ghaemiyeh.com
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القَرشي
تحقيق: مهدي باقر القرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م
عدد النسخ :1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء «7» : 490 - 275 - 1964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)
مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء السابع
الامام عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)
تأليف
باقر شريف القَرشي
تحقيق
مهدي باقر القرشي
مؤسّسة الامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
لإحیاء تراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
محرر الرقمي: مرتضی حاتمي فرد
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الامام عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء السابع
الامام عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)
القَضَاءُ وَ الوُلاةُ والاحتجاجات
تأليف
باقر شريف القَرشي
تحقيق
مهدي باقر القرشي
مؤسّسة الامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
لإحیاء تراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القَرشي
تحقيق: مهدي باقر القرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م
عدد النسخ :1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء «7» : 490 - 275 - 1964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)
مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«كَانَ النَّاسُ أُمَّةٌ وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّه النبيّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بالحقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ»
البقرة 2 : 213
«يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ»
ص 38: 26
«ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»
النحل 16: 125
«وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلاهُنَا وَإِلَاهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ»
العنكبوت 29: 46
1 - الإسلام لطف من اللّه على عباده، ونور يهديهم للتي هي أقوم، يقيم أودهم، ويصلح شؤونهم، وينشر الأمن والاستقرار في نواديهم ومجتمعاتهم.
إنّ رسالة الإسلام بمحتوياتها وبنودها المشرقة تستهدف رفع مستوى الإنسان في سلوكه وتهذيبه وأخلاقه، وتبعده عن جميع منشآت التخلّف، وتنشئه نشأة صالحة كريمة يسودها الوعي والقيام بما عليه من حقوق وواجبات تجاه نفسه وأسرته و مجتمعه، ولا يتردّى في مجاهل الحياة البائسة القأئمّة التي تحوطها الفوضى والنزاع والخصومات، والتي يعيش فيها ابن آدم المجهود المكدود على أعصابه يطارده الرعب، وينهش جسمه الفقر والحرمان.
ولم تشرّع الأديان السماوية والمذاهب الاجتماعية فيما قنّنته من أحكام لصالح الإنسان في جميع قضاياه وشؤونه، وإنما تبنّت بعض جوانب الحياة، ولم تستوعبها بصورة دقيقة وشاملة.
أمّا الإسلام - والحمد للّه - فقد تبنّى فيما شرعه من أحكام تكليفيّة ووضعيّة جميع شؤون الإنسان، ووضع لها الحلول الحاسمة التي تحسم الداء، وتقضي على جميع مشاكل الإنسان وأزمات حياته، ولا تدع أية ثغرة يسلك فيها لإفساد مجتمعه إلّا سدّتها وقضت عليها.
2 - وكان من أروع ما قننه الإسلام في الاصلاح الاجتماعي والفردي أنّه ربط بين الجماعات الإسلامية ربطاً وثيقاً، فاخى بين المسلمين، وجعل الرابطة الإسلامية أقوى من رابطة النسب والدم، فجعل المسلم أخا المسلم بجميع ما تنشده هذه الكلمة من معنى، فأمر كلّ مسلم أن يخلص في الحب لأخيه المسلم، يحبّ له كما يحبّ لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، وجعل المسلم أخا المسلم عينه ودليله.
ومن المؤكّد إذا سادت هذه الروح الطيبة بين المسلمين فلا يعقل بأي حال من الأحوال أن تحدث بين المسلمين النزاعات والخصومات، ولا بد أن تغلق أبواب المحاكم، ويلقى الستار على مكاتب المحامين.
3 - أمّا القضاء الإسلامي - بحسب ما قنّن فيه من قيم وبحوث - فهو من ذخائر الفكر الإسلامي، ويعتبره علماء القانون من المناجم التي يقتبسون منها، ويشرّعون من أحكامه، فقد أخذت منه اوربا وغيرها الكثير من الأحكام السائدة في محاكمهم وكلياتهم المتخصصة في هذا الموضوع.
وكان من أروع ما امتاز به القضاء الإسلامي استقلاله وعدم خضوعه لأيّة سلطة في جهاز الدولة، وأنه يجب على جميع الأجهزة أن تخضع لما يصدره من أحكام ومقررات، وأنّ المرجع الأعلى في الدولة يجب عليه أن يحضر أمام القضاء إذا أُقيمت عليه دعوى من بعض المواطنين، وليس له أيّة حصانة.
وليس السبب في روعة القضاء الإسلامي وأصالته استقلاله وعدم خضوعه وارتباطه بأية سلطة من جهاز الدولة، وإنما لما أحيط به من أحكام قنّنت في منتهى الدّقة والإحكام، مضافاً إلى ما حوته مصادر القضاء من آداب وتعاليم تتعلّق بالقضاة من حيث طاقاتهم العلمية، وأن يكونوا في أرقى المستويات من حيث النزاهة والعدالة، فإذا لم تتوفّر فيهم هذه الصفات فليس لهم من سبيل للتصدّي لهذه الوظيفة التي يجب أن تناط بأفضل أهل العلم كفاءة وتحرجاً في الدين.
4 - والشيء المحقّق أنّ صلاح الأُمّة بجميع شرائحها منوط بصلاح القضاء، الذي فيه يسود الأمن، ويحسم الاعتداء والظلم، وتنشر العدالة في البلاد، وأما إذا فسد القضاء وخضع للمؤثّرات الخارجية فإنّ الأُمّة تشيع فيها الجريمة، وتصاب بشلل فكري واجتماعي، وتسود فيها الفوضى واللّامبالاة ولا يأمن أي فرد على نفسه وعرضه وماله.
إنّ فساد القضاء من أقسى الكوارث وأمرّ الخطوب التي تحلّ بالمجتمع، فإنه يفقد الأمن والاستقرار، ويفقد جميع مقومات الحياة، وقد اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بصلاح القضاء وسلامته من كلّ زيغ وانحراف.
وموضوع هذا الكتاب التحدّث عن قضاء الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنما ذكرنا الفصول المتقدّمة تمهيداً أو استطراداً - كما يقول علماء الأصول - للبحث عن قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد برز على مسرح القضاء الإسلامي كألمع شخصية علمية موهوبة عرفها التاريخ الإسلامي في فنّ القضاء وغيره من البحوث الفقهية.
لقد كان الإمام الملهم العظيم أوّل من وضع معظم أسس القضاء، وميّز بين الحقّ والباطل في دعوى المتخاصمين التي أحيطت بكثير من الغموض والإبهام، وقد استطاع بأروع الأساليب أن يكشف الحق، ويزيح الالتباس، الأمر الذي أثار إعجاب علماء القانون والقضاة، ومنه استمدوا الكثير من المعلومات في التمييز بين الدعاوى ومعرفة الحقّ فيها
5 - وتقلّد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) منصب القضاء أيام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وذلك حينما بعثه إلى اليمن، ولم يختبره وذلك لعلمه به، وإنّما نبهه على أدب القضاء (1)فقال له : إذا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَر كَمَا سَمِعْتَ مِنَ
1) الآداب السلطانية : 46.
الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَىٰ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضاءُ.
قال الإمام : فَما زَلتُ قاضياً، وَمَا شَكَكْتُ فِي قَضاءِ بَعْدُ (1):
وقد نبغ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في القضاء والفتيا، ولم يضارعه أحد في هذا المجال، وقد قلّده النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وساماً رفيعاً وميّزه على بقية أصحابه فقال : أَقْضاكُمْ عَلِيٌّ.
وأجمع الرواة على أنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان المرجع الأعلى للقضاء والفتيا أيام حكومة الخلفاء لا يعدون رأيه فيما يقضي ويفتي به، خصوصاً في عهد عمر بن الخطاب، فقد شاعت كلماته : «لولا عليّ لهلك عمر»، وقال غير مرة : «لا أبقاني اللّه المعضلة ليس لها أبو الحسن»، لقد اعترف عمر بتفوّق الإمام الملهم العظيم عليه وعلى غيره في ميدان القضاء، وغيره من بحوث الفقه، ومن المؤكّد أنه لا يوجد أحد من الصحابة وغيرهم يضارع الإمام في القضاء وغيره من مسائل الفقه.
6 - وأثار إعجاب العلماء والمحققين من قدامى ومحدثين روعة قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما فيه من أصالة وإبداع، فألّفوا مجموعة من الكتب تناولت بصورة شاملة قضاءه في مختلف القضايا والشؤون منها ما يلي :
1 - كتاب قضايا أمير المؤمنين لمحمّد بن قيس البجلي، وهو من أصحاب الإمام الصادق والكاظم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)(2).
2 - كتاب قضايا الإمام أمير المؤمنين للمعلّى بن محمّد البصري (3).
3 - عجائب أحكام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) محمّد بن علي بن إبراهيم (4)، وهذه من
المخطوطات، ولعلها توجد في بعض خزائن المخطوطات في العالم الإسلامي وغيره.
4 - عجائب أحكام وقضايا ومسائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب العجيبة للإمام السيّد محسن الأمين، طبعت عام 1366هـ.
5 - قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للعلامة المحقق الشيخ محمّدتقي التستري، طبع بالمطبعة الحيدرية سنة 1373هـ.
وحيث أنا وفّقنا إلى دراسة (حياة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)) فلا بدّ لنا من البحث عن قضائه، الذي يمثل سعة علومه، وقدراته العلمية على حلّ المسائل المعقّدة التي يصعب على القضاة والحكّام حلّها وكشف ما فيها من التباس وغموض. ولا أدّعي أنّي قد ألممت في هذا الكتاب بجميع ما أثر عن هذا الإمام الملهم العظيم في مسائل القضاء، فإنّ هذا أمر بعيد المنال.
يعرض هذا الكتاب - الجزء التاسع - في اللغة أوّل بحوثه إلى مدلول القضاء في والشرع، وما يرتبط بذلك من بحوث، كما يعرض إلى بعض أقضية الإمام في عهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأيام الخلفاء، وفي عهد حكومته.
ومن الجدير بالذكر أن قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو من ركائز الفقه الإسلامي الذي يتناول جميع متطلّبات الحياة وشؤونها، وقد برز فيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان السلام، فكان من عمالقته عمالقته ومن منابعه، ومنه استمدّ الفقهاء والعلماء ما يفتون به.
8 - إنّ من أهمّ ما عنى به الإسلام في تشريعاته السياسية وأنظمته الإدارية هو العمل على تطوير البلاد في ميادين الزراعة والصناعة، وحماية المواطنين من المرض والفقر، وتوفير الفرص المتكافئة لهم، وضمان ما يحتاجون إليه من ضروريات الحياة وغيرها.
ومن المؤكّد أن أهمّ الوسائل الفعّالة لإقامة مجتمع متوازن في سلوكه وأمنه ورخائه،
تستند أولاً وبالذات إلى الجهاز الحاكم، فهو المسؤول عن إيجاد الفعاليات التي تؤدي إلى تقدّم البلاد وازدهار الحياة فيها.
ولا تقتصر مسؤوليات الدولة في الإسلام على جهة خاصة من حياة المواطنين وإنّما تشمل جميع صور الحياة وألوانها، والتي منها العمل على رخاء المجتمع ورفاهية عيشه، وذلك بتوفير العمل لهم والقضاء على البطالة التي هي من مصادر الجريمة في البلاد... كما أنّ من الواجبات على الدولة مراقبة السوق بدقّة وحزم لمنع الاحتكار وإزالة السلع الفاسدة التي تضر بالصحّة العامّة.
إن الدولة في الإسلام يجب أن تكون عيناً ساهرة محيطة بأحوال المجتمع وشؤونه والتي منها إشاعة العلم وإقصاء الجهل، فإنّ الأمة يستحيل أن تحتل مركزاً كريماً تحت أشعة الشمس وهي غارقة بالجهل.
9 - وشيء بالغ الأهمية في سياسة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد العدالة الاجتماعية في دنيا الإسلام أنه تبنى بصورة إيجابية شؤون الموظفين من ولاة وعمال وجباة، واحتاط في أمورهم أشدّ ما يكون الاحتياط فلم يولّ أي أحد منهم عملاً إلا بعد الفحص التام عن عدالته ونزاهته وخبرته وإخلاصه في العمل، وقد وقف مع طلحة والزبير موقفاً اتسم بالشدّة والصرامة حين أظهرا له رغبتهما الملحة في الولاية، فرفض أشدّ ما يكون الرفض طلبهما لأنه كان على علم أنهما يتخذان مال اللّه دولاً وعباده خولاً، ويستخدمان السلطة لتنفيذ رغباتهما.
كانت فلسفة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الحكم قأئمّة على اتّخاذه وسيلة للاصلاح الاجتماعي، وسبباً للنهضة الفكرية والاقتصادية حتى يسلم المسلمون من ويلات الجهل وكوارث المرض والفقر، وقد أكد على ولاته وعمّاله بتعمير الأرض وزيادة الدخل الفردي، وأن لا يكون همّهم أخذ الضرائب المفروضة على المزارعين وغيرهم حتى تتوفّر في البلاد نهضة اقتصادية تزدهر فيها الحياة العامّة ويعم الرخاء كافّة المجتمع الإسلامي.
10 - وممّا يلفت النظر في سياسة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تجاه ولاته وعمّاله مراقبته الشديدة والمستمرّة لسياستهم وسلوكهم، فمن كان منهم مخلصاً مؤدّياً لعمله بعيداً عن شهوة الحكم، أثنى عليه وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم، ومن شذ في سلوكه وانحرف عن الطريق القويم بادر إلى عزله، وإذا كان خائناً وثبتت خيانته لبيت المال أقام عليه حدّ السرقة، وقد قطع يد علي بن الجهم لمّا سرق من الخزينة المركزية.
ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الشخص هو الذي قال للحجاج : إن أهلي عقّوني فسمّوني عليّاً (1)، متقرباً بذلك إلى الحجاج وناقماً على الإمام لأنه جذم يده !
وإذا أمعنا النظر في رسائل الإمام ووصاياه إلى ولاته وعماله لوجدناها حافلة بجميع ألوان العدل ومقومات الحياة وضروب المساواة، وهي برامج مشرقة لسعة أفق الإسلام، ومعالجته الكاملة التي لا تخضع للمؤثّرات التقليدية لجميع شؤون الحياة السياسية التي تحمي الإنسان من الاعتداء وتوفّر له الحقوق الكاملة.
إنّ الإنسانية على ما جرّبت من تجارب، وقننت من صنوف الحكم فإنّها لم تستطع أن تنشئ نظاماً يضمن للإنسان حقوقه، ويواكب متطلبات حياته مثل ما أقامه رائد العدالة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصاياه ورسائله إلى عماله وولاته.
11 - ولم يشرّع حكّام المسلمين وولاة أمورهم وثيقة سياسية حافلة بنظم الحكم والإدارة، وملمة بحقوق الإنسان وما يجب له وعليه في ظل الحكم والسلطان، مثل الوثيقة الذهبية التي أملاها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الزعيم الكبير مالك الأشتر واليه على مصر، وألزمه بتطبيق بنودها على الشعب المصري.
إنّها وسام شرف للحكم العلويّ الذي رفع منار العدالة في الشرق العربي، وأقام صروح الحقّ في دنيا الإسلام، وتبنّى القضايا المصيرية لجميع شعوب وأمم العالم.
1) الاشتقاق / أبو بكر : 272.
وشيء مهم ورائع جّداً تفقد الإمام ومراقبته وسهره على شؤون ولاته، والتي كان منها أنه نقل إليه أنّ واليه على البصرة عثمان بن حنيف قد دعي إلى وليمة قوم من أهلها، فمضى إليها، فرفع له رسالة أنكر فيها ذلك أشد ما يكون الانكار لأنه أراد أن يكون الوالي في منتهى العفّة والنزاهة والتجرد عن جميع المغريات.
وأكبر الظنّ أنّ الذين دعوا ابن حنيف إلى الوليمة أرادوا أن يتخذونه سلماً إلى قضاء بعض شؤونهم عنده وهذا لا يتفق مع سيرة الإمام، لأنها إن كانت صحيحة ومشروعة فيجب على السلطة قضاؤها، وإن كانت غير مشروعة فلا سبيل لتنفيذها. ولم يقم أي وزن للمحسوبيات والعواطف سوى ما يتصل منها بالحقِّ.
12 - إنّ سياسة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بجميع بنودها وأنظمتها مشرقة كالشمس، وهي تفتح آفاق الوعي والتطور للعالم الإسلامي، وتوفّر له الحياة الكريمة السليمة من الاضطراب، والنزع والخوف وتضمن له ما يصبو إليه من العزّة والكرامة والسلامة من المرض والفقر والاعواز.
لقد تبنّى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع الأهداف النبيّلة التي يسعد بها المسلمون، وشرع أروع الأحكام وأكثرها تطوّراً وإبداعاً في أنظمته الإدارية الخلاقة، ويجب أن تدرس دراسة موضوعية وشاملة ليستفيد منها المسلمون، ويتخذون منها منهجاً يفخرون ويعتزون به في المحافل الدولية.
يعرض هذا الكتاب إلى :
البحوث التمهيدية التي ألقت الأضواء على شؤون الموظفين من ولاة وعمّال وجباة.
و ما قننه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم من الواجبات والمسؤوليات التي حفلت بها رسائله التي زودهم بها، وهي جزء لا يتجزأ من أنظمته السياسية التي صاغها لتكون دستوراً للحكم الإسلامي في جميع العصور والأزمان.
13 - الاحتجاجات والمناظرات بين الأديان والمذاهب قديمة جداً، فقد تسلّح بها أرباب الأديان وزعماء المذاهب وأتباعهم، واستخدموا في ذلك جميع الوسائل التى بأيديهم، وذلك لإضفاء الأصالة والشرعية على ما يدينون ويعتقدون به ولجرّ الناس إلى اعتناق آرائهم ومعتقداتهم.
وهذه الظاهرة سائدة بين الناس منذ فجر التاريخ حتى يوم الناس هذا... لقد أسست أندية وأمكنة لهذا الغرض في دول الغرب، وقد جرت في الولايات المتحدة ندوة حضرها حشد كبير من الأمريكان وغيرهم، فتناظر عالم مسلم وعالم مسيحي، واستمرت المناظرة عدّة ساعات، فانهار العالم المسيحي أمام الأدلة الحاسمة التي أدلى بها العالم المسلم، واعترف بالعجز وزيف أدلته أمام الحاضرين.
إنّ الاحتجاجات والمناظرات من أوثق الأسباب، وأكثرها عمقاً، و أجدرها في فصل الخصومات، وحسم النزاعات أمام فتح باب الحرب وإراقة الدماء، وإشاعة الشكل والحزن، والحداد لفرض الرأي والمعتقدات، فإنّ ذلك سلاح العاجزين الذين يعوزهم الدليل والبرهان، وسرعان ما تفشل معتقداتهم، و تتلاشى آراؤهم كما يتلاشى الدخان في الفضاء.
14 - وكان الاحتجاج هو السّمت البارز في دعوة الأنبياء إلى اللّه تعالى وإبطال مذاهب خصومهم الوثنيّين، فقد أفلجوا بالأدلة الحسية آراء الملحدين، فهذا شيخ الأنبياء إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما حاججه أحد فراعنة عصره في اللّه تعالى أجابه إبراهيم بأروع الأدلة، وقد حكى القرآن الكريم هذه المحاججة ولننظر إليها، قال تعالى : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجٌ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّه الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أَحْيِي وأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّه يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ
فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللّه لَا يَهْدِي الْقَومَ الظَّالِمِينَ» (1).
فوجم الذي كفر ولم يطق جواباً، وانهار أمام هذه الحجّة الدامغة.
أمّا سيِّد الأنبياء وخاتم المرسلين فقد اعتمد في تبليغ رسالة ربّه على الحوار والمحاججة مشفوعة بالخُلق الكامل، فقد أمره اللّه تعالى بذلك، قال تعالى : «ادْعُ إلى سَبِيْلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (2).
وبقي الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مستمراً في تبليغ دعوته الخلّاقة يحتج ويناظر ويدافع عن قيمها ومبادئها، ووقف كالطود الشامخ أمام طغيان القرشيّين وعتاتهم، حتى فتح اللّه له الفتح المبين، واندحرت العصابات القرشية التي لا تحمل أي طابع من الفكر والوعي.
15 - ونؤكد أنّ الإسلام بصورة إيجابية ومتميّزة قد تبنى المحاورة والمناظرة في تبليغ رسالته، ولم يلجأ إلى القوة العسكرية ولا لأى وسيلة من وسائل العنف والقهر، فقد أعلن القرآن الكريم بصراحة ووضوح أن «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ» (3)، وإنما فتح باب الحرب مع خصومه وأعدائه للدفاع عن قيمه ومبادئه وأهدافه التي جهدت العصابات القرشية على محوها وحجبها عن المجتمع الإنساني.
إنّ رسالة الإسلام الخالدة قد رفعت مشاعل النور، وأسست معالم الحضارة في المشرق العربي، وقد سعت لتأسيس أهدافها بالاحتجاج والمناظرة لا بالسيف والنطع.
كان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ألصق الناس برسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)و أقربهم إليه، فهو باب مدينة علمه، و أبو سبطيه، ومَن كان منه بمنزلة هارون من موسى. فقد تطبع
بأخلاقه، والتزم بحرفية منهجه، وسار على أضواء رسالته لم يخالف أي سنّة منها، فاعتمد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصورة موضوعية على الاحتجاج والمناظرة مع خصومه، ولم يفتح معهم باب الحرب إلا بعد أن انسدت معهم نوافذ السلم، وأعلنوا العصيان المسلّح عليه، وكان ذلك مكشوفاً في حربه مع أهل الجمل وصفين والنهروان، فقد بغوا عليه، وتمردوا على حكومته، ولم تُجدِ معهم أي وسيلة من وسائل الصلح وحقن الدماء.
16 - أمّا الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو من أوسع الناس أفقاً وأكثرهم استيعاباً لجميع مباحث العلوم، كما كان أخبرهم في المسائل الكلامية، فقد ناظر الخلفاء و أفحمهم، وناظر علماء الأديان السماوية وألحق بهم هزيمة ساحقة، فقد عَلِم مناطق الضعف والزيف في أناجيلهم وتوراتهم فوضعها بين أيديهم، فلم يستطيعوا الدفاع عن أديانهم ووقفوا واجمين أمام منطقه الفياض، معترفين بعجزهم خاضعين لملكاته وقدراته العلمية.
ومن المؤكّد أنه لم يملك أي أحد من الصحابة وغيرهم ما يملك الإمام من المواهب والعبقريات التي فاق بها على غيره.
ويحفل هذا الجزء من موسوعة حياة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) باحتجاجاته ومناظراته، وهي تحمل طابعاً فكرياً وعلمياً وتُعدّ في طليعة البحوث الكلامية خصوصاً في مناظراته مع علماء النصارى واليهود، فقد تجلى فيها الإبداع والأصالة وعمق المناهج العلمية التي استدل بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتي اقتبس منها بعض علماء المسلمين الذين قصدوا للردّ على علماء النصارى واليهود وبيان فساد معتقداتهم.
وقبل أن أطوي هذا التقديم، أود أن أعرض إلى أني لم استوعب - بصورة قاطعة - جميع احتجاجات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومناظراته وإنما سجّلت ما عثرت عليه منها، فإنه من المؤكّد أن الباحث المتتبع يجد أضعاف ما دونته منها.
إنّ هذا الإمام الملهم العظيم له من التراث الهائل الذي هو من مناجم الفكر
الإسلامي ومن ذخائر الأدب الإنساني، ما يفوق حد الوصف والإحصاء.
وبهذا نطوي الحديث عن هذا التقديم، والحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
مکتبة الامام الحسن العامّة
باقر شريف القرشي
النَّجف الاشرف
لعلّ من المفيد أن أعرض إلى مدلول القضاء في اللغة والشرع، ثمّ أعرض إلى ما أثر عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بحوث في هذا الموضوع.
القضاء في اللغة الحكم، وأصله قضاي مشتق من قضيت (1)، نصّ على ذلك الجوهري، ويستعمل القضاء في معان متعدّدة، أمّا حقيقة بناء على الاشتراك اللفظي، وهو الوضع لمعان متعدّدة، أو مجازاً بناءً على أنه موضوع لمعنى واحد، ويستعمل في غيره مجازاً.
وهذه بعض المعاني التي استعمل فيها.
1 - الإمضاء : ومنه قوله تعالى : «ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ» (2).
2 - البيان : ومنه قوله تعالى : «مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ» (3)، أي يبين.
3 - الحكم والفعل : ومنه قوله تعالى : «إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ» (4)، أي يحكم ويفعل.
4 - العهد : ومنه قوله تعالى : «وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ» (1)، أي عهدنا.
5 - الانصرام : يقال : انقضى الشيء انصرم (2).
6 - الموت : يقال : قضى فلان نحبه، أي مات، وهو مجاز (3).
7 - الخلق : ومنه قوله تعالى : «فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ» (4)، أي خلقهن.
8 - الانتهاء من الشيء : يقال : فلان قضى حاجته، أي انتهى منها.
9 - الأداء : يقال : قضى فلان دينه، أي أدّاه.
10 - الحتم : ومنه قوله تعالى: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» (5)، أي حتم (6).
ونكتفي بهذه المعاني لكلمة القضاء، وأفاد اللغويون لها معان أخرى (7)، وهي إما معان مجازية أو من لوازم المعنى الأوّل وهو الحكم.
أما القضاء في اصطلاح الفقهاء فقد أدلى بتعريفه الشهيد الأول (رَحمهُ اللّه) قال : «إنّ القضاء عبارة عن الولاية على الحكم في الدعاوى والمنازعات وفي الأمور العامّة» (8).
ووافقه على ذلك الشهيد الثانى إلّا أنّه خصه بالدعاوى والمنازعات (1)، وعرضت كتب المذاهب الإسلامية في الفقه إلى تحديد القضاء بتعاريف أخرى (2)، وذكرها يستدعي الاطالة بلا فائدة.
أمّا القضاء في أيام الجاهلية فقد كان العرب يتحاكمون فيما شجر بينهم من خلاف إلى رئيس القبيلة أو إلى كاهن أو إلى من عرف بأصالة الرأي وجودته، ولكنهم كانوا يحكمون حسب ما يرونه من دون أن يستندوا إلى قانون أو قواعد معروفة.
ولكن في مكّة تأسّس حلف الفضول، وكان من أوّليات مبادئه على أن لا يظلم بمكة غريب ولا حرّ ولا عبد حتى يأخذوا له بحقّه ويؤدّوا له ظلامته، وهذا يعتبر تطوّراً هائلاً في ميدان القضاء في العرف الجاهلي.
ولما أقام الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) دولته العظمى في يثرب أقام مجلس القضاء في جامعه الأعظم، وتولّى بنفسه الشريفة القضاء وفصل الخصومات، كان من بينها أن شخصاً من الأنصار قد اشترى بستاناً من سمرة بن جندب، وقد استثنى منها نخلة، فكان سمرة يتعاهدها في معظم الأوقات من دون أن يستأذن من الأنصاري فارتاب منه، فرفع أمره إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فبعث خلفه.
فلمّا مثل أمامه طلب منه حسم النزاع، فلم يستجب له، وعرض عليه أن يعوّضه عنها بستاناً فأبى، وضمن له أن يعطيه نخلة في الفردوس الأعلى فامتنع.
ولمّا أصر سمرة على العدوان التفت الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى الأنصاري وقال له : اذْهَبْ فاقْلَعَها وَارْمِ بِها فِي وَجْهِهِ، فإِنَّهُ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرارَ فِي الْإِسْلَامِ (1).
هذه صورة رائعة من صور القضاء الإسلامي الذي يصون حقوق الناس ويضمن كرامتهم.
1) الحضارة العربية الإسلامية / الدكتور الخربوطلي : 49.
نظر الإسلام بعمق وشمول إلى القضاء والقضاة فأولاهما المزيد من الأهمية، وذلك لما لهما من الأثر الفعّال إيجاباً وسلباً على النظام الاجتماعي الذي يسود البلاد، ونعرض - بإيجاز لهما - مع ما يرتبط بذلك من بحوث.
أمّا القضاء فهو من أهمّ المراكز الحسّاسة في الدولة الإسلامية، وإقامته من الواجبات على رئيس الدولة، فإنّه ملزم بتنفيذها
وقد تحدّث الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع شريح القاضي عن سموّ هذا المنصب ومدى أهميته قائلاً: يا شُرِيْحُ، قَدْ جَلَسْتَ مَجْلِساً لَا يَجْلِسُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ وَصِيُّ نَبِيَّ، أَوْ شَقِيّ (1).
إنّ منصب القضاء والقيام بمسؤولياته وواجباته على الوجه الصحيح إنّما هو من وظائف الأنبياء وأوصيائهم ليحكموا بين الناس بالحقّ والعدل، أما إذا تولّى هذا المنصب غيرهما ممن لا دراية له بشؤون القضاء أو لا حريجة له في الدين فإنّه شقي قد حاد عن الطريق القويم، وعرّض البلاد للخطوب والأزمات.
وكان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحتاط أشدّ ما يكون الاحتياط في قضاء شريح
1) من لا يحضره الفقيه : 3 4 وسائل الشيعة : 18 : 7.
قاضي الكوفة، فكان يأمره بعدم تنفيذ ما يقضي به حتى يعرضه عليه (1)، خوفاً من أن يكون قد جافي الواقع في ما قضى به.
واشترط الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في القضاة أن يكونوا أفضل أبناء الأمه تقوى وورعاً وكمالاً ونزاهة، ولنستمع إلى ما جاء في عهده لمالك الأشتر من البنود المشرقة التي تخص القضاة، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
«ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكّم بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لا تَضِيقُ بهِ الْأُمُورُ، وَلَا تُمَرِّكُهُ الْخُصُومُ - أي لا تغضبه - وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الحقّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعِ، وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهُم دُونَ أَقْصَاهُ ؛ وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَأَخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْم، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُفِ الْأُمُورِ، وَأَضْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ، وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولئِكَ قَلِيلٌ.
ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ، وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ.
وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ، لِيَأْمَنَ بِذَلَكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ. فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بِلِيغاً
1) فروع الكافي : 7 : 407. وسائل الشيعة : 18 : 6.
فَإِنَّ هَذَا الدِّيْنَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا» (1).
حفل هذا المقطع الشريف من عهد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمالك الأشتر واليه على مصر بأمور بالغة الأهمية، لم يحفل بمثلها أي نظام اجتماعي عرض لنظام الحكم والإدارة.. لقد نظر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعمق وشمول إلى أهم جهاز في الدولة وهو القضاء، فألزم أن يكون أفضل من في الرعية علماً وتقوى وورعاً، وعليهم أن يتحملوا المسؤوليات التالية :
1 - أن يكون القاضي واسع الأفق، لا يضيق من الدعاوى التي ترفع إليه. ولا ينزعج ويتبرّم أمام المتخاصمين.
2 - أن لا يتمادى في الزلل، وعليه أن يقف أمام الأحداث التي تعرض عليه بتبصّر وتروّ.
3 - عليه أن يتبع الحقّ إذا تبين له.
4 - أن يبتعد عن الطمع، ولا تميل نفسه إلى حطام الدنيا.
5 - عليه أن ينظر في الدعاوى التي ترفع إليه نظرة فاحصة، ويبذل قصارى فهمه فيها حتى يكون حكمه مصيباً.
6 - عليه أن يقف في الشبهات، ولا يحكم حتى يتبين له الحق.
7 - أن يأخذ بحكمه بالحجج القاطعة.
8 - لا يمل ولا يسأم من مراجعة المتخاصمين.
9 - أن يكون شديداً في جانب الحق، ولا يميل لأي طرف من المتنازعين
1) نهج البلاغة : 3 : 434 و 435.
10 - أن لا يزدهيه إطراء الناس، ولا يستميله إغراؤهم.
وأدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - في هذا المقطع - ببعض المسؤوليات التي تترتّب على رئيس الدولة تجاه القضاة وهي :
أوّلاً : أن يتعاهد الأحكام التي تصدر من القضاة، ويشرف بنفسه عليها لئلا تكون مجافية للعدل، ومنافية لأحكام الإسلام.
ثانياً : أن يجزل لهم الرواتب الضخمة، ويوسّع عليهم، ولا يدع أي ظل للحاجة عليهم حتى يبتعدوا عن الرشوة التي هي من أهم الأسباب في فساد جهاز الحكم.
ثالثاً : أن يقابلهم بمزيد من الحفاوة والتكريم، ويظهر سموّ مكانتهم أمام المجتمع بحيث لا يدانيهم أي أحد من حاشيته وخاصته في منزلتهم، وبذلك يكسب القضاة الاستقلال وسموّ المكانة الاجتماعية.
أما القضاء فهو أنواع مختلفة بعضها حق، وبعضها ضلال، ومن أنواعها ما يلي:
1 - القضاء وفق الموازين الشرعية من قبل السلطان العادل، وهو جائز بلاكلام
2 - القضاء بغير علم، وهو محرّم بلا خلاف، وقد مرّ الإمام على قاض فقال له : «أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخ ؟، قال : لا، فقال : «هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ... الخ» (1).
3 - القضاء من قبل السلطان الجائر إذا كانت أحكامه مخالفة للشريعة الإسلامية، وقد تواترت الأخبار بحرمته.
ويشير الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديثه التالي إلى ذلك، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
1) أصول الكافي : 1 : 33. وسائل الشيعة : 18 : 7.
إِنَّ النَّاسَ الُوا بَعْدَ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِلى ثَلَاثَةٍ : الُوا إِلَى عَالِمٍ عَلَىٰ هُدَى مِنَ اللّه قَدْ أَغْناهُ اللّه بِمَا عَلِمَ عَنْ غَيْرِهِ، وَجاهِلٍ مُدَّعِ لِلْعِلْمِ لَا عِلْمَ لَهُ، مُعْجَبٍ بِمَا عِنْدَهُ، قَدْ فَتَتْهُ الدُّنْيا وَفَتَنَ غَيْرَهُ، وَمُتَعَلَّمٍ مِنْ عَالِمٍ عَلَى سَبِيلِ هُدَى مِنَ اللّه وَنجَاةٍ، ثمّ هَلَكَ مَنِ ادَّعى وَخابَ مَنِ افْتَری» (1).
ولا يُعيّن الشخص للقضاء إلا بعد أن تتوفر فيه الصفات التالية وهي :
ويشترط في القاضي أن يكون رجلاً، ولا يجوز للسيدات أن يتولين القضاء، فقد جاء في وصية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) النهي عن تولّي المرأة للقضاء (2).
وليس ذلك طعناً في شخصية المرأة التي تحتل أسمى مكانة في الإسلام، وإنما القضاء مذهب حسّاس يستدعي الصرامة والشدّة، وعدم الميول لأي جانب من المتخاصمين، والمرأة بحسب تكوينها وذاتياتها ملهبة العواطف رقيقة القلب، ولولا رقتها ورأفتها التي طبعت عليها لما تكوّن المجتمع الإنساني، وهو مدين لعواطفها وتربيتها، وهي لا تصلح للقضاء لا لنقصان في شخصيتها واستهانة بها وإنّما لثقل هذا المنصب وحساسيته كما ذكرنا.
وقد استدل لهذا الشرط بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «انظُرُوا إِلَى رَجُلٍ عَرَفَ حَلَالَنَا وَحَرامَنا»،
وعنوان الرجل لا يشمل الصبي، بالإضافة إلى رفع القلم عنه
من الشروط التي يجب أن تتوفّر في القاضي العدالة، وهي صفة نفسية تقتضيأداء الواجبات الإلهية واجتناب المحرّمات، فإذا لم يتمتّع القاضي بهذه الصفة فلا سبيل له لتولّي القضاء.
ويجب أن يكون القاضي مسلماً، واستدل عليه بقوله تعالى : «وَلَن يَجْعَلَ اللّه لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» (1)، ومن الطبيعي أن تولّي الكافر للقضاء يكون له سبيل على المؤمنين.
ولا بد أن يكون القاضي مجتهداً ومحيطاً بالأحكام الشرعية لا عن تقليد وإنما عن اجتهاد، وهو استنباط الحكم الشرعي من أدلته الأربعة، وهي :
1 - الكتاب
2 - السنّة، ونعني بها فعل المعصوم وقوله وتقريره عند الشيعة الإمامية.
3 - الإجماع.
4 - العقل.
فإذا لم يتوفّر أحد هذه الأدلّة للفقيه في إحدى المسائل، فإنّه يرجع إلى ما تقتضيه الأصول العملية، وهي :
1) النساء 4: 141.
1 - البراءة، بقسميها العقلية والنقلية.
2 - الاستصحاب في الموضوعات والأحكام.
3 - التخيير.
4 - الاحتياط.
وتفصيل هذه الأمور، وما يعتبر فيها من الشروط قد تكفلت بها كتب الأصول. هذه بعض الشروط التي ذكرت في كتب القضاء، وهناك شروط أخرى كالحرية وطهارة المولد وغيرهما.
أفاد الفقهاء في آداب القضاء أموراً ترجع بعضها إلى صفات القاضي في حال حكمه وهي : أن لا يكون في حالة الحكم مشغول الفكر بأمور الدنيا، ولا بمرض يشغله عن الالتفات إلى الحكم وموازينه، وأن لا يقضي وهو غضبان أو ضجر أو قلق، وأن لا يكون بمدافع للأخبثين البول والغائط، وأن يكون على سكينة ووقار، وأن يساوي بين الخصمين.
فى الرواية : أنّ يهودياً نازع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في درع زعم أنها له فحاكمه عند عمر، فقال للإمام : قم يا أبا الحسن مع خصمك، فتأثر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبان الغضب على سحنات وجهه الشريف، وبعد الفراغ من المحاكمة انبرى عمر فقال للإمام : لقد بدى عليك الغضب لأنّي أمرتك بالمثول أمام القضاء مع خصمك اليهوديّ ؟
فأجاب الإمام: «لَيْسَ الْأَمْرُ كَذلِكَ، وَلكِنْ لَمْ تُساوِ بَيْنِي وَبَيْنَ الْيَهُودِيُّ، فَقَدْ كَذَّيْتَنِي وَقُلْتَ يا أبا الْحَسَنِ وَلم تُكَنَّ الْيَهُودِيُّ»، فانبهر عمر من ذلك، لقد أظهر الإمام مدى تطوّر القضاء الإسلامي، وضرب بذلك أمثلة في تحقيق القضاء للعدالة الاجتماعية وأصالته وأبعاده الفكرية وعمقه الحضاري.
وهناك شروط أخرى نصّ عليها السادة الفقهاء، وبعضها قد ثبت بأدلة التسامح في السنن (1).
ذهب بعض الفقهاء إلى حرمة أخذ القاضي الأجور، مستدلين على ذلك بأنّ القضاء واجب عيني إذا انحصر في شخص، أو كفائي إذا لم ينحصر فيه، ولا يجوز أخذ الأجرة على الواجب، وتتضاعف الحرمة إذا أخذ الأجرة من أحد المتخاصمين بأن بذل للقاضي ليحكم له بالحقّ أو بغيره فإنّه يكون من الرشوة التي هي الكفر باللّه تعالى أو الشرك به كما في بعض الأخبار.
وللقاضي أن يأخذ راتبه من بيت مال المسلمين الذي أعد ّلمصالحهم، وتفصيل هذه البحوث قد عرضها الفقهاء في رسائلهم وموسوعاتهم، وقد أجرى الإمام الشريح 500 درهم في الشهر (2).
يعزل القاضي من منصبه إذا جافت أحكامه النصوص الشرعية بأن كانت مخالفة لها، وكذلك يعزل ويعاقب إذا ثبت أنّه قد ارتشى أو مال إلى بعض المتخاصمين فحكم له، وإن كان حكمه موافقاً للواقع.
تقلّد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمنصب القضاء في عهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فقد رشّحه لهذا المنصب الحسّاس، وقدّمه على بقيّة أصحابه وأبناء أسرته، وذلك لعلمه بمواهبه وعبقرياته، وإحاطته الكاملة بشؤون الشريعة، فهو باب مدينة علمه، وأخوه ونفسه، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسی.
وكما كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المرجع الأعلى للقضاء في عهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، كذلك كان في عهد الخلفاء، فكانوا يفزعون إليه إذا ألمت بهم مسألة لا يهتدون لحلّها، وكان رأيه الحاسم في ما يقضي ويفتي به.. ونعرض لبعض نوادر قضائه في أيام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) والخلفاء.
عهد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بالقضاء إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما بعثه إلى اليمن، فقال له الإمام : يا رَسُولَ اللّه، إِنَّكَ تَبْعَثُنِي وَأَنا حَدِيثُ السِّنِّ لَا عِلْمَ لِي بِالْقَضاءِ.
فأجابه الرسول : انْطَلِقْ فَإِنَّ اللّه سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ.
قال الإمام : فَما شَكَكْتُ - أي بعد دعاء النبيّ - فِي قَضاءِ بَيْنَ اثْنَيْنِ (1).
يقول وكيع : أجل القضاة هو الإمام ؛ لأن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) استعمله على القضاء في حياته (2)، وقد أُعجب النبيّ بقضائه، فقال : الْحَمْدُ للّه الَّذِي جَعَلَ الْحِكْمَةَ فِيْنا أَهْلَ الْبَيْتِ (3).
وهذه بعض القضايا التي قضى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وهي :
اشترك جماعة في شراء جارية وواقعوها في طهر واحد، فحملت بغلام.
فلمّا وضعته ادّعى كلّ واحد أنه ابنه، فرفعوا أمرهم إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقرع على الغلام باسمهم، فخرجت لأحدهم، فالحق به الغلام، وألزمه ثلثي الدية لصاحبيه، وزجرهم عن مثل ذلك.
وعرض الحكم على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقال مشيداً بقضاء الإمام : الْحَمْدُ للّه الَّذِي جَعَلَ فِيْنا أَهْلَ الْبَيْتِ مَنْ يَقْضِي عَلَى سُنَنِ دَاوُدَ (1).
1) عجائب أحكام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 36. قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
من القضايا التي حكم فيها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما كان في اليمن قصة «زبية الأسد» التي وقع فيها جماعة وهلكوا، وقد رويت هذه الحادثة بروايتين وهما :
الأولى : روى محمّد بن قيس عن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن زبية حفرت لأسد فسقط فيها، فازدحم الناس ينظرون إليه، فوثب رجل على شفير الزبية فزلّت قدمه فتعلّق بآخر، وتعلّق الآخر بثالث، وتعلّق الثالث برابع، فوقعوا جميعاً في الزبية فافترسهم الأسد، فهلكوا جميعاً، ورفع أمرهم - في شأن الدية - إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقضى بأنّ على الأوّل ثلث الدية للثاني، وعلى الثاني ثلثي الدية للثالث، وعلى الثالث الدية الكاملة للرابع، ونقل قضاء الإمام إلى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فأشاد به وقال : لَقَدْ قَضى أبو الْحَسَن فِيْهِمْ بِقَضاءِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ.
ولعلّ الوجه في هذا القضاء أنّ الرجل الأوّل سقط بنفسه وأسقط معه الثاني فلادية له ؛ لأن هلاكه لم يستند إلى أحد، وأما الثاني فكان هلاكه - احتمالاً - مستنداً إلى جذب الأوّل، وسقوط الثالث والرابع عليه، كما كان هو السبب في سقوط الآخرين، فيكون ثلث قتله مستنداً إلى الأوّل فله عليه الثلث، وأما الثالث فإن هلاكه مستند إلى نفسه وإلى جذب الرابع، فيكون له الثلثان على الثاني، وأما الرابع فإنّ هلاكه مستند إلى الثالث فيكون عليه تمام الدية.
الثانية : روى مسمع عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ قوماً احتفروا زبية للأسد باليمن، فوقع فيها الأسد، فازدحم الناس عليها ينظرون للأسد، فوقع رجل فيها، فتعلق بآخر، وتعلق الآخر بآخر، والآخر بآخر، فجرحهم الأسد، منهم من مات من جراحة ذلك الأسد، ومنهم من أخرج فمات، فتشاجروا في حتى آل الأمر إلى القتال،
فقال لهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): هَلُمُّوا أَقْضِ بَيْنَكُمْ.
فقضى أنّ للأوّل ربع الدية، وللثاني ثلث الدية، وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية الكاملة، وجعل ذلك على قبائلهم.
ولعلّ الوجه في ذلك أنّ للأوّل ربع الدية ؛ لأنّ موته يحتمل قد استند إلى أربعة أشياء :
أحدها: مزاحمة الناس له، وثانيها : سقوط الثاني عليه، وثالثها : سقوط الثالث عليه، ورابعها : سقوط الرابع عليه.
وأمّا الثاني فله ثلث الدية ؛ لأنه يحتمل استناد موته إلى ثلاثة أمور : أحدها : إسقاط الأوّل له، والثاني : إسقاط الثالث عليه، والثالثة إسقاط الرابع عليه.
وأمّا الثالث فله نصف الدية ؛ لأنّ موته يحتمل استناده إلى أمرين : الأول إسقاط الثاني له، والثاني : سقوط الرابع عليه.
وأمّا الرابع فله تمام الدية ؛ لأن قتله كان مستنداً إلى الثلاثة (1).
1) هذا الجمع بين الخبرين ذكره القاضي نعمان المصري في دعائم الإسلام، وذكر السيّد الأمين ما يقرب من ذلك.
هذه حادثة قضى فيها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حياة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد أقرّ حكمه فيها، وقد رويت بروايتين وهما:
الأولى : رواها الشيخ المفيد وهي : أن جارية حملت على عاتقها جارية عبثاً ولعباً، فجاءت جارية أخرى فقرصت الحاملة فقمصت لقرصتها فوقعت الراكبة، فاندقّت وهلكت.
ورفع أمرها إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقضى على القارصة بثلث الدية، وعلى القامصة بثلثها، وأسقط الثلث الباقي لركوب الواقصة عبثاً، وعرض هذا الحكم على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فأقرّه وأمضاه (1).
الثانية : روى الصدوق عن الأصبغ قال : قضى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جارية ركبت جارية فنخستها جارية أخرى فقمصت المركوبة فصرعت الراكبة فماتت، فقضى بديتها نصفين بين الناخسة والمنخوسة (2).
سقط جدار على جماعة فقتلهم، وكان فيهم امرأة مملوكة وأخرى حرّة، وكان للحرّة طفل وأبوه حرّ، وللجارية المملوكة طفل من مملوك، ولم يعرف الطفل الحرّ من الطفل المملوك.
وعرضت المسألة على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقرع بينهما، وحكم بالحرية لمن خرج عليه سهم الحرية منهما، وحكم بالرق لمن خرج عليه سهم الرقّ، ثمّ أعتقه، وحكم بالميراث للحرّ، وعرض الحكم على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فأمضاه (1)، فإنّه لا حل لهذه المسألة إلّا بالقرعة التي هي لكلّ أمر مشكل كما في الحديث، هذه بعض القضايا التي حكم فيها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في زمن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
تحدّث الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قضاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وكيفية حكمه بقوله :
كانَ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِذا تَخَاصَمَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ قالَ لِلْمُدَّعِي : أَلَكَ حُجَّةٌ ؟ فَإِن أَقامَ بَيْنَةً يَرْضاها وَيَعْرِفُها أَنْفَذَ الْحُكْمَ عَلَى الْمُدَّعى عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيَّنَةٌ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِاللّه ما لهذا قِبَلهُ ذلِكَ الَّذِي ادَّعاهُ، وَلَا شَيْءَ مِنْهُ، وَإِذا جاءَ بِشُهُودٍ لَا يَعْرِفُهُمْ بِخَيْرِ وَلَا شَرَّ قالَ لِلشُّهُودِ : أَيْنَ قَبائِلُكُما ؟ فَيَصِفانِ.
أَيْنَ سُوقُكُما ؟ فَيَصِفانِ.
1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 354.
أَيْنَ مَنْزِلُكُما ؟ فَيَصِفانِ.
ثُمَّ يُقِيمَ الْخُصُومَ وَالشُّهُودَ بَيْنَ يَدَيْهِ.
ثُمَّ يَأْمُرُ فَيُكْتَبَ أَسامِي الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالشُّهُودِ وَيَصِفُ مَا شَهِدُوا بِهِ، ثمّ يَدْفَعُ ذَلِكَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْخِيارِ، ثمّ مِثْلُ ذلِكَ إِلى رَجُلٍ آخَرَ مِنْ خِيارِ أَصْحَابِهِ.
ثُمَّ يَقُولُ : لِيَذْهَبْ كلّ واحِدٍ مِنْكُما مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ الْآخَرُ إِلى قَبائِلِهِما وَأَسْواقِهِما وَمَحالهِما وَالرَّبض (1)الَّذِي يَنْزِلَانِهِ فَيَسْأَلُ عَنْهَا، فَيَذْهَبَانِ وَيَسْأَلَانِ فَإِن أَتَوا خَيْراً وَذَكَرُوا فَضْلاً رَجَعُوا إِلى رَسُولِ اللّه ؟ فَأَخْبَراهُ، أَحْضَرَ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَثْنَوا عَلَيْهِما، وَأَحْضَرَ الشُّهُودَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ الْمُثْنِينَ عَلَيْهِما : هذا فُلَانُ ابْنَ فَلَانٍ، وَهَذَا فُلَانٌ ابْنُ فَلَانٍ أَتَعْرِفُونَهُما ؟
فَيَقُولُونَ : نَعَمْ.
فَيَقُولُ : إِنَّ فُلاناً وَفُلاناً جَاءَنِي عَنْكُما فِي مَا بَيْنَنَا بِجَمِيلٍ وَذِكْرٍ صالِحٍ عَنْكُما، فَإِنْ قالُوا : نَعَمْ قَضَى حِيْنَئِذٍ بِشَهادَتِهِمَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَا بِخَيْرٍ سَيْنٍ وَثَنَاءٍ قَبِيحٍ دَعَا بِهِمْ.
فَيَقُولُ : أَتَعْرِفُونَ فُلاناً وَفُلَاماً ؟
فَيَقُولُونَ : نَعَمْ.
فَيَقُولُ: اقْعُدُوا حَتّى يَحْضُرا، فَيَقْعُدُونَ فَيُحْضِرُهُما.
1) الربض : البيت الذي يقيمان فيه.
فَيَقُولُ لِلْقَوْمِ : أَهُما هُما ؟
فَيَقُولُونَ : نَعَمْ، فَإِذا ثَبَتَ ذلِكَ عِنْدَهُ لَمْ يَهْتِكَ سِتْراً بِشَاهِدَيْنِ، وَلَا عابَهُما، وَلَا وَتَخَهُما، وَلكِنْ يَدْعُو الْخُصُومَ إِلَى الصُّلْح، فَلَا يَزالُ بِهِمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا لَئِلّا يُفْتَضَحَ الشُّهُودُ، وَيَسْتَرُ عَلَيْهِمْ، وَكانَ رَؤُوفاً رَحِيماً عَطُوفاً عَلى أُمَّتِهِ، فَإِنْ كانَ الشُّهُودُ مِنْ أَخْلَاطِ النَّاسِ غُرَباءَ لَا يُعْرَفُونَ، وَلَا قَبِيلَةَ لَهُما وَلَا سُوقَ وَلَا َدارَ أَقْبَلَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقالَ : ما تَقُولُ فِيْهِما ؟ فَإِنْ قالَ ما عَرَفْنَا مِنْهُما إِلَّا خَيْراً غَيْرَ أَنَّهُما قَدْ غَلَطَا فِي مَا شَهِدا عَلَيَّ أَنْفَذَ شَهَادَتَهُما وَإِنْ جَرَحَهُما وَطَعَنَ عَلَيْهِما أَصْلَحَ بَيْنَ الْخَصْمِ وَخَصْمِهِ، وَأَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَطَعَ الْخُصُومَةَ بَيْنَهُما» (1).
وهذا منتهى العدل في القضاء، وعليه سار الإمام في قضائه وحكمه بين الناس
1) تفسير الإمام الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 675. وسائل الشيعة : 18 : 174.
وكما كان الإمام المرجع الأعلى للقضاء في أيام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فكذلك كان المرجع في عهد أبي بكر وغيره من الخلفاء، وقد شجر خلاف بينه وبين أبي بكر في شأن فدك، فعرض الإمام للحكم الشرعي فيها، كما رفعت إليه بعض القضايا فحكم فيها، وفي ما يلي ذلك :
قطع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فدكاً لبضعته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وقد تصرّفت فيها في حياة أبيها، وبعد وفاته ادعى أبو بكر أنّها للمسلمين، وطالب سيّدة النساء بالبيّنة، فعرّفه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن البيئة وظيفة المدّعي لا المدّعى عليه، والمطالب بها أبو بكر دون الزهراء حسبما تقتضيه القواعد الشرعية، وهذا نصّ حديث الإمام معه :
قال الإمام لأبي بكر : أَتَحْكُمُ فِينا بِخِلَافِ حُكْم اللّهِ فِي الْمُسْلِمِينَ
لا.
وانبرى الإمام يخاصمه بمنطقه الفيّاض قائلاً: فَإِنْ كانَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ يَمْلِكُونَهُ وَادَّعَيْتُ أَنا فِيهِ، مَنْ تَسْأَلُ الْبَيِّنَةَ عَلى ما فِي يَدَي..؟
وطفق أبو بكر قائلاً: إيّاك كنت أسأل على ما تدّعيه على المسلمين.
وراح الإمام يقيم الحجّة عليه قائلاً:
فَإِذا كانَ فِي يَدَيَّ شَيْءٌ فَادَّعَى فِيهِ الْمُسْلِمُونَ تَسْأَلُنِي الْبَيِّنَةَ وَقَدْ مَلَكْتُهُ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَبَعْدَهُ وَلَمْ تَسْأَلِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَيِّنَةَ عَلى ما ادَّعُوا عَلَيَّ، كَما سَأَلْتَنِي الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَيْتُ عَلَيْهِمْ ؟
وختم الإمام حديثه بقوله : قالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : الْبَيِّنَةُ عَلى مَن ادَّعى، وَالْيَمِينُ عَلى مَنْ أَنْكَرَ (1).
ووجم أبوبكر ولم يطق الجواب أمام هذه الحجّة الدامغة التي لا مجال للشكّ فيها.
1) تفسير علي بن إبراهيم : 501. وسائل الشيعة : 18: 215.
رفع إلى أبي بكر شخص قد شرب الخمر، فأراد أن يقيم عليه الحد، فقال له : إنّي شربتها ولا علم لي بتحريمها ؛ لأنّي نشأت بين قوم يشربونها مستحلّين لها، فَارْتِجَ على أبي بكر ولم يهتد للحكم فيها، فأشاروا عليه بسؤال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأرسل إليه من يسأله عنها.
فأجابهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مُرُوا رَجُلَيْنِ ثِقَتَینِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَطُوفانِ بهِ عَلَى مَجالِسِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يُنَاشِدَانِهِمْ هَلْ فِيْهِمْ أَحَدٌ تَلَا عَلَيْهِ آيَةَ التَّحْرِيمِ أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللّه ! فَإِنْ شَهدَ بذلِكَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ فَأَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِذلِكَ فَاسْتَبْهُ وَخَلٌّ سَبِيلَهُ.
ففعل أبو بكر، فلم يشهد عليه أحد فاستتابه وخلى سبيله (1)
1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 356. الإرشاد : 1 : 107، وغيرها.
قال رجل لآخر : إنّي احتلمت بأمّك، فاستشاط غضباً وانتفخت أوداجه. فاشتكى عليه عند أبي بكر، فتحيّر في الجواب، فرفع أمره إلى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : اذْهَبْ بِهِ فَأَقِمْهُ فِي الشَّمْسِ، وَحُدَّ ظِلَّهُ، فَإِنَّ الْحُلُمَ مِثْلُ الظَّلّ.
ما أروع هذا الجواب ! فإنّ الأحلام لا يترتب عليها أي أثر وضعي.
ثم التفت إليه وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): سَنَضْرِبُهُ حَتَّى لَا يَعُودَ يُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ (1).
إنّ ضربه لأجل نقل رؤياه إلى الشخص - وكان ذلك إهانة واعتداء عليه - فهو يستحق التأديب لهذه الجهة... هذه بعض النوادر التي قضى فيها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد أبي بكر.
1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 356.
نقل الرواة كوكبة من الدعاوى والمسائل المعقدة رفعت إلى عمر بن الخطاب فحار في جوابها، ولم يهتد لحلّها، ففزع إلى باب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فعرضها عليه فأجابه عنها جواباً حاسماً على ضوء الشريعة الإسلامية، وبهر عمر وراح يبدي إعجابه بمواهب الإمام وعبقرياته بهذه الكلمات :
لولا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَر.
لا أبقاني اللّه لِمُعْضِلَة ليس لها أبو الحسن.
ما من قضية إلا وأبو الحسن لها.
ونعرض لبعض تلك المسائل التي عرضها عمر على الإمام فأجابه عنها :
روى المؤرّخون أنّ قدامة بن مظعون شرب الخمر، فأراد عمر أن يقيم عليه الحدّ، فقال له قدامة : لا يجب عليَّ الحدّ.
فقال عمر : لِمَ ؟
فقال : إن اللّه تعالى يقول : «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فيما طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» (1)، قدراً عمر عنه الحد
1) المائدة 5: 93.
وبلغ ذلك الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأنكر على عمر درأه الحدّ عن قدامة، وقال له : لِمَ تَرَكْتَ إِقَامَةَ الْحَدَّ عَلَى قُدامَةَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ؟
فأجابه عمر إنّه تلا علي الآية – المتقدّمة -، فأوضح الإمام له الحكم في المسألة قائلاً: لَيْسَ قُدامَةً مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ فِي ارْتِكَابِ ما حَرَّمَ اللّه، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَا يَسْتَحِلُّونَ حَراماً، فَارْدُدْ قُدامَةَ وَاسْتَبْهُ ممّا قَالَ، فَإِنْ تابَ فَأَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَاقْتُلُهُ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الْمِلَّةِ.
وعرف عمر الصواب في كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فبعث خلف قدامة فأظهر التوبة، فدرأ عمر عنه القتل، ولم يدركيف يقيم عليه الحدّ.
فاستشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : حَدُّهُ ثَمانُونَ، فحدّه عمر ثمانين (1).
1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 366.
روى الإمام أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال : «أتي بجارية إلى عمر بن الخطّاب قد شهدوا عليها أنها بغت، وكان من قصّتها أنها كانت عند رجل، وكان كثير السفر، فشبّت الجارية فخافت زوجته أن يتزوجها زوجها، فدعت جماعة من النساء فأمسكنها، وأخذت عُذْرَتَها بإصبعها، فلما قدم زوجها من سفره رمت زوجته الجارية بالفاحشة، وأقامت البيئة من جاراتها على ذلك، فرفع الرجل أمرها إلى عمر بن الخطّاب فلم يدر كيف يصنع.
ثمّ أخذ الجارية والرجل والنساء إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعرض عليه الأمر، فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لامرأة الرجل : أَلَكِ بَيْنَةٌ أَوْ بُرْهانُ ؟
قالت : لي شهود جاراتي يشهدن عليها بما أقول.
فأمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإحضارهنّ، فلما مثلن أمامه أخرج السيف من غمده ووضعه بين يديه، ثمّ دعا بزوجة الرجل، فأصرّت على قولها، فردّها إلى البيت ثمّ دعا إحدى النساء، وجثا على ركبتيه، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها : أَتَعْرِفِيْتَنِي ؟ أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهذا سَيْفِي، وَقَدْ قالَتِ امْرَأَةُ الرَّجُلِ ما قَالَتْ، وَرَجَعَتْ إِلَى الحقّ - أي إلى الحبس - وَأَعْطَيْتُها الْأَمَانَ، فَإِنْ لَمْ تَصْدُقِيْنِي لَأَمْلَأَنَّ السَّيْفَ مِنْكِ.
والتفتت المرأة إلى عمر فقالت له : الأمان على الصدق، فأجابها الإمام : «فَاصْدُ قِي».
قالت : لا واللّه ! إنّها - أي زوجة الرجل - رأت جمالاً وهيئة، فخافت فساد زوجها فسقتها المسكر ودعتنا فأمسكناها، فاقتضّتها بإصبعها، وراح الإمام يقول : اللّه أَكْبَرُ أَنَا أَوَّلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الشُّهُودِ إِلَّا دَانْيالَ النبيّ.
وألزم المرأة حد القذف، وألزمهنّ جميعاً العقر، وجعل عقرها أربعمائة درهم وأمر المرأة أن تنفى عن الرجل ويطلّقها، وزوّجه الجارية (1).
من روائع أقضية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن امرأة كانت مغرمة بحب فتى من الأنصار، وكان عفيفاً شريفاً، فامتنع من إجابتها، فلما أيست من إجابته عمدت إلى بيضة فصبّت بیاضها على ثيابها وبين فخذيها، ومضت إلى عمر، فقالت له : إن هذا الفتى أخذني في موضع وفضحني.
فهم عمر أن يعاقب الأنصاري، ولما رأى الأنصاري ما أراده عمر جعل يتوسّل إليه ويطلب منه التثبّت في أمره، فالتفت عمر إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال له : ما ترى يا أبا الحسن ؟
فنظر الإمام إلى البياض على ثوب المرأة فارتاب منه، فأمر بإحضار ماء قد أغلي غلياناً شديداً، فأحضروه له، فأخذ الإمام الماء وصبه على موضع البياض، فصار بياضاً، فأخذ منه الإمام شيئاً ووضعه في فيه فاستبان له الأمر، وأقبل على المرأة فاعترفت بذلك (2)، وكان ذلك من روائع أقضيته (عَلَيهِ السَّلَامُ).
من بدائع قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن غلاماً ادعى على امرأة أنّها أمّه، وهي تنكره، وقد رفع أمره إلى عمر، فأمر بإحضار المرأة، فجاءت ومعها إخوان أربعة، وأربعون قسامة يشهدون أنّها لا تعرف الغلام، وأنّه مدّع غشوم ظلوم يريد أن يفضحها بين أسرتها، وأنّ المرأة لم تتزوّج قطّ، فالتفت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وكان حاضراً - إلى عمر فقال له : أَتَأْذَنُ لِى أَنْ أَقْضِيَ بَيْنَهُمْ ؟
فانبری عمر قائلاً: سبحان اللّه ! كيف لا، وقد سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يقول : أَعْلَمُكُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
والتفت الإمام إلى المرأة فقال لها : أَلكِ شُهُودٌ؟
نعم.
وتقدّم الشهود فشهدوا، فالتفت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحاضرين وقال لهم : لَأَقْضِيَنَّ الْيَوْمَ بَيْنَكُمْ بِقَضِيَّةٍ هِيَ مَرْضاةُ الرَّبِّ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ عَلَّمَنِيهَا حَبِيبِي رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
ثم التفت إلى المرأة فقال لها : ألَكِ وَلِيٌّ ؟
نعم، هؤلاء إخوتي.
ووجه الإمام قوله إلى إخوتها فقال لهم : أَمْرِي فِيْكُمْ وَفِي أُخْتِكُمْ جَائِز ؟
نعم.
أَشْهِدُ اللّه وَأَشْهِدُ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُ هَذِهِ الْجارِيَةَ مِنْ هذَا الْغُلَامِ بِأَرْبَعِمانَةِ دِرْهَمٍ، وَالنَّقْدُ مِنْ مالِي. يا فَبَرُ، عَلَيَّ بِالدّراهِمِ.
ومضى قنبر فأحضر الدراهم فصبّها في يد الغلام، وأمره الإمام أن يدفعها إلى المرأة، ولا يأتي إلا وعليه أثر العرس - يعني الغسل -.
فقام الغلام وصبّ الدراهم في حجر المرأة وأمرها بالقيام المرأة وأمرها بالقيام معه، وفزعت المرأة وصاحت : النار، النار يابن عمّ محمّد ! تريد أن تزوّجني من ولدي، هذا واللّه ولدي، زوجني إخوتي هجيناً، فولدت منه هذا، فلما ترعرع وشبّ أمروني أن أنتفي منه وأطرده، وهذا واللّه ولدي (1).
رفعت إلى عمر امرأة تزوجها شيخ، وبعد أن قاربها توفّي فحملت منه ولداً، فلمّا وضعته ادعى بنوه أنها فاجرة، وشهدوا عليها، فأمر عمر برجمها، فمر بها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي تستغيث فقالت له : يابن عم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، إن لي حجّة.
فأمر بإحضارها، فدفعت له ورقة قد سجّل فيها يوم زواجها ويوم وفاته، فأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإحضارهم، وأجّلهم إلى اليوم الثاني فحضروا فيه، ودعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصبيان ومعهم الولد، وقال لهم : العبوا، ثمّ أمرهم بالجلوس.
ثمّ أمرهم ثانياً بالقيام فقاموا، وقام معهم الغلام متكئاً على راحتيه، فدعا به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فورته من أبيه وجلد إخوانه فبهر عمر وقال : كيف صنعت ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : عَرَفْتُ ضَعْفَ الشَّيْخ فِي اتَّكَاءِ الْغُلَامِ عَلى راحَتَيْهِ (2).
وهو استنتاج بديع، فإن الطفل خاضع لعوامل الوراثة والتي منها ضعف الأب وقوّته.
6 - امرأتان تنازعتا في طفل
تنازعت امرأتان في طفل ادعت كلّ واحدة أنه ابنها، وقد رفعنا أمرهما إلى عمر فحار في الجواب، ففزع إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاستدعى المرأتين ووعظهما وخوفهما عقاب اللّه، فلم تستجيبا له، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ائْتُونِي بِمِنْشارٍ.
فقالت المرأتان : ما تصنع به ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَقدهُ نِصْفَيْنِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْكُما نِصْفُهُ.
فسكتت إحداهما وانبرت الأخرى بفزع فقالت : اللّه، اللّه يا أبا الحسن، إن كان لا بد من ذلك فقد سمحت به لها، ورفع الإمام صوته قائلاً: اللّه أَكْبَرُ ! هذا ابْنُكِ دُونَها، وَلَوْ كانَ ابْنَهَا لَرَفَّتْ عَلَيْهِ وَأَشْفَقَتْ.
واعترفت الأخرى أنّ الحقّ مع صاحبتها وأن الولد لها دونها (1).
رفعت امرأة مجنونة إلى عمر قد فجر بها رجل، وقامت البينة عليها فأمر بجلدها، فمرّ بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فسأل عن أمرها، فأخبر بشأنها.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): رُدُّوها إِلى عُمَرَ، وَقُولُوا لَهُ : إِنَّ هَذِهِ مَجْنُونَةُ آلِ فُلَانِ، وَإِنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قالَ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ، وَإِنَّهَا مَغْلُوبَةٌ عَلَى عَقْلِها وَنَفْسِها.
فردّوها إليه، فدرأ عنها الحدّ (2).
رفع إلى عمر خمسة زناة، فأمر أن يقام على كلّ واحد منهم الحدّ، فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا عُمَرُ، لَيْسَ هذا حُكْمُهُمْ
فطلب عمر منه أن يقيم عليهم الحد، فقدّم واحداً منهم فضرب عنقه، وقدّم الثاني فرجمه، وقدّم الثالث فضربه الحدّ، وقدّم الرابع فضربه نصف الحدّ، وأما الخامس فعزّره، فبهر عمر وقال : يا أبا الحسن، خمسة نفر في قضية واحدة، أقمت عليهم خمسة حدود ليس منها يشبه الآخر ؟
فأجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«أَمَّا الْأَوَّلُ فَكانَ ذمِّيّاً وَخَرَجَ - أي بجريمته - عَنْ ذِمَّتِهِ، وَأَمَّا الثّانِي فَرَجُلٌ مُحْصَنٌ فَكانَ حَدُّهُ الرَّجمَ، وَأَما الثَّالِثُ فَغَيْرُ مُحْصَن فَحَدُهُ الْجَلْدُ، وَأَمَّا الرابعُ فَعَبْدٌ وَحَدُّهُ نِصْفُ الْحَدَّ، وَأَمَّا الْحَامِسُ فَمَجْنُونٌ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ عقله» (1).
1) فروع الكافي 7 : 265. وسائل الشيعة : 18 : 350.
جاءت امرأة إلى عمر فقالت له : إنّي فجرت فأقم في حد اللّه، فأمر برجمها، وكان الإمام حاضراً، فقال له : سَلْهَا كَيْفَ فَجَرَتْ ؟
فقالت : كنت في فلاة من الأرض فأصابني عطش شديد، فقصدت خيمة فأصبت فيها رجلاً أعرابياً، فسألته الماء فأبى أن يسقيني إلّا أن أمكّنه من نفسي، فوليت منه هاربة، فاشتدّ بي العطش حتى غارت عيناي وذهب لساني، فلمّا بلغ منّي ذلك أتيته فسقاني، ووقع عليّ.
فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذِهِ هِيَ الَّتِي قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ»، هذِهِ غَيْرُ باغِيَةٍ، وَلَا عَادِيَةٍ فَخَلَّ سَبِيْلَها.
فقال عمر : لولا عليّ لهلك عمر (1).
1) من لا يحضره الفقيه : 4: 25 وسائل الشيعة : 18 : 384. الطرق الحكمية / ابن قيم الجوزية : 53. كنز العمال : 3: 96.
جيء برجل من أهل منى فجر بامرأة بالمدينة، فأمر عمر برجمه، فردّ عليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّحْمَ؛ لأَنَّهُ غَائِبٌ عِنْ أَهْلِهِ، وَأَهْلُهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
فقال عمر : لا أبقاني اللّه لمعضلة لم يكن لها أبو الحسن (1).
أتي بسارق إلى عمر فأمر بقطع يده، ثمّ سرق ثانياً فأمر بقطع رجله، ثمّ سرق فأراد قتله، فقال له الإمام : لَا تَفْعَلْ، قَدْ قَطَعْتَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وَلكِنِ احْبِسْهُ (2).
وفي رواية أنه أمر بحبسه ويطعم من فيء المسلمين.
استودع رجلان أمانة عند امرأة من قريش، وقالا لها : لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه حتى يكون معه، فلبثا حولاً فجاء أحدهما فقال لها : إنّ صاحبي قد توفّي فادفعي لي الأمانة، فأبت من دفعها إليه وقالت : إنكما شرطتما عليَّ أن لا أدفعها إلى واحد منكما حتى يكون معه صاحبه، فأخذ يتضرّع إليها ويتوسّل حتى استجابت له، ودفعت إليه الأمانة، وبعد حول جاء صاحبه فطالبها بالأمانة فقالت له : إنّ صاحبك زعم أنك قدمت فدفعتها إليه، فخاصمها إلى عمر بن الخطاب، فقالت له : أنشدك اللّه أن ترفعنا إلى على، فرفعهما إليه، وعلم الإمام أنّها مكيدة، فقال له : أَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ مَعَ صاحِبِكَ أَنْ لَا تَدْفَعَها إِلَى وَاحِدٍ مِنْكُما دُونَ صاحِبِهِ ؟
فقال : نعم.
فأجابه الإمام: مالك عِنْدِي، قُمْ وَأَحْضِرْ صاحِبَكَ حَتَّى أَدْفَعَهُ لَكُما (1).
فانهزم الرجل وولّى خائباً، وهذا غاية ما يتصوّر من الذكاء والعبقرية في تفرّس الإمام وقضائه.
1) مناقب آل أبي طالب: 2: 370. من لا يحضره الفقيه : 3: 10. عجائب أحكام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 63، نقلاً عن الأذكياء / ابن الجوزي : 32.
رفعت إلى عمر امرأة حامل قد زنت فأمر برجمها، فانبرى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) منكراً عليه هذا الحكم قائلاً : هَبْ لَكَ سَبِيلٌ عَلَيْهَا، فَأَيُّ سَبِيلِ لَكَ عَلَىٰ مَا فِي بَطْنِهَا، وَاللّه يَقُولُ: «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى».
وراح عمر يبدي إعجابه بالإمام قائلاً : لا عشتُ لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن.
ثمّ التفت إلى الإمام قائلاً: ما أصنع بها يا أبا الحسن ؟
وبيّن الإمام له الحكم قائلاً : احْتَطْ عَلَيْها حَتَّى تَلِدَ، فَإِذا وَلَدَتْ وَوَجَدَتْ لِوَلَدِها مَنْ يَكْفُلُهُ فَأَقِم الْحَد عَلَيْها (1).
أمر عمر وهو بمنى أنساً أن يشتري له إبلاً فاشتراها له، وكان عليها أحلاس وأقتاب، فأرادها عمر، فامتنع عليه الأعرابي، وقال : إنّما بعتك الإبل مجردة عليها.
وتحاكما عند الإمام، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنْ كُنْتَ اشْتَرَضْتَ عَلَيْهِ أَقْتابَهَا وَأَحْلَاسَهَا فَهِي لَكَ، وَإِنْ لَمْ تَشْتَرِطْ فَهِي لَهُ.
فقال عمر : لم اشترط، فأمر عمر بدفع الأقتاب والأحلاس للأعرابي (2).
جيء لعمر بمال فقسمه بين المسلمين، ففضلت منه فضلة، فاستشار أصحابه فيها فأشاروا عليه بأخذها لأنّها لو قسّمت بين المسلمين لم يصبهم منها إلا اليسير، فأنكر الإمام ذلك، وقال لعمر : إِقْسِمُها عَلَيْهِمْ، أَصابَهُمْ مِنْ ذلِكَ ما أَصابَهُمْ، فَالْقَلِيلُ فِي ذلِك وَالْكَثِيرُ سَواءٌ (1).
وكانت هذه السياسة المشرقة في تقسيم أموال الفيء هي التي سار عليها الإمام حينما آلت الخلافة إليه، فإنّه لم يترك قليلاً ولا كثيراً في بيت المال إلا وزّعه على المسلمين، ولم يصطف لنفسه ولا لأهله أي شيء منه.
16 - امراة مطلّقة في الجاهلية والإسلام
سأل رجل عمر فقال له : إنّي طلّقت امرأتي في الشرك تطليقة، وفي الإسلام تطليقتين فماترى ؟ وحار عمر في الجواب، وانتظر قدوم الإمام، فلمّا حضر عرض عليه الأمر.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هَدَمَ الْإِسْلَامُ ما كَانَ قَبْلَهُ.
ولم يرتّب أي أثر على الطلاق في الجاهلية (2).
نقل الرواة أنّه كانت امرأة مشهورة بالبغاء، فبلغ ذلك عمر فبعث خلفها، ففزعت أشدّ ما يكون الفزع، وألقت حملها، وتوفّي بعد وضعه، فلما مثلت أمام عمر وأخبر بقصتها قال له بعض جلسائه : ما عليك من هذا شيء.
وقال بعضهم : سلوا أبا الحسن
فعرضوا عليه الأمر فلامهم على ما أفتوا به، وقضى اللّه أن الدية تكون على عمر (1)؛ لأنّه السبب في ترويعها وإسقاطها للجنين.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض القضايا التي حكم فيها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد عمر، وقد حكت مدى سعة علومه، وإحاطته الكاملة في شؤون القضاء الذي خفي على الكثير من الصحابة فلم تكن لهم أية دراية فيه، وكانوا يتخبطون خبط عشواء في ما يفتون ويقضون به، وقد عرض لذلك بصورة شاملة ابن الجوزي في كتابه «السياسة الشرعية».
1) قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 43، نقلاً عن الكليني، وقريب منه جاء في جمع الجوامع : 7 : 300. وفي العلم : 146. وفي الغدير : 6: 119. الإرشاد : 109.
ولا بد أن نقف وقفة قصيرة أمام بعض الروايات التي حكت بعض قضايا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد عمر، ولا نصيب لها من الصحة ؛ لأن الحكم الصادر من الإمام فيها لا يتّفق مع القواعد الشرعية التي هي مستمدة من أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وفي ما يلي ذلك :
روى مسروق أن امرأة تزوّجت في عدتها، فحكم عمر بأن صداقها يكون من بيت المال، ويفرّق بينهما، فبلغ ذلك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : لَها الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِها، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُما، فَإِذا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَهُوَ خَاطِبٌ مِنَ الْخُطَّابِ.
فبلغ ذلك عمر، فقال : ردّوا الجهالات إلى السنّة، ولم يأخذ بقول عليّ (1).
وهذه الرواية مخالفة للقواعد الشرعية وذلك أنّ الحكم فيها أنّها تحرم على زوجها حرمة مؤبدة إن كان قد دخل بها، ولا يكون خاطباً لها بعد انقضاء العدّة، كما حكت الرواية ذلك، كما أن مهرها يكون على الزوج لا من بيت المال، كما حكم بذلك عمر.
1) مناقب آل أبي طالب : 2: 361. أحكام القرآن / الجصاص : 1 : 504.
قضى أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في امرأة محصنة فجر بها غلام، فأمر عمر برجمها، فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا يَجِبُ الرَّحْمَ، إِنَّمَا يَجِبُ الْحَد ؛ لِأَنَّ الَّذِي فَجَرَبِها لَيْسَ بِمُدْرِك (1).
وهذه الرواية مجافية للسنّة، فإنّ المرأة يقام عليها الحدّ (الرجم) إن كانت محصنة، والجلد إن لم تكن محصنة، من دون فرق بين أن يكون الواطئ لها بالغاً أم لا. نعم، الصبي لا يقام عليه الحدّ فقد رفع عنه القلم وإنّما يؤدّب (2)، هذا ما تقتضيه القواعد الشرعية.
رفع إلى عمر رجل ومعه ابنه وهو أسود نفاه منه، فأراد عمر أن يعزّره - ولا نعلم وجه التعزير - وكان الإمام حاضراً فقال للرجل : هَلْ جامَعْتَ أُمَّهُ فِي حَيْضِها ؟ قال : نعم.
قال : فَلِذلِكَ سَوَّدَهُ اللّه (3).
وهذه الرواية لا يمكن الحكم بصحتها، فإنّ الحائض إذا قاربها زوجها لاتحمل، وإنّما الحمل يكون بعد فترة من طهرها حسب ما أعلنه الطب الحديث.
تشبّهت امرأة بأمة رجل ونامت في فراشه ليلاً فواقعها وهو يظن أنها جاريته، فرفع أمره إلى عمر فأرسله إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : اضْرِبِ الرَّجُلَ حَداً فِي السِّرِّ، وَاضْرِبِ الْمَرْأَةَ حَداً فِي الْعَلَانِيَةِ (1).
وهذا الحكم مخالف للقواعد الشرعية، فإنّ الحكم في أنّ الرجل لا شيء عليه ؛ لأن وطأه للجارية وطء شبهة، نعم على المرأة الحدّ رجماً إن كانت محصنة، وجلداً إن كانت غير محصنة.
زوّد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمر بن الخطّاب بنصيحة قيمة في ما يتعلّق بالقضاء وغيره هذا نصها : ثَلَاثٌ إِنْ حَفِظْتَهُنَّ وَعَمِلْتَ بِهِنَّ كَفَتْكَ مَا سِواهُنَّ، وَإِنْ تَرَكْتَهُنَّ لَمْ يَنْفَعْكَ شَيْءٌ سِواهُنَّ.
قال : وما هنّ يا أبا الحسن ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إقامَةُ الْحُدُودِ عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَالْحُكْمُ بِكِتابِ اللّه فِي الرّضا وَالسَّخَطِ، وَالْقَسْمُ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ.
1) قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 33. الحقّ المبين في أحكام قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / ذبيح اللّه محلاتي : 81. علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) والخلفاء - نجم الدين العسكري : 262، نقلاً عن غاية المرام : 536. بحار الأنوار: 9: 248.
وبهر عمر وراح يقول : لَعَمْرِي ! لَقَدْ أَوْجَزْتَ وَأَبْلَغْتَ (1).
وهذه البرامج أسس العدل الإسلامي التي تضمن النجاح لزعيم الدولة إن سار على ضوئها وطبّقها على شعبه.
1) فروع الكافي : 7 : 413. التهذيب : 4 : 226. وسائل الشيعة : 18 : 156.
ونقل الرواة بعض البوادر النادرة في قضاء الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد عثمان بن عفّان عميد الأسرة الأموية، ويعود السبب في قلّتها إلى أنّ عثمان قد احتفّ به الأمويون وأحاطوا به، وحرفوه عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلم يحفل برأيه، ولم يأخذ بقضائه، وهذه بعض أقضية الإمام في هذا العهد.
بغت أمة مكاتبة قد تحرّر ثلاثة أرباع منها، وبقي ربع منها رقّاً، فسأل عثمان الإمام عن حكمها، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يُجلَدُ مِنْها بِحِسابِ الْحُرِّيَّةِ، وَيُجْلَدُ مِنْها بِحِسابِ الرّقّ.
ووجّه عثمان السؤال إلى زيد بن ثابت فقال له : يُجلد منها بحساب الرقّ فقط، فردّ عليه الإمام قائلاً: كَيْفَ تُجْلَدُ بِحِسابِ الرَّقِّ وَقَدْ أُعْتِقَ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَرْباعِها ؟ وَهَلَا جَلَدْتَها بِحِسابِ الْحُرِّيَّةِ، فَإِنَّها فِيْها أَكْثَرُ.
فقال زيد : لو كان ذلك كذلك لوجب توريثها بحساب الحرية. فقال له الإمام أَجَلْ، ذلِكَ، فأفحم زيد، وخالف عثمان رأي الإمام وأخذ برأي زيد (1).
1) الإرشاد : 101. عجائب أحكام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 68. وسائل الشيعة : 18: 405.
تزوّج شيخ كبير بامرأة فحملت منه، فزعم الشيخ أنّه لم يصل إليها، وأنكر حملها، ورفع أمره إلى عثمان، فالتبس عليه الأمر، فأمر بإقامة الحد عليها، وكان الإمام حاضراً فأنكر على عثمان فتواه، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : إِنَّ لِلْمَرْأَةِ سُمَّيْنِ سُمِّ لِلْمَحِيضِ، وَسُمِّ لِلْبَوْلِ، فَلَعَلَّ الشَّيْخُ كانَ يَنالُ مِنْها فَسَالَ مَاؤُهُ فِي سُمَ الْمَحِيضِ فَحَمِلَتْ مِنْهُ، فاسْأَلُوا الرَّجُلَ عَنْ ذلِكَ.
فسألوه فقال : قد كنت أنزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالافتضاض. فقال الإمام : الْحَمْلُ لَهُ وَالْوَلَدُ وَلَدُهُ، فصار عثمان إلى قضائه (1).
1) الإرشاد : 113. قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 42.
تزوج رجل امرأة من جهينة فولدت له ولداً لستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان فأمر بها أن ترجم، فبلغ ذلك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسارع إلى عثمان فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : «ما تَصْنَعُ ؟ لَيْسَ ذلِكَ - أي الرجم - عَلَيْها، قالَ اللّه تَبارَكَ وَتَعالى: «وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً» (1).
وَقالَ : «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ» (2)، فَالرِّضاعَةُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ شَهْراً، وَالْحَمْلُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ.
فاعتذر عثمان وقال : واللّه ما فطنت لهذا، وأمر بها أن تردّ، فسارعوا إليها ووجدوها قد رجمت، وقد قالت لاختها : يا أخية، لا تحزني فواللّه ما كشَّف فَرجي أحد قطّ غيره.
وعلّق المحقق الأميني على هذه الحادثة بقوله : إن تعجب فعجب أن إمام المسلمين لا يفطن لما في كتاب اللّه العزيز ممّا تكثر حاجته إليه في شتّى الأحوال، ثمّ يكون من جراء هذا الجهل أن تؤذى بريئة مؤمنة وتتهم بالفاحشة، ويهتك ناموسها بين الملأ وعلى رؤوس الأشهاد (3).
وكانا من السبي وزنت فولدت غلاماً، فادعى الزاني ويحيى، كلّ منهما، أنّه ابنه ورفعا أمرهما إلى عثمان، فلم يعلم الحكم ورفع أمرهما إلى الإمام فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أقضى فِيْهِما بِقَضاءِ رَسُولِ اللّه: الْوَلَدُ لِلْفِراشِ وَلِلْعاهِرِ الْحَجَرُ.
و جلد كلّ واحدٍ خمسين (1).
1) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 104. تفسير ابن كثير : 1 : 478.
وحينما تزينت الخلافة الإسلامية بالإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد الحقّ والعدالة في دنيا الإسلام تولّى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنفسه شؤون القضاء ب-ي-ن الناس، بالاضافة إلى مسؤوليّاته الأخرى، وكان يعهد بالقضاء إلى شريح القاضي، ولكن يأمره بعرض ما يقضي به عليه لئلا يكون مجافياً الأحكام الإسلام.
وعلى أي حال فإنّا نعرض إلى كيفية قضائه، وما يرتبط بذلك من بحوث، كما نعرض إلى صور مشرقة من قضائه، التي هي في منتهى الروعة والابداع، وفي ما يلي ذلك :
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا عرضت عليه دعوى لا يرتب أي أثر على أوّل كلام أحد المتخاصمين ما لم ينته من كلامه، وحينئذ ينظر في معطياته (1).
كما كان لا يحكم لأحد المتخاصمين من دون أن يسأل الآخر في ما أدلى صاحبه من كلام، وقد عهد إليه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بذلك.
فقد قال له حينما بعثه لتبليغ سورة براءة : إِنَّ النّاسَ سَيَتَقاضَوْنَ إِلَيْكَ، فَإِذا أَتَاكَ الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِ لِواحِدٍ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ تَعْلَمَ الحقّ (2).
وقال له حينما بعثه إلى اليمن : إِذا تُحوكِمَ إِلَيْكَ فَلَا تَحْكُمْ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مِنْ دُونِ أَنْ تَسْأَلَ مِنَ الْآخَر (3).
وهذه أرقى صور العدل الذي يضمن حقوق الناس.
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا تناقضت شهادة الشاهد يأخذ بأوّل كلامه دون الآخر. وقد أوصاه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بذلك، فقد قال له : مَنْ شَهِدَ عِنْدَنا ثمّ غَيَّرَ أَخَذْناهُ بِالْأَوَّلِ،
وَطَرَحْنَا الْأَخِيرَ (1).
وبهذا تصان الحقوق، ويعم العدل، وتسود العدالة.
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينكل بشاهد الزور، فيبعث به إلى سوقه، ويأمر فيطاف فيحبسه أياماً ويخلّي سبيله (2)، وقال الإمام أبو عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنَّ شُهُودَ الرُّوْرِ يُجْلَدُونَ جَلْداً لَيْسَ لَهُ وَقْتُ، ذلِكَ إِلَى الإمام، وَيُطَافُ بِهِمْ حَتَّىٰ يَعْرِفَهُمُ النَّاسُ.
وتلا قوله تعالى : «وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا» (3).
فقيل له : بم تعرف توبته ؟
قال : يُكَذِّبُ نَفْسَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ حَيْثُ يُضْرَبُ، وَيَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذا هُوَ فَعَلَ ذلِكَ فَثَمَّ ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ (4).
أمّا شهادة من أقيم عليه الحدّ من حيث القبول والرفض، فهي على قسمين حسب رأي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهما :
الأول : أن يكون من أقيم عليه الحدّ قد أظهر التوبة، وأقلع عن ذنبه، فإنّ شهادته
تقبل، قال الإمام أمير المؤمنين : لَيْسَ يُصِيبُ أَحَدٌ حَداً فَيُقامُ عَلَيْهِ ثمّ يَتُوبُ إِلَّا جازَتْ شَهادَتُهُ (1).
الثاني : أن يكون المقام عليه الحدّ مصرّاً على جرائمه، فلا تقبل شهادته.
قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لسلمة بن كهيل : وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِلَّا مَجْلُوداً فِي حَد لَمْ يَتُبْ مِنْهُ، أَوْ مَعْرُوفاً بِشَهادَةِ الزُّوْرِ (2).
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يغرِّمُ الشاهد إذا رجع عن شهادته بعد إصدار الحكم وتنفيذه، فقد شهد عنده رجلان على رجل أنّه سرق فقطع يده، ثمّ جاءوا برجل آخر فقالوا : أخطأنا، هو هو هذا، فلم يقبل شهادتهما وغرَّمَهُما ديةَ الأوّل (3).
وشهد عنده أربعة رجال على رجل أنّهم رأوه مع امرأة يجامعها وهم ينظرون، فرجم، ثمّ رجع واحد منهم، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يُغَرَّمُ رُبعَ الدِّيَةِ إِذا قالَ : شُبِّهَ عَلَيَّ، وَإِذا رَجَعَ اثْنَانِ وَقالَا: شُبِّهَ عَلَيْنا غُرِّما نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنْ رَجَعُوا كُلُّهُمْ وَقَالُوا: شُبِّهَ عَلَيْنا غُرَّمُوا الدِّيَةَ (4).
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقيم الحدود فوراً ولا يؤخرها، فقد شهد عنده ثلاثة أشخاص على رجل بالزنا، فقال لهم : أَيْنَ الرّابع ؟
فقالوا : الآن يجيء.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): حُدُّوهُمْ، فَلَيْسَ فِي الْحُدُودِ نَظَرُ ساعَة (1)، وبهذا تصان الحقوق، ويرتدع عن غيه كلّ باغ أثيم.
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يقيم الحدّ على من به قروح حتى يبرأ، فقد رفع إليه رجل في جسده قروح كثيرة، وعليه حدّ فقال : أَقِرُوهُ (2)حَتَّى تَبْرَأَ، لَا تَنْكَلُوها عَلَيْهِ فَتَقْتُلُوهُ (3). ومثّل هذا الاجراء رحمة الإسلام ورأفته على الإنسان، وعدم القسوة في إقامة الحدود.
أجاز الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) شهادة الصبيان إذا كبروا، ولم يَنْسَوْها (4)، وأثر عنه أن شهادة الصبيان جائزةً بَيْنَهم ما لم يتفرَّقُوا أو يَرجِعُوا إلى أهلهم (5).
أجاز الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لشهادة المملوك إذا كان عدلاً (6)من دون فرق بينه وبين الحرّ، وبذلك فقد ساوى الإسلام بين المسلمين، ولم يميز فئة على أخرى.
أجاز الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) شهادة النساء في الأمور التالية :
1 - إذا اعتدى شخص على إنسان فقتله، ولم يكن هناك أحد إلا النساء، فتجوز شهادتان.
قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا يَبْطُلُ دَمُ امْرِى مُسْلِمٍ» (1).
2 - أجاز الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) شهادة النساء في ما لا يجوز شهادة الرجل فيه، وكان من ذلك أنّ جماعة أتوا بامرأة بكر زعموا أنّها زنت، فأمر النساء بفحصها، فنظرن إليها فقلن : هي عذراء، وقال : «ما كُنْتُ لِأَضْرِبَ مَنْ عَلَيْها حَاتَمٌ مِنَ اللّه»، وكان يجيز شهادة النساء في مثل ذلك (2).
3 - حضرت رجلاً الوفاة، ولم يكن هناك أحد يوصى إليه بما أهمّه سوى امرأة، فقضى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بجواز شهادتها، ولكن في ربع الوصيّة (3).
4 - وأجاز الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) شهادة المرأة في النكاح إذا شهدت أن شخصاً عقد على امرأة (4).
وكما يثبت الزنا بشهادة أربعة رجال كذلك بإقرار الزاني أربع مرات، وقد أثرت عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك حادثتان وهما :
الأولى : أنّ امرأة أتت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالت له : طَهِّرْني طَهَّرَكَ اللّه، فإنّ عذاب الدنيا
أيسر من عذاب الآخرة الذي لا ينقطع، فالتفت إليها الإمام قائلاً: ممّا أطَهَّرُكِ ؟
إنّي زنيت.
أَنْتِ ذاتُ بَعْلٍ ؟
نعم، ذات بعل.
أَفَحَاضِراً كَانَ بَعْلُكِ أَمْ عَائِباً ؟
بل حاضراً.
فأمرها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالانصراف إلى بيتها حتى تضع حملها، فلما وضعت حملها أسرعت إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطلبت منه أن يطهرها، وكرّر عليها ما قاله لها أوّلاً، وأمرها أن ترضع ولدها حولين كاملين، فانصرفت.
فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : اللّهمَّ إِنَّهُما شَهَادَتَانِ.
ولمّا مضى الحولان بادرت المرأة إلى الإمام وطلبت منه أن يطهّرها، فسألها كما سألها أوّلاً ثمّ أمرها بالانصراف حتى تكفل ولدها، ويعقل ما يتصرّف به، فانصرفت وهي باكية.
فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذِهِ ثَلَاثُ شَهادات. والتقى بالمرأة عمرو بن حريث المخزومي، فقال لها : ما يبكيك يا أمَة اللّه وقد رأيتك تختلفين إلى عليّ تسألينه أن يطهّرك ؟
فقالت : إنّي أتيت أمير المؤمنين أن يطهّرني، فقال : اكفلي ولدك حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردّى من سطح، ولا يتهوّر في بئر، وقد خفت أن يأتي علي الموت ولم يطهرني ؟
فقال لها :عمرو : ارجعي إليه فأنا أكفله.
فرجعت فأخبرت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك، وأقرّت مرّة رابعة ببغيها، فقال الإمام :
اللّهمَّ إِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْها أَرْبَعُ شهادات وقام برجمها (1).
الحادثة الثانية في هذا الموضوع أنّ رجلاً قصد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : إنّي زنيت فطهّرني.
فقال له الإمام : مِمَّنْ أَنتَ ؟
قال : من مزينة.
قال : أَتَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئاً ؟
قال : بلى، وأمره بالقراءة فقرأ وأجاد، فقال له الإمام : أَبِكَ جُنَّةٌ ؟
قال : لا، فأمره بالانصراف حتى يسأل عنه، فذهب الرجل ثمّ عاد إلى الإمام وطلب منه أن يطهره، فسأله الإمام هل له زوجة مقيمة معه في البلد، فقال : نعم، فأمره بالانصراف، وبعث إلى قومه فسألهم عنه، فقالوا : إنّه صحيح العقل، ثمّ رجع إليه في الثالثة وأقرّ باقترافه للزنا، فأمره بالانصراف ثمّ رجع إليه فأقر بالرابعة، فأوعز الإمام إلى قنبر بالاحتفاظ به، ثمّ أمر برجمه (2).
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدرأ الحدّ إذا حامت حوله شبهة والتبس الأمر، فقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ادْرَأوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ (3).
1) فروع الكافي : 7: 185 وسائل الشيعة : 18 : 377. عجائب أحكام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 88. قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 26.
2) تفسير عليّ بن إبراهيم : 451. فروع الكافي : 7: 188. عجائب أحكام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 90 و 91. قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 25.
3) المقنع : 147 وسائل الشيعة : 18 : 399.
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى أن لا يقيم أحد الحدّ على غيره وعليه الحدّ، فقد نقل الرواة أن امرأة أقرّت على نفسها بالزنا أربع مرات أمام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأمر قنبراً بجمع الناس، فلما اجتمعوا قام خطيباً فحمد اللّه وأثنى عليه، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ إِمَامَكُمْ خارِجٌ بِهذِهِ الْمَرْأَةِ إِلى هَذَا الظُّهْرِ - يعني ظَهْرَ الْكُوفَةِ -؛ لِيُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدَّ إِنْ شَاءَ اللّه، فَعَزَمَ عَلَيْكُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَما خَرَجْتُمْ وَأَنْتُمْ مُتَنَكَّرُونَ وَمَعَكُمْ أَحْجارُكُمْ، لَا يَتَعَرَّفُ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلى أَحَدٍ، فَانْصَرِفُوا إِلَى مَنازِلِكُمْ إِنْ شَاءَ اللّه.
فانصرف الناس فلمّا أصبح الصبح خرج بالمرأة، وخرج الناس معه متنکّرین متلثّمين، والحجارة في أيديهم وأرديتهم وفي أكمامهم، وانتهوا إلى ظهر الكوفة، وحفر للمرأة حفيرة وضعها فيها، ونادى في الناس :
إِنَّ اللّه عَهِدَ إِلى نَبِيِّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَهْداً عَهِدَهُ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِلَيَّ بِأَنْ لَا يُقِيمَ الْحَدَّ مَنْ للّه عَلَيْهِ حَدٌ، فَمَنْ كانَ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْها فَلَا يُقِمْ عَلَيْها الْحَدَّ.
فانصرف الناس كلهم ما خلا الإمام وولديه الحسن والحسين، فأقاموا عليها الحدّ (1).
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جالساً في جامع الكوفة فمرّ به عبد اللّه بن قفل التميمي ومعه درع طلحة، فقال له الإمام : هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فطلب عبد اللّه منه أن يحضر أمام القضاء، فاستجاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولما مثل أمام القاضي شريح، قال الإمام : هذِهِ دِرْعُ طَلْحَةَ ُأخِذَتْ غُلُولاً يَوْمَ الْبَصْرَةِ.
1) فروع الكافي : 7 : 185. من لا يحضره الفقيه : 4 : 22. وسائل الشيعة : 18: 341.
فطلب منه شريح البيّنة، فأتاه الإمام بالإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فشهد أن الدرع لطلحة، فقال شريح : هذا شاهد واحد، ولا أقضي بشهادة شاهد حتى يكون معه آخر، فدعا الإمام قنبراً فشهد أنّ الدرع لطلحة، فرفض شريح شهادته، وقال : إنه مملوك، فغضب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال لعبد اللّه : خُذُوا الدَّرْعَ فَإِنَّ هَذَا قَدْ قَضَىٰ بِجَوْرٍ ثَلَاثَ مَرَاتٍ.
وبهر شريح وقال : لا أقضي حتى تخبرني كيف قضيت بجور ثلاث مرات ؟
فأجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنِّي لَمَا أَخْبَرْتُكَ أَنَّها دِرْعُ طَلْحَةَ ُأخِذَتْ غُلُولاً يَوْمَ الْبَصْرَة فَقُلْتَ: هاتِ عَلى ما تَقُولُ بَيْنَةٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : حَيْثُ مَا وُجِدَ غُلُولٌ أُخِذَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَقُلْتُ : رَجُلٌ لَمْ يَسْمَعِ الْحَدِيثَ، فَهَذِهِ وَاحِدَةٌ. ثمّ أَتَيْتُكَ بِالْحَسَنِ شَاهِداً فَشَهِدَ، فَقُلْتَ: هذا واحِدٌ، وَلَا أَقْضِي بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ آخَرُ. وَقَدْ قَضَىٰ رَسُولُ بِشَهادَةِ واحِدٍ وَيَمِينٌ. فَهَاتَانِ اثْنَتَانِ. ثمّ أَتَيْتُكَ بِقَنْبَرٍ فَشَهِدَ أَنَّهَا دِرْعُ طَلْحَةَ أخِذَتْ غُلُولاً يَوْمَ الْبَصْرَةِ فَقُلْتَ: هذا مَمْلُوك، وَلَا بَأسَ بِشَهَادَةِ الْمَمْلُوكِ إِذا كانَ عادِلاً، وَيْلَكَ إِنَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ يُؤْتَمَنُ مِنْ أُمُورِهِمْ عَلى ما هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هذا (1).
من الأمارة التي كان يحكم بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (القرعة) وذلك في ما إذا أشكل الأمر وتعارضت البينات التي يعتمد عليها في القضاء وغيره، فالقاعدة التي يحسم بها النزاع هي القرعة، فهي لكل أمر مشكل -كما في الحديث -، وكان من مواردها أن رجلين اختصما في دابة إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فزعم كلّ واحد منهما أنّها نتجت عنده على مذوده، وأقام كلّ واحد منهما البينة على دعواه، فأقرع الإمام بينهما سهمين، وعلّم كلّ واحد منهما بعلامة.
1) فروع الكافي : 7: 385 من لا يحضره الفقيه : 3: 63 و 64.
ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللّهمَّ رَبَّ السَّمَواتِ السَّبْع وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ، أَيُّهُما كَانَ صَاحِبَ الدَّابَّةِ هُوَ أَوْلى بها، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُفْرعَ وَيَخْرُجَ اسْمُهُ.
وخرج اسم أحدهما فقضى له بها
ونظير هذه المسألة حدثت فحكم الإمام بالقرعة، وعلّق الشيخ الطوسي (رَحمهُ اللّه) على ذلك بقوله : «الذي أعتمده في الجمع بين هذه الأخبار هو أن البيّنتين إذا تقابلتا فلا تخلو أن تكون مع أحدهما يد متصرّفة أو لم تكن، فإن لم تكن يد متصرّفة وكانتا خارجتين فينبغي أن يحكم لأعدلهما شهوداً ويبطل الآخر، فإن تساويا في العدالة حلف أكثرهما شهوداً، وهو الذي تضمنه خبر أبي بصير.
وما رواه السكوني من القسمة على عدد الشهود، فإنّما هو على وجه المصالحة والوساطة بينهما دون الحكم، وإن تساوى عدد الشهود أقرع بينهم، فمن خرج اسمه حلف بأنّ الحقّ حقّه.
وإن كان مع إحدى البيّنتين يد متصرّفة، فإن كانت البيّنة إنّما تشهد له بالملك فقط دون سببه انتزع من يده وأعطي اليد الخارجة، وإن كانت بينته بسبب الملك إمّا بشرائه، وإما نتاج الدابة إن كانت دابة أو غير ذلك، وكانت البيّنة الأخرى مثلها، كانت البيّنة التي مع اليد المتصرفة أولى
فأمّا خبر إسحاق بن عمّار أنّ من حلف كان الحقّ له، وإن حلفا كان الحقّ بينهما نصفين فمحمول على أنّه إذا اصطلحا على ذلك ؛ لأنا بينا الترجيح بكثرة الشهود أو القرعة... إلخ (1).
1) وسائل الشيعة : 18 : 186 و 187.
جاء شخص بأخرس ادعى أن له عليه ديناً - ولم يكن للمّدعي بيّنة - إلى الإمام أمير المؤمنين، فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْحَمْدُ للّه الَّذِي لَمْ يُخْرِجْنِي مِنَ الدُّنْيا حَتَّى بَيَّنْتُ لِلْأُمَّةِ جَمِيعَ مَا تَحْتاجُ إِلَيْهِ.
ثم قال : اثْتُونِي بِمُصْحَفٍ، فأتي به.
فقال للأخرس : ما هذا ؟ فرفع رأسه إلى السماء وأشار أنّه كتاب اللّه عزّ وجلّ، ثمّ أمر بإحضار وليّه فأحضر.
ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا قَنبَرُ، عَلَيَّ بِدَواةٍ وَصَحِيفَةٍ، فأتي بهما، ثمّ قال لأخي الأخرس : قُلْ لأَخِيكَ هذا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ.
وكتب : وَاللّه الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، الطَّالِبُ الْغَالِبُ الضَّارُ النَّافِعُ الْمَلِكُ الْمُدْرِكَ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةَ أَنَّ فَلَانَ ابْنَ فَلَانٍ الْمُدَّعِيَ لَيْسَ لَهُ قِبَلَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ - يعني الأخرس - حَقٌّ وَلَا طَالَبَهُ بِوَجْهِ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ.
ثمّ غسله وأمر الأخرس بشربه، فامتنع فَأَلْزَمَهُ الدَّيْنَ (1).
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأمر بحبس فُسّاق العلماء وجهال الأطباء، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يَجِبُ عَلَى الإمامِ أَنْ يَحْبِسَ الْفَسَاقَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْجُهَالَ مِنَ الْأَطبَاءِ (2)، وفي هذا الاجراء صيانة
للعلم والصحّة العامّة، فإنّ فسّاق العلماء أداة تخريب وفساد للمجتمع، وكذلك جهّال الأطبّاء من الأسباب الموجبة لإشاعة الدمار والهلاك في المجتمع.
حدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه قال : يا عَلِيُّ، إِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ إِذا نَزَلَ لِقَبْضِ رُوحِ الْكَافِرِ نَزَلَ مَعَهُ بِسُفُودٍ مِنْ نَارٍ، فَيَنْزِعُ رُوحَهُ فَتَصِيحُ جَهَنَّمُ.
فسأله الإمام قائلاً: يا رَسولَ اللّه، أَعِدْ عَلَيَّ فَلَقَدْ أَنْسَانِي وَجَعِي مَا قُلْتَ.
ثم سأله : هَلْ يُصِيبُ ذلِكَ أَحَداً مِنْ أُمَّتِكَ ؟
قال : نَعَمْ، حاكِمٌ جائِرٌ، وَآكِلُ مالِ الْيَتِيمِ ظُلْماً، وَشاهِدُ زُورٍ (1).
إنّ هذه الأصناف جديرة بعذاب اللّه والخلود في نار جهنم، فإنّها من أبرز أصناف الظالمين والمفسدين.
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا أقيمت دعوى على أحد من النصارى واليهود لا يحلّفهم في الأماكن المقدّسة في الإسلام كالجوامع، وإنما كان يأمر باستخلافهم في بيعهم وكنائسهم، وأمّا المجوس فكان يحلّفهم في بيوت النار، ويقول : شَدَّدُوا عَلَيْهِمُ احتياطاً لِلْمُسْلِمِينَ (2).
وهو إجراء رائع، فإنّهم لا يخضعون للمقدسات الإسلامية ولا يؤمنون بها، وإنّما يقيمون وزناً لمقدّساتهم.
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأمر بحبس ثلاثة أصناف وهم :
1 - الغاصب.
2 - آكل مال اليتيم ظلماً.
3 - المؤتمن على أمانة فينكرها (1).
وكان يفتش عن هؤلاء فإن وجد لهم أموالاً باعها وأعطاها لهؤلاء، كما قضى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الدين أنه يحبس صاحبه، فإن تبين إفلاسه والحاجة فيخلي سبيله حتى يستعيد ماله، كما قضى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرجل يلتوي على غرمائه أنّه يحبس، ثمّ يأمر بتقسيم أمواله بين غرمائه بالحصص، فإن أبى باعه، فقسّمه بينهم (2).
نقل الرواة كوكبة رائعة من قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) توصل فيها إلى تمييز الحقّ من الباطل في قضايا مبهمة ومعقدة، كان منها ما يلي :
رفع شاب شكواه إلى الإمام ومعه جماعة، فقال للإمام : إنّ هؤلاء النفر خرجوا ومعهم أبي في السفر، فرجعوا ولم يرجع أبي معهم، فسألتهم عنه فقالوا : قد توفّي، وسألتهم عن أمواله، فقالوا : ما ترك مالاً، فقدّمتهم إلى شريح فاستحلفهم، فانبرى الإمام قائلاً : وَاللّه لَأَحْكُمَنَّ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ ما حَكَمَ بِهِ خَلْقَ قَبْلِي إِلَّا داودُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
ثمّ أمر الإمام قنبر بإحضار شرطة الخميس، فلما حضروا وكّل بكلّ واحد منهم شرطياً، والتفت إليهم قائلاً : ماذا تَقُولُونَ ؟ تَقُولُونَ إِنِّي لَا أَعْلَمُ ما صَنَعْتُمْ بِأَبِي هَذَا الْفَتَى ؟ إِنِّي إِذا لَجَاهِلٌ.
ثم أمر بتفريقهم وتغطية رؤوسهم، وأقيم كلّ واحد منهم إلى اسطوانة من أساطين المسجد، وقد غطّيت رؤوسهم بثيابهم، ثمّ دعا كاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع، وأمره بإحضار صحيفة ودواة، وجلس الإمام في مجلس القضاء، وجلس الناس في مجلسه، وقال لهم : إذا أنا كبرت فكبّروا، ثمّ دعا بواحد منهم وكشف الثوب عن وجهه، وقال لعبيد اللّه كاتبه : اكْتُبْ إِقْرَارَهُ وَما يَقُولُ.
ثم أقبل على الرجل، وقال له : فِي أَيِّ يَوْمٍ خَرَجْتُمْ مِنْ مَنازِلِكُمْ، وَأَبُو هَذَا الْفَتى مَعَكُمْ؟
في كذا وكذا، وعيّنه.
فِي أَيِّ شَهْرٍ؟
في شهر كذا، وعينه
فِي أَيُّ سَنَةٍ ؟
في سنة كذا، وعيّنها.
إِلى أَيْنَ بَلَغْتُمْ فِي سَفَرِكُمْ حَتَّى مات أبو هذَا الْفَتى ؟
إلى موضع كذا، وعينه
فِي مَنْزِلِ مَنْ مَاتَ ؟
في منزل فلان، وشخصه.
ما كانَ مِنْ مَرَضِهِ ؟
كذا وكذا، وعيّن مرضاً خاصّاً.
كَمْ يَوْماً كَانَ مَرَضُهُ ؟
وعيّن الوقت الذي مرض.
فِي أَي يَوْمٍ ماتَ ؟ وَمَنْ غَسَلَهُ ؟ وَمَنْ كَفَّنَهُ ؟ وَبِمَا كَفَّنتمُوهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ؟ وَمَنْ نَزَلَ قَبْرَهُ ؟
ثم كبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكبّر الناس معه، فارتاب الباقون ولم يداخلهم شك إنّ صاحبهم قد أقرّ عليهم وعلى نفسه بما اقترفوه من الجريمة، ثمّ أمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالرجل إلى السجن، ودعا بشخص آخر منهم وقال له : كَلَا! زَعَمْتُمْ أَنِّي لَا أَعْلَمُ ما صَنَعْتُمْ ؟
فارتاب الرجل وطفق يخبر الإمام بما اقترفوه قائلاً: يا أمير المؤمنين، ما أنا إلّا واحد من القوم، ولقد كنت كارهاً لقتله.
ثمّ دعا بكلّ واحد منهم فأقرّ بالقتل وسلب المال، ثمّ أمر بردّ الرجل الذي أمر به إلى الحبس فأقر كأصحابه، فالزمهم بالمال والدم (1).
وحكت هذه البادرة مدى مواهب الإمام وقدرته الفائقة على إظهار الحقّ، وإبرازه بعد إحاطته بظلام الباطل.
1) فروع الكافي : 7 : 317. وسائل الشيعة : 18 : 204. قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 11.
من بدائع قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن رجلاً من الجبل خرج حاجاً إلى بيت اللّه الحرام ومعه غلامه، فأذنب فضربه، فقال الغلام لسيّده : ما أنت مولاي بل أنا مولاك، وأخذ كلّ منهما يتوعد الآخر ويدعي السيادة عليه، وأخذا يجدان السير حتى انتهيا إلى الكوفة، فرفعا أمرهما إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال السيّد :
يا أمير المؤمنين، هذا غلامى أذنب فأدّبته، فوثب عليَّ وادّعى أنّه سيّد لي.
وقال الغلام : هو واللّه غلام لي، وإنّ أبي أرسلني معه ليعلمني، وإنّه وثب عليَّ يدّعيني ليذهب بمالي، وأخذ كلّ منهما يحلف ويكذّب الآخر.
وأجّل الإمام الدعوى إلى اليوم الثاني، فلما أصبح الصبح قال الإمام لقنبر : اثقُبْ فِي الْحَائِطِ ثَقْبَيْنِ، وحضر الرجلان، فقال لهما : ما تَقُولَان ؟
فحلف كلّ واحد منهما أنّه سيّد لصاحبه، ثمّ أمرهما بالقيام وأن يضع كلّ واحد منهما رأسه في الثقب، فلمّا صنع ذلك، قال الإمام لقنبر : عَلَيَّ بِسَيْفِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فأحضره له.
ثم قال له : عَجِّلْ بِضَرْبِ رَقَبَةِ الْعَبْدِ مِنْهُما، فأخرج الغلام رأسه من الثقب، ويقي الآخر رأسه فيه، فأخذ الإمام الغلام وقال له : أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَسْتَ بِعَبْدِ لَهُ ؟
قال : بلى إنّه ضربني وتعدّى عليَّ، فحكم الإمام بأنه العبد وسلّمه لمولاه (1).
وبهذا الاجراء فصل الخصومة بينهما وهو من غرر قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
1) فروع الكافي : 7 : 425. وسائل الشيعة : 18 : 208. قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 11.
من عجائب قضاء الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن رجلين اصطحبا في طريق، فلما أرادا الغداء أخرج أحدهما خمسة أرغفة، وأخرج الآخر ثلاثة أرغفة، ومرّ بهما شخص فدعواه إلى تناول الطعام فأجابهم إلى ذلك، وأكلوا جميعاً الأرغفة الثمانية، وبعد الفراغ من الطعام قدّم لهما الرجل ثمانية دراهم جزاء لدعوتهما له، وانبرى صاحب الأرغفة الثلاثة فقال لصاحبه : أقسم الدراهم نصفين، فردّ عليه صاحبه أنّ كلّ واحد منا يأخذ من الدراهم عدد ما أخرج من الأرغفة، ووقع الشجار بينهما، فترافعا إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأمرهما بالصلح فلم يستجيبا له، وقالا : اقض بيننا بالحق، فحكم الإمام بينهما، فأعطى صاحب الخمسة أرغفة سبعة دراهم، وأعطى صاحب الثلاثة درهماً، وبهرا من ذلك، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) مبيّناً الوجه في هذه القسمة.
أَلَيْسَ أَخْرَجَ أَحَدُكُما مِنْ رَادِهِ خَمْسَةَ أَرْغِفَةٌ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ ثَلَاثَةٌ ؟
بلى.
أَلَيْسَ أَكَلَ ضَيْفُكُما مَعَكُما مِثْلَما أَكَلْتُما ؟
بلی.
أَلَيْسَ أَكَلَ كلّ وَاحِدٍ مِنْكُما ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ غَيْرَ ثُلُثِ ؟
بلی.
أَلَيْسَ أَكَلْتَ يا صاحِبَ الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ غَيْرَ ثُلُثٍ ؟ وَأَكَلْتَ أَنْتَ يا صاحِبَ الْخَمْسَةِ ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ غَيْرَ ثُلثٌ ؟ وَأَكَلَ الضَّيْفُ ثَلاثَةَ أَرْغِفَةٍ غَيْرَ ثُلُثٍ ؟ أَلَيْسَ بَقِيَ لَكَ يا صاحِبَ الثَّلَاثَةِ ثُلُثُ رَغِيفٍ مِنْ زادِكَ ؟ وَبَقِيَ لَكَ يا صَاحِبَ الْخَمْسَةِ رَغِيفَانِ وَثُلُثٌ،
وَأَكَلْتَ ثَلَاثَةٌ غَيْرَ ثُلُثِ، فَأَعْطَاكُما لِكُلِّ ثُلُثِ رَغِيفٍ دِرْهَماً، فَأَعْطى صاحِبَ الرَّغِيفَيْن وَثُلُثِ سَبْعَةَ دَرَاهِمَ، وَأَعْطى صاحِبَ الثَّلَاثَةِ دِرْهَماً (1).
لقد حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه القسمة المثيرة للدهشة التي لا يلتفت إليها إلّا المتمرّس في علم الحساب.
من بدائع قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن جاريتين وضعت إحداهما ولداً، ووضعت الأخرى بنتاً، فعمدت الأخيرة إلى وضع بنتها في مهد الولد وأخذته، فتمسكت به أمّه، ورفع أمرهما إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأمر أن يوزن لبنهما، وقال : «أَيُّهُما كَانَتْ أَثْقَلَ لَبَناً فَالْإِبْنُ لَها» (2)، وذلك لأنّ لبن الولد أثقل من لبن الأنثى، وهذا الحكم لا يفقهه إلّا باب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
رفعت امرأة شكوى إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على زوجها فادعت عليه أنه قارب جاريتها بغير إذنها، وقال الزوج : بل قاربتها بإذنها، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) للزوجة : إِنْ كُنْتِ صادِقَةً رَجَمْناهُ، وَإِنْ كُنْتِ كاذِبَةٌ ضَرَبْناكِ حَدّاً.
وأقيمت الصلاة، فقام الإمام لأداء الفريضة، وفزعت المرأة من قول الإمام، فانهزمت ولم يسأل الإمام عنها (1).
من أمثلة قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي قضى بها أن شخصين اختصما في دابة في أيديهما، وأقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها أنتجت عنده فأمرهما الإمام باليمين والقسم باللّه أنّها له فحلف أحدهما ونكل الآخر، فقضى بها للحالف، فقيل للإمام : فلو لم تكن في يد واحد منهما وأقاما البينة ؟
فقال : أحَلَّفُهُما فَأَيُّهُما حَلَفَ وَنَكَلَ الْآخَرُ جَعَلْتُها لِلْحالِفِ، فَإِنْ حَلَفَا جَمِيعاً جَعَلْتُها بَيْنَهُما نِصْفَيْن.
قيل : فإن كانت في يد أحدهما وأقاما جميعاً البيّنة ؟
قال : أَقْضِي بِها لِلْحالِفِ الَّذِي هِي فِي يَدِهِ (2). ومن هذه البادرة وغيرها ممّا أثر عن أئمّة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) استمد الإمامية في ما يفتون ويقضون به في مسائل القضاء.
عمد أربعة أشخاص إلى شرب الخمر، فلما فقدوا رشدهم تضاربوا بالسكاك فألقت الشرطة القبض عليهم، فأمر الإمام بحبسهم حتى يفيقوا، فمات منهم في السجن اثنان، وبقى منهم اثنان، فجاء أقارب الميّتين إلى الإمام، وطلبوا منه أن يقتل الشخصين الباقيين.
فقال لهم الإمام : ما عِلَّمُكُمْ بِذلِكَ ؟ لَعَلَّ كلّ وَاحِدٍ مِنْهُما - أي من المقتولّين - قَتَلَ صاحِبَهُ، فقالوا لا ندري، فاحكم بما علمك اللّه، فحكم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنّ الدية على قبائل الأربعة بعد مقاصة الحيّين منهما بدية جراحهما.
وعلّق الشيخ المفيد على ذلك بقوله : كان ذلك هو الحكم الذي لا طريق إلى الحقّ في القضاء سواه، ألا ترى أنّه لا بيّنة على القاتل تفرده من المقتول، ولا بيّنة على العمد في القتل، فلذلك كان القضاء فيه على حكم الخطأ في القتل واللبس في القاتل دون المقتول (1).
1) عجائب أحكام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 73.
سبح ستة أشخاص في حوض الفرات فغرق أحدهم، فشهد اثنان منهم على الثلاثة أنّهم أغرقوه، وشهد الثلاثة أنّ الاثنين أغرقاه، فقضى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالدية أخماساً على الخمسة نفر، ثلاثة منها على الاثنين بحسب الشهادة عليهما، وخمسان على الثلاثة بحسب الشهادة أيضاً.
قال الشيخ المفيد : ولم يكن في ذلك قضيّة أحق بالصواب ممّا قضى به (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1).
ولدت امرأة إنساناً له بدنان ورأسان على حقو واحد، فسألوا الإمام عنه فقال :
اِعْتَبِرُوهُ إِذا نام، ثمّ أَنْبِهُوا أَحَدَ الْبَدَنَيْنِ وَالرَّأْسَيْنِ، فَإِنْ انْتَبَهَا جَمِيعاً فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ إِنسان واحِدٌ، وَإِنِ اسْتَيْقَظَ أَحَدُهُما وَبَقِيَ الْآخَرُ نائِماً فَهُمَا اثْنَانِ وَحَقُهُما فِي المِيراثِ حَقُّ اثْنَيْن (2).
استودع شخصان عند رجل ثلاثة دنانير، دينار لأحدهما واثنان للآخر، فضاع دينار منها وترافعا عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فقضى أنّ لصاحب الدينارين ديناراً ونصفاً، ولصاحب الدينار نصف دينار (1).
والوجه في ذلك أن أحد الدينارين ملك لصاحبه، ويبقى النزاع في الثاني فيقسّم بينهما.
وفرّع الأصوليّون على ذلك أنه لو اشترى شخص ثالث النصفين منهما، فإنّه يعلم تفصيلاً بأن نصف الدينار انتقل إليه من غير مالكه ؛ لأنّ الدينار الضائع لا يخلو إما أن يكون من صاحب الدينارين فلا حق له في النصف، وإن كان من صاحب الدينار فكذلك لا حقّ له في النصف.
وهذا من الموارد التي يتولّد من العلم الإجمالي علم تفصيلي غير منجز.
1) قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 29، نقلاً عن الصدوق والشيخ.
بادر سارق إلى الإمام مقرّاً باقتراف السرقة، وطلب منه أن يقيم عليه الحدّ، فقال له الإمام : أَتَقْرَأُ شَيْئاً مِنَ الْقُرْآنِ ؟
قال : نعم، سورة البقرة.
فقال الإمام : وَهَبْتُ يَدَكَ لِسُورة الْبَقَرَة.
فرفع الأشعث المنافق عقيرته قائلاً: أتعطّل حدّاً من حدود اللّه.
فبيّن له الإمام الوجه في عفوه قائلاً: وَما يُدْرِيكَ ما هذا ؟ إذا قامَتِ الْبَيِّنَةُ فَلَيْسَ لِلإمام أَنْ يَعْفُو، وَإِذا أَفَرُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ فَذاكَ إِلَى الإمام إنْ شاءَ عَفا وَإِنْ شاءَ قَطَعَ (1).
نعم، للإمام أن يعفو عن الحدّ قبل قيام البينة، أما بعد قيامها فليس له ذلك، حسب فقه أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
1) قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 33، نقلاً عن الصدوق.
كان قيس بن عمرو بن مالك من بني الحارث المعروف بالنجاشي شاعر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو شاعر موهوب، مرّ في شهر رمضان بصديق له يسمّى أبا سماك العدوي بالكوفة فقال له أبو سماك : ما تقول في رؤوس حملان في كرش في تنور قد أينع من أول الليل إلى آخره.
فردّ عليه النجاشي : ويحك ! في شهر رمضان تقول هذا ؟
وكان أبو سماك جاهلياً فأجابه : ما شهر رمضان وشوال إلا سواء.
وما زال يرغّبه في اقتراف المعصية حتى استجاب له، وقال النجاشي : فما تسقيني عليه ؟
شراب كأنّه الورس (1)يطيب النفس، ويجري في العظام، ويسهّل الكلام.
وعمد النجاشي إلى تناول الباجة مع الخمر، وفقد الصواب، وعلت أصواتهما وبادر جار لهما فأخبر الإمام بشأنهما، فأرسل في طلبهما، فأما أبو سماك فهرب، وأما النجاشي فألقت الشرطة القبض عليه وجاءت به إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصاح به : وَيْحَكَ ! إِنَّنَا صِيامٌ وَأَنْتَ مُفْطِرٌ ؟
ثمّ ضربه ثمانين سوطاً وزاده عشرين سوطاً، وغضب النجاشي وقال للإمام : ما هذه العلاوة يا أبا الحسن ؟
فأجابه الإمام : هذِهِ لِجُرْأَتِكَ عَلَى اللّه فِي شَهْرِ رَمَضَانَ
1) الورس : نبت أصفر يكون باليمن - لسان العرب : 6 : 254.
ثم رفعه للناس في تبان (1)لتحقيره وإهانته (2)لانتهاكه حرمة شهر رمضان، وهرب النجاشي إلى معاوية فارّاً من العدالة الإسلامية، فلما دخل على معاوية كان بلاطه مكتظّاً بعيون أهل الشام فرحب به معاوية، وقال أمام الشاميّين : مرحباً بمن عرف الحقّ فاتّبعه، ورأى الباطل فنفر منه.
فاستيقظ ضمير النجاشي واستجاب للحق فردّ على معاوية قائلاً: ويلك يا معاوية إنا فررنا من العدل والحقّ، واحتمينا بالباطل، فالتاع معاوية وقابله بغضب، ونقل حديثه إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : لَوْ قَتَلَهُ مُعاوِيَةُ لَماتَ شَهِيداً، إنَّها كَلِمَةُ حَقٌّ عِنْدَ سُلْطَانِ جَائِرٍ.
قضى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قاطع الطريق على المسلمين أن يُقتل وتصادر أمواله، ويصلب (1)، وهذا هو الحكم الصارم الذي اتخذه الإسلام لاستتباب الأمن وقطع دابر المفسدين.
وقضى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قاطع الطريق الذي لا يقتل، ولا يسلب الأموال، وإنّما يشيع الخوف، أن ينفى من بلده إلى بلد آخر حتى يأتيه الموت، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَهُوَ الْمَعْ بِقَوْلِهِ تَعالى: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّه وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (2).
وعلّق السيّد محسن الأمين على ذلك بقوله : «وهذا الأخير معناه أنّه أخاف السبيل فقط ولم يفعل شيئاً ممّا فعله الأوّلان، ويدلّ عليه ما أرسله في مجمع البيان عن الباقر والصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) إنّما جزاء المحارب على قدر استحقاقه، فإن قتل فجزاؤه أن يقتل، وإن قتل وأخذ المال فجزاؤه أن يقتل ويصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل فجزاؤه أن تقطع يده ورجله من خلاف، وإن أخاف السبيل فقط فإنّما عليه النفي لا غير». (3)
ومن قضائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه حكم على سفينة صادمة وسفينة مصدومة تضرّرت أن الضمان يكون على السفينة الصادمة، ولا تتحمّل السفينة المصدومة شيئاً (1).
حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل أوصى عند موته بإخراج سهم من ماله، فلمّا توفّي اختلف الورثة في مقداره، فقضى أن يخرج الثمن، وتلا قوله تعالى : «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ» الآية (2)، وهم ثمانية أصناف لكل صنف منهم سهم من الصدقات (3).
لقد كان حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المدعوماً بالآية الكريمة، وهكذا كانت جميع أحكامه متّفقة مع كتاب اللّه تعالى لا تشذ ولا تختلف عنه.
ونظير ذلك من أحكامه أن رجلاً أوصى عند موته بجزء من ماله ولم يعينه فاختلف الورثة في مقداره، فرفعوا أمرهم إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقضى بإخراج السبع من ماله وتلا قوله تعالى : «لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مُنْهُمْ جُزْءٌ مُقْسُومٌ» (4).
من المسائل التي قضى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن شخصاً أوصى بعتق كل عبد قديم له، ولم يهتد الوصي إلى معرفة القديم منهم، فسأل الإمام عن ذلك
فأجاب : يُعْتَقُ كلّ عَبْدِ مَلَكَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وتلا قوله تعالى : «وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» (1).
وقد ثبت أنّ العرجون إنّما ينتهي إلى الشبه بالهلال في تقوّسه وضالّته بعد ستّة أشهر من أخذ الثمرة منه (2).
نذر شخص أن يصوم حيناً من الدهر، وخفي عليه مقداره، فرفع أمره إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقضى أن يصوم ستّة أشهر، وتلا قوله تعالى : «تُؤْتِي أُكُلَهَا كلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا» (3)، وإنّما تؤتي أكلها بعد ستّة أشهر (4).
جاءت امرأة إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد رفعت عقيرتها قائلة : أصلحك اللّه ما تقول في فتاة :
ذاتُ بَعْلٍ أَصْبَحَتْ تَطْلُبُ***بَعْلاً بَعْدَ إِذْنِ مِنْ أَبِيها
أترى ذلك حلالاً ؟
فأمرها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإحضار زوجها فأحضرته، فأقرّ الرجل على نفسه أنه عنين، فأمره بطلاقها ففعل، وزوّجها بشخص آخر (1).
قضى الإمام في رجل أوصى بثلثه وقتل خطاً أن الدية يخرج منها الثلث (2).
من غرر قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ اعرابياً سأله بهذه المسألة.
الاعرابي : رأيت كلباً وطئ شاة فأولدها ولداً، فما حكم ذلك في الحلّ ؟
الإمام : اعْتَبِرْهُ فِي الْأَكْلِ، فَإِنْ أَكَلَ لَحْماً فَهُوَ كَلْبٌ، وَإِنْ رَأَيْتَهُ يَأْكُلُ عَلَفاً فَهُو شاة.
الاعرابي : وجدته تارة يأكل هذا، وتارة يأكل هذا.
الإمام : اعْتَبِرْهُ فِي التُّرْبِ، فَإِنْ كَرَعَ فَهُوَ شَاةٌ، وَإِنْ وَلَغَ فَهُوَ كَلْبٌ.
الاعرابي : وجدته يلغ مرّة ويكرع أخرى.
الإمام : اعْتَبِرْهُ فِي الْمَشْيِ مَعَ الْمَاشِيَةِ، فَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْها فَهُوَ كَلْبٌ، وَإِنْ تَقَدَّمَ أَوْ تَوَسَطَ فَهُوَ شَاةٌ.
الاعرابي : وجدته مرّة هكذا ومرّة هكذا.
الإمام : اعْتَبِرْهُ فِى الْجُلُوسِ، فَإِنْ بَرَكَ فَهُوَ شَاةٌ، وَإِنْ أَقْعَى فَهُوَ كَلْبٌ.
الأعرابي : إنّه هذا مرة وهذا مرّة.
الإمام : اذْبَحْهُ فَإِنْ وَجَدْتَ لَهُ كِرْساً فَهُوَ شَاةٌ، وَإِنْ وَجَدْتَ لَهُ أَمْعَاءَ فَهُوَ كَلْبٌ.
وبهت الاعرابي وذهل من سعة علوم الإمام وإحاطته الكاملة بمعرفة طبائع الحيوانات وحقائقها (1).
1) قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 52. الكشكول / البحراني : 3 : 111. الحقّ المبين في قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / ذبيح اللّه محلاتي : 193.
رفعت مجوسية قد أسلمت قبل أن يدخل بها زوجها إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فطلب منه أن يسلم فأبى، فقضى على زوجها نصف الصداق، وقال : لَمْ يَزِدْها الْإِسْلَامُ إِلَّا عِزّاً (1). وقد انفسخ النكاح ؛ لأن الكافر ليس له أن يتزوج بمسلمة.
شرطت امرأة على زوجها أنّ بيدها الجماع والطلاق، ورفع أمرها إلى الإمام، فقضى أن بيد الزوج الجماع والطلاق، وشرطها مخالف للسنّة، فإنّ على الزوج النفقة والجماع وبيده الطلاق، وهذا الحكم هو الذي تقتضيه السنّة (2).
جيء بشخص إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد اقترف جريمة القتل والسرقة وشرب الخمر، فقضى عليه بجلده ثمانين لشربه الخمر، وقطع يده للسرقة وقتله لقتله إنساناً (3).
سرق شخص من الغنيمة، وهو من أفراد الجيش، ورفع أمره إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقضى بعدم قطع يده، وقال : إِنِّي لَمْ أَقْطَعْ يَدَ أَحَدٍ لَهُ فِي ما أَخَذَ شِرْك (1).
وقضى الإمام على التاجرين يبيع كلّ منهما صاحبه، ويفرّان من بلد إلى بلد بقطع أيديهما لأنهما سارقان لأنفسهما وأموال الناس (2).
من المسائل التي قضى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ يهوديّين شهدا على يهودي أنّه أسلم، فقضى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه لا تقبل شهادتهما لأن اليهود يستحلّون تغيير كلام اللّه تعالى وشهادة الزور (3).
قضى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقبول شهادة النصارى على من أسلم منهم وغير ذلك، وتلا قوله : «وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى» (1).
وأضاف الإمام قائلاً: وَمَنْ لَا يَسْتَكْبَرْ عَنْ عِبادَةِ اللّه لَا يَشْهَدِ الزُّورَ (2).
إنّ النصارى ليسوا كاليهود الذين يستحلُّون كلّ إثم ويقترفون كلّ إثمٍ.
قضى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الرجل إذا قتل وَلَدَهُ لا يُقْتَلُ به، ولكن إذا قتل الولد والده فإنّه يُقْتَلُ به (3).
قضى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شخص قذف جماعة أنّه يجلد حدّاً واحداً، وحمل الشيخ الرواية على قذفهم بلفظ واحد، وأتوا به مجتمعين، أما لو قذف واحداً واحداً فإنّه يجلد لكلّ واحد على حدة (1)، هذا ما تقتضيه القواعد التي أثرت عن أئمّة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وبهذه النماذج اليسيرة من قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينتهي بنا الحديث عن قضائه الذي هو ميزان الحقّ والعدل، وعلى ضوئه يقضي القضاة العدول، يقول الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَيْسَ أَحَدٌ يَقْضِي بِقَضاءٍ يُصِيبُ فِيهِ الحقّ إِلَّا مِفْتَاحُهُ قَضاءُ عَلِيٌّ (عَلَيهِ السَّلَامُ).
1) التهذيب : 1 : 69، الحدیث 10.
من المؤكّد أنّ الوضع والافتعال لم يكن مقتصراً على الأحداث التاريخية وإنّما استهدف بصورة خاصة الشؤون الدينية، فقد خلطت بكثير من الموضوعات، والمفتريات افتعلت لأسباب سياسية، من أهمها - فيما أحسب - تأييد الأنظمة القأئمّة في تلك العصور التي سلطت جميع أنشطتها السياسية على إقصاء أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن المسرح السياسي للأمّة، وإبعادهم عن كلّ شأن من شؤون الحياة العامّة.
وعلى أي حال فقد نسبت إلى الإمام أمير المؤمنين بعض البنود التي قضى بها، وقد نسبها إليه من كتب عن قضائه وعجائب أحكامه، كما ذكرت في موسوعات الفقه والحديث، وهي - عند التأمل - لا تتفق مع القواعد الفقهية التي يفتي على ضوئها فقهاء الإمامية، والتي هي مستمدة من أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ومن اللّه المحقق الذي لا يخامره شكٍّ أنّ الفقه الإمامي بجميع شرائحه وأبوابه من العبادات والمعاملات والعقود والايقاعات كلّها على سمت واحد غير مختلفة ولا متباينة في فروعها وأصولها كما تجد التباين واضحاً في فقه غيرهم.
إنّ من مميزات الفقه الإمامي التشابه الكلّي في فتاوى مراجع الإمامية، ويعود السبب في ذلك أنّها أخذت من منبع واحد، وهم أئمّة الهدى سلام اللّه عليهم، الذين يمثلون الواقع الإسلامي بجميع أبعاده.
ومهما يكن الأمر فإنّا نعرض لبعض الأقضية التي نسبت إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي
بعيدة كلّ البعد عن المقرّرات الفقهية المتسالم عليها عند السادة الفقهاء، وفي ما يلي ذلك :
نقل بعض الرواة أنه أتى إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) برجل وجد في خربة وبيده سكين ملطخ بالدم، وإلى جانبه رجل مذبوح متشحّط بدمه، فقال له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما تَقُولُ؟
فقال : أنا قتلته، فأمر بالقصاص منه، فلما ذهبوا به سارع رجل إلى الإمام فقال له : يا أمير المؤمنين، ما هذا صاحبه، أنا واللّه قتلته.
فالتفت الإمام إلى المتهم الأوّل فقال له : ما حَمَلَكَ عَلَى إِقْرَارِكَ عَلَى نَفْسِكَ ؟
وأدلى المتّهم بحجّته : يا أمير المؤمنين، ما كنت أستطيع أن أقول وقد شهد عليَّ مثل هؤلاء الرجال، وأخذوني وبيدي سكين ملطّخ بالدم، والرجل متشحط بدمه، وأنا قائم عليه، وقد خفت الضرب فأقررت، وقد ذبحت بجنب الخربة شاة، وقد أخذني البول، فدخلت الخربة فرأيت الرجل مذبوحاً، فقمت عليه متعجباً، فدخل هؤلاء فأخذوني.
فأمرهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمضي إلى ولده الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليحكم فيهم، فمضوا إليه وقصوا عليه القصّة، فقال الحسن : قُولُوا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ : إِنَّ هذا إِنْ كانَ ذَبَحَ ذَاكَ فَقَدْ أَحْيا هذا، وَقَدْ قالَ اللّه تعالى: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً» (1)يُخَلَّى عَنْهُما، وَتُخْرَجُ دِيَةُ الْمَقْتُولِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (2).
وأقرّ الإمام الحكم، ويواجه هذا القضاء أنّ القاتل كيف يعفى عنه مع اعترافه
بجريمة القتل، فلابد من القصاص أو الدية إن رضي بها أولياء المقتول، فالحكم بهذه الكيفية مخالف للقواعد الفقهية. اللّهمّ إلّا أن يحمل على أنه تشفّع إلى أولياء الدم بعدم القصاص منه، ثمّ إنّ الدية كيف تؤخذ من بيت المال مع أنّ اللازم أن تؤخذ من القاتل.
قضى الإمام في رجل أتى زوجته وهي حائض، فإن كان واقعها في أوّل حيضها فعليه أن يتصدق بدينار، ويضربه الإمام خمساً وعشرين جلدة ربع حد الزاني ويستغفر اللّه ولا يعود، وإن أتاها في آخر أيام حيضها تصدق بنصف دينار ويضربه الإمام اثنتي عشرة جلدة ونصف الجلدة - ثُمُنُ حدّ الزاني - ويستغفر اللّه ولا يعود (1).
وهذا الحكم مجافٍ لما ذهب إليه الفقهاء من عدم إقامة الحدّ عليه، وليس عليه إلا الحكم التكليفي وهو الإثم، كما إنّ وجوب الكفّارة عليه محل تأمّل، فقد أفتى بعض الأعلام بعدم وجوبها.
روى الأصبغ بن نباتة أن شخصاً في عهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) دفع إلى شخص ألف دينار، وأوصاه أن يتصدّق منها بما أحب ويحبس الباقي له، وتوفّى الشخص، فتصدق الرجل بمائة وحبس لنفسه تسعمائة دينار، فقال له ورثة الميّت : تصدّق عن أبينا بخمسمائة دينار، واحبس لنفسك خمسمائة دينار، فأبى، فخاصموه إلى الإمام وقضوا عليه الأمر، فقال الإمام للرجل : أَجِبْهُمْ إلى ما أَرَادُوا، فامتنع، فقضى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَنَّ على الرجل أن يتصدّق بتسعمائة دينار ويحبس لنفسه مائة دينار.
1) عجائب قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 70. قضاء أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 40.
وهذا الحكم يتنافى مع وصيّة الميّت ؛ لأنه أوصاه أن يحبس لنفسه ما أحب، وقد رغب أن يتصدّق عن الميّت بمائة ويدّخر لنفسه تسعمائة، وهو ما يريده.
يقول السيّد محسن الأمين : «إنّ الحقّ في جانب الوصي لا في جانب الورثة».
وأضاف السيّد : «إن ظاهر قول الموصي تصدّق منها بما تحب أي بما تريد لا بما تحبّ أن يبقى لك، ولعلّ ما فعله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو من باب النصيحة للوصي قصداً لاستصلاح الحال أو لغير ذلك من وجوه الاصلاح، وتفسير ما تحب أن يكون لك لعلمه من باب الاقناع والمفاكهة بالدليل الشرعي لا من باب الحقيقة، ويمكن أن يقال إنّ ظاهر حال الموصي أنه لا يرضى بأن يحبس لنفسه أكثرها ويبقى أقلّها» (1).
وما ذهب إليه السيّد خلاف ظاهر كلام الموصي، فقد أناط التصدق بما يحبه الوصي.
ومن غرائب ما روي - والذي هو إلى الخيال أقرب منه إلى الواقع - أنّ امرأة تركت طفلاً ابن ستة أشهر، فمشى يحبو حتى خرج إلى السطح، وجلس على رأس الميزاب، فجاءت أمّه إلى السطح فما قدرت عليه، فجاءوا بسلّم ووضعوه على الجدار فما قدروا على الطفل من أجل طول الميزاب ويُعده عن السطح، والأمّ تصيح، وجاء الإمام فنظر إلى الصبي فتكلم بكلام لم يعرفه أحد، فأمر بإحضار طفل مثله فأحضر، فنظر أحد الطفلين إلى الآخر، وتكلّما بكلام الأطفال وخرج الطفل من الميزاب إلى السطح، وفرحت الناس بذلك (2).
وهذه القصة وإن لم تكن من قضاء الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلّا أنا ذكرناها استطراداً للتدليل على عدم واقعيتها.
من المسائل التي هي موضع الشك في نسبتها إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المسألة المنبرية - كما سمّاها الرواة - فقد سئل الإمام وهو على المنبر عن ميراث شخص توفّي، وترك بنتين وأبوين وزوجته، فأجاب عن حصة الزوجة أن ثمنها صار تسعاً.
وهذا الجواب يبتني على العول الذي لا تقول به الشيعة، وهو إدخال النقص عند ضيق المال عن السهام المفروضة على جميع الورثة بنسبة سهامهم، فللزوجة الثمن، وللأبوين الثلث، وللبنتين الثلثان، فضاق المال عن السهام ؛ لأن الثلث والثلثين يكون بهما تمام المال، فمن أين يؤخذ ثمن الزوجة، فمن نفس العول.
قال : إنّ النقص يدخل على البنتين، والفريضة تكون من أربعة وعشرين للزوجة ثمنها ثلاثة وللأبوين ثلثها ثمانية، والباقي ثلاثة عشر للبنتين، فقد نقص من سهمهما ثلاثة، هذا بناءً على إنكار العول، ومن أثبت العول قال بادخال النقص على الجميع، فيزداد على الأربعة والعشرين ثلاثة فتصير سبعة وعشرين للزوجة منها ثلاثة وللأبوين ثمانية وللبنتين ستة عشر، والثلاثة هي تسع السبعة والعشرين، وهذا معنى قول الإمام - لو صحّ - : «صار ثمنها تسعاً».
وهذا القول مجاف لما أثر عن أئمّة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) من إنكار العول، فهذه الرواية مخدوشة (1).
1) عجائب قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 82.
من الروايات المخدوشة التي لا تتفق مع مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هي ما روي أنّ امرأة سألت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالت له : إن أخي قد مات وخلف ستمائة دينار، وقد دفعوا لي منها ديناراً واحداً، فاسألك انصافي وإيصال حقي إليَّ.
فقال لها الإمام: «خَلَّفَ أَخُوكِ بِنتَيْنِ لَهُما الثَّلُثَانِ أَرْبَعُ مَائَةٍ، وَخَلَّفَ أُمّاً لَهَا السُّدُسُ مائَةٌ، وَخَلَّفَ زَوْجَةٌ لَهَا الثُّمَنُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، وَخَلَّفَ مَعَكَ اثْنَي عَشَرَ أخاً لِكُلِّ أَخ دِينارٌ، وَلَكِ دِينارٌ».
ولهذا فقد سمّيت هذه المسألة بالدينارية.
وهذه المسألة مبنية على التعصيب الذي لا تقول به الشيعة، فإنّ التعصيب هو أخذ العصبة ما زاد على السهام المفروضة في القرآن الكريم وهو منافٍ لما ثبت عن أئمّة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) من بطلان التعصيب وردّ الزائد على ذوي السهام بنسبة سهامهم (1).
من الروايات التي تتّسم بالضعف ما روي أنّ شخصاً جاء إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : إنّي كنت أعزل عن امرأتي، وقد جاءت بولد.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَنْشُدُكَ اللّه هَلْ وَطئتَها وَعاوَدْتَها قَبْلَ أَنْ تَبُولَ ؟
قال : نعم.
قال الإمام الْوَلَدُ لَكَ (2).
ووجه الضعف في الرواية أنّ الولد يلحق به، سواء بال أم لا ؛ لأنّه قد يسبق الماء
ولا يشعر به الرجل، كما دلّت على ذلك الأخبار.
من الروايات المخدوشة أنّ ابن الكوّاء سأل الإمام وهو على المنبر فقال له : ما تقول في رجل أتى امرأته في دبرها ؟
فقال : فَحَشْتَ فَحَشَ اللّه بِكَ، سَفَلْتَ سَفَلَ اللّه بِكَ. يُعْمَدُ إِلَى أَعْظَمِ بِنَاءٍ فِي الْقَرْيَةِ فيرمی مُنكِّساً ثمّ يُتْبَعُ بالحجارة (1).
وقد أثبتت الرواية إلقاء الزوج من شاهق ورميه بالحجارة، وهذا لا يقول به أئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فإنّ هذا الحدّ للّواط.
من الروايات الضعيفة أنّ رجلاً قال للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّه كان بين يدي تمر فبدرت زوجتي فأخذت منه واحدة فألقتها في فيها، فحلفت أنها لا تأكلها ولا تلفظها، فقال : تَأْكُلُ نِصْفَها وَتَرْمِي نِصْفَها، وَقَدْ تَخَلَّصَتْ مِنْ يَمِينِكَ (2).
ولا يمكن القول بذلك فإن اليمين إنّما ينعقد في ما إذا كان مشروعاً، ويفعل الشخص نفسه لا بفعل غيره.
من الروايات الضعيفة أنّ امرأة نذرت أن تطوف على يديها ورجليها، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): تَطُوفُ أَسْبُوعاً لِيَدَيْها وَأسْبُوعاً لِرِجلَيْها (3)، وهذا النذر لا يمكن تصحيحه فإنّه
إنّما ينعقد إذا كان راجحاً. ومن المؤكّد عدم صحة النذر بهذه الكيفية.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الروايات الضعيفة التي نسبت إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قضائه، فهي بالاضافة إلى ضعف سندها فإنّها مجافية لما أثر عن أئمّة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) في هذه المسائل.
وبذلك تنطوي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب، وهو لا يحكي إلّا بعض ما نقله الرواة من قضاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) آملا أن يجد فيه القارئ الفائدة والمتعة وهو ما أتمناه.
قبل الخوض والدخول في البحث عن شؤون ولاة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعماله وجباة الضرائب والخراج، وما زوّدهم به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الأنظمة والنصائح في وثائقه إليهم، نعرض إلى بعض البحوث التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً وموضوعياً بأجهزة الحكم ومناصب الدولة وشؤون الموظفين والعمال وغير ذلك، وفيما يلي هذه البحوث :
أما الولاة على الأقطار والأقاليم الإسلامية فهم الذين يعيّنهم الخليفة الذي تقلّد أمور المسلمين ليحكموا بينهم بالحقّ والعدل، ويقيموا سنّة اللّه تعالى وأحكامه في الأرض، ويعملوا على تطوير العالم الإسلامي في إنماء ثرواته، وعمارة أرضه، وإقصاء الفقر والحاجة عن كلّ مواطن يقيم في بلاد المسلمين، وهذا عرض لبعض مسؤوليات الولاة وأهمّيتهم :
الامارة على الأقطار والأقاليم من المناصب الحسّاسة في جهاز الحكم، فإن أديت على الوجه الصحيح نجا صاحبها من عذاب اللّه وعقابه، الإسلامي، وإن لم تؤد على واقعها المشروع تعرّض من تقلّدها للنقمة والعذاب، وقد أدلى بذلك الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ : أَيُّما وال وَلِيَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِي أَقِيمَ عَلَى حَدٌ الصِّراطِ، وَنَشَرَتِ الْمَلَائِكَةُ صَحِيفَتَهُ، فَإِنْ كانَ عَادِلاً تَجاهُ اللّه بِعَدْلِهِ، وَإِنْ كَانَ جَائِراً انْتَفَضَ بِهِ الصَّراطُ حَتَّى تَتَزايَلَ مَفاصِلُهُ، ثمّ يَهْوِي إِلَى النَّارِ، فَيَكُونَ أَوَّلَ ما يَتَّقِيها أَنفُهُ وَحُرُّ وَجْهِهِ (1)» (2).
أرأيتم خطر الامارة ومدى المسؤولية العظمى لمن تولاها، فإن عدل في إمارته وأقام الحقّ كان بمنجى من عذاب اللّه تعالى، ومن جار في حكمه وابتعد عن الطريق القويم كان في عذاب اللّه ونقمته.
وفي حديث آخر للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه قال لأصحابه : وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ عَنِ الْإِمَارَةِ وَما هِيَ ؟
فانبرى إليه عوف بن مالك قائلاً : ما هي يا رسول اللّه ؟
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : أَوَّلُها - أي الامارة - مَلَامَةٌ، وَثانيها نَدامَةٌ، وَثَالِتُهَا عَذَابُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ عَدَلَ، وَكَيْفَ يَعْدِلُ مَعَ قَرِيبِهِ (3).
إنّ الامارة عذاب وندامة وخسران لمن حاد عن الطريق واقترف الظلم والاعتداء على الناس، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) محذّراً لأصحابه من الامارة قائلاً : «سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ ثمّ تَكُونُ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ، فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ» (4).
وقد حرص الكثيرون من الصحابة وتهالكوا على الامارة والسلطان فكانت النتائج المؤسفة أنّ العالم الإسلامي غرق بالفتن والكوارث.
وحدّث عوف بن مالك أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قال : إِنِّي أَخافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ أَعْمَالِ ثَلَاثٍ.
فسارع بعض أصحابه قائلاً: ما هي يا رسول اللّه ؟
زَلَّةٌ عالِمٍ، وَحُكْمٌ جَائِرٌ، وَهَوَى مُتَّبَعٌ.
إنّ أي واحدة من هذه الأمور الثلاثة توجب سخط اللّه وإطفاء نور العدل وشيوع الجور في الأرض.
وكان الأخيار والصلحاء من الصحابة يتحرجون من قبول الامارة لأنها من موجبات الاغراء والتعالي على الناس، يقول المقداد : استعملني رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على عمل فلما رجعت قال لي : كَيْفَ وَجَدْتَ الْإِمَارَةَ ؟
يا رسول اللّه، ما ظننت إلا أنّ الناس خول لي، واللّه ! لا ألي على عمل ما دمت حیّاً.(1)
إنّ الحكم يوجب الاعتزاز بالنفس ويغري الإنسان بالعظمة والكبرياء، ولا يفلت من ربقته إلّا المتحرّج في دينه فإنّه لا ضير عليه في تقلد الامارة، فقد روى عطاء بن يسار قال : إنّ رجلاً كان عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقال : بئس الشيء الامارة.
فأجابه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : نِعْمَ الشَّيْءُ الإمارَةُ لِمَنْ أَخَذَها بِحَقِّها وَحِلُّها (2).
أما انتخاب الولاة وتعيينهم في مناصب الدولة، فإنّه من مختصات زعيم الدولة، فهو الذي يختار وينتخب لهذا المنصب من تتوفّر فيه النزعات الكريمة والصفات الفاضلة من العلم والورع والتقوى وأصالة الرأي وعمق التفكير والدراية التامة بشؤون
الحكم والإدارة.
وهذه بعض الصفات التي ينبغي أن تتوفّر فيه :
1 - الصدق في القول.
2 - الوفاء بالعهد والوعد.
3 - أداء الأمانه إلى أهلها.
4 - التجنّب عن الخيانة.
5 - لين الكلام وحسن الخلق مع الرعية.
6 - العطف والرفق بالأيتام وتعهّد شؤونهم.
7- التفقّه في أحكام الإسلام.
8 - الحلم وكظم الغيظ
خفض الجناح للرعية (1).
هذه بعض الصفات التي يعتبر مثولها في الولاة، ويجب على ولي أمر المسلمين الفحص بدقة وإمعان عن المتصدّي لهذا المنصب لئلا يتولّى أمور المسلمين من لا حريجة له في الدين.
قال الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ إِمَامٌ جائِرٌ ضَلَّ، وَضُلَّ بِهِ، فَأَماتَ سُنَّةٌ مَأْخُوذَةٌ، وَأَحْيِي بِدْعَةٌ مَتْرُوكَةٌ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ: يُؤْتَى بِالْإِمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلَا عَاذِرٌ فَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ فَيَدُورُ كَما تَدُورُ الرَّحَى، ثمّ يَرْتَبِطُ
1) نظام الحكم والإدارة في الإسلام : 361 و 362.
فِي قَعْرِها» (1).
أوصى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالتباعد عن السلطان الجائر فقال : «تَبَاعَدْ عَنِ السُّلْطَانِ الْجائِرِ، وَلَا تَأْمَنْ خُدَعَ الشَّيْطَانِ، فَتَقُولَ : أَنْكَرْتُ، نَزَعْتُ، فَإِنَّهُ هكَذَا هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكَ. فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ إِلَّا حُبَّ الدُّنْيا وَقُرْبَ السَّلَاطِين وَخالَفَتْكَ عَمَّا فِيهِ رُشْدُكَ فَامْلِكَ عَلَيْكَ لِسَانَكَ فَإِنَّهُ لَا بَقِيَّةَ لِلْمَوْتِ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَلَا تَسَلْ عَنْ أَخْبَارِهِمْ، وَلَا تَنْطِقُ بِأَسْرارِهِمْ، وَلَا تَدْخُل فِيمَا بَيْنَهُم»ْ (2).
وحذر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من الامارة السفهاء الذين لا رصيد لهم من الوعي والتقوى. وقد روى كعب بن عجرة عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنه قال له : أَعاذَكَ اللّه يا كَعْبُ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهاءِ.
وبادر كعب قائلاً : ما إمارة السفهاء يا رسول اللّه ؟
فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أُمَرَاءٌ يَكُونُونَ بَعْدِي لَا يَهْتَدِونَ بِهَدْيِي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعانَهُمْ عَلى ظُلْمِهِمْ، فَأَوْلَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُمْ، وَلَا يَرِدُونَ عَلَيَّ حَوْضِي، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقُهُم بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلى ظُلْمِهِمْ، فَأَوْلئِكَ مِنِّى وَأَنا منْهُمْ، وَسَيَرِدُونَ عَلَيَّ حَوْضِي (3).
إنّ إمارة السفهاء ظلم وجور واعتداء على الناس ؛ لأنهم لا يهتدون بهدي
النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ولا يستنون بسنّته.
وحذر الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من توظيف العاشقين للسلطة والمتهالكين على المنصب، فقد روي أن رجلاً قال : يا رسول اللّه، استعملني ؟
فردّه النبيّ وقال : إِنَّا لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرادَهُ (1).
وعلّق أبو الوليد على هذه الرواية بقوله : السرّ في ذلك أن الولايات أمانات، وتصريف في أرواح الخلائق وأموالهم، والتسرّع إلى الأمانة دليل على الخيانة، وأنه لا يخطبها إلا من يريد أكلها... وإذا انتمن خائن على موضع الأمانات كان كمن استرعى الذئب على الغنم، ومن هذه الخصلة تفسد قلوب الرعايا على ملوكها ؛ لأنه إذا اهتضمت حقوقهم وأكلت أموالهم فسدت نياتهم، وأطلقوا ألسنتهم بالدعاء والتشكّي، وذكروا سائر الملوك بالعدل والإحسان فكانوا كالبيت السائر.
وراعي الشَّاةِ يَحْمِي الذَّنْبَ عَنْها***فَكَيفَ إِذا الذُّنابُ لَها رِعاءُ
وإذا خان أهل الأمانات وفسدت قلوب أهل الولايات كان الأمر كما قال الأولون :
الملحُ يُصْلِحُ ما نَخْشَى تَغَيُّرَهُ***فَكَيْفَ بِالمِلْحِ إِنْ حَلَّتْ بِهِ الغَيرُ (2)
إنّ الإسلام احتاط أشدّ ما يكون الاحتياط في مناصب الدولة، فلم يسمح لولي أمر المسلمين أن يمنح الولاية لمن طلبها وتهالك عليها، وقد دفع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) طلحة والزبير عن الولاية حينما أصرًا عليها ؛ لأنهما لم يكونا مدفوعين برعاية الصالح العام، وإنّما رغبا في الولاية ليتخذا منها وسيلة للثراء العريض
والتحكّم في رقاب المسلمين.
وعلى الولاة في الأقاليم الإسلامية أن يقيموا العدل ويحكموا بين الناس بالحق، ويتعاهدوا مصالح المسلمين وقضاياهم، ومن أوليات مسؤولياتهم ما يلي :
1 - إشاعة تعليم أحكام الإسلام المستمدة من الكتاب والسنة
2 - تربية المجتمع بالأخلاق الفاضلة والآداب العالية.
3 - الرفق بالرعية والعفو عن المسيء من غير ترك للحق العام.
4 - القضاء على معالم الجاهلية الرعناء.
5 - الاهتمام بالشعائر الإسلامية ومن أهمها الصلاة.
6 - نشر الوعظ والإرشاد لوقاية المجتمع من الانحراف.
7 - نشر العلوم النافعة التي بها تتطوّر الحياة كالطب والهندسة وغيرهما (1).
وقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يَجِبُ عَلَى الْوالِى أَنْ يَتَعَهْدَ أُمُورَهُ وَيَتَعَهَّدَ أَعْوانَهُ حَتَّى لَا يَخْفى عَلَيْهِ إِحْسانُ مُحْسِنِ، وَلَا إِساءَةُ مُسِيءٍ، ثمّ لَا يَتْرُلُ واحِداً مِنْهُما بِغَيْرِ جَزَاءٍ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ تَهاوَنَ الْمُحْسِنُ، وَاجْتَرَأَ الْمُسِيءُ، وَفَسَدَ الأَمْرُ، وَضاعَ الْعَمَلُ» (2).
هذه بعض البنود التي يلزم الولاة بتنفيذها على مسرح الحياة العامّة
ووضع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)مناهج وآداباً خاصّة للولاة، وأمرهم بالتحلي بها ليكونوا هداة للناس وأمثلة للحكّام الصالحين وذلك في عهده لمالك الأشتر،
ونشير إلى بعضها :
1 - على الولاة أن يشعروا في قلوبهم الرأفة والرحمة للرعية من دون فرق بين المسلمين وغيرهم.
يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمالك :
وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبْعاً ضارياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِما أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ.
وحكت هذه الكلمات المسؤوليات التي ينبغي للولاة مراعاتها وهي :
أن يحملوا في مشاعرهم وعواطفهم المحبة والرأفة لجميع المواطنين.
أن لا يكونوا كالأسود الضارية للشعب ينهبون أرزاقهم ومواردهم الاقتصادية.
أن يعاملوا المواطنين من مسلمين وغيرهم على حد سواء، من دون أن يكون لأحدهم فضل على أحد ولا لفئة على أخرى، فالمسلمون وغيرهم على صعيد واحد.
2 - أن لا يتخذوا الامرة والسلطة وسيلة للاستعلاء على الناس والتكبّر عليهم. يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وَلَا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إِدْغَالَا (1)فِي الْقَلْبِ، وَمَنْهَكَةً لِلدِّينِ، وَتَقَرُّباً مِنَ الْغَيْرِ.
وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ ما أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطائِكَ أَيُّهَةً أَوْ مَخِيلَةٌ (2)،
فَانْظُرْ إِلَى عِظَم مُلْكِ اللّه فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِماحِكَ، وَيَكُفُ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ (1)، وَيَفِيءُ إِلَيْكَ بِما عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ !
إِيَّاكَ وَمُساماةَ (2)اللّه فِى عَظَمَتِهِ، وَالتَّشَبُهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ، فَإِنَّ اللّه يُذِلُّ كلّ جَبَارٍ، وَيُهِينُ كلّ مُخْتَالٍ.
وقد نهى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحذر واليه على مصر من التكبّر على الرعية، فإنّ التكبّر مفسد للدين ومحبط للعمل، وقد علّمه الوسيلة التي ينجو بها ويتخلّص من التكبّر، وهي أن ينظر إلى عظمة اللّه تعالى المالك القادر الذي هو فوق كلّ شيء فإنّه يكف عنه هذا الداء وينجيه من هذا الشرّ.
3 - على الولاة أن ينصفوا اللّه تعالى وذلك بطاعته وامتثال أوامره، وأن ينصفوا
الناس وذلك بإعطاء حقوقهم، وقد حفل بذلك وغيره من صنوف العمل قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
أَنْصِفِ اللّه وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خاصَّة أَهْلِك وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى (3)مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ !
وَمَنْ ظَلَمَ عِبادَ اللّه كانَ اللّه خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللّه أَدْحَضَ حُجَّتَهُ (4)، وَكانَ للّه حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ.
وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَىٰ إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللّه وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ
عَلَى ظُلْمٍ، فَإِنَّ اللّه سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ.
أرأيتم هذا العدل الذي ينعش الشعوب، ويعود بالخير العميم على الجميع، ويساوي بين السلطة والشعب، ولا يجعل لأي أحد سلطاناً أو تفوّقاً على غيره ؟
4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُها فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُها فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُها لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخَطَ العامّة يُجْحِفُ رضَى الْخَاصَّةِ (1)، وَإِنَّ سُخْطَ الْخاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى العامّة. وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةٌ فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةٌ لَهُ فِي الْبَلَاءِ، وَأَكْرَهَ لِلْإِنْصافِ، وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ (2)، وَأَقَلَّ شُكراً عِنْدَ الْإِعْطاءِ، وَأَبْطَأَ عُدْراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخاصةِ. وَإِنَّما عِمادُ الدِّينِ، وَجِماعُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعُدَّةَ لِلْأَعْدَاءِ، العامّة مِنَ الْأُمَّةِ ؛ فَلْيَكُنْ صِغوَكَ لَهُمْ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ.
أوصى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا المقطع عامله مالك برعاية العامّة من الشعب، وتلبية مطالبهم، وتنفيذ رغباتهم ؛ لأنّ الدولة لا تقوم إلا بهم، فهم عمودها الفقري ومركز ثقلها.
5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وَلَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسانِ فِي الْإِحْسَانِ، وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِساءَةِ عَلَى الإساءَةِ !
وَأَلْزِمْ كُلَا مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَىٰ إِلَىٰ حُسْنِ ظَنَّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسانِهِ إِلَيْهِمْ، وَتَخْفِيفِهِ الْمَؤُونَاتِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ (1). فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً (2)طَوِيلاً.
وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظُنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ، وَإِنَّ أَحَقُّ مَنْ ساءَ ظُنُّكَ بِهِ لَمَنْ ساءَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ
أكّد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على تكريم المحسن، والإشادة به وأنّه ليس من الانصاف في شيء أن يساوي بينه وبين المسيء، فإنّ في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان، وتشجيعاً للمسيئين.
كما أكّد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الإحسان إلى الرعية والبرَّبهم وتخفيف المؤونات عنهم، فإنّ ذلك ممّا يوجب ارتباط الشعب بحكومته، وهو من أنجع الوسائل وأكثرها نجاحاً لاستقرار الدولة وسلامتها من الفتن الداخلية.
6 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وَلَا تَنْقُضْ سُنَّةٌ صالِحَةٌ عَمِلَ بها صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاجْتَمَعتْ
بها الْألْفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْها الرَّعِيَّةُ.
وَلَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةٌ تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ ماضِي تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَها، وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِما نَقَضْتَ مِنْها.
وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَماءِ، وَمُناقَشَةَ (1)الْحُكَماءِ، فِي تَثْبِيتِ ما صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلَادِكَ، وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ.
حكى هذا المقطع ضرورة الابقاء على السنّة الصالحة وما يستفيد منه الناس من القوانين الصالحة التي عمل بها المسلمون وأقرها الإسلام، كما حذّر من سنّ القوانين التي تضرّ بالناس وتجحف حقوقهم.
وأكّد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مجالسة العلماء ومحادثة الحكماء، فإنّها تفتح آفاقاً كريمة من الوعي والتطوّر وتهدي إلى سواء السبيل.
7 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وَارْدُدْ إِلَى اللّه وَرَسُولِهِ ما يُضْلِعُكَ (2)مِنَ الْخُطُوبِ، وَيَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ ؛ فَقَدْ قالَ اللّه تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ :« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّه وَالرَّسُولِ» (3).
فالرَّدُّ إِلَى اللّه : الْأَخْذُ بِمُحْكَم كِتَابِهِ.
وَالرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ : الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرَّقَةِ.
أمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مالكاً بردّ ما اشتبه عليه من الأمور الإدارية وغيرها من المسائل التي يبتلى بها هو والرعية إلى كتاب اللّه تعالى ففيه تبيان كلّ شيء وأمره بالردّ إلى السنّة النبوية الجامعة، فقد تعرّضت لكلّ ما أشكل وأبهم.
8 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلَا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ (1)، وَلَا يَتَمادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلَا يَحْصَرُ (2)مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الحقّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ (3)عَلَى طَمَع، وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَىٰ فَهُم دُونَ أَقْصاهُ ؛ وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَأَخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضاح الْحُكْمِ، مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ (4)إِطْرَاءٌ، وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولئِكَ قَلِيلٌ.
ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضائِهِ، وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ ما يُزِيلُ عِلَّتَهُ (5)، وَتَقِلُّ مَعَهُ حاجَتُهُ إِلَى النّاس.
وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ ما لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ حَاصَّتِكَ،
لِيَأْمَنَ بِذَلَكَ اغْتِيالَ الرِّجالِ لَهُ عِنْدَكَ.
فانْظُرْ فِي ذلِكَ نَظَراً بِلِيغاً فَإِنَّ هَذَا الدِّيْنَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيا.
نظر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المقطع إلى القضاء والحكّام فأولاهم المزيد من اهتمامه، وقد حفل كلامه بما يلي :
أوّلاً : أن يكون القضاة الذين يعينهم للحكم بين الناس أفضل الرعية في علمهم وتقواهم وتحرّجهم في الدين، وأن تتوفّر فيهم الصفات التالية.
أن لا تضيق بهم الأمور بل لا بدّ أن يكونوا على سعة في الخلق.
أن لا يغضبوا عند مخاصمة الناس عندهم.
أن لا يتمادوا في الزلل، ويرجعون إلى الحقّ إذا عرفوه.
أن لا ينقادوا إلى الأطماع، ويتبّعوا الأهواء بل يكونون في منتهى النزاهة.
أن لا يكتفوا في النظر إلى شكاوى الناس ودعا واهم إلى أبسط النظر وإنّما عليهم أن يمعنوا كثيراً في الأمور التي ترفع إليهم.
أن يقفوا ويتأمّلوا كثيراً في الشبهات حتى يتبيّن لهم الحقّ.
أن لا يضجروا من مراجعة الخصوم لهم، ويصبروا عند رفع الدعاوي إليهم.
أن يتّصفوا بالشدّة والصرامة عند اتّضاح الحقّ لهم. ولا يميلوا مع الجانب الآخر الذي تذرّع بالباطل.
أن لا يزدهيهم ويخدعهم إطراء وثناء، فلا يحفلوا بذلك.
ثانياً : على الولاة أن يكثروا من تعاهد القضاة ويطلعوا على قضائهم لئلا يكون مجافياً للواقع.
ثالثاً : أن يزيد في عطاء ورواتب القضاة حتى تقل حاجتهم إلى الناس ويحكموا بما أنزل اللّه تعالى.
رابعاً : أن يشيد الولاة بالقضاة ويرفعوا منزلتهم حتى يشعروا بالكرامة والمنزلة الرفيعة ليخلصوا بذلك في عملهم.
9 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَالِكَ فاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِباراً، وَلَا تُوَلِّهِمْ مُحاباةً وَأَثَرَةً، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ. وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَياءِ، مِنْ أَهْلِ الْبَيُوتاتِ الصَّالِحَةِ، وَالْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ المتقدّمةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلَاقا، وَأَصَحُ أَعْرَاضاً، وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِع إِشْرَاقاً، وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً.
ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، فَإِنَّ ذلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلَاح أَنْفُسِهِمْ، وَغِنِّى لَهُمْ عَنْ تَناوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنَّ خالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا (1)أَمانَتَك.
ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعاهَدَكَ فِي السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ (2)عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ.
وَتَحَفَّظُ مِنَ الْأَعْوَانِ ؛ فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبارُ عُيُونِكَ، اكْتَفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِداً،
فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخْذْتَهُ بِما أَصابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثمّ نَصَبْتَهُ بِمَقامِ الْمَذَلَّةِ، وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيانَةِ، وَقَلَّدْتَهُ عارَ التُّهَمَةِ.
حكى هذا المقطع بعض الأمور التي تتعلق في عمال الدولة وهي :
أوّلاً : أن لا يولّي أي موظف عملاً إلا بعد الفحص والاختبار التامّ عن حاله وأمانته.
ثانياً : لا يجوز أن يسند أي عمل لأحد محاباة أو اثرة فإنه خيانة للأمة، وفساد لجهاز الحكم.
ثالثاً : أن يولّى العمل إلى أهل التجربة والدراية على شؤون العمل الذي يسند إليهم.
رابعاً : أن يختار للعمل من يتصف بالحياء، وعدم الصلف، وأن يكون من ذوي البيوتات الشريفة حتى يقوم بخدمة المواطنين، ولا يجحف في حقهم.
خامساً : أن يسبغ على العمّال الرواتب التي تسدّ حاجاتهم، ولا يضيق عليهم معيشتهم ليكونوا بمأمن عن تناول ما في أيدي الناس، ويبتعدوا عن الرشوة.
سادساً : مراقبة العمّال مراقبة دقيقة، وبثَّ العيون عليهم للنظر في تصرّفاتهم، فإن كانت شاذة عن شريعة اللّه تعالى بادر إلى عزلهم وإقصائهم عن وظائفهم وشهر بهم ليكونوا عبرة لغيرهم.
10 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
ثُمَّ انْظُرْ فِي حالِ كُتّابِكَ، فَوَلَّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَاخْصُصْ رَسائِلَكَ الَّتِى تُدْخِلُ فِيها مَكَائِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُودِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ(1)، فَيَجْتَرِئَ بِها
1) تبطره : أي تفسده.
عَلَيْكَ فِي خِلَافٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلَإٍ، وَلَا تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مكاتباتِ عُمَالِكَ عَلَيْكَ، وَإِصْدَارٍ جَوَاباتِها عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ، فِيما يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ، وَلَا يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ، وَلَا يَعْجِرُ عَنْ إِطْلَاقِ ما عُقِدَ عَلَيْكَ، وَلَا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْر نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بَقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ.
ثُمَّ لَا يَكُنِ اخْتِبارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلَاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالْأَمانَةِ شَيْءٌ، وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِما وُلُوا لِلصّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدُ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي العامّة أَثَراً، وَأَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهَا، فَإِنَّ ذلِكَ دَليلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ للّه وَلِمَنْ وُلَّيتَ أَمْرَهُ.
وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كلّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ، لَا يَظْهَرُهُ كَبِيرُها، وَلَا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُها، وَمَهُما كَانَ فِي كِتَابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَعَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ.
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المقطع إلى كتاب الولاة، واعتبر أنّه لا بدّ أن تتوفّر فيهم الصفات التالية :
أوّلاً : أن يكونوا من خيرة الرجال في وثاقتهم وإيمانهم ومعرفتهم بشؤون الإدارة وقضايا الحكم.
ثانياً : أن يحتفظوا بالرسائل والوثائق التي تخص الدولة فيحافظوا على أسرارها، ولا يبيحوا محتوياتها لأح.د
ثالثاً : أن يكون الكتّاب على جانب وثيق من سموّ الأخلاق والآداب الذين
لا يجرؤون على مخالفة الوالي، وعدم امتثال أوامره.
رابعاً : أن لا يغفلوا عما يرد إليهم من الوثائق من العمال وسائر الموظفين ف--ي سلك الدولة، وعليهم أن يعرضوها على الوالي ليطلع عليها.
خامساً: أن يجيب الكتاب عمّا يرد إليهم من الموظفين من الرسائل وأن لا يهملوا أجوبتها على الوجه الصحيح وعليهم تسجيل ما يأخذون ويعطون.
سادساً : أن يكون اختيار الوالي للكتاب قائماً على الفحص والاختبار، ولا يكون خاضعاً للفراسة.
سابعاً : إنّ اختبار العمال والكتاب يكون على الفحص بسيرتهم في عملهم قبل أن يتولى الوالي وظيفته، فإن كانت سيرتهم حسنة عند الولاة قبله عهد إليهم بالوظائف، وقلّدهم المناصب.
11 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وَاجْعَلْ لِذَوِي الحاجاتِ مِنْكَ قِسْماً (1)تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عاماً فَتَتَواضَعُ فِيهِ للّه الَّذِي خَلَقَكَ، وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ (2)جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ، حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِع، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ : «لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفَ فِيهَا حَقَّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِع (3)».
ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ (1)مِنْهُمْ وَالْعِى (2)، وَنَحْ عَنْكَ الضّيقَ وَالْأَنْفَ يَبْسُطِ اللّه عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ، وَيُوجِبُ لَكَ ثَوابَ طَاعَتِهِ.
وَأَعْطِ ما أَعْطَيْتَ هَنِيئاً، وَامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وَإِعْذارٍ !
ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُباشَرَتِها مِنْهَا :
إجابةُ عُمَالِكَ بِما يَعْيا عَنْهُ كُتابُكَ، وَمِنْهَا إِصْدَارُ حاجاتِ النَّاسِ يَوْمَ وَرُودِها عَلَيْكَ بِما تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ. وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ، فإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ. وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللّه أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ، وَأَجْزَلَ تِلْكَ الْأَقْسامِ، وَإِنْ كانَتْ كُلُّها للّه إِذَا صَلَحَتْ فيها النِّيَّةُ، وَسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ.
وحفل هذا المقطع بالآداب العالية، والحكم النافعة، والتعاليم الرفيعة التي منها ما يلي :
أن يجعل الوالي وقتاً خاصاً للمواطنين يلتقي بهم ليعرف حوائجهم ويطلع على متطلّباتهم.
أن يجلس الوالي مجلساً متواضعاً غير محفوف بالعظمة والكبرياء، وأن يكون تواضعه اللّه تعالى خالق الكون وواهب الحياة.
أن ينحّي عن المواطنين الجنود والأعوان حتى يتكلموا بحرية وأمان.
أن يتحمل الوالي ما يظهر من بعض المواطنين من العنف والشدّة.
أن ينحّي الوالي عن نفسه ضيق الصدر والتكبّر ليستقبل المواطنين برحابة وسعة في القول.
إذا أعطى الوالي لبعض المواطنين شيئاً من الرزق فعليه أن يعطيه بلطف لا بمنّة، كما إنه إذا أراد أن يمنع رزقاً عن أحد فعليه أن يمنعه بإعذار وإجمال.
إجابة العمّال في طلباتهم إذا عجز عن تلبيتها الكتاب.
عدم تأخير متطلّبات الناس وحاجاتهم وأن تقضى فوراً من غير تأخير، وأن يمضي الوالي في كلّ يوم عمله.
12 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
وَلْيَكُنْ فِى خاصَّةِ ما تُخْلِصُ بِهِ للّه دِينَكَ : إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتِي فِيَ لَهُ خاصَّةً، فَأَعْطِ اللّه مِن بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ، وَوَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللّه مِنْ ذلِكَ كَامِلاً غَيْرَ مَثْلُومٍ وَلَا مَنْقُوص، بالِغاً مِنْ بَدَنِكَ ما بَلَغَ.
وَإِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ لِلنَّاسِ، فَلَا تَكُونَنَّ مُنَفِّراً وَلَا مُضَيَّعاً (1)، فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ وَلَهُ الْحَاجَةُ.
وَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الْيَمَنِ كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ ؟
فَقالَ : «صَلِّ بِهِمْ كَصَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ، وَكُنْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً».
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المقطع إلى بعض النصائح الرفيعة وهي :
أن يقيم الوالي بإخلاص فرائض اللّه تعالى من الصلاة والصيام.
1) التنفير : تطويل الصلاة. التضييع : نقص الصلاة، والمراد التوسط في أدائها.
أن يؤدّي الفرائض كاملة غير ناقصة.
أن يصلّي بالناس صلاة تتسم بعدم الإطالة، وأن يراعي حال الضعفة من المصلين الذين لا طاقة لهم على إطالة الصلاة.
13 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وَأَمَا بَعْدُ، فَلَا تُطَوَّلَنَّ احْتِجابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوَلَاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضّيقِ، وَقِلَّةُ عِلم بِالْأُمُورِ ؛ وَالاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ، وَيَعْظُمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ، وَيُشَابُ الحقّ بِالْبَاطِلِ.
وَإِنَّمَا الْوَالِى بَشَرٌ لَا يَعْرِفُ مَا تَوَارَىٰ عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأمُورِ، وَلَيْسَتْ عَلَى الحقّ سِماتٌ (1)تُعْرَفُ بِها ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ، وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنَ :
إِمَا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ، فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقَّ تُعْطِيهِ، أَوْ فِعْل كَرِيم تُسْدِيهِ، أَوْ مُبْتَلَى بِالْمَنْعِ، فَما أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذًا أَبِسُوا مِنْ بَذْلِكَ ! مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حاجات النّاسِ إِلَيْكَ ممّا لَا مَؤُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ، مِنْ شَكَاةٍ مَظْلِمَةٍ، أَوْ طَلَب إِنْصافٍ فِي مُعَامَلَةٍ...
عرض إمام العدل في هذا المقطع إلى إلزام واليه الزعيم مالك على مصر بعدم
1) السمات : جمع سمة، وهي العلامة.
احتجابه عن الرعية ؛ لأنّ في الاحتجاب مضاعفات سيئة والتي منها :
إنّ الاحتجاب يحول عن الرعية علم ما احتجبوا دونه، ويسبّب ذلك أن يصغر عندهم الكبير من الأمور، ويعظم عندهم الصغير، ويحسن عندهم القبيح، ويقبح الحسن.
إنّ احتجاب الوالي عن الرعية موجب لأن يتوارى عنه ما ألم بالناس من الأحداث التي يعود حجبها بضرر بالغ على الوالي وعلى المواطنين.
إنّ الناس إذا يئسوا من ملاقاة الوالي فإنّهم يكفّون عن مسألته، ويحتجبون عنه.
إن شكاوى الناس التي ترفع إلى الوالي هي إما من مظلمة أو طلب انصاف في معاملة لهم، ومن الطبيعي أنّه ليس على الوالي بذلك ضرر.
14 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
وَأَلْزِمِ الحقّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَكُنْ فِي ذلِكَ صابراً مُحْتَسِباً، وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ، وَابْتَغِ عاقِبَتَهُ بِما يَنْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ، فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذلِكَ مَحْمُودَةٌ.
أوصى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واليه على اتباع الحقّ وتطبيقه على القريب والبعيد، مهما ثقل ذلك عليه فإنّ فيه سعة.
15 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وَإِنْ ظَنّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً (1)فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذرِكَ، وَاعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ رِيَاضَةٌ مِنْكَ لِنَفْسِكَ، وَرِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ، وَإِعْدَاراً تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى
1) الحيف : الظلم.
الْحَقِّ.
عهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمالك أنّ الرعية إذا ظنّت به الظلم فعليه أن يقدّم لها اعتذاره، ويبيّن لها الأسباب التي دعته إلى الإقدام على ما سنه وعمله.
16 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
إِيَّاكَ وَالدّماءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلَّها، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْنَى لِنِقْمَةٍ، وَلَا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ، وَلَا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ، وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ
الدّماءِ بِغَيْرِ حَقِّها.
وَاللّه سُبْحانَهُ مُبْتَدِى بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ، فِيمَا تَسافَكُوا مِنَ الدّماءِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ؛ فَلَا تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإِنَّ ذلِكَ ممّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِتُهُ، بَلْ يُزيلُهُ وَيَنْقُلُهُ
وَلَا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللّه وَلَا عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ لِأَنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ(1).
وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَا وَأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بعُقُوبَةٍ ؛ فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَما فَوْقَهَا مَقْتَلَةٌ، فَلَا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَحْوَةُ سُلْطائِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِياءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ.
واحتاط الإمام أشدّ ما يكون الاحتياط في سفك الدماء بغير حق، فإنّه من موجبات النقمة وزوال النعمة، وعذاب اللّه تعالى، وقد ألزم الإمام واليه على مصر مالكاً الأشتر أن لا يقيم سلطانه بسفك الدماء المحرّمة فإنّ ذلك ممّا يوهنه ويزيله
1) القود : القصاص.
ولا عذر له مطلقاً عند اللّه تعالى، وقد عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى القتل العمدي، فإن ديته القود، وإن رضي وليّ الدم بالدية، فهي الدية الثقيلة المشدّدة، وقد ذكرها الفقهاء، وأمّا قتل الخطأ فإنّ فيه الدية دون القود وتؤدى إلى أولياء الدم.
17 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
وَإِيَّاكَ وَالْإعْجَابَ بِنَفْسِكَ، وَالثَّقَةَ بِما يُعْجِبُكَ مِنْها وَحُبَّ الْإِطْرَاءِ، فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ.
وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسانِكَ، أَوِ التَّزَيَّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبَعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ، فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ، وَالتَّزَيَّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ، وَالْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللّه وَالنَّاسِ. قالَ اللّه تَعَالَى : «كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّه أَنْ تَقُولُوا ما لَا تَفْعَلُونَ» (1).
حفل هذا المقطع بمعالي التربية الأخلاقية التي يتزين بها الولاة وهي :
النهي عن الاعجاب بالنفس الذي يقود إلى التكبر ويلقي الشخص في شرّ عظيم.
الحذر من حبّ المدح والاطراء والثناء، فإنّه ممّا يؤدّي إلى استيلاء الشيطان وتمكنه من إغراء الشخص حتى يفسد عليه عمله.
أن لا يمنّ الوالي على رعيّته بما يسديه عليها من خدمات كتأسيس المشاريع الزراعية والمعامل وغير ذلك ممّا تتقدۀم به البلاد، فإنّ ذلك واجب على الولاة والمسؤولين، وليس في أدائه منٌّ على الرعية.
1) الصف 61: 3.
أن لا يُخلف الوالي ما يعد به الرعية، فإنّ ذلك ممّا يوجب سقوط هيبته وعدم الوثوق بقوله.
18 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وَإِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِها، أو التَّسَقُط فيها (1)عِنْدَ إِمكانِها، أَوِ النَّجاجَةَ فِيها إذا تَنَكَّرَتْ (2)، أَوِ الْوَهْنَ عَنْها إِذَا اسْتَوْضَحَتْ.
فَضَعْ كلّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ، وَأَوْقِعْ كلّ عَمَلٍ مَوْقِعَهُ.
وَإِيَّاكَ وَالْاِسْتِنْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ (3)، وَالتَّعَابِيَ عَمّا تُعْنَىٰ بِهِ ممّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ. وَعَمَا قَلَيل تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الْأُمُورِ، وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُوم. امْلِك حَمِيَّةَ أَنْفِكَ (4)، وَسَوْرَةَ حَدِّكَ (5)، وَسَطْوَةَ يَدِكَ، وَغَرْبَ لِسانِكَ، وَاحْتَرِسْ مِنْ كلّ ذلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ، وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ، حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الْاِخْتِيَارَ؛ وَلَنْ تَحْكُمَ ذلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ (6).
ووضع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)ا بعض المناهج التربوية لسلوك واليه وهي :
أنّه نهى عن العجلة في الأمور التي ليس وراءها إلا الفشل والخيبة، وأوصى بالتروي فإنّه مفتاح النجاح، وإذا اتضحت الأمور وظهرت فعليه المبادرة للفعل أو الكفّ. واللازم أن يضع كلّ أمر موضعه وفي محله.
ونهى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واليه من الاستئثار بما الناس فيه أسوة، فليس له من سبيل أن يستأثر بشيء يعود لجميع المواطنين، فإنّ ذلك ينمّ عن الشره والطمع، وذلك ممّا لا يليق بالوالي النزيه... هذه بعض النقاط التي حفل بها هذا المقطع.
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهده لمالك إلى بطانة الولاة الذين يتّخذوهم الولاة مستشارين لهم، وقد حذّره من الاتصال بالأصناف التالية :
1 - من يذكرون عيوب الناس تقرّباً إلى السلطة، وذلك بإظهار الاخلاص لها.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ، وَأَشْنَأهُمْ عِنْدَكَ، أَطْلَبُهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسِ ؛ فَإِنَّ في النّاسِ عُيُوباً، الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَها، فَلَا تَكْشِفَنَّ عَمّا غابَ عَنْكَ مِنْهَا، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ، وَاللّه يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ، فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ اللّه مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ (1).
2 - إبعاد السعاة الذين لا يألون جهداً في ظلم الناس والبغي عليهم..
يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
1) نهج البلاغة : 3 : 82.
وَلَا تَعْجَلَنَّ إِلَىٰ تَصْدِيقِ سَاعٍ، فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاسٍ، وَإِنْ تَشَبَّهَ بالنَّاصِحِينَ.
3 - إبعاد البخلاء لأنهم يعدلون بالوالي عن الفضل والإحسان ويعدونه الفقر والحرمان.
4 - إقصاء الجبناء لأنّهم يضعّفونه ويخذلونه عن أداء الواجبات.
5 - اجتناب الحريصين فإنّهم يزيّنون له الشر بالجور.
6 - الابتعاد عن الوزراء وأعوانهم الذين كانوا لأئمّة الظلم وزراء وأعواناً، فإنّهم لا يألون جهداً في ظلم الناس وإرهاقهم.
هذه بعض الأصناف التي يجب على الولاة الابتعاد عنها ؛ لأنها بطانة السوء والجور، وأداة للحكم الفاسد
وأوّل من أسّس ولاية المظالم في الإسلام هو الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد اتخذ في الكوفة بيتاً سمّاه بيت المظالم، وأمر المظلومين أن يسجلوا فيه ظلاماتهم، وقد تطوّرت هذه الولاية في العصر العباسي، وفاقت منصب القضاء، وقد عهد إليها بالأمور التالية :
1 - النظر في الشكاوى التي يرفعها المواطنون ضدّ الولاة والحكام إذا انحرفوا عن طريق الحقّ وجاروا على الرعية.
2 - النظر في جور العمال إذا شذّوا في جباية الأموال.
3 - النظر في كتّاب الدواوين لأنّهم الأمناء على بيوت الأموال فيما يستوفونه ويوفّونه.
4 - النظر في مظالم المرتزقة وسائر الموظفين إذا تأخّر دفع رواتبهم إليهم.
5 - ردّ ما غصبه الظالمون إلى المظلومين والمستضعفين.
6 - الإشراف على الأوقاف العامّة والخاصة لتجري على ما أوقفت عليه.
7 - تنفيذ ما وقف ولم ينفّذ من الأحكام الصادرة من القضاة والمحتسبين ؛ لأن والى المظالم أقوى يداً وأنفذ أمراً من غيرهم.
8 - مراعاة إقامة الشعائر الدينية والعبادات كصلاة الجمعة والعيد والحجّ والجهاد.
9 - إنزال عقوبة التأديب بالعمال وغيرهم من كبار الموظفين إذا شدّوا في سلوكهم، ولم يؤدّوا واجباتهم (1).
هذه أهم الأمور التي يعهد بها إلى والي المظالم، وقد أهملت هذه الولاية التي هي من أهمّ المناصب وأخطرها، فقد أنيط بها تطبيق العدل وصيانة الحقوق وإقصاء الظلم عن الناس.
أمّا عمّال الخراج فهم الذين يستوفون الأموال التي فرضت على الأراضي التي فتحها المسلمون عنوة، وأمّا عمّال الصدقات فهم الذين يجلبون الأموال التي فرضت على الأعيان التي تجب فيها الزكاة كالغلّات الأربعة، والأنعام الثلاثة، والنقدين، ويشترط في هؤلاء العمّال أن يكونوا أمناء فيما يجبونه من الناس وفيما ينفقونه على المرافق العامّة، وقد وضع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم منهجاً خاصاً حافلاً بالآداب، ورعاية الصالح العامّ، والرفق الكامل بالمواطنين، ونسوق نصّ
1) النظم الإسلامية : 325.
كلامه من دون أن نتعرّض لتحليله لأنه وافي القصد، واضح المعالم، سهل البيان قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض عمّاله :
انْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً، وَلَا تَجْتازَنَّ عَلَيْهِ كارِها، وَلَا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكثَرَ مِنْ حَقٌّ اللّه فِي مَالِهِ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ، ثمّ امْضِ إِلَيْهِمْ بالسَّكِينَةِ وَالْوَقارِ ؛ حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَلَا تُخْدِج (1)بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ، ثمّ تَقُولَ : عَبَادَ اللّه، أَرْسَلِنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللّه وَخَلِيفَتُهُ، لِأَخُذَ مِنْكُمْ حَقَّ اللّه فِي أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ للّه فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٌّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَىٰ وَلِيِّهِ ؟
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَا، فَلَا تُرَاجِعْهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ (2)فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ، أَوْ تُوعِدَهُ، أَوْ تَعْسِفَهُ، أَوْ تُرْهِقَهُ.
فَخُذْ ما أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إِبِلٌ فَلَا تَدْخُلْهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلَا تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلَّطٍ عَلَيْهِ وَلَا عَنِيفٍ بِهِ.
وَلَا تُنفّرَنَّ بَهِيمَةٌ وَلَا تُفْزِعَنَّها، وَلَا تَسُوءَنَّ صاحِبَهَا فِيها، وَاصْدَع الْمَالَ صَدْعَيْنِ (3)ثمّ خَيِّرْهُ، فَإِذَا اخْتارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لِما اخْتارَهُ. ثمّ اصْدَعِ الْباقِيَ صَدْعَيْنِ، ثمّ خَيْرُهُ، فَإِذَا اخْتَارَ
فَلَا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ فَلَا تَزَالُ كَذلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ وَفاء لِحَقِّ اللّه فِي مَالِهِ ؛ فَاقْبِضْ حَقَّ اللّه مِنْهُ.
فَإِنِ اسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ(1)، ثمّ اخْلِطْهُمَا ثمّ اصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ أَوَّلاً حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اللّه فِى مَالِهِ.
وَلَا تَأْخُذَنَّ عَوْداً (2)، وَلَا هَرمَةٌ، وَلَا مَكْسُورَةٌ، وَلَا مَهْلُوسَةً، وَلَا ذَاتَ عَوَارٍ، وَلَا تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ تَثِقُ بِدِينِهِ، رَافِقاً بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُوَصِّلَهُ إِلَى وَلِيِّهِمْ فَيَقْسِمهُ بَيْنَهُمْ، وَلَا تُوَكَّلْ بِها إِلَّا ناصحاً شَفِيقاً وَأَمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعْنِفٍ وَلَا مُجْحِفٍ (3)، وَلَا مُلْغِب (4)وَلَا مُتعِبٍ. ثمّ احْدُرُ (5)إِلَيْنا ما اجْتَمَعَ عِنْدَكَ نُصَيِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللّه بِهِ، فَإِذَا أَخَذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصِيلِهَا، وَلَا يَمْصُرَ (6)لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذلِكَ بِوَلَدِها؛ وَلَا يَجْهَدَنَّها رُكُوباً، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِباتِها فِي ذلِكَ وَبَيْنَها، وَلْيُرَفِّهُ عَلَى اللَّاعِبِ (7)، وَلْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ (8)وَالطَّالِع، وَلْيُورِدْهَا
ما تَمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدْرِ (1)، وَلَا يَعْدِلْ بِها عَنْ نَبْتِ الْأَرْضِ إِلَىٰ جَوَادِّ الطُّرُقِ، وَلْيُرَوّحها فِى السّاعاتِ، وَلْيُمْهِلْها عِنْدَ النَّطافِ (2)وَالْأَعْشابِ، حَتَّى تَأْتِيَنَا بِإِذْنِ اللّه بُدَّنا مُنْقِيَاتٍ غَيْرَ مُتْعَبَاتٍ، وَلَا مَجْهُودَاتٍ لِنَقْسِمَهَا عَلَى كِتابِ اللّه وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِكَ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ اللّه» (3).
وحفل هذا العهد بأصول الفضائل والآداب، واحتوى على جميع صنوف العدل ورعاية حقوق من وجبت عليهم الزكاة، كما تضمّن الرفق الكامل بالحيوان، وعدم إجهاده والاضرار به كما نص العهد على الاحتياط بأموال الدولة، والاهتمام بها إلى غير ذلك من الأنظمة الرائعة التي لم تقنّن مثلها في الأنظمة الحديثة.
على وليّ أمر المسلمين أن يقف بيقظة وحزم أمام ولاته على الأقطار والأقاليم فيراقب تصرّفاتهم، ويحاسبهم على ما جبوه وأنفقوه من بيت المال، وينظر إلى ما عندهم من ثراء، فإن كان قد اصطفوه من بيت المال بغير وجه مشروع فالواجب مصادرته، وعزلهم وذلك لخيانتهم، وقد سنّ ذلك، ووضع منهاجه الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فكان يحاسب عماله على ما في أيديهم وعلى ما أنفقوه، وقد استعمل رجلاً من الأزد على الصدقات فلما رجع حاسبه فقال الرجل : هذا لكم، وهذا أهدي لي.
فأنكر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ذلك وقال : ما بالُ الرَّجُلِ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ ممّا وَلَّانا اللّه،
فَيَقُولَ : هذا لَكُمْ، وَهَذا أَهْدِي لِي ؟ أَفَلَا فَعَدَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ وَأَبِيهِ فَنَظَرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا نَسْتَعْمِلُ رَجُلاً عَلَى الْعَمَلِ ممّا وَلانَا اللّه فَيَغُلُّ مِنْهُ شَيْئاً إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كانَ بَعِيراً لَهُ رُغاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً لَها خُوارٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَاةٌ تَمْغُرُ.
ثمّ رفع يديه إلى السماء وقال : اللّهمَّ بَلَّغْتُ قالها مرتين أو ثلاثاً (1).
وسار الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هذا المنهج في دور حكومته فكان يراقب الولاة والعمال، ويمعن في محاسبتهم، فإذا بدرت من أحدهم خيانة بادر إلى عزله، ومصادرة ما اختلسه من الأموال، وقد بلغه عن بعض عماله أنه استأثر ببعض أموال المسلمين فكتب إليه :
أَمَا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ
بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ الْأَرْضَ فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وَأَكَلْتَ ما تَحْتَ يَدَيْكَ، فارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللّه أَعْظَمُ مِنْ حِسابِ النّاسِ (2).
وكتب إلى زياد بن أبيه، وهو وال من قبل عامله على البصرة عبداللّه بن عباس، يحذّره من الخيانة، وقد جاء فيما كتبه إليه :
وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللّه قَسَماً صادِقاً، لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءٍ الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، لَأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ
الْوَفْرِ، ثَقِيلَ الظَّهْرِ، ضَئِيلَ الْأَمْرِ (1).
ما أحوج المسلمين إلى هذا العدل الصارم الذي لا تطغى فيه النزعات والأهواء، ولا ميل فيه إلا للعدل والحق، ولا مكسب فيه إلا خدمة الأمة ورعاية مصالحها (2).
وروى المؤرخون أنّ عمر بن الخطّاب كان يحاسب عمّاله ويشاطرهم ما عندهم من أموال، فقد شاطر أموال سعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص والحجّاج ابن عتيك الثقفي وغيرهم، ويقول المعنيون بهذه البحوث إن الواجب كان يقضي بمصادرة جميع أموالهم إن كانوا قد اختلسوها، وإن لم يكونوا قد اختلسوها فلا وجه لمصادرة نصفها (3).
لا يجوز فصل الولاة وإقالتهم إذا كانوا قائمين بواجباتهم وملتزمين بما عهد إليهم، أما إذا اقترفوا الظلم وشدّوا عن الطريق القويم فإنّهم يفصلون، ويقدمون إلى القضاء، وقد عزل الإمام لا أحد ولاته حينما أخبرته سودة بنت عمارة الهمدانية أنه قد جار في حكمه، فبكى الإمام وقال في حرارة : اللّهمَّ أَنْتَ الشَّاهِدُ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ، إِنِّي لَمْ آمُرُهُمْ بِظُلْمٍ خَلْقِكَ، وَلَا بِتَرْكِ حَقِّكَ.
ثم عزله في الوقت (4)، إن سعادة الأمة منوطة باستقامة حكامها، وعدل موظفيها، فإذا مالوا عن الحق، وابتعدوا عن العدل وجب عزلهم لئلا تتعرّض البلاد
إلى الأزمات والنكسات.
ومن مظاهر عدل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عزله للمنذر بن الجارود حينما بلغه أنّه جافي سيرة أبيه الجارود الحافلة بالتقوى والصلاح، فقد كتب إليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما نصه :
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ صَلَاحَ أَبِيكَ ما غَرَّنِي مِنْكَ، وَظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ، وَتَسْلُك سَبِيلَهُ، فَإِذَا أَنْتَ فِيما رُقْيَ إِلَيَّ عَنْكَ لَا تَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً، وَلَا تُبْقِى لِآخِرَتِكَ عَتاداً. تَعْمُرُ دُنْياكَ بَخَرَابٍ آخِرَتِكَ، وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ. وَلَئِنْ كانَ ما بَلَغَنِي عَنْكَ حَقًّا، لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَشِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَمَنْ كانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلِ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ، أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ، أَوْ يُعْلَىٰ لَهُ قَدْرٌ، أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمانَةٍ، أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى جِبَايَةٍ فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتابِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللّه (1).
لقد صبّ الإمام لالا (عَلَيهِ السَّلَامُ) جام غضبه على المنذر حينما بلغه أنّه خان المسلمين، فقد عنّفه بهذا اللون من العنف الذي هو أشدّ من ضرب السيوف، ثمّ عزله عن منصبه من أجل صيانة العدل، والحفاظ على حقوق المسلمين ومصالحهم، وليس من العدل في شيء إبقاء من خان المسلمين في منصبه بل لا بد من عزله وإقصائه.
أما الجيش فهو السياج الواقي للأمة، والحامي لها من الاعتداء والغزو، وهو أفضل جهاز في الدولة، ولننظر إلى ما قاله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المدح والاطراء :
فالْجُنُودُ، بِإِذْنِ اللّه، حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَزَيْنُ الْوَلَاةِ، وعِزُ الدِّينِ،
1) نهج البلاغة : 3: 145.
وَسُبُلُ الْأَمْنِ، وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمْ.
أرأيتم هذا التمجيد ؟
أرأيتم هذا الثناء ؟
إن الجند حصون الرعية، وزين الولاة، وسبل الأمن العام في البلاد، وليس فوق هذا الثناء من ثناء.
وأضاف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول :
فَوَلَّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِى نَفْسِكَ اللّه وَلِرَسُولِهِ وَلِإِمَامِكَ، وَأَنْقاهُمْ جَيْباً، وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً مِمَّنْ يُبْطِيُّ عَنِ الْغَضَبِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ، وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَيَنْبُو عَلَى الْأَقْوَياء، وَمِمَّنْ لَا يُثِيرُهُ الْعُنْفُ، وَلَا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ.
عرض الإمام إلى من يوليه ويرشّحه مالك لبعض المراتب المهمة في الجيش واشترط أن تتوفّر فيهم الصفات التالية :
1 - أن يتصف المرشح لقيادة الجيش بالنصيحة اللّه ورسوله ولوالي الأمة.
2 - أن يكون بعيداً عن أكل المال الحرام.
3 - أن يكون من أفضل الناس، ويبطئ عن الغضب الذي هو مصدر كلّ رذيلة.
4 - أن يتصف بالرأفة والرحمة على الضعفاء والفقراء.
5 - أن يكون ذا بأس وقوة على الأقوياء.
6 - أن يكون قوي الشخصية، فلا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف
وأكّد الإمام في عهده لمالك على العناية بقادة الجيش.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
وَلْيَكُنْ آثَرُ رُؤُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِما يَسَعُهُمْ وَيَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ، حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمَا وَاحِداً فِي جِهادِ الْعَدُوِّ ؛ فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ (1).
وألمّت هذه الكلمات بأرقى الوسائل التي توجب تلاحم الجيش مع قادته بولاة الأمر، وأنّهم يكونون جميعاً يداً واحدة على عدوهم.
أمّا الشرطة فهي من أجهزة الدولة الحسّاسة، وأوّل من أسسها في الإسلام هو الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد انتخب جماعة من خيار جنوده، وأطلق عليهم «شرطة الخميس» وكانوا يمثّلون النزاهة والتقوى حتى كانت شهادة أحدهم في المحاكم تعدل شهادة رجلين، وكان منهم الشهيد الخالد حبيب بن مظاهر والثقة الأمين عبداللّه بن يحيى الحضرمي، وقد قال له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أَبْشِرْ يَا عَبْدَ اللّه، فَإِنَّكَ وَأَبَاكَ مِنْ شُرْطَةِ الْخَمِيسِ، حَقًّا لَقَدْ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِاسْمِكَ وَاسمِ أَبيكَ فِي شُرْطَةِ الْخَمِيسِ» (2).
وأنيطت بالشرطة كثير من الواجبات والمسؤوليات كان من بينها :
1 - القبض على المجرمين.
2 - اتّخاذ التدابير الوقائية لمنع وقوع الجرائم.
3 - المحافظة على النظام والأمن العام.
4 - المحافظة على أموال الناس وأعراضهم.
وقد حدّد الإسلام صلاحيات الشرطة فليس لها أن تعتقل أي شخص إلّا إذا ثبتت في حقّه تهمة يعاقب عليها القانون الإسلامي، وإذا ارتكب بعض الشرطة المخالفات فإنّهم يقدمون للقضاء، وتجري عليهم العقوبات المقررة في الإسلام (1).
ومن الجدير بالذكر أنّ الشرطة في الأندلس قد انقسمت إلى شرطة كبرى، وشرطة صغرى، فالكبرى هي التي تضرب على أيدي الزعماء، ومن يتّصل بهم، والصغرى تحكم في الغوغاء وعامّة الناس.... وكانت ولاية الشرطة للزعماء والأكابر من رجال الدولة (2).
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديثه التالي إلى حقّ الوالي على الرعية، وحقّها عليه قال :
حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي، فَرِيضَةٌ فَرَضَها اللّه سُبْحانَهُ لِكُلِّ عَلَى كُلَّ، فَجَعَلَهَا نِظاماً لِأُلْفَتِهِمْ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحٍ الْوَلَاةِ، وَلَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقامَةِ الرَّعِيَّة.
فَإِذَا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الحقّ بَيْنَهُمْ، وَقامَتْ مَناهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلَالِها السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمانُ، وَطُمِعَ فِي بَقاءِ
الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطامِعُ الْأَعْدَاءِ.
وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَاليَها، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِى بِرَعِيَّتِهِ، اخْتَلَفَتْ هنالِكَ الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثرَ الْإِدْعَالُ فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحاجُ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الْأَحْكامُ، وَكَثُرَتْ عِلَلَ النُّفُوسِ، فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمٍ حَقٌّ عُطِّلَ، وَلَا لِعَظِيمِ باطِلٍ فُعِلَ : فَهُنالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ، وَتَعِزُّ الْأَشْرَارُ (1).
1) ربيع الأبرار : 4 : 241 و 242.
عرضنا في البحوث السابقة إلى أهمية الولاة وواجباتهم، وما يرتبط بهم من الأعمال في ميادين الاصلاح الاجتماعي... وبعد هذا نعرض إلى ولاة الإمام وعماله على الأقطار والأقاليم الإسلامية.
إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما تسلّم السلطة بعد مقتل عثمان بن عفّان بادر إلى عزل جميع ولاته وعماله ؛ لأنّهم كانوا مصدر فتنة واضطراب في البلاد الإسلامية، وبعضهم قد استأثر بفيء المسلمين، واستحل الخراج، ومن المؤكّد أن منحهم الوظائف المهمّة في الدولة لم تكن عن كفاءة واختيار، وإنما كانت محاباة واثرة.
وعلى أي حال فإنا نعرض إلى ولاة مصر التي هي أمّ البلاد الإسلامية، ومركز الثقل فيها، وقد ولّى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليها خيرة الرجال كفاءة ووعياً وإحاطة بما تحتاج إليه الأُمّة في شؤونها الإدارية والاجتماعية والسياسية... وكان أوّل من تقلّد منصب الامارة فيها هو :
أما قيس بن سعد فهو من أفذاذ القادة الإسلاميّين، وعلم من أعلام الجهاد في الإسلام، ومن ذخائر الرجال الذين أنجبتهم مدرسة الإسلام... ونعرض - بصورة موجزة - إلى بعض شؤونه :
أوتي قيس بسطة في الجسم، فهو أطول إنسان في عصره، وكان إذا ركب الحمار تخط رجلاه في الأرض، وقد بعث قيصر إلى معاوية أن ابعث لي سراويل أطول رجل من العرب، فقال لقيس : ما أظنّ إلّا قد احتجنا إلى سراويلك، فقام وتنحى وخلع سراويله، وجاء بها إليه، فقال له معاوية : ألا ذهبت إلى منزلك ثمّ بعثت بها، فقال قيس :
أَرَدْتُ بِها أَن يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّها***سَراوِيلُ قَيْسِ وَالْوُفُودُ شُهود
وَأَلّا يَقُولُوا عَابَ قَيْسٌ وَهَذِهِ***سَراوِيلُ عادِي نَمَتُهُ ثَمُودُ
وَأَنِّي مِنَ الْحَيِّ الْيَماني لسيِّد***وما النّاسُ إِلَّا سَيِّدٌ وَمَسُودُ
فَكِدْهُم بِمِثْلِي إِنَّ مِثْلِي عَلَيْهِمْ***شَدِيدٌ وَخَلْقِي فِي الرِّجالِ مَدِيدُ (1)
وأمر معاوية أطول رجل في الجيش فوضعها على أنفه فوقفت بالأرض.
1) النجوم الزاهرة : 1 : 96.
وتميّز قيس بوفور العقل وحسن التدبير، وروي عنه أنّه قال : لولا أنّي سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يقول : «الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ» لكنت من أمكر هذه الأُمّة (1).
وكان قيس ندي الكف جواداً لا يبارى، فكان يستدين ويطعم الفقراء.
وقال أبو بكر وعمر : إن تركنا هذا الفتى أهلك مال أبيه، فمشيا في الناس يمنعونهم من سؤاله، وسار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يوماً، فقام سعد بن عبادة خلفه، وقال : من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطّاب يبخلان عليّ ابني (2).
قلّده الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولاية مصر في سنة 37هـ وقال له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«اُخْرُجْ إِلَى رَحْلِكَ، وَاجْمَعْ إِلَيْكَ ثِقاتِكَ وَمَنْ أَحْبَبْتَ أن يَصْحَبَكَ حَتَّى تَأْتِيَههَا وَمَعَكَ جُنْدُكَ، فَإِنَّ ذلِكَ أَرْعَبُ لِعَدُوِّكَ، وَأَعَزُّ لِوَلِيِّكَ، وَأَحْسِنْ إِلَى الْمُحْسِنِ، وَاشْتَدَّ عَلَى الْمُرِيبِ، وَارْفُقْ بِالعامّة وَالْخاصَّةِ، فَإِنَّ الرَّفْقَ يُمْنٌ».
فقال له قيس : اخرج إليها بجند، فواللّه لئن لم أدخلها إلا بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبداً، فأنا ادع ذلك الجند فإن كنت احتجت إليهم كانوا منك قريباً، وإن أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عدّة لك.
وخرج قيس في سبعة من أصحابه، حتى انتهى إلى مصر، وفور انتهائه صعد المنبر، وأمر بقراءة كتاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي فيه ولايته، ثمّ خطب الناس قائلاً : الحمد للّه الذي جاء بالحق، وأمات الباطل، وكبت الظالمين.
أيّها الناس، إنا قد بايعنا خير من نعلم بعد نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقوموا أيّها الناس فبايعوه على كتاب اللّه وسنّة رسوله، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا.
وانبرت الجماهير فبايعت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
وورم أنف معاوية، وانتفخ سحره حينما علم بتقلّد قيس ولاية مصر فراح يدبّر المؤامرات لجلبه إليه، وقد كتب إليه الرسالة التالية :
من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد بن عبادة، سلام عليك.
أمّا بعد : فإنّكم إن كنتم نقمتم على عثمان في أمور رأيتموها أو ضربة سوط ضربها، أو شتمة شتمها، أو في سير سيره، أو في استعماله الفيء، فقد علمتم أنّ دمه لم يكن حلالاً لكم فقد ركبتم عظيماً من الأمر وجئتم شيئاً ادّاً.
فتب إلى اللّه يا قيس بن سعد، فإنّك ممّن أعان على قتل عثمان، إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئاً.
وأمّا صاحبك - يعنى الإمام أمير المؤمنين - فقد تيقّنا أنّه الذي أغرى به، وحملهم على قتله حتى قتلوه، وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك فإن استطعت أن تكون ممّن يطلب بدم عثمان فافعل، فإن بايعتنا على هذا الأمر فلك سلطان العراقين، ولمن شئت من أهلك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان.
وسلني غير هذا ممّا تحب فإنّك لا تسألني شيئاً إلا أوتيته، واكتب إليَّ برأيك فيما كتبت به إليك والسلام.
وحفلت هذه الرسالة بالخداع والأكاذيب، فليس قيس ولا الإمام لهما ضلع في إراقة دم عثمان وإنّما أجهز عليه عمله وسوء سياسته، وقد بسطنا الكلام فيها.
1) الكامل في التاريخ : 3: 137.
وأجابه قيس بهذه الرسالة :
أمّا بعد : فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه.
فأمّا ما ذكرت من أمر عثمان فذلك أمر لم أقاربه، ولم انتطف فيه (1).
وأمّا قولك : إن صاحبي أغرى الناس بعثمان، فهذا أمر لم أطّلع عليه.
وذكرت انّ معظم عشيرتي لم يسلموا من دم عثمان، فأوّل الناس فيه قياماً عشيرتي، ولهم أسوة غيرهم.
وأّما ما ذكرت من مبايعتي إيّاك وما عرضت علي، فلي فيه نظر وفكرة، وليس هذا ممّا يسارع إليه، وأنا كاف عنك، ولن يبدو لك من قبلي شيء ممّا تكره، والسلام (2).
ولمّا قرأها معاوية لم يجد فيها ثغرة يسلك فيها لإفساد قيس، فكتب إليه :
أما بعد : فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلماً، ولم أرك مباعداً فأعدك حرباً، وليس مثلي من يخدع، وبيده أعنة الخيل، ومعه أعداد الرجال، والسلام.
ورأى قيس أن معاوية لا يقبل المماطلة فأظهر له ما في نفسه وكتب له :
أمّا بعد : فالعجب من اغترارك بي يا معاوية وطمعك في تسومني الخروج عن طاعة أولى الناس بالامرة، وأقربهم بالخلافة، وأقولهم بالحق، وأهداهم سبيلاً،
وأقربهم إلى رسوله وسيلة، وأوفرهم فضيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم بالزور، وأضلّهم سبيلاً، وأبعدهم من اللّه ورسوله وسيلة، ولد ضالين مضلين طاغوت من طواغيت إبليس، وأما قولك معك أعنة الخيل وأعداد الرجال لتشتغلن بنفسك حتى العدم (1).
وقطعت هذه الرسالة كلّ أمل في معاوية، فراح يفتش عن مكيدة أخرى لإقصاء قيس عن مصر، فأذاع بين الشاميّين أن قيساً قد بايعه، واختلق في ذلك كتاباً ينعى فيه عثمان بن عفان، وأنّه لا يسعه مسالمة المتهمين بقتله.
وشاع بين أهل الشام أن قيساً قد بايع معاوية وأخلص له، وبلغ ذلك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فشقّ عليه ذلك، وأشار عليه عبد اللّه بن جعفر بعزل قيس، فامتنع الإمام، وتكرّرت الأحداث وإشاعة معاوية أنّ قيساً قد بايع معاوية فاضطر الإمام إلى عزله، وولّى الزعيم مالك الأشتر مكانه، وقيل محمّد بن أبي بكر.
1) النجوم الزاهرة : 1 : 100.
أما مالك فهو سيف من سيوف اللّه تعالى، وعلم من أعلام الجهاد في الإسلام، قد وهب حياته للّه تعالى، وأخلص لدينه أعظم ما يكون الإخلاص... وقد وقف بحزم وإخلاص إلى جانب إمام المتّقين وسيّد الموحدين الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحميه، ويذبّ عنه في أحلك الظروف، وأشدّها محنة وبلاء، وقد أدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعظيم منزلته وجهاده تجاهه قائلاً: «لَقَدْ كانَ لِي كَمَا كُنْتُ لِرَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)».
وقد انتخبه الإمام لولاية مصر بعد عزل قيس عنها، وذلك لسموّ شخصيّته، وحزمه الجبّار، وقدرته الفائقة، وإحاطته التامة بالشؤون السياسية والإدارية، وقد زوّده برسالتين مع العهد الذهبي الذي لم ينشأ مثله في الإسلام وغيره، أما الرسالتان فهما :
الأولى : تضمّنت الإشادة بمكانة مالك، وحكت كريم صفاته وقد جاء فيها :
مِنْ عَبْدِ اللّه عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى الْقَومِ الَّذِينَ غَضِبُوا للّه حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ، وَذُهِبَ بِحَقِّهِ، فَضَرَبَ الْجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْمُقِيمِ وَالظَّاعِنِ، فَلَا مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ وَلَا مُنْكَرٌ يُتَناهَى عَنْهُ.
أشاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الكلمات بالجهود الجبارة التي بذلها الجيش المصري لحماية الإسلام في أيام. محنته حينما توالت عليه الأحداث الرهيبة أيام حكومة عثمان، فهبّ الجيش المصري للاطاحة بحكومته، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في بعض بحوث هذا الكتاب... ثمّ أخذ الإمام في الثناء على مالك :
أَمَا بَعْدُ، فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبادِ اللّه، لَا يَنامُ أَيَّامَ الخَوْفِ، وَلَا يَنْكُلُ عَنِ الْأَعْدَاءِ ساعاتِ الرَّوْعِ، أَشَدَّ عَلَى الْفُجّارِ مِنْ حَرَيقِ النَّارِ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِجِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيما طابَقَ الْحَقَّ، فَإِنَّهُ سَيْفَ مِنْ سُيُوفِ اللّه لَا كَلِيلُ الظُّبَةِ(1)، وَلَا نَابِي الضَّرِيبَةِ (2): فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَانْفِرُوا، وَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا، فَإِنَّهُ لَا يُقْدِمُ وَلَا يُحْجِمُ، وَلَا يُؤَخِّرُ وَلَا يُقَدِّمُ إِلَّا عَنْ أَمْرِي ؛ وَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ، وَشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ (3).
وهذه الكلمات وسام شرف لمالك، فقد حكت بعض قيمه ومثله والتي منها :
1 - ألمّت بشجاعة مالك، وقوة بأسه، وصلابة عزيمته، وأنّه لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عند الروع.
2 - إنّ مالك أشدّ من النار على المارقين والمنحرفين عن الحق، الذين لا يرجون للّه وقاراً.
3 - إنّ مالك من سيوف اللّه الواقعيين الذين لم يلوّثوا بجريمة ولا باقتراف منكر.
4 - أمر الإمام - بهذه الرسالة - الشعب المصري بإطاعة مالك والانصياع الأوامره، فإنّه لا يقدم على شيء، ولا يعمل عملاً إلا بعد أخذ رأي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
الثانية : عرضت إلى الأحداث المؤسفة التي عاناها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد وفاة أخيه وابن عمّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ):
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ بَعَثَ محمّداً - صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَمُهَيْمِناً (1)عَلَى الْمُرْسَلِينَ.
فلمّا مَضى عَليهِ السَّلَامُ تنازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ. فَوَاللّه ما كانَ يُلْقَى فِى رُوعِى (2)، وَلَا يَخْطُرُ بِبالِي، أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَا أَنَّهُمْ مُنَحُوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ !
فَما رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ (3)يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ محمّد - صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً، تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَا يَتِكُمُ الَّتِي إِنَّما هِيَ مَتاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، يَزُولُ مِنْها ما كانَ، كَما يَزُولُ السَّرَابُ، أَوْ كَما يَتَفَشَّعُ السَّحابُ ؛ فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الأحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهُ.
عرض الإمام في هذا المقطع إلى الخلافة التي هي من حقّه وهو أولى بها من غیره، وماكان يدور في خلده أنّها تنصرف عنه إلى غيره، ولم يدخل مع القوم الذين
انتزعوه تراثه وحقّه في ميدان الصراع المسلّح، وذلك خشية على الإسلام من أن تشيع فيه الردّة، وينقلب المسلمون على أعقابهم فصبر على ضیاع حقه وفي العين قذى وفي الحلق شجا -كما يقول في خطبته الشقشقية -.
ومن بنود هذه الرسالة قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):
إِنِّي وَاللّه لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَهُمْ طَلَاعُ الْأَرْضِ كُلُّها ما بالَيْتُ وَلَا اسْتَوْحَشْتُ، وَإِنِّي مِنْ ضَلَالِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَالْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ لَعَلَىٰ بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَيَقِينِ مِنْ رَبِّي. وَإِنِّي إِلَى لِقاءِ اللّه لَمُشْتاقٌ، وَحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنتَظِرٌ رَاجِ ؛ وَلَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِيَ أَمْرَ هذه الأُمَّةِ سُفَهَاؤُها وَفُجَارُها، فَيَتَّخِذُوا مالَ اللّه دُولاً، وَعِبادَهُ خَوَلاً، وَالصَّالِحِينَ حَرْباً، وَالْفَاسِقِينَ حِزْباً، فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِي قَدْ شَرِبَ فِيكُمُ الْحَرَامَ (1)، وَجُلِدَ حَداً فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ الرَّضَائِحُ (2).
فَلَوْلَا ذلِكَ ما أَكْثَرْتُ تَأْلِيبَكُمْ (3)، وَتَأْنِيَكُمْ، وَجَمْعَكُمْ، وَتَحْرِيضَكُمْ، وَلَتَرَكْتُكُمْ إِذْ أَبَيْتُمْ وَوَنَيْتُمْ.
أَلَا تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ، وَإِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ، وَإِلَى مَمَالِكِكُمْ تُزْوَىٰ، وَإِلَىٰ بِلَادِكُمْ تُغْزَىٰ !
انْفِرُوا - رَحِمَكُمُ اللّه - إِلَى قِتالِ عَدُوِّكُمْ، وَلَا تَنَاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَتَقِرُوا بِالْخَسْفِ، وَتَبُوءُوا بِالذُّلِّ، وَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الْأَخَسُ، وَإِنَّ أَخا الْحَرْبِ الْأَرِقُ (1)، وَمَنْ نامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ، وَالسَّلَامُ (2).
حكت هذه الكلمات عن يقين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنّه على ثقة وبصيرة من أمره، وأنّه على اتصال وثيق باللّه تعالى لا يستوحش من الذين فارقوه وحاربوه ونابذوه، فإنهم على ضلال يا له من ضلال، كما أعرب (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن زهده في السلطة، وأنّه لولا خوفه من أن يحكم المسلمين من لا دين له فيتّخذ مال اللّه دولاً وعباده خولاً لما تصدّى إلى الحكم، ولم يقم له أي وزن لأنّ السلطة عنده ليست مغنماً وإنّما هي من سبل الاصلاح الاجتماعي، فليس فيها إلا التعب والجهد والعناء.
ثمّ دعا الإمام الشعب المصري إلى جهاد المارقين عن الإسلام، وهم الحزب الأموي، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان الذي أفنى حياته في محاربة اللّه ورسوله.
وهو أروع عهد حافل بحقوق الإنسان، وقضاياه المصيرية لم يقنن مثله، ولم يوضع في جميع المحافل الدولية نظيره، قد صاغه رائد العدالة الاجتماعية في الإسلام الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد عرضنا إلى معظم بنوده في البحوث التمهيدية التي صدرنا بها هذا الكتاب، وقد ختم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا العهد الشريف بهذه الكلمات القيمة بقوله :
وَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ ما مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ مِنْ حُكُومَةٍ عادِلَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ فاضِلَةٍ، أَوْ أَثَرِ عَنْ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ فَرِيضَةٍ فِي كِتابِ اللّه، فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَهُ ممّا عَمِلْنا بِهِ فِيهَا، وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِي اتِّباع ما عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عَهْدِي هذَا، وَاسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِي عَلَيْكَ، لِكَيْلَا تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّع نَفْسِكَ إِلَى هَوَاها.
وَأَنَا أَسْأَلُ اللّه بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَعَظِيمٍ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كلّ رَغْبَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضاهُ مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِح إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ، مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبادِ، وَجَمِيلِ الْأَثَرِ فِي الْبِلَادِ، وَتَمَامِ النِّعْمَةِ، وَتَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ، وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بالسَّعادَةِ وَالشَّهَادَةِ، «وَإِنَّا إِلَى اللّه رَاغِبُونَ».
وَالسَّلَامُ عَلَىٰ رَسُولِ اللّه صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً، وَالسَّلَامُ.
أرأيتم هذه الآداب العلوية الحافلة بجميع مقومات السمو والكرامة، وما تعتز به الإنسانية في جميع أدوارها.
وخرج الأشتر ميمماً وجهه صوب مصر، وسارت قافلته تطوي البيداء، لا تلوي على شيء، فلما انتهت إلى «أيلة» (1)فالتقى به نافع مولى عثمان بن عفّان،
1) أيلة : مدينة على ساحل بحر القُلزم ممّا يلي الشام، وقيل هي آخر الحجاز وأوّل الشام. معجم البلدان : 1 : 292.
وقد أرسله معاوية لاغتياله، وكان لبقاً، فأخذ مالك يسأله : ممن أنت ؟
من أهل المدينة.
من أيهم ؟
فأخفى وضعه، وقال : مولى عمر بن الخطّاب.
أين تريد ؟
مصر.
ما حاجتك بها ؟
أشبع من الخبز فإنَّا في المدينة لا نشبع منه
فرق له - الزمني فإني سأصيبك من الخبز.
ومضى مالك في سفره، وعميل معاوية ملازم له، حتى انتهى إلى القلزم (1). فنزل ضيفاً على امرأة من جهينة فرحبت به، وقابلته بمزيد من التكريم، وسألته أي الطعام أحبُّ إليه في العراق حتى تصنعه له
فقال لها : الحيتان الطرية، فقدمت له ما اشتهى فلمّا أكل أصابه عطش شديد فأخذ يكثر من شرب الماء.
فقال له نافع مولى عثمان : إنّ الطعام لا يقتل سمّه إلا العسل، فدعا الأشتر بإحضاره من ثقله، فلم يكن فيه، فبادر نافع قائلاً : هو عندي.
فقال الأشتر : علي به، فأحضره فتناول منه، وكان قد دسّ فيه سماً قاتلاً، ولما انتهى إلى جوفه تقطعت أمعاؤه، وأخذ الموت يدنو منه سريعاً، وطلب الأشتر إحضار نافع فوجده منهزماً، فلم يعثر عليه، وسرى السم في جميع أوصاله،
1) القلزم مدينة تقع على شفير البحر ليس بها زرع ولا ماء، يحمل إليها الماء من آبار بعيدة، وتقع ما بين الحجاز ومصر على ثلاثة أيام منها - معجم البلدان.
وقد طوت حياته شربة العسل التي كان يردّدها معاوية «إِنَّ اللّه جنوداً من عسل» (1).
لقد انتهت حياة هذا العملاق العظيم الذي جاهد أعداء اللّه أعظم ما يكون الجهاد، وقد كانت شهادته على يد أقذر أموي عرفه تاريخ البشرية، وهو ابن هند الذي حارب الإسلام هو وأبوه وأمه وقبيلته بجميع ما يملكون من طاقات.
ولما انتهى النبأ الفجيع بوفاة القائد العظيم إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذابت نفسه أسى وحزناً، وأخذ يذرف عليه أحر الدموع قائلاً: «إِنَّا ِللَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَالْحَمْدُ للّه رَبِّ الْعَالَمِينَ.
اللّهمَّ إِنِّي أَحْتَسِبُهُ عِنْدَكَ، فَإِنَّ مَوْتَهُ مِنْ مَصائِبِ الدَّهْرِ.
ثم قال : رَحِمَ اللّه مَالِكاً فَقَدْ وَفِى بِعَهْدِهِ، وَقَضَى نَحْبَهُ، وَلَقِيَ رَبَّهُ، مَعَ أَنَا قَدْ وَطَّنَا أَنْفُسَنَا أَنْ نَصْبِرَ عَلَى كلّ مُصِيبَةٍ بَعْدَ مُصابِنَا بِرَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ» (2).
وأخذ الإمام يتلهف وهو يقول بحزن بالغ : «للّه دَر مالِكٍ، وَما مَالِكَ ؟ لَوْ كانَ مِنْ جَبَلٍ لَكَانَ فَنْداً (3)، وَلَوْ كانَ مِنْ حَجَرٍ لَكَانَ صَلْداً، أَمَا وَاللّه لَيَهدِّنَّ مَوْتُكَ عَالَماً، وَلَيَفْرَحَنَّ عَالَماً، عَلى مِثْلِ مالِكِ فَلْتَبْكِ الْبَواكِى، وَهَلْ مَوْجُودٌ كَمَالِكِ ؟» (4).
لقد كانت شهادة مالك من الأحداث الجسام التي مُني بها العالم الإسلامي،
وكان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أفجع المصابين به.
وطار معاوية سروراً وبهجة بشهادة مالك، وخطب الناس، وقال : أما بعد : فإنّه كانت لعليّ بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين، وهو عمار بن ياسر، وقطعت الأخرى اليوم، وهو مالك الأشتر (1).
لقد انتهت حياة عمار ومالك، وسمت روحيهما إلى اللّه تعالى كأسمى روحين صعدتا إلى السماء، فقد لفعا بدم الشهادة في أقدس قضية نصرا فيها الإسلام، فقد وقفا إلى جانب وصيّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يذبان عنه، ويحميانه من الردّة الجاهلية المتمثّلة في كسرى العرب.
ورثى جماعة من الشعراء الزعيم مالك كان منهم المثنّى، يقول :
ألا ما لِضَوءِ الصُّبْحِ أَسوَدُ حالِك***وما للرَّواسي زَعْزَعَتْها الدّكادِك
وَما لِهمومِ النَّفْسِ شَتّى شُؤونُها***تَظَلُّ تُناجيها النُّجومُ الشَّوابِك
على مالك فَلْيَبْكِ ذو اللَّيْثِ مُعولاً***إذا ذُكِرَتْ في الفَيْلَقَيْنِ المَعارِكُ
إذا ابْتَدَرَ الخَطَّئُ وَانْتَدَبَ المَلا***وكان غياثُ القوم نَصرٌ مُواشِك
إذا ابْتَدَرَتْ يَوْماً قَبائِلُ مَذْحِجِ***وَنُودِي بِها أَينَ المُظَفَرُ مَالِك
فَلَهْفي عَلَيْهِ حِينَ تَختَلِفُ القَنا***وَبَرعَشُ لِلمَوتِ الرّجالُ الصَّعالِك
وَلَهْفى عَلَيْهِ يَوْمَ دَبَّ لَهُ الرَّدى***وَدِيفَ لَهُ سُمٌ مِنَ الموتِ حايك
1) تاريخ الأمم والملوك : 6 255. الكامل في التاريخ : 3: 153.
فَلَوْ بارزوهُ يَومَ يَبْغُونَ هُلكَهُ***لكانوا بِإِذْنِ اللّه مَيتُ وَهالِك
وَلَوْ مارسوه مارسوا ليث غابَةٍ***لَهُ كَالَّتِي لَا تَرقُدُ اللَّيلَ فاتِك
فَقُلْ لابن هند لَوْ مُنيتَ بِمالِك***وَفي كَفِّهِ ماضي الضَّريبَةِ باتِك
لألفيتَ هِنداً تَشْتَكي عَلَى الرَّدى***تنوحُ وَتَخْبوها النِّساءُ العَواتِك (1)
ورثته السيّدة الفاضلة سلمى أم الأسود بهذه الأبيات :
نَبابِي مَضْجَعِي وَنَبا وسادي***وعيني ما تهمُّ إلى رُقادي
كأن الليل أوثق جانباه***كَأَنَّ وَأُوسَطَهُ بِأَمْراسٍ شِدادِ
أبعدَ الأَشْتَرِ النَّخعي نَرْجو***مُكاثَرَةٌ وَنَقطَعُ بَطنَ وادِي
أكُرُ إِذا الفَوارِسُ مُحْجماتٍ***وَأَضْرِبُ حينَ تَختَلِفُ الهَوادي (2)
رحم اللّه مالكاً، وأجزل له المزيد من الأجر لنصرته أخا رسول اللّه وابن عمّه، وحشره مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.
وبعد ما نكب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بشهادة أخيه وعضده مالك الأشتر قلّد محمّد بن أبي بكر ولاية مصر وهو من ألمع الرجال في فضله وتقواه، ومن أكثرهم حباً وولاء للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان ابناً باراً للإمام، وولداً مخلصاً له، وشفيقاً عليه.
وزوّد الإمام محمّد بن أبي بكر بالرسالة التالية حينما قلّده ولاية مصر، وهذا نصها :
فاخْفِضْ لَهُمْ جَناحَكَ، وَأَلِنْ لَهُمْ جانِبَكَ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَآسِ (1)بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِى حَيْفِكَ لَهُمْ، وَلَا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ اللّه تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَالْكَبِيرَةِ، وَالظَّاهِرَةِ وَالْمَسْتُورَةِ، فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنْتُمْ أَظْلَمُ، وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ.
ومثّلت هذه الكلمات روعة العدل الذي لم يقنّن مثله في جميع ما شرّع من الشؤون السياسية، فقد أمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) محمّد بالمواد التالية :
1 - أن يخفض للرعية جناحه، فلا يتكبّر، ولا يعلو عليهم، بل يكون كأحدهم.
1) آس : أي ساوِ بينهم.
2 - أن يلين للناس جانبه فلا يظهر عليهم العظمة والكبرياء.
3 - أن يبسط للجميع وجهه، فلا يخص قوماً ببسماته ويقبض وجهه مع قوم آخرین.
4 - أن يساوي بين الناس حتى في اللحظة والنظرة، وهذا هو منتهى العدل... ويستأنف الإمام في رسالته قائلاً:
وَاعْلَمُوا عِبادَ اللّه أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيا وَآجِلِ الْآخِرَةِ، فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيا فِي دُنْيَاهُمْ، وَلَمْ يُشارِكْهُمْ أَهْلُ الدُّنْيا فِي آخِرَتِهِمْ ؛ سَكَنُوا الدُّنْيا بَأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ، وَأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ، فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ الْمُتْرَفُونَ، وَأَخَذُوا مِنْها ما أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ، ثمّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلِّغ وَالْمَتْجَرِ الرَّابح. أصابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيا فِي دُنْيَاهُمْ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللّه غَداً فِي آخِرَتِهِمْ. لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ، وَلَا يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ.
فاحْذَرُوا عِبادَ اللّه الْمَوْتَ وَقُرْبَهُ، وَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَاتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَخَطْبٍ جَلِيلٍ، بِخَيْرٍ لَا يَكُونُ مَعَهُ شَرِّ أَبَداً، أَوْ شَرٌّ لَا يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً.
فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الجنّة مِنْ عَامِلِها !
وَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلها !
وَأَنْتُمْ طُرَدَاءُ الْمَوْتِ، إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ، وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، وَهُوَ الزَمُلَكُمْ مِنْ ظِلُّكُمْ. الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ
وَالدُّنْيا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ.
فاحْذَرُوا ناراً قَعْرُها بَعِيدٌ، وَحَرُّها شَدِيدٌ، وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ.
دَارٌ لَيْسَ فِيها رَحْمَةٌ، وَلَا تُسْمَعُ فِيها دَعْوَةٌ، وَلَا تُفَرَّجُ فِيها كُرْبَةٌ.
وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَشْتَدَّ خَوْفُكُمْ مِنَ اللّه، وَأَنْ يَحْسُنَ ظُنُّكُمْ بِهِ، فاجْمَعُوا بَيْنَهُما، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُ ظَنْهِ بِرَبِّهِ عَلَىٰ قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنَا بِاللّه أَشَدُّهُمْ خَوْفاً للّه.
وحكت هذه الكلمات النصائح الرفيعة، والمواعظ الكاملة التي يجب أن يعتبر بها الناس ليكونوا بمأمن من عذاب اللّه تعالى، ويفوزوا بمغفرته ورضوانه...
ثم يستمر الإمام في عهده قائلاً :
وَاعْلَمْ - يا محمّد بْنَ أَبِي بَكْرٍ - أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي، أَهْلَ مِصْرَ، فَأَنْتَ مَحْقُوق (1)أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِكَ. وَأَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِينِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَّا ساعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ، وَلَا تُسْخِطِ اللّه بِرِضَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَإِنَّ فِي اللّه خَلَفَاً مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ مِنَ اللّه خَلَفٌ فِي غَيْرِهِ.
صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا الْمُؤَقَّتِ لَهَا، وَلَا تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغِ، وَلَا تُؤَخِّرْها عَنْ وَقْتِها لاِشْتِغال.
وَاعْلَمْ أَنَّ كلّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلَاتِكَ.
1) محقوق : أي مطالب بمخالفتك شهوة نفسك.
وحفلت هذه الكلمات بدعوة محمّد بن أبي بكر بمخالفة هوى نفسه والمنافحة عن دينه، وأن لا يسخط اللّه تعالى في أي عمل من أعماله، فإنّه ليس اللّه تعالى خلف في جميع الكائنات.
ثمّ أوصى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) محمّداً بأداء الصلاة في وقتها فإنّها من أفضل العبادات، ومن أعظمها عند اللّه تعالى
ويأخذ الإمام في عهده قائلاً:
فَإِنَّهُ لَا سَوَاءَ، إِمَامُ الْهُدَى وَإِمَامُ الرَّدَى، وَوَلِيُّ النبيّ، وَعَدُوُّ النبيّ.
وَلَقَدْ قالَ لِي رَسُولُ اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ -: «إِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَلَا مُشْرِكَاً :
أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللّه بِإِيمَانِهِ.
وَأَمَّا الْمُشْرِكَ فَيَقْمَعُهُ اللّه بِشِرْكِهِ
وَلكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كلّ مَنافِقِ الْجَنانِ، عَالِمِ النِّسانِ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ، وَيَفْعَلُ ما تُنْكِرُونَ (1).
وتمثّلت روعة الإسلام وما ينشده من تقوى وهدى واستقامة في سلوك الإنسان بهذا العهد المبارك الذي زوّد به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واليه على مصر لينشر في ربوعه العدل والحقّ والمساواة بين المصريين.
1) نهج البلاغة 3: 383 – 385.
وهذه صورة أخرى من عهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المحمّد رواها الطبري، وهذا نصه بعد البسملة :
هذَا مَا عَهِدَ عَبْدُ اللّه عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى محمّد بْنِ أَبِي بَكْر حِينَ وَلَاهُ مِصْرَ :
أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللّه فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَخَوْفِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمَغِيبِ وَالْمَشْهَدِ، وَأَمَرَهُ بِالدِّينِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَالْغِلْظَةِ عَلَى الْفَاجِرِ، وَبِالْعَدْلِ عَلَى أَهْلِ الذَّمَّةِ، وَبِإِنْصافِ الْمَظْلُومِ، وَبِالشَّدَّةِ عَلَى لظالِم، وَبِالْعَفْو عَنِ النَّاسِ، وَبِالْإِحْسَانِ مَا اسْتَطَاعَ، وَاللّه يَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَيُعَذِّبُ الْمُجْرِمِينَ.
وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ مَنْ قَبِلَهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ لَهُمْ فِي ذلِكَ مِنَ الْعاقِبَةِ، وَعَظِيمِ الْمَثُوبَةِ مَا لَا يَقْدِرُونَ قَدْرَهُ وَلَا يَعْرِفُونَ كُنْههُ.
وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْبِيَ خَرَاجَ الْأَرْضِ عَلَى مَا كَانَتْ تُجبِي عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، لَا يَنتَقِصُ مِنْهُ وَلَا يَبْتَدِعُ فِيهِ، ثمّ يَقسِمُهُ بَيْنَ أَهْلِهِ عَلَى مَا كانُوا يَقْسِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.
وَأَنْ يُلِينَ لَهُمْ جَناحَهُ، وَأَنْ يُواسِيَ بَيْنَهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَوَجْهِهِ، وَلْيَكُنِ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ فِي الحقّ سَوَاءُ.
وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ، وَأَنْ يَقُومَ بِالْقِسْطِ،
وَلَا يَتَّبِعَ الْهَوى، وَلَا يَخَفْ فِي اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَإِنَّ اللّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَعَ مَن اتَّفَاهُ، وَآثَرَ طَاعَتَهُ وَأَمْرَهُ عَلى ما سِوَاهُ.
وكتب هذا العهد عبد اللّه بن أبي رافع مولى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) غرة رمضان سنة 36هـ (1).
وحفل هذا العهد بجميع ألوان التقوى، والتمسك بطاعة اللّه تعالى التي هي الدرع الحصين لمن التجأ إليها.
ولمّا استقر محمّد في مصر كتب رسالة إلى معاوية يدعوه فيها إلى الجماعة والطاعة، ويذكر فيها فضائل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهذا نصها :
من محمّد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر :
سلامٌ على أهل طاعة اللّه ممّن هو سلم لأهل ولاية اللّه، أما بعد :
فإنّ اللّه بجلاله وعظمته، وسلطانه وقدرته خلقَ خَلْقاً بلا عبث منه، ولا ضعف في قوته، ولا حاجة به إلى خَلقهم ؛ ولكنّه خَلقهم عبيداً، وجعل منهم غوياً ورشيداً وشقيّاً وسعيداً.
ثم اختارهم على عِلْمِه، فاصطفى وانتخب منهم محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فاختصه برسالته، واختاره لوحیه، وائتمنه على أثره، وبعثه رسولاً، ومبشراً ونذيراً، مصدقاً لما بين يديه من الكتب، ودليلاً على الشرائع، فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة.
فكان أوّلَ مَنْ أجاب وأناب، وآمن وصدق، وأسلم وسلّم، أخوه وابنُ عمّه، صدّقه بالغيب المكتوم، وآثره على كلّ حميم، ووقاه بنفسه كلّ هول، وواساه بنفسه
1) تاريخ الأمم والملوك : 5 : 231 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 65 و 66.
في كلّ خوف وحارب حربه، وسالم سلمه، فلم يبرح مبتذلاً لنفسه في ساعات الأزل (1)ومقامات الرَّوْع، حتى بَرَّز سابقاً لا نظير له في جهاده ولا مقارب له في فعله.
وقد رأيتك تساميه، وأنت أنت، وهو هو السابق المبرز في كلّ خير أوّلُ النّاس إسلاماً، وأصدق الناس نيّة، وأطيب الناس ذُرِّيَّة، وخير الناس زوجة، وخير الناس ابن عم، أخوه الشاري لنفسه يوم مؤتة، وعمه سيّد الشهداء يوم أحد، وأبوه الذاب عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وعن حوزته.
وأنت اللعينُ ابن اللعين، لم تَزَلْ أنت وأبوك تبغيان لدين اللّه الغوائل، وتجهدان في إطفاء نور اللّه، وتجمعان على ذلك الجموع، وتَبْذُلان فيه المال، وتؤلبان عليه القبائل، على هذا مات أبوك، وعلى ذلك خَلَفْتَه، والشاهد عليك بذلك مَنْ يأوي، ويلجأ إليك، من بقيّة الأحزاب، ورؤوس النفاق والشقاق لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
والشاهد لعليّ مع فضله المبين وسابقته القديمة أنصاره الذين معه الذين ذكرهم اللّه تعالى في القرآن ففضّلهم وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار، فهم معه كتائب وعصائب، يجالدون حوله بأسيافهم، ويُهريقون دماءهم دونه، يرون الحقّ في اتباعه والشقاق والعصيان في خلافه، فكيف - يا لك الويل - تعدِلُ نفسك بعليّ، وهو وارث رسول اللّه ((صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)) ووصيّه وأبو ولده، وأوّل الناس له اتّباعاً، وأقربهم به عهداً، يخبره بسره، ويطلعه على أمره، وأنت عدوّه وابن عدوّه.
فتمتّع في دنياك ما استطعت بباطلك، وليمددك ابن العاص في غوايتك، فكأنّ أجلك قد انقضى، وكيدك قد وَهَى، وسوف يستبين لك لمن تكون العاقبة العليا، واعلم أنك إنما تكايد ربك الذي قد أمنت كيده، وأيسْتَ من روحه، وهُوَ لَكَ
1) الأزل : الضيق والشدّة.
بالمرصاد وأنت منه في غرور.
والسلام على من اتّبع الهدى (1)
وهذه الرسالة ناطقة بالحقِّ، ملمة بالواقع، ليس فيها دجل ولا افتراء، فقد حكت جهاد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و عظيم مكانته عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، كما حكت زيغ معاوية وضلاله، وتطاوله على أخي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ومنازعته له بغير حق، وعلى أي حال فهذه الرسالة من غرر الرسائل الحافلة بالواقع والحقّ.
وأجاب معاوية عن رسالة محمّد، بهذه الرسالة جاء فيها :
من معاوية بن صخر إلى الزاري (2)على أبيه محمّد بن أبي بكر.
سلام على أهل طاعة اللّه.
أمّا بعد : فقد أتانِي كتابُك تذكر فيه ما اللّه أهله فى عظمته وقدرته وسلطانه وما أصفى (3)به نَبِيّه مع كلام كثير ألفته ووضعته لرأيك فيه تضعيف، ولأبيك فيه تعنيف، ذكرت فيه حق ابن أبي طالب، وقديم سابقته وقرابته من نبي اللّه، ونصرته له، ومواساته إياه، في كلّ هؤل وخوف، فكان احتجاجك عليَّ، وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك، فاحمد النها صرف ذلك الفضل عنك، وجعله لغيرك، فقد كُنا وأبوك معنا في حياة نبينا نعرف حق ابن أبي طالب لازماً لنا، وفضله مبرزاً علينا.
فلمّا اختار اللّه لنبيه ما عنده، وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته، وأفلج حُجَّتَه (4)،
قبضه اللّه إليه فكان أبوك وفاروقُه أوّل من ابتزّه حقّه (1)، وخالفه على أمره، على ذلك اتفقا واتّسقا، ثمّ أنّهما دعواه إلى أنفسهما فأبطأ عنهما، فهما به الهموم، وأرادا به العظيم - أي القتل -.
ثمّ إنّه بايعهما وسلّم لهما، وأقاما لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرّهما حتى قبضا وانقضى أمرهما ثمّ أقاما بعدهما عثمان يهتدي بهديهما، ويسير بسيرتهما، فعبته أنت وصاحبك، حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي، وبطنتُما وظهرتما، وكشفتما له عداوتكما وغِلَّكُما، حتى بلغتما منه مناكما.
فخذ حذرك يابن أبي بكر، فسترى وبال أمرك، وقِس شبرَك بفترك، تقصُر عن أن توازي أو تساوي من يَزِنُ الجِبال حلمه، ولا تَلِينُ على قَسْرِ (2)قَناتُه، ولا يُدرِك ذو مدى أناته، أبوك مهّد له مهادَه، وبنّى مُلكه وشاده، فإن يك ما نحن فيه صواباً فأبوك أوّله، وإن يك جَوْراً فأبوك أسه، ونحن شركاؤه، فبهذيهِ أخذنا، ويفعله اقتدينا، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب، ولسلّمنا إليه، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا، فاحتذينا مثاله، واقتدينا بفعاله، فعِبْ أباك بما بدالك، أو دَعْ، والسلام على من أناب ورجع من غوايته وتاب وناب (3).
وشيء بالغ الأهمّية في رسالة معاوية وهو أنّه عزا مخالفته للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أبي بكر وعمر فهما اللذان مهّدا الطريق، وفتحا الباب لمنازعة الإمام ومناجزته، وقد سلك معاوية ما رسمه الشيخان له، وهذا الرأي وثيق للغاية فإنّه لولا منازعة الشيخين للإمام، وقسر هما له لما استطاع معاوية سبيلاً إلى مناجزة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ولما تسلّم محمّد قيادة ولاية مصر قامت قيامة معاوية فأرسل جيشاً بقيادة ابن العاص لاحتلال مصر، والتحم الجيشان، فانهزم أهل الشام، فاستنجد ابن العاص بمعاوية فأمده بجيش جرّار بقيادة معاوية بن خديج.
ودارت بين الجيشين معركة رهيبة استشهد فيها القائد العامّ لجيش محمّد، وعلى أثره فقد انهزم الجيش وفرّ محمّد، ولم يجد ركناً شديداً يأوي إليه، فالتجأ إلى خربة فأقام فيها، وخرج ابن حُديج في طلبه، فأخبره بعض علوج المصريّين أنّه في الخربة فهجم عليه، وألقى عليه القبض، وقد بلغ منه العطش مبلغاً عظيماً، فطلب الماء.
فردّ عليه السفّاك الأثيم ابن خديج قائلاً : لا سقاني اللّه إن سقيتك قطرة، إنّكم منعتم عثمان الماء، ثمّ قتلتموه وكان صائماً، واللّه لأقتلنّك يابن أبي بكر فيسقيك اللّه الجحيم..
وتمثّلت الروح الأموية القذرة التي تحمل طبيعة وخسّة الأشرار بهذا الإنسان الممسوخ الذي منع الماء عن أسير عنده.
والتفت إليه البطل قائلاً : يابن اليهودية النسّاجة !... أما واللّه لو كان سيفي بيدي ما بلغتم بي هذا.
والتفت ابن خديج إلى محمّد قائلاً: أتدري ما أصنع بك، أدخلك في جوف حمار ثمّ أحرقه عليك بالنار.
وأجابه البطل المؤمن : إن فعلتم ذلك فطالما فعلتموه بأولياء اللّه.
وطال الجدل بينهما فانبرى ابن خديج فانفذ فيه حكم الاعدام وألقى جسده الطاهر في جيفة حمار ميت وأحرقه بالنار بعد أن احتزّ رأسه الشريف، وأرسله هدية
إلى ابن آكلة الأكباد سيّده معاوية، وهو أوّل رأس طيف به في الإسلام (1).
وانتهت بذلك حياة هذا المجاهد الكبير الذي وهب حياته اللّه تعالى، وقد خسر المسلمون بوفاته علماً من أعلام العقيدة والجهاد.
ولما انتهى الخبر المؤلم بشهادة محمّد إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلغ به الحزن أقصاه، وراح يصوغ من أساه هذه الكلمات : «لَقَدْ كانَ لِي حَبِيباً وَكَانَ لِي رَبِيباً» (2).
وقال بمرارة وحزن عميق : وَمحمّد بْنُ أَبِي بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللّه - قَدِ اسْتُشْهِدَ، فَعِنْدَ اللّه نَحْتَسِبُهُ وَلَداً ناصحاً، وَعامِلاً كادحاً، وَسَيْفاً قاطعاً، وَرُكْناً دَافِعاً (3).
رحم اللّه محمّداً، وأجزل له المزيد من الأجر، فقد كان من عمالقة المجاهدين العارفين للحقّ، والمستشهدين من أجل رفع كلمة اللّه في الأرض وحسم مادة الشرك.
وأقام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولاته وعماله على بعض المناطق والأقاليم الإسلامية، وقد عهد إليهم بتقوى اللّه وطاعته، والسهر على خدمة المواطنين، مسلمین وغیر مسلمین، وأن يشيعوا بينهم روح المودة والألفة، والأمن والرخاء، ليكونوا أمثلة مشرقة للحكم الصالح الذي يسعد المجتمع في ظلاله... وفيما يلي بعض ولاته :
استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مكّة ابن عمّه قُثَمَ بن العباس، وأمه لبابة بنت الحارث الهلالية، روي أنّها أوّل امرأة أسلمت بعد اُمّ المؤمنين خديجة، وكان أثيراً عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذلك لورعه وتقواه، وقد سأله عبد الرحمن بن خالد فقال له :
ما شأن عليّ، هل كانت له منزلة من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لم تكن للعباس ؟ فأجابه إنه كان أوّلنا لحُوقاً، وأشدّنا لُزُوقاً (1)، وقد استعمله على مكّة ويقى فيها حتى استشهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
كتب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى قتم هذه الرسالة حينما علم أن معاوية دس إلى مكّة بعض
1) أسد الغابة : 3: 373.
عملائه يخذلون الناس عن نصرة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويشيعون بينهم أن الإمام إمّا قاتل لعثمان، أو خاذل له، وهو لا يصلح للإمامة، وأنّ الصالح للإمامة معاوية بن أبي سفيان (1)، فكتب إليه الإمام يحذره من معاوية وأذنابه :
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ عَيْنِي - بِالْمَغْرِبِ (2)- كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ وُجه عَلَى الْمَوْسِم أُناسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْعُمْي الْقُلُوبِ، الصُمّ الْأَسْماع، الْكُمْهِ الْأَبْصارِ (3)، الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ الحقّ بِالْبَاطِلِ، وَيُطِيعُونَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخالِقِ، وَيَحْتَلِبُونَ الدُّنْيا دَرَّها بِالدِّينِ، وَيَشْتَرُونَ عاجِلَها بِآجِلِ الْأَبْرَارِ وَالْمُتَّقِينَ ؛ وَلَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلَّا عامِلُهُ، وَلَا يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلَّا فاعِلُهُ. فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الحَازِمِ الصَّلِيبِ، وَالنّاصِحِ اللَّبِبِ وَالتّابِعِ لِسُلْطَانِهِ، الْمُطِيعِ لِإِمَامِهِ.
وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ، وَلَا تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً (4)، وَلَا عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلاً، وَالسَّلَامُ (5).
وحكت هذه الرسالة الصفات البارزة لأذناب معاوية وعملائه، وهي إنّهم :
1 - عمي القلوب.
2 - صمّ الأسماع.
3 - كمه الأبصار.
4 - يلتمسون الباطل باسم الحقِّ.
5 - يطيعون المخلوق بمعصية الخالق.
هذه بعض الصفات السيئة الماثلة فيهم، وهي - من دون شك تخرجهم عن اطار المؤمنين.
أَمَا بَعْدُ، فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّه، وَاجْلِسْ لَهُمُ الْعَصْرَيْنِ، فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتِي، وَعَلَّم الْجَاهِلَ، وَذَاكِرِ الْعَالِمَ. وَلَا يَكُنْ لَكَ إِلَى النّاسِ سَفِيرٌ إِلَّا لِسانُكَ، وَلَا حَاجِبٌ إِلَّا وَجْهُكَ. وَلَا تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَةٍ عَنْ لِقائِكَ بِهَا، فَإِنَّهَا إِنْ ذِيدَتْ (1)عَنْ أَبْوَابِكَ فِي أَوَّلِ وِرْدِهَا لَمْ تُحْمَدْ فِيمَا بَعْدُ عَلَىٰ قَضائِهَا.
وَانْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللّه فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيالِ وَالْمَجاعَةِ، مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ الْفَاقَةِ وَالْخَلَّاتِ وَما فَضَلَ عَنْ ذلِكَ فاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَفْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا.
وَمُرْ أَهْلَ مكّة أَلَّا يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِن أَجْراً، فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ يَقُولُ : «سَوَاءٌ الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ»، فالْعاكِفُ : الْمُقِيمُ بِهِ، وَالْبَادِي :الَّذِي يَحُجُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ.
وَفَقَنَا اللّه وَإِيَّاكُمْ لِمَحابِّهِ وَالسَّلَامُ» (2).
وحفلت هذه الرسالة بجميع مقوّمات الإنسانية، فقد حفلت بما يلي :
1 - أن يجلس للناس مجلساً عامّاً يعظهم، ويرشدهم للتي هي أقوم، يجلس لهم صباحاً ومساءً، ويقوم في مجلسه بإفتاء المستفتي، وتعليم الجاهل ومذاكرة العالم.
2 - أن لا يكون بينه وبين الناس سفير ولا حاجب ولا شرطي ولا بوّاب وأن يقوم بدوره بقضاء حوائج المحتاجين.
3 - أن ينفق ما عنده من أموال على مكافحة الفقر، وإزالة البؤس وما فضل من ذلك فيحمله إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليتولى صرفه في مواضعه.
4 - أن أن يشيع بين أهل مكّة أن لا يأخذوا أجراً على ساكن لأنّ اللّه تعالى يقول : «سَوَاءٌ الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ» (1).
1) الحج 22 : 25.
سهل بن حنيف
ولما نزح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى حرب الجمل أقام سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي على يثرب والياً، وكان من أعلام الصحابة وخيارهم، ومن السابقين لاعتناق الإسلام، شهد بدراً، وثبت يوم أحد حين انكشف الناس عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وبايع النبيّ على الموت، وكان ينفح عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بالنبل فيقول : نبلوا سهلاً فإنّه سهل.
كما شهد الخندق والمشاهد كلها، وقد ولاه الإمام بعد ذلك على البصرة.
يقال : إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أخى بينه وبين الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
وحينما كان والياً على المدينة بلغ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن عصابة من أهل المدينة التحقوا بمعاوية، فكتب إليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الرسالة :
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالاً مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعاوِيَةَ، فَلَا تَأْسَفْ عَلَى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ، وَيَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ، فَكَفَىٰ لَهُمْ غَيّاً، وَلَكَ مِنْهُمْ شَافِياً، فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَإِيضاعُهُمْ (2)إِلَى الْعَمَى وَالْجَهْل ؛ وَإِنَّما هُمْ أَهْلُ دُنْياً مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا، وَمُهْطِعُونَ إِلَيْها (3)، وَقَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَرَأَوْهُ،
وَسَمِعُوهُ وَوَعَوْهُ، وَعَلِمُوا أَنَّ النّاسَ عِنْدَنا فِي الحقّ أَسْوَةٌ، فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَةِ فَبُعْداً لَهُمْ وَسُحْقاً !! (1).
وحفلت هذه الرسالة بعدم الحزن والتأثر على من ولى إلى معاوية فإنّهم إنّما فرّوا من العدل إلى الجور والظلم، وقد آثروا العمى على الهدى والباطل على الحقّ فبعداً لهم وسحقاً.
وعلى أي حال فإنّ سهل بن حنيف من خيرة الأنصار، ومن طلائع المجاهدين في نصرة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وكان أثيراً عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، توفّي سنة 38هـ، وذلك بعد رجوع الإمام من صفّين، فوجد عليه وقال : «لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهافَتَ».
1) نهج البلاغة : 2 : 192.
عبيد اللّه بن العباس
واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على اليمن عبيد اللّه بن العبّاس، وكان الوالي عليها من قبل عثمان يعلى بن منبّه، ونهب جميع ما جمع من الجباية، وخرج به إلى مكّة (1)، وقد جهز بالأموال جيش عائشة، وأمدّه بما يحتاج إليه من النفقات، وكان أعظم عون قدمه للمتمردين على حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ويقي عبيد اللّه بن العباس والياً على اليمن، فجهّز معاوية جيشاً بقيادة المجرم الأثيم بسر بن أبي أرطاة لاحتلال اليمن، وحينما علم عبيد اللّه بذلك هرب من اليمن إلى الكوفة، واستخلف على اليمن عبد اللّه بن عبد الحارثي، فألقى بسر عليه القبض، وقتله وعمد إلى طفلين لعبيد اللّه وهما عبد الرحمن وقتم فقتلهما.
وقد انبرى إليه رجل من كنانة فقال له : لِمَ تقتل هذين ولا ذنب لهما ؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما، فقتله ثمّ قتلهما
وبادرت إليه نسوة من بني كنانة فقالت له إحداهن : يا هذا قتلت الرجال فعلام تقتل هذين، واللّه ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام، واللّه يابن أبي ارطاة إنّ سلطاناً لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير، ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء (2).
إنّ سلطان معاوية كسرى العرب قام على قتل الأطفال والشيوخ وإشاعة الرعب والخوف بين الناس، وهو سلطان شرّ.
وكانت أمّ الطفلين وهي عائشة بنت عبداللّه المدان قد هامت على وجهها لا تعقل وكانت تنشد في المواسم هذه الأبيات التي مثلت أساها، وهي :
يا مَنْ أَحَسٌ بُنَيَّ اللذين هما***كَالدُّرْتينِ تَشَطَى عَنهُما الصَّدَفُ
يامَنْ أَحَسَّ بِإِبْنَيَّ اللَّذَينِ هُما***مُخُّ العِظامِ فَمُخّيِ اليَومَ مُزْدَهَفٌ
يا مَنْ أَحَسٌ بِإِبْنَيَّ اللَّدِّينِ هُما***قَلْبي وَسَمعي، فَقَلْبي اليَومَ مُخْتَطَفُ
مَنْ ذَلَّ والِهَةً حَيرَى مُدَلَّهةً***على صَبِيين ذَلّا إِذْ غَدا السَّلَف ؟
نبِّئتُ بُسراً وَما صَدَّقْتُ ما زَعَموا***مِنْ إِفْكِهِمْ وَمِنَ القَول الذي اقْتَرَفوا
أَحْنَى عَلى وَدَجَيْ إِبنَيَّ مُرْهَفَةٌ***مِنَ الشَّفارِ كَذاكَ الإِثْمُ يُقْتَرَفُ
ولما سمع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقتل الصبيين جزع جزعاً شديداً ودعا على بسر، فقال : «اسْلُبْهُ دِينَهُ وَعَقْلَهُ»، واستجاب اللّه دعاء الإمام فقد فقد عقله، فكان يهذي ويطلب السيف فيؤتى بسيف من خشب، ويُجْعَل بين يديه زقّ منفوخ فلا يزال يضربه حتى مات (1).
لقد واجه المسلمون في عهد معاوية ألواناً من الجور والارهاب لم ير المسلمون لها نظيراً، فقد أمعن في الظلم وارغام الناس على ما يكرهون.
1) الكامل في التاريخ : 193، وغيره.
استعمل الإمام على البحرين كوكبة من الولاة، وهم كما يلي :
واستعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على البحرين عمر بن أبي سلمة المخزومي ربيب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، أُمّه أمّ المؤمنين السيّدة أم سلمة، يكنّى أبا جعفر.
ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة، وكان على جانب كبير من الإخلاص والولاء للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ). وقد أرسلته أمه لمساعدة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حرب الجمل، وقد بعثت معه رسالة إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جاء فيها :
«لولا أن الجهاد موضوع عن النساء لجئت فجاهدت بين يديك، هذا ابني عديل النفس فاستوص به خيراً يا أمير المؤمنين !».
وشهد معه حرب الجمل، توفّي بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان سنة 83هـ (1).
وقد عزله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ولاية البحرين، وكتب إليه هذه الرسالة :
أَمَا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُ نُعْمَانَ بْنَ عَجْلَانَ الزُّرَقِيَّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَنَزَعْتُ يَدَكَ بِلَا ذَمّ لَكَ، وَلَا تَثْرِيبٍ عَلَيْكَ (2)، فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوِلَايَةَ، وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ، فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنِينِ، وَلَا مَلُومٍ،
وَلَا مُنّهم، وَلَا مَأْتُومٍ، فَقَدْ أَرَدْتُ الْمَسِيرَ إِلَىٰ ظَلَمَةِ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي، فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَإِقَامَةِ عَمُودِ الدِّينِ، إِنْ شاءَ اللّه (1).
وحكت هذه الرسالة توثيق الإمام لعمر، وقيامه بإدارة البلاد بأحسن ما يرام، وإنّه إنّما عزله ليستعين بآرائه في محاربة معاوية.
1) تاریخ ابن واضح : 2 : 190.
النعمان بن عجلان من سادات الأنصار، وكان لسانهم وشاعرهم، وهو القائل يوم السقيفة في تمجيد الأنصار، وذكر الخلافة بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) :
فَقُلْ لِقُرَيْشٍ نَحْنُ أَصْحابُ مَكَةٍ***وَيَوْمَ حُنَيْنِ وَالْفَوارِسُ فِي بَدْرٍ
وأَصْحابُ أحْدٍ وَالنَّضِيرِ وَخَيْبَرٍ***وَنَحْنُ رَجَعْنَا مِنْ قُرَيْظَةَ بِالذِّكْرِ
وَيَوْمَ بِأَرْضِ الشَّامِ إِذْ قَتْلُ جَعْفَرٍ***وزيدٍ وَعَبْدِ اللّه فِي عَلَقٍ نَجْرِي
وَفِي كلّ يَوْمٍ يُنْكِرُ الْكَلْبُ أَهْلَهُ***نُطاعِنُ فِيهِ بِالْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
نَصَرَنا وَآوَيْنا النبيّ وَلَمْ نَخَفْ***صُرُوفَ اللَّيالي وَالْعَظِيمَ مِنَ الْأَمْرِ
وَقُلْنا لِقَوْمِ هَاجَرُوا قَبْلُ مَرْحَبا***وَأَهْلاً وَسَهْلاً قَدْ أَمِنْتُم مِنَ الْفَقْرِ
نُقاسِمُكُمْ أَمْوالنا وبُيُوتَنا***كَقِسْمَةِ أَيْسَارِ الْجَزُورِ عَلَى الشَّطْرِ
وَنَكْفِيكُمُ الْأَمْرَ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ***وَكُنا أناساً نُذْهِبُ الْعُسْرَ بِالْيُسْر
وَقُلْتُم حَرامٌ نَصْبُ سَعْدٍ وَنَصْبُكُمْ***عَتِيقَ بْنَ عُثْمَانٍ حَلَالٌ أَبا بَكْرِ ؟ !
وكان هواناً في عَلِيٌّ وَإِنَّهُ***لأَهْل لها يا عَمْرُو مِنْ حَيْثُ لَا تَدْرِي
وَصِيُّ النبيّ الْمُصْطَفَى وَابْنُ عَمِّهِ***وَقاتِلُ فُرْسانِ الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ (1)
وحكت هذه اللوحة كثيراً من الأحداث التاريخية، والتي منها جهاد الأنصار ومساهمتهم في بناء الإسلام، وقيامهم بإعانة الفقراء من المهاجرين، فقد شاطر وهم بأموالهم ومنازلهم، وهذا من عظيم المواساة، كما حكت هذه الأبيات ما قاله
1) مصادر نهج البلاغة - قسم الرسائل : 3: 345 و 346.
المهاجرون في سعد بن عبادة زعيم الأنصار أنّه لا يصلح للخلافة، وأنها حرام عليه، واستعملوا أبا بكر، وصرفوا الأمر عن وصيّ النبيّ وابن عمه والمجاهد الأول في الإسلام الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وعلى أي حال فقد استعمل الإمام على البحرين النعمان، فجعل يهب، الأموال الكثيرة إلى أسرته، وفيه يقول أبو الأسود الدولي :
أرى فِتْنَةٌ قَدْ أَلْهَتِ النَّاسَ عَنْكُمُ***فندلاً زُرَيْقُ الْمَالَ نَدْلَ الثَّعَالبِ (1)
فَإِنَّ ابنَ عَجْلَانَ الَّذِي قَدْ عَلِمْتُم***يُبَدِّدُ مال اللّه فِعْل المناهَبِ (2)
ولما علم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك عزله، وولّى منهزماً إلى معاوية (3).
استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولاة على بعض مناطق ایران وغيرها، وزوّدهم بنصائحه القيّمة، ووصاياه الجليلة، كما طلب من بعضهم الالتحاق به لجهاد عدوّه الباغي معاوية بن أبي سفيان... وهذا عرض لبعضهم :
مخنف بن سليم
مخنف بن سليم الأزدي الغامدي له صحبة، وكان من أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، استعمله علی اصبهان، وشهد معه صفّين، وقد زوّده بهذه الرسالة :
أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللّه فِي سَرَائِرِ أَمْرِهِ وَخَفِيَّاتِ عَمَلِهِ، حَيْثُ لَا شَاهِدَ غَيْرُهُ، وَلَا وَكِيلَ دُونَهُ.
وَأَمَرَهُ أَلَّا يَعْمَلَ بَشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللّه فِيمَا ظَهَرَ فَيُخالِفَ إِلَىٰ غَيْرِهِ فيما أَسَرَّ، وَمَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ، وَفِعْلُهُ وَمَقَالَتَهُ، فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ، وَأَخْلَصَ الْعِبادَةَ.
وَأَمَرَهُ أَلَّا يَجْبَهُهُمْ وَلَا يَعْضَهَهُمْ، وَلَا يَرْغَبَ عَنْهُمْ تَفَضَّلاً بالإمارَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمُ الْإخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالْأَعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاج الْحُقُوقِ.
وَإِنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقّاً مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلِ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فاقَةٍ، وَإِنَّا مُوَفُوكَ حَقَّكَ، فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَإِلَّا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النّاسِ خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُؤْسَى لِمَنْ خَصْمُهُ - عِنْدَ اللّه - الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالسّائِلُونَ وَالْمَدْفُوعُونَ، وَالْغارِمُونَ وَابْنُ السَّبِيلِ، وَمَنِ اسْتَهانَ بِالْأَمانَةِ، وَرَتَعَ فِي الْخِيانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّهُ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْهَا، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ الذُّلَّ وَالْخِزْيَ فِي الدُّنْيا، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَذَلُّ وَأَخْزَى.
وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيانَةِ خِيانَةُ الْأُمِّةِ، وَأَفْطَعَ الْغِشَّ غِشُ الْأئمّة، وَالسَّلَام (1).
وأنت ترى أنّ هذه الرسالة قد حوت جميع مقومات الأمانة والإخلاص للرعية، والعطف على البؤساء والمحرومين ومراعاة حقوقهم، ولم يرع هذه القيم إلّا رائد العدالة الاجتماعية في الإسلام إمام المتّقين وسيّد الموحدين.
ولما عزم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على حرب معاوية أرسل إلى مخنف بن سليم الرسالة التالية يطلب منه أن يكون معه لمناجزة طاغية الأمويّين وهذا نصها :
سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللّه إِلَيْكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
أَمَا بَعْدُ فَإِنَّ جِهَادَ مَنْ صَدَفَ عَنِ الحقّ رَغْبَةٌ عَنْهُ، وَهَبَّ فِي نُعَاسِ الْعَمَى وَالضَّلَالِ اخْتِياراً لَهُ، فَرِيْضَةٌ عَلَى الْعَارِفِينَ.
إِنَّ اللّه يَرْضى عَمَّنْ أَرْضاهُ، وَيَسْخَطُ عَلَى مَنْ عَصَاهُ، وَإِنَّا قَدْ
1) نهج البلاغة : 3: 27، الخطبة 26.
هَمَمْنا بِالسَّيْرِ إِلَى هؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ عَمِلُوا فِي عِبَادِ اللّه بِغَيْرِ ما أَنْزَلَ اللّه وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَأَمَاتُوا الحقّ وَأَظْهَرُوا فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ، وَاتَّخَذُوا الْفَاسِقِينَ وَلِيْجَةٌ (1)مِنْ دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِذَا وَلِيُّ اللّه أَعْظَمَ أَحْدَانَهُمْ أَبْغَضُوهُ وَأَقْصَوْهُ وَحَرَمُوهُ، وَإِذَا ظَالِمٌ سَاعَدَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ أَحَبُوهُ وَأَدْنَوهُ وَبَرُّوهُ، فَقَدْ أَصَرُّوا عَلَى الظُّلْم وَأَجْمَعُوا عَلَى الْخِلَافِ، وَقَدِيماً ما صَدُّوا عَنِ الحقّ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَكَانُوا ظَالِمِينَ.
فَإِذَا أُتِيْتَ بِكِتَابِي هَذَا فَاسْتَخْلِفْ عَلَىٰ عَمَلِكَ أَوْثَقَ أَصْحَابِكَ فِي نَفْسِكَ، وَأَقْبلُ إِلَيْنا لَعَلَّكَ تَلْقى مَعَنا هذَا الْعَدُوَّ الْمُحِلَّ (2)، فَتَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُجَامِعَ الْمُحِقَّ وَتُبايِنَ الْمُبْطِلَ، فَإِنَّهُ لَا غِنى بِنَا وَلَا بِكَ عَنْ أَجْرِ الْجِهَادِ، وَحَسْبُنَا اللّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
كتب هذه الرسالة عبيد اللّه بن أبي رافع في سنة 37هـ، ونفر مخنف للجهاد، واستعمل على اصبهان الحارث بن أبي الحارث ومعه سعيد بن وهب، وأقبل يجد في السير حتى شهد مع الإمام صفّين (3).
وحكت هذه الرسالة الخطر الذي داهم المسلمين من معاوية وبطانته الذين جهدوا على محق دين اللّه تعالى، ونهب ثروات المسلمين وإذلالهم، وإرغامهم على ما يكرهون.
مصقلة بن هبيرة
أردشير خُرَّه من أجل كور فارس ومنها مدينة شيراز (1)، وقد استعمل عليها مصقلة بن هبيرة الشيباني، وقد بلغه أنّه يهب أموال المسلمين ويفرّقها بين الشعراء وعشيرته، ومن يقصده من السائلين، فكتب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الرسالة :
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ أَكْبَرْتُ أَنْ أُصَدِّقَهُ، بَلَغَنِى أَنَّكَ قْسِمُ فَيءَ الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْمِكَ وَمَنِ اعْتَرَاكَ (2)مِنَ السَّأَلَةِ وَالْأَحْزَابِ، وَأَهْلِ الْكَذِبِ مِنَ الشُّعَرَاءِ، كَمَا تُقَسِّمُ الْجَوْزَ.
فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَأُفَتِّشَنَّ عَنْ ذلِكَ تَفْيشاً شافياً، فَإِنْ وَجَدْتُهُ حَقًّا لَتَجِدَنَّ بِنَفْسِكَ عَلَى هَوَاناً، فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.
حكت هذه الرسالة مدى احتياط الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أموال الدولة وسهره على الفحص عن سيرة عماله وولاته خوفاً من أن يكونوا قد فرّطوا في أموال المسلمين التي يجب أن تنفق على تطوير حياتهم، وإنقاذهم من غائلة الفقر والجوع.
ولما انتهت الرسالة إلى مصقلة أجاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما يلي :
أما بعد.. فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين فليسأل إن كان حقاً فليعجل عزلي
بعد نکال، فكلّ مملوك لي حرّ.
وعليَّ آثام ربيعة ومضر إن كنت رزأت (1)من عملي ديناراً ولا درهماً منذ ولّيته إلى أن ورد على كتاب أمير المؤمنين، ولتعلمنّ أنّ العزل أهون علي من التهمة.
ولمّا انتهى الكتاب إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقرأه قال : «ما أَظُنُّ أبا الْفَضْل إلَّا صَادِقاً» (2).
من المؤسف أنّ مصقلة قد هرب إلى معاوية.
وقد روى المؤرّخون قصة هربه، فقد حدّثوا أن الخريت بن راشد الناجي، وهو من أعلام الخوارج المفسدين في الأرض، قد نقم على الإمام قصّة التحكيم، وخرج يفسد الناس، وقد انضم إليه جماعة من قومه، وكانوا نصارى، فأخلّوا بشروط الذمة، كما ارتدّ بنو ناجية عن الإسلام، وأخذوا يشيعون الرعب والفساد بين الناس.
فبعث إليهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرقة من جيشه لقتال الخريت وعصابته فأدركتهم في سيف البحر بفارس، فقتل الخريت وقتل معه جمهرة من أتباعه، وسبوا من أدرك في رحالهم من النساء والصبيان، وكانوا خمسمائة أسير، فارتفعت أصواتهم بالبكاء واستغاثوا بمصقلة فرق لهم، فاشتراهم من معقل قائد جيش الإمام بخمسمائة ألف درهم ثمّ أعتقهم، وأدّى ثلث ثمنهم، وأشهد على نفسه بالباقي، ثمّ امتنع عن أدائه، ولما ثقلت عليه المطالبة هرب تحت جنح الظلام إلى معاوية (3).
ولمّا انتهى خبره إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال :
قَبَّحَ اللّه مَصْقَلَةَ، فَعَلَ فِعْلَ السّادَةِ، وَفَرَّ فِرَارَ الْعَبِيدِ، فَمَا أَنْطَقَ مادِحَهُ حَتَّىٰ أَسْكَتَهُ، وَلَا صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ، وَلَوْ أَقامَ لأَخَذْنا مَيْسُورَهُ، وَانْتَظَرْنا بِمالِهِ وُفُورَهُ (1).
وأسف مصقلة كأشدّ ما يكون الأسف، وقد أعرب عن أساه بأبيات من الشعر كان منها :
تَرَكْتُ نِساءَ الْحَيِّ بِكْرِ بْنِ وائِلٍ***وَأَعْتَقْتُ سَبْياً مِنْ لُغَيِّ بْنِ غالبِ
وفارَقْتُ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ محمّد***لِمالٍ قَلِيل لا مَحالَةَ ذاهِبٍ
1) شرح نهج البلاغة : 1 : 264 - 271.
كميل النخعي
من ألمع ولاة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الكميل بن زياد النخعي العالم الجليل الذي احتل مكانة مرموقة عند الإمام، فكان حامل أسراره - كما يقول علماء الرجال - وقالوا فيه : إنّه كان شريفاً مطاعاً في قومه، وإنّه من أجلّ علماء وقته، وعقلاء زمانه، ونساك عصره (1).
وهو الذي روى دعاء الإمام المشهور الذي هو من أسمى أدعية الإمام، وقد نُسب إلى كميل باعتبار أنه راويه، وقد غذاه الإمام بمكارم الآداب ومحاسن الأخلاق، وسنذكر وصيته له، وما عهد به إليه عند عرض الأنظمة التربوية عند الإمام.
وعلى أي حال، فقد ولّاه على هيت، وهي بلدة تقع على الفرات، من نواحي بغداد، وتتصل ببادية الشام، وتشكل حدوداً بين العراق وسوريا (2).
وقد وجه معاوية سفيان بن عوف في ستّة آلاف، وأمره أن يقطع هيت ويغير على الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها، وغار سفيان على هيت فلم يجد بها أحداً، فتوجه صوب الأنبار، وكانت فيه مسلحة للإمام تتكوّن من خمسمائة رجل، وقد تفرّقوا فلم يبق منهم إلا مائتان، وكان عليهم كميل بن زياد، فبلغه أن قوماً بقرقيسيا يريدون الغارة على هيت، فسار إليهم بغير مشورة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فأتى أصحاب سفيان الأنبار فرأوا قلّة الجيش الذي فيها فطمعوا فيهم فحملوا عليهم، فقتل قائد جيش الإمام مع ثلاثين رجلاً، ونهبوا ما في الأنبار من أموال
أهلها، ورجعوا ظافرين إلى معاوية، ولما انتهى الخبر إلى الإمام لا تأثر من كميل، وأنكر عليه فعله بها، وكتب إليه :
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ تَضْيِيعَ الْمَرْءِ مَا وُلَّيَ، وَتَكَلَّفَهُ مَا كُفِيَ، لَعَجْز حَاضِرٌ، وَرَأَي مُتَبَّرٌ (1).
وَإِنَّ تَعاطِيَكَ الْغَارَةَ عَلَى أَهْلِ قِرْقِيسِيا، وَتَعْطِيلَكَ مَسَالِحَكَ الَّتي وَلَّيْناكَ - لَيْسَ بِها مَنْ يَمْنَعُهَا، وَلَا يَرُدُّ الْجَيْشَ عَنْهَا - لَرَأْيِّ شعاعٌ (2). فَقَدْ صِرْتَ جِسْراً لِمَنْ أَرَادَ الْغَارَةَ مِنْ أَعْدَائِكَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ، غَيْرَ شَدِيدِ الْمَنْكِبِ، وَلَا مَهِيبِ الْجَانِبِ، وَلَا سَادٍّ ثَغْرَةٌ، وَلَا كَاسِرٍ لِعَدُوٌّ شَوْكَةً، وَلَا مُغْنِ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ، وَلَا مُجْزِ عَنْ أَمِيرِه (3).
وقد عرض بصورة موضوعيّة لدراسة حياته المرحوم الخطيب السيّد علي الهاشمي في كتابه (كميل بن زياد).
الأشعث بن قيس
أما الأشعث بن قيس فهو من أخبث المنافقين، وكان عاملاً لعثمان بن عفّان على آذربيجان، وقد كانت ابنته زوجة لعمرو بن عثمان، ولما قتل عثمان بقي والياً عليها، فكتب إليه الإمام الرسالة التالية :
أَمَا بَعْدُ، فَلَوْلَا هَناةٌ كُنَّ فِيْكَ كُنْتَ الْمُقَدَّمَ فِي هَذَا الْأَمْرِ قَبْلَ النَّاسِ، وَلَعَلَّ أَمْرَكَ يَحْمِلُ بَعْضُهُ بَعْضاً إِنِ اتَّقَيْتَ اللّه.
ثُمَّ إِنَّهُ كانَ مِنْ بَيْعَةِ النَّاسِ إِيَّايَ مَا قَدْ بَلَغَكَ، وَكَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِمَّنْ بايَعَانِي ثمّ نَقَضا بَيْعَتِي عَلَىٰ غَيْرِ حَدَثٍ، وَأَخْرَجا أمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَسارَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَسِرْتُ إِلَيْهِما فَالْتَقَيْنَا، فَدَعَوْتُهُمْ إِلى أَنْ يَرْجِعُوا فِيْمَا خَرَجُوا مِنْهُ فَأَبَوا، فَأَبْلَغْتُ فِي الدُّعَاءِ، وَأَحْسَنْتُ فِي الْبَقِيَّةِ.
وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ وَلَكِنَّهُ أَمَانَةٌ، وَفِي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مالِ اللّه، وَأَنْتَ مِنْ خُزَانِ اللّه عَلَيْهِ حَتَّى تُسَلَّمَهُ إِلَيَّ، وَلَعَلِّي أَلَّا أَكَونَ شَرَّ وَلَاتِكَ لَكَ إِنِ اسْتَقَمْتَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه (1).
وحفلت هذه الرسالة بإخبار الأشعث عن تمرد طلحة والزبير على حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومناجزته لهما حتى أطفأ نار التمرد، كما أعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أموال الدولة فإنّها ليست للأشعث ولا لغيره وإنّما هي للمسلمين فليس له أن يستأثر
1) الإمامة والسياسة : 1 : 91. کتاب صفّین : 20.
بأي شيء منها.
كتب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة أخرى إلى الأشعث جاء فيها :
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّمَا غَرَّكَ مِنْ نَفْسِكَ وَجَرَّأَكَ عَلَى الْآخَرِينَ إِمْلَاءُ اللّه لَكَ ؛ إِذْ مَا زِلْتَ قَدِيماً تَأْكُلُ رِزْقَهُ وَتُلْحِدُ فِي آيَاتِهِ وَتَسْتَمْتِعُ بِخَلَاقِكَ وَتَذْهَبُ بِحَسَناتِكَ إِلى يَوْمِكَ هَذَا، فَإِذَا أَتَاكَ رَسُولِى بِكِتَابِي هَذَا فَأَقْبِلْ وَاحْمِلْ مَا قِبَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إِنْ شَاءَ اللّه (1).
1) تاريخ اليعقوبي 2 : 176.
أمّا البصرة فكان السائد فيها الولاء المطلق لعثمان بن عفان، وقد اتخذها المتمردون على حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) معقلاً لهم فزحفوا إليها واحتلوها، ووجدوا فيها ميولاً فكرية لهم، وتجاذباً عاطفياً نحوهم.
وقد استعمل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليها عدة ولاة كان منهم ما يلي :
كان عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسى من أعلام الصحابة، شهد أحداً والمشاهد بعدها مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وكان له رأي ثاقب، ومعرفة كاملة بالأمور (1)، وقد استعمله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والياً على البصرة، وقد دعاه قوم منها إلى وليمة فأجابهم، ولما علم الإمام ذلك أنكره، وبعث له الرسالة التالية :
رفع الإمام رسالة لعثمان بن حنيف هذه الرسالة التي تقطع دابر الرشوة عند الولاة، وتحملهم على خدمة الأمة بإخلاص وإيمان، وهذا نصها :
أَمَا بَعْدُ، يَابْنَ حُنَيْفٍ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْ-ل
1) الاستيعاب : 3 : 90.
الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلى مَأْدْبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ (1).
وَما ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلى طَعَامِ قَوْمٍ، عائِلُهُمْ (2)مَجْفُوٌّ (3)، وَغَيْتُهُمْ مَدْعُوٌّ.
فانْظُرْ إِلَى ما تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَم (4)، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فالْفِظهُ (5)، وَما أَيْقَنْتَ بِطِيبٍ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْه.
أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً، يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ ؛ ألَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْياهُ بِطِمْرَيْهِ (6)، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ.
أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهادٍ، وَعِفَةٍ وَسَدَادٍ.
فَوَاللّه ما كَنَزْتُ مِنْ دُنْياكُمْ تِبْراً (7)، وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِها وَفْراً (8)، وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً، وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِها
شِبراً، وَلَا أَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا كَفُوتِ أَتانٍ دَبِرَةٍ، وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَىٰ وَأَهْوَنُ مِنْ عَفْصَةٍ (1)مَقِرَةٍ (2)بَلَى ! كانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كلّ ما أَظَلَّتْهُ السَّماءُ، فَشَجَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ (3)، وَسَخَتْ عَنْها نُفُوسُ قُوْمِ آخَرِينَ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللّه.
وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَدٍ وَغَيْرِ فَدَكِ، وَالنَّفْسُ مَطَانُها فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُها، وَتَغِيبُ أَخْبارُها، وَحُفْرَةٌ (4)لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِها، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حافِرِها، لَأَضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ، وَسَدَّ فَرَجَها التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمٌ ؛ وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرَوضُها بِالتَّقْوَىٰ لِتَأْتِيَ آمِنَةٌ يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ، وَتَثْبُتَ عَلَىٰ جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ (5). وَلَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلى مُصَفّى هَذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هَذَا الْقَمْح، وَنَسَائِحِ هَذَا الْقَز (6).
وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَىٰ تَخَيْرِ الْأَطْعِمَةِ - وَلَعَلَّ بِالْحِجازِ أَوِ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْضِ، وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشَّبَعِ - أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَىٰ وَأَكْبَادٌ حَرَّىٰ، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ :
وَحَسْبُكَ دَاءً أَن تَبِيتَ بِبِطْنَة***وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدَّ (1).
أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقالَ هذا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَشارِكُهُمْ فِي مَكارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ !
فَما خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبات، كالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ، هَمُّها عَلَفُها، أو الْمُرْسَلَةِ شُغْلُها تَقَمُّمُها (2)، تَكْتَرشُ مِنْ أَعْلَافِها، وَتَلْهُو عَمّا يُرَادُ بِها، أَوْ أَتْرَكَ سُدى، أَوْ أَهْمَلَ عابِثًا، أَوْ أَجْرٌ حَبْلَ الضَّلَالَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتاهَةِ (3)!
وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ : «إِذَا كَانَ هَذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدْ فَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتالِ الْأَقْرَانِ وَمُنازَلَةِ الشُّجْعَانِ».
أَلَا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَالرَّوانِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُ جُلُوداً، وَالثَّابِتاتِ الْعِذْبَةَ أَقْوَى وَقُوداً، وَأَبْطَأُ خُمُوداً.
وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اللّه كَالصَّنْوِ مِنَ الصَّنْوِ (4)، وَالذَّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ.
وَاللّه لَوْ تَظاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتالِي لَما وَلَّيْتُ عَنْها، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقابِها لَسارَعْتُ إِلَيْهَا. وَسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ الْمَعْكُوس، وَالْجِسْمِ المَرْكُوسِ (5)
حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَةُ (1)مِنْ بَيْنِ حَبِّ الْحَصِيدِ.
ومن هذا الكتاب، وهو آخره :
إِلَيْكِ عَنِّى يا دُنْيا ! فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ (2)، قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخالِبِكِ (3)وَأَفْلَتٌ مِنْ حَبائِلِكِ، وَاجْتَبْتُ الذَّهَابَ فِيمَدَاحضك.
أَيْنَ الْقُرُونُ الَّذِينَ غَرَيْتِهِمْ بَمَدَاعِبِكَ ! أَيْنَ الْأُمَمُ الَّذِينَ فَتَتْتِهِمْ بِزَخارِفِكِ ! فَهَا هُمْ رَهائِنُ الْقُبُورِ، وَمَضامِينُ اللُّحُودِ.
وَاللّه لَوْ كُنْتِ شَخصاً مَرْئِيّاً، وَقَالَباً حِسَّيّاً، لَأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللّه فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِي، وَأُمَمِ أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَاوِي، وَمُلُوكٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ، وَأَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلَاءِ، إِذْ لَا وِرْدَ وَلَا صَدَرَ (4)!
هَيْهاتَ ! مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِقَ، وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ، وَمَنِ ازْوَرَّ (5)عَنْ حَبائِلِكِ وُفِّقَ، وَالسّالِمُ مِنْكِ لَا يُبالِي إِنْ ضاقَ بِهِ مُنَاخُهُ، وَالدُّنْيا عِنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ انْسِلَاخُهُ (6).
اعْزُبِي عَنِّي ! فَوَاللّه! لَا أُذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي، وَلَا أَسْلَسُ (1)لَكِ فَتَقُودِينِي.
وَايْمُ اللّه يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللّه لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِياضَةً تَهِشُ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً، وَتَقْنَعُ بِالْمِلْح مَأْدُوماً ؛ وَلَأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ ماءٍ، نَضَبَ مَعِينُها (2)، مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعَها أَتَمْتَلِيُّ السَّأئمّة مِنْ رِعْيها فَتَبْرُكَ ؟ وَتَشْبَعُ الرَّبِيضَةُ (3)مِنْ عُشْبِها فَتَرْبِضَ؟ وَيَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ (4)! قَرَّتْ إِذا عَيْنُهُ إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ الْهامِلَةِ (5)، وَالسَّأئمّةالْمَرْعِيَّةِ !
طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَىٰ رَبِّهَا فَرْضَهَا، وَعَرَكَتْ بِجَنْبِها بُؤْسَها، وَهَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غُمْضَها، حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى (6)عَلَيْها افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا، وَتَوَسَّدَتْ كَفَّهَا، فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعادِهِمْ، وَتَجافَتْ عَنْ مَضاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ، وَهَمْهَمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِم شِفاهُهُمْ، وَتَقَشَّعَتْ بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِم ذُنُوبُهُمْ، «أُولَئِكَ حِزْبُ اللّه أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللّه هُمُ الْمُفْلِحُونَ».
فاتَّقِ اللّه يابْنَ حُنَيْفٍ، وَلْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ، لِيَكُونَ مِنْ النَّارِ خَلَاصُكَ (1).
في هذه الرسالة الغرّاء دعوة إلى الولاة أن لا يجيبوا الوجهاء الذين يدعونهم إلى الولائم التي تستطاب فيها الألوان، ولا نصيب فيها للفقراء والمحرومين، وإنّما يدعى لها ذو الثراء العريض، وإنّما يقيمونها تقرّباً للسلطة، واستخدامها لقضاء مآربهم وشؤونهم الخاصة، وقد نهى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الولاة من الاستجابة لها حسماً للمؤثرات الخارجية، واستقلالاً للسلطة، حتّى تخلص للحقّ، ولا تتّبع الهوى... كما حفلت هذه الرسالة بأمور بالغة الأهمية والتي منها :
1 - إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمر عثمان بالاقتداء به، والسير على منهجه، وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد تجرد تجرّداً كاملاً عن جميع متع الحياة الدنيا، وعاش عيشة البؤساء والمحرومين، فلم يدّخر من غنائم الدنيا وفراً، ولم يحز من أرضها شبراً، وقد صعدت روحه العظيمة إلى اللّه، ولم يخلف من حطام الدنيا سوى سبعمائة درهم جمعها من رواتبه ليشتري بها خادماً يستعین به علی قضاء حوائجه.
2 - إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعرب أنّ أهل البيت لم يملكوا من الدنيا سوى فدك التي منحها النبيّ لبضعته الزهراء، فأمّمها أبو بكر واستولت عليها السلطة، وقد سخت نفسه الشريفة، ولم يقم لها أي وزن.
3 - إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد روّض نفسه على التقوى وحملها رهقاً، حتى تأتي آمنة مطمئنة يوم الفزع الأكبر.
4 - إنه لما تقلد الخلافة أعرض عن جميع رغائب الحياة وبات في جميع أوقاته جائعاً، وذلك مواساة لمن لا عهد له بالقرص، سواءً كان في عاصمته أم في غيرها.
1) نهج البلاغة 3 : 70 - 75، الخطبة 45.
5 - إنّه أجاب من يسأل أنّه كيف استطاع أن ينازل الأقران، ويجندل الأبطال، ويخوض أعنف المعارك مع بساطة عيشه، وقلّة طعامه، فأجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ الشجرة البرّية أصلب عوداً، وأقوى وقوداً، وأبطأ خموداً، وأنّه من تلك الشجرة، وأنّه من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) اللّه لك الصنو من الصنو، والذراع من العضد.
6 - إنّه أخبر عن شجاعته النادرة، فإنّ العرب جميعاً لو اجتمعوا على قتاله لما انهزم عنهم، وقابلهم ببسالة وشجاعة، وسيجهد نفسه على تطهير الأرض من معاوية وحزبه الذين لا يألون جهداً في محاربة اللّه تعالى ورسوله.
7 - إنّه أعلن عن محاربته للدنيا، وإنّها لو كانت جسماً مرئيّاً لأقام عليها حدود اللّه تعالى... ثمّ أعرض إعراضاً كاملاً عن الدنيا، وإنّه روّض نفسه الشريفة على البؤس والفقر حتى جعلها تحنّ إلى القرص من الخبز.
هذه بعض محتويات هذه الرسالة الخالدة التي ألقت الأضواء على زهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتقواه.
بعث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة إلى عثمان حينما بلغه زحف الجيش الذي تقوده عائشةوالزبير وطلحة لاحتلال البصرة وقد جاء فيها :
مِنْ عَبْدِ اللّه عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْبُغَاةَ عَاهَدُوا اللّه ثمّ نَكَثُوا وَتَوَجَّهُوا إِلَى مِصْرِكَ، وَسَاقَهُمُ الشَّيْطَانُ لِطَلَبِ ما لَا يَرْضَى اللّه بِهِ، وَاللّه أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّتنكيلاً.
فَإِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ فَادْعُهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الْوَفَاءِ
بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ الَّذِي فَارَقُونَا عَلَيْهِ.
فَإِنْ أَجَابُوا فَأَحْسِنْ جِوَارَهُمْ مَا دَامُوا عِنْدَكَ، وَإِنْ أَبَوا إِلَّا التَّمَسُّكَ بِحَبْل التَّكْثِ وَالْخِلَافِ فَنَاجِزْهُمُ الْقِتَالَ حَتَّى يَحْكُمَ اللّه بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.
وَكَتَبْتُ كِتابِي هَذَا إِلَيْكَ مِنَ الرَّبَذَةِ، وَأَنا مَعَجِّلُ الْمَسِيرِ إِلَيْكَ إِنْ شاءَ اللّه (1).
عرضت هذه الرسالة إلى قيام طلحة والزبير وعائشة بالتمرّد على حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونكث بيعته، والتصدّي لهم فإن استقاموا ورجعوا إلى الحقّ قابلهم عثمان واليه بمزيد من الحفاوة والتكريم، وإن أصروا على الغي والعدوان ناجزهم حتى يحكم اللّه بينهم وبينه، وقد عرضنا إلى تفصيل هذه الأحداث المؤسفة في بعض فصول هذا الكتاب.
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 9: 312.
لعلّ من المفيد جداً أن نعرض - بإيجاز - لسيرة عبد اللّه بن عبّاس وسلوكه، وولايته عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمدينة البصرة، وما اتّهم به من الخيانة لبيت مال المسلمين، وغير ذلك ممّا يتعلّق بهذا الموضوع.
أما عبد اللّه بن العباس فهو ألمع شخصية إسلامية في الأُسرة العباسية، فقد تتلمذ عند الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأخذ منه علومه، التي منها علم الفقه وتفسير القرآن الكريم، وقد برز في هذين العلمين، فإنّك لا تقرأ في مصادر بحوثهما إلّا وتجد له الرأي الأصيل فيهما، وكما كان عالماً في طليعة علماء عصره فقد كان يتمتع بالفطنة والذكاء ووفور العقل وعمق النظر في مجريات الأحداث، حتى اتخذه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مستشاراً ووزيراً له، فكان يستشيره في شؤونه السياسية والاجتماعية، وقد ألمح المؤرّخون إلى كثير من ذلك، وبالاضافة إلى ذلك كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يبعثه للمناظرة والمحاججة مع المُتمرّدين من أصحابه وغيرهم، فقد بعثه إلى الخوارج فحاججهم وناظرهم، ولم يستطيعوا المناقشة والردّ عليه، وظلّوا واجمين.
وكانت له المكانة المرموقة والمتميّزة عند عمر بن الخطّاب، فكان يجله ويحترمه كثيراً، وجرت بينهما عدة مناظرات دلّت على سعة أفق ابن عباس ووفرة فضله، ومن بين تلك المناظرات :
1 - إنّ ابن عبّاس كان مع عمر في بعض سكك المدينة، ويده في يده، فقال لابن عباس : يا بن عباس، ما أظنّ صاحبك - يعني الإمام - إلّا مظلوماً.
فردّ عليه ابن عباس بمنطقه الفياض : يا أمير المؤمنین، فاردد عليه ظلامته.
فلذعه كلام ابن عباس، وسحب يده من يده، ووقف وجعل يهمهم ساعة ثمّ وقف فلحقه ابن عباس.
وانبرى عمر قائلاً له : ما أظنّ القوم منعهم من صاحبك إلا أنهم استصغروه.
فأجابه ابن عباس : واللّه ما استصغره اللّه حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر (1).
ووجم عمر ولم يستطع أن يقول شيئاً أمام هذه الحجّة الدامغة.
2 - والتقى ابن عباس مع عمر فبادر عمر قائلاً : يابن عباس، أتدري ما منع قومكم منكم - أي من الخلافة - بعد محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)؟
قال ابن عباس : فكرهت أن أجيبه، وقلت له : إن لم أكن أدري فإنّ أمير المؤمنين يدري.
وسارع عمر قائلاً: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت.
و انبرى ابن عباس يفنّد هذه المقالة بلسانه الذرب وحجّته الواضحة قائلاً : يا أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام وتمطّ عنى الغضب تكلّمت.
تكلّم.
أما قولك يا أمير المؤمنين : اختارت قريش فأصابت ووفّقت، فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها حين اختار اللّه لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود...
وأما قولك : إنّهم أبوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة فإنّ اللّه عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهة فقال : «ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل اللّه فأحبط أعمالهم».
1) شرح نهج البلاغة : 2 : 18.
ومن الغريب جداً أن يكون موضوع الخلافة، وانتخاب الخليفة بيد قريش، وهي التي حاربت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ولم تأل جهداً في مناجزته حتى فرّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) منهم في جنح الليل البهيم، وترك أخاه وابن عمه في فراشه، ثمّ لاحقوا النبيّ في المدينة فجهزوا الجيوش للقضاء عليه واستئصال دعوته فكانت واقعة بدر وأحد وغيرهما، وقد قاوموا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بجميع طاقاتهم، ولما أعز اللّه تعالى رسوله، ونصره النصر المبين فاحتل مكّة، وعفا عنهم بلطفه وفضله، وكان الأجدر بهم أن تضرب أعناقهم وتسبى نساؤهم كبقية المشركين... إلّا أنّ للنبوّة فيضاً شاملاً للأعداء وغيرهم وعلى أي حال فلا علاقة لقريش في الإسلام مطلقاً، وإنّما أمر الخلافة بيد الأسرة النبوية والأنصار الذين نصروا الإسلام في أيام غربته ومحنته.
ومهما يكن الأمر فإنّ عمر قد ثقل عليه كلام ابن عباس فقال له : هيهات واللّه يابن عباس ! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرّك عليها فتزيل منزلتك منّي.
وبادر ابن عباس قائلاً : ما هي يا أمير المؤمنين ؟ فإن كانت حقاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه
قال عمر : إنّك تقول : إنما صرفوها - أي الخلافة - عنكم حسداً وبغياً وظلماً. وأجابه ابن عباس بأروع الحجّة قائلاً : أما قولك يا أمير المؤمنين ظلماً، فقد تبيّن للجاهل والحليم، وأما قولك : حسداً، فإنّ آدم حسد، ونحن ولده المحسودون.
والتفت إليه عمر بغيظ قائلاً: هيهات هيهات، أبت واللّه قلوبكم يا بني هاشم إلّا حسداً لا يزول.
وأجابه ابن عباس قائلاً : مهلاً يا أمير المؤمنين لا تصف قلوب قوم أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً بالحسد والغش... فإنّ قلب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من قلوب بني هاشم.
ولذع هذا الكلام مشاعر عمر، وصاح بابن عباس : إليك عنّي يا بن عباس.
افعل.
وانحاز ابن عباس عنه، فلما أراد الانصراف استحيا عمر فقال له : يابن عباس، مكانك، فواللّه إنّي لراع لحقك، محبّ لما سرّك.
وسارع ابن عباس قائلاً : يا أمير المؤمنين، إنّ لي عليك حقّاً، وعلى كلّ مسلم. فمن حفظه فحظه أصاب، ومن أضاعه فحظه أخطأ.
ثم انصرف ابن عباس عنه عنه (1).
هذه بعض المناظرات التي جرت بين عمر وابن عباس، وقد دلّت على قدراته العلمية وسعة معارفه وفضله.
ومنيت البصرة بعد حادثة الجمل بالفتن والخطوب السود، فقد شاع فيها الشكل والحزن والحداد لكثرة من قتل فيها من أنصار عائشة، والطالبين بدم عثمان، فكان أبناؤهم واخوانهم وأصدقاؤهم يحقدون على الإمام أشد ألوان الحقد والبغض.
وقد عهد الإمام الان بولاية هذا القطر الذي شاعت فيه الفتن والأهواء إلى حبر الأمة ليبلور الموقف، ويحسم الفتن ويفنّد أباطيل أعدائه، ويوضح لهم القصد، ويهديهم إلى سواء السبيل.
وقد زوّده الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببعض الرسائل الحافلة بالوعظ والإرشاد ونكران الذات والتي منها :
1) الكامل في التاريخ : 3: 63 و 64. تاريخ الأمم والملوك : 5: 31. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3 : 107.
1 - كتب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ابن عبّاس هذه الرسالة الموجزة :
أَمَّا بَعْدُ فَلَا يَكُنْ حَظُكَ فِي وَلَايَتِكَ مالاً تَسْتَفِيدُهُ، وَلَا غَيْظاً تَشْفِيهِ، وَلكِن إِماتَةَ باطِلِ وَإِحْياءَ حَقٌّ (1).
وحدّدت هذه الرسالة مسؤولية ابن عباس في ولايته على البصرة أن يقيم الحقّ ويميت الباطل، وأن لا يكون هدفه الحصول على المال أو التشفّي من خصومه وأعدائه، وهو تصوّر بارع للسياسة الإسلامية التي بنيت على الحقّ المحض والعدل الخالص.
وكتب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ابن عبّاس هذه الرسالة الحافلة بالنصح والوعظ :
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقِ أَجَلَكَ، وَلَا مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ ؛ وَاعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ : يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ، وَأَنَّ الدُّنْيا دَارُ دُوَلٍ (2)، فَما كانَ مِنْها لَكَ أَتاكَ عَلَى ضَعْفِكَ، وَمَا كَانَ مِنْها عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ (3).
وهذه الرسالة دعوة إلى الاستقامة وعدم الغرور بمباهج هذه الحياة التي لا يدوم سرورها ونعيمها على أحد.
3 - ولما أراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشخوص إلى حرب معاوية كتب إليه :
أَمَّا بَعْدُ، فَأَشْخِضْ إِلَيَّ مَنْ قِبَلَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَذَكِّرْهُمْ بَلَائِي عِنْدَهُمْ وَعَفْوِي عَنْهُمْ، وَاسْتِبْقائِي لَهُمْ، وَرَغْبُهُمْ
فِي الْجِهادِ وَأَعْلِمْهُمُ الَّذِي فِي ذلِكَ مِنَ الْفَضْلِ.
وأقام الإمام في النخيلة لم يبرح عنها حتى قدم عليه ابن عباس مع أهل البصرة (1).
واتّهم حبر الأمّة بخيانة بيت مال البصرة واختلاس ما فيه من أموال، وقد أعلن ذلك بعض المؤرخين مستندين إلى كوكبة من الرسائل بعثها الإمام إليه، وهي صريحة في جرحه واتهامه بالخيانة، وما يدرينا لعلّ تلك الكتب مفتعلة للحطّ من شأنه، والتقليل من أهميته، فقد خلط التاريخ بكثير من الموضوعات افتعلها من لا حريجة له في الدين لدعم بعض السياسيين في تلك العصور.
وعلى أي حال فإنّا نذكر بعض تلك الرسائل التي بعثها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابن عباس :
1 - كتب الإمام(عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الرسالة لابن عباس، وجاء فيها :
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ، وَأَخْزَيْتَ أَمانَتَكَ.
بَلَغَنِي أَنَّكَ جَرَّدْتَ الْأَرْضَ فَأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وَأَكَلْتَ ما تَحْتَ يَدَيْكَ، فارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللّه أَعْظَمُ مِنْ حِسابِ النَّاسِ، وَالسَّلَامُ.
وقد أجابه ابن عباس نافياً عنه هذه التهمة بما يلي :
أمّا بعد فإنّ كلّ الذي بلغك باطل، وأنا لما تحت يدي ضابط، وعليه حافظ،
1) المبين في إثبات إمامة الأئمّة الطاهرين : 2: 116. بحار الأنوار: 8: 471.
فلا تصدّق الضنين (1).
وجواب ابن عباس صريح في براءته من تهمة الخيانة، وأنّه قد اتهمه بذلك بعض حسّاده وأعدائه.
2 - وكتب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه رسالة أخرى يسأله فيها ما أخذه من الجزية وجاء فيها
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَا يَسَعُنِي تَرْكُكَ حَتَّى تُعْلِمَنِي مَا أَخَذْتَ مِنَ الْجِزْيَةِ مِنْ أَيْنَ أَخَذْتَهُ، وَما وَضَعْتَ مِنْها فِيْمَ وَضَعْتَهُ، فَاتَّقِ اللّه فِيمَا ائْتَمَنْتُكَ عَلَيْهِ، وَاسْتَرْعَيْتُكَ إِيَّاهُ، فَإِنَّ الْمَتَاعَ بِمَا أَنِسْتَ رَازِمُهُ (2)قَلِيلَ، وَتِبَاعَتُهُ وَبِيلَةٌ لَا تَبيدٌ (3)وَالسَّلَامُ (4).
وفي هذه الرسالة المطالبة بضرائب الجزية، وتقديم حساب ما صرفه منها في الوجوه المخصصة لها، واشتملت وعظه وإرشاده إلى الطريق القويم.
3 - من الرسائل التي حملت طابع الشدّة والصرامة على ابن عباس هذه الرسالة، التي رواها عبداللّه بن عبيد عن أبي الكنود، قال : كنت من أعوان عبداللّه بن عباس بالبصرة، فلما كان منه ما كان أتيت عليّاً فأخبرته، فتلا قوله تعالى : «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ» (5). ثمّ كتب معه هذه الرسالة إلى ابن عباس :
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كُنْتُ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمَانَتِي وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي
رَجُلٌ أَوْثَقَ عِنْدِي مِنْكَ بِمُوَاسَاتِي وَمُوَازَرَنِي بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فَلَمّا رَأَيْتَ الزَّمانَ قَدْ كَلِبَ عَلَى ابْن عَمِّكَ (1)، وَالْعَدُو - يعني معاوية - قَدْ حَرِدَ (2)، وَأَمَانَةَ النَّاسِ قَدْ خَرِبَتْ، وَهَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ فُتِنَتْ قَلَبْتَ لابْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الْمِجَنِّ (3)، فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْقَوْمِ الْمُفَارِقِينَ، وَخَذَلْتَهُ أَسْوَأَ خِذْلَانٍ، وَخُفْتَهُ مَعَ مَنْ خَانَ فَلَا ابْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ، وَلَا الْأَمانَةَ أَدَّيْتَ، كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَإِنَّمَا كِدْتَ أُمَّةَ محمّد عَنْ دُنْيَاهُمْ وَغَدَرْتَهُمْ عَنْ فَيْنِهِمْ، فَلَمّا أَمْكَنَتْكَ الْفُرْصَةُ فى خِيانَةِ الْأُمَّةِ، أَسْرَعْتَ الْغَدْرَةَ، وَعاجَلْتَ الْوَثْبَةَ، فَاخْتَطَفْتَ ما قَدَرْتَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَانْقَلَبْتَ بِهَا إِلَى الْحِجَازِ كَأَنَّكَ إِنَّمَا حُزْتَ عَلَى أَهْلِكَ مِيْرَانَكَ مِنْ أَبَيْكَ وَأُمِّكَ.
فَسُبْحانَ اللّه أَمَا تُؤْمِنُ بِالْمَعادِ؟
أما تَخافُ الْحِساب ؟
أَما تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَراماً ؟ وَتَشْرَبُ حَراماً ؟
وَتَبْنَاعُ الإماءَ وَتَنْكِحُ النِّساءَ مِنْ أَمْوالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَالْمُؤْمِنِينَ فِي سَبِيلِ اللّه الَّتِي أَفَاءَ اللّه عَلَيْهِمْ.
فاتَّقِ اللّه وَأَدْ إِلَى الْقَوْمِ أَمْوَالَهُمْ، فَإِنَّكَ وَاللّه لَئِنْ لَمْ تَفْعَلْ
وَأَمْكَنَنِيَ اللّه مِنْكَ لَأَعْذُرَنَّ إِلَى اللّه فِيكَ، فَوَاللّه لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَعَلَا مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ، ما كانَتْ لَهُما عَنْدِي هَوَادَةٌ، وَلَما تَرَكْتُهُما حَتّى أخُذَ الحقّ مِنْهُما، وَالسَّلَامُ (1).
وأنت ترى في هذه الرسالة من اللوم والتقريع والاستهانة بابن عباس ما يدعو إلى التأمل فى هذه الرسائل، فإنّ ابن عباس أجل وأسمى من ذلك
وأعلنت بعض المصادر أنّ ابن عباس ردّ ما أخذه من بيت المال، فقد كتب أبو الأسود الدؤلى إلى الإمام أنّ ابن عباس أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم، فكتب الإمام إليه يتهدّده بردّها، فردّها ابن عباس أو أكثرها، فلما علم الإمام كتب إليه بعد البسملة :
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ، يَسُوءُهُ فَوْتُ ما لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ، فَلْيَكُنْ سُرُورُكَ بِما نِلْتَ مِنْ آخِرَتِكَ، وَلْيَكُنْ أَسَفُكَ عَلَىٰ ما فاتَكَ مِنْهَا، وَما تِلْتَ مِنْ دُنْياكَ فَلَا تُكْثِرُ بِهِ فَرَحاً، وَما فاتَكَ مِنْها فَلَا تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعاً، وَلْيَكُنْ هَمُّكَ فيما بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالسَّلَامُ.
ولما انتهت هذه الرسالة الحافلة بالوعظ والإرشاد علّق عليها ابن عباس قائلاً : ما اتعظت بكلام قط اتعاظي بكلام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).
وعلى أي حال فإنّ الذي أراه بمزيد من التأمّل أنّ اتّهام ابن عباس بالخيانة بعيد كلّ البعد عن سيرة هذا العملاق الذي تربى في مدرسة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأخلص للإمام كأعظم ما يكون الإخلاص.
فقد تولّى بصلابة مقاومة أعدائه، والردّ عليهم بمنطقه الفياض وحججه الدامغة في حياة الإمام وبعد وفاته، وهو أوّل من دعا له على المنابر دعا له على المنابر (1)، وقد حزن عليه كأشدّ ما يكون الحزن، وبكاه أمر البكاء حتى فقد بصره (2)فقد بصره، وكان يتوسل إلى اللّه تعالى به، ويجعله واسطة في قضاء مهماته، فكيف ينحرف عنه، ويخون بيت المال !
وبالاضافة إلى ذلك فإنّ الإمام كان يكبر ابن عباس ويبجّله وقال فيه : «للّه دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ، إِنْ كَانَ لَيَنْظُرُ إِلَى الْغَيْبِ مِنْ سِتْرِ رَقِيقِ» (3).
ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الشبهة تصدّى إلى إبطالها عمرو بن عبيد في حديث له مع سليمان بن علي بن عبد اللّه بن العباس فقد أنكر قول الإمام في ابن عباس : «يفتينا في القملة والقميلة، وطار بأموالنا في ليلة»... كيف يقول هذا وابن عباس (رَحمهُ اللّه)، لم يفارق عليّاً حتى قتل، وشهد صلح الحسن.
وأي مال يجتمع في بيت المال بالبصرة مع حاجة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الأموال، وهو يفرغ بيت مال الكوفة في كلّ خميس، ويرشّه ؟ قالوا : إنّه كان يقيل فيه فكيف يترك المال يجتمع بالبصرة ؟ وهذا باطل (4)...
وبهذا نطوي الحديث عن ولاية ابن عباس.
أما أبو الأسود الدولي فهو من وجوه شيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستعمله والياً على البصرة بعد ابن عباس (1).
وقد جعله الإمام عيناً له - فيما يقول المؤرّخون - وكتب له الإمام ما يلي :
أَما بَعْدُ، فَمِثْلُك نَصَحَ الإمامَ وَالأمَّةَ، وَأَدَّى الأمانَةَ، وَدَلَّ عَلَى الْحَقِّ، وَقَدْ كَتَبْتُ إِلى صاحِبِكَ - يعني ابن عباس - فيما كتبتَ إِلَيَّ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ، وَلَمْ أَعْلِمْهُ أَنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ، فَلَا تَدَعْ إِعْلَامِي بِما يَكُونُ بِحَضْرَتِكَ ممّا النَّظَرُ فِيهِ لِلأُمَّةِ صَلَاحٍ، فَإِنَّكَ بِذلِكَ جَدِيرٌ، وَهُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْكَ، وَالسَّلَامُ (2).
وحكت هذه الرسالة مدى سهر الإمام على سيرة عماله وولاته وسلوكهم، واحتياطه التام في معرفة شؤونهم خوفاً من أن يكونوا قد شدّوا عن الطريق القويم، وخالفوا قواعد الدين الحنيف.
وكانت لأبي الأسود مكانة متميّزة عند ابن عباس، وقد استخلفه على القضاء، ومما يجدر الإشارة إليه أنّه قضى على رجل في أمر فشكاه، فبلغ ذلك أبا الأسود فقال :
إذا كُنْتَ مَظلُوماً فَلَا تُلف راضياً***عَنِ الْقَوْمِ حَتَّىٰ تَأْخُذَ النَّصْفَ وَاغْضَبِ
وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ الطَّالبَ الْقَوْمِ فَاطَّرِحْ***مقالتَهُمْ وَاشعَبْ بِهِم كلّ مَشْعَبِ
وَقارِبُ بِذِي عَقْلِ وَبَاعِدْ بِجاهِلِ***جَلوبِ عَلَيْكَ الشَّرَّ مِن كلّ مُجْلِبِ
وَلا تَرْتَضِي بِالْجَوْرِ وَاصْبِرْ عَلَى الَّتِي***بِها كُنْتُ أَقْضِي لِلْبَعِيدِ عَلَى الْأَبِ
فَإِنِّي امْرُؤٌ أَخْشى إِلهِي وَأَتَّقِي***عِقابِي وَقَدْ جَرَّبْتُ ما لَمْ تُجَرِّب (1)
وقد لاقى جهداً وعناء بعد ما آلت الخلافة إلى معاوية بن هند، فقد ولي ابن عامر على البصرة فجفاه وأبعده وذلك لولائه للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال فيه أبو الأسود :
ذكَرْتُ ابْنَ عبّاس بِبَابِ ابْنِ عامرٍ***وَما مَرَّ مِنْ عَيْشِي ذَكَرْتُ وَما فَضَلْ
أَمِيرَيْن كانا صاحِبَي كلاهما***فَكُلاً جَزاهُ اللّه عَنِّي بِما فَعَلْ
فَإن كان شَرّاً كان شَرّاً جزاؤُهُ***وإن كانَ خَيْراً كَانَ خَيْراً إِذا عَدَل (2)
رحم اللّه أبا الأسود فقد كان من عمالقة العلماء ومن أفذاذ المصلحين، وقد عانى الكثير من المصاعب في أيام الحكم الأسود حكم معاوية ابن هند.
وولي زياد بن عبيد الرومي ولاية البصرة من قبل عبد اللّه بن عباس، ويتساءل الكثيرون من قدامى ومحدثين أنه كيف أقرّ الإمام ولايته ولم يبادر إلى عزله مع أنّه ليس له أب شرعي يعرف به حتى قيل فيه زياد بن أبيه، وقد ألحقه بنسبه معاوية بن أبي سفيان استناداً إلى شهادة أبي مريم الخمّار الذي هو من عهّار الجاهلية، وقد شهد له بشهادة تندى لها الجبين، وقد بنى عليها معاوية، واعتبره أخاً له، لكن لا شرعي.
والتحقيق الذي يقتضيه النظر حسب القواعد الشرعية أن زياداً هو ابن عبيد الرومي ، فقد كانت أمه سميّة زوجة لعبيد، وقد زنا بها أبو سفيان حسب شهادة أبي مريم، والولد يلحق بأبيه عملاً بالحديث النبوي : «الْوَلَدُ لِلْفِراشِ وَلِلْعاهِرِ الْحَجَرُ» وعليه فلا مجال لتلك الشبهة، فهو ابن عبيد، وليس ابناً لأبي سفيان.
وكتب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مجموعة من الرسائل إلى زياد كان منها ما يلي :
حدثت في البصرة فتنة أحدثها معاوية بعد شهادة البطل الخالد محمّد بن أبي بكر، فقد أوعز إلى عبد اللّه الحضرمي أن يسير إلى البصرة، ويطلب من أهلها التمرّد على حكومة الإمام ؛ لأنّ الكثيرين منهم يرون أنّ عثمان قد قتل مظلوماً، وقد هلك جمهور غفير منهم في ذلك، وسار عبد اللّه يطوي البيداء حتى انتهى إلى البصرة وعرض على أهلها ما طلب منهم معاوية من التمرد على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأجابه
جمهور غفير منهم، فخاف زياد منهم، وكتب إلى ابن عباس يخبره بذلك، وبادر ابن عباس فأحاط الإمام علماً بأنّ جلّ أهل البصرة قد خلعوا يد الطاعة وفارقوا الجماعة، فندب الإمام أهل الكوفة لمناجزة ابن الحضرمي فتكاسلوا عن إجابته.
فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي، فقال له : أنا أكفيك هذا الخطب، فأمره بالشخوص إلى البصرة، وزوّده بهذه الرسالة إلى زياد:
مِنْ عَبْدِ اللّه عِلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى زِيَادِ بْنِ عُبَيْدٍ، سَلَامٌ عَلَيْكَ.
أَمَا بَعْدُ، فَإِنِّي بَعَثْتُ أَعْيَنَ بْنَ ضَبِيْعَةَ لِيُفَرِّقَ قَوْمَهُ عَنِ ابْنِ الْحَضْرَمِي، فارْقَتْ ما يَكُونُ مِنْهُ، فَإِنْ فَعَلَ وَبَلَغَ مِنْ ذلِكَ مَا يُظَنُّ وَكَانَ فِي ذَلِكَ تَفْرِيقُ تِلْكَ الْأَوْباشِ، فَهُوَ ما نُحِبُّ وَإِنْ تَرَامَتِ الْأُمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَى الشَّقاقِ وَالْعِصْيانِ فَانْبِذْ مَنْ أَطَاعَكَ إِلَى مَنْ عَصاكَ فَجَاهِدْهُمْ فَإِنْ ظَهَرْتَ فَهُوَ مَا ظَنَنْتُ عَلَيْكَ، وَإِلَّا فَطَاوِلُهُمْ وَمَاطِدْ وَما طِلْهُمْ فَكَأَنَّ كَتَائِبَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَطَلَّتْ عَلَيْكَ، فَقَتَلَ اللّه الْمُفْسِدِينَ الظَّالِمِينَ، وَنَصَرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُحِفِّينَ، وَالسَّلَامُ.
وانتهى أعين إلى البصرة، وعرض رسالة الإمام على زياد، فلما قرأها قال : إنّي لأرجو أن يكفيني هذا الأمر، وبادر أعين إلى قومه فحذرهم وخوفهم، فاستجابواله، فنهض بهم إلى ابن الحضرمي، وجرت بينهما مناوشات ومجادلات كلامية، وأراد زیاد مناجزته إلا أنّه عدل عن ذلك، ورفع إلى الإمام رسالة جاء فيها :
«أما بعد يا أمير المؤمنين، فإنّ أعين قدم علينا بجدّ ومناصحة وصدق يقين، فجمع إليه من أطاعه من عشيرته فحثّهم على الطاعة، وحذّرهم الخلاف، ثمّ نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه، فوافقهم عامّة النهار، فهال أهل الخلاف تقدّمه،
وتصدّع عن ابن الحضرمي كثير ممّن كان يريد نصرته، فكان كذلك حتى أمسى فأتى رحله، فبيّته نفر من هذه الخارجة المارقة فأصيب رحمه اللّه تعالى فأردت أن أناهض ابن الحضرمي فحدث أمر قد أمرت رسولي هذا أن يذكره لأمير المؤمنين، وقد رأيت أن رأي أمير المؤمنين ما رأيت أن يبعث إليهم جارية بن قدامة، فإنّه نافذ البصيرة ومطاع في العشيرة، شديد على عدوّ أمير المؤمنين، فإن يقدم يفرق بينهم بإذن اللّه، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته».
ولمّا وردت الرسالة إلى الإمام دعا جارية بن قدامة، وعرض عليه الأمر فاستجاب له، ومضى يجد السير حتى انتهى إلى البصرة، فقام بما عهد إليه، فاستجاب له خلق من الأزد، وثابوا إلى الطاعة ونبذ الخلاف.
وزوّد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جارية بن قدامة بالرسالة التالية فقرأها على أهل البصرة وهي:
مِنْ عَبْدِ اللّه عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ قُرِئَ عَلَيْهِ كِتابِي هَذَامِنْ ساكِنِي الْبَصْرَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللّه حَلِيمٌ ذُو أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ بِالْعُقُوبَةِ قَبْلَ الْبَيِّنَةِ، وَلَا يَأْخُذُ الْمُذْنِبَ عِنْدَ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَلكِنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ، وَيَسْتَدِيمُ الْأَنَاةَ، وَيَرْضَى بِالْإِنابَةِ، لِيَكُونَ أَعْظَمَ لِلْحُجَّةِ، وَأَبْلَغَ فِيالْمَعْذِرَة.
وَقَدْ كانَ مِنْ شِقاقِ جُلِّكُمْ - أَيُّها الناسُ- ما اسْتَحْفَقْتُمْ أَنْ تعاقبُوا عَلَيْهِ، فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِكُمْ وَرَفَعْتُ السَّيْفَ عَنْ مُدْبِرِكُمْ، وَقَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِكُمْ، وَأَخَذْتُ بَيْعَتَكُمْ، فَإِنْ تَفُوا بِبَيْعَتِي
وَتَقْبَلُوا نَصِيحَتِي، وَتَسْتَقِيمُوا عَلَى طَاعَتِي أَعْمَلُ فِيْكُمْ بِالْكِتابِ وَالسُّنَّةِ وَقَصْدِ الْحَقِّ، وَأَقِمْ فِيكُمْ سَبِيلَ الْهُدى.
فَوَاللّه ما أَعْلَمُ أَنَّ وَالِياً بَعْدَ محمّد صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ أَعْلَمُ بِذلِكَ مِنِّي، وَلَا أَعْمَلُ.
أَقُولُ قَوْلي هذا صادِقاً غَيْرَ ذَامَّ لِمَنْ مَضى، وَلَا مُنتَقِصاً لأَعْمَالِهِمْ.
فَإِنْ خَطَتْ بِكُمُ الْأَمْواءُ الْمُرْدِيَةُ، وَسَفَهُ الرَّأْي الْجَائِرِ إِلَى مُنَابَذَتِي تُرِيدُونَ خِلَافِي، فَهَا أَنَاذَا قَدْ قَرَّبْتُ جِيادِي، وَرَحْلْتُ ركابي (1).
وَأَيْمُ اللّه لَيْنِ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لَأَوْقِمَنَّ بِكُمْ وَقْعَةٌ لَا يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلَّا كَلَعْقَةِ لَاعِقِ، وَإِنِّي لَظَانٌ أَلَّا تَجْعَلُوا إنْ شاءَ اللّه عَلى أَنْفُسِكُمْ سَبِيلاً.
وَقَدْ قَدَّمْتُ هذَا الْكِتابَ إِلَيْكُمْ حُجَّةً عَلَيْكُمْ، وَلَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِهِ كِتاباً إِنْ أَنْتُمُ اسْتَغْشَشْتُمْ نَصِيحَتِي، وَنَابَذْتُمْ رَسُولِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا الشَّاخِصُ نَحْوَكُمْ إِنْ شاءَ اللّه تَعالى، وَالسَّلَامُ (2).
وحوت هذه الرسالة دعوة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أهل البصرة إلى السلم والطاعة، ونبذ
التمرّد، وذكّرتهم بما أسداه عليهم من الإحسان بعد واقعة الجمل فقد غمرهم بلطفه فعفا عن مجرمهم ومسيئهم وأشاع الأمن في ديارهم ولم يقابلهم بالمثل، وإنّهم إن أطاعوه فيعمل فيهم بكتاب اللّه تعالى وسنّة نبيّه، ويحكم فيهم بالحقّ المحض والعدل الخالص، كما هدّدهم أنّهم إذا ما استجابوا لنصيحته فسوف يقابلهم بالشدّة والصرامة، ولا يدع أي ظل للخائنين والمجرمين...
هذا بعض ما حوته رسالة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أهل البصرة.
كتب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الرسالة إلى زياد بعد ما بلغه أنّه يتكبّر على الناس، ويكثر من الألوان المختلفة في طعامه... وهذه رسالته :
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ سَعْداً ذَكَرَ أَنَّكَ شَتَمْتَهُ ظُلْماً، وَهَدَّدْتَهُ وَجَبَهْتَهُ (1)تَجَبُّراً وَ تَكَبَّراً، فَما دَعاكَ إِلَى التَّكبر، وَقَدْ قالَ رَسُولُ اللّه صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ : «الْكِبْرُ رِدَاءُ اللّه، فَمَنْ نازَعَ اللّه رِدَاءَهُ قَصَمَهُ».
وَقَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّكَ تُكْثِرُ مِنَ الْأَلْوَانِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الطَّعَامِ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ، وَتَدَّهِنُ كلّ يَوْمٍ، فَما عَلَيْكَ لَوْ صُمْتَ للّه أَيَّاماً، وَتَصَدَّقْتَ بِبَعْضِ ما عِنْدَكَ مُحْتَسِباً، وَأَكَلْتَ طَعامَكَ قَفاراً (2)، فَإِنَّ ذلِكَ شِعَارُ الصَّالِحِينَ.
أَفَتَطْمَعُ وَأَنْتَ مُتَمَرِّغٌ فِي النَّعِيمِ تَسْتَأْثِرُ بِهِ عَلَى الْجَارِ وَالْمِسْكِينِ وَالضَّعِيفِ وَالْفَقِيرِ وَالْأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ أَنْ يُحْسَبَ لَكَ
أَجْرُ الْمُتَصَدِّقِينَ.
وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ تَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ الْأَبْرَارِ، وَتَعْمِلُ عَمَلَ الْخَاطِئِينَ، فَإِنْ كُنْتَ تَفْعَلُ ذلِكَ فَنَفْسَكَ ظَلَمْتَ، وَعَمَلَك أَحْبَطْتَ، فَتُبْ إلى رَبِّكَ يُصْلِحْ لَكَ عَمَلَكَ، وَاقْتَصِدْ فِي أَمْرِكَ وَقَدَّمْ إِلَى رَبِّكَ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حاجَتِكَ، وَادَّهِنْ غِبَاً، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ: «إِدَّهِنُوا غِبَاً وَلَا تَدَّهِنُوا رِفْهَا» (1).
حكت هذه الرسالة التنديد بزياد لتكبّره وتجبره على الناس، واختياره للألوان المختلفة في الطعام في اليوم الواحد، وأنه بذلك قد استأثر على الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى، فأخذ ما أعده اللّه لهم في بيت مال المسلمين... هذا بعض ما حوته هذه الرسالة من القيم والآداب.
قام زياد بدور إيجابي في بعض أعمال فارس فضبطها ضبطاً صالحاً وجبي خراجها وحماها، وعرف ذلك معاوية فورم أنفه، فقام لخداعه وجلبه إليه، وكتب إليه : أما بعد، فإنّه غرتك قلاع تأوي إليها ليلاً كما تأوي الطير إلى وكرها، وأيم اللّه لولا انتظاري بك ما اللّه أعلم به لكان ذلك منّي ما قاله العبد الصالح : «فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنَخْرِجَنَّهُم مِنْهَا أَذِلَّةٌ وَهُمْ صَاغِرُون» (2).
وكتب في أسفل الكتاب شعراً كان منه هذا البيت :
تَنْسى أَباكَ وَقَدْ شَالَت نَعَامَتُهُ***إذْ تَخْطُبُ النَّاسَ وَالْوالِى لَنا عُمَرُ
ولما ورد الكتاب على زياد قام خطيباً، وقال : العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق يهددني وبيني وبينه ابن عم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وزوج سيدة نساء العالمين، وأبو السبطين، وصاحب الولاية والاخاء في مائة ألف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، أما واللّه لو تخطى هؤلاء أجمعين إليَّ لوجدني فحشاً (1)ضراباً بالسيف.
وكتب إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخبره بما جرى وأرسل معه كتاب معاوية إليه، فبعث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الرسالة
أَمَا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ مَا وَلَّيْتُكَ وَأَنَا أَرَاكَ لِذلِكَ أَهْلاً، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فَلْتَةٌ فِي أَيَّامٍ عُمَرَ مِنْ أَمَانِيِّ النَّيْهِ وَكَذِبِ النَّفْسِ، لَمْ تَسْتَوْجِبْ بِها نَسَباً، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ كالشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ يَأْتِي الْمَرْءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِيْنِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فاحْذَرْهُ ثمّ احْذَرْهُ ثمّ احْذَرْهُ، وَالسَّلَامُ (2).
وحذر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الرسالة زياداً من أضاليل معاوية وخداعه، فقد حاول أن يلحق زياداً بنسبه، وذلك شبهة لزنا أبيه بسميّة أم زياد، والقصّة ممّا يندى لها جبين الإنسانية ففيها فضيحة لأبي سفيان وسميّة، ولكن معاوية لم يحفل بالعار في سبيل تدعيم أغراضه السياسية، وبناء سلطانه، وأخيراً فقد استجاب زياد لمعاوية، وصار من أقوى أعوانه وأخذ يتتبع شيعة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان بهم عالماً، فجعل يسمل أعينهم ويقطع ألسنتهم، ويقتلهم على الظنّة والتّهمة.
وبهذا نطوي الحديث عن ولاية زياد للبصرة.
المحنا في البحوث السابقة إلى ولاة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الأقطار والأقاليم والمدن الإسلامية، وأنه لم يستعمل أي وال محاباة أو أثرة، وإنما كان يبغى الحقّ والمصلحة العامّة للأمة، وكان يضع العيون والرقباء على تصرفاتهم، فمن شدّ في سلوكه وسيرته عن منهج الحقّ بادر إلى عزله كما سنبين ذلك في البحوث الآتية :
وعلى أي حال، فإنّا نعرض فيما يلي إلى ولاة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المدائن وكسكر :
وعهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بولاية المدائن إلى الأشخاص التالية أسماؤهم، وهم :
نصّ الباحث الكبير السيّد صدر الدين السيّد علي خان على أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أقام الصحابي الجليل حذيفة اليماني والياً على المدائن، وهو من أبرز الصحابة في فضله وتقواه، وكان يسمّى صاحب السرّ ؛ لأنه كان يعرف المنافقين على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد اتصل اتصالاً وثيقاً بالإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان يذيع فضائله، وينشر مناقبه، وهو القائل : إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) سيّد المرسلين، وإمام المتّقين ورسول ربّ العالمين، ليس له شبيه ولا نظير، و علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخوه، وإلى هذا المعنى أشار الصفى الحلّى بمدحه للإمام :
أَنتَ سِرُّ النبى وَالصَّنْوَ وَابْنُ***الْعَمْ وَالصَّهْرُ وَالأخ السَّجادُ
لَوْ رأى مِثْلَكَ النبيّ لَآخَاهُ***وَإِلَّا فَأَخْطَاً الإنتقاد
وعهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بولاية المدائن إلى حذيفة، وكتب إليه هذه الرسالة، وقد جاء فيها بعد البسملة :
مِنْ عَبْدِ اللّه عَلِيٌّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى حُذَيْفَةَ بِنِ الْيَمَانِ
سَلَامٌ عَلَيْكَ
أَمَا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ مَا كُنْتَ عَلَيْهِ لِمَنْ كَانَ قَبْلِي مِنْ حِرَفِ الْمَدَائِنِ، وَقَدْ جَعَلْتُ إِلَيْكَ أَعْمَالَ الْخَرَاجِ وَالرُّسْتاقِ وَجِبايَةَ أَهْلِ الذَّمَّةِ، فاجْمَعْ إِلَيْكَ ثِقَاتِكَ وَمَنْ أَحْبَبْتَ مِمَّنْ تَرْضَى دِيْنَهُ وَأَمَانَتَهُ، وَاسْتَعِنْ بِهِمْ عَلى أَعْمالِكَ فَإِنَّ ذلِكَ أَعَزُّ إِلَيْكَ وَلِوَلِيِّكَ، وَأَكْبَتُ لِعَدُوِّكَ وَإِنِّي آمُرُكَ بِتَقْوَى اللّه وَطَاعَتِهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَأُحَدِّرُكَ عِقابَهُ فِى الْغَيْبِ وَالْمَشْهَدِ، وَأَتَقَدَّمُ إِلَيْكَ بِالْإِحْسانِ إِلَى الْمُحْسِنِ، وَالشَّدَّةِ عَلَى الْمُعانِدِ، وَآمُرُكَ بِالرّفْقِ فِي أُمُورِكَ، وَالدِّيْنِ (1)وَالْعَدْلِ فِي رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ مُسَاءَلٌ عَنْ ذلِكَ، وَإِنْصافِ الْمَظْلُومِ، وَالْعَفْوِ عَنِ النَّاسِ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ ما اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ اللّه يَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
وَآمُرُكَ أَنْ تُجْبِيَ خَرَاجَ الْأَرَضِينَ عَلَى الحقّ وَالنَّصَفَةِ، وَلَا تُجاوِزَ مَا تَقَدَّمْتُ بِهِ إِلَيْكَ، وَلَا تَدَعَ مِنْهُ شَيْئاً، وَلَا تُبْدِعَ فِيهِ أَمْراً.
ثُمَّ اقْسِمْ بَيْنَ أَهْلِهِ بِالسَّويَّةِ وَالْعَدْلِ، وَاخْفِضْ لِرَعِيَّتِكَ جناحَكَ، وَواسِ بَيْنَهُمْ فِى مَجْلِسِكَ، وَليَكُنْ الْقَريبُ وَالْبَعِيدُ عِنْدَكَ فِي الحقّ سَواءٌ، وَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، وَأَقِسِمْ فِيهِمْ بِالْقِسْطِ، وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوى، وَلَا تَخَفْ فِي اللّه لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَإِنَّ اللّه مَعَ
1) كذا جاء في النسخة.
الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ.
وَقَدْ وَجَهْتُ إِلَيْكَ كِتاباً لِتَقْرَأَهُ عَلى أَهْل مَمْلَكَتِكَ لِيَعْلَمُوا رَأْيَنا فِيهِمْ وَفِي جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَحْضِرْهُمْ وَاقْرَأْ عَلَيْهِمْ، وَخُذِ الْبَيْعَةَ لَنَا عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللّه تَعَالَى.
وحوت هذه الرسالة جميع صنوف العدل وما تبنّاه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياسته المشرقة من إسعاد الشعوب ونشر القيم الكريمة بينهم.
وأرسل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أهل المدائن هذه الرسالة وأمر عامله حذيفة بقراءتها عليهم، وهذا نصها بعد البسملة :
مِنْ عَبْدِ اللّه أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلى مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللّه الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى محمّد وَآلِهِ.
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ اللّه تَعَالَى اخْتَارَ الْإِسْلَامَ دِيْنَا لِنَفْسِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ، إِحْكاماً لِصُنْعِهِ وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، وَنَظَراً مِنْهُ لِعِبَادِهِ، وَخَصَّ بِهِ مَنْ أَحَبَّهُ مِنْ خَلْقِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ محمّداً فَعَلَّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، إِكْرَاماً وَتَفَضَّلاً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَدَّبَهُمْ لِكَي يَهْتَدُوا، وَجَمَعَهُمْ لِيْلًا يَتَفَرَّقُوا، وَوَقَفَهُمْ (1)لِئَلَّا يَجُورُوا، فَلَمّا قَضى ما
1) أي وقف الأمة على ما أعدّه تعالى من الجنّة للمطيعين والنار للعاصين.
كانَ عَلَيْهِ مِنْ ذلِكَ مَضى إِلى رَحْمَةِ اللّه حَمِيداً مَحْمُوداً.
ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ أَقَامُوا بَعْدَهُ رَجُلَيْنِ رَضُوا بِهَدْيِهِما وَسِيرَتِهِما، فَأَقَامَا مَا شَاءَ اللّه ثمّ تَوَفَّاهُمَا اللّه عَزَّ وَجَلَّ، ثمّ وَلُّوا بَعْدَهُمَا الثَّالِثَ فَأَحْدَثَ أَحْدَاثاً، وَوَجَدَت الأُمَّةُ عَلَيْهِ فِعَالاً فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ، ثمّ نَقَمُوا مِنْهُ فَغَيُّروا، ثمّ جَاءُونِي كَتَتَابُعِ الْخَيْلِ فَبَايَعُونِي، وَإِنِّي أَسْتَهْدِي اللّه بِهُدَاهُ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى التَّقْوَىٰ.
أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلَ بِكِتابِ اللّه وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَالْقِيامَ عَلَيْكُمْ بِحَقِّهِ، وَإِحْياءَ سُنَّتِهِ، وَالنُّصْحَ لَكُمْ بِالْمَغِيبِ وَالْمَشْهَدِ، وَبِاللّه نَسْتَعِينُ عَلى ذلِكَ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَقَدْ وَلَّيْتُ أُمُورَكُمْ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، وَهُوَ مِمَّنْ أَرْضى بِهَدَاهُ وَأَرْجُو صَلَاحَهُ، وَقَدْ أَمَرْتُهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَىٰ مُحْسِنِكُمْ وَالشَّدّةِ عَلَى مُرِيْبِكُمْ، وَالرِّفْقِ بِجَمْعِكُمْ.
أَسْأَلُ اللّه لَنَا وَلَكُمْ حُسْنَ الْخِيرَةِ وَالْإِسْلَامِ وَرَحْمَتَهُ الْوَاسِعَةَ فِى الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَرَحْمَةُ اللّه وَبَرَكاتُهُ (1).
وحكت هذه الرسالة نعمة اللّه على عباده بأن أرسل لهم رسوله العظيم، فجاءهم بالإسلام الذي هو الدين القيّم الذي ارتضاه اللّه تعالى لعباده، وجعله مشعلاً للهداية والسلامة من مآثم الحياة، كما عرضت هذه الرسالة إلى الأحداث المؤسفة التي رافقت وفاة المنقذ الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وما آلت إليه الأمة الأمّة بعد أن تقلّد الخلافة من
1) الدرجات الرفيعة : 288 نهج السعادة : 4 : 19 - 24.
الفتن التي أثارتها قريش ضدّه، وقد قطع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على نفسه عهداً أن يسير بين المسلمين بسنّة الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ويطبق على الحياة العامّة منهج القرآن الكريم، هذا بعض ما حوته هذه الرسالة.
كان سعد من خيار أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو عم البطل الخالد المختار، الذي استأصل شأفة المجرمين من قتلة سيد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ).
عهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بولاية المدائن إلى سعد، وذلك بعد وفاة حذيفة بن اليمان، وقد كتب إليه الرسالة التالية :
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ قَدْ أَدَّيْتَ خَرَاجَكَ، وَأَطَعْتَ رَبَّكَ، وَأَرْضَيْتَ إِمَامَكَ، فِعْلَ الْبَرِّ التَّقِيُّ النَّجِيبِ، فَغَفَرَ اللّه ذَنْبَكَ، وَتَقَبَّلَ سَعْيَكَ، وَحَسَّنَ مَابَكَ (1).
وحوت هذه الرسالة أجمل الثناء وأطيب الذكر إلى سعد الذي أطاع وأرضى إمامه.
ولما أراد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشخوص لمحاربة معاوية كتب إلى سعد هذه الرسالة :
أَمَا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ زِيادَ بْنَ خَصْفَةَ، فَأَشْخِضْ مَعَهُ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ مُقاتِلَةِ أَهْل الْكُوفَةِ، وَعَجِّلْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللّه، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه (2).
ولولا أنّه ركن وثيق، وبطل من أبطال الإسلام لما استعان به الإمام لمحاربة خصمه العنيد.
عجلان بن قدامة
وكان عامله على كسكر (1)
أَنَا الَّذِي أَجْلَيْتُكُمْ عَنْ كَسْكَرِ***ثُمَّ هَزَمْتُ جَمْعَكُمْ بِتَسْتَرِ
ثُمَّ انْقَضَضْتُ بِالْخُيولِ الضُّمَّرِ***حَتّى حَلَلْتُ بَيْنَ وادِي حِمْيَرٍ
جاء ذلك في معجم البلدان - باب الكاف.
عجلان بن قدامة، وقد كتب إليه هذه الرسالة :أَمَّا بَعْدُ، فَاحْمِلْ ما قِبَلَكَ مِنْ مالِ اللّه فَإِنَّهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، لَسْتَ بِأَوْفَرَ حَظًّا فِيْهِ مِنْ رَجُلِ فِيْهِمْ، وَلَا تَحْسَبَنَّ بِابْنَ قُدَامَةَ أَنَّ مالَ كَسْكَرَ مُبَاحٌ لَكَ كَمَالٍ وَرِثْتَهُ عَنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، فَتَعَجَّلْ حَمْلَهُ وَأَعْجِلْ فِي الْإِقْبَالِ إِلَيْنَا إِنْ شَاءَ اللّه (2).
لقد احتاط الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كأشدّ ما يكون الاحتياط في أموال الدولة وشدّد على ولاته فيها فأقام عليهم العيون، وراقب جميع تصرفاتهم وأمورهم.
سليمان الخزاعي
وأقام الإمام والياً على الجبل سليمان بن صرد الخزاعي، وهو من أفذاذ شيعته، وأحد المطالبين بدم سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان زعيم التوابين، وقد كتب إليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرسالة التالية :
ذَكَرْتَ ما صارَ فِي يَدَيْكَ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّ مَنْ قِبَلَكَ وَقِبْلَنا فِى الحقّ سَواءٌ، فَأَعْلِمْنِي مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ ذلِكَ، وَأَعْطِ كلّ ذِى حَقٌّ حَقَّهُ، وَابْعَثْ إِلَيْنَا بِما سِوى ذلِكَ لِنَفْسِمَهُ فِيْمَنْ قِبَلَنَا إِنْ شَاءَ اللّه (1).
وترى في هذه الرسالة مدى اهتمام الإمام البالغ في أموال الدولة وصرفها على تطوّر حياة المسلمين، وإنقاذهم من كارثة الفقر والحرمان.
1) نهج السعادة : 5 : 351، نقلاً عن أنساب الأشراف: 233.
أمّا الخراج فهو الضريبة المالية التي فرضها الإسلام على غلّة الأرض (1)، وهو شريان الاقتصاد الإسلامي، فإنّ معظم واردات الدولة تستند إليه، كما إن نفقاتها كانت عيالاً عليه فرواتب الجيش، ورواتب سائر الموظفين في جهاز الدولة معظمها من هذه الضريبة، وقد اعتنى الإمام بها عناية بالغة.
وهذا حديث عن أهمية الخراج في عهده لمالك الأشتر قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وَتفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاج بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلَاحِهِ وَصلَاحِهِمْ صَلَاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ، لِأَنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ عِيالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ.
وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاج، لأَنَّ ذلِكَ لَا يُدْرَك إِلَّا بِالْعِمارَةِ ؛ وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمارَةِ أَخْرَبَ الْبِلَادَ، وَأَهْلَكَ الْعِبادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلاً.
1) مجمع البحرين - مادة خرج، وجاء فيه : أنه قيل : يقع اسمه على الضريبة والجزية والغلة.
فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً، أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ (1)، أَوْ إِحَالَةَ أَرْضِ اعْتَمَرَها غَرَقٌ، أَوْ أَجْحَفَ بِها عَطَشٌ، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِما تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ ؛ وَلَا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ الْمَؤُونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ، وَتَزْيِينِ وِلَايَتِكَ، مَعَ اسْتِجْلَابِكَ حُسْنَ ثَنائِهِمْ، وَتَبَجُحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ، مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ، بِما ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامكَ لَهُمْ، وَالثَّقَةَ مِنْهُمْ بِما عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَرِفْقِكَ بِهِمْ، فَرُبَّما حَدَثَ مِنْ الْأُمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ ؛ فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وَإِنَّما يُعْوِرُ أَهْلُها لإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوَلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ (2)، وَسُوءِ ظَنّهِمْ بِالْبَقاءِ، وَقِلَّةِ انْتِفاعِهِمْ بِالْعِبَرِ (3).
وحوى هذا المقطع جميع صنوف العدل والشرف، وما ينشده الإسلام من عمران الأرض، وإشاعة الرخاء بين الناس، وقد حفل بأمور بالغة الأهمّية كان منها :
أما الخراج فهو من أهمّ واردات الدولة الإسلامية في تلك العصور، وأمّا كيفيّة شرائطه وشؤونه فقد تعرّضت لها كتب الفقه الإسلامي، وقد عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في
كلامه إلى أن صلاح الخراج صلاح لأهله، وصلاح لجميع المواطنين لأنّهم جميعاً عيال عليه.
وأكّد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ضرورة إعمار الأرض، وذلك بشقّ الأنهر وما يحتاجه المزارعون في شؤون زراعتهم وتنميتها، فإنّ زيادة الخراج لا يكون إلا بعمارة الأرض.
أمّا إهمال الأرض وعدم الاهتمام بها فإنّه يعود بالأضرار الفادحة على المزارعين والمواطنين، ويشيع البؤس والفقر بين الناس.
وحثّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) السلطة على الاستجابة الكاملة للمزارعين فيما يطلبونه من إصلاح لأرضهم، وما يعود على زرعهم بالنماء فإنّ إهمال طلباتهم يوجب خراب الأرض، وموت الزرع.
كما أن الاستجابة لطلباتهم فيه زين للمسؤولين، وتبجح لهم بإشاعة العدل. ومن الطبيعي أن ذلك يوجب ربط المواطنين بالدولة وإخلاصهم لها.
أمّا السبب في خراب الأرض فإنّه ناجم عن فقر المزارعين وعدم تمكنهم من إصلاح زرعهم، ومن المؤكّد أن ذلك ناشئ عن جشع المسؤولين، واهتمامهم بجلب الخراج، ولا يعيرون أي اهتمام لإصلاح الأرض، وسنتحدث في بعض بحوث هذا الكتاب عمّا عاناه المزارعون من الظلم والدمار من الجباة أيام الحكم
الأموي والعباسي.
ووضع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المناهج الرفيعة لعمّال الخراج، وأوصاهم بتطبيقها والأخذ بها ميدان عملهم، وهذه وصيّته بعد البسملة :
من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى أمراء الخراج :
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ لَمْ يُقَدِّمْ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُحْرِزْهَا، وَمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَانْقادَ لَهُ عَلى ما يَعْرِفُ نَفْعَ عاقِبَتِهِ عَمَّا قَلِيل لَيُصْبحَنَّ مِنَ النَّادِمِينَ.
أَلا وَإِنَّ أَسْعَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيا مَنْ عَدَلَ عَمَّا يَعْرِفُ ضَرَّهُ، وَإِنَّ أَشْفَاهُمْ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ، فاعْتَبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ ما قَدَّمْتُمْ مِنْ خَيْرٍ، وَما سِوى ذلِكَ وَدِدْتُمْ لَوْ أَنَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، وَيُحَذِّرُكُمُ اللّه نَفْسَهُ وَاللّه رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بِالْعِبادِ، وَأَنَّ عَلَيْكُمْ ما فَرَّطْتُمْ فِيْهِ، وَأَنَّ الَّذِي طَلَبْتُمْ لَيَسِيرٌ وَأَنَّ ثَوَابَهُ لَكَثِيرٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فيما نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الظَّلْمِ وَالْعُدْوَانِ عِقابٌ يُخافُ، كانَ فِي ثَوَابِهِ ما لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ بِتَرْكِ طَلِبَتِهِ، فَارْحَمُوا تُرْحَمُوا وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللّه، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ فَوْقَ طاقَتِهِمْ وَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَاصْبِرُوا لِحَوائِجِهِمْ فَإِنَّكُمْ خُزَانُ الرَّعِيَّةِ، لَا تَتَّخِذُنَّ حُجّاباً وَلَا تَحْجُبُنَّ أَحَداً عَنْ حاجَتِهِ حَتَّى يُنْهِيَها (1)إِلَيْكُمْ، وَلَا تَأْخُذُوا أَحَداً بِأَحَدٍ
1) ينهيها : أي يتركها.
إِلَّا كَفِيلاً عَمَّنْ كَفَلَ عَنْهُ، وَاصْبِرُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى مَا فِيهِ الْإِعْتِبَاطُ، وَإِيَّاكُمْ وَتَأْخِيرَ الْعَمَلِ وَدَفْعَ الْخَيْرِ، فَإِنَّ فِي ذلِكَ النَّدَمَ، وَالسَّلَامُ (1).
وحفل هذا الكلام بأمور بالغة الأهمية، وهي :
1 - إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أوصى عمّال الخراج بتقوى اللّه تعالى وطاعته، والاجتناب عن معاصيه، وممّا لا ريب فيه أن من يتقي اللّه تعالى فإنّه لا يعتدي، ولا يظلم، ولا يقترف إثماً، ويسعد المجتمع في حكمه إذا كان حاكماً.
2 - إنّه أمر العمّال بأن لا يكلّفوا الناس فيما يجبونه فوق طاقتهم وعليهم أن يسيروا بين الناس بالمعروف.
3 - وعهد (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعماّله بانصاف الناس، والصبر على قضاء حوائجهم، فإنّهم خدم الرعية وخزان أموالها.
4 - إنّه أمرهم أن لا يتخذوا حجاباً يمنعون الناس من الوصول إليهم، فإنّ ذلك ممّا يوجب شيوع البغضاء بين المواطنين والحكومة.
5 - إنّه أوصاهم أن لا يأخذوا أحداً من الناس بجرم غيره إلّا أن يكون كفيلاً عنه.
6- إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) نهى عن تأخير أعمال المواطنين، والواجب أن يقوموا بقضائها بالوقت دون تأخير.
وأوصى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمّال الخراج بهذه الوصيّة القيّمة، وقد جاء فيها :
1) کتاب صفّين : 108، وقريب منه في نهج البلاغة 3 : 80 – 81.
وَلَا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَراجِ كِسْوَةَ شِتاءٍ، وَلَا صَيْفِ، وَلَا دَابَّةٌ يَعْمَلُونَ عَلَيْها، وَلَا عَبْداً، وَلَا تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَكانِ دِرْهَم، وَلَا تَمَسُّنَّ مالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، مُصَلَّ وَلَا مُعاهَدٍ، إِلَّا أَنْ تَجِدوا فَرَساً أَوْ سِلاحاً يُعْدَىٰ بِهِ عَلَىٰ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَيَكُونَ شَوْكَةً عَلَيْهِ. وَلَا تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةٌ، وَلَا الْجُنْدَ حُسْنَ سِيَرةٍ، وَلَا الرَّعِيَّةَ مَعُونَةٌ، وَلَا دِينَ اللّه قُوَّةً، وَأَبْلُوا فِي سَبِيلِ اللّه ما اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ اللّه سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنا، وَأَنْ نَنْصُرَهُ بِما بَلَغَتْ قُوَّتُنا، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه الْعَلِيِّ العَظِيم (1).
وحوت هذه الكلمات جميع صور العدل، وما ينشده الإسلام من الرحمة والرأفة للناس جميعاً على اختلاف قومياتهم ولغاتهم وأديانهم.
وضع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) البرامج الرفيعة والآداب الإسلامية للعمّال الذين يجلبون الزكاة من المواطنين، انظروا بعمق إلى هذه التعاليم العلوية.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض عماله :
أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللّه فِي سَرَائِرِ أَمْرِهِ وَخَفِيَّاتِ عَمَلِهِ، حَيْثُ لَا شَهِيدَ غَيْرُهُ، وَلَا وَكِيلَ دُونَهُ.
1) مصادر نهج البلاغة - قسم الرسائل والوصايا : 235 - 236.
وَأَمَرَهُ أَلَّا يَعْمَلَ بَشَيْءٍ مِنْ طَاعَةِ اللّه فِيمَا ظَهَرَ فَيُخَالِفَ إِلَىٰ غَيْرِهِ فيما أَسَرَّ، وَمَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ، وَفِعْلُهُ وَمَقَالَتَهُ، فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ، وَأَخْلَصَ الْعِبادَةَ.
وَأَمَرَهُ أَلَّا يَجْبَهَهُمْ وَلَا يَعْضَهُمْ، وَلَا يَرْغَبَ عَنْهُمْ تَفَضَّلاً بالإمارَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمُ الْإخْوَانُ فِي الدِّينِ، وَالْأَعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ.
وَإِنَّ لَكَ فِى هَذِهِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً مَفْرُوضاً، وَحَقّاً مَعْلُوماً، وَشُرَكَاءَ أَهْلَ مَسْكَنَةٍ، وَضُعَفَاءَ ذَوِي فَاقَةٍ، وَإِنَّا مُوَفُوكَ حَقَّكَ، وَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَإِلَّا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ مِنْ أَكْثَرِ النّاسِ خُصُوماً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبُؤْسَى لِمَنْ - خَصْمُهُ عِنْدَ اللّه - الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالسّائِلُونَ وَالْمَدْفُوعُونَ، وَالْعَارِمُونَ وَابْنُ السَّبِيلِ !
وَمَنِ اسْتَهَانَ بِالْأَمَانَةِ، وَرَتَعَ فِي الْخِيانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّهُ نَفْسَهُ وَدِينَهُ عَنْها، فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيا الذُّلُّ وَالْخِزْيَ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَذَلُّ وَأَخْزَى.
وَإِنَّ أَعْظَمَ الْخِيانَةِ خِيانَةُ الْأُمَّةِ، وَأَفْظَعَ الْغِضُ غِشُ الْأئمّة، وَالسَّلَام (1).
1) نهج البلاغة 3: 26.
من وصايا الإمام الخالدة التي حوت الفضائل والآداب الرفيعة هذه الوصية التي عهد بها إلى عمّال الصدقة، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
انْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللّه وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، وَلَا تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً، وَلَا تَجْتازَنَّ عَلَيْهِ كارِها، وَلَا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكثَرَ مِنْ حَقٌّ اللّه فِي مَالِهِ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيَّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ، ثمّ امْضِ إِلَيْهِمْ ِبالسَّكِينَةِ وَالْوَقارِ ؛ حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَلَا تُخْدِج بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ (1)، ثمّ تَقُولَ : عَبادَ اللّه، أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللّه وَخَلِيفَتُهُ، لأخُذَ مِنْكُمْ حَنَّ اللّه فِي أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ للّه فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقٌّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَىٰ وَلِيِّهِ ؟
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : لَا، فَلَا تُرَاجِعْهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ (2)لَكَ مُنْعِمٌ (3)فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ، فَخُذْ ما أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إِبِلٌ فَلَا تَدْخُلْهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلَا تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلَّطٍ عَلَيْهِ وَلَا عَنِيفٍ بِهِ. وَلَا تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةٌ وَلَا تُفْزِعَنَّهَا، وَلَا تَسُوءَنَّ صاحِبَها فيها، وَاصْدَع الْمَالَ (4)صَدْعَيْنِ ثمّ خَيَّرْهُ،
فَإِذَا اخْتَارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ. ثمّ اصْدَعَ الْبَاقِيَ صَدْعَيْنِ، ثمّ خَيْرُهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ. فَلَا تَزَالُ كَذلِكَ حَتَّىٰ يَبْقَى مَا فِيهِ وَفاءٌ لِحَقِّ اللّه فِي مَالِهِ ؛ فَاقْبِضْ حَقَّ اللّه مِنْهُ. فَإِنِ اسْتَقالَك فَأَقِلْهُ، ثمّ اخْلِطْهُمَا ثمّ اصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ أَوَّلاً حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اللّه فِي مَالِهِ.
وَلَا تَأْخُذَنَّ عَوْداً (1)، وَلَا هَرِمَةٌ، وَلَا مَكْسُورَةٌ، وَلَا مَهْلُوسَةٌ (2)، وَلَا ذَاتَ عَوَارٍ، وَلَا تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ تَثِقُ بِدِينِهِ، رَافِقاً بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُوَصِّلَهُ إِلَى وَلِيّهِمْ فَيَقْسِمهُ بَيْنَهُمْ، وَلَا تُوَكَّلْ بِها إِلَّا ناصحاً شَفِيقاً وَأَمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعْنِفٍ وَلَا مُجْحِف (3)، وَلَا مُلْغِبٍ (4)وَلَا مُتْعِبٍ.
ثُمَّ احْدُرُ (5)إِلَيْنا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ نُصَيِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللّه بِهِ، فَإِذَا أَخذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَ نَاقَةٍ وَبَيْنَ فَصِيلِهَا وَلَا يَمْصُرَ (6)لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذلِكَ بِوَلَدِها ؛ وَلَا يَجْهَدَنَّهَا رُكُوباً، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِباتِها فِي ذَلِكَ وَبَيْنَهَا، وَلْيُرَفِّهُ عَلَى
اللَّاغِبِ (1)، وَلْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ وَالظَّالِعِ، وَلْيُورِدْهَا مَا تَمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدُرِ (2)، وَلَا يَعْدِلْ بِها عَنْ نَبْتِ الْأَرْضِ إِلَى جَوَادُ الطُّرُقِ، وَلْيُرَوِّحْها فِي السّاعاتِ، وَلْيُمْهِلْها عِنْدَ النَّطَافِ (3)وَالْأَعْشابِ، حَتَّى تَأْتِيَنَا بِإِذْنِ اللّه بُدَّنا مُنْقِيَاتٍ، غَيْرَ مُنْعَبَاتٍ وَلَا مَجْهُودَاتٍ، لِنَفْسِمَهَا عَلَى كِتابِ اللّه وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِكَ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ اللّه (4).
وتمثّلت جميع صور الكرامة والشرف في هذه الوصية التي عهد الإمام بها إلى عمّال الزكاة، وكان من بنودها ما يلي :
1 - إنّه أوصى الجباة في أخذهم الحقّ الشرعي من المواطنين أن لا يروعوهم ولا يجتازوا عليهم بالكره والقوّة والاجبار.
2 - أن ينزل الجباة بأمكنة بعيدة عن بيوت المزارعين لئلا يخافوا.
3 - أن يقابل الجباة المزارعين باللطف، والتواضع، ولا يبخلوا عليهم بالتحية والسلام، ويقولون لهم بأدب : إن خليفة اللّه أرسلنا لكم فإن كان عندكم حقّ من حقوق اللّه فسلموه لنا، فإن أجابوا بالايجاب استلموه منهم، وإن قالوا ليس في أموالنا حق فلا يراجعوهم وينصرفوا عنهم من غير إرهاق وعسف معهم.
4 - إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عرض إجمالاً إلى ما تجب فيه الزكاة، وهي الذهب والفضّة، والأنعام الثلاثة، والحنطة والشعير.
5 - وذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حكم الزكاة في الماشية والإبل فإذا كان فيها حقّ، فعلى الجباة أن لا يدخلوا عليها دخول متسلّط ولا عنيف، وأن يقسّموها إلى قسمين فيما إذا كانت كثيرة ويجعلوا الخيار لصاحب المال فيها، ثمّ يقسموها إلى قسمين آخرين ويجعلوا لصاحبها الخيار، وهكذا يستمر التقسيم حتى يأخذ الجباة حق اللّه منها، وأوصاهم أن لا يختاروا المسنّة والهرمة والمكسورة ولا ذات العوار.
6 - وأوصى الإمام العمّال بمراعاة الحيوان والرفق به، وأن تصل إليه سالمة غير مجهدة..
هذا بعض ما في هذا العهد من تعاليم وآداب.
بعد ما عرضنا إلى وصايا الإمام الخالدة لعمّال الخراج والصدقة، وما تنشده من إشاعة العدل، ونشر العزّة والكرامة والرأفة والرحمة إلى المواطنين، وحمايتهم من كلّ جور وظلم واعتداء من العمال والولاة، نعرض - إجمالاً - إلى ما عاناه المسلمون أيام الحكم الأموي والعباسي من المآسي المروعة، فقد صبّ عليهم الجباة أفحش ألوان الظلم، وأقسى صور الجور، وفيما يلي ذلك :
وبعدما تسلّم معاوية الحكم بالارهاب والمكر والخداع عهد بأخذ الضرائب إلى أقسى العمال من ذوي الضمائر الميّتة فأمعنوا في ظلم الناس واستصفاء أموالهم. يقول عقيبة بن هبيرة الأسدي مخاطباً معاوية
مُعَاوِيَ إِنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ***فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدِ
أَكَلْتُمْ أَرْضَنَا فَجَرَدْتُمُوها***فَهَلْ مِنْ قائِم أَوْ مِنْ حَصِيدِ ؟
فَهَبنا أُمَةٌ ذَهَبَتْ ضَياعاً***يَزِيدُ أَمِيرُها وَأَبُو يَزِيدِ
أَتَطْمَعُ فِي الْخُلُودِ إِذا هَلَكْنا ؟***وَلَيْسَ لَنا وَلَا لَكَ مِنْ خُلُودِ
ذَرُوا خَوْنَ الْخِلَافَةِ وَاسْتَقِيمُوا***وَتَأْمِيرَ الْأَرَاذِلِ وَالْعَبِيدِ (1)
وصوّرت هذه الأبيات ما عاناه قوم عقيبة من الاضطهاد والظلم من عمّال معاوية.
وأعلن الشاعر الرّاعِي النمري في أبيات له جور عمّال عبد الملك بن مروان على قومه حتى افتقروا وهربوا في البيداء، وليس عندهم إلا إبل مهزولة يقول :
أَخَلِيفَةَ الرَّحْمنِ إِنَّا مَعْشَرٌ***حُنَفَاهُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيلا
إِنَّ السُّعاةَ عَصَوْكَ يَوْمَ أَمَرْتَهُمْ***وَأَتُوا دَواهِيَ لَوْ عَلِمْتَ وَغُوْلا
أَخَذُوا الْعَرِيفَ فَشَقَّقُوا حَيْزُومَهُ***بِالْأَصْبَحِيَّةِ قَائِماً مَغْلُولا (2)
حَتَّى إِذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ***لَحْماً وَلَا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا (3)
جاءُوا بِصَدِّهِمْ وَأَحْدَبَ أَسْأَرَتْ***مِنْهُ السَّياطُ يَراعَهُ إِجْفيلا(4)
أَخَذُوا حَمُولَتَهُ فَأَصْبَحَ قاعِداً***لَا يَسْتَطِيعُ عَنِ الدِّيارِ حَوِيلا
يَدْعُو أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَدُونَهُ***خَرْقُ تَجُرُّ بِهِ الرِّياحُ ذُيُولا (5)
كَهُداهِدٍ كَسَرَ الرُّماةُ جَناحَهُ***يَدْعُو بِقارِعَةِ الطَّرِيقِ هَدِيلا
أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّ عَشِيرَتِي***أَمْسَى سَوامَهُمْ عِزينَ فُلُولا (6)
قومٌ على الإِسلَامِ لَمَا يَترُكُوا***ما عُوْنَهُمْ وَيُضَيْعُوا التَّهْلِيلا (7)
قَطَعُوا الْيَمَامَةَ يَطْرِدُونَ كَأَنَّهُمْ***قَوْمٌ أَصَابُوا ظَالِمِينَ قَتِيلا
شَهْرَي رَبِيعِ ما تَذُوقُ لُبُونَهُمْ***إلَّا حُموضاً وَحْمَةً وَذَبِيلا (1)
وَأَتاهُمُ يَحْيى فَشَدَّ عَلَيْهِمْ***عقداً يَرَاهُ الْمُسْلِمُونَ ثَقِيلا (2)
كتباً تَرَكْنَ غَنِيّهُمْ ذا عَيْلَةٍ***بَعْدَ الْغِنى وفَقِيرَهُمْ مَهزولا
فَتَرَكْتُ قَوْمِي يَقْسِمُونَ أُمُورَهُمْ***أَإِلَيْكَ أَمْ يَتَرَبَّصُونَ قَلِيلا (3)
أرأيتم هذا الشعر الطافح بالأسى والألم على ما أصاب الراعي وقومه من صنوف العذاب والفقر الذي صبّه الولاة والعمّال عليهم فإنّهم لم يتركوا لعظامهم لحماً إلا نهشوه ولا عظماً إلّا هشموه.
وقد استمرّ جور العمال حتى في عهد عمر بن عبدالعزيز الذي هو أشرف ملك في بني أمية فإنّ عمّاله لم يألوا جهداً في النهب والسلب، وقد خاطبه كعب الأشعري بهذه الأبيات :
إن كُنْتَ تَحْفَظُ ما يليك فَإِنَّما***عُمَالُ أَرْضِكَ بِالْبِلادِ ذئابُ
لَنْ يَسْتَجِيبُوا لِلَّذِي تَدْعُو لَهُ***حتى تُجَلدَ بِالسُّيُوفِ رقاب
بِأَكُفُ مُنْصَلِتِينَ أَهْلِ بَصائِرٍ***في وَقْعِهِنَّ مَزاجِرٌ وَعِقابُ (4)
وكان عمر على المنبر يخطب فانبرى إليه رجل فقطع خطابه وقال له :
إِنَّ الَّذِينَ بَعَثْتَ فِي أَقْطَارِها***نَبَذُوا كِتابَكَ وَاسْتُحِلُ الْمَحْرَمُ
طلْسُ الشَّيَابِ عَلَى مَنابِرٍ أَرْضِنا***كلّ يَجُورُ وَكُلُّهُمْ يَتَظَلَّمْ
وَأَرَدْتَ أَنْ يَلِيَ الأَمانَةَ مِنْهُمُ***عَدْلٌ وَهَيْهاتَ الْأَمِينُ الْمُسْلِمُ (1)
لقد امتحن المسلمون امتحاناً عسيراً وأرهقوا إرهاقاً شديداً من الجباة الذين لا يرجون للّه وقاراً، فنهبوا واستحلوا أموال المسلمين بغير حقّ.
وأسندت الحكومة العبّاسية وظيفة جمع الخراج إلى جماعة من القساة والأشرار، فكانوا يجبون الضرائب التي لم يشرّعها الإسلام، ويأخذونها بقسوة وعنف، وقد صوّر ذلك ابن المعتز في أرجوزته، يقول :
فَكَمْ وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ نَبِيلِ***ذِي هَيْبَةٍ وَمَرْكَبِ جَلِيلِ
رَأَيْتُهُ يَعْتَلُ بِالْأَعْوانِ***إلَى الْحُبُوسِ وَإِلَى الدِّيوان
وَجَعَلُوا فِي يَدِهِ حِبالا***مِنْ قِنَّبٍ يُقَطِّعُ الأَوْصالا
وَعَلَّقُوهُ فِي عُرى الْجِدارِ***كَأَنَّهُ بَرادَةٌ فِي الدّارِ
وَصَفَقُوا قَفاهُ صَفْقَ الطَّبْل***نَصباً بِعَيْنِ شامِتٍ وَخِلّ
وَصَبَّ سَجَانٌ عَلَيْهِ الزّيتا***فَصارَ بَعْدَ بِزَّةٍ (2)كُمَيْنا
لقد وصفت هذه الأبيات الحالة القاسية التي عاناها الناس في أخذ الخراج، فقد قوبلوا بمنتهى الشدّة والقسوة، ويستمر ابن المعتز في وصفه لتلك الأحوال فيقول :
حَتَّى إذا مَلَّ الْحَياةَ وَضَجر***وَقَالَ لَيْتَ الْمَالَ جَمْعاً فِي سَفَرْ
أعْطاهُمُ ما طَلَبُوا فَأطلقا***يَسْتَعْمِلُ الْمَشْيَ وَيَمْشِي الْعَنَقَا (3)
ويصف ابن المعتز ما يتعرّض له السجين من الضرب واللكم والصفع بقوله :
وَأَسْرَفُوا فِي لَكْمِهِ وَدَفْعِه***وَانْطَلَقَتْ أَكْفُهُمْ فِي صَفْعِه
وَلَمْ يَزَلْ فِي أَضْيَنِ الْحُبُوسِ***حَتَّى رَمَى إِلَيْهِمْ بِالْكِيْس (1)
وهكذا يستمرّ الظلم بجميع رحابه وألوانه على المزارعين وغيرهم في معظم أيام الحكم الأموي والعباسي، فقد فَقَدَ الناس رحمة الإسلام وما ينشده من الرفاهية والعزّة والكرامة.
1) دیوان ابن المعتز : 481.
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يراقب ولاته وعماله مراقبة شديدة، فجعل عليهم الرقباء والعيون يتتبّعون تصرفاتهم، ويسجّلون خدماتهم وتصرفاتهم وسائر شؤونهم، ويرفعونها له، فإذا اشتكى أحد المواطنين والياً من ولاته لسوء خلقه أو لتجبّره وتكبّره واعتزازه بوظيفته أنّبه الإمام ووبّخه، وأرشده إلى مكارم الأخلاق، وإذا كان الوالي خائناً، وسارقاً بادر إلى عزله ومحاسبته، وفيما يلي تسجيل لذلك :
أنّب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكوكبة من ولاته لأن المواطنين شكوا سوء أخلاقهم للإمام، وهذا عرض لبعضهم :
1 - إن جماعة من الدهاقين الذين لم يدخلوا في دين الإسلام، وبقوا على دينهم شكوا إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا غلطة عاملهم، فكتب الإمام إليه هذه الرسالة :
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةٌ وَقَسْوَةٌ، وَاحْتِفَاراً وَجَفْوَةً، وَنَظَرْتُ فِي أَمْرِهِمْ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لِأَنْ يُدْنَوا لِشِرْكِهِمْ، وَلَا أَنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللَّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَامْرُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالْإدْنَاءِ، وَالْإِبْعادِ وَالإِقصاء.
إِن شاءَ اللّه (1).
وقد أمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عامله أن يتجنّب الغلظة والقسوة والاحتقار ويسير بين الذميين سيرة معتدلة قوامها العدل الخالص والحق المحض.
2 - رفع بعض العيون الذين أقامهم الإمام على واليه بالبحرين النعمان بن عجلان أنّه ذهب بمال البحرين، فكتب إليه الإمام هذه الرسالة :
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَهَانَ بِالْأَمَانَةِ، وَرَغِبَ فِي الْخِيَانَةِ، وَلَمْ يُنَزِّهُ نَفْسَهُ وَدِيْنَهُ، أَخَلَّ بِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيا، وَما يُشْفِي عَلَيْهِ بَعْدُ أَمَرُّ وَأَبْقَى وَأَشْقَى وَأَطْوَلُ.
فَخَفِ اللّه إِنَّكَ مِنْ عَشِيْرَةٍ ذَاتِ صَلَاحٍ، فَكُنْ عِنْدَ صَالِحِ الظَّنِّ بِكَ، وَرَاجِعْ إِنْ كانَ حَقًّاً ما بَلَغَنِي عَنْكَ، وَلَا تَقْلِبَنَّ رَأْيِي فِيكَ وَاسْتَنْظِفْ خَرَاجَكَ ثمّ اكْتُبْ إِلَيَّ لِيَأْتِيَكَ رَأْيِي وَأَمْرِي إِنْ شَاءَ اللّه (2).
لقد ساق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللوم والتقريع على تهمة الخيانة لبيت المال، وهي تهمة لم يتأكّد الإمام منها، وإنّما وشي بها إليه، ولو كان على بينة منها لبادر إلى عزله.
3 - وافت الأنباء إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن عامله على اصطخر المنذر بن جارود العبدي قد شذّ في سلوكه، فكتب إليه هذه الرسالة يؤنّبه وينقم عليه، وهذا نصها :
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ صَلَاحَ أَبِيكَ ما غَرَّنِي مِنْكَ، وَظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ، وَتَسْلُكُ سَبِيلَهُ، فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُقّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لَا تَدَعُ
لِهَوَاكَ انْقِيَاداً، وَلَا تُبْقِى لِآخِرَتِكَ عَتاداً. تَعْمُرُ دُنْياكَ بَخَرَابِ آخِرَتِكَ، وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ.
وَلَئِنْ كانَ ما بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً، لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَشِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلِ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ، أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ، أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ، أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَةٍ، أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى جِبَايَةٍ فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتابِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللّه (1).
وفي هذه الرسالة التقريع والتوبيخ واللوم على ما صدر من المنذر العبدي من المخالفات التي لا يقرّها الشرع.
وعزل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض الولاة لما انحرفوا عن الطريق القويم، وسلكوا منهجاً غير ما أمر اللّه به، وهؤلاء بعضهم :
كان الأشعث بن قيس والياً على آذربيجان فبلغ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه خان بيت المال فعزله وكتب إليه الرسالة التالية :
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّمَا غَرَّكَ مِنْ نَفْسِكَ وَجَرَّأَكَ عَلَى آخِرَتِكَ إِمْلَاءُ اللّه لَكَ ؛ إِذْ مَا زِلْتَ قَدِيماً تَأْكُلُ رِزْقَهُ، وَتُلْحِدُ فِي آيَاتِهِ، وَتَسْتَمْتِعُ بِخَيْراتِهِ، وَتَذهَبُ بِحَسَنَاتِكَ إِلَى يَوْمِكَ هَذَا.
فَإِذَا أَتَاكَ رَسُولِي بِكِتَابِي هَذَا فَأَقْبِلْ وَاحْمِلْ مَا قِبَلَكَ مِنْ مَالِ
1) نهج السعادة : 5: 23.
الْمُسْلِمِينَ إِنْ شَاءَ اللّه (1).
وبادر الإمام إلى عزل هذا الخائن اللئيم الذي استحل نهب أموال المسلمين.
رفعت سوادة بنت عمارة الهمدانية إلى الإمام أمير المؤمنين شكوى في شأن وال جار عليهم فيكى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال : اللّهمَّ أَنتَ الشَّاهِدُ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ، إِنِّي لَمْ آمُرْهُمْ بِظُلْمٍ خَلْقِكَ، وَلَا بِتَرْكِ حَقِّكَ.
وكتب إليه الرسالة التالية بعد البسملة :
قَدْ جاءَتْكُمْ بَيْنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّةُ اللّه خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٌ إِذَا قَرَأْتَ كِتابِي هَذَا فاحْتَفِظُ بِمَا فِي يَدَيْكَ مَنْ عَمَلِنَا حَتَّىٰ يَأْتِيَ مَنْ يَقْبِضُهُ مِنْكَ وَالسَّلَامُ (2).
إنّ هذا هو العدل الذي تنتعش به الشعوب وتسود فيه القيم القويمة، ويعم فيه الأمن والرخاء.
كان أبو موسى الأشعري والياً على الكوفة من قبل عثمان بن عفّان، وكان منحرفاً عن الإمام، وقد جعل يثبّط عزائم الناس من الالتحاق بجيش الإمام الذي ندبه
للقضاء على تمرّد طلحة والزبير، فعزله الإمام وكتب إليه هذه الرسالة :
اِعْتَزِلْ عَمَلَنا يابْنَ الْحَائِكِ مَذْمُوماً مَدْحُوراً، فَما هذا أَوَّلُ يَوْمِنَا مِنْكَ، وَإِنَّ لَكَ فِيْنَا لَهَناتٍ وَهَنَاتٍ (1).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عزل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبعض ولاته الذين ظهرت منهم بوادر الخيانة، ويه ينتهي المطاف عن ولاته وعماله.
1) مروج الذهب : 2 : 368.
الشيء البارز في حياة الإمام السياسية احتجاجاته الصارمة على الخلفاء ومناظراته معهم، فإنّها تلقي الأضواء على ما يكنه الإمام من أسى بالغ بسبب إبعاده عن المسرح السياسي، وحجبه عن الخلافة التي هي ظلّ اللّه في الأرض يحتمي بظلالها المظلومون والمضطهدون، ويفزع إليها البائسون والمحرومون.
وعلى أي حال فقد نجم عن إقصاء الإمام عن قيادة الأمة أن خسرت الإنسانية الطاقات الهائلة التي يملكها الإمام في ميادين الحكم والإدارات وحقول التربية والسياسة، وغيرها من الوسائل التي تتطوّر بها الحياة العامّة.
والشيء المؤكّد أن المهاجرين في يثرب كانوا امتداداً للأسر القرشية في مكّة، وكانوا يمثّلون رغباتهم، ويحكون انطباعاتهم وميولهم، وكانت معظم نفوس القرشيّين مترعة بالكراهية للإمام ؛ لأنه أشاع في بيوتهم الشكل والحزن والحداد في سبيل الدعوة الإسلامية التي ناهضوها بجميع قدراتهم، وبالإضافة لذلك فإنّ نفوس القرشيّين قد طبعت على الأنانية والحسد، وهي من عناصرهم ومقوماتهم، وقد بدت هذه الظاهرة بصورة واضحة للبيت الهاشمي الذي لمع نجمه بسيّد الكائنات الرسول محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فقد ورمت منه أنوفهم وتميزوا غيظاً منهم.
لقد ظهر حقد القرشيّين على أهل بيت النبوة (عَلَيهِم السَّلَامُ) بصورة واضحة بعد انتقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إلى حظيرة القدس فقد رفعوا عقيرتهم بصورة محمومة بهذا الشعار المزيف :
لا يَجْتَمِعُ سَيْفَانِ بِغِمْدِ وَاحِدٍ.
لَا تَجْتَمِعُ النُّبُوَّةُ وَالْخِلَافَةُ فِي بَيْتٍ واحدٍ.
وحققوا ما أرادوه بالقوة والحيلة والقهر، فأقصوا أهل البيت عن الخلافة، وقبضوا على الحكم بيد من حديد، وقد منيت الأمة من جراء ذلك بالأزمات الخطيرة والنكبات السود، وكان من أقسى الكوارث التي عاناها المسلمون استيلاء الأمويين على الحكم، وإمعانهم في الظلم والاستبداد، وإرغام الناس على ما يكرهون، ومن مساوئ حكمهم كارثة كربلاء التي انتهكت فيها حرمة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) التي هي أولى بالرعاية والتكريم من كلّ شيء، فلم تمض على انتقاله إلى حظيرة القدس خمسون عاماً وإذا برؤوس أبنائه على الرماح يطاف بها الأقطار والأمصار، وبنات الوحي ومخدّرات الرسالة سبايا من بلد إلى بلد يتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد... هذا ما أرادته قريش لأهل بيت النبوة فإنا للّه وإنا إليه راجعون.
وعلى أي حال فلنعد إلى ما نحن بصدده، وهو عرض إحتجاجات الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الخلفاء، وهذه بعضها :
تقلّد أبو بكر الخلافة واستولى على أزمة الحكم وذلك بجهود حزبه، وفيطليعتهم مستشاره ووزيره عمر بن الخطاب، فقد دفع الناس الخطاب، فقد دفع الناس دفعاً لمبايعته، وقد لعبت درته دوراً في الميدان، ولولاه لما تمت البيعة لأبي بكر، وقد تخلّف عن بيعة أبي بكر بنو هاشم، وأعلام الإسلام كعمار بن ياسر وأبي ذرّ والزبير والمقداد وغيرهم، كما تخلّف عن البيعة معظم أبناء الأوس والخزرج الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للقوّات الإسلامية، فكانوا يرون أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحقُّ وأولى بمركز الخلافة من غيره وذلك لنص النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عليه، بالإضافة إلى مواهبه وعبقرياته وسائر ملكاته التي ترشّحه لقيادة الأمّة.
وقد سارع أبو بكر إلى الإمام ليكسب رضاه، ويضفي الشرعية ع-ل-ى حكومته قائلاً : يا أبا الحسن، واللّه ما كان الأمر مني ولا رغبة فيما وقعت عليه، ولا حرص عليه، ولا ثقة بنفسي فيما تحتاج إليه الأمة، ولا قوة لي بمال، ولا كثرة بعشيرة، ولا استئثار به دون غيري، فما لك تضمر علي ما لم أستحقه منك، وتظهر لي الكراهة لما صرت فيه، وتنظر إلي بعين الشنان ؟
واستخدم أبو بكر في حديثه الأساليب السياسية، فأظهر زهده في الخلافة وعدم رغبته فيها، وأنه لم تتوفّر في شخصيته المؤهلات التي ترشّحه لقيادة الأمة.
وردّ الإمام عليه بمنطقه الفياض قائلاً:
فَما حَمَلَكَ عَلَيْهِ إِذا لَمْ تَرْغَبْ فِيهِ، وَلَا حَرَضْتَ عَلَيْهِ، وَلَا وَلِقْتَ بِنَفْسِكَ فِي القِيامِ بِهِ؟
وحفل كلام الإمام بالرأي الأصيل، فإنّ أبا بكر إذا لم يكن راغباً في الخلافة ولا حريصاً عليها فلماذا تقلّدها ؟
أجابه أبو بكر قائلاً : حديث سمعته من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : «إِنَّ اللّه لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ»، ولمّا رأيت إجماعهم اتبعت قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وخفت أن يكون إجماعهم على خلاف الهدى، فأعطيتهم قود الإجابة، ولو علمت أن أحداً يتخلف لامتنعت.
ومعنى كلام أبي بكر أنّ الذي دعاه وحفزه لأن يتقلّد الخلافة هو حديث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد أجمعت الأُمّة على انتخابه واختياره، فلم يجد سبيلاً للتخلّف عن إجماعها.
ووجه الإمام إليه السؤال الثاني قائلاً :
أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ قَوْلِ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : إِنَّ اللّه لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالٍ، فَكُنْتُ - ويعني نفسه الشريفة - مِنَ الْأُمَّةِ أَمْ لَمْ أَكُنْ ؟
فأجاب أبو بكر : بلى
واندفع الإمام قائلاً:
وَكَذلِكَ الْعِصابَةُ الْمُمْتَنِعَةُ عَنْكَ مِنْ سَلْمَانَ وَعَمَارٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَالْمِقْدَادِ وَابْنِ عُبَادَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ.
عرض الإمام إلى الكوكبة من صحابة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) التي امتنعت من بيعة أبي بكر، وأنّهم من الأمّة، وقد اعترف أبو بكر بذلك
ثمّ وجّه الإمام له السؤال الثالث :
كَيْفَ تَحْتَجُ بِحَدِيثِ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ قَدْ تَخَلَّفُوا عَنْكَ ؟ وَلَيْسَ
للأمَّةِ فِيهِمْ طَعْنْ وَلَا فِي صُحْبَةِ الرَّسُولِ لِصُحْبَتِهِ مِنْهُمْ تَقْصِيرٌ ؟
وفنّد الإمام كلام أبي بكر، وأقام الحجة على مدعاه.
و انبرى أبو بكر قائلاً: ما علمت بتخلّفهم إلّا بعد إبرام الأمر، وخفت إن قعدت عن الأمر أن يرجع الناس مرتّدين عن الدين، وكان ممارستهم إليّ إن أجبتهم أهون مؤونة على الدين، وإبقاء له من ضرب الناس بعضهم ببعض فيرجعون كفاراً، وعلمت أنك لست بدوني في الإبقاء عليهم وعلى أديانهم.
والتفت الإمام إلى أبي بكر قائلاً :
أَجَلْ، وَلَكِنْ أَخْبِرْنِي عَنِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ هَذَا الْأَمْرَ - يعني الخلافة - بِمَا يَسْتَحِقُهُ ؟
فأجاب أبي بكر عمّن يستحقّ الخلافة : بالنصيحة، والوفاء، ودفع المداهنة، وحسن السيرة، وإظهار العدل، والعمل بالكتاب والسنّة، وفصل الخطاب، مع الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها، وانتصاف المظلوم من ظالمه للقريب والبعيد.
لقد أدلى أبو بكر بالصفات التي يجب أن تتوفّر فيمن يتصدّى للخلافة.
وأضاف الإمام إلى تلك الصفات صفات أخرى يجب أن يتصف بها القائد العام للأُمّة قائلاً : «وَالسَّابِقَةُ وَالْقَرابَةُ».
وأراد الإمام من السابقة : السبق للإسلام، ومن القرابة : القرابة للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وهذان الشرطان متوفّران في الإمام دون غيره، فهو أوّل من آمن بالرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، كما أنّه أقرب الناس إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ). وأقرّه أبو بكر على ذلك.
وأخذ الإمام يدلي على أبي بكر ببعض صفاته التي لم تتوفّر عند غيره قائلاً :
أَنْشُدُكَ بِاللّه يا أَبَا بَكْرٍ، أَفِيْ نَفْسِكَ تَجِدُ هَذِهِ الْخِصال ؟
أبو بكر : بل فيك يا أبا الحسن.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنَا الْمُجِيبُ لِرَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَبْلَ ذُكْرَانِ الْمُسْلِمِينَ أَمْ أَنْتَ ؟
أبو بكر : بل أنت.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنَا صَاحِبُ الْأَذانِ لِأَهْلِ الْمَوْسِمِ وَالْجَمْعِ الْأَعْظَمِ لِلأُمِّةِ بِسُورَةِ بَرَاءَةَ أَمْ أَنْتَ ؟
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى تبليغ سورة براءة لأهل مكّة التي عهد بها الرسول إلى أبي بكر، ثمّ نزل عليه الوحي بعزله، وإسناد هذه المهمة إلى الإمام، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في بعض بحوث هذه الموسوعة.
أبو بكر : بل أنت.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنا وَقَيْتُ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِنَفْسِي يَوْمَ الْغَارِ أَمْ أَنْتَ ؟
حكت هذه الكلمات ما قام به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مبيته على فراش النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حينما أحاطت قريش بدار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لقتله، وقد فداه الإمام بنفسه، وليس لأحد من الأسرة النبوية أو الصحابة مثل هذه الكرامة التي اختص بها الإمام.
أبو بكر : بل أنت
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَ لِيَ الْوِلَايَةُ مِنَ اللّه مَعَ رَسُولِهِ فِي آيَةِ الزَّكَاةِ بِالْخَاتَمِ أَمْ لك ؟
ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما نزل في القرآن في حقه حينما تصدّق بخاتمه على المسكين في صلاته وهي : «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» (1).
فقد حصرت الآية الولاية العامّة على المسلمين في اللّه والرسول والذين آمنوا
1) المائدة 5 : 55.
وهو الإمام، وعبّرت الآية عنه بصيغة الجمع تعظيماً وتكريماً له.
أبو بكر : بل لك.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَبِي بَرَزَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَبِأَهْلِي وَوَلَدَيَّ فِي مُباهَلَةِ الْمُشْرِكِينَ أَمْ بِكَ؟
وثمة منقبة أخرى أدلى بها الإمام شاركته فيها سيدة النساء والسبطان، وذلك في مباهلة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) اللّه مع أهالي نجران، فإنّه لم يصحب معه للمباهلة صنو أبيه عمه العباس، ولا المخدّرات من بني هاشم، ولا السيّدات من نسائه، وإنما اصطحب الإمام وزوجته وابنيه، وقد ذكرنا تفصيل هذه الحادثة في بعض أجزاء هذه الموسوعة، واعترف أبو بكر بذلك فقال :
بل فيكم.
فأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَلِيَ الْوَزارَةُ مَعَ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَالْمِثْلُ مِنْ هَارُونَ مِنْ مُوسَىٰ أَمْ لَكَ ؟
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفضيلتين أضفاهما عليه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وهما :
الأولى : إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) اتخذه وزيراً له، وقد صرّح بذلك في عدة مناسبات ذكرنا مصادرها في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.
الثانية : إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جعل الإمام منه بمنزلة هارون من موسى، فقد قال له : «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى».
واعترف أبو بكر بذلك قائلاً : بل لك
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَلِيَ وَلِأَهْلِي وَوُلْدِيْ آيَةُ التَّطْهِيرِ مِنَ الرِّجْسَ أَمْ لَكَ وَلِأَهْلِ بَيْتِكَ ؟
أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى آية التطهير وهي : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً» (1).
فقد نزلت فيه وفي سيّدة النساء وسبطي الرحمة وإمامي الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد ذكرنا في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة المصادر التي دلّت على ذلك.
أبو بكر : بل لك ولأهل بيتك - يعني آية التطهير -.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنَا صَاحِبُ دَعْوَةِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَأَهْلِي وَوَلَدَيَّ يَوْمَ الْكِساءِ : اللّهمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي إِلَيْكَ لَا إِلَى النَّارِ، أَمْ أَنْتَ ؟
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى حديث الكساء الذي ضمّ الإمام وسيدة نساء العالمين والسبطين الإمامين الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، والحديث يدلُّ على عظم منزلة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وسموّ مكانتهم عنداللّه ورسوله.
أبو بكر : بل أنت وأهلك وولدك.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنا صاحِبُ آيَةٍ «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمَا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً» (2)أَمْ أَنْتَ ؟
أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى نذر الإمام وسيّدة النساء وجاريتها فضة حينما مرض الحسنان أن يصوموا ثلاثة أيام شكراً اللّه إن برثا من مرضهما، فأبلا من مرضهما فصاموا جميعاً، وحين الإفطار طرق الباب مسكين يشكو الجوع فتبرعوا بإفطارهم ولم يتناولوا شيئاً سوى الماء القراح.
وفي اليوم الثاني قبل الإفطار طرق الباب يتيم يشكو الجوع، فناولوه إفطارهم،
وطو وا ليلتهم جوعاً.
وفي اليوم الثالث طرق الباب أسير يستميحهم القوت، فناولوه إفطارهم،
وقد ذابت أجسامهم وصاروا أشباحاً، فلما رآهم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) تألّم كثيراً، فنزل عليه الوحي بسورة : «هَلْ أَتى...» وفيها تقييم من اللّه تعالى لإيثارهم، وإشادة ببرهم وإحسانهم، وقد أضفى عليهم وساماً خالداً خلود الدهر.
أبو بكر : بل أنت.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنْتَ الَّذِي رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لِوَقْتِ صَلَاتِهِ فَصَلاها، ثمّ تَوارَتْ أَمْ أَنا ؟
حديث ردّ الشمس على الإمام ذكرته الخاصة والعامّة، وقد ذكر المحقق الأميني (رَحمهُ اللّه) كوكبة من المصادر التي ذكرت ذلك
أبو بكر : بل أنت.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنْتَ الْفَتَى الَّذِي نُودِيَ مِنَ السَّمَاءِ: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقارِ، وَلَا فَتى إِلَّا عَلِيٌّ، أَمْ أَنَا ؟
نودي الإمام من السماء بهذا النداء في واقعة أحد، وهو من الأوسمة الرفيعة التي تقلّدها.
أبو بكر : بل أنت.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنْتَ الَّذِي حَباكَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِرَايَتِهِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَفَتَحَ اللّه لَهُ أَمْ أَنَا ؟
قاد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حملة عسكرية إلى فتح خيبر التي هي أهم حصن لليهود، وقد أسند قيادة جيشه إلى أبي بكر فرجع منهزماً، ثمّ أسند القيادة إلى عمر فكان كصاحبه، فقال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : «لأعْطِيَنَّ غَداً الرّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّهُ اللّه وَرَسُولُهُ، وَيُحِبُّ اللّه
وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللّه عَلَى يَدَيْهِ».
فلمّا أصبح الصبح دعا النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الإمام عليّاً، وكان يشتكي من عينيه، فسقاه بريقه فبرئ وسلّمه الراية، وحمل على اليهود، ففتح اللّه على يده، وقد ذكرنا تفصيل القصة في بعض أجزاء هذه الموسوعة.
أبو بكر : بل أنت.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنْتَ الَّذِي نَفَسْتَ عَنْ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وَدُّ أَمْ أَنَا ؟
عمرو بن عبد ودّ أعظم فارس في الجزيرة العربية، وقد برز في واقعة الخندق يطلب من المسلمين من يبارزه منهم، فلم يستجب له أحد وخيم عليهم الخوف، فانبرى إليه بطل الإسلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأرداه صريعاً يتخبّط بدمه، وكان لقتله الأثر الفعّال في هزيمة المشركين، وقتل هذا الجاهلي الخطير من الأيادي البيضاء التي أسداها الإمام على الإسلام والمسلمين.
أبو بكر : بل أنت.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنَا الَّذِي طَهَّرَهُ اللّه مِنَ السَّفَاحَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى أَبِيهِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : «خَرَجْتُ أَنا وَأَنْتَ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفاحٍ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» أَمْ أَنْتَ ؟
أبو بكر : بل أنت.
حكى حديث الإمام ما نقله الرواة أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وابن عمّه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خرجوا من لدن آدم من نكاح غير سفاح (1).
1) ينابيع المودّة : 16. كنز العمال : 6: 100.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنَا الَّذِي اخْتارَنِي رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَزَوَّجَنِي ابْتَتَهُ فَاطِمَةَ (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وَقَالَ: اللّه زَوْجَكَ إِيَّاهَا فِي السَّمَاءِ، أَمْ أَنْتَ ؟
أبو بكر : بل أنت.
زواج الإمام من سيّدة نساء العالمين بأمر اللّه حديث متفق عليه عند جميع الرواة.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنَا وَالِدُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سِبْطَيْهِ وَرَيْحَانَتَيْهِ إِذْ يَقُولُ: هُما سَيِّدا شَبابِ أَهْلِ الجنّة وَأَبُوهُما خَيْرٌ مِنْهُما، أَمْ أَنْتَ ؟
أبو بكر : بل أنت.
امتاز الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على بقية المسلمين بولديه السبطين ريحانتي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وسيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَخُوكَ الْمُزَيَّنُ بِالْجَناحَيْنِ يَطِيرُ فِي الجنّة مَعَ الْمَلَائِكَةِ أَمْ أَخِي؟
أبو بكر : بل أخوك.
ومن مزايا الإمام أنّ أخاه الشهيد العظيم جعفراً الطيار الذي استشهد في مؤتة دفاعاً عن الإسلام، ووقف صامداً حتى قطعت يداه، وأصابته تسعون ضربة ما بين طعنة بالرمح وضربة بالسيف، وقد أبدله اللّه تعالى عن يديه بجناحين يطير بهما في الفردوس الأعلى مع الملائكة.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنَا ضَمِنْتُ دَيْنَ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَنَادَيْتُ فِي الْمَواسِمِ بِإِنْجَازِ مَوْعِدِهِ أَمْ أَنْتَ ؟
أبو بكر: بل أنت.
أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكلماته إلى حديث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) انّه
جمع الأقربين من أسرته، وقال لهم :
مَنْ يَضْمَنْ عَنِّي دَيْنِي وَمَوَاعِدِي يَكُنْ مَعِي فِي الجنّة وَيَكُنْ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِي؟
فانبرى إليه الإمام وقال : أَنا يا رَسُولَ اللّه.
ذكر ذلك أحمد في مسنده، كما ذكره الثعلبي في تفسير قوله تعالى : «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1).
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنَا الَّذِي دَعاهُ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَالطَّيْرُ عِنْدَهُ يُرِيدُ أَكْلَهُ، يَقُولُ: اللّهمَّ إِيْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيَّ وَإِلَيْكَ بَعْدِي يَأْكُلُ مَعِي مِنْ هَذَا الطَّيْرِ فَلَمْ يَأْتِهِ غَيْرِي، أَمْ أَنْتَ ؟
أبو بكر : بل أنت.
حديث الطائر المشوي أجمع الرواة على نقله، وقد دلّ بوضوح على أن الإمام أحبّ الخلق إلى اللّه وإلى رسوله (2).
فأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنَا الَّذِي بَشَّرَنِي رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِقِتالِ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمارِقِينَ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ أَمْ أَنْتَ ؟
أبو بكر : بل أنت.
ألمح الإمام في كلماته إلى حديث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حينما كان عند أمّ المؤمنين
أُمّ سلمة فجاء علي فقال لها : «يا أُمَّ سَلَمَةَ، هذا قاتِلُ الْقَاسِطِينَ وَالنَّاكِثِينَ وَالْمارِقِينَ مِنْ بَعْدِي» (1).
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِعِلْمِ الْقَضاءِ وَفَصْلِ الْخِطابِ بِقَوْلِهِ : عَلِيٌّ أَقْضاكُمْ، أَمْ أَنْتَ ؟
أبو بكر : بل أنت.
تظافرت الأخبار عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنه قال في أصحابه : «أَقْضاكُمْ عِلِيُّ بْنُ أَبِي طالب» (2).
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنَا الَّذِي أَمَرَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ فِي حَيَاتِهِ أَمْ أَنْتَ ؟
أبو بكر بل أنت.
ألمح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ما أمر به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أن يسلّموا على الإمام بإمرة المؤمنين.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنَا الَّذِي شَهِدْتُ آخِرَ كَلَامِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَوَلِيْتُ غُسْلَهُ وَدَفْتَهُ أَمْ أَنْتَ ؟
أبو بكر بل أنت.
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) آخر الناس عهداً برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وهو الذي تولى غسله ودفنه (3).
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنْتَ الَّذِي سَبَقَتْ لَهُ الْقَرابَةُ مِنْ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَمْ أَنا ؟
1) الرياض النضرة : 320. كنز العمال: 13 : 110. تاريخ مدينة دمشق : 42: 470.
2) الاستيعاب : 2 : 461. تاريخ مدينة دمشق : 51 : 300. الوافي بالوفيات : 2 : 179.
3) مستدرك الحاكم : 3 : 111. ذخائر العقبی : 72 الرياض النضرة : 2 : 237. تاريخ مدينة دمشق : 42: 393. المناقب الخوارزمي : 68. ينابيع المودة : 2 : 163.
أبو بكر : بل أنت.
أما الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو من ألصق الناس برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأقربهم إليه، فهو أخوه، وابن عمّه، وختنه على سيدة نساء العالمين، وأبو سبطيه، وليس لغيره هذه المنزلة من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
فَأَنْشُدُكَ باللّه، أَنْتَ الَّذِى حَباكَ اللّه بِالدِّينارِ عِنْدَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَبَاعَكَ جَبْرَئِيلُ، وَأَضَفْتَ محمّداً فَاطْعَمْتَ وُلْدَهُ أَمْ أَنا ؟
أبو بكر : بل أنت.
ألمح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كلامه إلى أنّ سيّدة نساء العالمين طلبت من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يخرج ليقترض لهم ما يسدّ رمقهم من الجوع، فخرج فلم يجد أحداً يستقرض منه إلّا أنّه التقط ديناراً فعرّف به فلم يجد له صاحباً، وعرضت عليه حبيبة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أن يستقرضه، ومتى جاء صاحبه أعطوه مكانه، فأخذ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)الدينار ومضى إلى السوق فوجد رجلاً يبيع الطعام فاشترى منه بدينار، إلا أن صاحب الطعام أبي أن يأخذ الدينار.
وفي اليوم الثاني خرج الإمام إلى السوق ليشتري طعاماً لهم فوجد الرجل الذي باعه الطعام قد عرض طعاماً للبيع فاشترى منه، وناوله الدينار فامتنع من أخذه.
وفي اليوم الثالث فعل مثل ذلك، فسارع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وعرض عليه الأمر فأخبره النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بأن صاحب الطعام هو جبرئيل (1).
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنْتَ الَّذِي جَعَلَكَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلَىٰ كَتِفِهِ فِي طَرْحِ صَنَمِ الْكَعْبَةِ وَكَسْرِهِ حَتَّى لَوْ شِئْتُ أَنْ أَنَالَ أَفْقَ السَّمَاءِ لَنِلْتُهَا أَمْ أَنَا ؟
1) مناقب الخوارزمي : 224.
أبو بكر : بل أنت.
عرض الإمام في حديثه إلى تحطيمه لأصنام قريش التي اتخذتها آلهة يعبدونها من دون اللّه، وقد حطّمها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فتح مكّة، وقضى على خرافات الجاهلية، والحديث مستفيض ذكرته مصادر التأريخ والحديث.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنْتَ الَّذِي قَالَ لَكَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : أَنْتَ صَاحِبُ لِوانِي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، أَمْ أَنا ؟
أبو بكر : بل أنت
حكى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحديث الوارد عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : «يا عَلِيُّ، أَنْتَ صاحِبُ لِوائِي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ»، هذا الحديث متواتر مستفيض.
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنْتَ الَّذِي أَمَرَكَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِفَتْحِ بَابِهِ فِي مَسْجِدِهِ عِنْدَما أَمَرَ بِسَدٌ أَبْوابِ جَمِيعِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَحَلَّ لَكَ فِيهِ مَا أَحَلَّ اللّه لَهُ، أَمْ أَنَا ؟
أبو بكر : بل أنت.
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بسد جميع الأبواب التي كانت على المسجد إلّا باب عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد أبقاها، وكان ذلك تكريماً للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1).
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنْتَ الَّذِي قَدَّمْتَ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَىٰ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) صَدَقَةٌ فَنَاجَيْتَهُ إذْ عاتَبَ اللّه قَوْماً فَقَالَ : «ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ
1) كنز العمّال : 6 152. مستدرك الحاكم : 2 : 125. الرياض النضرة : 2: 253 ذخائر العقبي : 76. مسند أحمد بن حنبل : 4 : 369 مجمع الزوائد: 9: 114. تاريخ مدينة دمشق : 42: 138.
صَدَقَاتٍ...» (1)أَمْ أَنا ؟
أبو بكر : بل أنت.
من آداب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أنّه إذا أراد أن يناجيه قدّم صدقة ثمّ يناجيه، ولم يعمل مثل ذلك من الصحابة غيره (2).
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه، أَنْتَ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِفَاطِمَةَ : زَوَّجْتُكِ أَوَّلَ النَّاسِ إِيْمَاناً، وَأَرْجَحَهُمْ إِسْلَاماً، فِي كَلَامِ لَهُ، أَمْ أَنا ؟
أبو بكر : بل أنت.
أشار اللّه إلى قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) السيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) حينما عرض عليها الزواج من الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال لها : «أَما تَرْضَيْنَ أَنِّي زَوِّجْتُكِ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ إِسْلَاماً، وَأَعْلَمَهُمْ عِلْماً» (3).
فَأَنْشُدُكَ بِاللّه يا أَبَا بَكْرٍ، أَنْتَ الَّذِي سَلَّمَتْ عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ سَبْعِ سَمَوَاتٍ يَوْمَ الْقَلِيبِ أَمْ أَنَا ؟
أبو بكر : بل أنت.
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى قيامه بسقي الماء إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأصحابه في ليلة بدر فقد طلب منهم ذلك فلم يستجب له أحد منهم سوى الإمام، فقد انبرى ومعه قربة إلى بئر بعيدة القعر مظلمة فانحدر فيها، فأوحى اللّه إلى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل
بالقيام بنصرة رسوله، فهبطوا إلى الأرض، فلمّا حاذوا القليب وقفوا وسلّموا على الإمام إكراماً وتبجيلا له (1).
ووجم أبو بكر أمام هذه الحجج الحاسمة التي أدلى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتي الليل تدلُّ بوضوح على أن الإمام أحقُّ بالأمر وأولى به من غيره، وقد سدّت على أبي بكر جميع النوافذ، فاستجاب لرأي الإمام إلّا أنّ عمر صدّ أبا بكر عمّا عزم عليه من التخلّي عن منصبه (2).
لا أكاد أعرف مناظرة قأئمّة على العلم والحقّ، خالية عن الالتواء والغلبة سوى هذه المناظرة المشفوعة بأوثق الحقائق، والتي وضعت النقاط على الحروف، وكان الأولى بأبي بكر أن يستجيب لها إلا أن صاحبه عمر ومستشاره صده عن ذلك.
ولما أخذ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قسراً إلى الجامع النبوي ليبايع أبا بكر أحاط به حر أبي بكر، وصاحوا به : بايع أبا بكر، فأجابهم الإمام بحجته البالغة، ومنطقه الفياض قائلاً :
«أَنَا أَحَقُّ بِهذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ، لَا أبايِعُكُمْ وَأَنتُمْ أَوْلى بِالْبَيْعَةِ لِي، أَخَذْتُمْ هذَا الْأَمْرَ - يعني الخلافة - مِنَ الْأَنْصَارِ وَاحْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالْقَرابَةِ مِنَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَتَأْخُذُونَهُ مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ غَصْباً ؟
أَلَسْتُمْ زَعَمْتُمْ لِلْأَنْصَارِ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُمْ لِمَكانِكُمْ مِنْ رَسُولِ اللّه فَأَعْطَوْكُمُ الْمَقادَةَ وَسَلَّمُوا إِلَيْكُمُ الْإِمَارَةَ ؟
وَأَنَا احْتَجُ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ ما احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الْأَنْصَارِ، نَحْنُ أَوْلَى بِرَسُولِ اللّه حَيّاً وَمَيّاً، فأنصِفُونا إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ وَإِلَّا فَبُوْءُوا بِالظُّلْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (1).
وسلك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الاحتجاج الصارم نفس الطريقة التي احتج بها المهاجرون على الأنصار من أنّهم أمس الناس رحماً برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وبه تغلّبوا على الأنصار
1) الاحتجاج : 1 : 73. بحار الأنوار: 28 : 185.
وتسلّموا قيادة الحكم، وهذه الجهة قد توفرت في الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على النحو الأكمل فهو ابن عم النبيّ وختنه على بضعته سيدة نساء العالمين، وأبو سبطيه فهو أمسّ الناس رحماً بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأولى بمركزه وأحقُّ بمقامه.
وثار ابن الخطاب على الإمام بعد ما أدلى بحجّته، فقال له : إنك لست متروكاً حتى تبايع.
فزجره الإمام وصاح به :
«اِحْلِبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ، وَاشْدُدْ لَهُ الْيَوْمَ أَمْرَهُ لِيُرَدَّ عَلَيْكَ غَداً».
وأوضح الإمام السبب في اندفاع ابن الخطاب وحماسه في بيعة أبي بكر انه يرجو أن ترجع إليه الخلافة بعده
ثمّ ثار الإمام في وجه عمر، وقال :
«وَاللّه يا عُمَرُ لَا أَقْبَلُ قَوْلَكَ، وَلَا أبايِعُهُ...» (1).
وخاف أبو بكر من تطوّر الأحداث، فأجاب الامام بناعم القول : إن لم تبايع فلا أكرهك عليه.
وخلّى أبو بكر سبيل الإمام، ولم يرغمه على البيعة له.
1) شرح نهج البلاغة : 6 : 11. الإمامة والسياسة : 1 : 18، 29.
واحتج الإمام على المهاجرين باحتجاج صارم لأنهم وقفوا ضده، وحالوا بينه وبين حقه، فخاطبهم بأسى ولوعة قائلاً :
«يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، اللّه اللّه لا تُخْرِجُوا سُلْطَانَ محمّد 9 فِي الْعَرَبِ عَنْ دَارِهِ وَقَعْرِ بَيْتِهِ إِلَى دُورِكُمْ وَقَعْرِ بُيُوتِكُمْ وَلَا تَدْفَعُوا أَهْلَهُ عَنْ مَقامِهِ فِي النَّاسِ وَحَقِّهِ، فَوَاللّه يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ لَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ ؛ لأَنا أَهْلُ الْبَيْتِ وَنَحْنُ أَحَقُّ بهذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ، أَمَا كانَ مِنَا الْقَارِئُ لِكِتابِ اللّه، الْفَقِيهُ فِي دِينِ اللّه، الْعالِمُ بِسُنَنِ رَسولِ اللّه، الْمُضْطَلِعُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّة، الدّافِعُ عَنْهُم الأمُورَ السَّيِّئَةَ، الْقاسِمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَاللّه إِنَّهُ لَفِينا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوى فَتَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّه فَتَزْدادُوا عَنِ الحقّ بُعْداً.. (1)».
ولو أنّ المهاجرين استجابوا لنداء الحقّ وآثروا الصالح العام لما عانت الأُمّة الأزمات الحادة، على امتداد التأريخ الإسلامي
إنّ الحسد لآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قد نخر قلوبهم وألقاهم في شرّ عظيم، وباعد بينهم
1) الإمامة والسياسة : 1: 11 و 12. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 11 و 12.
وبين دينهم.
لقد اقصوا الأُسرة النبوية عن قيادة الأمة، وحالوا بينها وبين ما أراده اللّه ورسوله لها، فتركوهم في أرياض يثرب حتى انتهى المطاف إلى أن يتسلّم الأمويون مركز الحكم، ويستولوا على مقدرات الدولة فينفقوها على شهواتهم وملاذهم، ويمعنوا في قتل قادة الإسلام أمثال حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي.
وتعدّوا إلى ما هو أفظع من ذلك كله وهو إبادة العترة النبوية التي هي عديلة الذكر الحكيم حسبما نص عليه حديث الثقلين، ومجزرة كربلاء، وما جرى على آل الرسول من الخطوب السود والنكبات القاسية ناجم عن تصرفات المهاجرين الذين هم الطلائع للأُسر القرشية التي ناجزت الإسلام.
وأقام عمر بعد اغتياله نظام الشورى، وهو نظام هزيل لا يحمل أي طابع من الشورى الواقعية التي تمثّل جميع قطاعات الشعب، فقد حصرها في ستة أشخاص وكان معظمهم من الحاقدين على الإمام أمثال سعد بن أبي وقاص وطلحة وعثمان وعبد الرحمن بن عوف.
وحسب الدراسات العلمية التي لا تخضع للنزعات الطائفية إنّ الغرض من هذه الشورى اقصاء الإمام عن مركز الحكم، وتسليمه إلى عثمان بن عفان عميد الأسرة الأموية، وقد تكلّمنا عن هذه الشورى وحلّلنا أبعادها في بعض بحوث هذا الكتاب. وعلى أي حال فإنا نعرض لاحتجاج الامام على أعضاء الشورى فقد قال لهم :
«لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٌّ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَعَائِدَةِ كَرَمٍ. فَاسْمَعُوا قَوْلِي، وَعُوا مَنْطِقِى ؛ عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هذَا الْيَوْم تُنتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ، وَتُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أئمّة لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ، وَشِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ» (1).
وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد حق وداعية هداية في احتجاجه، ولو انهم استجابوا له ولم ينسابوا وراء شهوة الحكم لما واجه المسلمون الأزمات القاسية والأحداث الرهيبة.
1) نهج البلاغة / محمّد عبده : 2 : 31.
لقد تحقّق ما تنبأ به الإمام، فلم تمض حفنة من السنين حتى انتضيت السيوف و تصارع القوم على الحكم، فكان بعضهم من أئمّة الضلال، وشيعة لأهل الجهالة والضلال.
وأعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما بويع عثمان عن إذعانه لمصلحة المسلمين، فقد خاطب أعضاء الشورى قائلاً:
«لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا - أي الخلافة - مِنْ غَيْرِي؛ وَوَاللّه لأَسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَلَمْ يَكُنْ فِيها جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً، الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيمَا تَنافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ» (1).
لقد كانوا على ثقة وإيمان أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحق بالخلافة وأولى بالأمر من غيره، فهو حامي الإسلام، والمجاهد الأول، وأخو النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
وصبر الإمام على سلب تراثه حفظاً على كلمة الإسلام ووحدة المسلمين، وقد أدلى بذلك بقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«إِنَّ اللّه لَمّا قَبَضَ نَبِيَّهُ اسْتَأْثَرَتْ عَلَيْنَا قُرَيْشُ بِالْأَمْرِ وَدَفَعَتْنَا عَنْ حَقٌّ نَحْنُ أَحَقُّ بِهِ مِنَ النَّاسِ كَافَّةٌ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلى ذلِكَ أَفْضَلُ مِنْ تَفْرِيقِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَسَفْكِ دِمَائِهِمْ، وَالنَّاسُ حَدِيثُو عَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، وَالدِّينُ يُمْخَضُ مَخْضَ الْوَطْبِ، يُفْسِدُهُ
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 166. نهج البلاغة : 1: 124.
أَدْنى وَهْنٍ، وَيَعْكِسُهُ أَقَلُّ خُلْفٍ، فَوَلِيَ الْأَمْرَ قَوْمٌ لَمْ يَأْلُوا فِي أَمْرِهِمُ اجتهاداً، ثمّ انْتَقَلُوا إلى دارِ الْجَزَاءِ، وَاللّه وَلِيُّ تَمْحِيضِ سَيِّئَاتِهِمْ، وَالْعَفْوِ عَنْ هَفَواتِهِمْ» (1).
وقد عزى الإمام سكوته عن أخذ حقه من الذين اغتصبوه إلى الحفاظ على كلمة المسلمين، وعدم اراقة دمائهم، خصوصاً في تلك الظروف التي كان الإسلام في أوّل مراحله، وإثارة الفتنة توجب إعراض الناس عن الإسلام واعتناق أديانهم التي كانوا يدينون بها.
كما تحدّث الإمام عمّا لحقه من ضيم وأذى من جراء ما اقترفه القوم تجاهه يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
«فَإِنَّهُ لَمَا قَبَضَ اللّه نَبِيَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قُلْنا نَحْنُ أَهْلُهُ وَوَرَثَتُهُ وَعِتْرَتُهُ وَأَوْلِياؤُهُ دُونَ النَّاسِ، لَا يُنازِعُنا سُلْطَانَهُ أَحَدٌ، وَلَا يَطْمَعُ فِي حَقْنا طَامِعٌ، إِذِ الْبَرىَ لَنَا قَوْمُنَا فَغَصَبُونَا سُلْطَانَ نَبِيِّنَا، فَصَارَتِ الْإِمْرَةُ لِغَيْرِنَا، وَصِرْنَا سُوْقَةٌ ؛ يَطْمَعُ فِيْنَا الضَّعِيفُ، وَيَتَعَزَّزُ عَلَيْنا الذُّليل، فَبَكَتِ الأَعْيُنُ مِنّا لِذلِكَ، وَخَشِيَتِ الصُّدُورُ، وَجَزعَتِ النُّفُوسُ، وَأَيْمُ اللّه لَوْلَا مَخافَةُ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَعُودَ الْكُفْرُ وَيَبُورَ الدِّينُ لَكُنا عَلى غَيْرِ مَا كُنَّا لَهُمْ عَلَيْهِ» (2).
وحكت هذه الكلمات الآلام المرهقة التي عانتها الأسرة النبوية من جراء اقصاء الخلافة عنهم، وتسلّم القرشيّين الذين امعنوا في ظلمهم وإذلالهم لها.
روى أبو الطفيل عامر بن واثلة قال : كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الأصوات بينهم فسمعت عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول :
«بايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَأَنَا وَاللّه أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْهُ وَأَحَقُّ بِهِ مِنْهُ، فَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ مَخافَةَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ رِقابَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، ثمّ بايَعَ النَّاسُ عُمَرَ وَأَنَا وَاللّه أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْهُ وَأَحَقُّ بِهِ مِنْهُ، فَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ مَخافَةَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ كُفّاراً يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ رِقابَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، ثمّ أَنتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُبايِعُوا عُثْمَانَ إِذَا لَا أَسْمَعُ وَلَا أَطِيعُ.
وَإِنَّ عُمَرَ جَعَلَنِي مِنْ خَمْسَةِ نَفَرٍ أَنَا سَادِسُهُمْ لَا يَعْرِفُ لِي فَضْلاً عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاح، وَلَا يَعْرِفُونَهُ لِي كُلْنا فِيهِ شَرَعَ سَواءٌ، وَأَيْمُ اللّه لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَتَكَلَّمَ ثمّ لَا يَسْتَطِيعُ عَرَبِيُّهُمْ وَلَا أَعْجَمِيُّهُمْ وَلَا مُعاهِدٌ مِنْهُمْ وَلَا الْمُشْرِكُ رَدَّ خَصْلَةٍ مِنْها لَفَعَلْتُ» (1).
1) فرائد السمطين : 1 : 320. كنز العمّال : 5 : 724 و 725 تاريخ مدينة دمشق : 42 : 434. الموضوعات : 1 : 379.
وأنت ترى في هذه الكلمات مدى الصدعة والأسى التي في نفس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من القوم الذين استهانوا بمكانته وعاملوه معاملة عادية، وتنكروا لجميع حقوقه، وقد امسك الإمام عن استعمال القوة في ارجاع حقه، وذلك خوفاً على ردة المسلمين، وانتكاس الدين، وضياع الرسالة الإسلامية.
كانت بيعة الإمام عامة اشتركت فيها جميع قطاعات الشعب بما فيها القوات المسلّحة التي أطاحت بحكومة عثمان بن عفان، وقد باركتها الصحابة وباركها جميع المسلمين سوى الأسر القرشية التي ناهضت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فانها أصيبت بذهول ووجوم، وتميزت من الغيظ، فقد خافت على مصالحها وما كانت تتمتع به من السيطرة على جهاز الدولة وتسخير اقتصادها لمصالحهم، وهي على يقين لا يخامره شك أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتحرى بكل دقة مصالح الأمة، ويقيم فيها برامج السياسة الإسلامية الهادفة إلى نشر الرخاء والأمن بين المسلمين، وابعاد العناصر المشبوهة، ومعاملتها معاملة عادية تتسم بعدم التقدير وعدم الإستجابة لرغباتها ومصالحها.
إنّ الأسر القرشية تعرف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه لا يُداهن أحداً في دينه ولا يصانع أي إنسان قريب أو بعيد، وأنه يبغي في جميع تصرفاته وجه اللّه تعالى والدار الآخرة، فلذا أجمعت على مناجزته ووضع الحواجز والسدود أمام سياسته، وقبل أن نذكر بعض احتجاجاته معهم نعرض إلى مايلي :
التاع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشد ما تكون اللوعة من القرشيّين وبلغ به الحزن منهم أقصاه، فقد استبان له عداؤهم السافر له وحقدهم البالغ عليه، وقد ادلى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدة مناسبات بعميق ألمه وحزنه منهم، ولنستمع لبعضها :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«اللّهمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَمَنْ أَعَانَهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَأَكْفَأّوا إِنَائِي، وَأَجْمَعُوا عَلَىٰ مُنَازَعَتِي حَقًّا كُنْتُ أَوْلَىٰ بِهِ مِنْ غَيْرِي، وَقَالُوا أَلَا إِنَّ فِي الحقّ أَنْ تَأْخُذَهُ، وَفِي الحقّ أَنْ تُمْنَعَهُ، فَاصْبِرْ مَعْمُوماً، أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً، فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ، وَلَا ذَابٌ وَلَا مُسَاعِدٌ، إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي ؛ فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ، فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى، وَجَرِعْتُ رِيقي عَلَى الشَّجَا، وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ، وَآلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْزِ الشَّفَارِ» (1).
أرأيتم مدى حزن الإمام وأساه من ظلم القرشيّين واعتدائهم عليه، فقد قطعوا
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 11 : 109. نهج البلاغة : 2: 202.
رحمه، ونازعوه الخلافة التي هو أولى بها من غيره، وأجبروه ع-ل-ى م-ا أرادوه، ولم يكن باستطاعة الإمام أن يناهضهم، فلم تكن عنده قوة ولم يكن يأوي إلى ركن شديد لينتزع حقه منهم فصبر على مافي الصبر من قذى في العين، وشجا في الحلق.
قالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«اللّهمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلى قُرَيْشٍ، فَإِنَّهُمْ أَضْمَرُوا لِرَسُولِكَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ضُروباً مِنَ الشَّرِّ وَالْغَدْرِ فَعَجَرُوا عَنْهَا وَحُلْتَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، فَكانَتْ الْوَجْبَةُ بِي وَالدَّائِرَةُ عَلَيَّ.
اللّهمَّ احْفَظْ حَسَناً وَحُسَيناً، وَلَا تُمَكِّنْ فَجَرَةَ قُرَيْشٍ مِنْهُما ما دُمْتُ حَيَّا، فَإِذَا تَوَفَّيْتَنِي فَأَنْتَ الرَّقِيبُ عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ عَلَى كلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (1).
حكت هذه الكلمات مايلي :
أوّلاً : عداء القرشيّين للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وما أضمروه له من ضروب الشر والغدر إلّا أنّ اللّه تعالى حال بينهم وبين مادبروا وأضمروا للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ). من سوء ومكر فقد نصر نبيّه وأعزّ دينه.
ثانياً : إنّ دائرة القرشيّين كانت على الإمام بعد وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فقد استوفوا منه ديونهم التي كانت لهم على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وشفوا غيظ صدورهم منه فسلبوه حقه،
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 20 : 298.
وانتزعوا منه ولايته على المسلمين التي عقدها النبيّ له في غدير خمٍ.
ثالثاً : إنّه أبدى مخاوفه على سبطي الرحمة وإمامي الهدى الحسن والحسين من القرشيّين الذين كانوا يبغون الغوائل لذرية الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد تحقق ما كان يتخوف عليهما الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فالسبط الأوّل الإمام ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، تجرّع أقسى الآلام من طاغية زمانه معاوية بن أبي سفيان فقد بالغ الطاغية في ظلم الإمام والاعتداء عليه، وأخيراً دسّ إليه السم فقتله، وأما أخوه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبو الشهداء، فقد عمد يزيد بن معاوية الممثل الوحيد للأسر القرشية إلى السبط فأجهز عليه وعلى أهل بيته وأصحابه في أرض كربلاء، ورفع جيشه رؤوسهم على أطراف الرماح ومعها عقائل النبوة سبايا يطاف بهم في الأقطار والأمصار، وقد اعلنوا فرحتهم الكبرى باستئصالهم لذرية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وقد استوفوا بذلك ثارات بدر.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللّه رَسُولَهُ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ، رَجَعَ قَوْمٌ عَلَىٰ الْأَعْقَابِ، وَغَالَتْهُمُ السُّبُلُ، وَاتَّكَلُوا عَلَى الْوَلَائِجِ (1)، وَوَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ، وَهَجَرُوا السَّبَبَ (2)الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ، وَنَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَضٌ أَسَاسِهِ، فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
مَعَادِنُ كلّ خَطِيئَةٍ، وَأَبْوَابُ كلّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ. قَدْ مَارَوا فِي الْحَيْرَةِ، وَذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ، عَلَىٰ سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، مِنْ مُنْقَطِع إِلَى الدُّنْيَا رَاكِن،
أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنِ» (1).
وحفل كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما مني به المسلمون بعد وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) من الانقلاب على الأعقاب الذي كان من مظاهره إبعاد الأُسرة النبوية وإقصاؤها عن قيادة الأمة، وتقليد الخلافة إلى غيرها، وقد وصفهم بالأوصاف التي ذكرها والتي هي واضحة الدلالة بيّنة المفاد، ومن المؤكّد أنّه لم يقم بعملية الانقلاب إلّا الأُسرة القرشية الحاقدة على أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
قالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«اللّهمَّ فَاجْزِ قُرَيْشاً عَنِّي الْجَوازِيَ، فَقَدْ قَطَعَتْ رَحِمِي، وَتَظَاهَرَتْ عَلَيَّ، وَدَفَعَتْنِي عَنْ حَقّي، وَسَلَبَتْنِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي، وَسَلَّمَتْ ذَلِكَ إِلى مَنْ لَيْسَ مِثْلِي فِي قَرابَتِي مِنَ الرَّسُولِ وَسابِقَتِي فِي الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعِ مَا لَا أَعْرِفُهُ، وَلَا أَظُنُّ اللّه يَعْرِفُهُ، وَالْحَمْدُ للّه عَلَى كلّ حالٍ» (2).
ويلمس في هذه الكلمات مدى لوعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأساه على ضياع حقه، ونهب تراثه الذي استأثرت به قريش.
قالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«اللّهمَّ أَخْزِ قُرَيْشاً فَإِنَّها مَنَعَتْنِي حَقًّي، وَغَصَبَتْنِي أَمْرِي» (3).
قالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«فَجَرَى قُرَيْشاً عَنِّي الْجَوازِي فَإِنَّهُمْ ظَلَمُونِي حَقٍّي وَاغْتَصَبُونِي سُلْطانَ ابْنِ أُمِّى».
قالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«اللّهمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلى قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ ظَلَمُونِي حَتَّي وَعَصَبُونِي إِرْثِي» (1).
وأعربت هذه الكلمات عما لاقاه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الظلم والاعتداء من القرشيّين فقد اجمعوا على مناهضته والحطّ من شأنه، ولنستمع بعد هذا إلى احتجاجاته على المُتمرّدين على حكومته من القرشيّين.
1) نهج البلاغة : 336.
بايع الزبير وطلحة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رضى لا إكراه فيه، ولمّا تمّ الأمر للإمام وأعلن منهجه في الحكم، وأنه يسير على منهاج رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لا يستأثر بشيء من أموال المسلمين، وإنما يحتاط فيها أشدّ ما يكون الاحتياط، وقد جرت بينه وبين طلحة والزبير عدة مناظرات كان منها مايلي :
سارع طلحة والزبير نحو الإمام، وهما يرفعان عقيرتهما قائلين : هل تدري علام بايعناك يا أمير المؤمنين ؟
فرمقهما الإمام بطرفه، وقال برنة المستريب منهما : نَعَمْ عَلَى السَّمْعَ وَالطَّاعَةِ، وَعَلَىٰ ما بايَعْتُمْ عَلَيْهِ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ.
وكشفا عن نواياهما وأطماعهما قائلين : ولكن بايعناك على أنا شريكاك في الأمر. ماذا يعني الشيخان في الاشتراك في الأمر ؟
هل يبغيان أن تسير الدولة في برامجها السياسية والاقتصادية على ضوء الكتاب والسُّنّة، ويكونا عوناً للإمام على تحقيق هذه الغاية النبيّلة ؟
هل الاشتراك في الأمر معناه بذل الجهود لسير البلاد قدما في تطورها الاقتصادي وتنمية دخل الفرد ونشر الرخاء بين المواطنين واشاعة العلم بين الناس ؟
كل ذلك لم يفكّر فيه طلحة والزبير، وإنّما المقصود هو الاستيلاء على مقدّرات الدولة وأجهزة الحكم، والاستيلاء على ثروات الأمة، واخضاعها لرغباتهما
وشهواتهما. ولم تخف على الإمام أطماعهما فردّ عليهما قائلاً : وَلَكِنَّكُما شَرِيكَانِ فِي الْقَوْلِ وَالْإِسْتِمَامَةِ وَالْعَوْنِ عَلَى الْعَجْزِ وَالْأَوْدِ.
إنّ الذي يفهمه الإمام من مشاركتهما له المشاركة على الاستقامة وعدم الانحراف عن الخط الإسلامي الذي يعنى قبل كلّ شيءٍ بإسعاد المجتمع، ونفي الحاجة والبؤس، وتوزيع خيرات اللّه تعالى على الجميع.
وهذا المنطق لا يفهمه طلحة ولا يعيه الزبير، إنّ الذي يعنيهما قبل كلّ شيء الاستيلاء على خيرات الأمة ومقدراتها الاقتصادية.
ولمّا استبان للشيخين ضياع أملهما، وعدم فوزهما بتحقيق آمالهما انطلقا صوب الإمام يطلبان الإذن لهما في الخروج من يثرب ليعلنا التمرّد على حكومة الإمام فقالا له : ائذن لنا يا أمير المؤمنين. إِلَىٰ أَيْن؟
نريد العمرة.
فرمقهما الإمام بطرفه، وقد عرف خفايا نفوسهما، وما أنطوت عليه قلوبهما من الشر، قائلاً لهما برنة المستريب : واللّه ما الْعُمْرَةَ تُرِيدانِ !! بَلِ الْغَدْرَةَ وَنَكْتَ الْبَيْعَةِ !
ولم يخفَ على الإمام ما انطوت عليه نفسيهما من الشرّ والغدر والمكيدة وأخذا يقسمان باللّه ويحلفان بالأيمان المغلظة انهما يخرجان للعمرة والتفت إليهما الإمام ونفسه مترعة بالريبة منهما فطلب منهما إعادة البيعة له ثانياً ففعلا دون تردُّد، ومضيا منهزمين إلى مكّة، وكأنه قد اتيح لهما الخلاص من السجن فلحقا بعائشة، فجعلا يحتانها على الثورة على حكومة الإمام، وقد كانا يعلمان بكراهيتها للإمام.
وفزعت عائشة حينما علمت أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد تقلّد زمام الحكم، وآلت إليه زعامة الأمّة، فأعلنت العصيان والتمرُّد، ورفعت عقيرتها مطالبة بدم عثمان بن عفان، وقد كانت من أقوى العناصر التي نادت بسفك دمه، فقد أفتت بكفره ومروقه من الدين ثمّ هي الآن تطالب بدمه، وهل هي وليّة دمه حتى يباح لها ذلك ؟ وهل هي وليّة أمر المسلمين حتى تطالب بدمه ؟ أسئلة لا جواب لها فيما نعلم.
وعلى أي حال فقد رفعت علم الثورة على حكومة الإمام وراحت تستنهض المسلمين للإطاحة بحكومته، وقد استجاب لها الغوغاء الذين تلوّنهم الدعاية كيفما شاءت، فقد شكلت منهم جيشاً أمده الأمويّون بجميع المعدّات الحربية وما يحتاجون إليه، وقد أنفقوا عليه أموالاً هائلة كانت ممّا نهبوه من أموال المسلمين حينما كانوا ولاة من قبل عثمان بن عفان، وقد عرضنا لذلك في بعض أجزاء هذا الكتاب.
وقد احتلّت عائشة البصرة، وحينما علم الإمام بذلك زحف بجيوشه للقضاء على هذا التمرُّد، وقبل أن تندلع نار الحرب بعث الإمام إليها عبد اللّه بن عباس وزيد ابن صوحان يدعوانها إلى حقن دماء المسلمين، وقال لهما قولا لها :
«إِنَّ اللّه أَمَرَكِ أَنْ تَقَرِّي فِي بَيْتِكِ وَأَنْ لَا تَخْرُجِي مِنْهُ، وَإِنَّكَ لَتَعْلَمِينَ ذلِكَ، غَيْرَ أَنَّ جَمَاعَةٌ قَدْ أَغْرَوْكِ فَخَرَجْتِ مِنْ بَيْتِكِ، فَوَقَعَ النَّاسُ - لاتفاقك معهم - فِي الْبَلَاءِ وَالْعَنَاءِ، وَخَيْرٌ لَكِ أَنْ تَعُودِي إِلَى بَيْتِكِ، وَلَا تَحُومِي حَوْلَ الْخِصامِ وَالْقِتالِ، وَإِنْ لَمْ تَعُودِي وَلَمْ تُطْفِنِي هَذِهِ النَّائِرَةَ فَإِنَّها سَوْفَ تُعْقِبُ الْقِتالَ، وَيُقْتَلُ فيها خَلْقٌ كَثِيرٌ.
فَاتَّقِي اللّه يَا عَائِشَةُ وَتُوبِي إِلَى اللّه فَإِنَّ اللّه يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو، وَإِيَاكِ أَنْ يَدْفَعَكِ حُبُّ عَبْدِ اللّه بْنِ الزُّبَيْرِ وَقَرابَةُ طَلْحَةَ إِلَى أَمْرٍ تَعْقِبُهُ النَّارُ».
ولو أنّها وعت هذه النصيحة، واستجابت لنداء الحقّ لجنّبت الأمة الكثير من المآسي والخطوب إلا أنها جعلت ذلك دبر أذنيها، وقالت للرسولين : إنّي لا أرد على ابن أبي طالب بالكلام لأني لا أبلغه بالحجاج (1). ولم ترد على الإمام بالكلام، وانما ردّت عليه بالسيوف والرماح وأبت أن تذعن لنداء الحق.
وأقام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحجّة على طلحة والزبير، فقد بعث إليهما برسالة يدعوهما إلى الوئام، وجمع كلمة المسلمين، وهذا نصها :
«أَما بَعْدُ : فَقَدْ عَلِمْتُمَا - وَإِنْ كَتَمْتُمَا - أَنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي، وَلَمْ يُبَايِعْهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي، وبَايَعَنِي، إِنَّكُمَا مِمَّن أَرادَنِي وَإِنَّ العامّة لَمْ تُبايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غالِبٍ، وَلَا لِعَرَضِ حاضِرِ، فَإِنْ كُنتُما بايَعْتُماني طائِعَيْنِ فَارْجِعَا وَتُوبَا إِلَى اللّه مِنْ قَرِيبٍ، وَإِنْ كُنْتُما بايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنِ فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِي عَلَيْكُما السَّبِيلَ بِإِظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ وَإِسْرارِكُما الْمَعْصِيَةَ.
وَلَعَمْرِي مَا كُنتُمَا بِأَحَقُّ الْمُهَاجِرِينَ بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِثْمَانِ وَأَنَّ دَفْعَكُمَا هذَا الْأَمْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُدْخَلَا فِيهِ كَانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُما
1) تاريخ ابن أعثم : 175.
مِنْ خُرُوجِكُما مِنْهُ بَعْدَ إِقْرارِكُما بِهِ، وَقَدْ زَعَمْتُمَا أَنِّي قَتَلْتُ عُثْمَانَ فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي وَعَنْكُما مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثمّ يُلْزَمُ كلّ امْرِى بِقَدَرِ ما احْتَمَلَ، فَارْجِعَا أَيُّهَا الشَّيْحَانِ عَنْ رَأْيِكُما فَإِنَّ الْآنَ أَعْظَمَ أَمْرِكُما الْعَارُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْتَمَعَ الْعارُ وَالنَّارُ (1).
لقد ألقيا الفتنة بين المسلمين، وجرًا للعالم الإسلامي الويل والدمار، وقاتل اللّه الطمع والحسد، فقد ألقياهُما في شرٍ عظيم، وحمّلاهما المسؤولية أمام اللّه تعالى.
وقد ألمحنا إلى تفصيل هذه الأحداث المروعة في بعض أجزاء هذه الموسوعة، فلا نطيل البحث عنها.
1) نهج البلاغة : 3 : 122.
وأعلن معاوية التمرُّد على حكومة الإمام، ورفض البيعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون، فقد رأى له قوة تمكنه من مناجزة الإمام ؛ وذلك لما له من النفوذ والمكانة في بلاد الشام فانّه لم يعمل فيها عمل وال، وإنما عمل فيها عمل صاحب الدولة الذي يؤسسها، فقد أمده عمر وعثمان بجميع مقومات البقاء والقوة، ويعترف معاوية بصراحة أنه لولا أبو بكر وعمر لما نازع الإمام.
فقد أعلن ذلك في رسالته إلى محمّد بن أبي بكر جاء فيها : كان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه - يعني علياً - حقّه، وخالفاه على أمره، على ذلك اتّفقا واتّسقا، ثمّ دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما فهما به الهموم، وأرادا به العظيم - يعني قتله -، ثمّ إنّه بايع لهما وسلّم لهما، وأقاما لا يشاركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرّهما حتى قبضهما اللّه.
وأضاف قائلاً : فإن يك ما نحن فيه صواباً فأبوك استبدّ به ونحن شركاؤه، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلّمنا له، ولكن رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا وأخذنا بمثله (1).
فمن المؤكّد الذي لا ريب فيه أنه لولا منازعة الشيخين للإمام وابتزازهما لحقه لما استطاع معاوية منازعته، ولقبع في زوايا الخمول هو وأسرته.
1) المسعودي على هامش ابن الأثير : 6: 78 و 79. وقعة صفین: 119.
وعلى أي حال فان من مهازل الزمن أن ينبري معاوية إلى مناهضة عملاق الفكر الإنساني، وباب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ويعلن العصيان المسلّح عليه
رأى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يقيم الحجّة على معاوية، ويدعوه إلى الطاعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون، فبعث إليه جرير بن عبد اللّه البجلي وزوّده بهذه الرسالة :
«أَمَّا بَعْدُ..
فَإِنَّ بَيْعَتِي بِالْمَدِينَةِ لَزِمَتُكَ وَأَنْتَ بِالشَّامِ؛ لِأَنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَمُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى مَا بُويِعُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ، وَإِنَّمَا الشَّوْرى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَىٰ رَجُلٍ، فَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ للّه رِضاً، وَإِن خَرَجَ مِنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ رَغْبَةً رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ، فَإِنْ أَبِى قَاتَلُوهُ عَلَى اتَّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَلَاهُ اللّه مَا تَوَلَّى، وَيُصْلِيهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً.
وَإِنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيرَ بَايَعَانِي ثمّ نَقَضَا بَيْعَتِي، فَكَانَ نَقْضُهُمَا كَرِدَّتِهِمَا، فَجَاهَدْتُهُمَا عَلى ذلِكَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ، وَظَهَرَ أَمْرُ اللّه وَهُمْ كَارِهُونَ.
فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنَّ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيَّ فيكَ الْعَافِيَةُ، إِلَّا أَنْ تَتَعَرَّضَ لِلْبَلَاءِ، فَإِنْ تَعَرَّضْتَ لَهُ قَاتَلْتُكَ وَاسْتَعَنْتُ باللّه عَلَيْكَ.
وَقَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، ثمّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ - يعني الذين قتلوا عثمان - أَحْمِلُكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللّه، فَأَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدُهَا فَخُدْعَةُ الصَّبِيُّ عَنِ اللَّبَنِ. وَلَعَمْرِي لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَفْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ قُرَيْشٍ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ، وَقَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللّه الْبَجَليَّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِيْمَانِ وَالْهِجْرَةِ، فَبَايِعْ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه» (1).
وأعرب الإمام الممتحن في رسالته عن شمول بيعته التي لم يظفر بمثلها أحد من الذين سبقوه، فقد بايعه الأنصار والمهاجرون، وبايعته الأقطار الإسلامية، وبايعه طلحة والزبير إلّا أنّهما نكثا بيعته لغير سبب إسلامي، فقد دفعتهما الأطماع والحسد للإمام إلى ذلك.
وقد دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) معاوية إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون وأن لا يخلع يد الطاعة، ويفارق الجماعة الإسلامية كما أعرب الإمام عن براءته من دم عثمان الذي اتخذه معاوية وسيلة لإعلان التمرُّد، والخروج عن طاعة الإمام، وأعلن الإمام أن معاوية لا يصلح للخلافة ولا لأي منصب من مناصب الدولة لأنه من الطلقاء الذين ناجزوا الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
ولم يستجب معاوية لنداء الحق، وراح في غيه مناجزاً للإمام، ومعلناً للتمرُّد على حكومته، فردّ جرير البجلي، وحمّله رسالة الحرب للإمام.
1) العقد الفريد : 2 : 233. الإمامة والسياسة : 1: 71 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 300. وقعة صفين : 28 - 30.
من أروع ما احتج به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على معاوية هذا الاحتجاج الذي كان جواباً لرسالة معاوية له، ولنقرأه بإمعان :
«أَمَّا بَعْدُ.. فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ اصْطِفَاءَ اللّه محمّداً صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ لِدِينِهِ، وَتَأْبِيدَهُ إِيَّاهُ بِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ فَلَقَدْ خَبَّاً لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً ؛ إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلَاءِ اللّه تَعَالَى عِنْدَنَا، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيَّنَا، فَكُنْتَ فِي ذَلِكَ كَنَاقِلِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ (1)، أَوْ دَاعِي مُسَدِّدِهِ إِلَى النِّضَالِ.
وَزَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ (2)؛ فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اعْتَزَلَكَ كُلُّهُ، وَإِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ.
وَمَا أَنْتَ وَالْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ، وَالسَّائِسَ وَالْمَسُوسَ ! وَمَا لِلطَّلَقَاءِ وَأَبْنَاءِ الطُلَقَاءِ، وَالتَّمْيِينَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، وَتَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ، وَتَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ ! هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا، وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا أَلَا تَرْبَعُ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ (3)، وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ، وَتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَرُ! فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ الْمَغْلُوبِ، وَلَا ظَفَرُ الظَّافِرِ !».
حكى هذا المقطع من كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) استهانته بمعاوية وازدراءه له وأنه لا حقّ له ولا مكانة له في التمييز بين المهاجرين من أصحاب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فإن كان لهم الفضل فهو لغيره ولا يلحقه وان كان فيهم ثلمة ونقص فلا تلتصق به لأنه من الطلقاء الذين لا يحق لهم التدخل في شؤون المسلمين.
ويستمر الإمام في رسالته الذهبية قائلاً:
«وَإِنَّكَ لَذَهَّابٌ فِي التَّيْهِ(1)، رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ، أَلَا تَرَىٰ - غَيْرَ مُخْبِرٍ لَكَ».
تحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الكلمات عن نفسية معاوية، وانه لذهاب في التّيه أي الضلال، فقد كان من عناصره ومقوماته، كما كان رواغاً عن القصد أي الاعتدال، فلم يستقم إلّا على الباطل.
وأضاف الإمام قائلاً:
«وَلَكِنْ بِنِعْمَةِ اللّه أُحَدِّثُ - أَنَّ قَوْمَا اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللّه تَعَالَى مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلِكُلِّ فَضْلٌ حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ سَيْدُ الشُّهَدَاءِ، وَخَصَّهُ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ !
أَوَلَا تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللّه وَلِكُلِّ فَضْل حَتَّىٰ إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ، قِيلَ الطَّيَّارُ فِي الجنّة وَذُو الْجَنَاحَيْنِ وَلَوْلَا مَا نَهَى اللّه عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، لَذَكَرَ
1) التيه : الضلال.
ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةٌ تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا تَمُجهَا آذَانٌ السَّامِعِينَ.
فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ، فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا (1)لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزَّنَا وَلَا عَادِيُّ طَوْلِنَا عَلَىٰ قَوْمِكَ أَنْ خَلَقْنَاكُمْ بَأَنْفُسِنَا ؛ فَنَكَحْنَا وَأَنْكَحْنا، فِعْلَ الْأَكْفَاءِ، وَلَسْتُمْ هُنَاكَ !
وَأَنَّىٰ يَكُونُ ذلِكَ كَذلِكَ وَمِنَّا النبيّ وَمِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ - وهو أبو جهل.
وَمِنَّا أَسَدُ اللّه وَمِنْكُمْ أَسَدُ الْأَخْلَافِ - وهو أبو سفيان.
وَمِنَّا سَيْدًا شَبَابِ أَهْلِ الجنّة وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ - وهم صبية الأمويّين.
وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينِ - وهي زهراء الرسول -، وَمِنْكُمْ حَمَّالَهُ الْحَطَبِ - وهي أم جميل عمة معاوية -، فِي كَثِيرٍ ممّا لَنَا وَعَلَيْكُمْ !».
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المقطع إلى مآثر الأسرة النبوية، وما خصّها اللّه به من الفضائل التي جعلتهم في قمة الفضيلة، فقد جعل منهم قادة الأنام وعمالقة الإسلام كما جعل من خصومهم الأمويّين والقرشيّين أئمّة الضلال ودعاة الكفر والإلحاد.
ويستمر الإمام في رسالته :
1) لعل المراد من قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فَإِنَّا صَنائِعُ رَبَّنَا، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنائِعُ لَنا» أَنَّ اللّه خصّهم بالهداية فبعث منهم رسوله العظيم، وهو وأهل بيته مصادر الهداية والرشاد للخلق، فهم بهذا صنائع اللّه لأنهم خصهم بالنبوة، والناس صنائع لهم لأن هدايتهم كانت بسببهم.
«فَإِسْلَامُنَا قَدْ سُمِعَ، وَجَاهِلِيَّتُنا لَا تُدْفَعُ (1)، وَكِتَابُ اللّه يَجْمَعُ لَنَا مَا شَذَّ عَنَّا، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: «وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّه» (2).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النبيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللّه وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» (3).
فَنَحْنُ مَرَّةً أَوْلَى بِالْقَرَابَةِ، وَتَارَةً أَوْلَى بِالطَّاعَةِ.
وَلَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِرَسُولِ اللّه - صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ - فَلَجُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِهِ فَالْحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ....».
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المقطع إلى سمو مكانته، وعظيم منزلته وذلك لقربه من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فهو ابن عمه وأبو سبطيه، وليس لغيره من قريب أو بعيد هذه المنزلة، ثمّ ذكر (عَلَيهِ السَّلَامُ) احتجاج المهاجرين على الأنصار بأنّهم ألصق الناس برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وهذه الجهة التي احتجوا بها وتغلبوا على الأنصار موجودة في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) على النحو الأكمل فلم لا يأخذ بها المهاجرون، ويرجعون الخلافة إلى مركزها الذي عينه الرسول ؟ ويأخذ الإمام في احتجاجه :
«وَزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ، وَعَلَىٰ كُلِّهِمْ بَغَيْتُ، فَإِنْ يَكُنْ ذلِكَ كَذلِكَ فَلَيْسَتِ الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ، فَيَكُونَ الْعُذْرُ إِلَيْكَ.
وَقُلْتَ إِنِّي كُنْتُ أَقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوشُ (1)حَتَّى أَبَايعَ؛ وَلَعَمْرُ اللّه لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَدُم فَمَدَحْتَ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ ! وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَةٍ فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكَاً فِي دِينِهِ، وَلَا مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ !
وَهَذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا، وَلكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا».
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المقطع إلى رده على معاوية الذي اتهمه بحسده للخلفاء، ويقصد معاوية موقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بيعة أبي بكر فقد رفضها، وتخلف عنها، فاتخذ معه أبو بكر جميع الإجراءات الصارمة التي منها هجوم شرطته بقيادة عمر على دار الإمام، وحمله مقاداً إلى أبي بكر، بصورة مروعة وقد عيّره معاوية بذلك فردّ عليه الإمام بأنّه لا غضاضة ولا منقصة عليه في أن يكون مظلوماً غير شاك في دينه، ولا مرتاباً بيقينه، ويستمر الإمام الممتحن في رسالته واحتجاجه على معاوية قائلاً :
«ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثمانَ، فَلَكَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِكَ مِنْهُ، فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَىٰ لَهُ، وَأَهْدَىٰ إِلَىٰ مَقَاتِلِهِ ! أَمَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَاسْتَكَفَّهُ، أَمْ مَنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَىٰ عَنْهُ وَبَثَّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ.
كَلَّا وَاللّه «قَدْ يَعْلَمُ اللّه الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ
1) الجمل المخشوش : هو الذي يجعل في أنفه خشبة ليقاد.
هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَليلاً» (1).
وَمَا كُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنَّى كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَانَا ؛ فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ؛ فَرُبَّ مَلُومٍ لَا ذَنْبَ لَهُ.
وَقَدْ يَسْتَفِيدُ الظَّنَّةَ الْمُتَنَبِّحُ
وَمَا أَرَدْتُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللّه عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» (2).
عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المقطع إلى موقفه من عثمان، وان معاوية جدير بالإجابة ؛ لأنه من أسرته وإن كان ليس من أولياء دمه، وأعرب الإمام أنه بريء من دم عثمان، ولا علاقة له في ذلك، وإنّما المسؤول عن دمه معاوية فقد استنجد به عثمان، فلم يهب لنجدته، وكانت جيوش معاوية قريبة من يثرب فلم يسمح لها بنجدته حتى أجهز عليه، وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأمر عثمان بالاستقامة في سياسته وسلوكه إلّا أنّه استجاب لآراء مروان الذي كان مسيطراً على جميع شؤونه، فأوقعه
في الفخ الذي نصبه الأمويّون له ليتخذوا من مصرعه ورقة إلى تنفيذ أغراضهم وعلى أي حال فقد أخذ الإمام في رسالته في الاحتجاج على معاوية قائلاً:
«وَذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلِأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلَّا السَّيْفُ، فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ (3)! مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الْأَعَدَاءِ نَاكِلِينَ، وَبِالسَّيْفِ مُخَوَّفِينَ ؟!
فَلَبَّتْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ (1)
لَبْتُ قَلِيلاً يَلْحَقِ الهَيْجا حَمَلْ***لا بَأْسَ بِالْمَوْتِ إِذا المَوْتُ نَزَل
فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ، وَأَنَا مُرْقِلٌ (2)نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ، سَاطِع قَتَامُهُمْ (3)، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ (4)أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاء رَبِّهِمْ، وَقَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ، وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ» (5).
عرض الإمام في هذا المقطع الأخير من رسالته إلى تهديد معاوية للإمام بالسلاح والقوى العسكرية التي يملكها فردّ عليه الإمام ساخراً ومستهزئاً، وإنّه والأسرة الهاشمية لا يرهبهم الموت، ولا تخيفهم قوة العدو، وإنّهم على استعداد كامل لمناهضته يصحبهم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم باحسان وانهم جميعاً في شوق لملاقاة ربهم والشهادة في سبيله.
وكانت هذه الرسالة خاتمة الرسائل التي دارت بينه وبين معاوية، وأعقبت بعد ذلك استعداد الفريقين للحرب، وقد ذكرنا عرضاً لذلك في بعض أجزاء الكتاب.
وبعد ما أحرز الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) النصر الحاسم على خصمه الجاهلي معاوية وبات الاستيلاء عليه قاب قوسين أو أدنى، مُني الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بانقلاب عسكري، فقد رفع جيش معاوية المصاحف الكريمة على الرماح ودعوا إلى المحاكمة على ضوئها فانخدع جيش الإمام بذلك وأصروا على الاستجابة لهم، وكان بعض أفراد القيادة العامّة في معسكر الإمام على اتصال بمعاوية واتفاق معه على ذلك، ووقعت الفتنة في جيش الإمام، ورفعت الأصوات بضرورة إيقاف القتال، وإلّا ناجزوا الإمام وقتلوه.
وكان على رأس القائلين بالتحكيم المنافق الأشعث بن قيس، ومن يتصل به من عملاء معاوية، فراحوا يجوبون في معسكر الإمام وينادون بضرورة التحكيم.
واندفع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابطال مزاعم معاوية واتباعه قائلاً لأصحابه :
«وَيْحَكُمْ أَنا أَوَّلُ مَنْ دَعا إِلى كِتابِ اللّه، وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ يَحِلُّ لِي وَلَا يَسَعُنِي فِي دِينِي أَنْ أُدْعَىٰ إِلَى كِتابِ اللّه فَلَا أَقْبَلَهُ، إِنِّي إِنَّما أُقاتِلُهُمْ لِبَدِينُوا بِحُكْمِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ عَصَوا اللّه فِيمَا أَمَرَهُمْ، وَنَقَضُوا عَهْدَهُ وَنَبَذُوا كِتابَهُ، وَلكِنِّي قَدْ أَعْلَمْتُكُمْ
أَنَّهُمْ قَدْ كادُوْكُمْ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا الْعَمَلَ بِالْقُرْآنِ يُرِيدُونَ...» (1).
لقد أوضح الإمام لجيشه زيف مادعوا إليه، وإنّه إنما قاتل معاوية من أجل العمل بالقرآن، وتطبيق أحكامه، وإنّهم إنّما رفعوا المصاحف للكيد بهم وتضليلهم، وليس لهم أية صلة بالقرآن، ولا يدينون بما فيه.
وبعدما أرغم على قبول التحكيم، وعلى انتخاب أبي موسى الأشعري ممثلاً عن العراقيين، وعزله للإمام، انحاز الخوارج وهم ينادون بشعارهم «لَا حُكْمَ إِلَّا للّه» فبعث الإمام إليهم عبد اللّه بن عباس فحاججهم وأبطل شبههم، فلم تغن حججه ومنطقه الفياض معهم شيئاً
فانبرى إليهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال لهم :
هذا مقامٌ مَنْ فَلَجَ فِيهِ كَانَ أَوْلى بِالْفَلَجِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَمَنْ نَطَفَ فِيهِ أَو عَيْتَ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً.
ثم قال لهم : مَنْ زَعِيمُكُمْ ؟
فهتفوا جميعاً : ابن الكواء.
فوجه إليه كلامه وشاركهم فيه قائلاً: ما أَخْرَجَكُمْ عَلَيْنا ؟
حكومتكم يوم صفين.
نَشَدْتُكُمْ بِاللّه أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ حِينَ رَفَعُوا الْمَصاحِفَ، فَقُلْتُمْ: تُجِيبُهُمْ إِلى كِتابِ اللّه.
1) وقعة صفين : 490.
قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ بِالْقَوْمِ مِنْكُمْ إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَصْحَابِ دِينِ وَلَا قُرْآنِ، إِنِّي صَحِبْتُهُمْ، وَعَرَفْتُهُمْ أَطْفالاً وَرِجَالاً، فَكَانُوا شَرَّ رِجالٍ وَشَرَّ أَطْفَالٍ، أَمْضُوا عَلى حَقَّكُمْ وَصِدْقِكُمْ إِنَّما رَفَعَ الْقَوْمُ لَكُمْ هَذِهِ الْمَصاحِفَ خَدِيعَةً وَوَهْنا وَمَكِيدَةٌ، فَرَدَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي.
وَقُلْتُمْ : لَا، بَلْ نَقْبَلُ مِنْهُمْ.
فَقُلْتُ لَكُمُ : اذْكُرُوا قَوْلِي لَكُمْ وَمَعْصِيَتَكُمْ إِيَّايَ، فَلَمّا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْكِتابَ اشْتَرَطْتُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ أَنْ يُحْيِيا مَا أَحْيَاهُ الْقُرْآنُ وَأَنْ يُمِينَا مَا أَمَاتَهُ الْقُرْآنُ، فَإِنْ حَكَما بِحُكْمِ الْقُرْآنِ، فَلَيْسَ لَنا أَنْ نُخالِفَ حُكْمَ مَنْ حَكَمَ بِمَا فِي الْكِتابِ، وَإِنْ أَبَيا فَنَحْنُ مِنْ حُكْمِهِما بَراءُ» (1).
وقد دحضت هذه المحاججة أوهام الخوارج، وأظهرت زيف ما يذهبون إليه، وهم يتحملون المسؤولية الكبرى فيما آلت إليه أمور المسلمين، فهم الذين أرغموا الإمام على قبول التحكيم، وهم الذين فرضوا عليه أبا موسى الأشعري ممثلاً عنهم في التحكيم فأي مسؤولية بعد هذا تقع على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟
وبعد أن فشلت جميع الوسائل التي اتخذها الإمام لإقناع الخوارج فقد أشاعوا الفساد والتمرد والرعب بين المسلمين، فلم يجد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) طريقاً لإعادة الأمن
1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة : 2 : 289 و 290. بحار الأنوار: 33 : 387.
والاستقرار إلا فتح باب الحرب معهم، وقد وجّه إليهم خطاباً مشفوعاً بالنصح والإرشاد لهم قائلاً:
«أَيَّتُها الْعِصابَةُ إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا تَلْعَنُكُمُ الأمَّةُ غَداً، وَأَنْتُمْ صَرْعَى بِإِزاءِ هَذَا النَّهْرِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ وَلَا سُنَّةٍ، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنِّي نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْحُكْوَمةِ، وَأَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ طَلَبَ الْقَوْمِ لَهَا مَكِيْدَةٌ، وَأَنْبَأْتُكُمْ أَنَّ الْقَوْمَ لَيْسُوا بِأَصْحَابِ دِينِ وَلَا قُرْآنٍ، وَأَنِّي أَعْرَفُ بِهِمْ مِنْكُمْ، وَقَدْ عَرَفْتُهُمْ أَطْفالاً، وَعَرَفْتُهُمْ رِجالاً، فَهُمْ شَرُّ رِجال وَشَرُّ أَطْفَالٍ، وَهُمْ أَهْلُ الْمَكْرِ وَالْغَدْرِ، وَأَنَّكُمْ إِنْ فارَقْتُمُونِي وَرَأْيِي جانَبْتُم الْخَيْرَ وَالْحَزْمَ، فَعَصَيْتُمُونِي وَأَكْرَهْتُمُونِي حَتَّى حَكَمْتُ، فَلَمّا أَنْ فَعَلْتُ شَرَطْتُ وَاسْتَوْثَقْتُ، وَأَخَذْتُ عَلَى الْحَكَمَيْنِ أَنْ يُحْيِيَا ما أَحْيا الْقُرْآنُ، وَأَنْ يُمِينا ما أَمَاتَ الْقُرْآنُ، فَاخْتَلَفا، وَخالَفَا حُكْمَ الْكِتابِ وَالسُّنَّةِ وَعَمِلا بِالْهَوى، فَنَبَذْنَا أَمْرَهُمْ، وَنَحْنُ عَلى أَمْرِنا الْأَوَّلِ، فَما نَبَأَكُمْ وَمِنْ أَيْنَ أتِيْتُمْ...».
وحكى هذا الاحتجاج إكراه الخوارج للإمام على التحكيم، وأنه رفضه ولكنهم أصرُّوا عليه، وأنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يوافق عليه إلا بعد أن اشترط على الحكمين أن يحكما بما وافق الكتاب والسنة، ولما لم يحكما بذلك كان حكمهما مرفوضاً إلا ان الخوارج لم يعوا كلام الإمام فردوا عليه قائلين :
إنّا حيث حكّمنا الرجلين أخطأنا بذلك، وكنا كافرين، وقد تبنا من ذلك، فإن شهدت على نفسك بالكفر وتبت كما تبنا فنحن معك وإلا فاعتزلنا، وإن أبيت فنحن منابذوك على سواء.
فأنكر الإمام مقالتهم وقال :
«أَبَعْدَ إِيْمَانِي بِاللّه، وَهِجْرَتِي وَجِهادِي مَعَ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَبُوءُ وَأَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ ؟ لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ.
وَيْحَكُم بِمَ اسْتَحْلَلْتُم قِتالَنا، وَالْخُرُوجَ مِنْ جَمَاعَتِنَا ؟ أَنِ اخْتارَ النَّاسُ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا لَهُما : انْظُرا بالحقّ فِيما يُصْلِحُ العامّة لِيُعْزَلَ رَجُلٌ وَيُوضَعَ آخَرُ مَكانَهُ، أَحَلَّ لَكُمْ أَنْ تَضَعُوا سُيُوفَكُمْ عَلى عَواتِقِكُمْ، تَضْرِبُونَ بها هاماتِ النَّاسِ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَهُمْ ؟ ! إِنَّ هذا لَهُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ» (1).
ولم تجد معهم هذه الحجج الناصعة التي أقامها الإمام عليهم فقد أصروا على الغي والعدوان، وقد اترعت نفوسهم بالجهل والغباء، فشهروا سيوفهم، فقاتلهم أصحاب الإمام، فقتلوا عن آخرهم ولم يفلت منهم إلّا تسعة(2)، وقد أوضحنا ذلك في بعض أجزاء هذا الكتاب، وبهذا نطوي الحديث عن احتجاج الإمام ومناظراته مع المُتمرّدين على حكومته.
لمّا انتشر الإسلام في أنحاء الجزيرة، وعمّت فتوحاته الكثير من مناطق الشرق العربي خفّت جمهرة من علماء النصارى في وفود متعددة إلى يثرب للتعرف على الدين الإسلامي، ومعرفة خليفة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ومعهم كوكبة من المسائل المعقّدة التي يشبه بعضها الألغاز أعدوها لامتحانه، فان اهتدى لحلها آمنوا بالإسلام وإلا بقوا على دينهم، فقد اعتقدوا أنّ أوصياء الأنبياء قد وهبهم اللّه طاقات من العلم لا تصعب عليهم أية مسألة مهما كانت معقّدة.
وقد عرضت تلك الوفود مسائلها على الخلفاء فلم يهتدوا للجواب عنها، وفزع بعض الصحابة إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأحاطه علماً بالأمر، فسارع الإمام إلى الجامع والتقى بهم، وأجابهم عن مسائلهم، فآمنوا بالإسلام، واهتدوا لاعتناقه وايقنوا أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خليفة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ولي عهده.
ونعرض إلى طائفة من تلك المسائل التي سئل الخلفاء عنها، وعجزوا عن حلها وأجاب عنها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
وفد إلى المدينة جماعة من النصارى يتقدمهم الجائليق وهو من علمائهم النابهين، وكان قدومهم بعد وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وتقلُّد أبي بكر للخلافة، فقال له الجائليق : إنّا وجدنا في الإنجيل رسولاً يخرج بعد عيسى، وقد بلغنا خروج محمّد بن عبد اللّه، يذكر أنه ذلك الرسول، ففزعنا إلى ملكنا، فجمع وجوه قومنا، وأنفذنا - أي الملك - في التماس الحق... وقد فاتنا نبيّكم محمّد، وفيما قرأناه من كتبنا أنّ الأنبياء لا يخرجون إلا بعد إقامة أوصياء لهم يخلفونهم في أممهم يقتبس منهم الضياء فيما أشكل، فأنت أيها الأمير وصيه لنسألك عما نحتاج إليه ؟
فانبرى عمر، فقال له : هذا - وأشار إلى أبي بكر خليفة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فاتجه صوبه.
الجائليق : خبرنا عن فضلكم علينا في الدين، فإنّا جئنا نسأل عن ذلك.
أبو بكر: نحن مؤمنون وأنتم كفار، والمؤمن خيرٌ من الكافر، والإيمان خيرٌ من الكفر.
الجائليق : هذه دعوى تحتاج إلى حجة، خبرني أنت مؤمن عند اللّه أم عند نفسك ؟
أبو بكر: أنا مؤمن عند نفسي، ولا علم لي بما عند اللّه.
الجاثليق : فهل أنا كافر عندك على مثل ما أنت مؤمن، أم أنا كافر عند اللّه ؟
أبو بكر: أنت عندي كافر، ولا علم لي بحالك عند اللّه.
الجائليق : ما أراك إلا شاكاً في نفسك وفي... خبِّرني ألك عند اللّه منزلة في الجنّة بما أنت عليه من الدين تعرفها ؟
أبو بكر: لى منزلة في الجنّة أعرفها بالوعد، ولا أعلم هل أصل إليها أم لا.
الجائليق: ترجو لي منزلة في الجنّة ؟
أبو بكر : أرجو لك.
الجائليق : ما أراك إلا راجياً لي وخائفاً على نفسك... أخبرني هل احتويت على جميع علم النبيّ إليك ؟
أبو بكر : لا، ولكن أعلم ما أفضى لي علمه.
الجائليق : كيف صرت خليفة للنبي وأنت لا تحيط علماً بما تحتاج إليه أمته من علمه ؟
وثقل الجائليق على عمر، فقد رأى منه تعدياً على أبي بكر فصاح به.
وسارع سلمان إلى الإمام وأحاطه علماً بالأمر، فجاء إلى الجامع والتفت إلى الجائليق، وقال له :
سَلْ يا نَصْرانِيُّ فَوَالَّذِي خَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَا تَسْأَلُني عَمّا مَضى وَعَمَا يَكُونُ إِلَّا أَخْبَرْتُكَ بِهِ عَنْ نَبِيِّ الْهُدَى محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
الجائليق : أخبرني أمؤمنٌ عند اللّه أم عند نفسك ؟
أَنَا مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللّه كَمَا أَنَا مُؤْمِنٌ فِي عَقِيدَتي
الجائليق : هذا كلام من يثق بدينه، أخبرني عن منزلتك في الجنّة ما هي ؟
مَنْزِلَتي مَعَ النبيّ الْأُمِّي فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى، لَا أَرْتَابُ فِي
ذلِكَ وَلَا أَشُكُ فِي الْوَعْدِ بِهِ مِنْ رَبِّي.
الجائليق : بماذا عرفت الوعد لك بالمنزلة التي ذكرتها ؟
بِالْكِتابِ الْمُنْزَلِ، وَصِدْقِ النبيّ الْمُرْسَلِ.
الجائليق : بما علمت صدق نبيّك ؟
بالآياتِ الْباهِراتِ، وَالْمُعْجِرَاتِ الْبَيِّنَاتِ.
الجائليق : هذا طريق الحجّة لمن أراد الاحتجاج، أخبرني عن اللّه تعالى أين هو اليوم ؟
إِنَّ اللّه تَعالى يَجِلُّ عَن الْأَيْن، وَيَتَعَالَى عَنِ الْمَكانِ، كَانَ فيما لَمْ يَزَلْ، وَلَا مَكانَ وَهُوَ الْيَوْمَ عَلى ذلِكَ، لَمْ يَتَغَيَّرُ مِنْ حال إلى حالٍ.
الجائليق : أحسنت أيها العالم وأوجزت في الجواب، أخبرني عن اللّه تعالى أمدرك بالحواس عندك، فيسلك المسترشد في طلبه استعمال الحواس ؟ أم كيف طريق المعرفة به إن لم يكن الأمر كذلك ؟
تَعَالَى الْمَلِكُ الْجَبَّارُ أَنْ يُوصَفَ بِمِقْدَارٍ أَوْ تُدْرِكَهُ الْحَوَاسُ، أَوْ يُقاسَ بِالنَّاسِ، وَالطَّرِيقُ إِلى مَعْرِفَتِهِ صَنائِعُهُ الْباهِرَةُ لِلْعُقُولِ الدَّالَّةِ ذَوِي الْإِعْتِبَارِ بِمَا هُوَ مِنْهَا مَشْهُودٌ وَمَعْقُولٌ.
الجائليق : صدقت هذا واللّه هو الحقّ الذي ضلّ عنه التائهون في الجهالات، أخبرني عما قاله نبيكم في المسيح، وأنّه مخلوق من أين أثبت له الخلق، ونفي عنه الإلهيّة ؟
أَثْبَتَ لَهُ الْخَلْقَ بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي لَزِمَهُ، وَالتَّصْوِيرِ وَالتَّغْيُّرِ مِنْ
حالٍ إِلى حالٍ، وَالزِّيادةِ الَّتِي لَمْ يَنْفَكَ عَنْها وَالنُّقْصانِ، وَلَمْ أَنْفِ عَنْهُ النُّبُوَّةَ، وَلَا أَخْرَجْتُهُ مِنَ الْعِصْمَةِ وَالْكَمالِ، وَقَدْ جاءَنَا عَنِ اللّه تَعَالَى بِأَنَّهُ مِثْلُ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثمّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون.
وجرت بعد ذلك احتجاجات بين الجائليق والإمام، فبهر الجائليق من علوم الإمام، وأعلن إسلامه قائلاً : أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأن محمّداً رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وأنّك وصي رسول اللّه، وأحقُّ بمقامه، وأسلم الوفد الذي كان معه.
وانبرى عمر قائلاً للجائليق : الحمد للّه الذي هداك إلى الحقّ وهدى من معك، واعلم أنّ علم النبوة في بيت صاحب النبوة، والأمر بعده لمن خاطبت أولاً برضى الأمة واصطلاحها عليه، وتخبر صاحبك - أي الملك - بذلك وتدعوه إلى طاعة الخليفة.
فقال الجائليق : عرفت أيُّها الرجل، وأنا على يقين من أمري فيما أسررت وأعلنت (1).
وتمثّلت روعة الاستدلال وقوة الحجة في مناظرة الإمام مع الجاثليق فقد استوعبت نفسه اعجاباً بمواهب الإمام وعبقرياته الأمر الذي دعاه إلى اعتناق الإسلام.
1) أمالي الطوسي : 137. بحار الأنوار: 10 54 - 56 الغدير: 7: 179 - 181، رویت : بأسلوب آخر لا يتّفق مع ماذكره الطوسي والمجلسي.
وفد إلى يثرب جمع من النصارى من الروم يتقدمهم راهب لمعرفة الخليفة من بعد النبيّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فدخلوا الجامع النبوي وفيه أبو بكر وقد احتفّ به المهاجرون والأنصار، فتقدم إليه الراهب ودار بينهما الحديث التالي بتصرف :
الراهب : أيُّها الشيخ ما اسمك ؟
أبو بكر : عتيق.
الراهب : هل هناك اسم آخر ؟
أبو بكر الصديق.
الراهب : هل هناك اسم آخر ؟
أبو بكر : لا.
الراهب : لست بصاحبي.
أبو بكر : ما حاجتك ؟
الراهب : أنا من بلاد الروم جئت منها ببختي موقراً ذهباً لأسأل أمين هذه الأمة عن مسألة إن أجابني عنها أسلمت، وفرقت عليكم هذا المال، وإن عجز رجعت إلى بلدي ومعي المال، ولا أسلم
أبو بكر : سل عما بدا لك.
الراهب : واللّه لا أفتح الكلام حتى تؤمني من سطوتك وسطوة أصحابك.
أبو بكر : أنت آمن، وليس عليك بأس قل ماشئت.
الراهب : أخبرني عن شيءٍ ليس اللّه، ولا من عند اللّه، ولا يعلمه اللّه ؟ ولم يهتد أبوبكر للجواب.
ووجه الراهب سؤاله إلى الصحابة فلم يهتد والحلّه، فانبرى سلمان الفارسي إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخبره بالأمر فأسرع إلى الجامع ومعه السبطان الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فقال أبو بكر للراهب : سل عليّاً فإنه صاحبك، فتوجّه الراهب صوب الإمام، وعرض عليه مايلي :
الراهب : ما اسمك يا فتى ؟ اِسْمي عِنْدَ الْيَهُودِ إِليا، وَعِنْدَ النَّصارى إيليا، وَعِنْدَ وَالِدِي عَلِيٌّ، وَعِنْدَ أُمِّى حَيْدَرَة.
الراهب : ما محلك من نبيكم ؟ أَخي وَصِهْرِي وَابْنُ عَمِّي.
الراهب : أنت صاحبي وربِّ عيسى ! أخبرني عن شيء ليس اللّه، ولا من عند اللّه، ولا يعلمه اللّه ؟ أَمَا قَوْلُكَ : ما لَيْسَ للّه، فَإِنَّ اللّه تَعَالَى لَيْسَ لَهُ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ. وَأَمَا قَوْلُكَ : وَلَا مِنْ عِنْدِ اللّه، فَلَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللّه ظُلْمٌ لِأَحَدٍ. وَأَمَّا قَوْلُكَ : لَا يَعْلَمُهُ اللّه، فَإِنَّ اللّه لَا يَعْلَمُ لَهُ شَرِيكاً فِي الْمُلْكِ.
وأعلن الراهب إسلامه، وقام فقبل الإمام وقال له : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، وأشهد أنّك أنت الخليفة، وأمين هذه الأُمّة، ومعدن الدين والحكمة، وقدّم للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما معه من أموال، فلم يبرح الإمام من مكانه حتى أنفق المال بأجمعه على الفقراء، وانصرف الراهب، مع قومه وقد أعلنوا إسلامهم (1).
لقد وقف الراهب على الحقيقة، وتبين الواقع الرسالي، فآمن بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصياً للرسول الأعظم، وخليفة له.
1) الاحتجاج : 1 : 307 و 308.
وفد أسقف نجران على ابن الخطاب ليؤدي الجزية، فدعاه عمر إلى الإسلام، فأطرق الأسقف إلى الأرض لا يردّ جواباً، ودخل الإمام لا على القوم فاستقبل بحفاوة بالغة، والتفت الإمام إلى الأسقف، وتبادل معه المناظرة التالية :
الأسقف : أنتم تقولون : إنّ الجنّة عرضها السماوات والأرض، فأين تكون النار ؟
إذا جاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ يَكُونُ النَّهارُ ؟
وبهر الأسقف من علم الإمام، والتفت إليه يطلب منه الإذن بأن يسأل عمر بن الخطاب، فأذن له الإمام فقال له : أنبئني يا عمر عن أرض طلعت عليها الشمس ساعة ولم تطلع مرة أخرى ؟ فعجز عمر عن الجواب وطلب من الإمام أن يجيبه
هِيَ أَرْضُ الْبَحْرِ الَّذِي فَلَقَهُ اللّه تَعَالَى لِمُوسى حَتَّى عَبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ، فَوَقَعَتْ عَلَيْها الشَّمْسُ تِلْكَ السَّاعَةُ، وَلَمْ تَطْلُعْ عَلَيْها قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، وَانْطَبَقَ الْبَحْرُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنودِهِ.
الأسقف : صدقت، أخبرني عن شيءٍ هو في أهل الدُّنيا تأخذ الناس منه مهما أخذوا فلا ينقص بل يزداد ؟
هُوَ الْقُرْآنُ وَالْعُلُومُ.
الأسقف : صدقت، أخبرني عن أوّل رسول أرسله اللّه تعالى لا من الجنّ
ولا من الإنس ؟
ذلِكَ الْغُرابُ الَّذِي بَعَثَهُ اللّه تَعالى لَمّا قَتَلَ قابِيلُ أَخَاهُ هَابِيلَ، فَبَقِي مُتَحَيِّراً لَا يَعْلَمُ ما يَصْنَعُ بِهِ، فَعِنْدَ ذلِكَ بَعَثَ اللّه غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ.
الأسقف : صدقت، بقيت لي مسألة واحدة أريد أن يخبرني عنها عمر وهي : أين اللّه ؟ فغضب عمر.
فقال له الإمام :
لَا تَغْضَبْ يا أَبا حَفْصٍ حَتَّى لَا يَقُولَ إِنَّكَ قَدْ عَجَزْتَ.
وطلب عمر من الإمام أن يجيبه.
كُنْتُ يَوْماً عِنْدَ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ مَلَكَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيهِ السَّلَامُ.
فَقالَ لَهُ النبيّ : أَيْنَ كُنْتَ ؟
قالَ : عِنْدَ رَبِّي فَوْقَ سَبْع سَماواتٍ.
ثُمَّ أَقْبَلَ مَلَكَ آخَرُ فقالَ لَهُ : أَيْنَ كُنْتَ؟
فقالَ : عِنْدَ رَبِّي فِي مَطْلِعَ الشَّمْسِ.
ثُمَّ جاءَ مَلَكَ آخَرُ فَقَالَ لَهُ : أَيْنَ كُنْتَ ؟
قالَ : كُنْتُ عِنْدَ رَبِّي فِي مَغْرِبِ الشَّمْسِ، إِنَّ اللّه تَعَالَى لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكانٌ، وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ، وَلَا عَلَى شَيْءٍ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ.
«وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ وَالْأَرْضَ» (1).
1) البقرة 2: 255.
«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (1).
لَا يَعْزُبُ عِنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلَا أَكْبَرُ (2).
«يَعْلَمُ ما فِي السَّمَواتِ وما فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُم وَلَا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلَا أَكْثَرُ إلَّا هُوَ مَعَهُم أَيْنما كانُوا» (3).
لم يملك الأسقف اعجابه بمواهب الإمام، فقد علم أنه باب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وراح يعلن اسلامه قائلاً : أشهد أن لا إله إلّا اللّه، وأنّ محمّداً رسول اللّه، وأنك خليفة اللّه في أرضه، ووصي رسوله (4).
وحكت هذه المناظرة مدى سعة علوم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و واحاطته التامة بواقع التوحيد، وانه لا يضارعه أحد في فضله وسعة علومه.
يقول الرواة : حدثت مشادّة بين الحارث بن سنان الأزدي وبين رجل من الأنصار، فرُفع أمرهما إلى عمر، فلم ينتصف للحارث فارتد عن الإسلام، ولحق بقيصر، وكان الحارث قد نسى ما تعلّمه ما تعلمه من القرآن الكريم سوى قوله تعالى : «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيْنَا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ» (1).
وسمع قيصر هذه الآية فقال : سأكتب إلى ملك العرب بمسائل فإن أجابني عنها أطلقت ما عندي من الأسارى، وإن لم يجبني عنها عمدت إلى الأسارى فعرضت عليهم النصرانية، فمن قبلها منهم استعبدته، ومن أبى قتلته، وكتب إلى عمر
بمسائل كان منها :
1 - تفسير سورة الفاتحة.
2 - الماء الذي ليس من الأرض، ولا من السماء ؟
3 - عما يتنفّس ولا روح فيه ؟
4 - عصا موسى ممّ كانت، وما اسمها، وما طولها ؟
5 - جارية بكر لأخوين في الدنيا وفي الآخرة لواحد ؟
ولمّا عرضت هذه المسائل على عمر لم يهتد لحلها، ففزع إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فعرضها عليه.
1) آل عمران 3: 85.
وكتب الإمام جواب هذه المسائل، وهذا نص ما كتبه بعد البسملة :
«مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صِهْرٍ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَوارِثِ عِلْمِهِ، وَأَقْرَبِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، وَوَزِيرِهِ، وَمَنْ حَقَّتْ لَهُ الْوِلَايَةُ وَأُمِرَ الْخَلْقُ بِالْبَراءَةِ مِنْ أَعْدائِهِ، قُرَّةِ عَيْنِ رَسُولِ اللّه، وَزَوْجِ ابْنَتِهِ، وَأَبِي وُلْدِهِ إِلى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللّه الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْخَفِيّاتِ، وَمُنْزِلُ الْبَرَكاتِ، مِنْ يَهْدِي اللّه فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللّه فَلَا هادِيَ لَهُ، وَرَدَكِتابُكَ وَأَقْرَأْنِيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
فَأَمَّا سُؤالُكَ عَنِ اسْمِ اللّه تَعَالَى فَإِنَّهُ اسْمٌ فِيهِ شِفاءٌ مِنْ كلّ داءٍ، وَعَوْنٌ عَنْ كلّ دَواء.
وَأَمَّا الرَّحْمَنُ فَهُوَ عَوْنٌ لِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَهُوَ اسْمٌ لم يُسَمَّ بِهِ غَيْرُ اللّه الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
وَأَمَّا الرَّحِيمُ فَرَحِمَ مَنْ عَصَى وَتابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً.
وَأَمَّا «الْحَمْدُ للّه رَبِّ الْعَالَمِينَ» فَذَلِكَ ثَنَاءٌ عِلَى رَبِّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْنا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» فَإِنَّهُ يَمْلِكُ نَواصِيَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ فِى الدُّنْيا شَاكَاً أَوْ جَبَاراً أَدْخَلَهُ النَّارَ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ عَذَابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ شَاكٌ وَلَا جَبَارٌ، وَكُلُّ مَنْ كانَ فِي
الدُّنْيا طائِعاً مُدِيماً مُحافِظاً أَدْخَلَهُ الجنّة بِرَحْمَتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ : «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» فَإِنَّا نَسْتَعِينُ بِاللّه عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ لَا يُضِلُّنَا كَمَا أَضَلَّكُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» فَذلِكَ الطَّرِيقُ الْواضِحُ مَنْ عَمِلَ فِي الدُّنْيا عَمَلاً صالِحاً فَإِنَّهُ يَسْلُكُ عَلَى الصِّراطِ إِلَى الجنّة.
وَأَمَّا قَوْلُهُ : «صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمتَ عَلَيْهِم» فَتِلْكَ النِّعْمَةُ الَّتِي أَنْعَمَها اللّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَنْ كانَ قَبْلَنا مِنَ النبيّينَ وَالصِّدِّيقِينَ فَنَسْأَلُ اللّه رَبَّنَا أَنْ يُنْعِمَ عَلَيْنا كَمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ : «غَيْرِ الْمَغضُوبِ عَلَيْهِمْ» فَأُولئِكَ الْيَهُودُ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللّه كُفْراً فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ، فَنَسْأَلُ رَبَّنَا أَنْ لَا يَغْضَبَ عَلَيْنا كَمَا غَضِبَ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ : «وَلَا الضَّالِّينَ» فَأَنْتَ وَأَمْثالُكَ يا عابِدَ الصَّلِيبِ الْخَبِيثِ، ضَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ عِيسَى بْن مَرْيَمَ، فَنَسْأَلُ اللّه رَبَّنا أَنْ لَا يُضِلَّنَا كَما ضَلَلْتُمْ.
وَأَمَّا سُؤالُكَ عَنِ الْماءِ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا مِنَ السَّمَاءِ، فَذَلِكَ الَّذِي بَعَثَتْهُ بِلْقِيسُ إِلى سُلَيْمانَ بْن دَاوُدَ، وَهُوَ عَرَقُ الْخَيْلِ إِذا جَرَتْ فِي الْحُرُوبِ.
وَأَمَّا سُؤالُكَ عَمَّا يَتَنَفَّسُ وَلَا رُوحَ لَهُ فَذلِكَ الصُّبْحُ إِذا تَنَفَّسَ.
وَأَمَّا سُؤالُكَ عَنْ عَصا مُوسَى ممّا كانَتْ ؟ وَما طُولُهَا ؟ وَما اسْمُها ؟
وَما هِيَ ؟ فَإِنَّهَا كَانَتْ يُقالُ لَهَا الْبَرْنِيَّةُ الرَّائِدَةُ، وَكَانَ إِذَا كَانَ فِيهَا الرُّوْحُ زادَتْ، وَإِذا خَرَجَتْ مِنْهَا الرُّوحُ نَقَصَتْ، وَكانَتْ مِنْ عَوْسَجٍ، وَكَانَتْ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَكَانَتْ مِنَ الجنّة أَنْزَلَها جَبْرَئِيل (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وَأَمَّا سُؤالُكَ عَنْ جَارِيَةٍ تَكُونُ فِي الدُّنْيا لِأَخَوَيْنِ وَفِي الْآخِرَةِ لِوَاحَدٍ، فَتِلْكَ النَّخْلَةُ فِي الدُّنْيا هِيَ لِلْمُؤْمِن مِثْلِي وَلِلْكَافِرِ مِثْلُكَ، وَنَحْنُ مِنْ وُلْدِ آدَمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَفِي الْآخِرَةِ لِلْمُسْلِم دُونَ الْكَافِرِ الْمُشْرِكِ، وَهِيَ فِى الجنّة وَلَيْسَ فِى النَّارِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «فيْهِما فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّان» (1)».
ثم طوى الكتاب، وأنفذه إلى قيصر، فلما قرأه أعجب به، وعمد إلى الأسرى فأطلقهم وأسلم، ودعا أهل مملكته إلى الإسلام فثارت عليه النصارى وهموا بقتله، فاعتذر منهم بأنه إنما أعلن إسلامه لاختبارهم فكفّوا عنه، ويقي كاتماً اسلامه حتى مات (2).
وانتهت هذه المناظرة وهي قبس من جهاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد نافح عن الإسلام في جميع المواقف بسيفه وعلمه وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مناظراته مع النصارى.
ناظر بعض علماء اليهود، وأعمدتهم الروحية، الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد سألوه عن أعقد المسائل، وأكثرها غموضاً، وأشبهها بالألغاز، وذلك لامتحانه واكتشاف الواقع الرسالي الماثل فيه، وقد أجابهم الإمام عنها جواب العالم الخبير، فلم يبق أي جانب من مسائلهم إلّا أجاب عنه بدقة وشمول وقد بهروا من سعة علومه، وإحاطته الكاملة بأديانهم وبالكتب السماوية، وقد اعتنق بعضهم الإسلام لما رأوه من سعة علوم الإمام، ونعرض - فيما يلي - لبعض تلك المناظرات.
لما تقلّد عمر الخلافة بعد أبي بكر وفد عالم يهوديّ على عمر، وقد احتفّ به جماعة من الصحابة كان من بينهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال اليهوديّ لعمر : إني رجل من اليهود وأنا علّامتهم، قد أردت أن أسألك عن مسائل إن أخبرتني بها أسلمت.
فقال عمر : وما هي ؟
قال : ثلاث، وثلاث، وواحدة، وان كان في القوم أحد أعلم منك فأرشدني.
فأشار إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاتجه صوبه، فقال له الإمام : قُلْتَ : ثَلاثاً، وَثَلاثاً، وَواحِدَةً أَلَا قُلْتَ : سَبْعاً ؟ (1).
اليهوديّ : أسألك عن ثلاث، فإن أصبت فيهن أسألك عن الواحدة، وإن أخطأت في الثلاث الأولى، لم أسألك عن شيء.
ما يُدْرِيكَ إِذا سَأَلْتَنِي فَأَجَبْتُكَ أَخْطَأْتُ أَمْ أَصَبْتُ ؟
فاستخرج اليهوديّ كتاباً عتيقاً، وقال : هذا كتاب ورثته عن آبائي وأجدادي بإملاء موسى وخط هارون، وفيه هذه الخصال التي أريد أن أسألك عنها.
باللّه عَلَيْكَ إِن أَجَبْتُكَ عَنْها بِالصَّوابِ تُسْلِمُ ؟
اليهوديّ : لئن أجبتني منها بالصواب لأسلمنّ الساعة على يديك (2).
سَلْ.
اليهوديّ : أخبرني عن أوّل حجر وضع على وجه الأرض ؟ وأوّل عين نبعت، وأوّل شجرة نبتت.
أَنتُمْ تَقُولُونَ: أَوَّلُ حَجَرٍ وُضِعَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْحَجَرُ الَّذِي فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَذَبْتُمْ، هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي نَزَلَ مَعَ آدَمَ مِنَ الجنّة.
اليهوديّ : صدقت واللّه إنه بخط هارون وإملاء موسى.
أَمَا الْعَيْنُ فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَوَّلَ عَيْنِ نَبَعَتْ عِلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْعَيْنُ الَّتِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَذَبْتُم، هِيَ عَيْنُ الْحَياةِ الَّتِي غَسَلَ فِيها النُّونَ مُوسى، وَهِيَ الْعَيْنُ الَّتِي شَرِبَ مِنْهَا الْخَضِرُ.
اليهوديّ : صدقت واللّه إنّه بخط هارون وإملاء موسى.
وَأَما الشَّجَرَةُ فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَوَّلَ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الزَّيْتُونُ وَكَذَبْتُم، وَهِي الْعَجْوَةُ نَزَلَ بِهَا آدَمُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِنَ الجنّة.
اليهوديّ : صدقت واللّه أنّه بخطّ هارون وإملاء موسى.
اليهوديّ : وأما الثلاث الأخرى، كم لهذه الأُمّة من إمامِ هُدى لا يضرهم من خذلهم ؟
إِثْنَا عَشَرَ إِمَاماً.
اليهوديّ : صدقت.
اليهوديّ : أين يسكن نبيّكم من الجنّة ؟
يَسْكُنُ أَعْلَاها دَرَجَةً، وَأَشْرَفَها مكاناً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ.
اليهوديّ : صدقت واللّه انه بخط هارون واملاء موسى.
اليهوديّ : فمن ينزل معه في منزله ؟
يَنْزِلُ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ إِمَاماً.
اليهوديّ : صدقت.
اليهوديّ : كم يعيش وصيه - أي وصيُّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) - بعده ؟
ثَلَاثِينَ سَنَةٌ.
اليهوديّ : يموت أو يقتل ؟
يُضْرَبُ عَلَى قَرْنِهِ فَتُخْضَبُ لِحْيَتُهُ
اليهودي: صدقت واللّه انه بخط هارون و املاء موسى، ثمّ اعتنق اليهودي الإسلام (1).
وحكت هذه المناظرة تصدي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لنشر الإسلام، واشاعة قيمه بين الناس، وإنّه ليس هناك أحد يملك ما يملكه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الطاقات العلمية.
1) الاحتجاج : 1 : 336 و 337. الخصال : 476 و 477.
وفد جماعة من اليهود على عمر بن الخطاب في أيام خلافته، أنت والى هذا الأمر بعد نبيكم ؟ وأتيناك نسألك عن أشياء إن أخبرتنا بها آمنا وصدقناك، فقال عمر : سلوا عما بدا لكم.
اليهود : أخبرنا عن أقفال السموات السبع، ومفاتيحها، وأخبرنا ع-ن قب-ر س-ار بصاحبه، وأخبرنا عمن أنذر قومه ليس من الجن ولا من الإنس، وأخبرنا عن موضع طلعت فيه الشمس ولم تعد إليه، وأخبرنا عن خمسة لم يخلقوا في الأرحام، وعن واحد وعن اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية وتسعة وعشرة وحادي عشر وثاني عشر ؟
وأطرق عمر برأسه ولم يهتد للجواب، واعتذر أنّ هذه المسائل لا يعلم بها إلّا اللّه، ولكن يجيبكم عنها ابن عم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فأرسل خلفه فلما حضر قال له عمر : يا أبا الحسن إنّ اليهود سألوني عن أشياء لم أجبهم عنها، وقد ضمنوا إنأخبرتهم أن يؤمنوا بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فعرض اليهود عليه مسائلهم وهي :
اليهود : ما أقفال السماوات ؟
الشَّرْلُ بِاللّه.
اليهود : ما مفاتيحها ؟
قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه.
اليهود: ما القبر الذي سار بصاحبه ؟
الْحُوتُ الَّذِى سارَ بِيُونُسَ فِي بَطْنِهِ الْبِحارَ السَّبْعَةَ.
اليهود : ما الذي أنذر قومه لا من الجن ولا من الإنس ؟
تِلْكَ نَمْلَةُ سُلَيْمانَ بْنِ دَاوُدَ.
اليهود : ما الموضع الذي طلعت الشمس ولم تعد إليه ؟
ذلِكَ الْبَحْرُ الَّذِي أَنْجَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ مُوسَىٰ وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ.
اليهود : ما الخمسة الذين لم يخلقوا في الأرحام ؟
آدَمُ وَحَوَاءُ وَعَصا مُوسَى وَناقَةُ صالِحٍ وَكَبْشُ إِبْرَاهِيمَ.
اليهود : ما الواحد ؟
اللّه الْواحِدُ الْقَهَّار.
اليهود ما الاثنان ؟
آدم وحواء.
اليهود : ما الثلاثة ؟
جَبْرَئِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَائِيلُ.
اليهود : ما الأربعة ؟
التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقانُ.
اليهود : ما الخمسة ؟
خَمْسُ صَلَواتِ مَفْرُوضَاتٍ عَلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
اليهود : ما الستة ؟
قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ
أيَّامٍ» (1).
اليهود : ما السبعة ؟
قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَاً شِدَادَاً» (2).
اليهود : ما الثمانية ؟
قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلٌ : «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ» (3).
اليهود : ما التسعة ؟
الآياتُ الْمُنَزَّلَةُ على مُوسَى بْن عِمْرانَ.
اليهود : ما العشرة ؟
قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «وَوَاعَدْنَا مُوْسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةٌ وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرِ» (4).
اليهود : ما الحادي عشر ؟
قَوْلُ يُوسُفَ لِأَبِيهِ : «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبَاً» (5).
اليهود : ما الاثنا عشر ؟
قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسى : «اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً» (6).
وأسلموا على يد الإمام، وجرى بينهم حديث أعرضنا عن ذكره (7).
ووفد إلى يثرب عالم يهودي من أهل الشام كان قد قرأ التوراة والإنجيل والزبور وصحف الأنبياء، فالتقى بكوكبة من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كان من بينهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحبر الأمة عبد اللّه بن عباس وأبو معبد الجهني، وجرت بينه وبين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مناظرة متشعبة قد استوعبت وقتاً كثيراً لطولها، ونحن نذكر معظمها، فقد التفت اليهوديّ إلى الجماعة الجالسين وقال لهم : يا أمة محمّد ما تركتم لنبي درجة، ولا لمرسل فضيلة إلا أنحلتموها نبيكم، فهل تجيبوني عما أسألكم عنه ؟ فأمسك القوم عن جوابه، سوى الإمام فقد انبرى إليه قائلاً :
«نَعَمْ، ما أَعْطَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّاً دَرَجَةً، وَلَا مُرْسَلاً فَضِيلَةٌ، إِلَّا جمعها لِمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَزَادَ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلَى الْأَنْبِياءِ أَضْعَافاً مُضاعَفَةٌ».
اليهوديّ : هل أنت مجيبي ؟
نَعَمْ، سَأَذْكُرُ لَكَ الْيَوْمَ مِنْ فَضائِلِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَا يُقِرُّ اللّه بِهِ أَعْيُنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ فِيهِ إِزالَةٌ لِشَكٍّ الشَّاكَينَ فِي فَضَائِلِهِ، إِنَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَانَ إِذا ذَكَرَ لِنَفْسِهِ فَضِيلَةٌ قالَ: وَلَا فَخْرَ، وَأَنا أَذْكُرُ لَكَ فَضائِلَهُ غَيْرَ مُزْرٍ بِالْأَنْبِياءِ، وَلَا مُنتَقِصٍ لَهُمْ، وَلكِنْ شُكْراً للّه عَلَى مَا أَعْطَى محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِثْلَ ما أَعْطَاهُمْ وَما زادَهُ اللّه، وَما فَضَّلَهُ عَلَيْهِمْ...
اليهوديّ : إني أسألك فأعد له جواباً.
هات.
اليهوديّ : هذا آدم أسجد اللّه له ملائكته، فهل فعل بمحمّد شيئاً من هذا ؟
لَقَدْ كانَ ذلِكَ، وَلَئِنْ أَسْجَدَ اللّه لِآدَمَ مَلَائِكَتَهُ فَإِنَّ سُجُودَهُمْ لَمْ يَكُنْ سُجُودَ طَاعَةٍ، وَأَنَّهُمْ عَبَدُوا آدَمَ مِنْ دُونِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَلكِن اعْتِرافاً لآدَمَ بِالْفَضِيلَةِ وَرَحْمَةٌ مِنَ اللّه لَهُ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَعْطِيَ ما هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هذا، إِنَّ اللّه تَعالى صَلَّى عَلَيْهِ فِي جَبَرُوتِهِ وَالْمَلَائِكَةَ بِأَجْمَعِها، وَتَعَبَّدَ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ (1)فَهَذِهِ زِيادَةٌ لَهُ.
اليهوديّ : إن آدم تاب اللّه عليه من بعد خطيئته.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد نَزَلَ عَلَيْهِ ما هُوَ أَكْبَرُ مِنْ هذا، قال اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ» (2)إِنَّ محمّداً غَيْرُ مُوافٍ فِي الْقِيَامَةِ بِوِزْرٍ، وَلَا مَطْلُوبٍ فِيهَا بِذَنْبٍ.
اليهوديّ : إن إدريس رفعه اللّه عزّوجلّ مكاناً عليّاً، وأطعمه من تحف الجنة بعد وفاته.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَعْطِيَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هذا، إِنَّ اللّه
جَلَّ ثَنَاؤُهُ قالَ فِيهِ : «وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ» (1)فَكَفَى بِهذا مِنَ اللّه رفْعَةٌ، وَلَئِنْ أُطْعِمَ إِدْرِيسُ مِنْ تُحَفِ الجنّة بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَإِنَّ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَطْعِمَ فِي الدُّنْيا فِي حَياتِهِ، بَيْنَما هُوَ يَتَضَوَّرُ جُوعاً أَتاهُ جَبْرَئِيلُ بِجامِ مِنَ الجنّة فِيهِ تُحْفَةٌ... فَنَاوَلَهَا أَهْلَ بَيْتِهِ، فَهَمَّ أَنْ يَتَناوَلَهَا... بَعْضُ الصَّحابَةِ، فَتَناوَلَها جَبْرَئِيلُ فَقالَ لَهُ : كُلّها فَإِنَّها تُحْفَةٌ مِنَ الجنّة أَنْحَفَكَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِها وَإِنَّها لَا تُصْلُحُ إِلَّا لِنَبِيٍّ أَوْ وَصِيٍّ نَبِيٍّ، فَأَكَلْنا مِنْهَا، وَإِنِّي لَأَجِدُ حَلَاوَتَها ساعَتِي هَذِهِ.
اليهوديّ : هذا نوح صبر في ذات اللّه عزّ وجل، وأعذر قومه إذ كذب.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد صَبَرَ فِي ذَاتِ اللّه، وَأَعْذَرَ قَوْمَهُ إِذ كُذَّبَ وُشُرِّدَ، وَحُصِبَ بِالْحَصَى، وَعَلَاهُ أَبُو لَهَبٍ بِسَلا ناقةٍ وَشَاةٍ فَأَوْحَى اللّه تَعَالَى إِلَى جَابِيلَ مَلَكِ الْجِبالِ أَن شُقَّ الْجِبَالَ، وَانْتَهِ إِلى أَمْرِ محمّد فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ : إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ لَكَ بِالطَّاعَةِ، فَإِنْ أَمَرْتَ أَنْ أَطْبِقَ عَلَيْهِم الْجِبَالَ فَأَهْلَكْتُهُمْ بِها...
قالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : إِنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً. رَبِّ اهْدِ أُمَّتِي فَإِنَّهُم لَا يَعْلَمُونَ... إِنَّ نُوحاً لَمّا شاهَدَ غَرَقَ قَوْمِهِ رَقَّ عَلَيْهِمْ رِفَّةَ الْقَرابَةِ وَأَظْهَرَ عَلَيْهِمْ شَفَقَةٌ فَقَالَ : «رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي» (2).
فَقالَ اللّه تَبارَكَ وَتَعالَى اسْمُهُ : «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ
صَالِحٍ» (1)أَرادَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنْ يُسَلِّيَهُ بِذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَمَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَوْمِهِ الْمُعَانَدَةُ شَهَرَ عَلَيْهِمْ سَيْفَ النّقْمَةِ وَلَمْ تُدْرِكْهُ فِيْهِمْ رِقّةٌ القرابَةِ.
اليهوديّ : إن نوحاً دعا ربه فهطلت له السماء بماء منهمر ؟
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَكانَتْ دَعْوَتُهُ دَعْوَةَ غَضَبٍ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هَطَلَتْ لَهُ السَّماءُ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ رَحْمَةٌ، إِنَّهُ لَمَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَاهُ أَهْلُهَا فِي يَوْم جُمُعَةٍ، فَقَالُوا لَهُ يا رَسُولَ اللّه، احْتَبَسَ الْقَطْرُ، وَاصْفَرَّ الْعُودُ، وَتَهافَتَ الْوَرَقُ.
فَرَفَعَ يَدَهُ الْمُبارَكَةَ حَتَّى رُئِيَ بَياضُ إِبْطَيْهِ، وَمَا تَرَى فِي السَّمَاءِ سَحابَةٌ، فَما بَرِحَ حَتَّى سَقاهُمُ اللّه، حَتَّىٰ إِنَّ الشَّابَّ الْمُعْجَبَ بِشَبابِهِ لَهَمَّتْهُ نَفْسُهُ فِي الرُّجُوعِ إِلى مَنْزِلِهِ فَما يَقْدِرُ عَلى ذلِكَ مِنْ شِدَّةِ السَّيْلِ، فَدامَ أَسْبُوعاً، فَأَتَوهُ فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّه، لَقَدْ تَهَدَّمَتِ الْجُدُر، وَاحْتَبَسَ الرَّكْبُ وَالسَّفَرُ.
فَضَحِكَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَقالَ : هَذِهِ سُرْعَةُ مَلَالَةِ ابْنِ آدَمَ، ثمّ قالَ: اللّهمَّ حوالَيْنا وَلَا عَلَيْنا، اللّهمَّ فِى أصُولِ الشَّيْح وَمَراتِع الْبُقَع، فَرُئِي حَوالَى الْمَدِينَةِ يَقْطُرُ الْمَطَرُ قَطْراً، وَمَا يَقَعُ فِي الْمَدِينَةِ قَطْرَةً لِكَرَامَتِهِ عَلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ.
اللّه اليهوديّ : إن هوداً قد انتصر اللّه له من أعدائه بالريح، فهل فعل لمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) شيئاً
1) هود 46:11.
من هذا ؟
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أعْطِى ما هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هذا، إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ قَدِ انْتَصَرَ لَهُ مِنْ أَعْدائِهِ بِالرِّيحِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، إِذْ أَرْسَلَ عَلَيْهِم رِيحاً تَذْرُو الْحَصى، وَجُنُوداً لَمْ يَرَوْهَا فَزادَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلَى هُودٍ بِثَمَانِيَةِ آلافٍ مَلَكٍ، وَفَضَّلَهُ عَلى هُودٍ، بِأَنَّ رِيحَ عادٍ رِيحُ سَخَطٍ وَرِيحَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ريحُ رَحْمَةٍ، قالَ اللّه تَبارَكَ وَتَعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُم إذ جَاءتْكُم جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِم رِيْحَاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا» (1).
اليهوديّ : إن صالحاً أخرج اللّه له ناقة جعلها عبرة لقومه.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَعْطى ما هُوَ أَفْضَلُ مِن ذلِكَ، إِنَّ ناقَةَ صالح لَمْ تُكَلِّمْ صَالِحاً، وَلَمْ تَشْهَدْ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَهُ فِي بَعْضِ غَزَواتِهِ إِذَا هُوَ بِبَعِيرِ قَدْ دَنَا، ثمّ رَغَا فَأَنْطَقَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللّه، إِنَّ فُلاناً اسْتَعْمَلَنِي حَتَّىٰ كَبِرْتُ، وَيُرِيدُ نَحْرِي فَأَنَا أَسْتَعِيذُ بِكَ مِنْهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِلَى صَاحِبِهِ فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهُ، فَوَهَبَهُ لَهُ وَخَلَاهُ...
اليهوديّ : إن إبراهيم قد تيقظ بالاعتبار على معرفة اللّه تعالى، وأحاطت دلالته بعلم الإيمان به ؟
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَأعْطِي محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ، قَدْ تَيَقظَ
1) الأحزاب 33 : 9.
بالإِعْتِبَارِ عَلَى مَعْرِفَةِ اللّه تَعَالَى، وَأَحاطَتْ دَلَائِلُهُ بِعِلْم الإيْمَانِ بِهِ، وَتَيَقَّظَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَانَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، قَدِمَ تُجَارٌ مِنَ النَّصارى فَتَزَلُوا بِتِجَارَتِهِمْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَعَرَفَهُ بِصِفَتِهِ وَرِفْعَتِهِ، وَخَبَرِ مَبْعَثِهِ وَآيَاتِهِ فَقَالُوا لَهُ :يا غُلامُ، ما اسمُك ؟
قالَ : محمّد.
قالُوا : ما اسمٌ أَبِيكَ؟
قالَ : عَبْدُ اللّه.
قالُوا: ما اسْمُ هذِهِ - وأشاروا إلى الأرض -.
قالَ: الْأَرْضُ، ثمّ قالُوا : فَمَا اسْمُ هَذِهِ ؟ وَأَشَارُوا إِلَى السَّمَاءِ ؟
قالَ : السَّماءُ.
قالُوا : فَمَنْ رَبُّهُما ؟
قالَ : اللّه، ثمّ انْتَهَرَهُمْ وَقالَ : أَتُشَكِّكُونِي فِي اللّه عَزَّ وَجَلَّ ؟ وَيْحَكَ يَا يَهُودِيُّ! لَقَدْ تَيَقَّظَ بِالْإِعْتِبَارِ عَلَى مَعْرِفَةِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ مَعَ كُفْرٍ قَوْمِهِ، إِذْ هُوَ بَيْنَهُمْ يَسْتَقْسِمُونَ بِالْأَزْلَامِ، وَيَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه.
اليهوديّ : إنّ إبراهيم حجب عن نمرود بحجب ثلاثة ؟
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حُجِبَ عَمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ بِحُجُبٍ خَمْسَةٍ فَثَلَاثَةٌ بِثَلَاثَةٍ، وَاثْنَانِ فَضْلٌ، قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ
أَيْدِيْهِم سَدّاً» فَهَذَا الْحِجَابُ الْأَوَّل.
«وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً»، فَهَذَا الْحِجَابُ الثَّانِي.
«فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ» (1)فَهَذَا الْحِجَابُ الثَّالِثُ.
ثُمَّ قالَ : «وَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابَاً مَسْتُورَاً» (2)فَهَذَا الْحِجَابُ الرَّابع.
ثُمَّ قالَ : «فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ» (3)، فَهَذِهِ حُجُبٌ خَمْسَةٌ.
اليهوديّ : إنّ إبراهيم قد بهت الذي كفر ببرهان نبوته.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَتَاهُ مُكَذِّبٌ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ اُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ مَعَهُ عَظْمٌ نَخِرٌ فَفَرَكَهُ ثمّ قالَ:
يا محمّد «مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيْمٌ» (4).
فَأَنْطَقَ اللّه محمّداً بِمُحْكَم آياتِهِ، وَبَهَتَهُ بِبُرْهانِ نُبُوَّتِهِ، فَقالَ: «يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِ خَلْقٍ عَلِيمٌ» (5)، فانْصَرَفَ مبهوتاً.
اليهوديّ : إن إبراهيم جذّ أصنام قومه غضباً للّه عزّ وجلّ.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَدْ نَكَسَ عَن الْكَعْبَةِ ثَلَاثَ مِائَةٍ وَسِتَّيْنَ صَنَماً، وَنَفَاهَا عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَذَلَّ مَنْ عَبَدَها بِالسَّيْفِ.
اليهوديّ : إن إبراهيم قد اضجع ولده وتلَّه للجبين.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَلَقَدْ أُعْطِي إِبْراهِيمُ بَعْدَ الْإِضْطِجاعِ الْفِداءَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أُصِيبَ بِأَفْجَعَ مِنْهُ فَجِيْعَةً إِنَّهُ وَقَفَ عَلَى عَمِّهِ حَمْزَةَ أَسَدِ اللّه، وَأَسَدِ رَسُولِهِ، وَناصِرِ دِيْنِهِ، وَقَدْ فُرِّقَ بَيْنَ رُوحِهِ وَجَسَدِهِ، فَلَمْ يَبِنْ عَلَيْهِ حُرْقَةٌ، وَلَمْ يَفِضْ عَلَيْهِ عَبْرَةٌ، وَذَلِكَ لِيُرْضِي اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِصَبْرِهِ، وَيَسْتَسْلِمَ لِأَمْرِهِ، فِي جَمِيعِ الْفِعَالِ.
وَقالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): «لَوْلَا أَنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةٌ لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِ السَّباع وَحَواصِلِ الطَّيْرِ، وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ سُنَّةٌ بَعْدِي لَفَعَلْتُ ذَلِكَ».
اليهوديّ : إنّ إبراهيم قد أسلمه قومه إلى الحريق فصبر، فجعل اللّه عزّ وجلّ النار عليه برداً وسلاماً، فهل فعل بمحمّد شيئاً من ذلك ؟
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَمَا نَزَلَ بِخَيْبَرَ سَمَّتْهُ الْخَيْبَرِيَّةُ فَصَيَّرَ اللّه السُّمَّ فِي جَوْفِهِ بَرْداً وَسَلَاماً إِلى مُنْتَهى أَجَلِهِ، فَالسُّمُّ يُحْرِقُ إِذا اسْتَقَرَّ فِي الْجَوْفِ، كَمَا أَنَّ النَّارَ تُحْرِقُ، فَهَذَا مِنْ قُدْرَتِهِ لَا تُنْكِرُهُ.
اليهوديّ : فإنّ يعقوب أعظم في الخير نصيباً إذ جعل الأسباط من سلالة صلبه ومريم ابنة عمران من بناته.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَعْظَمُ فِي الْخَيْرِ نَصِيباً مِنْهُ ؛ إِذْ جَعَلَ فاطِمَةَ سَيِّدَةَ نِساءِ الْعَالَمِينَ مِنْ بَناتِهِ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) مِنْ حَفَدَتِهِ.
اليهوديّ : إن يعقوب قد صبر على فراق ولده حتى كاد يحرض من الحزن.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَكَانَ حُزْنُ يَعْقُوبَ بَعْدَهُ تَلَاقٍ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قُبِضَ وَلَدُهُ إِبْرَاهِيمُ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَخَصَّهُ بِالْإِخْتِبَارِ لِيُعْظِمَ لَهُ الْإِدِّخارَ فَقالَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): «تَحْزَنُ النَّفْسُ وَيَجْزَعُ الْقَلْبُ، وَإِنَّا عَلَيْكَ يا إِبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ، وَلَا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ»، فِي كلّ ذَلِكَ يُؤْثِرُ رِضا اللّه عَزَّ ذِكْرُهُ، وَالْإِسْتِسْلَامَ لَهُ فِي جَمِيعِ الْفِعَالِ.
اليهوديّ : إن يوسف قاسى مرارة الفرقة، وحبس في السجن توقياً للمعصية، فألقى فى الجُبِّ وحيداً.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قاسى مَرارَةَ الْغُرْبَةِ، وَفِراقَ الْأَهْل وَالْأَوْلَادِ وَالْمَالِ، مُهَاجِراً مِنْ حَرَم اللّه تَعَالَى وَأَمْنِهِ، فَلَمّا رَأَى اللّه تَعالى كابَتَهُ، وَاسْتِشْعارَهُ الْحُزْنَ أَراهُ تَبارَكَ وَتَعَالَى اسمُهُ رُؤْيا تُوازى رُؤْيا يُوسُفَ فِي تَأْوِيلِها، وَأَبَانَ لِلْعَالَمِينَ صِدْقَ تَحْقِيقِها فَقالَ : «لَقَدْ صَدَقَ اللّه رَسُولَهُ الرُّؤيَا بالحقّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شَاءَ اللّه ءامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ» (1)وَلَئِنْ كانَ يُوسُفُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) حُبِسَ فِي السِّجْنِ فَلَقَدْ حَبَسَ رَسُولُ اللّه نَفْسَهُ فِي الشِّعْبِ ثَلَاثَ سَنِينَ، وَقُطِعَ مِنْهُ أَقَارِبُهُ وَذَوو الرَّحِمِ وَأَلْجَأُوهُ لَهُ إِلَى أَضْيَقِ الْمَضِيقِ، فَقَدْ كادَهُمُ اللّه عَزَّ ذِكْرُهُ كَيْداً مُسْتَبِينَا ؛ إِذْ بَعَثَ أَضْعَفَ خَلْقِهِ فَأَكَلَ عَهْدَهُمُ الَّذِي كَتَبُوهُ بَيْنَهُمْ فِي قَطِيعَةِ رَحِمِهِ،
1) الفتح 48 : 27.
وَلَئِنْ كانَ يُوسُفُ اُلْقِيَ فِي الْجُبِّ فَلَقَدْ حَبَسَ محمّد نَفْسَهُ مَخَافَةَ عَدُوِّهِ فِي الْغَارِ حَتَّى قَالَ لِصاحِبِهِ : «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّه مَعَنَا» (1)وَمَدَحَهُ اللّه بِذلِكَ فِي كِتَابِهِ.
اليهوديّ : هذا موسى بن عمران آتاه اللّه عزّ وجلّ التوراة التي فيها حكم اللّه.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أعْطِيَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، أَعْطِيَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَالْمَائِدَةِ وَطَواسِينَ وَطه وَنِصْفَ الْمُفَصَّلِ وَالْحَوامِيمَ بِالتَّوْراةِ، وَأُعْطِيَ نِصْفَ الْمُفَصَّلِ وَالتَّسابِيحَ بِالزَّبُورِ، وَأُعْطِيَ سُورَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَراءَةَ، بِصُحُفِ إِبْراهِيمَ وَصُحُفِ مُوسَى، وَزادَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) السَّبْعَ الطُّوالَ، وَفَاتِحَةَ الْكِتابِ وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وَأعْطِيَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ.
اليهوديّ : إن موسى ناجاه اللّه عزّ وجلّ على طور سيناء.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَلَقَدْ أَوْحَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَى محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، فَمَقامُهُ فِي السَّمَاءِ مَحْمُودٌ، وَعِنْدَ مُنْتَهَى الْعَرْشِ مَذْكُورٌ.
اليهوديّ : ألقى اللّه على موسى محبة منه.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، لَقَدْ أَعْطَى اللّه محمّداً ما هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هذا، لَقَدْ أَلْقَى اللّه عَلَيْهِ مَحَبَّةٌ مِنْهُ، فَمَنْ هذَا الَّذِي يُشْرِكُهُ فِي هَذَا الْإِسْمِ إِذْ تَمَّ مِنَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ الشَّهَادَةُ، فَلَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ إِلَّا أَنْ يُقالَ: أَشْهَدُ أَنْ
1) التوبة 9: 40.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه وَأَشْهَدُ أَنَّ محمّداً رَسُولُ اللّه... فَلَا يُرْفَعُ صَوْتٌ بِذِكْرِ اللّه إِلَّا رُفِعَ بِذِكْرِ محمّد مَعَهُ.
اليهوديّ : لقد أوحى اللّه إلى أم موسى لفضل منزلة موسى عند اللّه.
: لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَلَقَدْ لَطْفَ اللّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِأُمِّ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِأَنْ أَوْصَلَ إِلَيْهَا اسْمَهُ حَتَّى قَالَتْ : شَهِدَ اللّه وَالْعالِمُونَ أَنَّ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مُنْتَظَر وَشَهِدَ الْمَلَائِكَةُ عَلَى الْأَنْبِياءِ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوهُ فِي الْأَسْفَارِ، وَبِلُطْفِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ ساقَهُ إِلَيْها وَأَوْصَلَ إِلَيْهَا اسْمَهُ لِفَضْلِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ، وَرَأَتْ فِي الْمَنامِ أَنَّهُ قِيلَ لَهَا: إِنَّ ما فِي بَطْنِكِ سَيِّدٌ فَإِذا وَلَدْتِهِ فَسَمِّيهِ محمّداً، فَاشْتَقَ اللّه لَهُ اسْماً مِنْ أَسْمائِهِ، فَاللّه الْمَحْمُودُ، وهذا محمّد.
اليهوديّ : إن موسى بن عمران أرسله اللّه إلى فرعون، وأراه الآية الكبرى.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَرْسَلَهُ إِلى فَراعِنَةٍ شَتّى، مِثْلِ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ، وَأَبِي الْبَخْتَرِي، وَالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وَمُنَبِّهِ وَنُبَيْهِ ابْنَي الْحَجَاجِ وَإِلَى الْخَمْسَةِ الْمُسْتَهْزِئِينَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَالْعَاصِ بْنِ وائِل السَّهْمِيّ، وَالْأَسْودِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَسْودِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَالْحارِثِ بْنِ الطُّلاطِلَةِ، فَأَراهُمُ الْآيَاتِ فِي الْآفَاقِ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحقّ.
اليهوديّ : لقد انتقم اللّه عزّ وجلّ لموسى من فرعون.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَلَقَدِ انْتَقَمَ اللّه جَلَّ اسْمُهُ لِمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنَ الْفَراعِنَةِ. فَأَمَا الْمُسْتَهْزِئُونَ فَقَدْ قَالَ اللّه تَعَالَى: «إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ» (1)فَقَتَلَ اللّه كلّ وَاحِدٍ بِغَيْرِ قَتْلَةِ صاحِبِهِ فِي يَوْمِ وَاحِدٍ، فَأَمَّا الْوَلِيدُ فَمَرَّ بِنَبْلٍ لِرَجُلٍ مِنْ خَزاعَةَ قَدْ راشَهُ وَوَضَعَهُ فِي الطَّرِيقِ فَأَصابَتْهُ شَظِيَّةٌ مِنْهُ فَانْقَطَعَ أَكْحَلُهُ حَتَّى أَدْماهُ، فَمَاتَ وَهُوَ يَقُولُ : قَتَلَنِي رَبُّ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
وَأَمَا الْعاصُ بْنُ وائِلِ فَإِنَّهُ خَرَجَ فِي حَاجَةٍ إِلَى مَوْضِعِ فَتَدَهْدَة (2)تَحْتَهُ حَجَرٌ، فَسَقَطَ فَتَقَطَّعَ قِطْعَةٌ قِطْعَةٌ، فَمَاتَ وَهُوَ يَقُولُ : قَتَلَنِي رَبُّ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
وَأَمَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، فَإِنَّهُ خَرَجَ يَسْتَقْبِلُ ابْنَهُ زَمْعَةَ، فَاسْتَظَلَّ بِشَجَرَةٍ فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ فَأَخَذَ رَأْسَهُ فَنَطَحَ بِهِ الشَّجَرَةَ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ امْنَعْ عَنِّي هذا، فَقالَ : ما أَرى أَحَداً يَصْنَعُ بِكَ شَيْئاً إِلَّا نَفْسَكَ، فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَقُولُ : قَتَلَنِي رَبُّ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
وَأَمَا الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) دَعَا عَلَيْهِ أَنْ يُعْمِي اللّه بَصَرَهُ، وَأَنْ يُنْكِلَهُ بِوَلَدِهِ، فَلَمّا كانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ خَرَجَ حَتَّى صَارَ إِلَىٰ مَوْضِعِ فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ بِوَرَقَةٍ خَضْراءَ فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَهُ، فَعَمِيَ وَبَقِيَ حَتَّىٰ أَثْكَلَهُ اللّه بِوَلَدِهِ.
وَأَمَا الْحارِثُ بْنُ الطَّلَاطِلَةِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِي السَّمُومِ فَتَحَوَّلَ حَبَشِيّاً فَرَجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ : أَنَا الْحَارِثُ، فَغَضِبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَهُوَ يَقُولُ : قَتَلَنِي رَبُّ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ).
اليهوديّ : إن موسى بن عمران قد أعطي العصا فكانت تتحول ثعباناً.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أعْطِي مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هذا، إِنَّ رَجُلاً كانَ يَطْلُبُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ دَيْنَا عَنْ جَزُورٍ كَانَ قَدِ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، فَاشْتَغَلَ أَبُو جَهْلٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَلَمْ يَدْفَعْ لِلرَّجُلِ دَيْنَهُ، فَشَكَا حَالَهُ إِلَى رَجُلٍ وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالنبيّ، فَقَالَ لَهُ: أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ يَسْتَخْرِجُ حَقَّكَ ؟
قالَ : نَعَمْ، فَدَلَّهُ عَلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ يَقُولُ : لَيْتَ لِمحمّد إِلَيَّ حَاجَةً فَأَسْخَرَ بِهِ وَأَرُدَّهُ، فَأَتَى الرَّجُلُ إِلَى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَقالَ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عُمْرِو بْنِ هِشَامِ حُسْنَ صَداقَةٍ، وَأَنَا اسْتَشْفِعُ بِكَ إِلَيْهِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذلِكَ وَقامَ مَعَهُ، فَطَرَقَ بِابَهُ فَخَرَجَ أَبُو جَهْلِ فَقَالَ لَهُ: أَدَّ إِلَى الرَّجُلِ حَقَّهُ، فَقامَ مُسْرِعاً وَأَدّى إِلَيْهِ حَقَّهُ، فَلَمّا اجْتَمَعَ أَبُو جَهْلِ بِأَصْحَابِهِ قالَ لَهُ بَعْضُهُمْ : فَعَلْتَ ذَلِكَ فَرَقاً مِنْ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ؟
فَقالَ وَيْحَكُمْ ! اعْذِرُونِي إِنَّهُ لَمَا أَقْبَلَ إِلَيَّ رَأَيْتُ عَنْ يَمِيْنِهِ رِجَالاً بِأَيْدِيهِمْ حِرابٌ تَتَلَالاً، وَعَنْ يَسَارِهِ تُعْبَانَانِ تَلْمَعُ النَّيرانُ مِنْ أَبْصارِهِما لَوِ امْتَنَعْتُ لَمْ آمَنْ أَنْ يَبْعَجُوا بِالْحِرَابِ بَطْنِي وَيَقْضِمُنِي الثَّعْبانانِ. هذا أَكْبَرُ ممّا أُعْطِيَ مُوسَى، وَزَادَ اللّه محمّداً تُعْباناً وَثَمانِيَةَ
أَفْلاكِ مَعَمُ الْحِرابُ.
وَلَقَدْ كانَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يُؤْذِي قُرَيْشاً بِالدُّعاءِ، فَقامَ، يَوْماً فَسَفَّهَ أَحْلَامَهُمْ وَعابَ دِيْنَهُمْ، فَشَتَمَ أَصْنامَهُمْ، وَضَلَّلَ آبَاءَهُمْ، فَاغْتَمُوا مِنْ ذلِكَ غَمّاً شَدِيداً، فَقَالَ أَبُو جَهْل : وَاللّه لَلْمَوْتُ خَيْرٌ لَنَا مِنَ الْحَيَاةِ، فَلَيْسَ فِيْكُمْ مَعاشِرَ قُرَيْشٍ أَحَدٌ يَقْتُلُ محمّداً فَيُقْتَلَ بِهِ ؟
فَقالُوا لَهُ : لَا.
فَقالَ : أَنا أَقْتُلُهُ فَإِنْ شَاءَ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَتَلُونِي بِهِ وَإِلَّا تَرَكُونِي.
فَقالُوا لَهُ : إِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذلِكَ اصْطَنَعْتَ إِلَى أَهْلِ الْوادِي خَيْراً لَا تَزالُ تُذْكَرُ بِهِ.
قالَ أَبُو جَهْلٍ : إِنَّهُ كَثِيرُ السُّجُودِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَإِذا جاءَ وَسَجَدَ أَخَذْتُ حَجَراً فَشَدَخْتُهُ بِهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعاً ثمّ صَلَّى وَأَطالَ السُّجُودَ، فَأَخَذَ أَبُو جَهْلٍ حَجَراً فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَلَمّا أَنْ قَرُبَ مِنْهُ أَقْبَلَ فَحْل - أي ثعبان - مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فاغراً فاهُ، فَلَمّا أَنْ رَآهُ أَبُو جَهْلِ فَزِعَ مِنْهُ وَارْتَعَدَتْ يَدُهُ وَطَرَحَ الْحَجَرَ فَشَدَخَ رِجْلَهُ فَرَجِعَ مَدْمِيّاً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ يَفِيضُ عَرَقاً، فَقَالَ لَهُ أَصْحابُهُ: مَا رَأَيْنَاكَ كَالْيَوْمِ ؟
قالَ : وَيَحْكَمُ! اعْذِرُونِي فَإِنَّهُ أَقْبَلَ مِنْ عِنْدِهِ فَحْل فَاغِراً فَاهُ كَادَ أَنْ يَبْتَلِعَنِي فَرَمَيْتُ الْحَجَرَ فَشَدَخَنِي.
اليهوديّ : إن موسى قد أعطي اليد البيضاء فهل فعل بمحمّد شيء من هذا ؟
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، فَإِنَّ محمّداً قَدْ أُعْطِي مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هذا إِنَّ نُوراً كانَ يُضِيءُ عَنْ يَمِينِهِ حَيْتُمَا جَلَسَ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَيْنَما جَلَسَ، وَكانَ النّاسُ يَرَوْنَهُ.
اليهوديّ : إن موسى قد ضرب له في البحر طريق فهل فعل بمحمّد شيء من هذا ؟
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أعْطِيَ ما هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هذا، خَرَجْنا مَعَهُ إِلى حُنَيْنِ فَإِذا نَحْنُ بِوادٍ يَشْخَبُ - أي يسيل - فَقَدَرْناهُ فَإِذا هُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ قامَةٌ، فَقَالُوا : يا رَسُولَ اللّه، الْعَدُوُّ مِنْ وَرَائِنَا وَالْوادِي أَمَا مَنَا كَما قالَ أَصْحَابُ مُوسَى : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، فَنَزَلَ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ثُمَّ قالَ: «اللّهمَّ إِنَّكَ جَعَلْتَ لِكُلِّ نَبِيٌّ مُرْسَلِ دَلَالَةٌ فَأَرِنِي قُدْرَتَكَ» وَرَكِبَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَعَبَرَتِ الْخَيْلُ لَا تَنْدى حَوافِرُها، وَالْإِبِلُ لَا تَنْدى أَخْفَافُها، فَرَجَعْنا فَكَانَ فَتْحُنا فَتْحاً.
اليهوديّ : إن موسى قد اعطي الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَمّا نَزَلَ الْحُدَيْبِيَةَ وَحَاصَرَهُ أَهْلُ مكّة، أُعْطِيَ ما هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذلِكَ، فَإِنَّ أَصْحَابَهُ شَكُوا إِلَيْهِ الظَّمَأُ، وَأَصابَهُمْ ذلِكَ حَتَّى الْتَقَتْ خَواصِرُ الْخَيْلِ، فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَدَعا بِرَكْوَةٍ يَمَانِيَّةٍ ثمّ نَصَبَ يَدَهُ الْمُبارَكَةَ فِيهَا فَتَفَجَّرَتْ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ عُيُونُ الْمَاءِ، فَصَدَرْنا وَصَدَرَتِ الْخَيْلُ رواءٌ، وَمَلَانا كلّ مَزادَةٍ وَسِقاءٍ...
اليهوديّ : إن موسى قد أعطي المن والسلوى، فهل أعطي محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) نظير هذا ؟
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أعْطِيَ ما هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هذا، إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَحَلَّ لَهُ الْغَنَائِمَ وَلِأُمَّتِهِ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ، فَهَذا أَفْضَلُ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوى، ثمّ زادَهُ بِأَنْ جَعَلَ النِّيَّةَ - أي نيّة عمل الخير - لَهُ وَلِأُمَّتِهِ بِلَا عَمَلٍ عَمَلاً صَالِحاً، وَلَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ ذلِكَ قَبْلَهُ، فَإِذا همَّ أَحْدُهُمْ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلُها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَإِنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ
اليهوديّ : إن موسى قد ظلل عليه الغمام.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَقَدْ فَعَلَ ذلِكَ لِمُوسى فِي النَّيْهِ، وَأُعْطِيَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَفْضَلَ مِنْ هذا، إِنَّ الْغَمَامَةَ كَانَتْ تُظِلُّهُ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَىٰ يَوْمِ قُبِضَ، فِي حَضَرِهِ وَأَسْفَارِهِ، فَهَذَا أَفْضَلُ ممّا أُعْطِيَ مُوسَىٰ.
اليهوديّ : هذا داؤد قد ليّن اللّه له الحديد فعمل منه الدروع.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَدْ أَعْطِيَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، إِنَّهُ لَيَّنَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ الصُّمَّ الصُّخْوُرَ الصَّلابَ، وَجَعَلَهَا غاراً، وَلَقَدْ غارَتِ الصَّخْرَةُ تَحْتَ يَدِهِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيِّنَةٌ حَتَّى صَارَتْ كَهَيْئَةِ الْعَجِينِ وَقَدْ رَأَيْنا ذلِكَ، وَالْتَمَسْناهُ تَحْتَ رايَتِهِ.
اليهوديّ : إنّ داؤد بكى على خطيئته حتى سارت الجبال معه لخوفه.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَعْطِيَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هذا، إِنَّهُ كَانَ إذا قامَ إِلَى الصَّلَاةِ، سُمِعَ لِصَدْرِهِ وَجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ عَلَى الْأَثافِي مِنْ شِدَّةِ الْبُكاءِ، وَقَدْ آمَنَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عِقابِهِ فَأَرادَ أَنْ
يَتَخَشَعَ لِرَبِّهِ بِبُكائِهِ، وَيَكُونَ إِمَاماً لِمَنِ اقْتَدى بِهِ، وَلَقَدْ قامَ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَطْرافِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، يَقُومُ اللَّيْلَ أَجْمَعَ حَتَّى عُوْتِبَ فِي ذلِكَ، فَقالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرآنَ لِتَشْقَى» (1)بَلْ لِتُسْعَدَ بِهِ، وَلَقَدْ كانَ يَبْكِي حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ : يا رَسُولَ اللّه، أَلَيْسَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ؟
قالَ : بَلَى أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً.
اليهوديّ : إنّ سليمان أعطي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أعْطِيَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، إِنَّهُ هَبَطَ إِلَيْهِ مَلَكَ لَمْ يَهْبِطْ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَهُ، وَهُوَ مِيْكائِيلُ، فَقَالَ لَهُ:
يا محمّد، عِشْ مَلِكاً مُنَعَّماً، وَهَذِهِ مَقاتِيحُ خَزائِنِ الْأَرْضِ مَعَكَ، وَتَسِيرُ مَعَكَ جِبالُها ذَهَبَاً وَفِضَّةٌ، لَا يَنْقُصُ لَكَ ممّا ادَّخِرَ لَكَ فِي الْآخِرَةِ شَيْءٌ، فَأَوْمَا إِلَى جَبْرَئِيلَ، وَكَانَ خَلِيْلَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ تَواضَعْ.
فَقالَ : بَلْ أَعِيْشُ عَبْداً أكُلُ يَوْماً، وَلَا أَكُلُ يَوْمَيْنِ، وَأَلْحَقُ بِإِخْوانِي مِنَ الْأَنْبِياءِ مِنْ قَبْلِى فَزادَهُ اللّه الْكَوْثَرَ وَأَعْطَاهُ الشَّفَاعَةَ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ مُلْكِ الدُّنْيا مِنَ أَوَّلِها إِلى آخِرِها سَبْعِينَ مَرَّةً، وَوَعَدَهُ الْمَقامَ الْمَحْمُودَ، فَإِذا كانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ أَقْعَدَهُ اللّه تَعَالَى عَلَى الْعَرْشِ، فَهَذا
1) طه 20 : 1 و 2.
أَفْضَلُ ممّا أُعْطِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ.
اليهوديّ : إنّ سليمان قد سُخّرت له الرياح فسارت به في بلاده غدوّها شهرٌ ورواحها شهرٌ.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أعْطِيَ ما هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هذا، إِنَّهُ أَسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مَسِيرَةَ شَهْرٍ. وَعُرِجَ بِهِ فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ مَسِيْرَةَ خَمْسِينَ أَلْفَ عام فِي أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ لَيْلَةٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَاقِ الْعَرْشِ، فَدَنا بِالْعِلْمِ فَتَدَلَّى، فَدُلَّيَ لَهُ مِنَ الجنّة رَفْرَفٌ أَخْضَرُ وَغَشَى النُّورُ بَصَرَهُ، فَرَأَى عَظَمَةَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِفُؤادِهِ، وَلَمْ يَرَها بِعَيْنِهِ فَكانَ كَفَّابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَىٰ إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ، فَكَانَ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَة «للّه مَا فِي السَّمَواتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّه فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (1).
اليهوديّ : هذا يحيى بن زكريا أوتي الحكم صبياً والحلم والفهم، وانه ك-ان ي-ب-ك-ي من غير ذنب وكان يواصل الصوم.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أعْطِيَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هذا، إِنَّ يَحْيى بْنَ زَكَرِيَّا كَانَ فِي عَصْرٍ لَا أَوْثَانَ فِيهِ وَلَا جَاهِلِيَّةَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أُوْتِيَ الْحُكْمَ وَالْفَهْمَ صَبِيّاً بَيْنَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَحِزْبِ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَرْغَبْ
1) البقرة 2: 284.
لَهُمْ فِي صَنَم قَطُّ، وَلَمْ يَنْشَطْ لِأَعْيادِهِمْ، وَلَمْ يُرَ مِنْهُ كَذِبٌ قَطُّ، وَكانَ أميناً، صَدُوقاً، حَلِيماً، وَكانَ يُواصِلُ صَوْمَ الْأَسْبُوعِ وَالْأَقَلَّ وَالْأَكْثَرَ، فَيُقالُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ، إِنِّي أَضَلُّ عِنْدَ رَبِّي، فَيُطْعِمُنِي، وَيَسْقِيْنِي، وَكَانَ يَبْكِي حَتَّى يَبْتَلَّ مُصَلَّاهُ خَشْيَةٌ مِنَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ.
اليهوديّ : إن عيسى بن مريم يزعمون أنه تكلّم في المهد صبياً.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد سَقَطَ مِنْ بَطْن أُمِّهِ واضِعاً يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى الْأَرْضِ، وَرافِعاً يَدَهُ الْيُمْني إِلَى السَّمَاءِ يُحَرِّلُ شَفَتَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَبَدا مِنْ فِيهِ نُورٌ رَأَى أَهْلُ مكّة مِنْهُ قُصُورَ يُصْرى مِنَ الشَّام وما يليها، وَالْقُصُورَ الْحُمْرَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ وَمَا يَلِيْهَا، وَالْقُصُورَ الْبِيْضَ مِنْ إِصْطَخْرَ وَمَا يَلِيْها... وَلَقَدْ أَضَاءَتِ الدُّنْيا لَيْلَةَ وُلِدَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)... الخ.
اليهوديّ : إن عيسى يزعمون أنه أبرأ الأكمه والأبرص بإذن اللّه عزّ وجلّ.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أعْطِيَ ما هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذلِكَ، أَبْرَأَ ذَا الْعَاهَةِ مِنْ عَاهَتِهِ، فَبَيْنَما هُوَ جَالِسٌ إِذْ سَأَلَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
فَقالُوا : يا رَسُولَ اللّه، إِنَّهُ قَدْ َصارَ مِنَ الْبَلَاءِ كَهَيْئَةِ الْفَرْحَ لَا رِيْشَ عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ، فَإِذَا هُوَ كَهَيْئَةِ الْفَرْحَ مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ.
فَقالَ : قَدْ كُنْتَ تَدْعُو فِي صِحَّتِكَ دُعاءً ؟
قالَ : نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ : يا رَبَّ السَّماءِ، أَيُّما عُقُوبَةٍ أَنْتَ مُعاقِبِي بِها فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْها لِي فِي الدُّنْيا.
فَقالَ لَهُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَلَا قُلْتَ: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (1)، فَقالَهَا، فَكَأَنَّما نَشِطَ مِنْ عِقالٍ، وَقامَ صَحِيحاً وَخَرَجَ مَعَنا...
وذكر الإمام بوادر كثيرة ممن ابتلوا بالمرض والعاهات، وعافاهم اللّه تعالى ببركة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ). و من بنود هذه المناظرة :
اليهوديّ : إن عيسى بن مريم يزعمون أنه أنبأ قومه بما يأكلون ومايدخرون في بيوتهم.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد فَعَلَ ما هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذلِكَ إِنَّ عِيْسَى أَنْباً قَوْمَهُ بِما كانَ مِنْ وَرَاءِ حَائِط، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَنْبَأَ عَنْ مُؤْتَةَ وَهُوَ عَنْها غائِبٌ، وَوَصَفَ حَرْبَهُمْ، وَمَنِ اسْتُشْهِدَ مِنْهُمْ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مَسِيْرَةً شَهْرٍ.
وَكانَ يَأْتِيهِ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَيَقُولُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ): تَقُولُ أَوْ أَقُولُ؟ فَيَقُولَ : بَلْ قُلْ يا رَسُولَ اللّه، فَيَقُولُ : جِئْتَنِي فِي كَذَا وَكَذا حَتَّىٰ يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ، وَلَقَدْ كانَ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يُخْبِرُ أَهْلَ مكّة بِأَسْرارِهِمْ، حَتَّى لَا يَتْرُكَ مِنْ أَسْرارِهِمْ شَيْئاً، مِنْها ما كانَ بَيْنَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَبَيْنَ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ إِذ أَتَاهُ عُمَيْرٌ، فَقَالَ : جِنْتُ فِي فَكاكَ ايْنِي.
فَقالَ لَهُ: كَذَبْتَ، بَلْ قُلْتَ لِصَفْوانَ، وَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ فِي الْحَظِيم، وَذَكَرْتُمْ قَتْلَى بَدْرٍ، وَقُلْتُمْ : وَاللّه لَلْمَوْتُ خَيْرٌ لَنَا مِنَ الْبَقَاءِ مَعَ مَا صَنَعَ
1) البقرة 2 : 201.
محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِنا، وَهَلْ حَيَاةٌ بَعْدَ أَهْلِ الْقَلِيبِ ؟
فَقُلْتَ أَنْتَ : لَوْلَا عِيالِي وَدَيْنٌ عَلَيَّ لَأَرَحْتُكَ مِنْ محمّد.
فَقَالَ صَفْوانُ: عَلَيَّ أَنْ أَقْضِيَ دَيْنَكَ، وَأَنْ أَجْعَلَ بَنَاتِكَ مَعَ بَناتِي يُصِيبُهُنَّ مَا يُصِيبُهُنَّ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٌّ.
فَقُلْتَ أَنْتَ : فَاكْتُمْهَا عَلَيَّ وَجَهِّزنِي حَتَّىٰ أَذْهَبَ فَأَقْتُلَهُ، فَجِئْتَ لِتَقْتُلَنِي.
فَقالَ : صَدَقْتَ يا رَسُولَ اللّه، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللّه، وَأَشْبَاهُ هذا ممّا لَا يُحْصى.
اليهوديّ : إنّ عيسى يزعمون أنه خلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن اللّه عزّ وجلّ.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَدْ فَعَلَ ما هُوَ أَشْبَهُ بِهذا ؛ إذْ أَخَذَ يَوْمَ حُنَيْنِ حَجَراً فَسَمِعْنَا لِلْحَجَرِ تَسْبِيحَاً وَتَقْدِيساً، ثمّ قَالَ لِلْحَجَرِ: انْفَلِقْ فَانْفَلَقَ ثَلَاثَ فِلَقِ نَسْمَعُ لِكُلِّ فِلْقَةٍ مِنْهَا تَسْبِيحَاً لَا يُسْمَعُ لِلْأُخْرَى.
وَلَقَدْ بَعَثَ إِلَى شَجَرَةٍ يَوْمَ الْبَطْحاءِ فَأَجَابَتْهُ، وَلِكُلِّ غُصْنٍ مِنْها تَسْبِيحَ وَتَهْلِيلٌ وَتَقْدِيسٌ، ثمّ قَالَ لَهَا : انْشَقَّي، فَانْشَقَّتْ نِصْفَيْنِ، ثمّ قالَ لَها : الْتَزِقِي فَالْتَزَقَتْ، ثمّ قالَ لَها : اشْهَدِي لِي بِالنُّبُوَّةِ فَشَهِدَتْ.
ثُمَّ قالَ لَها : ارْجِعِي إِلَى مَكَانِكِ بِالتَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ فَفَعَلَتْ، وَكانَ مَوْضِعُها بِجَنْبِ الْجَزَارِينَ بِمَكَّةَ.
اليهوديّ : إن عيسى يزعمون أنه كان سياحاً.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كانَتْ سِياحَتُهُ فِي الجِهادِ وَاسْتَنْفَرَ فِي عَشْرِ سِنِينَ ما لَا يُحْصى مِنْ حَاضِرِ وَبَادٍ، وَأَفْنى فِيَّاماً مِنَ الْعَرَبِ مِنْ مَنْعُوتِ بِالسَّيْفِ.... وذلك لنشر كلمة التوحيد -.
اليهوديّ : إن عيسى يزعمون كان زاهداً.
لَقَدْ كانَ كَذلِكَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَزْهَدُ الْأَنْبِياءِ، كَانَ لَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ زَوْجَةٌ سِوى مَنْ يَطِيفُ بِهِ مِنَ الإِمَاءِ، ما رُفِعَتْ لَهُ مائِدَةٌ قَطُّ وَعَلَيْها طَعَامٌ، وَما أَكَلَ خُبْزَ بُرقَطٌ، وَلَا شَبِعَ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِياتٍ قَطُّ، تُوفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٌّ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، ما تَرَكَ صَفْراءَ وَلَا بَيْضاءَ مَعَ ما وُطّئ لَهُ مِنَ الْبِلَادِ، وَمُكِّنَ لَهُ مِنْ غَنَائِمِ الْعِبادِ، وَلَقَدْ كانَ يُقَدِّمُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَمَانَةِ أَلْفِ أَوْ أَرْبَعَمَانَةِ أَلْفٍ، وَيَأْتِيهِ السَّائِلُ بِالْعَشِيِّ فَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَ محمّداً بالحقّ ما أَمْسَى فِي آلِ محمّد صاعٌ مِنْ شَعِيرِ، وَلَا صاعٌ مِنْ بُرَّ، وَلَا دِرْهِمْ، وَلَا دِينارٌ.
وانتهت هذه المناظرة التي حفلت بتفوق الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) على سائر الأنبياء و امتيازه عليهم بما منحه اللّه وآتاه من الطاقات الهائلة في ميادين الفضائل التي لا حدّ لها، وقد أسلم اليهودي، وقال :
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللّه وَأَشْهَدُ أَنَّ محمّداً رَسُولُ اللّه، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ مَا أَعْطَى اللّه نَبِيِّاً دَرَجَةً، وَلَا مُرْسَلاً فَضِيْلَةً إِلَّا وَقَدْ جَمَعَها لِمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَزَادَ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلَى الْأَنْبِياءِ صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِمْ أَضْعَافاً.
ويهر حبر الأُمّة عبد اللّه بن عباس من حديث الإمام وقال : أشهد يا أبا الحسن إنك من الراسخين في العلم.
فقال له الإمام :
وَمَا لِيَ لَا أَقُولُ ما قُلْتُ فِي نَفْسِ مَنِ اسْتَعْظَمَهُ اللّه تَعَالَى فِي عَظَمَتِهِ فَقَالَ : «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (1)،(2).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مناظرات الإمام واحتجاجاته مع اليهود، وقد حفلت بأروع الأدلة، وأكثرها إصالة، ممّا دعا اليهود الذين سألوه وحاججوه إلى إعلان الإسلام واعتناقه.
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو المتصدي الوحيد لإبطال الشّبه والأوهام التي تحوم حول الإسلام في تشريعاته وأحكامه، والتي أثارها الحاقدون على انتصاره وإقبال الناس أفواجاً على اعتناقه، ومن المؤكّد انه ليس هناك أقدر ولا أولى من حماية الإسلام سوى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد احاط بفلسفة التشريع الإسلامي، ووقف على دقائقه ومحتوياته وانه ليس هناك أي تناقض أو تضاد في جميع تشريعاته التي تواكب الفطرة، وتساير الطبيعة، وتتفق مع سنن الكون، ونعرض لبعض شبهات الزنادقة والمنحرفين والمنجمين، وإبطال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لها.
وفد على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) زنديق، وقد اترعت نفسه بالأوهام حول الإسلام، فزعم أنّ هناك تضارباً وتعارضاً في آيات القرآن الكريم، فقال للإمام : لولا ما في القرآن من الاختلاف والتناقض لدخلت في دينكم.
وسارع الإمام قائلاً : ما هُوَ ؟
عرض الزنديق على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما التبس عليه من الآيات وهي:
قوله تعالى : «نَسُوا اللّه فَنَسِيَهُمْ» (1)
وقوله تعالى : «فَاليَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا» (2).
وقوله تعالى : «وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً» (3).
وقوله تعالى : «يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلَائِكَةُ صَفاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقالَ صَوَاباً» (4).
وقوله تعالى : «واللّه ربِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ» (5).
وقوله تعالى : «يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضَاً» (1).
وقوله تعالى : «إنّ ذلك لَحَقِّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ» (2).
وقوله تعالى : «قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ» (3).
وقوله تعالى : «اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِم وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ» (4).
وقوله تعالى : «وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة» (5).
وقوله تعالى : «لَا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدرك الأبصار...» (6).
وقوله تعالى : «وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى» (7).
وقوله تعالى : «يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً» (8).
وقوله تعالى : «وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أنْ يُكَلِّمَهُ اللّه إِلَّا وَحْيَاً...» (9).
وقوله تعالى : «كَلَّا إِنَّهُم عَنْ رَبِّهِم يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» (10).
وقوله تعالى : «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُم المَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِي رَبُّك...» (1).
وقوله تعالى : «بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ» (2).
وقوله تعالى : «فأعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهم إلى يَوْم يَلقَونَهُ...» (3).
وقوله تعالى : «فَمَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ» (4).
وقوله تعالى : «وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُوَاقِعُوهَا» (5).
وقوله تعالى : «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوم القِيَامَةِ» (6).
وقوله تعالى : «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِيْنَهُ»، «ومَنَ خَفَّتْ مَوَازِيْنَهُ» (7).
وانبرى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى تفسير هذه الآيات بما يرفع التعارض المتوهم :
أَمَّا قَوْلُهُ: «نَسُوا اللّه فَنَسِيَهُمْ» إِنَّما يَعْنِي نَسُوا اللّه فِى دارِ الدُّنْيا، لَمْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ فَنَسِيَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَي لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ فِي ثَوابِهِ شَيْئاً فَصارُوا مَنْسِيِّينَ مِنَ الْخَيْرِ.
وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: «فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هذَا» يَعْنِي بِالنِّسْيَانِ أَنَّهُ لَمْ يُبْهُمْ كَمَا يُثيبُ أَوْلِيَاءَهُ الَّذِينَ كَانُوا فِى دار الدُّنْيا مُطِيعِينَ ذاكِرِينَ حِيْنَ آمَنُوا بِهِ وَبِرُسُلِهِ،
وَخَافُوهُ بِالْغَيْبِ.
وَأَما قَوْلُهُ : «وَمَا كَانَ ربُّكَ نَسِيّاً» فَإِنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى عُلُوّاً كَبِيراً لَيْسَ بِالَّذِي يَنْسى وَلَا يَغْفُلُ بَلْ هُوَ الْحَفِيظُ الْعَلِيمُ، وَقَدْ يَقُولُ الْعَرَبُ فِي بابِ النِّسْيانِ قَدْ نَسِيَنَا فُلَانٌ فَلَا يَذْكُرُنا، أَي أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ لَنَا بِخَيْرٍ وَلَا يَذْكُرُنَا بِهِ فَهَلْ فَهِمْتَ مَا ذَكَرَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ ؟
قالَ : نَعَمْ، فرّجت عني فرّج عنك وحللت عنّي عقدة فعظم اللّه أجرك. قال :
وَأَمَا قَوْلُهُ: «يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفَاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابَاً».
وقوله: «وَاللّه رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ».
وقوله: «يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضَاً».
وقوله : «إنّ ذلكَ لَحَقِّ تَخَاصُمُ أهْلِ النَّارِ».
وقوله : «لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالوَعِيدِ».
وقوله : «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِم وَتَشْهَدُ أرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»، فَإِنَّ ذلِكَ فِي مَواطِنِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ مَواطِنِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
المراد : يُكَفِّرُ - أهل المعاصي - بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَيَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَالْكُفْرُ فِي هذهِ الْآيَةِ «الْبَراءَةُ» تَقُولُ : فَتَبَرَّأَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَنَظِيرُها فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ، قَوْلُ الشَّيْطَانِ: «إِنِّي كَفَرْتُ
بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْل» (1)، وَقَوْلُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ : «كَفَرْنَا بِكُم» يَعْنِي تَبَرَّأْنَا مِنْكُمْ.
وأفاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ العباد يجتمعون يوم القيامة في مواطن متعدّدة وهي :
ثُمَّ يَجْتَمِعُونَ فِي مَوْطِنِ آخَرَ يُسْتَنْطَقُونَ وَيَبْكُونَ فِيهِ، فَلَوْ أَنَّ تِلْكَ الأضوات بَدَتْ لِأَهْلِ الدُّنيا لَأَذْهَلَتْ جَمِيعَ الْخَلْقِ عَنْ معايشِهِمْ، وَلَتَصَدَّ عَتْ قُلُوبُهُمْ... الخ.
ثمّ يَجْتَمِعُونَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ فَيُسْتَنْطَقُونَ فِيهِ، فَيَقُولُونَ: «واللّه ربِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ» وَهَؤُلَاءِ خاصَّةً هُمُ الْمُقِرُّونَ فِي دَارِ الدُّنْيا بِالتَّوْحِيدِ، فَلَا يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ بِاللّه لِمُخالَفَتِهِمْ رُسُلَهُ وَشَكِّهِمْ فِيْمَا أَتَوْا بِهِ عَنْ رَبِّهِم، وَنَقْضِهِمْ عُهُودَهُم فِي أَوْصِيائِهِمْ، وَاسْتِبْدالِهِم الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَكَذَّبَهُمُ اللّه فِيْما انتَحَلُوهُ مِنَ الْإِيْمَانِ بِقَوْلِهِ : «انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِم» (2)فَيَخْتِمُ اللّه على أَفْوَاهِهِمْ، وَيَسْتَنْطِقُ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُل وَالْجُلُودَ فَتَشْهَدُ بِكُلِّ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ مِنْهُمْ، ثمّ يُرْفَعُ عَنْ أَلْسِنَتِهِمُ الْخَتْم. فَيَقُولُونَ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ؟ قَالُوا أَنْطَقَنَا اللّه الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
يَجْتَمِعُونَ فِي مَوْطِنِ آخَرَ فَيُسْتَنْطَقُونَ، فَيَفِرُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرءُ مِنْ أخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ» (1)فَيُسْتَنْطَقُونَ فَلَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ.
ثمّ يَجْتَمِعُونَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ يُسْتَنْطَقُ فِيهِ أَوْلِياءُ اللّه وَأَصْفِياؤُهُ، فَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقالَ صَواباً، فَيَقُومُ الرُّسُلُ فَيُسْأَلُونَ عَنْ تَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ الَّتِي حَمَلُوها إلى أمَمِهِمْ، وَتُسْأَلُ الْأُمَمُ فَتَجْحَدُ كَمَا قالَ اللّه تَعَالَى: «فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِيْنَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ» (2)فَيَقُولُونَ : «مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيْر» (3)فَتُشْهِدُ الرُّسُلُ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَيَشْهَدُ بِصِدْقِ الرُّسُلِ، وَتَكْذِيبِ مَنْ جَحَدَها مِنَ الْأُمَمِ، فَيَقُولُ - لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنْهُمْ -: «فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّه عَلَى كلّ شَيءٍ قَدِيرٌ» أَي مُقْتَدِرٌ عَلَى شَهَادَةِ جَوارِحِكُمْ عَلَيْكُمْ بِتَبْلِيغ الرُّسُلِ إِلَيْكُم رِسالَاتِهِمْ، كَذلِكَ قالَ اللّه لِنَبِيِّهِ : «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كلّ أُمَّةٍ بَشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلى هؤلاءِ شهيداً» (4)فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّ شَهَادَتِهِ، خَوْفاً مِنْ أَنْ يَخْتِمَ اللّه عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَشْهَدَ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، وَيَشْهَدُ عَلَى مُنافِقِى قَوْمِهِ وَأُمَّتِهِ
وَكُفَّارِهِمْ بِالْحَادِهِمْ وَعِنادِهِمْ، وَنَقْضِهِم عَهْدَهُ، وَتَغْسِيرِهِمْ سُنَّتَهُ، وَاعْتِدائِهِمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَانْقِلَابِهِمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ وَارْتِدادِهِمْ عَلَى أَدْبَارِهِم، وَاحْتِذَائِهِمْ فِي ذلِكَ سُنَّةَ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الْاُمَم الظَّالِمَةِ الْخائِنَةِ لِأَنْبِيانِها، فَيَقُولُونَ بِأَجْمَعِهِم: «قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمَاً ضَالِّينَ» (1).
فَطُوبى لِمَنْ كانَ لَهُ فِي ذلِكَ الْمَكانِ حَظِّ وَنَصِيبٌ، وَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذلِكَ الْمَقامِ حَظِّ وَلَا نَصِيبٌ.
لقد عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى تفصيل المواقف التي يقف بها العباد في يوم القيامة وذلك قبل يوم الحساب، ولا أظن أن رواية وردت عن أئمّة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) عرضت لذلك بصورة مفصلة.
ثم يأخذ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تفسير الآيات التي سُئل عنها وغيرها فيقول :
وَأَمَا قَوْلُهُ : «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ يَنْتَهِي فِيهِ أَوْلِيَاءُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَما يَفْرُغُ مِنَ الْحِسَابِ إِلَى نَهْرِ يُسَمّى «نَهْرَ الْحَيَوانِ» فَيَغْتَسِلُونَ مِنْهُ، وَيَشْرَبُونَ مِنْ آخَرَ، فَتَبْيَضُ وُجُوهُهُمْ فَيَذْهَبُ عَنْهُمْ كلّ أَذى وَقَدَى وَوَعْثٍ، ثمّ يُؤْمَرُونَ بِدُخُولِ الجنّة، فَمِنْ هَذَا الْمَقامِ يَنْظُرُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمْ - أَي إِلى عَطائِهِ كَيْفَ يُثِيبُهُمْ، وَمِنْهُ يَدْخُلُونَ الجنّة فَذَلِكَ قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِي تَسْلِيمِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِم : «سَلَامٌ عَلَيْكُم طِبْتُم فادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» (1)، فَعِنْدَ ذَلِكَ أُثِيْبُوا بِدُخولِ الجنّة، وَالنَّظَرِ إِلى ما وَعَدَهُمُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعالى: «إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ» أَي مُنتَظِرَةٌ... الخ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : «وَلَقَدْ رَعَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى» يَعْنِي محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَانَ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى حَيْثُ لا يُجاوِرُها خَلْقَ مِنْ خَلْقِ اللّه عزّ وَجَلَّ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْآيَةِ :
1) الزمر 39 : 73.
«مَا زَاغَ البَصْرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأى مِنْ ءايَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى» (1)رَأَى جَبْرَئِيلَ فِى صُورَتِهِ مَرَّتَيْن هَذِهِ مَرَّةً وَمَرَّةٌ أُخْرى، وَذَلِكَ أَن خَلْقَ جَبْرَئِيلَ خَلْقٍ عَظِيمٌ فَهُوَ مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ الَّذِينَ لَا يُدْرِكُ خَلْقَهُمْ وَلَا صِفَتَهُمْ إِلَّا اللّه رَبُّ الْعالَمِينَ.
وَأَمَا قَوْلُهُ: «وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّه إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُوْلاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء...» (2)، كَذَلِكَ قالَ اللّه تَعَالَى، وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ يُوْحِي إِلَيْهِ رُسُلٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَبْلُغُ رُسُلُ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَقَدْ كانَ الْكَلَامُ بَيْنَ رُسُلِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَبَيْنَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسَلَ بِالْكَلَامِ مَعَ رُسُلِ أَهْلِ السَّماءِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : يا جَبْرَئِيلُ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟
فَقَالَ جَبْرَئِيلُ : إِنَّ رَبِّي لَا يُرى.
فَقَالَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) : مِنْ أَيْنَ تَأْخُذُ الْوَحْيَ؟
قَالَ : أَخُذُهُ مِنْ إِسْرافِيلَ.
قَالَ : وَمِنْ أَيْنَ يَأْخُذُهُ إِسْرَائِيلَ ؟
قَالَ : يَأْخُذُهُ مِنْ مَلَك فَوْقَهُ مِنَ الرُّوحانِيِّينَ.
قَالَ : وَمِنْ أَيْنَ يَأْخُذُهُ ذَلِكَ الْمَلَك ؟
قَالَ : يُقْذَفُ فِي قَلْبِهِ قَلْفاً فَهذا وَحْيَّ، وَهُوَ كَلَامُ اللّه عَزَّ وَجَل، وَكَلامُ اللّه لَيْسَ بِنَحْوِ وَاحِدٍ :
مِنْهُ ما كَلَّمَ اللّه بِهِ الرُّسُلَ.
وَمِنْهُ ما قُذِفَ فِي قُلُوبِهِمْ.
وَمِنْهُ رُؤْيا يراها الرُّسُلُ.
وَمِنْهُ وَحْيٌ وَتَنْزِيلٌ يُتْلَى وَيُقْرَأُ، فَهُوَ كَلَامُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ.
وَأَما قَوْلُهُ : «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِم يَوْمَئِذٍ لَمحْجُوبُونَ» (1)فَإِنَّما يَعْنِي بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَنْ ثَوابِ رَبِّهِم لَمَحْجُوبُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ» (2)يُخْبِرُ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَن الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنافِقِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا للّه وَلِرَسُولِهِ فَقالَ: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلَائِكَةُ» وَحَيْثُ لَمْ يَسْتَجِيبُوا للّه وَلِرَسُولِهِ قالَ: «أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ» يَعْنِي بِذَلِكَ الْعَذابَ يَأْتِيهِمْ فِي دارِ الدُّنْيا، كَما عَذَّبَ فِي الْقُرُونِ الأولى، فَهذا خَبَرٌ يُخْبَرُ بِهِ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَنْهُمْ، ثمّ قَالَ : «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ايَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسَاً إِيْمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِنْ
قَبْلُ» يَعْنِي لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِي هَذِهِ الْآيَةُ، وَهِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِها.
وَقالَ فِي آيَةٍ أُخْرى : «فَأَتاهُمُ اللّه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا» (1)يَعْنِي أَرْسَلَ عَلَيْهِم عَذاباً، وَكَذَلِكَ إِنْيانُهُ بُنْيَانَهُمْ حَيْثُ قال : «فأَتَى اللّه بُنْيَانَهُم مِنَ الْقَواعِدِ» (2)يَعْنِي أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الْعَذابَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِم كَافِرُونَ».
وَقَوْلُهُ : «فَأَعقَبَهُمْ نِفَاقَا فِي قُلُوبِهِم إِلى يَومِ يَلْقَوْنَهُ».
وَقَوْلُهُ : «فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلَيَعْمَل عَمَلاً صَالِحاً» يَعْنِي : الْبَعْثَ، فَسَمَاهُ لِقاءً.
كَذَلِكَ قَوْلُهُ : «مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللّه فَإِنَّ أَجَلَ اللّه لأُتِ» (3)یعْنِي: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ فَإِنَّ وَعْدَ اللّه لَآتٍ مِنَ النَّوابِ وَالْعِقابِ، فَاللِّقاء هاهُنَا لَيْسَ بِالْرُؤْيَةِ، وَاللقاء هُوَ الْبَعْتُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَرأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أنّهُم موَاقِعُوهَا» يَعْنِي تَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَها.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : «إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه» (4).
وَأَمَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُنافِقِينَ : «وَتَظُنُّونَ باللّه الظُّنونَا» (1)، فَهُوَ ظَنُّ شَكٌّ وَلَيْسَ ظَنَّ يَقِينِ، وَالظَّنُّ ظَنَّانِ ظَنُّ شَكٍّ، وَظَنُّ يَقِينِ، فَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمَعادِ مِنَ الظَّنِّ فَهُوَ ظَنُّ يَقِينِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيا فَهُوَ ظَنُّ شَكٍّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْط ليَومِ القِيَامَةِ فَلَا تُظْلَم نَفْسٌ شَيْئاً» فَهُوَ مِيزانُ الْعَدْلِ، يُؤْخَذُ بِهِ الْخَلَائِقُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، يُدِيْنُ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْخَلَائِقَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَيَجْزِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ، وَيَقْتَصُّ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ : «فَمَن ثَقُلَت مَوازِينُه» و «وَمَن خَفَّتْ مُوَازِينَهُ»، فَهُوَ قِلَّةُ الْحِسابِ وَكَثْرَتُهُ، وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ عَلَى طَبَقاتٍ وَمَنازِلَ :
فَمِنْهُمْ مَنْ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً، وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً.
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجنّة بِغَيْرِ حِسَابٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَلَبَّسُوا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيا، وَإِنَّمَا الْحِسابُ هُناكَ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِها هاهنا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُحاسَبُ عَلَى النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ، وَيَصِيرُ إِلَى عَذَابِ السَّعِير.
وَمِنْهُمْ أئمّة الْكُفْرِ وَقادَةُ الضَّلَالَةِ، فَأُولئِكَ لَا يُقِيمُ لَهُمْ وَزْناً، وَلَا يَعْبَأُ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ وَتَلْفَحُ
1) الأحزاب 10:33.
وُجُوهَهُمُ النَّارُ، وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ.
الزنديق :
وفي موضع آخر يقول : «اللّه يَتَوفَّى الأنْفُسَ حِيْنَ مَوْتِهَا» (2).
«الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِين» (3)وما أشبه ذلك، فمرة يجعل الفعل لنفسه، ومرّة لملك الموت، ومرّة للملائكة.
ويقول : «وإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثمّ اهْتَدَى» (5)، ففي الآية الأولى أنّ الأعمال الصالحة لا تُكفر.
وفي الثانية أن الإيمان والأعمال الصالحات لا تنفع إلا بعد الإهتداء.
وأجده يقول : «وَسْئَل مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا» (6)كيف يسأل الحيّ من الأموات قبل البعث والنشور ؟
أجده يقول : «إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلى السّمواتِ والأرضِ والجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً» (7)فما هذه الأمانة،
ومن هذا الإنسان، وليس من صفة العزيز العليم التلبيس على عباده ؟
ويتكذيبه نوحاً لما قال: «إن ابني مِنْ أهْلِي» (2)بقوله: «انَّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِك» (3).
وبوصفه إبراهيم بأنّه عبد كوكباً مرّة، ومرّة قمراً، ومرّة شمساً.
وبقوله في يوسف : «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ» (4).
ويتهجينه موسى حيث قال : «ربِّ أرِنِي أَنْظُر إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي» (5).
ويبعثه جبرئيل وميكائيل على داود حيث تسوّرا المحراب، ويحبسه يونس في بطن الحوت حيث ذهب مغضباً، وأظهر خطأ الأنبياء وزللهم، ووارى اسم من اغتر وفتن خلقاً وضل وأضل، وكنى عن أسمائهم في قوله : «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالمُ عَلى يَدَيهِ يَقُولُ يَالَيتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرّسولِ سَبِيْلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذ فُلاناً خَلِيلاً لَقَد أضلَّنِي عَنِ الذكْر بَعد إِذْ جَاءَنِي» (6)فمن هذا الظالم الذي لم يذكر من اسمه ماذكر من أسماء الأنبياء ؟
و «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُم الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ» (1).
و «لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى» (2)فمرة يجيئهم ومرة يجيئونه.
وأجده يقول : «ثمّ لَتَسْتَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ» (3)فما هذا النعيم الذي يُسأل العباد عنه ؟
وأجده يقول : «بَقِيَّةُ اللّه خَيْرٌ لَكُم» (4)ما هذه البقية ؟
وأجده يقول : «يَا حَسْرتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّه» (5).
و «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه» (6).
«كُلُّ شَيْءٍ هَالِك إِلَّا وَجْهَهُ» (7).
«وأصْحَابُ اليَمِينِ مَا أَصْحَابُ اليَمِين» (8).
«وأصْحَابُ الشِمالِ مَا أَصْحَابُ الشمَالِ» (9)، ما معنى الجنب والوجه واليمين والشمال فإن الأمر فى ذلك ملتبس جداً ؟
ويقول : «ءَ أَمِنْتُم مَن فِي السَّمَاءِ» (2).
«وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلهُ وَفِي الأَرْضِ إِلهٌ» (3).
«وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُم» (4).
«ونَحنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ» (5).
«مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُم» (6).
وأجده يقول : «وإِنْ خِفْتُم ألا تُقْسِطُوا فِى اليَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاء» (7)وليس يشبه القسط في اليتامى من نكاح النساء ولا كلّ النساء أيتام فما معنى ذلك ؟
وأجده يقول : «وَمَا ظَلَمُونَا وَلكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُم يَظْلِمُونَ» (8)فكيف يظلم اللّه ؟ ومن هؤلاء الظلمة ؟
وأجده يقول : «قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِواحِدَةٍ» (9)ما هذه الواحدة ؟
أجده يقول : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً للعَالَمِينَ» (1)وأرى مخالفي الإسلام، معتكفين على باطلهم غير مقلعين عنه، وأرى غيرهم من أهل الفساد مختلفين في مذاهبهم يلعن بعضهم بعضاً، فأي موضع للرحمة العامّة لهم المشتملة عليهم ؟
أجده قد بيّن فضل نبيّه على سائر الأنبياء، ثمّ خاطبه في أضعاف ما أثنى عليه في الكتاب من الإزراء عليه، وانتقاص محله، وغير ذلك من تهجينه وتأنيبه ما لم يخاطب أحداً من الأنبياء، مثل قوله :
«وَلَو شَاءَ اللّه لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ» (2).
وقوله : «وَلَوْلَا أَنْ تَبَتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِم شَيْئاً قَلِيْلاً» (3).
«إِذَنْ لأَذَقْنَاكَ ضِعْف الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثمّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيْرَاً» (4).
وقوله : «وتُخْفِي فِى نَفْسِكَ مَا اللّه مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ واللّه أحقُّ أنْ تَخْشَاهُ» (5).
وقوله : «وَمَا أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ» (6).
وقال : «مَافَرَطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيءٍ» (7).
«وَكُلَّ شَيءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِيْنٍ» (8)، فإذا كانت الأشياء تحصى في الإمام
وهو وصيّ النبيّ، فالنبيّ أولى أن يكون بعيداً من الصفة التي قال فيها : «وما أدري مَا يُفعَلُ بِي وَلَا بِكُم» وهذه كلها صفات مختلفة، وأحوال متناقضة، وأمور مشكلة، فإن يكن الرسول والكتاب حقّاً فقد هلكت لشكّي في ذلك، وإن كانا باطلين فما عليّ من بأس ؟
جواب الإمام :
وانبرى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى تفنيد هذه الشبه والأوهام، قائلاً: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيل مَا سَأَلْتَ.
وفيما يلي ذلك :
أَمَا قَوْلُهُ تَعالى : «اللّه يَتَوفَى الْأَنْفُسَ حِيْنَ مَوْتِهَا».
وَقَوْلُهُ : «قُلْ يَتَوفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ».
«تَوفَّتْهُ رُسُلُنَا».
«الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِم» (1)فَهُوَ تَبارَكَ وَتَعَالَى أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَتَولّى ذلِكَ بِنَفْسِهِ، وَفِعْلُ رُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ فِعْلُهُ لأَنَّهُمْ بأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، فَاصْطَفَى جَلَّ ذِكْرُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَسَفَرَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللّه فِيهِمْ : «اللّه يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ» (2)فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الطَّاعَةِ تَوَلَّتْ قَبْضَ رُوْحِهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ تَوَلَّتْ قَبْضَ رُوْحِهِ مَلَائِكَةُ النِّقْمَةِ، وَلِمَلَكِ الْمَوْتِ
أَعْوانٌ مِنْ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ وَالنِّقْمَةِ يَصْدُرُوْنَ عَنْ أَمْرِهِ، وَفِعْلُهُمْ فِعْلُهُ، وَكُلُّ مَا يَأْتُونَهُ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ فِعْلُهُمْ فِعْلَ مَلَكِ الْمَوْتِ، وَفِعْلُ مَلَكِ الْمَوْتِ فِعْلَ اللّه لِأَنَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ عَلَى يَدِ مَنْ يَشَاءُ، وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيُثِيبُ وَيُعاقِبُ عَلَى يَدِ مَنْ يَشَاءُ، وَإِنَّ فِعْلَ أَمَنائِهِ فِعْلُهُ كَمَا قَالَ: «وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللّه» (1).
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : «فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ».
وَقَوْلُهُ: «وإنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ َوآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثمّ اهْتَدى» فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يُغْنِي إِلَّا مَعَ الْإِهْتِدَاءِ، وَلَيْسَ كلّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِيْمَانِ كَانَ حَقِيْقاً بِالنَّجَاةِ ممّا هَلَكَ بِهِ الْغُواةُ، وَلَوْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَنَجَتِ الْيَهُودُ مَعَ اعْتِرافِهَا بِالتَّوْحِيدِ، وَإِقْرَارِها بِاللّه، وَنَجا سائِرُ الْمُقِرِّينَ بِالْوَحْدانِيَّةِ، مِنْ إِبْلِيْسَ فَمَنْ دُونَهُ بِالْكُفْرِ، وَقَدْ بَيَّنَ اللّه ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : «الَّذِينَ ءامَنُوا وَلَم يَلْبِسُوا إيْمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُهْتَدُونَ» (2).
وَبِقَوْلِهِ : «مِنَ الذيْنَ قَالُوا ءامَنَّا بِأَفْوَاهِهِم وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُم» (3)، وَلِلْإِيمانِ حالَاتٌ وَمَنازِلُ يَطُولُ شَرْحُها. وَمِنْ
ذَلِكَ أَنَّ الْإِيْمَانَ قَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ :
إِيْمَانُ بِالْقَلْبِ وَإِيْمَانٌ بِالنِّسانِ، كَمَا كَانَ إِيْمَانُ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّه لَمّا قَهَرَهُمْ بِالسَّيْفِ، وَشَمَلَهُمُ الْخَوْفُ فَإِنَّهُم آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، فَالْإِيْمانُ بِالْقَلْبِ هُوَ التَّسْلِيمُ لِلرَّبِّ، وَمَنْ سَلَّمَ الْأُمُورَ لِمالِكِها لَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنْ أَمْرِهِ، كَمَا اسْتَكْبَرَ إِبْلِيْسُ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ، وَاسْتَكْبَرَ أَكْثَرُ الْاُمَم عَنْ طَاعَةِ أَنْبِيائِهِمْ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمُ التَّوْحِيدُ، كَما لَمْ يَنْفَعْ إِبْلِيْسَ ذَلِكَ السُّجودُ الطَّوِيلُ، فَإِنَّهُ سَجَدَ سَجْدَةً وَاحِدَةً أَرْبَعَةَ آلَافِ عامٍ، وَلَمْ يُرِدْ بِها غَيْرَ زُخْرُفِ الدُّنْيا، وَالتَّمْكِينِ مِنَ النَّظِرَةِ، فَلِذَلِكَ لا تَنْفَعُ الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ إِلَّا مَعَ الْإِهْتِداءِ إِلى سَبِيلِ النَّجاةِ، وَطُرُقِ الْحَقِّ، وَقَدْ قَطَعَ اللّه عُذْرَ عِبادِهِ بِتَبْيِينِ آيَاتِهِ، وَإِرْسالِ رُسُلِهِ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّه حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَلَمْ يُخْلِ أَرْضَهُ مِنْ عالِم بِما تَحْتاجُ إِلَيْهِ الْخَلِيْقَةُ، وَمُتَعَلَّم عَلى سَبِيلِ النَّجاةِ، أَوْلَئِكَ هُمُ الأقلُّونَ عَدَداً، وَقَدْ بَيَّنَ اللّه ذَلِكَ فِي أُمَمِ الْأَنْبِياءِ وَجَعَلَهُمْ مَثَلاً لِمَنْ تَأَخَّرَ، مِثْلُ قَوْلِهِ فِي قَوْمِ نُوحٍ: «وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قليل» (1).
وَقَوْلُهُ فِيْمَنْ آمَنْ مِنْ أُمَّةِ مُوسَى : «وَمِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَةٌ يَهْدُونَ بالحقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» (2).
وَقَوْلُهُ فِي حَوارَیِّي عِيْسَى حَيْثُ قَالَ لِسَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: «مَنْ أَنْصَارِى إِلى اللّه قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللّه ءامَنَا بِاللّه واشْهَد بأنّا مُسْلِمُونَ» (1)يَعْنِي بِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ فَضْلَهُمْ، وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَما أَجَابَهُ - أي عيسى - مِنْهُمْ إِلَّا الْحَوارِيُّون.
وَقَدْ جَعَلَ اللّه لِلْعِلْمِ أَهْلاً، وَفَرَضَ عَلَى الْعِبَادِ طَاعَتَهُمْ بِقَوْلِهِ: «أطِيعُوا اللّه وأطِيعُوا الرَسولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُم» (2).
وَبِقَوْلِهِ: «وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرّسولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنْهُم لَعَلِمَهُ الذِيْنَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم» (3).
وَبِقَوْلِهِ : «اتَّقُوا اللّه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» (4).
وَبِقَوْلِهِ : «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيْلَهُ إلَّا اللّه والرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ» (5)«وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا» (6)، وَالْبُيُوتُ هِيَ بُيُوتُ الْعِلْمِ الَّذِي اسْتَوْدَعَهُ الْأَنْبِياءَ، وَأَبْوَابُها أَوْصِياؤُهُمْ، فَكُلُّ مَنْ عَمِلَ مِنْ أَعْمالِ الْخَيْرِ فَجَرى عَلَى غَيْرِ أَيْدِي أَهْلِ الْإِصْطِفَاءِ وَعُهُودِهِمْ وَشَرائِعِهِمْ
وَسُنَنِهِمْ وَمَعَالِمِ دِيْنِهِمْ مَرْدُودٌ وَغَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَهْلُهُ بِمَحَلَّ كُفْرِ، وَإِنْ شَمِلَتْهُمْ صِفَةُ الإِيْمَانِ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلى قَوْلِهِ تَعَالَى : «وَمَا مَنَعَهُم أنْ تُقْبَلَ مِنْهُم نَفَقَاتُهُم إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّه وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلّا وَهُمْ كَارِهُونَ» (1)؟ فَمَنْ لَمْ يَهْتَدِ مِنْ أَهْلِ الْإِيْمَانِ إِلى سَبْيِلِ النَّجاةِ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ إِيمَانُهُ بِاللّه مَعَ دَفْعِ حَقٌّ أَوْلِيَائِهِ، وَحَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللّه سُبْحانَهُ: «فَلَمْ يَك يَنفَعُهُم إِيمَانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنَا» (2).
وَه-ذا كَثِيرٌ فِي كِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَالْهِدايَةُ هِيَ الْوَلَايَةُ كَما قَالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «وَمَنْ يَتَولَّ اللّه ورسولَهُ وَالذِينَ ءامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّه هُمُ الغَالِبُونَ» (3)وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي هَذَا الْمَوْضِع هُمُ الْمُؤْتَمَنُونَ عَلَى الْخَلَائِقِ مِنَ الْحُجَجَ وَالْأَوْصِياءِ فِي عَصْرِ بَعْدَ عَصْرِ، وَلَيْسَ كلّ مَنْ أَقَرَّ أَيْضاً مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِالشَّهَادَتَيْنِ كَانَ مُؤْمِناً. إِنَّ الْمُنافِقِينَ كانُوا يَشْهَدُونَ أَنْ لا إلهَ إِلَّا اللّه، وَأَنَّ محمّداً رَسُولُ اللّه، وَيَدْفَعُونَ عَهْدَ رَسُولِ اللّه بِمَا عَهِدَ بِهِ مِنْ دِينِ اللّه وَعَزائِمِهِ وَبَرَاهِينِ نُبُوَّتِهِ إِلى وَصِيَّهِ، وَيُضْمِرُونَ مِنَ الْكَراهَةِ لِذَلِكَ، وَالنَّقْضِ لِمَا أَبْرَمَهُ مِنْهُ عِنْدَ إِمْكَانِ الْأَمْرِ لَهُمْ، فِيمَا قَدْ بَيَّنَهُ
اللّه لِنَبِيِّهِ بِقَوْلِهِ : «فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكَمُوكَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثمّ لَا يَجِدُوا فِي أنفُسِهِم حَرَجاً ممّا قَضَيْتَ وَيُسَلِمُوا تسليماً» (1).
وَبِقَوْلِهِ : «وَمَا محمّد إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل أفإينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُم عَلَى أَعْقَابِكُم» (2).
وَمِثْل قَوْله : «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقَاً عَنْ طَبَق» (3)، أَي لَتَسْلُكُنَّ سَبِيلَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ فِي الْغَدْرِ بِالْأَوْصِياءِ بَعْدَ الْأَنْبِياءِ.
وَهذا كَثِيرٌ فِي كِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ شَقَّ عَلَى النبيّ ما يَؤُولُ إِلَيْهِ عَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ، وَإِطْلَاعِ اللّه إِيَّاهُ عَلَى بَوارِهِمْ فَأَوْحَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ : «فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِم حَسَرَاتٍ» (4). «فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ» (5).
أَمّا قَوْلُهُ : «وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا» فَهَذا مِنْ بَرَاهِينِ نَبِيِّنا الَّتِي آتَاهُ اللّه إِيَّاها، وَأَوْجَبَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلى سَائِرِ خَلْقِهِ، لأَنَّهُ لَمّا خَتَمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ، وَجَعَلَهُ اللّه رَسُولاً إِلى جَمِيعِ الأمَمِ، وَسائِرِ الْمِلَلِ، خَصَّهُ اللّه بِالْإِرْتِقاءِ إِلَى السَّمَاءِ عِنْدَ
الْمِعْراج، وَجَمَعَ لَهُ يَوْمَئِذٍ الْأَنْبِيَاءَ، فَعَلِمَ مِنْهُمْ ما أُرْسِلُوا وَحَمَلُوهُ مِنْ عَزائِمِ اللّه وَآيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ، وَأَقَرُّوا جَمِيعاً بِفَضْلِهِ وَفَضْلِ الْأَوْصِياءِ وَالْحُجَج فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِ وَفَضْلِ شِيعَةِ وَصِيَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الَّذِينَ سَلَّمُوا لِأَهْل الْفَضْلَ فَضْلَهُمْ، وَلَمْ يَسْتَكْبِرُوا عَنْ أَمْرِهِمْ، وَعَرَفَ مَنْ أَطاعَهُمْ وَعَصاهُمْ مِنْ أُمَمِهِمْ، وَسَائِرِ مَنْ مَضى وَمَنْ غَبَرَ، أَوْ مَنْ تَقَدَّمَ وَتَأَخَّرَ.
وَأَمَا هَفَوَاتُ الْأَنْبِياءِ وَمَا بَيَّنَهُ اللّه فِي كِتَابِهِ، وَوُقُوعُ الْكِنَايَةِ. مِمَّنْ شَهِدَ الْكِتابُ بِظُلْمِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَدَلُّ الدَّلَائِلِ عَلَى حِكْمَةِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ الْبَاهِرَةِ، وَقُدْرَتِهِ الْقاهِرَةِ، وَعِزَّتِهِ الظَّاهِرَةِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ بَراهِينَ الْأَنْبِياءِ تَكْبُرُ فِي صُدُورِ أُمَمِهِمْ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَّخِذُ بَعْضَهُم إِلهاً، كَالَّذِي كَانَ مِنَ النَّصَارَىٰ فِي ابْنِ مَرْيَمَ، فَذَكَرَها دَلَالَةٌ عَلى تَخَلَّفِهِمْ عَنِ الْكَمَالِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ
أَلَمْ تَسْمَعْ إِلى قَوْلِهِ فِي صِفَةِ عِيْسَىٰ حَيْثُ قَالَ - فِيهِ وَفِي أمِّهِ -: «كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ» (1)؟ يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَكَلَ الطَّعامَ كانَ لَهُ ثِقْلٌ، وَمَنْ كانَ لَهُ ثِقْل فَهُوَ بَعِيدٌ ممّا ادَّعَتْهُ النَّصارى لابْنِ مَرْيَمَ، وَلَمْ يُكَنِّ عَنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِياءِ تَبَحُراً (2)أَوْ تَعَزُّراً (3)...
إلى آخر ما أفاده الإمام في هذا الموضوع.
وَأَمَا قَوْلُهُ : «وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَك صَفاً صَفاً».
وَقَوْلُهُ : «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ»، فَذَلِكَ كُلُّهُ حَقٌّ، وَلَيْسَتْ حِيئَتُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ كَجِيئَةِ خَلْقِهِ فَإِنَّهُ رَبُّ كلّ شَيْءٍ.
وَمِنْ كِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ عَلَى غَيْرِ تَنْزِيلِهِ، وَلَا يُشَبَّهُ تَأْوِيْلُهُ بِكَلَامِ الْبَشَرِ، وَلَا فِعْلِ الْبَشَرِ، وَسَأَنْبِتُكَ بِمِثَالٍ لِذَلِكَ تَكْتَفِي بِهِ إِنْ شَاءَ اللّه تَعَالَى وَهُوَ حِكَايَةُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ إِبْراهِيمَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) حَيْثُ قَالَ : «إِنّى ذَاهِبٌ إِلى رَبِّي» (1)، فَذَهابُهُ إِلَى رَبِّهِ تَوَجُهُهُ إِلَيْهِ فِى عِبادَتِهِ وَاجْتِهادِهِ، أَلَا تَرى أَنَّ تَأْوِيلَهُ غَيْرُ تَنْزِيلِهِ - أَي غَيْرُ ظَاهِرِهِ - ؟
وَقَالَ : «وأَنْزَلَ لَكُم مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجِ» (2).
وَقالَ: «وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ» (3)فَإِنْزالُهُ ذَلِكَ خَلْقَهُ إيَّاهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : «إِنْ كَانَ للرَّحْمَنِ وَلَدٌ فأَنَا أَوّلُ العَابِدِينَ»(4)أَي الْجاحِدِينَ، وَالتَّأْوِيلُ فِي هَذَا الْقَوْلِ باطِنُهُ
مُضادٌ لِظَاهِرِهِ.
وَمَعْنى قَوْلِهُ: «فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُم المَلائِكة أو يَأْتِي ربُّكَ» فَإِنَّمَا خَاطَبَ نَبِيَّنَا محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) هَلْ يَنْتَظِرُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُشْرِكُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ فَيُعايِنُوهُمْ ؟
«أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ»، يَعْنِي بِذَلِكَ أَمْرَ رَبِّكَ، وَالْآياتُ هِيَ الْعَذابُ فِي دَارِ الدُّنْيا، كَما عَذَّبَ الْأُمَمَ السّالِفَةَ، وَالْقُرُوْنَ الْخَالِيَةَ.
وَقالَ: «أوَلَم يَرَوا أنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِها» (1)، يَعْنِي بِذَلِكَ ما يَهْلِكُ مِنَ الْقُرُونِ فَسَمَاهُ إِنْياناً.
وَقالَ: «قَاتَلَهُم اللّه أَنَّى يُؤفَكُونَ» (2)، أَيْ لَعَنَهُمُ اللّه أَنَّى يُؤْفَكُونَ، فَسَمَّى اللَّعْنَةَ قِتالاً.
وَكَذَلِكَ قَالَ: «قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَه» (3)، أَيْ لُعِنَ الْإِنسانُ.
وَقَالَ : «فَلَمْ تَقْتُلُوهُم وَلَكِنَّ اللّه قَتَلَهُم وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيتَ وَلكنَّ اللّه رَمى» (4)، فَسَمّى فِعْلَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فِعْلاً لَهُ، أَلَا تَرَى تَأْوِيْلَهُ عَلَى غَيْرِ تَنْزِيلِهِ ؟
وَمِثْل قَوْلِهِ : «بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبهم كَافِرُونَ» (1)فَسَمَّى الْبَعْثَ لقاء.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : «الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ» (2)، أَيْ يُوْقِنُونَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، وَاللَّقَاءُ عِنْدَ الْمُؤْمِنِ الْبَعْثُ وَعِنْدَ الْكَافِرِ الْمُعايَنَةُ وَالنَّظَرُ.
ويأخذ في إيضاح هذه الجهة أنّ المراد غير التنزيل.
وَأَمَّا مَعْنى قَوْلِهِ : «وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنهُ» (3)فَذَلِكَ حُجَّةُ اللّه أَقَامَها عَلى خَلْقِهِ، وَعَرَّفَهُمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَجْلِسَ النبيّ إِلَّا مَنْ يَقُوْمُ مَقَامَهُ، وَلَا يَتْلُوهُ إِلَّا مَنْ يَكُونُ فِى الطَّهَارَةِ مِثْلَهُ، لَئَلَّا يَتَّسِعَ لِمَنْ ماسَّهُ حِسُّ الْكُفْرِ فِي وَقْتِ مِنَ الْأَوْقاتِ انْتِحالَ الْإِسْتِحْقاقِ بِمَقامِ رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)...
وعرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض الأمور التي ترتبط بذلك
وَأَمَّا الْأَمَانَةُ الَّتِي ذَكَرْتَها فَهِيَ الْأَمَانَةُ الَّتِي لَا تَجِبُ وَلَا تَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا فِي الْأُنْبِياءِ وَأَوْصِيَائِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى اثْتَمَنَهُمْ عَلى خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُمْ حُجَجاً فِي أَرْضِهِ... إلى آخر ما ذكره.
وَأَما ما كَانَ مِنَ الْخِطاب بِالْإِنْفِرادِ مَرَّةً وَبِالْجَمْع مَرَّةً، مِنْ صِفاتِ الْبارِي جَلَّ ذِكْرُهُ، فَإِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسْمُهُ عَلَى
ما وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ بِالْإِنْفِرادِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ، هُوَ النُّورُ الْأَزَلِيُّ الْقَدِيمُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَا يَتَغَيَّرُ وَيَحْكُمُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتارُ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَا رادَّ لِقَضائِهِ، وَلَا ما خَلَقَ زادَ فِي مُلْكِهِ وَعِزْهِ، وَلَا نَقَصَ مِنْهُ مَا لَمْ يَخْلُقْهُ، فَخَلَقَ مَا شَاءَ كَمَا شَاءَ، وَأَجْرَىٰ فِعْلَ بَعْضِ الْأَشْياءِ عَلَى أَيْدِى مَن اصْطَفَى مِنْ أَمَنائِهِ، وَكانَ فِعْلُهُمْ فِعْلَهُ، وَأَمْرُهُمْ أَمْرَهُ، كَمَا قالَ : «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللّه» (1)وَجَعَلَ السَّماءَ وَالْأَرْضَ وِعاءً لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ لِيَمِيْزَ الْخَبِيْثَ مِنَ الطَّيِّبِ، مَعَ سابِقِ عِلْمِهِ بِالْفَرِيقَيْن مِنْ أَهْلِها.
وتحدّث الإمام بصورة مستوعبة عن الإمامة وضرورتها وما يرتبط بالموضوع.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: «كُلُّ شَيْءٍ هَالِك إِلّا وَجْهَهُ» (2)فَالْمُرادُ كلّ شَيْءٍ هَالِك إِلَّا دِينَهُ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُحالِ أَنْ يَهْلِكَ مِنْهُ كلّ شَيْءٍ وَيَبْقَى الْوَجْهُ، هُوَ أَجَلٌ وَأَكْرَمُ وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا يَهْلِكُ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ أَلَا تَرى أَنَّهُ قَالَ : «كلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ» (3)؟
وحوت المناظرة التالية على بعض البحوث التي لا يقرها العلم، وقد أعرضنا عن ذكرها لاعتقادنا أنّها من الموضوعات، ونكتفي بهذا المقدار منها (4).
أمّا ابن الكوّاء، فهو خبيث دنس قد اترعت نفسه بالزندقة والمروق من الدين، وكان من سعة حلم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعظيم أخلاقه أن فسح المجال لهذا الوضر الخبيث بالتطاول عليه، ولم يتخذ معه الإجراءات الصارمة فيعتقله أو ينفيه، وقد آل أمر هذا الخبيث أن صار من عيون الخوارج، فكان يجابه الإمام بالكلمات القاسية فيقول له : «لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» (1).
فيجيبه الإمام الممتحن بقوله تعالى : «فاضبر إِنَّ وَعْدَ اللّه حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفُنَّكَ الَّذِيْنَ لَا يُوقِنُونَ» (2).
وعلى أي حال، فقد جرت بين الإمام وابن الكواء عدّة مناظرات لم يكن غرض ابن الكوّاء الوقوف على الواقع والتعرّف على الحقِّ، وإنّما غرضه امتحان الإمام وازعاجه، ومن بين تلك المناظرات ما يلي :
ابن الكوّاء : أخبرني عن بصير بالليل ويصير بالنهار ؟
وعن أعمى بالليل وأعمى بالنهار.
وعن أعمى بالليل بصير بالنهار.
وعن أعمى بالنهار بصير بالليل ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«سَلْ عَمَّا يَعْنِيْكَ وَلَا تَسْأَلْ عَمَّا لَا يَعْنِيْكَ. وَيْلَكَ !
أَمَا بَصِيْرٌ بِاللَّيْلِ وَبَصِيرٌ بِالنَّهارِ: فَهُوَ رَجَلٌ آمَنَ بِالرُّسُلِ وَالْأَوْصِياءِ الَّذِينَ مَضَوْا وَبِالْكُتُبِ وَالنبيّينَ وَآمَنَ بِاللّه وَنَبِيِّهِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَأَقَرَّ لِي بِالْوَلَايَةِ، فَأَبْصَرَ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ.
وَأَمَّا بَصِيْرٌ بِاللَّيْلِ أَعْمَى بِالنَّهارِ، فَرَجُلٌ آمَنَ بِالْأَنْبِياءِ وَالْكُتُبِ، وَجَحَدَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَأَنْكَرَ حَقًّا فَأَبْصَرَ بِاللَّيْلِ وَعَمِيَ بِالنَّهَارِ.
وَأَمَّا أَعْمَى بِاللَّيْلِ أَعْمَى بِالنَّهارِ: فَرَجُلٌ جَحَدَ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْصِياءَ وَالْكُتُبَ الَّتِي مَضَتْ، وَأَدْرَكَ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ، وَلَمْ يُقرَّ بِوَلَايَتِي، فَجَحَدَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَنَبِيَّهُ فَعَمِيَ بِاللَّيْلِ وَعَمِيَ بِالنَّهارِ.
وَأَمَّا أَعْمَى بِاللَّيْلِ وَبَصِيْرٌ بِالنَّهارِ، فَرَجُلٌ جَحَدَ الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ مَضَوا وَالْأَوْصِياءَ وَالْكُتُبَ، وَأَدْرَكَ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَآمَنَ بِاللّه وَبِرَسُولِهِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَآمَنَ بِإِمامَتِي، وَقَبِلَ وِلَايَتِي، فَعَمِيَ بِاللَّيْلِ وَأَبْصَرَ بِالنَّهارِ.
وَيْلَكَ يَابْنَ الْكَوَاءِ نَحْنُ بَنُو أَبِي طَالِبٍ، بِنا فَتَحَ اللّه الْإِسْلَامَ، وَبِنا يَخْتِمُهُ» (1).
ولم يكن ابن الكوّاء يبغى فى هذه المناظرة الوقوف على الواقع والانتهال من نمير
1) الاحتجاج 1: 329.
علوم الإمام، وإنّما كان يبغي التبكيت بالإمام وامتحانه.
كان إمام المتّقين على المنبر يخطب الناس ويوعظهم، ويرشدهم إلى طريق الحقّ، فانبرى إليه ابن الكواء فقال له : أخبرني عن ذي القرنين أخبرني عن ذي القرنين أنبياً كان أم ملكاً ؟ وأخبرني عن قرنيه أمن ذهب كانا أم مِنْ فضّة ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«لَمْ يَكُنْ نَبِيّاً وَلَا مَلَكاً، وَلَمْ يَكُنْ قَرْناهُ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَلَكِنَّهُ كانَ عَبْداً أَحَبَّ اللّه فَأَحَبَّهُ اللّه، وَنَصَحَ للّه فَنَصَحَ اللّه لَهُ، وَإِنَّما سُمِّي «ذَا الْقَرْنَيْنِ» لِأَنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَعَابَ عَنْهُمْ حِيْناً ثمّ عادَ إِلَيْهِمْ، فَضُرِبَ عَلَى قَرْنِهِ الآخَرِ، وَفِيْكُمْ مِثْلُهُ» (1).
يعني نفسه الشريفة، فقد ضربه عمرو بن عبد ود على قرنه الأوّل، وضربه الزنيم الفاجر ابن ملجم ضربة أخرى على هامته ففلقها، وكانت بها شهادته.
روی الأصبغ بن نباتة قال : كنت جالساً عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجاء ابن الكوّاء، فقال للإمام : مَنِ البيوت في قول اللّه عزّ وجلّ : «وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا البيوت مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَن اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِها» (2)؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«نَحْنُ الْبُيوتُ الَّتِي أَمَرَ اللّه بِها أَنْ تُؤْتَىٰ مِنْ أَبْوابِهَا، نَحْنُ بَابُ اللّه
وبُيُوتُهُ الَّتِي يُؤْتَى مِنْهَا، فَمَنْ تابَعَنا وَأَقَرَّ بِوَلَايَتِنا فَقَدْ أَتَى الْبُيوتَ مِنْ أَبْوابِها، وَمَنْ خالَفَنا وَفَضَّلَ عَلَيْنَا غَيْرَنَا فَقَدْ أَتَى الْبُيوتَ مِنْ ظهورها».
فقال ابن الكوّاء : «وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاً بِسِيمَاهُم»(1)؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«نَحْنُ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ نَعْرِفُ أَنصارَنا بِسِيمَاهُمْ، وَنَحْنُ الْأَعْرافُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الجنّة وَالنَّارِ، وَلَا يَدْخُلُ الجنّة إِلَّا مَنْ عَرَفَنا وَعَرَفْنَاهُ، وَلَا يَدْخُلُ النّارَ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَنَا وَأَنْكَرْناهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَوْ شَاءَ عَرَّفَ لِلنَّاسِ نَفْسَهُ حَتَّىٰ يَعْرِفُوهُ وَحْدَهُ، وَيَأْتُوهُ مِنْ بابِهِ، وَلكِنَّهُ جَعَلَنَا أَبْوابَهُ وَصِراطَهُ وَبَابَهُ الَّذِي يُؤْتى مِنْهُ، فَقَالَ - فِيمَنْ عَدَلَ عَنْ وَلَايَتِنا وَفَضَّلَ عَلَيْنَا غَيْرَنَا فَإِنَّهُمْ «عَنِ الصِّراطِ لَنَاكِبُونَ» (2)» (3).
كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المنبر يخطب الناس، فانبرى إليه ابن الكوّاء فقال له : يا أمير المؤمنين، ما الذاريات ذرواً ؟
الرّياحُ.
ما الحاملات وقراً ؟
السَّحابُ.
ما الجاريات يسراً ؟
السُّفْنُ.
ما المقسمات أمراً ؟
الْمَلَائِكَةُ.
وجدت كتاب اللّه ينقض بعضه بعضاً.
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَابْنَ الْكَوَّاءِ كِتابُ اللّه يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً وَلَا يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضاً سَلْ عَمّا بَدا لَكَ.
سمعته يقول : «بِرَبِّ الْمَشَارِقِ والْمَغَارِبِ» (1).
ويقول : «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ» (2).
وقال في آية أخرى : «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» (3).
يابْنَ الْكَوَاءِ ! هَذَا الْمَشْرِقُ وَهَذَا الْمَغْرِبُ.
وأومأ إلى جهة المشرق والمغرب.
وَأَما قَوْلُهُ : «رَبُّ المَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ المَغْرِبَيْنِ» فَإِنَّ مَشْرِقَ الشَّتاءِ عَلَى حِدَة وَمَشْرِقَ الصَّيْفِ عَلى حِدَةٍ، أَمَا تَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ قُرْبِ الشَّمْس وَيُعْدِها ؟
وَأَمّا قَوْلُهُ : «بِرَبِّ المَشَارِقِ والمَغَارِبِ»، فَإِنَّ لَها - أي
الشمس - ثَلاثَمَانَةٍ وَسِتِّينَ بُرْجاً، تَطْلُعُ كلّ يَوْمٍ مِنْ بُرْجٍ وَتَغِيْبُ فِي آخِرَ، فَلَا تَعُودُ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ قابِل فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
كم بين موضع قدمك إلى عرش ربك ؟
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَابْنَ الْكَوَاءِ ! سَلْ مُتَعَلِّماً وَلَا تَسْأَل مُتَعَنِّاً، مِنْ مَوْضِعِ قَدَمِي إِلَى عَرْشِ رَبِّي أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ - مُخْلِصاً لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه.
ما ثواب من قال لا إله إلا اللّه ؟
مَن قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه مُخْلِصاً طُمِسَتْ ذُنُوبُهُ كَمَا يُطْمَسُ الْحَرْفُ الْأَسْوَدُ مِنَ الرَّقِّ الْأَبْيَضِ.
فَإِنْ قالَ ثانِيَةً : لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه مُخْلِصاً خَرَقَتْ أَبْوابَ السَّمَواتِ وَصُفُوفَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى تَقُولَ الْمَلَائِكَةُ اخْشَعُوا لِعَظَمَةِ اللّه.
فَإِذا قالَ ثالِثَةٌ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه - مُخْلِصاً - تَنْتَهِي دُونَ الْعَرْشِ، فَيَقُولُ الْجَلِيلُ : لَأَغْفِرَنَّ لِقَائِلِكِ بما كانَ فِيهِ، ثمّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» (1)ارْتَفَعَ قَوْلُهُ وَكَلَامُهُ.
أخبرني عن قوس قزح ؟
لَا تَقُلْ : قَوْسُ قُزَحٍ، فَإِنَّ قُزَحاً اسْمُ شَيْطَانٍ، وَلَكِنْ قُلْ : قَوْسُ
1) فاطر 35: 10.
اللّه إِذا بَدَا يَبْدُو الْخِصْبُ وَالرِّيْفُ.
أخبرني عن أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)؟
عَنْ أَيَّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّه تَسْأَلُنِي ؟
قال : أخبرني عن أبي ذرّ الغفاري ؟
سَمِعْتُ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ : مَا أَظَلَّتِ الخَضْراء، وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْراءُ، ذا لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ.
أخبرني عن سلمان الفارسي ؟
بَحْ بَحْ سَلْمَانُ مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَمَنْ لَكُمْ بِمِثْلِ لُقمانَ الْحَكِيم؟ عَلِمَ عِلْمَ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ.
أخبرني عن حذيفة بن اليمان ؟
ذَاكَ امْرُؤٌ عَلِم أَسْمَاءَ الْمُنافِقِينَ، إِنْ تَسْأَلُوهُ عَنْ حُدُودِ اللّه تَجِدُوهُ بها عالماً.
أخبرني عن عمار بن ياسر ؟
ذَاكَ امْرُؤٌ حَرَّمَ اللّه لَحْمَه وَدَمَهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَمَسَّ شَيْئاً مِنْها.
اخبرني عن نفسك ؟
كُنتُ إذا سَأَلْتُ أَعْطِيتُ، وَإِذا سَكَتُ ابْتُدِنْتُ
أخبرني عن قول اللّه عزّ وجل : «قُلْ هَلْ نُنَبِئُكُم بالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً» (1)؟
1) الكهف 18 : 103.
«كَفَرَةُ أَهْلِ الْكِتابِ الْيَهُود وَالنَّصارى، وَقَدْ كَانُوا عَلَى الحقّ فَابْتَدَعُوا فِي أَدْيَانِهِمْ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً».
ثمّ نزل الإمام عن المنبر، وضرب بيده على منكب ابن الكوّاء، وقال له : يَابْنَ الْكَوَّاءِ ! ما أَهْلُ النَّهْرَوانِ مِنْكَ بِبَعِيدٍ !
فقال ابن الكوّاء : ما أريد غيرك، ولا أسأل سواك.
ولم تمض الأيام حتى كان ابن الكوّاء في مقدّمة المحاربين للإمام يوم النهروان، فقيل له : بالأمس تسأل أمير المؤمنين وأنت اليوم تقاتله ؟
و انبرى إليه رجل فطعنه برمحه فهلك عدوّ اللّه (1).
قال الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأصحابه :
«سَلُوْنِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، سَلُونِي عَنْ كِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، فَوَاللّه مَا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتابِ اللّه فِي لَيْلِ وَنَهَارٍ إِلَّا وَقَدْ أَقْرَأَتِيها رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَعَلَّمَنِي تَأْوِيلَها».
فقام إليه ابن الكواء فقال له : فما كان ينزل عليه وأنت غائب ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ):
«كانَ رَسُولُ اللّه مَا كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَنا غَائِبٌ عَنْهُ حَتَّى أَقْدِمَ عَلَيْهِ، فَإِذا قَدِمْتُ عَلَيْهِ أَقْرَأْتِيهَا، وَيَقُولُ لِي: يَا عَلِيُّ، أَنْزَلَ اللّه عَلَيَّ بَعْدَكَ كَذَا وَكَذَا، وَتَأْوِيلُهُ كَذَا وَكَذَا، فَيُعَلِّمُنِي تَنْزِيْلَهُ وَتَأْوِيْلَهُ» (2).
ارتقى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المنبر في الكوفة، وقال :
سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَأَنَا لَا أَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ دُونَ الْعَرْشِ إِلَّا أَجَبْتُ عَنْهُ، لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إِلَّا مُدَّعِ أَوْ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ.
فقام إليه رجل، وفي عنقه كتاب كالمصحف وكان رجلاً آدم طوالاً، جعد الشعر كأنّه من يهود العرب، فرفع صوته قائلاً: أيها المدَّعي لما لا يعلم... أنا سائلك فأجب، فوثب إليه جماعة من شيعة الإمام لمعاقبته، فنهرهم الإمام،
وقال لهم : دَعُوْهُ وَلَا تُعَجِّلُوهُ فَإِنَّ الْعَجَلَ وَالطَّيْشَ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَجُ اللّه، وَلَا بِإِعْجالِ السَّائِلِ تَظْهَرُ بَرَاهِينُ اللّه تَعَالَى.
ثم التفت إلى السائل، فقال له :
سَلْ بِكُلِّ لِسَانِكَ وَمَبْلَغَ عِلْمِكَ، أَجِبْكَ إِن شاءَ اللّه تَعَالَى بِعِلْمٍ لَا تَخْتَلِجُ فِيهِ الشُّكُولُ، وَلَا تُهَيِّجُهُ دَنَسُ رَيْبِ الزِّيْعَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه الْعَلِيُّ الْعَظِيم.
وانبرى الرجل سائلاً: كم بين المشرق والمغرب ؟
مَسَافَةُ الْهَواءِ.
ما مسافة الهواء ؟
دَوَرانُ الْفَلَكِ.
ما دوران الفلك ؟
مَسِيْرَةُ يَوْمٍ لِلشَّمْسِ.
صدقت. متى القيامة ؟
عِنْدَ حُضُورِ الْمَنِيَّةِ وَبُلُوعَ الْأَجَلِ.
صدقت.
أين بكة من مكّة ؟
مَكَةُ أَكْنَافُ الْحَرَمِ، وَبَكَةُ مَوْضِعُ الْبَيْتِ
لم سمّيت مكّة ؟
لأَنَّ اللّه تَعَالَى مَكَ الْأَرْضَ - أي مد الأرض - مِنْ تَحْتِهَا.
لِمَ سمّيت بكة ؟
لأنَّها بَكَّتْ رِقَابَ الْجَبَارِينَ، وَأَعْنَاقَ الْمُذْنِبِينَ
صدقت. أين كان اللّه قبل أن يخلق عرشه ؟
سُبْحَانَ مَنْ لَا تُدْرِكُ كُنْهَ صِفَتِهِ حَمَلَةَ عَرْشِهِ عَلَى قُرْبِ رَبَواتِهِمْ مِنْ كُرْسِيَّ كَرَامَتِهِ، وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ مِنْ أَنْوارِ سُبْحَاتِ جَلَالِهِ.
وَيْحَكَ ! لَا يُقالُ اللّه أَيْنَ؟ وَلَا فِيْمَ ؟ وَلَا أَيُّ، وَلَا كَيْفَ.
صدقت.
كم مقدار ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء ؟
أَتُحْسِنُ أَنْ تَحْسِب ؟
نعم.
لَعَلَّكَ لَا تُحْسِنُ أَنْ تَحْسِبَ
بلى، إني أحسن أن أحسب.
«أَرَأَيْتَ إِنْ صُبَّ خَرْدَلٌ فِي الْأَرْضِ حَتَّىٰ يَسُدَّ الْهَواءَ، وَمَا بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّماءِ، ثمّ أَذِنَ لَكَ عَلى ضَعْفِكَ أَنْ تَنْقُلَهُ حَبَّةٌ حَبَّةٌ مِنْ مِقْدارِ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَمُدَّ فِي عُمُرِكَ، وَأعْطِيتَ الْقُوَّةَ عَلى ذَلِكَ، حَتَّى نَقَلْتَهُ وَأَحْصَيْتَهُ لَكَانَ ذَلِكَ أَيْسَرَ مِنْ إِحْصَاءِ عَدَدِ أَعْوامِ مَا لَبِثَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَ اللّه الْأَرْضَ وَالسَّماءَ، وَإِنَّما وَصَفْتُ لَكَ عُشْرَ عُشْرِ الْعَشِيْرِ مِنْ جُزْءٍ مِنْ مائَةِ أَلْفِ جُزْءٍ، وَأَسْتَغْفِرُ اللّه مِنَ التَّقْلِيلِ وَالتَّحْدِيدِ».
فبهر الرجل وراح يقول :
فَأَنْتَ أَصْلُ الْعِلْمِ هَادِي الْهُدَى***تَجْلُو مِنَ الشَّكُ الغَياهيبا
حُزْتَ أَقاصِي كلّ عِلْمٍ فَمَا***تُبْصَرُ إِنْ غُولبْتَ مَغْلُوبا
لا تَنْثَنِي عَنْ كلّ أشكولة***تُبْدِي إِذا حُلَّتْ أَعاجيبا
للّه دَرُّ الْعِلْمٍ مِنْ صاحِبٍ***يُطْلَبُ إِنْسَاناً وَمَطلُوباً (1)
1) إرشاد القلوب : 2 : 257 - 259. بحار الأنوار: 10: 126 - 128.
كان إمام المتقين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المنبر، وهو يدعو الناس إلى سؤاله قائلاً :
سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرأَ النَّسَمَةَ لَوْ سَأَلْتُمُونِي عَنْ آيَةٍ فِي لَيْلِ انْزِلَتْ أَوْ فِي نَهَارٍ، مَكَيّها وَمَدَنِيُّها سَفَرِيَّها وَحَضَرِيها، ناسِخها وَمَنْسُوخها، وَمُحْكَمِها وَمُتَشَابِهِها، وَتَأْوِيلِها وَتَنْزِيلِها لَأَخْبَرْتُكُمْ...».
فانبرى إليه ذعلب، وكان ذرب اللسان بليغاً، شجاعاً فقال : لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لأخجُلنَّه اليوم لكم في مسألتي، فرفع عقيرته قائلاً: يا أمير المؤمنين. هل رأيت ربّك ؟
فصاح به الإمام :
وَيْلَكَ يا ذِعْلِبُ لَمْ أَكُنْ بِالَّذِي أَعْبُدُ رَبِّاً لَمْ أَرَهُ.
كيف رأيته ؟ صفه لنا ؟
وأخذ الإمام في وصفه اللّه تعالى قائلاً:
وَيْلَكَ، لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشاهَدَةِ الْأَبْصَارِ، وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحقائِقِ الْإِيْمَانِ.
وَيْلَكَ يا ذِعْلِبُ، إِنَّ رَبِّي لَا يُوصَفُ بِالْبُعْدِ، وَلَا بِالْحَرَكَةِ،
وَلَا بِالسُّكُونِ، وَلَا بِقِيام، قیامِ انْتِصابِ، وَلَا بِجِيْئَةٍ، وَلَا بِذَهَابٍ، لَطِيفُ اللَّطافَةِ لَا يُوصَفُ باللَّطْفِ، عَظِيمُ الْعَظَمَةِ لَا يُوصَفُ بِالْعِظَمِ، كَبِيرُ الْكِبْرِياءِ لَا يُوصَفُ بِالْكِبَرِ (1).
إلى آخر ما تفضل به في صفة المبدع العظيم، الذي لا يخضع لأوصاف الممكنات التي يطرق عليها العدم، ويؤول أمرها إلى التراب.
لقد كان وصيّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وباب مدينة علمه، متصدّياً لكلّ ما يرد على الإسلام من أوهام فيكشفها ببالغ حججه، وعظيم برهانه.
1) بحار الأنوار: 10 : 118. الكافي : 1 : 138. أمالي الصدوق : 423.
أمّا علم النجوم فإنّه من العلوم القديمة، وقد ذهب فريق من علماء هذا الفنّ القدامى إلى أنّ الكواكب حيّة مريدة مختارة، وانّ لها الاستقلال التام في جميع مجريات الأحداث، بمعنى أنّها العلّة التامّة المؤثّرة، أو أنها شريكة فى التأثير، وهذا المعنى قد حرمه الإسلام ولم بجزه ؛ لأنّه صريح وواضح في إنكار اللّه تعالى خالق الكون وواهب الحياة، وان جميع ما يجري في الكون من أحداث يستند إليه، فالاعتقاد بأنّ المؤثر هي الكواكب مروق من الدين، وقد أفتى فقهاء الإمامية بكفر من يذهب إلى ذلك.(1).
فقد ورد في بعض الأخبار أنّ المنجّم بمنزلة الكاهن وهو بمنزلة الساحر الذي هو بمنزلة الكافر (2).
وعلى أي حال، فإنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أنكر هذا العلم بالمعنى الذي ذكرناه، وشجب الآثار التي ذكروها له، وكان من بين ما أثر عنه في ذلك ما يلي :
لما عزم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على سفر له بادر إليه منجم، فقال له : إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم..
فأنكر عليه الإمام ذلك وقال له :
«أَتَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ وَتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سارَ فِيها حاقَ بهِ الضَّرُّ، فَمَنْ صَدَّقَ بِهذا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، وَاسْتَغْنى عَنِ الْإِعَانَةِ بِاللّه فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ، وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ».
وأضاف الإمام قائلاً :
«أَيُّها النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَتَعَلَّمَ النُّجُومِ إِلَّا مَا يُهْتَدِى بِهِ فِي بَرَّ أَوْ بَحْرٍ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ، وَالْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ، وَالْكاهِنُ كَالسَّاحِرِ، وَالسّاحِرُ كَالْكَافِرِ، وَالْكافِرُ فِي النَّارِ، سِيرُوا عَلَى اسْم اللّه» (1).
لقد نهى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن تعلم النجوم، فإنها تدعو إلى الضلال، وانصراف الإنسان نحوها، واعراضه عن قدرة اللّه تعالى ومشيئته.
1) المكاسب : 2 : 293 و 294.
التقى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع منجم آخر نهاه عن المسير، فقال له الإمام : أَتَدْرِي مَا فِي بَطْنِ هذِهِ الدَّابَةِ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟
فقال المنجم : إن حسبت علمت.
فرمقه الإمام بطرفه، وقال له :
«مَنْ صَدَّقَكَ عَلى هَذَا الْقَوْلِ، فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، قالَ اللّه: «إِنَّ اللّه عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَاتَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (1).
ما كانَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَدَّعِي ما ادَّعَيْتَ، أَتَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سارَ فِيها صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ، وَالسَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سارَ فِيها حاقَ بهِ الضُّرُّ ؟ مَنْ صَدَّقَكَ بِهذا اسْتَغْنى بِقَوْلِكَ عَنِ الْإِسْتِعَانَةِ بِاللّه، وَأحْوِجَ إِلَى الرَّغْبَةِ إِلَيْكَ فِي دَفْعِ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ» (2).
ويستثنى من حرمة تعلم النجوم معرفة الأنواء الجوية التي تعرف بها الأوضاع الفلكية كالخسوف الناشئ عن حيلولة الأرض بين النيّرين، والكسوف الناشئ عن حيلولة القمر بين الأرض والشمس، فيكون القمر مانعاً عن رؤية الشمس، فإنّ تعلَّمَ النجوم من أجل هذه الغاية وماشابهها لا بأس به ولا محذور فيه.
وبهذا نطوي الحديث عن احتجاج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومناظراته، وليست هي جميع ما أثر عنه عنه في هذا الميدان، فقد حفلت مصادر التاريخ والحديث بالكثير منها، وقد آثرنا الإيجاز فيها وتركنا الباب مفتوحاً للمؤلفين عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
الحمد للّه ربّ العالمين وصلّى اللّه على نبيّنا محمّد وعلى آله الطّاهِرِين
تقديم...7
مدلول القضاء لغة وشرعاً
19 - 24
في اللغة...21
في الاصطلاح الشرعي...22
القضاء في الجاهلية...23
القضاء في الإسلام...23
اهَمَيَةُ القَضَاءِ وَشِرُوطِ الْقُضَاةِ
25 - 34
أهمية القضاء...27
مع القضاة...28
مسؤوليات رئيس الدولة أنواع القضاء...30
شروط القضاة...31
1 - الذكورة...31
2 – البلوغ...31
3 - العدالة...32
4 – الإسلام...32
5 – الاجتهاد...32
آداب القضاء...33
راتب القاضي...34
عزل القاضي...34
قضَاءُ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عبد الرسول والخلفاء
35 - 70
في عهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)...37
1 - قصّة الغلام...38
2 - زبية الأسد...39
3 - القارصة والقامصة والواقصة...41
4 - جماعة وقع عليهم حائط...42
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصف قضاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)...42
في عهد أبي بكر...454
1 - قصّة فدك...45
2 - حكمه على شارب خمر لا يعلم بحرمته...47
3 - رجل احتلم بامرأة...48
في عهد عمر...49
1 - قصّة قدامة بن مظعون...49
2 - اتّهام امرأة بريئة بالبغاء...51
3 - امرأة تتهم فتى بالاعتداء على كرامتها...52
4 - فتى يدعي على امرأة أنّها أمه وهي تنكره...53
5 - امرأة تزوّجت بشيخ فمات...54
6 - امرأتان تنازعتا في طفل...55
7- مجنونة بغت...55
8 - إقامة حدود مختلفة على خمسة زناة...56
9 - امرأة اضطرت إلى الزنا...57
10 - حدّ مَن غاب عن زوجته...58
11 – السارق...58
12 - أمانة لرجلين...59
13 - رجم الحامل...60
14 - شراء إبل....60
15 - قسمة مال الفيء...61
16 - امراة مطلقة في الجاهلية والإسلام...61
17 - امرأة تسقط حملها فزعاً من عمر...62
روايات موضوعة...63
1 - رجل تزوج بامرأة في عدّتها...63
2 - غلام فجر بامرأة....64
3 - غلام أسود انتفى منه أبوه...64
4 - امرأة تشبهت بأمة رجل...65
نصيحة الإمام لعمر...65
في عهد عثمان...67
1 - مكاتبةٌ زَنَتْ...67
2 - شيخ حملت منه امرأته...68
3 - امرأة ولدت لستة أشهر...69
4 - تَزَوُّجُ يحيى بِصَفِيَّةَ...70
قضَاؤُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ايام حكومته
كيفية قضائه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...73
تناقض الشهادة...73
عقاب شاهد الزور...74
شهادة من أقيم عليه الحدّ...74
رجوع الشاهد عن شهادته...75
إقامة الحدود فوراً...75
عدم إقامة الحد على من به قروح...76
شهادة الصبيان...76
شهادة المملوك...76
شهادة النساء...77
الإقرار أربعاً في ثبوت الزنا...77
الحدود تدرأ بالشبهات...79
لا يقيم الحدّ من عليه الحدّ...80
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع شريح...80
القرعة...81
الدعوى على الأخرس...83
حبس العلماء والأطباء...83
الحاكم الجائر...84
تحليف النصارى واليهود...84
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يحبس ثلاثة أصناف...85
من روائع قضائه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...85
1 - الشاب الذي يطالب بأموال أبيه...85
2 - عبد يدعي السيادة على مولاه...88
3 - الأرغفة الثمانية...89
4 - جاريتان تتنازعان في ولد...90
5 - امرأة تخاصم زوجها....91
6 - شخصان يختصمان في دابّة...91
7 - سكارى تضار بوا بالسكاكين....92
8 - جماعة سبحوا فغرق أحدهم...93
9 - امرأة ولدت إنساناً له رأسان...93
10 - الدنانير المودعة...94
11 - عفوه عن السارق...95
12 - شرب النجاشي للخمر...96
13 - حكمه في قاطع الطريق...98
14 - قاطع الطريق الذي لا يسرق الأموال....98
15 - السفينة الصادمة والمصدومة...99
16 - شخص أوصى بسهم من ماله...99
17 - شخص أوصى بعتق كلّ عبد قديم له...100
18 - شخص نذر أن يصوم حيناً...100
19 - امرأة متزوّجة تطلب بعلاً...101
20 - شخص أوصى بثلثه وقتل خطأ...101
21 - كلب وَطِئَ شاة فولدت منه...102
22 - مجوسيّة أسلمت قبل أن يدخل بها زوجها...103
23 - امرأة شرطت على زوجها أنّ بيدها الجماع والطلاق...103
24 - شخص قاتل وسارق وشارب خمر...103
25 - السرقة من الغنيمة...104
26 - تاجران يبيع كلّ منهما صاحبه ويهربان...104
27 - رفض شهادة اليهود...104
28 - قبول شهادة النصارى...105
29 - لا يقتل الوالد بولده...105
30 - - شخص قذف جماعة...106
روايَاتُ مِخَدُوشَة
107 - 116
1 - الرجل المذبوح في الخربة...110
2 - امرأة واقعها زوجها في الحيض...111
3 - شخص أوصى بألف دينار...111
4 - صبي يجلس على ميزاب...112
5 - المسألة المنبريّة...113
6 - المسألة الدينارية...114
7 - شخص يعزل عن امرأته فولدت...114
رجل جامع زوجته في دبرها...115
9 - رجل حلف أن لا تأكل زوجته تمرة...115
10 - امرأة نذرت أن تطوف على يديها ورجليها...115
الوُلاةُ
بُحوثٌ تمهيدية
117 - 156
أهمّية الولاة...119
عرض لبعض مسؤوليات الولاة وأهمّيتهم :...119
1 - خطر الإمارة...119
انتخاب الأمراء وتعيينهم...121
2 - عقاب الإمام الجائر...122
3 - التباعد عن السلطان الجائر...123
إمارة السفهاء...123
عشّاق السلطة...124
واجبات الولاة...125
تعاليم وأحكام...125
بطانة الولاة...144
ولاية المظالم...145
عمّال الخراج والصدقات...146
محاسبة الولاة...149
الإقالة والعزل...151
الجيش...152
الشرطة...154
حقّ الوالى على الرعيّة وحقّها عليه...155
ولاتُهُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مصر
157 - 184
قيس بن سعد...159
ملامحه وصفاته...159
ولايته على مصر...160
مكائد معاوية...161
جواب قيس...162
رسالة أخرى من معاوية...162
جواب قيس...162
مالك الأشتر...164
العهد الذهبي...168
الشهادة....169
تأبين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمالك...171
سرور معاوية...172
رثاء مالك...172
محمّد بن أبي بكر...174
عهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمحمّد...174
صورة أخرى من عهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمحمّد...178
رسالة محمّد إلى معاوية...179
جواب معاوية...181
شهادة محمّد...183
ولاتُه على مكّة – المدينة – الیَمن - البحرَین
185 - 198
رسالة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى قُثم...187
رسالة أخرى إلى قثم...189
واليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المدينة...191
واليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على اليمن...193
ولاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) على البحرين...195
عمر بن أبي سلمة...195
النعمان بن عجلان...197
ولاتُهُ عَلَى اصبهان - اردشيرخُرَة - هيت - اذربيجان
199 - 210
واليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على اصبهان...201
واليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أرْدَشِيرخُره...204
هرب مصقلة لمعاوية...205
عامله (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هيت...207
عامله (عَلَيهِ السَّلَامُ) علی آذربیجان...209
عزل الأشعث...210
ولاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) على البصرة
211 - 2401
عثمان بن حنيف...213
رسالة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعثمان...213
رسالة أخرى من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) العثمان...220
عبداللّه بن عبّاس...222
شخصيّة ابن عبّاس...222
ولايته على البصرة...225
رسائل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابن عبّاس...225
اتّهامه بالخيانة...227
ردّ ما أخذه ابن عبّاس...230
أبو الأسود... 232
زیاد...234
رسائل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى زياد...234
الرسالة الأولى...234
رسالة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى أهل البصرة...236
كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى زياد...238
تحذير الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لزياد من أباطيل معاوية...239
ولاته على المدائن - كَسكَر- الجَبَل
211 - 250
ولاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المدائن...243
حذيفة اليماني...243
عهد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لحذيفة...243
رسالته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأهل المدائن...245
سعد بن مسعود...248
عامله (عَلَيهِ السَّلَامُ) على كسكر...249
عامله (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الجبل...250
عمّال الخراج والصدقات
251 - 267
أهمّية الخراج...253
الأمور التي أشار إليها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كتابه للأشتر :
1 - تفقّد الخراج...254
2 - عمارة الأرض...255
3 - إهمال الأرض...255
4 - الاستجابة لطلبات المزارعين...255
5 - سبب خراب الأرض...255
التعاليم السامية لعمّال الخراج...256
من وصاياه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعمّاله...257
عمّال الصدقات...258
من وصاياه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخالدة لعمّال الصدقة...260
ظلم العمّال أيام الأمويين والعباسيّين...263
أيّام الحكم الأموي...263
أيّام الحكم العباسي...266
تانيب الولاة وعزلهم
269 - 275
تأنيب الولاة وعزلهم....269
تأنيب العمّال...271
عزل الولاة...273
1 - الأشعث بن قيس...273
2 - عزله لوال شكت عليه سوادة...274
3 - عزل الأشعري...274
احتجاجات الإِمامِ عَلَى الخلفاء
277 - 305
احتجاجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أبي بكر...281
موقف أبي بكر...295
احتجاجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أبي بكر وحزبه...296
احتجاجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع عمر...298
احتجاج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المهاجرين...299
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أعضاء الشورى...301
إذعان الإمام لمصلحة المسلمين...302
احتجاج آخر للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...304
307 - 333
احتجاجاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المُتمرّدين...307
لوعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من القرشيّين...309
احتجاجاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) على طلحة والزبير...314
مع عائشة...316
مع طلحة والزبير...317
مع معاوية...319
إيفاد جرير إلى معاوية...320
احتجاجه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على معاوية...322
مع الخوارج...329
احتجاج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليهم...329
مناظرة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) معهم...330
مناظرة أخرى للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) معهم...331
مُناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع النصارى
335 - 349
أسئلة الجاثليق...337
أسئلة راهب...341
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الأسقف...343
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع قيصر ملك الروم...346
جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...347
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع اليهود
351 - 381
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع عالم يهوديّ...353
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع اليهود...356
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع عالم يهودي...359
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الزنادقة
383 - 425
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع زنديق...385
اجتماع العباد في مواطن...389
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع ابن الكوّاء...413
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع رجل...421
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع ذعلب...424
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَعَ المُنجّمين
427 - 431
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع منجّم في بعض أسفاره (عَلَيهِ السَّلَامُ)...429
مناظرته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع منجّم آخر...430
محتويات الكتاب...433