ghaemiyeh.com
الأغاني
المؤلفين الآخرين
مدقق لغوي ومترجم:
مکتبة تحقیق دار احیاء التراث العربي
المجلدات : 25ج
لسان: العربية
ناشر:دار إحياء التراث العربي - بیروت - لبنان
سنة النشر: 1415 هجری قمری|1994 میلادی
رمز الكونغرس: PJA 3892 /الف 6 1374
إعداد النص الرقمي : میثم الحیدري
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
هل في ادّكار الحبيب من حرج *** أم هل لهمّ الفؤاد من فرج
أم كيف أنسى رحيلنا حرما *** يوم حللنا بالنّخل من أمج(1)
يوم يقول الرسول قد أذنت *** فائت على غير رقبة فلج
أقبلت أسعى إلى رحالهم *** في نفحة من نسيمها الأرج
الشعر لجعفر بن الزّبير(2)، و الغناء للغريض، خفيف ثقيل أوّل، بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، عن إسحاق. و ذكر عمرو بن بانة أنه لدحمان في هذه الطريقة و المجرى. و ذكره يونس بغير طريقة و قال: فيه لحنان:
لابن سريج و الغريض. و ذكر الهشاميّ أنّ لحن ابن سريج رمل بالوسطى.
جعفر بن الزّبير بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب. و أم جعفر بن الزبير زينب بنت بشر بن عبد عمرو، من بني قيس(1)بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل.
أخبرني الطّوسي قال: حدّثنا الزبير بن بكّار قال: حدّثني مصعب بن عثمان قال: أخبرني جدّك عبد اللّه بن مصعب(2)عن أبي عثمان(3)بن مصعب، عن شعيب بن جعفر بن الزبير قال:
فرض سليمان بن عبد الملك للناس في خلافته، و عرض الفرض. قال: و كان ابن حزم(4)في ذلك محسنا يعلم اللّه، إنّه كان/يأمر الغلمان أن يتطاولوا على خفافهم ليرفعهم بذلك.
قال شعيب بن جعفر بن الزبير: فقال لي سليمان بن عبد الملك: من أنت؟ قلت: شعيب بن جعفر بن الزبير.
فقال: ما فعل جعفر؟ فقال له عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين(5)على الكبر و العيال. فقال: قل له يحضر الباب. /فقال لجعفر، احضر الباب. فدعا المنذر بن عبيدة بن الزبير، فرفع معه رقعة و أرسله إلى عمر بن عبد العزيز، فيها قوله:
يا عمر بن عمر بن الخطّاب *** إنّ وقوفي من وراء الأبواب
يعدل عندي حطم بعض الأنياب(6)
قال: فلما قرأها عمر عذره عند سليمان، فأمر له سليمان بألف دينار في دينه، و ألف دينار معونة على عياله، و برقيق من البيض و السّودان، و كثير من طعام الجاري(7)، و أن يدان من الصّدقة بألفي دينار. قال: فلما جاء ذلك
1) هذا ما في ط، مب، مط. و في م: «بن عبد عزى من بني قيس» و في سائر النسخ: «بن عبد عمرو بن قيس».
2) كذا في ط، مب، مط. و هو الصواب؛ إذ أن عبد اللّه بن مصعب، هو جدّ الزبير بن بكار. و في بعض النسخ: «جدي» بدل «جدك»، تحريف.
3) م: «عن عثمان».
4) هو محمد بن حزم، ذكر المسعودي في «التنبيه و الإشراف» 275 أنه كان قاضي سليمان بن عبد الملك.
5) يا أمير المؤمنين، من ط، مب، مط.
6) يعدل: يساوي. س: «بعدك». أ، ط: «بعض أنياب»، أي أنيابي.
7) ط، مب: «و من طعام الجار».
إلى أبي قال: أعطيته من غير مسألة؟ فقيل: نعم. قال: الحمد للّه، ما أسخى هذا الفتى! ما كان أبوه سخيا و لا ابن سخيّ. و لكنّ هذا كأنه(1)من آل حرب. ثم قال:
فما كنت ديانا فقد دنت إذ بدت *** صكوك أمير المؤمنين تدور(2)
بوصل أولي الأرحام قبل سؤالهم *** و ذلك أمر في الكرام كثير
قال بعض من روى هذا الخبر عن الزبير: الناس لا ينظرون في عيب أنفسهم، و ما كان لجعفر أن يعيب أحدا بالبخل؛ و ما رئي في الناس أحد أبخل منهم أهل البيت و لا من عبد اللّه بن الزبير خاصة، و ما كان فيهم جواد غير مصعب.
قال الزبير: حدّثني عمي، قال: كان السلطان بالمدينة إذا جاء مال الصدقة أدان من أراد من قريش منه(3)، و كتب بذلك صكّا عليه، فيستعبدهم به، /و يختلفون إليه، و يديرونه(4)، فإذا غضب على أحد منهم استخرج ذلك منه(5)، حتّى كان هارون الرشيد، فكلّمه عبد اللّه بن مصعب في صكوك بقيت من ذلك على غير واحد من قريش؛ فأمر بها فخرّقت عنهم، فذلك قول ابن الزبير:
فما كنت ديّانا فقد دنت إذ بدت *** صكوك أمير المؤمنين تدور
قال الزبير: و حدّثني عمّي مصعب قال:
شهد جعفر بن الزبير مع أخيه عبد اللّه حربه، و استعمله عبد اللّه على المدينة، و قاتل يوم قتل عبد اللّه بن الزبير، حتّى جمد الدم على يده؛ و في ذلك يقول جعفر:
لعمرك إنّي يوم أجلت ركائبي *** لأطيب نفسا بالجلاد لدى الرّكن(6)
ضنين بمن خلفي شحيح بطاعتي *** طراد رجال لا مطاردة الحصن
غداة تحامتنا تجيب و غافق *** و همدان تبكي من مطاردة الضّبن(7)
قال الزبير:
و حدّثني عمي مصعب بن عثمان؛ أنّ جعفر بن الزبير كانت بينه و بين أخيه عروة معاتبة، فقال في ذلك:
1) كأنه، ساقطة من ط، مب.
2) أراد بالديان هنا المقترض، كالمديان.
3) ط، مب، مط: «منها»، برجوع الضمير إلى «الصدقة».
4) س: «و يداورونه». أ: «و يدبرونه»، و أثبت ما في ط، مب، مط. يقال: أدرته عن الأمر، إذا طلبت منه تركه.
5) الاستخراج: استصفاء أموال من اتهم باختلاس الدولة، و كانوا يستخدمون كل ما لديهم من وسائل التعذيب و الإرهاق لاستخراج هذه الأموال، و كان لهذا قيم يسمونه «صاحب الاستخراج». انظر «البيان و التبيين» للجاحظ (166:2).
6) ط، مب، مط: «كتائبي» موضع «ركائبي».
7) تجيب، بضم التاء و فتحها: بطن من كندة. س: «بخبت»، تحريف. و الضبن، لعلّه يعني بهم بني ضبينة، و هم حي من قيس.
/لا تلحينّي يا ابن أمّي فإنّني *** عدوّ لمن عاديت يا عرو جاهد
و فارقت إخواني الذين تتابعوا *** و فارقت عبد اللّه و الموت عاند(1)
و لو لا يمين لا أزال أبرّها *** لقد جمعتنا بالفناء المقاعد(2)
قال الزبير: أنشدتني عمّتي أسماء بنت مصعب بن ثابت، لجعفر بن الزبير، و أنشدنيه غيرها يرثي ابنا له(3):
أهاجك بين من حبيب قد احتمل *** نعم ففؤادي هائم العقل محتبل
و قالوا صحيرات اليمام و قدّموا *** أوائلهم من آخر الليل في الثّقل(4)
مررن على ماء العشيرة و الهوى *** على ملل يا لهف نفسي على ملل(5)
فتى السنّ كهل الحلم يهتزّ للندى *** أمر من الدّفلى و أحلى من العسل(6)
في هذه الأبيات خفيف رمل بالبنصر، نسبه يحيى المكي إلى ابن سريج، و نسبه الهشاميّ إلى الأبجر، قال:
و يقال إنه لابن سهيل.
فأخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائني - و خبره أتم - قال: اصطحب قوم في سفر، و معم رجل يغنّي، و شيخ عليه أثر النّسك و العبادة، فكانوا يشتهون أن يغنّيهم الفتى و يستحيون من الشّيخ إلى أن/بلغوا إلى صحيرات اليمام، فقال له المغني: أيها الشيخ إنّ عليّ يمينا أن أنشد شعرا إذا انتهيت إلى هذا الموضع، و إنّي أهابك و أستحي منك؛ فإن رأيت أن تأذن لي في إنشاده أو تتقدّم حتّى أوفي بيميني ثم نلحق بك فافعل. قال: و ما عليّ من إنشادك؟! أنشد ما بدا لك. فاندفع يغني:
و قالوا صحيرات اليمام و قدّموا *** أوائلهم من آخر الليل في الثّقل
وردن على ماء العشيرة و الهوى *** على ملل يا لهف نفسي على ملل
فجعل الشيخ يبكي أحرّ بكاء و أشجاه، فقالوا له: ما لك يا عمّ تبكي؟ فقال: لا جزيتم خيرا؛ هذا معكم طول هذا الطريق و أنتم تبخلون عليّ به أتفرّج به(7)و يقطع عنّي طريقي؛ و أتذكّر أيام شبابي. فقالوا: لا و اللّه ما كان يمنعنا
1) العاند: العاتي الشديد.
2) أ، س: «لا أراك» تحريف، صوابه في ط، مب، مط.
3) كذا في ط، مب، مط. و في بعض النسخ: «لها».
4) و يقال أيضا «صخيرات الثمام» كما في «معجم البلدان»، و هو موضع ذكر في غزاة بدر.
5) العشيرة بلفظ التصغير، كما في «معجم البلدان». و ملل: واد ينحدر من ورقان حتى يصب في الفرش.
6) الدفلى، بكسر الدال: نبات شديد المرارة.
7) أتفرّج به: ألتمس الفرج مما أنا فيه من ضيق.
منه غير هيبتك. قال: فأنتم إذا معذورون. ثم أقبل عليه؛ فقال: عد فديتك إلى ما كنت عليه. فلم يزل يغنّيهم طول سفرهم حتّى افترقوا.
قال الزبير: و أخبرني مصعب بن عثمان أن أمّ عروة بنت جعفر بن الزبير أنشدته لأبيها جعفر و كان يرقّصها بذلك:
يا حبّذا عروة في الدّمالج(1)*** أحبّ كلّ داخل و خارج
قال: و أخبرتني أن أخاها صالح بن جعفر غزا أرض الروم، فقال فيه جعفر:
قد راح يوم السبت حين راحوا(2)*** مع الجمال و التّقى صلاح
من كلّ حيّ نفر سماح *** بيض الوجوه عرب صحاح
و فزعوا و أخذ السلاح *** و هم إذا ما كره الشّياح(3)
مصاعب يكرهها الجراح
/قال الزبير: و لجعفر شعر كثير قد نحل عمر بن أبي ربيعة و دخل في شعره. فأمّا الأبيات التي ذكرت فيها الغناء فمن الناس من يرويها لعمر بن أبي ربيعة، و منهم من يرويها للأحوص و للعرجيّ؛ و قد أنشدنيها جماعة من أصحابنا لجعفر بن الزبير. و أخبرني بذلك الحرميّ، و الطوسيّ، و حبيب بن نصر المهلّبي، و ذكر الأبيات. و أخبرنيه عمّي عن ابن أبي سعد [عن سعيد بن عمرو عن أم عروة بنت جعفر مثله. قال ابن أبي سعد](4): قال الحزاميّ:
الناس يروونها للعرجيّ، و أمّ عروة أصدق.
أخبرني الطوسيّ قال حدّثنا الزبير قال: حدّثني سعيد بن عمرو الزبيريّ قال: تزوّج جعفر بن الزبير امرأة من خزاعة و فيها يقول:
هل في ادّكار الحبيب من حرج
الأبيات. و زاد فيها بيتين و هما:
تسفر عن واضح إذا سفرت *** ليس بذي آمة و لا سمج(5)
و سقط البيت الآخر من الأصل.
قال الزبير في رواية الطوسي: حدّثني مصعب بن عثمان و عمي مصعب قالا:
كان جماعة من قريش منتحين عن المدينة، فصدر عن المدينة بدويّ فسألوه: هل كان للمدينة خبر؟ قال: نعم مات أبو الناس. قالوا: و أنّى ذلك؟ قال: شهده أهل المدينة جميعا؛ و بكي عليه من كلّ دار. فقال القوم: هذا جعفر بن الزبير، فجاءهم الخبر بعد أنّ جعفر بن الزّبير مات.
أخبرني عمي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني إبراهيم بن معاوية عن أبي محمد الأنصاريّ، عن عروة بن هشام بن عروة عن أبيه؛ قال:
لمّا تزوّج الحجّاج و هو أمير المدينة بنت عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، أتى رجل سعيد بن المسيّب فذكر له ذلك، فقال: إني لأرجو أن لا يجمع اللّه بينهما، و لقد دعا داع بذلك فابتهل، و عسى اللّه، فإن أباها لم يزوّج إلا الدراهم. فلما بلغ ذلك عبد الملك بن مروان أبرد البريد إلى الحجاج، و كتب إليه يغلظ له و يقصّر به، و يذكر تجاوزه قدره، و يقسم باللّه لئن هو مسّها ليقطعن أحبّ أعضائه إليه، و يأمره بتسويغ أبيها المهر(1)، و بتعجيل فراقها.
ففعل، فما بقي أحد فيه خير إلا سرّه ذلك.
و قال جعفر بن الزبير و كان شاعرا في هذه القصة:
وجدت أمير المؤمنين ابن يوسف *** حميّا من الأمر الذي جئت تنكف(2)
و نبّئت أن قد قال لمّا نكحتها *** و جاءت به رسل تخب و توجف(3)
ستعلم أنّي قد أنفت لما جرى *** و مثلك منه عمرك اللّه يؤنف
و لو لا انتكاس الدهر ما نال مثلها *** رجاؤك إذ لم يرج ذلك يوسف
أبنت المصفّى ذي الجناحين تبتغي *** لقد رمت خطبا قدره ليس يوصف(4)
1) التسويغ: الإعطاء.
2) ابن يوسف، أراد بابن يوسف، يعني الحجاج. و الحمى: الذي أخذته الحمية، و هي الأنفة و الغيرة. و يقال نكف عن الأمر: عدل.
3) الخبب و الإيجاف: ضربان من السير السريع.
4) ذو الجناحين: جعفر بن أبي طالب. كان قد حمل لواء المسلمين في يوم مؤتة بيمينه فقطعت، ثم بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه فقتل و خرّ شهيدا، فيقولون: إنه عوض من يديه جناحين يطير بهما في الجنة. «الإصابة» 1162.
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا *** أنيس و لم يسمر بمكّة سامر(1)
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا *** صروف الليالي و الجدود العواثر(2)
عروضه من الطويل. الشعر فيما ذكر ابن إسحاق صاحب المغازي لمضاض بن عمرو/الجرهميّ. و قال غيره:
بل هو للحارث بن عمرو بن مضاض.
أخبرنا بذلك الجوهريّ عن عمر بن شبة عن أبي غسان محمد بن يحيى عن غسان بن عبد الحميد. و قال عبد العزيز بن عمران(3): هو عمرو بن الحارث بن مضاض. و الغناء ليحيى المكي، رمل بالوسطى عن عمرو. و فيه لإبراهيم الموصلي ماخوريّ بالبنصر. و فيه لأهل مكة لحن قديم ذكره إبراهيم و لم يجنّسه.
هو مضاض بن عمرو بن الحارث الجرهميّ. و كان جدّه مضاض قد زوّج ابنته رعلة، إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن، فولدت له اثنى عشر رجلا أكبرهم قيذار و نابت. و كان أبوه إبراهيم عليه السلام أمره بذلك لأنّه لما بنى مكة و أنزلها ابنه قدم عليه قدمة من قدماته، فسمع كلام العرب و قد كانت طائفة من جرهم نزلت هنالك مع إسماعيل، فأعجبته لغتهم و استحسنها، فأمر إسماعيل عليه السلام أن يتزوّج إليهم، فتزوّج بنت مضاض بن عمرو، و كان سيّدهم.
فأخبرنا محمد بن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق. و أخبرني محمد بن جعفر النحويّ قال: حدّثنا إسحاق بن أحمد الخزاعي قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه الأزرقي قال: حدّثني جدّي عن سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج عن محمد بن إسحاق. و رواية إسحاق بن أحمد أتمّ. و قد جمعتها:
أن نابت بن إسماعيل ولي البيت بعد أبيه ثم توفّي، فولى مكانه جدّه لأمه مضاض بن عمرو الجرهمي، فضمّ ولد نابت بن إسماعيل إليه، و نزلت جرهم مع ملكهم مضاض بن عمرو بأعلى مكّة، و نزلت قطوراء مع ملكهم السّميدع أجياد، أسفل مكة(1). و كان هذان البطنان خرجا سيّارة من اليمن، و كذلك كانوا لا يخرجون إلاّ مع ملك يملّكونه عليهم، فلما رأوا مكّة رأوا بلدا طيّبا، و ماء و شجرا، فنزلا و رضي كلّ واحد منهما بصاحبه و لم ينازعه، فكان مضاض يعشر(2)من جاء مكّة من أعلاها، /و كان السّميدع يعشر من جاءها من أسفلها و من كداء(3)لا يدخل أحدهما على صاحبه في أمره، ثم إن جرهما و قطوراء بغى كلّ واحد منهما على صاحبه، فتنافسوا في الملك حتّى نشبت الحرب بينهم؛ و كانت ولاية البيت إلى مضاض دون السّميدع، فخرج مضاض من بطن قعيقعان مع كتيبته في سلاح شاك(4)يتقعقع - فيقال: ما سميت قعيقعان إلا بذلك - و خرج السميدع من شعب(5)أجياد، في الخيل الجياد و الرجال - و يقال: ما سميت أجيادا إلا بذلك - حتى التقوا بفاضح، فاقتتلوا قتالا شديدا، و فضحت قطوراء - و يقال:
ما سمّي فاضحا إلا بذلك - ثم تداعى القوم إلى الصلح فساروا حتّى نزلوا المطابخ شعبا بأعلى مكّة، و هو الذي يقال
1) أجياد: أرض بمكة، أو جبل بها.
2) عشره يعشره عشرا، من باب نصر: أخذ عشر ماله.
3) كذا في أ، ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «كدى». أما الممدودة فهي بفتح الكاف، و أما المقصورة فبضمها. فقيل المقصورة بأسفل مكة و الممدودة بأعلاها، و قيل العكس أيضا. انظر «معجم البلدان».
4) السلاح الشاكي: ذو الشوكة و الحد.
5) الشعب، بالكسر: الطريق في الجبل.
له الآن شعب بن عامر فاصطلحوا هناك، و سلّموا الأمر إلى مضاض؛ فلمّا اجتمع له أمر مكّة، و صار ملكها دون السّميدع نحر للناس فطبخوا هناك الجزر، فأكلوا، و سمّي ذلك الموضع المطابخ. فيقال: إنّ هذا أوّل بغي بمكة، فقال مضاض بن عمرو في تلك الحرب(1):
نحن قتلنا سيّد الحيّ عنوة *** فأصبح منها و هو حيران موجع
و ما كان يبغي أن يكون سواؤنا *** بها ملكا حتّى أتانا السّميدع(2)
فذاق وبالا حين حاول ملكنا *** و حاول منّا غصّة تتجرّع(3)
و نحن عمرنا البيت كنّا ولاته *** نضارب عنه من أتانا و ندفع
/و ما كان يبغي ذاك في الناس غيرنا *** و لم يك حيّ قبلنا ثمّ يمنع
و كنّا ملوكا في الدهور التي مضت *** ورثنا ملوكا لا ترام فتوضع
قال عثمان بن ساج في خبره:
و حدّثني بعض أهل العلم أنّ سيلا جاء فدخل البيت فانهدم، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم، بناه لهم رجل منهم يقال له أبو الجدرة و اسمه عمر الجارود، و سمّي بنوه الجدرة. قال: ثم استخفّت جرهم بحقّ البيت، و ارتكبوا فيه أمورا عظاما، و أحدثوا فيه أحداثا قبيحة، و كان للبيت خزانة، و هي بئر في بطنه، يلقى فيها الحلي و المتاع الذي يهدى له، و هو يومئذ لا سقف عليه، فتواعد عليه خمسة من جرهم أن يسرقوا كلّ ما فيه، فقام على كلّ زاوية من البيت رجل منهم و اقتحم الخامس، فجعل اللّه عزّ و جلّ أعلاه أسفله، و سقط منكّسا فهلك، و فرّ الأربعة الآخرون.
قالوا: و دخل إساف و نائلة(4)البيت ففجرا فيه، فمسخهما اللّه حجرين، فأخرجا من البيت. و قيل إنّه لم يفجر بها في البيت، و لكنه قبّلها في البيت.
و ذكر عثمان بن ساج عن أبي الزناد، أنه إساف بن سهيل، و أنها نائلة بنت عمرو بن ذئب. و قال غيره: إنها نائلة بنت ذئب. فأخرجا من الكعبة، و نصبا ليعتبر بهما من رآهما، و يزدجر النّاس عن مثل ما ارتكبا، فلما غلبت خزاعة على مكة و نسي حديثهما، حوّلهما عمرو بن لحيّ بن كلاب بعد ذلك؛ فجعلها تجاه الكعبة يذبح عندهما عند موضع زمزم.
قالوا: فلما كثر بغي جرهم بمكّة قام فيهم مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض فقال:
/يا قوم احذروا البغي، فإنّه لا بقاء لأهله، و قد رأيتم من كان قبلكم من العماليق استخفّوا بالحرم و لم يعظّموه و تنازعوا بينهم و اختلفوا، حتّى سلطكم اللّه عليهم فاجتحتموهم(1)فتفرّقوا في البلاد، فلا تستخفّوا بحقّ الحرم و حرمة بيت اللّه، و لا تظلموا من دخله و جاءه معظّما لحرماته، أو خائفا، أو رغب في جواره، فإنّكم إن فعلتم ذلكم تخوّفت أن تخرجوا منه خروج ذلّ و صغار، حتّى لا يقدر أحد منكم أن يصل إلى الحرم، و لا إلى زيارة البيت الذي هو لكم حرز و أمن، و الطّير تأمن فيه.
فقال قائل منهم يقال له مجدع: و من الذي يخرجنا منه؟ ألسنا أعزّ العرب و أكثرهم مالا و سلاحا؟ فقال مضاض: إذا جاء الأمر بطل ما تذكرون؛ فقد رأيتم ما صنع اللّه بالعماليق! قالوا: و قد كانت العماليق بغت في الحرم، فسلّط اللّه عزّ و جلّ عليهم الذر(2)فأخرجهم منه، ثم رموا بالجدب من خلفهم حتّى ردّهم اللّه إلى مساقط رءوسهم، ثم أرسل عليهم الطوفان - قال: و الطوفان: الموت - قال: فلما رأى مضاض بن عمرو بغيهم و مقامهم عليه، عمد إلى كنوز الكعبة، و هي غزالان من ذهب، و أسياف قلعية(3)، فحفر لها ليلا في موضع زمزم، و دفنها.
فبيناهم/على ذلك إذ سارت القبائل من أهل مأرب، و معهم طريقة(4)الكاهنة، حين خافوا سيل العرم، و عليهم مزيقياء و هو عمرو بن عامر بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فقالت لهم/طريقة لمّا قاربوا(5)مكة: «و حقّ ما أقول(6)، و ما علّمني ما أقول إلا الحكيم المحكّم، ربّ جميع الأمم، من عرب و عجم». قالوا لها: ما شأنك يا طريقة؟ قالت:
«خذوا البعير الشدقم(7)، فخضّبوه بالدّم، تكن لكم أرض جرهم، جيران بيته المحرّم». فلما انتهوا إلى مكّة و أهلها أرسل إليهم عمرو ابنه ثعلبة، فقال لهم: يا قوم، إنّا قد خرجنا من بلادنا فلم ننزل بلدة إلا أفسح أهلها لنا، و تزحزحوا عنّا، فنقيم معهم حتّى نرسل روّادا فيرتادوا لنا بلدا يحملنا، فافسحوا لنا في بلادكم حتّى نقيم قدر ما نستريح، و نرسل روّادنا(8)إلى الشّام و إلى الشرق، فحيثما بلغنا أنّه أمثل لحقنا به، و أرجو أن يكون مقامنا معكم يسيرا، فأبت ذلك جرهم إباء شديدا، و استكبروا في أنفسهم، و قالوا: لا و اللّه؛ ما نحبّ أن تنزلوا فتضيّقوا علينا مرابعنا(9)و مواردنا، فارحلوا عنا حيث أحببتم، فلا حاجة لنا بجواركم. فأرسل إليهم: إنّه لا بدّ من المقام بهذا البلد
1) الاجتياح: الاستئصال و الإهلاك.
2) الذر: صغار النمل.
3) القلعية: نسبة إلى القلعة بالفتح و التحريك، و هو بلد الهند تنسب إليه السيوف الجياد.
4) طريقة، بالقاف في ط، أ، مب. و في سائر النسخ بالفاء.
5) كذا على الصواب في ط، مب، مط. و في أ: «لما قاموا». و في سائر النسخ «لا تؤموا مكة»، تحريف.
6) هذا هو الصواب في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «حتى أقول».
7) الشدقم: الواسع الشدق.
8) كذا في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «روادا».
9) المرابع: جمع مربع، و هو موضع الإقامة في الربيع.
حولا، حتى ترجع إليّ رسلي التي أرسلت، فإن أنزلتموني طوعا نزلت و حمدتكم و آسيتكم(1)في الرّعي و الماء، و إن أبيتم أقمت على كرهكم ثم لم ترتعوا معي إلاّ فضلا(2)، و لم تشربوا إلا رنقا(3)، و إن قاتلتموني قاتلتكم، ثمّ إن ظهرت عليكم سبيت النساء و قتلت الرجال، و لم أترك منكم أحدا ينزل الحرم أبدا! فأبت جرهم أن تنزله/طوعا و تعبّت لقتاله(4)، فاقتتلوا ثلاثة أيام أفرغ عليهم فيها الصبر، و منعوا النصر(5)، ثم انهزمت جرهم فلم يفلت منهم إلا الشّريد. و كان مضاض بن عمرو قد اعتزل حربهم و لم يعنهم في ذلك، و قال: قد كنت أحذّركم هذا. ثم رحل هو و ولده و أهل بيته حتّى نزلوا قنونى(6)و ما حوله، فبقايا جرهم(7)به إلى اليوم، و فني الباقون؛ أفناهم السيف في تلك الحروب.
قالوا: فلما حازت خزاعة أمر مكّة و صاروا و أهلها جاءهم بنو إسماعيل و قد كانوا اعتزلوا حرب جرهم و خزاعة، فلم يدخلوا في ذلك، فسألوهم السّكنى معهم و حولهم فأذنوا لهم، فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو بن الحارث و قد كان أصابه من الصّبابة إلى مكّة أمر عظيم، أرسل إلى خزاعة يستأذنها، و متّ إليهم برأيه(8)و توريعه قومه عن القتال(9)، و سوء العشرة في الحرم، و اعتزاله الحرب، فأبت خزاعة أن يقرّوهم و نفوهم عن الحرم كلّه، و قال عمرو بن لحي لقومه: من وجد منكم جرهميا قد قارب الحرم فدمه هدر(10)! فنزعت إبل لمضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو، من قنونى تريد مكة، فخرج في طلبها حتّى وجد أثرها(11)قد دخلت مكة، فمضى على الجبال نحو أجياد، حتّى ظهر على أبي قبيس(12)يتبصّر الإبل في بطن وادي/مكّة، فأبصر الإبل تنحر و تؤكل و لا سبيل له إليها، فخاف إن هبط الوادي أن يقتل، فولّى منصرفا إلى أهله و أنشأ يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا *** أنيس و لم يسمر بمكّة سامر
و لم يتربّع واسطا فجنوبه *** إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر(13)
1) المواساة و المؤاساة: التسوية. ط، مب، أ «واسيتكم». و نص في «القاموس» أنها لغة رديئة.
2) الارتعاء: الرعي.
3) الرنق بالفتح و السكون، و ككنف و جبل: الماء الكدر.
4) التعبى: التهيؤ و الاستعداد للقتال.
5) أي لم ينتصر أحد الفريقين.
6) قنوني، بفتح القاف و النون: واد من أودية السراة يصب إلى البحر في أوائل أرض اليمن من جهة مكة. ط، مب: «فنوني» بالفاء و بضبط سابقه، في مط: «فنونا». قال ياقوت: «موضع في بلاد العرب».
7) ط، ها: «بها».
8) مت: توسل. ط، مب: «برائه». و الراء: الرأي.
9) ورعه توريعا: كفه. ما عدا ط، مب، مط: «توزيعه». و التوزيع: التفريق، و لا وجه له.
10) كذا في ط، مب، مط. و بدله في سائر النسخ: «و قالوا: من دخله منهم فدمه هدر».
11) ما عدا ط، أ، مب: «حتى وجدها».
12) ظهر عليه: علاه. و أبو قبيس: جبل بمكة.
13) التربع: الإقامة بالمكان. و واسط: موضع بالحجاز في طريق منى. و ذو الأراكة: نخل بموضع من اليمامة. ما عدا ط: «من ذي الأريكة»، تحريف. مب: «من ذي أراكة». مط «من ذي أراك».
/بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا *** صروف اللّيالي و الجدود العواثر
و أبدلنا ربّي بها دار غربة *** بها الذئب يعوي و العدوّ المخامر(1)
أقول إذا نام الخلي و لم أنم *** أ ذا العرش لا يبعد سهيل و عامر(2)
قد ابدلت منهم أوجها لا أريدها *** و حمير قد بدّلتها و اليحابر(3)
فإن تمل الدّنيا علينا بكلّها *** و يصبح شرّ بيننا و تشاجر(4)
فنحن ولاة البيت من بعد نابت *** نمشّي به و الخير إذ ذاك ظاهر(5)
و أنكح جدّي خير شخص علمته *** فأبناؤه منّا و نحن الأصاهر(6)
و أخرجنا منها المليك بقدرة *** كذلك يا للنّاس تجري المقادر
/فصرنا أحاديثا و كنّا بغبطة *** كذلك عضّتنا السّنون الغوابر
و سحّت دموع العين تبكي لبلدة *** بها حرم أمن و فيها المشاعر
و يا ليت شعري من بأجياد بعدنا *** أقام بمفضى سيله و الظّواهر(7)
فبطن منّى أمسى كأن لم يكن به *** مضاض و من حيّا عديّ عمائر(8)
فهل فرج آت بشيء نحبّه *** و هل جزع منجيك ممّا تحاذر
قالوا: و قال أيضا:
يا أيّها الحيّ سيروا إنّ قصركم *** أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا(9)
إنّا كما أنتم كنّا فغيّرنا *** دهر بصرف كما صرنا تصيرونا(10)
أزجوا المطيّ و أرخوا من أزمّتها *** قبل الممات و قضّوا ما تقضّونا(11)
قد مال دهر علينا ثم أهلكنا *** بالبغي فيه فقد صرنا أفانينا(12)
كنّا زمانا ملوك الناس قبلكم *** نأوي بلادا حراما كان مسكونا
قال الأزرقي: فحدّثني محمد بن يحيى قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران قال:
1) المخامر: المستتر. ط: «المحاصر». مط: «المحاضر».
2) أ ذا العرش، أي يا ذا العرش.
3) ما عدا ط، أ، مب، مط: «و بدلت». يحابر بضم الياء، بن مالك بن أدد: قبيلة من اليمن. و في «الاشتقاق» لابن دريد: «و يحابر بن مالك، و هو مراد، و إنما سمي مراد لأنه أوّل من تمرد باليمن».
4) الكل: الثقل، كذا جاءت الرواية في ط، أ، مب، مط. و في سائر النسخ: «بكلكل».
5) نابت: ابن إسماعيل بن إبراهيم.
6) أ، ط: «الأياصر». مب، مط: «الأباصر» بالباء الموحدة.
7) في البيت إقواء.
8) العمائر: جمع عمارة، و هي أصغر من القبيلة و أكبر من البطن.
9) قصركم و قصاراكم: نهايتكم و مآلكم.
10) الصرف: واحد صروف الدهر، و هي نوائبه، و حوادثه.
11) الإزجاء: السوق. و إرخاء الزمام: كناية عن الإسراع بالمطي. ما عدا ط، مب، مط: «و أزجوا من أزمتها»، تحريف.
12) أفانين: جمع أفنان، و هي جمع فنن، أي صرنا متفرقين. أو هو جمع أفنون، و هي الجري المختلط من جري الناقة و الفرس.
و خرج أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي قبيل الإسلام في نفر من قريش يريدون اليمن فأصابهم عطش شديد ببعض الطريق، و أمسوا على غير الطريق، فتشاوروا جميعا، فقال لهم أبو سلمة: إنّي أرى ناقتي تنازعني شقّا(1)أ فلا أرسلها و أتبعها؟ قالوا: فافعل. فأرسل ناقته و تبعها فأضحوا على ماء و حاضر(2)، فاستقوا/و سقوا، فإنّهم لعلى ذلك إذ أقبل إليهم رجل فقال: من القوم؟ قالوا: من قريش. فرجع إلى شجرة أمام الماء فتكلّم عندها بشيء ثم رجع إلينا، فقال: أ ينطلق معي أحدكم إلى رجل ندعوه(3). قال أبو سلمة: فانطلقت معه فوقف بي تحت شجرة، فإذا وكر معلّق فصوّت: يا أبت! فزعزع شيخ رأسه(4)، فأجابه فقال: هذا الرجل. فقال لي: ممن الرجل؟ قلت:
من قريش. قال: من أيّها؟ قلت: من بني مخزوم بن يقظة. قال: من أيّهم؟ قلت: أنا أبو سلمة بن عبد الأسد بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم بن يقظة. قال: أيهات منك(5)! أنا و يقظة سنّ(6)، أ تدري من يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا *** أنيس و لم يسمر بمكة سامر
/بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا *** صروف الليالي و الجدود العواثر
قلت: لا. قال: أنا قائلها، أنا عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي. أ تدري لم سمّى أجياد أجيادا؟ قلت:
لا. قال: جادت بالدّماء يوم التقينا نحن و قطوراء؛ أ تدري لم سمّي قيعقعان؟ قلت: لا. قال: لتقعقع السلاح على ظهورنا لمّا طلعنا عليهم منه.
و أخبرني بهذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء؛ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: حدّثني إبراهيم بن المنذر الحزاميّ؛ قال: حدّثنا عبد العزيز بن عمران؛ قال حدّثني راشد بن حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال:
قال أبو سلمة بن عوف(7):
/و خرجت في نفر من قريش يريدون اليمن. و ذكر الخبر مثل حديث الأزرقيّ. و اللّه أعلم.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني محمد بن يحيى قال: حدّثنا غسان بن عبد العزيز بن عبد الحميد(8)أنّ ربيعة بن أمية بن خلف كان قد أدمن الشراب، و شرب في شهر رمضان، فضربه عمر رضي اللّه عنه و غرّبه إلى ذي المروة، فلم يزل بها حتّى توفّي و استخلف عثمان رضي اللّه عنه؛ فقيل له: قد توفّي عمر و استخلف عثمان فلو دخلت المدينة ما ردّك أحد. قال: لا و اللّه لا أدخل المدينة فتقول قريش قد غرّبه رجل
1) شقا، أي جانبا.
2) ما عدا ط، أ، مب، مط: «فأصبحوا». و الحاضر: القوم المقيمون على الماء.
3) ط: «يدعوه».
4) زعزع: حرّك.
5) أيهات: لغة في هيهات بمعنى بعد. ما عدا ط، أ، مب، مط: «أنبئك».
6) أي في سن و عمر واحد.
7) أي اسم صاحب القصة أبو سلمة بن عوف، لا أبو سلمة بن عبد الأسد.
8) ابن عبد الحميد، من ط فقط. مب، مط: «غسان بن عبد الحميد» فقط.
من بني عديّ بن كعب. فلحق بالرّوم و تنصّر، فكان قيصر يحبوه و يكرمه، فأعقب(1)بها.
قال غسان: حدّثني أبي قال: قدم رسول يزيد بن معاوية على معاوية من بلاد الروم؛ فقال له معاوية: هل كان للناس خبر؟ قال: بينا نحن محاصرون مدينة كذا و كذا إذ سمعنا رجلا فصيح اللسان مشرفا من بين شرفتين(2)من شرف الحصن، و هو ينشد:
كأن لم يكن بن الحجون إلى الصّفا *** أنيس و لم يسمر بمكة سامر
فقال معاوية: ويحك، ذاك الربيع بن أمية يتغنى بشعر عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي.
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدّثنا عمر بن شبة قال؛ حدّثني إسحاق بن إبراهيم قال: قال لي أبي: مر بالدوابّ تسرج سحرا حتّى نغدو إلى ابن جامع(3)نستقبله بالياسرية(4)بسحرة(5)لا تأخذنا الشّمس(6)قال: فأمرت بذلك. و ركبنا في السحر فأصبحنا دون الياسرية، و قد طلعت علينا الشّمس. قال: فجئنا إلى ابن جامع و إذا به مختضب و على رأسه و لحيته خرق الخضاب، و إذا بقدر تطبخ في الشّمس؛ فلما نظر إلينا رحّب بنا، و قام إلينا فسلّم علينا، ثم دعا الماء فغسل رأسه و لحيته، ثم دعا بالغداء فأتي بغدائه، فغرف لنا من تلك القدر التي في الشمس، فتقزّزت(7)و بشعت من ذلك الطعام الذي طبخ، فأشار إليّ أبي: بأن كل. فأكلنا حتّى فرغنا من غدائنا، فلما غسلنا أيدينا نادى ابن جامع: يا غلام هات شرابنا! فأتي بنبيذ في زكرة قد كانت الزّكرة في الشمس(8)، فكرهت ذلك، فأشار إليّ أبي، أن لا تمتنع، ثم أتوا بقدح جيشانيّ(9)ملء الكفّ، فصبّ النبيذ فيه و هو يشبه(10)ماء قد(11)أغلي بالنار، ثم غنّى ابن جامع فقال:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا *** أنيس و لم يسمر بمكّة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا *** صروف الليالي و الجدود العواثر
1) أعقب بها: صار له بها ولد و نسل.
2) الشرفة، بالضم: ما يوضع على أعالي القصور و المدن. ما عدا ط، مب، مط: «من شرفين»، تحريف.
3) هو إسماعيل بن جامع. و قد سبقت ترجمته و أخباره.
4) الياسرية: قرية كبيرة على نهر عيسى بينها و بين بغداد ميلان. ما عدا ط: «بالباسرية» بباء موحدة، تحريف.
5) السحرة، بالضم: وقت السحر.
6) أي لئلا تأخذنا الشمس.
7) كذا في ط، أ، مب. و في سائر النسخ: «فنفرت».
8) الزكرة، بضم الزاي: زقيق صغير للشراب. ما عدا ط: مب، مط: «ركوة و قد كانت الركوة في الشمس».
9) الجيشاني، بفتح الجيم: نسبة إلى جيشان: مخلاف باليمن تنسب إليه الأقداح و الخمر السود أيضا. ط، مب: «جبساني»، مط: «حيساني» تحريف. و الخمر: جمع خمار بكسر الخاء.
10) ما عدا ط، أ، مب: «يشوبه» تحريف.
11) هذه الكلمة من ط، مب، مط فقط. و بدلها في أ: «ثم».
ثم غنّى، للعرجيّ(1):
لو أنّ سلمى رأتنا لا يراع لنا *** لما هبطنا جميعا أبطن السوق(2)
و كشرنا و كبول القين تنكؤنا *** كالأسد تكشر عن أنيابها الرّوق(3)
ثم تغنّى:
أجرّر في الجوامع كلّ يوم *** فيا للّه مظلمتي و صبري
ثم أمر بالرّحيل. و قد غنى هذه الثلاثة الأصوات. فقال لي أبي: يا بنيّ بشعت لما رأيت من طعام ابن جامع و شرابه؛ فعليّ عتق ما أملك(4)إن لم يكن شرب الدم مع هذا طيّبا. ثم قال: أسمعت بنيّ غناء قطّ أحسن من هذا؟ فقلت: لا و اللّه ما سمعت. قال: ثمّ خرج ابن جامع حتى نزل بباب أمير المؤمنين الرشيد ليلا، و اجتمع المغنّون على الباب، و خرج الرسول إليهم فأذن لهم؛ و الرشيد خلف السّتارة، فغنّوا إلى السّحر؛ فأعطاهم ألف دينار إلاّ ابن جامع فلم يعطه شيئا، و انصرفوا متوجّهين له، و عرضوا عليه جميعا فلم يقبل؛ و انصرفوا، فلما كان في الليلة الثانية دعوا فغنّوا ساعة، ثم كشفت الستارة، و غنّى جامع صوتا عرّض فيه بحاله و هو:
تقول أقم فينا فقيرا و ما الذي *** ترى فيه ليلي أن أقيم فقيرا
ذريني أمت يا ليل أو أكسب الغنى *** فإنّي أرى غير الغنيّ حقيرا
يدفّع في النادي و يرفض قوله *** و إن كان بالرأي السّديد جديرا
و يلزم ما يجني سواه و إن يطف *** بذنب يكن منه الصغير كبيرا(5)
قالوا: فأعجب الرّشيد ذلك الشعر و اللحن فيه، و أمال رأسه نحوه كالمستدعي له. و غنّاه أيضا:
لئن مصر فاتتني بما كنت أرتجي *** و أخلفني منها الذي كنت آمل(6)
1) هذا الصواب في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «العرجي».
2) اليراع: الضعاف من الغنم و غيرها. ط: «لا نزاع لنا». ط، مب: «أبطح السوق». مط «أبطح الشوق».
3) الكشر: التبسم، و بدو الأسنان عند الضحك. و الكبول: جمع كبل بالفتح و الكسر، و هو القيد، و القين: الحداد. تنكؤنا: تؤلمنا كذا جاءت الرواية على الصواب في ط، مب، مط. و في أ: «تبكؤنا». و في سائر النسخ: «تبكرنا». الروق: جمع أروق و روقاء، و هو الذي طالت ثناياه العليا على السفلى.
4) أ، ط، مب: «فعتق ما يملك»، و هو أسلوب يبدلون به الكلام لئلا يقع المتكلم به فيما تقتضيه اليمين من نذر أو طلاق أو نحوهما.
5) كذا على الصواب في ط، مب، مط. و في ج: «و يلزمني» و في سائر النسخ: «و يغفر».
6) الأبيات لأبي دهمان الغلابي، كما نصّ الجاحظ في «البيان و التبيين» (291:2). و كذا جاءت رواية البيت في ط، مب، مط، ج و «البيان». و في سائر النسخ: «لئن حرمتني كل ما كنت أرتجي».
فما كلّ ما يخشى الفتى نازل به *** و لا كلّ ما يرجو الفتى هو نائل(1)
و و اللّه ما فرّطت في وجه حيلة *** و لكنّ ما قد قدّر اللّه نازل
و قد يسلم الإنسان من حيث يتّقي *** و يؤتى الفتى من أمنه و هو غافل
ثم أمر بالانصراف فانصرفوا، فلمّا بلغوا السّتر صاح به الخادم: يا قرشيّ مكانك. فوقف مكانه فخرج إليه بخلع و سبعة آلاف دينار، و أمر إن شاء أن يقيم، و إن شاء أن ينصرف.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: ذكر الكلبي عن أبيه: أنّ الناس بيناهم في ليلة مقمرة في المسجد الحرام، إذ بصروا بشخص قد أقبل(2)كأنّ قامته رمح، فهربوا من بين يديه و هابوه؛ فأقبل حتّى طاف بالبيت الحرام سبعا ثم وقف فتمثّل:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا *** أنيس و لم يسمر بمكّة سامر
قال: فأتاه رجل من أهل مكّة؛ فوقف بعيدا منه ثم قال: سألتك بالذي خلقك أ جنّيّ أنت أم إنسيّ(3)؟ فقال:
بل إنسيّ، أنا امرأة من جرهم، كنّا سكّان هذه الأرض و أهلها، فأزالنا/عنها هذا الزمان الذي يبلي كلّ جديد و يغيّره! ثم انصرفت خارجة(4)عن المسجد حتّى غابت عنهم، و رجعوا إلى مواضعهم.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال: حدّثني أبي عن جدّي قال: قال لي يحيى بن خالد يوما: أخبرك برؤيا رأيتها؟ قلت: خيرا رأيت. قال: رأيت كأنّي خرجت من داري راكبا، ثم التفتّ يمينا و شمالا فلم أر معي أحدا، حتّى صرت إلى الجسر، فإذا بصائح يصيح من ذلك الجانب:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا *** أنيس و لم يسمر بمكّة سامر
فأجبته بقوله:
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا *** صروف اللّيالي و الجدود العواثر
فانصرفت إلى الرشيد فغنّيته الصوت، و خبرته الخبر، فعجب منه. و ما مضت الأيّام حتّى أوقع بهم(5).
شافني الزائرات قصر نفيس *** مثقلات الأعجاز قبّ البطون
يتربّعنه الربيع و ينزل *** - ن إذا صفن منزل الماجشون
/يتربّعنه: ينزلنه في أيام الربيع. يقال لمنزل القوم في أيام الربيع: متربّعهم. قال الشاعر:
أ من آل ليلى بالملا متربّع *** كما لاح وشم في الذّراع مرجّع(1)
و الماجشون: رجل من أهل المدينة يروى عنه الحديث. و الماجشون لقب لقّبته به سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - و هو اسم لون من الصّبغ أصفر تخالطه حمرة، و كذلك كان لونه. و يقال: إنها ما لقّبت أحدا قطّ بلقب إلاّ لصق به.
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أحمد بن زهير قال: حدّثنا مصعب الزبيريّ، قال: حدّثني ابن الماجشون، قال:
نظرت سكينة إلى أبي، فقالت: كأنّ هذا الرجل الماجشون - و هو صبغ أصفر تخالطه حمرة - فلقّب بذلك.
قال عبد العزيز: و نظرت إلى رجل من ولد عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه و كانت فيه غلظة، فقالت: هذا الرجل في قريش كالشّيرج في الأدهان! فكان ذلك الرجل يسمّى: فلان شيرج حتّى مات.
الشعر لعمر بن أبي ربيعة، و الغناء لإبراهيم الموصليّ. خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر، و فيه لبصبص جارية ابن نفيس التي قيل هذا الشعر فيها: رمل. و ذكر حبش أن لها فيه أيضا ثقيل أوّل بالوسطى.
1) مرجع: وشم مرة بعد مرة. ما عدا ط، مب، مط: «وسم» و «متربع»، تحريف.
3 - ذكر أخبار بصبص جارية ابن نفيس(1)و أخبارها
كانت بصبص هذه جارية مولّدة من مولّدات المدينة، حلوة الوجه، حسنة الغناء، قد أخذت عن الطبقة الأولى من المغنّين، و كان يحيى بن نفيس مولاها - و قيل نفيس بن محمد، و الأوّل أصح - صاحب قيان يغشاه الأشراف، و يسمعون غناء جواريه، و له في ذلك قصص نذكرها بعد، و كانت بصبص هذه أنفسهنّ و أشدّهنّ تقدّما.
و ذكر ابن خرداذبه: أنّ المهديّ اشتراها و هو وليّ و العهد سرّا من أبيه بسبعة عشر ألف دينار، فولدت منه عليّة بنت/المهديّ.
و ذكر غيره أنّ ابن خرداذبه غلط(2)في هذا، و أن الذي صحّ أن المهديّ اشترى بهذه الجملة جارية غيرها، و ولدت علية.
و ذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: أن ابن القداح حدّثه قال:
كانت مكنونة جارية المروانيّة - و ليست من آل مروان بن الحكم؛ و هي زوجة الحسين بن عبد اللّه بن العباس - أحسن جارية بالمدينة وجها، و كانت رسحاء(3)، و كان بعض من يمازحها يعبث بها، و يصيح: طست طست(4)! و كانت حسنة الصّدر و البطن، و كانت توضح بهما(5)، و تقول: و لكن هذا! فاشتريت للمهديّ/في حياة أبيه بمائة ألف درهم فغلبت عليه، حتّى كانت الخيرزان تقول: ما ملك أمة أغلظ عليّ منها. و استتر أمرها على المنصور حتّى مات. و ولدت من المهديّ عليّة بنت المهديّ.
و الذي قال ابن خرداذبه غير مردود إذا كان هذا صحيحا.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن غرير بن طلحة قال: اتّعد(6)محمد بن يحيى بن زيد بن علي(7)بن الحسين، و عبد اللّه بن يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير، و عبد اللّه بن مصعب الزّبيري، و أبو
1) ابن نفيس هذا هو يحيى بن نفيس. و ضبط في ط بهيئة التصغير. و في «القاموس»: «و نفيس بن محمد من موالي الأنصار، و قصره على ميلين من المدينة».
2) كذا في ط، ح، م، مب. و في سائر النسخ: «و ذكر غير ابن خرداذبه أنه غلط».
3) الرسحاء: القليلة لحم العجز و الفخذين.
4) الطست: إناء من صفر. يعني أنها شبيهة به.
5) توضح بهما: تظهر بهما، و تتباهى.
6) اتعدا: تواعدا.
7) ط، مب، مط: «محمد بن زيد بن علي» ح، م: «محمد بن يزيد بن علي».
بكر بن محمد بن عثمان الربعي، و يحيى بن عقبة، أن يأتوا بصبص جارية ابن نفيس، فعجل محمد بن يحيى، و كان من أصحاب عيسى بن موسى، ليخرج إلى الكوفة، فقال عبد اللّه بن مصعب.
أ رائح أنت أبا جعفر *** من قبل أن تسمع من بصبصا
هيهات أن تسمع منها إذا *** جاوزت العيس بك الأعوصا(1)
فخذ عليها مجلسي لذّة *** و مجلسا من قبل أن تشخصا(2)
أحلف باللّه يمينا و من *** يحلف باللّه فقد أخلصا
لو أنّها تدعو إلى بيعة *** بايعتها ثمّ شققت العصا(3)
قال: و فيها(4)غناء لبصبص.
قال: فاشتراها أبو غسّان مولى منيرة للمهديّ بسبعة عشر ألف دينار.
/قال حمّاد: و حدّثني أبي عن الزبير أن عبد اللّه بن مصعب خاطب بهذا الشعر أبا جعفر المنصور لما حجّ فاجتاز بالمدينة منصرفا من الحجّ، لا أبا جعفر محمد بن يحيى بن زيد.
أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعي إجازة قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني محمد بن سلام قال: حدّثني موسى بن مهران قال: كانت بالمدينة قينة لآل نفيس بن محمد يقال لها بصبص، و كان مولاها صاحب قصر نفيس الذي يقول فيه الشاعر:
شاقني الزائرات قصر نفيس *** مثقلات الأعجاز قبّ البطون(5)
قال: و كان عبد اللّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير يأتيها، فيسمع منها، و كان يأتيها فتيان من قريش فيسمعون منها، فقال عبد اللّه بن مصعب حين قدم المنصور منصرفا من الحجّ و مرّ بالمدينة يذكر بصبص:
أ راحل أنت أبا جعفر *** من قبل أن تسمع من بصبصا
و ذكر الأبيات، فبلغت أبا جعفر، فغضب فدعا به؛ فقال: أما إنكم يا آل الزبير قديما ما قادتكم النساء، و شققتم معهنّ العصا، حتّى صرت أنت آخر الحمقى تبايع المغنّيات؛ فدونكم يا آل/الزبير هذا المرتع الوخيم(6).
قال: ثمّ بلغ أبا جعفر بعد ذلك أنّ عبد اللّه بن مصعب قد اصطبح(7)مع بصبص و هي تغنّيه بشعره:
إذا تمزّزت صراحيّة *** كمثل ريح المسك أو أطيب(1)
ثم تغنّى لي بأهزاجه *** زيد أخو الأنصار أو أشعب
حسبت أنّي مالك جالس *** حفّت به الأملاك و الموكب
فلا أبالي و إله الورى *** أ شرّق العالم أم غرّبوا
الغناء لزيد الأنصاري، هزج مطلق في مجرى الوسطى عن الهشاميّ و غيره، و ذكر غيره أنه لأشعب. فقال أبو جعفر: العالم لا يبالون كيف أصبحت و كيف أمسيت.
ثم قال أبو جعفر: و لكنّ الذي يعجبني أن يحدو بي الحادي الليلة بشعر طريف العنبريّ، فهو آلف في سمعي من غناء بصبص، و أحرى أن يختاره أهل العقل. قال: فدعا فلانا الحادي - قد ذكره و سقط اسمه - و كان إذا حدا وضعت الإبل رءوسها لصوته(2)و انقادت انقيادا عجيبا(3)، فسأله المنصور: ما بلغ من حسن حدائه؟ قال: تعطّش الإبل ثلاثا أو قال خمسا و تدني من الماء، ثمّ أحدو فتتبع كلّها صوتي، و لا تقرب الماء. فحفظ الشعر، و كان(4):
إنّي و إن كان ابن عمّي كاشحا *** لمزاحم من دونه و ورائه(5)
و ممدّه نصري و إن كان أمرأ *** متزحزحا في أرضه و سمائه(6)
/و أكون مأوى سرّه و أصونه *** حتّى يحقّ عليّ يوم أدائه
و إذا أتى من غيبه بطريفة *** لم أطّلع: ما ذا وراء خبائه
و إذا تحيّفت الحوادث ماله *** قرنت صحيحتنا إلى جربائه(7)
و إذا تريّش في غناه و فرته *** و إذا تصعلك كنت من قرنائه(8)
و إذا غدا يوما ليركب مركبا *** صعبا قعدت له على سيسائه(9)
فلما كان الليل حدا به الحادي بهذه الأبيات، فقال: هذا و اللّه أحثّ على المروءة و أشبه بأهل الأدب من غناء
1) التمزز: التمصص. و في بعض النسخ: «تمررت» تحريف. و الصراحية: الخمر الخالصة.
2) وضعت رءوسها: خفضتها.
3) هذه الكلمة من ط، مب، مط.
4) كذا في ط، ها، مب، ح. و في سائر النسخ: «فحفظه هذا الشعر».
5) الكاشح: مضمر العداوة.
6) المتزحزح: البعيد.
7) قرنت، كذا على الصواب في ط، مب. و في سائر النسخ: «قرت». و جربائه تصحيح ط، مط و هي في ح: «جريانه»، و في سائر النسخ: «حوبائه».
8) تريش و ارتاش: أصاب خيرا فرئي عليه أثر ذلك.
9) اسيساء الظهر من الدواب: مجتمع الوسط.
بصبص. قال: فحدا به ليلة، فلما أصبح قال: يا ربيع أعطه درهما. فقال له: يا أمير المؤمنين؛ حدوت بهشام بن عبد الملك، فأمر لي بعشرين ألف درهم و تأمر أنت بدرهم! قال: إنّا للّه! ذكرت ما لم نحبّ(1)أن تذكره؛ و وصفت أنّ رجلا ظالما أهذ مال اللّه من غير حلّه؛ و أنفقه في غير حقّه يا ربيع، اشدد، يديك به حتّى يردّ المال. فبكى الحادي، و قال: يا أمير المؤمنين قد مضت لهذا السّنون(2)و قضيت به الديون، و تمزّقته النّفقات؛ و لا و الذي أكرمك بالخلافة ما بقي عندي منه شيء. فلم يزل أهله و خاصته يسألونه حتّى كفّ عنه، و شرط عليه أن يحدو به ذاهبا و راجعا، و لا يأخذ منه شيئا.
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثني القاسم بن زيد المدينيّ؛ قال:
/اجتمع ذات يوم عند بصبص جارية ابن نفيس عبد اللّه بن مصعب الزّبيريّ(3)و محمد بن عيسى الجعفريّ، في أشراف من أهل المدينة، /فتذاكروا مزبّدا المدينيّ صاحب النوادر و بخله، فقالت بصبص: أنا آخذ لكم منه درهما.
فقال لها مولاها: أنت حرّة لئن فعلت إن لم أشتر لك مخنقة(4)بمائة ألف دينار و إن لم أشتر لك ثوب وشي بما شئت؛ و أجعل لك مجلسا(5)بالعقيق أنحر لك فيه بدنة لم تقتب(6)و لم تركب. فقالت: جيء به و ارفع عني الغيرة.
فقال: أنت حرّة أن لو رفع برجليك لأعنته على ذلك. فقال عبد اللّه بن مصعب: فصلّيت الغداة في مسجد المدينة، فإذا أنا به، فقلت: أبا إسحاق، أ ما تحبّ أن ترى بصبص جارية ابن نفيس؟ فقال: امرأته طالق(7)إن لم يكن اللّه ساخطا عليّ فيها، و إن لم أكن أسأله أن يرينيها منذ سنة فما يفعل. فقلت له: اليوم إذا صلّيت العصر فوافني هاهنا.
قال: امرأته طالق إن برحت من هاهنا حتّى تجيء صلاة العصر. قال: فتصرّفت(8)في حوائجي حتّى كانت العصر، و دخلت المسجد فوجدته فيه، فأخذت بيده و أتيتهم به، فأكلوا و شربوا، و تساكر القوم و تناوموا، فأقبلت بصبص على مزبّد، فقالت: أبا إسحاق، كأنّ في نفسك تشتهي أن أغنّيك الساعة:
لقد حثّوا الجمال ليه *** - ربوا منّا فلم يئلوا(9)
/فقال: زوجته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللّوح المحفوظ! قال: فغنّته ساعة ثم مكثت ساعة فقالت:
أبا إسحاق كأنّ في نفسك تشتهي أن تقوم من مجلسك فتجلس إلى جانبي فتقرصني قرصات، و أغنّيك.
قالت و قد أبثثتها وجدي فبحت به(10)*** قد كنت قدما تحبّ السّتر فاستتر
1) ط، مب، مط: «يجب».
2) ما عدا ط، مب، مط: «هذه السنون».
3) هذه الكلمة من ط، مب، مط فقط.
4) المخنقة: القلادة.
5) العقيق: موضع بالمدينة.
6) البدنة: واحدة الإبل و البقر، تطلق على الذكر و الأنثى. و الأقتاب: شد القتب على البعير، و هو الرحل على قدر سنامه.
7) ط، ح، مب، مط: «فقال امرأته الطلاق».
8) ما عدا ط، ح، مب، مط: «فانصرفت».
9) وأل يئل: نجا.
10) ما عدا ط، مب، مط: «أبحت به».
أ لست تبصر من حولي فقلت لها *** غطّى هواك و ما ألقى على بصري
فقال: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في الأرحام و ما تكسب الأنفس غدا، و بأيّ أرض تموت! فغنّته ثم قالت: برح الخفاء(1)، أنا أعلم أنّك تشتهي أن تقبّلني شقّ التّين و أغنّيك هزجا:
أنا أبصرت بالليل *** غلاما حسن الدّلّ
كغصن البان قد أص *** - بح مسقيا من الطل
لم يذكر صانعه، و هو هزج على ما ذكر.
فقال: أنت نبيّة مرسلة! فغنته ثم قالت: أبا إسحاق، أ رأيت أسقط من هؤلاء! يدعونك و يخرجونني إليك و لا يشترون ريحانا بدرهم، أي أبا إسحاق؛ هلمّ درهما نشتري به ريحانا! فوثب و صاح: وا حرباه(2)، أي زانية، أخطأت استك الحفرة(3)، انقطع و اللّه عنك الوحي الذي كان يوحى إليك! و عطعط القوم بها(4)، و علموا أنّ حيلتها لم تنفذ عليه، ثمّ خرجوا فلم يعد إليها، و عاود القوم مجلسهم، فكان أكثر شغلهم فيه حديث مزبّد معها و الضّحك منه.
و قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: أنشدني الزبير بن بكّار، قال: أنشدني غرير بن طلحة لابن أبي الزوائد - و هو ابن ذي الزوائد - في بصبص:
بصبص أنت الشمس مزدانة *** فإن تبذّلت فأنت الهلال
سبحانك اللّهمّ ما هكذا *** فيما مضى كان يكون الجمال
/إذا دعت بالعود في مشهد *** و عاونت يمنى يديها الشّمال
غنّت غناء يستفزّ الفتى *** حذقا وزان الحذق منها الدلاّل
قال هارون: قال الزّبير: و أنشدني غرير أيضا لنفسه يهجو مولاها:
يا ويح بصبص من يحيى(5)لقد رزقت *** وجها قبيحا و أنفا من جعاميس(6)
يمجّ من فيه في فيها إذا هجعت *** ريقا خبيثا كأرواح الكرابيس(7)
1) برح، كسمع. و هو مثل لظهور الأمر و انكشافه.
2) الحرب: أن يسلب الرجل ماله كله.
3) يضرب لمن رام شيئا فلم ينله. «مجمع الأمثال».
4) عطعط به: صاح.
5) س: «من حي».
6) الجعاميس: جمع جعموس، و هو ما يطرحه الإنسان من ذي بطنه.
7) أرواح: جمع ريح. و الكراييس: جمع كرياس، و هو الكنيف الذي يكون مشرفا على سطح بقناة من الأرض. قال الأزهري: سمي كرياسا لما يعلق به من الأقذار فيركب بعضه بعض و يتكرس مثل الدمن. «اللسان» (كرس) و «معجم استينجاس» 1026 و «الحيوان» (468:5) و «عيون الأخبار» (230:3).
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمي قال: هوي محمد بن عيسى الجعفريّ بصبص جارية ابن نفيس، فهام بها و طال ذلك عليه فقال لصديق له: لقد شغلتني هذه عن صنعتي و كلّ أمري، و قد وجدت مسّ السلوّ فاذهب بنا حتّى أكاشفها بذلك فأستريح. فأتياها فلما غنّت لهما قال لها محمد بن عيسى:
أ تغنين:
و كنت أحبّكم فسلوت عنكم *** عليكم في دياركم السّلام
فقالت: لا و لكنّي أغنّي:
تحمّل أهلها عنها فبانوا *** على آثار من ذهب العفاء(1)
/فاستحيا و ازداد بها كلفا، و لها عشقا، فأطرق ساعة ثم قال: أ تغنين:
و أخضع بالعتبي إذا كنت مذنبا *** و إن أذنبت كنت الذي أتنصّل
قالت: نعم و أغنّي أحسن منه:
فإن تقبلوا بالودّ نقبل بمثله *** و ننزلكم منّا بأقرب منزل
قال: فتقاطعا في بيتين، و تواصلا في بيتين. و في هذه الأبيات الأربعة غناء كان محمد قريض(2)، و ذكاء، و غيرهما ممن شاهدنا من الحذّاق يغنّونه في الابتداءين لحنين من الثقيل الأوّل، و في الجوابين لحنين من خفيف الثقيل، و لا أعرف صانعهما.
أخبرني عمي قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال: حدّثني أبو أيوب المدينيّ عن مصعب قال:
حضر أبو السائب المخزومي مجلسا فيه بصبص جارية يحيى بن نفيس، فغنت:
قلبي حبيس عليك موقوف *** و العين عبرى و الدمع مذروف
و النّفس في حسرة بغصّتها *** قد شفّ أرجاءها التّساويف(3)
إن كنت بالحسن قد وصفت لنا *** فإنّني بالهوى لموصوف
يا حسرتا حسرة أموت بها *** إن لم يكن لي لديك معروف
قال: فطرب أبو السائب و نعر(4)، و قال: لا عرف اللّه قدره إن لم أعرف لك معروفك. ثم أخذ قناعها عن رأسها و جعله على رأسه(5)و جعل يلطم و يبكي، و يقول لها: بأبي و اللّه أنت، إنّي لأرجو أن تكوني عند اللّه أفضل من الشّهداء، لما توليناه من السرور، و جعل يصيح، وا غوثاه! يا للّه لما يلقى العاشقون.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان [قال حدّثني أبو بكر العامري قال حدّثني عمرو بن عبد اللّه البصري](1)قال: حدّثنا الحسين بن يحيى عن عثمان بن محمد الليثي قال: كنت يوما في مجلس ابن نفيس، فخرجت إلينا جاريته بصبص، و كان في القوم فتى يحبّها، فسألته حاجة، فقام ليأتيها بها، فنسي أن يلبس نعله، و مشى حافيا؛ فقالت: يا فلان، /نسيت نعلك. فلبسها و قال: أنا و اللّه كما قال الأوّل:
و حبّك ينسيني عن الشّيء في يدي *** و يشغلني عن كلّ شيء أحاوله
فأجابته فقالت:
و بي مثل ما تشكوه منّي و إنّني *** لأشفق من حبّ أراك تزاوله
يشتاق قلبي إلى مليكة لو *** أمست قريبا ممن يطالبها
ما أحسن الجيد من مليكة و ال *** - لّبّات إذ زانها ترائبها(2)
يا ليتني ليلة إذا هجع ال *** - نّاس و نام الكلاب صاحبها
في ليلة لا يرى بها أحد *** يسعى علينا إلاّ كواكبها
الشعر لأحيحة بن الجلاح، و الغناء لابن سريج. رمل بالخنصر في مجرى البنصر. و فيه لحن لمالك(3)من رواية يونس.
هو أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس.
و يكنى أحيحة أبا عمرو.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثني الزبير بن بكّار قال: حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز قال: ركب الوليد بن عبد الملك إلى المساجد، فأتى مسجد العصبة(1)، فلما صلّى قال للأحوص: يا أحوص أين الزّوراء التي قال فيها صاحبكم:
إنّي أقيم على الزّوراء أعمرها *** إنّ الكريم على الإخوان ذو المال
لها ثلاث بئار في جوانبها *** في كلّها عقب تسقى بأقبال(2)
استغن أو مت و لا يغررك ذو نشب *** من ابن عمّ و لا عمّ و لا خال(3)
قال الزبير؛ العقب الذي في أوّل المال عند مدخل الماء، و الطلب الذي في آخره(4). قال: فأشار له الأحوص إليها و قال: ها هي تلك، لو طوّلت لأشقرك هذا لجال عليها(5)، فقال الوليد: إنّ أبا عمرو كان يراه غنيّا بها، فعجب الناس يومئذ لعناية الوليد بالعلم، حتّى علم أنّ كنية أحيحة أبو عمرو.
و في بعض(6)هذا الشعر غناء، و هو:
استغن أو مت و لا يغررك ذو نشب *** من ابن عمّ و لا عمّ و لا خال
يلوون ما لهم عن حقّ أقربهم *** و عن عشيرتهم؛ و الحقّ للوالي(7)
1) العصبة، بالضم: دار بني جحجبى بالمدينة. ياقوت. و قد ضبطت في مب، مط بالتحريك. ما عدا ط، ما: «القصبة» تحريف.
2) البئار: جمع بئر. مب، ح: «فكلها». و «يسقى» هي في مط «سقى» و في سائر النسخ ما عدا ط، مب: «يسعى». و أقبال الجداول: أوائلها و رءوسها.
3) النشب: المال.
4) كذا ورد هذا التفسير.
5) أشقرك، يعني فرسك الأشقر.
6) هذه الكلمة من ط، مط.
7) يلوونه: يجحدونه و ينكرونه.
غنّاه الهذلي رملا بالوسطى من رواية الهشاميّ و عمرو بن بانة.
و أمّا السّبب في قول أحيحة هذا الشعر فإنّ أحمد بن عبيد المكتّب(1)ذكر أن محمد بن يزيد الكلبيّ حدّثه، و حدّثه أيضا هشام بن محمد عن الشّرقيّ بن القطاميّ قال هشام: و حدّثني به أبي أيضا.
قال: و حدّثني رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عمّار بن ياسر، قال: و حدّثني/عبد الرحمن بن سليمان الأنصاريّ، قالوا جميعا:
أقبل تبّع الأخير و هو أبو كرب بن حسان بن أسعد الحميريّ، من اليمين سائرا(2)يريد المشرق كما كانت التّبابعة تفعل، فمرّ بالمدينة فخلّف بها ابنا له، و مضى حتّى قدم الشّأم، ثم سار من الشام حتّى قدم العراق فنزل بالمشقّر(3)، فقتل ابنه غيلة بالمدينة، فبلغه و هو بالمشقّر مقتل ابنه، فكرّ راجعا إلى المدينة و هو يقول:
يا ذا معاهر ما تزال ترود *** رمد بعينك عادها أم عود(4)
منع الرّقاد فما أغمّض ساعة *** نبط بيثرب آمنون قعود
لا تستقي بيديك إن لم تلقها *** حربا كأنّ أشاءها مجرود(5)
ثم أقبل حتّى دخل المدينة و هو مجمع على إخرابها و قطع نخلها، و استئصال أهلها، و سبي الذرّية؛ فنزل بسفح أحد فاحتفر بها بئرا - فهي البئر التي يقال لها إلى اليوم بئر الملك - ثم أرسل إلى أشراف أهل المدينة ليأتوه فكان فيمن أرسل إليه زيد بن ضبيعة بن زيد بن عمرو بن عوف، و ابن عمه زيد بن أميّة بن زيد، و ابن عمه زيد بن عبيد بن زيد(6)- و كانوا يسمّون الأزياد - و أحيحة بن الجلاح؛ فلمّا جاء رسوله قال الازدياد: إنما أرسل إلينا ليملّكنا على أهل يثرب. فقال أحيحة: و اللّه ما دعاكم لخير! و قال:
ليت حظّي من أبي كرب *** أن يردّ خيره خبله(7)
فذهبت مثلا. و كان يقال: إنّ مع أحيحة تابعا من الجنّ يعلمه الخبر لكثرة صوابه؛ لأنّه كان لا يظنّ شيئا فيخبر به قومه إلا كان كما يقول. فخرجوا إليه، و خرج أحيحة و معه قينة له، و خباء، فضرب الخباء و جعل فيه القينة و الخمر، ثم خرج حتى استأذن على تبّع، فأذن له، و أجلسه معه على زربيّة تحته(8)، و تحدّث معه و سأله عن أمواله بالمدينة؛ فجعل يخبره عنها، و جعل تبّع كلّما أخبره عن شيء منها يقول: كلّ ذلك على هذه الزربية. يريد بذلك تبّع
1) المكتب، بكسر التاء المشدّدة، هو من يعلم الصبيان الخط و الأدب. السمعاني. 54 ب. ما عدا ط، مب، مط، ح: «الكاتب».
2) ط، مب، مط: «يسير».
3) المشقر: حصن بالبحرين عظيم، لبعد القيس.
4) ذو معاهر، بضم الميم: قيل من أقيال حمير، كما في «القاموس» (عهد). ط، مط: «يا ذا معاهد» و في سائر النسخ: «يا ذا المعاهد» كلاهما محرّف عما أثبت. عود، أراد: أم طرفت بعود.
5) ط: «إن لم يلقها حرب» مب، مط: «إن لم تلقها حرب». و الأشاء: جمع أشاءة، و هي صغار النخل. مجرود: جرّد عنه الخوص، أو أصابه الجراد.
6) كذا في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «زيد بن أمية بن زيد و ابن عمّه زيد بن ضبيعة بن زيد بن عمرو بن عوف و ابن عمه زيد بن أمية بن زيد، و ابن عمه زيد بن عبيد بن زيد»، و فيه تكرار و خلاف في الترتيب.
7) كذا على الصواب في ط، مب، مط و «كتاب التيجان» لوهب بن منبه 294. لكن في «التيجان»: «أن يسد». و في سائر النسخ: «أن يرد خبره جبله».
8) الزربية، بالكسر و بضم: واحدة الزرابي، و هي البسط و النمارق.
قتل أحيحة، ففطن أحيحة أنه يريد قتله فخرج من عنده فدخل خباءه، فشرب الخمر، و قرض أبياتا، و أمر القينة أن نغنّيه بها، و جعل تبّع عليه حرسا، و كانت قينته تدعى مليكة فقال:
يشتاق قلبي إلى مليكة لو *** أمست قريبا ممن يطالبها
الأبيات. و زاد فيها مما ليس فيه غناء:
لتبكني قينة و مزهرها *** و لتبكني قهوة و شاربها
و لتبكني ناقة إذا رحلت *** و غاب في سردح مناكبها(1)
و لتبكني عصبة إذا جمعت *** لم يعلم الناس ما عواقبها(2)
فلم تزل القينة تغنّيه بذلك يومه و عامّة ليلته(3)فلما نام الحرّاس قال لها: إنّي ذاهب إلى أهلي فشدّي(4)عليك الخباء، فإذا جاء رسول الملك فقولي له: هو نائم؛ فإذا أبوا إلاّ أن يوقظوني فقولي: قد رجع إلى أهله و أرسلني إلى الملك برسالة. فإن ذهبوا بك إليه فقولي له: يقول لك أحيحة: «اغدر بقينة أو دع». ثم انطلق فتحصّن في أطمه(5)الضّحيان، و أرسل تبّع من جوف الليل إلى الأزياد فقتلهم على فقارة من فقار(6)تلك الحرّة. و أرسل إلى أحيحة ليقتله، فخرجت إليهم/القينة، فقالت: هو راقد. فانصرفوا و تردّدوا عليها مرارا؛ كلّ ذلك تقول: هو راقد.
ثم عادوا فقالوا: لتوقظنّه أو لندخلنّ عليك. قالت: فإنه قد رجع إلى أهله، و أرسلني إلى الملك برسالة. فذهبوا بها إلى الملك، فلما دخلت عليه سألها عنه، فأخبرته خبره، و قالت: يقول لك: «اغدر بقينة أو دع». فذهبت كلمة أحيحة هذه مثلا؛ فجرّد له كتيبة من خيله، ثم أرسلهم في طلبه فوجدوه قد تحصّن في أطمه، فحاصروه ثلاثا؛ يقاتلهم بالنّهار و يرميهم بالنبل و الحجارة، و يرمي إليهم بالليل/بالتمر، فلما مضت الثلاث رجعوا إلى تبّع فقالوا:
بعثتنا(7)إلى رجل يقاتلنا بالنهار، و يضيفنا بالليل! فتركه؛ و أمرهم أن يحرّقوا نخله. و شبّت الحرب بين أهل المدينة: أوسها و خزرجها و يهودها، و بين تبّع، و تحصّنوا في الآطام. فخرج رجل من أصحاب تبّع حتى جاء بني عديّ بن النجّار؛ و هم متحصّنون في أطمهم، الذي كان في قبلة مسجدهم، فدخل حديقة من حدائقهم، فرقي عذقا منها يجدّها(8)، فاطّلع إليه رجل من بني عديّ بن النجار من الأطم يقال له أحمر أو صخر(9)بن سليمان من بني سلمة، فنزل إليه فضربه بمنجل حتّى قتله ثم ألقاه في بئر! و قال: جاءنا يجدّ نخلنا(10)، «إنّما النخل لمن أبره»(11)، فأرسلها مثلا. فلما انتهى ذلك إلى تبّع زاده حنقا و جرّد إلى بني النجّار جريدة من خيله(12)فقاتلهم بنو النجّار
1) السردح: الأرض اللينة المستوية. ط، ح: «سرنج». و السرنج: الأرض الواسعة.
2) ط، مب، مط: «إذا اجتمعت».
3) ط، مب، مط: «عامة ليله».
4) ما عدا ط، مب، مط: «فسدى» بالسين المهملة.
5) الأطم: حصن مبني بحجارة، و هو القصر أيضا.
6) هذا ما في ح، مب، مط. و في ط: «فقرة من فقار»، و هي صحيحة أيضا، مشبهتان بفقار الظهر. و في سائر النسخ: «قفارة من قفار»، تحريف.
7) ما عدا ط، مب، مط: «تبعثنا».
8) العذق: النخلة، عند أهل الحجاز. يجدها: يقطع تمرها. ما عدا ط، مب، مط، ح: «يجده»، التذكير للفظ و التأنيث للمعنى.
9) ط: «صحر» بالحاء المهملة.
10) ما عدا ط، مب، مط: «نخلتنا».
11) الأبر و التأبير: إصلاح النخل و تشذيبه.
12) الجريدة من الخيل: القطعة منها عليها فرسانها.
و رئيسهم عمرو بن طلّة(1)أخو بني معاوية بن مالك بن النجّار، و جاء بعض تلك الخيول إلى بني عديّ و هم متحصّنون في أطمهم الذي في قبلة مسجدهم، فراموا بني عديّ بالنّبل، فجعلت نبلهم تقع في جدار الأطم، فكان على أطمهم مثل الشّعر من النبل، فسمّي ذلك الأطم الأشعر - و لم تزل بقايا النّبل فيه حتّى جاء اللّه عزّ و جلّ بالإسلام - و جاء بعض جنوده إلى بني الحارث بن الخزرج، فجذموا نخلهم من أنصافها، /فسمّيت تلك النخل جذمان(2)، و جدعوا هم فرسا لتبّع، فكان تبّع يقول: لقد صنع بي أهل يثرب شيئا ما صنعه بي أحد؛ قتلوا ابني و صاحبي، و جدعوا فرسي! قالوا: فبينا تبّع يريد إخراب المدينة، و قتل المقاتلة، و سبي الذرّية، و قطع الأموال أتاه حبران من اليهود(3)فقالا، أيها الملك انصرف عن هذه البلدة فإنّها محفوظة، و إنا نجد اسمها كثيرا في كتابنا، و أنّها مهاجر نبيّ من بني إسماعيل اسمه أحمد، يخرج من هذا الحرم من نحو البيت الذي بمكة، تكون داره و قراره، و يتبعه أكثر أهلها. فأعجبه ما سمع منهما، و كفّ عن الذي أراد بالمدينة و أهلها، و صدّق الحبرين بما حدّثاه، و انصرف تبّع عما كان أراد بها، و كفّ عن حربهم، و آمنهم حتّى دخلوا عسكره، و دخل جنده المدينة؛ فقال عمرو بن مالك بن النجار، يذكر شأن تبع، و يمدح عمرو بن طلّة:
أ صحا أم انتحى ذكره *** أم قضى من لذّة وطره(4)
بعد ما ولّى الشباب و ما *** ذكره الشّباب أو عصره(5)
إنّها حرب يمانية *** مثلها آتى الفتى عبره
سائلي عمران أو أسدا *** إذ أتت تعدو مع الزّهره(6)
/فيلق فيه أبو كرب *** سبع أبدانه ذفرة(7)
/ثم قالوا من يؤمّ بنا *** أ بنو عوف أم النّجرة(8)
يا بني النّجار إنّ لنا *** فيكم ذحلا و إنّ تره(9)
فتلقّتهم مسايفة *** مدّها كالغبية النّثرة(10)
1) كذا في ط، مب، مط، و «كتاب التيجان» 294-295. و في سائر النسخ: «عمرو بن طلحة» في كل موضع من هذا الخبر.
2) أي سمي ذلك الموضع، و هو بضم الجيم. و أنشد ياقوت فيه لقيس بن الخطيم: فلا تقربوا جذمان إن حمامه و جنته تأذى بكم فتحملوا
3) الحبر، بفتح الحاء و كسرها: العالم.
4) انتحى: اعتمد و قصد. ط، ح، مب، مط: «أم ما انتحى».
5) العصر، بضمتين: لغة في العصر، و هو الزمان. ما عدا ط، ح: «ذكرت شبانه». و إنما يقول: إن ذكر الشباب و عصره لا يغني عن الشيخ فتيلا.
6) عمران، في ط، ح، مب، مط. و في سائر النسخ: «همدان».
7) كذا على الصواب في ط، مب، مط. جعله أسدا ذفر البدن، و السبع أبخر ذفر البدن. ما عدا ط، مب: «تبع» تحريف.
8) يعني بالنجرة، بني النجار.
9) أي و إن لنا ترة. و الترة: الوتر و الذحل. و هذه رواية ط، مب. و فيما عداهما: «و إن نترة»، تحريف.
10) المسايفة: التي تسايف، أي تضارب بالسيوف. كالغبية، هي فيما عدا ط، مب، مط، ج: «كالصيبة»، تحريف. و النثرة: وصف من النثر، و هو رمي الشيء متفرقا.
11) الغبية: بفتح الغين و سكون الباء بعدها. ما عدا ط، ما، ج: «الصيبة»، محرفة.
فيهم عمرو بن طلّة لا *** همّ فامنح قومه عمره(1)
سيّد سامي الملوك و من *** يدع عمرا لا تجد قدره(2)
و قال في ذلك رجل من اليهود:
تكلّفني من تكاليفها *** نخيل الأساويف و المصنعة(3)
نخيلا حمتها بنو مالك *** جنود أبي كرب المفظعة
و قال أحيحة يرثي الأزياد الذين قتلهم تبّع:
ألا يا لهف نفسي أيّ لهف *** على أهل الفقارة أيّ لهف(4)
/مضوا قصد السّبيل و خلّفوني *** إلى خلف من الأبرام خلف(5)
سدى لا يكتفون و لا أراهم *** يطيعون أمرا إن كان يكفي(6)
قالوا: فلما كفّ تبّع عن أهل المدينة اختلطوا بعسكره فبايعوه و خالطوهم. ثم إنّ تبّعا استوبأ بئره التي حفرها(7)، و شكا بطنه عن مائها؛ فدخلت عليه امرأة من بني زريق يقال لها فكهة بنت زيد بن كلدة(8)بن عامر بن زريق، و كانت ذات جلد و شرف في قومها، فشكا إليها و بأبئره، فانطلقت فأخذت قربا و حمارين حتّى استقت له من ماء رومة، فشربه فأعجبه، و قال: زيديني من هذا الماء. فكانت تختلف إليه في كلّ يوم بماء رومة، فلمّا حان رحيله دعاها، فقال لها: يا فكهة، إنّه ليس معنا من الصفراء و البيضاء شيء(9)، و لكن لك ما تركنا من أزوادنا و متاعنا. فلما خرج تبّع نقلت ما تركوه من ازوادهم و متاعهم؛ فيقال إنه لم تزل فكهة أكثر بني زريق مالا حتّى جاء الإسلام.
قال: و خرج تبّع يريد اليمن و معه الحبران اللذان نهياه عن المدينة، فقال حين شخص من منزله: هذه قباء الأرض. فسمّيت قباء(10). و مرّ بالجرف فقال؛ هذا جرف الأرض. فسمّي الجرف؛ و هو أرفعها. و مرّ بالعرصة و تسمّى السليل فقال: هذه عرصة الأرض. ثم انحدر في العقيق فقال: هذا عقيق الأرض. فسمّي العقيق. /ثمّ خرج يسير حتّى نزل البقيع، فنزل على غدير ماء يقال له براجم، فشرب منه شربة فدخلت في حلقه علقة فاشتكى منها. فقال فيما ذكر أبو مسكين قوله:
1) لا هم، أي اللّهم. قومه، كذا على الصواب في ط، مب، مط. و في ج: «قوله» و في سائر النسخ: «نوله» محرفتان. و هو دعاء له بطول العمر.
2) قدره، أي مثله و كفأه.
3) الأساويف و المصنعة: موضعان لم أهتد إلى تعيينهما. ط، مط: «كل لهف».
4) ما عدا ط، ح: «أهل القفارة» و هي في مط مهملة الفاء و القاف. و انظر ما سبق في صفحة 40.
5) الأبرام: جمع برم، بالتحريك، و هو الجبان البخيل، أو المعدم الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. و الخلف، بالفتح: الأشرار.
6) سدى: همل. س: «يصونون أمرا».
7) استوبأها: استوخمها.
8) ط، ح، مب: «جلدة» مب: «حمدة».
9) الصفراء: الدنانير. و البيضاء: الدراهم.
10) إنما يصح اشتقاقها على لغة القصر، فإن القبي: جمع قبوة. انظر «معجم البلدان» (قبا).
و لقد شربت على براجم شربة *** كادت بباقية الحياة تذيع(1)
ثم مضى حتى إذا كان بحمدان(2)جاءه نفر من هذيل(3)فقالوا له: اجعل لنا جعلا و ندلّك على بيت مال فيه كنوز من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد و الذهب و الفضّة(4)، ليست لأهله منعة و لا شرف. فجعل لهم على ذلك جعلا، فقالوا له: هو البيت الذي تحجّه العرب بمكة. و أرادوا بذلك هلاكه. فتوجّه نحوه فأخذته ظلمة منعته من السّير، فدعا الحبرين فسألهما، فقالا: هذا لما/أجمعت عليه في هذا البيت؛ و اللّه مانعه منك، و لن تصل إليه، فاحذر أن يصيبك ما أصاب من انتهك حرمات اللّه؛ و إنّما أراد القوم الذين أمروك به هلاكك؛ لأنه لم يرمه أحد قطّ بشرّ إلا أهلكه اللّه، فأكرمه وطف به، و احلق رأسك عنده، فترك الذي كان أجمع عليه، و أمر بالهذليّين فقطّع أيديهم و أرجلهم، ثم خرج يسير حتّى أتى مكّة فنزل بالشّعب من الأبطح، و طاف بالبيت، و حلق رأسه، و كساه الخصف(5).
قال هشام: و حدّثني ابن لجرير بن يزيد البجلي عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال هشام: و حدّثني أبي عن صالح(6)عن ابن عباس قال:
لمّا أقبل تبّع يريد هدم البيت و صرف وجوه العرب إلى اليمن، بات صحيحا فأصبح و قد سالت عيناه على خدّيه، فبعث إلى السّحرة و الكهّان و المنجّمين، فقال: ما لي، فو اللّه(7)لقد بتّ ليلتي ما أجد شيئا، و قد صرت إلى ما ترون. فقالوا: حدّث نفسك بخير. ففعل فارتدّ بصيرا، و كسا البيت الخصف.
هذه رواية جعفر بن محمد عن أبيه. و في رواية ابن عباس:
فأتي في المنام فقيل له: اكسه أحسن من هذا. فكساه الوصائل - قال: و هي برود العصب(8)، سمّيت الوصائل لأنّها كانت يوصل بعضها ببعض - قال: فأقام بمكة ستّة أيام يطعم الطعام، و ينحر في كلّ يوم ألف بعير، ثم سار إلى اليمن و هو يقول:
و نحرنا بالشّعب ستّة آلا *** ف ترى الناس نحوهنّ ورودا(9)
و كسونا البيت الذي حرّم اللّ *** - ه ملاء معضّدا و برودا؟(10)
1) كذا على الصواب في ح. و في ط، مب، مط: «تريع» و في سائر النسخ: «تزيغ». و إنما يقال أذاع بالشيء: ذهب به. و منه بيت الكتاب: ربع قواء أذاع المعصرات به أي أذهبته و طمست معالمه. و قول الآخر: توازن أعوام أذاعت بخمسة و تجعلني إن لم يق اللّه سأدبا.
2) ط، ح: «بجمدان» بالجيم.
3) كذا على الصواب في ط، مب، مط و «التيجان» 295. و في سائر النسخ «من قريش».
4) هذه من ط، مب، مط.
5) الخصف، بالتحريك: ثياب غلاظ جدا، مشبهة بالخصف المنسوج من الخوص.
6) ط، مب، مط: «عن أبي صالح».
7) ما عدا ط، مب، مط: «فقال و اللّه».
8) العصب: ضرب من برود اليمن. و هذا ما في ط، مب، مط، ح. و في سائر النسخ: «القصب»، تحريف.
9) ورودا، أي واردين. و أصل الورود مصدر ورد.
10) معضد: مخطط على شكل العضد. ما عدا ط، مب، مط، ح: «منضدا» تحريف.
و أقمنا به من الشّهر ستّا *** و جعلنا له به إقليدا
ثم أبنا منه نؤمّ سهيلا *** قد رفعنا لواءنا المعقودا(1)
قال: و تهوّد تبّع و أهل اليمن بذينك الحبرين.
أخبرني محمد بن مزيد(2)قال: أخبرني حمّاد بن إسحاق عن أبيه، قال: حدّثني أبو البختري عن أبي إسحاق، قال: أخبرني أيوب بن عبد الرحمن:
أنّ رجلا من بني مازن بن النجار يقال له كعب بن عمرو، تزوّج امرأة من بني سالم بن عوف(3)فكان يختلف إليها، فقعد له رهط من بني جحجبى بمرصد، فضربوه حتّى قتلوه أو كادوا، فأدركه القوافل(4)فاستنقذوه؛ فلما بلغ ذلك أخاه عاصم بن عمرو خرج و خرج معه بنو النجّار و خرج أحيحة بن الجلاح ببني عمرو بن عوف، فالتقوا بالرّحابة(5)، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل أخا عاصم يومئذ أحيحة بن الجلاح، و كان يكنى أبا وحوحة، فأصابه في أصحابه حين انهزموا، و طلب عاصم أحيحة حتّى انتهى إلى البيوت، فأدركه عاصم عند باب داره فزجّه بالرمح، و دخل(6)أحيحة الباب، و وقع الرّمح في الباب، و رجع عاصم و أصحابه فمكث أياما. ثم إنّ عاصما طلب أحيحة ليلا ليقتله في داره، فبلغ ذلك أحيحة، و قيل له إنّ عاصما قد رئي البارحة عند الضّحيان(7)و الغابة(8)- و هي أرض لأحيحة، و الضّحيان: أطم له - و كان أحيحة إذ ذاك سيّد قومه من الأوس، و كان رجلا صنعا للمال(9)، شحيحا عليه، يبيع(10)بيع الربا بالمدينة، حتّى كاد يحيط بأموالهم، و كان له تسع و تسعون بعيرا(11)كلّها ينضح/عليها، و كان له بالجرف أصوار(12)من نخل قلّ يوم يمرّ به إلاّ يطّلع فيه، و كان له أطمان: أطم في قومه/يقال له المستظلّ، و هو الذي تحصّن فيه حين قاتل تبّعا أسعد أبا كرب الحميريّ، و أطمه الضّحيان بالعصبة(13)في أرضه التي يقال لها الغابة(14)بناه بحجارة سود و بنى عليه نبرة(15)بيضاء مثل الفضّة، ثم جعل عليها مثلها، يراها الراكب من مسيرة يوم أو نحوه،
1) نؤم سهيلا، أي نقصد اليمن. و سهيل مطلعه اليمن.
2) ما عدا ط، مب،، مط ح: «محمد بن يزيد».
3) ما عدا ط، ما، مب: «بن عون».
4) القوافل، بقافين: بطن من الأنصار. و في الأصول: «القوافل».
5) الرحابة: بضم الراء: موضع بالمدينة.
6) فيما عدا ط، مب، مط، ح: «و قفل»، تحريف.
7) هذا ما في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «قد روي عن الضحيان» تحريف.
8) ط: «و العناية» ح: «و العنانة» أ: «و العباية». مط: «و العاية».
9) الصنع، بالتحريك: الحاذق الماهر. ما عدا ط، مب: «صنيعا» محرّف.
10) ما عدا ط، مب، مط: «يتبع».
11) ط، مط: «بئرا». و مؤدّى العبارتين واحد.
12) أصوار: جمع صور، بالفتح، و هو النخل الصغار أو المجتمع. و المعروف في جمعه «صيران».
13) سبق الكلام عليها في صفحة 37.
14) انظر ما سبق قريبا ص 47.
15) النبرة: كل شيء مرتفع فوق شيء. ط، مب، مط: «بئره» تحريف.
و كانت الآطام هي عزّهم و منعتهم و حصونهم التي يتحرّزون فيها من عدوّهم. و يزعمون أنّه لما بناه أشرف هو و غلام له، ثم قال: لقد بنيت حصنا حصينا ما بنى مثله رجل من العرب أمنع و لا أكرم، و لقد عرفت موضع حجر منه لو نزع لوقع جميعا! فقال غلامه: أنا أعرفه. فقال: فأرنيه يا بنيّ. قال: هو هذا. و صرف إليه رأسه، فلما رأى أحيحة أنّه قد عرفه دفعه من رأس الأطم فوقع على رأسه فمات، و إنّما قتله إرادة ألاّ يعرف ذلك الحجر أحد. و لمّا بناه قال:
بنيت بعد مستظلّ ضاحيا *** بنيته بعصبة(1)من ماليا
و السرّ مما يتبع القواصيا(2)*** أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا(3)
و كان أحيحة إذا أمسى جلس بحذاء حصنه الضّحيان، ثم أرسل كلابا له تنبح دونه على من يأتيه ممّن لا يعرف، حذرا أن يأتيه عدوّ يصيب منه غرّة؛ فأقبل عاصم بن عمرو يريده في مجلسه ذلك ليقتله بأخيه، و قد أخذ معه تمرا، فلما نجته/الكلاب حين دنا منه ألقى لها التمر فوقفت، فلمّا رآها أحيحة قد سكنت حذر فقام فدخل حصنه، و رماه عاصم بسهم فأحرزه منه الباب(4)، فوقع السّهم بالباب، فلما سمع أحيحة وقع السّهم صرخ في قومه، فخرج عاصم بن عمرو، فأعجزهم حتّى أتى قومه. ثمّ إنّ أحيحة جمع لبني النجّار، فأراد أن يغترّهم فواعدهم و قومه لذلك(5)، و كانت عند أحيحة سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش إحدى نساء بني عديّ بن النجار، له منها عمرو بن أحيحة، و هي أمّ عبد المطلب بن هاشم، خلف عليها هاشم بعد أحيحة، و كانت امرأة شريفة لا تنكح الرجال إلاّ و أمرها بيدها، إذا كرهت من رجل شيئا تركته.
فزعم ابن إسحاق أنّه حدّثه أيوب بن عبد الرحمن(6)، و هو أحد رهطها، قال: حدّثني شيخ منّا أنّ أحيحة لمّا أجمع بالغارة على قومها و معها ابنها عمرو بن أحيحة، و هو يومئذ فطيم أو دون الفطيم، و هو مع أحيحة في حصنه عمدت إلى ابنها فربطته بخيط، حتّى إذا أوجعت الصبيّ تركته فبات يبكي، و هي تحمله؛ و بات أحيحة معها ساهرا، يقول: ويحك ما لابني؟ فتقول: و اللّه ما أدري ما له. حتّى إذا ذهب اللّيل أطلقت الخيط عن الصبيّ فنام. و ذكروا أنّها ربطت رأس ذكره، فلما هدأ الصبيّ قالت: وا رأساه! فقال: أحيحة: هذا و اللّه ما لقيت من سهر هذه الليلة.
فبات يعصب لها رأسها و يقول: ليس بك بأس. حتّى إذا لم يبق من الليل إلا أقلّه قالت له: قم فنم، فإنّي أجدني(7)صالحة قد ذهب عنّي ما كنت/أجده. و إنما فعلت به ذلك ليثقل رأسه، و ليشتدّ نومه على طول السّهر. فلما نام قامت و أخذت حبلا شديدا و أوثقته برأس الحصن، ثم تدلّت منه و انطلقت إلى قومها، فأنذرتهم و أخبرتهم بالذي أجمع هو و قومه من ذلك، فحذر القوم و أعدّوا و اجتمعوا. فأقبل أحيحة في قومه فوجد القوم على حذر قد
1) ط، مب، مط: «بقودة».
2) ما عدا ط، ح، مب، مط: «للستر مما يتبع القواصيا».
3) الركيب: مصغر ركب، و هم الجماعة الراكبون. و الرجيل: مصغر الرجل، بالفتح، و هم الجماعة الراجلون.
4) هذا الصواب من ح، ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «فأحرز منه الباب».
5) فيما عدا ط، ح، مب، مط: «فواعده قومه لذلك».
6) ما عدا ط، ح، مب، مط: «أن جدّه أيوب بن عبد الرحمن»، تحريف.
7) ما عدا ط، ح، مب، مط: «أجد في صالحة» محرّف.
استعدّوا، فلم يكن بينهم كبير قتال؛ ثم رجع أحيحة فرجعوا عنه، /و قد فقدها أحيحة حين أصبح؛ فلما رأى القوم على حذر قال: هذا عمل سلمى! خدعتني حتّى بلغت ما أرادت. و سمّاها قومها المتدلّية؛ لتدلّيها من رأس الحصن. فقال في ذلك أحيحة و ذكر ما صنعت به سلمى:
تفهّم أيّها الرّجل الجهول *** و لا يذهب بك الرأي الوبيل
فإنّ الجهل محمله خفيف *** و إنّ الحلم محمله ثقيل(1)
[و فيها يقول:
لعمر أبيك ما يغني مقامي *** من الفتيان رائحة جهول
نؤوم ما يقلّص مستقلاّ *** على الغايات مضجعه ثقيل]
إذا باتت أعصّبها فنامت *** عليّ مكانها الحمّى الشّمول(2)
لعلّ عصابها يبغيك حربا *** و يأتيهم بعورتك الدّليل
و قد أعددت للحدثان عقلا *** لو أنّ المرء تنفعه العقول(3)
/و قال فيها و فيما صنعت به:
أخلق الرّبع من سعاد فأمسى *** ربعه مخلقا كدرس الملاة(4)
باليا بعد حاضر ذي أنيس *** من سليمى إذ تغتدي كالمهاة
و هي قصيدة طويلة، يقال إنّ في هذين البيتين منها غناء.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدّثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه عن أبي مسكين:
أنّ قيس بن زهير بن جذيمة أتى أحيحة بن الجلاح لمّا وقع الشرّ بينه و بين بني عامر؛ و خرج إلى المدينة ليتجهّز، بعث إليهم حين قتل خالد بن جعفر زهير بن جذيمة، فقال قيس لأحيحة: يا أبا عمرو، نبّئت أنّ عندك درعا ليس بيثرب درع مثلها؛ فإن كانت فضلا(5)فبعنيها، أو فهبها لي. فقال: يا أخا بني عبس، ليس مثلي يبيع السلاح و لا يفضل عنه(6)، و لو لا أنّي أكره أن أستليم(7)إلى بني عامر لوهبتها لك، و لحملتك على سوابق خيلي، و لكن
1) البيتان بعده مما انفردت به نسخة ط، مب، مط.
2) أعصبها، يشير إلى ما كان من تعصيبه رأس امرأته حين ادّعت ألم رأسها. يقول: باتت عليه الحمى الشمول، أي الباردة التي تصيب صاحبها بالقشعريرة.
3) العقول: جمع عقل، و هو الحصن و المعقل. و في الأصول: «أصلا» و قد فسّرت في مط «هو بناء الحصن». و الرواية المعروفة: «عقلا» كما في «اللسان» (عقل).
4) الملاة، أراد بها الملاءة. و الدرس: الخلق، بفتح الدال و كسرها، و هو من إضافة إلى الموصوف.
5) الفضل بضمتين. و انظر شروح «سقط الزند» 1488.
6) ط، مب، مط: «تفضل عليه» ح: «يفضل عليه».
7) استلام إليهم: أتى إليهم ما يلومونه عليه. و في ط: «أن أستذم» و في هامشها «أن أستليم» كما في سائر النسخ.
اشترها يا أبا أيوب(1)، فإنّ البيع مرتخص و غال. فأرسلها مثلا. فقال له قيس: فما تكره من استلامتك إلى بني عامر؟ قال: كيف لا أكره ذلك و خالد بن جعفر الذي يقول:
إذا ما أردت العزّ في آل يثرب *** فناد بصوت يا أحيحة تمنع(2)
رأيت أبا عمرو أحيحة جاره *** يبيت قرير العين غير مروّع
/و من يأته من خائف ينس خوفه *** و من يأته من جائع الجوف(3)يشبع
فضائل كانت للجلاح قديمة *** و أكرم بفخر من خصالك الأربع
فقال قيس: و ما عليك بعد ذلك من لوم. فلها عنه ثم عاوده فساومه، فغضب أحيحة و قال له: بت عندي.
فبات عنده، فلمّا شرب تغنّى أحيحة و قيس يسمع:
ألا يا قيس لا تسمنّ درعي *** فما مثلي يساوم بالدّروع(4)
فلولا خلّة لأبي جويّ *** و أنّي لست عنها بالنّزوع
لأبت بمثلها عشر و طرف *** لحوق الإطل جيّاش تليع(5)
و لكن سمّ ما أحببت فيها *** فليس بمنكر غبن البيوع(6)
فما هبة الدّروع أخا بغيض *** و لا الخيل السّوابق بالبديع(7)
و/قال: فأمسك بعد ذلك عن مساومته:
أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال: حدّثني أخي أحمد بن عليّ عن عافية بن شبيب، قال: حدّثني أبو جعفر الأسدي، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، و أخبرنا به إسماعيل بن يونس الشيعي إجازة، عن عمر بن شبّة عن إسحاق قال:
دعاني الفضل بن الربيع يوما فأتيته، فإذا عنده شيخ حجازيّ حسن الوجه و الهيئة، فقال لي: أ تعرف هذا؟ قلت: لا. قال: هذا ابن أنيسة بنت معبد، فسله عمّا أحببت من غناء جدّه. فقلت: يا أخا أهل الحجاز، كم غناء جدّك؟ قال: ستّون صوتا. ثم غناني:
ما أحسن الجيد من مليكة و ال *** - لّبّات إذ زانها ترائبها
1) ما عدا ط، ح، مب، مط: «ابتزها». و الابتزاز: الاستلاب، و ليس مرادا هنا.
2) ما عدا ط، مب، مط: «أسمع» تحريف.
3) ب، س: «البطن».
4) أراد: «لا تسومن» فأسقط الواو للشعر.
5) أي بعشر مثلها. و الطرف، بالكسر: الفرس الكريم الطرفين، أي الأبوين. و اللحوق: الضامر. و الإطل: الخاصرة. و التليع: الطويل العنق.
6) ما عدا ط، مب، مط: «غير البيوع»، تحريف.
7) أي يا أخا بغيض، و هم قبيلة قيس بن زهير بن جذيمة. البديع: الأمر المبتدع.
/قال: فغنّاه أحسن غناء في الأرض، و لم آخذه منه اتّكالا على قدرتي عليه. و اضطرب(1)الأمر على الفضل و صار إلى التغيّب، و شخص الشيخ إلى المدينة، فبقيت أنشد الشّعر و أسأل عنه مشايخ المغنّين، و عجائز المغنّيات، فلا أجد أحدا يعرفه، حتى قدمت البصرة، و كنت آتي جزيرتها في القيظ فأبيت بها ثم أبكر بالغداة إلى منزلي. فإنّي لداخل يوما إذا بامرأتين نبيلتين(2)، قد قامتا فأخذتا بلجام حماري، فقلت لهما: مه! قال أبو زيد في خبره: فقالت إحداهما: كيف عشقك اليوم ل «ما أحسن الجيد من مليكة» و شغفك به، فقد بلغني أنّك كنت تطلبه من كلّ أحد؟ و قد كنت رأيتك في مجلس الفضل و قد استخفّك الطّرب لهذا الصوت حتّى صفّقت. قال: فقلت لها: أشدّ و اللّه ما كنت عشقا له، و قد ألهبت بذكرك إيّاه في قلبي جمرا، و لقد طلبته ببغداد كلّها فلم أجد أحدا يسمعنيه. قالت:
أ فتحبّ أن أغنيك إياه. قلت: نعم. فغنّته و اللّه أحسن ممّا سمعته قديما بصوت خافض، فنزلت إليها فقبّلت يديها و رجليها و قلت: جعلني اللّه فداك، لو شئت لصرت معي إلى منزلي. قالت: أصنع ما ذا؟ قلت: أغنّيك و تغنّيني يومنا إلى الليل. قالت: أنت و اللّه أطفس(3)من أن تفعل ذاك، و إنّما هو عرض، و لكنّي أغنّيك حتّى تأخذه. فقلت: بأبي أنت و أمّي، و جعلني اللّه فداك من أنت؟ قالت: أنا وهبة جارية محمّد بن عمران القرويّ، التي يقول فيها فرّوح(4)الرّفاء الطّلحي:
يا وهب لم يبق لي شيء أسرّ به *** إلاّ الجلوس فتسقيني و أسقيك(5)
و تمزجين بريق منك لي قدحا *** كأنّ فيه رضاب المسك من فيك
يا أطيب النّاس ريقا غير مختبر *** إلاّ شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا زورة في الدّهر واحدة *** ثنّي و لا تجعليها بيضة الديك(6)
ما نلت منك سوى شيء أسرّ به *** و لست أبصر شيئا من مساويك(7)
قالت ملكت و لم تملك فقلت لها *** ما كلّ مالكة تزري بمملوك
قال أبو زيد خاصّة: قال إسحاق: و أنشدتنيه و غنّتني فيه بصوت مليح قد صنعته فيه، ثم صارت إليّ بعد ذلك، و كانت من أحسن الناس غناء، و أحسنهم رواية. فما كانت تفوق فيه من صنعتها سائر الناس صوتها، و هو:
لا بدّ من سكرة على طرب *** لعلّ روحا يدال من كرب(8)
1) ما عدا ط، ح، مب، مط: «و اطرب»، و هي لغة في اضطرب.
2) النبيلة: الجسيمة.
3) أطفس، من الطفس و هو القذارة. و هذا ما في ط، ح. و في سائر النسخ: «أنفس».
4) ط، مب، مط: «فروج»، بالجيم.
5) شيء، في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «شيئا».
6) بيضة الديك: مثل في الندرة، يقال إنه يبيض في العمر بيضة واحدة.
7) المساوي: مقابل المحاسن.
8) الروح: الراحة. يدال: يبدل. ما عدا ط، ح، مب، مط: «يداك» محرّف.
فعاطنيها صفراء صافية *** تضحك من لؤلؤ على ذهب
قال: و لها فيه عمل فاضل. و من صنعتها قوله:
الكأس بعد الكأس قد *** تصبي لك الرجل الحليما
و تقرّب النسب البعي *** - د و تبسط الوجه الشّتيما(1)
قال: و ممّا برّزت فيه من صنعتها:
هاتها سكّريّة كشعاع ال *** شّمس لا قرقفا و لا خندريسا(2)
في ربى يخلع الوليّ عليها *** ما يحيّي به الجليس الجليسا(3)
فلنوّارها نسيم إذا ما *** حرّكته الرّياح ردّ النّفوسا
أمسى لسلاّمة الزّرقاء في كبدي *** صدع مقيم طوال الدّهر و الأبد
لا يستطيع صناع القوم يشعبه *** و كيف يشعب صدع الحبّ في الكبد(4)
إلاّ بوصل التي من حبّها انصدعت *** تلك الصّدوع من الأسقام و الكمد
الشعر و الغناء لمحمد بن الأشعث بن فجوة الكاتب الكوفي، أحد بني زهرة من قريش. و لحنه من خفيف الثّقيل الأوّل بالبنصر.
و سلاّمة الزرقاء هذه جارية ابن رامين، و كانت إحدى القينات المحسنات.
نسخت ذلك من كتاب هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات(1)، ذكر أنّ أبا أيوب المديني حدّثه(2)عن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود قال:
كان محمد بن الأشعث القرشي ثم الزهري كاتبا، و كان من فتيان أهل الكوفة و ظرفائهم و أدبائهم، و كان يقول الشعر و يتغنى فيه. فمن ذلك قوله في زرقاء جارية ابن رامين، و كان يألفها:
أمسى لسلاّمة الزّرقاء في كبدي
و ذكر الأبيات:
قال: و من شعره فيها يخاطب مولاها و قد كان حجّ و أخرج جواريه كلّهنّ - هكذا ذكر أحمد بن إبراهيم. و هذا الشعر(3)الثاني لإسماعيل بن عمّار الأسدي، و قد ذكرت أخباره في موضع آخر.
أيّة حال يا ابن رامين *** حال المحبّين المساكين
تركتهم موتى و لم يتلفوا *** قد جرّعوا منك الأمرّين
و سرت في ركب على طيّة *** ركب تهام و يمانين
/يا راعي الذّود لقد رعتهم *** ويلك من روع المحبّين
فرّقت جمعا لا يرى مثلهم *** بين دروب الرّوم و الصّين
الغناء لمحمد بن الأشعث نشيد خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها، عن ابن المكي و غيره.
قال: و دخل ابن الأشعث يوما على ابن رامين فخرجت إليه الزّرقاء، فبينما هو يلقي عليها إذ بصر بوصيفة من وصائفهم فأعجبته، فقال شعرا في وقته، و تغنى فيه، فأخذته منه الزرقاء، و هو قوله:
قل لأختي التي أحبّ رضاها *** أنت لي فاعلميه ركن شديد
إنّ لي حاجة إليك فقولي: *** بين أذني و عاتقي ما تريد
يعني قولي: ما تريد في عنقي حتّى أفعله. ففطنت الزّرقاء للذي أراد، فوهبت له الوصيفة، فخرج بها.
الغناء فيه رمل بالوسطى. ذكر عمرو بن بانة أنّه لابن سريج، و قد وهم في ذلك، بل الغناء لمحمد بن الأشعث لا يشكّ فيه:
قال هارون: و حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه، قال: و حدّثني أبو عبد اللّه الأسكّ(1)أمير المغنّين أن محمد بن الأشعث الزهري، و هشام بن محمد بن أبي عثمان السّلمي، اجتمعا عند ابن رامين، و كان هشام قد أنفق في منزله مالا عظيما، و كان يقال لأبيه بسيار درم(2)، و تفسيره بالعربية: الكثير الدراهم، فقال محمد بن الأشعث:
يا هشام قل ما تشاء. قال:
قل لأختي التي أحبّ رضاها *** أنت لي فاعلميه ركن شديد
و أشار بذلك إلى سلاّمة الزرقاء. قالت و قد سمعت: فقل. فقال:
إنّ لي حاجة إليك فقولي *** بين أذني و عاتقي ما تريد
ففطنت الزرقاء للذي أراد، فقالت: بين أذني و عاتقي ما تريد، فما هو؟ قال: وصيفتك هذه، فإنّها قد أعجبتني. قالت: هي لك. فأخذها فما ردّ ذلك ابن رامين و لا تكلّم فيه.
و هذا الشعر و الغناء فيه لمحمّد بن الأشعث.
قال هارون: و حدّثني أبو أيوب عن أحمد بن إبراهيم قال:
ذكر عمرو بن نوفل بن أنس بن زيد التميمي(3)، أنّ محمد بن الأشعث كان ملازما لابن رامين و لجاريته سلاّمة الزرقاء، فشهر بذلك(4)، و كان رجلا قصّافا(5)فلامه قومه في فعله فلم يحفل بمقالتهم و طال ذلك منه و منهم، حتّى رأى بعض ما كره في منزل ابن رامين، فمال إلى سحيقة جارية زريق بن منيح، مولى عيسى بن موسى. و كان زريق شيخا سخيّا(6)كريما نبيلا يجتمع إليه أشراف الكوفة من كلّ حيّ، و كان الغالب على منزله رجلا من ولد القاسم بن عبد
الغفّار العجلي، كغلبة محمد بن الأشعث على منزل ابن رامين، فتواصلا على ملازمة بيت زريق. ففي ذلك يقول محمد بن الأشعث:
يا ابن رامين بحت بالتّصريح *** في هواي سحيقة ابن منيح(1)
قينة عفّة و مولّى كريم *** و نديم من اللّباب الصّريح(2)
/ربعيّ مهذّب أريحيّ *** يشتري الحمد بالفعال الرّبيح(3)
/نحن منه في كلّ ما تشتهي الأن *** - فس من لذّة و عيش نجيح
عند قرم(4)من هاشم في ذراها *** و غناء من الغزال المليح
في سرور و في نعيم مقيم *** قد أمنّا من كلّ أمر قبيح
فاسل عنا كما سلوناك إنّي *** غير سال عن ذات نفسي و روحي
حافظ منك كلّ ما كنت قد ض *** - يّعت مما عصيت فيه نصيحي
فالقلى ما حييت منّي لك الدّه *** - ر بودّ لمنيتي ممنوح(5)
يا ابن رامين فالزمن مسجد الح *** يّ و طول الصّلاة و التّسبيح
قال عمرو بن نوفل: فلم يدع ابن رامين شريفا بالكوفة إلاّ تحمّل به على ابن الأشعث و أن يرضى عنه، و يعاود زيارته، فلم يفعل، حتّى تحمّل عليه بالحجوانيّ، و هو محمد بن بشر بن حجوان الأسديّ، و كان يومئذ على الكوفة، فكلمه فرضي عنه و رجع إلى زيارته، و لم يقطع منزل زريق. و قال في سحيقة:
سحيقة أنت واحدة القيان *** فمالك مشبه فيهن ثان
فضلت على القيان بفضل حذق *** فحزت على المدى قصب الرّهان
سجدن لك القيان مكفّرات *** كما سجد المجوس لمرزبان(6)
و لا سيما إذا غنّيت صوتا *** و حرّكت المثالث و المثاني(7)
/شربت الخمر حتّى خلت أنّي *** أبو قابوس أو عبد المدان(8)
1) أي في حبي لسحيقة المنسوبة إلى ابن منيح، و هو
2) اللباب: الصفوة. و الصريح: الخالص.
3) ربعي: منسوب إلى ربيعة. و الأريحي: الذي يهتز للكرم.
4) القرم: السيد. ما عدا ط، مب: «قوم» تحريف.
5) القلى: البغض و الكراهية. ما عدا ط، ح، مب، مط: «فاكتفي». لمنيتي، يعني بها جارية ابن رامين. يقول: إن ودي الممنوح لتلك الجارية مقابل ببغضي لك. ما عدا ط، ح: «يا منيتي».
6) التكفير: إيماء الذمي أو المجوسي برأسه، أو أن يتطامن و يضع يده على صدره، أو أن يسجد لمن يعظمه، أو أن ينحني و يطأطئ رأسه قريبا من الركوع، و كل أولئك طريقة للتعظيم.
7) سيما: مخفف سيما. و المثلث و المثنى من أوتار العود.
8) أبو قابوس: كنية النعمان بن المنذر. و عبد المدان: سيد من سادات مذحج، و هو أبو يزيد عمرو بن الديان بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن عمرو، كما سبق في خبر أساقفة نجران.
فإعمال اليسار على الملاوي *** و من يمناك ترجمة البيان(1)
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، عن حمّاد عن أبيه قال:
كان روح بن حاتم المهلبي كثير الغشيان لمنزل ابن رامين، و كان يختلف إلى الزّرقاء جارية ابن رامين، و كان يهواها محمد بن جميل و تهواه، فقال لها: إنّ روح بن حاتم قد ثقل علينا. قالت: فما أصنع(2)، قد غمر مولاي ببرّه! فقال: احتالي له. فبات عندهم(3)روح ليلة، فأخذت سراويله و هو نائم فغسلته، فلما أصبح سأل عنه فقالت: غسلناه. ففطن أنّه أحدث فيه فاحتيج إلى غسله، فاستحيا من ذلك و انقطع عنها، و خلا وجهها لابن جميل.
قال هارون:
و أخبرني حماد عن أبيه قال:
ابن رامين اسمه عبد الملك بن رامين، مولى عبد الملك بن بشر بن مروان. و جواريه سعدة، و ربيحة، و سلاّمة الزرقاء. و فيهن يقول إسماعيل بن عمّار الأسديّ و أنشدناه الحرميّ عن الزبير عن عمّه، و روايته أتمّ:
/هل من شفاء لقلب لجّ محزون *** صبا، و صبّ إلى ريم ابن رامين(4)
إلى ربيحة إنّ اللّه فضّلها *** بحسنها و سماع ذي أفانين(5)
نعم شفاؤك منها أن تقول لها *** قتلتني يوم دير اللّجّ فاحييني(6)
أنت الطبيب لداء قد تلبّس بي *** من الجوى فانفثي في فيّ و ارقيني
نفسي تأبّى لكم إلاّ طواعية *** و أنت تحمين أنفا أن تطيعيني(7)
/فتلك قسمة ضيزى قد سمعت بها *** و أنت تتلينها ما ذاك في الدين(8)
ما عائذ اللّه لي إلف و لا وطن *** و لا ابن رامين، لو لا ما يمنّيني(9)
1) الملاوي: ملاوي العود التي تشد بها الاوتار. و هذا البيت لم يرد في ط، مب.
2) ما عدا ط، مب، مط: «قد ثقل علينا فما أصنع، فقالت».
3) ما عدا ط، مب، مط: «فبات عندها».
4) الريم: مخفف الرئم، و هو الظبي الخالص البياض. و الصب: العاشق. يقال صببت إليه صبابة فأنا صب، أي عاشق.
5) أفانين: ضروب.
6) دير اللج بالحيرة، بناه النعمان بن المنذر.
7) تحمين أنفا، أي يحمي أنفك و تأنفين.
8) تتلينها، من التلاوة. و الشعر و الكلام بعده إلى «عيد السعانين» و بدله فيها: «و هي طويلة. و قد تقدّمت قبل هذا الموضع في أخبار ابن عمّار الأسدي».
9) عائذ اللّه: حي من أحياء العرب و في الأصول: «عابد اللّه» تحريف.
يا ربّ ما لابن رامين، له بقر *** عين و ليس لنا غير البراذين
لو شئت أعطيته مالا على قدر *** يرضى به منك غير الخرّد العين
لعائذ اللّه بيت ما مررت به *** إلاّ و جئت(1)على قلبي بسكين
يا سعدة القينة البيضاء، أنت لنا *** أنس لأنّك في دار ابن رامين
لا تحسبنّ بياض الجصّ يؤنسني *** و أنت كنت كمثل الخزّ في اللين
لو لا ربيحة ما استأنست ما عمدت *** نفسي إليك و لو مثّلت في طين(2)
/لم أنس سعدة و الزّرقاء يومهما *** باللّجّ شرقيّه فوق الدّكاكين
تغنّيان ابن رامين ضحاءهما *** بالمسجحيّ و تشبيب المحبّين(3)
فما دعوت به من عيش مملكة *** و لم نعش يومنا عيش المساكين
أذاك أنعم أم يوم ظللت به *** منعّم العيش في بستان سورين
يشوي لنا الشّيخ سورين دواجنه *** بالجردناج و سحاج الشقابين(4)
نسقى شرابا لعمران يعتقّه *** يمسي الأصحاء منه كالمجانين
يعني عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد اللّه -
إذا ذكرنا صلاة بعد ما فرطت *** قمنا إليها بلا عقل و لا دين(5)
نمشي إليها بطاء لا حراك بنا *** كأنّ أرجلنا تقلعن من طين
نمشي و أرجلنا عوج مطارحها *** مشي الإوزّ التي تأتي من الصين
أو مشي عميان دبر لا دليل لهم *** إلاّ العصيّ، إلى عيد السّعانين
و قال فيه أيضا:
لابن رامين خرّد كمها الرّم *** - ل حسان و ليس لي غير بغل
ربّ فضّلته عليّ و لو شئ *** - ت لفضّلتني عليه بفضل
قال حمّاد: و أخبرني أبي قال: حدّثني السّكوني، أنّ جعفر بن سليمان اشترى ربيحة بمائة ألف درهم، و اشترى صالح بن عليّ سعدة بتسعين ألف درهم، و اشترى معن بن زائدة الزرقاء.
/قال مؤلف هذا الكتاب: هذا خطأ، الزّرقاء اشتراها جعفر بن سليمان، و لعل معنا اشترى غيرها.
1) الوج: الطعن بسكين و نحوه.
2) في الأصول: «و قد مثلت في طين». و انظر ما سبق في أخبار إسماعيل بن عمّار.
3) ج: «بالمسحجي» بتقديم الحاء.
4) الجردناج: هو «كردناج» بالفارسية، و هو لحم ينضج قليلا بالماء ثم يشوى. معجم استينجاس» 1080: Meat Parboiled and (roasted) و سحاج الثقابين، كذا وردت. و فيما مضى: «و شحاج الشعانين».
5) فرطت: سبقت، و تقدّمت.
أخبرني حبيب بن نصر قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني علي بن الحسن الشيباني، عن عبد الملك بن ثوبان(1)قال: قال إسماعيل بن عمّار: كنت أختلف إلى منزل ابن رامين فأسمع جاريتيه:
الزرقاء و سعدة، و كانت سعدة أظرف من الزّرقاء، فأعجبت بها و علمت ذلك منّي، و كانت سعدة كاتبة، فكتبت إليها أشكو ما ألقى بها، فوعدتني فكتبت إليها رقعة مع بعض خدمهم:
يا ربّ إنّ ابن رامين له بقر *** عين و ليس لنا غير البراذين
/و ذكر الأبيات الماضية. قال: فجاءني الخادم و قال: ما زالت تقرأ رقعتك و تضحك من قولك:
فإن تجودي بذاك الشيء أحي به *** و إن بخلت به عنّي فزنّيني
و كتبت إليّ: «حاشاك من أن أزنّيك، و لكنّي أسير إليك فأغنّيك و ألهّيك و أرضيك». و صارت إليّ فأرضتني بعد ذلك.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه، عن الحسين بن محمد الحرّاني، و أخبرني الجوهري عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه:
أن جعفر بن سليمان اشترى الزرقاء صاحبة ابن رامين بثمانين ألف درهم، و سترها عن أبيه - و أبوه يومئذ على البصرة في خلافة المنصور، و قد تحرّك في تلك الأيام عبد اللّه بن علي - فهجم عليهما يوما سليمان بن عليّ فأخفيا(2)العود تحت السّرير/و دخل، فقال له: ويحك نحن على هذه الحال نتوقّع الصيلم(3)و أنت تشتري جارية بثمانين ألف درهم! و أظهر له غضبا عليه و تسخّطا لما فعل، فغمز خادما كان على رأسه فأخرجها إلى سليمان، فأكبّت على رأسه فقبّلته، ودعت له، و كانت عاقلة مقبولة متكلّمة، فأعجبه ما رأى منها، و قام عنهما فلم يعد لمعاتبة ابنه بعد ذلك.
قال: و لما مضت لها مدّة عند جعفر سألها يوما: هل ظفر منك أحد ممن كان يهواك بخلوة أو قبلة؟ فخشيت أن يبلغه شيء كانت فعلته بحضرة جماعة أو يكون قد بلغه، فقالت: لا و اللّه إلاّ يزيد بن عون العباديّ الصّيرفي؛ فإنّه قبّلني قبلة و قذف في فيّ(4)لؤلؤة بعتها بثلاثين ألف درهم. فلم يزل جعفر يحتال له و يطلبه(5)حتّى وقع في يده، فضربه بالسّياط حتّى مات.
قال هارون: و حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال. حدّثني أبو عوف الدّوسيّ، عن عبد الرحمن بن مقرّن قال:
كتبت إلى ابن رامين أستأذنه في إتيانه، فكتب إليّ: «قد سبقك روح بن حاتم، فإن كنت لا تحتشم منه فرح. فرحت، فكنّا كأنّنا فرسا رهان، و التقينا فعانقني و قال لي: أنّى تريد(1)؟ قلت: حيث أردت.
قال: فالحمد للّه. فدخلنا فخرجت الزرقاء في إزار و رداء قوهيّين(2)مورّدين، كأنّ الشمس طالعة من بين رأسها/و كتفيها(3)، فغنّتنا ساعة ثم جاء الخادم الذي يأذن لها(4)، و كان الإذن عليها دون مولاها، فقام دون الباب و هي تغنّي، حتّى إذا قطعت نظرت إليه فقالت: من(5)؟ فقال: يزيد بن عون العباديّ الصّيرفي، الملقّب بالماجن، على الباب. فقالت: أدخله. فلما استقبلها كفّر(6)ثم أقعى بين يديها. قال: فوجدت و اللّه له(7)و رأيت أثر ذلك، و تنوّقت تنوقا(8)خلاف ما كانت تفعل بنا. فأدخل يده في ثوبه فأخرج لؤلؤتين و قال: انظري يا زرقاء جعلت فداك! ثم حلف أنّه نقد فيهما بالأمس أربعين ألف درهم. فقالت: فما أصنع بذلك؟ قال: أردت أن تعلمي. فغنّت صوتا ثم قالت: يا ماجن هبهما لي ويحك. قال: إن شئت و اللّه فعلت. قالت: قد شئت. قال: و اليمين التي حلفت بها لازمة لي إن أخذتهما إلاّ بشفتيك من شفتيّ. قال:
فذهب روح يتسرّع إليه، فقالت له: أ لك في بيت القوم حاجة؟ قال: نعم. فقلت: إنما يتكسّبون مما ترى.
و قام ابن رامين فقال: ضع لي يا غلام ماء. ثم خرج عنا فقالت: هاتهما. فمشى على ركبتيه و كفّيه و هما بين شفتيه. فقال: هاك. فلمّا ذهبت بشفتيها جعل يصدّ عنها(9)يمينا و شمالا ليستكثر منها، فغمزت جارية على رأسها فخرجت كأنّها تريد/حاجة، ثم عطفت/عليه، فلمّا دنا منها و ذهب ليزوغ دفعت منكبيه و أمسكتهما حتّى أخذت الزّرقاء اللؤلؤتين بشفتيها من فمه، و رشح جبينها حياء منّا. ثم تجلّدت علينا فأقبلت عليه فقالت له: «المغبون في استه عود» فقال: أمّا أنا فما أبالي، لا يزال طيب هذه الرائحة في أنفي و فمي أبدا ما حييت.
قال هارون: و حدّثني ابن النطّاح عن المدائني، عن علي بن أبي سليمان، عن أبي عبد اللّه القرشي، عن أبي زاهر بن أبي الصباح، قال:
1) ما عدا ط: «أين تريد»، و هما سيان.
2) القوهي: ضرب من الثياب بيض، منسوبة إلى قوهستان. ما عدا ط، مب، مط: «قهويين» محرّفة.
3) ط، مب، مط: «و كعها» ح: «و كفيها». و أثبت ما في سائر النسخ.
4) أي الذي يأذن في الدخول عليها. ما عدا ط، ما: «تأذن لي»، محرّف.
5) ط، ح، مب، مط: «مه».
6) سبق الكلام على التكفير في ص 59. ما عدا ط، مب، مط: «ظفر»، تحريف.
7) وجدت: لحقها الوجد به و الحب.
8) التنوق: التأنق. يقال تنوق في مطعمه و ملبسه و تأنق، أي تجوّد. ما عدا ط، مب: «و تبوّقت تبوقا» محرّف.
9) الكلام بعده إلى ما قبل: «ما بالمغاني من أحد» مفقود من ط.
أتيت منزل ابن رامين مع رجل من قريش، فأخرج الزرقاء، و سعدة، فقام القرشيّ ليبول و ترك مطرفه(1)، فلبسته سعدة و خرجت، فرجع القرشيّ و عليها المطرف قد خاطته فصار درعا(2)، فقالت: أ رأيتم أسرع من هذا؟ صار المطرف درعا! فقال القرشيّ: هو لك. قال: و عليّ طيلسان مثنّى، فأردت أن أبول فلففته و قمت، فقالت سعدة: دع طيلسانك. فقلت: لا أدعه، أخاف أن يتحوّل مطرفا.
و حدّثني قبيصة بن معاوية قال: قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
شربت زرقاء ابن رامين دواء فأهدى لها ابن المقفع ألف درّاجة على جمل قراسيّ(3).
قال هارون: و حدّثني حمّاد عن أبيه:
أنّ محمد بن جميل كان يتعشّق الزرقاء، و كان أبو جميل يغدو كلّ يوم يسأل من يقدم عن ابنه محمّد، إلى أن مرّ به صديق له يكنى أبا ياسر، فسأله عنه/فقال له أبو ياسر: تركته أعظم النّاس قدرا، يعامل الخليفة كلّ يوم في خراجه، فيحتاج إليه ولده، و صاحب شرطته، و صاحب حرسه، و خدمه. فقال له: يا أخي: فكيف بهذه الجارية التي قد شهر بها؟ فقال له الرجل: لا تهتمّ بها، قد مازحه أمير المؤمنين فيها، و خاطبه بشعر قيل فيه. قال: و ما هو؟ قال:
و ابن جميل فاعلموا عاجلا *** لا بدّ موقوف على مسطبه(4)
يوقف في زرقاء مشهورة *** تجيد ضرب العود و العرطبه(5)
فقال جميل: و اللّه ما بي من هذا الأمر إلا أنّي أتخوّف أن يكون قد شهر بها هذه الشّهرة و لم ينكها.
قال هارون: و أحسب هذه القصّة لزرقاء الزّراد(6)، لا زرقاء ابن رامين.
قال هارون: و حدّثني أبو أيوب قال: حدّثني محمد بن سلاّم، قال:
اجتمع عند ابن رامين معن بن زائدة، و روح بن حاتم، و ابن المقفّع، فلما تغنّت الزرقاء و سعدة، بعث معن إليها بدرة(7)فصبّت بين يديها، فبعث روح إليها أخرى فصبّت بين يديها، و لم يكن عند ابن المقفّع دراهم فبعث فجاء بصكّ ضيعته و قال: هذه عهدة ضيعتي خذيها، فأمّا الدّراهم فما عندي منها شيء.
1) المطرف بتثليث الميم و فتح الراء: ثوب من خز له أعلام.
2) الدرع: القميص.
3) الدراجة، كرمانة: واحدة الدراج، و هو ضرب من الطير طيب اللحم. و القراس بضم القاف و فتح الراء: الضخم الشديد من الإبل. يقال قراسي و قراسية بتخفيف الياء. ح: «فراسي». و ما عداها «قراشي» و وجههما ما أثبت من «مب».
4) المسطبة، بفتح الميم و كسرها: الدكان يقعد الناس عليها.
5) العرطبة، بالفتح و الضم: العود، أو الطنبور.
6) كذا في أ، مب، مط. و في سائر النسخ: «الواردة».
7) البدرة، بالفتح: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا فضل اليزيديّ قال: حدّثني إسحاق الموصليّ قال: قال سليمان الخشّاب:
/دخلت منزل ابن رامين فرأيت الزّرقاء جاريته و هي وصيفة، حين شال نهودها ثوبها عن صدرها، لها شارب كأنّه خطّ بمسك، يلحظه الطّرف و يقصر عنه الوصف، و ابن الأشعث الكوفيّ يلقي عليها، و الغناء له:
أيّة حال يا ابن رامين *** حال المحبّين المساكين
تركتهم موتى و ما موّتوا *** قد جرّعوا منك الأمرّين
/و سرت في ركب على طيّة *** ركب تهام و يمانين
يا راعي الذّود لقد رعتنا *** ويلك من روع المحبّين
فرّقت جمعا لا يرى مثلهم *** فجّعتهم بالرّبرب العين
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثني هارون بن محمد الزيات قال: قال أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل: كان ابن رامين مولى الزرقاء أجلّ مقيّن(1)بالكوفة و أكبرهم، و رامين أبوه مولى بشر بن مروان.
قال هارون: فحدّثني سليمان المديني قال: قال حمّاد بن إسحاق قال أبي: قال معاذ بن الطّبيب:
أتيت ابن رامين و عنده جواريه: الزّرقاء و صواحباتها، و عندهنّ فتى حسن الوجه نظيف الثّياب، عطر الريح، يلقى عليهنّ، فسألت عنه فقيل لي: هذا محمد بن الأشعث بن فجوة الزّهري. فمضيت به إلى منزلي و سألته المقام ففعل، و أتيته بطعام و شراب و غنّيته أصواتا من غناء أهل الحجاز، فسألني أن ألقيها عليه، فقلت: نعم و كرامة و حبّا، على أن تلقي عليّ أصواتا من صنعتك ألتذّ بها، و أقطع طريقي بروايتها، و أطرف أهل بلدي بها، ففعلت و فعل، فكان مما أخذته عنه من صنعته:
صاح إنّي عاد لي ما ذهبا *** من هوى هاج لقلبي طربا(2)
أذكرتني الشّوق سلاّمة أن *** لم أكن قضيت منها أربا
و إذا ما لام فيها لائم *** زاد في قلبي لحبّي عجبا(3)
من ذوات الدّلّ لو دبّ على *** جلدها الذّرّ لأبدى ندبا(1)
الغناء لمحمد بن الأشعث، ثقيل أوّل عن الهشاميّ. و فيه ليونس خفيف ثقيل بالسّبابة، في مجرى البنصر عن إسحاق. و ذكر أحمد بن عبيد أنّ فيه لحنا من الثقيل الثاني لا يدري لمن هو؟ قال: و منها.
لذكر الحبيب النّازح المتعتّب *** طربت و من يعرض له الشوق يطرب
لحنه رمل: و قال منها:
خليليّ عوجا ساعة ثم سلّما *** على زينب سقيا و رعيا لزينب
لحنه رمل. و قال منها:
رحبت بلادك يا أمامه *** و سلمت ما سجعت حمامه(2)
و سقى ديارك كلّما *** حنّت إلى السّقيا غمامه
/إنّي و إن أقصيتني *** سفها أحبّ لك الكرامة
و أرى أمورك طاعة *** مفروضة حتّى القيامه
لحنه خفيف رمل. قال: و منها(3):
ما بالمغاني من أحد *** إلاّ حمامات فرد(4)
أضحت خلاء درّسا *** للرّيح فيها مطّرد(5)
/عهدي بها فيما مضى *** ينتابها مض خرد(6)
1) الذر: صغار النمل. و الندب: جمع ندبة، بالتحريك، و هو أثر الجرح الباقي على الجلد.
2) رحبت: اتسعت. سجعت: غنت.
3) إلى هنا تنتهي القطعة المفقود من ط. انظر ما سبق في ص 65 الحاشية 7.
4) المغاني: جمع مغني، و هو الموضع يغني فيه القوم، أي يقيمون. فرد: فريدات.
5) درس: جمع دارسة، و هي التي لعب بها البلى. المطرد: الموضع تطرد فيه الريح أي تجري؛ أو هو مصدر ميمي.
6) ينتابها: يأتيها نوبة بعد أخرى. خرد: جمع خريدة و خريد و خرود، و هي الحيبة الطويلة السكوت الخافضة الصوت. ما عدا ط، مب، مط: «بنباتها بيض جدد» تحريف.
فاستبدلت وحشا بهم *** و الورق تدعو و الصّرد(1)
لحنه هزج. قال: و منها:
ليت من طيّر نومي *** ردّ في عيني المناما
أو شفى جسما سقيما *** زاده الهجر سقاما
نظرت عيني إليها *** نظرة هاجت غراما
تركت قلبي حزينا *** بهواها مستهاما
لحنه رمل.
/قال ابن الطبيب: و أخذت منه مع هذه أصواتا كثيرة، و رأيت النّاس بعد ذلك ينسبونها إلى قدماء المغنّين.
قال هارون: و حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: حدّثني إسماعيل بن جعفر بن سليمان:
أنّ الزّرقاء صاحبة ابن رامين(2)صارت إلى أبيه، و كان يقال لها أم عثمان. و أنّ ربيحة جارية ابن رامين صارت إلى محمد بن سليمان، و كانت حظيّة عنده. قال إسماعيل: فأتى سليمان بن علي ابنه جعفرا فأخرج إليه الزّرقاء، فقال لها سليمان: غنّيني. قالت: أيّ شيء تحبّ؟ قال: غنّيني:
إذا ما أمّ عبد اللّ *** - ه لم تحلل بواديه
و لم تشف سقيما هيّ *** - ج الحزن دواعيه
فقالت: فديتك، قد ترك الناس هذا منذ زمان. ثم غنّته إياه.
قال إسماعيل: قد مات سليمان منذ ثلاث و سبعين سنة، و ينبغي أن يكون رأى الزرقاء قبل موته بسنتين أو ثلاث. قال: و قالت هي: قد ترك الناس هذا منذ زمان. فهذا من أقدم ما يكون من الغناء.
قال هارون: و قال شراعة بن الزّندبوذ:
قالوا شراعة عنّين فقلت لهم *** اللّه يعلم أنّي غير عنّين
فإن أبيتم و قلتم مثل قولهم *** فأقحموني في دار ابن رامين(3)
ثم انظروا كيف طعني عند معتركي *** في حر من كنت أرميها و ترميني
قال هارون: و حدّثني أبو أيوب المديني، عن أحمد بن إبراهيم قال: قال بعض المدنيّين:
أتيت منزل ابن رامين، فوجدته عنده جارية قد رفع ثديها قميصا، لها شارب أخضر ممتدّ على شفتيها(1)امتداد الطّراز، كأنّما خطّت طرّتها و حاجباها بقلم، لا يحلقها في ضرب من ضروب حسنها وصف واصف، فسألت عن اسمها فقيل: هذه الزّرقاء.
إذا ما أمّ عبد اللّ *** - ه لم تحلل بواديه
و لم تشف سقيما ه *** - يج الحزن دواعيه
غزال راعه القنّا *** ص تحميه صواصيه(2)
/عرفت الربع بالإكلي *** ل عفّته سوافيه(3)
بجوّ ناعم الحوذا *** ن ملتفّ روابيه(4)
/و ما ذكرى حبيبا و *** قليلا ما أواتيه
كذي الخمر تمنّاها *** و قد أسرف ساقيه(5)
ذكر الزّبير بن بكّار أنّ الشّعر لعديّ بن نوفل، و قيل إنّه للنّعمان بن بشير الأنصاريّ(6)و ذاك أصحّ.
و قد أخرجت أخبار النّعمان فيه مفردة في موضع آخر، و ذكرت القصيدة بأسرها. و رواها ابن الأعرابيّ و أبو عمرو الشيباني للنّعمان، و لم يذكر أنّها لعديّ غير الزّبير بن بكّار.
و الغناء فيما ذكر عمرو بن بانة لمعبد، خفيف رمل بالوسطى. و ذكر إسحاق أنّ فيه خفيف رمل بالسبّابة في مجرى البنصر، يمان(7). و فيه للغريض ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشامي، في الأول و الثاني و الرابع و الخامس.
1) ط: «شقتها» مب، مط: «شفتها».
2) راعه: أفزعه. و القناص، بالفتح، هو القانص، و بالضم: جمع قانص. ما عدا ط، مب: «رابه القناص». و الصياصي: الحصون.
3) الإكليل: اسم موضع. و أنشد هذه الأبيات ياقوت في رسم (الإكليل). و السوافي: الرياح التي تسفي التراب.
4) الجو و الجوة: المنخفض من الأرض. و الحوذان، بالفتح: نبت له زهرة حمراء في أصلها صفرة. ملتف روابيه: أي ملتف نبات روابيه. و الرابية: ما ارتفع من الأرض.
5) ما عدا ط، مب، مط: «كذا الخمر» محرّف.
6) هذا يطابق ما في «معجم البلدان» في رسم (الإكليل).
7) هذه الكلمة من ط، ح، مب، مط.
هو عديّ بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ. و أمه آمنة بنت جابر بن سفيان، أخت تأبّط شرّا.
و كان عمر بن الخطاب رضوان اللّه عليه استعمله، أو عثمان بن عفان رضي اللّه عنه - فيما أخبرنا به الطّوسيّ عن الزبير بن بكار - على حضرموت.
قال الزبير: و دار عديّ بن نوفل بين المسجد و السّوق معروفة(1)، و فيها يقول إسماعيل بن يسار النّسائي(2):
إنّ ممشاك نحو دار عديّ *** كان للقلب شقوة و فتونا
إذ تراءت على البلاط فلمّا *** واجهتها كالشّمس تعشي العيونا(3)
قال هارون قف فيا ليت أنّي *** كنت طاوعت ساعة هارونا
و قد قيل إنّ هذه الأبيات لعمر بن أبي ربيعة(4).
قال الزّبير: كان تحت عديّ بن نوفل أمّ عبد اللّه بنت أبي البختريّ بن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى، فغاب مدّة و كتب إليها أن تشخص إليه، فلم تفعل، فكتب إليها قوله:
إذا ما أمّ عبد اللّ *** - ه لم تحلل بواديه
/و ذكر البيتين فقط، فقال لها أخوها الأسود بن أبي البختريّ، و هما لأب و أمّ، أمّهما عاتكة بنت أميّة بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى: قد بلغ الأمر هذا من ابن عمّك. فاشخص إليه(5).
1) هذه الكلمة من ط، مب، مط.
2) النسائي هذا بكسر النون، لقب بذلك لأنه كان يبيع النجد و الفرش التي تتخذ للعرائس، كما سبق في ترجمة إسماعيل بن يسار.
3) البلاط: موضع بالمدينة مبلط بالحجارة بين مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و بين سوق المدينة.
4) الأبيات في «ديوان عمر بن أبي ربيعة» 71.
5) كذا على الصواب في ط، مب، مط. و في سائر النسخ: «إليك».
أ عينيّ جودا و لا تجمدا *** أ لا تبكيان لصخر النّدى
أ لا تبكيان الجريّ الجميل *** أ لا تبكيان الفتى السيّدا
الشعر للخنساء بنت عمرو بن الشريد، ترثي أخاها صخرا، و الغناء لإبراهيم الموصلي، ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر، عن إسحاق. و فيه لابن سريح خفيف رمل بالوسطى، عن عمرو، /و الهشامي، و حبش.
هي الخنساء بنت عمرو بن الحارث بن الشّريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. و اسمها تماضر.
و الخنساء لقب غلب عليها(1)، و فيها يقول دريد بن الصّمّة، و كان خطبها فردّته، و كان رآها تهنأ بعيرا:
حيّوا تماضر و اربعوا صحبي *** وقفوا فإنّ وقوفكم حسبي
أخناس قد هام الفؤاد بكم *** و أصابه تبل من الحبّ
ما إن رأيت و لا سمعت به *** كاليوم طالي أينق جرب
متبذّلا تبدو محاسنه *** يضع الهناء مواضع النّقب
قال أبو عبيدة و محمّد بن سلاّم: لمّا خطبها دريد بعثت خادما لها(2)و قالت: انظري إليه إذا بال، فإن كان بوله يخرق الأرض و يخدّ فيها ففيه بقيّة، و إن كان بوله يسيح على وجهها فلا بقيّة فيه. فرجعت إليها و أخبرتها، فقالت:
لا بقية في هذا. فأرسلت إليه: ما كنت لأدع بني عمّي و هم مثل عوالي الرماح، و أتزوّج شيخا! فقال:
وقاك اللّه يا ابنة آل عمرو *** من الفتيان أشباهي و نفسي
و قالت إنّني شيخ كبير *** و ما نبّأتها أنّي ابن أمس
فلا تلدي و لا ينكحك مثلي *** إذا ما ليلة طرقت بنحس
تريد شرنبث القدمين شثنا *** يباشر بالعشية كلّ كرس(3)
/فقالت الخنساء تجيبه:
معاذ اللّه ينكحني حبركى *** يقال أبوه من جشم بن بكر(4)
1) ما عدا ط: «وقع عليها».
2) ما عدا ط، مب، مط: «خادمة لها».
3) شرنبث القدمين: غليظهما خشنهما. و الشئن: الغليظ. الكرس كنى به عن بيت الخلاء، و أصل الكرس بالكسر: أبوال الإبل و الغنم و أبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار.
4) الحبركى: الطويل الظهر القصير الرجلين. و الألف في «حبركى» للإلحاق فينون، و جعلها بعضهم للتأنيث فيمنع الصرف. ط، ها: «حبركا» بالتنوين. مب «حبرك» و هذه محرّفة.
و لو أصبحت في جشم هديّا *** إذا أصبحت في دنس و فقر(1)
و هذا الشعر(2)ترثي به أخاها صخرا و قتله زيد بن ثور الأسدي يوم ذي الأثل.
أخبرنا بالسبب في ذلك محمد بن الحسن بن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، و أضفت إليه رواية الأثرم عن أبي عبيدة قال:
غزا صخر بن عمرو، و أنس بن عبّاس الرّعليّ في بني سليم، بني أسد بن خزيمة(3)، - قال أبو عبيدة: و زعم السّلمي أنّ هذا اليوم يقال له يوم الكلاب و يوم ذي الأثل - في بني عوف و بني خفاف، و كانا متساندين، و على بني خفاف صخر بن عمرو الشّريديّ، و على بني عوف أنس بن عبّاس. قال: فأصابوا في بني أسد بن خزيمة غنائم و سبيا، و أخذ صخر يومئذ بديلة امرأة(4). قال: و أصابت صخرا يومئذ طعنة، طعنه رجل يقال له ربيعة بن ثور، و يكنى أبا ثور، فأدخل جوفه حلقا من الدّرع فاندمل عليه حتّى شقّ عنه بعد سنين، و كان سبب موته.
قال أبو عبيدة: و قال غيره: بل ورد هو و بلعاء بن قيس الكناني. قال: /و كانا أجمل رجلين في العرب. قال:
فشربا عند يهوديّ خمار كان بالمدينة. قال: /فحسدهما لما رأى من جمالهما و هيأتهما، و قال: إنّي لأحسد العرب أن يكون فيهم مثل هذين! فسقاهما شربة جويا منها(5). قال: فمرّ بصخر طبيب بعد ما طال مرضه، فأراه ما به، فقال: أشقّ عنك(6)فتفيق. قال: فعمد إلى شفار فجعل يحميها ثم يشقّ بها(7)عنه، فلم ينشب أن مات.
قال أبو عبيدة: و أمّا أبو بلال بن سهم فإنّه قال: اكتسح صخر أموال بني أسد و سبى نساءهم، فأتاهم الصّريح فتبعوه فتلاحقوا بذات الأثل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فطعن ربيعة بن ثور الأسديّ صخرا في جنبه، و فات القوم فلم يقعص(8)و جوي منها، و مرض قريبا من حول، حتّى ملّه أهله. قال: فسمع صخر امرأة و هي تسأل سلمى امرأة صخر: كيف بعلك؟ فقالت سلمى: لا حيّ فيرجى، و لا ميت فينعى، لقينا منه الأمرّين! قال: و زعم آخر أنّ التي قالت هذه المقالة بديلة الأسديّة التي كان سباها من بني أسد فاتّخذها لنفسه. فأنشد هذا البيت:
ألا تلكم عرسي بديلة أوجست *** فراقي و ملّت مضجعي و مكاني(9)
و أمّا أبو بلال بن سهم فزعم أنّ صخرا حين سمع مقالة سلمى امرأته قال:
1) الهدي: العروس تهدى إلى بعلها.
2) يعني بذلك صوت الأغاني الذي سبق ترجمة الخنساء.
3) كذا على الصواب في ط، مب، مط. و فيما سواها: «بن أسد بن خزيمة».
4) هذا الأوفق من ط، مب، مط، ح. أي امرأة له. و فيما سواها: «امرأته».
5) الجوي، السل و تطاول المرض، أو داء يأخذ في الصدر.
6) ط، ح، مب، مط: «أسر عنك».
7) ط، ح: «ثم يسر بها». مب، مط: «يشربها».
8) قعصه و أقعصه: ضربه أو رماه فمات مكانه.
9) ما عدا ط، مب، مط: «أوحشت» تحريف.
أرى أمّ صخر لا تملّ عيادتي *** و ملّت سليمى مضجعي و مكاني
و ما كنت أخشى أن أكون جنازة *** عليك و من يغترّ بالحدثان(1)
/أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه *** و قد حيل بين العير و النّزوان
لعمري لقد نبّهت من كان نائما *** و أسمعت من كانت له أذنان
و للموت خير من حياة كأنّها *** محلة يعسوب برأس سنان(2)
و أيّ امرئ ساوى بأمّ حليلة *** فلا عاش إلاّ في شقا و هوان
فلما طال عليه البلاء و قد نتأت قطعة مثل اللّبد(3)في جنبه في موضع الطّعنة، قالوا له: لو قطعتها لرجونا أن تبرأ. فقال: شأنكم. فأشفق عليه بعضهم فنهاهم، فأبى و قال: الموت أهون عليّ مما أنا فيه! فأحموا له شفرة ثم قطعوها فيئس(4)من نفسه.
قال: و سمع صخر أخته الخنساء تقول: كيف كان صبره؟ فقال صخر في ذلك:
أجارتنا إنّ الخطوب تنوب *** على النّاس، كلّ المخطئين تصيب
فإن تسأليني هل صبرت فإنّني *** صبور على ريب الزمان صليب
كأنّي و قد أدنوا إليّ شفارهم *** من الصّبر دامي الصّفحتين ركوب
أجارتنا لست الغداة بظاعن *** و لكن مقيم ما أقام عسيب
عن أبي عبيدة: عسيب: جبل بأرض بني سليم إلى جنب المدينة، فقبره هناك معلم.
و قال أبو عبيدة: فمات فدفن هناك، فقبره قريب من عسيب.
فقالت الخنساء ترثيه:
ألا ما لعينك أم ما لها *** لقد أخضل الدّمع سربالها
ابعد ابن عمرو من آل الشري *** - د حلّت به الأرض أثقالها
فإن تك مرّة أودت به *** فقد كان يكثر تقتالها
1) في «اللسان»: «و إذا ثقل غلى القوم أمر أو اغتموا به فهو جنازة عليهم». و أنشد هذا البيت.
2) أنشده في «اللسان» (عسب) و قال: «معناه أن الرئيس إذا قتل جعل رأسه على سنان. يعني أن العيش إذا كان هكذا فهو الموت». قلت: و هذا إبعاد في التفسير. إنما اليعسوب: ذكر النحل، و موضعه من رأس السنان إذا وقف عليه ليس بشيء، فكذا الدنيا في هوانها عند ما ينظر إليها.
3) كذا في ط، ج، مب، مط. و في سائر النسخ: «مثل الكبد».
4) هذه الكلمة من ط، مب، مط.
/سأحمل نفسي على خطّة *** فإمّا عليها و إمّا لها
فإن تصبر النّفس تلق السّرور *** و إن تجزع النفس أشقى لها
غنّى فيه ابن سريج خفيف رمل بالبنصر.
قال السّلمي: ليست هذه في صخر، هذه إنّما رثت بها معاوية أخاها، و بنو مرّة قتلته. و لكنها قالت في صخر:
قذى بعينك أم بالعين عوّار *** أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدار(1)
تبكي لصخر، هي العبرى و قد ثكلت(2)*** و دونه من جديد التّرب أستار
لا بدّ من ميتة في صرفها غير *** و الدّهر في صرفه حول و أطوار
يا صخر ورّاد ماء قد تناذره *** أهل الموارد ما في ورده عار(3)
مشى السبنتى إلى هيجاء معضلة *** له سلاحان أنياب و أظفار(4)
فما عجول على بوّ تطيف به *** لها حنينان إصغار و إكبار(5)
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت *** فإنّما هي إقبال و إدبار
/لا تسمن الدّهر في أرض و إن رتعت *** فإنّما هي تحنان و تسجار(6)
يوما بأوجد منّي يوم فارقني *** صخر و للدّهر إحلاء و إمرار(7)
فإنّ صخرا لوالينا و سيّدنا *** و إنّ صخرا إذا نشتو لنحّار
و إن صخرا لتأتمّ الهداة به *** كأنّه علم في رأسه نار
لم ترأه جارة يمشي بساحتها *** لريبة حين يخلي بيته الجار(8)
و لا تراه و ما في البيت يأكله *** لكنّه بارز بالصّحن مهمار(9)
مثل الرّدينيّ لم تنفد شبيبته *** كأنّه تحت طيّ البرد أسوار
1) ط: «أم خلت». مط: «أم ذرفت».
2) ما عدا ط، ج، مب، مط: «و قد ذرفت».
3) ط، ج، مط: «وارد ماء».
4) السبنتي: النمر.
5) الإصغار: حنينها إذا خفضته. و إكبارها: حنينها إذا رفعته.
6) التسجار: تفعال من سجرت الناقة: مدت حنينها.
7) ما عدا ط، مب، مط: «و للّه إحلاء».
8) لم ترأه، على الأصل، و في ط، ج، مب: «لم تره» على التخفيف. و نظير الأول قول سراقة البارقي في «اللسان» (رأى): أرى عيني ما لم تر إياه كلانا عالم بالترهات
9) مهمار: مبالغة من الهمر، و هو انصباب المطر، كناية عن كثرة جوده. و الذي في «المعاجم» أن المهمار: الكثير الكلام.
في جوف رمس مقيم قد تضمّنه *** في رمسه مقمطرّات و أحجار
طلق اليدين بفعل الخير(1)ذو فجر *** ضخم الدّسيعة بالخيرات أمّار
و رفقة حار هاديهم بمهلكة *** كأنّ ظلمتها في الطّخية القار(2)
عروضه ثان من البسيط.
/العوّار و العائر: وجع، و هو مثل الرمد. و ذرفت: قطرت قطرا متتابعا لا يبلغ أن يكون سيلا. و العبرى، يقال امرأة عبرى و عابر. و العبرة(3): سخنة العين(4). و الوله(5): ما يصيب الرجل و المرأة من شدّة الجزع على الولد. حول و أطوار، أي تحوّل و تقلّب و تصرّف. قد تناذره، أي أنذر بعضهم بعضا هوله و صعوبته. و يروى:
«تبادره» و قولها «ما في ورده عار» أرادت ما في ترك ورده عار، أي لا يعيّر أحد إن عجز عنه من صعوبة ورده(6).
العجول: الثّكول. و البوّ: أن ينحر ولد الناقة و يؤخذ جلده فيحشى و يدنى من أمّه فترأمه. إحلاء و إمرار، يقال: ما أحلى و لا أمرّ. أي ما أتى بحلوة و لا مرّة(7). و المعنى أنّ الدهر يأتي بالمشقّة و المحبة(8). «كأنه علم في رأسه نار» أي إنّه مشهور. و العلم: الجبل، و جمعه أعلام. «كأنه تحت طيّ البرد أسوار»، أي من لطافة بطنه و هيفة شبيه(9)أسوار من ذهب. و الرديني: الرمح منسوب/إلى ردينة: امرأة كانت تقوّم الرماح. أي هو معصوب البدن ليس بمهبّج(10)منحلّ. و هذا كلّه من انتفاخ الجلد و السّمن و الاسترخاء. و قال/أبو عمرو: مقمطرّات: صخور عظام.
و الأحجار صغار(11). ذو فجر: يتفجر بالمعروف. و الدّسيعة: العطاء. الطخية، من الطخّاء، و هو الغيم الرقيق الذي يواري النّجوم فيتحيّر الهادي(12).
و قالت الخنساء أيضا ترثي صخرا:
بكت عيني و عاودها قذاها *** بعوّار فما تقضي كراها
على صخر و أيّ فتى كصخر *** إذا ما الناب لم ترأم طلاها(13)
1) ما عدا ط، مب، مط: «لفعل الخير».
2) ما عدا ط، ج، مب، مط: «في رفقة». و فيما عدا ط، مب، مط: «حاديهم».
3) في «اللسان»: «العبر» بالتحريك. و في «القاموس»: «العبر بالضم: سخنة العين، و يحرك».
4) يقال سخنت عينه سخنة و سخونا، و هو نقيض قرت.
5) كلمة «الوله» لم ترد في النص، و إنما هي تفسير لرواية أخرى في البيت الثاني من هذه المقطوعة لم يذكره أبو الفرج. و هي: تبكي لصخر هي العبرى و قد ولهت
6) كذا في ط، مب، مط. و في ج: «إن عجز عنه ورده»، و هذه محرّفة. و في سائر النسخ: «إن عجز عن ورده».
7) كذا في ط، مب، مط. و في ج: «بحلوه و لا مره» و في سائر النسخ: «بحلو و لا مر».
8) ما عدا ط، ج، مب، مط: «و المحنة».
9) بدلها ط، ج، مب، مط: «غيره».
10) المهبج: المنتفخ المتورم. ما عدا ط: «بمهبج» محرّفة.
11) ما عدا ط، ج، ما، مب: «و أحجار صغار» تحريف.
12) ط، ج، ما، مب: «أي وارى النجوم فتحير الهادي».
13) الناب: الناقة المسنة.
فتى الفتيان ما بلغوا مداها *** و لا يكدي إذا بلغت كداها(1)
لئن جزعت بنو عمرو عليه *** لقد رزئت بنو عمرو فتاها
ترى الشم الجحاجح من سليم *** و قد بلّت مدامعها لحاها
و خيل قد كففت بجول خيل *** فدارت بين كبشيها رحاها(2)
/ - و جول خيل: جولان. و يقال: قطعة خيل تجول، أي تذهب و تجيء -
ترفّع فضل سابغة دلاص *** على خيفانة خفق حشاها(3)
و تسعى حين تشتجر العوالي *** بكأس الموت ساعة مصطلاها
محافظة و محمية إذا ما *** نبا بالقوم من جزع لظاها(4)
فتتركها قد اشتجرت بطعن *** تضمّنه، إذا اختلفت، كلاها
[هنالك لو نزلت بآل صخر *** قرى الأضياف سخنا من ذراها(5)
فمن للضّيف إن هبّت شمال *** مزعزعة يجاوبها صداها
و ألجأ بردها الأشوال حدبا *** إلى الحجرات بارزة كلاها](6)
أ مطعمكم و حاملكم تركتم *** لدى غبراء منهدم رجاها
ليبك عليك قومك للمعالي *** و للهيجاء إنّك ما فتاها(7)
و قد فوّزت طلعة فاستراحت *** فليت الخيل فارسها يراها(8)
1) أي إذا بلغت الفتيان كداها. و الكدى: جمع كدية، و هي الأرض الصلبة، يقال حفر فأكدى إذا بلغ الصخر. و أنشد هذا البيت في «اللسان» (كذا) و قال: «أي لا يقطع عطاءه و لا يمسك عنه إذا قطع غيره و أمسك».
2) الكبش: الرئيس، و السيد، و القائد.
3) الخيفانة، الفرس الخفيفة السريعة، شبهت بالخيفانة من الجراد، و هي التي تصير فيها خطوط مختلفة بياض و صفرة.
4) المحمية: الحمية و الغضب و الأنفة.
5) هذا البيت و تالياه من ط، ها، مب. ذراها، أي ذرى النوق و أسمنتها.
6) الأشوال: جمع شول، و الشول: جمع غير قياسي للشائلة، و هي الناقة التي خف لبنها و ارتفع ضرعها و أتى عليها سبعة أشهر من يوم نتاجها أو ثمانية فلم يبق في ضرعها إلا شول من اللبن، أي بقية مقدار ما كانت تحلب حدثان نتاجها. حدبا: مقوسات من الهزال.
7) ما في «ما فتاها» زائدة.
8) فوّزت طلعة، أي أهلكتها حزنا عليك. اسم فرسه، و لم أجد لها ذكرا فيما لدي من مراجع الخيل من كتبها و المعاجم. و في ح: «طلحة» و هي كسابقتها. و فيما عداهما: «و قد وردت طليحة».
/و قال خفاف بن عمير يرثي صخرا و معاوية ابني عمرو، و رجالا منهم أصيبوا:
تطاول همّه ببراق سعر *** لذكراهم و أيّ أوان ذكر(1)
كأنّ النار تخرجها ثيابي *** و تدخل بعد نوم الناس صدري
لباتت تضرب الأمثال عندي *** على ناب شربت بها و بكر(2)
و تنسى من أفارق غير قال *** و أصبر عنهم من آل عمرو
و هل تدرين أن ما ربّ خرق *** رزئت مبرّأ بقصاص وتر(3)
أخى ثقة إذا الضّرّاء نابت *** و أهل حباء أضياف و نحر
كصخر للسّريّة غادروه *** بذروة أو معاوية بن عمرو(4)
و ميت بالجناب أثلّ عرشي *** كصخر أو كعمرو أو كبشر
/و آخر بالنواصف من هدام *** فقد أودى و ربّ أبيك صبري(5)
فلم أر مثلهم حيّا لقاحا *** أقاموا بين قاصية و حجر(6)
أشدّ على صروف الدهر إدّا *** و آمر منهم فيها بصبر
و أكرم، حين ضنّ الناس، خيما *** و أحمد شيمة و نشيل قدر(7)
/إذا الحسناء(8)لم ترحض يديها *** و لم يقصر لها بصر بستر
قروا أضيافهم ربحا ببحّ *** تجيء بعبقريّ الودق سمر(9)
رماح مثقّف حملت نصالا *** يلحن كأنّهنّ نجوم فجر(10)
1) سعر، قال ياقوت: «بالكسر و الراء: جبل في شعر خفاف بن ندبة. و قد ضبطت في أصلها و هو ط، مب: «سعر» بضم السين. و فيما عداها: «سفر» محرّف.
2) شربت بها، أي بعتها و شربت بثمنها. قال: تبكي على بكر شربت به سفها تبكيها على بكر
3) أي أ تدرين أنه ربّ خرق. و الخرق، بالكسر: الفتى الكريم المتخرق في الكرم، أي المتسع فيه. ما عدا ط، ح، ها، مب: «حذق رزأت».
4) السرية: قطعة من الجيش. ما عدا ط، ها، مب: «للشربة». و الشربة و ذروة: موضعان.
5) النواصف: موضع ورد في شعر طرفة. و أما هدام، فلم أجده. أودى، هي في ط، مب: «إحدى» و في ح: «أحذى» و في سائر النسخ: «أخذوا».
6) حي لقاح، بفتح اللام: لم يدينوا للملوك و لم يصبهم في الجاهلية سباء.
7) الخيم، بالكسر: الطبع. و النشيل: ما ينشل من لحم القدر.
8) في جميع الأصول: «الخنساء» صوابه في مب و «اللسان».
9) الربح، بالتحريك: الشحم، أو الفصيل. و البح: قداح الميسر، و إنما سميت بحا لرزانتها. ها: «ربحا يثبج» ما عدا ط، ح، مب: «ريحا بسح» محرّف. و عجز هذا البيت في «اللسان» و المقاييس (بحح): يعيش بفضلهن الحي سمر
10) فيما عدا ط، ح، مب: «جنت نصالا» محرّف.
جلاها الصّيقلون فأخلصوها *** مواضي كلّها يفري ببتر(1)
هم الأيسار إن قحطت جمادى *** بكلّ صبير سارية و قطر(2)
يصدّون المغيرة عن هواها *** بطعن يفلق الهامات شزر(3)
تعلّم أنّ خير الناس طرّا *** لولدان - غداة الريح - غبر(4)
و أرملة و معترّ مسيف *** عديم المال، عجزة أمّ صخر(5)
و مما رثت به الخنساء صخرا و غنّي فيه:
أ عينيّ جودا و لا تجمدا *** أ لا تبكيان لصخر الندى
أ لا تبكيان الجريء الجميل *** أ لا تبكيان الفتى السيّدا
/طويل النّجاد رفيع العما *** د ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدّوا بأيديهم *** إلى المجد مدّ إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهم *** من المجد ثمّ مضى مصعدا
يحمّله القوم ما عالهم *** و إن كان أصغرهم مولدا
ترى المجد يهوي إلى بيته *** يرى أفضل المجد أن يحمدا
و إن ذكر المجد ألفيته *** تأزّر بالمجد ثمّ ارتدى
و نذكر الآن هاهنا خبر مقتل معاوية بن عمرو أخيهما، إذ كانت أخبارهما و أخبارها يدعو بعضها إلى بعض.
قال أبو عبيدة: حدّثني أبو بلال بن سهم بن عباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث بن بهثة بن سليم بن منصور قال:
غزا معاوية بن عمرو أخو خنساء، بني مرة بن سعد بن ذبيان و بني فزارة، و مع خفاف بن عمير بن الحارث، و أمه «ندبة» سوداء، و إليها ينسب، فاعتوره هاشم و دريد ابنا حرملة المرّيّان. قال ابن الكلبيّ: و حرملة هو حرملة بن
1) و يروى: خفافا كلها يتقى بأثر
2) الأيسار: جمع يسر، بالتحريك، و هم الذين يقتسمون بالميسر.
3) المغيرة: يعني الخيل و الفرسان المغيرة. و الطعن الشزر: ما كان عن يمين و شمال.
4) غداة الريح: أي حين تهب رياح الشتاء. ما عدا ط، ح، ها، مب: «بنو عمرو غداة الريح تجري» محرّف.
5) المعتر: المعترض للمعروف. غير أن يسأل. و المسيف: الفقير المعدم. عجزة أم عمرو، أي آخر ولد ولد لها، و هو بكسر العين و عجزة خبر «أن» في البيت قبله.
الأسعر بن إياس بن مريطة بن ضمرة بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان. قال أبو عبيدة: فاستطرد له أحدهما ثم وقف، و شدّ عليه الآخر فقتله، فلما تنادوا: قتل معاوية! قال خفاف: قتلني اللّه إن رمت حتّى أثأر به! فشدّ على مالك بن حمار الشمخي، و كان سيّد بني شمخ بن فزارة، فقتله - [قال: و هو مالك بن حمار بن حزن بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن مازن بن فزارة](1)- فقال خفاف في ذلك:
/فإن تك خيلي قد أصيب صميمها *** فعمدا على عين تيممت مالكا
/يعني مالك بن حمار الشّمخي.
قال أبو عبيدة: فأجمل أبو بلال الحديث.
قال: و أما غيره فذكر أنّ معاوية وافى عكاظ في موسم من مواسم العرب، فبينا هو يمشي بسوق عكاظ، إذ لقي أسماء المرّيّة، و كانت جميلة، و زعم أنّها كانت بغيّا، فدعاها إلى نفسه فامتنعت عليه و قالت: أ ما علمت أنّي عند سيّد العرب هاشم بن حرملة؟! فقال: أما و اللّه لأقارعنّه عنك. قالت: شأنك و شأنه. فرجعت إلى هاشم فأخبرته بما قال معاوية و ما قالت له، فقال هاشم: فلعمري لا يريم أبياتنا حتّى ننظر ما يكون من جهده. قال: فلما خرج الشهر الحرام و تراجع الناس عن عكاظ، خرج معاوية بن عمرو غازيا يريد بني مرّة و بني فزارة، في فرسان أصحابه من بني سليم، حتى إذا كان بمكان يدعى الحوزة أو الجوزة - و الشك من أبي عبيدة - دوّمت(2)عليه طير و سنح له ظبي، فتطيّر منهما و رجع في أصحابه، و بلغ ذلك هاشم بن حرملة فقال: ما منعه من الإقدام إلاّ الجبن! قال: فلما كانت السنة(3)المقبلة غزاهم، حتّى إذا كان في ذلك المكان سنح له ظبي و غراب فتطيّر فرجع، و مضى أصحابه و تخلّف في تسعة عشر فارسا منهم لا يريدون قتالا، [إنما تخلّف عن عظم الجيش راجعا إلى بلاده](4)، فوردوا ماء و إذا عليه بيت شعر، فصاحوا بأهله فخرجت إليهم امرأة فقالوا: ما أنت ممن أنت؟ قالت: امرأة من جهينة، أحلاف لبني سهم بن مرة بن غطفان. فوردوا الماء يسقون، فانسلّت فأتت هاشم بن حرملة، فأخبرته أنّهم غير بعيد، و عرّفته عدّتهم و قالت: لا أرى إلاّ معاوية في القوم. فقال: يا لكاع، أ معاوية في تسعة عشر/رجلا، شبّهت أو أبطلت. قالت: بل قلت الحقّ، و لئن شئت لأصفنّهم لك رجلا رجلا. قال: هاتي.
قالت: رأيت فيهم شابا عظيم الجمّة، جبهته قد خرجت من تحت مغفره، صبيح الوجه، عظيم البطن، على فرس غرّاء. قال: نعم هذه صفته. يعني معاوية و فرسه الشّمّاء.
قالت: و رأيت رجلا شديد الأدمة شاعرا ينشدهم. قال: ذلك خفاف بن عمير.
قالت: و رأيت رجلا ليس يبرح وسطهم، إذا نادوه رفعوا أصواتهم. قال: ذاك عباس الأصمّ.
قال: و رأيت رجلا طويلا يكنّونه أبا حبيب، و رأيتهم أشدّ شيء له توقيرا. قال: ذاك نبيشة بن حبيب.
قالت: و رأيت شابّا جميلا له وفرة حسنة. قال: ذاك العباس بن مرداس السّلميّ.
قالت: و رأيت شيخا له ضفيرتان، فسمعته يقول لمعاوية: بأبي أنت أطلت الوقوف! قال: ذاك عبد العزّى زوج الخنساء أخت معاوية.
قال: فنادى هاشم في قومه و خرج، و زعم المريّ(1)أنه لم يخرج إليهم إلا في مثل عدّتهم من بني مرّة. قال:
فلم يشعر السّلميون حتّى طلعوا عليهم، فثاروا إليهم فلقوهم فقال لهم خفاف: لا تنازلوهم رجلا رجلا؛ فإنّ خيلهم تثبت للطّراد و تحمل ثقل السلاح، و خيلكم قد أمّنها الغزو و أصابها الحفا(2).
/قال: فاقتتلوا ساعة و انفرد هاشم و دريد ابنا حرملة المريان لمعاوية، فاستطرد له أحدهما فشدّ عليه معاوية و شغله، و اغترّه الآخر فطعنه فقتله. و اختلفوا أيّهما استطرد له و أيهما قتله، و كانت بالذي استطرد له طعنة طعنه إياها معاوية. و يقال: هو هاشم. و قال آخرون: بل دريد أخو هاشم.
قال: و شدّ خفاف بن عمير بن الحارث/بن الشريد(3)على مالك بن حمّار سيّد بني شمخ بن فزارة فقتله. و قال خفاف في ذلك و هو ابن ندبة، و هي أمة سوداء كانت سباها الحارث، بن الشريد حين أغار على بني الحارث بن كعب [فوهبها لابنه عمير فولدت له خفافا(4). و يقال في ندبة إنّها ابنة الشيطان بن بنان، من بني الحارث بن كعب.
فقال]:
أقول له و الرمح يأطر متنه *** تأمّل خفافا إنني أنا ذلكا(5)
وقفت له جلوى و قد خام صحبتي *** لابني مجدا أو لأثأر هالكا(6)
لدن ذرّ قرن الشّمس حين رأيتهم *** سراعا على خيل تؤمّ المسالكا
فلمّا رأيت القوم لا ودّ بينهم *** شريجين شتّى طالبا و مواشكا(7)
/تيممت كبش القوم حتّى عرفته *** و جانبت شبّان الرجال الصعالكا
فجادت له يمنى يديّ بطعنة *** كست متنه من أسود اللون حالكا
أنا الفارس الحامي الحقيقة و الذي *** به أدرك الأبطال قدما كذلكا
فإن ينج منها هاشم فبطعنة *** كسته نجيعا من دم الجوف صائكا
1) ما عدا ط، ج، ها، مت: «و زعم أن المري».
2) هذه الكلمة ساقطة من ط، ج. و أمنها إمنانا: أضعفها و أعياها. و هذه رواية ط، ج، مب، و في ها: «منها» و معناه كالسابق. و في سائر النسخ: «قد أنهكها».
3) بعد هذا في ط، ج، ها، مب: «و هو ابن ندبة و هي أمة سوداء كان سباها الحارث بن الشريد حين أغار على بني الحارث بن كعب فوهبها لابنه عمير فولدت له خفافا، فشد خفاف». و قد ورد صدر هذه العبارة إلى كلمة «كعب» في سائر النسخ في الموضع التالي، فأثبتها هناك، و جعلت بقيتها تكملة هناك.
4) التكملة إلى هنا من بقية العبارة التي وردت متقدمة في ط، ج، ط، ها، مب. و ما بعدها جاء في أصله، و هو ط، ج، ها مباشرا لكلمة «بني الحارث بن كعب».
5) يأطره: يعطفه و يثنيه. و فعله من باب نصر و ضرب.
6) جلوى: اسم فرسه. هذا ما في ها. و في سائر النسخ: «علوى». خام: جبن. ط، ج: «نام».
7) شريجان: ضربان. المواشك: السريع.
فحقّق خفاف في شعره أنّ الذي طعن معاوية هو هاشم بن حرملة.
و قالت الخنساء ترثي أخاها معاوية:
ألا لا أرى في الناس مثل معاوية *** إذا طرقت إحدى الليالي بداهيه
بداهية يصغي الكلاب حسيسها *** و تخرج من سرّ النجيّ علانيه(1)
ألا لا أرى كفارس الورد فارسا *** إذا ما علته جرأة و غلابيه(2)
و كان لزاز الحرب عند شبوبها *** إذا شمّرت عن ساقها و هي ذاكية(3)
و قوّاد خيل نحو أخرى كأنّها *** سعال و عقبان عليها زبانية(4)
بلينا و ما تبلى تعار و ما ترى *** على حدث الأيام إلا كما هيه(5)
فأقسمت لا ينفكّ دمعي و عولتي *** عليك بحزن ما دعا اللّه داعيه
و قالت الخنساء في كلمة أخرى ترثيه أيضا:
إلا ما لعينيك أم ما لها *** لقد أخضل الدمع سربالها
أبعد ابن عمرو من آل الشري *** - د حلّت به الأرض أثقالها
و أقسمت آسى على هالك *** و أسأل نائحة ما لها
سأحمل نفسي على آلة *** فإمّا عليها و إمّا لها
نهين النفوس و هون النّفو *** س يوم الكريهة أبقى لها
و رجراجة فوقها بيضها *** عليها المضاعف زفنا لها(6)
ككرفئة الغيث ذات الصّبي *** - ر ترمي السحاب و يرمي لها
و قافية مثل حدّ السّنا *** ن تبقى و يهلك من قالها
نطقت ابن عمرو فسهّلتها *** و لم ينطق الناس أمثالها
فإن تك مرّة أودت به *** فقد كان يكثر تقتالها
1) يصغيها: يجعلها تميل رأسها و أذنها للتسمع. و في أمثالهم: «شر أهر ذا ناب». و للكلاب حس صادق بالعدو، تنذر قومها إذا شعرت به. و الحسيس و الحس: الحركة.
2) الورد: فرسه. ما عدا ط، ج، ها: «كالفارس الورد». الغلابية: القهر و الغلبة. و في الأصول ما عدا «ها» علانية.
3) لزاز الحرب، أي ملازم لها موكل بها.
4) سعال: جمع سعلاة، و هي الغول.
5) تعار، بالكسر: جبل في بلاد قيس. و أنثها على أنها جبال.
6) الرجراجة: الكتيبة تضطرب في سيرها لكثرتها. المضاعف، أي الحديد المضاعف من نسج الدروع و نحوها. زاف يزيف: أسرع.
فزال الكواكب من فقده *** و جلّلت الشمس أجلالها
/و داهية جرّها جارم *** تبيل الحواصن أحبالها(1)
كفاها ابن عمرو و لم يستعن *** و لو كان غيرك أدنى لها
و ليس بأولى و لكنّه *** سيكفي العشيرة ما عالها(2)
/بمعترك ضيّق بينه *** تجرّ المنية أذيالها
و بيض منعت غداة الصّبا *** ح تكشف للرّوع أذيالها(3)
و معملة سقتها قاعدا *** فأعلمت بالسيف أغفالها(4)
و ناجية كأتان الثّمي *** - ل غادرت بالخلّ أوصالها(5)
[إلى ملك لا إلى سوقة *** و ذلك ما كان إعمالها](6)
و تمنح خيلك أرض العدوّ *** و تنبذ بالغزو أطفالها
و نوح بعثت كمثل الإرا *** خ آنست العين أسبالها(7)
التفسير، عن أبي عبيدة:
قوله حلّت به الأرض، قال بعضهم: حلت من الحلية أي زيّنت به الأرض موتاها، حين دفن بها. و قال بعضهم: حلّت من حللت الشيء. و المعنى ألقت مراسيها، كأنه كان ثقلا عليها. قال: اللفظ لفظ الاستفهام و المعنى خبر، كما قال جرير:
أ لستم خير من ركب المطايا *** و أندى العالمين بطون راح
/قال: جواب «أبعد» في «آسى» أي أبعد ابن عمرو آسى و أسأل نائحة ما لها.
1) الحواصن من النساء: الحبالى. و بعجز هذا البيت استشهد في «اللسان» (حصن). و الأحبال: جمع حبل، بالتحريك، و هو حمل المرأة. أراد أن تلك الدهية تفزع الحبالى فيسقطن الأجنة. ما عدا ط، ج، مب: «تبين الحواصن أحمالها» لكن في ها: «تنيل الحواضن أحبالها» محرّف.
2) ط، ج، ها، مب: «ما نالها» و في سائر النسخ: «ما غالها» و تفسير أبي الفرج فيما سيأتي يقتضي أن تكون «ما عالها».
3) الصباح: الغارة صبحا. ما عدا ط، ج، ها، مب: «الصباح».
4) ط، ج، ها، مب: «و معلمة» و التفسير التالي يقتضي ما أثبت من سائر النسخ. و الأغفال: جمع غفل، بالضم، و هي التي لا سمة عليها.
5) الناجية: الناقة السريعة. و الأتان: الصخرة. ما عدا ط، ج، ها، مب: «لانتيات الثميل» محرّف.
6) التكملة من ط، ها.
7) النوح، بالفتح، عنى بهن النساء يجتمعن للحزن ما أصابهن من ثكل. و الإراخ، بالكسر: جمع إرخ، بكسر الهمزة و فتحها، و هي البقر أو البكر منها. آنست: أبصرت. و العين، بالكسر: جمع عيناء الواسعة العينين. و الأسبال: جمع سبل، بالتحريك، و هو المطر.
[و قال أبو عبيدة: هذا البيت لمية بنت ضرار بن عمرو الضّبيّة ترثي أخاها](1). قال أبو الحسن الأثرم: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: أمور الناس جارية على أذلالها، أي على مسالكها، واحدها ذل(2). آلة: حالة. تقول:
فإما أن أموت و إما أن أنجو. و لو قالت [على ألّة](3)لم تنج؛ لأن الألّة هي الحربة.
هممت بنفسي، قال أبو عبيدة: هذا توعد. قال الأصمعي: «كلّ الهموم». قال الأثرم: كأنّها أرادت أن تقتل نفسها(4).
أبو عبيدة؛ التكدس: التتابع، يتبع بعضها بعضا، أي يغزو و يجاهد في الغزو، كما تتوقّل الوعول في الجبال، عن أبي عبيدة. قال الأصمعي: التكدّس: أن تحرّك مناكبها إذا مشت و كأنّها تنصبّ إلى بين يديها، و إنما و صفتها بهذا. تقول: لا تسرع إلى الحرب، و لكن تمشي إليها رويدا. و هذا أثبت له من أن يلقاها و هو يركض. و يقال: جاء فلان يتكدّس، و هي مشية من مشي الغلاظ القصار. و قال أبو زياد الكلابيّ: الكداس(5): [عطاس] الضأن. قال السّلمي: التكدّس: تكدس الأوعال، و هو التقحّم. و التكدس هو أن يرمي بنفسه رميا شديدا في جريه.
/نهين النفوس، تريد غداة الكريهة. و قولها: «أبقى لها» لأنها إذا تذامرت(6)و غشيت القتال كان أسلم لها من الانهزام. كقول بشر بن أبي خازم:
و لا ينجى من الغمرات إلاّ *** براكاء القتال أو الفرار
قال بعضهم: أبقى لها في الذّكر و حسن القول. و الرجراجة: التي تتمخّض من كثرتها. و قال الأصمعي:
الكرفئة، و جمعها كرفئ: قطع من السحاب بعضها فوق بعض. و قوله: «ترمي السحاب» أي تنضمّ إليه و تتّصل به.
و يرمي لها، أي ينضمّ إليها السّحاب حتى يستوي. مثل حدّ السنان، لأنها ماضية. سهّلتها: جئت بها سهلة. و جلّلت الشمس، أي كسفت الشمس/و صار عليها مثل الجلّ. تبيل(7)الحواصن، و هي الحوامل من النّساء، أولادها من شدّة الفزع. أي ما كان وليها و لا دنا إليها، و لكنّه يكفي القريب و البعيد. ما عالها(8)، قال أبو عمرو: عالها: غلبها.
و قال أبو عبيدة: يقال إنّه ليعولني ما عالك، أي يغمّني ما غمّك. و يقال: افعل كذا و كذا و لا يعلك أن تأتي غيره، أي لا يعجزك. و يقال: قد يعولك أن تفعل كذا، أي قد دنا لك أن تفعل ذاك. و أنشد:
ضربا كما تكدّس الوعول *** يعول أن أنبطها يعول
1) هذه التكملة من ط.
2) هذا تفسير لبيت لم يروه أبو الفرج، و هو: لتجر المنية بعد الفتى الم غادر بالمحو أذلالها و قد سبق التنبيه على مثل هذا ص 82 حيث يرد التفسير لما لم ينشده أبو الفرج.
3) بهذه التكملة يلتثم الكلام. و لم ترد في نسخة من النسخ.
4) و هذا أيضا تفسير لبيت لم يروه أبو الفرج، و هو: هممت بنفسي كل الهموم فأولى لنفسي أولى لها
5) التكملة من ط، ها، مب.
6) تدامرت: تحاضت و حثّ بعضها بعضا على القتال. ط، ح، مب: «غامرت» ها: «عامرت».
7) كلمة «تبيل» ساقطة من ط. و بدلها في ح: «تلقى» و في سائر النسخ: «تبين»، و أثبت ما يقتضيه نص الشعر.
8) وردت هذه الكلمة و مشتقاتها في سائر النسخ بالغين المعجمة، و الصواب إهمالها.
/أي قد دنا ذلك. و يقال: عال كذا و كذا منك، أي دنا منك. و يروى: «و ليس بأدنى و لكنّه». و قولها معملة(1): إبل. و قولها: قاعدا، أي على فرسك. قال النابغة:
قعودا على آل الوجيه و لا حق(2)
و الأغفال: ما لا سمة عليها، واحدها غفل. [و الأتان: الصخرة.(3)و] الثميل: بقيّة الماء في الصخرة.
و الخلّ: الطريق في الرمل. يقول: أعيت فتركتها هنالك. و يروى:
غادرت بالنّخل أوصالها
قال الأصمعيّ: ناجية: سريعة. و يروى: «إلى ملك و إلى شانئ». تقول: تقود خيلك إلى ملك أو عدوّ.
و يروى: «[ما(4)كان] إكلالها». [ما صلة(4)]. الإراخ: بقر الوحش. تقول: خرجت من بيوتهن كما خرجت هذه البقر من كنسها فرحا بالمطر. و مثله في الفرح بالمطر لابن الأحمر قوله:
ماريّة لؤلؤان اللون أوردها *** طلّ و بنّس عنها فرقد خصر(5)
/أي قوّى أنفسها المطر، لما رأته. و مثله:
ألا هلك امرؤ قامت عليه *** بجنب عنيزة البقر الهجود(6)
أي لم يقرن في البيوت فتسترهنّ البيوت، بل هنّ ظواهر. و إنما شبه اجتماع هؤلاء النساء باجتماع العين و خروجهنّ للمطر. قال: و بقر الوحش تفرح بالمطر.
و قال دريد يرثي معاوية أخا الخنساء، لمّا قتلته بنو مرة:
ألا بكرت تلوم بغير قدر *** فقد أحفيتني و دخلت ستري(7)
فإن لم تتركي عذلي سفاها *** تلمك عليّ نفسك أيّ عصر
أسرّك أن يكون الدهر هذا(8)*** عليّ بشّره يغدو و يسري
1) ط، ح، مب: «و قولها معلمة، معلمة». و انظر ما سبق في 93.
2) صدر بيت له في «ديوانه» 56. و عجزه: يقيمون حولياتها بالمقارع
3) التكملة من ط، ها، مب.
4) التكملة من ها.
5) المارية: البقرة الوحشية، و المارية: البراقة اللون. لؤلؤان اللون أراد لؤلؤيته: براقته. و بنس عنها تبنيسا: تأخر عنها. و الفرقد: ولدها. و الخصر: الذي لحقه البرد. و البيت في «اللسان» (لألأ، ينس، مرا).
6) البيت لامرأة من بني حنيفة في «المفضليات» (73:2 طبع المعارف). و في جميع النسخ: «الهجون» تحريف. عنيزة: قرى بالبحرين. ح: «بعيب» تحريف، و أثبت ما في ط و «المفضليات». و في سائر النسخ: «بخيف» و الخيف بالفتح: الناحية.
7) أحفاه: ألح عليه في المسألة. ما عدا ط، مب «أخفيتني» لكن في ها: «أحفظتني». تحريف.
8) هذا ما في ها. و في سائر النسخ: «يبدا».
و ألاّ ترزئي نفسا و مالا *** يضرّك هلكه في طول عمري
[فقد كذبتك نفسك فاكذبيها *** فإن جزع و إن إجمال صبر(1)
و إنّ الرزء يوم وقفت أدعو *** فلم أسمع معاوية بن عمرو]
رأيت مكانه فعرضت بدءا *** و أيّ مقيل رزء يا ابن بكر
إلى إرم و أحجار و صير *** و أغصان من السّلمات سمر
/ - صير، الواحدة صيرة، و هي حظيرة الغنم. و قوله: و أغصان من السلمات، أي ألقيت على قبره -
و بنيان القبور أتى عليها *** طوال الدّهر من سنة و شهر
و لو أسمعته لسرى حثيثا *** سريع السّعي أو لأتاك يجري
بشكّة حازم لا عيب فيه *** إذا لبس الكماة جلود نمر
فإمّا تمس في جدث مقيما *** بمسهكة من الأرواح قفر(2)
فعزّ عليّ هلكك يا ابن عمرو *** و ما لي عنك من عزم و صبر
/قال أبو الحسن الأثرم: فلمّا دخل الشهر الحرام - فيما ذكر أبو عبيدة عن [أبي](3)بلال بن سهم - من السّنة المقبلة، خرج صخر بن عمرو حتّى أتى بني مرّة بن عوف بن ذبيان، فوقف على ابني حرملة، فإذا أحدهما به طعنة في عضده - قال: لم يسمّه أبو بلال بن سهم. فأمّا خفاف بن عمير فزعم في كلمته تلك أنّ المطعون هاشم - فقال:
أيّكما قتل أخي معاوية؟ فسكتا فلم يحيرا إليه شيئا(4)، فقال الصّحيح للجريح: ما لك لا تجيبه؟ فقال: وقفت له فطعنني هذه الطعنة في عضدي، و شدّ أخي عليه فقتله، فأيّنا قتلت أدركت ثأرك، إلاّ أنا لم نسلب أخاك. قال: فما فعلت فرسه الشّمّاء؟ قال: ها هي [تلك](5)خذها. فردّها عليه(6)فأخذها و رجع، فلما أتى صخر/قومه قالوا له:
اهجهم. قال: إنّ ما بيننا أجلّ من القذع، و لو لم اكفف نفسي إلاّ رغبة عن الخنا لفعلت.
و قال صخر في ذلك:
و عاذلة هبّت بليل تلومني *** ألا لا تلوميني كفى اللوم ما بيا
1) و يروى: «فإن جزعا و إن إجمال صبر» بالنصب. «الخزانة» (442:4). و هذا البيت و ما بعده من ط، ها، مب فقط.
2) المسهكة: ممر الريح. سهكت الريح؛ مرت مرا شديدا. و هذا الصواب من ط، ها، مب. و في سائر النسخ: «بمسلهة».
3) تكملة من ها.
4) لم يحيرا: لم يرجعا و لم يردا. و هذا ما في ط، ح، م، ها، مب. و في سائر النسخ: «فلم يخبراه شيئا».
5) التكملة من مب.
6) هذا ما في ط، ها، مب. و في ح، م: «فرد عليه». و في سائر النسخ: «فرد عليها».
بكرت باللّوم تلحانا
و قال غيره: تلومه بالليل لشغله بالنهار عنها بفعل المكارم، و الأضياف، و النظر في الحمالات و أمور قومه، لأنّه قوامهم(1)-
تقول أ لا تهجو فوارس هاشم *** و ما لي إذ أهجوهم ثم ماليا
أبى الشتم أنّي قد أصابوا كريمتي *** و أن ليس إهداء الخنا من شماليا(2)
إذا ذكر الإخوان رقرقت عبرة *** و حيّيت رمسا عند ليّة ثاويا(4)
إذا ما امرؤ أهدى لميت تحيّة *** فحيّاك ربّ الناس عنّي معاويا
و هوّن وجدي أنّني لم أقل له *** كذبت و لم أبخل عليه بماليا
فنعم الفتى أدّى ابن صرمة بزّه *** إذا الفحل أضحى أحدب الظّهر عاريا
/قال أبو عبيدة: ثم زاد فيها بيتا بعد أن أوقع بهم، فقال:
و ذي إخوة قطّعت أقران بينهم *** كما تركوني واحدا لا أخاليا(5)
قال أبو عبيدة: فلما كان في العام المقبل غزاهم و هو على فرسه الشّمّاء، فقال: إنّي أخاف أن يعرفوني و يعرفوا غرّة الشمّاء، فيتأهّبوا. قال: فحمّم غرّتها(6). قال: فلما أشرفت على أدنى الحيّ رأوها. فقالت فتاة منهم:
هذه و اللّه الشّمّاء! فنظروا فقالوا: الشماء غرّاء و هذه بهيم! فلم يشعروا إلاّ و الخيل دوائس(7)، فاقتتلوا فقتل صخر دريدا، و أصاب بني مرة فقال:
و لقد قتلتكم ثناء و موحدا *** و تركت مرّة مثل أمس المدبر(8)
1) يقال: هو قوام أهل بيته و قيامهم، أي الذي يقيم شئونهم. و هذه رواية ط، ها، مب. و في ح: «قدامهم» و سائر النسخ: «قد رأسهم».
2) كذا في ط، ح، ها، مب و هو ما يقتضيه التفسير بعد. و في سائر النسخ: «من سماتيا.
3) التكملة من ط، ها، مب فقط.
4) رقرقت: على الصواب في ط، ها، مب و في سائر النسخ: «قرقرت». ولية بالكسر: موضع بالطائف.
5) الأقران: الحبال، عنى بها الصلات، و هو كناية عن القتل. ما عدا ط، ها، مب: «أفراق» تحريف.
6) حممها: سودها.
7) كذا في ط و ح و هو جمع دائس. و في سائر النسخ: «دواس» بمعناه
8) روى في «اللسان» (ثنى): «مثل أمسى الدابر»، و الصواب «المدبر». و للبيت ثان سينشده أبو الفرج بعد قليل. و قد نبّه ابن منظور في «اللسان» (دبر) على هذا الصواب.
يباعون بالنّغران مثنى و موحدا(1)
لا ينوّنان لأنّهما مما صرف عن جهته، و الوجه أن يقول: اثنين اثنين. و كذلك ثلاث و رباع. قال صخر [الغيّ](2):
منت لك أن تلاقيني المنايا *** أحاد أحاد في الشهر الحلال(3)
/قال: و لا تجاوز العرب الرّباع، غير أنّ الكميت قال:
فلم يستريثوك حتّى رمي *** - ت فوق الرجال خصالا عشارا -(4)
/و لقد دفعت إلى دريد بطعنة *** نجلاء تزغل مثل عطّ المنحر(5)
تزغل: تخرج الدم قطعا قطعا. قال: و الزّغلة: الدّفعة الواحدة من الدم و البول. قال:
فأزغلت في الحلق إزغالة(6)
و قال صخر أيضا فيمن قتل من بني مرّة:
قتلت الخالدين به و بشرا *** و عمرا يوم حوزة و ابن بشر
و من شمخ قتلت رجال صدق *** و من بدر فقد أوفيت نذري(7)
و مرّة قد صبحناها المنايا *** فروّينا الأسنّة، غير فخر
و من أفناء ثعلبة بن سعد *** قتلت و ما أبيئهم بوتر(8)
1) ح: «بالبعران» جمع بعير. و في ط، مب: «بالنغران» و في ح أيضا: «و واحدا».
2) التكملة من ها و الصواب أنه لعمرو ذي الكلب الكاهلي، و كان جارا لهذيل. و البيت التالي من قصيدة له في «ديوان الهذليين» 3: 113 مطلعها: أ لا قالت غزية إذ رأتني أ لم تقتل بأرض بني هلال
3) صواب الرواية من ط، مب مطابق لما في «ديوان الهذليين» و «اللسان» (منى). و في سائر النسخ: «الحرام». منت لك المنايا، أي قدرت لك الأقدار و الأحداث.
4) لم يستريثوك: لم يجدوك رائثا، أي بطيئا، من الريث، و هو البطء. رميت: أي زدت؛ يقال: رمى على الخمسين و أرمى، أي زاد. خصالا، هذا هو صواب الرواية، كما في «اللسان» (عشر) و «الخزانة» (81:1). و في ط، ها، مب: «جمالا»، و سائر النسخ: «خمالا».
5) العط: الشق. و المنحر: موضع النحر من الدابة. ما عدا ط، ح، ها، مب: «مثل غط المنخر» تحريف.
6) هذا ما في ط، ها، مب. و في سائر النسخ: «إزغالها» محرّف. في «اللسان» و «مقاييس اللغة» «زغل»: «في حلقه زغلة». و البيت لابن أحمر، و عجزه: لم تخطئ الجيد و لم تشفتر
7) شمخ و بدر: قبيلتان. ما عدا ط، ها، مب: «سمح» محرّف.
8) أفناء القبائل: أخلاطها. و يقال: أبأت فلانا بفلان: قتلته به.
و لكنّا نريد هلاك قوم *** فنقتلهم و نشريهم بكسر(1)
/و قال صخر أيضا:
ألا لا أرى مستعتب الدّهر معتبا *** و لا آخذ منه الرضا إن تغضّبا(2)
و ذي إخوة قطّعت أقران بينهم *** إذا ما النّفوس صرن حسرى و لغّبا(3)
أقول لرمس بين أجراع بيشة *** سقاك الغوادي الوابل المتحلّبا(4)
لنعم الفتى أدّى ابن صرمة بزّه إذا الفحل أمسى عاري الظهر أحدبا
قال أبو عبيدة: ثم إنّ هاشم بن حرملة خرج غازيا، فلما كان ببلاد جشم بن بكر بن هوازن نزل منزلا و أخذ صفنا(5)و خلا لحاجته بين شجر، و رأى غفلته قيس بن الأصور(6)الجشميّ فتبعه و قال: هذا قاتل معاوية! لا وألت نفسي إن وأل(7)! فلما قعد على حاجته تقتّر له بين الشجر(8)، حتّى إذا كان خلفه أرسل إليه معبلة(9)فقتله.
فقالت الخنساء في ذلك - قال ابن الكلبي: و هي الخنساء بنت عمرو بن الحارث بن شريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم -:
فدى للفارس الجشمي نفسي *** و أفديه بمن لي من حميم
/أفدّيه بجلّ بني سليم *** بظاعنهم و بالأنس المقيم(10)
كما من هاشم أقررت عيني *** و كانت لا تنام و لا تنيم
قال أبو عبيدة: و كان هاشم بن حرملة بن صرمة بن مرّة أسود(11)العرب و أشدّهم، و له يقول الشاعر:
1) الكسر، بالفتح: أخس القليل. قال ذو الرمة: إذا مرئي باع بالكسر بنته فما ربحت كف امرئ يستفيدها
2) يقال: أعتبه، إذا أرضاه. ما عدا ط، ها، مب: «الرضا متعتبا».
3) أقران، سبق تفسيرها ص 100. و فيما عدا ط، ها، مب: «أفراق» محرّف. و الحسرى: المعيبة. و اللغب: جمع لاغب، و هو المتعب.
4) الأجراع: جمع جرع بالتحريك، و هو الرملة السهلة المستوية. و بيشة: موضع. المتحلب: المتصبب.
5) الصفن، بالضم، مثل الدلو أو الركوة يتوضأ فيه. و هي فيما عدا ط، ها «ضغنا» محرّفة. و في ط، مب: «صفنته». و الصفنة، بالفتح: كالعيبة يكون فيها متاع الرجل و أداته. و في ها «صفينة» بالتصغير.
6) ما عدا ط: «بن الأمرار».
7) وأل: نجا و خلص.
8) تقتر: تهيأ للقتال. و تقتر أيضا: تنحى.
9) المعبلة، بكسر الميم: نصل طويل عريض.
10) هذا ما في ط، ها، مب و في ح: «بخل من سليم» هذه محرّفة، و في سائر النسخ: «بكل من سليم».
11) أسود، من السيادة.
أحيا أباه هاشم بن حرملة *** يوم الهباتين و يوم اليعمله(1)
[يقتل ذا الذنب و من لا ذنب له *** إذ الملوك حوله مغربله(2)
و سيفه للوالدات مثكله
حدّثني علي بن سليمان الأخفش قال: حدّثني محمد بن الحسن بن الحرون قال: حدّثنا الكسروي عن الأصمعي قال: مررت بأعرابيّ و هو يخضد شجرة و قد أعجبته سماحتها، و هو يرتجز و يقول:
لو كنت إنسانا لكنت حاتما *** أو الغلام الجشميّ هاشما
قلت: من هاشم هذا؟ قال: أ و لا تعرفه؟ قلت: لا. قال: هو الذي يقول:
و عاذلة هبّت بليل تلومني *** كأنّي إذا أنفقت مالي أضيمها
/دعيني فإنّ الجود لن يتلف الفتى *** و لن يخلد النفس اللئيمة لومها
و تذكر أخلاق الفتى، و عظامه *** مفرّقة في القبر باد رميمها
/سلي كلّ قيس هل أباري(3)خيارها *** و يعرض عنّي وغدها و لئيمها
و تذكر فتيانيّتي و تكرمي *** إذا ذمّ فتيانيّها و كريمها(4)
قلت: لا أعرفه. قال: لا عرفت، هو الذي يقول فيه الشاعر:
أحيا أباه هاشم بن حرملة *** يقتل ذا الذنب و من لا ذنب له
ترى الملوك حوله مغربله
تأبد الرّبع من سلمى بأحفار *** و أقفرت من سليمى دمنة الدّار(5)
و قد تحلّ بها سلمى تحدّثني *** تساقط الحلي حاجاتي و أسراري
الشعر للأخطل، و الغناء لعمر الواديّ، هزج بالسبابة في مجرى الوسطى، و فيهما رمل بالبنصر يقال إنه لابن جامع و يقال إنه لغيره، و فيهما خفيف رمل بالوسطى، ذكر الهشامي أنه لحكم. و ذكر حبش أن فيهما لإبراهيم خفيف ثقيل أوّل بالوسطى.
1) الهباتان و اليعملة: موضعان ذكرهما ياقوت. ما عدا ط، ها، مب: «يوم الهباتين» محرّف.. في «اللسان» (غربل): «يوم الهباءات» فيكون جمعا ليوم الهباءة المعروف.
2) هذه التكملة من ط، ها، مب. المغربل: المقتول المنتفخ.
3) المباراة: المفاخرة. و هذا ما في ط، مب. و في ها «أباري خيارهم»، و في سائر النسخ: «أباني خيارهم».
4) الفتيانية: مصدر صناعي لم يرد في المعاجم المتداولة، و كذا النسبة إليه في قوله «فتيانيها». و هو من الفتوة: السخاء و الكرم. و فتيانيتي رواية ط، ها. و في ح: «رفقيا يداي» محرّفة عن السابقة. و في سائر النسخ: «و تذكر قيس منتي» و أراها محرّفة عنها أيضا. «و ذم فتيانيها» رواية ط، ح، ها، مب. و فيما عداهما: «إذا ذمني فتيانها» و ليس بشيء.
5) تأبد: توحش. أحفار، بالحاء المهملة: موضع بالبادية. ما عدا ما، ها، مب: «بأحفار» محرّف. و الشعر في «ديوان الأخطل» 112.
و مما يغني فيه من هذه القصيدة:
/و شارب مربح بالكأس نادمني *** لا بالحصور و لا فيها ببسّار(1)
نازعته طيّب الراح الشّمول و قد *** صاح الدّجاج و حانت وقعة الساري(2)
لما أتوها بمصباح و مبزلهم *** سمت إليهم سموّ الأبجل الضاريّ(3)
الغناء في هذه الأبيات لابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن الهشاميّ. و ذكر غيره أنّها للدّلال. و منها:
قرد تغنّيه ذبّان الرّياض كما *** غنّى الغواة بصنج عند أسوار(4)
كأنّه من ندى القرّاص مغتمر *** بالورس أو خارج من بيت عطّار(5)
غناه ابن سريج، و لحنه من القدر الأوسط، من الثقيل الأوّل، بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق.
و ذكر الهشاميّ أن لمالك فيه ثقيلا أوّلا. و وافقه يونس في نسبته إلى مالك، و لحكم في قوله:
فرد تغنّيه دبّان الرياض كما
/و بعده قوله:
صهباء قد عنست من طول ما حبست *** في مخدع بين جنات و أنهار
خفيف ثقيل بالبنصر. و منها:
لسكّنتني قريش في ظلالهم *** و موّلتني قريش بعد إقتار(6)
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم *** عن النّساء و لو باتت بأطهار(7)
ليونس فيها لحن من كتابه و لم يجنّسه.
و هذه القصيدة مدح بها الأخطل يزيد بن معاوية لمّا منع من قطع لسانه حين هجا الأنصار، و كان يزيد هو الذي
1) المربح: الذي يربح صاحب الحمر. و الحصور: البخيل. و السّار: الذي يسئر في القدح: يترك فيه فضلة. ط، مب: «بسوار» و فوقها «بسّار» إشارة إلى الروايتين. و السوار: السيئ الخلق الذي يساور عليها و يقاتل فيها.
2) المنازعة: المناولة. و الشمول: الطيبة الريح. وقعة، هو صواب الرواية كما في ط، ها، مب، و «الديوان». يقال وقعت الإبل: بركت. و فيما سواها: «وقفة».
3) بمصباح، أراد أنهم بزلوها ليلا. و المبزل: الحديدة التي يفتح بها الدن. الأبجل: عرق. الضاري: الذي يهتز و ينعر بالدم. و يروى: «سارت إليهم سئور».
4) فرد: منفرد، يعني الثور في أبيات قبله. و الصبح: آلة بأوتار يضرب بها، معرّب. و الأسوار بضم الهمزة و كسرها: قائد الفرس.
5) القراص، كرمان: ضرب من البقل. و الورس: نبت أصفر يكون باليمن تتخذ منه الغمرة للوجه. مغتمر: أي متطل به قد طلى بدنه. يقال جارية مغتمرة و متغمرة: متطلية. فيما عدا، ها، مب: «معتمر» تصحيف. و في سائر النسخ: «معترض» تحريف. و في «الديوان»: «مغتسل».
6) مولتني: جعلتني ذا مال. و الإقتار: الافتقار و ضيق العيش.
7) أي إذا حاربوا لم يغشوا النساء في أطهارهن.
أمره بهجائهم. فقيل: إن/السبب في ذلك كان تشبّب عبد الرحمن بن حسان برملة بنت معاوية، و قيل بل حمي لعبد الرحمن بن الحكم.
أخبرني الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني أبو يحيى الزّهري قال: حدّثني ابن أبي زريق قال:
شبّب عبد الرحمن بن حسان برملة بنت معاوية فقال:
رمل هل تذكرين يوم غزال *** إذ قطعنا مسيرنا بالتّمنّي
إذ تقولين عمرك اللّه هل شي *** ء و إن جلّ سوف يسليك عنّي
أم هل اطمعت منكم بابن حسّا *** ن كما قد أراك أطمعت منّي
قال: فبلغ ذلك يزيد بن معاوية فغضب، فدخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، أ لا ترى إلى هذا العلج من أهل يثرب، يتهكّم بأعراضنا و يشبّب(1)بنسائنا؟ /قال: و من هو؟ قال: عبد الرحمن بن حسّان، و أنشده ما قال، فقال: يا يزيد ليست العقوبة من أحد أقبح منها من ذوي القدرة، و لكن أمهل حتّى يقدم وفد الأنصار ثم ذكّرني. قال: فلمّا قدموا أذكره به(2)، فلما دخلوا عليه قال: يا عبد الرحمن، أ لم يبلغني أنك تشبّب برملة بنت أمير المؤمنين؟ قال: بلى، و لو علمت أنّ أحدا أشرّف به شعري أشرف منها لذكرته. قال: و أين أنت عن أختها هند؟ قال: و إنّ لها لأختا؟ قال: نعم. قال: و إنما أراد معاوية أن يشبّب بهما جميعا فيكذب نفسه. قال: فلم يرض يزيد ما كان من معاوية في ذلك: أن يشبّب بهما جميعا، فأرسل إلى كعب بن جعيل فقال: اهج الأنصار. فقال: أفرق من أمير المؤمنين(3)و لكن أدلّك على الشاعر الكافر الماهر. قال: و من هو؟ قال: الأخطل. قال: فدعا به فقال:
اهج الأنصار. قال: أفرق من أمير المؤمنين! فقال: لا تخف شيئا؛ أنا لك بذلك. قال: فهجاهم فقال:
و إذا نسبت ابن الفريعة خلته *** كالجحش بين حمارة و حمار(4)
لعن الإله من اليهود عصابة *** بالجزع بين صليصل و صرار(5)
قوم إذا هدر العصير رأيتهم *** حمرا عيونهم من المصطار(6)
خلّوا المكارم لستم من أهلها *** و خذوا مساحيكم بني النجّار(7)
/إنّ الفوارس يعلمون ظهوركم *** أولاد كلّ مقبّح أكّار(8)
1) ما عدا ط، مب: «و يتشبب».
2) ما عدا ط، ها، مب: «ذكره به».
3) أفرق: أخاف؛ و الفرق بالتحريك: الخوف.
4) يعني بذلك أبويه.
5) صليصل: تصغير صلصل، و هو موضع بنواحي المدينة. و مثله صرار بالكسر.
6) المصطار، بالضم: الخمر الحامضة، و يقال بالسين أيضا كما فيما عدا ط، ح، مب.
7) المساحي: جمع مسحاة، و هي المجرفة من حديد، هجاهم بأنهم أهل زراعة. ما عدا ط، ها، مب: «مسائحكم» محرّف.
8) الأكار: الحراث.
ذهبت قريش بالمكارم و العلا *** و اللؤم تحت عمائم الأنصار
فبلغ ذلك النعمان بن بشير فدخل على معاوية فحسر عن رأسه عمامته، و قال: يا أمير المؤمنين: أ ترى لؤما؟ قال: لا بل أرى كرما و خيرا، ما ذاك؟ قال: زعم الأخطل أن اللؤم تحت عمائمنا. قال: أو فعل؟ قال: نعم. قال:
لك لسانه. و كتب فيه أن يؤتى به. فلما أتى به سأل الرسول ليدخل إلى يزيد أوّلا، فأدخله عليه، فقال: هذا الذي كنت أخاف. قال: لا تخف شيئا. و دخل على معاوية فقال: علام أرسل إليّ هذا الرجل و هو يرمي من وراء جمرتنا؟ قال: هجا الأنصار. قال: و من زعم ذلك؟ قال: النعمان بن بشير. قال: لا تقبل قوله عليه و هو يدّعي لنفسه، و لكن تدعوه بالبيّنة، فإن ثبّت(1)شيئا أخذته به له. فدعاه بالبينة فلم يأت بها، فخلّى سبيله. فقال الأخطل:
و إنّي غداة استعبرت أمّ مالك *** لراض من السّلطان أن يتهدّدا
/و لو لا يزيد ابن الملوك و سعيه *** تجلّلت حدبارا من الشّرّ أنكدا(2)
فكم أنقذتني من خطوب حباله *** و خرساء لو يرمى بها الفيل بلّدا(3)
و دافع عنّي يوم جلّق غمرة *** و همّا ينسّيني السّلاف المبرّدا(4)
و بات نجيّا في دمشق لحيّة *** إذا همّ لم ينم السليم فأقصدا(5)
/يخافته طورا و طورا إذا رأى *** من الوجه إقبالا ألحّ و أجهدا(6)
و أطفأت عنّي نار نعمان بعد ما *** أعدّ لأمر فاجر و تجرّدا
و لما رأى النّعمان دوني ابن حرّة *** طوى الكشح إذ لم يستطعني و عرّدا(7)
حدّثنا محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال: حدّثنا المدائني عن أبي عبد الرحمن بن المبارك قال:
شبّب عبد الرحمن بن حسّان بأخت معاوية، فغضب يزيد فدخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، اقتل عبد الرحمن بن حسّان. قال: و لم؟ قال: شبّب بعمّتي. قال: و ما قال؟ قال قال:
طال ليلي و بتّ كالمحزون *** و مللت الثّواء في جيرون
1) ما عدا ط، ح، ها، مب: «أثبت».
2) في «الديوان» 93: «و سيبه». الحدبار: الناقة التي بدا عظم ظهرها و نشزت حراقيفها.
3) أي من خرساء. و الخرساء: الداهية. بلد: لصق بالأرض لما دهاه و حطمه.
4) الغمرة: الشدّة. و في «الديوان»: «السلاف المهودا». و تهويد الشراب: إسكاره.
5) لحية، يعني معاوية. و السليم: الملدوغ. و الإنماء: أن ترمي الصيد فتصيبه و يذهب عنك فيموت بعد ما يغيب. و الإقصاد من الحية: أن تلدغه فتقتله في الحال.
6) المخافتة: الهمس في الأذن. ما عدا ط، ها، مب: «يخافيه أطورا» تحريف.
7) ابن حرة، يعني يزيد. عرد: هرب. ما عدا ط، ح، ها، مب: «روى ابن مرة» تحريف.
قال معاوية: يا بنيّ و ما علينا من طول ليله و حزنه أبعده اللّه؟ قال: إنه يقول:
فلذاك اغتربت بالشام حتّى *** ظنّ أهلي مرجّمات الظنون
قال: يا بنيّ و ما علينا من ظنّ أهله؟ قال: إنّه يقول:
هي زهراء مثل لؤلؤة الغوّاص *** ميزت من جوهر مكنون
قال: صدق يا بنيّ. قال: إنّه يقول:
و إذا ما نسبتها لم تجدها *** في سناء من المكارم دون
قال: صدق يا بنيّ، هي هكذا. قال: إنّه يقول:
ثم خاصرتها إلى القبّة الخض *** - راء تمشي في مرمر مسنون(1)
/خاصرتها: أخذت بخصرها و أخذت بخصري. قال: و لا كلّ هذا يا بني! ثم ضحك و قال: أنشدني ما قال أيضا. فأنشده قوله:
قبّة من مراجل نصبوها *** عند حدّ الشتاء في قيطون
عن يساري إذا دخلت من البا *** ب و إن كنت خارجا فيميني
تجعل النّدّ و الألوّة و العو *** د صلاء لها على الكانون(2)
و قباب قد أشرجت و بيوت *** نطّقت بالريحان و الزّرجون(3)
قال: يا بني، ليس يجب القتل في هذا، و العقوبة دون القتل، و لكنّا نكفّه بالصلة له و التجاوز.
هي زهراء مثل لؤلؤة الغو *** اص ميزت من جوهر مكنون
و إذا ما نسبتها لم تجدها *** في سناء من المكارم دون
/نسخت من كتاب ابن النطاح: و ذكر الهيثم بن عدي عن ابن دأب قال: حدّثنا شعيب بن صفوان أنّ عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت كان يشبّب بابنة معاوية، و يذكرها في شعره، فقال الناس لمعاوية: لو جعلته نكالا؟ فقال: لا، و لكن أداويه بغير ذلك. فأذن(4)له و كان يدخل عليه في أخريات الناس، ثمّ أجلسه(5)على سريره
1) المسنون: المملس. و قد أورد ابن منظور بعض هذا الخبر في مادة (سنن).
2) الألوة، بضم اللام مع ضم الهمزة و فتحها: ضرب من عود البخور.
3) ط: «أسرجت» أضيئت. و فيما عدا ط، ها، مب: «أشرجت»، أي كما تشرح الخريطة، تشد أجزاؤها بالعرى و الحبال. نطقت: جعل لها نطاق. و الزرجون: الكرم أو قضبانه.
4) فيما عدا ط، ج، ها، مب: «فلما وفد عليه».
5) ما عدا ط، ج، ها، مب: «و كان يدخل في أخريات الناس أجلسه».
معه، و أقبل عليه بوجهه و حديثه ثم قال: ابنتي الأخرى عاتبة عليك. قال: في أيّ شيء؟ قال: في مدحتك أختها و تركك إياها. قال: فلها العتبى و كرامة، أنا ذاكرها و ممتدحها(1). فلما فعل و بلغ ذلك الناس قالوا: قد كنا نرى أنّ نسيب(2)بن حسّان بابنة معاوية لشيء، فإذا هو عن رأي معاوية و أمره. و علم من كان يعرف أنه ليس له بنت أخرى، أنّه إنما خدعه ليشبّب بها، و لا أصل لها فيعلم الناس أنه كذب على الأولى لما ذكر الثانية.
و قد قيل في حمل يزيد بن معاوية الأخطل على هجاء الأنصار: إنّه فعل ذلك تعصّبا لعبد الرحمن بن الحكم بن العاص بن أمية، أخي مروان بن الحكم في مهاجاته عبد الرحمن، و غضبا له، لمّا استعلاه ابن حسّان في الهجاء.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدّثنا أبو سعيد السكري قال: حدثنا أبو غسّان دماذ(3)، عن أبي عبيدة قال: أخبرني أبو الخطاب الأنصاري قال:
كان عبد الرحمن بن حسّان خليلا لعبد الرحمن بن الحكم بن العاص مخالطا له، فقيل له: إن ابن حسان يخلفك في أهلك. فراسل امرأة ابن حسّان فأخبرت بذلك زوجها و قالت: أرسل إليّ: إنّي أحبّك حبّا أراه قاتلي! فأرسل ابن حسّان إلى امرأة ابن الحكم و كانت تواصله و قال للرسول: اذهب إليها و قل لها: إن/امرأتي تزور أهلها اليوم فزوريني حتّى نخلو. فزارته فقعد معها ساعة ثم قال لها: قد و اللّه جاءت امرأتي. فأدخلها بيتا إلى جنبه و أمر امرأته فأرسلت إلى عبد الرحمن بن الحكم: إنّك ذكرت حبّك إياي و قد وقع ذلك في قلبي، و إنّ ابن حسّان قد خرج اليوم إلى ضيعته فهلمّ فتهيّأ ثمّ أقبل. فإنّه لقاعد معها إذ قالت له: قد جاء ابن حسّان فادخل هذا البيت فإنّه(4)لا يشعر بك. فأدخلته البيت الذي فيه امرأته، فلما رآها أيقن بالسّوأة و وقع الشرّ بينهما، و هجا كلّ واحد منهما صاحبه.
قال أبو عبيدة: هذه رواية أبي الخطّاب الأنصاري، و أمّا قريش فإنّهم يزعمون أنّ مرأة ابن حسّان كانت تحبّ عبد الرحمن و تدعوه إلى نفسها فيأبى ذلك، حفظا لما بينه و بين زوجها، و بلغ ذلك ابن حسان فراسل امرأة ابن الحكم حتّى فضحها، و بلغ ذلك ابن الحكم و قيل له: إنك إذا أتيت ضيعتك أرسلت إلى ابن حسّان فكان معها. فأمر ابن الحكم أهله فقال: عالجوا سفرة حتّى أطالع مالي بمكان كذا و كذا. فخرج و بعثت امرأته إلى ابن حسان فجاء كما كان يفعل، و رجع ابن الحكم حين ظنّ أن ابن حسان قد صار عندها، فاستفتح فقالت: ابن الحكم و اللّه! و خبّأته
خلفها في بيت، و دخل عبد الرحمن فبعث إلى امرأة ابن حسان: إنه قد وقعت لك في قلبي مقة(1)، فأقبلي إليّ الساعة، فتهيأت و أقبلت حتّى دخلت/عليه، فوضعت ثيابها و زوجها ينظر فقال لها: قد كنت أكثرت الإرسال إليّ فما شأنك؟ قالت: إني و اللّه هالكة من حبّك. قال: و زوجها يسمع، و إنّما أراد أن يعلمه أنّها قد كانت ترسل إليه و يأبى عليها. و زعم أنها هي التي قالت لابن الحكم إنّ ابن حسّان يخلفك في أهلك. فلما فرغ من كلامه و أسمعه زوجها قال/لها: قد جاءت امرأتي. و أدخلها البيت الذي فيه ابن حسّان، فلما جمعهما في مكان واحد خرج عنهما، فخرجا و طلّق امرأته.
أخبرني ابن دريد قال: أخبرني الرياشي قال: حدّثنا ابن بكير عن هشام بن الكلبي عن خالد بن سعيد عن أبيه قال:
رأيت مروان بن الحكم يطوف بالبيت و يقول: اللّهم أذهب عني الشّعر! و أخوه عبد الرحمن يقول: اللّهم إني أسألك ما استعاذ منه! فذهب الشعر عن مروان، و قاله عبد الرحمن.
و أمّا هشام بن الكلبيّ فإنه حدث عن خالد و إسحاق ابنى سعيد بن العاصي، أنّ سبب التهاجي بينهما أنّهما خرجا إلى الصيد بأكلب لهما في إمارة مروان، فقال ابن الحكم لابن حسّان:
ازجر كلابك أنها قلطيّة *** بقع و مثل كلابكم لم تصطد(2)
فردّ عليه ابن حسّان:
من كان يأكل من فريسة صيده *** فالتّمر يغنينا عن المتصيّد(3)
إنا أناس ريّقون و أمّكم *** ككلابكم في الولغ و المتردّد(4)
حزناكم للضّبّ تحترشونه *** و الريف، نمنعكم بكلّ مهنّد(5)
/ثم رجعا إلى المدينة فجعلا يتقارضان، فقال عبد الرحمن بن الحكم في قصيدة:
و مثل أمّك أمّ العبد قد ضربت *** عندي وليّ بفنائي مزهر جرم(6)
و أنت عند ذناباها تعاونها *** على القدور تحسّى خاثر البرم(7)
1) المقة: الحب، ومقها يمقها مقة.
2) القلطي من الكلاب: ضرب منها قصير مجتمع. و انظر الحيوان للجاحظ (157:1). و البقع: جمع أبقع و بقعاء، و هو ما فيه سواد و بياض.
3) ها: «فريسة كلبه». المتصيد: ما يتصيده الصائد، أو هو الصيد، مصدر ميمي. يعيرهم بالصيد و حرش الضباب.
4) الريق: الذي على الريق لم يفطر. و المتردد: التردد، مصدر ميمي كذلك.
5) احتراش الضب: صيده. ما عدا ط: «يمنعكم» و «تمنعكم» تحريف.
6) بفنائي، هي الصواب من ط، ها، مب. و في سائر النسخ: «بغناء». و المزهر: العود. و الجرم: الصافي الصوت، جرم: صفا صوته. ط، ح، مب: «حرم» بالحاء المهملة، و لا وجه له. ها: «هذم».
7) ما عدا ط، ها، مب: «غلى القدور» تحريف. تحسى، أي تتحسى: تشرب شيئا بعد شيء. و الخائر: الغليظ.
فنقضها عبد الرحمن بن حسّان عليه بقصيدته التي يقول فيها:
يا أيّها الراكب المزجي مطيّته *** إذا عرضت فسائل عن بني الحكم(1)
القائلين إذا لاقوا عدوّهم *** فرّوا فكرّوا على النّسوان و النّعم
كم من أمين نصيح الجيب قال لكم *** ألاّ نهيتم أخاكم يا بني الحكم
عن رجل لا بغيض في عشيرته *** و لا ذليل قصير الباع معتصم(2)
و قال ابن حسّان:
صار الذليل عزيزا و العزيز به *** ذلّ و صار فروع الناس أذنابا
إنّي لملتمس حتّى يبين لكم *** فيكم متى كنتم للنّاس أربابا
فارقوا على ظلعكم ثمّ انظروا و سلوا *** عنّا و عنكم قديم العلم نسّابا(3)
فسوف يضحك أو تعتاده ذكر *** يا بؤس للدهر للإنسان ريّابا(4)
و لهما نقائض كثيرة لا معنى لذكر جميعها هاهنا.
قال دماذ: و حدّثني أبو عبيدة عن أبي الخطاب قال:
لما كثر التهاجي بينهما و أفحشا كتب معاوية يومئذ و هو الخليفة، إلى سعيد/بن العاص و هو عامله على المدينة، أن يجلد كلّ واحد منهما مائة سوط. قال: و كان ابن حسان صديقا لسعيد، و ما مدح أحدا قط غيره، فكره أن يضربه أو يضرب ابن عمّه، فأمسك عنهما، ثم ولي مروان فلما قدم أخذ ابن حسّان فضربه مائة سوط و لم يضرب أخاه، فكتب ابن حسّان إلى النعمان بن بشير و هو بالشأم، و كان كبيرا مكينا عند معاوية:
ليت شعري أ غائب أنت بالشا *** م خليلي أم راقد نعمان
أيّة ما يكن فقد يرجع الغا *** ئب يوما و يوقط الوسنان(5)
إنّ عمرا و عامرا أبوينا *** و حراما قدما على العهد كانوا(6)
أفهم مانعوك أم قلّة الكتّاب *** أم أنت عاتب غضبان
أم جفاء أم أعوزتك القراطي *** - س أم أمري به عليك هوان(7)
1) عرض: أتى العروض؛ و هي مكة و المدينة و ما حولهما.
2) ما عدا ط، ح، ها، مب: «في عشيرتكم».
3) الظلع: غمز شبيه بالعرج. أرق على ظلعك، أي امش و اصعد بقدر ما تطيق و لا تحمل على نفسك ما لا تطيقه، يضرب للرجل يطلب منه أن يصلح أمره أوّلا. ما عدا ط، ها: «ففارقوا ظلعكم»، تحريف.
4) ما عدا ط، ها، مب: «فكيف يضحك».
5) ما عدا ط، ح، ها، مب: «أية ما تكن» بالتاء.
6) حرام: أبو قبيلة.
7) ساعدا ط، ح، ها: «إنهم مانعوك» تحريف. و كلمة «به» من ط، ها فقط.
يوم أنبئت أنّ ساقيّ رضّت *** و أتاكم بذلك الرّكبان
ثمّ قالوا إنّ ابن عمّك في بل *** - وى أمور أتى بها الحدثان(1)
فتئطّ الأرحام و الودّ و الصّح *** - بة فيما أتى به الحدثان(2)
إنما الرمح فاعلمنّ قناة *** أو كبعض العيدان لو لا السّنان
/و هي قصيدة طويلة - فدخل النعمان على معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك أمرت سعيدا أن يضرب ابن حسّان و ابن الحكم مائة مائة فلم يفعل، ثم ولّيت مروان فضرب ابن حسّان و لم يضرب أخاه. قال: فتريد ما ذا؟ قال: أنت تكتب إليه بمثل ما كتبت إلى سعيد. فكتب إلى معاوية يعزم عليه أن يضرب أخاه مائة، و بعث إلى ابن حسّان بحلّة، فلما قدم الكتاب على مروان بعث إلى ابن حسان: إنّي مخرجك، و إنّما أنا مثل والدك، و ما كان ما كان منّي إليك إلا على سبيل التأديب لك. و اعتذر إليه، فقال حسان: ما بدا له في هذا إلاّ لشيء قد جاءه. و أبى أن يقبل منه، فأبلغ الرسول ذلك مروان فوجّهه إليه بالحلّة فرمى بها في الحشّ(3). فقيل له: حلّة أمير المؤمنين و ترمي بها في الحشّ؟ قال: نعم و ما أصنع بها! و جاءه قومه فأخبروه الخبر فقال: قد علمت أنّه لم يفعل ما فعل إلا لأمر قد حدث. فقال الرسول لمروان: ما تصنع بهذا، قد أبى أن يعفو فهلمّ أخاك. فبعث مروان إلى الأنصار و طلب إليهم أن يطلبوا إليه أن يضربه خمسين فإنّه ضعيف. فطلبوا إليه فأجابهم، فأخرجه فضربه خمسين، فلقي ابن حسّان بعض من كان لا يهوى ما ترك من ذلك، فقال له: أضربك مائة و يضربه خمسين، بئس ما صنعت إذ وهبتها له. قال: إنّه عبد و إنّما ضربه ما يضرب العبد نصف ما يضرب الحرّ! فحمل هذا الكلام حتّى شاع بالمدينة و بلغ ابن الحكم فشقّ عليه، فأتى أخاه مروان فخبّره الخبر و قال: فضحتني، لا حاجة لي فيما تركت(4)فهلمّ فاقتصّ.
فضرب ابن الحكم خمسين أخرى، فقال عبد الرحمن يهجو ابن الحكم:
/دع ذا و عدّ قريض شعرك في امرئ *** يهذي و ينشد شعره كالفاخر(5)
عثمان عمّكم و لستم مثله *** و بنو أميّة منكم كالآمر
و بنو أبيه سخيفة أحلامهم *** فحش النفوس لدى الجليس الزائر
/أحياؤهم عار على أمواتهم *** و الميّتون مسبّة للغابر(6)
هم ينظرون إذا مددت إليهم *** نظر التيوس إلى شفار الجازر
1) ما عدا ط، ح، ها، مب: «ابن عمك يلوي من أمور».
2) تئط: تحن. ما عدا ح، ط، ها، مب: «و قنيط» محرّف عنه.
3) الحش، بتثليث الحاء: أصله البستان و جماعة النخل. و كانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة ذهبوا إليها، ثم سمى المتوضأ به، نحو تسميتهم الفناء عذرة.
4) هذا الصواب في ط، ها، مب فقط. و في ح: «فأتى أخاه مروان ابن حسّان لا حاجة لنا فما تركت». و في سائر النسخ: «فأتى أن مروان بن حسّان فقال له لا حاجة لنا فيما تركت».
5) ما عدا ط، ها، مب: «كالفاجر».
6) الغابر: الباقي. أي أمواتهم كذلك عار على الأحياء.
خزر العيون منكّسي أذقانهم *** نظر الذّليل إلى العزيز القاهر
فقال ابن الحكم:
لقد أبقى بنو مروان حزنا *** مبينا عاره لبني سواد
أطاف به صبيح من مشيد *** و نادى دعوة: يا بني سعاد(1)
لقد أسمعت لو ناديت حيّا *** و لكن لا حياة لمن تنادي
قال أبو عبيدة: فاعتنّ أبو واسع(2)أحد بني الأسعر(3)من بني أسد بن خزيمة، لابن حسان دون ابن الحكم، فهجاه و عيّره بضرب ابن المعطل أباه حسّان على رأسه، و عيّرهم بأكل الخصى، فقال:
إنّ ابن المعطّل من سليم *** أذلّ قياد رأسك بالخطام
عمدت إلى الخصى فأكلت منها *** لقد أخطأت فاكهة الطعام
و ما للجار حين يحلّ فيكم *** لديكم يا بني النجّار حام
/يظلّ الجار مفترشا يديه *** [مخافتكم لدى ملث الظّلام(4)
و ينظر نظرة في مذرويه(5)] *** و أخرى في استه و الطّرف سام
قال: فلما عمّ بني النجّار بالهجاء و لا ذنب لهم دعوا اللّه عزّ و جلّ عليه، فخرج من المدينة يريد أهله فعرض له الأسد فقضقضه(6)، فقال ابن حسّان في ذلك:
أبلغ بني الأسعر إن جئتهم *** ما بال أبناء بني واسع(7)
و الليث يعلوه بأنيابه *** معتفرا في دمه الناقع(8)
إذ تركوه و هو يدعوهم *** بالنّسب الداني و بالشاسع(9)
1) ح: «يطيف». فيما عدا ط، ح، ها: «با بنى سعاد».
2) اعتن: اعترض.
3) ما عدا ط، ح، مب: «الأشعر» بالشين المعجمة.
4) ملث الظلام: اختلاطه.
5) عجز البيت السابق و صدر هذا، هما من ط، ها، مب فقط. أما سائر النسخ ففيها عجز هذا البيت مع صدر البيت السابق. و المذروان: فرعا الأليتين.
6) قضقضه: كسره و حطمه. ها: «فقصفه». ط، مب: «فغضغضه» ح: «ففضفضه» و هاتان محرفتان.
7) ما عدا ط، ح، ها، مب: «بني الأشعر» بالشين المعجمة.
8) اعتفره الأسد، إذا افترسه.
9) الشاسع: البعيد. ما عدا ط، ها، مب: «بالسبب الداني».
لا يرفع الرحمن مصروعكم *** و لا يوهّي قوّة الصارع(1)
فقالت له امرأته: ما دعا أحد قبلك للأسد بخير قطّ. قال: و لا نصر أحدا كما نصرني.
و قال ابن الكلبيّ: كان الأخطل و مسكين الدارميّ صديقين لابن الحكم، فاستعان بهما على ابن حسّان، فهجاه الأخطل، و قال له مسكين: ما كنت لأهجو أحدا أو أعذر(2)إليه. فكتب إليه مسكين بقصيدته اللامية يدعوه إلى المفاخرة و المنافرة، فقال في أوّلها:
/ألا إنّ الشّباب ثياب لبس *** و ما الأموال إلاّ كالظّلال
فإن يبل الشّباب فكلّ شيء *** سمعت به سوى الرحمن بال
و هي طويلة جدا، يفخر فيها بمآثر بني تميم. فأجابه ابن حسّان فقال:
أتاني عنك يا مسكين قول *** بذلت النّصف فيه غير آل(3)
دعوت إلى التناضل غير قحم *** و لا غمر يطير لدى النضال(4)
و هي أطول من قصيدة مسكين. ثم انقطع التناضل بينهما.
قال دماذ: فحدّثني أبو عبيدة قال: حدّثني أبو حيّة النميري قال: حدّثني الفرزدق قال:
كنّا في ضيافة معاوية، و معنا كعب/بن جعيل التّغلبي، فحدّثني أنّ يزيد بن معاوية قال له: إنّ ابن حسّان فضح عبد الرحمن بن الحكم و غلبه، و فضحنا، فاهج الأنصار. قال: فقلت له: أ رادّي أنت في الشرك، أ أهجو قوما نصروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و آله و آووه؟ و لكنّي أدلّك على غلام منا نصرانيّ لا يبالي أن يهجوهم، كأنّ لسانه لسان ثور.
قال: من هو؟ قلت: الأخطل. فدعاه و أمره بهجائهم، فقال: على أن تمنعني؟ قال: نعم.
قال أبو عبيدة: إن معاوية دسّ إلى كعب و أمره بهجائهم، فدلّه على الأخطل، فقال الأخطل قصيدته التي هجا فيها الأنصار، و قد مضت و مضى خبرها و خبر النعمان بن بشير.
/و زاد أبو عبيدة عمن روينا ذلك عنه: أنّ النعمان بن بشير ردّ على الأخطل فقال:
أبلغ قبائل تغلب ابنة وائل *** من بالفرات و جانب الثّرثار(5)
1) ما عدا ط، ها، مب: «لا يرفع الرحمن مصدوعهم» و «الصادع».
2) أعذر إليه: لم يبق فيه موضعا للاعتذار. ما عدا ط، ح، ها، مب: «و اعتذر إليه». تحريف.
3) النصف: الإنصاف و المعدلة. غير آل: غير مقصر و لا تارك.
4) القحم: الذي قد أقحمته السن تراه قد هرم من غير أوان الهرم. و الغمر: هو الجاهل الغر الذي لا تجربة له.
5) الثرثار: واد عظيم بالجزيرة.
فاللؤم بين أنوف تغلب بيّن *** كالرّقم فوق ذراع كلّ حمار
قال: فخافه الأخطل أن يهجوه، فقال فيه:
عذرت بني الفريعة أن هجوني *** فما بالي و بال بني بشير(1)
بذي شق على الضبرات حتى يلين على التحفف و الشخير الضبرات: الوثبات، جمع ضبرة. و التخفف، بفاءين: دوى جرى الفرس.
أ فيحج من بني النجّار شئن *** شديد القصريين من السّحور
و لم يرد على هذين البيتين شيئا في ذكره.
قال أبو عبيدة في خبره أيضا: إن الأنصار لمّا استعدوا عليه معاوية قال لهم: لكم لسانه إلاّ أن يكون ابني يزيد قد أجاره. و دسّ إلى يزيد من وقته: إني قد قلت للقوم كيت و كيت فأجره. فأجاره، فقال يزيد بن معاوية في إجارته إياه:
دعا الأخطل الملهوف بالشّرّ دعوة *** فأيّ مجيب كنت لمّا دعانيا
ففرّج عنه مشهد القوم مشهدي *** و ألسنة الواشين عنه لسانيا
كان لي يا شقير(2)حبّك حينا *** كاد يقضي عليّ لمّا التقينا
يعلم اللّه أنكم لو نأيتم *** أو قربتم أحبّ شيء إلينا
الشعر لعمر بن أبي ربيعة، و الغناء لحبابة جارية يزيد بن عبد الملك، و لحنها ثاني ثقيل بالوسطى، و جعلت مكان «يا شقير»(2): «يا يزيد». و في هذا الشعر للهذلي خفيف ثقيل أول مطلق بالوسطى. و زعم عمرو بن بانة أنه للأبجر. و قال الهشامي: لحن الأبجر ثقيل أول بالبنصر. و فيه للدارمي و ابن فروخ(3)خفيف ثقيل، و لحن الدارمي فيهما مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق.
1) أفيحج: تصغير أفحج، و هو الذي تتدانى صدور قدميه و تتباعد عقباه و تنفحج ساقاه. ط، مب: «أصحح» ح: «أفجح» و في سائر النسخ ما عداها «أفحج»، صوابه من «الديوان» 313. و الشئن: الغليظ. ط فقط: «سير» و بدلها في «الديوان»: «يضحي». و القصريان: ضلعان تليان الترفونين. ما عدا ط، ح، ها، مب و «الديوان»: «شديد العصرتين» محرّف. و السحور: طعام السحر. ط فقط: «من السيور». و بعدهما في «الديوان» بيتان آخران، و هما: و قد جاريت قد علمت معد بلا و اني اليدين و لا قصير
2) ما عدا ط، ها، مب: «يا سقير» بالسين المهملة.
3) ط، مب: «ابن فروج».
كانت حبابة مولّدة من مولدات المدينة، لرجل من أهلها يعرف بابن رمانة، و قيل ابن مينا. و هو خرّجها و أدّبها. و قيل: كانت لآل لاحق المكيّين. و كانت حلوة جميلة الوجه ظريفة حسنة الغناء، طيّبة الصوت، ضاربة بالعود. و أخذت الغناء عن ابن سريج، و ابن محرز، و مالك، و معبد، و عن جميلة و عزّة الميلاء. و كانت تسمّى العالية(1)، فسمّاها يزيد/لما اشتراها حبابة. و قيل: إنّها كانت لرجل يعرف بابن مينا.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال:
حدّثني حاتم بن قبيصة قال:
و كانت حبابة لرجل يدعى ابن مينا، فأدخلت على يزيد بن عبد الملك في إزار له ذنبان، و بيدها دف ترمي به و تتلقّاه، و تتغنّى:
ما أحسن الجيد من مليكة و اللبّات إذ زانها ترائبها يا ليتني ليلة إذا هجع النّاس و نام الكلاب صاحبها
في ليلة لا يرى بها أحد *** يسعى علينا إلاّ كواكبها(2)
ثم خرج بها مولاها إلى إفريقية، فلما كان بعد ما ولى يزيد اشتراها.
و روى حمّاد عن أبيه عن المدائني عن جرير المديني، و رواه الزبير بن بكّار عن إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه قال:
/قال لي يزيد بن عبد الملك: ما تقرّ عيني بما أوتيت من الخلافة حتّى أشتري سلاّمة جارية مصعب بن سهيل الزهري، و حبابة جارية لاحق المكيّة. فأرسل فاشترتا له، فلما اجتمعتا عنده قال: أنا الآن كما قال القائل(3):
فألقت عصاها و استقرّت بها النوى *** كما قرّ عينا بالإياب المسافر
قال إسحاق: و حدّثني أبو أيوب عن عباية قال: كانت حبابة لآل رمّانة، و منهم ابتيعت ليزيد.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني الزبير بن بكّار قال:
أخبرني محمد بن سلمة عن ابن مافنّة(1)عن شيخ من أهل ذي خشب(2)قال:
خرجنا نريد ذا خشب و نحن مشاة، فإذا قبة فيها جارية، و إذا هي تغنّي:
سلكوا بطن محيص *** ثم ولّوا راجعينا(3)
أورثوني حين ولّوا *** طول حزن و أنينا
قال: فسرنا [معها](4)حتّى أتينا ذا خشب، فخرج رجل معها، فسألناه، و إذا هي حبابة جارية يزيد، فلما صارت إلى يزيد أخبرته بنا، فكتب إلى والي المدينة يعطي كلّ واحد منّا ألف درهم ألف درهم.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني إسحاق عن المدائني. و روى هذا الخبر حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن المدائني، و خبره أتمّ:
أنّ حبابة كانت تسمى العالية، و كانت لرجل من الموالي بالمدينة، فقدّم يزيد بن عبد الملك في خلافة سليمان فتزوّج سعدة بنت عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، على عشرين ألف دينار، و ربيحة بنت محمد بن علي بن عبد اللّه(5)بن جعفر على مثل ذلك، و اشترى العالية بأربعة آلاف دينار(6)، فبلغ ذلك سليمان فقال: لأحجرنّ عليه.
فبلغ يزيد قول سليمان فاستقال مولى حبابة(7)، ثم اشتراها بعد ذلك رجل من أهل إفريقية، فلما ولى يزيد اشترتها سعدة امرأته و علمت أنه لا بدّ طالبها و مشتريها، فلما حصلت عندها قالت له: هل بقي عليك من الدّنيا شيء لم تنله؟ فقال: نعم، العالية. فقالت: هذه هي، و هي لك. فسمّاها حبابة، و عظم قدر سعدة عنده. و يقال إنها أخذت عليها قبل أن تهبها له أن توطّئ لابنها(8)عنده في ولاية العهد و تحضرها ما/تحبّ(9)[إذا حضرت](10).
و قيل إنّ أم الحجاج أم الوليد بن يزيد هي التي ابتاعتها له، و أخذت عليها ذلك، فوفت لها بذلك. هكذا ذكر
1) ما عدا ط، ها، مب: «ماقية».
2) ذو خشب: واد على مسيرة ليلة من المدينة.
3) محيص: موضع بالمدينة. ما عدا ط: «مخيض» بالخاء المعجمة، و هو اسم موضع ورد ذكره في الغزوات.
4) هذه الكلمة من ط، ها، مب فقط.
5) ما عدا ط، ه، مب: «بن عبيد اللّه» بالتصغير، تحريف. و لربيحة هذه خبر في كتاب «المردفات من قريش». انظر «نوادر المخطوطات» تحقيق عبد السلام هارون المجلد الأوّل ص 74.
6) ما عدا ط، ها، مب: «بألف دينار». و ما في ط، ها، مب يطابق ما سيأتي بعد.
7) استقاله: طلب منه أن يقيله، أي يفسخ البيع.
8) ط، ح، مب: «لابنه» ها «لأبيها».
9) ها: «بما تحب».
10) التكملة من مب.
الزبير فيما أخبرنا به الحسن بن علي عن هارون بن محمد، عنه عن عمه. قال: و من زعم أن سعدة اشترتها فقد أخطأ.
/قال المدائني: ثم خطب يزيد إلى أخيها خالد بنت أخ له، فقال: أ ما يكفيه أنّ سعدة عنده حتّى يخطب إلى بنات أخي؟ و بلغ يزيد فغضب، فقدم عليه خالد يسترضيه، فبينا هو في فسطاطه إذ أتته جارية لحبابة في خدمها فقالت له: أمّ داود تقرأ عليك السلام و تقول لك: قد كلّمت أمير المؤمنين فرضي عنك. فالتفت فقال: من أم داود؟ فأخبره من معه أنّها حبابة، و ذكر له قدرها و مكانها من يزيد. فرفع رأسه إلى الجارية فقال: قولي لها: إنّ الرضا عنّي بسبب لست به. فشكت ذاك إلى يزيد فغضب، و أرسل إلى خالد فلم يعلم بشيء حتى أتاه رسول حبابة به فيمن معه من الأعوان، فاقتلعوا فسطاطه و قلعوا أطنابه، حتّى سقط عليه و على أصحابه، فقال: ويلكم ما هذا؟ قالوا:
رسل حبابة، هذا ما صنعت بنفسك. فقال: ما لها أخزاها اللّه، ما أشبه رضاها بغضبها!
قال إسحاق: و حدّثني محمد بن سلاّم عن يونس بن حبيب، أنّ يزيد بن عبد الملك اشترى حبابة، و كان اسمها العالية، بأربعة آلاف دينار، فلما خرج بها قال الحارث بن خالد فيها:
ظعن الأمير بأحسن الخلق *** و غدوا بلبّك مطلع الشرق
مرّت على قرن يقاد بها *** تعدو أمام براذن زرق(1)
فظللت كالمقمور مهجته *** هذا الجنون و ليس بالعشق(2)
يا ظبية عبق العبير بها *** عبق الدّهان بجانب الحقّ
/و غنته حبابة في الشعر، و بلغ يزيد فسألها عنه فأخبرته، فقال لها: غنّيني به. فغنته فأجادت و أطربته، فقال إسحاق: و لعمري إنه من جيد غنائها.
قال أبو الفرج الأصبهاني: هذا غلط ممّن رواه في أبيات الحارث بن خالد؛ لأنه قالها في عائشة بنت طلحة، لمّا تزوّجها مصعب بن الزبير و خرج بها(3). و في أبياته يقول:
في البيت ذي الحسب الرفيع و من *** أهل التقى و البرّ و الصّدق
و قد شرح ذلك في أخبار عائشة بنت طلحة.
قال إسحاق: و أخبرني الزبيري أنّ يزيد اشتراها و هو أمير، فلما أراد الخروج بها قال الحارث بن خالد فيها:
قد سلّ جسمي و قد أودى به سقم *** من أجل حيّ جلوا عن بلدة الحرم(4)
1) قرن، بالتحريك: جبل، ذكره ياقوت، و أنشد هذه الأبيات فيه منسوبة إلى عبيد اللّه بن قيس الرقيات، و كذلك وردت هذه النسبة في كتاب «المردفات من قريش» 65 من «نوادر المخطوطات» المجلد الثاني. و الصواب أن يكون: «القرن» هنا: البعير المقرون بآخر. تعدو، أي يعدو بعيرها. و رواية ياقوت: «يقاد بها جمل».
2) المقمور: المغلوب في القمار. و رواية المردفات: «خلعته» بدل «بهجته».
3) و هي إحدى نسبتي «كتاب المردفات».
4) فيما عدا ط، مب: «قد خلوا» محرّف.
يحنّ قلبي إليها حين أذكرها *** و ما تذكرت شوقا آب من أمم(1)
إلاّ حنينا إليها إنّها رشأ *** كالشّمس رود ثقال سهلة الشيم(2)
فضّلها اللّه ربّ الناس إذ خلقت *** على النساء من اهل الحزم و الكرم
و قال فيها الشعراء فأكثروا، و غنّى في أشعارهم المغنّون من أهل مكة و المدينة، و بلغ ذلك يزيد فاستشنعه، فقال: هذا قبل رحلتنا و قد هممنا، فكيف لو ارتحلنا؟! و تذكر القوم/شدّة الفراق، و بلغه أيضا أن سليمان قد تكلّم في ذلك، فردّها، و لم تزل في قلبه حتّى ملك، فاشترتها سعدة امرأته العثمانية، و وهبتها له.
أخبرني ابن عمّار قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق قال: حدّثني أبو ذفافة المنهال بن عبد الملك، عن مروان بن بشر بن أبي سارة مولى الوليد بن يزيد، قال:
أوّل(3)ما ارتفعت به منزلة حبابة عند يزيد أنّه(4)أقبل يوما إلى البيت الذي هي فيه، فقام من وراء الستر فسمعها تترنم و تغنّي و تقول:
كان لي يا يزيد حبّك حينا *** كاد يقضى عليّ لما التقينا(5)
قال المدائني: غلبت حبابة على يزيد، و تبنّى بها عمر بن هبيرة فعلّت منزلته، حتى كان يدخل على يزيد في أيّ وقت شاء، و حسد ناس من بني أمية مسلمة بن عبد الملك على ولايته، و قدحوا فيه عند يزيد، و قالوا: إن مسلمة إنّ اقتطع الخراج لم يحسن يا أمير المؤمنين أن تفتشه أو تكشفه(8)عن شيء، لسنّه و حقّه(9)، و قد علمت أنّ أمير المؤمنين لم يدخل أحدا من أهل بيته في الخراج. فوقر ذلك في قلب يزيد(10)، و عزم على عزله، و عمل ابن هبيرة في ولاية العراق من قبل حبابة، فعملت له في ذلك. و كان بين ابن هبيرة و بين القعقاع بن خالد عداوة، و كانا يتنازعان و يتحاسدان، فقيل للقعقاع لقد: نزل ابن هبيرة من أمير المؤمنين منزلة، /إنه لصاحب العراق غدا. فقال
1) الأمم، بالتحريك: القرب.
2) الرود، بالضم، و أصلها الهمز: الشابة الحسنة. و الثقال، كسحاب: العظيمة الكفل.
3) بدلهما فيما عدا ط، ها، مب: «لما».
4) كلمة «به» و «أنه» من ط، ح، ها، مب.
5) الحين، بالفتح: الهلاك.
6) ما عدا ط، ه، مب: «يا سقير».
7) الكلام بعده إلى نهاية السطر الأول بعد الأبيات الدالية التي ستأتي، ناقص من نسخة ط.
8) هذا ما في ها، مب. و في س: «أن يستكشف». و في سائر النسخ: «أن يعيشه و أن يكسبه» تحريف.
9) ما عدا «ها»، مب: «و خفته».
10) وقر في قلبه، أي ثبت و سكن.
و من يطيق ابن هبيرة؟! حبابة بالليل، و هداياه بالنهار، مع أنه و إن بلغ فإنه رمل من بني سكين(1). فلم تزل حبابة تعمل له حتى وليها.
حدّثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم يحدّث بهذا الحديث، فحفظته و لم أحفظ إسناده. و حدّثنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثني أحمد بن زهير قال: حدّثنا مصعب الزبيري، عن مصعب بن عثمان. و قد جمعت روايتيهما قالا:
أراد يزيد بن عبد الملك أن يشبّه بعمر بن عبد العزيز و قال: بما ذا صار عمر أرجى لربّه(2)جلّ و عزّ منّي؟ فشقّ ذلك على حبابة؟ فأرسلت إلى الأحوص.
هكذا في رواية وكيع، و أما عمر بن شبّة فإنه ذكر أنّ مسلمة أقبل على يزيد يلومه في الإلحاح على الغناء و الشّرب، و قال له: إنك وليت بعقب عمر بن عبد العزيز و عدله، و قد تشاغلت بهذه الأمّة عن النظر في الأمور، و الوفود ببابك، و أصحاب الظّلامات يصيحون، و أنت غافل عنهم. فقال: صدقت و اللّه، و أعتبه و همّ بترك الشّرب، و لم يدخل على حبابة أياما، فدسّت حبابة إلى الأحوص أن يقول أبياتا في ذلك و قالت له: إن رددته عن رأيه فلك ألف دينار. فدخل الأحوص إلى يزيد، فاستأذن في الإنشاد، فأذن له.
قال إسحاق في خبره: فقال الأحوص:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا *** فقد غلب المحزون أن يتجلّدا
بكيت الصّبا جهدي فمن شاء لا مني *** و من شاء آسى في البكاء و أسعدا
/و إنّي و إن فنّدت في طلب الغنى *** لأعلم أنّي لست في الحبّ أوحدا(3)
إذا أنت لم تعشق و لم تدر ما الهوى *** فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
فما العيش إلا ما تلذّ و تشتهي *** و إن لام فيه ذو الشّنان و فنّدا(4)
الغناء لمعبد، خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، و فيه رمل للغريض. و يقال إنه لحبابة.
قال(5): و مكث جمعة لا يرى حبابة و لا يدعو بها، فلما كان يوم الجمعة قالت لبعض جواريها: إذا خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة فأعلميني. فلما أراد الخروج أعلمتها، فتلقّته و العود في يدها، فغنت البيت الأوّل، فغطّى وجهه و قال: مه لا تفعلي. ثم غنت:
و ما العيش إلا ما تلذّ و تشتهي
1) سكين، بالتصغير: أحد أجداده، كما في ترجمة يزيد بن عمر بن هبيرة، في «وفيات الأعيان».
2) الرجاء: الخوف. قال عزّ و جلّ: مٰا لَكُمْ لاٰ تَرْجُونَ لِلّٰهِ وَقٰاراً، أي لا تخافون للّه عظمة.
3) التفنيد: التكذيب، و التعجيز و تخطئ الرأي.
4) الشنان و الشنآن: العداوة و البغض.
5) إلى هنا ينتهي سقط ط الذي سبق التنبيه عليه.
فعدل إليها و قال: صدقت و اللّه، فقبح اللّه من لا مني فيك، يا غلام مر مسلمة أن يصلّي بالناس. و أقام معها يشرب و تغنيه، و عاد إلى حاله(1).
و قال عمر بن شبّة في حديثه: فقال يزيد: صدقت و اللّه، فعلى مسلمة لعنة اللّه! و عاود ما كان فيه، ثم قال لها: من يقول هذا الشعر؟ قالت: الأحوص. فأحضره ثم أنشده قصيدة مدحه فيها، و أوّلها قوله:
يا موقد النار بالعلياء من إضم *** أوقد فقد هجت شوقا غير منصرم(2)
/و هي طويلة. فقال له يزيد: ارفع حوائجك. فكتب إليه في نحو من أربعين ألف درهم من دين و غيره، فأمر له بها.
و قال مصعب في خبره: بل استأذن الأحوص على يزيد، فأذن له، فاستأذن في الإنشاد، فقال: ليس هذا وقتك. فلم يزل به حتى أذن له. فأنشده هذه الأبيات، فلما سمعها وثب حتّى دخل على حبابة و هو يتمثل:
و ما العيش إلا ما تلذّ و تشتهي *** و إن لام فيه ذو الشّنان و فنّدا
فقالت له: ما ردّك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أبيات أنشدنيها الأحوص، فسلي ما شئت. قالت: ألف دينار تعطيها الأحوص. فأعطاه ألف دينار.
يا موقد النار بالعلياء من إضم *** أوقد فقد هجت شوقا غير منصرم
يا موقد النار أوقدها فإن لها *** سنا يهيج فؤاد العاشق السّدم(3)
الشعر للأحوص، و الغناء لمعبد، خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، عن يونس و إسحاق و عمرو. و ذكر حبش أن فيه خفيف ثقيل آخر لابن جامع.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني علي بن القاسم بن بشير قال:
لما غلب يزيد بن عبد الملك أهله و أبى أن يسمع منهم كلّموا مولى له خراسانيا ذا قدر عندهم، و كانت فيه لكنة، فأقبل على يزيد يعظه و ينهاه عما قد ألحّ عليه/من السّماع للغناء و الشراب، فقال له يزيد: فإني أحضرك هذا الأمر الذي تنهى عنه، فإن نهيتني عنه بعد ما تبلوه و تحضره انتهيت، و إنّي مخبر جواريّ أنك عمّ من عمومتي، فإياك أن تتكلّم فيعلمن أنّي كاذب، و أنّك لست بعمّي. ثم أدخله عليهنّ فغنّين، و الشيخ يسمع و لا يقول شيئا، حتّى غنين:
/و قد كنت آتيكم بعلّة غيركم *** فأفنيت علاتي فكيف أقول
فطرب الشيخ و قال: لا فيف، جعلني اللّه فداكنّ! يريد: لا كيف. فعلمن أنه ليس عمّه، و قمن إليه بعيدانهنّ ليضربنه بها، حتّى حجزهنّ يزيد عنه. ثم قال له بعد ما انقضى أمرهن: ما تقول الآن أدع هذا أم لا؟ قال: لا تدعه!
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني خالد بن يزيد بن بحر الخزاعي الأسلميّ، عن محمد بن سلمة، عن أبيه عن حماد الراوية قال:
كانت حبابة فائقة في الجمال و الحسن، و كان يزيد لها عاشقا، فقال لها يوما: قد استخلفتك على ما ورد عليّ. و نصبت لذلك مولاي فلانا فاستخلفيه لأقيم معك أيّاما و أستمتع بك. قالت: فإنّي قد عزلته. فغضب عليها و قال: قد استعملته و تعزلينه؟ و خرج من عندها مغضبا، فلما ارتفع النّهار و طال عليه هجرها دعا خصيّا له و قال:
انطلق فانظر أيّ شيء تصنع حبابة؟ فانطلق الخادم ثم أتاه، فقال: رأيتها مؤتزرة بإزار خلوقيّ(1)قد جعلت له ذنبين و هي تلعب بلعبها. فقال: ويحك احتل لها حتّى تمرّ بها عليّ. فانطلق الخادم إليها فلاعبها ساعة، ثم استلب لعبة من لعبها و خرج، فجعلت تحضر في أثره، فمرت بيزيد فوثب و هو يقول: قد/عزلته! و هي تقول: قد استعملته! فعزل مولاه و ولاّه و هو لا يدري. فمكث معها خاليا أياما حتّى دخل عليه أخوه مسلمة فلامه، و قال: ضيعت حوائج الناس و احتجبت عنهم، أ ترى هذا مستقيما لك؟! و هي تسمع مقالته، فغنّت لما خرج:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا
فذكرت الأبيات. فطرب و قال: قاتلك اللّه أبيت إلا أن ترديني إليك. و عاد إلى ما كان عليه.
أخبرني إسماعيل قال: حدّثني عمي قال: حدّثني إسحاق قال: حدّثني الهيثم بن عديّ، عن صالح بن حسّان قال:
قال مسلمة ليزيد: تركت الظّهور(2)و شهود الجمعة الجامعة، و قعدت في منزلك مع هذه الإماء! و بلغ ذلك حبابة و سلامة فقالتا للأحوص: قل في ذلك شعرا فقال:
و ما العيش إلا ما تلذّ و تشتهي *** و إن لام فيه ذو الشّنان و فنّدا
بكيت الصّبا جهدي فمن شاء لامني *** و من شاء آسى في البكاء و أسعدا
و إنّي و إن أغرقت في طلب الصبا *** لأعلم أنّي لست في الحبّ أوحدا
إذا كنت عزهاة عن اللّهو و الصبا *** فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا(3)
قال: فغنتا يزيد فيه، فلما فرغتا ضرب بخيزرانته الأرض و قال: صدقتما صدقتما! فعلى مسلمة لعنة اللّه و على ما جاء به.
/قال: و طرب يزيد فقال: هاتيا. فغنتاه من هذه القصيدة:
و عهدي بها صفراء رودا كأنما *** نضا عرق منها على اللون مجسدا(1)
مهفهفة الأعلى و أسفل خلقها *** جرى لحمه ما دون أن يتخددا(2)
من المدمجات اللحم جدلا كأنها *** عنان صناع مدمج الفتل محصدا(3)
كأنّ ذكيّ المسك باد و قد بدت *** و ريح خزامي طلّة تنفح الندى(4)
فطرب يزيد و أخذ فيه من الشراب قدره الذي كان يطرب منه و يسرّه، و لم تره أظهر شيئا/مما كان يفعله عند طربه، فغنته:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا *** فقد غلب المحزون أن يتجلّدا
نظرت رجاء بالموقّر أن أرى *** أكاريس يحتلّون خاخا فمنشدا(5)
فأوفيت في نشز من الأرض يافع *** و قد تسعف الأيفاع من كان مقصدا(6)
فلما غنته بهذا طرب طربه الذي تعهده، و جعل يدور و يصيح: الدّخن بالنوى، و السمك في بيطار جنان(7).
و شقّ حلته و قال لها: أ تأذنين أن أطير؟ قالت: و إلى من تدع الناس؟ قال: إليك(8).
/قال: و غنته سلاّمة من هذه القصيدة:
فقلت ألا يا ليت أسماء أصقبت *** و هل قول ليت جامع ما تبدّدا(9)
و إنّي لأهواها و أهوى لقاءها *** كما يشتهي الصادي الشراب المبرّدا
علاقة حبّ لجّ في سنن الصبا *** فأبلى و ما يزداد إلاّ تجدّدا
سهوب و أعلام تخال سرابها *** إذا استنّ في القيظ الملاء المعضّدا(10)
قال: و غنته حبابة منها أيضا:
كريم قريش حين ينسب و الذي *** أقرّت له بالملك كهلا و أمردا
1) في الأصول ما عدا «ها»: «رود»، و الوجه النصب. و المجسد: الثوب المصبوغ بالجساد، و هو الزعفران.
2) مهفهفة: ضامرة. و التخدد: اضطراب اللحم من الهزال.
3) الجدل: شدّة الفتل. كناية عن عدم الترهل. ط: «جذلا» صوابه في ح، ها، مب. و في سائر النسخ: «جدلي»، لعلّه مسهل «جدلاء». و الجدلاء: المحكمة النسج. و العنان، بالكسر: الحبل. و الصناع: الحاذق بالصنعة، يقال للذكر و الأنثى. و المحصد: الشديد الفتل.
4) طلة: مطلولة. و الطل: الندي. ح: «ظلة» س، ب: «ظله» صوابهما في ط، ها.
5) الموقر: موضع بالبلقاء من نواحي دمشق. و خاخ: موضع بين الحرمين. و منشد: موضع بين رضوى و الساحل. و الأكاريس: جمع أكراس، و هذه جمع كرس، بالكسر، و هو الجماعة من الناس. ما عدا ط، ح، ها: «أكاديس» محرّف.
6) ما عدا ط، ها: «و قد ينفع». المقصد: الذي طعن أو رمى فلم تخط مقاتله.
7) كلمات يهذي بها. و كلمتا «بيطار» و «جنان» مهملتان في ط، مب. و سيأتي الكلام برواية أخرى فيما بعد.
8) الكلام من «قالت» إلى هنا ليس في ح، ط، مب.
9) أصقبت: دنت. ما عدا ط، مب: «أصغيت» تحريف.
10) أستن: أسرع. شبه السراب بالملاء المعضد، و هو المخطط على شكل العضد. في جميع الأصول: «المعمدا» و لا وجه له.
و ليس عطاء كان منه بمانع *** و إن جلّ من أضعاف أضعافه غدا
أهان تلاد المال في الحمد إنّه *** إمام هدى يجري على ما تعوّدا
تردّى بمجد من أبيه و أمّه *** و قد أورثا بنيان مجد مشيّدا
فقال لها يزيد: ويحك يا حبابة، و من من قريش هذا؟ قالت: أنت. قال: و من يقول هذا الشعر؟ قالت:
الأحوص يا أمير المؤمنين. و قالت سلامة: فليسمع أمير المؤمنين باقي ثنائه عليه فيها. ثم اندفعت فغنته:
و لو كان بذل الجود و المال مخلدا *** من الناس إنسانا لكنت المخلّدا
فأقسم لا أنفكّ ما عشت شاكرا *** لنعماك ما طار الحمام و غرّدا
أخبرني إسماعيل قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: علي بن الجعد قال: حدّثني أبو يعقوب الخريمي، عن أبي بكر بن عياش: أن حبابة و سلاّمة اختلفتا في صوت معبد:
ألا حيّ الديار بسعد إنّي *** أحبّ لحبّ فاطمة الديارا
/فبعث يزيد إلى معبد فأتى به، فسأل: لم بعث إليه؟ فأخبر، فقال: لأيّتهما المنزلة عند أمير المؤمنين؟ فقيل: لحبابة. فلما عرضتا عليه الصوت قضى لحبابة، فقالت سلامة: و اللّه ما قضى إلا للمنزلة، و إنّه ليعلم أنّ الصواب ما غنّيت، و لكن ائذن لي يا أمير المؤمنين في صلته لأنّ له عليّ حقّا. قال: قد أذنت. فكان ما وصلته به أكثر من حبابة.
ألا حيّ الديار بسعد إنّي *** أحبّ لحبّ فاطمة الديارا(1)
إذا ما حلّ أهلك يا سليمى *** بدارة صلصل شحطوا مزارا(2)
/الشعر لجرير، و الغناء لابن محرز، خفيف ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال:
نزل الفرزدق على الأحوص حين قدم المدينة فقال له الأحوص: ما تشتهي؟ قال: شواء و طلاء و غناء(3).
قال: ذلك لك. و مضى به إلى قينة بالمدينة فغنته:
1) سعد، بالفتح: موضع قريب من المدينة. و قد أنشد ياقوت الأبيات في (سعد) بضم السين على أنه ماء و نخل غربي اليمامة.
2) دارة صلصل لعمرو بن كلاب، كما في ياقوت. شحطوا: بعدوا. ط، مب و «ديوان جرير» 280: «المزارا» و أثبت ما في ها. و في سائر النسخ «الديارا» بالتكرار لما سبق.
3) الطلاء: الخمر، أو ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، و تسميه العجم «ميبختج».
ألا حيّ الديار بسعد إنّي *** أحبّ لحبّ فاطمة الديارا(1)
أراد الظاعنون ليحزنوني *** فهاجوا صدع قلبي فاستطارا
/فقال الفرزدق: ما أرّق أشعاركم يا أهل الحجاز و أملحها! قال: أ و ما تدري لمن هذا الشعر؟ فقال: لا و اللّه. قال: هو لجرير، يهجوك به. فقال: ويل ابن المراغة ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري، و أحوجني مع شهواتي إلى رقّة شعره.
و قد روى صالح بن حسّان أن الصوت الذي اختلفت فيه حبابة و سلامة هو:
و ترى لها دلاّ إذا نطقت به *** تركت بنات فؤاده صعرا(2)
ذكر ذلك حمّاد عن أبيه عن الهيثم بن عديّ: أنهما اختلفتا في هذا الصوت بين يدي يزيد، فقال لهما: من أين جاء اختلافكما، و الصوت لمعبد و منه أخذتماه؟ فقالت هذه: هكذا أخذته، و قالت الأخرى: هكذا أخذته. فقال يزيد: قد اختلفتما و معبد حيّ بعد؟ فكتب إلى عامله بالمدينة يأمره بحمله إليه.
ثم ذكر باقي الخبر مثل ما ذكره أبو بكر بن عيّاش.
قال صالح بن حسّان: فلما دخل معبد إليه لم يسأله عن الصوت، و لكنه أمره أن يغنّي، فغناه فقال:
فيا عزّ إنّ واش وشى بي عندكم *** فلا تكرميه أن تقولي له مهلا(3)
فاستحسنه و طرب ثم قال: إنّ هاتين اختلفتا في صوت لك فاقض بينهما. فقال لحبابة: غنّي. فغنّت، و قال لسلامة: غنّي. فغنّت، و قال: الصواب ما قالت حبابة. فقالت سلاّمة: و اللّه يا ابن الفاعلة إنك لتعلم أنّ الصواب ما قلت، و لكنك سألت أيّتهما آثر عند أمير المؤمنين فقيل لك حبابة، فاتّبعت هواه و رضاه! فضحك يزيد و طرب، و أخذ وسادة فصيّرها على رأسه، و قام يدور في الدار و يرقص/و يصيح: «السمك الطريّ أربعة أرطال، عند بيطار حبان(4)» حتى دار الدار كلّها ثم رجع فجلس مجلسه و قال شعرا، و أمر معبدا أن يغنّي فيه، فغنّى فيه و هو:
أبلغ حبابة أسقى ربعها المطر *** ما للفؤاد سوى ذكراكم وطر
إن سار صحبي لم أملك تذكّركم *** أو عرّسوا فهموم النفس و السّهر
فاستحسنه و طرب. هكذا ذكر إسحاق في الخبر. و غيره يذكر أنّ الصنعة فيه لحبابة، و يزعم ابن خرداذبه أن الصنعة فيه ليزيد. و ليس كما ذكر، و إنما أراد أن يوالي بين الخلفاء في الصنعة، فذكره على غير تحصيل، و الصحيح أنه لمعبد.
قال معبد: فسرّ يزيد لمّا غنيته في هذين البيتين، و كساني و وصلني، ثم لما انصرم مجلسه انصرفت إلى منزلي الذي/أنزلته، فإذا ألطاف سلاّمة قد سبقت ألطاف حبابة، و بعثت إليّ: إني قد عذرتك فيما فعلت، لكن كان الحقّ أولى بك. فلم أزل في ألطافهما جميعا حتى أذن لي يزيد، فرجعت إلى المدينة.
فيا عزّ إنّ واش وشى بي عندكم
أ لم يأن لي يا قلب أنّ أترك الجهلا *** و أن يحدث الشب الملمّ لي العقلا
على حين صار الرأس منّي كأنما *** علت فوقه ندّافة العطب الغزلا(1)
فيا عزّ إن واش وشى بي عندكم *** فلا تكرميه أن تقولي له مهلا(2)
/كما لو وشى واش بودّك عندنا *** لقلنا تزحزح لا قريبا و لا سهلا
فأهلا و سهلا بالذي شدّ وصلنا *** و لا مرحبا بالقائل اصرم لها حبلا
الشعر لكثير، و الغناء لحنين، ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. و ذكر ابن المكي و عمرو و الهشامي أنه لمعبد. و فيه ثاني ثقيل ينسب إلى ابن سريج، و ليس بصحيح.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدّثني الزبير قال: حدّثني ظبية قالت: أنشدت حبابة يوما يزيد بن عبد الملك:
لعمرك إنّني لأحبّ سلعا *** لرؤيتها و من بجنوب سلع
ثم تنفّست تنفّسا شديدا فقال لها: مالك، أنت في ذمة أبي، لئن شئت لأنقلنّه إليك حجرا حجرا. قالت: و ما أصنع به، ليس إياه أردت، إنّما أردت صاحبه. و ربّما قالت: ساكنه.
لعمرك إنّني لأحبّ سلعا *** لرؤيتها و من بجنوب سلع
تقرّ بقربها عيني و إنّي *** لأخشى أن تكون تريد فجعي
حلفت بربّ مكة و الهدايا *** و أيدي السّابحات غداة جمع(3)
لأنت على التنائي فاعلميه *** أحبّ إليّ من بصري و سمعي
الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى، مما لا يشك فيه من غنائه.
قال الزبير: و حدّثتني ظبية أنّ يزيد قال لحبابة و سلاّمة: أيتكما غنّتني ما في نفسي فلها حكمها. فغنّت سلاّمة فلم تصب ما في نفسه، و غنّته حبابة:
حلق من بني كنانة حولي *** بفلسطين يسرعون الركوبا
/فأصابت ما في نفسه فقال: احتكمي. فقالت: سلامة، تهبها لي و مالها. قال: اطلبي غيرها. فأبت، فقال:
أنت أولى بها و مالها. فلقيت سلاّمة من ذلك أمرا عظيما، فقالت لها حبابة: لا ترين إلا خيرا! فجاء يزيد فسألها أن تبيعه إياها بحكمها، فقالت: أشهدك أنّها حرة، /و اخطبها إليّ الآن حتّى أزوّجك مولاتي.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثني إسحاق عن المدائني بنحو هذه القصة.
و قال فيها: فجزعت سلاّمة، فقالت لها: لا تجزعي فإنّما ألاعبه.
حلق من بني كنانة حولي *** بفلسطين يسرعون الركوبا
هزئت أن رأت مشيبي عرسي *** لا تلومي ذوائبي أن تشيبا
الشعر لابن قيس الرقيات، و الغناء لابن سريج، ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.
قال حمّاد بن إسحاق: حدّثني أبي عن المدائني، و أيوب بن عباية قالا:
كانت سلامة المتقدّمة منهما(1)في الغناء، و كانت حبابة تنظر إليها بتلك العين، فلما حظيت عند يزيد ترفّعت عليها فقالت لها سلاّمة: ويحك أين تأديب الغناء(2)و حقّ التعليم؟ أنسيت قول جميلة لك: خذي أحكام ما أطارحك إياه من سلاّمة؟! فلن تزالي بخير ما بقيت لك و كان أمركما مؤتلفا. قالت: صدقت يا خليلتي، و اللّه لا عدت إلى شيء تكرهينه. فما عادت بعد ذلك لها إلى مكروه. و ماتت حبابة و عاشت سلاّمة بعدها دهرا.
/قال المدائني: فرأى يزيد يوما حبابة جالسة فقال: مالك؟ فقالت: أنتظر سلامة. قال: تحبّين أن أهبها لك؟ قالت: لا و اللّه، ما أحب أن تهب لي أختي.
قال المدائني: و كانت حبابة إذا غنّت و طرب يزيد قال لها: أطير؟ فتقول له: فإلى من تدع الناس؟ فيقول:
إليك. و اللّه تعالى أعلم.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني أيوب بن عباية، أن البيذق الأنصاري القارئ كان يعرف حبابة و يدخل عليها بالحجاز، فلما صارت إلى يزيد بن عبد الملك و ارتفع أمرها عنده، خرج إليها يتعرّض لمعروفها و يستميحها، فذكرته ليزيد و أخبرته بحسن صوته. قال: فدعاني يزيد ليلة فدخلت عليه و هو على فرش مشرفة قد ذهب فيها إلى قريب من ثدييه، و إذا حبابة على فرش أخر مرتفعة، و هي دونه، فسلّمت فردّ السلام، و قالت حبابة: يا أمير المؤمنين، هذا أبي. و أشارت إليّ بالجلوس، فجلست و قالت لي حبابة: اقرأ يا أبت. فقرأت فنظرت إلى دموعه تنحدر، ثم قالت: إيه يا أبت حدّث أمير المؤمنين، و أشارت إليّ أن غنّه. فاندفعت في صوت ابن سريج:
من لصب مفنّد *** هائم القلب مقصد(1)
فطرب و اللّه يزيد فحذفني بمدهن فيه فصوص من ياقوت و زبرجد، فضرب صدري، فأشارت إليّ حبابة: أن خذه. فأخذته فأدخلته كمي، فقال: يا حبابة أ لا ترين ما صنع بنا أبوك، أخذ مدهننا فأدخله في كمه؟ فقالت: يا أمير المؤمنين ما أحوجه و اللّه إليه! ثم خرجت من عنده فأمر لي بمائة دينار.
/من لصبّ مفنّد *** هائم القلب مقصد
أنت زوّدته الضّنى *** بئس زاد المزوّد
و لو أني لا أرتجي *** - ك لقد خفّ عوّدي
ثاويا تحت تربة *** رهن رمس بفدفد
غير أنّي أعلّل الن *** فس باليوم أو غد
الشعر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان. و ذكر الزبير بن بكار أنه لجعفر بن الزبير، و الغناء لابن سريج، خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى.
و قال حمّاد: حدّثني أبي عن مخلد بن خداش و غيره، أن حبابة غنت يزيد صوتا لابن سريج، و هو قوله:
ما أحسن الجيد من مليكة و ال *** - لّبّات إذ زانها ترائبها
فطرب يزيد و قال: هل رأيت أحدا أطرب مني؟ قلت: نعم، ابن الطّيّار(2)معاوية بن عبد اللّه بن جعفر، فكتب فيه إلى عبد الرحمن بن الضحاك فحمل إليه، فلما قدم أرسلت إليه حبابة: إنما بعث إليك لكذا و كذا - و أخبرته -
1) التفنيد: تخطئ الرأي و التكذيب. ما عدا ط، ها، مط: «مصيد». و قد أشير في ط إلى أنها رواية في نسخة. و المقصد: المقتول، الذي يرمى فيقتل مكانه.
2) الطيار هو جعفر الطيار بن أبي طالب، قطعت يداه يوم مؤتة، قالوا: فجعل اللّه له جناحين يطير بهما في الجنّة عوضا من يديه اللتين قطعتا. انظر «الحيوان» 233:3 و حواشيه.
فإذا دخلت عليه فلا تظهرنّ طربا حتى أغنيه الصوت الذي غنّيته. فقال: سوأة على كبر سنّي؟ فدعا به يزيد و هو على طنفسة خزّ، و وضع لمعاوية مثلها، فجاءوا بجامين فيهما مسك فوضعت إحداهما بين يدي يزيد و الأخرى بين يدي معاوية، فقال: فلم أدر كيف أصنع. فقلت: انظر كيف يصنع فاصنع مثله. فكان يقلّبه فيفوح ريحه و أفعل/مثل ذلك، فدعا بحبابة فغنّت، فلما غنّت ذلك الصوت أخذ معاوية الوسادة فوضعها على رأسه و قام يدور و ينادي:
«الدّخن بالنوى» يعني اللّوبيا. قال: فأمر له بصلات عدّة دفعات إلى أن خرج، فكان مبلغها ثمانية آلاف دينار.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: أخبرني الزبير بن أبي بكر، عن ظبية:
أنّ حبابة غنّت يوما بين يدي يزيد فطرب ثم قال لها: هل رأيت قطّ أطرب مني؟ قالت: نعم، مولاي الذي باعني. فغاظه ذلك فكتب في حمله مقيّدا، فلما عرف خبره أمر بإدخاله إليه، فأدخل يرسف في قيده، و أمرها فغنّت بغتة:
تشطّ غدا دار جيراننا *** و للدّار بعد غد أبعد
فوثب حتّى ألقى نفسه على الشمعة فأحرق لحيته، و جعل يصيح: الحريق يا أولاد الزنا! فضحك يزيد و قال:
لعمري إنّ هذا لأطرب الناس! فأمر بحلّ قيوده، و وصله بألف دينار، و وصلته حبابة، و ردّه إلى المدينة.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: قال إسحاق:
كان يزيد بن عبد الملك قبل أن تفضي إليه الخلافة، تختلف إليه مغنيّة طاعنة في السّن تدعى أمّ عوف، و كانت محسنة، فكان يختار عليها:
متى أجر خائفا تسرح مطيته *** و إن أخف آمنا تنبو به الدار(1)
سيروا إليّ و أرخوا من أعنّتكم *** إنّي لكلّ امرئ من وتره جار
/فذكرها يزيد يوما لحبابة، و قد كانت أخذت عنها فلم تقدر أن تطعن عليها إلا بالسنّ، فغنت:
أبى القلب إلاّ أمّ عوف و حبّها *** عجوزا و من يحبب عجوزا يفنّد(2)
/فضحك و قال: لمن هذا الغناء؟ فقالت: لمالك. فكان إذا جلس معها للشّرب يقول: غنّيني صوت مالك في أمّ عوف.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثني عمر بن شبّة قال: حدّثني عبد اللّه بن أحمد بن الحارث
العدويّ قال: حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي قال: حدّثني أبو غانم الأزدي قال:
نزل يزيد بن عبد الملك ببيت رأس بالشام، و معه حبابة فقال: زعموا أنّه لا تصفو لأحد عيشة يوما إلى الليل إلاّ يكدرها شيء عليه، و سأجرّب ذلك. ثم قال لمن معه: إذا كان غدا فلا تحبروني بشيء و لا تأتوني بكتاب. و خلا هو و حبابة فأتيا بما يأكلان، فأكلت رمّانة فشرقت بحبّة منها فماتت، فأقام لا يدفنها ثلاثا حتّى تغيرت و أنتنت، و هو يشمّها و يرشفها، فعاتبه على ذلك ذوو قرابته و صديقه(1)، و عابوا عليه ما يصنع، و قالوا: قد صارت جيفة بين يديك! حتّى أذن لهم في غسلها و دفنها، و أمر فأخرجت في نطع، و خرج معها لا يتكلّم حتّى جلس على قبرها، فلما دفنت قال: أصبحت و اللّه كما قال كثيّر:
/فإن يسل عنك القلب أو يدع الصبا *** فباليأس يسلو عنك لا بالتجلّد
و كلّ خليل راءني فهو قائل *** من اجلك: هذا هامة اليوم أو غد(2)
فما أقام إلاّ خمس عشرة ليلة حتى دفن إلى جنبها.
أخبرني أحمد قال: حدّثني عمر قال: حدّثني إسحاق الموصلي قال: حدّثني الفضل بن الربيع عن أبيه عن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة عن أبيه أنّ مسلمة بن عبد الملك قال:
ماتت حبابة فجزع عليها يزيد، فجعلت أؤسّيه و أعزّيه، و هو ضارب بذقنه على صدره ما يكلّمني حتّى دفنها و رجع، فلما بلغ إلى بابه التفت إليّ و قال:
فإن تسل عنك النّفس أو تدع الصّبا *** فباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد
ثم دخل بيته فمكث أربعين يوما ثم هلك.
قال: و جزع عليها في بعض أيامه فقال: انبشوها حتّى انظر إليها. فقيل: تصير حديثا!! فرجع فلم ينبشها.
و قد روى المدائني أنّه اشتاق إليها بعد ثلاثة أيام من دفنه إياها، فقال: لا بدّ من أن تنبش. فنبشت و كشف له عن وجهها و قد تغيّر تغيّرا قبيحا فقيل له: يا أمير المؤمنين، اتّق اللّه، أ لا ترى كيف قد صارت؟ فقال: ما رأيتها قطّ أحسن منها اليوم، أخرجوها. فجاءه مسلمة و وجوه أهله، فلم يزالوا به حتّى أزالوه عن ذلك و دفنوها، و انصرف فكمد كمدا شديدا حتّى مات، فدفن إلى جانبها.
قال إسحاق: و حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الشفافي(3)عن العباس بن محمد، أن يزيد بن عبد الملك أراد الصلاة على حبابة، فكلّمه مسلمة في أن لا يخرج و قال: أنا أكفيك الصلاة عليها. فتخلّف يزيد و مضى مسلمة، حتّى إذا مضى الناس انصرف مسلمة و أمر من صلّى عليها.
و روى الزبير، عن مصعب بن عثمان، عن عبد اللّه بن عروة بن الزبير قال:
خرجت مع أبي إلى الشام في زمن يزيد بن عبد الملك، فلما ماتت حبابة و أخرجت لم يستطع يزيد الركوب من الجزع و لا المشي، فحمل على منبر على رقاب الرجال، فلما دفنت قال: لم أصلّ عليها، انبشوا عنها. فقال له مسلمة: نشدتك اللّه يا أمير المؤمنين، إنّما هي أمة من الإماء، و قد واراها الثرى! فلم يأذن للناس بعد حبابة إلاّ مرة واحدة. قال: فو اللّه ما استتمّ دخول الناس حتى قال/الحاجب: أجيزوا رحمكم اللّه. و لم ينشب يزيد أن مات كمدا.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني إسحاق قال حدّثني ابن أبي الحويرث الثقفي، قال:
لما ماتت حبابة جزع عليها يزيد جزعا شديدا، فضمّ جويرية لها كانت تخدمها إليه، فكانت تحدّثه و تؤنسه، فبينا هو يوما يدور في قصره إذ قال لها: هذا الموضع الذي كنا فيه. فتمثلت:
كفى حزنا للهائم الصبّ أن يرى *** منازل من يهوى معطّلة قفرا
فبكى حتّى كاد يموت. ثم لم تزل(1)تلك الجويرية معه يتذكّر بها حبابة حتّى مات.
أ يدعونني شيخا و قد عشت حقبة *** و هنّ من الأزواج نحوي نوازع
و ما شاب رأسي من سنين تتابعت *** عليّ و لكن شيبته الوقائع
الشعر لأبي الطّفيل صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و الغناء لإبراهيم، خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، عن عمرو و غيره.
1) ط، ح، ها، مط: «ثم ترك».
هو عامر بن واثلة بن عبد اللّه بن عمير(1)بن جابر بن حميس(2)بن جديّ بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار.
و له صحبة برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و رواية عنه. و عمّر بعده عمرا طويلا؛ و كان مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و روى عنه أيضا، و كان من وجوه شيعته، و له منه محلّ خاصّ يستغني بشهرته عن ذكره، ثم خرج طالبا بدم الحسين بن عليّ عليهما السلام، مع المختار بن أبي عبيد، و كان معه حتّى قتل و أفلت هو، و عمّر أيضا بعد ذلك.
حدّثني أحمد بن الجعد قال حدّثنا محمد بن يوسف بن أسوار الجمحيّ بمكة، قال: حدّثنا يزيد بن أبي حكيم قال: حدّثني يزيد بن مليل، عن أبي الطّفيل أنه رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في حجّة الوداع يطوف بالبيت الحرام على ناقته، و يستلم الرّكن بمحجنه.
أخبرناه محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثنا الرياشي قال: حدّثنا أبو عاصم عن معروف بن خرّبوذ عن أبي الطفيل بمثله، و زاد فيه: «ثم يقبل المحجن».
حدّثني أبو عبيد اللّه الصيرفي قال: حدّثنا الفضل بن الحسن المصري قال: حدّثنا أبو نعيم عن بسّام الصّيرفي عن أبي الطّفيل قال:
/سمعت عليا عليه السلام يخطب فقال: سلوني قبل أن تفقدوني. فقام إليه ابن الكوّاء، فقال: ما اَلذّٰارِيٰاتِ ذَرْواً ؟ قال: الرياح. قال: فَالْجٰارِيٰاتِ يُسْراً ؟ قال: السّفن. قال: فَالْحٰامِلاٰتِ وِقْراً ؟ قال: السحاب.
قال: فَالْمُقَسِّمٰاتِ أَمْراً ؟ قال: الملائكة. قال: فمن اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّٰهِ كُفْراً ؟ قال: الأفجران من قريش:
بنو أميّة و بنو مخزوم. قال: فما كان ذو القرنين، أ نبيا أم ملكا؟ قال: كان عبدا مؤمنا - أو قال صالحا - أحبّ اللّه
و أحبّه، ضرب ضربة على قرنه الأيمن/فمات، ثم بعث و ضرب ضربة على قرنه الأيسر فمات. و فيكم مثله.
[و كتب إليّ إسماعيل بن محمد المريّ الكوفي يذكر أنّ أبا نعيم حدّثه بذلك عن بسام. و ذكر مثله(1)].
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال: بلغني أن بشر بن مروان حين كان على العراق قال لأنس بن زنيم: أنشدني أفضل شعر قالته كنانة. فأنشده قصيدة أبي الطّفيل:
أ يدعونني شيخا و قد عشت برهة *** و هنّ من الأزواج نحوي نوازع
فقال له بشر: صدقت هذا أشعر شعرائكم. قال: و قال له الحجاج أيضا: أنشدني قول شاعركم: «أ يدعونني شيخا» فأنشده إياه(2)فقال: قاتله اللّه منافقا، ما أشعره!
حدّثني أحمد بن عيسى العجلي الكوفي، المعروف بابن أبي موسى، قال: حدّثنا الحسين بن نصر بن مزاحم قال: حدّثني أبي قال حدّثني عمرو بن شمر(3)عن جابر الجعفي قال: سمعت ابن حذيم الناجيّ(4)يقول:
لما استقام لمعاوية أمره لم يكن شيء أحبّ إليه من لقاء أبي الطّفيل عامر بن واثلة، فلم يزل يكاتبه و يلطف له(5)حتّى أتاه، فلما قدم عليه جعل يسائله عن أمر الجاهلية، و دخل عليه عمرو بن العاص و نفر معه، فقال لهم معاوية: أ ما تعرفون هذا؟ هذا خليل أبي الحسن. ثم قال: يا أبا الطفيل ما بلغ من حبّك لعليّ؟ قال حبّ أمّ موسى لموسى. قال: فما بلغ من بكائك عليه؟ قال: بكاء العجوز الثّكلى و الشّيخ الرقوب(6)، و إلى اللّه أشكو التقصير.
قال معاوية: إنّ أصحابي هؤلاء لو سئلوا عنّي ما قالوا فيّ ما قلت في صاحبك. قالوا: إذا و اللّه ما نقول الباطل. قال لهم معاوية: لا و اللّه و لا الحقّ تقولون. ثم قال معاوية: و هو الذي يقول:
إلى رجب السّبعين تعترفونني *** مع السيف في حوّاء جمّ عديدها(7)
رجوف كمتن الطّود فيها معاشر *** كغلب السّباع نمرها و أسودها(8)
كهول و شبّان و سادات معشر *** على الخيل فرسان قليل صدودها
/كأنّ شعاع الشّمس تحت لوائها *** إذا طلعت أعشى العيون حديدها
1) التكملة من ط، ها، مط. لكن في ها: «عن يسار» و قد سبق أنه «بسام الصيرفي».
2) هذه الكملة من ط، مط. و في ها: «فأنشده إياها».
3) ما عدا ط، ها، مط: «عمر بن شبة»، و إنما كان نصر بن مزاحم يروي عن «عمرو بن شمر» و يكثر الرواية عنه. انظر وقعة صفين في غير موضع، و لا سيما صفحة 189 ففيها هذا السند بعينه.
4) و يقال: «ابن حذلم» أيضا، و هو تميم بن حذيم الناجي الضبي الكوفي المتوفى سنة 100. انظر حواشي وقعة صفين ص 189.
5) يلطف له، من اللطف، و هو الرفق و المداناة.
6) الرقوب: الذي مات ولده، أو الذي لا يبقى له ولد.
7) الحواء: السوداء، عنى بها الكتيبة التي يعلو الصدأ سلاحها.
8) رجوف: تضطرب من كثرتها. و الغلب: جمع أغلب، و هو الغليظ الرقبة.
يمورون مور الرّيح إما ذهلتم *** و زلّت بأكفال الرجال لبودها(1)
شعارهم سيما النبيّ، و راية *** بها انتقم الرحمن ممن يكيدها
تخطّفهم إياكم عند ذكرهم *** كخطف ضواري الطّير طيرا تصيدها(2)
فقال معاوية لجلسائه: أ عرفتموه؟ قالوا: نعم، هذا أفحش شاعر و ألأم جليس. فقال معاوية: يا أبا الطّفيل أ تعرفهم؟ فقال: ما أعرفهم بخير، و لا أبعدهم من شرّ. قال: و قام خزيمة الأسديّ فأجابه فقال:
إلى رجب أو غرّة الشهر بعده *** تصبّحكم حمر المنايا و سودها
ثمانون ألفا دين عثمان دينهم *** كتائب فيها جبرئيل يقودها
فمن عاش منكم عاش عبدا و من يمت *** ففي النار سقياه هناك صديدها
أخبرني عبد اللّه بن محمد الرازي قال: حدّثنا أحمد بن الحارث قال: حدّثنا المدائني عن أبي مخنف عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، قال:
لما رجع محمد بن الحنفية من الشام حبسه ابن الزبير في سجن عارم، فخرج إليه جيش من الكوفة عليهم أبو الطّفيل/عامر بن واثلة، حتى أتوا سجن عارم فكسروه و أخرجوه، فكتب ابن الزّبير إلى أخيه مصعب: أن يسيّر نساء كلّ من خرج لذلك. فأخرج مصعب نساءهم و أخرج فيهن أمّ الطفيل امرأة أبي الطفيل، و ابنا له صغيرا يقال له يحيى، فقال أبو الطفيل في ذلك:
إن يك سيّرها مصعب *** فإني إلى مصعب مذنب
/أقود الكتيبة مستلمّا *** كأنّي أخو عرّة أجرب(3)
عليّ دلاص تخيّرتها *** و في الكفّ ذو رونق مقضب(4)
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثنا محمد بن حميد الرازي قال: حدّثنا سلمة بن الفضل عن فطر بن(5)خليفة قال:
سمعت أبا الطفيل يقول: لم يبق من الشّيعة غيري. ثم تمثّل:
1) زلل اللبود: كناية عن اشتداد المعركة و اضطرابها.
2) تخطفهم، هي فيما عداها، مط: «تخطفكم» تحريف. ما عدا ط و ح، ها، مط: «آباؤكم». و فيما عدا ط، ها: «صيدا يصيدها»، محرفتان.
3) العرة، بالضم: الجرب.
4) الدلاص، بالكسر: الدرع الملساء اللبنة. ذو وفق، أي سيف. و رونق السيف: ماؤه و صفاؤه و حسنه. و المقضب: القاطع. ما عدا ط، ح، ها، مط: «يقضب».
5) قطر بن خليفة، ترجم له في «تهذيب التهذيب». ط: «قطن بن خليفة» تحريف.
و خلّفت سهما في الكنانة وحدا *** سيرمى به أو يكسر السهم كاسره(1)
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني أبو عاصم قال: حدّثني شيخ من بني تيم اللات قال:
كان أبو الطفيل مع المختار في القصر، فرمى بنفسه قبل أن يؤخذ و قال:
و لما رأيت الباب قد حيل دونه *** تكسّرت باسم اللّه فيمن تكسّرا
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدّثنا أحمد بن عبد اللّه بن شداد النّشّابي قال: حدّثني المفضّل بن غسان قال: حدّثني عيسى بن واضح، عن سليم بن مسلم المكي، عن ابن جريج عن عطاء قال:
دخل عبد اللّه بن صفوان على عبد اللّه بن الزّبير، و هو يومئذ بمكة، فقال: أصبحت كما قال الشاعر(2):
فإن تصبك من الأيام جائحة *** لا أبك منك على دنيا و لا دين
/قال: و ما ذاك يا أعرج؟ قال: هذا عبد اللّه بن عباس يفقّه الناس، و عبيد اللّه أخوه يطعم الناس، فما بقّيا لك؟ فأحفظه ذلك فأرسل صاحب شرطته عبد اللّه بن مطيع فقال له: انطلق إلى ابني عباس فقل لهما: أ عمدتما إلى راية ترابية(3)قد وضعها اللّه فنصبتماها، بدّدا عنّي جمعكما و من ضوى(4)إليكما من ضلاّل أهل العراق، و إلاّ فعلت و فعلت! فقال ابن عباس: قل لابن الزبير: يقول لك ابن عباس: ثكلتك أمّك، و اللّه ما يأتينا من النّاس غير رجلين:
طالب فقه أو طالب فضل، فأيّ هذين تمنع؟ فأنشأ أبو الطفيل عامر بن واثلة يقول:
لا درّ درّ الليالي كيف تضحكنا *** منها خطوب أعاجيب و تبكينا
و مثل ما تحدث الأيام من غير *** يا ابن الزبير عن الدنيا يسلّينا
كنّا نجيء ابن عباس فيقبسنا *** علما و يكسبنا أجرا و يهدينا
و لا يزال عبيد اللّه مترعة *** جفانه مطعما ضيفا و مسكينا
فالبرّ و الدّين و الدّنيا بدارهما *** ننال منها الذي نبغي إذا شينا
إن النبيّ هو النور الذي كشفت *** به عمايات باقينا و ماضينا
/و رهطه عصمة في ديننا و لهم *** فضل علينا و حقّ واجب فينا
و لست فاعلمه أولى منهم رحما *** يا ابن الزبير و لا أولى به دينا
ففيم تمنعهم عنّا و تمنعنا *** منهم، و تؤذيهم فينا و تؤذينا
لن يؤتى اللّه من أخزى ببغضهم *** في الدين عزّا و لا في الأرض تمكينا(5)
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني الزبير بن بكار قال: حدّثني بعض أصحابنا:
أن أبا الطفيل عامر بن واثلة دعي في مأدبة، فغنّت فيها قينة قوله يرثي ابنه:
خلّى طفيل عليّ الهمّ و انشعبا *** و هدّ ذلك ركني هدّة عجبا
فبكى حتّى كاد يموت.
و قد أخبرني بهذا الخبر عمي عن طلحة بن عبد اللّه الطلحي، عن أحمد بن إبراهيم: أنّ أبا الطفيل دعي إلى وليمة فغنت قينة عندهم:
خلّى عليّ طفيل الهمّ و انشعبا *** و هدّ ذلك ركني هدّة عجبا
و ابني سمية لا أنساهما أبدا *** فيمن نسيت و كلّ كان لي وصبا
فجعل ينشج و يقول: هاه هاه طفيل! و يبكي حتّى سقط على وجهه ميتا.
و أخبرني محمد بن مزيد قال: حدّثنا حمّاد عن أبيه بخبر أبي الطفيل هذا، فذكر مثل ما مضى، و زاد في الأبيات:
فاملك عزاءك إن رزء بليت به *** فلن يردّ بكاء المرء ما ذهبا
و ليس يشفي حزينا من تذكّره *** إلاّ البكاء إذا ما ناح و انتحبا
فإذ سلكت سبيلا كنت سالكها *** و لا محالة أن يأتي الذي كتبا
فما لبطنك من ريّ و لا شبع *** و لا ظللت بباقي العيش مرتغبا(1)
و قال حمّاد بن إسحاق حدّثني أبي قال: حدّثني أبو عبد اللّه الجمحي عن أبيه قال:
/بينا فتية من قريش ببطن محسّر يتذاكرون الأحاديث و يتناشدون الأشعار، إذ أقبل طويس و عليه قميص قوهيّ و حبرة قد ارتدى بها(2)، و هو يخطر في مشيته، فسلّم ثم جلس، فقال له القوم: يا أبا عبد المنعم، لو غنّيتنا؟ قال:
نعم و كرامة أغنيكم بشعر شيخ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، من شيعة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و صاحب رايته، أدرك الجاهلية و الإسلام، و كان سيّد قومه و شاعرهم. قالوا: و من ذاك يا أبا عبد المنعم فدتك أنفسنا؟ قال:
ذلك أبو الطّفيل عامر بن واثلة، ثمّ اندفع فغنى:
أ يدعونني شيخا و قد عشت حقبة *** و هنّ من الأزواج نحوي نوازع
فطرب القوم و قالوا: ما سمعنا قطّ غناء أحسن من هذا.
و هذا الخبر يدلّ على أن فيه لحنا قديما و لكنّه ليس يعرف.
لمن الدار أقفرت بمعان *** بين شاطي اليرموك فالصّمّان(1)
/فالقريّات من بلاس فداريا فسكّاء فالقصور الدواني(2)
ذاك مغنى لآل جفنة في الدّه *** ر و حقّ تصرّف الأزمان(3)
صلوات المسيح في ذلك الدي *** ر دعاء القسّيس و الرّهبان
/الشعر لحسان بن ثابت، و الغناء لحنين بن بلوع، خفيف ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى الوسطى.
و هذا الصوت من صدور الأغاني و مختارها، و كان إسحاق يقدّمه و يفضّله. و وجدت في بعض كتبه بخطه قال: الصّيحة التي في لحن حنين:
لمن الدار أقفرت بمعان
أخرجت من الصدر، ثم من الحلق، ثم من الأنف، ثم من الجبهة، ثم نبرت(4)فأخرجت من القحف، ثم نوّنت(5)مردودة إلى الأنف، ثم قطعت.
و في هذه الأبيات و أبيات غيرها من القصيدة ألحان لجماعة اشتركوا فيها، و اختلف أيضا مؤلفو الأغاني في ترتيبها و نسبة بعضها مع بعض إلى صاحبها الذي صنعها، فذكرت هاهنا على ذلك و شرح ما قالوه فيها. فمنها:
قد عفا جاسم إلى بيت رأس *** فالحواني فجانب الجولان(6)
فحمى جاسم فأبنية الصّ *** فّر مغنى قنابل و هجان(7)
1) معان، بالفتح و المحدّثون يقولونه بالضم: مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء. و الصمان هي أيضا رواية ياقوت، و قال: «فيما أحسب من نواحي الشام بظاهر البلقاء». قلت: و صواب الرواية «الخمان» كما في «ديوان حسان» 414 و هي من نواحي البثنية من أرض الشام.
2) بلاس بالفتح: بلد بينه و بين دمشق عشرة أميال. و داريا: بفتح الراء: قرية كبيرة من قرى دمشق بالغوطة، ينسب إليها الداراني. و سكاء بالسين المهملة، قرية من قرى دمشق في الغوطة. ط، ها، مط: «شكاه» تحريف.
3) رواية «الديوان» 415: «في الدهر» كما أثبت من ها. و في سائر الأصول هنا: «في الدار».
4) نبرت: رفعت. في ها: «نثرت»، و في مط: «مرت». و أثبت ما في ط. و في سائر الأصول: «ثبرت».
5) ما عدا ط، ها، مط: «بوئت».
6) الجولان، بالفتح: جبل من نواحي دمشق.
7) القنابل: جمع قنبل و قنبلة بالفتح، و هي الطائفة من الناس و من الخيل. و الهجان من الناس: الخالص الكريم، و من الإبل: البيض الكرام.
فالقريات من بلاس فداريّا *** فسكّاء فالقصور الدّواني
قد دنا الفصح فالولائد ينظم *** ن سراعا أكلّة المرجان(1)
/يتبارين في الدعاء إلى اللّ *** ه و كلّ الدّعاء للشيطان
ذاك مغنى لآل في جفنة في الدّه *** ر و حقّ تصرّف الأزمان(2)
صلوات المسيح في ذلك الدّي *** ر دعاء القسّيس و الرّهبان
قد أراني هناك حقّ مكين *** عند ذي التاج مقعدي و مكاني
ذكر عمرو بن بانة أنّ لابن محرز في الأوّل من هذه الأبيات و الرابع خفيف ثقيل أوّل بالبنصر و ذكر علي بن يحيى أنّ لابن سريج في الرابع و الخامس رملا بالوسطى، و أن لمعبد فيهما و فيما بعدهما من الأبيات خفيف ثقيل، و لمحمد بن إسحاق بن برثع(3)ثقيل أوّل في الرابع و الثامن.
و ذكر الهشامي أنّ في الأوّل لمالك خفيف ثقيل، و وافقه حبش. و ذكر حبش أنّ لمعبد في الأوّل و الثاني و الرابع ثقيلا أوّل بالبنصر.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري و حبيب بن نصر المهلّبي قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني هارون بن عبد اللّه الزّهري قال: حدّثني يوسف بن الماجشون عن أبيه قال:
قال حسّان بن ثابت: أتيت جبلة بن الأيهم الغسّاني و قد مدحته، فأذن لي فجلست بين يديه، و عن يمينه رجل له ضفيرتان، و عن يساره رجل لا أعرفه، فقال: أ تعرف هذين؟ فقلت: أمّا هذا فأعرفه، و هو النابغة، و أما هذا فلا أعرفه. قال: فهو علقمة بن عبدة، فإن شئت استنشدتهما و سمعت منهما، ثم إن شئت أن تنشد بعدهما أنشدت، و إن شئت أن تسكت سكتّ. قلت: فذاك. قال: فأنشده النابغة:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب *** و ليل أقاسيه بطيء الكواكب
قال: فذهب نصفي. ثم قال لعلقمة: أنشد. فأنشد:
طحا بك قلب في الحسان طروب *** بعيد الشباب عصر حان مشيب(1)
فذهب نصفي الآخر فقال لي: أنت أعلم، الآن إن شئت أن تنشد بعدهما أنشدت، و إن شئت أن تسكت سكتّ. فتشدّدت ثم قلت: لا بل، أنشد. قال: هات. فأنشدته:
للّه درّ عصابة نادمتها *** يوما بجلّق في الزّمان الأوّل(2)
أولاد جفنة عند قبر أبيهم *** قبر ابن مارية الكريم المفضل
يسقون من ورد البريص عليهم *** كأسا تصفّق بالرحيق السلسل(3)
/يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم *** لا يسألون عن السّواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم *** شمّ الأنوف من الطراز الأوّل
فقال لي: ادنه، ادنه، لعمري ما أنت بدونهما. ثم أمر لي بثلاثمائة دينار، و عشرة أقمصة لها جيب واحد، و قال: هذا لك عندنا في كلّ عام.
و قد ذكر أبو عمرو الشّيباني هذه القصة لحسان و وصفها و قال: إنّما مضله عمرو بن الحارث الأعرج، و مدحه بالقصيدة اللامية. و أتى بالقصّة أتمّ من هذه الرواية.
قال أبو عمرو: قال حسان بن ثابت: قدمت على عمرو بن الحارث فاعتاص الوصول عليّ إليه، فقلت للحاجب بعد مدّة: إن أذنت لي عليه و إلا هجوت اليمن كلّها ثم انقلبت عنكم. فأذن لي فدخلت عليه فوجدت عنده النابغة و هو جالس عن يمينه، و علقمة بن عبدة و هو جالس عن يساره، فقال لي: يا ابن الفريعة، قد عرفت عيصك(1)و نسبك في غسّان فارجع فإنّي باعث إليك بصلة سنيّة، و لا أحتاج إلى الشعر، فإنّي أخاف عليك هذين السّبعين: النابغة و علقمة، أن يفضحاك، و فضيحتك فضيحتي، و أنت و اللّه لا تحسن أن تقول:
رقاق النّعال طيّب حجزاتهم *** يحيّون بالريحان يوم السّباسب
فأبيت و قلت: لا بدّ منه. فقال: ذاك إلى عمّيك. فقلت لهما: بحقّ الملك إلاّ قدّمتماني عليكما. فقالا: قد فعلنا. فقال عمرو بن الحارث: هات يا ابن الفريعة. فأنشأت:
أ سألت رسم الدّار أم لم تسأل *** بين الحواني فالبضيع فحومل(2)
/فقال: فلم يزل عمرو بن الحارث يزحل(3)عن موضعه سرورا حتى شاطر البيت و هو يقول: هذا و أبيك الشّعر، لا ما تعلّلاني به منذ اليوم! هذه و اللّه البتّارة(4)التي قد بترت المدائح، أحسنت يا ابن الفريعة، هات له يا غلام ألف دينار مرجوحة(5)و هي التي في كلّ دينار عشرة دنانير. فأعطيت ذلك ثم قال: لك عليّ في كلّ سنة مثلها.
ثم أقبل على النابغة فقال: قم يا زياد فهات الثّناء المسجوع. فقام النابغة فقال:
ألا انعم صباحا أيّها الملك المبارك، السّماء غطاؤك، و الأرض وطاؤك، و والداي فداؤك، و العرب وقاؤك، و العجم حماؤك(6)، و الحكماء جلساؤك، و المداره سمّارك(7)، و المقاول إخوانك(8)، و العقل شعارك، و الحلم دثارك، و السكينة مهادك، و الوقار غشاؤك، و البرّ وسادك، و الصّدق رداؤك، و اليمن حذاؤك(9)، و السّخاء ظهارتك،
1) العيص، بالكسر: الأصل.
2) الحواني، هي في «الديوان»: «الجوابي». و في «شرحه»: «أراد جابية الجولان. و الجولان ما بين دمشق إلى الأردن». البضيع، بالتصغير: جبل بالشام أسود. ح: «بالنصيع» و في سائر النسخ ما عدا ط: «فالبصيع» صوابهما في ط.
3) يزحل: يتنحى و يتباعد.
4) أ، ط، ح، ها.، مط: «البنانة». و البت و البتر بمعنى.
5) ط، ها، مط: «مرموجة» أ: «مرجوجة». و أثبت ما في سائر النسخ. و قد تكون هذه التسمية من قبيل التسمية بالأضداد، كما يقال للديغ سليم.
6) في «اللسان»: «و يقال حماء لك بالمد، في معنى فداء لك».
7) المداره: جمع مدره كمنبر، و هو المقدم في «اللسان» و اليد عند الخصومة و القتال.
8) المقاول: جمع مقول بالكسر، و هو الملك من ملوك حمير دون الملك الأعلى.
9) اليمن، البركة و خلاف الشؤم. أي تسير البركة تحت قدميه.
و الحميّة بطانتك، و العلاء علايتك(1)، و أكرم الأحياء أحياؤك(2)، و أشرف الأجداد أجدادك، و خير الآباء آباؤك، و أفضل الأعمام أعمامك، و أسرى الأخوال أخوالك، و أعفّ النساء حلائلك، و أفخر الشبّان أبناؤك، و أطهر الأمّهات أمّهاتك، /و أعلى البنيان بنيانك، و أعذب المياه أمواهك، و أفيح الدارات داراتك(3)، و أنزه الحدائق حدائقك(4)، و أرفع اللباس لباسك، قد حالف الإضريج عاتقيك(5)، و لاءم المسك مسكك(6)و جاور العنبر ترائبك، و صاحب النعيم جسدك. العسجد آنيتك، و اللّجين صحافك، و العصب مناديلك(7)، و الحوّاري طعامك(8)، و الشّهد إدامك، و اللذات غذاؤك(9)، و الخرطوم شرابك(10)، و الأبكار/مستراحك، و الأشراف مناصفك(11)، و الخير بفنائك، و الشرّ بساحة أعدائك، و النّصر منوط بلوائك، و الخذلان مع ألوية حسّادك، و البر فعلك. قد طحطح عدوّك غضبك(12)، و هزم مغايبهم مشهدك(13)و سار في الناس عدلك، و شسع بالنصر ذكرك(14)و سكّن قوارع الأعداء ظفرك. /الذّهب عطاؤك، و الدواة رمزك(15)، و الأوراق لحظك و إطراقك، و ألف دينار مرجوحة(16)إنماؤك(17).
أ يفاخرك المنذر اللخمي، فو اللّه لقفاك خير من وجهه، و لشمالك خير من يمينه، و لأخمصك خير من رأسه(18)، و لخطاؤك خير من صوابه(19)، و لصمتك خير من كلامه، و لأمّك خير من أبيه، و لخدمك خير من قومه. فهب لي أسارى قومي، و استرهن بذلك شكري(20)فإنّك من أشراف قحطان، و أنا من سروات عدنان.
فرفع عمرو رأسه إلى جارية كانت قائمة على رأسه و قال: بمثل هذا فليثن على الملوك، و مثل ابن الفريعة فليمدحهم! و أطلق له أسرى قومه.
1) العلاية، بالفتح: كل موضع مرتفع. ط، ها، مط: «غايتك» أ، ح: «غلايتك» و أثبت ما في سائر النسخ.
2) الأحياء: جمع حي، و هو البطن من بطون العرب.
3) أفيح: أوسع. دار فيحاء: واسعة. ط، مط «دارتك» بالإفراد. ها: «و أفيح الديار ديارك».
4) مكان نزه: بعيد عن الريف و غمق المياه و ذبان القرى.
5) الإضريج: ضرب من الأكسية أصفر، أو هو الخز الأحمر.
6) لاءم: وافق. و المسك، بالفتح: الجلد.
7) العصب: ضرب من برود اليمن.
8) الحواري، بضم الحاء و تشديد الواو و فتح الراء مع القصر: الدقيق الأبيض، و هو لباب الدقيق و أجوده و أخلصه. و في جمهور الأصول: «الحوار» مع ضبطها في ط بضم الحاء و تشديد الراء. و في ح بتشديد الواو فقط. و الصواب ما أثبت من ها.
9) اللذات: اللذيذات من الأطعمة. و اللذ و اللذة: اللذيذ.
10) الخرطوم: الخمر السريعة الإسكار. و السلاف: الذي سال من غير عصير.
11) المناصف: جمع منصف، كمقعد و منبر، و هو الخادم.
12) طحطحهم: بددهم و فرقهم و كسرهم. و العدو هنا: الأعداء.
13) المغايب: جمع مغيب مقابل المشهد. و الكلمة محرّفة في الأصول. فهي في ط، ح، أ، ها، مط: «مقانبهم» و هي مع صحتها لا تلائم نسج القول. و في سائر الأصول: «مغانيهم».
14) شسع: صار بعيدا ذائعا.
15) الرمز: الإشارة.
16) ط، ها، مط: «مرموجة» أ: «مرجوجة». و قد سبق الكلام على تحقيقه في 159.
17) الإنماء: الزيادة.
18) الأخمص: هو من باطن القدم ما لا يصيب الأرض.
19) الخطاء: الخطأ. ما عدا ط، ح، أ، ها، مط «و لخطؤك».
20) استرهن، من الرهن، رهن لك الشيء: أقام و دام.
و ذكر ابن الكلبي، هذه القصّة نحو هذا و قال: فقال له عمرو: اجعل المفاضلة بيني و بين المنذر شعرا فإنه أسير(1). فقال:
و نبّئت أن أبا منذر *** يساميك للحدث الأكبر
قذالك أحسن من وجهه *** و أمّك خير من المنذر
و يسراك أجود من كفّه ال *** يمين فقولا له أخّر(2)
/و قد ذكر المدائني أنّ هذه الأبيات و السجع الذي قبلها لحسان، و هذا أصحّ.
قال أبو عمرو الشيباني: لمّا أسلم جبلة بن الأيهم الغساني و كان من ملوك آل جفنة، كتب إلى عمر رضي اللّه عنه يستأذنه في القدوم عليه، فأذن له عمر فخرج إليه في خمسمائة من أهل بيته، من عكّ و غسان، حتّى إذا كان على مرحلتين كتب إلى عمر يعلمه بقدومه، فسرّ عمر رضوان اللّه عليه، و أمر الناس باستقباله، و بعث إليه بأنزال(3)، و أمر جبلة مائتي رجل من أصحابه فلبسوا الدّيباج(4)و الحرير، و ركبوا الخيول معقودة أذنابها، و ألبسوها قلائد الذهب و الفضة، و لبس جبلة تاجه و فيه قرطا مارية - و هي جدّته - و دخل المدينة، فلم يبق بها بكر و لا عانس إلاّ تبرجت و خرجت تنظر إليه و إلى زيّه، فلما انتهى إلى عمر رحّب به و ألطفه و أدنى مجلسه، ثم أراد عمر الحجّ فخرج معه جبلة، فبينا هو يطوف بالبيت و كان مشهورا بالموسم، إذ وطئ إزاره رجل من بني فزارة فانحلّ، فرفع جبلة يده فهشم أنف الفزاري، فاستعدى عليه عمر رضوان اللّه عليه، فبعث إلى جبلة فأتاه فقال: ما هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنّه تعمّد حلّ إزاري، و لو لا حرمة الكعبة لضربت بين عينيه بالسّيف! فقال له عمر: قد أقررت فإمّا أن رضي الرجل و إمّا أن أقيده منك. قال جبلة: ما ذا تصنع بي؟ قال: آمر بهشم أنفك كما فعلت. قال: و كيف ذاك يا أمير المؤمنين، و هو سوقة و أنا ملك؟ قال: إنّ الإسلام جمعك و إياه، فلست تفضله بشيء إلا بالتّقى و العافية!! قال جبلة: قد ظننت يا أمير المؤمنين أنّي أكون في الإسلام أعزّ مني في الجاهلية. قال عمر: دع عنك هذا فإنّك إن لم ترض الرجل أقدته منك. قال: إذا أتنصّر. قال: /إن تنصّرت ضربت عنقك، لأنّك قد أسلمت، /فإن ارتددت قتلتك. فلما رأى جبلة الصّدق من عمر قال: أنا ناظر في هذا ليلتي هذه. و قد اجتمع بباب عمر من حيّ هذا و حيّ هذا خلق كثير، حتى كادت تكون بينهم فتنة، فلما أمسوا أذن له عمر في الانصراف، حتّى إذا نام الناس و هدءوا تحمل جبلة بخيله و رواحله إلى الشام، فأصبحت مكة و هي منهم بلاقع، فلما انتهى إلى الشام تحمل في خمسمائة رجل من قومه حتّى أتى القسطنطينية، فدخل إلى هرقل، فتنصّر هو و قومه، فسرّ هرقل بذلك جدّا و ظنّ أنه فتح من الفتوح عظيم، و أقطعه حيث شاء، و أجرى عليه من النّزل ما شاء، و جعله من محدّثيه و سمّاره. هكذا ذكر أبو عمرو.
و ذكر ابن الكلبي أنّ الفزاريّ لما وطئ إزار جبلة لطم جبلة كما لطمه، فوثبت غسّان فهشموا أنفه و أتوا به عمر، ثم ذكر باقي الخبر نحو ما ذكرناه.
و ذكر الزبير بن بكّار فيما أخبرنا به الحرمي بن أبي العلاء عنه أن محمد بن الضحاك حدّثه عن أبيه:
أن جبلة قدم على عمر رضي اللّه عنه في ألف من أهل بيته فأسلم. قال: و جرى بينه و بين رجل من أهل المدينة كلام، فسبّ المديني(1)فردّ عليه، فلطمه جبلة فلطمه المديني، فوثب عليه أصحابه فقال: دعوه حتّى أسأل صاحبه و انظر ما عنده. فجاء إلى عمر فأخبره فقال: إنك فعلت به فعلا ففعل بك مثله. قال: أ و ليس عندك من الأمر إلاّ ما أرى. قال: لا فما الأمر عندك يا جبلة؟ قال: من سبّنا ضربناه، و من ضربنا قتلناه. قال: إنّما أنزل القرآن بالقصاص. فغضب و خرج بمن معه و دخل أرض الروم فتنصّر، ثم ندم و قال:
تنصّرت الأشراف من عار لطمة
/و ذكر الأبيات، و زاد فيها بعد:
و يا ليت لي بالشأم أدنى معيشة *** أجالس قومي ذاهب السمع و البصر
أدين بما دانوا به من شريعة *** و قد يحبس العود الضّجور على الدّبر(2)
و ذكر باقي خبره فيما وجّه به إلى حسّان مثله، و زاد فيه:
أنّ معاوية لما ولي بعث إليه فدعاه إلى الرجوع إلى الإسلام، و وعده إقطاع الغوطة بأسرها، فأبى و لم يقبل.
ثم إنّ عمر رضي اللّه عنه بدا له أن يكتب إلى هرقل يدعوه إلى اللّه جلّ و عزّ و إلى الإسلام، و وجّه إليه رجلا من أصحابه، و هو جثّامة بن مساحق الكناني، فلما انتهى إليه الرجل بكتاب عمر أجاب إلى كلّ شيء سوى الإسلام، فلما أراد الرسول الانصراف قال له هرقل: هل رأيت ابن عمّك هذا الذي جاءنا راغبا في ديننا؟ قال: لا. قال:
فالقه. قال الرجل: فتوجهت إليه فلما انتهيت إلى بابه رأيت من البهجة و الحسن و السّرور ما لم أر بباب هرقل مثله، فلما أدخلت عليه إذا هو في بهو عظيم، و فيه من التصاوير ما لا أحسن وصفه، و إذا هو جالس على سرير من قوارير، قوائمه أربعة أسد من ذهب، و إذا هو رجل أصهب سبال و عثنون، و قد أمر بمجلسه فاستقبل به وجه الشمس، فما بين يديه من آنية الذهب و الفضّة يلوح، فما رأيت أحسن منه. فلمّا سلمت ردّ السلام و رحّب بي، و ألطفني و لا مني على تركي النزول عنده، ثم أقعدني على شيء لم أثبته، فإذا هو كرسيّ من ذهب، فانحدرت عنه فقال: مالك؟ فقلت: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم نهى عن هذا. فقال جبلة أيضا مثل قولي/في النبي صلّى اللّه عليه و سلّم حين ذكرته، و صلّى عليه. ثم قال: يا هذا إنّك إذا طهّرت قلبك/لم يضرك ما لبسته و لا ما جلست عليه. ثم سألني عن الناس و ألحف في السؤال عن عمر، ثم جعل يفكّر حتى رأيت الحزن في وجهه، فقلت: ما يمنعك من الرجوع إلى قومك
و الإسلام؟ قال: أبعد الذي قد كان؟ قلت: قد ارتد الأشعث بن قيس.
و منعهم الزكاة و ضربهم بالسّيف ثم رجع إلى الإسلام. فتحدّثنا مليّا ثم أومأ إلى غلام على رأسه فولّي يحضر، فما كان إلاّ هنيهة حتّى أقبلت الأخونة يحملها الرجال فوضعت، و جيء بخوان من ذهب فوضع أمامي فاستعفيت منه، فوضع أمامي خوان خلنج(1)و جامات قوارير(2)، و أديرت الخمر فاستعفيت منها، فلما فرغنا دعا بكأس من ذهب فشرب به(3)خمسا عددا. ثم أومأ إلى غلام فولّي يحضر، فما شعرت إلا بعشر جوار يتكسّرن في الحلي، فقعد خمس عن يمينه و خمس عن شماله، ثم سمعت وسوسة من ورائي، فإذا أنا بعشر أفضل من الأول عليهن الوشي و الحلي، فقعد خمس عن يمينه و خمس عن شماله، و أقلبت جارية على رأسها طائر أبيض كأنّه لؤلؤة، مؤدّب، و في يدها اليمنى جام فيه مسك و عنبر قد خلطا و أنعم سحقهما، و في اليسرى جام فيه ماء ورد، فألقت الطائر في ماء الورد، فتمعّك بين جناحيه و ظهره و بطنه(4)، ثم أخرجته فألقته في جام المسك و العنبر، فتمعّك فيها حتى لم يدع فيها شيئا، ثم نفّرته فطار فسقط على تاج جبلة، ثم رفرف و نفض ريشه فما بقي عليه شيء إلاّ سقط على رأس جبلة، ثم قال للجواري: أطربنني. فخفقن بعيدانهنّ يغنين:
/للّه درّ عصابة نادمتهم *** يوما بجلّق في الزمان الأوّل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم *** شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم *** لا يسألون عن السّواد المقبل
فاستهلّ و استبشر و طرب ثم قال: زدنني. فاندفعن يغنين:
لمن الدار أقفرت بمعان *** بين شاطي اليرموك فالصّمّان(5)
فحمى جاسم فأبنية الصّفّر مغنى قنابل و هجان(6)فالقريات من بلاس فداريّا فسكّاء فالقصور الدواني
ذاك مغنى لآل جفنة في الدّ *** ار و حقّ تعاقب الأزمان
قد دنا الفصح فالولائد ينظم *** ن سراعا أكلّة المرجان
لم يعلّلن بالمغافير و الصّم *** - غ و لا نقف حنظل الشّريان(7)
قد أراني هناك حقّا مكينا *** عند ذي التاج مقعدي و مكاني
1) الخلنج: شجر تتخذ من حشه الأواني و نحوها، فارسي معرب. ما عدا ط، أ، ها: مط: «خليج» محرّف.
2) الجام: إناء ذكر اللغويون أنه من الفضة. و القوارير: الزجاج.
3) هذا ما في ها. و في ط، أ، مط: «فيه» و سائر النسخ: «منه».
4) تمعك: تمرغ.
5) سبق الكلام على البيت و روايته في ص 154.
6) ما عدا ط، أ، مط: «قبائل» و قد مضى تفسير البيت في ص 155.
7) الشريان، بالكسر: موضع.
فقال: أ تعرف هذه المنازل؟ قلت: لا. قال: هذه منازلنا في ملكنا بأكناف دمشق، و هذا شعر ابن الفريعة حسّان بن ثابت، شاعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.
قلت: أما إنّه مضرور البصر كبير السنّ. قال: يا جارية هاتي. فأتته بخمسمائة دينار و خمسة أثواب من الدّيباج، فقال: ادفع هذا إلى حسّان و أقرئه منّي السلام.
ثم أرادني(1)على مثلها، فأبيت فبكى، ثم قال/لجواريه: أبكينني. فوضعن عيدانهنّ و أنشأن يقلن:
/تنصّرت الأشراف من عار لطمة *** و ما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنّفني فيها لجاج و نخوة *** و بعت بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمّي لم تلدني وليتني *** رجعت إلى القول الذي قال لي عمر
و يا ليتني أرعى المخاض بقفرة *** و كنت أسيرا في ربيعة أو مضر(2)
و يا ليت لي بالشأم أدنى معيشة *** أجالس قومي ذاهب السّمع و البصر
ثم بكى و بكيت معه حتّى رأيت دموعه تجول على لحيته كأنّها اللؤلؤ، ثمّ سلّمت عليه و انصرفت، فلما قدمت على عمر سألني عن هرقل و جبلة، فقصصت عليه القصّة من أوّلها إلى آخرها، فقال: أو رأيت جبلة يشرب الخمر؟ قلت: نعم. قال: أبعده اللّه، تعجّل فانية اشتراها بباقية، فلما ربحت تجارته، فهل سرّح معك شيئا؟ قلت: سرّح إلى حسان خمسمائة دينار و خمسة أثواب ديباج. فقال: هاتها. و بعث إلى حسّان فأقبل يقوده قائده حتّى دنا فسلّم، و قال: يا أمير المؤمنين، إنّي لأجد أرواح آل جفنة. فقال عمر رضي اللّه عنه: قد نزع اللّه تبارك و تعالى لك منه على رغم أنفه، و أتاك بمعونة. فانصرف عنه و هو يقول:
إنّ ابن جفنة من بقيّة معشر *** لم يعذهم آباؤهم باللّوم
لم ينسني بالشّام إذ هو ربّها *** كلاّ و لا متنصّرا بالروم
يعطى الجزيل و لا يراه عنده *** إلاّ كبعض عطيّة المذموم
و أتيته يوما فقرّب مجلسي *** و سقى فروّاني من الخرطوم(3)
/فقال له رجل في مجلس عمر: أتذكر قوما كانوا ملوكا فأبادهم اللّه و أفناهم؟! فقال: ممن الرجل؟ قال:
مزنيّ. قال: أما و اللّه لو لا سوابق قومك مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لطوّقتك طوق الحمامة. و قال: ما كان خليلي ليخلّ بي، فما قال لك؟ قال: قال إن وجدته حيّا فادفعها إليه، و إن وجدته ميّتا فاطرح الثياب على قبره، و ابتع بهذه الدنانير بدنا
فانحرها على قبره. فقال حسان: ليتك وجدتني ميّتا ففعلت ذلك بي؟ أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزبير قال: لي عبد الرحمن بن عبد اللّه الزبيري: قال الرسول الذي بعث به إلى جبلة. ثم ذكر قصته مع الجارية التي جاءت بالجامين و الطائر الذي تمعّك فيهما، و ذكر قول حسان:
إن ابن جفنة من بقية معشر
و لم يذكر غير ذلك. هكذا روى أبو عمرو في هذا الخبر.
و قد أخبرني به أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: قال عبد اللّه بن مسعدة الفزاريّ:
وجّهني معاوية إلى ملك الروم، فدخلت عليه، فإذا عنده رجل على سرير من ذهب دون مجلسه، فكلّمني بالعربية فقلت: من أنت يا عبد اللّه؟ قال: أنا رجل غلب عليه الشّقاء، أنا جبلة بن الأيهم، إذا صرت إلى منزلي فألقني. فلما انصرف و انصرفت أتيته في داره فألفيته على شرابه، و عنده قينتان تغنّيانه بشعر حسّان بن ثابت:
قد عفا جاسم إلى بيت رأس *** فالحواني فجانب الجولان(1)
/و ذكر الأبيات. فلما فرغتا من غنائهما أقبل عليّ ثم قال: ما فعل حسّان بن ثابت؟ قلت: شيخ كبير قد عمي. فدعا بألف دينار فدفعها إليّ، و أمرني أن أدفعها إليه ثم قال: أ ترى صاحبك يفي لي إن خرجت إليه؟ قال:
قلت قل ما شئت أعرضه عليه. قال: يعطيني الثنيّة(2)فإنها كانت منازلنا، و عشرين قرية من الغوطة منها داريّا و سكّاء، و يفرض لجماعتنا و يحسن جوائزنا. قال: قلت أبلغه. فلما قدمت على معاوية قال: وددت أنّك أجبته إلى ما سأل فأجزته له. و كتب إليه معاوية يعطيه ذلك، فوجده قد مات.
قال: و قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فلقيت حسان فقلت: يا أبا الوليد، صديقك جبلة يقرأ عليك السلام. فقال: هات ما معك. قلت: و ما علمك أنّ معي شيئا، قال: ما أرسل إليّ بالسلام قطّ إلاّ و معه شيء. قال: فدفعت إليه المال.
أخبرني إبراهيم بن محمد بن أيوب قال: حدّثنا عبد اللّه بن مسلم قال: حدّثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمه، عن أهل المدينة قالوا:
بعث جبلة إلى حسّان بخمسمائة دينار و كسى و قال للرسول: إن وجدته قد مات فابسط هذه الثياب على قبره.
فجاء فوجده حيا، فأخبره فقال: لوددت أنك وجدتني ميتا.
تنصّرت الأشراف من عار لطمة *** و ما كان فيها لو صبرت لها ضرر
الأبيات الخمسة.
الشعر لجبلة بن الأيهم، و الغناء لعريب نصب(1)خفيف، و بسيط رمل بالوسطى. و منها:
إنّ ابن جفنة من بقية معشر *** لم يعذهم آباؤهم باللّوم
الأبيات الأربعة(2). الشعر لحسّان بن ثابت، و الغناء لعريب، هزج بالبنصر.
أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثنا عمي يوسف بن محمد قال: حدّثني عمي إسماعيل بن أبي محمد قال: قال الواقديّ: حدّثني محمد بن صالح قال:
كان حسّان بن ثابت يغدو على جبلة بن الأيهم سنة و يقيم سنة في أهله، فقال: لو وفدت على الحارث بن أبي شمر الغسّاني، فإنّ له قرابة و رحما بصاحبي، و هو أبذل الناس للمعروف، و قد يئس منّي أن أفد عليه، لما يعرف من انقطاعي إلى جبلة.
قال: فخرجت في السنة التي كنت أقيم فيها بالمدينة، حتى قدمت على الحارث و قد هيّأت له مديحا، فقال لي حاجبه، و كن لي ناصحا: إنّ الملك/قد سرّ بقدومك عليه، و هو لا يدعك حتّى تذكر جبلة، فإياك أن تقع فيه فإنّه إنما يختبرك، و إن رآك قد وقعت فيه زهد فيك؛ و إن رآك تذكر محاسنه ثقل عليه فلا تبتدئ بذكره، و إن سألك عنه فلا تطنب في الثناء عليه و لا تعبه، امسح ذكره مسحا، و جاوزه إلى غيره، فإنّ صاحبك - يعني جبلة - أشدّ إغضاء عن هذا [من هذا](3)، أي أشدّ تغافلا و أقلّ حفلا به، و ذلك أنّ صاحبك أعقل من هذا و أبين، و ليس لهذا بيان، فإذا دخلت عليه فسوف يدعوك إلى الطعام، و هو رجل يثقل عليه أن/يؤكل طعامه و لا يبالي الدرهم و الدينار، و يثقل عليه أن يشرب شرابه أيضا؛ فإذا وضع طعامه فلا تضع يدك حتّى يدعوك، و إذا دعاك فأصب من طعامه بعض الإصابة. قال: فشكرت لحاجبه ما أمرني به.
قال: ثم دخلت عليه فسألني عن البلاد و عن الناس، و عن عيشنا بالحجاز، و عن رجال يهود، و كيف ما بيننا من تلك الحروب. فكلّ ذلك أخبره حتّى انتهى إلى ذكر جبلة، فقال: كيف تجد جبلة، فقد انقطعت إليه و تركتنا؟ فقلت: إنّما جبلة منك و أنت منه. فلم أجر إلى مدح و لا عيب، و جاز ذلك إلى غيره ثم قال: الغداء. فأتى بالغداء و وضع الطعام، فوضع يده فأكل أكلا شديدا، و إذا رجل جبّار، فقال بعد ساعة: ادن فأصب [من هذا](1). فدنوت فخطّطت تخطيطا، فأتي بطعام كثير، ثم رفع الطعام و جاء وصفاء كثير عددهم، معهم الأباريق فيها ألوان الأشربة.
و معهم مناديل اللّين(2)فقاموا على رءوسنا، و دعا أصحاب برابط(3)/من الروم فأجلسهم و شرب فألهوه، و قام الساقي على رأسي فقال: اشرب. فأبيت حتى قال هو: اشرب. فشربت، فلما أخذ فينا الشراب(4)أنشدته شعرا فأعجبه و لذّ به، فأقمت عنده أياما فقال لي حاجبه: إنّ له صديقا هو أخفّ الناس عليه، و هو جاء، فإذا هو جاء جفاك و خلص به و قد ذكر قدومه، فاستأذنه قبل أن يقدم عليه، فإنه قبيح أن يجفوك بعد الإكرام، و الإذن اليوم أحسن. قلت: و من هو؟ قال: نابغة بني ذبيان. فقلت للحارث: إن رأى الملك أن يأذن لي في الانصراف إلى أهلي فعل. قال: قد أذنت لك و أمرت لك بخمسمائة دينار و كسى و حملان(5). فقبضتها و قدم النابغة و خرجت إلى أهلى.
ألا إنّ ليلى العامريّة أصبحت *** على النأي منّي ذنب غيري تنقم
و ما ذاك من شيء أكون اجترمته *** إليها فتجزيني به حيث أعلم(6)
و لكنّ إنسانا إذا ملّ صاحبا *** و حاول صرما لم يزل يتجرّم(7)
و ما زال بي ما يحدث النأي و الذي *** أعالج حتّى كدت بالعيش أبرم
و ما زال بي الكتمان حتّى كأنني *** برجع جواب السائلي عنك أعجم
لأسلم من قول الوشاة و تسلمي *** سلمت و هل حيّ من الناس يسلم
/عروضه من الطويل. الشعر لنصيب، و من الناس من يروي الثلاثة الأبيات الأول للمجنون. و الغناء لبديح مولى عبد اللّه بن جعفر رحمهما اللّه.
و في الأبيات الأول منها ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي و حبش. و ذكره حمّاد بن إسحاق و لم يجنّسه. و فيه لابن سريج هزج خفيف بالبنصر في مجراها عن إسحاق في البيتين الأخيرين. و فيه لمعبد في البيتين الأولين خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.
1) التكملة من ط، مط.
2) اللين، و قد ضبط في ط بفتح اللام، كأنه مخفف اللين، و هي قرية من كورة بين النهرين التي بين الموصل و نصيبين.
3) جمع بربط، و هي آلة ذات أوتار.
4) ما عدا ط، أ، ها، مط: «أخذ بنا الشراب».
5) الحملان، بالضم: مصدر حمل، و المراد بها الإبل و نحوها.
6) ما عدا ط، ها، مط: «فتخبرني به» تحريف.
7) تجرم عليه: ادّعى عليه ذنبا لم يفعله.
بديح مولى عبد اللّه بن جعفر، و كان يقال له بديح المليح. و له صنعة يسيرة و إنما كان يغنّي أغاني غيره مثل سائب خائر، و نشيط، و طويس، و هذه الطبقة. و قد روى بديح الحديث/عن عبد اللّه بن جعفر.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدّثنا العباس بن محمد الدّوري قال:
حدّثنا أبو عاصم النّبيل(1)عن جويرية بن أسماء، عن عيسى بن عمر بن موسى، عن بديح مولى عبد اللّه بن جعفر قال:
لما قدم يحيى بن الحكم المدينة دخل إليه عبد اللّه بن جعفر في جماعة فقال له يحيى: جئتي بأوباش من أوباش خبثة(2)؟ فقال عبد اللّه: سماها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم طيبة و تسمّيها أنت خبثة(3)؟!
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: قال داود بن جميل حدّثني من سمع هذا الحديث من ابن العتبي يذكره عن أبيه قال:
دخل عبد اللّه بن جعفر على عبد الملك بن مروان و هو يتأوّه، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أدخلت عليك من يؤنسك بأحاديث العرب و فنون الأسمار؟ قال: لست صاحب هزل، و الجدّ مع علّتي أحجى بي. قال: و ما علّتك يا أمير المؤمنين؟ /قال: هاج بي عرق النّسا في ليلتي هذه، فبلغ مني. قال: فإنّ بديحا مولاي أرقى(4)الناس منه.
فوجّه إليه عبد الملك فلما مضى الرسول سقط في يدي ابن جعفر(5)و قال: كذبة قبيحة عند خليفة. فما كان بأسرع من أن طلع بديح فقال: كيف رقيتك من عرق النّسا. قال: أرقى الخلق يا أمير المؤمنين. قال: فسرّي عن عبد اللّه لأنّ بديحا كان صاحب فكاهة يعرف بها؛ فمدّ رجله فتفل عليها و رقاها مرارا، فقال عبد الملك: للّه أكبر، وجدت و اللّه خفّا(6)، يا غلام ادع فلانة حتّى تكتب الرّقية، فإنّا لا نأمن هيجها بالليل فلا نذعر بديحا. فلما جاءت الجارية
1) ما عدا ط، ها، مط: «عاصم النبيل». تحريف. و أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد الشيباني البصري، ترجم له في «تهذيب التهذيب». و انظر «القاموس» (عصم).
2) خبثة، بكسر الخاء، كنى بها عن طيبة مدينة الرسول.
3) ما عدا ط، ها، مط: «خبيثة».
4) أرقى، من الرقية. ط: «أرقا» أ: «أرقأ».
5) سقط في يده و أسقط، بالبناء للمفعول فيهما، أي ندم و تحير. ط، أ، ها: «أسقط».
6) الخف، بفتح الخاء و كسرها: الخفة. ط فقط: «خفافا» تحريف.
قال بديح: يا أمير المؤمنين، امرأته الطلاق(1)إن كتبتها حتى تعجّل حبائي. فأمر له بأربعة آلاف درهم فلما صار المال بين يديه قال: و امرأته الطلاق إن كتبتها أو يصير المال إلى منزلي. فأمر به فحمل إلى منزله، فلما أحرزه قال:
يا أمير المؤمنين، امرأته الطلاق إن كنت قرأت على رجلك إلاّ أبيات نصيب:
ألا إنّ ليلى العامرية أصبحت *** على النأي منّي ذنب غيري تنقم
و ذكر الأبيات و زاد فيها:
و ما زلت أستصفي لك الودّ أبتغي *** محاسنة حتّى كأنّي مجرم
قال: ويلك ما تقول؟ قال امرأته الطلاق إن كان رقاك إلاّ بما قال. قال: فاكتمها عليّ. قال: و كيف ذاك و قد سارت بها البرد إلى أخيك بمصر؟! فطفق عبد الملك ضاحكا يفحص برجليه.
/أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثني الأصمعي عن المنتجع النّبهاني، عن أبيه بهذا الخبر مثل الذي قبله. و زاد في الشعر:
فلا تصرميني حين لا لي مرجع *** ورائي و لا لي عنكم متقدّم
و قال فيه: فسكن ما كان يجده عبد الملك، و أمر لبديح بأربعة آلاف درهم، فقال ابن جعفر لبديح: ما سمعت هذا الغناء منك مذ ملكتك! فقال: هذا من نتف سائب خائر.
أخبرني إسماعيل قال حدّثنا عمر قال حدّثني القاسم بن محمد بن عباد عن الأصمعي عن ابن أبي الزناد عن نافع - أراه نافع الخير مولى ابن جعفر - بهذا الخبر مثله، و زاد فيه أنّ بديحا/رفع صوته يغنيه به لمّا قال له أن يكتب الرقية. و زاد فيه: فجعل عبد الملك يقول: مهلا يا بديح. فقال: إنّما رقيتك كما علّمت(2)يا أمير المؤمنين.
أخبرني إسماعيل قال حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثني أبو سلمة الغفاريّ عن عبد اللّه بن عمران بن أبي فروة قال:
كان ابن جعفر يحبّ أن يسمع عبد الملك غناء بديح، فدخل إليه يوما فشكا إليه عبد الملك ركبته فقال له ابن جعفر: يا أمير المؤمنين، إن لي مولى كانت أمّه بربريّة، و كانت ترقى من هذه العلّة، و قد أخذ ذلك عنها. قال:
فادع به. فدعي بديح، فجعل يتفل على ركبة عبد الملك و يهمهم، ثم قال: قم يا أمير المؤمنين جعلني اللّه فداك.
فقام عبد الملك لا يجد شيئا، فقال عبد اللّه: يا أمير المؤمنين مولاك لا بدّ له من صلة. قال: حتّى تكتب رقيته ثم أمر جارية له فكتبت: /بسم اللّه الرحمن الرحيم. فقال: ليس فيها بسم اللّه الرحمن الرحيم. قال: كيف تكون ويلك رقية ليس فيها بسم اللّه الرحمن الرحيم؟ قال: فهو ذاك. قال: فاكتبيها على ما فيها. فأملى عليها:
ديار سليمى بين عيقة فالمهدي *** سقيت، و إن لم تنطقي، سبل(3)الرعد
ثم قال له ابن جعفر: لو سمعته منه. قال: أو يجيد؟ قال: نعم. قال: هات. فما برح و اللّه حتّى أفرغها في مسامعه.
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال حدّثني عمي عبيد اللّه قال: حدّثني سليمان بن أبي شيخ قال:
كنا عند أبي نعيم الفضل بن دكين فجاءه رجل فقال: يا أبا نعيم، إن الناس يزعمون أنّك رافضيّ. قال: فأطرق ساعة ثم رقع رأسه و هو يبكي و قال: يا هذا أصبحت فيكم كما قال نصيب:
و ما زال بي الكتمان حتّى كأنني *** نرجع جواب السّائلي عنك أعجم
لأسلم من قول الوشاة و تسلمي *** سلمت و هل حيّ من الناس يسلم
يا غراب البين أسمعت فقل *** إنّما تنطق شيئا قد فعل
إنّ للخير و للشّرّ مدى *** لكلا ذينك وقت و أجل
/كلّ بؤس و نعيم زائل *** و بنات الدهر يلعبن بكلّ
و العطيات خساس بينهم *** و سواء قبر مثر و مقلّ(1)
الشعر لعبد اللّه بن الزبعري السّهمي، يقوله في غزاة أحد، و هو يومئذ مشرك. و الغناء لابن سريج خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، عن عمرو على مذهب إسحاق. و فيه لحن لابن مسجح من رواية حمّاد عن أبيه في كتاب ابن مسجح.
1) يقال: هذه الأمور خساس بينهم، أي دول يتداولونها. و لم ترد هذه الكلمة في «اللسان»، و وردت في «القاموس» و «مقاييس اللغة»، حيث استشهد الأخير بصدر البيت ملفقا مع عجز البيت السابق.
هو عبد اللّه بن الزّبعري بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار.
و هو أحد شعراء قريش المعدودين. و كان يهجو المسلمين و يحرّض عليهم كفار قريش في شعره، ثم أسلم بعد ذلك فقبل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم إسلامه و أمّنه يوم الفتح.
و هذه/الأبيات يقولها ابن الزبعري في غزوة أحد.
حدّثنا بالخبر في ذلك محمد بن جرير الطبري قال حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدّثني محمد بن مسلم بن عبد اللّه بن شهاب الزّهري، و محمد بن يحيى بن حيان(1)، و عاصم بن عمرو بن قتادة، و الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ و غيرهم من علمائنا، كلّهم قد حدّث ببعض هذا الحديث، فقد اجتمع حديثهم كلّهم فيما سقت من الحديث عن يوم أحد. قالوا:
لمّا أصيبت قريش، أو من قاله منهم يوم بدر من كفار قريش، من أصحاب القليب، فرجع فلّهم إلى مكة(2)، و رجع أبو سفيان بن حرب بعيره، مشى عبد اللّه بن أبي ربيعة، و عكرمة بن أبي جهل، و صفوان بن أمية، في رجال من/قريش، ممن أصيب آباؤهم [و أبناؤهم](3)و إخوانهم ببدر، فكلّموا أبا سفيان بن حرب و من كان له(4)في تلك العير من قريش تجارة، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنّ محمدا قد وتركم و قتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلّنا أن ندرك ثأرا ممن أصيب منا. ففعلوا، فاجتمعت قريش لحرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، حين فعل ذلك أبو سفيان و أصحاب العير بأحابيشها(5)و من أطاعها من قبائل كنانة و أهل تهامة، و كلّ أولئك قد استغووا(6)على حرب
1) حبان هذا، بفتح الحاء و تشديد الباء كما في «القاموس» و «تقريب التهذيب». و لمحمد بن يحيى بن حبّان ترجمة في «تهذيب التهذيب». أ: «حسّان» و س: «حبّان»، صوابه في سائر النسخ.
2) الفل: القوم المنهزمون.
3) من ط، ها، مط، مب فقط.
4) ما عدا ط، ها، مط، مب: «لهم».
5) الأحابيش: الجماعة أيا كانوا، أو أحابيش قريش، هم بنو المصطلق و بنو الهون بن خزيمة اجتمعوا عند جبل يسمى «حبشيا» بأسفل مكة فحالفوا قريشا.
6) استغووا، بالغين المعجمة في ط، ها، مط، مب. و في سائر النسخ بالعين المهملة، و هما سيّان. يقال: هو يستغوي القوم و يستعويهم، أي يستغيث بهم.
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. و كان أبو عزّة عمرو بن عبد اللّه الجمحي قد منّ عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يوم بدر، و كان في الأسارى فقال: يا رسول اللّه، إنّي فقير ذو عيال و حاجة قد عرفتها، فامنن عليّ صلّى اللّه عليك. فمنّ عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال صفوان بن أميّة: يا أبا عزّة، إنّك امرؤ شاعر فاخرج معنا فأعنّا بنفسك. فقال: إن محمدا قد منّ عليّ، فلا أريد أن أظاهر عليه. فقال: بلى فأعنّا بنفسك، و لك اللّه إن رجعت أن أعينك، و إن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي، يصيبهنّ ما أصابهنّ من عسر أو يسر. فخرج أبو عزة يسير في تهامة و يدعو بني كنانة، و خرج مسافع بن عبدة بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بني مالك بن كنانة يحرّضهم و يدعوهم إلى حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و دعا جبير بن مطعم غلاما يقال له وحشيّ، و كان حبشيا يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلّما يخطئ/بها، فقال: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت عمّ محمد بعمى طعيمة بن عديّ فأنت عتيق. و خرجت قريش بحدّها و أحابيشها و من معها من بني كنانة و أهل تهامة، و خرجوا بالظّعن(1)التماس الحفيظة، و لئلا يفرّوا. و خرج أبو سفيان بن حرب و هو قائد الناس، معه هند بنت عتبة بن ربيعة، و خرج عكرمة بن أبي جهل بن هشام بن المغيرة(2)و خرج صفوان بن أمية بن خلف ببرزة - و قيل ببرّة من قول أبي جعفر - بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية، و هي أم عبد اللّه بن صفوان. و خرج عمرو بن العاص(3)، و خرج طلحة بن أبي طلحة و أبو طلحة عبد اللّه بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار بسلافة بنت سعد بن سهيل(4)، و هي أم بني طلحة: مسافع، و الجلاس، و كلاب، قتلوا يومئذ و أبوهم. و خرجت خناس بنت مالك بن المضرّب إحدى نساء بني مالك بن حسل مع ابنها أبي عزّة(5)بن عمير، و هي أم مصعب بن عمير.
و خرجت عمرة بنت علقمة إحدى نساء/بني الحارث بن [عبد مناة بن](6)كنانة.
و كانت هند بنت عتبة بين ربيعة إذا مرّت بوحشيّ أو مرّ بها قالت: إيه أبا دسمة(7)اشتف(8). فنزلوا ببطن السّبخة(9)من قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة، /فلمّا سمع بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و المسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم للمسلمين: «إني قد رأيت بقرا تذبح فأوّلتها خيرا، و رأيت في ذباب سيفي ثلما، و رأيت أنّي أدخلت يدي في درع حصينة، و هي المدينة(10)، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة و تدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام، و إن هم دخلوا علينا فيها قاتلناهم».
و نزلت قريش منزلها من أحد يوم الأربعاء، فأقاموا به ذلك اليوم و يوم الخميس و يوم الجمعة، و راح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حين صلّى الجمعة فأصبح بالشّعب من أحد، فالتقوا يوم السبت للنصف من شوال. و كان رأي عبد اللّه بن أبيّ بن سلول مع رأي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، يرى رأيه في ذلك: أن لا يخرج إليهم، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يكره الخروج من
1) الظعن: جمع ظعينة، و هي المرأة ما دامت في الهودج.
2) في «السيرة» 557 جوتنجن و الطبري (10:3): «و خرج عكرمة بن أبي جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة».
3) في «السيرة» و الطبري: «و خرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج».
4) كذا في ط، ها، مط، مب. و في سائر النسخ: «سعيد بن سهم» و في «السيرة»: «سعد بن شهيد».
5) في «السيرة»: «أبي عزيز».
6) التكملة من «السيرة». و في ها: «بني الحارث بني مناة بني كنانة.
7) ط، مط: «أبو رسمة» ها: «أبو رشمة» و هي في «السيرة» و الطبري بالدال أيضا كما أثبت من سائر النسخ.
8) في الأصول: «استف» بالسين المهملة، صوابه في «السيرة و تاريخ الطبري» (10:3). و النص فيها: «ويها أبا دسمة اشف و اشتف».
9) ط، مط، مب: «الشيحة» مخالفة ما في السيرة و سائر النسخ.
10) في «السيرة»: «فأولتها المدينة».
المدينة، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم اللّه جلّ ثناؤه بالشهادة يوم أحد و غيرهم ممن فاته بدر و حضوره:
يا رسول اللّه صلّى اللّه عليك و سلّم اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنّا عنهم و ضعفنا. فقال عبد اللّه بن أبيّ بن سلول: يا رسول اللّه أقم بالمدينة، و لا تخرج إليهم، فو اللّه ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منّا، و لا يدخلها علينا إلاّ أصبنا منهم، فدعهم يا رسول اللّه، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مجلس، و إن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، و رماهم النساء و الصّبيان بالحجارة من فوق رءوسهم، و إن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا. فلم يزل برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الذين كان من أمرهم حبّ لقاء العدوّ، حتّى دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فلبس لأمته، و ذلك يوم الجمعة، حين فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من الصلاة. و قد مات في ذلك/اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو، أحد بني النجّار فصلّى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ثم خرج عليهم، و قد ندم الناس: و قالوا استكرهنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و لم يكن ذلك لنا! فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عليهم فقالوا: يا رسول اللّه استكرهناك و لم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلّى اللّه عليك. فقال عليه السلام: «ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يقاتل» قال: فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في ألف رجل من أصحابه، حتّى إذا كانوا بالشوط، بين أحد و المدينة، انخزل عنه عبد اللّه بن أبيّ بن سلول بثلث الناس، و قال: أطاعهم فخرج و عصاني، و اللّه ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيّها الناس. فرجع بمن اتّبعه من الناس من قومه، من أهل النّفاق و الرّيب، و اتّبعهم عبد اللّه بن عمرو بن حرام أحد بني سلمة يقول: يا قوم أذكّركم(1)اللّه أن تخذلوا نبيّكم و قومكم عند ما حضر من عدوّهم. فقالوا: لو نعلم أنّكم تقاتلون ما أسلمناكم، و لكنّا لا نرى أنّه يكون قتال. فلما استعصوا عليه و أبوا إلاّ الانصراف قال: أبعدكم اللّه أعداء اللّه، فسيغني اللّه عزّ و جلّ عنكم.
و قال محمد بن عمر الواقدي: انخزل عبد اللّه بن أبيّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم/من الشّيخين(2)بثلاثمائة، فبقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في سبعمائة، و كان المشركون في ثلاثة آلاف، و الخيل مائتا فارس، و الظّعن خمس عشرة امرأة.
قال: و كان في المشركين سبعمائة دارع، و لم يكن معهم من الخيل إلاّ فرسان: فرس لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و فرس لأبي بردة بن نيار الحارثي. فادّلج(3)رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من الشّيخين حتّى طلع الحمراء، و هما(4)أطمان كان يهوديّ /و يهودية أعميان يقومان عليهما فيتحدّثان، فلذلك سميا الشيخين، و هما في طرف المدينة.
قال: و عرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم المقاتلة بعد المغرب، فأجاز من أجاز، و ردّ من ردّ. قال: و كان فيمن ردّ زيد بن ثابت، و أبو عمرو أسيد بن ظهير، و البراء بن عازب، و عرابة بن أوس. قال: و هو عرابة الذي قال فيه الشماخ:
إذا ما راية رفعت لمجد *** تلقّاها عرابة باليمين
قال: و ردّ أبا سعيد الخدريّ، و أجاز سمرة بن جندب، و رافع بن خديج. و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قد استصغر رافعا، فقام على خفّين له فيهما رقاع، و تطاول على أطراف أصابعه، فلما رآه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أجازه.
قال محمد بن جرير: فحدّثني الحارث قال: حدّثنا ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال:
كانت أمّ سمرة تحت مريّ بن سنان بن ثعلبة(1). عمّ أبي سعيد الخدري، و كان ربيبه(2)، فلما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى أحد و عرض أصحابه فردّ من استصغر، ردّ سمرة بن جندب، و أجاز رافع بن خديج، فقال سمرة لربيبه مريّ بن سنان: أجاز رافعا و ردّني و أنا أصرعه! فقال يا رسول اللّه: رددت ابني و أجزت رافع بن خديج و ابني يصرعه؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لرافع و سمرة: اصطرعا. فصرع سمرة رافعا، فأجازه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فشهدها مع المسلمين، و كان دليل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أبو خيثمة الحارثي.
و مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حتى سلك في حرّة بني حارثة، فذبّ فرس بذنبه فأصاب كلاّب سيف(3)فاستلّه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم - و كان يحبّ الفأل و لا يعتاف - لصاحب السيف: «شم سيفك فإنّي أرى السيوف ستستلّ اليوم»! ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لأصحابه: «من رجل يخرج بنا على القوم من كثب من طريق لا يمرّ بنا عليهم؟»، فقال أبو خيثمة، أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول اللّه. فقدّمه فنفذ به في حرة بني حارثة و بين أموالهم، حتّى سلك به في مال المربع(4)بن قيظيّ، و كان رجلا منافقا ضرير البصر، فلما سمع حسّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و من معه من المسلمين قام يحثي التراب في وجوههم و يقول: إن كنت رسول اللّه فلا أحلّ(5)لك أن تدخل حائطي. قال: و قد ذكر لي أنّه أخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: لو أنّي أعلم أنّي لا أصيب بها غيرك لضربت بها وجهك! فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لا تفعلوا فهذا/الأعمى البصر الأعمى القلب!» و قد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل حين نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عنه، فضربه بالقوس في رأسه فشجّه، و مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على وجهه حتّى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره و عسكره إلى أحد، و قال: لا يقاتلن أحد أحدا حتى نأمره بالقتال. و قد سرّحت قريش الظّهر و الكراع(6)/في زروع كانت بالصّمعة(7)من قناة للمسلمين، فقال رجل من المسلمين حين نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عن القتال: أ ترعى زروع بني قيلة و لمّا نضارب! و تعبّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو في سبعمائة رجل، و تعبأت قريش و هم ثلاثة آلاف، و معهم مائتا فارس قد جنبوا خيولهم، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد و على ميسرتها عكرمة بن أبي جهل، و أمّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على الرماة(8)عبد اللّه بن جبير(9)أخا بني عمرو بن عوف، و هو يومئذ معلم بثياب بيض، و الرماة خمسون رجلا، و قال: انضح عنا الخيل بالنّبل لا يأتونا
1) مري، بالتصغير، كما في «الإصابة» 7912. و فيها «مري بن سنان بن عبيد بن ثعلبة».
2) الربيب: ابن امرأة الرجل من غيره، و زوج الأم أيضا.
3) في الأصول: «سيفه» و الصواب من «السيرة» و «اللسان» (كلب) و «تاريخ الطبري» (13:3). و كلاب السيف، بوزن رمان: الحلقة أو المسمار الذي في قائم السيف تكون فيه علاقته.
4) في «السيرة»: «لمربع».
5) ما عدا ط، ح، ها، مط، مب: «فلا يحل».
6) الظهر: الإبل. و الكراع: الخيل.
7) كذا في جميع النسخ بالعين المهملة. و في «معجم البلدان» و «تاريخ الطبري» (13:3) بالغين المعجمة. و في «السيرة»: «بالصبغة». و في «الروض الأنف»: «بالسبخة».
8) التكملة من ط، مب و «السيرة».
9) ط فقط: «عبد اللّه بن أبي جبير».
من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فأثبت بمكانك لا نؤتينّ من قبلك. و ظاهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بين درعين.
قال محمد بن جرير: فحدّثنا هارون بن إسحاق قال: حدّثنا مصعب بن المقدام قال: حدّثنا أبو إسحاق عن البرّاء قال:
لما كان يوم أحد و لقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم المشركين أجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم رجالا بإزاء الرماة، و أمرّ عليهم عبد اللّه بن جبير و قال لهم: «لا تبرحوا مكانكم و إن رأيتمونا ظهرنا عليهم، و إن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا».
فلما لقي القوم هزم المشركين، حتّى رأيت النساء قد رفعن عن سوقهن و بدت خلاخيلهنّ فجعلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة!! فقال عبد اللّه: مهلا أ ما علمتم ما عهد إليكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. فأبوا فانطلقوا، فلما أتوهم صرفت [وجوههم](1)فأصيب من المسلمين سبعون رجلا.
/قال محمد بن جرير: حدّثني محمد بن سعد قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمي قال: حدّثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال:
أقبل أبو سفيان في ثلاث ليال خلون من شوّال حتّى نزل أحدا، و خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فأذّن في الناس فاجتمعوا، و أمّر الزبير على الخيل، و معه يومئذ المقداد الكنديّ، و أعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الراية رجلا من قريش يقال له مصعب بن عمير، و خرج حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنه بالجيش، و بعث حمزة بين يديه. و أقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين، و معه عكرمة بن أبي جهل، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الزبير، و قال: استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتّى أوذنك. و أمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر، فقال: لا تبرحنّ حتى أوذنكم. و أقبل أبو سفيان يحمل اللاّت و العزى، فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمه اللّه تعالى و من معه، فقال جلّ و عزّ: وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّٰهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ إلى قوله تبارك اسمه و تعالى: مِنْ بَعْدِ مٰا أَرٰاكُمْ مٰا تُحِبُّونَ و إنّ اللّه تعالى وعد المؤمنين النّصر و أنّه معهم. و إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بعث ناسا من الناس فكانوا من ورائهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: كونوا/هاهنا، فردّوا وجه من فرّ منّا و كونوا حرسا لنا من قبل ظهورنا. و إنه عليه السلام لما هزم القوم هو و أصحابه قال الذين كانوا جعلوا من ورائهم بعضهم لبعض - و رأوا النساء مصعدات في الجبل، و رأوا الغنائم -: انطلقوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أدركوا الغنائم قبل أن تسبقوا إليها. و قالت طائفة أخرى:
بل نطيع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فنثبت مكاننا. فقال ابن مسعود: ما شعرت أنّ أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم كان يريد الدنيا و عرضها حتّى كان يومئذ.
/قال محمد بن جرير: حدّثني محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن الفضل قال حدّثنا أسباط عن السّدّي قال:
لمّا برز رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بأحد إلى المشركين أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين و قال لهم:
لا تبرحوا مكانكم إن رأيتم قد هزمناهم، فإنّا لا نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم. و أمّر عليهم عبد اللّه بن جبير أخا خوّات بن جبير. ثم إنّ طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معاشر أصحاب محمد، إنّكم تزعمون أنّ اللّه عزّ و جلّ تعجّلنا بسيوفكم إلى النار، و تعجّلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم أحد يعجّله اللّه بسيفي إلى
1) التكملة من ها، مب. و في الطبري 14:3: «صرف اللّه وجوههم».
الجنة، أو يعجّلني بسيفه إلى النار؟ فقام إليه علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: و الذي نفسي بيده لا أفارقك حتّى يعجّلك اللّه عزّ و جلّ بسيفي إلى النار، أو يعجّلني بسيفك إلى الجنّة! فضربه عليّ فقطع رجله فبدت عورته فقال:
أنشدك اللّه و الرحم يا ابن عمّ. فتركه فكبّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و قال لعليّ و أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال: إنّ ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه. ثم شدّ الزبير بن العوام و المقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم، و حمل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و أصحابه فهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد و هو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع(1)، فلما نظر الرماة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. و انطلق عامّتهم فلحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد قلّة الرماة صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة، و حمل على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فلمّا رأى المشركون أنّ خيلهم تقاتل تبادروا فشدّوا على المسلمين فهزموهم و قتلوهم.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فقام إليه رجال، فأمسكه بينهم، حتّى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة فقال: و ما حقّه يا رسول اللّه؟ قال: أن تضرب به في العدوّ حتّى ينحني. فقال: أنا آخذه بحقّه يا رسول اللّه. فأعطاه إياه. و كان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب إذا كانت، و كان إذا أعلم على رأسه بعصابة له حمراء علم الناس أنّه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أخذ عصابته تلك فعصب بها رأسه، ثم جعل يتبختر بين الصّفّين.
قال محمد بن إسحاق: حدّثني جعفر بن عبد اللّه بن أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، عن رجل /من الأنصار من بني سلمة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حين رأى أبا دجانة يتبختر: إنّها مشية يبغضها اللّه إلاّ في هذا الموطن. و قد أرسل أبو سفيان رسولا فقال: يا معشر الأوس و الخزرج، خلّوا بيننا و بين ابن عمنا ننصرف عنكم، فإنّه لا حاجة بنا إلى قتالكم. فردّوه بما يكره.
و عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أنّ أبا عامر عمرو بن صيفيّ بن النعمان بن مالك بن أمية، أحد بني ضبيعة و قد خرج إلى مكة مباعدا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و معه خمسون غلاما من الأوس، منهم عثمان بن حنيف - و بعض الناس يقول: كانوا خمسة عشر - فكان يعد قريشا أن لو قد لقي محمدا لم يختلف عليه منهم رجلان. فلما التقى الناس كان أوّل من لقيهم أبو عامر في الأحابيش و عبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر.
قالوا: فلا أنعم اللّه بك عينا يا فاسق. و كان أبو عامر يسمّى في الجاهلية الراهب، فسماه رسول اللّه/صلّى اللّه عليه و سلّم الفاسق.
فلما سمع ردّهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شرّ! ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم راضخهم بالحجارة(2). و قد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرّضهم بذلك على القتال، يا بني عبد الدار، إنّكم وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، و إنّما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإمّا أن تكفونا لواءنا، و إمّا أن تخلّوا بيننا و بينه فسنكفيكموه. فهمّوا به و توعّدوه و قالوا: نحن نسلم إليك لواءنا؟! ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع!
و ذلك الذي أراد أبو سفيان. فلما التقى الناس و دنا بعضهم من بعض قامت هند بنت عتبة في النّسوة اللواتي معها، و أخذن الدّفوف يضربن خلف الرجال، و يحرضنهم، فقالت هند فيما تقول:
إن تقبلوا نعانق *** و نفرش النمارق
أو تدبروا نفارق *** فراق غير وامق
و تقول:
إيها بني عبد الدار *** إيها حماة الأدبار(1)
ضربا بكلّ بتّار
و اقتل الناس حتّى حميت الحرب، و قاتل أبو دجانة حتّى أمعن في الناس، و حمزة بن عبد المطلب و علي بن أبي طالب عليهما السلام في رجال من المسلمين، فأنزل اللّه نصره، و صدقهم وعده، فحسّوهم بالسّيف(2)حتى كشفوهم، و كانت الهزيمة.
/و عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه عن جده قال قال الزبير: و اللّه لقد رأيتني انظر إلى هند بنت عتبة و صواحبها مشمّرات هوارب، ما دون أخذهنّ قليل و لا كثير، إذ مالت الرّماة إلى الكرّ حتّى كشفنا القوم عنه يريدون النهب، و خلّوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا و صرخ صارخ: ألا إنّ محمدا قد قتل.
فانكفأنا و انكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتّى ما يدنو إليه أحد من القوم.
و عن محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم أنّ اللواء لم يزل صريعا حتّى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثيّة، فرفعته لقريش فلاذوا بها، و كان اللواء مع صواب غلام لبني أبي طلحة حبشيّ، فكان آخر من أخذه منهم، فقاتل حتّى قطعت يداه، فبرك عليه و أخذ اللواء بصدره و عنقه حتّى قتل/عليه و هو يقول: اللّهم قد أعذرت! فقال حسّان بن ثابت في قطع يد صواب حين تقاذفوا بالشعر:
فخرتم باللواء و شرّ فخر *** لواء حين ردّ إلى صواب
جعلتم فخركم فيها لعبد *** من الأم من وطي عفر التراب
ظننتم و السّفيه له ظنون *** و ما إن ذاك من أمر الصّواب
بأنّ جلادنا يوم التقينا *** بمكة بيعكم حمر العياب(3)
أقرّ العين إن عصبت يداه *** و ما أن يعصبان على خضاب
قال محمد بن جرير: و حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا عثمان بن سعيد قال حدّثنا حبّان بن عليّ(4)عن محمد بن عبيد اللّه بن أبي رافع، عن أبيه عن جده قال:
1) في «السيرة» 562 جوتنجن: «ويها» في هذا الوضع و سابقه.
2) حسوهم: استأصلوهم قتلا. و في الكتاب: «إذ تحسونهم بإذنه».
3) أي ظننتموه من الهون بمنزلة بيع العياب، و العياب: جمع عيبة، و هي زبيل من أدم، أو ما يجعل فيه الثياب.
4) ذكره في «تهذيب التهذيب»، فيمن يقال له «حبّان» بالكسر. ط، مط، مب فقط: «حيان»، تحريف.
/لمّا قتل(1)أصحاب الألوية يوم أحد - قتلهم علي بن أبي طالب عليه السلام - أبصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم جماعة من مشركي قريش فقال لعلي: احمل عليهم. فحمل عليّ ففرّق جمعهم، و قتل عمرو بن عبد اللّه بن الجمحي، ثم أبصر جماعة من مشركي قريش فقال لعلي؛ احمل. فحمل عليّ ففرّق جمعهم، و قتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي، فقال جبريل عليه السلام: [يا رسول اللّه](2)إنّ هذه للمواساة(3). فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «هو منّي و أنا منه»، فقال جبريل عليه السلام: و أنا منكم! قال: فسمعوا صوتا:
لا سيف إلاّ ذو الفقا *** ر و لا فتى إلاّ علي
فلما أتى المسلمون من خلفهم انكشفوا، و أصاب منهم المشركون، و كان المسلمون لمّا أصابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثا: ثلث قتيل، و ثلث جريح، و ثلث منهزم و قد جهدته الحرب حتّى ما يدري ما يصنع. و أصيبت رباعية(4)رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم السّفلى، و شقّت شفته، و كلم في وجنته و جبهته في أصول شعره، و علاه ابن قمئة بالسّيف على شقّه الأيمن، و كان الذي أصابه عتبة بن أبي وقّاص.
قال محمد بن جرير: و حدّثنا ابن يسار(5)قال حدّثنا ابن أبي عديّ عن حميد عن أنس بن مالك قال:
لما كان يوم أحد كسرت رباعية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و شجّ، فجعل الدم يسيل على وجهه، و جعل يمسح الدم عن وجهه و يقول: «كيف يفلح قوم/خضبوا وجه نبيّهم بالدم، و هو يدعوهم إلى اللّه تعالى!». فأنزل اللّه عزّ و جلّ:
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ . الآية. و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حين غشيه القوم: «من رجل يشري لي نفسه؟».
قال محمد: فحدّثني ابن حميد قال حدّثنا سلمة قال حدّثني محمد بن إسحاق قال: حدّثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن عمرو بن يزيد بن السّكن [قال: فقام زياد بن السّكن](6)في نفر خمسة من الأنصار - و بعض الناس يقول: إنّما هو عمارة بن زياد بن السكن - فقاتلوا دون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم رجلا ثم رجلا، يقتلون دونه حتّى كان آخرهم زياد بن عمارة(7)بن زياد بن السكن، فقاتل حتّى أثبتته الجراحة، ثم فاءت من المسلمين فئة حتّى أجهضوهم عنه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: أدنوه منّي. فأدنوه منه فوسّده قدمه، فمات و خدّه على قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. و ترّس من دون النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أبو دجانة بنفسه، يقع النّبل في ظهره و هو منحن عليه حتّى كثرت فيه النّبل. و رمى سعد/بن أبي وقاص دون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. قال سعد: فلقد رأيته يناولني و يقول: فداك أبي و أمّي، حتّى إنّه ليناولني السهم ما فيه نصل فيقول: ارم به!
1) ما عدا ط، مط، مب: «لما ولى» و في ها و الطبري (17:3): «لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية».
2) التكملة من مب.
3) هذا ما في ط، مط، مب. و في ها: «إن هذا للمواساة». و في سائر النسخ: «إن هذه المواساة».
4) الرباعية: السن التي بين الثنية و الناب.
5) ط، ها، مب: «ابن بشار». مط: «أبو يسار».
6) هذا الإكمال من ها و «تاريخ الطبري» (18:3).
7) في الطبري: «زياد أو عمارة».
و عن محمد بن إسحاق قال حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم رمى عن قوسه حتّى اندقّت سيتها، فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده، و أصيبت يومئذ عين قتادة حتى وقعت على وجنته.
/و عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ردّها بيده فكانت أحسن عينيه و أحدّهما. و قاتل مصعب بن عمير دون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و معه لواؤه حتّى قتل، و كان الذي أصابه ابن قمئة اللّيثي و هو يظنّ أنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فرجع إلى قريش فقال: قد قتلت محمدا! فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم اللواء عليّ بن طالب عليه السلام. و قاتل حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنه حتّى قتل أرطاة بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ، و كان أحد النّفر الذين يحملون اللواء، ثم مرّ به سباع بن عبد العزّى الغبشاني، و كان يكنى أبا نيار، فقال له [حمزة](1): هلمّ إليّ يا ابن مقطّعة البظور - و كانت أمّه(2)ختّانة [بمكة](3)مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي - فلما التقيا ضربه حمزة عليه السلام فقتله، فقال وحشيّ غلام جبير بن مطعم: إنّي لأنظر إلى حمزة يهذّ الناس بسيفه(4)ما يليق شيئا يمرّ به(5)، مثل الجمل الأورق، إذ تقدّمني إليه سباع بن عبد العزّى فقال له حمزة: هلمّ إليّ يا ابن مقطّعة البظور. فضربه فما أخطأ رأسه، و هززت حربتي حتّى إذا ما رضيت دفعتها عليه فوقعت عليه في لبّته حتّى خرجت من بين رجليه، و أقبل نحوي فغلب فوقع، فأمهلته حتّى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحّيت إلى العسكر، و لم يكن لي بشيء حاجة غيره. و قد قتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، أحد بني عمرو بن عوف، مسافع بن طلحة و أخاه كلاب بن طلحة، /كلاهما يشعره سهما(6)فيأتي أمّه فيضع رأسه في حجرها فتقول: يا بنيّ من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلا يقول حين رماني: خذها إليك و أنا ابن أبي الأقلح! فتقول: أقلحيّ؟! فنذرت للّه إن اللّه أمكنها من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر. و كان عاصم قد عاهد اللّه عزّ و جلّ أن لا يمسّ مشركا و لا يمسّه.
عن ابن إسحاق قال حدّثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع، أخو بني عديّ بن النجار قال:
انتهى أنس بن النضر، عمّ أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب و طلحة بن عبيد اللّه، في رجال من المهاجرين و الأنصار، و قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم هاهنا؟ فقالوا: قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم! قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا كراما على ما مات عليه. ثم استقبل القوم فقاتل حتّى قتل. و به سمي أنس بن مالك.
عن ابن إسحاق قال: حدّثني حميد الطّويل عن أنس بن مالك قال:
لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة و طعنة، فما عرفته إلا أخته، عرفته بحسن بنانه.
عن ابن إسحاق قال:
كان أوّل من عرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بعد الهزيمة و قول الناس: قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم - كما حدّثني ابن شهاب الزّهري - كعب/بن مالك أخو بني سلمة. قال: عرفت عينيه تزهران تحت المغفر، فناديت/بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم! فأشار إليّ عليه السلام: أن أنصت. فلما عرف المسلمون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم نهضوا به، و نهض نحو الشعب معه أبو بكر بن أبي قحافة، و عمر بن الخطاب، و عليّ بن أبي طالب، و طلحة بن عبيد اللّه، و الزّبير بن العوّام، و الحارث بن الصّمة، في رهط من المسلمين رضي اللّه عنهم أجمعين.
فلما أسند(1)رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في الشّعب، أدركه أبيّ بن خلف و هو يقول: يا محمد(2)لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول اللّه أ يعطف عليه رجل منا؟ فقال: دعوه. فلمّا دنا تناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الحربة من الحارث بن الصّمّة. قال: يقول بعض الناس فيما ذكر لي: فلما أخذها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشّعراء(3)عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ بها عن فرسه مرارا(4). و كان أبيّ بن خلف - كما حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق عن صالح عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - يلقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بمكة فيقول: يا محمد، إنّ عندي العود أعلفه كلّ يوم فرقا من ذرة(5)أقتلك عليه! فيقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: بل أنا أقتلك إن شاء اللّه تعالى. فلما رجع إلى قريش و قد خدشه في حلقه(6)خدشا غير كبير، فاحتقن الدم قال: قتلني و اللّه محمّد! قالوا: ذهب و اللّه فؤادك، و اللّه ما بك بأس. قال: إنّه كان بمكة قال لي: أنا أقتلك، /فو اللّه لو بصق عليّ لقتلني. فمات عدوّ اللّه بسرف(7)و هم قافلون به إلى مكة، فلما انتهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى فم الشّعب خرج عليّ بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس(8)ثمّ جاء به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فشرب منه(9)و غسل عن وجهه الدم، و صبّ على رأسه و هو يقول: «اشتدّ غضب اللّه عزّ و جلّ على من دمى وجه نبيه».
قال محمد بن إسحاق: حدّثني صالح بن كيسان عمن حدّثه عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقول: و اللّه ما حرصت على قتل رجل قطّ ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقّاص، و إن كان ما علمت لسيّئ الخلق مبغضا في قومه، و لقد كفاني منه قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «اشتدّ غضب اللّه على من دمى وجه رسول اللّه».
قال حدّثنا محمد بن إسحاق قال: حدّثني صالح بن كيسان قال:
1) أسند فيه: رقى فيه.
2) في الطبري (19:3): «أين محمد»، لعلها «أي محمد».
3) في ها: «الفراش» و في سائر الأصول: «الشعر» صوابه من «الطبري و السيرة» 575 جوتنجن. و «الشعراء»: ذباب أحمر و قيل أزرق، يقع على الإبل و يؤذيها أذى شديدا.
4) تدأدأ: تدحرج.
5) الفرق: مكيال لأهل المدينة يسع ثلاثة أصواع.
6) الطبري: «في عنقه».
7) سرف: موضع على ستة أميال من مكة.
8) المهراس: ماء بجبل أحد.
9) صواب النص كما في «السيرة» و الطبري (20:3): «ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه و لم يشرب منه».
خرجت هند و النسوة اللواتي معها يمثلن بالقتلى(1)من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يجدعن الآذان و الآنف، حتّى اتخذت هند من آذان الرجال و آنفهم خدما و قلائد(2)، و أعطت خدمها و قلائدها و قرطها وحشيا غلام جبير بن مطعم، و بقرت عن كبد(3)حمزة عليه السلام، فأخرجت كبده فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها/فلفظتها، ثم علت على صخرة [مشرفة](4)فصاحت بأعلى صوتها بما قالت من الشعر حين ظفروا بما أصابوا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.
قال: حدّثني صالح بن كيسان أنّه حدّث أنّ عمر بن الخطاب رضوان اللّه عليه قال لحسّان: يا ابن الفريعة، لو سمعت ما تقول هند و رأيت أشرها قائمة على صخرة ترتجز بنا/و تذكر ما صنعت بحمزة؟ قال له حسان: و اللّه إنّي لأنظر إلى الحربة تهوي و إنّي على رأس فارع - يعني أطمه - فقلت: و اللّه، إنّ هذه لسلاح ما هي بسلاح العرب، و كأنّها إنّما تهوي [إلى حمزة](5)و لا أدري، أسمعني بعض قولها أكفكموها. قال: فأنشده عمر بعض ما قالت، فقال حسان يهجو هندا:
أشرت لكاع و كان عادتها *** لؤما إذا أشرت من الكفر(6)
لعن الإله و زوجها معها *** هند الهنود طويلة البظر(7)
أخرجت مرقصة إلى أحد *** في القوم مقتبة غلى بكر(8)
[بكر ثفال لا حراك به *** لا عن معاتبة و لا زجر](9)
و عصاك استك تتّقين بها *** دقّي العجاية منك بالفهر(10)
/قرحت عجيزتها و مشرجها *** من دأبها نصا على القتر(11)
ظلّت تداويها زميلتها *** بالماء تنضحه و بالسّدر
أخرجت ثائرة مبادرة *** بأبيك فاتك يوم ذي بدر(12)
1) في بعض النسخ: «تمتاز القتلى». و لم ترد «امتاز» متعدية، و إنما هي مطاوعة. و الصواب ما أثبت من ها و «الطبري».
2) الخدم: جمع خدمة بالتحريك، و هي الخلخال.
3) هذه الصواب من ط، مط، مب و الطبري. و في سائر النسخ: «عن بطن».
4) هذه من ط، ها، مط، مب و الطبري.
5) التكملة من «تاريخ الطبري» (23:3) و السيرة 582.
6) لكاع، كنى بها عن هند. و امرأة لكاع كقطام: لئيمة. في الطبري و «الديوان» 229: «مع الكفر».
7) البظر: الهنة بين شفري المرأة. الطبري: «عظيمة البظر».
8) الإرقاص: أن يحمل البعير على الخبب.
9) البيت من ط، مط، مب «و الطبري» و «الديوان». و الثفال، كسحاب: البطيء من الإبل. مب «ثقال» تحريف.
10) يقال عصاه استه، أي ليس معه عصا فهو يحرّك استه على المطيّة حتى تسير. انظر «مجالس ثعلب» 380 و «البيان» (77:3). دقي العجاية، هي على هذا الصواب في ها، و في الطبري: «دق العجاية هند بالفهر»، و في «الديوان»: «دق العجاية عاري الفهر». و في سائر النسخ «دقي عجانك منك» تحريف. و أنشدوا لمزرد بن ضرار: فجاء على بكر ثفال يكده عصاه استه وجي العجاية بالفهر
11) ط، ح، ها، مط، مب: «عجينتها» تحريف، صوابه في سائر النسخ و الطبري و «الديوان». و النص: ضرب من السير السريع. و القتر، بالضم: الناحية و الجانب. و في «الديوان»: «من نصها نصا على القهر».
12) الطبري و «الديوان»: «بأبيك و ابنك»، و هو الصواب. و «ذو» تزاد كثيرا في كلامهم.
و بعمّك المستوه في ردع *** و أخيك منعفرين في الجفر(1)
و نسيت فاحشة أتيت بها *** يا هند ويحك سيئة الذكر(2)
فرجعت صاغرة بلا ترة *** منّا ظفرت بها و لا نصر
زعم الولائد أنّها ولدت *** ولدا صغيرا كان من عهر
قال محمد بن جرير: ثم إنّ أبا سفيان بن حرب أشرف على القوم فيما حدّثنا هارون بن إسحاق قال: حدّثنا مصعب بن المقدام قال حدّثنا إسرائيل، و حدّثنا ابن وكيع قال: حدّثنا أبي عن إسرائيل قال حدّثنا ابن إسحاق عن البرّاء قال:
ثم إن أبا سفيان أشرف علينا فقال: أ في القوم محمد؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: لا تجيبوه! مرّتين، ثم قال: أ في القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاثا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: لا تجيبوه!(3)]. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قتلوا، لو كانوا في الأحياء لأجابوا! فلم يملك عمر بن الخطاب/رضي اللّه عنه نفسه أن قال: كذبت يا عدوّ اللّه، قد أبقى اللّه لك ما يخزيك. فقال: أعل هبل، أعل هبل! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا «اللّه أعلى و أجلّ» قال أبو سفيان: لنا العزّى و لا عزّى لكم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا اللّه مولانا و لا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، و الحرب سجال، أما إنكم ستجدون في القوم مثلا لم آمر بها و لم تسؤني.
لما أجاب عمر رضي اللّه عنه أبا سفيان قال له أبو سفيان: هلمّ يا عمر. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: ائته فانظر ما شأنه؟ فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك اللّه يا عمر أ قتلنا محمدا؟ فقال عمر: اللهمّ لا، و إنّه ليسمع كلامك الآن.
قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة و أبرّ؛ لقول ابن قمئة لهم: إنّي قتلت محمدا. ثم نادى أبو سفيان فقال: إنّه قد كان مثل(4)و اللّه ما رضيت و لا سخطت، و لا أمرت و لا نهيت، و قد كان الحليس بن زبّان، أخو بني الحارث بن عبد مناة، و هو يومئذ سيّد الأحابيش، قد مرّ بأبي سفيان بن حرب و هو يضرب في شدق حمزة عليه السلام و/هو يقول: ذق عقق(5)! فقال الحليس: يا بني كنانة، هذا سيّد قريش يصنع بابن عمه كما ترون لحما(6)! فقال اكتمها عليّ فإنّها كانت زلّة قال: فلما انصرف أبو سفيان و من معه نادى: أن موعدكم بدر، العام/المقبل. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لرجل من أصحابه: «قل: نعم، هي بيننا و بينك موعد».
1) المستوه: المضروب في استه: و الردع: الدم. ط، و الطبري: «ودع». و في «الديوان»: «المسلوب بزته». و الجفر: البئر. و هذه رواية ط، مط و «الديوان»، و في الطبري و سائر النسخ: «الحفر» بالحاء المهملة.
2) في «الديوان» و الطبري: «سبة الدهر». و سيئة، في رواية أبي الفرج، هو تخفيف السيئة. قال: أني جزوا عامرا سيئا بفعلهم أم كيف يجزونني السوأى من الحسن
3) التكملة من ط، ها، مط، مب و الطبري (23:3).
4) الطبري: «قد كان في قتلاكم مثل». و المثل: جمع مثلة.
5) في «اللسان»: «ذق عقق، أي ذق جزاء فعلك يا عاق»... و عقق معدول عن عاق للمبالغة، كغدر من غادر، و فسق من فاسق».
6) مطابق لما في الطبري و «السيرة» 586 جوتنجن. أراد و هو قتيل.
ثم بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عليّ بن أبي طالب عليه السلام فقال: اخرج في آثار القوم فانظر ما ذا يصنعون، فإن كانوا قد جنبوا و امتطوا الإبل فإنّهم يريدون مكة، و إن ركبوا الخيل و ساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، فو الذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم ثم لأناجزنّهم. قال علي: فخرجت في آثارهم انظر ما يصنعون، فلما جنبوا الخيل و امتطوا الإبل توجّهوا إلى مكّة، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال لي: أيّ ذلك كان فأخفه حتّى يأتيني. قال عليّ: فلما رأيتهم قد توجّهوا إلى مكة أقبلت أصيح، ما أستطيع أن أكتم الذي أمرني به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، لما بي من الفرح، إذ رأيتهم انصرفوا إلى مكّة عن المدينة، و فرغ الناس لقتلاهم(1). فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم - كما حدّثنا ابن حميد قال:
حدّثنا سلمة قال حدّثني محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة(2)المازني أخي بني النجار.
أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع - و سعد أخو بني الحارث بن الخزرج - أ في الأحياء هو أم في الأموات؟». فقال رجل من الأنصار: أنا انظر لك يا رسول اللّه ما فعل. فنظر فوجده جريحا في القتلى به رمق. قال: فقلت له: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أمرني أن انظر له أ في الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: فأنا في الأموات. أبلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و قل له: إنّ سعد بن الربيع يقول لك: جزاك اللّه خير/ما جزى نبيّا عن أمته، و أبلغ قومك عنّي السلام و قل لهم: إنّ سعد بن الربيع يقول: لا عذر لكم عند اللّه جلّ و عزّ إن خلص إلى نبيكم و فيكم عين تطرف. ثم لم أبرح حتّى مات رحمه اللّه، فجئت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أخبرته.
و خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فيما بلغني، يلتمس حمزة بن عبد المطلب عليه السلام، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، و مثّل به فجدع أنفه و أذناه.
و عن ابن إسحاق قال: فحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال حين رأى بحمزة ما رأى:
«لو لا أن تحزن صفية أو تكون سنة من بعدي لتركته حتّى يكون في أجواف السباع و حواصل الطير، و لئن أنا أظهرني اللّه على قريش في موطن من المواطن لأمثلنّ بثلاثين رجلا منهم». فلما رأى المسلمون حزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و غيظه على ما فعل بعمّه قالوا: و اللّه لئن أظهرنا اللّه عليهم يوما من الدهر لنمثلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قطّ.
و عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس. قال ابن حميدة قال سلمة، و حدّثني محمد بن إسحاق قال: فحدّثنا الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن/ابن عباس: أنّ اللّه عزّ و جلّ أنزل في ذلك من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم(3):
وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّٰابِرِينَ إلى آخر السورة. فعفا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و صبر، و نهى عن المثلة.
قال ابن إسحاق فيما بلغني: خرجت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إلى حمزة و كان أخاها لامها، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لابنها الزبير: القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها. فلقيها الزبير فقال: يا أمّه، إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يأمرك أن ترجعي. فقالت: و لم، فقد بلغني أنّه مثّل بأخي، و ذلك في اللّه جلّ و عزّ قليل، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبنّ و لأصبرنّ إن شاء اللّه تعالى؟ فلما جاء الزبير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فأخبره بذلك قال: خلّ سبيلها. فأتته فنظرت إليه و صلّت عليه و استرجعت و استغفرت له، ثم أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم به فدفن.
قال: حدّثني محمد بن إسحاق قال: حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال:
لمّا خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى أحد، رجع حسيل بن جابر - و هو اليمان أبو حذيفة بن اليمان - و ثابت بن وفش(1)بن زعورا في الآطام مع النساء و الصبيان، فقال أحدهما لصاحبه و هما شيخان كبيران: لا أبا لك ما تنتظر، فو اللّه إن بقي لواحد منّا من عمره إلاّ ظمء حمار(2)، إنّما نحن هامة اليوم أو غد(3)، أ فلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لعلّ اللّه يرزقنا شهادة معه. فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتّى دخلا في الناس، و لم يعلم أحد بهما. فأمّا ثابت بن وقش(1) فقتله المشركون، و أما حسيل بن جابر اليمان فاختلفت عليه/أسياف المسلمين فقتلوه و لم يعرفوه، فقال حذيفة: أبي! قالوا: و اللّه إن عرفناه و صدقوا. قال حذيفة: يغفر اللّه لكم و هو أرحم الراحمين. فأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أن يديه(4)، فتصدّق حذيفة بديته على المسلمين، فزادته عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم خيرا.
قال حدّثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجل أتيّ(5)لا ندري من أين هو، يقال له قزمان، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول إذا ذكره: «إنّه لمن أهل النار» فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا فقتل هو وحده ثمانية من المشركين أو تسعة، و كان شهما شجاعا ذا بأس، فأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظفر، قال:
فجعل رجال من المسلمين يقولون: و اللّه لقد أبليت اليوم(6)يا قزمان، فأبشر. قال: بم أبشر؟ فو اللّه أن قاتلت إلاّ على حساب قومي، و لو لا ذلك ما قاتلت. فلما اشتدّت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقطع رواهشه فنزفه الدم فمات؛ فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بذلك فقال: إنّي رسول اللّه حقّا.
1) كذا في ط، مب و الطبري و في مط: «ثابت بن زعورا» و في ها: «بن قيس» و في سائر النسخ «بن قريش»، تحريف.
2) ظمء الحمار: ما بين الشربين له، و ليس شيء من الدواب أقصر ظمأ من الحمار، يرد الماء كل يوم في الصيف مرتين.
3) أي سنموت اليوم أو غدا.
4) وداه: أدى دينه.
5) الأتي: الغريب، ليس من القوم.
6) كذا في ها و الطبري، و في سائر النسخ: «القوم».
و عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني حسين بن عبد اللّه عن عكرمة قال:
كان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوّال، فلما كان الغد من يوم أحد، و ذلك يوم الأحد لستّ عشرة ليلة خلت من شوّال، أذّن مؤذّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في الناس بطلب العدوّ، و أذّن مؤذّنه أن لا يخرجنّ معنا إلاّ من حضر يومنا بالأمس. فكلّمه جابر بن عبد اللّه [بن عمرو](1)بن حرام(2)الأنصاري فقال: يا رسول/اللّه، إنّ أبي كان خلّفني/على أخوات لي سبع و قال لي: يا بنيّ، إنه لا ينبغي لي و لا لك أن نترك هؤلاء النسوة بلا رجل فيهن، و لست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على نفسي، فتخلّف على أخواتك. فتخلّفت عليهنّ. فأذن له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فخرج معه، و إنّما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مرهبا للعدو، و أنّهم خرجوا في طلبهم فيظنون أنّ بهم قوّة، و أن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم.
عن محمد بن إسحاق: قال فحدّثني عبد اللّه بن خارجة(3)بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان بن عفان، أنّ رجلا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من بني عبد الأشهل كان شهد أحدا. قال: فشهدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أنا و أخ لي، فرجعنا جريحين، فلما أذّن مؤذّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بالخروج في طلب العدوّ قلت لأخي و قال لي:
أ تفوتنا غزوة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و اللّه ما لنا من دابة نركبها، و ما منّا إلا جريح ثقيل. فخرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و كنت أيسر جرحا منه، فكنت إذا غلب عليه حملته عقبة(4)حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حتّى انتهينا إلى حمراء الأسد، و هي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثا: الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.
قال ابن إسحاق عن عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنه مرّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم معبد الخزاعي، و كان خزاعة مسلمهم و مشركهم/عيبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم(5)لا يخفون عليه شيئا كان بها، و معبد يومئذ مشرك، فقال:
يا محمد لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك، و لوددت أنّ اللّه قد أعفاك منهم. ثم خرج من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بحمراء الأسد حتّى لقي أبا سفيان بن حرب بالرّوحاء و من معه، و قد أجمعوا الرّجعة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و قالوا:
أصبنا جدّ(6)أصحابه و قادتهم و أشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم، لنكرّنّ على بقيّتهم فلنفرغنّ منهم! فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قطّ يتحرّقون عليكم تحرّقا، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم، و ندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم، شيء
1) التكملة من «الطبري» (28:3) و «الإصابة» 1022.
2) كذا على الصواب في ط، ها، مط، مب. و في ا: «حزام» و في سائر النسخ «حزم».
3) كذا على الصواب في ط، ا، ها، مط، مب. و في ح «عبد اللّه بن خارجة» أيضا لكن كتب فوقها «محمد» و في سائر النسخ: «محمد بن خارجة».
4) العقبة، بالضم: النوبة. الطبري: «حملته عقبة و مشى عقبة».
5) عيبة الرجل: موضع سره، على المثل.
6) ط، مط، مب: «حد» بالحاء المهملة.
لم أر مثله قطّ. قال: ويلك ما تقول! قال: و اللّه ما أراك ترتحل حتّى ترى نواصي الخيل. قال: فو اللّه لقد أجمعنا الكرة لنستأصل شأفتهم(1). قال: فإنّي أنهاك عن ذلك، فو اللّه لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر.
قال: و ما ذا قلت؟ قال قلت:
كادت تهدّ من الأصوات راحلتي *** إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل(2)
فظلت عدّوا أظنّ الأرض مائلة *** لمّا سموا برئيس غير مخذول
فقلت ويل بن حرب من لقائكم *** إذا تغطمطت البطحاء بالجيل(3)
/إنّي نذير لأهل السّيل ضاحية *** لكلّ ذي إربة منهم و معقول(4)
من جيش أحمد لا وخش تنابلة *** و ليس يوصف ما أنذرت بالقيل(5)
/قال: فثنى ذلك أبا سفيان و من معه، و مرّ به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة.
قال: فلم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عنّي محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، و أحمّل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا جئتموه فأخبروه أن قد أجمعنا السّير إليه و إلى أصحابه، لنستأصل شأفتهم. فمرّ الركب برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أصحابه: «حسبنا اللّه و نعم الوكيل».
أ من ريحانة الداعي السّميع *** يؤرّقني و أصحابي هجوع
براني حبّ من لا أستطيع *** و من هو للذي أهوى منوع
إذا لم تستطع شيئا فدعه *** و جاوزه إلى ما تستطيع
الشعر لعمرو بن معديكرب الزبيدي، و الغناء للهذلي، ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى، من رواية إسحاق. و فيه ثقيل أوّل على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة. و فيه لابن سريج رمل بالوسطى من رواية حمّاد عن أبيه.
1) الطبري (29:3): «لنستأصل بقيتهم».
2) تهد: يبلغ منها و تكسر. و الجرد: جمع أجرد، و هو الفرس القصير الشعر. و الأبابيل: الجماعات. و قوله: «سالت الأرض» هو من قوله: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا و سالت بأعناق المطي الأباطح
3) تغطمطت: اضطربت. و الجيل: الأمة، و كل صنف من الناس.
4) السيل: اسم من أسماء مكة، عن نصر. ما عدا ط، ا، مب: «السيل» و في الطبري: «البسل» ضاحية، أي علانية. المعقول: العقل.
5) الوخش: رذالة الناس و صغارهم. ما عدا ط، 1: «وحش» صوابه في سائر النسخ و الطبري. و التنبل: القصير.
هو عمرو بن معديكرب بن عبد اللّه بن عمرو بن عصم بن عمرو بن زبيد، و هو منبّه.
هكذا ذكر محمد بن سلاّم فيما أخبرنا به أبو خليفة عنه.
و ذكر عمر بن شبّة عن أبي عبيدة أنه عمرو بن معديكرب بن ربيعة بن عبد اللّه بن عمرو بن عصم بن زبيد بن منبّه بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبّه بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
و يكنى أبا ثور، و أمّه و أم أخيه عبد اللّه امرأة من جرم فيما ذكر، و هي معدودة من المنجبات.
أخبرنا محمد بن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: عمرو بن معديكرب فارس اليمن، و هو مقدّم على زيد الخيل في الشدّة و البأس.
و روى علي بن محمد المدائني عن زيد بن قحيف الكلابيّ قال: سمعت أشياخنا يزعمون أنّ عمرو بن معديكرب كان يقال له «مائق بني زبيد»، فبلغهم أنّ خثعم تريدهم، فتأهّبوا لهم، و جمع معديكرب بني زبيد، فدخل عمرو على أخته فقال: أشبعيني إنّي غدا لكتيبة(1). قال: فجاء معديكرب فأخبرته ابنته فقال: هذا المائق يقول ذاك؟ قالت: نعم. قال: فسليه ما يشبعه. فسألته فقال: فرق من ذرة، و عنز رباعية. قال: و كان الفرق يومئذ ثلاثة أصوع(2). فصنع له ذلك.
و ذبح العنز و هيّأ له الطعام. قال: فجلس عليه فسلته(3)جميعا. و أتتهم خثعم الصباح فلقوهم، و جاء عمرو فرمى بنفسه. ثم رفع رأسه فإذا لواء أبيه قائم، فوضع رأسه فإذا لواء أبيه قد زال، فقام كأنّه سرحة محرقة، فتلقّى أباه و قد انهزموا فقال: انزل عنها، فاليوم ظلم(4). فقال له: إليك يا مائق! فقال له بنو زبيد: خلّه أيها الرجل و ما
1) كذا في ط، ا، مط، مب: و في سائر النسخ: «إن غدا الكتيبة».
2) أصوع: جمع صاع، و هو مكيال لأهل المدينة يأخذ أربعة أمداد. و يجمع أيضا على «أصوع» بالهمز، و أصواع، و صوع، و صيعان.
3) سلته، يقال سلت القصعة: مسحها بإصبعه. و السلت أيضا: القطع و الاستئصال.
4) عنها، أي عن الفرس. اليوم ظلم، عبارة يقولها العرب بمعنى حقا. طلب من أبيه أن يتنحى له فرسه ليحارب عليها.
يريد، فإن قتل كفيت مئونته، و إن ظهر فهو لك. فألقى إليه سلاحه فركب، ثم رمى خثعم بنفسه حتى خرج من بين أظهرهم، ثم كرّ عليهم و فعل ذلك مرارا، و حملت عليهم بنو زبيد فانهزمت خثعم و قهروا، فقيل له يومئذ: فارس زبيد.
قال أبو عمرو الشيباني: كان من حديث عمرو بن معديكرب بن ربيعة بن عبد اللّه بن زبيد بن منبه [بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبّه](1)بن صعب بن سعد العشيرة بن مالك - و هو مذحج - بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب(2)بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، أنّه قال لقيس بن مكشوح المراديّ، و هو ابن أخت عمرو، حين انتهى إليهم أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: يا قيس، إنّك سيّد قومك، و قد ذكر لنا أنّ رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز، يقال له نبيّ، فانطلق بنا حتّى نعلم علمه، و بادر [فروة](3)لا يغلبك على الأمر. فأبى قيس ذلك و سفّه رأيه و عصاه، فركب عمرو متوجّها إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و قال: خالفتني يا قيس! و قال عمرو في ذلك:
أمرتك يوم ذي صنعا *** ء أمرا بيّنا رشده(4)
/أمرتك باتّقاء اللّ *** ه تأتيه و تتّعده(5)
فكنت كذي الحميّر غ *** رّه من أيره وتده(6)
قال أبو عبيدة: حدّثنا غير واحد من مذحج قالوا: قدم علينا وفد مذحج، مع فروة بن مسيك المراديّ، على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، فأسلموا و بعث فروة صدقات من أسلم منهم و قال له: ادع الناس و تألّفهم، فإذا وجدت الغفلة فاهتبلها و اغز.
قال أبو عمرو الشيباني: و إنّما رحل فروة مفارقا لملوك كندة مباعدا لهم، إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و قد كانت قبل الإسلام بين مراد و همدان وقعة أصابت فيها همدان من مراد حتّى أثخنوهم، في يوم يقال له يوم الرّزم(7)، و كان الذي قاد همدان إلى مراد الأجدع بن مالك بن حريم(8)الشاعر الهمداني بن مسروق بن الأجدع، ففضحهم يومئذ، و في ذلك يقول فروة بن مسيك المرادي:
1) التكملة من ط، مط، مب.
2) كذا في ط، أ، مط، مب على الصواب. و في سائر النسخ: «يعرب» تحريف.
3) هذه من ط، مط، مب، و موضعها بياض في أ فقط.
4) ذو، زائدة، و كثيرا ما تزاد في كلامهم. و أراها زائدة في البيت الثالث.
5) في «السيرة» 952: «و المعروف تتعده».
6) الحمير: مصغر الحمار. ط، مط، مب: «من عيره». و في «السيرة»: خرجت من المنى مثل ال حمير غره وتده
7) الرزم، براء بعدها زاي، هو الصواب من ط، مط، مب و «معجم البلدان» و «معجم ما استعجم». و في «السيرة» و «الخزانة» (2: 123): «الردم»، و في سائر النسخ: «الروم» كلاهما محرّف.
8) حريم، بالراء المهملة. و هذا الصواب من ط، مط، مب، و في سائر النسخ «حزيم» بالزاي.
فإن نغلب فغلاّبون قدما *** و إن نهزم فغير مهزّمينا
فلما توجّه فروة إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنشأ يقول:
لمّا رأيت ملوك كندة أعرضت *** كالرّجل خان الرجل عرق نساها
يمّمت راحلتي أمام محمد(1)*** أرجو فواضلها و حسن ثراها(2)
/فلما انتهى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال له فيما بلغنا: هل ساءك ما أصاب قومك يوم الرزم(3)؟ قال: يا رسول اللّه، من ذا الذي يصيب قومه مثل الذي أصاب قومي و لا يسوؤه. فقال له: أما إنّ ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلاّ خيرا! و استعمله على مراد و زبيد و مذحج كلّها.
قال أبو عبيدة: فلم يلبث عمرو أن ارتدّ عن الإسلام، فقال حين ارتد:
وجدنا ملك فروة شر ملك *** حمار ساف منخره بقذر(4)
و إنّك لو رأيت أبا عمير *** ملأت يديك من غدر و ختر
قال أبو عبيدة: فلما ارتدّ عمرو مع من ارتدّ عن الإسلام من مذحج، استجاش فروة النبيّ/صلّى اللّه عليه و سلّم، فوجّه إليهم خالد بن سعيد بن العاص و خالد بن الوليد، و قال لهما: إذا اجتمعتم فعليّ بن أبي طالب أميركم و هو على الناس.
و وجّه عليا عليه السلام فاجتمعوا بكسر(5)من أرض اليمن، فاقتتلوا و قتل بعضهم و نجا بعض، فلم يزل جعفر و زبيد و أود بنو سعد العشيرة بعدها قليلة.
و في هذا الوجه وقعت الصمصامة إلى آل سعيد، و كان سبب وقوعها إليهم أنّ ريحانة بنت معديكرب سبيت يومئذ، ففداها خالد، و أثابه عمرو الصمصامة(6)، فصار إلى أخيه سعيد، فوجد سعيد جريحا يوم عثمان بن عفان رضي اللّه عنه حين حصر و قد ذهب السيف و الغمد، ثم وجد الغمد، فلما قام معاوية جاءه إعرابيّ بالسيف بغير غمد، و سعيد/حاصر، فقال سعيد: هذا سيفي! فجحد الأعرابيّ مقالته، فقال سعيد: الدليل على أنّه سيفي أن تبعث إلى غمده فتغمده فيكون كفافه. فبعث معاوية إلى الغمد فأتى به من منزل سعيد فإذا هو عليه، فأقرّ الأعرابيّ أنّه أصابه يوم الدار، فأخذه سعيد منه و أثابه، فلم يزل عنده حتّى أصعد المهديّ من البصرة، فلما كان بواسط بعث
1) كذا في الأصول. و في «السيرة» 951: «قربت راحلتي أؤم محمدا».
2) الثرى: مقصور الثراء، و هو الثروة و الغنى.
3) ما عدا ط، مط، مب: «الروم». و انظر ما سلف من التحقيق في الصفحة السابقة.
4) ساف سوفا: شم، و قد زاد الباء مع الفعل. و القذر، بالفتح و سكون الذال وصف من قولهم: قذر قذارة فهو قذر. ط، أ، مط، مب: «بقدر». و في «السيرة»: «حمارا ساف منخره بثفر». و ثفر الدابة: حياؤها.
5) في «معجم البلدان»: «الكسر: قرى كثيرة بحضرموت يقال لها كسر قشاقش، سكنها كندة».
6) كذا الصواب في ط، مط، مب. و في سائر النسخ: «و أصابه غمد الصمصامة».
إلى سعيد فيه، فقال: إنّه للسبيل. فقال: خمسون سيفا قاطعا أغنى من سيف واحد. فأعطاهم خمسين ألف درهم و أخذه.
و ذكر ابن النطّاح أنّ المدائني حكى عن أبي اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: أقبل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم من غزاة تبوك يريد المدينة، فأدركه عمرو بن معديكرب الزّبيدي في رجال من زبيد، فتقدم عمرو ليلحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فأمسك حتّى أوذن به، فلما تقدّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يسير قال: حيّاك اللّه إلهك، أبيت اللعن! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إنّ لعنة اللّه و ملائكته و الناس أجمعين على الذين لا يؤمنون باللّه و لا باليوم الآخر. فآمن باللّه يؤمنك يوم الفزع الأكبر». فقال عمرو بن معديكرب: و ما الفزع الأكبر؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إنّه فزع ليس كما تحسب و تظنّ، إنّه يصاح بالناس صيحة لا يبقى حيّ إلاّ مات، إلا ما شاء اللّه من ذلك، ثم يصاح بالناس صيحة لا يبقى ميّت إلا نشر، ثم تلجّ تلك الأرض بدويّ تنهّد منه الأرض، و تخرّ منه الجبال، و تنشق السماء انشقاق القبطية الجديد(1)ما شاء اللّه في ذلك، ثم تبرز النار فينظر إليها حمراء مظلمة قد صار لها لسان في السماء، ترمي بمثل رءوس الجبال من شرر النار، فلا يبقى ذو روح إلاّ انخلع قلبه، و ذكر ذنبه. أين أنت يا عمرو» قال: إنّي أسمع أمرا عظيما! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «يا عمرو أسلم/تسلم». فأسلم و بايع لقومه على الإسلام، و ذلك منصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من غزاة تبوك، و كانت في رجب من سنة تسع(2).
و قال أبو هارون السّكسكي البصريّ: حدّثني أبو عمرو المدينيّ أنّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان إذا نظر إلى عمرو قال: «الحمد للّه الذي خلقنا و خلق عمرا!» تعجّبا من عظم خلقه.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبّة عن خالد بن خداش عن أبي نميلة قال:
أخبرني رميح عن أبيه قال:
رأيت عمرو بن معديكرب في خلافة معاوية شيخا أعظم ما يكون من الرجال، أجشّ الصوت، إذا التفت التفت بجميع جسده. و هذا خطأ من/الرواية.
و الصحيح أنّه مات في آخر خلافة عمر رضي اللّه عنه، و دفن بروذة(3)بين قمّ و الريّ. و من الناس من يقول إنّه قتل في وقعة نهاوند، قبره في ظاهرها موضع يعرف بقبديشجان(4)، و أنّه دفن هناك يومئذ هو و النعمان بن مقرّن.
و روى أيضا من وجه ليس بالموثوق به، أنّه أدرك خلافة عثمان رضي اللّه عنه، روى ذلك ابن النطّاح عن مروان بن ضرار عن أبي إياس البصريّ، عن أبيه، عن جويرية الهذليّ في حديث طويل قال:
رأيت عمرو بن معديكرب و أنا في مسجد الكوفة في خلافة عثمان، حين وجّهه إلى الريّ، كأنه بعير مهنوء.
/و قال ابن الكلبي: حدّثني أسعر، عن عمرو بن جرير الجعفي قال: سمعت خالد بن قطن يقول:
خرج عمرو بن معديكرب في خلافة عثمان رضي اللّه عنه إلى الريّ و دستبي(1)، فضربه الفالج في طريقه فمات بروذة.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: أخبرني خالد بن خداش قال حدّثنا حمّاد بن زيد عن مجالد عن الشعبي:
أنّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فرض لعمرو بن معديكرب في(2)ألفين، فقال له: يا أمير المؤمنين ألف هاهنا و أومأ إلى شقّ بطنه الأيمن، و ألف هاهنا و أومأ إلى شقّ بطنه الأيسر - فما يكون هاهنا؟ و أومأ إلى وسط بطنه.
فضحك عمر رضوان اللّه عليه و زاده خمسمائة.
قال علي بن محمد(3): قال أبو اليقظان: قال عمرو بن معديكرب: لو سرت بظعينة وحدي على مياه معدّ كلّها ما خفت أن أغلب عليها، ما لم يلقني حرّاها أو عبداها(4). فأما الحرّان فعامر بن الطفيل و عتيبة بن الحارث بن شهاب، و أما العبدان فأسود بني عبس، يعني عنترة و السّليك بن السّلكة، و كلّهم قد لقيت. فأما عامر بن الطّفيل فسريع الطّعن على الصوت، و أما عتيبة فأوّل الخيل إذا غارت، و آخرها إذا آبت. و أما عنترة فقليل الكبوة، شديد الكلب(5). و أما السّليك فبعيد/الغارة، كالليث الضاري. قالوا: فما تقول في العباس بن مرداس؟ قال: أقول فيه ما قال فيّ:
إذا مات عمرو قلت للخيل أوطئوا *** زبيدا فقد أودى بنجدتها عمرو
و قام مغضبا و علم أنّهم أرادوا توبيخه بالعباس.
قال علي: و قال أبو اليقظان: أحسب في اللفظ غلطا و أنه إنّما قال: «هجينا مضر»؛ لأنّ عنترة استرقّ، و العباس لم يسترقّ قطّ.
أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثنا أحمد بن جناب(1)عن عيسى بن يونس، عن إسماعيل(2)، عن قيس(3): أن عمر رضي اللّه عنه كتب إلى سعد بن أبي وقّاص:
إنّي قد أمددتك بألفي رجل عمرو بن معديكرب، و طليحة بن خويلد - و هو طليحة الأسدي - فشاورهما في الحرب و لا تولّهما شيئا.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثنا أحمد بن جناب قال حدّثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل، عن قيس قال:
شهدت القادسية و كان سعد على الناس، فجاء رستم فجعل يمرّ بنا و عمرو بن معديكرب الزبيدي يمرّ على الصفوف يحضّ الناس و يقول: يا معشر المهاجرين، كونوا أسدا أغنى شأنه(4)، فإنّما الفارسيّ تيس بعد أن يلقي نيزكه(5).
/قال: و كان مع رستم أسوار لا تسقط له نشّابة. فقال له: يا أبا ثور، اتّق ذاك! فإنا لنقول له ذلك إذ رماه رمية فأصاب فرسه، /و حمل عليه عمرو فاعتنقه ثم ذبحه، و سلبه سواري ذهب كانا عليه، و قباء ديباج.
قال أبو زيد(6): فذكر أبو عبيدة أنّ عمرا حمل يومئذ على رجل فقتله ثم صاح: يا معشر بني زبيد، دونكم فإنّ القوم يموتون!
و قال علي بن محمد المدائني: و أخبرنا محمد بن الفضل و عبد ربّه بن نافع، عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم قال:
حضر عمرو الناس و هم يقاتلون، فرماه رجل من العجم بنشّابة فوقعت في كتفه، و كانت عليه درع حصينة فلم تنفذ، و حمل على العلج فعانقه فسقطا إلى الأرض، فقتله عمرو و سلبه، و رجع بسلبه و هو يقول:
أنا أبو ثور و سيفي ذو النّون *** أضربهم ضرب غلام مجنون
يا لزبيد إنّهم يموتون
1) ترجم له في «تهذيب التهذيب» و قال: «روي عن عيسى بن يونس». ما عدا ط، ح: «حباب» محرّف.
2) هو إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي. روى عن قيس بن أبي حازم و أكثر في الرواية عنه، كما في «تهذيب التهذيب».
3) هو قيس بن أبي حازم الأحمسي، ترجم له في «تهذيب التهذيب».
4) أغنى شأنه: كفى نفسه، لم يستعن بشيء. قال الملتمس: أغنيت شأني فأغنوا اليوم شأنكم و استحمقوا في مراس الحرب أو كيسوا
5) النيزك: الرمح القصير، فارسي معرّب. و الرمح بالفارسية «نيزه» بكسر النون. و في «اللسان» أن النيزك «حقيقته تصغير الرمح بالفارسية». و الكاف تستعمل للتصغير في الفارسية: فكلمة «مرد». بمعنى رجل، تصغر على «مردك» أي رجيل. ح: «ببركة» أ، مط، مب «بيزكه» بالإهمال، و الصواب في ط، ها.
6) أبو زيد: كنية عمر بن شبة.
قال أبو عبيدة: و قال في ذلك عمرو بن معديكرب:
ألمم بسلمى قبل أن تظعنا *** إنّ لنا من حبّها ديدنا
قد علمت سلمى و جاراتها *** ما قطّر الفارس إلا أنا
شككت بالرمح حيازيمه *** و الخيل تعدو زيما بيننا(1)
غنى فيه الغريض ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر. و فيه رمل بالبنصر يقال إنه لمعبد. و يقال إنه من منحول يحيى المكي.
/قال أبو عبيدة في رواية أبي زيد عمر بن شبة:
شهد عمرو بن معديكرب القادسية و هو ابن مائة و ستّ سنين. و قال بعضهم: بل ابن مائة و عشر. و قال: و لما قتل العلج عبر نهر القادسية هو و قيس بن مكشوح المرادي، و مالك بن الحارث الأشتر.
قال: فحدّثني يونس أنّ عمرو بن معديكرب كان آخرهم، و كانت فرسه ضعيفة فطلب غيرها، فأتي بفرس فأخذ بعكوة ذنبه(2)و أخلد به إلى الأرض، فأقعى الفرس فردّه، و أتى بآخر ففعل به مثل ذلك فتحلحل و لم يقع فقال: هذا على كلّ حال أقوى من تلك، و قال لأصحابه: إنّي حامل و عابر الجسر، فإن أسرعتم بمقدار جزر الجزور وجدتموني و سيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي، و قد عقر بي القوم(3)و أنا قائم بينهم و قد قتلت و جرّدت. و إن أبطأتم وجدتموني قتيلا بينهم و قد قتلت و جرّدت. ثم انغمس فحمل في القوم فقال بعضهم: يا بني زبيد، تدعون صاحبكم و اللّه ما نرى أن تدركوه حيا. فحملوا فانتهوا إليه و قد صرع عن فرسه، و قد أخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكها، و إنّ الفارس ليضرب الفرس فما تقدر أن تتحرّك من يده. فلما غشيناه رمى الأعجميّ بنفسه و خلّى فرسه، فركبه عمرو و قال: أنا أبو ثور، كدتم و اللّه تفقدونني! قالوا: أين فرسك؟ قال رمي بنشّابة فشبّ فصرعني و عار(4).
و روى هذا الخبر محمد بن عمر الواقدي عن ابن أبي سبرة(5)عن أبي عيسى(6)الخياط. و رواه عليّ بن محمد أيضا عن مرّة عن أبي إسماعيل الهمذاني عن طلحة بن مصرّف. فذكرا مثل هذا.
قال الواقدي: و حدّثني أسامة بن زيد، عن أبان بن صالح قال:
قال عمرو بن معديكرب يوم القادسية: ألزموا خراطيم الفيلة السّيوف، فإنه ليس لها مقتل إلاّ خراطيمها. ثم
شدّ على/رستم و هو على الفيل فضرب فيله فجذم عرقوبيه فسقط، و حمل رستم على فرس و سقط من تحته خرج فيه أربعون ألف دينار، فحازه المسلمون، و سقط رستم بعد ذلك عن فرسه(1)فقتله.
قال علي بن محمد المدائني: حدّثني علي بن مجاهد عن ابن إسحاق قال:
لمّا ضرب عمرو الفيل و سقط رستم، سقط على رستم خرج كان على ظهر الفيل فيه أربعون ألف دينار، فمات رستم من ذلك، و انهزم المشركون.
و قال الواقدي: حدّثني ابن أبي سبرة، عن موسى بن عقبة عن أبي حبيبة مولى آل الزبير قال: حدّثنا نيار بن مكرم الأسلمي(2)، قال:
شهدت القادسية فرأيت يوما اشتدّ فيه القتال بيننا و بين الفرس، و رأيت رجلا يفعل يومئذ بالعدوّ أفاعيل، يقاتل فارسا ثم يقتحم عن فرسه و يربط مقوده في حقوه فيقاتل، فقلت: من هذا جزاه اللّه خيرا؟ قالوا: هذا عمرو بن معديكرب.
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، عن ابن الكلبيّ، عن خالد بن سعيد، عن أبي محمد المرهبيّ قال:
كان شيخ يجالس عبد الملك بن عمير، فسمعته يحدّث قال:
/قدم عيينة بن حصن الكوفة فأقام بها أياما ثم قال: و اللّه ما لي بأبي ثور عهد منذ قدمنا هذا الغائط - يعني عمرو بن معد يكرب - أسرج لي يا غلام. فأسرج له فرسا أنثى من خيله، فلما قرّبها إليه قال له: ويحك أ رأيتني ركبت أنثى في الجاهلية فأركبها في الإسلام؟ فأسرج له حصانا فركبه، و أقبل إلى محلّة بني زبيد فسأل عن محلّة عمرو فأرشد إليها، فوقف ببابه و نادى: أي أبا ثور، اخرج إلينا. فخرج إليه مؤتزرا كأنما كسر و جبر، فقال: انعم صباحا أبا مالك. فقال: أ و ليس قد أبدلنا اللّه تعالى بهذا: السّلام عليكم؟ قال: دعنا مما لا نعرف، انزل فإنّ عندي كبشا ساحّا(3). فنزل فعمد إلى الكبش فذبحه ثم كشط عنه و عضّاه(4)، و ألقاه في قدر جماع(5)، و طبخه حتّى إذا أدرك جاء بجفنة عظيمة فثرد فيها فأكفأ القدر عليها، فقعدا فأكلاه، ثم قال له: أيّ الشراب أحبّ إليك: آللبن أم ما كنا نتنادم عليه في الجاهلية؟ قال: أ و ليس قد حرّمها اللّه جل و عزّ علينا في الإسلام؟ قال: أنت أكبر سنا أم أنا؟ قال: أنت. قال: فأنت أقدم إسلاما أما أنا؟ قال: أنت. قال: فإنّي قد قرأت ما بين دفّتي المصحف فو اللّه ما وجدت
1) ط، مط، مب: «من فرسه». ها: «عن الفرس» و أثبت ما في سائر النسخ.
2) نيار، بكسر النون، بن مكرم بضم أوّله و سكون ثانيه، اختلف في صحبته. ترجم له في «تهذيب التهذيب» و «الإصابة». ط، مط، ها، مب: «سيّار» محرّف.
3) ساحا: بالغا غاية السمن. ما عدا ط، مط، مب: «سياحا» محرف.
4) أي كشط عنه جلده و سلخه. و هذا ما في ط، مط. و في أ: «كسف» و سائر النسخ: «كشف» محرفتان. و عضاه: قطعه عضوا عضوا.
5) قدر جماع، بالكسر، أي عظيمة، و قيل هي التي تجمع الجزور.
لها تحريما إلا أنّه قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقلنا: لا. فسكت و سكتنا! فقال له: أنت أكبر سنّا و أقدم إسلاما.
فجاءا فجلسا يتناشدان و يشربان، و يذكران أيام الجاهلية، حتى مسيا، فلما أراد عيينة الانصراف. قال عمرو: لئن انصرف أبو مالك بغير حباء إنّه لوصمة عليّ. فأمر بناقة له أرحبية(1)كأنّها جبيرة لجين(2)، فارتحلها و حمله عليها، ثم قال: يا غلام هات المزود. /فجاء بمزود فيه أربعة ألاف درهم، فوضعها بين يديه، فقال: أمّا المال فو اللّه لا قبلته. قال: و اللّه إنّه لمن حباء عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه. فلم يقبله عيينة و انصرف و هو يقول:
جزيت أبا ثور جزاء كرامة *** فنعم الفتى المزدار و المتضيّف
قرينت فأكرمت القرى و أفدتنا *** نخيلة علم لم يكن قطّ يعرف(3)
و قلت: حلال أن تدير مدامة *** كلون انعقاق البرق و الليل مسدف
/و قدّمت فيها حجّة عربية *** تردّ إلى الإنصاف من ليس ينصف
و أنت لنا و اللّه ذي العرش قدوة *** إذا صدّنا عن شربها المتكلّف
نقول: أبو ثور أحلّ حرامها *** و قول أبي ثور أسدّ و أعرف(4)
و قال علي بن محمد: حدّثني عبد اللّه بن محمد الثقفي عن أبيه، و الهذليّ عن الشّعبي قال:
جاءت زيادة من عند عمر بعد القادسية فقال عمرو بن معد يكرب لطليحة: أما ترى أنّ هذه الزعانف تزاد و لا نزاد، انطلق بنا إلى هذا الرجل حتّى(5)نكلّمه. فقال: هيهات، كلاّ و اللّه لا ألقاه في هذا أبدا(6)، فلقد لقيني في بعض فجاج مكّة فقال: يا طليحة، أ قتلت عكاشة(7)؟! فتوعّدني وعيدا ظننت أنّه قاتلي، و لا آمنه. /قال عمرو:
لكنّي ألقاه. قال: أنت و ذاك. فخرج إلى المدينة فقدم على عمر رضي اللّه عنه و هو يغدّي الناس و قد جفّن لعشرة عشرة، فأقعده عمر مع عشرة فأكلوا و نهضوا، و لم يقم عمرو، فأقعد معه تكملة عشرة [فأكلوا و نهضوا و لم يقم عمرو، فأقعده مع عشرة](8)حتّى أكل مع ثلاثين ثم قال، فقال: يا أمير المؤمنين إنّه كانت لي مآكل في الجاهلية منعني منها الإسلام، و قد صررت في بطن صرّتين و تركت بينهما هواء فسدّه. قال: عليك حجارة من حجارة الحرّة فسدّه به يا عمرو، إنّه بلغني أنّك تقول إنّ لي سيفا يقال له الصمصامة، و عندي سيف أسمّيه المصمّم، و إني إن وضعته بين أذنيك لم أرفعه حتّى يخالط أضراسك.
1) أرحبية: نسبة إلى بني أرحب بطن من همدان، أو أرحب موضع أو فحل تنسب إليه تلك العجائب.
2) الجبيرة: السوار من الذهب أو الفضة. س: «حبيرة» صوابه في سائر النسخ.
3) نخيلة هو ما ورد في ها، و في مط «خبيئة علم». و في ط، مب «يحمه» مهملة و في أ: «نخيبة» و في سائر النسخ «تحية علم». و «يكن» و «يعرف» هي بالتاء في س.
4) هذا البيت ساقط من ج. ما عدا ط: «يقول» لكن في مط: «تقول».
5) هذه الكلمة من ط، مط، مب.
6) ما عدا ط، مط، مب: «كلا و اللّه ألقاه في هذا المعنى أبدا» محرف.
7) في الأصول ما عدا مط، مب: «أقبلت»، تحريف. و في «الإصابة» 4283: «و هرب طليحة إلى الشام ثم أحرم بالحج فرآه عمر فقال: إني لا أحبك بعد قتل الرجلين الصالحين: عكاشة بن محصن و ثابت بن أقرم، و كانا طليقين لخالد، فلقيهما طليحة و سلمة فقتلاهما». و سلمة، هو أخو طليحة بن خويلد الأسدي.
8) هذه الكلمة من ط، مط، مب.
و ذكر ابن الكلبي(1)و محمد بن كناسة أنّ جبيلة بن سويد بن ربيعة بن رباب، لقي عمرو بن معد يكرب و هو يسوق ظعنا له فقال عمرو لأصحابه: قفوا حتّى آتيكم بهذه الظعن. فقرّب نحوه حتى إذا دنا منه قال: خلّ سبيل الظّعن. قال: فلم إذا ولدتني؟ ثم شدّ على عمرو فطعنه فأذراه عن فرسه و أخذ فرسه، فرجع إلى أصحابه فقالوا: ما وراءك؟ قال: كأنّي رأيت منيّتي في سنانه.
و بنو كنانة يذكرون أنّ ربيعة بن مكدّم الفراسيّ، طعن عمرو بن معد يكرب فأذراه عن فرسه و أخذ فرسه. و أنّه لقيه مرّة أخرى فضربه فوقعت الضربة في قربوس السّرج فقطعه حتّى عض السيف بكاثبة(2)الفرس، فسالمه عمرو و انصرف.
قال المدائني: حدّثني مسلمة بن محارب، عن داود بن أبي هند قال:
حمل عمرو بن معد يكرب حمالة(3)، فأتى مجاشع بن مسعود يسأله فيها.
/و قال خالد بن خداش: حدّثني أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن قال:
بلغني أنّ عمرا أتى مجاشع بن مسعود فقال له: أسألك حملان(4)مثلي، و سلاح مثلي. قال: إن شئت أعطيتك ذاك من مالي. ثم أعطاه حكمه. و كان الأحنف أمر له بعشرين ألف درهم، و فرس جواد عتيق، و سيف صارم، و جارية نفيسة، فمرّ ببني حنظلة فقالوا له: يا أبا ثور، كيف رأيت صاحبك؟ فقال: للّه بنو مجاشع ما أشدّ في الحرب لقاءها، و أجزل في اللّزبات عطاءها(5)، و أحسن في المكرمات ثناءها، لقد قاتلتها فما أقللتها(6)، و سألتها فما أبخلتها، و هاجيتها فما أفحمتها!!.
و قال أبو المنهال عيينة بن المنهال: سمعت أبي يحدث قال:
جاء رجل و عمرو بن معد يكرب واقف بالكناسة(7)على فرس له، فقال: لأنظرن ما بقي من قوّة أبي ثور.
فأدخل يده بين ساقيه و بين السّرج، و فطن عمرو فضمّها عليه و حرك فرسه، فجعل الرجل يعدو مع الفرس لا يقدر أن
1) ما عدا مط، حا، مب، ط «ابن النطاح».
2) الكاثبة: هي من الفرس مجتمع كتفيه قدام السرج.
3) الحمالة، كسحابة: الدية يحملها قوم عن قوم.
4) الحملان، مصدر حمل. عنى به ما يحمل عليه.
5) اللزبة: الشدة و القحط. و الجمع بسكون الزاي لأنه صفة.
6) أقللتها، القاف، أي عددتها قليلة. و في ط، أ: «أفللتها» فإن صحت كانت مأخوذة من الفل، و هم القوم المنهزمون و في ها: «فللتها».
7) الكناسة، بالضم: محلة بالكوفة.
ينزع يده، حتّى إذا بلغ منه قال: يا ابن أخي، مالك؟ /قال: يدي تحت ساقك! فخلّى عنه، و قال: يا ابن أخي، إنّ في عمك لبقيّة!!.
و كان عمرو مع ما ذكرنا من محلّه مشهورا بالكذب:
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمد بن يزيد النحوي المبرّد و لم يتجاوزه. و ذكر ابن النطاح هذا الخبر بعينه عن محمد بن سلام، و خبر المبرد أتمّ قال:
/كانت الأشراف بالكوفة يخرجون إلى ظاهرها يتناشدون الأشعار، و يتحدثون و يتذاكرون أيام الناس، فوقف عمرو إلى جانب خالد بن الصّقعب النهديّ، فأقبل عليه يحدّثه و يقول: أغرت على بني نهد فخرجوا إليّ مسترعفين(1)بخالد بن الصّقعب يقدمهم، فطعنته طعنة فوقع، و ضربته بالصمصامة حتّى فاضت نفسه(2)! فقال له الرجل: يا أبا ثور إنّ مقتولك الذي تحدّثه. فقال: اللهم غفرا إنّما أنت محدّث(3)فاسمع، إنّما نتحدث بمثل هذا و أشباهه لنرهب هذه المعدّيّة.
قال محمد بن سلام: و قال يونس: أبت العرب إلاّ أنّ عمرا كان يكذب. قال: و قلت لخلف الأحمر و كان مولى الأشعريين، و كان يتعصّب لليمانية، أ كان عمرو يكذب؟ قال: كان يكذب باللّسان، و يصدق بالفعال.
أخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة(4):
أنّ سعدا كتب إلى عمر رضي اللّه عنه يثني على عمرو بن معد يكرب، فسأله عمر عن سعد فقال: «هو لنا كالأب أعرابيّ في نمرته(5)، أسد في تامورته(6)، يقسم بالسويّة، و يعدل في القضية، و ينفر في السريّة، و ينقل إلينا حقّنا كما تنقل الذرة» فقال عمر رضوان اللّه عليه: لشدّ ما تقارضتما الثناء(7).
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الحارث عن ابن سعد عن الواقدي عن بكير بن مسمار(8)عن زياد مولى سعد قال:
/سمعت سعدا يقول و بلغه أنّ عمرو بن معد يكرب وقع في الخمر، و أنّه قد دلّه. فقال: لقد كان له موطن
1) الاسترعاف: السق و التقدم.
2) ج، أ، ها، مب: «فاظت نفسه» بالظاء، و هما بمعنى، أي خرجت. و عن بعض اللغويين أنه لا يقال فاظت نفسه، و إنما يقال فاظ، بدون ذكر النفس، فإذا ذكرت النفس قيل فاضت بالضاد.
3) المحدث: الملهم ما يقول.
4) الخبر التالي في «الشعر و الشعراء» 333.
5) النمرة: شملة فيها خطوط بيض و سود، أو بردة من صوف تلبسها الأعراب.
6) التامورة: عرين الأسد.
7) ما عدا ط، ها، مط، مب: «الشهادة» و ما في ط يطابق «الشعر و الشعراء» و «البيان» (68:2).
8) س: «يسار» «تحريف». و لبكير بن مسمار ترجمة في «تهذيب التهذيب».
صالح يوم القادسية، عظيم الغناء، شديد النّكاية للعدوّ. فقيل له: فقيس بن مكشوح؟ فقال: هذا أبذل لنفسه من قيس، و إنّ قيسا لشجاع.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمّر بن شبة و أخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة.
و نسخت هذا الخبر من رواية ابن الكلبي خاصة: حدثني أسعر بن عمرو بن جرير، عن خالد بن قطن قال: حدّثني من شهد موت عمرو بن معد يكرب، و الرواية قريبة، و حكايتا عمر بن شبّة و ابن قتيبة عن أنفسهما و لم يتجاوزاها، قالا:
كانت مغازي العرب إذ ذاك الريّ و دستبى(1)، فخرج عمرو مع شباب من مذحج حتّى نزل الخان الذي دون روذة، فتغدّى القوم ثم ناموا، و قام كلّ رجل منهم لقضاء حاجته، و كان عمرو إذا أراد الحاجة لم يجترئ أحد أن يدعوه و إن أبطأ، فقام الناس للرحيل و ترحّلوا إلاّ من كان في الخان الذي فيه عمرو، فلما أبطأ صحنا به: يا أبا ثور.
فلم يجبنا و سمعنا علزا(2)شديدا، و مراسا في الموضع الذي دخله، و قصدناه فإذا به محمرة عيناه، مائلا شدقه مفلوجا، فحملناه على فرس و أمرنا غلاما شديد الذّراع فارتدفه ليعدل ميله، فمات بروذة و دفن على قارعة الطريق.
فقالت امرأته الجعفية ترثيه:
/لقد غادر الركب الذين تحمّلوا *** بروذة شخصا لا ضعيفا و لا غمرا
فقل لزبيد بل لمذحج كلّها *** فقدتم أبا ثور سنانكم عمرا
/فإن تجزعوا لا يغن ذلك عنكم *** و لكن سلوا الرحمن يعقبكم صبرا
و الأبيات العينية التي فيها الغناء، و بها افتتح ذكر عمرو(3)، يقولها في أخته ريحانة بنت معد يكرب لمّا سباها الصّمة بن بكر، و كان أغار على بني زبيد في قيس فاستاق أموالهم و سبى ريحانة، و انهزمت زبيد بين يديه، و تبعه عمرو و أخوه عبد اللّه ابنا معد يكرب، ثم رجع عبد اللّه و اتّبعه عمرو.
فأخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام أنّ عمرا اتّبعه يناشده أن يخلّي عنها، فلم يفعل، فلما يئس منها ولّى و هي تناديه بأعلى صوتها: يا عمرو! فلم يقدر على انتزاعها، و قال:
أ من ريحانة الدّاعي السّميع *** يؤرّقني و أصحابي هجوع
سباها الصّمّة الجشميّ غصبا *** كأنّ بياض غرّتها صديع(4)
و حالت دونها فرسان قيس *** تكشّف عن سواعدها الدّروع
إذا لم تستطع شيئا فدعه *** و جاوزه إلى ما تستطيع
و زاد الناس في هذا الشعر و غنّى فيه:
و كيف أحبّ من لا أستطيع *** و من هو للذي أهوى منوع
و من قد لامني فيه صديقي *** و أهلي ثمّ كلاّ لا أطيع
و من لو أظهر البغضاء نحوي *** أتاني قابض الموت السريع(1)
فدى لهم معا عمّي و خالي *** و شرخ شبابهم إن لم يطيعوا
و قد أخبرني الحسين(2)بن يحيى قال: قال حماد: قرأت على أبي:
/و أما قصّة ريحانة فإن عمرو بن معد يكرب تزوّج امرأة من مراد، و ذهب مغيرا قبل أن يدخل بها، فلما قدم أخبر أنّه قد ظهر بها وضح - و هو داء تحذره العرب - فطلّقها و تزوّجها رجل آخر من بني مازن بن ربيعة، و بلغ ذلك عمرا و أن الذي قيل فيها باطل، فأخذ يشبّ بها، فقال قصيدته و هي طويلة:
أ من ريحانة الداعي السميع *** يؤرّقني و أصحابي هجوع
و كان عبد اللّه بن معد يكرب، أخو عمرو، رئيس بني زبيد، فجلس مع بني مازن في شرب منهم(3). فتغنّى عنده حبشيّ عبد للمخزّم، أحد بني مازن، في امرأة من بني زبيد، فلطمه عبد اللّه و قال له: أ ما كفاك أن تشرب معنا حتى تشبب بالنساء؟ فنادى الحبشيّ: يا آل بني مازن! فقاموا إلى عبد اللّه فقتلوه، و كان الحبشيّ عبدا للمخزم، فرئّس عمرو مكان أخيه، و كان عمرو غزا هو و أبيّ المراديّ فأصابوا غنائم، فادّعى أبيّ أنه قد كان مساندا، فأبى عمرو أن يعطيه شيئا، و كره أبيّ أن يكون بينهما شرّ، لحداثة قتل أبيه، فأمسك عنه. و بلغ عمرا أنّه توعّده، فقال عمرو في ذلك قصيدة له أوّلها:
أعاذل شكّتي بدني و رمحي *** و كلّ مقلّص سلس القياد(4)
أعاذل إنّما أفنى شبابي *** و أقرح عاتقي ثقل النّجاد
تمنّاني ليلقاني أبيّ *** وددت و أينما منّي ودادي(1)
/و لو لاقيتني و معي سلاحي *** تكشّف شحم قلبك عن سواد
أريد حباءه و يريد قتلي *** عذيرك من خليلك من مراد(2)
و تمام هذه الأبيات:
تمنّاني و سابغتي دلاص *** كأنّ قتيرها حدق الجراد(3)
و سيفي كان من عهد ابن صدّ *** تخيّره الفتى من قوم عاد
و رمحي العنبريّ تخال فيه *** سنانا مثل مقباس الزّناد
و علجزة يزلّ اللّبد عنها *** أمرّ سراتها حلق الجياد(4)
إذا ضربت سمعت لها أزيرا *** كوقع القطر في الأدم الجلاد(5)
إذا لوجدت خالك غير نكس *** و لا متعلّما قتل الوحاد(6)
يقلّب للأمور شرنبثات *** بأظفار مغارزها حداد
لابن سريج في الأوّل و الثاني ثقيل بالبنصر، و لابن محرز في السادس و الخامس ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى، و في الرابع و الخامس و السادس لحن للهذلي من رواية يونس.
/و هذا البيت الخامس كان عليّ بن أبي طالب عليه السلام إذا نظر إلى ابن ملجم تمثل به.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثنا حيّان(7)بن بشر قال حدّثنا جرير عن حمزة الزيات قال:
كان عليّ عليه السلام إذا نظر إلى ابن ملجم قال:
أريد حباءه و يريد قتلي *** عذيرك من خليلك من مراد
حدّثني العباس بن علي بن العباس، و محمد بن خلف وكيع قالا: حدّثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: حدّثنا عبد الرزّاق قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة السّلماني قال:
كان عليّ بن أبي طالب إذا أعطى الناس فرأى ابن ملجم قال:
1) في «سمط اللآلئ» 63: «ليلقاني قبيس» مصغر قيس بن مكشوح المرادي. انظر التنبيه التالي.
2) في «الإصابة» 7307 و «معجم المرزباني» 209 و «سمط اللآلى» و «الكامل» 550 ليبسك، أن الذي قيل فيه الشعر هو قيس بن مكشوح المرادي، و هو ابن أخت عمرو.
3) الدلاص: الدرع الملساء اللينة. و القتير: رءوس مسامير الدرع. ما عدا ط، ها، مط، مب: «حلق الجراد» تحريف.
4) العجلزة: الفرس الشديدة الخلق. ح: «خلق» بالخاء المعجمة. ط: «الحياد» بالحاء المهملة.
5) الجداد، في ها. و في سائر النسخ: «الجلاد».
6) ما عدا ط، ها، مط، مب: «قبل». و الوحاد، هي في ح «الوخاد».
7) مط: «حسان».
أريد حباءه و يريد قتلي *** عذيرك من خليلك من مراد
حدّثني محمد بن الحسن الأشناني قال: حدّثنا علي بن المنذر الطّريفي قال: حدّثنا محمد بن فضيل قال:
حدّثنا فطر بن خليفة(1)عن أبي الطفيل عامر بن واثلة(2)، و الأصبغ بن نباتة قال:
قال علي عليه السلام: ما يحبس أشقاها(3)؟ و الذي نفسي بيده لتخضبنّ هذه من هذا.
/قال أبو الطفيل: و جمع عليّ الناس للبيعة فجاء عبد الرحمن بن ملجم المراديّ، فردّه مرّتين أو ثلاثا ثم بايعه، ثم قال: ما يحبس أشقاها؟ فو الذي نفسي بيده لتخضبنّ هذه من هذا. ثم تمثل بهذين البيتين:
اشدد حيازيمك للموت *** فإنّ الموت يأتيك(4)
و لا تجزع من القتل *** إذا حلّ بواديك
1) في «الأصول»: «قطن بن خليفة» صوابه ما أثبت.
2) الكلام بعده إلى «و نهض على الحال» في ص 234 ساقط من أ.
3) اقتبسه من قول اللّه تعالى: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقٰاهٰا، و هو عاقر ناقة صالح الذي بعقره أصيب قومه بعذاب اللّه.
4) هذا ما يسميه علماء العروض بالخزم، بالزاي، و هو الزيادة على وزن البيت في أوله. انظر «العمدة» (92:1) و «الكامل» 552 ليبسك. و هذا أقصى ما يزاد في الخزم، كما نص ابن رشيق، إذ زاد أربعة أحرف، و هي «اشدد». ها: «آتيك».
قال: و جاءت بنو مازن إلى عمرو فقالوا: إن أخاك قتله رجل منا سفيه و هو سكران، و نحن يدك و عضدك، فنسألك الرحم و إلاّ أخذت الدية ما أحببت! فهمّ عمرو بذلك. و قال:
إحدى يديّ أصابتني و لم ترد(1)
كلاهما خلف من فقد صاحبة هذا أخي حين أدعوه و ذا ولدي
فبلغ ذلك أختا لعمرو يقال لها كبشة، و كانت ناكحا في بني الحارث بن كعب، /فغضبت، فلما وافى الناس من الموسم قالت شعرا تعيّر عمرا:
أرسل عبد اللّه إذ حان يومه *** إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي
و لا تأخذوا منهم إفالا و أبكرا *** و أترك في بيت بصعدة مظلم(2)
ودع عنك عمرا إنّ عمرا مسالم *** و هل بطن عمرو غير شبر لمطعم
فإن أنتم لم تقبلوا و اتّديتم *** فمشّوا بآذان النّعام المصلّم(3)
أ يقتل عبد اللّه سيّد قومه *** بنو مازن أن سبّ راعى المخزّم
فقال عمرو قصيدة له عند ذلك يقول فيها:
أرقت و أمسيت لا أرقد *** و ساورني الموجع الأسود
و بتّ لذكري بني مازن *** كأنّي مرتفق أرمد(4)
فيه لحن من خفيف الثقيل الأوّل بالوسطى، نسبه يحيى المكي إلى ابن محرز، و ذكر الهشامي(5)أنّه منحول.
1) البيت لأعرابي قتل أخوه ابنا له، مما اختاره أبو تمام في «الحماسة» (66:1). و هو: أقول للنفس تأساء و تعزية إحدى يدي أصابتني و لم ترد
2) الإفال: جمع أفيل، و هو من أولاد الإبل ما بلغ سبعة أشهر. و إنما ذكر الإفال و الأبكر تحقيرا لشأن الدية، إذ الدية لا تكون منهما. و صعدة: مخلاف باليمن.
3) في «الحماسة»: «لم تنأروا»، و ائديتم: قبلتم الدية. المصلم: المجدع.
4) المرتفق: المتكئ على مرفق يده.
5) الكلام بعده إلى ما قبل الصوت التالي ناقص من ط.
ثم أكبّ على بني مازن و هم غارّون(1)فقتلهم، و قال في ذلك شعرا:
خذوا حققا مخطّمة صفايا *** و كيدي يا مخزّم أن أكيدا(2)
قتلتم سادتي و تركتموني *** على أكتافكم عبئا جديدا(3)
[فمن يأبى من الأقوام نصرا *** و يتركنا فإنّا لن نريدا
و أرادت بنو مازن أن تردّ عليهم الدية لما آذنهم بحرب، فأبى عمرو، و كانت بنو مازن من أعداء مذحج، و كان عبد اللّه أخا كبشة لأبيها و أمّها دون عمرو، و كان عمرو قد همّ بالكف عنهم حين قتل من قتل منهم، فركبت كبشة في نساء من قومها و تركت عمرا أخاها و عيّرته فأحمته، فأكبّ عليهم أيضا بالقتل، فلما أكثر فيهم القتل تفرّقوا، فلحقت بنو مازن بصاحبهم بتميم، و لحقت ناشرة بني أسد، و هم رهط الصقعب بن الصحصح، و لحقت فالج بسليم بن منصور. و فالج و ناشرة ابنا أنمار بن مازن بن ربيعة بن منبّه بن صعب بن سعد العشيرة، و أمّهما هند بنت عدس بن زيد بن عبد اللّه بن دارم. فقال كابية بن حرقوص بن مازن:
/يا ليلتي ما ليلتي بالبلدة *** ردّت عليّ نجومها فارتدت
من كان أسرع في تفرّق فالج *** فلبونه جربت معا و أغدّت
هلاّ كناشرة الذي ضيّعتم *** كالغصن في غلوائه المتنبت](4)
و قال عمرو في ذلك:
تمنّت مازن جهلا خلاطي *** فذاقت مازن طعم الخلاط
أطلت فراطكم عاما فعاما *** و دين المذحجيّ إلى فراط(5)
أطلت فراطكم حتّى إذا ما *** قتلت سراتكم كانت قطاط(6)
غدرتم غدرة و غدرت أخرى *** فما إن بيننا أبدا يعاط(7)
أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حماد: قرأت على أبي قال المدائني:
حدّثني رجل من قريش قال: كنا عند فلان القرشيّ فجاءه رجل بجارية فغنته:
باللّه يا ظبي بني الحارث *** هل من وفى بالعهد كالناكث
1) غارون: في غرة و غفلة.
2) الحقق، بضمتين: جمع حق و حقة بالكسر فيهما، و هو من الإبل ما استكمل الثالثة و دخل في الرابعة. و في «الأصول» ما عدا مط، مب: «حقا» و فيها ما عدا مب: «ما أكيدا».
3) كذا في ها، مب. و في سائر النسخ: «سادتي عرضا فإني على أكتافكم عث».
4) التكملة من ها، مب.
5) أي أطلت إمهالكم و التأني بكم إلى أن قتلتكم.
6) قطاط، بوزن قطام، أي حسبي. و في «اللسان» (قطط): «قالت قطاط».
7) يعاط: زجر في الحرب، و هي كلمة ينذر بها الرقيب أهله إذا رأى جيشا. يقول: ليس بيننا إنذار، إنما نفاجأ بالحرب مفاجأة. و في «الأصول»: «تعاطى».
و غنته أيضا بغناء ابن سريج:
يا طول ليلي و بتّ لم أنم *** وسادى الهمّ مبطن سقمي
فأعجبته و استام مولاها، فاشتطّ عليه فأبى شراءها، و أعجبت الجارية بالفتى، فلما امتنع مولاها من البيع إلاّ بشطط قال القرشي: فلا حاجة لنا في جاريتك. فلما قامت الجارية للانصراف رفعت صوتها تغنّي و تقول:
إذا لم تستطع شيئا فدعه *** و جاوزه إلى ما تستطيع
/قال: فقال الفتى القرشي: أ فأنا لا أستطيع شراءك، و اللّه لأشترينّك بما بلغت.
قالت الجارية: فذاك أردت. قال القرشيّ: إذا لأجبتك. و ابتاعها من ساعته. و اللّه أعلم.
باللّه يا ظبي بني الحارث *** هل من وفى بالعهد كالناكث
لا تخدعنّي بالمنى باطلا *** و أنت بي تلعب كالعابث
عروضه من السريع، الشعر لعمر بن أبي ربيعة، و الغناء لابن سريج، رمل بالبنصر، و فيه لسياط خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، و فيه لإبراهيم الموصليّ لحن من رواية بدل. و منها:
يا طول ليلى و بتّ لم أنم *** و سادي الهمّ مبطن سقمي
إذ قمت ليلا على البلاط فأب *** صرت ربيبا فليت لم أقم(1)
فقلت عوجي تخبّري خبرا *** و أنت منه كصاحب الحلم
قالت بل اخشى العيون إذ حضرت *** حولى و قلي مباشر الألم
[عروضه من المنسرح(2). و الشعر(3)و] الغناء لابن سريج، رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق.
و ذكر محمد بن الفضل الهاشمي قال حدّثنا أبي قال:
كان المأمون قد أطلق لأصحابه الكلام و المناظرة في مجلسه، فناظر بين يديه محمّد بن العباس الصوليّ عليّ بن الهيثم جونقا(4)في الإمامة، فتقلّدها أحدهما و دفعها الآخر، فلجّت المناظرة بينهما إلى أن نبّط محمد
1) الربيب: المربي، عنى ظبيا ربيبا شبه به صاحبته. مط، مب: «فأبصرت زينبا». و في سائر النسخ ما عدا ط: «رشاقا» و صواب هذه «رشا فيا ليت لم أقم».
2) في الأصل، و هو هنا ط، مط، مب: «من الخفيف».
3) التكملة من ط، مط، مب.
4) ما عدا ط، ها، مط، مب: «حولنا» و صوابه و ضبطه من هذه النسخ، كما هو في مواضع أخرى من «الأغاني».
عليا(1)فقال له علي: إنّما تكلّمت بلسان غيرك، و لو كنت في غير هذا المجلس لسمعت أكثر مما قلت! فغضب المأمون و أنكر على محمد ما قاله و ما كان منه من سوء الأدب بحضرته، و نهض عن فرشه و نهض الجلساء فخرجوا، و أراد محمد الانصراف فمنعه علي بن صالح صاحب المصلّى، و هو إذ ذاك يحجب المأمون، و قال: أفعلت ما فعلت بحضرة أمير المؤمنين و نهض على الحال(2)التي رأيت، ثم تنصرف بغير إذن، اجلس حتى نعرف رأيه فيك. و أمر بأن يجلس.
قال: و مكث المأمون ساعة فجلس على سريره، و أمر بالجلساء فردّوا إليه، فدخل إليه عليّ بن صالح فعرّفه ما كان من قول علي بن محمد في الانصراف، و ما كان من منعه إياه، فقال: دعه ينصرف إلى لعنة اللّه. فانصرف، و قال المأمون لجلسائه: أ تدرون لم دخلت إلى النساء في هذا الوقت؟ قالوا: لا. قال: إنّه لمّا كان من أمر هذا الجاهل ما كان لم آمن فلتات الغضب، و له بنا حرمة، فدخلت إلى النساء فعابثتهنّ(3)حتّى سكن غضبي.
قال: و ما مضى محمد عن وجهه إلاّ إلى طاهر، فسأله الركوب إلى المأمون، و أن يستوهبه جرمه، فقال طاهر: ليس هذا من أوقاتي، و قد كتب إليّ خليفتي/في الدار أنّه قد دعا بالجلساء. فقال: أكره أن أبيت ليلة و أمير المؤمنين عليّ ساخط. فلم يزل به حتّى ركب طاهر معه، فأذن له فدخل و مجير الخادم واقف على رأس المأمون، فلما بصر المأمون بطاهر أخذ منديلا فمسح به عينيه مرّتين أو ثلاثا، إلى أن وصل إليه و حرّك شفتيه بشيء أنكره طاهر، ثم دنا فسلّم، فردّ السلام و أمره بالجلوس(4)فجلس في موضعه، فسأله عن مجيئه في غير وقته، فعرّفه الخبر و استوهبه ذنب محمد، فوهبه له و انصرف؛ و عرّف محمدا ذلك. ثم دعا بهارون بن خنعويه، و كان شيخا خراسانيّا/داهية ثقة عنده، فذكر له فعل المأمون و قال له: الق كاتب مجير و الطف له، و اضمن له عشرة آلاف درهم على تعريفك ما قاله المأمون ففعل ذلك و لطف له، فعرّفه أنّه لما رأى طاهرا دمعت عيناه و ترحّم على محمد الأمين، و مسح دمعه بالمنديل، فلما عرف ذلك طاهر ركب من وقته إلى أحمد بن أبي خالد الأحوال - و كان طاهر لا يركب إلى أحد من أصحاب المأمون، و كلّهم يركب إليه - فقال له: جئتك لتولّيني خراسان و تحتال لي فيها. و كان أحمد يتولّى فضّ الخرائط بين يدي المأمون، و غسّان بن عبّاد يتولّى إذ ذاك خراسان، فقال له أحمد: هلاّ أقمت بمنزلك و بعثت إليّ حتى أصير إليك و لا يشهر الخبر فيما تريده بما ليس من عادتك، لأنّ المأمون يعلم أنّك لا تركب إلى أحد من أصحابه، و سيبلغه هذا فينكره، فانصرف و أغض(5)عن هذا الأمر و أمهلني مدّة حتّى أحتال لك. و لبث مدّة، و زوّر ابن أبي خالد كتابا عن غسّان بن عباد إلى المأمون، يذكر فيه أنّه عليل و أنه لا يأمن على نفسه، و يسأل أن يستخلف غيره على خراسان، و جعله في خريطة و فضّها بين يدي المأمون، /في خرائط وردت عليه، فلما قرأ
1) ثبط، كذا وردت في «الأصول». و لعل معناها شبهه بالنبط و نسبه إليهم.
2) إلى هنا ينتهي سقط أ الذي نبهت على مبدئه في ص 228.
3) كذا في ط. و في ح: «فعاتبهن» و أ، ها، مط، مب «فعاتبتهن» و سائر النسخ: «فعانقتهن» و الأخيرة صحيحة كالأولى.
4) بعده سقط في ط ينتهي إلى: «فغناه و احتفل فقال» في ص 236.
5) س، ب: «و غض».
على المأمون الكتاب اغتمّ به و قال له: ما ترى؟ فقال: لعل هذه علّة عارضة تزول، و سيرد بعد هذا غيره فيرى حينئذ أمير المؤمنين رأيه. ثم أمسك أياما و كتب كتابا آخر و دسّه في الخرائط، يذكر فيه أنه تناهى في العلّة إلى ما لا يرجو معه نفسه، فلما قرأه المأمون قلق و قال: يا أحمد، إنه لا مدفع لأمر خراسان فما ترى؟ فقال: هذا رأي إن أشرت فيه بما أرى فلم أصب لم أستقبله، و أمير المؤمنين أعلم بخدمه و من يصلح بخراسان منهم. قال: فجعل المأمون يسمّي رجالا و يطعن أحمد على واحد واحد منهم، إلى أن قال: فما ترى في الأعور؟ قال: إن كان عند أحد قيام بهذا الأمر و نهوض فيه فعنده. فدعا به المأمون فعقد له على خراسان، و أمره أن يعسكر، فعسكر بباب خراسان. ثم تعقّب الرأي فعلم أنّه قد أخطأ، فتوقّف عن إمضائه و خشي أن يوحش طاهرا بنقضه، فمضى شهر تامّ و طاهر مقيم بمعسكره. ثم إنّ المأمون في السّحر من ليلة أحد و ثلاثين يوما من عقده له، عقد اللواء لطاهر ظاهرا، و أمر بإحضار مخارق المغنّي، فأحضر و قد صلّى المأمون الغداة مع طلوع الفجر، فقال: يا مخارق، أ تغني:
إذا لم تستطع شيئا فدعه *** و جاوزه إلى ما تستطيع
و كيف تريد أن تدعى حكيما *** و أنت لكلّ ما تهوى تبوع
قال: نعم. قال: هاته. فغناه فقال: ما صنعت شيئا، فهل تعرف من يقوله أحسن مما تقوله؟ قال: نعم، علويه الأعسر. فأمر بإحضاره فكأنّه كان وراء السّتر، فأمره أن يغنّيه، فغنّاه و احتفل فقال(1): ما صنعت شيئا أ تعرف من يقوله أحسن مما تقوله؟ قال: نعم عمرو بن بانة شيخنا. فأمر بإحضاره فدخل في مقدار/دخول علويه، فأمر بأن يغنيه الصوت، فغناه [فأحسن](2)فقال: أحسنت ما شئت(3)، هكذا ينبغي أن يقال... ثم قال: يا غلام اسقني رطلا واسق صاحبيه رطلا رطلا. ثم دعا له بعشرة آلاف درهم، و خلعة ثلاثة أثواب، ثم أمره بإعادته، فأعاده فردّ القول الذي قاله، و أمر له بمثل ما أمر، حتّى فعل ذلك عشرا، و حصل لعمرو مائة ألف درهم و ثلاثون/ثوبا، و دخل المؤذّنون فأذّنوه بالظهر، فعقد(4)إصبعه الوسطى بإبهامه و قال: «برق يمان، برق يمان». و كذلك كان يفعل إذا أراد أن ينصرف من بحضرته من الجلساء. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، قد أنعمت عليّ و أحسنت إليّ، فإن رأيت أن تأذن لي في مقاسمة أخويّ(5)ما وصل إليّ فقد حضراه؟ فقال: ما أحسن ما استمحت لهما، بل نعطيهما نحن و لا نلحقهما بك. و أمر لكلّ واحد بمثل [نصف](6)جائزة عمرو، و بكر إلى طاهر فرحّله، فلما ثنى عنان دابته منصرفا دنا منه حميد الطوسيّ فقال: اطرح على ذنبه ترابا. فقال: اخسأ يا كلب! و نفذ(7)طاهر لوجهه، و قدم غسّان بن عبّاد فسأله عن علّته و سببها، فحلف له أنّه لم يكن عليلا، و لا كتب بشيء في هذا. فعلم المأمون أنّ طاهرا احتال عليه بابن أبي خالد، و أمسك على ذلك. فلما كان بعد مدّة من مقدم طاهر إلى خراسان قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة، فقال له عون بن مجاشع بن مسعدة صاحب البريد: لم تدع في هذه الجمعة
لأمير المؤمنين؟ فقال: سهو وقع فلا تكتب به. و فعل مثل ذلك في الجمعة الثانية، و قال لعون: لا تكتب به، و فعله في الجمعة الثالثة فقال له عون: إنّ كتب التجّار لا تنقطع/من بغداد، و إن اتّصل هذا الخبر بأمير المؤمنين من غيرنا لم آمن أن يكون سبب زوال نعمتي. فقال: اكتب بما أحببت. فكتب إلى المأمون بالخبر، فلما وصل كتابه دعا بأحمد بن أبي خالد و قال: إنّه لم يذهب عليّ احتيالك علي في أمر طاهر، و تمويهك له، و أنا أعطى اللّه عهدا لئن لم تشخص حتّى توافيني به كما أخرجته من قبضتي و تصلح ما أفسدته عليّ من أمر ملكي لأبيدنّ غضراءك(1)! فشخص أحمد و جعل يتلوّم في الطريق(2)، و يقول لأصحاب البرد(3): اكتبوا بخبر علّة أجدها. فلما وصل الريّ لقيته الأخبار و وافاه رسل طلحة بن طاهر بوفاة طاهر، فأغذّ السير حتّى قدم خراسان، فلقيه طلحة على حدّ غفلة(4)فقال له أحمد: لا تكلّمني و لا ترني وجهك فإنّ أباك عرّضني للعطب و زوال النعمة، مع احتيالي له وسعي كان في محبّته. فقال له: أبي قد مضى لسبيله و لو أدركته لما خرج عن طاعتك، و أمّا أنا فأحلف لك بكلّ ما تسكن به نفسك(5)و أبذل كلّ ما عندي من مال و غيره، فاضمن له عنّي حسن الطاعة، و ضبط الناحية، و الإخلاص في النصيحة. فكتب أحمد بخبره و خبر طاهر و خبر طلحة إلى المأمون، و أشار بتقليده، فأنفذ المأمون إليه اللواء و الخلع و العهد، و انصرف أحمد إلى مدينة السلام.
أخبرني وكيع قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:
مدح ابن هرمة رجلا من قريش فلم يثبه، فقال له ابن عمّ له: لا تفعل، فإنه شاعر مفوّه. فلم يقبل منه، فقال فيه ابن هرمة:
/فهلاّ إذ عجزت عن المعالي *** و عمّا يفعل الرجل القريع(6)
أخذت برأي عمرو و حين ذكىّ *** و شبّ لناره الشرف الرفيع
إذا لم تستطع شيئا فدعه *** و جاوزه إلى ما تستطيع
و مما قاله عمرو بن معد يكرب في ريحانة أخته، و غنّي فيه، قوله:
/هاج لك الشوق من ريحانة الطربا *** إذ فارقتك و أمست دارها غربا(7)
ما زلت أحبس يوم البين راحلتي *** حتّى استمروا و أذرت دمعها سربا(8)
1) الغضار: النعمة و الخير و سعة العيش.
2) التلوم: التلبث و الانتظار.
3) البرد: جمع بريد.
4) حد كل شيء: نهايته. و كذا وردت العبارة في ط، أ، ها، مط، مب. و في سائر النسخ: «على حين غفلة».
5) أشير في ط إلى أنها في نسخة: «بكل يمين تسكن إليها».
6) القريع: السيد و الرئيس.
7) الغرب، بضمتين: الغريب، و ذكره لتأويل الدار بالمنزل.
8) أذرت: أرسلت. س: «درت». تحريف. و السرب: السائل.
حتّى ترفّع بالحزّان يركضها *** مثل المهاة مرته الريح فاضطربا(1)
و الغانيات يقتّلن الرجال إذا *** ضرّجن بالزعفران الرّيط و النّقبا(2)
من كلّ آنسة لم يغذها عدم *** و لا تشدّ لشيء صوتها صخبا(3)
إنّ الغواني قد أهلكنني و أرى *** حبالهنّ ضعيفات القوى كذبا(4)
غنّى في هذا الشعر ابن سريج خفيف ثقيل من رواية حماد، و فيه رمل نسبه حبش إليه أيضا.
و قال الأصمعيّ: هذا الشعر لسهل بن الحنظلية الغنوي ثم الضّبيني ثم الجابري، و هو جابر بن ضبينة.
/قال أبو الفرج الأصبهاني: و سهل بن الحنظلية أحد أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و قد روى عنه حديثا كثيرا.
فذكر الأصمعيّ أنّ السبب في قوله هذا الشعر أنّه اجتمع ناس من العرب بعكاظ، منهم قرّة بن هبيرة القشيري، في سنين تتابعت على الناس، فتواعدوا و تواقفوا أن لا يتغاوروا حتّى يخصب الناس(5)ثم قالوا: ابعثوا إلى المنتشر بن وهب الباهلي ثم الوائلي فليشهد أمرنا، و لندخله معنا. فأتاهم فأعلموه ما صنعوه، قال: فما يأكل قومي إلى ذاك؟ فقال له ابن جارم الضبيّ(6): إنّك لهناك يا أخا باهلة؟ قال: أمّا أنا فالغسل و النساء عليّ حرام حتّى آكل من قمع إبلك(7). فتفرقوا و لم يكن إلاّ ذلك. و قال ابن جارم للمنتشر عند قوله: استك أضيق من ذاك! فأغار المنتشر على ابن جارم، فلما رآه ابن جارم رمى بنفسه في و جار ضبع، و أطرد المنتشر إبله و رعاءها، فقال سهل في ذلك:
هاج لك الشّوق من ريحانة الطربا
في قصيدة طويلة له حسنة. و قال في ذلك أعشى باهلة:
فدى لك نفسي إذ تركت ابن جارم *** أجبّ السّنام بعد ما كان مصعبا(8)
و قال المخبل في ذلك:
إنّ قشيرا من لقاح ابن جارم *** كغاسلة حيضا و ليست بطاهر
و أنبأتماني أنّ قرّة آمن *** فناك أباه من مجير و خافر(9)
1) الضمير في «ترفع» للراحلة، و الراحلة تكون للذكر و الأنثى، ترفع: ارتفع في سيره. و الحزان بضم الحاء و كسرها: جمع حزيز، و هو ما غلظ من الأرض. المهاة: البقرة الوحشية.
2) الريط: جمع ريطة: و هي الملاءة غير ذات لفقين. و في «الأصول: «النيط». و النقب: جمع نقبة، و هي ثوب كالإزار تجعل له حجزة مطيفة من غير نيفق».
3) ما عدا ط، أ، مط، مب: «و لا تسدد بشيء صوتها صحبا».
4) ما عدا ط، مط، مب: «قد أهلكنني تعبا و خلتهن».
5) تواقفوا: وقفوا جميعا. و التغاور: تبادل الغارات.
6) ابن جارم الضبي بالجيم و الراء المهملة. و فيما عدا ط، أ، ها، مب: «حازم» في كل موضع من هذا الخبر.
7) القمع، بالتحريك: جمع قمعة، و هي أعلى السنام.
8) الأجب: المقطوع السنام، أو الذي أكله الرجل فلم يكبر. و المصعب: الفحل المكرم.
9) ح: «قتال» س: «قتالا».
/فلا توكلوها الباهليّ و تقعدوا *** لدى غرض أرميكم بالنواقر(1)
إذا هي حلّت بالذّهاب و ذي حسى *** و راحت خفاف الوطء حوس الخواطر(2)
أخبرنا أحمد بن عمار قال أخبرني يعقوب بن إسرائيل، قال حدّثني قعنب بن المحرز قال أخبرنا الهيثم بن عدي عن ابن عياش(3)عن محمد بن المنتشر قال:
أخبرني من شهد الأشعث بن قيس و عمرو بن معد يكرب و قد تنازعا في شيء، فقال عمرو للأشعث: نحن قتلنا أباك و نكنا أمّك! فقال سعد: قوما أفّ لكما! فقال الأشعث لعمرو: و اللّه لأضرطنّك. فقال: كلاّ إنها عزوز موثقة(4).
قال جرير بن عبد اللّه البجلي: فأخذت بيد الأشعث فنترته(5)فوقع على وجهه، ثم أخذت بيد عمرو فجذبته فما تحلحل و اللّه، لكأنّما حركت أسطوانة القصر.
/و قال أبو عبيدة: قدم عمرو بن معد يكرب و الأجلح بن وقّاص الفهميّ على عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه، فأتياه و بين يديه مال يوزن، فقال: متى قدمتما؟ قالا: يوم الخميس. قال: فما حبسكما؟ قالا: شغلنا بالمنزل يوم قدمنا، ثم كانت الجمعة، ثم غدونا عليك اليوم. فلما فرغ من وزن المال نحّاه، ثم أقبل عليهما فقال: هيه! فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، هذا الأجلح بن وقّاص، شديد المرّة، بعيد/الفرّة، وشيك الكرة، و اللّه ما رأيت مثله من الرجال صارعا و مصروعا، و اللّه لكأنه لا يموت! فقال عمر للأجلح بن وقّاص، و أقبل عليه: هيه. قال: و أنا أعرف الغضب في وجهه، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ الناس صالحون كثير نسلهم، دارّة أرزاقهم، خصب نباتهم، أجرياء على عدوّهم، جبان عدوّهم عنهم، صالحون بصلاح إمامهم، و اللّه ما رأينا مثلك إلاّ من تقدمك، فنستمتع اللّه بك.
فقال: ما منعك أن تقول في صاحبك مثل الذي قال فيك؟ قال: منعني ما رأيت في وجهك. قال: قد أصبت أما لو قلت له مثل الذي قال لك لأوجعتكما عقوبة، فإن تركتك لنفسك فسوف أتركه لك، و اللّه لوددت لو سلمت لكم حالكم هذه أبدا، أما إنّه سيأتي عليك يوم تعضّه و ينهشك، و تهرّه و ينبحك، و لست له يومئذ و ليس لك، فإن لم يكن بعهدكم فما أقربه منكم(6).
1) النواقر: السهام الصائبة. ما عدا ط، ها: «بالنوافر» تحريف.
2) الذهاب، بضم أوّله و كسره: غائط من أرض بني الحارث بن كعب. و ذو حسي: واد بأرض الشربة من ديار عبس و غطفان. و الحوس: جمع أحوس و حوساء، و هو البطيء التحرك من المرعى. و الخواطر: جمع خاطر و خاطرة، و هو الذي يخطر بذنبه من الخيلاء. س: «حوش».
3) ط، مط، مب: «عن ابن عباس عن عمه».
4) الأصل في معنى العزوز أنها الناقة أو الشاة الضيقة الإحليل. ح: «عزور» مط «غروز» و في سائر النسخ ما عدا ط، ها، مب: «غرور».
5) النتر: الجذب بجفاء.
6) العهد: المعرفة و الرؤية. س: «بعدكم» تحريف. و فيما عدا ط، ها، مط، مب: «فما أقربكم منكم»، تحريف أيضا.
قال أبو عبيدة: حدّثنا يونس و أبو الخطاب قالا:
لما كان يوم القادسية أصاب المسلمون أسلحة و تيجانا و مناطق و رقابا(1)فبلغت مالا عظيما، فعزل سعد الخمس ثم فضّ البقية، فأصاب الفارس ستة آلاف، و الراجل ألفان، فبقي مال دثر(2). فكتب إلى عمر رضي اللّه عنه بما فعل، فكتب إليه أن ردّ على المسلمين الخمس، و أعط من لحق بك ممن لم يشهد الوقعة. ففعل فأجراهم مجرى من شهد، و كتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه أن فضّ ما بقي على حملة القرآن. فأتاه عمرو بن معد يكرب فقال: ما معك من كتاب اللّه تعالى؟ فقال: إنّي أسلمت باليمن، ثم غزوت فشغلت عن حفظ القرآن. قال: ما لك في هذا المال نصيب.
قال: و أتاه بشر بن ربيعة الخثعمي، صاحب جبّانة(3)بشر فقال: ما معك من كتاب اللّه؟ قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم. فضحك القوم منه و لم يعطه شيئا، فقال عمرو في ذلك:
إذا قتلنا و لا يبكي لنا أحد *** قالت قريش ألا تلك المقادير
نعطى السويّة من طعن له نفذ *** و لا سويّة إذ تعطى الدنانير(4)
و قال بشر بن ربيعة:
أنخت بباب القادسيّة ناقتي *** و سعد بن وقّاص عليّ أمير
و سعد أمير شرّه دون خيره *** و خير أمير بالعراق جرير
و عند أمير المؤمنين نوافل *** و عند المثنّى فضّة و حرير
تذكّر هداك اللّه وقع سيوفنا *** بباب قديس و المكرّ عسير(5)
عشية ودّ القوم لو أنّ بعضهم *** يعار جناحي طائر فيطير
إذا ما فرغنا من قراع كتيبة *** دلفنا لأخرى كالجبال تسير(6)
ترى القوم فيها و اجمعين كأنّهم *** جمال بأحمال لهنّ زفير(7)
/فكتب سعد إلى عمر رضي اللّه تعالى عنه بما قال لهما و ما ردّا عليه، و بالقصيدتين، فكتب أن أعطهما على بلائهما. فأعطى كلّ واحد منهما ألفي درهم.
1) رقابا، كذا وردت في معظم «الأصول»، و لعلها ضرب من حلى الرقاب. و بدلها في ها: «و ذوائب».
2) مال دثر: كثير.
3) أي الذي تنسب إليه جبانة بشر. و في «معجم البلدان»: «و أهل الكوفة يسمون المقابر جبانة كما يسميها أهل البصرة المقبرة».
4) السوية: العدل.
5) قديس: موضع بناحية القادسية. و في «معجم البلدان»: «و المكر ضرير».
6) دلفنا: تقدمنا.
7) الوجوم: السكوت على غيظ. س: «فيها أجمعين».
قال: و حدّثني أبو حفص السلمي قال: كتب عمر إلى سلمان بن ربيعة الباهلي(1):
إنّ في جندك عمرو بن معد يكرب، و طلحة بن خويلد الأسديّ، فإذا حضر الناس فأدنهما و شاورهما و ابعثهما في الطّلائع، و إذا وضعت الحرب أوزارها فضعهما حيث وضعا أنفسهما. يعني بذلك ارتدادهما، و كان عمرو ارتدّ و طليحة تنبأ.
قال: و حدّثنا أبو حفص السلمي قال: عرض سلمان(1) بن ربيعة جنده بأرمينية، فجعل لا يقبل إلاّ عتيقا، فمر به عمرو بن معد يكرب بفرس غليظ، فقال سلمان: هذا هجين. فقال عمرو: و الهجين يعرف الهجين! فبلغ عمر رضي اللّه تعالى عنه قوله فكتب إليه: «أمّا بعد فإنك القائل لأميرك ما قلت، و إنّه بلغني أنّ عندك سيفا تسمّيه الصمصامة، و عندي سيف أسميه مصمّما(2)، و أقسم لئن وضعته بين أذنيك لا أقلع حتّى يبلغ قحفك(3)». و كتب إلى سلمان يلومه في حلمه عنه.
قال: و زعموا أنّ عمرا شهد فتح اليرموك، و فتح القادسية، و فتح نهاوند مع النّعمان بن مقرّن المزني، و كتب عمر إلى النعمان: إنّ في جندك رجلين: عمرو بن معد يكرب، و طليحة بن خويلد الأسدي من بني قعين، فأحضرهما الحرب و شاورهما في الأمر، و لا تولّهما عملا. و السلام.
خليليّ هبّا طالما قد رقدتما *** أجدّكما لا تقضيان كراكما
سأبكيكما طول الحياة و ما الذي *** يردّ على ذي لوعة إن بكاكما(4)
و يروي: «ذي عولة».
الشعر لقس بن ساعدة الإيادي، فيما أخبرنا به محمد بن العباس اليزيديّ في خبر أنا ذاكره هاهنا.
و ذكر يعقوب بن السكّيت أنّه لعيسى بن قدامة الأسدي(5).
و ذكر العتبي أنّه لرجل من بني عامر بن صعصعة، يقال له الحسن بن الحارث. و الغناء لهاشم بن سليمان، ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو.
1) سلمان بن ربيعة بن يزيد الباهلي، و هو سلمان الخيل، يقال إن له صحبة، شهد فتوح الشام ثم سكن العراق و ولاه عمر قضاء الكوفة، و هو أول قاض استقضى بها، ثم ولي غزو أرمينية في زمن عثمان، فقتل ببلنجر سنة 25. «تهذيب التهذيب». و فيما عدا ط، ها، مط، مب: «سليمان» في كل موضع من هذا الخبر و تاليه، و الصواب ما أثبت من ط.
2) س: «اسمه مصمم».
3) القحف، بالكسر: العظم فوق الدماغ.
4) ما عدا ط، ها، مط، مب: «على ذي عولة». و بعده: «و يروى: ذي لوعة».
5) الكلام بعده ساقط من ط إلى «قال: بينا أنا» في ص 247.
هو قسّ بن ساعدة بن عمرو - و قيل مكان عمرو شمر - بن عديّ بن مالك بن أيدعان بن النّمر بن واثلة بن الطّمثان بن زيد مناة(1)بن يقدم(2)بن أفضى بن دعميّ بن إياد. خطيب العرب و شاعرها، و حليمها و حكيمها في عصره.
يقال: إنه أول من علا على شرف و خطب عليه. و أوّل من قال في كلامه: أمّا بعد، و أول من اتّكأ عند خطبته على سيف أو عصا.
و أدركه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قبل النبوة، و رآه بعكاظ فكان يأثر عنه كلاما سمعه منه، و سئل عنه فقال: «يحشر أمّة واحدة».
و قد سمعت خبره من جهات عدّة، إلاّ أنّه لم يحضرني وقت كتبت هذا الخبر غيره، و هو و إن لم يكن من أقواها على مذهب أهل الحديث إسنادا، فهو من أتمها.
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال: حدّثنا أبو شعيب صالح بن عمران قال: حدّثني عمر بن عبد الرحمن بن حفص النسائي قال: حدّثني عبد اللّه بن محمد قال: حدّثني/الحسن بن عبد اللّه قال: حدّثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس قال:
لمّا قدم وفد إياد على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال: ما فعل قسّ بن ساعدة؟ قالوا: مات يا رسول اللّه. قال: «كأنّي انظر إليه بسوق عكاظ على جمل له أورق(3)و هو يتكلّم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه». فقال رجل من القوم: أنا أحفظه يا رسول اللّه قال: كيف سمعته يقول؟ قال سمعته يقول:
أيّها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، و من مات فات، و كلّ ما هو آت آت. ليل داج، و سماء ذات أبراج، بحار تزخر، و نجوم تزهر(1)، و ضوء و ظلام، و برّ و آثام، و مطعم و مشرب، و ملبس و مركب. ما لي أرى الناس يذهبون و لا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا. و إله قسّ بن ساعدة ما على وجه الأرض دين أفضل من دين قد أظلّكم زمانه، و أدرككم أوانه، فطوبى لمن أدركه فاتّبعه، و ويل لمن خالفه. ثم أنشأ يقول:
في الذّاهبين الأوّلي *** ن من القرون لنا بصائر
لمّا رأيت مواردا *** للموت ليس لها مصادر
و رأيت قومي نحوها *** يمضي الأصاغر و الأكابر
أيقنت أنّي لا محا *** لة حيث صار القوم صائر
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «يرحم اللّه قسّا، إني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمّة وحده»(2).
فقال رجل يا رسول اللّه: لقد رأيت من قسّ عجبا. قال: و ما رأيت؟ قال: بينا أنا بجبل(3)يقال له سمعان(4)في يوم شديد الحرّ، إذ أنا بقسّ بن ساعدة تحت ظلّ شجرة عند عين ماء، و عنده سباع، كلما زأر سبع منها على صاحبه ضربه بيده و قال: كفّ حتى يشرب الذي ورد قبلك. قال: ففرقت(5)، فقال: لا تخف. /و إذا أنا بقبرين بينهما مسجد، فقلت له: ما هذان القبران؟ قال هذان قبرا أخوين كانا لي فماتا، فاتّخذت بينها مسجدا أعبد اللّه جلّ و عزّ فيه حتّى ألحق بهما. ثم ذكر أيامهما فبكى، ثم أنشأ يقول:
خليلي هبّا طالما قد رقدتما *** أجدّكما لا تقضيان كراكما
أ لم تعلما أنّي بسمعان مفرد *** و ما لي فيه من حبيب سواكما
أقيم على قبريكما لست بارحا *** طوال الليالي أو يجيب صداكما
كأنّكما و الموت أقرب غاية *** بجسمي في قبريكما قد أتاكما
فلو جعلت نفس لنفس وقاية *** لجدت بنفسي أن تكون فداكما
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «يرحم اللّه قسّا».
و أما الحكاية عن يعقوب بن السكيت أنّ الشعر لعيسى بن قدامة الأسدي فأخبرني بها عليّ بن سليمان الأخفش، عن السكوني قال: قال يعقوب بن السكيت:
1) تزهر: تتلألأ و تضىء.
2) الأمة: الرجل المنفرد بدين، كقوله تعالى: إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ كٰانَ أُمَّةً. و جاء مثله الحديث أنه قال: «يبعث يوم القيامة زيد بن عمرو بن نفيل أمة على حدة». و ذلك أنه كان تبرأ من أديان المشركين و آمن باللّه قبل مبعث الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم.
3) إلى هنا ينتهي سقط ط الذي بدأ في ص 245.
4) سمعان بالكسر: جبل في ديار بني تميم.
5) فرقت، بكسر الراء من الفرق، و هو الخوف و الفزع.
قال عيسى بن قدامة الأسديّ، و كان قدم قاسان(1)، و كان له نديمان فماتا، و كان يجيء فيجلس عند القبرين، و هما براوند(2)، في موضع يقال له خزاق، فيشرب و يصبّ على القبرين حتّى يقضي وطره، ثم ينصرف و ينشد و هو يشرب:
خليليّ هبّا طالما قد رقدتما *** أجدّكما لا تقضيان كراكما
/أ لم تعلما مالي براوند هذه *** و لا بخزاق من نديم سواكما
مقيم على قبريكما لست بارحا *** طوال الليالي أو يجيب صداكما
جرى الموت مجرى اللحم و العظم منكما *** كأنّ الذي يسقي العقار سقاكما
/تحمّل من يهوى القفول و غادروا *** أخا لكما أشجاه ما قد شجاكما(3)
فأيّ أخ يجفو أخا بعد موته *** فلست الذي من بعد موت جفاكما
أصبّ على قبريكما من مدامة *** فإلاّ تذوقا أرو منها ثراكما(4)
أناديكما كيما تجيبا و تنطقا *** و ليس مجابا صوته من دعاكما
أ من طول نوم لا تجيبان داعيا *** خليليّ ما هذا الذي قد دهاكما
قضيت بأنّي لا محالة هالك *** و أنّي سيعروني الذي قد عراكما
سأبكيكما طول الحياة و ما الذي *** يردّ على ذي عولة إن بكاكما
و أخبرني ابن عمّار أبو العباس أحمد بن عبيد اللّه بخبر هؤلاء، عن أحمد بن يحيى البلاذري قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالح بن مسلم العجليّ قال:
بلغني أنّ ثلاثة نفر من أهل الكوفة كانوا في الجيش الذي وجّهه الحجاج إلى الدّيلم، و كانوا يتنادمون لا يخالطون غيرهم، فإنّهم لعلى ذلك إذ مات أحدهم فدفنه صاحباه، و كانا يشربان عند قبره، فإذا بلغه الكأس هراقاها على قبره و بكيا. ثم إنّ الثاني مات فدفنه الباقي إلى جنب صاحبه، و كان يجلس عند قبريهما فيشرب و يصبّ الكأس على الذي يليه ثم على الآخر و يبكي، و قال فيهما:
نديمي هبّا طالما قد رقدتما
و ذكر بعض الأبيات التي تقدم ذكرها. و قال مكان «براوند هذه»: «بقزوين»، و سائر الخبر نحو ما ذكرناه. قال ابن عمار: فقبورهم هناك تعرف بقبور الندماء.
و ذكر العتبي عن أبيه أن الشّعر للحزين بن الحارث، أحد بني عامر بن صعصعة، و كان أحد نديميه من بني
أسد و الآخر من بني حنيفة، فلما مات أحدهما كان يشرب و يصبّ على قبره و يقول.
/لا تصرد هامة من كأسها *** و اسقه الخمر و إن كان قبر(1)
كان حرّا فهوى فيمن هوى *** كلّ عود ذي شعوب ينكسر
قال: ثم مات الآخر فكان يشرب عند قبريهما و ينشد:
خليليّ هبا طالما قد رقدتما *** ................
الأبيات.
قال: ثم قالت له كاهنة: إنّك لا تموت حتّى تنهشك حية في شجرة بوادي كذا و كذا. فورد ذلك الوادي في سفر له و سأل عنه فعرفه، و قد كان خطّ في أصل شجرة(2)، و مدّ(3)رجله عليها، فنهشته حية فأنشأ يقول:
خليليّ هذا حيث رمسي فعرّجا *** عليّ فإنّي نازل فمعرّس
لبست رداء العيش أحوى أجّره ال *** عشيّات حتّى لم يكن فيه ملبس(4)
تركت خبائي حيث أرسى عماده *** عليّ، و هذا مرمسي حيث أرمس
أ حتفي الذي لا بدّ أنّك قاتلي *** هلمّ فما في غابر العيش منفس(5)
أبعد نديميّ اللذين بعاقل *** بكيتهما حولا مدى أتوجّس(6)
1) التصريد: قطع الشرب، أو تقليله. و عنى بالهامة هنا الميت. الضمير في «كأسها» للهامة، أو للخمر. ما عدا ط، أ، ها، مط، مب: «لا يصرد».
2) أي خط له قبرا في هذا الموضع.
3) هذه الكلمة من ط، ها، مب.
4) أحوى، أي أسود الشعر حين الشباب. ما عدا ط، أ، ها: مب: «عشيات».
5) الغابر، هنا: الباقي. منفس، أي متسع و مهلة، يقال زدني نفسا في أجلي، أي طولا فيه، و لك في هذا الأمر نفسة، بالضم، أي مهلة.
6) ما عدا ط، ها، مب: «بكيتكما».
هو هاشم بن سليمان مولى بني أميّة، و يكنى أبا العباس، و كان موسى الهادي(1)يسمّيه أبا الغريض. و هو حسن الصنعة عزيزها، و فيه يقول الشاعر:
يا وحشتي بعدك يا هاشم *** غبت فشجوى بك لي دائم
اللهو و اللذّة يا هاشم *** ما لم تكن حاضرة مأتم(2)
أخبرني علي بن عبد العزيز قال حدثنا عبيد اللّه بن عبد اللّه بن خرداذبه قال: كان موسى الهادي يميل إلى هاشم بن سليمان و يمازحه، و يلقّبه أبا الغريض.
و أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد قال: بلغني أن هاشم بن سليمان دخل يوما على موسى الهادي فغناه:
لو يرسل الأزل الظّبا *** ء ترود ليس لهنّ قائد(3)
لتيمّمتك تدلّها *** ريّاك للسّبل الموارد
و إذا الرياح تنكّرت *** نكبا هواجرها صوارد(4)
فالناس سائلة إلي *** ك فصادرا تغني و وارد(5)
الشعر لطريح بن إسماعيل الثقفي، يقوله في الوليد بن يزيد بن عبد الملك. و الغناء لهاشم بن سليمان، خفيف ثقيل أوّل بالبنصر.
/فطرب موسى، و كان بين يديه كانون كبير ضخم عليه فحم، فقال له: سلني ما شئت. قال: تملأ لي هذا الكانون. فأمر له بذلك، و فرّغ الكانون فوسع ستّ بدور(6)، فدفعها إليه.
1) ما عدا ط، ها، مب: «مولى الهادي».
2) المأتم: مجتمع النساء للحزن و النياحة. ما عدا ط، أ، ها: «ماثم». و المأثم: الإثم و الذنب.
3) الأزل، بالفتح: الشدة و الضيق.
4) النكب: جمع نكباء، و هي كل ريح بين ريحين، و كلها لا خير فيه.
5) سائلة من السيل، يعني كثرة الوارد.
6) البدور: جمع بدر، و البدر و البدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار.
و قد أخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي قال حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، عن أبي توبة، عن محمد بن جبر، عن هاشم بن سليمان قال:
أصبح موسى أمير المؤمنين يوما و عنده جماعة منّا، فقال: يا هاشم غنني:
أبهار قد هيّجت لي أوجاعا
فإن أصبت مرادي فيه فلك حاجة مقضيّة. فغنيته فقال: قد أصبت و أحسنت سل حاجتك. فقال: يا أمير المؤمنين تأمر أن يملأ هذا الكانون دراهم. قال: و بين يديه كانون عظيم، فأمر به فملئ فوسع ثلاثين ألف درهم، فلما حصّلتها قال: يا ناقص الهمّة، و اللّه لو سألتني أن أملأه دنانير لفعلت. فقلت: أقلني يا أمير المؤمنين.
فقال: لا سبيل إلى ذلك فلم يسعدك الجدّ به.
أبهار قد هيّجت لي أوجاعا *** و تركتني عبدا لكم مطواعا
بحديثك الحسن الذي لو كلّمت *** وحش الفلاة به لجئن سراعا
و إذا مررت على البهار منضّدا *** في السّوق هيّج لي إليك نزاعا(1)
و اللّه لو علم البهار بأنّها *** أضحت سمّيته لصار ذراعا
الغناء لهاشم، ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو، و فيه ثقيل أول بالبنصر، ينسب إلى إبراهيم الموصلي، و إلى يحيى المكي، و إلى إسحاق.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز و إسماعيل بن يونس/قالا: حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثني بعض أصحابنا قال:
كنّا في منزل محمد بن إسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن عباس، و كان عالما بالغناء و الفقه جميعا، و قد كان يحيى بن أكثم وصفه للمأمون بالفقه، و وصفه أحمد بن يوسف بالعلم بالغناء فقال المأمون: ما أعجب ما اجتمع فيه: العلم بالفقه، و الغناء! فكتبت إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن يتحوّل إلينا و كان في جوارنا، و عندنا يومئذ محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان، و ذكاء و صغير غلاما أحمد بن يوسف الكاتب، فكتب إلينا إسحاق: جعلت فداءكم، قد أخذت دواء، فإذا خرجت منه حملت قدري و صرت إليكم. و كتب في أسفل كتابه:
أنا شماطيط الذي حدّثت به *** متى أنبّه للغداء أنتبه
ثم أدور حوله و أحتبه *** حتّى يقال شره و لست به
ثم جاءنا و معه بديح غلامه، فتغدّينا و شربنا، فغنّى ذكاء غلام أحمد بن يوسف:
أبهار قد هيّجت لي أوجاعا
فسأله إسحاق أن يعيده فأعاده مرارا، ثم قال له: ممّن أخذت هذا؟ فقال: من معاذ بن الطّبيب. قال:
1) النزاع: الشوق. نازع إلى أهله: اشتاق.
و الصنعة فيه له. فقال له إسحاق: أحبّ أن تلقيه على بديح. ففعل. فلما صلّيت العشاء انصرف ذكاء، و قعد أبو جعفر يشرب - يعني مولاه(1)- و عنده قوم، و تخلّف صغير فغنّانا، فقال له إسحاق: أنت و اللّه يا غلام ماخوريّ.
و سكر محمد بن إسماعيل في آخر النّهار فغنانا:
دعوني أغصّ إذا ما بدت *** و أملك طرفي فلا انظر
/فقال إسحاق لمحمد بن الحسن: آجرك اللّه في ابن عمّك! أي قد سكر فأقدم على الغناء بحضرتي.
هبوني أغضّ إذا ما بدت *** و أملك طرفي فلا انظر
فكيف احتيالي إذا ما الدموع *** نطقن فبحن بما أضمر
أيا من سروري به شقوة *** و من صفو عيشي به أكدر
أ منّي تخاف انتشار الحديث *** و حظّي في ستره أوفر
و لو لم أصنه لبقيا عليك *** نظرت لنفسي كما تنظر
الشعر للعباس بن الأحنف، و الغناء للزبير بن دحمان، ثقيل أول بالوسطى عن عمرو في الأبيات الثلاثة الأول. و فيها لعمرو بن بانة ماخوريّ. و في:
أيا من سروري به شقوة
لسليم هزج. و فيه ثاني ثقيل ينسب إلى حسين بن محرز، و إلى عباس منقار.
هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم *** قد لفّها الليل بسوّاق حطم
ليس براعي إبل و لا غنم(2)*** و لا بجزّار على ظهر و ضم
عروضه من الرجز. الشعر لرشيد بن رميض العنزي يقوله في الحطم، و هو شريح بن/ضبيعة، و أمّه هند بنت حسّان بن عمرو بن مرثد، و الغناء ليزيد حوراء، خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، و فيه خفيف رمل يقال إنّه لأحمد المكي.
قال أبو عبيدة: كان شريح بن ضبيعة غزا اليمن في جموع جمعها من ربيعة، فغنم و سبى بعد حرب كانت بينه و بين كندة، أسر فيها فرعان(3)بن مهديّ بن معد يكرب عم الأشعث بن قيس، و أخذ على طريق مفازة فضلّ بهم
دليلهم ثمّ هرب منهم و مات فرعان في أيديهم عطشا، و هلك منهم ناس كثير بالعطش. و جعل الحطم يسوق بأصحابه سوقا عنيفا(1). حتّى نجوا و وردوا الماء. فقال فيه رشيد:
هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم *** ليس براعي إبل و لا غنم
و لا بجزّار على ظهر و ضم *** نام الحداة و ابن هند لم ينم
باتت يقاسيها غلام كالزّلم *** خدلجّ السّاقين خفّاق القدم
قد لفّها الليل بسوّاق حطم
فلقّب يومئذ «الحطم» لقول رشيد هذا فيه.
و أدرك الحطم الإسلام فأسلم، ثم ارتدّ بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.
حدّثنا محمد بن جرير الطبري قال حدّثنا عبد اللّه بن سعد(2)الزهري قال أخبرنا عمي يعقوب قال: أخبرني سيف قال:
خرج العلاء بن الحضرميّ نحو البحرين، و كان من حديث البحرين أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لما مات ارتدّوا(3)ففاءت عبد القيس منهم، و أمّا بكر فتمّت على ردّتها. و كان الذي ثنى عبد القيس الجارود بن المعلّى.
/فذكر سيف عن إسماعيل بن مسلم [عن الحسن بن أبي الحسن قال:
قدم الجارود بن المعلّى على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم مرتادا، و قال: أسلم يا جارود. فقال: إنّ لي دينا. فقال له النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: إنّ دينك يا جارود ليس بشيء، و ليس بدين. فقال له الجارود: فإن أنا أسلمت فما كان من تبعة في الإسلام فعليك؟ قال: نعم](4). فأسلم و أقام بالمدينة حتّى فقه.
حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا محمد بن حميد، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل عن أبي إسحاق قال:
اجتمعت ربيعة بالبحرين، فقالوا: ردّوا الملك في آل المنذر، فملّكوا المنذر بن النعمان بن المنذر، و كان يسمّى الغرور، ثم أسلم بعد ذلك و قال: لست بالغرور و لكنّي المغرور.
حدّثنا محمد بن جرير قال: حدّثنا عبد اللّه بن سعد(5)قال: أخبرني عمي قال أخبرنا سيف عن إسماعيل بن مسلم عن عمير بن فلان العبدي قال:
1) بعده سقط في ط إلى ما قبل (ذكر علي بن أديم) بسطر واحد.
2) في الطبري: (254:3): «عبيد اللّه بن سعيد». و في «الأصول»: «عبيد اللّه بن سعد» و أثبت ما في «تهذيب التهذيب».
3) نص الطبري: «أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و المنذر بن ساوى اشتكيا في شهر واحد، ثم مات المنذر بعد النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بقليل و ارتد بعده أهل البحرين».
4) التكملة من «تاريخ الطبري» (254:3) في حوادث سنة 11.
5) في «الأصول»: «عبيد اللّه بن سعد». و انظر ما سبق في ص 255.
لما مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم خرج الحطم بن ضبيعة، في بني قيس(1)بن ثعلبة و من اتّبعه من بكر بن وائل على الردّة، و من تأشّب [إليه](2)من غير المرتدّين ممن لم يزل كافرا، حتّى نزل القطيف و هجر، و استغوى الخطّ ومن كان بهما من الزّطّ و السيابجة، و بعث بعثا إلى دارين فأقاموا](2) له ليجعل عبد القيس بينهم و بينه، و كانوا مخالفين له يمدّون المنذر و المسلمين، و أرسل إلى الغرور بن سويد/بن المنذر بن أخي النعمان بن المنذر، فقال له: اثبت فإني إن ظفرت ملّكتك البحرين، حتّى تكون كالنّعمان بالحيرة. و بعث إلى رواثا و قيل إلى جؤاثا، فحاصرهم و ألح عليهم، فاشتدّ الحصار على المحصورين من المسلمين، و فيهم رجل من صالحي المسلمين يقال له عبد اللّه بن حذف، أحد بني أبي بكر بن كلاب، فاشتدّ عليه و عليهم الجوع حتّى كادوا يهلكون، فقال عبد اللّه بن حذف:
ألا أبلغ أبا بكر رسولا *** و فتيان المدينة أجمعينا
فهل لكم إلى قوم كرام *** قعود في جؤاثا محصرينا
/كأنّ دماءهم في كل فج *** شعاع الشمس يعشى الناظرينا
توكّلنا على الرّحمن إنا *** وجدنا النّصر للمتوكلينا
حدّثني محمد بن جرير قال كتب إلى السريّ بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن الصقعب(3)بن عطية بن بلال، عن سهم بن منجاب، عن [منجاب](4)ابن راشد قال:
بعث أبو بكر العلاء بن الحضرمي على قتال أهل الردّة بالبحرين، فتلاحق به من لم يرتدّ من المسلمين(5)، و سلك بنا الدّهناء حتّى إذا كنا في بحبوحتها أراد اللّه عزّ و جل أن يرينا آية، فنزل العلاء و أمر الناس بالنزول، فنفرت الإبل في جوف الليل، فما بقي بعير و لا زاد و لا مزاد(6)و لا بناء - يعني الخيم قبل أن يحطّوا - فما علمت جمعا هجم عليه من الغمّ ما هجم علينا، و أوصى بعضنا إلى بعض، و نادى منادي العلاء: اجتمعوا. فاجتمعنا إليه فقال:
ما هذا الذي ظهر فيكم و غلب عليكم؟ فقال الناس: /و كيف نلام و نحن إن بلغنا غدا لم تحم شمسه حتّى نصير حديثا. فقال: أيّها الناس، لا تراعوا، أ لستم مسلمين؟ أ لستم في سبيل اللّه؟ أ لستم أنصار اللّه؟ قالوا: بلى. قال:
فأبشروا، فو اللّه لا يخذل اللّه تبارك و تعالى من كان في مثل حالكم. و نادى المنادي بصلاة الصبح حين طلع الفجر، فصلّى بنا و منا المتيمّم و منا من لم يزل على طهوره، فلما قضى صلاته جثا لركبتيه، و جثا الناس معه، فنصب(7)في
1) في الطبري (255:3): «أخو بني قيس».
2) التكملة من الطبري. و تأشبوا: تجمعوا من هاهنا و هنا.
3) في «الطبري»: «الصعب».
4) التكملة من أ، مب و الطبري.
5) اختزل أبو الفرج قدرا كبيرا من نص الطبري في أول هذا الخبر.
6) كذا في الطبري. و في الأصول ما عدا مب، ها: «مراد» بالراء المهملة.
7) نصب ينصب في الدعاء، إذا تعب فيه و اجتهد. و به فسر قوله تعالى: فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ أي اتعب في الدعاء.
الدعاء و نصبوا فلمع لهم سراب فأقبل على الدعاء، ثم لمع لهم آخر كذلك فقال الرائد: ماء. فقام و قام الناس فمشينا حتّى نزلنا عليه فشربنا و اغتسلنا، فما تعالى النهار حتّى أقبلت الإبل من كلّ وجه و أناخت إلينا، فقام كلّ رجل إلى ظهره فأخذه، فما فقدنا سلكا(1)، فأرويناها العلل بعد النّهل و تروّحنا. و كان أبو هريرة رفيقي، فلما غبنا عن ذلك المكان قال لي: كيف علمك بموضع ذلك الماء؟ فقلت: أنا أهدى الناس(2)بهذه البلاد. قال: فكّر معي حتى تقيمني عليه. فكررت به فأنخت على ذلك المكان بعينه، فإذا هو لا غدير به، و لا أثر للماء، فقلت له: و اللّه لو لا أنّي لا أرى الغدير لأخبرتك أنّ هذا هو المكان، و ما رأيت بهذا المكان ماء قبل ذلك(3). فنظر أبو هريرة فإذا إداوة مملوءة فقال: يا سهم، هذا و اللّه المكان و لهذا رجعت و رجعت بك. و ملأت إداوتي هذه ثم وضعتها على شفير الوادي فقلت: إن كان منّا من المن و كانت آية عرفتها، [و إن كان غياثا عرفته. فإذا منّ من المنّ](4)و حمدت اللّه جلّ و عز. ثمّ سرنا حتّى نزلنا هجر فأرسل العلاء إلى الجارود و رجل آخر: أن انضمّا في عبد القيس حتّى تنزلا على الحطم مما يليكما. و خرج هو فيمن معه و فيمن/قدم عليه(5)حتّى ينزل مما يلي هجر. و تجمّع المسلمون كلّهم إلى العلاء بن الحضرميّ، ثم خندق المسلمون و المشركون فكانوا يتراوحون القتال و يرجعون إلى خندقهم، فكانوا كذلك شهرا. فبينا الناس ليلة كذلك إذ سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة، فكأنّها ضوضاء هزيمة فقال العلاء: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال عبد اللّه بن حذف: أنا آتيكم بخبر القوم - و كانت أمّه عجليّة - فخرج حتّى إذا دنا من خندقهم أخذوه فقالوا له: من أنت؟ فانتسب لهم و جعل ينادي يا أبجراه! فجاء أبجر بن بجير فعرفه فقال:
ما شأنك؟ فقال لا أضيعنّ الليلة بين اللّهازم، علام/أقتل و حولي عساكر من عجل و تيم اللات و عنزة و قيس، أ يتلاعب بي الحطم و نزّاع القبائل و أنتم شهود! فتخلّصه و قال: و اللّه إنّي لأظنك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة.
قال: دعني من هذا و أطعمني، فقد متّ جوعا. فقرب إليه طعاما فأكل. ثم قال: زوّدني و احملني و جوّزني انطلق إلى طيّتي. و يقول ذلك لرجل قد علب عليه الشراب، ففعل و حمله على بعير و زوّده و جوّزه. و خرج عبد اللّه حتّى دخل عسكر المسلمين، فأخبرهم أنّ القوم سكارى، فخرج القوم عليهم حتى اقتحموا عسكرهم فوضعوا فيهم السيوف حيث شاءوا، و اقتحموا الخندق هرّابا، فمتردّ، و ناج، و دهش، و مقتول، و مأسور. و استولى المسلمون على ما في العسكر، و لم يفلت رجل إلاّ بما عليه. فأمّا أبجر فأفلت، و أمّا الحطم فإنه بعل و دهش و طار فؤاده(6)، فقام إلى فرسه و المسلمون خلالهم يجوسونهم ليركبه، فلما وضع رجله في الركاب انقطع، فمر به عفيف بن المنذر أحد بني عمرو بن تميم، و الحطم يستغيث و يقول: أ لا رجل من بني قيس بن ثعلبة يعقلني؟ فرفع صوته فعرفه عفيف فقال: أبو ضبيعة؟ /قال: نعم. قال: أعطني رجلك أعقلك. فأعطاه رجله يعقلها فنفحها فأطنّها من الفخذ(7)و تركه، فقال: أجهز عليّ. فقال: إنّي لأحبّ أن لا تموت حتى أمضّك. و كان مع عفيف عدّة من ولد أبيه فأصيبوا
ليلتئذ، و جعل الحطم يقول ذلك لمن لا يعرفه حتّى مرّ به قيس بن عاصم فقال له ذلك فعرفه، فمال عليه فقتله(1)، فلما رأى فخذه نادرة(2)قال: وا سوأتاه! لو عرفت الذي به لم أحرّكه. و خرج المسلمون، بعد ما أحرزوا الخندق، على القوم يطلبونهم، فاتّبعوهم فلحق قيس بن عاصم أبجر، و كان فرس أبجر أقوى من فرس قيس، فلما خشي أن يفوته طعنه في العرقوب فقطع العصب و سلم النّسا. فقال عفيف بن المنذر في ذلك:
فإن يرقأ العرقوب لا يرقأ النّسا *** و ما كلّ من تلقى بذلك عالم
أ لم تر أنّا قد فللنا حماتهم *** بأسرة عمرو و الرّباب الأكارم
و أسر عفيف بن المنذر، الغرور بن أخي النعمان بن المنذر، فكلّمته الرّباب فيه و كان ابن أختهم(3)و سألوه أن يجيره، فجاء به إلى العلاء قال: إنّي أجرته. قال: و من هو؟ قال: الغرور. قال العلاء: أنت غررت هؤلاء؟ قال:
أيّها الملك أنّي لست بالغرور، و لكنّي المغرور. قال: أسلم. فأسلم و بقي بهجر. و كان الغرور اسمه، ليس بلقب.
و قتل العفيف أيضا المنذر بن سويد(4)أخا الغرور لأمّه، و كان له يومئذ بلاء عظيم فأصبح العلاء يقسّم الأنفال، و نفّل رجالا من أهل البلاء ثيابا، [فكان فيمن نفّل/عفيف بن المنذر، و قيس بن عاصم، و ثمامة بن أثال. فأما ثمامة فنفّل ثيابا](5)فيها خميصة ذات أعلام(6)، و كان الحطم يباهي فيها. و باع الباقي، و هرب الفلّ إلى دارين فركبوا إليها السّفن، فجمعهم اللّه عزّ و جل بها، و ندب العلاء الناس إلى دارين، و خطبهم فقال: إنّ اللّه عز و جل قد جمع لكم أحزاب الشيطان، و شذّاذ الحرب(7)في هذا اليوم(8)، و قد أراكم من آياته في البرّ لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوّكم ثم استعرضوا البحر إليهم، فإنّ اللّه جل و عزّ قد جمعهم به. فقالوا: نفعل و لا نهاب و اللّه بعد الدهناء هولا(9)ما بقينا! فارتحل و ارتحلوا حتى أتى ساحل البحر فاقتحموا على الخيل، هم و الحمولة و الإبل و البغال، الراكب و الراجل(10)، و دعا و دعوا، و كان [دعاؤه و](11)دعاؤهم: يا أرحم الراحمين، يا كريم يا حليم، يا صمد يا حيّ يا محيي الموتى، يا حيّ يا قيوم، لا إله إلا أنت يا ربّنا فأجازوا ذلك الخليج بإذن اللّه، يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، و بين الساحل و دارين مسيرة يوم و ليلة لسفن البحر. و وصل المسلمون إليها فما تركوا من المشركين بها مخبرا(12)، و سبوا الذّراري، و استاقوا الأموال، فبلغ من ذلك نفل الفارس من
1) ح: «فمات عليه» و أثبت ما في ها، مب و في سائر النسخ: «فصلت عليه»، صوابهما من الطبري (258:3).
2) نادرة: ساقطة. في «الأصول»: «نادرا» و الفخذ مؤنثة. و جاء على الصواب في الطبري.
3) الطبري: «و كان أبوه ابن أخت القوم».
4) و قتل، هي في أ: «و قيل» و في سائر النسخ: «و كان»، صوابها من ها، مب و الطبري. و كلمة «أيضا» هي فيما عدا ح، أ، ها، مب «بن». و هذه الكلمة ليست في الطبري.
5) التكملة من «تاريخ الطبري» (259:3).
6) الخميصة: كساء أسود مربع له علمان.
7) في الطبري: «و شرد الحرب».
8) في الطبري: «البحر».
9) في «الأصول»: «هؤلاء»، صوابه من «الطبري».
10) في الطبري: «فاقتحموا على الصاهل و الجامل و الشاحج و الناهق، الراكب و الراجل».
11) التكملة من الطبري.
12) مخبرا، أي أحدا يخبر بما كان. يريد أنهم استأصلوهم.
المسلمين ستّة آلاف، و الراجل ألفين. فلما فرغوا رجعوا عودهم على بدئهم، و في ذلك يقول عفيف:
أ لم تر أنّ اللّه ذلّل بحره *** و أنزل بالكفّار إحدى الجلائل
دعونا الذي شقّ البحار فجاءنا *** بأعجب من شقّ البحار الأوائل(1)
/و أقفل العلاء الناس(2)إلاّ من أحبّ المقام، فاختار ثمامة بن أثال الذي نفّله العلاء خميصة الحطم حين نزل على ماء لبني قيس بن ثعلبة، فلمّا رأوه عرفوا الخميصة فبعثوا إليه رجلا فسألوه: أ هو الذي قتل الحطم؟ قال: لا، و لوددت أنّى قتلته. قال: فأنّى لك حلّته؟ قال: نفّلتها. قالوا: و هل ينفّل إلا القاتل. قال: إنها لم تكن عليه إنّما كانت في رحله. قالوا: كذبت. فقتلوه، و كان بهجر راهب فأسلم فقيل له: ما دعاك إلى الإسلام فقال: ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني اللّه بعدها إن أنا لم أفعل: فيض في الرمال، و تمهيد أثباج البحور، و دعاء سمعته في عسكرهم في الهواء من السّحر. قالوا: و ما هو؟ قال: «اللهمّ إنك أنت الرّحمن الرّحيم، لا إله غيرك، و البديع ليس قبلك شيء، و الدائم غير الغافل، و الحيّ الذي لا يموت، و خالق ما يرى و ما لا يرى، و كلّ يوم أنت في شأن، و علمت اللهم كلّ شيء بغير تعليم»(3). فعلمت أنّ القوم لم يعاونوا بالملائكة إلاّ و هم على أمر اللّه جلّ و عز.
فلقد كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يسمعون هذا من ذلك الهجريّ بعد.
يا خليليّ من ملام دعاني *** و ألمّا الغداة بالأظعان
لا تلوما في آل زينب إنّ ال *** قلب رهن بآل زينب عان(4)
الشعر لعمر بن أبي ربيعة، و الغناء للغريض، خفيف رمل بالبنصر. و هذا الشعر يقوله في زينب بنت موسى، أخت قدامة بن موسى الجمحيّ.
أخبرني حرمي بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزّبير بن بكار قال: حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي سلمة، قال: حدّثني قدامة بن موسى قال:
خرجت بأختي زينب بنت موسى إلى العمرة، فلما كنت بسرف(5)لقيني عمر بن أبي ربيعة على فرس فسلّم عليّ، فقلت: إنّي أراك متوجّها يا أبا الخطاب؟ قال: ذكرت لي امرأة من قومي برزة الجمال(6)، فأردت الحديث معها. قلت: أ ما علمت أنّها أختي؟ قال: لا و اللّه. و استحيا و ثنى عنق فرسه راجعا إلى مكة.
أخبرني حرمي قال حدّثني الزبير: قال حدّثني عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز(1)الزهري قال:
نسب(2)ابن أبي ربيعة بزينب بنت موسى الجمحيّ، أخت قدامة بن موسى، فقال:
يا خليليّ من ملام دعاني
/و ذكر البيتين و بعدهما:
لم تدع للنّساء عندي نصيبا *** غير ما قلت مازحا بلساني
فقال له ابن أبي عتيق: أمّا قلبك فمغيّب عنّا، و أمّا لسانك فشاهد عليك.
أخبرني الحرمي قال: حدّثني الزبير قال: قال عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز الزهري: لمّا نسب عمر بن أبي ربيعة بزينب قال:
لم تدع للنّساء عندي نصيبا *** غير ما قلت مازحا بلساني
/قال له ابن أبي عتيق: رضيت لهما بالمودّة، و للنساء بالدّهفشة(3).
قال: و الدهفشة: التجميش(4)و الخديعة بالشيء اليسير.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزبير قال: أخبرني مثل ذلك عبد الملك بن عبد العزيز، عن يوسف بن الماجشون قال:
فبلغ ذلك أبا وداعة السهمي فأنكره، فقيل لابن أبي عتيق: أبو وداعة قد اعترض لعمر بن أبي ربيعة دون زينب بنت موسى الجمحيّ و قال: لا أقرّ له أن يذكر في الشعر امرأة من بني هصيص. فقال ابن أبي عتيق: لا تلوموا أبا وداعة أن ينعظ من سمرقند على أهل عدن.
قال عبد الملك: و فيها يقول أيضا عمر:
طال عن آل زينب الإعراض *** للتعزّي و ما بنا الإبغاض
و وليدا قد كان علّقها القل *** ب إلى أن علا الرءوس البياض
حبلها عندنا متين و حبلي *** عندها واهن القوى أنقاض
غنّاه ابن محرز رمل بالبنصر عن حبش. و فيها يقول أيضا:
أيها الكاشح المعيّر بالصّر *** م تزحزح فما بها الهجران
1) أ: «عبد الرّحمن بن عبد العزيز»، لكنه ورد كاملا في السند التالي.
2) كذا على الصواب في أ، ها، مب. و في سائر النسخ: «تشبب».
3) الدهفشة، فسرت في «اللسان» تفسيرا مطابقا لما سيأتي. أ، ها، مب: «بالدهشنة» ح: «بالدهشة» محرفتان عما أثبت من سائر النسخ.
4) التجميش: المغازلة و التقريص و الملاعبة. و في س، أ «التخميش»، محرف.
لا مطاع في آل زينب فارجع *** أو تكلّم حتّى يملّ اللسان
فاجعل الليل موعدا حين يمسي *** و يعفّي حديثنا الكتمان
كيف صبري عن بعض نفسي و هل يص *** بر عن بعض نفسه إنسان
/و لقد أشهد المحدّث عند ال *** قصر فيه تعفّف و بيان
في زمان من المعيشة لذّ *** قد مضى عصره و هذا زمان
عروضه من الخفيف، غناه ابن سريج، و لحنه رمل بالوسطى من نسخة عمرو بن بانة الثانية، و وافقته دنانير.
و ذكر يونس. أنّ فيه لابن محرز و لابن عباد الكاتب لحنين، و لم يجنّسهما. و أوّل لحن عباد: «لا مطاع في آل زينب»، و أوّل لحن ابن محرز: «و لقد أشهد المحدّث».
قال: و فيها يقول أيضا:
أحدّث نفسي و الأحاديث جمّة *** و أكبر همّي و الأحاديث زينب
إذا طلعت شمس النهار ذكرتها *** و أحدث ذكراها إذا الشمس تغرب(1)
ذكر حمّاد عن أبيه أنّ فيه للهذليّ لحنا لم ينسبه.
يا نصب عيني لا أرى *** حيث التفتّ سواك شيّا
إنّي لميت إن صدد *** ت و إن وصلت رجعت حيّا
الشعر لعليّ بن أديم الجعفي الكوفي، و الغناء لعمرو بن بانة، رمل بالوسطى.
1) ما عدا ح: «فأحدث».
16 - ذكر علي بن أديم(1)و خبره
هو رجل من تجار أهل الكوفة كان يبيع البزّ، و كان متأدّبا صالح الشّعر، يهوى جارية يقال لها منهلة، و استهيم(2)بها مدّة ثم بيعت فمات أسفا عليها. و له حديث طويل معها في كتاب مفرد مشهور، صنعه أهل الكوفة(3)لهما، فيه ذكر قصصهما وقتا وقتا، و ما قال فيها من الأشعار. و أمرهما متعالم عند العامّة، و ليس مما يصلح الإطالة به.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثني محمد بن داود بن الجراح(4)قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: قال دعبل بن علي:
كان بالكوفة رجل يقال له عليّ بن أديم، و كان يهوى جارية لبعض أهلها، فتعاظم أمره و بيعت الجارية فمات جزعا عليها، و بلغها خبره فماتت.
قال: و حدّثني بعض أهل الكوفة أنّه علقها و هي صبية تختلف(5)إلى الكتاب، فكان يجيء إلى ذلك المؤدّب فيجلس عنده لينظر إليها، فلما أن بلغت باعها مواليها لبعض الهاشميين، فمات جزعا عليها. قال: و أنشدني له أيضا:
صاحوا الرّحيل و حثّني صحبي *** قالوا الرواح فطيّروا لبّي
و اشتقت شوقا كاد يقتلني *** و النفس مشرفة على نحب(6)
لم يلق عند البين ذو كلف *** يوما كما لاقيت من كرب
1) هذا ما في ط في كل موضع ورد فيه الاسم من هذه الترجمة. و ط هذه هي أوثق نسخ «الأغاني» و أصحها على الإطلاق. و توافقها في هذا نسخة أ، ها، مب، و هي تلي ط في الجودة. و في سائر النسخ «آدم». و قد جاء على الصواب في «فهرست ابن النديم» 306 ليبسك 426 في أسماء العشاق من سائر الناس: «كتاب علي بن أديم و منهلة».
2) كذا على الصواب في ح. و في سائر النسخ: «استهام» محرف.
3) ما عدا ح: «صنفه».
4) أ: «عمر بن داود بن الجراح».
5) ح: «تتحلف»، و في سائر النسخ: «فتختلف»، و الوجه ما أثبت.
6) النحب: الموت.
لا صبر لي عند الفراق على *** فقد الحبيب و لوعة الحبّ(1)
الشعر لعليّ بن أديم الكوفي الجعفي، و الغناء لحكم الواديّ. و ذكر حبش أن لإبراهيم بن أبي الهيثم فيه لحنا(2). و اللّه أعلم.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثني أبو بكر العمري قال: حدّثني دعبل بن عليّ قال:
كان بالكوفة رجل من بني أسد يقال له عليّ بن أديم، فهوي(3)جارية لبعض نساء بني عبس، فباعتها لرجل من بني هاشم، فخرج بها عن الكوفة، فمات علي بن أديم جزعا عليها بعد ثلاثة أيام من خروجها، و بلغها خبره فماتت بعده(4)، فعمل أهل الكوفة لهما أخبارا هي مشهورة عندهم.
حدّثني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثنا أبو بكر العمري(5)قال حدّثنا أبو صالح الأزديّ قال: حدّثنا محمد بن الحسين الكوفيّ قال: حدّثنا محمد بن سماعة قال:
/آخر من مات من العشق عليّ بن أديم الجعفيّ، مرّ بمكتب في بني عبس بالكوفة، فرأى فيه جارية تسمّى منهلة، عليها ثياب سواد، فاستهيم بها و أعجبته، و كلف بها و قال فيها:
إنّي لما يعتادني *** من حبّ لابسة السواد
/في فتنة و بليّة *** ما إن يطيقهما فؤادي
فبقيت لا دنيا أصب *** ت و فاتني طلب المعاد
و سأل عنها فإذا لها مالكة عبسية، و كان ابن أديم خزّازا(6)، فتحمّل أبوه بجماعة من التّجّار على مولاتها لتبيعها فأبت، و خرج إلى أمّ جعفر و رفع إليها قصّته يسألها فيها المعونة على الجارية، فخرج له توقيع بما أحبّ، و أقام يتنجّز تمام أمره. فينا هو ذات يوم على باب أم جعفر إذ خرجت امرأة من دارها فقالت: أين العاشق؟ فأشاروا إليه فقالت: أنت عاشق و بينك و بين من تحب القناطر و الجسور، و المياه و الأنهار، مع ما لا يؤمن من حدوث الحوادث، فكيف تصبر على هذا، إنّك لجسور صبور! فخامر قلبه هذا القول و جزع، فبادر(7)فاكترى بغلا إلى الكوفة، على الدخول، فمات يوم دخول الكوفة.
1) إلى هنا ينتهي سقط ط الذي بدأ في ص 255.
2) كذا الصواب في ط، أ. و في سائر النسخ: «لحنان» محرف.
3) ما عدا ط، أ، ها، مب: «يهوى».
4) هذه الكلمة من ط، أ، مب.
5) ح: «العميري».
6) الخزاز: بائع الخز، و هي ثياب تنسج من صوف و إبريسم. ما عدا ح، ها: «خرازا» و هذا لا يوافق ما في أوّل خبره أنه كان يبيع البز.
7) ما عدا ط، ها، مب: «فنادى».
هو عمرو بن محمد بن سليمان بن راشد، مولى ثقيف. و كان أبوه صاحب ديوان و وجها من وجوه الكتّاب، و ينسب إلى أمّه بانة [بنت روح](1)القحطبية(2). و كان مغنّيا محسنا، و شاعرا صالح الشعر، و صنعته صنعة متوسّطة، النادر منها ليس بالكثير(3)، و كان يقعده عن اللّحاق بالمتقدّم(4)في الصنعة أنه كان مرتجلا، و المرتجل من المحدثين لا يلحق الضّرّاب. و على ذلك فما فيه مطعن، و لا يقصّر جيّد صنعته عن صنعة [غيره من](5)طبقته و إن كانت قليلة، و روايته أحسن رواية.
و كتابه في «الأغاني» أصل من الأصول، و كان يذهب مذهب إبراهيم بن المهدي في الغناء و تجنيسه، و يخالف إسحاق و يتعصّب عليه تعصّبا شديدا، و يواجهه بذلك و ينصر إبراهيم بن المهديّ عليه. و كان تيّاها معجبا شديد الذهاب بنفسه، و هو معدود في ندماء الخلفاء و مغنّيهم، على ما كان به من الوضح. و فيه يقول الشاعر:
أقول لعمرو و قد مرّ بي *** فسلّم تسلمية جافية
لئن فضّلوك بفضل الغناء *** لقد فضّل اللّه بالعافية(6)
و قال ابن حمدون: كان عمرو حسن الحكاية لمن أخذ الغناء عنه، حتّى كان من يسمعه لو توارى عن عينه عمرو ثم غنّى لم يشكك في أنّه هو الذي أخذ عنه، لحسن حكايته، و كان محظوظا(7)ممن يعلّمه، ما علّم أحدا قطّ إلا خرج نادرا مبرّزا.
/فأخبرني جحظة قال حدّثني أبو العبيس بن حمدون قال: قال لي عمرو بن بانة: علّمت عشرة غلمان كلّهم
1) التكملة من مب.
2) ما عدا ط، ها، مب: «القحطية»، تحريف. و لعلها منسوبة إلى آل قحطبة، و منها حميد و الحسن ابنا قحطبة.
3) ما عدا ط، ها، مب: «الندور منها ما ليس بالكثير».
4) ما عدا ط، ح، ها، مب: «بالتقدم».
5) التكملة من ط.
6) ما عدا ط، ها، مب: «لئن فضل اللّه فضل الغناء».
7) ما عدا ط، ها، مب: «محفوظا» تحريف.
تبيّنت(1)فيهم الثقافة و الحذق، و علمت أنّه يتقدم، أحدهم(2)أنت، و تمرة، و ما تبيّنت(1) قطّ من أحد خلاف ذلك فعلمته.
و قال محمد بن الحسن الكاتب: حدّثني أبو حارثة الباهليّ(3)عن أخيه أبي معاوية قال:
سمعت عمرو بن بانة يقول لإسحاق في كلام جرى بينهما: ليس مثلي يقاس بمثلك، لأنّك تعلّمت الغناء تكسّبا، و تعلّمته تطرّبا، و كنت أضرب لئلا أتعلّمه، و كنت تضرب حتّى تتعلّمه.
و أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن الحسن [بن](4)الحرون قال:
اجتمع عمرو بن بانة و الحسين بن الضّحاك في منزل ابن شعوف، و كان له خادم يقال له مفحم(5)، و كان عمرو يتّهم به، /فلما أخذ(6)فيه الشراب سأل عمرو الحسين بن الضحاك أن يقول في مفحم شعرا ليغني فيه، فقال الحسين:
وا بأبي مفحم لغرّته *** قلت له إذ خلوت مكتتما(7)
تحب باللّه من يخصّك بالح *** بّ فما قال لا و لا نعما(8)
الشعر للحسين بن الضحاك، و الغناء لعمرو بن بانة، ثاني ثقيل بالبنصر.
/قال: فغنى فيه عمرو. و لم يزل هذا الشعر غناءهم، و فيه طربهم، إلى أن تفرّقوا. و أتاهم في عشيّتهم إسحاق بن إبراهيم الموصلي فسألوا ابن شعوف(9)أن لا يأذن له، فحجبه، و انصرف إسحاق بن إبراهيم الموصلي إلى منزله، فلما تفرّقوا مرّ به الحسين بن الضحاك و هو سكران، فأخبره بجميع ما دار بينهما في مجلسهم، فكتب إسحاق إلى ابن شعوف:
يا ابن شعوف أ ما سمعت بما *** قد صار في الناس كلّهم علما
أتاك عمرو فبات ليلته *** في كلّ ما يشتهى كما زعما
حتّى إذا ما الظلام خالطه *** سرى دبيبا فجامع الخدما
1) ما عدا ط، ها، مب: «ثبتت»، محرف.
2) هذه الكلمة من ط، ها، مب، و موضعها بياض في ح. و يتقدم، هي فيما عدا ط: «متقدم».
3) ما عدا ط، ها، مب: «أبو جارية الباهلي».
4) هذه من ط، ها، مب.
5) ما عدا ط، ها، مب: «مقحم» بالقاف، في كل موضع ورد فيه من هذه الأخبار.
6) ما عدا ط، ها، مب: «فيهم».
7) الغرة و الغرارة: الغفلة و ضعف التجربة. ما عدا ط، ج، ها: «لعزته».
8) ما عدا ط، ها، مب: «من يخصك بالود».
9) ما عدا ط، ها، مب: «ابن شفوف» في هذا الموضع و سائر المواضع التالية. و قد سبق اتفاق النسخ على «شعوف» في أول موضع ورد فيه.
ثمّت لم يرض أن يفوز بذا *** سرّا و لكن أبدى الذي كتما
حتّى تغنّى لفرط صبوته *** صوتا شفى من فؤاده السّقما
«وا بأبي مفحم لغرته *** قلت له إذ خلوت مكتتما(1)
تحبّ باللّه من يخصّك بال *** ودّ فما قال لا و لا نعما»
فهجر ابن شعوف عمرو بن بانة مدّة و قطع عشرته.
و أخبرني محمد بن العباس اليزيدي بهذا الخبر قال: حدّثني ميمون بن الأزرق(2)قال:
كان لمحمد بن شعوف الهاشميّ ثلاثة غلمان مغنّين، و منهم اثنان صقلبيان محبوبان: خاقان و حسين، و كان خاقان أحسن الناس غناء، و كان حسين يغنّي غناء متوسطا، و هو مع ذلك أضرب الناس، و كان قليل الكلام جميل الأخلاق، /أحسن الناس وجها و جسما، و كان الغلام الثالث فحلا يقال له حجّاج، حسن الوجه روميّ [حسن](3)الغناء، فتعشّق عمرو بن بانة منهم المعروف بحسين و قال فيه:
وا بأبي مفحم لغرته *** قلت له إذ خلوت مكتتما
تحبّ باللّه من يخصّك بال *** ودّ فما قال لا و لا نعما
و لم يذكر غير هذا.
و قال محمد بن الحسن: حدّثني أبو الحسين(4)العاصمي قال:
دخلت أنا و صديق لي على عمرو بن بانة في يوم صائف، فصادفناه جالسا في ظلّ طويل ممتع(5)، فدعاني إلى مشاركته فيه، و جعل يغنّينا(6)يومه كلّه لحنه:
نقابك فاتن لا تفتنينا *** و نشرك طيّب لا تحرمينا
و خاتمك اليماني غير شكّ *** ختمت به رقاب العالمينا
الغناء لعمرو بن بانة، هزج خفيف بالبنصر.
قال: فما طربت لغناء قطّ طربي له، و لا سمعت/أشجى و لا أكثر نغما، و لا أحسن من غنائه(7).
أخبرني جحظة قال: حدّثني أبو حشيشة قال:
كنت يوما عند عمرو بن بانة، فزاره خادم كان يحبّه [فأقام عنده](1)، فطلب عمرو في الدنيا كلّها من يضرب عليه فلم يجد أحدا، فقال له جعفر الطبّال: إن أنا/غنّيتك اليوم على عود يضرب به عليك، أيّ شيء لي عندك؟ قال: مائة درهم و دستيجة(2)
«any vessel wich can be lifted up by the hand» . ها، مب: «دستجة». ما عدا ط، ج: «دستبيجة» محرف.
نبيذ. و كان جعفر متقدّما نادرا(3)طيبا، و كان نذل الهمّة(4)، فقال: أسمعني مخرج صوتك. ففعل فسوّى عليه طبله كما يسوي الوتر، و اتكأ عليه بركبته فأوقع عليه(5). و لم يزل عمرو يغنّي بقية يومه على إيقاعه لا ينكر منه شيئا حتّى انقضى يومنا و دفع إليه مائة درهم، و أحضر الدستيجة(2) فلم يكن له من يحملها، فحملها جعفر على عنقه، و غطّاها بطيلسانه و انصرفنا.قال أبو حشيشة: فحدّثت بهذا الحديث إسحاق بن عمرو بن بزيع، و كان صديق إبراهيم بن المهدي، فحدّثني أنّ إبراهيم بن المهدي قال له: يا جعفر حذّق فلانة جاريتي ضرب الطبل، و لك مائة دينار أعجّل لك منها خمسين.
قال: نعم. فعجّلت له الخمسون و علّمها، فلما حذقت طالب إبراهيم بتتمّة المائة فلم يعطه، فاستعدى عليه أحمد بن أبي دواد(6)الحسني خليفته فأعداه، و وكّل إبراهيم وكيلا، فلما تقدّم مع الوكيل إلى القاضي(7)أراد الوكيل أن يكسر حجّة جعفر فقال: أصلح اللّه القاضي، سله من أين له هذا الذي يدعي؟ و ما سببه؟ فقال جعفر:
أصلح اللّه القاضي أنا رجل طبّال، و شارطني إبراهيم على مائة دينار على أن أحذّق جاريته فلانة، و عجّل لي بخمسين دينارا و منعني الباقي بعد أن رضي حذقها، فيحضر القاضي الجارية/و طبلها، و أحضر أنا طبلي، و يسمعنا القاضي، فإن كانت مثلي قضى لي عليه، و إلاّ حذّقتها فيه حتى يرضى القاضي. فقال له القاضي: قم عليك و عليها لعنة اللّه، و على من يرضى بذلك منك و منها. فأخذ الأعوان بيده فأقاموه.
و قال علي بن محمد الهشامي(8): حدّثني جدي ابن حمدون قال:
1) هذه من ط، ها، مب فقط.
2) الدستيحة: مأخوذة من «دستي» الفارسية، جاء في «القاموس»: «الدستيج: آنية تحول باليد، معرب دستى»: و في «المعجم الفارسي الإنجليزي» لاستينجاس 525 أنها كل وعاء يمكن رفعه باليد:
3) ما عدا ط، ها: «بادرا نادرا».
4) ما عدا ط، ها، مب: «و كان بذل الهمة» و في هامش ط: «بذ الهيئة».
5) هذا ما في ط. و في ج، أ، ها، مب: «و أوقع عليه» س: «و وقع عليه»، و الأخيرة محرفة.
6) س: «داود».
7) ما عدا ط، ها، مب: «فلما تقدموا القاضي مع الوكيل».
8) كذا في ط، ها، و في ج، مب: «البسامي» و أشير إليها في هامش ط. و في سائر النسخ: «الشامي».
كنت عند عمرو بن بانة يوما ففتح باب داره فإذا بخادم أبيض شيخ قد دخل يقود بغلا له عليه مزادة، فلما رآه عمرو صرخ: لا إله إلا اللّه، ما أعجب أمرك يا دنيا! فقلت له: مالك؟ قال: يا أبا عبد اللّه(1)، هذا الخادم رزق غلام(2)علّوية المغني، الذي يقول فيه الحسين بن الضحاك الشاعر:
يا ليت رزقا كان من رزقي *** يا ليته حظّي من الخلق
قد صار إلى ما ترى. ثم غنّاني لحنا له في هذا الشعر، فما سمعت أحسن منه منذ خلقت.
يا ليست رزقا كان من رزقي *** يا ليته حظّي من الخلق
يا شادنا ملّكته رقّي *** فلست أرجو راحة العتق
الشعر للحسين بن الضحاك، و الغناء لعمرو بن بانة، و لحنه من الثقيل الأول بالوسطى.
و قال علي بن محمد الهشامي: حدّثني جدّي - يعني ابن حمدون - قال: كنا عند المتوكّل و معنا عمرو بن بانة، في آخر يوم من شعبان فقال له عمرو: يا أمير المؤمنين، /جعلني اللّه فداءك، تأمر لي بمنزل فإنه لا منزل لي يسعني. فأمر المتوكّل عبيد اللّه بن يحيى بأن يبتاع له منزلا يختاره. قال: و هجم/الصوم و شغل عبيد اللّه، و انقطع عمرو عنا، فلما أهلّ شوال دعا بنا المتوكل فكان أول صوت غناه عمرو في شعر هذا:
ملاّك ربّي الأعياد تخلقها *** في طول عمر يا سيد الناس(3)
دفعت عن منزل أمرت به *** فإنّني عنه مباعد خاس(4)
[فمر بتسليمه إليّ على *** رغم عدوّي بحرمة الكاس](5)
أعوذ باللّه و الخليفة أن *** يرجع ما قتله على راسي
لحن عمرو في هذا الموضع هزج بالبنصر.
فدعا المتوكّل بعبيد اللّه بن يحيى فقال له: لم دافعت عمرا بابتياع المنزل الذي كنت أمرتك بابتياعه؟ فاعتلّ بدخول الصوم و تشعّب الأشغال. فتقدّم إليه أن لا يؤخر ابتياع ذلك إليه، فابتاع له الدور التي في دور سرّ من رأى، بحضرة المعلّى بن أيوب. و فيها توفي عمرو.
أخبرني محمد بن إبراهيم قريص(1)قال: سمعت أحمد بن أبي العلاء [يحدث أستاذي - يعني محمد بن داود بن الجراح](2)قال: جمع عبد اللّه بن طاهر بين المغنين و أراد أن يمتحنهم، و أخرج بدرة دراهم سبقا(3)لمن تقدّم منهم و أحسن، فحضره مخارق، و علّويه، و عمرو بن بانة، و محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر، فغنى/فلم يصنع شيئا، و تبعه محمد بن الحارث فكانت هذه سبيله، و امتدت الأعين إلى مخارق و عمرو، فبدأ مخارق فغنّى:
إني امرؤ من خيرهم *** عمّي و خالي من جذام
فما نهنهه عمرو مع انقطاع نفسه حتّى غنى:
يا ربع سلاّمة بالمنحنى *** بخيف سلع جادك الوابل
و كان إبراهيم بن المهدي حاضرا فبكى طربا و قال: أحسنت و اللّه و استحققت، فإن أعطيته و إلا فخذه من مالي، يا حبيبي عنّي أخذت هذا الصوت، و قد و اللّه زدت عليّ فيه و أحسنت غاية الإحسان، و لا يزال صوتي عليك أبدا. فقال له عبد اللّه: من حكمت له بالسّبق فقد حصل. و أمر له بالبدرة فحملت إلى عمرو.
ثمّ حدّثنا بعد ذلك أن إسحاق لقي عمرو بن راشد الخناق فقال له: قد بلغني خبر المجلس الذي جمع عبد اللّه فيه المغنّين يمتحنهم، و لو شاء لكان في راحة من ذلك. قلت: و كيف؟ قال: أمّا مخارق فأحسن القوم غناء إذا اتّفق له أن يحسن، و قلّما يتفق له ذلك. و أما محمد بن الحارث فأحسنهم شمائل، و أملحهم إشارة بأطراف وجهه في الغناء، و ليس له غير ذلك. و أما عمرو بن بانة فأعلم القوم و أرقاهم. و أ ما علّويه فمن أدخله ابن الزانية مع هؤلاء؟
إنّي امرؤ من خيرهم *** عمّي و خالي من جذام
خود كضوء البدر أو *** أضوا لدى الليل التمام(4)
يجري(5)وشاحاها على *** نحر نقيّ كالرّخام
/و الغناء لابن جامع، رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.
يا خليليّ من بني شيبان *** أنا لا شكّ ميّت فابكياني
إنّ روحي لم يبق منها سوى شي *** ء يسير معلّق بلساني
الشعر لأبي العتاهية، و الغناء لإبراهيم، رمل بالوسطى عن عمرو و الهشامي و إبراهيم.
و هذا الشعر يخاطب به أبو العتاهية عبد اللّه، و زائدة بن معن بن زائدة الشيباني، و كان صديقا و خاصا بهما.
ثم إنّ يزيد بن معن غضب لمولاة لهم يقال لها سعدى، و كان أبو العتاهية يشبّب بها، فضربه مائة سوط، فهجاه و هجا إخوته، ثم أصلح بينهم مندل بن عليّ العبدي، و هو مولى أبي العتاهية، فعاد إلى ما كان عليه لهم.
فأخبرني وكيع قال: حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه. و أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه قالا: قول أبي العتاهية:
يا خليليّ من بني شيبان
يخاطب به عبد اللّه و يزيد ابني معن بن زائدة، أو قال عبد اللّه و زائدة.
أخبرني ابن عمار قال: حدّثني زيد بن موسى بن حماد. و أخبرني محمد بن يحيى قال: حدّثني محمد بن سعيد. قال حدّثني أبو سويد عبد القوي بن محمد بن أبي العتاهية قال:
كان أبو العتاهية في حداثته يهوى امرأة من أهل الحيرة نائحة(1)، لها حسن/و جمال و دماثة، و كان ممن يهواها أيضا عبد اللّه بن معن بن زائدة أبو الفضل؛ و كانت مولاة لهم يقال لها سعدى، و كان أبو العتاهية مغرما بالنساء فقال فيها:
ألا يا ذوات السحق في الغرب و الشرق *** أفقن فإنّ النيك أشهى من السحق
أفقن فإنّ الخبز بالأدم يشتهى *** و ليس يسوغ الخبز بالخبر في الحلق
أراكنّ ترقعن الخروق بمثلها *** و أيّ لبيب يرقع الخرق بالخرق
و هل يصلح المراس إلاّ بعوده *** إذا احتيج منه ذات يوم إلى الدقّ
قال و قال فيه أيضا:
قلت للقلب إذ طوى وصل سعدى *** لهواه البعيدة الأنساب
أنت مثل الذي يفرّ من القط *** ر حذار الندى إلى الميزاب
قال محمد بن محمد في خبره: فغضب عبد اللّه بن معن لسعدى(2)، فضرب أبا العتاهية مائة فقال:
جلدتني بكفّها *** بنت معن بن زائدة
جلدتني بكفّها *** بأبي أنت جالده
جلدتني و بالغت *** مائة غير واحده
اجلدي اجلدي اجلدي *** إنّما أنت والده
أخبرني وكيع قال: حدّثني أبو أيوب المدينيّ قال:
احتال عبد اللّه بن معن فضرب أبا العتاهية ضربا غير مبرّح، إشفاقا مما يغنّى(1)به، فقال:
اجلدي اجلدي اجلدي *** إنّما أنت والده
/أخبرني محمد بن يحيى قال: حدّثنا الغلابي قال: حدّثني مهدي قال:
تهدد عبد اللّه بن معن أبا العتاهية و خوّفه و نهاه أن يعرض لمولاته سعدى، فقال أبو العتاهية قوله:
ألا قل لابن معن و الذي في الودّ قد حالا
لقد بلّغت ما قال *** فما باليت ما قالا
و لو كان من الأسد *** لما راع و لا هالا
فصغ ما كنت حلّيت *** به سيفك خلخالا
فما تصنع بالسيف *** إذا لم تك قتّالا
و لو مدّ إلى أذني *** ه كفّيه لما نالا
قصير الطّول و الطّول *** فلا شبّ و لا طالا
أرى قومك أبطالا *** و قد أصبحت بطّالا
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني الحسن بن علي الرازي قال حدّثني أحمد بن أبي فنن قال:
كنّا عند ابن الأعرابي فذكر قول يحيى بن نوفل في عبد الملك بن عمير القاضي:
إذا كلّمته ذات دلّ لحاجة *** فهمّ بأن يقضي تنحنح أو سعل
و أن عبد الملك بن سليمان بن عمير(2)قال: تركني و اللّه و إنّ السّعلة لتعرض لي في الخلاء فأذكر قوله فأتركها. قال: فقلت له: هذا عبد اللّه بن معن بن زائدة يقول له أبو العتاهية:
فصغ ما كنت حلّيت *** به سيفك خلخالا
و ما تصنع بالسيف *** إذا لم تك قتّالا
/قال: فقال عبد اللّه: ما لبست السيف قطّ فلمحني إنسان إلا قلت إنّه يحفظ شعر أبي العتاهية فيّ، فينظر إليّ بسببه. فقال ابن الأعرابي: اعجبوا إليه لعنه اللّه يهجو مولاه(3)! و كان أبو العتاهية من موالي بني شيبان.
و قال محمد بن موسى في خبره: و قال أبو العتاهية يهجو عبد اللّه بن معن:
لا تكثرا يا صاحبي رحلي *** في شتم من أكثر من عذلي
سبحان من خصّ ابن معن بما *** أرى به من قلّة العقل
قال ابن معن و جلا نفسه *** علي من الجلوة يا أهلي(1)
أنا فتاة الحيّ من وائل *** في الشّرف الباذخ و النّبل
ما في بني شيبان أهل الحجى *** جارية واحدة مثلي
يا ليتني أبصرت دلاّلة *** تدلّني اليوم على فحل
وا لهفتا اليوم على أمرد *** يلصق منّي القرط بالحجل
أتيته يوما فصافحته *** فقال دع كفّي و خذ رجلي
يكنى أبا الفضل فيا من رأى *** جارية تكنى أبا الفضل
قد نقّطت في خدّها نقطة *** مخافة العين من الكحل(2)
/إن زرتموها قال حجّابها *** نحن عن الزوّار في شغل
مولاتنا خالية عندها *** بعل و لا إذن على البعل
قولا لعبد اللّه لا تجهلن *** و أنت رأس النّوك و الجهل
أ تجلد الناس و أنت امرؤ *** تجلد في الدّبر و في القبل
/تبذل ما يمنع أهل الندى *** هذا لعمري منتهى البذل
ما ينبغي للناس أن ينسبوا *** من كان ذا جود إلى البخل
و قال في ضربه إياه:
ضربتني بكفّها بنت معن *** أوجعت كفّها و ما أوجعتني
و لعمري لو لا أذى كفّها إذ *** ضربتني بالسّوط ما تركتني
أخبرني ابن عمار قال حدّثني محمد بن موسى. و أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني جبلة بن محمد(3)قالا:
لما اتصل هجاء أبي العتاهية بعبد اللّه بن معن غضب من ذلك أخوه يزيد بن معن، فهجاه أبو العتاهية فقال:
بنى معن و يهدمه يزيد *** كذاك اللّه يفعل ما يريد
فمعن كان للحساد غمّا *** و هذا قد يسرّ به الحسود
يزيد يزيد في منع و بخل *** و ينقص في النوال و لا يزيد
أخبرني محمد بن يحيى عن جبلة بن محمد قال حدّثني أبي قال: [لمّا](1)هجا أبو العتاهية بني معن فمضوا إلى مندل و حيان(2)ابني عليّ العنزبين الفقيهين، و كانا من سادات أهل الكوفة، و هما من بني عمرو بن عمرو، بطن من يقدم بن عنزة(3)، فقالوا لهما: نحن بيت واحد و أهل و لا فرق بيننا(4)، و قد أتانا من مولاكم هذا ما لو أتى من بعيد الولاء لوجب أن تردعاه. فأحضرا أبا العتاهية و لم يكن يمكنه الخلاف عليهما، فأصلحا بينه و بين عبد اللّه و يزيد ابني معن، و ضمنا عنه خلوص النية، و عنهما ألاّ يتتبعاه/بسوء، و كانا ممن لا يمكن خلافهما، فرجعت الحال إلى المودّة و الصفاء، و جعل الناس يعذلون أبا العتاهية فيما فرط منه، و لامه آخرون على صلحه لهم، فقال:
ما لعذّالي و ما لي *** أمروني بالضلال
عذلوني في اغتفاري *** لابن معن و احتمالي
أنا منه كنت أكبى *** زندة في كل حال
كلّ ما قد كان منه *** فلقبح من فعالي
إنّما كانت يميني *** صرمت جهلا شمالي(5)
ماله بل نفسه لي *** و له نفسي و مالي
قل لمن يعجب من حس *** ن رجوعي و انتقالي
قد رأينا ذا كثيرا *** جاريا بين الرجال
ربّ وصل بعد صدّ *** و قلى بعد وصال
/أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا محمد بن موسى قال:
كان أبو العباس زائدة بن معن صديقا لأبي العتاهية، و لم يعن أخويه عليه، فمات فرثاه فقال:
حزنت لموت زائدة بن معن *** حقيق أن يطول عليه حزني
فتى الفتيان زائدة المصفّى *** أبو العباس كان أخي و خدني
فتى قومي و أيّ فتى توارت *** به الأكفان تحت ثرى و لبن(6)
ألا يا قبر زائدة بن معن *** دعوتك كي تجيب فلم تجبني
سل الأيام عن أركان قومي *** أصبت بهنّ ركنا بعد ركن(7)
1) هذه من ط، ها.
2) ما عدا ط، ها: «حبان» بالباء الموحدة.
3) كذا على الصواب في ها. و في ح، «تقدم بن عنزة» و في ط: «صدم بن عنزة» و سائر النسخ: «تقدم من عنزة».
4) ما عدا ط، ها: «نحن واحد و أهل بيت لا فرق بيننا».
5) صرمت: قطعت. ما عدا ط، ها: «ضربت».
6) اللبن بالكسر: جمع لبنة، بالكسر أيضا، و هي لغة في اللبنة كفرحة، و هي ما يضرب من الطين مربعا.
7) كذا على الصواب في ط، ها. و في ج: «عن أن كان» و سائر النسخ: «عنى إن قومي».
فما روضة بالحزن طيّبة الثرى *** يمجّ الندى جثجاثها و عرارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا *** و قد أوقدت بالمندل الرّطب نارها
فإن خفيت كانت لعينيك قرّة *** و إن تبد يوما لم يعمّمك عارها(1)
من الخفرات البيض لم تر شقوة *** و في الحسب المكنون صاف نجارها
الشعر لكثيّر، و الغناء لمعبد في الأوّل و الثاني، و لحنه من الثقيل الأوّل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق.
و ذكر عمرو بن بانة أنه لابن سريج. و للغريض في الرابع و الثالث(2)ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو و حبش.
و ذكر الهشامي أنّ في الأوّل و الثاني رملا لابن سريج بالوسطى.
ذكر عمرو و حبش أنّ فيه رملا لابن جامع بالبنصر.
و في الأبيات خفيف ثقيل يقال إنه لمعبد، و يقال إنه للغريض، و أحسبه للغريض.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبة هكذا موقوفا لم يتجاوز. و أخبرني أنّ كثيّر بن عبد الرّحمن كان غاليا في التشيّع. و أخبر عن قطام صاحبة ابن ملجم في قدمة قدمها الكوفة فأراد الدخول عليها ليوبّخها، فقيل له: لا تردها فإن لها جوابا. فأبى و أتاها فوقف على بابها فقرعه فقالت: من هذا؟ فقال: كثيّر بن عبد الرّحمن الشاعر. فقالت لبنات عمّ لها: تنحين حتى يدخل الرجل. فولجن البيت و أذنت له، فدخل و تنحت من بين يديه، فرآها و قد ولّت/فقال لها: أنت قطام؟ قالت: نعم. قال: صاحبة علي بن أبي طالب عليه السلام؟ قالت: صاحبة عبد الرّحمن بن ملجم. قال: أ ليس فيك قتل علي بن أبي طالب؟ قالت: بل مات بأجله. قال: أما و اللّه لقد كنت أحبّ أن أراك، فلما رأيتك نبت عيني عنك، فما احلوليت في خلدي. قالت: و اللّه إنّك لقصير القامة، عظيم الهامة، قبيح المنظر، و إنك لكما قال الأوّل: «تسمع بالمعبديّ خير من أن تراه»(3). فقال:
رأت رجلا أودى السّفار بوجهه *** فلم يبق إلا منظر و جناجن(4)
فإن أك معروق العظام فإنني *** إذا وزن الأقوام بالقوم وازن(5)
و إني لما استودعتني من أمانة *** إذا ضاعت الأسرار للسر دافن
1) ما عدا ط: «لم يعمك».
2) إلى هنا تنتهي نسخة ط.
3) المعيدي هذا هو شقة بن ضمرة بن جابر، رآه المنذر بن ماء السماء و كان يعجبه ما يبلغه عنه، فلما رآه حقره و أرسل فيه هذا المثل، فقال له شقة: أبيت اللعن و أسعد إلهك، إن القوم ليسوا بجزر - يعني الشاء - إنما يعيش الرجل بأصغريه: لسانه و قلبه. فأعجب المنذر كلامه و سره ما رأى منه. انظر «مجمع الأمثال للميداني».
4) السفار: السفر. و الجناجن: جمع جنجن، و هي عظام الصدر. و في «البيان» (227:1): «فلم يبق إلا منطق».
5) معروق العظام، أي نحيلا.
فقالت: أنت للّه أبوك كثيّر عزة؟ قال: نعم. قالت: الحمد للّه الذي قصّر بك فصرت لا تعرف/إلا بامرأة! فقال: الأمر كذلك، فو اللّه لقد سار بها شعري و طار بها ذكري، و قرب من الخليفة مجلسي، و أنا لكما قلت:
فإن خفيت كان لعينك قرّة *** و إن تبد يوما لم يعمّك عارها
فما روضة بالحزن طيبة الثرى *** يمجّ الندى جثجاثها و عرارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا *** و قد أوقدت بالمندل اللّدن نارها
فقالت: باللّه ما رأيت شاعرا قطّ أنقص عقلا منك، و لا أضعف وصفا، أين أنت من سيدك امرئ القيس حيث يقول:
/أ لم ترياني كلّما جئت طارقا *** وجدت بها طيبا و إن لم تطيّب
فخرج و هو يقول:
الحقّ أبلج لا يخيل سبيله *** و الحقّ يعرفه ذو و الألباب(1)
هاك فاشربها خليلي *** في مدى الليل الطويل
قهوة في ظلّ كرم *** سبيت من نهر بيل(2)
في لسان المرء منها *** مثل طعم الزنجبيل
قل لمن يلحاك فيها *** من فقيه أو نبيل(3)
أنت دعها و ارج أخرى *** من رحيق السلسبيل
تعطش اليوم و تسقى *** في غد نعت الطّلول
الشعر لآدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، و الغناء لإبراهيم الموصلي، هزج بالبنصر عن حبش.
و لإبراهيم بن المهدي في الخامس و السادس و الأوّل خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي. و لهاشم فيها ثاني ثقيل بالبنصر، و قيل لعبد الرّحيم(4).
آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
و أمه أم عاصم بنت سفيان بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم أيضا.
و هو أحد من منّ عليه أبو العباس السفاح من بني أمية لمّا قتل من وجد منهم.
و كان آدم في أوّل أمره خليعا ماجنا منهمكا(1)في الشراب، ثم نسك بعد ما عمّر، و مات على طريقة محمودة.
و أخبرني الحسين بن علي عن أحمد بن سعيد الدمشقي، عن الزبير بن بكار عن عمّه:
أنّ المهديّ أنشد هذه الأبيات و غنّى فيها بحضرته:
أنت دعها و ارج أخرى *** من رحيق السلسبيل
فسئل عن قائلها فقيل آدم بن عبد العزيز بن عمرو بن عبد العزيز، فدعا به فقال له: ويلك تزندقت؟ قال: لا و اللّه يا أمير المؤمنين، و متى رأيت قرشيّا تزندق؟ و المحنة في هذا إليك(2)، و لكنّه طرب غلبني، و شعر طفح على قلبي في حال الحداثة فنطقت به. فخلى سبيله.
قال: و كان المهديّ يحبه و يكرمه، لظرفه و طيب نفسه.
/و روي هذا الخبر عن مصعب الزبيري و إسحاق/بن إبراهيم الموصلي قال:
1) ح، أ، م: «منهوكا». و المنهوك: المجهد المغلوب. و المنهمك: ذو اللجاجة و التمادي. و في حديث خالد بن الوليد: «انهمكوا في الخمر». ها: «متهتكا».
2) المحنة: الامتحان. و في حديث الشعبي: المحنة بدعة. و هي أن يأخذ السلطان الرجل فيمتحنه، يقول فعلت كذا و فعلت كذا، فلا يزال به حتى يقول ما لم يفعله، أو ما لا يجوز قوله.
كان آدم بن عبد العزيز يشرب الخمر و يفرط في المجون، و كان شاعرا، فأخذه المهديّ فضربه ثلاثمائة سوط على أن يقرّ بالزندقة، فقال: و اللّه ما أشركت باللّه طرفة عين، و متى رأيت قرشيّا تزندق؟ قال: فأين قولك:
اسقني واسق غصينا *** لا تبع بالنقد دينا
اسقنيها مزّة الطع *** م تريك الشّين زينا(1)
قال: فقال لئن كنت ذاك فما هو ممّا يشهد على قائله بالزندقة. قال: فأين قولك:
اسقني واسق خليلي *** في مدى الليل الطويل
قهوة صهباء صرفا *** سبيت من نهر بيل
لونها أصفر صاف *** و هي كالمسك الفتيل(2)
في لسان المرء منها *** مثل طعم الزنجبيل
ريحها ينفح منها *** ساطعا من رأس ميل
من ينل منها ثلاثا *** ينس منهاج السبيل(3)
فمتى ما نال خمسا *** تركته كالقتيل
/ليس يدري حين ذاكم *** ما دبير من قبيل(4)
إنّ سمعي عن كلام ال *** لائمي فيها الثقيل
لشديد الوقر، إنّي *** غير مطواع ذليل
قل لمن يلحاك فيها *** من فقيه أو نبيل
أنت دعها و ارج أخرى *** من رحيق السلسبيل
نعطش اليوم و نسقى *** في غد نعت الطول
فقال: كنت فتى من فتيان قريش، أشرب النبيذ و أقول ما قلت على سبيل المجون، و اللّه ما كفرت باللّه قطّ، و لا شككت فيه. فخلّى سبيله و رقّ له.
قال مصعب: و هو الذي يقول:
اسقني يا معاوية *** سبعة أو ثمانية
1) في الأصول: «مرة الطعم»، و صوابه بالزاي، كما في «تاريخ بغداد».
2) أنشد هذا البيت في «اللسان» (فتل) و قال: «قال أبو حنيفة: و يروى كالمسك الفتيت. قال: و هو كالفتيل. قال أبو الحسن: و هذا يدل على أنه شعر غير معروف، إذ لو كان معروفا لما اختلف في قافيته. فتفهمه جدا».
3) المنهاج: الطريق الواضح.
4) اختلف في تفسيره، و معظم الأقوال أنه في الفتل، فما أقبل به إلى صدره فهو قبيل، و ما أدبر به عنه فهو دبير. و المعنى أنه لا يعرف شيئا.
اسقنيها و غنّني *** قبل أخذ الزّبانيه
اسقنيها مدامة *** مزّة الطعم صافية(1)
ثمّ من لامنا علي *** ها فذاك ابن زانيه
فيه خفيف رمل بالبنصر ينسب إلى أحمد بن المكي، و إلى حكم الواديّ.
قال: و آدم الذي يقول:
أقول و راعني إيوان كسرى *** برأس معان أو أدروسفان(2)
و أبصرت البغال مربّطات *** به من بعد أزمنة حسان(3)
/يعزّ على أبي ساسان كسرى *** بموقفكنّ في هذا المكان
/شربت على تذكّر عيش كسرى *** شرابا لونه كالزعفران
و رحت كأنّني كسرى إذا ما *** علاه التاج يوم المهرجان
قال و هو الذي يقول:
أحبّك حبّين لي واحد *** و آخر أنّك أهل لذاك
فأما الذي هو حبّ الطباع *** فشيء خصصت به عن سواك
و أما الذي هو حبّ الجمال *** فلست أرى ذاك حتّى أراك
و لست أمنّ بهذا عليك *** لك المنّ في ذا و هذا و ذاك
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزبير بن بكار قال: حدّثني عمي عن فليح بن سليمان قال:
مررنا يوما مع خالصة(4)في موكبها، فوقفت على آدم بن عبد العزيز فقالت: يا أخي طلبت منا حاجة فرفعناها لك إلى السيّدة(5)و أمرت بها و هي في الديوان، فساء ظنّك بها فقعدت عن تنجّزها. قال: فموّه لها عذرا اعتذر به فوقفت عن الموكب حتّى مضت، ثم قلت له: أخملت نفسك، و اللّه ما أحسب أنّه حبسك عنها إلا الشراب، أنت ترى الناس يركضون خلفها و هي ترفّ عليك لحاجتك(6). فقال: و اللّه هو ذاك، إذا أصبحت فكل كسرة و لو بملح،
1) جاءت هنا على الصواب في ح: «مزة». و في سواها بالراء المهملة.
2) كذا ورد هذا العجز، و في ح، أ، م، ها: «ادرواسفان».
3) ح: «حصان».
4) خالصة هذه جارية من جواري الخيزران أم الهادي و الرشيد، و كانت ذات نفوذ عظيم. انظر الطبري (30:10، 37) و «مجالس ثعلب» 475.
5) هي الخيزران. أ: «إلى الميرة» ح: «إلى الميدة» محرّفتان.
6) رفه: حاطه و عطف عليه، و نصح و أشفق.
و افتح دنّك فإن كان حامضا دبغ معدتك، و إن كان حلوا خرطك(1)، و إن كان مدركا فهو الذي أردت. /قلت: لا بارك اللّه عليك. و مضيت، ثم أقلع بعد ذلك و تاب. فاستأذن يوما على يعقوب بن الربيع و أنا عنده فقال يعقوب:
ارفعوا الشراب فإنّ هذا قد تاب و أحسبه يكره أن يراه. فرفع و أذن له، فلما دخل قال: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لاٰ أَنْ تُفَنِّدُونِ . قال يعقوب: هو الذي وجدت، و لكنّنا ظنّنا أن يثقل عليك لتركك الشراب. قال: إي و اللّه، إنّه ليثقل عليّ ذاك. قال: فهل قلت في ذلك شيئا منذ تركته؟ قال قتل:
ألا هل فتى عن شربها اليوم صابر *** ليجزيه يوما بذلك قادر
شربت فلمّا قيل ليس بنازع *** نزعت و ثوبي من أذى اللّوم طاهر
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال: حدّثني أبو هفان عن إسحاق قال:
كان مع المهدي رجل من أهل الموصل يقال له سليمان بن المختار، و كانت له لحية عظيمة، فذهب يوما ليركب فوقعت لحيته تحت قدمه في الركاب فذهب عامّتها، فقال آدم بن عبد العزيز قوله:
قد استوجب في الحكم *** سليمان بن مختار
بما طوّل من لحي *** ته جزّا بمنشار
أو السيف أو الحلق *** أو التحريق بالنار
فقد صار بها أشه *** ر من راية بيطار(2)
فقال: ثم أنشدها عمر بن بزيغ المهديّ فضحك، و سارت الأبيات، فقال أسيد بن أسيد، و كان وافر اللحية:
ينبغي لأمير المؤمنين أن يكفّ هذا الماجن عن الناس. فبلغت آدم بن عبد العزيز فقال:
/لحية تمّت و طالت *** لأسيد بن أسيد
/كشراع من عباء *** قطعت حبل الوريد(3)
يعجب الناظر منها *** من قريب و بعيد
هي إن زادت قليلا *** قطعت حبل الوريد
و قال: و كان المهديّ يدني آدم و يحبّه و يقرّبه، و هو الذي قال لعبد اللّه بن علي لما أمر بقتله في بني أمية بنهر أبي فطرس(4): إنّ أبي لم يكن كآبائهم، و قد علمت مذهبه فيكم. فقال: صدقت، و أطلقه. و كان طيّب النفس متصوّفا، و مات على توبة و مذهب جميل.
1) يقال خرطه الداء، أي مشاه، و كذلك خرطه تخريطا.
2) ذكرها الثعالبي في «ثمار القلوب» 193. و أنشد هذا البيت.
3) كذا ورد هذا العجز لهذا البيت و البيت الرابع. ح، م: «لشراع».
4) نهر أبي فطرس، بضم الفاء و الراء: موضع قرب الرملة من أرض فلسطين كانت به وقعة عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن العباس مع بني أمية سنة 132. و في الأصول ما عدا «ها»: «أبي قرطس»، تحريف.
ألا يا صاح للعجب *** دعوتك ثم لم تجب
إلى القينات و اللذّا *** ت و الصّهباء و الطّرب
و منهنّ التي تبلت *** فؤادك ثمّ لم تتب
الشعر ليزيد بن معاوية، يقوله للحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام. و الغناء لسائب خاثر، خفيف رمل بالوسطى عن حبش.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدّثني المدائني قال:
قدم سلم بن زياد على يزيد فنادمه، فقال له ليلة: أ لا أولّيك خراسان؟ قال: بل و سجستان. فعقد له في ليلته فقال:
/اسقني شربة فروّ عظامي *** ثم عد واسق مثلها ابن زياد
موضع السرّ و الأمانة منّي *** و على ثغر مغنمي و جهادي
قال: و لمّا رجع في خلافة أبيه جلس بالمدينة على شراب، فاستأذن عليه عبد اللّه بن العباس، و الحسين بن علي، فأمر بشرابه فرفع و قيل له: إنّ ابن عباس إن وجد ريح شرابك عرفه. فحجبه و أذن للحسين، فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطّيب فقال: للّه درّ طيبك هذا ما أطيبه، و ما كنت أحسب أحدا يتقدّمنا في صنعة الطيب، فما هذا يا ابن معاوية؟ فقال: يا أبا عبد اللّه، هذا طيب يصنع لنا بالشأم. ثم دعا بقدح فشربه، ثم دعا بقدح آخر فقال: اسق أبا عبد اللّه يا غلام. فقال الحسين: عليك شرابك أيها المرء، لا عين عليك منّي. فشرب و قال:
ألا يا صاح للعجب *** دعوتك ثم لم تجب
إلى القينات و اللذّا *** ت و الصّهباء و الطرب
و باطية مكلّلة *** عليها سادة العرب(1)
و فيهن التي تبلت *** فؤادك ثم لم تتب(2)
فوثب الحسين عليه السلام و قال: بل فؤادك يا ابن معاوية!.
أ أن نادى هديلا يوم فلج *** مع الإشراق في فنن حمام(1)
ظللت كأنّ دمعك درّ سلك *** و هي خيطا و أسلمه النّظام
/تموت تشوّقا طورا و تحيا *** و أنت جدير أنك مستهام
/كأنّك من تذكّر أمّ عمرو *** و حبل و صالها خلق رمام(2)
سلام اللّه يا مطر عليها *** و ليس عليك يا مطر السلام(3)
فإن يكن النكاح أحلّ أنثى *** فإنّ نكاحها مطرا حرام(4)
و لا غفر الإله لمنكحيها *** ذنوبهم و إن صلّوا أو صاموا
فطلّقها فلست لها بكفء *** و إلاّ عضّ مفرقك الحسام(5)
الشعر للأحوص، و الغناء لمعبد من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالبنصر في مجرى الوسطى. و لإبراهيم الموصلي في الأربعة الأبيات الأول ثاني ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر.
أخبرني الحرمي قال: حدّثنا الزبير قال: حدّثني محمد بن ثابت بن إبراهيم بن خلاّد الأنصاري قال: حدّثني أبو عبد اللّه بن سعد الأنصاري قال:
قدم الأحوص البصرة فخطب إلى رجل من تميم ابنته، و ذكر له نسبه، فقال: هات لي شاهدا واحدا يشهد أنّك ابن حميّ الدّبر(6)و أزوّجك. فجاءه بمن شهد له على ذلك، فزوّجه إياها، و شرطت عليه ألا يمنعها من أحد من أهلها، فخرج إلى المدينة و كانت أختها عند رجل من بني تميم قريبا من طريقهم، فقالت له: اعدل بي إلى أختي.
ففعل، فذبحت لهم و أكرمتهم، و كانت من أحسن الناس، و كان/زوجها في إبله، فقالت زوجة الأحوص له: أقم حتّى يأتي. فلما أمسوا راح مع إبله و رعائه، و راحت غنمه فراح من ذلك أمر كثير(7). و كان يسمّى مطرا، فلما رآه
1) في الأصول: «هذيلا»، تحريف: و نادى الحمام الهديل، هو على ما يزعم العرب أن الهديل فرخ حمام كان على عهد نوح فمات ضيعة و عطشا، فيقولون إنه ليس من حمامة إلا و هي تبكي عليه أو الهديل مصدر هدل يهدل هديلا. قال ذو الرمة: أرى ناقتي عند المحصب شاقها رواح اليماني و الهديل المرجع
2) الخلق: البالي، و الرمام مثله.
3) البيت من «شواهد النحويين». انظر «الخزانة» (294:1) و سيبويه (313:1).
4) س و «الخزانة»: «أحل شيء» و في «أمالي الزجاجي» 53: «أحل شيئا»، و سائر النسخ: «أنثى».
5) في «الخزانة»: «و إلا يعل».
6) الدبر، بالفتح: جماعة النحل، و حميها، أي محميها. و حمى الدبر هو جد أبيه، عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بعثه في بعث فقتله المشركون و أرادوا أن يصلبوه و يمثلوا به، فبعث اللّه عليه مثل الظلة من الدبر فحمته منهم. «الإصابة» 3340 و «الخزانة» (232:1).
7) في «الخزانة» (295:1) نقلا عن «الأغاني»: «شيء كثير».
الأحوص ازدراه و اقتحمته عينه، و كان قبيحا دميما(1)، فقالت له زوجته: قم إلى سلفك(2)و سلّم عليه. فقال و أشار إلى أخت زوجته بإصبعه:
سلام اللّه يا مطر عليها *** و ليس عليك يا مطر السلام
و ذكر الأبيات و أشار إلى مطر بإصبعه، فوثب إليه مطر و بنوه، و كاد الأمر يتفاقم حتى حجز بينهم.
قال الزبير: قال محمد بن ثابت: أبو عبد اللّه(3)بن سعد الذي حدّث بهذا الحديث، أمه بنت الأحوص، و أمها التميميّة أخت زوجة مطر.
و أخبرنا الحسين بن يحيى قال: حدّثنا حماد عن أبيه، أنّ امرأة الأحوص التي تزوّجها، إحدى بني سعد بن زيد مناة بن تميم. و ذكر باقي القصيدة، و هو قوله:
كأنك من تذكّر أمّ عمرو *** و حبل وصالها خلق رمام
صريع مدامة غلبت عليه *** تموت لها المفاصل و العظام
و أنّى من بلادك أمّ عمرو *** سقى دارا تحلّ بها الغمام
تحلّ النّعف من أحد و أدنى *** مساكنها الشّبيكة أو سنام(4)
فلو لم ينكحوا إلا كفيّا *** لكان كفيها الملك الهمام
أخبرني الحسين قال: قال حماد: قرأت على أبي: حدّثنا ابن كناسة قال:
مرّ بنا أشعب و نحن جماعة في المجلس، فأتى جار لنا صاحب جوار يقال له أبان بن سليمان، و عليه رداء خلق، قد بدا منه ظهره و به آثار، فسلّم علينا فرددنا عليه السلام، فلما مضى قال بعض القوم: مدنيّ/مجلود! فأراه سمعها أو سمعها رجل يمشي معه فأخبره، فلما انصرف و انتهى إلى المجلس قال:
سلام اللّه يا مطر عليها *** و ليس عليك يا مطر السلام
فقلت للقوم: أنتم و اللّه مطر.
و مثل ما جرى في هذا الخبر من قوله في المرأة، خبر له آخر شبيه به مع ابن حزم.
أخبرني الحرمي قال حدّثنا الزبير قال: حدّثنا محمد بن فضالة، عن جميع بن يعقوب قال:
1) في «الخزانة»: «شيخا دميما».
2) السلف بالكسر، و بفتح فكسر أيضا: هو للرجل زوج أخت امرأته.
3) في الأصول: «قال محمد بن ثابت بن عبد اللّه بن سعد». و الوجه ما أثبت.
4) في الأصول: «تحل النهد»، صوابه من «أمالي الزجاجي». و النعف هذا هو نعف سويقة قرب المدينة، و فيه يقول الأحوص: و ما تركت أيام نعف سويقة لقلبك من سلماك صبرا و لا عزما و الشبيكة: موضع بين مكة و الزاهر. و في الأصول: «السكينة» صوابه في «أمالي الزجاجي». و سنام: جبل بالحجاز بين ماوان و الربذة.
خطب أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، بنت عبد اللّه بن حنظلة بن أبي عامر، إلى أخيها معمر بن عبد اللّه، فزوّجه إياها، فقال الأحوص أبياتا و قال لفتى من بني عمرو بن عوف: أنشدها معمر بن عبد اللّه في مجلسه و لك هذه الجبّة. فقال الفتى: نعم. فجاءه و هو في مجلسه فقال:
يا معمر يا ابن زيد حين تنكحها *** و تستبدّ بأمر الغيّ و الرشد
فقال: كان ذلك الرجل غائبا. فقال الفتى:
أ ما تذكّرت صيفيّا فتحفظه *** أو عاصما أو قتيل الشّعب من أحد
/قال: ما فعلت و لا تذكّرت. فقال الفتى:
أ كنت تجهل حزما حين تنكحها *** أم خفت، لا زلت فيها جائع الكبد
قال معمر: لم أجهل حزما. فقال الفتى:
أبعد صهر بني الخطّاب تجعلهم *** صهرا و بعد بني العوّام من أسد
فقال معمر: قد كان ذلك. فقال الفتى:
هبها سليلة خيل غير مقرفة *** مظلومة حبست للعير في الجدد(1)
قال: نعم أعانها اللّه و صبّرها. فقال الفتى:
فكلّ ما نالنا من عار منكحها *** شوى إذا فارقته و هي لم تلد
قال: نعم إلى اللّه عز و جل في ذلك الرغبة.
قال الزبير: أمّا قوله «صهر بني الخطاب» فإنّ جميلة بنت أبي الأقلح كانت عند عمر بن الخطاب، فولدت له عاصم بن عمرو. و أمّا «صهر بني العوام» فإنّ نهيسة بنت النعمان بن عبد اللّه بن أبي عقبة، كانت عند يحيى بن حمزة بن عبد اللّه بن الزبير، فولدت له أبا بكر و محمدا.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدّثنا الزبير قال: حدّثني مصعب قال: قال الهدير: كرهت أمّ جعفر أصواتا من الغناء القديم، فأرسلت لها رسولا يلقيها في البحر، ثم غنتها جارية بعد ذلك:
سلام اللّه يا مطر عليها *** و ليس عليك يا مطر السلام
/فقالت: هذا أرسلوا به رسولا مفردا إلى دهلك(2)ليلقيه في البحر خاصّة. قال: و الذي حمل أمّ جعفر على هذا التطير على ابنها محمد بن الأمين من هذه الأصوات، أيام محاربته المأمون فمنها قوله:
كليب لعمري كان أكثر ناصرا *** و أيسر جرما منك ضرّج بالدم(1)
و منها قوله:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه *** كما غدرت يوما بكسرى مرازبه(2)
/و منها قوله:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالد *** فأقبلت أسعى كالعجول أبادر(3)
و منها قوله:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا *** حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض(4)
مضى الحديث.
و كنّا كندماني جذيمة حقبة *** من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا
فلما تفرّقنا كأني و مالكا *** لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
الشعر لمتمّم بن نويرة، يرثي أخاه مالكا. و الغناء لسياط.
1) البيت للنابغة الجعدي، و قد سبق في ترجمته من «الأغاني». في معظم الأصول: «و أكثر جرما» صوابه من ها، مب. و مما سبق في «الأغاني».
2) البيت للوليد بن عقبة بن أبي معيط، كما في «الكامل» 444 ليبسك.
3) في الأصول: «أبا درة» تحريف. و قد سبق البيت منسوبا إلى زهير، في ترجمته. و بعده: إلى بطلين ينهضان كلاهما يريغان نصل السيف و السيف نادر
4) البيت لطرفة في «ديوانه» 48.
هو متمّم بن نويرة بن عمرو(1)بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار. و يكنى متمّم بن نويرة أبا نهشل.
و يكنى أخوه مالك أبا المغوار. و كان مالك يقال له فارس ذي الخمار، قيل له ذلك بفرس كان عنده يقال له «ذو الخمار»، و فيه يقول و قد أحمده في بعض وقائعه:
جزاني دوائي ذو الحمار و صنعتي *** بما بات أطواء بنيّ الأصاغر(2)
أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال:
كان مالك بن نويرة شريفا فارسا، و كان فيه خيلاء و تقدّم، و كان ذا لمّة كبيرة، و كان يقال له الجفول(3).
و كان مالك قتل في الرّدّة، قتله خالد بن الوليد بالبطاح في خلافة أبي بكر، و كان مقيما بالبطاح، فلما تنبأت سجاح اتّبعها ثم أظهر أنّه مسلم، فضرب خالد عنقه صبرا، فطعن عليه في ذلك جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، و أبو قتادة الأنصاريّ، لأنه تزوّج امرأة مالك بعده، و قد كان يقال إنّه يهواها في الجاهلية و اتّهم لذلك أنّه قتله مسلما ليتزوّج امرأته بعده.
/حدثنا بالسبب في مقتل مالك بن نويرة محمد بن جرير الطبري قال:
كتب إليّ السريّ بن يحيى، يذكر عن شعيب بن إبراهيم التيمي، عن سيف بن عمر، عن الصّقعب بن عطية عن أبيه:
1) في «شرح المفضليات» لابن الأنباري: «بن جمرة» بدل «بن عمرو».
2) الدواء، بفتح الدال: ما عولج به الفرس من تضمير، و بكسرها: مصدر داواه يداويه. و الصنعة: حسن القيام عليه. و أطواء: جمع طوى بالتحريك، و هو الطاوي البطن الجائع. يقول: جزاني ذو الخمار الذي أحسنت القيام عليه و آثرته باللبن على عيالي فباتوا على الطوى زمنا، يقول: جزاني خيرا بما كان منه من إنقاذ في مأزق الحرب. في الأصول: «جزاني بلائي ذو الخمار وضيعتي» صوابه من كتاب «أسماء الخيل» لابن الأعرابي ص 64.
3) إلى هنا ينتهي النقل من ابن سلام طبق ما في النسخة المطبوعة ص 76.
أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم استعمل عماله على بني تميم، فكان مالك بن نويرة عامله على بني يربوع. قال: و لمّا تنبأت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان و سارت من الجزيرة، راسلت مالك بن نويرة و دعته إلى الموادعة، فأجابها و قنّاها(1)عن غزوها، و حملها على أحياء [من](2)بني تميم، فأجابته و قالت: نعم فشأنك بمن رأيت، و إنّما أنا امرأة من بني يربوع، و إن كان ملك فهو ملككم. فلمّا تزوّجها مسيلمة الكذّاب و دخل بها انصرفت إلى الجزيرة و صالحته أن يحمل عليها النّصف من غلاّت اليمامة، فارعوى حينئذ مالك بن نويرة و ندم و تحيّر في أمره، فلحق بالبطاح، و لم يبق في بلاد بني حنظلة شيء يكره إلاّ ما بقي من أمر مالك بن نويرة و من تأشّب إليه(3)بالبطاح، فهو على حاله متحيّر ما يدري ما يصنع.
و قال سيف: فحدّثني سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد و عمرو بن شعيب قالا: لما أراد خالد بن الوليد المسير خرج [من ظفر(4)] و قد استبرأ أسدا و غطفان وطيئا(5)، فسار يريد البطاح دون الحزن، و عليها مالك بن نويرة/و قد تردّد عليه أمره و قد تردّدت الأنصار على خالد و تخلّفت عنه، و قالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا؛ /فقد عهد إلينا إن نحن فرغنا من البزاخة(6)و استبرأنا بلاد القوم، أن يكتب إلينا بما نعمل. فقال خالد: إن يكن عهد إليكم هذا فقد عهد إليّ أن أمضى، و أنا الأمير و إليّ تنتهي الأخبار، و لو أنّه لم يأتني له كتاب و لا أمر ثم رأيت فرصة إن أعلمته بها فاتتني لم أعلمه حتّى أنتهزها. و كذلك لو ابتلينا بأمر ليس منه عهد إلينا فيه لم ندع أن نرى أفضل(7)ما بحضرتنا و نعمل به. و هذا مالك بن نويرة بحيالنا، و أنا قاصد له بمن معي من المهاجرين و التابعين لهم بإحسان، و لست أكرههم(8). و مضى خالد و برمت الأنصار و تذامروا(9)و قالوا: لئن أصاب القوم(10)خيرا إنّه لخير حرمتموه، و لئن أصابتهم(11)مصيبة ليجتنبنّكم الناس. فأجمعوا على اللّحاق بخالد، و جرّدوا إليه رسولا، فأقام عليهم حتّى لحقوا به، ثم سار حتّى لحق البطاح فلم يجد به أحدا.
قال السري عن شعيب، عن سيف عن خزيمة بن شجرة العقفاني(12)عن عثمان بن سويد، عن سويد بن المنعبة(13)الرياحي قال:
1) قناها: كفها وردها. في م: «فهاما». و في أ: «نهاها»، صوابهما في ح. و في ها، و الطبري (237:3): «فثأها»، و هي بمعنى كفها أيضا.
2) التكملة من الطبري. على أن أبا الفرج قد اختصر نص الطبري اختصارا شديدا.
3) تأشب: تجمع. و في معظم الأصول: «و ما ناسب»، صوابه في ها و الطبري (241:3).
4) التكملة من الطبري. و ظفر: موضع قرب الحوأب في طريق البصرة إلى المدينة.
5) كذا في ح، ها و الطبري. و في سائر الأصول: «و غنيا» تحريف.
6) البزاخة: ماء لبني أسد كانت به وقعة طليحة. ح: «البراهة» و في سائر النسخ: «البراهمة»، و الصواب من ها و الطبري.
7) كذا الصوب من الطبري. و في ح: «لم ندع أن تدع لفضل». و في سائر النسخ: «لم ندع أن نرعى لفضل».
8) الطبري: «أكرهكم». و هما من الإكراه.
9) كذا في الطبري و ها. و في سائر الأصول: «و ندمت الأنصار و تراموا»، و إنما هي تذامروا، كما في الطبري. و التذامر: أن يحض القوم بعضهم بعضا على الجد في القتال.
10) في الأصول ما عدا ها: «اليوم»، و صحته من الطبري.
11) في الأصول: «أصابتكم». و الوجه ما أثبت من الطبري، و ها.
12) في الأصول: «جذيمة» و «سحرة» و في بعضها «منحره» و «الغفقاني». و أثبت ما في الطبري.
13) في الطبري: «المثعية».
قدم خالد بن الوليد البطاح فلم يجد عليه أحدا، و وجد مالك بن نويرة قد فرّقهم(1)في أموالهم و نهاهم عن الاجتماع، فبعث السرايا و أمرهم بداعية الإسلام(2)، فمن أجاب/فسالموه و من لم يجب و امتنع فاقتلوه. و كان فيما أوصاهم أبو بكر: إذا نزلتم [منزلا](3)فأذّنوا و أقيموا، فإن أذّن القوم و أقاموا فكفّوا عنهم، و إن لم يفعلوا فلا شيء إلاّ الغارة. ثم اقتلوهم كلّ قتلة: الحرق فما سواه. فإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم(4)، فإن هم أقرّوا بالزكاة قبلتم منهم، و إلاّ فلا شيء إلا الغارة و لا كلمة. فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع، و من بني عاصم(5)، و عبيد، و عرين، و جعفر، و اختلف السرية فيهم، و فيهم أبو قتادة. و كان ممن شهد أنّهم قد أذّنوا و أقاموا و صلّوا. فلما اختلفوا فيهم أمر بحسبهم، في ليلة باردة لا يقوم لها شيء، و جعلت تزداد بردا، فأمر خالد مناديا فنادى: «دافئوا أسراكم». و كان في لغة كنانة إذا قالوا: «دافأنا الرجل و أدفئوه، فذلك معنى اقتلوه من الدفء. فظنّ القوم أنّه يريد القتل فقتلوهم(6). فقتل ضرار بن الأزور مالكا، فسمع خالد الواعية(7)، فخرج و قد فرغوا منهم فقال: إذا أراد اللّه أمرا أصابه. و قد اختلف القوم فيهم فقال أبو قتادة: هذا عملك.
فزبره خالد [فغضب](8)و مضى حتّى أتى أبا بكر، فغضب عليه أبو بكر حتّى كلّمه عمر بن الخطاب فيه، فلم يرض إلا بأن يرجع إليه، فرجع إليه فلم يزل معه حتّى قدم المدينة، و قد كان تزوّج خالد أم تميم بنت المنهال(9)و تركها لينقضي طهرها، و كانت العرب تكره النساء في الحرب و تعايره، /فقال عمر لأبي بكر: إنّ في سيف خالد رهقا، و حقّ عليه أن تقيده(10). و أكثر عليه في ذلك. و كان أبو بكر لا يقيد من عمّاله و لا من وزعته(11)، فقال: هبه يا عمر تأوّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد. و ودى مالكا، و كتب إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل و أخبره خبره فعذره. و قبل منه، و عنّفه بالتزويج الذي كانت العرب تعيب عليه من ذلك.
فذكر سيف عن هشام بن عروة عن أبيه قال: شهد قوم من السرية أنّهم أذّنوا و أقاموا و صلّوا، و شهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شيء فقتلوا. و قدم أخوه متمم ينشد أبا/بكر دمه و يطلب إليه في سبيهم، فكتب له بردّ السّبي، و ألحّ عليه عمر في خالد أن يعزله و قال: إن في سيفه لرهقا! فقال له: لا يا عمر، لم أكن لأشيم سيفا سلّه اللّه على الكافرين.
1) كذا في ها. و في سائر الأصول: «ملك قد فرقهم». محرّف. و في الطبري: «مالكا قد فرقهم».
2) في معظم الأصول: «برعاية الإسلام» و وجهه من الطبري و ها.
3) هذه التكملة من الطبري.
4) س: «فسالموهم» و في سائر النسخ: «فسلوهم». و أثبت الصواب من ها و الطبري.
5) الطبري: «من بني عاصم» بدون واو قبلها.
6) هذا نهاية سقط مب الذي بدأ في ص 280.
7) الواعية: الجلبة، و الصراخ على الميت و نعيه. ح: «الراعية». و في سائر النسخ ما عدا ها و مب: «الداعية» صوابها من النسختين و الطبري.
8) هذه التكملة من الطبري.
9) في الأصول: «المهلب»، صوابه في الطبري، و «الإصابة». 769 في ترجمة مالك بن نويرة. و المنهال هذا هو المنهال بن عصمة الرياحي، و هو الذي كفن مالكا في ثوبيه.
10) الطبري: «فإن لم يكن هذا حقا حق عليه أن تقيده».
11) الوزعة: أصحاب السلطان. في جمهور الأصول: «من درعيه» و الصواب من ها و مب و الطبري.
حدّثنا محمد بن إسحاق قال: كتب إلى السري عن شعيب عن سيف عن خزيمة(1)عن عثمان عن سويد(2)قال:
كان مالك من أكثر الناس شعرا، و إنّ أهل العسكر اثّفوا القدور برءوسهم(3)، فما منها رأس إلا وصلت النار إلى بشرته، ما خلا مالكا فإنّ القدر نضجت و ما نضج رأسه من كثرة شعره، و وقى الشعر البشرة من حرّ النار أن تبلغ منه ذلك.
/قال: و أنشد متمم عمر بن الخطاب، ذكر خمصه - يعني قوله:
لقد كفن المنهال تحت ردائه *** فتى غير مبطان العشيّات أروعا
فقال: أ كذاك كان يا متمم؟ قال: أمّا ما أعني فنعم.
أخبرني اليزيديّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثني محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب. و حدّثنيه أحمد بن الجعد قال: حدّثنا محمد بن إسحاق المسيّبي قال: حدّثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب:
أنّ مالك بن نويرة كان من أكثر الناس شعرا، و أن خالدا لما قتله أمر برأسه فجعل أثفيّة لقدر، فنضج ما فيها قبل أن تبلغ النار إلى شواته.
أخبرني محمد بن جرير قال: حدّثنا محمد بن حميد قال حدّثنا سلمة(4)عن ابن إسحاق، عن طلحة بن عبيد اللّه بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه.
أن أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه: أن إذا غشيتم دارا من دور الناس فسمعتم فيها أذانا للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتّى تسألوهم ما ذا نقموا، و إذا لم تسمعوا أذانا فشنّوا الغارة و اقتلوا(5)و حرّقوا. فكان ممن(6)شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الأنصاري، و اسمه الحارث بن ربعيّ أخو بني سلمة، و قد كان عاهد اللّه أنّه لا يشهد حربا بعدها أبدا. و كان يحدّث أنّهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل، فأخذ القوم السلاح. قال: فقلنا لهم: [إنا المسلمون.
فقالوا: و نحن المسلمون. /قلنا](7): فما بال السلاح معكم؟ فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح. ففعلوا ثم صلينا و صلّوا. و كان خالد يعتذر في قتله أنّه قال له و هو يراجعه: ما إخال صاحبكم - يعني النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم - إلا و قد كان
1) هو خزيمة بن شجرة. انظر ما مضى في ص 300 و في الأصول ما عدا مب: «عن سيف بن جذيمة»، صوابه من مب و الطبري.
2) هذا ما في الطبري. و في الأصول: «عن عثمان بن سويد».
3) أثف القدر تأثيفا: وضعها على الأثافي. و في معظم الأصول: «اتقوا»، صوابه من مب و الطبري.
4) هو مسلمة بن الفضل، ذكر في ترجمته من «تهذيب التهذيب» أنه روى عن محمد بن إسحاق، و كذا ورد في ترجمة محمد بن إسحاق أن سلمة بن الفضل روى عنه. فيّ معظم الأصول: «مسلمة»، و الوجه ما أثبت من مب و الطبري.
5) في الأصول ما عدا ها، مب: «فاقتتلوا»، و في الطبري: «فقتلوا».
6) في معظم الأصول: «من»، و أثبت ما في الطبري، و ها، مب.
7) التكملة من ها و مب و الطبري.
يقول كذا و كذا. فقال خالد: أ و ما تعدّه صاحبا؟! ثم قدّمه فضرب عنقه و أعناق أصحابه، فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطّاب تكلّم فيه عند أبي بكر رضي اللّه عنه، و قال: عدوّ اللّه عدا على امرئ مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته.
و أقبل خالد بن الوليد قافلا حتّى دخل المسجد و عليه قباء له، و عليه صدأ الحديد، معتجرا بعمامة قد غرز فيها اسمها، فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم(1)من رأسه فحطّمها ثم قال: أ قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته، و اللّه لأرجمنّك بأحجارك(2)! و لا يكلّمه خالد بن الوليد و لا يظنّ إلاّ أن رأى أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتّى دخل على أبي بكر فأخبره الخبر و اعتذر إليه، فعذره أبو بكر و تجاوز له عمّا كان في حربه تلك.
فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر، و عمر جالس في المسجد الحرام، فقال: هلمّ إليّ يا ابن أم شملة(3). فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلّمه و دخل بيته. و كان الذي قتل مالك بن نويرة عبد [بن](4)الأزور الأسديّ.
و قال محمد بن جرير: /قال ابن الكلبي: الذي قتل مالك بن نويرة ضرار بن الأزور.
و هكذا روى أبو زيد عمر بن شبّة(5)عن أصحابه، و أبو خليفة عن محمد بن سلام(6)قال:
قدم مالك بن نويرة على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فيمن قدم من أمثاله من العرب، فولاّه صدقات قومه بني يربوع، فلما مات النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم اضطرب فيها فلم يحمد أمره، و فرّق ما في يده من إبل الصدقة، فكلّمه الأقرع بن حابس المجاشعيّ، و القعقاع بن معبد بن زرارة(7)الدارميّ فقالا له: إنّ لهذا الأمر قائما و طالبا، فلا تعجل بتفرقة ما في يدك. فقال:
أراني اللّه بالنّعم المندّى *** ببرقة رحرحان و قد أراني(8)
تمشّى يا ابن عوذة في تميم *** و صاحبك الأقيرع تلحياني
حميت جميعها بالسّيف صلتا *** و لم ترعش يداي و لا بناني
يعني أمّ القعقاع، و هي معاذة بنت ضرار بن عمرو. و قال أيضا:
و قلت خذوا أموالكم غير خائف *** و لا ناظر فيما يجيء من الغد(9)
فإن قام بالأمر المخوّف قائم *** منعنا و قلنا الدين دين محمّد
1) في معظم الأصول: «السهم»، و الوجه ما أثبت من ها، مب الطبري.
2) هذا الصواب من أ، م و الطبري. و في ح: «بأحجاره» و في س: «بأحجار».
3) ح، أ، مب: «سلمة» و في سائر النسخ «مسلمة» و أثبت ما في الطبري.
4) التكملة من الطبري. و ترجمة عبد بن الأزور في «الإصابة» 5262، و هو أخو ضرار.
5) أبو زيد: كنية عمر بن شبة. و في الأصول اما عدا ح، مب: «أبو زيد بن عمر بن شبة». و كلمة «عن» مقحمة.
6) «طبقات الشعراء» لابن سلام 79-82.
7) في الأصول ما عدا «ها» مب: «زياد» صوابه في ها و «الطبقات».
8) النعم: الإبل. و تنديتها: أن يوردها فتشرب قليلا ثم يجيء بها ترعى ثم يردّها إلى الماء. «الخزانة» (236:1)، و في «الخزانة» سنة أبيات.
9) البيتان في «الإصابة» أيضا 7690.
قال ابن سلام(1): فمن لا يعذر خالدا يقول: إنه قال لخالد: و بهذا أمرك صاحبك - يعني النبي صلّى اللّه عليه و سلّم - و أنّه أراد بهذه القرشية. و من يعذر خالدا يقول: إنّه أراد انتفاء من النبوّة، و يحتجّ بشعريه المذكورين آنفا. و يذكر خالد أن النبيّ/صلى اللّه عليه و سلّم لما وجّهه إلى ابن جلندى قال له: يا أبا سليمان، إن رأت عينك مالكا فلا تزايله أو تقتله.
قال محمد بن سلام: و سمعني يوما يونس و أنا أرادّ التميمية في خالد و أعذره، فقال لي: يا أبا عبد اللّه، أ ما سمعت بساقي أم تميم؟ يعني زوجة مالك التي تزوّجها خالد لما قتله - و كان يقال إنّه لم ير أحسن من ساقيها. قال:
و أحسن ما سمعت من عذر خالد قول متمم بأنّ أخاه لم يستشهد. ففيه دليل على غدر خالد.
أخبرنا اليزيدي قال: حدثنا الرياشي قال: حدّثني محمد بن الحكم البجلي عن الأنصاري قال:
صلّى متمم بن نويرة مع أبي بكر الصّبح، ثم أنشده قوله:
نعم القتيل إذا الرياح تناوحت *** تحت الإزار قتلت يا ابن الأزور(2)
أ دعوته باللّه ثمّ قتلته *** لو هو دعاك بذمّة لم يغدر(3)
فقال أبو بكر: و اللّه ما دعوته و لا قتلته. فقال:
لا يضمر الفحشاء تحت ردائه *** حلو شمائله عفيف المئزر
و لنعم حشو الدّرع أنت و حاسرا *** و لنعم مأوى الطارق المتنوّر(4)
قال: ثم بكى حتّى سالت عينه، ثم انخرط(5)على سية قوسه [متكئا](6). يعني مغشيّا عليه.
أخبرني اليزيدي قال حدّثنا الرياشي قال حدّثنى محمد بن صخر بن خلخلة قال:
ذكر متمم بن نويرة أخاه في المدينة فقيل له: إنّك لتذكر أخاك، فما كانت صفته، أو صفه لنا؟ فقال: «كان(7)يركب الجمل الثّفال(8)في الليلة الباردة، يرتوي لأهله(9)بين المزادتين المضرّجتين(10)، عليه الشّملة الفلوت(11)، يقود الفرس الجرور(12)، ثم يصبح ضاحكا».
1) في الأصول ما عدا «ها»، مب: «أبو سلام» و الكلام لابن سلام في «الطبقات» 80.
2) في «الكامل» 761: «خلف البيوت». و في «الخزانة» (237:1): «فوق الكنيف».
3) ها، مب: «و إذا دعاك بربه لم يعذر».
4) «الكامل»: «كنت و حاسرا». «الخزانة»: «يوم لقائه».
5) «الكامل»: «ثم بكى و انحط على سية قوسه».
6) التكملة من ها، مب.
7) في «الكامل»: «كان و اللّه أخي في الليلة المظلمة ذات الأزيز و الصراد». و انظر «البيان» (25:3)، و «شروح سقط الزند» 587.
8) الثفال، كسحاب: البطيء الذي لا يكاد ينبعث.
9) هذا الصواب من مب. و في سائر النسخ: «يرتمي».
10) المضرجتين: المشققتين. و في «البيان» و ها، مب: «النضوحين»، أي اللتين تنضحان الماء.
11) الشملة: كساء أو مئزر يتشح به. و الفلوت: التي لا ينضم طرفاها لصغرها.
12) الجرور: الذي لا يكاد ينقاد مع من يجنبه، إنما يجر الحبل.
أخبرني اليزيدي قال: حدّثنا أحمد بن زهير، عن الزبير بن حبيب بن بدر الطائي و غيره: أن المنهال: رجلا من بني يربوع، مرّ على أشلاء مالك بن/نويرة لما قتله خالد، فأخذ ثوبا و كفّنه فيه و دفنه، ففيه يقول متمم:
لعمري و ما دهري بتأبين مالك *** و لا جزع مما أصاب فأوجعا(1)
لقد كفّن المنهال تحت ردائه *** فتى غير مبطان العشيات أروعا
غنّاه عمرو بن أبي الكنّات، ثقيل أوّل بالوسطى عن حبش.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدّثنا الحسن بن محمد البصري، قال: حدّثنا الحسن بن إسماعيل القضاعي قال حدّثني أحمد بن عمار العبدي(2)، و كان من العلم بموضع قال: حدّثني أبي عن جدي قال:
صلّيت مع عمر بن الخطاب الصبح، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل قصير أعور متنكبا قوسا(3)، و بيده هراوة، فقال: من هذا؟ فقال: متمم بن نويرة. فاستنشده قوله في أخيه، فأنشده:
لعمري و ما دهري بتأبين مالك *** و لا جزع مما أصاب فأوجعا
لقد كفّن المنهال تحت ثيابه *** فتى غير مبطان العشيات أروعا
حتّى بلغ إلى قوله:
و كنا كندماني جذيمة حقبة *** من الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا(4)
فلما تفرّقنا كأنّي و مالكا *** لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فقال عمر: هذا و اللّه التأبين، و لوددت أنّي أحسن الشّعر فأرثى أخي زيدا بمثل ما رثيت به أخاك. فقال متمم:
لو أنّ أخي مات على ما مات عليه أخوك ما رثيته - و كان قتل باليمامة شهيدا، و أمير الجيش خالد بن الوليد - فقال عمر: ما عزّاني أحد عن أخي بمثل ما عزّاني به متمم.
قال: و كان عمر يقول: ما هبت الصّبا من نحو اليمامة إلاّ خيّل إليّ أنّى أشم ريح أخي زيد(5).
1) ها: «بتأبين هالك» ما دهري كذا، و ما دهري بكذا، أي ما هو همي و إرادتي. التأبين: مدح الميت. جزع بالخفض عطف على تأبين للفظه، و بالنصب عليه لمحله على أن الباء زائدة.
2) كذا في ط. ها، مب: «محمد بن عمران العبدي» سائر النسخ «أحمد بن عمران العبدي».
3) ها: «متنكب قوسه».
4) لن يتصدعا: لن يتفرقا.
5) الخبر في «الكامل» و ابن سلام و ابن قتيبة في «الشعراء» 297 برواية أخرى.
قال: و قيل لمتمم: ما بلغ من وجدك على أخيك؟ فقال أصبت بإحدى عينيّ فما قطرت منها دمعة عشرين سنة، فلما قتل أخي استهلّت فما ترقأ(1).
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدّثنا عبد اللّه بن لاحق، عن ابن أبي مليكة قال:
مات عبد الرّحمن بن أبي بكر بالحبشيّ خارج مكة(2)، فحمل فدفن بمكة، فقدمت عائشة فوقفت على قبره و قالت متمثلة:
و كنا كندماني جذيمة حقبة *** من الدهر حتّى قيل لن يتصدّعا
فلما تفرّقنا كأني و مالكا *** لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
أما و اللّه لو حضرتك لدفنت حيث متّ، و لو شهدتك ما زرتك.
أخبرني إبراهيم بن أيوب قال حدّثنا عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة:
أنّ متمم بن نويرة دخل على عمر بن الخطاب فقال له عمر: ما أرى في أصحابك مثلك. فقال: يا أمير المؤمنين أما و اللّه إنّي مع ذلك لأركب الجمل الثّفال، و أعتقل الرّمح الشّطون(3)، و ألبس الشّملة الفلوت. و لقد أسرتني بنو تغلب في الجاهلية فبلغ ذلك أخي مالكا فجاء ليفديني منهم(4)، فلما رآه القوم أعجبهم جماله، و حدّثهم فأعجبهم حديثه، فأطلقوني له بغير فداء.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني/النوفلي عن أبيه و أهله قالوا:
لما أنشد متمم بن نويرة عمر بن الخطاب قوله يرثى أخاه مالكا:
و كنا كندماني جذيمة حقبة *** من الدهر حتّى قيل لن يتصدعا
فلمّا تفرقنا كأنّي و مالكا *** لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
قال له عمر: هل كان مالك يحبّك مثل محبّتك إياه، أم هل كان مثلك؟ فقال: و أين أنا من مالك، و هل أبلغ
1) الخبر برواية أخرى عند ابن سلام.
2) حبشي، بالضم: جبل بأسفل مكة بنعمان الأراك. و الخبر عند ياقوت في رسمه هذا. ها، مب «جبل بمكة».
3) في معظم الأصول: «المثلوب» و لا وجه له، و في ها، مب: «الشطوب». و أثبت ما في «الشعر و الشعراء». و الشطون: الطويل الأعوج. و قد تكون «المثلوث» و لكني لم أجدها في «المعاجم». و في «المعاجم» أن المربوع و المخوس من الرماح: ما طوله أربع و خمس أذرع.
4) ها: «لينقذني منهم».
مالكا، و اللّه يا أمير المؤمنين لقد أسرني حيّ من العرب فشدّوني وثاقا بالقد، و ألقوني بفنائهم، فبلغه خبري فأقبل على راحلته حتى انتهى إلى القوم و هم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليّ أعرض عنّي، و نظر القوم إليه فعدل إليهم، و عرفت ما أراد، فسلّم عليهم و حادثهم و ضاحكهم و أنشدهم، فو اللّه إن زال كذلك حتّى ملأهم سرورا، و حضر غداؤهم فسأله ليتغدّى معهم فنزل و أكل، ثم نظر إليّ و قال: إنّه لقبيح بنا أن نأكل و رجل ملقّى بين أيدينا لا يأكل معنا! و أمسك يده عن الطعام. فلما رأى ذلك القوم نهضوا و صبّوا الماء على قدّى حتى لان و خلّوني، ثم جاءوا فأجلسوني معهم على الغداء، فلمّا أكلنا قال لهم: أ ما ترون تحرّم هذا بنا و أكله معنا، إنّه لقبيح بكم أن تردّوه إلى القدّ، فخلّوا سبيلي فكان كما و صفت. و ما كذبت في شيء من صفته إلا أنّي و صفته خميص البطن، و كان ذا بطن.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا أحمد بن نصر العتيقي قال: حدّثني محمد بن الحسن بن مسعود الزرقي، عن أبيه عن مروان بن موسى. و وجدت هذا الخبر أيضا في كتاب محمد بن علي بن حمزة العلويّ، عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه:
/أن عمر بن الخطاب قال لمتمّم بن نويرة: إنّكم أهل بيت قد تفانيتم، فلو تزوّجت عسى أن ترزق ولدا يكون فيه بقيّة منكم. فتزوّج امرأة بالمدينة فلم ترض أخلاقه لشدّة حزنه على أخيه، و قلّة حفله بها، فكانت تماظّه(1)و تؤذيه، فطلّقها و قال:
أقول لهند حين لم أرض فعلها *** أ هذا دلال الحب أم فعل فارك(2)
أم الصرم ما تبغي، و كلّ مفارق *** يسير علينا فقده بعد مالك
أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني النحوي قال: حدّثنا محمد بن موسى بن حماد قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني أحمد بن معاوية، عن سلمويه بن أبي صالح(3)، عن عبد اللّه بن المبارك عن نعيم بن أبي عمرو الرازيّ قال:
بينا طلحة و الزّبير يسيران بين مكّة و المدينة إذ عرض لهما أعرابي، فوقفا ليمضي فوقف فتعجّلا ليسبقاه فتعجّل، فقالا: ما أثقلك يا أعرابيّ تعجّلنا لنسبقك فتعجّلت(4)، فوقفنا لتمضي فوقفت؟ فقال: لا إله إلا اللّه مفني أغدر الناس(5)، أغدر بأصحاب محمد صلّى اللّه عليه و سلّم؟ هباني خفت الضّلال فأحببت أن أستدلّ بكما؛ أو خفت الوحشة فأحببت أن أستأنس بكما. فقال طلحة: من أنت؟ قال: أنا متمم بن نويرة. فقال طلحة: وا سوأتاه، لقد مللنا غير مملول.
هات بعض ما ذكرت في أخيك من البكاء. فزوّجوه أمّ خالد، فبينا هو واضع رأسه على فخذها إذ بكى فقالت:
لا إله إلا اللّه، أ ما تنسى أخاك. فأنشأ يقول:
/أقول لها لما نهتني عن البكا *** أ في مالك تلحينني أمّ خالد
فإن كان إخواني أصيبوا و أخطأت *** بني أمك اليوم الحتوف الرواصد
/فكلّ بني أم سيمون ليلة *** و لم يبق من أعيانهم غير واحد
أمّا معنى قول متمم:
و كنا كندماني جذيمة حقبة
فإنّه يعني نديمي جذيمة الأبرش الملك، و هو جذيمة [بن مالك](1)بن فهم(2)بن غانم بن دوس بن عدثان(3)الأسديّ(4).
و كان الخبر في ذلك ما أخبرنا به علي بن سليمان الأخفش، عن أبي سعيد السكري، عن محمد بن حبيب.
و ذكر ابن الكلبي عن أبيه و الشرقيّ و غيره من الرواة أن جذيمة الأبرش - و أصله من الأزد، و كان أوّل من ملك قضاعة بالحيرة، و أوّل من حدا النعال، و أدلج من الملوك، و رفع له الشّمع(5)- قال يوما لجلسائه: قد ذكر لي عن غلام من لخم، مقيم في أخواله من إياد، له ظرف و لبّ، فلو بعثت إليه يكون في ندماني، و ولّيته كأسي و القيام بمجلسي، كان الرأي. فقالوا: الرأي ما رأى الملك، فليبعث إليه. ففعل فلما قدم فعل به ما أراد له، فمكث كذلك مدّة طويلة ثم أشرفت عليه يوما رقاش ابنة الملك، أخت جذيمة، فلم تزل تراسله حتّى اتصل بينهما، ثم قالت له:
يا عديّ، إذا سقيت القوم فامزج لهم واسق الملك صرفا، فإذا أخذت منه الخمر فاخطبني إليه فإنّه يزوّجك، و أشهد القوم عليه/إن هو فعل. ففعل الغلام ذلك فخطبها فزوّجه، و انصرف الغلام بالخبر إليها فقالت: عرّس بأهلك.
ففعل فلما أصبح غدا مضرّجا بالخلوق، فقال له جذيمة: ما هذه الآثار يا عديّ؟ قال: آثار العرس. قال: أي عرس؟ قال: عرس رقاش. قال: فنخر و أكبّ على الأرض، و رفع عديّ جراميزه، فأسرع جذيمة في طلبه فلم يحسسه(6)، و قيل إنه قتله و كتب إلى أخته:
حدّثيني رقاش لا تكذبيني *** أ بحرّ زنيت أم بهجين(7)
ذاك من شربك المدامة صرفا و تماديك في الصبا و المجون
أم بعبد فأنت أهل لعبد *** أم بدون فأنت أهل لدون
قالت: بل زوّجتني امرأ عربيا. فنقلها جذيمة و حصّنها في قصره، و اشتملت على حمل فولدت منه غلاما
1) التكملة من كتاب «أسماء المغتالين» لابن حبيب و «الاشتقاق» 291 و «العمدة» (178:2) و «المعارف» 279، 281 و «مروج الذهب» (90:2).
2) في الأصول: «فهر»، صوابه من «كتاب ابن حبيب» و «العمدة» و «الاشتقاق».
3) ح: «عوثان» ها «غوثان» و في سائر النسخ ما عدا مب: «عدنان» و الوجه ما أثبت من مب و «كتاب ابن حبيب» و «الاشتقاق».
4) الأسدي، بسكون السين. و الأسد لغة في الأزد، بل هو بالسين أفصح كما في «اللسان». و في ها و مب و «كتاب ابن حبيب»: «الأزدي».
5) ت، س: «و صنع له الشمع». و ما في سائر النسخ يطابق ما أثبت من المعارف.
6) في «مروج الذهب»: «فلم يجده».
7) بدله في «مروج الذهب»: أنت زوجتني و ما كنت أدري و أتاني النساء للتزيين
و سمّته عمرا و ربّته، فلما ترعرع حلّته و عطرته و ألبسته كسوة مثله(1)، ثم أرته خاله فأعجب به، و ألقيت عليه منه محبّة و مودّة، حتّى إذا وصف(2)خرج الغلمان يجتنون الكمأة في سنة قد أكمأت، و خرج معهم، و قد خرج جذيمة فبسط له في روضة، فكان الغلمان إذا أصابوا الكمأة أكلوها، و إذا أصابها عمرو خبأها، ثم أقبلوا يتعادون و هو معهم يقدمهم و يقول:
هذا جناي و خياره فيه *** إذ كلّ جان يده إلى فيه
فالتزمه جذيمة و حباه و قرب من قلبه، و حلّ منه بكلّ مكان. ثم إنّ الجن استطارته، فلم يزل جذيمة يرسل في الآفاق في طلبه فلم يسمع له بخبر، فكفّ/عنه. ثم أقبل رجلان يقال لأحدهما عقيل و الآخر مالك، ابنا فالج، و هما يريدان الملك بهدية، فنزلا على ماء و معهما قينة يقال لها أمّ عمرو، فنصبت قدرا و أصلحت طعاما، فبينما هما يأكلان إذ أقبل رجل أشعث أغبر، قد طالت أظفاره و ساءت حاله، حتّى جلس مزجر الكلب، فمدّ يده فناولته شيئا/ فأكله، ثم مدّ يده فقالت: «إن يعط العبد كراعا يتّسع ذراعا»(3)فأرسلتها مثلا. ثم ناولت صاحبيها من شرابها و أوكأت دنّها، فقال عمرو بن عديّ:
صددت الكأس عنا أمّ عمرو *** و كان الكأس مجراها اليمينا
و ما شرّ الثلاثة أمّ عمرو *** بصاحبك الذي لا تصبحينا
غناه معبد فيما ذكر عن إسحاق في «كتابه الكبير». و قد زعم بعض الرواة أن هذا الشعر لعمرو بن معد يكرب(4).
و أخبرنا اليزيدي قال: حدّثنا الخليل بن أسد النّوشجانيّ قال: حدّثنا حفص بن عمرو، عن الهيثم بن عدي، عن ابن عياش(5)، أنّ هذا الشعر لعمرو بن معد يكرب في ربيعة بن نصر اللخمي.
1) في «مروج الذهب»: «كسوة فاخرة».
2) كذا على الصواب في ح، ها، مب، يقال وصف الغلام بضم الصاد، و أوصف أيضا، إذا شب، فهو غلام وصيف، و الأنثى وصيفة. و في سائر النسخ: «وصب» تحريف.
3) في «مروح الذهب»: «طلب ذراعا».
4) بل الأصح في نسبتهما أنهما لعمرو بن كلثوم في معلقته.
5) في الأصول: «عن ابن عباس»، و إنما هو: «ابن عياش» و هو عبد اللّه بن عياش المنتوف، ترجم له في «لسان الميزان» (322:3)، و ذكر أن الهيثم بن عدي يروى عنه، و أنه كان ينادم المنصور و يجترئ عليه و يضحكه. و كذا ذكر في ترجمة الهيثم بن عدي أنه يروي عن عبد اللّه بن عياش.
فقال الرجلان: و من أنت؟ فقال: «إن تنكراني أو تنكرا نسبي، فإنّني عمرو و عديّ أبي»(1)، فقاما إليه فلثماه، و غسلا رأسه و قلّما أظفاره، و قصّرا من لمّته، و ألبساه من طرائف ثيابهما و قالا: ما كنا لنهدي إلى الملك هديّة أنفس عنده و لا هو عليها أحسن صفدا(2)من ابن أخته، فقد ردّه اللّه عز و جل إليه. فخرجا حتّى إذا دفعا إلى باب الملك(3)بشّراه به، فصرفه إلى أمّه، فألبسته ثيابا من ثياب الملوك، و جعلت في عنقه طوقا كانت تلبسه إيّاه و هو صغير، و أمرته بالدخول على خاله، فلما رآه قال: «شبّ عمرو عن الطوق» فأرسلها مثلا. و قال للرجلين اللذين قدما به: احكما فلكما حكمكما. قالا: منادمتك ما بقيت و بقينا. قال: ذلك لكما. فهما نديما جذيمة اللذان ذكرهما متمّم، و ضربت بهما الشعراء المثل. قال أبو خراش الهذلي:
أ لم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا *** خليلا صفاء مالك و عقيل
قال ابن حبيب في خبره(4): و كان جذيمة من أفضل الملوك رأيا، و أبعدهم مغارا، و أشدّهم نكاية، و هو أوّل من استجمع له الملك بأرض العراق، و كانت منازله ما بين الأنبار و بقّة و هيت و عين التمر، و أطراف البر و القطقطانة(5)و الحيرة، فقصد في جموعه/عمرو بن الظّرب بن حسان(6)بن أذينة بن السميدع بن هوبر(7)العاملي، من عاملة العماليق(8)، فجمع عمرو جموعه و لقيه، فقتله جذيمة و فضّ جموعه، فانفلّوا(9)و ملّكوا عليهم ابنته الزبّاء، و كانت من أحزم الناس، فخافت أن تغزوها ملوك العرب فاتّخذت لنفسها نفقا في حصن كان لها على شاطئ الفرات، و سكرت(10)الفرات في وقت قلّة الماء، و بنت أزجا(11)من الآجرّ و الكلس، متصلا بذلك النفق،
1) جاء هذا الكلام في الأصول على هيئة الشعر، و لا بتقيم وزنه، و في «مروج الذهب»: «إن تنكراني فلن تنكرا حسبي، أنا عمرو بن عدي».
2) الصفد، بالفتح، و بالتحريك: العطية.
3) دفعا إلى الباب، بالبناء للمعلوم و المجهول: انتهيا إليه. و في الأصول ما عدا ها، مب: «رفعا».
4) هذا الخبر، هو فاتحة كتاب «أسماء المغتالين من الأشراف لابن حبيب»، نسخة دار الكتب المصرية.
5) القطقطانة، بضم القافين: موضع قرب الكوفة من جهة البرية. و في الأصول: «القطقطانية»، صوابه في «كتاب ابن حبيب».
6) كذا على الصواب في مب. و في ح: «حنان» و سائر النسخ: «حيان»، صوابه في مب و «كتاب ابن حبيب» و «مروج الذهب».
7) ح: «هوبز» و سائر النسخ: «هويز»، محرفتان.
8) في معظم الأصول «العمالين» صوابه في مب و «كتاب ابن حبيب» و «مروج الذهب».
9) كذا في مب. و انفلوا: انهزموا و انكسروا. و في أ: «انقلبوا»: رجعوا. ح: «و أنقلوا» و سائر النسخ: «و أنفلوا».
10) سكر النهر سكرا: سده، و كل شق سد فقد سكر. و في الأصول ما عدا ها، مب: «و سكنت» صوابه في ها و «كتاب ابن حبيب»
11) الأزج: بيت يبنى طولا. ح: «أرخا» ها: «أزجاء» و سائر النسخ: «أرحاء» صوابها في مب و «كتاب ابن حبيب».
و جعلت نفقا آخر في البرّيّة متّصلا بمدينة لأختها، ثم أجرت الماء عليه، فكانت إذا خافت عدوّا دخلت النفق. فلما اجتمع لها أمرها و استحكم ملكها أجمعت على غزو جذيمة ثائرة بأبيها، فقالت لها أختها و كانت ذات رأي و حزم:
إنّك إن غزوت جذيمة فإنّه امرؤ له ما يصدّه، فإن ظفرت أصبت ثأرك، و إن ظفر بك فلا بقيّة لك، و الحرب سجال، /و لا تدرين كيف تكون(1)أ لك أم عليك، و لكن ابعثي إليك فأعلميه أنّك قد رغبت في أن تتزوّجيه و تجمعي ملكك إلى ملكه، و سليه أن يجيبك إلى ذلك، لأنّه إن اغتر ففعل ظفرت به بلا مخاطرة. فكتبت الزباء في ذلك إلى جذيمة تقول له: إنها قد رغبت في صلة بلدها ببلده، و إنّها في ضعف من سلطانها، و قلّة ضبط لمملكتها، و إنها لم تجد كفؤا غيره، و تسأله الإقبال عليها و جمع ملكها إلى ملكه. فلما/وصل ذلك إليه استخفّه و طمع فيه، فشاور أصحابه فكلّ صوّب رأيه في قصدها و إجابتها، إلاّ قصير بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن هلال(2)بن نمارة بن لخم، فقال: هذا رأي فاتر، و غدر حاضر، فإن كانت صادقة فلتقبل إليك و إلاّ فلا تمكنها من نفسك فتقع في حبالها و قد وترتها في أبيها. فلم يوافق جذيمة ما قال و قال له: «أنت امرؤ رأيك في الكنّ لا في الضّحّ»(3). و رحل فقال له قصير في طريقة: «انصرف و دمك في وجهك. فقال جذيمة: «ببقّة قضي الأمر» فأرسلها مثلا. و مضى حتّى إذا شارف مدينتها قال لقصير: ما الرأي؟ قال: «ببقّة تركت الرأي». قال: فما ظنّك بالزباء؟ قال: «القول رداف، و الحزم عيرانة لا تخاف»(4). و استقبله رسلها بالهدايا و الألطاف فقال: يا قصير، كيف ترى؟ قال «خطر يسير في خطب كبير»(5)، و ستلقاك الخيول، فإن سارت أمامك فالمرأة صادقة، و إن أخذت في جنبيك و أحاطت بك فالقوم غادرون. فلقيته الخيول فأحاطت به، فقال له قصير: اركب العصا فإنّها لا تدرك و لا تسبق - يعني فرسا له كانت تجنب - قبل أن يحولوا بينك و بين جنودك. فلم يفعل، فجال قصير في ظهرها فمرّت به تعدو في أوّل أصحاب جذيمة. و لما أحيط بجذيمة التفت فرأى قصيرا على فرسه العصا في أوّل القوم، فقال: «لحازم من يجري العصا(6)في أوّل القوم». فذكر/أبو عبيدة و الأصمعي أنها لم تكن تقف، حتّى جرت ثلاثين ميلا، ثم وقفت فبالت هناك، فبني على ذلك الموضع برج يسمّى العصا - و أخذ جذيمة فأدخل على الزباء فاستقبلته قد كشفت عن فرجها، فإذا هي قد ضفرت الشعر عليه، فقالت: يا جذيم أ ذات عروس ترى؟ قال: بل أرى متاع أمة لكعاء غير ذات خفر. ثم قال:
«بلغ المدى، و جفّ الثّرى، و أمر غدر أرى. قالت: و اللّه ما ذلك من عدم مواس(7)، و لا قلة أواس(8)، و لكنّها شيمة ما أناس(9). ثم قالت لجواريها: خذن بعضد سيّدكنّ. ففعلن ثم دعت بنطع فأجلسته عليه، و أمرت برواهشه(10)
1) في الأصول ما عدا ها، مب: «تكونين» تحريف.
2) عند ابن حبيب: «بن هليل بن دمى بن نمارة».
3) الكن: ما يرد الحر و البرد من الأبنية و المساكن. و الضح: كل ما أصابته الشمس.
4) الرداف: جمع ردف، و هو الذي يركب خلف الراكب. و العيرانة: الناقة السريعة في نشاط. أراد أن الحزم يمضي في شأنه في ثقة و لا يعبأ بالقول، بل ربما حطمه. و كلمة «لا» ساقطة من ب، س و «الميداني»، إذ فيها: «عثراته تخاف»، و في ح: «عيران لا يخاف»، و في م، أ: «عراف لا يخاف».
5) في «الميداني»: «خطب يسير في خطب كبير».
6) في ب، س: «الحازم». ها، مب: «لحازم ما تجري» و في سائر الأصول: «ما يجري». و في «مروج الذهب»: (94:2): «ما ضل من تجري به العصا». و في «الميداني»: «ويل أمه حزما على متن العصا».
7) المواسي: جمع موسى التي يحلق الشعر بها.
8) الأواسي: جمع آسة، و هي كناية عن الخاتن في لغة أهل البادية.
9) هذا ما في ح و «مروج الذهب». و «ما» فيه زائدة. و في سائر الأصول: «من أناس».
10) الرواهش: عروق في باطن الذراع.
فقطعت في طست من ذهب يسيل دمه فيه، و قالت له: يا جذيم لا يضيعنّ من دمك شيء فإنّي أريده للخبل(1).
فقال لها: و ما يحزنك من دم أضاعه أهله. و إنما كان بعض الكهّان قال لها: إن نقط من دمه شيء في غير الطست أدرك بثأره. فلم يزل دمه يجري في الطّست حتّى ضعف، فتحرّك فنقطت من دمه نقطة على أسطوانة رخام و مات.
قال: و العرب تتحدّث في أنّ دماء الملوك شفاء من الخبل. قال المتلمس(2):
من الدارميّين الذين دماؤهم *** شفاء من الداء المجنّة و الخبل(3)
/قال: و جمعت دمه في برنيّة و جعلته في خزانتها، و مضى قصير إلى عمرو بن عبد الحرّ(4)التّنوخي فقال له: اطلب بدم ابن عمك و إلاّ سبّتك به العرب. فلم يحفل بذلك فخرج قصير إلى/عمرو بن عديّ ابن أخت جذيمة فقال: هل لك في أن أصرف الجنود إليك على أن تطلب بثأر خالك؟ فجعل ذلك له، فأتى القادة و الأعلام فقال لهم: أنتم القادة و الرؤساء، و عندنا الأموال و الكنوز. فانصرف إليه منهم بشر كثير، فالتقى بعمرو التنوخي فلما صافّوا القتال(5)تابعه التوخي و مالك بن عمرو بن عديّ، فقال له قصير: انظر ما وعدتني في الزباء. فقال: و كيف و هي أمنع من عقاب الجوّ؟ فقال: أمّا إذ أبيت فإني جادع أنفى و أذني، و محتال لقتلها، فأعنّي و خلاك ذمّ. فقال له عمرو: و أنت أبصر. فجدع قصير أنفه ثم انطلق حتّى دخل على الزباء فقالت: من أنت؟ قال: أنا قصير، لا و ربّ البشر ما كان على ظهر الأرض أحد أنصح لخدمته منّي و لا أغشّ لك حتّى جدع عمرو بن عديّ أنفى و أذني، فعرفت أنّي لن أكون مع أحد أثقل عليه منك. فقالت: أي قصير نقبل ذلك منك، و نصرّ لك في بضاعتنا. و أعطته مالا للتجارة، فأتى بيت مال الحيرة فأخذ منه بأمر عديّ ما ظنّ أنه يرضيها، و انصرف إليها به، فلما رأت ما جاء به فرحت و زادته، و لم يزل حتّى أنست به فقال لها: إنه ليس من ملك و لا ملكة إلاّ و قد ينبغي له أن يتّخذ نفقا يهرب إليه عند حدوث حادثة يخافها. فقالت: أما أنّي قد فعلت و اتّخذت نفقا تحت سريري هذا، يخرج إلى نفق تحت سرير أختي. و أرته إياه، فأظهر لها سرورا بذلك، و خرج في تجارته كما كان يفعل، و عرف عمرو بن عديّ ما فعله، فركب عمرو في ألفي دارع على ألف بعير/في الجوالق حتى إذا صاروا إليها تقدّم قصير يسبق الإبل و دخل على الزباء فقال لها: اصعدي في حائط مدينتك فانظري إلى مالك، و تقدّمي إلى بوّابك فلا يعرض لشيء من أعكامنا(6)، فإنّي قد جئت بمال صامت. و قد كانت أمنته فلم تكن تتّهمه و لا تخافه، فصعدت كما أمرها فلما نظرت إلى ثقل مشي الجمال قالت - و قيل إنه مصنوع منسوب إليها -:
ما للجمال مشيها وئيدا *** أ جندلا يحملن أم حديدا
1) الخبل، بفتح الخاء و ضمها، و بالتحريك أيضا: الجنون أو شبهه.
2) في «الحيوان» (6:2) و «عيون الأخبار» (79:2) أنه الفرزدق، و لم أجد البيت في أحد «الديوانين». و نسب في «مروج الذهب» إلى البعيث. و في ها: «قال البعيث»: و أشير في حاشيتها إلى أنه في نسخة أخرى «المتلمس».
3) المجنة: الجنون. و في معظم الأصول: «المحبة» صوابه من ها و من «الحيوان» و «عيون الأخبار»، و «اللسان» (جنن) و «مقاييس اللغة» (كلب).
4) كذا في «الأصول». و في «الميداني» و «مروج الذهب»: «عبد الجن».
5) مب: «خافوا القتال». و في «مروج الذهب»: «خافوا الفناة».
6) الأعكام: جمع عكم، بالكسر، و هو العدل ما دام فيه المتاع.
أم صرفانا باردا شديدا(1)*** أم الرجال جثّما قعودا
فلما دخل آخر الجمال نخس البوّاب عكما من الأعكام بمنخسة معه، فأصابت خاصرة رجل فضرط، فقال البوّاب: «شرّ و اللّه عكمتم به في الجوالقات»(2). فثاروا بأهل المدينة ضربا بالسيف، فانصرفت راجعة فاستقبلها عمرو بن عدي فضربها فقتلها، و قيل بل مصّت خاتمها و قالت: «بيدي لا بيد عمرو»، و خربت المدينة و سبيت الذراريّ، و غنم عمرو كلّ شيء كان لها و لأبيها و أختها، و قال الشعراء في ذلك تذكر ما كان من قصير في مشورته على جذيمة، و في جدعه أنفه، فأكثروا. قال عديّ بن زيد:
/ألا يا أيّها المثري المرجّى *** أ لم تسمع بخطب الأوّلينا(3)
دعا بالبقّة الأمراء يوما *** جذيمة ينتحي عصبا ثبينا(4)
فطاوع أمرهم و عصى قصيرا *** و كان يقول لو سمع اليقينا
و هي طويلة. و قال المتلمس يذكر جدع قصير أنفه:
/و من حذر الأيام ما حزّ أنفه *** قصير و خاض الموت بالسيف بيهس(5)
و في هذا المعنى أشعار كثيرة يطول ذكرها.
و كان جذيمة الملك شاعرا، و إنّما قيل له الوضاح لبرص كان به، و كان يعظم أن يسمّى بذلك، فجعل مكانه الأبرش و الوضّاح. و هو الذي يقول:
و الملك كان لذي نوا *** س حوله تردي يحابر(6)
بالسابغات و بالقنا *** و البيض تبرق و المغافر
أزمان لا ملك يجي *** - ر و لا ذمام لمن يجاور
أودى بهم غير الزما *** ن فمنجد منهم و غائر
و هو الذي يقول:
1) الصرفان: الرصاص القلعي، و الموت، و بهما فسر بيت الزباء في «اللسان» (صرف)، ثم روى تفسيرا ثالثا لأبي عبيد، أن الصرفان: ضرب من التمر. قال أبو عبيد: و لم يكن يهدي لها شيء أحب من التمر الصرفان. و أنشد: و لما انتها العير قالت أ بارد من التمر أم هذا حديد و جندل.
2) كذا في ح، و «سيبويه» لا يجوز هذا الجمع. و الجوالق، بضم الجيم يجمع على جوالق بفتحها، و كذلك على جواليق. ما عدا ح: «في الجواليق».
3) في «مروج الذهب»: «أيها الملك المرجى».
4) البقة: موضع قرب الحيرة. ينتحي: يقصد. الثبون: جمع ثبة بضم ففتح، و هي الجماعة من الناس: «المروج» و «معجم البلدان»: «ينجوهم» صوابه بالحاء. مب: «عصر ينحوهم ثبينا».
5) و يروى: «جز» بالجيم.
6) ذو نواس: أحد ملوك اليمن و أذوائهم. «المعارف» 277 و «العمدة» (177:2). و في معظم الأصول: «الذي براش» صوابه في ها و مب و «مروج الذهب». في ب، س: «يزري بجابر»، و في ح: «بجاير» و في «مروج الذهب»: «من ذي بحائر» و أثبت ما في مب.
ربّما أوفيت في علم *** ترفعن ثوبي شمالات(1)
في شباب أنا رابئهم *** هم لذي العورة صمّات(2)
/ليت شعري ما أطاف بهم *** نحن أدلجنا و هم باتوا
ثمّ ابنا غانمين و كم *** كرّ ناس قبلنا ماتوا
فيه غناء يقال إنه ليمان، و يقال إنّه لمعبد، و لم يصح.
في كفّه خيزران ريحه عبق *** من كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء و يغضى من مهابته *** فما يكلّم إلا حين يبتسم
الشعر لحزين بن سليمان الدّيليّ، و الغناء لإسحاق، ثاني ثقيل بالبنصر عن حبش، و فيه لعريب رمل عمله على لحن ابن سريج.
ذكر الواقدي أنه من كنانة و أنّه صليبة(1)، و أنّ الحزين لقب غلب عليه، و أن اسمه عمرو بن عبيد بن وهيب بن مالك - و يكنى أبا الشعثاء - بن حريث بن جابر بن بجير(2)- و هو راعي الشمس الأكبر - بن يعمر بن عديّ بن الدّيل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.
أخبرني بذلك أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة، عن الواقدي.
قال: و أما عمر بن شبة فإنّه ذكر أنّ الحزين مولى، و أنه الحزين بن سليمان، و يكنى سليمان أبا الشعثاء، و يكنى الحزين أبا الحكم. من شعراء الدولة الأموية حجازيّ مطبوع ليس من فحول طبقته. و كان هجّاء خبيث اللسان ساقطا، يرضيه اليسير، و يتكسّب بالشّرّ(3)و هجاء الناس، و ليس ممن خدم الخلفاء و لا انتجعهم بمدح، و لا كان يريم الحجاز حتّى مات.
و هذا الشّعر يقوله الحزين في عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان. و كان عبد اللّه من فتيان بني أمية و ظرفائهم، و كان حسن الوجه حسن المذهب، و أمّه أمّ ولد. و زوجة عبد اللّه رملة بنت عبد اللّه بن عبد اللّه - و عبد اللّه هذا هو عبد الحجر(4)بن عبد المدان بن الديّان(5)بن قطن بن زياد(6)بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب/بن الحارث بن عمرو. و زوجته هند بنت أبي عبيدة بن عبد اللّه بن ربيعة بن الأسود بن مطّلب بن أسد بن عبد العزى(7)بن قصيّ - تزوّجها(8)لما كان يقال إنها ناتق في ولادها(9)، /فمات عنها و لم تلد(10)له، فخلفه
1) صليبة، أي خالص النسب. يقال عربي صليبة.
2) س، ب: «بكر» ح: «بحير» ها، مب: «بحر» و أثبت ما في سائر النسخ.
3) كذا في الأصول. و ليس ما يوجب أن تكون «بالشعر».
4) كذا في ها. و في سائر الأصول: «و عبد اللّه هذا هو عبد الحجر».
5) ما عدا ح، م، ها، مب: «الريان» بالراء في هذا الموضع و تاليه.
6) كذا في ها، مب. و في سائر الأصول: «بن قطر بن الديان».
7) في الأصول ما عدا «ها»، مب: «عبد العزيز» تحريف. انظر «الاشتقاق» 57، 101.
8) أي تزوج عبد اللّه بن عبد الملك رملة.
9) الناتق و المنتاق: الكثيرة الأولاد. و الولاد: الولادة. م: «فائرة في أولادهما». ها، مب: «أنه كائن في أولادها» و في سائر النسخ: «فاتن». و في أيضا: «أولادهما».
10) أ، م: «فمات عنهما و لم تلدا».
محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس على رملة فولدت له محمدا و إبراهيم و موسى، و بنات.
أخبرني بذلك عمر(1)بن عبد اللّه بن جميل العتكي، و أحمد بن عبد العزيز الجوهري، و يحيى بن علي بن يحيى، قالوا: حدّثنا عمر بن شبة عن ابن رواحة و غيره. و أخبرني به الطوسيّ و الحرمي عن الزبير عن عمه.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال: حدّثني الزبير قال: حدّثني عمي أنّ عبد اللّه بن عبد الملك حج؛ فقال له أبوه: سيأتيك الحزين الشاعر بالمدينة، و هو ذرب اللسان، فإياك أن تحتجب عنه، و أرضه. و صفته أنّه أشعر(2)ذو بطن عظيم الأنف. فلما قدم عبد اللّه المدينة وصفه لحاجبه و قال له: إيّاك أن تردّه. فلم يأت الحزين حتّى قام فدخل لينام، فقال له الحاجب: قد ارتفع. فلما ولّى ذكر فلحقه فقال: ارجع، فاستأذن له فأدخله، فلما صار بين يديه و رأى جماله و بهاءه، و في يده قضيب خيزران، وقف ساكتا، فأمهله عبد اللّه حتّى ظنّ أنه قد أراح ثم قال له: السلام رحمك اللّه أوّلا. فقال: عليك السلام و حيّا اللّه وجهك وجهك أيّها الأمير، إنّي قد كنت مدحتك بشعر، فلما دخلت عليك و رأيت جمالك/و بهاءك أذهلني عنه فأنسيت ما كنت قلته، و قد قلت في مقامي هذا بيتين. فقال: ما هما؟ قال:
في كفّه خيزران ريحها عبق *** من كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء و يغضى من مهابته *** فما يكلّم إلا حين يبتسم
فأجازه فقال: أخدمني(3)أصلحك اللّه، فإنّه لا خادم لي. فقال: اختر أحد هذين الغلامين. فأخذ أحدهما فقال له عبد اللّه: أ علينا ترذل(4)، خذ الأكبر.
و الناس يروون هذين البيتين للفرزدق في أبياته التي يمدح بها علي بن الحسين بن أبي طالب عليه السّلام، التي أوّلها:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم
و هو غلط ممن رواه فيها. و ليس هذان البيتان مما يمدح به مثل علي بن الحسين عليهما السّلام و له من الفضل المتعالم ما ليس لأحد.
حدّثني محمد بن محمد بن سليمان الباغندي قال: حدّثني محمد بن عمر العدني قال: حدّثني سفيان بن عيينة عن الزهري قال: ما رأيت هاشميا أفضل من علي بن الحسين.
حدّثني محمد قال حدّثنا يوسف بن موسى القطان قال: حدّثنا جرير بن المغيرة قال: كان علي بن الحسين يبخّل، فلما مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة.
حدّثني الحسن بن علي قال: حدّثني محمد بن معرّس قال حدّثنا محمد بن ميمون قال حدّثنا سفيان عن ابن أبي حمزة الثّماليّ قال:
كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره فيتصدّق به و يقول: «إنّ صدقة اللّيل تطفئ غضب الربّ».
/حدّثني أبو عبد اللّه الصّيرفي قال حدّثنا الفضل بن الحسين(1)المصري قال: حدّثنا أحمد بن سليمان قال حدّثنا ابن عائشة قال: حدّثنا سعد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع قال:
قال علي بن الحسين: ما أكلت بقرابتي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم شيئا قطّ.
حدّثنا الحسن بن علي قال: حدّثني عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال: حدّثني إسحاق بن موسى الأنصاري قال:
حدّثنا يونس بن بكير، عن/محمد بن إسحاق قال:
كان ناس من أهل المدينة يعيشون ما يدرون من أين عيشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به بالليل.
و أما الأبيات التي مدح بها الفرزدق علي بن الحسين و خبره فيها، فحدّثني بها أحمد بن محمد بن الجعد، و محمد بن يحيى قالا: حدّثنا محمد بن زكريا الغلابي قال: حدّثنا ابن عائشة قال:
حج هشام بن عبد الملك في خلافة الوليد أخيه، و معه رؤساء أهل الشام، فجهد أن يستلم الحجر فلم يقدر من ازدحام الناس، فنصب له منبر فجلس عليه ينظر إلى الناس، و أقبل علي بن الحسين و هو أحسن الناس وجها، و أنظفهم ثوبا، و أطيبهم رائحة، فطاف بالبيت، فلما بلغ الحجر الأسود تنحّى الناس كلّهم و أخلوا له الحجر ليستلمه، هيبة و إجلالا له، فغاظ ذلك هشاما و بلغ منه، فقال رجل لهشام: من هذا أصلح اللّه الأمير؟ قال:
لا أعرفه، و كان به عارفا، و لكنه خاف أن/يرغب فيه أهل الشام و يسمعوا منه. فقال الفرزدق و كان لذلك كلّه حاضرا: أنا أعرفه، فسلني يا شاميّ. قال: و من هو؟ قال:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم *** هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها *** إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
فليس قولك من هذا بضائره *** العرب تعرف من أنكرت و العجم
1) ح: «الحسن».
أيّ الخلائق ليست في رقابهم *** لأوّلية هذا أوله نعم(1)
من يعرف اللّه يعرف أوّلية ذا *** فالدين من بيت هذا ناله الأمم
فحبسه هشام فقال الفرزدق:
أ يحبسني بين المدينة و التي *** إليها قلوب الناس يهوي منيبها
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيد *** و عينا له حولاء باد عيوبها
فبعث إليه هشام فأخرجه، و وجّه إليه عليّ بن الحسين عشرة آلاف درهم و قال: اعذر يا أبا فراس، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به. فردّها و قال: ما قلت ما كان إلا للّه، و ما كنت لأرزأ عليه شيئا. فقال له علي: قد رأى اللّه مكانك فشكرك، و لكنا أهل بيت إذا أنفذنا شيئا ما نرجع فيه. فأقسم عليه فقبلها.
و من الناس أيضا من يروي هذه الأبيات لداود بن سلم في قثم بن العباس، و منهم من يرويها لخالد بن يزيد فيه؛ فهي في روايته:
/كم صارخ بك من راج و راجية *** يرجوك يا قثم الخيرات يا قثم
أيّ العمائر ليست في رقابهم *** لأوّلية هذا أوله نعم(2)
في كفّه خيزران ريحها عبق *** من كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء و يغضى من مهابته *** فما يكلّم إلا حين يبتسم
/و ممن ذكر لنا ذلك الصولي عن الغلابي(3)عن مهديّ بن سابق، أنّ داود بن سلم قال هذه الأبيات الأربعة سوى البيت الأوّل في شعره في علي بن الحسين عليه السّلام.
و ذكر الرياشي عن الأصمعي أنّ رجلا من العرب يقال له داود وقف لقثم فناداه و قال:
يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
كم صارخ بك من راج و راجية *** في الناس يا قثم الخيرات يا قثم
فأمر له بجائزة سنية.
و الصحيح أنّها للحزين في عبد اللّه بن عبد الملك. و قد غلط ابن عائشة في إدخاله البيتين في تلك الأبيات.
و أبيات الحزين مؤتلفة منتظمة المعاني متشابهة، تنبئ عن نفسها، و هي:
اللّه يعلم أن قد جبت ذا يمن *** ثمّ العراقين لا يثنيني السّأم
ثم الجزيرة أعلاها و أسفلها *** كذاك تسري على الأهوال بي القدم
ثم المواسم قد أوطنتها زمنا *** و حيث تحلق عند الجمرة اللّمم
قالوا دمشق ينبّيك الخبير بها *** ثم ائت مصر فثمّ النائل الغمم
لمّا وقفت عليها في الجموع ضحى *** و قد تعرّضت الحجّاب و الخدم
/حيّيته بسلام و هو مرتفق *** و ضجّة القوم عند الباب تزدحم
في كفّه خيزران ريحها عبق *** من كفّ أروع، في عرنينه شمم
يغضي حياء و يغضى من مهابته *** فما يكلّم إلاّ حين يبتسم
ترى رءوس بني مروان خاضعة *** يمشون حول ركابيه و ما ظلموا
إن هشّ هشّوا له و استبشروا جذلا *** و إن هم آنسوا إعراضه وجموا(1)
كلتا يديه ربيع عند ذي خلف *** بحر يفيض و هادي عارض هزم(2)
و من الناس من يقول: إن الحزين قالها في عبد العزيز بن مروان، لذكره دمشق و مصر. و قد كان ثمّ عبد اللّه بن عبد الملك أيضا في مصر، و الحزين بها.
أخبرني الحرمي قال: حدّثنا الزبير قال حدّثني محمد بن يحيى أبو غسان عن عبد العزيز بن عمران(3)الزهري قال:
وفد الحزين على عبد اللّه بن عبد الملك، و في الرقيق أخوان، فقال عبد اللّه للحزين: أيّ الرقيق أعجب إليك؟ قال: ليختر لي الأمير. قال عبد اللّه: قد رضيت لك هذا - لأحدهما - فإنّي رأيته حسن الصلاح. قال الحزين: لا حاجة لي به فأعطني أخاه. فأعطاه إياه. قال: و الغلامان مزاحم مولى عمر بن عبد العزيز، و تميم أبو محمد بن تميم، و هو الذي اختاره الحزين. قال: فقال في عبد اللّه يمدحه:
اللّه يعلم أن قد حيّيت ذا يمن(4)
و ذكر القصيدة بطولها على هذا السبيل.
أخبرني وكيع عن محمد بن علي بن حمزة العلوي قال: حدّثنا أبو غسان دماذ، عن أبي عبيدة قال:
كان على المدينة طائف يقال له صفوان، مولى لآل مخرمة بن نوفل، فجاء الحزين الدّيلي إلى شيخ من أهل المدينة فاستعاره حماره(5)و ذهب إلى العقيق فشرب، و أقبل على الحمار و قد سكر، فجاء به الحمار حتّى وقف به
1) ح، أ، م: «إن يمشي يمشوا» تحريف.
2) ح: «عند ذي خلق». الهادي: المقدّم. و العارض: السحا يعترض الأفق. و الهزم: المتبعق الذي لا يستمسك.
3) عبد العزيز بن عمران الزهري، ترجم له في «تهذيب التهذيب»، و ذكر ممن روى عنه أبا غسان محمد بن يحيى الكناني، م، أ: «بن عمران أن الزهري» و في سائر النسخ: «بن عمر أن الزهري» و الوجه ما أثبت.
4) ب، س: «أن قد جبت».
5) يقال استعاره ثوبا فأعاره إياه، يتعدى إلى اثنين. مب، ها: «فاستعار». ح: «فاستعاذه» و هذا تحريف.
على باب المسجد/كما كان صاحبه عوّده إياه، فمرّ به صفوان فأخذه فحبسه و حبس الحمار، فأصبح و الحمار محبوس معه. فأنشأ يقول:
أيا أهل المدينة خبّروني *** بأيّ جريرة حبس الحمار
فما للعير من جرم إليكم *** و ما بالعير إن ظلم انتصار
فردّوا الحمار على صاحبه، و ضربوا الحزين الحدّ، فأقبل إلى مولى صفوان و هو في المسجد فقال:
نشدتك بالبيت الذي طيف حوله *** و زمزم و البيت الحرام المحجّب
لزانية صفوان أم لعفيفة *** لأعلم ما آتى و ما أتجنّب(1)
فقال مولاه: هو لزانية. فخرج و هو ينادي: إنّ صفوان ابن الزانية! فتعلّق به صفوان فقال: هذا مولاك يشهد أنك ابن زانية. فخلّى عنه.
و قال محمد بن علي بن حمزة: و أخبرني الرياشي أنّ ابن عمّ للحزين استشاره في امرأة يتزوّجها، فقال له: إن لها إخوة مشائيم و قد ردّوا عنها غير واحد، و أخشى أن يردّوك فتطلق عليك ألسنا كانت عنك خرسا. فخطبها و لم يقبل منه فردّوه، فقال الحزين:
/نهيتك عن أمر فلم تقبل النّهى *** و حذّرتك اليوم الغواة الأشائما(2)
فصرت إلى ما لم أكن منه آمنا *** و أشمت أعدائي و أنطقت لائما
و ما بهم من رغبة عنك قل لهم *** فإن تسألوني تسألوا بي عالما(3)
و أخبرني عيسى بن الحسن قال: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال: حدّثني عمر بن سلام مولى عمر بن الجعّاب(4):
أنّ الحزين الديلي خرج مع ابن لسهيل بن عبد الرّحمن بن عوف، إلى منتزه لهم، فسكر الحزين و انصرف، فبات في الطريق و سلب ثيابه، فأرسل إلى سهيل يخبره الخبر و يستمنحه فلم يمنحه، و بلغ الخبر سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان فأرسل إليه بجميع ما يحتاج إليه، و عوّضه ثمن ثيابه، فقال الحزين في ذلك:
هلاّ سهيلا أشبهت أو بعض أعما *** مك يا ذا الخلائق الشكسه(5)
(4) ب، س: «الساعي» مب: «السامي».
ضيّعت ندمانك الكريم و لم تش *** - فق عليه من ليلة نحسه
ثم تعاللت إذ أتاك له *** صبحا رسول بعلّة طفسه(1)
لكنّ سفيان لم يكن وكلا *** لمّا أتتنا صلاته سلسه(2)
سما به أروع و نفس فتى *** أروع ليست كنفسك الدنسة
حدّثنا الصولي قال: حدّثنا ثعلب قال حدّثني عبد اللّه بن شبيب قال:
مرّ الحزين الدّيلي على مجلس لبني كعب بن خزاعة و هو سكران، فضحكوا عليه، فوقف عليهم و قال:
لا بارك اللّه في كعب و مجلسهم *** ما ذا تجمّع من لؤم و من ضرع(3)
لا يدرسون كتاب اللّه بينهم *** و لا يصومون من حرص على الشبع
فوثب إليه مشايخهم فاعتذروا منه، و سألوه الكفّ و أن لا يزيد شيئا على ما قاله، فأجابهم و انصرف.
أخبرني الحرمي قال: حدّثنا الزبير قال: حدّثنا عمرو(4)بن أبي بكر المؤمّلي قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي عبيدة قال:
كان الحزين قد ضرب على كلّ رجل من قريش/درهمين درهمين في كلّ شهر، منهم ابن أبي عتيق، فجاءه لأخذ درهميه و هو على حمار أعجف، قال: و كثيّر مع ابن أبي عتيق، فدعا ابن أبي عتيق للحزين بدرهمين فقال له الحزين: من هذا معك؟ قال: هذا أبو صخر كثير بن أبي جمعة. قال: و كان قصيرا دميما، فقال له الحزين: أ تأذن لي أن أهجوه ببيت؟ قال: لا لعمري لا آذن لك أن تهجو جليسي، و لكن أشتري عرضه منك بدرهمين آخرين. و دعا له بهما، فأصغى ثم قال: لا بدّ لي من هجائه ببيت. قال: أو أشتري ذلك منك بدرهمين آخرين؟ و دعا له بهما فأخذهما و قال: ما أنا بتاركه حتّى أهجوه. قال: أو أشتري ذلك منك بدرهمين آخرين؟ فقال له كثير: ائذن له، و ما عسى أن يقول فيّ؟! فأذن له ابن أبي عتيق فقال:
/قصير القميص فاحش عند بيته *** يعضّ القراد باسته و هو قائم
فوثب كثيّر إليه فوكزه(5)فسقط هو و الحمار، و خلص ابن أبي عتيق بينهما و قال لكثير: قبحك اللّه أ تأذن له و تبسط إليه يدك. قال كثيّر: و أنا ظننته يبلغ في هذا كلّه في بيت واحد!.
و لكثير مع الحزين أخبار أخر قد ذكرت في أخبار كثيّر.
أخبرني الحرمي قال: حدّثني عمي عن الضحاك بن عثمان قال: حدّثني ابن عروة(1)بن أذينة قال:
كان الحزين صديقا لأبي و عشيرا على النبيذ، و كان كثيرا ما يأتيه، و كان بالمدينة قينة يهواها الحزين و يكثر غشيانها، فبيعت و أخرجت عن المدينة، فأتى الحزين أبي و هو كثيب حزين كاتمه، فقال له أبي: مالك يا أبا حكيم؟ قال: أنا و اللّه يا أبا عامر كما قال كثيّر:
لعمري لئن كان الفؤاد من الهوى *** بغى سقما إني إذا لسقيم(2)
سألت حكيما أين شطّت بها النوى *** فخبّرني ما لا أحبّ حكيم
فقال له أبي: أنت مجنون إن أقمت على هذا.
أخبرني أحمد بن سليمان الطوسي قال: حدّثنا الزّبير قال: حدّثني مصعب قال:
مرّ الحزين على جعفر بن محمد بن عبد اللّه بن نوفل بن الحارث، و عليه أطمار، فقال له: يا ابن أبي الشعثاء، إلى أين أصبحت غاديا؟ قال: أمتع اللّه بك، نزل عبد اللّه بن عبد الملك الحرّة يريد الحجّ، و قد كنت وفدت إليه بمصر فأحسن إليّ. قال: أ فما وجدت شيئا تلبسه غير هذه الثياب؟ قال: قد استعرت من أهل المدينة فلم يعرني أحد منهم غير هذه الثياب. فدعا جعفر غلاما فقال: ائتني بجبّة صوف، و قميص و رداء. فجاه بذلك فقال:
أبل و أخلق. فلما ولّى الحزين قال جلساء جعفر له: ما صنعت؟! إنّه يعمد إلى هذه الثياب التي كسوته إيّاها فيبيعها، و يفسد بثمنها. قال: ما أبالي إذا كافأته بثيابه ما صنع بها. فسمع الحزين قولهم و ما ردّ عليهم، و مضى حتّى أتى عبد اللّه بن عبد الملك فأحسن إليه و كساه. فلما أصبح الحزين أتى جعفرا و معه القوم الذين لاموه بالأمس و أنشده:
و ما زال ينمو جعفر بن محمّد *** إلى المجد حتّى عبهلته عواذله(3)
و قلن له هل من طريف و تالد *** من المال إلاّ أنت في الحقّ باذله(4)
يحاولنه عن شيمة قد علمنها *** و في نفسه أمر كريم يحاوله(5)
/ثم قال له: بأبي أنت و أميّ، سمعت ما قالوا و ما رددت عليهم.
أخبرني الحرمي قال حدّثنا الزبير قال حدّثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال:
1) ما عدا ح، مب، «ابن أبي عروة»، محرف.
2) بعاه يبعوه و يبعيه: أصاب منه و نال. قال: صحا القلب بعد الإلف و ارتد شأوه وردت عليه ما بعته تماضر ح: «نعى» أ، م: «نفى»، صوابهما في س، ب. مب، ها، ف: «بغى».
3) عبهلته: تركته و أهملته. ف، مب: «جهلته».
4) الحق: واحد الحقوق، ما يحق على المرء و يجب.
5) في الأصول ما عدا مب، ها، ف: «قد علمتها» بالتاء.
صحب الحزين رجلا من بني عامر بن لؤيّ يلقب أبا بعرة، و كان استعمل على سعايات فلم يصنع إليه خيرا(1)، و كان قد صحب قبله عمرو بن مساحق و سعد بن نوفل(2)فأحمدهما(3)، فقال له:
/صحبتك عاما بعد سعد بن نوفل *** و عمرو فما أشبهت سعدا و لا عمرا
و جادا كما قصّرت في طلب العلا *** فحزت به ذمّا و حازا به شكرا
قال: و أبو بعرة هذا هو الذي كان يعبث(4)بجارية لابن أبي عتيق، فشكته إليه فقال لها: عديه فإذا جاءك فأدخليه إليّ. ففعلت فأدخلته عليه، و هو و شيخ من نظرائه جالسان في حجلة(5)، فلما رآهما قال: أقسم باللّه ما اجتمعتما إلاّ على ريبة. فقال له ابن أبي عتيق: استر علينا ستر اللّه عليك.
قال: و آل أبي بعرة هم موالي آل أبي سمير. قال: فلما ولي المهديّ باعوا ولاءهم منه.
قال الزبير: و أنشدني عمي تمام الأبيات التي هجا بها أبا بعرة - و سمّاه لي فقال: و كان اسمه عيسى - و هي:
أولاك الجعاد البيض من آل مالك *** و أنتم بنو قين لحقتم به نزرا
نسوق بيعورا أميرا كأنما *** نسوق به في كلّ مجمعة وبرا(6)
فإن يكن البيعور ذمّ رفيقه *** قراه فقد كانت إمارته نكرا(7)
و متّبع البيعور يرجو نواله *** فقد زاده البيعور في فقره فقرا(7)
/أخبرني الحرمي قال: حدّثني الزبير قال: حدّثني صالح، عن عامر بن صالح قال:
مدح الحزين عمرو بن عمرو بن الزبير فلم يعطه شيئا.
و أخبرني بهذا الخبر عمي تامّا و اللفظ له، و لم يذكر الزبير منه إلاّ يسيرا، قال: حدّثنا الكراني قال: حدّثنا العمري قال: حدّثني عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان قال:
1) السعاية: العمل على الصدقات. ب، س: «فلم يصنع معه خيرا».
2) ح، أ، م: «عمرو بن مساحق» فقط.
3) أحمد فلانا: رضي فعله و مذهبه. ب، س: «فحمدها»، و سائر النسخ: «فأحمدهما».
4) في جمهور الأصول: «يبعث»، و الوجه ما أثبت من مب، ها، ف.
5) الحجلة: بيت كالقبة يستر بالثياب.
6) كذا في م، مب. و هو عبث باسمه «أبو بعرة». و في ح، أ: «بيغورا» و في ها، ف: «بيقورا» و في س، ب: «بغبور»، و بغبور، بالضم: لقب ملك الصين، و ليس مرادا. ف «دبرا». و في سائر النسخ ما عدا مب: «زبرا» تحريف. و الوبر: دويبة على قدر السنور من دواب الصحراء حسنة العينين شديدة الحياء، يشبه بها الرجل تحقيرا له. انظر «اللسان» (وبر).
7) كذا في م، مب. و في ح، أ: «البيغور» و في ها، ف: «البيقور»، و في س، ب: «البغبور».
دخل الحزين على عمرو بن عمرو بن الزّبير بن العوام منزله، فامتدحه و سأله حاجة، فقال له: ليس إلى ما تطلب سبيل، و لا نقدر أن نملأ الناس معاذير، و ما كلّ من سألنا حاجة استحقّ أن نقضيها، و لربّ مستحقّ لها قد منعناه حاجته. فقال الحزين: أ فمن المستحقّين أنا؟ قال: لا و اللّه، و كيف تكون مستحقّا لشيء من الخير و أنت تشتم أعراض الناس(1)و تهتك حريمهم، و ترميهم بالمعضلات، إنّما المستحق من كفّ أذاه، و بذل نداه، و وقم أعداه(2).
فقال له الحزين: أ فمن هؤلاء أنت؟ فقال له عمرو: أين تبعدني لا أمّ لك من هذه المنزلة و أفضل منها! فوثب الحزين من عنده و أنشأ يقول:
حلفت و ما صبرت على يمين *** و لو أدعى إلى أيمان صبر(3)
بربّ الراقصات بشعث قوم *** يوافون الجمار لصبح عشر(4).
لو انّ اللؤم كان مع الثريّا *** لكان حليفه عمرو بن عمرو
و لو أنّي عرفت بأنّ عمرا *** حليف اللؤم ما ضيّعت شعري
فقال العمري: و حدّثني لقيط أنّ الحزين قال فيه أيضا يهجوه و يمدح محمد بن مروان بن/الحكم، و جاءه فشكا إليه عمرا، فوصله و أحسن إليه. قال:
إذا لم يكن للمرء فضل يزينه *** سوى ما ادّعى يوما فليس له فضل
و تلقى الفتى ضخما جميلا رواؤه *** يروعك في النّادي و ليس له عقل
و آخر تنبو العين عنه مهذّب *** يجود إذا ما الضّخم نهنهه البخل
فيا راجيا عمرو بن عمرو و سيبه *** أ تعرف عمرا أم أتاه بك الجهل(5)
فإن كنت ذا جهل فقد يخطئ الفتى *** و إن كنت ذا حزم إذا حارت النّبل(6)
جهلت ابن عمرو فالتمس سيب غيره *** و دونك مرمى ليس في جدّه هزل
عليك ابن مروان الأغرّ محمدا *** تجده كريما لا يطيش له نبل
قال لقيط: فلما أنشد الحزين محمد بن مروان هذا الشّعر أمر له بخمسة آلاف درهم، و قال له: اكفف يا أخا بني ليث عن عمرو بن عمرو و لك حكمك. فقال: لا و اللّه و لا بحمر النّعم و سودها، لو أعطيتها ما كففت عنه، لأنه ما علمت كثير الشرّ، قليل الخير، متسلّط على صديقه، فظّ على أهله. «و خير ابن عمرو بالثريا معلق».
فقال له محمد بن مروان: هذا شعر. فقال: بعد ساعة يصير شعرا، و لو شئت لعجّلته. ثم قال:
1) بعده سقط في مب، ها ينتهي في ص 340.
2) الوقم: الإذلال و القهر. ما عدا ح: «و أرغم أعداه».
3) ف: «حلفت يمين صبر».
4) الراقصات: الإبل ترقص في سيرها، و هو ضرب من الخبب. شعث: جمع أشعث. ما عدا ح: «بشعب قوم» تحريف.
5) أي أتى بك الجهل إليه.
6) كذا في م، أي ضلت سهامك سبيل القصد. و في أ: «حازت». و في سائر النسخ: «جازت».
شرّ ابن عمرو حاضر لصديقه *** و خير ابن عمرو بالثريّا معلّق
و وجه ابن عمرو باسر إن طلبته *** نوالا إذا جاد الكريم الموفّق(1)
/فبئس الفتى عمرو بن عمرو إذا غدت *** كتائب هيجاء المنيّة تبرق(2)
فلا زال عمرو للبلايا دريّة *** تباكره حتّى يموت و تطرق(3)
يهزّ هرير الكلب عمرو إذا رأى *** طعاما فما ينفكّ يبكي و يشهق
قال: فزجره محمد عنه، و قال له: أفّ لك، قد أكثرت الهجاء، و أبلغت في الشّتيمة.
قال العمري: و حدّثني عطاء بن مصعب عن عبد اللّه بن الليث الليثي، قال: قال الحزين الدّيلي يهجو عمرو بن عمرو بن الزبير:
لعمرك ما عمرو بن عمرو بماجد *** و لكنّه كزّ اليدين بخيل
ينام عن التقوى و يوقظه الخنا *** فيخبط أثناء الظلام يجول(4)
فلا خير في عمرو لجار و لا له *** ذمام و لكن للئام وصول(5)
مواعيد عمرو ترّهات و وجهه *** على كلّ ما قد قلت فيه دليل
جبان و فحّاش لئيم مذمّم *** و أكذب خلق اللّه حين يقول
كلام ابن عمرو صوفة وسط بلقع *** و كفّ ابن عمرو في الرّخاء تطول(6)
[و إن حزبته الحازبات تشنّجت *** يداه و رمح في الهياج كليل](7)
فبلغ شعره عمرا فقال: ما له لعنه اللّه و لعن من ولده، لقد هجاني بنيّة صادقة و لسان صنع ذلق، و ما عداني إلى غيري. قال: فلقي الحزين عروة بن أذينة الليثي فأنشده هذه الأبيات فقال له: ويحك، بعضها كان يكفيك، فقد بنيتها و لم تقم/أودها، و داخلتها و جعلت معانيها في أكمّتها. قال الحزين: ذلك و اللّه أرغب للناس فيها. فقال له عروة: خير الناس من حلم عن/الجهّال، و ما أراه إلا قد حلم عنك. فقال الحزين: حلم و اللّه عنّي شاء أو أبى، برغمه و صغره(8).
1) بسر بسورا: كلح.
2) في جميع الأصول ما عدا ف: «فنفس الفتى»، تحريف.
3) الدرية: مسهل الدريئة، و هي الحلقة يتعلم الطعن و الرمي عليها. تطرق: تجيئه ليلا.
4) هذا ما ف. و في سائر النسخ: «فسول» و لعلها «نسول» من النسلان، و هو الإسراع في المشي.
5) ما عدا ف: «فلا بشر من عمرو» تحريف.
6) ب، س: «الرخال»، و هي جمع رخل، و هي الأنثى من ولد الضأن.
7) التكملة من ف.
8) الصغر، بالتحريك: الذل و المهانة.
لقي شبّان من ولد الزّبير الخزين، فتناولوه بألسنتهم، و همّوا بضربه، فحال بينهم و بينه ابن لمصعب بن الزبير(1)، فقال الحزين يهجوهم و يهجو جماعة من بني أسد بن عبد العزّى، سوى بني مصعب الذين منعوهم منه، قال:
لحا اللّه حيّا من قريش تحالفوا *** على البخل بالمعروف و الجود بالنّكر
فصاروا لخلق اللّه في اللؤم غاية *** بهم تضرب الأمثال في النثر و الشعر
فيا عمرو لو أشبهت عمرا و مصعبا *** حمدت و لكن أنت منقبض البشر
بني أسد، سادت قريش بجودها *** معدّا و سادتكم معدّ يد الدّهر(2)
تجود قريش بالنّدى و رضيتم *** بني أسد باللّؤم و الذّلّ و الغدر
أ عمرو بن عمرو، لست ممن تعدّه *** قريش إذا ما كاثروا الناس بالفخر(3)
أبت لك يا عمرو بن عمرو دناءة *** و خلق لئيم أن تريش و أن تبري
أخبرني الحرمي قال: حدّثنا الزبير قال: حدّثني محمد بن الضحاك الحزامي قال: حدّثني أبي قال:
كان الحزين سفيها نذلا يمدح بالنّزر إذا أعطيه، و يهجو على مثله إذا منع، فنزل بعاصم بن عمرو بن عثمان فلم يقره، فقال يهجوه بقوله:
/سيروا فقد جنّ الظّلام عليكم *** فباست الذي يرجو القرى عند عاصم(4)
ظللنا عليه و هو كالتّيس طاعما *** نشدّ على أكبادنا بالعمائم(5)
و ما لي من ذنب إليه علمته *** سوى أنّني قد جئته غير صائم
فقيل له: إنّ عاصما كثيرا ما تسمّي به قريش. فقال: أما و اللّه لأبيّننّه لهم فقال:
إليك ابن عثمان بن عفان عاصم ب *** - ن عمرو و سرت عنسي فخاب سراها(6)
فقد صادفت كزّ اليدين مبخّلا *** جبانا إذا ما الحرب شبّ لظاها
بخيلا بما في رحله غير أنه *** إذا ما خلت عرس الخليل أتاها
1) ما عدا ف: «بينهم و بينه مصعب بن الزبير»، تحريف.
2) يد الدهر، أي طول الدهر. ب، س: «مدى الدهر»؛ ف: «و سادتكم عليا معد».
3) ما عدا ف: «هاتروا الناس». و المعروف في المهاترة أنها المسابة بالباطل من القول.
4) يقال للقوم إذا استذلوا و استخف بهم: باست بني فلان، و هو شتم لهم. قال الحطيئة: فباست بني عبس و أستاه طيئ و باست بني دودان حاشا بني نصر ح: «فاست» و في معظم النسخ: «فأنت»، و الصواب ما أثبت من ف مطابقا لما في «البيان» (105:3) و «البخلاء» 185 ساسي. و قد نسب في البخلاء إلى مصعب بن عمر الليثي.
5) في «البيان» و «البخلاء»: «دفعنا إليه و هو كالذيخ خاظيا». ما عدا ح، ف: «فشد»، تحريف. و كانوا يشدون على أوساطهم بالعمائم عند المجهدة.
6) في معظم النسخ: «عيسى»، العيس: الإبل البيض يخالط بياضها شقرة. و الأوفق «عنسي» كما أثبت من ف. و العنس: الناقة الصلبة.
أخبرني الحرمي قال حدّثنا الزبير قال حدّثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال: قال الحزين لهلال بن يحيى بن طلحة قوله:
هلال بن يحيى غرّة لا خفا بها *** على الناس في عسر الزمان و لا اليسر
و سعد بن إبراهيم ظفر موسّخ *** فهل يستريح الناس من وسخ الظفر(1)
يعني سعد بن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف، و كان ولي قضاء المدينة من هشام بن عبد الملك، فلم يعط الحزين شيئا فهجاه. و قال فيه أيضا:
أتيت هلالا أرتجي فضل سيبه *** فأفلتني ممّا أحبّ هلال(2)
هلال بن يحيى غرّة لا خفا بها *** لكلّ أناس غرّة و هلال(3)
أ لم تشهد الجونين و الشّعب ذا الصّفا *** و كرّات قيس يوم دير الجماجم(4)
/تحرّض يا بن القين قيسا ليجعلوا *** لقومك يوما مثل يوم الأراقم(5)
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع *** ضربت و لم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشت *** يداك و قالوا محدث غير صارم
الشعر لجرير، و الغناء لابن محرز، ثقيل أوّل بالبنصر.
و هذه الأبيات يقولها جرير يهجو الفرزدق، و يعيّره بضربة ضربها بسيفه رجلا من الروم، فحضره سليمان بن عبد الملك فلم يصنع شيئا.
فحدّثنا بخبره في ذلك محمّد بن العباس اليزيدي قال: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال: حدّثنا صالح بن سليمان، عن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكنديّ، و كان شيخا كبيرا، و كان من أصحاب عبد الملك بن مروان، ثم كان من أصحاب المنصور، قال:
كنت حاضرا سليمان بن عبد الملك.
1) ف: «متى يستريح».
2) ح، ف: «بما أحب».
3) هنا ينتهي سقط مب، ها الذي نبهت عليه في ص 336.
4) ح: «ذي الغضا» و في سائر النسخ: «و الغضا» تحريف. و أثبت ما في مب، ها، ف و «الديوان» 563 و «النقائض» 409. و في «تفسير النقائض»: «يعني شعب جبلة».
5) في الأصول ما عدا مب، ها، ف: «فحرض بابن القين» تحريف. و في «الديوان» 561 و «النقائض» 400: «تحضض يا ابن القين».
و أخبرنا علي بن سليمان الأخفش و اليزيدي عن السكّريّ عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة، و عن قتادة عن أبي عبيدة في كتاب «النقائض»، عن رؤبة بن العجاج قال:
حجّ سليمان بن عبد الملك و معه الشّعراء، و حججت معهم فمرّ بالمدينة منصرفا فأتي بأسرى من الرّوم نحو من أربعمائة(1)، فقعد سليمان و عنده عبد اللّه بن الحسن/بن الحسن(2)بن علي عليهم السّلام، و عليه ثوبان ممصّران(3)، و هو أقربهم منه مجلسا، فأدنوا إليه بطريقهم و هو في جامعة(4)، فقال لعبد اللّه بن الحسن: قم فاضرب عنقه. فقام فما أعطاه أحد سيفا حتّى دفع إليه حرسيّ سيفا كليلا، فضربه فأبان عنقه و ذراعه، و أطنّ(5)ساعده و بعض الغلّ. فقال له سليمان: اجلس فو اللّه ما ضربته بسيفك و لكن بحسبك(6). و جعل يدفع الأسرى إلى الوجوه [و إلى الناس](7)فيقتلونهم، حتّى دفع إلى جرير رجلا، فدسّت إليه بنو عبس سيفا قاطعا في قراب أبيض، فضربه فأبان رأسه، و دفع إلى الفرزدق أسيرا فدسّت إليه القيسية سيفا كليلا، فضرب به الأسير ضربات فلم يصنع شيئا، فضحك سليمان و ضحك الناس معه.
هذه رواية أبي عبيدة عن رؤبة.
و أمّا سليمان بن أبي شيخ فإنّه ذكر في خبره أنّ سليمان لما دفع إليه الأسير دفع إليه سيفا و قال له: اقتله به.
فقال: لا بل أضربه بسيف مجاشع، و اخترط سيفه فضربه به فلم يغن شيئا، فقال له سليمان: أما و اللّه لقد بقي عليك عارها و شنارها! فقال جرير قصيدته التي يهجوه فيها، و منها الصوت المذكور، و أوّلها قوله:
ألا حيّ ربع المنزل المتقادم *** و ما حلّ مذ حلّت به أمّ سالم
و هي طويلة. فقال الفرزدق:
فهل ضربة الرّوميّ جاعلة لكم *** أبا عن كليب أو أبا مثل دارم
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها *** و تقطع أحيانا مناط التمائم
و لا نقتل الأسرى و لكن نفكّهم *** إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
ذكر يونس أنّ في هذه الأبيات لحنا لابن محرز، و لم يجنّسه.
1) في معظم الأصول: «أربع» و صوابه من مب، ها، ف، و «النقائض» 383.
2) في معظم الأصول: «الحسين» و صوابه في مب، ها، ف، و «النقائض» و «اتعاظ الحنفاء» 8.
3) ثوب ممصر: مصبوغ بحمرة خفيفة، أو بصفرة خفيفة.
4) الجامعة: الغل، لأنها تجمع اليدين إلى العنق.
5) أطنه: قطعه.
6) في «النقائض»: «فقال سليمان: و اللّه ما هو من جودة السيف أجاد الضريبة، و لكن بجودة حسبه و شرف مركبه».
7) التكملة من «النقائض».
و قال يعرّض بسليمان و يعيّره بنبوّ سيف ورقاء بن زهير العبسيّ عن خالد بن جعفر - و بنو عبس أخوال سليمان - قال:
/فإن يك سيف خان أو قدر أتى *** بتعجيل نفس حتفها غير شاهد(1)
فسيف بني عبس و قد ضربوا به *** نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها *** و تقطع أحيانا مناط القلائد
و روي هذا الخبر عن عوانة بن الحكم، قال فيه:
إنّ الفرزدق قال لسليمان: يا أمير المؤمنين، هبّ لي هذا الأسير. فوهبه له فأعتقه، و قال الأبيات التي تقدّم ذكرها، ثم أقبل على رواته و أصحابه فقال: كأنّي بابن المراغة و قد بلغه خبري فقال:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع *** ضربت و لم تضرب بسيف ابنه ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشت *** يداك و قالوا محدث غير صارم
قال: فما لبثنا غير مدّة يسيرة حتّى جاءتنا القصيدة و فيها هذان البيتان، فعجبنا من فطنة الفرزدق.
/و أخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف وكيع قال: حدّثنا محمد بن عيسى بن حمزة العلوي، قال: حدّثنا أبو عثمان المازني قال:
زعم جهم بن خلف أنّ رؤبة بن العجاج حدّثه. فذكر هذه القصيدة و زاد فيها.
قال: و استوهب الفرزدق الأسير فوهبه له سليمان، فأعتقه و كساه، و قال قصيدته التي يقول فيها:
و لا نقتل الأسرى و لكن نفكّهم *** إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
قال: و قال في ذلك:
تباشر يربوع بنبوة ضربة *** ضربت بها بين الطّلا و الحراقد(2)
و لو شئت قد السيف ما بين عنقه *** إلى علق بين الحجابين جامد(3)
فإن ينب سيف أو تراخت منيّة *** لميقات نفس حتفها غير شاهد
فسيف بني عبس و قد ضربوا به *** نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
قال: و قال في ذلك:
أ يضحك الناس أن أضحكت سيّدهم *** خليفة اللّه يستسقى به المطر
فما نبا السيف عن جبن و لا دهش *** عند الإمام و لكن أحرّ القدر
.
1) في معظم الأصول: «بتعجيل نفس» و ظاهره أنه عكس المعنى، و يمكن أن يحمل على أنه عجل بإحضاره على حين أن حتفه بعيد. و في مب و ف و «الديوان» 186: «بتأخير نفس». و في «النقائض» 384 و «العمدة» (126:1): «لتأخير نفس». و في «الحيوان» (97:3): «لميقات يوم».
2) الطلا: جمع: طلوة و طلية، و هي أصل العنق. و الحراقد، جمع حرقدة، و هي عقدة الحنجور. ح، أ، م: «الحرائد» مب، ها، ف: «الحدائد» س، ب: «المحارد»، و الصواب ما أثبت.
3) في «النقائض» 384: و لو شئت قط السيف ما بين أنفه إلى علق بين الشراسيف جامد
و لو ضربت به عمرا مقلّده *** لخرّ جثمانه ما فوقه شعر(1)
و ما يقدّم نفسا قبل ميتتها *** جمع اليدين و لا الصّمصامة الذكر
فأمّا يوم الجونين الذي ذكره جرير، فهو اليوم الذي أغار فيه عتيبة بن الحارث بن شهاب على بني كلاب، و هو يوم الرّغام(2).
أخبرني بخبره عليّ بن سليمان الأخفش و محمد بن العباس اليزيدي، عن السكري عن ابن حبيب، و دماذ عن أبي عبيدة و عن إبراهيم بن سعدان عن أبيه:
أنّ عتيبة بن الحارث بن شهاب أغار في بني ثعلبة بن يربوع على طوائف من بني كلاب يوم الجونين فاطّرد إبلهم، و كان أنس بن العباس الأصمّ، أخو بني رعل من بني سليم، مجاورا في بني كلاب، و كان بين بني ثعلبة بن يربوع و بين بني رعل عهد: لا يسفك دم و لا يؤكل مال. فلمّا سمع الكلابيون الدّعوى: يا لثعلبة! يا لعبيد! يا لجعفر (3)! عرفوهم، فقالوا لأنس/بن العباس: قد عرفنا ما بين بني رعل و بني ثعلبة بن يربوع، فأدركهم فاحبسهم علينا حتّى نلحق. فخرج أنس في آثارهم حتى أدركهم، فلما دنا منهم قال عتيبة بن الحارث لأخيه حنظلة: أغن عنّا هذا الفارس فاستقبله حنظلة فقال له أنس: إنّما أنا أخوكم و عقيدكم، و كنت في هؤلاء القوم فأغرتم على إبلي فيما أغرتم عليه، و هو معكم. فرجع حنظلة إلى أخيه فأخبره الخبر فقال له: حيّاك اللّه، و هلم فوال إبلك(4)، أي اعزلها.
قال: و اللّه ما أعرفها، و بنو أخي و أهل بيتي معي و قد أمرتهم بالركوب في أثري، و هم أعرف بها منّي. فطلع فوارس بني كلاب فاستقبلهم حنظلة بن الحارث في فوارس فقال لهم أنس: إنّما هم بنيّ و بنو أخي(5). و إنما يربّثهم لتلحق فوارس بني كلاب. فلحقوا فحمل/الحوثرة بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر على حنظلة فقتله(6)، و حمل لأم بن سلمة أخو بني ضبارى بن عبيد ثعلبة على الحوثرة هو و ابن مزنة(7)أخو بني عاصم بن عبيد، فأسراه و دفعاه إلى عتيبة فقتله صبرا، و هزم الكلابيّون و مضى بنو ثعلبة بالإبل و فيها إبل أنس، فلم تقرّ أنسا نفسه حتى اتّبعهم رجاء أن يصيب منهم غرة و هم يسيرون في شجراء(8). فتخلّف عتيبة لقضاء حاجته، و أمسك برأس فرسه فلم يشعر إلاّ بأنس قد مرّ في آثارهم، فتقدّم حتى وثب عليه فأسره، فأتى به عتيبة أصحابه فقال بنو عبيدة: قد عرفنا أنّ لأم بن سلمة و ابن مزنة(7) قد أسرا الحوثرة فدفعاه إليك فضربت عنقه؛ فأعقبهما(9)في أنس بن عبّاس، فمن قتلته خير من أنس. فأبى عتيبة أن يفعل ذلك حتّى افتدى أنس نفسه بمائتي بعير.
1) هذا البيت لم يرد في «النقائض».
2) الرغام، بالفتح: رملة بعينها من نواحي اليمامة، و انظر «العمدة» (167:2).
3) في الأصول: «قال ثعلبة قال عبيد قال جعفر»، صوابه في «النقائض» 410.
4) من الموالاة. في معظم الأصول: «توال» و أثبت ما في مب، ها، ف و «النقائض».
5) في معظم الأصول: «إنما هم مني و بنو أخي»، و أثبت ما في مب، ها، ف و «النقائض».
6) هذا ما في مب و ها، ف، و «النقائض». و في سائر النسخ: «فقتل».
7) كذا في «النقائض». مب، ها، ف «امرأته». و في أ، ح، م: «مدية» و سائر النسخ: «مذنة».
8) الشجراء: الأرض الكثيرة الشجرة. و هذا ما في مب، ها، ف «النقائض»: «في سخواء»، و هي الأرض السهلة الواسعة. و في سائر النسخ: «صحراء».
9) في معظم الأصول: «فأعفهما» تحريف. صوابه في مب، ها، ف.
فقال العبّاس بن مرداس يعيّر عتيبة بن الحارث بفعله:
كثر الضّجاج و ما سمعت بغادر *** كعتيبة بن الحارث بن شهاب
جلّلت حنظلة المخانة و الخنا *** و دنست آخر هذه الأحقاب(1)
و أسرتم أنسا فما حاولتم *** بإسار جاركم بني الميقاب
باست التي ولدتك و است معاشر *** تركوك تمرسهم من الأحساب(2)
فقال عتيبة بن الحارث:
/غدرتم غدرة و غدرت أخرى *** فليس إلى توافينا سبيل
كأنّكم غداة بني كلاب *** - تفاقدتم - عليّ لكم دليل
قوله: تفاقدتم، دعاء عليهم أن يفقد بعضهم بعضا.
و بالعفر دار من جميلة هيجت *** سوالف حبّ في فؤادك منصب(3)
و كنت إذا ناءت بها غربة النوى *** شديد القوى لم تدر ما قول مشغب(4)
كريمة حرّ الوجه لم تدع هالكا *** من القوم هلكا في غد غير معقب
أسيلة مجرى الدمع خمصانة الحشا *** بروق الثّنايا ذات خلق مشرعب(5)
العفر(6): منازل لقيس بالعالية. سوالف: مواض. يقول: هيّجت حبّا قد كان ثمّ انقطع. و منصب: /ذو نصب. و نأت و ناءت و بانت(7)بمعنى واحد، أي بعدت. و مشغب: ذو شغب عليك و خلاف في حبها. و يروى:
«مشعب» أي متعدّد يصرفك عنها. و قوله: «لم تدع هالكا» أي لم تندب هالكا هلك فلم يخلف غيره/و لم يعقب.
و معنى ذلك أنها في عدد و قوم يخلف بعضهم بعضا في المكارم، لا كمن إذا مات سيد قومها أو كريم منهم لم يقم أحد منهم مقامه. و المشرعب: الجسيم الطويل. و الشّرعبيّ: الطويل.
الشعر لطفيل الغنوي، و الغناء لجميلة(8)ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي. و ذكره حماد عن أبيه لها و لم يجنسه. و روى إسحاق عن أبيه عن سياط عن يونس أنّ هذا أحسن صوت صنعته جميلة.
1) المخانة: الخيانة: و في معظم الأصول: «المجانة» صوابه في مب، ها، ف و «النقائض» 411.
2) تقدّم مثل هذا في ص 340 س 1.
3) العفر، بضم العين و سكون الفاء: كثبان حمر بالعالية في بلاد قيس، كما في «معجم ما استعجم»، و قد استشهد بهذا البيت. و في معظم الأصول: «و بالعقر» بالقاف، صوابه في «المعجم» و «ديوان طفيل» ص 2، مب، ها، ف.
4) في معظم الأصول: «ما ترك»، صوابه من مب، ها، و «الديوان» ص 2.
5) في معظم الأصول: «بدور»، و أثبت ما في مب، ها، ف. و في «الديوان» ص 3 و «سمط اللآلئ» 545: «برود».
6) في معظم الأصول: «العقر». و انظر ما مضى قريبا.
7) في معظم الأصول: «و نأيت» و لا وجه له. و أثبت ما في مب، ها، ف.
8) لعل في اسمها ما دعا إلى اختيار هذه المقطوعة لطفيل في غنائها.
قال ابن الكبي: هو طفيل بن عوف [بن كعب بن خلف](1)بن ضبيس بن خليف(2)بن مالك بن سعد بن عوف بن كعب بن غنم بن غنيّ بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان.
و وافقه ابن حبيب في النسب إلا في خلف بن ضبيس فإنه لم يذكر خلفا و قال: هو طفيل بن عوف بن ضبيس. قال أبو عبيدة: اسم غنيّ عمرو(3)، و اسم أعصر منبه، و إنما سمّي أعصر لقوله:
قالت عميرة ما لرأسك بعد ما *** فقد الشباب أتى بلون منكر
أ عمير إنّ أباك غيّر رأسه *** مرّ الليالي و اختلاف الأعصر
فسمّي بذلك.
و طفيل شاعر جاهلي من الفحول المعدودين، و يكنى أبا قرّان، يقال إنه من أقدم شعراء قيس. و هو منأوصف العرب للخيل.
أخبرني هاشم بن محمد بن هارون بن عبد اللّه بن مالك أبو دلف الخزاعيّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن قريب الأنصاريّ قال: قال لي عمي:
إنّ رجلا من العرب سمع الناس يتذاكرون الخيل و معرفتها و البصر بها، فقال: كان يقال إنّ طفيلا ركب الخيل و وليها لأهله، و إنّ أبا دواد الأياديّ ملكها لنفسه/و وليها(4)لغيره، كان يليها للملوك، و أنّ النابغة الجعدي لما أسلم الناس و آمنوا اجتمعوا و تحدّثوا و وصفوا الخيل، فسمع ما قالوه فأضافه إلى ما كان سمع و عرف قبل ذلك في صفة الخيل. و كان هؤلاء نعّات الخيل.
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا عبد الرّحمن، قال حدّثني عمي قال:
كان طفيل أكبر من النابغة: و ليس في قيس فحل أقدم منه.
قال: و كان معاوية يقول: خلّوا لي طفيلا و قولوا ما شئتم في غيره من الشعراء.
أخبرني عبد اللّه بن مالك النحوي قال: حدثنا محمد بن حبيب قال:
كان طفيل الغنوي يسمّى «طفيل الخيل» لكثرة وصفه إيّاها.
أخبرني محمد بن الحسين الكندي خطيب مسجد القادسية، قال: حدّثني الرياشي قال: حدّثني الأصمعي قال:
كان أهل الجاهلية يسمّون طفيلا الغنويّ «المحبّر»؛ لحسن وصفه الخيل(1).
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدّثني محمد بن يزيد قال: قال أبو عبيدة: طفيل الغنويّ، و النابغة الجعديّ، و أبو دواد الإياديّ، أعلم العرب بالخيل و أوصفهم لها.
أخبرني عمي قال حدّثنا محمد بن سعد الكراني قال: حدّثنا العمري عن لقيط قال: قال قتيبة بن مسلم لأعرابيّ من غنيّ قدم عليه من خراسان: /أيّ بيت قالته العرب أعفّ؟ قال: قول طفيل الغنوي:
/و لا أكون وكاء الزاد أحبسه *** لقد علمت بأنّ الزاد مأكول(2)
قال: فأيّ بيت قالته العرب في الحرب أجود؟ قال: قول طفيل:
بحيّ إذا قيل اركبوا لم يقل لهم *** عواوير يخشون الرّدى أين نركب(3)
قال: فأيّ بيت قالته العرب في الصّبر أجود؟ قال: قول نافع بن خليفة الغنوي:
و من خير ما فينا من الأمر أنّنا *** متى ما نوافي موطن الصّبر نصبر
قال: فقال قتيبة: ما تركت لإخوانك من باهلة؟ قال: قول صاحبهم:
و إنا أناس ما تزال سوامنا *** تنوّر نيران العدوّ مناسمه(4)
1) ب، س، م: «يسمون طفيلا الغنوي طفيل الخيل لشدة وصفه الخيل».
2) في «الديوان» 32: «إني لأعلم أن الزاد».
3) في معظم الأصول: «يجيء» و «عواوين» صوابهما في مب، ف و «الديوان» ص 20. و في «الشعر و الشعراء» 423: «بخيل». و العواوير: جمع عوار، كرمان، و هو الضعيف الجبان السريع الفرار.
4) نسب البيتان في ملحق «ديوان طفيل» ص 65 إليه، مع أن النص هنا يقطع بأنهما لشاعر من باهلة.
و ليس لنا حيّ نضاف إليهم *** و لكن لنا عود شديد شكائمه
[حرام و إن صلّيته و دهنته *** تأوّده ما كان في السيف قائمه](1)
و هذه القصيدة المذكورة فيها الغناء يقولها طفيل في وقعة أوقعها قومه بطيّئ، و حرب كانت بينه و بينهم.
و ذكر أبو عمرو الشيبانيّ و الطّوسيّ فيما رواه عن الأصمعيّ و أبي عبيدة:
أنّ رجلا من غنيّ يقال له قيس النّدامى(2)، وفد على بعض الملوك، و كان قيس سيدا جوادا، فلما حفل المجلس أقبل الملك على من حضره من وفود العرب فقال: لأضعنّ تاجي على أكرم رجل من العرب، فوضعه على رأس قيس و أعطاه ما شاء، /و نادمه مدّة، ثم أذن له في الانصراف إلى بلده، فلما قرب من بلاد طيّئ خرجوا إليه و هم لا يعرفونه، [فلقوه برمّان](3)فقتلوه، فلما علموا أنّه قيس ندموا لأياديه(4)كانت فيهم، فدفنوه و بنوا عليه بيتا.
ثم إنّ طفيلا جمع جموعا من قيس فأغار على طيّئ فاستاق من مواشيهم ما شاء، و قتل منهم قتلى كثيرة. و كانت هذه الوقعة بين القنان و شرقيّ سلمى(5)، فذلك قول طفيل في هذه القصيدة:
فذوقوا كما ذقنا غادة محجّر *** من الغيظ في أكبادنا و التحوّب(6)
فبالقتل قتل و السّوام بمثله *** و بالشّلّ شلّ الغائط المتصوّب(7)
أخبرني علي بن الحسن(8)بن علي قال: حدّثنا الحارث بن محمد، عن المدائني، عن سلمة بن محارب قال:
لما مات محمد بن الحجاج بن يوسف جزع عليه الحجاج جزعا شديدا، و دخل الناس عليه يعزّونه و يسلّونه، و هو لا يسلو و لا يزداد إلاّ جزعا و تفجّعا، و كان فيمن دخل عليه رجل كان الحجاج قتل ابنه يوم الزاوية، فلما رأى جزعه و قلّة ثباته للمصيبة شمت به و سرّ لما ظهر له منه، و تمثّل بقول طفيل:
فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر *** من الغيظ في أكبادنا و التحوب
و في هذه القصيدة يقول طفيل:
1) التكملة من مب، ها، ف.
2) في معظم الأصول: «الدارمي»، صوابه في مب، و ها، ف و «معجم البلدان» (رمان) و «سمط اللآلئ» 546.
3) التكملة من ح، أ، مب، ها، ف. و هي في أ: «برقان»، تحريف. و قد أورد القصة ياقوت في رسم (رمان).
4) ما عدا ح، مب، ها، ف: «لأياد له».
5) سلمى: أحد جبلي طيئ.
6) رواية «الديوان» ص 14: «في أجوافنا». و التحوب: التوجع.
7) يقال غاط في الوادي يغوط، إذا ذهب فيه. و التصويب: الانحدار. و انظر «ديوان طفيل» ص 14.
8) ح: «الحسين».
/ترى العين ما تهوى و فيها زيادة *** من اليمن إذ تبدو و ملهى لملعب(1)
و بيت تهبّ الرّيح في حجراته *** بأرض فضاء بابه لم يحجّب(2)
سماوته أسمال برد محبّر *** و صهوته من أتحمّى معصّب(3)
أخبرني عيسى بن الحسين بن الوراق قال: حدّثنا الرياشي عن العتبي عن أبيه قال:
قال/عبد الملك بن مروان لولده و أهله: أيّ بيت ضربته العرب [على عصابة](4)و وصفته أشرف حواء، و أهلا و بناء؟ فقالوا فأكثروا، و تكلّم من حضر فأطالوا، فقال عبد الملك: أكرم بيت وصفته العرب بيت طفيل الذي يقول فيه:
و بيت تهبّ الرّيح في حجراته *** بأرض فضاء بابه لم يحجّب
سماوته أسمال برد محبّر *** و صهوته من أتحمّى معصّب(5)
و أطنابه ارسان جرد كأنّها *** صدور القنا من بادئ و معقّب(6)
نصبت على قوم تدرّ رماحهم *** عروق الأعادي من غرير و أشيب(7)
و قال أبو عمرو الشيباني: كانت فزارة لقيت بني أبي بكر بن كلاب و جيرانهم من محارب، فأوقعت بهم وقعة عظيمة، ثم أدركتهم غنيّ فاستنقذتهم، فلما قتلت طيّئ قيس النّدامى، و قتلت بنو عبس هريم بن سنان بن عمرو بن يربوع بن طريف بن خرشة(8)بن عبيد بن سعد بن كعب بن جلاّن بن غنم(9)بن غنيّ، و كان فارسا حسيبا قد ساد و رأس، قتله ابن هدم العبسيّ طريد الملك، فقال له الملك(10): كيف قتلته؟ قال: «حملت عليه في الكبّة، و طعنته في السّبّة، حتى خرج الرمح من اللّبّة(11). و قتل أسماء بن واقد بن رفيد بن رياح بن يربوع بن ثعلبة بن سعد بن
1) هذا الصواب من مب، و ها، ف، و «الديوان» 3. و في معظم الأصول: يرى السين ما يهوى و فيها زيادة من اليمن أن تبدو و ملهى و ملعب و في «تفسير الديوان»: «و فيها لمن أراد اللهو ملهى فملعب».
2) الحجرات، بفتحتين: جمع حجرة، بالفتح، و هي الناحية.
3) سماوة كل شيء: أعلاه. و المعصب، كأنه مأخوذ من العصب، و هو ضرب من برود اليمن يعصب غزله و يشد ثم يصبغ و ينسج فيأتي موشيا، لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ. و يروى: «مشرعب».
4) التكملة من مب، ها، ف. و العصابة: الجماعة.
5) ما عدا ح، مب: «الحمى»، تحريف. و في جميع الأصول ما عدا مب، ها، ف: «مصعب».
6) البادئ: الذي غزا أول غزوة. و المعقب: الذي غزا غزوة بعد غزوة.
7) الغرير: الشاب الذي لا تجربة له. ح: «غرين» و سائر النسخ: «عرين» صوابه في مب، ها، ف و «الديوان» 4.
8) في «الديوان» 18: «خرشبة».
9) كذا في ح، مب، ها، ف. و في سائر النسخ: «جلان بن تميم».
10) في «اللسان» (سبب) أنه النعمان بن المنذر.
11) الكبة، بالفتح: الحملة في الحرب و الدفعة في القتال. و السبة: الاست. و اللبة: وسط الصدر و المنحر. و في «اللسان» (سبب، كبب): «طعنة في السبة». و في «اللسان» (سبب): «فقلت لأبي حاتم: كيف طعنه في السبة و هو فارس؟ فضحك و قال: انهزم فاتبعه فلما رهقه أكب ليأخذ بمعرفة فرسه فطعنه في سبته».
عوف بن كعب بن جلاّن، [و هو من النجوم]، و حصن بن يربوع بن طريف و أمّهم جندع بنت عمرو بن الأغرّ بن مالك بن سعد بن عوف. فاستغاثت غنيّ ببني أبي بكر و بني محارب فقعدوا عنهم، فقال طفيل في ذلك يمنّ عليهم بما كان منهم في نصرتهم، و يرثي القتلى، قال:
تأوّبني همّ من اللّيل منصب *** و جاء من الأخبار ما لا أكذّب
تتابعن حتّى لم تكن لي ريبة *** و لم يك عمّا خبّروا متعقّب(1)
و كان هريم من سنان خليفة *** و حصن و من أسماء لمّا تغيّبوا(2)
/و من قيس الثّاوي برمّان(3)بيته *** و يوم [حقيل فاد آخر](4)معجب
أشمّ طويل السّاعدين كأنه *** فنيق هجان في يديه مركّب(5)
و بالسّهب ميمون النّقيبة قوله *** لملتمس المعروف أهل و مرحب(6)
كواكب دجن كلّما انقض كوكب *** بدا و انجلت عنه الدّجنّة كوكب
الغناء لسليم أخي بابويه، ثاني ثقيل عن الهشامي. و هي قصيدة طويلة، و ذكرت منها هذه الأبيات من أجل الغناء الذي فيها. و من مختار مرثيته فيها قوله:
لعمري لقد خلّى ابن جندع ثلمة *** و من أين إن لم يرأب اللّه ترأب(7)
نداماي أمسوا قد تخلّيت عنهم *** فكيف ألذّ الخمر أم كيف أشرب(8)
مضوا سلفا قصد السّبيل عليهم *** و صرف المنايا بالرجال تقلّب
فديت من بات يغنّيني *** و بتّ أسقيه و يسقيني
/ثم اصطبحنا قهوة عتّقت *** من عهد سابور و شيرين
الشعر و الغناء لمحمد بن حمزة بن نصير وجه القرعة، و لحنه فيه رمل أول بالبنصر، لا نعرف له صنعة غيره.
1) في «ديوان طفيل» 17: «تظاهرن»، «و لم يك عما أخبروا». و في «شرحه»: «تظاهرن: تتابعن جاء بعضهن في أثر بعض. منعقب: لم أستطع تعقب أخبارهم بتكذيب لما ظهر.
2) في تفسير «الديوان»: «سنان بن عمرو بن يربوع بن طريف بن خرشبة، و هريم عم سنان. أسماء بن واقد بن و قيد بن رباح بن يربوع».
3) الثاوي: المقيم. رمان، سبق ذكره في ص 352. ح؛ أ: «بريثان» و في سائر النسخ ما عدا مب: «برثيان» صوابه من «الديوان».
4) حقيل: موضع في بلاد بني أسد وفاد يفيد: مات. و موضع هذه التكملة بياض في ح، أ، م و إثباتها من مب، ها، ف، و «الديوان» 18 و «معجم البلدان» (رمان، حقيل)، و في س، ب: «و يوم الوغى ليث لدى الكر معجب».
5) الفنيق: الفحل المكرم. و البيت لم يرو في «الديوان».
6) في معظم الأصول: «بالشهب»، تصحيف، صوابه في مب و ها، ف و «الديوان» 19 و سيبويه (149:1).
7) في «الديوان»: «ابن جيدع».
8) أمسوا، هي في ب، س، أ: «سواء» و م: «سوا» ح: «انيسوا» و الوجه ما أثبت من مب. و في «الديوان»: «أضحوا». و فيه أيضا «منهم» بدل «عنهم».
هو محمد بن حمزة بن نصير الوصيف مولى المنصور، و يكنى أبا جعفر، و يلقّب وجه القرعة.
و هو أحد المغنّين الحذّاق الضرّاب الرّواة. و قد أخذ عن إبراهيم الموصلي و طبقته، و كان حسن الأداء طيّب الصوت، لا علّة فيه، إلا أنّه كان إذا غنّى الهزج خاصّة خرج بسبب لا يعرف(1)، إلا لآفة تعرض للحسّ في جنس من الأجناس فلا يصحّ له بتّة.
فذكر محمد بن الحسن الكاتب أن إسحاق بن محمد الهاشمي حدثه عن أبيه، أنه شهد إسحاق بن إبراهيم الموصليّ عند عمه هارون بن عيسى، و عنده محمد بن الحسن بن مصعب، قال: فأتانا محمد بن حمزة وجه القرعة، فسرّ به عمّي(2). و كان شرس الخلق أبيّ النفس، فكان إذا سئل الغناء أباه، فإذا أمسك عنه كان هو المبتدئ به، فأمسكنا عنه حتى طلب العود فأتي به فغنّى، و قال:
مرّ بي سرب ظباء *** رائحات من قباء(3)
قال: و كان يحسنه و يجيده، فجعل إسحاق يشرب و يستعيده حتّى شرب ثلاثة أرطال ثم قال: أحسنت يا غلام، هذا الغناء لي و أنت تتقدّمني فيه، و لا يخلق الغناء ما دام مثلك ينشأ فيه(4).
قال: و حدثني إسحاق الهاشمي عن أبيه قال:
كنا في البستان المعروف ببستان خالص النصرانيّ ببغداد، و معنا محمد بن حمزة وجه القرعة، فيغنّينا(5)قوله:
يا دار أقفر رسمها *** بين المحصّب و الحجون
يا بشر إنّي فاعلمي *** و اللّه مجتهدا يميني(6)
1) مب، ها، ف: «لا لسبب يعرف».
2) في معظم النسخ: «فسمي به عمي» و الوجه ما أثبت من مب، ها، ف.
3) قباء، بالضم: قرية على ميلين من المدينة.
4) هذا الصواب من مب، ها، ف، و في ب، س: «ينشر لحنه». و في سائر النسخ: «لعنة». و في جميع النسخ: «و لأدعن» بدل «و لا يخلق».
5) أ، م: «فتغنينا».
6) ما عدا ح، م، مب، ها، ف: «مجتهد».
فإذا برجل راكب على حمار يؤمّنا و هو يصيح: أحسنت يا أبا جعفر، أحسنت و اللّه! فقلنا: اصعد إلينا كائنا من كنت. فصعد و قال: لو منعتموني من الصّعود لما امتنعت. ثم سفر اللّثام عن وجهه فإذا هو مخارق، فقال: يا أبا جعفر أعد عليّ صوتك. فأعاده فشرب رطلا من شرابنا و قال: لو لا أنّي مدعوّ الخليفة لأقمت عندكم و استمعت هذا الغناء الذي هو أحسن من الزّهر، غبّ المطر.
منها:
مرّ بي سرب ظباء *** رائحات من قباء
زمرا نحو المصلّى *** يتمشّين حذائي(1)
فتجاسرت و ألقي *** - ت سرابيل الحياء
و قديما كان لهوي *** و فتوني بالنّساء(2)
/الغناء لإسحاق مما لا يشكّ فيه من صنعته، و لحنه من ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى/و ذكر محمد بن أحمد المكي أنه لجدّه يحيى. و ذكر حبش أنّ فيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى.
و منها:
يا بشر إني فاعلمي *** و اللّه مجتهدا يميني(3)
ما إن صرمت حبالكم *** فصلي حبالي أو ذريني
استبدلوا طلب الحجا *** ز و سرّة البلد الأمين
بحدائق محفوفة *** بالبيت من عنب و تين
يا دار أقفر رسمها *** بين المحصّب و الحجون
أقوت و غيّر آيها *** طول التّقادم و السّنين
الشعر للحارث بن خالد، و الغناء لابن جامع في الأربعة الأبيات الأول، رمل بالوسطى، و لابن سريج في الخامس و السادس و الأول و الثاني ثقيل أول بالبنصر.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني محمد بن مهرويه قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدثني الفضل بن المغنّي، عن محمد بن جبر قال:
دخلنا على إسحاق بن إبراهيم الموصليّ نعوده من علّة كان وجدها، فصادفنا عنده مخارقا، و علّوية، و أحمد بن المكي و هم يتحدّثون، فاتّصل الحديث بينهم، و عرض إسحاق عليهم أن يقيموا عنده ليتفرّج(1)بهم، و يخرج إليهم ستارته يغنّون من ورائها، /ففعلوا و جاء محمد بن حمزة وجه القرعة على بقيّة(2)ذلك فاحتبسه إسحاق معهم، و وضع النبيذ و غنّوا، فغنّى أو علّوية صوتا من الغناء القديم، فخالفه محمد فيه و في صانعه، و طال مراؤهما في ذلك، و إسحاق ساكت، ثم تحاكما إليه فحكم لمحمد و راجعه علوية، فقال له إسحاق: حسبك، فو اللّه ما فيكم أدرى بما يخرج من رأسه منه. ثم غنّى أحمد بن يحيى المكّيّ قوله:
قل للجمانة لا تعجل بإسراج(3)
فقال محمد: هذا اللّحن لمعبد و لا يعرف له هزج غيره. فقال أحمد: أمّا على ما شرط أبو محمد آنفا من أنّه ليس في الجماعة أدرى بما يخرج من رأسه منك فلا معارض لك. فقال له إسحاق: يا أبا جعفر، ما عنيتك و اللّه فيما قلت، و لكن قد قال إنّه لا يعرف لمعبد هزج غير هذا، و كلّنا نعلم إنّه لمعبد، فأكذبه أنت بهزج آخر له مما لا يشكّ فيه. فقال أحمد: ما أعرف.
قال محمد بن الحسن: و حدثني إسحاق الهاشميّ عن أبيه:
أنّ محمدا دخل معه على إسحاق الموصليّ مهنئا له بالسلامة من علّة كان فيها، فدعا بعود، فأمر به إسحاق فدفع إلى محمد، فغنّى أصواتا للقدماء و أصواتا لإبراهيم، و أصواتا لإسحاق، في إيقاعات مختلفة، فوجّه إسحاق خادما بين يديه إلى جواري أبيه، فخرجن حتّى سمعنه من وراء حجاب، ثم ودّعه و انصرف، فقال إسحاق للجواري: ما عندكنّ في هذا الفتى؟ فقلن: ذكّرنا و اللّه أباك فيما غنّاه. فقال: صدقتنّ. ثم أقبل علينا فقال: هو مغنّ محسن، و لكنّه لا يصلح للمطارحة لكثرة زوائده، و مثله إذا طارح جسر الذي يأخذ عنه(4)فلم ينتفع له، و لكنّه ناهيك به من مغنّ مطرب.
/قال إسحاق: و حدّثت أنه صار إلى مخارق عائدا، فصادف عنده المغنّين جميعا، فلما طلع تغامزوا عليه،
فسلّم على مخارق و سأله به، فأقبل عليه مخارق ثم قال له: يا أبا جعفر، إنّ جواريك اللواتي في ملكي قد تركن الدّرس من مدّة، فأحبّ أن تدخل إليهن و تأخذ عليهنّ و تصلح من غنائهن. ثم صاح بالخدم فسعوا بين يديه إلى حجرة الجواري، ففعل ما سأله مخارق، ثم خرج، فأعلمه أنه قد أتى ما أحبّه، و التفت إلى المغنّين فقال: قد رأيت غمزكم، فهل فيكم أحد رضي أبو المهنّا أعزّه اللّه حذقه و أدبه و أمانته، و رضيه لحواريه غيري؟ ثم ولّى فكأنما ألقمهم حجرا، فما أجابه أحد.
عفت الدّيار محلّها فمقامها *** بمنى تأبّد غولها فرجامها
فمدافع الرّيّان عرّي رسمها *** خلقا كما ضمن الوحيّ سلامها
فاقنع بما قسم الإله فإنّما *** قسم الخلائق بيننا علاّمها(1)
عروضه من الكامل. عفت: درست. و منّى: موضع في بلاد بني عامر، و ليس منى مكّة. تأبّد: توحّش.
و الغول و الرّجام: جبلان بالحمى. و الرّيان: واد. مدافعه: مجاري الماء فيه. و عرّي رسمها، أي ترك(2)و ارتحل عنه. يقول: عرّي من أهله. و سلامها: صخورها، واحدتها سلمة.
الشعر للبيد بن ربيعة العامريّ، و الغناء لابن سريج، رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، و فيه لابن محرز خفيف رمل أوّل بالوسطى عن حبش، و ذكر الهشاميّ(3)إنّ فيه رملا آخر للهذلي في الثالث و الأول.
هو لبيد بن ربيعة بن مالك(1)بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر.
و كان يقال لأبيه «ربيع المقترين»(2)لجوده و سخائه. و قتلته بنو أسد(3)في الحرب التي كانت بينهم و بين قومهم و قومه.
و عمّه أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة، سمي بذلك لقول أوس بن حجر فيه:
فلاعب أطراف الأسنّة عامر *** فراح له حظّ الكتيبة أجمع(4)
و أمّ لبيد تامرة(5)بنت زنباع العبسية، إحدى بنات جذيمة بن رواحة.
و لبيد أحد شعراء الجاهلية المعدودين فيها و المخضرمين ممّن أدرك الإسلام، و هو من أشراف الشّعراء المجيدين الفرسان القرّاء المعمّرين، يقال إنه عمّر مائة و خمسا و أربعين سنة.
أخبرني بخبره في عمره أحمد بن عبد العزيزي الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبّة عن عبد اللّه بن محمد بن حكيم. و أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا/ابن مهرويه قال حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، عن علي بن الصباح،
1) في «الخزانة» (337:1): «بن ربيعة بن عامر بن مالك».
2) هذا يطابق ما في «الشعر و الشعراء» 231. و في مب، ها، ف «المفتر». و سائر النسخ «المعترين». و الصواب في ذلك كله «ربيع المقترين». و مما يشهد له قول لبيد نفسه يذكر أباه: و لا من ربيع المقترين رزئته بذي علق فاقني حباءك و اصبري انظر «معجم البلدان» (علق).
3) في معظم الأصول: «بنو لبيد»، صوابه من مب، ها، ف «الشعر و الشعراء».
4) في معظم الأصول: «لها»، صوابه في مب، ها، ف و «الديوان» 11 و «الخزانة» (338:1) و «الشعر و الشعراء» 235.
5) ها، ف: «تامر».
عن ابن الكلبي، و عن عليّ بن المسور عن الأصمعيّ، و عن المدائني و عن رجال ذكرهم، منهم أبو اليقظان و ابن دأب، و ابن جعدبة، و الوقاصي.
أن لبيد بن ربيعة قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في وفد بني كلاب بعد وفاة أخيه أربد/و عامر بن الطّفيل، فأسلم و هاجر و حسن إسلامه، و نزل الكوفة أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه فأقام بها. و مات بها هناك في آخر خلافة معاوية، فكان عمره مائة و خمسا و أربعين سنة، منها تسعون سنة في الجاهلية، و بقيّتها في الإسلام.
قال عمر بن شبة في خبره: فحدثني عبد اللّه بن محمد بن حكيم أنّ لبيدا قال حين بلغ سبعا و سبعين سنة:
قامت تشكّى إليّ النّفس مجهشة *** و قد حملتك سبعا بعد سبعينا(1)
فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا *** و في الثّلاث وفاء للثمانينا
فلما بلغ التسعين قال:
كأنّي و قد جاوزت عشرين حجّة *** خلعت بها عن منكبيّ ردائيا
فلما بلغ مائة و عشرا قال:
أ ليس في مائة قد عاشها رجل *** و في تكامل عشر بعدها عمر
فلما جاوزها قال:
و لقد سئمت من الحياة و طولها *** و سؤال هذا الناس كيف لبيد
غلب الرّجال و كان غير مغلّب *** دهر طويل دائم ممدود
/يوما أرى يأتي عليّ و ليلة *** و كلاهما بعد المضاء يعود
و أراه يأتي مثل يوم لقيته *** لم ينتقص و ضعفت و هو يزيد
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم(2)السجستاني قال حدّثنا الأصمعي قال:
وفد عامر بن مالك ملاعب الأسنّة، و كان يكنى أبا البراء، في رهط من بني جعفر، و معه لبيد بن ربيعة، و مالك بن جعفر، و عامر بن مالك عمّ لبيد، على النّعمان، فوجدوا عنده الربيع بن زياد العبسيّ و أمّه فاطمة بنت الخرشب، و كان الربيع نديما للنّعمان مع رجل من تجّار الشام يقال له زرجون بن توفيل(3)، و كان حريفا للنّعمان يبايعه(4)، و كان أديبا حسن الحديث و النّدام، فاستخفّه(5)النعمان، و كان إذا أراد أن يخلو على شرابه بعث إليه و إلى
النّطاسيّ: متطبّب(1)كان له، و إلى الربيع بن زياد فخلا بهم، فلما قدم الجعفريّون كانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فإذا خرجوا من عنده خلا به الربيع فطعن فيهم و ذكر معايبهم، و كانت بنو جعفر له أعداء(2)، فلم يزل بالنّعمان حتّى صدّه عنهم، فدخلوا عليه يوما فرأوا منه جفاء، و قد كان يكرمهم و يقرّبهم، فخرجوا غضابا و لبيد متخلّف في رحالهم يحفظ متاعهم، و يغدو بإبلهم كلّ صباح يرعاها، فأتاهم ذات ليلة و هم يتذاكرون أمر الربيع، فسألهم عنه فكتموه، فقال: و اللّه لا حفظت لكم متاعا، و لا سرّحت لكم بعيرا أو تخبروني/فيم أنتم؟ و كانت أم لبيد يتيمة في حجر الربيع، فقالوا: خالك قد غلبنا على الملك و صدّ عنا وجهه. فقال لبيد: هل تقدرون على أن تجمعوا بيني و بينه فأزجره عنكم بقول ممضّ(3)لا يلتفت إليه النعمان أبدا؟ فقالوا: و هل عندك شيء؟ قال: نعم.
قالوا: فإنّا نبلوك. قال: و ما ذاك؟ قالوا: تشتم هذه البقلة - و قدّامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق، /لاصقة بالأرض، تدعى التّربة(4)- فقال: «هذه التّربة التي لا تذكي نارا و لا تؤهل دارا، و لا و تسرّ جارا، عودها ضئيل، و فرعها كليل، و خيرها قليل، أقبح البقول مرعى، و أقصرها فرعا، و أشدّها قلعا. بلدها شاسع، و آكلها جائع، و المقيم عليها قانع، فالقوا بي أخا عبس، أردّه عنكم بتعس، و أتركه من أمره في لبس». قالوا: نصبح و نرى فيك رأينا. فقال عامر: انظروا إلى غلامكم هذا - يعني لبيدا - فإن رأيتموه نائما فليس أمره بشيء، إنما هو يتكلّم بما جاء على لسانه، و إن رأيتموه ساهرا فهو صاحبه. فرمقوه فوجدوه و قد ركب رحلا و هو يكدم وسطه(5)حتّى أصبح، فقالوا: أنت و اللّه صاحبه. فعمدوا إليه فحلقوا رأسه و تركوا ذؤابته، و ألبسوه حلّة ثم غدا معهم و أدخلوه على النعمان، فوجدوه يتغدّى و معه الربيع بن زياد، و هما يأكلان لا ثالث لهما، و الدار و المجالس مملوءة من الوفود، فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريّين فدخلوا عليه، و قد كان أمرهم تقارب، فذكروا الذي قدموا له من حاجتهم، فاعترض الربيع بن زياد في كلامهم، فقال لبيد في ذلك:
أ كلّ يوم هامتي مقزّعه *** يا ربّ هيجا هي خير من دعه
نحن بني أمّ البنين الأربعة *** سيوف حزّ و جفان مترعه
/نحن خيار عامر بن صعصعة *** الضاربون الهام تحت الخيضعة
و المطمعون الجفنة المدعدعة(6)*** مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه
إنّ استه من برص ملمّعه(7)*** و إنّه يدخل فيها إصبعه
يدخلها حتّى يواري أشجعه(8)*** كأنّه يطلب شيئا ضيعه
1) المتطبب: «الذي يعاني الطب. و في معظم الأصول: «متطيب» صوابه في مب، ها، ف.
2) في معظم الأصول: «لهم أعداء» صوابه في مب، ها، ف.
3) في معظم الأصول: «محيص» صوابه في مب، ها، ف.
4) التربة بكسر الراء و فتحها: شجرة شاكة و ثمرتها كأنها بسرة معلقة. «اللسان» (ترب). ف، س: «الثربة» و معظم الأصول: «الثرية» و أثبت ما في مب.
5) الكدم: العض.
6) المدعدعة: المملوءة.
7) الملمعة: ذات اللمع. و اللمعة: كل لون خالف لونا.
8) الأشجع: مغرز الإصبع.
فرفع النعمان يده من الطعام و قال: خبّثت و اللّه عليّ طعامي يا غلام؛ و ما رأيت كاليوم. فأقبل الربيع على النعمان فقال: كذب و اللّه ابن الفاعلة(1)، و لقد فعلت بأمّه كذا و كذا. فقال له لبيد: مثلك فعل ذلك بربيبة أهله و القريبة من أهله، و إن أمي من نساء لم يكن فواعل ما ذكرت. و قضى النعمان حوائج الجعفريّين، و مضى من وقته و صرفهم، و مضى الربيع بن زياد إلى منزله من وقته، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه، و أمره بالانصراف إلى أهله، فكتب إليه الربيع: إنّي قد عرفت أنّه قد وقع في صدرك ما قال لبيد، و إنّي لست بارحا حتّى تبعث إليّ من يجرّدني فيعلم من حضرك من الناس أنّي لست كما قال لبيد. فأرسل إليه: إنّك لست صانعا بانتفائك مما قال لبيد شيئا، و لا قادرا على ردّ ما زلّت به الألسن، فالحق بأهلك. فلحق بأهله ثم أرسل إلى النعمان بأبيات شعر قالها، و هي:
لئن رحلت جمال لا إلى سعة *** ما مثلها سعة عرضا و لا طولا
بحيث لو وردت لخم بأجمعها *** لم يعدلوا ريشة من ريش سمويلا(2)
/ترعى الروائم أحرار البقول بها *** لا مثل رعيكم ملحا و غسويلا(3)
فاثبت بأرضك بعدي و اخل متكئا *** مع النّطاسيّ طورا و ابن توفيلا
فأجابه النعمان بقوله:
/شرّد برحلك عنّي حيث شئت و لا *** تكثر عليّ ودع عنك الأباطيلا
فقد ذكرت بشيء لست ناسيه *** ما جاورت مصر أهل الشّام و النّيلا
فما انتفاؤك منه بعد ما جزعت *** هوج المطيّ به نحو ابن سمويلا(4)
قد قيل ذلك إن حقّا و إن كذبا *** فما اعتذارك من قول إذا قيلا
فالحق بحيث رأيت الأرض واسعة *** فانشر بها الطّرف إن عرضا و إن طولا
قال: و قال لبيد يهجو الربيع بن زياد - و يزعمون أنها مصنوعة. قال:
ربيع لا يسقك نحوي سائق *** فتطلب الأذحال و الحقائق(5)
1) م، أ، ح، مب، ها، ف: «ابن الحمق».
2) في «اللسان» (سمل): «سمويل: طائر. و قيل بلدة كثيرة الطير».
3) الروائم: التي ترأم أولادها: تعطف عليها. في معظم الأصول: «حراز البقول» و الصواب ما أثبت من ف. و أحرار البقول: ما رق منها و رطب، و ذكورها: ما غلظ و خشن. و الغسويل بفتح العين المعجمة: نبت ينبت في السباخ. في الأصول ما عدا مب، ها، ف: «عسويلا»، تصحيف.
4) جزعت: قطعت. م: «ابن شمويلا». ف: «عيرا شماليلا».
5) الأذحال: جمع ذحل، و هو الثأر. في معظم الأصول: «الادخال» تصحيف، صوابه في مب و ها و «الديوان» 9.
و يعلم المعيا به و السّابق(1)*** ما أنت إن ضمّ عليك المازق(2)
إلاّ كشيء عاقه العوائق *** إنّك حاس حسوة فذائق
لا بدّ أن يغمز منك العاتق(3)*** غمزا ترى أنك منه ذارق(4)
إنّك شيخ خائن منافق *** بالمخزيات ظاهر مطابق
و كان لبيد يقول الشعر و يقول: لا تظهروه، حتى قال:
عفت الدّيار محلّها فمقامها
و ذكر ما صنع الربيع بن زياد، و ضمرة بن ضمرة(5). و من حضرهم من وجوه الناس، فقال لهم لبيد حينئذ:
أظهروها.
قال الأصمعي في تفسير قوله: الخيضعة، أصله الخضعة بغير ياء، يعني الجلبة و الأصوات، فزاد فيها الياء.
و قال في قوله «بالمخزيات ظاهر مطابق»: يقال طابق الدابة، إذا وضع يديه ثم رفعهما فوضع مكانهما رجليه، و كذلك إذا كان يطأ في شوك. و المأزق: المضيق. و النازق: الخفيف.
نسخت من كتاب مرويّ عن أبي الحكم قال: حدثني العلاء بن عبد اللّه الموقّع قال:
اجتمع عند الوليد بن عقبة سمّاره و هو أمير الكوفة و فيهم لبيد، فسأل لبيدا عما كان بينه و بين الربيع بن زياد عند النّعمان، فقال له لبيد: هذا كان من أمر الجاهلية و قد جاء اللّه بالإسلام. فقال له: عزمت عليك - و كانوا يرون لعزمة الأمير حقّا - فجعل يحدّثهم، فحسده رجل من غنيّ فقال: ما علمنا بهذا. قال: أجل يا ابن أخي، لم يدرك أبوك مثل ذلك، و كان أبوك ممّن لم يشهد تلك المشاهد فيحدّثك.
أخبرني عمي قال حدّثنا الكراني قال حدّثني العمريّ قال: حدثني الهيثم عن ابن عياش عن محمد بن المنتشر قال:
/لم يسمع من لبيد فخره في الإسلام غير يوم واحد، فإنّه كان في رحبة غنيّ مستلقيا على ظهره قد سجّى نفسه بثوبه، إذ أقبل شابّ من غنيّ فقال: قبح اللّه طفيلا حيث يقول:
جزى اللّه عنّا جعفرا حيث أشرفت *** بنا نعلنا في الواطئين فزلّت
1) في معظم الأصول: «المعنى»، صوابه من مب، ها و «الديوان».
2) ما عدا ح، مب، ها، ف و «الديوان»: «إليك المازق» تحريف.
3) العاتق: ما بين المنكب و العنق. و في معظم الأصول: «العائق» و في مب، ها «الفائق».
4) ذارق، من قولهم ذرق يذرق: خذق بسلحه. أ، م، ح: «ذائق»، و أثبت ما في «الديوان»، مب، ها، ف.
5) في معظم الأصول: «حمزة بن ضمرة»، تحريف صوابه في مب، ها، ف، و انظر «الاشتقاق» 149 و «البيان» (171:1).
أبوا أن يملّونا و لو أنّ أمنّا *** تلاقي الذي يلقون منّا لملّت
فذو المال موفور و كل معصّب *** إلى حجرات أدفأت و أظلّت(1)
و قالت هلمّوا الدار حتّى تبيّنوا *** و تنجلي الغمّاء عمّا تجلّت(2)
ليت شعري ما الذي رأى من بني جعفر حيث يقول هذا فيهم؟ قال: فكشف لبيد الثّوب عن وجهه و قال: يا ابن أخي، إنّك أدركت الناس و قد جعلت لهم شرطة يرعون(3)بعضهم/عن بعض، و دار رزق تخرج الخادم بجرابها فتأتي برزق أهلها، و بيت مال يأخذون منه أعطيتهم، و لو أدركت طفيلا يوم يقول هذا لم تلمه. ثم استلقى و هو يقول: أستغفر اللّه. فلم يزل يقول: أستغفر اللّه؛ حتى قام.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثنا محمد بن حكيم، عن خالد بن سعيد قال:
قال مرّ لبيد بالكوفة على مجلس بني نهد(4)و هو يتوكأ على محجن له فبعثوا إليه رسولا يسأله عن أشعر العرب، فسأله فقال: الملك الضّليل ذو القروح. فرجع/فأخبرهم فقالوا: هذا امرؤ القيس. ثم رجع إليه فسأله:
ثم من؟ فقال له: الغلام المقتول من بني بكر. فرجع فأخبرهم فقالوا: هذا طرفة. ثم رجع فسأله ثم من؟ فقال: ثم صاحب المحجن، يعني نفسه.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبة قال: حدثني أبو عبيدة قال:
لم يقل لبيد في الإسلام إلاّ بيتا واحدا، و هو:
الحمد للّه إذ لم يأتني أجلي *** حتّى لبست من الإسلام سربالا(5)
أخبرني أحمد قال: أخبرني عمي قال: حدثني محمد بن عباد بن حبيب المهلّبي قال: حدثنا نصر بن دأب عن داود بن أبي هند عن الشّعبي قال:
كتب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى المغيرة بن شعبة و هو على الكوفة: أن استنشد من قبلك من شعراء مصرك ما قالوا في الإسلام. فأرسل إلى الأغلب الراجز العجليّ، فقال له: أنشدني. فقال:
1) المعصب، بكسر الصاد المشدّدة كما في «القاموس»: من يعصب بطنه بالخرق من الجوع. في معظم الأصول: «مصعب» تحريف صوابه في مب، ها. و انظر «مجالس ثعلب» 461 و «ديوان طفيل» 57.
2) في معظم الأصول: «العمياء» مب، ها: «العوراء» و الصواب من ف.
3) الكلمة محرفة في الأصل. فهي في م، ح، ها، ف: «يرعون» ب، س: «يدعون». و الصواب في أ.
4) في معظم النسخ: «نهل» ج: «بهر» و كلاهما محرف عما أثبت من مب، ها، ف.
5) في «الإصابة» 7535: «قال أبو عمرو: البيت الذي أوله «الحمد للّه إذ لم يأتني أجلي» ليس للبيد، بل هو لقردة بن نفاثة». و قيل إن البيت الذي قاله في الإسلام: ما عاتب الحر الكريم كنفسه و المرء يصلحه الجليس الصالح «الخزانة» (337:1).
أ رجزا تريد أم قصيدا *** لقد طلبت هيّنا موجودا
ثم أرسل إلى لبيد فقال: أنشدني. فقال: إن شئت ما عفي عنه - يعني الجاهلية - فقال: لا، أنشدني ما قلت في الإسلام. فانطلق فكتب سورة البقرة في صحيفة ثم أتى بها و قال: أبدلني اللّه هذه في الإسلام مكان الشعر.
فكتب بذلك المغيرة إلى عمر، فنقص من عطاء الأغلب خمسمائة و جعلها في عطاء لبيد، /فكان عطاؤه ألفين و خمسمائة، فكتب الأغلب: يا أمير المؤمنين أ تنقص عطائي أن أطعتك؟! فردّ عليه خمسمائة و أقرّ عطاء لبيد على ألفين و خمسمائة.
قال أبو زيد: و أراد معاوية أن ينقصه من عطائه لمّا ولي الخلافة، و قال: هذان(1)الفودان - يعني الألفين - فما بال العلاوة؟ يعني الخمسمائة. فقال له لبيد: إنما أنا هامة اليوم أو غد، فأعرني اسمها(2)، فلعلّي لا أقبضها أبدا فتبقى لك العلاوة و الفودان(3). فرقّ له و ترك عطاءه على حاله، فمات و لم يقبضه.
و قال عمر بن شبّة في خبره الذي ذكره عن عبد اللّه بن محمد بن حكيم. و أخبرني به إبراهيم بن أيوب عن عبد اللّه بن مسلم قالا:
كان لبيد من جوداء العرب(4)، و كان قد آلى في الجاهلية أن لا تهبّ صبا إلاّ أطعم، و كان له جفنتان يغدو بهما و يروح في كلّ يوم على مسجد قومه فيطعمهم، فهبّت الصبا يوما و الوليد بن عقبة على الكوفة، فصعد الوليد المنبر فخطب الناس ثم قال: إنّ أخاكم لبيد بن ربيعة قد نذر في الجاهلية ألا تهبّ صبا إلاّ أطعم، و هذا يوم من أيامه، و قد هبّت صبا فأعينوه، و أنا أوّل من فعل. ثم نزل عن المنبر فأرسل إليه بمائة بكرة، و كتب إليه بأبيات قالها:
أرى الجزّار يشحذ شفرتيه *** إذا هبّت رياح أبي عقيل
/أشمّ الأنف أصيد عامريّ *** طويل الباع كالسّيف الصّقيل
و في ابن الجعفريّ بحلفتيه *** على العلاّت و المال القليل(5)
بنحر الكوم إذ سحبت عليه *** ذيول صبا تجاوب بالأصيل
1) هذه الكلمة من ها، ف.
2) هذا الصواب من مب، ها، ف. و سائر النسخ: «فأعدني اسمها». و في أ: «فأعد في اسمها».
3) في «معظم الأصول»: «العودان» صوابه من مب، ها، ف و «الشعر و الشعراء» 333 و «الخزانة». و الفود في الأصل: العدل من الأعدال. و العلاوة: ما يكون بين العدلين من خشبة و نحوها. و انظر الخبر برواية أخرى في «المعمرين» 61.
4) الجوداء: جمع جواد. ما عدا في، ها، ف: «أجود العرب».
5) على العلات: على أكمل حال في عسره و يسره.
فلما بلغت أبياته لبيدا قال لابنته: أجيبيه، فلعمري لقد عشت برهة و ما أعيا بجواب شاعر. فقالت ابنته:
إذا هبّت رياح أبي عقيل *** دعونا عند هبّتها الوليدا
أشمّ الأنف أروع عبشميّا *** أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأنّ ركبا *** عليها من بني حام قعودا(1)
أبا وهب جزاك اللّه خيرا *** نحرناها فأطعمنا الثّريدا
فعد إنّ الكريم له معاد *** و ظنّي يا ابن أروى أن تعودا(2)
فقال لها لبيد: أحسنت لو لا أنك استطعمته. فقالت: إنّ الملوك لا يستحيا من مسألتهم. فقال: و أنت يا بنية في هذه أشعر.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثني محمد بن عمران الضبي قال: حدّثني القاسم بن يعلى عن المفضّل الضبي قال:
قدم الفرزدق فمرّ بمسجد بني أقيصر، و عليه رجل ينشد قول لبيد:
و جلا السّيول عن الطّلول كأنها *** زبر تجدّ متونها أقلامها
فسجد الفرزدق فقيل له: ما هذا يا أبا فراس؟ فقال: أنتم تعرفون سجدة القرآن، و أنا أعرف سجدة الشعر.
أخبرنا أحمد بن عبد اللّه بن عمار قال: حدّثنا يعقوب الثقفي، و ابن عيّاش، و مسعر بن كدام، كلّهم عن عبد الملك بن عمير قال:
/أخبرني من أرسله القراء الأشراف - قال الهيثم: فقلت لابن عياش: من القرّاء الأشراف؟ قال: سليمان بن صرد الخزاعيّ، و المسيّب بن نجبة الفزاريّ(3)، و خالد بن عرفطة الزّهري، و مسروق بن الأجدع الهمداني، و هانئ بن عروة المرادي(4)- إلى لبيد بن ربيعة و هو في المسجد، و في يده محجن فقلت: يا أبا عقيل، إخوانك يقرءونك السلام و يقولون: أيّ العرب أشعر؟ قال: الملك الضّليل ذو القروح. فردّوني إليه و قالوا: و من ذو القروح؟ قال: امرؤ القيس. فأعادوني إليه و قالوا: ثم من؟ قال: الغلاء ابن ثمان عشرة سنة. فردّوني إليه فقلت: و من هو؟ فقال: طرفة. فردّوني إليه فقلت: ثم من؟ قال: صاح المحجن حيث يقول:
إنّ تقوى ربّنا خير نفل *** و بإذن اللّه ريثي و عجل
أحمد اللّه و لا ندّ له *** بيديه الخير ما شاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدى *** ناعم البال و من شاء أضلّ(1)
يعني نفسه. ثم قال: أستغفر اللّه.
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدثنا عمر بن شبّة عن ابن البواب قال:
جلس المعتصم يوما للشراب، فغنّاه عض المغنّين قوله:
و بنو العباس لا يأتون «لا» *** و على ألسنهم خفّت «نعم»
/زيّنت أحلامهم أحسابهم *** و كذاك الحلم زين للكرم
/فقال: ما أعرف هذا الشعر، فلمن هو؟ قيل: للبيد. فقال: و ما للبيد و بني العبّاس؟ قال المغنّي: إنما قال:
و بنو الدّيان(2)لا يأتون
فجعلته «و بنو العباس». فاستحسن فعله و وصله.
و كان يعجب بشعر لبيد فقال: من منكم يروي قوله:
بلينا و ما تبلى النجوم الطوالع
فقال بعض الجلساء: أنا. فقال: أنشدنيها. فأنشد:
بلينا و ما تبلى النّجوم الطوالع *** و تبقى الجبال بعدنا و المصانع
و قد كنت في أكناف جار مضنّة *** ففارقني جار بأربد نافع(3)
فبكى المعتصم حتّى جرت دموعه، و ترحّم على المأمون، و قال: هكذا كان رحمة اللّه عليه! ثم اندفع و هو ينشد باقيها و يقول:
فلا جزع إن فرّق الدّهر بيننا *** فكلّ امرئ يوما له الدهر فاجع
و ما الناس إلاّ كالدّيار و أهلها *** بها يوم حلّوها و بعد بلاقع(4)
و يمضون أرسالا و نخلف بعدهم *** كما ضمّ إحدى الراحتين الأصابع
و ما المرء إلا كالشّهاب وضوئه *** يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
و ما البرّ إلا مضمرات من التّقى *** و ما المال إلا عاريات ودائع(5)
/أ ليس ورائي إن تراخت منيّتي *** لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
1) «ديوان لبيد» ص 11.
2) بنو الديان، من بني الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب. «تاج العروس» (دين). و قد مدحهم السموأل. «الأمالي» (270:1). و أمية بن أبي الصلت. «الأمالي» (38:3). في الأصول: ما عدا مب، ها، ف: «و بنو السريان»، تحريف.
3) في معظم الأصول: «دار مضنة» و «بأربة»، صوابهما في ف و «الديوان» و «الشعر و الشعراء» 236.
4) في معظم الأصول: «و تغدو» صوابه في مب، ها، و «الديوان» و «الشعر و الشعراء»: «و غدوا بلاقع».
5) في معظم الأصول: «و ما المرء» صوابه في مب، ها، ف، و «الديوان» و «الشعر و الشعراء».
أخبّر أخبار القرون التي مضت *** أدبّ كأنّي كلما قمت راكع
فأصبحت مثل السّيف أخلق جفنه *** تقادم عهد القين و النصل قاطع
فلا تبعدن إنّ المنية موعد *** علينا فدان للطّلوع و طالع
أعاذل ما يدريك إلاّ تظنّيا *** إذا رحل الفتيان من هو راجع(1)
أ تجزع مما أحدث الدهر بالفتى *** و أيّ كريم لم تصبه القوارع
لعمرك ما تدري الضّوارب بالحصى *** و لا زاجرات الطّير ما اللّه صانع
قال: فعجبنا و اللّه من حسن ألفاظه، و صحّة إنشاده، و جودة اختياره.
أخبرني الحسين بن علي قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه. و حدّثنا محمد بن جرير الطبري قال: حدثنا محمد بن حميد الرازي قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق قال(2):
كان عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، فتفكّر يوما في نفسه فقال: و اللّه ما ينبغي لمسلم أن يكون آمنا في جوار كافر و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم خائف. فجاء إلى الوليد بن المغيرة فقال له: أحبّ أن تبرأ من جواري. قال:
لعلّه رابك ريب. قال: لا، و لكن أحبّ أن تفعل. قال: فاذهب بنا حتّى أبرأ منك حيث أجرتك(3). فخرج معه إلى المسجد الحرام فلمّا وقف على جماعة قريش قال لهم: هذا ابن مظعون قد كنت أجرته ثم سألني أن أبرأ منه، أ كذاك يا عثمان؟ /قال: نعم. قال: اشهدوا أني منه بريء.
قال: و جماعة يتحدّثون من قريش معهم لبيد بن ربيعة ينشدهم، فجلس عثمان مع القوم فأنشدهم لبيد:
ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل
/فقال له عثمان: صدقت. فقال لبيد:
و كلّ نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان: كذبت. فلم يدر القوم ما عنى. فأشار بعضهم إلى لبيد أن يعيد، فأعاد فصدّقه في النصف الأول و كذّبه في الآخر، لأنّ نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش، ما كان مثل هذا يكون في مجالسكم. فقام أبيّ بن خلف أو ابنه فلطم وجه عثمان، فقال له قائل: لقد كنت في منعة من هذا بالأمس. فقال له: ما أحوج عيني هذه الصحيحة إلى أن يصيبها ما أصاب الأخرى في اللّه.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثنا أحمد بن الهيثم قال: حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن عبد اللّه بن عيّاش قال:
كتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإشحاص الشعبيّ إليه، فأشخصه فألزمه ولده، و أمر بتخريجهم و مذاكرتهم، قال: فدعاني يوما في علّته التي مات فيها فغصّ بلقمة و أنا بين يديه، فتساند طويلا ثم قال: أصبحت كما قال الشاعر:
كأنّي و قد جاوزت سبعين حجّة *** خلعت بها عنّي عذار لجام
إذا ما رآني الناس قالوا أ لم يكن *** شديد محال البطش غير كهام
رمتني بنات الدّهر من حيث لا أرى *** و كيف بمن يرمى و ليس برام
و لو أنّني أرمى بسهم رأيته *** و لكنّني أرمي بغير سهام
فقال الشعبيّ: فقلت: إنّا للّه، استسلم الرّجل و اللّه للموت! فقلت: أصلحك اللّه، و لكن مثلك ما قال لبيد:
/باتت تشكّى إليّ الموت مجهشة *** و قد حملتك سبعا بعد سبعينا
فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا *** و في الثّلاث و فاء للثمانينا
فعاش إلى أن بلغ تسعين سنة فقال(1):
كأنّي و قد جاوزت تسعين حجة *** خلعت بها عن منكبيّ ردائيا(2)
فعاش إلى أن بلغ مائة و عشر سنين. فقال:
أ ليس في مائة قد عاشها رجل *** و في تكامل عشر بعدها عمر
فعاش إلى أن بلغ مائة و عشرين سنة فقال:
و لقد سئمت من الحياة و طولها *** و سؤال هذا الناس كيف لبيد
غلب الرجال و كان غير مغلّب *** دهر جديد دائم ممدود
يوم أرى يأتي عليه و ليلة *** و كلاهما بعد المضاء يعود
ففرح و استبشر و قال: ما أرى بأسا، و قد وجدت خفّا(3). و أمر لي بأربعة آلاف درهم، فقبضتها و خرجت، فما بلغت الباب حتّى سمعت الواعية(4)عليه.
و غنّى في هذه الأبيات التي أوّلها:
غلب الرجال و كان غير مغلّب
عمر الواديّ خفيف رمل مطلق بالوسطى عن عمرو.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثنا هارون بن مسلم عن العمري عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال:
/نظر النابغة الذبياني إلى لبيد بن ربيعة و هو صبيّ، مع أعمامه على باب النّعمان بن المنذر، فسأل عنه فنسب له، فقال له: يا غلام، إنّ عينيك لعينا شاعر، أ فتقرض من الشّعر شيئا؟ قال: نعم يا عمّ. قال: فأنشدني شيئا مما قلته. فأنشده قوله:
أ لم تربع على الدّمن الخوالي(1)
فقال له: يا غلام، أنت أشعر بني عامر، زدني يا بنيّ. فأنشده:
طلل لخولة بالرّسيس قديم
فضرب بيديه إلى جنبيه و قال: اذهب فأنت أشعر من قيس كلّها، أو قال: هوازن كلّها.
و أخبرني بهذا الخبر عمي قال: حدّثنا العمري عن لقيط عن أبيه، و حماد الراوية عن عبد اللّه بن قتادة المحاربي قال:
كنت مع النابغة بباب النّعمان بن المنذر، فقال لي النابغة: هل رأيت لبيد بن ربيعة فيمن حضر؟ قلت: نعم.
قال: أيّهم أشعر؟ قلت: الفتى الذي رأيت من حاله كيت و كيت. فقال: اجلس بنا حتّى يخرج إلينا. قال: فجلسنا فلما خرج قال له النابغة: إليّ يا ابن/أخي. فأتاه فقال: انشدني. فأنشده قوله:
أ لم تلمم على الدّمن الخوالي *** لسلمى بالمذانب فالقفال(2)
فقال له النابغة: أنت أشعر بني عامر، زدني. فأنشده:
طلل لخولة بالرّسيس قديم *** فبعاقل فلأنعمين رسوم(3)
/فقال له: أنت أشعر هوازن، زدني. فأنشده قوله:
عفت الدّيار محلّها فمقامها *** بمنى تأبّد غولها فرجامها
فقال له النابغة: اذهب فأنت أشعر العرب.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدثني عبد اللّه بن محمد بن حكيم، عن خالد بن
1) ربع كمنع. وقف و انتظر و تحبس.
2) في معظم الأصول: «بالمذائب»، صوابه من مب، ها، ف و «الديوان» 108 طبع 1880. و القفال، بالضم، كما في «معجم البلدان».
3) الرسيس، بهيئة التصغير: واد بنجد لبني كاهل من بني أسد. و عاقل: واد بنجد أسفله لبني أسعد. في معظم الأصول: «بمعاقل»، صوابه من مب، ها، ف و «الديوان» 91. و جاء أيضا في شعر لبيد: و نائحتان تنديان بعاقل أخا ثقة لا عين منه و لا أثر
سعيد، أنّ لبيدا لما حضرته الوفاة قال لابن أخيه و لم يكن له ولد ذكر: يا بنيّ، إنّ أباك لم يمت و لكنّه فني. فإذا قبض أبوك فأقبله القبلة(1)و سجّه بثوبه، و لا تصرخنّ عليه صارخة، و انظر جفنتيّ اللتين كنت أصنعهما فاصنعهما ثم احملهما إلى المسجد، فإذا سلّم الإمام فقدّمها إليهم، فإذا طعموا فقل لهم فليحضروا جنازة أخيهم. ثم أنشد قوله:
و إذا دفنت أباك فاج *** عل فوقه خشبا و طينا(2)
و سقائفا صمّا روا *** سيها يسدّدن الغصونا(3)
ليقين حرّ الوجه سف *** ساف التّراب و لن يقينا
قال: و هذه الأبيات من قصيدة طويلة.
و قد ذكر يونس أنّ لابن سريج لحنا في أبيات من قصيدة لبيد هذه، و لم يجنّسه.
أ بنيّ هل أبصرت أع *** مامي بني أمّ البنينا
و أبي الذي كان الأرا *** مل في الشّتاء له قطينا
و أبا شريك و المنا *** زل في المضيق إذا لقينا(4)
/ما إن رأيت و لا سمع *** ت بمثلهم في العالمينا
فبقيت بعدهم و كن *** ت بطول صحبتهم ضنينا
دعني و ما ملكت يمي *** ني إن سددت بها الشئونا(5)
و افعل بمالك ما بدا *** لك مستعانا أو معينا
قال: و قال لابنتيه حين احتضر(6)، و فيه غناء:
تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما *** و هل أنا إلاّ من ربيعة أو مضر
فإن حان يوما أن يموت أبوكما *** فلا تخمشا وجها و لا تحلقا شعر
و قولا هو المرء الذي لا حليفه *** أضاع، و لا خان الصّديق و لا غدر
و الأنعمان: جبل ببطن عاقل. «رسوم» كذا في «الديوان»، مب، ها، ف. و في سائر النسخ: «و شوم».
إلى الحول ثم اسم السّلام عليكما *** و من يبك حولا كاملا فقد اعتذر
في هذه الأبيات هزج خفيف مطلق في مجرى الوسطى. و ذكر الهشامي إنّه لإسحاق. و ذكر/أحمد بن يحيى أنه لإبراهيم.
قال: فكانت ابنتاه تلبسان ثيابهما في كلّ يوم، ثم تأتيان مجلس بني جعفر بن كلاب فترثيانه و لا تعولان، فأقامتا على ذلك حولا ثم انصرفتا.
سألناه الجزيل فما تأبّى *** فأعطى فوق منيتنا و زادا
و أحسن ثمّ أحسن ثم عدنا *** فأحسن ثم عدت له فعادا
مرارا ما دنوت إليه إلاّ *** تبسّم ضاحكا و ثنى الوسادا
الشعر لزياد الأعجم، و الغناء لشارية، خفيف رمل بالبنصر مطلق.
زياد بن سليمان(1)، مولى عبد القيس، أحد بني عامر بن الحارث، ثم أحد بني مالك بن عامر الخارجية(2).
أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن أبي سعيد السكري. و أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، عن عمه عن ابن حبيب قال:
هو زياد بن جابر بن عمرو، مولى عبد القيس. و كان ينزل إصطخر فغلبت العجمة على لسانه، فقيل له الأعجم.
و ذكر ابن النّطاح مثل ذلك في نسبه، و خالف في بلده، و ذكر أنّ أصله و مولده و منشأه بأصبهان ثمّ انتقل إلى خراسان، فلم يزل بها حتّى مات.
و كان شاعرا جزل الشّعر فصيح الألفاظ على لكنة لسانه، و جريه على لفظ أهل بلده.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا محمد بن موسى قال:
حدّثت عن المدائني أنّ زيادا الأعجم دعا غلاما له ليرسله في حاجة، فأبطأ فلما جاءه قال له: منذ لدن دأوتك إلى أن قلت لبّى(3)ما كنت تسنأ؟ يريد منذ لدن دعوتك إلى أن قلت لبّيك ما ذا كنت تصنع.
فهذه ألفاظه كما ترى في نهاية القبح و اللّكنة.
و هو الذي يقول يرثي المغيرة بن المهلّب(4)بقوله:
1) و كذا في «المؤتلف» 131. و في «الشعر و الشعراء» 395 و «الخزانة» (193:4): «زياد بن سلمى».
2) في «المؤتلف»: «أحد بني عامر بن الحارث، ثم أحد بني الخارجية».
3) في الأصول ما عدا مب، ها: «لي»، تحريف. و في «الخزانة»: «لبىء».
4) كذا على الصواب في أ، مب، ها، و هو المطابق «للشعر و الشعراء» 397 و «أمالي القالي»، (8:2) و «الخزانة» و «معجم الأدباء» (170:11). و في سائر النسخ: «المهلب بن المغيرة»، تحريف.
قل للقوافل و الغزيّ إذا غزوا *** و الباكرين و للمجدّ الرائح(1)
إنّ المروءة و السّماحة ضمّنا *** قبرا بمرو على الطّريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به *** كوم الهجان و كلّ طرف سابح(2)
و انضح جوانب قبره بدمائها *** فلقد يكون أخادم و ذبائح
يا من بمهوى الشّمس من حيّ إلى *** ما بين مطلع قرنها المتنازح(3)
مات المغيرة عد طول تعرّض *** للموت بين أسنّة و صفائح
و القتل ليس إلى القتال و لا أرى *** حيّا يؤخّر للشّفيق الناصح
و هي طويلة. و هذا من نادر الكلام، و نقيّ المعاني، و مختار القصيد، و هي معدودة من مراثي الشّعراء في عصر زياد و مقدّمها.
لابن جامع في الأبيات الأربعة الأول غناء أوّله نشيد كلّه، ثم تعود الصّنعة إلى الثاني و الثالث في طريقة الهزج بالوسطى.
و قد أخبرني علي بن سليمان الأخفش، عن السكّري عن محمد بن حبيب، أنّ من الناس من/يروي هذه القصيدة للصّلتان العبديّ. و هذا قول شاذّ، و الصحيح أنّها لزياد قد دوّنها الرواة، غير مدفوع عنها.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال: حدثنا ابن عائشة عن أبيه قال:
/رثى زياد الأعجم المغيرة بن المهلب فقال:
إنّ الشّجاعة و السّماحة ضمّنا *** قبرا بمرو على الطّريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به *** كوم الهجان و كلّ طرف سابح
فقال له يزيد بن المهلب: يا أبا أمامة، أ فعقرت أنت عنده؟ قال: كنت على بنت الهمار(4). يريد الحمار.
أخبرني مالك بن محمد الشيباني قال:
كنت حاضرا في مجلس أبي العباس، فقلت و قد قرئ عليه شعر زياد الأعجم، فقرئت عليه قصيدته:
قل للقوافل و الغزيّ إذا غزوا *** و الباكرين و للمجدّ الرائح(5)
1) الغزي: اسم جمع للغازي. ب، س: «للقرى إذا قروا»، تحريف. و يروى: «و الغزاة إذا غزوا».
2) الطرف، بالكسر: الجواد الكريم الطرفين: الأب و الأم. و السابح: السريع كأنه يسبح بقوائمه.
3) كذا في ف. و في مب، ها: «بمعزى الشمس» و سائر النسخ: «لبعد الشمس». و في «الأمالي»: يا من بمغدى الشمس أو بمراحها أو من يكون بقرنها المتنازح.
4) في جمهور الأصول: «بيت الحمار»، صوابه في مب، ها، ف.
5) ب، س: «و القرى إذا قروا». و انظر ما سبق في ص 381.
قال: فقلت إنّها من مختار الشعر، و لقد أنشدت لبعض المحدثين في نحو هذا المعنى أبياتا حسنة. ثمّ أنشدنا:
أيّها الناعيان من تنعيان *** و على من أراكما تبكيان
اندبا الماجد الكريم أبا إس *** حاق ربّ المعروف و الإحسان
و اذهبا بي إن لم يكن لكما عق *** - ر إلى جنب قبره فاعقراني
و انضحا من دمي عليه فقد كا *** ن دمي من نداه لو تعلمان
أخبرني وكيع قال: حدثني إسحاق بن محمد النخعيّ عن ابن عائشة عن أبيه قال:
/كان المهلب بن أبي صفرة بخراسان، فخرج إليه زياد الأعجم فمدحه، فأمر له بجائزة فأقام عنده أياما. قال:
فإنّا لبعشيّة نشرب مع حبيب بن المهلّب في دار له، و فيها حمامة، إذ سجعت الحمامة فقال زياد:
تغنّى أنت في ذممي و عهدي *** و ذمّة والدي إن لم تطاري
و بيتك فاصلحيه و لا تخافي *** على صفر مزغّبة صغار
فإنّك كلّما غنّيت صوتا *** ذكرت أحبّتي و ذكرت داري
فإمّا يقتلوك طلبت ثارا *** له نبأ لأنك في جواري
فقال حبيب: يا غلام، هات القوس. فقال له زياد: و ما تصنع بها؟ قال: أرمي جارتك هذه. قال: و اللّه لئن رميتها لاستعدينّ عليك الأمير. فأتى بالقوس فنزع لها سهما فقتلها، فوثب زياد فدخل على المهلّب فحدّثه الحديث و أنشده الشعر، فقال المهلّب: عليّ بأبي بسطام، فأتي بحبيب فقال له: أعط أبا أمامة دية جارته ألف دينار. فقال:
أطال اللّه بقاء الأمير، إنّما كنت ألعب. قال: أعطه كما آمرك. فأنشأ زياد يقول:
فلله عينا من رأى كقضيّة *** قضى لي بها قرم العراق المهلّب
رماها حبيب بن المهلّب رمية *** فأثبتها بالسّهم و السهم يغرب(1)
فألزمه عقل الفتيل ابن حرّة *** و قال حبيب: إنّما كنت ألعب
/فقال: زياد لا يروّع جاره *** و جارة جاري مثل جلدي و أقرب(2)
قال: فحمل حبيب إليه ألف دينار على كره منه، فإنّه ليشرب مع حبيب يوما إذا عربد عليه حبيب، و قد كان حبيب ضغن عليه ممّا جرى، فأمر بشقّ قباء ديباج كان عليه، فقام فقال:
لعمرك ما الدّيباج خرّقت وحده *** و لكنّما خرّقت جلد المهلّب
فبعث المهلّب إلى حبيب فأحضره، و قال له: صدق زياد، ما خرّقت إلاّ جلدي، تبعث هذا على أن يهجوني.
ثم بعث إليه فأحضره، فاستلّ سخيمته من صدره و أمر له بمال و صرفه.
و قد أخبرني وكيع بهذا الخبر أيضا. قال أحمد بن الهيثم بن فراس، قال العمري عن الهيثم بن عديّ قال:
تهاجى قتادة بن مغرب(1)اليشكري و زياد الأعجم بخراسان، و كان زياد يخرج و عليه قباء ديباج، تشبّها بالأعاجم، فمر به يزيد بن المهلّب و هو على حاله تلك، فأمر به فقنّع أسواطا، و مزّقت ثيابه و قال له: أ بأهل الكفر و الشّرك تتشبّه(2)لا أمّ لك؟ فقال زياد:
لعمرك ما الديباج خرّقت وحده *** و لكنّما خرّقت جلد المهلّب
و ذكر باقي الخبر مثله و قال فيه:
فدعا به المهلّب فقال له: يا أبا أمامة، قلت شيئا آخر؟ قال: لا و اللّه أيّها الأمير. قال: فلا تقل. و أعتبه(3)و كساه و حمله، و أمر له بعشرة آلاف درهم و قال له: اعذر ابن أخيك يا أبا أمامة، فإنه لم يعرفك.
/و هذه الأبيات التي فيها الغناء يقولها زياد الأعجم في عمر بن عبيد اللّه بن معمر التّيمي.
أخبرني بخبره في ذلك أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبّة قال:
أتى زياد الأعجم عمر بن عبيد اللّه بن معمر بفارس، و قدم عليه عراك(4)بن محمّد الفقيه من مصر، فكان عراك يحدّثه الفقهاء، فقال زياد:
يحدّثنا أنّ القيامة قد أتت *** و جاء عراك يبتغي المال من مصر
فكم بين باب النّوب إن كنت صادقا *** و إيوان كسرى من فلاة و من قصر(5)
و قال يمدح عمر بن عبيد اللّه:
سألناه الجزيل فما تأبّى *** و أعطى فوق منيتنا و زادا
و ذكر الأبيات الثلاثة.
نسخت من كتاب ابن أبي الدنيا: أخبرني محمد بن زياد، عن ابن عائشة. و أخبرني هاشم بن محمد قال:
حدّثني عيسى بن إسماعيل عن ابن عائشة، و خبر ابن أبي الدّنيا أتمّ. قال:
1) أ، م، ها، مب، ف: «معرب» و في سائر النسخ: «مقرب»، صوابهما من «الشعر و الشعراء»، و سيأتي على الصواب قريبا.
2) س، ب، أ: «أبا المهلب و الترك تتشبه». و في ح، ها، ف: «أ بأهل الشرك تتشبه». و أثبت ما في م، مب.
3) أعتبه: أزال عتبه، أي أرضاه.
4) ما عدا مب، ها، ف: «غزال» في هذا الموضع و الشعر بعده.
5) في معظم الأصول: «باب الترك»، صوابه في مب، ها، ف. و يعني بباب النوبة، مصر. ح فقط: «و أبواب كسرى».
كان زياد الأعجم صديقا لعمر بن عبيد اللّه بن معمر قبل أن يلي، فقال له عمر: يا أبا أمامة، لو قد وليت لتركتك لا تحتاج إلى أحد أبدا. فلما ولي فارس قصده، فلمّا لقيه أنشأ يقول:
أبلغ أبا حفص رسالة ناصح *** أتت من زياد مستبينا كلامها
فإنّك مثل الشّمس لا ستر دونها *** فكيف أبا حفص عليّ ظلامها
/فقال له عمر: لا يكون عليك ظلامها أبدا. فقال زياد:
لقد كنت أدعو اللّه في السّرّ أن أرى *** أمور معدّ في يديك نظامها
فقال له: قد رأيت ذلك. فقال:
/فلما أتاني ما أردت تباشرت *** بناتي و قلن العام لا شكّ عامها
قال: فهو عامهنّ إن شاء اللّه تعالى. فقال:
فإنّي و أرضا أنت فيها ابن معمر *** كمكّة لم يطرب لأرض حمامها(1)
قال: فهي كذلك يا زياد. فقال:
إذا اخترت أرضا للمقام رضيتها *** لنفسي و لم يثقل عليّ مقامها
و كنت أمني النفس منك ابن معمر *** أمانيّ أرجو أن يتمّ تمامها
قال: قد أتمّها اللّه عليك. فقال:
فلا أك كالمجري إلى رأس غاية *** يرجّي سماء لم يصبه غمامها
قال: لست كذلك فسل حاجتك. قال: نجيبة و رحالتها(2)، و فرس رائع و سائسه، و بدرة و حاملها، و جارية و خادمها، و تخت ثياب(3)و وصيف يحمله. فقال: قد أمرنا لك بجميع ما سألت، و هو لك علينا في كلّ عام.
فخرج من عنده حتّى قدم على عبد اللّه بن الحشرج و هو بسابور، فأنزله و ألطفه(4)، فقال في ذلك:
إنّ السّماحة و المروءة و النّدى *** في قبّة ضربت على ابن الحشرج
ملك أغرّ متوّج ذو نائل *** للمعتفين يمينه لم تشنج
/يا خير من صعد المنابر بالتقى *** بعد النبيّ المصطفى المتحرّج
لما أتيتك راجيا لنوالكم *** ألفيت باب نوالكم لم يرتج(5)
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
أخبرنا محمد بن خلف وكيع، عن عبد اللّه بن محمد، عن عبيد اللّه بن الحسن بن عبد الرّحمن بهذا الخبر فقال فيه: «أتى زياد عبد اللّه بن عامر بن كريز». و الخبر الأوّل أصحّ. و زاد في الشعر:
أخ لك لا تراه الدّهر إلاّ *** على العلاّت بسّاما جوادا
فقال له عمر: أحسنت يا أبا أمامة، و لك لكلّ بيت ألف. قال: دعني أتمّها مائة. قال: أما إنّك لو كنت فعلت لفعلت، و لكن لك ما رزقت.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا ابن عائشة قال: حدّثني أبي قال:
لما خرج ابن الأشعث أرسل عبد الملك إلى عمر بن عبيد اللّه بن معمر ليقدم عليه، فلما كان بضمير، و هي من الشام، مات بالطاعون، فقام عبد الملك على قبره و قال: أما و اللّه لقد علمت قريش أن قد فقدت اليوم نابا من أنيابها. و قال جدّ خلاّد بن أبي عمرو الأعمى، و كانوا موالي أبي وجرة بن أبي عمرو بن أميّة: أ هو اليوم ناب لمّا مات، و كان أمس ضرسا كليلة؟! أما و اللّه لوددت أنّ السماء وقعت على الأرض فلم يعش بينهما أحد بعده! و سمعها عبد الملك فتغافل عنها.
قال: و قال الفرزدق يرثيه:
يا أيّها الناس لا تبكوا على أحد *** بعد الذي بضمير وافق القدرا
كانت يداه لنا سيفا نصول به *** على العدوّ و غيثا ينبت الشّجرا
/أمّا قريش أبا حفص فقد رزئت *** بالشّام إذا فارقتك البأس و الظفرا
/من يقتل الجوع من بعد الشهيد و من *** بالسيف يقتل كبش القوم إذ عكرا(1)
إنّ النوائح لم يعددن في عمر *** ما كان فيه إذا المولى به افتخرا
إذا عددن فعالا أو له حسبا *** و يوم هيجاء يعشى بأسه البصرا
كم من جبان إلى الهيجا دنوت له *** يوم اللّقاء و لو لا أنت ما صبرا
أخبرنا أحمد حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثنا عفان بن مسلم، قال: حدّثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا حميد عن سليمان بن قتّة(2)قال:
بعث عمر بن عبيد اللّه بن معمر إلى ابن عمر(3)، و القاسم بن محمد، بألف دينار، فأتيت عبد اللّه بن عمر و هو
1) الكبش: رئيس القوم و سيدهم. في جمهور الأصول: «كيس» صوابه في مب، ها، ف، و «ديوان الفرزدق» 292. و في جمهور الأصول: «إن غدرا» و الوجه ما أثبت من مب، ها، ف و «الديوان». عكر: كر و عطف.
2) ح: «سلمان بن قبة». و في سائر الأصول: «سلمان بن عتبة»، صوابه في مب، ها، ف.
3) في معظم الأصول: «إلى عمر» صوابه في مب، ها، ف.
يغتسل في مستحمّ له، فأخرج يده فصببتها في يده، فقال: وصلت رحما، و قد جاءتنا على حاجة. و أتيت القاسم فأبى أن يقبلها، فقالت لي امرأته: إن كان القاسم ابن عمّه فأنا لابنة عمّه. فأعطيتها. قال: فكان عمر يبعث بهذه الثّياب العمرية يقسّمها بين أهل المدينة، فقال ابن عمر: جزى اللّه من اقتنى هذه الثياب بالمدينة خيرا. و قال لي عمر: لقد بلغني عن صاحبك شيء كرهته. قلت: و ما ذاك؟ قال: يعطي المهاجرين ألفا ألفا، و يعطي الأنصار سبعمائة سبعمائة. فأخبرته فسوّى بينهم(1).
أخبرنا أحمد قال حدّثنا أبو زيد قال:
كانت لرجل جارية يهواها، فاحتاج إلى بيعها، فابتاعها منه عمر بن عبيد اللّه بن معمر، فلما قبض ثمنها أنشأت تقول:
هنيئا لك المال الذي قد قبضته *** و لم يق في كفّيّ غير التحسّر
فإنّي لحزن من فراقك موجع *** أناجي به قلبا طويل التفكّر
فقال: لا ترحلي. ثم قال:
و لو لا قعود الدّهر بي عنك لم يكن *** يفرّقنا شيء سوى الموت فاعذري
عليك سلام زيارة بيننا *** و لا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال: قد شئت، خذ الجارية و ثمنها. فأخذها و انصرف.
أخبرني عمي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمد بن زياد قال: حدّثني ابن عائشة قال:
استبطأ زياد الأعجم عمر بن عبيد اللّه بن معمر في زيارته إياه فقال:
أصابت علينا جودك العين يا عمر *** فنحن لها نبغي التمائم و النّشر(2)
أصابتك عين في سماحك صلبة *** و يا ربّ عين صلبة تفلق الحجر
سنرقيك بالأشعار حتّى تملّها *** فإن لم تفق يوما رقيناك بالسّور(3)
فبلغته الأبيات فأرضاه و سرّحه.
أخبرني عمي قال: حدثني الكرانيّ قال حدثني العمريّ قال: حدثني من سمع حمادا الراوية يقول:
/امتدح زياد الأعجم عبّاد بن الحصين الحبطي(1)و كان على شرطة الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة(2)الذي يقال له «القباع»، و طلب حاجة فلم يقضها، فقال زياد:
سألت أبا جهضم حاجة *** و كنت أراه قريبا يسيرا
فلو أنني خفت منه الخلا *** ف و المنع لي لم أسله نقيرا
/و كيف الرّجاء لما عنده *** و قد خالط البخل منه الضميرا
أقلني أبا جهضم حاجتي *** فإني امرؤ كان ظنّي غرورا
أخبرني عمي قال: حدثني الكرانيّ عن العمري، عن عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان قال:
مرّ يزيد بن حبناء الضبّيّ بزياد الأعجم و هو ينشد شعرا قد هجا به قتادة بن مغرب، فأفحش فيه، فقال له يزيد بن حبناء: أ لم يأن لك أن ترعوي و تترك تمزيق أعراض قومك، ويحك! حتّى متى تتمادى في الضلال، كأنّك بالموت قد صبّحك أو مسّاك! فقال زياد فيه:
يحذّرني الموت ابن حبناء و الفتى *** إلى الموت يغدو جاهدا و يروح
و كلّ امرئ لا بدّ للموت صائر *** و إن عاش دهرا في البلاد يسيح
فقل ليزيد يا ابن حبناء لا تعظ *** أخاك وعظ نفسا فأنت جنوح.
/تركت التّقى و الدين دين محمّد *** لأهل التّقى و المسلمين يلوح
و تابعت مرّاق العراقين سادرا *** و أنت غليظ القصريين صحيح(3)
فقال له يزيد بن عاصم الشّنّيّ(4): قبحك اللّه، أ تهجو رجلا وعظك و أمرك بمعروف بمثل هذا الهجاء، هلاّ كففت إذ لم تقبل، أراه و اللّه سيأتي على نفسك ثم لا تحبق فيك عنزان(5)، اذهب ويحك فأته و اعتذر إليه لعلّه يقبل عذرك.
فمشى إليه بجماعة من عبد القيس فشفعوا إليه فيه، فقال: لا تثريب، لست واجدا عليه بعد يومي هذا.
أخبرني أحمد بن علي قال: سمعت جدي علي بن يحيى يحدث عن أبي الحسن عن رجل من جعفيّ قال:
1) الحبطي: نسبة إلى الحبطات بفتحتين، و هم أبناء الحبط بفتح فكسر، و هو الحارث بن عمرو بن تميم بن مر. «الاشتقاق» 124 و «المعارف» 35. و ذكر ابن دريد في «الاشتقاق» و الجاحظ في «البيان» (36:4) عباد بن الحصين الحبطي. ح: «الحنطي» و ب، س، م «الحنطبي» ف: «الحنظلي» صوابه في أ، مب، ها.
2) في جمهور الأصول: «الحارث أيام عبد اللّه بن ربيعة»، و الصواب ما أثبت من مب، ها، ف. انظر «البيان» (196:1) و «الشعر و الشعراء» 536.
3) المراق: الخوارج، جمع مارق. و القصريان: مثنى القصرى، و هي آخر ضلع الجنب أسفل الأضلاع.
4) ما عدا ح، مب، ها، ف: «الليثي».
5) هذا الصواب من مب، ف. و في جمهور الأصول: «ثم لا يحيق فيك غيران». تحبق: تضرط. و انظر لهذا المثل «أمثال الميداني» (157:2) و «البيان» (15:2).
كنت جالسا عند المهلّب إذ أقبل رجل طويل مضطرب، فلما رآه المهلّب قال: اللهمّ إني أعوذ بك من شرّه! فجاء فقال: أصلح اللّه الأمير، أني قد مدحتك ببيت صفده مائة ألف درهم(1). فسكت المهلّب، فأعاد القول فقال له: أنشده. فأنشده:
فتى زاده السّلطان في الخير رغبة *** إذا غيّر السّلطان كلّ خليل
فقال له المهلّب: يا أبا أمامة، مائة ألف؟! فو اللّه ما هي عندنا و لكن ثلاثون ألفا فيها عروض. و أمر له بها، فإذا هو زياد الأعجم.
أخبرني عمي قال: حدثني الكراني و أبو العيناء عن القحذميّ قال:
لقي الفرزدق زيادا الأعجم فقال له الفرزدق: لقد هممت أن أهجو عبد القيس، و أصف من فسوهم شيئا. قال له زياد: كما أنت حتّى أسمعك شيئا. ثم قال: قل إن شئت أو أمسك. قال: هات. قال:
و ما ترك الهاجون لي إن هجوته *** مصحّا أراه في أديم الفرزدق
فإنّا و ما تهدي لنا إن هجوتنا *** لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق
فقال له الفرزدق: حسبك هلمّ نتتارك(2). قال: ذاك إليك. و ما عاوده بشيء.
و أخبرني بهذا الخبر محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا العتبي عن العباس بن هشام عن أبيه قال: حدثني خراش(3)، و كان عالما راوية لأبي، و لمؤرّج(4)، و لجابر بن كلثوم، قال:
أقبل الفرزدق و زياد ينشد الناس في المربد و قد اجتمعوا حوله، فقال: من هذا؟ قيل: الأعجم. فأقبل نحوه /فقيل له: هذا الفرزدق قد أقبل عليك. فقام فتلقّاه و حيّا كلّ واحد منهما صاحبه، فقال له الفرزدق: ما زالت تنازعني نفسي إلى هجاء عبد القيس منذ دهر. قال زياد: و ما يدعوك إلى ذلك؟ قال: لأنّي رأيت الأشقريّ هجاكم فلم يصنع شيئا، و أنا أشعر منه، و قد عرفت الذي هيّج بينك و بينه. قال: و ما هو؟ قال إنّكم اجتمعتم في قبّة عبد اللّه بن الحشرج بخراسان، فقلت له قد قلت شيئا فمن قال مثله فهو أشعر منّي، و من لم يقل مثله و مدّ إليّ عنقه فإنّي أشعر منه. فقال لك: و ما قلت؟ فقلت: قلت:
/و قافية حذّاء بتّ أحوكها *** إذا ما سهيل في السّماء تلالا(5)
قال لك الأشقريّ:
و أقلف صلّى بعد ما ناك أمّه *** يرى ذاك في دين المجوس حلالا
1) الصفد: العطاء.
2) ما عدا ح، مب، ها، ف: «نتشارك»، تحريف. و المراد بالمتاركة المهادنة.
3) أ: «خداش».
4) بالراء المشدّدة المكسورة، و هو أبو فيد عمرو بن الحارث السدوسي، قال في «القاموس»: سمي بذلك لتأريجه الحرب بين بكر و تغلب. و التأريج: الإغراء.
5) قصيدة حذاء: سائرة لا عيب فيها و لا يتعلق بها شيء من القصائد لجودتها.
فأقبلت على من حضر فقلت: يا لأمّ كعب أخزاها اللّه تعالى، ما أنمّها حين تخبر ابنها بقلفتي! فضحك الناس و غلبت عليه في المجلس.
فقال له زياد: يا أبا فراس، هب لي نفسك ساعة و لا تعجل حتّى يأتيك رسولي بهديّتي ثم ترى رأيك. و ظنّ الفرزدق أنه سيهدي إليه شيئا يستكفّه به، فكتب إليه:
و ما ترك الهاجون لي إن أردته *** مصحّا أراه في أديم الفرزدق
و ما تركوا الحما يدقّون عظمه *** لآكله ألقوه للمتعرّق
سأحطم ما أبقوا له من عظامه *** فأنكت عظم الساق منه و أنتقي(1)
فإنا و ما تهدي لنا إن هجوتنا *** لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق
فبعث إليه الفرزدق: لا أهجو قوما أنت منهم أبدا.
قال أبو المنذر: زياد أهجى من كعب الأشقريّ، و قد أوثر عليه في عدّة قصائد. منها التي يقول فيها.
قبيلة خيرها شرّها *** و أصدقها الكاذب الآثم(2)
و ضيفهم وسط أبياتهم *** و إن لم يكن صائما صائم
و فيه يقول:
إذا عذّب اللّه الرجال بشعرهم *** أمنت لكعب أن يعذّب بالشعر
/و فيه يقول:
أتتك الأزد مصفرّا لحاها *** تساقط من مناخرها الجواف(3)
أخبرني وكيع قال: حدثني أحمد بن عمر بن بكير قال حدثنا الهيثم عن ابن عياش قال:
دخل أبو قلابة الجرميّ مسجد البصرة و إذا زياد الأعجم، فقال زياد: من هذا؟ قال: أبو قلابة الجرميّ، فقام على رأسه فقال:
قم صاغرا يا كهل جرم فإنّما *** يقال لكهل الصّدق قم غير صاغر
1) يقال نكت العظم: ضرب طرفه بشيء ليخرج مخه. و الانتقاء: استخراج النقي، و هو المخ. في جمهور الأصول: «فأنكب»، صوابه من مب، ها، ف، و «الشعر و الشعراء» 96 و «معجم الأدباء».
2) قبيلة: مصغر قبيلة.
3) الجواف: ضرب من السمك، واحدته جوافة. و في جمهور الأصول: «من مباديها الحراف»، و الوجه ما أثبت من مب، ها، ف، و «الشعر و الشعراء».
فإنّك شيخ ميّت و مورّث *** قضاعة ميراث البسوس و قاشر(1)
قضى اللّه خلق النّاس صم خلقتم *** بقيّة خلق اللّه آخر آخر
/فلم تسمعوا إلاّ بما كان قبلكم *** و لم تدركوا إلاّ بدقّ الحوافر(2)
فلو ردّ أهل الحق من مات منكم *** إلى حقّه لم تدفنوا في المقابر
فقيل له: فأين كانوا يدفنون يا أبا أمامة؟ قال: في النّواويس(3).
تم الجزء الخامس عشر من كتاب الأغاني
1) البسوس: مثل في الشؤم، و هي البسوس بنت منقذ التميمية، خالة جساس بن مرة. و حرب البسوس مشهورة في كتب الأيام. و قاشر: فحل مشئوم، كان لبني عوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ما عدا مب، ها، ف: «ناشر» و لا وجه له.
2) أي إلا بتتبع آثار ما تدقه الحوافر.
3) النواويس: جمع ناوس، و في «اللسان»: «و الناوس مقابر النصارى، إن كان عربيا فهو فاعول منه».
الموضوع الصفحة
أخبار جعفر بن الزبير 6
ذكر خبر مضاض بن عمرو 12
ذكر أخبار بصبص جارية ابن نفيس و أخبارها 22
ذكر أحيحة بن الجلاح و نسبه و خبره و السبب الذي من أجله قال الشعر 29
ذكر خبر سلامة الزرقاء و محمد بن الأشعث 41
نسب عديّ بن نوفل و خبره 53
نسب الخنساء و خبرها و خبر مقتل أخويها صخر و معاوية 55
خبر تهاجي عبد الرّحمن بن حسان و عبد الرّحمن بن الحكم 78
أخبار حبابة 85
أخبار أبي الطفيل و نسبه 101
أخبار حسان و جبلة بن الأيهم 108
خبر بديح في هذا الصوت و غيره 118
نسب ابن الزبعري و أخباره و قصة غزوة أحد 121
ذكر عمرو بن معديكرب و أخباره 137
رجع الخبر إلى سياقة خبر عمرو 152
ذكر خبر قس بن ساعدة و نسبه و قصته في هذا الشعر 162
ذكر هاشم بن سليمان و بعض أخباره 166
ذكر علي بن أديم و خبره 176
ذكر عمرو بن بانة 178
ذكر آدم بن عبد العزيز و أخباره 190
ذكر متمم و أخباره و خبر مالك و مقتله 199
رجع الحديث إلى سياقه 210
أخبار الحزين و نسبه 215
نسب الطفيل الغنوي و أخباره 232
الموضوع الصفحة
نسب محمد بن حمزة بن نصير الوصيف و أخباره 237
نسب لبيد و أخباره 241
أخبار زياد الأعجم و نسبه 255