هو جد الحارث بن كعب ابن أبي حذيفة الذي بنجران، والله أعلم.ثم سار عمرو بن عامر حتى إذا كان بين السراة ومكة أقام هنالك أناس من بني نصر من الأزد، وأقام معهم عمران بن عامر الكاهن أخو عمرو بن عامر مُزيقياء، وعدي ابن حارثة بن عمرو مزيقياء، وسار عمرو بن عامر وبنو مازن حتى نزلوا بين بلاد الأشعريين وعك على ماء يقال له غسان بين واديين، يقال لهما زبيد ورمع، وهما مما يلي صدورهما بين صعيد يقال له: صعيد الحسك، وبين الجبال التي تدفع به في زبيد ورمع، فأقاموا على غسان، و شربوا منه، فسموا غسان، وغلب على أسمائهم، فلا يعرفون إلا به، قال شاعرهم:
إما سألت فإنا معشر نجُبُالأَزْدُ نسبتنا والماء غسانوالذين سموا غسان من بني مازن الأوس والخزرج، ابنا [ حارثة بن ثعلبة بن عمرو مُزَيْقياء، وجَفْنة بن عمرو مزيقياء، والحارث وعوف وكعب ومالك بنو عمرو مزيقياء، والنوم وعدي ابنا حارثة بن] ثعلبة بن امرىء القيس بن مازن بن الأزد.وللقوم أخبار في تفرقهم، ومن دخل منهم في معد بن عدنان وما كان بينهم من الحروب إلى أن ظفرت بهم بنو معد، فأخرجتهم إلى أن لحقوا بالسراة والسراة جبل الأزد الذي هم به يقال له السراة، ويقال له: الحجاز، وإنما سمي السراة من السراة من هذا الجبل ظهره، فيقال لظهره السراة كما يقال لظهر الدابة السراة، فأقاموا به وكانوا في سهله وجبله وما قاربه، وهو جبل على تخوم الشام، وفرز بينه وبين الحجاز مما يلي أعمال دمشق والأردن وبلاد فلسطين ويلاقي جبل موسى.### عبادة أهل مأرب وصنعهم مع رسلهموقد كان أهل مأرب يعبدون الشمس، فبعث الله إليهم رُسُلاً يدعونهم إلى الله،ويزجرونهم عما هم هم عليه، ويذكرونهم آلاء الله ونعمته عليهم، فجحدوا قولهم، وردوا كلامهم، وأنكَرُوا أن [يكون] الله عليهم نعمة، وقالوا لهم: إن كنتم رُسُلاً فادعوا الله أن يسلبنا ما أنعم به علينا، ويذهب عنا ما أعطانا، وفي ذلك تقول امرأة منهم [كافرة]:إن كان ما نُصْبِحُ في ظلالهمن ربكم فلينطلق بمالهإليه عنا نا وإلى عياله[فأجابتها امرأة مؤمنة، فقالت:لولا الإله لم يكن عيالنا***. ولم يَسَعُ عيالنا أموالناهو الذي يجيبنا سؤالنا***ويكشف الغم إذا ما هالنا][فدعت عليهم الرسل] فأرسل الله عليهم سيل العرم، فهدم سدهم وغشي الماء أرضهم، فأهلك شجرهم وأباد خضراءهم، وأزال أموالهم وأنعامهم، فأتوا رسلهم فقالوا: ادعُوا الله أن يخلف علينا نعمتنا، ويُخصب بلادنا، ويرد علينا ما شرد من أنعامنا، ونعطيكم مَوْثِقاً أن لا نشرك بالله شيئاً، فسألت الرسل ربها، فأجابهم إلى ذلك، وأعطاهم ما سألوا، فأخصبت بلادهم، واتسعت عمائرهم إلى أرض فلسطين والشام: قُرى ومنازل وأسواقاً فأتتهم رسلهم، فقالوا: موعدكم أن تؤمنوا بالله، فأبوا إلا طغياناً وكفراً، فمزقهم الله كل ممزق، وباعد بين أسفارهم.
قال المسعودي: وإذا قد ذكرنا جملاً من أخبار السد وبلاد مأرب، وعمرو بن عامر، وغير ذلك مما تقدم ذكره في هذا الباب، فلترجع الآن إلى أخبار الكهان.### أول كهانة سطيح الغسانيوكان أول ما تكهن به سطيح الغساني أنه كان نائماً في ليلة صُهَاكية مظلمة مع إخوته فی لحاف، والحي خلوف، إذ زعق من بينهم ورَنَّ وتأوه، وقال: والضياء والشفق، والظلام والغسق، ليطرقنكم ما طرق قالوا: ما طرق یا سطيح ؟ قال: ما طرق إلا الأجْلَحُ، حين سرى الليل البهيم الأفلح، وولاهم بسردح، قالوا: وما علامة ذلك يا سطیح؟ قال: أمر يسد النقرة، ذو حبسة في الوجرة، وحرة بعد حرة، في ليلة قرة، فانصرفوا عن قوله، واستهانوا بأمره، وتعاصفت مدود من أودية هناك، ففاجأتهم في ليلة باردة قرة كما ذكر، فساقت الأنعام والمواشي، وكادت أن تذهب بعامتهم.ولسطيح الكاهن ولشق بن صعب أخبار كثيرة [عجيبة ]: منها رؤيا تبع الحميري في أن جَمْرة خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تُهَمَة، أكلت منها كل ذات جمجمة، وما فَسَّرَاه له في ذلك، وكذلك خبر سطيح، [وعبد المسيح] في رؤيا الموبذان، وارتجاج الإيوان، وخبر سملقة وزوبعة، وما كان من أمرهما، وخبر شأن الظليم والشجرة، وما کان بین عك وغسان من الحرب في رقة اللبن وحلاوته وثخنه، ونزول غسان أعلى الوادي، وعك في أسفله، وما كان في ذلك من القيافة بينهم في طلوع الشمس وغروبها على إبلهم، وخبر السموأل بن حسان بن عادياء، وما كان من أمره، وأمر خازن الكاهن، وما قاله حين طَرَقَه ليلاً، وانقياده إلى ذمته، وما كان من العير الأقمر، والظليم الأحمر، والفرس الأشقر، والجمل الأزور، والشيخ الأحقر، وغير ذلك مما ذكرناه فيما سلف من كتبنا في« أخبار الزمان» والكتاب الأوسط، والله أعلم.
## ذكر سني العرب والعجم وشهورها وما اتفق منها، وما اختلفقال المسعودي: عدة الشهور عند العرب وسائر العجم اثنا عشر شهراً، فلنذكر الآن سني وشهور وأيام ما اشتهر أهله من جل الأمم، وهم العرب والفرس والروم والسريانيون والقبط ؛ إذ كان قول اليونانيين في ذلك [هو ما ذهبت إليه الروم، ولم نعرض لوصف قول الهند في السنين والشهور والأيام وما ذهبوا إليه في ذلك] من حسابهم، ومن تبعهم على ذلك من أهل الصين وكثير من الممالك والأمم ؛ إذ كان في ذلك خروج عما عليه الجمهور والمعهود بين الناس، ونجعل المبتدأ بذكر سني وشهور القبط؛ لموافقتها السريانيين ثم نعقب بعد ذلك بذكر شهور السريانيين وموافقتها لشهور الروم . ثم نتبع ذلك بذكر سني العرب وشهورها وأيامها، [ثم نعقب بعد ذلك بذكر سني الفرس وشهورها وأيامها] ولأية علة استحق عندها تسمية كل شهر منها، وكل يوم، وما قالته العرب في تسمية الليالي، وجمل من ذكر أفعال الشمس والقمر وتأثيرها في هذا العالم في الجماد والنبات والحيوان، وغير ذلك مما يقف عليه المتأمل عند قراءته - إن شاء الله تعالى – على ما يريد، والله تعالى ولي التوفيق.
## ذكر شهور القبط والشريانتين والخلاف في أسمائها وجمل من التاريخ### شهور القبط ومقابلها من شهور السريانأول شهور القبط: توت، وهو أيلول،وبابه، وهو تشرين الأول، وهاتور وهو تشرين الثاني، وكهيك، وهو كانون الأول، وطوبه، وهو كانون الثاني، وأمشير، وهو شَبَاط، وبرمهات، وهو آذار،وبرموده، وهو نيسان، وبشنس وهو أيَّار، وبؤونة، وهو حزيران، وأبيب، وهو تموز، ومسري، وهو آب.وللقبط بعد هذا خمسة أيام لواحق، تدعى العمياء، تزيدها على ما سمينا من شهورها، وهي ثلاثمائة يوم وستون يوماً؛ فتصير السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً.### سنة القبطوأول يوم من السنة عند القبط هو اليوم التاسع والعشرون من شهر آب، وعدة كل شهر منها ثلاثون يوماً، وكانت أيام السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً كعدة أيام سنة الفرس [ وكانت شهور القبط فيما مضى توافق أوائلها شهور الفرس] فكان أول توت أول آذرماه، ثم كل شهر كذلك على هذا الوصف إلى آخر سنة القبط آخر آذرماه، وهذا الحساب بعينه موجود في كتب الزيجات في النجوم، وأهل مصر وسائر القبط في الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - يستعملون في حسابهم في الشهور غير ما قدمنا، وذلك أنهم زادوا في أيام السنة ربع يوم على مذهب السريانيين والروم [فصارت شهورهم مخالفة لشهور الفرس وموافقة لشهور السريانيين والروم] في عدد أيام السنة، [و تاريخ القبط في كتاب المجسطي من أول السنة] التي ملك فيها البخت نصر وكان أولها يوم الأربعاء.### مبدأ التواريخوأما تاريخ القبط في كتاب زيج بطليموس، فمن أول سنة ملك فيلقوس وكان أولها يوم الأحد، [والتباين] الذي بين تاريخ البخت نصر وتاريخ يزدجرد ألف وثلاثمائة وتسع
وتسعون سنة فارسية وثلاثة أشهر، والذي بين تاريخ فيلقوس وتاريخ يزدجرد [تسعمائة وخمس وخمسون سنة وثلاثة أشهر، وبين تاريخ الإسكندر، وتاريخ يزدجرد] تسعمائة وخمس واثنتان وأربعون سنة من سني الروم ومائتان وتسعة وخمسون يوماً، وبين تاريخ یزدجرد و تاريخ الهجرة من الأيام ثلاثة آلاف وستمائة وأربعة وعشرون يوماً، فأول هذه التواريخ تاريخ البخت نصر، ثم تاريخ فيلقوس، ثم تاريخ ابنه الإسكندر، ثم تاريخ الهجرة، ثم تاريخ يزدجرد.### أوائل كل تاريخوتاريخ العرب من أول السنة التي هاجر فيها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ من مكة إلى المدينة، وكان)أولها يوم الخميس.وتاريخ الفرس من أول السنة التي ملك فيها يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز،وكان أولها يوم الثلاثاء.وتاريخ الروم والسريانيين من أول السنة [من] ملك الإسكندر، وكان أولها يوم الاثنين، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك.
## ذكر شهور الشريانتين ووصف موافقتها الشهور العرب وعدة أيام السنة ومعرفة الأنواء### شهور وأيام كل شهرفأول ذلك أن أيام السنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم، وهي مختلفة في العدد: فنيسان ثلاثون يوماً، وأيَّار أحد وثلاثون يوماً، وحزيران ثلاثون يوماً، ولثمان عشرة ليلة مند رجوع الشمس هابطة من الشمال [على ما أوجبه حساب الهند] وهو أطول يوم في السنة [وليلته] أقصر ليلة، وتموز أحد وثلاثون يوماً، وآب أحد وثلاثون ويوماً، فإذا انسلخ [آب] ذهب الحر، قال محمد بن عبد الملك الزيات:بَرَدَ الماء وطلب الليل والتذ الشــرابومضی عنك حزيران وتـــمـــوزُ وآبوأيلول ثلاثون يوماً، ولخمس منه عيد زكريا ولعشر منه تطلع الصرفة فينصرف الحر، ولثلاث عشرة منه عيد الصليب، وهو اليوم الرابع عشر منه، وفي هذا اليوم تفتح الترع بمصر على حسب ما ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب، ولتمام عشرين منه، يستوي الليل والنهار، وقال أبو نواس:مضى أيلول وارتفع الخرور***وأخْبَتُ نارها الشعرى الْعَبُور### سر تسمية المهرجانوتشرين الأول أحد وثلاثون يوماً، وفيه يكون المهرجان، وبين النيروز والمهرجان مائة وتسعة وستون يوماً، وعند الفرس في معنى المهرجان أنه كان لهم ملك في قديم الزمان من ملوك الفرس قد عَمَّ ظلمه خواص الناس وعوامهم، وكان يسمى مهر، وكانت الشهور تسمى بأسماء الملوك، فقيل مهرماه، ومعنى ماه: هو الشهر، وأن ذلك الملك طال عمره واشتدت وطأته؛ فمات في النصف من هذا الشهر، وهو مهرماه، فسمي ذلك اليوم الذي مات فيه «مهرجان» وتفسيره نفس مهر ذهبت ؛ لأن الفرس تقدم في لغتها ما تؤخره العرب في كلامها، وهذه اللغة الفهلوية، وهي الفارسية الأولى، وأهل المروآت
بالعراق وغيرها من مدن العجم يجعلون هذا اليوم أول يوم من الشتاء؛ فتغير فيه الفرش والآلات وكثيراً من الملابس، ولخمس منه - وهو تشرين الأول - عيد كنيسة القمامة ببيت المقدس، وفي هذا اليوم تجتمع النصارى من سائر الأرض، وتنزل عليهم نار من السماء، فيسرج هناك الشمع، ويجتمع فيه من المسلمين خلق عظيم للنظر إلى العيد، ويقتلع فيه ورق الزيتون، ويكون للنصارى فيه أقاصيص، ولهذه النار حيلة لطيفة وسرّ عظيم، وقد ذكرنا وجه الحيلة في ذلك في كتابنا المترجم بـ «كتاب القضايا والتجارب» و تشرين الثاني ثلاثون يوماً، وكانون الأول ثلاثون يوماً، ولتسع عشرة منه يكون النهار تسع ساعات [ونصفا] وربعاً، وهو منتهى قصره، والليل أربع عشرة ساعة وربعاً، وهو منتهى طوله، وليلة الخامس والعشرين منه ميلاد المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ، وكانون الثاني أحد وثلاثون يوماً، وأول يوم منه القلندس، فيكون فيه بالشام لأهله عيد يوقدون في ليلته النيران، ويظهرون الأفراح، لا سيما بمدينة أنطاكية، وما يكون في كنيسة القسيان بها من القداس عندهم، وكذلك بسائر الشام وبيت المقدس ومصر وأرض النصرانية كلها، وما يظهر أهل دين النصرانية بأنطاكية من الفرح والسرور وإيقاد النيران والمآكل والمشارب، ويساعدهم على ذلك عوام الناس وكثير من خواصهم، وذلك أن مدينة أنطاكية بها كرسي البطرك المعظم عندهم في ديانتهم، وأن النصرانية تسمى أنطاكية مدينة الله، ويسمونها أيضاً مدينة الملك، وأم المدن، لأن بُدُو ظهور النصرانية كان فيها.)### بطارقة النصارىوالبطارقة عند النصرانية أربعة: أولهم صاحب مدينة رومية، ثم الثاني وهو صاحب مدينة قسطنطينية، وهي أقسس، واسمها القديم بوزنطيا، ثم الثالث وهو صاحب الإسكندرية من أرض مصر، ثم الرابع وهو صاحب أنطاكية، ورومية أنطاكية لبطرس، فبدؤوا برومية لأنها لبطرس، ثم ختموا بأنطاكية لأنها له، وتعظيماً [لبولس]، وقد أحدثوا كرسياً ببيت المقدس، ولم يكن هذا متقدماً ؛ وإنما هومحدث، وكان لإيليا وهو بيت المقدس أسقف [ ولكورة لد من أرض فلسطين].### مشهور كنائسهموبأنطاكية أيضاً كنيسة [بولس، وتعرف بأنطاكية بدير البراغيث وهي مما يلي باب فارس، وبها أيضاً كنيسة أخرى تدعى أشمونيت، وبها عيد عظيم للنصرانية وكذلك بها كنيسة [بربارا وكنيسة مريم] وهي كنيسة مدورة، وبنيانها من إحدى عجائب العالم في التشييد والرفعة، وكان الوليد بن عبد الملك بن مروان اقتلع من هذه الكنيسة عُمداً عجيبة
من المرمر والرخام لمسجد دمشق [حملت في البحر إلى ساحل دمشق،] وبقي الأكثر من هذه الكنيسة إلى هذا الوقت.وقد كان لملك من ملوك الروم [مع اليهود] بأنطاكية خبر عجيب في كنيسة أشمونيت وكانت خارج السور من أنطاكية، وهي في أيدي اليهود، فعوضت اليهود دار الملك بأنطاكية [ بدلاً من كنيسة أشمونيت، وهذه الدار التي كانت دار الملك] وتعرف في هذا الوقت بدار اليهود، ولليهود حيلة احتالوها حين خرجت الكنيسة من أيديهم حتى قتلوا من النصرانية خلقاً عظيماً من نشر خشب فيها وغير ذلك.وقدمنا أخبار بطرس وبولس وما كان من أمرهما بمدينة رومية وغيرهما من تلاميذ المسيح وتفرقهم في البلاد، وذكرنا قصة الملك الذي بنى مدينة أنطاكية، وهو المعروف بأنطيخش، وتفسير ذلك محوط الحوائط، وكان اسم أنطاكية بالرومية على اسمه أنطيخش، فلما ورد المسلمون وافتتحوها حذفت الأحرف إلا الألف والنون والطاء.وفي تاريخ النصارى الملكية وغيرها من أهل دين النصرانية يكون لمولد المسيح إلى وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - تسعمائة سنة وأربعون سنة، وتكون ستو الإسكندر ألفاً ومائتين وخمساً وثمانين، ويكون من الإسكندر إلى المسيح ثلاثمائة سنة وتسع وستون .هذا ما وجد [ت] في تاريخ الملكية في كنيسة القسيان بمدينة أنطاكية، وسنذكر بعد هذا الموضع جملاً من التاريخ في باب نفرده لذلك، إن شاء الله تعالى.### عود إلى الشهور وأيامهافلنرجع الآن إلى وصف حساب الشهور: شباط ثمانية وعشرون يوماً وربع ثلاث سنين متوالية، والرابعة كبيسة فيكون تسعاً وعشرين يوماً، وتكون السنة ثلاثمائة وستة وستين يوماً، ولسبعة منه تسقط الجمرة الأولى، وهي الجبهة ولأربع عشرة منه تسقط الجمرة الثانية، وهي [الزبرة ولإحدى وعشرين منه تسقط الجمرة الثالثة، وهي] الصرفة، وينصرف البرد، وثلاثة أيام من آخره أيام العجوز، وآذار أحد وثلاثون يوماً، ولأربعة من أوله تتم أيام العجوز، والعرب تسمي هذه السبعة الأيام: صِنّا، وصِنّبرا، ووَبْراً،وآمراً ومؤتمراً ومعللاً، ومطفىء الجمر.### أيام العجوزقال بعض العرب في أسماء أيام العجوز:
كسع الشتاء يسبعة غُبْرِصِنِّ وصنَّبرٍ وبالوبروبآمر وأخيه مؤتــــمرومعلل، وبمطفيء الجمر]فإذا انقضت أيام شتوتناأيام صادرة عن القركسع الشتاء مُولياً هرباًوأتتك واقدة من الحرولخمس عشرة من آذار يستوي الليل والنهار، وتحل الشمس الحمل، وهذا اليومتحويل سنة العالم، قال أبو نُوَاس:أما ترى الشمس حَلَّتِ الحملاوطاب وَزْنُ الزمان واعْتَدَلَاوغَنَّتِ الطير بعد عُجْمَتهاواستوفت الخمر حولها كَمَلَاواكتست الأرض من زخارفهاوَشْيَ نَبَاتٍ تخالها حُلَلًافاشرب على جِدَّةِ الزمان فقدأصبح وجه الزمان مقتبلاوليس بحلول الشمس الحمل تستوفي الخمر سنة، وإنما أراد بحلولها قربها من الحول والقوة.### شهور الرومقال المسعودي: وأما شهور الروم فهي موافقة لشهور السريانيين في العدد وذلك أن أول شهور الروم يواريوس، وهو كانون الثاني، وقد قدمنا أن في أول يوم منه يكون القنلدس، وشباط فبراریوس، و آذار مارتيوس، ونيسان إبريليس، وأيار مايوس، وحزيران يونيوس، وتموز يوليوس، وآب أغسطوس، وأيلول سبطمبر، وتشرين الأول أقطوبر، وتشرين الثاني نوفمبر، وكانون الأول دشمبر.
## ذكر شهور الفُرس### أسماء الشهور وعدة أيامهاشهور الفرس كلها ثلاثون يوماً، فأولها فروردينماه، وأول يوم منه النيروز، وبينه وبين المهرجان مائة وأربعة وسبعون يوماً، والثاني أرديبهشت ماه، وخردادماه، وتيرماه، وتيمروز عيد المهرجان، و مردادماه، وشهرير ماه، و مهرماه، ويوم السادس عشر منه المهرجان، وأبا نماه فيه أبان روز عيد أبان كاه، وفي آخره خمسة أيام: الفرودجان، و آذرماه، وأول يوم منه يخرج الكوسج فيه راكباً بغاله بالعراق وأرض فارس، ولا يعرف ما وصفنا إلا بالعراق وأرض العجم، وأهل الشام والجزيرة ومصر واليمن لا يعرفون ذلك، ويطعم مدة من الأيام الجوز والثوم واللحم السمين، وما عدا ذلك الأطعمة من الحارة والأشربة المسخنة الدافعة للبرد، فيظهر طارداً للبرد، فيصب عليه الماء البارد؛ فلا يجد لذلك شيئاً من ألمه، ويصيح بالفارسية كرما كرما،[ يعني الحر الحر، ] وهذا وقت عيد الأعاجم: يطربون فيه، ويظهرون السرور، وكذلك في أوقات كثيرة من فصول السنة ودوران الأذرخش،ودینماه،وبهمناه وإسفندار مزماه ؛ فذلك ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً، والله أعلم.
## ذكر أيام الفرس### أسماء الأياموهي هرمز و بهمان و اردیبهشت وشهرير وإسفندارمز و خرداد و مرداد وديباذر وآذر وأبان وخوروما وتيروجوش ودبر و مهر ودمل وأسروش وفروردين وبهرام، وفيه يقول الشاعر:باکر بن بنا لذة المُدامفي يوم سَبْتٍ ويوم رامشريطـتـي فيه أن ترانيوقت الضحى فاتر الكلاموباد وديبادين وآذر وأشتاد وأسمان وداماد ومار وسفند وأنيران.فأما أيامهم المعروفة بالفرودجان فهي أهندكاه أسميهاه مشرکاه مشروکاه کاساه . وكانت العرب تسمي هذه الأيام الخمسة: الهرير، والهبير، وقالب الفهر، وحافل الضرع ومدحرج البعر.### كبس الفرسوكانت الفرس تكبس في كل مائة وعشرين سنة شهراً، وإنما أخروا ذلك إلى مائة وعشرين سنة، لأن أيامهم كانت سُعُوداً ونحوساً - فكرهوا أن يكسبوا في كل أربع سنين يوماً، فتنتقل بذلك أيام السعود إلى أيام النحوس، ولا يكون النيروز أول يوم من الشهر،والله تعالى أعلم.
### ذكر سني العَرَب وشهورها وتسمية أيامها ولياليها## أسماء الشهور### إشارة:شهور الأهلة: أولها المحرم، وأيامها ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً، تنقص عن السرياني أحد عشر يوماً وربع يوم فتفرق في كل ثلاث وثلاثين سنة؛ فتنسلخ تلك السنة العربية، ولا يكون فيها نيروز.### إيماء إلى النسيءوقد كانت العرب في الجاهلية تكبس في كل ثلاث سنين شهراً وتسميه النسیء[وهو التأخير] وقد ذم الله تبارك وتعالى فعلهم بقول: ﴿ إِنَّمَا النَّبِي زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: 37] ورسمت العرب الشهور فبدأت بالمحرم؛ لأنه أول السنة، وإنما سمته المحرم لتحريمها الحرب والغارات فيه، وصفر بالأسواق التي كانت باليمن تسمى الصفرية، وكانوا يمتارون منها، ومن تخلف عنها هلك جوعاً، وقال نابغة ذبيان:)إني نهيت بني ذبيان عن أفق***وعن ترفُههم في كل أصفـاروقيل: إنما سمي الصفر لأن المدن كانت تخلو فيه من أهلها بخروجهم إلى الحرب، وهو مأخوذ من قولهم: صَفِرَتِ الدار منهم، إذا خلت، وربيع، وربيع؛ لارتباع الناس والدواب فيهما، فإن قيل: قد توجد الدواب ترتبع في غير هذا الوقت، قيل: قد يمكن أن يكون هذا الاسم لزمهما في ذلك الوقت فاستمر تعريفهما بذلك مع انتقال الزمان واختلافه، وجمادى؛ وجمادى ؛ الجمود الماء فيهما في الزمان الذي سميت به هذه الشهور؛ لأنهم لم يعلموا أن الحر والبرد يدوران فتنتقل أوقات ذلك، ورجب؛ لخوفهم إياه، يقال: رَجَبْتُ الشيء، إذا خفته، وأنشد:فلا تَهَیّـبهـاولاترجبـهاوشعبان ؛ لتشعبهم إلى مياههم وطلب الغارات، ورمضان؛ لشدة حر الرّمضاء فيه
ذلك الوقت، والوجه الآخر أنه اسم من أسماء الله تعالى ذكره، ولا يجوز أن يقال رمضان، وإنما يقال: شهر رمضان، وشوال ؛ لأن الإبل كانت تسول في ذلك الوقت بأذنابها [من شهوة الضّراب] تشاءمت به العرب، ولذلك كرهت التزويج فيه، وذو القعدة؛ لقعودهم فيه عن الحرب والغارات، وذو الحجة لأن الحج فيه.### الأشهر الحرموالأشهر الحرم هي المحرم ورجب وذو القعدة، وذو الحجة### شهور الحجوأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، والأيام المعلومات العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق، والتعجيل باتفاق غير جائز إلا في اليوم الثالث من يوم النحر، فدل ذلك على أن أولها ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر من المعدودات كان يوم التعجيل في ثلاثة أيام، وهذا خلاف القرآن؛ لإخبار الله تعالى أن التعجيل في يومين من المعدودات وإذا كانت المعدودات ما وصفنا صح أن المعلومات منها، والذبح في يوم النحر ذبح في المعلومات لكونه منها.ولا تمانع بين العرب أن يقول القائل« أتيتك في الشهر»، والإتيان إنما كان في بعضه.و «جئتك في اليوم» والمجيء في بعض أوقاته، ولا يُصام يوم النحر، ولا يوم الفطر، ولا أيام منى، لفرض ولا تطوع ؛ لنهي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ عن ذلك ؛ ولم يخص فرضاً من تطوع بالنهي، فالواجب الامتناع على وصفنا.)وقد ذكر عن عقبة بن عامر أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «نهى عن صيام ثلاثة أيام التشريق» وفي جميع ما ذكرنا من المعلومات والمعدودات والصيام في أيام التشريق خلاف بين الناس، وأيام التشريق أولها ثاني النحر، وآخرها اليوم الثالث عشر من ذي الحجة [إلى لعصر].)### تسمية أيام التشريققال المسعودي: وقد اختلفت الناس في علة [تسميتها] أيام التشريق، وهي أيامُ منّى ولياليها، فقالت طائفة: إنما سميت أيام التشريق لأنهم كانوا يذبحون الذبائح [بمنى] ويَشرِّقون اللحم في الشمس، وقال آخرون: إنما سميت أيام التشريق [لأن أهل مكة وغيرهم يتشرقون منصرفين إلى أوطانهم، وفيه قول،آخر وهو أنها إنما سميت أيام التشريق] لأنهم كانوا يخرجون وغيرها كالمزدلفة إلى مصليات لهم في فضاء من الأرض
فيسمونها المشارق، واحدها مشراق، يسبحون ويدعون، فسميت بذلك أيام التشريق، وفيه قول آخر، وهو أن طائفة زعمت أنه مأخوذ من ذبح البهائم، وهو التشريق، وقالوا: إن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ نهى عن الضحية بالمشرقة، يعني المشقوقة الأذنين بالطول، فهي أيام التشريق، وللناس في التشريق من أهل الآراء والنحل كلام كثير لا يحتمله كتابنا هذا وإنما ذكرنا ما أوردناه لتغلغل الكلام بنا إليه واتصاله بما قدمناه، وإن كان كلاماً يلحق بالفقه.)### الأيام النحساتوالأيام النحسات: كل أربعاء يوافق أربعاً من الشهر، مثل أربع خلون [ وأربع عشرة خلت، وأربع عشرة بقيت] وأربع وعشرين وأربع بقين.### أسماء الأيام عند العرب قديماًوأما أسماء الأيام فأولها الأحد، وإنما سمي بذلك لأنه أول يوم خلقه الله من الزمان، وبذلك نطقت التوراة، وقد قدمنا في صدر هذا الكتاب ما في الأيام من بدء الخلق، والاثنين، وسمي لأنه ثان، والثلاثاء، وسمي لأنه ثالث والأربعاء لأنه رابع، والخميس لأنه خامس، والجمعة لأن الخلق اجتمعوا فيه، والسبت لأن الخلق انقطع فيه [وخلق في آخره آدم:] وهو مأخوذ من قولهم: نعل سبتية، إذا كانت مقطوعة الشعر، ويقال: سَبَتَ شعره، إذا قطعه، وكانت العرب تسميها في الجاهلية: الأحد أول، والاثنين أهون، والثلاثاء جبار، والأربعاء دبار، والخميس مؤنس، والجمعة عروبة، والسبت شیار [قال شاعرهم:أؤمل أن أعيش وأن يوميبأول أو بأهون أو جبارأو المـردى دبار، فإن أفتهفمؤنس أو عروبة أو شيار]### أسماء الشهور عند العربوكانوا يسمون الشهور: المحرم ناتق، وصفر ثقيل، ثم طليق، ناجر، أسلخ أميح، أحلك، كسع،زاهر، برك، حرف، نعس، وهو ذو الحجة.### الأزمنة الأربعةوقد اختلف العرب في أسماء الأزمنة [الأربعة]: فزعمت طائفة منها أن أولها الوَسْمي، وهو الخريف، ثم الشتاء، ثم الصيف، ثم القيظ، ومنهم [من] يعد الأول من
فصول السنة الربيع، وهو الأشْهَرُ والأعم، والعرب تقول: خَرَفْنا في بلد كذا، وشَتَوْنا في بلد كذا، وتربعنا في بلد كذا، وصفناً في بلد كذا.### شهور الروم مرسومة على فصول السنة دون شهور العربوشهور العرب ليست مرتبة على فصول السنة [ولا على حساب سنة الشمس] بل المحرم وغيره من الشهور العربية قد يقع تارة في الربيع وتارة في غيره من فصول السنة .وشهور الروم مرسومة على ما يوافق فصول السنة التي تقطع فيها الشمس بروج الفلك على آخرها، ومقادير أيام كل شهر منها ولياليه في الطول والقصر وظهور ما يظهرفيه من النجوم الثابتة للأبصار واستتار ما يستتر منها على ممر الدهور والسنين وهي اثنا عشر شهراً على حسب ما ذكرنا أن أولها تشرين إلى أيلول ؛ فكل فصل من السنة أربعة شهور معلومة من هذه الاثني عشر شهراً غير حائلة ولا منتقلة انتقال الشهور العربية، ولكل برج منها شهر، فأيلول وتشرين وتشرين لسلطان السوداء، وكانون وكانون وشباط السلطان البلغم، وآذار ونيسان وأيار لسلطان الدم، وحزيران وتموز وآب لسلطان الصفراء، فأيلول لبرج السنبلة وتشرين الأول لبرج الميزان، وتشرين الآخر لبرج العقرب، وكانون الأول برجه القوس، وكانون الآخر برجه الجَدْي، وشباط برجه الدَّلو، وأذار برجه الحوت، ونيسان برجه الحمل، وأيار برجه الثور، وحزيران برجه الجوزاء، وتموز برجه السرطان، وآب برجه الأسد.قال المسعودي: وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جملاً من الكلام في الطبائع وفصول السنة، وما يلائم ذلك من المآكل والمشارب وغير ذلك مما لحق بهذا الباب، إن شاء الله تعالى والله ولي التوفيق.
## ذكر قول العرب في ليالي الشهور القمرية وغيرها### إشارة:كانت العرب تخبر عن القمر في كل ليلة [من الشهو]ر على حسب ما هو به من الضياء، وغيره على طريق المسألة والجواب ؛ فتقول: قيل للقمر: ما أنت ابن ليلة؟ قال: رضاع سخيلة، حل أهلها برميلة، قيل: فما أنت لليلتين؟ قال: حديث أمتين، ذواتي إفك ومين، قيل: فما أنت لثلاث؟ قال: حديث فتيات، يجتمعن من شتات وقيل: قليل الثبات، قيل: فما أنت لأربع ؟ قال: غنمة رتع، غير جائع ولا مرضع قيل: فما أنت لخمس ؟ قال: حديث وأنس، قيل: فيما أنت لست ؟ قال: سِر وَبت، قيل: فما أنت لسبع ؟ قال: تصفر في الشفع، وقيل: دلجة الضبع قيل: فما أنت لثمان؟ قال: قمر أصبحان، وقيل: رغيف اقتسمه أخوان قيل: فما أنت لتسع ؟ قال: تلتقط في الجرع، قيل: فما أنت لعشر ؟ قال: محق للفجر، قيل: فما أنت لإحدى عشرة؟ قال: أرى مساءً وأرَى بكرة، قيل: فما أنت لاثنتي عشرة ؟ قال: موفق للسير في البدو والحضر، قيل: فما أنت لثلاث عشرة؟ قال قمر باهر يغشي عين الناظر، قيل: فما أنت لأربع عشرة؟ قال مقتبل الشباب، أضيء بين السحاب، قيل: فما أنت لخمس عشرة؟ قال: تم التمام ونفدت الأيام، قيل: فما أنت لست عشرة؟ قال: ناقص الخلق، في الغرب والشرق، قيل: فما أنت لسبع عشرة؟ قال: ناقص الخلق، في الغرب والشرق، قيل: فما أنت السبع عشرة؟ قال: ركب الفقير الفقر، قيل: فما أنت لثمان عشرة؟ قال: قليل البقاء، سريع الفناء، قيل: فما أنت لتسع عشرة ؟ قال: بطيء الطلوع، من الخشوع، قيل: فما أنت لعشرين؟ قال: أطلع سحرة، وأرى بكرة، قيل: فما أنت لإحدى وعشرين؟ قال: لا أطيل السرى، إلا ريثما أرى قيل: فما أنت لاثنتين وعشرين؟ قال: مسفع خطب، وليث حرب، قيل: فما أنت لثلاث وعشرين؟ قال: كالقبس، أطلع في الغلس، قيل: فما أنت ولأربع وعشرين؟ قال: أطلع في قسمة، ولا أجلي ظلمة، قيل: فما أنت لخمس وعشرين؟ قال: أنا في تلك الليال، لا قمر ولا هلال، قيل فما أنت لست وعشرين؟ قال: دنا الأجل، وانقطع الأمل، قيل: فما أنت لسبع وعشرين؟ قال: دنا ما دنا، فليس فيَّ من سَنَا، قيل: فما أنت لثمان وعشرين؟ قال: أطلع بكراً، ولا أرى ظهراً قيل: فما
أنت لتسع وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشمس، ولا أطيل الجلس، قيل فما أنت لثلاثين؟ قال: هلال مستقبل سريع الأفل.### تقسيم الليالي ثلاثاً وثلاثاً واسم كل ثلاثوكانت العرب تسعى الثلاث الأولى من ليالي الشهر، فتقول: ثلاث غرر، والثلاث التي تليها ثلاث سَمَر، والثلاث التي تليها ثلاث زهر، والثلاث التي تليها ثلاث درر، والثلاث التي تليها ثلاث قمر، وثلاث بيض، وتقول في النصف الثاني من الشهر في الثلاث الأول: ثلاث درع، وفي الثلاث التي تليها ثلاث ظلم، وفي الثلاث التي تليها ثلاث جناديس، وفي الثلاث التي تليها ثلاث دواري، وفي الثلاث التي تليها ثلاث محاق، وقيل في وجه آخر من الروايات: إنه يقال لليالي الشهر: ثلاث هلل، وثلاث،قمر، وست نقل [وثلاث بيض، ] وثلاث درع، وثلاث بهم، وست حناديس، وليلتان داریتان، وليلة محاق.### أسماء الهلال واللياليقال المسعودي: فأما ما ذهب إليه العرب في تسمية القمر فإنها تسميه في ليلة طلوعه هلالاً، وما لم يستدر فهو هلال، ثم تسميه قمراً إذا ما استدار، وإذا ما حجر وأضاء فهو قمير، قال شاعرهم:وقمير بَدا ابن خمس وعشريـ***ـن له قالت الفتاتان قوماثم يستوي لثلاث عشرة منه، وهي ليلة السواء، ثم ليلة البدر لأربع عشرة، ويقال: غلام بدر، إذا امتلأ شباباً قبل أن يحتلم، ويقال: عين حدرة بدرة، إذا كانت حديدة كعين الفرس، والليالي البيض ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، والليالي الدّرع هي التي تسود صدورها وتبيض سائرها، والمحاق إذا ما طلعت عليه الشمس، والسواد حين يستتر فيكون خلف الشمس، ويقال: قد حجر القمر، إذا استدار بخط رقيق من غير أن يغلظ، ويقال: أفتق [القمر] إذا أصابته فرجة من السحاب فخرج [ وأفتق علينا فأبصرنا الطريق]، وكل سواد من الليل حنْدِس، والليالي الزُّهْر الليالي البيض [والزهرة: البياض]، والله الموفق للصواب.
## ذكر القول في تأثير النيرين في هذا العالم وجمل ممّا قيل في ذلكوغير ذلك ممّا لحق بهذا الباب### إشارة:[قال المسعودي:] ذهب الحكماء جميعاً من اليونانيين وغيرهم إلى أن أفعال القمر في الجواهر التي قلنا عظيمة، إلا أنها أقصر من أفعال الشمس، وهو الثاني بعدها، وذلك أن الشهور به تكون وعلى حسب حركته يجري أمرها، وأفعاله ترى أعظم وأبين في حيوان البحر خاصة، وهو ينمي النبات وغيره، ويعظم البحار، ويسمن الحيوان، ويلزم النساء الطمث أزماناً محدودة.### تصور الجنين في الرحمقال المسعودي رحمه الله: وقد تنازع الناس في كيفية تصور الجنين في الرحم.فذهب إلى قوم من أهل القدم إلى أن في المني قوة تصور الجنين إما منه، وإما من دم الطمث.وذهب قوم إلى أن في الرحم قالباً يتصور فيه الجنين، وقد ذكر جالينوس في كتابه عن بقراط أن مقام المني مقام الفاعل والمفعول في تصور الجنين.وقال صاحب المنطق: إن ذلك بمنزلة الفاعل، وإن الجنين يتصور في دم الطمث من المني قال: والمني يعطي الدم مثل الحركة، ثم يستحيل ريحاً فيخرج من الرحم، وزعم جالينوس أن الجنين يكون من المني، وقد يجذب إليه الدم الذي هو الطمث، والروح من العروق والشريانات فيكون من المني، ومن ذلك الدم الذي يجذبه، ومن الريح الذي تصير إليه من الشريانات. قال: وكون الجنين بمنزلة كون النبات، والطبيعة تصوره من المني،والدم وتفعل الطبيعة في الجنين ما تفعله في النبات .لأن بزر النبات يحتاج إلى أرض لينال منها ما يغتذى به، فالجنين إلى الرحم، والنبات يرسل عروقه من الأصول ليجذب بها [من الأرض غذاءه، وللجنين في المشيمة شريانات، والعروق نظير لذلك ] وهي أصول الجنين، وبزر النبات ينبت منه سوق، ومن
السوق أغصان كبار، ثم من هذه الأغصان أغصان أخرى تتفرع أولاً حتى تنتهي إلى الأقاصي، ونظير ذلك يوجد في الجنين ؛ فتجد السوق في بدئه ثلاثة من كل واحد من الأغصان الأصول وهي: الشريان الأعظم، والعرق الأجوف، والنخاع، ثم تجد كل واحد من هذه تتشعب منه شعب كالأغصان المنقسمة إلى أغصان أخر حتى ينتهي إلى الأطراف، ثم قال بعد ذلك: إن المني هو المحرك لنفسه، وإن الجنين يكون من الرجل والمرأة ودم الطمث.وحكى جالينوس عن أنبدقلس أن أجزاء الولد منقسمة في مني الذكر والأنثى وأن شهوة الجماع تسوق هذه الأجزاء إلى الالتئام، وهذا موجود في كتاب أنبدقلس الكبير وفيما ذكره من مذهبه في كيفية تركيب العالم واتصال النفس بعالمها وغير ذلك.وقد ذهب قوم من أهل القدم إلى أن ذلك هو أجزاء تخرج من أجزاء تخرج من أعضاء الإنسان لطيفة من جنس سائر أعضاء الإنسان، فتنصب في الرحم، فيتغذى منه وينمو، فيكون من ذلك الجنين.### يشبه الولد أباه وأهل بيت أبيهومنهم من رأى أن هذه الأجواء الواردة من سائر أعضاء الذكر تقاربها مواد من الرحم ومن ماء المرأة عند اجتماعهما فيكون الجنين من ذلك ؛ فمن ذلك صار الولد يشبه أباه في الأغلب من سائر الأعضاء ويشاكله وأهل بيت أبيه، ولهذا وقع الشبه بين البنين والآباء في الأغلب من تشابه الأعضاء، ومن هاهنا أدركت القافةُ إلحاق النسب عند الشبه والشك في النسب، وذلك على قول من رأى إلحاق النسب بالقيافة من الفقهاء، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى فيما سلف من هذا الكتاب في باب القيافة.وللناس في كيفية تصور الجنين في الرحم وما بدوه وما عنصره وكيفية تقلبه من النطفة إلى العلقة من العلقة إلى المضغة إلى استكمال شكله كلام كثير: منهم أصحاب الاثنين وغيرهم ممن تقدم وتأخر، أعرضنا عن ذكر ذلك؛ إذ كان فيه خروج عما إليه قصدنا في هذا الباب.قال المسعودي رحمه الله: والذي يقضي على سائر ما تقدم وصفه وينقطع علم العقول عنده، وهو ما أخبر به الباري عز وجل في كتابه بقول: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [عمران: 6] ولم يخبر عن كيفية [وقوع] ذلك وما سبب مواده، بل استؤثر [ بعلمه وأبدى] الدلالة بظهور حكمته [ دالة على توحيده وإتقانه لما أظهر لعباده من حكمته] ثم أخبر عن المبدأ الذي خلقهم منه فقال:)
(یا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى [الحجرات: 13] وقال عز وجل: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ إن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن تُضْغَةٍ تُخَلَّقَةٍ وَغَير مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْمَاءِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ يُخرجكُمْ طِفلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتوَفَّ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) [الحج: 5].)### الاختلاف في تأثير النيرينقال المسعودي: وللناس ممن سلف من الأوائل وخلف من الشرعيين كلام كثير في كيفية أفعال النيرين وتأثيرهما في هذا العالم، وما قالوه في ذلك، وما خصوا به كل واحد منهما وأفراده، وما ذهبوا إليه من فعل الثاني منهما وهو القمر وما يظهر من تأثيره في الجزر والمد في بحر الصين [والهند] والحبش واليمن على حسب ما قدمنا في هذا الكتاب، وكذلك فعله في المعادن وأدمغة الحيوان [والبيض] وسائر النبات، وما يظهر من الزيادات فيه عند امتلائه، والنقص عند نقصانه، وما يكون من بحرانات المرضى في اليوم السابع من العلة، والرابع عشر والحادي والعشرين [والثامن والعشرين] لأن للقمر أربعة أشكال أثبت صورة، فيه شكل التنصيف، وشكل التمام، وشكل التنصيف عن التمام، وشكل المحاق، ولكل شكل من هذه سبعة أيام؛ لأنه في سبع ليالي يتنصف، وفي الرابعة عشرة يتم، وفي الحادية والعشرين يتنصف، وفي الثامنة والعشرين ينمحق، فكذلك البحرانات، وعند هذه الطائفة يصح في السابع والرابع عشر والحادي والعشرين [والثامن والعشرين] ويصح أيضاً في تنصيفات هذه ؛ إذ كانت هذه الأشكال أثبت أشكال الشيء المنقسم، وقد خالف هؤلاء خلق [كثير ] ممن ذهب إلى غير هذا القول، وأن ذلك من قبل الأخلاط، وغير ذلك من الطبائع الأربع، وغيرها مما قد أتينا على إيضاحه في كتابنا المترجم بكتاب الزلف» وفي كتاب «المبادىء والتراكيب» وغير ذلك في كيفية تأثير الشمس والقمر.### كروية السماء والأرضوأما الدلائل على أن السماء على مثال الكرة وتدويرها بجميع ما فيها من الكواكب كدورة الكرة، وأن الأرض بجميع أجزائها من البر والبحر على مثال الكرة، وأن كرة الأرض مثبتة في وسط السماء كالمركز، وقدرها عند قدر السماء قدر النقطة في الدائرة صغراً، ووصف الربع المسكون من الأرض، وما يعرض فيه من دور الفلك، واختلاف الليل والنهار [ ووصف خواص هذا الربع المسكون من الأرض] ووصف المواضع التي تطلع الشمس فيها شهوراً لا تغرب، وتغرب شهوراً لا تطلع، فقد أتينا على وصف جميع
ذلك، وما اتضح عليه وانتصب من البراهين، وما قاله الناس في ذلك في كتابنا المترجم بكتاب « أخبار الزمان» وما أوضحنا فيه من هيئة الأفلاك والكواكب، وأن الأرض مع ما وصفنا تدويرها موضوعة في جوف الفلك كالمُحة في البيضة، والنسيم جاذب أيضاً لما في أبدان الخلق من الخفة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل ؛ إذ كانت الأرض بمنزلة حجر المغناطيس الذي يجذب بطبعه الحديد، وأن الأرض مقسومة نصفين، وبينهما خط الاستواء، وهو [بين] المشرق إلى المغرب [وهذا عندهم هو طول الأرض؛ لأنه أكبر خط في كرة الأرض] كما أن منطقة البروج أكبر خط في الفلك، وعرض الأرض من القطب الجنوبي [إلى القطب الشمالي ] الذي تدور حوله بنات نَعْش، وأن استدارة الأرض في خط الاستواء ست وثلاثون درجة، والدرجة خمسة وعشرون فرسخاً، والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، والذراع اثنان وأربعون أصبعاً، والأصبع ست حبات [وتسعان] مصفوفة بعضها إلى بعض، يكون ذلك تسعة آلاف فرسخ.وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب ذكر الأرض والبحار ومبادىء الأنهار مقدار الميل والذراع الأسود، وإنما نذكر في كل موضع من هذا الكتاب ما يسنح لنا ونجده في كتب الناس؛ فننقل ذلك عنهم على ما وجدناه في كتبهم، على ما وجدناه في كتبهم، لا أنا نقطع على صحته ؛ إذ كان ما يذهب إليه في مقدار الميل من الأذرع، والذراع من الأصابع، هو ما بیناه آنفاً في باب ذكر الأرض والبحار.وبين خط الاستواء وكل واحد من القطبين تسعون درجة، واستدارتها عرضاً مثل ذلك، وزعم هؤلاء أن العمارة في الأرض بعد خط الاستواء أربع وعشرون درجة، وأن الباقي قد عمه البحر الكبير، وأن الخلق على الربع الشمالي من الأرض، والربع الجنوبي خراب لشدة الحر فيه، والنصف الباقي من الأرض لا ساكن فيه، وكل ربع من الشمال والجنوب سبعة أقاليم، وقد ذكرناها فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا الأرض والأقاليم السبعة، وأن عدد المدن عند صاحب كتاب الجغرافيا أربعة آلاف مدينة ومائتا مدينة، فأما قبلة [أهل] المشرق والمغرب والتيمن والجنوبي، فقد ذكرنا جملاً من ذلك في كتابنا «أخبار الزمان».وقد حرر ذلك في كتابه أبو حنيفة الدينوري، وقد سلب ذلك ابن قتيبة ونقله إلى كتبه نقلاً، وجعله عن نفسه، وقد فعل ذلك في كثير من كتب أبي حنيفة الدينوري. هذا، وكان أبو حنيفة هذا ذا محل من العلم كبير، ولبطليموس في كتاب المجسطي، وغيره ممن تقدم ثم لمن طرأ بعد ظهور الإسلام - مثل الكندي، وابن المنجم، وأحمد بن الطيب، وما شاء الله، وأبي معشر، والخوارزمي، ومحمد بن كثير الفرغاني، فيما ذكره
في كتابه الفصول الثلاثين، وثابت بن قُرَّة،والتبريزي ومحمد بن جابر البتاني، وغیر هؤلاء ممن قد عني بعلوم الهيئة - علوم كثيرة في هذا المعنى، وإنما ننقل من ذلك إلى هذا الكتاب لمعاً ؛ طلباً للاختصار والإيجاز، وبالله التوفيق.
### ذكر أرباع العالم، والطبائع وما خص به كل جزء منه من الشرق والغرب والتيمن والجنوبي والأجوبة، وغير ذلك من سلطان الكواكب وما لحق بهذا الباب (واتصل بهذا المعنى)### الطبائع الأربعقال المسعودي: فأما الطبائع الأربعة: الأرض، فالنار حارة يابسة [وهي الطبيعة الأولى] والطبيعة الثانية: باردة رطبة، وهي الماء والطبيعة الثالثة: الهواء، وهو حار رطب، والطبيعة الرابعة: وهي باردة يابسة، فاثنتان [منها] تذهبان الصعداء، وهما: النار والهواء، واثنتان ترسخان سُفْلا، وهما: الأرض، والماء والعالم أربعة أجزاء ؛ فالمشرق الربع الأول، وجميع ما فيه حار رطب [مثل] الهواء والدم، وهذا الربع ريحه الجنوب، وله من الساعات الأولى والثانية والثالثة، وله من قوى البدن قوة الطبيعة الهاضمة، ومن المذاقات حظه الحلاوة، وله من الكواكب: القمر، والزهرة وله من البروج: الحمل، والثور، والجوزاء. وللحكماء [ في هذا] خطب طويل في وصف هذه الأرباع منها جُمل فيما مضى وما يأتي . والمغرب: وهو الربع الثاني، وجميع ما فيه بارد رطب [مثل] الماء والبلغم، والشتاء، ورياحه: الدَّبُورُ، وله من الساعات العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة، وله من المذاقات، المالح، وما شابه ذلك، وله من القوى: القوة الدافعة، وله من الكواكب: المشتري، وعُطارد، ومن البروج: الجدي، والدلو، والحوت. والجزء الثالث: التيمن، وجميع ما فيه حار يابس [مثل] المرَّة الصفراء. والصيف، وريحه: الصبّا، وله من الساعات الرابعة والخامسة والسادسة من النهار. وله من قوى البدن القوة النفسانية والحيوانية، وله من المذاقات: المرارة، وله من الكواكب، المريخ، والشمس، ومن البروج: السرطان، والسنبلة، والميزان، والجزء الرابع هو الجنوبي، وجميع ما فيه بارد يابس، مثل الأرض [والمرة السوداء، والخريف] وريحه الشمال وله من الساعات: السابعة والثامنة والتاسعة، وله من قوى البدن القوة الماسكة، ومن [الطعوم] والمذاقات: العَفْصُ، وله من الكواكب: زُحَل، وله من البروج: الميزان، والعقرب، والقوس، والأرض بعد ما وصفناه [تتهايأ ] في الهيئة، وتختلف في التأثير على مقادير الخطوط، فإذا بعد الخط كان التأثير بخلاف ما هو إذا قرب ؛ لموجبات متنافية متغايرة، وأفضل المواضع
من المسكون ما تطرح الشمس ضوء شعاعها إليه، وإلى الإقليم الرابع ينتهي عند هذه الطائفة شعاعها في صفوه وارتفاع كدره؛ لأن شعاع الشمس يهبط متساوياً إلى هذا الموضع وهو العراق.### علة عدم سكنى بعض الأرضقال المسعودي: والمواضع التي لا تسكن عند هذه الطائفة عدمت السكنى لعلتين: إحداهما إفراط الحر وإحراق الشمس وكثرة تواتر شعاعها على تلك الأرضين [حتى قد] جعلتها كلسية وأغاضت مياهها لكثرة التنشيف، والعلة الأخرى بعد الشمس عن الإقليم، وارتفاعها عن حوزاته، فاكتنف تلك الأرضين البرد، واستولى عليها القر والجَمدُ، فزاد إفراط البرد في الجو حتى أزال حسن الاعتدال ورفع فضيلة النشف، فلم تلبث الحرارة في الأجسام، ولم تظهر الرطوبة في إنماء الحيوان هنالك ؛ فصارت تلك البلاد قاعاً صفصفاً الحيوان والنبات، وهذه البلدان التي تراها مفرطة الحرارة والبرودة هي من تناسب ما ذكرنا من هذه الديار البلاقع.ولهذه الطائفة كلام كثير في فناء العالم ونقصه وعوده جديداً، وذكروا أن السلطان في هذا الوقت السنبلة [ وهو سبعة آلاف سنة، وذلك عمر هذا العالم البشري، وقد ساعد السنبلة] المشتري في التدبير، وأن نهاية العالم في كثرة قطع الكواكب المدير المسافة التامة بالقوى، فإذا استكمل قطع المسافة التي ذكروها [في الفلك] فهنالك يقع النفاد ويكون الدُّثُور بالعالم، والكواكب إذا كملت ما لها من كَرُ ودَوْر وعاد التدبير إلى الأول منها، وعادت أشخاص كل عالم وصوره مع اجتماع المواد التي كانت له في حال حركة تأثير الكوكب الذي كان التدبير إليه، وهكذا عند هؤلاء يجري شأن العالم سرمداً.### مدة سلطان الكوكبوزعموا أن سلطان الحَمْل اثنا عشر ألف سنة [وسلطان الثور إحدى عشرة ألف سنة، وسلطان الجوزاء عشرة آلاف سنة، وسلطان السرطان تسعة آلاف سنة، وسلطان الأسد ثمانية آلاف سنة، وسلطان السنبلة سبعة آلاف سنة وسلطان الميزان ستة آلاف سنة ] وسلطان العقرب خمسة آلاف سنة وسلطان القوس أربعة آلاف سنة وسلطان الجدي ثلاثة آلاف سنة، وسلطان الدلو ألفا سنة [وسلطان الحوت ألف سنة، فجميع ذلك ثمانية وسبعون ألف سنة ] وعند ذلك هو انقضاء العالم ونقض ما فيه ورجوعه إلى كونه .وتكلم هؤلاء في الجن الذين كانوا في الأرض قبل خلق [ الله ] آدم واستخلافه في الأرض، وأن المتولي لهم كوكب من الكواكب النارية.
وتكلم كلا الفريقين في أوج الشمس عند انفصالها إلى البروج الجنوبية وما يحدث في العالم في كون الشمال جنوباً والجنوب شمالاً وتحول العامر غامراً والغامر عامراً، على حسب ما ذكرنا ما ذكرنا في كتابنا المترجم بكتاب «الزلف».### أجناس الأجساموقد ذهب [غير] هؤلاء ممن تقدم من الأوائل [إلى] أن التي وجد بها سائر الموجودات كالأول والثواني والثوالث على قدر مراتبها [ في العقل] النفس والصورة والهيولى، وأنها المبادىء على حسب ما رتبناه وقدمناه في كتاب «الزلف» فما عدا ما وصفنا فهي الأجسام، وأجناسها ستة: الجسم السماوي [ والجسم الأرضي] والحيوان الناطق، والحيوان غير الناطق، والنبات، والأجسام الحجرية وهي المعدنية، والاستقصات الأربعة وهي النار والهواء والماء والأرض.وتكلم هؤلاء فيما يخص كل واحد مما ذكرنا مما لا يحتمله كتابنا هذا؛ إذ كان فيه خروج عن الغرض الميمم فيه، وقد أتينا على بسط ذلك في كتاب «الرؤوس السبعية، في باب السياسة المدنية، وعدد أجزائها وعللها الطبيعية» وهل ملك تلك المدينة جزء من أجزائها أو من غيرها؟ وإليه نهاية أجزائها على حسب ما ذكره فرفوريوس في كتابه في وصف منازعة أفلاطون وأرسطاطاليس في ذلك.فأما علة كون الشتاء بأرض الهند في الحالة التي يكون الصيف بها عندنا، والحالة التي يكون فيها عندنا الشتاء يكون الصيف عندهم فقد ذكرنا علة ذلك ووجه البرهان عليه، وأن ذلك للشمس في قربها وبعدها، وكذلك علة تكون السودان في بعض البقاع من الأرض دون بعض [وتفلفل شعورهم، وغير ذلك من مشهور أوصافهم، وعلة تكون البيضان في بعض البقاع دون بعض] وتفطر ألوان الصقالبة وشقرتهم وصُهُوية شعورهم، وما لحق الترك من استرخاء مفاصلهم وتعوج أسواقهم ولين عظامهم حتى إن أحدهم ليرمي بالنشاب من خلف كرميه من قدام فيصير وجهه قفاه وقفاه وجهه ؛ ومطاوعة فقارات الظهور لهم على ذلك، وكون الحمرة في وجوههم عند تكامل الحرارة في الوجه على الأغلب من كونها وارتفاعها؛ لغلبة البرد على أجسامهم، وقد أتينا بحمد الله على شرح ذلك ؛ وما انتظم من الدلائل الدالة على مصداق ما ذكرنا فيما سلف من كتبنا في هذه المعاني المقدم ذكرها. ولم نتعرض لذكر ما لم يصح عندنا في العالم وجوده حساً ولا خبراً قاطعاً للعذر ولا دافعاً للريب ومزيلاً للشك كأخبار العامة في كون النسناس، وأن وجوههم على نصف وجوه الناس، وأنهم ذوو أنياب، وقولهم في عنقاء مغرب. وقد زعم كثير من الناس أن الحيوان الناطق ثلاثة أجناس: ناس ونسناس، ونسانس وهذا
محال من القول ؛ لأن النسناس إنما وقع هذا الاسم على السفلة من الناس والرذال وقد قال الحسن: ذهب الناس وبقي النسناس، وقال الشاعر:ذهب الناس فاستقلوا، وصرناخلفاً في أراذل الـنـسناسأراد به ما وصفنا: أي ذهب الناس وبقي مَنْ لا خير فيه.### الجن وأنواعهاوقد ذهب كثير من الناس إلى أن الجن نوعان: أعلاهم وأشدهم الجن،[ وأخفضهم] وأضعفهم الجن، وأنشد الراجز:مختلف نَجْرُهُمُ جِنّ وحِنّوهذا التفصيل بين الجنسين من الجن لم يرد به خبر، ولا صح به أثر، وإنما ذلك من توهم الأعراب على حسب ما بيناه آنفاً### النسناسوقد غلب على كثير من العوام الأخبار عن معرفة النسناس وصحة وجوده في العالم كالإخبار عن وجود [ه في] الصين وغيرها من الممالك النائية والأمصار القاصية فبعضهم يخبر عن وجودهم في المشرق، وبعضهم في المغرب، فأهل المشرق يذكرون كونها بالمغرب، وأهل المغرب يذكرون أنها بالمشرق، وكذلك كل صقع من البلاد يُشير سكانه إلى أن النسناس فيما بعد عنهم من البلاد ونأى من الديار.وقدر رووا في ذلك خبراً مخرجه من طريق الآحاد أن ذلك في بلاد حضرموت من [ أرض] السخر، وهو ما ذكره عبد الله بن [سعيد بن ] كثير بن عفير المصري، عن أبيه عن يعقوب بن الحارث بن نجيم، عن شبيب بن شيبة بن الحارث التميمي، قال: قدمت الشَّحْر فنزلت على رأسها، فتذاكرنا النسناس، فقال: صيدوا لنا منها، فلما أن رجعت إليه [مع بعض أعوانه المهربين] إذ أنا بنسناس منها، فقال لي النسناس: أنا بالله وبك، فقلت لهم: خلوه، فخلوه، فلما حضر الغداء قال: هل اصطدتم منها شيئاً؟ قالوا: نعم، ولكن خلّاه ضيفك، قال: استعدوا فإنا خارجون في قَنَصِه، فلما خرجنا إلى ذلك في السَّحَر خرج منها واحد يعدو وله وجه كوجه الإنسان وشَعَرات في ذقنه، ومثل الثدي في صدره، ومثل رجلي الإنسان رجلاه، وقد ألظَّ به كلبان، وهو يقول::الويل لي مما به دهانيدهري من الهموم والأحزانقفا قليلاً أيها الـكـلْبـانِ***واستمعا قولي وصدقاني
إنكما حين تحاربانيألـفيتماني حضـرا عـنانـيلولا سُباتي ما ملكتمانيحـتـى تموتا أو تفارقانيلسـت بخوار ولا جبانولا بـنكس رعش الجنانلكن قضاء الملك الرحمنيُذِلُّ ذا القوة والسلطانقال: فالتقيا به فأخذاه، ويزعمون أنهم ذبحوا منها نسناساً، فقال قائل منها: سبحان الله، ما أشد حمرة دمه! فذبحوه أيضاً، فقال نسناس آخر من شجرة: كان يأكل السماق، قال: فقالوا نسناس آخر خذوه، فأخذوه وذبحوه، فقالوا: لو سكت هذا لم يعلم بمكانه، فقال نسناس من شجرة أخرى: أنا صمت: [قالوا نسناس خذوه ] فأخذوه [ فذبحوه] فقال نسناس من شجرة أخرى: يا لسان احْفَظ رأسك، فقالوا: نسناس خذوه، فأخذوه، وزعم من روى هذا الخبر أن المهرة تصطادها [في بلادها] وتأكلها .قال المسعودي: ووجدت أهل الشّحر من بلاد حضرموت وساحلها - وهي الأحساء مدينة على الشاطيء من أرض الأحقاف، وهي أرض الرمل وغيرها مما اتصل بهذه الديار من أرض اليمن وغيرها من عمان وأرض المُهرَة - يستطرفون أخبار النسناس إذا ما حدثوها، ويتعجبون من وصفه، ويتوهمون أنه ببعض بقاع الأرض مما قد نأى عنهم وبعد، كسماع غيرهم من أهل البلاد بذلك عنهم، وهذا يدل على عدم كونه في العالم، وإنما ذلك من هَوَس العامة واختلاطها، كما وقع لهم في خبر عنقاء مُغرب وهذا يدل على عدم كونه في العالم ورووا فيه حديثاً عَزَوْه إلى ابن عباس، ونحن لم نحل وجود النسناس والعنقاء وغير ذلك مما اتصل به بهذا النوع من الحيوان الغريب النادر في العالم من طريق العقل: فإن ذلك غير ممتنع في القدرة، ولكن أحَلْنا ذلك لأن الخبر القاطع للعذر لم يرد بصحة وجود ذلك في العالم، وهذا باب داخل في حيز الممكن الجائز خارج عن باب الممتنع والواجب، ويحتمل هذه الأنواع من الحيوان النادر ذكرها كالنسناس والعنقاء والعرابد وما اتصل بهذا المعنى أن تكون أنواعاً من الحيوان أخرجتها الطبيعة من القوة إلى الفعل ولم تحكمه ولم يتأتَ فيه الصُّنع كتأتيه في غيره من الحيوان، فبقي شاذاً فريداً متوحشاً نادراً في العالم طالباً للبقاع النائية من البر مبايناً لسائر أنواع الحيوان من الناطقين وغيرهم؛ للضدية التي فيه لغيره مما قد أحكمته الطبيعة، وعدم المشاكلة والمناسبة التي بينه وبين غيره من أجناس الحيوان وأنواعه، على حسب ما قدمنا في باب الغيلان فيما سلف من هذا الكتاب، وفي الإكثار من هذا خروج عن الغرض الذي إليه قصدنا في هذا الكتاب.
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب من الأخبار عمن زعم أن المتوكل أمر حُنَين ابن إسحاق - أو غيره من أهل عصره ممن عنى بهذا الشأن من الحكماء - أن يتأتى له ويحتال في حمل النسناس والْعَرْبَد من أرض اليمامة، وأن حُنَيناً حمل له شيئاً من ذلك، وقد أتينا على شرح هذا الخبر فيمن أرسل إلى اليمامة في حمل العربد وإلى بلاد السحر في حمل النسناس في كتابنا «أخبار الزمان» والله تعالى أعلم بصحة هذا الخبر، وليس لنا في ذلك إلا النقل، وأن نعزوه إلى راويه، وهو المقلد بعلم ذلك فيما حكاه ورواه ؛ فننظمه على حسب ما يتأتى لنا نظمه في الموضع المستحق له، والله ولي التوفيق برحمته.وأما ما ذكروه عن ابن عباس فهو خبر يتصل بخبر خالد بن سنان العبسي، وقد قدمنا فيما سلفمن هذا الکتاب خبرخالد بن سنان العبسي، وأنه ذكر أنه كان في الفترة بين عيسى ومحمد، وذكرنا خبره مع النار وإطفائه لها.### العنقاءفلنذكر الآن خبر العنقاء على حسب ما رووه، فلا بد من إعادة خبر خالد لذكر [نا] العنقاء واتصال الخبرين ومخرج هذه الأخبار كلها عن ابن عفير.حدث الحسن بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن عبد الله المروزي، قال: حدثنا أسد بن سعيد بن كثير بن عفير عن أبيه عن جده كثير، عن جد أبيه عفير عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ «إن الله خلق طائراً في الزمان الأول من أحسن الطير، وجعل فيه من كل حسن قسطاً، وخلق وجهه على مثال وجوه الناس، وكان في أجنحته كل لون حُسَن من الريش، وخلق له أربعة أجنحة من كل جانب منه، وخلق له يدين فيهما مخالب، وله منقار على صفة منقار العُقاب غليظ الأصل، وجعل له أنثى على مثاله، وسماهما بالعنقاء، وأوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران: إني خلقت طائراً عجيباً خلقته ذكراً وأنثى، وجعلت رزقه في وحش بيت المقدس، وآنستك بهما ؛ ليكونا مما فضلت به بني إسرائيل، فلم يزالا يتناسلان حتى كثر نسلهما، وأدخل الله موسى وبني إسرائيل في التيه فمكثوا فيه أربعين سنة حتى مات موسى وهارون في التيه وجميع من كان مع موسى من بني إسرائيل، وكانوا ستمائة ألف، وخَلَفَهم نسلهم في التيه، ثم أخرجهم الله تعالى من التيه مع يوشع بن نون تلميذ موسى ووصيه، فانتقل ذلك الطائر فوقع بنجد والحجاز في بلاد قيس عيلان، ولم يزل هنالك يأكل من الوحوش ويأكل الصبيان وغير ذلك من البهائم إلى أن ظهر نبي من بني عبس بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم يقال له خالد بن سنان، فشكا إليه الناس ما كانت العنقاء تفعل بالصبيان، فدعا الله عليها [أن يقطع نسلها فقطع الله نسلها] فبقيت صورتها تحكي في البسُط وغير ذلك.)
وقد ذهب جماعة من ذوي الروايات إلى أن قول الناس في أمثالهم «عنقاء مِغُرب» إنما هو للأمر العجيب النادر وقوعه، وقولهم «جاء فلان بعنقاء مُغرب» يريدون أنه جاء بأمر عجيب، قال شاعرهم:وَصَبَّحَهم بالجيش عنقاء مغربوَالْعَنَق: السرعة.### خالد بن سنان العبسيقال ابن عباس: وكان خالد بن سنان نبي بني عبس بَشِّر برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، فلما حضرته الوفاة قال لقومه: إذا أنا مت فادفنوني في حقفٍ من هذه الأحقاف، وهي تلول عظام من الرمل، واحرسوا قبري أياماً، فإذا رأيتم حماراً أشهب أبتر يدور حول الحقف الذي فيه قبري أياماً فاجتمعوا ثم انبشوا قبري وأخرجوني إلى شفير القبر، وأحضروا لي كاتباً ومعه ما يكتب فيه حتى أملي عليكم ما يكون وما يحدث إلى يوم القيامة، قال: فَرَصَدوا قبره [بعد وفاته ثلاثاً ثم ثلاثاً ثم ثلاثاً، فإذا الحمار يرعى حول الحقف قريباً من قبره] واجتمعوا عليه لينبشوه، كما أمرهم، فحضر ولده وشهروا سيوفهم، وقالوا: والله لا تركنا أحداً ينبشه، أتريدون أن نُعَير بذلك غداً وتقول لنا العرب: هؤلاء ولد المنبوش؟ فانصرفوا عنه وتركوه، قال ابن عباس: ووردت ابنة له عجوز قد عمرت على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فتلقاها بخير وأكرمها وأسلمت، وقال لها: «مرحباً بابنة نبي ضيعه أهله» قال شاعر بني عيسى:)بني خالد لو أنكم إذ حضرتُمنبشتم عن الميت المغيب في القبرلأبقى عليكم آل عبس ذخيرةٌمن العلم لا تبلى على سالف الدهروقد رويت عن ابن عفير أخبار كثيرة في هذا المعنى وأشباهه من فنون الأخبار من أخبار بني إسرائيل وغيرها.### الخيلمنها خبر خلق الخيل، وهو ما حدث به الحسن بن إبراهيم الشعبي القاضي، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله المروزي قال: حدثنا أبو الحارث أسد بن سعيد بن كثير بن عفير عن أبيه، عن جده كثير، عن [جد] أبيه عفير قال: قال عكرمة: أخبرني [مولاي] ابن عباس، قال: قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «إن الله لما أراد أن يخلق الخيل أوحى إلى الريح الجنوبي: إني خالق منك خلقاً [فاجتمعي] فاجتمعت، فأمر جبريل فأخذ منها)
[قبضة] ثم قال الله: هذه قبضتي، قال: ثم خلق الله منها فرساً كُمَيْتاً، ثم قال الله: خلقتك فرساً، وجعلتك عربياً، وفضلتك على سائر ما خلقته من البهائم بسعة الرزق، والغنائم تقاد على ظهرك، والخير معقود بناصيتك، ثم أرسله، فصَهَل، فقال الله: باركت فيك، بصهيلك أرعب المشركين، وأملأ مسامعهم، وأزلزل أقدامهم، ثم وسمه بغرة وتحجيل، فلما خلق الله آدم قال: يا آدم، أخبرني أي الدابتين أحب إليك الفرس أو البراق؟ قال: وصورة البراق على صورة البغل، لا ذكر ولا أنثى، فقال آدم: يا رب، اخترتُ أحسنهما وجهاً، فاختار الفرس، فقال الله، يا آدم اخترت عزك وعز ولدك باقياً ما بقوا وخلدوا» قال ابن عباس: فذلك الوَسْمُ فيه وفي ولده إلى يوم القيامة، يعني الغرة والتحجيل.قال المسعودي رحمه الله: وقد ذكر عيسى بن لهيعة المصري في كتابه المترجم بكتاب «الحلائب والجلائب» وذكره لكل حَلْبة أجريت فيها الخيل في الجاهلية والإسلام: أن سليمان بن داود زَوَّد أناساً من الأزد فرساً يصيدون عليه، فسمي زاد الراكب، وكذلك ذكر ابن دريد في كتاب الخيل وغيره.وللناس في الخيل أخبار [عظيمة ] كثيرة قد أتينا على ذكرها في السالف من كتبنا .[ ولولا أن المصنف حاطب ليل لذكره في تصنيفه من كل نوع لما ذكرنا هذه الأخبار ؛ إذ الناس من أهل العلم والدراية في قبول الأخبار على وجوه].### الكلام على الأخباروقد ذهبت طائفة إلى أن الأخبار التي تقطع العذر وتوجب العلم والعمل هي أخبار الاستفاضة: ما رواه الكافة عن الكافة، وأن ما عدا ذلك فغير واجب قبوله.وذهب الجمهور من فقهاء الأمصار إلى قبول خبر الاستفاضة، وهو خبر التواتر، وأنه يوجب العلم والعمل، وأوجبوا العمل بخبر الواحد، وزعموا أنه موجب للعمل دون العلم بأوصاف ذكروها.ومن الناس من ذهب إلى غير هذه الوجوه في قبول الأخبار من الضرورية وغيرها.وما ذكرناه من حديث النسناس والعنقاء وخلق الخيل فغير داخل في أخبار التواتر الموجبة للعمل واللاحقة بما أوجب العمل دون العلم، ولا بالأخبار المضطرة لسامعها إلى قبولها عند ورودها واعتقاد صحتها عن مُخبرها، وهذا النوع من الأخبار قد قدمنا [أنها] في حَيّز الجائز الممكن الذي ليس بواجب ولا ممتنع، وهي لاحقة بالإسرائيليات من الأخبار والأخبار عن عجائب البحار. ولولا ما قدمنا آنفاً من اشتراطنا على أنفسنا.
الاختصار والإيجاز لذكرنا ما اتصل بهذا المعنى من الأخبار مما رواه أصحاب الحديث عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وهم حملة السنن ونقلة الآثار، مما لا يتناكرونه، ويعرفونه ولا يدفعونه.)### أمثله من الأخبارمثل حديث القرد الذي كان في السفينة في عهد بني إسرائيل مع رجل كان يبيع الخمر لأهل السفينة ويَشُوبُ الخمر بالماء، وأنه جمع من ذلك دراهم كثيرة، وأن القرد قبض على الكيس الذي كانت فيه الدراهم وصعد على الدقل، وهو صاري المركب ويُدعى بالعراق الدقل، فخل الكيس ولم يزل يرمي درهماً إلى الماء ودرهماً إلى السفينة، حتى قسم ذلك نصفين.ومثل ما روى الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وكذلك قد رواه عن فاطمة بنت قيس عدة من الصحابة، وهو خبر تميم الداريّ، أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أخبر عنه أنه أخبره أنه ركب البحر في جماعة من بني عمه في سفينة، فأضَلَّ بهم البحر وألقاهم إلى جزيرة [ فخرجوا من السفينة إلى الجزيرة] فنظروا إلى دابة عظيمة قد نشرت شعرها، فقالوا لها: أيتها الدابة، ما أنت؟ فقالت: أنا الجَسَّاسة التي أخرج آخر الزمان، وذكروا عنها)كلاماً غير هذا، وأنها قالت: عليكم بصاحب القصر، فنظروا فإذا هم [بقصر من حاله ووصفه كذا، وإذا هم] برجل بالحديد والقيود مُسلسل إلى عمود من حديد وصفة وجهه كذا، وأنه خاطبهم وساءلهم، وإنه الدجال، وأنه أخبرهم بحمل من الملاحم، وأنه لا يدخل مدينة النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ، وغير ذلك مما ذكر في هذا الحديث وغيره مما ورد من الأخبار في معناه، وهذا باب كبير يتسع وصفه ويعظم شرحه.)### عود إلى ذكر أرباع العالم والطبائعثم رجع بنا القول إلى ما كنا فيه آنفاً من ذكر أرباع العالم والطبائع، وما اتصل بهذا المعنى، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب جوامع من الكلام في الطبائع وغيرها مما ينبه على عظم هذا الباب ومبسوطه، وقد زعم جماعة ممن تقدم وتأخر وتأخر من الأطباء ومصنفي الكتب في الطبيعيات.### للطعام انهضامات ثلاثةوغيرها أن للطعام ثلاثة انهضامات: أما الأول فهي المعدة [فإن المعدة] تهضم الطعام فتأخذ قوته فيصير مثل ماء الشكك، ثم تدفعه إلى الكبد [ثم يدفعه الكبد] في العروق إلى جميع الجسد كاندفاع الماء من النهر إلى السواقي والمشارب، فتهضمه
أعضاء الجسد التالية، فتصيره إلى شبهها اللحم لحماً والشحم شحماً، وكذلك العروق والعصب وما سوى ذلك [ وأن أقتارها إذا استوت استوت أقدار القوى] وإذا استوت القوى استوى الجسد واعتدل ويصح بإذن الله تعالى.### فصول السنة وأثر كل منهاوأن الزمان أربعة فصول: الصيف، والخريف، والشتاء، والربيع؛ فالصيف يقوي المرة الصفراء ويكثر اهتياجها، والخريف يقوي السوداء، والشتاء يقوي البلغم، والربيع يقوي الدم .ثم ينقسم عمر الإنسان أربعة أقسام: الصبا وفيه يقوي الدم، والشباب وفيه تقوى المرة الصفراء، والكهولة وفيها تقوى السوداء، والشيوخة وفيها يقوي البلغم.وأن البلدان أيضاً تنقسم على أربعة أقسام: المشرق وطبيعته الحرارة والرطوبة، وفيه يقوى الدم، والجنوب وطبيعته البرودة واليبس، وفيه تقوى المرة [السوداء، والغرب وطبيعته البرودة والرطوبة وفيه يقوى البلغم، والتيمن وطبيعته الحرارة واليبس، وفيه تقوى المرة] الصفراء، وأن بنية الأصول من الجسد ربما كان مستوية معتدلة الأخلاط، وربما كان أحد الأخلاط أغلب في البنية فتظهر قوته بأعلامه حتى يكون مقوياً لذلك الخلط إذا هاج.وقد قال أبقراط: ينبغي أن يكون كل شيء في هذا العالم مقدراً على سبعة أجزاء، فالنجوم سبعة، والأقاليم سبعة [ والأيام سبعة] وأسنان الناس سبعة: أولها طفل، ثم صبي إلى أربع عشرة سنة، ثم غلام إلى إحدى وعشرين سنة، ثم شاب ما دام يشب ويقبل الزيادة إلى خمس وثلاثين سنة، ثم كهل إلى الأربعين، ثم شيخ إلى سبع وأربعين سنة، ثم هرم إلى آخر العمر.وجميع تغير أحوال الحيوان من الناطقين وغيرهم من الهواء يكون ذلك.### الهواء وأثره في الإنسان والحيوانوقد قال الحكيم أبقراط: إن تغير حالات الهواء هو الذي يغير حالات الناس: مرة إلى الغضب، ومرة إلى السكون، وإلى الهم والسرور وغير ذلك، وإذا استوت حالات الهواء استوت حالات الناس وأخلاقهم.وقال: إن قوى النفس تابعة لمزاجات الأبدان، ومزاجات الأبدان تابعة لتصرف الهواء: إذا برد مرة وسخن أخرى خرج الزرع نضيجاً ومرة غير نضيج، ومرة قليلاً ومرة
كثيراً، ومرة حاراً ومرة بارداً، فتتغير لذلك صورهم ومزاجاتهم، وإذا اعتدل الهواء واستوى خرج الزرع معتدلاً، فاعتدل بذلك الصور والمزاجات.### الاستدلال بالأقاليم على تأثير الهواءفأما علة تشابه صور الترك فإنه لما استوى هواء بلدانهم في البرد استوت صورهم وتشابهت، وكذلك أهل مصر لما استوت أهواؤهم تشابهت صورهم، ولما كان الغالب على هواء الترك البرد وعجزت الحرارة عن تنشيف رطوبات أبدانهم كثرت شحومهم، ولانت أبدانهم، وتشبهوا بالنساء في كثير من أخلاقهم، فضعفت شهوة الجماع فيهم، وقلَّ ولدهم؛ لبرد مزاجهم، وللرطوبة الغالبة عليهم، وقد يكون ضعف الشهوة أيضاً لكثرة ركوب الخيل، وكذلك نساؤهم: لما سمنت أبدانهن ورطبت ضعفت أرحامهن عن جذب الزرع إليها.وأما حمرة ألوانهم فللبرد كما ذكرنا ؛ لأن البياض إذا ألحت عليه البرودة صار إلى الحمرة، وبيان ذلك أن أطراف الأصابع والشفة والأنف إذا أصابها برد شديد احمرّت .وذكر الحكيم أبقراط أن في بعض البلدان من الجنوب بلدة كثيرة الأمطار كثيرة النبات والعُشب، وأن أشجارها ذاهبة في الهواء، ومياهها عذبة ودوابها عظيمة، وهي مخصبة ؛ لأن تلك البلاد لم يلحقها حر الشمس، ولم يلحقها يبس البرد، فأجسام أهلها عظيمة، وصورهم جميلة، وأخلاقهم كريمة ؛ فهم - في صورهم وقاماتهم واعتدال طبائعهم - يشبهون باعتدال زمان الربيع، غير أنهم أصحاب دعة لا يحتملون الشدائد والكد.وقال أبقراط في معنى ما وصفنا وما إليه قصدنا، من بيان الأهوية وتأثيرها في الحيوان والنبات: إن الروح المطبوعة فيها هي التي تجذب الهواء إلينا، وإن الرياح تقلب الحيوان من حال إلى حال، وتصرفه من حر إلى برد، ومن يبس إلى رطوبة، ومن سرور إلى حزن، وكما تغير ما في البيوت من بزر أو عسل أو فضة أو شراب أو سمن فتسخنها مرة وتبردها أخرى [ وترطبها مرة وتيبسها أخرى]، وعلة ذلك أن الشمس والكواكب تغير الهواء بحركاتها، وإذا تغير الهواء تغير بتغيره كل شيء، فمن تقدم وعرف أحوال الأزمنة وتغيرها والدلائل التي فيها عرف السبب الأعظم من أسباب العلم وتقدم في حفظ صحة الأبدان.### أثر الجنوبوقال أيضاً: إن الجنوب إذا هبت أذابت الهواء وبردته، وسخنت البحار والأنهار، وكل شيء فيه رطوبة، وتغير لون كل شيء وحالاته، وهي ترخي الأبدان والعصب،
وتورث الكسل، وتحدث ثقلاً في السماع، وغشاوة في البصر ؛ لأنها تحلل المرة، وتنزل الرطوبة إلى أصل العصب الذي يكون فيه الحس.### أثر الشمالوأما الشمال فإنها تصلب الأبدان، وتصح الأدمغة، وتحس اللون، وتصفي الحواس، وتقوي الشهوة والحركة، غير أنها تحرك السُّعَال الصدر.وقد زعم بعض من تأخر في الإسلام من الحكماء أن الجنوب إذا هَبَّ بأرض العراق تغير الورد، وتناثر الورق [وتشقق القنبيط] وسخن الماء، واسترخت الأبدان، وتكدر الهواء، قال: وذلك شبه ما قاله أبقراط: إن الصيف أوْباً من الشتاء؛ لأنه يسخن الأبدان فيرخيها ويضعف قواها، وإن أهل العراق يكون الرجل منهم نائماً في فراشه فيحس بهبوبها، وإنه وإذا هبت الشمال بَرَدَ الخاتم في إصبعه واتسع لانضمام البدن بها، وإذا هبت الجنوب سخن الخاتم وضاق، واسترخى البدن، وحدث فيه الكسل، وهذا يجده سائر من بالعراق ممن له حس، إذا صرف همته إلى تأمل ذلك، وكذلك يجده من تأمل ما وصفناه في سائر الأمصار في بقاع الأرض والبلدان، وإن كان ذلك بالعراق أظهر لعموم الاعتدال.### الرياح الأربعةثم قال الحكيم أبقراط في معنى ما ذكرناه: إن الرياح العامة أربعة: إحداها تهب من جهة المشرق، وهي القبول، والثانية تهب من المغرب، وهي الدَّبُور، والثالثة من التيمن، وهي الجنوب، والرابعة من التيسر، وهي الشمال.[ [فأما الريح التي تهب في بلد دون بلد فإنها تسمى الريح البلدية].قال المسعودي: وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب جوامع من الأخبار عن [الأرض والبحار، وكثير من الممالك والبلدان، وذكرنا في هذا الباب جوامع من الأخبار] عن الطبائع والأهوية والبلدان وأرباع الأرض من العامر والغامر، وغير ذلك مما تقدم ذكره وانتظم تصنيفه واتَّسَق بحمد الله إيراده ؛ فرأينا أن نختم هذا الباب بجوامع من مساحات الممالك، وما بينها من البعد والقرب، على حسب ما حكاه الفرازي صاحب کتاب الزيج والقصيدة في هيئة النجوم والفلك:### مساحات الممالك وما بينها من المسافةزعم الفزاري أن عمل أمير المؤمنين من فرغانة وأقصى خراسان إلى طَنْجَة
بالمغرب ثلاثة آلاف وسبعمائة فرسخ، والعرض من باب الأبواب إلى جدة ستمائة فرسخ، ومن الباب إلى بغداد ثلاثمائة فرسخ، ومن مكة إلى جدة اثنان وثلاثون ميلاً.عمل الصين من المشرق أحد وثلاثون ألف فرسخ في أحد عشر ألف فرسخ .عمل الهند في المشرق أحد عشر ألف فرسخ في سبعة آلاف فرسخ.عمل التبت خمسمائة فرسخ في مائتين وثلاثين فرسخاً.عمل كابلشاه أربعمائة فرسخ في ستين فرسخاً .عمل التغزغز بالترك ألف فرسخ في خمسمائة فرسخ.عمل الترك لخاقان سبعمائة فرسخ في خمسمائة فرسخ .[عمل الخزر واللان سبعمائة فرسخ في خمسمائة فرسخ].عمل برجان ألف وخمسمائة فرسخ في ثلاثمائة فرسخ.عمل الصقالبة ثلاثة آلاف وخمسمائة فرسخ في أربعمائة فرسخ وعشرين فرسخاً عمل الروم [بقسطنطينية خمسة آلاف فرسخ في أربعمائة وعشرين فرسخاً عمل رومية الروم] ثلاثة آلاف فرسخ في سبعمائة فرسخ.عمل الأندلس لعبد الرحمن بن معاوية ثلاثمائة فرسخ في ثمانين فرسخاً .عمل إدريس الفاطمي ألف ومائتا فرسخ في مائة وعشرين فرسخاً.عمل ساحل سجلماسة لبني المنتصر أربعمائة فرسخ في ثمانين فرسخاً.عمل أنبيه ألفان وخمسمائة فرسخ في ستمائة فرسخ.عمل غانة بلاد الذهب ألف فرسخ في ثمانين فرسخاً .عمل ورام مائتا فرسخ في ثمانين فرسخاً.عمل نخلة مائة فرسخ وعشرون فرسخاً في ستين فرسخاً .عمل واح ستون فرسخاً في أربعين فرسخاً.عمل البجة مائتا فرسخ في ثمانين فرسخاً.عمل النجاشي ألف وخمسمائة فرسخ في أربعمائة فرسخ.عمل الزنج بالمشرق سبعة آلاف وستمائة فرسخ في خمسمائة فرسخ.[عمل أسطولاً لأحمد بن المنتصر أربعمائة فرسخ في مائتين وخمسين فرسخاً].
فذلك الطول اثنان وسبعون ألفاً وأربعمائة وثمانون فرسخاً، والعرض خمسة وعشرون ألفاً ومائتان وخمسون فرسخاً.### أصول الطبوأما الكلام في وصف أصول الطب، وهل ذلك، مأخوذ من طريق الرياضةوالقياس أم من غيره، ووصف تنازع الناس في ذلك ؛ فلم نتعرض لإيراده في هذا الباب، وإن كان متعلقاً ومتصلاً بالكلام في الطبائع وجمل المعاني المذكورة في هذا الباب؛ لأنا قد أوردناه فيما يرد من هذا الكتاب في أخبار الواثق على إيضاح جرى بحضرته، وقد حضر مجلسه حنين بن إسحاق وابن ماسويه [ويختيشوع وميخائيل] وغيرهم من الفلاسفة والمتطببين، فأغنى ذلك عن إيراده في هذا الباب، ولولا أن الكتاب يَردُ على أغراض مختلفة من الناس لما هُمْ عليه من اختلاف الطبائع والتباين في المراد لما ذكرنا بعض ما نورد فيه من أنواع العلوم وفنون الأخبار، وقد يلحق الإنسان الملل لقراءته ما لا تهوى نفسه فينتقل منه إلى غيره، فجمعنا فيه من سائر ما يحتاج الناس من ذوي المعرفة إلى علمه، ولما تغلغل بنا الكلام في نظمه وتشعبه واتصاله بغيره من المعاني مما لم يتقدم ذكره، وقد أتينا على مبسوط سائر ما ذكرناه على الاتساع والإيضاح في كتابنا «أخبار الزمان» وفي الكتاب الأوسط، والله تعالى أعلم.
## ذكر البيوت المعظمة، والهياكل المشرفة وبيوت النيران والأصنام وذكر الكواكب،وغير ذلك من عجائب العالم### عبادة الهند واتخاذهم الأصنام[قال المسعودي ]: كان كثير من أهل الهند والصين وغيرهم من الطوائف يعتقدون أن الله عز وجل جسم، وأن الملائكة أجسام لها أقدار، وأن الله تعالى وملائكته احتجبوا بالسماء، فدعاهم ذلك إلى أن اتخذوا تماثيل وأصناماً على صورة الباري عز وجل، وبعضها على صورة الملائكة: مختلفة القدود والأشكال، ومنها على صورة الإنسان وعلى خلافها من الصور،يعبدونها، وقربوا لها القرابين، ونذروا لها النذور، لشبهها عندهم بالباري وقربها منه، فأقاموا على ذلك برهة من الزمان وجملة من الأعصار.### عبادتهم الكواكب واتخاذهم أصناماً لهاحتى نبههم بعض حكمائهم على أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام المرئية إلى الله تعالى، وأنها حية ناطقة، وأن الملائكة تختلف فيما بينها وبين الله، وأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب عن أمر الله، فعظموها وقربوا لها القرابين لتنفعهم، فمكثوا على ذلك دهراً، فلما رأوا الكواكب تخفى بالنهار وفي بعض أوقات الليل لما يعرض في الجو من السواتر أمرهم بعض من كان فيهم من حكمائهم أن يجعلوا لها أصناماً [ وتماثيل على صورها وأشكالها، فجعلوا لها أصناماً وتماثيل] بعدد الكواكب الكبار المشهورة، وكل صنف منهم يعظم كوكباً منها، ويقرب لها نوعاً من القربان خلاف ما للآخر، على أنهم إذا عظموا ما صوروا من الأصنام تحركت لها الأجسام العلوية من السبعة بكل ما يريدون، وبنوا لكل صنم بيتاً وهيكلاً مفرداً، وسموا تلك الهياكل بأسماء تلك الكواكب.وقد ذهب قوم إلى أن البيت الحرام [هو بيت زُحَلَ، وإنما طال عندهم بقاء هذا البيت] على مرور الدهور معظماً في سائر الأعصار لأنه بيت زُحل، وأن زحل تولاه، لأن
زحل من شأنه البقاء والثبوت، فما كان له فغير زائل ولا دائر، وعن التعظيم غير حائل، وذكروا أموراً أعرضنا عن ذكرها لشناعة وصفها.### بوداسف أول الصابئةولما طال عليهم العهد عبدوا الأصنام على أنها تقربهم إلى الله، وألفوا عبادة الكواكب، فلم يزالوا على ذلك حتى ظهر بوداسف بأرض الهند، وكان هندياً [وقد كان بوداسف] خرج من أرض الهند إلى السند، ثم سار إلى بلاد سجستان وبلاد زابلستان، وهي بلاد فيروز بن كبك، ثم دخل السند [ثم] إلى كرمان، فتنبأ وزعم أنه رسول الله، وأنه واسطة بين وبين خلقه، وأتى أرض فارس، وذلك في أوائل ملك طهمورث ملك فارس، وقيل: ذلك في ملك جَمَّ، وهو أول من أظهر مذاهب الصابئة على حسب ما قدمنا آنفاً فيما سلف من هذا الكتاب، وقد كان بوداسف أمر الناس بالزهد في هذا العالم والاشتغال بما علا من العوالم ؛ إذ كان من هنالك بدء النفوس، وإليها يقع الصدر من هذا العالم.وجدد بوداسف عند الناس عبادة الأصنام، والسجود لها، لشُبه ذكرها، وقَرَّبَ لعقولهم عبادتها بضروب من الحيل والخدع.### جم أول من دعا إلى عبادة الناروذكر ذوو الخبرة بشأن هذا العالم وأخبار ملوكهم أن جَمَّ الملك أول من عَظَّم النار، ودعا الناس إلى تعظيمها، وقال: إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب ؛ لأن النور عنده أفضل من الظلمة، وجعل للنور مراتب.ثم تنازع هؤلاء بعده، فعظم كل فريق منهم ما يرون تعظيمه من الأسماء تقرباً إلى الله بذلك [ ثم تنازعوا برهة من الزمان].### عمرو بن لحي أظهر الأصنام بمكةونشأ عمرو بن لحي فساد قومه بمكة واستولى على أمر البيت، ثم سار إلى مدينة البلقاء من عمل دمشق من أرض الشام، فرأى قوماً يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، فقالوا: هذه أرباب نتخذها، نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فتسقى، وكل ما نسألهم نعطي، فطلب منهم صنماً يدعونه هُبَلَ، فسار به إلى مكة، ونصبه على الكعبة ومعه إساف ونائلة، ودعا الناس إلى تعظيمها وعبادتها، ففعلوا ذلك، إلى أن أظهر الله الإسلام وبعث محمداً عليه الصلاة والسلام ؛ فطهر البلاد، وأنقذ العباد.
### البيت الحراموقد قال هؤلاء: إن البيت الحرام من البيوت السبعة المعظمة المتخذة على أسماء الكواكب من النيرين والخمسة.### بيت للمجوس بأصبهانوبيت ثان معظم على رأس جبل بأصبهان يقال له مارس، وكانت فيه أصنام، إلى أن أخرجها منه يستاسف الملك لما تمجسَ وجعله بيت ناره، وذلك على ثلاثة فراسخ من أصبهان، وهذا البيت معظم عند المجوس إلى هذه الغاية.### بيت بالهندوالبيت الثالث يدعى مندوسان ببلاد الهند [ وهذا البيت تعظمه الهند] وله قرابين تقرب، وفيه أحجار المغناطيس الجاذبة والدافعة والمنفرة من أوصاف لا يسعنا الإخبار عنها؛ فمن أراد أن يبحث عن ذكرها فليبحث، فإنه بيت مشهور ببلاد الهند.### بيت البرامكة ببلخوالبيت الرابع هو النوبهار الذي بناه منوشهر بمدينة بلخ من خراسان على اسم القمر، وكان من يلي سدانته تعظمه الملوك في ذلك الصقع، وتنقاد إلى أمره وترجع إلى حكمه، وتحمل إليه الأموال، وكانت عليه وقوف، وكان الموكل بسدانته يدعى البرمك، وهوسمة عامة لكل [من يلي] سدانته، ومن أجل ذلك سميت البرامكة؛ لأن خالد بن بَرْمَك كان من ولد مَنْ كان على هذا البيت، وكان بنيان هذا البيت من أعلى البنيان تشييداً، وكان تنصب على أعلاه الرماح عليها شقاق الحرير الأخضر طولُ الشقة مائة ذراع فما دونها قد نصب لذلك رماح وخشب تدفع قوة الريح بما عليها من الحرير، فيقال والله أعلم: إن الريح خطفت يوماً بعض تلك الشقاق ورمت به، فأصيب على مسافة خمسين فرسخاً، وقيل: أكثر من تلك المسافة، وهذا يدل على زيادته في الجو وتشييد بنيانه، وكان الحيز المحيط بهذا البنيان أميالاً لم نذكرها ؛ إذ كان أمر ذلك مشهوراً من وصف علوّ السور وعرضه.قال المسعودي: وقد ذكر بعض أهل الرواية والتنقير أنه قرأ على [باب] النوبهار ببلخ كتاباً بالفارسية ترجمته « قال بوداسف: أبواب الملوكِ تحتاج إلى ثلاث خصال: عقل، وصبر، ومال» وإذا تحته بالعربية «كذب بوداسف، الواجب على الحر إذا كان معه واحدة من [هذه الثلاث] الخصال أن لا يلزم باب السلطان».
### غمدان بصنعاءوالبيت الخامس بيت عَمَدَانَ الذي بمدينة صنعاء من بلاد اليمن، وكان الضحاك بناه على اسم الزهرة، وخربه عثمان بن عفان رضي الله عنه ؛ فهو في وقتنا هذا - [وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ] - خراب قد هدم فصار تلاً عظيماً، وقد كان الوزير علي بن عيسى بن الجراح - حين نفي إلى اليمن وصار إلى صنعاء - بَنَى فيه سقاية وحَفَرَ فيه بئراً.ورأيت عُمدان ردماً وتلاً عظيماً قد انهدم بنيانه، وصار جبل تراب كأنه لم يكن، وقد كان أسعد بن يعفر صاحب قلعة كحلان النازل بها وصاحب مخاليف اليمن في هذا الوقت، وهو المعظم في اليمن، أراد أن يبني غمدان، فأشار عليه يحيى بن الحسين الحسني أن لا يتعرض لشيء من ذلك ؛ إذ كان بناؤه على يدي غلام يخرج من أرض سبأ وأرض مأرب يؤثر في صقع [من] هذا العالم تأثيراً عظيماً.وقد ذكر هذا البيت جد أمية بن أبي الصلت [وقيل: هو أبو الصلت] أمية، واسمه ربيعة في مدحه لسيف بن ذي يزن، وقيل: إن الممدوح بهذا الشعر معد يكرب بن سيف حيث يقول:اشرب هنيئاً عليك التاجُ مُرتَفِقاًبرأس عُمْدان داراً منك مِحْلَالًاوكان أبو أمية جاهلياً، وهو القائل في أصحاب الفيل:[إن آيـــات ربنـا بيـنـاتما يُماَرِي بهنَّ إلا كَفُور]غلب الفيل بالمُغَمِّس حتىظَلَّ يحبــو كأنه معقورحوله من شباب كنده فتـيـان ملاويث في الحروب صقورواضعاً خلفه الجرار كما قُطر***صخر من جانب محدُورُ]وقد ] قيل: إن ملوك اليمن كانوا إذا قعدوا في [أعلى] هذا البنيان بالليل واشتعلت الشموع رأى الناس ذلك من مسيرة ثلاثة أيام.### بيت بقرغانة بخراسانوالبيت السادس كاوسان، بناه كاوس الملك بناءً عجيباً على اسم المدبر الأعظم الأجسام السماوية وهو الشمس، بمدينة فرغانة من مدائن خراسان، وخربه المعتصم بالله، ولهدمه هذا البيت خير طريف قد أتينا على ذكره في كتاب «أخبار الزمان».
### بيت بالصينوالبيت السابع بأعالي بلاد الصين، بناه ولد عامور بن سوبل بن یافث بن نوح، وأفرده للعلة الأولى ؛ إذ كان منشأ هذا الملك ومبدأه وباعث الأنوار إليه، وقيل: إنما بناه بعض ملوك الترك في قديم الزمان وجعله سبعة أبيات في كل بيت منها سبع كُوّى يقابل كل كوة صورة منصوبة على صورة [كوكب] من الخمسة والنيرين من أنواع الجواهر المضافة إلى تأثير تلك الكواكب، من ياقوت [أو عقيق] أو زمرد على اختلاف ألوان الجواهر، ولهم في هذا الهيكل سرّ يسرونه في بلاد الصين، بما قد زَخْرَفَ لهم فيه القول وزينه لهم الشيطان، ولهم في هذا الهيكل علوم في اتصال الأجسام السماوية وأفعالها بعالم الكون الذي تحدثه، وما يحدث فيه من الحركات والأفعال عند تحرك الأجسام السماوية ؛ [وقد قرب ذلك إلى عقولهم: بأن جعل لهم مثالاً من الشاهد يدل على ما غاب عنهم من فعل الأجسام السماوية،] في هذا العالم، وهو خشب الديباج الذي ينسج به ؛ فيضرب من حركات الصانع بذلك الخشب والخيوط الإبريسم تحدث ضروب من الحركات، فإذا اتصلت أفعاله وتواترت حركاته من النسج للثوب الديباج تمت الصورة فيه؛ فبضرب من الحركات يظهر جناح طائر، وبآخر رأسه، وبآخر رجلاه؛ فلا يزال كذلك حتى تتم الصورة على حسب مراد الصانع لها، فجعلوا هذا المثال واتصال الإبريسم بآلة النسج وما يحدثه الصانع في ذلك من الأفعال مثالاً لما ذكرنا من الكواكب العلوية، وهي الأجسام السماوية، فبضرب من الحركات ظهر في العالم الطائر [وبضرب آخر بيضة] ويضرب آخر فرخ، وكذلك سائر ما يحدث في العالم، ويسكن ويتحرك ويوجد ويعدم، ويتصل وينفصل، ويجتمع ويفترق، ويزيد وينقص، من جماد أو نبات أو حيوان ناطق أو غير ناطق، فإنما يحدث عن حركات الكواكب على حسب ما وصفنا من نسج الديباج وغيره من الصنائع، وأهل صناعة النجوم لا يتناكرون أن يقولوا: [أعطته الزهرة كذا، وأعطاه المريخ كذا، كالشفرة وصُهُوبة الشعر وأعطاه زُخْلُ خفة العارضين وجُحُوظَ العينين] وأعطاه عُطَارد دقة الصنعة، وأعطاه المشتري الحياء والعلم والدين، وأعطته الشمس كذا، وأعطاه القمر كذا، وهذا باب يكثر القول فيه ويتسع وصف مذاهب الناس فيه، وما قالوه في بابه.
## ذكر البيوت المعظمة عند اليونانتين### إشارة:البيوت المضاف بناؤها إلى مَنْ سلف من اليونانيين ثلاثة بيوت:### بيت أنطاكيةفبيت منها كان بأنطاكية من أرض الشام، على جبل بها داخل المدينة، والسور محيط بها، وقد جعل المسلمون في موضعه مَرْقَباً ليُنْذِرهم مَنْ قد رُتِّب فيه من الرجال بالروم إذا وردوا من البر والبحر، وكانوا يعظمونه، ويقربون فيه القرابين؛ فخرب عند مجيء الإسلام، وقد قيل: إن قسطنطين الأكبر ابن هيلاني الملكة المظهرة لدين النصرانية هو المخرب لهذا البيت، وكانت فيه الأصنام والتماثيل من الذهب [والفضة] وأنواع الجواهر، وقد قيل: إن هذا البيت هو بيت بمدينة أنطاكية على يسرة الجامع اليوم، وكان هيكلاً عظيماً، والصابئة تزعم أن الذي بناه سقلابيوس، وهو في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - [سوق] يعرف بسوق الجزارين، وقد كان ثابت بن قرة بن كراني الصابئي الحراني - حين وافى المعتضد بالله في سنة تسع وثمانين ومائتين في طلب وصيف الخادم - أتى هذا الهيكل وعَظَّمه، وأخبر من شأنه ما وصفنا.### الأهرام بمصروالبيت الثاني من بيوت اليونانيين هو بعض تلك التي ببلاد الأهرام مصر وهو يرى من الفسطاط على أميال منها.### بيت المقدسوالبيت الثالث هو بيت المقدس، على ما زعم القوم، و[أهل] الشريعة إنما تخبرأن داود (عَلَيهِ السَّلَامُ ؟ بناه وأتمه سليمان بعد وفاة أبيه، والمجوس تزعم أن الذي بناه الضحاك، وأنه سيكون له في المستقبل من الزمان خطب طويل، ويقعد فيه ملك عظيم، وذلك عند ظهور شوبين على بقرة من صفتها كذا، ومعه من الناس كذا من العدد، وأقاصيص تدعيها المجوس في هذا المعنى، واختلاط طويل ننزه كتابنا عن ذكره، والله تعالى ولي التوفيق.)
## ذكر البيوت المعظمة عند أوائل الروم### بيت قرطاجنة[كانت] البيوت المعظمة عند أوائل الروم قبل ظهور [دين] النصرانية بيت ببلاد المغرب بمدينة قَرْطاجنة -وهي تونس - من وراء بلاد القيروان، وهي من أرض الإفرنجة، وبني على اسم الزهرة بأنواع من الرخام.### بيت بإفرنجةوالبيت الثاني بإفرنجة وهو بيت عظيم عندهم.### بيت مقدونيةوالبيت الثالث [عندهم] بمقدونية، [ وأمره مشهور في التشييد، وما كان من خبره بمقدونية]، وقد أتينا على أخباره وأخبار غيره فيما سلف من كتبنا، والله تعالى أعلم.
## ذكر البيوت المعظمة عند الصقالبة### البيت الأولكانت في ديار الصقالبة بيوت تعظمها: منها بيت كان لهم في الجبل الذي ذكرت الفلاسفة أنه أحد جبال العالم العالية، وهذا البيت له خبر في كيفية بنائه، وترتيب [أنواع] أحجاره، واختلاف ألوانه، والمخاريق المصنوعة له، [فيه على أعلاه، وما من مطلع الشمس في تلك المخاريق المصنوعة] وما أودع فيه من الجواهر والآثار المرسومة فيه الدالة على الكائنات المستقبلة، وما تُنذر به تلك الجواهر من الأحداث قبل كونها، وظهور أصوات من أعياله لهم، وما كان يلحقهم عند سماع ذلك.### البيت الثانيوبيت اتخذه بعض ملوكهم على الجبل الأسود، تحيط به مياه عجيبة ذوات ألوان وطعوم مختلفة عامة المنافع، وكان لهم فيه صنم عظيم على صورة رجل قد انحنى على نفسه، وهو شيخ بيده عصا يحرك به عظام الموتى من النواويس، وتحت رجله اليمنى صُوّر أنواع من النمل، وتحت الأخرى غرابيب سود من صور الغُدَاف وغيرها، وصور عجيبة لأنواع من الأحابيش والزنج.### البيت الثالثوبيت آخر على جبل لهم يحيط به خليج من البحر قد بني بأحجار المرجان الأحمر، وأحجار الزمرد الأخضر، في وسطه قبة عظيمة، تحتها صنم [عظيم] أعضاؤه من جواهر أربعة: زمرد أخضر، وياقوت أحمر، وعقيق أصفر،وبلور أبيض، ورأسه من الذهب الأحمر، وبإزائه صنم آخر على صورة جارية، وكان يقرب له قرابين ودخن، وكان ينسب هذا البيت إلى حكيم كان لهم في قديم الزمان، وقد أتينا على خبره، وما كان من أمره بأرض الصقالبة، وما أحدث فيهم من الدكوك والحيل والمخاريق المصطنعة التي اجتذب بها قُلُوبهمْ وملك نفوسهم واسترق بها عقولهم مع شراسة أخلاق الصقالبة و اختلاف طبائعهم، فيما سلف من كتبنا، والله تعالى ولي التوفيق.
## ذكر البيوت المعظمة، والهياكل المشرفة للصابئة وغيرها (وغير ذلك مما لحق بهذا الباب واتصل بهذا المعنى)### هيكل العقل والعلة الأولىللصابئة من الحرَّانيين هياكل على أسماء الجواهر العقلية والكواكب ؛ فمن ذلك هيكل العلة الأولى، وهيكل العقل، وما أدري أأشاروا إلى العقل الأول أم الثاني، وقد ذكر صاحب المنطق في كتابه في المقالة الثالثة من كتاب النفس العقل الأول الفعّال، والعقل الثاني، وذكر ذلك تامسطيس في كتابه في شرح كتاب النفس الذي عمله صاحب المنطق، وقد ذكر العقل الأول والثاني الإسكندر الأفرودوسي في مقالة أفردها في ذلك قد ترجمها إسحاق بن حُنَين.### جملة من هياكلهمومن هياكل الصابئة هيكل السلسلة، وهيكل الصورة، وهيكل النفس، وهذه مُدَوّرات الشكل، وهيكل زُحَل مسدس، وهيكل المشتري مثلث، وهيكل المريخ [مربع] مستطيل، وهيكل الشمس مربع، وهيكل عطارد مثلث الشكل، وهيكل الزهرة مثلث في جوف مربع مستطيل، وهيكل القمر مثمن الشكل وللصابئة فيما ذكرنا رموز وأسرار يخفونها].وقد حكى رجل من ملكية النصارى من أهل حَرَّان يعرف بالحارث بن سنباط للصابئة الحرانيين أشياء ذكرها من قرابين يقربونها من الحيوان ودخن للكواكب يبخرون بها وغير ذلك مما امتنعنا عن ذكره مخافة التطويل.والذي بقي من هياكلهم المعظمة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - بيت لهم بمدينة حَرَّان في باب الرقة يعرف بمغليتيا، وهو هيكل آزر أبي إبراهيم الخليل(عَلَيهِ السَّلَامُ عندهم، وللقوم في آزر وابنه إبراهيم كلام كثير ليس كتابنا هذا موضعاً له، ولابن عيشون الحرَّاني القاضي - وكان ذا فَهم ومعرفة، وتوفي بعد الثلاثمائة - قصيدة طويلة يذكر فيها مذاهب الحرانيين المعروفين بالصابئة، ذكر فيها هذا البيت وما تحته من)
السراديب الأربعة المتخذة لأنواع صور الأصنام التي جعلت مثالاً للأجسام السماوية وما ارتفع من ذلك من الأشخاص العلوية، وأسرار هذه الأصنام، وكيفية إيرادهم لأطفالهم إلى هذه السراديب وعرضهم لهم على هذه الأصنام، وما يُحدث ذلك في ألوان صبيانهم الاستحالة إلى الصفرة وغيرها لما يسمعون [من] ظهور أنواع الأصوات وفنون اللغات من تلك الأصنام والأشخاص، بحيل قد اتخذت ومنافيخ قد عملت: تقف السَّدنة وراء جُدُرٍ فتتكلم بأنواع من الكلام، فتجري الأصوات في تلك المنافيخ والمخاريق والمنافذ إلى تلك الصور المجوفة والأصنام المشخصة، فيظهر منها نطق على حسب ما قد عمل في قديم الزمان، فيصطادون به العقول، وتسترقُ بها الرقاب، ويقام بها الملك والممالك [ومما ذكر في هذه القصيدة قوله:إن نفيس العجایببیت لهم فی السردابتعبد فیه الکواکباصنامهم خلف غائبولهذه الطائفة المعروفة بالحرانيين والصابئة فلاسفة، إلا أنهم من حشوية الفلاسفة، وعوامهم مباينون لخواص حكمائهم [في مذاهبهم، وإنما أضفناهم إلى الفلاسفة] إضافة سبب لا إضافه حكمة، لأنهم يونانية، وليس كل اليونانيين فلاسفة، إنما الفلاسفة حكماؤهم.ورأيت على باب مجمع الصابئة بمدينة حران مكتوباً [على مدقة الباب] بالسريانية قولاً لأفلاطون فسره مالك بن عقبون [وغيره] منهم وهو «من عرف ذاته تأله» وقد قال أفلاطون «الإنسان نبات سماوي، والدليل على هذا أنه شبيه شجرة منكوسة أصلها إلى السماء وفروعها في الأرض» ولأفلاطون [ وغيره ممن سلك طريقه في النفس الناطقة] كلام كثير في هل النفس في البدن أو البدن في النفس، كالشمس أهي في الدار أو الدار في الشمس، وهذا قول يتغلغل بنا الكلام فيه إلى الكلام في تنقل الأرواح في أنواع الصور.### القول في تنقل الأرواحوقد تنازع أهل هذه الآراء ممن قصد هذه المقالة في النقلة على وجهين، فطائفة من الفلاسفة القدماء اليونانيين والهند - ممن لم يثبت كلاماً منزلاً ولا نبياً مرسلاً منهم أفلاطون ومن يمم طريقهم - حكي عنهم أنهم زعموا أن النفس جوهر ليست بجسم، وأنها حية عالمة مميزة لأجل ذاتها وجوهرها، وأنها هي المدبرة للأجسام المركبة من طبائع الأرض المتضادة، وغرضها في ذلك أن تقيمها على العدل وما تتم به السياسة المستقيمة والنظام المتسق وتردَّها من الحركة المضطربة إلى المنتظمة.
وزعموا أنها تلذَّ وتألم وتموت، وموتها عندهم انتقالها من جسد إلى جسد بتدبير، وبطلان ذلك الشخص الذي فسد ووصف بالموت، لأن شخصها يفسد، ولأن جوهرها ينتقل.وزعموا أنها عالمة بذاتها وجوهرها [عالمة بالمعقولات من ذاتها وجوهرها] وفيها قبول علم المحسوسات من جهة الحس.ولأفلاطون وغيره في هذه المعاني كلام يطول ذكره، ويعجز عن وصفه وإظهاره لاعتياصه وغموضه، وكذلك صاحب المنطق وفيثاغورس وغيرهما من الفلاسفة ممن تقدم وتأخر ؛ ؛ لأن الطالب لعلم هذه الأشياء والإحاطة بفهمها وبلوغ غايتها لا يدرك ذلك لما نصبوا من الكتب، ورتبوا من التصنيف للعلوم المؤدية إلى معرفة [علومهم وأغراضهم التي إليها قصدوا في كتبهم وهي معرفة ] الألفاظ الخمس وهي الجنس والفصل والنوع والخاصة والعرض.### المقولاتثم معرفة المقولات، وهي عشرة: الجوهر،والكمية، والكيفية، والإضافة - وهي النسبة - وهذه أربع بسائط، والست الآخر مركبات، وهي: الزمان، والمكان، والجدة – وهي الملكُ - والوضع، والفاعل، والمنفعل، ثم ما بعد ذلك مما يترقى فيه الطالب إلى أن ينتهي إلى علم إلى علم ما بعد الطبيعة من معرفة الأول والثاني.### عود إلى الكلام عن الصابئةثم رجع بنا الإخبار عن مذاهب الصابئة من الحرانيين، وذكر مَنْ أخبر عن مذاهبهم وكشف عن أحوالهم .فمن ذلك كتاب رأيته لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي الفيلسوف صاحب كتاب «المنصوري» في الطب وغيره، ذكر فيه مذاهب الصابئة الحرانيين منهم، دون من خالفهم من الصابئة، وهم الكيماريون، وذكر أشياء يطول ذكرها ويقبح عند كثير من الناس وصفها، أعرضنا عن حكايتها، إذ كان في ذلك خروج عن حد الغرض من كتابنا إلى وَصف الآراء والديانات.وقد خاطبت مالك بن عقبون وغيره منهم بشيء مما ذكرنا وغيره مما عنه كتبنا، فمنهم من اعترف ببعضه، وأنكر بعضاً من ذكر القرابين وغيره [ من الآراء]، مثل فعلهم بالثور الأسود، فإنه يضرب وجهه بالملح إذا شدت عيناه ثم يذبح، ويُراعي كل عضو من
أعضائه وما يظهر منه من الحركات والاختلاج على ما يدل ذلك من أحوال السنة وغير ذلك من أسرارهم ومحالاتهم وأحوال قرابينهم.قال المسعودي: وقد ذكر جماعة - ممن له تأمل بشأن أمور هذا العالم والبحث عن أخباره - أن بأقصى بلاد الصين هيكلاً مدوراً له سبعة أبواب، في داخله قبة مسبعة عظيمة الشأن عالية السمك، في أعالي القبة شبه الجوهر[ة] يزيد على رأس العجل تضيء منه جمیع أقطار ذلك الهيكل، وأن جماعة من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فلم يَدْنُ أحد منها على مقدار عشرة أذرع [ إلا خرّ ميتاً] وإن حاول أحد منهم أخذ هذه الجوهرة بشيء من الآلات الطوال كالرماح وغيرها وانتهت إلى هذا المقدار من الذَّرْع انعكست وتعطلت، وإن رميت بشيء كان كذلك، فليس شيء من الحيل يؤدي إلى تناولها [بوجه] ولا بسبب، وإن تعرض لشيء من هَدم هذا الهيكل مات مَنْ يروم ذلك [وهذا عند جماعة] من أهل الخبرة لقوة دافعة منفردة قد عملت من أنواع الأحجار المغناطيسية، وفي هذا هيكل بئر مسبعة الرأس متى أكَبَّ الإنسان على رأس البئر إكباباً متمكناً تهوّر في البئر فصار في أسفلها على أم رأسه، وعلى رأس هذه البئر شبه الطوق مكتوب عليه بقلم قديم أراه بقلم المسند «هذه بئر تؤدي إلى مخزن الكتب وتاريخ الدنيا وعلوم السماء وما كان فيما مضى من الدهر وما يكون فيما يأتي منه، وتؤدي هذه البئر أيضاً إلى خزائن رغائب هذا العالم، لا يعمل إلى الوصول إليها والاقتباس منها إلا من وازت قدرته قدرتنا، واتصل علمه بعلمنا وصارت حكمته كحكمتنا، فمن قدر على الوصول إلى هذا المخزن فليعلم أنه قد وازانا، ومن عجز عن الوصول إلى ما وصفنا فليعلم أنا أشد منه بأساً، وأقوى حكمة، وأكثر علماً، وأثقب دراية، وأتم عناية»، والأرض التي عليها هذا الهيكل والقبة وفيها البئر أرض حجرية صلبة عالية من الأرض كالجبل الشامخ لا تُرَام قلعته وَلا يتأتى نقب ما تحته، فإذا أدرك البصر ذلك الهيكل والقبة والبئر وقع للرائي عند رؤيته ذلك جَزَع وحزن واجتذاب للقلب إليه وحنين على إفساده وتأسف على إفساد شيء منه أو هدمه، والله أعلم بذلك.
## ذكر الأخبار عن بيوت النيران وغيرها### رأيهم في النار والنورفأما بيوت النيران ومن رسمها من ملوك الفرس الأولى والثانية فأول ما يحكى ذلك عنه أفريدون الملك، وذلك أنه وجد ناراً يعظمها أهلها، وهم معتكفون على عبادتها، فسألهم عن خبرها ووجه الحكمة منهم في عبادتها، فأخبروه [بأشياء اجتذبت نفسه إلى،عبادتها و] أنها واسطة بين الله وبين خلقه، وأنها من جنس الآلهة النورية، وأشياء ذكروها أعرضنا عن ذكرها لاعتياصها، وذلك أنهم جعلوا للنور مراتب، وفرقوا بين طبع النار والنور، وأن الحيوان يجتذب فيحرق نفسه كالفَرَاش الطائر بالليل، فما لطف يطرح نفسه في السراج فيحرقها، وغير ذلك مما يقع في صيد الليالي من الغزلان والطير والوحوش، وكظهور الحيتان من الماء إذا قربت من السراج في الزوارق، كما يصطاد ببلاد البصرة السمك في الليل يظهر من الماء طافياً حتى يقع في جوف المركب والسَّرُج قد جعلت حواليه، وأن النور صلاح هذا العالم، وشرف النار على الظلمة ومضادته لها، ومرتبة الماء وزيادته على النار بإطفائه ومضادته لها وأنه أصل لكل حي ومبدأ لكل نام.### أماكن بيوت النيرانفلما أخبر أفريدون بما ذكرنا أمر بحمل جزء منها إلى خراسان، [فاتخذ لها بيتاً بطوس واتخذ بيتاً آخر بمدينة بخاري يقال له برد سورة] وبنى آخر من بيوت النار بسجستان يقال له كراكر كان اتخذه بهمن بن إسفنديار بن يستاسف، وبيت آخر ببلاد الشيز والران، وكان فيه أصنام فأخرجها أنوشروان، وقيل: إن أنوشروان صادف هذا البيت وفيه نار معظمة فنقلها إلى الموضع المعروف بالبركة، وبيت آخر للنار يقال له كوسجة بناه كيخسرو الملك، وقد كان بقومس بيت للنار معظم لا يدرى مَنْ بناه يقال له جريش، ويقال: إن الإسكندر لما غلب عليها تركها ولم يطفئها ويقال: إنه كان في ذلك الموضع فيما مضى مدينة عظيمة عجيبة البناء فيها بيت كبير عجيب الهيئة فيه أصنام فأخرجت تلك المدينة بما فيها من البيوت، ثم بنى بعد ذلك بيت وجعلت فيه تلك النار،
وبیت آخر [ يسمى كنجدة] بناه سياوخس بن كاوس الجبار، وذلك في زمان لبثه بمشرق الصين مما ي البركند، وبيت نار بمدينة أرجان من أرض فارس اتخذ في أيام بهراسف.### زرادشت والبيوت التي اتخذهاوهذه البيوت العشرة كانت قبل ظهور زرادشت بن أسيمان نبي المجوس، ثم اتخذ زرادشت بن أسبيمان بعد ذلك بيوت النيران، وكان مما اتخذ بيت بمدينة نيسابور من بلاد خراسان، وبيت آخر بمدينة نَسَا والبيضاء من أرض فارس، وقد كان زرادشت أمر يستاسف الملك أن يطلب ناراً كان يعظمها جمّ الملك، فطلبت فوجدت بمدينة خوارزم، فنقلها بعد ذلك يستاسف إلى مدينة دَرَابَجَرْدَ من أرض فارس وكورها بهذا البيت، وهذه النار تسمى في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - آزر جوى، وتفسير ذلك نار النهر، وذلك أن آزر أحد أسماء النار [ وجوى أحد أسما] بالفارسية الأولى، والمجوس تعظم هذه النار ما لا تعظم غيرها من النيران والبيوت.وذكرت الفرس أن كيخسرو لما خرج غازياً إلى الترك سار إلى خوارزم، فمر على تلك النار، فلما وجدها عظمها وسجد لها، ويقال: إن أنوشروان هو الذي نقلها إلى الكاريان، فلما ظهر الإسلام تخوفت المجوس أن يطفئها المسلمون فتركوا بعضها بالكاريان، ونقلوا بعضها إلى نسا والبيضاء من كورة فارس ؛ لتبقى إحداهما إن طفئت الأخرى.### بيت باصطخروللفرس بيت نار بإصطخر فارس تعظمه المجوس، وكان في قديم الزمان فأخرجته حماية بنت بهمن بن اسفنديار وجعلته بيت نار، ثم نقلت عنه النار فتخرب.### وصف يصف بيتاً بإصطخر والناسفي وقتنا هذا يذكرون أنه مسجد سلیمان بن داود، و به يعرف وقد دخلته، وهو على نحو فرسخ من مدينة إصطخر، فرأيت بنياناً عجيباً، وهيكلاً عظيماً، وأساطين صخر عجيبة، على أعلاها صور من الصخر طريفة من الخيل وغيرها من الحيوان عظيمة القدر والأشكال، محيط بذلك حيز عظيم وسور منيع من الحجر، وفيه صور لأشخاص قد تشكلت وأتقنت صورها، يزعم من جاور هذا الموضع أنها صور الأنبياء، وهو في سفح جبل والريح غير خارجة من ذلك الهيكل في ليل ولا نهار، ولها هبوب ودَويّ، يذكر مَنْ هنالك [من المسلمين] أن سليمان بن داود (عَلَيهِ السَّلَامُ حبس الريح في ذلك الموضع، وأنه)
كان يتغدّى ببعلبك من أرض الشام، ويتعشى في هذا المسجد، وينزل بينهما بمدينة تَدْمُرَ وملعبها المتخذ فيها، ومدينة تَدْمُر في البرية بين العراق ودمشق وحمص من أرض الشام يكون منها إلى الشام نحو خمسة أيام أو ستة، وهي بنيان عجيب من الحجر، وكذلك الملعب الذي فيها، وفيها خَلْق من الناس من العرب من العرب من قحطان.### بيت بسابوروفي مدينة سابور من أرض فارس بيت للنار معظم عندهم، اتخذه دارا بن دارا.### بيت بجوروفي مدينة جور من أرض فارس - وهو البلد الذي يحمل منه ماء الورد الجوري وإليه يضاف - بيت للنار، بناه أردشير بن بابك، وقد رأيته، وهو على ساعة منها على عين هناك عجيبة، وله عيد، و هو أحد متنزهات فارس، وفي وسط مدينة جور بنيان كان تعظمه الفرس يقال له الطربال أخر به المسلمون، وبين جور ومدينة كوار عشرة فراسخ، وبها يعمل ماء الورد الكواري وإليها يضاف، وهذا الماء الورد المعمول بجور وكوار أطْيَبُ ماء ورد يعمل في العالم، لصحة التربة وصفاء الهواء، وفي ألوان سكان هذه البلاد حمرة في بياض ليست لغيرهم من أهل الأمصار، و من كوار إلى مدينة شيراز - وهي قصبة فارس - عشرة فراسخ، ولجور وكوار وشيراز وغيرها من كور فارس أخبار، ولما فيها من البنيان أقاصيص يطول ذكرها قد دونتها الفرس، وكذلك ما كان بأرض فارس من الموضع المعروف بماء النار، وقد بني عليه هيكل.وكان كورش الملك - حين ولد المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ- بعث ثلاثة أنفس: دفع إلى أحدهم صرة من لبان ، وإلى آخر صرة من مر، وإلى آخر صرة من تبر، وسَيَّرهم يهتدون بنجم وَصَفه لهم، فساروا حتى انتهوا إلى السيد المسيح وأمه [مريم] بأرض الشام، والنصارى تغلوا في قصة هؤلاء النفر، وهذا الخبر موجود في الإنجيل، وإن هذا الملك كورش نظر إلى نجم قد طلع بمولد المسيح عيسى، فكانوا إذا ساروا سار معهم ذلك النجم، وإذا وقفوا وقف بوقوفهم، وقد أتينا في كتابنا «أخبار الزمان» على شرح هذا الخبر، وما قالت فيه المجوس والنصارى، وخبر الرُّغْفَان التي دفعتها إليهم مريم، وما كان من الرسل وجعلهم الخبز تحت الصخرة وغَوْصها في الأرض، وذلك بفارس، وكيف حفر عليها إلى الماء وأنها وجدت وقد صارت شعلتي نار على وجه الأرض تتقدان، وغير ذلك مما قيل في هذا الخبر.)
### بيوت أخرىوقد كان أردشير بنى بيتاً آخر يقال له بارنوا، وفي اليوم الثاني من غلبته على فارس، وبيت نار على خليج القسطنطينية [من بلاد الروم، بناه سابور بن أردشير بن بابك - وهو سابور الجنود - حين نزل على هذا الخليج، وحاصر القسطنطينية] في عساكره، فلم يزل هذا البيت هنالك إلى خلافة المهدي، فخرب وله خبر عجيب، وكان سابور الجنود اشترط على الروم بناء هذا البيت وعمارته عند حصاره القسطنطينية، وكان مسيره في جيوش فارس وغيرها من الترك وملوك الأمم، فسمي سابور الجنود؛ لكثرة من تبعه من الجنود.### حصن الحضروقد كان سابور لما سار إلى بلاد الجزيرة عَدَلَ عن طريقه فنزل الحصن المعروف بالحضر، وقد كان هذا الحصن للساطرون بن أسيطرون ملك السريانيين في رستاق يقال له أياجر من بلاد الموصل، وقد ذكرته الشعراء؛ لعظم ملكه، وكثرة جيوشه وحسن بنائه لهذا الحصن المعروف بالحضر، فممن ذكره منهم أبو دُوَاد جارية ابن حجاج الإيادي بقوله:وأرى الموت قد تدلى من الحضــر على رَبِّ أهله الساطرونولقد كــان آمناً لــلدواهـــيذا ثـــراء وجوهــر مــکـنـون### قول في نسب النعمان بن المنذروقد قيل: إن النعمان بن المنذر من ولد الساطرون بن أسيطرون [يقال: هو النعمان ابن المنذر بن امرىء القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن الساطرون بن أسيطرون] والساطرون وأسيطرون هذه ألقاب، وهم ملوك ملكوا على السريانيين.ثم تملك تلك الديار بعد من ذكرنا ممن أفناهم الدهر الضيزن بن جبهلة، وجبهلة أمة [وهو الضيزن بن معاوية ملكاً على قومه من تنوخ بن مالك بن فهم بن تيم اللات بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ] وهو الضيزن بن معاوية ابن العبيد بن حرام بن سعد بن [سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وكان كثير الجنود، مهادناً للروم، متحيزاً إليهم، بغير رجاله على العراق والسواد، وكان في نفس سابور عليهم ذلك، فلما نزل على حصنه تحصن الضيزن في الحصن، فأقام سابور
عليه شهراً لا يجد سبيلاً إلى فتحه، ولا يتأتى له حيلة فى دخوله، فنظرت النضيرة بنت الضيزن يوماً وقد أشرفت من الحصن إلى سابور فهويته وأعجبها جماله، وكان من أجمل الناس وأمَدِّهم قامة، فأرسلت إليه: إن أنت ضمنت لي أن تتزوجني وتفضلني على نسائك دللتك على فتح هذا الحصن، فضمن لها ذلك، فأرسلت إليه: ائت الثرثار - وهو نهر في أعلاه - فانثر فيه تبناً ثم اتبعه فانظر أين يدخل فأدخل الرجال منه، فإن ذلك المكان يُفضي إلى الحصن، ففعل ذلك سابور، فلم يشعر أهل الحصن إلا وأصحاب سابور معهم في الحصن، وقد عمدت النضيرة فَسَقَتْ أباها [الخمر] حتى أسكرته طمعاً في تزويج سابور إياها، وأمر سابور بهدم الحصن بعد أن قتل الضيزن ومن معه، وعَرَّس [ سابور] بالنضيرة بنت الضيزن فباتت مُسَهَّدة، فقال لها سابور: ما لك لا تنامين؟ قالت: إن جنبي يتجافى عن فراشك، قال: ولم فوالله ما نامت الملوك على ألين منه وأوطأ وإن حشوه لزغب النعام ؟!! فلما أصبح سابور نظر فإذا ورقة آس بين عكنها، فتناولها فكاد بطنها أن يَدْمَى، فقال لها: ويحك !! بم كان أبواك يغذيانك؟ فقالت: بالزبد والمُحْ والثلج والشهد وصفو الخمر، فقال لها سابور: إني لجدير أن لا أستبقيك بعد إهلاك أبويك وقومك، وكانت حالتك عندهم الحالة التي تصفين، فأمر بها فربطت بغدائرها إلى فرسین جموحين ، ثم خلى سبيلهما، فقطَّعاها ؛ ففي هذا [الملك] المقتول ومن كان معهفي الحصن] يقول حري بن الدهماء العبسي:ألم يحزنك والأنباء تنمىبما لاقت سَرَاةُ بني العبيدومصرع ضيزن وبني أبيهوأحلاف الكتائب من تزيدأتاهـم بالفـُيُولِ مجـللاتوبالأبطال سابور الـجنود[ فهدَّمَ من بروج الحصن صخراًكأن بناءه زبر الحديد]وفي قتل سابور للنضيرة بنت الضيزن وما كان منها من الغدر بأبيها وقومها وإرشاد سابور إلى دخول الحصن يقول عدي بن زيد العبادي:والحضر صُبَّتْ عليه داهيةمن قصره قد أبد ساكنهاربـيـبـة لـم تُـوَقِّ والـدهـالـحيـنـهـا إذ أضاع راقبهاوأسلمـت أهلهـا لـلـيـلتـهاتظن أن الرئيس خاطبهاوكان حظ العروس إذ جشر الصبحدماء تجري سائبهاوالشعر في هذه القصة كثير.
### جملة من بيوت الناروبأرض العراق بيت للنار بالقرب من مدينة السلام، بنته بوران بنت كسرى أبرويز الملكة في الموضع المعروف بأستنيا.وبيوت النيران كثيرة مما بنته المجوس بالعراق وأرض فارس وكرمان و سجستان و خراسان وطبرستان والجبال وأذربيجان والران، وفي الهند والسند والصين، أعرضنا عن ذكرها، وإنما ذكرنا ما اشتهر منها.### بيت بعلوالهياكل المعظمة عند اليونانيين وغيرهم كثيرة: مثل بيت بَعْلِ، وهو الصنم الذي ذكره الله عز وجل بقوله: (أَندَعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِقِينَ [الصافات: 125] وهو بمدينة بعلبك من أعمال دمشق من كورة سنير، وقد كانت اليونانية اختارت لهذا الهيكل قطعة من الأرض بين جبل لبنان وجبل سنير فاتخذته موضعاً للأصنام، وهما بيتان عظيمان أحدهما أقدم من الآخر، فيهما من النقوش العجيبة المحفورة في الحجر الذي لا يتأتى حفر مثله في الخشب مع علو سمكهما وعظم أحجارهما؛ وطول أساطينهما، ووسع فتحهما، وعجيب بنيانهما، وقد أتينا على خبر هذه الهياكل وما كان من خبر القتل على رأس ابنة الملك وما نال أهل هذه المدينة من سفك الدماء.
وهيكل عظيم البنيان في مدينة دمشق، وهو المعروف بجيرون، وقد ذكرنا خبره فيما سلف من هذا الكتاب وأن بانيه جيرون بن سعد العادي، ونقل إليه عمد الرخام، وأنه إرم ذات العماد المذكورة في القرآن، إلا ما ذكر عن كعب الأحبار حين دخل على معاوية بن أبي سفيان وسأله عن خبرها وذكر عجيب بنيانها من الذهب والفضة والمسك والزعفران وأنه يدخلها رجل من العرب يتيه له جملان فيخرج في طلبهما فيقع إليها، وذكر حلية الرجل، ثم التفت في مجلس معاوية فقال: هذا هو الرجل، وكان الأعرابي قد دخلها يطلب ما نَدَّ من إبله ؛ فأجاز معاوية كعباً، وتبين صدق مقالته وإيضاح برهانه، فإن كان هذا الخبر عن كعب حقاً في هذه المدينة فهو حسن، وهو خبر يدخله الفساد جهات من النقل وغيره، وهو من صنعة القُصَّاص.
وقد تنازع الناس في هذه المدينة، وأين هي؟ ولم يصح عند كثير من الأخباريين ممن وفد على معاوية من أهل الدراية بأخبار الماضين وسير الغابرين من العرب وغيرهم
من المتقدمين [فيها، إلا خبر عبيد بن شَرِيَّةَ وإخباره إياه عما سلف من الأيام] وما كان فيها من الكوائن والحوادث وتشعب الأنساب، وكتاب عبيد بن شرية متداول في أيدي الناس مشهور.
وقد ذكر كثير من الناس ممن له معرفة بأخبارهم أن هذه أخبار موضوعة من خُرافات مصنوعة، نظمها من تقرب للملوك بروايتها، وصال على أهل عصره بحفظها والمذاكرة بها، وأن سبيلها سبيل الكتب المنقولة إلينا والمترجمة لنا من الفارسية والهندية والرومية، وسبيل تأليفها مما ذكرنا مثل كتاب هزار أفسانة، وتفسير ذلك من الفارسية إلى العرب ية [ألف خُرافة، والخرافة بالفارسية] يقال لها أفسانة.
والناس يسمون هذا الكتاب ألف ليلة وليلة، وهو خبر الملك والوزير وابنته وجاريتها وهما شيرزاد و دینا زاد ، و مثل کتاب فرزة وسيماس وما فيه من أخبار ملوك الهند والوزراء، ومثل كتاب السندباد، وغيرها من الكتب في هذا المعنى.
وقد كان مسجد دمشق قبل ظهور النصرانية هيكلاً عظيماً فيه التماثيل والأصنام على رأس منارته تماثيل منصوبة، وقد كان بني على اسم المشتري وطالع سعد، ثم ظهرت النصرانية فجعلته كنيسة، وظهر الإسلام [فجعل مسجداً] وأحكم بناءه الوليد بن عبد الملك، والصوامع منه لم تغير، وهي مناثر الأذان إلى هذا الوقت.
وقد كان بدمشق أيضاً بناء عجيب يقال له البريص، وهو مبقى إلى هذا الوقت في وسطها، وكان يجري فيه الخمر في قديم الزمان، وقد ذكرته الشعراء في مدحها لملوك غسان من مأرب وغيرهم.
وهيكل أنطاكية يعرف بالديماس، على يمين مسجدها الجامع، مبني بالآجر العادي والحجر، عظيم البنيان ، وفي كل سنة يدخل القمر عند طلوعه من باب من أبوابه ومن أعاليه في بعض الأهلة الصيفية، وقد ذكر أن هذا الديماس من بناء الفرس حين ملكت أنطاكية، وأنه بيت نار لها.
قال المسعودي: وقد ذكر أبو معشر المنجم في كتابه المترجم ب- «كتاب الألوف» الهياكل والبنيان العظيم الذي يحدث بناؤه في العالم في كل ألف عام، وكذلك ذكره ابن المازيار تلميذ أبي معشر في كتابه «المنتخب من كتاب الألوف» وقد ذكر غيرهما ممن تقدم عصرهما وممن تأخر عنهما كثيراً من البنيان والعجائب في الأرض، وقد أعرضنا عن ذكرها، وذكر السد الأعظم - وهو سد يأجوج ومأجوج - وقد تنازع الناس في كيفية بنائه كتنازعهم في إرم ذات العماد على ما ذكرنا آنفاً، وكيفية بناء الأهرام الذي بأرض مصر وما عليها من الكتابة المرسومة، وما بصعيد مصر من الْبَرَابي المصنوعة، وبغير أرض الصعيد من بلاد مصر، وأخبار مدينة العقاب، وما ذكر الناس فيها، وكونها في وهاد وأنها في جهة الواحات مما يلي المغرب والحبشة، وخبر العمود الذي ينزل منه الماء في فصل من السنة بأرض عاد، وأخبار النمل الذي على قدر الذئاب والكلاب، وقصة أرض الذهب التي حذاء سجلماسة من أرض المغرب، ومن هنالك من وراء النهر العظيم، ومبايعتهم من غير مشاهدتهم ولا مخاطبتهم، وتركهم المتاع، وغدو الناس إلى أمتعتهم فيجدون أعمدة الذهب وقد تركت إلى جنب كل متاع من تلك الأمتعة، فإن شاء مالك المتاع اختار الذهب وترك المتاع، وإن شاء أخذ متاعه وترك الذهب، وإن أحَبَّ الزيادة ترك الذهب والمتاع، وهذا مشهور بأرض المغرب بسجلماسة، ومنها يحمل التجار الأمتعة إلى ساحل هذا النهر، وهو نهر عظيم واسع الماء، وكذلك بأقاصي خراسان مما يلي بلاد الترك من أقاصي ديارهم أمة تتبايع على [مثل] هذا الوصف من غير مخاطبة ولا مشاهدة، وهم هنالك على نهر عظيم أيضاً، وخبر البئر المُعَطَّلة والقصر المشيد، وذاك ببلاد الشُّحر من بلاد الأحقاف بين اليمن وحضرموت، والبئر وما فيها من الخرق واتصالها بالقرى والفضاء من أعلاها [وأسفلها] وما قاله الناس في تأويل هذه الآية فيها، وهل المراد بالقصر والبئر هذا القصر والبناء أم غيره؟ وأخبار مخاليف اليمن، وهي القلاع والحصون كقلعة نحل وغيرها ، وأخبار مدينة رومية وكيفية بنائها وما حوته من عجيب الهياكل والكنائس، والعمود الذي عليه السودانية من النحاس وما يحمل إليها من الزيتون في أيامه بالشام وغيره ويحمل ذلك الطائر المعروف بالسودانية في مخالبه ومنقاره؛ فيطرحونه في تلك السودانية النحاس، فيكثر زيتون رومية وزيتها من ذلك، على حسب ما ذكرنا في أخبار الطلسمات عن بلينوس وغيره في كتابنا «أخبار الزمان» ثم أخبار البيوت السبعة التي ببلاد الأندلس وخبر مدينة الصُّفر وقبة الرصاص التي بمفاوز الأندلس، وما
كان من خبر الملوك السالفة فيها وتعذر الوصول إليها، ثم ما كان من أمر صاحب عبد الملك بن مروان في نزوله عليها، وما تهافت فيه المسلمون عند الطلوع على سورها، وإخبارهم عن أنفسهم أنهم وصلوا إلى نعيم الدنيا والآخرة، وخبر المدينة التي أسوارها من الصُّفْر على ساحل البحر الحبشي في أطراف مفاوز الهند، وما كان من أخبار ملوك الهند وعدم وصولهم إليها، وما يجري من وادي الرمل نحوها، وما ببلاد الهند من الهياكل المتخذة للأصنام التي على صورة البدرة المتقدم ظهورها في قديم الزمان بأرض الهند، وخبر الهيكل المعظم الذي ببلاد الهند المعروف بالأدري، وهذا عند الهند يُقْصَد من البلدان الشاسعة، وله بلد قد وقف عليه وحوله ألف مقصورة فيها جَوَارٍ لم تنظر لتعظيم هذا الصنم من الهند، وخبر الهيكل الذي فيه الصنم ببلاد المولتان على نهر مهران من أرض السند، و خبر سندان کسری ببلاد قرماسین من أعمال الدينور من ماه الكوفة، وكثير من أخبار العالم وخواص بقاعه وأبنيته وجباله وبدائع ما فيه من الخلق [من الحيوان] وغيره مما قد أتينا على ذكره فيما سلف من كتبنا، وكذلك ما خص به كل بلد [من أنواع الفواكه دون غيره من البلدان في الإسلام وغيره من الممالك، وما بان به أهل كل بلد] من اللباس والأخلاق دون غيرهم، وما انفردوا به من أنواع الأغذية والمآكل والمشارب والشّيم، وعجائب كل بلد، وذكرنا أخبار البحار وما قيل في اتصال بعضها ببعض وتغلغل مياهها، وما يحدث في كل بحر منها من الآفات وما فيه من الجواهر دون غيره من البحار، كتكون المرجان ببحر المغرب، وعدمه من غيره، ووجود اللؤلؤ في البحر الحبشي دون غيره.
وقد كان بعض من ملك من الروم حَفَر بين القلزم وبحر الروم طريقاً فلم يتأت له ذلك؛ لارتفاع القلزم، وانخفاض بحر الروم، وأن الله عز وجل قد جعل ذلك حاجزاً على حسب ما أخبر في كتابه، والموضع الذي حفره ببحر القلزم يعرف بذنب التمساح على ميل من مدينة القلزم، عليه قنطرة عظيمة يجتاز عليها مَنْ يريد الحج من مصر، وأجري خليجاً من هذا البحر إلى موضع يعرف بالهامة ضيعة لمحمد بن علي الماذراني من أرض مصر في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - فلم يتأتّ له اتصال [ما] بين بحر الروم وبحر القلزم.
وحفر خليجاً آخر مما يلي بلاد تنيس ودمياط وبحيرتهما، ويعرف هذا الخليج بالزبر والخبية، واستمر الماء في هذا الخليج من بحر الروم [وبحيرة تنيس إلى موضع يعرف بنعنعان حتى اتصل بنحو بلاد الهامة، فكانت المراكب تدخل من بحر الروم] إلى
نحو من هذه القرية، ومن بحر القلزم في خليج ذنب التمساح فيتتابع أرباب المراكب، ويقرب حمل ما في كل بحر إلى آخر، ثم ارتدم ذلك على تطاول الدهور، وملأته السَّوَافي من الرمل وغيره.
وقد رام الرشيد أن يوصل بين هذين البحرين مما يلي النيل من أعالي مصبه من نحو بلاد الحبشة وأقاصي صعيد مصر؛ فلم تتأتّ له قسمة ماء النيل، فرام ذلك مما يلي بلاد الْفَرَما نحو بلادتنيس، على أن يكون مصب بحر القلزم إلى البحر الرومي، فقال يحيى بن خالد: يخطف الروم الناس من المسجد الحرام والطواف، وذلك أن مراكبهم تنتهي من بحر الروم إلى بحر الحجاز، فتطرح سراياها مما يلي جدة، فيخطف الناس من المسجد الحرام ومكة والمدينة على ما ذكرنا، فامتنع من ذلك.
وقد حكي عن عمرو بن العاص - حين كان بمصر - أنه رام ذلك ؛ فمنعه منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك لما وصفنا من فعل الروم وسراياهم، وذلك في حال ما افتتحها عمرو بن العاص في خلافة عمر بن الخطاب وآثار الحفر بين هذين البحرين - فيما ذكرنا من المواضع والخلجان - [بينة] على حسب ما شرعت فيه الملوك السالفة طلباً العمارة الأرض، وخصب البلاد، وعيش الناس بالأقوات، وأن يحمل إلى كل بلد ما ليس فيه من الأقوات وغيرها من ضروب المنافع وضروب المرافق، والله تعالى أعلم.
قد ذكرنا فيما سلف من كتبنا جملاً من تباين الناس في بدء العالم، ممن أثبت حدوثه ونفاه، وما جرت الآراء بهم فيه إلى جهات شتى، وقد أخبرنا أنهم طوائف [الهند] وفرق من اليونانيين، ومَنْ وافقهم على القول بالقدم من الفلكيين والطبيعيين، وما أوردته الفلكية من قولها، إن الحركة الصانعة للأشخاص المحلة فيها الأرواح متى قطعت المسافة التي بين العقدة التي ابتدأت منها، حتى تنتهي إليها راجعة، ثم تنفصل عنها - أعادت كل ما بدأت به أولاً كهيئته وأشخاصه وصُوَره وضروب أشكاله ؛ إذ كانت العلة والسبب اللذان بوجودهما توجد الأشياء قد وجدا عَوْداً كما وجدا بدءاً، فوجب ظهور الأشياء متى عادت إلى المبدأ الذي كان عنه الصَّدَر، ثم ما تعقب هذا القول من قول الطبيعيين: إن علة كون الأشياء الجسمانية والنفسانية من قبل حركات الطبائع واختلاطها؛ لأن الطبيعة عندهم تحركت في بدوها واختلطت فأظهر الحيوان والنبات وسائر الموجودات في العالم، وجعلت لها أصلاً من التناسل، لما عجزت عن تبقية الأشخاص وعدلت إلى النسل، وإن الطبائع تنتقل من مركب إلى بسيط، ومن بسيط إلى مركب، حتى إذا أدى المركب كنه ما فيه عادت الأشياء إلى البسيط إلي، وابتدأ الكون [ماراً] على طريقه؛ لأن الذي أوجبه [أولاً] قد وجد، فحقه أن يوجد منه بوجود المعنى الذي أوجده، فظهر ذلك الظهور، كالنبات في الربيع، وتحرك قوته تحت الثرى، وذلك أن الشمس تبلغ في الربيع إلى رأس الحمل، بادئة في شرفها، آخذة في ممرها، وهي العلة الكبرى في إحياء النبات ويأخذ الثمر في الظهور من الشجر بادئاً كما كان ظاهراً بالمثال الأول الذي قد باد في الشتاء ويبسه وبرده؛ لأن علة الكون الحرارة والرطوبة وعلة الفساد البرد،واليبس، فإذا انتقلت الأشياء من الحرارة والرطوبة إلى البرد واليبوسة فارقت الكون المتمم ودخلت الفساد، فإذا انتهى بها الفساد إلى غايته وأوصلها إلى نهايته عاقبها الكون بوصول الشمس إلى رأس الحمل، فبدأ بها كعادته في إنشائها، وأبرزها من خساسة
الفساد إلى نفاسة الكون، ولو كانت الحواس تضبط شأن الأجسام وتحيط بانتقالها من حال إلى حال لشاهدت ممرها في دائرة الزمان، مبتدئة من رتبةة، راجعة إليها، مشكلة في محيط الدائرة بأشكال. توافق بعضها، والشكول مختلفة باختلاف العلل، متفرقة کاختلاف الأسباب، وفي هذا القول من هذه الطائفة ما صرح بالقول بالقدم وأبان عنه.
وقضية الفحص توجب أن الأشياء الموجودة غير خالية من إحدى المنزلتين: إما أن يكون بدء وانتهاء، وإما أن يكون بلا بدء ولا انتهاء فإن [كان] بلا بدء ولا انتهاء فواجب أن تكون أجزاؤها وأبعاضها غير متناهية، وواجب أن يكون الزمان غير عاد لها ولا حاصر لجميعها، وقد وجدنا التناهي والابتداء في أجزائها وأبعاضها على الدوام، وأنا في كل يوم جديد نعاين خلقاً جديداً، وصوراً في العالم لم تكن وصوراً بادئة قد كانت متأثلة، وفي هذا ما يدل على حصر الأشياء ووقوعها في غاية انتهاء صورها، وواجب أن للأشياء بدءاً وانتهاء، وبطل وهم المتوهم أن الأشياء بلا نهاية ؛ وأن ليس لها ابتداء ولا غاية، وذلك باطل ومحال فاسد، [ولو] وجب أن تكون الأشياء الموجودة بلا بدء ولا نهاية لوجب أن لا يزول شيء من مركزه، ولا يتحول عن رتبته، ولبطلت الاستحالة، وسقطت المضادة، وهذا مستحيل، ولو وجب أن تكون الأشياء على غير نهاية، لما كان لقولنا اليوم وأمس وغداً معنى؛ لأن هذه الأزمان تعد ما هو بالنهاية، ويوجد في حوزتها إيجاد ما لم يكن وإدخالها في حوزتها ما هو كائن.
وفيما ذكرنا ما أوضح عن تنقل شأن المعاني، ودل على حدوث الأجسام، وهذه الدلالة مأخوذة من الحس ومستظهرة للعقول والبحث.
وإذ قد وضح أن الأشياء مُحْدَثة لكونها بعد أن لم تكن فلا بد لها من محدث هو بخلافها لا شكل له ولا مثل؛ لأن العقل لا يقيم لشيء مثلاً حتى يعلم له قدراً ووزناً، ويعادله بمثله وشكله، وتعالى جل وعز من لا تُعبر عن ذاته اللغات، وتعجز العقول أن تحصره بالصفات، وتدركه بالإشارات، أو يكون ذا غايات ونهايات.
قال المسعودي: فلنرجع الآن إلى الكلام في حصر تاريخ العالم [ووصف أقاويل الطوائف في ذلك المعنى ؛ لأنا إنما ذكرنا الكلام في حدوث العالم] لما ذكرنا قول من قال بقدمه ودل على أزليته، وقد تقدم ذكرنا لقول الهند في ذلك فيما سلف من هذا الکتاب.
وأما اليهود فإنهم زعموا أن عمر الدنيا ستة آلاف سنة وأخذوا في ذلك مأخذاً شرعياً، وذهبت النصارى إلى أن عمر العالم ما ذهبت إليه اليهود، وأما الصابئة من الحرانيين والكماريين فقد ذكرنا قولهم في ذلك في جملة قول اليونانيين، وأما المجوس فإنهم ذهبوا في ذلك إلى حد غير معلوم من نفاذ قوة الهرمند وكيده، وهو الشيطان، ومنهم من ذهب في ذلك إلى نحو ما ذهب إليه أصحاب الاثنين في المزاج والخلاص، وأن العالم سيعود بدءاً متخلصاً من الشرور والآفات.
وزعمت المجوس أن من وقت زرادشت بن أسبيمان نبيهم إلى الإسكندر مائتين وثمانين سنة، وملك الإسكندر ست سنين، ومن ملك الإسكندر إلى ملك أردشير خمسمائة [سنة وسبع عشرة سنة، ومن ملك أردشير إلى الهجرة خمسمائة] سنة وأربع وستون سنة ؛ فذلك من هبوط آدم إلى هجرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ستة آلاف سنة ومائة سنة وست وعشرون سنة: منها من هبوط آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الطوفان ألفان ومائتان وست وخمسون سنة، ومن الطوفان إلى مولد إبراهيم الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألف وتسع وسبعون سنة، ومن مولد إبراهيم إلى ظهور موسى بعد ثمانين سنة خلت من عمر موسى بن عمران - وهو وقت خروجه ببني إسرائيل، من مصر إلى التيه - خمسمائة وخمس وستون سنة، ومن خروجهم إلى سنة أربع من ملك سليمان بن داود (عَلَيهِ السَّلَامُ) ! وذلك وقت ابتدائه في بناء بيت المقدس ستمائة وست وثلاثون سنة، ومن بناء بيت المقدس إلى ملك الإسكندر سبعمائة وسبع عشرة سنة، ومن ملك الإسكندر إلى مولد المسيح ثلاثمائة سنة وتسع وستون سنة، ومن مولد المسيح إلى مولد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خمسمائة [سنة وإحدى وعشرون سنة، وبين أن رفع الله المسيح، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، إلى وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خمسمائة سنة] وست وأربعون سنة، وبين مبعث المسيح وهجرة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خمسمائة سنة وأربع وتسعون سنة، وكانت وفاة نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في سنة تسعمائة وخمس وثلاثين سنة من [سني] ذي القرنين، ومن داود إلى محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و ألف سنة وسبعمائة سنة وسنتان وستة أشهر وعشرة أيام، ومن إبراهيم إلى محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و ألفا سنة وسبعمائة سنة وعشرون سنة وستة أشهر وعشرة أيام [ومن نوح إلى محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و ثلاثة آلاف سنة وسبعمائة سنة وعشرون سنة وعشرة أيام] فعلى هذا القول جميع جملة التاريخ من هبوط آدم إلى الأرض إلى مبعث النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أربعة آلاف سنة [وثمانمائة سنة] وإحدى عشرة سنة وستة أشهر وعشرة أيام، فجملة التاريخ من هبوط آدم إلى الأرض إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، من خلافة المتقي بالله ونزوله الرقة من ديار مضر - خمسة آلاف سنة ومائة وست وخمسون سنة.
وقد ذكرنا جملاً من التاريخ فيما سلف من هذا الكتاب فلم تعد منه ما تقدم.
وللمجوس في التواريخ أقاصيص يطول ذكرها، وعود المُلك إليهم وإلى غيرهم من الطوائف السالفة في بدو العالم وفنائه، ومن قال منهم ببقائه، وأن لا بَدء له ولا نهاية، ومن ذهب منهم إلى أن له انتهاء ولا بد له، وقد أتينا على ذلك فيما سلف من كتبنا فأغنى ذلك عن الإعادة في هذا الكتاب؛ لاشتراطنا فيه على أنفسنا الاختصار والإيجاز والتنبيه على ما سلف لنا من الكتب.
وقد ذهب جماعة من أهل البحث والنظر من أهل الإسلام [إلى] أن الدلالة قد قامت على حدوث العالم وكونه بعد أن لم يكن، وأن المحدث له الخالق الباري جل وعز، أحدثه لا من شيء، ويبعثه لا من شيء في الآخرة ليصح بذلك وعده ووعيده: إذ كان الصادق في وعده ووعيده لا مبدل لكلماته، وأن أول العالم من لدن آدم، وقد غاب عنا حصر السنين وإحصاؤها، وتنازع الناس في بدء التاريخ، والكتاب لم يخبر بحصر أوقاته ولا بين عن كيفيته ولا أعداد سنيه فيما مضى، وليس علم ذلك مما تهجم عليه الآراء، ولا تحصره أقضياتُ العقول وموجبات الفحص وضرورات الحواس عند مذاكرتها،لمحسوساتها، فكيف توجب أن يوقت عمر الدنيا بسبعة آلاف سنة، والله عز وجل يقول: وقد ذكر الأجيال ومن ضمه الهلاك: وَعَادًا وَثَمُودَا وَأَصْحَابَ الرَّسِ وَقُرُونا ذلك كثيرا [الفرقان: 38] والله تعالى ذكره لا يقول الكثير، إلا في الشيء الحقيقي الكثير، وأعلمنا في كتابه خلقه آدم ، وما كان من أمره وأمر الأنبياء بعده، وأخبر عن شأن بدء الخلق، ولم يخبرنا بمقدار ذلك فنقف عليه كوقوفنا عندما أخبرنا به، ولا سيما مع علمنا أن المَدَى بيننا وبينه متفاوت، وأن الأرض كثرت بها المدن والملوك والعجائب، فلا نحصر ما لم يحصره الله عز وجل، ولا نقبل من اليهود ما أوردته ؛ لنطق القرآن أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويكتمون الحق وهم يعلمون، ونفيهم النبوات وحجدهم ما أتَوْا به من الآيات مما أظهره الله عز وجل على يدي عيسى ابن مريم من المعجزات، وعلى يَدَيْ نبينا محمد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من البراهين الباهرات والدلائل والعلامات، والله عز وجل يخبرنا بما أهلك من الأمم لما كان من فعلهم وكفرهم بربهم، قال الله عز وجل: (الحَاقَّةُ ما الحاقة وَمَا أَدْرَنكَ مَا الْحاقَةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادُ بِالْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فأُهْلِكُوا بِرِيجٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ )إلى قوله: (فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِية ﴾ [الحاقة: 8] ثم قال النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «كذب النسابون» وأمر أن ينسب إلى معد، ونهى أن يتجاوز بالنسب إلى ما فوق ذلك ؛ لعلمه بما مضى من الأعصار الخالية والأمم الفانية ، ولولا أن النفوس إلى الطارف
أحَنُّ، وبالنوادر أشْغَفُ، وإلى قصار الأحاديث أميل وبها أكلف، لذكرنا من أخبار المتقدمين وسير الملوك الغابرين ما لم نذكره في هذا الكتاب، ولكن ذكرنا فيه ما قرب تناولُه تلويحاً بالقول دون الإيضاح والشرح ؛ إذ كان مُعَوَّلنا في جميع ذلك على ما سَلَفٌ من كتبنا وتقدم من تصنيفنا، وإذا علم الله عز وجل موقع النية ووجه القصد أعان على السلامة من كل مخوف.
وقد ذكرنا في هذا الكتاب من كل فن من العلوم وكل باب من الآداب - على حسب الطاقة ومبلغ الاجتهاد والاختصار والإيجاز - لمعاً سيعرفها من تأمل، وينبه بها من رآها .
وإذ قد ذكرنا جوامع ما يحتاج المبتدي والمنتهي من علوم العالم وأخباره ؛ فلنذكر الآن نسب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومولده، ومبعثه،وهجرته، ووفاته، وأيام الخلفاء والملوك: عصراً فعصراً، إلى وقتنا هذا، ولم نعرض في كتابنا هذا لكثير من الأخبار، بل لَوَّحْنا بالقول بها تخوفاً من الإطالة ووقع الملل ؛ إذ ليس ينبغي للعاقل أن يحمل البنية على ما ليس في طاقتها، ويسوم النفس ما ليس في جبلتها، وإنما الألفاظ على قدر المعاني [ فكثيرها لكثيرها]، وقليلها لقليلها، وهذا باب كبير، وبعضه ينوب عن بعض، والجزء منه يوهمك الكل، والله تعالى ولي التوفيق.
قد ذكرنا فيما سلف من كتبنا بدء التاريخ في أخبار العالم وأخبار الأنبياء والملوك، وعجائب البر والبحر، وجوامع التاريخ للفرس والروم والقبط، وشهور الروم والقبط، وما كان من مولد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اله إلى مَبْعَثه، ومَنْ آمن به قبل رسالته، وقد قدمنا في هذا الكتاب مَنْ كان بينه وبين المسيح من أهل الفترة، فلنذكر الآن مولده ؛ إذ كان الطاهر المطهر الأغر الأزهر، الذي اتسعت أعلام نبوته، وتواترت دلائل رسالته، ونطقت الشهادات له قبل بعثته.
وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد بن ناخور بن سود بن يعرب ابن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرَّحْمن بن تارح، وهو آزر بن تاخور ابن ساروخ بن أرعواء بن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ).
هذا ما في نسخة ابن هشام في كتاب المغازي والسير عن ابن إسحاق، والنسخ مختلفة الأسماء في النسب من نزار.
وفي نسخة أن نزاراً بنُ معد بن عدنان بن أدد بن سام بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن صانوع بن يامد بن قيدر بن إسماعيل بن إبراهيم بن تارح بن ناخور بن أرعواء ابن أسروح بن فالغ بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح بن متوشلخ بن أخنوخ بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم.
وفي رواية ابن الأعرابي عن هشام بن محمد الكلبي: هو نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن نبت بن سلامان بن قيدر بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل بن تارح ابن ناخور بن أرعواء بن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وفي التوراة أن آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) عاش تسعمائة سنة وثلاثين سنة؛ فيجب والله أعلم أن آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ)كان عند مولد لمك - وهو أبو نوح النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - ابن ثمانمائة سنة وأربع وستين سنة، وشيث ابن سبعمائة وأربع أربعين سنة ؛ فيجب على هذا الوصف من الحساب أن مولد نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ)كان بعد وفاة آدم بمائة وست وعشرين سنة.
وقد نهى النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - على حسب ما ذكرنا من نهيه - أن يتجاوز عن معد؛ فقد ثبت أن نتوقف في النسب على [معد، وقد اختلف أهل النسب على] ما ذكرنا، فالواجب الوقف عند أمره(عَلَيهِ السَّلَامُ) ونهيه.
قال المسعودي: وقد وجدت نسب [معد] بن عدنان في السفر الذي أثبته ياروخ بن ناريا كاتب أرميا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن معداً بنُ عدنان أدد بن بن الهميسع بن سلامان بن عوص بن برو بن متساويل بن أبي العوام بن ناسل بن حرا بن يلدارم بن بدلان بن كالح بن فاجم بن ناخور بن ماحي بن عسقي بن عنف بن عبيد بن الرعاء بن حمران بن يسن بن هري بن بحري بن يلخي بن أرعوا بن عنقاء بن حسان بن عيسى بن أقتاد بن إيهام بن معصر بن ناجب بن رزاح بن سماي بن مر بن عوص بن عوام بن قيدر بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل(عَلَيهِ السَّلَامُ).
وقد كان لأرمياء مع معد بن عدنان أخبار يطول ذكرها، وما كان من أمرهما بالشام، وقد أتينا على ذكر ذلك فيما سلف من كتبنا، وإنما ذكرنا هذا النسب من هذا الوجه ليعلم تنازع الناس في ذلك.
وقد نهى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عن تجاوز معد ؛ لعلمه من تباعد الأنساب وكثرة الآراء في طول
هذه المدة والأعصار.
وكنيته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): أبو القاسم، وفي ذلك يقول الشاعر:
لله مـمَّـنْ قد بَـرَا صفــوةٌ***وصفوة الخلق بنو هاشم
وصفوة الصفوة من هاشم***محمد النور أبو القاسم
وهو محمد، وأحمد، والماحي الذي يمحو الله به الذنوب، والعاقب، والحاشر الذي يحشر [الله] الناس على عقبه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وكان مولده عليه الصلاة والسلام عام الفيل، و [كان] بين عام الفيل وعام الفجار عشرون سنة.
والفجار حرب كانت بين قيس عيلان وبني كنانة، استحلوا فيها القتال في الأشهر الحرم، فسميت الفجار، وكنانة: بن خزيمة بن مدركة، وهو عمرو، بن إلياس بن مضر بن نزار، وكان ولد إلياس عمراً وعامراًوعميراً، فعمرو هو مُدركة، وعامر هو طابخة، وعمير هو قمعة، وكانت أمهم ليلى بنت حُلْوَان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة وهي خندف ؛ فغلب على مَنْ ذكرنا الألقاب، ونسب ولد إلياس إلى أمهم خندف، وفي ذلك يقول قصي بن كلاب بن مرة:
إني لدى الحرب وحيّ،، وأبي ***عند تناديهم بآل وَهَبِ
معترم الصَّولة عالي النـسب***أمـي خَنْدَفُ وإلياس أبـي
و قريش خمسة وعشرون بطناً، وهم بنو هاشم بن عبد مناف [بنو المطلب بن عبد مناف]، بنو الحارث بن عبد المطلب، [بنو أمية بن عبد شمس، بنو نَوْفَل بن عبد مناف، بنو الحارث بن فهر]، بنو أسد بن عبد العُزَّى بنو عبد الدار بن قصي - وهم حَجَبَة الكعبة - بنو زهرة بن كلاب، بنو تيم بن مرة، بنو مخزوم بنو يَقَظَة، بنو مرة، بنو عدي ابن كعب، بنو سهم، بنو جُمح، وإلى هنا تنتهي قريش البطاح على حسب ما قدمناه فيما هذا الكتاب، بنو مالك بن حنبل، بنو مُعيط بن عامر بن لؤي [بنو نزار بن عامر] بنو سلَمَةَ بن لُؤي، بنو الأدرم، وهو تيم بن غالب، بنو محارب بن فهر، بنوالحارث بن عبد الله كنانة، بنوعائدة، وهو خزيمة بن لؤي، بنو نباتة، وهو سعد بن لؤي،ومن بنی مالك إلى آخر القبائل في قريش الظواهر على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا للمطيبين وغيرهم من قريش.
وكان من حرب الفجار ما ذكرنا للمتفاخرين بالعشائر والتكاثر، وانتهى الفجار في شوال، وكان حِلْفُ الفضول بعد منصرفهم من الفِجَار، فقال بعضهم:
نحن كُنَّا المُلُوك من آل نجد ***وحماة الزمان عند الذُّمار
ومنـعنا الحجُونَ من كل حي***ومنعنـا الفجار يوم الفجار
وفي ذلك قال خداش بن زهير العامري:
فلا توعديني بالفجار فإنه***أحَلَّ ببطحاء الحجُونِ المخازيا
وقد كان الحلفُ في ذي القعدة في ذي القعدة بسبب رجل من زبيد من اليمن، وكان باع سلعة له من العاص بن وائل السهمي، فمطلة بالثمن حتى يئس، فعلا جبل أبي قبيس، وقريش في مجالسها حول الكعبة، فنادى بشعر يصف فيه ظُلامته. رافعاً صوته منادياً يقول:
يا للرجال لمظلوم بضاعته***ببطن مكة نادي الحي و الحي والنفر
إن الحرام لمن تمت حرامته***ولا حـرام لـثـوب الـفـاجـر الـغَدِر
فمشَتْ قريش بعضها إلى بعض، وكان أول من سعى في ذلك الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، واجتمعت قبائل قريش في دار الندوة وكانت للحَلْ والعقد، وكان ممن اجتمع بها من قريش بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو المطلب بن عبد مناف، وزُهْرَة بن كلاب، وتَيْم بن مرة، وبنو الحارث بن فهر، فاتفقوا على أنهم ينصفون المظلوم من الظالم، فساروا إلى دار عبد الله بن جدعان، فتحالفوا هنالك ؛ ففي ذلك يقول الزبير بن عبد المطلب:
[حلفت لنعقدَنُ حلفاً عليهم***وإن كنا جميعاً أهل دار]
[انسميه الفضول إذا عقدنا***يعزُّ بِهِ الغريب لدى الجوار]
ويعلم مَنْ حَوَالي البيت أنا***أُباة الضيم نهـجر كـل عـار
وقد قدمنا في كتابنا الأوسط أخبار الأحلاف والفجارات الأربعة: فجار الزجل، أو فجار بدر بن معشر، وفجار القرد، وفجار المرأة ،والفجار الرابع هو فجار البراض، وبين الفجار الرابع [الذي كان فيه القتال وبين بنيان الكعبة خمس عشرة سنة، وكان من] حضور
النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و مشاهدته الفجار الرابع إلى أن خرج إلى الشام في تجارة خديجة، ونظر نسطور الراهب إليه وهو في صومعته، والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مع مَيْسَرَة،وقد أظلته غمامة، فقال: هذا نبي، وهذا آخر الأنبياء - أربع سنين، وتسعة أشهر، وستة أيام، وإلى أن تزوج خديجة بنت خویلد شهران، وأربعة وعشرون يوماً، وإلى أن شهد بنيان الكعبة، وحضر منازعة قريش في وضع الحجر الأسود عشر سنين.
وقد كان السيلُ هَدم الكعبة فسرق منها لما انهدمت غزال من الذهب وحلي وجواهر، فنقضتها قريش، وكان في حيطانها صُوَر كثيرة بأنواع من الأصباغ عجيبة: منها صورة إبراهيم الخليل في يده الأزلام، ويقابلها صورة إسماعيل ابنه على فرس يُجيز بالناس مُفيضاً، والفاروق قائم على وفد من الناس يقسم فيهم، وبعد هذه الصور صور كثير من أولادهم إلى قصي بن كلاب وغيرهم، في نحو من ستين صورة مع كل واحد من تلك الصور إله صاحبها، وكيفية عبادته، وما اشتهر من فعله.
ولما بنت قريش الكعبة ورفعت سمكها وتأتى لها ما أرادت في بنيانها من الخشب الذي ابتاعوه من السفينة التي رمى بها البحرُ إلى ساحلهم التي بعث بها ملك الروم من القلزم من بلاد مصر إلى الحبشة، لتُبنى هنالك له كنيسة، وانتهوا إلى موضع الحجر على ما ذكرنا وتنازعوا أيهم يَضَعُه، فاتفقوا أن يرضوا بأول من يطلع عليهم من باب بني شيبة، فكان أول من ظهر لأبصارهم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من ذلك الباب، وكانوا يعرفونه بالأمين؛ لوقاره وهديه وصدق اللهجة، واجتنابه القاذورات والأدناس، فحكموه فيما تنازعوا فيه، وانقادوا إلى قضائه، فبسط ما كان عليه من رداء، وقيل: كساء [طاروني]، وأخذ عليه الصلاة والسلام الحَجَر فوضعه في وسطه، ثم قال لأربعة رجال من قريش - [وهم] أهل الرياسة فيهم، والزعماء منهم، وهم: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي، وأبو حذيفة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم، وقيس بن عدي السهمي - ليأخُذ كل واحد منهم بجنب من جنبات هذا الرداء، فشالوه حتى ارتفع عن الأرض، وأدنوه من موضعه، فأخذ عليه الصلاة والسلام الحجَرَ ووضعه في مكانه وقريش كلها حضور، وكان ذلك أول ما ظهر من فعله وفضائله وأحكامه.
فقال قائل ممن حضر من قريش متعجباً من فعلهم وانقيادهم إلى أصغرهم سناً:
واعجباً لقوم أهل شرف ورياسة وشيوخ وكهول عمدوا إلى أصغرهم سناً، وأقلهم مالاً، فجعلوه عليهم رئيساً وحاكماً !! أما واللات والعزى ليفوقنهم سبقاً، وليقسمن بينهم حظوظاً وجدوداً وليكونَنَّ له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم.
وقد تنوزع في هذا القائل: فمن الناس من رأى أنه إبليس ظهر في ذلك اليوم في جمعهم في صورة رجل من قريش كان قد مات، وزعموا أن اللات والعزى أحيتاه لذلك المشهد، ومنهم من رأى أنه بعض رجالهم وحكمائهم ومَنْ كانت له فطنة.
فلما استتمت قريش بناء الكعبة كستها أردية الزعماء، وهي الوصائل، وأعادوا الصور التي كانت مصورة في الكعبة، وأتقنوا شكل ذلك وإحكامه [وكان أبو طالب حاضراً فلما سمع هذا الكلام من هذا القائل في النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وما يكون من أمره في المستقبل، أنشأ يقول:
إن لـنـا أولــه وآخــره***في الحكم العدل الذي لا ننكره
وقد جهدنا جهدنا ليغمره***وقــد عـهتدنا أولـه وآخــره
فإن يكن حقاً ففينا أكثره]
وكان من بناء الكعبة إلى أن بعثه الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خمس سنين، ومن مولده إلى يوم مبعثه .أربعون سنة ويوم
والذي صح من مولده عليه الصلاة والسلام أنه كان بعد قدوم أصحاب الفيل مكة بخمسين يوماً، وكان قدومهم مكة يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ثمانمائة واثنتين وثمانين من عهد ذي القرنين، وكان قدوم أبرهة مكة لسبع عشرة خلت من المحرم ولست عشرة ومائتين من تاريخ العرب، الذي أوله حجة الغدر ولسنة أربعين من ملك كسرى أنوشروان.
وكان مولده عليه الصلاة والسلام لثمان خلون من ربيع الأول من هذه السنة بمكة، في دار ابن يوسف، ثم بعد ذلك بنتها الخيزران أم الهادي والرشيد مسجداً وكان أبوه عبد الله غائباً بأرض الشام فانصرف مريضاً، فمات بالمدينة ورسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حَمْل، وقد تنوزع في ذلك: فمنهم من قال: إنه مات بعد مولد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بشهر، ومنهم من قال: إنه مات في السنة الثانية من مولده.
وأُمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب وفي السنة الأولى من مولده دفع إلى حليمة بنت عبد الله بن الحارث تُرضعه، وفي السنة الثانية من كونه في بني سعد كان أبو عبد الله يقول:
الـحـمـد لله الـذي أعـطـانـي***هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان***أعيذه بالبيت ذي الأركان
[وفي رواية أن عبد المطلب قال:
لا هُمَّ رب الراكب المسافر***يحمد قلب بخير طائر
تنح عـن طريقه الفـواجـر***وحـيـه رصد الطـواهـر
واحبس كل حلف فاجر***في درج الريح والأعاصر]
وفي السنة الرابعة من مولده شَقَّ الملكان بطنه، واستخرجا قلبه، فشقاه وأخرجا منه علقة سوداء ثم غسلا بطنه وقلبه بالثلج، وقال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة أمته، فوزنه فرجح، ثم ما زال يزيد حتى بلغ الألف، فقال والله لو وزنته بأمته لوزنها .
وفی السنة الخامسة رَدَّته إلى أمه مرضعته حليمة ؛ وقيل: في مستهل السادسة وبين ذلك وبين عام الفيل خمس سنين وشهران وعشرة أيام.
وفي السنة السابعة من مولده خرجت به أمه إلى أخواله تزورهم، فتوفيت بالأبْوَاءِ، وقدمت به أم أيمن إلى مكة بعد خامسة من موت أمه.
وفي السنة الثامنة من مولده توفي جده عبد المطلب، وضمه عمه أبو طالب إليه، وكان في حجره، وخرج مع عمه إلى الشام، وله ثلاث عشر سنة، ثم خرج في تجارة لخديجة بنت خويلد إلى الشام مع غلامها مَيْسَرَة وهو ابن خمس وعشرين سنة .
قال المسعودي: وقد أتينا على مبسوط هذا الباب، في كتابينا: «أخبار الزمان» و«الأوسط».
ثم بعث الله ورسوله وأكرمه بما اختصه به من نبوته، بعد بنيان الكعبة بخمس سنين على ما قدمنا آنفاً، وهو ابن أربعين سنة كاملة ؛ فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وأخفى أمره ثلاث سنين، ونكح خديجة بنت خويلد [وله خمس وعشرون سنة] وأنزل عليه بمكة من القرآن اثنتان وثمانون سورة، ونزل تمام بعضها بالمدينة، وأول ما نزل عليه من القرآن (أقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1] وأتاه جبريل(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ليلة السبت، ثم في ليلة الأحد، وخاطبه بالرسالة في يوم الاثنين، وذلك بحراء، وهو أول موضع نزل فيه القرآن، وخاطبه بأول السورة إلى قوله تعالى (عَلَمَ الْإِنسَانَ مَا لَوْ يَعلَم) [العلق: 5] ونزل تمامها بعد ذلك؛ وخوطب بفرض الصلوات ركعتين ركعتين، ثم أمر بإتمامها بعد ذلك، وأُقِرَّت ركعتين في السفر وزيدَ في صلاة الحضر.
وكان مبعثه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على رأس عشرين سنة من مُلك كسرى أبرويز، وذلك على رأس مائتي سنة من يوم التحالف بالرَّبَذَة، وذلك لستة آلاف ومائة وثلاث عشرة سنة من هبوط آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، وقد ذكر مثل هذا عن بعض حكماء العرب في صدر الإسلام ممن قرأ الكتب السالفة على حسب ما استخرج منها، وفي ذلك يقول في أرجوزة طويلة:
في رأس عشرة من السنين***إلى ثلاث حصلت يقين
والمائة المعدودة الـتمـام***إلى ألوف سدست نظام
أرسـله الله لـنـا رسـولا***وكـان فيـنـا هادي الـسبيلا
وقد تنوزع في علي بن أبي طالب كرم الله وجههوإسلامه، فذهب كثير من الناس إلى أنه لم يشرك بالله شيئاً فيستأنف الإسلام، بل كان تابعاً للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في جميع أفعاله
مقتدياً به، وبلغ وهو على ذلك، وأن الله عصمه وسدده ووفقه لتبعيته لنبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ لأنهما كانا غير مضطرين ولا مجبورين على فعل الطاعات، بل مختارين قادرين، فاختارا طاعة الرب، وموافقة أمره، واجتناب منهياته، ومنهم من رأى أنه أول من آمن، وأن الرسول دعاه وهو موضع التكليف بظاهر قوله عز وجل: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْريين ﴾ [الشعراء: 214]، وكان بدؤه بعلي إذ كان أقْرَب الناس إليه وأتبعهم له ، ومنهم من رأى غير ما وصفنا، وهذا موضع قد تنازع الناس فيه الشيعة، وقد احتج كل فريق لقوله ممن قال بالنص في الإمامة والاختيار، وأرضى كل فريق كيفية إسلامه ومقدار سنيه، وقد أتينا على الكلام في ذلك على الشرح والإيضاح في كتابنا المترجم بـ «كتاب الصفوة في الإمامة» وفي كتاب «الاستبصار» وفي كتاب «الزاهي» وغيره من كتبنا في هذا المعنى.
ثم أسلم أبو بكر رضي الله عنه، ودعا قومه إلى الإسلام، فأسلم على يديه عثمان ابن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله ؛ فجاء بهم إلى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأسلموا، فهؤلاء النفر سَبَقُوا الناس بالإيمان، وقد قال بعض مَنْ تقدم من الشعراء في صدر الإسلام يذكرهم:
فيا سائلي عن خيار الـعـبـا***د، صَادَفتَ ذا العلم والخبره
خيَارُ العباد جميعاً قـريـش***يس وخير قريش ذوو الهجره
وخير ذوي الهجرة السابقون***ثمانية وحدهم نُصْرَهُ
عَليَّ وَعُـثـمـان ثـم الـزبـيـر***وطَلْحَة، واثنان من زُهرة
وشيخان قد جَاوَرًا أحـمـداً***وَجاوَرَ قبراهما قـبـره
فمن كان بعـدهـمـا فاخراً***فلا تذكروا عندهم فخره
وقد اختلف في أول من أسلم: فمنهم من رأى أن أبا بكر الصديق كان أول الناس إسلاماً، وأسبقهم إيماناً، ثم بلال بن حمامة، ثم عمرو بن عبسة، ومنهم مَنْ ذهب إلى أول من أسلم من النساء خديجة، ومن الرجال عَليّ، ومنهم مَنْ رأى أن أول من أسلم زيد بن حارثة [ حِبّ النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)] ثم خديجة، ثم عليّ كرم الله وجهه، وقد ذكرنا ما اجتبينا من القول في ذلك فيما قدمنا ذكره [من كتبنا] في هذا المعنى، والله تعالى ولي التوفيق.
أمر الله عز وجل رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالهجرة، وفرض عليه الجهاد، وذلك في سنة إحدى من [سني] الهجرة، وهي السنة التي نزل فيها الأذان، وكانت سنة أربع عشرة من المبعث.
وكان ابن عباس يقول: بعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو ابن أربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر عشراً، وقبض وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وكانت سنة إحدى من الهجرة، وهي سنة اثنتين وثلاثين من ملك كسرى أبرويز، وسنة تسع من ملك هرقل ملك النصرانية، وسنة تسعمائة وثلاث وثلاثين من ملك الإسكندر المقدوني.
قال المسعودي: وقد ذكرنا في الكتاب الأوسط كيفية فعل رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في خروجه من مكة [ودخوله الغار] واستئجار علي له الإبل، وَنَوْمه على فراشه ؛ فخرج النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من مكة، ومعه أبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وعبد الله بن أريقط الديلي دليل لهم على الطريق، ولم يكن مسلماً، وكان مُقام علي بن أبي طالب بعده بمكة ثلاثة أيام إلى أن أدّى ما أمر بأدائه، ثم لحق بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وكان دخوله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، فأقام بها عشر سنين كوامل، وكان نزوله عليه الصلاة والسلام في حال موافاته المدينة بقباء على سعد بن خيثمة [ وابتنى المسجد] وكان مقامه بقباء يوم الاثنين
والثلاثاء والأربعاء والخميس، وسار يوم الجمعة ارتفاع النهار، وأتته الأنصار حيّاً حيا يسأله كل فريق [منهم] النزول عليه ويتعلقون بزمام راحلته وهي تجذبه . فيقول عليه الصلاة والسلام: «خَلّوا عنها فإنها مأمورة» حتى أدركته الصلاة في بني سالم، فصلى بهم يوم الجمعة، وكانت تلك أول جمعة صليت في الإسلام، وهذا موضع تنازع الفقهاء في العدد الذي تتم بهم صلاة الجمعة: فذهب الشافعي في آخرين معه إلى أن الجمعة لا تجب إقامتها حتى يكون عدد المصلين أربعين فصاعداً، وأقل من ذلك لا يجزي، وخالفه غيره من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم، وكانت صلاته في بطن الوادي المعروف بوادي رَانُونَاء إلى هذه الغاية، ثم استوى على ناقته، فسارت لا تُعَرّج على شيء، ولا يردها راد، حتى أتت إلى موضع مسجده عليه الصلاة والسلام، والموضع يومئذ لغلامين يتيمين من بني النجار، فبركت، ثم سارت [فمضت] غير بعيد، ثم عادت إلى مبركها واطمأنت، والنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يراعي أحكام الباري فيه، وتوفيقه له، فنزل عنها، وسار إلى منزل أبي أيوب الأنصاري - وهو خالد بن كليب بن ثعلبة بن عوف بن سحيم بن مالك بن النجار - فأقام في منزله شهراً حتى ابتنى المسجد من بعد ابتياعه الموضعَ، وأحدقت به الأنصار واشتد سرور هم به، وأظهروا التأسف على ما فاتهم من نُصرته، وفي ذلك يقول صرمة بن [أبي] أنس أحد بني عدي النجار من قصيدة:
ثوَى في قريش بضع عشرة حجَّةً***يُذكّر لا يلقى صديقاً مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه***فلم ير من يوفي، ولم ير داعيا ]
فـلـمـا أتـانـا أَظْهَرَ الله دينه***وأصبح مسروراً بطيبة راضيـا
[ وأصبح لا يخشى من الناس واحداً***بعيداً، ولا يخشى من الناس دانيا]
[بذلنا له الأموال في كل ملكنا***وأنفسنا عند الوغى والتآسيا]
[ونعلم أن الله لا رب غيره***وأن رسول الله للحق رائيا]
نعادي الذي عادى من الناس كلهم***جميعاً، وإن كان الحبيب المصافيا
فافترض [صيام] شهر رمضان، وحُوِّلت القبلة إلى الكعبة بعد قدومه بثمانية عشرشهراً، وقد قيل: إنه أنزل عليه بالمدينة من القرآن اثنتان وثلاثون سورة.
ثم قبضه الله يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول سنة عشر في الساعة التي دخل فيها المدينة، في منزل عائشة رضي الله عنه، وكانت علته اثني عشريوماً.
وكانت غزواته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنفسه ستاً وعشرين غزوة، ومنهم من رأى أنها سبع وعشرون، الأولون جعلوا منصرف النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة، والذين جعلوها سبعاً وعشرين جعلوا غزوة خيبر مفردة ووادي القرى منصرفه إليها غزوة أخرى غیر خیبر ؛ فوقع التنازع في أعداد الغزوات من هذا الوجه، وذلك أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين فتح الله خيبر انصرف منها إلى وادي القرى من غير أن يأتي المدينة.
وكان أول غزواته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من المدينة بنفسه إلى وَدَّان، وهي المعروفة بغزوة الأبواء، ثم غزوة بُواط إلى ناحية رَضْوَى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى، وكان خروجه طلباً لكرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى، وهي بدر الثانية التي قتل فيها صنادید قريش وأشرافها وأسر من أسر من زعمائهم، ثم غزوة بني سُلَيم حتى بلغ الموضع المعروف بالكدر ماء لبني سُليم، ثم غزوة السويق طلباً لأبي سفيان بن حرب فبلغ فيها الموضع المعروف بقرقرة الكدر، ثم غزوة غطفان إلى نجد وتعرف هذه الغزوة بغزوة ذي أمر، ثم غزوة بحران وهو موضع بالحجاز من فوق الفرع ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء السد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نجد، ثم غزوة بدرالأخيرة، ثم غزوة دومة الجندل [ثم غزوة المُريسيع ] ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان بن هذيل بن مدركة، ثم غزوة ذي قرد، ثم غزوة بني المصطلق من خُزاعة، ثم غزوة الحديبية لا يريد يريد قتالاً فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم اعتمر(عَلَيهِ السَّلَامُ) عمرة القضاء، ثم فتح مكة، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك.
قاتل منها في تسع غزوات: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، وتبوك.
هذا قول محمد بن إسحاق، فأما ما ذهب إليه الواقدي فإنه وافق ابن إسحاق في قتال النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في هذه التسع الغزوات، وزاد أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قاتل في غزاة وادي القرى، وذلك أن غلامه المعروف بمدعم رمي بسهم فقتل، وقاتل في يوم الغابة فقتل من المشركين ستة نفر، وقتل يومئذ محرز بن نضلة ففي قول الواقدي أنه قاتل في إحدى عشرة غزوة، وفي قول ابن إسحاق تسع، فقتاله في التسع باتفاق منهما، وزاد الواقدي على ما ذكرنا.
وقد قيل: إن أول غزوة غزاها (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذات العشيرة.
وقد تنازع من سلف من أهل السير والأخبار في عدة سراياه وبعوثه: فقال قوم: إن عدة سراياه وبعوثه بين أن قدم المدينة وبين أن قبضه الله خمس وثلاثون بعثاً وسَرِية، وذكر محمد بن جرير الطبري في كتابه في التاريخ قال: حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عُمر الواقدي: كانت سرايا النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و ثمانياً وأربعين سَرِيَّةً، وقيل. إن سراياه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وبعوثه كانت ستة وستين.
وقبض(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو ابن ثلاث وستين سنة على حسب ما تقدم في صدر هذا الباب من قول ابن عباس، ولم يخلف من الولد إلا فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ)، وتوفيت بعده بأربعين يوماً، وقيل: سبعين يوماً، وقيل غير ذلك.
وكان تزوج علي بن أبي طالب بفاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) بعد سنة مضت من الهجرة، وقيل أقل من ذلك.
وكانت أول امرأة تزوج بها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وكانت وفاتها في شوال بعد مبعثه بثلاث سنين.
وَأسري به وهو ابن إحدى وخمسين سنة وثمانين أشهر وعشرين يوماً .
وكانت وفاة عمة أبي طالب - واسمه عبد مناف [بن عبد المطلب] - بعد وفاة خديجة بثلاثة أيام، وهو ابن تسع وأربعين سنة وثمانين أشهر، وقد قيل: إن أبا طالب اسم له.
وتزوج بعد وفاة خديجة بسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد ود بن نضر بن مالك [بن حِسْل].
وتزوج بعائشة رضي الله عنها [قبل الهجرة بسنتين، وقيل: تزوجها بعد وفاة خديجة، ودخل بها] بعد الهجرة بسبعة أشهر وتسعة أيام، وقد أتينا على ذكر سائر أزواجه في الكتاب الأوسط ؛ فأغنى [ذلك] عن إعادته.
روی جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إن الله عز وجل أدب محمداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأحسن تأديبه، فقال: (الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ ﴾ [الأعراف: (199]، فلما كان كذلك قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] فلم قبل من الله فوض إليه فقال: ﴿وَمَا ءَانَنكُمْ)
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَأَنتَهُوا [الحشر: 7] وكان يضمن على الله الجنة، فأجيز له ذلك. وكان عدة من تزوج من النساء خمس عشرة: دخل بإحدى عشر منهن، ولم يدخل بأربع، وقبض(عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تسع.
قال المسعودي: وقد تنوزع في مقدار عمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) ، وقد قدمنا ما روي في ذلك
عن ابن عباس، وهو ما ذكره حماد بن سلمة بن أبي حمزة عن ابن عباس، وقد روي عن أبي هريرة مثل قول ابن عباس، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: أنزل على رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وأقام بمكة عشراً، [و بالمدينة عشراً]، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكذلك ذكر عن عائشة قالت: توفي رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقد روي عن ابن عباس من وجه آخر أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبض وهو ابن خمس وستين سنة، وكذلك ذكر ابن هشام قال: حدثنا علي ابن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، وذكر قتادة عن الحسن عن دغفل - يعني ابن حنظلة - أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) توفي وهو ابن خمس وستين، وقد قيل: إنه قبض وهو ابن ستين، وذكر ذلك عن ابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير، وذكر حماد قال: أخبرنا عمرو بن دينار، عن عُروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو ابن أربعين سنة، ومات وهو ابن ستين، وذكر شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها وابن عباس أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعث وهو ابن أربعين سنة، فلبث بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وقبض وهو ابن ستين(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وإنما حكينا هذا الخلاف ليعلم من نظر في كتابنا هذا أنا لم نغفل شيئاً مما قالوه، ولا تركنا شيئاً ذكروه إلا ذكرنا منه ما تأتى لنا ذكره وأشرنا إليه، ميلاً إلى الاختصار وطلباً للإيجاز، والذي وجدنا عليه آل محمد عليه الصلاة والسلام أنه قبض ابن ثلاث وستين سنة، ولما غسل عليه الصلاة والسلام كفن في ثلاثة أثواب ثوبين صُحاريين وثوب حبرة أدرج فيها إدراجاً، ونزل في قبره علي بن أبي طالب والفضل وقثم ابنا العباس وَشُقْران مولى رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد ذكر في مقدار الثياب للكفن غير ما ذكرنا والله أعلم بكيفية ذلك.
ولنرجع الآن إلى ذكر لمع من أموره وأخبار كانت من مولده إلى وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وشرف وعَظَّم.
ذكر أمور وأحوال من مولده إلى وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب من ذكر مولده(عَلَيهِ السَّلَامُ) ومبعثه ووفاته جوامع يكتفي بها العالم المستبصر، ويتنبه بها الطالب المسترشد، وذكرنا جُملاً من الكوائن والأحداث في تضاعيف ذلك، وأفردنا هذا الباب لذكر ترتيب جمل من السنين من مولده إلى وفاته، وجمل أَحْدَاثِ وكوائن كانت في أيامه ؛ ليقرب تناول ذلك على مريده، ويسهل مأخذه على الطالب له، وإن كنا قد أتينا على لمع من مبسوط هذا الباب فيما تقدمه من الأبواب إن شاء الله .
ففي أول سنة من مولده، دفع إلى حليمة بنت عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .
وفي السنة الخامسة من مولده رَدَّتْه حليمة إلى أمه، على حسب ما ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب.
وفي السنة السادسة أخرجته أمه إلى أخواله زائرة فتوفيت بالأبواء بين مكة والمدينة، ونمي ذلك إلى أم أيمن، فخرجت إليه ؛ وقدمت به إلى مكة؛ وكانت مولاة له قد ورثها عن أمه .
وفي السنة التاسعة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، وقيل: إنه خرج مع عمه
أبي طالب إلى الشام وله ثلاث عشرة سنة، وقد كان أبو طالب أخا عبد الله أبي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لأبيه وأمه ؛ فلذلك كَفَلَ بأمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من بين سائر إخوته - وهم: العباس، وحمزة، والزبير، وحجل، والمقوم وضرار، والحارث، وأبو لهب - وهم عشرة بنو عبد المطلب، وكان لعبد المطلب ستة عشر ولداً: عشرة ذكور، وهم من سمينا، وست إناث، وهن:عاتكة، وصفية، وأميمة، والبيضاء، وبَرَّة، وأرْوَى، ولم يسلم منهن إلا صفية أم الزبير بن العوام، وقد تنوزع في أروى: فمنهم من قال: إنها أسلمت [ومنهم من خالف ذلك].
وفي خروجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع عمه في هذه السنة نظر إليه بحيرا الراهب، وأوصاهم بمراعاته من اليهود فإنهم أعداؤه لعلمهم بما يكون من نبوته على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب عند ذكرنا لخبر بحيرا الراهب وما كان من إخباره بنبوة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ،وذلك في باب أهل الفترة ممن كان بين المسيح ومحمد عليهما السلام .
وقد قدمنا أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شهد يوم حرب الفجار، وذلك في سنة إحدى وعشرين، وأنها حرب كانت بين قريش وقيس عيلان، فيما سلف من هذا الكتاب وغيره، وأنها إنما سميت بهذا الاسم الذي هو الفجار لأنها كانت في الأشهر الحرم، وكانت لقيس على قريش، وأن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لما شاهدها صارت لقريش على قيس، وكان على قريش يومئذ عبد الله بن جدعان التيمي، وكان نخاساً في الجاهلية بياعاً للجواري، وكانت هذه إحدى الدلائل المنذرة بنبوته(عَلَيهِ السَّلَامُ) والتيمن بحضوره.
وفي سنة ست وعشرين كان تزويجه بخديجة بنت خويلد، وهي يومئذ بنت أربعين، وقيل في سنها غير هذا.
وفي سنة ست وثلاثين بنت قريش الكعبة، وتراضت،به، فوضع الحجر على حسب ما قدمنا .
وفي سنة إحدى وأربعين بعثه الله نبياً ورسولاً إلى كافة الناس، وذلك [يوم الاثنين]
لعشر خلون من ربيع الأول، على حسب تنازع الناس في تاريخ مبعثه (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وفي سنة ست وأربعين كان حصار قريش النبي وبني هاشم وبني [عبد] المطلب في الشِّعْبِ.
وفي سنة خمسين كان خروجه ومن تبعه تبعه من الشعب .
وفي هذه السنة كانت وفاة خديجة زوجه [ وفيها كان خروجه إلى الطائف] على حسب ما ذكرنا .
وفي سنة إحدى وخمسين كان الإسراء به (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى بيت المقدس على حسب ما نطق به التنزيل .
وفي سنة أربع وخمسين كانت هجرته(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى المدينة، وفيها بنى(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مسجده، وفيها دخل بعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنه وهي ابنة تسع، وتزوج بها [قبل الهجرة وهي بنت سبع، وقيل: إنه تزوجها وهي بنت ست سنين، وبنى بها في المدينة ] بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقيل عن عائشة، إن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قبض وهي بنت ثمان عشرة سنةً، وكانت وفاتها سنة ثمان وخمسين من الهجرة، [بالمدينة، وصلى عليها أبو هريرة في أيام معاوية بن أبي سفيان وقد قاربت السبعين] وفيها أمر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالأذان، وأري عبد الله بن زيد كيفية الأذان في منامه، وفيها كان تزوج علي بن أبي طالب بفاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على حسب ما ذكرنا من التنازع في التاريخ.
وفي سنة اثنتين من الهجرة افترض على المؤمنين صوم شهر رمضان، وفي هذه السنة أمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالتوجه إلى الكعبة، وفيها توفيت ابنته رقية، وفي آخر هذه السنة - وهي سنة اثنتين من الهجرة - كان دخول علي بن أبي طالب بفاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وفيها كانت وقعة بدر، وذلك في يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.
وفي سنة ثلاث كان تزويجه بزينب بنت خزيمة، وكانت وفاتها بعد شهرين، وفي هذه السنة كان تزويجه بحفصة بنت عمر بن الخطاب، وفيها كان تزويج عثمان بن عفّان بأم كلثوم ابنة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وفيها كان مولد الحسن بن علي بن أبي طالب على ما في ذلك من التنازع في التاريخ، وفيها كانت غزوة أحد، وفي هذه السنة استشهد حمزة بن عبد المطلب.
وفي سنة أربع كانت غزوته المعروفة بذات الرّقاع، وفي هذه الغزاة صلى صلاة الخوف بالناس، على حسب ما ذكر في كيفية ذلك من التنازع، وفيها كان تزويجه بأم سلمة بنت [أبي] أمية، وفيها كانت غزوته إلى اليهود من بني النضير وامتنعوا منه بحصونهم، فقطعوا نخلهم وشجرهم، وأضرموا النار عليهم، فلما رأى ذلك صالحهم، وفيها كانت غزوته إلى بني المصطلق، وفيها - وهي سنة أربع - كان مولد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد قيل: إن مولد فاطمة رضي الله تعالى عنها [كان] قبل الهجرة بثمان سنين.
وفي سنة خمس كانت غزوة الخندق وما كان [فيها] من حفر الخندق، وفيها غزا اليهود من بني قريظة، وكان من أمرهم ما قد شهر ، وفيها كان تزويجه بزينب بنت جحش، وفيها كان تقول أهل الإفك على عائشة رضي الله تعالى عنها .
وفي سنة ست كان استسقاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما لحق الناس من الضر والجدب، وفيها اعتمر عمرته المعروفة بعمرة الحديبية وواعد المشركين، وفيها أخذ فدك، وفيها تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان، ووجه بالرسل إلى كسرى وقيصر، وكان فيها أداؤه لكتابه جويرية بنت الحارث وتزويجه بها .
وفي سنة سبع غزا خيبر فافتتحها، واصطفى صفية بنت حيي بن أخطب لنفسه، وفيها تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية خالة عبد الله بن عباس في سفره حين اعتمر
عمرة القضاء، على ما ذكر من التنازع في نكاحه لها، أفي حال حله نكحها أم في حال إحرامه؟ وما قال الفقهاء في ذلك، وتنازع الناس في نكاح المحرم، وفيها كان قدوم حاطب بن أبي بلتعة من مصر من عند المقوقس ملكها ومعه مارية القبطية أم إبراهيم ابن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وغير ذلك من هدايا المقوقس إليه، وفيها كان قدوم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة [ومعه أولاده وزوجته وغيرهم من المسلمين ممن كان بأرض الحبشة].
وفي سنة ثمان استشهد جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بأرض مُؤتة من أرض البلقاء من أرض الشام وأعمال دمشق في وقعتهم مع الروم، وفيها كانت وفاة زينب بنت رسول الله(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقيل: غير ذلك من التاريخ .
وفي سنة ثمان كان افتتاح النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكة، وقد تنازع الناس في فتحها، أصلحاً كان أم عنوةً ؟ وفيها كسرت الأصنام، وهدمت العُزَّى ثم قال النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):«يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيراً أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وفيها غزا غزوة حُنين، وكان على هوازن مالك بن عوف النضري ومعه دريد بن الصُمَّة، وفيها كانت غزوة الطائف، وفيها كان إعطاؤه للمؤلفة قلوبهم وفيهم أبو سفیان صخر بن حرب وابنه معاوية، وفيها كان مولد إبراهيم ابن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من مارية القبطية.
وفي سنة تسع حج أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالناس، وقرأ علي بن أبي طالب عليهم سورة براءة، وأمر أن لا يحج مشرك، وأنه لا يطوف بالبيت عريان، وفيها كانت وفاة أم كلثوم بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وفي سنة عشر حج رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حجة الوداع، وقال: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض»، وفيها كانت وفاة إبراهيم ابن رسول الله(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وله سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام، وقيل غير ذلك، وفيها كان بعثه عليه الصلاة والسلام بعليّ إلى اليمن، وأحرم كإحرام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
[وفي سنة إحدى عشرة كانت وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)] على حسب على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب قبل هذا الباب من ذكر وفاته ومقدار عمره وما قاله الناس في ذلك، وفيها كانت وفاة فاطمة بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على حسب ما ذكرنا من تنازع الناس في مقدار عمرها ومدة بقائها بعد أبيها، ومن الذي صلى عليها: العباس بن عبد المطلب أم بَعْلُها علي؟ ولما قبضت جزع عليها بعلها عليّ جزعاً شديداً واشتد بكاؤه وظهر أنينه وحنينه، وقال في ذلك:
لكل اجتماع من خليلين فُرْقَة***وكل الذي دون الممات قليل
وإن افتقادي فاطماً بعد أحـمد***دليل على أن لا يـدوم خليل
وكلُّ أولاده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من خديجة خلا إبراهيم: ولد له (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): القاسم، وبه كان يكنى، وكان أكبر بنيه سنّاً، ورقية وأم كلثوم، وكانتا تحت عُتبة وعتيبة ابني أبي لهب [عمه] فطلقاهما لخبر يطول ذكره ، فتزوجهما عثمان بن عفان واحدة بعد واحدة، وزينب، وكانت تحت أبي العاص بن الربيع، وفرق الإسلام بينهما، ثم أسلم فردها عليه بالنكاح الأول، وهذا موضع خلاف بين أهل العلم في كيفية رده عليه الصلاة والسلام لزينب على أبي العاص، وولدت من أبي العاص أمامة، وتزوجها علي بعد موت فاطمة (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وولد له عليه الصلاة والسلام بعد ما بعث عبد الله وهو الطيب والطاهر، الثلاثة الأسماء له ؛ لأنه ولد في الإسلام وفاطمة وإبراهيم.
وقد أتينا في كتابنا «أخبار الزمان» والكتاب الأوسط على ما كان في سنة سنة من مولده عليه الصلاة والسلام إلى مبعثه، ومن مبعثه إلى هجرته، ومن هجرته إلى وفاته، ومن وفاته إلى وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - وما كان في ذلك من المغازي [والفتوح] والسَّرَايا والبعوث [والطرائق] والأحداث، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً منبهين بذلك على ما سلف من كتبنا، ومذكرين لما تقدم من تصنيفنا، وبالله التوفيق .
قال أبو الحسن علي بن الحسين [بن علي] بن عبد الله المسعودي: بعث الله نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) رحمة للعالمين، ومبشراً للناس أجمعين، وقرنه الله بالآيات، والبراهين النيرات، وأتى بالقرآن المعجز؛ فتحدى به قوماً وهم الغاية في الفصاحة، والنهاية في البلاغة، وأولو العلم باللغة والمعرفة بأنواع الكلام من الرسائل والخطب والسجع والمُقَفَّى والمنثور والمنظوم والأشعار في المكارم وفي الحث والزجر والتحضيض والإغراء والوعد والوعيد والمدح والتهجين، فَقَرَع به أسماعهم، وأعجز به أذهانهم وقَبَّح به أفعالهم ، وذم به آراءهم [وسفَّه به أحلامهم] وأزال به دياناتهم، وأبطل [به] سنتهم، ثم أخبر عن عجزهم مع تظاهرهم أن لا يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، مع كونه عربياً مبيناً .
وقد تنازع الناس في نظم القرآن وإعجازه، وليس الغرض من هذا [الكتاب] وصف أقاويل المختلفين، والإخبار عن كلام المتنازعين ؛ إذ كان كتاب خبر، لا كتاب بحث ونظر.
ثبت عنه عليه الصلاة والسلام بالعلم الموروث، ونقل إلينا الباقي عن الماضي من بعد قيام الأدلة على صدقه، وما أورد من المعجزات والدلائل والعلامات التي أظهر [ها ] الله على يديه ليؤدي رسالات ربه إلى خلقه - أنه قال: أوتيت جوامع الكلم، وقال: اختصر لي الكلام، مخبراً عما أوتيه من الحكمة [والبيان غير القرآن المعجز، وهو ما أوتيه عليه الصلاة والسلام من الحكمة] والنطق اليسير، والكلام القصير المفيد للمعاني الكثيرة والوجوه المتفرقة [مع ما فيه من الحكمة وتمام المصلحة].
وكان كلامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أحْسَنَ المقال وأوجَزَه ؛ لقلة ألفاظه وكثرة معانيه .
فمن ذلك قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عند عَرْضِه لنفسه على القبائل بمكة ومعه أبو بكر وعلي ووقوفه
على بكر بن وائل، وتقدم أبي بكر إليهم، وما جرى بينه وبين دغفل من الكلام في النسب «البلاء مُوَكَّلِّ بالمنطق» وهذا مما سَبَقَ إليه من الكلام ولم يصف إلى غيره من الأنام .
ثم إخباره عن الحرب وقوله «الحرب خُدعة» فعلم بهذا اللفظ اليسير والكلام الوجيز أن آخر مكايد الحرب القتال بالسيف؛ إذ كان بدؤها خدعة،كما قال عليه الصلاة والسلام، وهذا يعرفه كل ذي رأي صحيح وذي رياسة وسياسة.
ثم قال: «العائد في هبته كالعائد في قيئه» زاجراً بهذا القول للواهب أن يسترجع شيئاً وهبه ؛ إذ كان الفيء لا يرجع فيه مَنْ قاءه .
وللناس في هذا المعنى كلام كثير وخطب طويل، وإنما الغرض فيما نذكر إيرادكلامه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ،ووصف قوله الذي لم يتقدمه به أحد من الناس.
وقوله «اخثُوا في وجوه المداحين التراب» المراد من ذلك إذا كَذَبَ المادح، ولم يُرد (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا شكر الإنسان غيره بما أولاه أو وصفه بما هو فيه أو قال ما له أن يقول إن يُحثى في وجهه التراب، ولو كان هذا معنى قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إذاً ما مدح أحد أحداً؛ إذ كان هذا النهي عموماً للصادق والكاذب، وأن يحثى في وجه الجميع التراب، وهذا خلاف ما جاء به التنزيل حيث يقول عز وجل مخبراً عن نبيه يوسف وقوله للملك: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَايِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 55] فقد مدح نفسه ووصف حاله .
وجميع ما يذكر في هذا الباب مستفيض في السير والأخبار متعارف عند العلماء، متداول بین الحكماء، يتمثل به كثير من الناس، وتستعمل العوام كثيراً منه في ألفاظها، وتُورده في أمثالها، وخطاباتها، والأكثر منهم لا يعلم أن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) [أول من تكلم به، وسَبَق إلى إيراده].
وقال عليه الصلاة والسلام: مطل الغني ظلم، ومن أتبع على مليء فليتبع، وقوله: الأرواح جنود مجندة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، رأس الحكمة معرفة الله. يا خيل الله اركبي وأبشري بالجنة . الآن حمي الوطيس. لا ينتطح فيها عنزان. لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. لا يجني على المرء إلا يده. ليس الخبر كالمعاينة. الشديد من غلب نفسه. بورك لأمتي في بكورها . ساق القوم آخرهم شرباً. المجالس بالأمانات. لو بَغَى جبل على جبل لدُكَّ الباغي منهما [ابدأ بمن تعول] مات حَتْفَ أَنفه، يريد بذلك الفجأة وأنه مات من غير علة [ ولا حال أوجبت ولا سبب من أسباب الموت
تقدمت]، لا تزال أُمتي بخير ما لم تر الأمانة مغنماً والزكاة مغرماً. قيدوا العلم بالكتابة . خیرالمال عين ساهرة لعين نائمة. المسلم مرآة المسلم. رحم الله من قال خيراً فغنم أو سكت [عن شر] فسلم. المرء كثير بأخيه. اليد العليا خير من اليد السفلى. ترك الشر صدقة. فضل العلم خير من فضل العبادة. الغنى غنى النفس. الأعمال بالنيات. أي داء أدوأ من البخل ؟ الحياء خير كله . الخيل معقود بنواصيها الخير . السعيد من وعظ بغيره . عدَةُ المؤمن كأخذ باليد. إن من الشعر لحكمة ومن البيان لسحراً. عفو الملوك بقاء للملك . ارْحَم من في الأرض يرحمك من في السماء. المكر والخديعة في النار. المرء مع من أحَبَّ. وله ما اكتسب. ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا. المستشار مؤتمن. من قتل دون ماله فهو شهيد. لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث . الدال على الخير كفاعله. الندم توبة. الولد للفراش وللعاهر الحجر. كل معروف صدقة. لا يشكر الله من لا يشكر الناس. لا يُؤوي الضالة إلا ضال، حُبُّك الشيء يُعمي ويصم، السَّفَر قطعة من العذاب، وقوله للأنصار: إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع، وقوله: المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحَلَّ حراماً أو حَرَّم حلالا. الرجل أحق بصدر مجلسه وصدر دابته. الناس معادن كمعادن الذهب [والفضة]. الظلم ظلمات يوم القيامة . تمام التحية المصافحة. جبلت النفوس على حب من أحسن إليها. أمنك من أعتبك. ما نقص مال من صدقة. التائب من الذنب كمن لا ذَنْبَ له. الشاهد یری ما لا يرى الغائب . خذ حقك في عَفَاف واف أو غير واف. أعطوا الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه. أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف يوم القيامة. الجنة تحت ظلال السيوف .ليس بمؤمن من خاف جاره بوائقه، اتقوا النار ولو بشق تمرة. أَعرُوا النساء يلزمن الحجاب . الكلمة الطيبة صدقة. لا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه. الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. ما أملَق تاجر صدق. الدعاء سلاح المؤمن. خير الأمور أوسطها. إذا أتاكم الزائر فأكرموه. اشفعوا تحمدوا أو تؤجروا. الإيمان الصبر والسماحة أفضلكم أفضلكم معرفة. ما هلك امرؤ عن مشورة. ما عال امرؤ اقتصد. ما هلك امرؤ عرف قدره. شر العمى عمى القلب. الكذب مجانب للإيمان. ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. [من أثنى فقد كفى] قلة الحياء كفر. المؤمنون هيّنون ليّنون. شر الندامة يوم القیامة. شر المعذرة عند الموت. أقيلُوا عثرات الكرام. اطلبوا الخير عند صباح الوجوه. الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستعملكم فيها ينظر كيف تعملون. انتظار الفرج عبادة. كادت القافة أن تكون كفراً. لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة. في كل عام ترذلون . زُر غباً تزدد حباً . الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، أو قال: جميع الناس، وقوله: لا يلقى الله أحد إلا نادماً. من عمل خيراً قال: يا ليتني ازددت،
ومن عمل غير ذلك قال: يا ليتني قصرت، وهذا مثل قوله: إياكم والتسويف وطول الأمل ؛ فإنه كان سبباً لهلاك الأمم . وقوله: ليس منا من غَشَّنَا، وهذا القول يحتمل معاني كثيرة: منها أن يكون إخباراً أن من غش المسلمين على حسب الحال في الوقت أن بعض أهل الكتاب أو المنافقين أخبر عنه بما كان من فعله، ويحتمل أن يكون على طريق الزجر والنهي عن الغش، وقد قيل غير ذلك، والله أعلم، مثل ما روى عنه أبو مسعود البدري [أنه] قال: لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة أحد إلا مات، فاستفاضت هذه الرواية عن أبي مسعود عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ، فجزع الأكثر، فأفضى ذلك إلى علي رضي الله عنه، فقال: صدق أبو مسعود فيما قال، وذهب عنه المراد بذلك، وإنما مراد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن لا يبقى على وجه الأرض أحد بعد رأس مائة ممن رأى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلا مات [ وقوله: استعينوا على أموركم بالكتمان، وعلى قضاء حوائجكم بالإسرار] .
قال المسعودي: وقد جمع كثير ممن تقدم وممن شاهدناه كثيراً من ألفاظ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) [فأوردها في كتبهم، وذكروها في تصنيفهم، وقد أفرد أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد لذلك كتاباً ترجمه بكتاب «المجتبى» يذكر فيه جملاً من ألفاظه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)]، وكذلك ذكر أبو إسحاق الزجاجي النحوي صاحب أبي العباس المبرد، وأبو عبد الله نفطويه، وجعفر بن محمد بن حمدان الموصلي، وغير هؤلاء ممن تقدَّمهم وتأخر عنهم، أوردنا من ذلك في هذا الكتاب ما سهل إيراده وتأتى لنا ذكره، على حسب الحاجة إليه واستحقاق الموضع له، وإن كُنا قد أتينا على جميع ما يحتاج إليه في هذه المعاني فيما سلف من كُتبنا وتقدم من تصنيفنا فأغنى ذلك عن إعادتها، والله تعالى ولي التوفيق .
قال المسعودي: ثم بايَعَ الناسُ أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، في سقيفة بني ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري، في يوم الاثنين الذي توفي فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ، وتوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، مستوفياً لعمر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهذا اتفاق في سائر الروايات على ما ذكرنا، وكان مولد أبي بكر بعد الفيل بثلاث سنين، وكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، ودفن إلى جنب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) [رأسه على كتف رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)]، كذلك قالت عائشة، وقد قيل: إن أبا بكر كانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يوماً، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جملاً من أيامهم ومقادير ولايتهم، وكذلك نفرد فيما يرد هذا الكتاب - بعد ذكرنا لأيام بني أمية وبني العباس - باباً نذكر فيه جامع التاريخ الثاني من الهجرة إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - في خلافه أبي إسحاق المتقي الله، أو بعد ذلك من الأوقات إلى حيث ينتهي بنا التصنيف، وما ذكره أصحاب الزيجات في النجوم، وما أرَّخُوه في مقادير السنين والشهور والأيام [ والخلاف بينهم وبين ] تاريخ أصحاب السير والأخبار [ وكتب التاريخ من الأخباريين] وغيرهم؛ إذ كان التفاوت بين الفريقين بيناً، ومعوّلنا في ذلك على ما ذكره أصحاب الزيجات .
كان اسم أبي بكر رضي الله عنه عبد الله عثمان - وهو أبو قحافة - بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّة بن كعب، وفي مرة يجتمع برسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولقبه عتيق ؛لبشارة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) [إياه] أنه عتيق الله من النار، فسمي يومئذ عتيقاً [وهو الصحيح] وقيل: إنما سمي عتيقاً لعتق،أمهاته واستخلف وأبوه في الحياة .
وكان أزهَدَ الناس، وأكثرهم تواضعاً في أخلاقه ولباسه ومطعمه [ومشربه] وكان لبسه في خلافته الشملة والعباءة.
وقدم إليه زعماء العرب وأشرافهم وملوك اليمن وعليهم الحلل [والحِبَرُ] وبرود الوَشي المثقل بالذهب والتيجان، فلما شاهدوا ما عليه من اللباس والزهد والتواضع والنسك، وما هو عليه من الوقار والهيبة ذهبوا مَذْهَبه ونزعوا ما كان عليهم .
وكان ممن وفد عليه من ملوك اليمن ذو الكلاع ملك حمير، ومعه ألف عبد دون من كان [معه] من عشيرته، وعليه التاج وما وصفنا من البرود والحُلل، فلما شاهد من أبي بكر ما وصفنا ألقى ما كان عليه وتَزَيَّا بزيَّه، حتى إنه رؤي يوماً في سوق من أسواق المدينة على كتفيه جلد شاة، ففزعت عشيرته [لذلك] وقالوا له: [قد] فضحتنا بين المهاجرين والأنصار، قال: أفأردتم [مني] أن أكون ملكاً جباراً في الجاهلية جباراً في الإسلام، لا ها الله، لا تكون طاعة الرب إلا بالتواضع لله والزهد في هذه الدنيا، وتواضعت الملوك ومَنْ ورد عليه من الوفود بعد التكبر، وتذللوا بعد التجبر .
وبلغ أبا بكر(عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبي سفيان صخر بن حرب أمر، فأحضره وأقبل يصيح عليه، وأبو سفيان يتملقه ويتذلل له، وأقبل أبو قحافة فسمع صياح أبي بكر، فقال لقائده: على من يصيح ابني ؟ فقال له على أبي سفيان، فدنا من أبي بكر وقال له: أعلى أبي سفیان ترفع صوتك يا عتيق [الله ؟ وقد كان وبالأمس سيد قريش في الجاهلية] [لقد تعديت طورك وجزت مقدارك] فتبسم أبو بكر ومن حضره من المهاجرين والأنصار، وقال له: يا أبت، إن الله قد رفع بالإسلام قوماً وأذلَّ به آخرين.
ولم يتقلد [أحد] الخلافة وأبوه باق غير أبي بكر.
وأم أبي بكر سلمى - وتكنى: أم الخير - بنت صخر بن عمرو بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة .
وارتدت العرب بعد استخلافه بعشرة أيام.
وكان له من الولد: عبد الله، وعبد الرحمن، ومحمد؛ فأما عبد الله فإنه شهد يوم الطائف مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فلحقته جراحة وبقي إلى خلافة [أبيه] أبي بكر، ومات في خلافته، وخَلَّف سبعة دنانير، فاستكثرها أبو بكر، ولا عقب لعبد الله ؛ وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه شهد [يوم بدر] مع المشركين، ثم أسلم فحسن إسلامه، ولعبد الرحمن أخبار، وله عقب كثير بذو وحَضَر في ناحية الحجاز مما يلي الجادة من طريق العراق في الموضع المعروف بالصفينيات والمسح، ومحمد بن أبي بكر، أمه أسماء بنت عُميس الخثعمية، ومنها عقب جعفر بن أبي طالب، وخلف عليها حين استشهد عبد الله وعوناً ومحمداً بني جعفر، فقتل عون ومحمد ابنا جعفر بالطّف مع الحسين بن علي، ولا عقب لهما، وَعَقب [جعفر عن عبد الله بن جعفر وولد] عبد الله بن جعفر: علي وإسماعيل وإسحاق ومعاوية، وتزوجها بعده أبو بكر الصديق، فخلف منها محمداً، ثم تزوجها علي ابن أبي طالب فأولدها أولاداً [درجوا]، ولا عقب له منها، وأم أسماء العجوز الحريشية كان لها أربع بنات، وهذا العجوز أكثر الناس أصهاراً، كانت ميمونة الهلالية تحت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأم الفضل تحت العباس بن عبد المطلب، وسلمى تحت حمزة بن عبد المطلب، وخلف منها بنتاً، وأسماء تحت من ذكرنا [من جعفر وأبي بكر وعلي، والعقب من محمد بن أبي
بكر قليل]، وأم جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أُم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر [الصديق]. وكان محمد بن أبي بكر يدعى عابد قريش لنسكه وزهده، ورَبَّاه علي بن أبي طالب، وسنذكر خبره فيما يرد من هذا الكتاب ومقتله في أخبار معاوية بن أبي سفيان .
ومات أبو قحافة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه! وهو ابن تسع وتسعين سنة، وذلك في سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهي السنة التي استخلف فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد قيل: إنه مات في سنة أربع عشرة .
ولما بويع أبو بكر في يوم السقيفة وجُدّدت البيعة له يوم الثلاثاء على العامة خرج علي فقال: أفسدت علينا أمورنا، ولم تستشر، ولم تَرعَ لنا حقاً، فقال أبو بكر: بلى، ولكني خشيت الفتنة، وكان للمهاجرين والأنصار يوم السقيفة خطب طويل، ومجاذبة في الإمامة، وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع، فصار إلى الشام، فقتل هناك في سنة خمس عشرة، وليس كتابنا هذا موضعاً لخبر مقتله، ولم يبايعه أحد من بني هاشم حتى ماتتفاطمة رضي الله عنها .
ولما ارتدت العرب إلا أهل المسجدين، وَمَنْ بينهما وأُناساً من العرب؛ قدم عدي بن حاتم بإبل الصدقة إلى أبي بكر رضي الله عنه ؛ ففي ذلك يقول الحارث بن مالک الطائی:
وَفَيْنا وفاء لم يَرَ النَّاسُ مثله***وَسَرْبَلَنَا مجداً عدي بن حاتم
وكان أبو بكر رضي الله عنه قد سَمَّته اليهود في شيء من الطعام، وأكل معه الحارث بن كَلَدَة فعمي، وكان السم لسنة، ومرض أبو بكر قبل وفاته بخمسة عشر يوماً .
ولما احتضر قال ما آسَى [على شيء] إلا على ثلاث فعلتها وددت أني تركتها، وثلاث تركتها وددت أني فعلتها، وثلاث وددت أني سألت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عنها ؛ فأما
الثلاث التي فعلتها، ووددت أني تركتها فوددت أني لم أكن فتشت بيت فاطمة، وذكر في ذلك كلاماً كثيراً، ووددت أني لم أكن حرقت الفُجَاءة وأطلقته نجيحاً أو قتلته صريحاً، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قذفتُ الأمر في عنق أحد الرجلين فكان أميراً وكنت وزيراً، والثلاث التي تركتها ووددت أني فعلتها وددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً ضربت عنقه ؛ فإنه قد خيل لي أنه لا يرى شَرّاً إلا أعانه، ووددت أني كنت قد قذفت المشرق بعمر بن الخطاب، فكنت قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله، ووددت أني يوم جَهَّزت جيش الردة ورجعت أقمت مكاني فإن سلم المسلمون سلموا، وإن كان غير ذلك كنت صدر اللقاء أو مَدَداً، وكان أبو بكر قد بلغ مع الجيش إلى مرحلة من المدينة، وهو الموضع المعروف بذي القصة، والثلاث التي وددت أني سألت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عنها [ وددت أني كنت سألته في مَنْ هذا الأمر ؛ فلا ينازع الأمر أهله، و] وددت أني سألته ميراث العمة وبنت الأخ فإن بنفسي منهما حاجة، ووددت أني سألته هل للأنصار في [الأمر] نصيب فنعطيهم إياه .
وخلف من البنات: أسماء ذات النطاقين، وهي أم عبد الله بن الزبير، وعمرت مائة سنة حتى عميت، وعائشة زوج النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وقد تنوزع في بيعة علي بن أبي طالب إياه: فمنهم من قال: بايعه بعد موت فاطمة بعشرة أيام، وذلك بعد وفاة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنيف وسبعين يوماً، وقيل: بثلاثة أشهر، وقيل: ستة، وقيل غير ذلك .
ولما أنفذ أبو بكر الأمراء إلى الشام كان فيما أوصى به يزيد بن أبي سفيان وهو مشيع له، فقال له: إذا قدمت على أهل عملك فعذهُم الخير وما بعده، وإذا وعدت فأنجز، ولا تكثرنّ عليهم الكلام، فإن بعضه ينسي بعضاً، وأصلح نفسك يصلح الناس لك، وإذا قدمت عليك رسل عدوك فأكرم منزلتهم، فإنه أول خيرك إليهم، وأقلل حَبْسَهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت الذي تلي كلامهم، ولا تجعل سرك مع علانيتك فيمرج عملك، وإذا استشرت فاصدق الخبر تصدق لك المشورة، ولا تكتم المستشار فتؤتى من قبل نفسك، وإذا بلغك عن العدو
عورة فاكتمها حتى تعاينها، واستر في عسكرك [ الأخبار] وَأَذْكِ حَرَسَك، وأكثر مفاجأتهم في ليلك ونهارك، وأصدق اللقاء إذا لقيت، ولا تجبن فيجبن من سواك .
وقد أعرضنا عن ذكر كثير من الأخبار في هذا الكتاب طلباً للاختصار والإيجاز: منها خبر العنسي الكذاب المعروف بعيهلة، وما كان من خبره باليمن وصنعاء، وتنبئه ومقتله، وما كان من فيروز، وغيره من الأنباء في أمرهم، وخبر طليحة وتنبئه، وخبر سجاح بنت الحارث بن سويد، وقيل: بنت غطفان وتكنى أم صادر، وهي التي يقول فيها قيس بن عاصم:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها***وأصبحت أنبياء الناس ذُكْرَانا
وفيها يقول الشاعر:
أضل الله سعي بني تميم ***كما ضلت بخطبتها سجاح
وقد كانت مع ادعائها النبوة مكذبة بنبوة مسيلمة الكذاب، ثم آمنت بنبوته، وكانت قبل ادعائها النبوة متكهنة تزعم أن سبيلها سبيل سطيح [وابن سلمة] والمأمون الحارثي، وعمرو بن لحيّ، وغيرهم من الكهان، وصارت إلى مسيلمة فنكحها، وما كان من خبر مسيلمة كَذَّاب اليمامة، وحربه لخالد بن الوليد، وقتل وخشيّ له مع رجل من الأنصار، وذلك في سنة إحدى عشرة، وما كان من أمره مع الأنصار في يوم سقيفة بني ساعدة والمهاجرين، وقول المنذر بن الحباب: أنا جُذيلها المحكك وَعُذَيقُها المرجب، أما والله إن شئتم لنعيدنَّها جَذَعة، وقصة سعد بن عبادة، وما كان من بشر بن سعد، وتخلى الأوس عن معاضدة سعد خوفاً أن يفوز بها الخزرج، وأخبارمن قعد عن البيعة ومن بايع، وما قالت بنو هاشم، وما كان من قصة فَدَكَ، وما قاله أصحاب النص والاختيار في الإمامة، وَمَنْ قال بإمامة المفضول وغيره ، وما كان من فاطمة وكلامها متمثلة حين عدلت إلى قبر أبيها (عَلَيها السَّلَامُ) من قول صفية بنت عبد المطلب:
قد كَانَ بعدك أنباء وهَيئَمَة***لوكُنت شَاهِدَها لم تكثر الخطب
إلى آخر الشعر، إلى غير ذلك مما تركنا ذكره من الأخبار في هذا الكتاب؛ إذ كنا قد أتينا على جميع ذلك في كتاب «أخبار الزمان» والكتاب «الأوسط»، فأغنى ذلك عن ذكره ها هنا، والله أعلم.
وبويع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما أن دخلت سنة ثلاث وعشرين خرج حاجاً، فأقام الحج في تلك السنة، ثم أقبل حتى دخل المدينة، فقتله فيروز أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة [تمام] سنة ثلاث وعشرين؛ فكانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال، وقتل في صلاة الصبح، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ودفن مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبي بكر، عند رجلي النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقيل: إن قبورهم مسطرة: أبو بكر إلى جنب النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وعمر إلى جنب أبي بكر، وحج في خلافته تسع حجج، وبعد أن قُتلَ صلى بالناس عبد الرحمن بن عَوْف، وجعلها شُورَى إلى ستة، وهم: عليّ،، وعثمان، وطَلْحَة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وصلى عليه صهيب الرومي، وكانت الشورى بعد [0] ثلاثة أيام.
هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن قُرْط بن رياح بن عبد الله بن رزاح بن عدي بن كعب، وفي كعب يجتمع نسبه مع [نسب] النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأمه حنتمة بنت هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وكانت سوداء، وإنما سمي الفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل، وكنيته أبو حفص، وهو أول من سمي بأمير المؤمنين، سماه عدي بن حاتم، وقيل غيره،والله أعلم، وكان أول من سَلّم عليه بها المغيرة بن شعبة، وأول من دعا له بهذا الاسم على المنبر أبو موسى الأشعري [ وأبو موسى أول من كتب إليه: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبي موسى الأشعري] فلما قرىء ذلك على عمر قال قال: إني لعبد الله [وإني لعمر] وإني لأمير المؤمنين، والحمد لله رب العالمين.
وكان متواضعاً، خشن الملبس، شديداً في ذات الله، واتبعه عماله في سائر أفعاله وشيمه وأخلاقه، كلّ يتشبه به ممن غاب أو حضر ، وكان يلبس الجبة الصوف المرقعة بالأديم [وغيره]، ويشتمل بالعباءة، ويحمل القربة على كتفه هيبة قد رُزقها، وكان أكثر ركابه الإبل، ورحله مشدودة بالليف، وكذلك عُمَّاله، مع ما فتح الله عليهم من البلاد وأوسعهم من الأموال.
وكان من عماله سعيد بن عامر [بن خريم] فشكاه أهل حمص إليه وسألوه عزله، فقال عمر: اللهم لا تُفل فراستي فيه اليوم [ وقال لهم]: ماذا تشكون منه؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يرتفع النهار، ولا يجيب أحداً بليل، وله يوم في الشهر لا يخرج إلينا، فقال عمر: علي به، فلما [جاء] جمع بينهم وبينه، فقال: ما تنقمون منه ؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يرتفع النهار، فقالت: ما تقول يا سعيد ؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنه ليس لأهلي
خادم، فأعجن عجيني، ثم اجلس حتى يختمر ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ وأخرج إليهم، قال: وماذا تنقمون منه؟ قالوا: لا يجيب بليل قال: قد كنت أكره أن أذكر هذا، إني جعلت الليل كله لربي، وجعلت النهار لهم، قال: وماذا تنقمون منه؟ قالوا له يوم في الشهر لا يخرج إلينا فيه، قال: نعم، ليس لي خادم فأغسل ثوبي ثم أجففه فأمسي ؛ فقال عمر: الحمد لله الذي لم يُفل فراستي فيك، يا أهل حمص، استوصوا بواليكم خيراً، قال: ثم بعث إليه عمر بألف دينار، وقال: استعن بها، فقالت له امرأته: قد أغنانا الله خدمتك، فقال لها: ألا ندفعها إلى من يأتينا بها أحوج ما كنا إليه؟ قالت: بلى، فَصَرَّها صرراً ثم دفعها إلى من يثق به، وقال: انطلق بهذه [الصرة] إلى فلان، وبهذه إلى يتيم بني فلان، وهذه إلى مسكين بني فلان، حتى بقي منها شيء يسير، فدفعه إلى امرأته، وقال: أنفقي هذا، ثم عاد إلى خدمته، فقالت له امرأته: ألا تبعث إلي بذلك المال فنشتري لنا منه خادماً ؟ فقال: سيأتيك أخوَجَ ما تكونين إليه.
ومن عماله على المدائن سلمان الفارسي، وكان يلبس الصوف، ويركب الحمار ببرذعته بغير إكاف، ويأكل خبز الشعير، وكان ناسكاً زاهداً، فلما احتضر بالمدائن قال له سعد بن وقاص: [أوصني] يا أبا عبد الله [ قال: نعم] قال: الله عند همك إذا هممت، وعند لسانك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت، فجعل سلمان يبكي، فقال له: يا أبا عبد الله ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: «إن في الآخرة عقبة لا يقطعها إلا المُخفون» وأرى هذه الأساودة حولي، فنظروا فلم يجدوا في البيت إلا إداوة وركوة ومطهرة.
وكان عامله على الشام أبا عبيدة بن الجراح، وكان يظهر للناس وعليه الصوف الجافي، فعذل على ذلك، وقيل له: إنك بالشام و [والي] أمير المؤمنين وحولنا الأعداء، فغير من زيك، وأصلح من شارتك، فقال: ما كنت بالذي أترك ما كنت عليه في عصر رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
ذكر الواقدي في كتابه في فتوح الأمصار أن عمر قام في المسجد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم دعاهم إلى الجهاد وحثهم عليه وقال: إنكم قد أصبحتم في غير دار مقام بالحجاز، وقد وعدكم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فتح بلاد كسرى وقيصر ؛ فسيروا إلى أرض فارس، فقام
أبو عبيد فقال: يا أمير المؤمنين أول من انتدب من الناس، فلما انتدب أبو عبيد انتدب الناس، وقيل لعمر: أمر على الناس رجلاً من المهاجرين أو الأنصار، فقال: لا أؤمر عليهم إلا أول من انتدب فأمَّرَ أبا عبيد، وفي حديث آخر أنه قيل له:أتؤمر رجلاً من ثقيف على المهاجرين والأنصار؟ فقال:كان أول من انتدب فوليته، وقد أمرته أن لا يقطع أمراً دون مَسْلَمة بن أسلم بن حريش وسليط بن قيس، وأعلمته أنهما من أهل بدر، وخرج فلقي جميعاً من العجم عليهم رجل يقال له جالينوس، فانهزم، وسار أبو عبيد حتى عبر الفرات، وعقد له بعض الدهاقين جسراً، فلما خلف الفرات وراءه أمر بقطع الجسر، فقال له مسلمة بن أسلم: أيها الرجل، إنه ليس لك علم بما نرى، وأنت تخالفنا، وسوف يهلك من معك المسلمين بسوء سياستك، تأمر بجسر قد عقد أن قد عقد أن يقطع فلا تجد المسلمون ملجأ هذه الصحاري والبراري [فلا تريد إلا أن تهلكهم في هذه القطعة] فقال: أيها الرجل، تقدم فقاتل فقد حُمَّ ما ترى، وقال سليط: إن العرب لم تلق مثل جمع فارس قط، ولا كان لهم بقتالهم عادة، فاجعل لهم ملجأ ومرجعاً من هزيمة إن كانت، فقال: والله لا فعلت جَبُنت يا سليط، فقال سليط: والله ما جبنت ، وأنا أجرأ منك نفساً وقبيلاً، ولكن والله أشرتُ بالرأي ؛ فلما قطع أبو عبيد الجسر والتحم الناس واشتد القتال نظرت العرب إلى الفيلة عليها التجافيف فرأوا شيئاً لم يروا مثله قط، فانهزم الناس جميعاً، ثم مات في الفرات أكثر ممن قتل بالسيف، وخالف أبو عبيد سليطاً، وقد كان عمر أوصاه أن يستشيره ولا يخالفه، وكان رأي سليط أن لا يعبر حتى يعبروا إليه، ولا يقطع الجسر، فخالفه، وقال سليط في بعض قوله: لولا أني أكره خلاف الطاعة لانحزت بالناس، ولكني أسمع وأطيع، وإن كنت قد أخطأت وأشركني عمر معك، فقال له أبو عبيد: تقدم أيها الرجل، فقال: افعل، فتقدما فقتلا جميعاً، وقد كان أبو عبيد فى هذا اليوم ترجلَ، وقد قتل من الفرس نحو ستة آلاف، فدنا من الفيل ورمجه في يده فطعنه في عينه، فخبط الفيل أبا عبيد بيده؛ وجال الناس، وتراجعت رجال فارس، فأخذ الناس السيف لما قتل أبو عبيد، وبادر رجل من بكر بن وائل [والمثنى بن حارثة] فحمي الناس حتى عقدوا الجسر فعبروا ومعهم المثنى حارثة، وقد فقد من الناس أربعة آلاف غرقاً وقتلاً، وكان على جيش فارس في هذا اليوم جاذويه، ومعه راية فارس التي كانت لأفريدون، حتى ثار الناس من الوهاد، وهي المعروفة بدرفش كاويان وكانت من جلود النمور طولها اثنا عشر ذراعاً في عرض ثمانية أذرع على خشب طوال موصل، وكانت فارس تتيمن بها وتظهرها في الأمر الشديد، وقد قدمنا الخبر عن هذه الراية في أحبار الفرس الأولى فيما سلف من هذا الكتاب.
ولما قتل أبو عبيد الثقفي بالجسر شق ذلك على عمر وعلى المسلمين، فخطَبَ عمر الناس وحثهم على الجهاد، وأمرهم بالتأهب لأرض العراق، وعسكر عمر [ بصرار ] وهو يريد الشخوص، وقد استعمل على مقدمته طلحة بن عبيد الله، وعلى ميمنته الزبير ابن العوام، وعلى ميسرته عبد الرحمن بن عوف، ودعا الناس، فاستشارهم فأشاروا عليه بالمسير، ثم قال لعلي: ما ترى يا أبا الحسن، أسير أم أبعث ؟ قال: سر بنفسك فإنه أهيب للعدو وأرهب له، فخرج من عنده، فدعا العباس في جلَّة من مشيخة قريش وشاورهم، فقالوا: أقم وابعث غيرك ليكون للمسلمين إن انهزموا فئة وخرجوا، فدخل إليه عبد الرحمن بن عوف، فاستشاره، فقال عبد الرحمن: فديت بأبي وأمي، أقم وابعث؛ فإنه إن انهزم جيشك فليس ذلك كهزيمتك، وإنك إن تُهزم أو تقتل يكفر المسلمون ولا يشهدوا أن لا إله إلا الله أبداً قال: أشر عَليَّ من أبعث ؟ قال: قلت: سعد بن أبي وقاص، قال عمر: أعلم أن سعداً رجل شجاع، ولكني أخشى أن لا يكون له معرفة بتدبير الحرب، قال عبد الرحمن: هو على ما تصف من الشجاعة، وقد صحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وشهد بدراً فاعهد إليه عهداً وشاورنا فيما أردت أن تحدث إليه؛ فإنه لن يخالف أمرك، ثم خرج فدخل عثمان عليه، فقال له: يا أبا عبد الله أشر علي أسير أم أقيم ؟ فقال عثمان: أقم يا أمير المؤمنين وابعث بالجيوش، فإنه لا آمن إن أتى عليك آت أن ترجع العرب عن الإسلام، ولكن ابعث الجيوش وداركها بعضها على بعض، وابعث رجلاً له تجربة بالحرب وبصر بها قال عمر: ومن هو ؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: فالقه وكلمه وذاكره ذلك، فهل تراه مسرعاً إليه أو لا، فخرج عثمان فلقي علياً فذاكره ذلك، فأبى علي ذلك وكرهه، فعاد عثمان [إلى عمر] فأخبره فقال له:عمر ومن ترى؟ قال: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: قال: ليس بصاحب ذلك، قال عثمان: طلحة بن عبيد الله، قال له عمر: أين أنت من رجل شجاع ضروب بالسيف رام بالنبل، ولكني أخشى أن لا يكون له معرفة بتدبير الحرب؟ قال: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: سعد بن أبي وقاص، فقال عثمان: هو صاحب ذاك ؛ ولكنه رجل غائب [وما منعني من ذكره إلا أني قلت: رجل غائب] في عمل، فقال عمر: أرى أن أوجهه، وأكتب إليه أن يسير يسير من وجهه ذلك، فقال عثمان: ومُره فليشاور قوماً من أهل التجرية والبصر بالحرب، ولا يقطع الأمور حتى يشاورهم، ففعل عمر ذلك وكتب إلى سعد بالتوجه نحو العراق .
وقد كان جرير بن عبد الله البجلي قدم على عمر - وقد اجتمعت إليه بجيلة - فَسَرَّحهم نحو العراق، وجعل لهم ربع ما ظهروا عليه من السواد، وساهمهم مع المسلمين، وخرج عمر فشيعهم، ولحق جرير بناحية الأبُلّة ثم صاعد إلى ناحية المدائن، ونمي قدوم جرير إلى مرزُبان المدائن وكان في عشرة آلاف [من فارس] من الأساورة،
وذلك بعد يوم الجسر ومقتل أبي عبيد وسليط، فقال بجيلة لجرير: اعبر الدجلة إلى المدائن، فقال جرير: ليس ذلك بالرأي، وقد مضى لكم في ذلك عبرة بمن قتل من إخوانكم يوم الجسر، ولكن أمهلوا القوم؛ فإن جمعهم كثير حتى يعبروا إليكم، فإن فعلوا فهو الظَّفَر إن شاء الله تعالى، فأقامت الفرس أياماً بالمدائن، ثم أخذوا في العبور، فلما عبر منهم النصف أو نحوه حمل عليهم جرير فيمن تَسَرَّع معه من بجيلة، فثبتوا ساعة، فقتل المرزبان، وأخذهم السيف، وغرق أكثرهم في دجلة، وأخذ المسلمون ما كان في عسكرهم، وسار جرير فاجتمع مع المثنى بن حارثة الشيباني بالبجلة، فأقبل إليهما مهران في جيوشه، فامتنع المسلمون من العبور إليهم، فعبر مهران [وبغي على المسلمين؛ فالتقوا وصبر الفريقان جميعاً حتى قتل مهران] قتله جریر ابن عبد الله البجلي وحسان بن المنذر بن ضرار الضبي، ضربه البجلي، وطعنه الضبي، وفاز جرير بمنطقته وسَلَبه وتنازع جرير وحسان في أيهما القاتل لمهران، وقد كان جرير ضربه بعد أن طعنه حسان، ولحسان في ذلك أبيات:
ألم ترني خالَسْتُ مهران نَفْسَه***بأَسْمَرَ فيه كالخلال طرير
فخر صريعاً والتقاني برجله***وبادر في رأس الهمام جرير]
فقال قتيلي والحوادث جمة،***وكاد جرير للسرور يطير]
فقال أبو عمرو: وقتلي قتلته***ومثلي قليل والرجال كثير]
فأرسل يميناً أنَّ رمحك ناله***وأكرم أن تحلف وأنت أمير]
وقد تنازع أهل الأخبار والسير في جرير والمثنى: فمن الناس من ذهب إلى أن جريراً كان [هو] المولى على الجيش، ومنهم من رأى أن جريراً على قومه والمثنى على قومه .
ولما قتل مهران أَعْظَمت الفرس ذلك، وسار شيرزاد في جمع فارس الأعظم وكنيته بوران؛ وقد كانت جمهرة الأساورة تقدمت وتقدم أمامهم رستم، فتنحى المسلمون لما بلغهم مسیره، فلحق جرير بكاظمة فنزلها وسار المثنى بقومه من بكر بن وائل فنزل بسیراف ، وبها آبار كثيرة بين الكوفة وزبالة على ثلاثة أميال من المنزل المعروف بواقصة، وكان المثنى قد أصيب بجراحات كثيرة في بدنه يوم الجسر وغيره فمات بسیراف، رحمه الله تعالى !
ولما ورد كتاب عمر على سعد بن أبي وقاص نزل زبالة على حسب ما أمره به
عمر، ثم أتى سيراف، وأتاه الناس من الشام وغيرها، ثم سار فنزل العذيب وهو على فم البر وطرف السواد مما يلي القادسية، فالتقى جيش المسلمين وجيش الفرس وعليهم رستم، والمسلمون يومئذٍ في ثمانية وثمانين ألفاً [وقيل: إن من أسهم له ثلاثون ألفاً] والمشركون في ستين ألفاً، أمام جيوشهم الفيلة عليها الرجال، وحرض الناس بعضهم بعضاً، وبرز أهل النجدات، فأَشَّبُوا القتال، وخرج إليهم أقرانهم من صناديد فارس، فاعتوروا الضرب والطعن، وخرج غالب بن عبد الله الأسدي في [من خرج] ذلك اليوم وهو يقول:
قد علمت واردة المسالح***ذات البنان واللبان الواضح
أني سمامُ البطل المشايح***وفارج الأمر المهم الفادح
فخرج إليه هرمز - وكان من ملوك الباب والأبواب، وكان متوجاً - فأسره غالب [أسراً]، فأتى به سعداً، وكر راجعاً إلى المطاردة، وحمي الوطيس، وخرج عاصم بن عمرو وهو يقول:
قد علمت بيضاء صفراء اللَّبَب***مثل اللجين يتغشاه الذهب
أني امرؤ لا مـن يعنيه الـسبب***[مثلي على مثلك يغريه العتب]
فبرز إليه عظيم من أساورتهم، فجالا، ثم إن الفارسي ولى، واتبعه عاصم حتى لجأ إلى صفوفهم، وَعَمُوه، وغاص عاصم بينهم حتى أيس الناس منه، ثم خرج في مجنبات القلب، وقدامه بغل عليه صناديق موكبية بآلة حسنة، فأتى به سعد [بن مالك] وعلى البغل رجل عليه مُقَطَّعات ديباج وقلنسوة مُذهَبة، وإذا هو خباز الملك، وفي الصناديق لطائف الملك من الأخبصة والعسل المعقود، فلما نظر إليه سعد قال: انطلقوا [به] إلى أهل موقفه، وقولوا: إن الأمير قد نفّلكم هذا فكلوه [ففعلوا].
وكانت وقعة القادسية في المحرم سنة أربع عشرة، ومال [من الفيلة] سبعة عشر فيلاً على كل فيل عشرون رجلاً، وعلى الفيلة تجافيف الحديد والقرون مجللة بالديباج والحرير نحو بجيلة، وحول الفيلة الرجال والخيول، فبعث [سعد] إلى بني أسد لما نظر إلى المراكب والفيول قد مالت إلى بجيلة، فأمرهم بمعونتهم، ومالت عشرون فيلاً نحو القلب، فخرج طلحة بن خويلد الأسدي مع فرسان بني أسد [ فقتل منهم خمسمائة رجل
سوى من قتل من غيرهم] فباشروا قتال الفيلة حتى أوقفوها، واشتد الجلاد على بني أسد هذا اليوم من سائر الناس، في هذا اليوم يعرف بيوم أغواث .
فلما أصبح الناس في اليوم الثاني أشرف على الناس خيول المسلمين من الشام، والأمداد سائرة قد غطت بأسنتها الشمس عليها هاشم بن عتبة بن أبي وقاص في خمسة آلاف فارس من بني ربيعة ومضر وألف من اليمن، ومعهم القعقاع بن عمرو، وذلك بعد فتح دمشق بشهر، وقد كان عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح بصرف أصحاب خالد بن الوليد إلى العراق، ولم يذكر في كتابه خالداً، فشح أبو عبيدة بتخلية خالد عن يده، وبعث برجاله وعليهم هاشم بن عتبة على ما ذكرنا، وقد كان في نفس عمر على خالد أشياء من أيام أبي بكر في قصة مالك بن نُوَيرَة، وغير ذلك، وكان خالد بن الوليد خال عمر، فتقدم القعقاع في أوائل المدد، فأيقن أهل القادسية بالنصر على فارس، وزال عنهم ما لحقهم بالأمس من القتل والجراح، وبرز القعقاع حين وروده أمام الصف ونادى: هل من مبارز ؟ فبرز إليه عظيم منهم، فقال له القعقاع: من أنت؟ قال: أنا بهمن بن جاذويه، وهو المعروف بذي الحاجب، فنادى القعقاع: يا لثارات أبي عبيد وسليط وأصحابهم يوم الجسر !! وقد كان ذو الحاجب مبارزاً لهم على ما ذكرنا من قتله إياهم، فجالا، فقتله القعقاع، ويقال: إن القعقاع قتل في ذلك اليوم ثلاثين رجلاً في ثلاثين حملة، كل حملة يقتل فيها [رجلاً، ] وكان آخر من قتل عظيماً من عظمائهم يقال له بزرجمهر، ففيه يقول القعقاع:
حَـبَـوْتُـهُ جـيـاشـة بالـنفس***هَدَّارة مثل شعاع الشمس
في يوم أغواث قتيل الفرس***أنخس بالقوم أشد نخس
حتى يفيض معشري ونفسي
و بارز في ذلك اليوم الأعور بن قطبة شهريار سجستان فقتل كل واحد منهما صاحبه [فقال أخو الأعور في ذلك:
لم أر يوماً كان أحلى وأمر***من يوم أغواث إذا افتر الشَّغُر
من غير ضحك كان أسوا وأبر]
واعتل سعد فتخلف في حصن العذيب، وجلس في أعلاه يشرف على الناس، وقد تواقف الفريقان جميعاً، وأمسى الناس ينتمون، فلما سمع ذلك سعد قال لمن كان عنده في أعلى القصر: إن تم الناسُ على الانتماء فلا توقظوني فإنهم أقوياء على عدوهم، وإن سكتوا فأيقظوني فإن ذلك شر، واشتد القتال في الليل.
وكان أبو محجن الثقفي محبوساً في أسفل القصر، فسمع انتماء الناس إلى آبائهم وعشائرهم، ووقع الحديد وشدة البأس، فتأسف على ما يفوته من تلك المواقف، فحبا حتى صعد إلى سعد يستشفعه ويستقيله، ويسأله أن يخلي عنه ليخرج، فزجره سعد ورَدَّه، فانحدر راجعاً، فنظر إلى سلمى بنت حفصة زوجة المثنى بن حارثة الشيباني، وقد كان سعد تزوجها بعده، فقال: يا بنت حفصة، هل لك في خير ؟ فقالت: وما ذاك ؟ قال: تخلين عني وتعيريني البلقاء والله عليَّ إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في القيد، فقالت: وما أنا وذلك؟ فرجع يرسف في قيده وهو يقول:
كفى حَزَناً أن ترتدي الخيل بالقَنا***وأترك مشدوداً عليّ وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد فأغلقت***مصاريع من دوني تُصمُّ المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وثروة***فقد تركوني واحداً لا أخاليا
فلله عهد لا أخيس بعهده***لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا
فقالت سلمى: إني استخرت الله ورضيت بعهدك، فأطلقته، وقالت: شأنَكَ وما أردت، فاقتاد بلقاء سعد، وأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق، فركبها ثم دب عليها، حتى إذا كان بحيال ميمنة المسلمين كبر، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين، فأوقف ميسرتهم وقتل رجالاً كثيراً من فتاكهم، ونكس آخرين، والفريقان يرمقونه بأبصارهم، وقد تنوزع في البلقاء فمنهم من قال: إنه ركبها عُرْباً، ومنهم من قال: بل ركبها بسَرْجِ، ثم غاص في المسلمين، فخرج في ميسرتهم، وحمل على ميمنة القوم فأوقفهم، وجعل يلعب برمحه وسلاحه لا يبدو له فارس إلا هتكه، فأوقفهم، وهابته الرجال ثم رجع فغاص في قلب المسلمين، ثم برز أمامهم ووقف بإزاء قلب المشركين، ففعل مثل أفعاله في الميمنة والميسرة، وأوقف القلب حتى لم يبرز منهم فارس إلا اختطفه، وحمل عن المسلمين الحرب، فتعجب الناس منه، وقالوا: من هذا الفارس الذي لم نَرَهُ في يومنا ؟ فقال بعضهم: هو ممن قدم علينا من إخواننا من الشام من أصحاب هاشم بن عتبة المرقال، وقال بعضهم: [إن كان] الخضر(عَلَيهِ السَّلَامُ) يشهد الحرب فهذا هو الخضر قد مَنَّ الله به علينا وهو علم نصرنا على عدونا، وقال قائل منهم: لولا أن الملائكة لا تباشر الحروب لقلنا إنه ملك، أبو محجن كالليث الضّرغام قد هتك الفرسان كالعقاب يجول عليهم، ومن حضر من فرسان المسلمين مثل عمرو بن معد يكرب وطلحة بن خويلد والقعقاع [بن عمرو] وهاشم بن عتبة المرقال وسائر فتّاك العرب
وأبطالها ينظرون إليه، وقد حاروا في أمره، وجعل سعد يفكر ويقول وهو مُشرف على الناس من فوق القصر: والله لولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن وهذه البلقاء، فلما انتصف الليل تحاجز الناس، وتراجعت الفرس على أعقابها وتراجع المسلمون إلى مواضعهم على بقيتهم ومصافهم، وأقبل أبو محجن حتى دخل القصر من حيث خرج ولا يعلم به، وَرَدَّ البلقاء إلى مربطها [ وعاد في محبسه] ووضع رجله في القيد، ورفع عقيرته وهو يقول:
لقد علمت ثقيف غیر فخر***بأنا نحن أكرمهم سيوفا
وأكرمهم دُرُوعاً سايغاتٍ***وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وليلة قادس لم يشعروا بي***ولم أشعر بمخرجي الزحوفا
وأنا رفدهم في كل يوم***فإن عتبوا فسل بهم عريفا
فإن أحبس فذلكُمُ بلائي***وإن أترك أذيقهم الحتوفا
فقالت له سلمى يا أبا،محجن في أي شيء حَبَسَك هذا الرجل؟ تعني سعداً، قال: والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدبُّ الشعر على لساني فأصف القهوة وتداخلني أريحية فألتذ بمدحي إياها، فلذلك حبسني لأني قلت فيها:
إذا مت فادفني إلى جنب كَرْمَة***تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تـدفـنـنـي بالـفلاة فإنـنـي***أخاف إذا ما مُتُ أن لا أذوقها
وهي أبيات .
وقد كان بين سلمى وسعد كلام كثير أوجب غضبه عليها، لذكرها المُثَنَّى عند مختلف القنا، فأقامت مغاضبة له عشية أغواث وليلة الهرير وليلة السواد، حتى إذا أصبحت أتته فترضَته وصالحته ، ثم أخبرته خبرها مع أبي محجن، فدعا به، فأطلقه وقال: اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، قال: لا جَرَمَ والله لا أجبت لساني إلى صفة قبيح أبداً.
وأصبح الناس في اليوم الثالث وهم على مصافهم، وهو يوم عماس، وأصبحت الأعاجم على مواقفها، وأصبح بين الفريقين كالرَّجْلة الحمراء - يعني الحرة . في عرض ما بين الصفين، وقد قتل من المسلمين ألفان وخمسمائة ما بين رئيثِ وميت ، وقتل من
الأعاجم ما لا يحصى، فقال سعد: أيها الناس من شاء غسل الشهيد الميت والرثيث، ومن شاء فليدفنهم بدمائهم، وأقبل المسلمون على قتلاهم فأحرزوهم وجعلوهم وراء ظهورهم، وكان النساء والصبيان يدفنون الشهيد ويحملون الرّئيث إلى النساء ويعالجونهم من كُلُومهم، وكان بين موضع الوقعة مما يلي القادسية وبين حصن العذيب نخلة، فإذا حمل الجريح وفيه تمييز وعقل ونظر إلى تلك النخلة - ولم يكن هنالك يومئذ نخلة غيرها، واليوم بها نخل كثير - قال لحامله: قد قربت من السوداء، فأريحوني تحت ظل هذه النخلة، فيراح تحتها ساعة، فسمع رجل من الجرحى [يقال له بجير من طيىء، وهو يجود بنفسه و] يقول:
ألا يا اسلمي يا نخلة بين قادس***وبين،العذيب لا يجاورك النخل
وسمع آخرمن بنی تمیم الله-وقدأریح تحتها وخشوته خارجة من جوفه-وهو یقول:
أيا نخلة الجزعا، ويا نخلة العدا***سقتك الغوادي والغيوتُ الهواطلُ
[وأثخن الأعور بن قطبة، فحمل من المعركة، فسأل حماله أن يريحه تحتها حتى إذا بلغ إليها قال:
أيا نخلة بين العذيب فتلعة***سقتك الغوادي الداجناتُ من النخل]
وأصبح الناس صبيحة يوم القادسية، وهي صبيحة ليلة الهرير وهي:
تسمى ليلة القادسية من تلك الأيام، والناس حيارى ولم يغمضوا ليلتهم كلها، وحرّض رؤساء القبائل عشائرهم، واشتد الجلاد إلى أن جاء وقت الزوال، فكان أول من زال حين قام قائم الظهيرة الهرمزان [والنيرمران] فتأخرا، وثبتا حيث انتهيا، وانفرج القلب حين قام قائم الظهيرة، وهبت ريح عاصف فقطعت طيارة رستم عن سريره، فهوت في نهر العتيق والريح دَبُور، فمال الغبار عليهم وانتهى القعقاع وأصحابه إلى سرير رستم فعثروا به وقد قام رستم عنه حين طارت الريح بالطيارة إلى بغال قد قدمت عليهم بمال يومئذ فهي واقفة فاستظل في ظل بغل منها وحمله، وضرب هلال بن علقمة الحمل الذي رستم في ظله فقطع حباله، ووقع على رستم أحد العذلين ولا يراه هلال ولا يشعر به، فأزال من ظهره فقارة [ و ضربه هلال ضربة فنفحت مسكا]، ومضى رستم إلى نحو نهر العتيق فرمى بنفسه فيه، واقتحم هلال عليه فتناوله برجله، ثم خرج به إلى الخندق وضربه بالسيف حتى قتله، ثم جاء به يجره حتى رماه بين أرجل البغال وصعد السرير ونادى، قتلت رستم ورب الكعبة، إليَّ إليَّ، فطاف به الناس لا يحسون السرير ولا يرونه، وتنادوا، وتجبّنت
قلوب المشركين عندها وانهزموا وأخذهم السيف، فمن غريق وقتيل، وقد كان ثلاثون [ألفاً] منهم قَرَنُوا أنفسهم بعضهم إلى بعض بالسلاسل والحبال وتحالفوا بالنور وبيوت النيران لا يبرحون حتى يقتحموا أو يقتلوا، فجثوا على الركب، وقرع بين أيدهم قناديل النشاب، فقتل القوم جميعاً .
وقد تنوزع فيمن قتل رستم: فذهب الأكثر إلى أن قاتله هلال بن علقمة من من تيم الرباب على ما قدمنا، ومنهم من رأى أن قاتله رجل من بني أسد، ولذلك يقول شاعرهم في ذلك اليوم - وهو عمرو بن شاس الأسدي - من أبيات:
جلبنا الخيل من أكناف نيق***إلى كسری فوافقها رعالا
تركن بهم على الأقسام شَجُواً***وبالحقوين أياماً طوالا]
قتلنا رستما وبنيه قَسْراً***تثير الخيل فوقهم الهيالا
ترکنا منهم حيث التقينا***قياماً لا يريدون ارتحالا
وأخذ ضرار بن الخطاب في ذلك اليوم من فارس الراية العظمى المقدم ذكرها أنها من جلود النمور المعروفة بدرفش كاويان، وكانت مرصعة بالياقوت واللؤلؤ وأنواع الجواهر، فعُوِّض منها بثلاثين ألفاً، وكانت قيمتها ألفي ألف ومائتي ألف، وقتل في ذلك اليوم حول هذه الراية - غير ما ذكرنا من المقرنين وغيرهم - عشرة آلاف .
وقد تنازع الناس ممن سلف وخلف في عام القادسية والعذيب؛ فذهب كثير من الناس إلى أن ذلك [كان في سنة عشرة، وهذا قول الواقدي عن آخرين من الناس، ومنهم من ذهب إلى أن ذلك ] كان في سنة خمس عشرة، ومنهم من رأى أنه كان في سنة أربع عشرة، والذي قطع عليه محمد بن إسحاق أنها كانت في سنة خمس عشرة، وقال: في سنة أربع عشرة أمر عمر بن الخطاب بالقيام في شهر رمضان لصلاة التراويح [والذين ذهبوا إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة أربع عشرة احتجوا بهذه الرواية، وكتب عمر إلى الأمصار بإقامة صلاة التراويح].
وذهب كثير من الناس منهم المدائني وغيره أن عمر أنفذ عتبة مر أنفذ عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة إلى البصرة فنزلها ومصَّرها، وذهب كثير من الناس أنها مُصَّرت في ربيع سنة ست عشرة، وأن عتبة بن غَزْوَانَ إنما خرج إليها من المدائن بعد فراغ سعد بن أبي وقاص
من حرب جلولاء وتكريت ، وإن عتبة قدم البصرة وهي يومئذ تدعى أرض الهند فيها حجارة بيض فنزل موضع الخريبة .
ومَصَّر سعد بن أبي وقاص الكوفة في سنة خمس عشرة، ودلهم على موضعها [ابن] نفيلة الغساني، وقال لسعد: أدلك على أرض ارتفعت عن البر وانحدرت عن الفلاة، فدله على موضع الكوفة اليوم.
قال المسعودي: وكان عمر لا يترك أحداً من العجم يدخل المدينة، فكتب إليه المغيرة بن شعبة: إن عندي غلاماً نقاشاً نجاراً حداداً فيه منافع لأهل المدينة، فإن رأيت أن تأذن لي في الإرسال به فعلت، فأذن له، وقد كان المغيرة جعل عليه كل يوم در همين، وكان يدعى أبا لؤلؤة، وكان مجوسياً من أهل نهاوند، فلبث ما شاء الله، ثم أتى عمر
يشكو إليه ثقل خراجه، فقال له عمر: وما تحسن من الأعمال؟ قال: نقاش، نجار، حداد، فقال له عمر: ما خَراجُك بكثير في كنه ما تحسن من الأعمال، فمضى عنه وهو يتذمر، قال: ثم مر بعمر يوماً آخر وهو قاعد، فقال له عمر: ألم أحدث عنك أنك تقول: لو شئت أن أصنع رحاً تطحن بالريح لفعلت، فقال أبو لؤلؤة: لأصنعنَّ لك رحا يتحدث الناس بها، ومضى أبو لؤلؤة، فقال عمر: أما العلج فقد توعدني آنفاً، فلما أزمَعَ بالذي أوعد به أخذ خنجراً فاشتمل عليه ثم قعد لعمر في زاوية من زوايا المسجد في الغَلَس، وكان عمر يخرج في السحر فيوقظ الناس [للصلاة]، فمر به، فثار إليه فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته، وطعن اثني عشر رجلاً من أهل المسجد فمات منهم ستة وبقي ستة، ونحر نفسه بخنجره فمات ، فدخل عليه ابنه عبد الله ابن عمر وهو يجود بنفسه، فقال له: يا أمير المؤمنين، استخلف على أمة محمد ؛ فإنه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها للمُته وقلت له: كيف تركت أمانتك ضائعة؟ فكيف يا أمير المؤمنين بأمة محمد ؟ فاستخلف عليهم، فقال: إن أستخلف عليهم فقد استخلف عليهم أبو بكر، وإن أتركهم فقد تركهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فيئس منه عبد الله حين سمع ذلك منه .
وكان إسلام عمر قبل الهجرة بأربع سنين [وكان يخضب بالحناء والكتم].
وكان له من الولد: عبد الله، وحفصة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وعاصم، وعبيد الله، وزيد، من أم، وعبد الرحمن، وفاطمة، وبنات أخر، وعبد الرحمن الأصغر - وهو المحدود في الشراب، وهو المعروف بأبي شحمة - من أم.
وذكر عبد الله بن عباس أن عمر أرسل إليه فقال: يا بن عباس، إن عامل حمص هلك، وكان من أهل الخير، وأهل الخير قليل، وقد رجوت أن تكون منهم، وفي نفسي منك شيء لم أره منك، وأعياني ذلك، فما رأيك في العمل؟ قال: لن أعمل حتى تخبرني بالذي في نفسك، قال: وما تريد إلى ذلك؟ قال: أريده، فإن كان شيء أخاف منه على نفسي خشيتُ منه عليها الذي خشيت، وإن كنتُ بريئاً من مثله علمت أني لست من أهله، فقبلت عملك هنالك، فإني قلما رأيتك طلبت شيئاً إلا عاجلته، فقال: يا بن عباس، إني خشيت أن يأتي عليَّ الذي هو آت وأنت في عملك فتقول: هلم إلينا، ولا هلم إليكم دون غيركم، إني رأيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واستعمل الناس وترككم، قال: والله قد رأيت من ذلك، فلم تراه فعل ذلك؟ قال: والله ما أدري أَضَنَّ بكم عن العمل فأهل ذلك أنتم، أم خشي أن تبايعوا بمنزلكم منه فيقع العتاب، ولا بد من عتاب، وقد فرغت لك من ذلك، فما رأيك؟:قال:قلت: أرى أن لا أعمل لك قال: ولم؟ قلت: إن عملت لك وفي نفسك ما فيها لم أبرح قَذَى في عينك، قال: فأشر عليّ، قلت: إني أرى أن تستعمل صحيحاً منك صحيحاً لك .
وذكر علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار،أن عمر بن الخطاب شاور الهرمزان في فارس وأصبهان وأذربيجان فقال له: أصبهان الرأس، وفارس وأذربيجان الجناحان، فإن قطعت أحد الجناحين ناء الرأس بالجناح الآخر، وإن قطعت الرأس وقع الجناحان، فابدأ بالرأس، فدخل المسجد فإذا هو بالنعمان بن مُقرن يصلي، فقعد إلى جنبه، فلما قضى صلاته قال: ما أراني إلا مستعملك، قال: أما جابياً فلا، ولكن غازياً، قال: فإنك غاز، فوجّهه وكتب إلى أهل الكوفة أن يمدوه، وبعث معه الزبير بن العوام، وعمرو بن معد يكرب، وحذيفة وابن عمرو، والأشعث بن قيس، فأرسل النعمان المغيرة بن شعبة إلى ملكهم، وهو يقال له ذو الجناحين، فقطع إليهم نهرهم، فقيل لذي
الجناحين: إن رسول العرب ها هنا، فشاور أصحابه، فقال: ما ترون؟ فقالوا: اقعد له في بهجة الملك أو [اقعد له في هيئة الحرب، فقال: بل أقعد له في بهجة الملك]، فصعد على سريره ووضع التاج على رأسه وأقعد أبناء الملوك سماطين عليهم الأقراط وأسورة الذهب والديباج، وأذن للمغيرة، فأخذ بضبعيه رجلان ومعه سيفه ورمحه قال: فجعل المغيرة يطعن برمحه في بُسُطهم يخرقها لينظروا فيغضبهم بذلك حتى قام بين يديه وجعل يكلمه والترجمان يترجم بينهما . فقال: إنكم معشر العرب أصابكم جهد، فإن شئتم مرناكم ورجعتم، فتكلم المغيرة ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنا معشر العرب كنا
أذلَّةٌ يطؤنا الناس ولا نطؤهم، ونأكل الكلاب والجيف، ثم إن الله تعالى بعث منا نبياً في شرف منا أوسطنا حسباً وأصدقنا حديثاً، وبعث النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ببعثه، وأخبرنا بأشياء وجدناها كما قال لنا، وإنه وعدنا فيما وعدنا به أنا سنملك ما ها هنا ونغلب عليه، وإني أرى ها هنا هيئة وبزة ما مَنْ خَلْفي بتاركيها [حتى] يصيبوها أو يموتوا، فقالت لي نفسي: لو جمعت جَرَاميزك ووثبت فقعدت مع العلج على سريره حتى يتطير، قال: فوثبت وثبة فإذا أنا معه على سريره، فجعلوا يلكزونني بأرجلهم ويجذبونني بأيديهم فقلت لهم: إنا لا نفعل برسُلُكم هكذا، وإن كنت قد فجرت واستخففت فلا تؤاخذوني، فإن الرسل لا يصنع بها هكذا، فقال الملك: إن شئتم قطعنا إليكم وإن شئتم قطعتم إلينا، قلت: بل نقطع إليكم، فقطعنا إليهم، قال: فتسللوا كل خمسة وستة حتى لا يفروا. فدنونا إليهم فضايقناهم،
فرشقونا حتى أشرعوا فينا، فقال المغيرة للنعمان: إنه قد أشرع في الناس وقد جرحوا، فلو حملت، فقال النعمان: إنك لذو مناقب، وقد شهدت مع رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) القتال، وكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر، ثم قال: إني هاز لوائي ثلاث مرات، فأما أول هزة فليقض الرجل حاجته وليتوضأ، وأما الثانية فلينظر الرجل إلى شسعه وليلزم سلاحه، فإذا هززت الثالثة فاحملوا ولا يلوين أحد على أحد، وإن قتل النعمان، وإني داع إلى الله بدعوة، وأقسمت على كل امرىء منكم لما أَمَّنَ عليها، وقال اللهم ارزق النعمان اليوم شهادة في نصر وفتح عليهم. فأمن القوم . فهز [لواءه] ثلاثاً، ثم أدنى درعه وحمل ثم حمل الناس فكان أول صريع، قال معقل: فأتيت عليه فذكرت عزيمته ألا أقف عليه، وأعلمت غلمانه لأعرف مكانه، وأَمعَنَّا القتل فيهم، ووقع ذو الجناحين عن بغلة له شهباء فانشق بطنه، وفتح الله على المسلمين، فأتيت إلى مكان النعمان فصادفته وبه رَمَق، فأتيته بإداوة فغسلت وجهه، فقال: مَنْ هذا؟ قلت: معقل بن يسار، قال: ما فعل الله بالناس؟ قلت: فتح الله عليهم، قال: الحمد لله كثيراً اكتبوا بذلك إلى عمر، وفاضت نفسه، واجتمع الناس إلى الأشعث بن قيس، وأرسلوا إلى أم ولده: هل عهد إليك النعمان عهداً له أم عندك كتاب؟ قالت: بل سفط فيه
كتاب، فأخرجوه فإذا فيه: [ إذا قتل النعمان ففلان] وإن قتل فلان ففلان، وإن قتل فلان ففلان، فامتثلوا، وفتح الله على المسلمين فتحاً عظيماً .
قال المسعودي رحمه الله: وهذه وقعة نهاوند، وقد كان للأعاجم فيها جمع كثير وقتل هنالك خلق كثير: منهم النعمان بن مقرن، وعمرو بن معد يكرب، وغيرهما، وقبورهم إلى هذا الوقت بينة معروفة على نحو فرسخ من نهاوند فيما بينها وبين الدِّينَوَرِ وقد أتينا على وصف هذه الواقعة فيما سلف من كتبنا .
وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى قال: لما قدم عمرو بن معد يكرب من الكوفة على سأله عمر عن سعد بن أبي وقاص، فقال فيه ما قال من الثناء، ثم سأله عن السلاح، فأخبره بما علم، ثم سأله عن قومه، فقال له: عن قومه فقال له: أخبرني عن قومك مذحج [ودع طيئاً ] قال: سلني عن أيهم شئت، قال: أخبرني عن علة بن جلد، قال: هم فرسان أغراضنا، وشُفاة أمراضنا وهم أعتقنا، وأنجبنا وأسرعنا طلباً، وأقلنا هرباً، وهم أهل السلاح والسماح والرماح، قال عمر: فما أبقيت لسعد العشيرة؟ قال: هم أعظمنا خميساً، وأسخانا نفوساً، وخيرنا رئيساً، قال: فما أبقيت لمراد ؟ قال: أوسعنا داراً، وخيرنا جاراً، وأبعدنا آثاراً، وهم الأتقياء البررة، والساعون الفخرة، قال: فأخبرني عن بني زبيد، قال: أنا عليهم ضنين، ولو سألت الناس عنهم لقالوا هم الرأس والناس الأذناب، قال: فأخبرني عن طييء، قال: خصوا بالجود وهم جمرة العرب قال: فما تقول في عبس؟ قال: حجم عظيم وزبن أثير، قال: أخبرني عن حمير، قال: رَعَوُا العفو، وشربوا الصَّفو، قال: فأخبرني عن كندة، قال: ساسوا العباد، وتمكنوا من البلاد، قال: فأخبرني عن همدان، قال: أبناء الليل وأهل النيل يمنعون الجار، ويوفون الذمار [ويطلبون الثار] قال: فأخبرني عن الأزد قال: هم أقدمنا ميلاداً، وأوسعنا بلاداً، قال: فأخبرني عن الحارث بن كعب، قال: هم الحسكة المسكة، تلقى المنايا على أطراف رماحهم . قال: فأخبرني عن لخم . قال آخرنا ملكاً، وأولنا هلكاً، قال: فأخبرني عن جُذام . قال: أولئك كالعجوز الغبراء، وهم أهل مقال وفعال، قال: فأخبرني عن غسان. قال: أرباب في الجاهلية نجوم في الإسلام، قال فأخبرني عن الأوس والخزرج قال [هم الأنصار و] هم أعزنا داراً، وأمنعنا ذماراً، وقد كفانا الله مدحهم إذ يقول: وَالَّذِينَ تبوء و الدَّارَ وَالْإِيمَنَ [الحشر: 9] قال: فأخبرني عن خزاعة. قال: أولئك مع كنانة لنا
نسبهم، وبهم نصرنا، قال: فأي العرب أبغض إليك أن تلقاه؟ قال: أما من قومي فوادعة من همدان، وغطيف من مراد، وبلحرث من مذحج، وأما من سعد فعدي من فزارة، ومرة من ذبيان، وكلاب من عامر ، وشيبان من بكر بن وائل. ثم لو جُلتُ بفرسي على مياه معد ما خفت هيج أحد ما لم يلقني حُرَّاها وعبداها . قال: ومن حُرَّاها ومن عبداها؟ قال: أما حراها فعامر بن الطفيل وعُيينة بن الحارث بن شهاب التميمي، وأما عبداها فعنترة العبسي وسُليك المناقب .
ثم سأله عن الحرب فقال: سألت عنها خبيراً، هي والله يا أمير المؤمنين مرة المذاق، إذا شمرت عن ساق، من صبر فيها ظفر، ومن ضعف فيها هلك، ولقد أحسن وأصفها فأجاد:
الـحـرب أول ما تـكـون فـتـيـة***تبدو بزينتها لكل جهول
حتى إذا حميت وشَبَّ ضرامُها***عادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطاء جُزَّت رأسها وتنكرت***مكروهة للثم والتقبيل
ثم سأله عن السلاح، فأخبره [بما عرف] حتى بلغ السيف، قال: هنالك قارعتك أمك عن ثكلها، فعلاه عمر بالدرة، وقال: بل أمك قارعتك [عن ثكلها]، والله إني لأهم أن أقطع لسانك، فقال عمرو: الحُمَّى أضرعتني [لك] اليوم، وخرج من عنده وهو يقول:
أتوعدني كأنك ذو رُعَيْن***بأنعم عيشة أو ذو نواس؟
فكم قد كان قبلك من مليك***عظيم ظاهر الجبروت قاس
فأصبح أهله بادوا، وأمسى***ينقلُ من أناس في أناس
فلا يغررك ملكك، كل ملك***يصير مذلة بعد الشماس
قال: فاعتذر عمر إليه، وقال: ما فعلت ما فعلته إلا لتعلم أن الإسلام أفضل وأعز من الجاهلية، وفضله على الوفد
وقد كان عمر آنس عمراً بعد ذلك، وأقبل يسأله ويذاكره الحروب وأخبارها في الجاهلية، فقال له عمر: يا عمرو، هل انصرفت عن فارس قط في الجاهلية هيبة له؟
قال: نعم، والله ما كنت أستحل الكذب في الجاهلية فكيف أستحله في الإسلام؟ لأحدثنك حديثاً لم أحدث به أحداً قبلك، خرجت في جريدة خيل لبني زبيد أريد الغارة، فأتينا قوماً سراة، فقال عمر: وكيف عرفت أنهم سراة ؟ قال: رأيت مزاود وقدوراً مكفأة و قباب أدم حمراً ونعماً كثيراً وشاء، قال عمرو: فأهويت إلى أعظمها قبة بعدما حوينا السبي، وكان متبدداً من البيوت، وإذا امرأة بادية الجمال على فرش لها، فلما نظرت إلي وإلى الخيل استعبرت، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: والله ما أبكي على نفسي، ولكني أبكي حسداً لبنات عمي يسلمن وأبتلي أنا من بينهن، فظننت والله أنها صادقة، فقلت لها: وأين هنَّ؟ قالت: في هذا الوادي، فقلت لأصحابي: لا تحدثوا شيئاً حتى آتيكم، ثم همزت فرسي حتى علوت كثيباً، فإذا أنا بغلام أصهب الشعر أهذب [أقنى أقب] يخصف نعاله وسيفه بين يديه وفرسه عنده ، فلما نظر إليَّ رمى النعل من يده ثم أحضر غير مكترث، فأخذ سلاحه وأشرف على ثنية، فلما نظر إلى الخيل محيطة ببيته [ ركب ثم] أقبل نحوي وهو يقول:
أقول لما مَنَحَتْني فاها***وألبستني بكرة رداها
إني سأحوي اليوم مَنْ حواها***فليت شعري اليوم مَنْ دهاها
فحملت عليه وأنا أقول:
عمرو على طول الردى دَهَاها***بالخيل يبقيها على وجاها
حتى إذا حَلَّ بها حَوَاها
ثم حملت عليه بالفرس فإذا هو أروغ من هر، فراغ عني، ثم حمل علي فضربني بسيفه ضربة جرحتني، فلما أفقت [من ضربته ] حملت عليه، فراغ والله، ثم حمل علي، ثم صرعني، ثم استاق ما في أيدينا، ثم استويت على فرسي، فلما رآني أقبل وهو يقول:
أنا عبيد الله محمود الشيم***وخير مَنْ يمشي بساق وقدم
عَدُؤُه يفديه من كل السَّقَم
فحملت عليه وأنا أقول:
أنا ابن ذي التقليد في الشهر الأصم***أنا ابن ذي الإكليل قَتَّالُ البُهم
من يلقنـي يودي كمـا أودت إرم***أتركه لحماً على ظهر وَضَمْ
فراغ والله عني، ثم حمل علي فضربني ضربة أخرى، ثم صرخ صرخة، ورأيت الموت والله يا أمير المؤمنين ليس دونه شيء، وخفته خوفاً لم أخف [قط] أحداً مثله،
وقلت له: من أنت ثكلتك أمك؟ فوالله ما اجترأ علي أحد قط إلا عامر بن الطفيل لإعجابه بنفسه، وعمرو بن كلثوم لسنه وتجربته [فمن أنت؟] قال: بل مَنْ أنت؟ خبرني وإلا قتلتك، قلت: أنا عمرو بن معد يكرب، قال: وأنا ربيعة بن مُكدَّم، قلت: اختر مني إحدى ثلاث خصال: إن شئت اجتلدنا بسيفينا حتى يموت الأعْجَرُ منا، وإن شئت اصطرعنا، وإن شئت السّلم، وأنت يا بن أخي حَدَثٌ [وبقومك إليك حاجة، قال: بل هي إليك، فاختر لنفسك، واخترت السلم، ثم قال: انزل عن فرسك، قلت: يا بن أخي] قد جرحتني جراحتين ولا نزول لي، فوالله ما كَفَّ عني حتى نزلت عن فرسي، فأخذ بعنانه، ثم أخذ بيدي في يده وانصرفنا إلى الحي وأنا أجر رجلي، حتى طلعت علينا الخيل، فلما رأوني همزوا خيولهم إلي فناديتهم: إليكم، وأرادوا ربيعة، فمضى والله كأنه ليث حتى شَقّهم، ثم أقبل علي فقال: يا عمرو، لعل أصحابك يريدون غير الذي تريد، فصمت والله القومُ ما فيهم أحد ينطق، وأعظموا ما رأوا منه، فقلت: يا ربيعة ابن مُكدَّم لا يريدون إلا خيراً، وإنما سميته ليعرفه القوم، فقال لهم ما تريدون؟ فقالوا: وما تريد؟ قد جرحت فارس العرب، وأخذت سيفه وفرسه، ومضى ومضينا معه، حتى نزل، فقامت إليه صاحبته وهي ضاحكة تمسح وجهه، ثم أمر بإبل فنحرت، وضُربت علينا قباب ، فلما أمسينا جاءت الرعاء ومعهم أفراس [الربيعة] لم أر مثلها قط [فلما رأى نظري إليها قال: كيف ترى هذه الخيول؟ قلت: لم أر مثلها قط] قال: أما لو كان عندي بعضها ما لبثت في الدنيا إلا قليلاً، فضحكت وما ينطق أحد من أصحابي، فأقمنا عنده يومين ثم انصرفنا .
قال: وقد كان عمرو بن معد يكرب بعد ذلك بزمان أغار على كنانة في صناديد قومه، فأخذ غنائمهم، وأخذ امرأة ربيعة بن مُكدّم، فبلغ ذلك ربيعة - وكان غير بعيد - فركب في الطلب على فرس عُري ومعه رمح بلا سنان حتى لحقه، فلما نظر إليه قال: يا عمرو، خَل عن الظعينة [وما معك] فلم يلتفت إليه، ثم أعاد عليه، فلم يلتفت إليه، فقال: يا عمرو، إما أن تقف [لي وإما أن أقف لك] فوقف عمرو، وقال: لقد أنصف القارَةَ من راماها، قف لي يا بن أخي، فوقف له ربيعة فحمل عليه عمرو وهو يقول:
أنـا أبـو ثَـوْرٍ ووقـاف الـزلـق***لـسـت بمـأفـون ولا فـي خُـرُق
وأسد القوم إذا احمر الحَدَقُ***إذا الـرجال عَضَهم نابُ الفـرق
وجدتني بالسيف هَبَّاك الحلق
حتى إذا ظَنّ أنه خالطه السنان إذا هو لَبَبٌ لفرسه، ومَرَّ السنان على ظهر الفرس، ثم وقف له عمرو، فحمل عليه ربيعة وهو يقول:
أنا الغلام ابن الكناني لا بذخ***كم من هزبر قد رآني فانشدخ
فقرع بالرمح رأسه، ثم قال: خذها إليك يا عمرو، ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك، فقال عمرو: لا ينصرف إلا أحدنا، فقف لي، فحمل عليه حتى إذا ظن أنه قد خالطه السنان إذا هو حزام لفرسه [ومر السنان على ظهر الفرس] ثم حمل عليه ربيعة فقرع بالرمح رأسه أيضاً، وقال: خذها إليك يا عمرو ثانية، وإنما العفو مرتان، وصاحت به امرأته: السنان الله درك، فأخرج سناناً من سنخ إزاره كأنه شعلة نار، فركبه على رمحه، فلما نظر إليه عمرو، وذكر طعنته بلاسنان قال له:عمرو:[يا ربيعة] خذ الغنيمة، قال: دعها وانج، فقالت بنو زبيد: أنترك غنيمتنا لهذا الغلام؟ فقال لهم عمرو: يا بني زبيد، والله لقد رأيت الموت الأحمر في سنانه، وسمعت صريره في تركيبه، فقالت بنو زبيد: لا يتحدث العربُ أن قوماً من بني زبيد فيهم عمرو بن معد يكرب تركوا غنيمتهم لمثل هذا الغلام، قال عمرو: [إنه] لا طاقة لكم به، وما رأيت مثله قط، فانصرفوا عنه، وأخذ ربيعة امرأته والغنيمة وعاد إلى قومه .
قال المسعودي رحمه الله تعالى: ولعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أخبار كثيرة في أسفاره في الجاهلية إلى الشام والعراق مع كثير من ملوك العرب والعجم، وسير في الإسلام، وأخبار وسياسات حسان، وما كان في أيامه من الكوائن والأحداث وفتوح مصر [والشام والعراق وغيرها من الأمصار]، قد أتينا على مبسوطها في كتابنا «أخبار الزمان» والكتاب «الأوسط»، وإنما نذكر في هذا الكتاب لمعاً مما لم نذكره فيما سلف من كتبنا، وبالله التوفيق.
بويع [عثمان] يوم الجمعة غرة المحرم [لليلة بقيت من ذي الحج] سنة ثلاث وعشرين [وقتل لاثنتي عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين]، وقيل غير ذلك مما سنورده بعد هذا الموضع [إلا أنه في ذي الحجة] ؛ فجميع ما ولي اثنتا عشرة سنة إلا ثمانية أيام، وقتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، ودفن بالمدينة بموضع يعرف بحش كوكب [ وكانت خلافته رضي الله تعالى عنه اثنتي عشرة سنة إلا ثمانية أيام].
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى بأبي عبد الله [وأبي عمرو، والأغلب منهما أبو عبد الله ]، وأمه أروى بنت كريز بن جابر بن حبيب بن عبد شمس، وكان له من الولد: عبد الله الأكبر، وعبد الله الأصغر، أمهما رقية بنت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وأبان، وخالد، وسعيد،والوليد، والمغيرة، وعبد الملك، وأم أبان، وأم سعيد، وأم عمرو، وعائشة، وكان عبد الله الأكبر يلقب بالمطرف لجماله وحسنه. وكان كثير التزوج، كثير الطلاق، وكان أبان أبرص أحول، قد حمل عنه أصحاب الحديث عدة من السنن. وولي لبني مروان مكة وغيرها. [وكان سعيد أحول بخيلاً. وقتل في زمن معاوية] وكان الوليد صاحب شراب وفتوة ومجنون. وقتل أبوه وهو مخلق الوجه سكران عليه مصبغات واسعة. وبلغ عبد الله [الأصغر] من السن ستاً وسبعين عاماً، فنقره ديك في عينه، فكان ذلك سبب موته، وعبد الملك مات صغيراً ولا عقب له .
وكان عثمان في نهاية الجود والكرم والسماحة والبذل في القريب والبعيد. فسلك عماله وكثير من أهل عصره طريقته، وتأسوا [به] في فعله . وبنى دار في المدينة، وشيدها بالحجر والكلس، وجعل أبوابها من الساج والعَرعَر واقتنى أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة .
وذكر عبد الله بن عتبة أن عثمان يوم قتل كان [له] عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم، وقيمة ضياعه بوادي القُرَى وحُنَيْن وغيرهما مائة ألف دينار، وخلف خَيْلاً كثيراً وإبلاً .
وفي أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الصِّيَاعَ والدور: منهم الزبير بن العوام، بنى داره بالبصرة ، وهي المعروفة في هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - تنزلها التجار وأرباب الأموال وأصحاب الجهاز من البحريين وغيرهم، وابتنى أيضاً دوراً بمصر والكوفة والإسكندرية، وما ذكرنا من دوره وضياعه فمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية .
وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف الزبير ألف فرس، وألف عبد وأمة، وخططاً بحيث ذكرنا من الأمصار.
وكذلك طلحة بن عبيد الله التيمي: ابتنى داره بالكوفة المشهورة به هذا الوقت، المعروفة بالكُناسة بدار الطلحيين، وكان غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك، وبناحية الشراة أكثر مما ذكرنا، وشيد داره بالمدينة وبناها بالآجر والجصّ والساج.
وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري: ابتنى داره ووسعها، وكان على مربطه مائة فرس، وله ألف بعير، وعشرة آلاف [شاة] من الغنم، وبلغ بعد وفاته رُبُعُ ثمن ماله أربعة وثمانين ألفاً.
وابتنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، فرفع سمكها، ووسع فضاءها، وجعل أعلاها شُرفات .
وقد ذكر سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت حين مات خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار.
وابتنى المقداد داره بالمدينة في الموضع المعروف بالجرف على أميال من المدينة وجعل أعلاها شرفات، وجعلها مجصَّصة الظاهر والباطن .
ومات يعلى بن منية، وخلف خمسمائة ألف دينار، وديوناً على الناس، وعقارات، وغير ذلك من التركة ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار.
وهذا باب يتسع ذكره ويكثر وصفه، فيمن تملك من الأموال في أيامه ولم يكن مثل ذلك في عصر عمر بن الخطاب، بل كانت جادةً واضحة وطريقة بينة .
وحج عمر فأنفق في ذهابه ومجيئه إلى المدينة ستة عشر ديناراً، وقال لولده عبد الله: لقد أسرفنا في نفقتنا في سفرنا هذا.
ولقد شكا الناس أميرهم [بالكوفة] سعد بن أبي وقاص - وذلك في سنة إحدى وعشرين - فبعث عمر محمد بن مسلمة الأنصاري حليف بني عبد الأشهل، فحرق عليه باب قصر الكوفة، وعرضه في مساجد الكوفة يسألهم عنه ؛ فحمده بعضهم، وشكاه بعض، فعزله وبعث إلى الكوفة عمار بن ياسر على الثغر، وعثمان بن حنيف على الخراج، وعبد الله بن مسعود على بيت المال، وأمره أن يعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين، وفرض لهم في كل يوم شاة ؛ فجعل شطرها وسواقطها لعمار بن ياسر، والشطر الآخر بين عبد الله بن مسعود وعثمان بن حنيف، فأين عمر ممن ذكرنا؟ وأين هو عما وصفنا؟
وقدم على عثمان عمه الحكم بن أبي العاص وابنه مروان وغيرهما من بني أُمية - والحكم هو طريد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي غَرَّبه عن المدينة، ونفاه عن جواره - وكان عماله جماعة منهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط على الكوفة، وهو ممن أخبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)أنه من أهل النار، وعبد الله بن أبي سرح على مصر، ومعاوية بن أبي سفيان على الشام، وعبد الله بن عامر على البصرة، وصَرَفَ عن الكوفة الوليد بن عقبة، وولاها سعيد بن العاص .
وكان السبب في صرف الوليد [بن عقبة ] وولاية سعيد - على ما روي - أن الوليد بن عقبة كان يشرب مع ندمائه ومغنيه من أول الليل إلى الصباح، فلما أذنه المؤذنون بالصلاة خرج متفضّلاً في غلائله، فتقدَّم إلى المحراب في صلاة الصبح، فصلى بهم أربعاً، وقال: أتريدن أن أزيدكم؟ وقيل: إنه قال في سجوده وقد أطال: اشرب واسقني، فقال له بعض من كان خلفه في الصف الأول: ما تزيد لأزادك الله من الخير، والله لا أعجب إلا ممن بعثك إلينا والياً وعلينا أميراً، وكان هذا القائل عتاب بن غيلان الثقفي .
وخطب الناس الوليد فحصبه الناس بحصباء المسجد، فدخل قصره يترنح، ويتمثل بأبيات لتأبط شَرًا:
ولست بعيداً عن مدام وقينة***ولا بصفا صلد عن الخير معزل
ولكنني أروى من الخمر هامتي***وأمشي المَلا بالساحب المتسلسل
وفي ذلك يقول الحطيئة:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه***أن الوليد أَحَقُّ بالعذر
نادى وقد تُمَّت صلاتهم***أ أزيدكم! ثملاً وما يدري
ليزيدهم أخرى، ولو قبلوا***لقرنت بين الشفع والوتر
حبسوا عنانك في الصلاة، ولو***خَلّوا عنانك لم تزل تجري
وأشاعوا بالكوفة فعله، وظهر فسقه ومداومته [على] شرب الخمر، فهجم عليه جماعة من المسجد منهم أبو زينب بن عوف الأزدي وجندب بن زهير الأزدي وغيرهما، فوجدوه سكران مضطجعاً على سريره لا يعقل، فأيقظوه من رقدته، فلم يستيقظ، ثم تقاياً عليهم ما شرب من الخمر، فانتزعوا خاتمه من يده وخرجوا من فورهم إلى المدينة، فأتوا عثمان بن عفان، فشهدوا عنده على الوليد أنه شرب الخمر، فقال عثمان: وما يدريكما أنه شرب خمراً؟ فقالا: هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية، وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه، فزجرهما ودفع في صدورهما، وقال تنحيا عني، فخرجا من عنده وأتيا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأخبراه بالقصة، فأتى عثمان وهو يقول: دفعت الشهود، وأبطلت الحدود، فقال له عثمان: فما ترى؟ قال: أرى أن تبعث إلى صاحبك [فتحضره] فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه ولم يدرأ عن نفسه بحجة أقمت عليه الحد، فلما حضر الوليد دعاهما عثمان: فأقاما الشهادة عليه ولم يُدل بحجة فألقى عثمان السوط إلى علي، فقال علي لابنه الحسن: قم يا بني فأقم عليه ما أوجب الله عليه، فقال: يكفينيه بعض من تَرَى، فلما نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحد عليه توقياً لغضب عثمان لقرابته منه أخذ علي السوط ودنا منه، فلما أقبل نحوه سبه الوليد، وقال: يا صاحب مکس ، فقال عقيل بن أبي طالب وكان ممن حضر: إنك لتتكلم يا بن أبي معيط كأنك لا تدري من أنت، وأنت علج من أهل صفورية - وهي قرية بين عكاء واللجون، من أعمال الأردن، من بلاد طبرية، وكان ذكر أن أباه كان يهودياً منها - فأقبل الوليد يروغ من علي، فاجتذبه علي فضرب به الأرض، وعلاه بالسوط، فقال عثمان: ليس لك أن تفعل به هذا، قال: بل وشرًا من هذا إذا فسق ومنع حق الله تعالى أن يؤخذ منه .
وولي الكوفة بعده سعيد بن العاص، فلما دخل سعيد الكوفة والياً أبى أن يصعد المنبر حتى يُغسل، وأمر بغسله، وقال: إن الوليد كان نجساً رجساً، فلما اتصلت أيام سعيد بالكوفة ظهرت منه أمور منكرة، فاستبد بالأموال، وقال في بعض الأيام أو كتب به عثمان: إنما هذا السواد قطين لقريش، فقال له الأشتر، وهو مالك بن الحارث النخعي: أتجعل ما أفاه الله علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستاناً لك ولقومك؟ ثم خرج إلى عثمان في سبعين راكباً من أهل الكوفة فذكروا سوء سيرة سعيد [بن العاص]، وسألوا عزله عنهم، فمكث الأشتر وأصحابه أياماً لا يخرج لهم من عثمان في سعيد شيء، وامتدت أيامهم بالمدينة، وقدم على عثمان أمراؤه من الأمصار منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح من مصر ومعاوية من الشام وعبد الله بن عامر من البصرة وسعيد بن العاص من الكوفة، فأقاموا بالمدينة أياماً لا يردهم إلى أمصارهم وكراهة أن يرد سعيداً إلى الكوفة، وكره أن يعزله حتى كتب إليه من بأمصارهم يشكون كثرة الخراج وتعطيل الثغور، فجمعهم عثمان وقال: ما ترون؟ فقال معاوية: أما أنا فراض بي جندي، وقال عبد الله عامر بن كريز: ليكفك امرؤ ما قبله أكفك ما قبلى، وقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح: ليس بكثير عزل عامل للعامة وتولية غيره، وقال سعيد بن العاص: إنك إن فعلت هذا كان أهل الكوفة هم الذين يولون ويعزلون، وقد صاروا حلقاً في المسجد ليس لهم غير الأحاديث والخوض، فجهزهم في البعوث حتى يكون هَم أحدهم أن يموت على ظهر دابته، قال: فسمع مقالته عمرو بن العاص فخرج إلى المسجد، فإذا طلحة والزبير جالسان في ناحية منه، فقالا له: [تعال] إلينا، فصار إليهما، فقالا: ما وراءك؟ قال: الشر، ما ترك شيئاً من المنكر إلا أتى به وأمره به، وجاء الأشتر فقالا له: إن عاملكم الذي قمتم فيه خطباء قد رُدَّ عليكم وأمر بتجهيزكم في البعوث وبكذا وبكذا، فقال الأشتر: والله لقد كنا نشكو سوء سيرته وما قمنا فيه خطباء، فكيف وقد قمنا ؟! وايم الله على ذلك لولا أني أنفدتُ النفقة وأنضيت الظهر لسبقته إلى الكوفة حتى أمنعه دخولها، فقالا له: فعندنا حاجتك التي تقوم بك في سفرك قال: فأسلفاني إذاً مائة ألف درهم، قال: فأسلفه كل واحد منهما خمسين ألف درهم، فقسمها بين أصحابه، وخرج إلى الكوفة فسبق سعیداً، وصعد المنبر وسيفه في عنقه ما وضعه بعد، ثم قال: أما بعد، فإن عاملكم الذي أنكرتم تعديه وسوء سيرته قد رُدَّ عليكم، وأمر بتجهيزكم في البعوث، فبايعوني على أن لا يدخلها، فبايعه عشرة آلاف من أهل الكوفة وخرج راكباً متخفياً يريد المدينة أو مكة،
فلقي سعيداً بواقصة فأخبره بالخبر، فانصرف إلى المدينة، وكتب الأشتر إلى عثمان: إنا والله ما منعنا عاملك الدخول لنفسد عليك عملك، ولكن لسوء سيرته فينا وشدة عذابه، فابعث إلى عملك] مَنْ أحببت فكتب إليهم: انظروا من كان عاملكم أيام عمر بن الخطاب فولوه، فنظروا فإذا هو أبو موسى الأشعري، فولوه.
وفي سنة خمس وثلاثين كثر الطعن على عثمان رضي الله عنه، وظهر عليه النكير لأشياء ذكروها من فعله:
منها ما كان بينه وبين عبد بن مسعود، وانحراف هذيل عن عثمان أجله .
ومن ذلك ما نال عمار بن ياسر من الفتن والضرب، وانحراف بني مخزوم عن عثمان منأجله .
ومن ذلك فعل الوليد بن عقبة في مسجد الكوفة، وذلك أنه بلغه عن رجل من اليهود من ساكني قرية من قرى الكوفة مما يلي جسر بابل يقال لها زرارة يعمل أنواعاً من الشعبذة والسحر يعرف ببطروني فأحضر [ه] فأراه في المسجد ضرباً من التخييل، وهو أن أظهر له في الليل قيلاً عظيماً على فرس [يركض] في صحن المسجد ثم صار اليهودي ناقة يمشي على حبل، ثم أراه صورة حمار دخل من فيه ثم خرج من دبره، ثم ضرب عنق رجل ففرق بين جسده ورأسه، ثم أمز السيف عليه فقام الرجل، وكان جماعة من أهل الكوفة حُضُوراً منهم جندب بن كعب الأزدي، فجعل يستعيذ بالله من فعل الشيطان، ومن عمل يبعد من الرحمن، وعلم أن ذلك [هو] ضرب من التخييل والسحر، فاخترط سيفه وضرب به اليهودي ضربة أدار رأسه ناحية من بدنه، وقال (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: (81]، وقد قيل: إن ذلك كان نهاراً، وإن جندباً خرج إلى السوق ودنا من بعض الصياقلة وأخذ سيفاً ودخل فضرب به عنق اليهودي، وقال: إن كنت صادقاً فأحي نفسك، فأنكر عليه الوليد ذلك، وأراد أن يقيده به، فمنعته الأزد، فحبسه، وأراد قتله غيلة، ونظر السجان إلى قيامه ليله إلى الصبح، فقال له: انج بنفسك، فقال له جندب: تُقتل بي، قال: ليس ذلك بكثير في مرضاة الله والدفع عن ولي من أولياء الله فلما أصبح الوليد دعا به وقد استعد لقتله فلم يجده، فسأل السجان، فأخبره بهربه، فضرب عنق السجان، وصلبه بالكناسة .
ومن ذلك ما فعل بأبي ذر، وهو أنه حضر مجلسه ذات فقال عثمان: أَرأَيتم من
زكى ماله هل فيه حق لغيره؟ فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين، فدفع أبو ذر في صدر كعب، وقال له: كذبت يا بن اليهودي، ثم تلا (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ﴾ [البقرة: 177] فقال عثمان: أترون بأساً أن تأخذ مالاً من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينوبنا من أمورنا ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يا بن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا! فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي ! غَيْب وجهك عني فقد آذيتنا، فخرج أبو ذر إلى الشام، فكتب معاوية إلى عثمان، إن أبا ذر تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك، فكتب إليه عثمان بحمله، فحمله على بعير عليه فتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون،به حتى أتوا به المدينة وقد تسلّحت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف، فقيل له: إنك تموت من ذلك، فقال: هيهات لن أموت حتى أنفي، وذكر جوامع ما ينزل به بعد، ومن يتولى دفنه، فأحسن إليه [عثمان] في داره أياماً، ثم دخل إليه فجلس على ركبتيه وتكلم بأشياء، وذكر الخبر في ولد أبي العاص إذا بلغوا ثلاثين رجلاً اتخذوا عباد الله خَوَلاً، ومَرَّ في الخبر بطوله، وتكلم بكلام كثير، وكان في ذلك اليوم قد أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف [الزهري] من المال، فنثرت البدر حتى حالت بین عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان: إني لأرجو لعبد الرحمن خيراً؛ لأنه كان يتصدَّقُ،، ويقري الضيف، وترك ما ترون، فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبو ذر العصا، فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه من الألم وقال: يا بن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال: إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على الله بذلك، وأنا سمعت النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول «ما يسرني أن أموت و أدع ما يزن قيراطاً» فقال له عثمان: وار عني وجهك، فقال: أسير إلى مكة، قال: لا والله، قال: فتمنعني من بيت ربی أعبده فيه حتى أموت؟ قال: إي والله، قال: فإلى الشام، قال: لا والله [قال. البصرة؟ قال: لا والله]، فاختر غير هذه البلدان، قال: لا والله ما أختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار هجرتي ما أردتُ شيئاً من البلدان، فَسَيرني حيث شئت من البلاد، قال فإني مسيرك إلى الربذة، قال: الله أكبر، صدق رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد أخبرني بكل ما أنا لاق ، قال عثمان: وما قال لك؟ قال: أخبرني بأني أمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة، ويتولى مواراتي نفر ممن يردون من العراق نحو الحجاز، وبعث أبو ذر إلى جمل
له فحمل عليه امرأته - وقيل: ابنته - وأمر عثمان أن يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة، فلما طلع عن المدينة ومروان يسير عنها طلع عليه علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ومعه ابناه الحسن والحسين وعقيل أخوه وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر، فاعترض مروان فقال: يا علي إن أمير المؤمنين قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه، فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك، فحمل عليه علي ابن أبي طالب بالسوط وضرب بين أذني راحلته، وقال: تَنَحٌ نحاك الله إلى النار، ومضى مع أبي ذر فشيعه ثم ودعه وانصرف، فلما أراد علي الانصراف بكي أبو ذر، وقال: رحمكم الله أهل البيت، إذا رأيتك يا أبا الحسن وولدك ذكرت بكم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي بن أبي طالب، فقال عثمان: يا معشر المسلمين من يعذرني من علي؟ ردَّ رسولي عما وجهته له، وفعل كذا، والله لنعطينه حقه، فلما رجع علي استقبله الناس، فقالوا له: إن أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر، فقال علي: غَضَب الخيل على اللجم .
فلما كان بالعشي جاء إلى عثمان، فقال له: ما حملك على ما صنعت بمروان ولم اجترأت عليَّ ورددت رسولي وأمري؟! قال: أما مروان فإنه استقبلني يردني فرددته عن ردي، وأما أمرك فلم أردَّهُ، قال عثمان: ألم يبلغك أني قد نهيت الناس عن أبي ذر وعن تشييعه؟ فقال علي: أوكل ما أمرتنا به من شيء نرى طاعة الله والحق في خلافه اتبعنا فيه أَمرك؟ بالله لا نفعل، قال عثمان: أَقد مروان، قال: ومم أقيده؟ قال: ضربت بين أذني راحلته [وشتمته، فهو شاتمك وضارب بين أذني راحلتك] قال علي: أما راحلتي فهي تلك فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل. وأما أنا فوالله لئن شتمني لأشتمنك أنت مثلها بما لا أكذب فيه ولا أقول إلا حقاً. قال عثمان: ولم لا يشتمك إذا شتمته، فوالله ما أنت عندي بأفضل منه ؟! فغضب علي بن أبي طالب وقال: ألي تقول هذا القول؟ وبمروان تعدلني؟ فأنا والله أفضل منك، وأبي أفضل من أبيك، وأمي أفضل من أمك، وهذه نبلي قد نثلتها، وهلم فانثل بنبلك، فغضب عثمان واحمر وجهه، فقام ودخل داره، وانصرف علي، فاجتمع إليه أهل بيته، ورجال من المهاجرين والأنصار .
فلما كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكا إليهم علياً وقال: إنه يعيبني ويُظاهر من يعيبني، يريد بذلك أبا ذر وعمار بن ياسر وغيرهما، فدخل الناس بينهما [حتى اصطلحا] وقال له علي: والله ما أردت بتشييع أبي ذر إلا الله تعالى.
وقد كان عمار حين بويع عثمان بلغه قول أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان ودخل داره ومعه بنو أمية فقال أبو سفيان: أفيكم أحد
من غيركم؟ وقد كان عمي، قالوا: لا، قال يا بني أمية، تَلَقَّفوها تلقُفَ الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرةً إلى صبيانكم وراثة، فانتهره عثمان، وساءه ما قال، ونمي هذا القول إلى المهاجرين والأنصار [وغير ذلك الكلام] فقام عمار في المسجد فقال: يا معشر قريش، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم هاهنا، مرة وهاهنا مرة فما أنا بآمن من أن ينزعه الله [منكم] فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد [بن عمرو ؟] فقال: إني والله لأحبهم لحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إياهم، وإن الحق معهم وفيهم، يا عبد الرحمن أعجب من قريش - وإنما تطوُّلُهم على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد [ه] من أيديهم أما وايم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر، وجرى بينهم من الكلام خطب طويل قد أتينا على ذكره في كتابنا «أخبار الزمان» في أخبار الشورى والدار .
ولما كان سنة خمس وثلاثين سار مالك بن الحارث النخعي من الكوفة في مائتي رجل، وحكيم بن جبلة العبدي في مائة رجل من أهل البصرة، ومن أهل مصر ستمائة رجل عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوي، وقد ذكر الواقدي وغيره من أصحاب السير أنه ممن بايع تحت الشجرة، إلى آخرين ممن كان بمصر مثل عمرو بن الحمق الخزاعي وسعد بن حمران التجيبي، ومعهم محمد بن أبي بكر الصديق، وقد كان تكلم بمصر، وحرَّضَ الناس على عثمان لأمر يطول ذكره كان السبب فيه مروان بن الحكم، فنزلوا في الموضع المعروف بذي الخشب فلما علم عثمان بنزولهم بعث إلى علي بن أبي طالب فأحضره، وسأله أن يخرج إليهم ويضمن لهم عنه كل ما يريدون من العدل وحسن السيرة، فسار علي إليهم، فكان بينهم خطب طويل، فأجابوه إلى ما أراد وانصرفوا، فلما صاروا إلى الموضع المعروف بحسمى إذا هم بغلام على بعير وهو مُقبل من المدينة، فتأملوه فإذا هو ورش غلام عثمان ، فقرُرُوه، فأقَرَّ وأظهر كتاباً إلى ابن أبي سرح صاحب مصر [وفيه] «إذا قدم عليك الجيش فاقطع يد فلان، واقتل فلاناً، وافعل بفلان كذا، وأحصى أكثر من في الجيش، وأمر فيهم بما أمر» وعلم القوم أن الكتاب بخط مروان، فرجعوا إلى المدينة، واتفق رأيهم ورأي من قدم من العراق، ونزلوا المسجد وتكلموا، وذكروا ما نزل بهم من عُمَّالهم، ورجعوا إلى عثمان فحاصروه في داره، ومنعوه الماء، فأشرف على الناس وقال: ألا أحد يسقينا وقال: بم تستحلون قتلي وقد سمعت
رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس»؟ ووالله ما فعلت ذلك في جاهلية أو إسلام، فبلغ عليّاً طلبه للماء، فبعث إلي بثلاث قرب ماء، فما وصل إليه ذلك حتى خرج جماعة من موالي بني هاشم وبني أمية، وارتفع الصوت، وكثر الضجيج، وأحدقُوا بداره بالسلاح وطالبوه بمروان ، فأبى أن يخلّي عنه، وفي الناس بنو زُهرة لأجل عبد الله بن مسعود لأنه [كان] من أحلافها، وهذيل لأنه كان منها، وبنو مخزوم وأحلافها لعمار، وغفار وأحلافها لأجل أبي ذر، وتيم بن مرة مع محمد بن أبي بكر، وغير هؤلاء ممن لا يحمل كتابنا ذكره، فلما بلغ علياً أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه محمداً، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم اقتداء بمن ذكرنا، فصدوهم عن الدار، فرمي من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجُرح الحسن، وشُجُ قنبر، وجرح بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوَّرُوا عليها، وكان ممن وصل إليه محمد بن أبي بكر ورجلان آخران، وعند عثمان زوجته، وأهله ومواليه مشاغيل بالقتال، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال: يا محمد، والله لو رآك أبوك لساءه مكانك فتراخت يده، وخرج عنه إلى الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه، وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فصعدت امرأته فصرخت [وقالت: قد] قتل أمير المؤمنين، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية، فوجدوه قد فاضت نفسه رضي الله عنه، فبكوا، فبلغ ذلك علياً وطلحة والزبير[وسعداً] وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فاسترجع القوم، ودخل عليّ،الدار، وهو كالواله الحزين، وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ولطم الحسن وضرب [صدر] الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، فقاله له طلحة: لا تضرب يا أبا الحسن، ولا تشتم، ولا تلعن لو دفع [إليهم] مروان ما قتل، وهرب مروان وغيره من بني أمية، وطُلبوا ليقتلوا فلم يوجدوا، وقال علي لزوجته نائلة بنت الفرافصة، من قتله وأنتِ كنت معه؟ قالت: دخل إليه رجلان وقصت خبر محمد بن أبي بكر، فلم ينكر ما قالت، وقال: والله لقد دخلت عليه وأنا أريد قتله، فلما خاطبني بما قال خرجتُ، ولا أعلم بتخلف الرجلين عني، والله ما كان لي في قتله [من] سبب، ولقد قتل وأنا لا أعلم بقتله .
وكانت مدة ما حوصر عثمان في داره تسعاً وأربعين يوماً، وقيل: أكثر من ذلك .
وقتل في ليلة الجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة، وذكر أن أحد الرجلين كنانة ابن بشر التجيبي، ضربه بعمود على جبهته، والآخر منهما سعد بن حمران المرادي ضربه بالسيف على حبل عاتقه فحله.
وقد قيل: إن عمرو بن الحمق طعنه بسهام تسع طعنات، وكان فيمن مال عليه عمير بن ضابي [البرجمي] التميمي، وخضخض سيفه في بطنه.
ودفن على ما وصفنا في الموضع المعروف بحش كوكب، وهذا الموضع فيه مقابر بني أمية، ويعرف أيضاً بحلة، وصلى عليه جبير بن مطعم وحكيم بن حزام وأبو جهم ابن حذيفة .
ولما حوصر عثمان كان أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يصلي بالناس، ثم امتنع، فصلی بهم سهل بن حنيف، فلما كان يوم النحر صلى بهم علي، وقيل: إن عثمان قتل ومعه في الدار من بني أمية ثمانية عشر رجلاً منهم مروان بن الحكم.
وفي مقتله تقول زوجته نائلة بنت الفرافصة:
أَلا إِنَّ خير الناس بعد ثلاثة***قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
وما لي لا أبكي وتبكي قرابتي***وقد غيبوا عني فضول أبي عمرو
وقال حسان بن ثابت فيمن تخلف عنه وخذله من الأنصار وغيرهم، وأعان [عليه و] على قتله، والله أعلم بما قاله، من أبيات:
خذلته الأنـصار إذ حـضر الـمـو***ت وكانت ولاية الأنصار
فَمَنْ عَذيري من الزبير ومن طلحة***إذ جا أمر له مقدار
فتـولـى مـحـمـد بن أبآي بـكـر***عياناً، وخلفه عمار
في شعر له طويل يذكر فيه غير من ذكرنا، وينسبهم إلى التمالؤ على قتله، والرضا بما فعل به، والله أعلم، وكان حسان عثمانياً منحرفاً عن غيره، وكان عثمان إليه محسناً، وهو المتوعد للأنصار في قوله في شعره:
[ياليت شعري وليت الطير تخبرني***ما كان شأن علي وابن عفانا]
لَتَسْمَعنْ وشيكاً في ديارهم دیارهم***الله أكـبـر، یا ثارات عثمانا
وكان عثمان رضي الله عنه كثيراً ما ينشد أبياتاً قالها ويطيل ذكرها لا تعرف لغيره، منها:
تفنى اللذاذة ممَّن نال صفوتها***من الحرام ويبقى الإثم والعار
يلقى عواقب سوء من مغبتها***لا خير في لذة من بعدها النار
وكان الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخا عثمان لأمه، فسمع في الليلة الثانية من مقتل عثمان يندبه، وهو يقول:
بني هاشم إنا وما كان بيننا***كصَدّع الصفا ما يومضُ الدهر شاعبُه
بني هاشم كيف الهَوَادة بيننا***وسيف ابن أروى عندكم وحرائبه
بني هاشم ردُّوا سلاح ابن أختكم***ولا تنهبوه ولا تنهبوه لا تحل مناهبه
غدرتم به کيما تكونوا مكانه***كما غدرت يوماً بكسرى مَرَازبه
وهي أبيات:
فأجابه عن هذا الشعر، وفيما رمى به بني هاشم ونسبه إليهم، الفصل بن العباس [ابن عتبة] بن أبي لهب فقال:
فلا تسألونا سيفكم؛ إن سيفكم***أضيع، وألقاه لدى الروع صاحبه
سلو أهل مصر عن سلاح ابن أختنا***فهم سلبوه سیفه وحرائبه
وكان ولي الأمر بعد مـحمد***علي وفي كل المواطن صاحبه
عـلي ولـي الله أظـهـر ديـنـه***وأنت الأشقين فيما تحاربه
وأنت امرؤ من أهل صفواء نازح***فما لك فينا من حميم تعاتبه
وقد أنزل الرحمن أنك فاسق***فما لك في الإسلام سهم تطالبه
قال المسعودي رحمه الله: ولعثمان أخبار وسير ومآثر حسان، قد أتينا على ذكرها في كتابنا «أخبار الزمان» والكتاب «الأوسط»، وكذلك ما كان في أيامه من الكوائن والأحداث والفتوح والحروب من الروم وغيرهم [ والله ولي التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم].
بويع علي بن أبي طالب في اليوم الذي قتل فيه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكانت خلافته إلى أن استشهد أربع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام وقيل: أربع سنين وتسعة أشهر إلا يوماً، وكانت الفرقة بينه وبين معاوية [بن أبي سفيان] على ما ذكرنا في خلافته، وكان مولده في الكعبة، وقيل: إن خلافته كانت خمس سنين وثلاثة أشهر وسبع ليال ، واستشهد وهو ابن ثلاث وستين سنة، وعاش بعد الضربة الجمعة والسبت، وتوفي ليلة الأحد، وقد قيل في مقدار عمره أقل مما ذكرنا، وقد تنوزع في موضع قبره؛ فمنهم من قال: إنه دفن في مسجد الكوفة، ومنهم من قال: إنه حمل إلى المدينة فدفن عند [قبر]، فاطمة ومنهم من قال: [إنه] حمل في تابوت على جَمَلٍ، وإن الجمل تاه ووقع إلى وادي طيىء، وقد قيل من الوجوه غير ما ذكرنا، وقد أتينا على ذلك في كتابنا «أخبار
الزمان» والكتاب «الأوسط».
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ويكنى أبا الحسن، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، ولم يكن من عهد النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى وقتنا هذا خلافة المتقي [ممن ولي الخلافة] من اسمه علي غيره، و[غير] المكتفي بالله علي بن المعتضد، وكان أول من ولَدَهُ هاشميَّان من الخلفاء، وقد قيل: إنه بويع البيعة العامة بعد قتل عثمان بأربعة أيام، وقد ذكرنا البيعة الأولى فيما سلف من هذا الكتاب.
وتنازع الناس في اسم أبي طالب أبيه، ووَلَدُ أبي طالب بن عبد المطلب أربعة ذكور وابنتان فطالب وعقيل وجعفر وعلي وفاختة وجُمانة لأب وأم، أمهم فاطمة بنت أسد ابن هاشم، وبين كل واحد من البنين عشر سنين: [فطالب الأكبر وبينه وبين عقيل عشر سنين، وبين عقيل وجعفر سنتان و] بين جعفر وعلي عشر سنين، وأخرج مشركو قريش طالب بن أبي طالب يوم بدر إلى حرب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كرهاً، ومضى ولم يعرف له خبر، وحفظ من قوله في هذا اليوم:
يا رب إما خـرجـوا بـطـالـب***في مقنب من تلكم المقانِبِ
فاجعلهم المغلوب غير الغالب***والرجل المسلوب غير السالب
وكان زوج فاختة بنت أبي طالب أبو وهب هبيرة بن عمرو بن عائذ بن عمرو بن مخزوم، وخلف عليها ابناً وبنتاً، وهاجرت، ومات زوجها بنجران مشركاً، وفيها يقول بیلاد نجران من أبيات كثيرة:
أشاقَتْكَ هند أم شاك سؤالها؟***كذاك النوى أسبابها وانتقالها
وأَرْقَني في رأس حصن ممرَّدٍ***بنجران يسري بعد نوم خيالها
فإن تك قد تابعت دین محمد***وقطعت الأرحام منك حبالها
وهي طويلة، وكانت تكنى أم هانىء، وقد استعمل علي - حين أفضت الخلافة إليه- ابنَها جعدة بن هبيرة، وجعدة هو القائل:
أبي من بني مخزوم أن كنت سائلاً***ومن هاشم أمي لخير قبيل
فمـن ذا الذي يبأى عليَّ بخاله***وخالي عليّ ذو النَّدَى وعقيل
وجمانة بنت أبي طالب كان بعلها سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، كذلك ذكر الزبير بن بكار في كتابه في أنساب قريش وأخبارها، وهاجرت وماتت بالمدينة في أيام النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) .
وكان مسير علي إلى البصرة في سنة ست وثلاثين، وفيها كانت وقعة الجمل، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى منها، وقتل فيها من أصحاب الجمل من أهل البصرة وغيرهم ثلاثة عشر ألفاً، وقتل من أصحاب علي خمسة آلاف، وقد تنازع الناس في مقدار من قتل من الفريقين: فمن مقلل ومكثر؛ فالمقلل يقول: قتل سبعة آلاف [والمكثر يقول: عشرة آلاف] على حسب ميل الناس وأهوائهم إلى كل فريق منهم، وكانت وقعة واحدة في يوم واحد .
وقيل: إنه كان بين خلافة علي إلى وقعة الجمل [خمسة أشهر وأحد وعشرون يوماً، وبين وقعة الجمل] وأول الهجرة خمس وثلاثون سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، وبين ذلك وبين دخول علي إلى الكوفة [شهر، وبين ذلك وبين أول الهجرة خمس وثلاثون سنة وستة أشهر وعشرة أيام، وبين دخول علي و] التقائه مع معاوية للقتال بصفين ستة أشهر وثلاثة عشر يوماً، وبين ذلك وأول الهجرة ست وثلاثون سنة وثلاثة عشر يوماً .
وقتل بصفين سبعون ألفاً: من أهل الشام [خمسة وأربعون ألفاً]، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً، وكان المقام بصفين مائة يوم وعشرة أيام، وقتل بها من الصحابة ممن كان مع علي خمسة وعشرون رجلاً: منهم عمار بن ياسر أبو اليقظان المعروف بابن سمية وهو ابن ثلاث وسبعين سنة .
وكانت عدة الوقائع بين أهل العراق والشام سبعون وقعة .
وفي سنة ثمان وثلاثين كان التقاء الحكمين - وهما عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري - بأرض البلقاء من أرض دمشق، وقيل: بدومة الجندل، وهي على [نحو] عشرة أميال من دمشق، وكان من أمرهما ما قد شهر، وسنورد في هذا الكتاب جوامع ما ذكرنا، وإن كنا قد أتينا على مبسوط ذلك فيما سلف من كتبنا.
وفي هذه السنة حكمة الخوارج [وتحكمت]، وهم الشَّرَاةُ.
وكان ممن شهد صفين مع علي من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلاً: منهم سبعة عشر من المهاجرين، وسبعون من الأنصار، وشهد معه من الأنصار ممن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) تسعمائة، وكان جميع من شهد معه من الصحابة ألفين وثمانمائة.
وفي سنة ثمان وثلاثين كان حربه مع أهل النهروانِ من الخوارج، وقعد عن بيعته جماعة عثمانية لم يروا إلا الخروج عن الأمر: منهم سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وبايع يزيد بعد ذلك والحجاج لعبد الملك بن مروان، ومنهم قدامةُ بن مظعون، وأهبان بن صيفي، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وممن اعتزل من الأنصار كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وكانا شاعرين، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة حليف بني عبد الأشهل،[ويزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، ونعمان بن بشير] وفضالة بن عبيد وكعب بن عجرة [ومسلمة بن خالد في آخرين ممن لم نذكرهم من العثمانية من الأنصار] وغيرهم من بني أمية وسواهم .
وانتزع علي أملاكاً كان عثمان أقطعها جماعة من المسلمين، وقسم ما في بيت المال على الناس، ولم يُفَضّل أحداً على أحد، وبعثت أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى أخيها معاوية بقميص عثمان مخصباً بدمائه مع النعمان بن بشير الأنصاري، واتصلت بيعة علي بالكوفة وغيرها من الأنصار، وكان أهل الكوفة أسرع [إجابة] إلى بيعته، وأخذ له البيعة على أهلها أبو موسى الأشعري، حتى تكاثر الناس عليه، وكان عليها عاملاً لعثمان .
وأتاه جماعة ممن تخلف عن بيعته من بني أمية: منهم سعيد بن العاص، ومروان
ابن الحكم، والوليد بن عُقبة بن أبي معيط، فجرى بينه وبينهم خطب طويل، وقال له الوليد: إنا لم نتخلف عنك رغبة عن بيعتك، ولكنا قوم وَتَرَنا الناسُ، وخفنا على نفوسنا، فعذرنا فيما نقول واضح، أما أنا فقتلت أبي صبراً، وضربتني حداً، وقال سعيد ابن العاص كلاماً كثيراً، وقال له الوليد: أما سعيد فقتلت أباه، وأهنت مثواه، وأَما مروان فإنك شتمت أباه، وعبت عثمان عثمان في ضَمِّه إياه .
وقد ذكر أبو مخنف لوط بن يحيى أن حسان بن ثابت وكعب بن مالك والنعمان بن بشير - قبل نفوذه بالقميص - أتوا علياً في آخرين من العثمانية فقال كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين، ليس مسيئاً من عتب، وخيركفرما محاه عذر ، في كلام كثير، ثم بايع وبايع من ذكرنا جميعاً .
وقد كان عمرو بن العاص انحرف عن عثمان لانحرافه [عنه] وتوليته مصرغيره، فنزل الشام، فلما اتصل به أمر عثمان وما كان من بيعة علي،كتب إلى معاوية يهزّه ويشير عليه بالمطالبة بدم عثمان، وكان فيما كتب به إليه: ما كنت صانعاً إذا قشرت من كل شيء تملكه فاصنع ما أنت صانع فبعث إليه معاوية، فسار إليه، فقال له معاوية: بايعني، قال: لا، والله لا أعطيك من ديني حتى أنال من دنياك، قال: سَل، قال: مصر طُعْمَة، فأجابه إلى ذلك، وكتب له به كتاباً، وقال عمرو بن العاص في ذلك:
مُعاوي لا أعطيك ديني ولم أنل***به منك دنيا، فانْظُرَنْ كيف تصنع
فإن تعطني مصراً فأرْبحُ بصفقة ***أخذتَ بها شيخاً يضر وينفع
وأتى المغيرة بن شعبة علياً، فقال له: إن لك حق الطاعة والنصيحة، وإن الرأي اليوم تحوز به ما في غد، وإن المضاع اليوم تضيع به ما في غد، أقرر معاوية على عمله، وأقرر ابن عامر على عمله، وأقرر العمال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم وطاعة الجنود استبدلت أو تركت، قال: حتى أنظر، فخرج من عنده وعاد إليه من الغد، فقال: إني أشرت عليك بالأمس برأي وتعقبته برأي، وإنما الرأي أن تعاجلهم بالنزع فتعرف السامع من غيره وتستقبل أمرك، ثم خرج [من عنده] فتلقاه ابن عباس خارجاً وهو داخل؛ فلما انتهى إلى علي قال: رأيت المغيرة خارجاً من عندك فقيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بكيت وكيت؛ وجاءني اليوم بذيت وذيت؛ فقال: أما أمس فقد نصحك؛ وأما اليوم فقد غَشَك ؛ قال: فما الرأي ؟ قال: كان الرأي أن تخرج حين قتل عثمان، أو قبل ذلك، فتأتي
مكة فتدخل دارك فتعلق عليك بابك ؛ فإن كانت العرب مائلة مضطرة في أثرك لا تجد غيرك ؛ فأما اليوم فإن بني أمية سيحسنون الطلب بأن يلزموك شعبة من هذا الأمر، ويشبهون فيك على الناس وقال المغيرة: نصحته فلم يقبل فغششته، وذكر أنه قال: والله ما نصحته،قبلها ولا أنصحه بعدها .
قال المسعودي: ووجدت في وجه آخر من الروايات أن ابن عباس قال: قدمت من مكة بعد مقتل عثمان بخمس ليال، فجئت علياً أدخل عليه، فقيل لي: عنده المغيرة بن شعبة، فجلست بالباب ساعة، فخرج المغيرة، فسلم عليَّ ، وقال: متى قدمت؟ قلت: الساعة، ودخلت على عليّ وسلمت عليه، فقال: أين لقيت الزبير وطلحة؟ قلت: بالنواصف، قال: ومَنْ معهما؟ قلت: أبو سعيد بن الحارث بن هشام في فتية من قريش، فقال علي: أما إنهم لم يكن لهم بد أن يخرجوا يقولون نطلب بدم عثمان ، والله يعلم أنهم قتلة عثمان، فقلت: أخبرني عن شأن المغيرة، ولم خَلَا بك؟ قال: جاءني بعد مقتل عثمان بيومين، فقال: أخلني، ففعلت، فقال: إن النصح رخيص وأنت بقية الناس، وأنا لك ناصح، وأنا أشير عليك أن لا ترد عمال عثمان عامَكَ هذا، فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم، فإذا بايعوا لك واطمأن أمرك عزلت من أحببت، وأقررت من أحببت، فقلت له: والله لا أداهن في ديني، ولا أعطي الرياء في أمري، قال: فإن كنت قد أبيت فانزع من شئت واترك معاوية فإن له جراءة وهو في أهل الشام مسموع منه، ولك حجة في إثباته فقد كان عمره ولاه الشام كلها، فقلت له: لا والله لا استعمل معاوية يومين أبداً، فخرج من عندي على ما أشاربه، ثم عاد، فقال: إني أشرت عليك بما أشرت به وأبيت علي، فنظرت في الأمر، وإذا أنت مصيب لا ينبغي أن تأخذ أمرك بخدعة، ولا يكون فيه دلسة، قال ابن عباس: فقلت له: أما أول ما أشار [به] عليك فقد نصحك، وأما الآخر فقد غَشَك، وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية فإن باع لك فعليّ أن أقلعه من منزله، قال: لا، والله لا أعطيه إلا السيف، ثم تمثل:
فما ميتَةً إِنْ مُتُها غير عاجز***بعار، إذا ما غالت النَّفْسَ غولها
فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع، أما سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: «الحرب خُدعة» ؟ فقال علي: بلى، قلت: أما والله لئن أطعتني لأصدرن بهم بعد ورود، ولأتركنهم ينظرون في أدبار الأمور، ولا يدرون ما كان وجهها، من غير نقص لك، ولا إثم عليك، فقال لي: يا بن عباس، لست من هنياتك ولا هنيات معاوية في شيء تشير به علي برأي، فإذا عصيتك فأطعني، فقلت أنا: أفعل، فإنّ أَيْسَرَ ما لك عندي الطاعة، والله
ولي التوفيق .
ودخل طلحة والزبير مكة، وقد كانا استأذنا عليّا في العمرة، فقال لهما: لعلكما تريدان البصرة أو الشام، فأقسما أنهما لا يقصدان غير مكة، وقد كانت عائشة رضي الله عنها بمكة، وقد كان عبد الله بن عامر عامل عثمان على البصرة هرب عنها حين أخذ البيعة لعلي بها على الناس حارثة بن قدامة السعدي، ومسير عثمان بن حنيف الأنصاري إليها على خراجها من قبل علي رضي الله عنه! وانصرف عن اليمن عامل عثمان [وهو يعلى بن منية، فأتى مكة وصادف بها عائشة وطلحة والزبير ومروان بن الحكم في آخرين من بني أمية، فكان ممن حَرَّضَ على الطلب بدم عثمان]، وأعطى عائشة وطلحة والزبير أربعمائة [ألف] درهم، وكُرَاعاً وسلاحاً، وبعث إلى عائشة بالجمل المسمى عسكراً، وكان شراؤه عليه باليمن مائتي دينار، فأرادوا الشام، فصدّهم ابن عامر، وقال: إن به معاوية، ولا ينقاد إليكم ولا يطيعكم، لكن هذه البصرة لي بها صنائع وعَدَد، فجهزهم بألف ألف درهم ومائة من الإبل وغير ذلك .
وسار القوم نحو البصرة في ستمائة راكب، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب يعرف بالحوأَب، عليه ناس من بني كلاب، فَعَوت كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع ؟ فقال لها السائق لجملها: الحوأب، فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك، فقالت: رُدُّوني إلى حرم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا حاجة لي في المسير، فقال الزبير: بالله ما هذا الحوأب، ولقد غلط فيما أخبرك به، وكان طلحة في ساقة الناس، فلحقها فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون رجلاً ممن كان معهم، فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الإسلام، فأتوا البصرة فخرج إليهم عثمان بن حنيف فمانعهم، وجرى بينهم قتال ، ثم إنهم اصطلحوا بعد ذلك على كفّ الحرب إلى قدوم علی، فلما كان في بعض الليالي بيَّتوا عثمان بن حنيف فأسروه وضربوه ونتفوا لحيته، ثم
إن القوم استرجعوا وخافوا على مخلفيهم بالمدينة من أخيه سهل بن حنيف وغيره من الأنصار، فخلوا عنه، وأرادوا بيت المال فمانعهم الخُزَّانُ والموكلون به وهم السبابجة، فقتل منهم سبعون رجلاً غير من جرح، وخمسون من السبعين ضربت رقابهم صبراً [من] بعد الأسر، وهؤلاء أول من قتل ظلماً في الإسلام،وصبراً، وقتلوا حكيم بن جَبَلة العبدي، وكان من سادات عبد القيس وزُهّاد ربيعة،ونُساكها، وتشاحَّ طلحة والزبير في الصلاة بالناس، ثم اتفقوا على أن يصلي بالناس عبد الله بن الزبير يوماً، ومحمد يوماً، في خطب طويل كان بين طلحة والزبير إلى أن اتفقا على ما وصفنا.
وسار علي من المدينة بعد أربعة أشهر، وقيل غير ذلك، في سبعمائة راكب منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار منهم سبعون بدريًا وباقيهم من الصحابة، وقد كان استخلف على المدينة سهل بن حنيف الأنصاري، فانتهى إلى الربذة بين الكوفة ومكة من طريق الجادة، وفاته طلحة وأصحابه، وقد كان عليّ أرادهم، فانصرف حين فاتوه إلى العراق في طلبهم، ولحق بعلي من أهل المدينة جماعة من الأنصار فيهم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأتاه من طيىء ستمائة راكب، وكاتب علي من الرَّبذة أبا موسى الأشعري ليستنفر الناس، فَثَبَّطَهم أبو موسى، وقال: إنما هي فتنة، فنمي ذلك إلى علي، فولى على الكوفة قَرَظَة بن كعب الأنصاري، وكتب إلى أبي موسى: اعتزل عملنا يا بن الحائك مذموماً مدحوراً، فما هذا أول يومنا منك، وإن لك فينا لهنات وهنيات. وسار علي بمن معه حتى نزل بذي قار، وبعث بابنه الحسن وعمار [بن ياسر ] إلى الكوفة يستنفران الناس، فسارا عنها ومعهما من أهل الكوفة نحو من سبعة آلاف، وقيل: ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلاً [ منهم الأشتر ] فانتهى [علي] إلى البصرة وراسَلَ القوم وناشدهم الله، فأبوا إلا قتاله .
وذكر عن المنذر بن الجارود فيما حدث به أبو خليفة الفَضْلُ بن الحباب الجمحي عن ابن عائشة عن مَعْن بن عيسى عن المنذر بن الجارود قال: لما قدم علي رضي الله عنه البصرة دخل مما يلي الطفّ، فأتى الزاوية فخرجتُ أنظر إليه، فورد موكب في نحو ألف فارس يتقدمهم فارس على فرس أشهب عليه قلنسوة وثياب بيض متقلد سيفاً ومعه راية، وإذا تيجان القوم الأغلبُ عليها البياضُ والصفرة مُدَجّجين في الحديد والسلاح، فقلت: من هذا ؟ فقيل: هذا أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ، وهؤلاء الأنصار
وغيرهم، ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلد سيفاً متنكب قوساً معه راية على فرس أشقر في نحو ألف فارس، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا جُزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، ثم مرَّ بنا فارس آخر على فرس كُميتٍ معتمّ بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء وعليه قباء أبيض [مصقول] متقلد سيفاً متنكب قوساً في نحو ألف فارس من الناس ومعه راية، فقلت: من هذا؟ فقيل لي: أبو قتادة بن ربعي، ثم مر بنا فارس آخر على فرس أشهب عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها من بين يديه ومن خلفه شديد الأدمة عليه سكينة ووقار رافع صوته بقراءة القرآن متقلد سيفاً متنكب قوساً معه راية بيضاء في ألف من الناس مختلفي التيجان حوله مشيخة وكهول وشباب كأنما قد أوقفوا للحساب، أثر السجود [قد أثر] في جباههم، فقلت: من هذا؟ فقيل: عمار بن ياسر في عدة من الصحابة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، ثم مر بنا فارس على فرس أشقَرَ عليه ثياب بيض وقلنسوه بيضاء وعمامة صفراء متنكب قوساً متقلد سيفاً تخط رجلاه [في] الأرض في ألف من الناس الغالب على تيجانهم الصفرة والبياضُ معه راية صفراء، قلت: من هذا؟ قيل: هذا [قيس بن] سعد بن عُبادة في [عدة من] الأنصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان، ثم مر بنا فارس على فرس أشهَلَ ما رأينا أحسن منه، عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سَدَلَها من بين يديه بلواء ، قلت من هذا؟ قيل: هو عبد الله العباس في [وفده] وعدة من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين، قلت: من هذا ؟ قيل: [عبيد الله بن العباس، ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين، قلت: من هذا] قيل: قثم بن العباس، أو معبد بن العباس ثم أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً، واشتبكت الرماح، ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح والحديد مختلفو الرايات في أوله راية كبيرة يقدمهم رجل كأنما كُسر وجُبر [قال ابن عائشة: وهذه صفة رجل شديد الساعدين نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق، وكذلك تخبر العرب في وصفها إذا أخبرت عن الرجل أنه كسر وجبر] كأنما على رؤوسهم الطير، وعن [يمينه شاب حسن الوجه وعن] يساره شاب حسن الوجه [وبين يديه شاب مثلهما] قلت: من هؤلاء قيل: هذا علي بن أبي طالب، وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله، وهذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العُظمى، وهذا الذي خَلْفَه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء ولد عقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم، وهؤلاء المشايخ [هم] أهل بدر من المهاجرين والأنصار .
فساروا حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية، فصلى أربع ركعات، وعفر خديه على التراب، وقد خالط ذلك دموعه، ثم رفع يديه يدعو: اللهم رب السموات وما
أظلت، والأرضين وما أقلت، ورب العرش العظيم، هذه البصرة أسألك من خيرها، وأعوذ بك من شرها، اللهم أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين، اللهم [إن] هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي، وَبَغُوا علي ونكثوا بيعتي اللهم احقن دماء المسلمين.
وبعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء، وقال: عَلَامَ تقاتلونني؟ فأبوا إلا الحرب، فبعث [إليهم] رجلاً من أصحابه يقال له مسلم معه مصحف يدعو [هم] إلى الله، فرموه بسهم فقتلوه، فحمل إلى علي وقالت أمه:
يا رب إن مسلماً أتاهم يتلو***كتاب الله لا يخشاهم
فخَضَّبُوا من دمه لـحـاهـم***وأمـه قـائـمـة تـراهـم
وأمر علي رضي الله عنه أن يصافُوهم، ولا يبدؤوهم بقتال، ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم [بسيف] ولا يطعنوهم برمح، حتى جاء عبد الله بن بدیل بن ورقاء الخزاعي من الميمنة بأخ له مقتول، وجاء قوم من الميسرة برجل قد رمى بسهم فقتل، فقال علي: اللهم اشهد، وأعذروا إلى القوم.
ثم قام عمار بن ياسر بين الصفين فقال: أيها الناس، ما أنصفتم نبيكم حين كففتم عقائلكم في الخدور وأبرزتم عقيلته للسيوف، وعائشة على جَمَل في هودج من دفوف الخشب قد ألبسوه المسوح وجلود البقر، وجعلوا دونه اللبود، وقد غشي على ذلك بالدروع، فدنا عمار من موضعها، فنادى: إلى ماذا تدعين؟ قالت: إلى الطلب بدم عثمان، فقال: قاتَلَ الله في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق، ثم قال: أيها الناس، إنكم لتعلمون أينا الممالي في قتل عثمان؟ ثم أنشأ يقول وقد رَشَقُوه بالنبل:
فمنكِ البكاء، ومنك العويل***ومنك الرياح، ومنك المَطَرْ
وأنـت أمَـرْتِ بـقـتـل الإمام***وقـاتـله عـنـدنـا مـَنْ أمـر
وتواتر عليه الرمي واتصل، فحرك فرسه، وزال عن موضعه [وأتى علياً] فقال: ماذا تنتظر يا أمير المؤمنين وليس لك عند القوم إلا الحرب؟!
فقام علي رضي الله عنه [في الناس خطيباً رافعاً صوته] فقال: أيها الناس إذا هر متموهم فلا تُجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيراً، ولا تتبعوا مولياً، ولا تطلبوا
مدبراً، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، ولا تهتكوا ستراً، ولا تقربوا [شيئاً] من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كُراع أو عبد أو أمة، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله .
وخرج علي بنفسه حاسراً على بغلة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا سلاح عليه فنادی: یا زبیر، اخرج إلي، فخرج [إليه الزبير] شاكاً في سلاحه، فقيل [ذلك] لعائشة، فقالت: واثكلك يا أسماء، فقيل لها: إن علياً حاسر ، فاطمأنت، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال له علي: ويحك يا زبير! ما الذي أخرجك؟ قال: دم عثمان ، قال: قَتَلَ الله أولانا بدم عثمان، أما تذكر يوم لقيت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في بني بياضة وهو راكب حماره، فضحك إلى رسول الله، وضحكت [إليه]، وأنت معه، فقلت أنت، يا رسول الله، ما يدع عليّ زهوه، فقال لك «ليس به زهو: أتحبه يا زبیر» فقلت: إني والله لأحبه، فقال لك: «إنك والله ستقاتله وأنت له ظالم» فقال الزبير: أستغفر الله، والله لو ذكرتها ما خرجت، فقال له: يا زبیر ارجع، فقال: وكيف أرجع الآن وقد التقت حلقتا البطان؟ هذا والله العار الذي لا يُغسل، فقال: يا زبیر ارجع بالعار قبل أن تجمع العار والنار فرجع الزبير وهو يقول:
اخـتـرت عاراً عـلى نار مؤجّحَةٍ***ما إن يقوم لها خلق من الطين
نـادى عـليّ بأمـر لـست أجـهله***عار لعمرك في الدنيا وفي الدين
فقلت: حسبك من عَذْل أبا حسن***فَبَعْضُ هذا الذي قد قلت يكفيني
فقال ابنه عبد الله: أين [تذهب و] تَدَعُنا؟ فقال: يا بني أذكرني أبو الحسن بأمر كنت قد أنسيته. فقال: لا والله، ولكنك فررت من سيوف بني عبد المطلب؛ فإنها طوال حداد، تحملها فتية أنجاد، قال: لا والله، ولكني ذكرت ما أنسانيه الدهر، فاخترت العار على النار، أبا لجبن تعيرني لا أبا لك؟ ثم أمال سنانه وشَدَّ في الميمنة فقال علي: افرجوا له فقد هاجوه، ثم رجع فشدَّ في الميسرة، ثم رجع فشَدَّ في القلب، ثم عاد إلى ابنه، فقال: أيفعل هذا جبان؟ ثم مضى منصرفاً، حتى أتى وادي السباع والأحنف بن قيس معتزل في قومه من بني تميم، فأتاه آتٍ فقال له: هذا الزبير ماراً، فقال: ما أصنع بالزبير وقد جمع بين فئتين عظيمتين من الناس يقتل بعضهم بعضاً وهو مار إلى منزله سالماً؟! فلحقه نفر من بني تميم فسبقهم إليه عمرو بن جُرموز، وقد نزل الزبير إلى الصلاة [فقال: أتؤمني أو أؤمك؟! فأمه الزبير] فقتله عمرو في الصلاة.
وقتل الزبير رضي الله عنه وله خمس وسبعون سنة، وقد قيل: إن الأحنف بن قيس قتله بإرساله من أرسل من قومه وقد رثته الشعراء وذكرت غَدْرَ عمرو بن جُرْموز،به وممن رثاه زوجته عاتكة بنت زيد بن [عمرو] بن نُفيل أخت سعید بن زید، فقالت:
غَدَرَ ابن جرموز بفارس بُهْمَةٍ***يوم اللقاء، وكان غير مسدَّدِ
یا عمرو، لو نبهته لوجدته***لا طائشاً رعش الجنان ولا اليد
[هبلتك إن قلت لمُسلماً***حلّت عليك عقوبة المتعمد]
[ما إن رأيت ولا سمعت بمثله***فيمن مضى ممن يروح ويغتدي]
وأتى عمرو علياً بسيف الزبير وخاتمه ورأسه، وقيل: إنه لم يأت برأسه، فقال
علي: سيف طالما جلا الكرب عن [وجه] رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لكنه الحين ومصارع السوء، وقاتل ابن صفية في النار ؛ ففي ذلك يقول عمرو بن جرموز التميمي [في أبيات]:
أتيت علياً برأس الزبير***وقد كنت أرجو به الزلفه
فَبَشِّرَ بالنار قبل العِيانِ***وبئس بشارة ذي التحفه
لَسيَّان عندي قتل الزبير***وضرطة عنز بذي الجحفه
ثم نادى علي رضي الله عنه طلحةَ حين رجع الزبير: يا أبا محمد، ما الذي أخرجك؟ قال: الطلب بدم عثمان ، قال علي: قتل الله أولانا بدم عثمان، أما سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» وأنت أول من بايعني ثم نكثت، وقد قال الله عز وجل: فَمَن نَكَكَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ [الفتح: 10] فقال: أستغفر الله، ثم رجع، فقال مروان بن الحكم: رجع الزبير ويرجع طلحة، ما أبالي رَمَيْتُ هاهنا أم هاهنا، فرماه في أكحله فقتله، فمر به علي بعد الوقعة في موضعه في قنطرة قرة، فوقف عليه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كنت كارها لهذا، أنت والله كما قال القائل:
فَتِّى كان يُدنيه الغنى من صديقه***إذا ما هو استغنى ويُبعده الفقر
كأن الـثـريـا عُلقت فـي يـمـينـه***وفي خده الشعرى، وفي الآخر البدر
وذكر أن طلحة رضي الله عنه لما ولي سمع وهو يقول:
ندامة ما ندمت وضل حلمي***ولهفي ثم لهف أبي وأمي
ندمت ندامة الكُسَعي لما***طلبت رضا بني جُرم بزعمي
وهو يمسح عن جبينه الغُبار ويقول: (وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38] وقيل: إنه سمع وهو يقول هذا الشعر وقد جَرَحَه في جبهته [عبد الملك] ورماه مروان في أكحله وقد وقع صريعاً يجود بنفسه .
وهو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عبيد الله بن عمرو بن كعب بن سعد بن تیم بن مرة، وهو ابن عم أبي بكر الصديق، ويكنى أبا محمد، وأمه الصعبة، وكانت تحت أبي سفیان صخر بن حرب، كذلك ذكر الزبير بن بكار في كتابه في أنساب قريش، وقتل وهو ابن أربع وستين سنة، وقيل غير ذلك، ودفن بالبصرة، وقبره ومسجده [فيها مشهور ] إلى هذه الغاية، وقبر الزبير بوادي السباع .
وقتل محمد بن طلحة مع أبيه في ذلك اليوم، ومَرَّ به علي فقال: هذا رجل قتله بره بأبيه وطاعته [له] وكان يدعى بالسَّجاد، وقد تنوزع في كنيته، فقال الواقدي: كان يكنى بأبي سليمان، وقال الهيثم بن عدي: كان يكنى بأبي القاسم، وفيه يقولُ قاتِلُه:
وأشعث سَجاد بآيات ربه***قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
شككت له بالرمح جيب قمیصه ***فخر صريعاً لليدين وللفم
على غير شيء أن ليس تابعاً***عليا ومن لا يتبع الحق يندم
يذكرني حاميم والرمح شارع***فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وقد كان أصحاب الجمل حملوا على ميمنة علي وميسرته فكشفوها، فأتاه بعض ولد عقيل وعلي يخفق نعاساً على قَرَبُوس سرجه، فقال له: يا عم، قد بلغت ميمنتك ومسيرتك حيث ترى، وأنت تخفق نعاساً ؟ قال: اسكت يا بن أخي، فإن لعمك يوماً لا يعدوه، والله ما يبالي عمك وقع على الموت أو وقع الموت عليه، ثم بعث إلى ولده محمد بن الحنفية، وكان صاحب رايته: احمل على القوم فأبطأ محمد بحملته، وكان بإزائه قوم من الرماة ينتظر نفاد سهامهم، فأتاه علي فقال: هلا حملت، فقال: لا أجد متقدماً إلا على سهم أو سنان، وإني منتظر نَفاد سهامهم وأحمل، فقال [له]: احمل بين الأسنة ؛ فإن للموت عليك جنة، فحمل محمد، فشك بين الرماح والنشاب فوقف، فأتاه عليّ فضربه بقائم سيفه وقال: أدركك عِرْقُ من أمك، وأخذ الراية وحمل، وحمل الناس
معه، فما كان القوم إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وأطاقت بنو ضبة بالجمل وأقبلوا يرتجزون ويقولون:
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل***[ ننازل الموت إذا الموت نزل]
رُدُّوا عـلـيـنا شـيـخـنـا ثم بَجَلْ***نَنْعَى ابْنَ عفان بأطراف الأسل
والـمـوت أحـلى عندنا من العسل
وقطع على خطام الجمل سبعون يداً، من بني ضبة منهم سعد بن سود القاضي متقلداً مصحفاً، كلما قطعت يد واحد منهم [فضرع] قام آخر فأخذ الخطام وقال: أنا الغلام الضبي، ورمي الهودج بالنشاب والنبل حتى صار كأنه قنفذ، وعرقب الجمل وهو لا يقع وقد قطعت أعضاؤه وأخذته السيوف حتى سقط، ويقال: إن عبد الله بن الزبير قبض على خطام الجمل، فصرخت عائشة - وكانت خالته: واثكل أسماء، خلّ الخطام، وناشدته، فخلى عنه، ولما سقط الجمل ووقع الهودج جاء محمد بن أبي بكر، فأدخل يده فقالت: من أنت؟ قال: أقرب الناس [منك] قرابة، وأبغضهم إليك، أنا محمد أخوك، يقول لك أمير المؤمنين هل أصابك شيء؟ قالت: ما أصابني إلا سهم لم يضرني، فجاء علي حتى وقف عليها، فضرب الهودج بقضيب، وقال: يا حميراء رسول الله أمرك بهذا ؟ ألم يأمرك أن تقري في بيتك؟ والله ما أنصفك الذين أخرجوك إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك، وأمر أخاها محمداً فأنزلها في دار صفية بنت الحارث بن طلحة العبدي [وهي أم طلحة الطلحات] ووقع الهودج والناس مفترقون يقتتلون، والتقى الأشتر مالك بن الحارث النخعي وعبد الله بن الزبير فاعتركا وسقطا على الأرض عن فرسيهما [وطال اعتراكهما على وجه الأرض، فعلاه الأشتر ولم يجد سبيلاً إلى قتله لشدة اضطرابه من تحته] والناس حولهما يجولون ، وابن الزبير ينادي:
اقتلوني ومالكاً***واقتلوا مالكاً معي
فلا يسمعه أحد لشدة الجلاد ووقع الحديد [على الحديد] ولا يراهما راء لظلمة النّقع، وترداف العَجَاج، وجاء ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، لا تنكس اليوم رأس محمد، واردد إليه الرايةَ، فدعا به، ورد عليه الراية، وقال:
أطعنهم طعن أبيك تحمد***لا خير في الحرب إذا لم توقد
بالمشرفي والقنا المسرَّد
ثم استسقى، فأتى بعسل وماء، فحسا منه حُسْوَة، وقال: هذا الطائفي، وهو غریب [بهذا] البلد، فقال له عبد الله بن جعفر: أما شَغَلَكَ ما نحن فيه عن علم هذا؟ قال: إنه والله يا بني ما مَلأ صدر عمك شيء قط من أمر الدنيا .
ثم دخل البصرة، وكانت الوقعة في الموضع المعروف بالخريبة [وذلك] يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، على حسب ما قدمنا آنفاً من التاريخ، وخطب الناس بالبصرة خطبته الطويلة التي يقول فيها: يا أهل السبخة يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلك من الدهر ثلاثاً، وعلى الله تمام الرابعة، يا جُند المرأة، يا أتباع البهيمة، رغا فأجبتم، وعقر فانهزمتم، أخلاقكم رقاق، وأعمالكم نفاق، ودينكم زيغ وشقاق، وماؤكم أجاج [و] وزعاق، وقد ذم على أهل البصرة بعد هذا الموقف مراراً كثيرة .
وبعث بعبد الله بن عباس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها بغيرإذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها، فقالت:[له] يا بن عباس أخطأت السنة المأمور بها، دخلت إلينا بغير إذننا، وجلست على رحلنا بغير أمرنا فقال لها: لو كنت في البيت الذي خلفك فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما دخلنا إلا بإذنك، وما جلسنا على رحلك إلا بأمرك، وإن أمير المؤمنين يأمرك بسرعة الأوبة، والتأهب للخروج إلى المدينة، فقالت: أبَيْتُ ما قلت وخالفت ما وصفت، فمضى إلى علی، فخبره بامتناعها ، فردَّه إليها، وقال: إن أمير المؤمنين يعزم عليك أن ترجعي، فأنعمت وأجابت إلى الخروج، وجهزها علي وأتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي أولاده وأولاد إخوته وفتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من هَمْدَان، فلما بصرت به النسوان صحن في وجهه وقلن: يا قاتل الأحبة، فقال: لو كنت قاتل الأحبَّة لقتلت مَنْ في هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامروغيرهم، فضرب مَنْ كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لما علموا مَنْ في البيت مخافة أن يخرجوا منه فيغتالوه، فقالت له عائشة بعد خطب طويل كان بينهما: إني أحب أن أقيم معك فأسير إلى قتال عدوك عند سيرك، فقال: بل ارجعي إلى البيت الذي تركك فيه رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فسألته أن يؤمن ابن أختها عبد الله بن الزبير، فأمنه، وتكلم الحسن والحسين في مروان، فأمنه، وأمن الوليد بن عقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أمية، وأمَّنَ الناس
جميعاً، وقد كان نادى يوم الوقعة: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن.
واشتد حزن عليّ من قتل من ربيعة قبل وروده البصرة ، وهم الذين قتلهم طلحة والزبير من عبد القيس وغيرهم من ربيعة، وجَدَّد حزنه قتل زيد بن صوحان [العبدي] قتله في ذلك اليوم عمرو بن سبرة، ثم قتل عمار بن ياسر عمرو بن سبرة في ذلك اليوم أيضاً، وكان علي يكثر من قوله:
يا لَهُفَ نفسي على ربيعه***ربيعة السامعة المطيعه
وخرجت امرأة من عبد القيس تطوف [في] القتلى فوجدت ابنين لها قد قتلا، وقد كان [قتل] زوجها وأخوان لها فيمن قتل قبل مجيء علي البصرة، فأنشأت تقول:
شهدت الحروب فشيبنني***فلم أر يوماً كيوم الجمل
أضَرَّ على مؤمن فتنةً***وأقتله لشجاع بطل
فليت الظعينة في بيتها***وليتك عسكر لم ترتحل
وقد ذكر المدائني أنه رأى بالبصرة رجلاً مصطلم الأذن، فسأله قصته، فذكر أنه خرج يوم الجمل ينظر إلى القتلى، فنظر إلى رجل منهم يخفض رأسه ويرفعه وهو يقول:
لقد أوردَتْنا حومَةَ الموتِ أُمنا***فلم تنصرف إلا ونحن رِوَاءُ
أطعنا بني تيم لشقوة جدنا***وما تيم إلا أعبد وإماء
فقلت سبحان الله ! أتقول هذا عند الموت ؟ قل لا إله إلا الله فقال: يا بن اللخناء، إياي تأمر بالجزع عند الموت؟ فولَّيْتُ ؟ فولَّيْتُ عنه متعجباً منه، متعجباً منه، فصاح بي ادن منی [ و ] لقني الشهادة، فصرت إليه، فلما قربت منه استدناني، ثم التقم أذني فذهب بها، فجعلت ألعنه وأدعو عليه، فقال: إذا صرت إلى أمك فقالت: مَنْ فعل هذا بك؟ فقل عمير ابن الأهلب الضبي مخدوع المرأة التي أرادت أن تكون أمير المؤمنين.
وخرجت عائشة من البصرة، وقد بعث معها على أخاها عبد الرحمن [بن أبي بكر] وثلاثين رجلاً وعشرين امرأة من ذوات الدين من عبد القيس [وهَمْدَان،وغيرهما]، ألبسهن العمائم وقلدهن السيوف، وقال لهن: لا تُعْلِمْنَ عائشة أنكن نسوة [وتَلَدَّمْنَ] كأنكن رجال، وكُنّ اللاتي تلين خدمتها وحملها، فلما أتت المدينة قيل لها: كيف رأيت
مسيرك؟ قالت: كنت بخير والله، لقد أعطى علي بن أبي طالب فأكثر، ولكنه بعث معي رجالاً [ أنكرتهم] فعرفها النسوة أمرهن، فسجدت وقالت: ما ازددت والله يا بن أبي طالب إلا كرماً، ووددت أني لم أخرج وإن أصابتني كيت وكيت من أمور ذكرتها [شاقة]، وإنما قيل لي: تخرجين فتصلحين بين الناس، فكان ما كان، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أن الذي قتل من أصحاب علي في ذلك اليوم خمسة آلاف [نفس] ومن أصحاب الجمل [وغيرهم] من أهل البصرة وغيرهم ثلاثة عشر ألفاً، وقيل غير ذلك.
ووقف عليّ على عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية وهو قتيل يوم الجمل فقال: لهفي عليك يَعْسُوب قريش ، قتلت الغطاريف من بني عبد مناف، شفيت نفسي وجدعت أنفي، فقال له الأشتر: ما أَشَدَّ جَزَعَكَ عليهم يا أمير المؤمنين وقد أرادوا بك ما نزل بهم ! فقال: إنه قامت عني وعنهم نسوة لم يقمن عنك [ وقد كان قَتَلَهُ في ذلك اليوم الأشتر النخعي] وأصيب كف ابن عتاب بمنّى [وقيل باليمامة] ألقتها عُقاب وفيها خاتم نَقْشُه عبد الرحمن بن عتاب وكان اليوم الذي وجد فيه الكف بعد يوم الجمل بثلاثة أيام.
ودخل علي بيت مال البصرة في جماعة من المهاجرين والأنصار، فنظر إلى ما فيه من العين والورق فجعل يقول: يا صفراء، غُرِّي غيري [ويا بيضاء غري غيري] وأدام النظر إلى المال مفكراً، ثم قال: اقسموه بين أصحابي ومن معي خمسمائة خمسمائة، ففعلوا فما نقص درهم واحد، وعدد الرجال اثنا عشر ألفاً.
وقبض ما كان في معسكرهم من سلاح ودابة ومتاع وآلة وغير ذلك فباعه وقسمه بين أصحابه ، وأخذ لنفسه كما أخذ لكل واحد ممن معه من أصحابه وأهله [وولده] خمسمائة درهم فأتاه رجل من أصحابه فقال: يا أمير المؤمنين إني لم آخذ شيئاً، وخلفني عن الحضور كذا، وأدلى بعذر فأعطاه الخمسمائة التي كانت له .
وقيل لأبي لبيد الجهضمي من الأزد: أتحب علياً؟ قال: وكيف أحب رجلاً قتل من قومي في بعض يوم ألفين وخمسمائة، وقتل من الناس حتى لم يكن أحد يعزي أحداً، واشتغل أهل كل بيت بمن لهم؟
وولي عليّ على البصرة عبد الله بن عباس، وسار إلى الكوفة، فكان دخوله إليها لاثنتي عشرة ليلة مضت من رجب؛ وبعث إلى الأشعث بن قيس يعزله على أذربيجان وأرمينية، وكان عاملاً لعثمان [عليها، وصرف عن همدان جرير بن عبد الله البجلي،
وكان عاملاً لعثمان]، فكان في نفس الأشعث على عليّ ما ذكرنا من العزل، وما خاطبه به حين قدم عليه فيما اقتطع هنالك من الأموال.
ووجه بجرير بن عبد الله إلى معاوية [وقد كان الأشتر حذرة من ذلك، وخوفه من جرير]، وقد كان قال لعلي: ابعثني إليه، فإنه لم يزل [لي] مستنصحاً وواداً، فآتيه جرير وأدعوه إلى أن يسلم لك هذا الأمر، وأدعو أهل الشام إلى طاعتك، فقال الأشتر: لا تبعثه ولا تصدقه . فوالله إني لأظن هواه هواهم ونيته نيتهم، فقال علي: دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا، فبعث به وكتب إلى معاوية معه يعلمه مبايعة المهاجرين والأنصار إياه واجتماعهم عليه، ونكث الزبير وطلحة، وما أوقع الله بهما، ويأمره بالدخول في طاعته، ويعلمه أنه الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، فلما قدم عليه جرير دافعه وساءله أن ينتظره وكتب إلى عمرو بن العاص على ما قدمنا [فقدم عليه فأعطاه مصر طعمة على ما قدمنا] في صدر هذا الباب، فأشار إليه عمرو بالبعث إلى وجوه الشام وأن يُلزم علياً دم عثمان، ويقاتله بهم؛ فقدم جرير على علي فأخبره خبرهم، واجتماع أهل الشام مع معاوية على قتاله، وأنهم يبكون على عثمان ويقولون: إن علياً قتله، وأوى قتلته ومنع منهم، وإنهم لا بُدَّ لهم من قتاله حتى يفنوه أو يفنيهم، فقال الأشتر: قد كنت أخبرتك يا أمير المؤمنين بعداوته وغشه، ولو بعثتني لكنت خيراً من هذا الذي أرخى خناقه وأقام هذا الذي أرخى خناقه وأقام حتى لم يدع باباً نرجو روحه إلا فتحه، ولا باباً يخاف منه إلا أغلقه، فقال جرير: لو كنت ثم لقتلوك، والله لقد ذكروا أنك من قتلة عثمان، قال الأشتر: لو أتيتهم والله يا جرير لم يُعيني جوابهم، ولا ثقل علي خطابهم، ولحملت معاوية على خطة أعجلْتُه فيها عن الفكر، ولو أطاعني أمير المؤمنين فيك لحبسك وأشباهك في محبس فلا تخرجون منه حتى يستقيم هذا الأمر.
فخرج جرير عند ذلك إلى بلاد قرقيسيا والرحبة من شاطيء الفرات، وكتب إلى معاوية يعلمه بما نزل به، وأنه أحَبَّ مجاورته والمقام في داره، فكتب إليه معاوية يأمره بالمسير إليه .
وبعث معاوية إلى المغيرة بن شُعْبة الثقفي - عند مُنْصَرَف علي من الجمل، وقبل مسيره إلى صفِّينَ - بكتاب يقول فيه: لقد ظهر من رأي ابن أبي طالب ما كان تقدم من وعده لك في طلحة والزبير، فما الذي بقي من رأيه فينا؟ وذلك أن المغيرة بن شعبة لما
قتل عثمان وبايع الناسُ علياً دخل عليه المغيرة فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك عندي نصيحة ، فقال: وما هي؟قال: إن أردت أن يستقيم لك ما أنت فيه فاستعمل طلحة بن عبید الله على الكوفة، والزبير بن العوام على البصرة، وابعث إلى معاوية بعهده عَلَى الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقر قرارها رأيت فيه رأيك، قال: أما طلحة والزبير فسأرى رأيي فيهما، وأما معاوية فلا والله لا يراني الله أستعين به ما دام على حاله أبداً، ولكني أدعوه إلى ما عرفته، فإن أجاب وإلا حاكمته إلى الله، فانصرف المغيرة [مغضباً] وقال:
نصحت علياً في ابن هند مقالةٌ***فردت ، فلا يَسْمَع لها الدهر ثانيه
وقلت له أرسل إليه بعهده***على الشام حتى يستقر معاويه
ويعلم أهْلُ الشام أن قد مَلَكُته***وأم ابن هند عند ذلك هاويه
فلم يقبل النصح الذي جئته به***وكانت له تلك النصيحة كافيه
قال المسعودي رحمه الله: وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب ما كان من المغيرة مع علي، وما أشار به، وهذا أحد الوجوه المروية في ذلك.
فهذه جوامع ما يُحتاج إليه من أخبار يوم الجمل وما كان فيه، دون الإكثار والتطويل وتكرار الأسانيد [في ذلك] والله ولي التوفيق.
قال المسعودي رحمه الله: قد ذكرنا جملاً وجوامع من أخبار علي رضي الله عنه بالبصرة، وما كان يوم الجمل ؛ فلنذكر الآن جوامع من سيره إلى صفين، وما كان فيها من الحروب، ثم نعقب ذلك بشأن الحكمين والنهروان، ومقتله (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وكان سير علي من الكوفة إلى صفين لخمس خَلَوْنَ من شوال سنة ست وثلاثين، واستخلف على الكوفة أبا مسعود عُقبة بن عامر الأنصاري فاجتاز في مسيره بالمدائن، ثم أتى الأنبار، وسار حتى نزل الرقة، فعُقد له هنالك جسر، فعبر إلى جانب الشام.
وقد تنوزع في مقدار ما كان معه من الجيش، فمكثر ومقلل، والمتفق عليه من قول الجميع تسعون ألفاً، وقال رجل من أصحاب علي لما استقروا مما يلي الشام من أبيات كتب بها إلى معاوية [حيث يقول]:
اثْبُتُ معاوي قد أتاك الحافلُ***تسعون ألفاً كلهم مُقاتلُ
عَمَّا قليل يضمحل الباطل
وسار معاوية من الشام، وقد تنوزع في مقدار من كان معه [أيضاً] فمكثر ومقلل، والمتفق عليه من قول الجميع خمس وثمانون ألفاً فسبق عليا إلى صفّين، وعسكر في موضع سهل أفيَحَ اختاره قبل قدوم علي، على شريعة لم يكن على الفرات [في ذلك الموضع] أسهل منها للوارد [إلى الماء]، وما عداها أخراق عالية، ومواضع إلى الماء وعرة، ووكل أبا الأعور السلمي بالشريعة مع أربعين ألفاً، وكان علي مقدمته، وبات علي وجيشه في البر عطاشاً قد حيل بينهم وبين الورود إلى الماء فقال عمرو بن العاص
لمعاوية: إن علياً لا يموت هو وتسعون ألفاً من أهل العراق وسيوفهم على عطشاً عواتقهم، ولكن دَعَهُم يشربون ونشرب، فقال معاوية: لا والله أو يموتوا عطشاً كما مات عثمان، و[خرج] عليّ يدور في عسكره بالليل، فسمع قائلاً [وهو] يقول:
[أيمنعنا القوم ماء الفرات***وفينا عليّ وفينا الهدى؟
وفينا الصلاة وفينا الصيام ،***وفينا المناجون تحت الدجى
ثم مرّ بآخر عند راية ربيعة، وهو يقول:
أيمنعنا القَوْم ماء الفرات***وفينا الرماح وفينا الحجف؟
[وفيــنـا عليّ لَهُ صـولة***إذا خَوَّفُوه الردى لم يخف]
ونحن غداة لقينا الزبـيـر***وطلحة خُضْنا غِمَارَ التلف
فما بالنا أمس أشد العرين***وما بالنا اليوم شَاءَ النَّجَفْ
وألقى في فسطاط الأشعث بن قيس رقعة فيها:
لئن لم يُجل الأشعتُ اليومَ كربةً***من الموت فيها للنفوس تَفَلُّتُ
فنشرب من ماء الـفـراتِ بسيفـه***فَهَبْنَا أُناساً قبل كانوا فموتُوا
فلما قرأها حمى وأتى عليا رضي الله عنه، فقال له: اخرج في أربعة آلاف من الخيل حتى تهجم بهم في وسط عسكر معاوية فتشرب وتستقي لأصحابك أو تموتوا عن آخركم، وأنا مُسيّر الأشتَرَ في خيل ورجالة وراءَكَ، فسار الأشعث في [ أربعة آلاف من الخيل] وهو يقول مرتجزاً:
لأوْرِدَنَّ خيلي الفراتا***راتا شُعْثَ النَّوَاصي أو يقال ماتا
ثم دعا عليّ الأشتَرَ فَسَرَّحه في أربعة آلاف من الخيل والرجالة، فصار يؤم الأشعث [و] صاحب رايته وهو رجل من النخع [وهو] يرتجز ويقول:
يا أشتر الخيرات يا خير النخعُ***وصاحِبَ النصر إذا عَمَّ الفزع
قـد جَـزَعَ القَوْمُ وَعُمُّوا بالفزع***إن تَسْقِنا اليوم فما هو بالبدع
ثم سار عليّ رضي الله عنه وراء الأشتر بباقي الجيش، ومضى الأشعث فما رد وجهه [أحد] حتى هجم على عسكر معاوية ، فأزال أبا الأعور عن الشريعة، وَغَرَّقَ منهم بشراً وخيلاً، وأورد خيله الفرات، وذلك أن الأشعث داخلته الحمية في هذا اليوم، وكان يقدم رمحه ثم يحث أصحابه فيقول: از حموهم مقدار هذا الرمح، فيزيلوهم عن ذلك
المكان، فبلغ ذلك من فعل الأشعث عليًّا، فقال: هذا اليوم نصرنا فيه بالحمية، وفي ذلك يقول رجل من أهل العراق:
كشف الأشعث عنا***كُرْبَةَ الموت عيانا
بعد ما طارت طلاقاً***طيرةً مست لهانا
فـله الـمَـنُ عـلـيـنـا***وبه دارت رَحَانا
وارتحل معاوية عن الموضع، وورد الأشتر، وقد كشف الأشعث القوم عن الماء، وأزالهم عن مواضعهم، وورد عليّ فنزل في الموضع الذي كان فيه معاوية فقال معاوية لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله، ما ظنك بالرجل أتراه يمنعنا الماء لمنعنا إياه؟ وقد [كان] انحاز بأهل الشام إلى ناحية في البر نائية عن الماء، فقال له عمرو: لا، إن الرجل جاء لغير هذا، وإنه لا يرضى حتى تدخل في طاعته أو يقطع حبل عاتقك، فأرسل إليه معاوية يستأذنه في وروده مشرعته واستقاء الناس من طريقه ودخول رسله في عسكره، فأباحه عليّ كل ما سأل وطلب منه .
ولما كان أول يوم من ذي الحجة - بعد نزول عليّ على هذا الموضع بيومين - بعث إلى معاوية يدعوه إلى اتحاد الكلمة والدخول في جماعة المسلمين، وطالت المراسلة بينهما، فاتفقوا على الموادعة إلى آخر المحرم من سنة سبع وثلاثين، وامتنع المسلمون عن الغزو في البحر والبر لشغلهم بالحروب، وقد كان معاوية صالح ملك الروم على مال يحمله إليه لشغله بعلي ، ولم يتم بين علي ومعاوية صلح على غير ما اتفقا [عليه من الموادعة في المحرم، وعَزَم القوم على الحرب بعد انقضاء المحرم] ففي ذلك يقول حابس بن سعد الطائي صاحب راية معاوية:
فما دون المنايا غير سبع***بقين من المحرم أو ثمان
ولما كان في اليوم الآخر من المحرم قبل غروب الشمس بعث [علىّ] إلى أهل الشام: إني قد احتججت عليكم بكتاب الله، ودعوتكم إليه، وإني قد نبذت إليكم على سَوَاء، إن الله لا يهدي كيد الخائنين، فلم يردوا عليه جواباً إلا «السيف بيننا وبينك أو يهلك الأعجز منا».
مبدأ الحرب
وأصبح علي يوم الأربعاء - وكان أول يوم من صفر - فعباً الجيش، وأخرج الأشتر أمام الناس، وأخرج إليه معاوية - وقد تصافَّ أهل الشام وأهل العراق - حبيب بن مسلمة
الفهري وكان بينهم قتال شديد [ سائر يومهم]، وأسفرت عن قتلى من الفريقين جميعاً، وانصرفوا .
فلما كان يوم الخميس - وهو اليوم الثاني - أخرج على هشام بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المرقال، وهو ابن أخي سعد بن أبي وقاص، وإنما سمي المرقال لأنه كان يرقل في الحرب، وكان أعور ذهبت عينه يوم اليرموك، وكان من شيعة علي، وقد أتينا على خبره في اليوم الذي ذهبت فيه عينه، وحسن بلائه في ذلك اليوم، وفي الكتاب الأوسط في فتوح الشام، فأخرج إليه معاوية أبا الأعور السلمي وهو سفيان بن عوف وكان من شيعة معاوية والمنحرفين عن علي، فكانت بينهم [الحرب] سجالاً، وانصرفوا في آخر يومهم عن قتلى كثير .
وأخرج علي في اليوم الثالث - وهو يوم الجمعة - أبا اليقظان عمار بن ياسر في عدة من البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار فيمن تسرع معهم من الناس، وأخرج إليه معاوية عمرو بن العاص في تَنُوحَ وبَهْرَاء وغيرهما من أهل الشام، فكانت بينهم سجالاً إلى الظهر، ثم حمل عمار بن ياسر فيمن ذكرنا، فأزال عمراً عن موضعه وألحقه بعسكر معاوية، وأسفرت عن قتلي كثيرة من أهل الشام ودونهم من أهل العراق .
وأخرج علي في اليوم الرابع - وهو يوم السبت - ابنه محمد بن الحنفية في همدان وغيرها ممن خَفَّ معه من الناس، فأخرج إليه معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطاب في حمير ولخم وجُذام، وقد كان عبيد الله [بن عمر ] لحق بمعاوية خوفاً من علي أن يقيده بالهرمزان - وذلك أن أبا لؤلؤة [غلام المغيرة بن شعبة ] قاتل عمر، وكان في أرض العجم غلاماً للهرمزان، فلما قتل عمر شَدَّ عبيد الله عَلى الهرمزان فقتله، وقال: لا أترك بالمدينة فارسياً ولا في غيرها إلا قتلته بأبي، وكان الهرمزان عليلاً في الوقت الذي قتل فيه عمر - فلما صارت الخلافة إلى عليّ أراد قتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان لقتله إياه ظلماً من غير سبب استحقه فلجأ إلى معاوية، فاقتتلوا في ذلك اليوم، وكانت على أهل الشام، ونجا ابن عمر في آخر النهار هرباً .
وأخرج علي في اليوم الخامس - وهو يوم الأحد - عبد الله بن العباس فأخرج إليه معاوية الوليد بن عقبة بن أبي،مُعَيْط، فاقتتلوا، وأكثر الوليد من سَب بني عبد المطلب بن هاشم ، فقاتله ابن عباس قتالاً شديداً، وناداه: ابرز إلي يا صفوان ، وكان لَقَبَ الوليد، وكانت الغَلَبة لابن عباس، وكان يوماً صعباً .
وأخرج علي في اليوم السادس - وهو يوم الاثنين - سعيد بن قيس الهمداني، وهو
سید همدان يومئذ، فأخرج إليه معاوية ذا الكلاع، وكانت بينهما إلى آخر النهار، وأسفرت عن قتلى، وانصرف الفريقان جميعاً .
وأخرج علي في اليوم السابع - وهو يوم الثلاثاء - الأشتر في النَّخَع وغيرهم، فأخرج إليه معاوية حبيب بن مسلمة الفهري، فكانت [الحرب] بينهم سجالاً، وصبر كلا الفريقين وتكافؤوا وتوافقوا للموت ثم انصرف الفريقان وأسفرت عن قتلى منهما، والجراح في أهل الشام أعم.
وخرج في اليوم الثامن - وهو يوم الأربعاء - علي رضي الله عنه بنفسه في الصحابة من البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار وربيعة وهمدان.
قال ابن عباس: رأيت في هذا اليوم علياً وعليه عمامة بيضاء، وكأن عينيه سراجا سليط، وهو يقف على طوائف الناس في مراتبهم يحثهم ويحرضهم، حتى انتهى إلي وأنا في كثيف من الناس، فقال: يا معشر المسلمين، عموا الأصوات، وأكملوا اللأمة، واستشعروا الخشية، وأقلقوا السيوف فى الأجفان قبل السلّة، والحظوا الشَّزر، واطعنوا الهبر، ونافحوا بالظبا، وصلوا السيوف بالخطا والنبال بالرماح، وطيبوا عن أنفسكم أنفساً، فإنكم بعين الله، ومع ابن عم رسول الله، عاودوا الكرَّ، واستقبحوا الفرَّ، فإنه عار في الأعقاب، ونار يوم الحساب ودونكم هذا السواد الأعظم، والرواق المُطَنّب، فاضربوا نَهْجَة، فإن الشيطان راکب صعيده، مفترش ذراعيه، قد قدَّم للوثبة يداً وأخرَ للنكوص رجلاً، فصبراً جميلاً حتى تنجلي عن وجه الحق، وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم .
وتقدم علي للحرب على بغلة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الشهباء، وخرج مُعاوية في عدد أهل الشام، فانصرفوا عند المساء وكل غير ظافر .
وخرج في اليوم التاسع - وهو يوم الخميس - عليّ،، وخرج معاوية، فاقتتلوا إلى ضحوة من النهار، وبرز أمام الناس عبيد الله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من الخضرية معممين بشقاق الحرير الأخضر متقدمين للموت يطلبون بدم عثمان، وابن عمر يقدمهم وهو يقول:
أنا عُبَيد الله ينميني عُمَر***خير قريش مَنْ مضى ومن غَبَرْ
غير نبي الله والشيخ الأغر***قد أبطأت في نصر عثمان مُضَرْ
والربعيون، فلا أُسقوا المطر
فناداه علي: ويحك يا بن عمر، علام تقاتلني؟ والله لو كان أبوك حياً ما قاتلني، قال: أطالب بدم عثمان ، قال أنت تطلب بدم عثمان، والله يطلبك بدم الهرمزان، وأمر عليّ الأشتر [النخعي] بالخروج إليه، فخرج الأشتر إليه وهو يقول:
إني أنا الأشتر معروف السير***إني أنا الأفعى العراقي الذَّكَرُ
لست من الحي ربيع أو مضر***لكنني من مذحج البيض الغُرَرْ
فانصرف عنه عبيد الله ولم يبارزه، وكثرت القتلى يومئذ .
وقال عمار بن ياسر: إني لأرى وجوه قوم لا يزالون يقاتلون حتى يرتاب المبطلون، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سَعَفَات هَجَر رضي الله عنه لكنا على الحق وكانوا على الباطل .
وتقدم عمار فقاتل ثم رجع إلى موضعه فاستسقى، فأتته امرأة من نساء بني شيبان من مصافهم بعس فيه لبن فدفعته إليه فقال: الله أكبر الله أكبر، اليوم ألقى الأحبة تحت الأسنة، صَدَقَ الصادق، وبذلك أخبرني الناطق، وهو اليوم الذي يُعدتُ فيه، ثم قال: أيها الناس، هل من رائح إلى الله تحت العوالي؟ والذي نفسي بيده لنقاتلنهم على تأويله كما قاتلناهم على تنزيله، وتقدم وهو يقول:
نحن ضربناكم على تنزيله***فاليوم نضربكُم على تأويله
ضَرباً يزيل الهام عن مَقيِلِهِ***ويُذْهِلُ الخليل عن خليله
أو يرجع الحقّ إلى سبيله
فتوسط القوم، واشتبكت عليه الأسنة، فقتله أبو العادية العامليوابن جون السكسكي، واختلفا في سَلَبه ؛ فاحتكما إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال لهما: اخرجا عني فإني سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، يقول، أو قال قال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و ولعت قريش بعمار«ما لهم ولعمار؟ يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» وكان قتله عند المساء وله ثلاث وتسعون سنة، وقبره بصفين وصلى عليه علي(عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يغسله، وكان يغير شيبه. وقد تنوزع في نسبه فمن الناس من ألحقه ببني مخزوم، ومنهم من رأى أنه من حُلَفَائهم، ومنهم من رأى غير ذلك، وقد أتينا على خبره في كتاب «مزاهر الأخبار وطرائف الآثار» عند ذكرنا الأشْرَاطَ الخمسين الذين بايعوا عليا على الموت، وفي قتله يقول الحجاج بن عُزَية الأنصاري أبياتاً رَثَاه بها:
يا للرِّجال لعين دَمْعُها جاري***قَدْ هَاجَة حُزْني أبو اليقظان عَمَّارُ
أهوى إليه أبو حَوَّا فوارسه***يدعو السكون وللجيشين إعصار
فاختل صدر أبي اليقظان معترضاً***للرمح، قد وجَبَتْ فينا له النار
الله عن جمعم لا شك كان عَفا ***أنتُ بذلك آيات وآثار
من ينزع الله غلا من صدورهم***على الأسرة لم تمسسهم النار
قال النبي له تقتلك شرذمة***سيطت لحوم سيطت لحومهم بالبغي، فُجار
فاليوم يعرف أهل الشام أنهم***أصحاب تلك وفيها النار والعار
ولما صرع عمار تقدم سعيد بن قيس الهمداني في همدان، وتقدم [قيس بن] سعد ابن عُبادة الأنصاري في الأنصار وربيعة، وعدي بن حاتم في طيىء وسعيد بن قيس الهمداني في أول الناس، فخلطوا الجمع بالجمع، واشتدَّ القتال وحطمت همدان أهل الشام حتى قذفتهم إلى معاوية، وقد كان معاوية صَمَدَ فيمن كان معه لسعيد بن قيس ومن معه من همدان ، وأمر علي الأشتر أن يتقدم باللواء إلى أهل حمص وغيرهم من أهل قنسرين، فأكثر القتل في أهل حمص وقنسرين بمن معه من القراء، وأبلي المزقال يومئذ بمن معه فلا يقوم له شيء، وجعل يرقل كما يرقل الفحل في قيده، وعلي وراءه يقول له: يا أعور ، لا تكن جباناً، تقدم، والمزقال يقول:
قد أكثر القومُ وما أقلًا***أعور يبغ أعور يبغي أهله محلا
قد عالج الحياة حتى مَلًا***لا بُدَّ أنْ لا يَفُلَ أَوْ يُفَلًا
أشُلُهُمْ بذي الكعوب شَلًا
ثم صمد هاشم بن عتبة المِرْقال لذي الكَلَاع وهو في حمير، فحمل عليه صاحب لواء ذي الكلاع، وكان رجلاً من عُذرة وهو يقول:
أثبت فإني لست من فرعي مضر***نحن اليمانيون ما فينا ضجر
كيف ترى وقع غلام من عذر***ينعي ابن عفان ويلحْى من غدر
[يا أعور العين رمى فيها العور]***سيان عندي من سعى ومن أمر
فاختلفا طعنتين، فطعنه هاشم المرقال فقتله، وقتل بعده تسعة عشر رجلاً، وحمل هاشم المرقال وحمل ذو الكلاع ومع المرقال جماعة من أسلم قد آلوا أن لا يرجعوا أو يفتحوا أو يقتلوا، فاجتلد الناس، فقتل هاشم المرقال، وقتل ذو الكلاع جميعاً، فتناول
ابن المرقال اللواء حين قبل أبوه في وسط المعركة وكر في العجاج وهو يقول:
يا هاشم بن عتبة بن مالك***أغزز بشيخ من قريش هالك
تخبطه الخيلاتُ بالسنابك أبشر بحور العين في الأرائك
والرَّوْحِ والريحان عند ذلك
ووقف علي رضي الله عنه عند مصرع المرقال ومَنْ صرع حوله من الأسلميين وغيرهم، فدعا لهم وترحم عليهم، وقال من أبيات:
جزى الله خيراً عصبة أسلمية***صباح الوجوه صُرِّعُوا حول هاشم
يزيد وعبد الله بشر بن معبد***وسفيان وابنا هاشم ذي المكارم
وعروة لا ينفد ثناه وذكره***إذا اخترطت يوماً خفاف الصوارم
واستشهد في ذلك اليوم صفوان وسعد ابنا حذيفة بن اليمان، وقد كان حذيفة عليلاً بالكوفة في سنة ست وثلاثين، فبلغه قتل عثمان وبيعة الناس لعلي فقال: «أخرجوني وادعوا الصلاة جامعة فوضع على المنبر، فحمد الله وأنثى عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثم قال: أيها الناس، إن الناس قد بايعوا عليا فعليكم بتقوى الله وانصروا عليا ووازروه؛ فوالله إنه لعلى الحق آخراً وأولاً، وإنه لخير من مضى بعد نبيكم ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم أطبق يمينه على يساره ثم قال: اللهم اشهد، إني قد بايعت عليّا، وقال: الحمد لله الذي أبقاني إلى هذا اليوم، وقال لابنيه صفوان وسعد: احملاني وكونا معه، فستكون له حروب كثيرة فيهلك فيها خلق من الناس، فاجتهدا أن تستشهدا معه، فإنه والله على الحق، ومن خالفه عَلَى الباطل، ومات حذيفة بعد هذا اليوم بسبعة أيام، وقيل: بأربعين يوماً [واستشهد عبد الله بن الحارث النخعي أخو الأشتر] واستشهد فيه عبد الله وعبد الرحمن ابنا بديل بن ورقاء الخزاعي في خلق من خزاعة، وكان عبد الله في ميسرة عَلي وهو يرتجز ويقول:
لم يبق إلا الصبر والتوكل***وأخذك الترس وسيف مصقل
ثم التمشي في الرعيل الأول
فقتل ثم قتل عبد الرحمن أخوه بعده، فيمن ذكرنا من خزاعة.
ولما رأى معاوية القتل في أهل الشام وكلب أهل العراق عليهم استدعى بالنعمان ابن جَبَلة التنوخي - وكان صاحب راية قومه في تنوخ وبَهْرَاء - وقال له لقد هممت أن أولي قومك من هو خير منك مقدماً، وأنصح منك ديناً، فقال له النعمان: إنا لو كنا ندعو قومنا
إلى جيش مجموع لكان في كسع الرجال بعض الأناة فكيف ونحن ندعوهم إلى سيوف قاطعة، ورُدَينية شاجرة، وقوم ذوي بصائر نافذة، والله لقد نصحتك على نفسي، وآثرتُ ملكك على ديني، وتركت لهواك الرشد وأنا أعرفه، وحدتُ عن الحق وأنا أبصره، وما وُفِّقتُ لرشد حين أقاتل على ملكك ابن عم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأول مؤمن به ومهاجر معه، ولو أعطيناه ما أعطيناك لكان أرأف بالرعية، وأجزل في العطية، ولكن قد بذلنا لك الأمر ولا بد من إتمامه كان غياً أو رشداً، وحاشا أن يكون رشداً، وسنقاتل عن تين الغوطة وزیتونها إذ حرمنا أثمار الجنة وأنهارها ، وخرج إلى قومه، وصمد إلى الحرب.
وكان عبيد الله بن عمر إذا خرج إلى القتال قام إليه نساؤه فشددن علیه سلاحه، ما خلا الشيبانية بنت هاني بن قبيصة، فخرج في هذا اليوم، وأقبل على الشيبانية، وقال لها: إني قد عبّأت اليوم لقومك، وايم الله إني لأرجو أن أربط بكل طُنُب من أطناب فسطَاطي سيداً منهم، فقالت له: ما أبغض إلا أن تقاتلهم قال: ولم؟ قالت: لأنه لم يتوجه إليهم صنديد [في جاهلية ولا إسلام وفي رأسه صعر] إلا أبادوه، وأخاف أن يقتلوك، وكأني بك قتيلاً وقد أتيتُهم أسألهم أن يهبوا لي جيفتك، فرماها بقوس فشجها وقال لها، ستعلمين بمن آتيك من زعماء قومك، ثم توجه فحمل عليه حريث بن جابر الجعفي فطعنه فقتله، وقيل: إن الأشتر النخعي هو الذي قتله، وقيل: إن علياً [ضَرْبَةً فقطع ما عليه من الحديد حتى خالط سيفه حُشوة جوفه، وإن علياً قال حين هرب فطلبه ليقيد منه بالهرمزان: لئن فاتني في هذا اليوم لا يفوتني في غيره، وكلم نساؤه معاوية في جيفته، فأمر أن تأتين ربيعة فتبذلن في جيفته عشرة آلاف، ففعلن ذلك، فاستأمرت ربيعة علياً، فقال لهم: إنما جيفته جيفة كلب لا يحل بيعها، ولكن قد أجبتهم إلى ذلك؛ فاجعلوا جيفته لبنت هاني بن قبيصة الشيباني زوجته، فقالوا لنسوة عبيد الله: إن شئتن شددناه إلى ذَنَبِ بغل ثم ضربناه حتى يدخل إلى عسكرمعاوية، فصرخن وقلن: هذا أشد علينا، وأخبرن معاوية بذلك، فقال لهن: ائتوا الشيبانية فَسَلُوها أن تكلمهم في جيفته، ففعلن، وأتت القوم وقالت: أنا بنت هاني بن قبيصة وهذا زوجي القاطع الظالم وقد حذرته ما صار إليه فَهَبُوا إلى جيفته، ففعلوا، وألقت إليهم بمطرف خز فأدرجوه فيه ودفعوه إليها [فمضت به، وكان] قد شد في رجله إلى طنب فسطاط من فساطيطهم.
ولما قتل عمار ومن ذكرنا في هذا اليوم حرض عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) الناس وقال لربيعة: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى أكثر من ذلك من ربيعة وغيرهم، قد جادوا بأنفسهم لله عز وجل، وعليّ أمامهم على البغلة الشهباء، وهو يقول:
من أي يومي من الموت أفر***أيوم لم يُقْدَر أم أم يوم قُدِرْ
و حمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتفض، وأهمدوا كل ما أتوا عليه، حتى أتوا إلى قبة معاوية، وعلي لا يمر بفارس إلا قده يقول:
أضربهم ولا أرى معاوية***الأخزَرَ العين العظيم الحاويه
تهوي به في النار أم هاويه
وقيل: إن هذا الشعر لبدیل بن ورقاء، قاله في ذلك اليوم .
ثم نادى علي: يا معاوية، علام يقتل الناس بيني وبينك؟ هلم أحاكمك إلى الله فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور، فقال له عمرو: قد أنصفك الرجل، فقال له معاوية: ما أنصفت، وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله أو أسره، فقال له عمرو: وما يحمل بك إلا مبارزته، فقال له معاوية: طمعت فيها بعدي، وحَقَدَها عليه.
وقد قيل في بعض الروايات: إن معاوية أقسم على عمرو لما أشار عليه بهذا أن يبرز إلى علي، فلم يجد عمرو من ذلك بداً، فبرز، فلما التقيا عرفه علي وشال السيف ليضربه به، فكشفت عمرو عن عورته، وقال: مُكْرَهُ أخوك لا بطل فحول عليّ وجهه [عنه]، وقال: قبحت! ورجع عمرو إلى مصافه .
وقد ذكر هشام بن محمد الكلبي عن الشرقي بن القطامي أن معاوية قال لعمرو بعد انقضاء الحرب: هل غششتني منذ نصحتني؟ قال: لا، قال: بلى والله يوم أشَرْتَ علي بمبارزة علي وأنت تعلم ما هو، قال: دعاك إلى المبارزة فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين: إما أن تقتله فتكون قد قتلت قاتل الأقران وتزداد شرفاً إلى شرفك، وإما أن يقتلك فتكون قد استعجلت مرافقة الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، فقال معاوية: يا عمرو، الثانية أشد من الأولى.
وكان في هذا اليوم من القتال ما لم يكن قبل، ووجدت في بعض النسخ من أخبار صفين أن هاشماً المِرْقال لما وقع إلى الأرض وهو يجود بنفسه رفع رأسه فإذا عبيد الله بن عمرمطروحاً إلى قربه جريحاً، فحبا حتى دنا منه، فلم يزل يعض على ثدييه حتى ثبتت فيه أسنانه لعدم السلاح والقوة؛ لأنه أصيب فوقه ميتاً هو ورجل من بكر بن وائل، قد زَحَفا إلى عبيد الله [جميعاً] فنهشاه، وانصرف القوم إلى مواضعهم، وخرج كل فريق منهم يحملون ما أمكن من قتلاهم .
ومر معاوية في خواص من أصحابه في الموضع الذي كانت ميمنته فيه، فنظر إلى
عبد الله بن بدیل بن ورقاء الخزاعي مُعَفِّراً بدمائه، وقد كان على ميسرة علي، فحمل على ميمنة معاوية فأصيب على ما قدمنا آنفاً، فأراد معاوية أن يمثل به، فقال له عبد الله بن عامر وكان صديقاً لا بن بديل: والله لا تركتك وإياه، فوهبه له، فغطاه بعمامته [وحمله] فواراه، فقال له معاوية: قد والله واريت كبشاً من كباش القوم وسيداً من سادات خزاعة غير مدافع، والله لو ظفرت بنا خزاعة لأكلونا، ولو أنا من جَنْدَل، دون هذا الكبش، وأنشأ يقول متمثلاً:
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضها***وإن شَمَّرت يوماً به الحرب شمرا
كـليـث هِـزَبْـرٍ كـان يـحـمـي ذمـاره***رمـتـه الـمـنـايـا قـصـدهـا فـتـقَـطَّرا
ونظر علي إلى غسان في مصافهم لا يزولون، فحرض أصحابه عليهم؛ وقال: إن هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن يخرج منه النسيم، وضرب يفلق الهام ويصح العظام، وتسقط منه المعاصم والأكف، وحتى تشدخ جباههم بعمد الحديد، وتنتثر لممهم على الصدور والأذقان، أين أهل الصبر وطلاب الأجر؟ فثاب إليه عصابة من المسلمين من سائر الناس، فدعا ابنه محمداً، فدفع إليه الراية وقال: انش بها نحو هذه الراية مشياً رويداً، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح، فأمسك حتى يأتيك أمري، ففعل، وأتاه علي ومعه الحسن والحسين وشيوخ بدر وغيرهم من الصحابة، وقد كَرْدَسَ الخيل، فحملوا على غسان ومن يليها، فقتلوا منها بشراً كثيراً، وعادت الحرب في آخر النهار كحالها في أوله، وحملت ميمنة معاوية وفيها عشرة آلاف من مذحج وعشرون ألفاً مقنعون في الحديد على ميسرة علي، فاقتطعوا ألف فارس، فانتدب من أصحاب علي عبد العزيز بن الحارث الجعفي، وقال لعلي: مرني بأمرك، فقال: شَدَّ الله ركنك، سر حتى تنتهي إلى إخواننا المحاط بهم،، وقل لهم: يقول لكم علي: كبروا ثم احملوا ونحمل حتى نلتقي، فحمل الجعفي، فطعن في عرضهم حتى انتهى إليهم، فأخبرهم بمقالة علي، فكبروا، ثم شدوا حتى التَقَوْا بعلي، وشَدَخُوا سبعمائة من أهل الشام، وقتل حوشب ذو ظليم، وهو كبش من كباش اليمن من أهل الشام، وكان على راية ذُهل ابن شيبان وغيرها من ربيعة الحُضَيْنُ بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلي، وفيه يقول عليّ في هذا اليوم:
لمن راية سَوْداء يخفق ظلها***إذا قلت قَدِّمُها حُضَيْنُ تقدما
فأمره بالتقدم، واختلط الناس، وبطل النبل، واستعملت السيوف، وجَنَّهم الليل، وتنادوا بالشعار، وتقصفت الرماح، وتكادم القوم، وكان يعتنق الفارسُ الفارس ويقعان جميعاً إلى الأرض عن فرسيها، وكانت ليلة الجمعة - وهي ليلة الهرير - فكان جملة من قتل عليّ بكفه في يومه وليلته خمسمائة وثلاثة وعشرين رجلاً أكثرهم في اليوم، وذلك أنه كان إذا قتل رجلاً كبر إذا ضرب، ولم يكن يضرب إلا قتل، ذكر ذلك عنه مَنْ كان يليه في حربه، ولا يفارقه من ولده وغيرهم.
وأصبح القوم على قتالهم، وكسفت الشمس، وارتفع القنام، وتقطعت الألوية [والرايات] ولم يعرفوا مواقيت الصلاة، وغدا الأشتر يرتجز وهو يقول:
نحن قتلنا حَوْشَبا ***لما غَدا قد أعلما
وذا الكلاع قبله***ومعبداً إذ أقْدَما
إن تقتلوا منا أبا***اليقظان شيخاً مُسْلما
فقد قتلنا منكُمُ ***سبعين رأساً مجرما
[أضحَوْا بصفين وقد***لاقوا نكالاً مؤلما]
وكان الأشتر في هذا اليوم - وهو يوم الجمعة - على ميمنة عليّ، وقد أشرف على الفتح، ونادت مشيخة أهل الشام: [ يا معشر العرب] الله الله في الحرمات والنساء والبنات، وقال معاوية: هلم مخباتك يا بن العاص فقد هلكنا، وتذكر ولاية مصر، فقال عمرو: أيها الناس، مَنْ كان معه مصحف فليرفعه على رمحه، فكثر في الجيش رفع المصاحف، وارتفعت الضجة ونادوا: كتاب الله بيننا وبينكم، مَنْ لثغور الشام بعد أهل الشام؟ ومَنْ لثغور العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ومن للترك؟ ومن للكفار ؟ ورفع في عسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف، وفي ذلك يقول النجاشي بن الحارث:
فأصبح أهل الشام قد رفعوا القنا***عليها كتاب الله خير قُرَانِ
ونـادوا علـيا: يا بن عـم محمد***أما تتقي أن يَهْلِكِ الثقلان؟
فلما رأى كثير من أهل العراق ذلك قالوا: نجيب إلى كتاب الله وتُنيب إليه، وأحَبَّ القوم الموادعة، وقيل لعلي: قد أعطاك معاوية الحق، ودعاك إلى كتاب الله فأقبل منه،
وكان أشدهم في ذلك [ اليوم] الأشعث بن قيس فقال علي: أيها الناس، إنه لم يزل من أمركم ما أحب حتى قرحتكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت، وإني كنت بالأمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً، وقد أحببتم البقاء، فقال الأشتر: إن معاوية لا خَلَفَ له من رجاله، ولك بحمد الله الخلف، ولو كان له مثل رجالك لما كان مثل صبرك ولا نصرك، فاقرع الحديد [بالحديد] واستعن بالله، وتكلّم رؤساء أصحاب علي بنحو من كلام الأشتر، فقال الأشعث [بن قيس]: إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس، ولسنا ندري ما يكون غداً، وقد والله فُل الحديد، وكلت البصائر، وتكلم معه غيره بكلام كثير، فقال علي: ويحكم [إنهم] ما رفعوها لأنكم تعلمونها ولا يعلمون بها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهاء ومكيدة فقالوا له: إنه ما يسعنا أن نُدْعَى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله، فقال: ويحكم إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم الكتاب، فقد عَصَوا الله فيما أمرهم به، ونبذوا كتابه، فامْضُوا على حقكم وقصدكم، وخذوا في قتال عدوكم؛ فإن معاوية وابن العاص وابن أبي مُعَيْط وحبيب بن مسلمة وابن النابغة وعدداً غير هؤلاء ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، وأنا أعْرَفُ بهم منكم ؛ صحبتهم أطفالاً [ورجالاً]، فهم شر أطفال ورجال، وجرى له مع القوم خطب طويل قد أتينا ببعضه، وتهددوه أن يُصْنَع به ما صنع بعثمان، وقال الأشعث: إن شئت أتَيْتُ معاوية فسألته ما يريد، قال: ذلك إليك فأته إن شئت، فأتاه الأشعث فسأله، فقال له معاوية: نرجع نحن وأنتم إلى كتاب [الله، و] وإلى ما أمر به في كتابه: تبعثون منكم رجلا ترضونه وتختارونه، ونبعث برجل، ونأخذ عليهما العهد والميثاق أن يعملا بما في كتاب الله ولا يخرجا عنه، وننقاد جميعاً إلى ما اتفقا عليه من حكم الله، فصَوَّبَ الأشعث قوله، وانصرف إلى عليّ،، فأخبره ذلك، فقال أكثر الناس: رضينا وقبلنا وسمعنا وأطعنا، فاختار أهل الشام عمرو بن العاص، وقال الأشعث ومن ارتد بعد ذلك إلى رأي الخوارج: رضينا نحن بأبي موسى الأشعري، فقال علي: قد عصيتموني في أول [هذا] الأمر فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أُولي أبا موسی الأشعري، فقال الأشعث ومن معه: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري، قال: ويحكم! هو ليس بثقة: قد فارقني وخَذَّل الناس [مني] وفعل كذا وكذا، وذكر أشياء فعلها أبو موسى، ثم إنه هرب شهوراً حتى الله أمنته، لكن هذا عبد الله بن عباس أوليه ذلك، فقال الأشعث وأصحابه، والله لا يحكم فينا مُضَريان، قال علي: فالأشتر، قالوا: وهل هاج هذا الأمر إلا الأشتر، قال: فاصنعوا الآن ما أردتم، وافعلوا ما بدا لكم أن تفعلوه، فبعثوا إلى أبي موسى وكتبوا له القصة، وقيل لأبي موسى: إن الناس قد اصطلحوا، فقال: الحمد الله، قيل: وقد جعلوك حكماً، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون .
وكان أبو موسى الأشعري يحدث قبل وقعة صفين ويقول: إن الفتن لم تزل في بني إسرائيل ترفعهم وتخفضهم حتى بعثوا الحكمين يحكمان بحكم لا يرضى به من اتبعهما [وإن هذه الأمة لا تزال بها الفتن ترفعها وتخفضها حتى يبعثوا حكمين يحكمان بما لا يرضى به من اتبعهما]، فقال [له] سويد بن غَفَلة: إياك إن أدركت ذلك الزمان أن تكون أحَدَ الحكمين، قال أنا ؟ قال: نعم أنت، قال فكان يخلع قميصه ويقول: لا جعل الله لي إذا في السماء مصعداً، ولا في الأرض مقعداً، فلقيه سويد بن غفلة بعد ذلك فقال: يا أبا موسى، أتذكر مقالتك ؟ قال: سَلَ رَبِّكَ العافية .
وكان فيما كتب في الصحيفة أن يحيى الحكمان ما أحيا القرآن [ويميتا ما أمات القرآن]، ولا يتبعان الهوى، ولا يُداهنان في شيء [من ذلك] فإن فعلا فلا حكم لهما، والمسلمون من حكمهما بَرَاء، وقال عليّ للحكمين حين أكره على أمرهما ورد الأشتر وكان قد أشرف في ذلك اليوم على الفتح فأخبره مخبر بما قالوا في علي وأنه إن لم يُرده سلم إلى معاوية يفعل به ما فعل بابن عفان، فانصرف الأشتر خوفاً على عليّ [فقال لهما علي]: على أن تحكما بما في كتاب الله، وكتاب الله كله لي، فإن لم تحكما بما في كتاب فلا حكم لكما، وصَيَّرُوا الأجل إلى شهر رمضان على اجتماع الحكمين في موضع بين الكوفة والشام، وكان الوقت الذي كتبت فيه الصحيفة لأيام بقين من صفر سنة سبع وثلاثين، وقيل: بعد هذا الشهر منها، ومَرَّ الأشعث بالصحيفة يقرؤها على الناس فرحاً مسروراً، حتى انتهى إلى مجلس لبني تميم، فيه جماعة من زعمائهم، منهم عروة بن أدية التميمي، وهو أخو بلال الخارجي، فقرأها عليهم، فجرى بين الأشعث وبين أناس منهم خطب طويل، وإن الأشعث كان بدء هذا الأمر والمانع لهم من قتال عدوهم حتى يفيؤوا إلى أمر الله، وقال له عروة بن أدية: أتحكمون في دين الله وأمره ونهيه الرجال؟ لا حكم إلا الله، فكان أول من قالها وحكم بها، وقد تنوزع في ذلك، وشد بسيفه على الأشعث
فضم فرسه عن الضربة فوقعت في عجز الفرس ونجا الأشعث، وكادت العصبية أن تقع بين النزارية واليمانية، لولا اختلاف كلمتهم في الديانة والتحكيم .
وفي فعل عروة بن أدية بالأشعث يقول رجل من بني تميم في أبيات:
[عُرُو يـا عـرو كـل فـتـنـة قـوم***سَلَفَتْ إنما تكون فتيه]
[ثم تنمي ويعظم الخطب فيها***فاحذرن غب ما أتيت عُريَّه]
أعلى الأشعث المعصب بالتا***ج حملتَ السلاح يا بن أديه؟]
[إنها فتنة كفتنة ذي العجـ***ـل، أيا عروة العَصا والعصيه]
فانظر اليــوم مـا يقول عليّ ***واتَّبعه، فذاك خـيـر الـبـريه
وقد تنوزع في مقدار من قتل من أهل الشام والعراق بصفين: فذكر أحمد بن الدورقي عن يحيى بن معين أن عدة من قتل بها من الفريقين في مائة يوم وعشرة أيام مائة ألف وعشرة آلاف من الناس: من أهل الشام تسعون [ألفاً]، ومن أهل العراق عشرون ألفاً، ونحن نذهب إلى أن عدد من حضر الحرب من أهل الشام بصفين أكثر مما قيل في هذا الباب، وهو خمسون ومائة ألف مقاتل، سوى الخدم والأتباع، وعلى هذا يجب أن يكون مقدار القوم جميعاً مَنْ قاتل منهم ومن لم يقاتل من الخدم وغيرهم ثلاثمائة ألف، بل أكثر من ذلك ؛ لأن أقل من فيهم معه واحد يخدمه، وفيهم من معه الخمسة والعشرة من الخدم والأتباع وأكثر من ذلك، وأهل العراق كانوا في عشرين ومائة ألف مقاتل دون الأتباع والخدم وأما الهيثم بن عدي [الطائي] وغيره مثل الشرقي بن القطامي وأبي مخنف لوط بن يحيى فذكروا ما قدمنا، وهو أن جملة من قتل من الفريقين جميعاً سبعون ألفاً: من أهل الشام خمسة وأربعون ألفاً، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً، فيهم خمسة وعشرون بدرياً، وأن العدد كان يقع بالتقصي والإحصاء للقتلى في كل وقعة، وتحصيل هذا يتفاوت؛ لأن في قتلى الفريقين من يُعرَف ومن لا يعرف، وفيهم من غرق، وفيهم من قتل في البر ؛ فأكلته السباع فلم يدركهم الإحصاء، وغير ذلك مما يعتور ما وصفنا، وسمعت امرأة بصفين [من أهل العراق] وقد قتل لها ثلاثة أولاد وهي تقول:
أعينيَّ جُودا بدمع سَرِب***على فتية من خيار العرب
وما ضرهم غير حنّ النفوس***بأي امرىء من قريش غَلَبْ
ولما وقع التحكيم تباغض القوم جميعاً [وأقبل بعضهم يتبرأ من بعض]: يتبرأ الأخ
من أخيه، والابن من أبيه، وأمر عليّ بالرحيل، لعلمه باختلاف الكلمة، وتفاوت الرأي، وعدم النظام لأمورهم، وما لحقه من الخلاف منهم، وكثر التحكيم في جيش أهل العراق، وتضارب القوم بالمقارع ونعال السيوف،وتسابوا، ولام كل فريق منهم الآخر في رأيه، وسار علي يؤم الكوفة، ولحق معاوية بدمشق من أرض الشام، وفَرَّقَ عساكره فلحق كل جند منهم ببلده.
ولما دخل عليّ رضي الله عنه الكوفة انحاز عنه اثنا عشر ألفاً من القراء وغيرهم فلحقوا بحروراء - قرية من قرى الكوفة - وجعلوا عليهم شبيب بن ربعي التميمي، وعلى صَلاتهم عبد الله بن الكَوَّاء اليشكري من بكر بن وائل، فخرج عليّ إليهم وكانت له معهم مناظرات، فدخلوا جميعاً الكوفة ، وإنما سموا الحرورية لاجتماعهم في هذه القرية، وانحيازهم إليها .
وقد ذكر يحيى بن معين قال: حدثنا وهب بن جابر بن حازم، عن الصَّلت بن بهرام، قال: لما قدم علي الكوفة جعلت الحرورية تناديه وهو على المنبر: جزعت من البلية، ورضيت بالقضية، وقبلت الدنية، لا حكم إلا الله، فيقول: حكم الله أنتظر فيكم، فيقولون: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَن أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ [الزمر: 65] فيقول علي: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ [الروم: 60].
وفي سنة ثمان وثلاثين كان التقاء الحكمين بدومة الجندل، وقيل: بغيرها، على ما قدمنا من وصف التنازع في ذلك، وبعث علي بعبد الله بن العباس وشريح بن هانىء الهمداني في أربعمائة رجل فيهم أبو موسى الأشعري، وبعث معاوية بعمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن السمط في أربعمائة، فلما تَدَاني القوم من الموضع الذي كان فيه الاجتماع قال ابن عباس لأبي موسى: إن علياً لم يرض بك حكماً لفضل عندك والمتقدمون عليك كثير، وإن الناس أبوا غيرك، وإني لأظن ذلك لشر يُرَاد بهم، وقد ضم داهية العرب معك، إن نسيت فلا تنس أن علياً بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وليس فيه خصلة تباعده من الخلافة، وليس في معاوية خصلة تقربه من الخلافة، ووصى معاوية عمراً حين فارقه وهو يريد الاجتماع بأبي موسى، فقال: يا أبا عبد الله، إن أهل العراق قد أكرهوا علياً على أبي موسى، وأنا وأهل الشام رَاضُوانَ بك، وقد ضم إليك
رجل طويل اللسان قصير الرأي، فأخُر الحزَّ، وطبق المفصل، ولا تَلْقَه برأيك كله، ووافاهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو [وعبد الرحمن بن عوف الزهري] والمغيرة بن شعبة الثقفي وغيرهم ، وهؤلاء ممن قَعَدَ عن بيعة علي، في آخرين من الناس، وذلك في شهر رمضان [من سنة ثمان وثلاثين]، فلما التقى أبو موسى وعمرو قال عمرو لأبي موسى: تكلم وقل خيراً، فقال أبو موسى: بل تكلم أنت يا عمرو فقال عمرو: ما كنت لأفعل وأقدم نفسي قبلك، ولك حقوق كلها واجبة لسنك وصحبتك رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنت ضيف، فحمد الله أبو موسى وأثنى عليه، وذكر الحدث الذي حَلَّ بالإسلام، والخلاف الواقع بأهله، ثم قال: يا عمرو: هلم إلى أمر يجمع الله به الألفة، ويلم الشَّعَثَ، ويصلح ذات البين؟ فجزاه عمرو خيراً، وقال: إن للكلام أولاً وآخراً، ومتى تنازعنا الكلام خطباً لم نبلغ آخره حتى ننسى أوله، فاجعل ما كان من كلام بيننا في كتاب يصير إليه أمرنا ، قال: فاكتب، فدعا عمرو بصحيفة وكاتب، وكان الكاتب غلاماً لعمرو، فتقدم إليه ليبدأ به أولاً دون أبي موسى؛ لما أراد من المكر به، ثم قال له بحضرة الجماعة: اكتب فإنك شاهد علينا، ولا تكتب شيئاً بأمرك به أحدنا حتى تستأمر الآخر فيه، فإذا أمرك فاكتب، وإذا نهاك فانته حتى يجتمع رأينا، اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه فلان وفلان فكتب، وبدأ بعمرو، فقال له عمرو: لا أم لك! أتقدمني قبله كأنك جاهل بحقه؟ فبدأ باسم عبد الله بن قيس، وكتب: تقاضيا على أنهما يشهدان أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ثم قال عمرو: ونشهد أن أبا بكر خليفة رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عمل بكتاب الله وسنة رسول الله حتى قبضه الله إليه وقد أدّى الحق الذي عليه، قال أبو موسى: اكتب، ثم قال في عمر مثل ذلك، [فقال أبو موسى: اكتب] ثم قال عمرو: واكتب «وأن عثمان ولي هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمين وشُوَرى من أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ورضاً منهم، وأنه كان مؤمناً، فقال أبو موسى الأشعري: ليس هذا مما قعدنا له، قال عمرو: والله لا بد من أن يكون مؤمناً أو كافراً [فقال أبو موسى: كان مؤمناً، قال:عمرو: فَمُره يكتب]: قال أبو موسى: اكتب، قال عمرو: فظالماً قتل عثمان أو مظلوماً، قال أبو موسى: بل قتل مظلوماً، قال عمرو: قال عمرو: أفليس قد جعل الله لولي المظلوم سلطاناً يطلب بدمه ؟ قال أبو موسى: نعم، قال عمرو: فهل تعلم لعثمان ولياً أولى من معاوية ؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أفليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان حتى يقتله أو يعجز [عنه]؟ قال أبو موسى: بلى، قال عمرو للكاتب: اكتب، وأمره أبو موسى فكتب، قال عمرو: فإنا نقيم البينة أن علياً قتل عثمان، قال أبو موسى: هذا أمر قد حَدَثَ في الإسلام، وإنما اجتمعنا لغيره، فهلم إلى
عمرو
أمر يصلح الله به [أمر] أمة محمد، قال عمرو: وما هو ؟ قال أبو موسى: قد علمت أن أهل العراق لا يحبون معاوية أبداً، وأن أهل الشام لا يحبون علياً أبداً؛ فهلم نخلعهما جميعاً ونستخلف عبد الله بن عمر؟ وكان عبد الله بن عمر على بنت أبي موسى، قال عمرو: أيفعل ذلك عبد الله بن عمر ؟ قال أبو موسى: نعم إذا حَمَلَه الناس على ذلك فعل، فعمد عمرو إلى كل ما مال إليه أبو موسى فصَوّبه، وقال له: هل لك في سعد ؟ قال له أبو موسى: لا، فعدَّدَ له عمرو جماعة وأبو موسى يأبى ذلك إلا ابن عمر، فأخذ الصحيفة وطواها وجعلها تحت قدمه بعد أن ختماها جميعاً، وقال عمرو: أرأيت إن رضي أهل العراق بعبد الله بن عمر وأباه أهل الشام أتقاتل أهل الشام؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: فإن رضي أهل الشام وأبى أهل العراق أتقاتل أهل العراق ؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أما إذا رأيت الصلاح في هذا الأمر والخير للمسلمين فقم فاخُطب الناس، واخلع صاحبينا [معاً] وتكلم باسم هذا الرجل الذي تستخلفه، فقال أبو موسى: بل أنت قم فاخطب فأنت أحق بذلك، قال عمرو: ما أحب أن أتقدمك. وما قولي وقولك وقول للناس إلا قول واحد، فقم راشداً.
فقام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثم قال: أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمرنا، فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن والصلاح ولَم الشَّعَثِ وحَقْن الدماء وجمع الألفة خلعنا علياً ومعاوية، وقد خلعت علياً كما خلعت عمامتي هذه، ثم أهوى إلى عمامته فخلعها، واستخلفنا رجلا قد صحب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنفسه، وصحب أبوه النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فبرز في سابقته، وهو عبد الله بن عمر، وأطراه، ورَغْبَ الناس فيه، ثم نزل .
فقام عمرو فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثم قال: أيها الناس، إن أبا موسى عبد الله بن قيس قد خلع علياً وأخرجه من هذا الأمر الذي يطلب، وهو أعلم به، ألا وإني قد خلعت علياً معه، وأثبت معاوية عليّ وعليكم، وإن أبا قد كتب في الصحيفة أن عثمان قد قتل مظلوماً شهيداً وأن لوليه [سلطاناً] أن يطلب بدمه حيث كان، وقد صحب معاوية رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بنفسه، وصحب أبوه النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، [وأطراه، ورغب الناس فيه، وقال]: هو الخليفة علينا، وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عثمان، فقال أبو موسى: كذب عمرو، لم نستخلف معاوية، ولكنا خلعنا معاوية وعلياً معاً، فقال عمرو: بل كذب عبد الله بن قيس، قد خلع علياً ولم أخلع معاوية.
قال المسعودي رحمه الله: ووجدت في وجه آخر من الروايات أنهما اتفقا على
خلع علي ومعاوية، وأن يجعلا الأمر بعد ذلك شورى: يختار الناس رجلاً يصلح لهم، فقدم عمرو أبا موسى، فقال أبو موسى: إني قد خلعت علياً ومعاوية، فاستقبلوا أمركم، وتنحّى، وقام عمرو مكانه فقال: إن هذا قد خلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فقال أبو موسى: ما لك لا وفقك الله غَدَرْتَ وفَجَرْتَ؟ إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً، فقال له عمرو: بل إياك يلعن الله، كذبت وغدرت، إنما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ثم وكز أبا موسى فألقاه لجنبه، فلما رأى ذلك شريح بن هانىء قنّع عمراً بالسوط، وانخزل أبو موسى، فاستوى على راحلته ولحق بمكة، ولم يَعُدْ إلى الكوفة، وقد كانت خطته وأهله وولده بها، والى أن لا ينظر إلى وجه علي ما بقي، ومضى ابن عمر وسعد إلى بيت المقدس [فأحرما].
وفي فعل الحكمين يقول أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي:
لو كان للقوم رأي يعصمون به***عند الخطوب رَمَوْكم بابن عباس
لكن رموكم بوغدٍ من ذوي يمن***لم يدر ما ضربُ أخماس لأسداس
وفي اختلاف الحكمين والمحكمة يقول بعض من حضر ذلك:
رضينا بحكم الله لا حكم غيره***وبالله رباً والنبي وبالذكر
وبالأصلع الهادي عليّ إمامنا***رضينا بذاك الشيخ في العسر واليسر
رضينا به حياً وميتاً؛ فإنه***إمام الهدى في موقف النهي والأمر
ولأبي موسى يقول ابن أعين:
أبا موسى بليت وأنت شيخ***قريب العفو مخزون اللسان
وما عمرو صَفَاتُك يا بن قيس***فيا لله من شيخ يماني
فأمسيت العشيّة ذا اعتذار***ضعيف الركن منكوب الجنان
تعض الكف من ندم، وماذا***يرد عليك عضك للبنان؟
وقيل: إنه لم يكن بينهما غير ما كتباه في الصحيفة وإقرار أبي موسى بأن عثمان قتل مظلوماً وغير ذلك مما قدمنا، وإنهما لم يخطبا، وذلك أن عمراً قال لأبي موسى: سَمٌ من شئت حتى أنظر معك، فسمى أبو موسى ابن عمر [وغيره] ثم قال لعمرو: قد سميت أنا فسَمَّ أنت، قال: نعم، أسمي لك أقوى هذه الأمة عليها، وأسَدَّها رأياً، وأعلمها بالسياسة، معاوية بن أبي سفيان، قال: لا والله ما هو لذلك بأهل، قال: فآتيك بآخر ليس
هو بدونه، قال: من هو ؟ قال: أبو عبد الله عمرو بن العاص، فلما قالها علم أبو موسى أنه يلعب،به فقال فعلتها لعنك الله، فتَسَابًا، فلحق أبو موسى بمكة .
فلما انصرف أبو موسى انصرف عمرو بن العاص إلى منزله، ولم يأت إلى معاوية، فأرسل إليه معاوية يدعوه، فقال: إنما كنت أجيئك إذ كانت إليك حاجة، فأما إذا كانت الحاجة إلينا فأنت أحق أن تأتينا، فعلم معاوية ما قد دفع إليه، فحمر الرأي وأعمل الحيلة، وأمر معاوية بطعام كثير فصنع، ثم دعا بخاصته ومواليه وأهله، فقال: إني سأغدو إلى عمرو، فإذا دعوت بالطعام فَدَعُوا مواليه وأهله فليجلسوا قبلكم، فإذا شبع رجل منهم وقام فليجلس رجل منكم مكانه، فإذا خرجوا ولم يبق في البيت أحد منهم فأغلقوا باب البيت، واحذروا أن يدخل أحد [منهم] إلا أن آمركم .
وغدا إليه معاوية وعمرو جالس على فراشه، فلم يقم له عنها، ولا دعاه فجاء مُعاوية وجلس على الأرض، واتكاً على [ناحية] الفراش، وذلك أن عمراً كان يحدث نفسه أنه قد ملك الأمر وإليه العقد، يضعها فيمن يرى، ويندب للخلافة من يشاء، فجرى بينهما كلام كثير، وكان مما قال له عمرو: هذا الكتاب الذي بيني وبينه عليه خاتمي و خاتمه، وقد أقر بأن عثمان قتل مظلوماً، وأخرج عليّاً من هذا الأمر، وعَرَض عليَّ رجالاً لم أرهم أهلاً لها، وهذا الأمر إلى أن أستخلف من شئته، وقد أعطاني أهل الشام عهودهم ومواثيقهم، فحادثه معاوية ساعة وأخرجه عما كانوا عليه، وضاحكه وداعبه، ثم قال: يا أبا عبد الله، هل من غداء؟ قال: أمَّا شيء يشبع من ترى فلا والله، فقال معاوية: هلم یا غلامي غداءك، فجيء بالطعام المستعد،فوضع، فقال: يا أبا عبد الله، ادع مواليك وأهلك، فدعاهم، ثم قال له عمرو: وادع أنت أصحابك، قال: نعم يأكل أصحابك [أولاً] ثم يجلس هؤلاء بعد، فجعلوا كلما قام رجل من حاشية عمرو قعد موضعه رجل من حاشية معاوية، حتى خرج أصحاب عمرو وبقي أصحاب معاوية، فقام الذي وكله بغلق الباب، فأغلق الباب، فقال له عمرو: فعلتها، فقال: إي والله بيني وبينك أمران فاختر أيهما شئت: البيعة لي، أو أقتلك، ليس والله غيرهما، قال عمرو فأذن لغلامي وردان حتى أشاوره وأنظر رأيه، قال: لا تراه والله ولا يراك إلا قتيلاً أو على ما قلت لك، قال: فالوفاء إذن بطعمة مصر، قال: هي لك ما عشت، فاستوثق كل واحد منهما من صاحبه، وأحضر معاوية الخواص من أهل الشام، ومنع أن يدخل معهم أحد من حاشية عمرو، فقال لهم عمرو: قد رأيت أن أبايع معاوية، فلم أر أحداً أقوى على هذا الأمر منه، فبايعه أهل الشام، وانصرف [معاوية] إلى منزله خليفة .
ولما بلغ عليا ما كان من أمر أبي موسى وعمرو قال: إني كنت تقدمت إليكم في هذه الحكومة ونهيتكم عنها، فأبيتم إلا عصياني، فكيف رأيتم عاقبة أمركم إذا أبيتم علي؟ والله إني لأعرف من حملكم على خلافي والترك لأمري، ولو أشاء أخذه لفعلت، ولكن الله من ورائه، يريد بذلك الأشعث بن قيس والله أعلم، وكنت فيما أمرت به كما قال أخو بني خثعم:
أَمَرْتُهُمُ أمري بمنعرج اللوى***فلم يستبينوا الرشد إلا ضُحَى الغد
مَنْ دعا إلى هذه الحكومة فاقتلوه قتله الله ولو كان تحت عمامتي هذه، ألا إن هذين الرجلين الخاطئين اللذين اخترتموهما حكمين قد تركا حكم الله، وحكما بهوى أنفسهما بغير حجةولا حق معروف، فأماتا ما أحيا القرآن ، وأحييا ما أماته، واختلف في حكمهما كلامهما، ولم يرشدهما الله ولم يوفقهما، فبرى الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، فتأهبوا للجهاد واستعدوا للمسير، وأصبحوا في عساكركم إن شاء الله تعالى .
قال المسعودي: وقد اختلفت الفرق من أهل ملتنا في الحكمين، وقالوا في ذلك أقاويل كثيرة، وقد أتينا على ما ذهبوا إليه في ذلك وما قاله كل فريق منهم، ومن أيد قوله من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم من فرق هذه الأمة في كتابنا في «المقالات في أصول الديانات» وذكرنا في كتاب «أخبار الزمان» قول علي في مواقفه وخطبه، وما قاله في ذلك، وما أكره عليه، وتأنيبه لهم بعد الحكومة، وما تقدم الحكومة من تحذيره إياهم منها حين ألحوا في تحكيم أبي موسى الأشعري وعمرو، حيث قال: ألا إن القوم قد اختاروا لأنفسهم أقرب الناس مما يحبون، واخترتم لأنفسكم أقرب الناس مما تكرهون، إنما عهدكم بعبد الله بن قيس بالأمس وهو يقول ألا إنها فتنة، فقطعوا فيها أوتاركم وكسروا قسيّكم، فإن يك صادقاً فقد أخطأ في مسيره غير مستكره عليه، وإن يك كاذباً فقد لزمته التهمة، وهذا كلام أبي موسى في تخذيله الناس، وتحريضهم على الجلوس [وتثبيطهم] عن أمير المؤمنين علي في حروبه ومسيره إلى الجمل وغيره، ثم ما قاله في بعض مقاماته في معاتبته لقريش، وقد بلغه عن أناس منهم ممن قعد عن بيعته ونافق في خلافته كلام كثير، فقال: وقد زعمت قريش أن ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحروب، تربت أيديهم! وهل فيهم أشد مراساً لها مني؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد أربيت على نيف وستين، ولكن لا رأي لمن لا يُطاع.
قال المسعودي: وإذ قد تقدم ذكرنا لجمل من أخبار الجمل وصفين والحكمين؛ فلنذكر الآن جوامع من أخبار يوم النهروان، ونعقب ذلك بذكر مقتله (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإن كنا قد أتينا على مبسوط سائر ما تقدم لنا في هذا الكتاب وما تأخر، فيما سلف من كتبنا، والله أعلم.
واجتمعت الخوارج في أربعة آلاف، فبايعوا عبد الله بن وهب الراسبي، ولحقوا بالمدائن، وقتلوا عبد الله بن حباب عامل علي عليها: ذبحوه ذبحاً، وبقروا بطن امرأته وكانت حاملاً، وقتلوا غيرها من النساء، وقد كان علي انفصل عن الكوفة في خمسة وثلاثين ألفاً، وأتاه من البصرة، من قبل ابن عباس - وكان عامله عليها - عشرة آلاف فيهم الأحنف بن قيس وحارثة بن قدامة السعدي، وذلك في سنة ثمان وثلاثين، فنزل على الأنبار، والتأمت إليه العساكر، فخطب الناس وحرضهم على الجهاد، وقال: سيروا إلى قتلة المهاجرين والأنصارقدماً، فإنهم طالما سَعَوا في إطفاء نور الله، وحرضوا على قتال رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ومن معه، إلا أن رسول الله أمرني بقتال القاسطين وهم هؤلاء الذين سرنا إليهم، والناكثين وهم هؤلاء الذين فرغنا منهم، والمارقين ولم نلقهم بعد، فسيروا إلى القاسطين، فهم أهم علينا من الخوارج، سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين يتخذهم الناس أرباباً، ويتخذون عباد الله خولاً وما لهم دُولاً، فأبوا إلا أن يبدؤوا،بالخوارج، فسار علي إليهم، حتى أتى النهروان، فبعث إليهم بالحارث بن مرة العبدي رسولاً يدعوهم إلى الرجوع، فقتلوه، وبعثوا إلى علي: إن تبت من حكومتك وشهدت على نفسك [بالكفر] بايعناك، وإن أبيت فاعتزلنا حتى نختار لأنفسنا إماماً فإنا منك بَرَاء، فبعث إليهم علي: أن ابعثوا إلي بقتلة إخواني فأقتلهم ثم أتارككم إلى أن أفرغ من قتال أهل المغرب، ولعل الله يُقلب قلوبكم، فبعثوا إليه: كلنا قتلة أصحابك، وكلنا مستحل لدمائهم، مشتركون في قتلهم، وأخبره الرسول - وكان من يهود السواد - أن القوم قد عبروا نهر طبرستان ، وهذا النهر عليه بقنطرة، تعرف بقنطرة طبرستان، بين حلوان وبغداد، من بلاد خراسان، فقال علي: والله ما عبروه ولا يقطعونه، حتى نقتلهم بالرميلة دونه ، ثم تواترت عليه الأخبار بقطعهم لهذا النهر، وعبورهم هذا الجسر، وهو يأبى ذلك، ويحلف أنهم لم يعبروه، وأن مصارعهم دونه . ثم قال: سيروا إلى القوم، فوالله لا
يفلت منهم إلا عشرة، ولا يقتل منكم إلا عشرة، فسار علي، فأسرَفَ عليهم، وقد عسكروا بالموضع المعروف بالرميلة على [حسب] ما قال لأصحابه. فلما أشرَفَ عليهم قال: الله أكبر، صدق [الله و] رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فتصافُ القوم، ووقف عليهم بنفسه، فدعاهم إلى الرجوع والتوبة، فأبوا ورموا أصحابه، فقيل له: قد رمونا، فقال: كفوا، فكرروا القول عليه ثلاثاً وهو يأمرهم بالكف، حتى أتى برجل قتيل متشحط بدمه، فقال علي: الله أكبر، الآن حل قتالهم، احملوا على القوم، فحمل رجل من الخوارج على أصحاب علي، فجرح فيهم، وجعل يغشى كل ناحية، ويقول:
أضربهم ولو أرى عليا***ألبسته أبْيَضَ مَشْرَفيا
فخرج إليه علي رضي الله عنه، وهو يقول:
يا أَيُّهَذا المبتغي عليا***إني أراك جاهلاً شَقيًا
قد كنت عن كفاحه غنيًّا***هَلُمَّ فابرز هاهنا إليَّا
وحمل عليه علي، فقتله.
ثم خرج منهم آخر، فحمل على الناس، ففتك فيهم، وجعل يكر عليهم، وهو يقول:
اضربهم ولو أرى أبا حَسَنُ***ألبسته بصارمي ثوب غَبَنْ
فخرج إليه علي وهو يقول:
ايا أيهذا المبتغي أبا حَسَنُ***إليك فانظر أينا يلقى الغَبَنُ
وحمل عليه علي وشكه بالرمح، وترك الرمح فيه، فانصرف علي وهو يقول: لقد رأيت أبا حسن فرأيت ما تكره.
وحمل أبو أيوب الأنصاري على زيد بن حصن فقتله، وقتل عبد الله بن وهب الراسبي، قتله هاني بن حاطب الأزدي، وزياد بن حفصة، وقتل حرقوص بن زهير السعدي، وكان جملة من قتل من أصحاب علي تسعة، ولم يفلت من الخوارج إلا عشرة، وأتى عليّ على القوم، وهم أربعة آلاف، فيهم المخدج [ذو الثدية] إلا من ذكرنا من هؤلاء العشرة، وأمر علي بطلب المخدج، فطلبوه، فلم يقدروا عليه، فقام عليّ وعليه أثر الحزن لفقد المخدج، فانتهى إلى قتلى بعضهم فوق بعض، فقال: افرجوا، ففرجوا يميناً وشمالاً واستخرجوه، فقال علي رضي الله عنه: الله أكبر، ما كَذَبْتُ على
محمد، وإنه لناقص اليد ليس فيها عظم، طرفها حلمة مثل ثدي المرأة، عليها خمس شعرات أو سبع، رؤوسها معقفة، ثم قال: ائتوني به، فنظر إلى عضده، فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة عليه شعرات سود إذا مدت اللحمة امتدت حتى تحاذي بطن يده الأخرى، ثم تُترك فتعود إلى منكبه، فثنى رجله ونزل، وخر الله ساجداً.
ثم ركب ومَرَّ بهم وهم،صَرْعَى، فقال: لقد صرعكم من غركم، قيل: ومَن غرهم؟ قال: الشيطان وأنفُسُ السوء، فقال أصحابه: قد قطع الله دابرهم إلى آخر الدهر، فقال: كلا والذي نفسي بيده، وإنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، لا تخرج خارجة إلا خرجت بعدها مثلها حتى تخرج خارجة بين الفرات ودجلة مع رجل يقال له الأشمط يخرج إليه رجل منا أهل البيت فيقتله، ولا تخرج بعدها خارجة إلى يوم القيامة.
وجمع علي ما كان في عسكر الخوارج، فقسم السلاح والدواب بين المسلمين، ورَدَّ المتاع والعبيد والإماء إلى أهليهم، ثم خطب الناس فقال: إن الله قد أحسن إليكم وأعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم، فقالوا: يا أمير المؤمنين قد كَلت سيوفنا، ونفدت نبالنا، ونصلت أسنة رماحنا، فدعنا نستعد بأحسن عُدَّتنا، وكان الذي کلمه بهذا الأشعث بن قيس، فعسكر عليّ بالنخيلة .
فجعل أصحابه يتسللون ويلحقون بأوطانهم، فلم يبق معه إلا نفر يسير، ومضى الحارث بن راشد الناجي في ثلاثمائة من الناس فارتدوا إلى دين النصرانية، وهم من ولد سامة بن لؤي [بن غالب من ولد إسماعيل] عند أنفسهم، وقد أتى ذلك كثير من الناس، وذكروا أن سامة بن لؤي ما أعقب، وقد حكي عن علي فيهم ما قد ذكرناه في كتابنا في «أخبار الزمان».
ولست [تكاد] ترى سامياً إلا منحرفاً عن علي: من ذلك ما ظهر من علي بن الجهم الشاعر السامي من النصب والانحراف، وقد أتينا على لمع من شعره وأخباره في الكتاب الأوسط، ولقد بلغ من انحرافه ونصبه العداوة لعلي رضي الله عنه أنه كان يلعن أباه، فسئل عن ذلك، وبم استحق اللعن منه؟ فقال: بتسميته إياي علياً .
فَسَرَّح إليهم علي معقل بن قيس الرياحي، فقتل الحارث ومن معه من المرتدين بسيف البحر، وسبى عيالهم وذراريهم ، وذلك بساحل البحرين، فنزل معقل بن قيس بعض كُور الأهواز بسبي القوم، وكان هنالك مصقلة بن هبيرة الشيباني عاملاً لعلی،
فصاح به النسوة: امنن علينا، فاشتراهم بثلاثمائة ألف درهم وأعتقهم، وأدَّى من المال مائتي ألف وهَرَب إلى معاوية فقال علي: قبح الله مصقلة، فعل فعل السيد وفر فرار العبد، لو أقام أخذنا ما قدرنا على أخذه، فإن أعسرأنظرناه، وإن عجز لم نأخذه بشيء، وأنفذ العتق وفي ذلك يقول مصقلة بن هبيرة، من أبيات:
تركت نساء الحي بكر بن وائل***وأعتقت سَبياً من لؤي بن غالب
وفارقت خير الناس بعد محمد***لـمـال قـليـل لا محالـة ذاهتب
وفي ذلك يقول الآخر:
ومصقلة الذي قد باع بيعاً***ربيحاً يوم ناجية بن سامه
ولمصقلة أفعال أتاها، وحيل عملها قد ذكرناها وما قال في ذلك من الشعر في الكتاب الأوسط.
وقال علي بن محمد بن جعفر [العلوي] فيمن انتمى إلى سامة بن لؤي بن غالب .
وسامة منَّا، فأما بنوه***فأمرُهُم عندنا مُظلم
أُناس أتونا بأنسابهم***خرافة مضطجع يحلُمُ
وقلنا لهم مثل قول الوصي***وكل أقاويله محكم
إذا ما سئلت فلم تَدْرِ ما***تقول، فقل: ربنا أعلم
وفي سنة ثمان وثلاثين وجه معاوية عمرو بن العاص إلى مصر في أربعة آلاف، ومعه معاوية بن خديج، وأبو الأعور السلمي، واستعمل عمراً عليها حياته، ووفى بما تقدم من ضمانه، فالتقوا هم ومحمد بن أبي بكر - وكان عامل علي عليها - بالموضع المعروف بالمسناة، فاقتتلوا، فانهزم محمد لإسلام أصحابه إياه وتركهم له، وصار إلى موضع بمصر، فاختفى فيه، فأحيط بالدار، فخرج إليهم محمد ومن معه من أصحابه، فقاتلهم حتى قتل، فأخذه معاوية بن خديج وعمرو بن العاص وغيرهما، فجعلوه في جلد حمار وأضرموه بالنار، وذلك بموضع في مصر، يقال له: كوم شريك، وقيل: إنه فعل به ذلك، وبه شيء من الحياة، وبلغ معاوية قتل محمد وأصحابه، فأظهر الفرح والسرور. وبلغ علياً قتل محمد وسرور معاوية، فقال: جزعنا عليه على قدر سرورهم ،فما جزعتُ على هالك منذ دخلت هذه الحروبَ جَزَعِي عليه، كان لي ربيباً، وكنت أعده ولداً، وكان بي براً، وكان ابن أخي، فعلى مثل هذا نحزن، وعند الله نحتسبه.
وولّى علي الأشتر مصر وأنفذه إليها في جيش، فلما بلغ ذلك معاوية دَسَّ إلى دهقان كان بالعريش، فأرغبه، وقال: اترك خراجك عشرين سنة، واحتل للأشتر بالسم في طعامه، فلما نزل الأشتر العريش سأل الدهقانُ: أي الطعام والشراب أحبُّ إليه؟ قيل له: العسل، فأهدى له عسلاً، وقال: إن من أمره وشأنه كذا وكذا، ووصفه للأشتر، وكان الأشتر صائماً، فتناول منه شربة، فما استقرت في جوفه حتى تلف، وأتى مَنْ كان معه على الدهقان ومن كان معه، وقيل: كان ذلك بالقلزم، والأول أثبت، فبلغ ذلك عليا، فقال: لليدين والفم، وبلغ ذلك معاوية، فقال: إن الله جنداً من العسل.
وقبض أصحابه عن عليّ في هذه السنة ثلاثة أرزاق على حسب ما كان يحمل إليه من المال من أعماله، ثم ورد عليه مال من أصبهان، فخطب الناس، وقال: اغدوا إلى عطاء رابع، فوالله ما أنا لكم بخازن، وكان في عطائه [ أسوة للناس] يأخذ كما يأخذ الواحد منهم.
ولم يكن بين علي ومعاوية من الحرب إلا ما وصفنا بصفين، وكان معاوية في بقية أيام علي يبعث سرايا تُغير، وكذلك علي كان يبعث من يمنع سرايا معاوية من أذية الناس، وقد أتينا على ذكر السرايا والغارات فيما سلف من كتبنا .
قال المسعودي رحمه الله: وقد تكلم طوائف من الناس ممن سلف وخلف من أهل الآراء من الخوارج وغيرهم في فعل عليّ يوم الجمل، وصفين، وتباين حكمه فيهما، من من أهل صفين، مقبلين ومدبرين، وإجهازه على جَرْحاهم، ويوم الجمل لم يتبع مُوَلِّياً، ولا أجهز على جريح، ومن ألقى سلاحه أو دخل داره كان آمناً، وما أجابهم به شيعة علي في تباين حكم علي في هذين اليومين لاختلاف حكمهما، وهو أن أصحاب الجمل لما انكشفوا لم يكن لهم فئة يرجعون إليها، وإنما رجع القوم إلى منازلهم، غير محاربين ولا منابذين، ولا لأمره مخالفين، فرضوا بالكف عنهم، وكان الحكم فيهم رفع السيف إذا لم يطلبوا عليه أعواناً، وأهل صفين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدة، وإمام منتصب، يجمع لهم السلاح، ويُسني لهم الأعطيةَ، ويقسم لهم الأموال، ويجبر كسيرهم، ويحمل راجلهم، ويردهم، فيرجعون إلى الحرب، وهم إلى إمامته منقادون، ولرأيه متبعون، ولغيره مخالفون، ولإمامته تاركون، ولحقه جاحدون، وبأنه يطلب ما
ليس له قائلون، فاختلف الحكم لما وصفنا، وتباين حكماهما لما ذكرنا، ولكل فريق من السائل والمجيب كلام يطول ذكره ويتسع شرحه، وقد أتينا على استيعابه، وما ذكره كل فريق منهم فيما سلف من كتبنا، فأغنى ذلك عن إعادته، والله أعلم .
وفي سنة أربعين اجتمع بمكة جماعة من الخوارج، فتذاكروا الناس، وما هم فيه من الحرب والفتنة، وتعاهد ثلاثة منهم على قتل علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وتواعدوا، واتفقوا [على] أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي يتوجه إليه، حتى يقتله أو يُقتل دونه، وهم: عبد الرحمن بن ملجم، لعنه الله ! وكان من تُجيب، وكان عدادهم في مُراد، فنسب إليهم، وحجاج بن عبد الله الصريمي، ولقبه: البُركُ، وزادويه: مولى بني العنبر، فقال ابن ملجم - لعنه الله ! .: أنا أقتل عليًّا، وقال البرك: أنا أقتل معاوية، وقال زادويه: أنا أقتل عمرو بن العاص، واتَّعدُوا أن يكون ذلك ليلة سبع عشرة من شهر رمضان ، وقيل: ليلة إحدى وعشرين .
فخرج عبد الرحمن بن ملجم المرادي إلى عليّ،، فلما قدم الكوفة أتى قطام بنت عمه، وكان [عليّ] قد قتل أباها وأخاها يوم النهروان، وكانت أجمل أهل زمانها، فخطبها، فقالت: أتزوج حتى تسمي لي، قال: لا تسأليني شيئاً إلا أعطيته، فقالت: ثلاثة آلاف وعبداً وقينة ، وقتل عليّ،، فقال: ما سألت هو لك مهرإلا قتل علي، فلا أراك تدركينه، قالت: فالتمس غرَّته، فإن أصبته شفيت نفسي ونَفَعَك العيشُ معي، وإن هلكت فما عند الله خير لك من الدنيا، فقال: والله ما جاء، فقال: والله ما جاء بى إلى هذا المصر، وقد كنت هارباً منه إلا ذلك، وقد أعطيتك ما سألت، وخرج من عندها وهو يقول:
ثـلاثـة آلاف وعـبـد وقـيـنـةٌ***وقتل عـلى بالـحسـام الـمـصـمـم
فلا مَهْرَ أغلى من علي وإن غلا***ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم
فلقيه رجل من أشجع يقال له شبيب بن نجدة من الخوارج . فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ فقال: وما ذاك قال: تساعدني على قتل عليّ، قال: ثكلتك أمك !
لقد جئت شيئاً إذاً، قد عرفت غناءه في الإسلام، وسابقته مع النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال ابن ملجم: ويحك ! أما تعلم أنه قد حكم الرجال في كتاب الله، وقتل إخواننا المصلين؟ فنقتله ببعض إخواننا، فأقبل معه حتى دخل على قطام، وهي في المسجد الأعظم، وقد ضربت كلة لها وهي معتكفة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، فأعلمتهما أن مجاشع بن وردان [بن علقمة] قد انتدب لقتله معهما، فدعت لهما بحرير فعصبتهما وأخذوا أسيافهم وقعدوا مقابلين لباب السدة التي يخرج منها علي للمسجد، وكان علي يخرج كل غداة أول الأذان [يوقظ الناس] للصلاة، وقد كان ابن ملجم مرَّ بالأشعث وهو في المسجد، فقال له: فَضَحَكَ الصبح، فسمعها حُجر بن عدي، فقال: قتلته يا أعور قتلك الله، وخرج علي رضي الله عنه ينادي: أيها الناس، الصلاة، فشد عليه ابن ملجم وأصحابه وهم يقولون: الحكم لله، لا لك، وضربه ابن ملجم على رأسه بالسيف في قرنه، وأما شبيب فوقعت ضربته بعضادة الباب، وأما [مجاشع] بن وردان فهرب، وقال علي: لا يفوتنكم الرجل، وشدَّ الناس على ابن ملجم يرمونه بالحصباء، ويتناولونه ويصيحون، فضرب ساقه رجل من همدان برجله، وضرب المغيرة ابن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وجهه فصرعه، وأقبل به إلى الحسن، ودخل ابن وردان بين الناس، فنجا بنفسه، وهرب شبيب حتى أتى رحله، فدخل إليه عبد الله بن نجدة - وهو أحد بني أبيه - فرآه ينزع الحرير عن صدره، فسأله عن ذلك، فخبره [خبره] فانصرف عبد الله إلى رحله، وأقبل إليه بسيفه فضربه حتى قتله .
وقيل: إن علياً لم ينم تلك الليلة، وإنه لم يزل يمشي بين الباب والحجرة، وهو يقول: والله ما كذبت ولا كذبت، وإنها لليلة التي وعدت [فيها] فلما [خرج] صاح بط كان للصبيان، فصاح بهنَّ بعض من في الدار، فقال علي: ويحك ! دعهن فإنهن نوائح.
وقد ذكرت طائفة من الناس أن علياً رضي الله عنه أوصى [إلى] ابنيه الحسن والحسين؛ لأنهما شريكاه في آية التطهير، وهذا قول كثير ممن ذهب إلى القول بالنص.
ودخل عليه الناس يسألونه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن فقدناك ولا نفقدك، أنبايع الحسن؟ قال: لا آمركم ولا أنهاكم، وأنتم أبصر، ثم دعا الحسن والحسين، فقال لهما: أوصيكما بتقوى الله وحده، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها، قولاً الحق، وارحما اليتيم، وأعينا الضعيف، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، ولا تأخذكما في الله لومة لائم؛ ثم نظر إلى ابن الحنفية فقال: هل
سمعت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم، قال: أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك، وتزيين أمرهما، ولا تقطعن أمراً دونهما، ثم قال لهما: أوصيكما به، فإنه سيفكما وابن أبيكما، فأكرماه واعرفا حقه.
فقال له رجل من القوم: ألا تعهد يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكني أتركهم كما تركهم رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، قال: فماذا تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللهم [إنك] أبقيتني فيهم ما شئت أن تبقيني، ثم قبضتني وتركتك فيهم فإن شئت أفسدتهم، وإن شئت أصلحتهم، ثم قال: أما والله إنها الليلة التي ضرب منها يُوشع بن نون ليلة سبع عشرة، وقبض ليلة إحدى وعشرين .
وبقي علي الجمعة والسبت، وقبض ليلة الأحد، ودفن بالرحبة عند مسجد الكوفة .
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في أخباره تنازع للناس في موضع قبره، وما قيل في ذلك .
وقبض وقد أتي عليه اثنتان وسبعون سنة، وقيل: اثنتان وستون، وقد قدمنا تنازع الناس في مقدار سنه، وكان كما قال الحسن: والله لقد قبض فيكم الليلة رجل ما سبقه الأولون إلا بفضل النبوة، ولا يدركه الآخرون، وإن رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يبعثه المبعث فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى يفتح الله عليه .
وكان الذي صلى عليه الحسن ابنه، وكبر عليه سبعاً، وقيل غير ذلك .
ولم يترك صفراء ولا بيضاء، إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه، أراد أن يشتري بها خادماً لأهله، وقال بعضهم: ترك لأهله مائتين وخمسين درهماً ومصحفه وسيفه.
ولما أردوا قتل ابن ملجم لعنه الله قال عبد الله بن جعفر: دعوني حتى أشفي نفسي منه، فقطع يديه ورجليه، وأحمى له مسماراً حتى إذا صار جمرة كحله به، فقال: سبحان الذي خلق الإنسان إنك لتكحل عمك بملمول الرصاص، ثم إن الناس أخذوه وأدرجوه في بواري ثم طلوها بالنفط وأشعلوا فيها النار فاحترق، وفيه يقول عمران بن حطان الرقاشي يمدحه في ضربته من شعر له طويل:
يا ضَرْبةٌ من تَقيِّ ما أراد بها***إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوماً فأحسبه***أو في البرية عند الله ميزانا
[فأجابه القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الشافعي:
إني لأبرأ مما أنت قائله***عن ابن ملجم الملعون بهتانا
ضربة من شقي ما أراد بها***إلا ليهدم للإسلام أركانا
إني لأذكره يوماً فألعنه***دنيا، وألعن عمراناً وحطَّانا
عليه ثم عليه الدَّهْرَ متصلاً***لعائن الله إسراراً وإعلانا
فأنتما من كلاب النار جاء به.. نص الشريعة برهاناً وتبيانا
وزاد بعضهم على هذه الأبيات بيتاً آخر، وهو:
عليكما لعنة الجبار ما طلعت***شمس، وما أوقدوا في الكون نيرانا
معارضة لبيتي اللعين ابن حطان لعنه الله في ابن ملجم أخزاه الله:
قل لابن ملجم، والأقدار غالبة،***هَدَمْتَ ويلك للإسلام أركانا
قتلت أفضل مَنْ يمشي على قدم***وأول الناس إسلاماً وإيمانا
وأعلم الناس بالقرآن ثم بما***سَنَّ الرسول لنا شرعاً وتبيانا
ضهر النبي، ومولانا، وناصره***أضحت مناقبه نوراً وبرهانا
وكان منه على رغم الحسود له***مكان هارون من موسى بن عمرانا
وكان في الحرب سيفاً صارماً ذكراً***ليثاً إذا ما لقي الأقران أقرانا
ذكَرْتُ قاتله والدمع منحدر***فقلت: سبحان رب الناس سبحانا
إني لأحسبه ما كان من بشر***يخشى المَعَادَ ولكن كان شيطانا
أشقى مراد إذا عُدَّت قبائلها***وأخسَرُ الناس عند الله میزانا
کعاقر الناقة الأولى التي جَلَبَتْ***على ثمود بأرض الحجر خسرانا
قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها***قبل المنية أزماناً فأزمانا
فلا عَفا الله عنه ما تحمله***ولا سقى قبر عمران بن حطانا
لقوله في شقي ظل مجترماً***ونال ما ناله ظلماً وعدوانا
[یا ضربة من تقي ما أراد بها***إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا]
بل ضربة من غوتي أورثته لظى***مخلداً قد أتى الرحمن غضبانا
كأنه لم يرد قصداً بضربته***إلا ليَصْلَى عذاب الخلد نيرانا
ولعمران بن حطان ولأبيه حطان أخبار كثيرة قد أتينا على ذكرها في كتابنا «أخبار الزمان» في باب أخبار الخوارج من الأزارقة والأباضية والحمرية والصفرية والنجدية وغيرهم من فرق الخوارج إلى سنة ثمان عشرة وثلاثمائة .
وكان آخر من خرج منهم ربيعة المعروف بغيرون، فأدخل على المقتدر بالله، بعث به ابن حمدان من كفرتوتا، وقد كان خرج في أيامه أيضاً المعروف بأبي شعيب .
وقد رثى الناس أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه في ذلك الوقت وإلى هذه الغاية، وذكروا مقتله، وممن رثاه في ذلك الوقت أبو الأسود الدؤلي من أبيات.
ألا أبلغ معاوية بن حَرْبٍ***فلا قَرَّتْ عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا***بخير الناس طرًا أجمعينا؟
قتلتم خير من ركب المطايا***وذللها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حَذَاها***ومن قرأ المثاني والمبينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين***رأيت النور فرق الناظرينا
لقد علمت قريش حيث كانت***بأنك خيرهم حسباً ودينا
وانطلق البركُ الصريمي إلى معاوية فطعنه بخنجر في أليته وهو يصلي فأخذ وأوقف بين يديه، فقال له: ويلك ! وما أنت؟ وما خبرك ؟ قال: لا تقتلني وأخبره، قال: إنا تبايعنا في هذه الليلة عليك وعلى علي وعلى عمرو ؛ فإن أردت فاحبسني عندك، فإن كانا قتلا وإلا خليت سبيلي فطلبت قتل علي، ولك علي أن أقتله وأن آتيك حتى أضع يدي في يدك، فقال بعض الناس: قتله يومئذ، وقال بعضهم: حبسه حتى جاءه خبر قتل علي فأطلقه .
وانطلق زادويه - [وقيل: إنه] عمرو بن بكر التميمي - إلى عمرو بن العاص، فوجد خارجة قاضي مصر جالساً على السرير يطعم الناس في مجلس عمرو، وقيل: بل صلى خارجة بالناس الغداة ذلك اليوم، وتخلف عمرو عن الصلاة لعارض، فضربه بالسيف فدخل عليه عمرو و به رَمَقٌ، فقال له خارجة: والله ما أراد غيرك، فقال عمرو: ولكن الله أراد خارجة، وأوقف الرجل بين يدي عمرو، فسأله عن خبره ؛ فقص عليه القصة وأخبره أن عليّاً ومعاوية قد قتلا في هذه الليلة فقال: إن قتلا أو لم يقتلا فلا بد من قتلك،
فبكي، فقيل له: أجزعاً من الموت مع هذا الإقدام؟ قال: لا والله، ولكن غماً أن يفوز صاحبي بقتل علي ومعاوية ولا أفوز أنا بقتل عمرو، فضربت عنقه وصلب.
وكان علي رضي الله عنه كثيراً ما يتمثل:
تلكم قريش تَمَنَّاني لتقتلني***فلا وربك ما بَرُّوا وما ظفروا
فإن هلكت فَرَهْن ذمتي لهمُ***بذات وَدْقَيْنِ لا يعفو لها أثر
وكان يكثر من ذكر هذين البيتين:
أشدد حيازيمك للموت***فإن الموت لاقيکا
ولا تجزع من الموت***إذا حَلَّ بـواديـکـا
وسمعا منه في الوقت الذي قتل فيه، فإنه قد خرج إلى المسجد، وقد عسر عليه فتح باب داره ، وكان من جذوع النخل، فاقتلعه وجعله ناحية، وانحل إزاره، فشده وجعل ينشد هذين البيتين المتقدمين .
وقد كان معاوية دَسَّ أناساً [من أصحابه] إلى الكوفة يشيعون موته، وأكثر الناسُ القول في ذلك حين بلغ علياً، فقال في مجلسه: قد أكثرتم من نعي معاوية، والله ما مات ولا يموت حتى يملك ما تحت قدمي، وإنما أراد ابن آكلة الأكباد أن يعلم ذلك مني، فبعث مَنْ يشيع ذلك فيكم ليعلم ويتيقن ما عندي فيه، وما يكون من أمر في المستقبل من الزمان، ومَرَّ في كلام كثير يذكر فيه أيام معاوية ومن تلاه من يزيد ومروان وبنيه وذكر الحجاج وما يسومهم من العذاب، فارتفع الضجيج، وكثر البكاء والشهيق، فقام قائم من الناس فقال: يا أمير المؤمنين، ولقد وصفت أموراً عظيمة، الله إن ذلك كائن؟ قال علي: والله إن ذلك لكائن، ما كذبت ولا كذبت، فقال آخرون: متى [يكون] ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا خضبت هذه من هذه، ووضع إحدى يديه على لحيته والأخرى على رأسه، فأكثر الناسُ من البكاء، فقال: لا تبكوا في وقتكم هذا فستبكون بعدي طويلاً، فكاتب أكثر أهل الكوفة معاوية سرًا في أمورهم، واتخذوا عنده الأيادي، فوالله ما مضت إلا أيام قلائل حتى كان ذلك، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب - بعد ذكرنا لزهده ولمع من كلامه - جملاً من أخباره أيضاً في أيام معاوية بن أبي سفيان، والله ولي التوفيق.
لم يلبس (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أيامه ثوباً جديداً، ولا اقتنى ضيعة ولا ربعاً، إلا شيئاً كان له بينبع مما تصدق به وحبسه .
والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة ؛ وتداول الناس ذلك عنه قولاً وعملاً.
وقيل له: مَنْ خيار العباد؟ قال: الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا [وإذا أعطوا شكروا] وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أغضبوا غفروا .
وكان يقول: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، الدنيا مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحيه، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، ومن ذا يذمها وقد آذنت بينها، ونادت بفراقها، ونَعَت نفسها وأهلها، ومثلت لهم ببلائها البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور، وراحت بفجيعة، وابتكرت بعافية ؛ تحذيراً وترغيباً وتخويفاً، فذمها رجال غب الندامة، وحمدها آخرون غب المكافأة، ذكرتهم فذكروا تصاريفها، وصدقتهم فصدقوا حديثها، فيا أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها، متى استدامت لك الدنيا ؟ بل متى غرتك من نفسها؟ أبمضاجع آبائك من البلى؟ أم بمصارع أمهاتك من الثرى؟ كم قد عللت بكفك ومَرَّضِتَ بيدك من تبغي له الشفاء وتستوصف له [الدواء من] الأطباء ! لم تنفعه بشفائك، ولم تسعف له بطلبتك، وقد مثلت لك به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك: غداً لا ينفعك بكاؤك، ولا يغني عنك أحبّاؤك - ولا تسمع في مدح الدنيا أحسن من هذا.
ومما حفظ كلامه في بعض في بعض مقاماته في صفة الدنيا أنه قال: ألا إن الدنيا قد ارتحلت مُدبرة، وإن الآخرة قد دنت مُقبلة، ولهذه أبناء ولهذه أبناء، فكونوا من أبناء
الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا، والراغبين في الآخرة، إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطاً والتراب فراشاً والماء طيباً، وقَوْضُوا الدنيا تقويضاً، ألا ومن اشتاق إلى الجنة سَلَا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن راقب الآخرة سارع في الخيرات، ألا وإن الله عباداً [كأنهم] يرون أهل الجنة في الجنة منعمين مخلدين، ويرون أهل النار في النار معذبين] قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، أنفسهم عفيفة، وحاجتهم خفيفة صبروا أياماً قليلة فصارت لهم العقبى، راحة طويلة، أما الليل فصافُوا أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى ربهم، ويسعون في فكاك رقابهم، وأما النهار فعلماء حكماء بَرَرَة أتقياء، كأنهم القداح بَرَاهم الخوف والعبادة ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى، وما بالقوم من مرض، إن خولطوا فقد خالطهم أمر عظيم من ذكر النار ومن فيها .
وقال لابنه الحسن: يا بني، استغن عمن شئت تكن نظيره، وسل من شئت تكن حقيره، وأعط من شئت تكن أميره .
ودخل عليه رجل من أصحابه فقال: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال: أصبحت ضعيفاً مُذنباً، آكل رزقي ، وأنتظر أجلي، قال: وما تقول في الدنيا؟ قال: وما أقول في دار أولها غم ، وآخرها موت، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، حَلَالُها حساب، وحرامها عقاب، قال: فأي الخلق أنعم؟ قال: أجساد تحت التراب، قد أمنت [من] العقاب، وهي تنتظر الثواب .
و دخل ضرار بن ضمرة - وكان من خواص علي - على معاوية وافداً، فقال له: صف لي علياً، قال: أغفني يا أمير المؤمنين، قال معاوية: لا بد من ذلك، فقال: أما إذا كان لا بد من ذلك فإنه كان والله يعبد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجِّرُ العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه يعجبه من الطعام ما خشن، ومن اللباس ما قصر [وكان والله] يجيبنا إذا دعوناه، ويعطينا إذا سألناه، وكنا والله - على تقريبه لنا وقربه منا - لا نكلمه هيبة له، ولا نبتدئه لعظمة في نفوسنا، يبسم عن ثغر كاللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويرحم المساكين، ويطعم في المسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة، يكسو العريان، وينصر اللهفان، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، وكأني به وقد أرخى الليل سُدُوله ، وغارت نجومه، وهو في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُرِّي
غيري، ألي تعرضت أم إليَّ تشوفت؟ هيهات هيهات!! لا حان حينك، قد أبنتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، عمرك قصير، وعيشك وحقير، وخطرك يسير، آه من قلة قلة الزاد [وبعد السفر] ووحشة الطريق.
فقال له معاوية: زدني شيئاً من كلامه، فقال ضرار: كان يقول: أعجب ما في الإنسان قلبه ، وله مواد من الحكمة، وأضداد من خلافها، فإن سَنَحَ له الرجاء أمَالَهُ الطمع، وإن مال به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه القنوط قتله الأسف، وإن عَرَض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعده الرضا نسي التحفظ، وإن ناله الخوف فضحه الجزع، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة فضحه الفقر، وإن أجهده الجوع أقعده الضعف، وإن أفرط به الشبع كَفَّته البطنة، فكل تقصیر به مضر، وكل إفراط مفسد.
فقال له معاوية: زدني كلما وعيته من كلامه، قال: هيهات أن آتي على جميع ما سمعته منه، ثم قال: سمعته يوصي كميل بن زياد [ذات يوم فقال له:] يا كميل ذُبّ عن المؤمن فإن ظهره حمى الله، ونفسه كريمة على الله، وظالمه خصم الله، وأحذركم من ليس له ناصر إلا الله .
قال: وسمعته يقول ذات يوم: إن هذه الدنيا إذا أقبلت على قوم أعارتهم محاسن غيرهم، وإذا أدبرت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم.
قال: وسمعته يقول: بَطَر الغنى يمنع من عز الصبر.
قال: وسمعته يقول: ينبغي للمؤمن أن يكون نظره عبرة، وسكوته فكرة، وكلامه حكمة .
وكان رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - بعد أن قتل جعفر بن أبي طالب الطيار بمؤتة من أرض الشام -
لا يبعث بعليّ في وجه من الوجوه إلا يقول: رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [الأنبياء: 89].)وحمل علي يوم أحد على كردوس من المشركين [خشن] فكشفهم، فقال جبريل: يا محمد، إن هذه لهي المواساة، فقال النبي(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ: «يا جبريل إن عليا مني» قال جبريل: وأنا منكم، كذلك ذكره إسحاق عن ابن إسرائيل وغيره.)ووقف على عليّ سائل، فقال للحسن: قل لأمك تدفع إليه درهماً، فقال: إنما عندنا ستة دراهم للدقيق فقال علي: لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده، ثم أمر للسائل بالستة الدراهم كلها، فما برح علي رضي الله عنه
حتى مر به رجل يقود بعيراً؛ فاشتراه منه بمائة وأربعين درهماً، وأنسا أجله ثمانية أيام، فلم يحل أجله حتى مر به رجل والبعير معقول فقال: بكم هذا؟ فقال: بمائتي درهم، فقال: قد أخذته، فوزن له الثمن، فدفع علي منه مائة وأربعين درهماً للذي ابتاعه منه، ودخل بالستين الباقية على فاطمة، فسألته: من أين هي ؟ فقال: هذه تصديق لما جاء به أبوک (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: 160]. ومرَّ ابن عباس بقوم ينالون من علي ويسبونه، فقال لقائده: أذنني منهم، فأدناه، فقال: أيكم السابُ الله؟ قالوا: نعوذ بالله أن نسب الله، فقال: أيكم الساب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نسب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقال: أيكم الساب علي بن أبي
طالب؟ قالوا: أما هذه فنعم، قال: أشهد لقد سمعت رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: «من سبني قد سب الله، ومن سب عليا فقد سبني» فأطرَقُوا، فَلمَّا ولي قال لقائده: كيف رأيتهم؟ فقال:
نظروا إليك بأعين مُزْوَرَّةٍ***نظر التيوس إلى شفار الجازر
فقال: زدني فداك أبي وأمي، فقال:
خُزْر العيون مُنكُسي أذقانهم***نظر الذليل إلى العزير القاهر
قال: زدني فداك أبي وأمي، قال: ما عندي مزيد [قال]: ولكن عندي:
أحياؤهم تجني على أمواتهم***والميتون فضيحة للغابر
وقد ذكر جماعة من أهل النقل عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي بن الحسين بن علي أن علياً قال في صبيحة الليلة التي ضربه فيها عبد الرحمن بن ملجم، بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): كل امرىء ملاقيه ما يفر منه، والأجل تُساق النفس إليه، والهرب منه موافاته ، كما اطردت الأيام أتحينها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله عز وجل إلا إخفاءه، هيهات علم مكنون .
أما وصيتي فالله لا تشركوا به شيئاً، ومحمداً لا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، حمل كل امرىء منكم مجهوده، وخفف عن الحملة رب رحيم، ودين قويم وإمام عليم، كنا في إعصار ذي رياح تحت ظل غمامة اضمحل راكدها فمحطها من الأرض حياً، وبقي من بعدي جُنَّة جأواء، ساكنة بعد حركة، كاظمة بعد نُطق، ليعظكم هدوئي وخُفُوتُ أطرافي، إنه أوعظ لكم من نطق البليغ، ودعتكم وداع امرىء مرصد
لتلاق، وغدا ترون ويكشف عن ساق، عليكم السلام إلى يوم المرام، كنت بالأمس صاحبكم واليوم عظة لكم وغداً أفارقكم، إن أفق فأنا ولي دمي، وإن أمت فالقيامة ميعادي، والعفو أقرب للتقوى، ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم.
ومن خطبه قبل هذا وتزهيده في هذا الدنيا قوله في بعض مقاماته وخطبه: إن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أشرفت وأقبلت باطلاع، وإن المضمار اليوم والسباق غداً، ألا إنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله فقد حسن عمله [وما قَصُرَ أجله، ومن قصر في أيام أجله خسر أجله، ألا] فاعلموا لله في الرغبة، كما تعملون في الرهبة، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، ألا وإنه مَنْ لم ينفعه الحق يضره الباطل، ومن لا يستقيم له الهدى يخزيه الضلال وقد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل.
وفضائل علي ومقاماته ومناقبه و [وصف] زهده ونسكه أكثر من أن يأتي عليه كتابنا هذا أو غيره من الكتب، أو يبلغه إسهاب مسهب، أو إطناب مُطنب، وقد أتينا على جمل من أخباره وزهده وسيره، وأنواع من کلامه وخطبه في كتابنا المترجم بكتاب «حدائق الأذهان، في أخبار آل محمد(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ ) وفي كتاب «مزاهر الأخبار، وطرائف الآثار، للصفوة النورية والذرية الزكية أبواب الرحمة وينابيع الحكمة ».
قال المسعودي: والأشياء التي استحق بها أصحاب رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الفضل هي: السبق إلى الإيمان، والهجرة، والنصرة الرسول الله(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والقربى منه [والقناعة] وبذل النفس له ، والعلم بالكتاب والتنزيل، والجهاد في سبيل الله، والورع، والزهد، والقضاء، والحكم، والفقه والعلم وكل ذلك لعلي رضي الله عنه منه النصيب الأوفر، والحظ الأكبر، إلى ما ينفرد به من قول رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حين آخى بين أصحابه «أنت أخي» وهو(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا ضد له، ولا ند، وقوله صلوات الله عليه: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» وقوله عليه الصلاة والسلام «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه» ثم دعاؤه(عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد قدم إليه أنس الطائر: اللَّهم أدخل إلى أحبَّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر»، فدخل عليه علي، إلى آخر الحديث، فهذا وغيره من فضائله وما اجتمع فيه من الخصال مما تفرق في غيره، ولكل
فضائل ممن تقدم وتأخر، وقبض النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهو راض عنهم، مُخبر عن بواطنهم بموافقتها لظواهرهم بالإيمان، وبذلك نزل التنزيل، وتولى بعضهم بعضاً، فلما قبض رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وارتفع الوحي حدثت أمور تنازع الناس في صحتها [منهم، وذلك غير يقين]، ولا يُقطع عليهم بها، واليقين من أمورهم ما تقدم، وما روي مما كان في أحداثهم بعد نبيهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فغير متيقن، بل هو ممكن، ونحن نعتقد فيهم ما تقدم، والله أعلم بما حدث، والله ولي التوفيق.
قد تم - بحمد الله تعالى وحسن توفيقه - تحقيق الجزء الثاني من كتاب «مروج الذهب، ومعادن الجوهر» للعلامة المسعودي، ويليه - إن شاء الله - الجزء الثالث منه، مفتتحاً بخلافة الحسن بن علي بن أبي طالب، نسأل الله القدير أن يمن علينا بإكماله، ويوفقنا ويعيننا على ضبطه وتجويده إنه ولي ذلك، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
ذكر السودان وأنسابهم واختلاف أجناسهم وأنواعهم وتباينهم في ديارهم،
وأخبار ملوكهم ...5
ولد کوش بن كنعان ومساكنهم ...5
الزرافة ...5
وقليمي ملك الزنج صيد الفيلة ...6
لعب الشطرنج ومقامرة الهند به الفيل ببلاد الهند ...7
حيوان الزبرق ... 8
عناية المنصور بالفيلة ...11
عود إلى وصف الفيل ...11
عود إلى وصف الزنج ...13
البقر والجواميس ...13
تفسير لقب ملك الزنج ...14
مساكن النوبة ...14
البجة ...15
الحبش ...15
جزيرة سقطرة وسكانها ...16
بقية أجناس السودان ...16
بين النوبة وفاتح مصر ...17
معدن الزمرد وأنواعه ...18
قوص وقفط من بلاد مصر... 20
الواحات ...21
أعداد الطعوم وخواصها ...21
وصف بلاد الأحابش وحاصلاتها...22
من أوصاف الفيل أيضاً... 23
نسب الصقالبة وأجناسهم ذكر الصقالبة ومساكنها وأخبار ملوكها، و(تفرق) أجناسها . . 25
ملوك الصقالبة...26
أجناس الصقالبة...26
نسبهم وصفاتهم مساكنهم ذكر الإفرنجة،والجلالقة وملوكها (وما يتصل بذلك)...27
ملوك الإفرنجة...28
بين عبد الرحمن والجلالقة...29
ذكر النوكبرد وملوكها...30
نسبهم ومساكنهم... 30
نسب عاد وعبادته وأولاده...31
ذكر عاد وملوكها...31
عاد الأولى...31
عاد أول ملك بعد نوح...32
شديد بن عاد...32
شداد بن عاد... 32
ذكر ثمود وملوكها، وصالح نبيها... 33
مساكن ثمود ...33
ملوك ثمود ...33
صالح رسول الله إلى ثمود ...33
ذكر مكة وأخبارها وبناء البيت ومن تداوله من جرهم وغيرها، وما لحق بهذا الباب ...36
سكن إسماعيل وأمه بمكة ...36
نزول العماليق معهما ...36
زيارة إبراهيم الأولى لابنه ...37
نزول جرهم مكة ...37
زيارة إبراهيم الثانية... 37
سر تسمية إسماعيل...38
أبناء إسماعيل ...38
بناء الكعبة ...38
ولاة البيت من جرهم وأبناء إسماعيل... 38
إساف ونائلة صنمان... 39
رواية أخرى في الولاة بمكة ...40
العماليق ...40
طسم وجديس ...41
أصحاب الرس ...41
النبيط ...41
مساكن عاد وثمود وجديس وطسم وعيلام ونبيط ...41
دعوى الشعوبية ...42
الرد على الشعوبية ...42
ولاية خزاعة أمر البيت ...43
عمرو بن لحي أول من عبد الأصنام ...44
خصال ولاية البيت ثلاثة خصال... 44
النسء والنسأة ...45
ولاية البيت تؤول إلى قصي بن كلاب ...45
قريش البطاح ...46
قريش الظواهر ...46
الأحلاف ...46
المطيبون ...46
الإيلاف والتقريش ...47
ذكر جوامع (من) الأخبار، ووصف الأرض والبلدان وحنين النفوس للأوطان ...48
عمر بن الخطاب يستوصف بقاع الأرض... 48
تأثير البيئة الطبيعة ... 48
الشام ...48
مصر ...49
اليمن... 49
الحجاز ...49
المغرب ...49
العراق ...49
الجبال ... 50
خراسان ...50
فارس ...50
خوزستان... 50
الجزيرة ...50
الهند والصين ...51
كعب الأحبار يصف لعمر العراق ...51
وصف إقليم بابل وحنين المؤلف إليه ...51
الحنين إلى الأوطان ..52.
فضل علم الأخبار ...53
فضل الكتاب ...53
ذكر تنازع الناس في المعنى الذي من أجله سُمي يمناً، والعراق عراقاً والشام شاماً، والحجاز حجازاً ...55
ذكر اليمن وأنسابها وما قاله الناس في ذلك ...56
ذكر اليمن وملوكها، ومقدار سينها ...59
سبأ ...59
حمير ...59
كهلان ...59
عمرو بن سبأ ...59
قول آخر ...59
جماعة من ملوك اليمن ...60
ذو الأذعار ...60
تبع الأول ...60
بلقيس وسليمان ... 60
بقية ملوك اليمن ...61
أبرهة أبو يكسوم ...62
أبو رغال ...62
قبر العبادي ...63
مسروق بن أبرهة ...64
وفود العرب تهنىء معد يكرب ...66
عبد المطلب يهنىء الملك...66
أبو زمعة يهنئه ...67
مقتل معد يكرب ...67
رواية عبيد بن شريَّة ...67
ملك فارس باليمن... 69
ملك اليمن في أبناء إبراهيم... 70
عاصمة اليمن ...70
مساحة اليمن وحدوده ...72
ذكر مُلوك الحيرة من بني نصر وغيرهم... 72
جذيمة الوضاح ومقتله ...72
مالك بن فهم ...72
عمرو بن عدي ...72
قصة عمرو بن عدي ...73
قصة نديمي جذيمة ...73
بين الزباء وجذيمة ...74
عمرو بن عدي يأخذ بثار خاله ...76
بقية ملوك الحيرة ...78
بين النابغة والنعمان ...79
بین النعمان وزيد بن عدي وكسرى ...80
بنت النعمان عند سعد بن أبي وقاص ...81
خراب الحيرة ...83
ذكر ملوك الشام من اليمن من غسان وغيرهم من الملوك ...84
أول ملوك الشام ...84
تنوخ ونسبها ...84
سليح ونسبها ...84
ملوك غسان على الشام ...85
حسان والحارث الغساني ...85
جبلة بن الأيهم... 86
منازل غسان... 86
ذكر البوادي من العرب وغيرها من الأمم وعلة سكناها البدو وجمل من أخبار العرب وغير ذلك مما اتصل بهذا المعنى ...88
بين دعبل والكميت ...88
بين تبع وقباذ ملك الطوائف... 89
أولاد نزار بن معد... 90
قصتهم مع الأفعى الجرهمي... 90
علة سكنى البدو... 93
خطيب العرب عند كسرى يعلل اختيار قومه البداوة ...95
الأكراد ونسبهم ومساكنهم ...96
بعض أيام العرب ...97
ذكر ديانات العرب وآرائها في الجاهلية وتفرقها في البلاد، وخبر أصحاب الفيل وعبد المطلب وغير ذلك ما لحق بهذا الباب ...98
ديانات العرب في الجاهلية ...98
عبد المطلب بن هاشم... 99
أصحاب الفيل ...99
القول بتناسخ الأرواح ...100
الاختلاف في إيمان عبد المطلب ...102
أبو طالب... 102
اختلاط الألسنة ... 103
مسير يعرب وسكناه اليمن... 103
مسیر عاد إلى الأحقاف ...103
إرم ذات العماد ...103
نزول ثمود الحجر ...104
مسیر جديس إلى اليمامة... 104
مسیر عملاق إلى مواضع مختلفة ...104
أذينة بن السميدع العملاقي ...105
مسير طسم إلى البحرين ...105
عملوق الظالم ملك طسم ...106
التفكير في الانتقام ...107
رباح الطسمي يستنجد حمير على جديس ...108
زرقاء اليمامة ...109
مسير وبار بن أميم ...109
مسير عبد ضخم للطائف... 111
بدء الكتابة بالعربية ...111
مسير جرهم إلى مكة ...111
مسير أميم إلى فارس ...111
أول امرىء بنى البيوت أميم بن لاوذ ...111
أنساب البربر ...112
الشام بلاد كنعان ...112
مسير نوفير إلى الهند ...112
عبادة عاد، وبغيهم ...112
أصل الشرك ...112
وفود عاد على مكة ...113
مهلك عاد ...114
الجحفة ...114
يثرب ...115
قوم شعیب ...115
حروف الجمل... 115
عذاب يوم الظلة ...116
حضورا تنازع الناس في أنسابهم ...116
منازل حضورا ...117
ذكر ما ذهب إليه العرب في النفوس والهام والصَّفر وغير ذلك من مذاهب الجاهلية في النفوس والمريء) ... 118
الاختلاف في النفس ...118
الهام ...118
تنقل الأرواح ...119
ذكر أقاويل العرب في الغيلان والتغول وما لحق بهذا الباب ...120
رأيهم في الغول ...120
الغول تتلون وتضلل ...120
رأي الفلاسفة ...121
قولهم في السعلاة... 122
قولهم في الشياطين ونحوهم ...122
ذكر قول العرب في الهواتف والجان ...124
قولهم في الهواتف والجان ...124
بين شق وعلقمة بن صفوان... 124
الجن تقتل حرب بن أمية ...125
ممن قتلته الجن ...
قبر حاتم طيىء يقري الضيف ...
ذكر ما ذهبت إليه العرب من القيافة والزجر (( والعيافة والسانح والبارح وغير ذلك ....
الخلاف في القيافة وجوازها ...
اختصاص العرب بذلك ...
منشأ القيافة ...
الزجر ...
اختصاص بعض العرب ببعض هذه الأمور ...
القيافة ...
القيافة عند أهل الشرع ...
ذكر الكهانة، وما قيل في ذلك وما اتصل بهذا الباب مما يراه الناس وحدّ النفس الناطقة ... 133
أصل ادعاء علم الغيب ...133
العرافة وبعض العرافين ... 134
الكهانة في العرب ...135
الرؤيا وأسبابها ...135
سطيح وشق الكاهنات ...138
ذكر جمل من أخبار الكهان وسيل العزم وتفرق الأزد في البلدان ...139
السد وبانيه ومكانه ...139
وصف بلاد سبأ ...139
مبدأ التهدم ...140
العرم... 141
مفاخرة عند السفاح بين قحطاني وعدناني ...141
العرم في شعر العرب ...141
طول العمر وعمر النسور ...142
علة طول الأعمال ونقصها ...142
عود لذكر سبأ ...143
طريفة الكاهنة ...143
عمرو بن عامر يتحيل للخروج من بلاده ...145
عبادة أهل مأرب وصنعهم مع رسلهم ...147
أول كهانة سطيح الغساني ...148
ذكر سني العرب والعجم وشهورها وما اتفق منها، وما اختلف ...149
ذكر شهور القبط والسريانيين والخلاف في أسمائها وجمل من التاريخ ...150
شهور القبط ومقابلها من شهور السريان ...150
سنة القبط ...150
مبدأ التواريخ ...150
أوائل كل تاريخ ...151
ذكر شهور السريانيين ووصف موافقتها الشهور العرب وعدة أيام السنة ومعرفة الأنواء ...152
شهور وأيام كل شهر ...152
سر تسمية المهرجان ...152
بطارقة النصارى ...153
مشهور كنائسهم ...153
عود إلى الشهور وأيامها ...154
أيام العجوز ...154
شهور الروم ...155
ذكر شهور الفرس ...156
أسماء الشهور وعدة أيامها ...156
ذكر أيَّام الفُرس...157
أسماء الأيام ...157
كبس الفرس ...157
ذكر سني العَرَب وشهورها ... 158
أسماء الشهور ...158
إيماء إلى النسيء ...158
وتسمية أيامها ولياليها الأشهر الحرم ...159
شهور الحج ...159
تسمية أيام التشريق ...159
الأيام النحسات ...160
أسماء الأيام عند العرب قديماً ...160
أسماء الشهور عند العرب ...160
الأزمنة الأربعة ...160
شهور الروم مرسومة على فصول السنة دون شهور العرب ...161
ذكر قول العرب في ليالي الشهور القمرية وغيرها ...162
تقسيم الليالي ثلاثاً وثلاثاً واسم كل ثلاث ...163
أسماء الهلال والليالي ...163
ذكر القول في تأثير النيرين في هذا العالم وجمل ما قيل في ذلك وغير ذلك تما لحق بهذا الباب ...164
تصور الجنين في الرحم ...164
يشبه الولد أباه وأهل بيت أبيه ...165
الاختلاف في تأثير النيرين ...166
كروية السماء والأرض ...166
ذكر أرباع العالم، والطبائع وما خص به كل جزء منه من الشرق والغرب والتيمن والجنوبي والأجوبة، وغير ذلك من سلطان الكواكب وما لحق بهذا الباب (واتصل بهذا المعنى) ...169
الطبائع الأربع ...169
علة عدم سكنى بعض الأرض ...170
مدة سلطان الكوكب ...170
أجناس الأجسام ...171
الجن وأنواعها ...172
النسناس ...172
العنقاء ...174
خالد بن سنان العبسي ...175
الخيل ...175
الكلام على الأخبار ...176
أمثله من الأخبار ...177
عود إلى ذكر أرباع العالم والطبائع ...177
للطعام انهضامات ثلاثة ...177
فصول السنة وأثر كل منها... 178
الهواء وأثره في الإنسان والحيوان ...178
الاستدلال بالأقاليم على تأثير الهواء ...179
أثر الجنوب ...179
أثر الشمال ...180
الرياح الأربعة ...180
مساحات الممالك وما بينها من المسافة ...180
أصول الطب ...182
ذكر البيوت المعظمة، والهياكل المشرفة ...183
عبادة الهند واتخاذهم الأصنام ...183
عبادتهم الكواكب واتخاذهم أصناماً لها ...183
وبيوت النيران والأصنام وذكر الكواكب وغير ذلك من عجائب العالم ...183
بوداسف أول الصابئة ...184
جم أول من دعا إلى عبادة النار ...184
عمرو بن لحي أظهر الأصنام بمكة ...184
البيت الحرام ...185
بيت للمجوس بأصبهان ...185
بيت بالهند... 185
بيت البرامكة ببلخ ...185
غمدان بصنعاء ...186
بيت بفرغانة بخراسان... 186
بيت بالصين ...187
ذكر البيوت المعظمة عند اليونانيين ...188
بيت أنطاكية ...188
الأهرام بمصر ...188
بيت المقدس ...188
ذكر البيوت المعظمة عند أوائل الرّوم ...189
بيت قرطاجنة ...189
بيت بإفرنجة .. 189
بيت مقدونية... 189
ذكر البيوت المعظمة عند الصقالبة ...190
البيت الأول ...190
البيت الثاني ...190
البيت الثالث ...190
ذكر البيوت المعظمة والهياكل المشرفة للصابئة وغيرها وغير ذلك مما لحق بهذا الباب واتصل بهذا المعنى ...191
هيكل العقل والعلة الأولى... 191
جملة من هياكلهم ...191
القول في تنقل الأرواح ...192
المقولات ...193
عود إلى الكلام عن الصابئة الصابئة ... 193
ذكر الأخبار عن بيوت النيران، وغيرها ...195
رأيهم في النار والنور ...195
أماكن بيوت النيران ...195
زرادشت والبيوت التي اتخذها ...196
بيت بإصطخر ...196
وصف يصف بيتاً بإصطخر والناس...196
بيت بسابور ...197
بيت بجور... 197
بيوت أخرى...198
حصن الحضر... 198
قول في نسب النعمان بن المنذر ...198
جملة من بيوت النار ...200
بيت بعل ...200
جيرون بدمشق ...200
كتاب ألف ليلة وليلة ...201
أصل مسجد دمشق ...201
البريص بدمشق ...201
الديماس بأنطاكية ...201
بعض عجائب الدنيا ...202
محاولات قديمة لوصل بحر الروم بالبحر الأحمر ...203
ذكر جامع التاريخ ...205
بعض قول الطبيعيين ...205
من بدء العالم إلى مولد رسول الله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)... 205
وما لحق بهذا الباب ...205
دليل على حدوث العالم ...206
المحدث للعالم ... 206
عمر الدنيا ...207
رأي أهل النظر من المسلمين ...208
ذكر مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ونسبه وغير ذلك تما لحق بهذا الباب... 210
تقديم ...210
نسبه الشريف ...210
الخلاف في نسب معد بن عدنان ...210
كنية الرسول ...211
أسماؤه ...212
مولده ...212
حروب الفجار ...212
بطون قريش ...212
حلف الفضول ...213
سبب حلف الفضول ...213
الفجارات ...213
قريش تبني الكعبة ...214
وضع الحجر الأسود ...214
كسوة الكعبة ...215
تحديد المولد... 215
نسب أمه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...216
أحداث قبل النبوة ...216
ذكر مبعثه وما جاء في ذلك إلى هجرته ...217
مجمل ...217
تحديد المبعث...217
إسلام علي بن أبي طالب ...217
إسلام أبي بكر ومن أسلم بإسلامه ...218
الخلاف في أول من أسلم ...218
ذكر هجرته، وجوامع نما كان في أيامه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى وقت وفاته ...219
علته ووفاته ...220
غزواته ...221
ترتيبها ...221
قول الواقدي في غزواته ...221
سراياه وبعوثه ...222
مشاهير الأحداث ...222
النزاع في عمره عليه الصلاة والسلام ...223
ذكر أمور وأحوال من مولده إلى وفاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...224
تقدمة ...224
السنة الأولى من مولده ...224
السنة الخامسة ...224
السنة السادسة ...224
خروجه إلى الشام ...224
شهوده الفجار ...225
ست و عشرين ...225
ست وثلاثين ...225
إحدى وأربعين ...225
ست وأربعين ...226
سنة خمسين ...226
إحدى وخمسين ...226
أربع وخمسين ...226
اثنتين من الهجرة ...226
ثلاث من الهجرة ...227
أربع من الهجرة ...227
خمس من الهجرة ...227
ست من الهجرة ...227
سبع من الهجرة... 227
ثمان من الهجرة ...228
فتح مكة .... 228
تسع من الهجرة ...228
عشر من الهجرة... 228
إحدى عشرة من الهجرة ...229
أولاده (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 229
تقدمة... 230
آتاه الله الحكمة ... 230
ذكر ما بدأ به عليه الصلاة والسلام من الكلام ...230
تقدمة ...230
آتاه الله الحكمة ...230
ذكر ما بدأ به عليه الصلاة والسلام من الكلام تما لم يحفظ قبله عن أحد من الأنام ...230
من موجز كلامه ...231
باب ذكر خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ...234
جماع تاريخه ...234
ذكر نسبه، ولمع من أخباره وسيره ...235
نسبه ...235
صفاته ...235
تواضعه وزهده ونسكه ...235
وفود العرب إليه ...235
بين أبي بكر وأبي سفيان ...236
نسب أمه ...236
أولاده ...236
موت أبي قحافة ...237
يوم السقيفة ...237
عدي بن حاتم الطائي ...237
علته ...237
كلام له ...237
بناته ...238
بيعة علي إياه ...238
وصيته لأمراء جيشه ...238
المتنبئون ...239
ذكر خلافة عمر بن الخطاب (رَضِیَ اللَّهُ عَنهُ ) ...240
ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره ...241
موجز ...241
نسبه ...241
صفاته ...241
عماله ...241
سلمان الفارسي أبو عبيدة ...242
عمر يحرض على الجهاد ...242
سعد بن أبي وقاص ...245
أيام القادسية ...246
أبو محجن الثقفي ...248
يوم عماس ...249
تحديد تاريخ القادسية ...251
تمصير البصرة ...251
تمصير الكوفة ...252
أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ...252
أولاد عمر ...253
عمر وابن عباس ...253
عمر يستعمل النعمان بن مقرن غازياً لنهاوند ...253
شهداء نهاوند ...255
عمر يسأل عمرو بن معد يكرب عن قبائل من العرب ...255
ويسأله عن الحرب ...256
عمرو يحدث عمر عن فراره ذات مرة ...256
عمرو بن معد يكرب يغير على بني كنانة... 258
ذكر خلافة عثمان بن عفان ...260
نسبه وأولاده ...261
صفا ...261
ثروته ...261
ثروة الزبير بن العوام ...262
ثروة طلحة بن عبيد الله ...262
ثروة عبد الرحمن بن عوف ...262
ثروة قوم من الصحابة ...262
عمال عثمان ...263
الوليد بن عقبة ...263
سعيد بن العاص ...265
بدء الطعن على عثمان وسببه ...266
الوليد بن عقبة ويهودي مشعوذ ...266
بين عثمان وأبي ذر ...268
عمار بن ياسر ...268
الثورة على عثمان ...269
مقتله، وقتلته ...271
مدفنه ...271
ما قيل فيه من الرثاء ...271
ذكر خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه! ...273
ذكر نسبه، ولمع من أخباره وسيره ...274
موجز ...274
نسبه ...274
إخواته وأخواته ...274
مسيره إلى البصرة... 275
قتلى صفين وأيامها... 275
التقاء الحكمين ...276
حربه مع الخوارج ...276
بنو أمية عند علي ...276
عمرو بن العاص... 277
المغيرة بن شعبة ينصح علياً ثم يرجع ...277
ذكر الأخبار عن يوم الجمل وبدئه وما كان فيه من الحرب، وغير ذلك ...279
تدبير الخروج على علي ...279
المسير إلى البصرة ...279
مسير علي إلى العراق ...280
قدوم علي البصرة ...280
مبدأ القتال ...282
خطبة لعلي قبل الالتحام ...282
بين علي والزبير ...283
مقتل الزبير ورثاؤه ...284
بين علي وطلحة ...284
ترجمة طلحة ...285
مقتل محمد بن طلحة ...285
دخول على البصرة ...287
بين ابن عباس وعائشة ...287
حزن علي على القتلى ...288
خروج عائشة من البصرة... 288
مسيره إلى الكوفة ...289
علي يبعث إلى معاوية ...290
بين المغيرة ومعاوية ...290
ذکر جوامع مما كان بين أهل العراق وأهل الشام بصفين ...292
مسيره إلى صفين ...292
عدد جيشه ...292
جيش معاوية ...292
مبدأ الحرب ...294
خروج علي للقتال ...296
عمار بن ياسر ...297
مصرع هاشم المرقال ...298
حذيفة بن اليمان وابناه ...299
مقتل عبيد الله بن عمر...300
ليلة الهرير ...303
خدعة رفع المصاحف... 303
ذكر الحكمين وبدء التحكم ...305
شروط الحكم وموعد الاجتماع ...305
عدة قتلى صفين ...306
بعد التحكيم ...306
الخوارج الحرورية ...307
التقاء الحكمين ...307
تمام الخدعة ...309
ما قيل من الشعر في التحكيم ...310
خدعة معاوية لعمرو بن العاص ...311
بين علي وأصحابه ...312
ذكر حروبه رضي الله عنه مع أهل النهروان وما لحق بهذا الباب من مقتل محمد بن أبي بكر الصديق (رضی الله عنه) والأشتر النخعي، وغير ذلك ...314
اجتماع الخوارج ومسير علي إليهم ...314
المخدج ذو الثدية ...315
تفرق أصحاب علي وردتهم ...316
ولد سامة بن لؤي وعلي ...316
عمرو بن العاص ومحمد بن أبي بكر في مصر...317
ولاية الأشتر ومقتله بالعريش مسموماً ...318
فرق المعاملة بين الجمل وصفين وسره ...318
ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(رضی الله عنه)...320
المؤامرة ...320
ابن ملجم وقطام ...320
وصية علي لأولاده ...321
سنه وفضله ...322
تركته ...322
فعلهم بابن ملجم ... 322
البرك ومعاوية ...324
زادويه وعمرو بن العاص ...324
ذكر لمع من كلامه وأخباره وزهده رضوان الله عليه ...326
خيار العباد ...326
وصف الدنيا ...326
وصف علي عند معاوية ...327
من كلامه ...328
وصيته يوم موته ...329
تزهيده في الدنيا ...330
فضائله رضي الله عنه... 330
الفهرس... 333