موسوعة سیرة أهل البیت علیهم السلام جلد 3

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

موسوعة

سيرة اهل البيت علیهم السلام

الجز الثالث

الامام علی بن ابی طالب علیه السلام

تحقيق

مهدي باقر القرشي

الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م

عدد النسخ : .... 1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978

ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم

مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970

اشارة

موسوعة

سيرة اهل بیت علیهم السلام

الامام علی بن ابی طالب علیه السلام

محرر الرقمي: محمد رضا راهجو

موسوعة

سيرة اهل البيت علیهم السلام

الجز الثالث

الامام علی بن ابی طالب علیه السلام

تحقيق

مهدي باقر القرشي

موسوعة سيرة اهل البيت علیهم السلام

تأليف:باقر شریف القریشي

تحقيق:مهدی باقر القرشي

الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن علیه السلام

المطبعة:...ستار

الطبعة الثانية:...1433ه- / 2012م

عدد النسخ:...1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 64 - 978

ردمك الجزء (3) : 4 - 1275 - 164 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه و آله و سلم

مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ )المائدة 5 : 55(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )آل عمران 3: 123(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )البقرة 2: 190(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مبيناً )الفتح 1:48﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)آل عمران 144:3

## الأهداءإلى .. رائد النهضة الفكريةإلى .. صانع الحضارة الإنسانيةإلى .. المنقذ والمحرّر لإرادة الإنسان وسلوكهإلى .. سيّد الأنبياء وخاتم المرسلينمُحَمَدٍأرفع إلى سمو مقامه الرفيع هذه الدراسةعن وصيّه وباب مدينة علمهالامام امير المؤمنين علیه السلاموجياً التلطف على بالرضا والقبول ليكون ذخراً لي يوم ألقى الله تعالىالمؤلّف

## تقديمٌ1من جهاد الرسول الأعظم محمد صلی الله علیه و آله و سلم، وكفاح أخيه ووصيه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام انطلقت أشعة النور التي أضاء سناها في سماء الجزيرة العربية ، وامتدت موجاتها المشرقة إلى أمم العالم وشعوب الأرض ، وهي تحمل التحرير الكامل لفكر الإنسان وإرادته وسلوكه ، وتقدّم له منهجاً متطوراً وإصلاحاً شاملاً لجميع مناحي حياته ، التي منها إشاعة العلم وإقصاء الجهل وتنمية العقل ورفع مستوى الإنسان من مساوئ الحياة إلى حياة تزدهر بالوعي والنور.من فم الرسول صلى الله عليه وسلم ارتفعت أسمى كلمة في دنيا الوجود إنها كلمة التوحيد التي تحمل جميع ألوان التحرّر للإنسان ، وتحسم جميع ألوان العبودية لغير الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة . وتبنى الرسول صلی الله علیه و آله و سلم بصورة إيجابية كلمة التوحيد وأعلنها في مكة ، وحمل لواءها وصيه وباب مدينة علمه ، وهو يلوح بها في فضاء مكة التي كانت موئلاً للأصنام والأوثان ، ومركزاً للجهل والخرافات .وهبت في وجه الرسول صلی الله علیه و آله و سلم الأسر العاتية من قريش مجمعة على إخماد نور الرسالة ، ولفّ لواء القرآن ، وإعادة الجاهلية إلى مجتمعها ، فانبرى إليهم بطل الإسلام صلى الله الخالد الإمام أمير المؤمنين بشجاعته النادرة محامياً عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم و مدافعاً عنه فكان القوة الضاربة التي وقفت إلى جانب الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ورحمته من شر أولئك الوحوش.2وليس في دنيا الإسلام وغيره شخصية تضارع شخصية أبي الحسن في مواهبه وعبقرياته وسائر ملكاته التي استوعبت - بشرف وفخر - جميع لغات

الأرض، وتحدّث عنها العلماء بإكبار وإعجاب ، وكان من جملة مواهبه إحاطته الكاملة بأسرار الشريعة وأحكام الدين فكان فيها العلم البارز . ولم تقتصر مواهبه وطاقاته العلمية على فقه الشريعة وأحكام الدين وإنّما كانت شاملة لجميع شؤون الكون في فضائه وكواكبه ومجراته ، وهو القائل: ( سَلُونِي عَنْ طَرْقِ السَّمَاءِ فَإِنِّي أَعْلَمُ بِهَا مِنْ طُرُقِ الْأَرْضِ ....)إنّ هذا العملاق العظيم قد بهر العالم بعلومه ومواهبه التي لا تخضع للحصر ... وقد أراد أن يقيم في هذا الشرق العربي صروحاً للعلم بجميع صوره وأنواعه ، ويؤسس مراكز للتطوّر والتقدم التكنولوجي ، ويشيع العلم والمعرفة في العالم الإسلامي ، ولكن العتاة الظلمة وقفوا أمام تطلعاته ورغباته كما وقفوا من قبل أمام أخيه وابن عمه الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، فسعوا مجمعين جاهدين إلى إفشال مخططاته ووضعوا أمامه الحواجز والسدود.3وكان من أهم ما يتطلّع إليه الإمام ويصبو إليه أن يؤسس في دنيا الإسلام حكومة قائمة على العدل الخالص والحق المحض ، ويوزّع خيرات الله تعالى على عباده ، فلا يختص بها فريق دون فريق ولا قوم دون آخرين ، وأن ينعم الإنسان في ظل حكومته ، ولا يبقى في البلاد أي شبح للبؤس والحرمان ، فالكفر والفقر في شريعة الإمام سواء ، فكما يجب مكافحة الكفر كذلك يجب مكافحة الفقر .إنّ الإمام أخو الفقراء وأبو البؤساء وأمل المحرومين والمعذبين في الأرض ، وقد جهد على إسعادهم وإشاعة الرفاهية والسعة بينهم ، ولكنّ القوى الباغية التي يمثلها الأمويون قد خاصموه وحاربوه وصدّوه عن سياسته وأهدافه ، ولو أنّ الأمور استقامت له لرأى الناس من صنوف العدل في ميادين الحكم والإدارة ما لم يروه في جميع فترات التاريخ.4إنّ هذا الإمام الملهم العظيم أوّل مظلوم في دنيا الإسلام ، فقد طافت به المحن يتبع بعضها بعضاً بعد وفاة أخيه وابن عمه الرسول صلی الله علیه و آله و سلم، وراحت

القوى الحاقدة عليه تهتف بقوى محمومة: «لا تجتمع النبوة والخلافة في بيت واحد...».وأقصى الإمام عن الخلافة وقيادة الأمة ، وقبع في أرباض بيته يسامر الهموم ويبارح الأحزان ويصعد آهات آلامه ، فقد عامله القوم كمواطن عادي ، وألغيت في حقه جميع وصايا الرسول صلی الله علیه و آله و سلم.ولما آلت إليه الخلافة بعد مقتل عثمان عميد الأسرة الأموية قامت قيامة القرشيين وورمت آنافهم ، فقد خافوا على مصالحهم وعلى امتيازاتهم وم-ا نهبوه من الثراء العريض في أيام حكومة عثمان ، فجندوا جميع ما يملكونه من طاقات مادية وسياسية للاطاحة بحكومته . لقد أبغضوه ونقموا عليه لأنه لم يتجاوب مع مصالحهم ، لقد أخلص للحق وجهد في إقامة العدل ، وتبنّى قضايا المحرومين والبائسين ، وآثر رضا الله تعالى على كلّ شيء.إن القوى الحاقدة على الإمام كانت على يقين لا يخامره شك أنّ الإمام لا يقيم أي وزن لمصالحهم ورغباتهم التي هي أبعد ما تكون عن منهج الإسلام ومصلحة المسلمين ، فقد صحبوه طفلاً وشاباً وكهلاً ، وعرفوا شدّة وطأته وتنمره ف- في ذات الله تعالى ، وشاهدوا ضرباته القاصمة في فجر الدعوة الإسلامية حينما حصد رؤوس أعلامهم ، وما أشاعه في بيوتهم من الشكل والحزن والحداد . فإذاً هم خصومه وأعداؤه قبل أن يكون خليفة ، وبعد أن صار حاكماً وخليفة عليهم.5إن الأحداث الجسام التي ألمت بالإمام علیه السلام بعد وفاة أخيه الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم يجب أن تدرس بعمق وشمول ويُنظر في محتوياتها وأبعادها حسب الدراسات العلمية البعيدة عن الأهواء والعواطف ، فقد تركت تلك الأحداث بصماتها على مجريات الأحداث في العالم الإسلامي وأغرقته بالمحن والخطوب.من المؤسف أنّ التاريخ الإسلامي في عصوره الأولى لم يكتب له أن يدرس دراسة

واعية مستوعبة ، بعيدة عن التيارات المذهبية ، وإنّ من الحقِّ أن ينظر إلى تلك الحقبة الخاصة من الزمن التي أعقبت وفاة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم فتدرس دراسة ملمة بشؤونها وملابساتها ، فقد أحيطت بالقيود والأغلال وظلت قابعة بالتعتيم والغموض والإبهام . إنّ كلّ شيء في عصر النهضة الفكرية خاضع للدراسة العلمية ، فقد خضع الفضاء والمجرات للدراسة سوى التأريخ الإسلامي الذي ظل مكبلاً بقيود الطائفية ورواسب التقاليد الموروثة ، وابتعد عن التحقيق والتدقيق .6إن من أهم الأحداث التي جرت في العصر الإسلامي الأول مؤتمر السقيفة والشورى ، فلم يقرّر فيهما مصير الأمة الإسلامية وقضاياها المصيرية ، فقد قدمت فيهما المصالح الشخصية والرغبات الخاصة واستهدفت فيها إقصاء الإمام عن الحكم وإبعاده عن كل ما يتعلق بالدولة الإسلامية ، وما يرتبط بشؤونها السياسية والعسكرية ... وقد تمّ ذلك بوضوح فقد عُزل الإمام وأبعد ، وحرمت الأمة من مواهبه وعبقرياته ، وما أراده لها من التطور والتقدم والسيادة العامة على جميع أمم العالم وشعوب الأرض.7ومني العالم الإسلامي بأحداث رهيبة من جراء إقصاء الإمام علیه السلام عن قيادة الأمّة ، كان أفجعها محنةً وأقساها بلاءً أن آلت الخلافة الإسلامية التي هي ظلّ اللَّهُ تعالى في الأرض إلى بني أمية الذين هم من ألد أعداء الرسول صلی الله علیه و آله و سلم و من أكثرهم أشدّ الناقمين على قيمه ومبادئه ، فأنزلوا الضربات القاصمة على آله الذين هم وديعته وخزنة علومه ، وطاردوا شيعتهم ، وأشاعوا المنكر والفساد في الأرض.وبعد أن طويت حكومة الأمويين واستولى العباسيون على الحكم نشروا الجور والظلم ، وسخّروا اقتصاد الأمة صوب شهواتهم ولياليهم الحمراء ، وصبّوا جام غضبهم على السادة العلويين دعاة الاصلاح الاجتماعي ، وعلى شيعتهم بصورة أكثر بشاعة،

وأقسى عنفاً مما اقترفه الأمويون تجاههم.وعلى أي حال فإنّ جميع ما عاناه المسلمون من الكوارث والأزمات أيام الحكم الأموي والعباسي كان ناجماً - من دون شك من مؤتمر السقيفة والشورى ، وسندلل على ذلك في بحوث هذا الكتاب .8أما الإمام علیه السلام فهو من مغارس النبوة ، ومن مشارق أضوائها ، إنّه من الشجرة المباركة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها . إن تاريخ الإمام يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسيرة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم فهو جزء لا يتجزأ من سيرته ونضاله ، فهو المثل الأعلى له ، والقوة الضاربة التي وقفت إلى جانبه أيام محنة الإسلام وغربته ، فقد جاهد معه أعظم ما يكون الجهاد حتى قام الإسلام على سوقه عبل الذراع ، ينشر الوعي ، ويفتح آفاق الفكر ويضيء جوانب الحياة ويدمر الجهل ، ويحطم الشرك .9واستوعبت شخصية هذا الإمام الملهم العظيم أفكار العلماء وروّاد الفكر من مسلمين وغيرهم في جميع الأعصار والأمصار ، فقد أذهلهم ما أثر عمن العلوم والمعارف التي لم يعرفها الشرق العربي وغيره ، وتحدثوا - بإعجاب - عن روعة قضائه ، وسمو بلاغته ، وإعجاز فصاحته وما خلفه من ثروات تعد من مناجم الأدب وذخائر الفكر والبيان ، يقول ابن أبي الحديد: « ما أقول في رجل تُعزى إليه كلّ فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وسابق مضمارها ، ومجلّى حلبتها » .وقد تناول العلماء والأدباء البحث عن شخصيته ، وكتبوا عشرات الكتب عن سيرته ، ومئات المقالات عن حياته ومآثره ، ومن المؤكد أنهم لم يلموا بجميع مناحي شخصيته وإنّما ألقوا الأضواء عليها .إن معالم شخصية الإمام وما خلّفه من الثروات الفكرية والعلمية قد حفلت بها

الكثير من المخطوطات العربية التي ضمتها خزائن المخطوطات في مكتبات العالم .وعلى أي حال ، فإنّي على يقين لا يخامرني شك أنه لا يستطيع أي عالم مهما بذل من جهد شاق أن يلم بشخصية هذا العملاق العظيم ويحيط بمكوناته النفسية والعلمية فإنّ الإحاطة بذلك أمر بعيد المنال.10لا أعتقد أن شخصية في التاريخ الإنساني اختلفت فيها آراء الناس كشخصية الإمام لا ، فقد تباينت فيها آراء محبّيه ومبغضيه واختلفوا فيه أشدّ ما يكون الاختلاف ، فقد غالي فيه بعض محبّيه غلوّاً فاحشاً ، وأسرفوا إسرافاً مقيتاً ، فزعموا أنه المدبّر لهذا الكون والموجد للحياة دفعهم - فيما أحسب - إلى هذا الغلو الفاحش ما رأوه من من سمو ذاته وسعة علومه وشجاعته النادرة وبسالته في الحروب واندفاعه نحو الحق ، فاعتقدوا جازمين بإلهيته.وأفرط آخرون في بغضه وكراهته ، فذهبوا إلى كفره ومروقه من الدين لأنّ الإمام قد وترهم وأباد آباءهم في سبيل الإسلام ، وهؤلاء هم النواصب ... وتبعهم الخوارج في بغض الإمام وهم الذين أرغموه على قبول التحكيم حينما أحرزت جيوشه النصر الحاسم على معاوية وصار في متناول أيديهم ، فرفع أصحابه المصاحف ففتنوا بها ، ودعوه إلى تحكيمها ، فيما شجر بينه وبين معاوية من خلاف ، وعرفهم الإمام أنهم إنما رفعوا المصاحف غيلة ومكراً ، وأنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا يدينون بأحكامه فلم يستجيبوا له ، وشهروا سيوفهم ورماحهم في وجهه ، وأرغموه على التحكيم ، ولم-ا استبان لهم ضلال ما ذهبوا إليه حكموا بكفره لأنه استجاب لهم أولاً ، وقد امتحن الإمام بهم أشد ما يكون الامتحان ، فقد جرعوه نُغَبَ التهمام - على حد تعبيره - ، ومنذ ذلك الوقت أيقن بأفول دولة الحق واستعلاء كلمة الباطل لأنه لم تكن له قوة يركن إليها . وبقى في أرباض الكوفة يصعد آهاته وأحزانه حتى وافته المنية على يد مجرم باغ أثيم من الخوارج .وعلى أي حال فالغلاة والنواصب والخوارج خارجون عن هدي الإسلام ومارقون

من الدين ولا نصيب لهم من هدى القرآن.11نضال وكفاح وإيمان تسلّح به الإمام أمير المؤمنين بطل الإسلام وقائد مسيرته الظافرة في كفاحه المسلّح ضدّ الجاهلية الرعناء التي لا تحمل أي طابع من التوازن ولا بصيص من الوعي والفكر ، فكان الإمام القوة الضارية التي حمت الثورة الإسلامية من ذئاب الجاهلية ومردة أهل الكتاب .لقد أحدثت الثورة الإسلامية بشعاراتها ومبادئها زلزالاً مدمّراً للحياة الفكرية والعقائدية التي عاشتها الجاهلية فدمرت جميع معالم الحياة فيها من عبادة الأوثان والأصنام ووأد البنات وغزو الأقوياء للضعفاء ، وأقامت الثورة الإسلامية نظاماً متطوراً خلاقاً يضىء الطريق ويوضح القصد ، ويجمع ولا يشتت ، ويوحد ولا يفرق ، ويقضي على الغبن والجريمة .وقد تبنّى الإمام بصورة إيجابية وإيمان لا حدود له جميع قضايا الإسلام ، فخاض في سبيله أعنف المعارك ساخراً من الموت هازئاً من الحياة ، فردّ العتاة من جبابرة قريش الذين جهدوا على لفّ لواء الإسلام وإخماد نوره ، وحصد الإمام رؤوسهم ، وألحق بهم الهزيمة والعار . ويعرض هذا الكتاب إلى صور مشرقة من جهاده وكفاحه .12من بحوث هذا الكتاب أنه عرض بصورة أمينة لأقسى كارثة مني بها العالم الإسلامي على امتداد التاريخ ، وهي انتقال النبي انتقال النبى صلی الله علیه و آله و سلم إلى حظيرة القدس ، فقد انطوت ألوية العدل، ومادت أركان الحق ، وارتفع ذلك اللطف الإلهي الذي غيّر مجرى التاريخ إلى واقع مشرق تتلاشى فيه آهات المظلومين والمعذبين ، ولا يكون فيه ظل للحاجة والحرمان.فقد أخلدت للمسلمين الخطوب والكوارث وألقتهم في شرّ عظيم ، وقد أعلن القرآن الكريم هول تلك الأحداث ومدى خطورتها بقوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ،)

وأي مصيبة أعظم من الانقلاب ، وأي مأساة أقسى من المروق من الدين .وكان من أفجع ألوان الخطوب السود بعد وفاة المنقذ العظيم إبعاد العترة الطاهرة عن الشؤون السياسية في البلاد ، وجعلها في معزل عن واقع الحياة الاجتماعية ، في انّ الأمة لم تكن بأي حال في غنى عن ثرواتها الفكرية والعلمية المستمدة من الرسول الأعظم.كما إن الهزات العنيفة التي منيت بها الأمة ، إنما جاءت نتيجة حتمية لفصل الخلافة عن أهل البيت علیهم السلام ،فقد انتشرت الأطماع السياسية بشكل سافر عند كثير من الصحابة ، مما أدى إلى تشكيلهم للأحزاب النفعية التي لم تكن تنشد في مخططاتها السياسية سوى الوصول إلى الحكم والتنعم بخيرات البلاد.ومن المآسى ما عانته الأسرة النبوية من صنوف القتل والتنكيل ، فقد طافت به المحن والأزمات يتبع بعضها بعضاً ، لم يراع فيها حرمة النبي صلی الله علیه و آله و سلم التى هى أولى وأحق بالرعاية والتكريم من كلّ شيء.13من بنود هذا الكتاب عرض موجز لحكومة الخلفاء الذين تقلدوا الخلافة بعد وفاة النبي علیه السلام، فقد عرض لشؤون حكمهم ، وما رافق ذلك من أحداث بعيدة كل البعد عن التيّارات المذهبية، وهو يستند لأوثق المصادر التأريخية.آمل أن أكون قد ساهمت في إبراز التأريخ الإسلامي على واقعه من دون تحيز أو تقليد.والله ولي التوفيقمکتبه الامام الحسن العامهالنجف الاشرفباقر القریشی

## النِّسَبُ الوَضَاحُ### اشارة

ليس في دنيا الأنساب نسب وضاح التقت به جميع عناصر الشرف والكرامة كنسب الإمام أمير المؤمنين الا ، فهو من صميم الأسرة الهاشمية التي عُرفت بالنبل الصفات والشهامة وقراية الضيف ونجدة الضعيف وحماية الجار وغير ذلك من الكريمة التي جعلتها في طليعة الأسر العربية سموّاً وإشراقاً وشرفاً .ونشير بإيجاز إلى بعض مآثرها الرفيعة وإلى كوكبة من أعمدتها وساداتها الذين سجّلوا الفخر والاعتزاز لا لأسرتهم فحسب وإنّما لجميع أبناء العالم العربي .### المآثر الكريمة#### اشارةنقل المؤرّخون بعض المآثر الكريمة التي تميّزت بها الأسرة الهاشمية منذ فجر تأريخها ، وقد شاعت مآثرها في مجتمع بعيد كل البعد عن الفضائل النفسية التي يسمو بها الإنسان، فقد كانت السمات البارزة لأخلاق قبائل مكة الغلظة والتكبّر والأنانية والقسوة والحسد ووأد البنات وعبادة الأوثان والأصنام ، وغير ذلك من صنوف الانحطاط.ومن المؤكد أنه لم تكن في مكة أسرة عُرفت بالنبل والشهامة سوى الأسرة الهاشمية، ومن بين مآثرها:

#### 1 - عبادة الله تعالىوكانت عبادة الأصنام هي السائدة في قبائل مكة ، فقد كانت أصنامهم معلقة على ظهر الكعبة ، فلكل قبيلة صنم يعبدونه من دون الله سوى الأسرة الهاشمية فإنّها وحدها تعبد الله وحده ، وتدين بدين إبراهيم شيخ الأنبياء .يقول الإمام أمير المؤمنين علیه السلام: « وَاللهِ ما عَبَدَ أَبِي وَلَا جَدِّي عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَلَا عَبْدُ الا ! مَنافٍ وَلَا هَاشِمٌ صَنَماً ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ اللهَ ، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْبَيْتِ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ مُتَمَسِّكِينَ بهِ »(1.)وتلك كرامة للأسرة الهاشمية دلّت على نضوجهم الفكري وإيمانهم العميق بالله ونبذهم التام لخرافات الجاهلية وأوثانها ، فقد سخروا من الأصنام والأوثان ، واعتنقوا ملّة جدّهم إبراهيم الاهلها الذي حارب الأوثان وأعلن الإيمان بالله.#### 2 - حلف الفضولوكان أهم حدث اجتماعي ظهر في مكة هو حلف الفضول الذي كان من أبرز بنوده القيام بنجدة المظلوم والأخذ بحقه، سواء أكان من قريش أم من غيرهم ، وكان هذا الحلف يتفق مع طباع الهاشميين الذين يمثلون المروءة والنجدة والشهامة والنبل ، وقد شهده الرسول صلی الله علیه و آله و سلم واعتز به ، وقال : لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعانَ حِلفاً ما أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النِّعَمِ ، وَلَوْ أَدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلامِ لَأَجَبْتُ (2.)وتخلّف الأمويون عن هذا الحلف الذي يتجافى مع ميولهم التي جبلت على الأثرة والأنانية ، وهم على نقيض تام من طباع السادة الهاشميين الذين تبنوا هذا


1) كمال الدين / الصدوق : 104 . الغدير : 7 387 بحار الأنوار: 15 : 144 ، الحديث 76.

2) السيرة النبوية / ابن هشام : 1 : 134 . السنن الكبرى : 6 : 367 . معرفة السنن والآثار: 5:175

الحلف بصورة إيجابية .ومن الجدير بالذكر أنّه حدثت مشادة بين الإمام الحسين الله وبين الوليد بن عتبة حاكم المدينة ، فغضب الإمام الا الله ونادي بحلف الفضول فاستجاب له عيون القرشيّين ، فخاف الوليد وردّ على الإمام ظلامته (1.)وعلى أي حال فإنّ حلف الفضول من أروع الحركات الإصلاحية التي ساهم الهاشميون في تأسيسها ودعمها .#### 3 - إخراج ماء زمزممن المآثر الكريمة التي نسبت للهاشميين، والتي هي من مواضع الاعتزاز والفخر ، إخراج عين ماء زمزم التي خفيت حقبة من الزمن على القرشيين ولم يهتدوا لموضعها ، وقد بذلوا في ذلك جهداً شاقاً وعسيراً فلم يظفروا بها.وانبرى زعيم الهاشميين عبد المطلب للبحث عنها فأصاب موضعها ، وفي أثناء حفره عنها أصاب كنزاً فيه غزالان من ذهب وسيوف ودروع ، فرفع صوته بالتكبير ، فأسرع القرشيّون إليه وبهروا بما رأوه من الكنز ، وتنازعوا فيه.فقال هشام ابن المغيرة : إنّه لقريش لأنه وجد في البيت الحرام ، وكلّ ما وجد فيه فهو لعامة قريش ، وأنكر عليه حرب بن أمية.فردّ عليه بعنف قائلاً: إنّما هو لعبد مناف خاصة فهم الذين حفروا البئر وظفروا به ، وما ينبغي لقريش أن تشاركهم فيه ، واشتدّ النزاع بين القوم ، وكان عبدالمطلب ساكتاً يسمع مقالة قريش ، فانبرى إليه حرب فقال له : ما لك لا تتكلّم وأنت الذي عثرت عليه ؟فقال عبد المطلب بأناة غير حافل بصيرورة الكنز إليه : ما ينبغي أن يكون الكنز


1) السيرة النبوية : 1 : 127.

لأحد منا حتى نضرب بالقداح فنجعل للكعبة قدحين ولي قدحين ولكم قدحين فاستجابوا له ، فضرب بين قريش والكعبة فخرج للكعبة ثلاثة أقداح .فصاح بهم عبد المطلب قائلاً: تفرّقوا يا معشر قريش ، ويا بني عبدمناف ليس لأحد منكم في هذا الكنز نصيب ... أما هذا الذهب فسيصاغ صفائح ويوضع على باب الكعبة ..وأكبرته قريش على هذا النبل والسموّ ، وبعثوا بالذهب إلى الصاغة فصاغوه صفائح ووضعوه على الكعبة(1.)وأكبر الظنّ أنّ أوّل ما كسيت الكعبة المشرفة بالذهب على يد عبدالمطلب سيّد قريش .وعمّت الأفراح والمسرات جميع أهالي مكة بماء زمزم الذي أخرجه لهم عبد المطلب ، فقد وفّر لهم أعظم نعمة وأعز ما في الحياة وهو الماء .#### 4 - سقاية الحاجمن مكارم الهاشميين وأريحيتهم واندفاعهم نحو الخير سقايتهم للحجاج وبذل الماء لهم بسخاء ، وكان عزيز الوجود ، وأوّل من بادر منهم إلى هذه الفضيلة هاشم فكان فيما يقول الرواة - إذا وفد الحجّاج إلى بيت الله الحرام قام خطيباً في قريش رافعاً عقيرته قائلاً: « يا معشر قريش، إنّكم جيران الله وأهل بيته ، وإنّكم يأتيكم في هذا الموسم زوّار الله وحجاج بيته ، وهم ضيف الله وأحق بالكرامة ضيفه ، فاجمعوا له ما تصنعون لهم به طعاماً أيامهم هذه التي لا بدّ لهم من الإقامة بها»(2.)


1) السيرة النبوية / ابن هشام : 1 : 136 .

2) السيرة النبوية / ابن هشام : 1: 143 .

وهذه الدعوة دعوة نبل وشهامة وشرف ، ويقوم القرشيّون بدورهم بالتبرع بجمع المال وشراء الماء والطعام .#### 5 - إطعام الطعاموثمة مكرمة أخرى للهاشميين وهي إطعامهم الطعام وبذله بسخاء للغرباء والبؤساء ، وأوّل من عرف بهذه المكرمة منهم زعيم الأسرة الهاشمية ، وهو هاشم فقد كان يهشم الثريد ويبذله بطيب نفسه لقومه ، ومن أجل ذلك لقب بهاشم ، وفيه يقول الشاعر:عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الشَّرِيدَ لِقَوْمِهِ *** قَوْمٍ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عِجافُوورث هذه الظاهرة معظم أبنائه وأحفاده ، وكان من أبرزهم ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام الحسن علیه السلام ، فقد كان أجود أهل زمانه ، ومضرب المثل في سخائه حتى لقب بكريم أهل البيت مع أنّهم معدن الكرم والجود ، وكان يضارعه في كرمه أخوه سيّد شباب أهل الجنّة وأبو الأحرار الإمام الحسين علیه السلام ، فقد كان من أروع وأسمى أمثلة السخاء في دنيا الإسلام ، وكان عبد الله بن جعفر من ألمع الأسخياء في العالم العربي ...وهكذا كان الهاشميون أصولاً وفروعاً من أندى الناس كفاً ، ومن أكثرهم براً وسخاءً حتى عد الكرم من عناصرهم وذاتياتهم.### أعمدة الشرف من الهاشميين#### اشارةوحظيت الأسرة الهاشمية بأفذاذ الرجال وعيونهم كان منهم السادة:#### 1 - هاشمأما هاشم فهو أشرف من في مكة ، وكان مضرب المثل في جوده ، وهو الذي

كان يطعم الحجاج بمكة ومنى وعرفة (1.)وهو أوّل من سنّ الرحلتين لقريش الرحلة إلى اليمن والرحلة إلى الشام(2.وفيه يقول الشاعر :)سنتْ إِلَيْهِ الرِّحْلَتَانِ كِلاهما *** سَفَرُ الشَّتاءِ وَرِحْلَةُ الأَصْيافِ (3)#### 2 - عبد المطلبسادات بني هاشم ، ومن عيونهم ، ومن مفاخر قريش السيد الجليل عبد المطلب ، فقد كان في شبابه من أنبل فتيان قريش ، وفي شيخوخته كان من أوقر وأجلّ شيوخ عصره حتى لقب بشيبة الحمد ، وذلك لكثرة حمد الناس وثنائهم عليه (4، وقد أسندت إليه رفادة الحجّاج وسقايتهم بعد وفاة عمه ، وقد لاقى جهداً شاقاً وعسيراً في جمع يجمعه من المطر وغيره في أحواض من الأدم ويقدّمه لحجاج بيت الله الحرام ، وهو الذي أخرج ماء زمزم بعد أن جهل القرشيّون موضعه ، ولمّا توفّي كان له صدى حزن وأسى في جميع أوساط القرشيين ورثاه مطرود بن كعب الخزاعي بقوله:)يا أَيُّها الرجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ هَلا نَزَلْتَ بِالِ عَبْدِ مَنَافِهَبِلَتْك أُمُّكَ لَوْ نَزَلْتَ عَلَيْهِمْ ضَمِنُوكَ مِنْ جُوع وَمِنْ إِقْرافِ


1) السيرة النبوية : 1 : 144 .

2) تاريخ الأمم والملوك : 2: 180 . الطبقات الكبرى : 1 75 الأعلام : 8: 66

3) تاريخ الأمم والملوك : 2 : 180 . البداية والنهاية : 2 : 311 السيرة النبوية / ابن هشام : .69:1

4) قيل : إنّما لقب بشيبة الحمد لأنه كان في ذؤابته شعرة بيضاء حين ولد. معرفة الصحابة : :1 276 السيرة الحلبيّة : 1 : 6 .

الآخِذُونَ الْعَهْدَ مِنْ آفَاقِها ***والرَّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإِبْلَافِوَالمُطْعِمَنَ إِذَا الرِّياحُ تَناوَحَتْ ***حتى تغيبَ الشَّمْسُ في الرَّجافِوَالمُفْضِلُونَ إِذَا المُحُولُ تَرَادَفَتْ ***والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلأَضيافوالخالِطُونَ غَنِيَّهُمْ بِفَقِيرِهِمْ ***حتَّى يَكُونَ فَقِيرُهُمْ كَالكَافِيكانَتْ قُرَيضٌ بَيضَةً فَتَفَلقَتْ ***قاطح خالِصَةٌ لِعَبْدِ مناف(1)وحكى هذا الشعر كرم الأسرة الهاشمية وقريها للضيف وسخاءها اللامحدود ، ومن الجدير بالذكر أنّ النبي كان عمره بعد وفاة عبد المطّلب ثمان سنين (2.)#### 3 - أبو طالب##### اشارةأما أبوطالب فهو حامي الإسلام ، والرصيد الأعظم للدعوة الإسلامية منذ بزوغ نورها ، فهو القوة الضاربة التي حمت الإسلام حينما هبت طغاة قريش وعتاتهم لإطفاء نور الله وإخماد شعلة التوحيد.ومن المؤكد أنه لولا حماية أبي طالب للنبي صلی الله علیه و آله و سلم لما استطاع أن يُبلغ رسالة ربِّه ، ا ويقف بعزم وشموخ أمام تلك الوحوش الكاسرة مستهيناً بها محتقراً لأصنامها ساخراً من تقاليدها وعاداتها.ونعرض - بإيجاز - إلى بعض مواقفه البطولية في نصرة الإسلام ، والذب عن حمى الرسول صلی الله علیه و آله و سلم التي سجلت له بمداد من النور والفخر ، وفيما يلي ذلك:


1) تاريخ اليعقوبي : 1 : 244. أمالي المرتضى : 2 : 268 . وذكرت هذه الأبيات باختلاف في أمالي القالي : 1 : 241 .

2) الامتاع والمؤانسة : 2 : 81 تاريخ مدينة دمشق : 3 : 78، 81 . أسد الغابة : 1 : 15 .

##### رعايته للنبي صلى الله عليه وسلموعنى أبوطالب عناية بالغة بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وقام بجميع وقام بجميع خدماته وشؤونه ، وتولّى رعايته منذ نعومة أظفاره، فكان المربّي والحارس له ، فقد علم بما سيكون في مستقبل حياته من السمو والعظمة ، وأنه سيملأ الدنيا نوراً ووعياً، وأنه رسول ربّ العالمين ، وخاتم المرسلين، وسيّد النبيّين ، وقد أحاطه الكهان علم بذلك ، وحذروه من فتك اليهود واغتيالهم له.يقول الرواة : إن أبا طالب سافر للتجارة إلى الشام مع النبي صلی الله علیه و آله و سلم فسارع إليه الراهب فقال له : إنّي أنصحك أن ترجع بابن أخيك من مكانك هذا وإن أدى ذلك إلى ذهاب أموالك وخسارتك في تجارتك ، فإنّي لا آمن عليه من دسائس الشرك ومكائد اليهود ؛ فإنّهم إن عرفوا الذي عرفته فلا يولّوا حتى يلحقوا به الأذى ، بل يغتالونه بكل نشاط وقوة (1.)وقفل أبو طالب راجعاً إلى مكة ، ولم يمض في تجارته إلى الشام حفظاً لابن أخيه ، وبلغ من رعايته له أنّه كان يصحبه معه في فراشه خوفاً عليه(2، كما كان ينقله في غلس الليل من مكان إلى مكان ، ويمضي ليله ساهراً على حراسته لئلا يغتاله أحد .)##### حمايته للإسلامولما أعلن النبي الله دعوته الخالدة الهادفة لتحرير الإنسان وإنقاذه من ظلمات الجهل وعبادة الأوثان هبت قريش عن بكرة أبيها فزعة أشدّ ما يكون الفزع له لإطفاء شعلة التوحيد


1) السيرة النبوية / ابن هشام : 1 : 90 . أسد الغابة : 1: 15 .

2) السيرة الحلبية : 1 : 140 .

لقد أوجدت الدعوة الإسلامية في المجتمع الجاهلي انقلاباً فكرياً وتحوّلاً اجتماعياً مهيباً ، فقد خافت قريش على مصالحها وتقاليدها ، وخافت على نسائها صلى الله وأبنائها من الانجراف بالشعارات والمبادئ التي أعلنها النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، لقد خافوا على آلهتهم وأصنامهم التي سخر منها النبي ودعا إلى تحطيمها وتدميرها ، فورمت آنافهم ، وانتفخ سَحْرُهم ، وأجمعوا اكتعين على مناجزته وإطفاء نور رسالته ، إلا أنّ أبا طالب ، بطل الإسلام وقف سداً منيعاً لحمايته ، وكان يبعث النشاط والحماس في نفس ابن أخيه الإشاعة مبادئه ، وقد خاطبه بهذه الأبيات:فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ***وابشر بذاكَ وَقَرَّ مِنْكَ عُيوناوَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّكَ نَاصِحي ***وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِيناوَلَقَدْ عَلِمْتُ بأنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ***مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِيناوَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ***حَتَّى أَوَسَّدَ فِي التُّرابِ دَفِيناً (1)وحكت هذه الأبيات إيمانه العميق بالإسلام ووقوفه إلى جانب النبي صلی الله علیه و آله و سلم وحمايته لدعوته ، وأنّ القوى المعادية له مهما بذلت من جهد فإنّها لا تستطيع أن تصدّه عن إشاعة مبادئه وتبليغ رسالة ربّه .وقد صمّم أبو طالب على حماية النبي الله والذب عنه بجميع طاقاته ، وقد خاطب القرشيين قائلاً:كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ تُخْلِى مُحَمَّداً ***وَلَمَّا نُطَاعِنُ دونَهُ وتُناضِلِونَنْصُرُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ ***وَنُذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالحَلَائِلِ (2)


1) أسنى المطالب في نجاة أبي طالب : 25 . تاريخ اليعقوبي : 2 : 31. تاريخ الإسلام : 1 150 1 : 150 . البداية والنهاية : 3: 056

2) المغازي . الواقدي : 1 : 70 شرح نهج البلاغة : 3: 316.

ومعنى ذلك أنه لا يخلي عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم ولا يترك قريشاً تعتدي عليه ، وسيدافع عنه حتى يصرع هو وأهل بيته دونه .لقد هام أبو طالب في ولائه للنبي ، وملك عواطفه ومشاعره ، وهو القائل فيه :وَأَنبَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمامُ بِوَجْهِهِ ***شمالُ الْيَتامى عِصْمَةٌ لِلأَرامِلِوقد وقع هذا البيت في نفس النبي صلی الله علیه و آله و سلم موقعاً عظيماً ، ويقول الرواة : إن أهل المدينة أصابهم قحط شديد فشكوا ذلك إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فصعد المنبر فاستسقى ، فما لبث أن جاء من المطر ما خشي منه أهل المدينة من الغرق ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقال : اللَّهُمَّ حَوالَيْنا وَلَا عَلَيْنا ، فانجاب السحاب عن المدينة وصار حواليها ، فقال النبي : لَوْ أَدْرَكَ أَبو طَالب هذَا الْيَوْمَ لَسَرَّهُ .فالتفت الإمام إلى النبي فقال له : كَأَنَّكَ أَرَدْتَ قَوْلَهُ:وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ***ثِمالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرامِل»(1)كما كان لهذا البيت وقع خاص عند الأسرة النبوية ، فقد أنشدته سيّدة نساء العالمين علیها سلام في الساعات الأخيرة من حياة أبيها فقال لها أبوها بلطف : هذا قَوْلُ عَمِّي أبي طَالِبٍ ، وتلا قوله تعالى : ( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ... الآية (2).)وعلى أي حال ، فقد خف جماعة من رؤساء قريش إلى أبي طالب وعرضوا عليه أن يسلّم لهم النبى الله التصفيته جسدياً ويعطوه عوض ذلك عمارة وهو من أنبل فتیان قریش، ومن أصبحهم وجهاً .فسخر منهم أبو طالب وصاح بهم : والله ما أنصفتموني أيها الحمقى ، تباً لكم


1) خزانة الأدب : 2 : 69 . الطبقات الكبرى : 3 : 198. تاریخ بغداد : 14: 388 .

2) آل عمران 3 : 144

وسحقاً ! أتريدون مني أن أعطيكم روحي وولدي لتقتلوه ، وتعطوني ابنكم أربيه لكم !ما لكم كيف تحكمون ، أترجون منّي أن أستبدل محمداً بعمارة بن الوليد ، فوالذي نفسي بيده لو أعطيتموني العالم كله لما استبدلته بظفر من رجل محمد ، فإليكم عنّي ، لا تكلموني ، وإلا علوت رؤوسكم بالسيف . وانصرفوا خائبين خاسرين ، قد خيب آمالهم وسخر منهم أبو طالب ووقف بصلابة لحماية النبي الله. لقد وقف أبو طالب منافحاً عن النبي الله ، ولولا حمايته له لما أبقى القرشيّون للنبي ولا لدعوته أي ظلًّ.##### مع النبي صلى الله عليه وسلم في الشِعبوضاق القرشيّون ذرعاً من دعوة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، واشتدّ فزعهم منها ، وزادهم أسى وحزناً إيمان بعض أبنائهم وغلمانهم ونسائهم وعبيدهم ، وهم يسخرون بالهتهم ويعيبون عليهم تقاليدهم وعاداتهم ، ويحكمون بنجاستهم فأجمع رأي الطغاة والرؤساء منهم على اعتقال النبي ، وسائر بني هاشم وبني عبدالمطلب ، وحبسهم في شعب أبي طالب خارج مكة ، وكتبوا فيهم صحيفة سجلوا فيها بنوداً قاسية وعلّقوها في جوف الكعبة ، وهذه بعض موادها:1 - حرمانهم من المواد الغذائية .2 - منع الدخول عليهم .3- عدم الزواج منهم .4 - منع ايصال الماء لهم .5 - منع ايصال الفراش لهم .6 - عدم فك الحصار عنهم ، إلا أن يُسلموا لهم النبي صلی الله علیه و آله و سلم.

7 - إقامة حرس على باب الشعب لمنع كل من يحاول الهرب منهم (1.)ووقع على الصحيفة أبو سفيان ، وأبو جهل ، والعاص بن وائل ، وأبو البختري ، وأبو لهب ، وعمرو بن العاص وغيرهم من طغاة القرشيين ، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة .وحاول مردة القرشيين اغتيال النبي صلی الله علیه و آله و سلم في الشعب ، فخاف عليه أبو طالب فكان يقيم ولده الإمام أمير المؤمنين في مكانه ، واستمر الحصار الظالم ثلاث سنين عجاف ، وكانت السيدة الزكية أُمّ المؤمنين خديجة هي التي تمدهم بما يحتاجونه من الطعام والشراب وغير ذلك من النفقات حتى أنفقت عليهم جميع ما عنده ها من الأموال حتى فرّج الله عنهم .وبعث الله تعالى الأرضة على صحيفتهم فأتت عليها ، ولم تترك منها كلمة سوىلفظ الجلالة ، وأحاط النبي صلی الله علیه و آله و سلم عمه أبا طالب علماً بذلك فخرج من الشعب إلى الحرم فاجتمع القريشيون فقال لهم : إنّ ابن أخي أخبرني أن الله أرس-ل ع-ل-ى صحيفتكم الأرضة فأكلت ما فيها من قطيعة رحم وظلم ، وتركت اسم الله تعالى فأحضروها فإن كان صادقاً علمتم أنكم ظالمون لنا قاطعون لأرحامنا ، وإن كان كاذباً علمنا أنكم على حق وأنا على باطل . فانبروا مسرعين إلى الصحيفة فوجدوها كما أخبر عنها أبو طالب واشتدت صولته ، وخاطب قريش قائلاً: إنكم أولى بالظلم والقطيعة ، وقال في ذلك:وَقَدْ كانَ فِي أَمْرِ الصَّحِيفَةِ عِبْرَةٌ ***متى ما يُخَبِّرْ غَائِبُ الْقَوْمِ يَعْجَبِمحا اللهُ ذِكْراهُمْ وَأَفْنى عُقُوْقَهُمْ ***وَما نَقَمُوا مِنْ ناطِقِ الْحَقِّ مُعْربفَأَصْبَحَ ما قالُوا مِنَ الْأَمْرِ باطِلاً ****وَمَنْ يَخْتَلِقُ مَا لَيْسَ بِالْحَقِّ يَكْذِبِ(2)


1) السيرة الحلبية : 1 : 374 و 375 ، وغيرها .

2) الكامل في التاريخ : 2 33. سيرة ابن إسحاق : 2 : 144 .

وفرّج الله تعالى عن نبيّه وسائر من كان معه من الهاشميين ، فقد انبری زهیر بن أبي أمية إلى قريش فخطب فيهم خطاباً بليغاً ، وطلب منهم فك الحصار عن الهاشميين فردّه أبو جهل ردّاً عنيفاً إلا أنّ كوكبة من قريش انضموا إلى زهير بن أبي أمية ودعموا مقالته فاستجابت قريش لهم ورفعوا الحصار عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم وسائر من معه.##### تبني أبي طالب الدعوة الإسلاميةوقام أبو طالب بدور إيجابي ومتميز في الدعوة إلى الإسلام ، وقد دعا ملك الحبشة إلى اعتناق الإسلام ، وكتب له رسالة بذلك ، وختمها بهذه الأبيات:أَتَعْلَمُ مَلْكُ الْحُبْشِ أَنَّ مُحَمَّداً نَبِيٌّ كَمُوسى وَالْمَسِيحِ بْنِ مَرْيَمِأَتى بِالْهُدَى مِثْلَ الَّذِي فِي هُداهُما فَكُلُّ بِأَمْرِ اللهِ يَهْدِي وَيَعْصِمِوَأَنَّكُمْ تَتْلُونَهُ فِي كِتابِكُمْ ***بِصِدْقِ حَدِيثٍ لَا حَدِيثِ التَّراجُمفَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نِدَا وَأَسْلِمُوا ***فَإِنَّ طَريقَ الْحَقِّ لَيْسَ بِمُظْلِم (1)لقد كان أبو طالب داعية الإسلام وحاميه والذابَ عنه ، وكان يذيع فضائل النبي صلی الله علیه و آله و سلم وينشر مناقبه ومآثره ، وممّا قال فيه:ظَهَرَتْ دَلَائِلُ نُورِهِ فَتَزَلْزَلَتْ ***منها البسيطةُ وَازْدَهَتْ أَيّامُوَهوَتْ عُرُوسُ الكفر عِنْدَ ظهوره وَبِسَيْفِهِ قَدْ شُيْدَ الإِسْلَامُوَأَتاهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ فادِحٌ وَتَساقَطَتْ مِنْ حَوْلِهِ الْأَصْنامُصَلَّى عَلَيْهِ اللهُ خَلاقُ الْوَرى ***ما أَعْقَبَ الصُّبْحَ الْمُضِي ظَلَامُ


1) السيرة النبوية / ابن هشام : 1 : 357. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3 : 224 . إعلام الورى : 1 : 118 .

وقال أيضاً :فيا لِبَني فِهْرٍ أَفِيقُوا وَلَمْ تَقُمْ نوائِحُ قَتْلى تَدعي بِالْتُنَدِّمِعَلى ما مَضى مِنْ بَغْيِكُمْ وَعُقُوقِكُمْ وَإِتْيانِكُمْ فِي أَمْرِكُمْ كُلِّ مَأْثَموَظُلْم نَبِيُّ جَاءَ يَدْعُو إِلَى الْهُدَى وَأَمْرٍ أَتَى مِنْ عِنْدِ ذِي الْعَرْشِ قَيْمِفَهَذِي مَعاذِيرٌ وَتَقْدِمَةٌ لَكُمْ لنَا تَكُونَ الْحَرْبُ قَبْلَ التَّقَدُم (1)لقد كانت مواقف أبي طالب متميّزة بروح الإيمان ، فقد اعتنق الإسلام وجاهد في سبيله أعظم ما يكون الجهاد ، ولولاه لما قام الإسلام على سوقه عبل الذراع شامخ الكيان ، فما أعظم عائدته على الإسلام والمسلمين.##### وصيّته الخالدةوأوصى أبو طالب عملاق الإسلام أبناءه وسائر أفراد أسرته بهذه الوصية التي حفلت بمكارم الأخلاق ، ومحاسن الآداب ، والولاء العارم لابن أخيه سيد الكائنات صلی الله علیه و آله و سلم ، وهذه بعض بنودها : «أوصيكم بتعظيم هذه البنية - يعني الكعبة المقدسة - فإن فيها مرضاة الربّ ، وقواماً للمعاش، وثباتاً للوطأة ، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها ؛ فإنّ صلة الرحم منسأة للأجل ، وزيادة في العدد واتركوا البغي وأعطوا السائل ، وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة ، فإنّ فيها محبّة في الخاص ومكرمة في العام ...».وحكى هذا المقطع كلّ فضيلة يسمو بها الإنسان، والتي هي من صميم القيم الكريمة التي أعلنها الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، و من بنود هذه الوصية حنّه للأسرة الهاشمية وغيرها على الولاء والاخلاص للرسول صلی الله علیه و آله و سلم ومناصرته والذب عنه قال:«وإنّي أوصيكم بمحمد صلی الله علیه و آله و سلم فإنه الأمين في قريش ، والصديق في العرب،


1) إيمان أبي طالب : 189 .

وهو الجامع لكلّ ما أوصيتكم به ، ولقد جاءنا بأمر قبله الجنان ووعاه القلب.وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف ، والمستضعفين من الناس ، وقد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته ، وعظموا أمره ، فخاض بهم غمار الموت ، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً ، ودورها خراباً ، وإذا بأعظمهم عليه أحوجهم إليه ، وأبعدهم عنه أحظاهم عنده ، قد محضته العرب ودادها ، وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش ، دونكم ابن أخيكم كونوا له ولاة ولحزبه حماة ، فوالله ! لا يسلك أحد سبيل محمد إلا رشد ، ولا يأخذ به إلا سعد ولو كان لنفسي مدة ، وفي أجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز ، ولدفعت عنه الدواهي ، غير أني أشهد بشهادته وأعظم مقالته»(1.)حكت هذه الوصية إيمان أبي طالب بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم واعتناقه للإسلام وتفانيه في الدفاع عنه.لقد استشف هذا العملاق العظيم المستقبل الزاهر للإسلام ، وأنه سيؤمن به المستضعفون في الأرض ، وأنهم سيشكلون قوة ضاربة للدفاع عنه ، وستكون صناديد قريش وساداتها أذلاء صاغرين يستعطفون النبي وأصحابه ، ويطلبون ودهم ، ولم تمض الأيام حتى تحقق ذلك على مسرح الحياة ، وإذا بجبابرة قريش أذلاء صاغرون ، ويقول الرواة : إنّ امرأة من المسلمين خطبها معاوية فجاءت إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم وطلبت رأيه في ذلك ، فنهاها عن الزواج به وقال لها : « إنّه صعلوك»(2.)وعلى أي حال فإنّ وصيّة أبي طالب حافلة بالقيم الكريمة والمثل العليا والإيمان العميق بالإسلام .


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 213 الدرجات الرفيعة : 61 . أسنى المطالب : 20. ثمرات الأوراق : 294. أعيان الشيعة : 8: 125 ، وغيرها

2) الكفاية في علم الدراية / الخطيب البغدادي : 57 .

##### في ذمّة الخلودولاقى أبو طالب جهداً شاقاً وعسيراً في حمايته للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ونصرته للإسلام ، وكفاحه للقوى المعادية لابن أخيه ، وقد تعرّض لأقسى ألوان المحن والخطوب من طغاة القريشيين وعتاتهم.وقد ألمت به العلل والأمراض ودنا منه الموت ، وكان أهم ما يعنيه مصير رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من بعده ، وماذا سيلاقيه من ذئاب قومه الذين تنكروا لجميع القيم والأعراف ، فأخذ وهو وهو على حافة الموت يوصي أبناءه وأفراد أسرته بنصرة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم والوقوف إلى جانبه ، وحمايته من كيد القرشيين وبطشهم وأخذ المرض فيه مأخذه حتى وافته المنية في شهر شوّال أو في ذي القعدة ، وذلك بعد خروج النبي الله من الشعب.(1)لقد انتقل هذا العملاق إلى حظيرة القدس بعد ما أدّى ما عليه من جهد في نصرة الإسلام والذب عن الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، ولما أذيع نبأ وفاته اهتزت مكة من هول الفاجعة ، فتصدّعت القلوب ، وغامت العيون كما فرح الطغاة والجبابرة بموته.وسارع الإمام أمير المؤمنين علیه السلام فغسل جسد أبيه الطاهر وأدرجه في أكفانه ، وقد ذابت نفسه عليه حزناً وأسى ، وهرعت الجماهير إلى دار أبي طالب فحملوا الجثمان المقدّس بمزيد من الحفاوة والتكريم ، وواروه في مقره الأخير ، وقد واروا معه الشرف والإيمان.لقد انطوت حياة هذا المجاهد العظيم الذي وهب حياته الله تعالى ، فنصر الإسلام ، وقاوم الشرك ، وقارع الباطل ، فسلام الله عليه ، فما أعظم عائدته على الإسلام والمسلمين


1) الكامل في التاريخ : 2 34 .

##### تأبين النبي صلى الله عليه وسلم لهووقف النبي الله على حافة قبر عمّه ، وهو واجم حزین ، قد روى ثرى قبره بدموعه ، وأخذ يصوغ من حزنه كلمات في تأبينه قائلاً: « وَصَلَتْكَ رَحِمٌ يا عَم ، جُزيتَ خَيْراً ، فَلَقَدْ رَبَّيْتَ وَكَفَلْتَ صَغِيراً ، وَآزَرْتَ وَنَصَرْتَ كَبِيراً ، أمَا وَاللهِ يَا عَمُ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ، وَأَشْفَعَنَّ فِيكَ شَفاعَةً يَعْجَبُ مِنْهَا الثَّقَلانِ ...»(1.)وبلغ من تأثر النبي صلی الله علیه و آله و سلم وشدة حزنه على عمه أنّه سمّى العام الذي توفّي فيه «عام الحزن».وقد فَقَد النبي صلی الله علیه و آله و سلم المحامي والناصر ، والركن الشديد الذي كان يأوي إليه ، فقد استوحدته قريش وأجمعت على التنكيل به وقال : « ما نالَتْ قُرَيْضٌ شَيْئاً أَكْرَهُهُ حَتَّى ماتَ أَبو طَالِبٍ »(2.)وقد بالغت قريش في إيذائه ، فجعلوا ينثرون التراب على رأسه ، وطرح بعضهم عليه رحم شاة وهو يصلّي ... إلى غير ذلك من صنوف الاعتداء عليه(3.)وقد أجمعوا على قتله ، فخرج في غلس الليل البهيم بعد ما أحاطوا بداره ميمماً وجهه تجاه يثرب ، وترك أخاه ووصيه الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام في فراشه ، كما سنعرض لذلك في البحوث الآتية.وعلى أي حال فأبوطالب حامي الإسلام وناصره ، والمساهم الأوّل في إقامة دعائمه ، فله اليد البيضاء على كل مسلم ومسلمة ، فما أعظم عائدته على الإسلام ! ومن سخف القول إن هذا المجاهد العظيم مات كافراً ولم يكن يدين بدين الإسلام ، فإنّ هذا البهتان من صنع الأمويين والعباسيين الحاقدين على الأسرة النبوية،


1) أبو طالب وبنوه : 103 . إعلام الورى : 1 : 282 .

2) فتح الباري : 7 : 148 .

3) تاريخ الأمم والملوك : 2 : 79. الكامل في التاريخ : 2 : 34 .

ومما يدعم زيف ذلك شدّة حزن النبي صلی الله علیه و آله و سلم عليه بعد وفاته وتسميته لعام موته بعام الحزن ، فإنّه إذا كان كافراً كيف يحزن عليه ؟ وكيف يترحّم عليه ويذكره بمزيد من التكريم والتعظيم ؟ وكيف يأكل ويشرب في داره ؟ وحكم الإسلام صريح واضح في نجاسة الكافر ؟ وكيف يكون هذا المؤمن المجاهد في النار وابنه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام قسيم الجنة والنار؟إن من المآثر والفضائل والأوسمة الشريفة التي يتحلى بها الإمام الا أنه نجل هذا المجاهد العظيم الذي حمى الإسلام في أيام محنته وغربته فجزاه الله عن الإسلام وأجزل له الأجر، وحشره مع النبيين والصدّيقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.وبهذا العرض الموجز عن جهاد أبي طالب في نصرة الإسلام وحمايته للنبي صلی الله علیه و آله و سلم نطوي الحديث عنه ، لنلتقي بالسيّدة الزكية فاطمة بنت أسد أم الإمام علي علیه السلام.#### 4 - فاطمة بنت أسد##### اشارةأمّا أمّ الإمام علیه السلام فهي السيدة الزكية فاطمة بنت أسد ، وهي من سيدات عصرها في عفتها وطهارتها وسموّ ذاتها، وهذا عرض لبعض شؤونها :##### سبقها إلى الإسلامكانت هذه السيدة المعظمة من السابقات لاعتناق الإسلام وبذلك فقد نالت الشرف العظيم ، فقد أسلمت بعد عشرة أشخاص (1.)##### مبايعتها للنبي صلی الله علیه و آله و سلموهذه السيدة الزكية أوّل امرأة بايعت النبي صلی الله علیه و آله و سلم(2حينما أخذ العهد على السيّدات بالعفّة والطهارة واجتناب المنكر.)


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 14 .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 14 .

##### رعايتها للنبي صلی الله علیه و آله و سلمو قامت هذه السيّدة الطاهرة بدور مهم في خدمة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وكانت تفضله في الرعاية والحنان على أولادها ، وكان النبي صلی الله علیه و آله و سلم يكرمها ويعظمها وبدعوها أُمه (1.)##### روايتها للحديثوعدها علماء الحديث من رواة الحديث عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فقد رووا عنها (46 حديثاً ، وقد أخرج لها في الصحيحين حديث واحد متفق عليه (2).)##### إقامتها في بيت الإمام علي علیه السلامولازمت هذه السيدة الطاهرة ولدها الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ولم تقم مع بقية أبنائها ، ولما تزوّج الإمام علیه السلام بسيدة نساء العالمين زهراء الرسول صلی الله علیه و آله و سلم قال الإمام لأمه : « إِكْفِي َفاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ الله سِقَايَةَ الْماءِ وَالذَّهَابَ فِي الْحَاجَةِ ، وَتَكْفِيكِ في داخِلِ الْبَيْتِ الطَّحْنَ وَالْعَجِينَ».##### وفاتهاألمّت الأمراض بهذه السيّدة المعظمة فكانت زهراء الرسول تقوم برعايتها وشؤونها حتى انتقلت إلى حظيرة القدس، فقام ولدها الإمام علیه السلام بتجهيزها ،وأخبر النبي صلی الله علیه و آله و سلم بوفاتها فحزن عليها حزناً عميقاً ، وأمر عليّاً بتكفينها في قميصه ولما انتهى تجهيزها شيعها النبي صلی الله علیه و آله و سلم وحفروا لها قبراً فاضطجع فيه ، وجزاها خيراً ودعا لها بالرحمة والرضوان ، وذلك لما أسدت له من البر والإحسان ، وقيل للنبي : ما رأيناك صنعت بأحد كما صنعت بهذه ؟فقال : « لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ أَبَرَّ بِي مِنْهَا ، إِنَّمَا أَلْبَسْتُهَا قَمِيصِي لِتَكْسى


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 14 .

2) أعلام النساء : 3 : 113 .

مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ ، وَاضْطَجَعْتُ فِي قَبْرِها لِيُهَوْنَ عَلَيْها »(1.)أرأيتم كيف قابل النبي صلی الله علیه و آله و سلم هذه السيدة المعظمة بمزيد من التكريم والتعظيم ! لقد آمنت هذه الفاضلة بالله تعالى وبرسوله صلی الله علیه و آله و سلم، وبذلت قصارى جهدها في خدمته ، وحسبها فخراً وشرفاً وسموّاً أنّها أم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ومما لا ريب فيه أنّ الإمام ورث فضائلها وسجاياها ، كما ورث فضائل آبائه الذين سادوا العرب بالمكارم والمآثر .


1) أسد الغابة : 5 : 510 . الاستيعاب ( المطبوع على هامش الاصابة ) : 4 : 269. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 14 . معرفة الصحابة : 1 : 279 مقاتل الطالبيين : 8 و 9.

## وَلِيدُ العبة### اشارة

الشيء المحقق الذي اتفق عليه المؤرّخون والرواة هو أنّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام قد ولد في الكعبة المقدّسة(1ولم يُولد بها أحد سواه ، وكان ذلك من آيات سموّه وعظيم مكانته عند الله تعالى ، فقد اختار لولادته أفضل مكان في الأرض وهو البيت المعظم . قال شهاب الدين السيد محمود الآلوسي في شرحه لقول عبدالباقي العمري:أَنتَ الْعَلِيُّ الَّذِي فَوْقَ الْعُلَى رُفِعا ***بِبَطْنِ مَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْتِ إِذْ وُضِعا (2)


1) مستدرك الحاكم : 3: 483 . قال الحاكم : « وتواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الكعبة».)وذكر ذلك كل من المسعودي في مروج الذهب : 2 2 ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة : 14 . محمّد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول : 11 . السبط ابن الجوزي في : تذكرة الخواص : 7. والكنجي في كفاية الطالب : 37 الشبلنجي في نور الأبصار : 76 . عبدالرحمن الصفوري الشافعي في نزهة المجالس : 2 204. الشيخ علي القاري الحنفي : في شرح الشفا : 1 : 151 . علي الحلبي الشافعي في السيرة النبوية : 1: 150 . والبردواني في روائح المصطفى : 10. علاء الدين الكتواري في محاضرة الأوائل : 120. عبدالحق الدهلوي في غاية الاختصار : 97. العقاد في عبقرية الإمام : 38 .

2) دیوان عبدالباقي العمري : 96.

قال : وكون الأميركرّم الله وجهه وُلد في البيت أمر مشهور في الدنيا ، وذكر في كتب الفريقين : السنّة والشيعة ... ولم يشتهر وضع غيره كرّم الله وجهه به كما اشتهر وضعه ، بل لم تتفق الكلمة إلا عليه ، وما أحرى بإمام الأمة أن يكون وضعه فيما هو قبلة للمؤمنين ، وسبحان من يضع الأشياء في موضعها وهو أحكم الحاكمين »(1)### كيفية ولادته علیه السلاموصف الرواة كيفية ولادة إمام المتقين فقالوا : إنّ والدته السيّدة الزكية فاطمة لما أحست بالطلق نهضت وهي مبهورة الأنفاس ، فاتجهت صوب الكعبة المقدّسة ، وهي على يقين لا يخامره شك أن لحملها شأناً كبيراً عند الله تعالى ، ولما مثلت أمام الكعبة اتجهت بعواطفها نحو الله تعالى، وأخذت تناجيه وتدعوه أن ييسر لها ولادتها ، وتعلّقت بأستار الكعبة قائلة :ربِّ إنّي مؤمنة بك، وبما جاء من عندك من رسل وكتب ، وإنّي مصدقة بكلام جدي إبراهيم الخليل ... وأنه بنى البيت العتيق ، فبحق الذي بنى هذا البيت وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ولادتي ... »(2.)وحكت هذه الكلمات إيمانها العميق بالله تعالى ويرسله وكتبه وبما جاء من عنده ، ، وأنها لم تؤمن بالأوثان والأصنام التي لوثت جدران الكعبة التي أقامها القرشيّون يعبدونها من دون الله تعالى ، وقد اتجهت بعواطفها نحو الله تعالى ليسهل لها ولادة مولودها العظيم.وما إن انتهت السيدة فاطمة من دعائها حتى انشق لها جدار البيت المعظم فدخلت فيه وقلبها مطمئن بذكر الله تعالى وبعظمة وليدها الذي ستضيء ء الدنيا به .


1) شرح الخريدة الغيبية في شرح القصيدة العينية : 15 .

2) بحار الأنوار : 35 : 8. أمالي الصدوق : 195. العمدة : 8.

### مشرق النورولم تمكث السيدة فاطمة في حرم البيت المعظم إلا زمناً قليلاً حتى وضعت وليدها المبارك حجّة الله في أرضه الذي طوّق الدنيا بمواهبه وعبقرياته .لقد ولد هذا العملاق العظيم في أقدس بيت من بيوت الله ليضيء رحابه ويرفع فيه شعلة التوحيد والإيمان.لقد ولد أخو النبي المصطفى ، وباب مدينة علمه ، وناصر دينه ، وحامي رسالته لقد ولد أبو الغرباء ، وأخو الفقراء ، وملاذ المنكوبين ، وصديق المحرومين . لقد ولد هذا الإمام العظيم الذي غيّر بكفاحه ونضال ابن عمه مجرى التاريخ وأقاما كلمة العدل والحق في الأرض.### مع الشعراء#### اشارةوانبرت كوكبة من الشعراء من قدامى ومحدثين إلى نظم ولادة الإمام عليّ علیه السلام في بيت الله الحرام ، كان منهم:#### 1 - السيد الحميريأما السيد الحميري فهو من أعلام الفكر الشيعي الذي هام بحب أهل البيت علیهم السلام ونظم ببليغ نظمه مآثرهم ومناقبهم ، قال في ولادة الإمام علي علیه السلام في الكعبة:وَلَدَتْهُ في حَرَم الإلهِ وَأَمْنِهِ ***وَالْبَيْتِ حَيْثُ فِناؤُهُ وَالْمَسجِدُبيضاءُ طَاهِرَةُ النِّيابِ كَرِيمَةٌ طابَتْ وَطابَ وَلِيدُهاوَالْمَوْلِدُ فى ليلةٍ غابَتْ نُحوسُ نُجومِها وَبَدَتْ مَعَ الْقَمَرِ الْمُنير الأَسْعُدُوالسيد الحميري قريب من عصر الإمام الله فقد نظم هذه المأثرة التي شاعت في عصره ، وقد حكت هذه الأبيات الثناء العاطر على أمّ الإمام وأنها كريمة الأصل

طاهرة الذيل ، وأنها ولدت الإمام في ليلة لا نحس فيها .#### 2 - بولس سلامةعرض الشاعر الملهم المسيحي بولس سلامة في ملحمته الرائعة في أهل البيت إلى ولادة الإمام في أعزّ بيت من بيوت الله تعالى ، قائلاً:صَبَرَتْ فَاطِمْ عَلَى الضَّيْمِ حَتَّى*** لَهَتَ اللَّيْلُ لَهئَةَ الْمَكْدُودوَإِذا نَجْمَةٌ مِنَ الْأُفْقِ خَفَّتْ ***تَطْعَنُ اللَّيْلَ بِالشُّعاعِ الْجَدِيدِوَتَدانَتْ مِنْ الْحَظِيمِ وَقَرَّتْ ***وَتَدَلَّتْ تَدَلِّيَ الْعُنْقُودِتَسْكُبُ الضَّوْءَ فِي الأَثِيرِ دَفِيقاً ***فَعَلَى الْأَرْضِ وَابِلٌ مِنْ سُعُودِوَاسْتَفاقَ الْحَمامُ يَسْجَعُ سَجْعاً ***فَتَهُشُ الْأَرْكانُ لِلتَّغْرِيدِبَسمَ الْمَسْجِدُ الْحَرامُ حُبُوراً ***وَتَنادَتْ حِجارُهُ لِلنَّشيدكانَ فَجْرانِ ذلِكَ الْيَوْمِ فَجْرٌ ***ينَهارٍ وَآخَرٌ لِلْوَلِيدِ(1)#### 3 -عبد المنعم الفرطوسىأما شاعر أهل البيت العلّامة الزكي الشيخ عبدالمنعم الفرطوسي فقد كان من أعلام الشعراء ، وقد وهب حياته وفكره للأئمة الطاهرين ، وقد نظم في ملحمته الكثير من مناقبهم وفضائلهم ، وهي أهم موسوعة شعرية في الأئمة علیهم السلام، قال فيما يخص ولادة الإمام علیه السلام بالبيت الحرام:قَبَساتٌ مِنَ الْهِدايَةِ شَقَّتْ ***ظُلُماتِ الْعَمَى بِصُبْحِ مُضاءوَلِواءُ التَّوْحِيدِ رَفٌ فَلُفَتْ ***عَذَباتُ الْإِلْحادِ وَالْكِبْرِياءِ


1) دیوان بولس سلامة : 48

وَيَقِينُ أَهَابَ بِالشَّكُ حَتّى ***أَذْهَبَ الرَّيْبَ مِنْ ضَمِيرِ الرِّياءِنَفَحاتٌ مِنَ الإمامَةِ أَوْحَتْ ***بِشَذاها شَمائِلُ الْأَنْبِياءِحمَلَتْها أَمانَةٌ وَرَعَتْها ***حِيْنَ أَدَّتْ ما عِنْدَها بِوَفاءِخَيْرُ اُمَّ عَدْراءَ قُدْساً وَطُهْراً ***هي أَسْمَى قَدْراً مِنَ الْعَدْراءِوَضَعَتْهَا فِي حَيْثُ أَزْكَى مَكَانٍ ***فَتَجَلَّتْ كَالدُّرة البيضاءحِيْنَ شُقُ الْبَيْتُ الْحَرامُ جَلالاً ***يَوْمَ مِبْلَادِ سَيْدِ الْأَوْصِياءفَأَقامَتْ فِيهِ ثَلاثاً بِأَمْنٍ ***وَثِمَارُ الْجِنانِ خَيْرُ غِذاءِوَفُرَيْسٌ فِي حَيْرَةٍ تَتَقَرَى ***غامِضَ السِّرِّ فِي ضَمِيرِ الْخَفَاءِوإذا بِالْقَضَاءِ يَزْهُو بهاء ***مِنْ مُحَيَّاً مُبارَك وَضَاءِوَعَلِيٌّ كَالْبَدْرِ يَشْرُقُ نُوراً ***وَهْيَ بِشْرٌ تُضِيءُ كَالْجَوْزاءِحَمَلَتْهُ كَالذِّكْرِ بَيْنَ يَدَيْها ***حِيْنَ وَافَتْ لِسَيدِ البطحاءفَتَجَلَّى وَالْحَقُّ فَجْرٌ مُبِينٌ ***دامغا كُلَّ باطِل وَافْتِراءِويقيناً يَمْحُو الظُّنُونَ وَتَمْحُو ***آيةُ النُّورِ آيَةَ الظَّلماءِ (1)### تسمية أُمّه له علیه السلاموبهرت السيّدة فاطمة بمنظر وليدها العظيم، فقد رأت الفروسية بادية عليه ، والشجاعة مائلة فيه، ورأت سلامة جسده فسمّته حيدرة ، وهو من أسماء الأسد ، وكان الإمام كما سمته أمه بالأسد ، فقد كان أسد الله وأسد رسوله ، وهو الذي حصد بسيفه رؤوس شجعان العرب في سبيل الإسلام ، وكان علیه السلام يعتز بهذه التسمية ، وخاطب اليهودي مرح في غزوة خيبر حين نازله في ميدان الحرب فقال له:


1) ملحمة الفرطوسي : 2 : 7 و 8 .

أنا الَّذِي سَمْتُني أُمِّي حَيْدَرَة ***كَلَيْثِ غاباتٍ شَدِيدٍ قَسْوَرَهُ (1)ولم يلبث أن أطاح برأس عمرو ، وكان ذلك من الانتصارات الباهرة التي أحرزها الإسلام.ويقول الشاعر بولس سلامة :هالَتِ الأُمِّ صَرْخَةٌ جالَ فيها ***بَعْضُ شَيْءٍ مِنْ هَمْهَماتِ الْأُسُودِدَعَتِ الشِّبْلَ حَيْدَراً وَتَمَنَّتْ ***وَأَكَبِّتْ على الرجاء الْمَدِيدِأسداً سَمْتِ ابْنَها كَأَبِيها ***لِبْدَةُ الْجَدُ اُهْدِيَتْ لِلْحَفِيدِ (2)### تسمية أبي طالب لهأما أبوه شيخ البطحاء ومؤمن قريش فإنّه دخل الكعبة المقدّسة وناجي الله تعالى بإخلاص أن يلهمه تسمية وليده المبارك قائلاً:يا رَبَّ هَذَا الْغَسَقِ الدَّجِي ***وَالْقَمَرِ الْمُنْبَلِج المُضِيبَيِّنْ لَنا مِنْ ترك الخفي ***ماذا تَرى فِي إِسْمِ ذَا الصَّبِيِّفألهمه الله تعالى أن يسميه عليّاً ، فخرج من البيت الحرام وهو ينشد أمام قريش:سَمَّيْتُهُ بِعَلِيُّ كَيْ يَدُومَ ***لَهُ عِ الْعُلُو وَفَخْرُ الْعِزُ أَدْوَمُهُلقد كان هذا الاسم المبارك الذي سمّته به السماء من أحسن الأسماء وأجملها ، فقد كان الإمام عالياً في مواهبه وعبقرياته ، وعالياً في إيمانه وسموّ أخلاقه ، وعالياً فيما وهبه الله من طاقات الفضل والأدب والكمال . يقول عبد الباقي العمري:


1) إرشاد المفيد : 1: 126 و 127

2) دیوان بولس سلامة : 48

أَنْتَ الْعَلِيُّ الَّذِي فَوْقَ الْعُلى رُفِعا ***بِبَطْنِ مَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْتِ إِذْ وُضِعاسمتك أمك بِنْتُ اللَّيْتِ حَيْدَرةً ***أكرِمْ بِلَبْوَةِ لَيْثٍ أَنْجَبَتْ سَبْعا (1)### سنة ولادته علیه السلامولد أمير البيان ورائد العدالة الإسلامية الإمام علي علیه السلام في يوم الجمعة الثالث عشر من رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة (2وبالحساب الميلادي كانت ولادته علیه السلام سنة ( 600م ، وقد ولد قبل البعثة النبوية باثنتي عشرة سنة ، وقيل أقل من ذلك.)### ألقابه علیه السلام#### اشارةأمّا الألقاب التى تُضفى على الشخص فإنّها تحكي صفاته ونزعاته . يقول الشاعر:وَقَلَّما أَبْصَرَتْ عَيْناكَ مِنْ رَجُلٍ ***إِلَّا وَمَعْناهُ إِنْ فَكَّرْتَ فِي لَقَبِهْوألقاب الإمام علي علیه السلام تشير إلى بعض محاسن صفاته ، وهي:#### 1 - الصدِّيقلقبه النبي صلی الله علیه و آله و سلم بذلك (3، وإنما لقب به لأنه صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن بجميع ما جاء به من عند الله تعالى)وقد أسلم قبل أن يسلم غيره ، قال علیه السلام: ( أنا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ آمَنْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤْمِنَ


1) دیوان عبدالباقي العمري : 96 .

2) مناقب آل أبي طالب : 3 : 90)وفي تاريخ الخميس : أنه ولد بعد عام الفيل بسبع سنين . إعلام الورى : 1: 306.

3) تأريخ الخميس : 2 275 تاريخ مدينة دمشق : 32: 33.

أَبو بَكْرٍ ، وَأَسْلَمْتُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ»(1. وقد اشتهر هذا اللقب في عصره وعرف الإمام به . يقول الصحابي الكبير مالك الأشتر مخاطباً الإمام علي علیه السلام: « أنت الصديق الأكبر». أجل والله إنّه الصديق الأكبر الذي لا يضارعه أحد من المسلمين في ذلك .)#### 2 - الوصي##### اشارةمن الألقاب الكريمة التي عُرف بها الإمام «الوصي» أي وصي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وقد أضفاه عليه الرسول ، فقد منحه ذلك في كوكبة من الأحاديث كان منها:قال الله العلي : ( هذا وَصِيَّي ، وَمَوْضِعُ سِرِّي ، وَخَيْرُ مَنْ أَتْرُكُ بَعْدِي(2).)قال له : ( إِنَّ وَصِنِّي ، وَمَوْضِعَ سِرِّي ، وَخَيْرَ مَنْ أَتْرُكُ بَعْدِي ، وَيُنْجِزُ عِدَتِي ، وَيَقْضِي دَيْنِي ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (3).)سأل سلمان الفارسي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقال له : من وصيك ؟فقال له : يا سَلْمانُ ، مَنْ كَانَ وَصِيَّ مُوسَى ؟قال : يوشع بن نون .قال : فَإِنَّ وَصِنِّي وَوَارِثِي ، يَقْضِي دَيْنِي ، وَيُنْجِزُ مَوْعِدِي ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (4.)لقد شاع هذا اللقب للإمام بين العامة والخاصة، واستمدّوا ذلك من النبي صلی الله علیه و آله و سلم.


1) المعارف : 169 . الذخائر : 58 الرياض : : :257 . كنز العمّال: 12 : 434 تهذیب الكمال : 12 : 18 ، الحديث 2537 .

2) تهذيب التهذيب : 3: 106 . میزان الاعتدال : 1 : 635

3) كنز العمّال : 11: 610، الحديث 32952 . مجمع الزوائد : 9 113. المعجم الكبير : :9

4) الرياض النضرة : 2 : 178

##### مع الشعراء###### اشارةوانتشر هذا اللقب في جميع العصور الإسلامية، ونظمه الشعراء من قدامى ومحدثين ، ولنستمع إليهم:###### 1 - خزيمة بن ثابتأما خزيمة فهو من ألمع أصحاب الإمام علي الالها وأكثرهم ولاء له ، وكان من قادة جيشه في حرب الجمل ، خاطب الإمام بقوله :يا وَصِيَّ النَّبِيِّ قَدْ أَجْلَتِ الْحَرْ ***بُ الأَعادِي وَسارَتِ الْأَضْغَانُ (1)وقد نقم على عائشة وأنكر عليها خروجها لحرب الإمام قائلاً لها :أعائِشُ خَلِّي عَنْ عَلِيٌّ وَعَيْبِهِ ***بما لَيْسَ فِيهِ إنَّما أَنْتِ والدةوَصِيُّ رَسُولِ اللهِ مِنْ دُونِ أَهْلِهِ ***وَأَنْتِ عَلى ما كَانَ مِنْ ذاك شاهِدَهُ (2)إن خزيمة بن ثابت من أوثق الصحابة ، ومن أكثرهم تحرجاً في دينه ، وإنه على بينة أنّ الإمام علیه السلام وصيّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وخليفته من بعده على أمته .###### 2 - عبد الرحمن بن جعيلولما بويع الإمام أمير المؤمنين علیه السلام بالخلافة انبرى الشاعر عبدالرحمن يهنئ المسلمين ببيعته قائلاً:لَعَمْرِي لَقَدْ بايَعْتُمُ ذا حفيظة ***عَلَى الدِّينِ مَعْرُوفَ الْعَفافِ مُوَفِّقا


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 145 . بحار الأنوار : 38: 22 .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 146 . بحار الأنوار: 38 : 23 وفي مناقب آل أبي طالب : 3: 50 لعقبة بن أبي لهب.

عَلِيّاً وَصِيَّ الْمُصْطَفَى وَابْنَ عَمْهِ وَأَوَّلَ مَنْ صَلَّى أَخا الدِّينِ وَالتُّقى(1)لقد كان لقب الوصي من أشهر ألقاب الإمام وأكثرها ذيوعاً بين الناس .###### 3 - جرير بن عبدالله البجليأما جرير بن عبد الله البجلي فهو من أفذاذ أصحاب الإمام علیه السلام ، وقد أنكر على شرحبيل بن السمط الكندي انضمامه إلى معاوية ومناجزته للإمام الله ، وقد أرسل له أبياتاً من الشعر عاب فيها حربه للإمام علي علیه السلام كان منها هذا البيت الذي نظم فيه «الوصاية»:وصِيُّ رَسُولِ اللهِ مِنْ دُونِ أَهْلِهِ وَفارِسُهُ الْحَامِي بِهِ يُضْرَبُ الْمَثَلْ (2)###### 4 - سعيد بن قيسوسعيد بن قيس من طلائع أصحاب الإمام ، ومن أكثرهم ولاء له ، وكان معه في حرب الجمل التي قادتها عائشة بنت أبي بكر لإسقاط حكومة الإمام علیه السلام ، وقال سعيد في وصف الحرب وضراوتها ، وقد نظم لفظ الوصي قال :أَيَّةً حَرْبٍ أُضْرِمَتْ نيرانها وَكُسِرَتْ يَوْمَ الْوَعَى مُرَانُها ؟(3)قُلْ لِلْوَصِي أَقْبَلَتْ قَحْطَانُهافَادْعُ بِها تَكْفِيكَها هَمْدانُهاهُم بَنُوها وَهُمْ إِخْوانُها(4)


1) شرح نهج البلاغة : 1: 143 . بحار الأنوار: 38 : 20

2) شرح نهج البلاغة : 1 : 49. بحار الأنوار: 38: 25

3) مرانها : رماحها .

4) شرح نهج البلاغة : 1 : 144 و 145 . بحار الأنوار: 38 : 22

###### 5 - حجر بن عدىكان حجر بن عدي من خيار صحابة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ومن أكثرهم ولاء لوصيه وباب مدينة علمه الإمام علیه السلام وقد استشهد في سبيل ولائه له ، قتله معاوية بن هند ، وكانت شهادته من الأحداث الجسام في ذلك العصر.وكان حجر من قادة جيش الإمام علیه السلام في حرب الجمل ، وهو القائل:يا رَبَّنا سَلَّمْ لَنا عَلِيّاً ***سَلَّمْ لَنا الْمُبارَكَ الْمُضِيّاالْمُؤْمِنَ الْمُوَحدَ التَّقِيَا ***لا خَطِلَ الرَّأْي وَلَا غَوِيًابل هادِياً موفقاً مَهْدِيّاً ***وَاحْفَظْهُ رَبِّي وَاحْفَظ النَّبِيافِيهِ فَقَدْ كانَ لَهُ وَلِيّاً ***ثُمَّ ارْتَضَاهُ بَعْدَهُ وَصِيّا (1)###### 6 - النعمان بن عجلانكان النعمان بن عجلان مع الإمام في معركة صفين ، فقال محرضاً لجيش الإمام علیه السلام على حرب معاوية:كَيْفَ التَّفَرُّقُ وَالْوَصِيُّ إمامنا ***لا كَيْفَ إِلا خَيْرَةٌ وَتَخاذُلالا تَغْبِنُنَّ عُقولَكُمْ لَا خَيْرَ فِي ***مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ البَلابل عاقِلاوَذَرُوا مُعاوِيَةَ الْغَوِي وتابعوا ***دِينَ الْوَصِيُّ لِتَحْمَدُوهُ أجلا (2)###### 7- أبو الأسود الدؤليونظم العالم الكبير أبو الأسود الدؤلي تلميذ الإمام علي علیه السلام لفظة الوصي


1) شرح نهج البلاغة : 1 : 145 . بحار الأنوار: 38: 22.

2) شرح نهج البلاغة : 1: 149 . بحار الأنوار: 38 : 25

بهذا البيت:أحِبُّ مُحَمَّداً حُبّاً شَدِيداً ***وَعَبّاساً وَحَمْزَةَ وَالْوَصِيّا (1)###### 8 - الفضل بن العباسقال الفضل بن العباس في مدحه للإمام علي علیه السلام :أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ***وَصِيُّ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى عِنْدَ ذِي الذِّكْرِوَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى وَصِنْوُ نَبِيِّهِ ***وَأَوَّلُ مَنْ أَرْدَى الْغُواةَ لَدَى بَدْرِ (2)###### 9 - حسّان بن ثابتنظم حسّان بن ثابت أبياتاً في مدح الإمام علیه السلام ذكر فيها لفظ الوصي :حَفِظْتَ رَسُولَ اللهِ فِينَا وَعَهْدَهُ ***إِلَيْكَ وَمَنْ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ مَنْ وَمَنْ؟أَلَسْتَ أَخَاهُ فِي الْهُدى وَوَصِيَّهُ ***وَأَعْلَمَ فِهْرِ بِالْكِتابِ وَبِالسُّنَنْ ؟(3)###### 10 - الكميتأما الكميت الأسدي فهو من طلائع الفكر الإسلامي، وتعد هاشمياته من ذخائر الأدب العربي ، وقد صوّر فيها - بصدق - حقيقة أهل البيت علیهم السلام وما عانى شيعتهم من المحن والخطوب . قال في مدح الإمام:وَالْوَصِيُّ الَّذِي أَمَالَ النُّجُوبِي ***بِهِ عَرْشَ أُمَّةٍ لانهدامكَانَ أَهْلَ الْعَفَافِ وَالْمَجْدِ وَالْخَيْ- ***ر وَنَقْضِ الْأُمُورِ وَالإِبْرا (4)


1) العمدة: 10

2) بحار الأنوار: 38: 275 .

3) تاريخ اليعقوبي : 2 : 128

4) الهاشميات : 17 .

###### 11 - المتنبيأما المتنبي فهو شاعر الحياة على امتداد التأريخ ، ولم يؤثر عنه - فيما نعلم - مدح للإمام الان سوى هذين البيتين، وقد ذكر فيهما لفظ الوصي :وتَرَكْتُ مَدْحِيَ لِلْوَصِيَّ تَعَمداً ***إِذْ كَانَ نُوراً مُسْتَطِيلاً شامِلاوَإِذَا اسْتَطالَ الشيءُ قام بذاتِهِ ***وَصِفاتُ ضَوْءِ الشَّمْسِ تَذْهَبُ باطلا(1)###### 12 - أبو تمام الطائيأما أبو تمام الطائي فهو من ألمع شعراء العربية في العصر العباسي ، قال في مدحه للإمام علیه السلام، وقد ذكر لفظ الوصي :وَمَنْ قَبْلِهِ أَحْلَفْتُمْ لِوَصِيهِ بِداهِيَةٍ دَهْياءَ لَيْسَ لَها قَدْرُفَجِئْتُمْ بِها بِكْراً عواناً وَلَمْ يَكُنْ لَها قَبْلَها مِثلاً عوانٌ وَلَا بِكْرُأخُوهُ إذا عُدَّ الْفَخَارُ وَصِهْرُهُ ***فَلَا مِثْلَهُ أَخٌ وَلَا مِثْلَهُ صِهْرُوَشُدُ بِهِ أَزْرُ النَّبِيِّ مُحَمّدٍ ***كَما شُدَّ مِنْ مُوسَى بِهَارُوْنِهِ الْأَزْرُ (2)###### 13 - دعبل الخزاعياما دعبل الخزاعي وأقسى فقد وهب حياته لآل النبي الله وناضل في سبيلهم أشدّ ما يكون النضال ، لقد نشر مآثرهم في العصر العباسي الذي تنكر للسادة العلويين وطاردهم تحت كل حجر ومدر ، وكان من نظمه في الإمام علیه السلام مع ذكر الوصي بهذه الأبيات:سَلَامٌ بِالْغَدَاةِ وَبِالْعَشِيِّ ***عَلَىٰ جَدَثٍ بِأَكْنافِ الْغَرِيِّ


1) نهج الايمان : 669 .

2) المراجعات : 407 .

وَلَا زَالَتْ عَزالِي النُّوءِ تُزجي*** إِلَيهِ صُبَابَةَ المُزْنِ الرُّوي(1)أَلَا يا حَبَّذا تُرَبِّ بِنَجْدٍ ***وَقَبْرٌ ضَمَّ أَوْصال الوصيوَصِيُّ مُحَمّدٍ بِأَبِي وَأُمِّي ***وَأَكْرَمُ مَنْ مَشَى بَعْدَ النَّبِيِّوقال في رثاء أبي الأحرار الإمام الحسين الا وقد ذكر لفظ الوصي :رَأْسُ ابْنِ بِنْتِ مُحَمَّدٍ وَوَصِيَّهِ ***يا للرِّجالِ عَلَى قَنَاةٍ يُرْفَعُ (2)هذه شذرات ممّا نظمه أعلام الشعر العربي في مدح الإمام علیه السلام ، وقد حفلت بذكرالوصيّ الذي هو من أكثر ألقابه شيوعاً وانتشاراً .##### 3- الفاروقلقب الإمام الله بالفاروق لأنه يفرق بين الحق والباطل ، وقد اقتبس هذا اللقب منالأحاديث النبوية التي أضفت عليه ذلك ، وهذه بعضها :- روى أبو ذر وسلمان أن النبي لعل الله أخذ بيد علي الله وقال : « إِنَّ هذا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِي ، وَهَذا أَوَّلُ مَنْ يُصافِحُنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهذَا الصِّدِّيقِ الأَكْبَرُ ، وهذا فارُوقُ هذِهِ الْأُمَّةِ يَفْرُقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْباطِل (3.)- روى الصحابي الجليل أبو ذر قال : سمعت رسول الله له يقول لعليّ : « أَنْتَالصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ ، وَأَنْتَ الْفَارُوقُ الَّذِي تَفْرُقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ »(4.)- روى أبوليلي الغفاري ، قال : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سَتَكُونُ مِنْ بَعْدِي


1) عزالي النوء : الغيوم الممطرة .

2) مناقب آل أبي طالب : 3: 99

3) مجمع الزوائد : 1029 . فيض القدير : 4 358 . كنز العمّال : 11 : 616 ، 32990 . فضائل الصحابة : 1 : 296 .

4) الرياض النضرة : 2 655 . تاريخ مدينة دمشق : 1 : 76 .

فِتْنَةٌ ، فَإِذا كانَ ذلِكَ فالْزَمُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِي ، وَأَوَّلُ مَنْ يُصافحنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ ، وَهُو فارُوقُ هذه الأمة»(1.)##### 4 - يعسوب الديناليعسوب في اللغة فحل النحل ، ثمّ أطلق على السيد الشريف في قومه ، وهو من ألقاب الإمام علیه السلام، لقبه النبي صلى الله عليه وسلمه بذلك ، فقد قال له : « هذا - وأشار إلى الإمام - الا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالْمَالُ يَعْسُوبُ الظَّالِمِينَ»(2)وقال صلی الله علیه و آله و سلم:« عَلِيٌّ يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ »وروى أبو سعد ، قال : « دخلت على علي علیه السلام وبين يديه ذهب فقال : أَنا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهذا - أي الذهب - يَعْسُوبُ الْمُنافِقِينَ .ثم قال : بِي يَلُوذُ الْمُؤْمِنُونَ ، وَبِهَذا يَلُوذُ الْمُنافِقُونَ»(3)##### 5 - الولىالألقاب الرفيعة التي تقلدها الإمام علیه السلام ( الوليّ ، وقد منحته السماء هذا الوسام العظيم .)قال تعالى : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (4).)نزلت الآية الكريمة في حق الإمام علیه السلام حينما تصدّق بخاتمه على المسكين،


1) الإصابة : 7 : 167 . أسد الغابة : 5 : 287 . الاستيعاب : 2 : 657 . تاريخ دمشق : 42 : 450 .

2) مجمع الزوائد : 9 : 102 . كنز العمال : 11: 616 . تاريخ مدينة دمشق : 42: 41 .

3) كنز العمّال: 13 : 119 ، الحدیث 36382. الصواعق المحرقة : 75 . وفي تأريخ الخميس : 2 : 375 : « أنّ الإمام كان يلقب بيعسوب الأئمة » .

4) المائدة 5 : 55 .

وقد حصرت الآية الولاية العامة على الناس في الله تعالى ورسوله صلی الله علیه و آله و سلم والإمام علیه السلام، وعبرت عنه بصيغة الجمع ، وهي : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا دون المفرد ؛ تعظيماً لشأنه وإكباراً لسموّ منزلته.)ومما يزيد في أهمية هذا الحصر وتأكيده اسمية الجملة وهي أبلغ في التأكيد من الجملة الفعلية ، بالإضافة إلى حصرها بكلمة « إِنَّمَا » التي هي من أدوات الحصر وقد أضفى النبي صلی الله علیه و آله و سلم هذا اللقب كوكبة من الأحاديث ، وهذه بعضها:-روی ابن عباس : «أن رسول الله الله قال لعليّ : أَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي»(1.)-روى الخطيب البغدادي بسنده عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أنه قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سَأَلْتُ اللهَ فِيكَ خَمْساً فَأَعْطَانِي أَرْبَعاً وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً : سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي فِيكَ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُ الْأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَأَنْتَ مَعِي ، مَعَكَ لِواءُ الْحَمْدِ وَأَنْتَ تَحْمِلُهُ ، وَأَعْطَانِي أَنَّكَ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدي ... » الحديث(2.)-روى النسائي بسنده : « أن قوماً شكوا عليّاً إلى رسول الله له فتألم ، والغضب يبصر في وجهه ، وقال : ما تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ ؟ إِنَّ عَلِيّاً مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ، وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ بَعْدِي»(3.)والمتأمل في هذه الأحاديث يتجلّى له الأمر بوضوح أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أقام الإمام علیه السلام من بعده خليفة ووليّاً على أمته ، فإنّ معنى الوليّ هو مالك الأمر والمتصرّف في شؤون من يتولّى عليه.


1) سنن أبي داود : 1: 360 . مسند أحمد بن حنبل : 1: 331. المستدرك : 3: 134. مجمع الزوائد : 9: 120

2) تاریخ بغداد 4 339 كنز العمّال : 11 : 625 ، الحديث 33047

3) خصائص النسائي : 19 . الرياض النضرة : 2 : 171 کنز العمال: 6 194 . معرفة الصحابة : 1 296 . سنن الترمذي : 5 : 296 ، الحديث .3796 مستدرك الحاكم : 3: 111.

##### 6 - أمير المؤمنينمن الألقاب الشائعة للإمام علیه السلام ( أمير المؤمنين حتى أنه إذا أطلق فلا ينصرف إلى سوى الإمام علي علیه السلام .)يقول الدكتور زكي مبارك : « أمير المؤمنين هو اللقب الاصطلاحي لعلي بن أبي طالب ، فإن رأى القارئ هذا اللقب في كتاب قديم من غير نص على اسم فليعلم أن المراد هو علي بن أبي طالب»(1، وقد أفضى النبي صلی الله علیه و آله و سلم هذا اللقب له.)روى أبونعيم بسنده: عن أنس، قال: «قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : يا أَسُ اسْكُبْ لِى وُضُوءاً. ثم قام فصلى ركعتين ، ثم قال : يا أَنسُ ، أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْكَ مِنْ هذَا الْبَابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَسَيَّدُ الْمُسْلِمِينَ ، وَقائِدُ الْغَرِّ الْمُحَجَّلِينَ ، وَخاتَمُ الْوَصِيِّينَ .قال أنس : قلت : اللّهمّ اجعله رجلاً من الأنصار وكتمته ، إذ جاء علي علیه السلام ، فقال:مَنْ هذا يا أَنس ؟فقلت : عليّ ، فقام مستبشراً فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه ويمسح عرق عليّ بوجهه ، قال علي : يا رَسُولَ اللهِ ، لَقَدْ رَأَيْتُكَ صَنَعْتَ شَيْئًا مَا صَنَعْتَ بِي مِنْ قَبْلُ ؟قال : وَما يَمْنَعُنِي وَأَنْتَ تُؤَدِّي عَنِّي ؟ وَتُسْمِعُهُمْ صَوْتِي ، وَتُبَيِّنُ لَهُمْ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْدِي »(2.)حكت هذه الرواية سموّ منزلة الإمام علیه السلام وعظيم شأنه عند النبي صلی الله علیه و آله و سلم وأنه لم يحظ بمثل ذلك أحد سواه.##### 7- الأمينمن ألقاب الإمام علیه السلام ( الأمين لقب بذلك لأنه كان أميناً على أمور الدين وأسرار)


1) عبقرية الشريف الرضي : 2 : 228. الشافي في الإمامة / الشريف الرضي : 1 : 37 .

2) حلية الأولياء : 1: 63. الغارات : 1 : 99 . الاحتجاج : 1: 202 .

خاتم المرسلين، وقد منحه هذا اللقب الرسول علل الله فقد قال له : « يا عَلِيُّ ، أَنْتَ صَفِيِّي وَأَمِينِى »(1.)##### 8 - الهادىمن ألقاب الإمام علیه السلام ( الهادي ، فقد كان هادياً للمسلمين ومرشداً للمتقين ووليّاً للمؤمنين، وقد اقتبس هذا اللقب من قول النبي صلی الله علیه و آله و سلم :«أَنَا الْمُنْذِرُ وَعَلِيُّ الْهَادِي ، وَبِكَ يَهْتَدِى الْمُهْتَدُونَ»(2))##### 9 - الأذن الواعيةمن الألقاب الكريمة للإمام علیه السلام ( الأذن الواعية ، فقد كان الا اذناً واعية لجميع ما أنزل على النبي له ، وقد قال له النبي حينما نزلت عليه الآية ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ )(3): سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَجْعَلَهَا أذْنَكَ يا عَلِيُّ)فقال عليّ : فَما نَسِيْتُ شَيْئاً بَعْدُ ، وَما كَانَ لِى أَنْ أَنسى(4.)##### 01 - المرتضىمن ألقابه الكريمة ( المرتضى لقب بذلك لأن الله ارتضاه وصيّاً للنبي وخليفة له)


1) ذخائر العقبي : 57 . تاريخ الخميس : 2 375 . خصائص أمير المؤمنين / النسائي : 90

2) تاريخ مدينة دمشق : 42 359 ميزان الاعتدال : 1 : 484. لسان المیزان : 2: 199 مستدرك الحاكم : 3 : 129 . كنز العمّال : 6 157 . وجاء هذا المعنى في ذيل تفسير الآية : ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) الرعد :13 7 تفسير الطبري : 13 : 72. تفسير الحقائق : 42 . تفسير الرازي : 19 : 14 .

3) الحاقة 69: 12 .

4) تفسير الطبري : 29 35 الكشاف : 4 : 600 في تفسير الآية . كنز العمال : 6: 108 . الدرّ المنثور : 8 267

من بعده ، أو لأنّ الله تعالى ارتضاه لسيدة النساء زهراء الرسول زوجاً (1.)##### 11 - الأنزع البطينلقب الإمام علیه السلام بذلك لأنه كان ذا صلعة ليس في رأسه شعر إلا من وكان عظيم البطن ولكن بلا بطنة . يقول الجواهري في جوهرته التي رثى بها أبا الأحرار الإمام الحسين علیه السلام:فَيابنَ الْبَطِينِ بِلَا بِطْنَة ***وَبابنَ الْفَتَى الْحَاسِرِ الْأَنْزَعِ (2)سال رجل عبدالله بن عباس حبر الأمة ، فقال له : اخبرني عن الأنزع البطين فقد اختلف الناس فيه ؟فأجابه ابن عباس : أيها الرجل ، والله لقد سألت عن رجل ما وطئ الحصى بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أفضل منه ، وإنّه لأخو رسول الله ، وابن عمه ووصيه وخليفته على أمته ، وانه الأنزع من الشرك ، بطين من العلم ، ولقد سمعت رسول الله يقول:«مَنْ أَرادَ النَّجَاةَ غَداً فَلْيَأْخُذْ بِحُجْزَةِ هذَا الْأَنْزَعِ - يعني الإمام»(3)##### 12 - الشريفأمّا الإمام فهو من أشرف الناس بحسبه ومثله وورعه وتقواه ، وقد آمن بذلك أعداؤه وخصومه ، فقد روى المؤرخون أن الجيش العباسي لما أحاط بمروان آخر ملوك الأمويين قال لبعض وزرائه : إنّ هذا الجيش - أي الجيش العباسي بحاجة لعليّ ، فأنكر عليه ذلك ، وقال له : إنّ عليّاً جيش بذاته.


1) ذخائر العقبى : 32 . كنز العمال : 6 : 152 .

2) ديوان الجواهري : 3: 235

3) حياة أمير المؤمنين ال : 45. علل الشرائع : 1: 159 . معاني الأخبار : 63 .

فقال له مروان : لقد عزب عنك ما أردته ، إن هذا الجيش بحاجة لعلي في شرفه ونبله ، فإنّه إذا استولى علينا يستأصل نساءنا وأطفالنا وشيوخنا ، ولا يتركون منا نافخ رماد ، وإذا كان عليّ قائداً للجيش فإنّه لا يعمل ذلك معنا يصده شرفه ونبله عن اقتراف ذلك .وصدق مروان في تفرّسه فإنّ العباسيين حينما استولوا على الحكم استأصلوا شأفة الأمويين ، ومثلوا حتى بأمواتهم (1.)##### 13 - بيضة البلدمن ألقابه الكريمة ( بيضة البلد كما كان أبوه بيضة مكة ومصدر عزّها وشرفها (2).)فقد قالت أخت عمرو بن عبد ود حين بلغها مقتل أخيها:لَوْ كانَ قاتِلُ عَمْرٍو غير قاتِلِهِ ***لَكُنْتُ أَبْكِي عَلَيْهِ آخِرَ الْأَبَدِلكِنَّ قاتِلَ عَمْرِو لا يُعَابُ بِهِ ***مَنْ كانَ يُدعى قديماً بِبَضَ الْبَلَدِ (3)##### 14 - خير البشرلقبه النبي صلی الله علیه و آله و سلم ( خير البشر ، وقد ورد ذلك في كوكبة من الأحاديث هذه بعضها : روى الخطيب البغدادي بسنده عن جابر ، قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : عَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَر فَمَنِ امْتَرى (4)فَقَدْ كَفَرَ»(5))


1) حياة الإمام موسى بن جعفر الا : 1 : 336

2) تاريخ الخميس 5 375 . معرفة الصحابة : 1 : 297 . حياة الحيوان / الجاحظ : 2 : 336 .

3) الإرشاد : 1 : 108 .

4) امترى : أي شك .

5) تاریخ بغداد: 7 421 . حديث خيثمة : 201 . كنز العمّال : 11 : 625 ، الحديث .33045

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَرِ مَنْ شَكٍّ فِيهِ كَفَرَ »(1.)- روى الخطيب البغدادي عن علي ال : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :مَنْ لَمْ يَقُلْ عَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ »(2)وأثرت عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بهذا المضمون كوكبة أخرى من الأحاديث .##### 15 - سيّد العربمن الألقاب الكريمة للإمام ( سيد العرب أضفاه عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : «أنا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَعَلِيٌّ سَيْدُ الْعَرَبِ »(3).)وروت عائشة : أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال : ادْعُوا لِي سَيِّدَ الْعَرَبِ .فقلت : يا رسول الله ، ألست سيّد العرب ؟قال : أَنا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَعَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَرَبِ»(4)وروى سلمة بن كهيل ، قال : «مرّ عليّ بن أبي طالب على النبي صلی الله علیه و آله و سلم وعنده عائشة ، فقال لها : إِذا سَرَّكِ أَنْ تَنْظُرِي إِلَى سَيِّدِ الْعَرَبِ فَانْظُرِي إِلَىٰ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.فقالت : يا نبي الله ، ألست سيد العرب ؟فقال : أَنا إمامُ الْمُسْلِمِينَ ، وَسَيِّدُ الْمُتَّقِينَ ، وَإِذا سَرَّكِ أَنْ تَنْظُرِي إِلَى سَيِّدِ الْعَرَبِ


1) کنوز الحقائق : 92

2) مستدرك الحاكم : 3 : 124 . كنز العمال : 6 157 . حلية الأولياء : 1: 63. تاریخ بغداد : :3 409 . تاريخ مدينة دمشق : 42: 372 .

3) كنز العمّال : 6 157 . حلية الأولياء : 1: 63. المستدرك : 3: 124. مجمع الزوائد : .117:4

4) مستدرك الحاكم : 3 : 124 . ينابيع المودة : 2 : 161 .

فَانْظُرِي إِلَىٰ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ »(1.)##### 16 - حجّة اللهمن ألقابه العظيمة ( حجّة الله فقد كان حجّة من الله على عباده يهديهم للتي أقوم وينير لهم طرق الهداية ، منحه هذا اللقب النبي صلی الله علیه و آله و سلم قال : « أَنا وَعَلِيٌّ حُجَّةً اللهِ عَلَى عِبادِهِ »(2))وروى أنس بن مالك ، قال : كنت عند النبي صلی الله علیه و آله و سلم فرأى عليّاً مقبلاً فقال : يا أَنسُ .قلت : لبيكقال : هَذَا الْمُقْبِلُ حُجَّتِي عَلَى أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيامَةِ »(3)هذه بعض الألقاب التي أضفيت على الإمام علیه السلام ، وهي تحكي سموّ ذاته وعظيم شأنه ومعالي أخلاقه .#### كناه علیه السلام##### اشارةكنّي الإمام علیه السلام بكوكبة من الكنى الشريفة ، وهذه بعضها:##### 1 - ابو الريحانتينوهما الإمامان الحسن والحسين علیهما السلام سيدا شباب أهل الجنة ، كناه بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد قال له : يا أبا الرَّيْحَانَتَيْنِ ، فَعَمّا قَلِيلٍ يَذْهَبُ رُكْناكَ ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكَ . فلما قبض رسول الله قال علي : هذا أَحَدُ الرُّكْنَيْنِ.


1) تاریخ بغداد 11 89 كنز العمّال : 11 : 619 ، الحديث 33008.

2) كنوز الحقائق : 43 . تاريخ مدينة دمشق : 42 : 309 میزان الاعتدال : 3: 76 .

3) الرياض النضرة : 2 : 1932 . ذخائر العقبی : 77. ينابيع المودة : 2 : 170.

فلما توفيت سيدة نساء العالمين زهراء الرسول قال : هذَا الرُّكْنُ الْآخَرُ (1.)##### 2 - أبو السبطينكني بولديه سبطي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الإمامين الحسن والحسين علیهما السلام (2، وقد شاعت هذه الكنية .)##### 3 - أبو الحسنكنّي الإمام الله بابنه الأكبر الإمام الحسن السبط الأول للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وأحب ذريته إليه (3.)##### 4 - أبو الحسينوشاعت هذه الكنية (4في الأوساط الإسلامية ، فقد كنّي بولده مفخرة الإسلام والمجدد الأعظم لدين الإسلام الإمام الحسين علیه السلام الذي استشهد من أجل أن يقيم في الشرق دولة القرآن ويحطم الدولة الأموية التي استهدفت القضاء على الإسلام.)##### 5 - أبو تراب###### اشارةإنّ هذه الكنية من أحبّ الكنى عند الإمام علیه السلام ، فقد كناه بها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في عدة مناسبات كان من بينها ما يلي:- روی ابن عباس حبر الأمة ، قال : «لما آخى النبي له بين أصحابه من


1) ذخائر العقبى : 56 . تاريخ الخميس : 2 : 375. العمدة : 308

2) عمدة القاري / العيني : 2 : 147 . نظم درر السمطين: 78

3) إعلام الورى : 1 : 194 .

4) معرفة الصحابة : 1 : 279

المهاجرين والأنصار ولم يواخ بين الإمام وبين أحد منهم خرج علي حتى أتى جدولاً فتوسد ذراعه ، فسفت عليه الريح ، فطلبه النبي حتّى ظفر به فوکزه برجله ، فقال له :قُمْ فَما صَلَحْتَ أَنْ تَكُونَ إِلَّا أَبا تُرابِ، غَضِبْتَ حِيْنَ أَخَيْتُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَلَمْ أواخ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ . أَمَا تَرْضى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ، أَلَا مَنْ أَحَبَّكَ حُفٌ بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ ، وَمَنْ أَبْغَضَكَ أَمَاتَهُ اللهُ مِيتَةً جَاهِلِيَّةٌ وَحُوسِبَ بِعَمَلِهِ فِي الْإِسْلَامِ »(1.)حكت الرواية ما يلي :1 - إن النبي صلی الله علیه و آله و سلم عنى الإمام علیه السلام بأبي تراب.2 - إنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم صرّح أنّ الإمام الله منه بمنزلة هارون من موسى ، فكما أن هارون خليفة موسى ووصيه كذلك الإمام خليفة النبي صلی الله علیه و آله و سلم وصيه من بعده.3- إن الرواية بشرت محبّى الإمام بالرحمة والمغفرة والرضوان ، كما أنذرت مبغضيه بسوء العاقبة والخلود في النار .- روى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام قال : « طَلَبَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَنِي نائِماً فِي جَدْوَلٍ ، فَقالَ : ما النَّوْمُ ؟ النَّاسُ يُسَمُّونَكَ أَباتُرَابٍ ، فَرَآنِي كَأَنِّي وَجَدْتُ فِي نَفْسِي مِنْ ذلِكَ ، فَقَالَ : قُمْ وَاللَّهِ لَأَرْضِيَنَّكَ ، أَنْتَ أَخِي ، وَأَبُو وُلْدِي ، تُقاتِلُ عَلَى سُنَّتِي ، وَتُبْرِيُّ ذِمَّتِي . مَنْ ماتَ فِي عَهْدِي فَهُوَ كَثرُ اللهِ ، وَمَنْ ماتَ فِي عَهْدِكَ فَقَدْ قَضى نَحْبَهُ ، كَنْزُ وَمَنْ ماتَ يُحِبُّكَ بَعْدَ مَوْتِكَ خَتَمَ اللهُ لَهُ بِالْأَمْنِ وَالْإِيْمَانِ ما طَلَعَتْ شَمْسٌ أَوْ غَرَبَتْ ، وَمَنْ ماتَ يُبْغِضُكَ ماتَ مِينَةٌ جاهِلِيَّةٌ»(2)


1) مجمع الزوائد : 9: 111 . الفصول المهمة / ابن الصباغ : 22 . المعجم الأوسط : 8: 39 و 40 . المعجم الكبير : 11: 63 . كنز العمّال : 11 : 607 ، الحديث 32935

2) الجامع الكبير / السيوطي : 6 : 404. مجمع الزوائد : 9 121 . كنز العمال : 13 : 159 .

- روى الحاكم بسنده : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد عليّاً وعماراً في دقعاء (1من التراب فأيقظهما ، وحرّك عليّاً فقال : قُمْ يا أباتُرَابٍ أَلا أُخْبِرُكَ بِأَشْقَى النَّاسِ ؟ رَجُلَيْنِ : أَحَيْمِرُ ثَمُودَ عاقِرُ النَّاقَةِ ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ عَلى هذِهِ - أي على هامة رأسك - فَيَخْضِبُ هذه - أي لحيته - منها »(2))- روى أبو الطفيل ، قال : « جاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم وعلي نائم في التراب ، فقال : إِنَّ أَحَقَّ أَسْمَائِكَ أَبو تُرَابٍ ، أَنْتَ أَبو تُراب»(3)- روى عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه ، قال : « قلت لسهل بن سعد : إن بعض أمراء المدينة يريد أن يبعث إليك أن تسبّ عليّاً فوق المنبر .قال : أقول : ماذا ؟قال : تقول : لعن الله أبا تراب .قال : والله ما سمّاه بذلك إلا رسول الله اللهقلت : وكيف ذلك يا أبا العباس ؟قال : دخل عليّ على فاطمة ثم خرج من عندها فاضطجع في فيء المسجد ، ثم دخل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم على فاطمة فقال لها : أين ابن عمّك ؟فقالت : هو ذاك مضطجعاً في المسجد ، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده قد سقط رداؤه على ظهره، وخلص التراب إلى ظهره ، فجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول : اجْلِسْ أَبا تُرَابٍ ، فوالله ما سماه به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ما كان له اسم أحبّ


1) الدقعاء : التراب اللين .

2) مجمع الزوائد :9 136 . كنز العمال : 13: 141 ، الحديث 36443. مستدرك الحاكم : : 104. تاريخ الطبري : 2: 261 . إمتاع الأسماع : 1: 50. مسند أحمد بن حنبل :

3) مجمع الزوائد : 9: 101

إليه منه»(1.)وشاع هذا اللقب بين المسلمين ونظمه الشعراء ، وكان فيما نظمه بعضهم :وَجاءَ رَسُولُ اللهِ مُرْتَضِياً لَهُ ***وَما كانَ عَنْ زَهرائِهِ فِي تَشَرُّدِفَمَسَّحَ عَنْهُ التُّرْبَ إِذْ مَسَّ جِلْدَهُ ***وَقَدْ قَامَ مِنْها أَلِفاً لِلتَّفَرُّدِوَقالَ لَهُ قولَ التَّلَطُّفِ قُمْ أَبا تُرابِ كَلَامَ الْمُخْلِصِ الْمُتَوَدِّدِوما أبدع ما قاله عبد الباقي العمري:أَنتَ ثَانِي الْآبَاءِ فِي مُنْتَهَى الدَّوْ رِ وَآبَاؤُهُ تُعَدُّ بَنُوهُخَلَقَ اللهُ آدَماً مِنْ تُراب فَهُوَ ابْن لَهُ وَأَنْتَ أَبُوهُ (2)إن الله تعالى خلق آدماً من تراب ، والإمام أبوه تكريماً وتعظيماً من الله الذي ميّز الابن على أبيه ..وقال العلّامة الشيخ حسن طرّاد العاملي :نُورُ الْحَقِيقَةِ وَالصَّوابِ مُتَمَثْلُ بِأَبِي تُرابِعُنْوانٌ مَجْدٍ شامخ ***مُتَنَزِّهِ عَنْ كُلِّ عابٍقَدْ أَبْدَعَتْهُ يَدُ السَّما ***لِيَجِيءَ بِالْعَجَبِ الْعُجابِوتكونَ نَفْسَ مُحَمَّدٍ ***فِي حِفْظِ أَحْكامِ الْكِتَابِفعلومُهُ مِنْ عِلْمِهِ ***وَسَيانُهُ فَصْلُ الْخِطابإن كنية أبي تراب وسام فخر وشرف أضفاه الرسول صلی الله علیه و آله و سلم على وصيه وباب مدينة


1) تاريخ الطبري : 2 363 . تاريخ الخميس : 2 : 375 كنز العمّال : 13: 106 و 107 ، الحديث 36348

2) دیوان عبد الباقي العمري : 126 .

علمه للتدليل على زهده في الدنيا ورفضه لجميع متعها وزينتها ، وإنّها عنده كالتراب .###### مع الأمويينواتخذ الأمويون لقب أبي تراب وسيلة لانتقاص الإمام علي علیه السلام والتشهير قال الحاكم النيسابوري : كان بنو أمية ينتقصون عليّاً بهذا الاسم الذي سمّاه به رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ويلعنونه على المنبر بعد الخطبة مدة ولايتهم ، وكانوا يستهزئون به ، وإنّما استهزأوا بالذي سماه ، وقد قال الله تعالى : (قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ (1)»(2))وكان الذئب الجاهلي ( معاوية في آخر خطبة الجمعة يقول : « اللهم إن أبا تراب الحد في دينك ، وصدّ عن سبيلك ، فالعنه لعناً وبيلاً، وعذبه عذاباً أليماً ...».)وكتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات الفاجرة يشاد بها وتتلى على منابر المسلمين (3التي أنشئت ليشاد عليها الحق والعدل وتكون مدرسة لتهذيب الأخلاق وإشاعة الفضيلة بين الناس ، ولكنّ معاوية بوحي من جاهليته حوّلها إلى سب العترة الطاهرة التي أذهب الله عنها الرجس وطهرها تطهيراً ، وق-د اق-ت-دى ب-ه ملوك الأمويين فجعلوا سبّ أهل البيت واجباً إسلامياً يحاسبون العامة والخاصة على تركه ، وكانت هذه السياسة النكراء من المآسي القاسية التي عاناها الأخيار والمصلحون من المسلمين.)ومن طريف ما ينقل أن رجلاً من أهل السنة أهدى إلى صديق له شيعي برّاً


1) التوبة 9 65

2) الغدير : 6: 33

3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 4: 306. الغدير : 2: 102 .

من الحنطة كانت رديئة فردّها عليه ، فأرسل إليه عوضها حنطة جيّدة إلا أنها كانت مخلوطة بالتراب فكتب إليه :بَعَثْتَ لَنَا بِذاكَ البُرِّبُراً رَجَاءَ لِلْجَزِيلِ مِنَ الثّوابِرَفَضْناهُ عَتِيقاً وَارْتَضَينا بِهِ إِذْ جَاءَ وَهوَ أَبُو تُراب(1)#### ملامحه وصفاته علیه السلام##### اشارةكان الإمام علیه السلام من أجمل الناس وجهاً وأحسنهم أخلاقاً ، وكانت أسارير النور على وجهه الشريف ، وقد وصفت ملامحه بصفات كثيرة كان منها ما يلي:##### 1 - وصف النبي صلی الله علیه و آله و سلم له علیه السلامووصف النبي صلی الله علیه و آله و سلم أخاه ووصيه بهذه الأوصاف الرفيعة ، قال : «مَنْ أَرادَ أَنْ يَنْظُرَ إلى إِبْراهِيمَ فِي حِلْمِهِ ، وَإِلَى نُوحٍ فِي حُكْمِهِ ، وَإِلَىٰ يُوسفَ فِي جَمَالِهِ ، فَلْيَنْظُرَ إِلَى عَلِيَّ بن أبي طالب»(2)حكت هذه الكلمات عظیم صفات الإمام ، فقد ضارع أنبياء الله الممجدين في أجل صفاتهم ومعالي حكمهم وأخلاقهم.##### 2 - وصف ضرار للإمام علیه السلامطلب معاوية من ضرار أن يصف له الإمام لأنه كان من أخلص أحبائه ، فامتنع ضرار خوفاً من معاوية إلا أنه أصر عليه ، فقال له :كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم


1) نفحة اليمن: 12 .

2) ذخائر العقبى : 24 .

من جوانبه ، وتنطق الحكمة من لسانه ، يستوحش من الدنيا وزخرفها ، ويستأنس بالليل ووحشته.وكان غزير الدمعة ، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب ، وكان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، وينبئنا إذا استنبأناه ، ونحن - والله - مع تقربه لنا وقربه منّا لا نكاد نكلّمه هيبة له ، يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله .وإنّي أشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه - وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه - قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وهو يقول:«يا دُنْيا غُرِّي غَيْرِي ، إِلَيَّ تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ ؟هَيْهاتَ هَيْهاتَ ، قَدْ بَايَتُكِ ثَلَاثَاً (1لَا رَجْعَةَ فِيها ، فَعُمْرُكِ قَصِيرٌ ، وَخَطَرُكِ كَبِيرٌ ، وَعَيْشُكِ حَقِيرٌ ، آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ ، وَيُعْدِ السَّفَرِ ، وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ »)وأثرت هذه الكلمات في نفس معاوية ، فقال :« رحم الله أبا الحسن ، كان والله كذلك »(2)وحكت هذه الكلمات بعض الصفات الروحية التي تميز بها الإمام أمير المؤمنين الله والتي هي مبعث إعجاب وإكبار حتى عند ألد أعدائه ألد أعدائه وخصومه.##### 3- وصف ابنه محمّد له علیه السلامووصف ابنه محمّد بن الحنفية ملامحه فقال:


1) باينتك : أي طلقتك طلاقاً بائناً.

2) الاستيعاب 3 107 . حلية الأولياء : 1 : 84. الرياض النضرة : 2: 212 . العمدة : 16 . ذخائر العقبی : 100 . نظم درر السمطين : 135

كان ربع القامة ، أزج الحاجبين (1، أنجل (2)، أنجل(3)كأنّ وجهه القمر ليلة البدر حسناً وهو إلى السمرة ، أصلع ، له حفاف(4)من خلفه كأنّه إكليل ، وكأن عنقه ابريق فضة ، وهو أرقب (5)ضخم البطن ، أقرأ الظهر (6)، عريض الصدر ، محض المتن(7)، ضخم الكسور ، لا يبين عضده من ساعده، تدامجت إدماجاً ، عبل الذراعين ، عريض المنكبين ، عظيم المشاشين (8)كمشاش السبع الضاري ، له لحية قد زانت صدره ، غليظ العضلات ، حمش الساقين (9). وألم هذا الوصف ببعض ملامحه وشكله.)##### 4 - وصف المغيرة لهووصفه المغيرة وهو من أعدائه فقال : «كان على هيئة الأسد، غليظاً منه ما استغلظ ، دقيقاً منه ما استدق »(10)حكى هذا الوصف القوّة البدنية للإمام علیه السلام وشجاعته النادرة.##### 5 - وصف بعض المعاصرين له علیه السلامووصف بعض المعاصرين للإمام بعض صفاته الجسدية ، قال : «كان ربعة من


1) الأزج : دقة الحاجب وطوله .

2) الأنجل : سعة العين وجمالها .

3) الحفاف : الطرة من الشعر تكون حول رأس الأصلع .

4) الأرقب : غليظ الرقبة

5) أقرأ الظهر : طويله .

6) المحض : كناية عن استواء الجسم .

7) عبل الذراعين : أي ضخم الذراعين .

8) المشاش : رؤوس العظام اللينة .

9) مناقب آل أبي طالب : 3: 91.

10) مناقب آل أبي طالب : 3: 91.

الرجال ، أدعج العينين(1عظيمهما ، حسن الوجه كأنه قمر ليلة البدر ، عظيم البدن ، عريض ما بين المنكبين ، لمنكبه مشاش كمشاش السبع الضاري ، لا يبين عضده من ساعده قد أدمج إدماجاً ، شئن الكفين ، عظيم الكراديس (2)، أغيد (3)كأن عنقه إبريق فضة ، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه ، كثير شعر اللحية ، وكان لا يخضب ، وكان إذا مشى تكفّاً ، شديد الساعد واليد ، وإذا مشى إلى الحرب هرول ، ثبت الجنان ، قوياً، ما صارع أحداً إلا صرعه ، شجاعاً، منصوراً عند من لاقاه»(4)وهذه الصفات التي أدلى بها الرواة متفقة على أنّ الإمام علیه السلام أبرز بطل في العالم الإسلامي وغيره ، وأنّه يملك قوة البدن ، وقوة البأس والشجاعة التي لا يملكها أحد سواه بالاضافة إلى صفاته النفسية التي هي أنشودة المتقين في كل زمان ومكان.


1) الأدعج : شدّة السواد في العين مع سعتها .

2) الكراديس : كل عظم تكردس ، أي اجتمع اللحم فيه .

3) الأغيد : ميل العنق .

4) ذخائر العقبي : 57 .)ألمح إلى بعض صفاته ابن حجر في تهذيب التهذيب : 7: 338 ، وابن سعد في طبقاته : 2 26

## نشاته علیه السلام### اشارة

نشأ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام في عهد طفولته في كنف أبيه أبي طالب مؤمن قريش وشيخ البطحاء ، الذي كان مثالاً لكلّ فضيلة وعنواناً لكل كرامة ، فربّى ولده الإمام على الشهامة والنبل ، وغذاه بالإيمان بالله ، كما قامت بتربيته أمه الزكية السيّدة فاطمة سيدة نساء عصرها في عفتها وطهارتها ، فغدته بالأخلاق الكريمة والعادات الحسنة ، وغرست في نفسه النزعات الشريفة .### احتضان النبي صلی الله علیه و آله و سلم للإمام علیه السلاموحينما كان الإمام في فجر الصبا أصابت قريشاً أزمة مادية وضائقة اقتصادية تأثر منها أبو طالب ، فانبری رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إلى عميه حمزة والعباس وطلب منهما أن يتحمّلا ثقل عمه ، فاتجهوا صوبه وعرضوا عليه الأمر ، فقال لهم : دعوا لي عقيلاً وخذوا من شئتم ، وكان شديد الحبّ لابنه عقيل فأخذ العباس طالباً ، وأخذ حمزة جعفراً ، وأخذ الرسول عليّاً، وقال لهما اخترت من اختاره الله عليكما - يعني عليا ، فكان الإمام في حجر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وفي ذرى مودته وعطفه .ومن المؤكد أنّ النبي إنّما أخذ الإمام من عمّه ليربّيه ويغذيه بطباعه وهديه ، وقد وجد في كنفه من الحب والمودة والعطف والإيثار ما لم يجده في بيت أبيه ، وقد غرس النبي في دخائل نفس الإمام وأعماق ذاته جميع مقومات الإسلام ومبادئه وقيمه ، فكان في المرحلة الأولى من حياته قد وعى الإسلام وآمن به وفهم جوهره.

إنّ الإمام علیه السلام كان من ألصق الناس برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ومن أكثرهم تطبعاً بأخلاقه وفهماً لرسالته ، ولما أعلن النبي صلی الله علیه و آله و سلم ثورته الكبرى على الأفكار الجاهلية وعاداتها ، كان الإمام في فجر الصبا يذبّ عنه، ويحميه من صبيان قريش الذين كانوا يحاربونه بالحجارة ويقذفونه بالتراب ، ويصيحون وراءه ساحر ومجنون ، وكان الإمام علیه السلام يوقع الضرب واللكم فينهزمون إلى أمهاتهم وآبائهم وكان ذلك أوّل جهاد له في سبيل الإسلام.وقد تحدّث الإمام علیه السلام عن تلك الفترة الذهبية التي عاشها في رعاية النبي صلی الله علیه و آله و سلم وما لاقاه من صنوف الحفاوة والتكريم فقال : «وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ ، يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ ، وَيَكْتُفُنِي فِي فِرَاشِهِ ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ .وَكَانَ يَمْضَعُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذَّبَةٌ فِي قَوْلٍ ، وَلَا خَطْلَةٌ فِي فِعْلِ وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتَّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً ، وَيَأْمُرُنِي بِالْإِقْتِداءِ بِهِ (1.)أرأيتم كيف أخلص له النبي صلی الله علیه و آله و سلم في الحب والمودة والرعاية ؟ فقد أغدق عليه عطفه وحنانه ، وغذاه بسمو أخلاقه وآدابه ليكون صورة عنه وممثلاً له في حياته وبعد وفاته.### التربية النبوية للإمام علیه السلام#### اشارةعنى النبي صلی الله علیه و آله و سلم عناية بالغة بتربية أخيه وابن عمه الإمام علیه السلام فغرس في أعماق ذاته صفاته الكريمة ونزعاته الشريفة حتى يحكي طباعه واتجاهاته ويقيمه من بعده


1) نهج البلاغة : 2 : 157 . العمدة : 10

علماً لأمته ورائداً لتبليغ رسالته.لقد حفلت تربية النبي صلی الله علیه و آله و سلم بجميع مقومات الارتقاء وسموّ الذات، وكان من برامجها هذه الصور الرائعة.#### 1 - نكران الذاتربِّي النبي صلی الله علیه و آله و سلم أخاه على الواقعية ونبذ الأنانية ونكران الذات ، وكان من بين ذلك أنّ الإمام الال الطرق باب النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فقال الرسول : مَنْ هذا ؟فقال علي علیه السلام أنا يا رَسُولَ اللهِ.صلى الله وكره النبي صلی الله علیه و آله و سلم كلمة « أنا » من الإمام الله والتي تخلو من التعظيم لقائلها ، فجعل يقول له : « أنا ، أنا » وفهم الإمام كراهة النبي لهذه الكلمة ، فلم يفه بها بعد ذلك(1.)وتكشف هذه البادرة عن سموّ التربية الإسلامية التي أمدّت الحياة بالاشراق والنهوض.وظلّ الإمام متأثراً بهذه التربية الرفيعة طيلة حياته ، ففي أيام حكومته وقيادته للأمة نبذ نبذاً تاماً جميع مظاهر الحكم والسلطان التي تلازمها الأبهة والاستعلاء على الناس ، وعامل نفسه كبقية أفراد الشعب لا ميزة له عليهم ، وقد روى المؤرّخون أنه اجتاز على أهل المدائن فأقاموا له مهرجاناً شعبياً وذبحواله الذبائح فنفر من ذلك وخاطبهم أنه كأحدهم ، ومنع جيشه من أكل لحوم الذبائح حتى يعطي أهلها ثمنها (2، وهكذا كان علي صورة لا ثاني لها في تاريخ البشرية على الإطلاق سوى الرسول صلی الله علیه و آله و سلم.)


1) حياة الحيوان / الجاحظ : 1 : 337.

2) بحار الأنوار: 77 : 45 .

#### 2 - التحلى بالصفات الكريمةمن ألوان التربية الإسلامية المشرقة التي غذّى بها النبي صلی الله علیه و آله و سلم الإمام أمير المؤمنين الله هذه الكوكبة من الأحاديث التربوية ، وهي:- قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: يا عَلِيُّ ، ثَلاثٌ مِنْ مَكارِمِ الْأَخْلاقِ : تَصِلُ مَنْ فَطَعَكَ :« وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ »(1.)إنّ هذه الخصال الكريمة تسمو بالإنسان وترفع مستواه إلى أرقى ما يصل إليه من كمال النفس.- قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: « يا عَلِيُّ ، سَيِّدُ الْأَعْمَالِ ثَلاثُ خِصَالٍ : إِنْصافُكَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ، وَمواساة الأخ في الله عَزَّ وَجَلَّ ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَبارَكَ وَتَعالى على كُلِّ حال »(2.)إنّ هذه الصفات الرفيعة هي أسس الفضائل التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها .قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: « يَا عَلِيُّ ، ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنْ حَقَائِقِ الْإِيْمَانِ : الْإِنفَاقُ فِي الْإِقْتَارِ ، وَإِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ ، وَيَذْلُ الْعِلْمِ لِلْمُتَعَلَّم »(3.)بهذه الصفات الكريمة ربّى النبي صلی الله علیه و آله و سلم أخاه وابن عمه وياب مدينة علمه ليكون أنموذجاً رائعاً للمسلمين.- قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: « يا عَلِيُّ ، أَوْصِيكَ بِوَصِيَّةٍ فَاحْفَظْهَا فَلَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا حَفِظْتَ وَصِيَّتِي.يا عَلِيُّ ، مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِمْضَائِهِ أَعْقَبَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْناً وَإِيْمَاناً


1) بحار الأنوار: 77 : 44 .

2) الكافي : 2 : 145

3) الخصال : 1 : 124 .

يَجِدُ طَعْمَهُ »(1)أرأيتم هذه التعاليم التربوية التي تجعل الإنسان في اطار من الفضيلة والسلامة من كثير من الأزمات والمصاعب؟- قال صلی الله علیه و آله و سلم: يا عَلِيُّ ، ثَلَاثٌ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِهِنَّ فَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ:مَنْ أَتَى اللَّهَ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ ، وَمَنْ وَرِعَ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ مِنْ أَوْرَعَ النَّاسِ ، وَمَنْ قَيْعَ بِما رَزَقَهُ اللهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ»(2.)إن من يطبق على حياته هذه الخصال الكريمة فهو من أفضل الناس ومن أكثرهم طاعة الله تعالى وقرباً منه.- قال صلی الله علیه و آله و سلم:« يا عَلِيُّ ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَذْهَبَ بِالْإِسْلَام نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةَ له وَتَفَاخُرَهُمْ بِآبَائِهِمْ، أَلَا وَإِنَّ النَّاسَ مِنْ آدَمَ ، وَآدَمُ مِنْ تُرابٍ ، وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاهُمْ »(3.)إن هذه الوصية من أرقى تعاليم الإسلام ، فقد هدمت الحواجز بين الناس ، وألغت الفوارق والتفاضل بالأنساب، وجعلت التفاوت بينهم بالتقوى والعمل الصالح الذي أعظم رصيد للإنسان يميّزه عن غيره ويشرفه عليه.- من الوصايا الرفيعة التي عهد بها النبي صلی الله علیه و آله و سلم للإمام علیه السلام قوله : « يا عَلِيُّ ، ثَلاثَةٌ تَحْتَ ظِلُّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيامَةِ : رَجُلٌ أَحَبَّ لِأَخِيهِ ما أَحَبَّ لِنَفْسِهِ ، وَرَجُلٌ بَلَغَهُ أَمْرٌ فَلَمْ يُقْدِمُ فِيهِ وَلَمْ يَتَأَخَّرْ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ذلِكَ الْأَمْرَ لِلَّهِ رضى أَوْ سَخَطُ ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعِبْ أَخَاهُ بِعَيْبٍ حَتَّى يُصْلِحَ ذلِكَ الْعَيْبَ مِنْ نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ كُلَّما أَصْلَحَ مِنْ نَفْسِهِ عَيْباً بَدا لَهُ مِنْهَا آخَرُ؛


1) الخصال: 2 32. بحار الأنوار: 77 : 46 .

2) بحار الأنوار 77 : 51 . الفقيه : 4 : 358 .

3) الفقيه : 4 : 362 . بحار الأنوار: 77: 53 .

وَكَفَىٰ بِالْمَرْءِ فِي نَفْسِهِ شُغْلاً»(1)ما أروع هذه الصفات التي يسمو بها الإنسان إلى أرقى مستويات الرشد والكمال ... وقد تغذى بها الإمام علیه السلام فكانت من برامج حياته.هذه بعض الخصال الكريمة التي أوصى بها النبي صلی الله علیه و آله و سلم أخاه وابن عمه لتكون له منهجاً في سلوكه مع غيره ، وهي أحد برامج التربية النبوية للإمام علیه السلام ، وقد ذكرنا الكثير منها في مسند الإمام علي علیه السلام.#### 3- الاجتناب عن الصفات المذمومةحذر النبي صلی الله علیه و آله و سلم الإمام علیه السلام من بعض الصفات والخصال التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق ، وهذه بعضها:- قال : « يا عَلِيُّ ، أَنْهَاكَ عَنْ ثَلَاثِ خِصَالِ : الْحَسَدِ ، وَالْحِرْصِ ، وَالْكِبْر »(2.إن هذه الخصال من مآثم الحياة ، ولا يتصف بها الشريف .)- قال صلی الله علیه و آله و سلم :« يَا عَلِيُّ ، مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ ، أَوْ يُجَادِلَ بِهِ الْعُلَمَاءَ ، الله أَوْ لِيَدْعُوَ النَّاسَ إِلى نَفْسِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْل النَّار»(3)إن طلب العلم ينبغي أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى غير مشوب بالأغراض الدنيئة ، أما إذا كان مشفوعاً بأغراض لا تمت إلى الواقع بصلة فإنّه يكون نقمة عليه عند الله تعالى ، وقد ألمح إليها الحديث وهي :1 - طلب العلم لمماراة السفهاء والتغلب عليهم وإبراز قابليات الشخص ، فإن ذلك ينم عن مرض النفس وبعدها عن الله تعالى


1) بحار الأنوار: 77: 62

2) الفقيه : 4 358 . بحار الأنوار: 77: 52 .

3) من لا يحضره الفقيه : 4 : 362 . بحار الأنوار: 5477 .

2 - طلب العلم لمجادلة العلماء وإظهار الشخص أمام المجتمع بأنّه من مصاف العلماء ، أما دوافع هذه الجهة فهو حب الدنيا ، ومن المؤكد أنها مما تبعده عن الله تعالى.3 - طلب العلم لدعوة الناس إليه ، والالتفاف حوله أعاذنا الله بلطفه وفضله من ذلك .4 - من بنود التربية النبوية للإمام قوله صلی الله علیه و آله و سلم: « يا عَلِيُّ ، أَلَا أُنَبِّئُكَ بِشَرِّ النَّاسِ؟قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ.قالَ : مَنْ لَا يَغْفِرُ الذُّنْبَ ، وَلَا يُقِيلُ الْعَشْرَةَ . أَلَا أُنَبِّئُكَ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ ؟قُلْتُ: بلى يا رسول الله.قالَ : مَنْ لَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ ، وَلَا يُرْجى خَيْرُهُ»(1.)إنّ هذه الخصال الذميمة لا يتصف بها إلّا أشرار الناس وسفلة المجتمع.- من الوصايا التربوية التي غذى بها النبي صلی الله علیه و آله و سلم أخاه ولي عهده الإمام علیه السلام قوله : « يا عَلِيُّ ، إِنَّهُ لا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ ، وَلا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ ، وَلا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ ، وَلا عَمَلَ كَالتَّدْبِيرِ ، وَلا وَرَعَ كَالْكَفِّ - أي عن محارم الله - ، وَلا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ ؛ إِنَّ الْكِذْبَ افَةُ الْحَدِيثِ ، وَآفَةُ الْعِلْمِ النِّسيانُ ، وَآفَةُ السَّمَاحَةِ الْمَنُ»(2.)على ضوء هذه الحكم المشرقة التي تمثل معالي الآداب ومحاسن الأخلاق ربّى النبي له وصيه وباب مدينة علمه ليكون مثالاً له في حياته وبعد وفاته .- من معالي التربية النبوية للإمام ال قوله : ( يا عَلِيُّ ، إِيَّاكَ وَالْكِذْبَ ، فَإِنَّ الْكِذْبَ يُسَوِّدُ الْوَجْهَ ، ثُمَّ يُكتبُ عِنْدَ اللهِ كَذَاباً ، وَإِنَّ الصَّدْقَ يُبَيِّضُ الْوَجْهَ وَيُكتبُ عِنْدَ


1) بحار الأنوار: 77 : 66 .

2) بحار الأنوار: 77: 64.

الله صادِقاً : وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّدْقَ مُبارَكَ ، وَالْكِذْبَ مَشْرُومٌ(1.)إن الكذب مفتاح الشرّ ، وبه فساد الدنيا وهلاك العباد ، ويباينه الصدق فإنّه مصدر لكلّ فضيلة وسبب للنجاة من كل شر.من روائع التربية الإسلامية التي غذّى بها النبي صلی الله علیه و آله و سلم الامام علیه السلام قوله : « يا عَلِيُّ ، احْذَر الْغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ »(2.)إن النبي صلی الله علیه و آله و سلم حذر من الغيبة لأنها توجب نشر الأحقاد والضغائن بين الناس بالإضافة إلى الحطّ من شخصيّة المغتاب في المجتمع ، والإسلام يحرص كلّ الحرص على كرامة المسلم ، وأن لا ينال بسوء ، وقد ذكر الفقهاء تعريف الغيبة وتحريمها المشدّد في الإسلام ، واستثنوا من ذلك ما إذا كان المغتاب متجاهراً بالفسق والفجور فتجوز غيبته بالجهة المتجاهر بها ولا يجوز قذفه بغيرها من المعاصي . ونهى النبي الله عن النميمة ، وهي من موجبات نشر الكراهية بين المجتمع ، وقد تظافرت الأخبار عن الأئمة الا أن النمام من شرار خلق الله تعالى .- من الوصايا التربوية للنبي صلی الله علیه و آله و سلم قوله : « يا عَلِيُّ ، لَا تَغْضَبْ ، فَإِذا غَضِبْتَ فَاقْعُدْ،تَفَكَّرْ فِي قُدْرَةِ الرَّبِّ عَلَى الْعِبادِ ، وَحِلْمِهِ عَنْهُمْ ، وَإِذَا قِيلَ لَكَ اتَّقِ اللَّهَ فَانْبِذْ غَضَبَكَ وَراجِعْ حِلْمَكَ»(3)الغضب مفتاح كلّ شرّ وسبب لكلّ جريمة ، وقد حذر منه النبي صلی الله علیه و آله و سلم لأنه يؤدي إلى دمار الشخص وهلاكه ، وقد ذكر النبي الله كيفية علاجه والوقاية من شرّه ، وهو أن يتفكر الإنسان في حالة غضبه بقدرة الله تعالى عليه ، وما يعقبه الغضب من الأضرار والمفاسد.


1) تحف العقول : 14 . بحار الأنوار: 74: 67 .

2) وسائل الشيعة : 10 35 . بحار الأنوار: 77 67

3) تحف العقول: 13 . بحار الأنوار: 77: 67

- من غرر الوصايا التربوية التي عهد بها النبي صلی الله علیه و آله و سلم للإمام علیه السلام قوله:« يا عَلِيُّ ، أَنْهَاكَ أَن تَخْفِرَ عَهْداً - أي تنقض عهداً وَتُعِينَ عَلَيْهِ ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الْمَكْرِ فَإِنَّهُ لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئَ إِلَّا بِأَهْلِهِ ، وَأَنَّهاكَ عَنِ الْبَغْيِ ، فَإِنَّهُ مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لِيَنصُرَنَّهُ الله »(1.)إنّ هذه الخصال التي نهى النبي صلی الله علیه و آله و سلم عنها من موجبات سقوط الإنسان وهلاكه.- من معالم التربية للإمام علیه السلام هذه الوصية:«يا عَلِيُّ ، إِنَّ مِنَ الْيَقِينِ أَنْ لَا تُرْضِيَ أَحَداً بِسَخَطِ اللَّهِ ، وَلَا تَحْمَدَ أَحَداً بِمَا آتَاكَ اللَّهُ ، وَلا تَدمُ أَحَداً عَلى ما لَمْ يُؤْتِكَ اللهُ ؛ فإِنَّ الرِّزْقَ لا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلا يَصْرِفُهُ تَذَمَّ كَرَاهَةً كارِهِ ، إِنَّ اللَّهَ بِحُكْمِهِ وَفَضْلِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ والْفَرَجَ فِي الْيَقِينِ وَالرّضا ، وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ فِي الشَّکَّ»(2.)وبهذه الوصية الثمينة من النبي صلی الله علیه و آله و سلم الوصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين الا نطوي الحديث عن بعض معالم التربية النبوية للإمام والتي استهدفت الهلال أهدافه وقيمه التي تنشد صالح الإنسان وتطوّر حياته.وقد ذكرنا عرضاً مفصلاً لوصايا النبي صلی الله علیه و آله و سلم للإمام علیه السلام في مسنده لذا أو جزنا الحديث في هذا الموضوع.### سبقه علیه السلام للإسلاموالشيء الذي اتفق عليه المؤرخون والرواة أن الإمام علیه السلام أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم واستجاب لدعوته عن وعي وإيمان ، وقد قال علیه السلام: «لَقَدْ عَبَدْتُ اللهَ تَعالى قَبْلَ أَنْ


1) أمالي الصدوق : 2 : 210 . بحار الأنوار: 77 99.

2) المحاسن : 16 و 17 . بحار الأنوار: 77 : 68

يَعْبُدَهُ أَحَدٌ مِنْ هذه الأمة »(1)وقال : «كُنْتُ أَسْمَعُ الصَّوْتَ ، وَأَبْصِرُ الضَّوْءَ سِنِينَ سَبْعاً ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صامِت ما أُذِنَ لَهُ فِي الْإِنْدَارِ وَالتَّبْلِيغ»(2)ومعنى هذا الحديث أنّه سلام الله عليه في سنّه المبكر كان يسمع صوت جبرئيل ، ويبصر ضوءه قبل أن يبلغ النبي رسالته ويشيعها بين الناس .وقد أجمع الرواة أن الإمام لم تدنّسه الجاهلية بأوثانها ، ولم تلبسه من مدلهمات ثيابها ، فلم يسجد لصنم قط كما سجد غيره .(3)يقول المقريزي : « أمّا علي ابن أبي طالب الهاشمي فلم يشرك بالله قط ، وذلك أنّ الله تعالى أراد به الخير فجعله في كفالة ابن عمه سيّد المرسلين»(4)وقد أسلم الإمام وأسلمت معه أمّ المؤمنين الصدّيقة الطاهرة خديجة ، فقد احتضنت الإسلام وآمنت بقيمه وأهدافه، وقدّمت في سبيله جميع ما تملكه من الثراء العريض. وقد تحدّث الإمام الله عن إيمانه وإيمان خديجة بالإسلام بقوله : «وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِتُهُما».وقال ابن عباس : «كان عليّ أوّل من آمن من الناس بعد خديجة»(5)وقال ابن إسحاق : «كان عليّ أوّل من آمن بالله وبمحمد رسول صلی الله علیه و آله و سلم»(6)


1) صفة الصفوة : 1 : 162 . بحار الأنوار: 38 254

2) بحار الأنوار: 34: 255

3) تاریخ مدينة دمشق : 1 : 33 .

4) إمتاع الأسماع : 1 : 16 .

5) نهج البلاغة 1 : 119 ، الخطبة 71. بحار الأنوار: 14: 475 .

6) نهج البلاغة : 1 : 119 .

إن سبق الإمام إلى اعتناق الإسلام ممّا اتفق عليه الرواة والمؤرّخون (1، وقد كان عمره الشريف حينما أسلم سبع سنين ، وقيل : تسع سنين(2)، إلا أن التأمل في تربية النبي صلی الله علیه و آله و سلم له يقضي بأنّه أسلم في وقت مبكر من حياته.)وعلى أي حال فقد أعلن - باعتزاز وفخر - سبقه إلى الإسلام قائلاً: « أَنَا الصِّدِّيقُ الأَكْبَرُ ، وَالْفَارُوقُ الْأَوَّلُ ، أَسْلَمْتُ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ ، وَصَلَّيْتُ قَبْلَ صَلَاتِهِ»(3.)ونسب إليه من الشعر بذلك قوله:سَبَقْتُكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرّاً ***غُلَاماً ما بَلَغْتُ أَوانَ حُلْمِي(4)وشاعت هذه الكرامة للإمام في جميع الأوساط الإسلامية ، وافتخر بها خيار صحابة الإمام ، يقول هاشم المرقال في صفّين:معَ ابنِ عَمَّ أَحْمَدَ الْمُعَلِّى فِيهِ الرَّسُولُ بِالْهُدَى اسْتَهَلاأَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ وَصَلَّى فَجاهَدَ الْكُفَّارَ حَتَّى أَبْلَى(5)وقال سعيد بن قيس وهو من أفاضل أصحاب الإمام علیه السلام:هذا عَلِيٌّ وَابْنُ عَمِّ الْمُصْطَفَى ***أَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ مِمَّنْ دَعا(6)وأعلن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أن الإمام علیه السلام هو أول من آمن به ، فقد قال لأصحابه : « أَوَّلُكُمْ


1) صحيح الترمذي : : 2 : 301. الطبقات الكبرى : 3 14 ، الفصل الأوّل . كنز العمال: 6 400 . تاريخ الأمم والملوك : 2 : 50 .

2) لطائف المعارف - الثعالبي : 12 .

3) المعارف : 73. الذخائر : 58 . الرياض النضرة : 2 : 257 .

4) بحار الأنوار: 33 : 132.

5) الكامل في التاريخ : 3: 135 .

6) بحار الأنوار: 38 277

وارداً عَلَيَّ الْحَوْضَ أَوَّلُكُمْ إِسْلَاماً عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»(1.)وعلى أي حال فسبق الإمام إلى الإسلام قد اتفق عليه المسلمون ، وهو وسام شرف وفخر للإمام علیه السلام .### حبّه علیه السلام للنبي صلی الله علیه و آله و سلمكان الإمام علیه السلام يحبّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم حباً استوعب نفسه ، وأخلص له في الود أعظم ما يكون الودّ ، وقد سأله شخص عن مدى حبّه له قائلاً : كيف كان حبّكم لرسول الله ؟فأجابه الإمام علیه السلام : «كانَ وَاللهِ أَحَبَّ إِلَيْنا مِنْ أَمْوالِنَا وَأَوْلَادِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الظَّمَا»(2.)ومن المؤكد أنه ليس في الأسرة النبوية ولا في الصحابة من يضارع الإمام علیه السلام في حبّه وإخلاصه للرسول صلی الله علیه و آله و سلم ؟ وكان من مودّته له أنّه أتى حائطاً فقال له صاحبه: هل لك أن تسقيه ولك بكل دلو تمرة ، وسارع إلى سقيه فأعطاه صاحب البستان تمراً حتى ملأكفه منه ، فبادر إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم فأطعمه به (3.)### قیامه علیه السلام بخدمة النبي صلی الله علیه و آله و سلمكان الإمام علیه السلام يتولى رعاية النبي صلی الله علیه و آله و سلم والقيام بخدماته حتى أنه إذا أراد القيام بادر فأخذ بيده ، وإذا أراد أن يجلس اتكأ عليه(4.)ومن طرائف ما ينقل أن شخصاً وفد على النبي صلی الله علیه و آله و سلم يستميحه ويطلب رفده فقال


1) الغدير 3 : 21

2) خزانة الأدب : 3 : 213

3) مسند أحمد بن حنبل : 2 : 102.

4) إعلام الورى : 1 : 187 .

للإمام : يا عَلِيُّ ، اقْطَعْ لِسانَهُ عَنِّي ، ولم يفهم الشخص المراد من قول النبي الله فسار مع عليّ وقد استولى عليه الفزع والخوف ، فقال للإمام : أقاطع لساني أنت يا أبا الحسن؟فقال الإمام له : إِنِّي ماضِ لِما أُمِرْتُ بِهِ.وسار الإمام حتى انتهى به إلى إبل الصدقة فقال له : خُذْ ما أَحْيَيْتَ ، فسكن روع الرجل وفهم ما أراده النبي ، وعلّق الإمام علیه السلام على كلمة النبي صلی الله علیه و آله و سلم بقوله : أَحْسَنُ مُوارَيَةٍ سَمِعْتُها فِى كَلَام الْعَرَب(1.)وتولّى الإمام علیه السلام بإخلاص القيام بقضاء حوائج النبي ، وكان يعتلي بغلة النبي صلی الله علیه و آله و سلم الشهباء ، ويسير في شعب الأنصار لتنفيذ ما عُهد إليه (2.)### نماذج من ادعيته علیه السلام للنبى صلی الله علیه و آله و سلموالشيء المحقق أنه لم يعرف أحد من الصحابة وغيرهم مكانة النبي صلی الله علیه و آله و سلم وسمو منزلته سوى أخيه وباب مدينة علمه الإمام علیه السلام ، فقد خصه بكثير من الأدعية الحافلة بالتمجيد والتعظيم له والإشادة بفضله وعظيم شأنه ، وهذه بعضها:1 - قال علیه السلام:الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَصَلَّى اللهُ عَلى أَطْيَبِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُنتَجَبِ الْفَاتِقِ الرَّاتِقِ.اللَّهُمَّ فَخُصَّ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِالذِّكْرِ الْمَحْمُودِ ، وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ.


1) خزانة الأدب : 1 : 154 .

2) رسائل الجاحظ : 2 : 222

اللهُمَّ آتِ مُحَمَّداً صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ الْوَسِيلَةَ ، وَالرَّفْعَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَاجْعَلْ فِي الْمُصْطَفَيْنَ مَحَبَّتَهُ ، وَفِي الْعِلَّيِّينَ دَرَجَتَهُ ، وَفِي الْمُقَرَّبِينَ كَرَامَتَهُ.اللهُمَّ أَعْطِ مُحَمَّداً صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ كُلِّ كَرَامَةٍ أَفْضَلَ تِلْكَ الْكَرَامَةِ ، وَمِنْ كُلِّ نَعِيمٍ أَوْسَعَ ذَلِكَ النَّعِيمِ ، وَمِنْ كُلِّ عَطَاءٍ أَجْزَلَ ذَلِكَ الْعَطَاءِ ، وَمِنْ كُلِّ يُسْرِ أَنْضَرَ ذَلِكَ الْيُسْرِ ، وَمِنْ كُلَّ قِسْم أَوْفَرَ ذَلِكَ الْقِسْمِ حَتَّى لَا يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِكَ أَقْرَبَ مِنْهُ مَجْلِساً ، وَلَا أَرْفَعَ مِنْهُ عِنْدَكَ ذِكْرًا وَمَنْزِلَةٌ ، وَلَا أَعْظَمَ عَلَيْكَ حَقَّاً، وَلَا أَقْرَبَ وَسِيلَةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، إِمَامِ الْخَيْرِ وَقَائِدِهِ ، وَالدَّاعِي إِلَيْهِ ، وَالْبَرَكَةِ عَلى جَمِيعِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ وَرَحْمَةٍ لِلْعَالَمِينَ .اللّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ ، وَتَرَوح الرَّوْحِ ، وَقَرَارِ النِّعْمَةِ ، وَشَهْوَةِ الْأَنْفُسِ ، وَمُنَى الشَّهَواتِ ، وَنِعَم اللذّاتِ ، وَرَجَاءِ الْفَضِيلَةِ ، وَشُهُودِ الطُّمَأْنِينَةِ ، وَسُودَدِ الْكَرَامَةِ ، وَقُرَّةِ الْعَيْنَ ، وَنَضْرَةِ النَّعِيمِ ، وَبَهْجَةٍ لَا تُشْبِهُ بَهَجَاتِ الدُّنْيَا .نَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ الرَّسَالَةَ ، وَأَدَّى النَّصِيحَةَ ، وَاجْتَهَدَ لِلْأُمَّةِ ، وَأُوذِيَ فِ-ي جَنْبِكَ ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِكَ ، وَعَبَدَكَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ.اللهُمَّ رَبَّ الْبَلَدِ الْحَرَامِ ، وَرَبَّ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ، وَرَبَّ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ، وَرَبَّ الْحِلِّ وَالْحَرامِ بَلِّغْ رُوحَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ عَنَّا السَّلَامَ اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَعَلَى أَنْبِيَائِكَ ، وَرُسُلِكَ أَجْمَعِينَ.وَصَلَّ اللَّهُمَّ عَلَى الْحَفَظَةِ الْكِرامِ الْكَاتِبِينَ ، وَعَلَىٰ أَهْلِ طَاعَتِكَ مِنْ أَهْلِ

السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَأَهْلِ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَجْمَعِينَ (1.)وأنت ترى في هذا الدعاء جميع صنوف التكريم والتعظيم قد رفعها الإمام إلى سموّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ودعا له أن يبوءه الله أسمى مكانة وأعلى درجة في حظيرة القدس.2 - وكان من مظاهر تعظيم الإمام للنبي صلی الله علیه و آله و سلم لعل الله هذا الدعاء ، قال علیه السلام:اللهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ ، وَدَاعِمَ الْمَسْمُوكَاتِ ، وَجَابِلَ الْقُلُوبِ (2عَلَى فِطْرَتِهَا ، شَقِيْهَا وَسَعِيدِهَا ، اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ ، وَنَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ ، وَالْفَاتِحَ لِمَا انْغَلَقَ ، وَالْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ ، وَالدَّامِعْ جَيْتَنَاتِ الْأَبَاطِيلِ ، وَالدَّامِعْ صَوْلَاتِ الْأَضَالِيلِ ، كَمَا حَمِّلَ فَاضْطَلَعَ قائِمَا بِأَمْرِكَ ، مُسْتَوْفِرْاً فِي مَرْضَاتِكَ ، غَيْرَ نَاكِلٍ عَنْ قُدُمٍ ، وَلَا وَاهِ فِي عَزْمِ ، وَاعِياً لِوَحْيِكَ ، حَافِظاً لِعَهْدِكَ ، مَاضِياً عَلَىٰ نَفَاذِ أَمْرِكَ ، حَتَّىٰ أَوْرَىٰ قَبَسَ القَابِسِ ، وَأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ ، وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ وَالْآثَامِ ، وَأَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الْأَعْلَامِ ، وَنَيِّرَاتِ الْأَحْكَامِ، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ ، وَخَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ ، وَبَعِيتُكَ بِالْحَقِّ ، وَرَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ.)اللهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلكَ ، وَاجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ.اللّهُمَّ وَأَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ ، وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ ، وَاجْزِه مِن ابْتِعائِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ، مَرضِي الْمَقَالَةِ ، ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ،


1) تهذيب الأحكام : 3 : 83. بحار الأنوار: 20: 263 .

2) جابل القلوب : أي خالقها .

وَخُطْبَةٍ فَصْلٍ.اللهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ ، وَقَرارِ النِّعْمَةِ ، وَمُنى الشَّهَوَاتِ، وَأَهْواءِ اللَّذَاتِ ، وَرَخَاءِ الدَّعَةِ ، وَمُنْتَهَى الطُّمَانِينَةِ ، وَتُحَفِ الْكَرَامَةِ »(1.)وحفل هذا الدعاء بإحاطة الإمام ومعرفته الكاملة بالرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم، فقد أضفى عليه جميع ألوان الحفاوة والتكريم ، ودعا له بالمنزلة الكريمة التي يتبوَّؤُها في الفردوس الأعلى.### تمجيده علیه السلام للنبي صلی الله علیه و آله و سلموكان الإمام على يقين لا يخامره شك بنبوة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ورسالته ، وكان يثني عليه عاطر الثناء ، ومما قال فيه:1 - قال علیه السلام:«مُسْتَقَرُّهُ - أي النبي - خَيْرُ مُسْتَقَرٌّ ، وَمَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ ، فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ ، وَمَمَاهِدِ السَّلَامَةِ ؛ قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ، وَتُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ، دَفَنَ اللَّهُ بِهِ الصَّغَائِنَ ، وَأَطْفَا بِهِ التَّوَائِرَ أَلْفَ بِهِ إِخْوَاناً ، وَفَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً ، أَعَزَّ بِهِ الذُّلَّةَ ، وَأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ . كَلَامُهُ بَيَانٌ ، وَصَمْتُهُ لِسَانٌ »(2)ونرى في هذه الكلمات جميع ألوان التعظيم والتمجيد الشخصية الرسول صلی الله علیه و آله و سلم الذي ما عرفه سوى باب مدينة علمه .2 - قال علیه السلام:


1) نهج البلاغة : 1 : 100 و 101 . بحار الأنوار: 91 : 83

2) نهج البلاغة : 1 : 141 . بحار الأنوار: 16 : 380

«ابْتَعَثَهُ - أي النبي - بِالنُّورِ الْمُضِيءِ ، وَالْبَرْهَانِ الْجَلِيِّ ، وَالْمِنْهَاجِ الْبَادِي - ، وَالْكِتَابِ الْهَادِي . أَسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةِ ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ ؛ أَعْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ ، وَثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ. مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيِّبَةَ عَلَا بِهَا ذِكْرُهُ وَامْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ . أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ ، وَمَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ ، وَدَعْوَةٍ مُتَلَافِيَةٍ ، أَظْهَرَ بِهِ الشَّرائِعَ الْمَجْهُولَةَ ، وَقَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ ، وَبَيْنَ بِهِ الأَحْكَامَ الْمَفْصُولَة (1. فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً تَتَحَقَّقْ شِفْوَتُهُ ، وَتَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ ، وَتَعْظُمْ كَبْوَتُهُ ، وَيَكُنْ مَابَهُ إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ وَالْعَذَابِ الْوَبِيلِ»(2))وحكت هذه الكلمات ما يحمله الإمام علیه السلام من صنوف التعظيم والاكبار للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ومن المقطوع به أنه ليس في أسرة النبي ولا في أصحابه من فهم حقيقته وأحاط به علم سوى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام.... هذه بعض كلماته في حق الرسول صلی الله علیه و آله و سلم.### كتابته علیه السلام للوحيوتظافرت الأخبار أن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ما كان يكتب الوحي المنزل على عبد ورسوله محمد صلی الله علیه و آله و سلم (3، فقد كتب الكثير من الوحي وسور القرآن الكريم ، كما أنه أوّل من نقط المصاحف(4)، ومن الجدير بالذكر أنّه تعلم الكتابة وهو في دور الصبا (5).)


1) المفصولة : أي المفصلة

2) نهج البلاغة : 2 : 229

3) الاستيعاب ( المطبوع على هامش الإصابة ) : 1: 30.

4) مفتاح السعادة : 1 : 89

5) الفصول المختارة : 2 : 66 .

### كتابته علیه السلام لعهود الرسول صلی الله علیه و آله و سلمكان الإمام علیه السلام يكتب عهود الرسول وصلحه ، فقد كتب لأهل نجران وغيرهم ما سجّله النبي صلی الله علیه و آله و سلم لهم (1، ولما صالح رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أهل الحديبية كتب الإمام علیه السلام بينهم كتاباً جاء فيه : « محمد رسول الله » .)فقال المشركون : لا تكتب محمداً رسول الله ، لو كنت رسولاً لم نقاتلك .فقال النبي الله لعلي:امْحُهُ.فقالَ:مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحُوهُ ، فمحاه النبي بيده.قال : وكان فيما اشترطوا أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثاً. ولا يدخلها بسلاح إلا جلبان السلاح ، فسألوه : وما جلبان السلاح ؟قال : القِراب وما فيه(2)ومن الجدير بالذكر أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كان يتفقد مقاطع الكلام التي كان يكتبها الإمام كتفقد المصرم صريمته(3)### تحطيمه علیه السلام للأصناموظاهرة أخرى من سيرة الإمام واتجاهاته كراهته البالغة للأصنام وبغضه الشديد لها ، وكان يسعى إلى تدميرها قبل أن يشرق نور الإسلام ، كما فعل جده شيخ الأنبياء إبراهيم الالها بأصنام الجاهلية وأوثانها ، وكان الله ومعه أسامة يجمعان القمامة وأوساخ البيوت وقاذوراتها ويلقونها على أصنام قريش في غلس الليل ، فإذا


1) صبح الأعشى : 1 : 65 .

2) صحيح البخاري كتاب الصلح:168 . صحيح مسلم - كتاب الجهاد : 3: 1410 .

3) الصناعتين : 431 . إيضاح الوقف والابتداء : 231

أصبحت قريش ورأت أصنامها ملوّثة رفعت أصواتها بألم وعنف قائلة : من فعل هذا بالهتنا ، وأنفقوا نهارهم على غسلها بالماء (1. وقد شاركه النبي صلی الله علیه و آله و سلم في تحطيم بعض الأصنام ، فقد تحدث الإمام علیه السلام عن ذلك قائلاً:)«انْطَلَقْتُ أَنا وَالنَّبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَيْنَا الْكَعْبَةَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : اجْلِسُ ، وَصَعَدَ عَلَى مَنْكِبَيَّ فَذَهَبْتُ لِأَنْهَضَ بِهِ فَرَأَى مِنِّي ضَعْفاً ، فَجَلَسَ وَارْتَقَيْتُ عَلَىٰ مَنْكِبِهِ فَنَهَضَ بِي وَيُخَيَّلُ لِي أَنْ لَوْ شِئْتُ لَئِلْتُ أَفْقَ السَّمَاءِ حَتَّى صَعَدْتُ عَلَى الْبَيْتِ وَعَلَيْهِ تِمْثالُ صِفْرِ فَجَعَلْتُ أزاوِلُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ حَتَّىٰ تَمَكَّنْتُ مِنْهُ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : اقْذِفْ بِهِ ، فَقَذَفْتُ بِهِ فَتَكَسَّرَ كَما تَتَكَسَّرُ الْقَوارِيرُ ، ثُمَّ نَزَلْتُ ، فَانْطَلَقْتُ أَنا وَرَسُولُ اللَّهُ نَسْتَبِقُ حَتَّى تَوارَيْنا خَشْيَةَ أَنْ يَلْقَانا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ»(2.)ومن بين الأصنام التي حطمها الإمام ما يلي:1 - مناة : أقامت العرب صنم مناة وكانت تعظمه وتعزّه ، فانبرى إليه الإمام علیه السلام فهدمه(3.)2 - صنم طيّ : كان لطي بجبلي طي فمضى إليه الإمام فحطّمه وأزاله ووجد في مكانه سيفين : اسم أحدهما الرسوب ، واسم الآخر المخدم فحملهما الإمام إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم فوهبهما له (4.)3 - أصنام مكة : ولما فتح الله تعالى لعبده ورسوله محمد له الفتح المبين واحتل مكة ، وكان قد علق على الكعبة المقدّسة ثلاثمائة صنم أو يزيد عليها


1) جواهر المطالب : 1 : 267 .

2) صفة الصفوة : 1: 163 . مسند أحمد بن حنبل : 1 : 84 .

3) خزانة الأدب : 7 : 224 .

4) الروض المعطار : 467. المفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام : 4: 454 .

اتخذتها القبائل آلهة يعبدونها من دون الله تعالى ، كان منها نائلة وأساف ومناف وذو الخلصة وذو الكنى وذو الشرى والأقيصر ونهم وسمير وغيرها (1، وكان زعيم تلك الأصنام ( هبل ) وهو إله أبي سفيان أبو معاوية وجد يزيد ، وكان من نحاس ، وقد أوتد بأوتاد من حديد ، فصعد الإمام علیه السلام على منكبي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فعالجه حتى تمكن ورمى به إلى الأرض والنبي صلی الله علیه و آله و سلم يتلو قوله تعالى : (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً )(2).)ثم قذف الإمام علیه السلام ببقية الأصنام وبذلك تطهر البيت الحرام من أصنام قريش وأوثانها ، فقد حطمها بطل الإسلام وقائد المسيرة الإسلامية نحو التحرر ، وقد تفتحت آفاق الفكر العربي وانتبه الناس إلى ضلالها . يقول زيد بن نوفل :تَرَكْتُ اللَّاتَ وَالْعُزّى جَمِيعاً كَذلِكَ يَفْعَلُ الْجَلْدُ الصبورفَلَا الْعُزَى أُدِينُ وَلَا ابْنَتَيْها وَلَا صَنَمَيْ بَنِي غَنْم أَزُورُوَلَا هُبَلاً أَزُورُ وَكانَ رَبِّاً ***لنا في الدُّهْرِ إِذْ حِلْمِي صَغِيرُ (3)### نقش خاتم الإمام علیه السلامولشدّة تعلّق الإمام علیه السلام بالله تعالى فقد كتب على خاتمه « الله الملك »(4)### اجتنابه علیه السلام للخضابولم يخضب الإمام علیه السلام كريمته الشريفة لقول النبي صلی الله علیه و آله و سلم له : « إِنَّها تُخَضَّبُ مِنْ دَمِ


1) مستدرك الحاكم : 2 : 366 .

2) مستدرك الحاكم :2 366 الإسراء 17 : 81

3) القاموس الإسلامي : 4 : 347 .

4) جواهر المطالب : 295

رَأْسِهِ » (1، لقد آثر الخضاب بدم رأسه الشريف في سبيل الله تعالى .)### دار سکناه علیه السلامولما كان الإمام علیه السلام في مكة ، كان مقيماً مع أبيه أبى طالب في بيته ، ومحله معروف في الأوساط المكية ، وعندما هاجر الإمام علیه السلام إلى يثرب بنى له النبي صلی الله علیه و آله و سلم بيتاً مجاوراً للجامع النبوي الشريف وفتح له باباً عليه ، ولما أمر النبي صلی الله علیه و آله و سلم بإغلاق الأبواب المتصلة بالجامع استثنى منها باب بيت الإمام لا تكريماً وتعظيماً له.ولما انتقل الإمام علیه السلام إلى الكوفة واتخذها عاصمة له لم يسكن في قصر الإمارة الذي بُني مقراً لرئيس الدولة أيام عمر ، فقد امتنع من سكناه وقال : « قَصْرُ الْخَيالي لَا أَسْكُنُ فِيهِ »(2، وجلس في بيت ابن أخته ، ثم رحل عنه ، وبنى له بيتاً من الطين في الكوفة ، وأحاطه بغرف من القصب ...)وبهذا العرض ينتهي بنا الحديث عن نشأته ، وسنذكر المزيد من شؤونه في البحوث الآتية.


1) وسائل الشيعة : 1 : 499 .

2) بحار الأنوار : 32: 355 وقعة صفين : 5 ، وفيه : « قَصْرُ الْخَبَالِ لَا تُنْزِلُونِيه ) .

## عَنَّاصِرُهُ النَّفْسَيَةُ### اشارة

ما من صفة كريمة أو نزعة شريفة يمتاز بها الإنسان ويسمو بها على غيره من الكائنات الحيّة إلا وهي من ذاتيات الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، ومن عناصره الفذة التي لا يضارعه فيها أحد سوى أخيه وابن عمه الرسول محمد صلی الله علیه و آله و سلم.لقد كان هذا الإمام الملهم العظيم بمكوّناته النفسية والفكرية دنيا من الكمال والفضائل التي لا حد لأبعادها ..إنّه هبة الله تعالى لهذه الأمة مرشداً وهادياً بعد أخيه الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم ، فقد وهبه الله تعالى من الامتيازات والخصائص ، وفضله على كثير من خلقه تفضيلاً، وليس في ذلك أي غلوّ ، فإنّ كلّ من يقرأ سيرته ويلم ببعض أحواله وشؤونه يؤمن بما ذكرناه .وعلى أي حال ، فإنّا نلمح بإيجاز إلى بعض خصائصه ومكوّناته النفسية وهي:### إيمانه علیه السلام الوثيق بالله تعالىوالظاهرة الفذة التي تميّز بها الإمام لا أنه كان من أعظم المسلمين إيماناً بالله تعالى ، ومن أكثرهم معرفة به ، وهو القائل : « لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ لِي مَا ازْدَدْتُ يقيناً».ومعنى ذلك أنه لو تجلى له الله تعالى بعظمته ورآه لما زاده ذلك يقيناً بمعرفته والإيمان به ، وقد ناجى الله تعالى بإيمان قائلاً: « إلهِي مَا عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ عِقابِكَ ،

وَلَا طَمَعاً فِي ثَوَابِكَ ، وَلكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلاً لِلْعِبادَةِ فَعَبَدْتُكَ »(1.)إن هذا هو منتهى الإيمان ، فقد كانت عبادته الله تعالى عبادة المنيبين والعارفين لا عبادة تقليدية .وقد أثرت عنه من الخطب والكلمات القصار في توحيد الله تعالى وتعظيمه وتنزيهه عن الشريك وغيره ما لم يؤثر عن غيره من ملوك المسلمين وزهادهم وعلمائهم .. إنّه داعية الله تعالى الأكبر بعد أخيه وابن عمه الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، فقد وهب حياته الله تعالى ، وجاهد في سبيله أعظم ما يكون الجهاد ، وكانت جميع أعماله خالصة لوجه الله تعالى لا يشوبها أية شائبة من أغراض الدنيا ومتعها التي يؤول أمرها إلى التراب ، وذكر المؤرّخون عنه أنه حينما صرع عمرو بن عبد ود العامري فارس العرب لم يجهز عليه لأنّه قد سبّه وأغلظ في شتمه ، فغضب من ذلك ، ولما سكن غضبه أجهز عليه ، وقد سئل عن السبب في تأخيره لقتله ، فأجاب : « إِنِّي ما أَحْبَبْتُ قَتْلَهُ انْتِقاماً لِسَبِّهِ لِي فَيَفُوتَ مِنِّي الْأَجْرُ وَالتَّوابُ ، فَلَمَّا سَكَنَ غَضَبِي أَجْهَزْتُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعالى».وهكذا كانت جميع أعماله وصنوف جهاده خالصة لوجه الله تعالى ، لم يبتغ فيها إلا رضا الله تعالى ، وقد ولج في أعنف الحروب وأشدّها محنة وأقساها بلاءً دفاعاً عن دين الله ونصرةً لنبى الله صلی الله علیه و آله و سلم.### إنابته علیه السلام الله تعالىكان الإمام علیه السلام من أعظم المنيبين الله تعالى ، ومن أكثرهم خوفاً منه ، وقد حدث أبو الدرداء عن شدة إنابته الله تعالى ، قال : « شهدت علي بن أبي طالب علیه السلام بشويحطات النجّار وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممّن يليه واستتر بمغيلات


1) بحار الأنوار: 14:41 .

النخل ، فافتقدته ، وبعد على مكانه .فقلت : لحق بمنزله ، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجيّة ، وهو يقول : إِلهِي كَمْ مِنْ مُوبِقَةٍ حَلُمْتَ عَن مُقابَلَتِها بِنِقْمَتِكَ ، وَكَمْ مِنْ جَرِيرَةٍ تَكَرَّمْتَ عَنْ كَشْفِهَا بِكَرَمِكَ ، إلهِي إِنْ طَالَ فِي عِصْيائِكَ عُمُرِي ، وَعَظُمَ فِي الصُّحُفِ ذَنْبِي ، فَما أَنَا بِمُؤَمِّلِ غَيْرَ غُفْرائِكَ ، وَلَا أَنَا بِراجٍ غَيْرَ رِضْوانِكَ .وذهل أبو الدرداء ، وهام في تيارات من خشية الله ، وراح يفتش عن صاحب هذا الصوت ، ولم يلبث حتى عرفه ، وإذا به إمام المتقين علي بن أبي طالب الله ، فاستتر أبو الدرداء ليسمع بقية مناجاة الإمام ، وراح الإمام يصلّي ، فلما فرغ من صلاته توجّه بقلب منيب إلى الدعاء والبكاء من خشية الله تعالى ، وكان مما ناجى به الله تعالى قوله : إِلهِي أَفَكِّرُ فِي عَفْوِكَ فَتَهُونُ عَلَيَّ خَطِيئَتِي، ثُمَّ أَذْكُرُ الْعَظِيمَ مِنْ أَخْذِكَ فَتَعْظُمُ عَلَيَّ بَلِيَّتِي .ثمّ قال : أَو إِنْ أَنَا قَرَأْتُ فِي الصُّحُفِ سَيِّئَةٌ أَنا ناسِيها وَأَنْتَ مُحْصِيها ، فَتَقُولُ : خُذُوْهُ ، فَيا لَهُ مِنْ مَأْخُوذ لا تُنْجِيْهِ عَشِيرَتُهُ ، وَلَا تَنْفَعُهُ قَبِيلَتُهُ ! يَرْحَمُهُ الْمَلَأُ إِذا أَذِنَ فِيهِ بِالنَّداءِ ... أو مِنْ نارٍ تُنْضِحُ الْأَكْبَادَ وَالْكُلَى آهِ مِنْ نَارٍ نَزَاعَةٍ لِلشَّوىٰ ! آهِ مِنْ غَمْرَةٍ مِنْ مُلْهِباتِ لَظَى .يقول أبو الدرداء : ثم انفجر الإمام علیه السلام باكياً وخمد صوته ، فسارعت إليه فوجدته كالخشبة الملقاة فحرّكته فلم يتحرّك ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، مات والله عليّ بن أبي طالب ، فبادرت مسرعاً إلى بيته أنعاه إلى أهله ، فقالت زهراء الرسول سلام الله عليها : يا أبا الدَّرْداءِ ، ما كانَ مِنْ شَأْنِهِ ؟فأخبرتها بما رأيته ، فقالت سيدة النساء : هِي وَاللهِ يا أَبَا الدُّرْداء الْغَشْيَة الَّتي تَأْخُذُه مِنْ خَشْيَةِ اللهِ .

ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ، ونظر إلي وأنا أبكي فقال لي : مِمَّ بُكَاؤُكَ يا أبا الدرداء ؟فقال أبو الدرداء : ممّا أراه تنزله بنفسك .فأجابه الإمام وهو غارق بالخشية من الله قائلاً: يا أبا الدَّرْدَاءِ ، كَيْفَ لَوْ رَأَيْتَنِي وَقَدْ دُعِيَ بِي إِلَى الْحِسَابِ ، وَأَيْقَنَ أَهْلُ الْجَرَائِمِ بِالْعَذَابِ ، وَاحْتَوَشَتْنِي مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ ، وَزَبانِيَةٌ فِظَاظٌ ، فَوَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْجَبَارِ ، قَدْ أَسْلَمَنِي الْأَحْيَاءُ ، وَرَحِمَنِي أَهْلُ الدُّنْيا ، لَكُنْتَ أَشَدَّ رَحْمَةً لِي بَيْنَ يَدَيْ مَنْ لَا تَخْفَىٰ عَلَيْهِ حَافِيَةٌ .ووبهر أبو الدرداء ممّا رآه من إنابة الإمام وخشيته من الله تعالى وراح يقول : والله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم »(1.)أرأيتم هذا الإيمان الذي يمثل التقوى والخشية من الله تعالى ؟ لقد كان هذا الإمام العظيم في جميع فترات حياته قد تعلّق قلبه وفكره بالله تعالى ، وسعى لكلّ ما يقربه إليه زلفى.ومما قاله ضرار لمعاوية في وصفه للإمام : « ولو رأيته في محرابه ، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قابض على لحيته يتململ تململ السليم (2ويبكي بكاء الحزين ، وهو يقول : يا دنيا ، إِلَيَّ تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ ؟)هيهاتَ هَيْهاتَ ، لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ ، أَبَتُكِ ثَلَاثَاً (3لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْكِ)ثم يقول : أو أو لِبعْدِ السَّفَرِ ، وَقِلَّةَ الزَّادِ ، وَخُشُونَةِ الطَّرِيقِ.


1) أمالي الصدوق : 48 و 49. بحار الأنوار: 41: 11 و 12

2) السليم : من لدغته الحيّة .

3) أبنتك : أي طلقتك طلاقاً بائناً.

وتأثر معاوية وقال : حسبك يا ضرار ، كذلك والله كان عليّ (1.)وروی نوف شدّة خشيته من الله تعالى ، قال : «بت ليلة عند أمير المؤمنين علیه السلام فكان يصلّي الليل كله ، ويخرج ساعة بعد ساعة ، فينظر إلى السماء ، ويتلو القرآن ، قال : فمرّ بي بعد هدء من الليل فقال : يا نَوْفُ ، أَراقِدٌ أَنْتَ أَمْ رامِقٌ ؟قال نوف : بل رامق أرمقك ببصري يا أمير المؤمنين.فالتفت إليه الإمام علیه السلام وهو يقول بصوت خافت : يَا نَوْفُ ، طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا ، الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ ، أولئِكَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً ، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً ، وَمَاءَهَا طِيباً ، وَالْقُرْآنَ دِثَاراً ، وَالدُّعَاءَ شِعَاراً ، وقَرَضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْرِيضاً ، عَلَى مِنْهَاج عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ . إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ : قُلْ لِلْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَدْخُلُوا بَيْتاً مِنْ بُيُوتِي إِلَّا بِقُلُوبٍ طَاهِرَةً ، وَأَبْصَارِ خَاشِعَةٍ ، وَأَكُفِّ نَقِيَّةٌ ، وَقُلْ لَهُمْ: اعْلَمُوا أَنِّي غَيْرُ مُسْتَجِيبٌ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ دَعْوَةٌ وَلِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِي قِلَبَهُ مَظْلِمَةٌ ... »(2.)إن هذه الإنابة تبهر العقول، إنّها إنابة العارفين بالله تعالى الذين ملئت نفوسهم إيماناً وخشية وإخلاصاً الله تعالى ، ولا شك في أن الإمام الله هو إمام المتقين وسيد العارفين الذي غذاه النبي صلی الله علیه و آله و سلم بإيمانه وتقواه ، فصار صورة صادقة عنه.وقد روى المؤرّخون صوراً مذهلة عن خشية الإمام علیه السلام وإنابته إلى الله تعالى ، فقد رووا أنه حينما كان في أشدّ الأهوال وأعنفها في صفّين كان يقيم الصلاة في وسط المعركة وسهام الأعداء تأخذه يميناً وشمالاً ، وهو غير حافل بها لأنّ مشاعره وعواطفه قد تعلّقت بالله تعالى(3.)


1) بحار الأنوار: 41 : 15 . أمالي الصدوق : 724

2) بحار الأنوار: 41 : 16 . الخصال : 1 : 164 .

3) وقعة صفين : 133 .

وكان الإمام زين العابدين وسيد الساجدين علي ابن الحسين علیه السلام إذا أخذ كتاب عليّ ونظر ما فيه من عبادته قال : مَنْ يُطِيقُ هذا ، خصوصاً في حال صلاته فإنّه يتغيّر لونه . وما أطاق أحد أن يعمل مثل عبادته إلا عليّ بن الحسين علیه السلام (1.)وقد أبو جعفر ، قال : « دَخَلْتُ عَلى أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَإِذَا هُوَ قَدْ بَلَغَ الْعِبادَةِ ما لَمْ يَبْلَغْهُ أَحَدٌ ، قَدِ اصْفَرَّ لَوْنُهُ مِنَ السَّهَرِ ، وَرَمَضَتْ عَيْناهُ مِنَ الْبُكاءِ ،وَدَبَرَتْ جَبْهَتُهُ ، وَانْخَرَمَ أَنْفُهُ مِنَ السُّجودِ ، وَوَرِمَتْ ساقاهُ وَقَدَماهُ مِنَ الصَّلاةِ .قالَ أَبو جَعْفَرٍ : فَلَمْ أَمْلِكُ نَفْسي حِينَ رَأَيْتُهُ بِتِلْكَ الْحَالَةِ وَهُوَ يَبْكي فَبَكَيْتُ رَحْمَةً لَهُ . فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقالَ : أَعْطِنِي بَعْضَ تِلْكَ الصُّحُفِ الَّتي فيها عِبادَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَأَعْطَيْتُهُ فَقَرَأَ فِيها شَيْئاً يَسيراً ، ثُمَّ تَرَكَهَا مِنْ يَدِهِ تَضَحُراً ، وَقالَ: مَنْ يَقْوىٰ عَلَى عِبَادَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالب (2.)### العصمة من الذنوبوظاهرة أخرى من نزعات الإمام علیه السلام وذاتياته العصمة من كل إثم ورجس ، فلم يقترف - بإجماع المؤرّخين - أي ذنب أو خطيئة ، ولم يشذ عن سنّة رسول له صلی الله علیه و آله و سلم في هديه وسلوكه . وقد حاول ابن عوف بعد اغتيال عمر أن يقلده الخلافة وشرط يسير بسيرة الشيخين في حكومته فأبى وامتنع ، وأصرّ على متابعة الكتاب والسنّة ، ولو كان من عشاق المُلك وهواة السلطان لأجاب إلى ذلك ، ولما أصر عليه الخوارج أن يعلن التوبة لينضموا تحت لوائه فأبى لأنّهم هم الذين اقترفوا الإثم وأرغموا الإمام علیه السلام على قبول التحكيم ، ولو كان يروم السلطة لأجابهم إلى ذلك.الله وعلى أي حال فقد صدرت منه مجموعة من الكلمات تدل - بوضوح -على


1) روضة الكافي : 8 163 . وسائل الشيعة : 1: 63.

2) الإرشاد : 271. بحار الأنوار :37 17 . وسائل الشيعة 1: 68 .

عصمته ، كان منها ما يلي:1 - قال : « وَاللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا ، عَلَىٰ أَنْ أَعْصِيَ اللهَ جُلْبَ شَعِيرَةٍ في نَمْلَةٍ أَسْلُبُها ، ما فَعَلْتُهُ »(1.)وهذه هي العصمة التي تقول بها الشيعة ، وتُضفيها على أئمتهم.2 - قال : « وَالله لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ(2مُسَهْداً ، أَوْ أَجَرٌ فِي الْأَغْلَالِ مُصَفَّداً ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ ، وَغَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ »(3.)أليست هذه هي العصمة ؟أليست هذه هي الطهارة من الرجس وآثام الحياة ؟أليست هذه هي ملكة العدالة التي تبلغ بالإنسان إلى قمة الإيمان والتقوى ؟3 - قال : ( وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أُرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةٌ يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ (4. وَلَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ ، إِلَى مُصَفّى هَذَا الْعَسَلِ، . وَلُبَابِ هَذَا الْقَمْح ، وَنَسَائِجِ هَذَا الْقَزَّ . وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيْرِ الْأَطْعِمَةِ - وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْضِ، وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشَّبَع - أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْنَىٰ وَأَكْبَادٌ حَرَّى ، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:)


1) نهج البلاغة : 3: 135 .

2) الحسك : الشوك)السعدان : نبت له شوك ترعاه الإبل .

3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 80

4) المزلق : الصراط .

وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ ***وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدُأَقْتَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ : هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا أَشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ ، أَوْ أَكُونَ أَسْوَةٌ لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْش ! »(1)أليس هذا هو نكران الذات الذي هو عين العصمة من كل إثم من مآثم الحياة .4 - قال : « وَاللهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ »(2)فإذا كانت الدنيا عنده بهذه الحقارة والضعة كيف يقترف الذنوب للظفر بملاذها وخيراتها .5 - قال علیه السلام: « وَإِنِّي لَعَلَىٰ بَيِّنَة مِنْ رَبِّي ، وَمِنْهَاجٍ مِنْ نَبِنِّي ، وَإِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ لها : الْوَاضِح الْقُطُهُ لَقْطاً»(3.)لقد كان على الطريق الواضح الذي لا التواء ولا منعطفات فيه ، وهو عين التي هي من ذاتيات الإمام علیه السلام.6 - قال علیه السلام : « مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذَّبْتُ ، وَلَا ضَلَلْتُ وَلَا ضُلَّ بي »(4)7- قال علیه السلام : « إِنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللهِ وَلَا عَلَىٰ رَسُولِهِ سَاعَةٌ قَطُّ »(5)8 - قال علیه السلام : « فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِل »(6.)


1) نهج البلاغة : 3 : 71 و 72. بحار الأنوار: 40 : 340 .

2) نهج البلاغة : 4 : 52 ، الخطبة 236. بحار الأنوار: 40: 337

3) نهج البلاغة : 1 : 189 . بحار الأنوار : 34: 81.

4) نهج البلاغة : 4 : 43 . بحار الأنوار: 30 : 67.

5) نهج البلاغة : 2 : 171 . بحار الأنوار: 34: 108.

6) نهج البلاغة : 2 : 171. بحار الأنوار: 34 : 108

وتجسّدت العصمة بجميع صورها ومفاهيمها في أقوال الإمام وسلوكه ونزعاته.### زهده علیه السلام#### اشارةمن ذاتيات إمام المتقين ، ومن أبرز عناصره الزهد التام في الدنيا ، والرفض الكامل لجميع مباهجها وزينتها ، لقد سيطر على نفسه وعوّدها البؤس والحرمان ، وحملها من أمره رهقاً ، فلم يستجب لأي متعة من متع الحياة ، ولم ينعم بأي نعمة من نعيمها ، فكان أزهد الناس كما يقول عمر بن عبد العزيز(1.)ولمّا آلت إليه الخلافة وأشرقت الدنيا بحكومته التي هي امتداد لحكومة الرسول الله ، طلق الدنيا ثلاثاً وعاش في أرياض يثرب والكوفة عيشة البؤساء والفقراء ، فلم يبن له داراً ، ولم يلبس من نفائس الثياب وإنّما كان يلبس لباس الفقراء ، ويأكل أكلهم ، وقد قيل له في ذلك فأجاب : «كَيْلا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ !» (2وهكذا انصرف عن الدنيا ، ولم يعد لملاذها ومنافعها أي ظلّ عليه.)#### صور مذهلة من زهده علیه السلام##### اشارةوذكر المؤرّخون والرواة صوراً رائعة ومذهلة من زهد الإمام اللا كان منها ما يلي:##### 1 - لباسه علیه السلامولم يعن الإمام علیه السلام بلباسه ، وإنما كان يلبس أخشن الثياب ، وهذه بعض البوادر التي حكيت عنه:روى أبو إسحاق السبيعي ، قال : كنت على عنق أبي وأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب يخطب ، وهو يتروّح بكمه ، فقلت : يا أبه ، أمير المؤمنين يجد الحرّ؟


1) تاريخ مدينة دمشق : 42 489 جواهر المطالب : 1 : 276 .

2) نهج البلاغة : 2 : 188 . الكافي : 1 : 410. 1

فقال : لا يجد حراً ولا برداً ، ولكنه غسل قميصه وهو رطب ، ولا له غيره فهو يتروح به»(1.)-روى عمر بن قيس ، قال : «رئي عليّ وعليه إزار مرقوع فعوتب عليه ، فقال:يَقْتَدِي بِهِ الْمُؤْمِنُ ، وَيَخْشَعُ لَهُ الْقَلْبُ»(2)- روى أبو حيان التميمي عن أبيه ، قال : رأيت عليّاً على المنبر يقول : مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي سَيْفِي هذا ؟ فَلَوْ كَانَ عِنْدِي ثَمَنُ إِزارِ مَا بِعْتُه.فقام إليه رجل فقال له : أنا أسلفك ثمن إزار ...».وعلّق على ذلك عبد الرزاق ، فقال : «لقد فعل الإمام ذلك وكانت الدنيا إذ ذاك بيده إلا الشام»(3)- روى عليّ بن الأقمر ، قال : رأيت عليّاً وهو يبيع سيفاً له في السوق ويقول : مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي هَذَا السَّيْفَ ، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ لَطَالَما كَشَفْتُ بِهِ الْكُرَبَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلَوْ كانَ عِنْدِي ثَمَنُ إِزارِ ما بِعْتُهُ»(4)- ذكر الرواة أنه لم يكن للإمام علیه السلام إلا قميص واحد لا يجد غيره في وقت الغسل(5.)- أتى الإمام علیه السلام سوق البزازين ليشتري ثوباً له فوقف على تاجر فعرفه ، فأراد مسامحته ليتقرب إليه ، فانصرف عنه ولم يشترِ منه ، ووقف على غلام لم يعرفه فاشترى منه ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم ، والآخر بدرهمين ، فقال لقنبر : خُذِ الَّذِي


1) الغارات : 1 : 99

2) صفة الصفوة : 1 : 168 . مناقب آل أبي طالب : 2 : 96 ، وفيه زيادة : « وَتَذَلُّ بِهِ النَّفْسُ ،

3) الاستيعاب ( المطبوع على هامش الإصابة ) : 2 : 49. جواهر المطالب : 284 .

4) صفة الصفوة : 1 : 168 .

5) مناقب آل أبي طالب : 1 : 366 .

بِثَلَاثَةِ دَراهِمَ.فقال له قنبر : أنت أولى به ، إنّك تصعد المنبر وتخطب الناس.فردّ عليه الإمام وقال له : أَنتَ شابٌ ، وَلَكَ شِرَّةُ الشَّبابِ ، وَأَنَا أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَتَفَضَّلَ عَلَيْكَ (1.)اشترى الإمام علیه السلام قميصاً بثلاثة دراهم ، وقال : الْحَمْدُ لِلَّهِ هذا مِنْ رِياشِهِ ، أي من ستره(2)روى هارون بن عنترة ، قال : « دخلت على عليّ في الخورنق ، وهو يرعد من البرد ، وعليه سمل قطيفة ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنّ الله قد جعل لك ولأهل بيتك نصيباً في هذا المال ، وأنت تصنع بنفسك ما تصنع؟فقال : وَاللهِ ! ما أَرْزَؤُكُمْ شَيْئاً مِنْ مالِكُمْ ، وَإِنَّهَا لَقَطِيفَتِي الَّتِي خَرَجْتُ بِها مِنْ مَنْزِلِي بِالْمَدِينَةِ (3.)- اشترى الإمام ال ثوباً فأعجبه فكره أن يلبسه ، وبادر فتصدق به (4)- خطب الإمام الله على أهل الكوفة ، فقال لهم : « دَخَلْتُ بِلَادَكُمْ بِأَشْمَالِي هَذِهِ وَراحِلَتِي هاهِيَ ، فَإِنْ أَنَا خَرَجْتُ مِنْ بِلَادِكُمْ بِغَيْرِ مَا دَخَلْتُ فَإِنِّي مِنَ الْخَائِنِينَ (5)- ذكر الرواة أن الإمام لها في أيام خلافته لم يكن عنده قيمة ثلاثة دراهم ليشتري بها إزاراً أو ما يحتاج إليه ، ثم يدخل بيت المال فيقسم كل ما فيه على


1) الغارات : 1 : 106 .

2) أمالي المرتضى : 1: 353. النجوم الزاهرة : 1: 353 .

3) حلية الأولياء : 3: 236 . بحار الأنوار: 40 : 334 .

4) مناقب آل أبي طالب : 1 : 366 .

5) مناقب آل أبي طالب : 2 : 98 . بحار الأنوار: 40 : 325 .

الناس ، ثم يصلّي فيه ، ويقول : «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْهُ كَما دَخَلْتُهُ»(1.)هذه بعض البوادر من زهده في لباسه، وقد توفّي وليس عنده من الثياب غير الثوب الذي عليه.ومن الجدير بالذكر أن نلقي نظرة على ما تركه ملوك بني العباس ، فقد توفي هارون الرشيد وخلّف أربعة آلاف عمامة مطرزة ما عدا الثياب التي خلفها ، فضلاً عن الأموال التي خلفها في خزائنه.وهكذا غيره من ملوك الأمويين والعباسيين ، الذين لا يمثلون إلا جانب الترف والنهب لأموال المسلمين ، ومن المؤكد أنّهم لا علاقة لهم بالسياسة الاقتصادية التي تبناها الإسلام.##### 2 - طعامه علیه السلاموامتنع الإمام الا من تناول ألوان الأطعمة، واقتصر على ما يسد الرمق من الأطعمة البسيطة كالخبز والملح ، وربّما تعدّاه إلى اللبن أو الخل ، وكان في أيام رسول الله الله يربط الحجر على بطنه من الجوع(2)وكان قليل التناول للحم ، وقد قال : « لَا تَجْعَلُوا بُطُونَكُمْ مَقابِرَ لِلْحَيْوانات»(3)يقول ابن أبي الحديد :«إنّه ما شبع من طعام قط ، وقد أتي له بفالوذج(4فلما وضع بين يديه ، قال : إِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ ، حَسَنُ اللَّوْنِ ، طَيِّبُ الطَّعْمِ ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ أعَوَّدَ نَفْسِي مَا لَمْ تَعْتَدُ»(5))


1) بحار الأنوار: 40 : 321 .

2) مسند أحمد بن حنبل : 2 : 351 .

3) شرح نهج البلاغة : 1 : 25 .

4) الفالوذج : حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل ، والكلمة فارسية.

5) حلية الأولياء : 1 : 81. كنز العمال : 15 : 164 .

وقد روى الإمام أبو جعفر قال : « أَكَلَ عَلِيٌّ مِنْ تَمْرِ دَقَل(1ثُمَّ شَرِبَ عَلَيْهِ الْمَاءَ،وَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ وَقالَ: مَنْ أَدْخَلَهُ بَطْنُهُ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللهُ ، ثُمَّ تَمَثَّلَ:)فَإِنَّكَ مَهما تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤلَهُ ***وَفَرْجَكَ نَالَا مُنْتَهَى الذَّمُ أَجْمَعا»(2)وروى عبدالملك بن عمير ، قال : حدثني رجل من ثقيف أن علياً علیه السلام استعمله «على عكبرا ، قال : ولم يكن السواد يسكنه المصلون ، وقال لي : إذا كانَ عِنْدَ الظُّهْرِ فرح إليَّفرحت إليه فلم أجد عنده حاجباً يحبسني عنه دونه ، فوجدته جالساً وعنده قدح وكوز من ماء فدعا بظبية (3فقلت في نفسي : لقد أمنني حتى يخرج إليَّ جواهراً ولا أدري ما فيها - فإذا عليها خاتم فكسر الخاتم فإذا فيها سويق ، فأخرج منها فصبّ في القدح فصبّ عليه ماءً فشرب وسقاني ، فلم أصبر فقلت : يا أمير المؤمنين ، أتصنع هذا بالعراق ، وطعام العراق أكثر من ذلك ؟)قال : أَمَا وَاللهِ ! ما أَخْتُمُ عَلَيْهِ بُخْلاً ، وَلكِنِّي ابْتاعُ قَدْرَ مَا يَكْفِينِي فَأَخَافُ أَنْ يَفْنى فَيُصْنَعَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا حِفْظِي لِذلِكَ ، وَأَكْرَهُ أَنْ أُدْخِلَ بَطْنِي إِلَّا طَيِّباً »(4وهكذا كان رائد العدالة الإسلامية متحرّجاً في طعامه أشدّ ما يكون التحرّج ، وقد تحدّث الإمام علیه السلام عن زهده وإعراضه عن الدنيا بقوله : «فَوَاللهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً ، وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً ، وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً ، وَلَا حُزْتُ


1) الدقل : أردء التمر .

2) کنز العمال : 2 : 261 .

3) الظبية : جراب صغير.

4) حلية الأولياء : 1 : 82 الرياض النضرة : 2 : 235.)وفي المناقب : 2 : 98: «أَكْرَهُ أَنْ يُجْعَلَ فيهِ ما لَيْسَ مِنْهُ » .

مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً ، وَلَا أَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا كَفُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ »(1)ومن المؤكد أن الإمام الا لم ينل من أطائب الطعام حتى وافاه الأجل المحتوم ، فقد أفطر في آخر يوم من حياته في شهر رمضان على خبز وجريش ملح ، وأمر برفع اللبن الذي قدّمته له بنته الزكية أُمّ كلثوم(2)وهو في نفس الوقت كان يدعو اليتامى فيطعمهم العسل حتى قال بعض أصحابه : وددت أني كنت يتيماً(3.)وروی عبدالله بن رزين ، قال:« دخلت على عليّ بن أبي طالب يوم الأضحى فقرب إلينا حريرة فقلت : أصلحك الله ، لو قربت إلينا من هذا البط - يعني الوز- فإنّ الله عزّ وجلّ قد أكثر الخير.فقال : يابنَ رَزِينِ ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِلْخَلِيفَةِ مِنْ مَالِ اللهِ إِلَّا قَصْعَتانِ ، قَصْعَةٌ يَأْكُلُها هُو وَأَهْلُهُ ، وَقَصْعَةٌ يَضَعُها بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ»(4)وقد سار على هذا المنهج المشرق لأنّه إمام المسلمين وله خطته الخاصة في الزهد ، لا يشاركه فيها أحد من أبناء الشعب .ومن أمثلة ذلك أنه شكا إليه الربيع بن زياد الحارثي أخاه قائلاً: اعدني على أخي عاصم .قال علیه السلام: ما باله؟لبس العباءة يريد النسك . فأمر الإمام علیه السلام بإحضاره ، فلما مثل بين يديه رآه


1) نهج البلاغة : 3 : 70 . بحار الأنوار: 33: 473 .

2) منتهى الآمال : 1 : 334 .

3) بحار الأنوار: 41 29 مناقب آل أبي طالب : 2 : 075

4) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 78

الإمام علیه السلام مؤتزراً بعباءة مرتدياً بأخرى ، شعث الرأس واللحية ، فعبس الإمام الان بوجهه وقال له بعنف : أما اسْتَحْيَيْتَ مِنْ أَهْلِكَ ؟ أَما رَحِمْتَ وَلَدَكَ ؟ أَتَرىٰ أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ لَكَ الطَّيِّبات ، وَهُوَ يُكْرَهُ أنْ تَنالَ مِنْهَا شَيْئًا ، بَلْ أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ ، أَما سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ في كتابه : ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانَ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (1).)أَفَتَرى أَنَّ اللهَ أَباحَ هذِهِ لِعِبادِهِ إِلَّا لِيَبْتَذِلُوهُ ، وَيَحْمَدُوا اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ فَيُثِيْبَهُمْ ، وَإِنَّ ابْتِدَالَكَ نِعَمَ اللَّهِ بِالْفِعْلِ خَيْرٌ مِنْهُ بِالْمَقَالِ .وبادر عاصم قائلاً: فما بالك في خشونة مأكلك ، وخشونة ملبسك ، فإنّما تزينت بزينتك ؟فردّ عليه الإمام قائلاً: وَيْحَكَ إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلى أَئِمَّةِ الْحَقِّ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ (2)لقد زهد الإمام الله في الدنيا في جميع فترات حياته خصوصاً لما تولى السلطة العامة للمسلمين ، فقد تجرّد تجرّداً تاماً من جميع رغباتها.ومن أمثلة زهده ما رواه صالح بن الأسود ، قال :«رأيت عليّاً قد ركب حماراً وأدلى رجليه إلى موضع واحد ، وهو يقول : أنا الَّذِى أَهَنْتُ الدُّنْيا»(3)


1) الرحمن 55 10 - 22

2) ربيع الأبرار : 4 : 85 و 86 .

3) تاريخ مدينة دمشق : 42 489 . جواهر المطالب : 276 .

أجل والله يا رائد العدل لقد أهنت الدنيا ، واحتقرت جميع مباهجها وزينتها ، فقد أتتك الدنيا وتقلّدت أسمى مركز فيها ، فلم تحفل بها ، ولم تعر لسلطتها أي بال ، فسلام الله عليك يا إمام المتقين.### بطولته علیه السلام النادرةمن مظاهر شخصيّة الإمام علیه السلام بطولته النادرة التي استوعبت بفخر وشرف جميع لغات الأرض ، وصارت مضرب الأمثال وأنشودة الأبطال في كل زمان ومكان ، فهو بطل الإسلام دون منازع ، لا يعرف المسلمون سيفاً كسيف علي في إطاحته لرؤوس المشركين وأعلام الملحدين.وهو الذي أذلّ طغاة القرشيّين ، وسحق كبرياءهم ، ودمر غلواء هم ، ومواقفه المشرفة في واقعة بدر وأحد والأحزاب وغيرها تدلل - بوضوح - على أن الإسلام قام بجهوده وجهاده ، ولولا مواقفه الحاسمة لما أبقت القوى القرشية الضالة أثراً للإسلام.وعلى أي حال لقد كان الإمام حتف المشركين ، وعدوّهم الألد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ولولا جهاده وقوّة بأسه وصلابة موقفه لما قام الإسلام على سوقه عبل الذراع ، ولقضت عليه قريش في أوّل بزوغ نوره ، وقد شاعت في جميع الأوساط شجاعته ، وراح الناس يتحدثون عنها بإعجاب .وقد قيل للنبي صلی الله علیه و آله و سلم إن أفرس الناس عمرو بن معدي كرب . فردّ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ أَفْرَسَ النَّاسِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟»(1.)وقد شبه السيد الحميري بطولة الإمام الله وشجاعته بالريح العاتية التي أخذت قوم عاد بقوله:


1) رسائل الجاحظ : 2 : 222

إذا أَتى مَعْشَراً يَوماً أَنَامَهُمْ ***إِنامَةَ الرِّيحِ فِي تَدْمِيرِها عادا(1)يقول ابن أبي الحديد : « وأما الشجاعة فإنّه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ، ومحا اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحرب مشهورة تضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة . وهو الشجاع الذي ما فرّقط ، ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز أحداً إلا قتله ، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى الثانية »(2.)وفي الحديث : «كانَتْ ضَرَباتُهُ وَتْراً »(3.ولما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما ، قال له عمرو : لقد أنصفك .فقال معاوية : ما غششتني منذ صحبتني إلا اليوم ، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرق ، أراك طمعت في إمارة الشام بعدي .وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته ، فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه علیه السلام قتلهم أظهر وأكثر.قالت أخت عمرو بن عبد ود ترثيه :لَوْ كانَ قاتِلُ عَمْرِو غير قاتِلِهِ ***لَكُنْتُ أَبْكَى عَلَيْهِ آخِرَ الْأَبَدِلكِنَّ قاتِلَ عَمْرِو لا يُعَابُ بِهِ ***مَنْ كانَ يُدعى قديماً بِبَضَ الْبَلَدِ (4)وجملة الأمر أنه احتل الصدارة في شجعان العالم ، وأن شجاعته النادرة كانت


1) أعيان الشيعة : 2 : 136 .

2) شرح نهج البلاغة : 1 : 20 .

3) وفي المثل المعروف : أن ضربة علي تفرد المثنى وتثني المفرد .)قال الشعبي : ( عليّ أشجع الناس تقرّ له بذلك العرب». نور القبس المختصر من المقتبس / المرزباني : 245 .

4) الإرشاد : 1 : 108

في نصرة الإسلام ، ونصرة المظلومين ، والمعذبين في الأرض.ومن مظاهر شجاعته أنه كان يخرج في أيام صفين وحده بغير حماية فقيل له:تقتل أهل الشام بالغداة وتظهر بالعشي في إزار ورداء؟فقال : بِالْمَوْتِ تُخَوِّفُونِي؟ فَوَاللَّهِ ما أَبَالِي سَقَطْتُ عَلَى الْمَوْتِ أَمْ سَقَطَ عَلَيَّ :(1إنّه كان على بينة من دينه ، فقد سخر من الموت وهزأ بالحياة ؛ لأنه عاش مجاهداً طيلة حياته.)### قوته علیه السلام الهائلةوهب الله تعالى للإمام علیه السلام القوة هائلة ، وقوة نفسية مذهلة ، استطاع بهما أن يلحق العار والهزيمة بالقريشيين ، ويهزم اليهود الذين كانوا يمدون القريشيين بالمال والسلاح لإخماد نور الإسلام ، ومن قوته أنه إذا أمسك بذراع رجل كأنما أمسك نفسه ، ولم يستطع أن يتنفّس(2.)وكان في صباه يصارع كبار اخوته وصغارهم وكبار بني عمه وصغارهم فيصرعهم ، وكان أبوه يقول : ظهر عليّ فسمّاه ظهيراً ، فلما ترعرع كان يصارع الرجل الشديد فيصرعه ويعلو بالجبار بيده ويجذبه ويقتله ، وربّما قبض على مراق بطنه ورفعه في الهواء ، وربّما يلحق الحصان الجاري فيصدمه ويردّه على عقبيه(3وهو الذي قلع باب خيبر وجعلها جسراً على الخندق فعبر عليها الجيش الإسلامي ، ثم رماها مسافة أذهلت العسكر وصارت أحدوثة الناس في جميع مراحل تاريخهم ، وهي من الأسباب التي دعت أن يذهب فريق من محبّي الإمام الا إلى القول بالهيته.)


1) العقد الفريد : 1 : 102 .

2) بحار الأنوار: 41 : 276 .

3) بحار الأنوار: 41 275 مناقب آل أبي طالب : 1: 439 .

### حلمه علیه السلام#### اشارةكان الإمام علیه السلام من أحلم الناس ، ومن أكثرهم كظماً لغيظه ، فلم يثأر من أي أحد اعتدى عليه أو أساء له ، وإنّما كان يقابلهم بالصفح والإحسان كشأن أخيه وابن عمه الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، الذي قابل المعتدين عليه بالصفح ، وقد قال لأهل مكة وهم من ألد أعدائه ، الذين ما تركوا لوناً من ألوان الاعتداء إلا صبوه عليه : « اذْهَبُوا فَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ فَأَنَّتُمُ الطَّلَقاء ، على هذا المنهج سار وصيه وباب مدينة علمه ، فقابل أعداءه وخصومه بالصفح والإحسان الجميل .#### بوادر من حلمه علیه السلاموهذه لمحات من بوادر حلمه علیه السلام تنم عن نفسه العظيمة التي خلقها الله لتكون مشكاة نور لعباده تهديهم للتي هي أقوم ، وهي كما يلي:1 - دعا الإمام الله غلاماً له فلم يجبه ، ثم دعاه مرّة ثانية وثالثة فلم يجبه ، فقام إليه وقال له : ما حَمَلَكَ عَلَى تَرْكِ إِجَابَتِي ؟فردّ عليه الغلام : كسلت عن إجابتك ، وأمنت عقوبتك .وامتلأ قلب الإمام سروراً ، وقال : الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَنِي مِمَّنْ يَأْمَنُهُ خَلْقُهُ ، امْضِ فَأَنْتَ حُرِّ لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى (1.)2 - قصده أبو هريرة ، وكان معروفاً بانحرافه عنه ، ومتجاهراً ببغضه ، فسأله حاجة فقضاها له ، فعاتبه بعض أصحابه على ذلك فقال علیه السلام: إِنِّي لَأَسْتَحِي أَنْ يَغْلِبَ جَهْلُهُ حِلْمِي ، وَذَتْبُهُ عَفْوِي ، وَمَسْأَلْتُهُ جُودِي.(2)


1) مناقب آل أبي طالب : 1 : 380 . أمالي المرتضى : 1: 525 .

2) مناقب آل أبي طالب : 6: 380 .

كان ابن الكواء الخارجي، وهو من الممسوخين يجاهر بشتم الإمام الله ويعلن سبّه أمامه ، فلم يقابله بالمثل ، ولا تعرّض لنقمته ، وقد تلا عليه هذه الآية أمام الناس : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (1)وأعاد عليه الآية .)فأجابه الإمام : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (2)(3)ولم يتخذ معه الإجراءات الصارمة فيوعز إلى الشرطة باعتقاله وتأديبه .)4 - وكان من عظيم حلمه أنه ظفر بعائشة بعد فشلها في حرب الجمل ، وهي من ألد أعدائه ، ومعها مروان بن الحكم ، وعبد الله بن الزبير ، وغيرهما من الحاقدين عليه ، الذين أشعلوا نار الحرب، وأعلنوا التمرّد والعصيان المسلّح على حكومته ، فعفا عنهم جميعاً ، وسرّح عائشة سراحاً جميلاً، وجهزها جهازاً حسناً . وهكذا كانت سيرته الصفح والإحسان ليقلع نزعات الحقد والشرّ من نفوسهم.يقول ابن أبي الحديد عن حلم الإمام : « وأما الحلم والصفح فكان أحلم الناس عن مذنب ، وأصفحهم عن مسيء ، وقد ظهر حجّة ما قلناه يوم الجمل حيث ظفر بمروان بن الحكم وكان من أعدى الناس ، وأشدّهم بغضاً له ، فصفح عنه .وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد ، وخطب يوم البصرة فقال:قد أتاكم الوغد اللثيم علي بن أبي طالب.وكان عليّ يقول : ما زَالَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى شَبَّ عَبْدُ اللهِ.فلمّا ظفر به يوم الجمل صفح عنه ، وقال له : اذْهَبْ فَلَا أَرَيَنَّكَ ، ولم يزد على ذلك .وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة، وكان له عدوّاً فأعرض عنه،


1) الزمر 39: 65

2) الروم 30 60 .

3) تهذيب الأحكام : 3: 36 .

ولم يقل له شيئاً » (1)5 - ومن عظيم حلمه وصفحه أن معاوية لما زحف لحرب الإمام واستولى على الماء اعتبر ذلك أوّل الظفر ، فلما جاء الإمام علیه السلام مع جيشه وجد حوض الفرات قد احتلته جيوش معاوية ، فطلب منهم أن يسمحوا لجيشه بالتزود من الماء ، فقالوا له : لا والله ولا قطرة حتى تموت ظماً كما مات ابن عفان .فلما رأى ذلك أمر جيشه باحتلال الفرات ، فاحتلته قواته وملكوا الماء ، وسار أصحاب معاوية في البيداء لا ماء لهم ، فقال أصحاب الإمام له : امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك ، ولا تسقهم منه قطرة واحدة، واقتلهم بسيوف العطش وخذهم قبضاً بالأيدي ، فلا حاجة لك في الحرب .فقال : لَا وَاللَّهِ لَا أَكافِتُهُمْ بِمِثْلِ فِعْلِهِمْ ، افْسَحُوا لَهُمْ عَنِ الشَّرِيعَةِ فَفِي حَدَّ السَّيْفِ ما يُغْنِي عَنْ ذلِكَ (2.)6 - ومن عظيم عفوه أنه في يوم من أيام صفين ظفر بأعدى أعدائه وهو عمرو ابن العاص العقل المدبر في حكومة معاوية ، فلما رأى هذا الجبان الماكر أنّ الإمام قد أقبل عليه بسيفه أخرج عورته ، فخجل الإمام وأشاح بوجهه عنه ترفّعاً .### صبره علیه السلاممن أبرز صفات الإمام الا الخلود إلى الصبر ، وعدم الجزع على ما ألم به من محن الدنيا ، وكوارث الأيام ، وكان من أشدّها هولاً، وأعظمها محنة فقده لأخيه وابن عمه - الذي عاش في ذرى عطفه - سيد الكائنات الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم، لقد بموته كلّ أمل له في الحياة ، وطافت به الأزمات يتبع بعضها بعضاً ، وكان


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديدء: 1 : 23 .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 24. بحار الأنوار: 41: 145 .

من أفجعها وأقساها وأشدّها بلاءً هجوم القوم عليه في عُقر داره ، وإخراجه ملبّباً بحمائل سيفه ليبايع أبا بكر ، وقوبل بمنتهى الصرامة والقسوة ، وتنكّر القوم لمركزه الرفيع ، وعظيم جهاده في الإسلام ، وأنّه أخو نبيهم ، وأبو سبطيه ، وباب مدينة علمه ، فأقصوه عن مقامه ، واستعملوا معه جميع ألوان الشدّة التي سنذكرها في فصول هذا الكتاب.ومن المحن الشاقة التي عاناها الإمام علیه السلام فقده لسيدة نساء العالمين زهراء الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، فلم تمض أيام معدودة حتى فجع بفقدها ، وهي في فجر الصبا وروعة الشباب ، وقد التاع وحزن على فقدها أشدّ ما يكون الحزن ، وبقي في أرباض بيته صابراً محتسباً يسامر الهموم والأحزان بمعزل تام عن الأمة سياسياً واجتماعياً، قد خمدت طاقاته ومواهبه وحرمت الأمة من علومه ، لم يشارك الخلفاء في أي أمر من أمور الدولة اللّهم إلّا إذا ألمت بهم مسألة لا يهتدون لحلها فزعوا إليه ليكشف لهم ما جهلوه ، حتى شاعت كلمة عمر : لولا عليّ لهلك عمر .ولما آلت الخلافة إلى عثمان بن عفان عميد الأسرة الأموية استبدّ بأمور المسلمين، وارتكب الأحداث الجسام لذا عمد المسلمون إلى قتله ، وهرعوا إلى الإمام الا ليتولى قيادة الأمة ويعيد حكم الرسول صلی الله علیه و آله و سلم وسياسته المشرقة بين المسلمين ، فامتنع الإمام من إجابتهم لعلمه بفساد الأوضاع الاجتماعية ، وما سیعانيه من الأزمات والمصاعب، فأصروا عليه وهدّدوه إن لم يستجب لهم ، فأجابهم على كره ، فقام بالأمر باسطاً للعدل ناشراً للحق ، وبايعته الجماهير ، وعمّت الفرحة الكبرى جميع الأوساط إلا الأسر القرشيّة ، فقد فزعت أشدّ ما يكون الفزع ، فقد خافت على مصالحها ونفوذها الذي ظفرت به في أيام الخلفاء ، فهبت للإطاحة بحكومة الإمام ، فكانت واقعة الجمل وصفّين ، ثم تتابعت عليه الرزايا والخطوب ، وهو صابر محتسب حتى لاقى ربّه شهيداً محتسباً في بيت من بيوت الله ، فأي وأي بلاء مثل هذا الصبر والبلاء؟

### تواضعه علیه السلام#### اشارةمن ذاتيات الإمام علیه السلام ونزعاته التواضع ، ولكن لا للأغنياء والمتكبّرين ، وإنّما للفقراء والمستضعفين ، فكان يخفض لهم جناح البرّ والمودة ، وقد ضارع بذلك أخاه وابن عمه الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، فقد كان للمؤمنين أباً وللفقراء أخاً ..ونعرض فيما يلي لبعض ما أثر عن الإمام علیه السلام.#### شذرات من تواضعه علیه السلاموهذه شذرات معطّرة بهدي الإمام علیه السلام من تواضعه:1 - وفد عليه رجل مع ابنه فرحب بهما وأجلسهما في صدر المجلس ، ثمّ أمر لهما بطعام ، وبعد الفراغ منه بادر الإمام فأخذ الإبريق ليغسل يد الأب ففزع الرجل ، وقال : كيف يراني الله وأنت تصب الماء على يدي ؟فأجابه الإمام علیه السلام برفق ولطف : إِنَّ اللهَ يَرَانِي أَخَاكَ الَّذِي لَا يَتَمَيَّزُ مِنْكَ ، وَلَا يَتَفَضَّلُ عَنْكَ ، وَيَزيدُ بِذلِكَ خَدَمِهِ فِى الْجَنَّةِ .أتي روح ملائكية هذه الروح ؟ وأي سموّ في الذات هذا السموّ ؟وانصاع الرجل إلى كلام الإمام علیه السلام ، فصب الماء على يده ، ولما فرغ ناول الإبريق إلى ولده محمد بن الحنفية ، وقال له : يا بُنَيَّ ، لَوْ كَانَ هَذَا الْابْنُ حَضَرَنِي دُونَ أَبِيهِ لَصَبَبْتُ عَلَى يَدِهِ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَأْبَى أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ ابْنِ وَأَبِيهِ .وقام محمّد فغسل يد الولد(1، وهذه الأخلاق العلوية مقتبسة من أخلاق الرسول الأعظم لعل الله الذي امتاز على سائر النبيين بمكارم أخلاقه .)2 - اجتاز الإمام في رجوعه من صفين على دهاقين الأنبار فقابلوه بمزيد من


1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 105 .

التعظيم والتكريم ، وصنعوا له كما يصنعون للملوك والأمراء ، فأنكر الإمام عليهم ذلك وقال لهم : « وَاللهِ ما يَنْتَفِعُ بِهذا أَمَرَاؤُكُمْ ، وَإِنَّكُمْ لَتَشقُونَ بِهِ عَلى أَنْفُسِكُمْ ، وَتَشْقُونَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ. وَمَا أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَراءَهَا الْعِقابُ ، وَمَا أَرْبَحَ الرّاحَةَ مَعَهَا الْأَمانُ مِنَ النَّارِ » (1.)3 - من تواضعه أنه خرج راكباً فسار معه أصحابه ، فالتفت إليهم : أَلَكُمْ حَاجَةً ؟ قالوا : لا ، ولكن نحب أن نمشي معك.فنهاهم عن ذلك ، وأمرهم بالانصراف إلى منازلهم قائلاً: ارْجِعُوْا .. النَّعالُ خَلْفَ أَعْقابِ الرّجالِ مَفْسَدَةٌ لِقُلُوبِ النَّوْكى(2.(3))حقاً إن هذه الأخلاق أخلاق الأنبياء العظام وأوصيائهم ، وقد مثلها بسيرته وسلوكه سيّد الأوصياء وإمام المتقين والأخيار ، وذكر الرواة صوراً مشرقة بالشرف والكرامة من تواضعه أيام خلافته نعرض لها عند البحث عن حكومته .### عيادته علیه السلام المرضىمن معالي أخلاق الإمام العيادته للمرضى ، وكان يحفّز أصحابه على ذلك ويحتهم على هذه الظاهرة ، فقد قال لهم : « مَنْ أَتَى أَخَاهُ الْمُسْلِمَ يَعُوْدُهُ مَشَىٰ فِي خُرافَةِ الْجَنَّةِ (4، فَإِذا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ (5).)وكان أمير المؤمنين علیه السلام إذا علم أنّ أحداً من أصحابه مريض بادر لعيادته ، وهذه


1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 104. بحار الأنوار: 41 : 55 .

2) النوكى : الحمقى .

3) ربيع الأبرار: 4: 131 .

4) خرافة الجنّة : ثمارها .

5) ربيع الأبرار : 4 : 127 . 4:

بعض زياراته لهم:1 - عاد شخصاً من أصحابه ، ولما استقر به المجلس قال له : جَعَلَ الله مَا كَانَ مِنْ شَكْوَاكَ حطاً لِسَيِّئَاتِكَ ، فَإِنَّ الْمَرَضَ لَا أَجْرَ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ يَحُطُّ السَّيِّئَاتِ ، وَيَحُتُهَا حَتَّ الْأَوْرَاقِ. وَإِنَّمَا الْأَجْرُ فِي الْقَوْلِ بِالنِّسَانِ ، وَالْعَمَلِ بِالْأَيْدِي وَالْأَقْدَامِ (1.)2 - عاد الإمام علیه السلام صاحبه وصديقه صعصعة بن صوحان ، فقال له الإمام : وَاللهِ مَا عَلِمْتُكَ إِلَّا خَفِيفَ الْمُؤُونَةِ ، حَسَنَ الْمَعُونَةِ » .فأجابه صعصعة : وأنت يا أمير المؤمنين ، إنّ الله في عينك لعظيم ، وإنّك بالمؤمنين لرحيم ، وإنك بكتاب الله لعليم .ولما أراد الإمام علیه السلام الخروج قال الصعصعة : يا صَعْصَعَةُ ، لَا تَجْعَلْ عِيادَتِي فَخْراً عَلَى قَوْمِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُوْرٍ (2)إنّ جميع ألوان الفخر والمظاهر الزائفة التي يعنى بها الناس قد سحقها الإمام علیه السلام ولم يحفل بأي شيء منها .### كراهته علیه السلام للمدحكان الإمام الله يسأم المدح والإطراء ، وكان يقول لمن أطراه : «أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ ، وَفَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ»وإذا أطرى عليه رجل قال : « اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْهُ ، وَأَنا أَعْلَمُ مِنْهُ بِنَفْسِي ، فَاغْفِرْ لي ما لَا يَعْلَمُ»(3.)


1) ربيع الأبرار : 4 : 131 .

2) المصدر المتقدم : 132

3) أمالي المرتضى : 1 : 274

### إجابته علیه السلام الدعوة من دعاهومن معالي أخلاق الإمام علیه السلام أنه إذا دعى لتناول الطعام أجاب إلى ذلك خصوصاً إذا دعاه فقير ، وقد دعاه شخص لذلك فقال له : « نَأْتِيْكَ عَلَى أَنْ لَا تَتَكَلَّفَ لَنا ما لَيْسَ عِنْدَكَ ، وَلَا تَدَّخِرَ عَنّا ما عِنْدَكَ»(1.)وهذا من محاسن الآداب ، ومن أروع صور الشرف ، وسموّ الذات .### سخاؤه علیه السلا#### اشارة#### اشارهكان الإمام علیه السلام من أندى الناس كفّاً، ومن أكثرهم برّاً وإحساناً إلى المحتاجين، وكان لا يرى للمال قيمة سوى أن يردّ به جوع جائع أو يكسو به عرياناً ، وكان يؤثر الفقراء على نفسه ولو كانت به خصاصة .وهو وأهل بيته الذين أطعموا المسكين واليتيم والأسير قوتهم ، وطووا ثلاثة أيام صياماً لم يذوقوا سوى الماء القراح ، فأنزل الله تعالى فيهم سورة ( هل أتى فكانت وسام فخر وشرف لهم على امتداد التاريخ تشيد بفضلهم وسموّ مكانتهم عند الله تعالى حتى يرث الله الأرض ومن عليها.)و الإمام علیه السلام هو الذي تصدق بخاتمه على المسكين في أثناء صلاته فأنزل الله تعالى في حقه الآية الكريمة : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (2).)#### شذرات من جوده علیه السلامهذه شذرات من بر الإمام علیه السلام وجوده على الفقراء ، لم يبغ بما قدمه لهم من


1) البيان والتبيين : 2 : 197

2) المائدة 5 : 55 .

إحسان إلا وجه الله تعالى والدار الآخرة:1 - روى الأصبغ بن نباتة ، قال : «جاء رجل إلى الإمام علیه السلام فقال له : يا أمير المؤمنين ، إنّ لي إليك حاجة قد رفعتها إلى الله تعالى قبل أن أرفعها إليك ، فإن قضيتها حمدت الله تعالى وشكرتك ، وإن لم تقضها حمدت الله تعالى وعذرتك .فقال له الإمام علیه السلام: اكْتُبْ حَاجَتَكَ عَلَى الْأَرْضِ ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَرى ذَلَّ السُّوَالِ عَلَى وَجْهِكَ.فكتب الرجل إنّي محتاج ، فأمر الإمام بإحضار حلّة فأُتِيَ بها إليه فأخذها الرجل فلبسها ، وقال :كَسَوْتَنِي حُلْةٌ تَبْلَى مَحاسِنُها ***فَسَوْفَ أَكْسُوكَ مِنْ حُسْنِ الثَّنا حُلَلاإِنْ يَلْتَ حُسْنَ ثَنائِي يَلْتَ مَكْرُمَةً ***وَلَسْتَ تَبْغِي بِما قَدْ قُلْتُهُ بَدَلاإن الثناءَ لَيُحْيِي ذِكْرَ صاحِبِهِ ***كَالْغَيْثِ يُحْيِي نَداهُ السِّهْلَ وَالْجَبَلالَا تَزْهَدِ الدَّهْرَ فِي خَيْرٍ تُواقِعُهُ ***فَكُلُّ شَخْصٍ سَيُجْرَىٰ بِالَّذِي عَمِلاوأمر الإمام بمائة دينار ، فلما حضرت دفعها له ، وبادر الأصبغ أمير المؤمنين قائلاً: ومائة دينار ؟ !فأجابه الإمام : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنازِلَهُمْ ، وَهَذِهِ مَنْزِلَةٌ الرَّجُلِ عِنْدِي»(1.)2 - من بوادر جوده أنه لما قسم بيت مال البصرة على جيشه لحق كل واحد منهم خمسمائة درهم ، وأخذ هو مثل ذلك ، فجاءه شخص لم يحضر الواقعة فقال له : كنت شاهداً معك بقلبي ، وإن غاب عنك جسمي ، فاعطني من الفيء شيئاً ؟


1) جواهر المطالب : 2 : 129 .

فدفع إليه ما أخذه لنفسه ، ورجع ولم يصب من الفيء شيئاً (1)3 - روى المعلى بن خنيس عن الإمام الصادق قال : « أن علياً علیه السلام أتى ظلة الله بني ساعدة ، وكانت السماء قد أمطرت ، وهو يحمل جراباً فيه الخبز ، فمرّ على قوم نيام - وهم من الفقراء - فجعل يدسّ الرغيف والرغيفين تحت فراشهم ، حتى أتى على آخرهم ثم انصرف»(2.)4 - خرج الإمام وهو يحمل على ظهره قربة ، وفي يده صخفة ، وهو يقول : اللهُمَّ وَليَّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِلَهَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَجارَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْبَلْ قُرُباتِي اللَّيْلَةَ ، فَما أَمْسَيْتُ أَمْلِكُ سِوى ما فِي صَحْفَتِي وَغَيْرَ ما يُوارِينِي ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي مَنَعْتُهُ نَفْسِي مَعَ شِدَّةِ سَغَبِي فِي طَلَبِ الْقُرْبَةِ إِلَيْكَ غَنَماً ، اللهُمَّ فَلَا تَخْلُقُ وَجْهِي ، وَلَا تَرُدَّ دَعْوَتِي واخذ يطعم الفقراء(3.)5 - كان الإمام لا يملك أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً ، وبدرهم سراً وبدرهم علانية ، فنزلت فيه الآية الكريمة: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ (4)(5).)6 - كان رجل مؤمن فقير في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ساكناً في دار ضيقة وبجوارها حديقة لشخص موسر وفيها نخل يتساقط تمرها على دار الفقير ، فيبادر من حرصه إلى أخذ التمر من أفواه الأطفال ، وشكا الفقير ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فبادر إلى صاحب


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 205.

2) مناقب آل أبي طالب : 4 : 349 .

3) بحار الأنوار: 41 : 29 .

4) البقرة 2 274

5) كشف الغمّة : 50 . بحار الأنوار: 4 : 33 . 5.

الحديقة وطلب منه أن يبيعها عليه ، ويأخذ مكانها بستاناً في الفردوس الأعلى ، فأبى وقال : لا أبيعك عاجلاً بأجل .فانصرف النبي صلى الله عليه وسلمه متأثراً فرأى الإمام ، فأخبره بالأمر ، فتوجه الإمام صوب ذلك الرجل وطلب منه أن يبيعه بستانه ، فقال له : أبيعك بحائطك الحسن ، فرضي الإمام ، وباعه عليه ، وسارع الإمام إلى الرجل الفقير فوهب له تلك البستان(1.)هذه بعض البوادر من سخائه وجوده على الضعفاء والفقراء ، يقول الشعبي : كان عليّ أسخى الناس ، كان على الخُلق الذي يحبّه الله وهو السخاء والجود ، ما قال ( لا لسائل قط» (2))وقد أجمع المؤرّخون والمترجمون له أنه لم يكن يبغي فيما أنفقه أي غرض من أغراض الدنيا كالجاه والسمعة وذيوع الاسم ، فإنّ ذلك لم يفكر به ، وإنما كان يبغي وجه الله تعالى ، وما يقربه إليه زلفى.### الرأفة بالفقراءمن عناصر الإمام علیه السلام وذاتياته الرأفة الكاملة بالفقراء ، فكان لهم أباً ، وعليهم عطوفاً ، وقد واساهم في مكاره الدهر وجشوبة العيش وخشونة اللباس ، وهو القائل خلافته : أَوْ أَبيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْلَى وَأَكْبَادٌ حَرَّىٰ ؟ أَوْ أَكُونُ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:وَحَسْبُكَ دَاءً أَنتَبيت ببطنَة*** وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ (3)لقد كان أبو الحسن علیه السلام ملاذاً للفقراء وصديقاً حميماً للبؤساء ، وقد تبنّى قضاياهم


1) تفسیر فرات : 213 . بحار الأنوار: 41 : 37 .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 22

3) نهج البلاغة : 3 : 72

في جميع مراحل حياته خصوصاً في أيام خلافته ، وقد ثارت عليه الرأسمالية القرشية التي ناهضت الإسلام ، وكفرت بقيمه ومبادئه ، ويجميع ما جاء به النبي صلی الله علیه و آله و سلم من هدى ورحمة إلى الناس .إنّ من أوليات المبادئ التي آمن بها واعتنقها هي القضاء على البؤس والحرمان ، وتوزيع خيرات الله تعالى على عباده ، فلا يختص بها فريق دون فريق ، ولا قوم دون آخرين ، وكانت مواساته للفقراء ومساواتهم للأغنياء من الأسباب الهامة في بغض القريشيين له ، واندفاعهم إلى مناجزته ، ووضعهم العراقيل والسدود أمام مخططاته ومتطلباته الهادفة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية في الأرض.وعلى أي حال ، فالإمام أوّل حاكم في الشرق العربي واسى الفقراء في آلامهم ومكارههم ، ومن ذلك أنه نظر إلى امرأة على كتفها قربة ماء ، وكانت مجهدة لا تقوى على حملها ، فبادر إليها الإمام الا فأخذ القربة منها ، وحملها إلى منزلها ، وسألها عن حالها ، فقالت له : إن عليّاً بعث زوجي إلى بعض الثغور فاستشهد فيها ، وترك صبياناً يتامى ، وليس عندي شيء أقوتهم به، فألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس ، فانصرف الإمام عنها وهو مثقل بالأحزان ، وبات ليلته قلقاً مضطرباً ، فلما أصبح حمل زنبيلاً فيه طعام للأيتام، فرآه بعض شيعته فطلب منه أن يساعده في حمل الزنبيل عنه ، فامتنع من إجابته ، وقال له : مَنْ يَحْمِلُ عَنِّي وِزْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ومضى نحو بيت اليتامى فقرع الباب ، فخرجت له المرأة فقالت له : من أنت ؟قال علیه السلام : أَنَا الْعَبْدُ الَّذِي حَمَلَ مَعَكِ الْقِرْبَةَ ، افْتَحِى الْبَابَ فَإِنَّ مَعِي شَيْئًا لِلصَّبْيَانِ . فدعت له المرأة وقالت له : رضي الله عنك ، وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب.وأجابها الإمام : إِنِّي أَحْبَيْتُ اكْتِسابَ الثَّوابِ ، فَاخْتَارِي بَيْنَ أَنْ تَعْجِنِي وَتَخْبِزِي ، وَبَيْنَ أَنْ تُعَلِّلِي الصِّبْيان وَأَنا أَخْبِرُ.

وأجابته المرأة : أنا بالخبز أبصر ، وعليه أقدر ، ولكن شأنك والصبيان ، فعلّلهم حتى أفرغ من الخبز.وعمدت المرأة إلى الدقيق فخبزته ، وانبرى الإمام علیه السلام إلى اللحم فطبخه ، وجعل يلقم الصبيان اللحم والتمر وغيره ، وكلما ناول صبياً من ذلك شيئاً قال له : يا بُنَيَّ ، اجْعَلْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي حِلٌّ مِمَا مَرَّ عَلَيْكَ .ولما اختمر العجين ، قالت المرأة له : قم يا عبد الله ، قم فاسجر التنور ، فبادر الإمام علیه السلام السجره ، ولفحت النار وجهه ، فجعل يقول : يا عَلِيُّ ، هذا جَزاءُ مَنْ ضَيَّعَ الأرامِلَ وَالْيَتامى.ودخلت امرأة من الجيران على المرأة، وكانت تعرف الإمام علیه السلام فصاحت بها:ويحك هذا أمير المؤمنين.وذهلت المرأة وودّت أن تسيخ بها الأرض ، وقالت للإمام : واحيائي منك يا أمير المؤمنين !وسارع الإمام قائلاً: واحَيانِي مِنْكِ يا أَمَةَ اللَّهِ فِيمَا قَصَّرْتُ مِنْ أَمْرِكِ (1)تدول الدول ، وتفنى الحضارات أو تبقى ، وهذا الشرف العلوي أحق بالبقاء من كلّ كائن حي.### عدله علیه السلام#### اشارةمن عناصر الإمام الذاتية إقامة العدل، وإيثاره على كلّ شيء ، خصوصاً في أيام خلافته ، فقد تجرّد عن جميع المحسوبيات ، وآثر رضا الله تعالى ومصلحة الأمة على كلّ شيء ، فهو بحق صوت العدالة الإنسانية ، ورائد نهضتها الاصلاحية في جميع الأحقاب والآباد .


1) مناقب آل أبي طالب : 1 : 382. بحار الأنوار: 41: 51 .

#### بوادر من عدله علیه السلاموروى المؤرّخون صوراً رائعة من عدله تبهر العقول، وتجعله طغراء شرف للعالم العربي والإسلامي ، وكان من ضروب عدله ما يلي:1 - وفد عقيل على الإمام علیه السلام في الكوفة ، فرحب به الإمام علیه السلام وقال لولده الإمام الحسن علیه السلام: اكْسُ عَمَّكَ ، فكساه قميصاً ورداء من ملكه ، ولما حضر العشاء قدم له الا خبزاً وملحاً ، فأنكر عقيل ذلك وقال : ليس ما أرى ؟لقد أراد عقيل أن تقدّم له مائدة شهيّة حافلة بألوان الطعام ، فأجابه الإمام علیه السلام بلطف وهدوء : أَوَلَيْسَ هذا مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ ؟ فَلَهُ الْحَمْدُ كَثِيراً.وفقد عقيل صوابه ، وضاقت عليه الأرض ، فقال للإمام: إعطني ما أقضي ب- ديني ، وعجل سراحي حتى أرحل عنك .فقال علیه السلام: كَمْ دَيْنُكَ يا أبا يَزِيد ؟فقال له : مائة ألف درهم .قال علیه السلام: والله ما هِيَ عَنْدِي ، وَلَا أَمْلِكُها ، وَلكِنِ اصْبِرْ حَتَّى يَخْرُجَ عَطَايَ لا فَأُواسِيكَهُ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعِيالِ مِنْ شَيْءٍ لَأَعْطَيْتُكَ كُلَّهُ .وخاطب عقيل الإمام علیه السلام بعنف قائلاً : بيت المال بيدك ، وأنت تسوّفني إلى عطائك ، وكم عطاؤك ؟ وما عسى أن يكون ؟ ولو أعطيتنيه كله .وضاق الإمام ذرعاً من عقيل ، فطرح أمامه حكم الإسلام قائلاً: وَما أَنا وَأَنْتَ فِيهِ - أي في العطاء من بيت المال - إِلَّا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .وكان الإمام مطلاً على صناديق التجار في السوق ، فقال لعقيل : إِنْ أَبَيْتَ يا أَبا يَزِيدَ ما أَقُولُ فَانْزِلْ إِلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّنادِينِ فَاكْسِرْ أَقْفَالَهُ وَخُذْ مَا فِيهِوتوهّم عقيل أنّها من أموال الدولة ، فقال للإمام : ما في هذه الصناديق ؟

قال علیه السلام : فِيهَا أَمْوالُ التَّجَارِ .فأنكر عقيل ، وراح يقول بألم ومرارة : أتأمرني أن أكسر صناديق قوم توكلوا على الله وجعلوا فيها أموالهم ؟فردّ عليه الإمام قائلاً : أَتَأْمُرُنِي أَنْ أَفْتَحَ بَيْتَ مالِ الْمُسْلِمِينَ فَأَعْطِيَكَ أَمْوالَهُمْ ، وَقَدْ تَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ ، وَأَقْفَلُوا عَلَيْهَا ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَذْتَ سَيْفَكَ وَأَخَذْتُ سَيْفِي وَخَرَجْنا جَمِيعاً إِلَى الْحِيرَةِ ، فَإِنَّ فِيهَا تُجَاراً مَيَاسِيْرَ ، فَدَخَلْنَا عَلَىٰ بَعْضِهِمْ فَأَخَذْنَا مَالَهُ.والناع عقيل ، وراح يقول بألم : أو سارقاً جئتُ؟فأجابه رائد العدالة الإسلامية قائلاً : تَسْرِقُ مِنْ وَاحِدٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَسْرِقَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعاً.ولم يجد عقيل منفذاً يسلك فيه ، فقد سدّ عليه الإمام علیه السلام جميع النوافذ ، وصيّره أمام العدل الصارم ، الذي لا يستجيب لأي عاطفة ، ولا ينصاع إلا إلى الحق ، وراح عقيل يقول بحرارة اليأس : أتأذن لي أن أخرج إلى معاوية ؟قال علیه السلام: أَذِنْتُ لك.فقال عقيل : أعني على سفري .فأمر الإمام ولده الزكي الإمام الحسن علیه السلام بإعطائه أربعمئة درهم نفقة له ، فخرج عقيل وهو يقول:سَيُغْنِينِي الَّذِي أَغْناكَ عَنِّي ***وَيَقْضِي دَيْنَنا رَبِّ قَرِيبٌ(1)لقد تجرد الإمام (2من جميع المحسوبيات فلم يقم لها أي وزن وأخلص للحق والعدل أعظم ما يكون الإخلاص ، فالقريب والبعيد سواء في ميزانه ... لقد احتاط)


1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 108 ، وقريب منه في الصواعق المحرقة : 79.

2)

أشدّ ما يكون الاحتياط في أموال الدولة ، فلم يؤثر بشيء منها نفسه وأهل بيته ، وحمّل نفسه رهقاً وشدّة .2 - ومن صنوف عدله الباهر أنّه نزل ضيف عند الإمام الحسن الا ، فاستقرض رطلاً من العسل من قنبر خازن بيت المال ، فلما قام الإمام الا بتقسيم العسل على المسلمين وجد زقاً منها ناقصاً ، فسأل قنبر عن ذلك ، فأخبره بالأمر ، فاستدعى ولده الإمام الحسن الله وقال له بنبرات تقطر غيظاً : ما حَمَلَكَ عَلى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ قَبْلَ القسمة ؟فقال الحسن علیه السلام : أَلَيْسَ لَنا فِيهِ حَقٌّ ، فَإِذَا أَخَذْنَاهُ رَدَدْنَاهُ إِلَيْهِ .وسكن غضب الإمام ، فقال لولده الزكي بلطف : فِداكَ أَبُوكَ ، وَإِنْ كَانَ لَكَ فِيهِ حَقٌّ ، فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِحَقِّكَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَفِعَ الْمُسْلِمُونَ بِحُقُوقِهِمْ .ثم دفع إلى قنبر درهماً ، وقال له : اشتر به أجود عسل تقدر عليه ، فاشترى قنبر العسل ، ووضعه الإمام في الزق وشدّه (1.)هذا هو العدل الذي جعله الإمام لا أساساً لدولته ليسير عليها حكام المسلمين من بعده إلّا أنّهم شذوا وابتعدوا عن سيرته ، وناقضوه ، فأنفقوا أموال المسلمين على شهواتهم وملذاتهم ، وأسرفوا في ذلك إلى حد بعيد .3 - جيء له بمال من أصفهان فقسمه أسباعاً على أهل الكوفة ، ووجد فيها رغيفاً فكسره سبعة كسر ، وقسمه على أهل الأسباع (2)إن العدل بجميع رحابه ومفاهيمه من العناصر الذاتية للإمام علیه السلام.4 - روى هارون بن عنترة عن أبيه ، قال : رأيت عليّاً في يوم مورود - أو نوروز -


1) مناقب آل أبي طالب : 2 : 107 .

2) بحار الأنوار: 41: 118

فجاء قنبر فأخذ بيده وقال : يا أمير المؤمنين ، إنّك رجل لا تبقي شيئاً لنفسك ، ولا لأهل بيتك ، وإنّ لأهل بيتك في هذا المال نصيباً ، وقد خبّأت لك خبيئةً.قال الإمام : وما هي ؟قال : انطلق وانظر ما هي ؟فأدخله بيتاً مملوءاً آنية من ذهب وفضة مموهة بالذهب ، فلما رآها تميز غيظاً وغضباً ، وقال بشدّة وصراحة لقنبر : تَكَلَتْكَ أُمُّكَ ، لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تُدْخِلَ بَيْتِى ناراً عَظِيمَةٌ ، ثم جعل يزنها ويعطي كل عريف حصّته.ثمّ قال:هذا جَنايَ وَخِيارُهُ فِيهِ ***وَكُلُّ جانٍ يَدُهُ إِلى فِيهِ (1)أرأيتم هذا العدل الذي مثله الإمام في أيام خلافته ؟أرأيتم هذا التجرّد عن الدنيا والتنكر لمنافعها ؟أرأيتم كيف احتاط إمام المتقين بأموال الدولة ولم يستأثر بأي شيء منها ؟إن الإنسانية على ما جربت من تجارب في ميادين الحاكمين فإنّها لم تشاهد مثل ونكرانه للذات ، وتبنّيه للعدل بجميع رحابه ومفاهيمه.### سعة علومه علیه السلاموأجمع الرواة على اختلاف ميولهم وأهوائهم على أن الإمام أوسع المسلمين الليل علماً ، وأكثرهم فقهاً ، وأنه لا يماثله أحد من الصحابة وغيرهم في قدراته العلمية ، فقد غذاه سيّد الكائنات علا الله بملكاته ومواهبه ، فهو باب مدينة علمه ، وقد تحدّث الإمام الا عن سعة علومه فقال :


1) جواهر المطالب : 1 : 273 . كتاب الأموال : 344 .

1 - « بَلِ انْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَةِ (1فی الطَّوِي البَعِيدَة (2)! »(3))2 - وقال علیه السلام : « سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ ، وَلَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِئَةٌ وَتُضِلُّ مِنَةً إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَقَائِدِهَا وَسَائِقِهَا ، وَمُنَاخَ رِكَابِهَا ، وَمَحَطَّ رِحَالِهَا ، وَمَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلاً، وَمَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً»(4.)3 - قال علیه السلام: «لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَمَوْلِجِهِ وَجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ»(5.)وأعربت هذه الكلمات الثلاث عن طاقاته العلمية، وما منحه الله تعالى من الفضل والعلم الأمر الذي جعله في قمّة العلم ، وقد تحدثنا في بعض هذا الكتاب عن العلوم التي فتق أبوابها وأسسها.### سرعة الجوابمن خصائص الإمام علیه السلام أنّه كان سريع البديهة ، وقد عُرضت عليه أهم المسائل المعقدة في المواريث فأجاب عنها بالوقت ، حتى سميت بعضها بالمسائل المنبرية.وروى الحارث الأعور الهمداني - وهو من خلّص أصحاب الإمام علیه السلام- أنه سئل


1) الأرشية : الحبال .

2) الطوى البعيدة : الآبار العميقة

3) بحار الأنوار : 35 4 . نهج البلاغة : 1: 41 ، الخطبة 5.

4) شرح الأخبار : 1 : 139 .

5) بحار الأنوار: 34 : 217 نهج البلاغة : 2 : 89 ، الخطبة 175 .

عن مسألة فبادر ودخل الدار ثم خرج في حذاء ورداء ، وهو متبسم ، فبادر بعض الحاضرين ، فقال : يا أمير المؤمنين ، كنت إذا سئلت عن المسألة تكون فيها كالسكة المحماة ، فقال علیه السلام : كُنْتُ حاقِناً (1وَلَا رَأْيَ لِحاقِن ، ثم أنشأ يقول:)إذا المُشكلات تَصَدِّينَ لي كَشَفْتُ حَقَائِقَها بِالنَّظَرْوإِن بَرقَتْ في مَخِيل الصوا ب عمياء لا يجتليها البَصَرُتقَنَّعَةٌ بِغُيوب الأمور وَضَعْتُ عَلَيها صحيح الفكرلِسَاناً كَشِفْشِفَةِ الْأَرْحَبِي (2 أَوْ كَالحُسَامِ اليَمَانِي الذَّكَرُ)وَقَلْباً إِذا اسْتَنْطَقَتْهُ الهُمومُ ***أَرْين عليها بواه درز (3)وَلَسْتُ بِامْعَةٍ (4في الرّجال أُسائِلُ هذا وَذا ما الخَبَرْ)وَلكِنَّني مِذْرَبُ الأَصْغَرَيْن (5 أبَيْنُ مَع ما مضى ما غَبَرُ (6)وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض صفاته وعناصره النفسية. ومن المؤكد أنه لا يضارعه أحد فيما وهبه الله تعالى من الكمالات ومعالي الآداب والأخلاق .


1) الحاقن : الذي اجتمع بوله كثيراً .

2) الأرحبي : نسبة إلى أرحب بطن من همدان ، تنسب لهم النجائب الأرحبية .

3) أبر : زاد على ما استنطقه

4) الإمعة: الأحمق الذي لا يثبت على رأي .

5) المذرب : الحاد .)الأصغرين : القلب واللسان .

6) أمالي الطوسي : 514 ، الحديث 1125. بحار الأنوار: 42: 187 .

## مَعَ الشَّوْرَة الأسلامية### اشارة

إنّ الثورة الإسلامية الكبرى أعظم ثورة إصلاحية عرفتها الإنسانية في جميع مراحل تأريخها .. إنّها ثورة الفكر ، وثورة القيم الكريمة على التخلف والانحطاط ، إنّها ثورة العلم على الجهل ، وثورة الفقراء والمستضعفين على أسيادهم المستعبدين .. إنّها الثورة العظمى التي أقامت هيكلاً رفيعاً للتطور والابداع في جميع مراحل هذه الحياة .إنّ الثورة الإسلامية العظمى التي فجرها الرسول الله في مكة قد أوجدت زلزالاً مدمّراً للحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية في ذلك المجتمع الذي كان فيه ، وكانت أشدّ هولاً ، وأعظم محنة على طغاة القريشيّين، فقد استهدفت تدمير معتقداتهم ، وإقصاء عاداتهم وتقاليدهم التي كانوا يؤمنون بها ، ودعتهم إلى نظام مشرق جديد يفتح لهم آفاقاً من العزة والكرامة لم يألفوها ، ولم يحلموا بها من قبل وهذه صور مشرقة من بنود الثورة الإسلامية .### 1 - تحطيم الأصنامأما الأصنام فكانت مسرحاً للحياة الفكرية والعقائدية في مكة وما جاورها ، فقد اتخذها المجتمع آلهة يعبدونها من دون الله تعالى ، وقد علّق على جدران الكعبة ما يزيد على ثلاثمائة صنم ، وكان أعظمها مكانة وأعزّها شأناً عندهم الأصنام التالية :- هبل .

- اللات.- العزّى .- مناة .وكانت هذه الأصنام آلهة لمعظم أهالي مكة ، فقد نشأوا على عبادتها ، وفطروا على الإيمان بها ، واعتقدوا اعتقاداً جازماً أنها خالقة الكون وواهبة الحياة ، وقد تفانوا في عبادتها مقلدين لآبائهم الذين هم كالأنعام بل أضل سبيلاً.وكان أوّل ما أعلنه الرسول صلی الله علیه و آله و سلم في دعوته الخلاقة الدعوة إلى عبادة الله تعالى في خالق الكون وواهب الحياة ، وتدمير الأصنام التي لا تعي ولا تعقل ، والتي تمثل الانحطاط الفكري ، وتلحق الإنسان بقافلة الحيوان الأعجم .وكان من أشدّ المؤمنين بالأصنام، والمتفانين في الولاء لها الجاهلي أبوسفيان عميد الأسرة الأموية ، وشيخ القرشيين ، وهو الذي فزع أشدّ ما يكون الفزع حينما رأى النبي صلی الله علیه و آله و سلم يطوف حول الكعبة ، ويقرأ نشيد الإسلام : «لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك لبيك ».وفقد صوابه ، وصاح بأعلى صوته : اعل هبل .فرد عليه النبي صلی الله علیه و آله و سلم بعنف : « يا أبا سُفْيَانَ ، اللهُ أَعْلى وَأَجَلٌ ».وكان من شدة إيمان القريشيين بالأصنام أن خفّ إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم ععصابة منهم فعرضوا عليه أن يعبد أصنامهم سنة ، ويعبدون الله تعالى معه ، ويعبدون الله تعالى معه سنة أخرى ، فنزلت على الرسول سورة : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ...(1))لقد فزعت قريش وضاقت بها الأرض حينما أعلن الرسول له دعوته لسحق


1) الكافرون 109 : 1 - 3 .

الأصنام وتدميرها وتطهير البيت الحرام منها ، واعتبروا ذلك تحطيماً لكيانهم العقائدي فهبوا جميعاً لمناجزة الرسول ومقاومته ، وحاربوه بجميع طاقاتهم ، وما يملكونه من وسائل القوة .### 2 - تحرير العبيد والمستضعفينأما العبيد في العصر الجاهلي فهم المعذبون في الأرض ، قد نبذهم المجتمع واحتقرهم ، ولم ير لهم أي كيان ، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ممّا عانوه من صنوف الذل والعبودية ، وتبنى النبي صلی الله علیه و آله و سلم قضاياهم ، ودعا إلى تحريرهم ومساواتهم لبقية أبناء المجتمع ، وقد بشرهم بأنهم سيكونون مع المستضعفين أسياد المجتمع ، وكان من بينهم بلال الحبشي ، وعمّار بن ياسر وأبوه ياسر ، وأُمّه سميّة ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهم من المؤمنين الذين ألهبت أجسامهم سياط القرشيين .لقد دوّى صوت الرسول صلی الله علیه و آله و سلم في آفاق مكة إنه «لا فَضْلَ لِأَبْيَضَ عَلى أَسْوَدَ إِلَّا بِالتَّقْوى .وقد ورمت آناف سادات العبيد من القرشيين وانتفخ سحرهم من دعوة النبي صلی الله علیه و آله و سلم بأنّ عبيدهم سينعمون بالحرية الكاملة ، وأنّهم سيكونون سادة لهم فهبوا متضامنين أجمعين اكتعين لمناجزته ، والاجهاز على دعوته .### 3 - تحرير المرأة#### اشارةأما المرأة في العصر الجاهلي فقد عانت من القسوة والظلم ما لا يوصف لمرارته وشدته ، فقد استهان بها العرب ، وحمّلوها من أمرها رهقاً ، وكان من مظاهر ظلمها :#### 1 - وأد البناتوكان من الظلم الفاحش للمرأة في العصر الجاهلي أنه إذا ولد لشخص بنت ظلّ

وجهه مسوداً وهو كظيم ، كما حكى القرآن ذلك بقوله : (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمٌ(1). والأدهى من ذلك وأشدّ بلاءً أن بعضهم كان يسارع إلى وأد ابنته وهي حية ، وقد نعى القرآن عليهم ذلك بقوله تعالى : (وَإِذَا الْمَوْءُ ودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (2)، وكانت هذه البادرة القاسية شائعة عند بعض القبائل كربيعة وكندة وتميم ﴾ وغيرهم ، ومن الأمثال الشائعة دفن البنات من المكرمات.

2 - حرمانها من الميراث

أما المرأة في العصر الجاهلي فلا ترث زوجها وأباها وسائر أقربائها ، ولا حظ لها من الميراث مطلقاً .. وقد انتصر لها الإسلام ، وفتح لها آفاقاً كريمة من الحياة الرفيعة ، وشرّع لها من الحقوق ما لم يقننه أي نظام قديماً ولا حديثاً، فقد ساوى بينها وبين الرجل مساواة كاملة في جميع الحقوق والواجبات ، وجعلها مسؤولة عن حماية الجيل ، وصيانته من اقتراف الجرائم والموبقات ، وأوجب على الزوج القيام بالإنفاق عليها ، وجعلها ترث وتورّث ، وفرض عليها التفقه في الدين ، وطلب العلم ، كما جعل لها الحرية في اختيار الزوج ، ولكن بمشاركة أبيها إذا كانت باكراً -كما ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء - ؛ لأنّه أدرى منها بمعرفة الرجال خوفاً أن يكون ما اختارته شاذاً في سلوكه ومنحرفاً في شخصيته وهي لا تعلم ذلك .

إلى غير ذلك من الحقوق الكاملة التي قنّنها الإسلام لها ، وكانت معاملة الإسلام للمرأة بهذه الصورة من الاحتفاء والتكريم غريبة على العرف الجاهلي ، لم يألفوها ، فقد جافت تقاليدهم وعاداتهم .


1) النحل 16: 58

2) التكوير :81 98

3- الزواج بأرملة الأب

من عادات الجاهلية التي حرمها الإسلام أن الرجل منهم إذا توفى قام أكبر أولاده فألقى ثوبه على امرأة أبيه ، وورث بذلك نكاحها ، فإذا لم يكن له إرب فيها زوجها من بعض اخوته أو غيرهم، وأخذ مهرها ، وقد حرّم الإسلام زواج ولد الميت بها قال تعالى : (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ )(1).

وكانوا يتوارثون النساء كما يتوارثون الأموال، وكان زواجهن بید آبائهن واخوانهنّ ، فإن شاء وا زوّجوهنّ وأخذوا صداقهنّ ، وإن شاء وا تركوهن عوانس أو يفدين أنفسهن بالمال ، وقد حرّرهن الإسلام من هذه القيود والأغلال ، وبنى لهنّ اطاراً من العزة والكرامة ما لم يحلمن به .

4 - المساواة بين الناس

من المبادئ العليا التي تبناها الإسلام المساواة العادلة بين جميع أبناء البشر على اختلاف جنسياتهم وقومياتهم ، فلا فرق بين حاكم ومحكوم ، ولا بين غني وفقير ، فالناس كلهم متساوون أمام القانون وفي الحقوق والواجبات والمسؤوليات ، لا امتياز لقوم على آخرين، وكانت هذه المساواة لذيذة ومقدسة عند المستضعفين والبؤساء ، فآمنوا بالإسلام إيماناً مطلقاً.

يقول الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم : « لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٌّ عَلَى عَجَمِيٌّ ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ إِلَّا بِالتَّقْوى ».

وقد نفرت جبابرة قريش وساداتها من هذه المساواة ، فكانوا يرون أنهم سادة المجتمع وأشرف من بقيّة القوميات ، فلذا هبوا لمناجزة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم وتعذيب من آمن به من عبيدهم وأبنائهم ونسائهم .


1) النساء 4 22

5 - حماية الحقوق

من القيم الخلاقة التي رفع شعارها الإسلام حماية حقوق الناس والأخذ بظلامة الضعيف من القوي ، وليس لأي أحد سلطان على أحد ، وإنما الجميع سواسية أمام القانون ، وفزعت قريش من ذلك ،، وجندت جميع طاقاتها لمحاربة الإسلام .

6 - تحريم الربا

واصطدمت دعوة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم بمصالح الرأسماليين من قريش الذين كانوا يعتمدون في معاملاتهم وتجارتهم على الربا، وقد انتشر بصورة هائلة في مكة ، وكان ممن يتعاطاه العباس بن عبد المطلب ، وقد حرّمه النبي صلی الله علیه و آله و سلم تحريماً باتاً ؛ لأنه يوجب تكدّس الثراء العريض عند فئة من الناس وشيوع الفقر والحاجة عند الأكثرية الساحقة ، وقد ذعر أصحاب رؤوس الأموال من دعوة الرسول وناجزوه بجميع ما يملكون من قوّة .

7 - تحريم الخمر

أما الخمر فكان شائعاً في العصر الجاهلي ، ومنتشراً في جميع الأوساط ، ولما حرمه الإسلام أوجد ضجّة واصطدم مع ملذاتهم وعاداتهم ، وأضمروا في نفوسهم الحقد على النبي صلی الله علیه و آله و سلم.

8 - تحريم الاستغلال

وحرّم الإسلام استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، والاستيلاء على جهوده وأتعابه مجاناً وبلا عوض ، فإنّ ذلك ممّا يؤدّي إلى إشاعة الفقر والحاجة في المجتمع .

9 - إقصاء الفقر

من المبادئ التي رفع شعارها الرسول صلی الله علیه و آله و سلم إقصاء الفقر وإزالته عن المجتمع ، واعتبره كالكفر في وجوب مكافحته ، وأنّه كارثة مدمرة ومصدر لكل جريمة وموبقة تقع في البلاد ، ففرض الضرائب في أموال الأغنياء والتي من أهمها الزكاة ، وجعل الدولة مسؤولة عن جبايتها وتوزيعها على الفقراء ، كما فرض لهم التكافل الاجتماعي ، والتضامن الاجتماعي وغيرهما من الوسائل التي تقضي الفقر .

10 - إشاعة العلم

من المبادئ التي تبناها الرسول صلی الله علیه و آله و سلم إشاعة العلم ونشره بين الناس ، وإقصاء الجهل ، وقد جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ، وأهاب بالمسلمين أن يرفعوا عنهم كابوس الجهل ، وينموا عقولهم بالعلم ؛ لأنّه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقوم لهم قائمة وهم يرسفون في قيود الجهل ، وقد عرضنا إلى بحوث مهمة في هذا الموضوع في كتابنا ( النظام التربوي في الإسلام).

هذه بعض المثل الكريمة والمبادئ الرفيعة التي رفع شعارها النبي صلی الله علیه و آله و سلم . ولم يفهمها المجتمع القرشي في مكة ، فكانت غريبة عليه ، فاندفع بجميع قواه إلى مناهضتها وإطفاء نورها.

الإمام علیه السلام يصف الإسلام

ووصف الإمام علیه السلام الإسلام وصفاً رائعاً وملماً بواقعه في كثير من خطبه وكلماته كان منها مايلي :

• قال علیه السلام: ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ دِينُ اللهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ ، وَاصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ ، وَأَصْفَاهُ خِبَرَةَ خَلْقِهِ ، وَأَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَيَّتِهِ.

أَذَلُّ الْأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ ، وَوَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ ، وَأَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ ، وَخَذَلَ مُحَادِّيهِ (1)بِنَصْرِهِ ، وَهَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلَالَةِ بِرُكْنِهِ (2).

أرأيتم هذا الوصف الكامل الدقيق للإسلام فهو دين الله تعالى الذي اصطفاه ووهبه لعباده يقيم أودهم ويصلح شؤونهم ويهديهم للتي هي أقوم .

2 - قال علیه السلام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الْإِسْلَامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ ، وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ ، فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ (3)، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ ، وَبُرْهَانَا لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ ، وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ ، وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ ، وَفَهْماً لِمَنْ عَقَلَ ، وَلُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ ، وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ ، وَتَبْصِرَةٌ لِمَنْ عَزَمَ ، وَعِبْرَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ صَدَّقَ ، وَثِقَةٌ لِمَنْ تَوَكَّلَ ، وَرَاحَةٌ لِمَنْ فَوَّضَ ، وَجُنَّةٌ لِمَنْ صَبَرَ .

فَهُوَ أَبْلَجُ الْمَنَاهِجِ ، وَأَوْضَحُ الْوَلَائِجِ ؛ مُشْرَفُ الْمَنَارِ ، مُشْرِقُ الْجَوَادُ ، مُضِيءُ الْمَصَابِيحِ ، كَرَيمُ الْمِضْمَارِ ، رَفِيعُ الْغَايَةِ ، جَامِعُ الْبَةِ ، مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ ، شَرِيفٌ الْفُرْسَانِ . التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ ، وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ ، وَالْمَوْتُ غَايَتُهُ ، وَالدُّنْيَا مِضْمَارُهُ ، وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ ، وَالْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ (4).

ولقد وعى الإمام علیه السلام الإسلام ، وآمن بقيمه وأهدافه ، فوصفه هذا الوصف الرائع الذي أحاط بمقوماته ومكوناته.


1) المحادّ : الشديد المخالفة .

2) نهج البلاغة / محمد عبده : 2 : 174 .

3) علقه : أي من تعلّق به .

4) نهج البلاغة / محمد عبده : 1: 231.

الإمام علیه السلام أوّل مَن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم

اشارة

والشيء المحقق عند الرواة والمحققين هو أنّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام هو أول من آمن وصلى مع النبي صلی الله علیه و آله و سلم في البيت الحرام (1)، وقد نقل المؤرخون بعض من شاهد صلاته مع النبي صلی الله علیه و آله و سلم وهم:

1 - عفيف الكندى

روى عفيف الكندي ، قال : « جئت في الجاهلية إلى مكة، وأنا أريد أن ابتاع لأهلي من ثيابها وعطرها ، فأتيت العبّاس بن عبدالمطلب ، وكان تاجراً ، فأنا عنده جالس انظر إلى الكعبة ، وقد حلّقت الشمس في السماء فارتفعت وذهبت إذ جاء شاب فرمى ببصره إلى السماء ثمّ قام مستقبلاً الكعبة ، ثمّ لم يلبث إلا يسيراً حتى جاء غلام فقام على يمينه ، ثمّ جاءت امرأة فقامت خلفهما ، فركع الشاب فركع معه الغلام والمرأة ، ثمّ رفع الشاب رأسه فتابعه الغلام والمرأة ، وسجد الشاب فسجد معه الغلام والمرأة ، فقلت متعجباً : يا عباس ، أمر عظيم !!

وطفق العباس قائلاً : نعم ، أمر عظيم !! أتدري من هذا الشاب ؟

قال : لا .

هذا محمد بن عبد الله ابن أخي ، أتدري من هذا الغلام ؟ هذا عليّ ابن أخي .

أتدري من هذه المرأة ؟ هذه خديجة بنت خويلد زوجته .

إن ابن أخي هذا - وأشار إلى محمد صلی الله علیه و آله و سلم - أخبرني أنّ ربِّه ربّ السماء والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه ، لا والله ما على الأرض كلّها أحد على هذا الدين غير


1) صحيح الترمذي : 2 : 300 تاريخ الأمم والملوك : 2 55 البداية والنهاية : 3: 27. مستدرك الحاكم : 3 : 112 . شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 4 : 169 .

هؤلاء الثلاثة »(1).

2 - عبد الله بن مسعود

روی عبد الله بن مسعود ، قال : « إن أول شيء علمته من أمر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قدمت مكة مع عمومة لي فأرشدونا إلى العباس بن عبدالمطلب ، فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم ، فجلسنا إليه ، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبيض تعلوه حمرة ، له وفرة جعدة إلى أنصاف أذنيه ، أقنى الأنف ، برّاق الثنايا ، أدعج العينين ، كث اللحية ، دقيق المسربة ، شئن الكفين والقدمين، عليه ثوبان أبيضان ، كأنه القمر ليلة البدر ، يمشي عن يمينه غلام أمرد حسن الوجه ، مراهق أو محتلم ، تقفوه امرأة قد سترت محاسنها، حتى قصد نحو الحجر فاستلمه ، ثم استلمه الغلام ، ثمّ استلمته المرأة ، ثمّ طاف بالبيت سبعاً ، والغلام والمرأة يطوفان معه .

قلنا : يا أبا الفضل ، إنّ هذا الدين لم نكن نعرفه فيكم ، أو شيء حدث ؟

فقال العباس : هذا ابن أخي محمد ، والغلام علي بن أبي طالب ، والمرأة خديجة ، وتابع ابن مسعود حديثه قائلاً: أما والله ما على وجه الأرض من أحد نعلمه يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة (2).

وهذه الفضيلة للإمام علیه السلام لم يفز بها أحد غيره من الصحابة وغيرهم ، وقد اعترف بها سعد بن أبي وقاص مع انحرافه عن الإمام علیه السلام ، فقد اجتاز على قوم مجتمعين على فارس وهو يسب الإمام علیه السلام فبادر إليه سعد قائلاً: يا هذا ، على ما تشتم علي بن أبي طالب ؟ ألم يكن أول من أسلم ؟ ألم يكن أول من صلى مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ؟ ألم يكن أزهد الناس ؟ ألم يكن أعلم الناس ؟ ألم يكن ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على


1) خصائص النسائي : 3 . مسند أحمد بن حنبل : 1 : 309 الطبقات الكبرى : 8: 10 .

2) مجمع الزوائد : 224 . كنز العمال : 7 : 56 .

ابنته ؟ ألم يكن صاحب راية رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في غزواته ؟

واستقبل سعد القبلة ، ورفع يديه بالدعاء ، وقال : اللهم إنّ هذا يشتم وليّاً من أوليائك فلا تفرّق هذا الجمع حتى تريهم قدرتك ، ولم يلبثوا يسيراً حتى نفرت به دابته فرمته على هامته في تلك الأحجار فانفلق دماغه (1).

الإمام علیه السلام مع النبي صلی الله علیه و آله و سلم في بداية دعوته

وواكب الإمام علیه السلام الرسول صلی الله علیه و آله و سلم في بداية دعوته ، وكان في فجر الصبا وروعة الشباب ، وقد آمن بوعي وفكر برسالة الإسلام ، وانطبعت في دخائل نفسه ، وأعماق ذاته ، وحينما أمر الرسول صلی الله علیه و آله و سلم بتبليغ رسالة ربه إلى عشيرته بهذه الآية: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (2)دعا الإمام وأخبره بما أمر به من تبليغ الدعوة المباركة إلى عشيرته الأقربين، وأحاطه علماً أنهم لا يستجيبون له ، ولا يؤمنون برسالته ، ولكنّه مأمور بذلك لإقامة الحجّة عليهم ، فأعد لهم وليمة وشراباً من لبن ، وسارع الإمام إلى دعوتهم فاستجابوا له ، وكان فيهم من أعمامه مؤمن قريش أبو طالب وحمزة والعبّاس وأبو لهب ، ولما حضروا قدّم لهم الإمام الطعام ، فتناول النبي صلی الله علیه و آله و سلم قطعة من اللحم فشقها بأسنانه ، وألقاها في نواحي الصحفة ، وقال لهم : « خذوا بسم الله»، فأكلوا جميعاً ، والطعام باقي على حاله ، وكان الرجل يأكل مقدار ما في الصحفة إلا أنها ببركة النبي صلی الله علیه و آله و سلم لم ينقص منها شيء ، وبادر الإمام فسقاهم اللبن حتى ارتووا .)وقام النبي صلی الله علیه و آله و سلم فقد عاهم إلى اعتناق الإسلام ونبذ الأصنام ، فقطع الأثيم أبولهب كلامه ، وخاطب المجتمعين قائلاً: لقد سحركم .فتفرقوا بين مستهزئ وساخر ، ولم يحدثهم النبي صلی الله علیه و آله و سلم شيئاً ، فقد قطع أبو لهب


1) مستدرك الحاكم : 3 : 499 .

2) الشعراء 26 214

عليه كلامه ، وفي اليوم الثاني دعاهم النبي صلی الله علیه و آله و سلم إلى تناول الطعام فأكلوا وشربوا وانبرى النبي خطيباً فقال : يا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، إِنِّى وَاللهِ مَا أَعْلَمُ شاباً فِي الْعَرَب جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلِ مِمّا قَدْ جِئْتُكُمْ بِهِ ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَقَدْ أَمَرَنِي اللهُ تَعالى أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ ، فَأَيُّكُمْ يُوَازِرَني عَلى هَذَا الْأَمْرِ عَلَى أَنْ يَكُوْنَ أَخِي وَوَصِيِّي وَخَلِيْفَتِي فِيكُمْ ؟فأحجم القوم كلّهم ولم ينبس أحد منهم ببنت شفة كأن على رؤوسهم الطير، ولم يجبه أحد منهم ، فانبرى إليه الإمام أمير المؤمنين فقال له بحماس : أنا يا نَبِيَّ اللهِ أكُونُ وَزِيْرَكَ عَلَيْهِفأخذ النبي صلی الله علیه و آله و سلم برقبته ، وخاطب القوم قائلاً : إِنَّ هَذَا أَخِي وَوَصِيِّي وَخَلِيفَتِي فِيْكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا .وتعالت أصوات أولئك الأقزام بالسخرية والاستهزاء قائلين لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع(1.وهذا الحديث من أوضح الأدلة ، ومن أكثرها بياناً وعطاء على إمامة الإمام أمير المؤمنين ، وأنه وزير النبي صلی الله علیه و آله و سلم وخليفته الشرعي من بعده على أمته.لقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم دعوته إلى التوحيد بالدعوة إلى الخلافة والوزارة والإمامة من بعده ، وقلّدها إلى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، فهو أول من آمن بالرسول صلی الله علیه و آله و سلم


1) تاريخ الأمم والملوك : 2: 63. الكامل في التاريخ : 2 : 24. مسند أحمد بن حنبل : 1: 63)ومن الغريب أن ابن كثير في تفسيره ذكر الحادثة ، وكتب على كلام النبي : « أيكم يوازرني ليكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم كتب يقول : أيكم يوازرني على أن يكون كذا وكذا.وكذلك كتب على قول : النبيّ : « هذا أخي ووصيّي ... إلخ » أيكم يوازرني على أن يكون كذا وكذا ، قاتل الله هذه العصبية التي تنمّ عن نفس لا علاقة لها بالواقع ولا صلة لها بالتعبد بقول النبي .

وأجاب دعوته ، وصدق برسالته ، والذي ينكر ذلك فليس برشيد .ووصف الشاعر الملهم السيد الحميري دعوة النبي صلی الله علیه و آله و سلم أسرته إلى الإسلام ، ونكوصهم عن إجابته ، وإيمان الإمام علیه السلام بها بقوله :وَيَومَ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ قَدْ عَلِمُوا ***أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَدنَيْنَ إِنْ بَصُرُوافَقالَ يا قَومِ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي ***إِلَيكُمْ فَأَجِيبوا اللَّهَ وَادَّكِرُوافَأَيُّكُمْ يَجْتَبِي قَوْلي وَيُؤْمِنُ بي ***أَنِّي نَبِيُّ رَسُولٌ فَانبَروْا غُدَرُفقال ثباً أَتَدعونا لتلفِتَنا ***عَنْ ديننا ثُمَّ قَامَ القَومُ فَاشْتَمَروامِنَ الَّذي قالَ مِنْهُمْ وَهُوَ أَحْدَتُهُمْ ***سِنًا وَخِيرُهُمْ فِي الذِّكْرِ إِذْ سُطرواآمَنتُ بِاللهِ قَدْ أُعْطِيتَ نَافِلَةٌ ***لَمْ يُعْطَها أَحَدٌ جِن ولا بَشَرُ (1)وقال الحميري في قصيدة أخرى منها هذه الأبيات :فَقالَ لَهُمْ إِنِّي رَسُولٌ إِلَيْكُمُ ***وَلَسْتُ أَراني عِنْدَكُمْ بِكَذُوبِفَأَيُّكُمْ يَقْفُو مَقالي ؟ فَأَمْسَكُوا ***فَقالَ أَلَا مِنْ ناطِقٍ فَمُجِيبي ؟فَفاز بها مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَسادَهُمْ ***وَمَا ذَاكَ مِنْ عاداتِهِ بِغَرِيبٍ (2)وعلى أي حال فقد انفض القوم ، ولم يفلح أي أحد منهم بإجابة الرسول صلى الله عليه وسلم وتصديقه سوى أخيه وابن عمه الإمام علیه السلام .### فزع القرشيينصلى وفزعت قريش أشدّ ما يكون الفزع من دعوة رسول صلی الله علیه و آله و سلم واضطربت حياتهم


1) دیوان الحميري : 203

2) ديوان الحميري : 118 .

الاجتماعية والفردية ، وانتشرت الكراهة والبغضاء في أوساطهم ، فقد صبا إلى الإسلام فريق من شبابهم ، وبعض السيدات من نسائهم ، والأرقاء من عبيدهم ، والمستضعفون في ديارهم أمثال عمّار وياسر وسميّة ، فكان الولد ينفر من أبويه ، وأمّا المرأة فقد خلعت طاعة زوجها، واحتقرته ولا تقرب منه ، وأما الأرقاء والمستضعفون فقد فتح لهم الإسلام آفاقاً كريمة من العزة والكرامة وبشرهم بمستقبل كريم ، إنّهم سيكونون سادة المجتمع ، وستكون جبابرة قريش وطغاتها أذلاء صاغرين.لقد عمّت الاضطرابات معظم بيوت مكة، وحدث زلزال عنيف في ذلك المجتمع ، واستحكم العداء بين الولد وأبويه ، والأخ مع أخيه والسادة مع أرقائهم .### إجراءات قاسية#### اشارةوأجمعت قريش على مناجزة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ومناهضته بجميع ما تملك من وسائل القوّة ، كما أجمعت على تعذيب من آمن به من شبابهم ونسائهم وأرقائهم والمستضعفين منهم ، وقد اتخذوا من الاجراءات القاسية ضدّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم وأصحابه ما يلي :#### 1 - إغراء صبيانهم بمحاربة النبي صلی الله علیه و آله و سلموأوعزت قريش إلى صبيانهم بمحاربة النبي الله والقاء الحجارة والتراب والرمادعليه ، وإنّما عمدت لذلك لتعتذر من أبي طالب حامي النبي صلی الله علیه و آله و سلم، والمدافع عنه ، وتنفي عنها المسؤولية وتلقيها على أطفالهم وصبيانهم الذين لا يعقلون ، ولا يؤاخذون بشيء من أعمالهم ، وقد تصدى لأولئك الصبيان الإمام ، وكان في سنه المبكر قوي الساعدين ، يحمل عليهم بعنف وقسوة فيوجعهم لكماً وضرباً ، فإذا خرج النبي صلی الله علیه و آله و سلم سار الإمام خلفه ، فإذا رأوه فروا منهزمين إلى آبائهم وأمهاتهم يسايرهم

الرعب والخوف من الامام علیه السلام .#### 2 - اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالجنونمن الوسائل التي لجأت إليها قريش في محاربة النبي صلی الله علیه و آله و سلم رميه بالجنون لأنه جاءهم بشريعة مجافية لعقولهم التي ران عليها الجهل وخيّم عليها الشرك .لقد اتهموه بالجنون ، وهو العقل المدبر للإنسانية ، والدماغ المفكر الذي استوعب بوعي جميع قضايا الإنسان ووضع لها الحلول الحاسمة ، لقد اتهموه بذلك لإفشال دعوته ، وصدّ الجماهير من اعتناقها ، وقد باء وا بالفشل والخزي ، وسارت دعوة الرسول كالضوء ، فقد آمنت كوكبة من الشباب بالدعوة المباركة ، ووقفوا قوة ضارية لحمايتها .#### 3- اتهامه صلی الله علیه و آله و سلم بالسحروأشاعت قريش أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم ساحر وأنه غير مرسل من السماء .. وقد اتهموه بذلك حينما كان يتلو عليهم كتاب الله تعالى البالغ حد الاعجاز في بلاغته وفصاحته ، وماكان يلقيه عليهم من روائع الحكم والآداب التي تأخذ بمجامع العقول والنفوس ، بالاضافة إلى ما كان يريهم من آيات معجزاته التي أمده الله تعالى ب-ه-ا لتصديقه ، وإيمان الناس به، وقد باءت هذه التهمة بالفشل ، ولم تلق أي أذن صاغية لها .#### 4 - تعذيب المؤمنينوصبّ القرشيّون جام غضبهم على من آمن بالرسول صلی الله علیه و آله و سلم من أبنائهم ونسائهم وأرقائهم والمستضعفين منهم ، فقد نكلوا بهم كأقسى وأفظع ما يكون التنكيل ، فقد عذبوا ياسراً وسميّة وعماراً عذاباً منكراً ،وأليماً ، وكان النبي يجتاز عليهم فيراهم

يئنون تحت وطأة التعذيب فتتقطع أنياط قلبه عليهم ألماً ، فقال فيهم كلمته الخالدة التي كانت وسام شرف وفخر لهذه الأسرة الكريمة في جميع الأحقاب والآباد : «صَبْراً آلَ يَاسِرِ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةَ »(1. واستشهد ياسر ، واستشهدت معه سمية بأيدي جبابرة قريش ، ونجا الصحابي العظيم عمار بعد ما عذب.)وقد عانى المؤمنون من الرجال والنساء جميع صنوف التعذيب والاضطهاد والتنكيل مما اضطرهم إلى الهجرة من وطنهم مكة إلى الحبشة ، وكان فيهم جعفر الطيّار، وقد لاحقتهم قريش لإرجاعهم إلى مكة لتصفيتهم جسدياً إلا أن ملك الحبشة لم يستجب لهم وأبقاهم في بلده ولم يعرض لهم أحد بمكروه.#### 5 - في شعب أبي طالبوأجمع رأي وجوه القرشيين وساداتهم على حبس النبي صلی الله علیه و آله و سلم وأهل بيته في شعب أبي طالب ، وفرض الإقامة الجبرية عليهم حتى لا يختلطوا بالناس فيغيروا عقائدهم ويغسلوا أدمغتهم من براثن الجاهلية، وقد اتخذوا من القرارات ما يلي:1 - أن لا يزوجوا هاشميّاً بامرأة منهم .2 - لا يتزوج أحد منهم بها شمية .3 - لا يبايعون هاشمياً ولا يشترون شيئاً منهم.وكتبوا في ذلك وثيقة علّقوها في جوف الكعبة ، وأقام الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ومن آمن به من الهاشميين في شعب أبي طالب ، وهم يعانون أشق وأقسى ألوان الاضطهاد والضيق ، وقد أمدتهم بجميع ما يحتاجون إليه أمّ المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها حتى نفد ما عندها من الثروة والأموال ، فما أعظم عائدتها على الإسلام والمسلمين !


1) شرح نهج البلاغة : 13 : 255

### الافراج عن النبي وآله علیه السلامويقي النبي صلی الله علیه و آله و سلم محاصراً في الشعب سنتين أو ما يزيد عليهما، وقد سلّط الله تعالى الأرضة على صحيفة قريش فأتت عليها ، فأخبر النبي صلی الله علیه و آله و سلم عمه أبا طالب بذلك فهرع إليهم وأخبرهم بالأمر فخفوا مسرعين إلى الصحيفة فوجدوها كما أخبر ، فذهلوا ووجموا ، وانبرى جماعة من قريش فطالبوا قومهم برفع الحصار عن الهاشميين فعارضهم أبو جهل ، إلّا أنّ معارضته لم تجد شيئاً ، فقد رفعوا الحصار عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم مع من آمن به ، وخرجوا من الشعب وهم في أقصى ما يتصوّر من الجهد والعناء.وخرج النبي صلی الله علیه و آله و سلم من الشعب وهو يدعو الناس إلى الإيمان بالإسلام ونبذ الجاهلية ، ولم يحفل بتهديد القرشيّين وإجماعهم على مناهضته ، فقد احتمى بعمه أبي طالب شيخ البطحاء ومؤمن قريش ، فكان مع أبنائه سداً حصيناً وقوة ضاربة يحتمي بها ، وقد شجعه على أداء رسالته ومقاومة المد الجاهلي قائلا له :اذْهَبْ بُنَيَّ فَما عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ***اذْهَبْ وَقُرَّ بذاكَ مِنْكَ عُيُوناوَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ***حَتَّىٰ حتّى أوَسُدَ فِي التُرابِ دَفِيناوَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّكَ نَاصِحِي ***وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ قِبْلُ أمينا (1)وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ***مِنْ خَيْرِ أَدْيانِ الْبَرِيَّةِ دِينا (2)فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ***وَابْشر بذاك وَقُرٌ مِنْكَ عُيُونا (3)ودلّ هذا الشعر على إيمان أبي طالب وتفانيه في الولاء لابن أخيه وتصديقه


1) إيمان أبي طالب : 257 .

2) تاريخ أبي الفداء : 1 : 120 .

3) أسنى المطالب : 18 .

لرسالته صلی الله علیه و آله و سلم.وعلى أي حال فقد ورمت قلوب القرشيين غيظاً على النبي صلی الله علیه و آله و سلم وحسداً له ، ومما زاد في بغضهم للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ما يعلنه من التنديد بالأصنام التي اتخذوها آلهة يعبدونها من دون الله تعالى ، وقد ازداد حسد الطغاة من قريش للنبي حينما كانت الأندية تتحدّث عن سموّ أخلاقه وعظيم ما جاء به من هدى ورحمة وخير إلى الناس وإيمان بعض الناس برسالته .### وفاة ابى طالب وخديجةرزئ النبي صلی الله علیه و آله و سلم بكارثة كبرى، وهي وفاة عمه أبي طالب حامي الإسلام وأقوى مدافع عنه ، كما ورزئ بوفاة زوجته أمّ المؤمنين خديجة التي كانت من أقوى المناصرين له ، فقد وهبت جميع ما تملكه من الثراء العريض في سبيل الإسلام، وكانت وفاتها بعد وفاة عمه أبي طالب بثلاثة أيام(1، وبلغ الحزن من النبي صلی الله علیه و آله و سلم أقصاه ، فقد فقد عمّه وزوجته الرؤوم ، وقد سمّي ذلك العام عام الحزن ، فلم يجد بعد عمه ركناً شديداً يأوي إليه ، وبقي في أرياض مكة تسايره الهموم والأحزان خوفاً من بطش القرشيين وكيدهم .### إجماع القرشيين على قتل النبي صلی الله علیه و آله و سلموبعدما نكب الرسول صلی الله علیه و آله و سلم فقد عمه حامي الإسلام صمّم على مغادرة مكة والهجرة إلى يثرب ؛ لأنه وجد فيها ركناً شديداً يأوي إليه ، وهم الذين آمنوا بدعوته من الأوس والخزرج ، فقد كانوا قوة ضاربة تحمي دعوته.


1) إيمان أبي طالب : 261 .)وفي تاريخ اليعقوبي : 2 : 25 : إنّ أمّ المؤمنين توفيت في شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين ، وتوفّي أبو طالب بعدها بثلاثة أيام .

وحينما أشيع عزم النبي صلی الله علیه و آله و سلم على الهجرة إلى المدينة اضطرب القرشيون ، وتعاظم سخطهم ، وورمت آنافهم، فاجتمعوا بدار الندوة ، وعرضوا فيها الأخطار الهائلة التي مُنوا بها من دعوة النبي صلی الله علیه و آله و سلم التي صبا إليها شبابهم ونساؤهم ورقيقهم والمستضعفون في ديارهم ، فصمموا على قتل النبي صلی الله علیه و آله و سلم مهما كلفهم الأمر ، وكان فيما يروي بعض المؤرّخين قد حضر إبليس في ندوتهم فأشار عليهم بإسناد تنفيذ الجريمة إلى عدد يربو على أربعين شخصاً ينتمي كل واحد منهم إلى قبيلة معينة حتى من الأسرة الهاشمية ، وبذلك يتخذ قتله صفة عامة لجميع القبائل فلا تكون قبيلة معينة مسؤولة عن دمه حتى لا يستطيع أنصاره والمؤمنون به الثأر منهم جميعاً ، وقد عيّنوا يوماً لذلك سمّوه يوم الزحمة، وأخبر الله تعالى نبيه العظيم بما عزمت عليه قريش في قتله (1.)### هجرة النبي صلی الله علیه و آله و سلم إلى يثربولما حان اليوم الذي عينته قريش لقتل النبي صلی الله علیه و آله و سلم أحاطوا بداره ليلاً من جميع الجهات شاهرين سيوفهم يترقبون بفارغ الصبر طلوع الفجر لتمزق سيوفهم جسم النبي صلی الله علیه و آله و سلم ويطفئوا ذلك النور الذي أراد أن يحرّرهم من ظلمات الجاهلية ومآثم الحياة .. لقد أرادت قريش أن تنصر أصنامها وأوثانها وتعيد ما فقدته من الهيبة في أوساط العرب.### مبيت الإمام علیه السلام على فراش النبي صلی الله علیه و آله و سلموأوعز النبي صلی الله علیه و آله و سلم إلى أخيه وابن عمه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أن يبيت في فراشه ، ويتشح ببردته الخضراء (2ليوهم على أولئك الأقزام أنه النبي صلی الله علیه و آله و سلم حتى)


1) امتاع الأسماع : 1 : 38 .

2) امتاع الأسماع : 1: 39 .

يسلم من شرهم ، وتلقى الإمام علیه السلام أمر النبي صلی الله علیه و آله و سلم بمزيد من السرور والابتهاج وشعر بالسعادة التي لم يحلم بها من قبل ليكون فداءً لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم.وخرج النبي من الدار ، ورماهم بحفنة من التراب أتت على وجوههم الكريهة قائلاً: شاهَتِ الوجوه ذلاً .وأخذ النبي صلی الله علیه و آله و سلم يتلو قوله تعالى : (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيْهِمْ سَدًا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (1).)إن مبيت الإمام على علیه السلام فراش النبي صلی الله علیه و آله و سلم ووقايته له بنفسه صفحة مشرقة من جهاده ، ومنقبة لا تعدلها أيّة منقبة ، وقد أنزل الله تعالى آية من كتابه ، قال تعالى : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ(2). ويقول الرواة : إن الله تعالى باهى ملائكته بالإمام ، فقد أوحى إلى جبرئيل وميكائيل أنّي أخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ، فاختار كلاهما الحياة على صاحبه ، فأوحى الله عز وجل إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه ، فنزلا فكان جبرئيل عند رأس علي ، وميكائيل عند رجليه ، وجبرئيل يقول للإمام علیه السلام: « بخ بخ ، من مثلك يابن أبي طالب، يُباهِي الله عزّ وجلَّ به الملائكة » ، فأنزل الله على رسوله وهو متوجّه إلى المدينة في شأن علي : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (3).)


1) پس 36 9

2) البقرة :2 : 207

3) أسد الغابة : 4 : 25 نور الأبصار : 770 تفسير الرازي : 5 : 223 في تفسير هذه الآية . مسند أحمد بن حنبل : 1 : 348 . تاریخ بغداد : 13 : 191 . الطبقات الكبرى : 8: 35 ، وغيرها . ذکرت مبيت الإمام علي الله في فراش النبي الله ووقايته له بنفسه

إن مبيت الإمام في فراش النبي صلی الله علیه و آله و سلم يوحي أنّه الشخصية الثانية في رسالة الإسلام الذي يخلف النبي صلی الله علیه و آله و سلم ويمثل شخصيّته ويقوم مقامه ، ولهذه الكرامة دور مهم في دعوة الإسلام لم ينلها أحد من أسرة النبي صلی الله علیه و آله و سلم وأصحابه.ويقول الشاعر الملهم الكبير الشيخ هاشم الكعبي في رائعته :وَمَواقِفٌ لَكَ دُونَ أَحْمَدَ جاوَزَتْ بمقامك التعريف والتحديدافَعَلَى الْفِراشِ مَبِيتُ لَيْلِكَ وَالْعِدى تُهْدِي إِلَيْكَ بَوارِقاً وَرُعودافَرَقَدْتَ مَثْلُوجَ الْفُؤادِ كَأَنَّما ***يُهْدِي القراعُ لِسَمْعِكَ التَّغْرِيدافَكُفِينَ لَيْلَتَهُ وَقُمْتَ مُعارِضاً ***بِالنَّفْسِ لَا فَشِلاً ولا رعديداوَاسْتَصَبحوا فَرَأَوا دُوَيْنَ مُرادِهِمْ جَبَلاً أَشَمُ وَفارِساً صِنْدِيدارصدوا الصَّباحَ لِيُنْفِقُوا كَنزَ الْهُدى أَوَ ما دَرَوْا كَنزَ الْهُدى مَرصودا### دعاء الإمام علیه السلاموأنفق الإمام علیه السلام ليله ساهراً يدعو الله تعالى لينقذه وأخاه النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المحنة الحازبة ، وهذا دعاؤه :يَا مَنْ لَيْسَ لَهُ رَبِّ يُدعى ، يَا مَنْ لَيْسَ فَوْقَهُ خَالِقٌ يُخْشَى ، يَا مَنْ لَيْسَ دُونَهُ إِلهُ يُتَّقى ، يَا مَنْ لَيْسَ لَهُ وَزِيرٌ يُرْشى ، يَا مَنْ لَيْسَ لَهُ نَدِيمٌ يُغْشَىٰ ، يَا مَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجِبٌ يُنَادِي ، يَا مَ لَا يَزْدَادُ عَلى كَثْرَةِ السُّؤالِ إِلَّا كَرَماً وَجُوداً ، يَا مَنْ لَا يَزْدَادُ عَلَى عَظِيمٍ ذُنُوبِ عِبادِهِ إِلَّا رَحْمَةً وَعَفْواً (1.)


1) الصحيفة العلوية الثانية : 117 .

وأثر عنه أنه دعا في تلك الليلة الحازبة بهذا الدعاء أيضاً وهو :أَمْسَيْتُ اللَّهُمَّ مُعْتَصِماً بِذِمَامِكَ الْمَنِيعِ الَّذِي لَا يُحَاوَلُ وَلَا يُطَاوَلُ ، مِنْ شَرِّ كُلِّ غَاشِمٍ وَطَارِقٍ مِنْ سَائِرِ مَنْ خَلَقْتَ ، وَمَا خَلَقْتَ مِن خَلْقِكَ الصَّامِتِ وَالنَّاطِقِ ، في جُنَّةٍ مِنْ كُلِّ مَخُوفٍ ، بِلِبَاسِ سَابِغَةٍ بِوَلَاءِ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ ، مُحْتَجِباً مِنْ كُلِّ قَاصِدٍ لي بأذِيَّةٍ ، بِجِدَارٍ حَصِينِ الْإِخْلاصِ فِي الْإِعْتِرافِ بِحَقِّهِمْ ، وَالتَّمَسُّكِ بِحَبْلِهِمْ ، مُوقِناً أَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَمَعَهُمْ وَفِيهِمْ ، وَبِهِمْ وَمِنْهُمْ وَإِلَيْهِمْ ، أوالي مَنْ والَوْا، وَأَعَادِي مَنْ عَادَوا ، وأَجَانِبُ مَنْ جَانَبُوا .فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وأَعِذْني اللهُمَّ بِهِمْ اتَّقِي مِنْ شَرِّ كُلِّ مَا اتَّقِيهِ يَا عَظِيمُ ، حَجَزْتُ عَنِّي الْأَعَادِيَ بِبَدِيعِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ (1.)وظلّ الإمام راقداً في فراش النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ولما اندلع نور الصبح هجم شاهرين سيوفهم على سرير النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فطلع منه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام كالأسد الضاري شاهراً سيفه ، فلما رأوه ذهلوا وجبنوا ، وصاحوا به : أين محمد ؟فقابلهم الإمام الي بعنف قائلاً : أَجَعَلْتُمُونِي عَلَيْهِ رَقِيباً ؟(2)ونكصوا على أعقابهم يجرون رداء الخيبة والخسران ، فقد فلت من قبضتهم


1) البلد الأمين : 48 .

2) بحار الأنوار: 19: 50 .

الرسول صلی الله علیه و آله و سلم الذي جاء ليحرّرهم من ويلات الجاهلية وخرافاتها .وحقدت قريش على الإمام أشدّ ما يكون الحقد ، ورمته بنظرات حادة ، فقد أفلت منها بسببه النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم ، وصفعها الإمام بتلك الصفعة المذلّة ، وتحداها ، واستخف بها ، وجعل يغدو ويروح أمامها ساخراً ومستهزئاً بها .### مرافقة أبي بكر للرسول صلى الله عليه وسلموغادر النبي صلی الله علیه و آله و سلم مكة ميمماً وجهه صوب يثرب، وقد أنجاه الله من شرّ أولئك الوحوش الكاسرة الذين أترعت نفوسهم بالآثام والرذائل ، وصادفه في الطريق أبوبكر فصحبه ، وسار معه حتى انتهيا إلى جبل ثور(1، وفي أعلاه غار فدخلا فيه ، وأقاما فيه ثلاثة أيام، وأرسل الله تعالى زوجاً من الحمام فباضا في مدخله ، وأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسجت بيتاً لها فيه ، وخفت قريش مسرعة في طلب النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، يتقدمهم سراقة بن مالك ، وكان عالماً بصيراً بمعرفة الأثر ، فانتهى إلى باب الغار فرأى البيض وبيت العنكبوت ، فقال : لو دخله أحد لانكسر البيض ، والنبي صلی الله علیه و آله و سلم يراهم وهو يدعو : « اللَّهُمَّ أَعْمِ أَبْصَارَهُمْ ».)وأعمى الله أبصارهم ، وسلب لبهم ، وقال أبو بكر للنبي صلی الله علیه و آله و سلم : لو نظروا إلى أقدامهم لرأونا .. وبلغ به الخوف أقصاه ، فقال له النبي صلی الله علیه و آله و سلم : « لَا تَخَفْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا».ونزلت الآية الكريمة على النبي العظيم : (إلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (2)، ونزل رجل من قريش فبال على باب الغار ففزع أبوبكر،)


1) جبل ثور : يقع في يمين مكة على مسيرة ساعة - الكشاف 2 : 213 .

2) التوبة 9 40

وقال : يا رسول الله ، قد أبصرونا ، فهدأه النبي وقال له : «لَوْ أَبْصَرُونَا مَا اسْتَقْبَلُونا بِعَوْراتِهِمْ ».(1)ولما أمن النبي وأبوبكر من الطلب خرجا من الغار متجهين نحو المدينة المنورة .### استقبال المدينة للرسولولما علم أهالي يثرب بتشريف النبي صلی الله علیه و آله و سلم هرعوا جميعاً لاستقباله ، وقد علت زغاريد النساء وهن ينشدن :طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنا ***مِنْ ثَنِيَاتِ الوَدَاعوَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنا ***ما دعا للهِ دَاع (2)وكان ذلك اليوم مشهوداً لم يمر على يثرب مثله ، وحينما استقر النبي صلی الله علیه و آله و سلم فيها أخذ يؤسس معالم دولته الكبرى دولة التوحيد التي تبنّت القضايا المصيرية لجميع شعوب العالم وأمم الأرض، وأعلنت حقوق الإنسان، وما يسمو به من الآداب والفضائل .وقد وجد النبي صلی الله علیه و آله و سلم من ولاء أهل المدينة له وتباشيرهم بقدومه ما ملأ قلبه فرحاً وسروراً ، وأيقن أنه سيجد منهم أنصاراً لدعوته وبناة لدولته .### هجرة الإمام علیه السلام إلى يثربولما نزح الرسول صلی الله علیه و آله و سلم من مكة إلى يثرب قام الإمام أمير المؤمنين علیه السلام بأداء الأمانات التي عند النبي ، وردّ الودائع ، وقضاء ديونه صلی الله علیه و آله و سلم، وأمر منادياً ينادي بالأبطح من كانت له عند رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أمانة فليأت ويستلم أمانته ، وبعد ما أدّى


1) مجمع البيان : 5: 30.

2) البداية والنهاية : 3 : 241 .

ذلك حمل السيّدات الزاكيات من الفواطم وهاجر بهنّ إلى يثرب ، فلحقه سبعة من عتاة قريش لصدّه عن السفر ، فانبرى إليهم الإمام ببسالة وعزم ، فقتل واحداً منهم ، وهرب الباقون(1.)وسار الإمام يطوي البيداء لا يلوي على شيء حتى انتهى إلى يثرب ، وقيل إلى قبا المدينة (2.)قبل أن يدخل النبي ! ولما بلغ النبي قدوم عليّ أمر بإحضاره فقيل له إنّه لا يقدر على المشي ، فأتاه النبي فلما رآه اعتنقه ويكى رحمة لما بقدميه من الورم من كثرة المشي فأخذ النبي من ريقه ومسح به رجليه فبرئتا ، ولم يَشك بعد ذلك منهما شيئاً (3.)### الاخوة بين المسلمينوأول عمل قام به الرسول صلی الله علیه و آله و سلم أنه أخى بين المهاجرين والأنصار ، وربط بينهم برباط الاخوة الصادقة فشارك كلّ واحد منهم أخاه في مكاره الدهر ولينه ، وآخى بينه وبين الإمام علیه السلام (4كما قام صلی الله علیه و آله و سلم بالإصلاح وإشاعة المودة بين الأوس والخزرج الذين . كانوا يشكلون الأكثرية الساحقة من سكان المدينة المنوّرة ، وكانت البغضاء سائدة بينهما فأطفأها النبي صلی الله علیه و آله و سلم .)### تأسيس الجامع النبويّوحينما استقر النبي صلی الله علیه و آله و سلم في يثرب قام بتأسيس مسجده المعظم ليكون مقرّاً


1) أعيان الشيعة : 3 : 92

2) الطبقات الكبرى : 3 : 22

3) أسد الغابة : 4 : 92 .

4) الطبقات الكبرى : 3: 22. وجاء فيه : « أن النبي الله قال للإمام : أَنْتَ أَخي ، تَرِثْني وَأَرِتكَ ».

لحكومته ، ومركزاً لعبادته ، ومعهداً لتعاليمه ، وكان طوله وعرضه (60 ذراعاً ، وقد انبرى المسلمون صلی الله علیه و آله و سلم من المهاجرين والأنصار إلى العمل فيه ، وكان النبي الله جملة العمال ، وقد انبرى أحد المسلمين محرّضاً لهم على العمل قائلاً:)لَئِنْ فَعَدْنا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ ***لَذاكَ مِنَا الْعَمَلُ الْمُضَلِّلُوردّد المسلمون في أثناء عملهم قائلين :لاعَيشَ إِلَّا عَيشُ الآخِرَة ***اللهمَّ ارْحَمِ الْأَنْصارَ وَالمُهَاجِرَةوكان النبي صلی الله علیه و آله و سلم يردّد : « لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ ... اللهُمَّ ارْحَمِ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار».وكان من جملة العاملين الصحابي العظيم الطيب ابن الطيب عمّار بن ياسر ، وقد أثقله بعض الحاقدين عليه بحمل الكثير من اللبن ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أعياه التعب قائلاً: يا رسولَ اللهِ ، قتلوني ، يُحملون عَليَّ ما لا يحملون .قالت أم سلمة : رأيت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ينفض فروة عمار بيده ويقول له : « وَيْحَ ابْنَ سُمَيَّةَ ، لَيْسوا بِالَّذِينَ يَقْتُلُونَكَ ، إِنَّما تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْباغِيَةُ ».وكان الإمام علي علیه السلام من جملة العاملين في تأسيس الجامع النبوي وهو يرتجز :لَا يَسْتَوِي مَن يَعْمُرُ المَساجِدا ***يَدابُ فيه قائماً وَقاعِداوَمَنْ يُرى عَنِ الْغُبارِ حائِداً (1)وتم بناء الجامع النبوي ومساكن النبي صلی الله علیه و آله و سلم وأهله ، وسرعان ما انتشر الإسلام في يثرب ونواحيها ، وبذلك تشكلت الدولة الإسلامية العظمى ،.


1) السيرة النبوية : 4 : 142 .

## الأمام علیه السلام في عهد النبي صلی الله علیه و آله و سلم وفترة الخلافة

## مع النبي في جَهَادِهِ وَغَرَوانِهِ### اشارة

تبنّى النبي صلی الله علیه و آله و سلم بصورة إيجابية الدعوة إلى السلم وتحرير الإنسان من ويلات الحروب ومآثم الحياة ، وقد انطلقت دعوته المشرقة من مكة التي كانت مركزاً للقوى الجاهلية المتمثلة في القرشيين الذين انطوت أفكارهم على الجهل والغطرسة والأنانية ، فورمت آنافهم ، وانتفخ سحرهم ، وهبوا لمناجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعذيب من آمن به من المستضعفين ، حتى اضطروا إلى الهجرة للحبشة للتخلّص من عنف القرشيين واضطهادهم .وكان النبي صلی الله علیه و آله و سلم محتمياً بعمه شيخ البطحاء ومؤمن قريش أبي طالب ، ولما انتقل إلى حظيرة القدس لم يجد النبي ركناً يأوي إليه ، فاجتمعت قريش على قتله كما تحدثنا عن ذلك في البحوث السابقة - ، فهاجر إلى يثرب فوجد في أهلها الحماية والإيمان بدعوته والاستجابة لنصرته ، وقامت قيامة القرشيّين وفزعوا أشدّ ما يكون الفزع ، فأجمع رأيهم على شنّ الحرب عليه بلا هوادة ، وتسخير جميع إمكانياتهم الاقتصادية لمناجزته وإطفاء نور رسالته .ووقف الإمام أمير المؤمنين علیه السلام إلى جانب النبي صلی الله علیه و آله و سلم يحميه ويذب عنه في جميع الحروب التي شنتها عليه قريش ، وقد أسند إليه قيادة جيشه ، وجعله رافعاً للوائه ، وقد لازمه الإمام في غزواته التي كان الغرض منها رفع كلمة الله وتحرير إرادة الإنسان وفكره من عبادة الأوثان والأصنام التي هي من الأوبئة على الفكر ومن الأمراض الخطرة التي تلحق الإنسان بقافلة الحيوان السائم ، وتصدّه عن

الطريق القويم.وعلى أي حال فإنّا نعرض للحروب وبعض الغزوات التي خاضها الإمام مع النبي صلی الله علیه و آله و سلم دفاعاً عن كلمة الإسلام ورافعاً لراية التوحيد ، وفيما يلي ذلك :### واقعة بدر#### اشارهسجّلت واقعة بدر(1نصراً مبيناً للإسلام ، وفتحاً عظيماً للمسلمين، وضربة قاصمة لأئمة الكفر والضلال من الطغاة القرشيين وجبابرتهم ، لقد أعز الله عبده)ورسوله محمد صلی الله علیه و آله و سلم بواقعة بدر ، وأذل أعداءه ، وأظهر دينه ، ورفع كلمته ، وكان البطل البارز في تلك المعركة هو الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، فقد كان سيفه منجل الموت الذي حصد رؤوس المشركين ، وعتاة الملحدين من القرشيين .. ونتحدّث - بإيجاز - عن بعض فصول هذه المعركة :#### استنجاد أبي سفيان بقريشكان أبو سفيان - العدوّ الأوّل للإسلام - قد خرج إلى الشام في تجارة له ومعه سبعون شخصاً من قريش ، ولما فضت تجارتهم واشتروا من البضائع ما يريدون قفلوا راجعين إلى مكة ، وعلم النبي صلی الله علیه و آله و سلم قد و مهم فندب إليهم أصحابه لمصادرة بضائعهم وأموالهم ، وذلك لإضعافهم اقتصادياً حتى لا يتمكنوا من مناجزته ، وعلم أبو سفيان ذلك فاستنجد بالقبائل القرشية وطلب منها حمايتهم وحماية بضائعهم وأموالهم . فهبت قريش لنجدته ، وسلك أبو سفيان طريقاً غير الطريق العام فنجا من قبضة المسلمين ، وزحف النبي صلی الله علیه و آله و سلم بمن معه من المسلمين لإلقاء القبض على أبي


1) بدر: موضع يقع بين مكة والمدينة ، سمّي بهذا الاسم لأنّ فيه ماء لرجل يسمّى بدراً ، فسمّي الموضع به - مجمع البحرين: 1 : 498 .

سفيان ، وعسكر بجيشه ببدر .#### رؤيا عاتكةرأت السيدة عاتكة بنت عبد المطلب في منامها رؤيا أفزعتها فسارعت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقصتها عليه قائلة : إني رأيت الليلة رؤيا أفزعتني .وسارع العباس قائلاً : ما رأيت ؟وأخذت تقص عليه رؤياها بفزع وخوف قائلة : إنّي أتخوّف أن يدخل على قومك منها شرّ عظيم فاكتم مني ما أحدثك به .فقال : أفعل ذلك ولا أحدّث به .ولما ضمن لها أن لا يذيع رؤيتها بين قريش أخذت تحدّثه بها قائلة : رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثمّ صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا يا آل نجد المصارعكم ، فأرى الناس اجتمعوا إليه .. ثمّ أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة .وفزع العباس من هذه الرؤيا التي تنبئ بالخطر العظيم على أهالي مكة ، ولم يستطع كتمانها ، فقد ضاق صدره منها وراح يشيعها ويتحدّث بها إلى الناس ، ووصل خبرها إلى أبي جهل ، فانطلق إلى العباس وقال ساخراً : يا بني عبدالمطلب ، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم(1.)وصدقت رؤيا عاتكة ، فقد حلّ بالقرشيّين الدمار الشامل ، فقد كانت واقعة بدر


1) السيرة النبوية / ابن هشام : 2 245 تاريخ الأمم والملوك : 2 136 . بحار الأنوار : 19: 216 . الطبقات الكبرى : 44:8

التي نشرت في بيوتهم الشكل والحزن والحداد ، وخيم عليها الذل والهوان .#### نصيحة عتبة بن ربيعةوقبل أن تندلع نار الحرب أشار عتبة بن ربيعة على قومه القرشيين بعدم مناجزة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ونهاهم عن فتح باب الحرب مع المسلمين قائلاً إني أرى قوماً مستميتين لا تصلون إليهم .يا قوم ، اعصبوها اليوم برأسي وقولوا : جبن عتبة بن ربيعة ، ولقد علمتم أني لست بأجبنكم .وسمع أبو جهل نصيحة عتبة فاستشاط غضباً وغيظاً وصاح به : أنت تقول هذا ؟ والله ! لو غيرك يقول هذا العضضته ، لقد ملئت رئتك وجوفك رعباً ..وردّ عليه عتبة بعنف قائلاً: إيّاي تعيّر يا مُصَفّراً استه، ستعلم اليوم أينا أجبن ؟(1)ونظر النبي صلی الله علیه و آله و سلم إلى عتبة ، وكان على جمل أحمر ، فرأى في وجهه الرشد والخير ، فقال لأصحابه : إِنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، إِنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا (2.)ولم تصغ قريش لنصيحة عتبة ، ومضت سادرة في غيّها وجهلها ، وصمّمت على مناجزة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ونظر أبو جهل إلى قلة أصحاب النبي صلی الله علیه و آله و سلم فاستضعفهم واستهان بهم وقال : إنّ محمداً وأصحابه أَكلَةُ جَزور ...(3.)


1) تاريخ الأمم والملوك : 2: 134 . كنز العمال : 395 و 396. البداية والنهاية : 3: 339.

2) السيرة النبوية / ابن هشام : 2 453 . تاريخ الأمم والملوك : 2 : 145. البداية والنهاية : 328 3

3) السيرة النبوية / ابن هشام : 2 453 . كنز العمال : 10 : 417 .

#### سقاية الإمام علیه السلام للجيشوأصاب الجيش الإسلامي ظمأ في بدر فانبرى الإمام الله إلى القليب وجاء بالماء حتى أروى المسلمين(1.)#### دعاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم للأنصارونظر النبي صلی الله علیه و آله و سلم إلى الأنصار وهم يتعاقبون في الحمل على النوق التي لم تكن تكفيهم ، فدعا لهم وقال : اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفاةٌ فَاحْمِلْهُمْ ، وَعُراةٌ فَاكْسُهُمْ ، وَجِباعٌ فَأَشْبِعْهُمْ ، وَعالَةٌ فَأَغْنِهِمْ مِنْ فَضْلَك .واستجاب الله تعالى دعاء نبيه العظيم ، فما انتهت معركة بدر إلا وجد كل واحد منهم بعيراً يعتليه ، واكتسى منهم كلّ عار ، وأصابوا الطعام من متاع قريش ، وأصابوا فداء الأسرى فاغتنی به كلّ عائل منهم .(2)#### دعاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم على قريشوأنفق النبي صلی الله علیه و آله و سلم ليله ساهراً يصلي إلى جانب شجرة ، وقد نام جميع إلا هو ، كما حدث بذلك الإمام أمير المؤمنين الله ، وكان يدعو الله تعالى بهذا الدعاء : اللهم هذِهِ قُرَيْسٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخَيلَاتِها وفَخْرِها تُحارِبُكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ ، اللهُم فَنَصْرَكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي ، اللهم أحِنْهُمُ (3الْغَداةَ ...»(4).)


1) مناقب آل أبي طالب : 1: 406. بحار الأنوار: 39: 95.

2) إمتاع الأسماع : 1 : 64. بحار الأنوار: 19: 330

3) أحِنْهُم : أي أهلكهم .

4) السيرة النبوية / ابن هشام :2 : 273 تاريخ الأمم والملوك : 145/2 . البداية والنهاية : 328 :

#### النبي صلی الله علیه و آله و سلم مع أصحابهوأخذ النبي صلی الله علیه و آله و سلم يلهم أصحابه القوة والنشاط قائلاً لهم : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيدِهِ ! لا يُقاتِلُهُم رَجُلٌ فَيُقْتَلَ صابراً مُحْتَسِباً مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ .وبعثت هذه الكلمات في نفوسهم العزم ، فاندفعوا كالأسود لمناجزة أعداء الله .#### المعركةبدأت المعركة صباح يوم الجمعة في اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة ( 2ه- ، المصادف 15 كانون الثاني سنة 624م ، وقد فتح القرشيّون باب الحرب، فبرز منهم عتبة بن ربيعة وشيبة والوليد ، وهم أبطال قريش وطليعة فرسانهم ، وبرز إليهم فتيان من الأنصار فاحتقرهم عتبة وأخذته العزة بالإثم فقال لهم : لا نريد هؤلاء ، ولكن نريد أن يبارزنا بنو أعمامنا من بني عبد المطلب ، فندب الرسول صلی الله علیه و آله و سلم المبارزتهم عبيدة وعليّاً وحمزة ، وبرز حمزة لعتبة ، وعبيدة لشيبة ، وعلي للوليد(1).)أما الإمام عليّ وحمزة فكل منهما قتل صاحبه ، وأما عبيدة وعتبة بن ربيعة فقد اختلفا بضربتين ، وأثبت كلّ منهما سيفه في رأس صاحبه ، فكرّ عليه الإمام وحمزة بأسيافهما وتركاه جثة هامدة (2، واشتدت الحرب ، وكان النبي صلی الله علیه و آله و سلم من أشدّ الناس بأساً ومن أقرب جيشه إلى العدو، وكان المسلمون يلوذون به كما حدث بذلك الإمام علیه السلام (3)، وبان الانكسار في صفوف القرشيين وانهارت معنوياتهم)


1) سنن البيهقي : 3 : 279 . المستدرك : 3 : 194. فتح الباري : 7 : 231

2) تاريخ الأمم والملوك : 2 : 325. البداية والنهاية : 3: 333

3) مسند أحمد بن حنبل : 2 : 64 ، الحديث 654 الغدير : 7: 209. شرح نهج البلاغة : 13: 279 الأعلام : 6 219 .

وانهزموا شر هزيمة .بسالة الإمام علیه السلاموأبدى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام من البسالة والصمود ما لا يوصف ، فكان القوّة الضاربة في جيش الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، فقد غاص في أوساط القرشيين يحصد رؤوسهم ويشيع فيهم القتل والدمار ، وقد بهرت ملائكة السماء من بسالته ، ونادى جبرئيل : لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفِقار (1، وَلَا فَتى إِلَّا عَلِيٌّ (2))وكتب الله النصر المبين للإسلام على يد الإمام القائد الملهم العظيم الذي أذلّ القرشيين وأخزاهم وألحق بهم الهزيمة والعار.#### أسماء من قتلهم الإمام علیه السلاممن المؤكد أنه لم يكن بيت من بيوت القرشيين لم ينله سيف الإمام علیه السلام في تلك المعركة ، وهذه أسماء من حصد رؤوسهم وهم:1 - الوليد بن عتبة ، كان جريئاً فتاكاً تهابه الرجال ، وهو أخو هند أم معاوية وزوجة أبي سفيان .2 - حنظلة بن أبي سفيان .3 - العاص بن سعيد ، وكان هولاً تهابه الأبطال.


1) سمّي هذا السيف بذي الفقار لأنه كانت له فقرات كفقرات الظهر

2) كنز العمّال : 3 : 154 السيرة النبوية / ابن هشام : 3: 53 . وفي ذخائر العقبي : 74 : « نادى ملك من السماء يوم بدر : لا سيف إلا ذو الفقار ، ولا فتى إلا علي » . الكافي : 8 : 110 ، الحديث 90 تاريخ مدينة دمشق : 39: 201. ميزان الاعتدال : 3 324

4 -نوفل بن خويلد ، وكان من أشدّ المشركين عداوة لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وكانت قريش تقدّمه وتعظمه وتطيعه، وهو من بني نوفل بن عبد مناف .5- زمعة بن الأسود.6 - النضر بن الحارث بن كلدة من بني عبدالدار.7 - طعيمة بن عدي بن نوفل ، كان من رؤوس أهل الضلال.8 - عمير بن عثمان بن كعب بن تيم عم طلحة بن عبيد الله .9 - عثمان بن عبيد الله .10- مالك بن عبيد الله أخو عثمان .11 - مسعود بن أمية بن المغيرة من بني مخزوم .12 - حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة .13 - قيس بن الفاكه بن المغيرة .14 - أبو قيس بن الوليد بن المغيرة . -15 - عمرو بن مخزوم .16 - الحارث بن زمعة .17 - أبو المنذر بن أبي رفاعة .18 - منبه بن الحجاج السهمي .19 - العاص بن منبه من بني سهم20 - علقمة بن كلدة .21 - أبو العاص بن قيس بن عدي .22 - معاوية بن المغيرة بن أبي العاص .23 - لوذان بن ربيعة .

24 - عبدالله بن المنذر بن أبي رفاعة .25 - حاجب بن السائب بن عويم .26 - أوس بن المغيرة بن لوذان .27 - زيد بن مليص .28 - غانم بن أبي عويف.29 - سعيد بن وهب حليف بني عامر .30 - معاوية بن عامر بن عبد القيس .31 - السائب بن مالك32 - عبدالله بن جميل بن زهير بن الحارث بن أسد .33 - أبو الحكم بن الأخنس .34 - هشام بن أبي أمية بن المغيرة (1.)هؤلاء الذين حصد رؤوسهم الإمام علیه السلام بسيفه في سبيل الإسلام .#### وقوف النبي صلی الله علیه و آله و سلم على القتلىوقف النبي صلی الله علیه و آله و سلم على قتلى بدر فتأملهم ، وتذكر ما عاناه منهم من صنوف التنكيل والارهاق ، وخاطبهم بقوله : يا أَهْلَ الْقَلِيبِ ، يا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَيا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَيَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ، وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هُشَامٍ ..وعدد عصابة من الذين بالغوا في التنكيل به ، ثمّ قال لهم : هَلْ وَجَدْتُم ما وَعَدَ رَبُّكُم حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ ما وَعَدَنِي رَبِّي حَقاً.وبهر أصحاب النبي صلی الله علیه و آله و سلم من خطابه للقتلى فقالوا له : يا رسول الله ، أتنادي قوماً


1) أعيان الشيعة : 3 : 98 و 99

قد جيفوا ؟فأجابهم الرسول : وَما أَنتُمْ بِأَسْمَعَ لِما أَقُولُ مِنْهُمْ ، وَلَكِنَّهُم لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجيبوني (1.)إنّ الأرواح لا تفنى ، وإنما الأجسام تبلى ، وتعود إلى عنصرها الذي تكونت منه ، هذا ما أعلنه الرسول .#### الأسرى من قريشووقع سبعون أسيراً من قريش(2بأيدي القوات المسلحة من جيش الرسول ، فأخذ النبي صلی الله علیه و آله و سلم من بعضهم الجزية وأطلق سراحهم ، ومن لم يتمكن من دفع الجزية وكان يحسن القراءة والكتابة أمره أن يعلم أبناء المسلمين بدل الجزية ، وبذلك أقام النبي أوّل صرح في عاصمته لمحو الأمية .)#### حزن القرشيين على قتلاهموحزن القرشيّون أشدّ ما يكون الحزن على قتلاهم ، وكان حزنهم كامناً ف- نفوسهم، فقد نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء من جنابة ، وأما زوجه هند فقد هامت في تيارات من الحزن وكتمت حزنها على أهل بيتها ، وقالت : كيف أبكيهم فيبلغ محمّداً وأصحابه فيشمتوا بنا ، لا والله ! حتى أثأر من محمد وأصحابه ، والدهن عليّ حرام حتى نغزو محمّداً .لقد ترك قتلى بدر لوعة في نفوس القرشيين ، وقد رثاهم بعض شعرائهم بقوله:


1) السيرة النبوية / ابن هشام : 2 : 449 - 450 . مجمع الزوائد : 6: 91 کنز العمال: 10: 377 ، الحدیث 29875 و 29876 و 29877 تاريخ الأمم والملوك : 2 : 156.

2) تاريخ أبي الفداء : 1 : 136 . تاريخ الأمم والملوك : 2: 135. شرح نهج البلاغة : 12: 60. 2:

فماذا بالقليب قليبِ بَدرٍ ***من الفتيان والقوم الكراموماذا بِالقَليبِ قَليبٍ بَدر ***مِنَ الشَّيزى (1تُكَلَّلُ بِالسَّنامِ(2))وظلت قريش حاقدة على الإمام حتى بعد ما أعلنت الإسلام وبويع الإمام بالخلافة ، فقد نظم أسيد بن أناس هذه الأبيات يحرّض قريشاً على مناهضة الإمام ونكث بيعته قائلاً :في كُلِّ مَجمَع غايَةٍ أَخْرَاكُمْ ***جَذَعٌ أَبَرُّ عَلَى المَذاكي القُرَّح(3)لِلهِ دَركُم ألما تُنْصِفوا ***قَدْ يُنْصِفُ الحُرُّ الكَريمُ وَيَستَحيهذا ابْنُ فَاطِمَةَ (4الذي أَقْناكُمُ ***ذَبْحاً وَقَتَلَةَ قَعْصِهِ كمْ تُذْبَحِ)أَعْطُوهُ خَرْجاً وَاتَّقُوا بِضَرِيبِهِ ***فعلَ الزَّليلِ وَبَيعَةً لَمْ تُربَحأين الكهول وأينَ كُلُّ دِعامَةٍ ***في المُعضلاتِ وَأَينَ زَينُ الأَبطحأَفْنَاهُمْ قَعْصاً (5وَضَرباً يَفتَري ***بِالسَّيْفِ يُعمِل حَدَّهُ لَمْ يَصْفَح(6))لقد سقا الإمام بطل الإسلام القرشيين أخزاهم الله كأساً مصبرة ، وأشاع في بيوتهم الشكل والحزن والحداد ، وأورثهم الذل والعار لأنهم أعداء الإسلام وخصومه الذين


1) الشيزى شجرة يتخذ منها الجفان .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 118 . أمالي المرتضى : 18 .

3) الجذع الشاب الحدث، يعني به الإمام ، فقد حصد رؤوس القرشيين وهو في روعة الشباب الابر : الغالب والمنتصر . المذاكي : الخيل .

4) فاطمة : هي السيدة الجليلة أم الإمام أمير المؤمنين.

5) الْقَعْص وَالقَعَص : القتل المعجّل ، والقعصة : المرة منه .

6) إرشاد المفيد : 1 : 77 أسد الغابة : 4 : 20 رسائل المرتضى : 4 : 120 . مناقب آل أبي طالب : 2 : 313

جهدوا على لف لواء الإسلام وإطفاء كلمة التوحيد.#### انتصار الإسلاموانتصر الإسلام انتصاراً رائعاً في واقعة بدر وقويت شوكة المسلمين وأكسبتهم قوّة هائلة ، فهي أم الفتوح ، كما شجّعتهم على الخوض في المعارك التي يشنّها عليهم أعداء الإسلام.لقد انتهت معركة بدر وكان البطل البارز فيها أسد الله الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، فقد كان سيفه منجل الموت الذي أرهفه على رقاب القرشيين الذين ما آمنوا بالله طرفة عين حتى بعد إعلانهم المزيف للإسلام ، فقد أخذوا يكيدون له في وضح النهار وفي غلس الليل ، وجميع ما عاناه المسلمون وابتلوا به من الأزمات كانت من صنع القرشيين وتدبيرهم ، ومن الجدير بالذكر أن اقتران الإمام علیه السلام بسيدة نساء العالمين زهراء الرسول كانت بعد واقعة بدر المجيدة، وقد عرضنا لها فصلاً خاصاً.### واقعة أحد#### اشارةواستقبلت قريش نبأ هزيمتهم المنكرة وخسائرهم الفادحة في معركة بدر بمزيد من الأسى واللوعة ، وساد في أوساطهم حزن عميق وأسى مرير ، وقد حرمت هند أمّ معاوية على القرشيين نساء ورجالاً البكاء على قتلاهم حتى يظل الحزن كامناً في نفوسهم لا يُطْفِئُهُ إلا طلب الثأر لقتلاهم والانتقام من المسلمين .وكان أبو سفيان قائد قريش في واقعة أحد والزعيم الأول في هذه المعركة ، إنّ أبا سفيان جاهلي بجميع معاني هذه الكلمة ، لا يحمل في أعماق نفسه أي معنى من القيم الإنسانية ولم يؤمن بالله طرفة عين ، فأخذ يؤلّب الجماهير ويحرّض القبائل

على حرب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، ويجمع الأموال فيشتري بها السلاح والعتاد لحرب المسلمين، وقد استجابت له جماهير القرشيين الذين أترعت نفوسهم بالحقد والعداء للرسول ، فقد خرجوا بحدّهم وجدهم وحديدهم وأحابيشهم ومن تابعهم لحرب النبي صلی الله علیه و آله و سلم وصحبوا معهم نساءهم حتى يخلصوا في الحرب ، وقد قادت النساء هند أمّ معاوية ، وكنّ يضربن بالدفوف ويبعثن الحماس في نفوس أزواجهنّ وأبنائهن وهن ينشدن :وبها بَني عَبدِ الدار*** وبها حُماةَ الأديار*** ضرباً بِكُلِّ بَشاروكان صوت هند يعلو أصواتهن، وأخذت تخاطب قومها :إِن تُقبلوا تعانق*** وَنَفَرِشُ النَّمَارِقُأَوْ تُدبروا تفارق*** فِراقَ غَيرَ وامِقٌلقد قادت اُمّ معاوية النساء وقاد زوجها الرجال لحرب رسول الله له ، وهما يحملان أرجاس المردة والطغاة والممسوخين من القبائل القرشية التي جهدت على إطفاء نور الله وإقصاء الخير عن الناس .#### الحربوكانت جيوش المشركين ثلاثة آلاف ، وجيوش المسلمين سبعمائة مقاتل ويتقدّم جيوش المشركين طلحة بن أبي طلحة وبيده اللواء ، وقد رفع عقيرته قائلاً: يا أصحاب محمد ، تزعمون أن الله يعجلنا بأسيافكم إلى النار ، ويعجلكم بأسيافنا إلى الجنة ، فأيكم يبرز لي ؟فبرز إليه بطل الإسلام وأسد الله الإمام أمير المؤمنين له قائلاً : وَاللَّهِ! لَا أَفَارِقُكَ حتَّى أَعَجُلَك بِسَيْفِي إِلَى النَّارِ .وبادره الإمام بضربة فبرى بها رجله ، فسقط إلى الأرض يتخبط بدمه ، وأراد الإمام

أن يجهز عليه ، فناشده الله والرحم أن يتركه ، فتركه ، ولم يلبث إلا ساعة حتى هلك ، وفرح النبي صلی الله علیه و آله و سلم بهلاكه ، كما عمت الفرحة جميع المسلمين(1، فقد كان من أبطال القرشيّين ، وكان يسمى كبش الكتيبة لشجاعته ، وقد انخذل المشركون ووهنوا لقتله وبانت الهزيمة في صفوفهم ، وأخذ اللواء من بعده أبطال القرشيين فأرداهم الإمام قتلى ، وكانت هند في وسط المعسكر وهي تلهب في نفوس الجيش العزيمة المحاربة المسلمين ، وإذا انهزم رجل من قريش دفعت له ميلاً ومكحلة وقالت له : إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا (2).)ومن صور تلك المعركة أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم منح أبا دجانة ، وهو من خيار الصحابة سيفاً ولم يعطه للزبير ، وقد ضاق الزبير ذرعاً من ذلك ، وراح ينظر ما يصنع به أبو دجانة ، فقد أخرج عصابة حمراء فتعصب بها ، فقالت الأنصار : أخرج أبو دجانة عصابة الموت وبرز إلى ميدان الحرب وهو يقول :أنا الذي عاهَدَني خليلي ***وَنَحنُ بِالسَّفْحِ لدى النَّخيلأَلَا أَقومَ الدَّهْرَ فِي الكَبولِ (3***أَضْرِبْ بِسَيفِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ)ضَربَ غُلامٍ ماجِدٍ بُهلول(4)وأعرب بهذا الشعر عن بسالته وصلابة عزمه في الذب عن الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، وجعل أبو دجانة ينشر الموت بين صفوف القرشيين ، وحمل على هند أمّ معاوية حتى بلغ سيفه مفرق رأسها إلا أنّه عدل عن ذلك ترفّعاً منه ، ولما نظر الزبير إلى شجاعة


1) نور الأبصار : 780 . الإرشاد : 1 : 85 و 86 . بحار الأنوار: 20: 85

2) الميزان في تفسير القرآن : 4 : 12 . تفسير القمي : 1: 116 .

3) الكيول : آخر الصفوف

4) السيرة النبوية / ابن هشام : 3: 73. لسان العرب : 11: 606. أسد الغابة : 2 : 352. تاريخ الطبري : 2 : 211

أبي دجانة استصوب رأي النبي صلی الله علیه و آله و سلم.#### هزيمة المسلمينمن المؤسف حقاً أنّ المسلمين منوا بهزيمة ساحقة وخسائر فادحة كادت تلف لواء الإسلام ، وذلك من جرّاء مخالفة فرقة في الجيش الإسلامي للمخططات الحربية التي وضعها الرسول صلی الله علیه و آله و سلم وألزمهم بتنفيذها ، فقد وضع كتيبة من الرماة على جبل بقيادة عبد الله بن جبير (1لتحمي المسلمين من خلفهم ، وشدّد عليها أن لا تتخلّف عن مواقعها، وقد وجّه الرماة سهامهم ونبالهم صوب معسكر قريش فأنزلوا بها خسائر فادحة في الأرواح ، وانهزمت قريش تاركة وراءها أمتعتها وسلاحها ، وأقبل المسلمون على نهبها ، فلما رأى الرماة ذلك ترك بعضهم مكانه وانسابوا ينهبون الأمتعة مخالفين الأوامر المشدّدة من النبي صلی الله علیه و آله و سلم في لزوم الإقامة بمواضعهم.)ويصر خالد بن الوليد ذلك فحمل على من بقي في الجبل من الرماة فقتلهم وحمل على أصحاب النبي من خلفهم فهزمهم وقتل جماعة منهم .. وأباد جيش المشركين معظم قادة الجيش الإسلامي ، واستهدف المشركون بصورة خاصة حياة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، فقد أصيب بجروح بالغة ، فكسرت رباعيته وشقت شفته ، وجعل الدم يسيل على وجهه الشريف وهو يمسحه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ»(2!)وأحاط اللثام الحقراء من القرشيين بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم يريدون الإجهاز عليه ، وكان على رأسهم أبو سفيان وهو يحرّضهم على قتل الرسول ، وأمر شخصاً فنادى أنّ محمداً


1) عيون الأثر : 2 5 الكامل في التاريخ : 2 : 105. أسد الغابة : 3: 130 و 131.

2) الكامل في التاريخ : 2 : 108 . تاريخ الأمم والملوك : 2 : 198. البداية والنهاية : 4 : 26.

قد قتل ، ففرّ المسلمون ، وحاول بعض كبار الصحابة من الفارين أن يكتب لأبي سفیان يطلب منه الأمان .#### مصرع الشهيد حمزةوأبدى الشهيد الخالد حمزة بن عبد المطلب من البسالة ما لا يوصف ، فقد وقف كالجبل الأشم محامياً عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وهو يجندل الأبطال ويروي الأرض من دماء الكفرة الملحدين ، قد سخر من الموت ووهب حياته لله ربّ العالمين.ونظر إليه الوغد الأثيم وحشي وهو يهد الناس بسيفه فهز حربته ووجهها صوبه في لبته وخرجت من بين رجليه ، ووقع البطل العظيم على الأرض صريعاً يتخبط بدمه ، ولم يلبث قليلاً حتى فارق الحياة(1، وخسر المسلمون ألمع قائد لهم ، وكانت شهادته من أفدح النكبات التي واجهها الرسول صلی الله علیه و آله و سلم.)فسلام الله عليه من شهيد محتسب ، وسلام عليه يوم ولد ويوم يبعث حياً.#### مصرع الشهيد مصعبوكان مصعب فتى قريش آمن بالنبي صلی الله علیه و آله و سلم إيماناً نفذ إلى أعماق قلبه ودخائل نفسه ، وتعرّض إلى أعنف ألوان التعذيب ، وقد بعثه النبي إلى يثرب مبشراً بالدين الإسلامي وداعياً إلى الله ، وقد أسلم الكثيرون من المدنيين على يده. وكان أحد القادة في جيش الرسول صلی الله علیه و آله و سلم في معركة أحد ، وقد قتله ابن قمنة ظانّاً أنه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وقد رفع عقيرته قائلاً : قتلت محمداً ، وقد خسرت القيادة الإسلامية في جيش الرسول أنبل قائد فيها ، رحمه الله وأجزل له المزيد من الأجر ، فما أعظم


1) تاريخ الأمم والملوك : 2 : 199 . الطبقات الكبرى : 3: 10 .

عائدته على الإسلام(1!)#### حماية الإمام علیه السلام للنبي صلی الله علیه و آله و سلموتوالت الهزائم المنكرة في جيش المسلمين، وفرّ معظمهم يطاردهم الفزع والخوف ، وزاد في رعبهم نداء أبي سفيان أن محمداً قد قتل .. وتركوا النبي وقد أحاط به أعداء الله ، وقد أصيب بجروح بالغة وقد وقع في حفرة عملها أبو عامر وأخفاها ليسقط فيها المسلمون من حيث لا يعلمون ، وكان الإمام إلى جانبه فأخذ بیده ورفعه طلحة بن عبيد بن عبيد الله حتى استوى قائماً (2،ولم يبق مع النبي صلی الله علیه و آله و سلم اله الا نفر قليل في طليعتهم الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، فالتفت إليه النبي صلی الله علیه و آله و سلم فقال له : يا عَلِيُّ ، ما فَعَلَ النَّاسُ ؟)فأجابه بأسى ومرارة : نَقَضُوا الْعَهْدَ وَوَلَّوا الدُّبُرَ .وحملت على النبي صلی الله علیه و آله و سلم مع عصابة مجرمة من القرشيين ، فضاق منهم ذرعاً فقال لعلي : إِكْفِني هؤُلَاءِ ، فحمل عليهم الإمام فكشفهم عنه ، وحملت عليه كتيبة أخرى تقارب خمسين فارساً ، فقال لعليّ : إِكْفِني هؤلاء ، فحمل عليهم الإمام وكان راجلاً فقتل أربعة من أبناء سفيان بن عويف، وسنّة من تلك الكتيبة ، وقد ذادها عن النبي له بعد جهد شاق.وحملت على النبي صلی الله علیه و آله و سلم كتيبة فيها هشام بن أمية ، فقتله الإمام ، ففرت كتيبته ، وحملت على النبي صلی الله علیه و آله و سلم كتيبة فيها بشر بن مالك ، فقتله الإمام ، وولّت كتيبته منهزمة ... و وبهر جبرئيل من مواساة الإمام وجهاده وصبره فقال للنبيّ : إِنَّ هَذِهِ الْمُواساةَ قَدْ عَجِبَتْ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ .


1) السيرة النبوية / ابن هشام :2 73 الطبقات الكبرى : 2 : 42.

2) أعيان الشيعة : 3 : 111 . البداية والنهاية : 4 27 السيرة النبوية / ابن هشام : 3 : 598.

فقال له النبيّ : وَما يَمْنَعُهُ وَهُوَ مِنِّى وَأَنَا مِنْهُ ؟فقال جبرئيل : وَأَنَا مِنكُما(1.)وظلّ الإمام صامداً في تلك المعركة الرهيبة مدافعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفادياً له بنفسه ، وقد أصيب بست عشرة ضربة كل ضربة تلزمه الأرض ، وما كان يرفعه إلا جبرئيل(2.)ففي ذمّة الإسلام ما لاقاه إمام المتقين وسيّد الموحدين من المصاعب والأهوال في سبيل نشر دعوة الإسلام ، ولولاه لما قام الإسلام على سوقه ولا ارتفعت له كلمة ، ومن المؤسف أنّ هذا العملاق العظيم والمجاهد الأول قد دفع عن مقامه وقرن بينه وبين أعضاء الشورى الذين ليس لهم سابقة الجهاد مثله .#### تشفّى هندوشفت هند غليلها وانطفأت جمرة حقدها حينما علمت بمصرع الشهيد حمزة ، فسارعت تفتش عن جنّته وهي مثلوجة الفؤاد ناعمة البال ، فلما أبصرتها أقبلت عليها كالكلبة فمثلت بها شرّ تمثيل ، فاستخرجت كبده فلاکته ثم لفظته ، وجدعت أنفه وأذنيه وجعلتها قلادة لها ، وأثر عنها من الشعر ما سجلت فيه شكرها لوحشي قاتل حمزة وهو:نَحْنُ جَزَيْنَاكُمْ بِيَومِ بَدرِ ***وَالحَرب بَعدَ الحَرب ذاتُ سُعْرِما كانَ عَنْ عُتَبَةً لي مِنْ صَبرٍ ***وَلَا أخي وَعَمْهِ وَبَكريشَفَيتُ نَفسي وَقَضَيتُ نَذري ***شَفَيتَ وَحْشِيٌّ عَليلَ صَدْرِي


1) أعيان الشيعة : 3 : 111. بحار الأنوار: 20 : 137 شرح نهج البلاغة : 10 : 182 .

2) أسد الغابة : 4 : 20. الغدير : 7: 204 .

فَشُكرُ وَحْشِيَّ عَلَى عُمْري ***حتّىٰ تَرِمَّ أَعْظُمي في قَبْري(1)وحكى هذا الشعر خساسة طبعها ولؤم عنصرها ، وقد مثلت هند بجنّة حمزة عم النبي شرّ تمثيل .#### تشفّي أبي سفيانوسارع الجاهلي أبو سفيان نحو ساحة المعركة يتفرّس في وجوه شهداء المسلمين ليروي غليله، فرأى جنّة الشهيد حمزة التي مزقتها هند ، فطار سروراً وفرحاً وقال بصوت تفيض منه الشماتة والأحقاد : يا أبا عمارة، دار الدهر ، وحال الأمر، واشتفت منكم نفسي .ثمّ هزّ رمحه وطعن به شدق جنّة حمزة ، وهو يردّد : ذق عقق .. ذق عقق(2.)وولّى وهو ناعم البال قرير العين قد روى قلبه المترع بالشرك والرذائل من زعيم الهاشميين وبطل الإسلام.#### حزن النبى صلی الله علیه و آله و سلمووقف النبي صلی الله علیه و آله و سلم على جثمان عمه الذي مثلت به هند أبشع ألوان التمثيل فذابت نفسه أسى وحزناً أشد ما يكون الحزن ، وراح يقول مخاطباً عمه : «لَنْ أَصابَ بِمِثْلِكَ أَبداً ، ما وَقَفْتُ مَوْقِفاً قَطُّ أَغْيَظَ إِلَيَّ مِنْ هذا ، لَوْلَا أَنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةٌ وَيَكُونَ سُنَّةٌ مِنْ بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ حَتَّىٰ يَكُونَ فِي بُطُونِ السَّباعِ وَحَواصِلِ الطُّيُورِ ، وَلَئِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَىٰ قُرَيْشٍ فِي مَوْطِنٍ مِنَ الْمَواطِنِ لَا مَثْلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلاً مِنْهُمْ».


1) السيرة النبوية / ابن هشام : 3 : 97 . أسد الغابة : 5: 559

2) الإمام علي بن أبي طالب / عبد الفتاح عبد المقصود : 1 : 82. الغدير : 10: 83. السيرة النبوية / ابن هشام : 3 : 44

وانبرى المسلمون بلوعة وأسى قائلين : والله ! لئن أظفرنا الله بهم يوماً من الدهر لنمثلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب .ونزل جبرئيل على النبي صلی الله علیه و آله و سلم يرشده إلى ما ينبغي له مع قريش ، وكره له التمثيل بهم بهذه السعة ، فقد رفع له هذه الآية : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (1).)فعفا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وصبر ونهى عن المثلة ، وقال : « إِنَّ الْمُثْلَةَ حَرامٌ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ».لقد كانت معركة أحد المعركة الوحيدة التي هزم فيها المسلمون شر هزيمة ، وقد قال ابن إسحاق : «كان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص اختبر الله به المؤمنين ومحن به المنافقين ممن كان يُظهر الإيمان بلسانه وهو مستخف بالكفر في قلبه ، ويوماً أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة . (2)وقد أخبر النبي صلی الله علیه و آله و سلم الإمام أمير المؤمنين علیه السلام بعد انتهاء المعركة أنّه لا المشركون من المسلمين مثلها حتى يفتح الله علينا تعالى على المسلمين(3.)#### ملاحقة النبي صلی الله علیه و آله و سلم للقرشيينولم يمكث النبي صلی الله علیه و آله و سلم أمر أصحابه أن ينفر و الحرب قريش ، وخص طلبه بالذين اشتركوا معه في الحرب بما فيهم الجرحى ، والسبب في ذلك أن يوهم على قريش أنه محتفظ بقوته حتى


1) النحل 16: 126 و 127 .

2) السيرة النبوية / ابن هشام : 3 : 112

3) البداية والنهاية : 4 47. تاریخ ابن خلدون 2 27 السيرة النبوية / ابن هشام : 3: 615 .

لا يكرّوا الرجعة إليه ، وكانوا قد عزموا على ذلك ، فلما وافتهم الأنباء بزحف النبي إليهم تثاقلوا وتراجعوا عمّا صمّموا عليه ، وكانت هذه الخطة من أروع الخطط السياسية والحربية .#### سرور القرشيّينورجعت قريش إلى مكة وهي تعزف أبواق النصر بما حققته من نصر على المسلمين وما أوقعته فيهم من الخسائر الفادحة في النفوس والأموال ، وكان من أعظم المسرورين أبو سفيان وزوجته هند وسائر بني أمية ، فقد أخذوا ثأرهم من النبي له وذلك بما سفكوه من دم عمه حمزة وسائر الأبطال من المسلمين.### واقعة الخندق#### اشارةأما واقعة الخندق فهي واقعة الأحزاب ، سميت بذلك لتحزب القبائل على حرب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، وقد ضاق منها المسلمون ذرعاً وساد فيهم الرعب والخوف ، وذلك لقوّة المشركين وانضمام اليهود إليهم ، فقد كان عددهم عشرة آلاف مقاتل وعدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل ، وقد حكى القرآن الكريم مدى الفزع الذي أصاب المسلمين من أعدائهم قال تعالى : ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴿إِذْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ (1)، وقد كتب الله تعالى النصر للإسلام على يد الإمام أمير المؤمنين الله ، فهو الذي أحرز الفتح المبين.)ونقدّم عرضاً موجزاً لهذه الواقعة التي خاضها الإمام علیه السلام.


1) الأحزاب 33 : 10 .

#### دور اليهود في المعركةأمّا اليهود فكانوا العنصر الفعّال في هذه المعركة ، فقد خفت منهم عصابة إلى القرشيين يحرّضونهم على حرب النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ويطلبون منهم الانضمام إليهم قائلين لهم : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله .وهتف القرشيّون قائلين : يا معشر اليهود ، إنكم أهل الكتاب الأوّل والعلم بما أصبحنا نختلف فيه ، هو محمد أفديننا خير أم دينه ؟وأسرع اليهود قائلين : بل دينكم - وهو عبادة الأوثان والأصنام - خير من دينه ، وأنتم أولى بالحق منه ..وحكى القرآن الكريم هذه المحاورة ، قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أَم لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُم مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (1).)إن اليهود في جميع فترات تأريخهم أعداء الفكر والحق ومصدر الفتنة في الأرض ، وقد استجابت القوى الكافرة من القرشيين لحرب النبي صلی الله علیه و آله و سلم كما استجابت قبائل غطفان وتجهزوا الحرب النبي صلی الله علیه و آله و سلم .#### النبي صلی الله علیه و آله و سلم مع نعيمأسلم نعيم على يد النبي صلی الله علیه و آله و سلم في تلك الفترة الرهيبة ، وكان من زعماء غطفان ،


1) النساء 4 : 50 - 55 .

فقال للنبي : يا رسول الله ، إنّي قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فأمرني بما شئت . فأمره النبي صلی الله علیه و آله و سلم بتخذيل القبائل عنه وخداعهم ، فإنّ الحرب خدعة ، وقام نعيم بن مسعود بدور إيجابي وفعّال في تفتيت القوى المحاربة للنبي من اليهود والقرشيين ، فقد انطلق إلى بني قريظة ، وكان نديماً لهم في الجاهلية فقال لهم:يا بني قريظة ، قد عرفتم ودّي إيّاكم والخاصة التي بيني وبينكم ..وهتفوا قائلين : صدقت لست عندنا بمتهم .وأشار عليهم بنصيحة قائلاً : إن قريشاً وغطفان ليسوا ك-أنتم ، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون على تحوّل منه إلى غيره ، وإن قريشاً وغطفان جاء والحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره ، فإن رأوا نهزة (1أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا محمداً حتى تناجزوه ..)وهتفوا جميعاً : أشرت بالرأى.ومضى إلى قريش فقال لأبي سفيان ومن معه من زعماء قريش : قد عرفتم ودّي لكم وفراقي محمّداً ، وإنه بلغني أمر قد رأيت علي حقاً أن أبلغكموه نصحاً لكم فاكتموا عني .وطفقوا قائلين : نفعل ذلك.إن اليهود قد ندموا على ما صنعوه مع محمد ، وأرسلوا إليه أنهم قد ندموا على ما فعلوه ، وأنّه إذا يرضيه أن يأخذوا من أشراف قريش وغطفان جماعة ويسلّموهم


1) النهزة : انتهاز الشيء واختلاسه

إليه ليضرب أعناقهم ، ثمّ يكونوا معه .. فإن بعثت لكم اليهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلاً واحداً .وأرسل أبو سفيان ورؤساء بني غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل مع جماعة من قريش وغطفان فطلبوا منهم الالتحاق بهم لمحاربة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقالت بنو قريظة : لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً من رجالكم يكونون بأيدينا حتى نناجز محمداً.ورجعت الرسل إلى قريش وغطفان فأخبروهم بمقالة بني قريظة ، فصدقوا مقالة نعيم بن مسعود ، وقالوا : لا نعطيهم أي واحد منا ، وبذلك فقد تخلّص المسلمون من يهود بني قريظة ، فلم ينضموا إلى قريش ولم يشتركوا معهم في حرب رسول الله (1.)#### حفر الخندقولما علم النبي صلی الله علیه و آله و سلم خروج القرشيّين وقبائل غطفان لحربه جمع أصحابه وأحاطهم علماً بالأمر ، وطلب منهم اتخاذ أهم وسيلة لصدّ العدوان عن المسلمين ، فأشار عليه الصحابي الجليل سلمان المحمدي بحفر الخندق حول المدينة ليمنع من وصول العدوّلهم .واستصوب النبي صلی الله علیه و آله و سلم هذا الرأي ، وقام مع أصحابه بحفر الخندق ، وكانت خطة حكيمة وقت المسلمين من شرّ أعدائهم ، ووقفت قريش مذهولة لا حيلة لها ، فلم تقدر على اجتيازه والوصول إلى محاربة المسلمين، واستخدمت النبال في حربها ، وكان المسلمون يردّون عليهم بالمثل ، وبقي التراشق بين الفريقين من دون أن تقع حرب عامة .


1) السيرة النبوية / ابن هشام : 2 : 229 - 230 تاريخ الأمم والملوك : 2 : 242 و 243 . البداية والنهاية : 4 : 128 و 129 .

#### مبارزة الإمام علیه السلام لعمرووضاقت القبائل القرشية ذرعاً من هذه المناوشات التي لم يحرزوا فيها نصراً ، والتمسوا منهم مكاناً ضيّقاً ، فأقحموا خيولهم فيه وعبروا الخندق ، كان منهم عمرو ابن عبد ود فارس قريش في الجاهلية وفارس كنانة ، وهو مدجّج بالسلاح كأنه القلعة فوق جواده ، واهتزت الأرض من تيهه وزهوه وقوة بدنه ، وساد الوجوم بين المسلمين وعمّ فيهم الرعب وتهيبوه ، وجعل يصول ويجول أمامهم محتقراً لهم وقد رفع صوته قائلاً: يا رجال محمد ، هل من مبارز ؟وخلعت قلوب المسلمين ، فكان كالصاعقة عليهموهتف ثانياً : ألا رجل يبارز ؟ولبى نداءه حامي الإسلام وبطل المسلمين الإمام أمير المؤمنين علیه السلام قائلاً : أَنا لَهُ يا رَسُولَ اللهِ !وكان الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ضنيناً على ابن عمه ، فقال للإمام : إِنَّهُ عَمْرُو .وجلس الإمام علیه السلام ممتثلاً لأمر النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وعاد عمر و ساخراً من المسلمين قائلاً لهم : يا أصحاب محمد ، أين جئتكم التي زعمتم أنكم داخلوها إذا قتلتم ؟ ألا يريدها رجل منكم ؟ولم يستجب أحد من المسلمين لنداء عمر و سوى الإمام ، فأخذ يلح على النبي أن يأذن له ، فأذن له النبي بعد إصراره وإلحاحه .وقلّده الرسول وساماً من أعظم الأوسمة التي تقلّدها الإمام حين قال صلی الله علیه و آله و سلم : بَرَزَ الْإِيْمَانُ كُلُّهُ إِلَى الشِّرْكِ كُلِّهِيا لها من كلمة خالدة ، فقد حددت الإمام بالإيمان بجميع رحابه ومفاهيمه ، فهو له يديه بالدعاء مبتهلاً إلى الله تعالى قائلاً: اللهُمَّ إِنَّكَ

أَخَذْتَ مِنِّي حَمْزَةَ يَوْمَ أَحَدٍ ، وَعُبَيْدَةَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَاحْفَظِ الْيَوْمَ عَلِيّاً. رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ.وبرز الإمام مزهواً لم يخالجه رعب ولا خوف من عمرو بن عبد ود ، وعجب عمرو من جرأة هذا الفتى وإقدامه على مناجزته ، فقال له : من أنت ؟فأجابه الإمام ساخراً منه : أَنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ .فأشفق عليه عمرو وقال له : قد كان أبوك صديقاً ليولم يحفل الإمام بصداقة عمرو لأبيه وراح يقول له : يا عَمْرُو ، إِنَّكَ عَاهَدْتَ قَوْمَكَ أَلَّا يَدْعُوكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى خِلَالٍ ثَلَاثٍ إِلَّا أَجَبْتَهُ ؟فقال : نعم ، هذا عهدي .إِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى الْإِسْلَامِ.وضحك عمرو وقال للإمام بسخرية : أأترك دين آبائي ، دع هذا عنك .أَكُفُ يَدِي عَنْكَ فَلَا أَقْتُلُكَ وَتَرجِعُ ؟وغضب عمرو وعجب من جرأة هذا الفتى عليه وقال له : إذن تتحدّث العرب عن فراري .وعرض الإمام عليه الأمر الثالث فقال له : إِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى النَّزالِ ؟ (1)وعجب عمرو من جرأة الفتى وبسالته ، فنزل عن فرسه واستل سيفه وضرب رأس الإمام ، فاستقبلها بدرقته فقدها ونفذ السيف إلى رأس الإمام فشجّه ، وأيقن المسلمون أنّ الإمام قد لاقى مصيره ، ولكن الله تعالى نصره وحماه ، فقد ضرب عمرواً ضربة هدته وسقط إلى الأرض يخور بدمه كما يخور الثور عند ذبحه . وكبر


1) مستدرك الحاكم : 3 : 32 . الإرشاد : 1 : 98 . تاريخ مدينة دمشق : 42 : 78 تاريخ الطبري : 239 : 2

الإمام ، وكبر المسلمون ، فقد انقصم ظهر الشرك وتفلّلت قواه ، وأحرز الإسلام النصر الحاسم على يد إمام المتقين وبطل الإيمان ، وراح النبي الله يقلده وساماً مشرقاً باقياً على امتداد التاريخ قائلاً : لَمُبارَزَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِعَمْرُو بْنِ عَبْدِ وَدَّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَفْضَلُ مِنْ أَعْمَالِ أُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (1.)وقال الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان : لو قسمت فضيلة عليّ بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين أجمعهم لوسعتهم(2)وقال عبدالله بن عباس في تفسير قوله تعالى : ﴿ وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ (3)قال : كفاهم بعليّ بن أبي طالب . وبكت قريش عمرو بن عبد ود لأنّ قتله كان هزيمة لهم ، وقد رثاه مسافع بن عبد مناف بن زهرة بقوله :)عمرو بْنُ عَبْدٍ كَانَ أَوَّلَ فارِس*** جَزَعَ المَزادَ وَكانَ فارِسَ يَلْيَلسَمِحُ الخَلائِقِ ماجِدٌ ذو مِرَّةٍ ***یبغي القِتالَ بِشَكَةٍ لَمْ يَنكُلِ (4)واعتزت أخت عمر و بالإمام قاتل أخيها لأنه البطل الأول في الجزيرة ، ولو كان قاتله غير الإمام لحزنت عليه أشدّ ما يكون الحزن قالت :لَوْ كانَ قاتِلُ عَمرو غَيرَ قاتِلِهِ ***لَكُنتُ أَبكي عَلَيْهِ آخِرَ الأَبَدِلكِنَّ قاتِلَهُ مَنْ لَا يُعَابُ بِهِ ***مَنْ كان يُدعى قديماً بَيْضَةَ البَلَدِ (5)


1) تاریخ بغداد : 13 : 19 . مستدرك الحاكم : 3 : 32 . كشف الغمة : 1 : 418 . شواهد التنزيل : 2 014 :

2) رسائل الجاحظ : 60 . الغدير : 7: 212 .

3) الأحزاب 33 : 25

4) السيرة النبوية / ابن هشام : 3 278 لسان العرب : 11 : 741. شرح نهج البلاغة : 13 : 288

5) أمالي المرتضى : 2 : 7 و 8 الإرشاد : 1 : 108. ينابيع المودة : 1: 449 .

وقتل الإمام الله بطلاً آخر من قريش وهو نوفل بن عبدالله ، وسبب ذلك هزيمة كبرى لقريش ، وراح النبي صلی الله علیه و آله و سلم يقول له : الآنَ تَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْرُونَنا (1.)وولت قريش منهزمة على أعقابها تجرّ رداء الخيبة والخسران ، قد منيت بهزيمة ساحقة ولم تربح أي شيء في هذه المعركة ولم يخسر المسلمون فيها شيئاً .### فتح خيبر#### اشارةوبعد ما شاعت الهزائم الساحقة في صفوف القرشيين وأخزاهم الله وأذلهم رأى النبى صلی الله علیه و آله و سلم بفكره الثاقب ورأيه الأصيل أنه لا يستقيم للمسلمين أمر ولا تسلم لهم دولة ولا تسود كلمة الإسلام في الأرض مع وجود قوة اليهود ، وهم من ألد أعداء الإسلام ، وتلك القوة هي حصون خيبر(2التي كانت مصنعاً للأسلحة على اختلاف أنواعها من السيوف والرماح والدروع والدبابات التي كانت تقذف بالماء الحار والرصاص بعد إذابته ، وهي من أخطر الأسلحة في ذلك العصر ، وكانت اليهود هي التي تمد القوى المحاربة للإسلام بالأسلحة)وزحف النبي صلی الله علیه و آله و سلم بجيشه لاحتلال حصون خيبر ، وأسند قيادة جيشه لأبي بكر . فمضى ، ولما أشرف على الحصون قوبل بالقذائف فرجع منهزماً خائباً ، وفي اليوم الثاني أسند النبي صلی الله علیه و آله و سلم قيادة الجيش إلى عمر بن الخطاب ، فكان كصاحبه أبي بكر ، فقفل راجعاً منهزماً ، وظلّت الحصون مغلقة لم يمسها أحد بسوء ..


1) أعيان الشيعة : 3: 113. صحيح البخاري : 5: 48 كنز العمال: 10 : 383 ، الحديث 29899.

2) خیبر اسم ولاية مشتملة على حصون ومزارع ونخل كثير تبعد عن المدينة ثلاثة أيام، سميت باسم أوّل من نزلها وهو خيبر أخو يثرب من أبناء عاد ، وكانت غزوة خيبر في آخر السنة السادسة من الهجرة ، جاء ذلك في خزانة الأدب 6 69 .

وبعد ما عجز الجيش من اقتحام الحصن أعلن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنه سيعين القائد الذي يفتح الله على يده قائلاً: «لَأَدْفَعَنَّ الرَايَةَ غَداً إِلى رَجُلٍ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ ، وَيُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ ، لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ لَهُ »(1)واستشرف الجيش بفارغ الصبر ينتظرون القائد الملهم الذي يفتح الله على يده ، ولم يظنّوا أنّه الإمام ؛ لأنّه كان مصاباً برمد ، ولما اندلع نور الصباح دعاه النبي صلی الله علیه و آله و سلم وكان معصباً على عينيه فأزاح العصابة عنه وسقى عينيه بريقه فبرئتا بالوقت ، وقال له : «خُذْ هذِهِ الرّايَةَ حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ ».ووصف حسّان بن ثابت رمد الإمام وشفاءه من ريق النبي بقوله :وَكَانَ عَلِيٌّ أَرمَدَ العَينِ يَبْتَغِي*** دَواءٌ فَلَمْ يُحْسِسْ طَبِيباً مُداوِياشفاهُ رَسولُ اللهِ مِنهُ بِتَفلَةٍ ***فَبُورِكَ مَرْقِيّاً وَبُورِكَ راقياوقال : سأعطي الرّايَةَ اليَومَ صارماً كَمِيّاً مُحِباً لِلرَّسول مواليايُحِبُّ إلهي والإلهُ يُحِبُّهُ بِهِ يَفتَحُ اللهُ الحُصون الأوابيافَأَصْفى بها دونَ البَرِيَّةِ كُلها ***عَلِيّاً وَسَمَاهُ الوَزير المُؤاخِيا (2)ووصف الشاعر الموهوب الأزري الحادثة بقوله :وَلَهُ يَومَ خَير فتكات ***كَبُرَتْ مَنظَراً عَلى مَنْ رأهايَومَ قالَ النَّبِيُّ إِنِّي لأعطي ***رايتي ليتها وحامي حماهافَاسْتَطَالَتْ أَعْناقُ كُلِّ فَرِيقٍ ***لِيَرُوا أَي ماجِدٍ يُعْطاها


1) حلية الأولياء 1: 62 صفة الصفوة 1: 163 . مسند أحمد 1: 185 ، رقم الحديث 778. الإرشاد : 1 : 64 . أمالي المفيد : 57 . مجمع الزوائد : 9 : 124 .

2) إعلام الورى : 185 و 186 . رسائل المرتضى : 4 : 104 .

فدعا أينَ وارِثُ العِلمِ وَالحِلم ***مجيرُ الأَيَّامِ مِنْ بَأْساها ؟أينَ ذو النَّجدَةِ الَّذي لَوْ دَعَتْهُ ***في الثَّرَيَّا مَروعَةٌ لَبّاها ؟فَأَتاهُ الوَصِيُّ أَرمَدَ عَيْنٍ ***فَسَقاهُ مِنْ ريقِهِ فَشَفاهاومضى يَطلُبُ الصُّفوفَ فَوَلتْ ***عَنهُ عِلماً بِأَنَّهُ أَمْضاها (1)واستلم الإمام علیه السلام الراية من النبي صلی الله علیه و آله و سلم وقال له : يا رَسُولَ اللهَ ، أَقاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مثْلَنا ؟فقال له النبي : انْقَدْ عَلَى رَسُلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقٌّ اللَّهِ.فَوَاللَّهِ لَئِنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ (2.)وأسرع القائد العظيم مزهوّاً لم يختلج في قلبه رعب ، وهو يلوّح بلواء النصر متجهاً نحو الحصن ، فقلع بابه وتترس بها (3ووقته من ضربات اليهود وقذائفهم ، وذعر اليهود وأصابتهم أوبئة الخوف وفزعوا من هذا البطل الذي قلع باب حصنهم وتترس بها.


1) شرح الأزرية : 141 و 142 الأنوار العلوية : 198 و 199 .

2) صفوة الصفوة : 1 : 164 . صحيح البخاري : 7 : 121 . وفي وسائل الشيعة : 6 30: « يا عَلِيُّ ، لَا تُقاتِلَنَّ أَحَداً حَتَّى تَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام . 1:30 العمدة : 142 . مسند أحمد بن حنبل : 5: 333. تاريخ دمشق : 42 : 86.

3) مناقب آل أبي طالب : 2 : 126. إن قلع الإمام لباب خيبركان من المعاجز ، فقد كانت الباب لا يقلعها إلا أربعون رجلاً ، كما نصت عليه المصادر التالية : تاريخ بغداد: 11 : 324 میزان الاعتدال: 3: 113 كنز العمال 6 368.)وفي الرياض النضرة : 2 : 188 : «إنّه اجتمع سبعون رجلاً فأعادوا الباب بعد جهد »

#### مبارزة الإمام علیه السلام لمرحبوبرز مرحب - وهو من أبطال اليهود وشجعانهم - صوب الإمام وعليه مغفر يماني وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ، وهو يرتجز :قَدْ عَلِمَتْ خَيْرُ أَنِّي مَرحَب ***شاكي السَّلاحِ بَطَلَ مُجَرَّبُإِذا الليوتُ أَقْبَلَتْ تَلْتَهِبُواستقبله حامي الإسلام وعليه جبة حمراء فأجابه :أَنَا الَّذِي سَمَّتْني أُمِّي حَيْدَرَهُ ***ضرْعامُ آجامٍ وَلَيْثٌ قَسْوَرَهُ (1)عَبْلُ الذّراعَيْنِ شَدِيدُ الْقَسْوَرَة ***كَلَيْثِ غاباتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرهُ (2)أَضْرِبُ بِالسَّيْفِ رِقابَ الْكَفَرَةِ ***أَكِيلُهُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَة(3)ولم يختلف الرواة في أنّ هذا الشعر للإمام (4، وقد حكى هذا الشعر قوّة بأس الإمام الله ، وشجاعته ، وتقدّم إليه الإمام فبادره بضربة قدّت البيضة والمغفر ورأسه ، وسقط إلى الأرض صريعاً يتخبّط بدمه ، فأجهز عليه وتركه جثّة هامدة ، وبذلك فقد كتب الله النصر للإسلام ، وفتحت حصون خيبر ، وأذل اليهود ولقنهم درساً قاسياً يذكرونه بأسى ولوعة على امتداد التاريخ .)


1) الآجام : جمع أجمة ، وهي الشجر الكثير الملتف أو القصب يكونان مأوى للأسود ، وهو إشارة إلى فرط قوّته ومنعة جانبه ، فإنّه لم يكتف بحماية أجمة ، وإنما حمى أجاماً . القسورة : أوّل الليل ، وتأتي بمعنى الأسد ، وهو من القسر لأنه يأخذ فريسته قسراً وقهراً .

2) العبل : الضخم.

3) السندرة : اختلف في معناها ، فقال ابن الأعرابي : هي المكيال ، والمعنى : أنّي أقتلكم واسعاً كثيراً ، وقال غيره : هي امرأة كانت توفي الكيل ، أي أقتلكم قتلاً وافياً .

4) خزانة الأدب : 6 65. بحار الأنوار : 21: 18 . ينابيع المودة : 1: 155 .

وسُرّ النبى صلی الله علیه و آله و سلم سروراً بالغاً بهذا النصر المبين الذي أعزّ الله به المسلمين وقهر أعداءهم اليهود ، وصادف في ذلك اليوم رجوع جعفر بن أبي طالب من الحبشة ، فقال : ما أَدْرِي بِأَيْهِما أَنَا أَسَرُّ أَبِقَدُومٍ جَعْفَرٍ أَمْ بِفَتْحِ خَيْبَرَ (1؟)### غزوة بني قريظة#### اشارةوبنو قريظة من شرائح اليهود الذين يشكلون خطراً على المسلمين ويكيدونهم في وضح النهار وغلس الليل ، وقد هبط جبرئيل على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بأمر من الله تعالى أن ينازلهم الحرب ويستأصل شأفتهم (2، وخفّف النبي صلی الله علیه و آله و سلم لحربهم ، وقدم الإمام أمير المؤمنين أمامه وهو يحمل رايته ، فسار لهم ، فلما دنا من حصونهم سمع مقالة قبيحة في النبي ، فرجع حتى التقى به وقال له : يا رَسُولَ اللهِ ، لَا عَلَيْكَ أَن لَا تَدْنُو مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَخْبَاثِ.)فقال له : لَمْ أَظُنُّكَ سَمِعْتَ مِنْهُمْ لِي أَذى ؟قال: نَعَمْ.فقال النبي : لَوْ رَأَوْنِي لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذلِكَ شَيْئاً ... وحاصرهم النبي خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب.#### نصيحة كعب لبني قريظةوأيقنت بنو قريظة أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم الحرب فتقدّم إليهم كعب بن أسد بنصيحة لهم قائلاً : يا معشر اليهود ، قد نزل بكم من الأمر


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 4 128 عمدة الطالب : 35. بحار الأنوار : 21 : 23 . أسد الغابة : 1 : 287 .

2) السيرة النبوية / ابن هشام :2 333 تاریخ دمشق : 9: 92 .

ما ترون ، وإنّي عارض عليكم خلالاً ثلاثاً فخذوا أيها شئتم ؟وهتفوا جميعاً : ما هي ؟عرض عليهم نصيحته قائلاً : نتابع هذا الرجل ونصدّقه ، فوالله ! لقد تبيّن لكم أنه نبي مرسل ، وأنه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم .وأشار عليهم بنجاتهم وسلامتهم ، إلا أنّهم لم يستجيبوا له وردوا عليه قائلين : لا نفارق حكم التوراة أبداً ، ولا نستبدل به غيره.وأشار عليهم ثانياً : فإذا أبيتم على هذه فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه مصلتين السيوف ، لم نترك وراءنا ثقلاً حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، فإن نهلك فهلك ولم نترك وراءنا نسلاً نخشى عليه ، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء.ورفضوا هذا المقترح قائلين : ونقتل هؤلاء المساكين فما خير للعيش بعدهم.واقترح عليهم ثالثاً : فإن أبيتم على هذه فإنّ الليلة ليلة السبت ، وأنّه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد امنونا فيها ، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرّة ..ورفضوا ذلك وقالوا : نفسد سبتنا علينا ، ويُحدث فيه ما لم يُحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ ، ولم ينصاعو ا لرأيه وأصروا على جهلهم (1.)#### نزولهم على حكم الرسول صلی الله علیه و آله و سلموضاق بنو قريظة ذرعاً وسدّت عليهم جميع النوافذ فنزلوا على حكم رسول


1) السيرة النبوية / ابن هشام : 2 : 235 - 236 . بحار الأنوار: 20 : 210 و 211 . تاريخ الطبري : 2452 - 247

الله صلی الله علیه و آله و سلم وما يراه فيهم .#### تحکیم سعدوأوكل النبي صلی الله علیه و آله و سلم أمرهم إلى سعد بن معاذ ، وكان من أجلاء الصحابة ، لا تأخذه في الله لومة لائم وكان جريحاً ، فحمل إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقام إليه وسائر الصحابة تكريماً وقالوا له : يا أبا عمرو ، إن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قد أمر مواليك لتحكم فيهم.فقال سعد : عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ، إن الحكم فيهم لما حكمت.فقال : نعم .وحكم سعد فيهم بقتل رجالهم وتقسيم أموالهم وسبي نسائهم وذراريهم .وهو حكم عادل في هؤلاء اليهود الذين هم مصدر فتنة وفساد في الأرض .وأقر النبي عليه حكم ، سعد ، وقال له : لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ (1.)ونفّذ الإمام أمير المؤمنين لها حكم الاعدام في هؤلاء الأشرار ، فقد حصد رؤوسهم بسيفه.### غزوة بني النضيروبنو النضير من فصائل اليهود الذين أترعت نفوسهم بالبغض والعداء إلى الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، وقد سار إليهم في جماعة من أصحابه ، في طليعتهم الإمام أمير المؤمنين الله وذلك لأخذ دية منهم كان قد اتفق معهم عليها ، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب جدار من بيوتهم ، فخلا بعضهم ببعض وتآمروا على أن يلقي بعضهم


1) السيرة النبوية / ابن هشام : 2 : 239 - 240 . بحار الأنوار: 20 : 211 و 212 تاريخ الأمم والملوك : 2 249

صخرة من السطح على رأس النبي ، واستجاب عمرو بن جحاش لذلك ، وأخذ الصخرة ، فنزل الوحي من السماء على النبي صلی الله علیه و آله و سلم يخبره بذلك ، فسارع قائماً وتركأصحابه في مجالسهم وقفل راجعاً إلى المدينة.وفي ذلك يقول السبكي :وَجاءَكَ الوَحْيِ بِالَّذِي أَضمَرَتْ بَنو***النَّضيرَةِ وَقَدْ هَمَوا بِإِلقاءِ صَخْرَةِ (1)وسارع الإمام الهلال إلى اليهودي الذي حاول اغتيال الرسول صلی الله علیه و آله و سلم فقتله ، وهربت العصابة التي معه ، ، فطلب الامام من الرسول ملاحقتهم فأذن له ، وزوّده بكوكبة من جيشه فلحقوهم قبل دخول حصنهم وقتلوهم ، وكان ذلك السبب في فتح حصونهم ، وانبرى جماعة من الشعراء كان منهم حسّان بن ثابت فنظموا في شعرهم الحادثة ، وأثنوا على الإمام الله على ما بذله من جهد شاق في فتح حصون بني النضير .### غزوة وادي القرىولما فتح النبي صلی الله علیه و آله و سلم حصون خيبر أتى وادي القرى ، وقد سكنه اليهود ، فعرض عليهم الإسلام فأبوا ... واختاروا قتاله ، فقاتلهم المسلمون ، وقتل منهم أحد عشر رجلاً قد قتل الإمام بعضهم ، وفتح الله للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ديارهم ، وغنم المسلمون أموالهم ، وترك لهم ما في أيديهم من الأرض والنخيل ، وعاملهم بها مثل معاملته لأهل خيبر.(2)


1) إنسان العيون : :2 176 السيرة الحلبية : 2 : 560 .

2) إنسان العيون: 3 : 68 و 69 . تاريخ الإسلام : 2 : 442 البداية والنهاية : 4 : 248 .

### فتح اليمن#### اشارةوأرسل النبى صلی الله علیه و آله و سلم الإمام مع كتيبة عسكرية إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام أو الحرب ، وأخذ الإمام يجد فى السير لا يلوي على شيء لينقذ رسالة الرسول.#### دعاء الإماموكان الإمام علیه السلام قد دعا بهذا الدعاء الشريف حين توجّهه إلى اليمن ، وهذا نصه:«اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِلَا ثِقَةٍ مِنِّي بِغَيْرِكَ ، وَلَا رَجَاءٍ يَأْوِي بِيَ إِلَّا إِلَيْكَ ، وَلَا قُوَّةٍ أَتَّكِلُ عَلَيْهَا ، وَلَا حِيْلَةٍ أَلْجَأْ إِلَيْهَا إِلَّا طَلَبَ فَضْلِكَ ، وَالتَّعَرُّضَ لِرَحْمَتِكَ ، وَالسُّكُونَ إِلى أَحْسَنِ عَادَتِكَ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا سَبَقَ لِي فِي وَجْهِي هذَا مِمّا أُحِبُّ وَأَكْرَهُ ، فَأَيَّما أَوْقَعَتْ عَلَيَّ فِيهِ قُدْرَتُكَ ، فَمَحْمُودٌ فِيهِ بَلَاؤُكَ مُتَضِحٌ فِيهِ قَضَاؤُكَ ، وَأَنْتَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُنْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ .اللَّهُمَّ فَاصْرِفْ عَنِّي مَقَادِيرَ كُلِّ بَلَاءٍ ، وَمَقْضِي كُلِّ لَأواءِ ، وَابْسُطْ عَلَيَّ كَنَفَاً مِنْ رَحْمَتِكَ وَسَعَةً مِنْ فَضْلِكَ ، وَلُطفاً مِنْ عَفْوِكَ حَتَّى لَا أُحِبَّ تَعْجِيلَ مَا أَخَرْتَ وَلَا تَأْخِيرَ مَا عَجَّلْتَ ، وَذَلِكَ مَعَ مَا أَسْأَلُكَ أَنْ تَخْلُفَنِي فِي أَهْلِي وَوَلَدِي ، وَصُرُوفِ حُزانَتِي بِأَحْسَنِ مَا خَلَفْتَ بِهِ غَائِباً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَحْصِينِ كُلِّ عَوْرَةٍ وَسَتْرِ كُلِّ سَيِّئَةٍ ، وَحَط كُلِّ مَعْصِيَةٍ ، وَكِفَايَةِ كُلِّ مَكْرُومٍ .وَارْزُقْنِي عَلى ذَلِكَ شُكْرَكَ وَذِكْرَكَ ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ ، وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ ، يَا وَلِيَّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَاجْعَلْنِي وَمَا خَوَّلْتَنِي وَوَلَدِي ، وَرَزَقْتَنِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فِي حِمَاكَ الَّذِي لَا يُسْتَبَاحُ ، وَذِمَّتِكَ الَّتِي لَا تُخْفَرُ ، وَجِوَارِكَ الَّذِي لَا يُرَامُ ، وَأَمَانِكَ الَّذِي لَا يُنْقَضُ، وَسَتْرِكَ الَّذِي لَا يُهْتَكُ ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ فِي

حِمَاكَ وَذِمَّتِكَ وَجِوَارِكَ وَأَمَائِكَ وَسِتْرِكَ كَانَ آمِناً مَحْفُوظاً ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ »(1.)وحكى هذا الدعاء مدى اعتصام الإمام علیه السلام بالله تعالى والتجائه إليه وانقطاعه الكامل لإرادته ومشيئته.#### إسلام همدانوانتهى الإمام مع الوفد العسكري إلى اليمن والتقى بزعماء اليمانيين ووجوههم ، وعرض عليهم دعوة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وشرح لهم محاسن الإسلام وما تنشده مبادؤه من القيم الكريمة والمثل العليا ، وقد بهر اليمانيون بكمال الإمام وفضله وأدبه فاستجابوا لدعوته ، وأعلنت همدان بأسرها الإسلام والتمسك بقيمه ، وبذلك فقد كان الإمام رسول السلام الذي نجح في فتح اليمن بلا حرب(2.)### فتح مكة#### اشارةوكتب الله تعالى النصر المبين لعبده ورسوله محمد صلی الله علیه و آله و سلم ، فقد أذل القوى المعادية من القرشيين واليهود، وامتدت دولته على كثير من مناطق الجزيرة العربية ، فقد سادت فيها كلمة الإسلام ورفعت عليها راية التوحيد .وقد رأى النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنه لا يتحقق له النصر الحاسم والفتح المبين إلا بفتح مكة التي هي قلعة الشرك والإلحاد والتي حاربته حينما كان فيها وحينما نزح عنها .وسار النبي صلی الله علیه و آله و سلم بجيش مكثف قوامه عشرة آلاف جندي مسلّح أو يزيد على


1) مهج الدعوات : 124 و 125 . بحار الأنوار: 92: 303 و 304.

2) أمالي المرتضى : 1: 292 تاریخ ابن خلدون : 2 : 55. الإرشاد : 1: 62.

ذلك ، وهو مزوّد بجميع آلات الحرب ، وقد أحاط اتجاهه إلى مكة بكثير من الكتمان ، فلم تعلم القطعات من جيشه اتجاهها ، فقد خاف النبي أن تستعد قريش لمحاربته إن علمت بمسيرة جيوشه لاحتلال بلدهم فتراق الدماء في البلد الحرام ، فأخفى ذلك عليهم حتى يفاجئهم بجيشه فلا يتمكنوا من مناهضته.#### رسالة حاطب لقريشوكتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم فيه بتوجه النبي صلی الله علیه و آله و سلم لاحتلال بلدهم ، وأعطى الكتاب إلى امرأة وأوصاها بالكتمان الشديد ، وجعل لها جعلاً إن هي أوصلت الرسالة إلى القرشيين ، فجعلت الكتاب في شعر رأسها وأخفته حتى لا يعلم به أحد ، ونزل الوحي على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وأحاطه علماً بالكتاب ، أخاه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام والزبير بن العوام وأمرهما بالقبض على المرأة وأخذ الكتاب منها.وسارع الإمام مع الزبير في السير حتى أدركا المرأة ، فسألاها عن الكتاب ، فأنكرت ذلك.فصاح بها الإمام وزجرها قائلاً : إِنِّي أَحْلِفُ بِاللهِ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا كَذَّبْنا لَتُخْرِجنَّ الْكِتابَ أَوْ لِنَكْشِفَنَّكِ .فاستولى عليها الرعب وخافت فأخرجت الكتاب من شعر رأسها وأعطته للإمام ، وخف الإمام مع الزبير مسرعين إلى النبي فسلّماه الكتاب ، فدعا بحاطب ، فلما مثل عنده قال له : ما حَمَلَكَ عَلى هذا ؟وأبدى حاطب معاذيره للرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً : يا رسول الله ، إنِّي مؤمن بالله ورسوله ، ما غيّرت ولا بدّلت ، ولكن ليس لي في قريش أصل ولا عشيرة ، فصانعتهم عليه ».وقبل النبي صلى الله عليه وسلم معاذيره ، ونزلت الآية الكريمة في حقه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّة الآية(1)»(2).)#### في رحاب مكةوسارعت الجيوش الإسلامية لا تلوي على شيء حتى انتهت إلى مشارف مكة وأهلها غافلون لا يعلمون شيئاً ، فقد أحاط النبي علا الله مسيرته بكثير من التعتيم حفظاً على السلام وعدم إراقة الدماء ، وأمر النبي جيشه بجمع الحطب ، فجمعت كميات هائلة منه ، فلما اختلط الظلام أمر بإشعال النار فيه ، فكان لهبها يرى في مكة ، وفزع أبو سفيان وأوجس في نفسه خيفة منها ، فقال لبديل بن ورقاء - وكان إلى جانبه - : ما رأيت كالليلة نيراناً قط؟و یا در بديل قائلاً : وهذه والله ! خزاعة حمشتها الحرب.وسخر أبو سفيان منه وراح يقول له : خزاعة أذلّ وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. واستولى عليه الفزع والخوف، واطمأنت نفسه أنها جيوش المسلمين جاءت لاحتلال مكة .#### العباس وأبو سفيانولما علم العباس بقدوم الجيوش الإسلامية لاحتلال مكة ، أوجس في نفسه خيفة على قومه القرشيين ، وأخذ يحدث نفسه قائلاً : واصباح قريش ، والله ! لئن دخل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنّه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. وجهد على أن يجد شخصاً فيأتي إلى مكة فيخبر أهلها بمكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم


1) التحريم 66: 1.

2) السيرة النبوية / ابن هشام : 2 : 398. بحار الأنوار: 30: 576 و 577 . سير أعلام النبلاء : 78:1

فيخفوا إليه ليطلبوا منه الأمن ، وبينما هو غارق في تيار من الهواجس والخوف على قومه إذ بصر بأبي سفيان فهتف به : يا أبا حنظلة.وعرفه أبو سفيان فسارع قائلاً : أبو الفضل.فقال العباس : نعم.فأجابه أبو سفيان : فداك أبي وأمي.فقال العباس : ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله في الناس واصباح قريش . وذعر أبو سفيان وجمد دمه ، وخاف على نفسه وقومه فبادر قائلاً: ما الحيلة فداك أبي وأمي؟وسارع العباس يدلّه على الطريق الذي يحافظ به على دمه قائلا له : والله ! لشن ظفر بك رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ليضربن عنقك ، فاركب على عجز هذه البغلة حتى آتي بك إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فأستأمنه لك.فأردفه خلفه ، فكان كلّما مرّ على نار من نيران المسلمين قالوا : من هذا ؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا : عم رسول الله ، ويصر به عمر بن الخطاب فعرفه ، فصاح : هذا أبو سفيان عدوّ الله.ثم صاح ثانياً : الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد .. ، ووجم أبو سفيان واضطربت خلجات قلبه وهام في تيارات من الهواجس، وخاف على نفسه وقومه الذين لم يبقوا في قاموس الإساءة والمكروه شيئاً إلا صبوه على النبي وأصحابه .وجرت مناوشات كلامية بين العباس وعمر في شأن أبي سفيان ، وبادر العباس إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فأحاطه علماً بأسر أبي سفيان ، فأمره النبي أن يذهب به إلى رحله ويأتي به عند الصباح ، وبات أبو سفيان ليلته مع العباس وهو وجل مضطرب قد أنفق ليله ساهراً.

#### أبوسفيان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلمولما اندلع نور الصبح أقبل العباس ومعه أبو سفيان ، فلما مثلا أمام النبي التفت إلى أبي سفيان فقال له : وَيْحَكَ يا أَبَا سُفْيانَ ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ولم يعرض النبي صلی الله علیه و آله و سلم إلى ما عاناه من صنوف التنكيل والاضطهاد من أبي سفيان وقومه ، فقد أسدل الستار على ذلك لنشر الوئام وإفهامه بروح الإسلام التي لا تعرف الانتقام من الأعداء . وراح أبو سفيان يتضرع إلى النبي ويطلب منه العفو قائلاً: بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، والله ! لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لأغنى عنّي .والتفت إليه النبي بلطف ورفق قائلاً : وَيْحَكَ يا أَبَا سُفْيَانَ ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ولم يستطع أن يقرّ أبو سفيان بذلك ، فقد أترعت نفسه بالكفر والالحاد والنفاق ، فلم يستطع أن يخفي ما انطوى عليه ضميره وراح يقول : بأبي أنت وأمى ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، أما هذه فإنّ في النفس منها شيئاً حتى الآن .وانبرى العباس لأبي سفيان ينذره ويتهدّده إن لم يستجب لدعوة الرسول قائلاً : ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تُضرب عنقك ولم يجد الخبيث بدأ فأعلن الإسلام بلسانه على كره خوفاً من حد السيف ، وانطوى قلبه على الكفر والنفاق.#### ألطاف النبي صلی الله علیه و آله و سلم على أبي سفيانووسعت رحمة النبي صلی الله علیه و آله و سلم أبا سفيان الذي هو ألد أعدائه وخصومه ، والذي أثار عليه الأحزاب وقاد الجيوش لحربه ، فقبل إسلامه المزيّف ، ولم يقابله بالمثل ، وقد أعطى النبي صلی الله علیه و آله و سلم بذلك مثلاً لرحمة الإسلام وإيثاره للسلم.

والتفت العباس إلى النبي فطلب منه أن يسدي يداً على أبي سفيان قائلاً: يا رسول الله ، إنّ أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً ؟واستجاب الرسول لدعوة العباس ، وقال : نَعَمْ ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ بابَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ.وربح أبو سفيان هذه الكرامة كما ربح لقومه العفو العام الذي لم يحدث له مثيل في جميع فترات التاريخ ، فقد غمرهم الرسول بالطافه وهم الذين جرعوه ألواناً قاسية من المحن والخطوب.#### ابو سفيان فى مضيق الوادىوأمر النبي صلی الله علیه و آله و سلم العباس بحبس أبي سفيان في مضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر عليه جنود الله فيراها حتى يحذر قريشاً من مناهضة النبي ، وحبسه العباس في المضيق ، واجتازت عليه الكتائب وهي تحمل رايات النصر ، وكلما مرت عليه كتيبة سأل عنها فيعرّفه العباس بها ، واجتازت عليه كتيبة مدججة بالسلاح فقال للعباس : يا عبّاس، من هذه؟قال : سليم .فقال : ما لي ولسليم.واجتازت عليه كتيبة أخرى فقال للعباس : يا عباس ، ما هذه ؟قال : مزينة .فقال : ما لي ولمزينة.ولما انتهت الكتائب مرّ عليه النبي صلی الله علیه و آله و سلم في كتيبة خضراء ، وهي في منتهى القوّة ، فقد شهرت السيوف على رأس الرسول ، وأحاطت به صناديد أصحابه ، فبهر أبو سفيان وقال للعبّاس : من هذه الكتيبة ؟

فقال : هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار.ولم يملك أبو سفيان إعجابه وراح يقول للعباس : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة.لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً.فردّ عليه العباس قائلاً : يا أبا سفيان ، إنّها النبوة .فهز أبو سفيان رأسه العفن وقال بسخرية : نعم إذن (1.)وما كان هذا الجاهلي ليفقه الإسلام ، وإنّما كان يفقه الملك والسلطان ، ثمّ أمر النبي بإطلاق سراح أبي سفيان ، فأطلق ، وولّى إلى مكة.#### نداء ابی سفیانوانطلق أبو سفيان مسرعاً يسبق الجيش إلى مكة وهو رافع عقيرته ينادي بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.فهبت قريش قائلة : وما تغني عنا دارك ؟وهتف فيهم ثانياً : مَن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومَن دخل المسجد فهو آمن.فسكن روع القرشيين وسارعوا إلى دورهم وإلى المسجد .#### معارضة هندوانبرت هند زوج أبي سفيان وهي مذعورة قد ملئت نفسها بالألم والحزن ، فجعلت تثير عواطف القرشيين وتستهين بزوجها قائلة : اقتلوا الحميت (2الدنس)


1) السيرة النبوية / ابن هشام : 2: 403 - 404. بحار الأنوار: 21 103 و 104. مجمع الزوائد : 6 : 167 . تاريخ دمشق : 23 : 450 . تاريخ الأمم والملوك : 2 : 332 .

2) الحميت : الشديد الدناسة .

قبح من طليعة قوم.وراح أبو سفيان يحذر قريشاً من مغبة عصيانه ويحذرهم من بطش المسلمين.#### دخول النبى صلی الله علیه و آله و سلم مكةوسارعت جيوش المسلمين لدخول مكة وهي فرحة مستبشرة بهذا النصر ، فإنّها لم تلق أية مقاومة من قريش ، وقد حمل الراية سعد بن عبادة ، وهو يلوّح بها في الفضاء ويهتف : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة .فسمعها عمر بن الخطاب كما يقول ابن هشام - فسارع إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم قائلاً : يا رسول الله ، اسمع ما قال سعد؟فأمر النبي صلی الله علیه و آله و سلم بأخذ اللواء من سعد وإعطائه إلى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام فأخذه وأدخله إدخالاً رقيقاً، ورفع صوته قائلاً : الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ ، الْيَوْمَ تُصانُ الْحُرَمَةُ .وعمّت الفرحة الكبرى جميع أوساط القرشيين ، وأيقنوا أنّ النبي لا يؤاخذهم بما اقترفوه تجاهه من التنكيل والاعتداء .#### النبي صلی الله علیه و آله و سلم في الكعبةوسارع النبي صلی الله علیه و آله و سلم بعد دخوله مكة إلى بيت الله الحرام ، فأغلق بوجهه عثمان ابن طلحة باب الكعبة وصعد على سطحها ، وأبى أن يدفع إليه المفتاح ، وبادر إليه الإمام الله فلوى يده وأخذ المفتاح منه وفتحها للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فصلّى فيها ركعتين(1ثمّ سلّم المفتاح له ، وقال له : يا عُثْمَانُ الْيَوْمَ يَوْمُ بِرِّ وَوَفاء (2).)


1) صبح الأعشى : 4 : 269 . البداية والنهاية : 4 : 332

2) السيرة النبوية / ابن هشام : 2 : 412 . البداية والنهاية : 4: 344 .

#### تطهير البيت من الأصنامولما دخل النبي صلی الله علیه و آله و سلم البيت الحرام كان أوّل عمل قام به تحطيمه وإزالته للأصنام والأوثان التي اتخذها القرشيّون آلهة يعبدونها من دون الله تعالى ، والتي تنم عن جهلهم وانحطاطهم الفكري ، وقد كانت الأصنام المعلّقة على الكعبة ثلثمائة وستين صنماً ، ولكلّ حيّ من العرب صنم خاص بهم .وكان على جهة باب البيت المعظم الصنم الأعلى لقريش وهو هبل ، فجعل النبي له يطعن بقوسه في عينه ، وهو يقول : جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ، ثمّ أمر بتحطيمه وتطهير البيت منه ، وقد شقّ ذلك على أبي سفيان وغيره من عتاة القرشيين.ثم اعتلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم على منكب الإمام التكسير الأصنام ، فعجز الإمام عن النهوض به ، فقال له الرسول : إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ حَمْلَ ثِقْلِ النُّبُوَّةِ ، فَاصْعَدْ أَنْتَ ، فاعتلى الإمام على كاهل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم.وقال الإمام : لَوْ شِئْتُ لَئِلْتُ أَفْقَ السَّمَاءِ ، وأقبل على الأصنام فجعل يقلعها ويرمي بها إلى الأرض ، ولم يبق إلا صنم خزاعة وكان موتداً بأوتاد من حديد ، فقال له الرسول : عالجه.فعالجه الإمام وهو يقول : جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ، إِنَّ الْباطِلَ كَانَ زَهُوقاً ، فعالجه حتى تمكن منه فقذفه حتى تكسّر(1، وبذلك فقد تطهر البيت الحرام من أصنام قريش على يد بطل الإسلام وقائد مسيرته الظافرة .)لقد حطّم الإمام الأصنام كما حطمها جده إبراهيم خليل الله ، وقد نظم الشاعر الملهم محمد بن أحمد الكاتب المعروف ب- ( المفجّع هذه المأثرة للإمام الا)


1) إنسان العيون: 3 : 99 - 100 . الاحتجاج : 1 : 178 و 179 . ينابيع المودة : 1 : 276 و 287 .

بقوله:وَلَهُ مِنْ أَبِيهِ ذِي الأَيْدِ إِسْمَا ***عِيلَ شِبْهُ مَا كَانَ عَنِّي خَفِيًاإِنَّهُ عاوَنَ الْخَلِيلَ عَلَى الكَعْب بَةِ إِذْ شَادَ رُكنها المَبْنِياوَلَقَدْ عَاوَنَ الوَصِيُّ حَبيبَ اللهِ إِذْ يَغْسِلان مِنْها الصفيارامَ حَمْلَ النَّبِيُّ كَيْ يَقْطَعَ الأَصْنا ***مَ مِنْ سَطْحِهَا المَثُولِ الحَبِيّا (1فَحَناهُ يُقْلُ النُّبُوَّةِ حَتَّى كَادَ **يَنادُ تَحْتَهُ مَنْنِيّا (2)فَارْتَقَى مَنْكِبَ النَّبِيِّ علي صِنْوُهُ مَا أَجَلَّ ذَا المُرْتَقَيًافَأَمَاطَ الأَوْثَانَ عَنْ ظَاهِرِ الْكَعْبَ ة يَنْفِي الأَرجَاسَ عَنْهَا نَفِيًاوَلَو أَنَّ الوَصِيَّ حَاوَلَ مَسَّ النجمِ ***ةٍ بالكَفِّ لَمْ تَجِدْهُ قَصِيّا(3)إن تحطيم الأصنام وتطهير الكعبة منها أقسى ضربة موجعة للقرشيين الذين تفانوا في عبادة الأوثان ، كما كان أعظم انتصار رائع للإسلام الذي جاء لتحرير العقول ونشر الوعي بين الناس ، فقد باءت بالفشل والخزي جميع المقاومات والاعتداءات على الإسلام ، وها هو يرفع رايته وينشر مبادئه العملاقة في ديارهم.#### خطاب النبي صلی الله علیه و آله و سلموأحاطت جماهير أهالى مكة بالرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم وهي تنتظر بفارغ الصبر ما يواجهونه منه ، فهل يُنزل بهم العقاب الصارم ويقابلهم بالانتقام من جراء ما صبّوه عليه وعلى أتباعه المستضعفين من صنوف الخطوب والكوارث ، أو إنّه سيعفو عنهم


1) المثول : جمع مائل ، أي المنتصب .)الحبي : جمع حاب ، أي المرتفع .

2) منئياً : أي مثقلاً .

3) معجم الأدباء : 17 : 202 . الغدير : 3: 353 .

ويقابلهم بالصفح الجميل ؟ واعتلى الرسول صلی الله علیه و آله و سلم منصة الخطابة واستمال الجمع إلى أذن صاغية ، فعرض له في خطابه إلى توحيد الله والثناء عليه وإلى نصره لدينه وهزيمته للمشركين ثم قال : يا مَعْشَرَ قُرَيْش ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الجاهلية الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعْظِيْمَها بِالْآبَاءِ . النَّاسُ مِنْ آدَمَ ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ.ثم تلا قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ (1).)يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟فهتفوا جميعاً بلسان واحد : خيراً ، أخ كريم ، وابن أخ كريم .فأصدر رسول الرحمة العفو عنهم قائلاً : اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطَّلَقَاءُ (2.)وتمثلت الرحمة والشرف والكرامة بجميع ما تحمل هذه الألفاظ من معنى في هذا العفو ، فلم يقابل أولئك الجفاة الجناة بالمثل وأعرض عما لاقاه منهم من صنوف الإساءة والأذى ، ولم يؤاخذهم بجرائمهم وآثامهم التي تقتضي أن يعدم رجالهم ويستصفي أموالهم ، ولا يترك لهم أي أثر أو وجود على الأرض .### غزوة حنين#### اشارةوفزعت هوازن أشدّ ما يكون الفزع حينما وافتهم الأنباء بفتح النبي صلی الله علیه و آله و سلم مكة ، وخضوع القبائل القرشية لحكم الإسلام ، فانبرى مالك بن عوف وهو زعيم هوازن فجمع قبيلته ، واستنجد ببعض القبائل العربية الأخرى وفي طليعتها ثقيف ، فعرض عليهم الأخطار الهائلة التي ستواجههم من اتساع الإسلام ، وأن النبي الله سيزحف


1) الحجرات 13:49 .

2) السيرة النبوية / ابن هشام : 2 : 412 . تاريخ الأمم والملوك : 2: 337. البداية والنهاية : :4 344 . تاریخ ابن خلدون : 2 : 45 .

بجيوشه لاحتلالهم ، فآمن الجميع بدعوته واستجابوا لقوله ، وزحفت هوازن ومن تابعهم من القبائل لحرب النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وأوصاهم مالك بن عوف وهو القائد العام لجيوشهم فقال لهم : إذا رأيتموهم - أي المسلمين - فاكسروا جفون سيوفكم ، ثم شدّوا شدّة رجل واحد(1.)ولما انتهت أنباؤهم إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم أوفد للقياهم عبد الله الأسلمي ، وأمره بالتعرّف على أنبائهم ، فمضى ، وعلم أنهم مصممون على حرب النبي ، فقفل راجعاً إلى مكة ، وأخبر النبي بذلك ، فزحف بجيشه البالغ عدده اثني عشر ألفاً ، وكان فيهم من لم يخالط الإسلام قلبه كأبي سفيان بن حرب وأمثاله من المنافقين والطامعين في الغنائم والأسلاب .وتحرّك جيش النبي الله من مكة وقد وزّع الرايات على قادة جيشه ، وأعطى لواء المهاجرين إلى الإمام أمير المؤمنين ا ا ، وسارعت جيوش المسلمين تطوي البيداء لا تلوي على شيء ، فانتهت إلى وادي حنين(2.)#### فرار المسلمينوكانت هوازن قد أعدّت خطة رهيبة ومحكمة للايقاع بالمسلمين ، فقد احتلت وادي حنين وكمنت في شعابه ومضايقه ، فلما اجتازت عليهم جيوش المسلمين، ولم يكونوا على علم بما دبّر لهم ، وثبت عليهم هوازن من كل زاوية في الوادي ، فجفل المسلمون وانهزموا هزيمة منكرة لا يلوي أحد منهم على أحد ، وانحاز رسول


1) السيرة النبوية / ابن هشام : 2 439. مناقب آل أبي طالب : 1 : 180 . تاریخ دمشق: 17 : 239 . أسد الغابة : 4 : 289 تاريخ الأمم والملوك : 2 : 346 .

2) وادي حنين : موضع قريب من مكة ، وقيل : هو وادٍ قبل الطائف بجنب ذي المجاز ، وقال الواقدي : بينه وبين مكة ثلاث ليالي ، جاء ذلك في معجم البلدان 2 313

الله صلی الله علیه و آله و سلم ذات اليمين ، وجعل يدعو المسلمين إلى الثبات والصبر على الجهاد وعدم الفرار قائلاً : أَيُّها النَّاسُ ، إِلَيَّ أَنَا رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ (1.)#### شجاعة الإمام علیه السلاموأبدى الإمام أمير المؤمنين الا من البسالة ما لا يوصف ، فقد أخذ يجول في الميدان يجندل الأبطال ، ويُنزل بهم أفدح الخسائر ، وقد أجمع الرواة أنّه كان من أصلب المدافعين عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم (2، وناول الإمام اللا النبي الله قبضة م-ن التراب ، فرمى بها وجوه المشركين من هوازن وغيرهم (3)، والتحم الإمام مع المشركين التحاماً شديداً ، وقد التحق به مائة رجل من فرسان المسلمين فقاتلوا قتالاً أهونه الشديد ، ولما رأى النبي صلی الله علیه و آله و سلم ذلك قال:)أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ *** أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبالآن حمي الوطيس (4، واشتد الحرب ، فسقطت الرؤوس والأيدي.)شماتة أبي سفيان وصفوانوسرّ المنافقون بهزيمة المسلمين وطاروا فرحاً ، وأبدى أبو سفيان رأس المنافقين شماتته بذلك فقال : لا تنتهي هزيمتهم - أي هزيمة المسلمين - دون البحر .كما أبدى المنافق صفوان بن أمية شماتته بانهيار جيش المسلمين قائلاً: الآن


1) الكامل في التاريخ : 2 : 178. مسند أحمد بن حنبل : 3: 376 . تاريخ الأمم والملوك :

2) مجمع الزوائد : 6: 180 . تاريخ اليعقوبي : 2 : 63 .

3) تاریخ بغداد : 4 334 . مجمع الزوائد : 6: 182.

4) الوطيس : هو التنور ، وقيل : هي الحجارة التي يوقد عليها النار ، وهو كناية عن اشتداد الحرب.

بطل السحر(1.)#### هزيمة المشركينولما بلغت قلوب المسلمين الحناجر وزلزلوا زلزالاً شديداً وساد عليهم الجزع والخوف نصر الله تعالى رسوله الكريم ، فقتل من المشركين سبعون رجلاً من أبطالهم وانهزم الباقون شر هزيمة ، ولاحقتهم جيوش المسلمين فأشاعت فيهم القتل وأسرت جماعة منهم(2، وكان النصر المؤزر على يد بطل الإسلام وحامي حوزته الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وبذلك فقد انتهت هذه المعركة التي كانت من أعنف المعارك ومن أشدّها هولاً وقسوة ، وبها قد انتصر الإسلام انتصاراً حاسماً وهابته جميع قبائل الشرك.)#### الغنائموبعد ما وضعت الحرب أوزارها ارتحل الرسول صلی الله علیه و آله و سلم من أرض المعركة إلى الجعرانة ، فأتته وفود هوازن طالبين منه أن يردّ عليهم ما أخذ أن يردّ عليهم ما أخذ منهم ، فخيرهم بين أبنائهم ونسائهم وبين أموالهم ، فاختاروا أبناءهم ونساءهم ، وانبری زهیر بن صرد أبو صرد من بني سعد بن بكر فقال : يا رسول الله ، إنما في الحضائر عماتك وخالاتك ، وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ، ولو أنا أرضعنا الحارث بن أبي شمر الغساني أو النعمان بن المنذر لرجونا عطفه ، وأنت خير المكفولين ، ثم قال:أمنُنْ عَلَينا رَسولَ اللهِ في كَرَمٍ ***فَإِنَّكَ المَرْءُ نَرجوهُ وَنَدْخِرُأمنُنْ عَلى نِسوَةٍ قَدْ َعافَها قَدَرٌ ***مُمَزَّقٌ شَمْلُها في دَهْرِها غِيَرُ (3)


1) الكامل في التاريخ : 2 : 178. بحار الأنوار : 21: 166. مجمع الزوائد : 6: 180 .

2) السيرة النبوية / ابن هشام: 4 : 66.

3) الكامل في التاريخ : 2 : 268 . تاريخ الأمم والملوك : 2 : 356 .

يا خَيرَ طفلٍ وَمَولودٍ وَمُتَخَبِ ***في العالمين إذا ما حصل البَشَرُإنْ لَمْ تَدارَكَها نَعِماءَ تَنْشُرُها ***يا أَرجَحَ النَّاسِ حِلْماً حين يُختَبَرُاُمْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَد كُنتَ تَرضَعُها ***إذ فوك تَملَأُهُ مِنْ مَحضِها الدُّرَرُإذْ كُنتَ طِفلاً صغيراً كُنتَ تَرضَعُها ***وإذ يُزينُكَ ما تَأْتِي وَما تَذَرُ(1)ووهبهم النبي صلی الله علیه و آله و سلم ما كان له ولبني عبد المطلب ، واستجاب المهاجرون والأنصار وبنو سليم لرغبة النبي فوهبوا حصتهم ، ولم يستجب غيرهم لذلك ، ثمّ قسّم النبي صلی الله علیه و آله و سلم الإبل والغنم ، وازدحموا عليه حتى اختطفت رداؤه .ثم قال : رُدُّوا عَلَيَّ رِداني أَيُّها النّاسُ ، فَوَاللَّهِ! لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ شَجَرِ تِهامَةَ نَعَمٌ لَقَسَمْتُها عَلَيْكُمْ ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلاً وَلَا جَباناً.ولم يعط النبي صلی الله علیه و آله و سلم الأنصار شيئاً ، فوجدوا في أنفسهم وضاقوا ذرعاً ، وأمر النبي صلی الله علیه و آله و سلم سعد بن عبادة بجمع الأنصار ، فلما مثلوا عنده قال لهم : ما حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ ؟ أَلَمْ آتِكُمْ ضَلَالاً فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي ؟ وَفُقَراءَ فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي ؟ وَأَعْداءٌ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟فانبروا جميعاً قائلين : بلى والله ! یا رسول الله ، الله ورسوله المنّ والفضل .وخاطبهم النبي صلی الله علیه و آله و سلم بلطف وحنان قائلاً : أَلَا تُجِيبُونِي ؟فقالوا : بماذا نجيبك ؟ونظر النبي صلی الله علیه و آله و سلم لهم بولاء وإخلاص قائلاً : وَاللهِ ! لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُم ، فَصَدَقْتُم : أَتَيْتَنا مُكَذِّباً فَصَدَّقْناكَ ، وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ ، وَطَريداً فَآوَيْنَاكَ ، وَعَائِلاً فَوَاسَيْناكَ ، أَوَجَدْتُمْ ، يا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْفُسَكُمْ فِي لُعَاعَةِ (2مِنَ الدُّنْيا تَألَّفْتُ بِها قَوْماً لِيُسْلِمُوا وَوَكَلتَكُمْ)


1) الكامل في التاريخ : 2 : 182. المعجم الكبير : 5 : 271 .

2) اللعاعة : نبت ناعم قليل البقاء .

إلى إِسْلَامِهِمْ ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحالِكُمْ ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءاً مِنَ الْأَنْصارِ ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ ششِعْباً لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ .اللهُمَّ ارْحَم الأَنْصارَ ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصارِ .وغرق الأنصار بالبكاء واخضلّت لحاهم من دموعهم وراحوا يهتفون : رضينا برسول الله قسماً وحظاً (1.)إن الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم أعظم قائد عرفته الإنسانية في جميع أدوارها ، فقد غيّر مجرى تاريخ العالم وألف بين قلوب أتباعه ، وعقد أواصر المحبة والألفة بينهم ، وكانت أخلاقه البلسم الذي داوى به النفوس المريضة والقلوب المنحرفة .وبهذا ينتهي بنا الحديث عن غزوة حنين التي هي من أعظم غزوات الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، وكان البطل البارز فيها هو الإمام أمير المؤمنين علیه السلام .#### الإمام علیه السلام وسورة البراءةوعهد النبي صلی الله علیه و آله و سلم إلى أبي بكر أن يمثله في أهالي مكة ليقرأ عليهم بنوداً من سورة البراءة وما قنّنه الإسلام من أحكام لمن طاف في بيت الله الحرام ، وهذه بعضها :أوّلاً: لا يطوف في البيت عريان ، وكانت العادة المتبعة أن يطوف الرجل عرياناً .ثانياً : لا يدخل الجنة إلا من آمن بالله ورسوله .ثالثاً : من كان بينه وبين رسول الله مدّة فأجله إلى مدّته .رابعاً : إنّ الله ورسوله بريئان من المشركين(2.)


1) تاريخ الأمم والملوك : 2 : 361. الكامل في التاريخ : 2 : 271. مسند أحمد بن حنبل : 2 : 77 مجمع الزوائد : 10: 29 و 30.

2) التنبيه والأشراف : 186 . البداية والنهاية : 5 : 45 .

وسار أبو بكر حاملاً رسالة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فهبط الوحي على النبي صلی الله علیه و آله و سلم يأمره بإسناد هذه المهمة إلى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام وإقصاء أبي بكر ، وبادر الإمام مسرعاً فأدرك أبا بكر في الطريق فأخذ الرسالة منه (1، وقرأها على أهالي مكة ، وقفل أبو بكر راجعاً وملء إهابه ألم ممضّ.)فلما رأى النبي بكى وقال : يا رسول الله ، حدث في شيء؟فهدأ النبي روعه وقال له : ما حَدَثَ فِيْكَ إِلَّا خَيْرٌ ، وَلَكِنْ أُمِرْتُ أَنْ لَا يُبَلِّغها إِلَّا أَنا أَوْ رَجُلٌ مِنِّي (2.)وهذه البادرة من الأدلة التي تمسكت بها الشيعة على إمامة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، فقد قالوا : إنّه لو كانت لأبي بكر مرشحات للخلافة لما عزلته السماء عن أداء هذه الرسالة التي هي من أبسط المسؤوليات وأقلها أهمية.### غزوة تبوك#### اشارةوواكب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في جميع حروبه وغزواته إلا في غزوة تبوك ، فقد أبقاه ممثلاً عنه في يثرب ، وأرجف المنافقون وأشاعوا أنّ لله إنما أبقاه في المدينة لكراهته له ، وبلغ ذلك الإمام الالها فأخبر النبي صلی الله علیه و آله و سلم بمقالتهم ، فردّ عليهم مزاعمهم وقلد الإمام علیه السلام أسمى الأوسمة قائلاً : كَذَبُوا ، وَإِنَّما خَلَّفْتُكَ لِما وَرَانِي ، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ ، أَمَا تَرضى يا عَلِيُّ أَنْ


1) مسند أحمد بن حنبل : بن 1 3. حنبل : 1: 3 . خصائص النسائي : 20 . كنز العمال : 4 : 246. تفسير الطبري : 10 : 46 . مستدرك الحاكم : 3 : 51 . صحيح الترمذي : 2 : 183. تذكرة الخواص

2) أمالي المرتضى : 1 292، مسند أحمد بن حنبل : 1 : 3. مجمع الزوائد: 3 239 کنز العمّال : 2 : 417 ، الحديث 4389 تفسير القمي : 1 : 282 .

تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي(1.)ورجع الإمام قرير العين مثلوج القلب ، فقد قلّده الرسول صلی الله علیه و آله و سلم وسام الخلافة والوصاية من بعده ، وجعله منه بمنزلة هارون من موسى ، وباء حسّاده بالفشل والخيبة .وبهذا ينتهي بنا الحديث عن جهاد الإمام علیه السلام ودفاعه عن قيم الإسلام ومبادئه ، فقد اشترك مع النبي صلی الله علیه و آله و سلم في جميع حروبه وغزواته ، وناضل أشد ما يكون النضال لرفع راية لا إله إلا الله ، فما أعظم عائدته على الإسلام والمسلمين !#### الإمام علیه السلام يصف جهادهوقبل أن نطوي الحديث عن جهاد الإمام ومناجزته للمشركين نذكر ما أدلى في وصف جهاده قال : وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ نَقْتُلُ آبَاءَنا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَأَعْمَامَنَا ؛ مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ، وَمُضِيّاً عَلَى اللَّهم (2، وَصَبْراً عَلَىٰ مَضَضِ الألم ، وَجِداً في جِهَادِ الْعَدُوِّ ؛ وَلَقَدْ كَانَ الْرَّجُلُ مِنَا وَالْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا ؛ أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ ، فَمَرَّةٌ لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا ، وَمَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَا ، فَلَمّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ ، وَمُتَبَوِّنَا أَوْطَانَهُ.وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ ، وَلَا اخْضَرَّ لِلإِيمَانِ عُودٌ (3).)لقد جاهد الإمام أعظم ما يكون الجهاد في سبيل الإسلام فحارب الأقارب وناهض الأرحام.


1) الكامل في التاريخ : 2 : 190 . تاريخ الأمم والملوك : 2 : 368. ذخائر العقبی : 63.

2) اللقم : الجادة الواضحة

3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 4 : 33. بحار الأنوار: 32: 549 . الغارات : 2 : 373.

## طلائع الرحیل### اشارة

وأدى نبي الرحمة صلی الله علیه و آله و سلم رسالة ربه إلى عباده كاملة مشرقة ، فأنقذهم بعد اللتيّا والتي من مآثم هذه الحياة فحرّر العقول، وأيقظ النفوس ، وفتح لها آفاقاً كريمة من الوعي والتطوّر ، وأمدها بجميع وسائل النهوض والنمو في جميع مناحي حياتها الاجتماعية والاقتصادية ، فما أعظم عائدته على الإنسانية جمعاء .وقد عانى صلی الله علیه و آله و سلم في أداء رسالة ربه جميع صنوف المحن وألوان الخطوب من فراعنة قريش ، اتهموه بأنه ساحر ومجنون وكذاب ، وأغروا صبيانهم بإلقاء الحجارة عليه ، وعذبوا من آمن به بأقسى ألوان العذاب، وقد استشهد من تعذيبهم ياسر وسميّة ، واضطرت طلائع المؤمنين به إلى الهجرة من ديارهم إلى الحبشة .وبعد موت حاميه وناصره أبي طالب أحاطوا بداره شاهرين سيوفهم ليمزقوا جسده الطاهر ، ففرّ منهم بعد أن ترك أخاه وابن عمه الإمام أمير المؤمنين في فراشه ، وقد نجا منهم بلطف الله تعالى وتسديده ، فهاجر إلى يثرب واتّخذها عاصمة له ، فقامت قيامة القرشيين وورمت آنافهم وامتلأت قلوبهم غيظاً ، فجهزوا الجيوش لإطفاء نور الإسلام ، فكانت واقعة بدر وأحد وغيرهما ، ولكن الله تعالى رد كيدهم ، ونصر نبيه نصراً عزيزاً ، وفتح له فتحاً مبيناً ، فخضعوا صاغرين له ودخلوا في دين الإسلام مكرهين مرغمين لا عن إيمان وبصيرة بما يحمله هذا الدين من القيم الكريمة ، والمبادئ الرفيعة ، فقد أترعت نفوسهم بآثام الجاهلية وفسوقها.وعلى أي حال ، فإن الرسول صلی الله علیه و آله و سلم بعد أن أدّى رسالته الخالدة بدت عليه امارات

الرحيل من هذه الدنيا إلى الفردوس الأعلى، وكانت تتكرّر عليه مؤذنة له بالسفر إلى الله تعالى ، وكان منها ما يلي :أوّلاً : إنّ القرآن الكريم نزل عليه مرتين بعد أن كان ينزل عليه مرة واحدة ، فاستشعر من ذلك حضور الأجل المحتوم منه (1، وأخذ ينعى نفسه ، ويشيع ذلك بين المسلمين ، وقد أحاط بضعته الطاهرة سيّدة نساء العالمين بانتقاله إلى حظيرة الخلد قائلاً : إِنَّ جَبْرَئِيلَ كَانَ يُعارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةٌ ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي بِهِ فِي هذَا الْعامِ مَرَّتَيْنِ ، وَما أَرى ذلِكَ إِلَّا اقْتِرابَ أَجَلي(2).)وذابت نفسها شعاعاً ، وودّت مفارقة الحياة ولم تسمع هذه الكلمات من أبيها .ثانياً : نزل الوحي على الرسول صلی الله علیه و آله و سلم بهذه الآية : ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ(3)، وكانت هذه الآية إنذاراً له بمفارقة الحياة ، وأثارت في نفسه كوامن الألم ، وسمعه المسلمون يقول : لَيْتَنِي أَعْلَمُ مَتى يَكُونُ ذلِكَ؟ ثالثاً : نزلت عليه سورة النصر ، فشعر منها بدنو أجله ، وكان يسكت بين التكبير والقراءة ويقول : سُبْحانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ، وذهل المسلمون من ذلك ، وراحوا يسألونه عن هذه الحالة الغريبة فأجابهم : إِنَّ نَفْسِي قَدْ نُعِيَتْ إِلَيَّ (4).

وهام المسلمون في تيارات من الهواجس، فقد كان نعي النبي صلی الله علیه و آله و سلم لنفسه


1) الخصائص الكبرى : 2 : 368

2) البداية والنهاية : 5: 523 . المعجم الكبير : 22 : 418 و 419. تاريخ مدينة دمشق : 3: 155 . كنز العمّال : 12 : 107 ، الحديث 34214 .

3) الزمر : 30 و 31 .

4) مجمع الزوائد : 9 27 . المعجم الكبير : 3 59

كالصاعقة عليهم ، فلا يدرون ما سيجري عليهم إن خلت الدنيا من محمد صلی الله علیه و آله و سلم .

حجة الوداع

ولما أيقن النبي صلی الله علیه و آله و سلم بقرب انتقاله إلى دار القدس رأى لزاماً عليه أن يحج البيت الحرام ، ويضع الخطوط السليمة لنجاة أمته من الفتن ، وتطوير حياتها وسيادتها على بقية الأمم ، وإنّ أضمن مكان لذلك هو البيت الحرام ، فحج لهذا الغرض حجّته الأخيرة الشهيرة بحجّة الوداع ، وذلك في السنة العاشرة من الهجرة. وأعلن بين الوافدين للحج أن التقاءه بهم في عامهم هذا هو آخر لقاء قائلاً : إِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَلْقاكُمْ بَعْدَ عامى هذا بِهذَا الْمَوْقِفِ أَبَداً.

وفزع الحجّاج وذهلوا ، فقد طافت بهم موجات من الهموم ، وراحوا يقولون : النبي ينعى نفسه ، ومضى النبي يضع المناهج السليمة التي تضمن سعادتهم في الدارين قائلاً : أَيُّها النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، كِتابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْنِي .

التمسك بكتاب الله والعمل بما فيه ، والولاء للعترة الطاهرة والأخذ بما أثر عنهم هما الضمان لنجاة هذه الأمة وسلامتها من الزيغ والانحراف.

ولما أنهى النبي صلی الله علیه و آله و سلم مراسيم الحج وقف عند بئر زمزم ، وأمر ربيعة بن خلف فوقف تحت راحلته ، وأمره أن يبلغ الحجّاج ما يقوله ، فقال : يا رَبِيعَةُ قُلْ:

أَيُّها النَّاسُ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ لَكُم : لَعَلَّكُمْ لَا تَلْقَوْنِي عَلَى مِثْلِ حالي هذِهِ ، أَتَدْرُونَ أَيَّ بَلَدٍ هذا ؟

أَتَدْرُونَ أَيَّ شَهْرٍ هذا ؟

أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هذا ؟

فهتفوا جميعاً : نعم ، هذا البلد الحرام ، والشهر الحرام ، واليوم الحرام .

وأخذ النبي الله يتلو عليهم المبادئ الكريمة والمُثل القيمة قائلاً : إِنَّ اللهَ حَرَّمَ

عَلَيْكُمْ دِماءَكُمْ وَأَمْوالَكُم كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هذا ، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هذا ، وَكَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا ، أَلَا هَلْ بَلِّغْتُ ؟

فأجابوا جميعاً : نعم.

ثم أخذ النبي صلی الله علیه و آله و سلم يعرض على الحجّاج الأحكام التي يلزمون برعايتها وتنفيذها قائلاً: اللهمَّ اشْهَدْ ، وَاتَّقُوا اللهَ ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ، وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ، فَمَنْ كانَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّها.

النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ سَواءٌ طَفُّ الصَّاعِ لَآدَمَ وَحَوَاءَ ، لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٌّ عَلَى أَعْجَمِيٌّ . وَلَا لِأَعْجَمِيٌّ عَلَى عَرَبِيٌّ إِلَّا بِتَقْوى اللهِ ، أَلَا هَلْ بَلِّغْتُ؟

وانبروا جميعاً قائلين : نعم.

وأخذ النبي الله يتلو عليهم معالم دينه القويم قائلاً: اللهُمَّ اشْهَدْ ، لَا تَأْتُونِي بِأَنِّسابِكُمْ وَائْتُونِي بِأَعْمالِكُمْ ، فَأَقُولُ لِلنَّاسِ : هكذا ، وَلَكُمْ هكَذا ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟

قالوا : نعم .

ثم واصل الرسول صلی الله علیه و آله و سلم بيان الأحكام التي يجب الأخذ بها قائلاً: اللهمَّ اشْهَدْ ، كُلُّ دَمَ كانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوع تَحْتَ قَدَمِي ، وَأَوَّلُ دَمَ أَضَعُهُ دَمُ ابْنِ بنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (1)، أَلَا هَلْ بَلِّغْتُ؟

قالوا : نعم

قال : اللهمَّ اشْهَدْ ، وَكُلُّ رياً كانَ فِي الْجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمِي ، وَأَوَّلُ رِباً أَضَعُهُ رِبا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، أَلَا هَلْ بَلَغْتُ؟

قالوا : نعم.


1) ابن ربيعة كان مسترضعاً في هذيل فقتله بنو سعد بن بكر .

اللهُمَّ اشْهَدْ . أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرَّمُونَهُ عاماً لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ.

أوْصِيْكُمْ بِالنِّساءِ خَيْراً فَإِنَّما هُنَّ عَوارٍ عِنْدَكُمْ ، لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئاً ، وَإِنَّما أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكِتابِ اللهِ ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقٌّ: كِسْوَتُهُنَّ وَرزْقُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوْطِنَ فِراشَكُمْ أَحَداً ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَّا بِعِلْمِكُمْ وَإِذْنِكُمْ.. ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ.

قالوا نعم .

اللهُمَّ اشْهَدْ ، فَأَوْصِيْكُم بِمَنْ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُم مِمَّا تَأْكُلُونَ... ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟

قالوا : نعم .

اللَّهُمَّ اشْهَدْ .. إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَغُشُّهُ ، وَلَا يَخُونُهُ ، وَلَا يَغْتابُهُ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ دَمُهُ ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ إِلَّا بِطِيْبٍ مِنْهُ ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟

قالوا : نعم .

ويستمر النبي صلی الله علیه و آله و سلم في تأسيس المناهج التربوية والأخلاقية والاجتماعية ، وما يسعد به الإنسان في دنياه وآخرته ، ثمّ يختتم خطابه الرائع بقوله :

لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَاراً مُضَلَّلِينَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ ، إِنِّي خَلَّفْتُ فِيْكُمْ ما إِنْ تَمَسَّكُتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتابَ اللهِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟

قالوا : نعم .

اللهمَّ اشْهَدْ إِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ فَلْيُبلغ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ (1).


1) فضائل الصحابة : 15 مجمع الزوائد 3 : 267 و 268 الخصال : 486 و 487 ، 3 : . الحديث 63 ، نقلاً عن تاريخ اليعقوبي : 2 : 90 - 92

وانتهى هذا الخطاب الحافل بجميع القيم الاجتماعية والسياسية التي تسمو بها أمته ، وتتحقق لها السيادة على شعوب العالم وأمم الأرض . وقد ختم الرسول صلی الله علیه و آله و سلم بأهم وصيّة له ، وهي لزوم التمسك بكتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والتمسك بالعترة الطاهرة لتكون لها القيادة العامة لأمته على مسرح حياتها السياسية والاجتماعية .

مؤتمر غدیر خم

وبعد ما أدى النبي صلی الله علیه و آله و سلم الحج إلى بيت الله الحرام ووضع الخطط السليمة لصيانة أمته من الزيغ قفل راجعاً إلى يثرب ، وحينما اجتاز موكبه في غدير خم هبط عليه جبرئيل وهو يحمل رسالة من الله تعالى بالغة الخطورة تتعلّق بمصير الأمة الإسلامية ومستقبلها الحضاري ، فقد أمره الله تعالى أن يحطّ رحله في ذلك المكان لينصب الإمام عليّاً ال خليفة من بعده ويقلّده المرجعية العامة ، ولم يرخصه في التأخير قيد لحظة واحدة ، وكان أمر السماء بهذه الآية : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ... )(1).

ونص الرواة على أنها نزلت في غدير خم (2)، وطابع هذه الآية الإنذار الشديد ، فالنبي إن لم يبلّغ ما أنزل إليه من ربه في تقليد الإمام لمنصب الخلافة فقد ضاعت جهوده وتبددت أتعابه.

وتلقى الرسول صلی الله علیه و آله و سلم الأمر بأهمية بالغة ، فانبرى بعزم ثابت وإرادة صلبة لتنفيذ


1) المائدة 5 : 67

2) أسباب النزول / الواحدي : 150 . تفسير الرازي : 3: 636. مجمع البيان / الطبرسي : : 1: 4 344 . تفسير العياشي : 1 : 331 و 332 ، الحديث 152 . الدر المنثور : 2 : 298 ، .وغيرها.

أمر الله تعالى ، فوضع أعباء المسير ، وحطّ رحله في رمضاء الهجير وأمر قوافل الحج أن تحط رحالها ، وكان الوقت قاسياً في حرارته ، فكان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه ليتقى به من الحرّ.

واجتمع الحجاج فصلى بهم النبي صلی الله علیه و آله و سلم و بعد ما فرغ من الصلاة أمر بوضع حدائج الإبل لتكون منبراً له ، فصنعوا له ذلك ، فاعتلى عليها ، وكان عدد الحاضرين مائة ألف أو يزيدون ، وأقبلت الجماهير بقلوبها نحو النبي ، فخطب فيهم معلناً ما عاناه من الجهود الشاقة في سبيل الإسلام ، وما كانوا فيه من الضلال والحياة البائسة فأنقذهم منها ، ثم ذكر كوكبة من أحكام الإسلام وتعاليمه ، ثم التفت إليهم قائلاً : انْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِي التَّقَلِّين ؟

فناده منادٍ من القوم : ما الثقلان يا رسول الله ؟

وعرض عليهم أمر الثقلين قائلاً : التَّقَلُ الْأَكْبَرُ : كِتابُ اللهِ طَرَفٌ بِيَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَطَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ وَلَا تَضِلُّوا ، وَالْآخَرُ الْأَصْغَرُ : عِتْرَتِي ، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتَّى يَردا عَلَيَّ الْحَوْضَ ، فَسَأَلْتُ ذَلِكَ رَبِّي لَهُما ، فَلَا تَقَدَّمُوْهُما فَتَهْلِكُوا ، وَلَا تَقْصُرُوا عَنْهُما فَتَهْلِكُوا .

ووضع النبي صلی الله علیه و آله و سلم بذلك المناهج السليمة لسلامة أمته من الضلال والانحراف عن طريق الحق ، ثم أخذ النبي صلی الله علیه و آله و سلم بيد وصيه وسيد عترته وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ففرض ولايته على المسلمين، وأقامه علماً لهدايتهم ، فرفعها حتى بان بياض إبطيهما ، ورفع صوته عالياً قائلاً : أَيُّها النَّاسُ ، مَنْ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟

فأجابوا جميعاً : الله ورسوله أعلم .

فقال صلی الله علیه و آله و سلم: إِنَّ اللهَ مَوْلَايَ ، وَأَنَا مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنَا أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ » ، قال ذلك ثلاث مرّات.

ثمّ قال : اللهمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَأَحِبُّ مَنْ أَحَبَّهُ ، وَأَبْغِضْ مَنْ أَبْغَضَهُ ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ، وَأَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دارَ ، أَلَا فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغائِبَ.

وبذلك أنهى خطابه الشريف الذي أدّى فيه رسالة ربّه ، فنصب الإمام أمير المؤمنين علیه السلام خليفة من بعده ، وأثبت له الولاية الكبرى على عموم المسلمين كما كانت له صلی الله علیه و آله و سلم الولاية العامة على جميع المسلمين.

البيعة العامة للإمام علیه السلام

وأقبل المسلمون يبايعون الإمام بولاية العهد ويهنئونه بإمرة المسلمين ، وأمر النبي صلی الله علیه و آله و سلم أمهات المؤمنين بمبايعته (1)، وأقبل عمر بن الخطاب فهنا الإمام وصافحه وقال له مقالته المشهورة : هنيئاً يابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة (2).

وانبری حسان بن ثابت فنظم هذه الحادثة الخالدة بقوله :

يُناديهم يوم الغدير نَبيُّهُمْ ***بِخُمُ وَأَسْمِعْ بِالرَّسولِ مُنادِيا

فَقالَ فَمَنْ مَولاكُمْ وَنَبِيُّكُمْ ***فَقالوا وَلَمْ يُبدوا هناك التعاميا

إِلهُكَ مَوْلانا وَأَنتَ نَبِيُّنا وَلَمْ ***تَلْقَ مِنا في الولاية عاصيا

فَقالَ لَهُ قُمْ يا عَلِيُّ فَإِنَّني ***رَضيتُكَ مِنْ بَعْدي إماماً وهاديا

فَمَنْ كُنتُ مَولاهُ فَهذا وَلِيُّهُ ***فكونوا لَهُ أَتْبَاعَ صِدْقٍ مَوالِيا


1) الغدير 20 34 الإرشاد : 1 : 176 .

2) مسند أحمد بن حنبل : 4 : 281 رسائل المرتضى : 4 : 131 . الإرشاد : 1 : 177. شواهد التنزيل : 1 : 202 .

هناكَ دَعَا اللهُمَّ والِ وَلِيَّهُ ***وَكُنْ لِلذي عادى عَلِيّاً مُعادِيا (1)

وقال الشاعر الملهم السيد الحميري:

وَقامَ مُحَمَّدٌ بِغَدير خم ***فنادى مُعلناً صوتاً نَدِيًا

لِمَنْ وافاهُ مِنْ عُرب وعُجْمِ*** وَحَفُوا حَولَ دَوحَتِهِ جِثِبًا

أَلا مَنْ كُنتُ مَولاهُ فَهذا ***لَهُ مَوْلى وَكَانَ بِهِ حَفِيًا

وقال شاعر الإسلام الكميت الأسدي:

وَيَومُ الدَّوْحِ دَوحِ غَديرِ خُمَّ ***أَبَانَ لَهُ الوِلايَةَ لَوْ أُطيعا

وَلكِنَّ الرَّجالَ تبايعوها ***فَلَمْ أَرَ مِثْلَها حَقّاً أُضيعا

وسجّل المحقق الأميني في الغدير كوكبة من الشعراء الذين نظموا حادثة الغدير من عصر النبوّة حتى يوم الناس هذا.

نزول آية إكمال الدين

وفي ذلك اليوم الخالد في دنيا الإسلام نزلت هذه الآية الكريمة : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ) (2)

ونصّ على نزول الآية في يوم الغدير : الخطيب البغدادي في تاريخه : 8: 290. السيوطي في الدر المنثور : 2 : 259 . الطبرسي في مجمع البيان: 3: 246. شواهد التنزيل : 1: 202 ، الحديث 212

.

لقد كمل الدين، وتمّت نعمة الله الكبرى على المسلمين بولاية إمام المتقين وسيّد الموحدين، وبقيادته الروحية والزمنية على جميع المؤمنين.


1) الغدير : 1 : 271 . الإرشاد : 1 : 177

2) المائدة 5: 3

لقد وضع النبي صلی الله علیه و آله و سلم المنهج السليم لصيانة أمته وجمع كلمتها وتوحيد صفوفها ، ولم يترك الأمر من بعده فوضى يتلاعب فيه الطامعون وعشاق الملك والسلطان ، فقد سدّ الباب ولم يترك أي منفذ يسلك منه ، فقد عيّن القائد والموجه لأمته في جميع شؤونها ولم يهمل هذا الأمر الحسّاس -كما يقولون -.

وعلى أي حال فموضوع الغدير جزء من رسالة الإسلام وركن من أركان الدين، فمن أنكره فقد أنكر الإسلام كما يقول الشيخ العلائلي .

الماساه الخالِدَةُ

اشارة

وبعدما أقام الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم الإمام أمير المؤمنين علیه السلام خليفة على أمته في غدير خم ونصبه إماماً من بعده قفل راجعاً إلى يثرب، وقد بدت صحته تنهار يوماً فقد ألمّ به المرض وأصابته حمى مبرحة ، حتى كأن به لهباً منها ، وقد لازمته ولم تنقطع عنه ، وكانت عليه قطيفة ، فإذا وضع أزواجه وعوّاده أيديهم عليها شعروا بحرها (1)، وقد وضعوا إلى جواره إناء فيه ماء بارد ، فكان يضع يده فيه ويمسح بها وجهه الشريف لتخف حرارة الحمى منه.

وتذهب بعض المصادر إلى أن وفاته تستند إلى طعام مسموم قدّمته إحدى اليهوديات له ، فكان يقول : ما أَزالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعامِ الَّذِي أَكَلْتُهُ بِخَيْبَرَ، فَهَذا أوان وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذلِكَ السُّمٌ (2).

ولما أشيع مرضه هرع المسلمون لعيادته وهم ما بين باك وواجم ، قد طافت بهم موجات من ! والذهول ، واستقبلهم الرسول بأسى بالغ فنعى إليهم نفسه الشريفة ، وأوصاهم بما يضمن لهم الاستقامة والتوازن في حياتهم قائلاً : أَيُّها النَّاسُ ، يُوشِكُ أَنْ أَقْبَضَ قَبْضاً سريعاً فَيُنْطَلَقُ بِي ، وَقَدَّمْتُ إِلَيْكُمُ الْقَوْلَ مَعْذِرَةً إِلَيْكُمْ ، أَلَا إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيْكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي.


1) البداية والنهاية : 5 : 226 .

2) فتح الباري : 8 : 100 . المستدرك : 3 : 58 .

وكان الإمام أمير المؤمنين إلى جانبه ، فأخذ بيده وقال لعوّاده : هذا عَلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ ، وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٌّ ، لَا يَفْتَرِقانِ حَتَّىٰ يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ (1).

وقد وضع النبي صلی الله علیه و آله و سلم أهم المخططات التي تضمن لأمته النجاح وتقيها من الأزمات ، وهي :

أولاً : التمسك بكتاب الله والعمل بما فيه ، فإنّه يهدي للتي هي أقوم .

ثانياً : التمسك بالعترة الطاهرة وعلى رأسها سيدها الإمام أمير المؤمنين ، فإنّها لا تألوا جهداً في إسعادها وبلوغ أهدافها.

إعطاء القصاص من نفسه صلی الله علیه و آله و سلم

ولما علم النبي صلی الله علیه و آله و سلم إن لقاءه بربه قريب ، دعا الفضل بن عباس ، فأمره أن يأخذ بیده ويجلسه على المنبر ، كما أمره أن ينادي بالناس الصلاة جامعة ، فنادى الفضل بذلك ، فاجتمع الناس ، فخطب فيهم الرسول صلى الله عليه وسلمه قائلاً : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنِّي خُلُوفٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ ، وَلَنْ تَرَوْنِي فِي هَذَا الْمَقامِ فِيْكُم ، وَقَدْ كُنْتُ أَرى أَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مُغْنٍ عَنِّي حَتَّى أَقَومَهُ فِيْكُمْ ، أَلَا فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْراً فَهَذا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ مِنْهُ مالاً فهذا مالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضاً فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ ... وَلَا يَقُولَنَّ قائِلٌ : أَخَافُ الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ ، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْناءَ لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي وَلَا مِنْ خُلُقِي ، وَإِنَّ أَحَبَّكُم إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا كَانَ لَهُ عَلَيَّ ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلِمَةٌ .

بالروعة العدل ! !

بالروعة الخُلق النبوي !!


1) الصواعق المحرقة : 2 : 361 . الاحتجاج : 1 : 216 ينابيع المودة : 1 : 124 ، الحديث 56 .

لقد أسس النبي صلی الله علیه و آله و سلم جميع صنوف العدل التي لم يؤسسها أي مصلح اجتماعي .

لقد أعطى رسول الإنسانية القصاص من نفسه وهو في الساعات الأخيرة من حياته ، ليخرج من هذه الدنيا وليس لأي أحد أي تبعة عليه ، وقد انبرى رجل من القوم فقال للرسول : يا رسول الله ، لي عندك ثلاثة دراهم .

فقابله الرسول بلطف قائلاً : أَمَّا أَنا فَلَا أُكَذَّبُ قَائِلاً ، وَلَا مُسْتَحْلِفُهُ عَلَى يَمِينٍ ، فَبِمَ كانَتْ لَكَ عِنْدِي ؟

فسارع الرجل قائلاً : أما تذكر أنه مر بك سائل فأمرتني أن أعطيه ، فأعطيته ثلاثة دراهم .

وأمر النبي صلی الله علیه و آله و سلم الفضل بإعطائه الدراهم ، ثم عاد النبي إلى خطابه فقال : مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْغُلُولِ شَيْءٌ فَلْيَرُدَّهُ.

فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله ، عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله ، فقال له النبي : لِمَ غَلَلْتها ؟

كنت محتاجاً إليها.

فأمر النبي صلی الله علیه و آله و سلم الفضل أن يأخذها منه فأخذها ، وعاد النبي في خطابه ، فقال:أَيُّها النَّاسُ ، مَنْ أَحَسَّ فِي نَفْسِهِ شَيْئاً فَلْيَقُمْ أَدْعُ اللهَ لَهُ.

فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله ، إنّي لمنافق ، وإنّي لكذوب ، وإنّي لشؤوم.

فزجره عمر وصاح به، وقال له : لقد سترك الله ، لو سترت على نفسك .

والتفت النبي صلی الله علیه و آله و سلم إلى عمر فقال له : صَهْ يابْنَ الْخَطَّابِ ! فُضُوحُ الدُّنْيا أَهْوَنُ مِنْ فُضُوحٍ الْآخِرَةِ.

ودعا النبي صلی الله علیه و آله و سلم الرجل فقال : اللهمَّ ارْزُقْهُ صِدْقاً وإيماناً ، وَأَذْهِبْ عَنْهُ النُّومَ(1)،


1) البداية والنهاية : 5 : 231 السيرة النبوية / ابن كثير : 4 : 457 و 458 .

و انبرى رجل من أقصى القوم يسمّى سوادة بن قيس فقال : يا رسول الله ، إنّك ضربتني بالسوط على بطني ، وأنا أريد القصاص منك.

فاستجاب الرسول صلی الله علیه و آله و سلم لطلبه وأمر بلالاً بإحضار السوط ليقتص منه سوادة ، وذهل الحاضرون ، وساد عليهم صمت رهيب من هذا العدل، وانطلق بلال رافعاً عقيرته قائلاً : أيها الناس ، اعطوا القصاص من أنفسكم في دار الدنيا ، فهذا رسول الله قد أعطى القصاص من نفسه .

ومضى بلال إلى بيت النبي صلی الله علیه و آله و سلم فجاء بالسوط وناوله إلى سوادة ، فأخذه وأقبل رافعاً له صوب النبي الذي ألمت به الأمراض ، وهو في الساعات الأخيرة من حياته ، واتجه المسلمون بقلوبهم وأبصارهم نحو سوادة فقال للنبي : يا رسول الله ، اكشف عن بطنك .

فكشف الرسول عن بطنه ، فقال سوادة وهو غارق في البكاء : يا رسول الله ،أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ؟

نَعَمْ .

ووضع سوادة وجهه على بطن الرسول ودموعه تتبلور على خديه وهو يقول بصوت حزين النبرات : أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم القيامة .

والتفت إليه النبي قائلاً : أَتَعْفُو يا سَوادَةُ أَمْ تَقْتَصُّ ؟

بل أعفو يا رسول الله .

فرفع النبي يديه بالدعاء قائلاً: اللهمَّ اعْفُ عَنْ سَوادَةَ كَما عَفا عَنْ نَبِيِّكَ .

إنّ هذا الخلق النبوي أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من هذا الكوكب الذي نعيش فيه ، فقد تجسّدت فيه جميع القيم والمبادئ الكريمة التي سما بها النبي على سائر الأنبياء.

سرية أسامة

واستبانت للنبي صلی الله علیه و آله و سلم التيارات الحزبية من صحابته الذين صمموا على صرف الخلافة عن أهل بيت النبوة ، فرأى خير وسيلة يتدارك بها الموقف أن يبعث بجميع أصحابه لغزو الروم حتى تخلو عاصمته منهم إذا انتقل إلى حظيرة القدس ، وبذلك يتمّ ما أراده من تسلّم الإمام أمير المؤمنين علیه السلام مقاليد الحكم من دون منازع له ، وقد أمر أعلام المهاجرين والأنصار بالالتحاق بالجيش ، كان من بينهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وبشير بن سعد (1)، وهم من أقطاب الحزب المعارض للإمام ، و عهد النبي له بإمارة الجيش إلى أسامة بن زيد ، وكان في شرخ الشباب ، ولم يعهد بها إلى شيوخ أصحابه ، وكان في ذلك إشعار منه بأنّ القيادة العامة لا تخضع لكبر السن والتقدّم في العمر ، وإنما تخضع للمؤهلات والقابليات التي يتمتع بها القائد.

وقال النبي الله لأسامة : سِرْ إلى موضع قَتْلِ أَبِيكَ فَأَوْطِنْهُمُ الْخَيْلَ ، فَقَدْ وَلَّيْتُكَ هذَا الْجَيْشَ فَاغْرُ صَباحاً عَلَى أَهْلِ أَبْنى (2)وَحَرِّقُ عَلَيْهِم ، وَأَسْرِعِ السَّيْرَ لِتَسْبِقَ الْأَخْبارَ ، فَإِنْ أَظْهَرَكَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَأَقْلِلِ اللَّبْثَ فِيهِمْ ، وَخُذْ مَعَكَ الْأَدِلَّاءَ ، وَقَدِّمِ الْعُيونَ وَالطَّلَائِعَ مَعَكَ.

وحفلت هذه الوصية بالمناهج العسكرية الرائعة التي دلّت على أصالة التعاليم العسكرية في الإسلام.

وفي اليوم التاسع والعشرين من صفر رأى النبي صلی الله علیه و آله و سلم جيشه قد مني بالتمرد،


1) كنز العمال : 5 : 312 . الطبقات الكبرى / ابن سعد : 4 : 46. تاريخ الخميس : 2 : 46. أمالي الصدوق : 733 و 734. بحار الأنوار: 22 : 508 و 509 .

2) أبنى ناحية بالبلقاء من أرض سوريا ، تقع بين عسقلان والرملة بالقرب من مؤتة التي استشهد فيها الشهيد الخالد جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة .

فلم يلتحق أعلام الصحابة بوحداتهم العسكرية ، فساءه ذلك وخرج مع ما به من المرض فحتهم على المسير ، وعقد بنفسه اللواء لأسامة وقال له : اغْزُ بِسْمِ اللهِ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللهِ ، وخرج أسامة معقوداً لواؤه ، فدفعه إلى بريدة وعسكر بالجرف (1)، وتثاقل الصحابة من الالتحاق بالمعسكر ، وأظهروا العصيان والطعن بقيادة أسامة ، يقول له عمر : مات رسول الله ، وأنت عليَّ أمير ؟

ونقلت هذه الكلمات إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم وكانت قد ازدادت به الحمى فغضب ، وخرج وهو معصب الرأس قد دثر بقطيفته ، فصعد المنبر وهو متبرم ، فأعلن سخطه على من لم يلتحق بجيش أسامة.

أَيُّها النَّاسُ ، ما مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْ بَعْضِكُمْ فِي تَأْمِيرِي أَسَامَةَ ؟ وَلَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي تَأْمِيرِي أَبَاهُ ، وَأَيْمُ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ لَخَلِيقاً بِالْإِمَارَةِ وَإِنَّ ابْنَهُ مِنْ بَعْدِهِ لَخَلِيقٌ بِهَا (2).

ثم نزل عن المنبر وهو متألّم أشدّ ما يكون الألم ، وجعل يؤكد على الالتحاق بجيش أسامة ، ويلعن من تخلف عنه قائلاً:

جَهْزُوا جَيْشَ أَسامَةَ .

نَفِّذُوا جَيْشَ أَسامَةَ .

لَعَنَ اللهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ جَيْشِ أَسامَةَ .

ولم تثر هذه الأوامر المشدّدة من رسول صلی الله علیه و آله و سلم حفائظ نفوسهم ، ولم تدفعهم إلى الالتحاق بجيش أسامة ، فقد تثاقلوا واعتذروا للرسول بشتى المعاذير الواهية ، وهو سلام الله عليه لم يمنحهم العذر ، وإنّما أظهر السخط وعدم الرضا .. وهناك


1) الجرف : موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو جهة الشام ، كانت به أموال لعمر بن الخطاب ولأهل المدينة ، وفيه بعض الآبار. معجم البلدان : 2 : 128 .

2) السيرة الحلبية : 3 34 المغازي للواقدي : 3 : 1119 . الطبقات الكبرى : 2 : 190.

بحوث مهمة عرضنا لها بالتفصيل في كتابنا ( حياة الإمام الحسن علیه السلام ).

رزية يوم الخميس

واستبان للنبي صلی الله علیه و آله و سلم بصورة مكشوفة ما عليه بعض الصحابة من تصميمهم على صرف الخلافة عن وصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، فرأى أن يكتب كتاباً خاصاً بالنص عليه ، ويعزّز بيعة يوم الغدير ، ويسد بذلك أبواب المتآمرين عليه ، فقال : ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّواةِ لِأَكْتُبَ لَكُمْ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً .

يا لها من نعمة كبرى على المسلمين إنّه التزام من سيّد الكائنات بأن لا تضلّ أمته على امتداد التاريخ إن كتب لها الكتاب ، إنّه الكتاب الذي أراد الرسول به أن يصون أمته من الزيغ والانحراف ، ولا تصاب بأية نكسة في جميع الأحقاب والآباد .

وعلم بعض الصحابة ما يريده النبي صلی الله علیه و آله و سلم من نصب الإمام علیه السلام خليفة من بعده وقائداً لمسيرة أمته ، فقال : حسبنا کتاب الله .

والمتأمل في هذا الكلام يطلّ على الغاية المنشودة لهذا القائل وهو صرف النبي صلی الله علیه و آله و سلم من الكتابة في حق الإمام علیه السلام ، فلو كان يعتقد أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم يريد أن يوصي بحماية الثغور أو بجهاد الكفّار أو بالمحافظة على الطقوس الدينية لما ردّ على وَاللَّهُ النبي الله وقابله بهذه الجرأة ووقف بصلابة دون تنفيذ رغبته .

وعلى أي حال، فقد كثر الجدل بين القوم ، فطائفة حاولت تنفيذ ما أمر به النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وطائفة أخرى أصرت على معارضتها والحيلولة بينه وبين ما طلبه من الكتابة ؛ وذلك خوفاً على فوات مصالحها وأطماعها ، وانطلقت بعض السيدات من وراء الستر فأنكرن على القوم هذا الموقف المتّسم بالجرأة على النبي وهو في ساعاته الأخيره ، فقلن لهم : ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟

ألا تنفّذون ما يريد رسول الله ؟

فثار عمر وهو بطل الموقف ، وزعيم المعارضة فصاح بالنساء قائلاً : إنكن صويحبات يوسف إذا مرض عصرتن أعينكن ، وإذا صح ركبتن عنقه .

فرمقه الرسول بطرفه وصاح به : دَعُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ خَيْرٌ مِنْكُمْ

وبدا صراع رهيب بين القوم وكادت تفوز الجبهة التي أرادت أن يكتب النبي ، فانبرى بعض الحاضرين فسدّد سهماً لما رامه النبي ، فقال - ويا لهول ما قال ! - : إن النبي لَيَهْجُر (1)

وفي نهاية ابن الأثير : 4 : 130 ، وشرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3 : 114 وغيرهما تصريح باسمه. مجمع الزوائد : 9 34 . كنز العمال : 5 : 644 ، الحديث 14133.

!

ما أعظم هذه الجرأة على النبي !

ما أقسى هذا الاعتداء على مركز النبوة !

يالها من كلمة تحمل جميع ألوان الشرور ! ألم يسمع هذا القائل كلام الله تعالى في حق نبيه العظيم : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (2)؟)ألم تمرّ عليه هذه الآية في سموّ مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِي- ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينِ (3)؟)بلى والله ! لقد هذا القائل ما أنزل الله من الآيات في كتابه المجيد في رسوله الكريم ، ولكن الأطماع السياسية دفعته إلى هذا الموقف الذي يحز في نفس كل مسلم. وكان ابن عباس حبر الأمة إذا ذكر هذا الحادث الرهيب يذوب لوعة


1) نص على هذه الحادثة المؤلمة جميع المؤرّخين في الإسلام ، ذكرها البخاري في صحيحه عدة مرات في 4 : 68 - 69 و : 6: 8 ، وقد كتم اسم القائل .

2) النجم 2:53 - 5 .

3) التكوير : 19 و 20 .

ويبكي حتى تسيل دموعه على خديه كأنها نظام اللؤلؤ وهو يقول : يوم الخميس ، وما يوم الخميس ؟ قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : «ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّواةِ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبداً » ، فقالوا : إنّ رسول الله يهجر (1.)حقاً لأن يجزع ابن عباس ويبكي بأمر ألوان البكاء ، فقد دهمت المسلمين كارثة مدمّرة ألقتهم في شرّ عظيم ، فقد حيل بينهم وبين ما أراده الرسول من تطوير حياتهم وسيادتهم في جميع الأحقاب والآباد.وأكبر الظنّ أنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم لو كتب في حق علي ونصّ على خلافته لما أجدت كتابته شيئاً ، فقد اتهموه بالهجر وعدم الوعي ، وفي ذلك طعن صريح في مركز النبوة وقداسة الرسول ، فرأى صلوات الله عليه الاعراض عن الكتابة.### فجيعة الزهراء عليها السلامومنيت زهراء الرسول بكارثة مدمّرة حينما علمت أنّ أباها سيفارق الحياة ، فقد نخب الحزن قلبها الرقيق ، وهامت في تيارات من الأسى واللوعة ، وقد لازمت أباها وهي مذهولة كأنّها جثمان فارقته الحياة ، وقد أحدقت بوجهه فسمعته يقول:وَاكَرْباه !وامتلأ قلبها الطاهر حزناً ، فأسرعت قائلة : وَاكَرْبِي ! لِكَرْبِكَ يا أَبَتِ ، وأشفق عليها أبوها وراح يسلّيها قائلاً : لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْم(2)وكانت هذه الكلمات أشدّ على نفسها من الموت ، ورآها النبي وهي ولهى


1) مسند أحمد بن حنبل : 1 355 صحيح مسلم : 5 : 76 الطبقات الكبرى : 20: 243 . تاريخ الطبري : 2 : 436 .

2) سنن ابن ماجة : 1 : 522 . كنز العمال : 7 : 260 ، الحدیث 18818 . تاریخ بغداد : 6 : 259 . تهذيب الكمال : 14 : 517 .

مذهولة قد خطف الحزن لونها كأنما تعاني آلام الاحتضار فأمرها بالدنو منه ، فأسر إليها بحديث فغامت عيناها بالدموع ، ثمّ أسرّ إليها ثانياً ، فقابلته ببسمات فيّاضة بالبشر والرضا، وكانت عائشة إلى جنبها فبهرت من ذلك ، وراحت تقول : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن !وسألتها عمّا أسرّ إليها أبوها ، فأشاحت بوجهها عنها وأبت أن تخبرها ، ولما انصرفت أخبرت سلام الله عليها بعض السيدات عن ذلك فقالت : أَخْبَرَنِي أَنَّ جَبْرَئِيلَ كَانَ يُعارِضُنِي بِالْقُرْآنِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي بِهِ فِي هَذَا الْعامِ مَرَّتَيْنِ وَلَا أَراهُ إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي.وكان هذا هو السبب في لوعتها وبكائها ، وأما سبب سرورها وابتهاجها فتقول: أَخْبَرَنِي أَنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحُوقاً بِي ، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ ناء هذه الأمة(1؟)وغرقت سيّدة النساء في البكاء ، فأخذ النبي صلی الله علیه و آله و سلم يخفف عنها آلامها قائلاً : يا بُنَيَّة ، لَا تَبْكِي ، وَإِذا مِتُّ فَقُولي: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، فَإِنَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ مَيِّتٍ مَعُوضَةٌ .وذابت نفسها شعاعاً ، وغامت عيناها بالدموع ، فقالت له بصوت متقطع بالبكاء : وَمِنْكَ يا رَسُولَ اللهِ ؟نعم ، ومني(2.)واشتدّ الوجع برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فنظرت إليه سيدة النساء فقالت له : أَنْتَ وَاللهِ !كَما قالَ الْقائِلُ:


1) فضائل الصحابة : 77 تهذيب الكمال : 35 249

2) أنساب الأشراف : 1 : 133 . كنز العمّال : 11 : 468 . الطبقات الكبرى : 2 : 312.

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ***ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرامِلِ»فقال لها أبوها : هذا قَوْلُ عَمَّك أبِي طَالِبٍ ، وقرأ قوله تعالى : ﴿ وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (1).(2))### النبي صلی الله علیه و آله و سلم يوصى بأهل يوصي بأهل بيته علیهم السلامروى أنس بن مالك ، قال : جاءت فاطمة ومعها الحسنان إلى رسول الله الله مرضه الذي توفّي فيه فانكبت عليه وألصقت صدرها بصدره وهي غارقة بالبكاء ، ثم انطلقت إلى بيتها ، والنبي تسبقه دموعه وهو يقول : اللَّهُمَّ أَهْلَ بَيْتِي ، وَأَنَا مُسْتَوْدِعُهُمْ كُلَّ مُؤْمِنٍ.وجعل يردّد ذلك ثلاث مرّات(3وهو مثقل بالألم والحزن ، فقد استشف من وراء الغيب ما يجري عليهم من المحن والخطوب .)### وصية النبي صلی الله علیه و آله و سلم بسبطيه علیهما السلاموقبل أن ينتقل النبي إلى حظيرة القدس بثلاثة أيام أوصى الإمام ا برعاية سبطيه قائلاً : يا أبا الرَّيْحَانَتَيْنِ ، أَوْصِيْكَ بِرَيْحَانَتَى مِنَ الدُّنْيا ، فَعَنْ قَلِيلِ يَنْهَدُّ رُكْناكَ ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكَ .ولما قبض النبي قال الإمام : هذا أَحَدُ رُكْنَيَّ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه و آله و سلم.


1) آل عمران 3 144 .

2) الإرشاد : 1 : 186 و 187 . بحار الأنوار: 22 : 470 .

3) بحار الأنوار: 22 : 461. ينابيع المودة : 2 : 71. أنساب الأشراف : 1 : 133 .

ولما ماتت فاطمة قال : هذا الرُّكْنُ الثَّانِي الَّذِي قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ (1)### إلى الفردوس الأعلىو آن لسيّد الكائنات أن يلتحق بالفردوس الأعلى مقرّ الأنبياء والأوصياء ، فقد وفد عليه ملك الموت فاستأذن بالدخول عليه ، فأخبرته زهراء الرسول بأنّه مشغول بنفسه عنه ، فانصرف ، وبعد قليل عاد طالباً الإذن ، فأفاق النبي وقال لبضعته : أَتَعْرِفِينَهُ؟قالت علیها سلام: لا ، يا رَسُولَ اللهِ.قال صلی الله علیه و آله و سلم : إِنَّهُ مُعَمرُ الْقُبورِ ، وَمُخَرِّبُ الدُّورِ ، وَمُفَرِّقُ الْجَمَاعَاتِ ، وذهلت حبيبة الرسول ، وقد قلبها ، واندفعت تقول : وَا أَبناهُ لِمَوْتِ خاتَمِ الْأَنْبِياءِ ، وَامُصِيبَنَاهُ ! لِمَمَاتِ خَيْرِ الْأَنْقِياءِ ، وَلِإِنْقِطَاعِ سَيِّدِ الْأَصْفِياءِ ، وَاحَسْرَتاهُ لِإِنْقِطَاعِ الْوَحْيِ مِنَ السَّمَاءِ ، فَقَدْ حُرِمْتُ الْيَوْمَ كَلَامَكَ.وتصدّع قلب الرسول وذابت نفسه ، وراح يسلّي زهراءه قائلاً : لَا تَبْكِي فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقاً بِي (2)وأذن النبي لملك الموت بالدخول عليه ، ولما مثل أمامه قال له : يا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَطِيعَكَ فِي كُلِّ ما تَأْمُرُنِي بِهِ ، إِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْبِضَ نَفْسَكَ قَبَضْتُها ، وَإِنْ تَأْمُرْنِي أَنْ أَتْرَكَهَا تَرَكْتُها.وبهر النبي صلی الله علیه و آله و سلم وقال له : أَتَفْعَلُ يا مَلَكَ الْمَوْتِ ذلِكَ؟


1) أمالي الصدوق : 119. بحار الأنوار: 43: 173 ، الحدیث 14 . كنز العمال : 13 : 664 ، الحديث 37688 . تاريخ مدينة دمشق : 14 : 166 . میزان الاعتدال : 4 : 76 .

2) درّة الناصحين : 66 . الكشاف : 4 : 295 . الطبقات الكبرى: 2 : 193

بِذلِكَ أُمِرْتُ أَنْ أَطِيعَكَ فِي كُلِّ ما أَمَرْتَنِي.ولم يحظ أحد من أنبياء الله ورسله بمثل ما حظی به خاتم الأنبياء ، فقد أمر الله تعالى ملك الموت بإطاعته ، والاستئذان بالدخول عليه.وهبط جبرئيل على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فقال له : يا أَحْمَدُ ، إِنَّ اللَّهَ اشْتَاقَ إِلَيْكَ ، واختار النبي جوار ربه ، فإنّ الآخرة خير له وأبقى ، وأذن لملك الموت باستلام روحه المقدسة ، ودعا وصيه وباب مدينة علمه الامام علیه السلام فقال له : ضَعْ رَأْسِي فِي حِجْرِكَ ، فَقَدْ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ ، فَإِذا فاضَتْ نَفْسِي فَتَناوَلُهَا ، وَامْسَحْ بِهَا وَجْهَكَ ، ثُمَّ وَجَهْنِي إِلَى الْقِبْلَةِ ، وَتَوَلَّ أَمْرِي ، وَصَلِّ عَلَيَّ أَوَّلَ النَّاسِ ، وَلَا تُفارِقْنِي حَتَّى تُوارِيَنِي فِي رَمْسِي وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.وأخذ الإمام رأس النبي فوضعه في حجره ، ومد يده اليمنى تحت حنكه ، وأخذ النبي يعاني آلام الموت وقسوته حتى فاضت روحه العظيمة ، فمسح بها الإمام (1. لقد مادت الأرض ، وخبانور العدل، وانطفأت تلك الشعلة المشرقة التي أضاءت سماء الدنيا بالعلم والإيمان .. يالمدينة الرسول وآل الرسول ، يالهم من يوم في دنيا الأحزان ، يوم ليس كمثله في الأيام الحالكات، ووجم المسلمون ، وطاشت أحلامهم ، وهرعت السيدات صوب دار الرسول وهن يلدمن الوجوه ، قد علت أصواتهنّ بالبكاء ، أما أمهات المؤمنين فقد وضعن الجلالبيب عن رؤوسهن ، وهن يلد من صدورهن ، وأما نساء الأنصار فقد ذبحت حلوقهن من الصياح(2).)وكان أعظم أهل البيت حزناً بضعة الرسول وريحانته ، فقد وقعت على الجثمان


1) مناقب آل أبي طالب 1: 29 ، وتواترت الأخبار أنّ النبي توفي ورأسه في حجر عليّ ، جاء ذلك في 2 51 الطبقات الكبرى : 2 : 51 مجمع الزوائد : 1 : 293. كنز العمال : 4 : 55 . ذخائر العقبى : 94. الرياض النضرة : 2 : 219. بحار الأنوار : 22 : 470 .

2) أنساب الأشراف : 1 : 574 . إمتاع الأسماع : 2 : 137 .

المقدّس وهى تبكى أمر البكاء وتقول بذوب روحها : واأبتاه!وا نَبِيَّ رَحْمَتاهِ الْآنَ لَا يَأْتِي الْوَحْيُ . الْآنَ يَنْقَطِعُ عَنَا جَبْرَئِيلُ ، اللَّهُمَّ أَلْحِقِّ رُوحِي بِرُوحِهِ ، وَاشْفَعْنِي بِالنَّظَرِ إِلى وَجْهِهِ ، وَلَا تَحْرِمْنِي أَجْرَهُ وَشَفَاعَتَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ»(1.)وأخذت تجول حول الجثمان العظيم وهي ولهى قد أخرسها الخطب قائلة :وَا أَبَتاهُ ! إِلَى جَبْرَئِيلَ أَنْعَاهُ .وا أَبَناهُ ! جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُوا أَبَتاهُ : أَجَابَ رَبِّاً دَعَاهُ»(2.)ومادت الأرض بالمسلمين وذهلوا حتى عن نفوسهم لعظم الكارثة.### تجهيز الجثمان العظيموتولّى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام تجهيز جثمان أخيه وابن عمه ، وذلك بأمر منه وهو يذرف الدموع ، فغسل الجسد ، وهو يقول:بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ . خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّيَا عَمَّنْ سِوَاكَ ، وَعَمَّمْتَ حَتَّىٰ صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَواءٌ ، وَلَوْلَا أَنَّكَ أَمْرتَ بِالصَّبْرِ ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَع ، لَأَنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّؤون وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلاً ، وَالْحَمدُ مُحَالِفاً (3)


1)

2) تاريخ الخميس : 2 : 192 .

3) سير أعلام النبلاء : 2 88 سنن ابن ماجة : 1 : 511 ، وجاء فيه : أن حمّاد بن زيد قال : رأيت ثابت راوي الحديث حينما يحدث به يبكي حتى رَأيْتُ أَضْلَاعَهُ تَخْتَلِفُ . سنن الدارمي : 1 : 41 . تاریخ بغداد : 6: 259. صحيح البخاري : 5 : 144 . كنز العمال : 7 : 261 . (3) نهج البلاغة : 2 255 نهج البلاغة :2 : 228 ، الحديث .235. بحار الأنوار: 22: 542 ، الحديث 55 .

قال : وَلَقَدْ وَلِبْتُ غُسْلَهُ - صلی الله علیه و آله و سلم - وَالْمَلَائِكَةُ أَعْوانِي ، فَضَجِّتِ الدَارُ وَالْأَغْنِيَةُ ، مَلَاً يَهْبِطُ وَمَلَا يَعْرُجُ ، وَما فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْئَمَةٌ مِنْهُمْ (1يُصَلُّونَ عَلَيْهِ .)وكان العباس عم النبي الا الله و أسامة يناولان الإمام الماء من وراء الستر (2.)وكان الطيب في أثناء الغسل يخرج من الجسد الطاهر ، والإمام يقول : بِأَبِي أَنْتَ وَأَمِّى يا رَسُولَ اللهِ ، طِبْتَ حَيّاً وَمِيّناً (3، أما الماء الذي غسل فيه الرسول فهو من بئر يقال لها الغرس ، وكان يشرب منها(4)، وبعد الفراغ من الغسل أدرجه الإمام في أكفانه ، ووضعه على السرير.)### الصلاة على الجثمان العظيموأوّل من صلى على الجثمان المقدّس هو الله تعالى من فوق عرشه ، ثمّ جبرئيل ، ثم إسرافيل ، ثم الملائكة زمراً زمراً (5، وهرع المسلمون للصلاة على جثمان نبيهم ، فقال لهم الإمام : لَا يَقُومُ عَلَيْهِ إِمَامٌ مِنْكُمْ ، هُوَ إمامُكُمْ حَيّاً وَمَيَّتاً ، فكانوا يدخلون عليه رسلاً رسلاً فيصلون عليه صفاً ليس لهم إمام ، وأمير المؤمنين واقف إلى جانب الجثمان وهو يقول:)«السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.. اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْهِ ، وَنَصَحَ لِأُمِّتِهِ ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أَعَزَّ اللَّهَ دِينَهُ وَتَمَّتْ كَلِمَتُهُ ، اللهُمَّ فَاجْعَلْنا


1) الهينمة : الصوت الخفي .

2) البداية والنهاية : 5 : 282 . سبل الهدى والرشاد :12 322 دلائل الإمامة : 7: 244 . الطبقات الكبرى : 2 : 213

3) الطبقات الكبرى : 2 : 63 . سنن ابن ماجة : 1 : 471 ، الحديث 1467 .

4) البداية والنهاية : 5 : 261 . تاريخ المدينة : 1 : 162 . السيرة النبوية / ابن كثير : 4: 520 .

5) حلية الأولياء : 4: 77 مجمع الزوائد : 9: 30 . المعجم الكبير : 3: 63 .

مِمَّنْ يَتَّبِعُ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ، وَثَبِّتْنَا بَعْدَهُ ، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ».وكان المصلون يقولون : آمين(1، وكانت جموع المسلمين تمرّ على الجثمان العظيم فتلقي عليه نظرة الوداع وهي مذهولة ، قد هامت في تيارات من الهواجس ، فقد مات المنقذ ، ومات المعلم ، ومات من أسس لهم دولة تدعو إلى تطوّرهم وسعادتهم .)### مواراة الجثمان المقدّسوبعد ما فرغ المسلمون من الصلاة على الجثمان العظيم قام الإمام بحفر القبر ، وبعد الانتهاء منه وارى جثمان أخيه ، وقد وارى أعظم شخصية خلقها الله في الأرض ، وأفضل هبة من الله لعباده .. وقد انهارت قوى الإمام ، ووقف على حافة القبر ، وهو يروي ترابه من ماء عينيه قائلاً : إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلَّا عَنْكَ ، وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلَّا عَلَيْكَ ، وَإِنَّ الْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ ، وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَبَعْدَكَ لَجَلَلٌ(2.)وانطوت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان ألوية العدل ، وغاب ذلك النور الذي أضاء سماء الكون وغيّر مجرى حياة الإنسان من واقع مظلم ليس فيه بصيص من النور إلى حياة آمنة مزدهرة بالعدل، تتلاشى فيها آهات المظلومين وأنين المحرومين وتنبسط فيها خيرات الله على عباده .### فزع اهل البيت علیهم السلاموفزع أهل البيت اللهم أشد ما يكون الفزع وداخلهم خوف رهيب من الأسر


1) كنز العمّال : 4 54. الطبقات الكبرى :2 291 البداية والنهاية : 5 : 286 .

2) نهج البلاغة : 3 224. بحار الأنوار : 79 : 134 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 19: 195

القرشية الذين وترهم الإمام بسيفه وروى الأرض من دمائهم ، وكانت تتربص بهم الدوائر ، وتبغي لهم الغوائل ، وقد بات أهل البيت بأطول ليلة ، قد حاطت الهواجس والآلام.وحكى الإمام الصادق الالها مدى ذعرهم وفزعهم بقوله : لَمّا ماتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بات أَهْلُ بَيْتِهِ كَأَنْ لَا سَماءَ تُظِلُّهُمْ ، وَلَا أَرْضَ تُقِلُّهُمْ؛ لأنَّهُ وَتَرَ الْأَقْرَبَ وَالْأَبْعَدَ (1.)وقد انصبت المحن والكوارث على العترة الطاهرة بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فقد انتقمت منهم قريش ، وأبعدتهم عن مراكزهم ، وحالت بينهم وبين ما أراده الله ورسوله لهم ، ولم تمض على انتقاله إلى حظيرة القدس خمسون عاماً وإذا هم بموكب جهير يجوب الأقطار حاملين رؤوس أبنائه على أطراف الرماح ، وبناته سبايا يتصفّح وجوههن القريب والبعيد .### تأبين الإمام علیه السلام للرسول صلی الله علیه و آله و سلمووقف الإمام على منبر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصوغ من حزنه كلمات وقال :بأَبي أَنْتَ وَأُمِّي يا رَسُولَ اللهِ ، وَاللَّهِ! إِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلَّا عَلَيْكَ ، وإِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلَّا عَنْكَ ، وَإِنَّ الْمُصَيبَةُ بِكَ لَأَجَلُّ ، وَإِنَّ مَا بَعْدَكَ وَمَا قَبْلَكَ لَجَلَلٌ ، ثم قال :«ما فاضَ دَمْعِي عِنْدَ نازِلَةٍ ***إلَّا جَعَلْتُكَ لِلْبُكا سَبَبافَإِذا ذَكَرْتُكَ سَامَحَتْكَ بِهِ ***مُقَلُ الْجُفُونِ فَفَاضَ وَانْسَكَباإنِّي أُجِلُ تَرى حَلَلْتَ بِهِ ***مِنْ أَنْ أَرى بِسِواهُ مُكْتَنِبا (2)


1) الكافي : 1 : 445 ، الحديث 19

2) ربيع الأبرار : 4 : 192 نهج السعادة : 1 : 38 .

## موتمر السَّقِيفَةِ وحكومة أبي بكر### اشارة

ليس في دنيا الإسلام كارثة مدمّرة امتحن بها المسلمون امتحاناً عسيراً كحادثة السقيفة ، فقد أولدت الأحقاد ، وأجّجت نار الفتن بين المسلمين، وفتحت أبواب الطمع والتهالك على السلطة بين الزعماء.إن جميع ما عاناه السادة المعظمون من أهل البيت علیهم السلام يستند أولاً وبالذات إلى مؤتمر السقيفة التي تعمّد أعضاؤها على الغضّ من شأنهم ، ومعاملتهم معاملة عادية تتسم بالكراهة والحقد عليهم ، متناسين ما ألزمه الله تعالى بمودّتهم (قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (1)، وما حث عليه النبي صلی الله علیه و آله و سلم في لزوم مودتهم ، وتعظيم شأنهم ، فلم يرعوا لاهتمام النبي بهم ، فأقصوهم عن مركز الحكم وعن ما يتعلق بالدولة الإسلامية التي أنشأها جدّهم الرسول ، وقامت على أكتاف أخيه وباب مدينة علمه ، لقد آلت الخلافة الإسلامية - مع الأسى والأسف - إلى بني أميّة فأمعنوا في ظلم العترة الطاهرة وإبادتها ، وما كارثة كربلاء الخالدة في دنيا الأحزان إلا من تبعات السقيفة ، ورحم الله الإمام كاشف الغطاء إذ يقول :)تاللهِ ما كَرْبلا لَوْلا سَقِيفَتُهُمْ*** وَمِثلُ هذا الفَرْع ذاكَ الأَصلُ أَنْتَجَهُإنّ الأحداث الجسام التي فزع منها المسلمون كإباحة مدينة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وحرق الكعبة ، وتسلّط الأشرار المارقين عن الدين على رقاب المسلمين أمثال بسر


1) الشورى 42 23

بن أبي أرطاة ، والمغيرة بن شعبة ، وزياد بن أبيه ، وعبيد الله بن زياد وأمثالهم من الخونة المجرمين الذين أمعنوا في ظلم المسلمين ، وأغرقوهم في المآسي والخطوب كلّها قد نجمت من السقيفة ، وما يرتبط بها من أحداث.ولسنا في البحث عن السقيفة خاضعين للمؤثرات المذهبية ، نعوذ بالله أن نخضع لغير الحق ، وأن نكتب ما تمليه علينا العواطف التقليدية ، وإنما نكتب هذه البحوث على ضوء الدراسة العلمية التي اقتبسناها من الوثائق التاريخية ، وحلّلنا أبعادها بأمانة وإخلاص ، وفيما اعتقد أن كل من يتأمل في أحداث السقيفة يؤمن بأنّها غير طبيعية وأنّها دبّرت لصرف الخلافة عن أهل البيت.وعلى أي حال فلابد لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذا الحادث المروع الذي ابتلي فيه المسلمون كأشد وأقسى ما يكون الابتلاء ، وفيما يلي ذلك :### البواعث لمؤتمر السقيفةوعقد الأنصار في اليوم الذي توفى فيه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم مؤتمراً في سقيفة بني رسول ساعدة ، ضمّ الجناحين منهم الأوس والخزرج ، تداولوا فيه شؤون الخلافة ، وأن لا تخرج من حوزتهم ، ولا يكونوا تبعاً لزعامة المهاجرين من قريش وتحت نفوذهم . والشيء الذي يدعو إلى التساؤل لماذا سارعوا إلى عقد مؤتمرهم بهذه السرعة الخاطفة ، والرسول لم يغيبه عن عيون القوم مثواه ، وأكبر الظنّ أنّ أسباب ذلك تتلخص بما يلي :أولاً : إنّ الأنصار قد استبان لهم بصورة مكشوفة لا خفاء فيها على تصميم المهاجرين من قريش للاستيلاء على الحكم بعد النبي صلی الله علیه و آله و سلم وصرفه عن الإمام أمير المؤمنين ، ويدعم ذلك:1-إنّ المهاجرين من قريش أعلنوا رفضهم الكامل لبيعة الإمام يوم غدير خم ، فقد قالوا : لقد حسب محمد أنّ هذا الأمر قد تمّ لابن عمه وهيهات أن يتم ، وتناقلت

حديثهم معظم الأوساط في يثرب .2 - امتناع قادة المهاجرين من الالتحاق بجيش أسامة خوفاً أن يتم الأمر للإمام بعد وفاة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ويفلت الزمام منهم ، ولم يكن يخفى على الأنصار ذلك.3- قيام بعض المهاجرين بالحيلولة بين النبي وبين ما رآه من الكتابة التي تضمن لأمته السعادة في جميع الأحقاب والآباد - على حدّ تعبيره - ، فقد رموه بالهجر ، وهو طعن مؤسف في شخصية الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، فامتنع بأبي وأمي من الكتابة التي تهدف إلى النص الصريح على خلافة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام.ثانياً : إنّ الأنصار كانوا على يقين لا يخامره شك أنّ المهاجرين من قريش كانوا حاقدين على الإمام ؛ لأنه قد وترهم ، وحصد رؤوس أعلامهم ، وقد أعلن ذلك عثمان بن عفان ، فقد قال للإمام : ما أصنع إن كانت قريش لا تحبّكم وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين رجلاً كأن وجوههم شنوف الذهب تصرع آنافهم قبل شفاههم (1.)أرأيتم كيف صوّر عثمان لوعة القرشيين على فتيانهم وفرسانهم الذين أبادهم الإمام في يوم بدر وأبادتهم القوات المسلحة في الجيش الإسلامي .. وكانت قریش ترى أن الإمام الله هو الذي وترها ، فهي تطالبه بذحلها.ويقول الكناني من شعراء قريش محرّضاً لها على الوقيعة بالإمام:في كُلِّ مَجمَعِ غايَةٍ أَحْرَاكُمُ ***جَذَحٌ أَبَرُّ عَلى المَذاكي القُرَّحِلِلَّهِ دَرُّكُمُ أَلَمّا تَذْكُروا ***قَدْ يَذكُرُ الحُرُ الكَريمُ وَيَستَحيهذا ابْنُ فَاطِمَةَ (2الذي أَفْناكُمُ ***ذَبْحاً وَقَتَلَةَ مَعْصِهِ لَمْ تُذْبَح)


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 9: 22. بحار الأنوار: 31 : 461 . تاريخ مدينة دمشق :

2) فاطمة بنت أسد أمّ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام .

أَيْنَ الكهولُ وَأَيْنَ كُل دَعَامَةٍ ***في المُعْضلاتِ وَأَينَ زَيْنُ الأَبْطُح(1؟)وروى ابن طاووس عن أبيه أنه قيل للإمام زين العابدين : ما بال قريش لا تحبّ عليا ؟فأجابهم الإمام : لأنه أورد أولهم النار ، وألزم آخرهم العار(2.)لقد كان بغض القرشيين للإمام علیه السلام المكشوفاً وغير خفي على أحد ، وخاف الأنصار من استيلاء المهاجرين على دست الحكم فينزلون بهم الضربات القاصمة لولائهم للإمام علیه السلام ومودتهم له.ثالثاً : إنّ الأنصار كانوا العمود الفقري للقوّات الإسلامية ، وقد أشاعوا الحزن والحداد في بيوت القرشيين ، ومن المؤكد أنّ القرشيين كانوا يحقدون أشدّ الحقد على الأنصار ، وأنّهم لا يألون جهداً في الانتقام منهم ، فلذا سارعوا في عقد مؤتمرهم خشية من المهاجرين ، يقول الحباب بن المنذر وهو من مفكّري الأنصار : لكنّنا نخاف أن يليها بعدكم من قتلنا أبناءهم وآباءهم واخوانهم (3.)وتحقق ما تنبأ به الحباب ، فإنّه لم يكد ينتهي حكم الخلفاء القصير الأمد حتى آل الحكم إلى الأمويين فسعوا جاهدين في إذلالهم والتنكيل بهم . وقد أمعن معاوية في قهرهم وظلمهم ، ولما ولي الأمر بعده يزيد جهد على الوقيعة بهم فأباح دماءهم وأموالهم وأعراضهم في واقعة الحرّة المحزنة التي لم يشاهد التاريخ لها نظيراً في فظاعتها وقسوتها.رابعاً : إن النبي صلی الله علیه و آله و سلم استشف من وراء الغيب ما تعانيه الأنصار من بعده


1) أسد الغابة : 4 : 20 تاريخ مدينة دمشق : 42 9 رسائل المرتضى : 4: 120.

2) معجم الشيوخ / ابن الأعرابي : 4 : 16 . بحار الأنوار: 29 : 482 و : 75: 158 و 159 . تاریخ مدينة دمشق : 42: 290

3) بحار الأنوار :28 : 326 السقيفة / محمد رضا المظفر : 97 . حياة الصحابة : 1: 420 .

من جهد وبلاء ، فقال لهم : سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةٌ فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ، : فخافوا أشد ما يكون الخوف ، فلذا بادروا إلى عقد مؤتمرهم ليكونوا بمأمن من الاثرة والجهد .وفيما أحسب أنّ هذه العوامل هي بعض الأسباب التي أدت إلى عقد الأنصار مؤتمرهم في سقيفة بني ساعدة .### خطاب سعدولما عقد الأنصار مؤتمرهم في السقيفة انبرى سعد بن عبادة زعيم الخزرج إلى افتتاح مؤتمرهم ، وكان مريضاً لا يتمكن أن يجهر بكلامه ، وإنما كان يقول فيبلغ بعض أقربائه مقالته ، وهذا نص كلامه :يا معشر الأنصار ، لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب ، إن محمداً صلی الله علیه و آله و سلم لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان ، فما آمن به إلا قليل ، ما كانوا يقدرون على منعه ، ولا على إعزاز دينه ، ولا على دفع ضيم حتى إذا أراد الله بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة ، ورزقكم الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه ، والاعزاز له ولدينه ، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على عدوّه، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً، وأعطى البعيد المقادة صاغراً ، فدانت لرسوله بأسيافكم العرب، وتوفاه الله وهو عنكم راض ، وبكم قرير العين .. استبدوا بهذا الأمر دون الناس فإنّه لكم دونهم (1.)وحفل خطاب سعد بالاشادة بإيمان الأنصار وبسالتهم وحمايتهم للإسلام ، وأنه


1) الكامل في التاريخ : 22 222 تاريخ الأمم والملوك : 3 : 307. بحار الأنوار: 28 : 331 الإمامة والسياسة : 1 : 22 .

قام على سوقه عبل الذراع مفتول الساعد بفضل جهادهم ونصرتهم له ، فهم الذين حموه أيام غربته ومحنته .. فإذن هم أولى بالنبي ، وأحق بمركزه ومقامه ، فإنّ من كان عليه العزم فهو أولى بالغنم.وكان من بنود هذا الخطاب التنديد بالقرشيين الذين ناهضوا النبي صلی الله علیه و آله و سلم وناجزوه الحرب ، حتى اضطر إلى الهجرة إلى يثرب ، وما آم-ن به من قومه إلا فئة قليلة لم تتمكن من حمايته والذب عنه .. وبذلك فلا حق للقرشيين في الخلافة ولا نصيب لهم بها .### المؤاخذة على سعدوتناسى سعد في خطابه المصيبة العظمى التي دهمت ، وهي موت سيد الكائنات ، فلم يشر إليها بقليل ولا بكثير ، ولم يعزّ الأنصار بهذا الخطب المروع ، كما تناسى في خطابه العترة الطاهرة التي هي وديعة النبي في أمته ، وعديلة القرآن الكريم ، ولم يتعرّض لسيّد المسلمين وإمام المتقين الإمام أمير المؤمنين علیه السلام الذي هو باب مدينة علم النبي ، ومَن كان منه بمنزلة هارون من موسى ، فقد تجاهله سعد بالمرّة ، ونسى البيعة له يوم غدير خم ، فدعا لنفسه وقومه .لقد أخطأ سعد إلى حدّ بعيد ، ولا مبرر له في عقد مؤتمره ، فقد أخلد للأمة الفتن والمصاعب ، وألقاها في شرّ عظيم ، ومن ذلك اليوم عانت العترة الطاهرة ألواناً قاسية من الكوارث والخطوب، وآلت الخلافة إلى الطلقاء وأبنائهم فاتخذوها مغنماً ووسيلة لنيل شهواتهم ورغباتهم ، ولم يعد للأمّة أي ظلّ لمصالحها طيلة الحكم الأموي والعباسي.وعلى أي حال فقد لاقى سعد جزاء عمله ، فإنّه لم يكد يستقر الحكم القصير الأمد إلى أبي بكر حتى جهد في ملاحقته ، وفرض الرقابة عليه حتى اضطر إلى الهجرة إلى الشام ، فتبعه خالد بن الوليد مع صاحب له ، فكمنا له ليلاً وطعناه وألقياه في

البئر ، وتحدّثوا أنّ الجنّ هي التي قتلته وأوردا على لسانها شعراً تفتخر فيه بقتله وهو :نَحْنُ قَتَلْنا سَيْدَ الخَزرج سَعدَ بْنَ عُبَادَه*** وَرَمَيناهُ بِسَهمَينِ فَلَمْ تُخْطِئُ فُؤادَهومن الغريب أنّ دبلوماسية الحكم في ذلك العصر استخدمت الجنّ في أغراضها السياسية ، وقد آمن بذلك البسطاء والسدّخ من غير وعي للأهداف السياسية .### ضعف نفسية الأنصارولم تكن للأنصار إرادة صلبة ولا عزم ثابت ، فقد منوا بالضعف والوهن والتخاذل ، فكانوا بعد خطاب زعيمهم سعد متخاذلين ، فقد أخذ بعضهم يقول لبعض : فإن أبى المهاجرون من قريش ، وقالوا : نحن المهاجرون وأصحابه الأولون وعشيرته وأولياؤه فعلام تنازعون هذا الأمر بعده .وانبرت طائفة منهم فقالوا : فإنا نقول : منا أمير ومنكم أمير ، ولن نرضى بدون هذا أبداً .وأظهرت هذه المحاورة ضعفهم وانهيار عزائمهم وخوفهم من المهاجرين من قريش ، وثار سعد حينما رأى منهم هذه الروح الانهزامية فقال لهم : هذا أوّل الوهن(1.)أجل إنّ هذا أوّل الوهن وآخره ، فقد تنازلوا للقرشيين وشاركوهم في الأمر في حين أن الساحة قد خلت من كل قرشي ، وقد دلّ هذا على عدم نضوجهم السياسي وعدم عمقهم ، فإنّهم قد أحاطوا مؤتمرهم بكثير من الكتمان ليسبقوا الأحداث ويظفروا بالحكم قبل أن يعلم المهاجرون من قريش ، فقد ظلوا قابعين في هذا


1) الكامل في التاريخ : 2 : 222. بحار الأنوار: 28 342. تاريخ الأمم والملوك : 2 : 456 . الإمامة والسياسة : 1 : 22 .

الصراع الفارغ فأضاعوا عليهم الفرصة ، فقد دهمهم المهاجرون وسيطروا ع-ل-ى الوضع ، واستلموا الحكم بمهارة فائقة كما سنبين ذلك.### اختلاف الأنصاروشيء بالغ الأهمية في انهزام الأنصار وعدم سيطرتهم على الموقف هو ما منوا به من الصراع القبلي بين الأوس والخزرج ، فقد كانت بينهما أحقاد وضغائن منذ عهد بعيد ، وشاعت بينهما الفتن والحروب ، وكان آخر أيام حروبهم هو ( يوم بغاث وكان ذلك قبل أن يهاجر النبي صلی الله علیه و آله و سلم إليهم ، ولما حلّ في ديارهم جهد على نشر المحبة والوئام فيما بينهم ، ولكن لم تزل الأحقاد كامنة في نفوسهم ، وقد ظهرت بشكل سافر يوم السقيفة ، فإنّه حينما عزموا على مبايعة سعد حقد عليه أسيد بن حضير زعیم الأوس ، فقال لقومه : لئن وليتموها - أي الخلافة - سعداً عليكم مرّة واحدة لا زالت لهم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم فيها نصيباً أبداً ، فقوموا فبايعوا أبا بكر(1).)وحكى ذلك مدى الحقد المستحكم في نفوس الأوس للخزرج ، فإنّ سعداً إذا ولي الحكم مرة واحدة تكون له فضيلة على الأوس وتفوّق عليهم ، وفعلاً فقد انبرى مع قومه فبايع أبا بكر ولولاه لما تم الأمر له.ومضافاً إلى الأحقاد بين الأوس والخزرج إنّ بعض أبناء الخزرج الذين هم من أسرة سعد كانوا يحقدون عليه ، فهذا بشير بن سعد الخزرجي انبرى فبايع أبا بكر .


1) بحار الأنوار: 28 : 304 ، الحديث 69 تاريخ الأمم والملوك : 2 : 458. الإمامة والسياسة .17:1

### فذلكة عمروشيء خطير بالغ الأهمية قام به عمر لتجميد الأوضاع وإيقاف أية عملية تؤدّي إلى انتخاب خليفة على المسلمين ، فإنّ صاحبه أبا بكر لم يكن في يثرب عند وفاة لله وإنما كان في السنح (1، فبعث خلفه من يأتي به على وجه السرعة ، وانطلق عمر وهو يجوب شوارع المدينة ، وقد شهر السيف ويلوح به وينادي بصوت عالٍ : إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قد مات ، والله ! ما مات ولكنه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران . والله ليرجعن رسول الله الله فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجفوا بموته)وجعل لا يمر بأحد يقول مات رسول الله إلّا خبطه بسيفه وتهدّده وتوعده (2.)وذهل الناس وساورتهم موجات من الشكوك والأوهام ، فلا يدرون أيصدّقون مزاعم عمر بحياة النبي وأنّه لم يمت وهي من أعز أمانيهم ، ومن أروع أحلامهم ، أم يصدّقون ما عاينوه من جثمان النبي صلی الله علیه و آله و سلم وهو مسجى بين أهله لا حراك فيه .ويستمر عمر يجول في الأزقة والشوارع وهو يبرق ويرعد حتى أزبد شدقاه ، وهو يتهدّد بقتل من أرجف بموت النبي وبقطع يده ، ولم يمض قليل من الوقت حتى أقبل أبو بكر فانطلق معه إلى بيت النبي فكشف الرداء عن وجهه فتحقق من وفاته . فخرج إلى الناس وأخذ يفنّد مزاعم عمر ، وخاطب الجماهير التي أخرسها الخطب وذهلها المصاب قائلاً : من كان يعبد محمّداً فإنّ محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، وتلا قوله تعالى : ( وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً


1) السنح : محل يبعد عن المدينة بميل ، وقيل : هو أحد عواليها ، ويبعد عنها بأربعة أميال .

2) مسند أحمد بن حنبل : 6 : 220 ، نقلاً عن شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 40.

وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (1))وصدق عمر بسرعة مقالته ، وراح يقول : فو الله ما هو إلا إذا سمعتها فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي ، وقد علمت أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قد مات(2.)### نظرة وتأمّلولم تكن الحادثة بسيطة وساذجة ، فقد حفّت بالغموض ويواجهها عدة من التساؤلات وهي :1 - إن القرآن الكريم أعلن بصراحة ووضوح أنّ كلّ إنسان لا بد أن يسقى كأس اء أكان نبياً أم غيره ، قال تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (3). وقال تعالى في خصوص نبيّه : وَمَا مُحمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ..... .)وهذه الآيات الكريمة تتلى في وضح النهار وفي غلس الليل ، فهل خفيت على أبي حفص ولم يسمعها ، وهو يصابح رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ويماسيه ، ويسمع منه ما يتلوه من كتاب الله2 - إنّ عمر بالذات كان متفائلاً بموت النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فقد قال لأسامة بن زيد حينما ولاه النبي على الجيش الذي فيه عمر وأبو بكر : مات رسول الله وأنت عليّ أمير ، وهذا يدلّ بوضوح على أنه كان مطمئناً بوفاته ، مضافاً إلى أن النبي له في أيامه الأخيرة قبل مرضه وبعده قد نعى نفسه إلى المسلمين.


1) آل عمران 3: 144 .

2) الكامل في التاريخ : 2 : 219 . تاريخ الأمم والملوك : 442:2 و 443. الدر المنثور : 2 : 81.

3) العنكبوت : 57 .

3- إن عمر هو الذي حال بين النبي صلی الله علیه و آله و سلم وبين ما رامه من الكتابة التي ضمن فيها أن لا تضلّ أُمّته في جميع الأحقاب والآباد ، فقال له : حسبنا کتاب الله ، وقال : إنّ النبي يهجر ، ومن المؤكد أنّه إنما قال ذلك بعد الاعتقاد بوفاته ، ولو كان يحتمل أنّ النبي لا يموت في مرضه لما قال ذلك .4 - سكوت عمر وهدوء ثورته الجامحة حينما جاء أبو بكر وأعلن وفاة النبي ، فصدقه ولم يناقشه ، فإنّه يقضي على اتفاق مسبق بينهما في ذلك5 - إن حكم عمر بأن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم سوف يرجع إلى الأرض ويقطع أيدي رجال وأرجلهم ممّن أرجفوا بموته لا يخلو من مناقشة ، فإن تقطيع الأيدي والأرجل والحكم بالاعدام إنّما هو على الذين يخرجون عن دين الله أو يسعون في الأرض فساداً ، والذهاب إلى موت الرسول لا يوجب ذلك قطعاً .6 - إن حكم أبي بكر بأنّ من كان يعبد محمّداً فإنّه قد مات ، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حي لا يموت لا يخلو من النظر ؛ لأنه لم يؤثر عن أي أحد من المسلمين أنه كان يعبد محمّداً واتخذه رباً يعبده من دون الله ، وإنّما أجمع المسلمون على أنّه عبدالله ورسوله اختاره الله ،لوحيه ، واصطفاه لرسالته ..هذه بعض الملاحظات التي تحوم حول هذه الحادثة ، وقد ذكرناها في كتابنا ( حياة الإمام الحسين علیه السلام .)### مداهمة الأنصاروبينما كان الأنصار في سقيفتهم يدبرون أمرهم ويتداولون الرأي في شؤون الخلافة ويحدّدون موقفهم من المهاجرين من قريش إذ خرج من مؤتمرهم - وهم لا يشعرون - عويم بن ساعدة الأوسي ، ومعن بن عدي حليف الأنصار ، وكانا من أولياء أبي بكر على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم هو من أعضاء حزبه ، كما كانا ألد أعداء من سعد ، فانطلقا مسرعين صوب أبي بكر ، وأحاطاه علماً بما جرى ، وفزع أبو بكر

وعمر وسارعا نحو السقيفة ، ومعهما أبو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وجماعة من المهاجرين، فكبسوا الأنصار في ندوتهم ، وذعر الأنصار وأسقط ما بأيديهم ، وغاض لون سعد وخاف من خروج الأمر منهم ، وذلك لعلمه بضعف الأنصار وتصدّع وحدتهم ، وفعلاً فقد فشل سعد وانهارت جميع مخططاته.### خطاب ابی بکروبعد أن داهم المهاجرون ندوة الأنصار أراد عمر أن يفتح الحديث معهم فنهره أبو بكر ، وذلك لعلمه بشدّته ، وهي لا تنجح في مثل هذا الموقف الملبد بالضغائن والأحقاد ، الأمر الذي يستدعي الكلمات الناعمة لكسب الموقف ، فانبرى أبوبكر فخاطب الأنصار وقابلهم ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً :نحن المهاجرين أوّل الناس إسلاماً ، وأكرمهم أحساباً ، وأوسطهم داراً ، وأحسنهم صلى الله وجوهاً ، وأمسهم برسول الله صلى الله عليه وسلم .وأنتم اخواننا في الإسلام ، وشركاؤنا في الدين، نصرتم وواسيتم فجزاكم الله خيراً ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش ، فلا تنفسوا على اخوانكم المهاجرين ما فضّلهم الله به ، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين - يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح (1_.)### دراسة وتحليلويؤخد على خطاب أبي بكر كثير من التساؤلات ، كان منها ما يلى :1 - إنّه لم يعن بصورة مطلقة بوفاة النبي صلی الله علیه و آله و سلم التي هي أعظم كارثة مدمرة فجع بها المسلمون ، فكان الأجدر به - فيما يقول المحققون - أن يعزي الحاضرين بوفاة


1) تاريخ الأمم والملوك : 3 : 62. تاريخ مدينة دمشق : 30 : 282 ، مع اختلاف في اللفظ.

المنقذ العظيم الذي برّ بدين العرب ودنياهم، ويدعوهم إلى الالتفاف حول جثمانه حتى يواروه في مقره الأخير ، ويعودوا بعد ذلك إلى عقد مؤتمر عام يضم المسلمين لينتخبوا عن إرادتهم وحريتهم من يرضونه خليفة لهم - على فرض أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لم يعهد إلى الإمام ال بولاية العهد -.2 - إنّ هذا الخطاب قد حفل أوّلاً وأخيراً بطلب الامرة والسلطان ، وقد عرض أبو بكر على الأنصار التنازل عن الخلافة ومنحها للمهاجرين ومناهم عوض ذلك أن تكون لهم الوزارة ، إلّا أنّه من المؤسف لما تمّ له الأمر لم يقلّدهم أي منصب من مناصب الدولة وأقصاهم عن جميع مراتب الحكم .3 - وتجاهل خطاب أبي بكر بالمرّة حق الأسرة النبوية التي هي عدل القرآن ، أو كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى ، حسبما تواترت الأخبار بذلك عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم .وكان الأجدر بأبي بكر التريث بالأمر حتى يتم تجهيز النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ويؤخذ رأي عترته الطاهرة في الخلافة حتى تحمل طابعاً شرعياً ، ولا يحدث انقسام بين صفوف المسلمين ، ولا توصم بيعته بأنّها فلتة وقى الله المسلمين شرّها كما يقول عمر ، وعلق الإمام شرف الدين على إهمال العترة الطاهرة وعدم أخذ رأيها في بيعة أبي بكر بقوله : « لو فرض أن لا نص بالخلافة على أحد من آل محمد الله ، وفرض كونهم غير مبرزين في حسب أو نسب أو أخلاق أو جهاد أو علم وعمل أو ايمان أو إخلاص ، ولم يكن لهم السبق في مضامير كل فضل ، بل كانوا كسائر الصحابة ، فهل كان مانع شرعي أو عقلي أو عرفي يمنع من تأجيل عقد البيعة إلى فراغهم من تجهيز رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، ولو بأن يوكل حفظ الأمن إلى القيادة العسكرية مؤقتاً حتى يستتب أمر الخلافة .أليس هذا المقدار من التريث كان أرفق بأولئك المفجوعين وهم وديعة النبي

لديهم ، وبقيته فيهم ، وقد قال الله تعالى : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَتِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ(1)؟ أليس من حق هذا الرسول الذي يعزّ عليه عنت الأمة ، ويحرص على سعادتها وهو الرؤوف بها الرحيم لها أن لا تعنت عترته فلا تفاجأ بمثل ما فوجئت به ، والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر (2).

4 - إنّ الحجّة التي استند إليها أبو بكر في أحقية المهاجرين للخلافة هي أنهم أمس الناس رحماً برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وأقربهم إليه ، وبهذه الحجّة تغلب على الأنصار،ومما لا ريب فيه أنّ هذا الملاك متوفر في أهل البيت فهم ألصق الناس به ، وأمتهم رحماً به ، وقد عرض لذلك الإمام أمير المؤمنين علیه السلام بقوله : احْتَجُوا بِالشَّجَرَةِ ، وَأَضَاعُوا الثَمَرَةَ .

وأثر عنه أنه خاطب أبا بكر بقوله :

فَإِن كُنتَ بِالسُّورَى مَلَكْتَ أُمُورَهُمْ ***فَكَيْفَ بِهَذَا وَالْمُشِيرُونَ غُيِّبُ

وَإِنْ كُنْتَ بِالْقُرْبَى حَجَجْتَ خَصِيمَهُمْ ***فَغَيْرُكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ وأَقْرَبُ

وقال الإمام علیه السلام في حديث له : والله ! إِنِّي لَأَخُوهُ - أي أخو النبي-، وَوَلِيُّهُ ، وَابْنُ عَمِّهِ ، وَوارِثُ عِلْمِهِ ، فَمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي ؟

والتفت المتكلمون من الشيعة إلى هذه الجهة ، يقول الكميت في إحدى روائعه :

بِحَقِّكُمْ أَمَسَتْ قُرَيضٌ تَقودُنا*** وَبِالقَذْ مِنْها وَالرَّديفَيْنِ نَرَكَبُ

وقالوا ورثناها أبانا وأمنا*** وَما وَرُنَتْهُمْ ذاك أم وَلَا أَب


1) التوبة : 128 .

2) النص والاجتهاد : 7. بحار الأنوار : 29 : 225 . الاحتجاج : 1: 137 .

يَرُونَ لَهُمْ فَضْلاً عَلَى النَّاسِ واجباً ***سفاهاً وَحَقُ الهاشِمِيّينَ أَوْجَبُ (1)

وعلى أي حال فقد أعرض القوم عن أهل البيت عامدين أو غير عامدين ، فواجهت الأمة منذ ذلك اليوم إلى أن يرث الله الأرض وما عليها أعنف المشاكل وأقسى ألوان الخطوب .

5 - إنّ أبا بكر في خطابه رشّح لقيادة الأمّة عمر وأبا عبيدة بن الجراح ، وكان ذلك - منه التفاتة بارعة ، فقد جرّد نفسه من الأطماع السياسية ، وغزا نفوس الأنصار ، وملك عواطفهم ومشاعرهم ، وقد أجابه عمر بلباقة : لا يكون هذا وأنت حي ، ما كان أحد ليؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم.

وعلّق بعض المحققين على مقالة عمر بقوله : لا نعلم متى أقامه رسول الله له ، أو دلل عليه ، وقد كان مع بقيّة المهاجرين جنوداً في سرية أسامة ، ولو كان قد رشّحه للخلافة لأقامه معه في يثرب ، وما أخرجه إلى ساحات الجهاد.

هذه بعض الملاحظات التي تواجه خطاب أبي بكر .

فوز أبي بكر بالحكم

وكسب الموقف أبوبكر في خطابه السالف الذي أثنى فيه على الأنصار ، فقد مناهم بالوزارة ، وأزال ما في نفوسهم ما كانوا يحذرونه من استبداد المهاجرين بالحكم ، إلا أن بعض الأنصار شجب البيعة لأبي بكر ، فردّ عليه عمر بعنف قائلاً : هيهات لا يجتمع اثنان في قرن ، والله ! لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها من كانت النبوّة فيهم ، وولي أمورهم منهم ، ولنا بذلك على من أبى الحجّة الظاهرة والسلطان المبين من ذا ينازعنا سلطان محمد وامارته ونحن أولياؤه وعشيرته ؟ إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم أو متورّط


1) الهاشميات : 31 - 33.

في هلكة .

وليس في هذا الكلام شيء جديد سوى أن المهاجرين من قريش أولى بالرسول لأنّهم من أسرته القرشية ، وإذا أخذوا الحكم بهذه الحجّة وسيطروا على الموقف بها فإنّ عليّاً أولى لأنه من صميم الأسرة النبوية بالاضافة إلى جهاده وجهوده في سبيل الإسلام.

يقول الأستاذ محمد الكيلاني : إنّه احتج عليهم - أي على آل النبي- بقرابة المهاجرين للرسول ، ومع ذلك فقد كان واجب العدل يقضي بأن تكون الخلافة لعليّ بن أبي طالب ما دامت القرابة اتخذت سنداً بحيازة ميراث الرسول ، لقد كان العبّاس أقرب الناس إلى النبي ، وكان أحق الناس بالخلافة ، ولكنه تنازل بحقه هذا لعلي ، فمن هنا صار لعلي الحق وحده في هذا المنصب»(1)

وعلى أي حال فإنّ عمر لم ينته من كلامه حتى ردّ عليه الحباب بقوله : يا معشر الأنصار ، املكوا عليكم أمركم ، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم فاجلوهم عن هذه البلاد ، وتولوا عليهم هذه الأمور ، فأنتم - والله ! - أحق بهذا الأمر منهم ؛ فإنه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين من دان ممّن لم يكن يدين ، أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ، أنا شبل في عرينة الأسد والله ! لو شئتم لنعيدنها جذعة ، والله ! لا يرد أحد عليّ ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف .. » .

وحفل هذا الخطاب بالعنف والتهديد ، والدعوة إلى الحرب ، وإجلاء المهاجرين الذين لا يتجاوز عددهم الأصابع - عن يثرب ، كما حفل بالاعتزاز بنفس المتكلّم والافتخار بشجاعته ، وردّ عليه عمر بغيظ قائلاً : إذاً يقتلك الله.

فردّ عليه الحباب : بل إيّاك يقتل.


1) أثر التشيع في الأدب العربي : 5 .

وخاف أبوبكر من تطوّر الأحداث فهدأ الموقف وبادر أعضاء حزبه بسرعة خاطفة فبايعوه ، وكان أوّل من بايعه عمر وبشير وأسيد بن حضير وعويم بن ساعدة ومعن بن عدي وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ، وكان من أشدّهم حماساً واندفاعاً لبيعته عمر وخالد بن الوليد ، واشتدّ هؤلاء في حمل الناس وإرغامهم على مبايعة أبي بكر ، وجعل عمر يجول ويصول ويدفع الناس دفعاً إلى البيعة ، ومن أبى علاه بدرته ، وسمع الأنصار يقولون : الأنصار يقولون : قتلتم سعداً.

فاندفع يقول بعنف : اقتلوه قتله الله ، فإنّه صاحب فتنة.

وكادوا يقتلون سعداً، وهو مزمن وجع ، وحمل إلى داره وهو وجع قد انهارت آماله وتبدّدت أحلامه وضاعت أمانيه.

وانتهت البيعة لأبي بكر بهذه السرعة ، فأقبل به حزبه يزفونه إلى مسجد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم زفاف العروس إلى بيت زوجها(1)، وقد علا منهم التكبير والتهليل ، وكان النبي له مسجى في فراش الموت لم يغيبه عن عيون القوم مثواه ، وقد انشغل الإمام أمير المؤمنين الا بتجهيزه ، ولما علم ببيعة أبي بكر تمثل بقول القائل :

وَأَصْبَحَ أَقوامٌ يَقولونَ ما اشْتَهَوا*** وَيَطغُونَ لَمّا غالَ زَيْداً غَوائِلُة (2)

وعلى أي حال لقد تمّت البيعة لأبي بكر بهذه الكيفية التي أهمل فيها رأي الأسرة النبوية ورأي خيار الصحابة أمثال الطيب ابن الطيب عمّار بن ياسر وأبي ذرّ وسلمان الفارسي وغيرهم من أعلام الإسلام .

هزيمة الأنصار

وأفل نجم الأنصار وانهارت قواهم ، وعراهم الذل والهوان ، وقد حكى حسّان بن


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 40. بحار الأنوار: 4. بحار الأنوار: 28 : 332 .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6 : 14 . بحار الأنوار: 28 : 352 .

ثابت خيبة آمالهم بقوله :

نَصَرنا وَآوَينَا النَّبِيَّ وَلَمْ نَخَفْ ***صُروفَ اللَّيالي وَالبَلاءَ عَلى وَجلِ

بَذَلْنا لَهُمْ أَنْصافَ مَالِ أَكْفُنا ***كَقِسْمَةِ أَبْسارِ الجَزورِ مِنَ الفَضْلِ

فَكانَ جَزاءُ الفَضلِ مِنَا عَلَيهِم ***جهالَتهُمْ حُمْقاً وما ذاكَ بالعَدْلِ (1)

وتعرضت الأنصار للمحن والخطوب في كثير من عهود الخلفاء والملوك ، وكان ذلك جزاء ما اقترفوه في حق العترة الطاهرة ، فهم الذين فتحوا الباب لظلمهم والاعتداء عليهم .

ابتهاج القرشيين

وابتهجت الأسر القرشية بحكومة أبي بكر واعتبرته فوزاً ساحقاً لهم ، وقد عبر عن مدى فرحها وسرورها أبو عبرة القرشي بقوله :

شُكراً لِمَنْ هُوَ لِلثَّنَاءِ حَقيقُ ***ذَهَبَ الرّجاجُ وَيُويعَ الصِّدِّيقُ

مِنْ بَعدِ مَا زَلَّتْ بِسَعْدٍ نَعْلُهُ ***وَرَجا رَجاء دونَهُ العَيُّوقُ

إِنَّ الخِلافَةَ في قُرَيْشٍ ما لَكُمْ ***فيها وَرَبِّ مُحَمَّدٍ مَعْرُوقُ(2)

وحكى هذا الشعر سرور القرشيّين البالغ بحرمان الأنصار من الخلافة ، كما أظهر عمرو بن العاص سروره وفرحه ببيعة أبي بكر ، ولم يكن في يثرب وإنما كان في سفر له ، فلما قدم وسمع بالبيعة قال :

أَلا قُلْ لأَوسِ إِذا جِئْتَها *** وَقُلْ ما إِذا جِئتَ لِلخَزْرَج


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 25 .

2) أخبار الموفقيات: 80 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 8. تاريخ مدينة دمشق : 299 30

تَمَنِّيتُمُ المُلْكَ في يَثْرِبٍ ***فَأُنْزِلَتِ القِدْرُ لَمْ تَنْضَجِ (1)

لقد عمت الفرحة الكبرى جميع القرشيين ببيعة أبي بكر، فقد تخلّصوا من حكومة الأنصار وحكومة الأسرة النبوية .

موقف أبي سفيان

وأعلن أبو سفيان معارضته لحكومة أبي بكر ، ومضى إلى الإمام علیه السلام يحفزه على فتح باب الحرب على أبي بكر ، ويعده بنصره إن نهض لاسترداد حقه يقول له : إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم يا آل عبد مناف فيم أبوبكر من أموركم .

أين المستضعفان ؟ أين الأذلان علي والعباس ؟ ..

ما بال الأمر في أقل حيّ من قريش ؟ ثم قال للإمام : ابسط يدك أبايعك ، فوالله ! لئن شئت لأملاتها عليه خيلاً ورجالاً ، وتمثل بشعر المتلمس :

وَلَنْ يُقيمَ عَلَى خَسفِ يُرادُ بِهِ ***إلا الأَذَلانِ عَيْرُ الحَيِّ وَالوَتَدُ

هذا عَلَى الخَسفِ مَربوطٌ بِرُمَّتِهِ ***وذا يُشَحُ فَلَا يَبْكي لَهُ أَحَدٌ (2)

وقال أبو سفيان:

وَأَصْحَتْ قُرَيضٌ بَعدَ عِزُّ وَمِنْعَةٍ ***خضوعاً لِتَيْم لَا بِضَرْبِ

القَواضِبِ فَيا لَهْفَ نَفْسِي لِلَّذِي ظَفِرَتْ بِهِ ***وما زالَ مِنها فائزاً بالرغائب(3)

ولم يكن موقف أبي سفيان متسماً بالإخلاص والولاء للإمام ، فهو العدو الأول للإسلام وللمسلمين، ولم تكن تخفى على الإمام دوافعه ، فلم يستجب له ونهره


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 30. أعيان الشيعة : 10: 224.

2) الكامل في التاريخ : 2 : 326. تاريخ الأمم والملوك : 2 : 449 .

3) الأغاني الأغاني : 6: 356 .

وأغلظ له في القول قائلاً : وَاللهِ ! ما أَرَدْتَ بهذا إِلَّا الْفِتْنَةَ ، وَإِنَّكَ وَاللهِ طالَما بَغَيْتَ لِلْإِسْلَامِ شَرّاً ، لَا حَاجَةَ لَنَا فِي نَصِيحَتِكَ (1).

وراح أبو سفيان يشتد لإثارة الفتنة بين المسلمين ، ويدعو الإمام إلى إعلان الثورة على حكومة أبي بكر ، وكان ينشد هذه الأبيات :

بَني هاشم لا تُطمِعُوا النَّاسَ فيكُمُ ***وَلَا سِيَّما تَيمَ بنَ مُرَّةَ أَوْ عَدِي

فَما الأَمْرُ إلا فيكُمُ وَإِلَيكُمُ ***وَلَيسَ لَها إِلَّا أَبو حَسَنٍ عَلِي

أَبا حَسَنٍ فَاشْدُدْ بِها كَفَّ حَازِمٍ ***فَإِنَّكَ بِالأَمْرِ الَّذِي يُرْتَجى عَلِي (2)

ومن المؤكد أنّه لم تكن معارضة أبي سفيان ناشئة عن إيمان بحق الإمام وإخلاص له ، فإنّه بعيد عن ذلك كل البعد ، وإنما كانت عواطف كاذبة أراد بها الكيد للإسلام والبغي عليه ، وتمزيق صفوف المسلمين ، ولذا أعرض الإمام عنه ولم يعر لكلامه أي اهتمام .

لقد كانت علاقة أبي سفيان بأبي بكر وثيقة للغاية ، فقد روى البخاري أن أبا سفيان اجتاز على جماعة من المسلمين فيهم أبوبكر وسلمان وصهيب وبلال فقال بعضهم : أما أخذت سيوف الله من عنق عدوّ الله مأخذها ؟

فزجرهم أبو بكر قائلاً: أنقولون هذا الشيخ قريش وسيدهم ؟

ومضى أبوبكر مسرعاً إلى النبي لعل الله فأخبره بمقالة القوم في أبي سفيان ، فردّ عليه النبي قائلاً : يا أبا بَكْرٍ ، لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ الله(3).


1) الكامل في التاريخ : 2 : 220 . بيت الأحزان : 69.

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 6: 7. الإرشاد : 1 : 190. بحار الأنوار: 22 : 520 . تاريخ اليعقوبي : 2 : 126 .

3) صحيح البخاري : 2 : 362 . صحيح مسلم : 7: 173. اختیار معرفة الرجال : 1 : 27 .

ودلّت هذه البادرة على الصلة الوثيقة بينهما ، كما كانت الصلة وثيقة للغاية بين أبي سفيان وعمر ، فقد أفرد عمر غرفة في داره فرشها بأحسن فرش ، ولم يسمح لأحد بالدخول إليها إلا لأبي سفيان ، وقد سئل عن ذلك فقال : هذا شيخ قريش (1).

وعلى أي حال فقد جهد أبوبكر في استمالة أبي سفيان وكسب عواطفه ، فقد استعمله عاملاً على ما بين آخر الحجاز وآخر حدّ من نجران(2)، كما عيّن ولده يزيد والياً على الشام ، ولم يعيّن أحداً من أعلام المسلمين والياً في هذا المكان الحسّاس ، ويقول المحللون للأخبار إن نجم بني أمية قد علا في أيام حكومة أبي بكر.

موقف الإمام من بيعة أبي بكر

وأجمع المؤرّخون والرواة على أن موقف الإمام تجاه بيعة أبي بكر كان متسماً بالكراهية وعدم الرضا ، فهو أحق بالخلافة وأولى بها من غيره ؛ لأنه ألصق الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالاضافة إلى ما يتمتع به من القابليات الفذة والمواهب العظيمة التي لم تتوفّر بعضها في غيره ، وما كان يظنّ أنّ القوم يزعجون هذا الأمر ويخرجونه عنه ، فقد بادره عمه العباس قائلاً : يابن أخي ، امدد يدك أبايعك فيقول الناس عمّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بابيع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان .

فردّ عليه الإمام : مَنْ يَطْلُبُ هذَا الْأَمْرَ غَيْرُنا (3).

وعلّق الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي على ذلك بقوله : «نظر العباس في الأمر فرأى ابن أخيه أحق منه بوراثة السلطان ؛ لأنه ربيب النبي ، وصاحب السابقة في الإسلام ، وصاحب البلاء الحسن الممتاز في المشاهد كلها ؛ ولأن النبي كان


1) سير أعلام النبلاء 3 341

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 10 و 11 .

3) الإمامة والسياسة : 1 : 4. بحار الأنوار: 28 : 298

يدعوه أخاه حتى قالت له أم أيمن ذات يوم مداعبة : تدعوه أخاك وتزوجه ابنتك ؟ ولأن النبي قال له : أَنتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ، وقال للمسلمين يوماً آخر : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ، من أجل ذلك أقبل العباس بعد وفاة النبي على ابن أخيه وقال له : ابسط يدك أبايعك »(1)

وعلى أي حال فإنّ الإمام امتنع عن بيعة أبي بكر ، وأعلن سخطه البالغ على ذلك في كثير من خطبه وكلماته .

امتناع الإمام علیه السلام من البيعة

وأجمع رأي الجهاز الحاكم على ارغام الإمام وقسره على البيعة لأبي بكر ، فأرسلوا حفنة من الشرطة فأحاطت بداره ، وأمامهم عمر بن الخطاب وهو يرعد ويبرق ويتهدّد ويتوعد ، وبيده قبس من نار يريد أن يحرق بيت الوحي ، فخرجت إليه حبيبة الرسول ويضعته الصدّيقة الطاهرة الزهراء فصاحت به : ما الَّذِي جِئْتَ بِهِ يابْنَ الْخَطَابِ ؟

فأجابها بعنف : الذي جئت به أقوى مما جاء به أبوك (2)

وقد أجمع المؤرّخون والرواة على تهديد عمر للإمام بإحراق داره ، يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم :

وَقَولَةٌ لِعَلِي قالها عُمَرٌ أَكْرِمْ بِسَامِعِها أَعْظِمْ بِمُلْقِيها حَرَّقْتُ دارَكَ لَا أُبْقي عَلَيْكَ بِها إِنْ لَمْ تُبَايِعُ وَبِنْتُ الْمُصْطَفَى فِيها ما كانَ غَيرُ أَبي حَفْصٍ بِقائِلِها أَمامَ فارِسِ عَدْنانٍ وَحاميها

وقد نصت على ذلك هذه المصادر : الإمامة والسياسة : 1 : 12. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 34. تاريخ الأمم والملوك : 3 : 202 . تاريخ أبي الفداء : 1: 156 . م ہے تاريخ اليعقوبي : . : 2: 105 . الأموال / أبو عبيد : 131 . مروج الذهب : 1 : 414. الإمام عليّ بن أبي طالب / عبدالفتاح عبدالمقصود : 1 : 213 . أعلام النساء : 3: 205.

.

1) عليّ وبنوه : 19 . الطبقات الكبرى : 2 : 246 .

2) أنساب الأشراف / البلاذري : 2 : 10.

وأخرج الإمام بعنف ، وجيء به إلى أبي بكر ، فصاح به حزبه بايع أبا بكر .

فأجابهم الإمام بحجّته الدامغة - وهو غير وجل من جبروتهم - قائلاً :

«أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ ، لَا أبايِعُكُمْ وَأَنتُمْ أَوْلَى بِالْبَيْعَةِ لِي ، أَخَذْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ مِنَ الْأَنْصارِ ، وَاحْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ مِنَ النَّبِيِّ الله ، وَتَأْخُذُونَهُ مِنَا أَهْلَ الْبَيْت غَصْباً ، أَلَسْتُمْ زَعَمْتُم لِلْأَنْصَارِ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَمّا كانَ مُحَمَّدُ لله مِنْكُمْ فَأَعْطَوْكُمُ الْمَقَادَةَ وَسَلَّمُوا إِلَيْكُمُ الْإِمَارَةَ ؟ وَأَنا أَحْتَجُ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ مَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الْأَنْصَارِ ، نَحْنُ أَوْلَى بِرَسُولِ اللَّهِ حَيّاً وَمَيَّاً فَأَنْصِفُونَا إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ وَإِلَّا قَبُوءوا بِالظُّلْم وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ »(1).

وحكى هذا الخطاب الحجّة التي تغلب بها المهاجرون من قريش على الأنصار ، وهي قربهم من النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، فإنها متوفرة فيه على أكمل الصور والوجوه ، فهو ابن عمّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وأبو سبطيه ، وختنه على ابنته ، ولم يجد هذا المنطق الفياض مع القوم ، فاندفع عمر بعنف قائلاً : بايع .

فقال علیه السلام : وَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؟

قال : والله ! الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك .

ونظر الإمام فإذا ليس له معين ولم يكن يأوي إلى ركن شديد ، فقال بصوت حز النبرات : إذَنْ تَقْتُلُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَأَخَا رَسُولِهِ .

واندفع ابن الخطاب بثورة قائلاً : أما عبداً الله فنعم ، وأما أخو رسوله فلا .

ونسي عمر أن الإمام أخو النبي وباب مدينة علمه ، والتفت إلى أبي بكر يحثّه


1) الإمامة والسياسة : 1 : 28 شرح نهج البلاغة : 6: 11 . الاحتجاج : 1 : 95 .

على الوقيعة به قائلاً : ألا تأمر فيه بأمرك ؟

وخاف أبوبكر من الفتنة فقال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جانبه .

وانبرى أبو عبيدة بن الجراح ، وهو من أبرز أنصار أبي بكر فخاطب الإمام قائلاً: يابن عم ، إنك حدث السنّ وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالاً واضطلاعاً به ، فسلّم الأمر لأبي بكر ، فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء ، فأنت لهذا الأمر خليق ، وبه حقيق في فضلك ودينك وعلمك وسابقتك ونسبك وصهرك .

وأثارت هذه المخادعة كوامن الألم والأسى في نفس الإمام فاندفع يخاطب المهاجرين ويعظهم قائلاً:

«الله الله يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ لَا تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ فِي الْعَرَبِ عَنْ دَارِهِ ، وَقَعْرِ بَيْتِهِ إِلَى دُورِكُمْ وَقُعُورِ بِيُوتِكُمْ ، وَلَا تَدْفَعُوا أَهْلَهُ عَنْ مَقامِهِ فِي النَّاسِ وَحَقَّهُ.. فَوَاللهِ يا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ لَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ لأَنا أَهْلَ الْبَيْتِ، وَنَحْنُ أَحَقُّ بِهذا الْأَمْرِ - مِنْكُمْ ، ما كانَ فِينا إِلَّا الْقارِئُ لِكِتابِ اللهِ ، الْفَقِيهُ فِي دِينِ اللهِ ، الْعَالِمُ بِسُنَنِ رَسُولِ اللهِ ، الْمُضْطَلِعُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ ، الدَافِعُ عَنْهُمُ الْأمُورَ السَّيِّئَةَ ، الْقَاسِمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةَ ، وَاللَّهِ ! إِنَّهُ لَفِينَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوى فَتَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَتَزْدادُوا مِنَ الْحَقِّ بُعْداً»(1).

وحفل كلام الإمام الله بما يتمتع به أهل البيت من الصفات القيادية من الفقه بدين الله والعلم بسنن رسول صلی الله علیه و آله و سلم ، والاضطلاع بأمور الرعية ، وغير ذلك من الصفات التي يعتبرها الإسلام فيمن يتولى شؤون الحكم ، وهي لم تتوفر إلا في أهل البيت علیه السلام .

احتجاجات صارمة

اشارة

وتخلّفت الأسرة النبوية ومن يتصل بها من أعلام الإسلام عن بيعة أبي بكر


1) بحار الأنوار: 28 : 348 ، نقلاً عن الإمامة والسياسة : 1 : 29 . الغدير : 7: 080

واحتجت عليه بحجج دامغة بأن آل النبي صلی الله علیه و آله و سلم أولى بمقامه ، وأحق بمركزه منه ، ونعرض لها فيما يلي :

1 - احتجاج الإمام أمير المؤمنين علیه السلام

واحتج الإمام أمير المؤمنين علیه السلام بكوكبة من الاحتجاجات الصارمة على أبي بكر ، وقد ذكرنا احتجاجاته عليه وعلى غيره في جزء خاص من هذه الموسوعة .

2 - الزهراء عليها السلام

اشارة

احتجت سيدة نساء العالمين على أبي بكر وغيره بحجج بالغة على أحقية الإمام للخلافة ، وندّدت بما اقترفه القوم من إقصاء الإمام عنها ، وأن الأمة من جراء ذلك ستواجه أعنف المشاكل وأقسى ألوان الخطوب ، قالت سلام الله عليها :

وَيْحَهُمْ أَنَّىٰ زَحْزَحُوها - أي الخلافة - عَنْ رَواسِي الرِّسَالَةِ ، وَقَواعِدِ النُّبُوَّةِ ، وَمَهْبِطِ الرُّوحِ الأَمِينِ : وَالطَّبِنِ (1)بِأمُورِ الدُّنْيا وَالدِّينِ ، أَلَا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ، وَمَا الَّذِي نَقَمُوا مِنْ أَبِي الْحَسَنِ ؟ نَقَمُوا وَاللَّهِ ! مِنْهُ نَكِيرَ سَيْفِهِ ، وَقِلَّةَ مُبَالَاتِهِ لِحَنْفِهِ ، وَشِدَّةَ وَطَاتِهِ ، وَنَكَالَ وَقْعَتِهِ ، وَتَنَمُّرَه فِي ذَاتِ اللهِ .

وَتَاللَّهِ لَوْ مَالُوا عَنِ الْمَحَجَّةِ اللَّائِحَةِ ، وَزَالُوا عَنْ قَبُولِ الْحُجَّةِ الْوَاضِحَةِ ، لَرَدَّهُمْ إِلَيْهَا ، وَحَمَلَهُمْ عَلَيْهَا ، َولَسَارَ بِهِمْ سَيْراً سُجُحاً (2)، لَا يُعْلَمُ خُشَاشُهُ (3)، وَلَا يَكِلُّ سَائِرُهُ ، وَلَا يَمَلُّ رَاكِبُهُ ، وَلأَوْرَدَهُمْ مَنْهَلاً نَمِيراً صَافِياً رَوِيَاً ، نَطْفَحُ ضِفَتَاهُ (4)، وَلَا يَتَرَنَّقُ


1) الطبن : الخبير .

2) أي سهلاً.

3) الخشاش : عود يجعل في أنف البعير يشدّ به الزمام .

4) تطفح ضفتاه : أي يمتلئ ويفيض منه الماء.

جَانِبَاهُ ، وَلَأَصْدَرَهُمْ بِطَاناً (1)، وَنَصَحَ لَهُمْ سِرّاً وَإِعْلَاناً .

أَلَا هَلُمَّ فَاسْمَعْ ، وما عِشْتَ أراكَ الدَّهرُ عَجَباً !

أَمَا لَعَمْرِي ، لَقَدْ لَفَحَتْ ، فَنَظِرَةٌ رَيْنَمَا تُنْتِجُ ، ثُمَّ احْتَلِبُوا مِلْءَ الْقَعْبِ دماً عَبِيطاً ، وذُعَافاً (2)مُبِيداً ، هُنَالِكَ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ، ويَعْرِفُ التَّالُونَ غِبْ مَا أَسَّسَ الْأَوَّلُونَ . ثُمَّ طِيبُوا عَنْ دُنْيَاكُمْ أَنْفُساً ، وَاطْمَئِنُوا لِلْفِتْنَةِ جَأْشَاً ، وأَبْشِرُوا بِسَيْفٍ صَارِمٍ ، وَسَطْوَةِ مُعْتَدٍ غَاشِمٍ ، وَبَهْرَجِ شَامِلٍ ، وَاسْتِبْدادِ مِنَ الظَّالِمِينَ ، يَدَعُ فَيْنَكُمْ زَهِيداً ، وَجَمْعَكُمْ حَصِيداً فَيَا حَسْرَةً لَكُمْ ، وَأَنَى بِكُمْ ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ) (3). اسْتَبْدَلُوا وَاللَّهِ ! الذُّنَابِي بِالْقَوَادِمِ ، وَالْعَجْزَ بِالْكَاهِلِ (4)، فَرَغْمَا لِمَعَاطِسِ قَوْمٍ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ) (5)، وَيْحَهُمْ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمْ مَن لا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (6)؟(7).

محتويات الاحتجاج

وشجبت بضعة الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في خطابها على نساء الأنصار والمهاجرين بيعة


1) أصدرهم بطاناً : أي أشبعهم وأفاض عليهم بالخير .

2) الذعاف : الطعام الذي يجعل فيه السم .

3) هود 11: 28

4) الكاهل : سند القوم ومعتمدهم

5) البقرة :2 : 12

6) یونس 10 35

7) بلاغات النساء : 20. أعلام النساء : 3: 219 و 220. شرح نهج البلاغة : 16: 233 و 234 . الاحتجاج : 1 : 147 - 149 .

أبي بكر ، وأنهم قد جافوا بها عترة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ، وقد حفل خطابها الذائع البليغ بما يلي:

أوّلاً: إنّها أدلت بالأسباب التي من أجلها أعرض القوم عن بيعة الامام ، وهي :

1 - نكير سيف الإمام الذي حصد به رؤوس المشركين من قريش ، ذلك السيف الذي كان معجزة للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وقد أولد في نفوس القوم حقداً على الإمام وكراهية له .

2- شدّة وطأة الإمام ، فإنّه لم يصانع طيلة حياته ، ولم يهب أحداً ، ولم تأخذه في الله تعالى لومة لائم ، الأمر الذي ملأ قلوب أعداء الله عليه غيظاً وحنقاً .

3 - تنمره في ذات الله ، فقد وهب حياته الله تعالى ، وتنكر للقريب والبعيد إرضاءً الله وتفانياً في طاعته .. هذه هي الأسباب التي أدت إلى إعراض القوم عن بيعة الإمام علیه السلام.

ثانياً : إنّ الأمة لو تابعت الإمام وأخذت بهديه لظفرت بما يلي:

1 - أن يسير فيهم بسيرة العدل الخالص ، والحق المحض ، ويحكم فيهم بما أنزل

2 - إنه يوردهم منهلاً عذباً ويقودهم إلى شاطئ الأمن والسلام.

3 - إنّه ينصح لهم في السر والعلانية ، ويهديهم إلى سواء السبيل .

4 - إنّ الإمام لو تقلّد زمام الحكم لما تحلّى من دنياهم بطائل ، وما استأثر من أموالهم بشيء من متع الحياة ، وحينما صارت إليه الخلافة اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعامه بقرصيه ، وما وضع لبنة على لبنة ، وعاش عيشة الفقراء البائسين، وهو القائل : أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ : هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ وَجُشُوبَةِ الْعَيْش !

5 - إنّ الإمام لو تقلد الحكم بعد النبي صلی الله علیه و آله و سلم لانتشرت خيرات الله وبركاته وعمت جميع أنحاء الأرض ، ولأكل الناس من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم ، ولكن

المسلمين حرموا أنفسهم وحرموا الأجيال الآتية من بعدهم ، فقد استبدلوا الذنابي بالقوادم ، والعجز بالكاهل ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

ثالثاً : إنّ بضعة الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم استشف من وراء الغيب ما تعانيه الأمة من الأزمات والخطوب من جرّاء ما اقترفه القوم من إقصاء الإمام الله عن الحكم وهي:

1 - انتشار الفتن بين المسلمين وتقلّل وحدتهم .

2 - تنكيل السلطات الحاكمة بهم .

3 - استبداد الظالمين بشؤونهم .

وقد تحقق كل ذلك على مسرح الحياة الإسلامية حينما ولي معاوية على المسلمين فأمعن في ظلمهم وإرهاقهم ، وسلّط عليهم جلاوزته الجلادين أمثال سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه ، وبسر بن أبي أرطاة وأمثالهم من الجناة الذين لا يرجون الله ،وقاراً ، فنشروا الخوف وأخذوا الناس بالظنّة والتهمة ، خصوصاً في عهد زياد ؛ فقد سمل الأعين ، واستخرج قلوب المسلمين ، وصلب على جذوع النخل ، أبعده الله عن رحمته .

وولّى معاوية من بعده ابنه يزيد صاحب الاحداث والموبقات ، فاقترف من الجرائم ما لا توصف لمرارتها وقسوتها ، وأخلد للمسلمين الفتن والمصائب وذلك بإبادته لعترة رسول الله له في صعيد كربلاء ، مضافاً إلى ما اقترفه في المدينة المنوّرة من الآثام ، فقد أباحها لجنده وحمل أهلها على البيعة له على أنهم عبيد له ، كما هدم الكعبة وأحرقها بالنار.

استنجاد الزهراء علیهم السلام ببنى قيلة

واستنجدت بضعة الرسول وريحانته ببني قيلة ، وهم القوة الضاربة من الأنصار في الجيش الإسلامي فقالت لهم :

«ايها بَنِي قَيْلَةَ ، أَأَعْضَمُ تُراثَ أَبِي وَأَنتُمْ بِمَرْأَى مِنِّي وَمَسْمَع وَمُنْتَدى وَمَجْمَعِ ، تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ ، وَتَشْمَلُكُمُ الْخُبْرَةُ ، وَأَنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالأدَاةِ وَالْقُوَّةِ ، وَعِنْدَكُمُ السَّلَاحُ وَالْجُنَّةُ ، تُوَافِيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلَا تُجِيبُونَ ، وَتَأْتِيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلَا تُغِيثُونَ ، وَأَنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفَاحِ ، مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ ، وَالنُّخْبَةُ الَّتِي انْتَخِبَتْ ، وَالْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتِيرَتْ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ .

قَاتَلْتُمُ الْعَرَبَ ، وَتَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَالتَّعَبَ ، وَنَا طَحْتُمُ الْأُمَمَ ، وَكَافَحْتُمُ الْبُهَمَ ، لَا تَبْرَحُ أَوْ تَبْرَحُونَ ، تَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ ، حَتَّى إِذَا دَارَتْ بِنَا رَحَى الْإِسْلَامِ ، وَدَرَّ حَلَبُ الْأَيَّامِ ، وَخَضَعَتْ نُعَرَةُ الشِّرْكِ ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الْإِفْكِ ، وَخَمَدَتْ نِيرَانُ الْكُفْر ، وَهَدَأَتْ دَعْوَةً الْهَرَجَ ، وَاسْتَوْسَقَ نِظَامُ الدِّينِ ، فَأَنَّى حِرْتُمْ بَعْدَ الْبَيَانِ ، وَأَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الْإِعْلَانِ ، وَنَكَرْتُمْ بَعْدَ الْأَقْدَامِ ، وَأَشْرَكْتُمْ بِعْدَ الْإِيْمَانِ ؟(1).

وأثارت حفائظ النفوس، وألهبت نار الثورة في النفوس ، إلا أنّ أبابكر استقبلها باحترام بالغ ، فأخمد الثورة وشلّ حركتها .

3 - الإمام الحسن علیه السلام

كان الإمام الحسن علیه السلام لا يتجاوز عمره سبع سنين حينما ولّي أبوبكر ، فقد انطلق إلى مسجد جده فرأى أبابكر على المنبر ، فوجه إليه لاذع القول قائلاً : انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي وَاذْهَبْ إِلَى مِنْبَرِ أَبِيكَ.

فبهت أبو بكر وأخذته الحيرة والدهشة ، واسترد خاطره فقال له بناعم القول:صدقت ، والله ! إنّه لمنبر أبيك لا منبر أبي(2)

وفي الإصابة : 2 : 15: «إنّ هذا الاحتجاج كان من الإمام الحسين لعل الله ) .

وجاء في الصواعق المحرقة : 105 ، وفي إسعاف الراغبين ( المطبوع على هامش نور الأبصار ) : 125 : « أنّ الحسن الا قال ذلك لأبي بكر ، ووقع للحسين الله مثل ذلك مع عمر بن الخطاب ،

.

1) بلاغات النساء : 18 . الاحتجاج : 1 : 140 . بحار الأنوار : 29 : 228 و 229. أعلام النساء :

2) الرياض النضرة : 1: 139. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 2 : 17. مقتل الحسين / الخوارزمي : 1 : 93. مناقب آل أبي طالب : 2: 172.

إن احتجاج الإمام الحسن علیه السلام وهو في غضون الصبا انبعث عن طموح وعبقرية وذكاء ، كان يرى المنبر يرقاه جده الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو لا يجد أحداً خليقاً بأن يرقاه سوى أبيه سيّد الأوصياء .

4 - سلمان الفارسي رضی الله عنه

وهو من أكثر الصحابة وعياً للإسلام وإحاطة بأحكامه ومبادئه ، وق-د ع-ن-ى الرسول فألحقه بأسرته ، فقال : سَلْمانُ مِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ» ، «لَا تَقُولُوا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَلكِنْ قُولُوا سَلْمَانُ الْمُحَمَّدِي ، وحرّم عليه الصدقة كما حرمها على أهل بيته ، فقال : الصَّدَقَةُ حَرامٌ عَلى سَلْمَانَ .

ولما رأى هذا الصحابي العظيم الخلافة قد انتزعت من العترة الطاهرة اندفع إلى الانكار على أبي بكر فقال له : يا أبا بكر ، إلى من تسند أمرك إذا نزل بك ما لا تعرفه ، وإلى من تفزع إذا سئلت عمّا لا تعلمه، وما عذرك في تقدمك على من هو أعلم منك ، وأقرب إلى رسول الله ، وأعلم بتأويل كتاب الله عز وجل وسنة نبيه ، ومن قدمه النبي في حياته وأوصاكم به عند وفاته ، فنبذتم قوله ، وتناسيتم وصيّته ، وأخلفتم الوعد ، ونقضتم العهد، وحللتم العقد الذي كان عقده عليكم من النفوذ تحت راية أسامة(1).

وفي هذا الاحتجاج دعوة إلى الحق ، ودعوة إلى جمع الكلمة ، ووحدة الصف،


1) الاحتجاج : 1 : 42 . بحار الأنوار: 28 : 194 و 195 .

وتسليم الأمر إلى أعلم من في الأمة وهو الإمام أمير المؤمنين علیه السلام .

5 - عمار بن ياسر رضی الله عنه

وعمار بن ياسر من المساهمين في بناء صرح الإسلام ، ومن المعذَّبين في سبيل الله ، وكان أثيراً عند النبي صلی الله علیه و آله و سلم عند النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ومن خلص أصحابه ، ولما آلت الخلافة إلى أبي بكر اندفع إلى الانكار عليه وعلى القرشيين قائلاً: يا معاشر قريش ، و یا معاشر المسلمين ، إن كنتم علمتم وإلا فاعلموا أنّ أهل بيت نبيّكم أولى به ، وأحق بإرثه ، وأقوم بأمور الدين ، وآمن على المؤمنين ، وأحفظ لملّته ، وأنصح لأمته ، فمروا صاحبكم فليرة الحقِّ إلى أهله قبل أن يضطرب حبلكم ، ويضعف أمركم ، ويظهر شقاقكم ، وتعظم الفتنة بكم، وتختلفون فيما بينكم، ويطمع فيكم عدوّكم ، فقد علمتم أنّ بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم ، وعليّ أقرب منكم إلى نبيكم ، وهو من بينهم وليكم بعهد الله ورسوله ، وفرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال عندما سد النبي الله أبوابكم التي كانت إلى المسجد كلها غير بابه ، وإيثاره إياه بكريمته فاطمة ، دون سائر من خطبها إليه منكم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « أَنَا مَدِينَةُ الْحِكْمَةِ وَعَلِيٌّ بابها فَمَنْ أَرادَ الْحِكْمَةَ فَلْيَأْتِ الْبابَ».

وأنكم جميعاً مضطرون فيما أشكل عليكم من أمور دينكم إليه ، وهو مستغن عن كل أحد منكم ، إلى ما له من السوابق التي ليست لأفضلكم عند نفسه ، فما بالكم تحيدون عنه ، وتبتزون عليّاً على حقه ، وتؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، بئس للظالمين بدلاً ، أعطوه ما جعله الله له ، ولا تولّوا عنه مدبرين، ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (1).

وحفل احتجاج عمّار بالدعوة إلى صالح الأمة وإبعادها من مظان الفتن والأهواء ،


1) الاحتجاج : 1: 43. بحار الأنوار: 28 : 198 و 199 ، الحديث 6 .

كما دعاها إلى تسليم القيادة العامة للإمام أمير المؤمنين علیه السلام الله الذي هو باب مدينة علم النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، والعالم بما تحتاج إليه الأمة في جميع مجالاتها.

6 - أبو ذرا رضی الله عنه

أما أبو ذر فهو صوت العدل والحق في الإسلام الذي استوعب فكره تعاليم الدين وأحكامه الهادفة إلى بسط العدالة الاجتماعية في الأرض ، وهو في طليعة الثائرين والناقمين على الحكم الأموي الذي اتخذ مال الله دولاً وعباده خولاً ، وقد نقم هذا الصحابي الجليل على القوم لإقصائهم الإمام عن الخلافة ، فقال مخاطباً القرشيين والأنصار : أما بعد يا معشر المهاجرين والأنصار ، لقد علمتم وعلم خياركم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الْأَمْرُ لِعَلِيٌّ بَعْدِي ثُمَّ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ، ثُمَّ فِي أَهْلِ بَيْتِي مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْن» ، فطرحتم قول نبيكم وتناسيتم ما أوعز إليكم ، واتبعتم الدنيا ، وتركتم نعيم الآخرة الباقية التي لا يهدم بنيانها ، ولا يزول نعيمها ، ولا يحزن أهلها ، ولا يموت سكانها ، وكذلك الأمم التي كفرت بعد أنبيائها بدلت وغيرت ، حذو القذة بالقذة ، والنعل بالنعل ، فعما قليل تذوقون وبال أمركم ، وما الله بظلام للعبيد .. (1).

وحكى خطاب الثائر العظيم ما ستعانيه الأمة في مستقبلها من الويلات من جراء فصل الخلافة عن بيت النبوة ومركز الدعوة الإسلامية ، وتحقق ذلك على مسرح الحياة الإسلامية ، فقد سفكت الدماء ، وتهالك الأشرار من بني أمية على الحكم ، فعاثوا فساداً في الأرض حينما استولوا عليه ، فأنفقوا أموال المسلمين على رغباتهم وشهواتهم ، ونكلوا أشد التنكيل وأقساه بعترة النبي صلی الله علیه و آله و سلم .

7 - المقداد رضی الله عنه

أما المقداد فهو من أعلام الإسلام ، ومن خلّص أصحاب الإمام علیه السلام، ومن عيون


1) الخصال : 432 . الاحتجاج : 1 : 100 و 101 . بحار الأنوار: 28 : 196 .

أصحابه ، وقد نقم على أبوبكر وخاطبه بعنف قائلاً: يا أبا بكر ، ارجع عن وتب إلى ربّك ، وسلّم الأمر إلى صاحبه الذي هو أولى به منك ، فقد علمت ما عقده رسول الله الله في عنقك من بيعته (1)، وألزمك بالنفوذ تحت راية أسامة بن زيد ، في وهو مولاه ، ونبه على بطلان وجوب هذا الأمر لك ولمن عضدك عليه ، بضمه لكما إلى علم النفاق ومعدن الشنآن والشقاق عمرو بن العاص الذي أنزل الله فيه على نبيه (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ )(2).

وأضاف بعد ذلك قائلاً : اتق الله ، وبادر بالاستقالة قبل فوتها ، فإن ذلك أسلم لك في حياتك وبعد وفاتك ، ولا تركن إلى دنياك ، ولا تغرنك قريش وغيرها ، فعن قليل تضمحل عنك دنياك ، ثمّ تصير إلى ربّك فيجزيك بعملك ، وقد علمت وتيقنت أنّ عليّ بن أبي طالب هو صاحب الأمر بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إليه ما جعله الله له ، رسول فإنّه أتم لسترك ، وأخف لوزرك ، فقد والله نصحت لك إن قبلت نصيحتي وإلى الله ترجع الأمور(3).

ولو أن القوم استجابوا لنصحه ، وسلّموا الأمر للإمام لما ابتلي المسلمون بالأزمات والكوارث.

8 - عتبة بن أبي لهب

ومن الناقمين على إقصاء الإمام عن الخلافة عتبة بن أبي لهب ، وقد عبّر عن شعوره بهذه الأبيات:


1) يشير بذلك إلى حديث الغدير الذي بايع فيه المسلمون الإمام بالإمرة والخلافة ، والحديث مجمع عليه

2) الكوثر 108: 3 .

3) الاحتجاج : 1 : 101 . بحار الأنوار: 28 : 196 و 197 .

ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الأَمرَ مُنصَرِفٌ ***عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهُمْ عَنْ أَبِي حَسَنِ

عَنْ أَوَّلِ النَّاسِ إيماناً وَسابِقَةً ***وَاعْلَم النَّاسِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ

وَآخِرِ النَّاسِ عَهْداً بِالنَّبِيِّ وَمَنْ ***جِبريلُ عَونٌ لَهُ فِي الْغُسْلِ وَالْكَفَنِ

مَنْ فيه ما فيهِمُ لَا يَمْتَرُونَ بِهِ ***وَلَيسَ في القَوْمِ ما فيهِ مِنَ الْحَسَنِ(1)

وحكت هذه الأبيات عن أساه ولوعته عن عدم تقلد الإمام للخلافة الذي هو أول الناس إيماناً برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وأعلمهم بالكتاب والسنة ، وآخرهم عهداً بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأنّ الصفات الكريمة المتوفّرة فيه لا توجد عند غيره ، فكيف أقصي هذا العملاق العظيم عن الخلافة.

9 - أبو أيوب الأنصاري

أما أبو أيوب الأنصاري فهو من ألمع أصحاب الإمام علیه السلام ، وقد شهد معه مشاهده كلها ، وقد آمن بحقه ، وأنّه أولى بالخلافة من غيره(2).

وقد أنبرى للإنكار على أبي بكر فقال له :

اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم ، وردّوا إليهم حقهم الذي جعله الله لهم فقد سمعتم مثل ما سمع اخواننا في مقام بعد مقام لنبينا الله ، ومجلس بعد مجلس يقول : ( أَهْلُ بَيْنِي أَئِمَّتُكُمْ بَعْدِي » ويومئ إلى عليّ ، ويقول : وَهذا أَمِيرُ الْبَرَرَةِ ، وَقاتِلُ الْكَفَرَةِ ، مَحْذُولٌ مَنْ خَذَلَهُ ، مَنْصُورٌ مَنْ نَصَرَهُ ، فَتُوبُوا إِلَى اللهِ مِنْ ظُلْمِكُم إِيَّاهُ ، إِنَّ اللهَ تَوَابٌ رَحِيمٌ ، وَلَا تَتَوَلُّوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ(3).

وفي هذا الخطاب دعوة إلى الحق ، ووئام المسلمين ، وجمع كلمتهم ، ووحدة


1) تاريخ أبي الفداء : 1 : 159 . تاريخ اليعقوبي : 2 : 124. الجمل : 58 .

2) الكنى والألقاب : 1 : 13 . اختيار معرفة الرجال : 1 : 168 .

3) الكنى والألقاب : 1 : 13 . الاحتجاج : 1 : 103. بحار الأنوار: 28 : 201 ، الحديث 12 .

صفهم إلا أن القوم أعاروا خطابه أذناً صماء.

10 - أبي بن كعب

وأبي بن كعب الأنصاري سيّد القرّاء ، ومن أصحاب العقبة الثانية ، شهد مع النبي صلی الله علیه و آله و سلم المشاهد كلها ، وكان عمر يسمّيه سيّد المسلمين(1)، وقد أنكر على أبي بكر تقمّصه للخلافة ، وقال له : يا أبا بكر ، لا تجحد حقاً جعله الله لغيرك ، ولا تكن أوّل من عصى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في وصيه وصفيه ، وصدف عنه أمره ، اردد الحق إلى تسلم ، ولا تتماد في غيّك فتندم ، وبادر الإنابة يخف وزرك ، ولا تختص بهذا الأمر الذي لم يجعله الله لك ، فتلقى وبال عملك ، فعن قليل تفارق ما أنت فيه ، وتصير إلى ربّك فيسألك عمّا جنيت ، وما ربّك بظلام للعبيد (2).

وفي هذا الخطاب الإشادة بمركز الإمام علیه السلام ، وأنه أحق بالخلافة من غيره.

11 - النعمان بن عجلان

والنعمان بن عجلان لسان الأنصار وشاعرهم ، وهو من الناقمين على أبي بكر ، وقد خاطب القوم بهذه الأبيات :

وَقُلتُمْ حَرامٌ نَصْبُ سَعدٍ وَنَصْبُكُمُ ***عتيق بْنَ عُثمانٍ حَلالٌ أَبا بَكْرِ ؟

وَأَهْل أَبو بَكْرٍ لَها خَيرُ قائِمِ ***وَإِن عَلِيّاً كان أَخْلَقَ بِالأمْرِ

وَإِنَّ هَواناً في عَلى وَإِنَّهُ ***لأَهْلَهَا مِنْ حَيثُ يَدْري وَلَا يَدْري (3)


1) الإصابة : 1 : 31 . السنن الكبرى : 6 168 كنز العمّال : 13 : 261 ، الحديث 36765 . تاریخ دمشق : 7 339

2) هذه هي الشيعة : 96. تحف العقول : 428. الاحتجاج : 1 : 102. بحار الأنوار: 28 : 199 و 200.

3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16: 174 . بيت الأحزان : 70.

ومعنى هذا الشعر أنّ المهاجرين أنكروا على سعد تصديه للخلافة وحرموها عليه ؛ لأنه ليس من الأسر القرشية وأخذوها منه ؛ لأنهم يمتون إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم بصلة النسب ، فهلا أرجعوها إلى الإمام الذي هو ألصق الناس برسول الله وأقربهم إليه.

12 - عثمان بن حنيف

وكان عثمان بن حنيف من خيار الصحابة ، وقد انضم إلى الجماعة التي أنكرت على أبي بكر ، فقد قال له : سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أَهْلُ بَيْتِي نُجُومُ الْأَرْضِ فَلَا تَتَقَدَّمُوهُمْ ، فَهُمُ الْوَلَاةُ مِنْ بَعْدِي .

فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله ، وأي أهل بيتك ؟

فقال : عَلِيٌّ وَالطَّاهِرُونَ مِنْ وُلْدِهِ (1)

وحكى هذا الاحتجاج النص الوارد من النبي صلی الله علیه و آله و سلم في شأن أهل بيته ، وهو صريح واضح في تعيينهم خلفاء لأمته .

13 - سهل بن حنيف

أما سهل بن حنيف فهو من خيار الصحابة ، وقد أعلن تأييده للإمام ا ، فقد قال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي : يا معشر قريش ، اشهدوا علَيَّ ، إنّي أشهد على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وقد رأيته في هذا المكان - يعني جامعه - وقد أخذ بيد وقد علي بن أبي طالب الا وهو يقول : «أَيُّها النَّاسُ ، هذا عَلِيٌّ إِمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي ، وَوَصِيِّي فِي حَياتِي وَبَعْدَ وَفَاتِي ، وَقاضِي دَيْنِي ، وَمُنْجِزُ وَعْدِي ، وَأَوَّلُ مَنْ يُصافِحُنِي عَلَى حَوْضِي ، طُوبَى لِمَنْ تَبِعَهُ وَنَصَرَهُ ، وَالْوَيْلُ لِمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ وَخَذَلَهُ »(2).


1) بحار الأنوار: 28 201 . الاحتجاج : 1 : 103 .

2) بحار الأنوار: 28 : 201

لقد أدلى سهل بشهادته أمام القوم بأنّ الرسول صلی الله علیه و آله و سلم قد نص على إمامة الإمام أمير المؤمنين وعلى سمو منزلته ، وعظيم مكانته عند الله تعالى وعند رسوله .

14 - خزيمة بن ثابت

أما خزيمة بن ثابت فهو من ألمع الصحابة ومن أوثقهم وآثرهم عند النبي صلی الله علیه و آله و سلم وقد كانت شهادته عند النبي تعادل شهادة شاهدين ، وذلك لما عرف به من الصدق ، وقد أعلن تأييده الكامل للإمام علیه السلام قال : أيها الناس ، ألستم تعلمون أنّ رسول الله الله قبل شهادتي وحدي ، ولم يرد معي غيري ؟

فقالوا : بلی

قال : فأشهد أنّي سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول : «أَهْلُ بَيْتِى يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْباطِلِ ، وَهُمُ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ يُقْتَدى بِهِمْ»، وقد قلت ما علمت ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين(1).

وحكى خزيمة في احتجاجه ما سمعه من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في شأن عترته ، الأئمة الذين يقتدى بهم ، وهي شهادة صدق وحق .

15 - أبو الهيثم بن التيهان

وأبو الهيثم بن التيهان ممن عرف الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وقد أدلى بشهادته الا على أنّه أولى بالخلافة من غيره ، فقال : أنا أشهد على نبينا له أنه أقام علياً يوم غدير خم ، فقالت الأنصار : ما أقامه إلا للخلافة ، وقال بعضهم : ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم مولى له ، وكثر الخوض في ذلك ، فبعثنا رجالاً منا إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فسألوه عن ذلك ؟ فقال : « قُولُوا لَهُم: عَلِيٌّ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدِي ، وَأَنْصَحُ


1) الاحتجاج : 1 : 102 . الخصال : 464. بحار الأنوار: 28 : 213 ، الحدیث 8.

النّاسِ لِأُمَّتِي » ، وقد شهدت بما حضرني فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ، إن يوم الفصل كان ميقاتاً (1).

وحكت شهادة أبي الهيثم أن الرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أقام الإمام علیه السلام خليفة على أمنه ، وقلده منصب الإمامة من بعده ، وعلى هذا الأساس بنت الشيعة إطارها العقائدي في إمامة الإمام علیه السلام .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الاحتجاجات الصارمة التي أثرت عن أعلام الإسلام المتحرّجين في دينهم على أحقية الإمام بالخلافة والولاية العامة لأمور المسلمين . وعلى أي حال فإنّ أحداث السقيفة هي التي أدّت إلى انشقاق المسلمين وتفرّق كلمتهم ، فهي مصدر الفتنة الكبرى التي مُني بها المسلمون على امتداد التاريخ ، ولم تنشأ الفتنة في أيام عثمان وعلي ، كما يذهب إلى ذلك عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.

لقد نظرت الشيعة بعمق وشمول إلى ما أثر عن النبي له من الأخبار في فضل الإمام والإشادة بشخصيته ، ولم يرد بعضها في غيره من أعلام الصحابة ، الأمر الذي يدل بوضوح على أنه الله قد نص عليه بالخلافة ، ولو لم تكن النصوص في حقه موجودة لكان هو المتعيّن لهذا المنصب وذلك لمواهبه وعبقرياته وجهاده في سبيل الإسلام ، وقد ألمحنا في فصول هذا الكتاب إلى ذلك .

إجراءات مؤسفة

اشارة

واتخذت حكومة أبي بكر مع أهل البيت علیهم السلام إجراءات مؤسفة اتسمت بالقسوة والشدة ، كان منها ما يلي:


1) الاحتجاج : 1 : 103 . بحار الأنوار: 28 200 ، الحديث .9.

1 - كبس دار الإمام علیه السلام

ولما أعلن الإمام علیه السلام رفضه الكامل لبيعة أبي بكر ، واحتج عليه بأنّه أولى بالخلافة منه لأنه أخو النبي وأبو سبطيه وختنه على بضعته ، والمجاهد الأول في الإسلام ، وانضم إليه كبار الصحابة ، وكانوا يعقدون الاجتماع في داره ، فضاق أبوبكر من ذلك ذرعاً ، فاقتضت سياسته أن يكبس دار الإمام ويتخذ معه جميع وسائل العنف ، فأصدر أوامره إلى عمر بكبس داره وإخراجه قسراً إلى الجامع ليبايع ، وراح عمر يشتدّ ومعه شرطته وجنوده ، وحمل معه قبساً من النار ، وحمل جنوده الحطب وراحوا مسرعين يعلوهم الغضب ليحرقوا بيت الوحي والتنزيل ، البيت الذي أذهب الله عن أهله الرجس وطهرهم تطهيراً ، وهجم عمر على دار الإمام وهو مغيظ محنق رافعاً صوته : والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقتها على من فيها .

فعذلته طائفة ، وحذرته من عقوبة الله قائلة : إن فيها فاطمة.

وقد ذكرته بحفاوة رسول الله بها وقوله فيها : «إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لِرِضاكِ ، وَيَغْضَبُ لِغَضَبِكِ »(1)، فلم يحفل ابن الخطاب بذلك وصاح بهم غير مكترث ولا مبال : وإن ، وإن .

معناه وإن كانت فاطمة فيها لأحرقتها غير حافل ومعتن بها، وخرجت بضعة الرسول وريحانته قائلة: «لَا عَهْدَ لِي بِقَوْمٍ حَضَرُوا أَسْوَأَ مَحْضَرِ مِنْكُمْ ، تَرَكْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَنازَةٌ بَيْنَ أَيْدِينَا ، وَقَطَعْتُمْ أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ ، لَمْ تَسْتَأْمِرُونَا وَلَمْ تَرُدُّوا لَنَا حَقًّا ».

وتبدد جبروت القوم وذاب عنفهم ، وأسرع عمر وهو بطل الموقف نحو أبوبكر طالباً منه منه حمل الإمام بالقوّة للبيعة قائلاً : ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة ؟

واستجاب أبو بكر له ، فأرسل معه قنفذاً ، وكان شريراً معروفاً بالغلظة والشدّة


1) الحديث متواتر أخرجته الصحاح والسنن.

ومعه جماعة من الشرطة ، فاقتحموا دار الإمام وأخرجوه مليباً بحمائل سيفه ، وانطلقت خلفه زهراء الرسول ، وهي تهتف بأبيها وتستغيث به قائلةً: يا أَبَتِ، يا رَسُولَ اللهِ ، ماذا لَقِيْنا بَعْدَكَ مِنِ ابْنِ الْخَطَابِ وَابْنِ أَبِي قُحَافَةَ .

وازدحمت الجماهير على باب الإمام وعلاها الذهول ، وأغرق بعضهم في البكاء ، إلا أنّ ابن الخطاب وحزبه لم يجد معهم موقف بضعة الرسول وهي ولهى مستغيثة بأبيها ، فلم تلن قلوبهم وعواطفهم ، فأخرجوا الإمام وانطلقوا به يهرول نحو أبي بكر ، فقال له : بايع .. بايع.

فردّ عليه الإمام : وَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ ؟

فأسرع القوم وقد أضلهم الهوى وأعماهم حب الدنيا قائلين : والله ! الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ..

وسكت الإمام برهة فنظر إلى القوم ، فإذا ليس له ركن شديد يفزع إليه ، فقال بصوت حزين النبرات : إذاً تَقْتُلُونَ عَبْداً للهِ وَأَخاً لِرَسُولِهِ .

فاندفع ابن الخطاب بشراسته قائلاً : أما عبداً الله فنعم ، وأما أخو رسوله فلا . ونسي عمر ما أعلنه النبي أنّ الإمام أخوه وباب مدينة علمه ، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى ، كل ذلك تنكر له ابن الخطاب ، والتفت إلى أبي بكر يحثه على التنكيل به قائلاً: ألا تأمر فيه بأمرك ؟

وخاف أبو بكر من تطوّر الأحداث وتبلور الرأي العام ، فقال لابن الخطاب : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جانبه . وأطلقوا سراح الإمام ، ومضى يهرول عَلَى اللَّهُ نحو مثوى أخيه رسول الله لها يشكو إليه ما ألم به من المحن والخطوب ، وهو يبكي أمر البكاء قائلاً : يابْنَ أُمَّ ، إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي(1).


1) إشارة إلى قوله تعالى : ( قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) الأعراف 7 : 150 .

لقد استضعفه القوم وتنكروا له ، وأعرضوا عمّا أوصاهم به النبي ، وقفل الإمام راجعاً إلى بيته وهو كئيب حزين ، وقد استبان له ما يحمله القوم من الحقد والكراهية .

2 - تأميم فدك

اشارة

وروى المؤرّخون أنّ الجيوش الإسلامية لما فتحت حصون خيبر قذف الله الرعب والفزع في قلوب أهالي فدك فهرعوا إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم نازلين على حكمه ، فصالحهم على نصف أراضيهم، فكانت ملكاً خاصاً له ؛ لأنّ المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب ، ولما أنزل الله تعالى على نبيّه الآية : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ (1)بادر فأنحل فاطمة فدكاً ، فاستولت عليها وتصرّفت فيها تصرّف الملاك في أملاكهم .

ولما استولى أبو بكر على الحكم اقتضت سياسته مصادرة فدك ، وانتزاعها من سيّدة النساء ، وذلك لئلا تقوى شوكة الإمام على منازعته ، وهو إجراء اقتصادي باعثه إضعاف الجبهة المعارضة وشلّ فعاليّتها ، وهذا ما عليه الدول قديماً وحديثاً وقد مال إلى هذا الرأي عليّ بن مهنا العلوي ، قال : « ما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها - أي عن فدك - ألا أن يقوى عليّ بحاصلها وغلّتها على المنازعة في الخلافة »(2).

مطالبة الزهراء علیها سلام بقدك

وبعدما استولى أبوبكر بالقوة على فدك ، وأخرج منها عامل الزهراء علیها سلام الطالبته بردها ، فامتنع من إجابتها ، وطلب منها إقامة البينة على صدقها، ويقول المعنيون بالبحوث الفقهية من علماء الشيعة إن كلام أبي بكر لا يتفق مع القواعد الفقهية،


1) الإسراء 17: 26

2) أعلام النساء : 3 : 215 . الاحتجاج : 1 : 120 . شرح نهج البلاغة : 16 : 236 . 3: 215

وذلك لما يلي:

أولاً : إنّ صاحب اليد لا يُطالب بالبينة ، والزهراء قد وضعت يدها على فدك ، فليس عليها إلا اليمين وعليه البينة ، وبذلك فقد شدّت دعوى أبي بكر عن المقررات الفقهية .

ثانياً : إنّ السيّدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها سيدة نساء هذه الأمة ، وخيرة نساء العالمين - على حدّ تعبير رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وقد نزلت في حقها وحق زوجها وولديها آية التطهير وهي صريحة في عصمتها من الزيغ والكذب ، وهي أصدق الناس لهجة - حسب قول عائشة (1)- ، أفلا يكفي ذلك في تصديقها.

ثالثاً : إنّ ريحانة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم اقامت البينة على ما ادعت ، مضافاً إلى اليد ، أما بيّنتها فقد تألفت من الإمام أمير المؤمنين له ، والسيدة الفاضلة أمّ أيمن ، فشهدا عنده أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنحلها فدكاً، فردّ شهادتهما معتذراً أن البينة لم تتم ، وهذا لا يخلو من المؤاخذات وهي :

1 - إنّ القواعد الفقهية قضت أنّ الدعوى إذا كانت على مال ، أو كان المقصود منها المال ، فإنّها تثبت بشاهد ويمين ، فالمدعي إذا أقام شاهداً واحداً فعلى الحاكم أن يحلفه بدلاً من الشاهد الثاني ، فإن حلف أعطاه المال ، ولم يعن أبو بكر بذلك فردّ الشهادة وألغى الدعوى.

2 - إنّه ردّ شهادة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وقد صرّح النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنه مع القرآن ، والقرآن معه لا يفترقان .. (2)

3- إنّه قدح في شهادة السيدة أم أيمن ، وقد خرجت زهراء الرسول بعد رد أبي


1) حلية الأولياء : 2 : 41. مستدرك الحاكم : 3 : 160 . ذخائر العقبي : 44 .

2) مستدرك الحاكم : 3 : 124 . الصواعق المحرقة : 75 ينابيع المودة : 1 : 173 . المعجم الأوسط : 5 : 135 .

بكر لدعواها ، وهي تتعثر بأذيالها من الخيبة ، وقد ألم بها الحزن والأسى . يقول الإمام شرف الدين نضّر الله مثواه : فليته - أي أبابكر - اتقى فشل الزهراء في موقفها بكل ما لديه من سبل الحكمة ، ولو فعل ذلك لكان أحمد في العقبى ، وأبعد عن مظان الندم ، وأنأى عن مواقف اللوم ، وأجمع الشمل الأمة ، وأصلح له بالخصوص » .

وقد كان في وسعه أن يربأ بوديعة رسول الله ووحي-دته عن الخيبة ويحفظها عن أن تنقلب عنه ، وهي تتعثر بأذيالها ، وماذا عليه إذ احتلّ محلّ أبيها لو سلّمها فدكاً من غير محاكمة ، فإنّ للإمام أن يفعل ذلك بولايته العامة ، وما قيمة فدك في سبيل هذه المصلحة ، ودفع هذه المفسدة (1).

لقد كان أبو بكر باستطاعته وصلاحيته أن يقرّيد بضعة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ووديعته على فدك ويصنع معها الجميل والمعروف ، ولا يقابلها بمثل تلك القسوة ، ولكن الأمر كما حكاه علي بن الفاروق أحد أعلام الفكر العلمي في بغداد ، وأحد أساتذة المدرسة الغربية ، وأستاذ العلامة ابن أبي الحديد ، فقد سأله ابن أبي الحديد : أكانت فاطمة صادقة في دعواها النحلة ؟

فقال : نعم .

فلم لم يدفع لها أبوبكر فدكاً ، وهي عنده صادقة .

يقول ابن أبي الحديد : فتبسم ، ثمّ قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وقلة دعابته ، قال : لو أعطاها اليوم فدكاً بمجرد دعواها لجاءت إليه غداً وادعت لزوجها الخلافة ، وزحزحته عن مقامه ، ولم يكن يمكن حينئذ الاعتذار بشيء ؛ لأنه يكون قد سجّل على نفسه بأنّها صادقة فيما تدعى كائناً ما كان من غير حاجة إلى


1) النص والاجتهاد : 37 .

بينة وشهود(1).

نعم ، لهذه الجهة ولغيرها من الأحقاد والضغائن أجمع القوم على هضمها وسلب تراثها ، وقد تركوا بذلك عترة النبي ووديعته يتقطعون حسرات ، قد نخب الحزن قلوبهم ، وهاموا في تيارات من الأسى والشجون .

3 - الغاء الخمس

من الإجراءات المؤسفة التي اتخذها أبوبكر ضدّ العترة النبوية إلغاء الخمس الذي هو حق مفروض لها نص عليه القرآن قال تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2).)أجمع الرواة أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم كان يختص بسهم من الخمس ويخص أقاربه بسهم آخر كان منه ، وكانت هذه سيرته إلى أن اختاره الله تعالى إلى جواره . ولما ولي أبوبكر أسقط سهم النبي وسهم ذوي القربى ، ومنع بني هاشم من الخمس ، وجعلهم كبقية (3، وقد أرسلت زهراء الرسول ويضعته فاطمة الزهراء صلوات الله عليها إلى أبي بكر أن يدفع إليها ما بقي من خمس خيبر ، فأبى أن يدفع إليها شيئاً منه(4)،)


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 16 284 . الاحتجاج : 1 : 120 النص والاجتهاد :

2) الأنفال 8: 41 .

3) تفسير الكشاف - في تفسير آية الخمس : 2 : 583 . تفسير القرطبي : 8: 10. فتح القدير : 2 295

4) صحيح البخاري : 3: 36 صحيح مسلم : 2: 72 مسند أحمد بن حنبل: 1: 9 کنز العمّال : 5 : 604

فقد ترك شبح الفقر مخيماً على آل النبي صلی الله علیه و آله و سلم وحجب عنهم ما فرضه الله لهم .#### 4 - مصادرة تركة النبي صلی الله علیه و آله و سلمواستولى أبوبكر على جميع ما تركه النبي صلی الله علیه و آله و سلم من بلغة العيش ، فحازه إلى بيت المال ، وقد سدّ بذلك كلّ نافذة اقتصادية على آل البيت ، وكانت حجّته في ذلك ما رواه عن رسول الله : لا نورث ما تركناه صدقة (1.)وهو اعتذار مهلهل حسب ما يقوله المحققون من علماء الشيعة ، وذلك لما يلي :1-إن الحديث لو كان صحيحاً لاطلعت عليه سيّدة نساء العالمين ، وما دخلت مع أبي بكر ميدان المحاججة والمخاصمة ، وكيف تطالبه وهي سليلة النبوة وأوثق سيدة في دنيا الإسلام بأمر لم يكن مشروعاً.2 - إن النبي صلی الله علیه و آله و سلم كيف يحجب عن بضعته حكماً يرجع إلى تكليفها الشرعي ، وقد غذاها بروح التقوى والإيمان، وأحاطها علماً بجميع الأحكام الشرعية ، إن ذلك عنها تعريض لها وللأمة لأمور غير مشروعة .3- إن من الممتنع أن يحجب النبي صلی الله علیه و آله و سلم هذا الحديث عن الإمام أمير المؤمنين لا سره ، وباب مدينة علمه، وباب دار حكمته، وأقضى أُمّته ؛ فإنّ من المقطوع به أن النبي صلی الله علیه و آله و سلم لو كان لا يورث العرفه الإمام علیه السلام ، وما كتمه النبي الله عنه .4 - إن الحديث لو كان صحيحاً لعرفه الهاشميون وهم أهل النبي ، وألصق الناس به ، فلماذا لم يبلغهم به .5 - إن الحديث لو كان صحيحاً لما خفي عن أمهات المؤمنين ، والحال أنهنّ أرسلن إلى عثمان بن عفان يطلبن منه ميراثهن من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم.


1) بلاغات النساء : 16 أعلام النساء : 3 207. العمدة : 390. سنن الترمذي : 3 : 82. كنز العمّال : 5 : 604

6- إن بعض أهل العلم يرى أن ( ما التي في الحديث: «لَا تُوَرَّثُ ما تَرَكْناهُ ما» صَدَقَةٌ موصولة ، والمعنى أن ما تركناه من الصدقات ليس خاضعاً للمواريث ، وإنّما هو للفقراء ، وعلى هذا فيكون الحديث أجنبياً عن الاستدلال به من عدم توريث النبي صلی الله علیه و آله و سلم لما تركه من الأموال .)### الخطاب الخالد للزهراء عليها السلاموضاقت الدنيا على زهراء الرسول ووديعته في أمته من الإجراءات الصارمة التي اتخذها أبوبكر ضدّها ، فرأت أن تلقي الحجّة عليه، وتحفّز المسلمين للإطاحة بحكومته ، ويتحدّث الرواة أنّها سلام الله عليها استقلت غضباً، فلاثت خمارها ، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها ، تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حتى دخلت على أبي بكر وهو في الجامع الأعظم ، وقد احتف بها المهاجرون والأنصار وغيرهم ، وقد أنيطت دونها ملاءة(1تكريماً لها ، فأنت أنّة حسرة وألم وبكاء ، فأجهش القوم لها بالبكاء وارتج المجلس، وذلك لأنهم رأوا في شخصيّتها العظيمة شخصية أبيها العظيم الذي لم يعقب غيرها ؛ ولأنهم قصروا في حقها وحق زوجها ، ولما سكن نشيجهم وهدأت فورتهم افتتحت خطابها الخالد بحمد الله والثناء عليه ، وانحدرت في خطابها كالسيل ، فلم يسمع قبلها ولا بعدها من هو أخطب منها ، وحسبها أنّها ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد ، وقد ورثت بلاغته وفصاحته .)وتحدثت في خطابها الخالد عن معارف الإسلام وفلسفة تشريعاته وعلل أحكامه ، وعرضت إلى ما كانت عليه حالة الأمم قبل أن يشرق عليها نور الإسلام من الجهل والانحطاط ووهن العقول وضحالة الفكر، خصوصاً الجزيرة العربية،


1) الملاءة : الحجاب والستر

فقد كانت على شفا حفرة من النار مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام، وكانت حياتها الاقتصادية بالغة السوء ، فالأكثرية الساحقة كانت تقتاد القدّ ، وتشرب الطرق ، وظلّت على هذا الحال من الذل والفقر والهوان حتى أنقذها الله سبحانه وتعالى برسوله العظيم ، فدفعها إلى واحات الحضارة والتطوّر ، وجعلها في الطليعة الواعية من أمم العالم ، فما أعظم عائدته على العرب وعلى الناس أجمعين ، كما عرضت سيدة نساء العالم إلى فضل ابن عمها الإمام أمير المؤمنين ، وجهاده المشرق في نصرة الإسلام والذب عن حياضه ، فالجاهلية الرعناء من قريش وغيرهم كلّما أوقدوا ناراً للحرب تقدّم إليها الإمام فوطأ صماخها بأخمصه وأخمد لهبها بسيفه ، في حين كان المهاجرون من قريش في رفاهية وادعين آمنين، لم يكن لهم أي ضلع يذكر في نصرة الإسلام والدفاع عنه ، وإنّما كانوا ينكصون عند النزال ويفرون من القتال.وكانوا يتربصون بأهل بيت النبي الدوائر ، ويتوقعون فيهم نزول القواصم ، كما أعربت سيدة نساء العالمين عن أسفها البالغ على ما مُني به المسلمون من الزيغ والانحراف ، والاستجابة الكاملة لدواعي الهوى وحبّ الدنيا ، وتنبأت صلوات الله عليها ما سيواجهه المسلمون من الأحداث المروعة والكوارث المؤلمة نتيجة ما اقترفوه من الأخطاء والانحراف عما أمره الله ورسوله من التمسك بالعترة الطاهرة التي هي مصابيح الهدى وطرق النجاة.وبعد ما أدلت حبيبة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بهذه المواد عرضت إلى حرمانها المؤسف من إرث أبيها فقالت :«وَأَنْتُمُ الْآنَ تَزْعُمُونَ أَنْ لَا إِرْتَ لَنَا ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَأَفَلَا تَعْلَمُونَ - بَلَى قَدْ تَجَلَّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الضَّاحِيَةِ - أَنِّي ابْنَتُهُ .

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ، أَأَغْلَبُ عَلَى تُراثِ أَبِي ؟يَابْنَ أَبِي قُحَافَةَ ، أَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَرْثُ أَبَاكَ وَلَا أَرِثُ أَبِي ؟لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيَّاً ، أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللهِ وَنَبَذْ تُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ إِذْ يَقُولُ : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ (1).)وَقَالَ فِيمَا اقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيِيَ بْنِ زَكَرِيَّا إِذْ قَالَ :( فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً *يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (2).)وَقَالَ : ﴿ وأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ (3).)وَقَالَ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (4).)وَقَالَ : (إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (5))وَزَعَمْتُمْ أَنْ لَا حَظْوَةَ لِي ، وَلَا إِرْتَ مِنْ أَبِي ، وَلَا رَحِمَ بَيْنَنَا ، أَفَخَصَّكُمُ اللهُ بِآيَةٍ أَخْرَجَ مِنْهَا أَبِي ؟أَمْ تَقُولُونَ : أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لَا يَتَوَارَثَانِ ؟ أَوَلَسْتُ أَنا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ ؟أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمِّي ؟


1) النمل 27 16

2) مريم .19 : 6

3) الأحزاب 33: 6.

4) النساء 11:4 .

5) البقرة :2 : 180 .

وحكى هذا المقطع من خطابها الخالد أوثق الأدلّة وأروعها على استحقاقها لميراث أبيها كان منها ما يلي:1- احتجت على أنّ الأنبياء اللا كبقية الناس خاضعون للمواريث، وقد استندت في ذلك إلى آيتي داود وزكريا ، وهما صريحتان بتوريث الأنبياء ، ومنهم أبوها سيد المرسلين.2- استدلت بعموم آيات المواريث، وعموم آية الوصية ، وهي بالطبع شاملة لأبيها ، وخروجه منها من باب التخصيص بلا مخصص ، وهو ممتنع كما صرح علماء الأصول.3- إن ما يوجب تخصيص آية المواريث وعموم آية الوصية أن يختلف المورّث ووارثه في الدين بأن يكون المورّث مسلماً ووارثه كافراً ، فإنّه لا ميراث بينهما ، وهذه الجهة منتفية انتفاء قطعيّاً، فسيّدة النساء أبوها مؤسس الإسلام وخاتم الأنبياء ، وهي بضعته وريحانته وسيدة نساء العالمين، فكيف تمنع عن إرثها ؟ وبعد هذه الحجج البالغة وجهت خطابها لأبي بكر قائلة له:«فَدُونَكَهَا مَخْطُومَةٌ مَرْحُولَةً تَلْقَاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ وَنَشْرِكَ ، فَنِعْمَ الْحَكَمُ الله . وَالزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ ، وَالْمَوْعِدُ الْقِيَامَةُ ، وَعِنْدَ السَّاعَةِ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ، وَلَا يَنْفَعُكُمْ إِذْ تَنْدَمُونَ ، ولِكُلِّ نَيَا مُسْتَقَرٌّ ، وَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ».يا له من تقريع أمضى وأوجع من كل ألم ممض !يا له من عتاب أقسى من ضرب السيوف !ثم اتجهت حبيبة الرسول إلى المسلمين تستنهض عزائمهم وتحتهم على الاطاحة بحكومة أبي بكر قائلة:

«يَا مَعْشَرَ النَّقِيبَةِ وَأَعْضَادَ الْمِلَّةِ وَحَضَنَةَ الْإِسْلَامِ ، مَا هَذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَتّي ، وَالسِّنَةٌ عَنْ ظُلَامَتِي ؟ أَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَبِي يَقُولُ: الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ ، سُرْعَانَ مَا أَحْدَثْتُمْ وَعَجْلَانَ ذَا إِهَالَةٍ ، وَلَكُمْ طَاقَةٌ بِمَا يُحَاوِلُ ، وَقُوَّةٌ عَلَى مَا أَطْلُبُ وَأَزَاوِلُ ؟أَتَقُولُونَ :مَاتَ مُحَمَّدٌ فَخَطْبٌ جَلِيلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْنُهُ ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ ، وَانْفَتَقَ رَتْقُهُ ، وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ ، وَكُسِفَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، وَانْتَتَرَتِ النُّجُومُ لِمُصِيبَتِهِ ، وَأَكْدَتِ الْآمَالُ ، وَخَشَعَتِ الْجِبَالُ ، وَأضِيعَ الْحَرِيمُ ، وَأزِيلَتِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مَمَاتِهِ ، فَتِلْكَ وَاللهِ النَّازِلَةُ الْكُبْرَى ، وَالْمُصِيبَةُ الْعُظْمى ، لَا مِثْلُهَا نَازِلَةٌ ، ! وَلَا بَائِقَةٌ عَاجِلَةٌ ، أَعْلَنَ بِهَا كِتَابُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي أَفْنِيَتِكُمْ ، وَفِي مُمْسَاكُمْ وَمُصْبَحِكُمْ ، يَهْتِفُ فِي أَفْنِيَتِكُمْ مُتَافاً وَصُراحاً وَتِلَاوَةً وَأَلْحَانَا ، وَلَقَبْلَهُ مَا حَلَّ بِأَنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ حُكْمٌ فَصْلٌ ، وَقَضَاءٌ حَتْمٌ، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقَابِكُمْ ،( وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(1))وأخذت زهراء الرسول تحفّز الأنصار على الثورة، وتذكرهم ماضيهم المشرق في نصرة الإسلام وحماية مبادئه ، وتطلب منهم القيام بقلب الحكم القائم ، وإرجاع الخلافة إلى الإمام علیه السلام ، وإرجاع حقوقها لها قائلة:«إِيْهَا بَنِي قَيلَةَ (2، أَعْضَمُ تُراثَ أَبِي وَأَنتُمْ بِمَرْأَى مِنِّي وَمَسْمَعٍ وَمُتَتَدَى)


1) آل عمران 3: 144 . 3

2) بنو قيلة : هم الأوس والخزرج من الأنصار.

وَمَجْمَعِ ، تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ ، وَتَشْمَلُكُمُ الْخُبْرَةُ ، وَأَنتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالْأَدَاةِ وَالْقُوَّةِ ، وَعِنْدَكُمُ السَّلَاحُ وَالْجُنَّةُ (1، تُوَافِيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلَا تُجِيبُونَ ، وَتَأْتِيكُمُ الصَّرْحَةُ فَلَا تُغِيثُونَ ، وَأَنتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفَاحِ ، مَعْرُوفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ ، وَالنُّخْبَةُ الَّتِي انْتَخِبَتْ ، وَالْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتِيرَتْ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ . قَاتَلْتُمُ الْعَرَبَ ، وَتَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَالتَّعَبَ ، وَنَاطَحْتُمُ الأمَمَ ، وَكَافَحْتُمُ الْبُهَمَ ، فَلَا نَبْرَحُ أَوْ تَبْرَحُونَ ، نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ ، حَتَّىٰ إِذَا دَارَتْ بِنَا رَحَى الْإِسْلَامِ ، وَدَرَّ حَلَبُ الْأَيَّامِ ، وَخَضَعَتْ نُعَرَةُ الشِّرْكِ ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الْإِفْكِ ، وَخَمَدَتْ نِيرَانُ الْكُفْرِ، وَهَدَأَتْ دَعْوَةُ الْهَرَجِ ، وَاسْتَوْسَقَ نِظَامُ الدِّينِ ، فَأَنَّى جُرْتُمْ (2)بَعْدَ الْبَيَانِ وَأَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الْإِعْلَانِ ، وَنَكَصْتُمْ بَعْدَ الْأَقْدَامِ ، وَأَشْرَكْتُمْ بِعْدَ الْإِيْمَانِ ؟)ولما رأت سيدة نساء العالمين وهن الأنصار وتخاذلهم وعدم استجابتهم لنداء الحقِّ ، وجهت إليهم أعنف اللوم وأشدّ العتب قائلة :«أَلَا وَقَدْ قُلْتُ مَا قُلْتُ هذا عَلى مَعْرِفَةٍ مِنِّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خَامَرَتْكُمْ وَالْغَدْرَةِ الَّتِي اسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُكُمْ ، وَلَكِنَّهَا فَيْضَةُ النَّفْسِ ، وَنَفْتَةُ الْغَيْظِ ، وَحَوزُ الْقَنَاةِ ، وَبَيَّةُ الصَّدْرِ ، وَتَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ ، فَدُونَكُمُوهَا فَاحْتَقِبُوهَا دَبِرَةَ الظَّهْرِ ، نَقِبَةَ الْخُفِّ ، بَاقِيَةَ الْعَارِ ، مَوْسُومَةٌ بِغَضَبِ اللهِ ، وَشَنَارِ الْأَبَدِ ، مَوْصُومَةٌ بِنَارِ اللهِ الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُؤْصَدَةٌ (3)، فَبِعَيْنِ اللهِ)


1) الجنّة بالضمّ ما يستتر به من السلاح.

2) جرتم أي ملتم .

3) الهمزة 104 : 7 و 8 .

مَا تَفْعَلُونَ ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَي مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ، وَأَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ، فَاعْمَلُوا إِنَّا عَامِلُونَ ، وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ »(1.)وانتهى هذا الخطاب الثوري الذي حوى جميع مقوّمات الثورة على النظام القائم ، ولا أكاد أعرف خطاباً أبلغ ولا آثر منه إلا أنّ القوم قد تخدّرت أعصابهم فصدوا عن الطريق القويم . وعلى أي حال فقد لمس أبو بكر مدى تأثير خطاب الزهراء علیه السلام في نفوس الحاضرين وخاف من اندلاع الثورة فاستطاع بلباقته وقابلياته الدبلوماسية أن يسيطر على الموقف، وينقذ حكومته من الانقلاب فقابل بضعة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم بكل حفاوة وتكريم ، وأظهر لها أمام الملأ أنّه يخلص لها ، ويكن لها التقدير والاحترام أكثر مما يكنه لعائشة ابنته كما أظهر لها حزنه العميق على وفاة أبيها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم.وعرض لها أنه لم يتقلد منصب الحكم ، ولم يتخذ معها الاجراءات الصارمة عن رأيه الخاص ، وإنّما كان عن رأي المسلمين فهم الذين قلدوه ما تقلد وباتفاق منهم أخذ ما أخذ ، وبذلك فقد شارك المسلمين في إجراءاته وحمّلهم المسؤولية ، والحال أنا ذكرنا كيفية بيعته ، وأنّها كانت فلتة على حدّ تعبير ابن الخطاب.### ندم أبي بكروندم أبو بكر كأشدّ ما يكون الندم على ما فرط تجاه بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من كبس دارها وحرمانها من مواريثها ، فقال : وددت أني لم أكشف بيت فاطمة ، ولو أنّهم أغلقوه على الحرب(2.)


1) أعلام النساء : 3 : 208. بلاغات النساء : 12 - 19 . الاحتجاج : 138 - 141 .

2) كنز العمال: 3: 135 . تاريخ الأمم والملوك : 4 : 52 . بحار الأنوار: 30: 526 . تاريخ مدينة دمشق :30 420 میزان الاعتدال: 3 : 109 . لسان المیزان : 4 : 189 :

لقد أنبه ضميره على الإجراءات القاسية التي ارتكبها مع زهراء الرسول صلى الله عليه وسلم التي هي وديعته في أمته .### محاولة فاشلة لإرضاء الزهراء عليها السلاموحاول أبوبكر وصاحبه إرضاء حبيبة رسول الله والفوز بعفوها عنهما ، وذلك لتكتسب حكومتهما الشرعية ، ويتخذا وسيلة لإرضاء المسلمين عنهما فانطلقا إلى بيتها ، وطلبا منها السماح بمقابلتها ، فأبت أن تأذن لهما ، واستأذنا ثانياً ، فامتنعت من إجابتهما ، وخفا نحو الإمام الها فطلبا منه أن يمنحهما الإذن لمقابلة وديعة النبي ، فانطلق إلى الدار والتمس من سيّدة النساء أن تأذن لهما ، فأجابته إلى ذلك ، فأذن لهما، ودخلا فسلّما عليها ، فلم تجبهما ، وتقدما فجلسا أمامها ، فأدارت وجهها عنهما ، وراحا يلحان عليها أن تسمع مقالتهما ، فأذنت لهما في ذلك ، فقال لها أبوبكر : يا حبيبة رسول الله ، والله ! إنّ قرابة رسول الله أحبّ إليَّ من قرابتي ، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقى بعده.أفترانى أعرفك ، وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك ، وميراثك من رسول الله ؟ إلّا أنّى سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول : « لا نورث ما تركناه فهو صدقة ».وفندت بضعة الرسول هذه الرواية في خطابها التأريخي الخالد ، فلم تر حاجة إلى تفنيدها مرة أخرى، والتفتت إليه وقد شركت معه عمر قائلة :نَشَدْتُكُمَا اللَّهَ أَلَمْ تَسْمَعًا رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : رِضا فاطِمَةَ مِنْ رِضايَ ، وَسَخَطُ فاطِمَةَ مِنْ سَخَطِي ، فَمَنْ أَحَبَّ فَاطِمَةَ ابْنَتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي ، وَمَنْ أَرْضَى فَاطِمَةَ فَقَدْ أَرْضانِي ، وَمَنْ أَسْخَطَ فَاطِمَةَ فَقَدْ أَسْخَطَنِي ؟فأجابا بالتصديق قائلين : أجل سمعناه يقول ذلك.فرفعت وجهها وكفيها إلى السماء ، وراحت تقول بحزن وفؤاد مكلوم : فإِنِّي أُشْهِدُ

اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ أَنَّكُما أَسْخَطَتُمَانِي وَمَا أَرْضَيْتُمَانِي ، وَلَئِنْ لَقِيتُ رَسُولَ اللهِ لَأَشْكُوَنَّكُما إِلَيْهِ .وانطلق أبوبكر يبكى ، فقالت له : وَاللهِ ! لأدْعُوَنٌ عَلَيْكَ فِي كُلِّ صَلَاة أَصَلِّيها (1، فما كان أشدّها كلمات أخف من وقعها ضربات السيف ! . . مادت الأرض تحتهما ، ودارت كالرحى حتى سارا من هول ما لقيا يترنّحان ، وغادرا الدار وقد خبا أملهما في رضا زهراء الرسول ، وعلما مدى الغضب الذي أثارته عليهما ومدى السخط الذي باءا به (2).)وحق لأبي بكر أن يحزن ويبكي بعد ما فاته رضا زهراء الرسول التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها كما حدث بذلك أبوها(3.)### اضواء على موقف الإمام علیه السلام#### اشارةووقف الإمام مع حكومة أبي بكر موقفاً سلبياً اتسم بالعزلة التامة عن الناس وعدم الاشتراك مع الجهاز الحاكم بأي لون من ألوان الاجتماع ، فقد انصرف إلى تدوين الأحكام الشرعية وتفسير القرآن الكريم ، فقد أعرض عن القوم وأعرضوا عنه لا يراجعهم ولا يراجعونه ، اللهم إلا إذا حلّت في ناديهم مشكلة فقهية لا يعرفون حلّها فزعوا إليه ليجيبهم عنها.ويتساءل الكثيرون : لماذا لم يقف الإمام علیه السلام مع أبي بكر موقفاً سلبياً ، ويفتح معه


1) الإمامة والسياسة : 1 : 14 أعلام النساء : 3 : 1214. الإمام علي بن أبي طالب / عبدالفتاح عبد المقصود : 1 : 217. فضائل آل البيت / المقريزي : 66 .

2) الإمام علي بن أبي طالب : 1 : 217. الإمامة والسياسة : 1: 20، 31. (3) مستدرك الحاكم : 3: 153 . أسد الغابة : 5 : 522. تهذيب التهذيب : 12: 241. ميزان الاعتدال 2 72. كنز العمّال : 6: 219 . ذخائر العقبی : 39. مقتل الحسين الا / الخوارزمي : 1 : 52 .

3)

باب الحرب ، ويأخذ حقه منه بالقوة ، فقد أعرض عن ذلك ، وخلد إلى الاعتزال ، وقد أدلى الإمام علیه السلام ببعض الأسباب التي دعته لإلقاء الستار على حقه وهي:#### 1 - فقده للقوة العسكريةلم تتوفر عند الإمام علیه السلام أية قوة عسكرية يستطيع أن يتغلب بها على الأحداث ، ويستلم مقاليد الحكم ، وقد صرّح بذلك في كثير من المناسبات ، وهذه بعضها :- قال الله في خطبته الشقشقية :«وَطَفِقْتُ أَرْتَنِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَاءَ ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَىٰ طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ(1، يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ ، وَيَشيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ ! فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَانَا أَحْجَى ، فَصَبَرْتُ وَفِي العَيْنِ قَذى . وَفِي الْحَلْقِ شَجاً (2)، أرى تُرَائِي نَهْباً ... »(3).)وقد حكى هذا المقطع من خطابه ما ألم به من الأسى من فقدان الناصر أيام حكومة أبي بكر ، فإنّه لم تكن عنده قوة تحميه ولم يكن يأوي إلى ركن شديد لإرجاع حقه ، فصبر على ما في الصبر من قذى في العين وشجاً في الحلق.- قال علیه السلام :«فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي ، فَضَتْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ ، وَأَغْضَيْتُ عَلَى القَدَىٰ ، وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا، وَصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْعَظَمِ ، وَعَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ العَلْقَم »(4.)


1) الطخية : الظلمة .

2) الشجي : ما يعترض في الحلق من عظم ونحوه .

3) نهج البلاغة : 1 : 48 . الإرشاد : 1 : 287 و 288 .

4) نهج البلاغة : 1 : 68. الغارات : 1 : 309. بحار الأنوار: 28 : 31 .

وحكى هذا المقطع أنه لم يكن مع الإمام علیه السلام سوى أسرته الماثلة في أبنائه وأبناء أخيه ، ومن المؤكد أنه لو فتح باب الحرب مع أبي بكر لقضي على الأسرة الهاشمية ، بالاضافة إلى ما تواجهه الأمة من أخطار هائلة .وبايعت الأكثرية الساحقة أبابكر تحت ضغط ،عمر ، وقد أراد الإمام علیه السلام أن يقيم عليهم الحجّة فطاف بزهراء الرسول على بيوت المهاجرين والأنصار يسألهم النجدة ومناهضة الحكم القائم ، فكانوا يقولون لبضعة الرسول : يابنت رسول الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل.فتردّ عليهم حبيبة رسول الله : أَفَتَدَعُونَ تُراثَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ إِلَى غَيْرِ دارِهِ؟وراحوا يعتذرون إليها قائلين : يا بنت رسول الله ، لو أنّ زوجك سبق إلينا قبل أبي بكر لما عدلنا به .ويجيبهم الإمام : أَفَكُنْتُ أَدَعُ رَسُولَ اللهِ فِي بَيْتِهِ لَمْ أَدْفِنَّهُ ، ثُمَّ أَخْرُجُ أَنازِعُ النَّاسَ سُلطانه ؟!وتدعم سيدة النساء مقالة الإمام القائلة : ما صَنَعَ أَبُو الْحَسَنِ إِلَّا مَا كانَ يَنْبَغِي لَهُ.. وَقَدْ صَنَعُوا ما اللهُ حَسيبُهُمْ عَلَيْهِ (1.)إن موقف الإمام مع حكومة أبي بكر متسم بعدم الرضا إلا أنه لم يستطع القيام بأي عمل عسكري للاطاحة بها .#### 2 - المحافظة على وحدة المسلمينمن الأحداث التي دعت الإمام إلى المسالمة مع القوم حرصه على وحدة المسلمين ، وقد أعلن ذلك حينما عزم القوم على البيعة لعثمان ، فقال علیه السلام :


1) الإمامة والسياسة : 1 : 12 . بحار الأنوار: 28 : 186 ، 352 ، 355 .

«لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا - أي الخلافة - مِنْ غَيْرِي ؛ وَوَاللَّهِ ! لَأَسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَلَمْ يَكُنْ فِيها جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً ، الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ ، وَزُهْداً فيما تَنافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ »(1)من أجل الحفاظ على وحدة المسلمين وجمع كلمتهم سالم الإمام وأعرض عمّا يكنّه في نفسه من الألم والأسى على ضياع حقه### لوعة الزهراء علیها سلام وشجونهاوأعظم المآسي التي طافت بالإمام هو ما حلّ بابنة الرسول ويضعته من الآلام القاسية التي احتلت قلبها الرقيق المعذب على فقد أبيها الذي كان عندها أعزّ من الحياة ، فكانت تزور جدثه الطاهر وهي حيرى قد أخرسها الخطب ، وتأخذ حفنة من ترابه فتضعه على عينيها ووجهها وتطيل من شمّه ، وتقبيله ، وتجد في ذلك راحة ، وهي تبكي أمر البكاء وأشجاه ، وتقول :مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةً أَحْمَدٍ ***أَنْ لَا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَاصُبَّتْ عَلَى مَصَائِبٌ لَوْ أَنَّهَا ***صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ صِرْنَ لَيَالِيَاقُلْ لِلْمُغَيْبِ تَحْتَ أَطْباقِ الثّرى ***إِن كُنتَ تَسْمَعُ صَرْخَتِي وَنِدَائِياقَدْ كُنْتُ ذَاتَ حِمَى بِظِلُّ مُحَمَّدٍ لَا أَخْشَ مِنْ ضَيْمٍ وَكَانَ جَمَالِيَافَالْيَوْمَ أَخْضَعُ لِلذَّلِيلِ وَاتَّقِي ضَيْمِي وَأَدْفَعُ ظَالِمِي بِرِدَائِيَافَإِذَا بَكَتْ قُمْرِيَّةٌ فِي لَيْلِهَا ***شَجَناً عَلَى غُصْنٍ بَكيْتُ صَبَاحِبًافَلَأَجْعَلَنُ الْحُزنَ بَعْدَكَ مُونِسي ***وَلأَجْعَلَنُ الدَّمْعَ فِيك وشَاحِيَا (2)


1) نهج البلاغة : 1 : 124 . بحار الأنوار : 29 : 612. شرح نهج البلاغة : 6 : 166 .

2) مناقب آل أبي طالب : 2 : 131 . نظم درر السمطين: 181. عيون الأثر : 2 : 434 ، الحديث .590

وصوّرت هذه الأبيات مدى حزن زهراء الرسول ولوعتها على فقد أبيها الذي أخلصت له في الحبّ أعظم ما يكون الإخلاص ، كما أخلص لها ، وإن مصابها القاسي عليه لو صبّ على الأيام لخف ضياؤها وعادت قائمة مظلمة .وصوّرت هذه الأبيات الحزينة مدى منعتها وعزتها أيام أبيها ، وبعد فقدها له صارت بأقصى مكان من الهوان ، فقد تنكر لها القوم ، وأجمعوا على هضمها ، والغضّ من شأنها حتى صارت تخضع للذليل وتتقي من ظلمها بردائها .وخلدت وديعة الرسول إلى البكاء والأسى حتى عدت من البكائين الخمسة الذين مثلوا الحزن على امتداد التاريخ .وبلغ من عظيم وجدها على أبيها أنّ أنس بن مالك استأذن عليها ليعزيها بمصابها الأليم ، وكان ممن وسد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في مثواه الأخير ، فقالت له : أَنَسُ بْنُ َمالِكٍ هذا ؟فقال : نعم ، يا بنت رسول الله.فقالت له بلوعة وبكاء : كَيْفَ طَابَتْ نُفُوسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرابَ عَلى رَسُولِ اللهِ (1، وقطع أنس كلامه ، وهو يذرف أحر الدموع ، وقد هام في تيارات من الأسى والشجون .)وبلغ من عظيم وجد زهراء الرسول أنّها ألحت على الإمام أمير المؤمنين علیه السلام أن يريها القميص الذي غسّل فيه أباها ، فجاء به إليها ، فأخذته بلهفة وهي توسعه تقبيلاً وشماً ؛ لأنها وجدت فيه رائحة أبيها الذي غاب في مثواه.وخلدت بضعة الرسول إلى البكاء في وضح النهار وفي غلس الليل ، وثقل ذلك


1) سنن ابن ماجة : 18 . المواهب اللدنية / القسطلاني : 2 : 281 . المستدرك : 1 : 382. مجمع الزوائد : 9 31 سير أعلام النبلاء : 2 : 120 .

على القوم ، فشكوها إلى الإمام وطلبوا منه أن تجعل لبكائها وقتاً خاصاً لأنّهم لا يهجعون ولا يستريحون ، وعرض الإمام عليها ذلك ، فأجابته إلى ما أراد ، فكانت في النهار تخرج خارج المدينة وتصحب معها ولديها الحسن والحسين وبنتها زينب ، فتجلس تحت شجرة من الاراك وتبكي أباها طيلة النهار ، فإذا أوشكت الشمس أن تغرب قفلت راجعة مع أولادها إلى البيت الذي خيّم عليه الحزن والبكاء ، وعمد القوم إلى تلك الشجرة فقطعوها فصارت تبكي في حرّ الشمس ، فقام الإمام أمير المؤمنين الا فبنى لها بيتاً أسماه « بيت الأحزان » فاتّخذته مقراً لبكائها ، ونسب إلى مهدي آل محمد ( عجل الله فرجه أنّه قال فيه : أَمْ تَراني اتَّخَذْتُ - لا وَعُلاها - بَعْدَ بَيْتِ الْأَحْزانِ بَيْتَ سُرور.)وأثر الحزن المرهق بوديعة النبي حتى فتكت بها الأمراض وذوت كما تذوي الأزهار .. وبادرت السيدات من نساء المسلمين إلى عيادتها فقلن لها : كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله ؟فرمقتهن بطرفها ، وأجابتهنّ بصوت خافت مشفوع بالأسى والحسرات : أجدني كارِهَةً لِدُنْيا كُنَّ ، مَسْرُورَةٌ لِفِراقِكُنَّ ، أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِحَسَراتِكُنَّ فَمَا حُفِظَ لِيَ الْحَقُّ وَلَا رُعِيَتْ مِنِّي الذَّمَّةُ ، وَلَا قُبِلَتِ الْوَصِيَّةُ ، وَلَا عُرِفَتِ الْحُرْمَةُ (1.)وحكت هذه الكلمات مدى آلامها وشجونها من تقصير القوم بحقها ، فما حفظوا حقها ولا رعوا وصية النبي فيها . وبلغ من كراهتها لنساء القوم أنّهنّ طلبن حضورهنّ عند وفاتها فقلن لها : يا بنت رسول الله صيّري لنا في حضور غسلك حظاً ؟فأبت وقالت بمرارة : أَتُرِدْنَ أَنْ تَقُلْنَ فِي كَما قُلْتُنَّ فِي أُمِّي ، لا حاجة لي في حُضُور كُن (2.)


1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 95 .

2) تاريخ اليعقوبي : 2 : 115

### الزهراء علیها سلام في ذمة الخلودوطافت بزهراء الرسول موجات عاتية من الآلام على فقد أبيها وغصب حقها، فقد برح بها المرض وأضرّ الأسى بقلبها الرقيق المعذب ، وقد فتكت بها الآلام ، ومشى إليها الموت سريعاً وهي في فجر الصبا وروعة الشباب .. فقد حان موعد اللقاء بينها وبين أبيها الذي طلبت لقياه بفارغ الصبر .### وصيّتها علیها سلامودعت زهراء الرسول الإمام ، فلمّا مثل عندها أوصته بأمور كان منها :1 - أن يواري جثمانها المقدّس في غلس الليل البهيم.2 - أن لا يحضر جنازتها أحد من الذين ظلموها وجحدوا حقها فإنّهم أعداؤها وأعداء أبيها .3- أن يعفّي موضع قبرها ليكون رمزاً لاستيائها على امتداد التاريخ .4 - أن يصنع لها نعشاً يواري جثمانها المقدّس ؛ لأنّ الناس كانوا يضعون أمواتهم على سرير تبدو فيه الجنّة ، فكرهت ذلك ، وما أحبت أن ينظر أحد إلى جثمانها .وتعهد الإمام لها بتنفيذ ذلك ، وانصرف عنها وهو غارق في البكاء ، قد استجاب الأحاسيس نفسه الولهي التي استوعبتها الهموم والآلام .وفي اليوم الأخير من حياتها ظهرت عليها المسرّات، فقد علمت أنها ستلتحق بأبيها الذي كرهت الحياة من بعده ، وقد عمدت إلى ولديها السبطين فغسلتهما وصنعت لهما من الطعام ما يكفيهم يومهم ، وأمرتهما بالخروج لزيارة مرقد جدهما ، وألقت عليهما نظرة الوداع الأخير، وهي تذرف أحرّ الدموع وذاب قلبها من اللوعة والوجد عليهما.وخرج الحسنان وقد هاما في تيارات مذهلة من الهواجس ، وأحسّا ببوادر مخيفة

أغرقتهما بالأسى والشجون.والتفتت وديعة النبي إلى أسماء بنت عميس، وكانت هي التي تتولّى تمريضها وخدمتها فقالت لها : يا أماه .- نعم ، يا حبيبة رسول الله- اسْكُبِي لِي غُسْلاً.فانبرت أسماء ، وهيأت لها الماء فاغتسلت فيه ثمّ قالت لها : ايتيني بِثِيَابِي الْجُدُدِ .فناولتها ثيابها ، وهتفت بها ثانيةً : اجْعَلِي فِراشي في وَسَطِ الْبَيْتِ .وذعرت أسماء ومشت الرعدة بأوصالها ، فقد أحست أن وديعة النبي لاحقة بأبيها ، ووضعت أسماء الفراش لها فاضطجعت عليه ، واستقبلت القبلة ، والتفتت إلى أسماء فقالت لها بصوت خافت : يا أماه ، إِنِّي مَقْبُوضَةٌ الْآنَ ، وَقَدْ تَطَهَّرْتُ ، فَلَا يَكْشِفْنِي أَحَدٌ(1.)وأخذت سيدة النساء تتلو آيات من القرآن الكريم حتى فارقت الحياة ولسانها يلهج بذكر الله تعالى .لقد سمت روحها العظيمة إلى الله تعالى شاكية إليه ما لاقته من الخطوب والكوارث ، لقد ارتفعت تلك الروح العظيمة إلى جنان الله ورضوانه تحفها ملائكة الله ، ويستقبلها أنبياء الله . فما أظلت سماء الدنيا في جميع مراحل الحياة مثل بضعة الرسول في قداستها وإيمانها ، لقد انقطع بموتها آخر من كان في دنيا الوجود من نسل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .


1) مسند أحمد بن حنبل : 6: 461 و 462 . أسد الغابة : 5: 590 . المجموع / محيي النووي : 5 : 110 مناقب آل أبي طالب : 3 138 . العمدة : 389. بحار الأنوار: 43: 183 و 184 .

وقفل الحسنان إلى الدار بلهفة يسألان عن أمهما فأخبرتهما أسماء بوفاتها ، ضاجّة بالعويل والبكاء ، فكان ذلك كالصاعقة عليهما فهرعا مسرعين إلى جثمانها فوقع عليها الحسن وهو يقول : يا أُمَاهُ ، كَلِّمِينِي قَبْلَ أَنْ تُفَارِقَ رُوحِي بَدَنِي .وألقى الحسين نفسه عليها وهو يقول بذوب روحه : يا أمّاهُ ، أَنَا ابْنُكِ الْحُسَيْنُ كَلِّمِينِي قَبْلَ أَن يَنْصَدِع قَلْبِي .وأخذت أسماء توسعهما تقبيلاً وتعزيهما ، وطلبت منهما أن يخبرا أباهما بوفاة أمهما ، فانطلقا إلى مسجد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وهما غارقان بالبكاء ، فاستقبلهما المسلمون بفزع قائلين لهما : ما يبكيكما يا ابني رسول الله ؟ لعلّكما نظرتما موقف جد كما فبكيتما شوقاً إليه ؟فأجابا بلوعة : أوَلَيْسَ قَدْ مَاتَتْ أُمُّنا فاطِمَةُ ؟واضطرب الإمام حينما سمع النبأ المؤلم وراح يقول : بِمَنِ الْعَزاء يا بِنْتَ مُحَمَّدٍ ؟ كُنتُ بِكِ أَتَعَزّى فَقِيمَ الْعَزاءُ بَعْدَكِ ؟وخف مسرعاً إلى الدار وهو يذرف أحر الدموع ، فلما انتهى إليها ألقى نظرة على جثمان حبيبة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وطافت به الآلام والهموم ، وأخذ ينشد :لِكُلِّ اجْتِمَاعِ مِنْ خَليلَيْنِ فُرْقَةٌ ***وَكُلُّ الَّذِي دونَ الفِراقِ قَليلوَإِنَّ افْتِقادي فاطماً بَعدَ أَحْمَدٍ ***دَليلٌ عَلَى أَنْ لَا يَدومَ خَليلوارتفعت الصيحة في المدينة ، وهرع الناس من كل صوب نحو بيت الإمام ليفوزوا بتشييع جثمان وديعة نبيهم التي ما رعوا حقها .وعهد الإمام إلى سلمان المحمدي أن يصرف الناس ويعرفهم بتأجيل تشييع جنازتها ، فأخبرهم بذلك ، فانصرفوا ، وأقبلت عائشة نحو بيت الإمام لتلقي نظرة على الجثمان المقدّس فحجبتها أسماء وقالت لها : لقد عهدت إلي أن لا يدخل

أحد عليها(1.)ولما مضى من الليل شطره ، قام الإمام فغسل الجسد الطاهر ومعه الحسنان وزينب وأسماء ، وقد أخذت اللوعة بمجامع قلوبهم ، وبعد أن أدرج جسدها ف-ي أكفانها دعا بأطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان أمهم ليلقوا عليها نظرة الوداع ، ومادت الأرض من كثرة صراخهم وبكائهم ، ثمّ عقد الرداء عليها . ولما حلّ الهزيح الأخير من الليل قام فصلى عليها ومعه النخبة من أصحابه ثمّ حمل الجثمان المعظم إلى مثواه الأخير ولم يخبر أحداً بالتشييع إلا خلّص أصحابه القليلين جداً ، ثمّ أودع الجثمان في القبر وأخفاه امتثالاً لوصيتها ، ووقف على حافة القبر وهو يروي ثراه بدموع عينيه ، واندفع يؤبنها بهذه الكلمات:السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِّي ، وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ ، وَالسَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ : قَلَّ يَا رَسُولَ اللهِ ، عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي ، وَرَقَّ عَنْهَا تَجَلَّدِي ، إِلَّا أَنَّ فِي التَّأْسِي لِي بِعَظِيمٍ فُرْقَتِكَ ، وَفَادح مُصِيبَتِكَ ، مَوْضِعَ تَعَةٌ ، فَلَقَدْ وَسَدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ « فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ »...فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ !أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ ، وَأَمَّا لَيْلِى فَمُسَهَّدٌ ، إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اللهُ لِى دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ .وَسَتُبْتُكَ ابْنَتُكَ بِتَظَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا ، فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ ، وَاسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ؛ هَذَا وَلَمْ يَطْل الْعَهْدُ ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذِّكْرُ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمَا سَلَامَ


1) مناقب آل أبي طالب : 3: 365 .

مُوَدِّعٍ ، لَا قَالٍ وَلَا سَيْمٍ ، فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ ، وَإِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنِّ بِمَا وَعَدَ اللهُ الصَّابِرِين(1)وحكت هذه الكلمات حزنه العميق وألمه الممضّ على فقده لوديعة رسول الله ، كما حكت ما تقدّم به من الشكوى لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم على ما ألم ببضعته من الكوارث التي تجرعتها من القوم ، ويطلب منه أن يلح عليها في السؤال لتخبره بما جرى عليها تفصيلاً من الظلم والضيم في تلك الفترة القصيرة التي عاشتها من بعده . وعاد الإمام إلى داره وقد طافت به الأزمات يتبع بعضها بعضاً ، فهو ينظر إلى وهم غارقون بالبكاء على أمهم الرؤوم التي اختطفتها يد المنون وهي في روعة الشباب ونضارة العمر ..وينظر إلى إعراض القوم عنه ناسين جهاده في سبيل الإسلام وقربه من الرسول ، وقد أضافت إليه هموماً قاسية وأحزاناً مريرة .وعلى أي حال فقد اعتزل الإمام القوم وأعرض عنهم، وأعرضوا عنه، وقد صمموا على إبعاده عن الحياة السياسية وعدم مشاركته بأي شأن من شؤون الدولة . ومن الجدير بالذكر أن حكومة أبي بكر لم ترشح أحداً لمناصب الدولة وله ميول مع الإمام ، فقد روى المؤرّخون أنّ أبا بكر عزل خالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الذي بعثه لفتح الشام ، ولم يكن هناك موجب لعزله إلّا ميله لعليّ يوم السقيفة ، وقد نبّهه لذلك عمر (2.)كما أنّ أبا بكر لم يعهد لأي أحد من الهاشميين بأي منصب من مناصب الدولة ، وقد تحدّث عمر مع ابن عبّاس عن سبب حرمانهم من أنّه يخشى إذا مات وأحد


1) نهج البلاغة : 2 : 182 . روضة الواعظين : 152 . مناقب آل أبي طالب : 3: 139.

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 352 . الخصال : 461 و 462 . السقيفة وفدك : 55 .

الهاشميين وال على قطر من الأقطار الإسلامية أن يحدث في شأن الخلافة ما لا يحب (1.)وكان معظم ولاة أبي بكر من الأسرة الأموية ، وكان منهم ما يلي :1- يزيد بن أبي سفيان ، استعمله والياً على الشام (2خارج يثرب ، وبعد وفاته أسندت ولاية الشام إلى أخيه معاوية .)2 - عتاب بن اسيد بن أبي العاص ، استعمله والياً على مكة (3)- عثمان بن أبي العاص ، استعمله والياً على الطائف (4)4۔ أبو سفيان ، جعله عاملاً على ما بين آخر حد الحجاز وآخر مكان من نجران(5)وفي هذا الاجراء الذي اتخذه قد برز نجم الأمويين ، واحتلوا مكانة مرموقة في الدولة الإسلامية ، وقد أبدى المراقبون لسياسة أبي بكر دهشتهم من هذه السياسة .يقول العلائلي : « فلم يفز بنو تيم بفوز أبي بكر بل فاز الأمويون وحدهم صبغوا الدولة بصبغتهم ، وأثروا في سياستها وهم بعيدون عن الحكم كما يحدثنا المقريزي في رسالته ( النزاع والتخاصم (6))


1) مروج الذهب : 4 : 135

2) الكامل في التاريخ : 2: 289 مسند أحمد بن حنبل : 1 : 6 . المستدرك : 3 : 250 . تاريخ مدينة دمشق : 2 : 77. تاريخ الأمم والملوك : 2 : 586 .

3) الإصابة : 2 : 444 . أسد الغابة : 1 : 350 .

4) الطبقات الكبرى : 5: 509 . سير أعلام النبلاء : 2 : 374 تاريخ اليعقوبي : 2 : 122. الكامل في التاريخ : 2 : 289 .

5) فتوح البلدان / البلاذري : 1 : 123 ، الحديث 292 . النزاع والتخاصم : 52 . .

6) الإمام الحسين الله : 191 .

وكان الأولى بأبي بكر أن يعهد بأمور المسلمين إلى السادة من الأسرة النبوية وإلى الأخيار المتحرّجين في دينهم من الأوس والخزرج ، وإبعاد الأمويين عن كلّ منصب من مناصب الدولة ، وأن يعاملهم بالازدراء كما عاملهم الرسول الله ، وكما قابلهم المسلمون ، فقد كانوا ينظرون إليهم نظرة احتقار وامتهان لأنّهم خصوم الإسلام، وإسلامهم لم يكن واقعياً وإنما كان صورياً .### وفاة أبي بكر وعهده لعمروقبل أن نطوي الحديث عن مؤتمر السقيفة وما رافقه من الأحداث الجسام نعرض إلى وفاة أبي بكر وعهده لعمر بن الخطاب وليّاً وخليفة من بعده.ولم يطل سلطان أبي بكر ، فقد ألمت به الأمراض بعد مضي سنتين من حكمه ، وقد صمّم وهو في الساعات الأخيرة من حياته على تقليد زميله عمر بن الخطاب شؤون الخلافة ؛ لأنّه هو الذي أقامه في منصبه .ويقول المؤرخون : إنّه لاقى معارضة كثيرة في ترشيحه لعمر خليفة من بعده ، فقد انبرى إليه طلحة بعنف قائلاً : ماذا تقول لربّك وقد وليت علينا فظا غليظاً ، تفرق منه النفوس ، وتنفر منه القلوب (1.)ووجم أبوبكر فلم يجبه إلا أن طلحة كرّر عليه إنكاره قائلاً : يا خليفة رسول الله ، إنا كنا لا نتحمل شراسته وأنت حتي تأخذ على يديه، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميت وهو الخليفة ؟ (2.)ولم يعن أبوبكر لإنكار طلحة ، ولم يقم له أي وزن ، كما أن أكثر المهاجرين اندفعوا إلى الانكار عليه قائلين : نراك استخلفت علينا عمراً وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 55 .

2) المصدر المتقدّم : 9 : 343

وأنت بين أظهرنا ، فكيف إذا وليت عنا، وأنت لاق الله عزّ وجلّ فسألك فما أنت قائل ؟فأجابهم أبو بكر : لئن سألني الله لأقولنّ : استخلفت عليهم خيرهم في نفسي(1.)ويذهب الكثيرون إلى أن الأجدر بأبي بكر أن يستجيب لعواطف وآراء الأكثرية من المسلمين ، فلا يولّي عليهم أحداً إلا بعد رضاهم وإجراء عملية انتخابية أو يستشير أهل الحل والعقد إلّا أنّه استجاب لعواطفه المترعة بالولاء والحب لابن الخطاب ، وقد طلب أبو بكر من بعض خواصه أن يخبره عن رأي المسلمين في ذلك فقال له : ما يقول الناس في استخلافي عمر؟کرهه قوم ورضيه آخرون .الذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه ؟.بل الذين كرهوه(2.)وإذا كانت الأكثرية الساحقة ناقمة على ولاية عمر من بعده، فكيف فرضه عليهم ، ولم يمنح المسلمين الحرية في انتخاب من شاء والرئاسة الحكم .ومهما يكن الأمر فإنّ عمر لازم أبا بكر في مرضه خوفاً من التأثير عليه في العدول عن رأيه وكان يعزز مقالته في انتخابه له قائلاً : أيها الناس ، اسمعوا وأطيعوا ق-ول خليفة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم(3.)وطلب أبوبكر من عثمان بن عفان أن يكتب للناس عهده في تولية عمر من بعده ، وجعل أبوبكر يملي عليه وهو يكتب ، وهذا نصه : هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة ،


1) الإمامة والسياسة : 1 : 19 .

2) الآداب الشرعيّة والمنح المرعية : 1 : 9

3) تاريخ الأمم والملوك : 4 52 تاريخ مدينة دمشق : 44 257 . تاريخ المدينة : 2 : 669.

آخر عهده في الدنيا نازحاً عنها ، وأول عهده بالآخرة داخلاً فيها إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، فإن تروه عدل فيكم فذلك ظنّي به ، ورجائي فيه ، وإن بدل وغيّر فالخير أردت ولا أعلم الغيب ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (1.)ولم يقل أحد أنّ أبابكر يهجر ، وما حالوا بينه وبين كتابته في النص على عمر ، كما حالوا بين النبي وبين ما رامه في الكتابة في حق الإمام علیه السلام وقالوا إنه يهجر .وعلى أي حال فقد وقع أبو بكر الكتاب فتناوله عمر ، وانطلق به يهرول إلى الجامع ليقرأه على الناس فاستقبله رجل ، وقد أنكر حالته فقال له : ما في الكتاب يا أبا حفص ؟ فنفی عمر درایته بما فيه إلا أنه أذعن لما يحتويه قائلاً : لا أدري ، ولكنّي أوّل من سمع وأطاع.فرمقه الرجل بطرفه ، وعرف واقع الحال ، فقال له : ولكنى والله ! أدري بما فيه ، أمرْتَهُ عام أول ، وأَمرَكَ العام (2.)وانطلق عمر وهو يلوّح بالكتاب ويدعو الناس إلى استماع ما فيه ، فقرأه على الناس وبذلك تمّ له الأمر بسهولة من دون أن ينازعه أحد في ذلك .### موقف الإمام علیه السلاموالتاع الإمام علیه السلام أشد ما تكون اللوعة وأعرب عن أساه بعد حين من الزمن ، الله وذلك في خطبته الشقشقية ، قال علیه السلام :فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَانَا أَحْجَى ، فَصَبَرتُ وُفى الْعَيْنِ قَذى . وَفِي الْحَلْقِ شَجاً ، أرى تُرَائِي نَهْباً ، حَتَّى مَضَى الْأَوَّلُ لِسَبِيلِهِ ، فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فُلانٍ - يعني عمر - بَعْدَهُ . ثُمّ تمثل بقول الأعشى:


1) الإمامة والسياسة : 1 : 19 .

2) الإمامة والسياسة : 1 : 20 .

شَتَّانَ مَايَوْمِي عَلَى كُورِهَا*** وَيَوْمَ حَيَّانَ أَخِي جَابِرٍفَيَا عَجَباً !! بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها فِي حَيَاتِهِ إِذْ عَقَدَهَا لَآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ - لَشَدَّمَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا :(1)وحكت هذه الكلمات آلامه وأساه على ضياع حقه وإزالته عن مركزه ومقامه ، فقد تناهبته الرجال فوضعوه في تيم مرّة وأخرى في عدي، وتناسوا مكانته من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وجهاده المشرق في نصرة الإسلام.وعلى أي حال فلم يلبث أبوبكر إلا زماناً قصيراً حتى وافاه الأجل المحتوم، وانبرى صاحبه وخليله عمر إلى القيام بشؤون جنازته فغسله وأدرجه في أكفانه ، وصلّى عليه ، وواراه في بيت النبي صلی الله علیه و آله و سلم والصق لحده بلحده(2)ويذهب المتكلمون من الشيعة إلى أنّ البيت الذي دفن فيه إن كان من تركة النبي فهو لوارثته سيدة نساء العالمين، ومن بعده انتقل إلى زوجها وأولادها ، ولم يؤثر عن النبي لعل الله أنه وهبه لعائشة ، وعلى هذا فلا يحل دفنه فيه إلا بعد الإذن من ورثة النبي ، أما اذن عائشة فلا موضوعية له لأنها لا ترث من الأرض وإنما ترث من البناء ، حسبما ذكره الفقهاء في ميراث الزوجة .وإن كان البيت النبوي خاضعاً لعملية التأميم حسبما يرويه أبوبكر عن النبي أنّ الأنبياء لا يورثون شيئاً من متاع الدنيا وإنّما يورثون الكتاب والحكمة ، وما تركوه فهو صدقة لعموم المسلمين، وعلى هذا فلابد من ارضاء الجماعة الإسلامية في دفنه في البيت ولم يتحقق أي شيء من ذلك .


1) نهج البلاغة : 1 : 31 و 32 رسائل المرتضى : 2 : 109 . الإرشاد : 1 : 288 . الاحتجاج :

2) الطبقات الكبرى : 3 : 368 .

## خلافة عمر ومنيه الشورى### اشارة

وتولى عمر الخلافة بسهولة وسرور ولم يلق أي جهد أو عناء ، وقد قبض على الحكم بيد من حديد ، وساس الأمّة بشدّة وعنف حتى تحامى لقاءه أكابر الصحابة ، فقد كانت درته كما يقولون - أرهب من سيف الحجاج ، حتى أن حبر الأمة عبد الله بن عباس لم يستطع أن يجهر برأيه في حلية المتعة إلا بعد وفاته ، وقد خافه وهابه ووصفه الإمام أمير المؤمنين الا في خطبته الشقشقية بالحوزة الخشناء التي يغلظ كلمها ويخشن مسها .وعلى أي حال فإنا نعرض بصورة موجزة إلى بعض معالم سياسته الداخلية والخارجية حسب ما صرّحت به مصادر التاريخ وغيرها .### سياسته الداخلية#### اشارةواتسمت سياسة عمر الداخلية بالعنف والشدّة ، وقد سيطر سيطرة تامة على البلاد ، وقابل كلّ من كان يعتد بنفسه بالصرامة ، كان منهم من يلي:#### سعد بن أبي وقاصكان سعد بن أبي وقاص شخصية مرموقة، وبلاؤه في فتح فارس معروف ، وقد أقبل على عمر وكان يقسّم مالاً بين المسلمين ، فزاحم الناس حتى خلص إلى عمر ، فلما رأى اعتداده بنفسه علاه بالدرة ، وقال : لِمَ لم تهب سلطان الله في

الأرض ، فأردت أن أعلمك أنّ سلطان الله لا يهابك (1، وقد كسر شوكته وملأ أنفه ذلاً وخنوعاً.)#### جَبَلة بن الأيهموجَبَلة من الشخصيات المرموقة في العالم العربي ، وقد أسلم هو وقومه ، وفرح المسلمون بإسلامه ، وحضر جبلة الموسم ، وبينما هو يطوف حول الكعبة إذ وطأ إزاره رجل من فزارة فحلّه ، فغضب جبلة وسارع إلى الفزاري فلطمه ، فبلغ عمر ذلك ، فاستدعى الفزاري ، وأمر جبلة أن يقيده من نفسه أو يرضيه ، وضيق عليه غاية التضييق ، فارتد جبلة ورفض الإسلام ، وولّى إلى هرقل فاحتفى به وأنزله منزلاً كريماً ، إلا أن جبلة أسف أشدّ الأسف على ما فاته من شرف الإسلام وقد نظم أساه وحزنه بهذه الأبيات :تَنَصَّرَتِ الأَشرافُ مِنْ أَجْلِ لَطْمَةٍ ***وَما كَانَ فِيها لَوْ صَبَرْتُ لَهَا ضَرَرْفَيا لَيْتَ أُمِّي لم تَلِدْنِي وَلَيْتَنِي ***رَجَعْتُ إلى القول الذي قالَهُ عُمَرْوقد أراد عمر أن يقوده بأوّل بادرة تبدو منه ببُرَة (2محاولاً بذلك إذلاله وإهانته (3))ولم تكن شدّة شدّة عمر عمر مقتصرة على رعيّته ، وإنما كانت شاملة لأهله ، ويقول المؤرّخون إنّه إذا غضب على أحد من أهله لا يسكن غضبه حتى يعض على يده عضاً شديداً فيدميها (4.)


1) شرح نهج البلاغة : 12 : 96 .

2) البُرَة : حلقة من صفر توضع في أنف الجمل الشرود ، ويربط بها حبل .

3) شرح نهج البلاغة : 6 342 معجم البلدان : 3 314 . البداية والنهاية : 8: 71 :

4) شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد 6: 342 .

ووصف عثمان بن ابن الخطاب برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه ، فخفتموه ورضیتم به (1.)ويقول المعنيون في البحوث الإسلامية : إنّ هذه السياسة تجافي سيرة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم التي بنيت على الرفق واللين واجتناب جميع مظاهر العنف والشدة ، وقد روى المؤرّخون صوراً كثيرة من تواضعه كان منها أنّ رجلاً جاءه فأخذته الرهبة منه وبدا عليه الرعب ، فهدأه الرسول الله وقال له : «إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ (2، وسار مع أصحابه سيرة الأخ مع أخيه ، وكره أن يتميز على أحد منهم وقد شاركهم في العمل في بناء مسجده الأعظم ، وقد مدحه الله تعالى على سمو أخلاقه ، قال تعالى : ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )(3))وعلى أي حال فإنّ الغلظة لا تتفق بأي حال من الأحوال مع ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من سموّ الأخلاق ومحاسن الآداب .#### فرض الإقامة الجبرية على الصحابةومن بنود السياسة العمرية فرض الإقامة الجبرية على الصحابة ، فلم يسمح عمر لهم بمغادرة يثرب إلا بعد أن يأذن لهم بذلك ، ويرى الباحثون في الشؤون الإسلامية أنّ هذا الإجراء يتنافى مع ما شرعه الإسلام من منهج الحريات العامة للناس جميعاً ، فهم أحرار فيما يعملون ويقولون شريطة أن لا تكون مجافية للتعاليم الإسلامية ، وليس للسلطة أن تقف منهم موقفاً سلبياً ، اللهم إلا إذا أحدثت الحرية أضراراً بالغير أو فساداً في الأرض.


1) تاريخ الأمم والملوك : 3 : 377. البداية والنهاية : 7 : 189 . الإمامة والسياسة : 46:1 .

2) المستدرك : 3 48 سنن ابن ماجة : 2 : 1101 ، الحدیث 3312

3) القلم 68 : 4 .

#### رای طه حسینوبرّر الدكتور طه حسین ما اتخذه عمر من فرض الحصار على الصحابة بقوله : ولكنه - أي عمر - خاف عليهم - أي على الصحابة - الفتنة ، فأمسكهم في المدينة لا يخرجون منها إلا بإذنه ، وحبسهم عن الأقطار المفتوحة ، لا يذهبون إليها إلا بأمر منه خاف أن يفتتن الناس بهم ، وخاف عليهم أن يغرهم افتتان الناس بهم ، وخاف على الدولة عواقب هذا الافتتان »(1.)وفيما أرى أن هذا التوجيه لا يحمل أي طابع من التحقيق فإن الصحابة الذين راموا السفر من يثرب إلى الأقطار والأقاليم التي فتحها الإسلام إن كانوا من الأخيار والمتحرّجين في دينهم فإنّهم بكل تأكيد يكونون مصدر هداية ومصدر خير وتهذيب إلى الشعوب المتطلّعة لهدي الإسلام ومعرفة أحكامه ، وه-م - من دون شك. يشيعون الفضيلة ويعملون على تهذيب السلوك ونشر محاسن الأخلاق . وإن كانوا من الذين فتنتهم الدنيا، وخدعتهم مظاهر الفتوحات الإسلامية فلعمر الحق في منعهم من السفر رسماً لا شرعاً حفظاً لصالح الدولة ووقاية للناس من الفتنة بهم ، ولكن لم يؤثر عنه أنه فرض الحصار على فريق من الصحابة دون فريق وإنّما فرضه على جميع الصحابة ، وبذلك فقد حال بينهم وبين حرياتهم.#### ولاته وعمالهوالشيء البارز في سياسة عمر مع الولاة والعمّال أنّه لم يعهد بأي منصب من مناصب الدولة إلى أحد من الأسرة النبوية ، وإنّما أقرّ من ولاهم أبو بكر في مناصبهم ، كما لم يعيّن أحداً من الصحابة البارزين أمثال طلحة والزبير ، وقيل له : إنك استعملت يزيد بن أبي سفيان وسعيد بن العاص وفلاناً وفلاناً من المؤلّفة قلوبهم


1) الفتنة الكبرى : 1 : 17 .

من الطلقاء وأبناء الطلقاء وتركت أن تستعمل عليّاً والعباس والزبير وطلحة ؟من فقال : أمّا عليّ فأنبه من ذلك ، وأما هؤلاء النفر من قريش فإنّي أخاف أن ينتشروا في البلاد فيكثروا فيها بالفساد...وعلّق ابن أبي الحديد على هذا الكلام بقوله : «فمن يخاف من تأميرهم لئلا يطمعوا في الملك ، ويدعيه كل واحد منهم لنفسه ، كيف لم يخف من جعلهم سنّة متساوين في الشورى مرشّحين للخلافة ، وهل شيء أقرب إلى الفساد من هذا(1.)لقد رشح طلحة والزبير وجعلهما من أعضاء الشورى ، وشهد بأنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم توفي وهو راض عنهما ، كيف يكونان ممن ينشران الفساد في الأرض إذا أسند إليهما بعض مناصب الدولة .#### مراقبة الولاة والعمالوكان عمر شديد المراقبة لعماله وولاته ، فلم يول عاملاً إلّا أحصى عليه حاله ، فإذا عزله أحصى عليه ما عنده من أموال ، فإن وجد عنده فرقاً قاسمه ذلك الفرق ، فترك له شطراً وضمّ الشطر الآخر إلى بيت المال(2، واستعمل أبا هريرة الدوسي والياً على البحرين ، وقد وافته الأنباء بأنّه استأثر بأموال المسلمين ، فدعاه ، فلمّا مثل عنده قال له : علمت أني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ، ثمّ بلغني أنك ابتعت أفراساً بألف وستمائة دينار .. ؟)فاعتذر أبو هريرة وقال له : كانت لنا أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت .فلم يحفل أبو حفص باعتذاره فزجره وصاح به : قد حسبت لك رزقك ومؤونتك ، وهذا فضل فأده.


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 9: 29 و 30 . بحار الأنوار: 31: 86.

2) الفتنة الكبرى : 1 : 20.

وراوغ أبو هريرة قائلاً : ليس لك ذلك .وورم أنف عمر وصاح به : بلى والله ! وأوجع ظهرك .ثمّ علاه بالدرة فضربه حتى أدماه ، ولم يجد أبو هريرة ملجاً أمام صرامة وشدته ، فأحضر الأموال التى انتهبها فردّها على عمر وقال له : احتسبتها عند الله.فردّ عليه عمر قائلاً : ذلك لو أخذتها من حلال ، وأديتها طائعاً ، أجئت بها من أقصى حجر البحرين يجبى الناس لك ، لا لله ولا للمسلمين ما رجعت بك أميمة (1إلا لرعية الحمر (2)، ثمّ شاطره جميع أمواله التي اختلسها من بيت المال ، وكان الأجدر به أن يصادرها أجمع ، أما العمال الذين شاطرهم فهم:)1- سمرة بن جندب .2 - عاصم بن قيس .مجاشع بن مسعود4 - جزء بن معاوية .5 - الحجاج بن عتيك .6- بشير بن المحتفز .7 - أبو مريم بن محرش8- نافع بن الحرث .هؤلاء بعض عماله وولاته الذين شاطرهم أموالهم ، ويقول المؤرخون : إن السبب اتخاذه هذا الإجراء هو يزيد بن قيس ، فقد حفزه إلى ذلك ودعاه إليه بهذه الأبيات:


1) أميمة : أم أبي هريرة .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 163. وسائل الشيعة : 1: 43. الغدير : 6: 271 .

بلِغْ أَميرَ الْمُؤْمِنينَ رِسالَةٌ ***فَأَنتَ أَمينُ اللهِ في النهي وَالأَمرِوَأَنتَ أَمين الله فينا وَمَنْ يَكُنْ ***أميناً لِرَبِّ العَرشِ يُسلِمْ لَهُ صَدْريفَلا تَدَعَنْ أَهلَ الرَّساتينِ وَالقُرى ***يسيغون مال الله في الأَدْمِ وَالوَفْرِفَأَرْسِلْ إِلى الحَجّاج فَاعْرِفْ حِسَابَهُ ***وَأَرْسِلْ إِلَى جَزءٍ وَأَرْسِلْ إِلَى بِشْرِوَلَا تَنْسَيَنَّ النّافِعَينِ كِلَيْهما ***وَلَا ابْنَ غُلابٍ مِنْ سُراةِ بَني نَصْرِوَما عاصِمٌ مِنها بِصِفرٍ عِيابُهُ ***وَذاكَ الَّذِي فِي السُّوقِ مَولىٰ بَنِي بَدْرِوَأَرْسِلْ إلى النُّعْمَانِ وَاعْرِفْ حِسابَهُ ***وَصِهْرٍ بَني غَزْوانَ إِنِّي لَذو خُبْرِوَشِبْلاً فَسَلْهُ المالَ وَابْنَ مُحَرَّش ***فَقَدْ كانَ فِي أَهْلِ الرَّساتيقِ ذَا ذِكْرِفَقاسِمهُمْ أَهْلي فداؤُكَ إِنَّهُمْ ***سَيَرْضَونَ إِنْ قاسَمْتَهُمْ مِنكَ بالشَّطْرِوَلَا تَدْعُوَنّي لِلشَّهَادَةِ إِنَّني ***أَغيبُ وَلكِنِّي أَرى عَجَبَ الدَّهْرِنَؤُوبُ إِذا أَبُوا وَنَغْرُوا إِذا غَزَوا ***فَأَنَّى لَهُمْ وَفَرٌ وَلَسْنا أولي وَفْرِإذا النّاجِرُ الدّارِيُّ جَاءَ بِفارَة ***مِنَ المِسْكِ رَاحَتْ فِي مَفَارِقِهِمْ تَجْرِيوعلى أثر ذلك قام عمر فشاطر عماله نعلاً بنعل (1، ومعنى هذا الشعر أنّ هؤلاء الولاة قد اقترفوا جريمة السرقة وخانوا مال المسلمين ، والواجب يقضي بأن تصادر جميع أموالهم وضمها إلى بيت مال المسلمين ، وإذا ثبتت خيانتهم فيقصون عن وظائفهم ، ولا تشاطر أموالهم كما فعل عمر.)وعلى أي حال فإنّ شدّة عمر ومراقبته لولاته لم تجد ، فقد كانت هناك شكاوى ، فقد أرسل إليه بعض المسلمين يشتكون من القائمين على الخراج ، وفيها هذان البيتان:


1) الغدير : 6 275 و 276 . کتاب سليم : 221. بحار الأنوار: 30 : 301. الإصابة : 6: 552 فتوح البلدان : 2 : 473 .

نَؤُوبُ إِذا اَبُوا وَنَغْزوا إذا غَزَوافَأَنَّى لَهُمْ وَفْرٌ وَلَسْنا أُولي وَفْرِإذا النّاجِرُ الدّارِي جاءَ بِفارةمِنَ المِسْكِ راحَتْ في مَفارِقِهِمْ تَجْري (1)بقي هنا شيء يدعو إلى التساؤل ، وهو أنّ عمر قد استعمل الشدّة والصرامة عماله وولاته سوى معاوية بن أبي سفيان فإنّه كان يحدب عليه ويشفق ، فلم يفتح معه أي لون من التحقيق ولم يحاسبه على بذخه وإس-راف-ه ، وتكدّس الأموال عنده حيث تتواتر إليه الأخبار باختلاسه لبيت المال وإنفاقه الأموال الهائلة على رغباته وتوطيد ملكه فيعتذر عنه ويشيد به قائلاً: تذکرون کسری وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية (2، وهذا مجاف لما في الحديث النبوي : « هَلَكَ كِسْرى ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَقَيْصَرُ لَيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَتَنْفَقَنَّ كُنُوزُهُما فِي سَبِيلِ اللهِ ».)لقد بالغ في تسديد معاوية والإشادة به ولم يحفل بجرحه ، فقد أخبره جماعة من الصحابة أن معاوية قد جافى سنة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فهو يلبس الحرير والديباج ويستعمل أواني الذهب والفضة ولا يتحرّج في أعماله وسلوكه عمّا خالف السنّة ، فأنكر عليهم عمر وقال لهم : دعونا من ذمّ فتى من قريش من يضحك في الغضب ولا ينال ما عنده من الرضا، ولا يؤخذ من فوق رأسه إلّا من تحت قدمه (3.)وقد ذهب في تسديده إلى أبعد من ذلك ، فقد نفخ فيه روح الطموح وهدّد به أعضاء الشورى الذين انتخبهم من بعده قائلاً : إنّكم إن تحاسدتم وتدابرتم،


1) فتوح البلدان : 2 : 473 . كنز العمال : 5 : 852 .

2) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 114 .

3) الاستيعاب ( المطبوع على هامش الاصابة ) : 3 : 377 تاريخ مدينة دمشق : 59 : 112 .

وتباغضتم غلبكم على هذا معاوية بن أبي سفيان (1. ولما أمن معاوية جانب عمر أخذ يعمل في الشام عمل من يريد الملك والسلطان (2).)### سياسته المالية#### اشارةأما سياسة عمر ومنهجه المالي فقد كان مخالفاً لسياسة أبي بكر المالية ، فقد كان أبوبكر يساوي في العطاء ، وقد أشار عليه عمر بالعدول عن ذلك فأبى قائلاً : إن الله لم يفضّل أحداً على أحد، ولكنه قال : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين (3).ولم يخص قوماً دون آخرين ..(4).)ولما أفضت إليه الخلافة عدل عن سياسة أبي بكر وفضّل بعض المسلمين على بعض في العطاء ، وقال : إنّ أبابكر رأى في هذا الحال رأياً ، ولي فيه رأي آخر ، لا أجعل من قاتل رسول الله له من قاتل معه (5.)وقد فرض للمهاجرين والأنصار ممن شهد بدراً خمسة آلاف خمسة آلاف ، وفرض لمن كان إسلامه كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدراً أربعة آلاف أربعة آلاف ، وفرض لأزواج النبي الله صلی الله علیه و آله و سلم اثني عشر ألفاً إلا صفية وجويرية ففرض لهما ستة آلاف فرفضتا ذلك ، كما فرض للعباس عم رسول الله الله اثني عشر ألفاً ، وفرض لأسامة ابن زيد أربعة آلاف ، وفرض لابنه عبدالله ثلاثة آلاف فأنكر عليه ذلك ، وقال له : يا أبت ، لم زدته على ألفاً ؟ ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي ، وكان له


1) نهج البلاغة : 1 : 187 . النص والاجتهاد : 394 .

2) صحيح البخاري : 3: 191

3) التوبة 9 60

4) الخصال: 171 ، . بحار الأنوار: 3 : 51

5) كنز العمّال : 5: 593 . الطبقات الكبرى : 3: 296 . فتوح البلدان : 3: 550 .

ما لم يكن لي ؟فقال له عمر : إنّ أبا أسامة كان أحبّ إلى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من أبيك ، وكان أسامة أحبَّ إلى رسول الله منك (1.)وقد فضّل عمر العرب على العجم ، والصريح على الموالي (2.)وأدّت هذه السياسة إلى إيجاد الطبقية بين المسلمين، كما أدت إلى تصنيف الناس بحسب قبائلهم وأصولهم ، فنشط النسابون لتدوين الأنساب ، وتصنيف القبائل بحسب أصولها (3.)وكان هذا الإجراء قد أوجد تحوّلاً في الجماعة الإسلامية ، فقد أدى إلى حنق الموالى على العرب، وظهور النعرات الشعوبية والقومية ، في حين إن الإسلام قد ساوى بين جميع المسلمين وجعل رابطة الدين أقوى من رابطة النسب والدم .#### ناقدون##### اشارةوأثارت هذه السياسة المالية التي انتهجها عمر موجة من النقد والسخط من المحققين ، وهؤلاء بعضهم :##### 1 - الدكتور محمّد مصطفىوأنكر الدكتور محمّد مصطفى هذه السياسة ، قال : « وفرض العطاء على هذه الصورة قد أثر تأثيراً خطيراً في الحياة الاقتصادية للجماعة الإسلامية ؛ إذ خلق شيئاً فشيئاً طبقة ارستقراطية غنيّة يأتيها رزقها رغداً دون أن تنهض بعمل ما مقابل


1) الخراج : 244 . المصنف : 7 : 615 . كنز العمال : 5 : 594 .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 8: 111 .

3) العصبية القبلية : 190 .

ما يدخل إليها من أموال .. ذلك أنّ فرض العطاء كان يرتكز على ناحيتين : القرابة من رسول الله ، والسابقة في الإسلام ، ولهذه القرابة ولتلك السابقة درجات ودرجات ، وبهذا لم يرع عمر فرض العطاء ذلك للمقابل الذي لا بد من أن تأخذه الدولة في صورة عمل وجهاد »(1.)##### 2 - العلّامة العلائلىقال العلامة العلائلي : « هذا التنظيم المالي أوجد تمايزاً كبيراً ، وأقام المجتمع العربي على قاعدة الطبقات بعد أن كانوا سواء في نظر القانون ( الشريعة ، فقد أوجد ارستقراطية وشعباً وعامة »(2).)##### 3- الدكتور عبدالله سلاموأنكر الدكتور عبد الله سلام هذه السياسة التي انتهجها عمر في سياسته المالية ، قال : لست أدري كيف اتخذ عمر هذا الاجراء ولماذا اتخذه ؟ إنه إجراء أوجد تفاوتاً اجتماعياً واقتصادياً ، إجراء أوجد بذور التنافس والتفاضل بين المسلمين (3).)إنّ السياسة التي جرى عليها عمر في الميدان الاقتصادي لا تحمل أي طابع من التوازن ، فقد خلقت الرأسمالية عند عدد من الصحابة ، فقد تكدست عندهم الأموال ، وقد خلّف بعضهم بعد موته من الذهب ما يكسر بالفؤوس ، وبذلك فقد سيطرت الرأسمالية على شؤون الدولة ، وقد سخّرت أجهزتها لمصالحها الخاصة ، وقد ازداد نفوذها وثراؤها أيام حكومة عثمان بن عفان عميد الأسرة الأموية وبعد قتله ، ولما تسلّم الإمام علیه السلام القيادة الحكم جهدت في معارضته ؛ لأنّ سياسته


1) اتجاهات الشعر العربي : 108 .

2) الإمام الحسين الا : 232 .

3) الغلو والفرق الغالية في الحضارة الإسلامية : 251 .

العادلة كانت تهدف إلى منعهم من الامتيازات الخاصة ومصادرة أموالهم التي ابتزوها بغير حق ، كما سنوضح ذلك عند التحدّث عن حكومة الإمام .### ندم عمروندم عمر في آخر أيام حكومته لما تفشى الثراء العريض عند بعض الصحابة وراح يقول : لو استقبلت من أمري ما استدبرته أخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء.وفيما أحسب أنّ هذا الإجراء الذي أراد عمر أن يتخذه لا يخلو من تأمل ؛ فإنّ فضول أموال الأغنياء إن كانت مختلسة من أموال الدولة فيجب مصادرتها وتأميمها ، وإن كانت من أموال التجارة فليس له من سبيل عليها ، والواجب أخذ ما عليها من الضرائب المالية إن كانت خاضعة لها ، ومهما يكن الأمر فإنّ أموال الأغنياء إن كانت من الفيء ومن جباية الجزية والخراج فهي ملك للمسلمين فلا يجوز أن يستأثر بها فريق دون فريق .### اعتزال الإمام علیه السلامواعتزل الإمام أيام حكومة عمر ، ولم يشترك بأي عمل من أعمال الدولة كما اعتزل في أيام حكومة أبي بكر ، يقول محمد بن سليمان في أجوبته على أسئلة جعفر بن مكي عما دار بين علي وعثمان : إن عليّاً دحضه الأولان - يعني أبابكر وعمر - وأسقطاه ، وكسرا ناموسه بين الناس فصار نسياً منسيّاً .. (1.)ويعزو الإمام علیه السلام جميع ما لاقاه في حياته من النكبات والأزمات إلى عمر ، وذلك في حديث خاص له مع عبد الله بن عمر (2.)


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد :9 98 مكاتيب الرسول : 1 : 592 .

2) المصدر المتقدم : 54 .

وعلى أي حال فقد اعتزل الإمام علیه السلام الناس اعتزالاً تاماً، وانصرف إلى تفسير القرآن الكريم ، ولم يتصل بأحد سوى الصفوة من أصحابه أمثال الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر ، والثائر على الحكم الأموي أبوذرّ ، وسلمان الفارسي وغيرهم من خيار أصحاب الرسول .وكان عمر يرجع إلى الإمام في المسائل الفقهية ؛ لأنّ بضاعته كانت قليلة فيها . وقد شاع عنه قوله : لولا علي لهلك عمر (1.)وقد نزلت في عمر نازلة فحار في التخلّص منها ، وعرض ذلك على أصحابه فقال لهم : ما تقولون في هذا الأمر ؟فأجابوه : أنت المفزع والمنزع .فلم يرضه قولهم وتلا قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (2)، ثمّ قال لهم : أما والله ! إنّي وإياكم لنعلم ابن بجدتها والخبير بها . فقالوا : كأنك أردت ابن أبي طالب ؟

وأنّى يعدل بي عنه ، وهل طفحت حرّة بمثله

لو دعوته يا أمير المؤمنين .

فامتنع من إجابتهم وقال : إنّ هناك شمخاً من هاشم ، واثرة من علم ، ولحمة من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يؤتى ولا يأتي فامضوا بنا إليه .

وخفّوا جميعاً إليه فوجدوه في حائط له يعمل فيه وعليه تبان ، وهو يقرأ قوله تعالى : ( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدى )(3)إلى آخر السورة ودموعه تنهمر على


1) الغدير : 6: 83 ، وفيه عرض شامل لذلك. ينابيع المودة : 3: 146 و 147 .

2) الأحزاب 33 70

3) القيامة 75 36 .

خدّيه ، فلما رآه القوم اجهشوا بالبكاء ، ولما سكتوا سأله عمر عمّا ألم به ، فأجابه عنه ، والتفت عمر إلى الإمام فقال له : أما والله ! لقد أرادك الحق ، ولكن أبي قومك.

فأجابه الإمام : « يا أبا حَفْصٍ، خَفِّضْ عَلَيْكَ مِنْ هُنا وَهُنا»، وقرأ قوله تعالى : (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ) (1).

وذهل عمر فوضع إحدى يديه على الأخرى ، وخرج كأنما ينظر في رماد(2).

وعلى أي حال فإنّ الإمام في خلافة عمر قد كان جليساً في بيته يساور الهموم ، ويسامر النجوم ، ويتوسد الأرق ، ويتجرع الغصص ، قد كظم غيظه ، وأوكل أمره إلى الله تعالى .

نصيحته علیه السلام لعمر

اشارة

ونصح الإمام علیه السلام لعمر في موضعين ، وأسدل عمّا يكنه من الموجدة من ضياع حقه ، وذلك حفظاً لكلمة الإسلام وهما :

1 - غزو الروم

ورام عمر أن يمضي لغزو الروم ، فنهاه الإمام عن ذلك وقال له : « إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ ، فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبْ ، لَا تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ كَائِفَةٌ (3)دُونَ أَقْصَى بِلَادِهِمْ لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعُ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلاً مِحْرَباً ، وَاحْفِرُ مَعَهُ أَهْلَ . الْبَلَاءِ وَالنَّصِيحَةِ ، فَإِنْ أَظْهَرَ اللهُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَىٰ ، كُنْتَ رِدْءاً للنَّاسِ


1) النبأ 78 17

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 12: 79 و 80. بحار الأنوار: 30 : 112 و 113 . الغدير : 6: 172

3) الكانفة : هي العاصمة التي يلجأون إليها .

وَمَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَ».

2 - غزو الفرس

واستشار عمر الإمام في الخروج بنفسه لغزو الفرس ، فأشار عليه بعدم خروجه قائلاً:

«إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلَا خِذْلَاتُهُ بِكَثْرَةِ وَلَا بِقِلَّةٍ. وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ ، وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَأَمَدَّهُ ، حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ ، وَطَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ ؛ وَنَحْنُ عَلَىٰ مَوْعُودٍ مِنَ اللهِ ، وَاللهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ ، وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ . وَمَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّهُ : فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وَذَهَبَ ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً . وَالْعَرَبُ الْيَومَ ، وَإِنْ كَانُوا قَلِيلاً ، فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالْإِسْلَامِ ، عَزِيزُونَ بِالْإِجْتِمَاعِ : فَكُنْ قُطْباً ، وَاسْتَدِرِ الرَّحَا بِالْعَرَبِ ، وَأَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ ، فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ انْتَفَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَأَقْطَارِهَا ، حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ .

إِنَّ الأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا : هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ ، فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ ، فَيْكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ ، وَطَمَعِهِمْ فِيكَ . فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ . وَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ .

وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ ، فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ ، وَإِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ ! » .

وكان رأي الإمام هو الرأي المشرق ، فإنّ خروج عمر مع الجيش تكون له مضاعفاته السيئة على المسلمين ، والتي منها أنه لو اندحر الجيش الإسلامي وفيهم

عمر لانطوت بذلك راية الإسلام.

3 - حلى الكعبة

وفي أيام عمر كثرت الحليّ على الكعبة ، فأشار عليه القوم ببيعها وإرصاد ثمنها للجيوش الإسلامية لأنّ الكعبة ما تصنع بالحليّ ، وأراد عمر تنفيذ ذلك ، فاستشار الإمام علیه السلام فقال له الإمام:

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَالْأَمْوَالُ أَرْبَعَةٌ : أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْفَرَائِضِ ؛ وَالْفَيْء فَقَسْمَهُ عَلَىٰ مُسْتَحِفُّيهِ ؛ وَالْخُمُسُ فَوَضَعَهُ اللهُ حَيْثُ وَضَعَهُ ؛ وَالصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اللَّهُ حَيْثُ جَعَلَهَا . وَكَانَ حَلْى الْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذٍ ، فَتَرَكَهُ اللهُ عَلَى حَالِهِ ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ نِسْيَاناً ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَكَاناً ، فَأَقِرُهُ حَيْثُ أَفَرَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ .

فاستحسن عمر رأي الإمام ، وأبدى إعجابه قائلاً : لولاك لافتضحنا ، وترك الحليّ بحاله .

اغتيال عمر

وآثرنا الايجاز في خلافة عمر ولم نعرض إلى الأحداث التي رافقت حكومته خصوصاً ما صدر منه من الفتاوى التي كانت من الاجتهاد قبال النص كتحريم المتعة وغيرها ، فقد عرض لها علماء الشيعة وفقهاؤهم ، وفي طليعتهم الإمام الأعظم شرف الدين في كتابه الذائع الصيت ( النص والاجتهاد ) ، والمحقق الكبير الإمام الشيخ عبد الحسين الأميني في كتابه الخالد ( الغدير ).

وعلى أي حال فإنّ الذي يعنينا اغتيال عمر ، ووضعه لنظام الشورى قبل وفاته ، أما اغتيال عمر فيعزوه بعض الكتاب المحدثين إلى بني أمية ، فقد أرادوا التخلّص

من حكمه وفرض سلطانهم على المسلمين (1)، وقد أستدلّوا على ذلك بأنّ أبا لؤلؤة الذي اغتال عمر كان مولى للمغيرة بن شعبة الذي له صلة وثيقة بالأمويين.. وهذا الرأي لا يحمل أي طابع من التحقيق ؛ لأن علاقة عمر بالأمويين كانت وثيقة للغاية ، ولم تقع بينهما أيّة منافسة ، وكانوا من أعداء الإمام وهو المنافس الوحيد له .

واستعمل عمر وجوه الأمويين ولاة على الأقطار الإسلامية أمثال يزيد بن أبي سفيان ، وسعيد بن العاص ومعاوية ، ولم يشاطر أي واحد منهم أمواله كما شاطر بقيّة عماله ، وكان معنيّاً بشؤون نسائهم ، فقد أقرض هند بنت عتبة أم معاوية أربعة آلاف من بيت المال تتجر فيها (2)، وقد أعد في بيته مكاناً خاصاً فرشه بأحسن الفرش لأي أحد بالدخول فيه سوى أبي سفيان ، وعوتب على ذلك فقال : هذا شيخ قريش (3)، فكيف يقومون باغتياله .

ومهما يكن الأمر فإنّ من المقطوع به أنّ أبا لؤلؤة إنّما اندفع لاغتيال عمر بوحي من نفسه ، لا بدافع اموي ، ويعود السبب في ذلك أنّه كان شاباً متحمّساً لشعبه ووطنه ، فقد رأى بلاده فتحت عنوة ، وقد انطوى مجد الفرس وذهب عزّهم ، ورأى قد بالغ في احتقار الفرس ، وتمنّى أن يحول بينهم وبينه جبل من حديد،كما حضر عليهم دخول يثرب إلا من كان سنّه دون البلوغ(4).

وأصدر فتواه بعدم إرثهم إلّا من ولد في بلاد العرب(5).


1) من أنصار هذا الرأي العلامة المغفور له العلائلي ، ذهب إلى ذلك في كتابه : سموّ المعنى في سموّ الذات : 31 .

2) الكامل في التاريخ : 3 : 33 .

3) سير أعلام النبلاء : 3 : 341 .

4) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 12 : 185 .

5) الموطأ : 2 : 12 . بداية المجتهد ونهاية المقتصد / ابن رشد الحفيد : 2 : 288 .

كما كان يعبر عنهم بالعلوج ، وهو بالذات قد خف إلى عمر شاكياً ضيقه وجهده من جراء ما فرض عليه المغيرة من ثقل الخراج فلم یعن به عمر وصاح به .

وما خراجك بكثير من أجل الحرف التي تحسنها .

وأوجد ذلك حنقاً وحقداً عليه ، فأضمر له في نفسه الشر، وقد اجتاز عليه فسخر منه ، وقال له : بلغني أنك تقول : لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت ...

فلذعته هذه السخرية وقال له : لأصنعن لك رحى يتحدّث بها الناس .

وفي اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال (1)، فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرّة فخرقت الصفاق (2).

ثم حمل على أهل المسجد فطعن أحد عشر رجلاً ، وعمد إلى نفسه فانتحر ، وحمل عمر إلى داره وجراحاته تنزف دماً ، فقال لمن حوله : من طعنني ؟

غلام المغيرة .

ألم أقل لكم لا تجلبوا لنا من العلوج أحداً فغلبتموني(3)

وأحضر له أهله طبيباً فقال له : أي الشراب أحبُّ إليك ؟

النبيذ .

فسقوه منه ، فخرج من بعض طعناته ، فقال الناس : خرج صديداً ، ثمّ سقوه لبناً فخرج من بعض طعناته ، فينس منه الطبيب ، وقال له : لا أرى أن تمسي (4)


1) مروج الذهب : 2 : 212

2) الصفاق : الجلد الأسفل الذي تحت الجلد.

3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 12 : 187 . تاريخ المدينة : 3: 904 .

4) الاستيعاب ( المطبوع على هامش الإصابة 9 2 461. الإمامة والسياسة : 1: 21. أسد الغابة : 4 : 76 و 77

وصيّته

ولما أيقن عمر بدنو الأجل المحتوم أوصى ولده عبدالله ، وقال له : انظر ما عليّ من الدين ، فنظروا فيه فإذا به مدين لبيت المال ستين ألفاً لا نعلم أنّها من الدنانير أو من الدراهم . وقال لولده بعد أن بين مقدار دينه : إن وفى به مال آل عمر فأدّه من أموالهم ، وإلا فسل في بني عدي بن كعب ، فإن لم تف به أموالهم ، فسل في قريش ، ولا تعدهم إلى غيرهم.(1)

ويواجه هذه الوصية عدّة من المؤاخذات ذكرناها بالتفصيل في الجزء الأول من كتابنا ( حياة الإمام الحسين علیه السلام ) .

عمر مع ابنه عبدالله

وطلب عبدالله من أبيه عمر أن ينص على أحد من المسلمين ويجعله خليفة عليهم من بعده قائلا له : يا أبتي ، استخلف على أمة محمد صلی الله علیه و آله و سلم ، فإنه لو جاء راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها ، وقلت له : كيف تركت أمانتك ضائعة فكيف بأمة محمد ، فاستخلف عليهم .

ورمقه عمر بطرفه ، وأجابه : إن استخلف عليهم فقد استخلف أبوبكر ، وإن أتركهم فقد تركهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم (2).

ولعلّ « الوجع » قد غلب عمر فنسي قيام النبي الله بنصب علي خليفة من بعده في يوم « غدير خم » ، وألزم المسلمين بمبايعته ، وعمر بالذات ممّن بايعه ، وقال له:


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 12 : 188. نيل الأوطار : 6: 159. صحيح البخاري : 4 205 . تاريخ مدينة دمشق : 44: 416 أسد الغابة : 4 : 75

2) مروج الذهب : 2 : 217

بخ بخ لك يا علي ، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.

وهل أبو بكر أشفق على المسلمين من النبي فأوصى من بعده بالخلافة إلى عمر وأهمل ذلك النبي ولم يوص لأحد من بعده ؟

وعلى أي حال فإنّ عمر قد فتكت به جراحاته ، وأحاطت به الآلام ، فجزع جزعاً شديداً ، وجعل يقول : لو أن لي ما في الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه(1).

والتفت لولده عبد الله وقال له : ضع خدّي على الأرض .

فلم يحفل به ولده، وظنّ أنّه قد اختلس عقله ، وأمره ثانياً بذلك فلم يجبه ، فصاح به : ضع خدي على الأرض لا أم لك .

وبادر عبدالله فوضع خدّ أبيه على الأرض ، وأخذ يجهش بالبكاء ويقول : يا ويل عمر !! وويل أم عمر !! إن لم يتجاوز الله عنه (2)، ولعله قد لاحت له في تلك اللحظات الأخيرة من حياته ما أنزله بالأسرة النبوية من النكبات والأزمات .

وعلى أي حال فإنّ عمر بعث ولده إلى عائشة يستأذن منها أن يدفن مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وأبي بكر فسمحت بذلك (3)، وعلّقت الشيعة على ذلك فقالت : إنّ ما تركه النبي صلی الله علیه و آله و سلم من متع الحياة إن كان لا يرثه أهله ، وإنّما هي لولي الأمر من بعده حسب ما يرويه أبوبكر ، فلا وجه للاستئذان من عائشة ، وإن كان يرجع إلى ورثة النبي صلی الله علیه و آله و سلم كما يقول بذلك أهل البيت فليس لعائشة فيه أي نصيب ؛ لأن الزوجة لا ترث من الأرض ، وإنّما ترث من البناء، حسبما قرره فقهاء المسلمين ، ولا بد حينئذ أن يكون الإذن في دفنه من ورثة النبي الله صلی الله علیه و آله و سلم ولم يتحقق ذلك.


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 12 : 192.

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 12: 193.

3) المصدر المتقدم : 190

نظام الشورى

ونظام الشورى الذي وضعه عمر كنظام السقيفة ، قد أخلد للمسلمين المصاعب وألقاهم في شرّ عظيم ، وهو نظام مفضوح لا غبار عليه في أن القصد منه إقصاء الإمام اللا عن قيادة الأمة وتسليمها لبني أمية إرضاءً لعواطف القرشيين المترعة بالحقد والكراهية للإمام أمير المؤمنين علیه السلام .

ونحن نعرض إلى الشورى العمرية بدراسة وتحليل بعيدة عن العواطف التقليدية ، لم نقصد بذلك إلا إبراز الواقع التأريخي على ما هو عليه .

وعلى أي حال ، فإنّ عمر لما أحس بدنو الأجل المحتوم منه أخذ يمعن فيمن يتولى شؤون الحكم من بعده ، وقد راح يتذكر أقطاب حزبه الذين استعان بهم على البيعة لأبي بكر ، وصرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين ، فجعل يصعد حسراته ويبدي أساه عليهم قائلاً: «لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته ؛ لأنه أمين هذه الأمة ، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لاستخلفته ؛ لأنه شديد الحبّ الله تعالى ) وليس لأبي عبيدة أي نصيب في خدمة الأمة الإسلامية وجهاد يذكر .

كما أنّ سالم مولى أبي حذيفة ليس من الشخصيات الإسلامية المعروفة ، وإنّما كان من سواد المسلمين ، إلا أنه ساهم مساهمة إيجابية في مؤتمر السقيفة ، وكان كقوة ضاربة في حماية أعضائها .

وعلى أي حال فقد طلب منه أصحابه أن يرشح أحداً من بعده ليتولى شؤون المسلمين ، فأبى وقال : أكره أن أتحملها حياً وميتاً .

ولكنّه لم يلبث أن عدل عن رأيه فانتخب أعضاء الشورى الستة ، وفوّض إليهم انتخاب أحدهم ليكون والياً على المسلمين ، وبذلك فقد تحمّل الخلافة حياً وميتاً ، وعلق ابن أبي الحديد على كلامه ، قائلاً: « أي شيء يكون من التحمل أكثر من هذا ؟ وأي فرق بين أن يتحملها ، بأن ينص على واحد بعينه، وبين أن يفعل ما فعله

من الحصر والترتيب»(1)

صلاة صهيب

وأوعز عمر إلى صهيب أن يصلي بالناس حينما اغتاله أبو لؤلؤة ، فصلّى بهم ، وفي ذلك يقول الفرزدق :

صَلَّى صُهَيْبٌ ثَلاثاً ثُمَّ أَرْسَلَها ***إلى ابْنِ عَفَانَ مُلْكاً غَيرَ مَقْصُورٍ (2)

انتخاب عمر لأعضاء الشورى

وانتخب عمر ستة أشخاص ، وجعلهم أعضاء للشورى وألزمهم بانتخاب واحد منهم ليتولى قيادة الأمة ، وهم :

1- الإمام أمير المؤمنين علیه السلام

2 - سعد بن أبي وقاص

3 - الزبير بن العوام .

4 - طلحة .

5 - عثمان بن عفان .

6 - عبد الرحمن بن عوف .

والشيء البارز في هذا الانتخاب أنّه لم يجعل أي نصيب فيه للأنصار الذين نصروا النبي ، واحتضنوا مبادئه ، ولعل السبب في ذلك هو ميولهم للإمام علیه السلام ، وقد اقتصر أعضاء الشورى على الجناح القرشي ، وليس لغيرهم فيه أي نصيب .


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 12 : 260 . النص والاجتهاد : 384 .

2) نور القبس المختصر من المقتبس / المرزباني : 1. تاريخ الأمم والملوك : 3 : 298 التنبيه والاشراف : 253 .

عمر مع أعضاء الشورى

اشارة

وطلب عمر حضور أعضاء الشورى الذين انتخبهم ، فلمّا مثلوا أمامه وجّه إليهم أعنف القول وأقساه ورماهم بالصفات الذميمة التي توجب القدح في ترشيحهم المنصب الإمامة ، وقد روى المؤرّخون صوراً لحديثه معهم ، وهذه بعضها :

الرواية الأولى :

اشارة

إن أعضاء الشورى لما حضروا عنده قال لهم : أكلّكم يطمع بالخلافة بعدي ؟

ووجموا عن الكلام ، فأعاد عليهم القول ثانياً ، فأجابه الزبير : وما الذي يبعدنا منها ، وَليْتَها - أي الخلافة - أنت فقمت بها ، ولسنا دونك في قريش ، ولا في السابقة ، ولا في القرابة ... ولم يسعه الردّ عليه لأنه ليس في كلامه فجوة يسلك فيها لإبطال كلامه ، والتفت عمر إلى الجماعة فقال لهم : أفلا أخبركم عن أنفسكم ؟

فأجابوا مجمعين : قل ، فإنا لو استعفيناك لم تعفنا .

وأخذ يحدّثهم عن نفسياتهم وميولهم ، فوجه كلامه لكلّ واحد منهم :

مع الزبير

« أما أنت يا زبير ! فَوَعِقٌ لَقِسٌ(1)، مؤمن الرضا ، كافر الغضب ، يوماً إنسان ويوماً شيطان ، ولعلّها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير . أفرأيت إن أفضت إليك ، فليت شعرى من يكون للناس يوم تكون شيطاناً ؟

ومن يكون يوم تغضب !! وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الأمة وأنت على هذه الصفة » .

إن الزبير حسب هذا التحليل النفسي لشخصيته مبتلى بآفات شريرة وهي :


1) الوعق : الضجر والتبرم . اللقس : من لا يستقيم على أمر .

1 - الضجر والتبرّم .

2 - الغضب الشديد الذي يفقده الرشد

3- عدم الاستقامة في السلوك .

4 - الحرص والبخل .

وهذه النزعات من مساوئ الصفات ، ومن اتّصف ببعضها لا يصلح لأن يكون إماماً للمسلمين .. ومع هذه الصفات المائلة فيه كيف رشّحه للخلافة ؟

مع طلحة

وأقبل عمر على طلحة ، وأخذ يحدثه بنزعاته فقال له : أقول أم أسكت ؟

فزجره طلحة وقال له : إنّك لا تقول من الخير شيئاً .

وأخذ عمر يقول : أما إنّي أعرفك منذ أصيبت اصبعك يوم أحد وائياً بالذي حدث لك ، ولقد مات رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب .

وإذا كان النبيله ساخطاً على طلحة كيف يرشّحه للخلافة ، كما أنه مناقض لما قاله في أعضاء الشورى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وهو راض عنهم .

وعلّق الجاحظ على مقاله بقوله : « لو قال لعمر قائل : أنت قلت إن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم مات وهو راض عن السنّة ، فكيف تقول الآن لطلحة : إنّه مات الله ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها ، لكان قد رماه بمشاقصه (1)، ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا فكيف هذا ؟».


1) المشاقص : جمع مشقص ، وهو نصل السهم .

مع سعد بن أبي وقاص

واتجه صوب سعد بن أبي وقاص ، فقال له : إنّما أنت صاحب مقنب(1)من هذه المقانب تقاتل به ، وصاحب قنص وقوس وسهم ، وما زهرة والخلافة وأمور الناس ؟ وحكى كلام عمر اتجاهات سعد وأنّه رجل عسكري لا يفقه إلا عمليات الحروب، ولا خبرة له بالشؤون الإدارية والسياسية، وإذا كانت هذه اتجاهاته كيف جعله من أعضاء الشورى ؟

مع عبدالرحمن بن عوف

وأقبل عمر على عبد الرحمن بن عوف ، فقال له : أما أنت يا عبد الرحمن فلو وزن نصف ايمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك عليهم ، ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك ، وما زهرة وهذا الأمر ؟

إن عبد الرحمن - حسب رأي عمر - مثال للإيمان والتقوى ، وان إيمانه يساوي نصف إيمان المسلمين، ومن إيمانه المزعوم أنّه عدل عن انتخابه سيد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام و سلّم الخلافة إلى بني أُميّة ، فاتخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً .

وإذا لم تكن لعبد الرحمن شخصية صلبة وقوية - حسب رأي عمر - كيف رشّحه للخلافة ؟

مع الإمام أمير المؤمنين علیه السلام

والتفت عمر إلى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام فقال له : الله أنت لولا دعابة فيك .. أمّا والله ! لئن وليتهم لتحملتهم على الحقِّ الواضح والمحجة البيضاء.


1) المقنب : جماعة الخيل .

ومتى كانت للإمام أمير المؤمنين الله الدعابة ؟ وهو الذي ما ألف في حياته غير الجد والحزم.

إن الدعابة تنم عن ضعف الشخصية ، وقد اعترف عمر أن الإمام لو ولي أمور المسلمين لحملهم على الحق الواضح والمحجّة البيضاء ، ومن المؤكد أنّ من يقوم بذلك لا بد أن يكون شخصية قوية ذا إرادة صلبة .

وعلى أي حال فإنّ عمر اعترف بأنّ الإمام لو تقلد الحكم لسار بين المسلمين على الحق الواضح ، وحملهم على الصراط المستقيم ، فكيف جعله من أعضاء الشورى ولم يسند إليه الحكم مباشرة ؟

مع عثمان

وأقبل عمر على عثمان عميد الأسرة الأموية ، وهو الذي كتب العهد بولايته من أبي بكر ، وهو المرشّح الوحيد عنده للخلافة فقال له : هيها إليك ، كأني بك قد قلدتك قريش هذا الأمر لحبها إيّاك ، فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس ، وآثرتهم بالفيء ، فسارت إليك عصابة من ذويان العرب فذبحوك على فراشك ذبحاً .

والله ! لئن فعلوا لتفعلن ، ولئن فعلت ليفعلن ، ثم أخذ بناصيته فقال له : فإذا كان ذلك فاذكر قولي (1)

والشيء المؤكد أنّ عثمان لم تقلّده قريش منصب الخلافة ، وإنما عمر ه- الذي قلّده بها ، ولم يكن ترشيحه له في أيام مرضه وإنما كان قبل ذلك بزمان ، فقد روى الحرب بن نصر قال : حججت مع عمر ، وكان الحادي يحدو أنّ الأمير


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 185 و 186 . الايضاح : 165 . بحار الأنوار: 31 389

بعد عمر عثمان(1).

إنّ نظام الشورى الذي وضعه عمر يؤدي حتماً إلى فوز عثمان بالخلافة ، أعضاء الشورى ، وكان معظمهم ممن لهم ميول واتصال وثيق بالأمويين ، وهم لا يعدلون عن انتخابه كما سنعرض لذلك .

الرواية الثانية :

رواها ابن قتيبة أن أعضاء الشورى التقوا بعمر فقالوا له : قل فينا يا أمير المؤمنين ! مقالة نستدلّ فيها برأيك ونقتدي بها .

فقال مخاطباً لسعد : والله ! ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلا شدّتك وغلظتك مع أنك رجل حرب .

وقال لعبد الرحمن : وما يمنعني منك يا عبد الرحمن ! إلا أنك فرعون هذه الأمة .

وقال مخاطباً للزبير : وما يمنعني منك يا زبير ! إلا أنك مؤمن الرضا ، كافر الغضب

وقال لطلحة : وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره ، ولو وليها وضع خاتمه في اصبع امرأته .

وقال لعثمان : وما يمنعني منك يا عثمان ! إلا عصبيتك وحبك لقومك وأهلك .

وقال للإمام أمير المؤمنين : وما يمنعني منك يا علي ! إلا حرصك عليها ،وأنك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحق المبين والصراط المستقيم (2).

وقد اتهم عمر أعضاء الشورى بمساوئ الصفات ، فوصف عبدالرحمن


1) جواهر المطالب : 290 . تاريخ مدينة دمشق : 39 : 187 .

2) الإمامة والسياسة : 1 : 24 .

فرعون هذه الأمة ، وإذا كان ذلك فكيف جعله من أعضاء الشورى ؟ والغريب أنه في الفصل الأخير من وصاياه أناط برأيه شؤون الخلافة ، وجعل قوله في انتخاب أحد المرشحين منطق الفصل وفصل الخطاب.

ووصف الإمام بالحرص على الخلافة ، وهو اتهام مردود ، فإنّ سيرة الإمام مشرقة كالشمس بعيدة عن الحرص كل البعد، فإنّه لم يكن بأي حال من عشاق الملك والسلطان ، وإنّما نازع الخلفاء وأقام عليهم الحجّة بأنّه أولى بالخلافة وأحق بها منهم من أجل أن يقيم في هذا الشرق وفي غيره حكم القرآن وعدالة الإسلام، وقد صرّح الا بذلك بقوله : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةٌ فِي سُلْطَانٍ ، وَلَا الْتمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ ، وَلكِنْ لِتَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلادِكَ ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ .

وأدلى علیه السلام في حديثه مع ابن عبّاس عن زهده للسلطة واحتقاره للحكم ، وكان لا يخصف بيده نعله الذي كان من ليف ، فقال لابن عباس : يابْنَ عَبّاس ، ما قِيمَةُ هذَا النَّعْلِ؟

يا أمير المؤمنين ، لا قيمة له .

إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ خِلَافَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أَقِيْمَ حَقًّا وَأَدْفَعَ باطِلاً .

من أجل إقامة الحق وتطبيق العدالة الاجتماعية كان الإمام يبغي الحكم وسيلة لتحقيق مثله العليا .

الرواية الثالثة :

رواها ابن أبي الحديد المعتزلي ، قال : «نظر إلى أعضاء الشورى ، فقال لهم : قد جاءني كلّ واحد منكم يهزّ عفريته يرجو أن يكون خليفة .

ثمّ التفت إلى طلحة فقال له : أما أنت يا طلحة أفلست القائل : إن قبض النبي

أنكح أزواجه من بعده ؟ فما جعل الله محمّداً أحق ببنات أعمامنا منّا ، فأنزل الله فيك : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً (1).)ثم التفت إلى الزبير فقال له : وأما أنت يا زبير ! فوالله ما لان قلبك يوماً ولا ليلة ، وما زلت جلفاً جافياً .ووجّه خطابه إلى عثمان فقال له : وأما أنت يا عثمان ! لروثة خير منك .ثم التفت إلى عبد الرحمن بن عوف فقال له : وأما أنت يا عبد الرحمن ! فإنك رجل عاجز ، تحبّ قومك .ثم وجه خطابه إلى سعد بن أبي وقاص فقال له : وأما أنت يا سعد ! فصاحب عصبية وفتنة .ثم التفت إلى الإمام أمير المؤمنين علیه السلام فقال له : وأما أنت يا علي ! لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم . وانصرف الإمام عنه ، فالتفت عمر إلى حضار مجلسه فقال لهم : والله ! إنّي لأعلم مكان الرجل لو وليتموه أمركم لحملكم على المحجة البيضاء .وبادروا قائلين : مَن هو ؟هذا المولى بينكم - وأشار إلى الإمامما يمنعك من ذلك ؟ليس إلى ذلك من سبيل»(2)قوى ولمَ لا سبيل إلى ترشيح الإمام بعد ما رشحه النبي صلی الله علیه و آله و سلم وقلده منصب الخلافة في يوم غدير خم ، فهل هناك عيب في الإمام وعدم توفر قابليات القيادة فيه ؟ نعم،


1) الأحزاب 33: 53

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 12 : 159. الإمام علي في آراء الخلفاء : 108.

إنّها الأضغان والأحقاد التي أترعت بها نفوس القوم ضدّ وصيّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وباب مدينة علمه ، والله هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون .### الهيئة المشرفة على الانتخابوأقام عمر هيئة مشرفة على عملية الانتخاب ، وليس لها رأي سوى الإشراف ، فقد قال لأعضاء الشورى : احضروا معكم من شيوخ الأنصار ، وليس لهم من أمركم شيء ، وأحضروا معكم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس ، فإنّهما لهما قرابة ، وأرجو لكم البركة في حضورهما ، وليس لهما من أمركم شيء .والملاحظ في هذه الهيئة التي أقامها عمر هو أنّه أقصى الأنصار عن الانتخاب والاختيار لمن يرغبون فيه للحكم، وجعل لهم الإشراف المجرّد الذي يعني حرمانهم من الحكم ، وبذلك فقد نقض العهد الذي قطعه أبو بكر على نفسه للأنصار حيث قال لهم : نحن الأمراء وأنتم الوزراء .. فلم يجعل لهم عمر أي دور في شؤون الدولة ، وإنّما جعلهم شرطة وجنوداً لحكومته .. ثم إنا لا نعلم ما هي البركة التي ينعم بها أعضاء الشورى في حضور الإمام الحسن وعبد الله بن عباس ، وهما لا يملكان من الأمر شيئاً ؟### عمر مع أبي طلحة والمقدادوأراد عمر أن يحكم الشورى ويتقن بنودها ، ويفرضها على المسلمين فالتفت إلى أبي طلحة الأنصاري ، وهو فيما أظنّ مدير الشرطته ، فقال له : يا أبا طلحة ! إن الله أعزّ بكم الإسلام ، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار فألزم هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله .ثم التفت إلى المقداد وعهد إليه بما يلي : إذا اتفق خمسة وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقيهما ، وإن اتفق ثلاثة منهم

على رجل ورضي ثلاثة منهم برجل آخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس .وهذا الكلام حافل بالمؤاخذات ، سنعرض له عند البحث عن آفات الشورى .### إنذار عمر للصحابةوشيء خطير بالغ الأهمية هو أنّ عمر أنذر أعضاء الشورى وهددهم بعمرو بن العاص واليه على مصر وبمعاوية واليه على الشام ، فقد قال لهم : يا أصحاب محمد تناصحوا ، فإن لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.وعلق شيخ الإمامية الشيخ المفيد على هذا الكلام بقوله : « وإنّما أراد عمر بهذا القول إغراء معاوية وعمرو بن العاص بطلب الخلافة ، وإطماعهما فيها لأنّ معاوية كان عامله وأميره على الشام وعمرو بن العاص عامله وأميره على مصر ، وخاف أن يضعف عثمان وتصير الخلافة إلى على فألقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل إليهما وهما بمصر والشام ، فيتغلبا على هذين الاقليمين إن أفضت إلى علي(1.)وهو تحليل وثيق للغاية ، فقد أراد أن يظهر ابن العاص ومعاوية التمرّد على الإمام إن آلت الخلافة إليه ، وتحقق ذلك ، فإنّه بعد أن آلت الخلافة إلى الإمام كان معاوية وابن العاص في طليعة القوى الباغية على الإمام والمناهضة لحكمه .### راي الإمام علیه السلاموكان الإمام على يقين لا يخامره شك في موقف عمر تجاهه ، وأنه لا يرغب بأي حال من الأحوال أن يتولى شؤون المسلمين ، ولم يضع نظام الشورى إلا لأجل ذلك ، وإن ما يبغيه إيصال الحكم إلى عثمان عميد الأسرة الأموية ، فقد التقى الإمام


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 99.

بعمه العبّاس وقال له : يا عَمَ ، لَقَدْ عَدَلَتْ - أي الخلافة - عَنا .من أعلمك بذلك ؟لَقَدْ فَرَنَ بِي عُثْمَانَ وَقالَ : كُونُوا مَعَ الْأَكْثَرِ ، ثُمَّ قَالَ : كُونُوا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعْدٌ لا يُخالِفُ ابْنَ عَمِّهِ عَبْدَ الرَّحْمن ، وَعَبْدُ الرَّحْمَن صِهْرٌ لِعُثمانَ ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ ، فَإِما أَنْ يُوَلِّيها عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِعُثْمَانَ ، أَوْ يُوَلِّيها عُثْمَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ (1.)وصدق تفرّس الإمام ، فقد ولاها عبد الرحمن لعثمان إيثاراً لمصالحه وابتغاء لرجوعها إليه .لقد كانت الشورى بأسلوبها مؤامرة مفضوحة لا ستار عليها في إبعاد الإمام عن الخلافة ، يقول الإمام كاشف الغطاء : « الشورى بجوهرها وحقيقتها مؤامرة واقعية و شورى صورية ، وهي مهارة بارعة لفرض عثمان خليفة على المسلمين رغماً عليهم بتدبير بارع عاد على الإسلام والمسلمين بشرّ ما له دافع(2)وراح الإمام بعد سنين - يتحدث بأسى - عن الشورى العمرية التي صممت لإقصائه عن مركز الحكم يقول له : حَتَّى إِذا مَضَى لِسَبِيلِهِ - يعني عمر - جَعَلَهَا في جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ.فَبَاللَّهِ وَلِلنُّورَى ! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الْأَوَّلِ - يعني به أبا بكر - مِنْهُمْ ، حَتَّى صِرْتُ أَقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ ! - يعني أعضاء الشورى - ·أجل والله ! - يا أمير المؤمنين - ! إنه متى اعترض الريب لأي أحد من المسلمين وغيرهم أنك أفضل الناس علماً وجهاداً وورعاً ، ولكن الأحقاد القرشية هي التي أخرتك عن مقامك وحرمت الأمة من مواهبك وعبقرياتك.


1) تاريخ الأمم والملوك : 5 : 35 .

2) السيف والسياسة / صالح الورداني : 86 .

### آفات الشورىولم تكن الشورى العمرية سليمة ، فقد احتفت بها المؤاخذات والمناقضات من جميع جهاتها ، وخلقت الكثير من المصاعب والفتن كان منها ما يلي :1 - إن هذا النظام الذي صمّمه عمر لا يحمل أي طابع من حقيقة الشورى التي لا بد من أن تتوفّر فيها الأمور التالية :- أن تشترك الأمة بجميع شرائحها في الانتخاب.- أن لا تتدخل الحكومة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في شؤون الانتخاب.- أن تتوفر الحريات العامة لجميع الناخبين.وفقدت الشورى العمرية هذه العناصر ، ولم يعد لها أي وجود فيها ، فقد حظر عمر على الأمة وعلى الشخصيات البارزة التدخل فى الانتخاب أمثال المجاهد الكبير عمار بن ياسر والصحابي العظيم أبي ذرّ ، ومالك الأشتر الزعيم الكبير ، ولم يجعل للأنصار حماة الإسلام أي نصيب في ذلك ، وإنّما فوّض عمر الأمر إلى ستة أشخاص ، وجعل آراءهم منطق الفصل ، وهذا لون من ألوان التزكية تفرضه بعض الحكومات التي لا تعنى بأي حال بإرادة شعوبها ، ومضافاً إلى ذلك فقد أوعز إلى الشرطة بالتدخل في عمليات الانتخاب ، وعهد إليهم بقتل كل شخص من أعضاء الشورى لا يتفق مع البقية منهم .كما أن عمر قد حدد مدة الانتخاب لأعضاء الشورى بثلاثة أيام ، وقد ضيّق بذلك الوقت على الناخبين خوفاً أن تتبلور الأوضاع وتتدخل القطعات الشعبية لانتخاب من يشاءون فيفوت غرضه .2 - إنّ هذه الشورى قد ضمّت بعض العناصر المعادية للإمام علیه السلام والحاقدة عليه ، ففيها عثمان بن عفان عميد الأسرة الأموية ، وموقف الأمويين من الإمام معروف وعداؤهم له ظاهر، وفيها عبد الرحمن بن عوف وهو صهر لعثمان ،

وفيها سعد بن أبي وقاص ، وهو من الحاقدين على الإمام لأنّ أخواله الأمويون الذين وترهم الإمام ، فإنّ أمّه حمنة بنت أبي سفيان ، وسعد حينما بويع الإمام بعد مقتل عن بيعته ، وقد اختار عمر هذه العناصر المنافسة للإمام حتى لا يؤول الأمر إليه.وقد تحدّث الإمام عن المؤثرات التي لعبت في ميدان الانتخاب قال : ولكِنِّي الله أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُوا ، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا ، فَصَعًا رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ ، وَمَالَ الْآخَرُ لِصِهْرهِ ، مَعَ هَن وَهَن (1.)إنّ هذه الشورى لم يكن المقصود منها - حسب ما يراه المحققون - إلا إقصاء الإمام عن الحكم ومنحه للأمويين .يقول العلائلي : « إن تعيين الترشيح في سنّة ، مهد السبيل لدى الأمويين لاستغلال الموقف، وتشييد صرح مجدهم على أكتاف المسلمين .وقد وصل إلى هذه النتيجة السيّد مير علي الهندي ، قال : إن عدم حرم عمر على مصلحة المسلمين دفعه إلى اختيار هؤلاء السنّة من أهل المدينة من دون أن يتبع سياسة سلفه ، وكان للأمويين حزب قوي في المدينة ، ومن هنا مهد اختياره - أي عمر - السبيل لمكائد الأمويين ودسائسهم هؤلاء الذين ناصبوا الإسلام العداء ، ثم دخلوا فيه وسيلة لسدّ مطامعهم وتشييد صروح مجدهم على أكتاف المسلمين»(2.)إنّ أدنى تأمل في أمر هذه الشورى يوحي بأن المقصود منها إبعاد الإمام عن الحكم وتسليمه للأمويين.3- إنّ إنّ عمر عمد في هذه الشورى إلى إبعاد الأنصار ، فلم يجعل لأي أحد منهم


1) نهج البلاغة : 1 : 35 النص والاجتهاد : 383. الغدير : 7: 81

2) الإمام الحسين علیه السلام : 1 : 267 .

نصيباً فيها ، وهم آووا النبي ونصروا الإسلام في أيام محنته وغربته ، وقدموا أبناءهم قرابين للدعوة الإسلامية ، وقد أوصى بهم النبي صلی الله علیه و آله و سلم خيراً ، كما لم يجعل عمر فيها لعمار وأبي ذرّ ومالك الأشتر وغيرهم من أعلام الإسلام أي نصيب ، وأكبر الظنّ إنّه إنّما أبعدهم لأنّ لهم هوى مع الإمام ، ولهذه الجهة أقصاهم وقصر أعضاء الشورى على العناصر الحاقدة على الإمام .4 - إن عمر قد شهد في حق أعضاء الشورى أنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم مات وهو عنهم راض أو أنّه شهد لهم بالجنّة ، فكيف عهد إلى الشرطة بضرب أعناقهم إن تخلّفوا عن انتخاب أحدهم ، ويقول الناقدون لهذه الشورى إنّه كيف ساغ لعمر الأمر بقتلهم إن تخلفوا عن الانتخاب مع العلم أن الإسلام حرم بصورة جازمة إراقة الدماء وأوجب التحرّج فيها إلا في مواضع مخصوصة ذكرها الفقهاء وهذا ليس منها .5- إنّ عمر إنّما قصر أعضاء الشورى على سنّة بحجّة أنّ رسول الله له مات وهو عنهم راض ، وذلك لا يصلح دليلاً على حصر أعضاء الشورى فيهم ؛ لأنّ رسول الله الله مات وهو راض عن كثير من صحابته ، فتقديم هؤلاء عليهم إنّما هو من باب الترجيح بلا مرجّح وهو مما يتسم بالقبح كما يقول علماء الأصول .6- إن عمر جعل الترجيح في الانتخاب إلى الجهة التي تضمّ عبدالرحمن بن عوف ، وقدّمها على الجهة التي تضم الإمام أمير المؤمنين الله ، وهو تحيّز ظاهر لا خفاء فيه إلى القوى القرشية الحاقدة على الإمام علیه السلامكما أنا لا نعلم أي ميزة اختص بها عبد الرحمن حتّى يستحق هذا التكريم والتبجيل ، وهو وطلحة والزبير قد استأثروا بأموال المسلمين وفيئهم ، وملكوا من الثراء العريض ما لا يحصى ، حتى تحيّروا في صرفه وإنفاقه، وقد ترك ابن عوف من الذهب ما يكسر بالفؤوس لكثرته وضخامته، ومن المعلوم أن هذا الثراء العريض قد اختلسه هو وأمثاله من الرأسماليين من فيء المسلمين

وعلى أي حال أمثل عبد الرحمن يقدّم على الإمام أمير المؤمنين ، وهو صاحب المواقف المشهودة في نصرة الإسلام ، مضافاً إلى مواهبه وعبقرياته وتنكره للمحسوبيات والمصالح الخاصة وشدّة تحرّجه في الدين ، والله تعالى يقول : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (1)؟)7 - إنّ هذه الشورى أوجدت التنافس بين أعضائها وأشاعت الاختلاف والفرقة بينهم ، فعبد الرحمن بن عوف هو الذي قلّد عثمان الخلافة إلا أنه لما ضاعت آماله ولم يحقق أي شيء من مصالحه في حكومة عثمان أخذ يؤلب عليه ، ودعا الإمام أمير المؤمنين ليحمل كلّ منهما سيفه ليناجزه ، وأوصى أولياءه بعد موته أن لا يصلى عليه عثمان ، وكذلك كان الزبير شيعة للإمام الله ، وهو الذي وقف إلى جانبه ي--وم السقيفة ، وقد قال في أيام عمر : والله لو مات عمر بايعت عليّاً ، ولكن الشورى قد نفخت فيه روح الطموح، فرأى نفسه نداً للإمام ففارقه بعد أن صارت الخلافة إليه وخرج عليه يوم الجملوقد أدى التنازع والتخاصم بين أعضاء الشورى وغيرهم إلى تصديع كلمة المسلمين وتشتيت شملهم ، وقد التفت إلى ذلك معاوية بن أبي سفيان ، فقد قال لأبي الحصين الذي أوفده زياد لمقابلته : بلغني أن عندك ذهناً وعقلاً، فاخبرني عن شيء أسألك سلني عما بدا لك .أخبرني ما الذي شتّت شمل أمر المسلمين وملئهم وخالف بينهم ؟قتل الناس عثمان .ما صنعت شيئاً .


1) الزمر 939

مسیر عليّ إليك وقتاله إيّاك .ما صنعت شيئاً .مسیر طلحة والزبير وعائشة وقتال عليّ إيّاهم .ما صنعت شيئاً .ما عندي غير هذا.أنا أخبرك ، إنّه لم يشتت بين المسلمين ولا فرق أهواءهم إلا الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر ، وذلك أنّ الله بعث محمّداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، فعمل بما أمره الله به ، ثمّ قبضه الله إليه ، وقدّم أبابكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الأمر دينهم ، فعمل بسنة رسول الله وسار بسيرته حتى قبضه الله واستخلف عمر ، فعمل بمثل سيرته ، ثم جعلها شورى بين ستة نفر ، فلم يكن رجل منهم إلّا رجاها لنفسه ، ورجاها له قومه ، وتطلعت إلى ذلك نفسه ، ولو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبوبكر ما كان في ذلك خلاف(1.)إن عمر مهد الطريق لعثمان واستخلفه على المسلمين بأسلوب بارع وسافر ، والشورى إنّما هي طريق لهذه الغاية، ولكنّها أشاعت الأطماع والأهواء السياسية . وألقت المسلمين في شرّ عظيم .هذه بعض آفات الشورى وهي - بصورة جازمة غير خاضعة للأهواء والعواطف المذهبية - التي مهدت الطريق للطلقاء وأبنائهم للاستيلاء على السلطة والقبض على زمام الحكم ، وإبعاد القوى الإسلامية عن الحياة السياسية ، الأمر الذي نجم منه نهب ثروات الأمّة وإذلال الأخيار والتنكيل بعترة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم


1) العقد الفريد : 3: 73 و 74 . كتاب الأربعين / محمد طاهر القمي : 571 .

### عملية الانتخابولما مضى عمر لربه ، وواروه في مقره الأخير أحاط الشرطة بأعضاء الشورى ، وألزموهم بالاجتماع واختيار شخص منهم ليتولى شؤون المسلمين تنفيذاً لوصية عمر .واجتمع أعضاء الشورى في بيت المال ، وقيل في بيت مسور بن مخرمة ، وأشرف على عملية الانتخاب الإمام الحسن وعبد الله بن عباس ، وبادر المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص فجلسا في عتبة الباب فنهرهما سعد بن أبي وقاص وقال لهما : تريدان أن تقولا حضرنا وكنا في أهل الشورى .وتداول الأعضاء فيما بينهم الحديث عمن هو أحق بالخلافة وولاية أمر المسلمين ، وانبرى الإمام أمير المؤمنين فحذرهم مغبة ما يحدث من الفتن والفساد إن استجابوا العواطفهم ولم يؤثروا مصلحة الأمة ، قائلاً : لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَىٰ دَعْوَةِ حَقٌّ ، وَصِلَةِ رَحِمٍ ، وَعَائِدَةِ كَرَمِ. فَاسْمَعُوا قَوْلِي ، وَعُوا مَنْطِقِي ؛ عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الأمر - أي الخلافة - مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ تُتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ ، وَتَخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ ، حَتَّىٰ يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ ، وَشِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ .ولم يستجيبوا لدعوة الإمام ولم يعوا منطقه ، وانسابوا وراء رغباتهم تسيرهم القوى القرشية المحيطة بهم، والتي تريد انتخاب من يضمن مصالحها ويحقق نفوذها غير حافلين بمصلحة الأمّة .وعلى أي حال فقد عمّ الجدل بين أعضاء الشورى ، ولم ينتهوا إلى غاية مريحة ، وجماهير الشعب كانت تنتظر بفارغ الصبر النتيجة الحاسمة . وعقد الاجتماع مرة أخرى إلا أنه باء بالفشل ، وأشرف على أعضاء الشورى أبو طلحة الأنصاري ، فأخذ يتهدّدهم ويتوعدهم قائلاً : لا والذي نفس عمر بيده لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمرتم .

واقترب اليوم الثالث الذي عينه عمر ، فانعقد الاجتماع ، فانبرى طلحة فوهب حقه لعثمان ، وإنّما فعل ذلك لأنه كان حاقداً على الإمام بسبب منافسته لابن عمه أبي بكر على الخلافة ، واندفع الزبير فوهب صوته للإمام علیه السلام ، وانطلق سعد فوهب حقه لعبد الرحمن بن عوف .وكان رأي عبد الرحمن هو الفيصل والحاسم لأنّ عمر قد وضع ثقته به وأناط به أمر الشورى ، إلا أنه كان ضعيف الإرادة لا قدرة له على إرداة شؤون الحكم ، فأجمع رأيه على ترشيح غيره للخلافة ، وكان له هوى مع عثمان لأنه صهره ، وقد أشار عليه عامة القرشيين في انتخابه ، وزهدوه في الإمام علیه السلام لأنه الوحيد الذي وترهم في سبيل الإسلام .وحلّت الساعة الرهيبة التي لم يخضع فيها ابن عوف لمصلحة المسلمين ، واتبع هوى القرشيين الذين ناهضوا الإسلام في جميع مراحله .والتفت ابن عوف إلى ابن أخته مسور فقال له : يا مسور، اذهب فادع عليّاً وعثمان .بأيهما أبدأ ؟بأيهما شئت .ومضى مسور مسرعاً فدعا عليّاً وعثمان ، وازدحم المهاجرون من قريش والأنصار وسائر الناس ، فعرض عليهم الأمر وقال لهم : أيها الناس ، إن الناس قد اجتمعوا على أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم ، فأشيروا علي ؟وتقدّم الطيب ابن الطيب عمّار بن ياسر فأشار عليه بما يرضي الله ورسوله ، ويضمن للأمة سلامتها فقال له : إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع عليّاً .وانبرى المقداد فأيّد مقالة عمّار قائلاً: صدق عمّار، إن بايعت عليّاً سمعنا وأطعنا .

واندفعت القوى القرشية الحاقدة على الإسلام فشجبت مقالة عمار والمقداد ودعت إلى ترشيح عثمان عميد الأسرة الأموية المعادية للإسلام ، وقد رفع عبد الله ابن أبي سرح صوته مخاطباً ابن عوف : إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان .وأيده عبد الله بن أبي ربيعة قائلاً: إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا .وردّ عليهم الصحابي العظيم عمّار بن ياسر قائلاً : متى كنت تنصح للمسلمين ؟ وصدق عمار ، متى كان ابن أبي سرح ينصح للمسلمين وهو الذي كفر بجميع قيم الإسلام وكان جاهليّاً بجميع مراحل حياته ، وهو من أشدّ الأعداء إلى رسول الله الله ، وقد أمر بقتله ، ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة ة (1.)أنّه لو كان هناك أي منطق سائداً لأقصي هذا الدعي وسائر القبائل القرشية من التدخل في شؤون المسلمين ؛ لأنها هي التي ناجزت النبي له وحرضت عليه القبائل وصممت على قتله ، ففر منهم في غلس الليل تاركاً وصيه وابن عمه في فراشه ، وبعدما هاجر منهم إلى يثرب خفّوا بجيوشهم إلى قتاله ، فكيف يسمح لهم بالتدخل في شؤون المسلمين ؟ إنّ الحكم والرأي يجب أن يكون بيد أمثال عمّار وأبي ذرّ ومالك الأشتر والأنصار ، وغيرهم يكونون في ذيل القافلة .وعلى أي حال فقد احتدم الجدال بين الهاشميين وأنصارهم ، وبين الأمويين وأتباعهم ، فانبرى عمّار بن ياسر يدعوهم إلى الصالح العام قائلاً: أيها الناس ، إنّ الله أكرمنا بنبيه ، وأعزنا بدينه ، فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ؟فانبرى رجل من مخزوم فقطع على عمار كلامه قائلاً: لقد عدوت طورك يابن سمية ، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها ؟إن هذا الجاهلي يرى عماراً قد تعدّى طوره ؛ لأنه تدخل في شؤون قريش التي


1) الاستيعاب : 2 : 375 تاريخ المدينة : 3 : 929 و 930 تاريخ الأمم والملوك : 3 : 297 .

أناطت بهم الشورى العمرية شؤون المسلمين.إنّ عمّاراً وأباه ياسراً وأمّه سميّة ممّن يعتز بهم الإسلام ويفخر بنضالهم وجهادهم ، فهم الطليعة الأولى التي ساهمت في بناء الإسلام وأقامت صروحه .. إنّ أمر الخلافة يجب أن يكون بيد عمار وغيره من الضعفاء الذين أعزّهم الله بدينه ، وليس للقرشيين وغيرهم من الطغاة أي حق في التدخل في شؤون المسلمين لو كان هناك منطق أو حساب .وعلى أي حال فقد احتدم النزاع بين المسلمين والقرشيين ، فخاف سعد أن يفوت الأمر وتفوز الجبهة الموالية للإمام ، فالتفت إلى ابن عمه عبد الرحمن فقال له : يا عبد الرحمن ، افرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس .والتفت ابن عوف إلى الإمام قائلاً: هل أنت مبايعي على كتاب الله ، وسنّة نبيه ، وفعل أبي بكر وعمر ؟ورمقه الإمام بطرفه فأجابه بمنطق الإسلام ومنطق الأحرار : بَلْ عَلى كِتابِ اللهِ ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، وَاجْتِهادِ رَأيي .إن مصدر التشريع في الإسلام إنّما هو كتاب الله وسنّة نبيه ، وعليهما يجب أن تسير الدولة ، وليس فعل أبي بكر وعمر من مصادر التشريع ، بالاضافة إلى أن عمر قد خالف أبا بكر في سياسته المالية ، وأوجد نظام الطبقية ، فقدم بعض المسلمين على بعض في العطاء ، وحرّم المتعتين ؛ متعة الحج ومتعة النساء ، وكانتا مشروعتين في عهد الرسول وفي عهد أبي بكر ، فعلى أي المنهجين يسير ابن أبي طالب ؟إن ابن عوف إنّما شرط عليه ذلك لعلمه أنّ الإمام لا يستجيب له ، وأنه لو تقلّد الخلافة لساس المسلمين سياسة قوامها العدل الخالص والحق المحض ، ولم يمنح سر القرشية أي امتياز ، وساوى بينهم وبين المسلمين.إن امتناع الإمام من إجابة عبد الرحمن تدلّ على مدى واقعيته ؛ فإنه لو كان

من هواة الملك وعشاق السلطان لأجابه إلى ذلك ، ثم يسلك في سياسته حسب ما يراه ، فإن عارضه ابن عوف بعد ذلك فيلقيه في السجن .وعلى أي حال، فإنّ عبد الرحمن لما يئس من الإمام التفت إلى عثمان زعيم الأمويين فشرط عليه ذلك فأجابه بلا تردّد ، وفيما أحسب أن هناك اتفاقاً سرياً على ذلك لحرمان الأمة من حكم الإمام .ویرى بعض المؤرّخين من الافرنج أن عبد الرحمن استعمل طريقة الانتهازية والخداع ولم يترك الانتخاب يجري حرّاً .وبادر ابن عوف بعد أن استجاب له عثمان فصفق بكفّه على يديه ، وقال له : اللهم إنّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان .ووقعت بيعة عثمان كصاعقة على القوى الخيرة التي جهدت على أن تسود كلمة الله في الأرض ، وراح الإمام يندد بابن عوف قائلاً : والله ! ما فَعَلْتَها إِلَّا لِأَنَّكَ رَجَوْتَ مِنْهُ ما رَجا صاحِبُكُما لعله يعني أبا بكر وعمر - مِنْ صاحِبِهِ دَقَّ اللَّهُ بَيْنَكُما عِطْرَ مَنْشِمٍ (1.)إنّ عبد الرحمن إنّما انتخب عثمان من أجل أطماعه السياسية راجياً أن يكون خليفة من بعده ، ووجه الإمام خطابه للقرشيين قائلاً : لَيْسَ هَذا أَوَّلَ يَوْمٍ تَظاهَرْتُمْ فِيهِ عَلَيْنا ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ.ولذع منطق الإمام ابن عوف فراح يهدّده قائلاً: يا علي ، لا تجعل على نفسك سبيلاً.


1) منشم : اسم امرأة بمكة كانت عطّارة ، وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها ، فإذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم فكان يقال : اشأم من عطر منشم ، جاء ذلك في صحاح الجوهري :2 2041. وقد استجاب الله دعاء الإمام فكانت بين عبدالرحمن وعثمان أشدّ المنافرة والخصومة ، وقد أوصى أن لا يصلي عليه عثمان بعد موته

وغادر الإمام المظلوم قاعة الاجتماع وهو يقول : سَيَبْلُغُ الْكِتابُ أَجَلَهُ .والتاع عمّار فخاطب ابن عوف قائلاً: یا عبدالرحمن ! أما والله لقد تركته ، وإنّه من الذين يقضون بالحق ويه كانوا يعدلون .وذابت نفس المقداد أسى وحزناً وراح يقول : تالله ! ما رأيت مثل ما أتى إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم ، واعجباً لقريش ، لقد تركت رجلاً ما أقول ولا أعلم أنّ أحداً أقضى بالعدل ولا أعلم ولا أتقى منه ، أما لو أجد أعواناً .وقطع عليه عبد الرحمن كلامه ، وراح يحذره من الفتنة قائلاً: اتق الله يا مقداد ! فإنّي أخاف عليك الفتنة (1.)وهكذا تغلبت قريش على سائر القوى الخيرة التي أرادت إرجاع الحق إلى أهله ومعدنه ، وهم أهل بيت النبوة ومعدن الحكمة ، الذين ساهموا في بناء الإسلام، وقام على أكتافهم ، واستشهد أعلامهم أمثال الشهيد الخالد جعفر الطيار وحمزة وعبيدة وغيرهم ، كما قام بجهود الإمام أمير المؤمنين وجهاده.وعلى أي حال فقد انتهت ماسأة الشورى التي صمّمت لإقصاء الإمام عن الحكم ، وقد أخلدت للمسلمين الفتن وألقتهم في شرّ عظيم .


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1 : 194. بحار الأنوار: 31: 402 و 403 .

## حُکومَةُ عُثمان### اشارة

واستقبلت القوى الخيّرة خلافة عثمان بكثير من القلق والوجوم والاضطراب، فقد اعتبرت فوزه في الحكم فوزاً لأسرة الأمويين الذين لم يألوا جهداً في محاربة الإسلام والكيد للمسلمين، ويرى ( دوزي أن انتصار الأمويين إنّما هو انتصار للجماعة التي كانت تضمر العداء للإسلام (1).)لقد خاف المسلمون على دينهم ، وخافوا على دولتهم من الأمويين ، وتحقق ما خافوا منه ، فإنّه لم يمض قليل من الوقت حتى استولى الأمويون على جميع أجهزة الدولة ، وسخّروا الاقتصاد العام لمصالحهم حتى عمّ الفقر وسادت الفوضى في جميع أنحاء البلاد .إن عثمان حينما فرضه ابن عوف خليفة على المسلمين احتف ب-ه الأم-ويون واخوانهم القرشيّون ، وجاءوا به يزفونه إلى مسجد النبي الله ، وقد علت أصواتهم بالدعم الكامل لحكومته ، والهتاف بحياته ، واعتلى عثمان المنبر فجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، ولم يجلس في المكان الذي كان يجلس فيه أبو بكر وعمر ، وارتاب بعض الحاضرين ، فقالوا : اليوم وُلد الشرّ (2.)


1) تاريخ الشعر العربي : 26 .

2) تاريخ اليعقوبي : 2 : 140 البداية والنهاية : 7: 148. بحار الأنوار: 31 245 الغدير 260 164:8 و : 9: 260 .

واتجه المجتمع ليسمع ما يدلي به عثمان ، وما يفتح به مناهجه السياسية ، فارتج عليه ولم يدر ما يقول ، وجهد نفسه فألقى هذه الكلمات المتقطعة المضطربة .« أما بعد ، إنّ أوّل مركب صعب ، وما كنا خطباء ، وسيعلم الله ، وأن امرءاً ليس بينه وبين آدم إلا أب ميت ، لموعوظ » ، ثم نزل عن المنبر وهو وجل (1، وأنت ترى أنه ليس بين هذه الكلمات أي ربط أو اتصال، وإنّما كانت متنافرة في أسلوبها الأمر الذي دعا الحاضرين ليهزأوا به ويسخروا منه ، وكان ذلك من آفات الشورى التي امتحن بها المسلمون ، فقد أقصت أمير البيان ورائد الحكمة والعدالة في دنيا الإسلام وفرضت عثمان حاكماً على المسلمين.)### مظاهر شخصيّته#### اشارةولا بد لنا من التحدّث عن مظاهر شخصيّة عثمان التي هي المقياس في نجاح حاكم أو فشله في الميادين السياسية والاجتماعية وهذه بعضها :#### 1- ضعف الإرادةكان عثمان - فيما أجمع عليه المؤرّخون - ضعيف الإرادة ، خائر العزيمة ، ولم تكن له أية قدرة على مواجهة الأحداث والتغلب عليها ، فقد استولى عليه الأمويون وسيطروا على جميع شؤونه ، ولم يستطع أن يقف موقفاً إيجابياً ضدّ رغباتهم وأهوائهم ، ووصفه بعض الكتاب المحدثين بأنه كالميت في يد الغاسل لا حول له ولا قوة .وكان الذي يدير شؤون دولته مروان بن الحكم ، فهو الذي يعطي ويمنع ويتصرّف حسب ما يشاء ، ولا رأي لعثمان ولا اختيار له ، وقد قبض على الدولة بيد من


1) أخبار الموفقيات : 202 . الطبقات الكبرى : 3 : 62.

حديد ، يقول ابن أبي الحديد : إن الخليفة في الحقيقة والواقع إنما كان مروان ، وعثمان له اسم الخلافة.وأراد بعض المؤرّخين أن يدافع عن عثمان فقال : إنّه كان شديد الرأفة والرقة واللين والتسامح .نعم ، إنه كذلك ، ولكن مع أرحامه وأسرته ، أما مع الجبهة المعارضة لسياسته فقد اتسم بالشدّة والغلظة معهم ، فقد نفى المصلح العظيم أباذر إلى الشام ، ثمّ إلى الربذة ، وفرض عليه الإقامة الجبرية فيها ، وقد انعدمت في هذه البقعة جميع وسائل الحياة حتى مات جائعاً غريباً وفي يد عثمان ذهب الأرض ينفقه بسخاء على بني أمية وآل أبي معيط كما نكل بالطيب ابن الطيب عمّار بن ياسر صاحب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فأمر بضربه حتى أصابه فتق ، وألقته شرطته في الطريق مغمى عليه .كما نكل بعبد الله بن مسعود القارئ الكبير فقد ألهبت جسمه سياط شرطته وهشموا أضلاعه وحرّم عليه العطاء ، وهكذا كانت معاملته مع الناقمين لسياسته ، أما المؤيّدون له فقد وهبهم الثراء العريض وأسند لهم المناصب الحسّاسة في الدولة وحملهم على رقاب الناس .#### 2 - حبه العارم للأمويينمن النزعات التي اشتهر بها عثمان هو أنه كان عظيم الحب والولاء لأسرته ، حتى تمنّى أن تكون مفاتيح الجنّة بيده ليهبها لبني أمية ، ولما تقلد زمام الدولة آثرهم بالفيء ، ووهبهم الملايين ، وجعلهم ولاة على الأقطار والأمصار الإسلامية ، وكانت تتواتر إليه الأخبار أنّهم جانبوا الحق وأشاعوا الفساد في الأرض فلم يحفل بذلك ، ولم يجر معهم أي لون من التحقيق الأمر الذي أدّى إلى النقمة عليه ، وسنتعرف على ذلك في البحوث الآتية .

#### 3 -ميله إلى الترفوكان عثمان شديد الميل إلى الترف والبذخ ، فاتخذ القصور، واصطفى ما شاء من بيت المال ، وأحاط نفسه بالثراء العريض ، ووصفه الإمام لا بقوله : نَافِجَاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَشِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ ، وكان ذلك من موجبات النقمة عليه .#### 4 - مصانعة الوجوهومن نزعاته مصانعة الوجوه والأشراف ، وإن أدّى ذلك إلى إهمال الأحكام الشرعية ، وكان من ذلك ما ذكره المؤرّخون أنّ أبا لؤلؤة لما اغتال عمر قام ولده عبيد الله فقتل الهرمزان صديق أبي لؤلؤة ، وقتل جفينة وابنة أبي لؤلؤة ، وهو قتل متعمد بغير حقّ ، فأقفل عثمان سير التحقيق مع عبيد الله وأصدر عفواً عنه ممالأة لأسرة عمر ، وقد قوبل هذا الإجراء بمزيد من الانكار ، فقد أنكر عليه الإمام وطالبه بالقود من ابن عمر ، وكذلك طالبه المقداد فلم يعن عثمان بذلك ، وكان زياد بن لبيد إذا لقي عبيد الله بن عمر خاطبه بهذه الأبيات :ألا يا عُبيد الله ! مالك مَهرَبٌ ***وَلَا مَلْجَأَ مِنْ ابْنِ أَرْوَى ولا خَفَرْأَصَبْتَ دَماً وَاللهِ ! في غَيرِ حِلْهِ ***حَراماً وَقَتلُ الهُرْمُزانِ لَهُ خَطَرْعَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ قَالَ قَائِلٌ أَتَنَّهمُونَ الهرمزان عَلى عُمَرُ ؟فَقالَ سَفيه وَالحَوادِثُ جَمَّةٌ نَعَمْ أنَّهِمْهُ قَدْ أَشَارَ وَقَدْ أَمَرْ !وَكانَ سِلاحُ العَبدِ في جَوفِ بَيْتِهِ يُقَلبُها وَالأَمرُ بِالأَمرِ يُعتَبَرْوشكا عبيد الله إلى عثمان ما قاله زياد فيه ، فدعاه عثمان ونهاه عن ذلك إلا أنه لم ينته ، وتناول عثمان بالنقد فقال فيه :أَبا عمرو عبيد اللهِ رَهْنٌ فَلا تَشْكُك بِقَتْلِ الهُرْمزانفَإِنَّكَ إِنْ غَفَرْتَ الجُرْمَ عَنهُ ***وأسبابُ الخَطا فَرَسا رِهانِ

أَتَعْفُو إِذْ عَفَوتَ بِغَيْرِ حَق ***فَما لَكَ بِالَّذِي تَحْيِي يَدانِوغضب عثمان من زياد وحذره العقوبة حتى انتهى (1.)وأمر عثمان بإخراج عبيد الله إلى الكوفة ، وأقطعه بها أرضاً واسعة ، فنسبت إليه ، وقيل ( كويفة ابن عمر ، وكانت هذه الحادثة من الأسباب التي أدت إلى نقمة المسلمين عليه . (2))### ولاته وعماله#### اشارةوفرض عثمان أسرته وذوي قرباه من بني أمية وآل أبي معيط ولاة وحكاماً على المسلمين ، يقول المقريزي : « وجعل عثمان بنى اميّة أوتاد خلافته » ، مع العلم : أنه لم تتوفّر في أي واحد منهم القابلية لتحمّل المسؤولية وإدارة دفة الحكم ، أنّ الكثيرين منهم ليس لهم معرفة بأحكام الإسلام ، كما لم تكن لهم حريجة في الدين، فكيف يجعلون ولاة ويرى السيد مير علي أنّ المسلمين تذمروا من استبداد الحكام واغتصابهم الأموال (3، وكان من ولاته أبو موسى الأشعري ، فسمح لأحد عماله بالتجارة في أقوات أهل العراق (4).)وعلى أي حال فإنّا نعرض إلى بعض عماله الذين عانى منهم المسلمون الجهد والبلاء ، وفيما يلي ذلك:


1) تاريخ الأمم والملوك : 3: 303 .

2) معجم البلدان : 4 : 496 .

3) مختصر تاريخ العرب : 43 .

4) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 262

#### 1 - عبدالله بن عامرعبدالله بن عامر بن كريز هو ابن خال عثمان ، وقد ولاه إمارة البصرة بعد أن عزل منها أبا موسى الأشعري ، وكان ولاجاً خراجاً (1، وهو أول من لبس الخ-ز في البصرة ، وقد لبس جبة دكناء ، فقال الناس : لبس الأمير جلد دبّ ، فغيّر لباسه ولبس جبة حمراء (2).)وقد نقم الناس من سياسته وسوء تصرّفاته، وعابوا على عثمان ولايته له ، وخف إلى يثرب عامر بن عبدالله موفداً من قبل أهل البصرة يطالب عثمان بالاستقامة في سلوكه فقال له : إن أناساً من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أموراً عظاماً ، فاتق الله عزّ وجلّ وتب إليه وانزع عنها .فاحتقره عثمان وأعرض عنه ، وقال لمن حوله : انظروا إلى هذا، فإنّ الناس يزعمون أنه قارئ ، ثم هو يجيء فيكلمني في المحقرات ، فوالله ! ما يدري أين الله ؟ولم يكلمه عامر إلا بتقوى الله وطاعته، وإيثار مصلحة المسلمين ، فهل هذه الأمور من المحقرات ؟والتفت إليه عامر فقال له : أنا لا أدري أين الله .نعم .إنِّي لأدري إن الله بالمرصاد .وغضب عثمان ، فعقد مؤتمراً مع مستشاريه ، وعرض عليهم انتقاد المعارضين


1) الكامل في التاريخ : 3 : 38 تاريخ الأمم والملوك : 3 : 319

2) أسد الغابة : 3 : 192 . الطبقات الكبرى : 5 : 47. معجم البلدان : : : 433 . فتوح البلدان : 2 426

لسياسته ، فأشار عليه ابن خاله عبد الله بن عامر أن يتخذ معهم الاجراءات الصارمة قائلاً: رأي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك ، وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك ، فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه ، وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته .وأشار عليه آخرون بخلاف ذلك ، إلّا أنّه استجاب لرأي ابن خاله ، وأوعز إلى عماله بالتضييق على الجبهة المعارضة ، ومقابلتهم بالشدّة والعنف ، فاستجاب له ، وطبّق ما أشار عليه ، فقد أمر عمّاله بتجمير الناس في البعوث ، وعزم على حرمانهم من العطاء حتى يشيع الفقر فيهم والبؤس، فيضطروا إلى طاعته(1.)ولما قفل عبد الله بن عامر إلى البصرة عمد إلى التنكيل بعامر بن عبدالله ، وأوعز إلى عملائه أن يشهدوا عليه شهادة زور بأنه خالف المسلمين في أمور قد أحلّها الله كان منها :1 - أنه لا يأكل اللحم .2- لا يشهد الجمعة .لا يرى مشروعية الزواج (2.)ودوّنت شهادتهم ، ورفعها إلى عثمان ، فأمره بنفيه إلى الشام ، وحمله على قتب حتى يشق عليه السفر ، ولما انتهى إلى الشام أنزله معاوية ( الخضراء ، وبعث إليه بجارية تكون عيناً عليه ، وأشرفت عليه الجارية فرأته يقوم في الليل متعبداً ، ويخرج من السحر فلا يعود إلا بعد العتمة ، ولا يتناول من طعام معاوية شيئاً ، وكان يتناول كسراً من الخبز ويجعلها في الماء تحرّجاً من أن يدخل جوفه شيء من الحرام ،)


1) تاريخ الأمم والملوك : 5: 94 تاریخ ابن خلدون : 2 : 39. الغدير : 9: 53 .

2) الفتنة الكبرى : 1 : 116 .

وانبرت الجارية فأخبرت معاوية بشأنه ، فكتب إلى عثمان بأمره(1، وقد نقم الأخيار والمتحرّجون في دينهم على عثمان لما اقترفه في شأن هذا العبد الصالح.)وعلى أي حال فقد ظل عبدالله بن عامر والياً على البصرة لم يتحرّج من إثم وبغي، ولما قتل عثمان نهب ما في بيت المال وسار إلى مكة ، فوافي بها طلحة والزبير وعائشة فانضم إليهم ، وأمدهم بالأموال التي نهبها ليستعينوا بها على حرب الإمام أمير المؤمنين ، وهو الذي أشار عليهم بالنزوح إلى البصرة (2.)إنّ هذا الذئب الجاهلي من ولاة عثمان ومن المقربين إليه ، وقد أسند إليه ولاية هذا الإقليم المهم .#### 2 - الوليد بن عقبةوكان سعد بن أبي وقاص الزهري والياً على الكوفة ، فعزله عثمان وولّى عليها الوليد بن عقبة ، وهو - فيما أجمع عليه المؤرّخون - من فساق بني أمية ، ومن أكثرهم مجوناً ، وقد أخبر النبي الله أنه من أهل النار (3، وكان أبوه عقبة من ألد أعداء النبي الله ، فكان يأتي بالروث ويطرحه على بابه (4)، وهو الذي بصق بوجه النبي ، فهدده بأنّه إن وجده خارجاً من جبال مكة يأمر بضرب عنقه ، ولما كانت واقعة بدر امتنع من الخروج ، فأصرّ عليه أصحابه فأخبرهم بخوفه من النبي ، فأغروه وخدعوه وقالوا له : لك جمل أحمر لا يُدرك ، فلو كانت الهزيمة طرت عليه ، فاستجاب لهم : وخرج لحرب النبي ، فلمّا الله المشركين حمل به جمله في جدود من الأرض،)


1) الإصابة : 3 85 الطبقات الكبرى : 7 : 108 . تاريخ مدينة دمشق : 26 : 10 و 11.

2) أسد الغابة : 3 : 192 . الطبقات الكبرى : 5: 48 . تاريخ مدينة دمشق : 29 : 262 .

3) مروج الذهب : 2 : 223

4) الطبقات الكبرى : 1 : 186 .

فأخذه المسلمون وجاءوا به أسيراً ، فأمر النبي صلی الله علیه و آله و سلم عليها الا بضرب عنقه ، فقام إليه وقتله (1، وقد أترعت نفس الوليد بالحقد والعداء للنبي وللإمام لأنهما قد وتراه بأبيه ، وقد أسلم الوليد مع من أسلم من كفار قريش خوفاً من حد السيف.)وقد أنزلت آيتان في فسقه وذمه وهما :الأولى : قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (2)، وكان سبب نزول هذه الآية أن النبي لعل الله أرسله إلى بني المصطلق لأخذ الصدقة منهم ، فعاد إليه وأخبره بأنّهم منعوه منها ، فخرج إليهم النبي الله الله فتبين له كذبه ، ونزلت الآية في فسقه . الثانية : قوله تعالى : ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾ (3)، وكان السبب في نزولها أنّه جرت بين الوليد وبين الإمام مشادة ، فقال الوليد للإمام : وأنا شيخ ، والله ! إنّي أبسط منك لساناً ، وأحد منك سناناً ، وأشجع منك جناناً ، وأملأ منك حشواً في الكتيبة .

فردّ عليه الإمام قائلاً : اسْكُتْ فَإِنَّكَ فَاسِقٌ .

فأنزل الله تعالى فيهما هذه الآية ، ونظم هذه الحادثة حسّان بن ثابت بقوله :

أَنزَلَ الله وَالكِتابُ عزيز ***في عَلِيَّ وَفي الوَلِيدِ قُرانا

فَتَبَوّا الوَلِيدُ مِنْ ذاكَ فِسقاً ***وَعَلِيٌّ مُبَوَّاً إيمانا

لَيسَ مَنْ كانَ مُؤْمِناً عَرَفَ اللهَ ***كَمَنْ كانَ فاسِقاً خَوَانا

فَعَلِيٌّ يَلقى لدى اللهِ عِزّاً ***وَوَليدٌ يَلقى هُناكَ هَوانا


1) الغدير : 28 273 . فتح القدير : 4 : 74 .

2) الحجرات 49 6

3) السجدة :32 18

سَوفَ يُجزى الوليدُ خِزْياً وناراً ***وَعَلِيٌّ لَا شَكُ يُجزى جنانا (1)

ولمّا ولاه عثمان ولاية الكوفة كان يشرب الخمر جهاراً ، وقد دخل القصر وهو ثمل يتمثل بأبيات تأبط شرّاً :

وَلَستُ بَعيداً عَنْ مُدامِ وَقَينَةٍ ***وَلَا بِصَفا صَلدٍ عَنِ الخَيرِ مَعَزَل

ولكن أروى من الخمر هامتي*** وَأَمْشي الملا بالسّاحِبِ المُتَسَلسلِ(2)

ومن مجونه أنه كان يقضي لياليه سكراناً مع المغنين حتى الصباح ، وكان نديمه أبو زيد الطائي من نصارى تغلب ، وقد أنزله داراً له على باب المسجد ، ثمّ وهبها له ، وكان الطائي يشقّ صفوف المصلين في الجامع حتى ينتهي إليه وهو سكران(3).

وكان من إدمانه على الخمر أنه شربها فصلّى بالناس صلاة الصبح وهو ثمل أربع ركعات ، وصار يقول في ركوعه وسجوده : اشرب واسقني ، ثم قاء الخمر في المحراب وسلّم ، والتفت إلى المصلين خلفه وقال : هل أزيدكم ؟ فقال له ابن مسعود : لا زادك الله خيراً ولا من بعثك إلينا ، وأخذ فروة نعله وضرب بها وجهه ، وحصبه الناس ، فدخل القصر والحصباء تأخذه وهو ثمل (4)مترنّح ، وفي فضائحه ومخازيه يقول الحطيئة جرول بن أوس العبسي :

شَهِدَ الحُطَيئَةُ يَومَ يَلقَى رَبَّهُ ***أَنَّ الوَليدَ أَحَقُّ بِالْغَدْرِ

نادى وَقَدْ تَمَّتْ صَلاتُهُم ***أَأَزِيدُكُمْ ثَمِلاً وَلَا يَدْري

لِيَزيدَهُمْ خَيْراً وَلَوْ قَبِلوا ***مِنْهُ لَادَهُمْ عَلَى عَشْرِ


1) تذكرة الخواص : 115 . كشف الغمة : 1 : 118 و 119 . شرح نهج البلاغة : 6: 292 و 293

2) النصائح الكافية : 172 .

3) الأغاني : 5 : 122 . العقد الفريد : 6 : 348

4) السيرة الحلبية : 2 : 314 . أنساب الأشراف: 5 : 32 . وضوء النبي الله : 1: 77 .

فَأَبوا أَبا وَهْبٍ وَلَوْ فَعَلوا ***لَقَرَنْتَ بَينَ الشَّفْعِ وَالوَتْرِ

خببْسوا عِنانَكَ إِذْ جَرَيتَ وَلَوْ ***خَلُوا عِنانَكَ لَمْ تَزَلْ تَجْرِي (1)

أرأيتم هذه السخرية اللاذعة والاستهزاء السافر بأحد ولاة عثمان ؟

وقال الحطيئة في ذمه وهجائه مرة أخرى:

تَكَلَّمَ في الصَّلاةِ وَزَادَ فِيها ***عَلانِيَةً وَجاهَرَ بِالنّفاقِ

وَمَجَّ الخَمْرَ عَنْ سَنَنِ المُصَلِّي ***ونادى وَالجَميعُ إلى افتراق

أزيدُكُمْ عَلى أَنْ تَحمَدوني ***فَما لَكُمْ وَمالي مِنْ خَلاقٍ (2)

وأسرع جماعة من خيار الكوفة إلى يثرب يشكون الوليد إلى عثمان ، وقد صحبوا خاتمه الذي انتزعوه منه في حال سكره ، وقابلوا عثمان ، وعرضوا عليه أنّ الوليد شرب الخمر فزجرهم عثمان وقال لهم بعنف : ما يدريكم أنّه شرب الخمر ؟ هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية .

وأعطوه خاتمه الذي انتزعوه منه في حال سكره لتأييد شهادتهم ، فغضب عثمان ، ودفع في صدورهم وقابلهم بأخبث القول وأفحشه ، وخرجوا منه وه-م يتميزون من الغيظ ، واتجهوا صوب الإمام وأخبروه بما جرى لهم مع عثمان ، فانبرى إلى عثمان وقال له : دَفَعْتَ الشُّهُودَ وَأَبْطَلْتَ الْحُدُودَ .

وخاف عثمان من عواقب الأمور ، فقال للإمام : ما ترى ؟

أرى أَنْ تَبْعَثَ إِلى صاحِبِكَ ، فَإِنْ أَقَامَا الشَّهادَةَ فِي وَجْهِهِ وَلَمْ يُدْلِ بِحُجَّةٍ أَقَمْتَ عَلَيْهِ


1) الأغاني : 4 : 178 . شرح نهج البلاغة : 3 : 18 .

2) الأغاني : 4 : 178 شرح نهج البلاغة : 17 : 23 تهذيب الكمال : 3: 58. تاريخ المدينة :

ولم يجد عثمان بُداً من امتثال أمر الإمام ، فكتب إلى الوليد يأمره بالحضور إلى يثرب ، ولما انتهت إليه رسالة عثمان نزح من الكوفة إلى يثرب .. ولما مثل أمام عثمان دعا بالشهود ، فأقاموا عليه الشهادة ، ولم يدل الوليد بأية حجّة ، وقد خضع بذلك لإقامة الحد ، ولم ينبر أحد لإقامة الحدّ عليه خوفاً من عثمان ، فقام الإمام السلام ودنا منه فسبّه الوليد وقال له : يا صاحب مكس (1)، وقام إليه عقيل فردّ عليه سبّه ، وضرب الإمام به الأرض وعلاه بالسوط، وعثمان يتميّز غيظاً ، فصاح بالإمام : ليس لك أن تفعل به هذا .

فأجابه الإمام بمنطق الشرع : بَلَى ، وَشَرِّ مِنْ هذا إِذا فَسَقَ ، وَمَنَعَ حَقَّ اللَّهِ أَنْ يُؤْخَذَ منه (2)

وعلّق العلّامة العلايلي على هذه البادرة بقوله : « هذه القصة تضع بين أيدينا شيئاً جديراً غير العطاء الذي يرجع إلى مكان العاطفة ، تضع بين أيدينا صورة عن الاغضاء عن مجاوزة السلطة للقانون، والاغضاء في واقعة دينية ، بحيث يجب على الخليفة أن يكون أوّل من يغار عليها ، وإلا هدّد مكانه وافسح المجال للناس للنقد والتجريح ، وبالأخص حين جاءت حكومته عقيب حكومة عمر التي عرفت بالشدّة فيما يتعلّق بالحدود الدينية حتى لو كان من أقرب ذوي القربي .

إذن ، فهذه المبالغة في الاغضاء والصفح والمجاوزة لا ترجع إلى مكان العاطفة وحدها - إن كانت - بل إلى الحزبية حتى تتناحر مجتمعة (3)

إن الوليد بفسقه وفجوره ترك الدعارة واللهو والمجون في الكوفة ، وقد أسست فيها دور للغناء والطرب ، وانتشر فيها المغنون ، فكان فيها عبد الله بن هلال الذي لقب


1) المكس : النقص والظلم.

2) مروج الذهب : 2 225 . بحار الأنوار: 31: 156 و 157 .

3) الإمام الحسين الا : 33 .

بصاحب إبليس (1)، وحنين الشاعر النصراني(2)وغيرهما من أعلام الغناء .

3 - عبد الله بن سعد

ومن ولاة عثمان أخوه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح فجعله والياً على مصر ، وأسند إليه إقامة الصلاة والولاية على الخراج ، وهو فيما أجمع عليه المؤرّخون من أكثر زنادقة قريش عداء للنبي الله ، وكان يقول مستهزئاً به : إني أصرفه حيث أريد ، وأحل النبي الله الله همه وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة ، وقد هرب بعد فتح مكة فاستجار بعثمان فغيّبه ، وبعد ما اطمأن أهل مكة أتى به عثمان إلى النبي ، فلمّا رأه صمت طويلاً، ثمّ آمنه وعفا عنه ، فلما انصرف عثمان التفت النبي إلى أصحابه وقال لهم : ما صَمَتُ إِلَّا لِيَقُومَ إِلَيْهِ بَعْضُكُمْ لِبَضْرِبَ عُنقَهُ

فقال له رجل من الأنصار : هلا أومأت إلي يا رسول الله ؟

فقال الله : « إنّ النبي لا ينبغي له خائنة الأعين .(3)

ولما ولي عبد الله مصر ساس المصريين سياسة عنف وكلّفهم فوق ما يطيقون ، وأظهر الكبرياء والجبروت ، فضجروا منه ، فذهب خيارهم إلى عثمان يشكون إليه ، فاستجاب لهم عثمان وأرسل إليه رسالة يستنكر فيها سياسته في القطر ، فلم يستجب لعثمان ، وراح مصرّاً على غيّه ، وعمد إلى من شكاه لعثمان فقتله ، وشاع التذمّر وعمّ في جميع الأوساط في مصر ، فتشكل منهم وفد كبير بلغ عدد أعضائه سبعمائة شخص فخفّوا إلى عثمان ، ولما انتهوا إلى يثرب نزلوا في الجامع وشكوا


1) الأغاني : 2 : 351 .

2) المصدر المتقدم : 349

3) تفسير القرطبي : 7 : 40 سنن أبي داود :2 220 المستدرك : 3: 45 السنن الكبرى :8 205 الدرّ المنثور : 5: 349

أميرهم إلى الصحابة ، فانبرى طلحة إلى عثمان فكلمه بكلام قاسي ، وأرسلت إليه عائشة تطالبه بإنصاف القوم ، وكلّمه الإمام أمير المؤمنين الا في شأنه قائلاً : إِنَّما يَسْأَلُكَ الْقَوْمُ رَجُلاً مَكَانَ رَجُلٍ ، وَقَدْ ادْعُوا قِبَلَهُ دَماً ، فَاعْزِلْهُ وَاقْضِ بَيْنَهُم ، فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَأَنْصِفْهُمْ مِنْهُ .

واستجاب عثمان - على كره - النصيحة الإمام ، وقال للقوم : اختاروا رجلاً أوليه عليكم مكانه ، فأشاروا عليه بمحمد بن أبي بكر ، فكتب إليه عهده ، وبعث معه عدة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح(1)، ونزح القوم من المدينة ، فلما انتهوا إلى الموضع المعروف ب- ( حمس ( وإذا بقادم من المدينة ، تأملوه وإذا هو ورش غلام عثمان ، ففتشوه وإذا به يحمل رسالة من عثمان إلى ابن أبي سرح يأمره فيها بالتنكيل بالمصريين ، وتأملوا الكتاب وإذا ب-ه بخط مروان ، فقفلوا راجعين إلى المدينة وقد صمّموا على قتل عثمان أو خلعه(2).

4 - معاوية بن أبي سفيان

وأقرّ عثمان معاوية على الشام ، فقد ولاه عمر عليها ، وزاد عثمان في رقعة سلطانه ، وزاد في نفوذه ، وقد مهّد له الطريق لنقل الخلافة إليه .

يقول الدكتور طه حسين : « وليس من شك في أن عثمان هو الذي مهد لمعاوية ما أتيح له من نقل الخلافة ذات يوم إلى آل أبي سفيان ، وتثبيتها في بني أمية ، فعثمان ر الذي وسّع على معاوية في الولاية فضم إليه فلسطين وحمص، وأنشأ له وحدة شامية بعيدة الأرجاء ، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة ، فكانت جيوشه أقوى جيوش المسلمين ، ثمّ مدّ له في الولاية أثناء خلافته كلّها كما فعل عمر ، وأطلق يده في أمور الشام أكثر ممّا أطلقها عمر ، فلما كانت الفتنة فإذا هو أبعد الأمراء بالولاية عهداً


1) تاریخ دمشق : 39: 416. الثقات : 2 259 . تاريخ المدينة : 4 : 158 و 159 .

2) تاریخ دمشق : 39: 416. الثقات : 2 259 . تاريخ المدينة : 4 : 158 و 159 .

وأقواهم جنداً وأملكهم لقلب رعيته (1).

وحكى حديث الدكتور الواقع ، فإنّ عثمان هو الذي أمد في سلطان معاوية ، وبسط له النفوذ والسعة حتى صار من أقوى الولاة ، وأصبح قطره من أهم الأقطار الإسلامية ومن أكثرها ولاء له.

5 - سعيد بن العاص

وأسند عثمان ولاية الكوفة إلى سعيد بن العاص ، فولاه هذا القطر العظيم الذي كان حامية للجيوش الإسلامية بعد أن عزل عنه الوليد الذي شرب الخمر وأقام الإمام الله عليه الحد .

وقد استقبل الكوفيون ولاية سعيد بكثير من الكراهية ؛ لأنّه كان شاباً مترفاً متهوّراً لا يتحرّج من اقتراف الإثم والمنكر ، وقد روى المؤرّخون صوراً من استهتاره بالقيم الإسلامية والاجتماعية كان منها ما يلي :

1 - إنّه طلب من الحاضرين رؤية هلال شهر رمضان المبارك ، فقام إليه الصحابي الجليل هاشم بن عتبة المرقال فقال له : أنا رأيته

فوجه إليه كلاماً جافياً لا يصدر من إنسان شريف قائلا له : بعينك هذه العوراء رأيته ؟

فالتاع هاشم وانبرى يقول : تعيّرني بعيني ، وإنّما فقئت في سبيل الله ، وكانت عينه قد أصيبت يوم اليرموك .

لقد فقئت عين هذا المجاهد الكبير في واقعة اليرموك، وقد عيّره بها هذا الجاهلي الذي لم يتربّ إلا على الرذائل والموبقات .

وعلى أي حال فقد أصبح هاشم مفطراً ؛ لأنّه قد رأى الهلال ، وقد جاء عن


1) الفتنة الكبرى : 1 : 120 .

النبي : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» ، وقد فطر الناس لإفطاره ، فانتهى الخبر إلى سعيد فأرسل خلفه وضربه ضرباً موجعاً وأمر بإحراق داره ، وقد أثار ذلك حفائظ النفوس ونقم عليه الأخيار والمتحرّجون في دينهم ، فقد كان اعتداؤه على علم من أعلام الإسلام بغير حقّ ووجه مشروع إلّا إرضاء لعواطفه المترعة بالجهل والحقد على رجال الإسلام (1).

2 - أعلن سعيد أمام الجماهير القول : إنّما السواد - يعني سواد الكوفة - بستان لقريش وأثار ذلك حفائظ النفوس ، فالسواد ملك للمسلمين وليس للقرشيين الذين هم خصوم الإسلام وأعداء الرسول أي حق فيه .. وقد اندفع الزعيم الكبير مالك الأشتر إلى الانكار عليه قائلاً:

أتجعل مراكز رماحنا ، وما أفاء الله علينا بستاناً لك ولقومك ؟ والله ! لو رامه أحد لقرع قرعاً يتصأصأ منه ..

لقد اتخذ الحكم الأموي الذي فرض على الأمّة بقوّة السيف خيرات الأمة بستاناً لقريش التي ناجزت الإسلام وكفرت بجميع قيمه .

وانضمّ قرّاء المصر وفقهاؤهم إلى الزعيم مالك الأشتر فردوا على الوالي طيشه وغروره ، وجابهوه بالنقد لمقالته ، وغضب مدير شرطته فردّ عليهم ردّاً غليظاً، فبادروا إليه وضربوه ضرباً عنيفاً حتى أغمي عليه ، وأخذوا يذيعون مساوئ قريش وجرائم بني أمية وذكر مثالب عثمان ، ورفع سعيد من فوره رسالة إلى عثمان أخبره فيها بما جرى عليه ، فأمره بنفيهم إلى الشام ، وكتب رسالة إلى معاوية يأمره فيها باستصلاحهم . ولم يرتكب هؤلاء الأخيار إثماً أو يحدثوا فساداً في الأرض حتى يستحقوا النفي من وطنهم ، وإنما نقد وا أميرهم لأنه قال غير الحق ، وشد عن الطريق القويم .


1) الطبقات الكبرى 5 32 تاریخ دمشق : 2 : 115 .

ومن المؤكد أنّ الإسلام قد منح الحرية التامة للمواطنين ، فلهم أن ينقدوا الحكام والمسؤولين إذا شدّوا في سلوكهم وابتعدوا عن الحق .

وعلى أي حال فقد قامت السلطة بإخراج القوم بالعنف عن أوطانهم ، وأرسلتهم مخفورين إلى الشام ، فتلقاهم معاوية وأنزلهم في كنيسة ، وأجرى عليهم بعض الرزق ، وجعل يناظرهم ، ويحبّذ لهم الغضّ عمّا تقترفه السلطة من أعمال إلّا أنّهم لم يستجيبوا له وأنكروا عليه وعلى سعيد الذي قال : إنما السواد بستان قريش .

ولما يئس معاوية منهم كتب إلى عثمان يستعفيه من بقائهم في الشام خوفاً من أن يفسدوا أهلها عليه ، فأعفاه عثمان وأمره بردّهم إلى الكوفة ، فلما عادوا إليها انطلقت ألسنتهم بنقد أمير الكوفة وذكر مثالب الأمويين ، ورفع سعيد ثانياً أمرهم إلى عثمان ، فأمره بنفيهم إلى حمص والجزيرة ، فأخرجهم سعيد بعنف ، فلما انتهوا إلى حمص قابلهم واليها بشدّة وعنف، وسامهم سوء العذاب ، ويقول الرواة : إنّه إذا ركب أمر بهم بالسير حول ركابه مبالغة في إذلالهم والاستهانة بهم ، ولما رأوا ذلك أظهر واله الطاعة والاذعان لسلطانه ، وكتب لعثمان بذلك ، فأمره بردّهم إلى الكوفة ، وأخرجهم من حمص ، ومضوا يجدون في سيرهم ، وجعلوا طريقهم إلى يثرب لمقابلة عثمان، وعرض ما عانوه من عماله من صنوف التعذيب والارهاق ، وتوجهوا صوب المدينة ، فلما انتهوا إليها رأوا سعيداً قد أقبل من الكوفة في مهمة رسمية ، وقابلوا عثمان ، وعرضوا عليه ما لاقوه من سعيد ، وسألوه عزله ، وفاجأهم سعيد فرآهم عند عثمان وهم يشكونه ، فأعرض عنهم عثمان وألزمهم بطاعته والانصياع لأوامره .

وقفل القوم راجعين إلى الكوفة ، وأقسموا أن لا يدخلها سعيد ، وقاموا باحتلال مركزه ، وخرجوا في جماعة مسلّحين بقيادة الزعيم مالك الأشتر حتى انتهوا إلى ( الجرعة ) ، فرابطوا فيها ليحولوا بين سعيد وبين دخوله إلى الكوفة ، وأقبل سعيد فقاموا بوجهه وعنفوه أشد العنف ومنعوه من الدخول إلى مصرهم ، فولى منهزماً إلى

عثمان يشكوهم إليه ، ولم يجد عثمان بداً في عزله وتولية غيره مكانه ..(1)

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض ولاة عثمان من الأمويين ، وقد منحهم المناصب العليا تقوية لنفوذهم ، وبسطاً لسلطانهم ، وحملهم على رقاب المسلمين .

يقول السيد مير علي الهندي : « وكان هؤلاء هم رجال الخليفة المفضّلين، وقد تعلّقوا بالولايات كالثعابين الجائعة ، فجعلوا ينهشونها ويكدّسون الثروات منها بوسائل الإرهاق التي لا ترحم(2).

وعلى أي حال فإنّ من الأسباب المهمة التي أدّت إلى قتل عثمان سيرة ولاته وعماله الأمويين الذين لم يألوا جهداً في ظلم الناس وإرغامهم على ما يكرهون .

سياسته الاقتصادية

اشارة

ولم تكن لعثمان سياسة اقتصادية واضحة المعالم ، وإنّما انتهج سياسة عمر وسار عليها (3)، وهي وهي ممالأة الأشراف والوجوه ، وتقديمهم في العطاء على غيرهم ، وقد شدّت هذه السياسة عمّا قننه الإسلام من لزوم المساواة بين المسلمين العطاء ، وإيجاد التوازن الاقتصادي في الحياة العامة ، وليس لولاة الأمور أن يصطفوا من أموال الدولة أي شيء لنفوسهم ولغيرهم ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ رجالاً يَتَخَوَّضُونَ فِي من اللهِ بِغَيْرِ حَقٌّ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيامَةِ » (4).

وأوضح الإمام أمير المؤمنين علیه السلام النهج الكامل للسياسة الاقتصادية في الإسلام


1) تاريخ الأمم والملوك : 5 : 85 تاريخ أبي الفداء : 1 : 68. الطبقات الكبرى : 5: 33 . تاريخ 85. 1: 5 مدينة دمشق : 21: 115 و 116

2) روح الإسلام : 90 .

3) تاريخ العراق في ظل الحكم الأموي : 90 .

4) صحيح البخاري : 5 : 17 . كنز العمال : 6: 508 . 5 17

وذلك فيما كتبه إلى قتم بن العباس قال علیه السلام :

وَانْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللَّهِ فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيَالِ وَالْمَجَاعَةِ ، مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ الْفَاقَةِ وَالْخَلَّاتِ وَمَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَفْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا (1).

هذا هو نظر الإسلام في أموال الدولة ، إنفاق على الفقراء ، ورفع لغائلة الجوع ، وبسط للرخاء العام بين المسلمين ... أمّا عثمان فلم يعن بذلك ، وإنّما أنفق الأموال بسخاء على بني أمية وآل أبي معيط وسائر الوجوه والأشراف المؤيدين لسياسته . لقد أصبحت الأموال الهائلة التي تتدفق على الخزينة المركزية تمنح للأمويين ، وادعوا أنّ المال إنّما هو ملكهم لا مال الدولة، وأنّها ملك لبني أمية ، فقد منحوا نفوسهم جميع الامتيازات (2)، ونعرض فيما يلي لذلك :

هباته للأمويين

ومنح عثمان بني أمية الأموال الهائلة ووهبهم الثراء العريض ، وهذه قائمة ببعض أسماء الذين أغدق عليهم الأموال وهم :

1 - الحارث بن الحكم : وهب عثمان الحارث بن الحكم صهره من عائشة ما يلي :

•

ثلاثمائة ألف درهم(3)

•

وهبه إبل الصدقة التي وردت إلى المدينة (4)


1) نهج البلاغة / محمد عبده :2 : 128 . الغدير : 8: 239.

2) العقيدة والشريعة في الإسلام : 23 .

3) أنساب الأشراف : 5 : 52 . 052:5:

4) بحار الأنوار: 31 : 218

• أقطعه سوقاً في المدينة يعرف بتهروز بعد أن تصدق به النبي على جميع المسلمين (1)

2 - أبو سفيان : وهب عثمان عميد أسرته أبا سفيان مائتي ألف درهم من بيت المال (2)

3 - سعيد بن العاص : منحه مائة ألف درهم من بيت المال(3)

4 - عبد الله بن خالد : - خالد : تزوّج عبدالله بن خالد بنت عثمان ، فأمر له بستمائة ألف درهم، وكتب إلى عبدالله بن عامر واليه على البصرة أن يدفعها إليه من بيت المال (4)

5- الوليد بن عقبة : أما الوليد بن عقبة فهو أخو عثمان من أُمّه ، استقرض من عبدالله بن مسعود أموالاً طائلة من بيت المال ، فطالبه بها ، فأبى أن يدفعها ، ورفع الوليد رسالة إلى عثمان يشكو فيها ابن مسعود لمطالبته بالمال ، فكتب إليه عثمان : إنّما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال، وغضب ابن مسعود ، وطرح مفاتيح بيت المال ، وقال : كنت أظنّ أنّي خازن للمسلمين ، فأما إذا كنت خازناً لكم فلا حاجة لي في ذلك ، وأقام في الكوفة بعد أن استقال من منصبه (5)

إنّ بيت المال في عرف عثمان ملك لبني أمية الذين ناهضوا الإسلام ، وليس ملكاً للمسلمين ، ونترك الحكم في ذلك إلى القرّاء .

6- الحكم بن أبي العاص : أما الحكم فهو رجس من أرجاس الجاهلية ، ومن ألد أعداء الرسول الله ، ونفاه إلى الطائف بعد فتح مكة ، وقال : لا يساكنني


1) أنساب الأشراف: 5 : 28 . العقد الفريد : 2 : 261. المعارف / ابن قتيبة : 48. 5:

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 67.

3) أنساب الأشراف: 5 : 30 . بحار الأنوار: 31 : 220 ، ا الهامش

4) تاريخ اليعقوبي : 2 : 145 .

5) أنساب الأشراف: 5 : 28 . العقد الفريد : 2 : 261. المعارف / ابن قتيبة : 48. 5:

ولم يزل منفياً هو وأولاده، وبعد وفاة النبي الله أقرّ الشيخان نفيه ، ولما انتهى الحكم إلى عثمان أصدر عنه العفو ، فقدم إلى يثرب وهو بأقصى مكان من الذل والبؤس، وكان يسوق تيساً وعليه ثياب رثة ، فلما رآه عثمان تألّم وكساه جبة خز وطيلسان(1)،

ووهبه من الأموال ما يلى :

•

وصله بمائة ألف درهم .

•

ولاه على صدقات قضاعة ، فبلغت ثلاثمائة ألف درهم ، فوهبها له (2)

وأدت هباته للحكم التذمر والنقمة عليه من جميع الأوساط الإسلامية .

7- مروان بن الحكم : أما مروان بن الحكم فهو خيط باطل -كما اشتهر بذلك - وكان وغداً خبيثاً ، وكانت شؤون الدولة العثمانية بيده ولا شأن لعثمان بها ، وقد وهبه من الأموال ما يلي :

• أعطاه خمس أفريقية، وقد بلغت خمسمائة ألف دينار، وقد عيب على عثمان في ذلك وانتقصه المسلمون ، وهجاه الشاعر عبد الرحمن بن حنبل بهذه الأبيات :

سَأَحِلُف بِاللهِ جَهِدَ اليَمي*** ن ما تَرَكَ اللهُ أَمْراً سُدى

وَلكِنْ خَلَقتَ لَنا فِتنَةٌ ***لِكَي نُبْتَلَى بِكَ أَوْ تُبْتَلى

فَإِنَّ الأَمينَينِ قَدْ بَيَّنا ***منار الطريق عَلَيهِ الهُدى

فَما أَخَذا دِرْهَماً غيلَةٌ ***وَما جَعَلا دِرْهَماً في الهوى

دَعوتَ اللعينَ فَأَدنَيتَهُ ***خلافاً لِسُنَّةِ مَنْ قَدْ مَضى


1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 41 . الغدير : 8: 241 .

2) أنساب الأشراف: 5 : 28 تاريخ مدينة دمشق : 2 : 104 ، . تاريخ الأمم والملوك : 2 : 588 . الغدير : 8 242 .

وَأَعطيت مروان خُمْسَ العِبا ***دِ ظُلْماً لَهُمْ وَحَمَيْتَ الحِمى (1)

وفي العقد المفصل : 9: 891: «إنّ اسم الشاعر عبدالرحمن بن حسل » .

• أعطاه ألف وخمسين أوقية ، لا نعلم أنّها من الذهب أو الفضة .. وهذا ممّا سبب عليه النقمة العامة في البلاد(2)

-أعطاه مائة ألف من بيت المال ، فسارع زيد بن أرقم خازن بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يديه ، وجعل يبكي فنهره عثمان وقال له : أتبكي أن وَصَلْتُ رحمي ؟

ولكن أبكي لأنّي أظنّك أنك أخذت المال عوضاً عما كنت أنفقته في سبيل الله صلى الله في حياة رسول الله له ، لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيراً.

وزجره عثمان وصاح به : ألقِ المفاتيح يابن أرقم ! فإنا سنجد غيرك(3).

-أقطعه فدكاً (4)، وهي التي صادرها أبوبكر من سيدة نساء العالمين زهراء الرسول بحجة أنها لجميع المسلمين ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

-كتب له بخمس مصر (5)

هذه بعض ممالأة عثمان لأسرته التي حاربت الله ورسوله وليس من العدل ولا من الإنصاف أن تمنح هذه الأموال إلى هؤلاء الأوغاد الذين لم يألوا جهداً في محاربة الإسلام والكيد للمسلمين.


1) تاريخ أبي الفداء : 1 : 168. الغدير : 8: 260 .

2) السيرة الحلبية : 2 : 87 . بحار الأنوار: 31 222 ، الغدير : 8 260 .

3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 1: 67. الغدير : 8: 260.

4) لطائف المعارف : 84. تاريخ أبي الفداء : 1: 168. أنساب الأشراف : 6: 137. شرح نهج البلاغة : 3 35

5) الطبقات الكبرى : 3 24 أنساب الأشراف : : 025:5 :

هباته للاعیان

ووهب عثمان الثراء العريض والأموال الهائلة إلى بعض الوجوه والأشراف من ذوي النفوذ ، وهم:

1 - طلحة : وأعطى عثمان طلحة مائتي ألف دينار (1)، وكانت عليه خمسون ألفاً فأحضرها طلحة فوهبها له وقال : هي لك على مروءتك(2)، أليس هذا هو التلاعب في بيت مال المسلمين ؟

2 - الزبير : منح الزبير بن العوام ستمائة ألف ، ولما قبضها حار في صرفها ، فجعل يسأل عن خير مال يستغل صلته وينمّي ثراءه ، فأرشد إلى اتخاذ الدور في الأقاليم والأمصار (3)، فبنى إحدى عشرة داراً بالمدينة ودارين بالبصرة وداراً بالكوفة ، وداراً بمصر (4)

3- زيد بن ثابت : ووهب عثمان أموالاً هائلة لزيد بن ثابت حتى بلغ به الثراء العريض أنّه لمّا توفّى خلّف من الذهب والفضّة ما يكسر بالفؤوس عدا ما ترك من الأموال والضياع ما قيمته مائة ألف(5)، ومنح أموالاً طائلة للمؤيدين لسياسته أمثال حسان بن ثابت ، وقد تكدّست ثروة البلاد في طائفة من الرأسماليين الذين جهدوا على حصر الثروة عندهم وحرمان المجتمع الإسلامي منها ، وقد أدت هذه السياسة الملتوية إلى إشاعة الفساد ، وانتشار الترف والبذخ عند طائفة من الناس .

وقد خاف بعض المتحرّجين في دينهم من هذا الثراء الذي ظفر به من هبات عثمان ، يقول خباب بن الارت : لقد رأيتني مع رسول الله الله ما أملك ديناراً


1) تاريخ الأمم والملوك : 5: 139 . أنساب الأشراف : 6 : 108 . الغدير : 8: 283

2) تاريخ الأمم والملوك : 5: 139 . أنساب الأشراف : 6 : 108 . الغدير : 8: 283

3) الطبقات الكبرى : 3 : 79

4) صحيح البخاري : 5 : 21 . فتح الباري : 6: 163 .

5) مروج الذهب : 1 334 شرح نهج البلاغة : 813 .

ولا درهماً ، وإن في ناحية بيتي في تابوتي لأربعين ألف واف(1)، ولقد خشيت أن تكون عجلت طيباتنا في حياتنا الدنيا(2)

وهكذا تمثلت الحيرة والذهول عند الصحابة المتحرّجين في دينهم من هذا الثراء الذي اختص بقوم وحرمت الأكثرية الساحقة في البلاد الإسلامية من التمتع بالعيش الرغيد .

إقطاعه للأراضي

ومن مناهج السياسة المالية عند عثمان أنّه أقطع بعض الأراضي الواسعة لجمهرة من المؤيدين لسياسته ، فقد أقطع أراضي في داخل الكوفة وخارجها .. وهذه الأراضي من المفتوحة عنوة ، وهي ملك للمسلمين ، فمن أحيى أرضاً فهي له ، وعليه الخراج يؤدّيه للدولة .

وعلى أي حال فقد أقطع عثمان أراضي في الكوفة لجماعة ، وهي :

1- طلحة : أقطعه أرضاً سمّيت دار الطلحيين ، وكانت في الكناسة

2- عبيد الله بن عمر : أقطعه أرضاً سمّيت ( كويفة ابن عمر ) .

3- أسامة بن زيد .

4 - سعد وابن أخيه هاشم بن عتبة .

5 - أبو موسى الأشعري .

6- حذيفة العبسي

7- عبد الله بن مسعود .

8- سلمان الباهلي.


1) الوافي : درهم وأربعة دوائق .

2) الطبقات الكبرى : 6 8 أعيان الشيعة : 6 305

9- المسيب الفزاري

10 - عمرو بن حريث المخزومي

11 - جبير بن مطعم الثقفي

12 - عقبة بن عمرو الخزرجي .

13 - أبو جبير أبو جبير الأنصاري .

14 - عدي بن حاتم الطائي .

15 - جرير البجلي .

16 - الأشعث الكندي .

17 - الفرات بن حيان العجلي

18 - الوليد بن عقبة

19 - جابر بن عبدالله الأنصاري .

20 - أم هاني بنت أبي طالب

هؤلاء بعض من منحهم الأراضي ، ولا نعلم مقدار مساحتها.

قائمة بأسماء الممنوحين أراضي واسعة:

وأقطع عثمان أراضي واسعة تدرّ بالربح الكثير لجماعة وهم :

1 - طلحة بن عبيد الله : أقطعه ( النشاستج ) .

2 - عدي بن حاتم : منحه ) البردجاء ) .

3- وائل بن حجر الحضرمي : منحه ضيعة ( زادر ) .

4 - خباب بن الارت : منحه ( مسعبنا ).

5 - خالد بن عرفطة : أقطعه أرضاً عند ( حمام أعين ).

6 - الأشعث الكندي : أعطاه ( ظيز ناباذ ).

7- جریر بن عبد الله البجلي : أعطاه أرضاً على شاطئ الفرات ( الجرفين ) .

8- عبدالله بن مسعود : أقطعه أرضاً بالنهرين .

9 - الزبير بن العوام : أقطعه أرضاً

10 - أسامة بن زيد : أقطعه أرضاً ثم باعها(1).

هذه بعض الأراضي الزراعية التي منحها عثمان لبعض الشخصيات .

ومن الجدير بالذكر أنّه اندفع جماعة من الطبقة الارستقراطية إلى شراء أراض خصبة في العراق ، فقد اشترى طلحة ومروان بن الحكم والأشعث بن قيس (2)ورجال من قبائل العراق أراضي واسعة حتى انتشر الاقطاع ، وعمّ البؤس والحرمان أوساط الفلاحين، وبذلك فقد وجد النظام الطبقي الذي يخلق الصراع بين أبناء الأمة .

استقطاع عثمان للأموال

واصطفى عثمان من بيت المال ما شاء لنفسه وعياله ، فقد روى المؤرّخون أنه كانت في بيوت الأموال جواهر ثمينة لا تقدر قيمتها بثمن ، فأخذها وحلّى بها بناته ونساءه(3)

كما بالغ في الترف والسرف إلى حدّ لم يألفه المسلمون ، فقد شيّد له داراً في المدينة بناها بالحجر والكلس ، وجعل أبوابها من الساج والعرعر، واقتني أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة (4)، وكان ينضد أسنانه بالذهب ، ويتلبس بأثواب الملوك


1) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة : 146 و 147 .

2) خطط الكوفة : 21 . الحضارة الإسلامية : 1 : 123 .

3) أنساب الأشراف : 5: 36 . شرح نهج البلاغة : 3 : 49 .

4) مروج الذهب : 1 : 334 . الغدير : 8 285

وأنفق الكثير من بيت المال في عمارة ضياعه ودوره(1)، ولما قتل وجد عند خازنه ثلاثون ألف ألف درهم ، وخمسون ومائة ألف دينار ، وترك ألف دينار ، وترك ألف بعير وصدقاتببراديس وخيبر ووادي القرى ما قيمتها مائتا ألف دينار (2).

وعلق محمد كرد علي على هذه السياسة التي انتهجها عثمان بقوله : «لقد أوجدت هذه السياسة المالية طبقتين من الناس :

الأولى : الطبقة الفاحشة في الثراء التي لا عمل لها إلا اللهو والتبطل . والأخرى : الطبقة الكادحة التي تزرع الأرض ، وتعمل في الصناعة ، وتشقى في سبيل أولئك السادة من أجل الحصول على فتات موائدهم ، وترتب على فقدان التوازن في الحياة الاقتصادية ، انعدام الاستقرار في الحياة السياسية والاجتماعية على السواء ، وقد سارت الدولة الأموية في أيام حكمها على هذه السياسة فأخضعت المال للتيارات السياسية وجعلوه سلاحاً ضد أعدائهم ونعيماً مباحاً لأنصارهم(3)

هذه بعض المؤاخذات على السياسة المالية التي انتهجها عثمان ، وقد ابتعدت كل البعد عمّا قنّنه الإسلام من وجوب إنفاق أموال الدولة على ما يسعد به المجتمع من مكافحة الفقر ، وتطوير الحياة الاقتصادية بشكل عام.

مع الجبهة المعارضة

وكان من الطبيعي أن ينقم خيار المسلمين وصلحاؤهم على عثمان وولاته بما اقترفوه من مساوئ الأعمال التي لا تتفق بصلة مع الواقع الديني ، وقد شنّوا عليه


1) السيرة الحلبية : 2 : 87. أنساب الأشراف : 3 4. الغدير : 8: 284 و 285 .

2) الطبقات الكبرى : 3: 53 . الغدير : 8 285

3) الإدارة الإسلامية : 82

حملة شعواء ونقدوه بلاذع النقد .. ومن الجدير بالذكر أن المعارضة كانت مختلفة الاتجاه بين اليمين واليسار ، فطلحة والزبير وعائشة ومن انضم إليهم كانوا مدفوعين لرغباتهم الخاصة ومصالحهم الضيقة ، أما الطائفة الثانية فكانت تضم أعلام الإسلام وحماته أمثال عمّار بن ياسر الطيب ابن الطيب وأمثال المجاهد الكبير أبي ذرّ ، والصحابي القارئ عبدالله بن مسعود ونظراءهم من الذين أبلوا في الله بلاءً حسناً، فرأوا أنّ السنّة قد أميتت، والبدعة أحييت، ورأوا صادقاً يكذب ، وأثرة بغير حق، فهبوا في وجه عثمان مطالبين بتغيير سلوكه واتباع الهدى، ولم تكن لهم أية مصلحة ينشدونها سوى خدمة الإسلام ، ولو أنه استجاب لهم لجنّب الأمة الكثير من المشاكل.

التنكيل بالمعارضين

اشارة

وأمعن عثمان بالتنكيل بالمعارضين لسياسته ، فصبّ عليهم جام غضبه وقابلهم بمزيد من القسوة والبطش والتنكيل ، وهذه قائمة بأسماء بعضهم وما عانوه منه:

1 - عمّار بن ياسر

أمّا عمّار بن ياسر فهو أجل صحابي ، ومكانته في الإسلام معلومة ، فهو وأبواه قد عانوا في سبيل الإسلام أعنف المصاعب وأقسى ألوان التعذيب ، وقد استشهد أبواه في سبيل الإسلام على يد القساة الطغاة من قريش . وقد أشاد القرآن الكريم بفضل عمّار ، فمن الآيات النازلة في حقه قوله تعالى:

(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ )(1)

نص على ذلك ابن سعد في طبقاته : 3 : 178 . القرطبي في تفسيره : 5: 239 . الكشاف : 390:3

.

1) الزمر :939

وقال تعالى في حقه أيضاً : ( أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ﴾ (1)

نص على ذلك السيوطي في تفسيره : 1 : 239 ، وغيره .

.

وكانت له المنزلة الكريمة عند النبي الله ، فقد سمع شخصاً ينال من عمّار، فتأثر ، وقال : « ما لَهُمْ وَلِعَمارِ ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النّارِ، إِنَّ عَماراً جِلْدَة ما بَيْنَ عَيْنِي وَأَنْفِي ، فَإِذا بَلَغَ ذلِكَ مِنَ الرَّجُلِ فَاجْتَنِبُوه »(2)، وكان عمار من ألمع أصحاب الإمام أمير المؤمنين لا ، فقد آمن بحقه ، وأنّه أولى بمقام النبي من غيره ، وقد وقف إلى جانبه أيام الفتنة الكبرى، وأعلن تأييده للإمام الله ، وبعد ما فرض عثمان خليفة على المسلمين في وضعه للشورى التي أدت إلى فوزه ف-ي الحكم .. كان عمّار من أشد الناقمين على عثمان ، وقد أظهر نقمته عليه في المواضع التالية :

1 - إن عثمان لما استأثر بالسفط الذي يضم جواهر ثمينة لا تقدر قيمتها بثمن ، فأخذها ليحلّي بها نساءه وبناته ، فأنكر عليه الإمام أمير المؤمنين الله وأيده عمار ، فقال له عثمان : يابن المتكاء(3)، أعلي تجترئ ؟ ثمّ أوعز إلى شرطته بأخذه ، فقبضوا عليه وأدخلوه عليه ، فضربه ضرباً مبرحاً حتى غشي عليه ، وحملوه إلى منزل أمّ المؤمنين السيدة أم سلمة ولم يفق من شدّة الضرب حتى فاتته صلاة الظهرين والمغرب ، فلما أفاق قام وتوضأ وصلّى صلاة العشاء وقال : الحمد الله ليس هذا أوّل يوم أوذينا فيه في الله .

يالله ! يا للمسلمين ! أمثل عمّار الذي هو في طليعة المؤسسين في بناء الإسلام


1) الأنعام 6: 122 .

2) السيرة النبوية / ابن هشام : 2 : 114 . شرح نهج البلاغة : 8 : 10 .

3) المتكاء : العظيمة البطن التي لا تمسك بولها .

يضرب ويهان لأنّه رأى أثرة بغير تقى ونهباً لأموال المسلمين بغير وجه مشروع .

وكان من الطبيعي أن يثير ذلك غضب المسلمين ونقمتهم على عثمان عميد الأمويين ، فقد غضبت عائشة ، وأخرجت شعراً من شعر رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وثوباً من ثيابه ، ونعلاً من نعاله ، وقالت : ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم ! وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد.

وغضب عثمان من عائشة ، ولم يدركيف يعتذر مما اقترفه تجاه عمّار (1)

2 - إن أعلام الصحابة رفعوا مذكرة لعثمان ذكروا فيها أحداثه ومخالفاته للسنة . وطالبوه بالكف عنها ، فأخذها عمّار ودفعها إليه ، فقال له عثمان بعنف : أعليَّ تقدم من بينهم ؟

إنّي أنصحهم لك .

كذبت يابن سمية .

أنا والله ! ابن سميّة ، وابن ياسر .

وأوعز عثمان إلى جلاوزته لمدّ يديه ورجليه وضربه عثمان بنفسه برجليه على مذاكيره فأصابه فتق ، وكان ضعيفاً فأغمي عليه ..

لقد لاقى هذا الصحابي من صنوف العذاب والتنكيل في عهد عثمان ما لا يوصف لمرارته ، والحاكم هو الله الذي يقضي بين عباده .

لما نكل عثمان بالصحابي الثائر على السياسة الأموية أبي ذر فنفاه إلى الربذة ، ومات فيها جائعاً غريباً مظلوماً مضطهداً ، فحزن عليه المسلمون فقال عثمان أمام جماعة من الصحابة : رحمه الله .

فاندفع عمار والأسى بادٍ عليه فقال : رحمه الله من كلّ أنفسنا .


1) أنساب الأشراف : 5: 48 شرح نهج البلاغة : 3 49. الشافي في الإمامة : 4: 290 .

فغضب عثمان وقال لعمّار بأفحش القول وأقذعه قائلاً : يا عاض أير أبيه ! أتراني ندمت على تسييره ؟

أيليق هذا الفحش بالرجل العادي فضلاً عمّن يدّعي أنه خليفة المسلمين وأنّ الملائكة تستحي منه .

ثم أمر عثمان غلمانه فدفعوا عمّاراً وأرهقوه ، وأمر بنفيه إلى الربذة ، فلمّا تهيّأ للخروج أقبلت بنو مخزوم إلى الإمام أمير المؤمنين اللي فسألوه أن يكلم عثمان في شأن عمار وأن يلغي قراره في اعتقاله في الربذة ، وكلّم الإمام عثمان بذلك قائلاً : اتَّقِ الله ، فَإِنَّكَ سَيَّرْتَ رَجُلاً صَالِحاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَهَلَكَ فِي تَسْبِيْرِكَ ، ثُمَّ أَنْتَ الْآنَ تُرِيدُ لَكَ، أَنْ تَنْفِيَ نَظِيرَهُ؟

فثار عثمان وصاح بالإمام : أَنْتَ أَحَقُّ بِالنَّفْي مِنْهُ .

رُمْ إِنْ شِئْتَ ذلك

واجتمع المهاجرون فعذلوه عن ذلك ، فاستجاب لهم وعفا عن عمار(1)

وهكذا لقي هذا الصحابي العظيم صنوف الاضطهاد والارهاق من عثمان ، ولم يلحظ مكانته في الإسلام وعظيم جهاده في إقامة صروح الدين ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

2 - مع أبي ذرّ

اشارة

أما أبوذر فهو صاحب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وخليله ، وهو من الأسبقين للإسلام ، وكان من أزهد الناس في الدنيا ، ومن أقلّهم احتفالاً بمنافعها ، وكان من ألصق الناس برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فكان يأتمنه حين لا يأتمن أحداً من الصحابة ، ويسر إليه حين


1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 150 . أنساب الأشراف : 5 : 54 الغدير : 8 294

لا يسر أحداً من أصحابه (1)، وهو أحد الثلاثة الذين أحبهم الله ، وأمر نبيه بحبّهم ، كما أنّه أحد الثلاثة (2)الذين تشتاق إليهم الجنّة (3).

ولما آل الحكم إلى عثمان واستأثرت بنو أمية بمنافع الدولة وخيرات المسلمين هب أبوذرّ إلى الانكار عليه ، وقد نهاه عثمان من نقده والانكار عليه ، فلم يمتنع ورأى أنّ ذلك ضرورة إسلامية وواجب عليه ، وكان أبو ذر يقف أمام الذين وهبهم عثمان الثراء العريض ويتلو عليهم قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَكْتِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (4)، وغاظ ذلك مروان بن الحكم المنتفع الأوّل من حكومة عثمان ، فشكاه إليه ، فأرسل خلفه ، فنهاه فقال أبو ذر :

أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله ؟ فوالله ! لأن أرضي الله بسخط عثمان أحبُّ إليَّ وخير لي من أن أسخط الله برضاه .

لقد أبى أبو ذر الذي تربّى بتعاليم الإسلام وأحكام القرآن أن يصانع عثمان ، ويقرّه على سياسته الملتوية التي اتخذت مال الله دولاً .

وضاق عثمان ذرعاً من أبي ذرّ الثائر العظيم الذي وعى الإسلام وآمن بقيمه وتعاليمه ، وراح عثمان يفتش عن الوسائل التي يتخلّص بها من خصمه العنيد ، فاتخذ القرار التالي :

اعتقال أبي ذر في الشام

أبى أبو ذر أن يصانع عثمان ويساير خطواته ومخططاته ويجاريه بأي عمل


1) كنز العمال : 8 15 .

2) الثلاثة الذين تشتاق لهم الجنّة : الإمام علي ، أبو ذر ، وعمار بن ياسر .

3) مجمع الزوائد : 9: 330 تاريخ مدينة دمشق : 21 : 411. تهذيب الكمال : 21: 222

4) التوبة 9 34

من أعماله التي لا يقرها الإسلام ، وكان من ذلك أنّ عثمان سأل حضار مجلسه فقال لهم : أيجوز لأحد أن يأخذ من بيت المال فإذا أيسر قضاه ؟

فانبرى كعب الأحبار فأفتاه بالجواز ، وصعب على أبي ذرّ أن يتدخل كعب في شؤون الإسلام وهو يهودي النزعة ، وقد شكّك في إسلامه ، فصاح به : يابن اليهوديين ، أتعلّمنا ديننا ؟

فثار عثمان وصاح بأبي ذرّ : ما أكثر أذاك لي ! وولعك بأصحابي ! الحَقِّ بمكتبك في الشام.

وسيّره إلى الشام ، فلما انتهى إليها أفزعه ما رأى من منكرات معاوية وبدعه ، فقد رآه قد أطلق يديه في بيت المال يهبه لعملائه وينفقه على شهواته وملاذه فأخذ ينكر عليه ذلك ، ويذيع مساوئ عثمان وبدعه ، وقد قال لمعاوية حينما قال : المال مال الله .

فردّ عليه أبو ذر : المال مال المسلمين.

إنّ أموال الخزينة العامة للمسلمين وليست لمعاوية حتى ينفقها على ملاذه سلطانه ، ولمّا بنى معاوية داره الخضراء أنكر عليه أبو ذر وقال له :

يا معاوية ، إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهذا وتدعيم الإسراف .

وأخذ الثائر العظيم يدعو المسلمين إلى الحذر واليقظة من السياسة الأموية التي أمعنت في اقتراف المنكر ، فكان يقول لأهل الشام : والله ! لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ! ما هي في كتاب الله ولا في سنة نبيه ، والله ! لأرى حقاً يطفأ ، وباطلاً يحيى ، وصادقاً يكذب، وأثرة بغير تقى ، وصالحاً مستأثراً عليه (1).


1) أنساب الأشراف : 5 : 52 . الغدير : 8: 293

وأخذ الوعي ينتشر بين أهل الشام ، فقد أوجدت دعوته هدى في النفوس ، واستطابتها العامة .. لقد كانت دعوته إلى إنصاف المحرومين، وتحريض الفقراء على استرجاع حقوقهم من الطغمة الحاكمة .. وخاف الطاغية معاوية أن تندلع عليه نار الثورة فنهى الناس عن مخالطته والاجتماع به ، وقال بعنف لأبي ذرّ : يا عدو الله ! تؤلب الناس علينا ، وتصنع ما تصنع !! فلو كنت قاتلاً رجلاً من أصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين - يعني عثمان - لقتلتك .

فردّ عليه البطل العظيم غير حافل بسلطانه قائلاً: ما أنا بعدو الله ولا رسوله ، بل أنت وأبوك عدوان الله ورسوله أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر .

لقد صدق أبو ذر بمقالته ، فإنّ معاوية وأباه أبو سفيان لم يؤمنا بالله طرفة عين، أظهرا الإسلام خوفاً من السيف وأبطنا الكفر والكيد للإسلام .

وعلى أي حال ، فقد ظلّ أبو ذر يواصل نشاطه الديني والسياسي للتشهير بالحكم الأموي حتى فزع منه معاوية وخاف على سلطانه

إخراج أبي ذرّ من الشام

وكتب معاوية إلى عثمان يخبره بخطر أبي ذرّ على الشام ويطلب منه إخراجه إلى بلد آخر، فأجابه عثمان ، وأمره بحمله على أغلظ مركب وأوعره حتى يلقى الجهد والعناء ، فأرسله معاوية مع جلاوزة نزعت من نفوسهم الرأفة والرحمة والشرف والكرامة ، فساروا به سيراً مزعجاً ولم يسمحوا له أن يستريح من الجهد والعناء ، ومضوا في سيرهم لا يلوون على شيء حتى تسلخت بواطن فخذه وكاد أن يموت .

ولما انتهى إلى يثرب دخل على عثمان وهو منهوك القوى ، فاستقبله عثمان بالجفوة ومرارة القول قائلاً : أنت الذي فعلت .. وفعلت ؟

فأجابه أبو ذرّ بمنطق الحق قائلاً: نصحتك فاستغششتني ، ونصحت صاحبك

-يعني معاوية - فاستغشني .

فصاح عثمان به : كذبت ، ولكنك تريد الفتنة وتحبّها ، وقد أنغلت الشام علينا . فوجه إليه أبو ذر نصيحته قائلاً : اتبع سنة صاحبيك - يعني أبابكر وعمر - لم يكن لأحد كلام

فصاح به عثمان : ما لك لا أم لك .

فقال له أبو ذر بهدوء : والله ! ما وجدت لي عذراً إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وثار عثمان فقال لمن حوله : أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذاب ، إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله ، فإنّه فرّق جماعة المسلمين ، أو أنفيه من أرض الإسلام .

فثار الإمام علیه السلام من هذه الاستهانة التي قابل بها عثمان أباذر .

فقال له : يا عُثْمَانُ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ما أَظَلَّتِ الخَضْراءُ ، وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْراءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ .

ولم يحفل هذا الثائر العظيم بعثمان ، وإنّما راح ينكر عليه بوحي من دينه ، بسياسته الملتوية قائلاً له : تستعمل الصبيان ، وتحمي الحمى ، وتقرب أولاد الطلقاء؟

وأخذ يذيع بين المسلمين ما سمعه من النبي الله في ذم الأمويين ، ومدى خطرهم على الإسلام قائلاً : قال رسول الله : «إِنَّ بَنِى الْعَاصِ إِذا بَلَغُوا ثَلَاثِينَ رَجُلاً جَعَلُوا كِتابَ اللهِ دَخَلاً ، وَعِبادَ اللهِ خَوَلاً ، وَمالَ اللَّهِ دُوَلاً »(1)

وأصدر عثمان أمراً بمنع مجالسة أبي ذرّ وحرّم مخالطته والكلام معه ، لأنه يقول الحق ويأمر بالعدل وينهى عن المنكر


1) بحار الأنوار: 33 : 152 شرح نهج البلاغة : 3: 56 و 57 .

اعتقاله في الربذة

واستمر أبوذرّ في جهاده ينشر مساوئ الأمويين ويذيع منكراتهم ويوقظ الجماهير ، فضاق عثمان به ذرعاً فصمّم على أن ينفيه عن الأمصار الإسلامية ويعتقله في أرض جرداء لا سكن فيها ، فأرسل شرطته خلفه ، فلما حضر عنده بادره أبو ذرّ منكراً وناقماً على سياسته قائلاً : ويحك يا عثمان ، أما رأيت رسول الله ورأيت أبا بكر وعمر ، هل رأيت هذا هديهم ، إنّك لتبطش بي بطش الجبارين .

فقطع عليه عثمان كلامه وصاح به : اخرج عنا من بلادنا

أتخرجني من حرم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ؟

نعم ، وأنفك راغم .

اخرج إلى مكة .

لا.

الكوفة ؟

لا.

إلى الربذة حتى تموت فيها .

وأوعز شيخ الأمويين عثمان إلى وزيره ومستشاره مروان بن الحكم بإخراج هذا الصحابي العظيم من مدينة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ليقيم في أرض جرداء قد انعدمت فيها جميع وسائل الحياة ، فأخرجه الوزغ ابن الوزغ مهان الجانب ، محطّم الكيان ، وحرّم على المسلمين مشايعته وتوديعه ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون .

توديع الأسرة النبوية لأبى ذرّ

ولم تذعن الأسرة النبوية لأوامر عثمان بتحريم توديع أبي ذر ، فقد خرجت ومعها الصحابي الجليل عمار بن ياسر لتوديع هذا الصحابي المضطهد ، وتلقي عليه

نظرة الوداع .

ولما رآهم مروان وجّه خطابه وإنذاره إلى الإمام الحسن فقال له : ايه يا حسن! ألا تعلم أنّ عثمان قد نهى عن كلام هذا الرجل ؟ فإن كنت لا تعلم فاعلم ولم يجبه الإمام بكلمة احتقاراً له ، وثار الإمام أمير المؤمنين الله وحمل على مروان وضرب أذني دابته ، وصاح به : « تَنَجَّ نَحَاكَ اللهُ إِلَى النَّارِ» ، وولّى مروان منهزماً فزعاً إلى سيّده وابن عمه عثمان يخبره بعصيان أهل البيت أمره ، فاستشاط عثمان غيظاً وورم أنفه .

كلمة الإمام علیه السلام

وألقى الإمام علیه السلام على أبي ذرّ نظرة مشفوعة بالأسى والحزن ، وخاطبه بهذه الكلمات التي حددت أبعاد شخصية أبي ذرّ ، وألقت الأضواء على ثورته ضد الحكم الأموي قائلاً:

يَا أَبَا ذَرّ ، إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ . إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ ، وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ ، فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ وَاهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ ؛ فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ ، وَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ ! وَسَتَعْلَمُ مَن الرَّابِحُ غَداً ، وَالْأَكْثَرُ ! حُسَداً . وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدِ رَتْقاً، ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً ! لَا يُؤْنِسَنَّكَ إِلَّا الْحَقُّ ، وَلَا يُوحِشَنَّكَ إِلَّا الْبَاطِلُ ، فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لأَحَبُّوكَ ، وَلَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لَأمِّنُوك .

يا لها من كلمات ذهبية ألمت بواقع أبي ذرّ الذي ثار في وجه الطغيان والاستبداد ! فقد كانت ثورته إصلاحية استهدفت القضاء على الاستغلال ونهب ثروات الأمّة .

وقد مجّد الإمام ثورة أبي ذرّ التي خشيها الأمويون وطلب منه أن يهرب بدينه ليكون بمنجاة من شرور الأمويين.

كلمة الإمام الحسن علیه السلام

وبادر ريحانة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الإمام الحسن الله فصافح عمه أبا ذر وألقى عليه هذه الكلمات :

( يا عَماهُ ، لَوْلَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُوَدِّع أَنْ يَسْكُتَ ، وَلِلْمُشَيَّع أنْ يَنْصَرِفَ لَقَصُرَ الْكَلَامُ وَإِنْ طالَ الْأَسَفُ ، وَقَدْ أَتَى الْقَوْمُ إِلَيْكَ ما تَرَى ، فَضَعْ عَنْكَ الدُّنْيا بِتَذَكُرِ فَراغِهَا ، وَشِدَّةِ ما اشْتَدَّ مِنْها بِرَجاءِ ما بَعْدَها ، وَاصْبِرْ حَتَّى تَلْقى نَبِيَّكَ وَهُوَ عَنْكَ راض ).

وألمت هذه الكلمات بما يحمل الإمام الحسن من أسى بالغ على ما حلّ بعمه أبي ذرّ من الخطوب التي كانت من أجل إحقاق الحق ورفع كلمة الإسلام.

كلمة الإمام الحسين علیه السلام

وألقى الإمام الحسين علیه السلام نظرة الوداع على أبي ذرّ وخاطبه بهذه الكلمات :

«يا عَمَاهُ ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَادِرٌ أَنْ يُغَيِّرَ ما قَدْ تَرَىٰ ، إِنَّ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ، وَقَدْ مَنَعَكَ الْقَوْمُ دُنْياهُمْ ، وَمَنَعْتَهُمْ دِينَكَ ، فَما أَغْناكَ عَمَا مَنَعُوكَ ، وَأَحْوَجَهُمْ إِلَى ما مَنَعْتَهُمْ ، فَاسْأَلِ اللهَ الصَّبْرَ ، وَاسْتَعِذْ بِهِ مِنَ الْجَشَعَ وَالْجَزَعِ ، فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الدِّينِ وَالْكَرَمِ ، وَإِنَّ الْجَشَعَ لَا يُقَدِّمُ رِزْقاً ، وَالْجَزَعَ لَا يُؤَخِّرُ أَجَلاً».

وألقت هذه الكلمات الأضواء على ثورة أبي ذرّ التي كانت من أجل الصالح العام ، وحكت خوف الأمويين منه ، فقد خافوه على مناصبهم ، وخافوه على الأموال التي اختلسوها من المسلمين.

كلمة عماره رضی الله عنه

وتقدّم الصحابي العظيم الطيب ابن الطيب عمّار بن ياسر وعيناه تفيض من الدموع ، فخاطب صاحبه وخليله أبا ذرّ بهذه الكلمات : « لا أنس الله من أوحشك ،

ولا آمن من أخافك ، أما والله ! لو أردت دنياهم لآمنوك ، ولو رضيت أعمالهم لأحبّوك .. وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا والجزع من الموت ، ومالوا إلى سلطان جماعتهم عليه ، والملك لمن غلب فوهبوا لهم دينهم ، ومنحهم القوم دنياهم فخسروا الدنيا والآخرة ألا ذلك هو الخسران المبين».

كلمة أبي ذر رضی الله عنه

وقابل أبو ذر الأسرة النبوية وعيناه تفيضان دموعاً، وخاطبهم بهذه الكلمات :قائلاً: رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة ! إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله ، ما لي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز ، كما ثقلت على معاوية بالشام ، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين - الكوفة والبصرة - فأفسد الناس عليهما ، فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله ، والله ! ما أريد إلا الله صاحباً وما أخشى مع الله وحشة » .

وتحرّكت راحلة أبي ذرّ تطوي البيداء حتى انتهت إلى الربذة ليموت فيها جوعاً وفي يد عثمان ذهب المسلمين يصرفه على بني أمية وآل أبي معيط ، ويحرمه على أبي ذرّ المصلح العظيم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

غضب عثمان على الإمام علیه السلام

ولما قفل الامام اليه راجعاً من توديع أبي ذرّ استقبلته جماعة من الناس فأخبروه بغضب عثمان لأنه خالف أوامره التي حرّم فيها توديع أبي ذرّ ، فأجابهم الإمام : غَضَبُ الْخَيْل عَلَى الرّجم (1)

وبادر عثمان فصاح بالإمام : ما حملك على ردّ رسولي ؟


1) يضرب مثلاً لمن يغضب غضباً لا ينتفع به.

أَمَا مَرُوانُ فَإِنَّهُ اسْتَقْبَلَنِي يَرُدُّنِي فَرَدَدْتُهُ عَنْ رَدِّي ، وَأَمَا أَمْرُكَ فَلَمْ أَرَدَّهُ

أولم يبلغك أنّي قد نهيت الناس عن تشييع أبي ذرّ ؟

أَوَ كُلُّ ما أَمَرْتَنَا بِهِ مِنْ شَيْءٍ يُرى طاعَةَ اللَّهِ وَالْحَقِّ فِي خِلَافِهِ اتَّبَعْنَا فِيهِ أَمْرَكَ ؟!!

أقد مروان .

وَما أَقِيدُهُ ؟

ضربت بين أذني راحلته .

أَمَّا رَاحِلَتى فَهى تِلْكَ ، فَإِنْ أَرادَ أَنْ يَضْربَها كَما ضَرَبْتُ رَاحِلَتَهُ فَلْيَفْعَلْ ، وَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ ! لَئِنْ شَتَمْنَى لَأَشْتُمَنَّكَ أَنْتَ بِمِثْلِهَا ، لَا أَكْذِبُ فِيهِ وَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقَّاً.

ولم لا يشتمنّك إذ شتمته ، فوالله ! ما أنت عندي بأفضل بأفضل منه.

وتألّم الإمام من عثمان الذي ساوى بينه وبين الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم ، ونسي جهاد الإمام ومنزلته من النبي وأنّه منه بمنزلة هارون من موسى

وردّ الإمام على عثمان بأعنف القول قائلاً له : إِلَيَّ تَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ ، وَبِمَرْوانَ تَعْدِلُنِي ؟ فَأَنَا وَاللَّهِ ؟ أَفْضَلُ مِنْكَ ، وَأَبِي أَفْضَلُ مِنْ أبِيكَ ، وَأُمِّي أَفْضَلُ مِنْ أُمِّكَ ، وَهَذِهِ تَبْلِي قَدْ تَثَلْتُها (1).

وسكت عثمان ولم يطق جواباً ، وتركه الإمام يموج في تيارات من الغضب ورم أنفه وانتفخت أوداجه .

3 - عبدالله بن مسعود

اشارة

وعبد الله بن مسعود القارئ من ألمع الصحابة ومن خيارهم ، وهو من الناقمين


1) الغدير 8 297. بحار الأنوار: 31 : 182 و 183. اختيار معرفة الرجال : 1: 102 و 103.

على عثمان لما استقرض الوليد من بيت المال فطالبه ابن مسعود برد ما استقرضه ، فأبى الوليد وكتب إلى عثمان يخبره بذلك ، فغضب عثمان وكتب إلى ابن مسعود إنما أنت خازن لنا ، وغاظ ذلك ابن مسعود وألقى المفاتيح وقفل راجعاً إلى يثرب ، فلما انتهى إليها وجد عثمان على المنبر يخطب ، فلما رأى ابن مسعود قال يخاطب الحاضرين : قدمت عليكم دويبة سوء من يمشي على طعامه يقيء ويسلح .

وردّ عليه ابن مسعود قائلاً : لست كذلك ، ولكنّي صاحب رسول الله له يوم بدر ويوم بيعة الرضوان .

واندفعت عائشة منكرة على عثمان قائلة له: أي عثمان ، أتقول هذا لصاحب رسول الله ؟

وأمر عثمان جلاوزته بإخراج ابن مسعود من الجامع إخراجاً عنيفاً، وانبرى إليه عبدالله بن زمعة فضرب به الأرض ، وقيل بل احتمله ( يحموم ) غلام عثمان فاحتمله ورجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الأرض فانكسر ضلعه ، وثار الإمام الا فخاطب عثمان بعنف قائلاً : يا عُثمانُ ، أَتَفْعَلُ هذا بِصَاحِبِ رَسُولِ اللهِ بِقَوْلِ الْوَلِيدِ بْن عُقْبَةَ ؟

فقال عثمان : ما بقول الوليد فعلت هذا ، ولكنّي وجّهت زبيد بن الصلت الكندي إلى الكوفة ، فقال له ابن مسعود : إن دمّ عثمان حلال .

وأنكر عليه الإمام أن يأخذ بقول زبيد قائلاً : أَحَلْتَ عَنْ زَبِيدٍ عَلى غَيْر ثِقَةٍ (1).

وحمل الإمام ابن مسعود إلى منزله ، وقام برعايته حتى أبل من مرضه ، وقاطعه عثمان وهجره ، وفرض عليه الاقامة الجبرية في يثرب ، وقطع عنه عطاءه .. ومرض ابن مسعود مرضه الذي توفي فيه فدخل عليه عثمان عائداً فقال له : ما تشتكي ؟


1) أنساب الأشراف : 5: 36 الغدير : 9 4 و 5 . . :

ذنوبي ؟

ما تشتهي ؟

رحمة ربي .

أدعو لك طبيباً ؟

الطبيب أمرضني

آمر لك بعطائك ؟

منعتني عنه وأنا محتاج إليه ، وتعطينيه وأنا مستغني عنه !

يكون لولدك .

رزقهم على الله !

استغفر لي يا أبا عبدالرحمن.

اسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي (1)

وانصرف عثمان ولم يفز برضا ابن مسعود ، ولما ثقل حاله أوصى أن لا يصلّي عليه عثمان ، وأن يصلّي عليه صاحبه وخليله عمار بن ياسر ، ولما توفي قامت الصفوة من صحابة النبي عل الله بتجهيزه ودفنه ، ولم يعلموا عثمان بذلك ، فلما علم غضب ، وقال : سبقتموني ؟

فردّ عليه عمّار : إنّه أوصى أن لا تصلي عليه .

وقال ابن الزبير :

لأَعْرِفَنُكَ بَعدَ المَوتِ تَنْدُبُني ***وفي حياتِيَ ما زَوَّدْتَني زادِي (2)


1) الطبقات الكبرى : 3 : 160 . شرح نهج البلاغة : 3 : 42 و 43 . أسد الغابة : 3: 384. تاريخ مدينة دمشق : 33: 186 .

2) مستدرك الحاكم : 7: 163 . البداية والنهاية : 3: 13 . الطبقات الكبرى : 3: 163. 2 تاريخ مدينة دمشق : 60: 181 .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض المعارضين لعثمان والناقمين عليه .. وكان من أهم ما نقموا عليه من أعماله ما يلي :

1-استبداده بأموال الدولة وإنفاقها على أسرته وذويه في حين أن المجاعة والحرمان قد عمّتا البلاد .

2- منحه المناصب العالية في الدولة لبني أمية وآل أبي معيط .

3- تنكيله بخيار الصحابة الذين طالبوه بالعدل والكفّ عن سياسته الملتوية ، ولم يستجب لهم وإنّما نكل بهم أفظع التنكيل وأقساه ، كما ذكرنا ذلك .

الثورة على عثمان

وكان من الطبيعي أن تندلع الثورة على عثمان بعد ما اقترفه من الأحداث الجسام، ولم تكن عفوية ، وإنّما كانت نتيجة للنضج الاجتماعي وكانت إصلاحية إلى حد كبير - كما يقول العلامة العلائلي - : «لقد شاع التنافر في جميع الأوساط وأخذت الأندية والمجالس تتحدّث عن مظالم عثمان ، وسوء سياسته »(1)

مذكرة المهاجرين لأهل مصر

ورفع المهاجرون وخيار الصحابة مذكرة لأهل مصر يستنجدون بهم للقيام بتغيير نظام الحكم القائم ، وهذا نص مذكرتهم :

من المهاجرين الأولين وبقيّة الشورى إلى من بمصر من الصحابة والتابعين .

أما بعد ، أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله الله قبل أن يسلبها أهلها ، فإنّ كتاب الله قد بدل ، وسنّة رسوله قد غيّرت ، وأحكام الخليفتين قد بدلت ، فننشد


1) الإمام الحسين الله : 66 .

الله من قرأ كتابنا من بقيّة أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم والتابعين بإحسان إلا أقبل إلينا ، وأخذ الحق لنا وأعطاناه ، فاقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وأقيموا غلبنا الحقِّ على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيّكم ، وفارقكم عليه الخلفاء ، حقنا، واستولي على فيئنا ، وحيل بيننا وبين أمرنا ، وكانت الخلافة بعد نبينا على خلافة نبوة ورحمة، وهي اليوم ملك عضوض ، من غلب على شيء ء أكله (1)

و حفلت هذه المذكرة بالأخطاء التي ارتكبها عثمان وهي :

1 - تبديل كتاب الله وإلغاء أحكامه ونبذ نصوصه .

2- تغيير سنة الرسول .

3-تبديل أحكام الخليفتين .

4- استئثار السلطة بالفيء .

5- صرف الخلافة الإسلامية عن مفاهيمها الخيرة إلى ملك عضوض (2)

وتحفّز المصلحون حينما انتهت إليهم هذه المذكرة إلى إرسال وفد للاطلاع على أوضاع الخليفة والتعرف عليها .

مذكرة أخرى لأهل الثغور

وأرسل صحابة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم مذكرة أخرى لأهل الثغور جاء فيها : إنّكم إنّما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزّ وجلّ تطلبون دين محمد الله ، فإنّ دين محمد قد أفسده خليفتكم فأقيموه (3).

كما أوفدت الجبهة المعارضة مذكرة أخرى لأهل الأمصار ، وقد أشاعت النقمة


1) الإمامة والسياسة : 1 35 . تاريخ المدينة : 4 : 1205 ، الهامش الغدير : 9 162 . :

2) الإمامة والسياسة : 1 : 54 .

3) تاريخ الأمم والملوك : 5 : 115 . الكامل في التاريخ : 5 : 70 شرح نهج البلاغة : 2: 149 .

والسخط على حكومة عثمان .

وفود الأمصار

اشارة

واستجابت الأمصار الإسلامية لنداء الصحابة ، فأرسلت وفودها إلى المدينة للاطلاع على حال عثمان ، أما الوفود فهي :

1 - الوفد المصري

وأرسلت مصر وفداً كبيراً قدر بأربعمائة شخص ، وقيل بأكثر ، بقيادة المؤمن محمد بن أبي بكر وعبد الرحمن بن عديس البلوي .

2 - الوفد الكوفي

وأرسلت الكوفة وفداً بقيادة الزعيم الكبير مالك الأشتر ، وزيد بن صوحان العبدي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبد الله بن الأصم العامري ، وعمرو بن الأهتم .

3- الوفد البصري

وأوفدت البصرة مائة رجل بقيادة حكيم بن جبلة ، ثمّ أوفدت خمسين رجلاً وفيهم ذريح بن عباد العبدي وبشر بن شريح القيسي وغيرهم من الوجوه والأعيان (1).

واستقبلت الصحابة الوفود بمزيد من الحفاوة والتكريم وحرّضتها على استقالة عثمان والاطاحة بحكومته .

مذكرة المصريين لعثمان

ورفع الوفد المصري مذكرة لعثمان يدعوه فيها إلى الاستقامة في سلوكه والتوازن


1) الثقات : 2 : 260 . الغدير : 9 : 168 .

في سياسته ، وهذا نصها :

أمّا بعد ، فاعلم أنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، فالله الله ، ثمّ الله الله ، فإنّك على دنيا زائلة فاستقم معها ، ولا تنسَ نصيبك من الآخرة ، فلا تسوّغ لك الدنيا ، وأعلم أنا الله ، والله نغضب ، وفي الله نرضى ، وأنا لا نضع سيوفنا عن عواتقنا تأتينا منك توبة أو ضلالة مجلحة مبلجة (1)، فهذه مقالتنا لك ، وقضيتنا إليك والله عذيرنا منك والسلام(2).

وحوت هذه المذكرة الدعوة إلى الاصلاح والاستقامة ، وقد قرأها عثمان بإمعان ، وحوله المصريون قد أحاطوا به ، فبادر المغيرة بن شعبة فطلب منه أن يتكلّم مع المصريين ، فأذن له، ولما أراد أن يفتح معهم صاحوا جميعاً :

يا أعور وراءك .. يا فاجر وراءك .. يا فاسق وراءك .

ورجع المغيرة خائباً لم تفلح وساطته ، ودعا عثمان عمرو بن العاص وطلب منه أن يكلم القوم ، فبادر تجاههم وسلّم عليهم ، فلم يرد أحد منهم عليه السلام لعلمهم بفسقه وصاحوا به : ارجع یا عدو الله .

ارجع يابن النابغة ، لست عندنا بأمين ولا مأمون .

ورجع ابن العاص خائباً في وفادته ، فقد قوبل بمزيد من الاستهانة

استجارته بالإمام علیه السلام

وسدت على عثمان جميع الوسائل ، فلم ير هناك طريقاً مفتوحاً ليتخلّص به ممّا هو فيه من المحنة ، ورأى أنه لا ملجأ له إلا الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، فاستغاث به ، فأجابه الإمام بعد أن شرط عليه أن يدعو القوم ويلتزم لهم بالسير على كتاب الله وسنّة


1) مبلجة : واضحة بيّنة

2) تاريخ الأمم والملوك : 5 : 111 . أنساب الأشراف : 5 : 64 و 65. الغدير : 9: 170 .

نبيه ، فأجابه إلى ذلك ، وانطلق الإمام صوب الثوار وهو يحمل لهم الضمان والالتزام ما طلبوه ، فلما رأوا الإمام قالوا له : وراءك ؟

فأجابهم الإمام بالالتزام الكامل بجميع مطالبهم قائلاً : تُعْطَوْنَ كِتابَ اللَّهِ ، وَتُعْتَبُونَ مِنْ كُلِّ ما سَخِطْتُم عَلَيْهِ.

أتضمن ذلك ؟

نَعَمْ .

رضينا.

وأقبل وجوه الوفد وأشرافهم مع الإمام فدخلوا ع-ل-ى عثمان وعاتبوه على سیاسته ، وطلبوا منه أن يغير سلوكه ويسير بين المسلمين بسياسة قوامها العدل الخالص والحق المحض ، فأجابهم إلى ذلك .

كتاب عثمان

وكتب عثمان إلى الوفود التي أحاطت به هذا الكتاب والتزم بتنفيذ ما فيه ، وهذا نصه :

هذا كتاب من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين ، إنّ لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيه ، يعطى المحروم ، ويؤمن الخائف ، ويردّ المنفي ، ولا يجمر في البعوث ، ويوفّر الفيء ، وعلي بن أبي طالب ضمين للمؤمنين ، وعلى عثمان الوفاء بما في هذا الكتاب .

وشهد فيه كلّ من الزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وعبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت ، وسهل بن حنيف ، وأبو أيوب خالد بن زيد ، وكان توقيعه والشهادة عليه سنة ( 35ه- ) (1)


1) الغدير : 9: 171 .

واستلم الثوّار الكتاب ، وانصرفوا إلى جماعتهم ، وطلب الإمام من عثمان أن يخرج إلى الناس ويعلن لهم تنفيذ ما أرادوا ، ففعل عثمان ذلك ، وقد أعطاهم عهد الله وميثاقه أن يسير فيهم بكتاب الله وسنّة نبيه ، ويوفر لهم الفيء ولا يؤثر به أحداً من بني أمية ، وقفل المصريون راجعين إلى بلادهم.

نقضه للعهد

ومن المؤسف أنّ عثمان نقض ما قطعه على نفسه ولم يف للمسلمين بما عاهدهم عليه ، أما سبب ذلك فتعزوه مصادر التاريخ إلى مروان الذي كان وزيراً ومستشاراً له ، فقد لامه على ما أعطاه للمصريين من العهد وطلب منه نقض ذلك ، فامتنع من إجابته إلا أنه أصر عليه ، فاستجاب له ، فخرج إلى الناس واعتلى المنبر وقال : أما بعد ، إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر ، فلما تيقنوا أنّه باطل ما بلغهم رجعوا إلى بلادهم .

وقطع عليه ابن العاص كلامه وقال له : اتق الله يا عثمان ! فإنّك قد ركبت نها بير(1)وركبناها معك ، فتب إلى الله نتب معك .

فصاح به عثمان : وإنّك هناك يابن النابغة ! قملت والله ! جبتك منذ تركتك من العمل .

وارتفعت أصوات الانكار من جميع جنبات المسجد وهي ذات لهجة واحدة : اتق الله يا عثمان ! .. اتق الله يا عثمان ! (2).

وانهار أمام هذا الحشد الهائل من الانكار ولم يدر ما يقول ، ولم يجد بداً من إعلان التوبة مرّة ثانية ، فتاب وندم على ما فرّط في أمر نفسه.


1) النهابير : المهالك .

2) تاريخ الأمم والملوك : 5 : 110 . أنساب الأشراف : 5 : 74 . الكامل في التاريخ : 3: 163

استنجاده بمعاوية

وأحاط الثوّار بعثمان لأنّه لم يقلع عن سياسته ، ولا يغيّر ولا يبدل أي شيء منها ، وطالبوه بالاستقالة من منصبه فأبى، ورأى أنّ خير وسيلة له أن يستنجد بابن عمه معاوية ليبعث له قوة عسكرية من أهل الشام تحميه من الثوّار ، فكتب إليه : أما بعد ، فإنّ أهل المدينة قد كفروا ، وخلعوا الطاعة ونكثوا البيعة ، فابعث إليَّ من قبلك مقاتلة أهل الشام على صعب وذلول(1)

وحمل الكتاب مسور بن مخرمة ، وأخذ يجد في السير حتى انتهى إلى معاوية ، فناوله الكتاب وقال له : يا معاوية ، انّ عثمان مقتول ، فانظر فيما كتب به إليك .

وسخر منه معاوية وأجابه : يا مسور ، إنّي مصرّح أن عثمان بدأ فعمل بما يحب أم الله ورسوله ويرضاه ، ثمّ غير فغيّر الله عليه ، أفيتهيأ لي أن أردّ ما غيّر الله عزّ وجلّ(2)؟ ولم يبد معاوية أي اهتمام بشأن عثمان ، وكان يترقب قتله ليتخذ من دمه ورقة رابحة يطلب بها المطالبة بدمه

وقد تنكر معاوية لعثمان ، ولم يستجب له في وقت محنته

يقول الدكتور محمد طاهر دروش : ( وإذا كان هناك وزر في قتل عثمان فوزره على معاوية ودمه في عنقه ، ومسؤوليته عن ذلك لا تدفع ، فهو أولى الناس به ، به ، وأعظم الرجال شأناً في دولته ، وقد دعاه فيمن دعا ، يستشيره في هذا الأمر ، وهو داهية الدهاة ، فما نهض إليه برأيه ، ولا دافع عنه بجنده ، وكأنه قد استطال كما استطال غيره - حياته ، فترك الأيام ترسم بيدها مصيره، وتحدّد نهايته ، فإذا جاز لأحد أن يظنّ بعلي أو بطلحة والزبير تقصيراً في حقّ عثمان فمعاوية هو المقصر ، وإذا جاز


1) الكامل في التاريخ : 5 : 67. تاريخ اليعقوبي : 2 : 150 . تاريخ الأمم والملوك : 3: 402 .

2) فتوح البلدان : 2 : 218 . تاريخ مدينة دمشق : 39 378 الإمامة والسياسة : 1 : 55 ، الهامش.

أن يلام أحد غير عثمان فيما جرى فمعاوية هو الملوم(1).

وكتب عثمان رسائل أخرى إلى أهل الأمصار يستنجد بهم ويطلب منهم المعونة لرفع الحصار عنه ، إلا أنه لم يستجب أي أحد منهم لعلمهم بالأحداث الجسام التي اقترفها .

الحصار على عثمان

وفرض الثوار الحصار على عثمان ، وأحاطوا بداره وهم يهتفون بسقوطه ، ويطالبونه بالاستقالة من منصبه ، وفي أثناء تلك المحنة الحازبة التي أحاطت بعثمان انبرى مروان إلى الثوار فأشعل نار الثورة في نفوسهم ودفعهم إلى الاطاحة بحكم عثمان قائلاً لهم : ما شأنكم ؟ كأنكم قد جئتم لنهب ، شاهت الوجوه تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا أخرجوا عنا .

وكانت هذه الكلمات الطائشة قد أشعلت فتيل الحرب على عثمان ، ونقلت إلى الإمام أمير المؤمنين ، فخف مسرعاً إلى عثمان وقال له :

«إِلَّا بِتَحَرُفِكَ عَنْ دِينِكَ وَعَنْ عَقْلِكَ ا رَضِيتَ مِنْ مَرْوانَ ، وَلَا رَضِيَ مِ مِثْلَ جَمَلِ الظَّعِينَةِ يُقادُ حَيْثُ يَشَاءُ رَبُّهُ ، وَاللهِ مامَرْوانُ بِذِي رأي فِي دِينِهِ وَلَا فِي نَفْسِهِ ، وَأَيْمُ اللهِ لأراهُ يُوْرِدُكَ وَلَا يُصْدِرُكَ ، وَما أَنا عائِدٌ بَعْدَ مَقامِي هَذَا لِمُعاتَبَتِكَ ، أَذْهَبْتَ شَرَفَكَ ، وَغُلِبْتَ عَلَى أَمْرِكَ ... ».

وتركه الإمام وانصرف عنه ، والثوّار قد أحاطوا به ، والتفتت نائلة زوج عثمان إلى مروان وبني أمية فقالت لهم : أنتموالله ! قاتلوه وميتموا أطفاله .

والتفتت إلى زوجها تحذره من مروان قائلة له : إنّك متى أطعت مروان قتلك .


1) الخطابة في صدر الإسلام : 2 : 23 .

لقد كان مروان من أهم الأسباب التي أدت إلى قتل عثمان ، فقد أطاعه عثمان إطاعة عمياء ، وهو يدفع به إلى المهالك من دون أن يحسّ عثمان بذلك .

يوم الدار

واندلعت نيران الثورة فقد نفد صبر الثوّار ، فلم يستقل عثمان من منصبه ، وقد أحاطوا بداره ، وقد شهروا سيوفهم ، فخرج إليهم مروان مدافعاً عنه ، فبرز إليه عروة بن شييم الليثي فضربه على قفاه بالسيف فخر لوجهه صريعاً ، وقام إليه عبيد بن رفاعة الزرقي ، فأراد أن يقطع رأسه فعذلته فاطمة الثقفية وقالت له : إن كنت تريد قتله ، فقد قتلته ، فما تصنع بلحمه أن تبضعه ، فاستحي منها وتركه .

وتسلّق الثوّار عليه الدار ، ولم يكن عنده أحد يدافع عنه ، فقد ورمت منه القلوب ، ومجّته النفوس، ورماه الناس بالحجارة ونادوه : لسنا نرميك ، بل الله يرميك .

واحتف به بعض الأمويين يدافعون عنه .. وقد نشب بينهم وبين الثوار قتال عنيف ، وقد فرّ وانهزم خالد بن عقبة بن أبي معيط من ساحة القتال ، وإليه يشير عبد الرحمن بن سيحان بقوله :

يَلومُونَني في الدّارِ إِنْ غَبْتُ عَنْهُم ***وَقَدْ فَرَّ عَنْهُمْ خَالِدٌ وَهوَ دارعُ

وقتل من أصحاب عثمان زياد بن نعيم الفهري، والمغيرة بن الأخنس ، ونيار بن عبدالله الأسلمي وجماعة .

مصرع عثمان

وانهزم بنو أمية وآل أبي معيط وتركوا عثمان وحده ، فأجهز عليه جماعة من المسلمين في مقدمتهم محمد بن أبي بكر ، فقد قبض على لحيته وقال له :

أخزاك الله يا نعثل(1).

فردّ عليه عثمان : لست بنعثل ، ولكنّي عبد الله وأمير المؤمنين .

فقال له محمّد بعنف : ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان ، وأخذ يعدد بني أمية وتضرّع عثمان إلى محمد قائلاً له : يابن أخي ، دع عنك لحيتي ، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه .

فأجابه محمّد بعنف : ما أريد بك أشدّ من قبضي على لحيتك.

وطعن محمد جبينه بمشقص كان في يده ، ورفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل أذنه حتى دخلت في حلقه ، ثم علاه بالسيف ، ووثب عليه عمرو بن الحمق الخزاعي الحمق الخزاعي ، فجلس على صدره و به رمق فطعنه تسع طعنات ، وكسر عمیر بن ضابئ ضلعين من أضلاعه ، وحاولوا حزّ رأسه ، فألقت زوجتاه نائلة وابنة شبية بن ربيعة بنفسهما عليه، فأمر ابن عديس بتركه لهما(2).

وألقيت جنّة عثمان ملطخة بدمه على الأرض لم يفزع إليه أحد من الأمويين وآل أبي معيط المواراته في مقره الأخير ، وقد بالغ الثوار في إهانته ، فقد ألقوا جثمانه على المزبلة ثلاثة أيام(3)مبالغة في توهينه وتحقيره ، وكلّم بعض خواصه الإمام الا أن يتوسط إلى الثوار فيواروه ، فكلّمهم الإمام فأذنوا له في دفنه ، ووصف جولد تسيهر كيفية دفنه بقوله :

وبسط جثمانه دون أن يغسل على باب ، فكان رأسه يقرع قرعاً ، يقابل بخطوات


1) نعثل : هو طويل اللحية ، وقيل : هو رجل من أهل الكتاب كان طويل اللحية ، وكان يشبه عثمان ، ولذلك سمّي به ، جاء ذلك في حاشية لطائف المعارف : 35.

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد :2 158 الطبقات الكبری : 3: 73. تاريخ مدينة دمشق : 39 : 409 . تاريخ الأمم والملوك : 3: 423 .

3) تمام المتون / الصفدي: 79

سريعة من حامليه ، وهم يسرعون في ظلام الليل ، والأحجار ترشفه ، واللعنات تتبعه ، ودفنوه في حش كوكب (1)، ولم يسمح الأنصار بمواراته في مقابر المسلمين (2)، وأما غلاماه اللذان قتلا معه فقد سحبوهما وألقوهما على التلة فأكلتهما الكلاب (3).

وبذلك فقد انتهت حياة عثمان بهذه الصورة المروّعة ، وقد امتحن بها المسلمون كأشد وأقسى ما يكون الامتحان ، وأخلدت لهم الفتن والمصاعب ، وألقتهم في شرّ عظيم ، فقد ربح الأمويون بقتله ، فقد طالبوا بدمه ، كما تذرّعت بالمطالبة بدمه القوى النفعية أمثال : طلحة والزبير وعائشة ، فقد رفعوه شعاراً لهم ، وهم الذين أجهزوا عليه .

وعلى أي حال ، فقد مني العالم الإسلامي بحكومة عثمان وبمصرعه بمصاعب وفتن ، وقد تحدثنا عنها في كتابنا ( حياة الإمام الحسين علیه السلام ) فلانرى حاجة لإعادتها ، وقد اقتبسنا معظم هذه الفصول منه ، وذلك لأنها ترتبط ببحثنا ارتباطاً موضوعياً لا غنى عنها ، فإنّها وإن ذكرت في كتاب ( حياة الإمام الحسن علیه السلام ) وكتاب ( الإمام الحسين علیه السلام ) فهي على سبيل الاستطراد لأنها تمثل الحياة الاجتماعية والسياسية في عصر الإمامين الله ، أما ذكرها هنا فإنّها من صميم الموضوع .

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وَ عَلَى اللَّهِ الظَّاهِرِينَ


1) حش كوكب : اسم بستان لليهود كانوا يدفنون موتاهم فيه .

2) العقيدة والشريعة في الإسلام : 45. تاريخ مدينة دمشق : 39 532 . تاريخ المدينة : 4 1241

3) تاريخ الأمم والملوك : 3 241 البداية والنهاية : 7 : 214 تاريخ مدينة دمشق : 39: . 526

المحتوية

الإهداء ...7

تقديم ...9

النَسَب الوَصالح

17_38

المآثر الكريمة ...19

1- عبادة الله تعالى ...20

2 - حلف الفضول ...20

3- إخراج ماء زمزم ...21

4 - سقاية الحاج ...22

5 - إطعام الطعام ...23

أعمدة الشرف من الهاشميين ...23

1 - هاشم ...23

2 - عبدالمطلب ...24

3- أبو طالب ...25

رعايته للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ...26

حمايته للإسلام ...26

مع النبي صلی الله علیه و آله و سلم في الشعب ...29

تبنّي أبي طالب الدعوة الإسلامية ...31

وصيته الخالدة ...32

في ذمة الخلود ...34

تأبين النبي صلی الله علیه و آله و سلم له ...35

4 - فاطمة بنت أسد ...36

سبقها إلى الإسلام ...36

مبايعتها للنبي صلى الله عليه وسلم ...36

رعايتها للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ...37

روايتها للحديث ...37

إقامتها في بيت الإمام علي علیه السلام ... 37

وفاتها ...37

وليد الکعبة

39 - 71

كيفية ولادته علیه السلام ...42

مشرق النور ...43

مع الشعراء ...43

1 - السيد الحميري ...43

2 - بولس سلامة ...44

3- عبد المنعم الفرطوسي ...44

تسمية أمه له علیه السلام ...45

تسمية أبي طالب له ...46

سنة ولادته علیه السلام ...47

ألقابه علیه السلام ...47

1 - الصدِّيق ...47

2 - الوصي ...48

مع الشعراء ...49

1 - خزيمة بن ثابت ...49

2 - عبد الرحمن بن جعيل ...49

3- جرير بن عبدالله البجلي ...50

4 - سعيد بن قيس ...50

5 - حجر بن عدي ...51

6 - النعمان بن عجلان ...51

7- أبو الأسود الدؤلي ...51

8-الفضل بن العباس ...52

9- حسّان بن ثابت ...52

10- الكميت ...52

11 - المتنبي ...52

12 - أبو تمام الطائي ...53

13 - دعبل الخزاعي ...53

3 - الفاروق ...54

4 - يعسوب الدين ...55

5- الولي ...55

6- أمير المؤمنين ...56

7 - الأمين ...57

8-الهادي ...58

9 - الأذن الواعية ...58

10 - المرتضى 58

11 - الأنزع البطين ...59

12 - الشريف ... 59

13 - بيضة البلد ... 60

14 - خير البشر ...60

15 - سيّد العرب ...61

16 - حجة الله ...62

كناه علیه السلام ...62

1 - أبو الريحانتين ...62

2 - أبو السبطين ...63

3 - أبو الحسن ...63

4 - أبو الحسين ...63

5 - أبو تراب ...63

مع الأمويين ...67

ملامحه وصفاته علیه السلام ...68

1 - وصف النبي صلی الله علیه و آله و سلم له علیه السلام...68

2 - وصف ضرار للإمام علیه السلام...68

3 - وصف ابنه محمّد له علیه السلام ...69

4 - وصف المغيرة له ...70

5 - وصف بعض المعاصرين له علیه السلام ...70

نشاته علیه السلام

95-73

احتضان النبي صلی الله علیه و آله و سلم للإمام علیه السلام ...75

التربية النبوية للإمام علیه السلام ...76

1 - نكران الذات ...77

2 - التحلي بالصفات الكريمة ...78

3 - الاجتناب عن الصفات المذمومة...80

سبقه علیه السلام للإسلام ...38

حبه علیه السلام للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ...86

قیامه علیه السلام بخدمة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ... 86

نماذج من أدعيته علیه السلام للنبي صلی الله علیه و آله و سلم...87

تمجيده علیه السلام للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ...90

كتابته علیه السلام اللوحي ...91

كتابته علیه السلام لعهود الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ...92

تحطيمه علیه السلام للأصنام...93

نقش خاتم الإمام علیه السلام ...94

اجتنابه علیه السلام للخضاب ...94

دار سكناه علیه السلام ...95

عَنَاصِرُهُ النَّفْسَيَة

135-97

إيمانه علیه السلام الوثيق بالله تعالى ...99

إنابته علیه السلام الله تعالى ...100

العصمة من الذنوب ...104

زهده علیه السلام ...107

صور مذهلة من زهده علیه السلام ...107

1- لباسه علیه السلام ...107

2 - طعامه علیه السلام ... 110

بطولته علیه السلام النادرة ...114

قوته علیه السلام الهائلة ...116

حلمه علیه السلام ...117

بوادر من حلمه علیه السلام ...117

صبر علیه السلام ...119

تواضعه علیه السلام ...121

شذرات من تواضعه علیه السلام ...121

عيادته علیه السلام المرضى ...112

كراهته علیه السلام للمدح ...123

إجابته علیه السلام لدعوة من دعاه ...124

سخاؤه علیه السلام ...124

شذرات من جوده علیه السلام ...124

الرأفة بالفقراء ...127

عدله علیه السلام...129

بوادر من عدله ...130

سعة علومه علیه السلام ...133

سرعة الجواب ...134

مَعَ الثَّورة الاسلامية

164-138

1 - تحطيم الأصنام ...139

2 - تحرير العبيد والمستضعفين ...141

3 - تحرير المرأة ... 141

1 - وأد البنات ...141

2-حرمانها من الميراث ...142

3 - الزواج بأرملة الأب ...143

4 - المساواة بين الناس ...143

5 - حماية الحقوق ...144

6 - تحريم الربا ...144

7 - تحريم الخمر ...144

8-تحریم الاستغلال ...144

9 - إقصاء الفقر ... 145

10 - إشاعة العلم ...145

الإمام علیه السلام يصف الإسلام ...145

الإمام أوّل مَن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ...147

1 - عفيف الكندي ...147

2- عبدالله بن مسعود ...148

الإمام مع النبي صلی الله علیه و آله و سلم في بداية دعوته ...149

فزع القرشيين ...151

إجراءات قاسية ...152

1 - إغراء صبيانهم بمحاربة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ...152

2 - اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون ...153

3 - اتهامه صلی الله علیه و آله و سلم بالسحر ...153

4 - تعذيب المؤمنين .... 153

5 - في شعب أبي طالب ...154

الافراج عن النبي وآله النبي وآله : ...155

وفاة أبي طالب وخديجة ...156

إجماع القرشيين على قتل النبي صلی الله علیه و آله و سلم ...156

هجرة النبى صلی الله علیه و آله و سلم إلى يثرب ...157

مبيت الإمام علیه السلام على فراش النبي صلی الله علیه و آله و سلم ...157

دعاء الإمام علیه السلام ... 159

مرافقة أبي بكر للرسول صلی الله علیه و آله و سلم ...161

استقبال المدينة للرسول ...162

هجرة الإمام علیه السلام إلى يثرب ...162

الاخوة بين المسلمين ...163

تأسيس الجامع النبوي ...163

الامام فی عهد النبی

وفتره الخلافه

427-165

مَعَ النبي في جهاده وغزوانه

167 - 222

واقعة بدر ...170

استنجاد أبي سفيان بقريش ...170

رؤيا عاتكة ...171

نصيحة عتبة بن ربيعة ...172

سقاية الإمام علیه السلام للجيش ...173

دعاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم للأنصار ...173

دعاء النبي صلی الله علیه و آله و سلم على قريش ...173

النبي صلی الله علیه و آله و سلم مع أصحابه ...174

المعركة ...174

شجاعة الإمام علیه السلام ...175

أسماء من قتلهم الإمام علیه السلام ...175

وقوف النبي صلی الله علیه و آله و سلم على القتلى ...177

الأسرى من قريش ...178

حزن القرشيين على قتلاهم ...178

انتصار الإسلام ...180

واقعة أحد ...180

الحرب...181

هزيمة المسلمين ...183

مصرع الشهيد حمزة ...184

مصرع الشهيد مصعب ...184

حماية الإمام للنبي صلی الله علیه و آله و سلم ...185

تشفّي هند ...186

تشفّي أبي سفيان ...187

حزن النبي صلی الله علیه و آله و سلم ...187

ملاحقة النبي صلی الله علیه و آله و سلم للقرشيين ...188

سرور القرشيين ...189

واقعة الخندق ...189

دور اليهود في المعركة ...190

النبي صلی الله علیه و آله و سلم مع نعيم ...190

حفر الخندق ...192

مبارزة الإمام صلی الله علیه و آله و سلم لعمرو ...193

فتح خیبر ...196

مبارزة الإمام علیه السلام المرحب ...199

غزوة بني قريظة ...200

نصيحة كعب لبني قريظة ...200

نزولهم على حكم الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ...201

تحكيم سعد ...202

غزوة بني النضير ...202

غزوة وادى القرى ...203

فتح اليمن ...204

دعاء الإمام ...204

إسلام همدان ...205

فتح مكة مكة ...206

رسالة حاطب لقريش ...206

في رحاب مكة ...207

العباس وأبو سفيان ...207

أبو سفيان بين يدي النبي صلی الله علیه و آله و سلم ...209

ألطاف النبي صلی الله علیه و آله و سلم على أبي سفيان ...209

أبو سفيان في مضيق الوادي ...210

نداء أبي سفيان ...211

معارضة هند ... 211

دخول النبي صلی الله علیه و آله و سلم مكة ...212

النبي صلی الله علیه و آله و سلم في الكعبة ...212

تطهير البيت من الأصنام ...213

خطاب النبي صلی الله علیه و آله و سلم ...214

غزوة حنين ...215

فرار المسلمين ...216

شجاعة الإمام علیه السلام ...217

شماتة أبي سفيان وصفوان ...217

هزيمة المشركين ...218

الغنائم ...218

الإمام علیه السلام وسورة البراءة ...220

غزوة تبوك ...221

الإمام علیه السلام يصف جهاده ...222

طلائع الرحیل

223 - 234

حجة الوداع ...228

مؤتمر غدیر خم ...230

البيعة العامة للإمام علیه السلام ...232

نزول آية إكمال الدين ...232

السَّاسَاةُ الخَالِدَةُ

235 - 254

إعطاء القصاص من نفسه ...238

سرية أسامة ...241

رزية يوم الخميس ...243

فجيعة الزهراء علیها سلام...245

النبي صلی الله علیه و آله و سلم يوصي بأهل بيته علیهم السلام ...247

وصية النبي صلی الله علیه و آله و سلم بسبطيه علیهالسلام ...247

إلى الفردوس الأعلى ...248

تجهيز الجثمان العظيم ...250

الصلاة على الجثمان العظيم ...251

مواراة الجثمان المقدّس ...252

فزع أهل البيت ...252

تأبين الإمام علیه السلام للرسول صلی الله علیه و آله و سلم ...253

موتمر السقیفه و حکومه ابی بکر

255-325

البواعث لمؤتمر السقيفة ...258

خطاب سعد ...261

المؤاخذة على سعد ...262

ضعف نفسية الأنصار ...263

اختلاف الأنصار ...264

فذلكة عمر ...265

نظرة وتأمّل ...266

مداهمة الأنصار ...267

خطاب أبي بكر ...268

دراسة وتحليل ...268

فوز أبي بكر بالحكم ...271

هزيمة الأنصار ...273

ابتهاج القرشيين ...274

موقف أبي سفيان ...275

موقف الإمام من بيعة أبي بكر ...277

امتناع الإمام الله من البيعة ...278

احتجاجات صارمة ...280

1 - احتجاج الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ...281

2 - الزهراء ...281

محتويات الاحتجاج ...282

استنجاد الزهراء ببني قيلة ...284

3- الإمام الحسن الان ...285

4 - سلمان الفارسي ...286

5 - عمّار بن ياسر ...287

6 - أبو ذرّ ...288

7 - المقداد ...288

8 - عتبة بن أبي لهب ...289

9 - أبو أيوب الأنصاري ...290

10 - أبي بن كعب ...291

11 - النعمان بن عجلان ... 291

12 - عثمان بن حنيف ...292

13 - سهل بن حنيف ... 292

14 - خزيمة بن ثابت ...293

15 - أبو الهيثم بن التيهان ...293

إجراءات مؤسفة ...297

1 - كبس دار الإمام علیه السلام ...295

2 - تأميم فدك ...298

مطالبة الزهراء 7 بفدك ...298

3 - إلغاء الخمس ...300

4 - مصادرة تركة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ...301

الخطاب الخالد للزهراء ...302

ندم أبي بكر ...308

محاولة فاشلة لإرضاء الزهراء علیها سلام...39

أضواء على موقف الإمام علیه السلام ...310

1 - فقده للقوة العسكرية ...312

2 - المحافظة على وحدة المسلمين ...312

لوعة الزهراء لا وشجونها .... 313

الزهراء في ذمة الخلود ...316

وصيّتها علیها السلام ...316

وفاة أبي بكر وعهده لعمر ...322

موقف الإمام ...324

خلافة عمر ومَبد الشورى

371 - 327

سياسته الداخلية ...329

سعد بن أبي وقاص ...329

جَبَلة بن الأيهم ...330

فرض الإقامة الجبرية على الصحابة ...331

رأي طه حسين ...332

ولاته وعماله ...332

مراقبة الولاة والعمال ...333

سياسته المالية ...327

ناقدون ...338

1 - الدكتور محمد مصطفى ...338

2 - العلّامة العلائلي ...339

3 - الدكتور عبدالله سلام ...339

ندم عمر ...340

اعتزال الإمام ...340

نصيحته علیه السلام لعمر ...342

1 - غزو الروم ...342

2 - غزو الفرس ...343

3 - حليّ الكعبة ...344

اغتيال عمر ...344

وصيته 347

عمر مع ابنه عبدالله ...347

نظام الشورى ...734

صلاة صهيب ...350

انتخاب عمر لأعضاء الشورى ...350

عمر مع أعضاء الشورى ...350

الرواية الأولى: ...351

مع الزبير ...351

مع طلحة ... 351

مع سعد بن أبي وقاص ...353

مع عبد الرحمن بن عوف ... 353

مع الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ...353

مع عثمان ...354

الرواية الثانية ...355

الرواية الثالثة ...356

الهيئة المشرفة على الانتخاب ...358

عمر مع أبي طلحة والمقداد ...358

إنذار عمر للصحابة ...359

رأي الإمام السلام ...359

آفات الشورى ...361

عملية الانتخاب ...366

حكومة عُثمان

127 - 317

مظاهر شخصيّته ...376

1- ضعف الإرادة ...376

2 - حبّه العارم للأمويين ...377

3 - ميله إلى الترف ...378

4- مصانعة الوجوه ...378

ولاته وعماله ...379

1 - عبدالله بن عامر ...380

2 - الوليد بن عقبة ...382

3- عبدالله بن سعد ...387

4 - معاوية بن أبي سفيان ...388

5 - سعيد بن العاص ...389

سياسته الاقتصادية ...392

هباته للأمويين ...393

هباته للأعيان ...397

إقطاعه للأراضي ...398

قائمة بأسماء الممنوحين أراضي واسعة: ...399

استقطاع عثمان للأموال ...400

مع الجبهة المعارضة ...401

التنكيل بالمعارضين ...402

1 - عمار بن ياسر ...402

2 - مع أبي ذرّ ...405

اعتقال أبي ذرّ في الشام ...406

إخراج أبي ذرّ من الشام ...408

اعتقاله في الربذة ...410

توديع الأسرة النبوية لأبي ذرّ ...410

كلمة الإمام علیه السلام ... 411

كلمة الإمام الحسن علیه السلام ...412

كلمة الإمام الحسين علیه السلام ...412

كلمة عمار علیه السلام ...412

كلمة أبي ذر علیه السلام ...413

غضب عثمان على الإمام علیه السلام ...413

3- عبد الله بن مسعود ...414

الثورة على عثمان ...417

مذكرة المهاجرين لأهل مصر ...417

مذكرة أخرى لأهل الثغور ...418

وفود الأمصار ...419

1 - الوفد المصري ...419

2 - الوفد الكوفي ...419

3 - الوفد البصري ..419

مذكرة المصريين لعثمان ...419

استجارته بالإمام علیه السلام ...420

كتاب عثمان ... 421

نقضه للعهد ...422

استنجاده بمعاوية ...423

الحصار على عثمان ...425

يوم الدار ...425

مصرع عثمان ...427

المحتويات ...429