ghaemiyeh.com
تجارب الأمم وتعاقب الهمم
تأليف
أي علي أحمد بن محمد بن يعقوب مِسْكَويه
المتوفى سنة 421 ه-
تحقیق سيد كروي حسن
الجزء الرابع
يحتوي على الحوادث التي جرت منذ خلافة المعتصم بالله العباسي سنة 218 ه-
حتى نهاية عصر المكتفي بالله العباسي سنة 295ه-
منشورات رقلي بيفوت
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
منشورات محمدقلي بيضون
دار الكتب العلمية
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان .
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً
Exclusive rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher.
Droits exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطبعة الأولى
2003 م - 1424ه-
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس : 804810/11/12/13 9615+)
صندوق بريد: 9424 - 11 بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut- lebanon
Raml Al-Zarif, Rue Bohtory, sir. Melkart, 1er floor
head office
Aramoun - Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah bldg
Tel & Fax: (+9615) 804810 / 11 / 12 / 13
P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kutub Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Raml Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage
Administration général
Tel & Fax: (+961 5) 804810/11/12/13
P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com
بسم الله الرحمن الرحيم
وفي هذه هذه السنة : بويع لابي لأبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد بالخلافة لاثنتي عشرة ليلة بقيت(1)من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين .
وفيها : شغب الناس على المعتصم وطلبوا العباس، ونادوه باسم الخلافة.
فأرسل أبو إسحاق المعتصم إلى العباس، فأحضره فبايعه (2).
ثم خرج إلى الجند وقال ما هذا الحب البارد؟
قد بايعت عمي، وسلّمت الخلافة إليه .
فسكن الجند .
وفيها : أمر المعتصم بهدم ما كان المأمون أمر ببنائه ،بطوانة، وحمل ما كان بها من
السلاح والآلة وغير ذلك مما قدر على حمله، وأحرق ما لم يقدر على حمله .
وأمر بصرف من كان المأمون أسكن ذلك الموضع من الناس إلى بلادهم.
وفيها : انصرف المعتصم إلى بغداد، ومعه العباس بن المأمون، فقدمها يوم السبت مستهل شهر رمضان.
وفيها: دخل جماعة من أهل الجبال كثيرة من همدان وأصبهان، وماسذان (3)، ومهرما تعدق وغيرها في دين ،الخرمية ثم تراسلوا وتجمعوا في أعمال همدان .
فوجه المعتصم إليهم ،عساكر وكان آخر عسكر وجهه مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وعقد له على الجبال، فشخص إليهم فقاتلوه وهزمهم وقتل منهم هناک ستین ألفاً وهرب باقيهم إلى بلاد الروم وكتب بالفتح إلى المعتصم (4)
فسار إليه، فالتقوا مع عسكر زيادة ،الله وجرى بين الطائفتين قتال شديد عند مدينة اليهود بالجزيرة، فقتل عبد السلام وحمل رأسه إلى زيادة الله .
وسار فضل بن أبي العنبر إلى مدينة تونس فدخلها، وامتنع بها فسيَّر زيادة الله إليه جيشاً فحصروا فضلاً بها وضيَّقوا عليه حتى فتحوها منه، وقتل وقت دخول العسكر كثير من أهلها منهم : العباس بن الوليد الفقيه وكان دخل في بيته ولم يقاتل، فدخل عليه بعض الجند فأخذ سيفه وخرج وهو يصيح الجهاد فقتل، وبقي مرمي في خربة سبعة أيام لم يقربه دو ناب، ولا مخلب وكان قد سمع الحديث من ابن عيينة ،وغيره وكان من الصالحين.
وهرب كثير من أهل تونس لما ملكت ثم أمنهم زيادة الله فعادوا إليها . وفيها توفي بشر بن غياث المريسي، وكان يقول بخلق القرآن والإرجاء، وغيرهما من البدع.
وحج بالناس هذه السنة : صالح بن العباس بن محمد.
.1) في المخطوط أو بقيت. وهو تحريف .
2) في المخطوط بايعه والتصويب من الكامل.
3) فى المخطوط ماسند. والتصويب من الكامل.
4) زاد ابن الأثير فى أحداثها وفي هذه السنة: وجّه زيادة الله بن الأغلب صاحب إفريقية جيشاً لمحاربة فضل بن أبي العنبر بالجزيرة، وكان مخالفاً لزيادة الله فاستمد فضل بعد السلام بن المفرج الربعي وكان أيضاً مخالفاً من عهد فتنة منصور كما ذكرنا .
ودخلت سنة تسع (1)عشرة ومائتين
وفيها: ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي [89/أ] طالب رضي الله عنه بالطالقان وجبالها كان أخرها عليه (2)
وكان ابتداء أمره أنه كان ملازماً مسجد النبي صلی الله علیه و آله وسلم حسن السيرة، فأتاه إنسان من خراسان اسمه أبو محمد كان مجاوراً فلما رآه أعجبه طريقه .
فقال له : أنت أحق بالإمامة من كل أحد وحسن له ذلك وبايعه وصار الخراساني يأتيه بالنفر من حجاج خراسان يبايعونه فعل ذلك ،مدة، فلما رأى كثرة من بايعه من خراسان سارا جميعاً إلى الجوزجان، واختفى هناك، وجعل أبو محمد يدعو الناس إليه فعظم أصحابه، وحمله أبو محمد على إظهار أمره فأظهره بالطالقان فاجتمع إليه بها ناس كثير .
وكانت بينه وبين قواد عبد الله بن طاهر وقعات بناحية الطالقان وجبالها، فانهزم هو وأصحابه . . .
.فانهزم هو وأصحابه، ومضى هارباً يريد بعض كور خراسان، كان أهلها كاتبوه فلما صار بِنَسا كان بها والد بعض من معه، فمضى الرجل الذي كان له والد هناك ليسلّم على والده فلما تلاقوا سأله عن الخبر فأخبره أنهم يقصدون كورة كذا.
فمضى أبو ذلك الرجل إلى عامل نَسَا فأخبره بأمر محمد بن القاسم .
فبذل له العامل على دلالته عليه مالا(3).
وجاء العامل إلى محمد بن القاسم فأخذه واستوثق منه، وبعث به إلى عبد الله بن طاهر.
فبعث به عبد الله بن طاهر إلى المعتصم طاهر إلى المعتصم فحبس بِسُرَّ مَنْ رَأَى ووكل به قوم
يحفظونه (4).
1) سقط اسم السنة من العنوان في المخطوط وهو سهو من الناسخ .
2) كذا وفي الكامل بين قوله : بالطالقان) إلى قوله فانهزم هو وأصحابه». ما أظن أنه سقط من المخطوط وهو ما يلي بالطالقان من خراسان يدعو إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
3) في الكامل : فأعطاه العامل عشرة آلاف درهم على دلالته .
4) في الكامل : فسيَّره إلى المعتصم فورد إليه منتصف شهر ربيع الأول، فحبس عند مسرور الخادم الكبير، وأجرى عليه الطعام ووكل به قوماً يحفظونه.
فلما كانت ليلة الفطر بالعيد ،والتهنئة هرب من الحبس وافتقد(1)، فجعل لمَن يدل عليه مائة ألف درهم، فنادى المنادي فما عرف له خبر إلى اليوم (2).
وفيها : وجه المعتصم عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة (3)لحرب الرُّط (4)الذين (5)كانوا عانوا في طريق البصرة (6)، وكانوا تغلبوا على تلك الناحية، فقطعوا الطريق، واحتملوا غلات البيار بكَسْكَر وما يليها من البصرة، وأكثروا الفساد.
فرتب (7)المعتصم الخيل في سكك البصرة ، وبغداد المُردِ (8)تركض إليه بالأخبار، فكان الخبر يخرج من عند عجيف فيصير إلى المعتصم من يومه .
وولى النفقة على عجيف من قبل إبراهيم بن الحري كاسا، فسار عجيف في خمسة آلاف رجل إلى الصافية وهي قرية أسفل واسط فَسَدَّ نهراً بها(9).
فحمل من دجلة ثم سار إلى بَرْدُوادَا (10)فَسَدَّ أنهاراً أُخر، وحصرهم من كل جهة .
ثم قصدهم فأسر منهم جماعة وقتل ،جماعة، فضرب أعناق الأسرى، وبعث برؤوس القتلى إلى المعتصم (11).
ثم أقام عجيف بإزاء الزط (12)خمسة عشر يوماً، فظفر بخلق كثير منهم، فأنفذهم، ثم جاهده الباقون فمكث يقاتلهم بعد ذلك تسعة (13)
وفي هذه السنة : سَيّر عبد الرحمن بن الحكم الأموي صاحب الأندلس جيشاً مع أمية بن الحكم إلى مدينة طليطلة فحصرها.
وكانوا قد خالفوا الحكم وخرجوا عن الطاعة، واشتد في حصرهم، وقطع أشجارهم وأهلك زروعهم، فلم يذعنوا إلى الطاعة، فرحل عنهم .
وأنزل بقلعة رباح جيشاً عليهم ميسرة المعروف بفتى أبي أيوب فلما أبعدوا منه، خرج جمع كثير من أهل طليطلة لعلهم يجدون فرصة وغفلة من ميسرة فينالوا منه ومن أصحابه ،غرضاً، وكان ميسرة قد بلغه الخبر، فجعل الكمين في مواضع.
فلما وصل أهل طليطلة إلى قلعة رباح للغارة، خرج الكمين عليهم من جوانبهم، ووضعوا السيف فيهم وأكثروا القتل وعاد من سلم منهزماً إلى طليطلة، وجمعت رؤوس القتلى وحملت إلى ميسرة، فلما رأى كثرتها عظمت عليه وارتاح لذلك، ووجد في نفسه عما شديداً، فمات بعد
أيام يسيرة .
وفيها أيضاً : كان بطليطلة فتنة كبيرة تعرف بملحمة العراس، قتل من أهلها كثير .
وفيها: أحضر المعتصم أحمد بن حنبل وامتحنه بالقرآن، فلم يجب إلى القول بخلقه، فأمر به فجلد جلداً عظيماً حتى غاب عقله، وتقطع جلده،وحبس مقيدا .
وفيها : قدم إسحاق بن إبراهيم إلى بغداد في جمادى الأولى ومعه من أسرى الخُرّمية خلق كثير .
وقيل : إنه قتل منهم نحو مائة ألف سوى النساء والصبيان .
وفيها: توفي أبو نعيم الفضل بن دكين الملائي مولى طلحة بن عبد الله التيمي في شعبان وهو من مشايخ البخاري ومسلم وكان مولده سنة ثلاثين ومائة وكان شيعيا وله طائفة تنسب إليه يقال لها الدكينية.
أشهر .1) في الكامل هرب من الحبس دلّي إليه حبل من كوة كانت يدخل منها الضوء فلما أصبحوا أتوه : بالطعام للغداء فلم يروه، وجعلوا لمن عليه مائة ألف فلم يعرف .
2) أي إلى يوم ظهورة.
3) زيادة من الكامل.
4) فى المخطوط النط والتصويب من الكامل.
5) في المخطوط الذي والتصويب من الكامل .
6) في الكامل : الذين كانوا غلبوا على طريق البصرة.
7) في المخطوط فربت والتصويب من الكامل.
8) في الكامل : البريد والمعنى واحد وما هنا جمع كلمة بريد .
9) في الكامل : فنزل تحت واسط وأقام على نهر يقال له : بَرْدُوادًا حتى سدّه وأنهاراً أخر كانوا يخرجون منها ويدخلون .
10) فى المخطوط بردودا. والتصويب من الكامل.
11) في الكامل : وبعث بالرؤوس إلى باب المعتصم .
12) في المخطوط النط والتصويب من الكامل.
13) وزاد ابن الأثير في أحداثها فقال :
وفيها : دخل عجيف بالزط (1)بغداد بعد أن قهرهم حتى طلبوا الأمان، فأمنهم على دمائهم وأموالهم، وكانت عدتهم سبعة وعشرين ألفاً بين رجل وامرأة وصبي، فجعلهم في السفن وأقبل بهم حتى نزل نهر الزعفرانية .
وأعطى أصحابه دينارين جائزة، ثم عباهم في زواريقهم على هيئتهم في الحرب البوقات فكان [كذلك ](2)حتى دخل بغداد بهم والمعتصم ببغداد في سفينة يقال لها مع الروحي، فمرّ به الزط على هيئتهم، ينفخون في البوقات، وكان أولهم بالقفص وآخرهم بحذاء ،الشماسية وأقيموا في سفنهم ثلاثة أيام ثم نقلوا إلى الجانب الشرقي ](3)ثم دفعوا إلى بشر بن السميدع ، فذهب بهم خائفين، ثم نقلوا إلى الثغر إلى عين زربة، فأغارت عليهم الروم، فاجتاحتهم، فلم يفلت منهم أحد .
وفي هذه السنة : عقد المعتصم لأفشين حيدر بن كاوس على(4)الجبال، وحرب بابك، وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة، فعسكر بمصلى بغداد، ثم سار إلى برزند .
كان ظهور (1)بابك في سنة إحدى ومائتين وكان من قرية يقال لها : البَذ (2)، وهزم جيوش السلطان وقتل من قواده ،جماعة، فلما أفضى الأمر إلى المعتصم وجّه المعتصم سعید محمد بن يوسف إلى أردبيل وأمره أن يبتني الحصون التي خربها بابك فيماأبا بين ،زنجان ،وأردبيل ويقيم مسالح لحفظ الطريق لمن يجلب الميرة إلى أردبيل .
فوجه أبو سعيد لذلك وبنى الحصون التي خربها بابك
ثم وجّه بابك سرية إلى بعض غاراته وعليها أمير من قبله يقال له : معاوية فعرض له أبو سعيد، فاستنقذ ما كان حواه، وقتل من أصحابه جماعة وأسر جماعة، فهذه أول هزيمة كانت على أصحاب بابك .
ووجه أبو سعيد الرؤوس، والأسرى إلى المعتصم بالله (3)
ثم كانت الأخرى لمحمد بن ،البعيث، وذلك أن محمداً كان في قلعة له حصينة تسمى الشاهي، كان ابن البعيث قد أخذها من ابن الرواد وهي من كورة أذربيجان وله حصن آخر من أذربيجان يسمى تبريز، وكان مصالحاً لبابك تنزل سراياته عنده فيضيفهم حتى أنسوا به، ثم إن بابك وجه قائداً اسمه عصمة من أصبهبديته في سرية فنزل بابن البعيث فأنزل له الضيافة على عادتها واستدعاهفي له في خاصة ووجوه أصحابه، فصعد فغذاهم وسقاهم الخمر حتى سكروا ، ثم وثب على عصمة فاستوثق منه، وقتل مَن كان معه من أصحابه وأمره أن یسمی رجلاً رجلاً من أصحابه، فكان يدعو الرجل فيصعد فيضرب عنقه حتى علموا بذلك فهربو
وسير عصمة إلى المعتصم، فسأل المعتصم عصمة عن بلاد بابك، فأعلمه طرقه ووجوه القتال فيها، ثم ترك عصمة محبوساً فبقي إلى أيام الواثق .
ثم إن الأفيش سار إلى بلاد بابك .
.ولما سار الأفيش إلى بلاد بابك فنزل ](4)برزند عسكر بها وزم [الطرق ](5)والحصون فيما بين برزند وبين أردبيل، وأنزل الهيثم الغنوي القائد في رستاق يقال له : أرشق ، فزم حصنه واحتفر له خندقاً.
وأنزل علوية الأعور من قواد الأبناء في حصن مما يلي أردبيل يسمى حصن النهر.
وكانت السابلة والقوافل تخرج فيسلمها بدرقه من واحد من هؤلاء إلى آخر حتى ينادون إلى ميامنهم ، وكان كلما ظفر واحد من هؤلاء القواد بجاسوس وجّهوا به إلى الأفشي.
وكان الأفشين لا يقتلهم ولا يضرهم، ولكن يهب لهم، ويصلهم ويسألهم ما كان بابك يعطيهم؟
فيضعف لهم ويقول للجاسوس : كن جاسوساً لنا [ فكان ينتفع بهم](1).
وفيها: كانت الوقعة بين بابك والأفشين بأرشق، قتل فيها من أصحاب بابك کثیر، وهرب بابك إلى موقوبان(2)، ثم شخص إلى مدينته التي تدعى البذ.
ذكر السبب في ذلك
كان المعتصم وجّه مع بغا الكبير بمال إلى الأفشين عطاء لجنده، فقدم بغا بذلك المال أردبيل فلما نزلها بلغ بابك خبره فتهيأ ليقطع عليه [ الطريق ](3)قبل وصوله إلى الأفشين .
فقدم جاسوس على الأفشين فأخبره أن بغا الكبير قد قدم بمال، وأن بابك وأصحابه قد (4)تهيأ ليقطعوه قبل وصوله إليك .
وكان هذا الجاسوس قد ورد على أبي سعيد أولاً، فوجه به أبو سعيد إلى الأفشين، وهيأ بابك كميناً في مواضع للمال.
فكتب الأفشين إلى أبي سعيد يأمره أن يحتال لمعرفة صحة خبر بابك، ومضى أبو سعيد متنكراً مع جماعة حتى نظروا إلى النيران في المواضع التي وصفها الجاسوس.
فكتب الأفشين إلى بغا أن يظهر أنه يريد الرحيل ويشد المال على الإبل ويقطرها [ب] ويسير متوجهاً من أردبيل كأنه يريد برزند (5)، فإذا صار إلى مسلحة النهر وصار [بينه ](6)وبينها فرسخين احتبس القطار حتى يجوز من صحب المال من قافلة وغيرها إلى برزند فإذا جاوزت القافلة رجع بالمال إلى أردبيل، ففعل ذلك بغا.
وسارت القافلة حتى نزلت النهر، وانصرف جواسيس بابك إليه يعلمونه أن المال قد حمل وعاينوه محمولاً .
ورجع بغا بالمال إلى أردبيل وركب الأفشين في اليوم الذي وعد فيه بغا [ عند العصر] (7)من برزند فوافی خُش (8)مع غروب الشمس ، فنزل معسكر خارج الخندق
1) زيادة من الكامل
2) كذا في المخطوط، وفي الكامل مُوقان وقال محققه بالهامش ولاية فيها قرى ومروج كثيرة تحتلها التركمان للرعي.
3) زيادة يتطلبها السياق .
4) في المخطوط : فقد. وهو تحريف.
5) قرية من نواحي تفليس من أعمال جزران من أرمينية الأولى.
6) زيادة يتطلبها السياق .
7) زيادة من الكامل.
8) خُش :من قرى أسفرايين من أعمال نيسابور يقال لها أيضاً خوش.
لأبي سعيد، فلما أصبح ركب في سرّ لم يضرب طبلاً ولا نشر علماً، وأمر أن تُلف الأعلام ، وأمر الناس بالسكوت، وجد في المسير .
ورحلت القافلة التي كانت توجهت في ذلك اليوم من النهر إلى ناحية الهيثم الغنوي.
ورحل الأفشين من خُشُ يريد ناحية الهيثم ليصادفه في الطريق، ولم يعلم الهيثم، فركب بمن كان معه يريد النهر وتعبأ بابك في خيله ورجاله وعساكره وسار على طريق النهر - وهو يظن أن المال موافي-.
وخرج صاحب النهر ببدرق من عنده - وهو علوية الذي قلنا إنه كان مرئياً هناك-فأخذ يسير نحو الهيثم على رسمه.
فخرجت عليه خيل بابك وهم لا يشكون أن المال معهم .
فقاتلهم صاحب النهر علوية ،وأصحابه فقتلوه وقتلوا من كان معه من الجند والسابلة وأخذ جميع ما كان معهم من المتاع وعلموا أن المال قد فاتهم، فأخذوا علمهم ولباس أهل النهر ودراريعهم وحقائبهم ولبسوها وتنكروا ليأخذوا الهيثم أيضاً ومن معه، ولا يعلمون بخروج الأفشين، وجاؤوا كأنهم أصحاب النهر، فلما جاؤوا ولميعرفوا الموضع الذي كان يقف فيه علم صاحب النهر ، فوفقوا في غير موضعه .
جاء الهيثم فوقف في موقفه، فأنكر ما رأى فوجه ابن عم له، وقال له : اذهب إلى له رأى هذا البغیض(1)، فقل له: رأی(2)شيء وقوفك؟ فجاء ابن عم الهيثم ، فلما رأى القوم ودنا منهم أنکرهم، فرجع إلى الهيثم فقال : إن هؤلاء القوم لست أعرفهم .
فقال له الهيثم : أخزاك الله ما أجنك؟
ووجه خمسة من الفرسان فلما قربوا من القوم خرج من الخرمية رجلان فتلقوهم فأنكروهما وأعلموهما أنهم قد عرفوهما ، فرجعوا إلى الهيثم ركضاً، فقالوا : إن الكافر قد قتل علوية وأصحابه وأخذوا أعلامهم ولباسهم .
فانصرف الهيثم وأتى القافلة التي كانت معه فأمرهم أن يركضوا ويرجعوا لئلا يؤخذوا، ووقف هو في أصحابه يسير بهم قليلاً قليلاً، ويقف قليلاً، ليشغل الخرمية عن القافلة، وصار شبيهاً بالحامية لهم، حتى وصلت القافلة إلى حصنه الذي كان فيه يكون الهيثم وهو راشق (3).
وقال لأصحابه : من يذهب منكم إلى الأمير، وإلى أبي سعيد فيعلمهما وله عشر آلاف درهم وفرس بدل فرسه أن ينفق؟
فتوجه رجلان من أصحابه على فرسین فارهين يركضان ودخل الهيثم الحصن، وأخرج بابك فيمن معه ونزل بالحصن، ووضع له كرسي وجلس على شرف بحيال الحصن وأرسل الهيثم من يحاربه .
وكان مع الهيثم في الحصن ستمائة راجل وأربعمائة فارس، وله خندق حصين، فقاتله
وقعد بابك فيمن معه ووضع بين يديه الخمر مع أصحاب له يشربونها، والحرب مشتبکة.
ولقي الفارسان الأفشين على أقل من فرسخ من راشق فساعة نظر إليهما من بعيد قال لصاحب مقدمته اضربوا بالطبل وانشروا الأعلام واركضوا نحو هذين الفارسين اللذين يركضان إلينا وصيحوا بهما لبيك لبيك .
فلم يزل الناس في طلق واحد متراكضين يكر بعضهم بعضاً حتى لحقوا بابك وهو جالس [فلم](1)يتدارك أن يركب ويتحرك حتى وافته الخيل والناس فاشتبكت(2)الحرب، فلم يفلت من رجالة بابك، وأفلت هو في نفر يسير، ودخل موقان، وقد تقطع عنه أصحابه .
وأقام الأفشين في ذلك الموضع وبات ليلته ثم رجع إلى معسكره ببرزند .
وأقام بابك بموقان، ثم بعث إليه البذ فجاءه في الليل عسكر فيهم رجاله، فرحل من موقان حتى دخل البذ فلما كان بعد أيام مرت قافلة من حُسّ إلى برزند من قبل أبي سعيد ومعها صاحب له ومعه ميرة ومتاع يحمل إلى عسكر الأفشين، فخرج عليهم أصفهيه(3)بابك، فأخذ القافلة وقتل من كان فيها من أهل القافلة، وانتهب جميع ما فیها فقحط عسكر الأفشين.
فكتب الأفشين إلى صاحب المراغة (4)يأمره بحمل الميرة وتعجيلها عليه، فإن الناس قد قحطوا وضاقوا .
فوجه صاحب المراغة بقافلة فيها قريب من ألف ثور سوى الحمير والدواب
تحمل الميرة ومعها جند يبدرقونها .
فخرجت عليهم سرية لبابك، واستباحوها عن آخرها بجميع ما فيها، وأصاب الناس ضيق شديد فكتب الأفشين إلى صاحب الشيروان(1)أن يحمل إليه طعاماً كثيراً، وأغاث الناس في تلك السنة، وقدم بغا على الأفشين بمال ورجال .
وفي هذه السنة : خرج المعتصم إلى القاطول وابتدأ ببناء سُرَّ مَنْ رأى، وذلكفي ذي القعدة منها .
ذكر السبب في ذلك
كان سبب خروجه إلى القاطول : أن غلمانه الأتراك كانوا جفاة (2)قد أطغتهم[ 90/ أ] [أنفسهم](3).
ورأى فيهم ،نجابة وكان لا يزال يجد الواحد بعد الواحد قتيلاً في الأرياض. وذلك أنهم كانوا يركبون الدواب فيتراكضون في طرق بغداد، فيصدمون الرجل، والمرأة، ويطؤون الصبي، فتأخذهم الأبناء، فينكسونهم من دوابهم، ويجرحون ،بعضهم، وربما هلك، فتأذى الأتراك بهم، وتأذت العامة بالأتراك، حتى شكت الأتراک إلى المعتصم(4)
وفي هذه السنة خرج المعتصم إلى سامرا لبنائها وكان سبب ذلك : أنه قال : إني أتخوّف هؤلاء الحربية أن يصيحوا صيحة فيقتلون غلماني، فأريد أن أكون فوقهم فإن رابني منهم شيء أتيتهم من البر والماء، حتى أتي عليهم. فخرج إليها فأعجبه مكانها .
.فحكي : أن المعتصم كان ركب يوم عيد إلى المصلى، فلما انصرف في مربعة الحرشي ، فقام إليه شيخ فقال : يا أبا إسحاق .
فابتدر الجند ليصرفوه، فأشار المعتصم إليهم بالكفّ عنه .
فقال للشيخ(5)
وهو تحريف وخلط نتيجة سقط .
: ما لك؟[قال] (6): لا جزاك الله عن الجوار خيراً، جاورتنا، وجئت بهؤلاء العلوج فأسكنتهم
1) ويقال : سيروان بالسين المهملة وكلاهما وجه فيها وهي من قرى أذربيجان أيضاً .
2) في المخطوط أعجبا. وأثبت بدلاً منه ما يوافق السياق .
3) زيادة يتطلبها السياق.
4) في الكامل : ذكر نحو هذه الحكاية وكان قال قبلها :
5) في المخطوط فقال الشيخ : ما لك لا جزا الله عن. .
6) زيادة من الكامل، وهو لفظ ساقط من المخطوط.
بين أظهرنا فأيتمت (1)بهم صبياننا [ وأرملت بهم](2)نساءنا (3)وقتلت بهم رجالنا.
والمعتصم يسمع ذلك كله، ثم دخل داره فلم ير راكباً إلى السنة القابلة في مثل الیوم.
فلما كان العام المقبل في مثل ذلك اليوم خرج فصلّى بالناس العيد (4)، ثم لم يخرج إلى داره بعد، ولكنه صرف وجه دابته إلى القاطول ، ولم يرجع إلى بغداد ] (5)
قلت بالقاطول وكان قد بنى هناك مدينة آثارها وسورها ،قائم وكان قد خاف من الجند ما
خاف المعتصم .
فلما وثب أهل الشام بالشام وعصوا خرج إلى الرقة فأقام بها وبقيت مدينة القاطول لم تستتم .
ولما خرج المعتصم إلى القاطول استخلف ببغداد ابنه الواثق .
وكان المعتصم قد اصطنع قوماً من أهل الحوف بمصر، واستخدمهم وسمّاهم المغاربة وجمع خلقاً من سمرقند وأشروسنة، وفرغانة، وسمّاهم الفراغنة، فكانوا من أصحابه وبقوا بعده، وكان ابتداء العمارة بسامراء سنة إحدى وعشرين ومائتين .
.وحكي أنه قام أيضاً إلى المعتصم يوماً رجل من العامة فقال : يا أبا إسحاق، اخرج عن مدينتنا وإلا حاربناك بما لا تقوم له .
فتقدم بأخذ الرجل جملة إليه، فلما صار بين يديه قال : ويلك بما تحاربني؟ وما هذا الذي لا أقوم له؟
قال : نحاربك بأصابعنا إذا هدأت الأصوات بالليل - يعني الدعاء-.
فسكت عن الرجل، ولم يعرض له، ثم خرج فبنى سُرَّ مَنْ رَأى.
وفي هذه السنة : غضب المعتصم على الفضل بن مروان وحبسه .
ذكر الخبر عن غضبه عليه وحبسه له واتصاله به ونفاقه عليه
كان الفضل هذا رجلاً من أهل البردان حسن الخط فاتصل بكاتب للمعتصم يقال له يحيى الجرمقاني، فمات يحيى، وصار الفضل في موضعه وذلك قبل خلافة المعتصم .
ثم خرج معه إلى عسكر المأمون، وسار معه إلى مصر، فاحتوى على أموال مصر وكثرت ذخائره وكنوزه ثم قدم الفضل قبل المأمون بغداد ينفذ أمور المعتصم ويكتب عنه وعلى لسانه ما أحب حتى قدم المعتصم خليفة فصار الفضل صاحب الخلافة
والدوائر كلها تحت يديه فتضاعفت كنوزه.
وكان المعتصم يأمر بإطلاق الشيء لندمائه ومغنيه فلا ينفذ الفضل، ويزد مما زادهفي الشيء إدلالاً عليه وأنسابه .
وكان قد نزل منه وعلى من قبله المحل الذي لا يحدث أحد نفسه بملاحظته،فضلاً عن منازعه ولا في اعتراض عليه إذا أراد شيئاً أو حكم به .
وكانت هذه المنزلة تحمل على البناء له حتى كان يخالفه ويمنعه بعض أمرهوبعض المال الذي يصرفه في مهامه .
وحكي عن أحمد بن أبي داود أنه قال : كنت أحضر مجلس المعتصم، فكثيراً ماكنت أسمعه يقول للفضل بن مروان احمل إلي كذا من الدراهم .
فيقول : ما عندي .
فيقول : فاحتلها من وجه، فليس منها بد.
فيقول : من أين احتالها؟ ومن أين وجهها؟ ومَن يعطيني هذا القدر؟
فكان ذلك يسوؤه، وأعرفه في وجهه، فلما كثر هذا من فعله ركبت إليه يوماً فقلت له، متخلياً به يا أبا العباس إني أعرف أخلاقك وعلى ذلك [أنا](1)طامع في نصحك وأداء ما يجب عليّ من حقك، وقد أراك كثيراً ما ترد على أمير المؤمنين أجوبة غليظة ،ترمضه وتقدح في قلبه والسلطان لا يحتمل هذا لابنه لا سيما إذا كثر ذلك وغلظ .
قال : وما ذاك يا عبد الله ؟
قلت: أسمعه كثيراً ما يقول لك نحتاج إلى كذا من المال لتصرفه في وجه كذا .
فتقول ما يعطيني هذا وهذا مما لا يحتمله الملوك .
قال : فما أصنع إذا طلب مني ما ليس عندي؟
تصنع أن تقول : أحتال يا أمير المؤمنين في ذلك، فتدافع أياماً، ثم تحمل إليه بعض ما يطلب وتسوفه بالباقي.
قال : نعم ،أفعل وأصير إلى ما أشرت به .
قال : فوالله لكأني كنت أغريته بالمنع فكان إذا عاود مثل ذلك من القول، عاد إلى مثل ما يكره من الجواب .
وكان مع المعتصم رجل مضحك ليستخف روحه وكان قديم الصحبة له، يقال له : إبراهيم الهفتي فأمر له بمال وتقدّم إلى الفضل بن مروان في إعطائه، فلم يعطه
1) زيادة يتطلبها السياق .
الفضل شيئاً . فبينا الهفتي يوماً يتمشى مع المعتصم في بستان داره التي بنيت له ببغداد، وقد نقل إليه أنواع من الرياحين ،والغروس وكان قبل أن تقضى له الخلافة فيقول له فيما يداعبه : والله لا أفلحت [أبدأ ] (1). وكان الهفتي مربوعاً بدينا (2)، والمعتصم رجلاً معرقاً خفيف اللحم - فجعل المعتصم يسبق الهفتي في المشي، فإذا تقدّم، ولم ير الهفتي معه التفت إليه ، فقال : ما لك لا تمشي (3)ويستعجله ؟!
فلما كثر ذلك من أمر المعتصم على الهفتي قال له الهفتي مداعباً : أصلحك الله كنت أراني أماشي خليفة، ولم أكن أماشي فيجاً، فوالله لا أفلحت.
فضحك المعتصم وقال : ويلك وهل بقي من الفلاج شيء لم أدركه بعد الخلافة؟
فقال له الهفتي : أتحسب أنك قد أفلحت الآن؟ إنما لك من (4)الخلافة الاسم، والله ما يجاوز أمرك ذنبك وإنما الخليفة الفضل بن مروان الذي يأمر فينفذ أمره من ساعته .
قال المعتصم : وأي أمر لي لم ينفذ؟
قال : أمرت لي بكذا وكذا منذ شهرين فما أعطيت مما أمرت لي منذ ذلك [90/ب] حبة (5)
وكان هذا أول ما حرك المعتصم في القبض على الفضل بن مروان (6)
لبيك على الفضل بن مروان نفسه*** فليس له باك من الناس يُعرف*** لقد صحب الدنيا منوعاً لخيرها*** وفارقها وهو المظلوم المعنف*** إلى النار فليذهب ومَن كان مثله ***على أي شيء فاتنا منه نأسف
.1) زيادة من الكامل.
2) في المخطوط بدبة، وأثبت ما في الكامل.
3) في المخطوط : يمشي والتصويب من الكامل.
4) في المخطوط : ((بن)) وهو تحريف والتصويب من الكامل، وهو واضح من سياق الكلام.
5) بعدها في الكامل : فحقدها على الفضل .
6) أتم الخبر ابن الأثير فقال : أول ما أحدثه في أمره أن جعل زماماً في نفقات الخاصة وفي الخراج وجميع الأعمال ثم نكبه وأهل بيته في صفر وأمرهم بعمل حسابهم، وصيَّر مكانه محمد بن عبد الملك الزيات. فنفى الفضل إلى قرية في طريق الموصل تعرف بالسن. وصار محمد وزيراً كاتباً . وكان الفضل شرس الأخلاق وضيق ،العطن كريه اللقاء بخيلاً مستطيلاً، فلما نكب شمت به الناس حتى قال بعضهم فيه :
وكان محمد بن عبد الملك الزيات يتولى ما كان أبوه يتولاه المأمون من عملالفساطيط وآلة الخمارات، ويكتب عليها مما جرى على يدي محمد بن عبد الملك.
وكان يلبس إذا حضر الدار الدراعة السوداء والسيف بالحمائل .
فدعاه الفضل يوماً فقال له ما هذا الزي إنما أنت تاجر، فما لك والسوا،دوالسيف ؟!
فترك ذلك محمد .
وأخذه الفضل برفع حسابه إلى دليل بن يعقوب النصراني، فأحسن دليل إليه فلم يزدد شيئاً .
وعرض عليه محمد هدايا فأبى دليل أن يقبل منها شيئاً .
ثم غضب المعتصم على الفضل بن مروان وأهل بيته وأمرهم برفع ما جرى على أيديهم وصيَّر محمد بن عبد الملك مكانه، فلما صار محمد بن عبد الملك وزيراً، استدعى الفضل يوماً، وقد دخل دار السلطان بسواد وسيف وهو إذ ذاك مغضوب عليه يحاسب، فقال: ما هذا الزي؟! الزم منزلك ، فإن احتيج إليك استدعيت (1)
في هذه السنة : سَير عبد الرحمن ملك الأندلس جيشاً إلى طليطلة فقاتلوها فلم يظفروا بها . وحج بالناس: صالح بن العباس بن محمد.
وفيها: توفي سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس أبو أيوب الهاشمي .
وعفان بن مسلم أبو عثمان الصفار البصري وكان موته ببغداد وله خمس وثمانون سنة وهو من مشايخ البخاري.
وتوفي فتح الموصلي ،الزاهد وكان من الأولياء والأجواد.
و محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عليه السلام توفي ببغداد وكان ،قدمها ومعه امرأته أم الفضل ابنة المأمون، فدفن بها عند جده موسى بن جعفر -وهو أحد الأئمة الإمامية - وصلّى عليه الواثق، وكان عمره خمساً وعشرين سنة، وكانت وفاته في ذي الحجة .
وقيل في سبب موته غير ذلك .
.وفي هذه السنة كانت بين بغا الكبير وبابك وقعة ببادية هشتادسر فهزمه بغا واستبيح عسكره .
ذكر الخبر عن ذلك
كان بغا قدم بالمال الذي مضى ذكره، ففرّقه الأفشين على أصحابه، وتجهز بعد النيروز عند زوال البرد ومكروه الثلج ووجه بغا في عسكر ليدور حول هشتادسر
1) زاد ابن الأثير فى أحداث تلك السنة فقال :
وينزل فى خندق محمد بن حميد ويحكمه ويحقره .
ووجه أبا سعيد من وجه آخر(1)، ورحل إلى الأفشين من برزند .
فتجهز بغا من غير موافقة الأفشين (2)، وسار حتى نزل قرية البذ في وسطها وأقام بها يوماً واحداً، واحتاج إلى الميرة والأعلاف.
فوجه ألف رجل من علاقة له فخرج عسكر من عساكر بابك، فاستباح العلاقة وقتل البعض وأسر البعض، ورجع بغا إلى خندق محمد بن حميد شبهاً بالمنهزم.
وكتب [إلى] (3)الأفشين يعلمه ذلك ويسأله المدد.
وقال: الأفشين ما عمل شيئاً، وأقدم يعز أمرنا .
ثم وجّه إليه أخاه الفضل بن سهل
ثم كتب الأفشين إلى بغا يعلمه أنه يغزو بابك في يوم سماه له، ويأمره أن يغزوه في ذلك اليوم بعينه ليحاربه من كلا الوجهين . فخرج الأفشين في ذلك اليوم يريد بابك .
وخرج بُغا فعسكر على دعوة وهاجت ريح شديدة ومطر شديد، فلم يكن للناس صبر على البرد(4)
فوجه إليه الأفشين أخاه الفضل وأحمد بن الخليل بن هشام وابن جوشن، وجناحاً الأعور صاحب شرطة الحسن بن سهل وأحد الأخوين قرابة الفضل بن سهل فأتوا بغا . وكتب الأفشين إلى بغا يعلمه أن يغزو بابك ... فخرج الأفشين ذلك اليوم من دروذ يريد بابك، وخرج بغا من خندقه فخرج إلى هشتادسر، فلم يكن للناس صبر لشدة البرد ... وواقعهم وواقعهم الأفشين.
وشدة الريح ، فانصرف بغا إلى عسكره .وواقعهم الأفشين من الغد وبُغا غير حاضر، فهزمه الأفشين، وأخذ عسكره وخيمته [ وامرأة كانت معه ] (5)ونزل الأفشين في عسكر بابك.
ثم تجهز بغا من الغد وصعد إلى](6)هشتادسر، فوجد العسكر الذي كان مقيماً بإزائه قد انصرف إلى بابك، فنزل بغا في صفه، وأصاب قماشاً وحرثاً قد تركوه .
ثم انحدر من هشتادسر يريد البذ، وكان على مقدمته داود سياه.
فبعث إليه إنا قد توسطنا الموضع الذي تعرفه - يعني الذي كاتبه فيه المرة الأولى -
1) فی الكامل : من خش يريد بابك، فتوافوا بمكان يقال له دروذ، فحفر الأفشين خندقاً، وبنى عليه سوراً، وكان بينه وبين البذ ستة أميال.
2) في الكامل وحمل معه الزاد ودار حول هشتادسر حتى دخل قرية البذ فنزلها فأقام بها.
3) زيادة من الكامل.
4) في المخطوط : البر. وهو تحريف وزاد صاحب الكامل في الخبر فقال :
5) زيادة من الكامل .
6) زيادة من الكامل .
وهذا وقت المساء، وقد بعث الرجالة فانظر جبلاً حصيناً يسع العسكر حتى نعسكر فيه ليلتنا هذه.
فالتمس داود سياه (1)ذلك، فصعد إلى قمة (2)جبل فأشرف فرأى أعلامالأفشين ومعسكره شبه الجبال فقال : هذا موضعنا (3).
فجاءهم في تلك الليلة سحاب وبرد ومطر كثير فلم يقدر أحد حين أصبحوا أن ينزل من الجبل لأخذ ماء ولا يسقي دابة من شدة البرد وكثرة الثلج، وكأنهم كانوا في نهارهم ذلك ذلك في ليل من الضباب المتراكم وشدة الظلمة فلما كان في اليوم الثالث قالالناس لبغا : قد فني ما معنا من الزاد وأضرّ بنا البرد فانزل على أية حال إما راجعين، وإما نحو الكافر.
وقد كان يوم الضباب بيت بابك الأفشين ونقض عسكره، وانهزم الأفشينو انصرف إلى معسكره .فضرب بُغا بالطبل وانحدر يريد البذ، فلما صار إلى بطن الوادي نظر إلى السماء متجلية والدنيا طيبة غير رأس الجبل الذي كان عليه فعبي بغا أصحابه ميمنة، وميسرة، ومقدمة، وتقدّم يريد البذ، وهو لا يشك أن الأفشين في موضع معسكره فمضى حتى صار لزق جبل البذ، ولم يبق بينه وبين أن يشرف على أبيات البذ إلا صعود قدر نصف ميل وكان على مقدمته [ جماعة فيهم ] (4)غلام لابن البعيث وكان ابن البعيث هذا ذا نكاية في بابك وكان للغلام قرابة بالبذ فلقيتهم طلائع البابك، فعرف بعضهم الغلام فقال : يا فلان.
قال : نعم .
قال : مَن هذا هاهنا ؟
فسمَّى له من معه من أهل بيته .
فقال : ادن مني حتى أکملک.
فدنا منه الغلام .
فقال له : ارجع وقل لمن تعنى به يتنحى، فإنا قد بيتنا الأفشين، وهزمنا، ونحن
قد تهيأنا لكم في عسكرين.
فعجل الانصراف لعلك أن تفلت .
فرجع الغلام فأخبر صاحبه ابن المغيث بغا بذلك .
فوقف بغا يشاور أصحابه .
هذا باطل وهذه خدعة، ليس من هذا شيء.
فقال بعضهم : وقال بعض الكوهانيين : هذا جبل أعرفه من صعد إلى رأسه نظر عسكر الأفشين .
فصعد بغا، والفضل بن كاوس وجماعة منهم ممن نشط، فأشرفوا على الموضع ، فلم يروا فيه أحد فتيقن أنه مضى، وتقرّر رأيه على أن ينصرف في صدر النهار قبل أن [91/ أ] يجنهم يجنهم الليل .
فأمر داود سیاه بالانصراف فجد في السير، ولم يعد في الطريق الذي [دخل منه ] (1)مخافة [ما] (2)فيه [ من كثرة ] (3)المضايق والعقاب وأخذ الطريق الذي دخل منه في المرة الأولى [وهو ] (4)يدور حول هشتادسر، وليس فيه مضيق إلا في موضع واحد.
فسار الناس وبعث الرجالة فرموا بأسلحتهم وطرحوا الرماح، ودخلتهم وحشة شديدة ورعب عظيم وصار بغا والفضل بن كاوس وجماعة من القوّاد في الساقة .
وظهرت طلائع ،بابك، ونزل بغا، فتوضأ وصلّى ووقف في وجوههم، وتخوّف بغا على عسكره أن تواقعه الطلائع من ناحية وتدور عليهم من بعض الجبال والمضايق قوم آخرون، فشاور مَن حضره.
وقال: لست آمن أن يكون هؤلاء الذين بإزائنا مشغلة يجنبوننا عن المسير، ويسبقوننا إلى المضايق بقوم آخرين .
فأشار الفضل بن كاوس [عليه] (5)أن يوجه إلى داود سياه وهو على المقدمة أن يسرع السير ولا ينزل حتى يجاوز المضيق ولو في نصف الليل وأما نحن فنقف هاهنا ونماطلهم حتى يجيء الليل والظلمة فإن هؤلاء لا يعرفون لنا حينئذ موضعاً، فإن أخذ علينا المضيق تخلصنا بأقوامنا من طريق هشتادسر ومن طريق آخر.
وأشار غيره على بغا فقال : إن العسكر قد يقطع وليس يدرك أواخره والناس قد رموا
سلاحهم، وقد بقي المال والسلاح على البغال وليس معه أحد، ولا نأمن أن يخرج علينا من يأخذ المال والسلاح والأسير الذي معنا - وكان معهم ابن جويدان أسيراً -.
فلما ذكر ذلك بغا أشفق منه، ووجه إلى داود سياه حيث ما رأيت جبلاً حصيناً فعسكر عليه .
فعدل، فعسكر عليه وضرب لبغا مضروب على طرف الجبل في موضع شبيه بالحائط ليس فيه مسلك، فنزل فيه، ونزل الناس وقد كلوا وفنيت أزوادهم فباتوا على بغيبة يتحارسون ناحية المصعد، وجاءهم العدو من الناحية الأخرى، فتعلقوا بالجبل حتى صاروا إلى مضرب بغا فكبسوه، وبيَّتوا العسكر .
وخرج بغا راجلاً حتى نجا، وجُرحَ (1)الفضل بن كاوس ونجا، وقتل [جناح السكري و ] ( ابن جوشن [ وأخذ الأخوين ] (2)قرابة (3)لفضل بن سهل وجماعة وغيرهم .
ووجد بغا بعد خروجه من العسكر دابة فركبها ومَرَّ بابن المغيث، فأصعده على هشتادسر حتی انحدر به علی عسکر محمد بن حميد ،و خندقه فوافاه في جوف الليل.
وأخذ الخرمية المال والعسكر والسلاح والأسير، ولم يتبعوا الناس [فوصل الناس معسكر هم ] (4)منقطعين حتى وافوا بغا وأقام بغا خمسة عشر يوماً في خندق محمد بن حميد حتى وافاه كتاب الأفشين يأمره بالرجوع إلى المراغة .
وانصرف الفضل أخو الأفشين وجميع ما كان في عسكر الأفشين إلى الأفشين .
وفرق الناس في مشاتيهم تلك السنة حتى جاء الربيع من السنة المقبلة (5)
وفيها قتل طرخان - وهو من أكبر قواد بابك - وكان سبب قتله :
أنه طلب من بابك إذناً حتى يشتي في قريته - وهي بناحية مراغة - وكان الأفشين يرصده، فلما علم خبره أرسل إلى ترك مولى إسحاق بن إبراهيم - وهو بمراغة - يأمره أن يسير إليه في قريته حتى يقتله أو يأخذه أسيراً، ففعل ترك ذلك، وأسرى إليه وقتله، وأخذ رأسه، فبعثه إلى الأفشين.
وفي هذه السنة : قدم صول ،أرتكين وأهل بلاده في القيود، فنزعت قيودهم وحمل على الدواب نحو مائتين .
وفيها غضب الأفشين على رجا الحضاري، وبعث به مقيداً.
وحج بالناس هذه السنة : محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله وهو الي مكة .
وفيها: توفي القاضي أحمد بن محرز قاضي القيروان وكان من العلماء العاملين، الزاهدين في الدنيا.وفيها : توفي آدم بن أبي إياس العسقلاني - وهو من مشايخ البخاري في صحيحه . . . وعيسى بن أبان بن صدقة أبو موسى قاضي البصرة - وهو من أصحاب أبي الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة-.
وعبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي صاحب مالك .
وعبد الكبير بن المعافى بن عمران الموصلي، وكان فاضلاً.
والعباس بن سليم بن جميل الأزدي الموصلي.
.وفيها: وجه المعتصم بالله إلى الأفشين جعفر بن دينار الخياط مدداً له، ثم اتبعه إيتاخ، ووجه معه ثلاثين ألف ألف درهم للجند ،والنفقات، فلما جاء الربيع وصل إلى الأفشين ما وجّه من المال والمدد فوافاه ذلك كله وهو ببرزند سلّمه إليه إيتاخ المال والرجال، وانصرف فأقام جعفر الخياط إلى أن حضر الوقت الذي يمكن فيه الغزو، وطاب الهواء والزمان .
وفي هذه السنة فتحت البذ مدينة بابك، ودخلها المسلمون وابتاحوها .
ذکر الخبر عن ذلک وسببه
لما عزم الأفشين على الدنو من البذ، جعل يزحف قليلاً قليلاً على خلاف(1)زحفه قبل ذلك إلى المنازل التي كان ينزلها ، فكان يتقدم الأميال (2)الأربعة فيعسكر في موضع على طريق المضيق الذي ينحدر إليه، ولا يحفر خندقاً، ولكنه يقيم معسكراً في الحسك .
وكتب إليه المعتصم يأمره أن يجعل الناس نوائب كراديس تقف على ظهور الخيل كما تدور العسكر بالليل والنهار مخافة البيات كي إن دهمهم (3)أمر كان الناس على تعبية والرجالة في العسكر .
فضجّ(4)الناس من التعب وقالوا: كم نقعد هاهنا في المضيق، ونحن قعود في الصحراء، وبيننا وبين العدو أربعة فراسخ، ونحن نفعل أفعال من يرى العدو بإزائه، فقد استحيينا من الناس، والجواسيس الذين يمرون بنا، وبين العدو وبيننا أربعة فراسخ ونحن قدمنا من الفرع أقدم بنا، فإما لنا وإما علينا .
فقال : أنا والله أعلم ما يقولون حق ولكن أمير المؤمنين أمرني بهذا، ولا أجد بدا منه.
فلم يلبث أن ورد عليه كتاب المعتصم يأمره أن يحتري بدراجة الليل .
فانحدر في خاصته حتى نزل رُؤدَ الرَّوْذ ، وتقدّم حتى شارف على الموضع الذي واقعه عليه بابك في العام الماضي (1)، فنظر إليه، فإذا عليه كردوس من الخُرّمية، فلم يحاربوه، ولم يحاربهم . فقال بعض العلوج : ما لكم تجيئون وتفرون؟ أما تستحيون؟
فأمر الأفشين ألا يجيبوهم ولا يبرز إليهم أحد.
فلم تزل مواقفهم إلى قريب من الظهر، ثم رجع إلى عسكره، فلم يزل على ذلك أیاماً.
وكان يأمر أبا سعيد أن يذهب فيواقفهم ولا يحركهم ...(2)
وأمر الفعلة - وكانوا يسمون الكلفرية - أن يحملوا شكا الماء والكعك، فلما صاروا إلى روذ الروذ أمر أبا سعيد أن يذهب فيواقفهم على حسب ما كان يواقفهم، وأمر الفعلة أن ينقلوا الحجارة ويجيفوا الطرق التي [91/ب] تسالك(3)إلى تلك المحال (4)، وكانت ثلاثة جبال حصينة كان ،اختارها ففعل ذلك، فصارت شبه الحصون.
ثم أمر ، فاحتفر على طريق وراء تلك الحجارة على المصعد خندقاً، ولم يترك إليها إلا مسلكاً واحداً ثم أمر أبا سعيد بالانصراف .
فلما كان الثامن من الشهر وعلم أن الضوء قد امتنع دفع إلى الرجالة الكعك والسويق، ودفع إلى الفرسان الزاد والشعير ووكل معسكره من يحفظه، وانحدر، وأمر الرجالة بالصعود إلى رؤوس تلك الجبال ولم يحملوا معهم ما يحتاجون إليه من المال والزاد .
ووجه أبا سعيد ليواقف القوم على عادته وأمر الناس بالدخول وأن لا يأخذ الفرسان سروج دوابهم .
ثم خط الخندق وأمر الفعلة فوق الجبال يناموا وأمر الفرسان أن يسيروا کرادیس بین کل کردوس و كردوس مقدار رمية ،سهم وتقدّم إلى جميع الكراديس أن لا
يلتفتن (1)أحد منكم إلى أحد، وكل كردوس قائم بما يليه ونحن لا عدة بأحد.
فلم تزل الكراديس وقوفاً على دوابهم إلى الصباح والرجالة فوق رؤوس الجبال يتحارسون، فلبثوا كذلك عشرة أيام، حتى فرغوا من حفر الخندق، ودخله اليوم العاشر ، وأمر القواد أن يبعثوا إلى أثقالهم وأثقال أصحابهم على الرفق فينقلوه.
وأتاه رسول بابك ومعه قشار (2)وبطيخ وخيار يعلمه أنه في أيامه هذه في جفاء، إنما يأكل الكعك والسويق هو وأصحابه وأنه أحب أن يلطفه بذلك، ففعل.
فقال الأفشين للرسول : قد عرفت أي شيء أراد أخي بهذا، إنما أراد أن تنظر إلى العسكر، وأنا أقبل بره وأعطي شهوته، فقد صدق إنا في جفاء.
وقال للرسول : أما أنت فلا بد لك أن تصعد حتى ترى (3)الخندق وتنظر (4)إلی خندق كلاورود و خندق برزند وتتأمل (5)الخنادق الثلاثة ولا يخفى عليه منها شيء لیخبر به صاحبه ففعل به ذلك، ثم أطلقه ووصله وقال : اذهب أقره مني السلام.
ثم إن الأفشين كان في أسبوع يضرب الطبول في نصف الليل، ويخرج بالنفقات والشمع إلى باب الخندق وقد عرف كل إنسان كردوسه من كان في الميمنة ومَن كان في الميسرة، فيخرج الناس فيقفون في مواقفهم وكان الأفشين يحمل أعلاماً سوداً كباراً على البغال وكان عددها شيئاً كثيراً، وكانت أعلامه الصغار نحو خمسمائة علم، وكانت طبوله الكبار اثنين وعشرين ،طبلاً، والصغار اثنين وعشرين طبلاً، فيقف أصحابه على مراتبهم حتى إذا طلع الفجر ركب الأفشين من مضربه فيؤذن المؤذن من بينيديه، ويصلي الناس بغلس .
ثم يأمر بضرب الطبول، وإذا أراد أن يقف أمسك عن ضربها، فيقف الناس من كل ناحية في جبل أراد .
وكان يسير هذه الستة الأميال التي بين معسكره وهو روذ الروذ وبين البذ ما بين طلوع الفجر إلى الضحى الأكبر.
فإذا أراد أن يصعد إلى الموضع الذي كانت الحرب عليها في العام الماضي خلف بخارا خذاه على رأس العقبة مع ألف وستمائة رجل يحفظون الطريق لا يخرج أحد الخرمية، فيأخذ عليهم الطريق .
وكان بابك إذا أحس بعساكر الأفشين أنها قد تحركت من الخندق يريده فرّق أصحابه كمناء، ولم يبق معه إلا نفر يسير.
ولم يكن الأفشين يعرف المواضع التي يكمنون فيها .
وكان الأفشين إذا صعد إلى ذلك الموضع أشرف على قصر بابك، وجلس على كرسي، وفرّق الرجالة في طلب الكمناء، ووقف الفرسان على ظهور دوابهم إلى بعد الظهر والخرمية بين يدي بابك يشربون الشراب ويزمرون السرنايات ويضربون الطبول حتى إذا صلّى الأفشين [الظهر ](1)انحدر إلى خندقه بروذ الروذ، ونفخ أصحاب بابك في بوقاتهم وضربوا بصنوجهم استهزاء، ولا يبرح بخارا خذاه حتى يجوز الناس جميعاً ثم ينصرف في اثارهم .
حتى إذا كان في بعض الأيام ضجرت الخرمية من التفتيق (2)، وانصرفت الأفشين كعادته وانصرفت الكراديس فلما انتهى إلى جعفر الخياط نوبة العبور، فتح الخرمية خندقهم، وخرج منهم عدة فحملوا على من بقي من أصحاب جعفر الخياط، وارتفعت الفتحة في العسكر، جعفر مع كردوس من أصحابه وحمل على أولئك الفرسان ورجع حتی ردهم إلى باب البذ وقعت الصيحة في العسكر .
فرجع الأفشين وجعفر من ذلك الجانب يقاتل في أصحابه، وقد خرج من أصحابهعدة ومن أصحاب بابك عدة من الفرسان مع فرسان ليس فيهم رجالة .
فرجع الأفشين حتى طرح الكرسي له على النطع في موضعه الذي كان يجلس فيه، وهو يتلظى على جعفر، ويقول: قد أفسد تعبيتي وما أريد.
وكان مع أبي دلف في كردوسه قوم من المطوعة من البصرة وغيرها (3)، فلما ارتفعت الصيحة ونظروا إلى جعفر يحارب انحدر أولئك المطوعة بغير أمر الأفشين وعبروا إلى الجانب الآخر من الوادي حتى صاروا إلى حائط البذ، فتعلّقوا به، وأثروا فيه آثاراً، وكادوا يصعدونه، فيدخلون البذ.
ووجه جعفر [92/أ] إلى الأفشين: أن أمدني بخمسمائة راجل الناشبة، فإني أدخل البذ إن شاء الله فقد عرفت القوم، وعلمت ما أتاهم.
فبعث إليه الأفشين إنك (4)قد أفسدت عليّ أمري كله فتخلّص قليلاً قليلاً وخلص أصحابك، وانصرف .
وارتفعت الضجة من جهة المطوعة حتى تعلّقوا بالبذ فظنّ الكمناء من أصحاب بابك أنها الحرب قد اشتبكت فنفروا ووثبوا آخروم، من تحت عسكر بخارا خذاه، ووثب آخرون (1)، من وراء الربوة التي كان الأفشين عليها يقعد (2)، فتحرّك الخرمية والناس وقوف على رؤوسهم لم يزل منهم أحد.
فقال الأفشين : الحمد لله الذي بَيَّن لنا مواضع هؤلاء.
ثم انصرف جعفر وأصحابه والمطوعة فجاء جعفر، فقال للأفشين : إنما وجهني أمير المؤمنين للحرب التي ترى لا للعقود ،هاهنا وأراك تقعد في أوقات حاجاتي، قد كان يكفيني خمسمائة رجل حتى أدخل البذ أو جوف داره لأني قد رأيت مَنْ بين يدي؟
فقال الأفشين: لا تنظر إلى من بين يديك ولكن انظر إلى [مَن](3)خلفك ومَن (4)وثبوا بخارا خذاه وأصحابه .
فذهب جعفر يتكلم ، فقال له الفضل بن كاوس لو كان الأمر إليك ما كنت تصعد إلى هذا الموضع الذي (5)أنت عليه وأقف حتى تقول : كنت .
فقال له جعفر : هذه الحرب وها أنا واقف لمن جاء.
فقال له الفضل : لولا مجلس الأمير لعرفتك نفسك الساعة .
فصاح بهما الأفشين فأمسكا، وأمر أبا دلف أن يرد المطوعة عن السور.
فقال أبو دلف للمطوعة : انصرفوا .
فجاء رجل منهم ومعه صخرة عظيمة فقال : أتردونا وهذا الحجر من السور أخذته، ولو أخذ معي كل واحد مثله لأزلنا السور عن موضعه .
فقال له : إذا انصرفت تدري على من طريقك - يعني العسكر الذين وثبوا علىبخارا خذاه من ورائه -.
ثم قال الأفشين لأبي سعيد في وجه جعفر أحسن الله جزاءك عن نفسك وعن أمير المؤمنين، ليس كل من خفٌ رأسه فيقول ولا يفي بما يقول في الموضع الذي يحتاج إليه خير من المحاربة في الموضع الذي لا يحتاج إليه، ولو وثب هؤلاء الذين تحتك وأشار إلى الكمين كنت تدري هؤلاء المطوعة الذين هم في الغمس أي شيء كان يكون حالهم،
فالحمد الله [الذي ](1)سلّمهم . قف هاهنا ولا تبرح حتى لا يبقى هاهنا أحد .
وانصرف الأفشين، وكان من سنته أن ينصرف على تعبية كردوس بعد كردوس ويكون آخرهم .
وأقام الأفشين في خندقه بروذ الروذ أياماً فشكا إليه المطوعة الضيق في العلوفة والزاد.
فقال لهم : من صبر ،فليصبر ومَن لم يصبر فالطريق واسع فلينصرف بسلام، فإن معي من جند أمير المؤمنين ومَن هو في أرزاقه من يقيم معي في الحر والبرد ولست هاهنا أبرح من حتى يسقط الثلج .
فانصرف المطوعة وهم يقولون : لو ترك الأفشين جعفراً وتركنا لأخذنا البذ، ولكنه يشتهي المماطلة.
فبلغه ذلك وما أكثر فيه المطوعة، وتناولوه بألسنتهم، حتى قال بعضهم: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ في المنام] (2)فقال لي : قُلْ للأفشين إن أنت حاربت هذا الرجل وجددت في أمره، وإلا أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة.
فتحدّث الناس بذلك في العسكر حتى صار جل حديثهم به وعلانية .
فبعث الأفشين إلى رؤساء المطوعة، فأحضرهم وقال لهم : أحب أن تروني هذا الرجل
فأتوه ،به فانحشر معه الناس فقربه وأدناه ثم قال : قُصَّ عَلَيَّ رؤياك، ولاتحتشم، فإنك إنما تؤدي .
قال : رأيت كذا وكذا .
قال : الله يعلم نيتي وما أريده للمسلمين وبهؤلاء الخلق، وأن الله عزّ وجل لو أراد أن يأمر الجبال برجم أحدٍ لرجم الكافر وكفاني مؤنته، فكيف يرحمني حتى يكفيه مؤنتي؟! فكان يرجمه ولا يحتاج أن أقاتله، وأنا أعلم أن الله مطلع على قلبي وما أريد بكم يا مساكين.
فقال رجل من المطوعة من الوجوه أيها الأمير لا تحرمنا شهادة إن حضرت فإنما قصدنا ثواب الله ،ووجهه ولو أردنا الحياة لقعدنا في منازلنا، فدعنا وجدنا حتى نتقدّم بعد أن نكون بإذنك، فلعل الله يفتح علينا .
فقال الأفشين: أرى نياتكم حاضرة، وأحب هذا الأمر ويريده الله وقد نشطتم ونشط أصحابي، وقد حدث لي الساعة رأي في ذلك، وهو خير إن شاء الله، اعزموا على بركة الله أي يوم شئتم حتى نناهضه ولا حول ولا قوة إلا بالله .
فخرج القوم مستبشرين فمن كان أراد الانصراف أقام ، ومَن كان خرج ثم سمع بذلك رجع، ووعد الناس ليوم وتقدم إلى الناس أخذ الأهبة خرج وخرج المحامل على البغال لمَن لعله يجرح، وأخرج المتطببين .
وزحف الناس حتى صعد إلى المكان ](1)الذي كان يجلس فيه، وطرح له النطع ووضع عليه الكرسي كما كان يفعل، وقال لأ كما كان يفعل، وقال لأبي دلف : قل لأصحابك أي ناحية أسهل عليهم فليقتصروا عليها .
وقال الجعفر العسكر كله بين يديك والناشبة والنفاطون أمامك [92/ب] فخذ حاجتك واعزم على بركة الله ادن من أي موضع شئت.
قال : أريد أن أقصد الموضع الذي كنت فيه .
قال : امض .
ثم دعا أبا سعيد فقال : قف بين يدي أنت وجميع أصحابك لا يبرحن منكم أحد.
ودعا أحمد بن الخليل فقال له : قف أنت أيضاً وجميع أصحابك هاهنا ودعوا جعفراً يغزو بمن معه من الرجال فإن أراد رجالاً وفرساناً أمددناه.
وتوجه أبو دلف مع المطوعة نحو حائط البذ وعلقوا بالحائط حسب ما كانوا فعلوا ذلك اليوم .
وحمل جعفر حملة حتى ضرب باب البذ كما فعل تلك الدفعة، ووقف على الباب وواقفه الخرمية ساعة .
فوجّه الأفشين برجل معه بدرة دنانير وقال : قل لأصحاب جعفر من تقدم حبوت له ملء كفي.
ودفع بدرة أخرى دنانير إلى آخر وقال : اذهب إلى موضع المطوعة وقل مثل ذلك .
وبعث بأطواق وأسورة مع البدرتين.
واشتبكت الحرب، ثم فتح الخرمية ،الباب وخرجوا على أصحاب جعفر فنحوهم عن الباب، وشدوا على المطوعة من الناحية الأخرى فرموهم عن السور، وأخذوا علمين لهم وشدخوهم فيالصخر حتى أثروا فيهم.
1) زيادة يتطلبها السياق، ونحوها في الكامل.
ورقوا عن الحرب وصاح جعفر بأصحابه فندر منهم نحو مائة رجل فتركوا خلف تراسهم التي كانت معهم وواقفوهم متحاجزين لا هؤلاء يقدمون ولا هؤلاء حتى صلى الناس الظهر تختلف
بينهم النشاب والحجارة .
فلما ظفر الأفشين إلى ذلك كره أن يطمع العدو في الناس، فوجه إلى جعفر بكردوس فقال جعفر : لست أوتي من قلة الرجال في الرجال و](1)فرة، ولكن لستأدري للحرب موضعاً وقد انقطعت الحرب.
فبعث إليه : انصرف على بركة الله .
فانصرف جعفر، وتقدّم الأفشين يحمل الجرحى ومَن رمق (2)من الحجارة في المحامل التي على البغال وأمر الناس بالانصراف فانصرفوا إلى خندقهم بروذ الروذ .
ويئس الناس من الفتح في تلك السنة وانصرف أكثر المطوعة .
ثم إن الأفشين تجهز بعد جمعتين فلما كان من الليل بعث الرجالة الناشبة وهم مقدار ألف رجل، فدفع إلى كل واحد منهم شكوة وكعكاً، ودفع إليهم أعلاماً سوداً وقال : سيروا حتى تصيروا خلف التل الذي عليه أذين - وهو صاحب جيش بابك وأرسل معهم الأدلاء ، وأمرهم أن لا يعلم بهم أحد حتى يروا أعلام الأفشين عند صلاة الغداة فحينئذ ركبوا الأعلام على الرماح وضربوا بالطبول وانحدروا من فوق الجبل ورموا بالنشاب والصخر على الخرمية.
وإن هم لم يروا الأعلام لم يتحركوا حتى يأتيهم خبره، ففعلوا ذلك، ووافوا رأس الجبل عند السحر، وجعلوا في تلك الشكاة الماء من الوادي .
فلما كان السحر [وجّه ] (3)الأفشين إلى القواد : أن اركبوا في السلاح.
فركبوا وأخرج النفاطين والشمع، وضرب بالطبل حتى وافى الموضع الذي كان يقف عليه وبسط النطع ، ووضع الكرسي كعادته وكان بخارا خذاه يقف على العقبة التي كان يقف عليها في كل يوم.
فلما كان ذلك اليوم صيَّر بخارا خذاه مع [مَن] في المقدمة مع أبي سعيد، وجعفر الخياط، وأحمد بن الخليل.
فأنكر الناس هذه التعبية، وأمرهم أن يدنوا من التل الذي عليه أذين، فيحدقوا به، وقد كان ينهاهم عن هذا قبل ذلك اليوم.
فمضوا جميعاً حتى صاروا كالحلقة حول التل وارتفعت الضجة، وتحرك الكمين، واشتبكت الحرب.
فلما سمع الرجالة الناشبة - الذين تقدموا - أصوات الطبول، ورأوا الأعلام انحدروا على أصحاب أذين .
وحمل جعفر الخياط وأصحابه حتى صعدوا إليهم ثم حملوا عليه حملة ](1)منكرة قلبوه وأصحابه في الوادي.
وكان أذين قد هيأ فوق الجبل عجلة عليها صخر، فلما حمل الناس دفع الحجر على الناس فأفرج الناس عنها حتى تدحرجت (2)، ثم حمل الناس من كل وجه فلما نظر الناس إلى ذلك كبروا ، ونظر بابك إلى أصحابه قد أحدق بهم فخرج من طرف البذ من باب يلي الأفشين يكون بين هذا الباب وبين التَّل الذي عليه الأفشين قدر ميل، فأقبل بابك يسأل عن الأفشين .
فقال لهم المطوعة، وأصحاب أبي دلف : من هذا؟
قالوا: بابك يريد الأفشين .
فأرسلوا أبا دلف إلى الأفشين يعلمه ذلك .
فأرسل أبا دلف إلى الأفشين يعلمه ذلك.
فأرسل الأفشين رجلاً يعرف بابك، فنظر إليه، ثم عاد إليه فقال: نعم هو بابک(3).
فدنا منه حيث يسمع كلامه وكلام أصحابه والحرب مشتبكة في ناحية أذين.
فقال له : أريد الأمان .
فقال له :الأفشين : قد عرضت عليك هذا وهو لك مبذول لك لك مبذول لك متى شئت .
فقال : قد شئت الآن على أن تؤجلني [أجل ](4)أحمل فيه عيالي وأتجهز .
قال له الأفشين :قد والله نصحتك غير مرة وأنا أنصحك الساعة خروجك اليوم في الأمان خير [1/93] من غد.
1) في المخطوط عجلاً. والتصويب من الكامل.
2) في المخطوط : تخرجت والتصويب من الكامل.
3) في المخطوط تكرار في العبارات من أول قوله : قالوا بابك يريد الأفشين يعلمه بذلك فأرسل الأفشين رجلاً يعرف بابك فنظر إليه ثم عاد إليه فقال نعم هو بابك فحدث سقط وتكرار. ثم كرر العبارات على النحو الصحيح فحذفت المكرر .
4) زيادة يتطلبها السياق .
قال : قد قبلت أيها الأمير .
قال له الأفشين : فابعث بالرهائن التي كنت سألتك .
قال : نعم أما فلان وفلان فهم (1)على ذلك الجبل، فمر (2)أصحابك بالتوقف عنهم . : فجاء رسول الأفشين ليرد الناس، فقيل له : مَن يرد الناس؟ فإن أعلام الفراغنة قد
دخلت البذ وصعدوا بها إلى القصور .
فصاح الأفشين بالناس ، ودخل ودخلوا، وصعد الناس بالأعلام فوق القصور .
وقد كان بابك كمن في [قصوره ](3)- وهي أربعة - ستمائة رجل. فوافاهم الناس، فصعدوا فوق القصور بالأعلام وامتلأت شوارع البذ وميدانها من الناس، وفتح أولئك الكمناء أبواب القصور وخرجوا يقاتلون الناس.
ومَرّ بابك حتى دخل الوادي الذي [يلي](4)هشتادسر.
واشتغل الأفشين وقواده بالحرب على أبواب القصور وأحضر النقاطين، فصبوا عليهم النفط والنار، والناس يهدمون القصور حتى قتلوهم عن آخرهم، وأخذ الأفشين أولاد بابك وعيالاتهم، وأمر الناس بالانصراف، فانصرفوا وكان عامة الخرمية في البيوت.
فرجع الأفشين إلى الخندق بروذ الروذ ، فذكر الناس أن بابك وأصحابه حين علموا أن الأفشين قد رجع إلى خندقه رجعوا إلى البذ، فحملوا من الزاد ما أمكنهم حمله، وحملوا أموالهم، ثم دخلوا الوادي الذي يلي هشتادسر.
فلما كان من الغد خرج الأفشين حتى دخل البذ، فوقف في التسوية، وأصعد الكاغرية وهدموا القصور وحرقوها، فعل ذلك في ثلاثة أيام حتى أحرق خزائنه، وقصور، ولم يدع بيتاً واحداً .
ثم رجع وقد علم أن بابك قد أفلت في بعض أصحابه.
فكتب إلى ملوك ،أرمينية، وأصحاب الأطراف يقول : إن بابك قد هرب في عدة معه، وهو مارّ بكم، فلا يفوتكم.
وجاءت الجواسيس إلى الأفشين، فأخبروه بموضعه في الوادي، وكان وادياً معشباً كثير الشجر طرفه أرمينية وطرفه الآخر أذربيجان .
ولم يمكن الخيل أن تنزل إليه، ولا يُرى من يستخفي فيه، إنما هو غيضة ملتفة
الأشجار والأنهار .
فوجه الأفشين إلى كل موضع يعلم أن منه طريقاً ينحدر إلى تلك الغيضة أو يمكن بابك أن يخرج منه ، عسكراً، وكان يوجه إلى كل عسكر من هذه العساكر الميرة من عسكره، وكانت عدة هذه العساكر خمسة عشرة معسكراً ، فكانوا كذلك حتى ورد كتاب أمير المؤمنين المعتصم بالله مختوماً بالذهب فيه أمان لبابك .
فدعا الأفشين بمَن كان استأمن إليه من أصحاب بابك، وبالأسرى، وفيهم ابن له كبير ولده، فقال لهم : هذا ما لم أكن أطمع له فيه وأن يكتب له أمير المؤمنين وهو في هذه الحال بأمان فمَن يأخذه ويذهب به إليه؟
فلم يجسر على ذلك أحد منهم وقالوا يا أيها الأمير نحن ما فينا من يجترىء
أن يلقاه بهذا .
وقال الأفشين : ويحكم إنه يفرح بهذا.
قالوا: أصلح الله الأمير نحن أعرف بهذا منك .
قال : فلا بد من أن تهيؤوا لي أنفسكم وتوصلوا هذا الكتاب إليه .
فقام رجلان منهما فقالا : اضمن لنا أنك تجري على عيالاتنا .
فضمن لهما، وأخذا الكتاب وتوجها، فلم يزالا يدوران في الغيضة حتى أصاباه .
وكتب معهما ابن بابك يعلمه الخبر، ويسأله أن يصير إلى الأمان، فدفعا إليه الكتاب عن ابنه .
وقال : أي شيء صنعتم؟
قالا : أسر عيالاتنا، ولم يعرف موضعك، فيأتيك.
فقال للذي كان معه الكتاب : أما هذا فلا أعرفه ولكن أنت يا ابن الفاعلة كيف اخترت أن تجيئني من عند ابن الفاعلة - يعني ابنه -.
فأخذه، وشدّ الكتاب على صدره مختوماً لم يفضه وضرب عنقه، ثم قال للآخر : اذهب أنت فقل لابنه : يا ابن الزانية قد تحققت الساعة أنك لست لي بابن، وأن أمك جاءت بك من غيري(1)
، لو عشت يوماً واحداً وأنت رئيس هذه الدعوة خير لك من أن تعيش أربعين سنة وأنت عبد ذليل، ولكنك من جنس لا خير فيه، ورد الرجل مع الأدلاء حتى دلوه الطريق، فرجعوا إلى بابك
ثم إن بابك فني زاده وخرج مما يلي طريقاً فيه جبل لا يقيم عليه عسكره لبعده
1) في المخطوط ،عمر وهو تحريف.
عن الماء، وكان الناس قد أقاموا هناك فارسين وكوهنيين يحرسون الطريق بنوبة .
فلما خرج بابك وأصحابه، وكان معه أخواه عبد الله ،ومعاوية، وامرأة له، وساروا يريدون أرمينية نظر إليهم الفارسان والكرهيان.
فتوجهوا إلى العسكر وعليه أبو الساج، فأعلموا أنهم رأوا فرساناً خرجوا منالغيضة ومرُّوا لا يدري مَن هم (1).
فركب الناس وساروا فنظروا إليهم من بعد وقد تولوا على عين ماء يتغدون عليها .
فلما نظروا إلى الناس بادروا الكافر فركب وركب من معه فأفلت، وأخذ معاوية وأم بابك والمرأة التي كانت معه، ومع بابك غلام له.
فوجه أبو الساج بمعاوية والمرأتين إلى العسكر وسار (2)بابك حتى دخل جبال أرمينية يسير متمكناً (3)في الجبال فاحتاج إلى الطعام وكان جميع بطارقة أرمينية قد تحفظوا بنواحيهم وأطرافهم، وأوصوا مسالحهم أن لا يجتاز عليهم أحد إلا أخذوه حتى يعرفوه، وكان أصحاب المسالح كلهم متحفظين .
وأصاب بابك الجوع وأشرف، فإذا هو بحراث يحري على فدان له في بعض الأودیة.
فقال لغلام :له : انزل إلى هذا الحرّاث وخذ معك دراهم ودنانير فإن كان معه [خبزاً] (4)فخذه وأعطيه .
وكان للحرّاث شريك ذهب ،لحاجته فنزل الغلام [93/ ب] إلى الحارث يخاطبه، فنظر إليه شريكه من بعيد فوقف بالبعد يفرق أن يجيء إلى شريكه، فدفع الغلام إلى الحراث شيئاً، فجاء الحرّاث فأخذ الخبز فدفعه إلى الغلام وشريكه قائم ينظر، ويظن أنه إنما اغتصبه خبزه .
فعدا إلى صاحب المسلحة، فأعلمه أن رجلاً عليه سيف وسلاح جاءهم وأخذ خبز شريكه من الوادي.
فركب صاحب المسلحة وكان في حيال ابن سنباط، ووجّه إلى سهل بن سنباط بالخبر.
فركب ابن سنباط وجماعة معه حتى جاء مسرعاً فوافى الحرّاث والغلام عنده.
فقال : ما هذا؟
قال الحرّاث : هذا رجل مَرَّ بي فطلب خبزاً فأعطيته .
فقال للغلام : أين مولاك؟
قال هاهنا وأومأ بيده ،فاتبعه فأدركه وهو نازل، فلما رأى وجهه عرفه فترجل له ابن سنباط عن دابته ودنا منه فقبّل يده وقال : يا سيدي إلى أين؟
قال : أريد بلاد الروم، وموضعاً سماه.
فقال له : لا تجد أحداً أعرف بحقك ولا أحق أن يكون عنده مني، وأنت تعرف موضعي ليس بيني وبين السلطان ،عمل ولا يدخل علي أحد من أصحاب السلطان وأنت عارف بقصتي وبلدي وكل من هاهنا من البطارقة إنما هم أهل بيتك قد صار لك منهم أولاد - وذلك أن بابك كان إذا علم أن عند بعض ](1)أهل البطارقة بنتاً أو أختاً جميلة وجّه يطلبها فإن بعث بها وإلا بيته فأخذها وأخذ جميع ماله من متاع وغيره-.
ثم قال له ابن سنباط : صِر عندي في حصني فإنما هو منزلك، وأنا عبدك فكن فيه شتوتك هذه حتى ترى رأيك .
وكان بابك أصابه الضر ،والجهد فركن إلى كلام سهل بن سنباط، وقال له : ليس يستقيم أن أكون أنا وأخي في موضع واحد لعله إن عثر بأحدنا فيبقى الآخر، ولكني أقيم عندك وتوجه عبد الله أخي إلى ناحية ابن اصطفانوس لأنه ليس لنا خلف يقوم بدعوتنا .
فقال له ابن سنباط : ولدك كثير .
قال : ليس فيهم خير وكان يثق بابن اصطفانوس .
فلما أصبح عبد الله مضى إلى حصن اصطفانوس فأقام بابك عند ابن سنباط .
فكتب ابن سنباط إلى الأفشين يعلمه أن بابك عنده في حصنه .
فكتب إليه : إن كان هذا صحيحاً فلك عندي وعند أمير المؤمنين أعزه الله الذي تحب وكنت تجز به خيراً، ووصف الأفشين صفة بابك لرجل من خاصته ممن يثق به، ووجّه به إلى ابن سنباط ، وكتب إليه [مع](2)رجل من خاصته [أنه](3)يحب أن يرى بابك ليحكي للأفشين ذلك .
فکره ابن سنباط ذلك إشفاقاً من أن يوحش ذلك بابك فقال للرجل : ليس
يمكنك أن تراه إلا في الوقت الذي يكون متكئاً على طعامه يتغذى، فإذا رأيتنا قد دعونا بالطعام فالبس ثياب الطباخين الذين معنا على هيئة علوجنا وتعال كأنك تقدم الطعام أو تناولنا شيئاً، فإنه يكون متكئاً على الطعام فتفقد منه ما تريد فاحكه لصاحبك .
ففعل به ذلك في وقت الطعام فرفع بابك رأسه فنظر إليه فأنكره ، وقال : مَن هذا الرجل؟
فقال له ابن سنباط هذا رجل من أهل خراسان منقطع إلينا منذ زمان نصراني . فقال له بابك : منذ كم أنت هاهنا ؟
قال : منذ كذا وكذا سنة .
قال : وكيف أقمت هاهنا؟
قال : تزوجت هاهنا .
فقال له : صدقت، إذا قيل للرجل من أين أنت؟ قال: من حيث امرأتي .
ثم رجع [الرجل ](1)إلى الأفشين، فأخبره، ووصف له بابك .
ووجّه الأفشين أبا سعيد، وبو زيارة (2)إلى ابن سنباط، وكتب إليه معهما،
وأمرهما إذا صار إلى بعض الطريق قدما كتابهما إلى ابن سنباط مع علج من الأعلاج وأمرهما أن لا يخالفا ابن سنباط فيما يشير به عليهما ففعلا ذلك.
وكتب إليهما ابن سنباط في المقام بموضع سماه ووصفه لهما إلى أن يأتيهما رسوله فلم يزالا مقيمين في الموضع الذي وصفه لهما .
ووجه إليهما ابن سنباط بالميرة والزاد حتى يحرك بابك للخروج إلى الصيد، فقال له : واد طيب وأنت مغموم في جوف (3)هذا الحصن، فلو خرجنا ومعنا باز وباشق وما نحتاج إليه فنفرج إلى وقت الغداء بالصيد؟
فقال له بابك : إذا شئت .
فاستعدا ليركبا بالغداة، وكتب ابن سنباط إلى أبي سعيد وبو زبارة يعلمهما ما عزم عليه، ويأمرهما أن يوافياه واحد من هذا الجانب من الجبل والآخر من الجانب الآخر : وأن يسيرا متمكنين من صلاة الصبح، فإذا جاءهما أشرفا على الوادي، فانحدرا وأصحابهما علیه هذا من هاهنا وهذا من ،هاهنا فأخذاهما، ومعهما البواشق.
فلما نظر بابك إلى العساكر قد أحدقت به وقف ينظر إليهم.
فقالا له انزل .
فقال : ومَن أنتما ؟
قال أحدهما : أنا أبو سعيد .
وقال الآخر : أنا بو زيارة .
فقال : نعم، وثنى رجله فنزل .
وكان ابن سنباط ينظر إليه، فرفع رأسه إلى ابن سنباط، وشتمه، وقال: إنما بعتني من اليهود بالشيء اليسير ، لو أردت المال مني وطلبته لأعطيتك أكثر مما يعطيك هؤلاء.
ثم أركبوه (1)وساروا به إلى الأفشين، فلما قرب من العسكر ] (2)جلس (3)له الأفشين ببرزند في خيمة بين يديها مفازة (4)فاصطفت الناس له صفين فأمر الأفشين ألا يتركوا غريباً بين الصفين فرقاً أن يجرحه إنسان أو يقتله ممن قتل أولياءه أو صنع به داهية .
وقد كان صار إلى الأفشين [94/ أ] نساء كثير وصبيان ذكروا أن بابك كان أسرهم وأنهم أحرار من العرب والدهاقين .
فأمر الأفشين بإفرادهم في حظيرة وأجرى عليهم ،أقواتهم، وأمرهم أن يكتبوا إلى أولياءهم، فكل من جاء فعرف امرأة أو صبيا أو صبية وأقام شاهدين يعرفان أنهما حرمة له أو قرابته دفعها إليه وكان قد ذهب خلق كيير وبقي ناس كثير منهم ينتظرون أن أن تجيء أولياءهم .
فلما كان ذلك اليوم وصار بين بابك والأفشين فنظر إليه الأفشين، ثم قال: انزلوا به إلى العسكر فنزلوا به راكباً .
فلما نظر النساء والصبيان الذين كانوا أفردهم الأفشين في حظيرة، لطموا وجوههم، وصاحوا وبكوا حتى ارتفعت أصواتهم، فوجه الأفشين إليهم : أنتم اليوم تبكون عليه لعنكم الله .
قالوا : إنه كان محسناً إليه .
فأمر به، فأدخل بيتاً ووكل به جماعة من ثقاته.
وكان عبد الله أخو بابك مقيم عند عيسى بن اصطفانوس، فأعلم الأفشين بمكانه.
فكتب إليه يأمره أن يوجه عبد الله فوجه به عیسی بن اصطفانوس إلى الأفشين،فلما صار في يد الأفشين حبسه مع أخيه في بيت واحد ووكل بهما قوماً يحفظونهما .
وكتب إليه المعتصم يأمره بالقدوم بهما عليه فلما أراد أن يسير إلى العراق وجّه إلى بابك : انظر ما يشتهي(1)من بلاد أذربيجان .
قال : أشتهي أن أنظر إلى مدينتي .
فوجهه مع قوم في ليلة مقمرة إلى البذ حتى دار فيه ونظر إلى البيوت والقتلى فيه إلى وقت الصبح، فيظن أنه تأمل موضع كنوزه (2)
وفي هذه السنة : وجه المعتصم إلى الأفشين جعفراً الخياط مدداً له . ووجّه إليه إيتاخ ومعه ثلاثون ألف ألف درهم للجند ،وللنفقات فأوصل ذلك إلى الأفشين وعاد . وفيها كانت وقعة بين الأفشين وقائد لبابك أسمه أذين.
وكان سببها أن الشتاء لما انقضى سنة إحدى وعشرين ومائتين وجاء الربيع، ودخلت سنة اثنتين وعشرين رحل الأفشين عند إمكان الزمان، فصار إلى موضع يقال له : كلان رود - وتفسيره نهر كبير - فاحتفر عنده خندقاً وكتب إلى أبي سعيد ليرحل من برزند إلى طرف رستاق كلان رود، وبينهما قدر ثلاثة أميال .
فأقام الأفشين بكلان روذ خمسة أيام فأتاه من أخبره أن قائداً لبابك اسمه أذين قد عسكر بإزائه، وأنه قد صير غيالة في خيل. فقال له بابك : لتجعلهم في الحصن.
فقال : لا أتحصن من اليهود - يعني المسلمين - والله لا أدخلتهم حصناً أبداً. فوجه الأفشين ظفر بن العلاء السعدي في جماعة من الفرسان والرجالة فساروا ليلتهم فوصلوا إلى مضيق لا يسلكه إلا الواحد بعد الواحد .
وأكثر الناس قادوا دوابهم وتسلّقوا في الجبل، وأخذوا عيال أُذين وبعض ولده، وبلغ الخبر أذين. وكان الأفشين قد خاف عليهم فأمرهم أن يجعلوا على رأس كل جبال رجالاً معهم الأعلام السود فإن رأوا شيئاً يخافوه حركوا الأعلام ففعلوا ذلك فلما أخذوا عيال أُذين ورجعوا إلى بعض الطريق قبل المضيق، أتاهم أذين في أصحابه فحاربوهم فقتل منهم قتلى واستنقذوا بعض النساء.
فنظر الرجال المرتبون برؤوس الجبال فحركوا الأعلام.
وكان أذين قد أنفد من يمسك عليهم المضيق .
فلما رأى الأفشين تحريك العلم الذي بإزائه سير جماعة من الجند مع مظفر بن كيذر، فأسرع نحوهم.
ووجه أبا سعيد بعدهم، وبخارا خذاه .
فلما نظر إليهم رجالة أذين الذين على المضيق تركوه وقصدوا أصحابهم. فنجا ظفر بن العلاء ومَن معه ومعهم بعض عيال أذين . ثم ذكر ابن الأثير بعد ذكره لخبر فتح البذ مدينة بابك خبراً آخراً عن أهل طليطلة فقال فيه : قد ذكرنا عصيان أهل طليطلة على عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي صاحب الأندلس وإنفاذ الجيوش إلى محاصرتها مرة بعد مرة فلما كان سنة إحدى وعشرين ومائتين خرج
جماعة من أهلها إلى قلعة رباح وبها عسكر لعبد الرحمن فاجتمعوا كلهم على حصر طليطلة وضیقو علیها وعلی أهلها، وقطهوا عنهم باقی مرافقهم واشتدوا في محاصرتهم، فبقوا كذلك إلىأن دخلت سنة اثنتين وعشرين .
فسيَّر عبد الرحمن أخاه الوليد بن الحكم إليها أيضاً فرأى أهلها وقد بلغ بهم الجهد كل مبلغ واشتد عليهم طول الحصار وضعفوا عن القتال والدفع فافتتحها قهراً وعنوة يوم السبت لثمان خلون من رجب .
وأمر بتجديد القصر [الذي] على باب الحصن الذي كان هدم أيام الحكم.
وأقام بها إلى آخر شعبان من سنة ثلاث وعشرين ومائتين حتى استقرت قواعد أهلها وسكنوا. وحجّ بالناس هذه السنة : محمد بن داود.
وفيها: ظهر عن يسار القبلة كوكب فبقي يرى نحواً من أربعين ليلة وله شبه الذنب وكان أول ما طلع نحو المغرب، ثم رؤي بعد ذلك نحو المشرق، وكان طويلاً جداً فهال الناس ذلك وعظم عليهم .
ذكره ابن أبي أسامة في تاريخه، وهو من الثقات الأثبات .
وفيها : توفي يحيى بن صالح أبو زكريا الوحاظي وهو دمشقي، وقيل: حمصي.
وفيها: توفي أبو هاشم محمد بن علي بن أبي خداش الموصلي، وكان كثير الرواية عن المعافى بن عمران .
.[ وفيها ] (1): قدم الأفشين على المعتصم ببابك وأخيه سُرَّ مَنْ رَأى (2).
وكان المعتصم يوجه كل يوم إلى الأفشين منذ فصل من برزند إلى أن وافي سُرَّ مَنْ رَأى فرساً وخلعة .
وكان المعتصم لعنايته بأمر بابك، وفساد الطريق بالثلج وغيره رتب بين سُرّ مَنْ رأى، وعقبة حلوان خيلاً مضمرة على رأس كل فرسخ فرساً معه مخبر فكان يركض بالخبر ركضاً حتى يؤديه واحد إلى واحد يداً بيد.
وأما ما وراء حلوان إلى أذربيجان فقد رتب فيه دواب المرج، وكانت تركض يوماً أو يومين ثم تبدل وكان لهم ديانة على رؤوس الجبال بالليل والنهار يتعرُّون إذا جاءهم الخبر، فإذا سمع الذي يليه تهيأ واستعدّ فلا يبلغ (3)إليه صاحبه حتى يقف له على طريق فيأخذ منه الخريطة، فتصل (4)من معسكر الأفشين إلى سُرَّ مَنْ رأى في أربعة أيام وأقل .
فما سار الأفشين ببابك إلى سُرَّ مَنْ رَأى، لم يصبر المعتصم أن يحمل إليه حتى ذهب إليه متنكراً ،فرآه ،وتأمله وبابك لا يعرفه (1)
فأتاه أحمد بن داود متنكراً فنظر إلى بابك وكلّمه ورجع إلى المعتصم فوصفه له، فأتاه أيضاً النعتصم متنكراً فرآه .
.ثم قعد له المعتصم [ وأراد ](2)أن يشهره فاستشار على أي شيء يحمل ويشهر ؟
فقيل : يا أمير المؤمنين لا شيء أشهر من الفيل فخضب وحمل عليه بابك في قباء ديباج وقلنسوة سمور مدورة هو وحده.
فقال محمد بن عبد الملك الزيات :
قد خضب الفيل كعاداته ***يحمل شيطان خراسان ***والفيل لا تخضب أعضاؤه ***إلا لذي شأن من الشأن
فاستشرفه الناس من المطيرة إلى باب العامة ثم أدخل به على المعتصم، وأحضر جزار (3)لقطع أعضائه .
ثم أمر أن يحضر سيافه (4)، وكان اسمه يود، فخرج الحاجب من باب العامة فقال ،بود بود، حتى حضر .
فأمره المعتصم أن يقصع يديه ورجليه فسقط [فأمره بذبحه](5)ثم أمر أن تشق بطنه، ثم حَزّ رأسه، ووجّه به إلى خراسان وصلب بدنه بسُر من رأى . فموضع جثته مشهور إلى الآن (6).
وحمل أخوه إلى بغداد فعمل به ما عمل ببابك (7).
ويقال : إنه لما صار إلى البردان أنزل علي بن شروين في قصره وابن شروين ملك ،طبرستان فحمد الله أخو بابك وقال : أنا أشكر الله حيث وقف لي رجلاً من الدهاقين يتولى قتلى.
قال : إنما يتولى قتلك هذا وأشار إلى يود، وكان حاضراً، وقد حمل معه .
1) في الكامل : فلما صار الأفشين بقناطر حذيفة تلقاه هارون الواثق بن المعتصم وأهل بيت المعتصم، وأنزل الأفشين بابك عنده في قصره بالمطيرة.
2) زيادة يتطلبها السياق .
3) في الكامل : سياف .
4) أي سياف بابك .
5) زيادة من الكامل.
6) أي وقت ابن مسكويه .
7) زاد في الكامل فعمل به ذلك وضرب عنقه وصلبه في الجانب الشرقي بين الجسرين .
فقال : أنت صاحبي وإنما هذا ،علج فأخبرني أمرت أن يطعمني شيئاً أم لا؟
قال: قال ما شئت.
قال: اضرب لي فالوذجة .
فأمر، فضرب له فالوذجة في نصف الليل، فأكل منها حتى تملأ، ثم قال : يا فلان ستعلم غداً أني دهقان إن شاء الله .
ثم قال : تقدر أن تسقيني نبيذ؟
قال : نعم ولا نكثر .
قال : فإني لا أكثر .
قال : فأحضر أربعة أرطال خمراً فشربها على مهل إلى قريب الصبح، ثم وافى به من الغد مدينة السلام، وأحضر رأس الجسر .
فأمر إسحاق بن إبراهيم مصعب بقطع يديه ورجليه، فلم ينطق ولم يتكلم ولم يضطرب، ثم أمر بصلبه، فصلب في الجانب الشرقي واستخرج الأفشين لسهل بن سنباط من المعتصم ألف ألف ومنطقة معرَّفة بالذهب والجوهر، وتاج البطرقة، وكان هذا سبب بطرقة سهل بن سنباط .
وأخذ الأفشين معاوية أخي بابك مائة ألف درهم، وتوج المعتصم الأفشين وألبسه وساجين بالجوهر، ووصله بعشرين ألف ألف له وعشرة آلاف ألف يفرقها في أهل عسكره، وعقد له على السند، وأدخل عليه الشعراء يمدحونه، وأمر له بصلات وفيما مدح به قول أبي تمام الطائي :
يد الجلاء والبذ فهو دفين*** ما إن به إلا الوحش قطين*** قد كان غدر مسود فافتضها بالسيف فحل المشر الأفشين [94 / ب ] هطلت عليها من جماجم أهلها*** ديم أمارتها طلى وشؤون(1)
قيل : كان الذي أخرج الأفشين من المال مدة مقامه بإزاء بابك سوى الأرزاق والأنزال، والمعارف في كل يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم، وفي يوم لا يركب فيه خمسة آلاف.
وكان جميع من قتل بابك في عشرين سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفاً وخمسمائة إنسان .
وغلب من القوّاد يحيى بن معاذ وعيسى بن محمد بن أبي خالد وأحمد بن الجنيد فأسره، وزريق بن علي بن صدقة، ومحمد بن حميد الطوسي، وإبراهيم بن الليث . وكان الذين أسروا مع بابك ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة أناسي واستنقذ ممن كان في يده من المسلمات وأولادهن سبعة آلاف وستمائة إنسان.
وصار في يد الأفشين من بني بابك سبعة عشر رجلاً، ومن البنات والنساء ثلاث وعشرون امرأة . ولما وصل الأفشين توَّجَهُ المعتصم وألبسه وشاحين بالجوهر.
.1) زاد ابن الأثير في الخبر فقال :
وفي هذه السنة: أوقع ملك الروم توفيل (1)بن ميخائيل بأهل زِبَطْرَة، فأسر وخَرّب بلدهم، ومضى من فوره إلى ملطية فأغار على أهلها وعلى حصون (2)كثيرة، فسبى من المسلمات خلقاً كثيراً ومَثَّل بمَن (3)صار في يده من المسلمين فسمّل (4)أعينهم وقطع أنوفهم (5)وآذانهم .
ذكر السبب في ذلك
كان السبب في ذلك : أن بابك لما ضاق به الأمر وأشرف على الهلاك، وأحسّ فيمن صحبه بالضعف، كتب إلى ملك الروم توفيل بن ميخائيل يعلمه : أن ملك العرب قد وجه عساكره ومقاتلته ليلاً إليّ (6)وشغلهم بي، حتى وجّه خياطه - يعني جعفر بن دينار [الخياط ](7)- ووجّه طباخه - يعني إيتاخ - ولم [يُبقى] ) على بابه أحد، فإن أردت الخروج إليه، فاعلم أنه ليس في وجهك أحد يمنعك منه . طمعاً منه في أن ملك الروم [ أن ملك الروم إن تحرك يكشف عنه بعض ما هو فيه بإنفاذ العساكر إلى مقاتلة الروم فخرج ملك الروم] في مائة ألف وأكثر فيهم من الجند نيف وسبعون ألفاً، والباقون حشر وأتباع.
وأخرج معهم [من] (8)المحمّرة الذين كانوا خرجوا للجبال (9)فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب [جماعة ] (10).
وكان الملك هو رئيس(11)
فأخذت معنى ما سقط أو ما تحرّف منه على اعتبار اختلاف الروايات بين المؤرخين أن يكون الملك هو على رأس الجيش أو أرسل هذا القائد .
مقاتله .فلما دخل ملك الروم زبَطْرة (12)، وقتل أهلها وسبى الذراري والنساء.
1) في المخطوط نوفل والتصويب من الكامل.
2) في المخطوط حصول . وهو تحريف .
3) في المخطوط : من، وهو تحريف.
4) في المخطوط فمل وهو تحريف السمل هو خرق العين بمسمار أو نحوه .
5) في المخطوط : أنفهم .
6) العبارة في الكامل على النحو التالي: عساكره ليلاً ومقاتلته إليّ . فضبط على الأظهر والأنسب للسياق، وهي في الكامل : أن المعتصم قد وجه عساكره ومقاتلته إليه .
7) زيادة من الكامل، وهو سقط من الناسخ .
8) زيادة من الكامل.
9) في المخطوط بالجبال والتصويب من الكامل.
10) زيادة من الكامل.
11) في المخطوط مم، وفي الكامل بالهامش قال المحقق زاد في الطبري: رئيسهم بارسيس.
12) في المخطوط نظرة والتصويب من الكامل.
وبلغ النفير سُرَّ مَنْ رَأى، وخرج أهل الثغور [من] (1)الشام والجزيرة إلا من لم يجد سلاحاً ولا دابة .
واستعظم المعتصم ذلك، فلما انتهى إليه الخبر قال : لبيك لبيك .
وذلك أنه بلغه أن امرأة من السبي قالت : [وا](2)معتصماه .
وصاح في قصره : النفير (3)[النفير ] (4).
ثم ركب دابته، وسمّط خلفه شاكلاً وسكة حديد وحقيبة [فيها زاده] (5).
ولم يستقم له أن يخرج إلا بعد التعبئة فأحضر ثلاثمائة وعشرين من القضاة والعدول وأشهدهم على ما وقف من الضياع ثلثاً الله ، وثلثاً لمواليه، وثلثاً لولده ](6).
ثم عسكر بغربي دجلة (7)، ووجه عجيف بن عنبسة، وعمر الفرغاني، وجماعة أمثالهما من القوّاد إلى زِبَطْرَة إغاثة لأهلها، فلحقوا وقد انصرف ملك الروم وفعل ما فعل [فوقفوا قليلاً حتى تراجع الناس إلى قراهم واطمأنوا](8).
فلما ظفر المعتصم ببابك قال : أي بلاد الروم أمنع وأحصن ؟
فقيل : عمورية، لم يعرض لها أحد من المسلمين وهي عين (9)النصرانیة، وهي أشرف عندهم من قسطنطينية .
فشخص المعتصم عازماً إلى بلاد الروم(10)، فتجهز جهازاً لم يتجهز مثله خليفة قط من السلاح والعدد والآلات وحياض الأدم، والروايا والقرب والبغال وآلة الحديد وآلة النار والنفط .
وجعل على مقدمته : أشناس ويتلو محمد بن إبراهيم، وعلى ميمنته إيتاخ، و على ميسرته جعفر بن دينار بن عبد الله وعلى القلب : عجيف بن عنبسة .
[فلما دخل بلاد الروم نزل على نهر السن وهو على سَلُوقية قريباً من البحر بينه
1) زيادة يتطلبها السياق .
2) زيادة من الكامل.
3) في المخطوط اليقين والتصويب والزيادة من الكامل.
4) في المخطوط اليقين والتصويب والزيادة من الكامل.
5) في المخطوط اليقين والتصويب والزيادة من الكامل.
6) الزيادة من الكامل، وفيه : فجلس في دار العامة، وأحضر قاضي بغداد وهو: عبد الرحمن بن إسحاق وشعبة بن سهل ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلاً من أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضياع.
7) في الكامل : لليلتين خلتا من جمادى الأولى.
8) في الكامل : لليلتين خلتا من جمادى الأولى.
9) في المخطوط غيره والتصويب من الكامل.
10) في الكامل : فسار المعتصم من سُرَّ مَن رأى . وقيل : كان مسيره سنة اثنتين وعشرين، وقيل سنة أربع وعشرين.
وبين طرسوس مسيرة يوم، وعليه يكون الفداء] (1).
وبعث الأفشين حيدر بن كاوس إلى سَروج، وأمره بالتزود منها وسَمّى له يوماً أمر فيه بدخول درب ،الحدث، وقدّر لعسكره وعسكر أشناس يوماً يدخل فيه الأفشين بقدر ما بين المسافتين، ورأى أن تجمع عساكره بأنقرة، فإذا فتحها الله سار إلى عمورية فيقدم أشناس من درب طرسوس وتبعه وصيف وجميع مقدمات العسكر .
فما صار أشناس بمرج الأسقف، ورد عليه كتاب المعتصم [من المطامير ] (2)يأمره ويعلمه: أن الجواسيس أتته بأن الملك يريد أن يقف على المخاضة ويكبسهم .
وأعلمه أيضاً أنه ينتظر ساقته (3)لأن فيها الأثقال والمجانيق والزاد .
فأقام أشناس بمرج الأسقف ثلاثة أيام حتى ورد كتاب المعتصم يأمره أن یوجه قائداً في سرية يلتمسون رجلاً من الروم يسألونه عن خبر الملك ومن معه .
فوجّه أشناس عمر الفرغاني في مائتي رجل فرسان فساروا ليلتهم حتى أتوا حصن قرة وطافوا يلتمسون رجلاً حول الحصن فدريهم صاحب قرة، فخرج في جميع من معه بأنقرة، وكمن في الجبل الذي بين قرة ودرة وعلم عمر الفرغاني بما صنع فتقدّم إلى درة فكمن بها ليلة فلما انفجر عمود الصبح عسكر ثلاث كراديس وأمرهم أن يركضوا ركضاً سريعاً بقدر ما يأتونه بأسير عنده خبر الملك، وواعدهم إلى موضع عرفه الأدلاء ووجّه مع كل كردوس دليلين ومضوا وتفرّقوا في ثلاثة وجوه.
فأخذ وعدة من عسكر الملك ومن الضواحي وأخذ عمر فرسان أنقرة فسألهم (4)عن الخبر ، فأخبروه أن الملك وعسكره بالقرب منه وراء اللامس بأربعة فراسخ، وهو نهر قريب من طرسوس على نحو فرسخ منها عليه يقع الفداء وذكروا أن الملك يبلغه دخول عسكره بلاده فرحل إليه واستخلف [ ابن خاله](5)بوسط بلاد الروم على عسكره وسار يريد ](6)عسكر الأفشين فوجّه أشناس بذلك الرجل (7)إلى المعتصم، فأخبره بجميع ذلك .
وبادر المعتصم من عسكر بقوم من الأدلاء ضمن لكل رجل منهم عشرة آلاف درهم على أن يوافق بكتابه الأفشين وأعلمه أن أمير المؤمنين مقيم فليقيم، وأشفق أن
يوافقه ملك الروم .
وكتب إلى أشناس يأمره أن يوجه من قبله رسولاً مع الأدلاء العارفين بالطرق والجبال والمشبهة بالروم، ويبذل لكل واحد منهم عشرة آلاف ويكتب إلى الأفشين : أن ملك الروم ملک الروم قد أقبل نحوه فليقم مكانه حتى يوافيه أمير المؤمنين .
فتوجهت الرسل نحو الأفشين، فلم يلحقه أحد منه منهم لأنه كان وغل في بلاد الروم.
وتوافت آلات المعتصم وأثقاله مع صاحب الساقة، فكتب إلى أشناس يأمره بالتقدم، فتقدم والمعتصم وراءه بينهما مرحلة ينزل هذا ويرحل هذا، ولم يرد عليه خبر الأفشين حتى صاروا بأنقرة على ثلاث مراحل، وضاق عسكر المعتصم ضيقاً شديداً من [ قلة ](1)الماء والعلف وكان أشناس قد أسر عدة من الأمراء في طريقه، فأمر [95/ أ] بهم فضربت أعناقهم حتى بقي منهم شيخ كبير قال : ما تنتفع بقتلي وأنت في عسكره في هذا الضيق من الماء والزاد والعلف؟
وأنا أدلك على قوم بالقرب قد هربوا من أنقرة خوفاً من أن ينزل بهم ملک العرب ومعهم من الطعام والميرة شيء كثير .
فوعده أشناس أن يطلقه إن فعل ذلك (2).
فسار بهم الشيخ إلى وقت العتمة، فأوردهم على وادٍ وحشيش، فأمرج الناس دوابهم(3)حتى شبعت وتعشى الناس وشبعوا حتى رووا.
ثم سار بهم حتى أخرجهم من الغيضة بقية ليلتهم يدور في جبل ولا يخرجهم منه.
فقال الأدلاء : هذا الرجل يدور بنا .
فسأله عما قال الأدلاء، فقال الشيخ: صدقوا ولكن القوم الذين نريدهم خارج الجبل وأخاف أن أخرج من الجبل بالليل فيسمعوا صوت حوافر الخيل على الصخر فيهربوا، فإذا خرجنا من الجبل ولم نر أحداً قتلتني فأنا أدور بك في هذا الجبل حتى الصباح، فإذا أصبحنا خرجنا إليهم فأريتك إياهم .
فقال : ويحك أنزلنا في الجبل حتى نستريح .
قال : رأيك .
فنزل على الصخرة وأمسكنا لجم دوابنا حتى الفجر، فلما طلع الفجر قال : وجهوا رجلين يصعدان هذا الجبل فيبصران ما ،فوقه ويأخذان مَن أدركا فيه .
فصعد أربعة ، فأصابوا رجلاً وامرأة فأنزلوهما وسألهما العلج عن أهل أنقرة أين باتوا ؟
فسموا الموضع .
فقال الشيخ : خلوا عن هذين فإنا قد أعطيناهما الأمان حتى دلونا.
فخلّى عنهما، وسار بهما العلج إلى الموضع ، فأشرف بهم على عسكر أهل أنقرة.
فلما رأوا العسكر صاحوا بالنساء والصبيان فدخلوا الملاحة، ووقفوا على طرفها يقاتلون وأخذوا منهم عدة أسرى، وأصابوا من الأسرى قوماً بهم ،جراحات، فسألوهم عنها ؟
قالوا: كنا مع الملك في وقعة الأفشين.
فقالوا لهم : فحدثونا بالقصة.
فأخبروا أن الملك كان معسكراً بالأمس حتى جاء رسول فأخبره أن عسكراً ضخماً دخل من ناحية الأرميناق، فاستخلف على عسكر رجلاً من أهل بيته وأمره بالقيام في موضعه فإن ورد عليه مقدمة ملك العرب واقعه إلى أن يذهب هو، فواقع هذا العسكر - يعني عسكر الأفشين -
.
فقال أميرهم: نعم وكنت ممن سار الملك، فواقعناهم صلاة الغداة، فهزمناهم فقتلنا، ثم جاء لهم ،مدد فقاتلناهم ] (1)كلهم [فقاتلونا ففرقناهم](2)وتقطعت عساكرنا في طلبهم، فلما كان الظهر رجع فرسانهم فقاتلونا قتالاً شديداً حتى اختلطوا بنا فلم ندرِ أين الملك؟ ولم يزل الملك كذلك إلى العصر .
ثم رجعنا إلى موضع عسكر (3)الملك بالأمس، فلم نصادفه، ووجدنا العسكر قد انتقض وانصرف الناس عن قرابة الملك الذي كان الملك استخلفه على العسكر، فأقمنا ليلتنا .
فلما كان الغد، فإذا الملك في جماعة يسيرة فوجد عسكره قد اختل.
فطلب الذي كان استخلفه وضرب عنقه وكتب إلى المدن والحصون لا تأخذوا رجلاً من عسكر الملك إلا اضربوه بالسياط حتى يرجع إلى موضع سماه لهم الملك، حتى إذا اجتمع الناس ، ناهض ملك العرب .
وأنفذ الملك خصياً له إلى عمورية إلى أن يلحقه بها .
فانصرف المسلمون بما أخذوا وتركوا [الشيخ ](1)والسبي والمقاتلة (2)یریدون عسكر أشناس بالأسرى حتى لحق بأنقرة.
فمكث أشناس يوماً واحداً حتى لحقه المعتصم من غد، فأخبره بجمیع ما ذکره الأسرى(3)
وكانت الوقعة لخمس بقين من شعبان .
، فسُرَّ المعتصم .فلما كان اليوم الثالث جاءت البشرى من ناحية الأفشين تخبره بالسلامة(4)، وأنه وارد على أمير المؤمنين بأنقرة .
ثم ورد الأفشين، فأقاموا أياماً (5)، ثم ساروا إلى عمورية .
وقد صيّر المعتصم العسكر ثلاثة عساكر [عسكر فيه أشناس في الميسرة، والمعتصم في القلب، وعسكر الأفشين في الميمنة ] وبين [كل] (6)عسكر وعسكر فرسخان وأمر كل عسكر أن يكون له ميمنة وميسرة وأمرهم أن يحرقوا القرى ويخربوها، ويأخذوا مَن لحقوا فيها ] (7).
فساروا يخربون ويسبون ما بين أنقرة إلى عمورية وبينهما سبع مراحل ثم توافت العساكر بعمورية، وكان أول من وردها أشناس، فدار حولها دورة، ثم جاء الأفشين في اليوم الثالث .
فقسمها أمير المؤمنين بين القوّاد كما يدور وصيَّر إلى كل واحد منهم أبراجاً منها على قدر كثرة (8)أصحابه وقلتهم.
وتحصن أهل عمورية وتحرزوا ، وكان بعمورية رجل من المسلمين أسره قديماً أهل
1) زيادة من الكامل.
2) لم يرد في الكامل أنهم تركوا السبي والمقاتلة ولا يستقيم هذا مع ما سبق في صدر العبارة والا مع ما سيأتي منها .
3) في الكامل بعدها :
4) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل يقتضيها السياق .
5) في الكامل : فأقوا ثلاثة أيام.
6) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل يقتضيها السياق .
7) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل يقتضيها السياق .
8) في المخطوط : كثيرة. وهو تحريف.
عمورية فتنصر (1)وتزوّج فيهم فحبس (2)نفسه حين دخلوا الحصن، فلما رأى أمير المؤمنين ظهر وجاء إلى المعتصم ، فأعلمه أن موضعاً من المدينة حمل عليه الوادي من سيل عظيم فوقع السور من ذلك الموضع ، فكتب ملك إلى عامل عمورية أن يبني ذلك الموضع، فتوانى في بنائه حتى كان خروج الملك من قسطنطينية إلى بعض المواضع ، فتخوّف الوالي أن يمر الملك على الناحية فيمر بالسور فلا يراه بني، فبنى وجه السور بالحجارة حجراً حجراً ورآه من جانب المدينة حشواً، ثم عقد فوقه الشرف كما كان .
فَوَقَّفَ ذلك الرجل المعتصم على هذه الناحية التي وصف .
فأمر المعتصم [أن] (3)يضرب،فضرب في ذلك الموضع ونصب المجانيق على ذلك البناء، فانفرج السور من ذلك الموضع .
فلما رأى أهل عمورية انفراج السور، علّقوا عليه الخشب الكبار المضمومة بعضها إلى بعض .
وكان حجر المنجنيق إذا وقع على الخشب تكسر، فعلّقوا فوق الخشب البراذع (4)
(صحاح). [ثم رقم 13 فوقه شرطة ] .
، فلما ألحت المجانيق على ذلك الموضع لم ينفع فيها شيء، وتصدع السور.فكتب بطريق (5)والخصي إلى ملك الروم كتاباً [95/ب] يعلمانه أمر السور، ووجها الكتاب مع رجل فصيح العربية وغلام رومي.
فعبرا (6)الخندق، ووقعا إلى ناحية عمر الفرغاني فوجه بهما إلى أشناس.
فحين سألوهما من أنتما لم يعرفا أحد من القواد بالعسكر يسميانه لهم ففتشا فوجد معهما الكتاب فقرىء، وإذا فيه :
أن العسكر قد أحاط بالمدينة وأنه قد عزم على أن يركب ويحمل خاصة أصحابه على الدواب التي في الحصن، ويفتح الأبواب ليلاً غفلة، ويخرج على العسكر كائناً فيه ما كان أفلت من أفلت وأصيب من أصيب حتى يصير [إلى](7)الملك .
فلما قُرىء الكتاب [على] (8)المعتصم أمر للرجل الذي يتكلم بالعربية وللغلام
1) في المخطوط فشعر . والتصويب من الكامل.
2) في المخطوط فجلس وهو تحريف .
3) زيادة يتطلبها السياق .
4) جاء بهامش المخطوط تعريف بتلك الكلمة هذا نصه : البرذعة الحلس الذي تحت الرحل
5) في المخطوط باطن والتصويب من الكامل، وزاد واسمه ناطس.
6) في المخطوط فعبر وهو تحريف .
7) زيادة من الكامل يتطلبها السياق .
8) زيادة يتطلبها السياق .
الرومي ببدرة [وهي عشرة آلاف درهم](1)فأسلما وخلع عليهما، وأمر بهما حين طلعت الشمس فأدارهما حول عمورية.
فقالا : ناطس(2)يكون في هذا القصر - يعنون البرج - .
فوقفا بحذائه طويلاً وعليهما الخلع وبين أيديهما رجلان يحملان لهما الدراهم حتى عرف خبرهما جميع الروم وسمعا شتمهم إياهما ، ثم نحوهما.
ثم أمر المعتصم بحراسة الأبواب نوائب يحضرها الفرسان يبيتون على دوابهم في السلاح لئلا تفتح الأبواب فيخرج إنسان .
فلم يزل كذلك حتى انهدم ما بين برجين في الموضع الذي وصف للمعتصم مما لم يحكم عمله .
فسمع أهل العسكر الوجبة، فارتاعوا وظنُّوا أن العدو قد احتال بحيلة وخرج.
حتى أرسل المعتصم من طاف على العسكر يعلمهم أن ذلك صوت السور قد سقط فطيبوا نفساً.
وكان المعتصم اتخذ مجانيقاً كباراً، وجعلها على كراس ويحتها عجل، وعملها كأوثق ما يكون.
ثم فرّق غنماً مما استاقه على أهل العسكر ليأكلوا لحمها ويحشوا جلودها تراباً، ثم أتى بالجلود مملوءة تراباً فطرحت في الخندق .
وعمل دبابات (3)كباراً تسع كل دبابة (4)عشرة رجال على أن يدحرجوها على تلك الجلود حتى يمتلىء الخندق .
فلما طرحت الجلود وقعت مختلفة، فلم يمكن تسويتها خوفاً من حجارة المجانيق، فأمر أن يطرح التراب فوقها حتى استوت .
فلما قدمت دبابة (5)، فدحرجوها، فلما صارت من الخندق في نصفه تعلقت بتلك الجلود وبقي القوم فيها، فما تخلّصوا إلا بعد جهد جهيد .
ثم مكثت تلك العجلة مقيمة باقية هناك لا يمكن فيها حيلة حتى فتحت عمورية، وبطلت الدبابات والمنجنيقات والسلاليم حتى أُحرقت .
فلما كان الغد قاتلهم على الثلمة (1)
وكانت الحرب في اليوم الثاني على الأفشين وأصحابه وأجادوا الحرب وتقدّموا .
والمعتصم على دابته بإزاء السلمة وأشناس والأفشين وخواص القواد معه .
فقال المعتصم : ما أحسن ما كان الحرب اليوم وقال عمر الفرغاني : الحرب اليوم أجود منها أمس.
، وكان المعتصم واقفاً على دابته بإزاء الثلمة، والأشناس والأفشين رجاله.فقال المعتصم : ما أحسن الحرب اليوم أجود منها أمس.
فسمعها أشناس وأمسك .
فلما انصرف المعتصم وانصرف أشناس وقرب من مضاربه ترجّل له القواد على ،عادتهم وفيهم عمر الفرغاني، وأحمد بن الخليل بن هشام بين يديه .
قال لهم أشناس : يا أولاد الزنا لأي شيء تمشون بين يدي؟! كان ينبغي أن تقاتلوا أمس حيث كان يقاتل غيركم انصرفوا إلى مضاربكم.
فلما انصرفا قال أحدهما لصاحبه أما ترى هذا العبد ابن الفاعلة - يعني أشناس ما صنع بنا اليوم؟! أليس الدخول إلى بلاد الروم أهون من هذا الذي سمعناه؟
فقال عمر الفرغاني لأحمد بن الخليل : سيكفيك الله تعالى أمره عن قريب .
فأوهم أحمد أن عنده خبراً، فألح عليه أحمد فأخبره بما هم فيه .
وقال العباس بن المأمون: قد تم أمره وسيبايع له ظاهراً، ويقتل المعتصم وأشناس وغيرهما عن قريب .
ثم قال : وأنا أشير عليك أن تأتي العباس فتقدم فتكون في عداد من قدم مال إليه .
فقال له أحمد هذا الأمر لا أحسبه يتم.
فقال عمر : قد تمّ، وفرغ منه وأرشده إلى الحارث السمرقندي، وكان المتولي لإيصال الرجال إلى العباس، وأخذ البيعة عليهم.
فقال له :عمر: أنا أجمع بينك وبين الحارث .
فقال له :أحمد إن كان هذا الأمر يتم فيما بيننا وبين عشرة أيام فأنا معكم، وإن تجاوز ذلك فليس بيني وبينكم عمل .
1) في المخطوط : السلمة وهو تحريف والتصويب من الكامل، وزاد فيه : فكان أول من بدأ بالحرب أشناس وأصحابه، وكان الموضع ضيقاً، فلم يمكنهم الحرب فيه، فأمدهم المعتصم بالمنجنيقات التي حول السور فجمع بعضها إلى بعض حول الثلمة، وأمر أن يرمى ذلك الموضع .
فذهب الحارث، فأعلم العباس : أن عمر قد أدخل أحمد بن الخليل بيتاً .
فقال : ما أحب أن يطلع [ابن ](1)الخليل على شيء مما نحن فيه، فأمسكوا عنه ودعوه منهما (2)، فتركوه.
فلما كان [ اليوم ] (3)الثالث كانت الحرب على أصحاب أمير المؤمنين ثم أحسن إيتاخ والمغاربة والأتراك القتال والقيم بذلك أجمع إيتاخ، فاتسع لهم الموضع [في](4)الثلمة (5)وكثرت الجراحات في الروم، وكان القائد الموكل بالموضع الذي أثلم (6)يقال له وندوا وتفسيره(7)بالعربية : ثور (8)، فقاتل قتالاً شديداً هو وأصحابه وكثرة القتلى فيهم، فاستمد ناطس فلم يمده هو ولا غيره.
وقال : كل واحد يحفظ ما يليه و ] (9)نحن نحفظ ما يلينا، فاحفظ أنت ما يليك.
فقال : يا قوم إن الحرب إنما هي اليوم علي وعلى أصحابي، ولم يبق معي أحد فصيروا أصحابك على الثلمة يرمون وإلا افتضحتم وذهبت المدينة .
إلا وقد جرح(10)فلم يلتفتوا إليه، فاعتزم هو وأصحابه أن يخرجوا إلى أمير المؤمنين ويسألوه الأمان على الذرية حتى يسلّموا له الحصن بما فيه من السلاح والأثاث وغير ذلك .
فلما أصبح أمر أصحابه أن لا يحاربوا حتى يعود إليهم.
فخرج بأمان حتى صار [2/96] إلى العسكر وحمل إلى المعتصم، فصار إلى بين يدي [المعتصم ] (11)وقد أمسك الروم عن المحاربة - أعني أصحاب وندوا - والناس يتقدمون إلى الثلمة ووندوا جالس بين يدي المعتصم .
فدعا المعتصم بفرس فحمله عليه وقاتل حتى صار الناس معهم على حرب الثلمة، وعبد الوهاب بن علي بين يدي المعتصم ، فأومىء إلى الناس بيده أن ادخلوا .
فدخل الناس المدينة، فالتفت ،وندوا وضرب بيده إلى لحيته .
1) زيادة يتطلبها السياق .
2) في المخطوط منهما. وهو تحريف.
3) زيادة من الكامل.
4) زيادة يتطلبها السياق .
5) في المخطوط : المنثلمة . وهو تحريف.
6) في المخطوط: أسلم. وهو تحريف .
7) في المخطوط نغير وهو تحريف والتصويب من الكامل.
8) في المخطوط نور وهو تحريف والتصويب من الكامل .
9) زيادة يتطلبها السياق .
10) في المخطوط : خرج والتصويب من الكامل.
11) زيادة يتطلبها السياق .
فقال له المعتصم : ما لك؟
قال : جئت أريد أن أسمع كلامك، وتسمع كلامي فغدرت بي.
فقال المعتصم : كل شيء تريد أن تقوله فهو لك، قل ما شئت، فلست أخالفك .
قال : كيف لا تخالفني وقد دخلوا المدينة؟
فقال المعتصم : احتكم وقل ما شئت فإني أعطيكه .
وسار خلق من الروم إلى كنيسة لهم عظيمة، فقاتلوا هناك قتالاً شديداً، فأحرق المسلمون الكنيسة، فاحترقوا عن آخرهم.
وبقي ناطس في برجه حوله بقية الروم وأصحابه وقد أخذتهم السيوف.
فجاء المعتصم حتى وقف حذاء ناطس [فقال : ناطس ](1)هاهنا ؟
قالوا: بلى.
[قال ] (2): فلينزل إلى أمير المؤمنين.
قالوا : لا ما هو هاهنا .
فمشى المعتصم مغضباً .
فصاح الروم هذا ،ناطس هذا ناطس.
فنصب بعض تلك السلاليم المعمولة حتى صعد عليه الحسن الرومي - وهو غلام لأبي سعيد محمد بن يوسف - فكلّمه ناطس وقال له : هذا أمير المؤمنين فانزل على حكمه، فنزل الحسن، فأخبر المعتصم أن رآه وكلمه .
فقال المعتصم : فاصعد إليه وقل له فلينزل .
فصعد الحسن ،ثانية فخرج ناطس من البرج متقلداً سيفاً حتى وقف على البرج قائماً والمعتصم ينظر إليه .
فخلع سيفه من عنقه، فدفعه إلى الحسن، ثم نزل فوقف بين يدي المعتصم فقنعه سوطاً وانصرف إلى مضربه.وقال : هاتوه (3).
فمشى قليلاً، ثم جاء رسول يقول احملوه فحمل إلى مضرب أمير المؤمنين.
ثم أقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه .
فأمر المعتصم أن تهز الأسرى والسبي فيبعن في كل وجه، وأهل المعتصم باقي (4)
الأسرى بالقاسم أن ينادي عليها كل صاحب عسكر في ناحية، ووكل مع كل قائد من هؤلاء رجلاً من قبل أحمد بن أبي داود يحصي يحصی عليه .
فحت القاسم في خمسة أيام يبيع منها ما استباع وأمر بالباقي فضرب بالنار.
ولما هم المعتصم بالرحيل وثب الناس على مغنم الذي كان يبيعه وهو اليوم الذي كان عجيف وعد فيه الناس يثب بالمعتصم نفسه ركضاً ، وسَلّ سيفه فتنحى الناس من بين يديه، وكفوا عن انتهاب المغنم .
فرجع إلى مضربه وأمر من الغد أن لا ينادى على [الشيء ] (1)إلا ثلاثة أصوات، وأن لا يباع المعاق .
فكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة، وعلى المتاع الكثير جملة واحدة (2)
وأمر بعمورية فأحرقت وهدمت وكان نزوله عليها لست خلون من شهر رمضان، وأقام عليها خمسة وخمسين يوماً وفرّق الأسرى على القواد وسار نحو طرسوس .
.وكان ملك الروم قد وجّه رسولا(3)في أول ما نزل المعتصم عمورية، فأنزله المعتصم على ثلاثة أميال حتى فتح عمورية، فلما افتتحها أذن له في الانصراف ولم يصل إليه .
وفي هذه السنة : حبس (4)المعتصم العباس بن المأمون وأمر بلعنه .
ذكر السبب في ذلك
كان السبب في ذلك : أن عجيف بن عنبسة حين وجهه المعتصم إلى بلاد الروم مع عمر الفرغاني يطلق يده في النفقات كما أطلقت يد الأفشين.
واستقصر المعتصم أمر عجيف وأفعاله وحقد عجيف ذلك فقال للعباس : ما كان أضعف همتك عند وفاة أبيك المأمون حين بايعت أبا إسحاق وندمه على تفريطه وشجعه على أن يتلافى ما كان منه .
فقبل العباس ذلك، وكان الحارث السمرقندي أديباً له عقل ومداراة، وكان العباس يأنس به.
فصيَّره واسطة بينه وبين القواد فلم يزل يدور في العسكر حتى بايعه جماعة من القوّاد والخواص، وسمّى لكل واحد من قوّاد المعتصم رجلاً من ثقات أصحابه ممن بايعه .
وقال : إذا أمرنا فليئب كل رجل منكم على ما ضمناه أن يقتله .
فوكل من خاصة الأفشين بالأفشين، ومن خاصة أشناس بأشناس، وخاصة المعتصم بالمعتصم، فضمنوا ذلك جميعاً .
فلما أرادوا أن يدخلوا الدرب وهم يريدون بريد من أنقرة وعمورية.
ودخل الأفشين من ناحية ملطية، فأشار (1)عجيف على العباس أن يثب على المعتصم في الدرب وهو في قلة من الناس وقد تقطعت عنه العساكر فتقتله وتأمر الناس بالقفول (2)إلى بغداد، فإن الناس يفرحون بانصرافهم، فأبى العباس عليه وقال : لا أفسد هذه الغزاة .
فلما فتحوا عمورية قال عجيف للعباس : ينائم كم تنام؟ قد فتحت عمورية والرجل ممكن دس قوماً ينتهبون هذا الحرثي فإنه إذا بلغه ذلك ركب من ساعته، فتأمر مَن يقتله هناك، فأبى عليه العباس .
وقال : انتظر حتى أصير إلى الدرب فيخلوا كما خلا فى البدء فهو أمكن [منه ](3)هاهنا .
وكان عجيف قد أمر من ينهب(4)المتاع ، فانتهب الحرثي في عسكر إيتاخ .
وركب المعتصم وجاء ركضاً فسكن الناس ولم يطلق العباس لأحد من أولئك أن يتحركوا (5).
كان عمر الفرغاني قد بلغه الخبر ذلك اليوم، وكان له غلام أمرد في خاصة المعتصم، فجاء الغلام أولاً إلى [ولد](6)عمر [الفرغاني ] (7)يشرب عندهم [ الفرغاني] (8)يشرب عندهم تلك الليلة، فأخبرهم : أن أمير المؤمنين يركب مستعجلاً ، وأنه كان يعدو بين يديه وقال : إن أمير المؤمنين غضب، فأمرني أن أسل سيفي وقال : لا يستقبلك أحد [96/ ب] إلا ضربته .
فسمع عمر ذلك من الغلام فأشفق عليه من أن يصاب به، فقال له: يا بني أنت أحمق أقل من الكينونة عند أمير المؤمنين والزم خيمتك، فإن سمعت صيحة فلا تبرح من خيمتك، فإنك غلام غر ولا تعرف العساكر فعرف مقالة عمر ] (9).
1) في المخطوط أشار وهو تحريف والتصويب من الكامل.
2) في المخطوط بالعقول. وهو تحريف .
3) زيادة من الكامل .
4) في المخطوط يهب . وهو تحريف والتصويب من الكامل.
5) زاد ابن الأثير بعد ذلك موضحاً : ولم يطلق العباس أحداً من أولئك الذين واعدهم وكرهوا قتله بغير أمر العباس .
6) زيادة من الكامل.
7) زيادة من الكامل.
8) زيادة من الكامل.
9) زيادة من الكامل.
وارتحل المعتصم من عمورية يريد الثغور ، ووجّه الأفشين صاحباً له في خلاف طريق المعتصم وأمره أن يعبر على موضع سمّاه له، وأن يوافيه في بعض الطريق.
فكان عسكر الأفشين على حدة من عسكر المعتصم بينهما قدر ميلين .
فتوجّه صاحب الأفشين حتى أغار وسبى وغنم وأتى عسكر الأفشين بما أصاب من الغنائم .
واعتل أشناس فركب المعتصم يعوده، ولم يكن الأفشين لحقه بعد، فلما عاد
وانصرف تلقاه الأفشين في الطريق، فقال له المعتصم : امض إلى أبي جعفر .
وكان عمر الفرغاني، وأحمد بن الخليل عند منصرف المعتصم من عيادة أشناس توجها إلى ناحية الأفشين، ولقيهما الأفشين يريد أشناس أن يعيده .
فلما دخل الأفشين إلى أشناس وخرج، توجها إلى عسكر الأفشين لشراء السبي، ولم يكن السبي أخرج بعد، ووقفا ناحية ينتظران أن ينادى على السبي، فشريا.
ودخل حاجب أشناس على أشناس فقال له : رأيت عمر الفرغاني، وأحمد بن الخليل تلقيا الأفشين وهما يريدان عسكره فترجلا له وسلّما عليه، وتوجها إلى عسكره.
فدعا أشناس محمد بن سعيد وقال له اذهب فانظر هل هناك عمر الفرغاني : وأحمد بن الخليل؟
وانظر عند مَن نزلا؟
وأي شيء قصتهما؟
فجاء محمد بن سعيد فأصابهما واقفين على ظهور دوابهما .
فقال : ما وقفتكما هاهنا ؟
فقالا : وقفنا ننتظر سبي ابن الأقطع فنشتري بعضه فقال لهما محمد بن سعيد وكلا وكيلاً يشتري بعضه لكما .
فقالا : لا تحب أن نشتري إلا ما نراه.
فرجع ،محمد، فأخبر أشناس بذلك .
فقال لحاجبه : قل لهؤلاء الزموا عسكركم خير لكم - يعني عمر الفرغاني ،وأحمد بن الخليل - لا تدورا هاهنا وهاهنا .
فذهب الحاجب إليهما، فأعلمها واغتما لذلك، واتفقا على أن يذهبا إلى صاحب خبر العسكر فليستعفياه من أشناس.
فسارا إلى صاحب الخبر فقالا : نحن عبيد أمير المؤمنين يضمنا إلى من شاء،
فإن هذا الرجل يستخف بنا قد شتمنا وتوعدنا، ونحن نخاف أن یقدم علینا.
فأنهى صاحب الخبر ذلك إلى المعتصم من يومه .
واتفق الرحيل من الغد، وكان إذا ارتحل الناس سارت العساكر على حيالها وسار أشناس والأفشين وجميع القواد في عسكر أمير المؤمنين، ووكلوا خلفاءهم بعساكرهم.
فلما ذهب أشناس إلى المعتصم قال له : أحسن أدب عمر الفرغاني، وأحمد بن الخليل (1)، فإنهما قد حمقا أنفسهما .
فجاء أشناس ركضاً إلى معسكره فسأل عن عمر، وأحمد بن الخليل.
فأصاب ،عمر وكان ابن الخليل قد مضى، فأحضر عمر الفرغاني وقال : هاتوا سیاطاً.
فمكث طويلاً مجرّداً ليس يؤتى بالسياط .
فتقدّم عمّه إلى أشناس فكلّمه فيه، وكان عمه أعجميا .
فقال : احملوه وألبسوه قباطاً واحملوه على بغل في قيد، وساروا به.
وجاء أحمد بن الخليل وهو يركض ، فقال : احبسوا هذا معه .
فأنزل عن دابته وصيَّر ،عديله فبقيا كذلك يُسار بهما على كرامة وأثقالهما وغلمانهما في العسكر لم يحرك لهما شيء، حتى سمع الغلام الفرغاني قرابة عمر بحبس عمر، فذكر للمعتصم ما دار بينه وبين عمر من الكلام في تلك الليلة، وقوله : إذا سمعت صوتاً مثل هذا فالزم خيمتك .
فقال المعتصم لبغا لا ترحل غداً حتى يجيء أشناس فتأخذ عمر وتلحقني به - وكان هذا بالصفصاف - ففعل بغا ذلك ومضى بعمر إلى المعتصم .
فلما أتوا أحمد بن الخليل قلق لذلك، وأنفذ غلاماً له ليتتبع عمر وينظر ما يفعل به.
فرجع الغلام فأخبره أنه أدخل على أمير المؤمنين فمكث ساعة ثم رفع إلى إيتاخ، وكان سائله أمير المؤمنين عن الكلام الذي قاله الغلام ،قرابته فأنكره، وقال هذا الغلام كان سكران ولم يفهم ومما قلت شيئاً مما ذكره .
وسار المعتصم حتى صار إلى مضايق البديدون وأقام أشناس هناك ثلاثة أيام
1) بعد هذه الكلمة جاءت عبارة : فأصاب ،عمر وكان ابن الخليل. ثم استمر السياق . وهذه العبارة زائدة سهواً وقد جاءت بعد ذلك في موضعها الصحيح فخذفتها .
ينتظر أن يتخلص عساكر أمير المؤمنين لأنه كان على الساقة.
فكتب أحمد بن الخليل رقعة إلى أشناس يعلمه أن لأمير المؤمنين عندي نصيحة .
فبعث إليه أشناس بأحمد بن الخصيب، وأبي سعيد محمد بن يوسف يسألانه عن النصيحة .
فذكر أنه لا يخبر بها إلا أمير المؤمنين فرجعا، فأخبرا أشناس بذلك .
فقال : ارجعا فاحلفا ،له أني حلفت بحياة أمير المؤمنين إن هو لم يخبرني بهذه النصيحة أن أضربه بالسياط حتى يموت .
فرجعا فأخبراه بذلك فأخرج جميع ما كان يحفظه .
وبقي أحمد بن الخصيب وأبو سعيد فأخبرهما بما ألقى إليه عمر الفرغاني من أمر العباس وشرح لهما جميع ما كان عنده من خبر الحارث السمرقندي .
فانصرفا إلى أشناس وأخبراه بذلك .
فبعث أشناس في طلب الحدادين، فجاؤوا بهم، فدفع إليهم حديداً، وقال: اعملوا لي قيداً مثل قيد أحمد بن الخليل وعجلوا لي الساعة. ففعلوا ذلك .
فلما كان وقت العتمة ذهب حاجب أشناس إلى خيمة الحارث السمرقندي فأخرجه منها وجاء به إلى أشناس، فقيده، وأمر الحاجب أن يحمله إلى أمير المؤمنين، فحمله إليه .
[97/ أ] واتفق رحيل أشناس صلاة الغداة فجاء أشناس إلى موضع معسكره فلقاه الحارث ومعه رجل من قبل المعتصم [فأخبره أنه ](1)سأل الحارث عن أمره، فأخذ عهده إن صدقه ونصحه أطلقه، ثم أقرّ له بجميع ،أمره، وجميع من بايع العباس من القواد.
فأطلق المعتصم الحارث، وخلع عليه، ولم يصدق على أولئك [القواد] لكثرتهم، وكثرة مَن سمّى منهم وبخبر المعتصم .
فدعا المعتصم [العباس بن المأمون] (2)حين خرج [الحارث)] (3)من الدرب فأطلقه ومناه، وأوهمه أنه قد صفح عنه وتغدى معه وصرفه إلى مضربه، ثم دعاه بالليل فنادمه الشراب وسقاه حتى أسكره، واستحلفه أنه لا يكتم من أمره شيئاً، فشرح له قصته، وسمّى له جميع من كان دَب في أمره، فكتبه المعتصم وحفظه.
ثم دعا الحارث السمرقندي بعد ذلك فسأله عن الأسباب.
فقص عليه مثل ما قص العباس، ثم أمر بتقييد العباس.
ثم قال للحارث : قد رضيتك على أن تكذب فأجد السبيل إلى سفك دمك فلم تفعل.
ثم دفع العباس إلى الأفشين وتتبع المعتصم أولئك القواد فأخذوا جميعاً.
فأما أحمد بن الخليل فأمر أن يحمل على بغل بإكاف بلا وطاء ويطرح في الشمس إذا نزل ويطعم (1)في كل يوم رغيفاً واحداً .
وأما عجيف بن عنبسة ؛ فدفع مع جماعة من القواد إلى إيتاخ.
ودفع أحمد بن الخليل إلى أشناس .
وأخذ الشاه ابن منهل فأحضره المعتصم والعباس بين يديه فقال له: يا ابن الزانية أحسنت إليك فلم تشكر .
فقال الشاه : ابن الزانية هذا الذي بين يديك - يعني العباس - لو تركني هذا [ما](2)کنت (3)تقدر أن تقعد في هذا المجلس، وتقول ما تقول ما تقول .
فأمر به المعتصم فضربت عنقه [وهو أول من قتل منهم](4)ودفع عجيف إلى إيتاخ، فعلّق عليه حديداً كثيراً، وحمله على بغل في محمل بلا وطاء.
وأما العباس: فكان في يد الأفشين .
فلما نزل (5)المعتصم منبج، وكان العباس جائعاً، فسأل عن الطعام فقدّم إليه طعام كثير، فأكل، فلما طلب الماء منع وأدرج في مسح، فمات.
وأما عمر الفرغاني : فإنه لما نزل المعتصم بنصيبين في بستان دعاه صاحب البستان .
فقال له : احفر بئراً في موضع أومأ إليه .
ثم دعا بعمر، وقد تناول أقداحاً، فلما مثل بين يديه جرّد وضرب بالسياط . فلما انتهى حفار البئر مما أمره به المعتصم أمر المعتصم أن يضرب وجه عمر، ولم ينطق بحرف حتى طرح في البئر وطمت عليه .
وأما عجيف : فإنه مات في المحمل بباعيناثا (1)[من بلد الموصل](2)فطرح عند صاحب المسلّحة فدفن هناك .
وذكر أن عجيفاً كان في يد محمد بن إبراهيم بن مصعب ،فسأله المعتصم عنهفقال : يا محمد لم يمت عجيفاً يا أبا صالح.
فقال: يا سيدي اليوم يموت.
فمات ذلك اليوم (3).
وأما(4)التركي الذي ضمن للعباس (5)قتل أشناس فإنه (6)كان كريماً على أشناس ينادمه ولا يحجب عنه (7)،فأمر أشناس بحبسه قبله في بيت مظلم، وسَدَّ عليه الباب، وكان يلقي إليه كل يوم رغيف وكوز ماء .
فأتاه ابنه في بعض أيامه فكلّمه من وراء الحائط .
فقال له : يا بني لو كنت تقدر سكين كنت أقدر أن أتخلّص من موضعي هذا.
فلم يزل ابنه يتلطف للمتوكلين حتى فتح له بمقدار دون الدرهم ضوء، فطرح إليه من هنالك سكيناً فقتل نفسه بها .
وأما أحمد بن الخليل : فإنه دفعه أشناس إلى محمد بن سعيد فحفر له بئراً وفتح بها كوة ليرمى إليه منها الخبز والماء.
فقال له المعتصم احبسه على هذه الحال . . . .(8)إلى غيره فسمه حتى ..... مات .
وقتل باقي القوّاد إلا هرثمة بن النضر الختلي فإنه كان يختل في الحديد من المراغة لأنه كان هناك، فتكلم فيه الأفشين والأفشين استوهبه من المعتصم، فوهبه له.
فولاه البلد الذي يصل إليه الكتاب فيه فوصل إلى الدينور عند(9)العشاء مقيّداً
1) في المخطوط باعتينا والتصويب من الكامل.
2) زيادة من الكامل.
3) في الكامل : وقيل : بل أطعم طعاماً كثيراً ومنع الماء حتى مات بباعيناتا وتتبع جميعهم فلم يمضِ عليهم إلا أيام قلائل حتى ماتوا جميعاً .
4) في المخطوط: أمر. وهو تحريف.
5) في المخطوط : فإن وهو تحريف .
6) فى المخطوط : العباس. وهو تحريف .
7) تكررت العبارة من أول قوله : وأما التركي إلى موضع الإشارة فحذفت التكرار.
8) موضع النقط في كلا الموضعين كلمة لم أتبين قراءتها في المخطوط.
9) قبل هذه الكلمة في المخطوط كلمة جاءت زائدة على السياق وهي وقيل فحذفتها .
مغلولاً، فطرح في خان، فوافاه الكتاب في بعض الليل وأصبح وهو والي الدينور.
وقتل من الأتراك، والفراغنة وغيرهم ممن لم يحفظ اسمه خلق كثير .
وَرُدَّ المعتصم من سُرَّ مَنْ رَأَى سالماً بأحسن حال(1)
ووصل المعتصم إلى سامرا سالماً فسمّى العباس يومئذ اللعين.
وأخذ أولاد المأمون من سُندس فحبسهم في داره حتى ماتوا بعد.
ومن أحسن ما يذكر أن محمد بن علي الإسكاف كان يتولى إقطاع عجيف، فرفع أهله عليه إلى عجيف فأخذه وأراد قتله فبال في ثيابه - خوفاً من عجيف - ثم شفع فيه فقيده وحبسه .
ثم سار إلى الروم ، وأخذه المعتصم - كما ذكرنا - وأطلق من كان في حبسه وكانوا جميعاً منهم الإسكاف.
ثم استعمل على نواح بالجزيرة ومن جملتها باعيناتا.
قال : فخرجت يوماً إلى تل باعيناثا فاحتجت إلى الوضوء، فجئت إلى تل فبلت عليه ثم توضأت ونزلت وشيخ [من] باعينانا ينظرني، فقال لي : في هذا التل قبر عجيف وأرانيه فإذا أنا قد بلت عليه . وكان بين الأمرين سنة لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً.
وفي هذه السنة: رابع عشر رجب توفي زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير ،إفريقية وكان عمره إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية أيام.
وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر. وولّى بعده أخوه أبو عفان الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب.
فأحسن إلى الجند، وأزال مظالم كثيرة، وزاد العمال في أرزاقهم، وكف أيديهم عن الرعية، وقطع النبيذ والخمر عن القيروان .
وسيّر سرية سنة أربع وعشرين ومائتين إلى صقلية، فغنمت وسلمت .
وفي سنة خمس وعشرين ومائتين استأمن عدة حصون من جزيرة صقلية إلى المسلمين منها حصن البلوط، وأبلاطنو، وقرلون، ومرو .
وسار أسطول المسلمين إلى قِلْوْرِيَة ،ففتحها ولقوا أسطول صاحب قسطنطينية، فهزموه بعد
قتال .
فعاد الأسطول إلى قسطنطينية مهزوماً فكان فتحاً عظيماً .
وفي سنة ست وعشرين ومائتين سارت سرية للمسلمين بصقلية إلى قصريانة، فغنمت وأحرقت وسبت، فلم يخرج إليها أحد، فسارت إلى حصن الغيران وهو أربعون غاراً، فغنمت جميعها. وتوفي الأمير أبو عفان فيها على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وجرح في هذه السنة في شوال إسحاق بن إبراهيم جرحه خادم له.
وحج بالناس هذه السنة : محمد بن داود.
وفي هذه السنة : سير عبد الرحمن بن الحكم صاحب الأندلس جيشاً إلى ألية، والقلاع، فنزلوا
حصن الفرات وحصروه وغنموا ما فيه، وقتلوا أهله وسبوا النساء والذرية وعادوا .
.وفيها: أظهر مازيار بن قارن الخلاف على المعتصم بطبرستان [وعصى وقاتل عسکره ](2).
ذكر السبب في ذلك
كان مازيار منافراً لآل طاهر لا يحمل الخراج إليهم . وكان المعتصم يكتب إليه يأمره بحمله إليهم فلا يحمله ويقول : احمله إلى أمير المؤمنين .
وكان المعتصم يأمر بالمال إذا بلغ همذان أن يسبق فيه عامله، ثم يسلمه إلى صاحب عبد الله بن طاهر ليرده إلى خراسان .
ولما ظفر الأفشين ببابك نزل من المعتصم المنزلة التي لا يتقدمه فيها أحد، وبلغه منافرة مازيار آل طاهر، طمع في ولاية خراسان ورجا أن يكون ذلك سبباً لعزل عبد الله بن طاهر.
فدس الكتب إلى مازيار يعلمه ميله إليه بالدهقنة، ويظهر ،مودته، ويقول له : إنه قد وعد بولاية خراسان .
فدعاه ذلك إلى الاستمرار في عداوة آل طاهر، وترك حمل الخراج .
وما شك الأفشين أن كاشف وخالف سيطاول عبد الله بن طاهر حتى يحتاج المعتصم أن يوجهه وغيره إليه.
ولم يزل مازيار يحثه على محاربة عبد الله بن طاهر، ويهون أمره عنده حتى خالف وأخذ رهائن أكابر ناحيته وأمر الأكراد بانتهاب أموال أرباب الضياع وغلاتهم .
والأفشين في كل مكاتبه يعرض عليه النصرة .
وأخذ مازيار الناس بالخراج فجبى جميع الخراج في شهرين .
وكان يحيي كل سنة [97 / ب] الثلث في أربعة أشهر (1).
وهرب رجل ممن أخذت رهينته فجمع أبو صالح سرخاستان خليفة لمازيار [على] الناس بسارية .
وقال : كيف يثق بكم الملك؟ وهذا فلان ممن خالف فأعطى الهيبة، ثم نكث وخرج حتى لا يعود غيره إلى الهرب.
قال : أوتفعلون؟
قالوا: نعم .
فكتب أبو صالح إلى صاحب الرهائن، وأمره أن يوجه بالهارب .
1) في الكامل : فجبى في شهرين ما يأخذه في سنة.
فلما حمل إلى سارية ندم الناس على ما قالوا وجعلوا يرجعون على من أشار عليهم بذلك باللوم .
فجمعهم أبو صالح وقال : قد صممتم في قتل الرهينة وها هو قد حضر فاقتلوه.
قال بعضهم : أصلح الله الأمير، إنك أجلت من خرج عن البلد شهرين، وهذه الرهينة قبلك، فنسألك أن تؤجله شهرين فإن رجع أبوه وإلا أمضيت فيه رأيك.
فغضب، ودعا بصاحب حرسه فأمره بصلب الغلام .
فسأله الغلام أن يأذن له حتى يصلي ركعتين.
فأذن له فطوّل في [ صلاته ] (1)وهو يرعد، ومُدَّ له جذع، فجذبوا الغلام من صلاته ومدوه حتى اختنق ومات .
ثم أمر أهل سارية أن يخرجوا إلى آمل وتقدّم إلى أصحاب المسالح في إحضار أهل الخنادق من الأبناء ،والعرب ،فأحضروا ومضى معهم إلى آمل.
وقال لهم : إني أريد أن أشهدكم على أهل آمل وأرد عليكم أرضكم وأموالكم (2)
العبارة .
،فإن لزمتم الطاعة والمناصحة زدناكم ضعف ما أخذناه منكم .فلما وافق [أهل ](3)آمل حتى لم يخف عليه منهم أحد عرضهم على الأبناء (4)حتى اجتمعوا وتقدّم إلى أصحاب المسلاح حتى أخذ قواته ووكل بكل رجل رجلين ساقهم مكفين حتى وافى بهم جبلاً يعرف ب- هرمزآباد (5)وكبلهم (6)بالحديد، وبلغت عدتهم عشرين ألفاً فحبسهم هناك، وفعل مثل ذلك العرب والأبناء وكبّلهم وحبسهم، ووكل بهم .
فلما تمكن مازيار واستوى أمره حبس كل من خشي عائلته وأمر جميع أصحابه وأمر سرخاستان بتخريب سور مدينة آمل فخربه بالطبول والأزامير .
ثم سار إلى سارية ففعل [مثل] ذلك بها .
ثم فعل بطميس (7)- وهي على حدّ جرجان من عمل طبرستان - مثل ذلك .
وعمل سوراً من طميس إلى البحر مقدار ثلاثة أميال.
وكانت الأكاسرة بنته بينها وبين الترك [ حين ](1)كانت تغير على أهل طبرستان في أيامها [ وجعل له خندقاً ] (2).
ونزل سرخستان وعرض معسكراً بطميس وصير حولها خندقاً وثيقاً وأبراجاً للحرس وصير عليها باباً وثيقاً، ووكل به الثقات.
ففزع أهل جرجان فهرب منهم قوم إلى نيسابور.
وانتهى الخبر إلى عبد الله بن طاهر عامل المعتصم على خراسان فوجه إليه عمه الحسن بن الحسين بن مصعب مع جيش كثيف لحفظ جرجان، وأمره أن يعسكر على الخندق .
فنزل الحسن بن الحسين على الخندق معسكراً، وصار بينه وبين سرخستان عرض الخندق ثم بعث إليه عبد الله بن طاهر حيان لبني جبلة في أربعة آلاف فارس إلى قومس فعسكر حد جبال شروین(3).
ووجّه المعتصم من قبله محمد بن إبراهيم أخا إسحاق بن إبراهيم في جمع كثيف، وضم إليه الحسن بن قارن الطبري العابد ومن كان بالباب [من ] (4)الطبرية .
ووجّه منصور بن الحسن صاحب دنباوند إلى الري ليدخل طبرستان من ناحية الري ووجه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند(5).
فأحدقت الخيل بمازيار (6)من كل جانب فبعث مازيار إلى أهل المدن المحبسين عنده بالجبل [فقال لهم : إن ] (7)الخيل قد زحفت إلي من كل جانب، وإنما حبستكم ليبعث أميركم فيسل فيكم - يعني المعتصم - فلم يكترث بكم، وأنتم عشرون ألفاً، ولست أتقدم على حربه وأنتم ورائي، فأدُّوا إلي خراج سنتين وأخلي سبيلكم ومن كان منكم شاباً قوياً قدمته للقتال فمَن وفي رددت عليه ماله ومَن لم يف أكون قد أخذت ديته، ومن كان شيخاً ضعيفاً صيَّرته من الحفظة والحراس والبوّابين.
ثم إن سرخستان جمع من أبناء القوّاد وغيرهم من أهل آمل ممن فيه قوة وشجاعة مائتين وستين فتى ممن يخاف ناحيته، وأظهر أنه يريد مناظرتهم، وبعث إلى الأكسرة
الدهاقين فقال لهم : إن هؤلاء هواهم مع العرب ولست آمن غدرهم، وهم أهل الفتنة قد جمعتهم فاقتلوهم لتأمنوا ولا يكون في عسكركم من يخالفكم، ثم كفهم ودفعهم إلى
الأكسرة الدهاقين.
فساروا بهم إلى قناة هناك قد خربت فقتلوهم ورموا بهم في آبار القناة.
عطف سرخستان إلى المحبسين من أهل المدن فطالبهم بمال الموافقة.
فقالوا : إن صاحبك لم يبق لنا مالاً ولا ،ذخيرة، ولو علم أن وراءنا درهماً واحداً لاستخرجه (1)ولكنا نعطي ضياعنا وأملاكنا بقيمة ما يطلب.
فقال لهم: الضياع للملك ولا حق لكم فيها، فاحتال الملك فلم يجد عندهم شیئاً.
فقال لأولئك الأكره الذين قتلوا(2)[أبناء القواد ] (3): إني قد أبحتكم منازل أرباب الضياع وحرمهم إلا ما كان من جارية جميلة من بناتهم فإنها تصير للملك، وقال لهم : سيروا إلى الحبس فاقتلوا أرباب الضياع، ثم حوزوا ما وهبت لكم من منازلهم وحرمهم .
فتحيّر القوم ولم يقدموا على عشرين ألفاً فلم يقبلوا منه .
وكان الموكلون بالسور من أصحاب سرخستان يتحدثون ليلاً مع حرس الحسن بن الحسين بن مصعب حتى استأنس بعضهم ببعض، وتأمروا على تسليم السور، فسلّموه، ورحل أصحاب الحسن بن الحسين من موضعهم إلى عسكر [98/ أ] سرخستان علی غفلة من غير غير أن يعلم بذلك صاحبهم .
فنظر الناس بعضهم إلى بعض فثاروا يدخلون من الحائط، وبلغ الحسن بن الحسين ذلك، فأشفق أن تكون حيلة فجعل يصيح ويمنع من الدخول وهم يقتلون حتى نصبوا أعلامهم على السور في معسكر سرخستان(4).
فانتهى الخبر إلى سرخستان وهو في الحمام وسمع الضجيج، فلم يكن له همة إلاّ همة الهرب فخرج هارباً في غلالة.
ودخل الناس من غير مانع حتى استولوا على ما في العسكر، ومضى قوم في الطلب.
فتحدّث زرارة بن يوسف قال : بينا أنا في الطريق إذ صرت في موضع مظلم بسرة
1) في المخطوط : لاستخره. وهو تحريف.
2) جاء بعد هذا اللفظ تكرار للعبارة السابقة من أول قوله : لاستخرجه إلى قوله فاحتالوا فحذفت العبارة المكررة، ثم جاء سقط بينها وبين التي بعدها، فأثبت ما يناسب السياق بين معقوفين.
3) زيادة يتطلبها السياق سبق الإشارة إليها .
4) في الكامل وحين رأى الحسن أن أصحابه قد دخلوا السور قال : اللهم إنهم عصوني وأطاعوك فانصرهم، وتبعهم أصحابه حتى دخلوا إلى الدرب من غير مانع واستولوا على عسكر سرخستان.
الطريق، فوجلت منه ثم اقتحمته بالرمح ولم أر أحداً، ولكن صِحْتُ مَن أنت؟
فقال: أنا شهريار - وإذا به أخو سرخستان صاحب العسكر - فحملته إلى الحسن بن الحسين، فضرب عنقه .
وأما سرخستان، فإنه مضى على وجهه وكان عليلاً، فلما أجهده العطش نزل عند غيضة واستلقى(1)، وصاح ببعض أصحابه ممن تبعه يا فلان(2)اسقني ماء، فقد جهدني العطش .
فقال : ليس معي شيء أغرف به من هذا الموضع .
فقال له سرخستان خذ رأس جعبتي فاسقني به.
فنظر الرجل إلى صاحبه [وقد اجتمع إليه عدة من أصحابه ](3)وقال لهم : هذا الشيطان قد أهلكنا فلما لا نتقرب به إلى السلطان، ونأخذ لأنفسنا أماناً؟
فأجابوه إلى ذلك ووثبوا عليه، وشدوه كتافاً .
فقال لهم: خذوا مني مائة ألف واتركوني فإن العرب لا تعطيكم شيئاً.
فقالوا : احضرها (4).
قال : هاتوا ميزاناً .
فقالوا: من أين لنا هاهنا بميزان؟
قال : فمن أين لي هاهنا ما أعطيكم ولكن سيروا معي إلى المنزل، وأعطيكم العهود والمواثيق أني أفي لكم بذلك .
فساروا به إلى الحسن بن الحسين، واستقبلهم خيل الحسن بن الحسين، فضربوا رؤوسهم، وأخذوا سرخستان منهم فهمتهم أنفسهم ومضى به أصحاب الحسن إلى الحسن .
فدعا بوجوه أصحابه وسألهم هل هذا سرخستان؟
قالوا: نعم، هو هو .
فأمر به فضربت عنقه (5)
وكان عند سرخستان رجل من أهل العراق يقال له : أبو شاس [وهو الغطريف بن حصين بن حنش] يقول الشعر، وهو ملازم له ليتعلم منه أخلاق العرب، فلما هجم عسكر العرب على سرجستان انتهبوا جميع ما لأبي شاس وخرج وأخذ جرة فيها ماء، وأخذ قدحاً وصاح الماء
للسبيل وهرب .
بمر بمضرب كاتب الحسن، فعرفه أصحابه، فأدخلوه إليه وقال له : قل شعراً تمدح به الأمير. فقال : والله ما بقي في صدري شيء من كتاب الله من الخوف فكيف أحسن الشعر . ووجّه الحسن برأس سرخستان إلى عبد الله بن طاهر وكان حيان بن جبلة مولى عبد الله بن طاهر قد أقبل مع الحسن كما ذكرناه وهو بناحية طميس وكاتب قارن بن شهريار - وهو ابن أخي قد -ورغبه فى المملكة .
.وكان حيان بن جبلة من ناحية طميس قارن شهريار ورغبه في الطاعة، وضمن له جبال أبيه وجده .
وكان قارن هذا ابن أخي مازيار وقد فرده وصيره مع أخيه عبد الله بن قارن وضم إليه عدة من قواده وقراباته .
فلما استماله حيان أمره (1)بالتوقف، وأن لا يدخل الجبل، ولا يوغل حتى يكون مَن قارن يستدل(2)به على الوفاء لئلا يكون منه مكر .
وكتب حيان إلى قارن بذلك .
فدعا قارن بعمه عبد الله بن قارن أخي مازيار ودعا جميع قواده إلى طعامه، فلما أكلوا ووضعوا سلاحهم واطمأنوا أحدق بهم أصحابه في السلاح، وكتفهم، ووجه بهم إلى حيان بن جبلة .
فلما صاروا إليه استوثق منهم وركب حيان في جمعه حتى دخل جبال(3)قارن .
وبلغ مازيار الخبر فاغتم وقلق وقال له أخوه :قوهيار: في حبسك عشرون ألفاًالمسلمين ما بين إسكاف وخياط [وحداد] (4)وقد شغلت مأمنك (5)بهم، وإنما أتيت من مأمنک وأهل بيتك وقرابتك، فما تصنع بهؤلاء المحبسين عندك؟
فأمر بأن يخلي جميع من في محبسه ثم دعا بكتابه وخلفائه، وصاحب خراجه وصاحب شرطته وقال لهم : إن خراجكم ومنازلكم وضياعكم بالسهل، وقد دخلت العرب، وأكره أن أسومكم، فاذهبوا إلى منازلكم، وخذوا الأمان لأنفسكم، ووصلهم،وأذن لهم في الانصراف (6).
1) في المخطوط : يأمره. وهو تحريف .
2) في المخطوط : يستل . والتصويب من الكامل.
3) في المخطوط حيان والتصويب من الكامل.
4) زيادة من الكامل.
5) في المخطوط : منامك . وهو تحريف والتصويب من الكامل.
6) بعد هذا في الكامل : ففعلوا ذلك، ولما بلغ أهل سارية أخذ ،سرخستان، ودخلوا حيان جبل شروين وثبوا على عامل مازيار بسارية فهرب منهم، وفتح الناس السجن، وأخرجوا من فيه، وأتى حيان إلى مدينة سارية وبلغ قوهيار أخا مازيار الخبر ...
ولما بلغ قوهيار أخا مازيار دخول حيان سارية أطلق محمد بن موسى عامل طبرستان من حبسه وحمله على بغل ومركب ووجه إلى حيان ليأخذ له الأمان، ويجعل له حيان [ تملك جبال] أبيه وجده على أن يسلم إليه مازيار، ويوثق له بذلك، وضمّ إليه أحمد بن الصقر وهو من مشايخ الناحية ووجوهها .
فلما سار محمد بن موسى إلى حيان وأخبره رسالة ،قوهيار قال له :حيان مَن هذا ؟
یعنی أحمد.
قال: هذا شيخ هذه البلاد، ويعرفه الخلفاء : هذه البلاد، ويعرفه الخلفاء ويعرفه الأمير عبد الله بن طاهر .
ورأى حيان تحت أحمد برذوناً (1)ضخماً نبيلاً فبعث إليه يسأله أن يقوده إليه ليراه فبعث به.
فلما تأمله وجده شطب اليدين فزهد فيه وقال لرسول :أحمد هذا المازيار ومال مازيار لأمير المؤمنين .
فرجع الرسول فأخبر أحمد فغضب من فعل حيان به ذلك، وكتب إلى قوهيار :
ويحك لم تغلط في أمرك، وتترك مثل الحسن بن الحسين عم الأمير عبد الله بن طاهر، وتدخل في أمان هذا العبد الحائك وتدفع أخاك، وتضع من قدرك وتحقد عليك الحسن بن الحسين يتركك إياه وميلك إلى عبد من عبيده ؟
فكتب إليه قوهيار :
قد غلط في أول الأمر، وواعدت الرجل أن أصير إليه بعد غد، ولا أمن أن خالفته أن يناهضني ويحاربني ويستبيح منازلي وأموالي وإن قاتلته (2)، وقتلت من أصحابه وجرت الدماء بيننا وقعت الشحناء ويبطل ما نحن فيه .
فكتب إليه أحمد :
إذا كان يوم الميعاد فابعث رجلاً من أهل بيتك واكتب إليه أنه عرضت لك خلة منعتك من الحركة، فإنك معالج ثلاثة أيام فإن عوفيت وإلا صرت إليه في محمل.
وسنحمله نحن على قبول ذلك منك .
ثم إن أحمد بن الصقر، وأحمد بن موسى كتبا إلى الحسن بن الحسين وهو في معسکر بطميس ينتظر أمر عبد الله بن طاهر، وجواب كتابه بقتل سرخستان، وفتح
طميس، فكتب إليه :
أن اركب إلينا لندفع إليك قارن والجبل وإلا فاتك ولا تقم .
فلما وصل الكتاب إلى الحسن ركب من ساعته وسار [98/ب] مسیر ثلاث ليال في ليلة حتى انتهى إلى سارية.
ولما أصبح سار إلى خرماباذ وهو يوم موعد قوهيار.
وسمع ،حيان وقع طبول الحسن، فركب وتلقاه على رأس فرسخ .
فقال له : ما تصنع هاهنا ؟ ولم توجه إلى هذا الموضع ؟ وقد فتحت جبال شروين وتركتها وراءك فما يؤمنك أن يغدر القوم بك فينتقض جميع ما عملت عليك؟
ارجع إلى الجبل، وأشرف على القوم إشرافاً لا يمكنهم الغدر إن هموا به.
فقال حيان : أنا علي الرجوع، وأريد أن أحمل أثقالي وأتقدم إلى رجالي بالرحيل.
فقال له الحسن: امض أنت فإني باعث أثقالك ورجالك خلفك، وبت الليلة بسارية حتى يوافوك .
ثيم بكر من غد فخرج حيان من فوره ولم يقدر على مخالفة الحسن.
ثم ورد عليه كتاب عبد الله بن طاهر : [ أن يعسكر ] (1)بكور (2)وهي من جبال ونداد هرمز [وهي](3)من أحصن جباله ولأن أكثر مال مازيار بها.
وأمر عبد الله أن لا يمنع قارن مما يريد من تلك الجبال والأموال .
فاحتمل قارن لمازيار هناك من المال من ذخائر مازيار و سرخستان، وباساندرة، ويقدح السلمان، واحتوى ذلك كله .
فانتقض على حيان جميع ما كان نسخ له بسبب ذلك البرذون .
ثم إن محمد بن موسى وأحمد بن الصقر بيتا الحسن و ناظراه سرا، فجزاهما خيراً، وكتب إلى ماقوهيار، فوافاه ،وبرَّه، وأكرمه، وأجابه إلى كل ما سأل، واستعد إلى يوم، ثم صرفه وسار قوهيار إلى مازيار أنه قد أخذ له الأمان وتوثق له .
ثم ورد عليه المازيار ،وقوهيار، وتقدّم المازيار فسلّم عليه بالإمارة، فلم يرد عليه الحسن.
وتقدّم إلى طاهر بن إبراهيم وأوس البلخي فقال : خذاه إليكما.
ثم ورد عليه كتاب عبد الله بن طاهر بتسليم مازيار وإخوته وأهل بيته إلى محمد بن إبراهيم ليحملهم إلى المعتصم.
ولم يعرض عبد الله لأموالهم، وأمر أن يستصفي ما للمازيار .
فبعث الحسن [إلى](1)المازيار فأحضره وسأله (2)عن أمواله، فسمّى قوماً ذكر ، أن أمواله عندهم .
فأحضر ،قوهيار وكتب عليه كتاباً، وضمّنه المال الذي ذكر مازيار أنه عند ثقاته وخزانه، وأصحاب كوره، وأشهد على نفسه.
ثم إن الحسن أمر الشهود الذين حضروا أن يسيروا إلى المازيار ليشهد عليه .
فذكر عن بعضهم أنه قال : لما دخلنا على المازيار ليشهد عليه قال المازيار : إن جمیع ما حملت من أموالي وصحبتي ستة وتسعون ستة وتسعون ألف دينار وسبع عشرة قطعة زمرد وستة عشر قطعة ياقوت أحمر، وأوقار سلالا (3)مجلّدة فيها ألوان الثياب وتاج، وسيف محلى بذهب وجوهر وحُق (4)
موضع النقط كلمة في المخطوط هذا رسمها أيضاً : «حبه».
ولم أتبين موضع النقط في الكلمتين مع السياق فتركت إثباتهما بالمتن.
كبير مملوء جوهراً وقد وضعه بين أيدينا وقد سلمت ذلك إلى محمد بن الصباح وهو خازن عبد الله وصاحب خيره على العسكر إلى قوهيار.قال : فخرجنا إلى الحسن بن الحسين.
فقال : أشهدتم على الرجل؟
قال : نعم .
فقال : هذا شيء أخبرت به، فأحببت أن تعلموا قِلْتَهُ .
وذكر علي بن زين كاتب مازيار :
أن ذلك الحُقِّ كان .... جوهرة، و ..... على المازيار و شروین و شهریار ثمانیة عشر ألف ألف درهم وكان مازيار حمل جميع ذلك إلى الحسن بن الحسين على أن يظهر أنه خرج إليه في الأمان، وأنه قدمه على نفسه وماله وولده وجعل له جبال أبيه .
فامتنع الحسن بن الحسين من ذلك وعَفٌ عنه، وكان أعف الناس عن أخذ درهم أو دينار.
فلما أصبح أنفذ مازيار مع طاهر بن إبراهيم وعلي بن إبراهيم الحربي.
وورد کتاب عبد الله بن طاهر في إنفاذه مع يعقوب بن منصور، وقد ساروا بمازيار ثلاثة من أجله، فبعث الحسن فردّه وأنفذ مع يعقوب بن منصور . . .(1)حزم بالدلالة عاد بهلاك .
ثم أمر الحسن القوهيار أخاً لمازيار يحمل الأموال التي ضمنها، ودفع إليه بغلام من العسكر، وأمر بإنفاذ جيش معه، فامتنع القوهيار وقال: لا حاجة لي فيهم.
وأخرج الأموال ليحملها، فوثب عليه مماليك المازيار من الديالمة وكانوا مائتين، وقالوا : أغدرت بصاحبنا وأسلمته إلى [العرب ](2)وجئت لتحمل أمواله وأخذوه وكبلوه بالحديد .
فلما جَنّهُ الليل ،قتلوه وانتهبوا الأموال، والبغال .
فانتهى الخبر إلى الحسن، فوجه جيشاً إلى الذين قتلوا القوهيار.
ووجه قارن جيشاً آخر من قبله في أخذهم فأخذ منهم صاحب قارن عدة فيهم ابن عم لمازيار يقال له : شهريار بن ،المصمغان وكان رأس العبيد ومحرّضهم .
فوجّه قارن إلى عبد الله بن طاهر فمات في الطريق وكان جماعة أولئك الديالمة أخذوا على السفح والغيضة يريدون الديلم.
فنذر بهم محمد بن إبراهيم بن مصعب فوجّه من قبله الطبرية وغيرهم حتى عارضوهم(3)وأخذوا عليهم الطريق، فأخذوا على طريق الروذبان إلى الروذبان .
(4) كان سبب فساد أمر مازيار أن جبال طبرستان ثلاثة يتوارثونها ثلاثة أولاد لكسرى جبل ونداد هرمز .
وجبل أخيه ونداسنجان بن الأنداد بن قارن .
وجبل شروین بن سرخاب بن باب.
فلما قوي أمر المازيار بعث إلى ابن عمه فألزمه بابه (5)وإلى أخيه قوهيار، وأنفذ إلى هناك والياً من قبله (6).
فلما احتاج مازيار إلى رجال لمحاربة (1)عبد الله بن طاهر دعا ابن عمه وأخاه وقال : أنتما أعلم بجبلكما من غيركما .
وقال : صيرا في ناحية الجبل .
وكتب إلى الدري (2)وضم إليه العساكر وولاه السهل ليحارب عبد الله بن طاهر.
وظنّ أنه قد توثق من الجبل بابن عمه وأخيه القوهيار [99/أ] وذلك أن الجبل لم يكن يظن أنه يؤتى منه لأنه ليس فيه العساكر والمحاربة، لكثرة المضايق والشجر الذي فيه .
وتوثق من الموضع [الذي ](3)يتخوّفه بالدري(4).
فلما وجه عبد الله بن طاهر عمه الحسن بن الحسين بن مصعب في عسكر عظيم من خراسان .
ووجّه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب ووجّه معه حبر يقال له :
يعقوب بن إبراهيم مولى الهادي، ويعرف بقوصرة.
زحفت العساكر، وأحدقت بمازيار. . .(5)ويتجه له عن جبله إلى أن كاتب الحسن وأعلمه جمیع ما يطلعه من الأخبار، وأخبرهم خبر الأفشين .
وكذلك فعل قوهيار أخوه وكانت هذه الأخبار ترد على عبد الله بن طاهر ،وعبد الله يكاتب بها المعتصم .
فشرط عبد الله بن طاهر لابن عم مازيار إن وثب بالمازيار أن يرد عليه جبله وما ورثه عن آبائه ولا يعرض له فيه، ولا يحاربه .
فرضي بذلك، وكتب له بذلك كتاباً، وتوثق له فيه .
فلم يشعر المازيار حتى سلمت الجبال التي كان يأمنها، وأُتي من مأمنه، وأُنزله على حكم المعتصم .
والعسكر الذين كانوا مع الدري بالسهل غارون في حربهم، فأتاهم الحرب من ورائهم، وقد أسر مازيار وهلك، فأعطوا حينئذ بأيديهم حتى هلكوا بأسرهم .
وكان عبد الله بن طاهر لما أُسر مازيار، وحصل في يده مناه ووعده إن هو أظهره على كتب الأفشين أن يسأل أمير المؤمنين الصفح عنه .
وأعلمه عبد الله أنه قد علم أن الكتب عنده، فأقرّ المازيار بذلك .
فطلبت الكتب، ووجّه به المازيار إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وأمره أن لا يخرج الكتب من يده والمازيار إلا إلى المعتصم لئلا يحتال المازيار في الكتب، ففعلإسحاق ذلك، فأوصلها من يده إلى يد المعتصم.
فسأل المعتصم مازيار عن الكتب فلم يُقِرّ بها .
فأمر بضربه (1)حتى مات فصلب إلى جانب بابك (2).
فأما الدري، فإنه كان في نفسه شجاعاً بطلاً والتقى مع محمد بن إبراهيم بن مصعب وكان جمع أموالاً ورجالاً يريد أن يدخل بها بلاد الديلم.
فلما عارضه محمد بن إبراهيم بين الجبل والغيضة والبحر، والغيضة متصلة بالجبل والديلم، حمل الدري على أصحاب محمد فكشفهم ثم صار معارضه من غير هزيمة ليدخل الغيضة، ولم يزل يحمل ويكشف الناس ويقرب من الغيضة حتى حمل عليه رجل من أصحاب محمد يقال له : قندين خاجنك، فأخذه أسيراً .
واتبع الجند أصحابه، وأخذ جميع ما صحبه من المال والأثاث والدواب والسلاح.
وأمر محمد بقتل أخيه بدرحيش، ودعا الدري فقطع يده من مرفقه، ومدة رجليه فقطعت من الركبة، وكذلك اليد الأخرى والرجل الأخرى.
فقعد الدري على إسته ولم يتكلم ولا يفزع فأمر بضرب عنقه، فأما أصحابه فحملوا مكبلين .
وفي هذه السنة: خالف منكجور الأسروشني [وهو من(3)] قرابة الأفشين بأذربيجان .
ذكر السبب في ذلك
كان السبب في ذلك أن الأفشين لما فرغ من بابك [وعاد إلى سامرا استعمل على ] (4)أذربيجان منكجور هذا، فأصاب في قرية بابك في بعض منازله(5)مالاً عظيماً
واحتجبه ولم يُعلم به الأفشين ولا المعتصم.
وكان على البريد بأذربيجان رجل من الشيعة يقال له : عبد الله بن عبد الرحمن فكتب إلى المعتصم .
فكوتب منكجور فيه، فأنكره ، وهم (1)منكجور بقتل عبد الله بن عبد الرحمن، وذلك أنه وقعت بينهما مناظرة فهرب عبد الله وامتنع بأهل أردبيل فمنعوه وقاتلوا منكجور، وبلغ ذلك المعتصم، فوجه إليه عسكراً عظيماً .
وبلغ منكجور [ذلك ] (2)فخلع [الطاعة ](3)وجمع إليه الصعاليك، وخرج من أذربيجان .
وقصده القائد مع العسكر الذي خرج من جهة المعتصم، وواقعه، فانهزم منكجور وسار إلى حصن أتابك في جبل منيع فبناه وأصلحه، وتحصن فيه .
ووثب به أصحابه بعد شهور وأسلموه إلى القائد الذي يحاربه . فقدم به سُرَّ مَنْ رَأَى (4)
وقيل : إن ذلك القائد الذي أنفذه إلى منكجور كان بغا الكبير، وأن منكجور خرج إليه بأمان . ثم زاد ابن الأثير في أحداث تلك السنة فقال : وفي هذه السنة :
بأعمال الموصل إنسان من مقدمي الأكراد اسمه جعفر بن فَهْرَجَس وتبعه خلق كثير من الأكراد وغيرهم ممن يريد الفساد فاستعمل المعتصم عبد الله ابن السيد ابن أنس الأزدي على الموصل وأمره بقتال جعفر .
فسار عبد الله إلى الموصل، وكان جعفر بماتعيس قد استولى عليها فتوجّه عبد الله إليه وقاتله وأخرجه جه من ماتعيس فقصد جبل داسن وامتنع بموضع عالٍ فيه لا يُرام، والطريق إليه ضيق. فقصد عبد الله إلى هناك وتوغل فى تلك المضايق حتى وصل إليه وقاتله فاستظهر جعفر ومن معه من الأكراد على عبد الله لمعرفتهم بتلك المواضع وقوتهم على القتال بها رجاله، فانهزم عبد الله ، وقتل أكثر من معه .
وممن ظهر منهم إنسان اسمه رَبَاح حمل على الأكراد، فخرق صفهم وطعن فيهم وقتل وصار وراء ظهورهم وشغلهم عن أصحابه حتى نجا منهم من أمكنه النجاة فتكاثر الأكراد عليه فألقى
نفسه من رأس الجبل على فرسه وكان تحته نهر فسقط الفرس في الماء ونجا رَبَاح .
وكان فيمن أسره جعفر رجلان - أحدهما اسمه إسماعيل - والآخر إسحاق بن أنس - وهو عم عبد الله ابن السيد - وكان إسحاق صهر جعفر فقدمهما جعفر إليه . فظن إسماعيل أن يقتله ولا يقتل إسحاق للصهر الذي بينهما .
فقال : يا إسحاق أوصيك بأولادي.
فقال له إسحاق : أتظن أنك تقتل وأبقى بعدك؟
ثم التفت إلى جعفر فقال : أسألك أن تقتلني قبله لتطيب نفسه .فبدأ به فقتله وقتل إسماعيل بعده.
فلما بلغ ذلك المعتصم أمر إيتاخ بالمسير إلى جعفر .
وقتاله فتجهز وسار إلى الموصل سنة خمس وعشرين وقصد جبل دَاسِن وجعل طريقه على سوق الأحد فالتقاه جعفر فقاتله قتالاً شديداً، فقتل جعفر وتفرّق أصحابه فانكشف شره وأذاه عن الناس.
وقيل : إن جعفراً شرب سما كان معه فمات .
وأوقع إيتاخ بالأكراد فأكثر القتل فيهم واستباح أموالهم وحشر الأسرى، والنساء، والأموال إلى
تکریت .
وقيل : إن إيقاع إيتاخ بجعفر كان سنة ست وعشرين والله أعلم .
هذه السنة : سيَّر عبد الرحمن عبد الله المعروف بابن البلنسي إلى بلاد العدو، فوصلوا إلى
أَلْيَة والقلاع.
فخرج المشركون إليه في جمعهم، وكانت بينهم حرب شديدة وقتال عظيم. فانهزم المشركون وقتل منهم ما لا يحصى وجمعت الرؤوس أكداساً حتى كان الفارس لا يرى من يقابله .
وفيها : خرج لذريق في عسكره وأراد الغارة على مدينة سالم من الأندلس فسار إليه فرتون بن موسى في عسكر جرار فلقيه وقاتله فانهزم لذريق وكثر القتل في عسكره .
وسار فرتون إلى الحصن الذي كان بناه أهل أليّة بإزاء ثغور المسلمين فحصره، وافتتحه، وهدمه. وفي هذه السنة: تولى جعفر بن دينار اليمن .
وفيها : تزوج الحسين بن الأفشين أتراجة بنت أشناس، ودخل بها في قصر المعتصم في جمادى الآخرة، وأحضر عرسها عامة أهل سامرا وكانوا يغلفون العامة بالغالية وهي في تغار من فضة .
وفيها: امتنع محمد بن عبد الله الورثاني بوَرْتَان، ثم عاود الطاعة، وقدم على المعتصم بأمان سنة خمس وعشرين.
وفيها: مات ناطس الرومي وصلب بسامرا إلى جانب بابك .
وفيها: مات إبراهيم بن المهدي في رمضان وصلى عليه المعتصم . وحج بالناس : محمد بن داود .
وفيها: وقع بإفريقية فتنة كان فيها حرب بين عيسى بن ريعان الأزدي وبين لواتة،وزواغة،
ومكناسة .
فكانت الحرب بين قفصة وقسطيلية، فقتلهم عيسى عن أخرهم.
وفيها: اجتمع أهل سجلماسة مع مدرار بن اليسع على تقديم ميمون بن مدرار في الأمارة على سجلماسة، وإخراج أخيه المعروف بابن تقية. فلما استقر الأمر لميمون أخرج أباه وأمه إلى بعض قرى سجلماسة .
وفيها فتح نوح بن أسد كاسان وأورشت بما وراء النهر، وكانتا قد نقضتا الصلح وافتتح أيضاً اسبیجاب، وبنى حوله سوراً يحيط بكروم أهله ومزارعهم .
وفيها: مات أبو عبيد القاسم بن سلام الإمام اللغوي، وكان عمره سبعاً وستين سنة، وكانت وفاته بمكة .
.وفيها: أجلس المعتصم اشناس على كرسي، وتوجه ووشّحه .
وفيها : أحرق غنام المرتد .
وفيها : [تم الوصول ] (1)بمازيار إلى] (2)سر من رأى وحمل على الفيل وكنا ذكرنا أن محمد بن عبد الملك قال بيتين في بابك لما حمل وهو بهذا أشبه أعني بمازيار وهما:
قد خضب الفيل كعاداته*** يحمل شيطان خراسان والفيل الا تخضب أعضاؤه إلا لذي شأن من الشان] (3)فحمل على بغل بإكاف.
وأمر المعتصم فجمع بينه وبين الأفشين .
فأقر مازيار أن الأفشين حمله على العصيان وكاتبه، وصوّب ما فعل.
فضرب مازيار أربعمائة سوط وطلب ماء فسقي، ومات من ساعته، فصُلب. وفيها حبس الأفشين .
ذكر السبب في ذلك
كان الأفشين أيام (4)حرب بابك ومقامه بأرض الخرمية لا تأتيه هدية من أهل أرمينية ولا من غيرهم إلا وجه بها (5)إلى أشروسن (6)، فيجتاز (7)ذلك بعبد الله بن طاهر، فيكتب عبد الله بن طاهر بخبره إلى المعتصم يعرفه (8)جميع ما يوجه به الأفشين من الهدايا إلى أشروسنة .
ذلك .
[فكتب إليه المعتصم يأمره بإعلامه بجميع ما يوجه به الأفشين ](9)ففعل عبد الله ذلک.
وكان الأفشين كلما تهيّأ عنده مال حمله (10)في أوساط أصحابه من الدنانير والهمايين بقدر طاقتهم.
وكان الرجل يحمل ما بين الألف فما فوقه من الدنانير في وسطه، فأخبر عبد الله بذلک.
1) ما بين المعقوفين زيادة يتطلبها السياق والمعنى من الكامل في التاريخ.
2) ما بين المعقوفين زيادة يتطلبها السياق والمعنى من الكامل في التاريخ.
3) ما بين المعقوفين تتمة للبيت المعقوفين تتمة للبيت من السنة السابقة ومن الكامل.
4) في المخطوط أمام والتصويب من الكامل.
5) في المخطوط فيها والتصويب من الكامل.
6) في المخطوط : يتعرف. وهو تحريف والسياق يحتاج إلى ذلك التصويب .
7) في المخطوط فيجاز والتصويب من الكامل.
8) في المخطوط : يتعرف. وهو تحريف والسياق يحتاج إلى ذلك التصويب .
9) زيادة من الكامل وأحسبها سقطت من السياق .
10) في الكامل : يجعله.
فبينا هو المال وأعطاه الجند قبله .
وكتب إلى الأفشين بما قال القوم وقال : إنا أنكرنا أن تكون وجهت بمثل هذا المال إلى أشر وسنة، ولم تكتب إليّ لأبدرقه فإن كان المال ليس لك فقد أعطيته الجند مكان المال الذي يوجه أمير المؤمنين في كل سنة، وإن كان المال لك كما زعم القوم فإذا جاء المال من قبل أمير المؤمنين رددته عليك، وإن يكون غير ذلك، فأمير المؤمنين أحق بهذا المال وإنما رفعته إلى الجند لأني أريد أن أغزو الترك.
فكتب إليه الأفشين يعلمه أن ماله ومال أمير المؤمنين ،واحد، ويسأله إطلاق القوم ليمضوا إلى أشر وسنة، فأطلقهم عبد الله .
وكان ذلك سبب الوحشة بين عبد الله، وبين الأفشين.
ولما تواترت (1)
وكان الأفشين يسمع من المعتصم ما يدل على أنه يريد عزل عبد الله عن خراسان، فطمع في ولايتها فكاتب مازيار يحسن له الخلاف ظنا منه أنه إذا خالف عزل المعتصم عبد الله عن خراسان واستعمله عليها وأمره بمحاربة مازيار .
فكان من أمر مازيار ما تقدم. وكان من عصيان منكجور ما ذكرناه أيضاً .
فتحقق المعتصم أمر الأفشين فتغير عليه وأحسن الأفشين بذلك، فلم يدرِ ما يصنع ؟ فعزم على أن یهیی. . .
أمثال هذه من الأفشين تغير له المعتصم، وأحس الأفشين بتغير حاله عند المعتصم.فعزم الأفشين على أن يهيىء أطواف (2)في قصره ويحتال لأن يشغل المعتصم
وقواده، ثم يأخذ طريق الموصل، ويعبر (1)الزاب على تلك الأطواف ويصير إلى طريق أرمينية (2)إلى بلاد الخزر مستأمناً ثم يدور من بلاد الخزر إلى بلاد الترك ويرجع من بلاد الترك إلى بلاد أشر وسنة (3)ويستميل الخزر على أهل الإسلام.
وكان في تهيئة ذلك فطال عليه الأمر [و]) وعر [عليه] (4)فهيأ طعاماً (5)كثيراً، وعزم على أن يدعو المعتصم وقواده [ ويعمل فيه سما ] (6)،فيميتهم ، فإن لم يجبه المعتصم استأذنه في قواده فيميتهم مثل : أشناس ،وإيتاخ وبُغا وأمثالهم في يوم تشاغل المعتصم .
فإذا سمّهم وانصرفوا حمل فى أول الليل تلك الأطواف (7)، والآلة على ظهور الجمال حتى يجيء إلى الزاب فيعبر بأثقاله على الأطواف ويعبر سباحة - وكانت أرمينية ولايته (8)-.
وكان الأفشين ينوب قواده في دار المعتصم كما ينوب أمثالهم.
وكان واجن (9)الأشروسني قد جرى بينه وبين من تطلع على سر الأفشين حديث فقال له :واجن ما أرى هذا الأمر يتم كبعده وكثرة (10)ما ينبغي أن يعد له .
فذهب الرجل فحكى للأفشين .
فهم الأفشين بقتل واجن بذلك، فركب من ساعته التي أحسّ [فيها](11)بما (12)أحسن وكان ليلاً - وأتى دار المعتصم، وقد كان نام فصار إلى إيتاخ، وقال: إن لأمير(13)المؤمنين عندي نصيحة .
فقال له :إيتاخ : أليس كنت هاهنا؟ قد (14)نام أمير المؤمنين .
قال :واجن ليس يمكنني أن أصبر إلى غد.
1) في المخطوط يغر . والتصويب من الكامل.
2) بعدها توضيح في الكامل نصه وكانت ولاية أرمينية إليه .
3) في الكامل أو يستميل .
4) زيادة يتطلبها السياق .
5) في المخطوط سماً. والتصويب من الكامل.
6) زيادة من الكامل لإيضاح المقصود.
7) في المخطوط : الأطراف والتصويب من الكامل.
8) سبق الإشارة إلى ذلك بالهامش .
9) في الكامل أواجن. وأشار محققه إلى أنه في الطبري كما هو هنا. أي: واجن
10) فى المخطوط كنزه وهو تحريف والسياق يقتضي ما أثبت.
11) زيادة يتطلبها السياق .
12) في المخطوط مما . وهو تحريف .
13) فى المخطوط : للأمير المؤمنين. وهو تحريف .
14) في المخطوط : قال . وهو تحريف .
فدق إيتاخ الباب على بعض من يخبر أمير المؤمنين بخبر واجن.
فقال المعتصم : ليبت إيتاخ، ثم يباكرني .
فبات عنده ولما أصبح بكر به إلى المعتصم، فأخبره بجميع ما كان عنده .
فدعا المعتصم الأفشين، فجاء الأفشين في سواده (1)فأمر المعتصم بنزع سواده(2)وحبسه في الجوسق ] (3). وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر في الاحتيال(4)للحسن (5)بن الأفشين حتى لا يفوته (6).
وكان الحسن قد كثرت كتبه إلى عبد الله بن طاهر [ يشكو من نوح بن الأسد الأمير بما وراء النهر وتحامله على ضياعه وناحيته فكتب عبد الله إلى نوح يعلمه ما كتب به المعتصم في أمر الحسن ويأمره أن يجمع أصحابه ويتأهب له، فإذا قدم عليه الحسن بكتاب ولايته أخذه واستوثق منه وحمله إليه .
وكتب عبد الله ] (7)إلى الحسن بن الأفشين :
إني قد عزلت نوح بن أسد ووليتك الناحية .
فكتب إليه بكتاب فيه عزل نوح وولايته.
وكتب أيضاً كتاب إلى نوح بأخذ الحسن وحمله إليه .
فخرج الحسن في قلة من أصحابه حتى ورد على نوح وعنده أنه وال، فأخذه نوح فشده وثاقاً ووجهه إلى عبد الله إلى المعتصم بنى حبساً للأفشين شبيهاً بالمنارة وفي وسطها مقدار مجلسة والرجال ينوبون تحتها كما تدور.
فحکی هارون بن عيسى بن المنصور : أنه شهد المحبس الذي عقده المعتصم في داره لمناظرة الأفشين .
أحب المعتصم [ أن ](8)يبكت الأفشين ويناظره، ولم يكن بعد في الحبس الشديد .
فأُخليت الدار إلا من ولد المنصور، وأحضر قوم من الوجوه، وأحضر: أحمد بن
1) في المخطوط سواد والتصويب من الكامل.
2) في المخطوط سواد والتصويب من الكامل.
3) زيادة من الكامل.
4) في المخطوط على هذا الرسم: «الاحال». والتصويب من الكامل .
5) في الكامل : على الحسين. وذكر محققه أنه في الطبري كما هنا .
6) في المخطوط : لا يفوقه وهو تحريف.
7) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل أحسب أنه سقط من المخطوط .
8) زيادة يتطلبها السياق .
أبي داود، وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب ومحمد بن عبد الملك الزيات.
فأُتي بالأفشين، وأتي بمازيار ، والموبذ (1)، والمرزبان(2)بن بركس - وهو أحد ملوك السغد - ورجلان من أهل السغد .
وكان المناظر له محمد بن عبد الملك [فدعا محمد بن عبد الملك ](3)بالرجلين وعليهما ثياب رثة، فقال لهما : [ما] شأنكما؟ فكشفا عن ظهورهما، فإذا هي عاریة من اللحم . فقال محمد : أتعرف هذين الرجلين؟ فقال نعم هذا مؤذن (4)، وهذا إمام : بنيا بأشروسنة (5)مسجداً ، فضربت كل واحد منهما ألف سوط، وذلك أن بيني وبين ملوك السغد عهداً وشرطاً أن أترك كل قوم على دينهم، فوثب هذا على بيت لهم كان فيه أصنامهم، فأخرجا الأصنام واتخذاه مسجداً، فخفت أن ينتقض أمر تلك البلدان فضربتهما على ذلك لتعديهما .
[100/ أ] فقال محمد : ما كتاب عندك قد (6)زينته بالحرير والجوهر والديباج فيه الكفر بالله ؟
قال : هذا كتاب ورثته عن أبي فيه آداب العجم وفيه زين القوم الذي هو اليوم كفر، فكنت أستمتع منه بالآداب، وأترك ما سوى ذلك، ووجدته محلى فلم تضطرني الحاجة إلى الحلية منه فتركته بحاله ككتاب كليلة ودمنة [وهو ] (7)كتاب متروك، ما ظننت هذا يخرج من الإسلام ثم تقدّم الموبذ (8)فقال : إن هذا يأكل لحم المخنوقة ويحملني على أكلها، ويزعم أنها أطيب (9)لحماً من المذبوحة.
وكان يأخذ يوم شاة سوداء يضرب في وسطها بالسيف، ثم يمشي بين نصفيها ويأكل لحمها . وقال لي : إني قد دخلت لهؤلاء القوم في كل شيء أكرهه حتى أكلت الزيت،
وركبت (10)الجمل، ولبست النعل(11)غير أني إلى هذه الغاية لم تسقط مني شعرة
1) في المخطوط : المؤيد والتصويب من الكامل .
2) في المخطوط المرزيات والتصويب من الكامل.
3) زيادة من الكامل.
4) في المخطوط : سوذر والتصويب من الكامل.
5) في المخطوط : بأشروسنة، والتصويب من الكامل وفي كل المواضع.
6) فى المخطوط : فقد وهو تحريف.
7) زيادة يتطلبها السياق .
8) في المخطوط : المؤيد والتصويب من الكامل.
9) في الكامل : أرطب .
10) في المخطوط : ووكيت والتصويب من الكامل.
11) في الكامل : وركبت الجمل والبغل .
فقال : خبروني عن هذا المتكلم أثقة هو عندكم في دينه؟
وكان الموبذ (2)يعد مجوسياً ثم أسلم على يد المتوكل .
قالوا لا؟
قال : فما معنى قبول شهادة مَن لا تثقون به ولا ترون عدالته ؟
ثم أقبل على الموبذ فقال : هل بين منزلي وبين منزلك باب أو كوة تطالعني منها وتعرف أخباري؟
قال : لا .
قال : أفليس كنت أدخلك إليّ فأبث سري وأخبرك بالأعجمية وميلي إليها وإلى أهلها؟
قال : نعم .
قال : فلست بالثقة في دينك، ولا بالكريم في عهدك ، إذا فشيت علي سرًا أسررته إليك .
ثم تنحى الموبذ، وتقدم المرزبان.
فقالوا للأفشين : أتعرف هذا؟
قال : لا .
فقيل للمرزبان هل تعرف هذا؟
قال نعم هذا الأفشين
فقالوا له : هذا المرزبان .
ثم قال له :المرزبان يا متخوف كم تموت وتدافع؟
فقال الأفشين : يا طويل اللحية ما تقول؟ كيف تكتب [إليك ] (3)أهل مملكتك؟
قال: كما كانوا يكتبون إليك بالأشروسنة بكذا وكذا .
قال: بلى.
قال : أليس هو بالعربية : إلى إله الآلهة من عبده فلان بن فلان؟
قال: بلى.
قال محمد بن عبد الملك : والمسلمون يحتملون أن يقال لهم هذا؟
فما أبقيت (1)لفرعون حين قال لقومه : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) ؟
قال : كانت هذه عادة القوم لأبي وجدي ولي قبل أن أدخل في الإسلام، فكرهت أن أضع نفسي دونهما فتفسد علي طاعتهم .
فقال له إسحاق بن إبراهيم بن مصعب : كيف تحلف لنا بالله فنصدقك، ونصدق يمينك وتجري مجرى المسلمين وأنت تدعي ما ادعى فرعون؟
فقال يا أبا الحسن هذه سورة قرأها عجيف على علي بن هشام وأنت تقرأها عليّ، فانظر غداً من يقرأها عليك .
قال : ثم قدّم مازيار صاحب طبرستان فقالوا للأفشين : تعرف هذا؟
قال : لا .
قالوا هذا المازيار .
قال: نعم
قد عرفته الآن .
قالوا: هل كاتبته؟
قال : لا .
قالوا للمازيار : هل كتب إليك ؟
قال: نعم، كتب أخوه حاس إلى أخي قوهيار أنه لم يكن ينصر هذا الدين الأبيض غيري وغير أخيك [ فأما بابك فإنه ](2)لحمقه قتل نفسه، ولقد جهدت أن أصرف عنه الموت فأبى حمقه إلا أن دلاه فيما وقع فيه، فإن خالفت لم يكن للقوم مَن يرمونك به غيري، ومعي من الفرسان وأهل النجدة والبأس فإن وُجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة ،العرب والمغاربة، والأتراك.
والعربي : بمنزلة الكلب اطرح له كسرة ثم اضرب رأسه بالدبوس.
وهؤلاء الذباب - يعني المغاربة - : إنما هم أكلة رأس.
وأولاد الشياطين - يعني الأتراك - : إنما هي ساعة حتى تنفذ سهامهم، لم تجول الخيل عليهم جولة فتأتي على آخرهم، ويعود الدين إلى ما لم يزل (3)عليه أيام العجم.
فقال الأفشين : هذا يدعي على أخي وأخيه ودعواه (1)لا تجب عليّ، ولو كتبت هذا الكتاب [إليه ](2)لأستميله إليّ، وليثق بناحيتي لكان غير مستنكر لأني إذا نصرت الخليفة بيدي لكنت بالحيلة أحرى أن أنصره لآخذ قفاه وأتي به الخليفة فأحظى به عنده كما حظي عبد الله بن طاهر بمجیء المازيار ولما قال.
[ فزجره ابن أبي داود (3)وقال لإسحاق بن إبراهيم بن مصعب : ما قال؟
فقال (4)أحمد بن (5)داود للأفشين : أنت يا [أبا ] (6)عبد الله لا ترفع طيلسانك بيدك ولا تضعه على عاتقك حتى تقتل(7)به جماعة .
فقال له ابن أبي داود أمطهر (8)أنت؟
قال : لا .
قال : فما منعك ذلك
من وبه تمام الإسلام و[عدم](9)الطهور من النجاسة؟
قال : أوليس في الإسلام](10)استعمال التقية؟
قال : بلی .
قال : فإني خفت أن أقطع ذلك العضو من جسدي فأموت . قال : أنت تطعن بالرمح وتضرب بالسيف فلا يمنعك ذلك من أن تکون في الحرب، وتجزع من قطع غلفة (11)؟!
قال : تلك الضرورة تصيبني] (12)أدفع إليها فأصبر عليها إذا وقعت، وهذا شيء أستجلبه(13)، فلم آمن معه خروج نفسي، ولم أعلم أن في تركها خروجاً من الإسلام.
فقال ابن أبي داود: قد بان لكم [أمره ](14).
ثم التفت إلى بغا الكبير - وكان الأفشين تابعاً له - فقال : يا أبا موسى عليك به.
فضرب بيده إلى منطقته فجذبه .
1) فى المخطوط دعوى. وهو تحريف.
2) زيادة من الكامل.
3) زيادة من الكامل.
4) في المخطوط : قام. وهو تحريف .
5) زيادة من الكامل.
6) زيادة من الكامل.
7) في المخطوط : حين تقبل والتصويب من الكامل.
8) في المخطوط مطهر، والتصويب من الكامل والمراد أمختن أنت؟
9) زيادة يتطلبها السياق وإن لم ترد في الكامل.
10) زيادة من الكامل وهي ساقطه من المخطوط .
11) في الكامل : فلفة والمعنى واحد وكلاهما صحيح.
12) زيادة من الكامل.
13) في المخطوط استحليه . وهو تحريف والتصويب من الكامل.
14) زيادة من الكامل.
فقال : كنت لا أتوقع هذا منك قبل اليوم.
فلف(1)بغا القباء على رأسه ثم أخذه بمجامع القباء من عنقه وأخرجه إلى محبسه(2)
وفيها : عزل الأفشين عن الحرس، وولاه إسحاق بن يحيى بن معاذ. وفيها سار عبدالرحمن صاحب الأندلس في جيش كثير إلى بلاد المشركين في شعبان فدخل بلاد جليقية، فافتتح منها عدة حصون وجال في أرضهم يخرب ويغنم، ويقتل، ويسبي، وأطال
المقام في هذه الغزاة، ثم عاد إلى قرطبة . وحج بالناس في هذه السنة : محمد بن داود. وفيها توفي أبو دلف العجلي - واسمه : القاسم بن عيسى -.
وأبو عمرو الجرمي النحوي - واسمه صالح بن إسحاق - وكان من الصالحين . وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله المدائني، وله ثلاث وتسعون سنة، وله كتب في
: المغازي وأيام العرب، وكان بصرياً، فأقام بالمدائن فنسب إليها .
.وفيها مات الأفشين.
ذكر الخبر عن موته
لما جاءت الفاكهة جمع المعتصم من الفواكه شيئاً كثيراً في طبق، وقال لابنه هارون الواثق : اذهب بهذه الفواكه إلى الأفشين.
فحملت مع هارون حتى [100/ب] صعد بها إليه في البناء الذي بني له وحبس فيه .
فنظر إليه الأفشين ثم قال للواثق : لا إله إلا الله ما أحسنه لولا أني فقدت منه ما أشتهيه. وكان فقد منه الشهلوج.
فقال الواثق : وما هو ؟
قال : الشاهلوج .
فقال : هو ذا انصرف فأوجه به إليك . ولم يمس من الفواكه شيئاً .
فلما أراد الواثق الانصراف قال له الأفشين اقرأ على سيدي السلام وقل له :
أسألك أن توجه إلي ثقة من قبلك، يؤدي عني ما أقول (3).
1) في المخطوط : فقلت وهو تحريف وأرى أن ما أثبت هو أقرب ما يكون معنى إلى ما أراد .
2) ثم زاد ابن الأثير في أحداث تلك السنة عدة حوادث أخرى فقال : وفي هذه السنة غضب المعتصم على جعفر بن دينار لأجل وثوبه على من كان معه من الأصحاب، وحبسه عند أشناس خمسة عشر يوماً، ثم رضي عنه، وعزله عن اليمن واستعمل عليها إيتاخ .
3) لم ترد تلك المقدمة في الكامل، وبدأ بمعنى ما بعدها من بعث حمدون بن إسماعيل إليه.
فأمر المعتصم حمدون بن إسماعيل، وكان حمدون في أيام المتوكل في حبس سليمان بن وهب فحدّث هذا الحديث.
قال حمدون فبعث بي المعتصم إلى الأفشين وقال لي : إنه سيطول عليك فلا تحتبس.
قال : فدخلت عليه وطبق الفاكهة بين يديه ولم يمس واحدة فما فوقها .
فقال لي ،اجلس، فاستمالني بالدهقنة .
فقلت : لا تطول فإن أمير المؤمنين قد تقدّم إليّ أن لا أحتبس عندك، فأوجز.
فقال لي : قل لأمير المؤمنين : يا مولاي أحسنت إليّ، وشرفتني، واتطأت الرجال عقبي، ثم قبلت بي كلاماً لم يتحقق عندك، ولم تدبره بعقلك كيف يكون هذا؟
وكيف يجوز لي أن أفعل هذا الذي بلغك عني يخبر أني دسست منكجور أن يخرج ونقتله ويخبر أني قلت للقائد الذي وجهته إلى منكجور : ولا تحاربه واغدر به، وإن أحسست بأحد منا فانهزم من بين يديه أنت رجل قد عرفت الحرب، وحاربت الرجال وسعيت بالعساكر، هذا يمكن رأس عسكر [أن](1)يقول لأحد أن يفعله؟
ولو كان هذا يمكن ما كان ينبغي أن يفعله ما كان ينبغي أن يقبله من عدو، وقد عرفت سببه .
ولكن مثلي ومثلك يا أمير المؤمنين مثل رجل ربَّى عجلاً له وسمنه وكبر(2)وحسنت حاله وكان له أصحاب اشتهوا إلى أن يأكلوا من لحمه، فعرضوا له بذبح العجل فلم يجبهم إلى ذلك، فاتفقوا جميعاً على أن قالوا له (3)ذات يوم: ويحك لم تربي هذا الأسد؟ هذا سبع وقد كبر، والسبع إذا كبر يرجع إلى جنسه .
فقال لهم : ويحكم هذا عجل ما هو سبع .
فقالوا له: هذا سبع، سل من شئت عنه .
وقد كانوا تقدموا إلى جميع من يعرفونه، فقالوا لهم: إن سألكم سألكم عن العجل فقولوا له : هذا سبع .
فكلما سأل الرجل إنساناً ، قال : هذا فأمر بالعجل فذُبح ولكأني(4)أنا ذلك العجل كيف أقدر أن أكون أسد؟
الله [ الله ] في امري اصطنعتني، وشرّفتني وأنت سيدي ومولاي، أسأل الله أن يعطف بقلبك علي .
قال حمدون فقمت وانصرفت وتركت الطبق بين يديه على حاله لم يمس منه شيئاً، ثم ما لبثنا إلا قليلاً حتى قيل : إنه يموت أو قد ] (1)مات فحمل إلى دار إيتاخ فمات بها ] (2).
فقال المعتصم : أروه ابنه .
فأخرجوه وطرحوه بين يديه فنتف لحيته وشعره، ثم حمل إلى منزل إيتاخ، ثم صلب على باب العامة ليراه الناس، ثم طُرح مع خشبته وأحرق، وحمل الرماد فطرح في دجلة (3)
وقال حمدون وسألته هل هو مطهر أم لا؟ فقال : إلى مثل هذا الموضع، إنما قال لي هذا والناس مجتمعون ليفضحني إن قلت نعم قال : تكشف والموت كان أحب إليَّ من أن أتکشف بين يدي الناس، ولكن إن شئت أتكشف بين يديك حتى تراني .
فقلت له : أنت صادق، فلما انصرف حمدون . . .
.ووُجد في داره لما أُحصي متاعه تمثال إنسان خشب عليه حلية كثيرة وجوهر [ وفي أذنيه حجران مشتبكان عليهما ذهب، فأخذ بعض مَن كان سليمان أحد الحجرين وظنه جوهراً - وكان ذلك ليلاً - فلما أصبح نزع عنه الذهب، ووجده شيئاً شبيهاً بالصدف الذي يسمى الحبرون] (4).
وأُخرج من منزله أطواق الخشب التي أعدها، وأصنام [ووجدوا له كتاباً من كتب المجوس ](5)وكتب فيها ديانته (6)
وفي هذه السنة في ربيع الآخر : توفي الأغلب بن إبراهيم، يوم الخميس لسبع بقين من ربيع
الآخر من هذه السنة، وكانت ولايته سنتين وسبعة أشهر وسبعة أيام.
ولما توفي ولّى أبو العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب بلاد إفريقية بعد وفاة والده، ودانت له إفريقية .
وابتنى مدينة بقرب تاهرت سماها العباسية في سنة تسع وثلاثين ومائتين .
فأحرقها أفلح بن عبد الوهاب الأباضي، وكتب إلى الأموي صاحب الأندلس يعلمه ذلك. فبعث إليه الأموي مائة ألف درهم جزاء له على فعله .
وتوفي محمد بن الأغلب يوم الاثنين غرة المحرم من سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وكانت ولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وعشرة أيام.
ولما توفي أبو العباس محمد بن الأغلب ولي الأمر بعده ابنه أبو إبراهيم أحمد، وأحسن السيرة مع الرعية وأكثر العطاء للجند، وبنى بأرض إفريقية عشرة آلاف حصن بالحجارة والكلس، وأبواب الحديد واشترى العبيد ولم يكن في أيامه ثائر يزعجه.
ثم توفي رحمه الله يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين. وكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر، واثني عشر يوماً.
وكان عمره ثمانياً وعشرين سنة.
ولما توفي أحمد ولي أخوه زيادة الله، وجرى على سنن سلفه، ولم تطل أيامه، فتوفي يوم السبت لإحدى عشر بقيت من ذي القعدة سنة خمسين ومائتين .
وكانت ولايته سنة واحدة وستة أيام.
ولما توفي زيادة الله ولي بعده أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب.
وجرى على سنن أسلافه، وكان أديباً عاقلاً أسلافه، وكان أديباً عاقلاً حسن السيرة .
جزيرة صقلية تغلب الروم على مواضع منها .
غير أن وبنى أيضاً حصوناً ومحارس على ساحل البحر.
وبالمغرب أرض تعرف بالأرض الكبيرة بينها وبين بَرَقة مسيرة خمسة عشر يوماً بها مدينة على ساحل البحر تدعى بارة، وكان أهلها نصارى ليسوا بروم فغزاها حياة مولى الأغلب، فلم يقدر
عليها .
ثم غزاها خلفون البربري ويقال : إنه مولى لربيعة ففتحها في خلافة المتوكل . وقام بعده رجل يسمى المفرج بن سالم، ففتح أربعاً وعشرين حصناً، واستولى عليها. فكتب إلى والي مصر يعلمه خبره، وأنه لا يرى لنفسه ومن معه من المسلمين صلاة إلا بأن يعقد له الإمام على ناحية ويوليه إياها ليخرج من حد المتغلبين . وبنى مسجداً جامعاً.
ثم إن أصحابه شغبوا عليه، ثم قتلوه
ثم توفي أبو عبد الله محمد رحمه الله سنة إحدى وستين ومائتين.
وإنما ذكرنا ولاية هؤلاء متتابعة لقلة ما لكل واحد منهم.
وفي هذه السنة : زلزلت الأهواز زلزلة شديدة خمسة أيام وكان مع الزلزلة ريح شديدة فخرج
الناس عن منازلهم وخرب كثير منها .
وفيها : حج بالناس محمد بن داود أمره أشناس بذلك .
وكان أشناس ،حاجاً، وقد جعل إليه ولاية كل بلد يدخله وخطب له على منابر مكة والمدينة وغيرهما من البلاد التي اجتاز بها بالإمرة إلى أن عاد إلى سامرا . وفيها توفي أبو الهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله بن العلاف البصري، شيخ المعتزلة في زمانه .
وزاد عمره على مائة سنة، وله مسائل في الأصول قبيحة تفرد بها .
ويحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن التميمي، الحنظلي النيسابوري أبو زكريا توفي في صفر بنيسابور.
وسليمان بن حرب الواشجي، القاضي .
وأبو الهيثم الرازي النحوي وكان عالماً بنحو الكوفيين.
وفيها وثب علي بن إسحاق بن يحيى بن معاذ وكان على المعونة بدمشق من قبل وصول علي أرتكين بن رجاء، وكان على الخراج فقتله، وأظهر الوسواس.
ثم تكلم فيه أحمد بن أبي داود فأطلق من حبسه.
وفيها :مات محمد بن عبد الله بن طاهر، فصلى عليه المعتصم في دار محمد.
وفيها : خرج المبرقع اليماني بفلسطين على السلطان .
ذكر السبب في ذلك
كان سبب خروجه ممانعته ذلك أن جندي سكر فلقي أمَةً في طريق جارية فضربها بسوط معه، فاتقته بذراعها، فأثر فيها (1). فلما رجع أبو حرب إلى منزله بكت وشكت إليه ما فعل بها وأرته الأثر الذي بذراعها من ضربها .
فأخذ السيف ومشى إلى الجندي وهو عار فضربه فقتله، ثم هرب .
وألبس وجهه برقعاً كيلا يُعرف فسار إلى جبل (2)من جبال الأردن، فطلبه السلطان، فلم يعرف له خبر .
وكان يظهر متبرقعاً على الجبل فيراه الرائي (3)، فيأتيه، ويذكره ويحرضه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكر السلطان ،ويعيبه فما زال حتى استجاب له قوم من الحرّاثين وأهل القرى، وكان يزعم أنه أموي.
وقال الذين استجابوا له : هذا هو السفياني .
فلما كثرت حاشيته وأتباعه من هذه الطبقة، دعا أهل البيوتات، فاستجاب له جماعة من رؤساء اليمانية، وقوم من أهل دمشق.
واتصل الخبر بالمعتصم، وهو عليل علته التي مات فيها .
فوجه إليه رجاء بن أيوب الحضاري في نحو ألف رجل من الجند .
وكان أبو حرب في نحو مائة ألف .
فکره رجاء مواقعته فعسكر بحذائه وطاوله حتى إذا كان في وقت عمارة الأرضین(4)تفرق عنه أکثرهم(5)، وبقي أبو حرب في نحو ألفي رجل فناجزه الحرب.
وتأمل رجاء عسكر المبرقع، فلم يجد فيه من له فروسية غيره .
1) في الكامل بداية الخبر على غير ذلك حيث قال ابن الأثير : كان سبب خروجه أن بعض الجند أراد النزول في داره - وهو غائب - فمنعه بعض نسائه فضربها الجندي بسوط، فأصاب ذراعها فأثر فيها ...
2) في المخطوط خيل وهو تحريف .
3) في المخطوط الراي. وهو تحريف .
4) يريد وقت أو أوان وحرثها وزراعتها .
5) في المخطوط : أكرته . وهو تحريف .
فقال لأصحابه : لا تعجلوا عليه فإنه سيظهر لأصحابه بعض ما عنده [فإذا حمل عليكم فأفرجوا له ] (1). فما لبث أن حمل (2)[ عليهم ](3).
فقال لأصحابه : فرجوا له فأفرجوا .
ثم حمل الثانية .
فقال رجاء : أفرجوا له، فإذا أراد الرجوع فحولوا بينه وبين ذلك، وخذوه.
ففعل ذلك، فأحاطوا به، فأنزلوه عن دابته، وأسروه .
وحمله رجاء إلى المعتصم(4)
وقيل : كان خروجه سنة ست وعشرين ومائتين وأنه خرج بنواحي الرملة، وسار في خمسين
ألفاً، فوجه إليه المعتصم رجاء الحضاري فقاتله وأخذ ابن بهيس أسيراً.
وقتل من أصحاب المبرقع نحواً من عشرين ألفاً وأسر المبرقع، وحمله إلى سامرا .
.وفيها: كانت وفاة المعتصم .
ولما حضرته الوفاة جعل يقول : ذهبت الجيل ليست حيلة، حتى مات.
وذكر عنه أنه قال : لو علمت أن عمري قصير ما فعلت ما فعلت .
ودُفن بسُرَّ من رأى .
وكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر، وهو ثامن الخلفاء، وثامن من ولد العباس .
وولد سنة ثمانين ومائة ومات عن ثمانية وأربعين سنة، وله ثمانية بنين وبنات .
قال الشيرازي: وكان المعتصم يلقب الخليفة المثمن لهذه الخصال التي ذكرتها .
وكان أبيض اللحية طويلها مربوعاً مشرب اللون [103/أ] بحمرة (1)، حسن العینین.
وبويع يوم توفي ابنه هارون الواثق بن محمد المعتصم .
وكان يكنى أبا جعفر (2)
المعتصم :
وفي هذه السنة توفي المعتصم أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس يوم الخميس لثمان عشرة مضت من ربیع الأول، وكان بدو علته أنه احتجم أول يوم في المحرم واعتل عندها .
قال زنام الزامر : أفاق المعتصم في علته التي مات فيها إفاقة فقال : هيئوا لي الزلال لأركب غداً. فركب في الزلال في دجلة وأنا معه فمر بإزاء منازله فقال : يا زنام ازمر لي: یا منزلاً لم تُبل أطلاله*** حاشي لأطلالك أن تبلى*** لم أبك إطلالك لكنني*** یکیت عيشي فيك إذ ولى والعيش أولى ما بكاه الفتى لابد للمحزون أن يسلى
قال : فما زلت أزمر له هذا الصوت وأكرره، وقد تناول منديلاً بين يديه، فما زال يبكي فيه وينتحب حتى رجع إلى منزله .
ولما احتضر المعتصم جعل يقول : ذهبت الحيل ..
وكان مولده بالخلدقار
وقال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه : قد قلت إذ غيبوك واصطفقتعليك أيدي بالترب والطين *** اذهب فنعم الحفيظ كنت على الد نيا ونعم المعين للدينلا یجبر الله أمة فقدت مثلك إلا بمثل هارون
وكانت أمه ماردة من مولدات الكوفة، وكانت أمها صغدية وكان أبوها نشأ بالبندنيجين .
ثم قال في ذكره لبعض سيرته :
ذكر عن أحمد بن أبي داود أنه ذكر المعتصم، فأسهب في ذكره وأكثر في وصفه، وذكر من طيب أعراقه وسعة أخلاقه، وكريم عشرته .
قال : وقال يوماً ونحن بعمورية : ما تقول في البسر يا أبا عبد الله؟
قلت: يا أمير المؤمنين نحن ببلاد الروم، والبسر بالعراق .
فقال : قد جاؤوا منه بشيء من بغداد وعلمت أنك تشتهيه ثم أحضره فمدّ يده فأخذ العذق
فارغاً .
قال : وكنت أزامله كثيراً في سفره ذلك. قال : وأخذت لأهل الشاش منه ألفي ألف درهم لعمل نهر كان لهم اندفن في صدر الإسلام، فأضر بهم.
وقال غيره : إنه كان لا يبالي إذا غضب من قتل وما فعل ولم يكن له لذة في تزيين البناء، ولم يكن بالنفقة أسمح منه بها في منه بها في الحرب. قال أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قدم الزبير بن بكار العراق هارباً من العلويين لأنه كان ينال منهم، فتهدّدوه فهرب منهم. وقدم على عمه مصعب بن عبد الله بن الزبير، وشكى إليه حاله، وخوفه من العلويين، وسأله إنهاء حاله إلى المعتصم . فلم يجد عنده ما أراد، وأنكر عليه حاله ولامه .
وقال أحمد : فشكا ذلك إلي وسألني مخاطبة عمه في أمره.
فقلت له في ذلك، وأنكرت عليه إعراضه عنه .
فقال لي : إن الزبير فيه جهل ،وتسرع فأشر عليه أن يستعطف العلويين، ويزيل ما في نفوسهم منه .
أما رأيت المأمون ورفقه بهم وعفوه عنهم، وميله إليهم ؟!
قلت: بلى فهذا أمير المؤمنين والله على مثل ذلك أو فوقه ولا أقدر أذكرهم عنده بقبيح، فقل له ذلك حتى يرجع عن الذي هو عليه من ذمهم .
قال إسحاق بن إبراهيم المصعبي : دعاني المعتصم يوماً فدخلت عليه .
فقال : أحببتُ أن أضرب معك بالصوالجة.
فلعبنا بها ساعة، ثم نزل وأخذ بيدي نمشي إلى أن صار إلى حجرة الحمام فقال: خذ ثيابي . فأخذتها، ثم أمرني بنزع ثيابي ففعلت ودخلت وليس معنا غلام فقمت إليه، فخدمته، ودلكته، وتولى المعتصم مني مثل ذلك، فاستعفيته فأبى علي.
ثم خرجنا ومشى وأنا معه حتى صار إلى مجلسه فنام وأمرني فنمت حذاءه بعد الامتناع ثم قال لي : يا إسحاق إن في قلبي أمراً أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة، وإنما بسطتك في هذا الوقت لأفشيه إليك فقلت : قل يا أمير المؤمنين، فإنما أنا عبدك وابن عبدك .
قال : نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة فأفلحوا، واصطنعت أربعة فلم يفلح أحد منهم.
قلت : ومَن الذي اصطنعهم المأمون؟
قال : طاهر بن الحسين، فقد رأيت وسمعت.
وابن عبد الله بن طاهر، فهو الرجل الذي لم يُرَ مثله .
وأنت، فأنت والله الرجل الذي لا يتعاصى السلطان عنك أبداً.
وأخوك محمد بن إبراهيم، وأين مثل محمد؟
وأنا اصطنعت الأفشين، فقد رأيت إلى ما صار أمره.
وأشناس ففشل .
وإيتاخ فلا شيء.
ووصيف فلا معنى فيه .
فقلت : أجيب على أمان من غضبك؟
قال : نعم . قلت له يا أمير المؤمنين نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها واستعمل أمير المؤمنين فروعاً فلم تنجب إذ لا أصول لها .
فقال : يا إسحاق، لمقاساة ما مر بي طول هذه المدة أيسر على من هذا الجواب .
فقال ابن أبي داود تصدّق المعتصم، ووهب على يدي مائة ألف ألف درهم.
وحكي أن المعتصم قد انقطع عن أصحابه في يوم مطر فبينا هو يسير رحلة إذ رأى شيخاً معه حمار عليه حمل شوك، وقد زلق الحمار وسقط والشيخ قائم ينتظر من يمر به فيعينه على حمله. فسأله المعتصم عن حاله فأخبره فنزل عن دابته ليخلص الحمار عن الوحل، ويرفع عليه
حمله .
فقال له الشيخ بأبي أنت وأمي لا تبلل ثيابك وطيبك . فقال : لا عليك .
ثم إنه خلص الحمار، وجعل الشوك عليه وغسل يديه ثم ركب.
فقال الشيخ : غفر الله لك يا شاب .
ثم لحقه أصحابه، فأمر له بأربعة آلاف درهم ووكل به من يسير معه إلى بيته وفيها بويع الواثق بالله هارون بن المعتصم في اليوم الذي توفي فيه أبوه، وذلك يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين .
وكان يكنى أبا جعفر .
وأمه أم ولد رومية تسمى قراطيس .
وفيها هلك توفيل ملك الروم، وكان ملكه اثنتا عشرة سنة .
وملكت بعده امرأته ،تدورة وابنها ميخائيل بن توفيل صبي.
وحج بالناس : جعفر بن المعتصم، وحجّت معه أم الواثق فماتت بالحيرة في ذي الحجة، ودفنت بالكوفة ولما مات المعتصم ثارت القيسية بدمشق وعاثوا وأفسدوا وحصروا أميرهم. فبعث الواثق إليهم رجاء بن أيوب الحضاري وكانوا معسكرين بمرج راهط فنزل رجاء بدير مُرّان ودعاهم إلى الطاعة، فلم يرجعوا .
فواعدهم الحرب بدومة يوم الاثنين فلما كان يوم الأحد وقد تفرّقت سار رجاء إليهم فوافاهم وقد سار بعضهم إلى دومة، وبعضهم في حوائجه فقاتلهم فهزمهم وقتل منهم نحوألف وخمسمائة وقُتل من أصحابه نحو ثلاثمائة، وهرب مقدمهم ابن بيهس، وصلح أمر دمشق . وسار رجاء إلى فلسطين إلى قتال أبي حرب المبرقع الخارج بها ، فقاتله فانهزم المبرقع، وأخذ
أسيراً على ما ذكرناه .
وفيها: توفي بشر بن الحارث الزاهد المعروف بالحافي في ربیع الأول.
وعبد الرحمن بن عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمرو بن موسى بن عبيد الله ابن معمر التيمي المعروف بابن عائشة ،البصري، وإنما قيل له : ابن عائشة، لأنه من ولد عائشة بنت طلحة .
وتوفي أبوه عبيد الله بعده لسنة.
وإسماعيل بن أبي أويس ومولده سنة تسع وثلاثين ومائة .
وأحمد بن عبد الله بن يونس.
وأبو الوليد الطيالسي .
والهيثم بن خارجة .
وفيها : سير عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشاً إلى أرض العدو، فلما كانوا بين أربونة وشَرْطانية تجمعت الروم عليهم وأحاطوا بالعسكر وقاتلوهم الليل كله فلما أصبحوا أنزل الله تعالى نصره على المسلمين، وهزم عدوهم وأبلى موسى بن موسى في هذه الغزوة بلاء عظيماً، وكان على مقدمة العسكر، وجرى بينه وبين جرير بن موفق - وهو من أكابر الدولة أيضاً - شر، فكان سبباً الخروج موسى عن طاعة عبد الرحمن .
وفيها : أذفونش ملك الروم بالأندلس وكانت إمارته اثنتين وستين سنة .
وفيها: توفي محمد بن عبد الله بن حسان اليحصبي الفقيه المالكي.
.ولم يجر على ما بلغنا [فيها] شيء يثبت في مثل هذا الكتاب (1)
وتوفي أبوه عبيد الله بعده لسنة.
كذا قال ابن مسكويه وقال ابن الأثير في أحداثها : في هذه السنة : سار الفضل بن جعفر الهمداني في البحر فنزل مرسى مسيني، وبثّ السرايا فغنموا غنائم كثيرة، واستأمن إليه أهل نابل وصاروا معه وقاتل الفضل مدة سنتين واشتد القتال، فلم يقدر على أخذها فمضى طائفة من العسكر، واستدار وأخلف جبل مُطِل على المدينة، فصعدوا إليه ونزلوا إلى المدينة وأهل البلد مشغولون بقتال جعفر ومن معه فلما رأى أهل البلد أن المسلمين دخلوا عليهم من خلفهم انهزموا وفتح الله البلد .
وفيها: فتحت مدينة مسكان .
وفي سنة تسع وعشرين ومائتين : خرج أبو الأغلب العباس بن الفضل في سرية فبلغ شرة فقاتله أهلها قتالاً شديداً فانهزمت الروم، وقتل منهم ما يزيد على عشرة آلاف رجل، واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر ولم يكن بصقلية قبلها مثلها .
وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين حصر الفضل بن جعفر مدينة مَسِّيني فأخبر الفضل أن أهل : مسيني كاتبوا البطريق الذي بصقلية لينصرهم فأجابهم وقال لهم: إن العلامة عند وصولي أن توقد النار ثلاثة ليال على الجبل الفلاني فإذا رأيتم ذلك ففي اليوم الرابع أصل إليكم، فنجتمع أنا وأنتم على المسلمين بغتة .
فأرسل الفضل من أوقد النار على ذلك الجبل ثلاث ليال .
فلما رأى أهل مَسيني النار أخذوا في أمرهم، وأعد الفضل ما ينبغي أن يستعد به، وكَمَّنَ الكُمَناء، وأمر الذين يحاصرون المدينة أن ينهزموا إلى جهة الكمين فإذا خرج أهلها عليهم قاتلوهم، فإذا جاوزوا الكمين عطفوا عليهم .
فلما كان اليوم الرابع، خرج أهل مَسِّيني وقاتلوا المسلمين وهم ينتظرون وصول البطريق . فانهزم المسلمون واستجرُّوا الروم حتى جاوزوا الكمين، ولم يبق بالبلد أحد إلا خرج.
فلما جاوزوا الكمين عاد المسلمون عليهم، وخرج الكمين من خلفهم، ووضعوا فيهم السيف فلم يَنْجُ منهم إلا القليل. فسألوا الأمان على أنفسهم وأموالهم ليسلموا المدينة، فأجابهم المسلمون إلى ذلك، وأمنوهم فسلموا المدينة.
وفيها : أقام المسلمون بمدينة طَارَنت من أرض انْكَبَرْدَةَ وسكنوها .
وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين: وصل عشر شلنديات من الروم فأرسوا بمرسى الطين وخرجوا ليُغيروا فضلوا الطريق فرجعوا خائبين، وركبوا البحر راجعين فغرق منها سبع قطع.
وفي سنة أربع وثلاثين ومائتين : صالح أهل رغوس، وسلَّموا المدينة إلى المسلمين بما فيها.
فهدمها المسلمون وأخذوا منها ما أمكن حمله .
وفي سنة خمس وثلاثين ومائتين : سار طائفة من المسلمين إلى مدينة قضريانة، فغنموا، وسلبوا، وأحرقوا وقتلوا في أهلها .
وكان الأمير على صقلية للمسلمين محمد بن عبد الله بن الأغلب فتوفي في رجب من سنة ست وثلاثين ومائتين فكان مقيماً بمدينة بلرم لم يخرج منها، وإنما كان يخرج الجيوش والسرايا تفتح وتغنم فكانت إمارته عليها تسع عشرة سنة، والله سبحانه أعلم .
وفي هذه السنة : كانت حرب بين موسى عامل تطيلة وبين عسكر عبد الرحمن أمير الأندلس والمقدم عليهم الحارث بن بزيخ.
وسبب ذلك : أن موسى بن موسى كان من أعيان قواد عبد الرحمن وهو العامل على مدينة تطيلة، فجری بينه وبين القواد تحاسد سنة سبع وعشرين - وقد ذكرناه - فعصى موسى بن موسی علی عبد الرحمن فسيَّر إليه جيشاً واستعمل عليهم الحارث بن بزيغ والقواد، فاقتتلوا عند برجه، فقتل كثير من أصحاب موسى، وقتل ابن عم له .
وعاد الحارث إلى سرقسطة فسيّر موسى ابنه ألب بن موسى إلى برجه فعاد الحارث إليها وحصرها فملكها وقتل ابن موسى وتقدّم إلى بيته فطلبه فحضر فصالحه موسى على أن يخرج
عنها .
فانتقل موسى إلى أرنيط ، وبقي الحارث يتطلبه أياماً، ثم سار إلى أرنيط فحصر موسى بها . فأرسل موسى إلى غرسيه - وهو من ملوك الأندلس المشركين - واتفقا على الحارث، واجتمعا وجعلا له كمائن في طريقه واتخذ له الخيل والرجال بموضع يقال له بلمسه على نهر هناك. فلما جاء الحارث النهر خرج الكمناء عليه وأحدقوا به وجرى معه قتال شديد، وكانت وقعة ،عظيمة وأصابه ضربة في وجهه فلقت عينه، ثم أسر في هذه الوقعة .
فلما سمع عبد الرحمن خبر هذه الوقعة، عظم عليه، فجهز عسكراً كبيراً واستعمل عليه ابنه
محمداً وسيره إلى موسى في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائتين.
وتقدّم محمد إلى ينبلونة، فأوقع عندها بجمع كثير من المشركين وقتل فيها غرسيه وكثير من
المشركين .
ثم عاد موسى إلى الخلاف على عبد الرحمن فجهز جيشاً كبيراً وسيرهم إلى موسى .
فلما رأى ذلك طلب المسالمة، فأجيب إليها وأعطى ابنه إسماعيل رهينة .
وولاه عبد الرحمن مدينة تطيلة فسار موسى إليها فوصلها وأخرج كل من يخافه، واستقر فيها .
وفي هذه السنة : أعطى الواثق أشناس تاجاً ووشاحين.
وفيها : مات أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر .
وفيها : غلا السعر بطريق مكة، فبلغ الخبز كل رطل ،بدرهم وراوية ماء بأربعين درهماً وأصاب الناس في الموقف حَرَّ شديد ثم أصابهم مطر فيه ،برد واشتد البرد عليهم بعد ساعة من ذلك
الحر، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة فقتلت عدة من الحجاج .
وحج بالناس: محمد بن داود. وفيها عبد الملك بن مالك بن عبد العزيز أبو نصر التمّار الزاهد، وكان عمره إحدى وتسعين سنة، وكان أضرّ، ومحمد بن عبد الله بن عمر بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان العتبي الأموي البصري أبو عبد الرحمن وكان عالماً بالأخبار والآداب وأبو سليمان داود الأشقر السمسار المحدث.
.1) ابن معمر التيمي المعروف بابن عائشة ،البصري، وإنما قيل له : ابن عائشة، لأنه من ولد عائشة بنت طلحة .
وفيها: حبس الواثق الكتاب وألزمهم أموالاً [عظيمة](1).
فأخذ من سلیمان بن وهب وهو كاتب إيتاخ أربعمائة ألف دينار.
ومن أحمد بن إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن أمر بضربه كل يوم عشرة ألف سوط .
أسواط، فضرب نحو وأخذ ابن الخصيب وكتابه ألف ألف دينار .
ومن الحسن بن وهب وأبي الوزير مائتي ألف دينار، وكذلك سوى ما أخذ العمال بسبب عمالاتهم (2)
ومن أبي الوزير مائة ألف وأربعين ألف دينار.
.ونصب محمد بن عبد الملك، وابن أبي داود وسائر أصحاب المظالم.
فكشفوا وحبسوا وأقيموا للناس فلقوا كل جهد.
وجلس إسحاق بن إبراهيم لهم ينظر في أمورهم ويطلبهم .
ذكر سبب ذلك
كان سبب ذلك أن الواثق جلس ليلة مع ندمائه فقال : إني لست أشتهي الليلة النبيذ فهلموا فتحدثوا عامة الليل.
فقال الواثق : من منكم يعلم (3)السبب الذي وثب من أجله جدي الرشيد على البرامكة حتى أزال نعمتهم؟
فقال له بعضهم(4): أنا والله أحدثك يا أمير المؤمنين وحدث حديث الجارية وما جرى في أمر ثمنها وإحضار البرامكة قيمة ألف دينار دراهم ليستكثرها ولا يشتريها .
1) زيادة من الكامل.
2) في بعض الكامل زيادات فيما أخذ منهم وزيادات في الأسماء فقال ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار. ومن إبراهيم بن رياح وكتابه مائة ألف دينار. ومن نجاح ستين ألف دينار.
3) في المخطوط : مَن منكم من يعلم . ولفظ : «من الثاني زائد على السياق فحذفته .
4) في الكامل : عرود بن عبد العزيز الأنصاري.
فلما رآها ضمّها إلى بعض خدمه وبحث عن الأموال ليجمع بيت مال خاصته، فوجد البرامكة قد أتلفوا كل ما في بيوت أمواله
وقد ذكرنا نحن هذا الحدث مشروحاً فيما مضى.
فما مَرَّ على ذلك أسبوع حتى أوقع بكتابه واستح منهم ومن عماله أموالاً عظيمة (1)
وكان سبب ذلك أنه جلس ليلة مع أصحابه فسألهم عن أصحابه فسألهم عن سبب نكبة البرامكة، فحكى له عرود بن عبد العزيز الأنصار :
أن جارية لعدول الخياط أراد الرشيد شراءها فاشتراها بمائة ألف دينار.
وأرسل إلى يحيى بن خالد أن يعطيه ذلك، فقال يحيى: هذا مفتاح سوء إذا أخذ ثمن جارية مائة ألف دينار، فهو أحرى أن يطلب المال على قدر ذلك فأرسل يحيى إليه : أنني لا أقدر على هذا المال .
فغضب الرشيد وأعاد لا بد منها .
فأرسل يحيى قيمتها دراهم، فأمر أن تجعل على طريق الرشيد ليستكثرها، ففعل ذلك .
فاجتاز الرشيد بها، فسأل عنها .
فقيل : هذا ثمن الجارية .
فاستكثرها، فأمر برد الجارية، وقال لخادم له اضمم إليك هذا المال، واجعل لي بيت مال الأضم إليه ما أريد، وسماه: بيت مال العروس.
وأخذ في التفتيش عن الأموال فوجد البرامكة قد فرطوا فيها. وكان يحضر عنده مع شماره رجل يعرف بأبي العود له أدب فأمر ليلة له بثلاثين ألف درهم.
فمطله بها يحيى .
فاحتال أبو العود في تحريض الرشيد على البرامكة - وكان قد شاع تغير الرشيد عليهم - فبينما هو ليلة عند الرشيد يحدثه، وساق الحديث إلى أن أنشده قول عمر بن أبي ربيعة : استبدتْ مَرَّةً واحدة إنما العاجرُ مَن لا يستبد وعَدَت هند وما كانت تعِدُ ***ليت هند أنجزتنا ما تَعِدُ
فقال الرشيد أجل إنما العاجز مَن لا يستبد.
وكان يحيى قد اتخذ من خدام الرشيد خادماً يأتيه بأخباره، فعرفه ذلك.
فأحضر أبو العود وأعطاه ثلاثين ألف درهم ومن عنده عشرين ألف درهم .
وأرسل إلى ابنيه الفضل وجعفر فأعطاه كل واحد منهما عشرين ألفاً، وجد الرشيد في أمرهم حتى أخذهم .
فقال الواثق : صدق والله جدي إنما العاجز من لا يستبد.
وأخذ في ذكر الخيانة وما يستحق أهلها فلم يمض غير أسبوع حتى نكبهم .
وفيها: ولى شيرباسبان لإيتاخ اليمن وسار إليها .
وفيها: تولى محمد بن صالح بن العباس المدينة .
وحج بالناس : محمد بن داود .
وفيها: توفي خلف بن هشام البزار المقرىء في جمادى الأولى.
.1) هذا ما ذكر ابن مسكويه في أحداث تلك السنة وفي هذا الحدث غير أن ابن الأثير فصل في الحدث وزاد في أحداث السنة فقال في تفاصيل الحدث :
وفيها : مات عبد الله بن طاهر .
وکان إلیه یوم ذلك الحربية (1)، والشرطة، والسواد وخراسان وأعمالها ،وطبرستان والري وما يتصل بها، وكرمان.
فولى الواثق هذه الأعمال كلها ابنه طاهر بن عبد الله بن طاهر (2)
وفي هذه السنة : وجه الواثق بغا الكبير إلى الأعراب الذين أغاروا بنواحي المدينة .
وكان سبب ذلك : أن بني سليم كانت تفسد حول المدينة بالشر، ويأخذون مهما أرادوا من الأسواق بالحجاز بأي سعر أرادوا ، وزاد الأمر بهم إلى أن وقعوا بناس من بني كنانة وباهلة فأصابوا وقتلوا بعضهم في جمادى الآخرة من سنة ثلاثين ومائتين .
فوجه محمد بن صالح عامل المدينة إليهم حماد بن جرير الطبري، وكان مسلحة لأهل المدينة في مائتي فارس، وأضاف إليهم جنداً غيرهم، وتبعهم متطوعة .
فسار إليهم حماد فلقيهم بالرويئة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم السودان المدينة بالناس، وثبت حماد وأصحابه، وقريش، والأنصار، وقاتلوا قتالاً عظيماً .
فقُتل حماد وعامة أصحابه، وعدد صالح من قريش والأنصار وأخذ بنو سليم الكراع والسلاح والثياب، فطمعوا ونهبوا القرى والمناهل ما بين مكة والمدينة، وانقطع الطريق .
فوجه إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى في جمع من الجند، وقدم المدينة في شعبان فلقيهم ببعض مياه الحرّة من وراء السوارقية قريتهم التي يأوون إليها وبها ،حصون فقَتل بُغا يكرون إليها وبها حصون، فقتل بغا منهم نحواً من خمسين رجلاً وأسر مثلهم، وانهزم الباقون.
وأقام بغا بالسوارقية، ودعاهم إلى الأمان على حكم الواثق، فأتوه متفرقين، فجمعهم، وترك من يعرف بالفساد وهم زُهاء ألف رجل وخلّى سبيل الباقين .
وعاد بالأسرى إلى المدينة في ذي القعدة سنة ثلاثين، فحبسهم .
ثم سار إلى مكة، فلما قضى حجه سار إلى ذات عرق بعد انقضاء الموسم، وعرض على بني هلال مثل الذي عرض على بني سليم ،فأقبلوا وأخذ من المفسدين نحواً من ثلاثمائة رجل،
وأطلق الباقين ورجع إلى المدينة فحبسهم.
وفيها: مات عبد الله بن طاهر ...
ولما ولي عبد الله خراسان استناب بنيسابور محمد بن حميد الطاهري، فبنى داراً، وخرج بحائطها في الطريق .
فلما قدمها عبد الله جمع الناس، فسألهم عن سيرة محمد، فسكتوا.
فقال بعض الحاضرين سكوتهم يدل على سوء سيرته .
فعزله عنهم وأمرهم بهدم ما بنى في الطريق وكان يقول : ينبغي أن يبذل العلم لأهله وغير أهله، فإن العلم أمنع لنفسه من أن يصير إلى غير أهله .
وكان يقول : سِمَن الكيس، ونُبل الذكر، لا يجتمعان أبداً . وكان له جلساء منهم الفضل بن محمد بن منصور فاستحضرهم يوماً فحضروا، وتأخر الفضل
ثم ،حضر، فقال له : أبطأت عني .
فقال : كان عندي أصحاب حوائج، وأردت دخول الحمام.
فأمره عبد الله بدخول حمّامه وأحضر عبد الله الرقاع التي في حقه، فوقع فيها كلها بالإجابة وأعادها، ولم يُعلم الفضل .
وخرج من الحمام وبكر أصحاب الرقاع إليه فاعتذر إليهم .
فقال بعضهم : أريد رقعتي فأخرجها ونظر فيها، فرأى خط عبد الله فيها، فنظر في الجميع،
فرأى خطه فيها .
فقال لأصحابه : خذوا رقاعكم فقد قضيت حاجاتكم واشكروا الأمير دوني، فما كان لي فيها سبب . وكان عبد الله أديباً شاعراً فمن شعره :
اسم من أهواه اسم حسن*** فإذا صحفته فهو حسن فإذا أسقطت منه فاءه كان نعتاً لهواه المختزن فإذا أسقطت منه ياءه صار فيه بعض أسباب الفتن*** فإذا أسقطت منه راءه*** صار شيئاً يعتري عند الوسن*** فإذا أسقطت منه ظاءه صار منه عيش سكان المدن فسروا هذا فلن يعرفه*** غير من يسبح في بحر الفتن
وهذا الاسم هو اسم ظريف غلامه .
وكان من أكثر الناس بذلاً للمال مع علم ومعرفة وتجربة .
وأكثر الشعراء في مراثيه، فمن أحسن ما قيل فيه، وفي ولاية ابنه طاهر قولي أبي الغمر الطبري :
فأيامك الأعياد صارت مأتماً*** وساعاتك الغضبات صارت خواشعا*** على أننا لم نفتقدك بطاهر*** وإن كان خطباً يقلق القلب رائعا*** وما كنت إلا الشمس غابت وأطلعت*** على إثرها بدراً على الناس طالعا*** وما كنت إلا الطود زال مكانه*** وأثبت في مثواه ركناً مدافعا*** فلولا التقى قلنا: تناسختما معاً*** وبديعي معان يفضلان البدائعا
وهي طويلة .
وفي هذه السنة خرج المجوس من أقاصي بلاد الأندلس في البحر إلى بلاد المسلمين وكان ظهورهم في ذي الحجة سنة تسع وعشرين عند أشبونة، فأقاموا ثلاثة عشر يوماً بينهم وبين المسلمين بها وقائع ثم ساروا إلى قادس ثم إلى شدونة فكان بينهم وبين المسلمين بها وقائع . ثم ساروا إلى إشبيلية ثامن المحرم ، فنزلوا على اثني عشر فرسخاً منها .
فخرج إليهم كثير من المسلمين، فالتقوا فانهزم المسلمون ثاني عشر المحرم ، وقتل كثير منهم .
ثم نزلوا على ميلين من إشبيلية، فخرج أهلها إليهم، وقاتلوهم، فانهزم المسلمون رابع عشر محرم وكثر القتل والأثر فيهم، فلم ترفع المجوس السيف عن أحد، ولا عن دابة، ودخلوا حاجر إشبيلية، وأقاموا به يوماً وليلة وعادوا إلى مراكبهم، وأقاموا عسكر عبد الرحمن صاحب البلاد مع عدة من القواد فتبادر إليهم المجوس، فثبت المسلمون وقاتلوهم فقتل من المشركين سبعين رجلاً، وانهزموا حتى دخلوا مراكبهم .
وأحجم المسلمون عنهم، فسمع عبد الرحمن، فسَيَّر جيشاً آخر غيرهم، فقاتلوا المجوس قتالاً شديداً، فرجع المجوس عنهم، فتبعهم العسكر ثاني ربيع الأول، وقاتلوهم.
وأتاهم المدد من كل ناحية ونهضوا لقتال المجوس من كل جانب . فخرج إليهم المجوس، فقاتلوهم، فكاد المسلمون ينهزمون، ثم ثبتوا فترجل كثير منهم،
فانهزم المجوس وقتل نحو خمسمائة رجل .
وأخذوا منهم في مراكبهم أربعة مراكب فأخذوا ما فيها وأحرقوها وبقوا أياماً لا يصلون إلى المجوس لأنهم في مراکبهم.
ثم خرج المجوس إلى لَبِلَه وأصابوا سبياً .
ثم نزل المجوس إلى جزيرة قريب ،فوريس فنزلوها وقسموا ما كان معهم من الغنيمة. فحمي المسلمون ودخلوا إليهم في النهر ، فقتلوا من المجوس رجلين .
ثم رحل المجوس فتركوا ،شدونة فغنموا طعمة وسبياً، وأقاموا يومين. ثم وصلت مراكب لعبد الرحمن صاحب الأندلس إلى أشبيلية .
فلما أحس بها المجوس لحقوا بالبلة فأغاروا وسبوا ، ثم لحقوا بأكشوانية، ثم مضوا إلى باجة ثم انتقلوا إلى مدينة أشبونة .
ثم ساروا فانقطع خبرهم عن البلاد فسكن الناس .
وقد ذكر بعض مؤرخي العرب سنة ست وأربعين خروج المجوس إلى أشبيلية أيضاً.
وهي شبيهة بهذه ثم فلا أعلم فلا أعلم أهي هذه - فقد اختلفوا في وقتها - أم هي غيرها؟ وما أقرب أن - تكون هي هي، فقد ذكرتها هناك لأن في كل واحدة منهما شيئاً ليس في الأخرى .
وفي هذه السنة :
مات محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله كاتب الواقدي صاحب الطبقات .
ومحمد بن يزداد بن سويد المروزي كاتب المأمون .
وعلي بن الجعد أبو الحسن الجوهري، وكان عمره ستاً وتسعين سنة، وهو من مشايخ البخاري. وكان يتشيّع .
وفيها مات أشناس التركي بعد موت عبد الله بن طاهر بتسعة أيام.
وحج هذه السنة : إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وإليه أحداث الموسم .
وحج بالناس هذه السنة : محمد بن داود.
.وفيها : تحرّك قوم في ربض عمرو بن عطاء (1)، وأخذوا البيعة على أحمد بن نصر الخزاعي.
ذكر السبب في ذلك
[وهو ] (2)أن أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي، ومالك بن الهيثم - أحد نقباء بني العباس، وقد تقدم ذكره فيما مضى - [كان](3)يغشاه أصحاب الحديث، وكان أحمد بن نصر هذا يباين من قال بخلق القرآن، ويأتيه مثل يحيى بن معين وابن (4)الدورقي، وأبو خيثمة، وكانت ] (5)له مرتبة كبيرة في أصحاب الحديث.
وبسط لسانه فيمن يقول بخلق القرآن مع غلظة بالواثق كانت على كل من يقول ذلك، وامتحانه إياهم فيه وغلبه ابن أبي داود عليه .
فجعل أحمد بن نصر لا يذكر الواثق إلا بالخنزير، وفشا ذلك حتى خوف وقيل له قد اتصل أمرك به ممن ينكر القول بخلق القرآن من أصحاب السلطان ومن عامة بغداد، وحركوه لإنكار القول بخلق القرآن وقصده الناس لرتبته في أصحاب الحديث، ولما كان لأبيه وجده في دولة بني العباس من الأثر .
وكانت له أيضاً رياضة بغداد في سنة إحدى ومائتين .
وبويع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما كثر الدعار وظهر الفساد. والمأمون بخراسان لم يزل على ذلك ثابتاً إلى أن قدم (1)المأمون بغداد في سنة أربع فرجوا إذا تحرك استجابت الناس له للأسباب التي ذكرت .
وكان فيمن بايعه قوم من أصحاب إبراهيم بن مصعب صاحب الشرطة يزون رأيه، ففرقوا في يوم مالاً وأعطوا كل رجل ديناراً .
وواعدهم أحمد بن نصر ليلة يضربون فيها بالطبل بالاجتماع والوثوب بالسلطان ،وكان قوم منهم بالجانب الشرقي وقوم بالجانب الغربي.
فانتدب بعض من أخذ الدينار واجتمع عنده منهم على شربه فلما ثملوا ضربوا بالطبل ليلة الأربعاء قبل [الموعد ] (2)بليلة، وكان الموعد ليلة الخميس، وهم يحسبونها ليلة الخميس التي اتعدوا لها، فأكثروا ضرب الطبل، فلم يجبهم أحد .
وكان إسحاق بن إبراهيم بن مصعب غائباً عن بغداد وخليفته بها أخوه محمد بن إبراهيم .
فوجّه إليهم محمد بن إبراهيم صاحبه، فأتاهم فسألهم عن قصتهم، فلم يظهر له أحد .
فدلّه الجيران على رجل حَمَّامي (3)، فأخذه وتهدّده بالضرب، فأقرّ على أحمد بن نصر، وجماعة سماهم .
فتتبع القوم من ليلتهم فأخذ بعضهم من الجانب الشرقي، وبعضهم من الجانب الغربي، وقيد وجوههم (4).
وأصيب في منزل أحدهم علمان أخضران فيهما حمرة .
ثم أخذ خُصي لأحمد بن نصر، فتهدده، فأقرّ بما أقرّ به عيسى الحمامي .
فأخذ أحمد بن نصر، وحمل إلى أحمد بن إبراهيم بن مصعب مع أولاده، وجماعة من يغشاه، فحملهم إلى الواثق .
[ فلما علم الواثق بوصولهم جلس لهم ] (1) مجلساً عاماً وأحضر أحمد بن أبي داود ليمتحنوا مكتوفاً، فأحضر القوم، وحضر معهم بن نصر، فلم يناظره الواثق في الشغب، ولا فيما روى عليه من إرادته الخروج عليه، ولكنه قال : يا أحمد، ما تقول في القرآن؟
قال : كلام [ الله ] (1).
قال : فمخلوق هو ؟
قال: كلام الله.
قال : فما تقول في ربك؟ أتراه يوم القيامة؟
قال : يا أمير المؤمنين جاءت الآثار عن رسول الله لا أنه قال: «ترون ربكم يوم القيامة لا تضامون [104 / ب] في رؤيته ».
وحدثني سفيان بن عيينة [ بحديث] (2)يرفعه «أن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الله».
فقال له إسحاق بن إبراهيم : ويلك انظر ما تقول .
قال : [أنت] (3)أمرتني بذلك .
فأشفق (4)إسحاق من كلمته [ و ](5)قال : أنا أمرتك بذلك؟!
قال : نعم أمرتني أن أنصح لك ولأمير المؤمنين ومن نصيحتي أن لا تخالف رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم.
فقال الواثق لمن حوله ما تقولون فيه ؟
فقال عبد الله بن إسحاق - وكان قاضياً على الجانب الغربي وهو صديق لأحمد بن نصر بن نصر : هو حلال الدم.
وقال آخر : اسقني دمه يا أمير المؤمنين .
فقال له الواثق : القتل يأتي على ما تريدون.
وقال أحمد بن أبي داود كافر يستتاب لعل به عاهة أو تغير (1)عقل . كأنه كره أن یقتل بسبیه.
فقال : إذا رأيتموني قد قمت إليه، فلا يقومن معي أحد، فإني أحتسبه خطابي إلیه(2).
ودعا بالصمصامة - سيف عمرو بن معد يكرب - وكان في الخزانة، فأُتي به.
فمشى إليه في وسط الدار (3)، ودعا بنطع، فصيَّر في وسطه (4)وحبل (5)فشد به رأسه ومَدَّ الحبل، فضرب به فمشى فوقعت الضربة على حبل عاتقه، ثم ضربه أخرى على رأسه .
ثم انتضى سيما الدمشقي سيفه فضربه، فأبان رأسه.
ويقال : إن بغا ضربه وطعنه الواثق بطرف الصمصامة (6)في بطنه .
فحمل معترضاً حتى أُتي به الحيرة التي فيها بابك فصلب فيها، وفي رجليه (7)یقود وحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياماً ثم حمل إلى الغربي، وحظر على الرأس حظيرة، وأقيم عليه الحرس، وكتب في أذنه : هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر قتله الله على يدي عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام الحجة عليه في خلق القرآن ونفى التشبيه، وعرض عليه التوبة، فأبى إلا المعاندة، فعجل الله به إلى ناره وأليم [عقابه](8).
وتتبع من عرف بصحبة أحمد بن نصر ومَن تابعه فوضعوا في الحبوس، ومنعوا من أخذ الصدقة التي يُعطاها أهل السجون ومنعوا من الزوار وثقلوا بالحديد.
وفي هذه السنة تمّ الفداء بين المسلمين وصاحب الروم واجتمع الروم والمسلمون على نهر يقال له اللامس على مسيرة يوم من طرسوس.
وأمر الواثق بامتحان أهل الثغور في القرآن فقالوا جميعاً بخلقه إلا أربعة نفر
فأمر الواثق بضرب أعناقهم.
وأمر لأهل الثغور بجوائز على ما رآه خاقان.
وكان خادم الرشيد بشا بالثغر وكان ورد رسول ملك الروم في طلب المفاداة، وكان جرى بينهم اختلاف في الفداء.
قالوا: لا نأخذ في الفداء عجوزاً، ولا شيخاً ولا صبياً، ثم رضوا عن كل نفس بنفس.
فوجد الواثق في شراء مَن يباع له، ولم تتم العدة.
فأخرج الواثق عجائز من قصره روميات وغيرهن حتى تمت العدة.
وأمر الواثق بامتحان الأساري فمَن قال بخلق القرآن فودي به، ومَن أبى تُرک في أيدي الروم.
وأمر أن يُعطى جميع من فودي وقال بخلق القرآن ديناراً، فبلغ عدة من فودي به
أربعة آلاف وستمائة إنسان فيهم من أهل الذمة نحو أربعمائة.
ولما جمعوا الفداء، وقف المسلمون من جانب النهر الشرقي والروم من الجانب الغربي، وعقد جسر على النهر للمسلمين، وجسراً آخر للروم.
قال: فكنا نرسل الرومي على جسرنا ويرسل الروم المسلم على جسرهم، فيسير هذا إلينا، وذاك إليهم.
وفي هذه السنة: مات أبو عبد الله بن الأعرابي الراوية وهو ابن الثمانين سنة(1)
وفي هذه السنة: قتل أهل المدينة مَن كان في حبس بغا من بني سليم، وبني هلال.
وكان سبب ذلك: أن یُغا لما حبس مَن أخذه من بني سُليم وبني هلال بالمدينة - وهم وثلاثمائة - وكان سار عن المدينة إلى بني مُرَّة ، فنقب الأسرى الحبس ليخرجوا.
فرأت امرأة النقب، فصرخت بأهل المدينة، فجاؤوا، فوجدوهم قد قتلوا المتوكلين وأخذوا سلاحهم.
فاجتمع عليهم أهل المدينة ومنعوهم الخروج، وباتوا حول الدار فقاتلوهم.
فلما كان الغد قتلهم أهل المدينة وقتل سودان المدينة كل من لقوه بها من الأعراب ممن يريد الميرة.
فلما قدم بغا وعلم بقتلهم شق ذلك عليه.
وقيل: إن السجان كان قد ارتشى منهم ليفتح لهم الباب.
فعجلوا قبل ميعاده، وكانوا يرتجزون ويقولون وهم يقاتلون:
الموت خير للفتى من العار *** قد أخذ البواب ألف دينار
وكان سبب غيبة بُغا عنهم: أن فزارة ومرّة تغلبوا على فَدَك، فلما قاربهم أرسل إليهم رجلاً من قواده من بني فزارة يعرض عليهم الإيمان، ويأتيه بأخبارهم.
فلما أتاهم الفزاري حذّرهم سطوته وزيّن لهم الهرب، فهربوا وخلوا فدك، وقصدوا الشام.
وأقام بُغا بحيفا، وهي قرية من حَدٌ عمل الشام مما يلي الحجاز نحواً من أربعين ليلة، ثم رجع إلى المدينة بمن ظفر به من بني مرة وفزارة.
وفيها: سار بُغا من بطون غطفان وفزارة، وأشجع وثعلبة جماعة، وكان أرسل إليهم، فلما أتوه استحلفهم الأيمان المؤكدة أن لا يتخلّفوا عنه متى دعاهم، فحلفوا.
ثم سار إلى ضربة لطلب بني كلاب فأتاه منهم نحواً من ثلاثة آلاف رجل فحبس من أهل الفساد نحواً من ألف رجل، وخلى سائرهم، ثم قدم بهم المدينة في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين ومائتين فحبسهم ثم سار إلى مكة، فحج ثم رجع إلى المدينة.
وفي هذه السنة: أراد الواثق الحج فوجه عمرو بن فرج لإصلاح الطريق، فرجع وأخبرهم بقلة الماء، فداله.
وفيها: ولي جعفر بن دينار اليمن فسار في شعبان وحجّ في طريقه، وكان معه أربعة آلاف فارس وألفا رجل.
وفيها: نقب اللصوص بيت المال الذي في دار العامة، وأخذوا اثنين وأربعين ألف درهم وشيئاً يسيراً من الدنانير، ثم تتبعوا، وأُخذوا بعد ذلك.
وفيها: خرج محمد بن عبد الله الخارجي التغلبي في ثلاثة عشر رجلاً في ديار ربيعة فخرج إليه غانم بن أبي مسلم بن أحمد الطوسي، وكان على حرب الموصل، في مثل عدته، فقتل من الخوارج أربعة وأخذ محمد بن عبد الله أسيراً فبعث به إلى سامرا فحُبس.
وفيها: قدم وصيف التركي من ناحية أصبهان، والجبال، وفارس، وكان قد سار في طلب الأكراد، لأنهم كانوا قد أفسدوا بهذه النواحي، وقدم معه بنحو من خمسمائة نفس فيهم غلمان صغار فحبسوا.
وأجيز وصيف بخمسة وسبعين ألف دينار وقلّد سيفاً وكسي.
وفيها: سار جيش للمسلمين إلى بلاد المشركين، فقصدوا جليقية، وقتلوا وأسروا، وسبوا وغنموا، ووصلوا إلى مدينة ليون ،فحصروها ورموها بالمجانيق، فخاف أهلها، فتركوها بما فيها وخرجوا هاربين فغنم المسلمون منهم ما أرادوا وأخربوا الباقي، ولم يقدروا على هدم سورها، فتركوه ومضوا لأن عرضه سبعة عشر ذراعاً وقد ثلموا فيه ثلماً كثيرة.
وفيها: كان الفداء بين المسلمين والروم....
ولما فرغوا من الفداء غزا أحمد بن سعيد بن مسلم الباهلي شاتياً، فأصاب الناس ثلج ومطر فمات منهم مائتا نفس وأسر نحوهم وغرف بالبَدَندون خلق كثير.
فوجد الواثق على أحمد، وقد كان جاء إلى أحمد بطريق من الروم ينذره فقال وجوه الناس لأحمد: إن عسكراً فيه سبعة آلاف لا تتخوّف عليه، فإن كنت كذلك فواجه القوم، واطرق بلادهم.
ففعل، وغنم نحواً من ألف بقرة وعشرة آلاف شاة، وخرج، فعزله الواثق، واستعمل مكانه نصر بن حمزة الخزاعي في جمادى الأولى.
وفيها: مات الحسن بن الحسين بطبرستان.
وفيها: كان بأفريقية حرب بين أحمد بن الأغلب وأخيه محمد بن الأغلب.
وكان مع أحمد جماعة، فهجموا على محمد في قصره، وأغلق أصحاب محمد بن الأغلب الباب، واقتتلوا، ثم كفُّوا عن القتال، واصطلحوا.
وعظم أمر محمد، ونقل الدواوين إليه ولم يبقَ لمحمد من الإمارة إلا اسمها ومعناها لأحمد أخيه، فبقي كذلك إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فاتفق مع محمد من بني عمه ومواليه جماعة وقاتل أخاه أحمد فظفر به ونفاه إلى الشرق، واستقام أمر محمد بأفريقية، ومات أخوه أحمد بالعراق.
وفيها: مات أبو عبد الله محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي الراوية في شعبان وهو ابن ثمانين سنة.
وفيها: ماتت أم أبيها بنت موسى بن جعفر أخت علي الرضا.
وفيها: مات مخارق المغني، وأبو نصر أحمد بن حاتم راوية الأصمعي.
وعمرو بن أبي عمرو الشيباني.
ومحمد بن سعدان النحوي الضرير، توفي في ذي الحجة.
وفيها: توفي إبراهيم بن غرغرة.
وعاصم بن علي بن عاصم بن صهيب الواسطي.
ومحمد بن سلام بن عبد الله الجمحي البصري وكان عالماً بالأخبار، وأيام الناس. وعاصم بن عمرو بن علي بن مقدم أبو بشر المقدمي.
وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي الفقيه صاحب الشافعي، وكان قد حُبس في محنة الناس بخلق القرآن فلم يجب، وكان من الصالحين.
وهارون بن معروف البغدادي وكان حافظاً للحديث.
.1) هذا ما ذكر ابن مسكويه في أحداث تلك السنة، وزاد ابن الأثير فيها فقال:
وفيها: كان مسير بغا الكبير إلى بني نمير.
ذكر السبب في ذلك
ذلك أن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير الخطفي امتدح الواثق بقصيدة، فدخل
عليه وأنشدها، فأمر [له](1)بثلاثين ألف درهم، ونزل.
فكلّم عمارة الواثق في نمير وأخبره بعبثهم وفسادهم في الأرض وإغارتهم على
اليمامة وما قرب منها.
فكتب الواثق إلى بُغا يأمره بحربهم، وكان بُغا بالمدينة لأن بني سليم كانوا عاثوا بالحجاز وأكثر الغارات والقتل فتوجه صاحب المدينة وجمع لهم الخيل والسودان ومَن استجاب له(2)من قريش والأنصار فواقعتهم بنو سليم فقتلوهم، وقتلوا أمير المدينة، وأكثر من كان خرج معه من قريش والأنصار.
فأخرج الواثق بالله بغا الكبير إلى المدينة، فأوقع ببني سليم، وأسر منهم وقتل،
وكان لذلك مقيماً بعد بالمدينة.
فلما أراد بُغا الشخوص إليهم من المدينة حمل معه دليلاً ومضي نحو اليمامة،
فلقي منهم جماعة بموضع يقال له: الشريف.
فحاربوه، فقتل بُغا منهم نحواً من ستين رجلاً، وأسر نحواً من أربعين، ثم سار وتابع إليهم الرسل، فعرض عليهم الأمان، ودعاهم إلى السمع والطاعة، وهم في ذلك
یمتنعون علیه(1)ويشتمون رُسُله، ويتقلبون إلى حربه فسار بغا حتى ورد بطن نخل ثم دخل نخيلة، فاحتملت بنو ضبّة من بني نمير، فركبت حيالها، فأرسل إليهم فأبوا أن يأتوه، وأرسل إليهم سرية، وأتبعهم بجماعة من معه فحشدوا لحربه، وهم يومئذ نحو ثلاثين ألف رجل، فلقوهم يبطن السر فهزموا مقدمته، وكشفوا ميسرته وقتلوا من أصحابه مائة وثلاثين رجلاً، وعقروا من إبل عسكره سبعمائة دابة، وانتهبوا الأثقال وبعض ما كان مع بغا من الأموال فهجم عليهم وعليه الليل، فجعل بُغا يناشدهم ويدعوهم إلى الرجوع إلى طاعة الواثق فشتموه وتوعدوه.
فلما دنا الصبح أشير [104/ أ] على بُغا أن يوقع قبل أن يضيء الصبح فيروا قلة عدد مَن معه فيحقروهم ويثبوا عليه(2)، فأبى بُغا.
فلما أضاء الصبح ونظروا إلى عدد من معه حملوا عليهم، فهزموهم حتى بلغت
هزيمتهم معسكره(3)، وأيقنوا بالهلاك.
وبلغ بغا أن خيلاً لهم بمكان من بلادهم، فوجه من أصحابه نحواً من مائتي رجل إلیها.
فبينا هو قد أشرف(4)على العطب، وقد انهزم بُغا، إذ خرجت تلك الجماعة منصرفة(5)من ذلك(6)[الوجه ](7)، فأقبلت متفرقة في ظهور بني نمير، فنفخوا في
صفاراتهم، فالتفتوا ورأوا الخيل وراءهم، فولوا منهزمين، وأسلم فرسانهم رجالتهم
وطاروا على ظهور الخيل.
وكان منهم جماعة تشاغلوا بالنهب، فتاب بُغا وأصحابه فكر عليهم، وقتل منهم
منذ زوال الشمس إلى آخر وقت العصر زهاء ألف وخمسمائة رج.
وأقام بغا حتى جُمعت له رؤوس مَن قُتِل، واستراح هو وأصحابه ببطن السر ثلاثة أيام.
1) في المخطوط: إليه. وهو تحريف.
2) العبارة في الكامل على النحو التالي وقد أصابها تحريف وسقط: من معه فيحفرثوا عليه، فضبط على ما أحسبه المراد والله أعلم.
3) في المخطوط: معسكر. والتصويب من الكامل.
4) في المخطوط: فبينا هم فيه من الأشراف، والتصويب من الكامل.
5) في المخطوط: مصرفه. والتصويب من الكامل.
6) في المخطوط: تلك. وهو تحريف.
7) زيادة يتطلبها السياق.
ثم أُرسل إليه مَن هرب من فرسان نمير من الوقعة يطلبون الأمان، فأعطاهم الأمان، فساروا إليه فقيدهم وأشخصهم معه فشغبوا في الطريق، وحاولوا كسر قيودهم والهرب، فأمر بإحضارهم واحد بعد واحد فضربهم ما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة [سوط ](1)فلم ينطق منهم ناطق بتوجع، ولا تأوه.
ثم جمع مع مَن لحق به ممن طلب الأمان وحملهم إلى البصرة(2)
وكانت الوقعة في جمادى الآخرة، ثم قدم واجن الأشروسني على بغا في سبعمائة مقاتل مدداً له.
فسيّره بُغا في آثارهم حتى بلغ تُبالة من أعمال اليمن، ورجع.
وكان بغا قد كتب إلى صالح أمير المدينة ليوافيه ببغداد بمن عنده من فزارة، ومرة، وثعلبة وكلاب، ففعل.
فلقيه ببغداد فسارا جميعاً، وقدم بُغا سامرا بمَن بقي معه منهم سوى من هرب ومات وقتل في الحروب، فكانوا يزيدون على ألفي رجل، ومائتي رجل من نمير وكلاب ومرة، وفزارة وثعلبة وطيء.
.وفيها: مات الواثق(3).
وكان سبب موته: الاستسقاء، فعولج بالإقعاد في تنور مسخّن، فوجد بذلك راحة، فأمر من غد ذلك اليوم بأن يزاد في إسخان ذلك التنور، ففعل، وقعد فيه أكثر من قعوده في اليوم الذي قبله، فحمي عليه، فأخرج فأُخرج منه، وصُير في منه وصير في محفّة، وحضره جماعة من الهاشميين.
ثم حضر محمد بن عبد الملك الزيات، وأحمد بن أبي داود، فلم يعلموا بموته حتى ضرب وبوجهه المحفّة ومات(4)
وقيل إن أحمد بن أبي داود حضره عند موته وغمضه.
وقيل: إنه لما حضرته الوفاة جعل يردد هذين البيتين:
الموت فيه جميع الناس مشترك *** لا سوقة منهم تبقى ولا ملكُ
ما ضرَّ أهل قليل في تفاقرهم *** وليس يغني عن المُلاك ما ملكوا
وأمر بالبُسُط فطويت وألصق خده بالأرض وجعل يقول:
يا مَن لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه.
وقال أحمد بن محمد الواثقي: كنت فيمن يُمَرّض الواثق، فلحقه غشية، وأنا وجماعة من أصحابه قيام، فقلنا لو عرفنا خبره؟ فتقدمت إليه، فلما صرت عند رأسه فتح عينيه فكدت أموت من خوفه. فرجعت إلى خلف وتعلقت قنبعة سيفي في عتبة المجلس، فاندقت وسلمت من جراحه ووقفت في موقفي. ثم إن الواثق مات وسجيناه، وجاء الفرّاشون وأخذوا ما تحته في المجلس ورفعوه لأنه مكتوب عليهم، واشتغلوا بأخذ البيعة.
وجلست على باب المجلس لحفظ الميت، ورددت الباب فسمعت حسّا، ففتحت الباب، وإذا جرذ قد دخل من بستان هناك، فأكل إحدى عيني الواثق.
فقلت: لا إله إلا الله، هذه العين التي فتحها من ساعة فاندق سيفي هيبة لها صارت طعمة لدابة ضعيفة.
وجاؤوا فغسّلوه، فسألني أحمد بن أبي داود عن عينه، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فعجب منها.
ولما مات صلّى عليه أحمد وأنزله في قبره.
وقيل: صلّى عليه أخوه المتوكل، ودُفن بالهاروني بطريق مكة.
وكان مولده بطريق مكة.
وأمه أم ولد اسمها قراطيس.
ولما اشتد مرضه أحضر المنجمين منهم الحسن بن سهل فنظروا في مولده فقدروا له أن يعيش خمسين سنة مستأنفة من ذلك اليوم، فلم يعش بعد قولهم إلا عشرة أيام، ومات.
.وكان أبيض مشرباً بحمرة جميلاً ،ربعة حسن الجسم، قائم العين اليسرى، فيها
بكتة بيضاء.
وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر.
وفرّق في أهل الحرمين أموالاً لا تحصى، حتى أنه لم يوجد في أيامه بالحرمين سائل.
ولما توفي الواثق كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع فيبكين عليه، ويندبنه، ففعلوا ذلك بينهم مناوبة حزناً عليه لما كان يكثر من الإحسان إليهم. وأطلق في خلافته أعشار سفن البحر، وكان مالاً عظيماً.
قال الحسين بن الضحاك: شهدت الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام أول مجلس جلسه، فغنته جارية إبراهيم بن المهدي:
ما دَرَى الحاملون يوم استقلوا *** نعشه للسواء أم للبقاء
فليقل فيك باكياتك ما شئن *** صباحاً وعند كل مساء
فبكى وبكينا معه حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كُنا فيه.
قال: ثم تغنّى بعضهم فقال:
وَدْع هريرة إن الركب مرتحلُ *** وهل تطيق وداعاً أيها الرجلُ
فزاد الواثق بكاء وقال: ما سمعت كاليوم تعزية بأب، وتغني نفس.
ثم تفرّق أهل المجلس.
قال: وقال أحمد بن عبد الوهاب في الواثق:
أبت دار الأحبة أن تُبينا *** أجدك ما رأيت بها مُعينا
تقطع حسرة من حب ليلى *** نفوس ما أثين ولا جُزينا
فصنعت فيه صوتاً علم جارية صالح بن عبد الوهاب، فغنّاه زرزر الكبير للواثق فسأله: لمَن هذا؟ فقال: العلم.
فأحضر صالحاً، وطلب منه شراءها، فأهداها له، فعوّضه خمسة آلاف دينار.
فمطله بها ابن الزيات، فأعادت الصوت.
فقال الواثق: بارك الله عليك وعلى مَن رباكِ.
فقالت: وما ينفع من رباني؟ أمرت له بشيء، فلم يصل إليه.
فكتب إلى ابن الزيات يأمره بإيصال المال إليه، وأضعفه له بدفع إليه عشرة آلاف دينار.
وترك صالح عمل السلطان، واتجر في المال.
وقال أبو عثمان النحوي المازني: استحضرني الواثق من البصرة، فلما حضرت عنده قال: مَن خلفت بالبصرة؟
قلت: أختاً لي صغيرة.
قال: فما قالت المسكينة؟ قلت: ما قالت ابنة الأعشى:
تقول ابنتي حين جَدّ الرحي- *** -لْ أراني سواء ومن قد يُتم
أبانا فلا رمت من عندنا *** فأنا بخير إذا لم تَرُم
تُرانا إذا أضمرتك البلادُ *** ونجفي وتقطع منا الرحِم
قال: فما رددت عليها؟
قلت: ما قال جرير لابنته:
ثقي بالله ليس له شريكُ *** ومن عند الخليفة بالنجاح
فضحك وأمر له بجائزة سنية.
.وفي هذه السنة: بويع الجعفر المتوكل بالخلافة، وهو جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب.
لما توفي الواثق حضر الدار أحمد بن أبي داود وإيتاخ، ووصيف محمد بن عبد الملك، وأحمد بن خالد الوزير.
فعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق، فأحضروه وهو غلام أمرد قصير، فألبسوه
دراعة سوداء وقلنسوة رفعاً فيه فإذا هو قصير.
فقال لهم وصيف أما تتقون الله تولون مثل هذا الخلافة، وهو لا تجوز معه الصلاة.
فتناظروا فيمن يولونها.
وبركاته
فذكر أحمد بن أبي داود جعفراً أخا الواثق فأحضروه وألبسه الطويلة وعمّمه،
وقبل بين عينيه وقال: السلام [عليك](1)يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبرکاته.
ثم غُسل الواثق وصُلّي عليه، ودُفن ولقيه أحمد بن أبي داود المتوكل على الله.
وأمر محمد بن عبد الملك بالكتابة به إلى الناس(2)
وأراد ابن الزيات أن يلقبه المنتصر.
فقال أحمد بن أبي داود: قد رأيت لقباً أرجو أن يكون موافقاً، وهو: المتوكل على الله.
فأمر بإمضائه، فكتب به إلى الآفاق.
وقيل: بل رأى المتوكل في منامه قبل أن يستخلف كأن سُكّراً أُنزل عليه من السماء مكتوب عليه المتوكل على الله.
فقصّها على أصحابه.
فقالوا : هي والله الخلافة.
فبلغ ذلك الواثق، فحبسه، وضيق عليه.
، فوقع بهذا:بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
أمر أبقاك الله أمير المؤمنين أعزه الله أن يكون الرسم الذي يجري به ذكره على
أعواد منبره.
وكتب إلى قضاته وكتابه وعماله، وأصحاب دواوينه(1)، وسائر من تجري المكاتبة
بينه وبينه:
من عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين قرّ [مكا(2)]نك في
العمل بذلك، وإعلامي وصول كتابي إليك موفق إن شاء الله.
وأمر للأتراك برزق أربعة [أشهر](3).
وأمر بأن يوضع العطاء للجند ثمانية أشهر.
وأُخذت البيعة عليهم.
وبویع له، وله ست وعشرون سنة(4)
وحج بالناس: محمد بن داود.
وفي هذه السنة: أصاب الحجاج في العود عطش عظيم، فبلغت الشربة عدة دنانير، ومات منهم خلق كثير.
وفيها: غدر موسى بالأندلس، وخالف على عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس بعد أن كان قد وافقه وأطاعه.
وسيّر إليه عبد الرحمن جيشاً مع ابنه محمد.
وفيها: كان بالأندلس مجاعة شديدة وقحط عظيم، وكان ابتداؤه سنة اثنين وثلاثين، فهلك فيه خلق كثير من الآدميين والدواب ويبست الأشجار ، ولم يزرع الناس شيئاً، فخرج الناس هذه السنة يستسقون فسقوا وزرعوا وزال عن الناس القحط.
وفيها: ولي إبراهيم بن محمد بن مصعب بلاد فارس.
وفيها: غرق كثير من الموصل، وهلك فيه خلق.
قيل: كانوا نحو مائة ألف إنسان.
وكان سبب ذلك: أن المطر جاء بها عظيماً لم يُسمع بمثله بحيث إن بعض أهلها جعل سطلاً عمقه ذراع في سعة ذراع، فامتلأت ثلاث دفعات في نحو ساعة، وزادت دجلة زيادة عظيمة، فركب الماء الربض الأسفل وشاطىء نهر سوق الأربعاء.
فدخل كثيراً من الأسواق.
فقيل: إن أمير الموصل، وهو غانم بن حميد الطوسي كفّن ثلاثين ألفاً، وبقي تحت الهدم خلق كثير لم يحملوا سوى من حمله الماء.
وفيها: أمر الواثق بترك أعشار سفن البحر.
وفيها: توفي الحكم بن موسى، ومحمد بن عامر القرشي مصنف الصوائف وغيرها.
ويحيى بن يحيى الغساني الدمشقي.
وقيل: سنة ثلاثة وثلاثين.
وقيل غير ذلك.
وأبو الحسن علي بن المغيرة الأثرم النحوي اللغوي أخذ العلم عن أبي عبيد
وفيها: توفي عمرو الناقد.
.وفيها غضب المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات وحبسه(1).
أن الواثق لما استوزر محمد بن عبد الملك فوّض إليه الأمور.
وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر لبعض الأمور، فوکل به عمر بن فرج
الرخجي، ومحمد بن العلاء، وكانا يحفظانه، ويكاتبانه بأخباره.
فسار جعفر إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلم أخاه الواثق ليرضى عنه.
فلما دخل عليه مكث واقفاً بين يديه لا يكلمه، ثم أشار إليه أن يقعد، فلما فرغ
من نظره في الكتب التفت إليه كالمتهدد له، فقال له: ما جاء بك؟
قال: جئت لتسأل أمير المؤمنين ليرضى عني.
فقال لمَن حوله: انظروا إلى هذا يغضب أخاه ويسألني أن أسترضيه له، اذهب
فإنك إذا صلحت رضي عنك.
فقام جعفر كئيباً لما لقيه به من قبح اللقاء والتقصير به.
فخرج من عنده(2)وأتى عمر بن فرج يسأله أن يختم له صلة لبعض أرزاقه، فلقيه
عمر بن فرج بالتجهُّم، وأخذ الصلة ورمى بها.
فسار جعفر حين خرج من عند عمر إلى أحمد بن أبي داود واستقبله وقبّله، وقال
له: ما جاء بك جعلني الله فداك؟
قال: جئت لتسترضي أمير المؤمنين.
قال: أفعل ونعمة عين.
فكلّم أحمد بن أبي داود الواثق بالله فيه، فوعده ولم يرضَ عنه.
فأعاد أحمد الكلام بعد ذلك وسأله بحق المعتصم [104/ب] إلا رضي عنه، فرضي عنه من ساعته، وكساه.
واعتقد جعفر لأحمد بن أبي داود بذلك فأحظاه عنده لما ملك.
وأن محمد بن عبد الملك حين خرج جعفر من عنده كتب إلى الواثق يذكر أن جعفر
أتاه في زي المخنثين(1)، له شعر بقفاه(2)[يسألني أن أسأل أمير المؤمنين الرضى عنه](3).
فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره، ومُرْ مَن يجز شعر قفاه ويضرب به وجهه، واصرفه إلى منزله.
فحكي عن المتوكل أنه قال: لما أتاني رسوله(4)، لبست سواداً جديداً، وأتيته
رجاء أن يكون قد أتاه الرضا، فلما حصلت بين يديه قال: يا غلام ادع لي حجاماً.
فدعا به.
فقال: خذ من شعره، فا[ضرب به و ](5)وجهه.
فأخذه على السواد الجديد.
فأخذ شعره وضرب به وجهه.
فقال المتوكل: ما دخلني من الجزع على شيء مثل ما دخلني حيث أخذ شعري
على السواد الجديد، وقد جئته طامعاً(6)في الرضى عني، فأخذ شعري عليه.
فلما بويع أمهل وهو يفكر في مكروه يناله به.
ثم أمر إيتاخ أن يأخذه، ويعذبه.
فبعث إليه إيتاخ [فركب يظن أن الخليفة يستدعيه، فلما حاذى منزل إيتاخ](7)قيل
له: اعدل إلى هاهنا فعدل وأوجس في نفسه خيفة.
فلما جاء إلى الموضع الذي كان ينزل فيه إيتاخ عدل به عنه فأيقن بالشر، ثم أدخل حجرة وأخذ سيفه ودراعته وقلنسوته، فدفع إلى غلمانه، وقيل لهم:
انصرفوا وهم لا يشكون أنه مقيم عند إيتاخ يشرب.
ووجه المتوكل إلى أصحابه ودوره فقبض عليهم وأخرج جميع ما كان في منزله من متاع وجوار، وغلمان، ودواب، فصار ذلك كله إلى الهاروني.
وأمر أبا الوزير بقبض ضياعه وضياع أهل بيته حيث كانت.
فأما ما كان بِسُرَّ مَنْ رَأَى فحمل إلى خزائنه، فاستبرأ للخليفة جميعه .
وقيل لمحمد بن عبد الملك وكل ببيع متاعك . وأتوه بمن وكله بالبيع عليه.
ثم قید، وامتنع من الطعام فلا يذوق شيئاً، وكان شديد الجزع في حبسه كثير البكاء قليل الكلام كثير التفكر .
فمكث أياماً ،سُوهِرَ، ومُنع من النوم ، و[كان](1)ينخس بمسلة [لئلا ينام](2)ثم ترك يوماً وليلة فنام وانتبه واشترى فاكهة، وتيناً، وعنباً، وأتي به وأكل.
ثم أُعيد إلى المساهرة، وكان محمد قاسي القلب يزعم أن الرحمة جور في الطبيعة .
وقد كان اتخذ تنوراً من خشب فيه مسامير حديد يعذب فيه مَن يطالبه، وكان هو أول (3)مَن عمل ذلك، وعذب (4)فيه ابن أسباط المصري حتى استخرج منه جميع ما كان عنده، ثم ابتلي به فعُذِّب فيه حتى مات(5)
واختلف في سبب موته فقيل كما ذكرناه .
وقيل: بل ضرب فمات وهو يُضرب.
وقيل : مات بغير ضرب، وهو أصح.
فلما مات حضره ابناه ،سلیمان وعبيد الله ، وكانا ،محبوسين، وطرح على الباب في قميصه الذي
حبس فيه .
فقالا : الحمد لله الذي أراح من هذا الفاسق .
وغسلاه على الباب ودفناه .
فقيل : إن الكلاب نبشته وأكلت لحمه .
قال : وسمع قبل موته يقول لنفسه : يا محمد لم تقنعك النعمة والدواب، والدور النظيفة، والكسوة، وأنت في عافية حتى طلبت الوزارة ذُق ما عملت بنفسك، ثم سكت عن ذلك .
وكان لا يزيد على التشهد، وذكر الله عزّ وجل .
وكان ابن الزيات صديقاً لإبراهيم الصولي، فلما ولي الوزارة صادره بألف ألف وخمسمائة ألف درهم فقال الصولي :
وكنت أخي بأرخى الزمانِ*** فلما نبا صِرتَ حرباً عَوَاناوكنتُ أدم إليك الزمان فأصبحتُ منكَ أذُمَّ الزَّمَانا*** وكنت أعُدك للنائباتِ فها أنا أطلب منك الأمانا
وقال أيضاً : أصبحت من رأى أبي جعفر*** في هيئة تُنْذِرُ بالصَّيْلَمِ من غير ما ذَنبِ ولكنّها عداوة الزنديق للمسلم
وفي هذه السنة : حُبس عمر بن الفرج الرخجي [ وفي الخبر هنا زيادة عما سبق ذكره].
وكان سبب حبسه أن المتوكل أتاه لما كان أخوه الواثق ساخطاً عليه، ومعه صك ليختمه عمر له ليقيض أرزاقه من بيت المال فلقيه عمر بالخيبة وأخذ صكه فرمى به إلى صحن المسجد. وكان حبسه في شهر رمضان وأخذ ماله وأثاث بيته وأصحابه .
ثم صولح على أحد عشر ألف ألف على أن يرد عليه ما حيز من ضياع الأهواز حَسْب.
فكان قد ألبس في حبسه جبة ،صوف وقال علي بن الجهم يهجوه :
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما*** تيه الملوك وأفعال الصعاليك*** أردت شكراً بلا بِرٌ ومَرْزَقَةٍ*** لقد سلكت سبيلاً غير مسلوك
وفيها غضب المتوكل على سليمان بن إبراهيم بن الجنيد النصراني كاتب سمانة وضربه، وأخذ ماله وغضب أيضاً على أبي الوزير وأخذ ماله ومال أخيه وكاتبه .
وفيها أيضاً: عزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج وولاه يحيى بن خاقان الخراساني مولى الأزد، وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ديوان زمام النفقات .
وفيها : ولى المتوكل ابنه المنتصر الحرمين واليمن، والطائف في رمضان
وفيها : فلج أحمد بن أبي داود في جمادى الآخرة.
وفيها : وثب ميخائيل بن توفيل بأمه تدوره فألزمها الدير، وقتل اللقط (اللغثيط) لأنه كان اتهمها ،به فكان ملكها ست سنين .
وحجّ بالناس في هذه السنة : محمد بن داود.
وفيها عزل محمد بن الأغلب أمير إفريقية عامله على الزاب واسمه سالم بن غلبون فأقبل يريد القيروان، فلما صار بقلعة يَلْبَسِير، أضمر الخلاف .
وسار إلى الأندلس، فمنعه أهلها من الدخول إليها، فسار إلى باجة فدخلها واحتمى بها .
فسَيّر إليه ابن الأغلب جيشاً عليهم خفاجة بن سفيان فنزل عليه وقاتله، فهرب سالم ليلاً، فاتبعه خفاجة فلحقه وقتله وحمل رأسه إلى ابن الأغلب.
وكان أزهر بن سالم عند ابن الأغلب محبوساً فقتله .
وفيها توفي يحيى بن معين البغدادي بالمدينة وكان مولده سنة ثمان وخمسين ومائة وهو صاحب الجرح والتعديل .
ومحمد بن سماعة القاضي صاحب محمد بن الحسن وقد بلغ مائة سنة وهو صحيح الحواس.
.1) زيادة من الكامل.
2) زيادة من الكامل.
3) في المخطوط الأول. وهو تحريف.
4) في المخطوط : عدن وهو تحريف، وفي الكامل تعريف بهذا التنور أو بالمعنى الأدق الصندوق فقال : فكان من خشب فيه مسامير من حديد أطرافها إلى الداخل تمنع من يكون فيه من الحركة، وكان ضيقاً بحيث إن الإنسان كان يمد يديه إلى فوق رأسه ليقدر على دخوله لضيقه، ولا يقدر من يكون فيه [أن] يجلس .
5) زاد ابن الأثير في الكامل في الخبر فقال : وكان حبسه لسبع خلون من صفر، وموته لإحدى عشرة بقیب من ربیع الأول.
1) الآية من وضع المحقق سيد كسروي، حيث قام بتحقيق هذا الجزء من الكتاب من أول هذا الموضع إلى آخر سنة (294) فاللهم أعنه على إتمام ذلك واغفر له آمين .
2) تبدأ هذه السنة بالنسبة للمخطوط الذي اعتمدت عليه وهو مخطوط مكتبة جامعة بغداد من نصف صفحة [104/ (ب] مع ملاحظة أن المخطوط غير مرقم في ملاحظة أن المخطوط غير مرقم في الأصل وإنما الترقيم من صنعي فربما زاد أو نقص صفحة حسب عدد بعض من اعتد بورقة الغلاف أو تركها فيلاحظ .
وفيها: هرب محمد بن البعيث بن الجليس (1)
(2) جيء به أسيراً (3)من أذربيجان (4)، وحبسوه، وكانت له قلعتان تدعى إحديهما : شاها والأخرى يكدر .
فأما شاها: فهي وسط البحيرة.
وأما يكدر : فهي خارج البحيرة .
وهذه البحيرة قدر عشرين فرسخاً من أحد أرمية إلى بلاد محمد بن الرواد .
وشاها قلعة حصينة تحيط بها ،البحيرة ويركب منها الناس من أطراف المراغة إلى أرمية وغيرها .
وكانت مدينة محمد بن البعيث ،مرند فهرب إلى مدينة فجمع بها الطعام.
وفيها عيون ماء قوم ماكان وهي من سورها .
وأتاه من أراد الفتنة من كل ناحية من ربيعة وغيرها.
فسار في نحو ألفي رجل، وكان الوالي بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة فقصر في طلبه.
فولى المتوكل حمدويه بن علي أذربيجان، ووجهه من سُرَّ مَنْ رأى، فلما سار الیها جمع الجند والشاكرية ومن استجاب له فصار في عشرة آلاف فزحف إلى ابن
1) في المخطوط : ابن جلس. والتصويب من الكامل.
2) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل، وذلك أن من عادة المؤلف قبل ذلك ذكر مثل هذه العبارة، فربما سقطت من الناسخ هنا، والله أعلم - وأثبتها .
3) جاءت العبارة في المخطوط، محرفة على النحو التالي: حزبه أميراً. والتصويب من الكامل.
4) قال ياقوت الحموي في معجم البلدان بعد أن تكلم عن الاختلاف في نطقها وسبب تسميتها والذي رجح فيه أنه بمعنى بيت النار أو خازن بيت النار لكثرة بيوت النار في هذا الموضع: حد أذربيجان من برذعة مشرقاً إلى أرزنجان ،مغرباً، ويتصل حدها من جهة الشمال ببلاد الديلم، والجبل والطرم، وهو إقليم واسع ومن مشهور مدائنها تبريز وهي اليوم قصبتها وأكبر مدنها . وكانت قصبتها قديماً المراغة. ومن مدنها حُوَيّ، وسَلْمَاس وأرمية، وأردبيل، ومرند. وغير ذلك. وهو صقع جليل ومملكة عظيمة الغالب عليها الجبال وفيه قلاع كثيرة وخيرات واسعة، وفواكه جَمَّة. ما رأيت ناحية أكثر بساتين منها ولا أغزر مياهاً وعيوناً لا يحتاج السائر بنواحيها إلى حمل إناء للماء، لأن المياه جارية تحت قدميه أين ،توجه وهو ماء بارد عذب صحيح. وأهلها صباح الوجوه حُمْرها رقاق البشرة ولهم لغة يقال لها الأذرية لا يفهمها غيرهم، وفي أهلها لين وحسن معاملة إلا أن البخل يغلب على طبعهم .
البعيث، فألجأه إلى مدينة مرند (1)
من مشاهير مدن أذربيجان بينها وبين تبریز ،يومان قد تَشَعَشَت الآن وبدأ فيها الخراب منذ نهبها الكرج وأخذوا جميع أهلها .
قال البلاذري : كانت مرتد قرية صغيرة فنزلها جليس أبو البعيث ثم حصنها البعيث، ثم ابنه محمد بن ،البعيث وبنى بها محمد قصراً.
وكان قد خالف في خلافة المتوكل فحاربة بُغَا الصغير حتى ظفر به وحمله إلى سُرَّ من رأى وهدم حائط مرن وذلك القصر .
، وهي مدينة استدارتها فرسخان، في داخلها بساتين كثيرة، ومن خارجها كما تدور شجر إلا في مواضع أبوابها .وقد جمع فيها محمد بن البعيث آلات الحصار وفيها عيون ماء.
فلما طالت مدته وجه إليه المتوكل زَيْرَك التركي في مائتي فارس من الأتراك، فلم يصنع شيئاً. فوجه المتوكل عمر بن سليل (2)في جماعة من الشاكرية، فلم يغن شيئاً. فوجه إليه بغا الشرابي في أربعة آلاف ومائتين تركي وشاكري و مغربي. وقد كان الجند زحفوا إلى مدينة مرند(3)وقطعوا ما حولها من الشجر ، فقطعوا نحو من مائة ألف شجرة [من ](4)الفياض وغيرها، ونصبوا عليها عشرين منجنيقاً، وبنوا بحذاء المدينة ما يستكنون فيه .
ونصب عليهم محمد بن البعيث من المجانيق مثل ذلك.
وكان من معه من علوج رساتيقه يرمون بالمقاليع وكان الرجل لا يقدر على الدنو من السور فكانوا يغادونه القتال ويراوحونه. وكانت الجماعة من أصحاب ابن البعيث يتدلون بالحبال معهم الرماح فيقاتلون، فإذا حمل عليهم أصحاب السلطان لجأوا إلى الحائط بالمقاليع وكانوا ربما فتحوا باباً يقال له : باب الماء، فيخرج منه عدة يقاتلون، ثم يرجعون .
فلما قرب بغا الشرابي بعث عيسى ابن الشيخ ابن السليل الشيباني، ومعه أمانات لوجوه أصحاب ابن البعيث على أن ينزلوا على المتوكل، وإلّا قاتلهم فإن ظفر بهم لم أحداً، ومن نزل فله الأمان .
يستبق منهم وكان عامة من مع ابن البعيث من ربيعة من قوم عيسى ابن الشيخ فنزل منهم قوم كثير[ 105/ أ] بالجبال ونزل ختن (5)
قال الأصمعي : قال ابن الأعرابي : الخَتَنُ أبو امرأة الرجل، وأخو امرأته، وكل من كان من قبل امرأته، والجمع أختان والأنثى خَتَنَةٌ .
ابن البعيث . [105/أ]ثم فتحوا باب المدينة، فدخل أصحاب حمدويه وزيرك، وخرج ابن البعيث من منزله هارباً يريد أن يخرج من وجه آخر فلحقه قوم من الجند فأخذوه أسيراً، وانتهبوا منزله ومنازل أصحابه، وأخذ له أختان وثلاث بنات وخالته والبواقي سوارى ونحو مائتي رجل، وهرب الباقون .
فوافاهم بغا، فمنع من النهب وكتب بغا بالفتح لنفسه.
ثم قدم بغا بابن البعيث وأصحابه وهم نحو مائتي ،رجل، فلما قربوا من سُرَّ مَنْ رأى حملوا على الجمال ليستشرفهم(1)الناس .
فأُتي المتوكل بمحمد بن البعيث، فأمر بضرب عنقه .
فطرح على نطع وجاء السيافون فلوحوا . فقال المتوكل ما دعاك يا محمد إلى ما صنعت؟
قال الشقوة وأنت الحبل الممدود بين الله وخلقه، وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك العفو، ثم اندفع بلا فصل :
أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي*** إمام الهدى والعفو في الله أجمل(2)*** وهل أنا إلا جبلة من خطيئة*** وعفوك من نور النبوة يُجبل(3)*** فإنك خير السابقين إلى العلى*** ولا شك أن خير الفعالين تفعل (4)
فالتفت المتوكل فقال لمن حوله : إن معه لأدباً. فقال بعضهم وبادر، بل يفعل أمير المؤمنين خيرهما، ويَمُنُّ عليك (5).
فقال المتوكل : ارجع إلى منزلك .
ويقال : إن ابن ،البعيث لما تكلم بما تكلم به تشفع المعتز فيه واستوهبه فوهبه له .
وكان محمد بن البعيث أحد شجعان أذربيجان وله شعر كثير جيد بالعربية والفارسية (6)
كم قضيت أموراً كان أهملها*** غيري وقد أخذ الإفلاس بالكَظَم*** لا تعذليني فمالي ليس ينفعني*** إليك عني جَرَى المقدارُ بالقلم*** سأتلِفُ المال في عسر وفي يسر*** إن الجواد الذي يُعطي على العدم
ثم :قال ومات ابن البعيث بعد دخوله سامراء بشهر قيل : كان قد جعل في عنقه مائة رطل =فلم يزل على وجهه حتى مات وجعل بنوه جليس وصقر والبعيث في عداد الشاكرية مع عبيد الله بن يحيى بن خاقان .
.1) في المخطوط الكلمة في المخطوط على هذا الرسم : ليستثروهم . وهو تحريف .
2) في الكامل والصفح بالمرء أجمل .
3) الكلمة في الكامل في التاريخ : مُجْمَل .
4) وقد ذكر ابن الأثير قصة أسر ابن البعيث في أحداث سنة خمس وثلاثين ومائتين.
5) في الكامل : ويمن عليه .
6) وذكر ابن الأثير في أحداث سنة خمس وثلاثين ومائتين أيضاً من شعره حين هرب قوله :
وكان والي مكة والمدينة والموسم ودعا له على المنابر .
ذكر السبب في ذلك
كان ايتاخ غلاماً طباخاً حرز السلام (1)الأبرش، فاشتراه منه المعتصم، وكان لإيتاخ بأس ورحله(2)، فرفعه المعتصم، ومن بعده الواثق، وولي الأعمال الكبار.
وكان من أراد المعتصم والواثق قتله حبس عند ايتاخ. فلما ولي المتوكل كان إلى ايتا الحبس والمغاربة والأتراك والبريد والحجابة، ودار الخلافة .
فخرج المتوكل بعد الخلافة متنزهاً إلى ناحية قاطول (3)
اسم نهر كأنه مقطوع من دجلة، وهو نهر كان في موضع سامراء قبل أن تعمر وكان الرشيد أول من حفر هذا النهر وبنى على فوهته قصراً سماه أبا الجندل لكثرة ما كان يسقي من الأرضين وجعله لأرزاق جنده وقيل : بسامراء بنى عليه بناء دفعه إلى أشناس التركي مولاه، ثم انتقل إلى سمراء، ونقل إليها الناس كما ذكرنا في سامراء، وفوق هذا القاطول القاطول الكسروي حفره كسرى أنوشروان العادل يأخذ من جانب دجلة في الجانب الشرقي أيضاً وعليه شاذروان فوقه يسقي رستاقا بين النهرين من طسوج بَزَرْجسابور، وحفر بعده الرشيد هذا القاطول الذي قدمنا ذكره تحته مما يلي بغداد وهو أيضاً يصب في النهروان تحت الشاذروان .
فشرب ليله فعربد على ايتاخ، فهم ايتاخ بقتله .فلما أصبح المتوكل قيل له فاعتذر إلى ايتاخ والتزمه وقال له من أنت؟ [أنت] أبي وربيتني.
فلما سار المتوكل إلى سَر من رأى دَس إليه من يشير عليه بالاستئذان للحج. ففعل، وأذن له وصيره أمير كل بلدة يدخلها .
وخلع عليه وركب القواد معه .
فحين خرج صيرت الحجابة إلى وصيف (4).
1) في المخطوط حرز بالسلام وهو تحريف والتصويب من الكامل.
2) كذا في المخطوط ؛ وفي الكامل : فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع وتسعين ومائة وكان فيه شجاعة فرفعه .
3) قال ياقوت في معجم البلدان :
4) وقال ابن الأثير بعد ذكر هذا الخبر في أحداث سنة أربع وثلاثين ومائتين : فلما فارق جعلت الحجابة إلى وصيف في ذي القعدة وقيل : إن هذه القصة كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائة .
ودخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين
وفيها : كان مقتل ايتاخ .
لما انصرف ايتاخ من مكة راجعاً إلى العراق وجه المتوكل إلى سعيد بن صالح مع كسوة ،وألطاف، وأمره أن يلقاه بالكوفة (1)
الحاجب وتقدم المتوكل إلى عامله على الشرطة ببغداد بأمره فيه .
فذكر إبراهيم بن المدبر: أنه خرج مع إسحاق بن إبراهيم في تلقي ايتاخ، وكان أراد أن يأخذ طريق الفراق إلى الأنبار .
ثم خرج إلى سُرَّ مَنْ رأى فكتب إليه إسحاق : أن أمير المؤمنين أمر أن يدخل بغداد وأن يلقاك بنو هاشم ووجوه الناس وأن يقعد لهم في دار خزيمة بن خازم، فتأمر لهم بجوائز . قال : فخرجنا حتى إذا كُنَّا بالياسرية(2)، وقد سجن إسحاق بن إبراهيم الحر بالجند والشاكرية، وخرج في خاصته وطرح له بالياسرية صفة فجلس عليها .
وأقبل قوم قد رتبهم في الطريق كلما سار إلى موضع اعلموه حتى قالوا: قد قرب منك . فركب إليه فاستقبله فلما نظر إليه أهوى إسحاق لينزل (3)، فحلف عليه ايتاخ أن لا يفعل وكان ايتاخ في نحو ثلاثمائة من أصحابه وعليه قباء أبيض متقلداً سيفاً بحمائل، فسارا جميعاً حتى إذا صار عند الجسر تقدمه إسحاق عند الجسر وغيره حتى وقف على باب خزيمة بن حازم .
فقال لإيتاخ : يدخل أعز الله الأمير .
وكان الموكلون بالجسر كلما مر بهم غلام من غلمانه قدموه حتى بقي في خاصة غلمانه، فدخل بين يديه قوم قد فرشت له دار خزيمة .
فحين دخل أغلق الباب خلفه، فنظر فإذا ليس فيه إلا ثلاثة غلمان.
فقال : قد فعلوها ولو لم يؤخذ ببغداد ما قدروا على أخذه (4). فلو سار إلى سر
1) الخبر في الكامل بنحو مما هنا مع بعض الزيادات الطفيفة .
2) قال ياقوت في معجم البلدان البَاسِرِيَّة : منسوبة إلى ياسر اسم رجل قرية كبيرة على ضفة نهر ،عيسى بينهما وبين بغداد ،میلان وعليها قنطرة مليحة فيها بساتين بينها وبين المحول نحو ميل واحد .
3) في المخطوط : لميترك. وهو تحريف والتصويب مما هو بنحوه من الكامل في التاريخ .
4) في الكامل بعد هذا وأخذوا معهم ولديه منصوراً ،ومسفراً وكاتبيه سليمان بن وهب : وقدامة بن زيد وحبسوا ببغداد أيضاً.
من رأى فأراد بأصحابه قتل جميع من يخالفه أمكنه ذلك.
ثم ركب إسحاق حراقه وأعد لإيتاخ أخرى ثم أرسل أن يصير إلى الأخرى، وأمر بأخذ سيفه فحدروه إلى الحرافة وصير قوم معه بالسلاح وصعد إسحاق إلى منزله .
وأخرج ايتاخ حين بلغ دار إسحاق فأدخل ناحية منها، ثم قيد وثقل بالحديد في عنقه ورجليه (1)، ثم قدم بابنيه : منصور والمظفر ومكاتبيه سليمان، وقدامة بن زيد النصراني بغداد .
وكان سليمان على أعمال السلطان وقدامة على ضياع ايتاخ خاصة فحبسوا بغداد وذكر ترك مولى إسحاق قال :
وقفت على باب البيت الذي فيه ايتاخ محبوس فقال : يا ترك .
قلت ما تريد؟
قال : اقرأ على الأمير السلام وقل له : قد علمت ما كان يأمرني به المعتصم والواثق في أمرك، فكنت أدفع عنك ما أمكنني فلينفعني [105 / ب] ذلك عندك ، أما أنا [105/ب] فقد مر لي شدة ورخاء فما أبالي ما أكلت وشربت وأما هذان الغلامان فإنهما عاشا في نعمة ولم يعرفا البؤس فصير لهما لحماً ومرقة وشيئاً يأكلان منه .
قال ترك : فذهبت إلى مجلس إسحاق فوقفت .
فقال لي: ما تريد فأرى في وجهك كلاماً؟
قلت: نعم قال لي ايتاخ كذا وكذا.
وكانت قطيفة ايتاخ كل يوم رغيفاً وكوزاً من ماء .
ويؤمر لابنه بخوان عليه سبعة أرغفة وخمسة ألوان .
فلم يزل ذلك قائماً حياة إسحاق .
ثم هلك ايتاخ بالعطش فإنه أطعم ومنع الماء حتى مات .
وأحضر إسحاق القضاة والفقهاء وعرضه عليهم لا ضرب به ولا أثر .
وأما ابناه فبقيا في الحبس حياة المتوكل، فلما أفضى الأمر إلى المنتصر أخرجهما (2)
وفي هذه السنة : أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة بلبس [الطيالس](1)العسلي، [ وشد] (2)والزنانير وركوب السروج بركب الخشب، وتصير كرتين على مؤخر السرج، وبتغيير القلانس لمن لبس قلنسوة، وبتغيير زي النساء في أزرهن العسلية ليعرفن .
وكذلك مماليكهم ومنعهم لبس المناطق، وإن دخلوا الحمام كان معهم جلاجل ليعرفوا وأمر [بهدم] بيعهم المُحدثة(3)وبأخذ العشر من منازلهم، فإن كان الموضع واسعاً صير مسجداً، وإن لم يصلح يكون مسجداً صير فضاء .
وأمر أن يحصل على أبواب دورهم صور الشياطين من الخشب مسمرة تفريقاً بین منازلهم ومنازل المسلمين.
وأن لا يعلمهم ،مسلم ونهى أن يظهروا في أعيادهم صليباً (4)، وأن يسمعوا (5)زيادة يتطلبها السياق . (6)
وفي هذه السنة : عقد المتوكل البيعة لبقية الثلاثة لمحمد وسماه المعتز، ولإبراهيم وسماه المؤيد لولاية العهد.
وذكر ذلك الشعراء وكتب بينهم كتبه وفرقت في الأمصار
في الطريق [ وأمر (7)وفي هذه السنة عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة بولاية العهد، وهم :
محمد ولقبه : المنتصر بالله وأبو عبد الله محمد وقيل ،طلحة وقيل : الزبير، ولقبه : المعتز
بالله .
وإبراهيم ولقبه : المؤيد بالله .
وعقد لكل واحد منهم لواءين أحدهما أسود وهو لواء العهد والآخر أبيض وهو لواء العمل، وأعطى لكل واحد منهم ما نذكر :
فأما المنتصر فأقطعه أفريقيا والمغرب كله والعواصم ،وقنسرين والثغور جميعها الشامية والجزرية وديار مضر وديار ربيعة والموصل وهيت وعانة والأنبار والخابور، وكور باجر من وكور دجلة وطساسيج السواد جميعها والحرمين واليمن وحضرموت واليمامة والبحرين والسند، ومُكْرَان ،وقندابيل ومزج بيت الذهب، وكور الأهواز والمستغلات بسامرا، وماه الكوفة وماه البصره، وماه سبذان ومهرجا نقذق وشهرزور والصامغان، وأصبهان، وقم وقاشان والجبل جميعه وصدقات العرب بالبصرة.
وأما المعتز : فأقطعه خراسان وما يضاف إليها وطبرستان ،والري، وأرمينية، وأذربيجان ، وكور فارس، ثم أضاف إليه في سنة أربعين خزن الأموال في جميع الآفات، ودور الضرب، وأمر أن
يضرب اسمه على الدراهم .
وأما المؤيد : فأقطعه جند حمص، وجند دمشق، وجند فلسطين.
ومما ذكره ابن الأثير ولم يرد ذكره في المخطوط ولا أدري ما إذا كان ابن مسكويه ذكره وسقط
ما أسقط الناسخ سهواً أم لا هو ما قال فيه ابن الأثير ما يلي:
وفي هذه السنة: قدم بغا الشرابي بابن البعيث في شوال وبخليفته أبي الأغر، وبأخويه : صقر
وخالد .
وكاتبه العلاء وجماعة من أصحابه، فلما قربوا من سامرا حُملوا على الجمال ليراهم الناس .
فلما أحضر ابن البعيث بين يدي المتوكل أمر بضرب عنقه، فجاء السَّيَّاف وسَبه المتوكل وقال : ما ذاك إلى ما صنعت؟
فقال : الشقوة وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو، ثم قال بلا فصل :
أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي*** إمام الهُدى والصفح بالمرء أجمل*** وهل أنا إلا جبلة من خطيئة*** وعفوك من نور النبوة مُجْمَل *** فإنك خير السابقين إلى العُلا*** ولا شك أن خير الفعالين تفعل
فقال المتوكل لبعض أصحابه : إن عنده لأدباً . فقال : بل يتفضل أمير المؤمنين ويمن عليه، فأمر برده فحبس مقيداً.
وقيل : إن المعتز شفع فيه إلى أبيه فأطلقه وكان ابن البعيث قد قال حين هرب :
كم قد قضيت أموراً كان أهملها*** غيري وقد أخذ الإفلاسُ بالكَظَم*** لا تعدليني فمالي ليس ينفعني*** إليك عني جرى المقدار بالقلم*** سأتلف المال في عُسر وفي يُسر*** أن الجواد الذي يُعطي على العدم
ومات ابن البعيث بعد دخوله سامرا بشهر قيل كان قد جعل في عنقه مائة رطل فلم يزل على وجهه حتى مات وجعل بنوه جليس وصقر والبعيث في عداد الشاكرية مع عبيد الله بن يحيى بن خاقان .
وفيها ظهر بسامرا رجل يقال له : محمود بن الفرج النيسابوري ، فزعم أنه بنى وأنه ذو القرنين وتبعه سبعة وعشرون رجلاً، وخرج من أصحابه ببغداد رجلان بباب العامة وآخران بالجانب الغربي، فأتى به وبأصحابه المتوكل فأمر به فضرب ضرباً شديداً، وحمل إلى باب العامة، فأكذب نفسه وأمر أصحابه أن يضربه كل رجل منهم عشر صفعات ففعلوا، وأخذوا له مصحفاً فيه كلام قد جمعه وذكر أنه ،قرآن، وأن جبريل نزل به.
ثم مات من الضرب في ذي الحجة وحبس أصحابه، وكان فيهم شيخ يزعم أنه نبي، وأن الوحي
يأتيه.
وفي هذه السنة : خرج عباس بن وليد - المعروف بالطبلي - بنوا حي تدمير لمحاربة جمع اجتمعوا وقدموا على أنفسهم رجلاً اسمه محمد بن عيسى بن سابق فوطئ عباس بلدهم وأوقع بهم وأصلحهم وعاد .
وفيها ثار أهل تاكزنا ومن يليهم من البربر فسار إليهم جيش عبد الرحمن صاحب الأندلس فقاتلهم وأوقع بهم وأعظم النكاية فيهم .
وفيها: سَيّر عبد الرحمن ابنه المنذر في جيش كثيف لغزو الروم فبلغوا إليه .
وفيها : كان سيل عظيم في رجب في بلاد الأندلس فخرب جسر أستجة وخرب الأرحاء وغرق نهر أشبيلية ست عشرة قرية وخرب نهار باجة ثمان عشرة قرية وصار عرضه ثلاثين ميلاً، وكان هذا حدثاً عظيماً وقع في جميع البلاد في شهر واحد. قسطة .
وفيها: هلك أبو السول الشاعر سعيد بن يعمر بن علي بسر قسطة.
وفيها: توفي إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب المصعبي - وهو ابن أخي طاهر بن الحسين - وكان صاحب الشرطة ببغداد أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل.
ولما مرض أرسل إليه المتوكل ابنه المعتز مع جماعة من القواد يعودونه وجزع المتوكل لموته . وفيها: مات الحسن بن سهل كان شرب دواء فأفرط عليه فحبس الطبع فمات.
وكان موته وموت إسحاق بن إبراهيم في ذي الحجة في يوم واحد .
وقيل : مات الحسن في سنة ست وثلاثين .
وفيها: في ذي الحجة تغير ماء دجلة إلى الصفرة ثلاثة أيام ففزع الناس، ثم صار في لون ماء
المدود .
وفيها: أتي المتوكل بيحيى بن عمر بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه
السلام، وكان قد جمع جمعاً ببعض النواحي فأخذ وحبس وضرب.
وحج بالناس هذه السنة : محمد بن داود.
وفيها : مات إسحاق بن[ إبراهيم الموصلي صاحب الألحان والغناء وكان فيه علم وأدب وله شعر جيد، وعبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي القواريري في ذي الحجة، وإسماعيل بن عليه،
ومنصور بن أبي مزاحم، وسُرَيج بن يونس أبو الحارث .
.1) زيادة من الكامل. وهو نوع من الثياب، والزنانير جمع زِنّار وهو ما يشد على وسط المجوسي والنصراني واليهودي، ومن هو من أهل الكتاب أو الذمة في دار الإسلام.
2) زيادة من الكامل. وهو نوع من الثياب، والزنانير جمع زِنّار وهو ما يشد على وسط المجوسي والنصراني واليهودي، ومن هو من أهل الكتاب أو الذمة في دار الإسلام.
3) في المخطوط : وأم بيعهم المُحدثة، وهو تحريف وسقط والتصويب من الكامل.
4) في المخطوط صليب وهو تحريف.
5) كذا في المخطوط، وفي الكامل : يستعملوا وأشار محققه إلى أنه في الطبري : يشعملوا .
6) بتسوية قبورهم مع الأرض لئلا تشتبه قبور المسلمين، وكتب إلى العمال في الآفاق بذلك .
7) في الكامل الخبر على النحو التالي:
وفيها : توجه الفتح بن خاقان عند المتوكل وفى أعمالاً منها أخبار الخاصة والعامة بسر من رأى وما يليها .
(1) وفيها : أمر المتوكل بهدم قبر الحسين عليه السلام وما حوله من المنازل والدور، وأن يُبذر [ ويسقى موضع قبره ](2)ويمنع الناس من إتيانه .
[فنادى (3)بالناس في تلك الناحية من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه فی المطلق.
فهرب الناس وتركوا زيارته وخرب وزرع .
وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب عليه السلام ولأهل بيته وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى عليا وأهله بأخذ المال والدم.
وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث وكان يشد على بطنه تحت ثيابه مخدة
1) سقط عنوان تلك السنة من المخطوط فجعلته بين معقوفين حيث جاء ذكر خبر أمر المتوكل ضمن أحداث سنة خمس وثلاثين ومائتين وفي الواقع أنه لهذه السنة فأثبت عنوانها قبله، ثم إني استكمل أحداثها بعد قليل من الكامل في التاريخ حيث لم يذكر من أحداثها سوى هذا الجزء وأنا أستكمل من الكامل ثم أعود إلى آخر ما ذكره وهو موت محمد بن يوسف.
2) زيادة من الكامل.
3) ابتداء من هنا أضفته من الكامل لاتمام أخبار تلك السنة، وقد جاء هذا الخبر في الكامل، تحت عنوان: ذكر ما فعله المتوكل بمشهد الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص بين يدي المتوكل والمغنون يغنون :
قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين
يحكي بذلك علياً عليه السلام والمتوكل يشرب ويضحك .
ففعل ذلك يوماً والمنتصر ،حاضر فأومأ إلى عبادة يتهدده فسكت خوفاً منه.
فقال المتوكل : ما حالك؟
فقام وأخبره فقال المنتصر يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك وبه ،فخرك، فكل أنت لحمه إذا شئت ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه .
فقال المتوكل للمغنين : غنوا جميعاً :
غار الفتى لابن عمه*** رأس الفتى في حر أمه
فكان هذا من الأسباب التي استحل بها المنتصر قتل المتوكل.
وقيل : إن المتوكل كان يبغض من تقدمه من الخلفاء المأمون، والمعتصم، والواثق في محبة علي وأهل بيته .
وإنما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب(1)والبغض لعلي منهم : علي بن الجهم الشاعر الشامي من بني شامة بن لؤي وعمرو بن فرخ الرخجي وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالي بني أمية وعبد الله بن محمد بن داود الهاشمي المعروف بابن أترجة وكانوا يخوفونه من العلويين، ويشيرون عليه بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم، ثم حسنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس على منزلتهم في الدين ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان فغطت هذه السيئة جميع حسناته .
وكان من أحسن الناس سيرة، ومنع الناس من القول بخلق القرآن إلى غير ذلک من المحاسن ](2).
وفيها هلك أبو سعيد محمد بن يوسف فجأة.
وكان قد ولي أذربيجان فعسكر بكرخ فيروز، وأراد الركوب، فلبس أحد خُفّيه، ومد الأخرى ليلبسه فسقط ميتاً .
فولى المتوكل ابنه يوسف ما كان يتولاه أبوه من الحرث، وولاه مع ذلك خراج الناحية وضياعها فشخص إلى الناحية فضبطها (1)
وفي هذه السنة: قتل محمد بن إبراهيم بن مصعب أخو إسحاق بن إبراهيم، وكان سبب ذلك : أن إسحاق أرسل ولده محمد بن إسحاق بن إبراهيم إلى باب الخليفة ليكون نائباً عنه يبابه . فلما مات إسحاق عقد المعتز لابنه محمد بن إسحاق على فارس وعقد له المنتصر على اليمامة ، والبحرين بطريق مكة في المحرم من هذه السنة .
وضم إليه المتوكل أعمال أبيه ،كلها وحمل إلى المتوكل وأولاده من الجواهر التي كانت لأبيه والأشياء النفيسة كثيراً .
وكان عمه محمد بن إبراهيم على فارس فلما بلغه ما صنع المتوكل وأولاه بابن أخيه ساءه ذلك، وتنكر للخليفة ولابن أخيه.
فشکی محمد بن إسحاق ذلك إلى المتوكل، فأطلقه إلى عمه ليفعل به ما يشاء فعزله عن ،فارس واستعمل مكانه ابن عمه الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، فأمر بقتل عمه محمد بن إبراهيم.
فلما سار الحسين إلى فارس أهدى إلى عمه يوم النيروز هدايا، وفيها حلواء، فأكل محمد منها، وأدخله الحسين بيتاً ووكل عليه فطلب الماء ليشرب فمنع منه فمات بعد يومين .
وحج بالناس هذه السنة : المنتظر .
وفيها : خرج حبيبة البربري بالأندلس بجبال الجزيرة، واجتمع إليه جمع كثير، فأغاروا واستطالوا، فسار إليهم جيش من عبد الرحمن فقاتلهم فهزمهم، فتفرقوا .
وفيها : غزا جيش بالأندلس بلاد ،برشلونة، فقتلوا من أهلها فأكثروا ، وأسروا جمعاً ،غفيراً وغنموا وعادوا سالمين.
وفيها توفي هدبة بن خالد وسنان الأيلي، وإبراهيم بن محمد الشافعي .
وفيها توفي مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام أبو عبدالله المدني، وكان عمره ثلاثين سنة، وهو عم الزبير بن بكار .
وكان عالماً فقيهاً إلا أنه كان منحرفاً عن علي رضي الله عنه .
وفيها أيضاً: توفي منصور بن المهدي ومحمد بن إسحاق بن محمد المخزومي المسيبي البغدادي، وكان ثقة.
وفيها : توفي جعفر بن حرب الهمداني أحد أئمة المعتزلة البغداديين وعمره تسع وخمسون سنة . وأخذ الكلام عن أبي الهذيل العلاف البصري.
وفيها وثبت أهل أرمينية بيوسف بن محمد بن يوسف [فقتلوه](2).
أنه لما [سار ] (3)إلى عمله من أرمينية خرج رجل من البطارقة يقال له بقراط بن
أشوط، وكان يقال له بطريق البطارقة، فطلب الأمان. فأخذه يوسف بن محمد، وقيده، وبعث به إلى السلطان .
فأسلم بقراط وابنه فاجتمع على يوسف ابن أخي بقراط بن أشوط وجماعة من بطارقة أرمينية ، فتحالفوا [و](1)هدروا دمه لما حمل بقراط فوهي أصحاب يوسف عن المقام، وعرفوه اجتماع القوم فلما يقبل، وأقام .
فحاصروه من كل وجه وسقطت الثلوج، فخرج يوسف إلى ظاهر المدينة، وكان أصحابه متفرقون في الأعمال، فقاتلهم فقتلوه، وقتلوا من معه، فأما من لم يقاتل، فإنهم قالوا : ضع ثيابك وانج عرياناً فطرحوا ثيابهم، ونجوا عراة حفاة.
فمات أكثرهم من البرد، وسقطت أصابع قوم منهم ونجوا.
فوجه المتوكل بغا الكبير إلى أرمينية طالباً بدم يوسف، فشخص إليها فبدأ بأرْزَن وكان موسى بن زرارة قد واطأ قتلة يوسف فقبض بغا على موسى وإخوته وحمله إلى السلطان.
ثم سار فأناخ على الخويئية، وهم جُمَّة أهل أرمينية، وقتله يوسف بن محمد فحاربهم وقتل منهم زهاء ثلاثين ألفاً وسبى خلقاً فباعهم .
ثم سار إلى بلاد الباق فأسر أشوط بن حمزة أبا العباس، ثم سار إلى دبيل [ثم] إلى تفليس.
وفيها : غضب المتوكل على أحمد بن أبي داود وأمر المتوكل بقبض ](2)ضياعه وحبسه وأولاده وإخوته.
فحمل أبو الوليد مائة ألف وعشرين ألف دينار، وجوهراً كثيراً .
وصولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم، وأشهد عليهم جميعاً ببيع كل ضيعة (3)لهم .
وكان أحمد بن أبي داود قد فلج أبو العتاهية الشاعر :
لو كنت في الرأي منسوباً إلى رشد*** وكان غرمك غرماً فيه توفيق*** لکان في النفقه شغل لو قنعت به*** عن أن تقول كتاب الله مخلوق ***ماذا عليك وأصل الدين يجمعهم ***ما كان في الفرع لولا الجهل والموق (4)
وفيها: قدم محمد بن عبد عبد اللهبن طاهر في خراسان في ربيع الأول فولي الجزية والشرطة، وخلافة المتوكل ببغداد وأعمال السواد، وأقام بها.
وفيها عزل أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود عن المظالم، وولاها محمد بن يعقوب المعروف بابن الربيع .
وفيها أمر المتوكل بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي ودفعه إلى أوليائه فحمل إلى بغداد وضم رأسه إلى ،بدنه وغسل وكفن ودفن، واجتمع عليه من العامة ما لا يحصى يتمسحون به.
فكان المتوكل لما ولي نهى عن الجدال في القرآن ،وغيره وكتب إلى الآفاق بذلك .
غزا الصائفة في هذه السنة : علي بن يحيى الأرمني.
وحج بالناس فيها : علي بن عيسى بن جعفر بن المنصور، وكان والي مكة .
وفيها قام رجل بالأندلس بناحية الثغور وادعى النبوة وتأول القرآن على غير تأويله فتبعه قوم من الغوغاء. فكان من شرائعه : أنه كان ينهى عن قص الشعر وتقليم الأظفار، فبعث إليه عامل ذلك البلد، فأتى به وكان أول ما خاطبه به أن دعاه إلى اتباعه .
فأمره العامل بالتوبة، فامتنع، فصلبه .
وفيها سارت جيوش المسلمين إلى بلاد المشركين فكانت بينهما وقعة عظيمة كان الظفر فيها للمسلمين وهي الوقعة المعروفة بوقعة البيضاء، وهي مشهورة بالأندلس.
وفيها توفي العباس بن الوليد المديني بالبصرة، وعبد الأعلى بن حماد النرسي، وعبيد الله بن معاذ العنبري .
وفيها : ظفربُغا الكبير بإسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية بتفليس.
فأحرق مدينة أكثر بنائها تفليس وكان إسحاق بن إسماعيل يكنى أبا العباس قد تحصن بتفليس، وهي مدينة أكثر بنائها خشب الصنوبر .
فلما قصدها بغا أمر النفاطين فضربوها بالنار وهاجت الريح، وأحاطت النار بقصر إسحاق وجواريه، ثم أتاه الأتراك [106/أ] والمغاربة فأخذوه أسيراً مع ابنه وأتوا به إلى بغا، فأمر بضرب عنقه صبراً، وصلبت جثته.
وفي المدينة نحو خمسين ألف إنسان .
ثم نهض بغا إلى عيسى بن يوسف ابن أخت اصطفانوس، فحاربه في كورة البيلقان. ثم شخص في قلعة كبيس بفتحها وأخذه، وحمله وحمل ابنه، وسنباط بن أشوط بطريق أران .
ثم حمل ادربوسي بن إسحاق(1)
وفي هذه السنة : جاءت ثلاثمائة مركب للروم معها ثلاثة رؤساء، فأناخ أحدهم في مائة مركب في دمياط وبينها وبين الشط شبيه بالبحيرة يكون ماؤها إلى صدر الرجال فمن جازها إلى الأرض أمن من مراكب البحر، فجاز قوم فسلموا، وغرق كثيراً من نساء وصبيان ومن كان به قوة سار إلى مصر وكان على معونة مصر عنبسة بن إسحاق الضبي .
فلما حضر العيد أمر الجند الذين بدمياط أن يحضروا ،مصر ، فساروا منها فاتفق وصول الروم وهي فارغة من الجند، فنهبوا وأحرقوا وسبوا وأحرقوا ،جامعها وأخذوا ما بها من سلاح ومتاع وقند وغير ذلك، وسبوا من النساء المسلمات والذميات نحو ستمائة امرأة وأوقروا سفنهم
من ذلك .
وكان عنبسة قد حبس ابن الأكشف بدمياط فكسر قيده وخرج يقاتلهم واتبعه جماعة، وقتل من الروم جماعة .
وسارت الروم إلى اشتوم تنيس، وكان عليه سور و بابان من حديد قد عمله المعتصم، فنهبوا ما فيه من سلاح، وأخذوا البابين ورجعوا ولم يعرض لهم أحد.
وفيها توفي عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام الأموي صاحب الأندلس في ربيع الآخر، وكان مولده سنة ست وسبعين ومائة، وولايته إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر .
وكان أسمر طويلاً، أقنى ،أعين عظيم اللحية، مخضباً بالحناء.
وخلف خمسة وأربعين ولداً ذكوراً، وكان أديباً شاعراً، وهو معدود في جملة من عشق جواريه، وكان يعشق جارية له أسماها طروب وشُهر بها.
وكان عالماً بعلوم الشريعة وغيرها من علوم الفلسفة. وكانت أيامه أيام عافية وسكون وكثرت الأموال، وكان بعيد الهمة .
واخترع قصوراً ومنتزهات كثيرة، وبنى الطرق، وزاد في الجامع بقرطبة ،رواقين، وتوفي قبل أن يستتم زخرفته، وأتمه ابنه وينى جوامع كثيرة بالأندلس، ولما مات ملك ابنه محمد فجرى على سيرة والده في العدل، وتمم بناء الجامع بقرطبة . وأمه تسمى بهتر .
وولد له مائة ولد كلهم ذكور.
وهو أول من أقام أبهة الملك بالأندلس ورتب رسوم المملكة وعلى التبذل للعامة فكان يشبه بالوليد بن عبد الملك في أبهة الملك .
وهو أول من جلب الماء العذب إلى قرطبة وأدخله إليها وجعل يفصل للماء مصنعاً كبيراً يرده الناس .
وفي هذه السنة : سار المتوكل نحو المدائن، فدخل بغداد وسار منها إلى المدائن، وغزا الصائفة علي بن يحيى الأرمني.
وفيها مات إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهوية، وكان إماماً عالماً وجرى له مع الشافعي مناظرة في بيوت مكة وكان عمره سبعاً وسبعين سنة .
ومحمد بن بكار المحدث .
(1) هذا ما ذكر فيها مسكويه، أما ابن الأثير فقال فيها في الكامل :
في هذه السنة : أمر المتوكل أهل الذمة بليس دراعتين عسليتين في الأقبيةوالدراريع. وبالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون الخيل والبراذين .
وفيها : نفى المتوكل علي بن الجهم إلى خراسان .
وفيها : أمر المتوكل بهدم البيع المحدثة في الإسلام.
وفيها سير محمد بن عبد الرحمن جيشاً مع أخيه الحكم إلى قلعة رباح .
وكان أهل طليطلة قد خربوا ،سورها وقتلوا كثيراً من أهلها ، وأصلح الحكم سورها، وأعاد من فارقها من أهلها وأصلح حالها، وتقدم إلى طليطلة فأفسد في نواحيها وشعثها .
وسَيّر محمد أيضاً جيشاً آخر إلى طليطلة فلما قاربوها خرجت عليهم الجنود من المكامن،
1) هذا كل ما ذكر المؤلف في أحداث هذه السنة، وزاد ابن الأثير فيها فقال :
ولم يجر فيها ما يكتب (1)
في هذه السنة : أمر المتوكل أهل الذمة بليس دراعتين عسليتين في الأقبيةوالدراريع. وبالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون الخيل والبراذين .
وفيها : نفى المتوكل علي بن الجهم إلى خراسان .
وفيها : أمر المتوكل بهدم البيع المحدثة في الإسلام.
وفيها سير محمد بن عبد الرحمن جيشاً مع أخيه الحكم إلى قلعة رباح .
وكان أهل طليطلة قد خربوا ،سورها وقتلوا كثيراً من أهلها ، وأصلح الحكم سورها، وأعاد من فارقها من أهلها وأصلح حالها، وتقدم إلى طليطلة فأفسد في نواحيها وشعثها .
وسَيّر محمد أيضاً جيشاً آخر إلى طليطلة فلما قاربوها خرجت عليهم الجنود من المكامن،
1) هذا ما ذكر فيها مسكويه، أما ابن الأثير فقال فيها في الكامل :
ودخلت سبيلها (1)
وأما ابن الأثير فقال فيها في الكامل في هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم أبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافعي وكان قتل رجلاً من رؤسائهم، فقتلوا جماعة من أصحابه، ،وأخرجوه وأخرجوا عامل الخراج.
فبعث المتوكل إليهم عتاب بن عتاب ومحمد بن عبدويه الأنباري، وقال لعتاب : قل لهم إن أمير المؤمنين قد بدلكم بعاملكم، فإن أطاعوا فَوَل عليهم محمد بن عبدويه، فإن أبوا فأقم وأعلمني حتى أمدك برجال وفرسان .
فساروا إليهم فوصلوا في ربيع الآخر فرضوا بمحمد بن عبدويه، فعمل فيهم الأعاجيب حتى أحوجهم إلى محاربته على ما نذكره إن شاء الله تعالى .
ذكر الحرب بين المسلمين والفرنج بالأندلس
وفي هذه السنة في المحرم كان بين المسلمين والفرنج حرب شديدة بالأندلس.
وسبب ذلك.
أن أهل طليطلة كانوا على ما ذكرنا من الخلاف على محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس وعلى أبيه من قبله فلما كان الآن سار محمد في جيوشه إلى طليطلة.
فلما سمع أهلها بذلك أرسلوا إلى ملك جليقية يستمدونه إلى ملك بشكس، فأمدهم بالعسكر الكثيرة ، فلما سمع محمد بذلك وكان قد قارب طليطلة عبر أصحابه وقد كمن لهم الكمناء بناحية وادي سليط وتقدم إليهم وهو في قلة من العسكر، فلما رأى أهل طليطلة ذلك أعلموا الفرنج بقلة عددهم فسارعوا إلى قتالهم وطمعوا فيهم فلما تراءى الجمعان ونشب القتال خرجت الكمناء من كل جهة على المشركين وأهل طليطلة فقتل منهم ما لا يحصى وجمع من الرؤساء ثمانية آلاف رأس فرقت في البلاد.
فذكر أهل طليطلة أن عدة القتلى من الطائفتين عشرون ألف قتيل وبقيت جثث القتلى على وادي سليط دهراً طويلاً.
وفي هذه السنة : عزل يحيى بن أكثم عن القضاء، وقبض منه ما مبلغه خمسة وسبعون ألف دينار وأربعة آلاف جريب بالبصرة.
وفيها ولى جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي قضاء القضاة.
وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود، وكان على أحداث الموسم جعفر بن دينار.
وفيها توفي القاضي أبو عبد الله أحمد بن أبي داود في المحرم بعد ابنه أبي الوليد بعشري يوماً، وكان داعية إلى القول بخلق القرآن وغيره من مذاهب المعتزلة، وأخذ ذلك عن بشر فانهزم العسكر، وأصيب أكثر من فيه .
وفيها مات أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود القاضي ببغداد في ذي الحجة .
وغزا الصائفة علي بن يحيى الأرمني.
وفيها: حج جعفر بن دينار علي الأحداث بطريق مكة والموسم .
وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى وكان والي مكة. وفيها : اتفق الشعانين للنصارى ويوم النيروز، وذلك يوم الأحد لعشرين ليلة خلت من ذي القعدة، فزعمت النصارى أنهما لم يجتمعا في الإسلام قط .
وفيها توفي محمود بن غيلان المروزي أبو أحمد وهو من مشايخ البخاري ومسلم والترمذي.المريس، وأخذ بشر من الجهم بن صفوان وأخذ جهم من الجعد بن درهم، وأخذ جعد من أبان بن سمعان وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد الأعصم وختنه، وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي صلی الله علیه و آله وسلم ، وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان زنديقاً فأفشى الزندقة .
وفيها توفي قتيبة بن سعيد بن حميد أبو رجاء الثقفي وله تسعون سنة، وهو خراساني من مشايخ البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل، وغيرهم من الأئمة.
وتوفي أبو ثور إبراهيم بن خالد البغدادي الكلبي الفقيه وهو من أصحاب الشافعي وأبو عثمان محمد بن الشافعي وكان قاضي الجزيرة جميعها، وروى عن أبيه وعن ابن عنبسة، وقيل: مات سنة ،أربعين وكان للشافعي ولد آخر اسمه محمد مات بمصر سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
.ودخلت سنة أربعين ومائتين
1) كذا قال مسكويه أي خلت كما خلت التي قبلها ولم يحدث فيها ما يكتب .
وفيها أغارت البجة (1)على حرس من أرض مصر فوجه المتوكل لحربهم محمد بن عبد الله القمي.
كانت البجة لا تغزو المسلمين ولا يغزوهم المسلمون لهدنة بينهم ،قديمة وهم جزء من أبناء الحبشة، وفي بلادهم معادن ذهب فهم يقاسمون من يعمل فيها، ويؤدون إلى عمال مصر في كل سنة شيئاً معلوماً. فلما كان في أيام المتوكل، امتنعت البجة فقتلوا عدة من المسلمین ممن كان يعمل في المعادن ويستخرج الذهب، وسبوا عدة من ذراريهم ونسائهم .
وذكروا أن المعادن لهم في بلادهم، وأنهم لا يأذنون للمسلمين في دخولها.
وأن ذلك أوحش (2)المسلمين الذين كانوا يعملون هناك حتى انصرفوا عنه، فانقطع ما كان يؤخذ للسلطان بحق الخمس الذي كان يستخرج من المعادن .
فلما بلغ ذلك المتوكل احفظه، وشاور في أمر البجة .
فانتهى إليه أنهم قوم أهل ،بدو وأصحاب إبل ،وماشية وأن الوصول إلى بلادهم صعب لا يمكن أن تسلك إليهم الجيوش لأنها مفاوز (3)وصحار، وبين أرض الإسلام. وبينها مسيرة شهر في أرض قفر وجبال وعرة لا ماء فيها ولا زرع ولا معقل ولا حصن، وأن من يدخلها من أولياء السلطان يحتاج أن يتزود لجميع من معه المدة التي یتوهم أنه يقيمها في بلادهم حتى يخرج إلى أرض الإسلام، فإن تجاوز تلك المدة هلك وجميع من معه وأخذتهم البجة بالأيدي دون المحاربة.
وأن أرضهم لا ترد على السلطان شيئاً من خراج أو غيره .
فأمسك المتوكل عن التوجه إليهم، وجعل أمرهم يتزايد، وحربهم يكثر حتى خاف أهل الصعيد من أهل مصر على أنفسهم وذراريهم فولي المتوكل محمد بن عبد الله القمي محاربتهم وولاه معادن تلك الكورة (1)، وتقدم البدء في محاربة البجة .
وكتب إلى عنبسة بن إسحاق الضبي العامل على حرب مصر بإمضائه جمیع ما اقترحه عليه. وانضم إليه جميع من كان يعمل في المعادن وقوم كثير من المتطوعة، وكانت عدة من معه نحواً من عشرين نحواً من عشرين ألف إنسان بين [فارس وراجل .
ووجه إلى القلزم (2)فحمل في البحر سبعة مراكب موقورة بالدقيق والزيت والتمر (3)والسويق والشعير .
وأمر قوماً من أصحابه أن يلججوا في البحر حتى يوافوه في سواحل البحر من أرض البجة. ولم يزل محمد بن عبد الله القمي يسير في أرض البجة حتى جاوز المعادن التي يعمل فيها وصار إلى حصونهم وقلاعهم.
وخرج إليه ملكهم واسمه بابا، وله ابن يسمى : تسعى(4)في جيش كثير وعدد أضعاف من كان مع القمي.
وكانت البجة على إبلهم ومعهم الحراب وإبلهم تشبه المهاري(5)في النجابة . فجعلوا يلتقون أياماً متوالية فيتناوشون ولا يصححون القتال، وجعل ملك البجة يتطارد القمي ويُطول الأيام طمعاً في نفاد الأزواد (6)والعلوفة (7)التي معهم، فلا يكون لهم قوة فيأخذهم البجة بالأيدي فلما توهم عظيم البجة أن الأزواد (8)قد نفدت، أقبلت المراكب السبعة التي حملها القمي إلى ما هناك ومن أصحابه قوماً يحمون المراكب من
1) قال ابن الأثير في الكامل : وهي قفط ،والأقصر واسنا وأرمنت وأسوان.
2) القلزم هو : البحر الأحمر المعروف حالياً والذي يفصل بين مصر، والحجاز في أكبر جزء منه .
3) ما بين المعقوفين سقط من المخطوط وأتممته من الكامل في التاريخ.
4) كذا ذكر اسمه في المخطوط وهو بهامشه وفي الكامل في التاريخ قال :ابنه فيعس، وذكر محققه أن اسمه في الطبري لعيسى.
5) كذا في المخطوط، والكامل، الصواب: المهار، وهو جمع مهر ، ويجمع أيضاً أمهار، ومهارة. وهو ولد الفرس، والأنشر منه مُهرة والمراد التشبيه بالنجابة في خفة الحركة والسرعة والنجدة وسرعة العدو، وهو ما يتطلبه ويحتاج إليه القتال بل ويفتقر إليه جداً، وليس المراد صغر الحجم أو صغر السن .
6) في المخطوط الأوزاد. وهو تحريف.
7) العلوفة هو ما تأكله الدواب من العلف.
8) في المخطوط الأوزاد. وهو تحريف.
البجة، وفرق ما كان فيها على أصحابه (1)، فاتسعوا في الزاد والعلوفة .
فلما رأى ذلك على بابا رئيس البجة قصد محاربتهم وجمع لهم.
فالتقوا، واقتتلوا قتالاً شديداً، وكانت إبلهم ذعرة (2)تكثر الفزع من كل شيء، فلما رأى ذلك محمد بن عبد الله القمي جمع أجراس الإبل والخيل التي في معسكره كلها فجعلها في أعناق الخيل ثم حمل على البجة فنفرت إبلهم، واشتد رعبها فحملتهم على الجبال والأودية فمزقتهم كل ممزق (3)
والثاني : سرعة البديهة واستغلال المواقف وحسن التصرف في سرعة تذهل العدو وتشل تفكيره عن كيفية المواجهة أو التصدي.
، واتبعهم القمي فوجدهم قد جمعوا جمعاً من الرجالة ثم ساروا إلى موضع أمنوا فيه طلب القمي، فوافاهم القمي في الليل في خيله، فهرب ملكهم، وأخذ تاجه ومتاعه .ثم طلب الأمان على أن يرد إلى بلادهم، ويؤدي الخراج للسنين التي عليه .
وأعطاه القمي ذلك، وأدى ما عليه واستخلف على مملكته ابنه : يعمى (4).
وانصرف بعلي بابا إلى المتوكل، فوصل إليه في آخر سنة إحدى وأربعين .
وكانت غيبته دون سنة .
وكسا القمي على بابا دراعة وديباج وعمامة سوداء، وكسا جَمَلَهُ رحلا(5)مليحاً(6)، وجلال ديباج ليتميز عن أصحابه(7).
ووقف بباب العامة مع قوم من البجة على الإبل بالحراب، وفي رؤوس حرابهم رؤوس القوم الذين قتلهم القمي.
فأمر المتوكل : أن يقبضوا من القمي.
ثم ولي المتوكل البجة وطريق مصر ما بين مصر ومكة سعداً الخادم الايتاخي .
1) في المخطوط أصحاب، وهو تحريف
2) أي تصاب بالذعر من أي صوت غريب لم تألفه، فهي لم تألف قعقعة السيوف وأصوات السلاح فكانت تنفر من ذلك حيث لم يعتده ولم تتدرب عليه، فلم تغن نجابتها معها شيئاً.
3) في هذه الحكاية درسين هامين لك رجل عسكري أولهما: الإعداد الجيد للمعركة من إمداد وتموين .
4) كذا ذكر اسمه هنا وسبق أن أشرت إلى الخلاف فيه قبل قليل .
5) فى المخطوط : رجلاً، وهو تحريف.
6) في المخطوط : مديحاً. وهو تحريف.
7) كذا هي أخلاق القائد المسلم عند نصره على عدوه فإنه لا تنسيه سكرة النصر نعمة الشكر وإنزال الناس منازلهم على الرغم من كفرهم وذلك أدعى لإسلامهم وتعريفهم حقيقة الإسلام وأنه ليس يقاتل للقتال ولا لكسب الأرض أو المال أو لدافع الانتقام ولكن إذا وفي الغرض الذي من أجله قاتل كفّ عنه وأعطى كل ذي حق حقه .
فولى سعد محمد بن عبد الله القمي فخرج القمي بعلي بابا وهو مقيم دينه (1)
وكان معه صنم من حجارة كهيئة الصبي يسجد له .
وفيها مطر الناس بسامراء مطراً شديداً في آب.
وقيل فيها : إنه أنهي إلى المتوكل أن عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم صاحب خان عاصم ببغداد يشتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة.
فكتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر أن يضربه بالسياط ، فإذا مات رمى به في دجلة، ففعل ذلك، وألقى في دجلة.
وفيها :وقع بها الصدام فنفقت الدواب والبقر .
وفيها: أغارت الروم على عين زربة فأخذت من كان بها أسيراً من الزّط مع نسائهم وذراريهم ودوابهم .
وفيها: أكثر محمد صاحب الأندلس من الرجال بقلعة رباح وتلك النواحي ليقفوا على أهل طليطلة، وسير الجيوش إلى غزو الفرنج مع موسى فدخلوا بلادهم ووصلوا إلى ألية والقلاع وافتتحوا بعض حصونها وعادوا .
ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة صاحب بريد مصر والغرب.
وحج بالناس عبد الله بن محمد بن داود وحج جعفر بن دينار وهو والي الطريق وأحداث الموسم.
وفيها: كثر انقضاض النجوم فكانت كثيرة لا تحصى فبقيت ليلة من العشاء الآخرة إلى الصبح. وفيها: كانت بالري زلزلة شديدة هدمتا المساكن ومات تحتها خلق كثير لا يحصون، وبقيت تتردد فيها أربعين يوماً .
وفيها :خرجت ريح من بلاد الترك فقتلت خلقاً كثيراً، وكان يصيبهم بردها فيزكمون فبلغت،سرخس ،و نیسابور ،و همذان والري فانتهت إلى حلوان .
وفيها توفي الإمام أحمد بن حنبل الشيباني الفقيه المحدث في شهر ربیع الأول .
.ولم يجر فيهما ما يكتب (2)
أما ابن الأثير فقال في الكامل في سنة اثنتين وأربعين ومائتين :
في هذه السنة : كانت زلازل هائلة بقومس ورساتيقها في شعبان فتهدمت الدور وهلك تحت الهدم بشر كثير قيل كانت عدتهم خمسة وأربعين ألفاً وستة وتسعين نفساً، وكان أكثر ذلك بالدامغان .
وكان بالشام وفارس وخراسان في هذه السنة زلازل وأصوات منكرة، وكان باليمن مثل ذلك مع خسف .
وفيها خرجت الروم من ناحية سميساط بعد خروج علي بن يحيى الأرمني من الصائفة حتى قاربوا آمد وخرجوا من الثغور الجزرية فانتهبوا وأسروا نحواً من عشر آلاف وكان دخولهم من ناحية أرين - قرية قريباس - ثم رجعوا فخرج قريباس، وعمر بن عبد الله الأقطع ، وقوم من المتطوعة في آثارهم فلم يلحقوهم .
فكتب المتوكل إلى علي بن يحيى الأرمني أن يسير إلى بلادهم شاتياً .
وفيها قَتَلَ المتوكل رجلاً عطاراً، وكان نصرانياً، فأسلم فمكث مسلماً سنين كثيرة، ثم ارتد واستتب فأبى الرجوع إلى الإسلام، فقتل وأحرق .
وفيها سيّر محمد بن عبد الرحمن بالأندلس جيشاً إلى بلاد المشركين، فدخلوا إلى برشلونة وحارب قلاعها وجازها إلى ما وراء ،أعمالها فغنموا كثيراً، وافتتحوا حصناً من أعمال برشلونة يسمى ،طراجة وهو من آخر حصون برشلونة .
وفيها مات أبو العباس محمد بن الأغلب أمير إفريقية عاشر المحرم وكان عمره ستاً وثلاثين سنة ، وولي بعده ابنه أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، وقد ذكرنا ذلك سنة ست وعشرين ومائتين .
وفيها: مات أبو حسان الزيادي قاضي الشرقية .
ومات الحسن بن علي بن الجعد قاضي مدينة المنصور وحج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام وهو على مكة.
وحج جعفر بن دينار على الطريق وأحداث الموسم.
وتوفي القاضي يحيى بن أكتم التميمي بالربذة عائداً من الحج.
ومحمد بن مقاتل الرازي وأبو حصين يحيى بن سليم الرازي المحدث .
وقال في سنة ثلاث وأربعين ومائتين :
في هذه السنة سار المتوكل إلى دمشق في ذي القعدة على طريق الموصل فضحى بلد فقال يزيد بن محمد المهلبي :
أظن الشام تشمتُ بالعراقِ*** إذا عزم الإمام على انطلاق فإن يدع العراق وساكنيه فقد تيلى المليحة بالطلاق
وفيها: مات إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الصولي وكان أديباً شاعراً، فولي ديوان الضياع الحسن بن مخلد بن الجراح خليفة إبراهيم ومات عاصم بن منجور .
وحج بالناس عبد الصمد بن موسى، وحج جعفر بن دينار وهو والي الطريق وأحداث الموسم. وفيها: خرج أهل طليطلة بجمعهم إلى طلبيرة وعليها مسعود بن عبد الله العريف، فخرج إليهم فيمن معه من الجنود فلقيهم فقاتلهم، فانهزم أهل طليطلة وقتل أكثرهم، وحمل إلى قرطبة سبعمائة رأس .
وفيها توفي شهيد بن عيسى بن شهيد الأندلسي وكان من العلماء.
وفيها : توفي يعقوب بن إسحاق بن يوسف المعروف بابن السكيب النحوي اللغوي، وقيل: سنة أربع ، وقيل خمس، وقيل: ست ،وأربعين، والحارث بن أسد المحاسبي، وأبو عبد الله الزاهد وكان قد هجره الإمام أحمد بن حنبل لأجل الكلام فاختفى لتعصب العامة لأحمد فلم يُصَلِّ عليه إلا أربعة نفر .
.وفيها: دخل المتوكل دمشق وكان عزم على المقام بها، ووصف له من فضائلها وطيبها ما شوقه إليها .
فأجرى البناء، ونقل دواوين الملك إليها ، ثم استوبأ البلد .
وذلك بأن هواءها بارد ،ندي والماء ثقيل، والريح تهب مع العصر فلا يزال يشتد حتى يمضي عامة ،الليل وهي كثيرة البراغيث . وغلت فيها ](1)الأسعار، وحال الثلج بين السابلة والميرة.
1) ما بين المعقوفين من الكامل.
وتحركت الأتراك بطلب أرزاقهم، وأرزاق عيالاتهم.
ورجع المتوكل إلى سر من رأى، وكان مقامه بدمشق شهرين وأياماً (1)
فرجع إلى سامرا وكان مقامه بدمشق شهرين وأياماً .
فلما كان بها وجه بغا الكبير لغزو الروم، فغزا الصائفة، فافتتح صملة.
وفيها : عقد المتوكل لأبي الساج على طريق مكة مكان جعفر بن دينار .
وقيل : عقد له سنة اثنتين وأربعين وهو الصواب.
وفيها : المتوكل بحربه كانت للنبي صلی الله علیه وآله وسلم تسمى العنزة، فكانت للنجاشي، فأهداها للزبير بن العوام، وأهداها الزبير للنبي صلى الله عليه و آله و سلم - وهي التي كانت تركز بين يدي النبي صلى الله عليه و آله و سلم في العيدين - فكان يحملها بين يديه صاحب الشرطة .
وفيها : غضب المتوكل على بختيشوع الطبيب وقبض ماله، ونفاه إلى البحرين.
وفيها اتفق عيد الأضحى والشعانين للنصارى وعيد الفطر لليهود في يوم واحد .
وحج بالناس فيها عبد الصمد بن موسى .
وفيها: توفي إسحاق بن موسى بن عبد بن موسى الأنصاري، وعلى بن حجر السعدي المروزي، وهما إمامان في الحديث، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ومحمد بن عبد الله بن أبي عثمان بن عبد الله خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية القاضي في جمادى الأولى.
.وفيها : أمر المتوكل ببناء الجعفري واقطع قواد وأصحابه فيها وجدّ في بنائها، وانفق عليها ألف دينار، وكان يسميها هو وأصحابه المتوكلية (2)
وفيها زلزلت بلاد المغرب فخربت الحصون والمنازل والقناطر، ففرق المتوكل ثلاثة آلاف ألف فيمن أصيب منزله وزلزل عسكر المهدي، والمدائن، وزلزلت أنطاكية فقتل بها خلق كثير فسقط منها ألف وخمسمائة دار وسقط من سورها نيف وتسعون برجاً وسمعوا أصواتاً هائلة لا يحسنون وصفها، وتقطع جبلها الأقرع وسقط في البحر، وهاج البحر ذلك اليوم، وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر على فرسخ لا يدري أين ذهب وسمع أهل سيس فيما قيل صيحة دائمة هائلة فمات منها خلق كثير، فتزلزلت ديار الجزيرة والثغور وطرسوس، وأذنة، وزلزلت الشام فلم يسلم من أهل اللاذقية إلا اليسير وهلك أهل جبلة .
وفيها : غارت مسناة عين مكة، فبلغ ثمن القربة ثمانين درهماً، فبعث المتوكل مالاً وأنفق عليها .
وفيها: مات إسحاق بن أبى إسرائيل، وهلال الرازي .
وفيها: هلك نجاح بن سلمة .
.وفيها : كان هلاك نجاح بن سلمة الكاتب .
ذكر سبب هلاكه
كان نجاح إليه ديوان التوقيع والتتبيع على العمال يتقونه [ويقضون](3)حوائجه،
ولا يمنعونه من شيء يريده.
وكان المتوكل ربما نادمه وكان عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل، والأمور مفوضة إليه .
وكان الحسن بن مخلد وموسى بن عبد منقطعين إلى الوزير.
وكان الحسن بن خالد على ديوان الخراج وكتب نجاح بن سلمة رقعة [إلى](1)المتوكل يذكر له أنه يعرف وجه أربعين ألف ألف درهم يستخرجها من وجوهها من جبايات قوم فيتسع بها أمير المؤمنين في نفقة البناء .
فأدناه المتوكل وشاربه تلك العشية، وقال: يصح هذين أربعون ألف ألف درهم، ثم سَمَّى قوماً آخرين من الكتاب وضمن مالاً عظيماً يصح بذلك، منهم.
فوقع ذلك من المتوكل موقعاً عظيماً، وقال له : اغد عليّ .
فلما أصبح لم يشك في أمره ، وناظر المتوكل عبيد الله بن يحيى وزيره في ذلك، فقال : يا أمير المؤمنين هؤلاء أعيان المملكة وكتابك وعمالك، فإن أوقعت بهم فمن يقوم بأعمالك وأنا أدبر لك .
فلما غدا نجاح إلى المتوكل، وقد رتب أصحابه وقال يا فلان خذ أنت الحسن وأصحابه ويا فلان خذ أنت موسی وأصحابه حجبة عبيد الله ، وتقدم في ذلک .
فلقي نجاح عبيد الله فقال له انصرف يا أبا الفضل حتى تنظر وأنا أشير عليك بأمر لك فيه صلاح. قال له : ما هو ؟
قال: أصلح بينك وبينهما وتكتب إلى أمير المؤمنين رقعة تذكر فيها أنك كنت شارباً وأنك تكلمت بما يحتاج إلى معاودة النظر فيه وأنا أصلح أمرك عند المتوكل .
فلم يزل يخدعه حتى كتب ما قال.
ثم دعا عبید الله الحسن بن مخلد وموسى بن عبد الملك(2)، وقال لهما : أبدلا خطا(3)في نجاح وأصحابه بألفي ألف دينار وإلا أنه سيسلمكما ويهلككما.
1) زيادة يتطلبها السياق .
2) في المخطوط تكرار، وخلط حيث جاء على النحو التالي : ثم دعا عبيد الله بن الحسن بن ،مخلد وموسى بن عبيد الله الحسن بن مخلد وموسى بن عبد الملك. فحذفت التكرار، وأصلحت العبارة .
3) في المخطوط : اندلا خطا ورسمت ما هو أقرب إلى الصواب وتتكرر الكلمة الأولى بعد قليل بنفس الرسم، والله أعلم بالصواب.
فكتبا له ذلك .
ودخل عبيد الله على المتوكل وقال : يا أمير المؤمنين، قد رجع نجاح عما قاله البارحة وهذا خطه وهذه رقعة موسى والحسن يتقبلان به بما بدلا به خطوطهما فيأخذ مضمناه عنه ثم تعطف عليهما فتأخذ قريباً مما ضمن لك عنها. فسُرَّ المتوكل وطمع فيهما.
قال عبيد الله : وقال : ادفعه إليهما، فانصرفا به فأمر بأن يؤخذ قلنسوته، وقبض على كتابه فاستخرجا من يومهما ذلك مائة وأربعون ألف ديناراً اعترف بها ابنه، وذلك سوى قيمة ضياعه وقصوره و فُرشه ومشتغلاته وآلاته .
فقبض جميع ذلك وضرب مراراً بالمقارع، وعذب حتى خنق وعصرت خصاه، فأصبح میتاً.
وطولب أولاده ووكلاءه وأخذ بسببه قوم ببغداد وبسر من رأى، وبمكة، وبناحية السواد، فحبسوا (1)وصودروا(2)
وفيها : أغارت الروم على سميساط فقتلوا وسبوا وأسروا خلقاً كثيراً .
وغزا علي بن يحيى الأرمني الصائفة ومنع أهل لؤلؤة رئيسهم من الصعود إليها ثلاثين يوماً . فبعث إليهم ملك الروم بطريقاً يضمن لكل رجل منهم ألف دينار على أن يسلموا إليه لؤلؤة. فأصعدوا البطريق إليهم، ثم أعطوا أرزاقهم الفائتة وما أرادوا .
فسلموا لؤلؤة والبطريق إلى بلكاجور فَسَيْره إلى المتوكل .
فبذل ملك الروم في فدائه ألف مسلم .
وحج بالناس محمد بن سليمان بن عبد الله بن إبراهيم الإمام يعرف بالزينبي، وهو والي مكة وكان نيروز المتوكل الذي أرفق أهل الخراج بتأخيره إياه عنهم لإحدى عشر ليلة خلت من شهر ربیع الأول، ولسبع عشرة ليلة خلت من خزيران ولثمان وعشرين من أردبيهشت فقال البحتري : إن يوم النيروز عاد إلى العه*** د الذي كان سنّه أردشير
في هذه السنة خرج المجوس من بلاد الأندلس في مراكب إلى بلاد الإسلام فأمر محمد بن عبد الرحمن صاحب بلاد الإسلام بإخراج العساكر إلى قتالهم، فوصلت مراكب المجوسي إلى إشبيلية، فحلت بالجزيرة، ودخلت الحاضر إلى قتالهم، وأحرقت المسجد الجامع، ثم جازت إلى الغدوة، فحلت بناكور ، ثم عادت إلى الأندلس فانهزم أهل تدمير ودخلوا حصن أريوالة، ثم تقدموا إلى حائط إفرنجة، وأغاروا وأصابوا من النهب والسبي كثيراً ، ثم انصرفوا .
فلقيتهم مراكب محمد فقاتلوهم، وأحرقوا مركبين من مراكب الكفار وأخذوا مركبين آخرين، فغنموا ما فيهما، فحمي الكفرة عند ذلك، وجدوا في القتال فاستشهد جماعة من المسلمين .
ومضت مراكب المجوس حتى وصلت إلى مدينة بنبلونة، فأصابوا صاحبها غرسة الفرنجي، فافتدى نفسه منهم بتسعين ألف دينار.
وفيها غزا عامل طرسوسة إلى بنبلونة ففتح حصن بيلسان وسبى أهله، ثم كانت على المسلمين في اليوم الثاني وقعة استشهد فيها جماعة .
وفي هذه السنة : كان بين البربر وعسكر أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب وقعة عظيمة في جمادى الآخرة وسببها أن البربر لهان امتنعوا عن عامل طرابلس من آداء عشورهم و صدقاتهم، وحاربوه فهزموه فقصد لبلدة ،فحصنها، وسار إلى طرابلس.
فسير إليه أحمد بن محمد الأمير جيشاً مع أخيه زيادة الله فانهزم البربر، وقتل منهم خلق كثير، وسير زيادة الله الخيل في آثارهم، فقتل من أدرك منهم وأسر جماعة فضربت أعناقهم وأحرق ما كان في عسكرهم، فأذعن البربر بعدها وأعطوا الرهن وأدوا طاعتهم .
وفي هذه السنة توفي يعقوب بن إسحاق النحوي المعروف بابن السكيت وكان سبب موته:
أنه اتصل بالمتوكل، فقال له : أيهما أحب إليك؟ المعتز والمؤيد، أو الحسن والحسين؟
فتنقص ابنيه ، وذكر الحسن والحسين عليهما السلام بما هما أهلاً له .
فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره فمات.
وفيها : توفي ذو النون المصري في ذي القعدة، وأبو تراب النخشبي الصوفي نهشته السباع فمات بالبادية .
وأبو علي حسين بن علي المعروف بالكرابيسي صاحب الشافعي .
وقيل : مات سنة ثمان وأربعين.
وسوار بن عبد الله القاضي العنبري، وكان قد عَمِي.
ولم يجر فيها شيء يكتب (1)
وفيها : غزا عمرو بن عبد الله الأقطع الصائفة فأخرج سبعة عشر ألف رأس.
وغزا قريباس وأخرج خمسة آلاف رأس.
وغزا الفضل بن قارن نحواً من عشرين مركباً فافتتح حصن أنطاكية .
وغزا بلكاجور فغنم وسبى .
وغزا علي بن يحيى الأرمني فأخرج خمسة آلاف رأس ومن الدواب والرمك، والحمير نحواً من عشرة آلاف رأس .
وفيها : تحول المتوكل إلى الجعفرية .
وفيها : كان الفداء في صفر على يد علي بن يحيى الأرمني، فنودي بألفين وثلاثمائة وسبع وستين نفساً .
وفيها : مُطر أهل بغداد نيفاً وعشرين يوماً في شعبان ورمضان حتى ينبت العشب فوق الأجاجير وصلى المتوكل صلاة الفطر بالجعفرية وورد الخبر أن سكة بناحية بلخ تعرف بسكة : الدهاقين مطرت دماً عبيطاً .
وحج بالناس هذه السنة : محمد بن سليمان الزينبي وضحى أهل سامرا يوم الاثنين على الرؤية، وأهل مكة يوم الثلاثاء.
وفيها سار محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس في جيوش عظيمة وأهبة كثيرة إلى بلد بنبلونة، فوطئ بلادها ودوّخها وخَرّبها ونهبها وقتل فيها فأكثر، وفتح حصن فيروز، وحصن فالحسن، وحصن القشتل، وأصاب فيه : فرتون بن غرسية فحبسه بقرطبة عشرين سنة،ثم أطلقه إلى بلده وكان عمره لما مات ستاً وتسعين سنة.
وكان مقام محمد بأرض بنبلونة واثنين وثلاثين يوماً .
وفيها: توفي دعبل بن علي الخزاعي الشاعر وكان مولده سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان يتشيع .
وفيها : توفي السري بن معاذ الشيباني بالري، وكان أميراً عليها حسن السيرة من أهل الفضل.
وتوفي أحمد بن إبراهيم الدورقي ببغداد، ومحمد بن سليمان الأسدي الملقب بكُوَيْن .
1) كذا قال مسكويه عن هذه السنة، أما ابن الأثير فقال في الكامل في أحداث تلك السنة :
وفيها كان مقتل المتوكل على الله .
ذكر السبب في مقتله
أن المتوكل أمر بقبض ضياع وصيف بأصبهان والجبل وأقطعها الفتح بن خاقان ،فكتب الكتب بذلك وبلغ ذلك وصيفاً.
وكان المتوكل واقف الفتح بن خاقان على أن يفتك بابنه المنتصر لأشياء كانت تبلغه عنه ويفتك أيضاً بوصيف وبغا وغيرهما من قواد الأتراك ممن كان يتهم فكثر عبث المتوكل قبل الموعد على ابنه المنتصر وكان يقول له سميتك المنتصر (1)، فَسَمَّاكالناس بخفتك المستعجل .
فمرة كان يشتمه ومرة يسقيه فوق طاقته ومرة يأمر بصفعه .
فتحدث بعض من كان في ستارة المتوكل قال : التفت المتوكل إلى الفتح وهو ثمل فقال : برئت من ومن قرابتي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم تلطمه .
فقام الفتح فلطمه، ثم قال : اصفعه .
فأمر يده على قفاه ثم قال : المتوكل لندمائه اشهدوا جميعاً أني قد خلعت المستعجل - يعني المنتصر .
فقال المنتصر : لو أمرت يا أمير المؤمنين بضرب عنقي كان أسهل علي مما تفعله بي.
فقال : اسقوه، وأمر بالعشاء، فأحضروا ذلك في جوف الليل، فجعل يأكل هو والفتح وهو سكران يلقم ويسقي المنتصر وهو يشتمه . ثم خرج المنتصر (2)، وأخذ بيده زراقة (3)الحاجب وقال: امض معي.
قال : يا سيدي إن أمير المؤمنين [107/أ] لم يقم بعد.
فقال : إن أمير المؤمنين قد أخذ منه الشراب والساعة يخرج بغا والندماء، وقد أحببت أن يجعل أمر ولدك إلي فإن أو تامش (4)سألني أن أزوج ابنه من ابنتك وابنك من أبنته .
فقال له زراقة : نحن عبيدك يا سيدي فمر بأمرك .
وأخذ المنتصر بیده و انصرف به معه .
فقال بنات المغني : فما بعد المنتصر حتى سمعنا الصيحة والصراخ، وكنت مع المنتصر قد قمت لأشهد الأملاك والنشار، فلما سمع المنتصر الصراخ خرج فاستقبله بغا فقال له : ما هذه الصيحة؟
قال : خيراً يا أمير المؤمنين .
قال : ما تقول؟ ويلك !!
قال : عظم الله أجرك في سيدنا أمير المؤمنين كان عبدا لله دعاه فأجابه .
فجلس المنتصر، وأمر بباب البيت الذي قتل فيه عبد الله، فأغلق، وغُلّقت الأبواب كلها .
وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل (1)
وأما كيفية قتل المتوكل : فإنه لما خرج المنتصر دعا المتوكل بالمائدة، وكان بغا الصغير - المعروف بالشرابي - قائماً عند الستر وذلك اليوم كان نوبة بُغا الكبير وكان خليفته في الدار ابنه موسى - وموسى هذا هو ابن خالة المتوكل - وكان أبوه يومئذ بسميساط، فدخل بغا الصغير إلى المجلس، فأمر الندماء بالانصراف إلى حجرهم.
فقال له الفتح: ليس هذا وقت انصرافهم وأمير المؤمنين لم يرتفع .
فقال بُغا : إن أمير المؤمنين أمرني أنه إذا جاوز السبعة أن لا أترك أحداً وقد شرب أربعة عشر رطلاً .
وحرم أمير المؤمنين خلف الستارة، فأخرجهم، ولم يبق إلا الفتح وعثعث، وأربعة من خدمه الخاصة، وأبو أحمد بن المتوكل - وهو أخو المؤيد لأمه -.
وكان بُغا الشرابي أغلق الأبواب كلها إلا باب الشط، ومنه دخل القوم الذين قتلوه .
فبصر بهم أبو أحمد، فقال: ما هذا يا سُفّل ؟
فإذا سيوف مسئلة .
فلما سمع المتوكل صوت أبي أحمد رفع رأسه فرآهم، فقال: ما هذا يا بُغا؟
فقال : هؤلاء رجال النوبة، فرجعوا إلى ورائهم عند كلامه .
ولم يكن واجن وأصحابه وولد وصيف حضروا معهم .
فقال لهم :بُغا : يا سُفّل أنتم مقتولون لا محالة، فموتوا كراماً، فرجعوا .
فابتدره بغلون فضربه على كتفه وأذنه، فقده.
فقال : مهلاً قطع الله يدك وأراد الوثوب به، واستقبله بيده . فضربها فأبانها وشاركه باغر .
فقال الفتح : ويلكم أمير المؤمنين ورمى بنفسه على المتوكل.
فبعجوه بسيوفهم فصاح الموت وتنحى فقتلوه .
وكانوا قالوا لوصيف ليحضر معهم، وقالوا : إنا نخاف.
فقال لا بأس علیکم.
فقالوا له: أرسل معنا بعض ولدك، فأرسل معهم خمسة من ولده : صالحاً وأحمد،وعبد الله، ونصراً، وعبيد الله .وقيل : إن القوم لما دخلوا نظر إليهم عثعث فقال للمتوكل : قد فرغنا من الأسد، والحيات والعقارب وصرنا إلى السيوف، وذلك أنه ربما أسلى الحية والعقرب والأسد، فلما ذكر عثعث السيوف قال : ويلك أي سيوف؟
.1) يقول ابن الأثير في الكامل بعد هذا ذاكراً كيفية قتل المتوكل :
فذكر عثعث: أن المتوكل بعد قيام المنتصر دعا رجلاً، وكان بغا الصغير- المعروف بالشرابي - قائماً عند الستر، وبغا الكبير يومئذٍ بسميساط وخليفته موسى ابنه .
فدخل بغا الصغير وأمر الندماء بالانصراف إلى حجرهم.
فقال له الفتح ليس وقت انصرافهم.
فقال بُغا الصغير إن أمير المؤمنين إذا جاوز الست أرطال أن لا أترك أحداً في المجلس وقد جاوز العشرة .
فكره الفتح قيامهم .
فقال له بغا: إن حرم أمير المؤمنين خلف الستارة، وقد سكر فقوموا فاخرجوا.
فقاموا ولم يبق إلا عثعث والفتح وأربعة من الخدم الخاصة.
وغلق بغا الصغير الأبواب كلها إلا باب الشط ومنه دخل الذين وقفوا على قتله .
فلما دخل القوم وسلّوا سيوفهم نظر إليهم عنعث، فقال للمتوكل :
قد فرغنا من الحيات والعقارب والأسد، وصرنا إلى السيوف.
وذلك أن المتوكل ربما كان أرسل هذه الأشياء على ندمائه ليفزعهم ويضحك هو .
فلما ذكر عثعث السيوف قال : ويلك ما تقول؟ أي سيوف؟
فما استتم كلامه حتى دخلوا عليه فابتدروه قعلون (1)فضربه ضربة على كتفه وأذنه فقده، فقام الفتح في وجهه ووجوه القوم، قال وراءكم يا كلاب.
فقال له بُغا : لا تسكت يا حلقي
فرمى الفتح بنفسه على المتوكل، فاعتوره القوم بسيوفهم فقتلوهما جميعاً حتى اختلطت لحومهما .
وهرب عثعث بعدما أصابته ضربة ونجا الخدم وراء الستارة، وتطايروا.
وكان عبيد الله في حجرته لا يعلم شيء من أمر القوم، وهو ينفذ الأمور بالشموع .
وذكر أن بعض نساء الأتراك ألقت رقعة بما عزم عليه القوم فوصلت إلى بن يحيى وشاور الفتح فيها، واتفق رأيهم على كتمان المتوكل يومهم سرور فكرهوا أن ينقصوا يومه وهان عليهم أمر القوم وكانوا وثقوا بأن ذلك لا یجسر علیه و لا یتم فبینا عبيد الله ينفذ الأمور إذ طلع عليه بعض الخدم فقال :
1) كذا هنا، وسبق بالهامش السابق أن اسمه في الكامل : بغلون.
يا سيدي ما جلوسك ؟
قال : المتوكل .
قال : قد خلا سيف واحد فأمر ببعض خدمه بالخروج فخرج ونظر، ثم عاد فأخبره أن المتوكل والفتح قد قتلا .
فخرج فيمن معه من خدمه وخاصته، فأخبره أن الأبواب مغلقة، فأخذ نحو الشط، ووجد زورقاً، فقعد فيه معه جعفر بن حامد، وغلام له.
فساروا إلى منزل المعتز، فسأل عنه، فلم يصادفه .
فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون قتلني وقتل نفسه وتعطف عليه .
واجتمع إلى عبيد الله أصحابه غداة غد (1)من الأبناء والعجم والأرمن، والزواقيل من الأعراب وغيرهم.
وقد اختلف في عدتهم :
فقال بعضهم : كانوا عشرة آلاف(2)
كانوا زهاء عشرة آلاف وقيل كانوا ثلاثة عشر ألفاً وقيل : ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف .
.وزاد بعضهم ونقص بعض فقالوا : إنما كنت تصطنعنا لهذا اليوم، فأمر بأمرك، وأذن لنا نميل على القوم ميلة فنقتل المنتصر ومن معه من الأتراك وغيرهم.
فأبى وقال : ليس في هذا حيلة والرجل في أيديهم - يعني المعتز -(3)
وذكر عن علي بن يحيى المنجم أنه قال :
كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله بأيام كتاباً من كتب الملاحم فوقفت على موضع فيه : أن الخليفة العاشر يقتل في مجلسه، فتوقفت عن قراءته .
فقال : ما لك؟ .
قال : فقلت خير لا بد من أن تقرأه، فقرأته وحدتُ عن ذكر الخلفاء.
فقال : ليت شعري من هذا الشقي المقتول؟
فقال أبو الوارث قاضي نصيبين : رأيت في النوم آتياً أتاني وهو يقول :
يا نائم العين في جُثمان يقظان ما بال عينك لا تبكي بتهتان أما رأيت صروف الدهر ما فعلت ***بالهاشمي وبالفتح بن خاقان
فأتى البريد بعد أيام بقتلهما، وكان قتله ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال وقيل : ليلة الخميس. وكانت خلافته أربع عشر سنة وعشرة أشهر، وثلاثة أيام. وكان مولده بفم الصلح في شوال سنة ست ومائتين وكان عمره نحو أربعين سنة.
وكان أسمر حسن العينين نحيفاً خفيف العارضين .
ورثاه الشعراء فأكثروا ومما قيل فيه قول علي بن الجهم :
عبيد أمير المؤمنين قتلته*** وأعظم آفات الملوك عبيدها*** بني هاشم صبراً فكل مصيبة*** سیبلى على وجه الزمان جديدها
ذكر أن أبا الشمط مروان بن أبي الجنوب قال : أنشدت المتوكل شعراً ذكرت فيه الرافضة، فعقد لي على البحرين واليمامة، وخلع عليَّ أربع خلع وخلع على المنتصر ، وأمر لي المتوكل بثلاثة آلاف دينار فنثرت عليّ، وأمر ابنه المنتصر، وسعد الإيتاخي أن يلقطاها لي ففعلا والشعر الذي قتله :
مُلك الخليفة جعفر للدين والدنيا سلامة لكم تراث م تراث محمدت وبعد لكم تُشفى الظلامة یرجو التراث بنو البنات وما لهم فيها قلامة والصهر لیس بوارث*** والبنت لا ترث الإمامة ما للذین تنحلوامیراثکم إلّا الندامة*** أخذ الوراثة أهلها*** فعلام لومُكُم علامة لو كان حقكُم لماقامت على الناس القيامة*** لیس التراث لغیرکم لا والإله ولا كرامة أصبحت بين محبكُم*** والمبغضين لكم علامة
ثم نثر علي بعد ذلك لشعر ،قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم.
وقدم في هذه السنة : محمد بن عبد بن طاهر من مكة في صفر، فشكا ما ناله من الغم بما وقع من الخلاف في يوم النحر، فأمر المتوكل بإنفاذ خريطة من باب أهل الموسم برؤية هلال ذي الحجة وأمر أن يقاد على المشعر الحرام، وسائر المشاعر الشمع مكان الزيت والنفط.
وفيها ماتت أم المتوكل في شهر ربيع الآخر، وصلى عليها المنتصر، ودفنت عند المسجد الجامع، وكان موتها قبل المتوكل بستة أشهر .
.وكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر، وكان أسمر نحيفاً حسن العينين خفيف العارضين .
وبوبع المنتصر يوم الأربعاء [الأربع](1)من شوال ، وهو ابن خمس وعشرين سنة. واستوزر أحمد بن الخصيب، وهو الذي قرأ على الناس كتاباً فخبر عن أمير المؤمنين المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل أبا جعفر المتوكل فقتله به.
وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان فبايع وانصرف (2)
وكان اتصل بنا الخبر: أن عبيد الله بن يحيى قد أعد قوماً في طريق المنتصر ليغتالوه عند انصرافه، وكان المتوكل قد أسمعه ،وأحفظه ووثب عليه فانصرف غضبان، وانصرفنا معه إلى داره وكان وَاعَدَ الأتراك على قتل المتوكل إذا ثمل من النبيذ .
قال : فلم ألبث أن جاءني رسوله : أن أحضر فقد جاءت رُسل أمير المؤمنين إلى الأمير ليركب. قال: فوقع في نفسي ما كُنا سمعنا من اغتيال المنتصر، فركبت في سلاح وعدة وجئت باب المنتصر، فإذا هم يموجون، وإذا واجن قد جاءه فأخبره أنهم قد فرغوا من المتوكل .
فركب فلحقته في بعض الطريق وأنا مرعوب فرأى ما بي فقال : ليس عليك بأس أمير المؤمنين قد شرق بقدح شربه فمات رحمه الله تعالى .
فشق علي ومضينا ومعنا أحمد بن الخصيب وجماعة من القواد حتى دخلنا القصر، ووكل بالأبواب.
فقلت له : يا أمير المؤمنين لا ينبغي أن تفارقك مواليك في هذا الوقت.
قال : أجل وكن أنت خلف ظهري .
فأحطنا ،به وبايعه من ،حضر وكل من جاء يوقف حتى جاء سعيد الكبير، فأرسله خلف المؤيد فقال : امض أنت إلى المعتز حتى يحضر .
فأرسلني، فمضيت وأنا آيس من نفسي ومعي غلامان لي، فلما سرت إلى باب المعتز لم أجد به أحداً من الحرس والبوابين، فسرت إلى الباب الكبير، فدققته دقاً عنيفاً، فأجبت بعد مدة : من أنت؟
فقلت : رسول أمير المؤمنين المنتصر .
فمضى الرسول وأبطأ وخفت وضاقت علي الأرض، ثم فتح الباب وخرج بدون الخادم وأغلق الباب، ثم سألني عن الخبر، فأخبرته أن المتوكل شرق بكأس شربه فمات من ساعته وأن الناس قد اجتمعوا وبايعوا المنتصر، وقد أرسلني لأحضر الأمير المعتز ليبايع.
فدخل ثم خرج، فأدخلني على المعتز فقال لي: ويلك ما الخبر؟
فأخبرته وعزيته وقلت : تحضر وتكون في أول من يبايع، وتأخذ بقلب أخيك .
فقال : حتى نصبح .= فما زلت به أنا وبيدون حتى ركب وسرنا وأنا أحدثه، فسألني عن عبيد الله بن يحيى .
فقلت : هو يأخذ البيعة على الناس والفتح قد بايع فآيس .
وأتينا باب الخير، ففتح لنا وسرنا إلى المنتصر، فلما رآه قربه وعانقه وعزاه ، وأخذ البيعة عليه . ثم وافي سعيد الكبير بالمؤيد ففعل به مثل ذلك ، فأصبح الناس، وأمر المنتصر بدفن المتوكل والفتح . ولما أصبح الناس شاع الخبر في الماخورة وهي المدينة التي كان بناها المتوكل، وفي أهل سامرا بقتل المتوكل فتوافى الجند والشاكرية بباب العامة وبالجعفرية وغيرهم من الغوغاء والعامة، وكثر الناس وتسامعوا وركب بعضهم بعضاً، وتكلموا في أمر البيعة .
فخرج إليهم عتاب بن عتاب وقيل زرافة فوعدهم عن أمير المؤمنين المنتصر، فأسمعوه فدخل عليه فأعلمه فخرج المنتصر، وبين يديه جماعة من المغاربة فصاح بهم، وقال: خذوهم فادفعوهم إلى الأبواب فازدحم الناس وركب بعضهم بعضاً فتفرقوا وقد مات منهم ستة أنفس.
وفيها : ولي المنتصر أبا عمرة أحمد بن سعيد مولى بني هاشم بعد البيعة له بيوم المظالم فقال الشاعر :
يا ضيعة الإسلام لما وَلِيَ مظالم الناس أبو عمرة صُيّر مأموناً على أمة*** وليس مأموناً على بعرة
وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبي واستعمل على دمشق عيسى بن محمد النوشري. وفيها : سار جيش المسلمين بالأندلس إلى مدينة برشلونة وهي للفرنج، فأوقعوا بأهلها. فراسل صاحبها ملك الفرنج يستمده، فأرسل إليه جيشاً كثيفاً .
وأرسل المسلمون يستمدون، فأتاهم الممد فنازلوا برشلونة وقاتلوا قتالاً شديداً وملكوا أرباضها، وبرجين من أبراج المدينة، وقتل من المشركين بها خلق كثير ، وسلم المسلمون، وعادوا، وقد غنموا.
وفيها : توفي أبو عثمان بكر بن محمد المازني النحوي الإمام في العربية .
.وفيها : أغزى المنتصر وصيفاً التركي الصائفة [من](1)أرض الروم.
ذكر السبب في ذلك
كان السبب في ذلك أنه كان بين أحمد بن الخصیب وبین وصیف شحناء وتباغض، فأشار على المنتصر بإخراجه غازياً . فقال المنتصر لبعض حجابه : ائذن لم حضر الدار .
فأذن لهم وفيهم وصيف فأقبل عليه وقال يا وصيف، أتانا طاغية الروم، إنه أقبل يريد الثغور وهذا الأمر لا يمكن أن يمسك عنه، فإما شخصت [أنت] وإما شخصت [أنا ](2).
فقال : بل أشخص يا أمير المؤمنين .
فقال لأحمد بن الخصيب : انظر ما يحتاج إليه على أبلغ ما يكون فأتمه له .
قال : نعم يا أمير المؤمنين .
قال : ما معنى نعم، قم الساعة يا وصيف ومُرْ كُتابك أن توافقه على جمیع ما يحتاج إليه حتى تريح علته .
فقام أحمد ووصيف حتى خرج .
فلما أفلح وكتب المنتصر كتاباً إلى محمد بن عبد الله بن طاهر وكان ببغداد منصرفاً من الحج يعرفه فيه غزاة وصيفاً ويعلمه أنه خارج إلى ثغر ملطية للنصف من حزيران ويأمره أن يكاتب عماله في نواحي عمله لتقرأ كتاب أمير المؤمنين على من قبلهم ويحثهم على الجهاد [107/ ب] ويستنفرهم ويلحقهم به في الوقت المحدود.
ثم کتب عن (1)
وعلى كُلِ فإن في القصة ما لا يوجب التصديق على هذا السياق حيث لم تكن الأمور إلى هذا الحد من التسيب والانحلال حيث توجه الجيوش من أرض إلى أرض من أجل إرضاء بعض الحاشية أو خلاصاً من بعضها فالله أعلم بحقيقة الأمر.
المنتصر كتاب إلى وصيف يأمره بالقيام بهذا الثغر أربع سنين يغزو في أوقات الغزو إلى أن يأتيه رأي أمير المؤمنين .وفي هذه السنة : خَلَعَ المعتز والمؤيد أنفسهما . . . (2)ذلك .
ذكر سبب خلعهما .
لما استقامت الأمور للمنتصر بالله قال أحمد بن الخصيب لبُغا: إِنَّا لا نأمن الحدثان، وأن يموت أمير المؤمنين فيلي الأمر المعتز، فلا يبقى منا باقية، والرأي أن تعمل في خلع هذين الغلامين قبل أن يظفر بنا . فجَدّ الأتراك في ذلك، وألحوا على المنتصر بالله وقالوا نخلع هذين ونبايع لابنك عبد الوهاب.
وكان مكرماً للمؤيد ،والمعتز ، فلم يزالوا به حتى أحضرهما الدار، وذلك بعد أربعين يوماً من ولايته .
فلما حصلا في دار واحدة من الدار قال المعتز للمؤيد : يا أخي احضرنا المنتصر(3)للخلع .
قال : لا أظنه يفعل بنا ذلك.
فبينا هم في ذلك إذ جاءتهم الرسل بالخلع .
فقال المؤيد : السمع والطاعة .
وقال المعتز ما كنت لأفعل، فإن أردتم قتلي فشأنكم.
فرجعوا إليه فأخبروه، ثم عادوا بغلظة شديدة، وأخذوا المعتز بعنف، وأدخلوهإلى بيت فأغلقوا عليه .
فقال لهم المؤيد بجراءة واستطالة ما هذا يا كلاب؟ قد ضربتم على دمائنا تثبون على مولاكم هذا الوثوب؟! دعوني [وإياه](1)حتى أكلمه .
فسكتوا (2)عن جوابه وقالوا : القه إن أحببت .
فيظن أنهم استأمروا (3)، لأنهم أقاموا ساعة ثم أذنوا له .
فقام إليه المؤيد؛ فوجده يبكي فقال (4): يا جاهل تراهم قد نالوا من أبيك ما نالوا ثم تمتنع ، ويلك.
فقال : سبحان الله أمر قد طار في الآفاق ووثق منه أخلعه؟!
قال : هذا قد قتل أباك ويستقتلك فاخلعه ،وعش فوالله لئن كان في سابق علم الله أن تلي لتلين .
قال : أفعل .
قال: فخرجت وقلت : قد أجاب .
فمضوا وعادوا فخبروني خيراً، ودخل معهم كاتب ومعه دواة وقرطاس، فجلس، ثم أقبل على أبي عبد الله المعتز ، فقال : اكتب بخطك قبلك
فقال المؤيد للكاتب : هات قرطاسك وأمل (5)ما شئت .
فأملى عليه كتاب المنتصر يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر، وأنه قد علم أنه لا يحل له تقلده ويكره أن يأثم المتوكل بسببه إذ لم يكن موضعاً له، ويقول: إني قد خلعت بنفسي، وأحلل الناس من بيعتي. ثم قال المؤيد اكتب يا أبا عبد الله فكتب وخرج الكاتب .
قال المؤيد ثم دعا بنا فدخلنا عليه وهو في مجلسه، والناس على مراتبهم، فسلمنا فرد علينا وأمرنا بالجلوس.
1) زيادة من الكامل.
2) في المخطوط وكانوا، وهو تحريف والتصويب من الكامل.
3) كذا هنا على الشك، وفي الكامل في التاريخ فسكتوا عنه وأذنوا له في الاجتماع به بعد إذن من المنتصر بذلك. وهذا السياق على اليقين.
4) العبارة في المخطوط على هذا النحو : فقال إليه فقال المؤيد فوجده يبكي فقلت وقد أصابها اضطراب وتحريف، فحذفت الزائد وغيرت ما يلزم .
5) في المخطوط واملل وهو تحريف
ثم قال : هذا كتابكما؟
فبدرت وقلت : نعم يا أمير المؤمنين هذا كتابي بمسألتي وفوق .
قال : أتريانني خلعتكما طمعاً في أن أعيش ويكبر ولدي وأسير الخلافة إليه؟ والله ما طمعت في ذلك قط، وإذ لم يكن لي في ذلك طمع، فوالله لأن يلي بنو أبي أحب إلّي من أن يليها بنو عمي، ولكن هؤلاء - وأومأ إلى سائر الموالي ممن هو قائم وقاعد - ألحوا عليّ في خلعكما، فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة فما تريانني صانعاً
أأقتله؟ فوالله ما يفيء دماؤهم كلهم بدم ،بعضكم، فإن أجابتهم إلى ما سألوا أسهل عليّ.
فقبلا يده وضمهما إليه ، ثم انصرفا .
وكتبت نسخة خلعهما وبما أنشئ عن المنتصر بالله في ذلك كتب إلى العمال في الآفاق.
وفي هذه السنة : توفي المنتصر بالله.
ما صرعه إلا داء الثعنة .
قد اختلف الناس في وفاته :
فقال قوم: قد أصابته الذبحة .
وقال آخرون : أصابه ورم في معدته .
وقال الآخرون : فصد بمبضع مسموم ، وأن طبيبه لما قصده دهش فلم يميز مبضعه المسموم .
ثم اعتل هو، فقصده تلميذه فمات.
وقيل: بل وجد علته في رأسه فقطر ابن طيفور (1)في أذنه دهناً، فورم رأسه فعولج فمات.
ولم يزل الناس منذ ولي الخلافة وإلى أن مات يقولون: مدة حياته ستة أشهر (2)
مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه مستفيضاً ذلك على ألسن العامة والخاصة.
وكان المنتصر استفتى في قتل أبيه الفقهاء من غير أن يسميه، وحكى أموراً قبيحة لا تكتب في كتاب، فأفتوا بقتله.
فلما قتله رآه في النوم كأنه يقول : ويلك يا محمد، قتلتني وظلمتني، والله لا متعت بالخلافة إلا أياماً ثم مصيرك إلى النار . فانتبه وهو لا يملك عينيه ولا جزعه، وكان يتسلى .
ويقال له : هذا استشعار، وهو حديث النفس فلا يسلو، وما زال منكسراً إلى أن توفي. ولما اشتدت علته خرجت إليه أمه فسألت عن حاله.
فقال : ذهبت والله عني الدنيا والآخرة، وتوفي وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وستة أشهر .
فكانت خلافته ستة أشهر، وكان أعين قصيراً جيد ،النصعة، وكان مهيباً وطلبت أمه أن يظهر قبره، فهو أول خليفة من بني العباس عرف قبره(1)
وما فرحت نفسي بدنيا أخذتها ***ولكن إلى الرب الكريم أصير
وكانت أمه أم ولد رومية .
.وكنيته أبا ،جعفر، ومن طريف ما اتفق عليه : أن محمد بن هارون كاتب محمد بن علي برد الحار وخليفته على أن يرد إلى أرو خليفته على ديوان ضياع (...)(2)إبراهيم المؤيد أصيب مقتولاً على فراشه و به عدة ضربات بالسيف.
وأحضر ولده خادماً أسود كان له وصيفاً فأقر الوصيف على الأسود.
فأدخل إلى المنتصر، وأحضر قاضي القضاة، وهو يومئذ جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، فسأل الأسود عن قتله فأقر ووصف [1/108] فعله به وسبب قتله إياه .
فقال له المنتصر : ويلك لمَ تقتله ؟
فقال الأسود كما قتلت أنت أباك المتوكل.
فتقدم بضرب عنقه عند حبسة بابك .
وفي هذه السنة تحرك يعقوب الصفار من سجستان فسار إلى هراة.
وفيها : بويع أحمد بن المعتصم .
لما توفي المنتصر اجتمع الموالي وفيهم بغا الكبير وبغا الصغير، وأوتامش،
ومن معهم فاستحلفوا جميع القواد على أن يرضوا بمن يرضى به بغا الكبير وبغا الصغير، وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب فحلفوا كلهم.
فتشاوروا بينهم وكرهوا أن يتولى الخلافة أحد من ولد المتوكل لقتلهم المتوكل، وخوفهم أن يغتالهم من يتولى الخلافة منهم .
فأجمع أحمد بن الخصيب ومن حضر من الموالي على محمد بن المعتصم، وقالوا : لا تخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم .
فبايعوه (1)وله ثماني عشرة سنة، ويكنى أبا العباس، ولقب المستعين بالله .
فاستكتب أحمد الخصيب واستوزر أوتامش.
فلما ساروا إلى دار العامة في زي ،الخلافة، وقد صُف أصحابه، وقام فيهم مع وجوه أصحابه وحضر الدار ولد المتوكل، والعباسيون والطالبيون، وأصحاب المراتب، إذا صيحة من ناحية الشارع وجماعة من الفرسان ذكر أنهم من أصحاب أبي العباس محمد بن عبد الله بن طاهر، وفيهم من فرسان الطبرية، وأخلاط الناس، والغوغاء، والسوقة، وقد شهروا السلاح وصاحوا معتز (2)یا منصور، وشدوا وتضعضعوا (3)، وانضم بعضهم إلى بعض، ثم حملوا عليهم. ونشبت الحرب بينهم، وأقبل المغاربة (4)والغوغاء يكرون.
فوقع بينهم قتل، ثم تحاجزوا وخرج المستعين وقد بايعه من حضر من أصحاب المراتب إلى الهاروني (5).
ودخل الغوغاء، وانتهبوا الخزانة التي فيها السلاح والدروع والسيوف المعزية والتراس الخيزران .
ثم جاءهم جماعة من الأتراك فيهم بغاء الصغير، فأجلوهم من الخزانة وقتلوا جماعة منهم .
وكان عامة من انتهب أصحاب المناطق، والفقاع وأصحاب الحمامات، وغوغاءالأسواق.
ثم [وضع ](6)العطاء في ذلك اليوم الذي بويع فيهم.
وبعث البعث إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فبعث إلی الهاشمیین، والقوادوالجند، ووضع الأرزاق.
وورد في هذه السنة نعي طاهر بن عبد الله بخراسان في رجب.
وعقد (1)المستعين لابنه أبي عبد الله محمد بن طاهر بن عبد الله لن طاهر علیخراسان .
وعقد لمحمد بن عبد الله بن طاهر عمه على العراق، وجعل إليه الحرس والشرطة ومعاون السواد برأسه وأفرده به (2)
ذكر ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم : أن المستعين أخو المتوكل لأبيه، وليس هو كذلك، إنما هو ولد أخيه محمد بن المعتصم، والله أعلم.
.وفيها مات بغا الكبير، فعقد المستعين لابنه على أعمال أبيه كلها واسمه موسی.
وفيها ابتاع المستعين من المعتز والمؤيد جميع مالهما(3)من الدور، والمنازل، والقصور والفُرش والآلات وغير ذلك من الضياع والعقار، وأشهد عليهما القضاة والعدول، ووجوه الهاشميين.
وترك لأبي عبد الله المعتز قيمة عشرين ألف ألف دينار.
ولإبراهيم المؤيد قيمة خمسة آلاف دينار وذلك في السنة الواحدة.
وكان ما ابتيع من أبي عبد الله بعشرة آلاف ألف دينار : عشر حبات لؤلؤ
ومن إبراهيم بثلاثة آلاف دينار ثلاث حبات لؤلؤ .
وكان الشراء باسم الحسن بن مخلد المستعين ووكل بهما، وجعل أمرهما إلى بغا الصغير. وكان الأتراك قد أرادوا حين شغب الشاكرية والغوغاء قبلهما، فمنعهم أحمد بن الخصيب، ، قال : ليس لهما ذنب. ولكن احبسوهما، فحبسوهما ] (4).
وفيها غضب المولى على داره وكراعه ،وحرامه وخزائنه، وخاص أموره، وقدمه(5)أوتامش على جميع الناس(6)
وفيها : غضب الموالي على أحمد بن الخصيب في جمادى الآخرة، واستصفى ماله ومال ولده، ونقل إلى أقريطش .وفيها صرف علي بن يحيى الأرمني عن الثغور الشامية وعقد له على أرمينية، وأذربيجان في
شهر رمضان .
وفيها شغب أهل حمص على كيدر عاملهم فأخرجوه فوجه إليهم المستعين الفضل بن قارن، فأخذهم فقتل منهم خلقاً كثيراً، وحمل منهم مائة من أعيانهم إلى سامرا.
وفيها غزا الصائفة وصيف، وكان مقيماً بالثغر الشامي، فدخل بلاد الروم فافتتح حصن فروريه . وفيها : عقد المستعين لأتامش على مصر والمغرب، واتخذه وزيراً.
وفيها : عقد لبغا الشرابي على حلوان وماسبذان ، ومهرجان قذق .
وجعل المستعين شاهك الخادم على داره وكراعه وحرمه وحراسه وخاصة أمورة، وقدمه أو تامش علی جمیع الناس. وحج بالناس هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي .
وفيها حكم محمد بن عمرو أيام المنتصر وخرج بناحية الموصل خارجي، فوجه إليه المنتصر إسحاق بن ثابت الفرغاني فأسره مع عدة من أصحابه فقتلوا وصلبوا .
وفيها: تحرك يعقوب بن الليث الصفار من سجستان نحو هراة .
وفيها: توفي عبد الرحمن بن عدويه أبو محمد الرافعي الزاهد وكان مستجاب الدعوة، وهو من أهل أفريقية .
وفيها: سارت سرية في الأندلس إلى ذي تروجة وكان المشركين قد تطاولوا إلى ذلك الجانب، فلقيتهم السرية، فأصابوا من المشركين وقتلوا كثيراً منهم .
وفيها: كان بصقلية سرايا للمسلمين فغنمت وعادت ولم يكن حرب بينهم تذكر .
وفيها توفي أبو كريب محمد بن العلاء الكوفي في جمادى الآخرة، وكان من مشايخ البخاري ومسلم . ومحمد بن حميد الرازي المحدث .
.وفيها أشغب الجند والشاكرية .
ذكر السبب في شغبهم
كان السبب في ذلك [أن] (1)ابن جعفر بن دينار كان غزا الصائفة، فاستأذنه عمر بن عبيد الله(2)الأقطع في الميسر إلى ناحية من الروم [ فأذن له فسار في](3)نحو مائة ألف .
فقتل عمر ومن معه [ من] (4)المسلمين من أهل ميافارقين وقتل أیضاً[علي بن يحيى ](5)
أشهر مدينة بديار بكر :قالوا سميت بميا بنت لأنها أول من بناها وفارقين هو بالفارسية يقال له بارجين لأنها كانت أحسنت خندقها فسميت بذلك وقيل : وما بُني منها بالحجارة فهو بناء أنو شروان بن قباذ وما بني بالأجر، فهو بناء أبرويز .
قال بطليموس : مدينة ميافارقين : طولها أربع وسبعون درجة وعرضها سبع وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة .
في جماعة من من المسلمين .فلما اتصل خبرهما بأهل مدينة السلام (1)وسر من رأى ، وسائر مدن الإسلام عظم عليه مقتل هذين وهما نابان من أنياب المسلمين شديد بأسهما عظيم نكايتهما وغيارهما في الثغور.
فشق على الناس ذلك وعظم في الصدور، وانضاف إلى ذلك ما لحقهم من الأتراك في قتلهم المتوكل واستيلائهم على أمور المسلمين وقتلهم من أرادوا قتله من الخلفاء، واستخلافهم من أحبوا استخلافه من غير رجوع منهم إلى ديانة ولا نظر للمسلمين .
فاجتمعت العامة ببغداد ،بالصراخ والنداء بالنفير وانضمت إليها الأبناء والشاكرية تظهر أنها تطلب الأرزاق، ففتحوا السجون وأخرجوا [من فيها ] (2).
[واقبلت العامة من نواحي ](3)خراسان والصغائر من أهل الجبال والمحمرة وغيرهم وقطعوا أحد الجسرين، وخربوا (4)الآخر بالنار .
وانتهبت الدواوين، وقطعت الدفاتر والقيت في الماء.
وانتهبت عدة دور ثم أخرج أهل اليسار من أهل بغداد وسر من رأى أموالاً كثيرة من أموالهم ففرقوا (5)من [108 / ب] خف للنهوض إلى الثغور الحرب (6)الروم.
وأقبل الناس من كل ناحية من نواحي الجبل والأهواز وغيرهما .
ولم يكن من السلطان فيه معونة ولا نكير على الروم.
ووثبت العامة كسر من رأى على أصحاب السجون فأخرجوا من فيها .
فأركب زراقة ووصيف وأوتامش، فوثبت العامة فهزمتهم وألقى [على](7)بهم وصيف قدر مطبوخة، فأمر وصيف النفاطين فرموا قرب من ذلك الموضع من حوانيت التجار ومنازل الناس بالنار فأحرق ذلك كله وقتل من العامة خلق، وانتهبت دور جماعة منهم .
وفي هذه السنة : قتل أوتامش وكاتبه شجاع
ذكر السبب في قتلهما
لما أفضت الخلافة إلى المستعين أطلق يد أو تامش وشاهك الخادم في بيوت
الأموال، وأباحهما إياهما ، وفعل ذلك لهم بنفسه.
وكانت الأموال مكتسحة، وكان المستعين جعل ابنه العباس في حجر أوتامش.
وكان وصيف وبغا من ذلك بمعزل فاغربا الموالي به ولم يزالا يدبران الأمر عليه حتى أحكما التدبير فتذمرت الأتراك والفراغنة على أوتامش وخرج إليه أهل الدور، والكرخ إلى المعسكر ، ثم زحفوا إليه وهو في الجوسق مع المستعين، فأراد الهرب، فلم يمكنه واستجار بالمستعين فلم يجره.
فأقاموا على ذلك يومي الخميس والجمعة، فلما كان يوم السبت دخلوا الجوسق، فاستخرجوا أو تامش من الموضع الذي توارى فيه فقتل وقتل كاتبه شجاع بن القاسم، وانتهبت دورهم وأخذ منها أموالاً جليلة، ومتاع وفرش، وآنية.
فلما قتل أو تامش استوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن داود وعزل الفضل بن يزداد عن ديوان الخراج وولاه عيسى بن فرخانشاه. ثم غضب بغا الكبير على أبي صالح بن يزداد فهرب أبو صالح إلى بغداد وصير المستعين مكانه محمد بن الفضل الجرجاني (1)
فجعل على ديوان الرسائل سعيد بن حميد فقال الحمدوني
لبس السيف سعيد بعد ما*** كان ذا طمرين لا يؤبه له إن لله لآيات وذا آية لله فينا مُنَزَّلَهُ
وفيها : قتل علي بن الجهم بن بدر الشاعر بقرب حلب كان توجه إلى الثغر فلقيه خيل لكلب، فقتلوه، وأخذوا ما معه، فقال وهو في السياق :
أزيد في الليل ليل*** أم سال في الصبح سئل ***ذكرت أهل دُجَيل ***و أین متی دجیل
وكان منزله بشارع دجيل .
وفيها عزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء ووليه جعفر بن محمد بن عثمان البرجمي الكوفي .
وقيل : كان ذلك سنة خمسين ومائتين .
وفيها : أصاب أهل الري زلزلة شديدة ورجفة هدمت الدور، ومات خلق من أهلها وهرب الباقون فنزلوا ظاهر المدينة وحج بالناس هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام وهو والى مكة .
وفيها: سير محمد صاحب الأندلس جيشاً مع ابنه إلى مدينة ألية والقلاع من بلد الأفرنج. فجالت الخيل في ذلك الثغر ،وغنمت وافتتحت بها حصوناً منيعة .
وفيها : توفي أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب صاحب أفريقية ثالث عشر ذي القعدة فلما مات ولي أخوه زيادة الله بن محمد بن الأغلب، فلما ولي زيادة الله أرسل إلى خفاجة بن سفيان أمير صقلية يعرفه موت أخيه وأمره أن يقيم على ولايته .
.1) كذا في المخطوط، وفي الكامل الجرجرائي وقال بعد هذا :
وفيها ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام المكنى بأبي الحسين وقتل فيها.
ذكر السبب في خروجه
كان السبب في ذلك أن أبا الحسين يحيى بن عمر نالته ضيقة شديدة ولزمه دين ضاق به ذرعاً [فلقي ](1)عمر بن نوح (2)وهو يتولى أمر الطالبيين عند(3)مقدمه من خراسان، وكلمه في صلة، فأغلظ له عمر في القول.
فقذفه يحيى في مجلسه، فجلس، فلم يزل محبوساً إلى أن كفل به أهله، فانطلق . ثم سار إلى سُرّ مَنْ رأى فلقي وصيفاً في رزق يجري له فأغلظ له وصيف في الرد وقال : لأي شيء تجري على مثلك؟! فانصرف عنه .
فذكر الصوفي الطالبي أنه أتاه في الليلة التي في صبيحتها، فبات عنده فلم يعلمه بشيء مما عزم عليه، وأنه عرض عليه الطعام وتبين فيه أنه جائع، فأتى الفلوجة، فسار إلى قرية تعرف بالعمد .
فكتب صاحب الخبر بخبره فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى عامله على معاون السواد، وهو عبد الله بن محمود السرخسي وإلى عامل الكوفة، وهو: أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان فأمرهما على محاربته .
فمضى يحيى بن عمر (4)في تسعة نفر إلى الكوفة، فدخلها وسار إلى بيت مالها، فأخذ ما فيه وهو سبعون ألفاً وألف دينار.
وأظهر أمره بالكوفة وفتح السجون وأخرج عمال السلطان عنها .
فلقيه عبد الله بن محمود في عدد من الشاكرية فضربه يحيى على وجهه ضربة أئخنته فانهزم ابن محمود مع أصحابه، وحوى يحيى ما كان مع ابن محمود منالدواب والمال .
ثم خرج يحيى من الكوفة إلى سوادها ولم يقم بالكوفة، ولحقه جماعة من
1) ما بين المعقوفين سقط من المخطوط وأثبته من الكامل .
2) وفي الكامل: عمر بن فرج. .
3) في المخطوط عنده وهو تحريف والتصويب من الكامل.
4) في الكامل : يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب المكنى بأبي الحسين بالكوفة، وكانت أمه : فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم .
الزيدية وأعراب أهل الطفوف والمسيب إلى ظهر واسط، وكثر جمعه.
ووجه محمد بن عبيد الله بن طاهر، الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، وضم إليه من ذوي البأس والنجدة من قواده جماعة .
وشخص الحسين بن إسماعيل، فنزل بإزاء يحيى بن عمر، وكان تقدم عليه.
فمضى يحيى بن عمر في شرقي المسيب، والحسين في غربيه حتى عبر إلى ناحية سوداء وسار حتى قرب من جسر الكوفة، فلقيه عبد الرحمن بن [المعروف ب- ](1)وجه الفلس.
فقاتله قتالاً شديداً، وانهزم وجه الفلس فسار إلى ناحية شاهي، ووافاه الحسين بنن الخطاب إسماعيل فعسكرها .
ودخل يحيى بن عمر ،الكوفة، واجتمعت إليه ،الزيدية وكشف أمره، واجتمعت إليه جماعة من الناس وأحبوه وتولاه العامة من أهل الكوفة خاصة .
وتدين الناس في تشيعهم وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهي واستراح وأراح أصحابه دوابهم، واتصلت بهم الأمداد، والأموال.
وأقام يحيى بالكوفة يُعدّ العُدد، ويطبع السيوف، ويجمع السلاح، فاجتمع عامة من الزيدية ممن لا علم لهم بالحرب، وأشاروا على يحيى بن عمر بمعاجلة الحسين، وألحت عليه عوام أصحابه بمثل [1/109] ذلك فزحف إليه من ظهر الكوفة من وراء الخندق ومعه الهيضم العجلي في فرسان بني عجل، وأناس من بني أسد، ورجالة من أهل الكوفة ليسوا بذوي علم ولا شجاعة ولا تدبير .
فصبحوا الحسين وأصحاب الحسين مستريحون يستعدون فثاروا إليهم، وذلك في الغلس (2)فرموا ساعة، ثم حمل عليهم فرسان ،الحسين فانهزموا، ووضع فيهم السيف .
وكان أول أسير الهيضم بن العلاء بن جمهور العجلي، وانهزم رجالة أهلالكوفة، وأكثرهم عراة بغير سلاح ضعفاء القوى خلقان الثياب قد استهم الخيل .
وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر وقد تقطر به البرذون الذي أخذه من عبد الله بن محمود وعليه جوشن (3)ثبيتي .
فوقف عليه ابنا لخالد بن عمران ولم يعرفه أحدهما وظن أنه خراساني لأجل
الجوشن، فقال له الآخر : هذا والله يا أخي أبو الحسين قد انفرج قلبه وهو ما نزل ما يعرف القصة لانفراج قلبه فأمر رجلاً من أصحابهما فنزل إليه وأخذ رأسه. وادعى قتله جماعة، وحمل رأسه إلى دار محمد بن عبد الله، وقد تغير من بقور رأسه وتخرج الحدقة والغاصة فلم يقدروا عليه .
وهرب الخرارون(1)، وطلب في السجن من الحزمية والذباحين من يفعل ذلك فلم يقدم عليه أحد إلا(2)رجل من عمال السجن الجديد، فإنه جاء وتولى إخراج دماغه وعينيه وقوره وحشي بالصبر والكافور ، ثم أمر بحمل الرأس إلى المستعين وكتب إليه بيده بالفتح .
ونصب رأسه بباب العامة بسُرَّ مَنْ رأى، فاجتمع الناس وتذمروا، فحط ورد إلى بغداد لينصب هناك، فلم يتهيأ ذلك .
ذكر لمحمد أن الناس اجتمعوا (3)على أخذه(4)،فلم ينصبه .
فحكى بعض الطاهرين أنه حضر مجلس محمد بن عبد الله بن طاهر وهو یهناً بقتل يحيى وبالفتح وعنده جماعة الهاشميين من العباسيين والطالبيين وغيرهم من الوجوه .
فدخل عليه أبو هاشم داود بن الهيثم الجعفري فسمعهم يهنونه
فقال : أيها الأمير أتهنأ بقتل رجل لو كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم حيا لعزّني به؟! فما ردّ عليه محمد شيئاً، وحلم عنه فخرج وهو يقول:
يابني طاهر كلوه وبيا*** إن لحم النبي غير مريّ (5)
إن وترا يكون طالبه الل***ه لوتری نجاحه بالحري
ثم قال : وأكثر الشعراء المراثي في يحيى لما كان عليه من حسن السيرة والديانة فمن ذلك قول بعضهم :
بكى الخيل شجوها بعد يحيى*** وبكاه المهند المصقول*** ويكته العراق شرقاً وغرباً*** وبكاه الكتاب والتنزيل*** والمصلى والبيت والركن الحج*** جميعاً له عليه عويل*** كيف لم تسقط علينا*** يوم قالوا أبو الحسين قتيل*** وبنات النبي تبدين شجوا*** موجعات دموعهن همول *** قطعت وجهه سيوف الأغادي*** يأبى وجهه الوسيم الجميل إن يحيى أبقى بقلبي غليلاً سوف يؤذي بالجسم ذاك الغليل قتله مذکر لقتل علي وحسين ويوم أودى الرسول*** صلوات الإله وقفاً عليهم*** مابکی موجع وحن تكول
وكان المستعين قد توجه كليب بن كثير التركي مدداً للحسن، ومستظهراً به، فلقي حسيناً بعد أن أنهزم القوم وقبل يحيى بن عمر، ولحق في طريقه قوماً معهم الأسوقة والأطعمة يريدون عسكر يحيى فوضع فيهم السيف فقتلهم ، ودخل الكوفة، وأراد أن ينهبها ويضع السيف في أهلها، فمنعه ذلك ،الحسين وأمن الأسود والأبيض بها وأقام أياماً حتى أمن الناس ثم انصرف عنها .
وفي هذه السنة : ظهر(1)الحسن بن زيد بن محمد بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.
ذكر السبب في ذلك
کان سبب ذلك أن محمد بن عبد الله بن طاهر لما جرى على يده ما جرى من قتل يحيى بن عمر ودخول أصحابه الكوفة قطعه المستعين من صوافي (2)السلطان بطبرستان قطائع .
وكان فيها قطيعة بقرب ثغري طبرستان مما يلي الديلم وهما كَلاَر (3)
مدينة في جبال طبرستان بينها وبين آمل ثلاث مراحل، وبينها وبين الري مرحلتان كانت في ثغورها.
،وشالوس(4)مدينة بجبال طبرستان وهي أحد ثغورهم بينها وبين الري ثمانية فراسخ فيما زعم ابن الفقيه . قال : وبإزائها مدينة يقال لها : الكبيرة مقابل كَحْةَ كانت منزل الوالي - أعني كَجَّةً - وبين شالوس، و آمل من ناحية الجبال الديلمية عشرون فرسخاً .
.وكان بحذائهما أرض لأهل تلك الناحية فيها مرافق محتطبهم(5)، ومراعي مواشهم ومسرح سارحتهم، وليس لأحد عليها ملك، وإنما هي صحراء من موتان الأرض غير أنها غياض وأشجار وكلأ .
وكان وجه محمد بن عبدالله بن طاهر أخاً لكاتبه بشر بن هارون النصراني يقال له جابر، لحيازة ما أقطع هناك.
وعامل طبرستان سلیمان بن عبد الله خليفة محمد بن طاهر بن عبد الله ابن
1) في المخطوط : كان والتصويب من الكامل.
2) في المخطوط : الصواني. وهو تحريف والتصويب من هامش الكامل لقربه مما هنا رسماً وقد ذكر محقق الكامل بعد أن ذكرها في متن الكتاب: ضواحي إلى أنه في الطبري صوافي . قلت : وهو جيد أرضه .
3) قال ياقوت عن كلار في معجم البلدان :
4) وقال عن شالوس:
5) أي الأماكن التي يجمعون منها الحطب لشؤون إعاشتهم من طهي طعام واغتسال، وما إلى ذلك من الأمور التي تحتاج إلى الوقود الجاف الذي هو الحطب والذي هو الوحيد في عصورهم.
أخي محمد بن طاهر، والمستولي على سليمان بن عبد الله، والغالب على أمره،محمد بن أوس البلخي .
وقد فرق محمد بن أوس ولده في مدن طبرستان وجعلهم ولاتها وهم أحداث سفهاء.
فتأذى بهم الرعية وأنكروا منهم ومن والدهم ومن سليمان بن عبد الله ومن سيرتهم ومن سواء أثرهم فيهم .
ووتر(1)
كل من أدركته بمكروه فقد وترته .
مع ذلك محمد بن أوس الديلم بدخوله إليهم من حدود طبرستان وقتل، وهم أهل سلم وموادعة على اغترار من الديلم فأغار عليهم وسبى منهم وقتل، وكان مما زاد أهل طبرستان عليه حنقاً وغيظاً .فلما صار النصراني إلى طبرستان لحيازة ما أقطع صاحبه، حاز أيضاً ما اتصل به من موات الأرض الذي يرتفق به أهل تلك الناحية وكان بقرب ثغرين كما ذكرت .
وكان بتلك الناحية يومئذ رجلان معروفان بالشجاعة والرأي، مذكوران قديماً يضبط تلك الناحية ممن رامها من الديلم وبإطعام الناس والإحسان إلى من ضوى إليهما (2)
ومعنى ضوى ضعف .
، يقال لهما محمد، وجعفر ابنا ،رستم فانكرا ما فعل جابر من حيازة الموات الذي ذكرت وقطع مرافق الناس منه .وكان أبناء رستم [قد جذا](3)في منعهما جابراً مما حوله بالشر. [فهرب إلى عامل طبرستان] (3) وذلك أن عامل طبرستان كلها سليمان بن عبد الله، وعم محمد بن طاهر والي خراسان والري ،والمشرق لما أيقنا بالشر راسلا الديلم وذكراهم وفاءهم لهم بالعهد . [109/ب] الذي بينهم، وما ركبهم به محمد بن أوس من الغدر والقتل والسبي وأنهم لا يأمنون عودته، ويسألانهم مظاهرتهما عليه وعلى من معه .
فأعلمهم الديلم أن ما يلي أرضهم من جميع نواحيها من الأرضین هم عمال الطاهر والسلطان الأعظم، وأن ما سألتهم من معاونتهم لا سبيل إليه إلا بزوال الخوف عنهم من أن يأتوا من قبل ظهورهم إذا هم اشتغلوا بحربه من بين أيديهم من سليمان بن عبد الله وإعلامهم أنهما لا يفعلان عن كفايتهم ذلك حتى يأمنوا ما خافوه .
فأجابهم الديلم إلى ما سألوه ويعاقدوا وأهل كلار (1)وشالوس على حرب من قصدهم ثم أرسل أبناء رستم إلى رجل من الطالبيين المقيمين بطبرستان يقال له : محمد بن إبراهيم يدعونه إلى البيعة له.
فأبى وقال لهم : أنا لا أجيب إلى ما سألتم ، ولكني على رجل منا هو أقوم بمادعوتموني إليه .
فقالوا : من هو ؟
فأخبرهم أنه الحسن بن زيد ودلهم لي منزله، بالري.
فوجّه القوم إلى الري برسالتهم وبرسالة العلوي محمد بن إبراهيم يدعونه إلىالشخوص إلى طبرستان .
فشخص إليهم الحسن بن زيد وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلار، وشالوس، والرويان (2)
مدينة كبيرة من جبال طبرستان وكورة واسعة وهي أكبر مدينة في الجبال هناك وقالوا : أكبر مدن سهل طبرستان آمل وأكبر جبالها رويان .....
وذكر بعضهم أن رويان ليست من طبرستان وإنما هي ولاية برأسها مفردة واسعة محيط بها جبال عظيمة وممالك كثيرة، وأنهار مطردة وبساتين متسعة وعمارات متصلة، وكانت فيما مضى من ممالك الديلم.
على بيعة واحدة .فلما وافاهم بايعه ابنا رستم وجماعة من أهل الثغرين ورؤساء الديلم. . .(3)والإسلام، وهوذان بن حسان.
ثم ناهضوا تلك النواحي من عمال ابن أوس فطردوهم عنها فلحقوا بابن أوس، وسليمان بن عبد الله وهما بمدينة سارية (4)
کور طبرستان ثماني كور سارية وبها منزل العامل في أيام الطاهرية، وكان العامل قبل ذلك في آمل . وجعلها أيضاً الحسن بن زيد ومحمد بن زيد العلويان دار ،مقامهما وبين سارية والبحر ثلاث فراسخ وبين ،سارية وآمل ثمانية عشر فرسخاً .
.وانضوى إلى الحسن بن زيد مع من بايعه لما بلغهم ظهور كل من بجبال طبرستان كلها، إلا سكان جبل ،قديم، وأن ملكهم قارن بن شهريار كان ممتنعاً بجبله وأصحابه فلم ينفذ للحسن بن زيد ثم صاهره فكفى عادية الحسن بن زيد.
ثم زحف الحسن بن زيد وقواده نحو مدينة آمل وهي مدينة طبرستان مما يلي کلار وشالوس من السفح .
وأقبل ابن أوس من سارية إليها يريد دفعه عنها، فالتقى جيشاهما في بعض نواحي آمل (1)
اسم أكبر مدينة بطبرستان في السهل لأن طبرستان سهل وجبل . . .
و بین آمل وسارية ثمانية عشر فرسخاً، وبين آمل والرويان اثنا عشر فرسخاً، وبين آمل وشالوس وهي من جهة الجيلان عشرون فرسخاً .
وبآمل تعمل السجادات الطبرية والبسط الحسان وكان بها أول إسلام أهلها مسلحة في الفي رجل.
ونشب الحرب بينهم .وخالف الحسن بن زيد جماعة معهم موضع المعركة إلى ناحية أخرى، فدخلوها واتصل خبرهم بابن أوس وهو مشغول بحرب من هو في وجهه من رجال الحسن بن زید فلم يكن له هم إلا النجاة بنفسه واللحاق بسارية.
فلما دخل الحسن بن زید آمل كثف جيشه وغلظ ،أمره وانقض إليه كل طالب نهب الصعاليك، والحورية (2)وغيرهم.
فأقام الحسن بن زيد بآمل أياماً حتى جَبَى الخراج واستعد، ثم نهض بمن معه[ نحو](3)ومن بها من من سليمان وابن أوس فخرجوا بمن معهم، والتقى القوم خارج مدينة سارية، ونشب الحرب بينهم .
فخالف الوجه الذي التقى فيه الجيشان بعض قواد الحسن بن زيد إلى وجه آخر من وجوه سارية، فدخلها برجاله .
وانتهى الخبر إلى سليمان ومن معه فطاروا على وجوههم، ونجوا بأنفسهم.
وترك سليمان أهله وعياله وثقله وكل ما كان له بسارية من مال وأثاث فلم يكن له عرجة دون جُرْجَان (4)
مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان و خراسان فبعض يعدها من هذه، وبعض يعدها من هذه .
:وقيل: إن أول من أحدث بناءها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة .
وقد خرج منها خلق من الأدباء والعلماء والفقهاء والمحدثين.
ولها تاريخ ألفه حمزة بن يزيد السهمي.
قال الإصطخري : أما جرجان فإنها أكبر مدينة بنواحيها، وهي أقل نداً ومطراً من طبرستان، وأهلها أحسن وقاراً وأكثر مروءة ويساراً من كبرائهم وهي قطعتان إحداهما المدينة والأخرى بکراباد وبينهما نهر كبير يجري يحتمل أن تجري فيه السفن، ويرتفع منها الأبريسم وثياب ما يحمل إلى جميع الآفاق قال : وابريسم جرجان بزر دودة يحمل إلى طبرستان، ولا يرتفع من طبرستان بزر ،ابریسم ولجرجان مياه كثيرة وضياع عريضة وليس بالمشرق بعد أن تجاوز العراق مدينة أجمع ولا أظهر حسناً من جرجان.
.وغلب جند الحسن بن زيد على ما كان له ولغيره. فأما عيال سليمان وأهله وإماؤه، فإن الحسن بن زيد أمر لهم بركب حملهم فيه حق الحقهم بسليمان وهو بجرجان، واجتمع للحسن أمره وهو بطبرستان كلها. ثم وجه خيلاً مع رجل من أهل بيته يقال له محمد بن جعفر إلى الري فسار إليها وطرد منها عاملها من قبل الطاهرية واستخلف بها بعض الطالبيين، وانصرف عنها.
فاجتمعت للحسن بن زيد مع طبرستان الرّي(1)إلى حد همذان .
فورد الخبر بذلك على المستعين ومدبر أمره وصيف التركي، وكاتبه أحمد بن صالح ابن شیرزاد.
فوجه إسماعيل بن فراشة في جمع(2)كثير إلى همذان، وأمر بالمقام بها وضبطها .
وذلك أن ما وراء (3)عمل همذان (4)
ذكر بعض علماء الفرس أن اسم همذان إنما كان نادمه، ومعناه : المحبوبة .
وروي عن شعبة أنه قال : الجبال عسكر وهمذان ،معمعتها وهي أعذبها ماء وأطيبها هواء.
وقال ربيعة بن عثمان : كان فتح همذان في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من مقتل عمر بن الخطاب رضي عنه، وكان الذي فتحها المغيرة بن شعبة في سنة (24) من الهجرة، وفي آخر وجه المغيرة بن شعبة وهو عامل عمر بن الخطاب على الكوفة بعد عزل عمار بن ياسر عنها جرير بن عبد الله البجلي إلى همذان في سنة (23) فقاتله أهلها وأصيبت عينه بسهم فقال : احتسبها عند الله الذي زين بها وجهي ونور لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله، وجرى أمر همذان على ما جرى عليه أمر نهاوند في آخر سنة (33)، وغلب على أرضها قسراً وضمها المغيرة إلى كثير بن شهاب وإلى الدينور وإليه ينسب قصر كثير في نواحي الدينور . وقال بعض علماء الفرس، كانت همذان أكبر مدينة بالجبال وكانت أربع فراسخ في مثلها .
كان إلى محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر و به عماله وإليه إصلاحه.فلما استقر بخليفة الحسن بن زيد القرار بالري واسمه محمد بن جعفر ظهرت منه أمور كرهها أهل الري.
فوجه محمد بن طاهر قائد من خراسان يُقال :له محمد بن ميكال - وهو أخو
1) الرَّي: مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن كثيرة الفواكه والخيرات، وهي محط الحاج على طريق السابلة وقصبة بلاد الجبال بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخاً وإلى قزوين سبعة وعشرون فرسخاً ومن أبهر إلى زنجان خمسة عشر فرسخاً، (راجع معجم البلدان).
2) في المخطوط جميع . وهو تحريف.
3) في المخطوط ما رواه وهو تحريف.
4) قال ياقوت في معجم البلدان :
الشاه بن ميكال - في جمع عظيم من الخيل والرجالة إلى الري، فالتقى هو ومحمد بن جعفر العلوي، فأسر محمد بن ميكال محمد بن جعفر، وفض جمعه ودخل الري.
فوجه إليه الحسن خيلاً عظيمة عليها واجن (1)قبل قبل أن يتحصن حتى قتله وعادت الري إلى أصحاب الحسن بن زيد (2)
فلما كان هذه السنة يوم عرفة ظهر أحمد بن عيسى بن حسين الصغير بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وإدريس بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علی بن أّبي طالب، فصلى أحمد بن عيسى بأهل الري صلاة العيد ودعا للرضا من آل محمد.
فحاربه محمد بن علي بن طاهر، فانهزم محمد بن علي وسار إلى قزوين .
وفيها: غضب المستعين على جعفر بن عبد الواحد لأنه بعث إلى الشاكرية، فزعم وصيف أنه أفسدهم فنفي إلى البصرة في ربيع الأول.
وفيها اسقطت مرتبة من كانت له مرتبة في دار العامة من بني أمية كأبي الشوارب والعثمانيين .
وأخرج الحسن بن الأفشين من الحبس وفيها عقد لجعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى المعروف بشاشات على مكة .
وفيها وثب أهل حمص وقوم من كلب بعامله، وهو الفضل بن قارن أخو مازيار بن قارن - فقتلوه، فوجه المستعين إلى حمص موسى بن بغا في رمضان فلقيه أهلها فيما بين حمص والرستن وحاربوه فهزمهم، وافتتح حمص، وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وأحرقها وأسر جماعة من أهلها الأعيان.
وفيها: مات جعفر بن أحمد بن عمار القاضي وأحمد بن عبد الكريم الحوراني التيمي قاضي البصرة.
وفيها: ولي أحمد بن الوزير قضاء سامرا .
وفيها: وثب الشاكرية والجند بفارس بعبد الله بن اسحاق بن إبراهيم، فانتهبوا منزلة وقتلوا محمدابن الحسن بن ،قارن وحارب عبد الله بن إسحاق .
وفيها وجه محمد بن طاهر بفيلين وأصنام أتيت من كابل .
وحج بالناس جعفر بن الفضل بشاشات وهو والي مكة .
وفيها : توفي زيادة الله بن محمد بن الأغلب أمير أفريقية، وكانت ولايته سنة واحدة وستة أيام، ولما مات ملك بعده ابن أخيه محمد بن أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب.
وفيها: توفي محمد بن الفضل الجرجرائي، وزير المتوكل.
والفضل بن مروان وزير المعتصم وكان موته بسر من رأى .
والخليع الشاعر الحسين بن الضحاك وكان مولده سنة اثنتين وستين ومائة، وهو مشهور الأخبار والأشعار.
وفيها : توفي الحارث بن مسكين قاضي مصر في ربيع الأول، وهو من ولد أبي بكر الثقفي. ونصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي الحافظ وفيها : توفي أبو حاتم سهل بن محمد السختياني اللغوي، روي عن أبي زيد والأصمعي وأبي عبيدة .
وقيل : توفي قبل سنة خمسين، والله تعالى بالغيب أعلم.
.وفيها قتل وصيف وبغا الصغير باغر التركي واضطرب الوالي .
ذكر السبب في قتله
كان سبب ذلك أن باغر التركي كان أحد قتلة المتوكل فزيد في أرزاقه، وأقطع قطائع، وكان مما أقطع ضياع بسواد الكوفة فتضمن تلك الضياع رجل من دهاقين باروسما (1)، ونهر الملك(2)
وقال أبو بكر أحمد بن علي حفر نهر الملك أقفور شاه بن بلاش وهو الذي قتله أردشير بن بابك وقام مقامه وكان آخر ملوك النبط ملك مائتي سنة .
بألفي دينار .فوقع بين هذا الدهقان وبين رجل بتلك الناحية - يقال له : ابن مارمه (3)- مكروه فحبس ابن [110/أ] مارمه وقيد فعمل حتى تخلص من الحبس، وسار إلى سُرَّ من رأى، فلقي دليل بن يعقوب النصراني، وهو يومئذ كاتب بغا الشرابي، وصاحب أمره، وإليه أمر العسكر يركب إليه القواد والعمال .
وكان ابن مارمه صديقاً للدليل، وكان باغر أحد قواد بغا، فمنع دليل وباغر من ظلم أحمد بن مارمه، وانتصف (4)له منه.
فأوغر ذلك بصدر باغر واين كل واحد من دليل وباغر صاحبه بذلك السبب .
وكان باغر شجاعاً وبطلاً عظيم القدر في الأتراك، يتوقاه بغا وغيره، ويخافون شره.
فجاء باغر يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة خمسين ومائتين إلى بغا وهو في الحمام وباغر سكران، فانتظره حتى خرج من الحمام ثم دخل إليه فقال له : والله ما لي من قتل دليل يد ثم شتمه .
فقال له بغا: لو أردت قتل ابني فارس ما منعتك منه فكيف دليل النصراني؟ولكن أمر الخليفة وأمري في يده فتصير مكانه إنساناً ثم شأنك به.
ثم وجه بغا إلى دليل يأمره أن يركب فاستخفى وبعث بغا إلى محمد بن يحيى بن فيروز بكتب له قديماً، فتجعله مكان دليل فتوهم باغر أنه قد عزل دليلاً.
1) قال ياقوت في معجمه ناحيتان من سواد بغداد يقال لهما باروسما العليا وباروسما السفلى من كورة الاستان الأوسط.
2) وقال بعد نهر الملك : كورة واسعة ببغداد بعد نهر عيسى يقال : إنه يشتمل على ثلاثمائة وستين قرية على عدد أيام السنة، قيل : إن أول من حفره سليمان بن داود عليهما السلام، وقيل: إنه حفره الأسكندر لما خرب السواد، وكذلك الصراة.
3) كذا في المخطوط وفي الكامل : ابن مارية، وأشار محققه إلى أنه في الطبري : ابن خارجة .
4) في المخطوط انتصب، وهو تحريف.
فسكن باغر، ثم أصلح بغا بين باغر ودليل وباغر يتهدد دليلاً إذا خلا بأصحابه .
ثم تلطف باغر المستعين ولزمه الخدمة في الدار ، وكره المستعين مكانه لجرأته وقتله المتوكل .
فلما كان نوبة بغا في منزله قال المستعين : أي شيء كان إيتاخ من الأعمال؟
فأخبره وصيف . فقال : ينبغي أن تصير هذه الأعمال إلى محمد باغر .
فقال وصيف : نعم .
وبلغت القصة دليلاً، فركب إلى بغا وقال له أنت في بيتك وهم في تدبير عزلك عن جميع عمالك، وإذا عزلت فما بقاؤك إلا أن يقتلوك.
فركب بغا إلى دار الخليفة في اليوم الذي نوبته في منزله بالعشي.
فقال لوصيف : أردت أن تخطى عن مرتبتي فتجيء بباغر وتصيره مكاني، وإنما باغر عبد من عبيدي . فقال :وصيف ما أردت ذلك، ولا علمت ما أراد الخليفة من ذلك .
ثم تعاقد وصيف وبغا على تنحية باغر من الدار وأرجفوا أنه يؤامر ويضم إليه جيشاً سوى جيشه ويخلع عليه ويجلس مجلس بغا ووصيف، وهما يسميان الأميرين وكان قصد المستعين التقرب إليه ليأمن فأحس هو ومن في جيشه(1)بالشر، فجمع الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل مع غيرهم، ثم قال ناظرهم ووكد البيعة عليهم كما كان وكدها في قتل المتوكل، ثم قال : الزموا الدار حتى نقتل المستعين، وبغا، ووصيف ونجيء بمن يقعد خليفة ليكون الأمر لنا كما هو الآن للذين قد استوليا على الدنيا، وبقينا نحن في غير شيء.
[وانتهى الأمر إلى المستعين ](2)فبعث المستعين (3)إلى بغا [ ووصيف وقال](4)لهما : إني ما طلبت إليكما أن تجعلاني خليفة، وإنما فعلتما أنتما ذلك وأصحابكما ، ثم تريدون أن تقتلونني.
فحلفا أنهما ما علما بذلك .
فيقال إن امرأة مطلقة لباغر بعثت إلى المستعين وبغا بما عزم عليه باغر
وبكر دليل إلى بغا ووصيف حاضر منزل بغا مع كاتبه، فاتفق رأيهما على أخذ باغر، ونفسين (1)من الأتراك الأتراك معه وحبسه حتى يروا رأيهم.
فأحضر باغر ، فأقبل في عدة، فلما دخل دار بغا منع من الوصول إلى وصيف وبغا، وعدل به إلى الحمام فحبس فيه ودعى بقيد فامتنع عليهم.
وبلغ ذلك الأتراك، فوثبوا على أصطبل السلطان فأخذوا ما فيه من الدواب فانتهبوها وركبوا وحصروا الجوسق بالسلاح.
فلما أمسوا بعث بغا ووصيف إلى باغر بجماعة فشدخوه بالطير ربنات حتى مزدواوعملوا على أن يرموا برأسه إليهم إن أقاموا على ما هم عليه، وأبو أن ينصرفوا.
واجتمع رأي ،المستعين ،ووصيف وبغا وشاهك وعلى أن ينحدروا إلى بغداد، ففعلوا ذلك وأنكر الأتراك لذلك، وأظهروا الندم .
ثم ساروا إلى دار دليل بن يعقوب ودور أهل بيته وانتهبوها ونقضوها، ثم منعوا من الانحدار إلى بغداد من هم بذلك وأخذوا ملاحاً قد أكرى سفينته فصلبوه على دقل سفينته فامتنع الملاحون من الانحدار بعده، واجتمع من کان من الجند والأتراك بسُرَّ مَنْ رأى على المعتز فبايعوه.
وأقام من كان ببغداد على الوفاء للمستعين.
لما انحدر المستعين وبغا ،ووصيف، وشاهك، وأحمد بن صالح بن شيرزاد إلى بغداد ونزل المستعين على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره، ثم وافی بغداد القواد سوى جعفر بن ،دینار وسليمان بن يحيى بن معاذ (2)
لما قتل باغر وانتهى خبر قتله إلى الأتراك المشغبين أقاموا على ما هم عليه ، فانحدر المستعين، وبغا، ووصيف، وشاهك الخادم وأحمد بن صالح بن شيرزاد ودليل إلى بغداد في حراقة، فركب جماعة من قواد الأتراك إلى هؤلاء المشغبين فسألهم الانصراف، فلم يفعلوا، فلما علموا بانحدار المستعين، وبغا، ووصيف ندموا ثم قصدوا دار دليل ودور أهله وجيرانه فنهبوها حتى صاروا إلى أخذ الخشب ، وعليف الدواب فلما قدموا بغداد مرض ابن مارية فعاده دليل فقال له : ما سبب علتك ؟
قال : انتقض عقر القيد .
فقال دليل : لئن عقرك القيد لقد نقضت الخلافة، وبغيت الفتنة ومات ابن مارية في تلك الأيام.
مع جلة الکتاب، والعمالوبني هاشم، ووافى أيضاً قواد الأتراك الذين في ناحية وصيف وبغا، وكانت رسل وصيف وبغا تتردد إلى سُرَّ مَنْ رأى باستدعاء من بها واصلاح نياتهم وكان كل من يرد بغداد يؤمر أن ينزل بالجزيرة التي حيال دار محمد بن عبد الله بن طاهر، وأن لايصيروا إلى الجسر فيرغبوا إلى العامة .
فلما اجتمعوا وجه إليهم زوارق حتى يعبروا فيها .
فلما دخل الأتراك الواردون من سُرَّ من رأى إلى المستعين رموا بأنفسهم بين يديه وخلعوا مناطقهم من أوساطهم تذللاً وخضوعاً، وكلموا المستعين، وسألوه الصفح عنهم .
فقال لهم : أنتم أهل [110 / ب] بغي وبطر واستقلال النعم.
ألم ترفعوا إلي في أولادكم فالحقتهم بكم، وهم نحو من ألفي غلام؟
وفي بناتكم فأمرت باجزائهن فجرى المتزوجات(1)عن نحو من أربعة آلاف صبية سوى المذكورين؟
وأدرت عليكم الأرزاق حتى سبكت لكم آنية الفضة والذهب؟
ومنعت نفسي شهواتها ولذاتها كل ذلك طلباً لرضاكم وصلاحكم ؟
وأنتم تزدادون بغياً وفساداً وتهديداً وبعاداً؟ فتضرعوا وقالوا أمير المؤمنين ،صادق وقد أخطأنا ونحن الآن نسأله العفو .
فقال المستعين : قد عفوت عنكم .
فقال له بايكبال (2): إن كنت رضيت عنا وصفحت فقم معنا إلى سُرَّ مَنْ رأى، فإن الأتراك ينتظرونك؟
فأومأ محمد بن عبد الله إلى محمد بن أبي عون فلكز في خلف بابكيال، وقال له : هكذا يقال لأمير المؤمنين قم معنا فاركب؟!
فضحك المستعين وقال : هؤلاء قوم عجم لا يؤخذون بمعرفة حدود الكلام وآدابه .
ثم قال لهم المستعين تصير بِسُرَّ مَنْ رأى فأرزاقهم دارة عليهم (3)
وفي هذا الحوار إن كان صحيحاً لبيان حسن إدارة السلطان لرعيته وحرصه على مصالحهم وعفوه عنهم، وتلطفهم معهم وإمساكه عن معاقبتهم في حين وجوب معاقبتهم وإثبات خطئهم، وباعترافهم اعترافاً صريحاً نابعاً من أنفسهم بعد تعدد محاسن السلطان إليهم وليس اعترافاً منتزعاً لقهر وقع عليهم أو لأمور لم يفعلوها ولا يعرفوا عنها شيئاً هذا مع مراعاته لظروفهم ومدى ثقافتهم حين عبروا عن مكنون نفوسهم في محاولة لتعويض أو تصويب هذا الخطأ ورد الجميل، وكيف يكون الحال إذا لم تكن الحاشية على مثل حال.
وأنظر أنا في أمري ها هنا .فانصرفوا وقد أغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله ، ومضوا إلى سُرَّ من رأى وحرضوا الأتراك على مخالفته .
واجتمع رأيهم على إتمام البيعة لأبي عبد الله المعتزج
فأخرجوه والمؤيد من الحبس وأخذوا من شعرهما [فكان](1)قد طال، وبايعوه وأمر لهم بمال البيعة.
وكان المستعين خلف بسر من رأى ما كان حمل من الموصل ومن الشام وهو خمسمائة ألف دينار في بيت مال (2)أم المستعين قيمة ستمائة ألف دينار، وكتبت نسخة البيعة التي أخذت للمعتز بسُرَّ مَنْ رأى على النسخة المعروفة. وحضر أبو أحمد بن الرشيد محمولاً في محفّة، وأمر بالبيعة، فامتنع ، وقال للمعتز : ألم تخرج إلينا خروج طائع فخلصت نفسك وزعمت أنك لا تقوم بها؟
فقال المعتز : بل كنت مكرهاً وخفت السيف .
فقال أبو أحمد: ما علمت أنك أكرهت وقد بايعنا هذا الرجل، أفتريد أن نطلق نساءنا وتخرجنا من أموالنا ؟ ولا ندري ما يكون إن تركتني على أمري حتى يجتمع لك الناس. وإلّا فهذا السيف
فقال المعتز : اتركوه .
فرد إلى منزله من غير بيعة (3).
[وكان ممن بايع إبراهيم الديرج وعتاب بن عتاب فأما عتاب فهرب إلى بغداد، وأما الديرج فأقر على الشرط واستعمل الدواوين وبيت المال والكتابة وغير ذلك.
ولما اتصل بمحمد بن عبد الله خبر بيعة المعتز] وتوجيهه العمال.
فأمر بقطع الميرة عن أهل سُرَّ من رأى، وكتب (4)إلى مالك بن طوق بالمسير إلى بغداد هو ومن معه من أهل بيته وجنده .
[وإلى نجوية (1)
،محرز والتصويب من الكامل.
بن قيس وهو على الأنبار بالجمع والاحتشاد.وإلى سليمان بن عمران الموصلي في جمع السفن ومنع الميرة، وأن ينحدر إلى سُرَّ مَنْ رأى .
ومنع أن يصعد شيء من الميرة من بغداد وأخذ سفينة فيها أرز وسقط (2)فهرب الملاح وبقيت حتى غرقت .
وأمر المستعين محمد بن عبد الله أن يحصن ،بغداد، فتقدم في ذلك، وأدير عليها السور من دجلة من باب الشماسية إلى سوق الثلاثاء حتى أورده دجلة، ومن باب قطيعة أم جعفر حتى أورده قصر حميد ورتب على كل باب قائدان وجماعة من أصحابه وغير أصحابه .
وأمر بحفر الخنادق حول السورين كما تدوران في الجانبين جميعاً، ومظلات يأوي إليها الفرسان في الحر والمطر .
وبلغت النفقة على السورين والخنادق والمظلات ثلاثمائة ألف دينار، وثلاثين ألف دينار.
وجعل على باب الشماسية خمس شداخات بعرض الطريق فيها العوارض والألواح والمسامير الطوال الظاهرة .
وجعل من خارج الباب الثاني باباً مغلقاً بقدر الباب ثخناً، وقد ألبس صفائح الحديد وشد بالحبال كي إن وافى أحد من ذلك الباب أرسل عليه الباب المغلق فتيل من تحته وجعل على الباب الآخر عوادة وعلى الباب الآخر خمسة مجانيق كبار وفيها واحد كبير سموه الغضبان وست عوادات يرمي بها إلى ناحية مرقد الشماسية .
وصير على باب البردان ثماني عردات في كل ناحية أربع أربع، وأربع شداخات.
وكذلك كل باب من أبواب بغداد في الجانب الشرقي والغربي.
ووكل بكل باب قواداً برجالهم.
وجعل لكل باب من أبوابها دهليزاً عليه السقائف تسعمائة فارس ومائة فارس ومائة راجل لكل منجنيق وعراده مرتبين يمدون حباله، ورأساً يرمى إذا كان قتال.
وفرض فروضات من قوم أهل خراسان قدموا حجاجاً فسئلوا المعونة على قتال الأتراك فأعانوا .
وأمر محمد بن عبد الله أن تقرض قروض، وأن يجعل عليهم عريف، ويعمل لهم تراس من البواري ،المغترة وأن يعمل لهم مخال تملأ حجارة .
ففعل ذلك، وكان الرجل منهم يقوم خلف البارية فيرمي منها عمل مسايحات انفق عليها زيادة مائة دينار، وكان العريف على أصحاب المغترة من العيارين رجلاً يقال له نينويه (1).
وكتب المستعين إلى عماله في كل بلدة وبكل موضع أن يكون حملهم ما يحملون إلى السلطان ببغداد دون غيرها .
وكتب إلى الأتراك والجند الذين بسُرَّ مَنْ رأى يأمرهم بنقض بيعة المعتز (2)، ومراجعة الوفاء ببيعته(3)، وذكر أياديه عندهم ، وينهاهم عن معصيته ونكث عهده وبيعته .
وكتب المعتز إلى محمد بن عبد الله يدعوه إلى خلع المستعين، ويذكر بما أخذه أبوه المتوكل عليه بعد أخيه المنتصر من العهد وعقد الخلافة.
وأجابه محمد يدعوه إلى الرجوع إلى طاعة المستعين.
واحتج كل واحد منهما باحتجاجات يطول شرحها .
وشق (4)محمد بن عبد الله المياه بسطوح الأنبار وبادوريا(5)
الأنبار : مدينة قرب بلخ وهي مدينة قصبة ناحية جوزجان، وبها كان مقام السلطان وهی علی الجبل، وهي أكبر من مرو ،الروذ وبالقرب منها ولها مياه وكروم وبساتين كثيرة، وبناء وهاطين، وبينها وبين شبورقان قائد مرحلة من ناحية الجنوب. . .
والأنبار أيضاً مدينة على الفرات (وهي المقصودة هنا) غربي بغداد بينهما عشرة فراسخ، وكانت الفرس تسميها فيروز سابور .....
وكان أول من عمرها سابور بن هرمز ذو الاكتاف ثم جددها أبو العباس السفاح أول خلفاء بني العباس وبنى بها قصوراً وأقام بها إلى أن مات ....
وقال الأزهري : الأنبار : إهراء الطعام.
واحدها نبر، ويجمع على أنابير جمع الجمع وسمي نبراً لأن الطعام إذا صُبّ في موضع انتبر أي ارتفع ومنه سمي المنبر لارتفاعه . .
وفتحت الأنبار في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه سنة (12) للهجرة على يد خالد بن الوليد لما نازلهم سألوه الصلح فصالحهم على أربعمائة ألف درهم وألف عباءة قطوانية كل سنة.
وبا دوريا طسوج من كورة الاستان بالجانب الغربي من بغداد وهو اليوم محسوب من كورة نهر عيسى بن علي منها النحاسية والحارثية ونهر أرما .
وفي طرفه بُني بعض بغداد منه : القُريَّة والنجمى والرَّقّة .
قالوا : كل ما كان من شرقي السراة فهو بادوريا وما كان في غربيها فهو قطربل.
لقطع طريق الأتراكحين [ 111 /أ] تخوّف ورودهم الأنبار .
وكتب كل واحد من المعتز والمستعين إلى موسى بن بغا وهو مقيم بأطراف الشام لأنه كان أخرج إلى حمص لقتال أهلها حين قتلوا عاملهم وعصوا وامتنعوا على السلطان وبعث كل واحد منهما بعدة ألوية يعقدها لمن أحب فانصرف إلى المعتز وصار معه (1).
ولم يزل الأتراك والكبار يصيرون مرة من حزب المعتز [ ومرة إلى حزب المستعين ](2):
وعقد المعتز لأخيه أبي أحمد المتوكل (3)على حزب المستعين، وابن طاهر، وضم إليه الجيش، وجعل إليه الأمر والنهي وتدبير الحرب إلى كلباتكين [التركي] (4)
ألفاً فسار في خمسين من الأتراك والفراعنة وألفين من المغاربة .
.فعسكر بالقاطول فصلى أبو أحمد بها، ودعا للمعتز .
وجعل الأتراك ينهبون القرى ما بين عُكبرى وبغداد وأوانا، وهرب الناس وخلوا عن الغلات والضياع فخربت وهدمت المنازل وسلب الناس، وجرى في ذلك أمر فظيع قبيح (5)
فلما بلغ عكبرى صلى بها وخطب للمعتز وكتب بذلك إلى المعتز فذكر أهل عُكبرى أنهم كانوا على خوف شديد من مسير محمد بن عبد الله إليهم ومحاربتهم، فانتهبوا القرى ما بين عُكبرا و بغداد فخربت الضياع وأخذ الناس في الطريق فلما وصل أبو أحمد إلى عكبرا هرب إليه جماعة كبيرة من أصحاب بغا الصغير، ووصل أبو أحمد وعسكره باب الشماسية لسبع خلون من صفر فقال بعض البصريين ويعرف بباذنجانة :
يا بني طاهر أتتكم جنود ال*** له والموت بینها منشور وجيوش إمامهم أبو أح مد نعم المولى ونعم النصير
.1) قال ابن الأثير في الكامل بعد ذلك : وقدم عبد الله بن بغا الصغير من سامرا إلى المستعين، وكان قد تخلف بعد أبيه فاعتذر وقال لأبيه : إنما قدمت لأموت تحت ركابك، فأقام ببغداد أياماً ثم هرب إلى سامرا، فاعتذر إلى المعتز وقال : إنما سرت إلى بغداد لأعلم أخبارهم وأتيتك بها، فقبله المعتز ورده إلى خدمته وورد الحسن بن الأفشين ببغداد فخلع عليه المستعين وضم إليه جمعاً من الأشروسنية وغيرهم.
2) ما بين المعقوفين زيادة يتطلبها سياق الخبر .
3) بعد هذا في الكامل : وهو الموفق لسبع بقين من المحرم.
4) زيادة تعريفية من الكامل، وهو اسم قائد تركي وزاد ابن الأثير بعد هذا في الكامل.
5) جاء الخبر هنا في الكامل على النحو التالي :
ولما وافى الحسن بن الأفشين مدينة السلام وكل بباب الشماسية ثم وافى أبو أحمد في عسكره الشماسية ووافت طلائع الأتراك إلى قريب من باب الشماسية(1).
فوجه محمد بن عبد الله الحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال(2)
فلم يجيبوا، ومضى نحو باب قطريل، فنزل على شاطىء دجلة هو ووصيف وبغا، ولم يمكنه التقدم لكثرة الناس فانصرف فلما كان من الغد أتاه رُسل وجه الفلس وغيره من القواد يُعلمونه أن الترك قد دنوا وضربوا مضاربهم برقة الشماسية .
وأرسل إليهم، لا تبدؤوهم بقتال وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم، وادفعوا اليوم فوافى باب الشماسية اثنا عشر فارساً . فرموا بالسهام ولم يقاتلهم أحداً، فلما طال مقامهم رماهم المنجنيقي بحجر فقتل منهم رجلا فأخذوه ورجعوا .
وقدم عبيد الله بن سليمان خليفة وصيف التركي من مكة في ثلاثمائة رجل، فخلع عليه محمد بن عبد الله ووافى الأتراك في هذا اليوم باب الشماسية، وخرج الحسين بن إسماعيل ومن معه من القواد لمحاربتهم فاقتتلوا وقتل من الفريقين وكان من القتلى والجرحى على السواء وانهزم أهل بغداد . . .
، فشتموا من هناك ورموهم من سهامهم.وكان محمد تقدم أن لا يبدؤوهم بقتال، فلما فعلوا ذلك وأكثروا من الشتم والرمي، أمر عامل صاحب المنجنيق فرموا بحجر أصاب مقتل واحدٍ منهم ونزل أصحابه فحملوه وانصرفوا إلى معسكرهم .
ثم وافى الأتراك باب الشامية فرموا بالسهام وبحجارة المنجنيق والعرادات، وكان بينهم قتلى وجرحى .
وحمل محمد بن عبد الله الصلات لمن أبلى في الحرب، وأطوقة، وأسورة من ذهب. وكان الجرحى في الفريقين متقاربين في العدد وانهزم عامة أهل بغداد وثبت أصحاب البواري (3)واحضرت منجنيقاً فغلبهم عليه الغوغاء وكسروا قائمة من قوائمه،
1) وافق ذلك عاشر صفر على ما ذكر في الكامل.
2) قال صاحب الكامل بعد ذلك : وبندار الطبري فيمن معهم وعزم على الركوب لقتالهم، فأتاه الشاه، فأعلمه أن الأتراك لما عاينوا الأعلام والرايات قد أقبلت نحوهم رجعوا إلى معسكرهم فترك محمد الركوب فلما كان الغد عزم محمد على توجيه الجيوش إلى القفص ليعرضهم هناك وليرهب الأتراك وركب معه وصيف، وبُغا في الدروع، ومضى معه الفقهاء والقضاة، وبعث إليهم يدعوهم إلى الرجوع عما هم عليه من الطغيان والعصيان ويبذل لهم الأمان على أن يكون المعتز ولي العهد بعد المستعين.
3) بعدها في الكامل ثم انصرفوا وأحضر الأتراك منجنيقاً فعليهم عليهم العامة، فأخذوه، ثم سار جماعة من الأتراك ناحية النهروان فوجه محمد بن عبد الله قائدين من أصحابه وأمرهما بالمقام بتلك الناحية وحفظها من الأتراك، فسار إليهم الأتراك فقاتلوهم فانهزم أصحاب محمد إلى بغداد، وأخذت دوابهم فدخلوا بغداد منهزمين ووجه الأتراك برؤوس القتلى إلى سامرا واستولوا على طريق خراسان وانقطع الطريق عن بغداد، ووجه المعتز عسكراً في الجانب الغربي، فساروا إلى بغداد وجازوا قطريل فضربوا عسكرهم هناك، وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر .
وأمر بحمل الآجر من قصر البطين وتلك الناحية إلى باب الشماسية، فأخرج الآجر من قصوره وردوه إلى هذا الجانب من السور، ثم وجه محمد بن عبد الله الشاه بن میکال من باب القطيعة (1)
فوجه محمد بن عبد الله قائدين من أصحابه فلقيهم الشاه بن ميكال فتحاربوا، فانهزم أصحاب المعتز، خرج عليهم كمين لمحمد بن عبد الله فهزمهم، ووضع أصحاب محمد فيهم السيف فقتلوهم أكثر قتل، ولم يفلت منهم إلا القليل ونهب عسكرهم جميعه ومن سلم من القتل ألقيبنفسه في دجلة. . .
، وبنداراً وخالداً، وأمدوا المبيضة من أهل بغداد فحمل الشاه والمبيضة حملة أزالوا بها الأتراك والمغاربة ومن معهم عن موضعهم وحملت عليهم المبيضة ، فأصحروا بهم، وحمل عليهم الطبرية فخالطوهم، وخرج عليهم سندار وخالد بن عمران من الكمين وكانوا بالكمائن من ناحية باب قطربل فوضعوا في أصحاب أحمد السيف فقتل الأتراك وغيرهم فقتلوا أبرح ،قتل ولم يفلت منهم إلا القليل.وانتهب المبيضة عسكرهم وما كان فيه من المتاع والأثقال، والمضارب، وكان من انفلت منهم من من السيف رمى بنفسه في دجلة ليصير إلى عسكر أبي أحمد أخذه أصحاب السماريات (2)، وكانت السماريات قد سبحت بالمقاتلة فقتلوا وأسروا. وجعلت القتلى والرؤوس من الأتراك والمغاربة وغيرهم من الزواريق، فنصب بعضها في الحبس وبعضها على باب محمد بن عبد الله . وأمر محمد لمن أبلى في هذا اليوم بالأسورة فسور قوم كثير من الجند وغيرهم.
وطلبت المنهزمة فبلغ بعضهم أو انا (3)وبعضهم إلى عسكر أبي أحمد، وبعضهم نفذ إلى سُرَّ من رأى .
وخلع على قواده على كل واحد أربع خلع وخرج المبيضة والعيارون في طلب ماخلفه المنهزمة .
فوجه محمد في آخر هذا اليوم أخاه الله عبید بن عبد الله في أثرهم حياطة لأهل بغداد ولأنه لم يأمن رجعتهم عليهم وأشير على محمد بن عبد الله بأن يتبعهم بعسكر في اليوم الثاني، وفي تلك الليلة ليوغر في آثارهم، فأبى ولم يتبع مولياً، ولم يجهز على جريح وقبل أمان من استأمن وأمر سعيد بن حميد، فكتب كتاباً يذكر هذه الوقعة .
فقرئ على أهل بغداد في مساجد جوامعها .
وقدم محمد بن خالد بن يزيد من بلد (1)
قال حمزة بلد اسمها بالفارسية شهراباز .... وهي مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل بينهما سبعة فراسخ وبينها وبين نصيبين ثلاثة وعشرون فرسخاً قالوا : إنما سميت بلط لأن الحوت ابتلعت يونس عليه السلام في نينيوي مقابل الموصل وبلطته هناك، وبها مشهد عمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وقال عبد الكريم بن طاوس بها قبر أبي جعفر محمد بن علي الهادي بإشفاق.
ينتظر من تصير إليه، وكان بالجزيرة.فلما كان اضطراب الأتراك، ودخول المستعين بغداد، وإذ لم يمكنه المسير إلى بغداد إلا من طريق الرقة، فسار بمن معه من خاصته ثم انحدر منها إلى بغداد فسار إلى محمد بن عبد الله، فخلع عليه خمس خلع وسقي، ومجلم، وخزوف وشي، وسواد.
ثم وجه به في جيش كثيف لمحاربة أيوب بن أحمد وأخذ على طريق الفرات،فحاربه أيوب في نفر يسير فهزمه.
فلما انتهى خبر هزيمته إلى محمد بن عبد الله ، قال : ليس يفلح أحد من العرب إلا أن یکون معه نبي ينصره الله به(2).
وكانت للأتراك وقعات بباب الشماسية كثيرة يكون مرة لهم ومرة عليهم وإنما تركنا ذكرها لأنها لم تجر بحيلة ولا مكيدة ولا تدبير صائب، وإنما كانت كالفتن التي تجري على ما يتفق (3)
ووجه محمد العرادات في السفن فرموهم بها رمياً شديداً فقتلوا منهم نحو مائة، وكان بعض المغاربة قد صار إلى السور فرمى بكلاب فتعلق به فأخذه الموكلون بالسور ورفعوه فقتلوه وألقوا رأسه إلى الأتراك فرجعوا إلى معسكرهم وأراد بعض الموكلين بالسور أن يصيح: يا مستعين، يا ،منصور فصاح يا معتز یا ،منصور فظنوه من المغاربة فقتلوه وتقدم الأتراك في بعض الأيام إلى باب الشماسية فرُمِيَ الدرغمان مقدم المغاربة بحجر منجنيق فقتله وكان شجاعاً. وكان بعض المغاربة يجيء فيكشف استه ويصيح ويضطر ثم يرجع، فرماه بعض أصحاب محمد بينهم في دبره فخرج من حلقه فخر ميتاً . . .
.وكان الغوغاء اجتمعوا بسُرَّ مَنْ رأى (4)بعد هزيمة الأتراك الأولى لما رأوا ضعفالمعتز فانتهبوا سوق أصحاب الحلي والصيارفة وأخذوا جميع ما وجدوا فيها.
فقصد التجار إبراهيم المؤيد أخي المعتز فشكوا ذلك، وأعلموه أنهم قد كانوا ضمنوا لهم أموالهم وحفظها عليهم .
1) بلد هذه مدينة على دجلة فوق الموصل . قال عنها ياقوت في معجم البلدان :
2) وإلى هنا تسير الأحداث على نحو ما في الكامل.
3) يقول ابن الأثير بعد ذكر ما وفق هنا من أحداث مفصلاً بعضاً مما أجمل مسكويه : وكان للأتراك وقعة بباب فقاتلوا عليه قتالاً شديداً حتى كشفوا من عليه رموا به المنجنيق بالنار والنفط فلم يحرقه ثم كثر الجند على الباب فأزالهم عن موقعهم بعد قتلى وجرحى.
4) ثم تتفق من هنا الأخبار على نحو من بعضها بين ما ذكر ابن الأثير ومسكويه.
فقال المؤيد : كان ينبغي لكم أن تحولوا امتعتكم إلى منازلكم .
ولم يكن عنده لذلك تكير (1)
فقال :وصيف ما أظنه إلا ظن أن المستعين ،مات وقام المعتز .
فقالوا : ما فعله إلا عن عمد.
فورد كتاب بلكاجور لأربع بقين من صفر يذكر أنه كان بايع المعتز فلما ورد كتاب المستعين بصحة الأمر جدد له البيعة، وأنه على السمع والطاعة .
فأراد موسى بن بغا أن يسير إلى المستعين فامتنع أصحابه الأتراك من موافقته على ذلك، وحاربوه، فقتل بينهم قتلى .
وقدم من البصرة عشر سفائن بحرية في كل سفينة خمسة وأربعون رجلاً ما بين نفاط وغيره، فمرت إلى ناحية الشماسية ، فرمى من فيها بالنيران إلى عسكر أبي أحمد، فانتقلوا إلى موضع لا ينالهم شيء من النار، ولليلة بقيت من صفر تقدم الأتراك إلى أبواب بغداد فقاتلوا عليها، فقتل من الفريقين جماعة كثيرة، ودام القتال إلى العصر. وفي ربيع الأول عمل محمد بن عبد الله كافر كونات، وفرقها على العيّارين، فخرجوا بها إلى أبواب بغداد، وقتلوا من الأتراك نحواً من خمسين رجلاً .
ولأربع عشرة خلت من ربيع الأول قدم مزاحم بن خاقان من ناحية الرقة فتلقاه الناس ومعه زهاء ألف رجل فلما وصل خلع عليه سبع خلع وقلّد سيفاً .
ووجه المعتز عسكراً يبلغون ثلاثة آلاف فعسكروا بإزاء عسكر أبي أحمد بباب قطربل، وركب محمد بن عبد في عسكره وخرج من النظارة خلق كثير فحاذى عسكر أبي أحمد، فكانت بينهم في الماء جولة وقتل من أصحاب أبي أحمد أكثر من خمسين رجلاً، ومضى النظارة فجازوا العسكر بنصف فرسخ فعبرت إليهم سفن لأبي أحمد فنالت منهم، ورجع عبد الله، وأمر ابن ابي عون برد ،الناس فأمرهم بالعود فأغلظوا له فشتمهم وشتموه، وضرب رجلاً منهم فقتله، فحملت عليه العامة، فانكشف من بين أيديهم فأخذ أصحاب أبي أحمد أربع سفائن وأحرقوا سفينة فيها عرادة لأهل بغداد وسار العامة إلى دار ابن أبي عون لينهبوها،وقالوا مايل الأتراك فانهزم أصحابه، وكلوا محمداً في صرفه فصرفه ومنعهم من أخذ ماله ولإحدى عشر خلت من ربيع الأول وصل عسكر المعتز الذي سيره إلى مقابل عسكر أخيه أبي أحمد عند عكبرا ، فأخرج إليهم ابن طاهر عسكر فمضوا حتى بلغوا قطربل، وبها كمين الأتراك، فأوقع بهم، ونشبت الحرب بينهم وقتل بينهما جماعة واندفع أصحاب محمد قليلاً إلى باب قطر بل والأتراك معهم، فخرج الناس إليهم، فدفعوا الأتراك حتى نحوهم، ثم رجعوا إلى أهل بغداد فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وقتل من الأتراك أيضاً خلق كثير ، ثم تقدم الأتراك إلى باب القطيعة فنقبوا السور، فقتل أهل بغداد أول خارج منهم، وكأن القتل ذلك اليوم أكثره في الأتراك والجراح بالسهام في أهل بغداد.
وندب عبد الله بن عبد الله بن طاهر الناس فخرجوا معه وأمر الموكل بباب قطريل أن لا يدع منهزماً يدخله ونشبت الحرب فانهزم أصحاب عبد الله، وتبت أسد بن داود حتى قتل، وكان اغلاق الباب على المنهزمين أشد الأتراك فأخذوا منهم الأسرى وقتلوا فأكثروا، وحملوا
من الأسرى والرؤوس إلى سامرا، فلما قربوا منها غطوا رؤوس الأسرى، فلما رآهم أهل سامرا بكوا وضجوا وارتفعت أصواتهم وأصوات نسائهم. فبلغ ذلك ،المعتز فكره أن تغلظ قلوب الناس عليه فأمر لكل أسير بدينار وأمر بالرؤوس فدفنت .
.1) وذكر ابن الأثير بعد هذا خبراً آخر فقال : وقدم لثمان بقين من سفر جماعة من أهل الثغور يشكون ،بلكاجور، ويزعمون أن بيعة المعتز وردت عليه فدعا الناس إلى بيعته وأخذ الناس بذلك، فمن امتنع ضربه ،وحبسه وانهم امتنعوا وهربوا .
وورد من البصرة سفن بحرية تسمى البوارج وهي عشرة فيها نفاطون في كل واحدة تجار وخباز ،ومقاتلة فكانوا يرمون الأتراك [111/ب] وعساكرهم بالنيران فانتقلوا من معسكرهم . وفي هذه السنة : ظفر سليمان بن عبد الله بعسكر الحسن بن زيد فتنحى الحسن عن طبرستان ولحق بالديلم.
ووردت الكتب على السلطان بالفتح ، فكتب على يد محمد بن طاهر .
.
وكان سبب ذلک
إن أهل آمل لقوا من عسكر الحسن بن يزيد عينا فأتوا سليمان بن عبد الله مظهرين توبة وإنابة (1)
وفي هذه السنة : سلیمان بن محمد صرفه عبد الله بن طاهر إلى طبرستان من جرجان بجمع كثير وخيل وسلاح فتنحى الحسن بن زيد عن طبرستان ولحق بالديلم ودخلها سليمان وقصد سارية، وأتاه ابنان لقارن بن شهريار وأتاه أهل آمل وغيرهم منيبين مظهرين الندم ويسألون الصفح .
فلقيهم بما أرادوا ونهى أصحابه عن القتل والنهب والأذى.
وورد كتاب أسد بن جندان إلى محمد بن عبد الله يخبره أنه لقي علي بن عبد الله الطالبالمسمى بالمرعشي فيمن معه من رؤساء الجبل فهزمه ودخل مدينة آمل .
، وثاب عليهم خلق كثير من جيشه فنهض إلى الحسن بن زيد ( . . . )(2)وعدة فهزمه واستولى على طبرستان وانقطعت أسباب الفتنة عنه وظفر محمد بن طاهر بالطالبي الذي كان بالري أسيراً، فكتب بالفتح.وفرق محمد بن عبد الله في العيارين الكافر كوبات واستعمل منها شيئاً كثيراً .
وأحضر بنيونة رئيس العيّارين وسُور ووصل بخمسمائة درهم.
وقدم من ناحية الروم مزاحم بن خاقان فتلقاه بنو هاشم وكان قدم معه من الخراسانيين والأتراك والمغاربة ألف رجل معهم عتاد الحرب من كل صنف .
فدخل بغداد، ووصيف عن يمينه ويُغا عن شماله، ولما وصل خلع عليه سبع خلع، وقلّد سيفاً، وخلع على كل واحد من ابنيه خمس خلع.
ثم كثرت الوقعات أيضاً بين أصحاب محمد بن عبد الله، وأصحاب أبي أحمد، وصنوى العيارون وأصحاب البواري، فكانوا ينتصفون منهم، فرمى غلام لم يبلغ الحلم معه مخلاة فيها حجارة ومقلاع يرمي فيه فلا يخطئ وجوه الأتراك ووجوه دوابهم واجتمع عليه أربعة من الفرسان الماشية، وجعلوا يرمونه فيخطئونه، وجعل يرميهم فلا
یخطئ فعقر بهم دوابهم من ،رميه فمضوا وحملوا معهم أربعة من رجاله المغاربة بالرماح فداخله اثنان منهم، فرمى بنفسه في الماء، ودخلا خلفه، فلم يلحقاه، وعبر إلى الجانب الشرقي وصيح بهما وكثر الناس فرجع جميعهم ولم يصلوا إليه .
وفي هذه السنة : وقدم أبو الساج من طريق مكة في نحو من سبعمائة فارس ومعه ثمانية عشر محملاً فيها ستة وثلاثون أسيراً من أساري الأعراب في الأغلال.
فدخل هو وأصحابه بغداد في زي حسن وسلاح ظاهر، فخلع عليه خمس خلع،وانصرف إلى منزله .
وقدم أيضاً بغداد جيشون ومعه يوسف بن يعقوب قوصرة مولى الهادي فيمن كان مع موسى بن بُغا من الشاكرية وانضم عامة الشاكرية المقيمون بالمرية وهم أف وثلثمائة فخلع عليه خمس خلع وعلى جماعة من الوجوه وانصرفوا إلى منازلهم.
وخلع على أبي الساج ديواد، وعلى ابن فراشة.
وعسكر أبو الساج في سوق الثلاثاء، وأعطى بغالاً من بغال السلطان حمل عليها الرجالة وأمره بالخروج إلى المدائن يضبطها (1).
فحكي أن أبا الساج لما أمره محمد بن عبد الله بالشخوص إلى المدائن قال له : أيها الأمير، عندي مشورة أشير بها؟
قال: قل یا جعفر فإنك غير متهم .
قال : إن كنت تريد أن تجاهد هؤلاء القوم فالرأي لك أن لا يفارق قوادك ولا تفرقهم وأجمعهم حتى تقص هذا العسكر الذي بإزائك، فإذا فرغت من هؤلاء فما أقدرك .
فقال لي : تدبير والله الكافي.
فقال له أبو الساج السمع والطاعة ومضى لما أمره .
فلما سار إلى المدائن، ثم إلى الصيادة ابتدأ في حفر خندق كسرى، وكتب يستمد فوجه إليه خمسمائة رجل.
وكان شخوصه في ثلاثة آلاف فارس وراجل ثم استمد حتى حصل في عسكره ثلاثة آلاف فارس وألفا راجل (2)
لأمر المنايا علينا طريقُ*** وللدهر فينا اتساع وضيق*** وأيامنا عبرة للأنام*** فمنها البكور ومنها الطروقُ ومنها هنات تشيب الوليد ويخذل فيها الصديق الصدوق*** وفتنة دين لها ذروة*** تفوق العيون وبحر عميق قتال متين وسيف عتيد وخوف شديد وحصن وثيق*** فهذا طريح وهذا جريح وهذا حريق وهذا غريق وهذا قيل وهذا تليل وآخر يشدخه المنجنيق هناك اغتصاب وثم انتهاب*** ودور خراب وكانت تروقُ*** إذا ما شرعنا إلى مسلك ***وجدناه قد سد عنا الطريق فبالله نبلغ مانرتجي وبالله ندفع ما لا نطيق
وهذه الأبيات لعلي بن أمية في فتنة الأمين والمأمون
.ووجه محمد بن عبد الله إلى الأنبار (1)
مدينة قرب بلخ وهي قصبة ناحية جوزجان وبها كان مقام السلطان، وهي على الجبل، وهي أكبر من مرو الروز بالقرب منها . ولها مياه وكروم، وبساتين كثيرة، وبناؤها طين، وبينها وبين شبورقان مرحلة في ناحية الجنوب . . .
والأنبار أيضاً مدينة على الفرات في غربي بغداد وسبق التعريف بهما من قبل .
نجويه بن قبس في الأعراب وأمره بالمقام بها والفرض الأعراب الناحية.وأثبت نحو من ألفي رجل وأقام بالأنبار وضبطها فبلغه أن قوماً من الأتراك قصدوه فشق الماء من الفرات إلى خندق الأنبار، وأفاض من الصحاري إلى ناحية المسلمين فصار ما يلي الأنبار بطيحة وقطع القناطر وكتب يستمد فندب للخروج إليه رشيد بن کاوس أخو الأفشين في ألف رجل . وأمده ابن طاهر بثلاثمائة رجل انتخبهم من القادمين من الثغور فوجل.
وأخرج المعتز أبا نصر بن بغا من سُرَّ مَنْ رأى على طريق الإسحاقي فسار يومهوليلته، وصبح الأسار ساعة وصل رشيد خارج المدينة، وكان نجويه نازلاً في المدينة فلما وافي أبو نصر عاجل رشيد وهم غارون على غير قصبته فوضع فيهم السيف واثار أصحاب رشيد إلى سلاحهم فقالوا : الأتراك والمغاربة، واشتد القتال وقتلوا منهم جماعة.
ثم انهزم الشاكرية ورشيد على الطريق الذي جاؤوا منه.
وبلغ نجويه ما لقي رشيد وأصحابه فعبر إلى الجانب الغربي، وقطع جسر الأنبار، وسار رشيد إلى المحول وسار نجويه في الجانب الغربي حتى وافي بغداد.
ودخل رشيد في هذه العشية إلى دار ابن طاهر، وأعلم نجويه محمد بن عبد الله
1) قال ياقوت في معجمه :
أنه عند مسير الأتراك إلى الأنبار وجه إلى رشيد يسأله أن يوجه إليه مائة رجل من الناحية
والفرسان مع رجاله منهم فمضى إلى نصر بن هبيرة لينفذ هناك .
واختار محمد بن عبد الله الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم إلى (1)الأنبار .
ووجه محمد بن رجاء الحصاري، وعبد الله بن نصر بن حمزة ورشيد بن كاووسوجماعة من أهل النجدة وأمر للناس برزق أربعة أشهر ممن يخرج مع الحسين.
فامتنع من قدم من الثغور من قبض الرزق [112/أ] أربعة أشهر لأن أكثرهم كانوا بغير دواب فوعدهم، ثم رضوا برزق أربعة أشهر .
ثم أحضر الحسين مع قواده الكبار وهم نحو من عشرين قائداً، فخلع عليه وقدمت مرتبته إلى الفوج الثاني، وكان في الفوج الرابع وصير رشيد على المقدمة، ومحمد بن رجاء على المسافة .
وخرج الحسين إلى معسكره وأمر وصيفاً وبغا بتشييعه وأخرج لأهل العسكر من المال ستة وثلاثون ألف ألف دينار وسار الحسين(2)
سار عن بغداد يوم الخميس لسبع بقين من جمادى الأولى، وتبعه الناس، والقواد، وبنو هاشم إلى الياسرية .
.وكان أهل الأنبار حين تنحى نجويه ورشيد وسار الأتراك والمغاربة إلى الأنبار ،ونادوا بالإيمان وأمروا بفتح حوانيتهم والسوق فيها اطمأنوا إلى ذلك منهم، وسكنوا وطمعوا في أن يفوا لهم فأقاموا بذلك يومهم وليلتهم حتى أصبحوا .
ووافت الأنبار سفن من الرقة فيها دقيق وأطواق فيها زيت فأخذوا جميعه وانتهبوا ما وجدوا، وأخذوا الإبل والبغال والحمير، وجمعوا ذلك مع من يؤديهم إلى منازلهم بسُرَّ مَنْ رأى مع رؤوس من قتل من أصحاب رشيد، ومن أسروا .
وكان بقصر ابن هبيرة مائة وعشرين رجلاً والرؤوس سبعين رأساً .
وسار ،الحسين وانضم إليه ،نجويه وكان بقصر ابن هبيرة، وسأل لأصحابه مالاً فحمل من (3)عسكر الحسين ثلاثة آلاف دينار لأصحاب نجويه ، وحمل إلى الحسين مال وأطواق وأسورة لمن أبلى .
وأُمدَّ بالرجال فجاءه أبو السنا محمد بن عبدوس، والحجار بن أسود في ألف فارس وراجل وجند وانتخبوا من قيادات شتى.
ونزل الحسين بعسكره إلى قريب من دمِمَّا (1).
ذكر رأي أشير به عليه صواب
فأشار عليه رشيد والقواد أن ينزل عسكره بذاك الموضع لسعته وحصانته، وأن في قواده في خيل مريدة، فإن كان الأمراء له كان قادراً أن ينقل عسكره، وإن كان عليه انحاز إلى عسكره، ثم راجع عدوه (2).
فلم يقبل الرأي وحملهم على المسير من موضعهم وبين الموضعين فرسخان .
فلما بلغوا الموضع الذي أراد الحسين النزول فيه أمر الناس بالنزول .
وكانت جواسيس الأتراك في عسكر الحسين فساروا إليهم فأعلموهم برجلالحسين وضيق معسكره الذي نزل فيه.
فوافوه والناس يحلون أثقالهم، فثار أهل العسكر وكان بينهم قتلى(3)
فما بالنا في الأمور المصيرية كالأمور العسكرية التي يتعلق عليها أرواح الجند وأعراض البلاد وثرواتها وممتلكاتها وكرامتها، أما عن أمر الجواسيس فهو أمر مفروغ منه فلا يخلو جيش من أن يكون فيه عملاء لخصمه وهو من تدبير كل خصم لخصمه، والقادة دائماً يعملون لذلك الأمر حسابه جيداً ولكن ليس في كل مرة يكون تدبيرهم محكم إلى درجة تعمي الجاسوس عن أمرهم وأسرارهم الهامة، وإنما كانت الغلبة لعسكر الحسين لكثرة العدد، ولكون الجند لم يكونوا قد حلوا بعد.
وهناك أمر مباح من كلا الطرفين وهم العيون الذين يكونون طلائع للجيوش أو ما يسمى في عصرنا بأفراد الاستطلاع، فإن مهام هؤلاء الأفراد هي نقل المعلومات الجديدة عن تحركات الخصم أو العدو ومحاولة معرفة عدده وتسليحه ونقاط الضعف في قواته ومصادر وطرق تمويله وابلاغها لقوادهم .
.ثم حمل أصحاب الحسين عليهم فكشفوهم كشفاً قبيحاً قتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق . وكان الأتراك قد كمنوا قوماً، فخرج الكمين على بقية، فلم يكن لهم همة إلا الهرب ولا ملجأ إلا الفرات فغرق خلق، وقتل جماعة .
1) قال ياقوت الحموي في معجم البلدان دِمِمَّا قرية كبيرة على الفرات قرب بغداد عند الفلوجة ، ينسب إليها جماعة من أهل الحديث وغيرهم منهم. أبو البركات محمد بن محمد بن رضوان الدممى صاحب محمد التميمي سمع أبا علي شاذان . روى عنه أبو القاسم بن السمرقندي، توفي سنة (493) في رجب .
2) ذكر ابن الأثير في الكامل قبل هذا الرأي قولاً فقال : وسار حسين حتى نزل دمما، ووافته طلائع الأتراك فوق دممّا ، فصف أصحابه مقابل الأتراك بينهما نهر وكان عسكره عشرة الآف رجل، وكان الأتراك زهاء ألف ،رجل، فتراموا بالسهام فجرح بينهم عدد وعاد الأتراك إلى الأنبار وتقدم الحسين فنزل بمكان يعرف بالقطيعة واسع يحمل العسكر فأقام فيه يومه، ثم عزم على الرحيل إلى قرب الأنبار، فأشار عليه القواد . . .
3) هذه نتيجة حتمية لمن لم يكن مصغياً ومذعاً إلى نصيحة من ينصحه وهو من أهل الدراية بالأمرخصوصاً إذا كان ممن يحرص على نفع المنصوح.
فأما الفرسان فضربوا دوابهم لا يلوون على شيء، والقواد ينادونهم يسألونهم الرجعة، فلم یرجع أحد .
وأبلى محمد بن رجاء ورشيد ونجويه بلاء حسناً - ولم يكن لمن انهزم معقلدون الياسرية على باب بغداد، فلم يملك القواد أمر أصحابهم فأشفقوا حينئذ على أنفسهم، فاثبتوا راجعين وراءهم. . .(1)من أدبارهم أن يبتغوا .
وحوى الأتراك عسكر الحسين (2)، ولقي رجل من التجار في جماعة ممن ذهبت أموالهم في عسكر الحسين، فقال له : الحمد لله الذي بيض وجهك أصعدت في أثني عشر يوماً، ورجعت في يوم واحد.
فتغافل عنه وأمر ابن طاهر الشاه بن ميكال في صبيحة الليلة التي وافى بها الحسين أن يتلقاه ويمنعه من دخول بغداد.
فلقيه في الطريق فرده إلى بستان الحروب، فأقام يومه.
فلما كان الليل سار إلى دار ابن طاهر فوبخه ابن طاهر وأمره بالرواح إلى الياسرية (3)
منسوبة إلى ياسر اسم رجل قرية كبيرة على ضفة نهر عيسى بينها وبين بغداد ميلان، وعليها قنطرة مليحة فيها بساتين بينها وبين المحول نحو ميل واحد .
ينسب إليها أبو منصور نصر بن الحكم بن زياد الياسري، حدث عن هشيم وداود بن الزبرقان وخلف بن خليفة روى عنه الحسن بن علوية القطان وأحمد بن علي الأبار وغيرهما .
ومن المتأخرين عثمان بن القاسم الياسري أبو عمرو الواعظ سمع من أبي الخشاب وكاتبه شهدة، وكان يعظ الناس، ومات فى ذي الحجة سنة (616).
ثم أمر بإخراج مال لإعطاء شهر واحد لأهل هذا العسكر.فحملت تسعة آلاف دينار وصار كُتاب ديوان العرض إلى الياسرية لعرض الجند واعطائهم .
ونودي ببغداد فيمن (....) (4)
ونادى من وجدناه ببغداد من عسكر الحسين بعد ثلاث أيام ضرب ثلاثمائة وسط، واسقط من الديوان .
الذين في عسكر الحسين أن يلحقوا بالحسين في عسكره، وأحلوا ثلاثة أيام فمن وجد منهم ببغداد بعد ثلاثة ضرب ثلاثمائة سوط، وقوض اسمه من الديوان (5)فخرج إلى الحسين بالياسرية، وأخرج إليهم ابن عبد الله جنداً آخر، وأعطاهم الأرزاق.
وأمر بعض الناس ليعلم من قتل ومن غرق، ومن سلم، ففعلوا ذلك.و أتاهم كتاب بعض عيونهم من الأنبار يخبرهم أن القتلى كانت من الترك أكثر من مائتين والجرحى نحو اربعمائة، وأن جميع من أسرة الأتراك مائتان وعشرون رجلاً، وأنه عَدْ رؤوس القتلى فكانت سبعين رأساً.
وكانوا أخذوا جماعة من أهل الأسواق، فأطلقوهم.
فرحل الحسين لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وسار حتى عبر نهر أريق، فلما كان السبت لثمان خلون من رجب أتاه إنسان فاعلمه أن الأتراك يريدون العبور إليه من عدة مخاضات . ،فضربه وكل مواضع المخاض رجلاً من قواده . . .
.1) كلمة في المخطوط لم أتبين قراءتها هذا رسمها :«حرلهم» .
2) بعدها في الكامل وسلم ما كان معه من سلاح في السفن لأن الملاحين حذروا السفن فسلم ما معهم من السلاح وغيره ووصل المنهزمون إلى الياسرية لست خلون من جمادى الآخرة .
3) قال ياقوت في معجم البلدان :
4) كلمة لم أتبين قراءتها وهذا رسمها يدخلناهم والعبارة أو الخبر في الكامل على النحو التالي:
5) وبعد هذا في الكامل زياده هي :
فخرج الناس وأمر خالد بن عمران في الليلة التي قدم فيها الحسين أن يعسكر بأصحابه بالمحول ودخل الحسين، وكتب إلى خالد بن عمران أن يرحل متقدماً أمامه .
فامتنع خالد من ذلک،وذکر أنه لایبح حتى يأتيه قائد يأتيه قائد في جند كثيف فيقيم مكانه نلأنه يتخوّف أن يأتيه الأتراك خلفه من عسکرهم.
وسار إلى الحسين رجل فأخبره أن الأتراك قد دلُّوا على عدة مواضع من الفراتتخاض إلى عسكره.
فأمر بضرب الرجل مائتي سوط ، ووكل بمواضع المحاض رجلاً من قواده يقال له: الحسين بن علي بن يحيى الأرمني في مائة ،فارس ومائة راجل .
فطلع أول القوم، فخرج إليهم وقد أتاهم منهم أربعة عشر علماً، فقاتل أصحابه ساعة ووكل بالقنطرة أبا السناء وأمره أن يمنع من انهزم من العبور.
فأتى الأتراك المُحاضة فرأوا الموكل بها فتركوه واقفاً.
فساروا إلى محاضة أخرى من خلف الموكل، فسير الحسن بن علي وقاتل، وقيلللحسين بن إسماعيل أقصد نحوه فلم يصل إليه حتى انهزم خالد بن عمران.
ومنعهم أبو السنا من العبور على القنطرة، فرجع الرجالة والخراسانية فرموا بأنفسهم في الفرات فغرق من لم يكن يحسن السباحة وعبر من كان يحسنها، فنجا عريان وخرج إلى الجزيرة لا يصل منها إلى الشاطئ لما عليه من الأتراك .
فذكر عن بعض جند الحسين أنه [112/ب] قال : بعث الحسن بن علي الأرمني إلى الحسين بن إسماعيل : أن الأتراك قد وافوا المحاضة فأتاه الرسول فقال الحاجب : إن الأمير نائم.
فرجع فأخبره فرد رسولاً ثانياً . فقال : قد خرج من المخرج ونام .
وجاءت الصيحة وعبر الأتراك. فقعد الحسين في زورق، وانحدر واستأمن قوممن الخراسانية رموا سلاحهم وثيابهم وقعدوا على الشاطئ عراة.
وشد أصحاب أعلام الأتراك حتى ضربوا أعلامهم حتى مضرب الحسين واقتطعو
السيوف ولحق الأتراك وأصحاب الحسين فوضعوا فيهم السيوف، فقتلوا وأسروا نحو من مائتين وغرق خلق كثير، وفقد جماعة من القواد القواد(1)
فوصل المنهزمون بغداد نصف الليل ووافى بقيتهم في النار واستولى الأتراك على أثقالهم وأموالهم ، وقتل عدة من قواد الحسين فقال الهندواني في الحسين :
يا أحزم الناس رأياً في تخلفه*** عن القتال خلطت الصفو بالكدر لما رأيت سيوف الترك مُصلته علمت ما في سيوف الترك من قدر*** قصرت مضطجراً ذُلاً ومنقصة*** والنجح يذهب بين العجز والضَّجَر
.وورد كتاب أبي الساج بوقعة كانت له مع الأتراك ورئيسهم بالكيال .
فهزم الأتراك وقتل رئيسهم بالكيال وغرق منهم خلق كثير .
فحمل إليه محمد بن عبد الله بن طاهر عشرة آلاف دينار صلة ومعونة، وخمسة أبواب خليعة وسيف همداني.
[وفي] (2)هذه السنة : نقب الأتراك السور الذي عليه أصحاب ابن طاهر من ناحية هوازيا في موضعين ودخلوهما وقاتلهم أصحاب ابن طاهر فهزموهم حتى وافوا باب الأنبار وعليه إبراهيم بن محمد بن مصعب وابن أبي خالد وغيرهم. وهم لا يعلمون ما وراءهم، ويقاتلون من بين أيديهم قتالاً شديداً.
ثم إنهم علموا أنهم لا يلوون على شيء، فضرب الأتراك باب الأنبار بالنار،فاحترق، وأحرقوا ما كان هناك من المجانيق، والعرادات .
وخلوا بغداد إلى أن صاروا إلى باب الحديد ومن الشارع إلى موضع الدواليب فأحرقوا كل شيء قريب من ذلك موضع من أمامهم وورائهم ، ونصبوا (3)
ونهبوا، والله أعلم.
أعلافهم ، وانهزم الناس.فركب محمد بن طاهر في السلاح، وأفاء القوم ووجههم إلى باب الأنبار وباب هوازيا، وجميع الأبواب (4)التي في الجانب الغربي وشحنها بالرجال.
وركب بغا ،ووصيف والشاه بن ،ميكال وتوجهوا إلى هذه الأبواب.
فقتل من الأتراك خلق كثير عظيم ووجه برؤوسهم إلى طاهر، وكاثرهم الناس حتى خرّجوهم من ،بغداد بعد أن قتل منهم خلق كثير .
فلما انصرفوا ووكل بغا بالباب من يحفظه، ووجه في حمل الآجر والجص وأمر بسده.
وفيها: وافى بغداد بالفردك بن أبي يكتحل الأسروشني، فأمر له محمد بن عبدالله بعرض، وضم إليه رجالاً من الشاكرية وأمر أن يسكن بالكُنَاسَة (1)، ویجتمع مع المظفر بن سبيل بالياسرية في ضبط بلدة ،الناحية ويكون أمرهما واحداً.
فاختلفا، وكتب كل واحد منهما يشكو الآخر، ويستعفي عن المقام بالكناسة .
فأقروا بالموضع بالعزل، وأعفى المظفر .
وفي آخر ليلة بقيت من شهر رمضان من هذه السنة قتل بالفردك .
ذكر السبب في ذلك
کان سبب قتله أن أبا نصر بن بغا لما غلب على الأنبار، وهزم جيوش ابن طاهر من تلك الناحية ،وأجلاهم وبث خيله ورجاله لما في أطراف بغداد، وسار إلى أبي نصر إلى نهر صرصر (2)
وربما قيل : نهر صرصر فنسب النهر إليها وبين السفلى وبغداد نحو فرسخين .
.واتصلت بابن طاهر أخباره (3)وخبر وقعة كانت بين أبي الساج والأتراك،بجرجرايا وخذلان من معه إياه (4)
ثم كانت بينهم عدة ،وقعات وقتل فيها من الفريقين جماعة .
ودخل الأتراك في بعض تلك الحروب إلى بغداد وتكاثر الناس عليهم فأخرجوهم منها .
وجرى بين أبي الساج وجماعة من الأتراك وقعة هزمهم أبو الساج، ثم واقعوه أخرى فتخلى عنه بعض أصحابه فانهزم ، ودخل الأتراك المدائن، وخرجت الأتراك الذين بالأنبار في سواد بغداد من الجانب الغربي حتى بلغوا ،صرصر، وقصر ابن هبيرة .
.وبدت بالفردك إلى اللحاق بأبي الساج والمصير إليه بمن معه .
فسار بالفردك في أصحابه لليلتين بقينا من شهر رمضان فسار يومئذ وصبح بالمدائن أصحاب ابن طاهر .
فقاتلهم الأتراك فانهزموا ولحق من فيها من القواد بأبي الساج.
وقاتل بالفردك قتالاً شديداً، فلما رأى انهزام من هناك مضى متوجهاً نحو أبي الساج فأدرك، وقتل.
وقيل : إنه غرق .
وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة لأهل بغداد فهزموا فيها الأتراك، وانتهبوا فيها عسكرهم .
وكان سبب ذلک
إن أبواب بغداد كلها فتحت من الجانبين، ونصبت المجانيق والعرادات في أبوابها كلها. والسيارات في دجلة .
وخرج منها الجند كلهم، وخرج ابن طاهر، بغا، ووصيف.
وتزاحف الفريقان واشتد الحرب إلى القطيعة .
ثم غيروا إلى باب الشماسية .
وقعد ابن طاهر في قبة ضربت عليه وأقلب الرماة من بغداد بالبادكية في الزوارق .
.... السهم (1)، وعدة منهم قتلهم، فهزم الأتراك وتبعهم أهل بغداد حتى ساروا إلى عسكرهم فانتهبوا سوقهم .
وهرب الأتراك على وجوههم لا يلوون على شيء . وحملت الرؤوس حتى كثرت، فجعل وصيف وبغا يقولان كلما جيء برأس : ذهب والله الموالي (2)
وأعقب الخبر بقوله : وفي ذي الحجة وجه أبو أحمد خمس سفن مملوءة طعاماً ودقيقاً، إلى ابن طاهر .
.واتبعهم أهل بغداد إلى الروذبار .
ووقف أحمد بن المتوكل يرد الموالي ويخبرهم أنهم إن لم يكروا لم تبق لهم بقية، وأن القوم يتبعونهم إلى سُرَّ مَنْ رأى .
فتراجعوا، وثاب بعضهم وأقبلت العامة تجر رؤوس من قتل.
وجعل محمد بن عبد الله يطوق من جاء برأس، ويصله حتى كثر ذلك .
وبدت الكراهية في وجوه من كان مع بغا، ووصيف من الأتراك والموالي ،
1) كذا جاء رسم الكلمات التي هي موضع النقط في المخطوطة فد يا لننتظم الهم »
2) ذكر ابن الأثير في الكامل أن هذا الحدث كان في ذي القعدة وذكره على النحو التالي قال : وفي ذي القعدة كانت وقعة عظيمة خرج محمد بن عبد الله بن طاهر في جميع القواد والعسكر ونصب له قبة وجلس فيها واقتتل الناس قتالاً شديداً فانهزمت الأتراك، ودخل أهل بغداد عسكرهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وهربوا على وجوههم لا يلوون على شيء، فكلما جيء برأس يقول بغا وذهبت الموالي، وشاء ذلك من مع بغا، ووصيف من الأتراك. . .
وأقبلت الأعلام للحسن بن الأفشين مع الأعلام التي للحسين بن أسماعيل وقد استلبه
غلام لشاهك فنسي أن ينكسه .
فلما رأى الناس العلم الأحمر ومن خلفه، توهموا أن الأتراك قد زحفوا عليهم فانهزموا .
وأراد بعض من وقف أن يقتل غلام شاهك فهمه ونكس العلم والناس قد ازدحموا منهزمين فتراجع الأتراك إلى معسكرهم ولم يعلموا بهزيمة أهل بغداد فيحملوا عليهم، ووضعت الحرب أوزارها فلم يكن بعد ذلك وقعة .
ذكر السبب في [113أ] ذلك
كان السبب في ذلك أن ابن طاهر كان يكاتب المعتز في الصلح .
فلما كانت هذه الوقعة انكرب وكتب أنه لا يعود بعدها
ثم أغلقت الأبواب بغداد، فاشتد عليهم الحصار فصاحوا على أبواب ابن طاهر : الجوع، الجوع. وكان الناس يجتمعون في الجزيرة التي تلقاء داود بن طاهر يشتمونه(1).
فراسل ابن طاهر المعتز في الصلح واضطرب من أهل بغداد فوافي من بسُرَّ من رأى حماد بن إسحاق بن حماد بن طاهر، فخلا ،به ولم يذكر ما بينهما، ثم انصرف حماد إلي عسكر أبي أحمد أبو سعيد إلى بغداد وأمر ابن طاهر بإطلاق جميع المحبوسين كان حبس بسبب بينه وبين أبي أحمد من الحرب ومعاونته إياه، فطلقوا.
ومن غد هذا اليوم اجتمع قوم من رجالة الجند وكثير من العامة.
أما الجند فطلبوا أرزاقهم، وأما العامة فشكت سوء الحال التي هم [بها ](2)من الضيق، وغلاء الشعير وشدة الحصار وقالوا إما خرجت فقاتلت وإما تركتنا نمضي في البلاد.
فوعدهم الخروج أو فتح الباب الصالح، ورفق بهم وَمَتّناهُم .
ثم اجتمع الجند والناس من العوام مرة أخرى وكان ابن طاهر قد شحن الجزيرة
بالخيل، وكذلك باب داره والجسر فحضر الجزيرة بشر كثير، فطردوا من كان ابن طاهر رتبهم فيها، ثم ساروا إلىالجسر فطردوا من كان هناك من أصحاب ابن طاهر .
وساروا إلى الحبس فمانعهم أبو مالك الموكل بالمحبس الشرقي فشجوه،
وخرجوا كاتبين لأصحابه، فدخل داره ،وخلاهم، فانتهبوا ما في محبسه(1).
ثم عبر إليهم محمد بن أبي عون، فضمن للجند رزق أربعة أشهر، فانصرفوا .
ووجه أبو أحمد خمس سفائن من دقيق وحنطة وشعير وقت إلى ابن طاهر،فوصلت إليه (2).
ثم علم الناس بما عليه ابن طاهر من خلعه المستعين وبيعة المعتز .
ووجه ابن طاهر قواده إلى أبي أحمد حتى بايعوا للمعتز فخلع على كل واحدمنهم أربع خلع .
فظنت العامة أن الصلح جرى بأن الخليفة المستعين، وأن المعتز ولي العهد بعده.
فلما كان بعد ذلك خرج رشيد بن كاوس مع فائدين آخرين، ووجهوا إلى الأتراكبأنه على المسير إليهم ليكون مدهم .
فوافاه من الأتراك بأنه على أن الصلح قد وقع فسلم عليهم وعانق من عرفمنهم .
وأخذوا بلجام دابته ومضوا به وبأسه في أثره، فلما كان من الغد سار رشيد إلى
باب الشماسية وقال حين كلم الناس : إن أمير المؤمنين وأبا أحمد يقرآن عليكم السلام ويقولان لكم: من دخل فيطاعتنا قربناه ووصلناه ومن أبى ذلك فهو أعلم.
فشتمه العامة، ثم طاف على جميع الأبواب الشرقية بمثل ذلك، وهو يشتم في كل والمعتز. فلما فعل رشيد ذلك علمت العامة ما عليه ابن طاهر فمضت إلى الجزيرة التي بحيال دار ابن طاهر فصاحوا به وشتموه أقبح شتيمة .
ثم ساروا إلى بابه ففعلوا مثل ذلك، فخرج إليهم راغب الخادم فحضهم على مافعلوا بالمستعين ثم مضى إلى الحظيرة التي فيها الجيش فحضهم .
فساروا إلى باب ابن طاهر فكشفوا من عليه وردوهم فلم يبرحوا، وقاتلوهم حتى ساروا إلى دهليزه وأرادوا إحراق الباب الداخلي فلم يجدوا ناراً. وقد كانوا بالجزيرة الليل كله يشتمونه ويتناولونه بالقبيح.
فذكر عن ابن شجاع البلخي قال: كنت عند الأمير وهو يحدثني ویسمع ما يقذف به من كل إنسان حتى ذكروا اسم أمه فضحك ثم قال: يا أبا عبد الله والله ما أدري كيف عرفوا اسم أمي ولقد كان كثير من جواري أبي العباس عبد الله بن طاهر لا يعرفون اسمها؟
فقلت له : أيها الأمير ما رأيت أوسع من حلمك. فقال ما رأيت أوفق من الصبر عليهم ولا بد من ذلك فلما أصبحوا وقفوا بالباب وسار ابن طاهر إلى المستعين يسأله أن يطلع عليهم ويسكنهم ويعلمهم ما هو عليه .
فأشرف من أعلى الباب عليهم وعليه البردة والطويلة وابن طاهر إلى جانبه، فحلف لهم بالله ما اتهمه وإني لفي عافية ما على منه بأس، وإنه لم يخلع، ووعدهم أن يخرج في غدٍ وهو يوم الجمعة فيصلي بهم ويظهر لهم، فانصرف عامتهم بعد قتلى وقعت(1)
فكلم الناس، وأقسم عليهم بحق صاحب البردة إلا انصرفوا فإنه آمن لا بأس عليه من محمد. فسألوه الركوب معهم والخروج من دار محمد لأنهم لا يأمنوه عليه، فوعدهم ذلك .
. فلما كان يوم الجمعة بكر الناس بالصباح يطلبون المستعين، فانتهبوا دواب على ابن هشينا وجميع ما كان في منزله وهرب ولم يزل الناس وقوفاً إلى أن ارتفع النهار، فوافي وصيف، وبغا، وأولادهما وقوادهما ومواليهما، وأخوال المستعين مع الناس جميعاً على الباب.فدخل وصيف وبُغا في خاصتهما، ودخل أخوال المستعين معهم إلى الدهليز، فوقفوا على دوابهم.
وأعلم ابن (2)طاهر مكان الأخوال فأذن لهم فأبوا وقالوا ليس هذا : يوم نزول عن ظهور دوابنا إلا بعد أن يعرف العامة حقيقة أمرنا .
فلم تزل الرسل تختلف إليهم، وهم يأبون فخرج إليهم محمد بن عبد الله بنفسه وسألهم النزول والدخول على المستعين، فأعلموه أن العامة قد ضجت مما يبلغها، وصح عندها ما أنت عليه من خلع المستعين والبيعة للمعتز، وإرادتك التهوين(3)لتصیر الأمر إليه وإدخال الأتراك والمغاربة بغداد فيحملون فيها بحكمه .
و استراب بك أهل بغداد واتهموك على خليفتهم وأموالهم وأولادهم وأنفسهم.
1) خبر ظهور الخليفة في الكامل جاء على النحو التالي : فلما رأى محمد ذلك سأل المستعين الخروج إلى دار العامة ودخل إليه جماعة من الناس فنظروا إليه وخرجوا فأعلموا الناس الخبر، فلم يقتنعوا بذلك. فأمر المستعين بإغلاق الأبواب، وصعد سطح دار العامة ومحمد بن عبد الله معه، فرآه الناس وعليه البردة وبيده القضيب.
2) في المخطوط : ان وهو تحريف .
3) في المخطوط التهويل. وهو تحريف .
وسألوا إخراج الخليفة إليهم ليروه ويكذبوا ما بلغهم [113/ب] فيه فلما تبين محمد بن عبد الله ذلك الأمر، ونظر إلى كثرة اجتماع الناس وضجتهم سأل المستعين الخروج إليهم.
فخرج إلى دار العامة التي كان يدخلها جميع الناس فنصب له فيها كرسي، وأدخل إليه جماعة من الناس، فنظروا إليه ثم خرجوا من ورائهم فأعلموهم ،صحته، فلم يقنعوا بذلك .
وعرف ابن طاهر كثرة الناس وأنهم (1)لا يسكنون ، فأمر بإغلاق باب الحديد الخارج فأغلق، وسار هو وأخواله ومحمد بن موسى المنجم وغيرهم إلى المدرجة التي تفضي إلى سطوح دار العامة من خزائن السلاح ثم نصب لهم سلاليم على سطوح المسجد الذي يجلس فيه محمد بن عبد الله .
فأشرف المستعين على الناس وعليه سواد وفوق السواد بردة النبي صلی الله علیه وآله وسلم(2)ومعه القضيب .
فكلمه الناس وكلمهم ، وناشدهم وسألهم بحق صاحب البردة إلا انصرفوا فإنه في أمن وسلامة، ولا بأس عليه من محمد بن عبد الله [ فسألوه الخروج معهم من داره ](3)فإنهم لا يأمنونه عليه . فأعلمهم أنه على النقلة منها إلى دار عمته أم حبيب بنت الرشيد بعد أن يصلح له ما ينبغي وبعد أن تحول أمواله وخزائنه وسلاحه وفرشه وجميع ما في دار محمد فانصرف الناس وسكن أهل بغداد وما فعلوا من اجتماعهم على ابن طاهر مرة بعد مرة وإسماعهم إياه المكروه.
وتقدم إلى أصحاب المعاون ببغداد يتخير ما قدروا عليه من الإبل والبغال والحمير، لينقل عنهم .
وأشيع أنه يقصد المدائن واجتمع إليه مشايخ الحرثية والأرياض يعتذرون إليه ويسألونه الصفح ويذكرون أن ذلك كان من فعل الغوغاء والسفهاء لسوء الحال التي كانوا عليها الضر.
فرد عليهم ردّاً جميلاً، وأثنى عليهم، وصفح عما كان منهم، وتقدم إليهم بالتقدم إلى شبابهم وسفهائهم والأخذ على أيديهم وأجابهم إلى ترك النقلة .
وكتب أصحاب المعاون يترك التخير .
وانتقل المستعين من دار محمد بن عبد الله وسار إلى دار روق الخادم في الرصافة (1)
فالتحق بها الناس وعمروها فصارت مقدار مدينة المنصور.
وعمل المهدي بها جامعاً أكبر من جامع المنصور وأحسن.
و خربت تلك النواحي كلها ولم يبق إلا الجامع وبلصقه مقابر الخلفاء لبني العباس وعليهم وقوف و فراشون برسم وبلصقها محلة أبي حنيفة الإمام وبها قبره.
الخدمة ولولا ذلك لخربت .
وهناك محلة وسويق ويلاصقها دار الروم، ولم يبق شيء غير هذا ... وكان فراغ المهدي من بناء الرصافة والجامع بها سنة (159) وهي السنة الثانية من الخلافة .
.فوصل إليها مساءاً فأمر الفرسان من الجند حين سار إليها بعشرة دنانير لكل فارس وللراجل بخمسة دنانير لكل واحد.
وركب مركوب المستعين ابن طاهر وبيده الحربة يشير بها بين يديه والقواد خلفه .
وأقام مع المستعين ليلة ثم انصرف . ولما انتقل المستعين أجمع (2)الناس، والقواد، وبنو هاشم المسير إلى ابن طاهر والتسليم عليه وأن يسيروا معه إذا ركب إلى الرصافة. فساروا إليه وحضر الضحى الأكبر من ذلك اليوم فركب ابن طاهر وجميع قواده في تعبية وحوله ماشية رجاله .
فلما خرج من داره وقف الناس فعاتبهم ثم حلف لهم أنه ما أضمر لأمير المؤمنين أعزه الله ولا لولد له ولا لأحد من الناس سوءاً، وأنه ما يريد إلا إصلاح أحوالهم، وما تدوم به النعمة عليهم، وأنهم قد توهموا عليه ما لم يعرفه حتى أبكى عيون الناس فدعوا له .
ثم ركب وعبر الجسر وسار إلى المستعين. وذكر أن المستعين كان كارهاً للنقلة عن دار محمد بن عبد الله، ولكنه انتقل من أجل الناس لأنهم ركبوا الزراريق والنفاطين ليضربوا روشن (3)ابن طاهر بالنار لما صعب عليهم فتح الباب .
وكان يسمع دائماً شتم الناس وتناولهم عرضه بالقبيح .
ثم إن قوماً وقفوا بباب الشماسية من قبل أبي أحمد فطلبوا ابن طاهر ليكلموه . وكتبصالح إلى وصيف يعلمه خبر القوم ويسأله أن يعلم المستعين في ذلك ليأمر فيه بما يرى .
1) قال ياقوت : الرصافة مدينة بالجانب الشرقي لما بنى المنصور مدينة بالجانب الغربي واستتم بناءها أمر ابنه المهدي أن يعسكر في الجانب الشرقي، وأن يبني له فيه دوراً وجعلها معسكراً له .
2) في المخطوط : اجتمع وهو تحريف .
3) الرَّوْشَنُ : هي الكوّة تكون في سقف البيت ينزل منها الضوء في الحجرة التي لا تطل على الشارع وتعمل في أصل السقف ولا يكون لها غطاء وهي خلاف الشخشية وإن كانتا تؤديان غرضاً واحداً وهو إسقاط الضوء في صحن الدار أو الحجرة .
فرد المستعين الأمر فيه إليه وقال : إن التدبير في جميع أموره مردود إليه .
فتقدم فيه محمد بما رأى، ولم يزل بعد ذلك أحمد بن إسرائيل، والحسن بن ،مخلد، وعبد بن يحيى يقبلوه في الذروة والغارب ويشيرون على محمد بالصلح .
فذكر قوم أنهم سألوا سعيد بن حميد بعد ذلك بدهر وقالوا: ما ينبغي أن يكون محمد مداهناً وأنه كان انطوى على عِلٍّ في أول أمره فقال : وددت أنه كان كذلك، لا والله ما هو إلا أن هزم أصحابه من المدائن والأنبار حتى توالت الهزائم عليه فأجاب القوم بعد أن كان قد حادهم. وحكى أحمد بن يحيى (ثعلب النحوي) وكان يؤدب ولد ابن طاهر :
أن محمد بن عبد بن عبد الله لم يزل جادا لم يزل جادا في نصره المستعين حتى أحفظه عبيد اللهبن يحيى بن خاقان فقال له : طال بقاءك أن هذا الذي تنصره وبجدك وجهدك من أشد الناس نفاقاً، وأخبثهم ديناً والله لقد أمر وصيفاً وبغا بقتلك فاستعظما بذلك ولم يفعلاه، فإن شككت في فَسَلْ تخبر. ومن ظاهر نفاقه أنه كان بسر من رأى لا يجهر في صلاته ،ب: بسم الله الرحمن الرحیم (1)فلما صار إليك جهر بها مراءاة لك، ويترك نصرة وليك وتربيتك وصهرك، ونحو ذلك من الكلام .
فقال محمد بن عبد الله هذا ما يصلح لدين ولا دُنيا (2).
وكان أول ما صد محمد الجد في أمر الحسين ثم ظاهر عبيد الله بن یحیی علی ذلك أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد حتى صرفوه عن رأيه في نصرة المستعين.
وركب محمد بن عبد الله يوماً إلى المستعين وحضر عدة من الفقهاء والقضاة (3)، فقال المستعين : قد كنت فارقتني على أن تنفذ أمري في كل ما أعزم عليه، ولك عندي بخطك رقعة بذلك؟ فقال المستعين : أحضر الرقعة .
،فأحضرها، فإذا فيها ذكر الصلح وليس فيها ذكر الخلع.
فقال : نعم أنفذ الصلح .
فقام أحمد بن الختلي فقال : يا أمير المؤمنين إنه يسألك أن تخلع قميصاً
1) هذا لاختلاف أول العلماء في الجهر بها في أول الصلاة الجهرية والإسرار والأمر في ذلك واسع وليس دليلاً على النفاق من عدمه.
2) جاء هذا الخبر في الكامل في التاريخ إن لم يكن بنصه فهو بنحوه مما يفيد أن ابن الأثير نقل كثيراً من كتابه التاريخ من كتاب مسكويه ،هذا وهو ما آخذه على ابن الأثير وإن كان ابن الأثير كثيراً ما يفصل في حوادث السنين ولكن كنت أتمنى لو أنه ذيل على تجارب الأمم بدل التكرار .
3) في الكامل : فلما كان يوم الأضحى صلى المستعين بالناس ثم حضر محمد بن عبد الله عند المستعين وعنده الفقهاء والقضاة.
قمصكه الله عزّ وجلّ . [114/أ] وتكلم ،قوم وتكلم علي بن يحيى المنجم فأغلظ لمحمد بن عبدالله، فاحتمله ثم ضرب لمحمد بن عبد الله بباب الشماسية مضرب كبير أحمر وخرج مع مائتي فارس ومائتي راجل إلى المضرب. وجاء أبو أحمد فخرج إليه ودخل معه المضرب. ووقف الجند الذين مع كل واحد منهما ناحية.
فتناظر ابن طاهر وأبو أحمد طويلاً ثم خرج من المضرب، وانصرف ابن طاهر إلی داره (1).في دلال يخبره بما دار بينه وبين أبي أحمد، فأقام عنده إلى العصر ثم انصرف.
فحكي أنه فارقه على أن يعطى خمسين ألف دينار ويقطع غلة ثلاثين ألف دينار في السنة، على أن يكون مقامه ببغداد حتى يحمل له مال يعطي الجندي .
وعلى أن يولي بغا مكة والمدينة والحجاز، ووصيف الجبل .
ويكون ثلث ما يجبى من المال لمحمد بن عبد الله وجند بغداد و الثلثان للموالي والأتراك(2).
ثم ركب ابن طاهر في ذي الحجة من هذه السنة ليناظره في الخلع فناظره فامتنع علیه.
فظن المستعين أن بُغا ووصيفاً أن بغا ووصيفاً معه يكاشفاه(3). فقال المستعين: هذه عنقي والسیف(4).
فلما رأى امتناعه انصرف عن.
وبعث المستعين إلى ابن طاهر يعلى بن يحيى وقوم من ثقاته وقال لهم: قولوا لهاتق الله إنما جئتك لتدفع عني، فإن لم تدفع عني تکفّ عني.
فرد عليه : أما أنا فأقعد في بيتي ولكن لا بد لك من خلعها طائعاً أو مكرهاً .
وذكر عن علي بن يحيى أنه قال : قل له إن خلعتها فلا بأس عليها، فوالله لقد [تمزق](5)تمزقاً لا يرفع أبداً وما نزلت فيها فضلاً.
1) في الكامل : أنه خرج إلى المستعين ثم ركب من داره ومضى إلى المستعين.
2) في الكامل على النحو التالي: على أن يكون مقامه بالمدينة يتردد منها إلى مكة ويخلع نفسه من الخلافة. وأن يعطي بغا ولايةالحجاز جميعه . والباقي نحوه .
3) في المخطوط : فكاشفاه وهو تحريف وفي الكامل : يكاشفانه .
4) في الكامل : فقال : النطع والسيف، والمعنى واحد .
5) زيادة يتطلبها السياق .
فلما رأى المستعين ضعف أمره ولم يجد ناصراً أجاب إلى الخلع على شريطة أشياء سألها ولم يقنع المستعين إلا بخروج ابن كرديه إلى المعتز وهو من ولد المنصور وجماعة معه من ثقاته . وكان في شرطه أن ينزل مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يكون مضطربه من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة فأجابه إلى ذلك.
وصيفاً وبُغا، وابن طاهر أشاروا عليه بذلك، فأغلظ لهم، فقال له وصيف: أنت أمرتنا بقتل باغر فصرنا إلى ما نحن فيه، وأنت عرضتنا لقتل أو تامش، وقلت: إن محمد ليس بناصح فاقتلوه.
فقال محمد: وأنت قلت: إن الأمر لا يصلح إلا بالاستراحة من هذين فلما اجتمعت كلمتهم أذعن بالخلع ولما كان يوم السبت لعشر بقين من ذي الحجة ركب محمد بن عبد الله إلى الرصافة إلى الرصافة وجمع القضاة والفقهاء، فأدخلهم إلى المستعين فوجاً فوجاً، وأشهدهم عليه أنه قد صير أمره إلى محمد بن عبد الله .
ثم أدخل البوابين والخدم، وأخذ منه جوهرة الخلافة، وأقام عنده حتى مضى من الليل وراجف الناس ضروب الأراجيف . ثم بعث ابن طاهر إلى قواده، فجاء كل قائد ومعه عشرة من وجوه أصحابه، فأدخلهم إليه ومناهم وقال : إنما فعلت ما فعلت طلباً الصلاحكم وسلامتكم وحقن الدماء .
ثم أخرج قوماً ثقات إلى المعتز ، ثم مضوا إليه بالكتاب الذي فيه شروط المستعين ومحمد فيه بخطه .
وأمضى كل ما سألاه وشهدوا عليه بإقراره لهما بذلك كله.
وخلع المعتز على الرسل ولم ينظر لهم في حاجة ولا أطلق لهم جائزة، ولم يأمر للجند بشيء.
وحمل إلى المستعين أمه وابناه وعياله بعدما فتش عياله فأخذ منهم ما كان معهم (1)
وفي هذه السنة : سیر محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس جيشاً مع ابنه المنذر إلى بلاد المشركين فساروا وقصدوا الملاحة وكانت أموال لذريق بناحية آليوالقلاع.
فلما عم المسلمون بلدهم بالخراب والنهب جمع لزريق عساكره وسار يريدهم، فالتقوا بموضع يقال له : فج المركوين وبه تعرف هذه الغزاة، فاقتتلوا فانهزم المشركون إلا أنهم لم يبعدوا .واجتمعوا بهضبة بالقرب من موضع المعركة فتبعهم المسلمون وحملوا عليهم واشتد القتال فولى الفرنج منهزمين لا يلوون على شيء وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وكانت هذه الوقعة ثاني عشر رجب، وكان عدد ما أخذ من رؤوس المشركين ألفين وأربعمائة واثنين وتسعين رأساً، وكان فتحاً عظيماً وعاد المسلمون . . .
وفيها ظهر بأرمينية رجلان فقاتلهما العلاء بن أحمد عامل بغا الشرابي فهزمهما فصعدا في قلعة هناك فحصرهما ونصب عليها المنجنيق فهزما منها وخفي أمرهما عليه وملك القلعة. وفيها حارب عيسى ابن الشيخ الموفق الخارجي فهزمه وأسر الموفق.
وفيها ورد كتاب محمد بن طاهر بن عبد الله بخبر الطالبي الذي ظهر بالري وما أعدله من العساكر المسيرة إليه وظفر به واسمه محمد بن جعفر فأخذه أسيراً ثم سار إلى الري بعد أسر محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى بن الحسين الصغير بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
وفيها : انهزم الحسن بن زيد من محمد بن طاهر وكان لقيه في ثلاثين ألفاً وقتل من أصحابه أعيان الحسن ثلاثمائة وأربعين رجلاً. وفيها خرج إسماعيل بن يوسف العلوي ابن أخت موسى بن عبد الله الحسين . وفيها كانت وقعة بين محمد بن خالد بن يزيد وأحمد المؤيد وأيوب بن أحمد بالكسير من أرض بني تغلب فقتل بينهما جماعة كثيرة، فانهزم محمد ونهب متاعه.
وفيها: ظهر بالكوفة رجل من الطالبيين اسمه الحسين بن أحمد بن حمزة بن عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام واستخلف بها محمد بن جعفر بن حسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام يكنى أبا أحمد، فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان وكان العلوي في سواد الكوفة في جماعة من بني الزيدية، وأجلى عنها عامل الخليفة وهو أحمد بن نصير بن حمزة بن مالك الخزاعي إلى الكوفة، فحمل أهل الكوفة العلوية على قتالهم ووعدهم النصرة فتقدم مزاحم وقاتلهم، قد شیر قائداً معه، وكان فأتى أهل الكوفة من ورائهم فأطبقوا عليهم، فلم يفلت منهم أحد.
ودخل الكوفة فرماه أهلها بالحجارة فأحرقها بالنار فاحترق منها سبعة أسواق حتى خرجت النار إلى السبيع، ثم هجم على الدار التي فيها العلوية فهرب.
وأقام مزاحم بالكوفة فأتاه كتاب المعتز يدعوه أبي دلف في شهر رمضان فقتل من أصحاب العلوي جماعة وهرب فدخل الكوفة .
وفيها ظهر الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن علي بن الحسين بن علي المعروف بالكوكبي بناحية قزوين ،وزنجان فطرد عمال طاهر عنها. وفيها قطعت بنو عقيل طريق جدة فحاربهم جعفر بشاشات فقتل من أهل مكة نحو ثلاثمائة رجل، فغلت الأسعار بمكة، وأغارت الأعراب على القرى.
وفيها: ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بمكة فهرب جعفر بشاشات، وانتهب إسماعيل منزله ومنازل أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة وأخذ ما كان حمل لإصلاح القبر (العين) من المال وما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة وغير ذلك، وأخذ كسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحواً من مائتي ألف دينار.
وخرج منها بعد أن نهبها وأحرق بعضها في ربيع الأول بعد خمسين يوماً. وسار إلى المدينة فتوارى عاملها، ثم رجع إسماعيل إلى مكة في رجب فحصرهم حتى تماوت أهلها جوعاً وعطشاً وبلغ الخبز ثلاثة أواق ،بدرهم واللحم رطل بأربعة دراهم وشربة ماء بثلاثة دراهم، ولقي أهل مكة منه بلاء.
ثم سار إلى جدة بعد مقام سبعة وخمسين يوماً فحبس عن الناس الطعام، وأخذ الأموال التي للتجار وأصحاب المراكب.
ثم وافى إسماعيل عرفة وبها محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب بكعب البقر، وعيسى بن محمد المخزومي صاحب جيش مكة كان المعتز وجههما إليه فقاتلهما إسماعيل، وقتل من الحاج نحو ألف ومائة وسلب الناس وهربوا إلى مكة ولم يقفوا بعرفة ليلاً ولا نهاراً ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جدة فأفنى أموالها .
وفيها مات سري السقطي الزاهد، وإسحاق بن منصور بن بهرام أبو يعقوب الكوسج الحافظ النيسابوري توفي في جمادى الأولى وله مسند يروي عنه .
.1) ذكر ابن الأثير في الكامل عدة حوادث في هذه السنة وأنا أذكرها كما ذكرها وهي:
وفيها: خلع المستعين أحمد بن محمد المعتصم نفسه من الخلافة وبايع المعتزمحمد بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم .
فدعى للمعتصم على منبري بغداد ومساجد جانبيها الشرقي والغربي.
وأخذت البيعة على من كان بها من الجند. فذكر أن ابن طاهر دخل على المستعين ومعه سعيد بن حميد حين كتب شروط الأمان، فقال له : يا أمير المؤمنين قد كتب سعيد بن حميد كتاب الشروط ووكد غاية التوكيد فيقرأه عليك وتسمعه.
فقال له المستعين: [لا حاجة لي إلى](1)توكيده(2)يا أبا العباس، فما القوم بأعلم بالله منك، وقد وكدت على نفسك قبلهم، فكان ما قد علمت .
فما رد (3)عليه محمد شيئاً .
ولما بايع المستعين المعتز نقل من الرصافة إلى قصر الحسن، ووكل به، وأخذ منه البردة والخاتم والقضيب ووجه بها مع عبيد عبيد اللهبن طاهر، وکتب معه كتاباً من محمد نسخته :
بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي [هو ] (4)متمم النعمة والهادي إلى شكره .
وصلى الله على محمد عبده ورسوله الذي جمع له من الفضل ما فرقه في الرسل قبله، وجعل ميراثه راجعاً إلى من خصه بخلافته وسلم تسليماً .
كتابي إلى أمير المؤمنين وقد تمم الله أمره وتسلمت ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممن کان عنده إلی أمیر الموئمنین مع عبيد الله بن عبد الله مولى أمير المؤمنين وعبده .
ومنع المستعين [من] (1)الخروج إلى مكة، فاختار البصرة فنزلها(2)
ولست خلون من المحرم دخل بغداد أكثر من مائتي سفينة فيها صنوف التجارات وغنم كثير وفيها سير المستعين إلى واسط واستوزر المعتز . . .
.واستوزر المعتز أحمد بن إسرائيل، وخلع عليه، ووضع على رأسه تاجاً .
وشخص أبو أحمد إلى سُرَّ من رأى من عسكره وشيعته محمد بن عبد الله، وخلع على محمد بن عبد الله خمس خلع وسيفاً .
ورجع من [114/ب] الروذبار .
ولما وصل أبو أحمد إلى سُرَّ من رأى خلع عليه ست خُلع، وسيف، وتوج بتاج ذهب وقلنسوة وجوهر ووشح بوشاحي ذهب ،بجوهر وقلد سيفاً آخر مرصعاً بالجوهر واجلس على كرسي.
وخلع على القواد الذين معه (3)
ورجع أبو أحمد إلى سامرا لاثني عشرة خلت من المحرم فقال بعض الشعراء في خلع
المستعين :
خلع الخليفة أحمد بن محمد*** وسيقتل التالي له أو يُخلع*** ويزول ملك بني أبيه ولا نرى*** أحداً بملك منهم يتمتع*** إيهاً بني العباس إن سبيلكم في قتل أعبدكم سبيل مهيع رفعتم دنیاکم فتمزقت*** بكم الحياة تمزقاً لا يرقع
وقال الشعراء في خلعه كالبحتري ومحمد بن مروان بن أبي الجنوب وغيرهما، فأكثروا فيه. والسبع بقين من المحرم الصرف أبو الساج ديوداد بن ديودست إلى بغداد فقلده محمد بن عبد الله معاون ماء سقي الفرات من السواد فسير نوابه إليها لطرد الأتراك والمغاربة عنها، ثم سار أبو الساج إلى الكوفة .
. وكتب المعتز إلى محمد بن عبد الله أن يسقط وصيفاً وبُغا ومن معهما من الدواوين. وتكلم أبو أحمد بن المتوكل في قتلهما، وخاطب محمد بن عون في ذلك، فوعده بقتلهما . فكوتب وصيف وبغا بالخبر، فركبا إلى ابن أبي طاهر :وقالا : قد بلغنا أيها الأمير ما ضمنه ابن أبي عون من قتلنا والقوم قد غدروا والله لو أرادوا قتلنا ما قدروا عليه فحلف محمد لهما أنه ما علم بشيء من ذلك، وتكلم بغا بكلام ،شديد ووصيف يكفه . ثم نهضا وأخذا في الاستعداد وشري السلاح وتفرقت الأموال .وكان وصيف وجه أخته فأخرجت من قصر أخيها وصيف ألف ألف دينار كانت مدفونة فيه. فدفعتها إلى المؤيد .
[ فكلم](1)المؤيد المعتز في الرضا عن بغا، ثم اجتمع الأتراك على المعتز فسألوه الأمر بإحضارهما، وقالوا هما كبيرانا ورئيسانا فكتب إليهما بذلك فلما صار إلى سُرَّ مَنْ رأى اجتمع الموالي وسألوه ردهما إلى مراتبهما .
فأجيبوا إلى ذلك، وبعث إليهما، وخلع عليهما خلعة المرتبة، ورتبا في مرتبتهما التي كانت قبل مسيرهما إلى بغداد، فأمر بردهما(2)
وفيها كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله في إسقاط اسم وصيف وبغا ومن معهما من الدواوين. وكان محمد بن أبي عون وهو أحد قواد محمد بن عبد الله، وقد وعد أبا أحمد أن يقتل بغا ،ووصيفاً، فعقد له المعتز على اليمامة والبحرين والبصرة.
فكتب قوم من أصحاب بغا ووصيف إليهما بذلك، وحذروهما محمد بن عبد الله .
فركيا إلى محمد وعرفاه ما ضمنه ابن أبي عون من قتلهما .
وقال بغا : إن القوم قد غدروا وخالفوا ما فارقونا عليه، والله لو أرادوا أن يقتلونا ما قدروا عليه، فكفه وصيف وقال نحن نقعد في بيوتنا حتى يجيء من يقتلنا ورجعا إلى منازلهما وجمعا
جندهما.
ووجه وصيف أخته سعاد إلى المؤيد وكان في حجرها، فكلم المؤيد المعتز في الرضا عنه فرضي عن وصيف، وكتب إليه بذلك .
وتكلم أبو أحمد بن المتوكل في بغا، فكتب إليه بالرضا عنه وهما بغداد، ثم تكلم الأتراك بإحضارهما إلى سامرا فكتب إليهما بذلك، وكتب إلي محمد بن عبد الله ليمنعهما من ذلک، فأتاهما كتاب إحضارهما فأرسلاه إلى محمد بن عبد الله يستأذنانه .
وخرج وصيف وبغا وفرسانهما وأولادهما في نحو أربعمائة إنسان وخلفا الثقل والعيال .
فوجه ابن طاهر إلى باب الشماسية من يمنعهم فمضوا إلى باب خراسان وخرجوا منه، ووصلا سامرا ورجعا إلى منزلهما من الخدمة، وخلع عليهما، وعقد عليهما، وعقد لهما على أعمالهما، ورد البريد إلى موسى بن بُغا الكبير .
.وفي هذه السنة: شغب الجند على محمد بن عبد بن طاهر وطالبوا بأرزاقهم. وعظم الخطب في ذلك حتى خرجوا إلى باب عرب، وباب الشماسية، ومعهم الأعلام والطبول، وضربوا المضارب والخيم وبنوا بيوتاً من بواري وقصب. فجمع ابن طاهر أصحابه فبيتهم في داره، فلما كان یوم الجمعة اجتمعوا وعزموا على المسير إلى المدينة ليمضوا إلى المسجد الجامع فيمنعوه من الدعاء للمعتز.
فأعلمهم جعفر أنه مريض لا يقدر على الخروج إلى الصلاة.
فانصرفوا عنه وساروا إلى الشارع النافذ إلى دار الرقيق، ثم قصدوا الجسر.
فوجه إليهم محمد بن عبد الله بن طاهر جماعة القواد والجند ليناظروهم، ويدفعوهم دفعاً رقيقاً.
فحملوا عليهم وجرحوا منهم جماعة وجرحوا أبا السنا وكبروا وساروا إلى دار
ابن طاهر فقوتلوا وقتل من الفريقين جماعة وسار من الغوغاء جماعة إلى مجلس الشرطة فكسروا بيت الرفوع، وانتهبوا ما فيه وكان هناك أصناف من المتاع كثير جليل. وأحرق محمد بن طاهر الجسرين لما رأى الجند ،يعبرون وقد ظهروا على أصحابه . وضرب عدة من الحوانيت بالنار للتجار فيها متاع كثير لهم.
فحالت النار بين الفريقين وانصرف القوم إلى مضاربهم بباب حرب والشماسية وانضم إلى ابن طاهر ،جماعة، وعاد إليه قوم المشغبة وعباهم تعبية الحروب خوفاً من كثرة الجند، فلم يكن لهم عودة (1)
فأتاه في بعض الأيام رجلان من الجند فدلاه على عورة ،القوم، فأمر لهما بمائتي دينار.
وأمر الشاه بن ميكال وغيره من القواد في جماعة بالمسير إليهم، فساروا إلى تلك الناحية . وكان أبو القاسم وابن الخليل - وهما المقدمان على الجند - قد خافا بمضي ذينك الرجلين وقد تفرق الناس عنهما إلى ناحية .
فأما ابن الخليل: فإنه لقي الشاه بن ميكال ومن معه فصاح بهم وصاح به أصحاب محمد وصار في وسطهم فقتل.
وأما أبو القاسم : فإنه اختفى، فَدُلَّ عليه فأخذ وحمل إلى ابن طاهر وتفرق الجند من باب حرب ورجعوا إلى منازلهم، وقيد أبو القاسم وضرب ضرباً مبرحاً فمات منه في رمضان.
. وتلطف القواد في التقريب بينهم حتى تفرقوا وسار إلى منازلهم.وفي هذه السنة : خلع المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد بعده (2).
ذكر السبب في ذلك
كان السبب في ذلك أن عامل أرمينية، وأذربيجان وهو : العلي بن أحمد بعث إلى إبراهيم بن المتوكل بخمسة آلاف دينار ليصلح بها أمره. فبعث [عيسى](3)بن فرخانشاه (4)إليها فأخذها فأغرى المؤيد الأتراك بعيسى بن فرخانشاه فشكي ذلك إلى المعتز وعرفه الحال. فبعث المعتز إلى أخويه المؤيد وأبي أحمد فحبسهما في الجوسق ، وقيد المؤيد وصيره في حجرة .
وأدروا العطاء للأتراك والمغاربة وجلس يعقوب صاحب المؤيد وثق في إبراهيم(5).
1) ذكر ابن الأثير الخبر فى الكامل على نحو هذا وزاد بعد ذلك :
2) ذكر ابن الأثير أن ذلك في رجب.
3) زيادة من الكامل.
4) في المخطوط : ابن فرخ شاه والتصويب من الكامل.
5) ذكر الخبر في الكامل على نحو من ذلك وزاد فيه : وقيل : إنه ضربه أربعين ،مقرعة وخلعه بسامرا، وأخذ خطه بخلع نفسه . وكانت وفاته أيضاً في رجب لثمان بقين من الشهر .
أن امرأة من نساء الأتراك جاءت إلى محمد بن راشد المعري فأخبرته أن الأتراكيريدون إخراج المؤيد من الحبس .
فركب محمد بن راشد إلى المعتز ، فأعلمه بذلك، فدعى بموسى بن بغا وسأله فأنكر ، وقال : يا أمير المؤمنين إنما أرادوا أن يخرجوا أبا أحمد بن المتوكل لأنسهم [به و](1)كان في الحرب التي كانت أما المؤيد فلا . فلما كان يوم الخميس لثمان بقين من رجب دعا القضاة والفقهاء والوجوه، فأخرج إليهم إبراهيم المؤيد ميتاً لا أثر فيه ولا جرح(2).
فذكر أنه أُدرج في الحاف سمور، ثم أمسك طرفاه حتى مات .
وقيل : إنه أجلس على الثلج ونضدت حجارة الثلج عليه فجمد برداً(3)
ولما مات المؤيد نقل أخوه أبو أحمد إلى محبسه .
وكانا لأب وأم .
.وفي شوال منها :
قتل المستعين رضي الله عنه.
ذكر السبب في قتله
اختلف في قتله فقال قوم:
كوتب محمد بن عبدالله في تسليم المستعين إلى منصور بن حمزة وهو على واسط .
ثم وجه أحمد بن طولون التركي في جيش فوافى القاطول . وقيل : بل كان أحمد بن طولون موكلاً للمستعين فوجه سعيد بن صالح في حملة فسار إليه سعيد فحمله .
فيقال : إنه قتله سعيد بالقاطول .
ويقال : بل حمله سعيد إلى منزله بسر من رأى فعذبه حتى مات.
ويقال : بل غرقه (4)
وقيل : بل جعل في رجله حجراً وألقاه في دجلة . وقيل : كان قد حمل معه داية له تعادله، فلما أخذه سعيد ضربه بالسيف فصاح وصاحت دايته، ثم قتلت المرأة معه.
.ويقال : بل قتله وأتى المعتز برأسه وهو يلعب بالشطرنج فقيل : هذا رأس المخلوع .
فقال : ضعوه هناك (1)، ثم فرغ من لعبه فدعا به فنظر إليه، ثم أمر بدفنه، وأمر السعيد بخمسة آلاف درهم، وولاه معونة البصرة.
وفي هذه السنة : كانت من المغاربة والأتراك ملحمة (2)
في هذه السنة مستهل رجب .
.ذكر السبب في ذلك
كانت الأتراك وثبت على ابن عيسى بن فرخانشاه فتناولوه بالضرب، وأخذوا دوابه [115/ أ] فاجتمعت وتكلمت ورئيسهم محمد بن راشد ومحمد بن معد (3)، فقالوا: في كل يوم تقتلون خليفة، وتقتلون وزيراً، وتثبون بآخر.
فغلبوا الأتراك على الجوسق وأخرجوهم منه ثم وثبوا على بيت المال وأخذوا دواب الأتراك وأرسلوا إلى من بالكرخ ،والدور، فالتقوا مع المغاربة وتقاتلوا.
فقتل من المغاربة رجل واحد وأخذت المغاربة قاتله، وأعانت العامة المغاربة (4)، فأصلح جعفر بن عبد الواحد بين الفريقين.
فاصطلحوا على أن يكون في كل موضع يكون فيه واحد من قبل أحد الفريقين يكون معه آخر من الفريق الآخر (5)، فإن ظفرنا بهما فليس ينطلق أحد - يعنون محمد بن راشد، ونصر بن سعد ..
فبلغ أمر الأتراك هذين، فسار إلى محمد بن عرون (6)
والخبر في الكامل بعد ذكر محمد بن راشد ومحمد بن سعد يقول : فخرجا إلى منزل محمد بن غرون ليكونا عنهد حتى يسكن الأتراك ثم يرجعا إلى جمعهما. فغمز بهما إلى الأتراك، فأخذوهما فقتلوهما فبلغ ذلك المعتز فأراد قتل ابن ،غرون، فكلم فيه فنفاه إلى بغداد. ولم يذكر قتل ابن غرون بعد ذلك .
ومما ذكره ابن الأثير في الكامل من أحداث هذه السنة ولم يذكره ابن مسكويه ما يلي:في هذه السنة في رجب خرج مساور بن عبد الحميد بن مساور الشاري البجلي الموصلي
بالبوازيج - وإلى جده ينسب فندق مساور بالموصل - وكان سبب خروجه : أن شرطة الموصل كان يتولاها هو لبني عمران وأمراء الموصل لزموا إنساناً اسمه حسين بن بكير ابناً لمساور هذا اسمه حوثرة فحبسه بالحديثة - وكان حوثرة جميلاً - فكان حسين هذا يخرجه من الحبس ليلاً ويحضر عنده ويرده إلى الحبس نهاره .
فكتب حوثرة إلى أبيه ،مساور وهو بالبوازيج يقول له : أنا بالنهار محبوس وبالليل عروس.
فغضب لذلك وقلق وخرج، وبايعه جماعة ، وقصد الحديثة، فاختفى حسين بن بكير، وأخرج مساور ابنه حوثرة من الحبس وكثر جمعه من الأكراد والأعراب. وسار إلى الموصل فنزل بالجانب الشرقي، وكان الوالي عليها عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن أهبانالخزاعي.
وأهبان يقال إنه مكلم الذئب وله صحبة .
فوافقه عقبة من الجانب الغربي، فعبر دجلة رجلان من أهل الموصل إلى مساور فقاتلا فقتلا وعاد مساور وكره القتال، وكان حوثرة بن مساور معهم فسمع يقول :
أنا الغلام البجلي الشاري*** أخرجني جوركم من داري
وفي هذه السنة حمل محمد بن علي بن خلف العطار وجماعة من الطالبيين إلى سامرا فيهم أبو أحمد محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن حسن بن علي بن أبي طالب وأبو هاشم داود بن القاسم الجعفري في شعبان .
وكان سبب ذلك
أن رجلاً من الطالبيين سار من بغداد في جماعة من الشاكرية إلى ناحية الكوفة وكانت من أعمال أبي الساج، وكان مقيماً ببغداد.
فأمر محمد بن عبد الله بالمسير إلى الكوفة فقدم بين يديه خليفته عبد الرحمن إلى الكوفة فلما صار إليها رُمي بالحجارة وظنوه جاء لحرب العلوي فقال : لست بعامل إنما أنا رجل وجهت لحرب الأعراب فكفوا عنه .
وكان أبو أحمد الطالبي المذكور قد ولاه المعتز الكوفة بعد ما هزم مزاحم بن خاقان العلوي الذي كان وجه لقتاله بها ... ، فعاث أبو أحمد فيها وآذى الناس وأخذ أموالهم وضياعهم، فلما أقام عبد الرحمن بالكوفة لاطفه واستماله حتى خالطه أبو أحمد وآكله وشاربه حتى سار به ، ثم خرج متنزهاً إلى بستان فأمسى وقد عبى له عبد الرحمن أصحابه فقيده وسيره إلى بغداد في ربيع الآخر .
ووجدت مع ابن أخ لمحمد بن علي بن خلف العطار كتب من الحسن بن زيد فكتب يخبره إلى المعتز ، فكتب إلى محمد بن عبد الله بحمله وحمل الطالبيين المذكورين إلى سامرا فحملوا جميعاً . وفيها ولي الحسين بن أبي الشوارب قضاء القضاة .
وفيها توجه أبو الساج إلى طريق خراسان من قبل محمد بن عبد الله .
وفيها عقد لعيسى ابن الشيخ على الرملة، وأنفذ خليفته أبا المغراء. وعيسى هذا شيباني، وهو عيسى ابن الشيخ ابن السليل من ولد جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان .
واستولى على فلسطين جميعها، فلما كان من الأتراك بالعراق ما ذكرناه تغلب على دمشق وأعمالها، وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة واستبد بالأموال.
وفيها كتب وصيف إلى عبد العزيز بن أبي دلف العجلي بتولية الجبل وبعث إليه بخلع فتولى ذلك من قبله .
وفيها قتل محمد بن عمرو الشاري بديار ربيعة قتله خليفة لأيوب بن أحمد في ذي القعدة.
وفيها: أغار جستان ( ابن جستان) صاحب الديلم مع عيسى بن أحمد العلوي ( أحمد بن عيسى العلوي) والحسن بن أحمد الكوكبي على الري، فقتلوا وسبوا وكان بها عبد الله بن عزيز فهرب منها، فصالحهم أهل الري على ألفي ألف درهم، فارتحلوا عنها، وعاد ابن عزيز فأخذ أحمد بن عيسى وبعث به إلى نيسابور . وفيها : مات إسماعيل بن يوسف الطالبي الذي كان فعل بمكة ما فعل.
وفیها: حج بن عيسى بن منصور .
وفيها : بالناس محمد بن أحمد وفيها سير محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشاً إلى بلاد العدو فقصدوا إليه والقلاع ومدينة مانة، وقتلوا من أهلها عدداً كثيراً، ثم قفل الجيش سالمين.
وفيها: توفى محمد بن بشار بندار وأبو موسى محمد بن المثنى الزمن البصريان وهما من مشايخ البخاري ومسلم في الصحيح، وكان مولده بندار سنة سبع وستين ومائة .
فهم بقتله، ثم كُلّم فيه، فنفاه إلى بغداد. ثم خاف فخرج إلى ضيعة له بالكوفة لها حصن فوافاه فيها الأعراب فقتلوه .1) في الكامل : ضعوه حتى أفرغ من الدست.
2) في الكامل :
3) كذا في المخطوط. وفي الكامل : نصر بن سعد وأشار محققه إلى أنه في الطبري: نصر بن سعيد .
4) في الكامل : وأعان الغوغاء والشاكرية المغاربة فضعف الأتراك وانقادوا فأصلح .
5) بعد هذا في الكامل : فمكثوا مدة مديدة ثم اجتمع الأتراك وقالوا نطلب هذين الرأسين فإن ظفرنا بهما فلا أحد ينطق .
6) كذا في المخطوط بالإهمال، وفي الكامل : محمد بن غرون بالغين المعجمة، وأشار محققه إلى أنه في الطبري : محمد بن عزون أي بالعين المهملة والزاي بدل الراء .
وذكر أن أرزاق الأتراك والمغاربة والشاكرية قدرت في هذه السنة، وكان مبلغ ما يحتاجون إليه في السنة مائتي ألف ألف دينار، وذلك للمملكة لسنين.
وفيها: عقد المعتز في اليوم الرابع من رجب لموسى بن بُغا الكبير على الجبل الحرب عبد العزيز بن أبي دلف ومع موسى يومئذ من الأتراك وما يجري مجراهم ألفان وأربعمائة وثلاث وثلاثون رجلاً مع مفلح ألف ومائة وثلاثون رجلاً فأوقع وهو على مقدمة موسى بن بُغا بعيد العزيز بن دلف لثمان بقين من رجب من هذه السنة، وعبد العزيز في زهاء عشرين ألفاً، وكانت الوقعة بينهما خارج همذان، فهزمه مفلح ثلاث فراسخ يقتلون ويأسرون.
ثم رجع مفلح منصوراً بمن معه وكتب بالفتح.
فلما كان في شهر رمضان عباً مفلح خيله وتوجه نحو الكرج.
ووجه عبد العزيز عسكره في أربعة آلاف وكمن مفلح، فقاتلهم مفلح وخرج الكمينان، فانهزم أصحاب عبد العزيز ووضع فيهم السيف .
وأقبل عبد العزيز في جيش ليعين أصحابه فانهزم بانهزامهم، ونزل الكرخي ومضى إلى قلعة تلة في جبل الرخ يقال لها : الذر (1). ونزل المفلح الكرج وأخذ جماعة من آل أبي دلف، ونساء من نسائهم .
فذكر أنه وجه سبعين حملاً من الرؤوس إلى سُرَّ مَنْ رأى وأعلاماً كثيرة .
وفي هذه السنة : قتل وصيف التركي.
ذكر الخبر عن ذلك
كان الأتراك والفراغنة (2)شغبوا وطلبوا أرزاقهم لأربعة أشهر، فخرج إليهم بغا، ووصيف، وسيما الشارياني في نحو مائة إنسان، وكلمهم وصيف وقال : ما تريدون؟
قالوا: أرزاقنا .
فقال: خذوا تراباً، وهل عندنا مال؟
وقال لهم بُغا: نسأل أمير المؤمنين ذلك، ثم ينصرف عنكم أمير منكم ونتناظر في دار اشناس، ومضى سيما منصرفاً إلى سُرَّ مَنْ رَأى وتبعه بغا لاستثمار الخليفة في أعطياتهم.
وصار وصيف في أيديهم، فضرب بالسيف ضربتين واحتمله نوشرى وهو أحد قواده إلى منزله، ثم أبطأ عليهم بغا، وظنوا أنه في التعبية عليهم وقصدهم.
فاستخرجوه من منزل نوشری و ضربوه بالطبرزينات حتى كسروا عضديه، ثم ضربوا عنقه، ونصبوا رأسه على محراك تنور(1). وقصدت العامة سُرَّ مَنْ رأى لانتهاب منازل وصيف وولده.
فخرج بنو وصيف فمنعوا منازلهم.
وجعل المعتز ما كان إليه إلى بُغا الشرابي [وألبسه التاج والوشاحين](2).
وفي هذه السنة:
مات محمد بن عبد الله طاهر ليلة كسوف القمر، وذلك لثلاث عشرة(3)ليلة
خلت من ذي القعدة غرق القمر كله، ومات محمد مع انتهاء غرفه.
وكانت علته من قروح ذبحته في حلقه(4)
ولما اشتد مرضه كتب إلى عماله وأصحابه بتفويض ما إليه من الولاية إلى أخيه عبيد الله بن طاهر. فلما مات تنازع ابنه طاهر، وأخوه عبيد الله الصلاة عليه، فصلى عليه ابنه.
وتنازع عبيد الله وأصحاب طاهر حتى سلوا السيوف ورموا بالحجارة، ومالت العامة مع أصحاب الطاهر.
وعبر عبيد الله إلى داره بالجانب الشرقي، فعبر معه القواد لاستخلاف محمد، وكان وصاه على أعماله. ثم وجه المعتز بعد ذلك الخلع إلى عبيد الله، فأمر عبيد الله للذي أتاه بالخلع بخمسين ألف درهم.
.مع انتهاء غرقه.وفيها: لقي موسى بن بُغا بقزوين الكوكب الطالبي على فرسخ من قزوين، فهزمه، ولحق بالديلم.
ذكر الخبر عن ذلك
كان أصحاب الكوكبي من الديلم أقاموا تراسهم في وجوههم، فلما نظر موسى
ورأى سهام أصحابه لا يصل إليها، أمر بما معه من النفط فصب في الأرض على حشيش كان هناك، ثم أمر أصحابه بالاستطراد لهم، فلما فعلوا ذلك ظن الكوكب وأصحابه أنهم قد انهزموا فتبعوهم، فلما علم موسى أنهم قد توسطوا النفط أمر بالنار فأشعلت فأخذت النار فيه وخرجت من تحت أقدامهم وجعلت تحرقهم وهرب الباقون فصارت هزيمة ودخل موسى [قزوين](1)
یذكرها مسكويه ما يلي:
في هذه السنة: كانت حرب بین سلیمان بن عمران الأزدي وبين عنزة.
وسببها: أن سليمان اشترى ناحية من المرج فطلب منه إنسان من عنزة اسمه برهونة الشفعة فلم يجبه إليها.
فسار برهونة إلى عنزة وهم بين الزابين، فاستجار بهم وبين شيبان واجتمع معه جمع کثیر فنهبوا الأعمال وأسرفوا.
وجمع سليمان لهم بالموصل، وسار إليهم، فعبر الزاب وكانت بينهم حرب شديدة قتل فيها كثيرون، وكان الظفر لسليمان، فقتل منهم بباب شمعون مقتله عظيمة، وأدخل من رؤوسهم إلى الموصل أكثر من مائتي رأس.
فقال حفص بن عمر الباهلي قصيدة يذكر فيها الوقعة أولها.
شهدت مواقفنا نزار فأخمدت *** كَسرَّات كُلِّ سميذع قَمْقَام
جاؤوا وجئنا لا نفيتم صلنا *** ضرباً يطيح جماجم الأجسام
وهي طويلة.
وفيها: كان أيضاً بأعمال الموصل فتنة وحرب قتل فيها الحباب بن بكير التليدي.
وسبب ذلك: أن محمد بن عبد الله بن السيد بن أنس التليدي الأزدي اشترى قريتين كان رهنهما محمد بن علي التليدي عنده وكره صاحبهما أن يشتريهما، فشكي ذلك إلى الحباب بن بكير، فقال الحباب له: ائتني بكتاب بُغا لأمنع عنهما، وأعطاه دواب ونفقة وانحدر إلى سُر من رأى، وأحضر كتاباً من بغى إلى الحباب يأمره بكفّ يد محمد بن عبد الله بن السيد عن القريتين. ففعل ذلك وأرسل إليهما من منع عنهما محمد فجرت بينهم مراسلات واصطلحوا، فبينما محمد بن عبد الله بن السيد والحباب بالبستان على شراب لهما ومعهما قينة، فقال لها الحباب: غنى بهذا الشعر.
متى تجمع القلب الذكي وصارماً *** وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم
فغنت الجارية، فغضب محمد بن عبد الله وقال لها: بل غنى:
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها *** مراغمة ما دام للسيف قائمُ
ولا صلح حتى تُقرع البيض بالقنا *** ويضرب بالبيض الخفاف الجماجم
وافترقا، وقد حقد كل واحد منهما على صاحبه، وأعاد الحباب التوكيل بالقريتين.
فجمع محمد جمعاً، وترددت الرُّسل في الصلح وأجابا إلى ذلك وفرق محمد جمعه، فأبلغ محمد أن الحباب قال: لو كان مع محمد أربعة لما أجاب إلى الصلح.
فغضب لذلك وجمع جمعاً كثيراً وسار مبادراً إلى الحباب.
فخرج إليه الحباب غير مستعد، فاقتتلوا فقتل الحباب ومعه ابن له، وجمع من أصحابه وكان ذلك في ذي القعدة هذه السنة.
وفيها: نفى أبو أحمد بن المتوكل إلى البصرة، ثم رد إلى بغداد، فأنزل في الجانب الشرقي بقصر دينار.
ونفي أيضاً علي بن المعتصم إلى واسط ثم رد إلى بغداد.
وفيها: مات مزاحم بن خاقان بمصر في ذي الحجة.
وحج بالناس عبد الله بن محمد بن سليمان الزينبي.
وفيها: غزا محمد بن معاذ من ناحية ملطية فانهزم وأسر ...
وفيها: في ذي الحجة لقي مساور الخارجي عسكراً للخليفة مقدمهم حطرمس بناحية جلولاء فهزمه مساور.
وفيها: سار جيش المسلمين من الأندلس إلى بلاد المشركين، فافتتحوا حصون جرنيق وحاصروا فَوْتبَ، وغلب على أكثر أسوارها.
وفيها: ابتداء دولة يعقوب الصفار وملكه هراة وبوشنج.
كان يعقوب بن الليث وأخوه عمرو يعملان الصفر بسجستان ويظهران الزهد والتقشف. وكان في أيامهما رجل من أهل سجستان يظهر التطوع بقتال الخوارج يقال له: صالح المطوعي، فصحبه يعقوب وقاتل معه، فحظي عنه فجعله صالح مقام الخليفة عنه، ثم هلك صالح، وقام مقامه إنسان آخر اسمه درهم، فصار يعقوب مع درهم كما كان صالح قبله.
ثم إن صاحب خراسان احتال لدرهم لما عظم شأنه وكثر اتباعه حتى ظفر به وحمله إلى بغداد فحبسه بها، ثم أطلق، وخدم الخليفة ببغداد.
وعظم أمر يعقوب بعد أخذ درهم، وصار متولي أمر المتطوعة مكان درهم، وقام بمحاربة الشراة فظفر بهم، وأكثر القتل فيهم حتى كاد يفنيهم وخرب قراهم.
وأطاعه أصحابه بمكره وحسن حاله ورأيه طاعة لم يطيعوها أحداً كان قبله.
واشتدت شوكته فغلب على سجستان، وأظهر التمسك بطاعة الخليفة وكاتبه وصدر عن أمره، وأظهر أنه هو أمره بقتال الشراة.
وملك سجستان وضبط الطرق وحفظها، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فكثر أتباعه.
فخرج عن حد طلب الشراة، وصار يتناول أصحاب أمير خراسان للخليفة.
ثم سار من سجستان إلى هراة من خراسان هذه السنة ليملكها، وكان أمير خراسان محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وعامله على هراة محمد بن أوس الأنباري.
فخرج منها لمحاربة يعقوب في تعبية وبأس شديد وزي جميل فتحاربا واقتتلا قتالاً شديداً فانهزم ابن أوس، وملك يعقوب هراة، وبوشنج، وصارت المدينتان في يده فعظم أمره حينئذ، وهابه أمير خراسان وغيره من أصحاب الأطراف.
.1) ما بين المعقوفين من الكامل ومن الأحداث التي جرت في هذه السنة وذكرها صاحب الكامل ولم
وفيها: كان مقتل بغا الشرابي
ذكر مقتل بغا الشرابي.
كان بغا يحفز المعتز على المسير إلى بغداد والمعتز يأبى ذلك.
ثم إن بغا اشتغل مع صالح بن وصيف في خاصته لعرس جمعت بنت بغا، وكان صالح بن وصيف تزوجها.
فركب المعتز ليلاً ومعه أحمد(1)بن إسماعيل إلى الكرخ بسر من رأى يريد
1) تكرر لفظ أحمد في المخطوط فحذفت التكرار .
بابكيال(1)ومن كان على رأيه في الانحراف عن بغا مستخفياً منه.
فلما وافى المعتز بمن معه الكرخ اجتمع بابكيال وأهل الكرخ، والدور(2)
الدور سبعة مواضع بأرض العراق من نواحي بغداد.
إحداها: دور تكريت وهو بين سامرا وتكريت.
والثاني: بين سامرا وتكريت أيضاً يعرف بدور عَرَبايَي.
وفي عمل الدجيل قرية تعرف بدور بني أوقر وهي المعروفة بدور الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، وفيها جامع ومنبر أوقر كانوا مشايخها وأرباب ثروتها، وبنى الوزير بها جامعاً ومنارة، وأثار الوزير حسنه، وبينها وبين بغداد خمسة فراسخ . . .
والدور أيضاً: قرية قرب سميساط. والدور أيضاً محلة بنيسابور، وقد نسب إلى كل محلة منها قوم من الرواة.
، ثم أقبلوا مع المعتز إلى الجوسق بسر من رأى وبلغ ذلك بُغا فخرج في غلمانه وهم زهاء خمسمائة ومثلهم من ولده وأصحابه، وقواده، فسار إلى ثغر فنزل، ثم تنقل إلى مواضع، ثم إلى السّن ومعه من العين تسع عشرة بدرة، ومائة بدرة [115/ب] دراهم من بيت ماله، وبيوت أموال السلطان فأنفق منها يسيراً إلى أن قتل. ولما بلغه أن المعتز قد سار إلى الكرخ مع أحمد بن إسماعيل(3)فأصلحته، وكذا هو في الكامل أحمد بن إسرائيل كما في المخطوط، وأحسب أنه سهو أیضاً،والله أعلم.
، خرج إلى تل عكبر، ثم مضى إلى السّن فشكى أصحابه بعضهم إلى بعض ما هم فيه من العسف وأنهم لم يخرجوا معهم مضارب ولا ما يتدثرون(4)به من البر، وأنهم في شتاء، وكان بُغا في مضرب له صغير على دجلة، وكان يكون فيه فأتاه أساتكين فقال له: أصلح الله الأمير، قد تكلم أهل العسكر، وخاضوا في كذا، وأنا رسولهم إليك.فقال: كلهم يقولون مثل قولك؟
قال: نعم، وإن شئت فابعث إليهم حتى تعلم أنهم يقولون مثل قولي.
قال: دعني حتى أنظر ويخرج إليهم أمري بالغداة(5). فلما جن الليل دعا بزورق، فركب مع خادمين، معه شيئاً من المال، ولم يحمل معه سلاحاً، ولا سكيناً، ولا عموداً، ولا يعلم أهل عسكره بذلك من أمره، والمعتز في غيبة بُغا لا ينام إلّا في ثيابه وعليه سلاحه، ولا يشرب نبيذاً، وجميع جوار على رجل.
1) في المخطوط بغير نقط في أولها وما هنا من الكامل وأشار لمحققه إلى أنه في الطبري: بايكبال بياء أوله، ثم ياء، ثم باء.
2) قال ياقوت في معجم البلدان:
3) في المخطوط : أحمد بن إسرائيل وهو سهو وقد سبق ذكره على الصواب وهنا سهو من الناسخ
4) الدثار هو ما يلبس تحت الظاهر من الثياب وهو ما يسمى في أيامنا هذه بالملابس الداخلية .
5) أي في الصباح الباكر.
فسار بُغا إلى الجسر في الثلث الأول، فلما قرب الزورق من الجسر، بعث الموكلون به من ينظر في الزورق ، ثم صاحوا(1)بالغلام فرجع إليهم، وخرج بغا في البستان الخاقاني، فلحقه عدة منهم(2)، فوقف لهم، وقال: أنا بغا.
ولحقه ولد المغرى فقال له: ما لك جعلت فداك؟ فقال: إما أن تذهب بي إلى منزل صالح بن وصيف وإما أن تسيروا معي حتى أحسن إليكم. فوكل به وليد المغرى، ثم مَرَّ يركض إلى الجوسق، فاستأذن على المعتز، فأذن له، فقال: يا سيدي، هذا بُغا قد أخذته، وقد وكلت به.
قال: ويلك جئني برأسه.
فرجع الوليد إليه، فقال للموكلين تنحوا عنه حتى أبلغه الرسالة فضربه(3)ضربة على جبهته، ثم على يده فقطعها، ثم ضربه حتى صرعه، ثم ذبحه، وحمل رأسه في تركة قبله فأتى به المعتز فوهب له عشرة آلاف دينار، وخلع عليه.
ونصب رأس بُغا بسر من رأى، ثم ببغداد ووثبت العامة على جسده فأحرقوه بالنار. وكان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قد جعل مكان محمد بن عبد الله بن طاهر بوصيته فيتبع بنيه، وكانوا صاروا إليه هراباً مع قوم يثقون بهم، فأثار بهم، وحبس قوماً في المطبق. وقوماً في قصر الذهب. وكان سبب انحدار بُغا إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى مستتراً: أنه أشير عليه إلى دار صالح بن وصيف، فإذا قرُب العيد، ودخل أهل العسكر، خرج هو وأصحابه فوثبوا بالمعتز.
وفي هذه السنة:
وافى الأهواز دلف بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي بتوجيه والده وعبد العزيز إياه، فجبى منها ومن جنديسابور، وتستر مائتي ألف دينار(4)
ابتداء حال أحمد بن طولون:
كانت ديار مصر قد أقطعها بابكيال - وهو من أكابر قواد الأتراك - وكان مقيماً بالحفرة، واستخلف بها من ينوب عنه بها.
وكان والد أحمد بن طولون أيضاً من الأتراك، وقد نشأ هو بعد والده على طريقة مستقيمة وسيرة حسنة، فالتمس بابكيال من يستخلفه بمصر فأشير عليه بأحمد بن طولون لما ظهر عنه من حسن السيرة، فولاه وسَيَّره إليها.
وكان بها ابن المدير على الخراج، وقد تحكم في البلد.
فلما قدمها أحمد كَفَّ يد ابن المدبر واستولى على البلد.
وكان بابكيال قد استعمل أحمد بن طولون على مصر وحدها سوى باقي الأعمال كالإسكندرية.
فلما قتل المهدي بابكيال وصارت مصر لياركوج التركي، وكان بينه وبين أحمد بن طولون مودة متأكدة استعمله على ديار مصر جميعها فقوي أمره وعلا شأنه ودامت أيامه ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
وفيها وقعة بين مساور الخارجي، بين عسكر الموصل، وقد كان مسارو بن عبد الحميد قد استولى على أكثر أعمال الموصل وقوي أمره فجمع له الحسن بن أيوب بن أحمد بن عمر بن الخطاب العدوي التغلبي - وكان خليفة أبيه بالموصل - عسكراً كثيراً منهم: حمدان بن حمدون جد الأمراء الحمدانية وغيره وسار إلى مساور وعبر إليه نهر الزاب فتأخر عنه مساور عن ،موضعه ونزل بموضع يقال له: وادي الرايات وهو واد عميق فسار الحسن في طلبه فالتقوا في جمادى الأولى واقتتلوا واشتد القتال فانهزم عسكر الموصل وكثر القتل فيهم وسقط كثير منهم في الوادي فهلك فيه أكثر من القتلى، ونجا الحسن فوصل إلى حرة من أعمال أربل اليوم ونجا محمد بن علي بن السيد فظن الخوارج أنه الحسن فتبعوه - وكان فارساً شجاعاً - فقاتلهم فقتل واشتد أمر مساور وعظم شأنه وخافه الناس.
وفي هذه السنة توفي أبو أحمد بن الرشيد وهو عم الواثق والمتوكل، وعم أبي المنتصر، والمستعين والمعتز، وكان معه من الخلفاء أخواه الأمين والمأمون والمعتصم. وابنا أخيه الواثق والمتوكل ابنا المعتصم، وأبناء ابني أخيه وهم المنتصر والمستعين والمعتز.
وفيها في جمادى الآخرة: توفي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام بسامراً - وهو أحد من يعتقد الإمامية إمامته - وصلى عليه أبو أحمد المتوكل، وكان مولده سنة اثنتي عشرة ومائتين.
وفيها: عقد صالح بن وصيف لديوداد على ديار مصر وقنسرين، والعواصم.
وفيها: أوقع مفلح بأهل قم فقتل منهم مقتلة عظيمة.
وفيها: عاود أهل ماردة من بلاد الأندلس الخلاف على محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس، وسبب ذلك:
أنهم خالفوا قديماً على أبيه فظفر بهم وتفوق بهم وتفرق كثير من أهلها، فلما كان الآن تجمع إليها من كان فارقها فعادوا إلى الخلاف والعصيان فسار إليهم وحصرهم وضيق عليهم فانقادوا إلى التسليم والطاعة فنقلهم وأموالهم إلى قرطبة وهدم سور ماردة وحصن بها الموضع الذي كان يسكنه العمال دون غيرهم.
وفيها: هلك أردون بن ردمير صاحب خليقية من الأندلس وولي مكانه أدفونش وهو ابن اثنتي عشرة سنة.
وفيها: انكسف القمر كسوفاً كلياً لم يبق منه شيء ظاهر.
وفيها: كان ببلاد الأندلس قحط شديد تتابع عليهم من سنة إحدى وخمسين إلى سنة خمس وخمسين وكشف الله عنهم ...
وفيها: في رمضان: سار نوشري إلى مساور الشاري فلقيه فهزمه وقتل من أصحابه جماعة كثيرة. وحج بالناس علي بن الحسين بن إسماعيل بن عباس بن محمد.
وفيها: توفي أبو الوليد بن عبد الملك بن قطن النحوي القيرواني بها، وكان إماماً في النحو واللغة وإماماً بالعربية.
قيل: مات سنة خمس وخمسين وهو أصح.
.وفيها: دخل مفلح طبرستان وواقع الحسن بن زيد الطالبي(1)، وهزم مفلح الحسن ولحق بالديلم، وأحرق مفلح منازل الحسن بن زيد، ثم توجه نحو الديلم في طلب الحسن بن زید(2).
وفيها: كانت بين يعقوب بن الليث، وطوق بن المغلس وقعة خارج كرمان أسر فيها يعقوب طوقاً.
ذكر السبب في ذلك
كان السبب في ذلك أن علي بن الحسين بن قريش بن شبل كتب إلى السلطان(3)يخطب(4)كرمان، وكان قبل من أعمال الطاهرية(5)، ثم كتب إلى السلطان يذكر ضعف الطاهرية(6)وقلة ضبطهم ما إليهم من البلاد وأن يعقوب بن الليث قد غلب على سجستان وتباطأ على السلطان بتوجيه خراج فارس وكتب إليه السلطان بولاية كرمان.
وكتب أيضاً إلى يعقوب بولايتها يلتمس بذلك إغراء كل واحد منهما بصاحبه ولتسقط مؤنة الهالك منهما عنه، وينفرد مؤنة الآخر.
وكان كل واحد منهما عنده حرباً له وفي غير طاعته(7).
فلما فعل ذلك بهما، خف يعقوب من سجستان يريد كرمان.
ووجه علي بن الحسين طوق بن المغلس، وقد بلغه خبر يعقوب وفصوله من سجستان فسار من كرمان على مرحلة وبقي في معسكره شهراً وأكثر يتخبر أخبار طوق ويسأل عن أمره كل من مَرَّ به خارجاً من كرمان إلى ناحيته ولا يدع أحداً يجوز بعسكره من ناحيته إلى كرمان فلا يزحف طوق إليه ولا هو إلى طوق.
ثم أظهر يعقوب الارتحال من عسكره إلى ناحية سجستان فارتحل عنه مرحلة، وبلغ طوقاً ارتحاله.
1) في الكامل: العلوي. وكلاهما صواب في النسبة.
2) زاد صاحب الكامل : ثم عاد عن طبرستان بعد أن دخلها، وهزم الحسن بن زيد العلوي، وعاد موسى بن بغا من الري، والمراد بالعبارة الأخيرة أن ذلك من أحداث تلك السنة أيضاً.
3) في الكامل: المعتز في كل مواضعه.
4) كذا في المخطوط، وفي الكامل: يطلب، وأشار محقق الكامل إلى أنه في الطبري. يخطب كما هنا.
5) في المخطوط: الطاهر، والتصويب من الكامل.
6) في المخطوط: الطاهر، والتصويب من الكامل.
7) في هذا خطة للخلاص من أحد الخصمين للمعتز وقد جاءت العبارة في الكامل بأسلوب أبسط أو أوضح فقال ابن الأثير: وكان كل واحد منهما يظهر طاعة لا حقيقة لها والمعتز يعلم ذلك منهما.
فظن أنه قد بدا له في حربه فترك عليه كرمان وعلى علي بن الحسين.
فوضع آلة الحرب آلة الحرب(1)، وقصروا، وقعد للشرب، ودعا بالملاهي.
ويعقوب في كل ذلك لا يغفل عن البحث عن أخباره، فاتصل به وضع طوق آلة الحرب، وإقباله على الشرب واللهو ،لارتحاله فك راجعاً، وطوى المرحلتين إليه في يوم واحد، فلم يشعر طوق وهو في لهوه وشربه في آخر يومه إلا بغبرة قد ارتفعت بين خارج المدينة التي هو فيها من كرمان.
فقال لأهل القرية: ما هذه الغبرة؟
فقيل: هذه غبرة مواشي أهل القرية منصرفة إلى أهلها.
ثم لم يكن إلا كلام حتى وافاه يعقوب في أصحابه فأحاط به وبأصحابه فذهب أصحاب طوق لما أحيط به يريدون المدافعة عن أنفسهم.
فقال يعقوب لأصحابه: أفرجوا عن القوم. فأفرجوا لهم، ففروا هاربين على وجوههم وخلوا كل شيء لهم، وأسر يعقوب طوقاً. وكان علي بن الحسين وجه طوقاً وحَمّله صناديق في بعضها أطواق وأسورة(2)وفي بعضها أموال وفي بعضها قيوداً وأغلالاً ليطوّق ويسور من أبلى وأحسن وليقيد من أسر وأخذ من أصحاب يعقوب.
فلما [166/أ] أسر يعقوب طوقاً، ورؤساء جيشه، أمر بحيازة كل ما(3)كان مع طوق وأصحابه من الأثاث والكراع والسلاح.
فحيز ذلك كله وجمع إليه، فلما أتي بالصناديق أمر بفتح بعضها فإذا فيه قيود وأغلال.
فقال لطوق: يا طوق ما هذه القيود والأغلال؟
قال: احملنيها علي بن الحسين على رسم العساكر، لأقيد بها الأسرى وأغلهم. فقال يعقوب: يا فلان اجعل أكبرها وأثقلها في رجل طوق وعنقه، والباقي في أرجل أصحابه وأعناقهم.
وأمر كذلك بفتح الباقي من الصناديق حتى فُتحت صناديق الأطواق والأسورة. فقال: يا طوق، ما هذه؟
قال: احملنيها عليّ لأطوّق وأُسَوِّر بها أهل البلاء والإحسان.
فقال: يا فلان، خذ هذه الأطواق والأسورة فطوّق فلاناً وسَوِّره، وفلاناً، وفلاناً، حتى فرّق تلك الأطواق كلها.
ثم نظر إلى ذراع طوق وعليها عصابة، فقال: يا طوق ما هذا؟
قال: أصلح الله الأمير، كنت وجدت حرارة فقصدت.
فدعا يعقوب بعض، فأمر بمد خُفّه فتناثر من خفه كسر خُبز يابسة، فقال: يا طوق، هذا خفي لم أنزعه من رجلي منذ شهر، وكسر خبزي في خُفي ما طئت فراشي ولا تودّعت وأنت جالس في الشراب والملاهي ، أفبهذا التدبير أردت حربي وقتالي؟! فارس، فضم إليه جيشه والفَلّ وغيرهم، وأعطاهم السلاح.
ثم برز من شيراز فصار إلى الكُرّ(1)
قال الأديبي: هو موضع بفارس، والمشهور أن الكُر نهر بين أرمينية وأران يشق مدينة تفليس، وبينه وبين برذعة فرسخان ثم يجتمع هو ونهر الرَّسُ بالجمع، ثمَّ يصب في بحر الخَزَر، وهو بحر طبرستان.
وقال الاصطخري: الكُرْ: نهر عظيم عذب مريء حفيف يجري ساكناً مبدؤه من بلاد جُرزان، ثم يمر ببلاد أنجاز من ناحية اللان من الجبال فيمر بمدينة تفليس ثم على قلعة خُنَان ، ثم إلى شكي، ومن جانبيه جنزة وشمكور ويجري على باب برذعة إلى برزنج إلى البحر الطبري بعد اختلاطه بالرّس، وهو نهر أصغر من الكر. والكر أيضاً: كورة من نواحى الموصل الشرقية تعد من أعمال العَقْر عليها عدة قرى ومزارع .
خارج شيراز، وبين آخر طرفه عرضاً مما يلي أرض شيراز من عرض جبل بها من الفضاء قدر ممر رَجُل أو دابة لا يمكن أن يمر فيه أكثر من واحد من ضيقه(2).فأقام في ذلك الموضع وضرب عسكره على شاطئ الكر مما يلي شيراز، وأخرج السوقة، والتجار من مدينة شيراز إلى معسكره وقال: إن جاء يعقوب لم يجد موضعاً يجوز فيه الفلاة إلينا لأنه لا طريق له إلا ذلك الفضاء الذي بين الجبل والكرّ، وإنما هو قدر ممر رجل إذا أقام عليه رجل واحد منع من يريد أن يجوزه، وإذا لم يقدر أن يجوز إلينا بقي في البر حيث(3)لا طعام له ولا لأصحابه، ولا علف لدوابهم.
فأقبل يعقوب حتى قرب من الكُرّ فأمر أصحابه بالنزول أول يوم على نحو ميل من الكرّ مما يلي كرمان، ثم أقبل هو وحده بيده رمح عاري ما معه إلا رجل واحد، فنظر
1) قال ياقوت في معجم البلدان:
2) في الكامل في التاريخ : فجمع جيشه وسار إلى مضيق خارج شيراز من أحد جانبيه جبل لا يسلك، ومن الجانب الآخر نهر لا يخاض، فأقام على رأس المضيق، وهو ضيق ممره لا يسلكه إلا واحد بعد واحد، وهو على طرف البر، وقال : إن يعقوب لا يقدر على الجواز إلينا، فرجع.
3) في المخطوط: بحيث، والباء أوله زائدة فحذفتها.
إلى الكر والجبل والطريق، وتأمل عسكر علي بن الحسين فجعل أصحاب علي يشتمونه ويقولون له: دونك إلى أن تشيب القماقم والمراجل يا صفار.
وهو ساكت لا يرد عليهم شيئاً، فلما تأمل كل ما أراد أن يراه(1)انصرف راجعاً إلى أصحابه. فلما كان من الغد عند الظهر أقبل بعسكره ورجاله سار إلى شاطئ الكُرّ مما يلي كرمان فأمر أصحابه فنزلوا عن دوابهم وحطوا أثقالهم.
ثم فتح صندوقاً كان معه والناس ينظرون إليه فأخرجوا منه كلباً رساً.
ثم ركبوا دوابهم عرياً، وأخذوا رماحهم بأيديهم.
قال: وقبل ذلك كان قد عبي(2)علي بن الحسين أصحابه، وأقاموا صفوفاً على الممر الذي بين الجبل والكُرّ، وهم لا يرون أنه لا يصل ليعقوب ولا طريق له يمكنه أن يجوزه.
وعبره، ثم جاؤوا بالكلب فرموا به في الكُرّ وأصحاب علي ينظرون إليه ويضحكون منه، ومنهم، فلما رموا بالكلب فيه جعل الكلب يسبح في الماء جانب عسكر علي بن الحسين، وأقحم أصحاب يعقوب دوابهم خلف الكلب وبأيديهم رماحهم يسيرون في أثر الكلب فلما رأى علي بن الحسين أن يعقوب قد قطع الكرّ إليه، انتقض عليه تدبيره وتحير في أمره، ولم يلبث أصحاب يعقوب إلا أيسر ذلك حتى خرجوا من الكُرّ من وراء أصحاب علي بن الحسين فلم يكن بأسرع من أن خرج أوائلهم منه حتى هرب أصحاب علي يطلبون الهرب إلى مدينة شيراز لأنهم كانوا إذا خرج أصحاب يعقوب من الكُرّ بين جيش يعقوب وبين الكُرّ، فلا يجدون ملجاً.
فلما هربوا تقطر بعلي دابته فسقط ولحقه بعض الشجرية فرفع عليه سيفه ليضربه، فصاح عليه غلام لعلي: الأمير الأمير. فنزل إليه الشجري، فوضع عمامته في عنقه، ثم جره إلى يعقوب. فلما أتي به أمر بتقييده، وأمر بما كان في عسكر على من آیة الحرب من السلاح والكراع وغير ذلك فجمع إليه.
ثم أقام بموضعه حتى أمسى وهجم عليه الليل، ثم رحل من موضعه ودخل مدينة شيراز ليلاً وأصحابه يضربون بالطبول فلم يتحرك أحد.
فلما أصبح أنهب دار علي بن الحسين، ودور أصحابه.
ثم نظر إلى ما اجتمع في المال من مال الخراج والضياع فاحتمله ووضع الخراج فجباه، ثم شخص متوجهاً ثم دخل يعقوب كرمان، فجاوزها وصارت من عمله مع سجستان.
وفيها(1): دخل يعقوب بن الليث فارس فملكها، وأسر علي بن الحسين بن قريش.
ذكر الخبر عن ذلك
ورد عَلى علي بن الحسين خبر وقعة يعقوب بن الليث بصاحبه طوق بن المغلس، ودخول يعقوب كرمان واستيلائه عليها.
ورجع الفَلّ(2)، فأيقن بإقبال يعقوب إلى فارس وعلي يومئذ بشيراز من أرض إلى سجستان، وحمل معه علي بن الحسين بن قريش ومن أسر من قواده. ووجه يعقوب بن الليث إلى المعتز بدواة وبزاة، ومسك وثياب هدية(3)
وقيل إنه جرى بين يعقوب الصفار وبين علي بن الحسين بعد عبوره النهر حرب شديدة وذلك أن عليّاً كان قد جمع عنده جمعاً كثيراً من الموالي والأكراد، وغيرهم، بلغت عدتهم خمسة عشر ألفاً بين فارس وراجل.
فعبى أصحابه ميمنة وميسرة وقلباً، ووقف هو في القلب.
وأقبل الصغار فعبر النهر، فلما صار مع عَلِيّ عَلَى أرض واحدة حمل هو وعسكره حملة واحدة على عسكره حملة واحد على عسكر علي فثبتوا لهم، ثم حمل ثانية فأزالهم عن مواضعهم، وصدقهم في الحرب فانهزموا على وجوههم لا يلوي أحد على أحد، وتبعهم علي يصيح بهم ويناشدهم الله ليرجعوا أو ليقفوا فلم يلتفت إليه أحد.
وقتل الرجالة قتلاً ذريعاً، وأقبل المنهزمون إلى باب شيراز مع العصر فازدحموا في الأبواب فتفرقوا في نواحي فارس، وبلغ بعضهم في هزيمته إلى الأهواز فلما رأى الصفار ما لقوا من القتل أمر بالكفّ عنهم ولولا ذلك لقتلوا عن آخرهم وكان القتلى خمسة آلاف قتيل وأصاب علي بن الحسين ثلاث جراحات، ثم أخذ أسيراً عرفوه، ودخل الصفار إلى شيراز وطاف بالمدينة ونادى بالأمان فاطمأن الناس، وعذب عليّاً بأنواع العذاب وأخذ من أمواله ألف بدرة، وقيل: أربعمائة بدرة من السلاح والأفراس وغير ذلك ما لا يحد، وكتب إلى الخليفة بطاعته، وأهدى له هدية جليلة، منها: عشر بازات بيض، وباز أبلق صيني، ومائة من مسك، وغيرها من الطرائف وعاد إلى سجستان ومعه علي وطوق تحت الاستظهار فلما فارق بلاد فارس أرسل الخليفة عماله إليها.
.وفيها: ورد سليمان بن عبد الله بن طاهر سُرَّ من رأى بعد خراسان، ودخل على المعتز فخلع عليه وانصرف ثم ولي شرطة بغداد والسواد.
وفيها: أخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل والحسن بن مخلد وأبا نوح عيسى بن إبراهيم [116/ب] وهرب أحمد بن صالح من شيراز إلى بغداد، فاستخفى عند كاتب له يقال له ابن واضح فقيدهم وطالبهم بالأموال.
ذكر السبب في ذلك
كان هؤلاء الكتاب اجتمعوا على شراب لهم يوم الأربعاء فلما كان من الغد ركب
أحمد بن إسرائيل في جمع عظيم إلى دار السلطان التي يقعد فيها.
وركب ابن مخلد إلى دار قبيحة أم المعتز وهو كاتبها، وحضر أبو نوح الدار والمعتز نائم فانتبه قريباً من نصف النهار وأذن لهم، فحمل صالح بن وصيف على أحمد بن إسرائيل في الكلام فقال للمعتز يا أمير المؤمنين ليس للأتراك عطاء، ولا في بيت المال ،مال، وقد ذهب ابن إسرائيل وأصحابه بأموال الدنيا .
فقال له أحمد يا عاص بن العاص، فتراجعا الكلام.
وكان الأتراك قد شغبوا قبل ذلك وطلبوا أرزاقهم. فقال أبو نوح لصالح عند مراجعته أحمد بن إسرائيل وقول أحمد يا عاص بن العاص هذا الشعب أيضاً تدبيرك على الخليفة فغشي على صالح وسقط على الأرض مما داخله من الغيظ والغضب حتى وشنوا على وجهه الماء، وأفاق .
وجرى بينهم كلام كثير، وبلغ ذلك أصحابه وهم على الباب، فصاحوا صيحة واحدة، واخترطوا سيوفهم، ودخلوا على المعتز مصلتين .
فلما رأى ذلك المعتز دخل وتركهم، فأخذ صالح بن وصيف : ابن إسرائيل، وابن مخلد، وأبا نوح عيسى فقيدهم وثقلهم بالحديد، وحملهم إلى داره.
فقال المعتز لصالح قبل أن يحملهم هب لي أحمد فإنه كاتبي، وهو رباني.
فلم يفعل ذلك صالح، ثم ضرب ابن إسرائيل حتى كسر أسنانه.
وبطح ابن مخلد فضرب مائة مقرعة. وكان عيسى بن إبراهيم محتجماً ، فلم يزل يصفع حتى جرت الدماء من محاجمه وأخذت خطوطهم بمال جليل، فقسط(1)عليهم.
وبعث المعتز إلى أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد المروزي فحمل يستوزره وبعثت قبيحة أم المعتز إلى صالح بن وصيف في ابن إسرائيل إما حملته إلى المعتز، وإما ركبت إليك فيه .
ثم قدم جعفر بن محمود ومال إليه الأتراك، ولم يكن للمعتز فيه إرب، فولي الأمر والنهي(2).
[وفيها ](3): [في يوم الأربعاء ](4)ولثلاث بقين من رجب خلع المعتز ولليلتين من
شعبان أظهر موته .
ذكر سبب خلعه
لما جرى في أمر الكُتاب وأمر الأتراك ما جرى لم يرفع من جهتهم ما ظنه الأتراك، وتقاعد بهم الكتاب، فساروا إلى المعتز يطلبون أرزاقهم، وقال الأتراك : وَفّنا أرزاقنا حتى نقتل لك صالح بن وصيف وينتظم أمرك . [فلم يكن عنده ما يعطيهم فنزلوا معه إلى خمسين ألف دينار ](1).
فأرسل المعتز إلى أمه يطلب منها مالاً يرضى به الأتراك .
فقالت : ما عندي مال.
فلما نظرت الأتراك إلى امتناع الكتاب من أن يعطوهم شيئاً ولم يجدوا في المال شيئاً، والمعتز وأمه قد امتنعا من أن يسمحا(2)لهم بشيء صارت كلمتهم واحدة وكلمة الفراغنة والمغاربة معهم فاجتمعوا على خلع المعتز، فساروا إليه، فلم يرعه إلا صياح القوم، وإذا صالح بن ،وصيف وبابكيال(3)ومحمد بن بغا أبو نصر قد دخلوا في ،السلاح فجلسوا على باب المنزل الذي ينزله المعتز ثم بعثوا إليه : اخرج إلينا . فبعث إني أخذت أمس دواء وقد خلفني اثني عشر مجلساً، وما أقدر على الكلام من الضعف، فإن كان أمر لا بد منه فليدخل إليَّ بعضكم وليعلمني، وهو يرى أن أمره واقف على حاله فدخل إليه جماعة من أهل الكرخ والدور من خلفاء القواد فجروا برجله إلى باب الحجرة .
قال : واحسب أنهم تناولوا بالضرب، فإنه خرج وقميصه مخروق في مواضع وآثار الدم على منكبه فأقاموه في الشمس في الدار في وقت شديد الحر. فجعل يرفع قدمه ساعة بعد ساعة من حرارة الموضع الذي قد أقيم فيه .
ثم قام بعضهم إليه وجعل يلطمه وهو يتقي بيده.
وقالوا له : اخلعها .
وكان الأتراك قبل مكاشفته التمسوا منه خمسين ألف دينار ليقتلوا صالح بن وصيف ويستقيم أمره فطلب من ](4)أمه قبيحة هذا المقدار فشحت عليه به ومنعته وقالت : ليس عندي مال ثم وجد لها من المال الصامت من العين والجوهر ثلاثة آلاف دينار سوى الآلات وسنذكر بعض ذلك المستأنف(5).
وكانت قبيحة خطيبة المتوكل وسميت قبيحة لحسنها على طريق الضدّ . ويقال : إنه لم ير مثلها حسناً .
ثم إن الأتراك احضروا ابن أبي الشوارب مع جماعة من أصحابه، فقال صالح له : اكتب عليه كتاب الخلع - يعني المعتز -.
فقال : لا أحسنه .
وكان معه رجل أصبهاني ، فقال : أنا أكتب ويتخلّص الرجل، فكتب وشهدوا عليه . فقال ابن أبي الشوارب : إنهم شهدوا عليه على أن له ولأخيه(1)ولابنه ولأمه في الأمان.
فقال صالح بكفه : أي نعم . ووكلوا به، وبأمه ،نساء، وكانت أمه قد اتخذت الدار سرباً ينفذ إلى حيث يأمن ويخرج منه .
فدخلت السرب، وفَرَّت هي وأخت المعتز [وكانوا أخذوا عليها الطريق ومنعوا أحداً يجوز إليها ](2).
ثم عذب المعتز بعد الخلع، فلم يوجد له شيء فمنعه المعذب الطعام والشراب ثلاثة أيام فطلب حسوة من ماء البر فمنعوه، ثم خصصوا له سرداباً بالجص الثخين وأدخلوه فيه، وأطبقوا عليه ،بابه فأصبح ميتاً .
[ فلما مات أشهدوا على موته بني هاشم والقواد وأنه لا أثر فيه ودفنوه مع المنتصر ](3).
وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وأربع عشر يوماً .
وكان عمره كله أربعاً وعشرين سنة. وكان أبيض أسود الشعر كثيفه، حسن الوجه والعينين ضيق الجبين، أحمر الوجنتين حسن الجسم طويلا (4)
وكان مولده بسر من رأى، وكان فصيحاً فمن كلامه لما سار المستعين إلى بغداد، وقد أحضر
جماعة للرأي، فقال لهم :
أما تنظرون إلى هذه العصابة التي ذاع نفاقهم الهمج العصاة الأوغاد الذين لا مسكة بهم ولا اختيار لهم ولا تمييز معهم قد زين لهم تقحم الخطأ سوء أعمالهم، فهم الأقلون وإن كثروا، والمذمومون إذا ذكروا، وقد علمت أنه لا يصلح لقود الجيوش وسد الثغور، وإبرام الأمور، وتدبير الأقاليم، إلا رجل قد تكاملت فيه خصال أربع حزم يتقي به عند موارد الأمور حقائق مصادر .وعلم يحجزه عن التهور والتغرير في الأشياء إلا مع إمكان فرصتها .
وشجاعة لا تنقصها الملمات مع تواتر حوائجها .
وجُودٌ يهون تبذير الأموال عند سؤالها .
وأما الثلاثة :
فسرعة مكافأة الإحسان إلى صالح الأعوان.
وثقل الوطأة على أهل الزيغ والعدوان والاستعداد للحوادث إذ لا تؤمن حوادث الزمان .
وأما الاثنان :
فإسقاط الحجاب عن الرعية .
الحكم بين القوي والضعيف بالسوية .
وأما الواحدة:
فالتيقظ للأمور.
وقد اخترت لهم رجلاً من موالي أحدهم شديد الشكيمة ماضي العزيمة لا تبطره السراء، ولا تدهشه ،الضراء ولا يهاب ما وراءه، ولا يهوله ما يلقاه فهو كالحريش في أصل السلام إن حرك حمل، وإن نهش ،قتل عدته عتيدة ونقمته شديدة، يلقى الجيش في النفر القليل العديد في قلب أشد من الحديد طالب للثأر لا تفله العساكر، باسل ومقتضب الأنفاس، لا يعوزه ما طلب، ولا يفوته ما هرب واري ،الزناد مضطلع العماد لا تشرهه الرغائب ولا تعجزه النوائب، إن ولي كفى وإن قال ،وفى وإن نازل فبطل، وإن قال فعل ظله لوليه ظليل وبأسه في الهياج عليه دليل يفوق من ،ساماه ويعجز من ،ناواه ويتعب من ،جاراه، وينعش من والاه.
.وفي يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب : بويع محمد بن الواثق، وسمي المهتدي بالله وكنيته أبو عبد الله [ وأمه رومية وكانت تسمى قرب](1).
ولم يقبل [117/أ] بيعة أحد حتى أتى بالمعتز فخلع نفسه(2)، وبايع محمد بن الواثق، وكانت نسخة الرقعة :
بِسْمِ اللهِ الرَّحمن الرحيم
هذا ما شهد عليه الشهود المسمون(3)في هذا الكتاب شهدوا جميعاً: أن أبا عبد اللهبن أمير المؤمنين المتوكل على الله أقرّ ضدهم وأشهدهم على نفسه في صحة من عقله وبدنه وجواز من أمره طائعاً [ غير ](4)مكره، أنه نظر فيما كان تقلده من الخلافة والقيام بأمور المسلمين فرأى أنه لا يصلح لذلك ولا يكمل له، وأنه عاجز عن القيام بما(5)يجب عليه فيها(6)ضعف عنه(7)، فاخرج نفسه من الخلافة(8)وتبرأ منها وخلع نفسه(9)، وبرأ كل من كانت له بيعة في عنقه من جميع أوليائه وسائر الناس بما كان له في رقابهم من البيعة والعقود والمواثيق والأيمان بالعتاق والطلاق والصدقة والحج ](10)وسائر الأيمان وحللهم من جمیع ذلك [ وجعلهم ](11)في سعة منه(12)في الدنيا والآخرة بعد أن تبين له أن الصلاح له وللمسلمين في خروجه من(13)الخلافة والتبرئ منها ، وأشهد على نفسه بجميع ما [سمى
1) زيادة من الكامل في التاريخ .
2) بعد هذا في الكامل : وأقر بالعجز عما أسند إليه، وبالرغبة في تسليمها إلى ابن الواثق، فبايعه الخاصة والعامة .
3) في المخطوط : المسماة، وهو تحريف .
4) سقطت من المخطوط والسياق يقتضيها .
5) في هامش الكامل : فيما .
6) في هامش الكامل : منها .
7) في هامش الكامل : ضعف عن ذلك .
8) قوله من الخلافة لم ترد في هامش الكامل .
9) في هامش الكامل : وخلعها من رقبته .
10) ما بين المعقوفين زيادة من هامش الكامل .
11) ما بين المعقوفين زيادة من هامش الكامل .
12) في المخطوط : منهم . والتصويب من هامش الكامل .
13) في الكامل : عن .
ووصف ](1)في هذا الكتاب جميع الشهود [المسمين](2)في هذا الكتاب وجميع من حضر بعد
أن قرئ عليه حرفاً حرفاً فأقر(3)بفهمه ومعرفة ما فيه طائعاً غير مكروه، وذلك يوم الأثنین لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين.
فوقع المعتز في ذلك.
أقر أبو عبد الله بجمیع ما في هذا الكتاب(4)
وكتب بخطه
وكتب الشهود شهاداتهم : شهد : الحسن بن محمد، ومحمد بن يحيى، وأحمد بن جناب، ويحيى بن زكريا بن أبي يعقوب الأصبهاني، وعبد الله بن محمد العامري، وأحمد بن الفضل بن يحيى، وحماد بن إسحاق، وعبد الله بن محمد وإبراهيم بن محمد .
وذلك يوم الاثنين لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين .
وكتب محمد بن الواثق المهتدي بالله إلى سليمان بن عبد الله بن طاهر بمدينة السلام [أنهم](5)قد بايعوه . وكان هناك أبو أحمد بن المتوكل، فبعث سليمان إليه،فأحضر داره، وسمع من ببغداد(6)من الجند والغوغاء بالخبر، فاجتمعوا إلى باب سلیمان وضجوا(7)، فخوطبوا أنه لم يرد علينا خبر نثق به، فانصرفوا(8)إلى يوم الجمعة ، وخطبوا للمعتز فلما كان يوم السبت، اجتمعوا وهجموا على دار سليمان في داره وسألوه أن يريهم أبا أحمد بن المتوكل .فأظهره لهم، ثم وعدهم أن يصير إلى محبتهم إن تأخر عنهم ما يحبونه، فأكدوا عليه في حفظه(9). وانصرفوا عنه .
ثم قدم بازخوخ ومعه ثلاثون ألف دينار لإعطاء الجند .
فضج الناس بباز خوخ ووقعت الفتنة والعصبية ببغداد وقصد دار سليمان وقد تحصنها بمن يحفظها، فحاربهم أهل بغداد في شارع دجلة وعلى الجسر، فقتل خلق . ثم وجه إلى بغداد مال رضوا به وبايع الناس واستقامت الأمور وسكنت الفتنة .
وفي هذه السنة من شهر رمضان من هذه السنة
1) ما بين المعقوفين زيادة من هامش الكامل .
2) ما بين المعقوفين زيادة من هامش الكامل .
3) في المخطوط : أمر . وهو تحريف والتصويب من هامش الكامل .
4) زاد بعد هذا محقق ابن الأثير نقلاً عن الطبري ما نصه :
5) زيادة يتطلبها السياق . وجاء أول هذا الخبر على النحو التالي :وفي هذه السنة شعب العامة ببغداد سلخ رجب ووثبوا بسليمان بن عبد ووثبوا بسليمان بن عبد الله، وكان سببه أن كتاب المهتدي ورد سلخ رجب إلى سليمان يأمر بأخذ البيعة له وكان أبو أحمد . . .
6) في المخطوط : بعداد . يترك الباء من أوله وهو تحريف، والتصويب من الكامل .
7) في المخطوط : وظجوا بالظاء المعجمة، وهو تحريف .
8) في الكامل : فقاتلهم أصحابه وقالوا لهم :ما يرد علينا من سامرا خبر فانصرفوا .
9) في المخطوط : خطه، وهو تحريف والتصويب من الكامل .
ظهرت قبيحة ودلت على الأموال التي لها، والذخائر، والجواهر.
كانت قبيحة قدرت الفتك وصالح بن وصيف واطأت على ذلك النفر من الكبار الذين أوقع صالح.
فلما حصلوا في يد صالح وعذبوا علمت أنهم لا يطوون عن صالح شيئاً من الخبر بسبب ما نالهم من العذاب، فأيقنت بالهلاك.
وكانت قد اطلعت الكتاب على ما تبذله في قتل أُولئك الأتراك، فعملت في التخلص(1)
فعملت في الخلاص، وأخرجت ما في الخزائن إلى خارج الجوسق من الأموال، والجواهر وغيرها فأودعته، واحتالت فحفرت سرباً في حجرة لها إلى موضع يفوت التفتيش، فلما خرجت الحادثة على المعتز بادرت فخرجت في ذلك السرب، فلما فرغوا من المعتز طلبوها، فلم يجدوها، ورأوا السرب فخرجوا منه فلم يقفوا لها على خبر، وبحثوا عنها فلم يظفروا بها ثم إنها فكرت فرأت: أن ابنها قتل، وأن الذي تختفي عنده يطمع في مالها وفي نفسها ويتقرب بها إلى صالح، فأرسلت امرأة عطارة إلى صالح بن وصيف فتوسطت الحال بينهما وظهرت في رمضان .
فبادرت إلى صالح بن ،وصيف ووسطت بينها وبينه العطارة، وكانت تثق بها. وكان لها مال ببغداد فكتبت في حمله فاستخرج وحمل قدر خمسمائة ألف وخمسين ألف دينار، ووقعوا على خزائن لها ببغداد فحملوا إلى السلطان منها متاع عظيم. ولم تزل خزائنها وأموالها متصلة والبيع منها دائم وحوالة الجند عليها ببغداد وسُرَّ مَنْ رأى عدة شهور. ثم وقف صالح على خزائن قبيحة، فأرسل إلى رجل جوهر، فقال الرجل : فدخلت إليه فقال : إن لقبيحة خزانة في مواضع يرشدك إليها هذا الرجل فامض ومعك أحمد بن خاقان، وصر إلى إلى معه . قال : فمضينا إلى الصفوف بحضرة المسجد الجامع وجاءنا ذلك الرجل إلى دار صغيرة معمورة نظيفة، فدخلناها معاً، وفتشنا كل موضع فيها، فلم نجد شيئاً وجعل ذلك يغلظ على أحمد بن خاقان ويتهدد ذلك الرجل ويتوعده ويشتمه فأخذ الرجل فأساً وجعل ينقر به الحائط يطلب موضعاً قد صيرت فيه المال، فلم يزل كذلك حتى وقع الفأس على موضع من الحائط استدل بصوته على أن فيه شيئاً ، فهدمه وإذا من ورائه باب ففتحناه ودخلنا فإذا باب سرب فصرنا إلى دار تحت الدار التي دخلناها على بنائها وقسمتها، فوجدنا من المال على رفرف في أسفاط(2)السَّفَطُ : الذي يعبئ فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء، والسفط معروف .
قال ابن سِيدة : السفط كالجوالق، والجمع أسفاط .
قلت : ونخرج من هذا القول بأن الأسفاط أي الأواني التي تحوي أو تجمع فيها الأشياء .
ألف ألف دينار، فأخذ أحمد ومن كان معه قدر ثلاثمائة ألف دينارووجدنا ثلاثة أسفاط فيه مقدار مَكُوك(1)
المَكُوکُ : طاس يشرب به، وفي المحكم : طاس يشرب فيه أعلاه ضيق ووسطه واسع . والمكوك مكيال معروف لأهل العراق، والجمع مكاكي ومكاكيك . . . وهو صاع ونصف، وهو ثلاث كَيْلَجَات والكيلجة مَناً وسبعة أثمان مَناً ، والمَنا : رطلانَ والرطل : اثنتا عشرة أوقية، والأوقية : إستار وثلثا إستار، والإستار أربعة مثاقيل ونصف . والمثقال : درهم وثلاثة أسباع درهم . والدرهم ستة دوانيق والدانق قيراطان والقيراط : طسوجان . والطَّسُّوج : حبتان، والحبة : سدس ثمن الدرهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءاً من درهم .
زمرداً لم أر للمتوكل ولا لغيره مثله . وسفط دونه فيه نصف مكوك حَبًّا كباراً ما ظننت والله أن مثله يكون. وسقط دونه فيه مقدار كيلجة(2)ياقوتاً أحمر لم أو مثله ولا ظننت أن مثله يوجد في الدنيا.فقومت الجميع على البيع ألفي ألف دينار حملناه كله إلى صالح.
فلما رآه جعل لا يصدق ولا يوقن حتى أحصى(3)بحضرته ووقف عليه فقال عند ذلك : فعل الله بها وصنع عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار وعندها مثل هذا في خزانة من خزائنها .
ولم تزل قبيحة مقيمة إلى أن حضر وقت الحج إلى مكة مع أصحاب المهتدي بالله، فحكى من سمعها في طريقها وهي تقول وتدعو على صالح بصوت عال](4):
اللهم اخز صالح بن وصيف [117/ب] كما هتك ستري، وقتل ولدي، وبدد شملي، وأخذ مالي وغرّبني عن بلدي، وركب الفاحشة مني.
ولما انصرف الناس عن الموسم احتبست بمكة(5)
وكان المتوكل سماها قبيحة لحسنها وجمالها كما يسمى الأسود كافوراً .
قال : وكانت أم المهدي قد ماتت قبل استخلافه، وكانت تحت المستعين، فلما قتل جعلها المعتز في قصر الرصافة فماتت، فلما ولي المهتدي قال : أما أنا فليس لي أم إحتاج لها إلى غلة عشرة آلاف دينار في كل سنة لجواريها وخدمها والمتصلين بها، وما أريد إلا القوت لنفسي وولدي، وما أريد فضلاً إلا لإخوتي فإن الضائقة قد مستهم .
.وفي هذه السنة : قتل أحمد بن إسرائيل وأبو نوح.
ذكر السبب في قتلهما
كان صالح بن وصيف لما استصفى أموالهما وأموال الحسن بن محمد عذبهم، وقرب كوانين الفحم المشعلة منهم في شدة الحر ومنعهم كل راحة، ولم يعارضه المهدي .
و کان عبد الله بن يزداد يقول لصالح اقتلهم، فإنهم إن أفلتوا(1)لم تؤمن(2)
بوائقهم في الأعقاب فضلاً عمّن وترهم.
فحكى الحسن بن مخلد قال : كان داود بن أبي العباس الطوسي يحضرنا عند صالح بجميل فيقول : وما هؤلاء أعزك الله حتى بلغ منك الغضب بسببهم هذا المبلغ فنظنه يرققه علينا حتى يقول : على أني والله أعلم أنهم لم يخلصوا انتشر فيهم شر كثير وفساد في الأصل لهم عظيم فينصرف والله وقد أفتى بقتلنا وأشار عليه بإهلاكنا، فيزداد علينا برأيه وكلامه غيظاً.
ثم وكل بأحمد بن إسرائيل، وأبي نوح عيسى بن أحمد بن محمد بن حماد،[ابن](3)دیفش، فأشرف في تعذيبهما .
فأقام أحمد بن إسرائيل يضرب وابن ديفش يقول : أوجع، وكان خلاد يضربه سوطين ويتنحى حتى وفوه خمسمائة سوط .
ثم أقاموا أبا نوح فضربوه أيضاً كذلك ضرب التلف ثم حملا على بغلين من بغال السقائين على بطونهما منكسة رؤوسهما ظاهرة ظهورهما للناس فتلفا(4)في الطريق . وأما الحسن بن مخلد فتخلص بخصلتين إحداهما : أنه صدقه عن جميع ما سأله عنه. والأخرى : أن المهتدي كَلَّمَهُ فيه .
وقال لأهله حرمة، وأنا أحب صلاح شأنه من بينهم(5)
وفيها قُتل أحمد بن إسرائيل وكان صالح قد عذبه بعد أن أخذه وأخذ ماله ومال الحسن بن مخلد، ثم أمر بضربه وضرب أبي نوح ضرب التلف، كل واحد منهما خمسمائة سوط فماتا ودفنا وبقي الحسن بن مخلد .
ولما بلغ المهتدي ضربهما قال : أَمَا عقوبة إلا السوط والقتل، أما يكفي الحبس؟ إنا لله وإنَّا إليه راجعون، يكرر ذلك مراراً .
.وفيها : انصرف مفلح عن طبرستان بعد أن كان دخلها وأخرج الحسن بن زيد(6)
وعاد موسى بن بُغا من الري .
.ذكر السبب في ذلك
أن قبيحة كتبت إلى موسى بن بغا لما رأت من الأتراك اضطراباً، وأنكرت أمرهم ·
تسألهم القدوم إلى ما قبلها وأملت بوروده فرجاً لها ولابنها فعزم موسى على الانصراف إليها وكتبت إلى مفلح وهو بطبرستان بالانصراف إليه وهو بالري.
فورد إليه كتاب موسى وقد توجه نحو أرض الديلم في طلب الحسن بن زيد، فلما ورد عليه الكتاب انصرف راجعاً فعظم ذلك على رؤساء طبرستان ومن كان هارباً قبل قدوم ،مفلح، وكانوا قد رجوا بقدومه الرجوع إلى منازلهم وأموالهم وذلك أن مفلحاً كان يعدهم اتباع الحسن بن زيد حتى يظفر به أو يخترم دونه .
فلما رأى الناس انصرافه من غير عسكر الحسن بن زيد ولا أحد من الديلم سألوه عن السبب الذي صرفه وجعلوا يكلمونه وهو كالمسبوت(1)
قال ابن منظور في لسان العرب :
المسبوت : الميت والمغشي عليه، وكذلك العليل إذا كان ملقى كالنائم يغمض عينيه في أکثر أحواله مسبوت .
لا یجیبهم ، فلما أكثروا عليه .قال لهم : ورد كتاب موسى عَلَيّ بعزيمة منه أن لا أضع كتابه من يدي حتى أقبل إليه، وأنا مغموم بأمركم لكن لا سبيل إلى مخالفة الأمير .
ولم يتهيأ لموسى الشخوص من الري إلى سُرَّ مَنْ رأى حتى وافاه الكتاب بهلاك المعتز، وقيام المهتدي بعده، فأثناه(2)ذلك عما عزم علیه من الشخوص لفوت ما كان قدر إدراكه من أمر المعتز .
ثم إن الموالي الذين في عسكر موسى بلغهم ما استخرج صالح بن وصيف من أموال الكتاب وأسلاب(3)المعتز والمتوكل فحسدوا المقيمين بسُرَّ مَنْ رَأَى، فدعوا موسى الانصراف(4)إلى سُرَّ مَنْ رأى .
فأمر أن يستخرج من أهل الري خراج سنة ست وخمسين ومائتين فافتتح الخراج في شهر رمضان فجبى في يوم واحد خمسمائة ألف ألف درهم.
فاجتمع أهل الري وقالوا أصلح الله الأمير ما سبب انصرافك عن هذا الثغر؟
فقال : إن الجند والموالي أبوا أن يقيموا ، فإذا انصرفوا فما أقل غيابي عنكم .
فقالوا : أصلح الله الأمير، إن الموالي يرجعون لما يقدرون هناك، فإن رأيت أن
تقيم وتسد هذا الثغر وتحتسب في ذلك الأجر والثواب ويلزمنا من خراجنا في خاص أموالنا لمن معك، وما ترى أننا نحتمله ،فعلت فلم يجبهم إلى ما سألوا .
فقالوا : أصلح الله الأمير ، إذا كان الأمر على هذا، فما منعنا أخذ الخراج لسنة ما نبتدئ بعمارتها بعد؟ وأكثر غلة سنة خمس وخمسين التي قد استوفا الأمير خراجها مِنَّا في الصحراء ولا يمكننا الوصول إليها إن خرج الأمير عَنَّا ، فلم يلتفت إلى كلامهم، وخرج ،واتصل خبر انصرافه بالمهتدي، فكتب إليه في ذلك كُتباً كثيرة، فلم يؤثر شيئاً منها .
فلما نظر المهتدي رأى موسى يشين ويخل بموضعه، وأن كتبه إليه لا تغني شيئاً، وجه إليه رسولين من بني هاشم وحملهما رسائل إلى موسى ووجوه قواده وإلى سائر عسكره يصدهم فيها عن الحركة ويصدقهم الحال عن ضيق الأموال عنده وما يحاذر من ذهاب ما يلحقونه واراهم غلبة الطالبي واتباعه من الديلم عليه فشخص الهاشميان مع جماعة من الوجوه والموالي .
وأقبل موسى يسير وصالح بن وصيف يعظم ذلك على المهتدي، وينسبه إلى العصيان والخلاف .
وكان المهتدي قد هجر الشراب وكسر الآنية وكان يفتك، ويجلس على اللبود ويقعد للمظالم ويشتغل بالصوم والصلاة، ودروس القرآن.
فذكر أن كتاب صاحب البريد ،بهمذان ورد عليه بقصول موسى عنها .
فرفع المهتدي يده إلى السماء وقال بعد حمد الله والثناء عليه : اللهم إني أبرأ إليك من فعل موسى بن بُغا وإخلاله بالثغر ،وإباحته وقد عذرت إليه فيما بيني [118/أ] ،وبينه اللهم تول من كاد المسلمين وانصر جيش المسلمين حيث كانوا، اللهم إني شاخص بنفسي إلى حيث نكب فيه المسلمون ناصراً لهم ودافعاً عنهم ،فأجرني اللهم وثبتني إن فقدت صالح الأعوان وعدمت الناصرين ثم تحدرت دموعه فبكى .
فذكر عن من حضر مجلس المهتدي: أنه رأى سليمان بن وهب في ذلك اليوم يقول : أتأذن يا أمير المؤمنين أن أكتب بما أسمع؟
قال : نعم اكتب بما تسمع مني إن أمكنك أن تنقشه في الصخر، فافعل.
ولما تلقاه الهاشميان والرسل، لم يعبأ وضج الموالي وكادوا يثبون بالرسل.
ورد موسى في جواب الرسالة يعتذر مما عاين الرسل المتوجهون إليه، وأنه ليس يرضى القوم إلا بورود باب أمير المؤمنين، وإن رام التخلف عنهم، لم يأمنهم على نفسه .
وأوفد موسى مع الرُّسل وفداً من عسكره وكان كنجور يفيء أيام المعتز إلى فارس ثم لحق بأبي دلف، وأثر بالأهواز آثاراً قبيحة
فلما أقبل موسى انضم إليه فبلغ ذلك صالح، فكتب إلى المهتدي في حمل کنجور ،مقيداً، فأبى ذلك الموالي، ووجه المهتدي أخاه إبراهيم لأمه في كنجور، ويأمره بتقييده وحمله إلى بغداد.
فكان جوابهم أن قالوا : إذا دخلنا(1)سُرَّ مَنْ رَأَى امتثلنا أمر أمير المؤمنين في کنجور وغيره.
وفي شوال من هذه السنة ظهر في فرات البصرة رجل علوي، فجمع زنج البصرة الذين يكسحون السباخ(2)، ثم عبر إلى دجلة [فنزل الديناري](3).
هذا الرجل مولده قرية من قرى الرّي يقال لها وَرْزَنِين(4)
وَرْزَنِين من أعيان قُرى الري كالمدينة .
، وقد شك قوم في نسبه(5)قال أبو جعفر : وكان اسمه فيما ذكر علي بن محمد بن عبد الرحيم، ونسبه في عبد القيس . وأمه ابنة علي بن رحيب بن محمد بن حكيم من بني أسد بن خزيمة من قرى الرّي، وكان يقول : جدي محمد بن حكيم من أهل الكوفة أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك مع زيد بن علي بن الحسين . فلما قتل زيد هرب فلحق بالري فجاء إلى قرية ورزنين وأقام بها .
وإن أبا أبيه عبد الرحيم رجل من عبد القيس كان مولده بالطالقان وقدم العراق واشترى جارية سندية وأولدها محمداً أباه، وكان متصلاً قبل بجماعة من حاشية المنتصر منهم : غانم الشطرنجي، وسعيد الصغير، وكان معاشه منهم ومن أصحاب السلطان . . .
.وسمعت من لا يرتاب بخبره أنه صحیح النسب وهو علي بن محمد بن أحمد بن علی بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه واتصل بقوم من حاشيته المنتصر وغيرهم من كتاب السلطان، وكان يمتدحهم ويستميحهم بشعره، ثم أتى البحرين(6)
ثم شخص من سامرا سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين .
، ودعا قوماً إلى طاعته فاتبعه جماعة من أهلها ووقعت بسببه عصبية فقتل فيها جماعة .فانتقل إلى الاحساء، فحدث مثل ذلك فانتقل إلى البادية وادعى النبوة ومعجزات ذكرها عن نفسه .
إحداها : أنه يزعم أن سحابة أظلته بالبادية، فبرقت ،ورعدت، فاتصل صوت الرعد بسمعه قال : فخوطب فقيل : أقصد البصيرة. فقلت لأصحابي وهم مطيفون بي : أُمرت
بكذا، وكان سبب خروجي إلى البصرة (1)
ومنها : أني فكرت في الموضع الذي أقصده حيث نبت بي البلاد، فأظلتني غمامة وخُوطبت منها فقيل لي : اقصد البصرة .
وقيل عنه إنه قال لأهل البادية : إنه يحيى به عمر العلوي أبو الحسن المقتول بناحية الكوفة ، جماعة كثيرة ، فزحف بهم إلى موضع يقال له الردم من البحرين فكانت فخدع أهلها فأتاه منهم .
بينهم وقعة عظيمة وكانت الهزيمة عليه وعلى أصحابه، قتلوا قتلاً كثيراً.
فتفرقت العرب عنه، فسار فنزل البصرة في بني ضبيعة، فاتبعه منهم جماعة كثيرة منهم : علي بن أباب المهلبي، وكان قدومه البصرة سنة أربع وخمسين ومائتين ومحمد بن رجاء الحضاري عاملها، ووافق ذلك فتنة . . .
.فتبعه قوم بالبصرة منهم علي بن أبان المهلبي وأخواه : محمد والخليل، وغيرهم. وعامل البصرة يومئذ محمد بن رجاء الحضاري من قبل السلطان، ووافق فتنة البلالية السعدية .
فطمع في أحد الفريقين (2)
فطمع في إحدى الطائفتين أن تميل إليه، فأرسل إليهم يدعوهم، فلم يجبه أحد من أهل البلد. وطلبه ابن رجاء ،فهرب فحبس رجاء جماعة ممن كانوا يميلون إليه منهم ابنه وزوجته وابنة له، وجارية حامل منه .
وسار يريد بغداد ومعه من أصحابه محمد بن سلم، ويحيى بن محمد، وسليمان بن جامع، ومرقس القريعي، فلما صار بالبطيحة نذر بهم رجل كان يلي أمرها اسمه: عمير بن عمار فحملهم إلى محمد بن أبي عون عامل واسط فخلص منه هو وأصحابه .
فدخل بغداد فأقام بها حولاً فانتسب إلى محمد بن أحمد بن عیسی بن زید.
فزعم بها أنه ظهر له آيات عرف بها ما في ضمائر أصحابه وما يفعل كل واحد منهم، ، فاستمال جماعة من أهل بغداد منهم: جعفر بن محمد الصوحاني من ولد يزيد بن صوحان ومحمد بن القاسم، ومشرق ورقيق غلاما يحيى بن عبد الرحمن فسمى مشرقاً حمزة وكناه أبا أحمد
وسمي رقيقاً: جعفراً، وكناه أبا الفضل .
عزل محمد بن رجاء عن البصرة، فوثب رؤساء البلالية والسعدية فأخرجوا من في الحبوس، فخلص أهله فيهم، فلما بلغه خلاص أهله رجع إلى البصرة، وكان رجوعه إليها في رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين ومعه علي بن أبان، ويحيى بن محمد وسليمان، ومشرق، ورقيق فوافوا البصرة فنزل بقصر القرشي.
، ووافى يرتحل قصراً يعرف بقصر القرشي، وأظهر أنه وكيل لولد الواثق في بيع السباخ وأقام أياماً. فذكر عن ريحان - وهو أحد غلمان السورجيين، وهو أول من صحبه - أنه قال :كنت موكلاً بغلمان مولاي انقل الدقيق إليهم من البصرة، وأفرقه فيهم، فحملت إليهم يوماً الرسم، فمررت به وهو مقيم يرتحل في قصر القرشي، فأخذني أصحابه
فساور أبي إليه وأمروني أن أسلم عليه بالإمرة ففعلت .
فسألني عن الموضع الذي جئت منه .
فقلت : من البصرة .
قال : هل سمعت لنا بالبصرة خبراً؟
فقلت : لا .
قال : فما أخبار البلالية والسعدية؟
قلت : لا أعرف خبرهم ( . . . )(1).
فسألني عن أخبار السورجيين، وما يجري لكل غلام منهم من التمر والدقيق وعن، من يعمل في السورج من الأحرار والعبيد .
فأعلمته ذلك فدعاني إلى ما هو عليه فأجبته .
فقال لي : احيل فيمن قدرت السلطان من الغلمان فأقبل بهم إليّ، ووعدني أن يقودني على من أمه به منهم وأن يحسن إليّ، واستحلفني وأن لا أعلم أحداً بموضعه وأن أرجع إليه فخلى سبيله .
فأتيت بالدقيق الذي معي إلى الموضع الذي كنت قصدته وأقمت فيه ،يومي، ثم رجعت إليه من غد فوافيته وقد قدم عليه غلمان كان وجههم إلى البصرة في حوائج له فيما حمل إليه حريرة يتخذها لواء.
فأمر أن يكتب عليها(2)بحمرة وخضرة : إنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ ﴾ [التوبة : 111] إلى آخر الآية، وكتب اسمه واسم أبيه وعلقها في مُرْدِي (3)
وخرج من النهر في ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان.
فلما صافي مؤخر القوم الذي كان فيه لقيه غلام من السورجيين متوجهين إلى أعمالهم فأمر بأخذهم، فأخذوا ، وكتف وكيلهم وأخذه معهم، وكانوا خمسين غلاماً. وكان أهل البصرة في ذلك الزمان يشترون الزنوج ويخرجونهم إلى السّباخ فيكسحونها حتى يصلوا التربة الطيبة فيعمرونها .
وكسوح الزنج بالبصرة معروفة تشاهد فيها تلال كالجبال .
وكان في أنهار البصرة منهم عشرات ألوف يغدون بهذه الخدمة(4)، ويجري عليهم
1) كلمة بالمخطوط ممحوة نظراً لعوامل الزمن .
2) فى المخطوط : عليه وهو تحريف .
3) أي في عمود أو خشبة طويلة . قال صاحب اللسان : المُرْدِي : خشبة يدفع بها الملاح السفينة .
4) يماثلهم اليوم من يسمون في مكة المكرمة بالدَّكارنة، وهم قوم زنوج يقومون بأعمال الحفر وقطع الصخور وهم من جنوب إفريقيا خصصوا في هذه الأنواع من الأعمال الشاقة التي لا يستطيع أن يقوم بها غيرهم .
أقواتهم من الدقيق والتمر .
[ ثم ](1)إن هذا الرجل العلوي سار من موضعه الذي ذكرنا، فسار إلى الموضع الذي تعمر فيه البساتين، فأخذ منه خمسمائة غلام، وأخذ وكيلهم فكشفه .
ثم أتى موضع السرائر فأخذ منه خمسمائة ،غلام، ولم يزل يومه يفعل ذلك حتى اجتمع له خلق من السورجيين(2).
ثم جمعهم وقام فيهم خطيباً، فمنَّاهم ووعدهم أن يقودهم ويملكهم الأموال وحلف له[118/ب] بالأيمان الغلاظ أن لا يغدر بهم ولا يخذلهم، ولا يخدع مُمكناً من الإحسان إلا أتى إليهم.
ثم دعا مواليهم فقال : أردت أن أضرب أعناقكم(3)
أي جريداً قد نزع سعفه . قال صاحب لسان العرب :
الشَّطْبُ، مجزوم : السَّعََف الأخضر الرطب من جريد النخل واحدته شطبة . . . وقال ابن الأعرابي : الشَّطائب دون الكرانيف الواحدة شطيبة، والشَّطْبُ دون الشطائب الواحدة شَطْبَة . . . والشواطب من النساء : اللواتي يشققن الخوص، ويقشرن العُسُب ليتخذن منه الحصر، ثم يلقينها إلى المنقيات .
لإساءتكم إلى هؤلاء الغلمان الذين استضعفتموهم وفعلتم بهم ما حَرَّم الله عليكم، وحملتموهم ما لا يطيقون، فكلمني أصحابي فيكم، فرأيت إطلاقكم . فقالوا : إن هؤلاء الغلمان أباق وهم يهربون منك فلا يبقون عليك ولا علينا فخذ منا مالاً وأطلقهم لنا، فأمر غلمانه فأحضروا شطباً، ثم بطح كل قوم مولاهم فضرب كل رجل خمسمائة شطبة، وأحلفهم بطلاق نسائهم أن لا يعلموا أحداً بموضعه، ولا بعدد أصحابه، وأطلقهم.ثم سار حتى عبر دجيلا(4)
دُجَيْل : اسم نهر في موضعين أحدهما مخرجه من أعلى بغداد بين كريت وبينها مقابل القادسية دون سامرًا فيسقى كورة واسعة وبلاداً كثيرة منها: أوانا، وعُكبرا، والحظيرة، وصريفين، وغير ذلك، ثم تصب فضلته في دجلة أيضاً .
ومن دجيل هذا مسكن التي كانت عندها حرب مصعب ومقتله .
ودُجَيْل الآخر : بالأهواز حضره أردشير بن بابك أحد ملوك الفرس.
وقال حمزة : كان اسمه في أيام الفرس : ديلدا كودك، ومعناه : دجلة الصغير، فعرب على دُجيل، ومخرجه من أرض أصبهان، ومصبه في بحر فارس قرب عبادان .
وكانت عند دجيل هذا وقائع للخوارج، وفيه غرق شبيب الخارجي .
وسار إلى نهر ميمون(5)في موضعين أحدهما : نهر من أعمال واسط قصبته الرصافة .
وكان أول من حفر الميمون وكيلاً لأم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور يقال له : سعيد بن زید، وكانت فوهته في قرية يقال لها : قرية الميمون، فحُوّلت في أيام المواثق على يد عمر بن الفرج الرُّخَجِيّ إلى موضع آخر وسُمّي بالميمون لئلا يسقط عنه اسم اليُمن .
وبئر ميمون : بمكة .
والميمون والزيتون : قريتان جليلتان بالصعيد الأدنى قرب الفسطاط على غربي النيل .
في سفن مما وجدها فقاميجمع السودان إلى يوم الفطر، فلما أصبح نادى في أصحابه بالاجتماع لعمارة الفطر، فاجتمعوا وركز المُرْدِي الذي عليه لواءه وخطب خطبة ذكر فيها ما كانوا عليه من سوء الحال، وأن الله قد استنفذهم من ذلك وأنه يريد أن يرفع أقدارهم، ويملكهم العبيد والأموال ويبلغ بهم أعلى الأمر ، ثم حلف لهم على ذلك .
فلما فرغ من صلاته وخطبته أمر الذين فهموا عنه قوله أن يفهموا من أعجمهم لتطيب بذلك أنفسهم ففعل ذلك، ودخل القصر .
ثم إن الحميري قصد جماعة من أصحابه، فأخرجهم إلى الصحراء، فلحقهم صاحب الزنج فيمن معه، فأوقع بالحميري وأصحابه فانهزموا. واستأمن إليه رجل من رؤساء الزنج يُكنى بأبي صالح في ثلاثمائة من الزنج، فمنَّاهم ووعدهم خيراً .
وكان ابن أبي عون [ ويعرف بالقصير ](1)قد قلد الإبلة، وكور دجلة، فانتهى إليه أن عقيلاً الحميري مع خليفة ابن أبي عون قد أقبلوا نحوه ونزلوا بهم لحين.
فأمر أصحابه بالمسير إلى الوربقية(2)فساروا(3)إليها مع صلاة الظهر، فصلوا بها، ثم استعدوا للقتال .
وليس في عسكره يومئذ إلا ثلاث أسياف ونهض راجعاً نحو المحمدية(4)
هو اسم لمواضع منها : قرية من نواحي بغداد من كورة طريق خراسان أكثر زرعها الأرز .
والمحمدية أيضاً : ببغداد من قرى بين النهرين .
والمحمدية أيضاً : من أعمال بَرْقَة من ناحية الإسكندرية .
والمحمدية : مدينة بنواحي الزاب من أرض المغرب، ومدينة المسيلة بالغرب، ويقال لها أيضاً
المحمدية، اختطها محمد بن المهدي الملقب بالقائم في أيام أبيه . . .
، فوافاهاوتلاحق(5)إليه أصحابه .
وكان جعل علي بن أبان في آخر أصحابه وأمره أن يتعرف خبر من يأتيه من ورائه.
فأتاه وقال له كُنا نرى من ورائنا بارقة ونسمع حِسًا لقوم يتبعوننا، فلسنا ندري أرجعوا عنا أم هم قاصدون إلينا؟
فلم يستتم كلامه حتى لحق القوم وتنادى الزنج السلاح.
فبدر مفرج النوبي وريحان، وفتح الحجام وكان فتح يأكل، فلما نهض تناول طبقاً كان بين يديه وتقدم أصحابه، فلقيه ،رجل، فحمل عليه فحذفه بالطبق الذي كان في يده، وذهب ليكب عليه فرمى الرجل بسلاحه وولى وانهزم أصحابه، وكانوا أربعة آلاف رجل، فذهبوا على وجوههم، وقتل من قتل منهم، ومات بعضهم عطشاً، وأتى منهم بأسرى، وأمر بضرب أعناقهم، وحملت الرؤوس على بغال كان أخذها من السروجيين كانت تنقل السور ومضى حتى أتى القادسية وقت المغرب(1)، فخرج رجل من موالي الهاشميين فقتل رجل من السودان، وأتاه الخبر.
فقال له أصحابه : ائذن لنا في انتهاب القرية فنطلب قاتل صاحبنا . فقال : لا سبيل إلى ذلك دون أن أعرف ما عند القوم وهل كان ذلك، وهل كان ذلك عن رأيهم؟
ونسألهم أن يدفعوه إلينا، فإن فعلوا وإلا يباح لنا قتالهم .
وأعجلهم المسير حتى مضى إلى نهر ميمون إلى المسجد الذي كان فيه في بدايته وأمر بالرؤوس التي حملت معه فنصبت وأمر بالأذان أبا صالح النوبي فأذن .
وسُلّم عليه بالإمرة، وصلى بأصحابه العشاء الآخرة وبات بها .
ثم مضى إلى الكرخ فطواها، ثم عبر دجيلاً حتى(2)في محاضة دُلّ عليها ولم يدخل القرية وأقام خارجاً منها وأرسل إلى من فيها فأتاه رؤساؤهم ورؤساء الكرخ فأمرهم بإقامة الأتراك له ولأصحابه، فأقيم لهم ما أراد وبات ليلته .
فلما أصبح أهدى له رجل من أهل حتى فرساً كميتاً فلم يجد له سرجاً ولا لجاماً، فركبه بحبل وشنفه بليف .
وسار حتى انتهى إلى العباسي، فأخذ منه دليلاً إلى المسيب، وهرب أهل القرية،
فدخلها، ونزل دار جعفر بن سليمان، وهي في السوق.
وتفرق أصحابه في القرية فأتوه برجل فسألوه عن وكلاء الهاشميين، فأخبرهم أنهم في الأجمة، فوجه وأحضر رئيسهم، فسألهم وإياه عن المال .
فقال : لا مال عندي .
فأمر بضرب عنقه، فلما خاف القتل أقر بمال دفنه.
فوجه معه ،قوماً فأتاه بمائتين وخمسين ديناراً، وبألف درهم.
فهذا أول مال صار إليه، ثم سأله عن دواب وكلاء الهاشميين.
فدلّ على ثلاثة برازين فدفعها إلى رؤساء أصحابه .
ووجدوا داراً لبعض بني هاشم فيها سلاح، فانتهبوه .
وصار في أيدي الزنج سيوف وآلات، ورايات، وتراس.
وبات ليلته فلما أصبح أتاه الخبر أن رميساً، والحميري، وعقيلاً قد وافوا السیب .
فوجه يحيى بن محمد في خمسمائة رجل فيهم سليمان وريحان وصالح النوبي الصغیر.
فلقوا النوب فهزموهم ، وأخذوا ( . . . ) (2) وسلاحاً، وهرب من كان هناك.
ورجع يحيى بن محمد فأخبره الخبر، فأقام يومه ثم سار يريد المذار (3) ، فلما صار بنا مداد وهو نهر جاوزه حتى أصحر، فرأى بستاناً، وتلاً، فقصد الثل وقعد عليه، وثَبَّتَ أصحابه في الصحراء [119/أ] وجعل نفسه طليعة.
فأتاه الطليعة وأرسل إليه يخبره بشاطئ دجلة يطلب رجلاً يؤدي عنه رسالته . فوجه إليه علي بن أبان ومحمد بن مسلم، وسليمان بن جامع، فلما أتوه قال : اقرأوا على صاحبكم السلام وقولوا له أنت آمن على نفسك حيث سلكت من الأرض اردد
هؤلاء العبيد على أموالهم وخذ لك على كل رأس خمسة دنانير .
فأتوه ، فأعلموه ما قال ،رميس فغضب وآلى ليرجعن فليبقرن بطن امرأة رميس ،وليحرقن ،داره وليخوضن الدماء هناك.
فذهبوا إليه فأجابوه فانصرف، ثم تعرض له ،رميس والحميري، وصاحب ابن أبي عون مراراً في كل ذلك يهزمهم ويقتل أصحابهم، ويأسر منهم ويعلم.
وکان يجمع الرؤوس ويأمر بالاحتفاظ بها، حتى إذا رجع إلى موضعه من يهزمون نصبها هنالك .
ثم إنه سار إلى القرية التي قتل فيها رجل من أصحابه، فأمر من يسير إليها فيسأل
أهلها أن يسألوا إليه القاتل في ممرة كان بهم . فرجع إليه، فأخبره أنهم زعموا أنه لا طاقة لهم بذلك لولاية من الهاشميين ومنعهم له .
فصاح بالغلمان وأمرهم بانتهاب القرية فانتهب منها مالاً عظيماً عيناً وورقاً وجوهراً وحليا وأواني ذهباً وفضة وسبى يومئذ غلماناً ونسوة، وذلك أول سبي سبي.
وأتى بمولى الهاشميين القاتل فضرب عنقه، وأخذوا شراباً ووجدوه، وبلغه ذلك فحَرَّم النبيذ عليهم وقال لهم : أنتم تلاقون الجيوش فدعوا شراب النبيذ، فأجابوه إلى ذلك .
وواقع من غد هذا اليوم أصحاب رميس وأصحاب عقيل على الشط والرسلا فيالسفن يرمون بالنشاب .
فحمل عليهم الزنج فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهبت ريح من غربي دجيل فحملت السفن فوثبت إليها الزنج فقتلوا من فيها، وهرب رميس وترك سفنه، فانتهبها أصحابه وأحرقها (1)
ثم نهب القرية المعروفة بالمهلبية وأحرقها وأفسد في الأرض، وعاث.
ثم لقيه قائد من قواد الأتراك يقال له : أبو هلال في أربعة آلاف مقاتل على نهر الريان . .
.وكثر بعد ذلك عبثه، وعظمت شوكته وسبى وأفسد وعظمت نكايته فمن عظيم ما كان له من الوقائع مع السلطان وقعة كانت مع بعض الأتراك يكنى أبا هلال في سوق الريان (2).
وذلك أن هذا التركي وافاهم في مدة السوق ومعه أربعة آلاف رجل أو يزيدون فيمقدمة قوم عليهم ثياب مشهرة وأعلام وطبول.
فحمل عليهم السودان حملة صادقة وانتهى بعض السودان إلى صاحب علم القوم فضربه بخشبتين كانتا في يده فصرعه وانهزم القوم وتلاحق السودان فقتلوا من أصحاب أبي هلال ألفاً وخمسمائة ونجا أبو هلال على دابة عري.
و حالت ظلمة الليل بينهم فلما أصبح أمر بتتبعهم ففعلوا، وجاؤوا بالأسرى کلهم(1).
وكانت لهم وقعة أخرى بعد هذه شبيهة بهذه ظفر فيها بأصحاب السلطان وكانت له وقعات عظام تركنا ذكرها لأنا لم نجد فيها غير إقدام الزنج بجهلهم وطمعهم، وسوء ثبات الجند لهم وتهيئهم فكانوا كالجزارين يوقعون في الغنم فيقتلون كيف شاؤوا .
ومثل هذه الحروب لا يستفاد منها تجربة فلذلك أعرضت عن ذكرها إلى أن أضعف أهل البصرة، فلم يبق فيهم من آلاتهم وقتل أصحاب السلطان فتهيبه الناس (2)
وأرسل طائفة أخرى من أصحابه فأتوا إلى موضع فيه ألف وتسعمائة سفينة ومعها من يحفظها. فلما رأوا الزنج هربوا عنها، فأخذ الزنج السفن وأتوا بها إلى صاحبهم، فلما أتوه قعد على نشر من الأرض، وكان في السفن قوم حجاج أرادوا أن يسلكوا طريق البصرة فناظرهم، وصدقوه على ،قوله وقالوا له: لو كان معنا فضل نفقة لأقمنا معه وأرسل طليعة تأتيه بخبر ذلك العسكر . فأتاه خبرهم أنهم قد أتوه بخلق كثير، فأمر محمد بن سالم وعلي بن أبان أن يقعد لهم بالنخل، وقعد هو على جبل مشرف فلم يلبث أن طلعت الأعلام والرجال.
فأمر الزنج، فكبروا وحملوا عليهم، وحملت الخيول، فتراج الزنج حتى بلغوا الجبل الذي هو عليه ، ثم حملوا، فثبتوا لهم. وقتل من الزنج فتح الحجام، وصدق الزنج الحملة، فأخذوهم بين أيديهم. وخرج محمد بن سالم وعلي بن أبان وحملوا عليهم فقتلوا منهم، وانهزم الناس، وذهبوا كل مذهب.
وتبعهم السودان إلى نهر بيان فوقعوا في الوحل ، فقتلهم السودان، وغرق كثير منهم . وأتى
الخبر إلى الزنوج بأن لهم كميناً فساروا إليه، فإذا الكمين في أكثر أكثر من ألف من المغاربة، فقاتلهم قتالاً شديداً ، ثم حمل السودان عليهم فقتلوهم أجمعين، وأخذوا سلاحهم. ثم وجه أصحابه، فرأوا مائتي سفينة فيها دقيق، فأخذوه ومتاعاً ،فنهبوه ونهب المعلى بن أيوب.
ثم سار فرأى مسلحة الزيني، فقاتلوه فقاتلهم فقتلهم أجمعين، وكانوا مائتين . ثم سار فنهب قرية ،میزران ورأى فيها جمعاً من الزنج فرقهم على قواده.
سار فلقيه ستمائة فارس مع سليمان ابن أخي الزينبي، ولم يقاتله .
فأرسل من ينهب، فأتوه بغنم وبقر، فذبحوا وأكلوا، وفرق أصحابه في انتهاب ما هناك.
ثم إن صاحب الزنج سار يريد البصرة حتى إذا قابل نهر المعروف بالرياحي أتاه قوم من السودان فأعلموه أنهم رأوا في الرياحي بارقة .
فلم يلبث إلا يسيراً حتى تناد السودان :
السلاح السلاح، وأمر علي بن أبان بالعبور إليهم، فعبر في ثلاثمائة رجل .
وقال له : إن احتجت إلى مدد فاستمدني، فلما مضى علي صاح الزنج : السلاح السلاح لحركة رأوها في جهة أخرى، فوجه محمد بن سالم، فرأى جمعاً فقاتلهم من وقت الظهر إلى آخر وقت العصر.
ثم حمل الزنوج حملة صادقة فهزموهم وقتلوا من أهل البصرة والأعراب زُهاء خمسمائة ، ورجعوا إلى صاحبهم .
ثم أقبل علي بن أبان في أصحابه، وقد هزموا من بادأهم بالحرب، وقتلوا منهم ومعه رأس ابن الليث البلالي القواريري من أعيان البلالية .
ثم سار من الغد عن ذلك المكان ونهى أصحابه عن دخول البصرة وتسرع بعضهم فلقيهم أهل البصرة في جمع عظيم، وانتهى الخبر إليه .
فوجّه محمد بن سالم وعلي بن أبان ومشرقاً بخلق كثير، وجاء هو يسايرهم، فلقوا البصريين.
فأرسل إلى أصحابه ليتأخروا عن المكان الذي هم فيه فتراجعوا .
فأكب عليهم أهل البصرة فانهزموا، وذلك عند العصر.
ووقع الزنوج في نهر كبير ونهر شيطان وقتل منها جماعة وغرق جماعة وتفرق الباقون وتخلف صاحبهم عنهم، وبقي في نفر يسير، فنجاه الله تعالى ثم لقيهم وهم متحيرون، وسأل عن أصحابه، فإذا ليس معه إلا خمسمائة رجل .
فأمر بالنفخ في البوق الذي يجتمعون لصوته فلم يأته أحد .
وكان أهل البصرة قد انتهبوا السفن التي كانت للزنوج وبها متاعهم . فلما أصبح رأى أصحابه في ألف رجل وأرسل محمد بن سالم إلى أهل البصرة يعظهم ويعلمهم ما الذي دعاه إلى الخروج فقتلوه .
فلما كان يوم الاثنين لأربع خلون من ذي القعدة جمع أهل البصرة وحشدوا لما رأوا من ظهورهم عليه وانتدب لذلك رجل يعرف بحماز الساجي وكان من غزاة البحر ، وله علم في ركوب السفن. فجمع المتطوعة، ورماة الأهداف، وأهل المسجد الجامع ومن خَفْ معه من البلالية والسعدية، ومن أحب النظر من غيرهم وشحن ثلاث مراكب وشذوات مقابلة وجعلوا يزدحمون، ومضى جمهور الناس رجاله منهم من معه سلاح، ومنهم نظارة .
فدخلت المراكب فى المد والرجالة على شاطئ النهر.
فلما علم صاحب الزنج بذلك وجه طائفة من أصحابه مع زريق الأصبهاني في شرقي النهر كميناً، وطائفة مع شبل وحسين الحمامي في غربيه كميناً وأمر علي بن أبان أن يلقي أهل البصرة، وأن يستتر هو ومن معه بتراسهم ولا يقاتل حتى تظهر أصحابه.
فتقدم إلى الكمينين إذا جاوزهم أهل البصرة أن يخرجوا ويصيحوا بالناس. وبقي هو في نفر يسير من أصحابه وقد هاله ما رأى من كثرة الجمع.
فسار أصحابه إليهم، وظهر المكينات من جانبي النهر، ومن وراء السفن فضربوا من ولى من الرجالة والنظارة فغرقت طائفة، وقتلت طائفة، وهرب الباقون إلى الشاطئ، فأدرهم السيف فمن ثبت قتل، ومن ألقى نفسه في الماء ،غرق، فهلك أكثر ذلك الجمع، فلم ينج إلا الشريد وكثر المفقودون من أهل البصرة، وعلا العويل من نسائهم، وهذا يوم البيداء الذي أعظمه الناس . وكان فيمن قتل جماعة من بني هاشم وغيرهم في خلق كثير لا يحصى، وجمعت للخبيث الرؤوس، فأتاه جماعة من أولياء المقتولين فأعطاهم ما عرفوا وجمع الرؤوس التي لم تطلب وجعلها في خزينة، فأطلقها، فوافت البصرة فجاء الناس وأخذوا كل ما عرفوه منها،
.1) في الكامل : زاد ابن الأثير عما هنا في المخطوط قوله : فأمر بقتلهم .
2) قال ابن الأثير في الكامل عن تلك الأحداث التي لم يذكرها ابن مسكويه : ثم إنه أتاه من أخبره أن الزيني قد أعد له الخيول والمتطوعة، والبلالية، والسعدية، وهم خلق كثير ، وقد أعدوا الحبال ليكتنف من يأخذونه من السودان، والمقدم عليهم أبو منصور، وأخذوا موالي الهاشميين، فأرسل على بن أبان في مائة أسود ليأتيه بخبرهم فلقي طائفة منهم فهزمهم وصار من معه من العبيد إلى علي بن أبان .
فحكى صاحب الزنج أنه لم يلق يوماً أشد من يوم الشراه(1)
يوم الشذا.
، وهو يوم أحتشد له أهل البصرة فلم يبق فيها بلالى ولا سعدى ولا أحد من أصحاب السلطان ولا غيرهم إلا جمعوه، وكان هناك رجل يعرف بحماد الساجي من غزاة البحر في المشدات وله علم بالحروب فجمع في شذام المطوعة ورماة الأهداف ولم يبق بالبصرة من يحمل السلاح إلا خرج. إما الشدات وإما على الظهر وانضم إليه النظارة ومن لا سلاح معه ولم يشكوا في اصطلام صاحب الزنج وأصحابه، فدخلت الشدات والسفن التي معها النهر المعروف بأم حبیب(2)نهر أم حبيب بالبصرة لأم حبيب بنت زياد أقطعها إياه وكان عليه قصر كثير الأبواب يسمى :الهزاردر .
، ومرت الرجالة والنظارة على شاطئ النهر، وقد سدوا ما ينفذ فيه البصر تكاثفا وكثرة .فقال بعد ذلك صاحب الزنج : إني لما رأيت ذلك الجمع عاينت أمراً هائلاً، وراعني ذلك فعلا صدري رهبة وجزعاً وفزعت إلى الدعاء وليس منا أحد إلا وقد خُيّل إليه ،مصرعه فجعل يعجبني من كثرة الجمع، وأنا أومي إليه بالسكوت وعبيت أصحابي وجعلت لهم ،كمينين وقلت لمن لقي القوم . اجثوا لهم واستتروا بتراسكم ولا يورث أحد منكم حتى يوافيكم القوم ويؤموا إليكم بأسيافهم (...) (3)ثوروا .
وأمرت نساء الزنج بجمع الأمر (4)وإمداد الرجال به، ففعلوا ذلك.
فلما رأوا أصحابي وخرج الكمينان من جنبتي النهر من وراء السفن فصاحوا بهم، فرأيت شهيرته وقد انقلبت وتبعها ،آخر وانهزم من كان على الشط، فقتلت طائفة، وهربت طائفة، وغرقت طائفة، ومن هرب طمعاً في النجاة أدركه السيف والغرق فابتز ذلك الجمع فلم ينج منهم إلا الشريد وكثر المفقودون من البصرة.
وهذا يوم الشذ الذي عظمت الناس وذكروا كثرة من قتل فيه .
وكان فيهم من ولد جعفر بن سليمان عدة في خلق لا يحصى عددهم .
وقوي عدو الله بعد هذا اليوم، وتمكن الرعب في قلوب أهل البصرة منه وأمسكوا عن حربه . وكتب الناس إلى الخليفة خبر ما كان فوجه إليهم جعلان التركي مدداً، وأمر أبا الأحوص الباهلي بالمسير إلى الأبلة والياً ومده بقائد من الأتراك يقال له : جريح.
وأما الخبيث صاحب الزنج فإنه انصرف وأصحابه إلى سبخة في آخر النهار، وهي سبخة أبي قرة، وبث أصحابه يميناً وشمالاً للغارة والنهب .
فهذا ما كان منه في هذه السنة .
وأمر الخبيث [119/ب] بجمع الرؤوس فذهب إليه أولياؤه، فعرضها عليهم ،فأخذوا ما عرفوا منها وعبى ما بقي عنده في سفينة وأخرجها من النهر، وأطلقها مع الماء فوافت البصرة، فوقفت في شرعة تعرف بمشرعة القيَّار(1)
بلفظ صانع القار أو بائعه على نسبة قولهم العَطّار : موضع بين الرقة ورصافة هشام بن عبد الملك .
ومشرعة القيار : على الفرات وبغداد محلة كبيرة مشهورة يقال لها : درب القَيَّار.
فجعل الناس يأخذون.وقوي الحبيب بعد هذا اليوم وضعف طالبوه بل لم يبق له طالب.
فقال له أصحابه إنا قتلنا مقاتلة البصرة، ولم يبق فيها إلا من لا حراك به، فأذن لنا في تفتحها، فزبرهم وهجز آراءهم وقال: بل أبعدوا عنهم، فقد أرعبناهم وأحفظناهم والرأي : أن تدعوا حربهم حتى يكونوا هم الذين يطلبونكم.
وانصرف بأصحابه إلى سبخة أبي ،قرة وهي بين نهرين وأمر أصحابه يعبرون يميناً وشمالاً، ويسوقون مواشي الأكراد وينتهبون أموالهم (2)
في هذه السنة : كانت وقعة بين عسكر الخليفة وبين مساور الشاري فانهزم عسكر الخليفة . وفيها مات المعلى بن أيوب.
وفيها : ولي سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداد والسواد في ربيع الأول وكان قدومه من خراسان فيه أيضاً فسار إلى المعتز فخلع عليه وسار إلى بغداد، فقال ابن الرومي :
من عذيري من الخلائق ضلوا*** في سليمان عن سوء السبيل عوضوه بعد الهزيمة بغدا د كان قد أتى بفتح جليل*** من يخوض الردى إذا كان من ف-*** ر أنابوه بالجزاء الجميل
يعني هزيمة سليمان من الحسن بن زيد العلوي .
وحج بالناس علي بن الحسين بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس .
وفيها : ظهر بمصر إنسان علوي ذكر أنه محمد الله بن محمد بن عبد بن إبراهيم بن طباطبا وكان ظهوره بين برقة والإسكندرية، وسار إلى الصعيد وكثر أتباعه، وادعى الخلافة .
فسير إليه أحمد بن طولون جيشاً فقاتلوه، وانهزم أصحابه عنه، وثبت هو فقتل، وحمل رأسه إلى مصر .
وفيها : توفي خفاجة بن سفيان أمير صقلية في رجب، وولي بعده ابنه محمد وتقدم ذكر ذلك في سبع وأربعين ومائتين ولما ولي محمد سَيَّر عمه عبد الله بن سفيان إلى سرقوسة فأهلك
سنة زرعها وعاد.
وفيها : توفي أبو أحمد عمر بن شمر بن حمدويه الهروي اللغوي، وكان إماماً في الأشعار، وروى عن ابن الأعرابي، والرياشي وغيرهما.
وفيها : توفي محمد بن كرام بن عراف بن خزانة بن البراء صاحب المقولة المشهورة في التشبيه وكان موته بالشام، وهو من سجستان .
وفيها : توفي الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبیر قضی مکة، وكان سقط من سطح فمكث يومين ،ومات وكان عمره أربعاً وثمانين سنة .
وعبد بن عبد الرحمن الدارمي صاحب المسند توفي في ذي الحجة وعمره خمس وسبعون سنة .
وأبو عمران عمرو بن بحر الجاحظ، وهو من متكلمي المعتزلة. وعلي بن المثنى بن يحيى بن عيسى الموصلي والد أبي يعلى الموصلي صاحب المسند. وفيها توفي محمد بن سحنون الفقيه المالكي القيرواني بها .
.وفيها : وافى موسى بن بُغا سُرَّ مَنْ رأى (1)، واستخفى صالح بن وصيف لقدومه، وعبى موسى أصحابه ميمنة وميسرة وقلباً في السلاح حتى سار إلى باب الجسر(2)
والجوسق من قرى النهروان من أعمال بغداد أيضاً.
مما يلي الحبوق .وكان المهتدي ذلك اليوم جالساً للمظالم فأعلم بمكانه، فأمسك عن الإذن لهم ساعة، ثم أذن لهم .
فدخلوا فجرى كلام نحو ما جرى يوم قدم الوفد.
فلما طال الكلام تواطن الأتراك فيما بينهم وقالوا بالتركية: هذه المطاولة إنما هيحيلة حتى يكبسنا صالح .
فخافوا ذلك، فأقاموه من مجلسه وحملوه على دابة من دواب الشاكرية، وانتهبوا ما كان في الجوسق من دواب الخاصة. ومضوا به إلى دار باحور ، ثم أخذوا هناك عليه العهود والمواثيق أن لا يمايل صائحاً عليهم، ولا يضمر لهم إلا مثل ما يظهر .
وجددوا البيعة ووجهوا إلى صالح أن يحضرهم للمناظرة فوعدهم أن يصير إليهم ، وقال لهم: بعض رؤساء الفراغنة : ما الذي تطلبون من صالح بن وصيف؟
فقال موسى: دماء الكتاب وأموالهم ودم المعتز وأمواله، فاستتر صالح بن وصيف، ومضى باجور، فأتى بالحسن بن مخلد من الموضع الذي كان فيه محبوساً من دار صالح بن ،وصيف ورد المهتدي إلى الجوسق .
ودفع عبد الله بن محمد بن يزداد إلى الحسن بن مخلد وولي سليمان بن عبد الله بن طاهر ،بغداد وأظهر النداء على صالح.
وفي هذه السنة : لثمان بقين من صفر قتل صالح بن وصيف .
كان سبب ذلك أن امرأة جاءت بكتاب فدفعته إلى كافور الخادم الموكل بالحرم
وقالت (1): في نصيحة، ومنزلي في موضع كذا من مكان كذا، فإن أردتموني فاطلبوني هناک.
فأوصل الكتاب إلى المهتدي وأمر بطلب المرأة في الموضع الذي وصفت فلم يعرف لها خبر ولم يوقف لها على أثر . فدعا المهتدي سليمان بن وهب بحضرة جماعة فيهم موسى بن صالح بن بُغا، ومفلح وباجور، وبالكيال(2)وغيرهم.
وقال : [من] (3)يعرف (4)هذا الخط؟ قالوا: نعم هذا خط صالح يذكر فيه أنه مستخف بِسُرَّ مَنْ رَأَى ، وأنه إنما استتر طلباً للسلامة، وإبقاءاً على الموالي وخوفاً من اتصال الفتن ( . . . )(5)حدثت بينهم .
ثم ذكر ما صار إليه، وتولى تفريقه، وذكر ما صار إليه من أموال قبيحة، وأن علم ذلك عند صالح بن يزداد ثم ذكر أشياء في هذا المعنى بعضها اعتذاراته وبعضها احتجاجاته .
فلما فرغ سليمان من قراءة الكتاب وصله المهتدي بقول يحث فيه على الألفة والصلح، ويكره إليهم الفرقة والتقالي والتباغض فدعاهم هذا الكلام معه إلى إلى تهمة، وأنه مكافئ صالح . فكان بينهم في هذا كلام كثير ومناظرات طويلة، ثم أصبحوا في الغد كلهم في دارموسى في داخل الجوسق يتراطنون (6)بالتركية فسمع بعضهم بعضاً يقول : اجمع القوم على خلع المهتدي (7)
فقال لهم بابكيال :
إنكم قتلتم ابن المتوكل وهو حسن الوجه، سخي الكفّ، فاضل النفس، وتريدون قتل هذا، وهو مسلم يصوم ولا يشرب النبيذ من غير ذنب والله لئن قتلتم هذا لألحقن بخراسان لأشيع أمركم هناك، فاتصل الخبر بالمهتدي . .
.واتصل الخبر بالمهتدي فخرج إلى مجلسه متقلداً بسيفه سيفاً، وقد لبس نظافاً وتطيب ثم أمر بإدخالهم إليه، فأبوا ذلك مليا، ثم دخلوا عليه .
فقال لهم : إنه بلغني ما أنتم عليه أحمد بن محمد المستعين، ولا مثل ابن قبيحة [ أنا ] (8)والله ما خرجت إليكم [إلا] (9)وأنا متحنط وقد وضيت (10)وهذا سيفي، فوالله
1) في الكامل : كان سببه أن المهتدي لما كان لثلاث بقين من المحرم أظهر كتاباً، زعم أن امرأة دفعته إلى سيما الشرابي وقالت : إن فيه نصيحة .
2) في المخطوط : بامكنان وفي الكامل بابكيال وسبق أن ذكر على الرسم الذي ذكرته .
3) ما بين المعقوفين زيادة يتطلبها السياق .
4) في المخطوط : تعرف. وهو تحريف .
5) موضع النقط كلمة لم أتبين قراءتها هذا رسمها : ( لحرطن ) .
6) أي يتكلمون .
7) بعد هذا في الكامل :
8) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.
9) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق .
10) بعد هذا في الكامل : إلى أخي بولدي.
الأضربن به ما استمسك قائمه في يدي .
وَيْحَكُم أما دين؟ أما حياء؟
كم يكون الخلاف على الخلفاء والإقدام والجرأة على الله؟
سواء عندكم من أبقى عليكم ومن أراد صلاحكم ومن إذا بلغه مثل هذا عنكم دعا بأرطال الشراب فشربها سروراً بمكروهكم وحباً لبواركم؟
خبروني عنكم هل تعلمون أنه وصل إلي من دنياكم شيء؟
أما إنك لتعلم بابكيال أن بعض المتصلين بك أيسر من جماعة إخوتي وولدي وانظروا هل ترون في منزل واحد منهم فرشاً أو وصائف، أو خدماً، أو جواري، أو لهم صياع أو مستغلات سوء لكم. ثم يقول : إني [1/120] أعلم علم صالح، وهل صالح إلا رجل من الموالي كواحد منكم؟ فكيف أكون معه إذا ساء رأيكم فيه ؟! إن آثرتم الصلح كان ذلك ما أهوى لجمعكم وإن أبيتم إلا ما أنتم عليه .
اطلبوا صالح وافعلوا شقاءكم أنفسكم منه، فأما أنا فما أعلم علمه .
قالوا له : فاحلف لنا على ذلك . :قال : أنا أبذل لكم يميني ولكن أؤخرها حتى يكون بحضرة الهاشميين والقضاة والعدول وأصحاب المراتب في غدٍ إذا صليت الجمعة .
ووجه في إحضار الهاشميين فحضروا في أعشيتهم، فلم يذكر لهم شيئاً، وأمر بالمصير إلى الدار لصلاة الجمعة، فانصرفوا .
وغدا الناس فلم يحدثوا شيئاً، وصلى المهتدي وسَكَّنَ الناس، وانصرفوا هادئين.
وحكى بعضهم ممن سمع كلام المهتدي موسى والجماعة، أن المهتدي قال :
إن كان صالح قد أخذ مال قبيحة والكتاب شيئاً، فقد أخذ مثل ذلك بابكيال، ومحمد بن ثغا (1).
وقد كان القوم من لدن قوم موسى بن بُغا مضمرين هذا المعنى من القيل وإنما منعهم من المظالم قلة الأموال، وخوف الاضطراب، فلما ورد مال ،فارس، ومال الأهواز تحركوا .
1) بعد هذا في المخطوط وبابكيال. وهو تكرار فحذفته .
وكان ورود ذلك لثلاث (1)بقين من المحرم وبلغه سبعة عشر ألف درهم، وخمسمائة ألف (2)
فأتاهم مال من فارس عشرة آلاف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم .
.وانتشر الخبر في العامة (3)، وأنهم على خلع المهتدي والفتك، وأنهم أرادوه على ذلك، وأرهقوه .
فكتبت رقاع وألقيت في المسجد الجامع والطرقات .
فذكر بعض من قرأ رقعة منها أنه كان فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن الخطاب الله عنه أن
رضي ينصره على أعدائه (4)، ويكفيه مؤنة ظالمه، ويتم النعمة عليه وعلى هذه الأمة](5)ببقائه ، فإن الموالي (6)قد أخذوه، بأن يخلع [نفسه])، وهو يعذب [منذ أيام ](7)والمدبر لذلك أحمد بن محمد بن ثوابة، والحسن بن مخلد رحم الله من أخلص إلينا ودعاه(8)، [وصلى الله على محمد (9). ثم تحرك الموالي، ووجهوا ] المهتدي [وقالوا] : إنا نحتاج أن نلقى إلى أمير المؤمنين شيئاً وسألوا أمير المؤمنين أن يوجه إليهم بعض ](10)إخوته (11).
فوجه إليهم أخاه عبد الله أبا القاسم، ومحمد بن عباس المعروف بالكرخي، فمضيا إليهم فسألاهم(12)عن شأنهم.
فذكروا أنهم سامعون مطيعون لأمير المؤمنين، وأنه بلغهم أن :موسی بن بغا، وبابكيال، وجماعة من قوادهم يريدونه على الخلع، وأنهم يبذلون دماءهم دون ذلك، وأنهم قرأوا رقاعاً في المساجد بذلك، وشكوا مع ذلك سوء حالهم، وتأخر أرزاقهم وما
1) في المخطوط : ثلاث وقد سقطت اللام من أوله سهواً .
2) في الكامل :
3) في الكامل : فلما كان سلخ المحرم انتشر . . .
4) في الكامل : أن ينصره الله على عدوه.
5) في الكامل : الأتراك .
6) في الكامل : الأتراك .
7) في الكامل : الأتراك .
8) من أول قوله : المدبر لذلك إلى موضع الإشارة لم يرد في الكامل.
9) زيادة من الكامل.
10) زيادة يتطلبها السياق .
11) في المخطوط: أخواته. وهو تحريف .
12) في المخطوط فسالانهم. وهو تحريف.
صار من الإقطاعات إلى قوادهم التي أحجفت بالخراج وغيره وما صار لكبرائهم من المعاون والزيادات على الرسوم القديمة مع الدخلاء فيهم الذين استغرقوا أكثر أموال الخراج، وكثر كلامهم، فقال أبو القاسم : اكتبوا بذلك كتاباً إلى أمير المؤمنين أتولى إيصاله لكم فكتبوه فأوصله للمهتدي وقد اجتمعوا فقال : يقول لكم أمير المؤمنين : هذا كتابي إليكم بخطي وخاتمي فأسمعوه وتدبروه فقرؤوه فإذا فيه :
بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أرشدنا الله وإياكم كان لنا ولكم وليا وحافظاً. فهمت كتابكم وسرني ما ذكرتم من طاعتكم وما أنتم عليه، فأحسن الله جزاءكم، وتولى حياطتكم .
فأما ما ذكرتم من خلتكم وحاجتكم فعزيز عليّ ذلك فيكم وودت أن صلاحكم قد تهيأ وألا أطعم ولا أطعم ولدي وأهلي إلا القوت الذي لا شبع ،دونه ولا ألبس أحداً من ولدي إلا ما ستر العورة ولا والله حاطكم الله ما صار إلي منذ تقلدت أمركم لنفسي وأهلي وولدي ومتقدمي غلماني وحشمي إلا خمسة عشر ألف دينار وأنتم تقفون على ما ورد، ويرد كل ذلك مصروف إليكم غير مذخور عنكم . وأما ما ذكرتم من أمر الرقاع التي ألقيت في المساجد والطرق وما بذلتم من أنفسكم فأنتم أهل ذلك، ولن تتعدوا ما ذكرتم وإنما نحن نفس واحدة، فجزاكم الله عن أنفسكم وعهودكم وأماناتكم خيراً. وليس الأمر كما بلغكم فعلى هذا فليكن عملكم.
وأما ما ذكرتم من الإقطاعات والمعاون وغيرهما فأنا أنظر إلى ذلك، وأصير منه إلى محبتكم إن شاء الله .
والسلام عليكم (1).
فلما قرأوا الكتاب كثر الكلام، وقالوا شيئاً.
فقال لهم أبو القاسم : اكتبوا بذلك كتاباً ثانياً .
فكتبوا، وقالوا :
إن الذي يسألون أن ترد الأمور إلى أمير المؤمنين وأن لا يعترض عليه معترض وأن تُرد رسومهم إلى ما كانت عليه، وهو أن يكون على كل سبعه(2)منهم عريف وعلى
كل خمسين خليفة وعلى كل مائة ،قائد وأن تسقط النساء والزيادات والمعاون وأن لا يدخل مولى في قبالة ولا غيرها وأن يوضع لهم العطاء في كل شهرين على ما لم يزل، وأن تبطل الإقطاعات وأن يكون أمير المؤمنين يزيد من يشاء، ويرفع من يشاء .
وذكروا أنهم سائرون إلى باب أمير المؤمنين في شيء أخذوا رأسه وإن سقط من رأس أمير المؤمنين شعره قتلوا موسى بن بغا (1)، وياجور وغيرهما ، ودعوا الله لأمير المؤمنين .
ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم ، فأوصله وتحرك الموالي (2)، واضطرب [120 ب] القواد جداً وقعد للمظالم.
فسبق أبو القاسم فقرأ الكتاب للمهتدي قراءة ظاهرة، وخلا بموسى.
ثم وقع في كل باب بما أحبوا .
فقال [أبو القاسم ] (3)لموسى ومحمد بن بغا، وبابكيال: وجهوا معي رُسلاً يعتذرون إليهم مما بلغهم عنكم .
فوجه كل واحد منهم رجلاً ، فسار أبو القاسم وهم في زهاء أربعة آلاف فارس ،وثلاثة آلاف راجل (4)، فأقرأهم من أمير المؤمنين السلام، ودفع إليهم الكتاب(5)
وقال : إن أمير المؤمنين قد أجابكم إلى ما سألتم. وقال لهم هؤلاء رُسل القواد إليكم يعتذرون من شيء إن كان بلغكم عنهم وهم يقولون : إنما أنتم إخوة وأنتم منا وإلينا واعتذر عنهم فكتبوا إلى المهتدي.
فقرؤوه وكتبوا كتاباً آخر يلتمسون أن ينفذ إليهم خمس توقيعات :توقيع بخط الزيادات .
وتوقيع برد الإقطاعات .
وتوقيع بإخراج الموالي المتزايدين من الخاصة (6).
وتوقيع برد الرسوم إلى ما كانت عليه .
وتوقيع برد التلاجئ (7).
ثم يصير أمير المؤمنين الجيش إلى أحد إخوته أو غيرهم ممن يرى ليسفر بينه
1) في المخطوط : ابن موسى بغا، وهو اضطراب في النسخ وقد ضبط الاسم على ما هو معروف .
2) في الكامل وتحولوا إلى سامرا .
3) زيادة من الكامل.
4) في الكامل : ألف فارس وثلاثة آلاف ،راجل وذلك لخمس خلون من صفر .
5) بعده في الكامل.
6) في الكامل : توقيع بإخراج الموالي البرانيين من الخاصة إلى البرانيين. وفي الطبري : البوابين .
7) في الكامل : البلاجي. وأشار محققه إلى أنه في الطبري كما هنا. أي ( التلاجئ ) .
وبينهم (1)ولا يكون رجلاً من الموالي.
وأن يأمر أن يحاسب صالح بن وصيف وموسى بن بُغا على ما عندهما من الأموال، ويجعل لهما عطاء شهرين (2)
لا يرضيهم إلا ذلك ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم .
.وكتبوا كتاباً آخر إلى موسى بن بُغا، ومحمد بن بُغا، وبابكيال، ومفلح وياجور، وغيرهم من القواد يقولون : إنهم قد كتبوا وأن أمير المؤمنين إن شاكته شوكة، وأخذ من رأسه شعرة أخذوا رؤوسهم جميعاً، وأنه ليس يقنعهم إلا أن يظهر صالح بن وصيف حتى يجتمع بينه وبين موسى فينظر أين مواضع الأموال فإن صالحاً وعدهم أن يعطيهم رزق ستة أشهر .
ثم دفعوا الكتاب إلى رسول موسى ووجهوا مع أبي القاسم عدة منهم ليوصل كتاب أمير المؤمنين، وليسمعوا كلامه .
فانصرفوا إلى المهتدي فأمر بإنشاء التوقيعات الخمسة، وأنفذها في درج كتاب بخطه إليهم (3)
وسيرها إليهم مع أبي القاسم وقت المغرب، وكتب إليهم بإجابتهم إلى ما طلبوا وكتب إليهم ، موسى بن بُغا كذلك، وأذن في ظهور صالح، وذكر أنه أخوه وابن عمه، وأنه ما أراد ما يكرهون. فلما قرأوا الكتاب قالوا قد أمسينا وغداً نعرفكم رأينا فافترقوا.
ثم أضاف ابن الأثير أيضاً مما لم يرد في تجارب الأمم ما يلي: فلما كان الغد ركب موسى من دار الخليفة ومعه من عسكره ألف وخمسمائة رجل، فوقف على طريقهم، وأتاهم أبو القاسم، فلم يعقل منهم جواباً إلا كل طائفة يقولون شيئاً .
فلما طال الكلام انصرف أبو القاسم، فاجتاز موسى بن بُغا وهو في أصحابه، فانصرف معه ثم أمر المهتدي محمد بن بغا أن يسير إليهم مع أخيه أبي القاسم فسار في خمسمائة فارس . ورجع موسى إلى مكانه بكرة، وتقدم أبو القاسم، ومحمد بن بغا قواعدهم عن المهتدي واعطياهم توقيعاً فيه أمان صالح بن وصيف، مؤكداً غاية التوكيد. فطلبوا أن يكون موسى في مرتبة بغا الكبير وصالح في مرتبة أبيه ، ويكون الجيش في يد من هو في يده، وأن يظهر صالح
ابن وصيف، ويوضع لهم العطاء .
ثم اختلفوا، فقال قوم: قد رضينا. وقال قوم: لم نرض.
فانصرف أبو القاسم، ومحمد بن بُغا على ذلك، وتفرق الناس إلى الكرخ، والدور وسامرا فلما كان الغد ركب بنو وصيف في جماعة ...
.وكتب القواد أيضاً جواب كتابهم وأنفذوا إليهم بإجابتهم إلى ما سألوه وكتب أماناً لصالح بن وصيف فيه : أن موسى وبابكيال سألا أمير المؤمنين ذلك، وأكدا
ذلك غاية التوكيد .
وحمل إليهم وقال لهم أبو القاسم : علام اجتماعكم وقد أُجبتم إلى ما سألتم؟
فانصرف القوم، ففرق القواد .
فلما كان السبت ركب ولد وصيف وأصحابهم وتنادى الناس : السلاح.
يوم واجتمعوا وعسكروا وركب أبو القاسم يزيد دار المهتدي، فمر بهم فعلقوا به ،وقالوا قل لأمير المؤمنين : إنا نريد (1)صالحاً .
فمضى فأدى ذلك .
فقال موسى: أراهم يطلبون صالحاً منّي كأني (2)أخفيه، أو هو عندي، إن كان عندهم له خبر ينبغي أن يظهروه وصح عندهم أن القوم قد تواطؤوا أن الناس ينحلون إليهم فيها لخواص دار أمير المؤمنين .
فركبوا في السلاح، واتصل الخبر بالأتراك، فانصرفوا ركضاً لا يلوي فارس على راجل، ولا كبير على صغير حتى بمنازلهم، وزحف فلم يبق بسر من رأى قائد يركب إلى دار أمير المؤمنين إلا ركب معه .
وكان تقدير الجيش الذين ركبوا مع موسى في هذا اليوم، أربعة آلاف فارس في السلاح، والقسي الموثورة والدروع والجواشن ،والرماح، والطبرزينات يريدون محاربة صالحاً وكان وكان أكثرهم هواه مع صالح. فمضوا إلى الجواسق ونادوا بأن لم يظهر من قواد صالح وأهله وأصحابه، ويحضر دار أمير المؤمنين أُسقط اسمه وخرب منزله وفعل به وصنع .
ثم جد هؤلاء في طلب صالح وأهله وهجم بسببه جماعة ممن كان متصلاً به قبل ذلك إلى أن عثر به غلام من قوم موالي وصيف.
فحكى الغلام :قال دخلت داراً في زقاق أطلب ماءً أشربه، فسمعت قائلاً يقول بالفارسية : أيها الأمير تنح، فقد جاء غلام يطلب ماء .
فلما سمعت ذلك جمعت لذلك(3)
فأخبره فأخذ معه ثلاثة نفر .
ثلاثة أنفس فهجمت عليه فإذا صالح بيده مرآة ومشط وهو يُسَرّح لحيته .فلما رآني بادر فدخل بيتاً، فخفت أن يكون قصد لأخذ سيف أو سلاح،
فتلومت، ثم نظرت إلى البيت فإذا هو قد لجأ إلى زاوية فدخلت إليه، فاستخرجته، فلم يزدني على التضرع شيئاً .
فقلت: ليس إلى تركك سبيل ولكني أمرتك على أبواب إخوتك وقوادك وصنائعك فإن اعترض علي منهم اثنان أطلقتك في أيديهم.
قال : فأخرجته [ حافياً ليس على رأسه شيء ](1)فما لقيت أحداً إلا من أعان على مكروهه وحمل إلى دار ،موسى فأتاه القواد ليذهبوا إلى الجوسق، وهو على بغل(2)بأكاف .
فلما ساروا به إلى المنارة (3)ضربه رجل من أصحاب مفلح ضربة من ورائه على عاتقه كاد يقده ثم احتزوا رأسه .
فوافوا به المهتدي وهو في تركه قباء رجل من غلمان مفلح يقطر دماً، وقد قام لصلاة المغرب فلم يره، فلما قضى صلاته وجاؤوا برأسه لم يزدهم على أن قال : واروه وأخذ في تسبيحه .
فلما كان من الغد طيف به على قناة ونودي عليه هذا جزاء من أمر بقتل مولاه(4)
ولما قتل صالح قال السلولي لموسى بن بُغا :
ونلت وترك من فرعون حين طغى حيث إن جئت يا موسى على قدر ثلاثة كلهم باغ أخو حسد*** يرميك بالظلم والعدوان عن وتر*** صيف في الكرخ ممثول به ويُغا*** بالجسر محترق بالنار والشر ***وصالح بن وصيف بعد منعفر ***بالحير جثته والروح في سقر
.ونصب رأسه بباب العامة فعل به ذلك ثلاثة أيام.
وفي هذه السنة : خلع المهتدي وقتل.
كان ظهر مساور الشاري بناحية الموصل فكثر أتباعه وعيشه، وهزم عدة جيوش للسلطان، فندب له موسى بن بغا، فوضع موضع العطاء لأصحابه. وكان على منازلة الشاري وقصده طريق خراسان(1)
وقال عبيدة : لا تقبل توبته . فجمع عبيدة جمعاً كثيراً وسار إلى مساور وتقدم إليه مساور من الحديثة، فالتقوا بنواحي جهينة بالقرب من الموصل في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين واقتتلوا أشد قتال، فترجل من عنده ومعه جماعة من أصحابه وعرقبوا دوابهم فقتل عبيدة وانهزم جمعه فقتل أكثرهم.
واستولى مساور على كثير من العراق ومنع الأموال عن الخليفة فضاقت على الجند أرزاقهم، فانضرطکم ذلك إلى أن سار إليه موسى بن بغا، وبابكيال وغيرهما في عسكر عظيم، فوصلوا إلى السن فأقاموا به ثم عادوا إلى سامرا - لما نذكره من خلع المهتدي - فلما ولي المعتمد الخلافة سير مفلحاً إلى قتال مساور في عسكر كبير حسن العدة .
فلما قارب الحديثة فارقها مساور ، وقصد جبلين يقال لأحدهما : زيني، وللآخر : عامر وهما بالقرب من الحديثة، فتبعه مفلح فعطف عليه مساور ، وهو في أربعة آلاف ،فارس فاقتتل هو ومفلح .
وكان مساور قد انصرف عن حرب عبيدة وقد جمع كثيراً من أصحابه فلقوا مفلحاً بجبل زيني فلم يصل مفلح منه إلى ما يريده فصعد رأس الجبل فاحتمى به ونزل مفلح في أصل الجبل وجرى بينهما وقعات كثيرة ثم أصبحوا يوماً وطلبوا مساوراً فلم يجدوه وكان قد نزل ليلاً من غير الوجه الذي فيه مفلح لما أيس من الظفر لضعف أصحابه من الجراح.
فحيث لم يره مفلح سار إلى الموصل فسار منها إلى ديار ربيعة سنجار، ونصيبين، والخابور فنظر في أمرها، ثم عاد إلى الموصل فأحسن السيرة في أهلها ورجع عنها في رجب متأهباً للقامساور فلما قارب الحديثة فارقها مساور ، وكان قد عاد إليها عند غيبة مفلح فتبعه مفلح فكان مساور يرحل عن المنزل فينزله مفلح .
فلما طال الأمر على مفلح وتوغل في الجبال والشعاب والمضايق وراء مساور ولحق الجيش الذي معه مشقة ونصب فعاد عنه فتبعه مساور يقفو أثره، ويأخذ كل من ينقطع عن ساقة العسكر ، فرجع إلیه طائفته منهم فقاتلوه ثم عادوا ولحقوا مفلحاً ووصلوا الحديثة، فأقام بها مفلح أياماً وانحدر أول شهر رمضان إلى سامرا فاستولى حينئذ مساور على البلاد وجبى خراجها، وقويت شوكته.
.فقال بعضهم : كان سبب ذلك : أن المهتدي استمال بابكيال وهو مقيم مع موسى
1) ذكر ابن الأثير قصة مساور الشاري بشيء من التفصيل في كتابه الكامل تحت عنوان : ذكر اختلاف الخوارج على مساور فقال : وفي هذه السنة خالف إنسان من الخوارج اسمه عبيدة من بني زهير العمروي على مساور وسبب ذلك : أنه خالفه في توبة الخاطئ. فقال مساور : تقبل توبته .
في وجه مساور الشاري، وكتب إليه (1)
في رجب الخامس عشر منه خلع المهتدي وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه .
وكان سبب ذلك : أن أهل الكرخ ، والدور من الأتراك الذين تقدم ذكرهم تحركوا في أول رجب لطلب أرزاقهم ، فوجه المهتدي إليهم أخاه أبا القاسم، وكيغلغ وغيرهما فسكنوهم فرجعوا، وبلغ أبا نصر محمد بن بغا أن المهتدي قال للأتراك : إن الأموال عند محمد، وموسى بن بغا، فهرب إلى أخيه وهو بالسن مقابل مساور الشاري.
فكتب المهتدي إليه أربعة كتب يعطيه الأمان فرجع هو وأخوه حيسون، فحبسهما ومعهما كيغلغ، وطولب أبو نصر محمد بن بغا بالأموال، فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار، وقتل لثلاث خلون من ،رجب ورمى به في بئر فأنتن فأخرجوه إلى منزله وصلى عليه الحسن بن المأمون.
وكتب المهندي إلى موسى لما حبس أخاه أن يسلم العسكر إلى بابكيال والرجوع إليه ... فذكر نحو القصة التي هنا .
: أن يضم العسكر الذي مع موسى إلى نفسه، وأن يكون هو الأمير، وأراد منه أن يفتك هو بموسى أو بمفلح أو يقيدهما ويحملهما إليه . فمضى [121 / أ] بابكيال إلى موسى وقال إني لست أفرح بهذا تدبير علينا جميعاً، وإذا فعل بك شيء اليوم فعل بي غداً ،مثله فاجتمعوا على خلعه والفتك به.فتوجه موسی نحو طريق خراسان .
وقال :بابكيال : أذهب إليه وأظهر له الطاعة، ودبرا في ذلك تدبيراً.
فبلغ المهتدي وظن أن بابكيال أتاه في الفتك به .
فلما دخل إليه أمر بحبسه وأخذ سلاحه (2)
فقال موسى: أرى أن تسير إلى سامرا وتخبره أنك في طاعته ونصرته علي وعلى مفلح فهو يطمئن إليك ثم تدبر في قتله .
فأقبل إلى سامرا فوصلها ومعه ياركوج ، واسارتكين وسيما الطويل. وغيرهم، فدخلوا دار الخلافة لاثنتي عشرة مضت من رجب فحبس بابكيال وصرف الباقين.
أصحاب بابكيال وغيرهم من الأتراك وقالوا : لم حبس قائدناً؟
فاجتمع وَلِمَ قتل أبو نصر بن بُغا؟
وكان عند المهتدي : صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور فشاوره فيه فقال له : إنه لم يبلغ من آبائك ما بلغته من الشجاعة .
وقد كان أبو مسلم أعظم شأناً عند أهل خراسان من هذا عند أصحابه، وقد كان فيهم من يعبده فما كان إلا أن طرح رأسه حتى سكتوا، فلو فعلت مثل ذلك سكتوا فركب المهتدي، وقد جمع له جميع المغاربة والأتراك والفراعنة فصير في الميمنة مسروراً .البلخي .
وفي الميسرة ياركوج ، ووقف هو في القلب مع اسارتكين ،وطبايغو، وغيرهما من القواد فأمر يقتل بابكيال، وألقى رأسه إليهم : عتاب بن عتاب فحملوا على عتاب فقتلوه، وعطفت ميمنة المهتدي وميسرته بمن فيها من الأتراك، فصاروا مع إخوانهم الأتراك فانهزم الباقون عن المهتدي . وقتل جماعة من الفريقين، فقيل : قتل سبعمائة وثمانون رجلاً .
وقيل : قتل من الأتراك نحو أربعة آلاف .وقيل : ألفان . وقيل : ألف.
وقتل من أصحاب المهتدي خلق كثير وولى منهزماً وبيده السيف وهو ينادي يا معشر المسلمين أنا أمير المؤمنين قاتلوا عن خليفتكم . فلم يجبه أحد من العامة إلى ذلك .
فسار إلى باب السجن فأطلق من فيه، وهو يظن أنهم يعينونه فهوبوا ولم يعنه أحد. فسار إلى دار أحمد بن جميل صاحب الشرطة فدخلها وهم في أثره فدخلوا عليه وأخرجوه وساروا به إلى الجوسق على بغل فحبس عند أحمد بن خاقان وقبل المهتدي يده فيما قيل مراراً عديدة، وجرى بينهم وبينه - وهو محبوس - كلاماً كثيراً وردوه فيه على الخلع فأبى واستسلم للقتل. فقالوا: إنه كتب بخطه رقعة لموسى بن بُغا، وبابكيال، وجماعة من القواد أنه لا يغدر بهم ولا يغتالهم ولا يفتك بهم ولا يهم بذلك، وأنه متى فعل ذلك فهم في حل من بيعته والأمر إليهم يقعدون من شاؤوا فاستحلوا بذلك نقض ،أمره، فداسوا خصيتيه وصفعوه فمات واشهدوا على موته أنه سليم ليس به أثر ودفن بمقبرة المنتصر.
وقيل : كان سبب خلعه وموته أن أهل الكرخ والدور اجتمعوا وطلبوا أن يدخلوا إلى المهتدي ويكلموه بحاجاتهم فدخلوا الدار، وفيها أبو نصر محمد بن بغا وغيره من القواد.
فخرج أبو نصر منها ودخل أهل الكرخ والدور ، وشكوا حالهم إلى المهتدي - وهم أربعة آلاف - وطلبوا منه أن يعزل عنهم أمراءهم وأن يصير الأمر إلى إخوته وأن يأخذ القواد وكتابهم بالمال الذي صار إليهم . فوعدهم بإجابتهم إلى ما سألوه .
فأقاموا يومهم في الدار ، فحمل المهتدي إليهم ما يأكلون .
وسار محمد بن بغا إلى المحمدية، وأصبحوا من الغد يطلبون ما سألوه . فقيل لهم : إن هذا أمر صعب، وإخراج الأمر عن يد هؤلاء القواد ليس بسهل فكيف إذا جمیع إلیه مطالبتهم بالأموال؟ فانظروا في أموركم، فإن كنتم تصبرون على هذا الأمر إلى أن تبلغ غايته وإلا فأمير المؤمنين يحسن لكم النظر .
فأبوا إلا ما سألوه، فدعوا إلى أيمان البيعة على أن يقيموا على هذا القول، وأن يقاتلوا من قاتلهم وينصحوا أمير المؤمنين، فأجابوا إلى ذلك.
فأخذت عليهم أيمان البيعة، ثم كتبوا إلى أبي نصر عن أنفسهم، وعن المهتدي ينكرون خروجه عن الدار بغير سبب وأنهم إنما قصدوا ليشكوا ،حالهم، ولما رأوا الدار فارغة أقاموا فيها .
فخرج فحضر عند المهتدي فقبل رجله ويده ووقف فسأله عن الأموال وما يقوله الأتراك.
فقال : وما أنا والأموال.
فقال : هما وهل هي إلا عندك وعند أخيك وأصحابكما؟ ثم أخذوا بيد محمد وحبسوه، وكتبوا إلى موسى بن بغا، ومفلح بالانصراف إلى سامرا وتسليم العسكر إلى قواد ذكروهم. وكتبوا إلى الأتراك الصغار في تسليم العسكر منهما وذكروا ما جرى لهم :وقولوا إن أجاب موسى ومفلح إلى ما أمرا به من الإقبال إلى سامرا وتسليم العسكر وإلا فشدوهما وثاقاً وحملوهما إلى الباب .
وأجرى المهتدي على من أخذت عليه البيعة كل رجل در همين.
فلما وصلت الكتب إلى عسكر موسى أخذها موسى وقرئت عليه قنطرة الرقيق لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب وخرج المهتدي وعرض الناس وعاد من يومه .
وأصبح الناس من الغد وقد دخل من أصحاب موسى زهاء ألف فارس منهم كوبكين وغيره وعاد، وخرج المهتدي فصف أصحابه وفيهم من أتى من أصحاب موسى.
وتردد الرسل بينهم وبين موسى يريد أن يولي ناحية ينصرف إليها .
وأصحاب المهتدي يريدون أن يجيء إليه ليناظرهم على الأموال .فلم يتفقوا على شيء، وانصرف عن موسى خلق كثير من أصحابه .
فعدل هو ومفلح يريدان طريق خراسان . وأقبل بابكيال وجماعة من القواد فوصلوا إلى المهتدي فسلموا وأمرهم بالانصراف، وحبس بابكيال، وقتله، ولم يتحرك أحد ولا تغير شيء إلا تغيراً يسيراً .
وكان ذلك السبت، فلما كان الأحد أنكر الأتراك مساواة الفراغنة لهم في الدار بأجمعهم، يوم وبقيت الدار على الفراغنة والمغاربة .
فأنكر الأتراك ذلك، وأضافوا إليه طلب بابكيال.
فقال المهتدي للفراغنة والمغاربة : ما جرى من الأتراك، وقال لهم: إن كنتم تظنون فيكم قوة فما أكره ،قربكم، وإلا فأرضيناهم من قبل تفاقم الأمر.
فذكروا أنهم يقومون به. فخرج بهم المهتدي وهم في ستة آلاف منهم من الأتراك نحو ألف - وهم أصحاب صالح بن وصيف - وكان الأتراك في عشرة آلاف.
فلما التقوا انهزم أصحاب صالح، وخرج عليهم كمين للأتراك، فانهزم أصحاب المهتدي .
وذكر نحو ما تقدم إلا أنه قال : إنهم لما رأوا المهتدي بدار أحمد بن جميل قاتلهم، فأخرجوه وكان به أثر طعنة فلما رأى الجرح ألقى بيده إليهم وأرادوه على الخلع فأبى أن یجیبهم يوم الأربعاء ، وأظهروه للناس يوم الخميس وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد.
وكانوا قد خلعوا أصابع يديه من كفيه ورجليه من كعبيه حتى ورمت كفاه وقدماه، وفعلوا به غير ذلك حتى مات.
وطلبوا محمد بن بُغا فوجدوه ميتاً فكسروا على قبره ألف سيف.
.وقال بعضهم : كان السبب : كان السبب في ذلك أن المهتدي تكلم في موسى ومحمد ابني
بغا(1)، وقال الموالي : قد احتجنا الأموال .
فتخوفه أبو نصر وهرب .
ثم كتب إليه المهتدي وأمنه على نفسه فرجع وظهر وقعد له المهتدي، فوصل إليه هو ومن جاء معه جاء معه فسلم .
فقال المهتدي : ما تقول فيما تقول الموالي؟
قال : ما يقولون؟
قال : إنهم يقولون : إنكم احتجبتم الأموال واستبددتم بالأعمال، فما تنظرون شيء من مصالحهم .
قال: يا أمير المؤمنين، ما أنا والأموال ولست كاتب الديوان، ولا جرى في يدي عمل.
فقال : وأين الأموال؟ هل هي إلا عندك وعند أخيك، وكُتابكم؟
ودنا الموالي وأخذوا بيد محمد وقالوا هذا عدو أمير المؤمنين لا ينبغي أن يقوم بين يديه بسيف، وأخذوا سيفه .
1) في المخطوط: موسى وبغا ابني محمد وهو ارتباك أحدثه الناسخ، والصواب ما أثبته .
فوثب غلام لأبي نصر كان حاضراً فقال له : تفتك فسل سيفه وخطا ليمنعهم من أبي نصر، وكانت خطوته تلي الخليفة فسبقه عبد الله بن تكين، فضرب رأسه بالسيف فما بقي أحداً إلاسل سيفه وقام المهتدي فدخل بيتاً كان بقربه.
وأخذ محمد بن بُغا، فأدخل حجرة وحبس أصحابه وأجمعوا على أن يكتبوا إلى موسى بن بغا بالانصراف وتسليم العسكر إلى من فيه من القواد، وأن يكتبوا إلى القواد بتسليم العسكر إليهما، ويكتبوا إلى الصغار بمثل ما سأل أصحابهم بسر من رأى وما أجيبوا إليه وأن ينظروا فإن سارع موسى ومفلح إلى ما أمروا به من الإقبال إلى الباب في غلمانهم، وتسليم العسكر إلى من أمر بتسليمه إليه وإلا شدوهما وثاقاً وحملوهما إلى الباب في غلمانهم .
وتوجهوا بهذه الكتب، واجتمع في الدار منهم قوماً فأجرى على كل واحد منهمدر همان وأخذت عليه بيعة جديدة بالنصرة والثبات .
وأصبح الموالي يلتمسون أن يعزل عنهم أمراؤهم وكتابهم بالخروج مما اختانوه من مال السلطان .
وذكروا أن مبلغه خمسون ألف ألف درهم فأجابهم إلى ذلك ومضى يومهم على .هذا ثم أصبحوا يطالبون بما وعدوا به فقيل لهم إن هذا الذي تريدونه أمر صعب وأخرج الأمر عن أيدي هؤلاء ليس بسهل، فكيف إذا اجتمع إلى ذلك أخذ أموالهم؟ فانظروا في أموركم، فإن كنتم تظنون أنكم تصبرون على هذا الأمر حتى نبلغ منه غايته أجابكم أمير المؤمنين وإن تكن الأخرى فإن أمير المؤمنين يُحسن لكم النظر .
فأبوا إلا ما سألوا أولاً.
فأخذت عليهم البيعة وأقبلت إليهم الرسل تختلف بين العسكرين والذي يريدون موسى بن بغا أن يولي ناحية ينصرف إليها، والذي يريد القوم من موسى أن يُقبل في غلمانه ليناظرهم . فلما كان من الغد وأخذ موسى ومفلح طريق خراسان ومضى بابكيال - في هذه الرواية - ومن معه من القواد حتى دخلوا الدار فأخذت سيوفهم ومناطقهم وأقبل المهتدي على بابكيال يعدد ذنوبه وما ركب في الإسلام.
وأبطأ خبره على أصحابه فقال لهم حاجبه أحمد بن خاقان اطلبوا صاحبكم قبل أن يحدث به حدث .
فجاشت الأتراك، وأحاطوا بالدار.
فاستشار المهتدي صالح بن علي بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور .
فقال : يا أمير المؤمنين هو حدث أبي مسلم مع المنصور، فلو فعلت لسكنوا .
فأمر المهتدي بضرب عنقه، ورمى رأسه إليهم، ففعل ذلك.
فتأخروا وجاشوا، وشدّ واحد منهم على من رمى بالرأس فقتله .
ووجه المهتدي إلى الأسروشنية والمغاربة ،والفراغنة والأتراك نحو من أربعة آلاف ثم اجتمع الأتراك كلهم، وصار أمرهم وأحداً، فكانوا نحو عشرة آلاف.
وكان مع ما اجتمع من الأتراك إلى المهتدي نحو خمسة عشر ألفاً .
فخرج المهتدي والمصحف في عنقه وعبى الناس وقاتل، ودعا الناس إلى أن ينصروا خليفتهم .
فلما التحم الشرّ مال الأتراك الذين مع المهتدي إلى أصحابهم الذين مع أخي بابكيال وبقي المهتدي في صحابة لا تزال معه فحمل طغيا أخو بابكيال حملة ثائر ،موتور، فنقض جمعهم وهزمهم، وأكثر فيهم القتل وولوا منهزمين.
ومضى المهتدي يركض منهزماً في الأسواق، والسيف في يده مشهور، وهو ينادي : يا معشر الناس انصروا خليفتكم حتى صار إلى دار موسى أبي صالح ومحمد بن يزداد وفيها أحمد بن جميل صاحب المعونة، فدخلها ووضع سلاحه ولبس البياض ليعلموا الدار وينزل إلى الأخرى ويهرب .
وجاء أحمد بن خاقان في ثلاثين فارساً يسأل عنه حتى وقف على خبره في دار ابن جميل فبادرهم ليصعد بسهم(. . .)(1).
ولم يجد المهتدي لنفسه حيلة، فاستسلم، فأخذ أحمد بن خاقان على دابته وأردف خلفه سائساً حتى سار به إلى داره.
وانتهب الجوسق فلم يبق فيه شيء .
وأخرجوا أحمد بن المتوكل بن فتيان وسموه المعتمد على الله، وأرادوا ، المهتدي على الخلع قبل ذلك فأبى ولم يجبهم ، فخلعوا أصابع يديه ورجليه ثم أمروا من وطئ على خصيتيه ولما أيقن [121/ب] المهتدي بالقتل قال لهم :
أهم بأمر الحزم لا أستطيعه*** وقد حيل بين العير والنزوان
وكانت خلافته كلها أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً، وعمره ثماني وثلاثين سنة .
وكان رحب الجبهة ،أجلح جهم الوجه أشهل ،العينين عظيم البطن عريض
1) موضع النقط كلمة لم أتبين قراءتها وهذا رسمها (قعح) .
المنكبين طويل اللحية قصيراً (1).
وفي هذه السنة : وافى جعلان البصرة، فهرب صاحب الزنج فزحف بعسكره حتى سار بينه وبين صاحب الزنج فرسخ فخندق على نفسه وأصحابه [ وأقام ستة أشهر ](2).
ووجه إلى الزينبي وبني هاشم، وكان يواعدهم للقائه، فإذا التقوا لم يكن بينهم إلا الزمي
بالنشاب والحجر لضيق الموضع بما فيه من النخل والدغل، ولم يكن للجند مجال .
فبقوا كذلك ستة أشهر، فلما رأى صاحب الزنج ذلك هيأ من أصحابه جماعة يأخذون على جعلان مسالك الخندق وبيته في خندقه، فقتل جماعة من رجاله وريع
الباقون روعاً شديداً (1)، فنزل جعلان عسكره وانصرف إلى البصرة، وظهر عجر السلطان فازداد أمر صاحب الزنج عظم شأن فأخذ أربعة وعشرين مركباً بحرية كانت اجتمعت تريد البصرة، وكانت هذه المراكب تنتظر أن ينفصل أمر السلطان مع صاحب الزنج.
فلما انهزم السلطان رأوا أن تُشد المراكب بعضها إلى بعض حتى تصير كالجزيرة ويتصل أولها بآخرها، ثم يسيروا بها في دجلة.
فندب صاحب الزنج أصحابه وحرضهم عليها وقال هذه غنيمة لم تروا مثلها .
فانتدب لها الزنج، فلم تلبث أن جروها وقتلوا مقاتلتها وسبوا ما فيها من الرقيق، وغنموا منها أموالاً عظيمة لا تحصى ولا يُعرف قدرها .
فانهب ذلك أصحابه ثلاثة أيام ثم أمر بما بقي فحيز له .
ودخل صاحب الزنج الأبلة بعد حرب قتل فيها خلقاً وأحرقها وكانت مبنية بالسَّاج (2)
السَّاج خشب يجلب من الهند واحدته ،ساجة، والساج شجر عظيم جداً، ويذهب طولاً ،وعرضاً وله ورق أمثال التراس الديلمية يتغطى الرجل بورقة منه فتكنه من المطر . وله رائحة طيبة تشابه رائحة ورق الجوز مع رقة ونعمة، حكاه أبو حنيفة .
، فأسرعت فيها النار ، ونشبت ريح عاصفة، فأطارت الشرر إلى شاطئ عثمان فاحترق وقتل خلق كثير بالأبلة وغرق خلق وكان ما احترق من الأمتعة أكثر مما انتهب. ولما جرى ذلك على الأبلة جزع أهل عبادان فاستسلموا لصاحب الزنج، وسلموا إليه بلدهم وحصنهم (3)وفيها : دخل الزنج الأبلة فقتلوا فيها خلقاً كثيراً وأحرقوها، وكان سبب ذلك :
أن جعلان لما تنحى عن خندقه إلى البصرة ألح شنا صاحب الزنج بالغارات على الأبلة، وجعلت سراياه تضرب إلى ناحية معقل، ولم يزل يحارب إلى يوم الأربعاء لخمس بقين من رجب فافتتحها وقتل أبو الأحوص، وعبيد الله بن حميد بن الطوسي وأضر مها ناراً، وكانت مبنية بالساج، فأسرعت فيها النار ، وقتل من أهلها خلق كثير وحووا الأموال العظيمة، وكان ما أحرقت النار أكثر من الذي نهب .
وفيها : أرسل أهل عبادان إلى صاحب الزنج فسلموا إليه ،حصنهم وكان الذي حملهم على ذلك أنه لما فعل بأهل الأبلة ما فعل خاف أهل عبادان على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، فكتبوا إليه يطلبون الأمان على أن يسلموا إليه البلد .
فأمنهم وسلموه إليه فأنفذ أصحابه إليهم وأخذوا ما فيه من العبيد والسلاح ففرقه في أصحابه.
.وفيها : ملك أصحابه الأهواز .
لما فتح الأبلة وعبادان وأخذ مماليكهم ، وفرق فيهم السلاح طمع في الأهواز،
فاستنهض أصحابه نحو جبى، فلم تثبت له فدخلها وانتهب وقتل ووافى الأهواز وبها سعيد بن تسكين فيمن معه من الجند .
ووثب إبراهيم فيمن معه من غلمانه، فدخل الزنج المدينة، وأسروا إبراهيم بن المدبر بعد أن ضرب ضربة على وجهه، وحووا كل ما يملك (1).
فلما ملك الأهواز رعب أهل البصرة رعباً شديداً، فانتقل كثير من أهلها (2)وكثرت الأراجيف من عوامها .
وفي رجب من هذه السنة وافى البصرة سعيد بن صالح الحاجب من قبل السلطان الحرب صاحب الزنج.
وفيها: وثب محمد بن واصل بن إبراهيم التميمي - وهو من أهل فارس - ورجل من أكرادها يقال له : أحمد بن الليث بعامل فارس - وهو الحارث بن سيما السارياني - فحارباه وقتلاه .
وغلب محمد بن واصل على فارس.
وفيها: غلب الحسن بن زيد [الطالبي] (3)على الرّي و شخص موسى بن بُغا إلى الري (4)لحربه وشيعه المعتمد .
وفيها كانت بين باجور وابن لعيسى ابن الشيخ وقائد لعيسى في عسكر لهما بالقرب من دمشق .
فاتصل بهم خبر باجور وأنه في عدد يسير فزحفا إليه ولا يعلم باجور بهما حتى لقياه، فقتل القائد الذي مع ابن عيسى وهزم وقتل خلق عظيم من أصحابه وكان في عشرين ألفاً، وباجور في نحو مائتين إلى ثلاثمائة (5)
وكان قد امتنع من ذلك، فأخذ العهد، وأقام الدعوة للمعتمد ولبس السواد ظناً منه أن الشام تكون بيده فأنفذ المعتمد أماجور وقلده دمشق وأعمالها فسار إليها في ألف رجل.فلما قرب منها أنهض عيسى إليه ولده منصور في عشرين ألف مقاتل، فلما التقوا انهزم عسكر ،منصور وقتل منصور، فوهن عيسى وسار إلى أرمينية على طريق الساحل، وولي أماجور دمشق . ومما زاد ابن الأثير من أحداث في هذه السنة :
خلافة المعتمد على الله فقال : لما أخذ المهتدي بالله وحُبس أحضر أبو العباس أحمد بن المتوكل - وهو المعروف بابن فتيان - وكان محبوساً بالجوسق فبايعه الأتراك وكتبوا بذلك إلى موسى بن بُغا - وهو بخانقين - فحضر إلى سامرا، فبايعه ولقب المعتمد : على الله .
ثم إن المهتدي مات ثاني يوم بيعة المعتمد وسكن الناس، واستوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان.فهذا زاد فيه تفصيلات.
وزاد أيضاً : حج بالناس في هذه السنة : محمد بن أحمد بن عيسى بن أبي جعفر المنصور. وفيها: توفي الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي صاحب المسند الصحيح، وكان مولده سنة أربع وتسعين ومائة .
.1) في الكامل : وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان.
2) بعدها في الكامل : في البلدان.
3) زيادة من الكامل.
4) بعدها في الكامل : في شوال .
5) ويذكر ابن الأثير هذا الخبر على النحو التالي في الكامل تحت عنوان: عزل عيسى ابن الشيخ عن الشام وولايته أرمينية : لما استولى ابن الشيخ على دمشق وقطع الحمل عن بغداد اتفق أن ابن المدبر حمل مالاً من مصر إلى بغداد مقداره سبعمائة ألف دينار فأخذها عيسى ابن الشيخ فأرسل من بغداد إليه حسين الخادم يطالبه بالمال فذكر أنه أخرجه على الجند. فأعطاه حسين عهده على أرمينية ليقيم الدعوة للمعتمد.
وفيها :سار يعقوب بن الليث إلى فارس فبعث إليه المعتمد طغياء، وإسماعيل بن إسحاق وأبا سعيد الأنصاري.
وكتب إليهم أبو أحمد بن المتوكل بولاية بلخ وطخارستان إلى ما يلي ذلك من ،کرمان وسجستان والسند.
وجعل له مال في كل سنة من هذه الأعمال فقيل ذلك وانصرف(1)
وأرسل رسولاً إلى الخليفة ومعه هدية جليلة المقدار، وفيها أصنام أخذها من كابل وتلك البلاد. وسار إلى بست فأقام بها سنة، وسبب إقامته :
أنه أراد الرحيل فرأى بعض قواده قد حمل بعض أثقاله فغضب وقال : أترحلون قبلي؟! وأقام سنة .
ثم رجع إلى سجستان، ثم عاد إلى هراة وحاصر مدينة كروخ حتى أخذها .
ثم سار إلى بوشنج وقبض على الحسين بن طاهر بن الحسين الكبير، وأنفذ إليه محمد بن طاهر بن عبد الله، فسأله اطلاقه وهو عم أبيه الحسين طاهر فلم يفعل وبقي في يد .
.وعقد المعتمد لأخيه أبي أحمد على الكوفة وطريق مكة (2).
ثم عقد له على بغداد والسواد وواسط وكور دجلة، والبصرة، والأهواز، وفارس فولى خلفاءه وأمر أن يعقد ليارجوخ على البصرة، وكور دجلة، واليمامة، والبحرين فولى يارجوخ منصور بن جعفر بن دينار البصرة وكور دجلة .
واستحث سعيد الحاجب في المسير إلى دجلة والإناخة على صاحب الزنج ففعل
1) ذكر ابن الأثير هذا الخبر فى الكامل إلى هنا على نحو مما ذكر ثم زاد خلاف ما عند ابن مسكويه فقال : فقيل ذلك وعاد وسار إلى بلخ ،وطخارستان فلما وصل إلى بلخ نزل بظاهرها وخرب نوشاد وهي أبنية كان بناها داود بن العباس بن ما بنجور خارج بلخ . ثم سار يعقوب من بلخ إلى كابل واستولى عليها، وقبض على زنبيل .
2) ذكر ابن الأثير هذا الخبر بما يتممه من بعده في الكامل تحت عنوان : ذكر عودة أبي أحمد الموفق من مكة إلى سر من رأى .
ذلك، ومضى إلى نهر معقل(1)
عبد بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد المزني.
ومزينة أم عثمان، وأوس ابني عمرو بن أد صحب النبي صلی الله علیه وآله وسلم.
وهو نهر معروف بالبصرة فمه عند فم الإجانة .
ذكر الواقدي: أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يحفر نهراً بالبصرة، وأن يجريه على يد معقل بن يسار المزني، فنسب إليه .
.وكان هناك جيش لصاحب الزنج بالنهر [122/أ] المعروف بالمرغاب(2)
والمرغاب نهر بالبصرة .
قال البلاذري: وحفر بشير بن عبيد الله بن أبي بكر وسماه باسم مرغاب مرو.
،وهو معترض في زهر. معقل فأوقع بهم وهزمهم، واستنقذ ما في أيديهم.واستأمن إليه عمران وهو زوج جَدَّة ابن صاحب الزنج، وتفرق ذلك الجمع .
فحكى من حضر ذلك قال :
لقد لقيت المرأة من سكان الفرات تجد الزنجي مستتراً بتلك الأدغال فتجرجه وتحمله إلى عسكر سعيد ما به عنها امتناع (3).
ثم أوقع بالخبيث دفعات متوالية، ثم إن الخبيث وَجَّهَ إلى يحيى بن محمد الجرجاني (4)
وفيها تخلص إبراهيم بن محمد بن المدبر من حبس الزنج.
وكان سبب خلاصه : أنه كان محبوساً في بيت يحيى بن محمد البحراني، ووكل به رجلين منزلهما ملاصق المنزل الذي فيه إبراهيم، فضمن لهما مالاً ورغبهما .
فعملا سرباً إلى البيت الذي فيه إبراهيم، فخرج هو وابن أخ له يقال له : أبو غالب، ورجل هاشمي .
صاحبه، وهو بنهر معقل جيشاً، وأمره بتوجيه سليمان بن جامع وأبي الليث الأصبهاني ليلاً مع عسكر قوي حتى توقعا لسعيد وقت طلوع الفجر، ففعل ذلك فصادفا منهم غرة وغفلة فأوقعا بهم وقتلا مقتلة عظيمة، وأحرق الزنج عسكر سعيد. فضعف سعيد ومن معه ودخل أمرهم خلل لهذا البيان .1) قال ياقوت في معجم البلدان : نهر مَعْقِل : منسوب إلى معقل بن يسار بن عبد الله بن معبر بن خرّاق بن لؤي بن كعب بن أد المزني .
2) وقال ياقوت أيضاً في المصدر السابق في المرغاب : اسم نهر بمرو الشاهجان .
3) وذكر ابن الأثير هذا الخبر في الكامل تحت عنوان: ذكر انهزام الزنج من سعيد الحاجب فقال : وفيها في رجب أوقع سعيد الحاجب بجماعة من الزنج، فهزمهم واستنقذ ما معهم من النساء والنهب وجرح سعيد عدة جراحات . وبلغه الخبر بجمع آخر منهم فسار إليهم فلقيهم فهزمهم أيضاً واستنقذ ما معهم فكانت المرأة . ثم زاد وعسكر سعيد بهطة، ثم عبر إلى غرب دجلة فأوقع بصاحب الزنج عدة وقعات ثم عاد إلى معسكره بهطة فأقام إلى باقي رجب وعامة شعبان .
4) كذا في المخطوط. وفي الكامل البحراني، وذكرت الخبر على النحو التالي تحت عنوان ذكر خلاص بن المدبر من الزنج فقال :
وكانت أرزاقهم حبست عنهم من جهة منصور بن جعفر بن الخياط، وهو يومئذ بالأهواز إليه حربها، وله يد في الخراج فلما اضطرب أمر سعيد وضعف أمر بالانصراف (1)إلى باب السلطان وتسليم الجيش إلى منصور بن جعفر .
وذلك أن سعيداً نزل بعد ما اتفق عليه من البيات حرب صاحب الزنج، وكان نفر يحمي البصرة، ومنصور يجمع السفن التي تحمل المير ثم يبذرقها(2)
وقال ابن خالويه ليست البذرقة عربية وإنما هي فارسية فعربتها الرعب، يقال: بعث السلطان بذرقة مع القافلة .
وقال الهروي في فصل عَصَمَ من كتابة المغربيين : إن البذرقة يقال لها : عصمة أي يعتصم بها .
إلى البصرة. فضاق بالزنج الميرة .ثم عبأ منصور أصحابه، وقصد صاحب الزنج في عسكره وقصد قصراً على دجلة فأحرقه وما حوله، ودخل عسكر الخبيث من ذلك الوجه ووافاه الزنج وكمنوا له كميناً، فهزموه وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة والجئ الباقون إلى الماء فغرقوا وحملت الرؤوس إلى يحيى البحراني بنهر معقل، فأمر بنصبها هناك .
ثم أوقع الخبيث بشاهين، وإبراهيم بن سيما بالأهواز، فقتل شاهين وهزم إبراهيم. وكاتب علي بن أبان بالمسير إلى البصرة لحرب أهلها (3)
ثم إن إبراهيم سار قاصداً ،نهرجين فأمر كاتبه شاهين بن بسطام بالمسير على طريق آخر ليوافيه بنهر جين بعد الوقعة مع علي بن أبان وكان علي بن أبان قد سار من الوقعة فنزل بالخيزرانية، فأتاه رجل، فأخبره بإقبال شاهين إليه فسار نحوه .
فالتقيا وقت العصر بموضع بين جبى ونهر موسى واقتتلوا قتالاً شديداً، ثم صدمهم الزنج صدمة صادقة فهزموهم وقتلوا ،شاهين وابن عم له وقتل معه خلق كثير .
فلما فرغ الزنج منهم أتاهم الخبر بقرب إبراهيم بن سيما منهم فسار على نحوه فوافاه وقت العشاء الآخرة، فأوقع بإبراهيم دفعة أخرى شديدة قتل فيها جمعاً كثيراً. قال علي بن أبان وكان أصحابي قد تفرقوا بعد الوقعة مع شاهين ولم يشهد معي حرب إبراهيم غير خمسين رجلاً، وانصرف علي إلى جبي.
.لما ضعف منصور لم يعد إقبال الزنج، واقتصر على بذرقة السفن لوصول المير
1) في المخطوط بالانصياف. وهو تحريف .
2) قال صاحب لسان العرب في مادة بذرق البذرقة فارسي معرب قال ابن بري : البذرقة الخُفَارَة، ومنه قول المتنبي : أَبَذْرَق ومعي سيفي؟! وقاتل حتى قتل .
3) ذكر ابن الأثير الخبر في الكامل بأتم مما هنا تحت عنوان : ذكر انهزام جيش الزنج بالأهواز ، فقال : وفيها أرسل صاحب الزنج جيشاً مع علي بن أبان لقطع قنطرة أربك فلقيهم إبراهيم بن سيما منصرفاً من فارس، فأوقع بجيش العلوي فهزمهم ، وقتل منهم وجرح علي بن أبان .
إلى البصرة. فوجه الخبيث علي بن أبان فشغل منصور عن بذرقة السفن، وعاد أهل البصرة إلى الضيق وألح أصحاب الخبيث عليها بالحرب وأحس الخبيث بضعف القوم وإضرار الحصار بهم وتخريبه ما حولها من القرى .
وكان ينظر في النجوم ولا يفارقه الاصطرلاب وكتب النجوم.
فوقف على كسوف القمر ، فقال لأصحابه : إني قد ابتهلت إلى الله في الدعاء على أهل البصرة وتعجيل خرابها فخوطبت وقيل لي : إنما البصرة خبزة لك تأكلها من جوانبها فإذا انكسر ضعف الرغيف وخربت البصرة. فتأولت انكسار الرغيف انكساف القمر في نصفه .
وكان هذا حديث عسكره كل يوم فكثر على الأسماع، وندب قوماً للخروج إلى الأعراب ففرضوا قوماً منهم وأتاه خلق عظيم فوجههم الخبيث إلى ناحية منها، وأمرهم بطرق البصرة والإيقاع بهم من تلك الجهة .
فلما ابتدأ القمر بالكسوف أنهض علي بن أبان في عسكر ضخم، وطائفة من العرب إلى البصرة مما يلي بني سعيد.
وكتب إلى يحيى بن محمد البحراني في إتيانها مما [يلي](1)نهر عدي (2)
نهر عدي بن أرطأة بالبصرة كان نهر عدي خوراً من نهر البصرة حتى فتقه عدي بن أرطأة الفزاري عامل عمر بن عبد العزيز من بثق نهر شيرين جارية أبرويز ولما فرغ عدي من نهره كتب إلى عمر : إني حفرت لأهل البصرة نهراً عذب به مشربهم وجادت عليه أموالهم فلم أر لهم على ذلك شكراً، فإن أذنت لي قسمت عليهم أنفقته عليه . فكتب إليه عمر إني لأحسب أهل البصرة عند حفرك هذا النهر خلو من رجل يشرب منه يقول الحمد لله، وأن الله تعالى قد رضي بنا شكراً فأرضى بنا شكراً من حفر نهرك .
، وضم إليه سائر العرب. فواقع نصراً علي بن أبان ،يومين ومال الناس نحوه، فدخل علي بن أبان (3)من ناحية وتفرق الجند وانحاز نصراً بمن معه، فلم يكن في وجهه أحد .ولقيه إبراهيم بن يحيى المهلبي فاستأمنه لأهل البصرة، فأمنهم، ونادى منادي إبراهيم بن يحيى :
من أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم فحضر أهل البصرة حتى ملؤوا الرحاب فلما رأى اجتماعهم أمر بأخذ أفواه المسالك (4)والطرق لئلا يتفرقوا، ثم غدر بهم
1) سقط من المخطوط والسياق يقتضيه وكذا هو مثبت في الكامل .
2) قال ياقوت في معجم البلدان :
3) في الكامل وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من شوال فأقام يقتل ويحرق يوم الجمعة، وليلة السبت ويوم السبت، وغادي يحيى البصرة يوم الأحد فتلقاه بفراج، وبرية في جمع فردوه فرجع، فأقام يومه ذلك ثم غاداهم اليوم الآخر، فدخل وقد تفرق الجند، وهرب برية، وانحاز بفراج ومن معه ولقيه إبراهيم بن يحيى المهلبي فاستأمنه .
4) في المخطوط : المالك. وهو تحريف.
ووضع السيوف فيهم فقتلوا بأجمعهم ولم يفلت إلا الشاذ.
فيقال : إن أصوات الناس الذين قتلوا ارتفعت بالتشهد لما أخذهم السيف فسمعهم من [في](1)الطغاوة.
فلما فرغ من قتلهم أتى علي بن أبان المسجد ،فأحرقه وراح إلى الكلأ فأحرقه من الجبل إلى الجسر، وأخذت النار كل شيء مَرّت به من إنسان، وبهيمة، ومتاع، وآلة.
ثم ألحوا على من وجدوا بعد ذلك غدواً وعشيا يسوقونهم إلى يحيى البحراني، وهو يومئذ بسيحان.
فمن كان ذا مال قرره حتى يستخرج ماله ثم يقتله، ومن كان فقيراً عاجله بالقتل. ثم نادى يحيى بن محمد بالأمان، فلم يظهر له أحد.
فكتب الخبيث إلى يحيى بن محمد : أن استخلف شبلاً فإنهم يسكنون إليه ليظهر الناس، فإذا أمنوا وظهروا أخذوا بالدلالة على ما دفنوا وأخفوا من أموالهم. ففعل ذلك حتى استنطق أهل البصرة وقتلهم، وهرب الباقون على وجوههم، فصرف الخبيث جيشه حينئذ عن البصرة (2)
فلما أخرب البصرة انتسب إلى يحيى بن زيد وذلك لمصير جماعة من العلويين إليه، وكان فيهم علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد وجماعة من نسائهم فترك الانتساب إلى عيسى بن زيد وانتسب إلى يحيى بن زيد.
قال القاسم بن الحسن النوفلي : كذب إن يحيى لم يعقب غير بنت ماتت وهي ترضع .
.فحكى قوم عن الخبيث أنه لما بلغه عظيم ما فعل أصحابه بالبصرة وكثرة ما سفک من الدماء، وخَرَّبَ وأفسد . هاله ذلك .
وكان أمراً فظيعاً هائلاً ادعى أنه دعاء عليهم، فرأى خيلاً بين السماء والأرض، وقد حفظوا أيديهم اليسرى ورفعوا إليهم اليمنى.
قال : فعلمت أن الملائكة تتولى إخرابها دون أصحابي، ولو كان أصحابي يتولون ذلك لما بلغوا هذا الأمر العظيم المفرط (3)
وفيها في ذي القعدة :
أمر المعتمد محمداً المولد بالمسير إلى البصرة لحرب الزنج ، فسار فنزل الأبلة، وجاء بريه فنزل البصرة، واجتمع إليه من أهلها خلق كثير .
فسير العلوي إلى حرب المولد يحيى بن محمد، فسار إليه فقاتله عشرة أيام، ثم وَطن المولد نفسه على المقام . فكتب العلوي إلى يحيى يأمره بتبييت المولد، ووجه إليه الشذاوات مع أبي الليث الأصبهاني ،قبيته ونهض المولد، فقاتله تلك الليلة، ومن الغد إلى العصر، ثم انهزم عنه .
ودخل الزنج عسكره فغنموا ما فيه، فاتبعه يحيى إلى الجامدة، فأوقع بأهلها ونهب تلك القرى جميعها، وسفك ما قدر عليه من الدماء، ثم رجع إلى نهر معقل.
وفي هذه السنة :
قصد الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان جرجان واستولى عليها .
وكان محمد بن طاهر أمير خراسان، ولما بلغه ذلك من عزم الحسن على قصد جرجان قد جهز العساكر وأنفق عليها أموالاً كثيرة وسيرها إلى جرجان لحفظها .
فلما قصدها الحسن لم يقوموا له وظفر بهم وملك البلد وقتل كثيراً من العساكر، وغنم هو وأصحابه ما عندهم.
وضعف حينئذٍ محمد بن طاهر وانتقض عليه كثير من الأعمال التي كان يحيى يجبي خراجها إليه، فلم يبق في يده إلا بعض خراسان، وأكثر ذلك مفتون منتقض بالمتغلبين في نواحيها، والشراة الذين يعيثون في عمله فلا يمكنه دفعهم، فكان ذلك سبب تغلب يعقوب الصفار على خراسان كما نذكره سنة تسع وستين ومائتين إن شاء الله تعالى .
وفيها : أخذ محمد المولد سعيد بن أحمد بن سعيد الباهلي وكان قد تغلب على البطائح، وأفسد الطريق وحمل إلى سامرا فضرب ستمائة سوط فمات وصلب ميتاً وحج بالناس الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي.
وفيها :
وثب بَسِيل المعروف بالصقلبي، وإنما قيل له الصقلبي وهو من بيت المملكة لأن أمه صقلبية - على ميخائيل بن توفيل ملك الروم - فقتلهم .
وكان ملك ميخائيل أربعاً وعشرين سنة وملك بسيل الروم .
وفيها : أقطع المعتمد مصر وأعمالها لياركوج التركي، فأقر عليها أحمد بن طولون.
وفيها: فارق عبد العزيز بن أبي دلف الري من غير خوف وأخلاها، فأرسل إليها الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان القاسم بن علي بن القاسم بن علي العلوي المعروف بدليس، فغلب عليها فأساء السيرة في أهلها جداً، وقلعوا أبواب المدينة، وكانت من حديد وسيرها إلى الحسن بن زيد وبقي كذلك نحو ثلاث سنين . وفيها : خرج علي بن مساور الخارجي وخارجي ! اسمه طوق من بني زهير فاجتمع إليه أربعة آلاف فسار إلى أذرمة، فحاربه أهلها فظفر بهم فدخلها بالسيف، وأخذ جارية بكراً فجعلها فيئاً وافتضها في المسجد .
فجمع علية الحسن بن أيوب بن أحمد العدوي جمعاً كثيراً فحاربه، فقتله وقطع رأسه وأنفذه إلى سامرا .
وفيها : قتل محمد بن خفاجة أمير صقلية قتله خدمه نهاراً، وكتموا قتله، فلم يعرف إلا من الغد وكان الخدم الذين قتلوه قد هربوا فطلبوا فأخذوا وقتل بعضهم.
ولما قتل استعمل محمد بن أحمد بن الأغلب على صقلية أحمد بن يعقوب بن المضاء بن سلمة، فلم تطل أيامه ومات سنة ثمان وخمسين ومائتين.
وفيها : توفي الحسن بن عمر العبدي، وكان مولده سنة خمسين ومائة بسر من رأى .
وفيها : توفي أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي اللغوي من كبارهم وروى عن الأصمعي وغيره.
وفيها: توفي محمد بن الخطاب الموصلي، وكان من أهل العلم والزهد.
.وفيها : في ربيع الأول ](1)عقد المعتمد لأخيه أبي [122/ب] أحمد على ديار مصر وقنسرين (2)، والعواصم ، وخلع عليه وعلى مفلح وشخصا إلى البصرة لقتال الخبيث .
وظفر الخبيث بمنصور بن جعفر بعد قتال عظيم وبعدما جاهد منصور جهاداً شديداً فقتله وعامة من معه ولما شخص أبو أحمد ومفلح لحرب الخبيث، تجهز الجيش بآلة وعدة لم ير مثله . وحكى ناس من أهل بغداد الذين شاهدوا الجيوش أنهم ما رأوا ولا سمعوا بمثل ذلك الجيش كثرة وقوة وآلة وسلاح وتبعهم خلق عظيم من متسوقة بغداد. وكان أصحاب الخبيث متفرقين في النواحي قد استكانوها فليس مع الخبيث يومئذ إلا القليل من أصحابه، وهو على ذلك حتى وافاه أبو أحمد في جيشه ومعه مفلح فورد على الخبيث أمر هائل لم يرد مثله وهرب من كان من أصحابه بنهر معقل فلحقوا به مرعوبین .
فدعا الخبيث رئيسين من رؤساء عسكره ممن هرب من نهر معقل فقال لهما ما الذي دعاكما إلى الإخلال بموضعكما؟
فقالا: رأينا شيئاً لم نر ،مثله، ووصفا عظم ذلك الجيش، وعدتهم وكثرتهم .
فوجه الخبيث من يأتيه بخبر الجيش وخبر من يقوده .
فرجعت رسله بتعظيم الأمر وتفخيمه، ولم يقدروا أن يقفوا على خبر يقوده، فازداد ذلك في جزعه، وبادر الرسل إلى علي بن أبان تستدعيه ومن معه من الجيش.
وورد العسكر مع أبي أحمد فأناخ بإزائه .
واستدعى الخبيث دواة وقرطاساً ليكاتب علي بن أبان ويستعجله، فإنه في ذلك فأتاه المكتبي بأبي دلف - وهو من قواد السودان - يخبره أن القوم قد صعدوا، وانهزم عنهم الزنج فليس في وجوههم من يردهم.
فصاح به وانتهره وقال : اغرب عني فقد دخلك الجزع وانخلع قلبك، فلست تدري ما تقول .
وقد كان أمر جعفر السجان بالنداء في الزنج وتحريكهم للخروج إلى موضع الحرب.
فأتاه السجان فأخبره أنه ندب الزنج فخرجوا وظفروا ( . . . )(1).
فأمره بالرجوع لتحريك الرجالة، فرجع ولم يلبث إلا يسيراً حتى أصيب مفلح بسهم غرب لا يعرف الرامي له فوقعت الهزيمة وكثر الزنج وفروا على محاربتهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة.
ووافى الخبيث ( . . . . )(2)قابضين عليها بأسنانهم حتى ألقوها بين يديه فكثرت الرؤوس يومئذٍ حتى ملأت كل شيء.
وأُتي الخبيث بأسير من أبناء الفراغنة، فسأله عن الجيش، فأعلمه بمكان أبي أحمد الموفق، ومفلح فارتاع لذكر الموفق .
وكان إذا راعه أمر كذب ،به فقال كذبت ليس غير مفلح، ولو كان في هذا الجيش غير من ذكر هذا الأسير لكان صوته ، أبعد، ولما كان مفلح إلا تابعاً له، وأنا لست اسمع إلا باسم مفلح .
وأمر بتثبت مفلح إن [كان](3)مات .
ووافي علي بن أبان في أصحابه، وقد استغنى عنه.
وهرب أبو أحمد الموفق إلى الأبلة فأخذ يجمع من فرقت الهزيمة، وتجدد الاستعداد، ثم مضى إلى نهر الأسد.
وكان الخبيث لا يدري كيف قتل مفلح فلما بلغه أنه أصيب بسهم ولم ير أحداً تنحلة ادعی أنه هو كان الرامي له .
فسمعه من يقول سقط بين يدي سهم فأمرت خادمي رافعاً أن يرفعه إليّ، فرميت به مفلحاً فأصبته، وكانت الهزيمة.
قال محمد بن الحسن وكذب فإني كنت حاضراً، وما زال عن فرسه حتى أتاه خبر الهزيمة، وأتى بالرؤوس .
وفيها : أسر محمد بن يحيى البحراني قائد الزنج ، وذاك أنه وافى نهر العباس فلقيه بفوهة النهر ثلاثمائة وسبعون فارساً من أصحاب العامل بالأهواز (4).
فاستقلهم وكان هو في جمع عظيم فترك الاستعداد وصفوهم حتى أكثروا فيهم الجراح.
وكان بلغ أبا أحمد خبرهم، فأنفذ طاشتم التركي في جيش، فلما أشرفوا عليهم ألقى الزنج نفوسهم في الماء، وبقي يحيى في بضعة عشر رجلاً .
فنهض يحيى عند ذلك، فأخذ درقته وسيفه واحتزم بمنديل، وتلقى القوم بمن معه فرشقهم أصحاب طاشتم بالسهام فخرج البحراني ثلاثة أسهم .
ولما رآه أصحابه جريحاً تفرقوا عنه ولم يعرف ولم يعرف .
فرجع حتى دخل سفينة وعبر بها إلى ناحية أصحابه .
فلما رآه الزنج مثقلاً بالجراحات ضعفت قلوبهم فتركوا القتال وهربوا وقتل منهم خلق كثير .
وحاز أصحاب السلطان الغنائم التي كانت في السفن .
ومشى يحيى البحراني وهو مثخن حتى ألقى نفسه في موضع وبات ليلة ومعه عبّاد المتطيب فنهض عباد لما أصبح وجعل يمشي متشوقاً لأن يرى إنساناً، فرأى بعض أصحاب السلطان فأشار إليهم، فأخبرهم بمكان يحيى، وأتاه سلمه إليهم، وانتهى خبره إلى صاحب الزنج، فاشتد جزعه وعظم عليه توجعه .
ثم حمل يحيى البحراني إلى أبي أحمد الموفق فحمله إلى سُرَّ مَنْ رأى إلى المعتمد بباركة بالحير في مجرى الحلية (1)، ثم رفع للناس حتى أبصروه، ثم ضرب مائتي سوط ، ثم قطعت يداه ورجلاه ، ثم خبط بالسيوف، ثم ذبح وأحرق .
ولما بلغ خبره صاحب الزنج قال : كان عظم عليّ ما أصابه واشتد اهتمامي به فخوطبت وقيل لي قتله خير لك إنه(2)كان شرهاً .
ثم حكي عنه حكايات في غنائم خان ،فيها فاطلع عليها فوهبها له.
وكانوا (3)يحكون عنه أنه كان يقول : عرضت علي النبوة فأبيتها.
فقيل له : ولِمَ؟
قال : لأن لها أعباء (4)خفت أن لا أطيقها.
وفي هذه السنة : انحاز أبو أحمد الموفق من قرب الزنج إلى واسط.
ذكر السبب في ذلك
كان السبب في ذلك أن الموفق لما سار إلى نهر أبي أسد (1)كثرت العلل في أصحابه، وفشا فيهم الموت، فلم يزل مقيماً حتى أمل من نجا من الموت، ثم انصرف إلى بَاذَا 1/12] وَرْد (2)فعسکر به .
ثم أمر بتجديد الآلات، وأعطى من معه الأرزاق وأصلح الشذاوات(3)
وأبو أسد أحد قواد المنصور كان وُجه إلى البصرة أيام مقام عبد الله بن علي بن عبدالله بن العباس عم المنصور بها فحفر بها النهر المعروف بأبي أسد وقيل : بل أقام على فم النهر لأن السفن لم تدخله لضيقه فوسعه حتى دخلته فنسب إليه وكان محفوراً قبله .
، والمعابر وشحنها بالقواد فنهض يريد عسكر الخبيث وأنفذ قوماً إلى نهر أبي الخصيب (4)واسم أبي الخصيب : مرزوق
.فمال أكثر الناس حين وقعت الحرب إلى نهر أبي الخصيب، وتأمل الزنج قلة من هو في جانب أبي أحمد الموفق فأكبوا عليه وكثر القتل في الجانبين .
ثم سار أحمد الموفق إلى شذات وتوسط الحرب وحرض أصحابه فكثر عليه الزنج، وعلم أنه لا طاقة له بهم، وانقطع عنه جماعة حجز الزنج بينه وبينهم واقتطعوهم عنه .
فقاتلوا قتالاً شديداً ، ثم قتلهم الزنج بأسرهم وانصرف القوم إلى باذاورا، وحملت الرؤوس إلى صاحب الزنج فزاد ذلك في عتوه .
فأقام الموفق بعض أصحابه للرجوع إلى الزنج(5).
فوقعت نار في طرف من أطراف عسكره وذلك في عصوف الرياح فاحترق العسكر.
ورحل أبو أحمد الموفق إلى واسط، فلما صار إلى واسط تفرق عنه من بقي معه وتشتت ذلك الجمع العظيم (6)
ثم ذكر ابن الأثير من أحداث تلك السنة، والتي لم تذكر هنا ما يلي :وفيها : وقع الوباء في كور دجلة فهلك منها خلق كثير ببغداد، وواسط، وسامرا وغيرها.
وفيها: قتل سرسجارس ببلاد الروم مع جماعة كثيرة من جماعة كثيرة من أصحابه .
وفيها: كانت هدة عظيمة هائلة بالصيمرة، ثم سمع من غد ذلك اليوم هدة أعظم من الأولى، أكثر المدينة، وتساقطت الحيطان وهلك من أهلها زهاء عشرين ألفاً .
وفيها: مات ياركوج التركي في رمضان وصلى عليه أبو عيسى بن المتوكل، وكان صاحب مصر ،ومقطعها، ويدعى له فيها قبل أحمد بن طولون فلما توفي استقل أحمد بمصر.
وفيها: كانت وقعة بين أصحاب موسى بن بُغا وأصحاب الحسن بن زيد العلوي فانهزم أصحاب
الحسن .
وفيها : أسر مساور البلخي جماعة من أصحاب مساور الشاري. وسار مسرور إلى البواريج فلقي مساوراً هناك فكان فيها بينهما وقعة أسر فيها من أصحاب مسرور جماعة.
ثم انصرف في ذي الحجة إلى سامرا واستخلف على عسكره بحديثة الموصل جعلان.
وفیها:رجع أكثر الناس من القرعاء خوف العطش وسلم من سار إلى مكة .
وحج بالناس : الفضل بن إسحاق بن الحسن .
وفيها : أوقع بأعراب بتكريت كانوا أعانوا مساوراً الشاري.
وفيها : أوقع مسرور البلخي بالأكراد اليعقوبية فهزمهم وأصاب فيهم.
وفيها : صار محمد بن واصل في طاعة السلطان وسلم فارس إلى محمد بن الحسن بن أبي الفيض.
وفيها: أسر جماعة من الزنج كان فيهم قاض كان يقضي لهم بعبادان فحملوا إلى سامرا فضربت
أعناقهم .
وفيها: توفي محمد بن يحيى بن عبد خالد الذهلي النيسابوري وله مع البخاري حادثة
بن ظلمه بها حسداً له، ليس هذا مكان ذكرها (1) .
وفيها: توفي يحيى بن معاذ الرازي الواعظ في جمادى الأولى، وكان عابداً صالحاً صحب أبا يزيد وغيره .
.1) قال ياقوت هو أحد شعوب دجلة بين المذار ومطارة في طريق البصرة، ويصيب هناك في دجلة العظمى، ومأخذه أيضاً من دجلة قرب نهر دقلة .
2) باذَوَرْد: اسم مدينة كانت قرب واسط بينها وبين البصرة وقد خربت وإلى هذه الغابة يسمون دجلة البصرة العظمى باذورد تسميه بهذا الموضع والله أعلم.
3) معدات أو قوارب لنقل الجنود من شط إلى آخر .
4) قال ياقوت أيضاً بالبصرة وكان مولى لأبي جعفر المنصور أقطعه إياه.
5) في الكامل : وهي مائة رأس وعشرة أرؤس.
6) في الكامل : فسار منها إلى سامرا واستخلف على واسط لحرب العلوي محمد بن المولد.
وفيها: انصرف أبو أحمد بن المتوكل من واسط إلى سُرَّ مَنْ رأى على حرب الخبيث أحمد المولد .
وكان خفي على صاحب الزنج أمر الطريق الذي فيه (1)أصحاب أحمد فلم يعرف خبره إلا بعد ثلاثة أيام.
فوجه علي بن أبان وضم إليه أكثر الجيش الذي يلقب (2)يحيى بن محمد إلى الأهواز وبها رجل [ يدعى](3)ب- اصعجور يتولى حربها ومعه ثيرك (4)في جماعة من القواد.
فلما التقى العسكران (5)لم يثبت القوم للزنج لما استشعر من الرعب، فانهزم
اصعجور، وقتل ثيرك، وأسر خلق من القواد فيهم الحسن بن هرثمة.
وقتل من الجند عدد كثير (1)وحملت الرؤوس إلى صاحب الزنج، وكتب علي بن أبان بالفتح وحمل أعلاماً كثيرة وأسرى ودخل علي بن أبان الأهواز وأقام بها يعيش ويحيى إلى أن ندب السلطان موسى بن بغا لحرب الخبيث. فلما شخص موسى وشيعه المعتمد وأخرج عبد الرحمن بن مفلح إلى الأهواز.
وأشخص إسحاق بن كنداجيق إلى البصرة وإبراهيم بن سيما إلى باداورد كلهم من قبل موسى لحرب صاحب الزنج (2).
فأما عبد الرحمن بن مفلح فإنه وافى قنطرة أزبق (3)
عربية فيما أحسب لأنها جاءت في الشعر القديم قال طرفة :
كقنطرة الرومي أقسم ربها ***لتكتنفن حتى تشاد بقرمد
وقال اللغويون : هو أزج يبني بآجر أو حجارة على الماء يُعبر عليه .
وأما أربق فهي أعجمية مفتوحة، ثم راء ساكنة وباء موحدة مضمومة، وقاف.
وقد روى أربك بالكاف وقد ذكر في موضعه .
وكان قال في حرف الألف من معجمه عند ذكره لأربك من نواحي الأهواز بلد وناحية ذات قرى ومزارع وعنده قنطرة مشهورة لها ذكر في كتب السير وأخبار الخوارج وغيرها. فتحها المسلمون عام سبعة عشر في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قبل نهاوند.
وكان أمير جيش المسلمين النعمان بن مقرن المزني، وقد قال في ذلك :
عوت فارس واليوم حام أواره*** بمحتفل بين الدكاك وأربك*** فلا غرو إلا حين ولوا وأدركت*** جموعهم خيل الرئيس ابن أرمك*** وأفلتهن الهرمزان موابلا ***به ندب من ظاهره اللون أعتك
وأقام عشرة أيام، ثم واقع المهلبي فهزمه فانصرف واستعد ثم عاد لمحاربته، فأوقع به وقتل من الزنج قتلاً ذريعاً وانهزم علي بن أبان بمن معه من الزنج إلى بيان وكان إبراهيم بن سيما بالباذاورد فقصده. وكان المهلبي سار يريد الموضع المعروف بالدكة (4)الدكة موضع بظاهر دمشق في الغوطة . والله أعلم بالصواب.
، فواقعه إبراهيم فهزمه، وانتهى خبر هزيمته إلى عبد الرحمن فوجه إليه طاشتم(5)في جمع من الموالي فلم يصل إلى المهلبي لأنه كان سلك طريق الآجام، والأدغال، والقصب.فأضرمت عليهم ناراً فخرجوا منه هاربين وأسر منهم قوماً .
وسار المهلبي إلى نهر السدرة وكتب إلى صاحبه يستمده (1)ويسأله التوجه إليه بالشذاوات (2)
قال ابن بري : الشذاة ضرب من السفن، والجمع شذوات .
.فوجه إليه : ثلاث عشرة شذاوات فيها جمع كثير من المقاتلة.
فسار المهلبي حتى وافى عبد الرحمن، فلم يكن بينهما قتال، وتوافق الجيشان يومهما فلما كان الليل انتخب المهلبي جماعة يثق بهم ويجلدهم وسيرهم ونزل عسكره بمكانه ليخفي أمره ومضى حتى صار من وراء عبد الرحمن ثم بيته فقتل وانتهب وهزم عبد الرحمن حتى وافى الدولاب (3)
الدولاب : في في عدة مواضع منها دولاب مبارك في شرقي بغداد . . .
ودولاب من قرى الري ...
ودولاب الخازن موضع نسب أبو سعد السمعاني إليه أبا محمد أحمد بن محمد بن الحسن الخرقي يعرف بأحمد جنية الدولابي. قال: توفي بهذا الدولاب في جمادى الآخرة سنة
...(546)
ودولاب أيضاً قرية بينها وبين الأهواز أربعة فراسخ كانت بها وقعة بين أهل البصرة وأميرهم مسلم بن عيسى بن كريز بن حبيب بن عبد شمس وبين الخوارج .
.ثم أعد رجالاً وولى عليهم ،طاشتم، فوافوه، وأوقعوا به، وهزموه إلى نهر المدرة (4)، ثم سار إليهم طاشتم بنهر المدرة (5)، فأوقع به وانهزم علي إلى الخبيث .
مغلولاً قد أخذت شداته وغنم عساكره .
وكان عبد الرحمن بن مفلح، وأحمد بن سيما يتناوبان (6)المسير إلى الخبيث، وإسحاق بن كنداجيق يومئذ بالبصرة مقيم (7)
يتناوبان المسير إلى عسكر الخبيث فيوقعان به وإسحاق بن كنداجيق بالبصرة وقد قطع الميرة عن الزنج.
وكان صاحبهم يجمع أصحابه يوم محاربة عبد الرحمن ،وإبراهيم، فإذا انقضى الحرب سَيّر طائفة منهم إلى البصرة يقاتل بهم إسحاق، فأقاموا كذلك بضعة عشر شهراً إلى أن صرف موسى بن بُغا عن حرب الزنج ووليها مسرور البلخي، فانتهى الخبر بذلك إلى الخبيث.
.وأقاموا كذلك بضعة عشر شهراً إلى أن انصرف موسى بن بُغا عن حرب الخبيث وولى مسروراً البلخي .
1) في المخطوط : يستمره وهو تحريف .
2) في المخطوط بالشذاة وهو تحريف وقال صاحب اللسان الشذا شجر ينبت بالسراة يتخذ منه المساويك، وله صمغ والشذا ضرب من السفن، الواحدة شذاة.
3) قال ياقوت في معجم البلدان
4) كذا في المخطوط، وفي الكامل نهر السدرة، ولم أقف على أيا منهما في معجم البلدان .
5) كذا في المخطوط، وفي الكامل نهر السدرة، ولم أقف على أيا منهما في معجم البلدان .
6) هذه الكلمة في المخطوط مختلطة المداد وأتممتها أو استوضحتها من الكامل.
7) في الكامل : بعدها أوضح مما هنا إذ يقول :
وفيها: دخل يعقوب بن الليث نيسابور (1)
وفيها في شوال دخل يعقوب بن الليث نيسابور، وكان سبب مسيره إليها أن عبد الله السجزي كان ينازع يعقوب بسجستان فلما قوي عليه يعقوب هرب منه إلى محمد بن طاهر فأرسل يعقوب يطلب من ابن طاهر أن يسلمه إليه، فلم يفعل فسار نحوه إلى نيسابور، فلما قرب منها وأراد دخولها، ووجه إليه محمد بن طاهر .
.ذكر أن يعقوب بن الليث سار إلى هراة، ثم قصد نيسابور فلما قرب منها، وجه إليه محمد بن طاهر يستأذنه في تلقيه، فلم يأذن له .
فبعث بعمومته وأهل بيته يتلقونه، ثم دخل نيسابور، فنزل طرفاً من أطرافها يعرف بدار داباذ.
فركب إليه محمد بن طاهر فدخل إليه في مضربه فسأله، ثم أقبل على توبيخه وتفريطه في عمله وقال :
مثلك لا يكمل لتدبير ،خراسان وأمر بالتوكيل به وصرفه وحبسه وولّى عزيراً نيسابور وقبض على أهل بيت طاهر .
وورد الخبر بذلك على السلطان، ووردت رسل يعقوب على المعتمد، فجلس له جعفر المعتمد وأبو أحمد الموفق، وحضر القواد وأذن لرسول يعقوب .
فذكر رسول يعقوب ما لا يزال يتناهى إلى يعقوب من حال أهل خراسان من (2)الشراة والخارجين عليهم حتى قد غلبوا عليها وضعف محمد بن طاهر عن ضبطها ومكاتبة أهل خراسان يعقوب ومسألتهم إياه أن يقدم عليهم واستعانتهم به، وأنه سار إليها فتلقاه أهلها على عشرة فراسخ وسلموها إليه وأحضروا رأساً على قناة فيه رقعة مكتوب فيها :
هذا رأس عدو الله الخارجي بهراة ينتحل الخلافة منذ ثلاثين سنة فقتله يعقوب بن الليث (3)
وكان بعض خاصة محمد بن طاهر، وبعض أهله لما رأوا إدبار أمره وقد مالوا إلى يعقوب، فكاتبوه واستدعوه وهونوا على محمد أمر يعقوب من نيسابور فأعلموه أنه لا خوف عليه منه، وتبطوه عن التحرز منه .
فركن محمد إلى قولهم حتى قرب يعقوب من نيسابور فوجه إليه قائداً من قواده يطيب قلبه وأمره بمنعه عن الانتزاح عن نيسابور إن أراد ذلك.
ثم وصل يعقوب إلى نيسابور رابع شوال وأرسل أخاه عمرو بن الليث إلى محمد بن طاهر، فأحضره عنده فقبض عليه وقيده وعنفه على إهماله وعجزه عن حفظه.
ثم قبض على جميع أهل بيته وكانوا نحواً من مائة وستين رجلاً، وحملهم إلى سجستان واستولى على ،خراسان ورتب في الأعمال نوابه .
وكانت ولاية محمد بن طاهر إحدى عشر سنة وشهرين وعشرة أيام.
ثم ذكر ابن الأثير عدة حوادث لم تذكر هنا حدثت في هذه السنة فقال :
وفيها: عاد ابن الصوفي العلوي وظهر بمصر، وقد ذكرنا سنة ست وخمسين ظهوره وهربه إلى الواحات، فأحم نفسه ودعا الناس إلى نفسه فتبعه خلق كثير وسار بهم إلى الأشمونين، فوجه إليه جيش عليه قائد يعرف بابن أبي الغيث فوجده قد أصعد إلى لقاء أبي عبد الرحمن العمري وسنذكره بعد هذا.
فلما وصل العلوي إلى العُمري التقيا فكان بينهما قتال شديد أجلت الوقعة عن انهزام العلوي، فولى منهزماً إلى أسوان فعاث فيها، وقطع كثيراً من نخلها .
فسير إليه ابن طولون جيش وأمرهم بطلبه أين كان .
وسار الجيش في طلبه فولى هارباً إلى عيذاب وعبر البحر إلى مكة وتفرق أصحابه فلما وصل إلى مكة بلغ خبره إلى واليها فقبض عليه، ثم سَيْره إلى ابن طولون، فلما وصل إلى مصر أمر به فطيف به في البلد، ثم سجنه مدة وأطلقه، ثم رجع إلى المدينة، فأقام بها إلى أن مات . ذكر حال أبي عبد الرحمن العمري.
قد تقدم ذكر أبي عبد الرحمن العمري واسمه عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب .
وكان سبب ظهوره بمصر : أن البجاة أقبلت يوم العيد فنهبوا وقتلوا، وعادوا غانمين، وفعلوا ذلك مرات . فخرج هذا العمري غضباً لله وللمسلمين، وكمن لهم في طريقهم، فلما عادوا خرج عليهم، وقتل مقدمهم ومن معه ودخل بلادهم فنهبها وقتل فيهم فأكثر ونهبوا ما لا يحصى، وتابع عليهم الغارات حتى أدوا إليه الجزية، ولم يفعلوها قبل ذلك .
واشتدت شوكة العمري وكثر ،أتباعه فلما بلغ خبره ابن طولون سَيَّر إليه جيشاً كثيفاً فلما التقوا تقدم العُمري وقال لمقدم الجيش : إن ابن طولون لا يعرف خبري لأشك على حقيقته فإني لم أخرج للفساد ولم يتأذ بي مسلم ولا ذمي وإنما خرجت طلباً للجهاد فاكتب إلى الأمير أحمد عرفه كيف حالي؟
فإن أمرك بالانصراف فانصرف وإلا فإن أمرك بغير ذلك كنت معذوراً.
فلم يجبه إلى ذلك وقاتله فانهزم جيش ابن طولون، فلما وصلوا إليه أخبروه بحال العمري. فقال : كنتم أنهيتم حاله إليَّ، فإنه نصر عليكم ببغيكم وتركه .
فلما كان مدة وثب على العمري غلامان له فقتلاه وحملا رأسه إلى أحمد بن طولون، فلما حضرا عنده سألهما عن سبب قتله فقالا : أردنا التقرب إليك بذلك .
فقتلهما، وأمر برأس العُمري فغسل وكفن ودفن . وفي هذه السنة سار محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس إلى طليطلة فنازلها وحصرها، وكان أهلها قد خالفوا عليه وطلبوا الأمان فأمنهم، وأخذ رهائنهم .وفيها: خرج أهل طليطلة إلى حصن سكيان وكان فيه سبعمائة رجل من البربر، وكان أهل
طليطلة في عشرة آلاف فلما التحمت بينهم الحرب انهزم أحد مقدمي أهلها - وهو عبد الرحمن بن حبيب - فتبعه أهل طليطلة في الهزيمة.
وإنما انهزم لعداوة كانت بينه وبين مقدم آخر اسمه طريشة من أهل طليطلة، فأراد أن یوهنه بذلك، فلما انهزموا قتلوا البرقيل .
وفيها : عاد عمرو بن عمروس إلى طاعة محمد بن عبد الرحمن وكان مخالفاً عليه عدة سنين فولى مدينة أمشقة، وحصن محمد حصون بني موسى ثم تقدم إلى بنبلونه فوطئ أرضها وعاد .
وفيها: سارت سرية من المسلمين إلى مدينة سرقوسة فصالحوا أهلها على أن يطلقوا الأسرى الذين كانوا عندهم من المسلمين ثلاثمائة وستين أسيراً. فلما أطلقوهم عادت عنهم . وفيها : قتل كيجور، وكان سبب قتله أنه كان على الكوفة، فسار عنها إلى سامرا بغير إذن، فأُمر بالرجوع، فأبى، فحمل إليه مال ليفرقه في أصحابه، فلم يقنع به، وسار حتى عكبرا، فوجه إليه من سامرا عدة من القواد فقتلوه وحملوا رأسه إلى سامرا .
وفيها : غلب شركب الحمار على مرو وناحيتها ونهبها .
وفيها انصرف يعقوب بن الليث عن بلخ فأقام بقهستان وولى عماله هراة وبوشنج وباذغيس وانصرف إلى سجستان .
وفيها :فارق عبد الله السجزي يعقوب وحاصر نيسابور وبها محمد بن طاهر قبل أن يملكها يعقوب بن الليث فوجه محمد بن طاهر إليه الرسل والفقهاء فاختلفوا بينهما، ثم ولاه الطبسين . وقهستان.
وفيها: غلب الحسن بن زيد على قومس ودخلها أصحابه .
وفيها: كانت وقعة بين محمد بن الفضل بن بيان ووهسوذان بن جستان الديلمي، وانهزم وهسودان وفيها : نزلت الروم على سميساط، ثم نزلوا على ملطية، وقاتلهم أهلها فانهزمت الروم ، وقتل بطريق البطارقة .
وحج بالناس : إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبدالله بن عباس المعروف ب- : برية .
وفيها : مات محمد بن يحيى بن موسى أبو عبد الله بن أبي زكريا الإسفرائيني المعروف بابن حيويه . ومحمد بن عمروس بن يونس بن عمران بن دينار الكوفي الثعلبي ، وكان شيعيا ضعيف الحديث .
وفيها: توفي أبو الحسن بن علي بن حرب الطائي الموصلي، وكان محدثاً، وممن روى عنه : أبوه علي بن حرب.
.1) في الكامل يبدأ ابن الأثير الخبر بذكر السبب في ذلك وتاريخه فيقول :
2) في المخطوط (في). وهو تحريف .
3) قال صاحب الكامل بعد أن ذكر نحواً من هذا الكلام :وقيل: كان سبب ملك يعقوب نيسابور ما ذكرناه سنة سبع وخمسين من ضعف محمد بن طاهر أمير ،خراسان فلما تحقق يعقوب ذلك وأنه لا يقدر على الدفع سار إلى نيسابور، وكتب إلى محمد بن طاهر يعلمه أنه عزم على قصد طبرستان ليمضي ما أمره الخليفة في الحسن بن زيد المتغلب عليها وأنه لا يعرض لشيء من عمله ولا إلى أحد أصحابه .
فتكلم أبو أحمد، وعبيد الله بن يحيى وقالا : أرسل يعقوب أن أمير المؤمنين لا يقار يعقوب على ما فعل وهو يأمره بالانصراف إلى العمل الذي ولاه إياه، فليرجع فإنه إن فعل كان من الأولياء وإلا لم يكن له إلا ما للمخالفين.
وصرف رسله وخلع عليهم .
[123 / ب] وفيها : قتل صاحب الزنج صاحب الكوفة علي بن زيد العلوي (1)وفيها : واقع يعقوب بن الليث [ الحسن بن زيد العلوي] (2)بطبرستان فهزمه وكان ليعقوب بها ظفر ومحنة .
ذكر السبب في ذلك
كان السبب في ذلك أنه كان بسجستان رجل يعرف بعبد الله [السجزي](1)رئيس ينافس يعقوب فقهره يعقوب فهرب منه إلى محمد بن طاهر نيسابور .
فلما ملك يعقوب نيسابور هرب عبد الله فلحق بالحسن بن زید [ بطبرستان](2)
هي مدينة بطبرستان وهي في الإقليم الرابع .
قال البلاذري کور طبرستان ثمان ،كور سارية وبها منزل العامل أيام الطاهرية، وكان العامل قبل ذلك في آمل وجعلها أيضاً الحسن بن زيد ومحمد بن زيد العلويان دار إقامتهما . وبين سارية والبحر ثلاثة فراسخ وبين سارية وآمل ثمانية عشر فرسخاً، والنسبة إليها سارتي و طبرستان هي مازندان .
قال محمد بن طاهر المقدسي : ينسب إلى سارية طبرستان سَرَوِي.
فشخص يعقوب في طلبه فلما سار قرب سارية (2) لقيه الحسن بن زيد، وكان يعقوب بعث إليه أن يوجه بعبد الله السجزي حتى ينصرف عنه، فإنه إنما قصد طبرستان لأجله لا لحربه .فأبى الحسن تسليمه إليه، فلما التقى عسكرهما لم يكن إلا كلاكلا ولا حتى انهزم إلى أرض الديلم.
ودخل يعقوب ،سارية، ثم مضى منها إلى آمل فجبّى أهلها خراج سنة .
ثم شخص في طلب الحسن بن زيد فلما صار في بعض جبال طبرستان تتابعت عليه الأمطار نحواً من أربعين يوماً، فلم يتخلص منه إلا بمشقة شديدة، ولم يمكنه النزول إلا على ظهور الرجال. وهلك ما معه من الظهر. ثم رام الدخول خلف الحسن بن زيد فأخبر بعض من شاهده : أنه كان يقدم عسكره وأمرهم بالوقوف ليتأمل الطريق.
فلما رآه عاد إلى أصحابه وأمرهم بالانصراف وقال : إن لم يكن إليه طريق غير هذا فلا طريق إليه
وكان نساء تلك الناحية قلن لرجالهن : دعوه يدخل، فإنه إن دخل كفيناكم، وعلينا أخذه وأخذ من معه .
وقد ذهب معظم خيله وإبله وأثقاله ورجاله وكتب إلى السلطان بفتح طبرستان، وهزيمة الحسن بن زيد.
وسار يعقوب إلى الري وبها الصَّلاني من قبل موسى بن بغا.
ذكر السبب في مسيره
كان سبب مسيره إلى الري : أن عبد الله السجزي سار بعد هزيمة الحسن بن زيد إلى
الري مستجيراً بالصَّلاني، فلما سار يعقوب إلى جوار الري كتب [يُخَيْرَهُ](1)بين تسليم عبد الله السجزي إليه حتى ينصرف عنه ويرتحل إلى عمله، وبين أن يأذن بحربه؟ فاختار الصَّلاني تسليم عبد الله السجزي، فسلمه فقتله يعقوب وانصرف عن الصَّلاني (2)
ذكر الفتنة بالموصل وإخراج عاملهم
كان الخليفة المعتمد على الله قد استعمل على الموصل اساتكين - وهو من أكابر قواد الأتراك - فسير إليها ابنه إذ كوتكين في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين ومائتين فلما كان يوم النيروز من هذه السنة وهو الثالث عشر من نيسان فغيره المعتضد بالله ودعا إلى إذكوتكين ووجوه أهل الموصل إلى قبة في الميدان وأحضر أنواع الملاهي وأكثر الخمر وشرب ظاهراً وتجاهر أصحابه بالفسوق وفعل المنكرات وأساء السيرة في الناس .
وكانت تلك السنة برد شديد أهلك الأشجار والثمار والحنطة والشعير وطالب الناس بالخراج على الغلات التي هلكت.
فاشتد ذلك عليهم، وكان لا يسمع بفرس جيد عند أحد إلا أخذه.
وأهل الموصل صابرون إلى أن وثب رجل من أصحابه على امرأة فأخذها في الطريق، فامتنعت
و استغاثت .
فقام رجل اسمه إدريس الحميري وهو من أهل القرآن والصلاح فخلصها من يده، فعاد الجندي إلى إذكوتكين فشكى من الرجل فأحضره وضربه ضرباً شديداً من غير أن يكشف الأمر.
فاجتمع وجوه أهل الموصل إلى الجامع وقالوا: قد صبرنا على أخذ الأموال وشتم الأعراض وإبطال السنن والعسف، وقد أفضى الأمر إلى أخذ الحريم. فأجمع رأيهم على إخراجه والشكوى منه إلى الخليفة .
فبلغه الخبر فركب إليهم في جنده، وأخذ معه النقاطين، فخرجوا إليه وقاتلوه قتالاً شديداً حتى أخرجوه عن الموصل ونهبوا ،داره وأصابه حجر فأثخنه ومضى من يومه إلى بلده، وسار منها
إلى سامرا .
واجتمع الناس إلى يحيى بن سليمان وقلدوه أمرهم، ففعل، فبقي كذلك إلى أن انقضت سنة ستين . فلما دخلت سنة إحدى وستين كتب اساتكين إلى الهيثم بن عبد الله بن المعمر التغلبي، ثم العدوي في أن يتقلد الموصل، وأرسل إليه الخلع واللواء، وكان بديار ربيعة، فجمع جموعاً كثيرة وسار إلى الموصل ونزل بالجانب الشرقي، وبينه وبين البلد دجلة فقاتلوه، فعبر إلى الجانب الغربي وزحف إلى باب البلد، فخرج إليه يحيى بن سليمان في أهل الموصل، فقاتلوه، فقتل بينهم قتلى كثيرة وكثرت الجراحات وعاد الهيثم عنهم .
فاستعمل أساتكين على الموصل إسحاق بن أيوب التغلبي فخرج في جمع يبلغون عشرين إلفاً منهم حمدان بن حمدون التغلبي وغيرهم، فنزل عند الدير الأعلى، فقاتله أهل الموصل، ومنعوه . فيقوا كذلك مدة، فمرض يحيى بن سليمان الأمير، فطمع إسحاق في البلد، وجد في الحرب، فانكشف الناس من بين يديه .
فدخل إسحاق ووصل إلى سوق الأربعاء وأحرق سوق الحشيش .
فخرج بعض العدول اسمه زياد بن عبد الواحد وعلق في عنقه مصحفاً، واستغاث بالمسلمين فأجابوه وعادوا إلى الحرب، وحملوا على إسحاق وأصحابه وأخرجوهم من المدينة. وبلغ يحيى بن سليمان الخبر ، فأمر فحمل في محفّة وجعل أمام الصف.
فلما رآه أهل الموصل قويت نفوسهم واشتد قتالهم ولم يزل الأمر كذلك وإسحاق يراسل :
أهل الموصل ويعدهم الأمان وحسن السيرة .
فأجابوه إلى أن يدخل البلد ويقيم بالربض الأعلى، فدخل وأقام سبعة أيام، ثم وقع بين بعض أصحابه وبين قوم من أهل الموصل ،شر، فرجعوا إلى الحرب، وأخرجوه عنها، واستقر يحيى بن سليمان الموصل .
وفي هذه السنة ظهر موسى بن ذي النون الهواري بشنت ،بريه وأغار على أهل طليطلة، ودخل حصن وليد من شنت بريه فخرج أهل طليطلة إليه في نحو عشرين ألفاً، فلما التقوا بموسى ،واقتتلوا انهزم محمد بن طريشة في أصحابه - وهو من أهل طليطلة - فتبعه أهل طليطلة في الهزيمة، وانهزم معهم مطرف بن عبد الرحمن فعمل ذلك محمد مكافأة لمطرف حين انهزم بالناس في العام الماضي.
وقتل من أهل طليطلة خلق كثير وقوي موسى بن ذي النون وها به من حاذره .
وفي هذه السنة : قتل رجل من أصحاب مساور الشاري محمد بن هارون بن المعمر رأه وهو يريد سامرا فقتله وحمل رأسه إلى مساور.
فطلبت ربيعة بثأره فندب مسرور البلخي وغيره إلى أخذ الطرق على مساور.
وفيها : اشتد الغلاء في عامة بلاد الإسلام فانجلى من أهل مكة كثير ورحل عنها عاملها وهو برية، وبلغ الكر الحنطة ببغداد عشرين ومائة دينار ودام ذلك شهوراً.
وفيها : قتلت الأعراب منجوراً والي حمص واستعمل عليها بكتمر .
وفيها: قتل العلاء بن أحمد الأزدي عامل أذربيجان، وكان سبب قتله : أنه قتله : أنه فلج، فاستعمل الخليفة مكانة أبو الرديني عمر بن علي.
فلما قاربها خرج إليه العلاء فتحاربا فقتل العلاء وانهزم أصحابه وأخذ أبو الرديني ما خلفه العلاء، وكان مبلغه ألفي ألف وسبعمائة ألف درهم.
وحج بالناس : إبراهيم بن محمد بن إسماعيل المعروف ب- : برية، وهو أمير مكة .
وفيها: ظهر بمصر إنسان يكنى أبا روح واسمه سكن - وكان من أصحاب ابن الصوفي - واجتمع له جماعة فقطع الطريق وأخاف السبي
فوجه إليه ابن طولون جيشاً، فوقف أبو روح في أرض كثيرة الشقوق وقد كان بها قمح فحصد
وتراجع وبقي من تبنه على الأرض ما يستر الشقوق، وقد ألفوا المشي على مثل هذه الأرض. فلما جاءهم الجيش لقوهم، ثم انهزم أصحاب أبي روح فتبعهم عسكر ابن طولون، فوقعت حوافر خيولهم في تلك الشقوق، فسقط كثيراً من فرسانها عنها .
أصحاب أبي روح عليهم، فقتلوهم شر قتلة، وانهزم الباقون أسوأ هزيمة. فسير أحمد جيشاً إلى طريقهم إلى الواحات وجيشاً في طلبه .
فلقيه الجيش الذي في طلبه وقد تحصن في مثل تلك الأرض، فحذرها عسكر أحمد فحين بطلت حِيَلَهم انهزموا وتبعهم العسكر، فلما خرجوا إلى طريق الواحات رأى أبو روح الطريق قد ملكت عليهم فراسل يطلب الأمان، فبذل ،له وبطلت الحرب وكفى المسلمون شره. وفيها توفي علي بن محمد بن جعفر العلوي الحماني، وكان يسكن الحمان فنسب إليها .
وفيها : كان بإفريقية وبلاد المغرب والأندلس غلاء ،شديد وعم غيرها من البلاد، وتبعه وباء وطاعون عظيم هلك فيه كثير من الناس.
وفيها: توفي محمد بن إبراهيم بن عبدوس الفقيه المالكي صاحب المجموع في الفقه وهو من أهل أفريقية .
وفيها : مات مالك بن طوق التغلبي بالرحبة - وهو بناها وإليه تنسب .
وفيها: توفي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علی ابن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام.
وهو أبو محمد العلوي العسكري وهو أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية .
وهو والد محمد الذي يعتقدونه المنتظر بسرداب سامرا .
وكان مولده سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
وفيها : توفي أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني الفقيه الشافعي، وهو من أصحاب الشافعي البغداديين .
وفيها توفي حسين بن إسحاق الحكيم الطبيب، وهو الذي نقل كتب الحكماء اليونانيين إلى العربية، وكان عالماً بها .
.وفيها: جمع السلطان حاج خراسان ،والري وطبرستان وجرجان في صفر، وقرأ عليهم كتاب يعلمون فيه :
أن السلطان ما وَلَّى يعقوب بن الليث خراسان وأنه عاص، ويأمرهم بلعنه، وذلكالدخوله خراسان وأمره محمد بن طاهر وآل طاهر .
وفيها : كانت وقعة بين محمد بن ،واصل وبين عبد الرحمن، وطاشتم (1)برامهرمز (2)
ورامهرمز من بين مُدن خوزستان تجمع النخل والجوز والأترنج وليس ذلك يجمع بغيرها من مدن
خوزستان.
، فقتل ابن واصل طاشتم وأسر ابن مفلح .ذكر السبب في ذلك
أن ابن واصل قتل بفارس الحارث بن سيما عامل السلطان، وتغلب عليها .
فضم إلى موسى بن بُغا ،فارس، والأهواز والبصرة واليمامة، إلى ما كان إليه من عمل المشرق .
فوجه موسى عبد الرحمن بن مفلح إلى الأهواز، وولاه إياها، وفارس، وضم إليه طاشتم. فاتصل بابن واصل ذلك، وكان مقيماً بالأهواز على حرب الخارجي بناحية البصرة، فلما بلغه أن ابن مفلح قد توجه إلى فارس فزحف إليه ابن واصل والتقيا برامهرمز .
وانضم أبو داود الصعلوك إلى ابن واصل معيناً له فظفر ابن واصل بابن مفلح، فأسره، وقتل طاشتم، واصطلم (3)عسكرهما (4). وبعث السلطان إسماعيل بن إسحاق
إلى ابن واصل في إطلاق ابن [مفلح ](1)فلم يجبه إلى ذلك .
ثم لم يزل ابن مفلح في يده حتى قتله (2).
ولما فرغ ابن واصل من ابن مفلح أقبل مظهراً أنه يريد واسطاً لحرب موسى حتى انتهى إلى الأهواز وبها إبراهيم بن سيما في جمع كثير، فلما رأى موسى بن بغا شدة [الأمر بهذه الناحية ](3)وكثرة المتغلبين على نواحي المشرق وأن لا قوام له بهم، ولا طاقة سأل حينئذ أن يعفي عن أعمال المشرق فأعفي عنها وضم ذلك إلى أبي ،أحمد وانصرف موسى بن بغا إلى باب السلطان وصرف عماله عن المشرق.
وولي أبو السَّاج الأهواز وحرب صاحب الزنج.
فقدم أبو السَّاج صهره عبد الرحمن فقتل وانحاز أبو الساج إلى عسكر مكرم .
ودخل الزنج الأهواز فسبوا أهلها، وانتهبوا .
ثم صرف أبو الساج وولى إبراهيم بن سيما(4)
ثم قال ابن الأثير : وفيها : ولي محمد بن أوس البلخي طريق خراسان .
.وفيها: ولي نصر بن أحمد ما وراء نهر بلخ وكتب إليه بولاية ذلك .
وفيها: زحف يعقوب بن الليث إلى فارس وابن واصل بالأهواز، فانصرف منها إلى فارس، والتقى هو ويعقوب فهزمه يعقوب وحصر قلعة ابن واصل بحرمة فأخذها وحصل ما فيها فبلغت قيمة ما أخذه يعقوب منها أربعين ألف ألف درهم، وأخذ مرداساً خال ابن واصل .
وأوقع بالأكراد (5)
وبلغ ابن واصل خبر قربه منه وأنه نزل البيضاء من أرض فارس، وهو بالأهواز فعاد عنها لا يلوي على شيء .
وأرسل خاله أبا بلال مرداساً إلى الصفار فوصل إليه وضمن له طاعة ابن واصل. فأرسل يعقوب الصفار إلى ابن واصل كتباً ورسلاً في المعنى . فحبسهم ابن واصل وسار يطلب الصفار والرسل معه يريد أن يخفي خبره، وأن يصل إلى الصفار بغتة لم يعلم به فيقال منه عرضه ويوقع به . فسار في يوم شديد الحر في أرض صعبة المسلك - وهو يظن أن خبره قد خفي عن الصفار - فلما كان الظهر تعبت دوابهم فنزلوا ليستريحوا .
فمات من أصحاب ابن واصل من الرجالة كثير جوعاً وعطشاً.
وبلغ خبرهم الصفار، فجمع أصحابه، وأعلمهم الخبر، وسار وقال لأبي بلال : إن ابن واصل قد غدر بنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ومضى الصفار إلى ابن واصل .
فلما قاربهم وعلموا به انخذلوا وضعفت نفوسهم عن مقاومته ومقاتلته، ولم يتقدموا خطوة.
فلما صار بين الفريقين رمية سهم انهزم أصحاب ابن واصل من غير قتال وتبعهم عسكر الصفار، وأخذوا منهم جميع ما غنموه من ابن مفلح .
واستولى على بلاد فارس ورتب بها أصحابه وأصلح أحوالها .
ومضى ابن واصل منهزماً ، فأخذ أمواله من قلعته وكانت أربعين ألف ألف درهم. وأوقع بأهل زم لأنهم أعانوا ابن واصل وحدث نفسه بالاستيلاء على الأهواز وغيرها .
الذين مالوا لابن واصل .1) زيادة من الكامل وقد سقط من المخطوط .
2) في الكامل : وأظهر أنه مات.
3) سقط بعض الكلمة الأولى، وباقي العبارة وأتممتها من الكامل.
4) زاد في الكامل : فلم يزل بها - حتى انصرف عنها موسى بن بغا.
5) في الكامل : بأهل .زم والخبر فيه على النحو التالي: لما كان من الوقعة بين عبد الرحمن بن مفلح وبين ابن واصل ما ذكرناه أتصل خبرهما إلى يعقوب الصفار - وهو بسجستان - فتجدد طمعه في ملك بلاد فارس وأخذ الأموال والخزائن والسلاح التي غنمها ابن واصل من ابن مفلح، فسار مجداً.
وفيها (1): جلس المعتمد في دار العامة فولى ابنه جعفراً العهد، وسماه المفوّض إلى الله وولاه المغرب، وضم إليه موسى بن بغا، وولاه إفريقية، ومصر، والشام، والجزيرة ،والموصل وأرمينية وطريق ،خراسان وحلوان ومهر جانقذق.
وولي أخاه أبا أحمد العهد من بعد [124/أ] جعفر وولاه المشرق، وضم إليه مسروراً البلخي وولاه ،بغداد والسواد والكوفة، وطريق مكة والمدينة واليمن وكسكر، وكور ، دجلة والأهواز وفارس ،وقم ،وأصبهان والكرج، والدينور، والري، ،ورنجان ،و،قزوین ،و خراسان ،وجرجان ،و طبرستان ،و كرمان ،وسجستان والسند (2)
فعقد جعفر لموسى على المغرب، وأمر الموفق أن يسير إلى حرب الزنج.
فولي الموفق الأهواز والبصرة وكور دجلة مسروراً ،البلخي وسيره في مقدمته في ذي الحجة، وعزم على المسير بعده .
فحدث من أمر يعقوب الصفار ما منعه عن المسير - وسنذكره أول سنة اثنين وستين ومائتين. ثم أخذ ابن الأثير في سرد باقي أحداث سنة إحدى وستين ومائتين مما لم يذكره مسكويه هنا فقال : وفيها فارق محمد بن زيدويه يعقوب بن الليث وسار إلى أبي الساج وأقام معه بالأهواز،
وخلع عليه المعتمد وسأل أن يوجه الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر إلى خراسان.
وحج بالناس فيها : الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس .
ومات الحسن بن محمد بن أبي الشوارب بمكة بعدما حج .
وفي هذه السنة : استُعْمِلَ نصر بن أحمد أسد بن بن سامان خداه بن جثمان بن طمغان بن نوشرد بن بهرام جوبين بن بهرام خشنش - وكان بهرام خشنش من الري فجعله کسری هرمز بن أنوشروان مرزبان أذربيجان -.
وقد تقدم ذكر جوبين عند ذکر کسری هرمز. ولما ولي المأمون خراسان وأصلح أولاد أسد بن ،سامان وهم ،نوح ،وأحمد ويحيى وإلياس بنو أسد بن سامان فقربهم ورفع منهم، واستعملهم ورعى حق سلفهم .
فلما رجع المأمون إلى العراق استخلف على خراسان غسان بن عباد، فولى غسان نوح بن
في سنة أربع ومائتين سمرقند .
وأحمد بن أسد فرغانة .
ويحيى بن أسد الشاش وأشروسنة .
وإلياس بن أسد هراة .
فلما ولي طاهر بن الحسين خراسان ولاهم هذه الأعمال.
ثم توفي نوح بن أسد، وأقر طاهر بن عبد أسد وأقر طاهر بن عبد الله أخويه على عمله : يحيى، وأحمد.
وكان أحمد بن أسد عفيف الطعمة مرضي السيرة، لا يأخذ رشوة ولا أحد من أصحابه، ففيه
قيل أو في ابنه نصر :
ثوى ثلاثين حولاً في ولايته*** فجاع يوم ثوى في قبره حَشَمَه
وكان إلياس يلي هراة وله بها عقب وآثار كثيرة، فاستقدمه عبد الله بن طاهر، وكان رسمه فيمن يستقدمه أن يعد أيامه فأبطأ إلياس فكتب إليه بالمقام حيث يلقاه كتابه .
فبلغه الكتاب وقد سار عن بوشنج فأقام بها سنة تأديباً له، ثم أذن له في القدوم عليه.
فلما مات إلياس بهراة أقرّ عبد الله ابنه أبا إسحاق محمد بن إلياس على عمله فأقام بهراة . وكان لأحمد بن أسد سبعة بنين وهم نصر، وأبو يوسف يعقوب وأبو زكريا يحيى، وأبو الأشعث أسد وإسماعيل وإسحاق، وأبو غانم حميد.
ولما توفى أحمد بن أسد استخلف ابنه نصراً على أعماله. بسمرقند وما وراءها فبقي عاملاً فیها إلى آخر أيام الطاهرية، وبعد زوال أمرهم إلى أن مضى لسبيله.
وكان إسماعيل بن أحمد يخدم أخاه نصراً فولاه نصر بخارى سنة إحدى وستين ومائتين .
ومعنى قول أبي جعفر في سنة إحدى وستين ولي نصر بن أحمد ما وراء النهر أنه ولاه من جانب الخليفة، وإنما كان يتولاه من قبل من عمال ،خراسان، وإلا فالقوم تولوا قبل هذا التاريخ. وكان سبب استعماله إسماعيل : أنه لما استولى يعقوب بن الليث على خراسان أنفذ نصر جيشاً إلى شط جيحون ليأمن عبور يعقوب .
فقتلوا مقدمهم، فرجعوا إلى بخارى، فخافهم أحمد بن عمر نائب نصر على نفسه، فتغيب عنهم . فأمروا عليهم أبا هاشم محمد بن المبشر بن رافع بن الليث بن نصر بن سيار .
ثم عزلوه وولوا أحمد بن محمد بن ليث والرأس عبد الله بن جنيد .
ثم صرفوه وولوا الحسن بن محمد من ولد عبدة بن حديد .
ثم صرفوه وبقيت بخارى بغير أمير فكتب رئيسها وفقيهها أبو عبد الله بن أبي حفص إلى نصر يسأله توجيه من يضبط بخاري.
فوجه إسماعيل، ثم إن إسماعيل كاتب رافع بن هرثمة حين ولي خراسان، فتعاقدا على التعاون والتعاضد، فطلب منه إسماعيل أعمال خوارزم فولاه إياها .
وكان إسماعيل يؤمره في المكاتبة، ثم سعت السعاة بين نصر وإسماعيل فأفسدوا ما بينهما فقصده نصر سنة اثنتين وسبعين ومائتين فأرسل إسماعيل حمويه بن علي إلى رافع بن هرثمة يستنجده، فسار إليه في جيش كثيف، فوافی بخاری .
قال حمويه : فكرت في نفسي وقلت : إن ظفر إسماعيل بأخيه، فما يؤمنني أن يقبض رافع على إسماعيل ويتغلب على ما وراء النهر، وإن لم يفعل ذلك ووافى لإسماعيل، فلا يزال إسماعيل معترفاً بأنه فقيد رافع وجريحه، ويحتاج أن يتصرف على أمره ونهيه .
فاجتمعت برافع خلوة وقلت له نصيحتك واجبة عَلَي، وقد ظهر لي من نصر وإسماعيل ما كان خفيا عني ولست آمنهما عليك والرأي أن لا تشاهد الحرب وتحملهما على الصلح، فقبل
ذلك فتصالحا وانصرف عنهما .
قال حمويه : ثم إنني أعلمت إسماعيل بعد ذلك الحال. كيف كان؟
فقدر رافعاً في إلزامه بالصلح، واستصوب فعل حمويه وبقي نصر وإسماعيل مدة، ثم عادت السعاة ففسد ما بينهما حتى تحاربا سنة خمس وسبعين ومائتين، وظفر إسماعيل بأخيه نصر فلما حمل إليه ترجل له إسماعيل وقبل يديه ورده من موضعه إلى سمرقند وتصرف على النيابة عنه ببخارى .
وكان إسماعيل خَيْراً يحب أهل العالم والدين ويقربهم ويكرمهم وببركتهم دام ملكه وملك أولاده، وطالت أيامه .
حكى أبو الفضل محمد بن عبد الله البلغمي قال : سمعت الأمير أبا إبراهيم إسماعيل بن أحمد يقول : كنت بسمرقند، فجلست يوماً ،للمظالم، وجلس أخي إسحاق إلى جانبي، فدخل أبو عبد الله محمد بن نصر الفقيه الشافعي وقمت له إجلالاً لعلمه ودينه، فلما خرج عاتبني أخي إسحاق وقال : أنت أمير خراسان يدخل عليك رجل من رعيتك فتقوم له فتذهب السياسة بهذا. قال : فبت تلك الليلة، فرأيت النبيّ صلی الله علیه و آله وسلم في المنام، وكأني واقف وأخي إسحاق، فأقبل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فأخذ بعضدي فقال لي:
يا إسماعيل تبث ملك وملك بيتك لإجلالك لمحمد بن نصر .
ثم التفت إلى إسحاق وقال :
ذهب ملك إسحاق وملك بيته باستخفافه بمحمد بن نصر .
وكان محمد بن نصر هذا من العلماء بالفقه على مذهب الشافعي العاملين بعلمهم المصنفين فيه، وسافر إلى البلاد في طلب العلم، وأخذ العلم بمصر من أصحاب الشافعي يونس بن عبد الأعلى والربيع بن سليمان ومحمد بن عبد الله بن الحكم وصعب الحارث المحاسبي، وأخذ عنه علم المعاملة، وبرز فيه أيضاً.
وفي هذه السنة : عصى أهل برقة على أحمد بن طولون، وأخرجوا أميرهم محمد بن الفرج الفرغاني. قبعث ابن طولون جيشاً عليهم علامة لؤلؤة وأمره بالرفق بهم واستعمال اللين فإن انقادوا، وإلا السيف. فسار العسكر حتى نزلوا على برقة وحصروا أهلها فعلوا ما أمرهم من اللين، فطمع أهل برقة، وخرجوا يوماً على بعض العسكر ، وهم نازلون على باب البلد فأوقعوا بهم، وقتلوا منهم .
فأرسل لؤلؤة إلى صاحبه أحمد يعرفه الخبر، فأمره بالجد في قتالهم، فنصب عليهم المجانيق، وجَدَّ في قتالهم .
وطلبوا الأمان فأمنهم ففتحوا له الباب فدخل البلد، وقبض على جماعة من رؤسائهم وضربهم بالسياط وقطع أيدي بعضه وأخذ معه جماعة منهم وعاد إلى مصر واستعمل على برقة عاملاً ولما وصل لؤلؤة إلى مصر خلع عليه أحمد خلعة فيها طوقان فوضعها في رقبته، وطيف بالأسرى في البلد.
وفي هذه السنة توفي محمد أحمد بن الأغلب صاحب أفريقية سادس جمادى الأولى .
بن وكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وستة عشر يوماً .
ولما حضره الموت عقد لابنه أبي عقال العهد واستخلف أخاه إبراهيم لئلا ينازعه، وأشهد عليه آل الأغلب ومشايخ القيروان وأمره أن يتولى الأمر إلى أن يكبر ولده .
فلما مات أتى أهل القيروان إبراهيم وسألوه أن يتولى أمرهم لحسن سيرته وعدله، فلم يفعل ، ثم أجاب وانتقل إلى قصر الإمارة، وباشر الأمور، وقام فيها قياماً مرضياً وكان عادلاً حازماً في أموره.
أمن البلاد، وقتل أهل البغي والفساد وكان يجلس للعدل في جامع القيروان يوم الخميس والاثنين يسمع شكوى الخصوم ويصبر عليهم وينصف بينهم.
وكانت القوافل والتجار يسيرون في الطرف آمنين وبنى الحصون والمحارس على سواحل
البحر حتى كان يوقد النار من سبتة فيصل الخبر إلى الإسكندرية في ليلة واحدة.
وبنى على سوسة سوراً، وعزم على الحج فرد المظالم، وأظهر الزهد والنسك.
وعلم أنه إن جعل طريقه إلى مكة على مصر منعه صاحبها ابن طولون فتجري بينهما حرب فيقتل المسلمون، فجعل طريقه على جزيرة صقلية ليجمع بين الحج والجهاد ويفتح ما بقي من حصونها . ما اذخره من المال والسلاح وغير ذلك، وسار إلى سوسة فدخلها وعليه فرو مُرقع
فأخرج جميع في زي الزهاد أول سنة تسع وثمانين ومائتين وسار منها في الأسطول إلى صقلية.
وسار إلى مدينة يرطينوا فملكها سلخ رجب وأظهر العدل وأحسن إلى الرعية. وسار إلى طَبَرْمِين، فاستعد أهلها لقتاله فلما وصل خرجوا إليه والتقوا، فقرأ القارئ: إِنَّا فَتَحْنا لكَ فَتْمًا مُّبِينًا [الفتح: 1] .
فقال :الأمير اقرأ (وَهَذَانِ خَصْمَانِ أَخَتَصَمُوا فِي بَهِمْ) [الحج: (19] فقرأ فقال: واللهم إني: اختصم أنا والكفار إليك في هذا اليوم.
وحمل معه أهل البصائر، فهزم الكفار وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا ودخلوا معهم المدينة عنوة فركب بعض من بها من الروم مراكب فهربوا فيها والتجأ بعضهم إلى الحصن، وأحاط بهم المسلمون وقاتلوهم فاستنزلوهم قهراً وغنموا أموالهم وسبوا ذراريهم، وذلك لسبع بقين من شعبان وأمر بقتل المقاتلة وبيع السبي والغنيمة ولما اتصل الخبر بفتح طبرمين إلى ملك الروم عظيم وبقي سبعة أيام لا يلبس التاج وقال : لا يلبس التاج محزون وتحركت الروم وعزموا على المسير إلى صقلية لمنعها من المسلمين فبلغهم أنه سائر إلى قسطنطينية، فترك الملك بها عسكراً عظيماً وسير جيشاً كبيراً إلى صقلية .
وأما الأمير إبراهيم: فإنه لما ملك طبرمين بث السرايا في مدن صقلية التي بيد الروم وبعث سرية إلى ميقش وسرية إلى دمنش فوجدوا أهلها قد أجلوا عنها فغنموا ما وجدوا بها .
وبعث طائفة إلى رمطة وطائفة إلى الباج فأذعن القوم جميعاً إلى أداء الجزية فلم يجبهم إلى ذلك، ولم يقبل منهم غير تسليم الحصون ففعلوا فهدمها وسار إلى كسنتة فجاءته الرسل منها يطلبون الأمان فلم يجبهم .
وكان قد ابتدأ به المرض وهو علة الذرب، فنزلت العساكر على المدينة فلم يجدوا في قتالها لغيبة الأمير عنهم، فإنه نزل منفرداً لشدة مرضه وامتنع منه النوم وحدث به الفواق وتوفي ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة تسع وثمانين ومائتين .
فاجتمع أهل الرأي من العساكر أن يولوا أمرهم أبا مضر بن أبي العباس عبد الله ليحفظ العساكر والأموال والخزائن إلى أن يصل إلى ابنه بإفريقية .
وجعلوا الأمير إبراهيم في تابوت وحملوه إلى أفريقية ودفنوه بالقيروان رحمه الله . وكانت ولايته خمساً وعشرين سنة، وكان عاقلاً حسن السيرة محباً للخير والإحسان .
وتصدق بجميع ما يملك، ووقف أملاكه جميعها .
وكان له فطنة عظيمة بإظهار خفايا العملات فمن ذلك :
أن تاجراً من أهل القيروان كانت له امرأة جميلة صالحة عفيفة فاتصل خبرها بوزير الأمير إبراهيم، فأرسل إليها فلم تجبه فاشتد غرامه بها وشكى حاله إلى عجوز كانت تغشاه، وكانت أيضاً لها من الأمير منزلة، ومن والدته منزلة کبیرة، وهي موصوفه عندهم بالصلاح یترکون بها، ویسألونها الدعاء، فقلت للوزیر: أنا أتلطف بها وأجمع بینکما.
وراحت إلى بيت المرأة فقرعت الباب وقالت : قد أصاب ثوبي نجاسة أريد تطهيرها.
فخرجت المرأة ولقيتها فرحبت بها وأدخلتها وظهرت ثوبها، وقامت العجوز تصلي.
فعرضت المرأة عليها الطعام، فقالت : إني صائمة ولا بد من التردد إليك، ثم صارت تغشاها، ثم قالت لها : عندي يتيمة أريد أن أحملها إلى زوجها فإن خف عليك إعارة حليك أجملها فعلت فأحضرت جميع حليها، وسلمته إليها، فأخذته العجوز وانصرفت.
وغابت أياماً وجاءت إليها فقالت لها : أين الحلي؟
فقالت: هو عند الوزير عبرت عليه وهو معي فأخذه مني وقال : لا يسلمه إلا إليك. فتنازعتا
وخرجت العجوز .
وجاء التاجر زوج المرأة، فأخبرته الخبر فحضر دار الأمير إبراهيم وأخبره بالخبر .
فدخل الأمير إلى والدته وسألها عن العجوز فقالت : هي تدعو لك، فأمر بإحضارها ليتبرك بها، فأحضرتها ،والدته فلما رآها أكرمها وأقبل عليها وانبسط معها، ثم إنه أخذ خاتماً من أصبعها وجعل يقلبه ويعبث به.
ثم إنه أحضر خصياً له وقال له : انطلق إلى بيت العجوز وقل لابنتها تسلم الحق الذي في الحلي وصفته كذا وهو كذا وكذا وهذا الخاتم علامة منها .
فمضى الخادم وأحضر الحُقِّ، فقال للعجوز : ما هذا؟
فلما رأت الحُقِّ سقط في يدها وقتلها ودفنها في الدار، وأعطى الحُقِّ لصاحبه، وأضاف إليه شيئاً ،آخر وقال له أما الوزير فإن انتقمت منه الآن ينكشف الأمر، ولكن سأجعل له ذنباً آخذه به . فتركه مدة يسيرة وجعل له جرماً أخذه به فقتله .
وفي هذه السنة : استعمل المعتمد على الله الخليفة على أذربيجان محمد بن عمر بن علي بن مر الطائي الموصلي، فسار إليها، وجمع معه جموعاً كثيرة من خوارج وغيرهم.
وكان على أذربيجان العلاء بن أحمد الأزدي - وهو مفلوج - فخرج من محفة ليمنع محمد بن فقاتله فانهزم عسكر العلاء وأخذ أسيراً، واستولى محمد بن عمر بن عليّ عَلَى قلعة العلاء،
وأخذ منها ثلاثة آلاف ألف درهم ومات العلاء في يده .
وفيها : استعمل المعتمد على الله على الموصل الخضر بن أحمد بن عمر بن الخطاب التغلبي الموصلي .
وفيها: رجع الحسن بن زيد إلى طبرستان وأحرق شالوس لممالأة أهلها ليعقوب، وأقطع ضياعها
للديالمة .
وفيها :قتل مساور الشاري يحيى بن جعفر الذي كان يلي ،خراسان فسار سرور البلخي في ،طلبه وتبعه أبو أحمد - وهو الموفق بن المتوكل - فسار مساور من بين أيديهما فلم يدركاه.
وفيها: هرب ابن مروان الجليقي من قرطبة فقصد قلعة الحنش فملكها وامتنع بها فسار إليه محمد صاحب الأندلس فحصره ثلاثة أشهر فضاق به الأمر حتى أكل دوابه، فطلب الأمان فأمنه ،محمد فسار إلى مدينة بطليوس .
وفيها: عصى أهل تاكرتا مع أسد بن الحارث بن رافع فغزاهم جيش محمد صاحب الأندلس وقاتلهم فعادوا إلى الطاعة .
وفيها: توفي أبو هاشم داود بن سليمان الجعفري، والحسن بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قاضي القضاة، وكان موته في رمضان، وأبو الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري صاحب الصحيح . وعبد العزيز بن حيان الموصلي، وكان كثير الحديث والنضر بن الحسن الفقيه الحنفي، وكان من الموصل أيضاً.
.وفيها: وافى يعقوب بن الليث ،رامهرمز فوجه السلطان إليه إسماعيل بن إسحاق وبفراج (1)، وأخرج (2)من كان محبوساً من أسباب (3)يعقوب لأنه لما حبس يعقوب محمد بن طاهر حبس السلطان صاحبه وصفى من كان قبله من أسبابه (4)، فأطلقوهم عند موافاة يعقوب رامهرمز .
ثم قدم إسماعيل بن إسحاق من عند يعقوب برسالته فجلس أبو أحمد ببغداد، ودعا بجماعة من التجار، وأعلمهم أن أمير المؤمنين أمر بتولية يعقوب بن الليث خراسان،وطبرستان ،وجرجان ،والري ،فارس والشرطة ببغداد وذلك بمحضر صاحب يعقوب (5)
الرسل من عند يعقوب يقولون : إنه لا يرضيه.
.ثم انصرف الرسل الذين وجهوا إلى يعقوب [فعادوا إلى] (6)السلطان فأعلموه أنه يقول : لا يرضيه ما كتب إليه دون أن يسير إلى الباب السلطاني .
وارتحل يعقوب من عسكر مكرم، فسار إليه أبو الساج فتقبله وأكرمه ووصله .
ولما رجع الرسول بجواب يعقوب عسكر المعتمد بخارج سُرَّ مَنْ رأى، واستخلف ابنه جعفراً ثم وافى بغداد واستفها وجازها إلى الزعفرانة فنزلها، وقد آخاه أبو أحمد الموفق وسار يعقوب بجيشه حتى سار من واسط على فراسخ (7)، فصادف هناك ثيقا ثقة مسرور البلخي من أجله حتى لا يجوز . فأقام عليه حتى شده وعبره وسار إلى مادنين، ووافى واسطاً .
وسار محمد بن كثير من قبل مسرور البلخي فنزل بإزائه بالنعمانية .
وسار المعتمد حتى سار إلى سيب بني كوما (8)، وأقام المعتمد حتى اجتمعت إليه عساکره.
وزحف يعقوب من واسط إلى دير العاقول (9)، ثم زحف إلى عسكر السلطان.
1) في الكامل : إسماعيل بن إسحاق وبخراج كما هنا وأشار إلى أنه في الطبري : إسماعيل بن إسحاق بغراج .
2) في المخطوط وإخراج وهو تحريف .
3) في المخطوط الشبابه . وهو تحريف .
4) في المخطوط الشبابه . وهو تحريف .
5) في الكامل : وكان بمحضر من درهم صاحب يعقوب، وكان يعقوب قد أرسله يطلب لنفسه ما ذكرنا، وأعاده أبو أحمد إلى يعقوب ومعه عمر بن سيما بما أضيف إليه من الولايات، فعاد
6) زيادة يتطلبها السياق .
7) في الكامل : فدخلها لست بقين من جمادى الآخرة.
8) في المخطوط شيت بني ،كوما والتصويب من الكامل.
9) قال ياقوت في معجم البلدان : بين مدائن كسرى والنعمانية بينه وبين بغداد خمسة عشر فرسخاً على شاطئ دجلة، كان أما الآن فبينه وبين دجلة مقدار ميل وكان عنده بلد عامر وأسواق أيام كون النهروان عامراً، فأما الآن فهو بمفرده في وسط البرية، وبالقرب منه دير قُنّي.
فأقام المعتمد ومن معه عبيد الله بن يحيى، وأنهض أخاه لحرب يعقوب.
فجعل يعقوب يُعبّئ أصحابه، وجعل أبو أحمد موسى بن بغا علی میمنته، ومسروراً البلخي على ميسرته وصار في نحب الرجال في القلب فالتقى العسكران بين سيب بني كوما ودير العاقول فشدت ميسرة يعقوب على ميمنة أبي أحمد فهزمتها وقلت جماعة منها من القواد ومنهم : إبراهيم بن سيما وغيره (1).
وسائر عسكر أبي أحمد ثابت ثم ثابت المنهزمة فحملوا على عسكر يعقوب فثبتوا وحاربوا حرباً شديداً فقتل منهم جماعة وأصاب يعقوب ثلاثة أسهم في حلقه وبدنه ولم تزل الحرب قائمة بين الفريقين إلى آخر وقت العصر (2).
ثم ظهر في عسكر يعقوب كراهية قتال السلطان لما رأوه بإزائهم .
ثم حمل جميع أصحاب أبي أحمد على يعقوب ومن ثبت معه، فانهزم أصحاب يعقوب وثبت يعقوب في حاميه أصحابه حتى مضوا وفارقوا موضع الحرب وغنم عسكر السلطان عسكر يعقوب .
فيقال : إنه أخذ من عسكره من الدواب والبغال أكثر من عشرة آلاف رأس، ومن العين والورق ما يكلّ عن حمله ومن جرب (3)المسك أمر عظيم .
وتخلص محمد(4)بن طاهر وكان مثقلاً بالحديد خلّصه الذي كان موكلاً به (5)
وكانت الوقعة لإحدى عشرة خلت من رجب. وكتب المعتمد إلى ابن واصل بتولية فارس وكان قد سار إليها وجمع جماعة فغلب عليها فَسَيَّر إليه يعقوب عسكراً عظيماً عليهم ابن عزيز بن السري إلى فارس واستولى عليها . ورجع المعتمد إلى سامرا .
وأما أحمد الموفق فإنه سار إلى واسط ليتبع الصفار وأمر أصحابه بالتجهز لذلك، فأصابه مرض فعاد إلى بغداد ومعه مسرور وقبض مالاً لأبي الساج من الضياع والمنازل وأقطعها مسروراً البلخي، وقدم محمد بن طاهر بغداد.
.1) وكذا العبارة في الكامل، وقال محققه أن في الطبري: منهم إبراهيم بن سيما، وطباغوا التركي ومحمد طغتا التركي والمعروف بالمبرقع المغربي .
2) في الكامل : ثم تراجع المنهزمون، وكشف أبو أحمد الموفق رأسه وقال : أنا الغلام الهاشمي وحمل معه سائر عسكره على عسكر يعقوب فثبتوا وتحاربوا حرباً شديدة وقتل من أصحاب يعقوب جماعة منهم الحسن الدرهمي وأصابت يعقوب ثلاثة أسهم في حلقه ويديه.
3) فى المخطوط خرف والتصويب من الكامل.
4) في المخطوط : أحمد والتصويب من الكامل.
5) اختلف السياق في الكامل من بعد ذلك عما هنا فجاء على النحو التالي : وتخلص محمد بن طاهر وكان مثقلاً بالحديد وخلع عليه الموفق وولاء الشرطة ببغداد بعد ذلك وسار يعقوب من الهزيمة إلى خوزستان فنزل جند يسابور وراسله العلوي البصري يحثه على الرجوع إلى بغداد ويعده المساعدة ، فقال لكاتبه : اكتب إليه : قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ [الكافرون 1 ، 2] السورة وسير إليه الكتاب.
وكتب كتاب الفتح إلى بغداد، وقُرىء على الناس ورجع المعتمد إلى المدائن، ومضى أبو أحمد الموفق وقبض على ما لأبي الساج من المنازل والضياع، فأقطعها مسرورراً البلخي وقدم محمد بن طاهر بن عبد الله بغداد وقد رد إليه العمل وخلع عليه ،مرتبته، ونزل فى دار عبد الله بن طاهر .
فلم يعزل أحداً ولم يول وأمر له بخمسمائة ألف درهم.
وفيها وجه صاحب الزنج إلى البطيحة ودست ميسان (1)
البطيحة هي أرض واسعة بين واسط والبصرة كانت قديماً قرى متصلة وأرضاً ،عامرة، فاتفق في أيام كسرى أبرويز أن زادت دجلة زيادة مفرطة، وزاد الفرات أيضاً بخلاف العادة فعجز عن سدّها فتبطح الماء في تلك الديار والعمارات والمزارع فطرد أهلها عنها .
فلما نقص الماء وأراد العمارة أدركته المنية .
ودَسْتُ مِيسَانَ : هي كورة جليلة بين واسط والبصرة والأهواز وهي إلى الأهواز أقرب قصبتها بسامَتی ولیست میسان لكنها متصلة بها .
وقيل :دستميسان كورة قصبتها الأبلة فتكون البصرة من هذه الكورة.
.ذكر الخبر عن طمعه في ذلك
لما انصرف موسى بن بغا عن أعمال المشرق وسار النظر لأبي أحمد الموفق ،وضم أبو أحمد كور دجلة من عمال السلطان وعساكره سوى المدائن .
فوجه صاحب الزنج أحمد بن مهدي من أهل جَبّى في سميريات فيها رماة إلى نهر المرأة (2)
قال الساجي : صالح خالد بن الوليد عند البصرة أهل نهر المرأة واسم المرأة طماهيج من رأس الفهرج إلى نهر المرأة فكانت طماهيج هي التي صالحته عشرة آلاف درهم، وفي كتاب البلاذري : أن خالد بن الوليد أتى نهر المرأة ففتح القصر صلحاً، وصالحه عنه النوشجان بن جسنسماه والمرأة صاحبة القصر كامور زاد بنت نرسي وهي بنت عم النوشجان، وإنما سميت المرأة لأن أبا موسى الأشعري قد نزل بها فزودته خبيصاً فجعل يكثر أن يقول اطعمونا من خبيص المرأة ، فغلب على اسمها .
، فجعل الجبائي يوقع بالقرى .فكتب إلى صاحبه : إن البطيحة خالية من رجال السلطان لانصراف مسرور وأصحابه إلى محاربة يعقوب بن الليث فأمر صاحب الزنج رجلاً من أهله يقال له : عمير بن عمار كان عالماً بطرق البطيحة ومسالكها أن يسير مع الحبارى .
فهزمه وأخذ أربعة وعشرين سميرية ونيفاً وثلاثين صاحة .
وأفلت رميس ووافق خروجه منهزماً مع أصحابه خروج سليمان بن جامع من النهر العتيق، فتلقاه فأوقع به وبمن أفلت معه أفلت معه وانحاز رميس إلى بئر مساور .
ولحق سليمان من مذكوري البلالية وإنجادهم جماعة في نحو من مائة وخمسين سميرية. فاستخرجهم الخبر فقالوا ليس بينك وبين واسط أحد ، : من عمال السلطان وولاته فاغتر سليمان بذلك، وسار حتى انتهى إلى الحاذرة فتلقاه رجل يقال له : أبو معاذ القرشي ،فواقعه فانهزم سلیمان عنه، وقتل أبو معاذ جماعة وأسر جماعة فيهم قائداً من قواد الزنج يقال له رياح .
وانصرف سليمان إلى موضعه الذي كان معسكراً به [124/ب] فأتاه رجلان من البلالية فقالا : ليس بواسط أحد يُدافع عنها غير أبي معاذ في الشذات التي لقيتك.
فاستعد سليمان وكتب إلى الخبيث مع البلالية الذين استأمنوا إليه، واحتبس الاثنين اللذين أخبراه عن واسط بما أخبراه وسار قاصداً النهرابان (1)، فاعترض له أبو معاذ في طريقه ونشبت الحرب بينهما .
وعصفت (2)الريح، فاضطربت شذات أبي معاذ وقوي عليه سليمان وأصحابه، فأدبر عنهم. ثم مضى سلیمان فافتتح ،نهرابان فأحرق وانتهب وسبى النساء والصبيان . ثم وجه رجلاً يعرف له خبر واسط، فأخبره أن مسروراً قد توجه إليه وأنه بواسط .
فتحمل سليمان من موضعه وطلب موضعاً يقرب عليه فقصد صاحبه منه حتى لحقه الطلب، فأشير عليه بطيش(3)فتحصى فيها، وجمع إليه كل من ظهر منه مكاشفة للسلطان ويثوبه من أهل الظنون ،وغيرهم وكاتب صاحبه بذلك وبما دبره .
فكتب إليه يصوب رأيه (4).
ثم إنه وجه الجبائي في عسكر فبلغه أن أغرتمش وخشيشاً قد أقبلا إليه .
فجزع وأخذ في الاستعداد للقائهما، ورجع إليه الجبائي منهزماً .
1) كذا في المخطوط والذي وقفت عليه في معجم البلدان النهرناب بالنون والباء : قرب أوانا من نواحي دجيل.
2) فى المخطوط : وعصبت وهو تحريف.
3) كذا في المخطوط. ولم أقف عليها في معجم البلدان وفي الكامل كلمة شبيهة بها هي بطمثا، والخبر في الكامل ليس على ما هو هنا، وفي موضع آخر منه طهشا، وفي تعليق للمؤلف عن الطبري طهيشا، وفي معجم البلدان أقرب رسم إلى اسمها، طهيان وهي باليمن فيبعد أن تكون هي المرادة، وفي موضع نهر طهشا وكذا لم أقف عليه، والله أعلم.
4) تكررت الكلمة في المخطوط .
وصعد سليمان حائطاً فأشرف منه فرأى الجيش فنزل مسرعاً، وعبر النهر، وأمر السودان أن يستتروا حتى لا يظهر منهم أحد ويتواروا بالأدغال، ويدعوا القوم حتى يتوغلوا ولا يتحرك أحد إلا أن يسمعوا أصوات طبوله ، فإذا سمعوها خرجوا وقصد أغرتمش بجيشه وشغلهم قائد من قواد الزنج - عن دخول المعسكر - يقال له أبو الندى .
وشد سليمان من وراء القوم، وضرب الزنج بطبولهم وألقوا أنفسهم في الماء للعبور إليهم فانهزم أصحاب أغرتمش، وخرج إليهم من كان بطميشا (1)من السودان، فوضعوا فيهم سيوفهم ، وانهزم خشيش على أشهب كان تحته يريد الرجوع إلى عسكره.
فتلقاه السودان فصرعوه، وأخذت سيوفهم فقتل وحمل رأسه إلى سليمان.
وقد كان خشيش حين أسرعوا إليه قال لهم : أنا خشيش فلا تقتلوني واذهبوا بي إلى صاحبكم . فلم يسمعوا ،قوله وانهزم أغرتمش وظفر الزنج بعسكره وشداته ودوابه واسلابه وكتب إلى صاحبه بالفتح ، وحمل رأس خشيش وخاتمه فأمر [به] فطيف في عسكره ونصب، ثم حمله إلى علي بن أبان وهو يومئذ مقيم بنواحي الأهواز، وأمر بنصبه هناك(2).
وفيها: كانت وقعة بين أحمد بن ليثويه صاحب ،سرور وبين علي بن أبان فهزم الزنوج وقتل منهم مقتلة عظيمة .
[ذكر السبب في ذلك ](3)
وذلك أن مسروراً وجه أحمد بن ليثويه إلى ناحية الأهواز ، وكان علي بن أبان بتستر فقصده ابن ليثويه فزحف علي بن أبان إليه وهو ينشر أصحابه، ويعدهم الظفر ويحكي ذلك لهم عن الخبيث. فلما وافى الباهليون(4)وهي قرية تعرف بذلك تلقاه ابن ليثويه في جماعة كثيفة من خيل السلطان واستأمن إليه جماعة من العرب، فانهزم علي بن أبان، ثم
1) كذا بهذا الرسم في هذا الموضع وربما كان هذا أقرب ما سبق من ألفاظ في اسم ذلك المكان، وأقرب اسم إليه في معجم البلدان :هو طَمِيس، ويقال طميسة بلدة من سهول طبرستان من ناحية خراسان وجرجان وعليها درب عظيم ليس يقدر أحد من أهل طبرستان أن يخرج منها إلى جرجان إلا في ذلك الدرب لأنه ممدود من الجبل إلى جوف البحر من آجر وجص، وكان كسرى أنوشروان بناه ليحول بين الترك وبين الغارة على طبرستان فتحها سعيد بن العاص في سنة (30) أيام عثمان بن عفان .
2) وذكر ابن الأثير الخبر في الكامل بغير سياقه هنا غير أنه في آخر تشابه مع ذكره هنا ثم زاد بعدذلك عبارة قال فيها وسير سليمان سرية فظفروا بإحدى عشر شذات وقتلوا أصحابها .
3) ما بين المعقوفين زيادة درج عليها المؤلف من بداية الكتاب فأضفتها لاحتمال سقوطها من الناسخ، ومذكور نحوها من الكامل .
4) لم أقف على تلك القرية في معجم البلدان لياقوت الحموي.
كر عليهم مع جماعة من رجاله، فاشتد القتال وترجل علي بن أبان فباشر القتال بنفسه ،راجلاً، وبين يديه غلام يقال [له](1)فتحاً. ويُصر بعلي بن أبان قوم فعرفوه، وأنذروا الناس به، فانصرف هارباً حتى لجأ إلى المسرقان فألقى نفسه فيه وتلاه فتح.
ولحق علي بن أبان نصر الرومي فخلصه الماء وكان أصاب ساقه سهم، فانصرف مغلولاً وقتل من أنجاد السودان وأبطالهم عدد كثير(2)
ثم ذكر من الأحداث التي لم يذكرها ابن مسكويه ما يلي: وفيها : كان أحمد بن عبد الله الخجستاني - من خجستان وهي من جبال هراة من أعمال بادغيس - وكان من أصحاب محمد بن طاهر. فلما استولى يعقوب بن الليث على نيسابور على ما ذكرناه ضم أحمد إليه وإلى أخيه علي بن الليث .
وكان بنو شركب ثلاثة :إخوة إبراهيم وأبو حفص يعمر، وأبو طلحة منصور، بنو مسلم. وكان اسنهم ،إبراهيم وكان قد أبلى بين يدي يعقوب عند مواقعة الحسن بن زيد بجرجان فقدمه . فدخل عليه يوماً نيسابور - وهو يوم فيه برد شديد - فخلع عليه يعقوب وبرسمو كان على كتفه، فحسده عليه الخجستاني فقال له : إن يعقوب يريد الغدر بك، لأنه لا يخلع على أحد من خاصته خلعة إلا غدر به فغم ذلك إبراهيم وقال : كيف الحيلة في الخلاص؟
قال: الحيلة أن نهرب جميعاً إلى أخيك يعمر فإني خائف عليه أيضاً.
وكان يعمر قد حاصر أبا داود الناهجوزي ببلخ ومعه نحو من خمسة آلاف رجل .
فاتفقا على الخروج ليلتهم فسبقه إبراهيم إلى الموعد فانتظره ساعة فلم يره. فسار نحو سرخس، وذهب الخجستاني إلى يعقوب فأعلمه، فأرسله في أثره، فلحقوه بسرخس، فقتلوه ومال يعقوب إلى الخجستاني .
فلما أراد يعقوب العودة إلى سجستان استخلف على نيسابور عزيز بن السري وولي عمرو بن الليث هراة .
فاستخلف عمرو عليها طاهر بن حفص الباذغيسي وسار يعقوب إلى سجستان سنة إحدى وستين ومائتين وأحب الخجستاني التخلف لما كان يحدث به نفسه، فقال لعلي بن الليث إن أخويك قد اقتسما خراسان وليس لك بها من يقوم بشغلك، فيجب أن تردني إليها لأقوم بأمورك .
فاستأذن أخاه يعقوب في ذلك، فأذن له فلما حضر أحمد يعود يعقوب أحسن له القول، ورده وخلع عليه .
فلما ولّى عنه قال يعقوب : أشهد أن قفاه قفا مستعص، وأن هذا آخر عهدنا بطاعته .
فلما فارقهم جمع نحواً من مائة رجل فورد بهم بشت نیسابور فحارب عاملها وأخرجه عنها، وجباها. ثم خرج إلى قومس ، فقتل ببسطام مقتلة عظيمة، وتغلب عليها، وذلك سنة إحدى وستين ومائتين . وسار إلى نيسابور وبها عزيز بن السري ، فهرب ،عزيز، وأخذ أحمد أثقاله واستولى على نيسابور يدعو إلى الطاهرية، وذلك أول سنة اثنتين وستين ومائتين. وكتب إلى رافع بن هرثمة يستقدمه فقدم عليه فجعله صاحب جيشه .
وكتب إلى يعمر بن شركب وهو يحاصر بلخ يستقدمه ليتفق على تلك البلاد. فلم يثق إليه يعمر لفعله بأخيه، وسار يعمر إلى هراة فحارب طاهر بن حفص فقتله واستولى على أعمال طاهر. فسار إليه أحمد فكانت بينهما مناوشات وكان أبو طلحة بن شركب غلاماً من أحسن الغلمان وکان عبدالله بن بلال يميل إليه وهو أحد قواد يعمر، فراسل الخجستاني وأعلمه أنه يعمل ضيافه ليعمر وقواده ويدعوهم إليه يوماً ذكره ويأمره بالنهوض إليهم فيه فإنه يساعده، وشرط عليه أن يسلم إليه أبا ،طلحة فأجابه أحمد إلى ذلك.
فصنع ابن بلال طعاماً، ودعا يعمر وأصحابه وكبسهم أحمد، وقبض على يعمر وسيره إلى نائبه
بنيسابور فقتله .
واجتمع إلى أبي طلحة جماعة من أصحاب أخيه فقتلوا ابن بلال وساروا إلى نيسابور، وكان بها الحسين بن طاهر أخو محمد بن طاهر، قد وردها من أصفهان طمعاً أن يخطب لهم أحمد كما كان يظهره من نفسه، فلم يفعل فخطب له أبو طلحة بها، وأقام معه .
فسار إليه الخجستاني من هراة في اثني عشرة ألف عنان فأقام على ثلاثة مراحل من نيسابور ،أخاه العباس إليها، فخرج إليه أبو طلحة فقاتله فقتل العباس، وانهزم أصحابه .
فلما بلغ خبرهم إلى أحمد عاد إلى هراة ولم يعلم لأخيه خبراً، فبذل الأموال لمن يأتيه بخبره، فلم يقدم أحد على ذلك، وأجابه رافع بن هرثمة إليه فاستأمن إلى أبي طلحة، فأمنه وقربه ووثق إليه، وتحقق رافع خبر العباس فأنهاه إلى أخيه أحمد، وأنفذه أبو طلحة إلى بيهق وبست ليجبي أموالهما لنفسه، وضم إليه قائدين فجبى رافع الأموال فبقي على القائدين وسار إلى الخجستاني إلى قرية من قرى خواف فنزلها وبها حلي بن يحيى الخارجي، فنزل ناحية عنه فبلغ الخبر إلى أبي طلحة، فركب مُجدّاً فوصل إليهم ليلاً، فأوقع بحلي وأصحابه، وهو يظنه رافعاً، وهرب رافع سالماً، وعلم أبو طلحة بحال حلي بعد حرب شديدة، فكف عنه وأحسن إليه وإلى أصحابه .
ثم وجه أبو طلحة جيشاً إلى جرجان وبها ثابت الحسن بن زيد، ومعه الديلم.
وكان في جيش أبي طلحة إسحاق الشارب، فحاربوا الديلم ،بجرجان وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأجلوهم عنها، وذلك في رجب سنة ثلاث وستين ومائتين.
ثم عصى إسحاق على أبي طلحة وسار إليه أبو طلحة واشتغل في طريقه باللهو والصيد، فكبسه إسحاق وقتل أصحابه، وانهزم أبو طلحة إلى نيسابور، فاستضعفوا أهلها، فأخرجوه منها، فنزل على فرسخ عنها، وجمع جمعاً فحاربهم .
ثم افتعل كتاباً على إسحاق يستقدمونه إليهم، ويعدونه المساعدة على أبي طلحة، فاغتر إسحاق بذلك .
وكتب أبو طلحة عن إسحاق كتاباً إلى أهل نيسابور يعدهم أنه يساعدهم على أبي طلحة ويأمرهم بحفظ الدروب وترك مقاربة البلد إلى أن يوافيهم.
فاغتروا بذلك، وظنوه ،كتابه، ففعلوا ما أمرهم .
وسار إسحاق مجداً، فلما قارب نيسابور لقيه أبو طلحة فغاقصه (أي آذاه) فطعنه أبو طلحة، فألقاه عن فرسه في بئر هناك فلم يعلم له خبر وانهزم أصحابه، ودخل بعضهم إلى نيسابور، وضيق عليهم أبو طلحة، فكاتبوا الخجستاني، واستقدموه من هراة فأتاهم في يومين وليلتين وورد عليهم ليلاً ففتحوا له الأبواب ودخلها وسار عنها أبو طلحة إلى الحسن بن زيد، فأمده بجنود فعاد إلى نيسابور، فلم يظفر بشيء.
فسار إلى بلخ وحصر أبا داود الناهجوزي واجتمع معه خلق كثير، وذلك سنة خمس، وقيل ست وستين ومائتين وسار الخجستاني إلى محاربة الحسن بن زيد لمساعدته أبا طلحة، فاستعان الحسن بأهل ،جرجان ،فأعانوه فحاربهم الخجستاني، فهزمهم وأغار عليهم وجباهم أربعة آلاف ألف درهم، وذلك في رمضان سنة خمس وستين.
واتفق أن يعقوب بن الليث توفي سنة خمس وستين أيضاً وولي مكانه أخوه عمرو، فعاد إلى سجستان وقصد هراة. فعاد الخجستاني من جرجان إلى نيسابور ووافاه عمرو بن الليث فاقتتلا وانهزم عمرو، ورجع إلى هراة، وأقام أحمد بنيسابور . وكان كيكان - وهو يحيى بن محمد الذهلي - وجماعة من المتطوعة والفقهاء بنيسابور يميلون إلى عمرو لتولية السلطان إياه . فرأى الخجستاني أن يوقع بينهم ليشتغل بعضهم ببعض، وأحضر منهم جماعة من الفقهاء القائلين بمذاهب أهل العراق.
فأحسن إليهم وقربهم وأكرمهم وأظهروا الخلاف على كيكان ونابذوه .
وكان كيكان يقول بمذهب أهل المدينة فكفى شرهم وسار إلى هراة فحصر بها عمرو بن الليث سنة سبع وستين فلم يظفر بشيء فسار نحو سجستان فحصر في طريقه رمل (سي) فلم يظفر بشيء منها .
فاحتال حتى استمال رجلاً قطاناً كانت داره إلى جانب السور، ووعده أن ينقب إلى العسكر من داره، ويخرج أصحابه إلى البلد .
فاستأمن رجلان إلى البلد من أصحاب الخجستاني وذكر الخبر لصاحبه، فأخذ القطان، وأخربت ،داره وبطل ما كان الخجستاني عزم عليه .
وكان خليفة الخجستاني بنيسابور قد أساء السيرة وقوى العيارين وأهل الفساد، فاجتمع الناس إلى كيكان فثار على نائبه وأعانهم عمرو بن الليث ،بجنده، فقبضوا على خليفة الخجستاني .
فأقام أصحاب عمرو بنيسابور، فبلغ الخبر إلى أحمد فوافي نيسابور فخرج عنها كيكان وغيره، فردهم أصحاب أحمد الخجستاني، فقتل منهم جماعة وغيب كيكان، فلم يظهر إلا بعد مدة ميتاً، قد بني عليه حائطاً فمات فيه. وأقام أحمد بنيسابور تمام سنة سبع وستين ومائتين .
ثم إن عمراً كاتب أبا ،طلحة وهو يحاصر بلخ يستقدمه إلى هراة ، فأتاه، فأكرمه، وأعطاه مالاً عظيماً ، ووعده وتركه ،بخراسان وعاد إلى سجستان .
فسار أحمد إلى سرخس وبها عامل عمرو، فأتاه أبو طلحة، فقاتله، فانهزم أبو طلحة ومرَّ على وجهه، وسار أحمد خلفه فلحقه بخُلم فحاربه، فهزمه أيضاً، وسار نحو سجستان، وأقام أحمد بطخارستان .
وكان ناسرار عباس ،القطان قد أتى طلحة فسار نحو نيسابور فأعانه أهلها، فأخذوا والدة الخجستاني وما كان معها وأقام بنيسابور ولحق به أبو طلحة فمنعه أهل نيسابور من دخولها . واتصل الخبر بالخجستاني وهو بطايكان من طخارستان فسار مجداً نحو نيسابور ولما أيس الطاهرية من الخجستاني وكان أحمد بن محمد بن طاهر بخوارزم والياً عليها فأنفذ أبا العباس النوفلي في خمسة آلاف رجل ليخرج أحمد من نيسابور .
فبلغ خبره أحمد فأرسل إليه ينهاه عن سفك الدماء، فأخذ النوفلي الرسل، فأمر بضربهم وحلق لحاهم، وأراد قتلهم، فبينما هم يطلبون الجلادين والحلاقين ليحلق لحاهم، أتاهم الخبر بقرب جيش أحمد منهم.
فاشتغلوا وتركوا الرسل فهربوا إلى أحمد وأعلموه بالخبر فعبى أصحابه وحملوا على النوفلي حملة رجل واحد فأكثروا فيهم القتل، وقبضوا على النوفلي، وأحضروه عنده .
فقال له : إن الرسل لتختلف إلى بلاد الكفار فلا تتعرض لهم، أفلا استحيت أن تأمر في رسلي بما أمرت؟! فقال النوفلي: أخطأت.
فقال : ولكني سأصيب في أمرك، ثم أمر به فقتل. وبلغه أن إبراهيم بن محمد بن طلحة بمرو قد جبى أهلها في سنتين خمسة عشر خراجاً، فسار إليه في أبيورد في يوم وليلة، فأخذه على فراشه.
وأقام بمرو فجبى خراجها، ثم ولاها موسى البلخي .
ثم وافاه الحسين بن طاهر، فأحسن فيهم السيرة ووصل إليه نحو عشرين ألف ألف درهم .
وفيها : قتل الخجستاني وذلك لما كان الخجستاني بطخارستان وافاه خبر أخذ والدته من نيسابور وسار مجداً، فلما قارب هراة أتاه غلام لأبي طلحة يعرف ب- ينال ده هزار، مستأمناً فأتاه قبل وصوله، وكان للخجستاني غلام اسمه را مجور على خزائنه، فقال له كالممازح : إن سيدك ينال
ده هزار قد استأمن إليّ كما علمت فانظر كيف يكون برك به؟
فحقدها عليه ،رامجور، وخاف أن يقدم ذلك الغلام عليه ويطلب الفرصة ليقتله .
وكان لأحمد غلام يدعي قتلغ - وهو على شرابه - فسقاه يوماً فرأى في الكوز شيئاً فأمر به فقلعت إحدى عينيه .
فتواطأ قتلغ ورامجور على قتله، فشرب يوماً بنيسابور عند وصوله من طايكان فسكر ونام فتفرق عنه أصحابه، فقتله رامجور، وقتلغ . وكان قتله في شوال سنة ثمان وستين ومائتين وأخذ رامجور خاتمه فأرسله إلى الاصطبل يأمرهم بإسراج عدة دواب ففعلوا، فسير عليها جماعة إلى أبي طلحة وهو بجرجان يعلمه الحال ويأمره بالقدوم.
ثم أغلق رامجور الباب على أحمد واختفى وبكر القواد إلى باب أحمد وجدوا باب حجرته مغلقاً فانتظروه ساعة طويلة فرابهم الأمر ففتحوا الباب فرأوه مقتولاً ، فجثوا عن الحال وأخبرهم صاحب الاصطبل خبر رامجور في إنفاذ الخاتم فطلبوه فلم يجدوه، ثم وجدوه بعد مدة.
وكان سبب اطلاعهم عليه أن صبياً من أهل تلك الدار التي هو بها طلب ناراً فقيل له : ما تعملون بالنار في اليوم الحار؟ فقيل: نتخذ طعاماً للقائد .
قيل : ومن القائد؟
قال را مجور .
فأنهوا خبره إلى بعض القواد فأخذوه وقتلوه واجتمع أصحاب أحمد بعد قتله على رافع بن هرثمة وسنذكر أخبار رافع سنة ثمان وستين ومائتين. وكان أحمد بن عبد الله لما عاد من طايكان بعد قتل والدته نصب رمحاً طويلاً من صحن داره وقال : يحتاج أهل نيسابور أن يضعوا الدار حتى يغمروا هذا الرمح فخافوا منه واستخفى جمع من الرؤساء والتجار وفزع الناس إلى الدعاء وسألوا أبا عثمان وغيره في أصحاب أبي حفص الزاهد إلى الله تعالى ليفرج عنهم .
وفعلوا فتداركهم الله مته فقتل تلك الليلة وفرج الله عنهم .
بحره وكان أحمد كريماً جواداً شجاعاً حسن العشيرة كثير البر لإخوانه الذين صحبوه قبل إمارته والإحسان إليهم ولم يتغير لهم عما كان يفعله من التواضع والأدب.
وفيها: ولي القضاء علي بن محمد بن أبي الشوارب.
وفيها : سار الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر إلى الجبل في صفر.
وفيها: مات الصلاني والي الري ووليها كيغلغ .
وفيها: نهب بن زيدون الطيب .
ومات صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور.
وولي إسماعيل بن إسحاق قضاء الجانب الشرقي من بغداد فصار له قضاء الجانبين.
وفيها: تنافر أبو أحمد الموفق وأحمد بن طولون أمير ديار مصر وصار به بينهما وحشة مستحكمة .
وتطلب الموفق من يتولى الديار المصرية، فلم يجد أحداً لأن ابن طولون كانت خدمه وهداياه متصلة إلى القواد بالعراق وأرباب المناصب، فلهذا لم يجد من يتولاها .
فكتب إلى ابن طولون يتهدده بالعزل، فأجابه جواباً فيه بعض الغلظة فسير إليه الموفق موسى بن بُغا في جيش كثيف، فسار إلى الرقة.
وبلغ الخبر ابن طولون فحصن الديار المصرية وأقام ابن بغا عشرة أشهر بالرقة لم يمكنه المسير لقلة الأموال معه . وطالبه الأجناد بالعطاء، فلم يكن معه ما يعطيهم فاختلفوا عليه وثاروا بوزيره عبد الله ابن سليمان فاستتر واضطر ابن بغا إلى العودة إلى العراق، وكفى الله أحمد بن طولون شرء، فتصدق بأموال کثیرة.
وفيها : قتل محمد بن عتاب، وكان سائراً إلى السيبين وهي من ولايته فقتله الأعراب.
وفيها : قتل القطان صاحب ،مفلح، وكان عاملاً بالموصل، فانصرف عنها فقتل بالرقة.
وفيها : عقد كفتمر علي بن الحسين بن داود على طريق مكة .
وفيها: وقع بين الخياطين والجزارين بمكة قتال يوم التروية، حتى خاف الناس أن يبطل الحج، ثم تحاجزوا إلى أن يحج الناس، وقد قتل منهم سبعة عشر رجلاً . وحج بالناس الفضل بن إسحاق بن الحسن بن العباس بن محمد.
وفيها: سَيَّر محمد صاحب الأندلس ابنه المنذر في جيش إلى الجليقي، وكان بمدينة بطليوس فلما سمع خبرهم فارقها ودخل حصن كركر فحوصر فيه وكثر القتل في أصحابه في شوال .
وفيها: مات عمرو بن شبه النميري الأنباري، وكان مولده سنة ثلاث وسبعين ومائة .
.وفيها : ظفر يعقوب بن الليث بمحمد بن واصل أخذه ابن عزيز بن السري فجاء به إلى يعقوب أسيراً .
وملك يعقوب فارس، وسار إلى الأهواز إلى النُوبَندَجَانُ (1). انصرف أحمد بن ليثويه عن تستر ، وارتحل عن بلدان الأهواز كل من كان بها من قبل السلطان .
ثم أقام علي بن أبان بنهر السدرة (2)إلى أن دخل صاحب يعقوب الأهواز، واسمه الخضر. فجعل يغير وأغار صاحب يعقوب عليه ولم يزل كذلك الأمر مدة ثم تحاين عليه - أعني علي بن أبان على الخضر - فسار إليه، وأوقع به، وقتل من أصحاب یعقوب ، خلقاً، وهرب الخضر إلى عسكر مكرم .
فلما استباح على عسكره، والأهواز رجع إلى نهر السدرة.
وكتب إلى هنود يأمره بأصحاب الصفار أن يوقع بهم وهم بالدورق (3)
دَوْرَقُ بلد ،بخوزستان وهو قصبة كورة سُرَّق ، يقال لها دورق الفرس .
قال مسعر بن المهلهل في رسالته ومن رامهرمز إلى دورق تمر على بيوت نار في مفازة مقفرة فيها أبنية عجيبة والمعادن في أعمالها كثيرة .
وبدورق آثار قديمة لقباذ ،دارا، وبها صيد كثير إلا أنه يتجنب الرعي في أماكن منها لا يدخلها بوجه ولا بسبب .
.فمضى هنود إلى الدورق، وأوقع بأولئك ، وكان علي يتوقع بعد ذلك سیر يعقوب إليه، فلم يسير وأمد الخضر بأخيه الفضل وأمرهما بالكف عن قتال أصحاب الخبيث، والاقتصار على المقام بالأهواز. فأبى ذلك على دون نقل طعام هناك، فتجافى له الصفار عن ذلك الطعام، وتجافى على الصفار عن علفٍ كان بالأهواز. فنقل علي الطعام، وترك يعقوب العلف وتكاف الفريقان أصحاب علي، وأصحاب الصفار(1)
فلما برأ جرحه عاد إلى الأهواز ووجه أخاه الخليل بن أبان في جيش كثيف إلى أحمد بن ليثويه وكان أحمد بعسكر مكرم فكمن ،أحمد وخرج إلى قتالهم، فالتقى الجمعان واقتتلوا أشد قتال . وخرج الكمين على الزنج فانهزموا وتفرقوا وقتلوا، ووصل المنهزمون إلى علي بن أبان فوجه مسلحة إلى المسرقان، فوجه إليهم أحمد ثلاثين فارساً من أصحابه من أعيانهم فقتلهم الزنج جميعهم .
وفيها: سلمت الصقالبة لؤلؤة إلى الروم وكان سبب ذلك : أن أحمد بن طولون قد أدمن الغزو بطرسوس قبل أن يلي ،مصر، فلما ولي مصر كان يؤثر أن يلي طرسوس ليعزو منها أميراً .
فكتب إلى أبي أحمد الموفق يطلب ولايتها فلم يجبه إلى ذلك، واستعمل عليها محمد بن طرون التغلبي، فركب في سفينة في دجلة، فألقتها الريح إلى الشاطئ، فأخذه أصحاب مساور الشاري فقتلوه واستعمل عوضه محمد بن علي الأرمني وأضيف إليه أنطاكية، فوثب به أهل
طرسوس فقتلوه . فاستعمل عليها أرخوز بن يولغ بن طرخان التركي فسار إليها . وكان عزا جاهلاً فأساء السيرة وأخر عن أهل لؤلؤة أرزاقهم وميرتهم، فضجوا من ذلك، وكتبوا إلى أهل طرسوس يشكون منه ويقولون :
إن لم ترسلوا إلينا أرزاقنا وميرتنا وإلا سلمنا القلعة إلى الروم.
فأعظم ذلك أهل طرسوس وجمعوا من بينهم خمسة عشر ألف دينار ليحملوها إليهم فأخذها أرخوز ليحملها إلى أهل لؤلؤة، فأخذها لنفسه. فلما أبطأ عليهم المال سلموا القلعة إلى الروم. فقامت على أهل طرسوس القيامة لأنها كانت شبحاً في حلق العدو، ولم يكن يخرج الروم في بر أو بحر إلا رأوه وأنذروا به واتصل الخبر بالمعتمد فقلدها أحمد بن طولون واستعمل عليها من يقوم بغزو الروم ويحفظ ذلك الثغر .
وفي هذه السنة: مات مساور بن عبد الحميد الشاري، وكان قد رحل من البوازيج يريد لقاء عسكر قد سار إليه من عند الخليفة، فكتب أصحابه إلى محمد بن خرزاد - وهو بشهر زور - ليولوه أمرهم، فامتنع وكان كثير العبادة، فبايعوا أيوب بن حيان الوراقي البجلي .
فأرسل إليهم محمد بن خرزاد ليذكر لهم أنه نظر في أمره فلم يسعه إهمال الأمر لأن مساور عهد إليه . فقالوا له : قد بايعنا هذا الرجل ولا نغدر به فسار إليهم فيمن بايعه فقاتلهم، فقتل أيوب بن حيان .
فبايعوا بعده محمد بن عبد الله بن يحيى الوارقي المعروف بالغلام فقتل أيضاً. فبايع أصحابه هارون بن عبد الله البجلي فكثر أتباعه وعاد عنه ابن خرزاد واستولى هارون على أعمال
الموصل وجبى خراجه.
وفيها : كانت وقعة بين موسى والأعراب .فوجه الموفق ابنه أبا العباس المعتضد في جماعة من قواده في طلب الأعراب .
وفيها: وثب الديراني بابن أوس فكبسه ليلاً، فتفرق عكسره ونهبه ومضى ابن أوس إلى واسط .
وفيها :ظفر أصحاب يعقوب بن الليث بن محمد بن واصل فأسروه .
وفيها : عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المعتمد سقط عن دابته بالميدان من صدمة خادم له فسال دماغه من منخريه وأذنه فمات لوقته وصلى عليه الموفق ومشى في جنازته، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد .
فقدم موسى بن بغا سامرا فاختفى الحسن واستوزر مكانه سليمان بن وهب .
ودفعت دار عبيد الله إلى كيغلغ.
وفيها : أخرج أخو شركب الحسين بن طاهر عن نيسابور، وغلب عليها وآخذ أهلها بإعطائه ثلث
أموالهم .
وسار الحسين إلى مرو وبها ابن خوارزم شاه يدعو لمحمد بن طاهر .
وفيها: سير محمد صاحب الأندلس ابنه المنذر في جيش كثير ، وجعل طريقه على ماردة، فلما جاز ماردة إلى أرض العدو تبعه تسعمائة فارس من العسكر، فخرج عليه جمع كثير من المشركين قد استظهر فاقتتلوا قتالاً كثيراً صبروا فيه وقتل من المشركين عدد كثير .
ثم استظهر ابن الجليقي ومن معه من المشركين على التسعمائة فوضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخر هم أكرمهم الله بالشهادة.
وفيها : ابتدأ إبراهيم أمير إفريقية ببناء مدينة رقادة.
وفيها: توفي أحمد بن حرب الطائي الموصلي أخو علي بن حرب توفي بأذنة من بلد الثغر .
وحج بالناس هذه السنة : الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل.
.1) هذا كل ما ذكر ابن مسكويه في أحداث تلك السنة، وزاد ابن الأثير من أحداثها ما يلي فقال : لما انهزم علي بن أبان جريحاً كما ذكرناه، وعاد إلى الأهواز لم يقم بها ومضى إلى عسكر صاحبه يداوي ،جراحه واستخلف على عسكره بالأهواز .
وفيها: مات عبيد الله بن يحيى بن خاقان من صدمة خادم له، وصلى عليه أبو محمد ومشى في جنازته، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد، ثم قدم موسى بن بُغا فهرب الحسن بن مخلد و استوزر مكانه سليمان بن وهب (1).
وفيها: توجه جيش من قبل الصفار إلى الصَّيْمَرَة (2)
هي موضعين أحدهما بالبصرة على فم نهر معقل، وفيها عدة قرى تسمى بهذا الاسم. . . والصيمرة بلد بين ديار الجبل وديار خوزستان وهي مدينة بمهرجان قُذِفَ .
قال أبو الفضل : دخلتها ولم أجد بها من يحدث حينئذ، وقد حدث بها جماعة وهي للقاصد من همذان إلى بغداد عن يساره وبها نخل وزيتون وجوز وثلج. وفواكه السهل والجبل .
وبينها وبين الطَّرْحان قنطرة عجيبة بديعة تكون ضعف قنطرة خانقين تعد في العجائب. قال الاصطخري : وأما صيمرة والسيروان فمدينتان صغيرتان غير أن بنيانهما الغالب عليه الجص والحجارة وفيها الليمون والجوز وما يكون في بلاد الصرود والجروم. وفيها مياه كثيرة وأشجار وهما نزهتان يجري الماء في دورهم ومنازلهم.
، ونفذوا إليها، وأخذوا صيغون وحملوه أسيراً.وفيها: مات موسى بن بغا ببغداد وحمل إلى سُرَّ من رأى ودفن بها .
وفيها: ولي محمد بن المولد واسطاً فحاربه سليمان بن جامع وهو قريب من تلك [125/أ] الناحية فهزمه وأخرجه من واسط، فدخلها سليمان .
السبب في ذلك
كان السبب في ذلك أن علي بن أبان لما هزم باغرتمش وجعلان، أشار عليه أحمد بن مهدي الجبائي(1)بتطرق (2)عسكر البخاري، وهو على خمسة فراسخ من عسكر تكين، فلما وافى ذلك الموضع قال له الجبائي: الرأي أن تقيم هاهنا وأمضي أنا في السميريات (3)فأخبر القوم فيأتوك آمنين فتنال حاجتك. فأقام سليمان وعبى خيله ورجاله بموضعه، ومضى الجبائي فقاتلهم ساعة (4)، وأعد تكين خيله، وتطارد له الجبائي.
وطال علي بن أبان انتظار الجبائي، فأقبل يقفو أثر الجبائي، فأنفذ غلاماً له إلى سلیمان ابن جامع : أن أصحاب تكين واردون عليك بخيلهم .
فتلقاه الرسول فرده إلى معسكره، وجعل عليّ كميناً مما يلي الصحراء في ميسرة تكين وقال : إذا جاءتكم خيل تكين فأدرجوا من ورائهم فلما علم الجبائي أن سليمان قد أحكم أمره، رفع صوته وقال لأصحابه ليسمع أهل تكين: غررتموني واهلكتموني وقد كنت أمرتكم ألا تدخلوا هذا المدخل، فأبيتم أن لا تلقوني وأنفسكم في هذه الورطة التي [لا](5)نری (6)أنا ننجو منها . فطمع أصحاب تكين لما سمعوا كلامه وجدوا في طلبه وجعلوا ينادونه . بلبل في قفص (7). وسار الجبائي سيراً حثيثاً واتبعوه بجد يرشقونه حتى جاوز الكمين، وقارب عسكر سليمان وهو أيضاً كان وراء الجند في خيله ورجله .
وزحف سليمان وخرج الكمين من وراء الخيل وعطف الجبائي فأتاهم الروع من الوجوه كلها، فانهزموا وركبهم الزنج فقتلوهم وأسروهم وسلبوهم حتى قطعوا ثلاثة فراسخ .
ثم وقف سليمان وقال للجبائي نرجع فقد غنمنا وسلمنا، والسلامة أفضل من كل شي.
1) كذا في المخطوط في كل المواضع وهو موافق لما في الطبري على ما ذكر محقق الكامل، وفي الكامل : الحياتي .
2) كذا هنا وفي الكامل : أن تتطرق.
3) في المخطوط السهيريات والتصويب من الكامل .
4) بعد هذه العبارة في الكامل : ثم تطارد لهم ساعة فتبعوه فأرسل إلى سليمان يعلمه ذلك .
5) زيادة يتطلبها السياق.
6) في المخطوط يرى، وهو تحريف .
7) العبارة في المخطوط أصابها تحريف وتصويبها من الكامل وهي في المخطوط بليل في نقص .
فقال الجبائي : كلا قد نفذت حيلتنا فيهم ونحبت قلوبهم، والرأي أن تكبسهم في ليلتهم ،هذه فلعلنا أن نفض جمعهم ونجتاحهم. فاتبع سليمان رأي الجبائي وسار إلى عسكر تكين وقاتل قتالاً شديداً حتى انكشف عنه سليمان، ثم وقف سليمان وعبى أصحابه ثانية، ووجه شبلاً في خيل ورجاله إلى الصحراء، وأمر الجبائي وسار في السميريات في بطن النهر .
فسار هو فيمن معه من أصحابه حتى وافى تكين فلم يثبت له أحد وانكشفوا وتركوا عسكرهم فغنم ما فيه وأحرق الباقي، وانصرف .
وكان استأذن صاحبه في الإلمام به فألقى في منصرفه ورود الإذن له، فاستخلف الجبائي، وحمل الأعلام التي أصابها من عسكر تكين، والشذات التي كان أخذها من خشيش وأصحاب أغرتمش، ومن كان معهم إلى عسكر الخبيث (1). ثم كانت لعلي بن أبان والجبائي وغيرهما من أصحاب الخبيث وقعات منكرات وأمور هائلة، ما كتبتها لخلوها مما بنيت عليه كتابي هذا إلى أن دخل أصحابه واسطاً (2)
لما سار سليمان إلى الخبيث خرج الحياتي (سبق أن ذكرت أن الجبائي في الكامل الحياتي فيلاحظ) بالعسكر الذي خلفه سليمان معه إلى مازوران لطلب الميرة فاعترضه جعلان فقاتله، فانهزم الحياتي، وأخذت سفنه .
وأتته الأخبار من منجورا ومحمد بن على بن حبيب اليشكري قد بلغا الحجاجية، فكتب إلى صاحبه بذلك فسير إليه سليمان فوصل إلى طهنا مجداً، وأظهر أنه يريد قصد جعلان وقدم الحياتي، وأمره أن يأتي جعلان ويقف بحيث يراه ولا يقاتله .
ثم سار سليمان نحو محمد بن علي حبيب مجداً، فأوقع به وقعة عظيمة، وغنم غنائم كثيرة، وقتل أخاً لمحمد بن علي ورجع، وكان ذلك في رجب في هذه السنة أيضاً. ثم سار في إلى قرية ،حسان وبها قائد يقال له حسن بن خمارتكين فأوقع به فهزمه، ونهب القرية وأحرقها وعاد .
ثم سار في شعبان أيضاً إلى مواضع فنهبها وعاد. ثم سار في رمضان وأظهر أنه يريد جعلان بمازوران، فبلغت الأخبار إلى جعلان بذلك فضبط ،عسکره فترکه سليمان وعدل إلى أبا ، فأوقع به - وهو غار - وغنم منه ست شذاوات . ثم أرسل إلى الحياتي في جماعة لينتهب فصادفهم ،جعلان فأخذ سفنهم، وغنم منهم . فأتاه سليمان في البحر فهزمه واستنفذ سفنهم وغنم شيئاً آخر وعاد .
ثم سار سليمان إلى الرصافة في ذي القعدة فأوقع بمطر بن جامع وهو بها، فغنم غنائم كثيرة وأحرق الرصافة واستباحها، وحمل أعلاماً وانحدر إلى مدينة الخبيث، وأقام ليعيد هناك بمنزله . فسار مطر إلى الحجاجية، فأوقع بأهلها وأسر ،جماعة، وكان بها قاض لسليمان، فأسره مطر وحمله إلى واسط.
وسار مطر إلى قريب طهئا، ورجع فكتب الحياتي إلى سليمان بذلك، فسار نحوه، فوفاه لليلتين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين.
ثم صرف جعلان ووافى أحمد بن ليثويه فأقام بالشديدية.
ومضى سليمان إلى نهرابان وبه قائد من قواد أحمد، فأوقع به فقتله .
ثم سار سليمان إلى تكين في خمس شذاوات سنة أربع وستين فواقعه تكين بالشديدية، وكان أحمد بن ليثويه حينئذ قد سار إلى الكوفة وجنبلاء فظهر تكين على سليمان، وأخذ الشذاوات بما فيها، وكان بها صناديد سليمان وقواده فقتلهم.
ثم إن أحمد عاد إلى الشديدية، وضبط تلك الأعمال، حتى وافاه محمد بن المولد، وقد ولاه الموفق مدينة واسط .
فكتب سليمان إلى الخبيث يستمده، فأمده بالخليل بن أبان في زهاء ألف وخمسمائة فارس، فلما أتاه المدد، قصد إلى محاربة محمد بن المولد ودخل سليمان مدينة واسط فقتل فيها خلقاً
كثيراً، ونهب وأحرق، وكان بها ابن منكجور البخاري، فقاتله يومه إلى العصر ثم قتل .
وانصرف سليمان عن واسط إلى جنبلاء ليعيث ويخرب، فأقام هناك تسعين ليلة وعسكرهم بنهر الأمير.
.وفيها: خرج سليمان بن وهب والحسن بن وهب إلى سُرَّ مَنْ رأى، فلما وصل إليها حبسه المعتمد وقيده وأنهب ،داره و دور بنيه واستوزر الحسن بن مخلد، وكان أبو أحمد الموفق حسن الرأي في وهب فشخص من بغداد ومعه عبيد الله بن سليمان بن وهب .
فلما قرب الموفق من سُرَّ مَنْ رَأى تحول المعتمد إلى العسكر الغربي فعسكر فيه .
واختلفت الرُّسُل بينهما، فلما كان بعد أيام سار المعتمد إلى حراقة في دجلة، وسار إلى رها أخوه الموفق في دلال، فخلع على الموفق وعلى مسرور البلخي، وكيغلغ وأحمد بن موسى بن بُغا.
ثم عبر أهل عسكر أبي أحمد إلى عسكر المعتمد يوم التروية من ذي الحجة .
فأطلق سليمان بن وهب ورجع المعتمد إلى الجوسق وهرب الحسن بن مخلد، وأحمد بن صالح بن شیرزاد.
وكتب في قبض أموالهما وأسبابهما ومن يتصل بهما .
وهرب القواد المقيمون [الذين ] (1)كانوا بسر من رأى إلى تكريت ثم شخصوا إلى الموصل ووضعوا أيديهم في الجباية.
وكان عبد الله بن سليمان كاتب الموفق، فأصلح بين فأصلح بين سليمان بن وهب وبين الحسن بن مخلد (2)
وفي هذه السنة: توفي أماجور مقطع دمشق، وولي ابنه مكانه فتجهز ابن طولون ليسير إلى الشام فيملكه فكتب إلى ابن أماجور يذكر له أن الخليفة قد أقطعه الشام والثغور.فأجابه بالسمع والطاعة .
وسار أحمد واستخلف بمصر ابنه العباس فلقيه ابن أماجور بالرملة ، فأقره عليها، وسار إلى دمشق فملكها وأقر قواد أماجور على أقطاعهم.
وسار إلى حمص فملكها، وكذلك حماه، وحلب وأرسل سيما الطويل بأنطاكية يدعوه إلى طاعته ليقره على ولايته، فامتنع ،فعاوده، فلم يطعه، فسار إليه أحمد بن طولون فحصره بأنطاكية وكان سيىء السيرة مع أهل البلد فكاتبوا أحمد بن طولون، ودلوه على عورة البلد، فنصب عليه المجانيق وقاتله فملك البلد ،عنوة والحصن الذي له .
وركب سيما وقاتل قتالاً شديداً حتى قتل، ولم يعلم به أحد، فاجتاز به بعض قواده فرآه قتيلاً، فحمل رأسه إلى أحمد فساءه قتله، ورحل عن أنطاكية إلى طرسوس فدخلها وعزم على المقام بها، وملازمة الغزاة فغلا السعر بها، وضاقت عنه وعن عساكره فركب أهلها إليه بالمخيم وقالوا له : قد ضيقت ،بلدنا، وأغليت أسعارنا فإما أقمت في عدد يسير، وإما رحلت عنا؟ وأغلظوا له في القول، وشغبوا عليه.
فقال أحمد لأصحابه : لتنهزموا من الطرسوسيين وترحلوا عن البلد ليظهر للناس خاصة العدو أن ابن طولون على بعد صيته وكثرة عساكره لم يقدر على أهل طرسوس فانهزم عنهم ليكون أهيب لهم في قلب العدو.
وعاد إلى الشام فأتاه خبر ولده العباس وهو الذي استخلفه بمصر أنه قد عصى عليه وأخذ الأموال وسار إلى برقة مشاققاً لأبيه، فلم يكترث لذلك ولم ينزعج له، وثبت وقضى أشغاله، وحفظ أطراف بلاده، وترك بحران عسكراً وبالرقة عسكراً مع غلامه لؤلؤ . وكانت حران لمحمد بن أتامش، وكان شجاعاً، فأخرجه عنها وهزمه هزيمة قبيحة، واتصل خبره بأخيه موسى بن أتامش، وكان شجاعاً بطلاً فجمع عسكراً كثيراً وسار نحو حران، وبها عسكر ابن طولون مقدمهم أحمد بن جيعويه .
فلما اتصل به خبر مسير موسى أقلقه ذلك وأزعجه، ففطن له رجل من الأعراب يقال له : أبو الأغر ، فقال له : أيها الأمير مفكراً منذ أتاك خبر ابن ،أتامش وما هذا محله، فإنه طياش قلق ولو شاء الأمير أن آتيه به أسيراً لفعلت.
فغاظه قوله وقال : قد شئت أن تأتي به أسيراً. قال: فاضمم إلي عشرين رجلاً اختارهم .
قال : افعل .
فاختار عشرين رجلاً، وسار بهم إلى عسكر موسى فلما قاربهم كمن بعضهم، وجعل بينه وبينهم علامة إذا سمعوها ظهروا ، ثم دخل العسكر في الباقين في زي الأعراب وقارب مضارب موسى وقصد خيلاً مربوطة فأطلقها وصاح هو وأصحابه فيها، فنفرت، وصاح هو ومن معه من الأعراب وأصحاب موسى غارون وقد تفرق بعضهم في حوائجهم، وانزعج العسكر وركبوا، وركب موسى فانهزم أبو الأغر من بين يديه فتبعه حتى أخرجه من العسكر وجاز به الكمين فنادى أبو الأغر بالعلامة التي بينهم فثار من النواحي وعطف أبو الأغر على موسى فأسروه، فأخذوه وساروا حتى وصلوا إلى ابن جيعويه فعجب الناس من ذلك وحاروا فسيره ابن جيعويه إلى ابن طولون، فاعتقله وعاد إلى مصر، وكان ذلك في سنة خمس وستين ومائتين .
وفي هذه السنة ظهر ببلاد الصين إنسان لا يُعرف مجمع جمعاً كثيراً من أهل الفساد والعامة، فأهل الملك أمره استصغاراً لشأنه فقوي وظهر حاله وكثف جمعه، وقصده أهل الشر من كل ناحية، فأغار على البلاد، وأخربها، ونزل على مدينة خانقوا فحصرها وهي حصينة، ولها نهر
عظيم وبها عالم كثير من المسلمين والنصارى واليهود والمجوس وغيرهم من أهل الصين.
فلما حصر البلد اجتمعت عساكر الملك ،وقصدته فهزمها وافتتح المدينة عنوة، وبذل السيف، فقتل منهم ما لا يحص- يحصى كثرة . ثم سار إلى المدينة التي فيها الملك، وأراد حصرها فالتقاه ملك الصين ودامت الحرب بينهما نحو سنة ثم انهزم الملك وتبعه الخارجي إلى أن تحصن منه في مدينة من أطراف بلاده، واستولى الخارجي على أكثر البلاد والخزائن وعلم أنه لا بقاء له في الملك إذ ليس هو من أهله فأخرب البلاد، ونهب البلاد، وسفك الدماء فكاتب ملك الصين ملوك الهند يستمدهم، فأمدوه بالعساكر، فسار إلى الخارجي، فالتقوا واقتتلوا نحو سنة أيضاً، وصبر ،الفريقان، ثم إن الخارجي أعدم .
فقيل : إنه قتل . وقيل : بل غرق .
وظفر الملك بأصحابه وعاد إلى مملكته ولقب ملوك الصين يعفور - ومعناه ابن السماء - تعظيماً
لشأنه وتفرق الملك عليه وتغلبت كل طائفة على طرف من البلاد، وصار الصين على ما كان عليه ملوك الطوائف يظهرون له الطاعة وقنع منهم بذلك، وبقي على ذلك مدة طويلة .
وفي هذه السنة : رابع عشر رمضان ملك المسلمون سرقوسة وهي من أعظم صقلية، وكان سبب ملكها : أن جعفر بن محمد أمير صقلية غزاها فأفسد زرعها وزرع ،قطانية وطبرمين، ورمطة، وغيرها من بلاد صقلية التي بيد الروم.
ونازل سرقوسة فحصرها براً وبحراً وملك بعض أرباضها ووصل مراكب الروم نجدة لها فسير إليها أسطولاً ، فأصابوها فتمكنوا حينئذ من حصرها.
فأقام العسكر محاصراً لها تسعة أشهر، فتحت، وقتل من أهلها عدة ألوف، وأصيب فيها من الغنائم ما لم يصب بمدينة أخرى، ولم ينج من رجالها إلا الشاذ الفذ، وأقاموا فيها بعد فتحها شهرين، ثم هدموها ثم وصل بعد هدمها من القسطنطينية أسطول فالتقوا هم ،والمسلمون، فظفر بهم المسلمون ،وأخذوا منهم أربع قطع ، وقتلوا فيها، وانصرف المسلمون إلى بلدهم آخر ذي القعدة .
وفي هذه السنة: سير محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس ابنه المنذر في جيش إلى مدينة بنبلونة وجعل طريقه على سرقسطة، فقاتل أهلها ثم انتقل إلى تطيلة، وجال في مواضع بني موسى، ثم دخل بنبلونة، فخرب كثيراً من حصونها وأذهب زروعها، وعاد سالماً . وفيها: سار جمع من العرب إلى مدينة جليقية فكان بينهم وقعة عظيمة قتل فيها من الطائفتين كثير .
وفيها: فرغ إبراهيم بن محمد بن الأغلب صاحب إفريقية من بناء رقادة وكان ابتداء عمارتها سنة ثلاث وستين ومائتين ولما فرغت انتقل إبراهيم إليها .
وفيها: وجه يعقوب بن الليث جيشاً إلى الصيمرة مقدمه إليها وأخذوا صعون فأحضروه عنده، فمات. وفيها ماتت قبيحة أم المعتز .
وفيها: وقع الطاعون بخراسان جميعها، وقومس فأفنى خلقاً كثيراً .
وحج بالناس هذه السنة: هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى الهاشمي .
وفيها: توفي أبو زرعة الرازي واسمه عبيد الله بن عبد الكريم وكان حافظاً للحديث ثقة .
ومحمد بن إسماعيل بن عُلية، وكان موته بدمشق.
وفيها : مات أبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي، وكان موته بمصر .
وعلي بن حرب الطائي وكان إماماً في الحديث.
.وفيها: كانت بين أحمد بن ليثويه وسليمان بن جامع قائد الزنج وقعة بناحية جنبلاء (1)فقتل من أصحاب سليمان سبعة وأربعين قائداً، وخلق من الجند لا يحصى
1) قال ياقوت : جنبلاء : كورة وبليد وهو منزل بين واسط والكوفة منه إلى قناطر بني دار إلى واسط .
عددهم، واستباح عسكره، وأحرق سفنه، فمضى مغلولاً حتى وافى طميثا (1)
فأنفذ إليه نكرويه لذلك وأمره بمساعدته والنفقة على عمل النهر.
فمضی سلیمان فیمن معه وأقام بالشريطة نحواً من شهر وشرعوا في عمل النهر .
وكان أصحاب سليمان في أثناء ذلك يتطرقون ما حولهم فواقعه أحمد بن ليثويه وهو عامل الموفق بجنبلاء، فقتل من الزنوج نيفاً وأربعين قائداً ...
وفيها سار جماعة من الزنوج في ثلاثين سميرية إلى جبل فأخذوا أربع سفن فيها طعام وانصرفوا .
.وفيها: لحق محمد المولد بيعقوب بن الليث فصار إليه وقبض السلطان على أمواله وضياعه .
وفيها: قبض الموفق على سليمان بن وهب وابنه عبيد الله، وأمر بقبض ضياعهما وأسبابهما وصولحا على تسعمائة ألف دينار.
واستكتب الموفق صاعد بن مخلد واستوزر إسماعيل بن بلبل .
وفيها: مات يعقوب بن الليث بالأهواز وخلفه أخوه عمرو بن الليث، وكتب عمرو إلى السلطان أنه سامع ومطيع (2)
وفيها مات يعقوب بن الليث الصفار تاسع شوال بجنديسابور من كور الأهواز. وكانت علته القولنج، فأمره الأطباء بالاحتقان بالدواء، فلم يفعل واختار الموت. وكان المعتمد قد أنفذ إليه رسولاً وكتاباً. يستميله ويترضاه، ويقلده أعمال فارس فوصل الرسول ويعقوب مريض، فجلس له وجعل عنده سيفاً، ورغيفاً من الخبز الخشكار ومعه بصل.
وأحضر الرسول فأدى الرسالة فقال له : قل للخليفة إنني عليل فإن من فقد استرحت منك واسترحت مني، وإن عوفيت فليس بيني وبينك إلا هذا السيف حتى آخذ بثأري أو تكسرني وتعقرني، وأعود إلى هذا الخبز والبصل .
وعاد الرسول، فلم يلبث يعقوب أن مات وكان الحسن بن زيد العلوي يسمي يعقوب بن الليث : السندان، لثباته .
وكان يعقوب قد افتتح الرَّخج وقتل ملكها وأسلم أهلها على يده وكانت مملكته واسعة الحدود، وكان اسم ملكها كبتير وكان يحمل على سرير من ذهب يحمله اثنا عشر رجلاً.
وابتني على جبل عال بيتاً وسماه مكة وكان يدعي الألوهية، فقتله يعقوب، وافتتح الخلجية وزابل، وغير ذلك .
ولم أعلم أي سنة كان ذلك حتى أذكره فيها .
وكان يعقوب عاقلاً حازماً، وكان يقول : من عاشرته أربعين يوماً فلم تعرف أخلاقه، فلا تعرفها في أربعين سنة .
و تقدم من سيرته ما يدل على عقله ولما مات قام بالأمر بعده أخوه عمرو بن الليث، وكتب إلى الخليفة بطاعته، فولاه الموفق خراسان ،وفارس ،وأصبهان وسجستان ،والسند وكرمان والشرطة ببغداد وأشهد بذلك وسيره إليه مع الخلع.
.1) كذا جاء رسمها في المخطوط وفي الكامل طهنا قد أشرت إلى كثرة الاختلاف في رسم تلك البلد أو الموضع . وقد ذكر ابن الأثير سبب تلك الوقعة فقال : كان سببها أن سليمان كتب إلى الخبيث يخبره بحال نهر يسمى الزهري ويسأله أن يأذن له في عمله فإنه متى أنفذه تهيأ له حمل ما في جنبلا وسواد الكوفة .
2) كذا جاء خبر موت عند ابن مسكويه وفصل ابن الأثير الخبر فقال :
وفيها: لحق العباس بن أحمد بن طولون مع من تبعه ببرقة مخالفاً لأبيه أحمد.
وكان أبوه استخلفه على عمله بمصر لما توجه إلى الشام .
فلما انصرف أحمد عن الشام راجعاً إلى مصر حمل العباس ما في بيت المال بمصر، وما كان لأبيه هناك [125 / ب] من مال وأثاث وغير ذلك ومضى إلى برقة.
فوجه إليه أبو جيشاً فظفروا به ووجهوا إلى أبيه، فحبسه عنده، وقتل بسببه وماكان منه جماعة كانوا شايعوا ابنه على ذلك (1)
فلما أبعد عن مصر حَسَّن للعباس جماعة كانوا عنده أخذ الأموال والانشراح إلى برقة ففعل ذلك، وأتى برقة في ربيع الأول. وبلغ الخبر أباه، فعاد إلى مصر، وأرسل إلى ابنه ولاطفه واستعطفه، فلم يرجع إليه . وخاف من معه، فأشاروا عليه بقصد إفريقية فسار إليها وكاتب وجوه البربر، فأتاه بعضهم وامتنع بعضهم .
وكتب إلى إبراهيم بن الأغلب يقول : إن أمير المؤمنين قد قلدني أمر إفريقية وأعمالها.
ورحل حتى أتى حصن بلدة ففتحه أهله له، فعاملهم أسوأ معاملة ونهبهم، فمضى أهل الحصن إلى إلياس بن منصور النفوسي رئيس الأباضية هناك، فاستعانوا به، فغضب لذلك وسار إلى العباس ليقاتله .
وكان إبراهيم بن الأغلب قد أرسل إلى عامل طرابلس جيشاً وأمره بقتال العباس، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً قاتل العباس فيه بيده .
فلما كان الغد وافاهم إلياس بن منصور الأباضي في اثني عشر ألفاً من الأباضية، فاجتمع هو وعامل طرابلس على قتال العباس، فقتل من أصحابه خلق كثير، وانهزم أقبح هزيمة، وكاد يؤسر فخلصه مولی ،له ونهبوا ،سواده وأكثر ما حمله من مصر، وعاد إلى برقة أقبح عودة وشاع بمصر أن العباس انهزم فاغتم والده حتى ظهر عليه .
وسير إليه العساكر لما علم ،سلامته، فقاتلوه قتالاً صبر فيه الفريقان فانهزم العباس ومن معه، وكثر القتلى في أصحابه .
وأخذ العباس أسيراً وحمل إلى أبيه فحبسه في مجرة في داره إلى أن قدم باقي الأسرى من أصحابه .
فلما قدموا أحضرهم أحمد عنده والعباس معهم، فأمره أبوه أن يقطع أيدي أعيانهم وأرجلهم، ففعل .
فلما فرغ منه، ويخه أبوه وذمه وقال له: هكذا يكون الرئيس والمقدم، كان الأحسن أنك كنت ألقيت بنفسك بين يدي وسألت الصفح عنك وعنهم فكان أعلى ،لمحلك وكنت قضيت حقوقهم فيما ساعدوك، وفارقوا أوطانهم لأجلك .
ثم أمر به فضرب مائة مقرعة ودموعه تجري على خدّه رقة لولده، ثم رده إلى الحجرة، واعتقله . وذلك سنة ثمان وستين ومائتين .
.1) وفصل ابن الأثير الخبر أكثر من ذلك فقال في عصيان العباس لأبيه : وفيها عصى العباس بن أحمد بن طولون على أبيه وسبب ذلك : أن أباه كان قد خرج إلى الشام واستخلف ابنه العباس، كما ذكرناه .
وفيها : دخل الزنج خَيْل (1)
خَيْلٌ: كورة وبليدة بين الري وقزوين محسوبة من أعمال الري وهي إلى قزوين أقرب، بينها وبين قزوين عشرة فراسخ ولها عدة قرى ومنبر وأسواق .
والنعمانية (2)، فأحرقوا وسبوا إلى جَرْجَرَايا (3)وقد خرج منها جماعة من العلماء والشعراء والكتاب والوزراء، ولها ذكر في الشعر قال ابزون
العماني :
ألا يا حبذا يوماً جررنا*** ذيول اللهو فيه بجر جرايا
، ودخل خَيْل أهل السواد بغداد.وفيها : ولي أبو أحمد عمر بن الليث ،خراسان ،وفارس، وأصبهان، وسجستان،وكرمان ،والسند وشهد له بذلك، ووجه إليه العهد والخلع.
وفيها: سار مسرور البلخي إلى الليل وكان هناك عبد الله بن ليثويه وكان يظهر الخلاف على السلطان فلما قصد مسرور ومن معه ،تلقوه وترجلوا له وانقادوا له بالسمع والطاعة وعبد الله بن ليثويه قد نزع سيفه ومنطقته وعلقهما في عنقه وهو يعتذر ويحلف أنه كان محمولاً على ما فعل.
فقبل منه وخلع عليه وعلى عدة من قواده (4)
وفيها : استعمل الموفق مسروراً البلخي على كور الأهواز ، فولى مسرور ذلك تكين البخاري فسار إليها تكين، وكان علي بن أبان والزنج قد أحاطوا بتستر فخاف أهلها وعزموا على تسليمها إليهم ، فوافاهم في تلك الحال تكين البخاري فواقع علي بن أبان قبل أن ينزع ثيابه فانهزم علي والزنج، وقتل منهم كثير وتفرقوا، ونزل تكين بتستر وهذه الوقعة تعرف بوقعة باب كورك وهي مشهورة.
ثم إن عليا قدم عليه جماعة من قواد الزنج، فأمرهم بالمقام بقنطرة فارس، فهرب منهم غلام رومی إلى تكين وأخبره بمقامهم بالقنطرة ، وتشاعلهم بالنبيذ وتفرقهم في جمع الطعام. فسار تكين إليهم ليلاً، فأوقع بهم وقتل من قوادهم جماعة، فانهزم الباقون وسار تكين إلى علي بن أبان، فلم يقف له عليّ، وأنهزم وأسر غلام له يعرف بجعفرويه. ورجع على الأهواز، ورجع تكين إلى تستر .
وكتب علي إلى تكين يسأله الكف عن قتل غلامه فحبسه .
ثم تراسل علي وتكين وتهاديا .
فبلغ الخبر مسروراً بميل تكين إلى الزنج، فسار حتى وافى تكين وقبض عليه وحبسه عند إبراهيم بن جعلان حتى مات وتفرق أصحاب تكين، ففرقة سارت إلى الزنج وفرقة سارت إلى محمد بن عبيد الله الكردي فبلغ ذلك مسروراً فأمنهم فجاءه منهم الباقون . وكان بعض ما ذكرناه من أمر مسرور سنة خمس وستين وبعضه سنة ست وستين ومائتين .
ثم ذكر ابن الأثير عدة حوادث في تلك السنة لم يذكرها ابن مسكويه هي يذكرها ابن مسكويه هي أن في هذه السنة :
وثب القاسم بن مهاة بدَلَف بن عبد العزيز بن أبي دلف بأصبهان فقتله .
ووثب جماعة من أصحاب أبي دلف بالقاسم فقتلوه وريسوا عليهم أحمد بن عبد العزيز . . . وفيها قتلت الأعراب جعلان المعروف بالعيار بدمما، وكان خرج يسير قافلة فقتلوه، فوجه في طلبهم، فلم يلحقوا .
وفيها : عسكر موسى بن أتامش وإسحاق بن كندا جيق والفضل بن موسى بن بغا، وعبروا جسر بغداد، ومنعهم الموفق فلم يرجعوا ونزلوا ،صرصر فاستكتب أبو أحمد الموفق صاعد بن مخلد فمضى إلى أولئك القواد فردهم من صرصر فخلع عليهم.
وفيها: خرج خمسة بطارقة من الروم إلى أذنة فقتلوا وأسروا .
وكان أرجوز والي الثغور فعزل عنها، فأقام مرابطاً وأسروا نحواً من أربعمائة وقتلوا نحواً من ألف وأربعمائة، وذلك في جمادى الأولى.
وفيها: غلب أحمد بن عبد الخجستاني على نيسابور .
وسار الحسن بن طاهر بن عبد الله إلى مرو، وهو عامل أخيه محمد بن طاهر، وأخربت طوس . وفيها : استوزر أبو الصقر إسماعيل بن بلبل .
وفيها: وثب جماعة من الأعراب من بني أسد على علي بن مسرور البلخي، قبل وصوله إلى
المغيئة بطريق مكة، وكان الموفق ولاه الطريق.
وفيها: بعث ملك الروم إلى أحمد بن طولون بعبد الله بن رشيد بن كاوس وعدة أسرى، وأنفذ
عدة مصاحف منه هدية إليه .
وحج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي .
وفيها: كانت موافاة أبي المغيرة عيسى بن محمد المخزومي إلى مكة لصاحب الزنج .
وفيها : توفي أبو بكر أحمد بن منصور الزنادي وعمره ثلاث وثمانون سنة. وإبراهيم بن هانئ، أبو إسحاق النيسابوري وكان من الأبدال قد صحب أحمد بن حنبل، وعلي بن حرب بن محمد الطائي الموصلي، مولده سنة خمس وسبعين ومائة، وقيل: غير ذلك، وقد تقدم.
وعلي بن موفق الزاهد .
وفيها : قتل أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي، قتله الزنج بالبصرة، أخذ العلم عن أبي عبيدة
والأصمعي.
.1) قال ياقوت :
2) وقال عن النعمانية : بليدة بين واسط وبغداد في نصف الطريق على ضفة دجلة معدودة من أعمال الزاب الأعلى وهي قصبته وأهلها شيعة غالية كلهم وبها سوق وأرطال وافية، ولذلك صَبَحُ الذهب يخالف سائر أعمال العراق.
3) وقال ياقوت أيضاً : بلد من أعمال النهروان الأسفل بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي كانت مدينة وخربت مع ما خرب من النهروان .
4) ذكر ابن الأثير مسرور في أحداث تلك السنة وذكر أنه فيها تولى على كور الأهواز من قبل الموفق فقال في خبره :
وفيها: ولي عمرو بن الليث عبيد الله بن عبدالله بن طاهر خلافته على الشرطة ببغداد، وسُرَّ مَنْ رَأَى [في صفر (1)] وخلع أبو أحمد عليه، فلما سار عبد الله إلى منزله خلع عليه فيه خلعه عمرو بن الليث، وبعث إليه عمرو مع خلعته عموداً من ذهب .
وفيها :مات أبو الساج [بجنديسابور] (2)وكان منصرفاً من الأهواز عن عسكر ابن الليث إلى بغداد.
وفيها (3): ولي عمرو بن الليث أحمد بن عبد العزيز بن دلف أصبهان :
وولي محمد بن أبي السَّاج الحرمين، وطريق مكة.
وفيها: وجه مسروراً إلى الأهواز أغرتمش ومطر بن جامع، وأبا الحرب علي بن أبان، وصاحب الزنج ، وكانت (1)بينهم بنهر السدرة ثم ظفر علي بكمين كمنه، وأكب الزنج على السلطان فهزموهم وأسر مطر بن جامع فأتي به علي بن أبان، فاستبقاه مطر .
فقال له علي : لو كنت أبقيت على صاحبنا جعفرويه بتستر لأبقينا عليك .
وكان جعفرويه محبوساً بتستر، فلما سار إليها مطر أخرجه وقتله .
فقام عليّ بيده إلى مطر فضرب عنقه .
وأفلت أغرتمش وأَبًا .
ووجه بالرؤوس إلى الخبيث [العلوي](2)
وصرف صاحب الزنج أكثر جنوده إلى علي بن أبان فلما رأى ذلك اغرتمش وادعه .
.وفيها : كانت بين الأكراد وبين علي بن أبان وقعة فغلب الأكراد وقتلوا من الزنج مقتلة عظيمة .
ذكر السبب في ذلك
كان السبب في ذلك : أنه كان بين محمد بن عبيد الله بن أزادمرد الكردي وبين علي بن أبان شحناء، ثم تلاقيا على الصلح .
وكان علي يرصده بشر، وقد عرف محمد بن عبيد الله، وكان يروم النجاة منه، وكاتب ابن الخبيث المعروف بأنكلاي [بن العلوي](3)وسأله مسألة أبيه ضم ناحية إليه .
فأذن له الخبيث، فاستعدّ له على وسار إليه وواقع برامهرمز ومحمد بن عبيد الله يومئذ مقيم بها ، فلم يكن لمحمد فيه امتناع، فهرب .
واستباح علي رامهرمز وكتب محمد إلى عليّ يطلب المسالمة على مال يحمله إليه . فكتب عليّ إلى الخبيث بذلك، فكتب إليه بقبول ذلك، وحمل المال فحمله(4)،وأمسك علي عن محمد وأعماله.
ثم كتب يسأله أن يعينه على جماعة من الأكراد بموضع يقال له : الداربان(5)على
1) في المخطوط وكاتب. وهو تحريف.
2) زيادة من الكامل، وزاد ابن الأثير بعد أن ذكر هذا الخبر بنحو مما هنا، فقال بعد ذلك : وكان عليّ واغرتمش بعد ذلك في حروبهم على السواء.
3) زيادة من الكامل .
4) في الكامل : فحمل إليه مائتي ألف درهم فأنفذها إلى صاحب الزنج، وأمسك عن محمد بن عبيد الله وأعماله .
5) وفي الكامل : الدارنان وأشار محققه إلى أنه في الطبري كما هنا.
أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم.
فكتب علي إلى الخبيث يستأذنه في النهوض إلى ذلك.
فكتب إليه : أن وجّه الخليل بن أبان أخان (1)،وبهبود ، وأقم أنت لا تنفذ جيشك حتى تستوثق من محمد بن عبيد الله برهائن تكون في يدك تأمن بهم من غدره، فقد وترته وهو غير مأمون. فكتب علي إلى محمد بذلك، وسأله الرهائن فأعطاه محمد الأيمان والعهود ودافعه عن الرهائن (2).
فدعا على بن أبان الحرص على الغنائم التي أطمعه فيها محمد إلى أن نفذ الجيش قبل تحصيل الرهائن .
فساروا ومعهم رجال محمد حتى وافوا الموضع المقصود، فخرج إليهم أهله فنشبت الحرب وظهر الزنج على الأكراد، ثم خذلهم أصحاب محمد بن عبيد الله، وصدقهم الأكراد، فانهزموا .
وكان محمد أعد لهم قوماً فعارضوهم وهم ،منهزمون، فأوقعوا بهم وسلبوهم وقتلوهم، فرجعوا بأسوأ حال فكتب المهلبي إلى الخبيث بما ركبه محمد. فكتب إليه يعنفه ويقول : خالفتني وتركت الحزم وتبعث هواك، فذاك الذي أردى جيشك . وكتب الخبيث إلى محمد أنه لم يخف عليّ تدبيرك على جيش علي بن أبان ولن تعدم المكافأة على ما كان منك .
فارتاع محمد مما ورد عليه وكتب إليه بالخضوع، وكتب:
إني أرتجع جميع ما ذهب من عسكر الخليل بن أبان وتوعد من فعل ذلك أقصده بكل مكروه. فأظهر الخبيث غضباً، وكتب إليه يتهدده. فأعاد محمد الكتاب بالاستكانة وكتب إلى بهبود يتضمن له مالاً ولغيره ممن يقرب من الخبيث، فلم يزلوا حتى سألوا خيمته على محمد .
وأظهر الخبيث الرضا عن محمد وقال : لست أقبل ما يقول أو يخطب لي على منابر أعماله فأجابه محمد إلى ما أراد، ثم راوغه. وقصد علي متوث، فلم يطقها (3)الحصانتها، فاتخذ لها سلاليم وآلات الحرب، وكان مسرور عرف قصد عليّ متوث (4)
قال أبو الفرج الأصبهاني : متوث مدينة بين سوق الأهواز وبين قُرْقُوب اجتزت بها سنة (327).
،1) کذا هذه الكلمة في هذا الموضع وربما سقط قبلها حرف الواو وكانت اسماً لشخص من القواد فالله أعلم .
2) في الكامل : ومطله ،بالرهائن وهذا طبعاً دليل أو علامة نية الغدر .
3) في المخطوط : يطلقا. وهو تحريف.
4) قال ياقوت في معجم البلدان متوث : قلعة حصينة بين الأهواز وواسط، قد نسب إليها جماعة من أهل العلم والحديث .
فلما سار إليها عليّ وافاه مسرور قبل الغروب(1)وهو مقيم عليها .
فلما [126/أ] عاين أصحاب عليّ أوائل خيل مسرور انهزموا وتركوا العسكر وجمیع الآلات التي أعدوها وقتل منهم خلق كثير. وانصرف علي مهزوماً (2)مغلولاً.
ولم يلبث حتى تتابعت الأخبار بأقيال أبي أحمد إلى سوق الخميس وطمينا.
وفتح أبي أحمد إياها، ثم ورد عليه كتاب يخفره خفراً شديداً بالمسير إليه في عسكره (3)
وفيها في صفر غلب اساتكين على الشرطة وهي الآن من أعمال سجستان، وعلى الري، وأخرج منها حظلخجور العامل عليها، ثم مضى إلى ،قزوين وعليها أخو كيغلغ فصالحه، ودخل اساتكين ،قزوین، ثم رجع إلى الري .
وفيها وردت سرية من سرايا الروم إلى تل يَسْهَى من ديار ربيعة فأسرت نحواً من مائتين وخمسين إنساناً، ومثلت بالمسلمين فنفر إليهم أهل الموصل ونصيبين، فرجعت الروم...
وفيها: فارق إسحاق بن كنداج أحمد بن موسى بن بغا، وكان سبب ذلك :
أن أحمد لما سار إلى الجزيرة وولي موسى بن أتامش ديار ربيعة، فأنكر ذلك إسحاق بن كنداج فارق عسكره وسار إلى بلد فأوقع بالأكراد اليعقوبية فهزمهم وأخذ أموالهم .
ثم لقي ابن مساور الخارجي فقتله، وسار إلى الموصل فقاطع أهلها على مال قد أعدوه. وكان قائد كبير بمعلثايا اسمه : علي بن داود وهو المخاطب له عن أهل الموصل والمدافع فسار ابن كنداج إليه .
فلما بلغه الخبر فارق معلثايا وعبر دجلة ومعه حمدان بن حمدون إلى إسحاق بن أيوب بن أحمد التغلبي العدوي، فاجتمعوا كلهم فبلغت عدتهم نحو خمسة عشر ألفاً، وسمع ابن كنداج باجتماعهم، فعبر إلى البلد وعبر دجلة إليه، وهو في ثلاث آلاف، وسار إلى نهر أيوب، فالتقوا بكراثا - وهي التي تعرف اليوم بتل موسى - وتصافوا للحرب .
فأرسل مقدم ميسرة بن أيوب إلى ابن كنداج يقول له : إنني في الميسرة فاحمل عليَّ لأنهزم .
ففعل ذلك فانهزمت ميسرة بن أيوب وتبعها الباقون .
فسار حمدان بن حمدون وعلي بن داود إلى نيسابور، وأخذ ابن أيوب نحو نصيبين فاتبعه ابن كنداج فسار ابن أيوب عن نصيبين إلى آمد و استولى ابن كنداج على نصيبين وديار ربيعة . واستجار ابن أيوب بعيسى ابن الشيخ الشيباني وهو بآمد ،فأنجده، وطلب النجدة من أبي المعز بن موسى بن زرارة - وهو بارزن - فأنجده أيضاً.
وعاد ابن كنداج إلى الموصل، فوصل إليه من الخليفة المعتمد عهد بولاية الموصل، فعاد إليها، فأرسل إليه ابن الشيخ وابن زرارة ،وغيرهم بذلوا له مائتي ألف دينار ليقرهم على أعمالهم . فلم يجيبهم فاجتمعوا على حربه.
فلما رأى ذلك أجابهم إلى ما طلبوا وعاد عنهم، وقصدوا بلادهم.
وفيها: أمر محمد بن عبد الرحمن بإنشاء مراكب بنهر ،قرطبة وحملها إلى البحر المحيط، وكان
سبب عملها :أنه قيل له : إن جليقية ليس لها مانع من جهة البحر المحيط، وأن ملكها من هناك سهل .
فأمر بعمل المراكب فلما فرغت وكملت برجالها ،وعدتها سيرها إلى البحر المحيط .
فلما دخلته المراكب تقطعت ولم يجتمع منها مركبان ولم يرجع منها إلا اليسير .
وفيها: التقى اسطول المسلمين واسطول الروم عند صقلية، فجرى بينهم قتال شديد فظفر الروم بالمسلمين وأخذوا ،مراكبهم، وانهزم من سلم منهم إلى مدينة بلرم بصقلية.
وفيها : كان بإفريقيا غلاء شديد وقحط عظيم كادت الأقوات تعدم .
وفيها: قتل أهل حمص عاملهم عيسى الكرخي .
وفيها: أسر لؤلؤ غلام أحمد بن طولون من رابية بني تميم إلى موسى بن أتامش وهو برأس فأخذه أسيراً وسيره إلى الرقة، ثم لقي لؤلؤ أحمد بن موسى بن أتامش ومن معه من
عين الأعراب، فانهزم لؤلؤ ورجع الأعراب إلى عسكر أحمد لينهبوه فعطف عليه لؤلؤ وأصحابه فانهزموا فبلغت هزيمتهم قرقيسيا، ثم ساروا إلى بغداد وسامرا.
وقد ذكرت فيما تقدم أن الذي أسر موسى غير لؤلؤ على ما ذكره مؤرخو مصر .
وفيها: كانت بين أحمد بن عبد العزيز وبكتمر ،وقعة فانهزم بكتمر وسار إلى بغداد.
وفيها : أوقع الخجستاني بالحسن بن زيد بجرجان - وهو غار - فلحق بآمل، وغلب الخجستاني على جرجان وأطراف طبرستان. فكان الحسن لما سار عن طبرستان إلى جرجان استخلف بسارية الحسن بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن حسين الأصغر العتيقي. فلما انهزم الحسن بن زيد أظهر العقيقي بسارية أنه قتل ودعا إلى البيعة لنفسه فبايعه ،قوم ووافاه الحسن بن زيد فحاربه، ثم ظفر به فقتله .
وفيها: كانت وقعة بين الخجستاني وعمرو بن الليث انهزم فيها ،عمرو، ودخل الخجستاني نیسابور، وأخرج منها عامل عمرو ومن كان يميل إليه.
وفيها كانت فتنة بالمدينة ونواحيها بين العلويين والجعفرية . . . وغلا السعر بها حتى تعذرت الأقوات، وعم الغلاء سائر البلاد من الحجاز والعراق والموصل والجزيرة، والشام وغیرذلك إلا أنه لم يبلغ الشدة بالمدينة. وفيها وثب على كسوة الكعبة فانتهبوها وسار بعضها إلى صاحب الزنج، وأصاب الحجاج فيها شدة شديدة .
وفيها: خرجت الروم على ديار ربيعة، فاستفز الناس فنفروا في برد شديد لا يمكن فيه دخول الدرب . وفيها غزا سيما خليفة أحمد بن طولون على الثغور الشامية في ثلاثمائة رجل من أهل طرسوس فخرج عليهم نحو من أربعة آلاف من بلاد هر قلة .
فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقتل المسلمون خلقاً كثيراً من العدو وأصيب من المسلمين جماعة . وفيها: كان الناس في البلاد التي تحت حكم الخليفة جميعها في شدة عظيمة يتغلب القواد وأمراء الأجناد على الأمر وقلة المراقبة والأمن من إنكار ما يأتونه ويفعلونه لاشتغال الموفق بقتال صاحب الزنج، ولعجز الخليفة المعتمد واشتغاله بغير ذلك . وفيها اشتد الحر في تشرين الثاني ثم اشتد البرد حتى جمد الماء.
وفيها : قدم محمد بن أبي السَّاج مكة فحاربه المخزومي، فهزمه محمد، واستباح ماله وذلك يوم التروية . وفيها : سار كيغلغ إلى الجبل وبكتمر راجعاً إلى الدينور.
وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي .
وفيها: توفي محمد بن شجاع أبو بكر الثلجي، وكان من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة الثلجي .
وفيها: توفي صالح بن أحمد بن حنبل، وكان مولده سنة ثلاث وثلاثين ومائتين .
.وفيها: غلب أبو العباس بن الموفق على عامة ما كان سليمان صاحب الزنج غلب عليه من قرى دجلة (1)
وهذا أبو العباس هو الذي صار خليفة بعد المعتمد، فلقب المعتضد بالله .
.الخبر عن ذلک
أن الزنج لما دخلوا واسطاً كان منهم ما ذكرنا الخبر بأبي أحمد استعظمه فخف للنهوض ابنه أبو العباس، فلما استجمع أمره ركب أبو أحمد فعرض أصحابه، ووقف على عدتهم، وكان جميع الفرسان والرجالة عشرة آلاف رجل في أحسن زي، وأجمل هيئة ، وأكمل عدة، ومعهم الشذات والسميريات والمعابر وللرجالة .
فنهض أبو العباس (2)، فانصرف أبو أحمد تشييعه، وأقام أبو العباس بالهزل حتى تكامل أصحابه وأقام أيضاً بالمدائن، ثم رحل إلى دير العاقول (3)فوافاه كتاب نصر أبي حمزة صاحب الشذات والسميريات وكان أمضاه على مقدمته يعلمه أن سليمان بن جامع قد وافي خيله ورجاله وشذاته والجبائي يقدمه حتى نزل الجزيرة التي بحضرة بردودا (4).
فرحل أبو العباس حتى وافى جرجرايا ثم فم الصلح (5)
وفيه بنى المأمون ببوران، وقد نسب إليه جماعة من الرواة والمحدثين وغيرهم، وهو الآن خراب
إلا قليلاً .
ثم ركب الظهر حتى وافى الصلح، ووجه طلائعه ليعرف الخبر، فأخبروه بموافاة القوم وجمعهم، وأن أول جيشهم بالصلح وآخرهم ببستان موسى بن بغا أسفل واسط. فلما عرف ذلك عدل سنن الطريق وسار معرضاً ولقي أصحابه أوائل القوم فتطاردوا لهم ، وأمعن الزنج في طلبهم، فجعل الناس يقولون اطلبوا للحرب أميراً، فإن أميركم مشغول بالصيد فلما قربوا من أبي العباس بالصلح خرج عليهم فيمن معه من الخيل والرجل فأمر ونودي نصير : إلى1) جاء بعد ذلك في الكامل تعريف بأبي العباس نصه :
2) في الكامل في التاريخ : فسار في ربيع الآخر سنة ست وستين ومائتين وشيعه أبوه وسير معه عشرة آلاف من الرجالة والخيالة في العدة الكاملة.
3) قال ياقوت: دير العاقول بين مدائن كسرى والنعمانية ، وبينه وبين بغداد خمسة عشر فرسخاً على شاطئ دجلة كان فأما الآن فبينه وبين دجلة مقدار ،ميل وكان عنده بلد عامر وأسواق أيام كون النهروان ،عامراً، فأما الآن فهو بمفرده في وسط البرية، وبالقرب منه دير قني .
4) في الكامل بردزويا وأشار محققه إلى أنه في الطبري كما هنا، وقال في المعجم : بردرايا.
5) قال ياقوت هو نهر كبير فوق واسط بينها وبين جَبل عليه عدة ،قرى وفيه كانت دار الحسن بن سهل وزير المأمون.
أين تتأخر عن هؤلاء الكلاب؟ ارجع إليهم. فرجع نصير وركب أبو العباس في سميرية، وحمل الناس من كل جهة فانهزم الزنج، وأصحاب أبي العباس يقتلونهم إلى أن وافى بهم قرية عبد الله وهي على ستة فراسخ من الموضع الذي لقوهم، وأخذوا عدة شذات وسميريات من قوم وغرق قوم . فكان ذلك أول فتح على يد أبي العباس. وأشار على أبي العباس قواده ونصحاؤه أن يجعل معسكره بالموضع الذي كان انتهى إليه إشفاقاً عليه من مقاربة القوم فأبى وقال أين التيقظ ؟ ونزل واسطاً .
ولما انهزم سليمان بن جامع وأصحابه فوافوا بنهر الأمير .
وكان القوم حين لقوا أبا العباس أجالوا الرأي بينهم فقالوا :
هذا فتى حدث لم تطل ممارسته للحرب. والرأي أن نرميه بجدنا كله فإنه سيرتاع ويكون سبباً لانصرافه عنا، أو أسره .
ففعلوا ذلك ،وحشدوا وكاد يتم لهم ما ،دبروه ثم كانت الدبرة عليهم. ودخل أبو العباس واسطاً من غد یوم الوقعة في أحسن ،زي واستأمن إليه القوم ثم انحدر إلى الغمر وهو على فرسخ من واسط فقدم فيه عسكره.
وكان الناس أشاروا عليه أن يعسكر فوق واسط، فأبى، ونزل الغمر .
ثم أخذ في بناء الشذات وآلات الماء، وأخذ يراوح القوم القتال ويغاديهم .
ثم إن سليمان استعدله مرة أخرى ،وحشر، فلقيهم أبو العباس فهزمهم وقتل وأسر . ثم أتاه مخبر فأخبره أن الزنج قد أجمعوا واستعدوا لكبس عسكره من ثلاثة أوجه، وأنهم قالوا فيما بينهم : إنه حدثٌ غِرّ قد خاطر فغرر بنفسه، فألقوا له ولا يتم له ذلك أبداً. فلما فلما علم ذلك بتدبيرهم حذر، وكانوا كمنوا له عشرة آلاف في موضعين وطمعوه في أنفسهم.
فمنع أبو العباس [أصحابه ](1)من اتباعهم فلما علموا أن كيدهم لم ينفذ اجتمعوا له وكاثروه فهزمهم وأفلت سليمان رجلاً ومضى جيشهم لا يلوي أحد على أحد.
ورجع أبو العباس إلى مكانه بالغمر .
ثم إن الجبائي كان تحته في الطلائع في كل ثلاثة أيام (2).
1) زيادة من الكامل.
2) الخبر في آخره في الكامل على النحو التالي : فلما علموا أن كيدهم لم يتم خرج سليمان في الشذاوات والسميريات، فأمر أبو العباس نصيراً أن يبرز إليهم، وركب هو شذاة من شذاواته سماها الغزال ومعه جماعة من ،خاصته وأمر الخيالة بالمسير بإزائه من شاطئ النهر إلى أن ينقطع، فعبر دوابهم ونشبت الحرب بين الفريقين فوقعت الهزيمة على الزنج ، وغنم العباس منهم أربع عشرة شذاة، وأفلت سليمان والحياتي، بعد أن أشفيا على الهلاك وبلغوا طهنا وأسلموا ما كان معهم .
أمر الجبائي بحفر آبار وصير فيها سفافيد حديد، وغشي بالبواري وواراها بالتراب، وأخفى مواضعها وجعلها على سنن مسير الجبل ليتهور فيها المجتازون. وكان يوافي متعرضاً ويهيج الناس، فجاء فطلبت الخيل، فتقطر فرس قائد في بئر منها، فوقف أصحاب أبي العباس على حيلته فحذروا ذلك السمت، ولم يمتحن غير ذلك القائد الواحد (1)
واستمد سليمان صاحب الزنج فأمده بأربعين سميرية بآلاتها ومقاتلتها فعادوا للتعرض للحرب فلم يكونوا يثبتون لأبي العباس، ثم سير إليهم عدة سميريات فأخذها الزنج، فبلغه الخبر وهو يتغدى، فركب في سميرية، ولم ينتظر أصحابه وتبعه منهم من خف، فأدرك الزنج فانهزموا، وألقوا أنفسهم في الماء فاستنقذ سميرياته ومن كان فيها، وأخذ منهم إحدى وثلاثين سميرية، ورمى أبو العباس يومئذ عن قوس حتى دميت إبهامه .
فلما رجع أمر لمن معه بالخلع، وأمر بإصلاح السميريات المأخوذة من الزنج، ثم إن أبا العباس رأى أن يتوغل مازروان حتى يسير إلى الحجاجية ونهر الأمير ويعرف ما هناك.
فقدم نصيراً في أول السميريات وركب أبو العباس في سميرية، ومعه محمد بن شعيب، ودخل مازروان، وهو يظن أن نصيراً ،أمامه، فلم يقف له على خبر وكان قد سار على غير طريق أبي العباس، وخرج من مع أبي العباس من الملاحين إلى غنم رأوها ليأخذوها، فبقي هو ومحمد بن شعيب فأتاهما جمع من الزنج من جانبي النهر، فقاتلهم أبو العباس بالنشاب ووافاه زيرك في باقي الشذاوات، فسلم أبو العباس وعاد إلى عسكره ورجع نصير وجمع سليمان بن جامع أصحابه، وتحصن بطهنا، وتحصن الشعراني وأصحابه بسوق الخميس، وجعلوا يحملون الفلات إليها .
وكذلك اجتمع بالصينية جمع كثير، فوجه أبو العباس جماعة من قواده على الخيل إلى ناحية الصينية، وأمرهم بالمسير في البر، وإذا عرض لهم نهر ،عبروه وركب هو في الشذاوات ،والسميريات، فلما أبصرت الزنج الخيل خافوا ولجأوا إلى الماء والسفن، فلم يلبثوا أن وافتهم الشذاوات مع أبي العباس فلم يجدوا ملجأ فاستسلموا فقتل منهم فريق وأسر فريق وألقى نفسه في الماء فريق. وأخذ أصحاب أبي العباس سفنهم وهي مملوءة أرزاً، وأخذ الصينية وأزاح الزنج عنها، فحازوا إلى طهنا وسوق الخميس.
ثم عادوا التعرض للحرب في كل يوم إلى أن استجرأ عليهم جند أبي العباس فكان أبو العباس يقصدهم ويقتل ويأسر ويستنقذ نساء المسلمين وصبيانهم ويردهم إلى أهليهم إذ عرض لأبي العباس كركي يطير فرماه بسهم فشكه فسقط بين يدي الزنج، فأخذوه، ورأوا موقع السهم فعلموا أنه سهم أبي العباس، فاستشعروا الرعب منه، فكانوا إذا أعلا منه انهزموا ثم عزم أبو أحمد الموفق [126/ب] على المسير إلى الجيش ومباشرة الأمر بنفسه.فعزم أبو العباس على قصد نهر الخميس قبل موافاة أبيه .
فقال له نصير : إن ذلك النهر ضيق فأقم أنت وأذن لي في المسير إليه، فأبى أن يدعيه حتى يعاينه .
1) زاد ابن الأثير في الكامل بين هذا وبين قصة الكركي ما يلي:
فقيل له : إن كنت لا بد فاعلاً فلا تكثر عدد من تحمل معك في الشذوات فاستعد أبو العباس وسار نصير بين يديه واستأذنه رجل من قواده يقال له: موسى وألح (1)أن يكون بين يديه، فأذن له وسار حتى انتهى إلى فوهة النهر المؤدي إلى مدينة سليمان بن موسى الشعراني وغاب عنه نصير حتى خفي خبره وخرج عليه في ذلك الموضع خلق. فتحدث كان معه قال : لما حالوا بيننا وبين الانتهاء إلى السور فكان من بيننا وبينه مقدار فرسخين حاربناهم فاشتد الحرب وخفي أمر نصير علينا، والزنج يهتفون بنا قد أخذنا نصيراً، وأنتم في قبضتنا .
فاغتم أبو العباس لذلك ووجل منه فاستأذنه محمد بن شعيب أن يأتيه بخبر نصير، فأذن له .
فمضى في سميرية بعشرين جندياً، فإذا هو بنصير وقد قرب من مكر كانوا مكروه، فأضرمه بالنار وهو يحارب حرباً شديداً وقد رزق الظفر فرجع وأخبر أبا العباس وبشره بسلامة نصير ومن معه وأنه ظافر غانم فسُرَّ به سروراً شديداً .
وكان الزنج قد علقوا بشذاة، فركب أبو العباس في سميرية حتى وافى تلك الشذاة وخلصها .
قال محمد: فنزعنا من كير أبي العباس خمساً وعشرين نشابة ومن لبابيد الملاحين مثل ذلك وأقل وأكثر، وظفر أبو العباس بالزنج، وهزمهم، وعاد إلى معسكره بالعمر إلى أن وافى الموفق (2). وخرج الموفق من مدينة السلام قاصداً حرب الزنج (3)وذلك حين بلغه أن صاحب الزنج كتب إلى صاحبه علي بن أبان المهلبي يأمره بالمسير بجميع من معه إلى ناحية سليمان بن جامع ليجتمعا على حرب أبي العباس بن أبي أحمد الموفق .
فأعد أبو أحمد الشذاوات وآلات الماء، وسار في فرسانه ورجاله وغلمانه إلى أن نزل على فرسخ من واسط فأقام هناك يوماً وليلة فتلقاه أبو العباس ابنه (4)في جريدة خیل قواده، ووجوه جنده.
فسأله أبوه عن خبر أصحابه فأثنى عليهم، ووصف نصحهم وبلاءهم فخلع عليهم وعليهم . وانصرف أبو العباس إلى معسكره ودخل أبو أحمد من غد ذلك اليوم في
الماء، وتلقاه أبو العباس وجميع الجند في هيئة الحرب. ثم سار أمامه إلى أن نزل أبو أحمد وولي ابنه أبا العباس مقدمته ووضع العطاء، فأعطى الجيش، ثم سار على تعبئة وإمامة أبي العباس، فأتاه بأسرى .
وذلك أنه وافى عسكر الشعراني قبل مجيء أبيه، فأوقع به وقتل منه مقتلة عظيمة . فأمر الموفق بضرب أعناق الأسرى.
ثم رجل أبو أحمد يريد مدينة صاحب الزنج التي سماها : المنيعة من سوق الخمیس (1)
ورحل الموفق بعده فنزل فوهة ابن مساور فأقام يومين، ثم رحل إلى المدينة التي سماها صاحب الزنج المنيعة من سوق الخميس يوم الثلاثاء لثمان خلون من ربيع الآخر من هذه السنة.
أقف على هذه المدينة التي تدعى : المنيعة .
وكذا لم أقف على ما تسمى بسوق الخميس في معجم البلدان.
بمن معه من الجيش وآلات الماء.فلما رأى سليمان ومن معه من الزنج مسير الخيل والرجالة على حافتي النهر وقد ملؤوا الأرض ومسير الشذاوات والسميريات في الماء انهزموا، وعلا أصحاب أبي العباس السور ووضعوا فيهم السيوف، ودخلوا المدينة، وقتلوا خلقاً وأسروا خلقاً وحووا ما في المدينة .
وهرب الشعراني، واتبعوهم حتى وقعوا في البطائح وغرق منهم خلق، ولجأ الباقون إلى الآجام.
واستنقذ من المسلمات خمسة آلاف امرأة سوى الزنجيات، وأمر أبو أحمد بحفظهن ليدفعن إلى أوليائهن .
وبات أبو أحمد بإزائها، فلما أصبح أمر بأخذ جميع ما فيها، وهدم سورها، وطم خندقها وإحراق آلاتها وسفنها (2)
ذلك وصرفه إلى الجند.
.وبلغ خبر الوقعة صاحب الزنج فعظمت مصيبته واشتد جزعه وركب إلى سلیمان ابن جامع يحذره مثل ما نزل بالشعراني، وأمره بالتيقظ .
وتعرف أبو أحمد خبر الشعراني، فقيل : إنه بالحوانيت (3). فأنفذ إليه جيشاً فألقوا إليه ،قواده ولم يصادفوه فقتلوا ،قواده وانتهبوا هناك غلات كثيرة .
وتعرف أبو العباس خبر سليمان بن جامع فأعلم بمكانه من مدينته التي سماها المعودة(1)من الموضع المعروف بطميثا (2)
طمينا، فالله أعلم بالصواب.
. فرحل إليها أبو أحمد بعد أن صلح سفن الجنود، واستكثر من الضياع والآلات التي يسد بها الأنهار والطريق للخيل وتوطئة الأرض لسلوكها .وفي هذه السنة : دخل أبو أحمد طميثا، وأخرج منها سليمان بن جامع، وقتل فيها أحمد بن مهدي الجبائي، وذلك بعد حروب كثيرة ولما حمل الجبائي إلى الخبيث اشتد جزعه عليه وسار إليه حتى وَلِيَ ،غسله وتكفينه ،والصلاة عليه، والوقوف على قبره حتى دفن .
ثم أقبل على أصحابه وقال : قد علمت بوفاته وقبض روحه قبل وصول خبره إليّ، سمع- سمعت من زجل الملائكة بالدعاء والترحم عليه .
ثم إن أبا أحمد أمر أهل عسكره بالتحارس ليلتهم وصبح المدينة بكتائب يتلوا بعضها بعضاً ورتب أصحابه وغلمانه في المواضع التي يخشى خروج الزنج منها، ورتب الفرسان في المواضع التي يخاف خروج الكمناء منها .
وقدم ابنه وتتبعه [127/أ] بنفسه وحضر الغلمان على الحرب، وحشرهم على الأقدام، وقد كان حَصَّنَ الزنج السور بخمسة خنادق، وجعلوا أمام كل خندق سوراً ووكلوا بها رجالهم .
فما أغنى جميع ذلك شيئاً عند الجد والجد فهدمت الأسوار، وطمت الخنادق، وهجم على الزنج وكل ذلك بالمصاولة من غير حيلة، سوى أن الموفق كان إذا أتى بالواحد منهم عفا عنه وخلع عليه وأقامه حيث يراه أصحابه حتى استمالهم وكثر في أصحابه منهم، وأمر بالإحسان إليهم حتى فتح المدينة وهدم أسوارها، وحوى ما فيها (3)
واستنقذ أبو أحمد من نساء أهل واسط والكوفة والقرى وغيرها، وصبيانهم أكثر من عشرين ألفاً . فأمر أبو أحمد بحملهم إلى واسط ودفعهم إلى أهليهم .
وأخذ ما كان فيها من الذخائر والأموال وأمر بصرفه إلى الأجناد . وأسر من نساء سليمان وأولاده عدة وتخلص من كان أخذ من أصحاب الموفق ونجا جمع كثير إلى الآجام.
فأمر أصحابه بطلبهم، فأقام سبعة عشر يوماً، وهدم سور المدينة، وطم خنادقها.
وجعل لكل من أتاه برجل منهم جعلاً فكان إذا أتي بالواحد منهم عفا عنه وضمه إلى قواده ،وغلمانه لما كان دبره من استمالتهم.
وأرسل فيطلب سلیمان بن جامع حتى بلغوا دجلة العوراء، فلم يظفروا به. وأمر زيرك بالمقام بطهنا ليتراجع إلى تلك الناحية أهلها ويأمنوا .
. ثم رحل نحو الأهواز بعد أن أحكم ما أراد إحكامه ليوقع بالمهلبي، واستخل1) كذا في المخطوط ، وأحسب أنها المعمورة وفي الكامل المنصورة، وربما كان ذلك صواب أيضاً .
2) كثر الكلام في رسم هذه البلدة أو الموضع فقيل : طهئا، وقيل طمثا، وقيل: طهيئا، وقيل:
3) فصل ابن الأثير في هذا الخبر بعد السيطرة والتغلب على موانع الأسوار والخنادق فقال : فكشفهم أصحاب أبي العباس، ودخلت الشذاوات، والسميريات المدينة من النهر فجعلت تغرق كل ما مرّت لهم به من سميرية وشذاة وقتلوا من بجانبي النهر وأسروا، حتى أجلوهم عن المدينة وعما اتصل بها وكان مقدار العمارة فيها فرسخاً وحوى الموفق ذلك كله، وأفلت سليمان بن جامع ونفر من أصحابه وكثر القتل فيهم والأسر.
على عسكره بواسط ابنه هارون و شخص خف من رجاله، وتقدم إلى ابنه هارون في أن ينحدر الجيش الذي يخلّفه في السفن إذا كاتبه بذلك.
وسار حتى أتى وادي السوس (1)، وقد عقد له جسر فعبره، ووافي السوس، وكاتب مسروراً في المبادرة إليه، فقدم إليه في جيشه. فخلع عليه وعلى قواده وأقام ثلاثاً. وضلت حيل الخبيث، وانقض عليه ،تدبيره فحمله فرط الهلع على أن كاتب المهلبي، وهو يومئذ بالأهواز، في ثلاثين ألفاً يترك ما قبله كله والإقبال إليه .
فترك ما كان جمعه من المير والأموال والأثاث وسار إليه، واستخلف محمد بن يحيى بن سعيد الكرماني.
فوجل من المقام وخرج يتبع المهلبي وكان يجبي من الأهواز يومئذ من الحبوب والتمر والمواشي شيء عظيم فخرجوا عن ذلك كله جنباً وإدبار .
فحوى جميعه الموفق فصار قوة له على الخبيث ولو أراد جمیع ذلک الوقت ماقدر على شيء منه .
وكتب أيضاً الخبيث إلى بهبود - وإليه يومئذ عمل الفندوم الباسيان وما يتصل بهما من القرى التي بين الأهواز وفارس - يأمره بالقدوم عليه فترك بهبود أيضاً ما كان قبله من التمر و(2)الطعام وكان شيئاً عظيماً فحوى جميعه أبو أحمد وقوي به على الخبيث، وتخلف عن المهلبي قوم من الفرسان والرجالة، وكتبوا إلى أبي أحمد يسألونه الأمان لما انتهى إليهم عفوه عمن ظفر به بطهيئا فبذله لهم، وأحسن إليهم.
وأمر الموفق بجباية الأهواز من جميع كورها ووجه إلى محمد بن عبدالله الکردي (3)من يؤمنه(4)وعفا عنه، وتقدم إليه في جمع الأموال وتعجيلها نحوه والسير إليه.
1) السوس بلدة بخوزستان فيها قبر دانيال النبي عليه السلام مما قاله ياقوت في معجم البلدان .
2) كذا في المخطوط، وفي معجم البلدان الفَنْدَم : موضع بالأهواز لا أدري ما هو ، من كتاب نصر . والباسِيَان : قرية بخوزستان قال الاصطخري من أرجان إلى آسك مرحلتان ثم إلى ديران مرحلة، وديران ،قرية وإلى الدورق مرحلة ومن الدورق إلى خان مردويه مرحلة وهو خان تنزله السابلة ومنه إلى باسيان مدينة وسط في الكبر عامرة يشق النهر فيها فتصير نصفين .
3) كذا في المخطوط، وفي الكامل : محمد بن عبيد الله الكردي.
4) في المخطوط : يونسه. وهو تحريف .
وتأخرت الميرة عن أبي أحمد بالأهواز وغلظ الأمر، فسأل عن السبب.
فوجه الجند وقد قطعوا قنطرة قديمة كانت بين سوق [الأهواز ](1)ورامهرمز يقال لها :
قنطرة ارتق فامتنع التجار من حمل الميرة لأجل ذلك فركب إليها أبو أحمد وهي على فرسخين من سوق الأهواز ، فجمع من كان في العسكر من السودان وأمرهم بنقل الصخر، وبذل لهم الأموال، فلم يزل (2)حتى أصلحت القنطرة في يوم واحد، وردت كما كانت، فسلكها الناس ووافت الميرة والقوافل فعاش أهل العسكر وحسنت أحوالهم .
وأمر أبو أحمد بجمع السفن لعقد جسر على دجيل فجمعت من كور الأهواز والآلات فلما تم عقده وتراجعت نفوس الناس والدواب باتصال الميرة والأعلاف سار وقدم أبا العباس إلى الموضع المعروف بنهر المبارك ليجمع العساكر .
ونزل أبو أحمد بفورج العباس، ثم نزل الجعفرية، وهذه قرية ليس فيها ماء إلا ماء الآبار التي كان أبو أحمد تقدم بحفرها في عسكره فحفرت له .
وكان أعد بها ميراً فوافاها والأمور مصلحة ومعدة. ثم رحل حتى ورد نهر المبارك، واستأمن قوم إلى أبي أحمد طمعاً فيما بلغهم من إحسانه إلى المستأمنة .
فأبلغوا أن أصحاب الزنج قد جمعوا آلات الماء وفيها خلق من السودان ليقصدوا نصيراً وهم بنهر المرأة(3)
نهر المرأة بالبصرة حفره أردشير الأصغر قال الساجي: صالح خالد بن الوليد عند نزوله البصرة أهل نهر المرأة واسم المرأة طماهيج فكانت طماهيج هي التي صالحته على عشرة آلاف درهم. وفي كتاب البلاذري أن خالد بن الوليد أتى نهر المرأة ففتح القصر صلحاً صالحه عنه النوشجان بن ،جسنسماه والمرأة صاحبة القصر كامور زاد بنت نرسى وهي بنت عم النوشجان .
، ويسلكوا موضعاً يخرجهم من ورائه .فأنفذ إلى نصير وأخبره بذلك . فبادر نصير إلى شق سيرين فلقي هناك القوم، فرزق الظفر بعد مجاهدة عظيمة، فقتل وأسر، وأخذ ثلاثين سميرية .
وانصرف أصحاب أبي أحمد ظافرين إلى واسط واستأمن إلى نصير زهاء ألفي رجل .
فكتب بالخبر إلى أبي أحمد فأمره بقبولهم وإجراء الأرزاق عليهم وتفريقهم على أصحابه ومناهضة العدو بهم (4).
ثم كتب إليه بموافاة نهر المبارك، ففعل (1)
وأمر الموفق ابنه أبا العباس بالمسير إلى محاربة العلوي بنهر أبي الخصيب. فسار إليه فحاربه من بكرة إلى الظهر، فاستأمن إليه قائد من قواد العلوي، ومعه جماعة فكسر ذلك الخبيث، وعاد أبو العباس بالظفر .
. وكتب أبو أحمد إلى الخبيث يدعوه إلى الدخول في الأمان والنزوع عما هو عليه من ادعاءات النبوة، وسبي المسلمات والمسلمين والفساد في الأرض، فإن التوبة ،مبذولة، وطال الكتاب في هذا المعنى .فلما وصل الخبيث رمى بالكتاب من يده ولم يجبه بشيء، وأقام على إصراره (2).
فعرض أبو أحمد الشذاوات، وجميع آلات الماء، ورتب قواده ومواليه وتخير الرماة منهم فرتبهم في الشذاوات وسار إلى مدينة الخبيث المختارة في نهر أبي الخصيب فأشرف عليها ،وتأملها فرأى من حصانتها ،وأسوارها، وخنادقها ووعورة الطرق المؤدية إليها من كل جهة وكثرة من أعد عليها من [127/ب] الرماة بالقسي الناوكيت والمجانيق، والعرادات وسائر الآلات ما لم ير مثله فاستعظم أمره (3)واستبعد الوصول إليه .
ولما عين الزنج أبا أحمد ارتفعت صيحتهم بما ارتجت له الأرض.
وقدم إلى بعض الشذاوات أن يقرب إلى السور من قصر الخبيث .
فتتابعت سهامهم وأحجار ،منجنيقهم، وغير ذلك من عراداتهم، ومقاليعهم حتى ما كان يقع طرف ناظر من الشذاوات إلا على سهم أو حجر فأمر أبو أحمد برد تلك الشذاوات ومعالجة من أصابه جرح أو وهن.
واستأمن في تلك الحال سميرياتان (4)فيهما مقاتلة من السودان ومعهما آلات الماءفأمر أبو أحمد المقاتلين بخلع ديباج ومناطق محلاه ،ووصلهم، وأمر للملاحين بخلع حرير حمر وثياب بيض وخضر وأمر لهم بصلات، وأمر بإدنائهم من الموضع يراهم نظراؤهم وكان هذا من أنجع المكائد التي كادهم بها .
وذلك أنهم لما رأوا ذلك حسدوهم على ما صاروا إليه من الإحسان من الدعة والأمن فتنافسوا فيه وابتدروا إليه وحرضوا على المسارعة إليه فسار إلى أبي أحمد في يومه ذلكعدة سميريات، فأمر لأصحابها بمثل ما أمر لمن تقدمهم، فتتابع القوم إلى الأمانن رغبة ورهبة ثم استأمن أصحاب الشذاوات .
وجاءه السودان والبيضان وكان يصلهم ويثبت أسماءهم، ويضمهم إلى ابنه أبي العباس.
ثم تقدم أبو أحمد إلى موضع يقرب إلى القصر يعرف بخطى(1)
نهر :جطی نهر بالبصرة عليه قرى ونخل كثير وهو من نواحي شرقي دجلة .
وذكر ابن الأثير عند ذلك في الكامل أن أبا الموفق أقام في عسكره يومين ثم نقل عسكره لست بقين من رجب إلى نهر جطى فنزله وأقام به إلى منتصف شعبان، ثم ركب في منتصف شعبان في الخيل والرجال ... ونودي بأمان للناس كافة إلا الخبيث وكتب الأمان في رقاع ورماها في السهام ووعد فيها بالإحسان، فمالت قلوب أصحاب الخبيث واستأمن ذلك اليوم خلق كثير .
بعدما أصلح الطرق إليه وعقد القناطر على أنهارها وعسكر أبي أحمد في ذلك الوقت زهاء خمسين ألف، ألف، وعسكر الخبيث زهاء ثلاثمائة ألف ممن يقاتل أو يدافع من بين ضارب بسيف وطاعن برمح ورام عن قوس، وقاذف بحجر عن منجنيق أو عواد أو مقلاع، وأضعفهم الرماة باليد وهم النظارة الذين يكثرون السواد ومعنيون بالنعير والصياح.فأمر أبو أحمد فنودي أن الأمان مبسوط للناس أسودهم وأحمرهم إلا الخبيث وأمر بسهام فلفت عليها رقاع مكتوب فيها من الأمان مثل الذي نودي به .
فأقبل إليه المستأمنة تترى. ورأى أبو أحمد حال ،الخبيث، وحصانة موضعه وكثرة عدته ما لا بدّ له من المطاولة والمحاصرة.
فاستعد لذلك وفرّق أصحابه حول الخبيث، ووكل بكل ركن قواداً قواهم بالرجال والآلات وأنفذ إلى عماله في النواحي في حمل الميرة والأموال وسائر الأمتعة، وبنى مدينة سماها الموفقية وعمل فيها بيت مال وأمر بحمل الأموال إليه من جميع البلدان .
وبنى دور الضرب، فضرب فيها دنانير ودراهم وجلب إليها الذهب والفضة، وأرسل إلى سيراف(2)
سیراف : مدينة جليلة على ساحل بحر ،فارس كانت قديماً فرضة الهند .
وقيل : كانت قضبة كورة أردشير خُرّه من أعمال فارس والتجار يسمونها شيلاو وقد رأيتها وبها آثار عمارة حسنة وجامع مليح على سواري ساج .
وهي من لحف جبل عال جداً وليس للمراكب فيها ميناء فالمراكب إذا قدمت إليها كانت على خطر إلى أن تقرب منها إلى نحو من فرسخين موضع يسمى نابد هو خليج ضارب بين جبلين، وهو ميناء جيد غاية. وإذا حصلت المراكب فيه أمنت من جميع أنواع الرياح، وبين سيراف والبصرة إذا طاب الهواء سبعة أيام.
من يأتيه بآلات الماء ويبني فيها السفن والشذاوات ويجلب متاع البحر منذ أكثر من عشر سنين لإخافة الخبيث السبل .وكتب بإثبات كل من يصلح للجندية إلى عماله في الأمصار ورغب في ذلك.
والمدينة الموفقية تبنى والكتب تنفذ بما يعمرها والتجار يجهزون إليها والأسواق تكثر ، وأقبلت إليها مراكب البحر .
وبنى أبو أحمد مسجد الجامع فصارت مدينة كبيرة، وحملت إليها الأموال وأداء العطاء في أوقاته ورغب الناس في حلولها والمصير إليها من كل أوب.
والخبيث يرصد غرة يرى فيها فرصة من أبي أحمد فلا يجد لتيقظ الناس وتحارسهم ولحفظ المتوكلين بالمواضع المخوف مواضعهم.
وكان أبو العباس لا يغفل ليلاً ولا نهاراً ، وإذا أمكنه قصد ناحية أوقع بها وبمن رتب فيها من الزنج، وإن أتاه مستأمن قبله وأحسن إليه .
والخبيث ينفذ أصحابه ويثبت رجاله في اقتطاع ما يرد المدينة من السفن وغيرها، فربما أصاب من ذلك حاجته .
فيعوض أبو أحمد البحار، ويشحن المواضع التي يقصد منها بالرجال، وندب لحفظ الطرق أبا العباس، وكان يوقع بأصحاب الخبيث ويحمل رؤوسهم إلى الموفقية، ويرتب الرجال في الماء والبر، حتى ضاق الأمر بالخبيث، وعزم على كبس الموفق فاستأمن بعض قواد الزنج وأخبر الموفق بذلك.
فأعد له قوماً، فلما أتاه البيان كان مستعداً، وظهر على الزنج وأصابه مثل ذلك مرات في كل مرة يجيئه من ينذره فيستعد لهم.
حتى ظفر يوماً برجال بيتوه وأسر وقتل من السودان نحواً من خمسة آلاف، ونصب الرؤوس على سور الموفقية .
فأشاع الخبيث في أصحابه أن ذلك زور وأن تلك الرؤوس رؤوس المستأمنة (1)
وظفر بصندل الزنجي، وكان يكشف رؤوس المسلمات ويقلبهن تقليب الإماء .
فلما أتى به أمر الموفق أن يرمي بالسهام ثم قتله .
واستأمن إلى الموفق من الزنج خلق كثير ، فبلغت عدة من استأمن إليه في آخر رمضان خمسين ألفاً .
وفي شوال انتخب صاحب الزنج من عسكره خمسة آلاف من شجعانهم وقوادهم، وأمر علي بن أبان المهلبي بالعبور لكبس عسكر الموفق فكان فيهم أكثر من مائتي قائد فعبروا ليلاً واختفوا في آخر النخل، وأمرهم إذا ظهر أصحابهم وقاتلوا الموفق من بين يديه ظهروا وحملوا على عسكره وهم غارون مشاغيل بحرب من أمامهم .
فاستأمن منهم إنسان من الملاحين فأخبر الموفق فسيّر ابنه أبا العباس لقتالهم وضبط الطرق
التي يسلكونها فقاتلوا قتالاً شديداً، وأسر أكثرهم، وغرق منهم خلق كثير، وقتل بعضهم،
ونجا بعضهم .
فأمر أبو العباس أن يحمل الأسرى والرؤوس والسميريات ويعبر بهم على مدينة الخبيث ففعلوا
ذلك .
وبلغ الموفق أن الخبيث قال لأصحابه :
إنّ الأسرى من المستأمنة، وأن الرؤوس تمويه عليكم .
فأمر بإلقاء الرؤوس في منجنيق إليهم .
فلما رأوها ،عرفوها، فأظهروا الجزع والبكاء وظهر لهم كذب الخبيث .
.1) يبين ابن الأثير في الكامل هذا الخبر بأكثر تفصيل في الكامل فيحكي قبله حكاية تؤدي إليه فيقول : من أصحاب الخبيث يريدون الإيقاع بنصير، فنذر بهم الناس فخرجوا وفي رمضان عبر طائفة إليهم فردوهم خائبين .
فأمر الموفق برمي تلک الرووس بالمنجنیقات و العرادات التي کانت منصوبة في السفن معمولة لأوقات الحرب، فتبين لأصحابه كذبه ، وصار سبباً لضعف نياتهم.
ثم زحف الموفق بنفسه إلى المدينة المختارة.
ذكر السبب في خروجه
كان السبب في خروجه أن قواد الخبيث كاتبوا أبا أحمد الموفق يعلمونه أنهم على الخروج إليه في الأمان، وأنهم [128/أ] ليس يجدون السبيل إلى ذلك؛ وأنه لو قدم قوم إلى الحرب لخرجوا ووجدوا بهم سبيلاً إلى مفارقة الخبيث .
فأنهض الموفق أبا العباس في آلات الماء، والشذاوات وانتخب له الرجال الشجعان وأهل النجدة والبأس وقدمه.
ثم سار بنفسه مع نصير ورشق وزيرك واستقبلهم أصحاب الخبيث في أكثر عدتهم وسلاحهم . وخرج ابن الخبيث انكلاني ومعه علي بن أبان وسليمان بن جامع مع السفن التي فيها المجانيق والعرادات والقسي الناوكيت.
فلما التقى الجمعان أمر أصحابه بالحملة والدنو للركن الذي فيه الجمع الأكثر وبينه وبينهم نهر يعرف بنهر الأتراك، وهو نهر عريض غزير الماء .
فلما انتهوا إليه أحجموا فصيح بهم وحرصوا على العبور، فعبروا سباحة، والزنج يرمونهم بما استطاعوا من المجانيق والعرادات والمقاليع والسهام، وحجارة الأيدي.
ذلك حتى عبروا النهر وانتهوا إلى السور.
فصبروا على جميع ولم يكن لحقهم من الفعلة ما كان أعد لهدمه فتولى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من السلاح وتسلقوه (1)، وحضرهم بعض السلاليم بعد أن قتل منهم مقتلة عظيمة، ونصب هناك علم [ من أعلام الموفق ](2).
وأسلم الزنج ،سورهم، وأحرق ما كان عليه من منجنيق وعراده، وآلة حرب واستلحقوا الفعلة حتى وسعوا المدخل في عدة مواضع وملكوا السور الأول بعد مدافعات هلك فيها من الفريقين خلق .
يحسن إليهم فيفتضحون ويأتون بالأخبار والتدابير التي
مستأمنة
ولا يعدم كل يوم مستأمنه یحسم إلیهم فیفتضحون ویأتون بالأخبار و التدابیر التي يدبرها الخبيث فينتقض عليه أمره (1)
ثم إن ابن الأثير ذكر عدة حوادث في هذه السنة لم يذكرها المؤلف وهي قوله :
وفي هذه السنة : كان بين هارون الخارجي، وبين محمد بن خرزاد، وهو من الخوارج أيضاً - وقعة ببعدرا من أعمال الموصل، وسبب ذلك :
أنّا قد ذكرنا سنة ثلاث وستين ومائتين الحرب الحادثة بين هارون محارباً له . فنزل واسط - وهي محلة بالقرب من الموصل - وكان يركب البقر لئلا يفر من القتال، ويلبس الصوف الغليظ ويرقع ثيابه. وكان كثير العبادة والنسك، ويجلس على الأرض ليس بينها وبينه حائل .
فلما نزل واسط خرج إليه وجوه أهل الموصل.
وكان هارون بمعلثايا يجمع لحرب محمد، فلما بنزول محمد عند الموصل سار إليه .
سمع ورحل ابن خرزاد نحوه فالتقوا بالقرب من قرية شمراخ واقتتلوا قتالاً شديداً، كان فيه مبارزة وحملات كثيرة .
فانهزم هارون، وقتل من أصحابه نحو مائتي رجل منهم جماعة من الفرسان المشهورين. ومضى هارون منهزماً ، فعبر دجلة إلى العرب قاصداً بني تغلب فنصروه واجتمعوا إليه ورجع ابن خرزاد من حيث أقبل .
وعاد هارون إلى الحديثة فاجتمع عليه خلق كثير .
وكاتب أصحاب ابن خرزاد و استمالهم فأتاه منهم الکثیر ولم یبق مع ابن خرزاد إلا عشیرته من الشمردلية، وهم من أهل شهرزور .
وإنما فارقه أصحابه لأنه كان خشن ،العيش وهو ببلد شهرزور، وهو بلد كثير الأعداء من الأكراد، وغيرهم وكان هارون ببلد الموصل قد صلّح حاله وحال أصحابه .
فلما رأى أصحاب ابن خرزاد بنواحي شهر زور الأكراد الجلالية وغيرهم فقتل .
وتفرد هارون بالرئاسة على الخوارج وقوي وكثر أتباعه وغلبوا على القرى والرساتيق .
وجعلوا على دجلة من يأخذ الزكاة من الأموال المنحدرة والمصعدة وبثوا نوابهم في الرساتيق يأخذون الأعشار من الغلات.
وفي هذه السنة: ابتدر ابن حفصون بالأندلس بالخلافة على محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس بناحية رية .
فخرج إليه جيش من تلك الناحية مع عاملها فقاتلهم فانهزم الجيش وقوي أمر عمر بن حفصون وشاع ذكره، وأتاه من يريد الشر والفساد.
فسير محمد صاحب الأندلس عاملاً آخر فى جيش فصالحه ،عمر وطلب العامل كل من كان له أثر في مساعدة عمر، فأهلکة فیهم من أبعده.
فاستقامت تلك الناحية .
وفيها كانت زلزلة عظيمة بالشام ومصر وبلاد الجزيرة، وأفريقية والأندلس. وكان قبلها هدة
عظيمة قوية .
وفيها: ولي جزيرة صقلية الحسن بن العباس فبث السرايا إلى كل ناحية، وخرج إلى قطانية،فأفسد زرعها وزرع طبرمين وقطع أشجارها وسار إلى بقارة، فأفسد زرعها .
وانصرف إلى بلرم.
وأخرجت الروم سرايا فأصابوا من المسلمين كثيراً، وذلك أيام الحسن بن العباس.
وفيها :حبس السلطان محمد بن عبد الله بن طاهر وعدة من أهل بيته بعد ظفر الخجستاني بعمرو بن الليث وكان عمرو اتهمه بمكاتبة الخجستاني . والحسين بن طاهر حيث كان يذكر أنه على منابر خراسان .
وفيها: كانت بين كيغلغ التركي وبين أصحاب أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، حرب انهزم فيها أصحاب أحمد .
وسار كيغلغ إلى همذان فوافاه أحمد بن عبد العزيز فيمن اجتمع إليه من أصحابه، فانهزم كيغلغ وانحاز إلى الصيمرة .
وفيها : في ربيع الآخر ماتت أم حبيب بنت الرشيد . وفيها كانت وقعة بين إسحاق بن كنداجيق وإسحاق بن أيوب وعيسى ابن الشيخ، وأبي المغراء وحمدان بن حمدان، ومن اجتمع إليهم من ربيعة وتغلب وبكر واليمن، فهزمهم ابن كنداجيق إلى نصيبين وتبعهم إلى آمد وخلف على آمد من حصر عيسى.
فكانت بينهم وقعات عند آمد .
وفيها: دخل الخجستاني نيسابور وانهزم عمرو بن الليث وأصحابه، فأساء السيرة في أهلها، وهدم دور معاذ بن مسلم وضرب من قدر عليه منهم، وترك ذكر محمد بن طاهر ودعا للمعتمد، ولنفسه.
وفيها في شوال : كانت لأصحاب أبي الساج وقعة بالهيصم العجلي قتلوا فيها مقدمته، وغنموا عسكره.
وفيها: أقبل أحمد بن عبد الله الخجستاني يريد العراق، فبلغ سمنان، وتحصن منه أهل الري، فرجع إلى خراسان
وفيها :رجع خلق كثير من الحجاج من طريق مكة لشدة الحر، ومضى خلق كثير فمات منهم عالم عظيم من الحرّ والعطش، وذاك كله في البيداء.
وأوقعت فزارى فيها بالتجار، فأخذ فيما قيل سبعمائة حمل بر.
وفيها : نُفي الطباع من سامرا .
وفيها: ضرب الخجستاني لنفسه دنانير ودراهم .
وحج بالناس : هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي .
وفيها : توفي محمد بن حماد بن بكر بن حماد أبو بكر المقرئ صاحب خلف بن هشام في ربيع الآخر ببغداد.
.1) والخبر في الكامل بنحو مما هنا غير أنه في الكامل أكثر تفصيلاً وكل تحرك في الكامل أكثر تفصيلاً وكل تحرك بيوم معلوم من السنة.
وفيها: استأمن جعفر السجان (1)
في الكامل في هذه السنة في المحرم خرج إلى الموفق من قواد الخبيث جعفر بن إبراهيم المعروف بالسحان .
، وهرب ريحان بن صالح المغربي من عسكر الخبيث إلى أبي أحمد فأمر لهما بجوائز وصلات وأقيمت لهما الأتراك وحملا حتى طهر الأصحاب الخبيث وعليهم الخلع فاستأمن من ذلك اليوم خلق كثير .1) فأفسد زرعها وزرع طبرمين وقطع أشجارها وسار إلى بقارة، فأفسد زرعها .
ثم وقعت بعد ذلك وقعات كثيرة بعضها للزنج وبعضها للموفق (1)
وتقدم إلى الرماة يحموا بالسهام من يهدم السور وينقبه .
فتقدموا إلى المدينة من جهاتها وقابلوها فوصلوا إلى السور وثلموه في مواضع كثيرة، ودخل أصحاب الموفق من جميع تلك الثُّلم وجاء أصحاب الخبيث يحاربهم فهزمهم أصحاب الموفق وتبغوهم حتى أوغلوا في طلبهم، فاختلفت بهم طرق المدينة، فبلغوا أبعد من الموضع الذي وصلوا إليه في المرة الأولى وأحرقوا وأسروا .
وتراجع الزنج عليهم، وخرج الكمناء من مواضع يعرفونها ويجهلها الآخرون فتحيروا، ودافعوا عن أنفسهم، وتراجعوا نحو دجلة بعد أن قتل منهم جماعة، وأخذ الزنج أسلابهم . ورجع الموفق إلى مدينته وأمره بجمعهم، فلامهم على مخالفة أمره، والإفساد عليه من رأيه وتدبيره . وأمر بإحصاء من فُقد وأقر ما كان لهم من رزق على أولادهم وأهليهم.
فحسّن ذلك عندهم وزادهم في صحة نياتهم.
. إلى أن منع من ميرة السمك الذي كان يأتيه من البطيحة ومنع العرب من حمل الميرة من جهة البادية، وقتل منهم خلق، وسلبوا ما كان معهم ومن ظفر به ممن يسفر أو يعين عليه أخذ وعوقب وعذب ثم قتل حتى ضاق على الزنج الأمر وانقطعت عنهم كل مادة ضعفوا جداً، وكان الأسير أو المستأمن إذا سُئل عن الخبز تعجب، ويزعم بعضهم أن عهدهم به سنتين وأقل وأكثر .فرأى الموفق أن يتابع الإيقاع بهم ليزيدهم فقراً وجهداً .
وأمر الموفق بعرض الزنج لما كثروا وصاروا أكثر من جنده (2)
وكان فيهم رجل يسفر بين صاحب الزنج والأعراب بجلب الميرة فقطعت يده ورجله، وألقى في عسكر الخبيث، وأمر بضرب أعناق الأسارى وانقطعت الميرة بذلك عن الخبيث بالكلية فأضرّ بهم الحصار وأضعف أبدانهم.
فكان يسأل الأثير والمستأمن عن عهده بالخبز فيقول : عهدي به منذ زمان طويل.
فلما وصلوا إلى هذا الحال رأى الموفق أن يتابع عليهم الحرب ليزيدهم ضراً وجهداً . فكثر المستأمنون في هذا الوقت وخرج كثير من أصحاب الخبيث فتفرقوا في القرى والأنهار البعيدة في طلب القوت .
فبلغ ذلك الموفق، فأمر جماعة من قواد غلمانه السودان بقصد تلك المواضع، ويدعون من بها إليه فمن أبى قتلوه .فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وأتاه أكثر منهم فلما كثر المستأمنون عند الموفق عرضهم فمن كان ذا قوة وجلد أحسن إليه، وخلطهم بغلمانه .
ومن كان منهم ضعيفاً أو شيخاً أو جريحاً قد أزمنته الجراحة كساه وأعطاه دراهم، وأمر به أن يحمل إلى عسكر الخبيث فيلقى هناك، ويأمره بذكر ما رأى من إحسان الموفق إلى من صار إليه،وأن ذلك رأيه فيهم.
فتهيأ له بذلك ما أراد من استمالة أصحاب الخبيث، وجعل الموفق وابنه أبو العباس يلازمان قتال الخبيث تارة هذا وتارة هذا وجرح أبو العباس، ثم برأ .
وكان من جملة من قتل من أعيان قواد الخبيث بهبود بن عبد الوهاب وكان كثير الخروج في السميريات وكان ينصب عليها أعلاماً تشبه أعلام الموفق، فإذا رأى من يستضعفه أخذه وأخذ من ذلك مالاً جزيلاً فواقعه في بعض خرجاته أبو العباس فأفلت بعد أن أشفى ثم إنه خرج مرة أخرى فرأى سميرية فيها بعض أصحاب أبي العباس، فقصدها طامعاً في أخذها فحاربه أهلها، فطعنه غلام من غلمان أبي العباس في بطنه فسقط في الماء، فأخذه أصحابه فحملوه إلى عسكر الخبيث، فمات قبل وصوله فأراح الله المسلمين من شره، وكان قتله من أعظم الفتوح وعظمت الفجيعة على الخبيث وأصحابه واشتد جزعهم عليه .
وبلغ الخبر الموفق بقتله، فأحضر ذلك الغلام فوصله وكساه وطوقه، وزاد في أرزاقه، فعل بكل من کان معه في تلك السميرية بنحو ذلك، ثم ظفر الموفق بالدواويني، وكان مماثلاً لصاحب الزنج.
فمن كان لا يصلح1) في الكامل : ثم أقام الموفق لا يحارب ليريح أصحابه إلى شهر ربيع الآخر، فلما انتصف ربيع الآخر قصد الموفق إلى مدينة الخبيث، وفرق قواده على جهاتها، وجعل مع كل طائفة منهم من النقابين جماعة لهدم السور، وتقدم إلى جميعهم : أن لا يزيدوا على هدم السور ولا يدخلوا المدينة .
2) وضح ابن الأثير تفصيل هذا الخبر بأكثر مما هنا إلى أن وصل إلى هذا الموضع فقال : وفي هذه السنة أوقع أبو العباس أحمد بن الموفق - وهو المعتضد بالله - بقوم من الأعراب كان يحملون الميرة إلى عسكر الخبيث، فقتل منهم جماعة وأسر الباقين، وغنم ما كان معهم. وأرسل إلى البصرة من أقام بها لأجل قطع الميرة، وسير الموفق رشيقاً مولى أبي العباس، فأوقع بقوم من بني تميم كانوا يجلبون الميرة إلى الخبيث فقتل أكثرهم وأسر جماعة منهم، فحمل الأسرى والرؤوس إلى الموفقية، فأمر بهم الموفق فوقفوا بإزاء عسكر الزنج.
للقتال مثل الشيخ والضعيف والمجروح ، والزَّمن، ومن أشبه هؤلاء أن يوهب لهم شيء ويردون إلى عسكر الزنج.
فلما عادوا وصفوا خصب عسكر الموفق وإحسانه إلى المستأمنة، فخرج بهذا السبب خلق في الأمان .
ثم إن بهبوذ احتمل حتى ظفر بخيل للموفق فقتلهم، وأخذ شذاوات كثيرة ونقل ميرة كثيرة .
ذكر حيلته هذه
احتال بأن أخذ شذاوات كثيرة فنصب عليها أعلاماً كأعلام الموفق، وحمل فيها قوماً في زي قومه ورجله، ثم أشهد في أن وقع إلى معترض يؤدي إلى نهر اليهودي، ثم ملك نهر ناقد حتى خرج إلى نهر الأبله، فانتهى إلى الشذاوات والسميريات المرتبة لحفظ النهر وهم غارون، فأوقع بهم وقتل قتلاً ذريعاً وأسر الباقين وأتى أصحابه في معترضات وأنهار غامضة .
ثم إنه طمع في المعاودة .
ذكر طمعه هذا
فأمر صاحبه أن يسلك في مواضع غامضة إلى أن يوافي القندل والترشان ففعل ذلك، فوقع على سميرية فيها طعام فقصدها بهبود فحاربه أهلها، فأصابته طعنة في بطنه
هلك منها فعظمت فجيعة الخبيث به، وأحضر الموفق الغلام فوصله وطوقه وزاد في أرزاقه وأمر لمن معه في سميريته بجوائز وصلات (1)
ذكر أخبار رافع بن هرثمة .
لما قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني علی بن عبد الله بن طاهر؛ فلما استولی یعقوب بن اللیث علی نیسابور، و أزال الطاهریة صار رافع في جملة.
فلما عاد یعقوب إلی سجستان صحبه رافع وکان طویل اللحیة کریة الوجه قلیل الطلاقة فدخل یوماً علی یعقوب، فلما خرج من عنده قال: أنا لا أمیل إلی هذا الرجل فلیحق بما شاء من البلاد.
فقیل له ذلک ففارقه ، وعاد إلی منزله بتامین- وهی من باذغیس- و أقام به إلی أن استقدمه الخجستاني- علی ما ذکرناه- وجعله صاحب جیشه، فلما قتل الخجستانی اجتمع الجیش علیه فهو بهراة فأمره - کما ذکرناه-.
وسار رافع من هراة إلی نیسابور- و کان أبو طلحة بن شرکب قد وردها من جرجان - فحضره فيها رافع وقطع الميرة عنه وعن نيسابور فاشتد الغلاء بها، ففارقها أبو طلحة ودخلها رافع فأقام بها وذلك سنة تسع وستين ومائتين.
وسار أبو طلحة إلى مرو وولى محمد بن مهتدي ،هراة، وخطب لمحمد بن طاهر بمرو، وهراة. فقصده عمرو بن الليث فحاربه فهزمه واستخلف عمرو بمرو محمد بن سهل بن هاشم وعاد عنها .
وخرج شركب إلى بيكند واستعان بإسماعيل بن أحمد الساماني، فأمده بعسكره، فعاد إلى مرو، فأخرج عنها محمد بن سهل وأغار على أهل البلد، فخطب لعمرو بن الليث، وذلك في شعبان سنة سنة إحدى وسبعين .
وقلد الموفق تلك السنة أعمال خراسان محمد بن طاهر، وكان ببغداد فاستخلف محمد على أعماله رافع بن هرثمة ما خلا ما وراء النهر، فإنه أقر عليه نصر بن ،أحمد ووردت كتب الموفق إلى خراسان بذلك، وبعزل عمرو بن الليث ولعنه .
فسار رافع إلى هراة وبها محمد بن مهتدي خليفة أبي طلحة شركب فقتله يوسف بن معبد، وأقام بهراة، فلما وافاه رافع استأمن إليه يوسف فأمنه وعفا عنه فاستعمل على هراة مهدي بن رافع إسماعيل بن أحمد.
فسار إليه بنفسه في أربعة آلاف ،فارس واستقدم رافع أيضاً علي بن الحسين المروذي، فقدم عليه فساروا بأجمعهم إلى شركب، وهو بمرو، فحاربوه، فهزموه.
وعاد إسماعيل إلى محازل، وذلك سنة اثنتين وسبعين ومائتين .
فجبى أموالها ورجع إلى نيسابور .
وفي هذه السنة : سير محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشاً مع ابنه المنذر إلى المخالفين عليه فقصد مدينة سرقسطة فأهلك زرعها وخرب بلدها وافتتح حصن روطة، فأخذ منه عبد الواحد الروطي - وهو من أشجع أهل زمانه -.
وتقدم إلى دير تروجة وبلد محمد بن مركب بن موسى فحاربه فأذعن إسماعيل بالطاعة، وترك الخلاف، وأعطى رهائنه على ذلك، وقصد مدينة أنقرة وهي للمشركين، فافتتح هنالك حصوناً، وعاد .
وفيها: أوقع إبراهيم بن أحمد بن الأغلب بأهل بلد الزاب وكان قد حضر وجوههم عنده،فأحسن إليهم ووصلهم وكساهم وحملهم .
ثم قتل أكثرهم حتى الأطفال وحملهم على العجل إلى حفرة، فألقاهم فيها .
وفيها سارت سرية بصقلية مقدمها رجل يعرف بأبي الثور فلقيهم جيش الروم فأصيب المسلمون -لهم غير سبعة نفر .
وعزل الحسن بن العباس عن صقلية فوليها محمد بن الفضل فبث السرايا في كل ناحية من صقلية، وخرج هو في حشد، وجمع عظيم وسار إلى مدينة قطانية فأهلك زرعها، ثم رحل إلى أصحاب الشلندية فقاتلهم فأصاب فيهم فأكثر القتل .
ثم رحل إلى طبرمين فأفسد زرعهم ثم رحل فلقي عساكر الروم، فاقتتلوا، فانهزم الروم وقتل أكثرهم، فكانت عدة القتلى ثلاثة آلاف قتيل ووصلت رؤوسهم إلى بلرم ثم سار المسلمون إلى قلعة كان الروم بنوها عن قريب وسموها مدينة الملك فملكها المسلمون عنوة، وقتلوا مقاتلتها وسبوا من فيها .
وفيها: سار عمرو بن الليث إلى فارس لحرب عاملها محمد بن الليث عليها، فهزمه عمرو، واستباح عسكره ونجا محمد، ودخل عمرو اصطخر فنهبها وأصحابه .
ووجه في طلب محمد فظفر به وأخذه أسيراً ثم سار إلى شيراز، فأقام بها .
وفيها : زلزلت بغداد في ربيع الأول ووقع بها أربع صواعق .
وفيها: زحف العباس بن أحمد بن طولون لحرب أبيه ، فخرج إليه أبوه إلى الإسكندرية فظفر به، ورده إلى مصر، فرجع معه إليها - وقد تقدم خبره سابقاً -.
وفيها : أوقع أخو شركب بالخجستاني وأخذ أمه .
وفيها : وثب ابن شبث بن الحسين فأسر عمر بن سيما عامل حلوان .
وفيها: انصرف أحمد بن أبي الأصبغ من عند عمرو بن الليث وكان عمرو قد أنفذه إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، فقدم معه بمال، فأرسل عمرو إلى الموفق من المال ثلاثمائة ألف دينار وخمسين مسكاً، وخمسين مناً ،عنبراً، ومائتي مناً عوداً وثلاثمائة ثوب وشي، وآنية ذهب وفضة ودواب وغلمان بقيمة مائتي ألف دينار.
وفيها: ولى كيغلغ الخليل بن رمال (ريمال) حلوان فنالهم بالمكاره بسبب عمر بن سيما، وأخذة بجريرة ابن شبث وضمنوا له خلاص ،عمر، وإصلاح ابن شيث .
وفيها: كانت وقعة بين اذكوتكين بن ،اساتكين وبين أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، فهزمه اذكوتكين وغلبه على قم.
وفيها: وجه عمرو بن الليث قائداً بأمر أبي أحمد إلى محمد بن عبيد الله الكردي فأسره القائد وحمله إليه .
وفيها في ذي القعدة خرج بالشام رجل من ولد عبد الملك بن صالح الهاشمي يقال له : بكار بن سلمية، وحلب وحمص، فدعا لأبي أحمد.
فحاربه ابن عباس الكلابي، فانهزم الكلابي فوجه إليه لؤلؤاً صاحب ابن طولون قائداً يقال له : بوذر في عسكر، فرجع وليس معه كبير أمر .
وفيها : أظهر لؤلؤ الخلاف على مولاه أحمد بن طولون.
وفيها : قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني في ذي الحجة، قتله غلام له وفيها قتل أصحاب أبي الساج محمد بن علي بن حبيب اليشكري بالقرية بناحية واسط ونصب
رأسه ببغداد .
وفيها: حارب محمد بن كيجور علي بن الحسين ،كغتمر فأسر كغتمر ثم أطلقه، وذلك في ذي الحجة .وفيها : سار أبو المغيرة المخزومي إلى مكة وعاملها هارون بن محمد الهاشمي، فجمع هارون جمعاً نحواً من ألفين احتمى بهم فسار المخزومي إلى عين مشاش فغور ماءها، وإلى جدة فنهب الطعام، وأحرق بيوت أهلها فسار الخبر بمكة أوقيتان بدرهم. وفيها: خرج ملك الروم المعروف بابن الصقلبية فنزل ملطية، فأعانهم أهل مرعش والحدث ، فانهزم ملك الروم. وغزا الصائفة من ناحية الثغور الشامية الفرغاني عامل ابن طولون فقتل من الروم بضعة عشر ألفاً، وغنم الناس، فبلغ السهم أربعين ديناراً .
وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي، وابن أبي الساج على الأحداث والطريق .
وفيها: مات محمد بن عبد الله بن عبد الحكم البصري الفقيه المالكي، وكان قد صحب
الشافعي، وأخذ عنه العلم .
.1) ثم ذكر ابن الأثير أحداث أخرى في هذه السنة لم يذكرها المؤلف هنا وهي قوله :
لما قتل بهبود طمع صاحبه في أمواله وكان قد صح عنده موضع مائتي ألف دينار وجواهر وصناعات ذهب لها قدر فطلب أمواله وذخائره وجلس أولياؤوه وضربهم بالسياط وأباد دوراً لهم، وهدم أبنية من أبنيته طمعاً في شيء يجده، فكان ذلك أشد ما أفسد قلوب اتباعه ودعاهم إلى الهرب منه والزهد في صحبته .
فأمر أبو أحمد بالنداء في أصحاب بهبوذ بالأمان، فسارعوا إليه ووصلهم.
ورأى أبو أحمد أن هدم السور الذي يفضي إلى الخبيث قد امتنع عليه، فأزمع أن يباشر [الحرب ](1)بنفسه ليكون ذلك أدعى جدّ أصحابه، فباشر الحرب حتى وصل إلى السور، وأحرق قناطر كانت تحول بين أصحابه وبين السور يعتصم بها الزنج فاستظهر
ذلك اليوم .
فبينا هو في جده وتشمره وقد ولج أصحاب السور وهدموا المسجد الجامع الذي
كان جناه الخبيث ووصلوا إلى دواوينه وخزائنه فطهر تباشير الفتح إذ أتاه سهم غلام رومی کان مع الخبيث يقال له قرطاس فأصاب صدر الموفق (2)فستر ذلك أصحابه،
وانصرف إلى موضعه من الموفقية وعُولج تلك الليلة، فلما كان من الغد[ 128/ ب] عاد [إلى] (3)الحرب على ما به ليشد من قلوب أوليائه لئلا يدخلهم وَهَن.
فزاد ما حمله نفسه من الحركة في قوة الجراحة فعظم أمرها حتى خيف عليه . واضطرب العسكر ،والجند، والرعية وخافوا قوة الخبيث عليهم، فأشار الأطباء وأهل الشفقة بأن يرجع إلى مدينة السلام.
فأبى [إلا ](1)أن ينتظر أمر الخبيث بعد ما وَهِيَ وبلغ الغاية ولم يبق في أمره إلا اليسير، فأقام على صعوبة علته وغلظ الحادثة في سلطانه إلى أن عوفي، فظهر لخاصته، وقد كان أطال الاحتجاب عنهم (2).
والخبيث في تلك الأيام يَعِدْ أصحابه العِدات ويُمَنِّيهم الأماني الكاذبة .
فلما استقل الموفق وتماثل وقوي على النهوض يجعل يحلف (3)على منبره أن ذلك باطل لا أصل له وأن الذي ظهر لهم في الشذاه مثال مموّه. وكان أعاد بناء ما خرب من مدينته ودواوينه ودوره .
فركب الموفق وعاود الموضع بالحرب، ووصل إلى تلك المواضع فهدمها ثانية .
ووصل أصحابه إلى قصر من قصوره فانتهبوا خيلاً له ولم يبق إلا الوصول إلى ،قصره فصعب مرام ذلك على الموفق (4).
وكثر المحامون عليه ودامت الحرب فطالت حتى وصل إلى الفريقين من القتلى والجرحى أمر عظيم وحتى لقد عُدّ الجرحى في بعض الأيام فوجدوها زهاء ألفي جريح في أصحاب الموفق، وذلك لتقارب الفريقين في وقت القتال، ومنع الخناق كل واحد من الفريقين من الدنو من صاحبه .
وكانت الشذاوات إذا قربت من قصره رموا من السور، ومن أعلى القصر بحجارة
المنجنيقات ،وغيرها وبالنشاب وغيرها وأذيب الرصاص وأفرغ عليهم، حتى أعد الموفق للشذاوات أغطية طلاها التحميها ](5)من الإحراق وأحكمها وحمل فيها شجعان أصحابه وفتاكهم (6)، وأمر ابنه أبا العباس بقصد دار على شاطئ دجلة من نهر أبي الخصيب كانت بإزاء دار الخبيث وأمر أصحاب الشذاوات المطلية بما وصفنا أن يلصقوا شذاتهم بحائط القصر فحاربهم الفسقة أشد حرب بالنيران وغيرها(7).
1) ما بين المعقوفين أحسبه سقط من المخطوط والسياق يتطلبه .
2) في الكامل وكان ظهوره في شعبان من هذه السنة.
3) أي الخبيث العلوي.
4) فصل ابن الأثير الحيلة التي اتخذها العلوي في تحصين قصره لئلا يسهل الوصول إليه، فقال: فلما أعيت الخبيث الحِيَل أشار عليه علي بن أبان بإجراء الماء على السباخ التي يسلكها أصحاب الموفق لئلا يجدوا إلى سلوكها سبيلاً، وأن يحفر خنادق في مواضع عدة يمنعهم عن دخول المدينة، ففعل ذلك . فرأى الموفق أن يجعل قصده لطم الخنادق والأنهار والمواضع المغورة، فدام ذلك فحامى عنه الخبثاء ، ودامت الحرب ووصل إلى الفريقين من القتل والجراح أمر عظيم، وذلك لتقارب ما بين الفريقين .
5) زيادة يتطلبها السياق .
6) زاد في الكامل : ومن النفاطين جمعاً كثيراً .
7) ذكر ابن الأثير قبل هذا الخبر خبر مهم أدى إلى ذلك الخبر كما كان له أكبر الأثر في إحراز
وصبر لهم من فيها حتى أزالوهم حتى الرواشين (1)
الرَّوْشَنُ : الرَّفُ .
وقال أبو عمرو : الرفيف الروشن، والرَّوْشَنُ : الكُوَّةُ .
.وأحرقها غلمان الموفق وسلم من كان فيها من الحجارة والرصاص المذاب، وتمكنوا من دار الخبيث وأحرقوا البيوت التي كانت تشرع إلى دجلة من قصر الفاسق، واتصلت النار بالستائر، فقويت وأعجلت الخبيث ومن معه عن التوقف على شيء من أمواله وذخائره وخرج هارباً على وجهه واستنقذ جماعة من النساء اللواتي استرقهن .
وانصرف الموفق، وأبو العباس وقت المغرب، بأجمل ظفر (2)
وجرح ابنه انكلاي في بطنه جراحة أشفى منها على الهلاك .
.وغرق نصير في هذا اليوم.
ذكر الخبر عن ذلك وسببه
كان سبب غرقه : أنه كان دخل في أول المد نهر أبي الخصيب فحمل الماء شذاته فألصقها بالقنطرة، ودخلت خلفه عدة شذاوات فيها غلمان الموفق ممن لم يكن أمرهم (3)بالدخول فحملهم الماء فألقاهم على شذات نصير فصكت بعضها في بعض حتى لم يكن للأستامين والحذافين(4)فيها عمل .
ورأى الزنج ذلك، فأحاطوا بها من جانبي النهر ، فألقى الحذافون أنفسهم في الماء ذعراً .
ودخل الزنج الشذاوات فقتلوا المقاتلة، وغرق بعضهم .
وحاربهم نصير في شذاته حتى خاف الأسر فقذف نفسه في الماء فغرق .
وأصاب الموفق علّة، فاشتغل بها عن الخبيث(5)
وانصرف الموفق سالماً ظافراً .
وأصاب الموفق مرض المفاصل، فبقی به شهر شعبان وشهر ،رمضان وأياماً من شوال، وأمسك عن حرب الزنج ثم برأ وتماثل فأمر بإعداد آلة الحرب.
.1) وقال صاحب لسان العرب في مادة رشن :
2) زاد صاحب الكامل في آخر الخبر على ما أصاب الخبيث من المصائب أن قال :
3) في المخطوط أمر والتصويب من الكامل.
4) في المخطوط أمر والتصويب من الكامل.
5) فَصَّل ابن الأثير الخبر المجمل هنا فقال بعد أن ذكر غرق نصيراً :وأقام الموفق يومه يحاربهم وينهبهم، ويحرق منازلهم، ولم يزل يومه مستعلياً عليهم . وكان سليمان بن جامع ذلك اليوم من أشد الناس قتالاً لأصحاب الموفق وثبت مكانه، حتى خرج عليه كمين للموفق فانهزم أصحابه وجرح سليمان جراحة في ساقه وسقط لوجهه في موضع كان فيه حريق وفيه بعض الجمر، فاحترق بعض جسده، وحمله أصحابه بعد أن كاد يؤسر.
فأعاد (1)القنطرة التي لجج فيها نصير وأحكم ما كان [تلف](2)من قصره .
وأفاق الموفق من علته فعاود الحرب .
وخرج الخبيث بنفسه، خرج للقتال مع ابنه انكلاي وعلي بن أبان، وسليمان بن جامع واشتبكت الحرب وقاتلوا أشد قتال رُئي وقطعت القنطرة وأحرقت. واستعلى عند ذلك أصحاب الموفق ونشط غلمانه فوسعوا الملك وظفروا بدوره وقصوره فأحرقوها .
وانتقل الخبيث من غربي نهر أبي الخصيب إلى شرقيه وجمع عياله وولده حوله وضعف أمره ضعفاً شديداً .
وتهيب الناس جلب الميرة إليهم فبلغ الرطل من الخبز عشرة دراهم فأكلوا أصناف الحبوب ثم لم يزل يتفاقم الأمر بهم إلى أن أكلوا لحوم الناس فكان الزنج يتبعون الناس، فإذا خلا أحدهم بامرأة أو صبي وثب عليه فأكله، ثم قوي ذلك فصار بعضهم يأكل بعضاً، ثم أكلوا لحوم أولادهم، كانوا ينبشون الموتى فيبيعون أكفانهم ويأكلون لحومهم . فقصدهم الموفق وأحرق الشرقي من جانب النهر كما أحرق الغربي، وقصده على ثلاثة أوجه فطرحوا فيها النيران فاحترق الناس من أصحاب الخبيث مع منازلهم وأسواقهم، وهرب من أطاق ذلك، فأخذته السيوف، وهرب الخبيث، وحاز أصحاب ما كان في نهر أبي الخصيب من الشذاوات والمراكب البحرية والسفن الموفق جميع الصغار والحرافات والزلالات وغيرها (3).
وصار بعد ذلك أصحاب الخبيث إذا وكلهم بحراسة موضع سلموه واستأمنوا حتى استأمن الشعراني، وسنبل - وكان من قدماء أصحابه وذوي البصائر [129/ أ] في طاعته فأمرهما الموفق بمحاربة الخبيث لما علم أنه لا وجه لهما عنده، وضم إليهما قوماً . فكانا يأتيانه من الوجوه التي يأمنها حتى كثر القتل في أصحابه، وذعره أمرهما،
ومنع ذلك أصحابه من النوم ودخلتهم وحشة عظيمة .
ثم جمع الموفق السفن وفيها عشرة آلاف من الملاحين وعرض الجند، وحرضهم على شحذ نياتهم وهجم على مدينة الخبيث واستقبله الخبيث في جميع أصحابه، واشتد القتال، وحامى الخبثاء عن دياراتهم وعيالاتهم، فمنح الله الموفق النصر وهزم الزنج ، وقتلوهم مقتلة عظيمة لم يقتتلوا مثلها .
وأسر منهم جمعاً كثيراً، وأتى الموفق بالأسرى فضرب أعناقهم، وقصد دار الخبيث، فدافع عنها ثم لم يغنه ذلك شيئاً فأسلمها فانتهب ما كان فيها من الأموال والأثاث وأخذوا حرمه وأولاده فبلغ عدتهم أكثر من مائة امرأة وصبي.
وتخلص الخبيث ومضى هارباً وأتى الموفق ببناته وأولاده، فوكل بهم بهم وأمر بالإحسان إليهم، فحملوا إلى الموفقية(1).
وفي ذي الحجة من هذه السنة: وافى صاعد بن مخلد كاتب الموفق حضرمة منصرفاً إليه من سُرَّ من رأى ووافى معه جيش كثيف بلغ الفرسان والرجالة فيها عشرة آلاف. فأمر الموفق بإزاحة عللهم في أرزاقهم، وأمرهم بتجديد أسلحتهم والتأهب لحرب الزنج . فَهُم في ذلك إذ ورد عليهم كتاب لؤلؤ صاحب ابن طولون - وكان فارق صاحبه - يسأله في الإذن له في القدوم عليه ليشهد حرب الفاسق، فأجابه وأذن له (2)
وسار إلى بالس فنهبها وكاتب الموفق في المسير إليه واشترط شروطاً، فأجابه أبو أحمد إليها، وكان بالرقة .
فسار إلى الموفق فنزل قرقيسيا وبها ابن صفوان العقيلي فحاربه وأخذها منه وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق وسار إلى الموفق فوصل إليه وهو يقاتل الخبيث العلوي.
.وأخر ما كان عزم عليه من مناجزة الخبيث انتظاراً للؤلؤ بالرقة في جمع عظيم من تحته أصحاب ابن طولون.
فشخص لؤلؤ حتى ورد مدينة السلام ثم وافى عسكر أبي أحمد، وحضر ابنه أبو
العباس، وصاعد بن مخلد والقواد على مراتبهم، وأدخل عليه لؤلؤ في أحسن زي .
فأمر أبو أحمد أن ينزل عسكراً كان أعد له بإزاء نهر أبي الخصيب، ونزله في أصحابه
ونقد إليه في مباكره دار المرفق ومعه قواده وأصحابه للتسلم فغدا مع أصحابه في السواد ،
1) الخبر في الكامل بنحو مما هنا مع تقديم وتأخير وتفصيل في بعض أحداث الخبر من ذكر مواضع وأيام ومواقيت وأسماء أفراد وقادة وطرق حربية مفصلة وعدد مقاتله وسفن ومعدات وآلات حرب وما إلى ذلك من الأمور العسكرية.
2) في الكامل ذكر هذا الخبر مع بعض الاختصار وإن كان فيه بعضاً مما لم يذكر هنا فقال : وفيها : خالف لؤلؤ غلام أحمد بن طولون صاحب مصر على مولاه أحمد بن طولون، وفي يده حمص، و قنسرين وحلب ودیار مضر من الجزيرة.
فوصل ومسلم وقربه وأدناه، ووعده وأصحابه الإحسان وأمره أن يخلع عليه وعلى خمسين ومائة من قواده وحمل على خيل كثيرة بالسروج واللجم المحلاة بالذهب والفضة وحمل بین یدیه من أصناف الكسي والأموال في اليد ما لا يحمله مائة غلام .
وأمر لقواده من الصلا و الکسوة علی قدر محل کل إنسان منهم، وأقطعه ضیاعاً جليلة وصرفه إلى معسكره، وأعد له ولأصحابه الأتراك العلوفات .
وأمره برفع جرائد لأصحابه ليعطوا رسومهم عند رفع الجرائد .
ثم قدم إلى لؤلؤ في التأهب للعبور إلى غربي دجلة لمحاربة الجيش.
وكان الخبيث لما غلب على نهر أبي الخصيب أحدث سكراً (1)
سَكَرَ النهر يَسْكُرُه سَكْراً : سَدَّ فاه، وكل شق سَدَّ فقد سُكِرَ، والسِّكْرُ ما سُدَّ له .
والسَّكْرُ : سد الشق ومنفجر الماء .
والسَّكْرُ : اسم ذلك السداد الذي يجعل سدّاً للشق.
في جانبيه، وجعل في النهر من جانبیه، وجعل في وسط السكر باباً ضيقاً ليحيد فيه جريه الماء فيمنع الشذاوات من دخوله في الجزر ويتعذر خروجها في المد.فرأى أبو أحمد أن الحرب لا يتم إلا بقلع هذا السكر، فحاول ذلك، فرام أمراً صعباً بمحاماة الزنج عليه فهم يريدون فيه كل يوم وهو متوسط دورهم، فالمؤنة تسهل عليهم وتغلظ على من حاوله .
فرأى الموفق أن يحارب بفريق بعد فريق من أصحاب لؤلؤ ليصيروا لمحاربة الزنج ولينظروا إلى مقدار عنائهم وشدة بأسهم .
فأمر لؤلؤ بأن يحضر في جماعة من أصحابه للحرب على هذا السكر، وأمر بإحضار الفعلة لقلعه، ففعل .
فرأى الموفق من نجدة لؤلؤ وإقدامه وشجاعة أصحابه وصبرهم على ألم الجراح
وثبات العدّة اليسيرة في وجوه الجمع الكبير من الزنج ما سره.
وكره أن يبذلهم فتكون الجرأة بهم ثم الظفر الأخير لهم، فيذهبوا باسم الفتح.
وأمر لؤلؤ أن يصرف أصحابه، وأظهر إشفاقاً عليهم، وضناً بهم، ووصلهم وردهم إلى معسكرهم .
ثم ألح الموفق على السكر، فهو يُخرّب وهم يبنون والمستأمنة يكثرون إلى آخر هذه السنة(2)
فندب الموفق أصحابه، وسير طائفة من شرقي نهر أبي الخصيب وطائفة من غربيه، وأرسل معهما النجارين والفعلة لقطع القنطرة وما جعل أمامها .
وأمر بسفن مملوءة من القصب أن يصب عليها النفط، وتدخل النهر ويلقى فيها النار ليحترق الجسر . وفرق جنده على الخبثاء لمنعوهم عن معاونة من عِنْدَ القنطرة .
فسار الناس إلى ما أمرهم به عاشر شوال فتقدمت الطائفتان إلى الجسر ولقيهما انكلاي ابن الخبيث، وعلي بن أبان وسليمان بن جامع واشتبكت الحرب ودامت وحامى أولئك عن القنطرة لعلمهم بما عليهم في قطعها من المضَرّة، وأن الوصول إلى الجسرين العظيمين اللذين يأتي ذكرهما يسهل ودامت الحرب على القنطرة إلى العصر .
ثم إن غلمان الموفق أزالوا الخبثاء عنها فقطعها النجارون ،ونقضوها وما كان عمل من الأدقال الساج وكان قطعها قد تعذر عليهم، فأدخلوا تلك السفن التي فيها القصب والنفط، وأضرموها ناراً، فوافت القنطرة فأحرقوها، فوصل النجارون بذلك إلى ما أرادوا وأمكن أصحاب الشذوات دخول النهر فدخلوه، وقتلوا الزنج حتى أجلوهم عن مواقفهم إلى الجسر الأول الذي يتلو هذه القنطرة، وقتل من الزنج خلق كثير ، واستأمن بشر كثير .
ووصل أصحاب الموفق إلى الجسر المغرب أن يدركهم الليل، فأمرهم بالرجوع، فرجعوا وكتب إلى البلدان أن يُقرأ على المنابر :
أن يؤتى المحسن على قدر إحسانه . ليزدادوا جداً في حرب عدوه .
وأخرب من الغد يُرْجَيْن من حجارة كانوا عملوها ليمنعوا بهما الشذاوات من الخروج من النهر إذا دخلته، فلما أخربهما سهل له ما أراد من دخول النهر والخروج منه.
ثم ذكر ابن الأثير في أحداث تلك السنة أيضاً كيفية استيلاء الموفق على مدينة صاحب الزنج الغربية، فقال:
لما هدم الموفق دور الخبيث أمر بإصلاح المسالك لتتسع على المقاتلة الطريق للحرب، ثم رأى قلع الجسر الأول الذي على نهر أبي الخصيب لما في ذلك من منع معاونة بعضهم بعضاً، وأمر بسفينة كبيرة أن تملأ قصباً ويجعل فيها النفط، ويوضع في وسطها دقل طويل يمنعها من مجاورة الجسر إذا التصقت به .
ثم أرسل عند غفلة الزنج، وقوة المسد فوافت الجسر، وعلم بها الزنج، فأتوها وطموها بالحجارة والتراب ونزل بعضهم في الماء فنقبها، فغرقت .
وكان قد احترق من الجسر شيء يسير فأطفاه الزنج .
فعند ذلك اهتم الموفق بالجسر فندب أصحابه وأعد النفاطين والفعلة والفؤوس وأمرهم بقصده من غربي النهر، وشرقيه وركب الموفق في أصحابه، وقصد فوهة نهر أبي الخصيب، وذلك منتصف شوال سنة تسع وستين .
فسيق الطائفة التي في غربي النهر فهزم الموكلين على الجسر، وهم :
سليمان بن جامع انكلاي ولد الخبيث وأحرقوه، وأتى بعد ذلك الطائفة الأخرى ففعلوا بالجانب الشرقي مثل ذلك، وأحرقوا الجسر، وتجاوزوه إلى جانب حديقة كانت تعمل فيها سميريات الخبيث، وآلاته، واحترق ذلك عن آخره إلا شيئاً يسيراً من الشذاوات والسميريات، كانت في النهر .
وقصدوا سجناً للخبيث فقاتلهم الزنج عليه ساعة من النهار، ثم غلبهم أصحاب الموفق عليه، فأطلقوا من فيه، وأحرقوا كل ما مروا به إلى دار مصلح - وهو من قدماء أصحابه - فدخلوها ونهبوها وما فيها وسَبُوا نساءه ،وولده واستنقذوا خلقاً كثيراً .
وعاد الموفق وأصحابه سالمين، وانحاز الخبيث وأصحابه من هذا الجانب إلى الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب واستولى الموفق على الجانب الغربي غير طريق يسير على الجسر الثاني فأصلحوا الطرق وزاد ذلك في رعب الخبيث وأصحابه. فاجتمع كثير من أصحابه وقواده، وأصحابه الذين كان يرى أنهم لا يفارقونه على طلب الأمان فبذل لهم .
فخرجوا أرسالاً، فأحسن الموفق إليهم، وألحقهم بأمثالهم .
ثم إن الموفق أحب أن يتمرن أصحابه بسلوك النهر ليحرق الجسر الثاني فكان يأمرهم بإدخال الشذاوات فيه وإحراق ما على جانبه من المنزل فهرب إليه بعض الأيام قائد الزنج، ومعه قاض كان له منبر فقت ذلك في أعضاد الخبثاء . ثم إن الخبيث وكَّل بالجسر الثاني من يحفظه وشحنه بالرجا .
فأمر الموفق بعض أصحابه بإحراق ما عند الجسر من سفن، ففعلوا حتى أحرقوها . فزاد ذلك في احتياط الخبيث، وفي حراسته للجسر لئلا يحرف ويستولي الموفق على الجانب الغربي فيهلك .
وكان قد تخلف من أصحابه جمع في منازلهم المقاربة للجسر الثاني، وكان أصحاب الموفق يأتونه ويقفون على الطريق الخفية، فلما عرفوا ذلك عزموا على إحراق الجسر الثاني فأمر الموفق ابنه أبا العباس والقواد بالتجهز لذلك، وأمرهم أن يأتوا من عدة جهات ليوافوا الجسر، وأعد معهم الفؤوس والنفط والآلات، ودخل هو في النهر بالشذاوات، ومعه أنجاد غلمانه ومعهم الآلات أيضاً .
واشتبكت الحرب في الجانبين جميعاً بين الفريقين واشتد القتال.
وكان في الجانب الغربي بإزاء أبي العباس ومن معه انكلاي ابن الخبيث، وسليمان بن جامع.
وفي الجانب الشرقي بإزاء راشد مولى الموفق ومن معه الخبيث والمهلبي في باقي الجيش .
فدامت الحرب مقدار ثلاث ساعات ثم انهزم الخبثاء لا يلوون على شيء، وأخذت السيوف منهم مأخذها، ودخل أصحاب الشذاوات النهر، ودنوا من الجسر، فقاتلوا من يحميه بالسهام، وأضرموا ناراً وكان من المنهزمين سليمان وانكلاي وكان قد أثخن بالجراح، فوافيا الجسر والنار فيه. فحالت بينهما وبين العبور وألقيا أنفسهما في النهر ومن معهما، فغرق منهم خلق كثير ، وأفلت انكلاي وسليمان بعد أن أشفيا على الهلاك، وقطع الجسر، وأحرق، وتفرق الجيش في مدينة الخبيث في الجانبين، فأحرقوا من دورهم وقصورهم وأسواقهم شيئاً كثيراً، واستنقذوا من النساء والصبيان ما لا يحصى، ودخلوا الدار التي كان الخبيث سكنها بعد إحراق قصره فأحرقوها ونهبوا ما كان فيها مما كان سَلِمَ معه .
وهرب الخبيث، ولم يقف ذلك اليوم على مواضع أمواله .
واستنقذ في هذا الیوم نسوة من العلویات کن محبوسات في موضع قریب من داره التی کان یسکنها، فأحسن الموفق إلیهن،حملهن.
وفتح سجناً كان لهم ، وأخرج منه خلقاً كثيراً ممن كان يحارب الخبيث ففك الموفق عنهم الحديد . وأخرج ذلك اليوم كل ما كان في نهر أبي الخصيب من شذاوات ومراكب بحرية، وسفن صغار وكبار، وحراقات وغير ذلك من أصناف السفن إلى دجلة، فأباحها الموفق أصحابه مع ما فيها السلب، وكانت له قيمة عظيمة .
وأرسل إليه انكلاي ابن الخبيث يطلب الأمان، وسأل أشياء، فأجابه الموفق إليها .
فعلم أبوه بذلك ،فعزله، وردّه عما عزم عليه، فعاد إلى الحرب، ومباشرة القتال.
ووجه سليمان بن موسى الشعراني - وهو أحد رؤساء الخبيث - يطلب الأمان، فلم يجبه الموفق إلى ذلك، لما كان قد تقدم منه من سفك الدماء والفساد.
فاتصل به أن جماعة من رؤساء الخبيث قد استوحشوا المنع، فأجابه إلى الأمان. فأرسل الشذاوات إلى موضع ذكره، وخرج هو وأخوه وأهله وجماعة من قواده. فأرسل الخبيث من يمنعهم عن ذلك، فقاتلهم .
ووصل إلى الموفق فزاد في الإحسان إليه وخلع عليه وعلى من معه.
وأمر بإظهاره لأصحاب الخبيث ليزدادوا ثقة. فلم يبرح من مكانه حتى استأمن جماعة من قواد الزنج منهم شبل بن سالم .
فأجابه الموفق وأرسل إليه شذاوات، فركب فيها هو وعياله ،وولده وجماعة من قواده، فلقيهم قوم من الزنج فقاتلهم، ونجا.
ووصل إلى الموفق فأحسن إليه، ووصله بضلة، وهو من قدماء أصحاب الخبيث .
فعظم ذلك عليه وعلى أوليائه لما رأوا من رهبة رؤسائهم في الأمان.
ولما رأى الموفق مناصحة شبل وجودة فهمه أمره أن يكفيه بعض الأمور.
فسار ليلاً في جمع من الزنج لم يخالطهم غيرهم إلى عسكر الخبيث يعرف مكانه، فأوقع به، وأسر منهم، وقتل وعاد، فأحسن إليه الموفق.
وسار الزنج بعد هذه الوقعة لا ينامون الليل ولا يزالون يتحارسون للرعب الذي دخلهم وأقام الموفق ينفذ السرايا إلى الخبيث ويكيده ويحاول بينه وبين القوت وأصحاب الموفق يتدربون في سلوك تلك المضايق التي في أرضه ويوسعونها .
ثم ذكر استيلاء الموفق على مدينة الخبيث الشرقية فقال :
لما علم الموفق أن أصحابه قد تمرنوا على سلوك تلك الأرض وعرفوها صمم العزم على العبور إلى محاربة الخبيث من الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، فجلس مجلساً عاماً، وأحضر قواد المستأمنة، وفرسانهم فوقفوا بحيث يسمعون كلامه، ثم كلمهم فعرفهم ما كانوا فيه من الضلالة، والجهل وانتهاك المحارم، ومعصية الله عز وجل، وأن ذلك قد أحل له دماءهم، وأنه غفر لهم زلتهم ووصلهم، وأن ذلك يوجب عليهم حقه وطاعته وأنهم لن يرضوا ربهم ولسلطانه بأكثر من الجد في مجاهدة الخبيث، وأنهم يعرفون مسالك العسكر ومضايق مدينتهم ومعاقلها التي أعدادها، وهم أولى أن يجتهدوا في الولوج على الخبيث والوغول إلى حصونه، حتى يمكنهم الله منه، فإذا فعلوا ذلك فلهم الإحسان والمزيد ومن قصَّر منهم، فقد أسقط منزلته وحاله فارتفعت أصواته بالدعاء له والاعتراف بإحسانه، وبما هَمَّ عليه من المناصحة والطاعة، وأنهم يبذلون دماءهم في كل ما يقربهم منه .
وسألوه أن يفردهم بناحية ليظهر من نكايتهم في العدو ما يعرف به إخلاصهم وطاعتهم، فأجابهم إلى ذلك، وأثنى عليهم ووعدهم.
وكتب في جمع السفن والمعابر من دجلة والبطيحة ونواحيها ليضيفها إلى ما في عسكره إذ كان ما عنده يكثر عن الجيش كثرته .
وأحصى من في الشذاوات والسميريات وأنواع السفن، فكانوا زهاء عشرة آلاف ملاح ممن يجري عليه الرزق من بيت المال مشاهرة سوى سفن أهل العسكر التي يحمل فيها الميرة، ويركبها الناس في حوائجهم وسوى ما كان لكل قائد من السميريات والحربيات، والزواريق.
فلما تكاملت السفن تقدم إلى ابنه أبا العباس ،وقواده وقصد مدينة الخبيث الشرقية من جهاتها، فسَيَّر ابنه أبا العباس إلى ناحية دار المهلبي أسفل العسكر، وكان قد شحنها بالرجال والمقاتلين .
وأمر جميع أصحابه بقصد دار الخبيث وإحراقها فإن عجزوا عنها اجتمعوا على دار المهلبي.
وسار هو في الشذاوات، وهي مائة وخمسون قطعة فيها أنجاد غلمانه، وانتخب من الفرسان والرجال عشرة آلاف وأمرهم أن يسيروا على جانب النهر معه إذا سار، وأن يقفوا معه إذا وقف ليتصرفوا بأمره.
وبكر الموفق لقتال الفاسقين يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة تسع وستين ومائتين.
وكانوا قد تقدموا إليه يوم الاثنين وواقعهم وتقدم كل طائفة إلى الجهة التي أمرهم بها، فلقيهم الزنج واشتدت الحرب وكثر القتل والجراح في الفريقين، وحامى الفسقة عن الذي اقتصروا عليه من مدينتهم واستماتوا وصبروا.
فنصر الله أصحاب الموفق ، فانهزم الزنج وقتل منهم خلق كثير، وأسر من أنجادهم وشجعانهم جمع كثير .
فأمر الموفق بضرب الأعناق الأسرى في المعركة وقصد بجمعه الدار التي يسكنها الخبيث، وكان قد لجأ إليها، وجمع أبطال أصحابه للمدافعة عنها، فلم يغنوا عنها شيئاً، وانهزموا عنها وأسلموها .
ودخلها أصحاب الموفق وفيها بقايا ما كان سلم للخبيث من ماله وولده، وأثاثه.
فنهب ذلك أجمع، وأخذوا حرمه وأولاده، وكانوا عشرين ما بين صبية وصبي .
وسار الخبيث هارياً نحو دار المهلبي لا يلوي على أهل ولا مال .
وأحرقت داره، وأتي الموفق بأهل الخبيث وأولاده، فسيرهم إلى بغداد.
وكان أصحاب أبي العباس قد قصدوا دار المهلبي وقد قصد إليها خلق كثير من المنهزمين، فغلبوهم عليها واشتغلوا بنهبها، وأخذوا ما فيها من حرم المسلمين وأولادهم وجعل من ظفر منهم بشيء حمله إلى سفينته، فعلوا في الدار ونواحيها، فلما رآهم الزنج كذلك رجعوا إليهم، وقتلوا فيهم مقتلة يسيرة. وكان جماعة من غلمان الموفق الذين قصدوا دار الخبيث تشاغلوا بحمل الغنائم إلى السفن أيضاً، فأطمع ذلك الزنج فيهم، فأكبوا عليهم فكشفوهم واتبعوا ،آثارهم وثبت جماعة من أبطال الموفق فردوا الزنج حتى تراجع الناس إلى مواقفهم، ودامت الحرب إلى العصر .
فأمر الموفق غلمانه بصدق الحملة عليهم، ففعلوا، فانهزم الخبيث وأصحابه، فأخذتهم السيوف حتى انتهوا إلى داره أيضاً .
فرأى الموفق عند ذلك أن يصرف أصحابه إلى إحسانهم ،فردهم وقد غنموا واستنقذوا جمعاً من النساء المأسورات كن يخرجن ذلك اليوم إرسالا فيحملن إلى الموفقية .
وكان أبو العباس قد أرسل في ذلك اليوم قائداً فأحرق ثَمَّ بيادر كانت ذخيرة للخبيث، وكان ذلك مما أَضْعِفَ به الخبيث وأصحابه .
ثم وصل إلى الموفق كتاب لؤلؤ غلام ابن طولون في القدوم عليه، فأمره بذلك، وأخر القتال إلى أن يحضر .
.1) أى سداً، قال صاحب لسان العرب :
2) جاء الخبر في الكامل على غير هذا النحو فقال ابن الأثير فيه تحت عنوان : ذكر إحراق قنطرة العلوي صاحب الزنج :ولما اشتغل الموفق بعلته أعاد الخبيث القنطرة التي غرق عندها نصير، وزاد فيها، وأحكمها ونصب دونها أدقال ساج وألبسها الحديد وسكر أمام ذلك سكراً من حجارة ليضيق المدخل على الشذا، وتحته جرية الماء في النهر .
وفي هذه السنة : دخل عيال صاحب الزنج وولده بغداد.
وفيها: شخص المعتمد يريد اللحاق بمصر وذلك قبل انحدار صاعد إلى الموقد .
وقدم قائد لابن طولون من الرقة في ذلك.
فلما سار المعتمد إلى عمل إسحاق بن كنداجيق وهو العامل على الموصل والجزيرة ورتب عليه ابن كنداجيق وهو العامل على الموصل، والجزيرة، ووثب (1)عليه ابن كنداجيق على جميع من معه فقيدهم وأخذ جميع ما صحبهم من مال ورقيق وكان
1) في المخطوط ورتب وهو تحريف.
كتب إليه في القبض على المعتمد ومن معه (1)
أنه لم يكن له من الخلافة غير اسمها ولا ينفذ له توقيع لا في قليل ولا كثير وكان الحكم کله للموفق والأموال يُجبى إليه ، فضجر المعتمد من ذلك وأنف منه .
فكتب إلى أحمد بن طولون يشكو إليه حاله سراً من أخيه الموفق فأشار عليه أحمد باللحاق به بمصر ووعده النصرة، وسير عسكراً إلى الرقة ينتظر وصول المعتمد إليهم. فاغتنم المعتمد غيبة أخيه الموفق عنه ، فسار في جمادى الأولى ومعه جماعة من القواد فأقام بالكحيل يتصيد، فلما سار إلى عمل إسحاق بن كنداجيق - وكان عامل الموصل، وعامة الجزيرة - وثب ابن كنداجيق بمن مع المعتمد على القواد فقبضهم وهم نيزك، وأحمد بن خاقان، وخطارمش ،فقيدهم، وأخذ أموالهم ودوابهم .
وكان قد كتب إليه صاعد بن مخلد وزير الموفق عن الموفق .
.وأقطع ضياع فارس بن بغا ومن صحب المعتمد من القواد.
فاحتال ابن كنداجيق وأظهر أنه معهم، وفي طاعة المعتمد إذ كان الخليفة ولا يجوز له الخلاف عليه، وسار معهم.
فلما نزل موضعاً بينه وبين عمل ابن طولون منزلان ارتحل الاتباع ومن شخص مع المعتمد إلا القواد وأشخص كنداجيق، فقال لهم [129 / ب] ابن كنداجيق : إني أحب أن أخلو بكم وأشير عليكم بما في نفسي.
وقال لهم : قد قويتم من ابن طولون والمقيم بالرقة من قواده، وأنتم إذا صرتم إلى ابن طولون فالأمر أمره، وأنتم من تحت يده أفترضون بذلك وقد علمتم أنه اليوم لواحد منكم؟
وأطال مناظرتهم حتى تعالى النهار .
فقال لهم ابن كنداجيق : قوموا بنا فإن الشمس قد ارتفعت حتى يتم حديثنا في غير
هذا الموضع، ويكرم مجلس أمير المؤمنين عن ارتفاع الصوت.
وكان المعتمد في مضربه ومضرب ابن كنداجيق وسائر المضارب قد سارت.
فأدخلهم إلى مضرب نفسه، وكان قد تقدم قبل ذلك إلى قواده وغلمانه وحاشيته
ذلك اليوم أن لا يبرحوا .
في فلما ساروا إلى مضربه دخل خالد غلمانه وأصحابه على القواد ومعهم القيود فقيدوهم .
فلما فرغ منهم مضى إلى المعتمد، فعدله عن شخوصه عن دار ملكه وملك آبائه وفراقه أخاه على الحال التي هو فيها من حرب من يحاول قتله وقتل أهل بيته، وإزالة
1) ذكر ابن الأثير السبب في خروج المعتمد وذكر الخبر تفصيلاً فقال : وفيها سار المعتمد نحو مصر وكان سبب ذلك :
ملكهم، ثم حمله ومن معه مقيدين إلى سُرْ مَن رَأَى (1).
وفيها خُلع على ابن كنداجيق وقلد سيفين بحمائل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وسمي : ذا السيفين.
وخلع عليه أيضاً بعد ذلك بيومين قباء ديباج ووشاحان، وتوج تاجاً وقلد سيفاً، كل ذلك مرصع بالجواهر .
وشيعه هارون بن الموفق وصاعد بن مخلد والقواد إلى منزله وتغدوا عنده(2)
وفيها: كانت وقعة بمكة بين جيش أحمد بن طولون وبين عسكر الموفق في ذي القعدة، وكان سببها أن أحمد بن طولون سَيْر جيشاً مع قائدين إلى مكة فوصلوا إليها وجمعوا الحناطين والجزارين فرقوا فيهم مالاً.
وكان عامل مكة هارون بن محمد إذ ذاك ببستان ابن عامر قد فارقها خوفاً منهم. ووافي مكة جعفر الناعمودي في ذي الحجة في عسكر، وتلقاه هارون بن محمد في جماعة فقوي بهم ،جعفر، والتقوا هم وأصحاب ابن طولون فاقتتلوا وأعان أهل خراسان جعفراً، فقتل من أصحاب ابن طولون مائتي ،رجل، وانهزم الباقون في الجبال وسلبوا، وأخذ أموالهم.
وأخذ جعفر من القائدين نحو مائتي ألف دينار وأمن المصريين والجزارين، والحناطين وقرأ
كتاب في المسجد الجامع بلعن ابن طولون وسلم الناس وأموال التجار.
وفي المحرم من هذه السنة : قطع الأعراب الطريق على قافلة من الحاج بين شور وسميراء فسلبوهم وساقوا نحواً من خمسة آلاف بعير بأحمالها، وأناساً كثيراً .
وفيها: انخسف القمر، وغاب منخسفاً، وانكسفت الشمس فيه أيضاً آخر النهار وغابت منكسفة، فاجتمع في المحرم كسوفان .
وفيها: في صفر وثبت العامة ببغداد بإبراهيم الخليجي، فانتهبوا ،داره وكان سبب ذلك : أن غلاماً له رمى امرأة بسهم فقتلها، فاستعدى السلطان عليه فامتنع ورمى غلمانه الناس، فقتلوا جماعة وجرحوا جماعة، فثارت بهم العامة فقتلوا فيهم رجلين من أصحاب السلطان ونهبوا منزله ودوابه، وخرج هارباً.
وجمع محمد بن عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، وكان نائب أبيه دواب إبراهيم وما أخذ له فرده علیه.
وفيها: وجه إلى أبي الساج جيش بعدما انصرف من مكة فسيره إلى جدة فأخذ للمخزومي مركبين فيهما مال وسلاح .
وفيها: وثب خلف صاحب أحمد بن طولون بالثغور الشامية، وعامله عليها بازمار الخادم مولى الفتح بن خاقان فحبسه فوتب به جماعة من أهل الثغر فاستنفذوا بازمار وهرب خلف، وتركوا الدعاء لابن طولون فسار إليهم ابن طولون، ونزل أذنة، فاعتصم أهل طرسوس بها ومعهم بازمار فرجع عنهم ابن طولون إلى حمص ثم إلى دمشق فأقام بها .
وفيها: قام رافع بن هرثمة بما كان الخجستاني غلب عليه من مدن خراسان فاجتبى عدة من كور خراسان خراجها لبضع عشرة سنة، فأفقر أهلها وأخربها . وفيها : كانت وقعة بين الحسنيين والحسينيين بالحجاز والجعفريين .
فقتل من الجعفريين ثمانية نفر، وخلصوا الفضل بن العباس العباسي، عامل المدينة. وفيها في جمادى الآخرة: عقد هارون بن الموفق لابن أبي السَّاج على الأنبار وطريق الفرات والرحبة.
وولي محمد بن أحمد الكوفة وسوادها، فلقي محمد الهيصم العجلي ، فانهزم الهيصم. وفيها: توفي عيسى ابن الشيخ بن السليل الشيباني وبيده أرمينية وديار بكر .
وفيها : لعن المعتمد أحمد بن طولون في دار العامة وأمر بلعنه على المنابر .
وولى إسحاق بن كنداجيق على أعمال ابن طولون وفوض إليه من باب الشماسية إلى أفريقية، وولي شرطة الخاصة .
وكان سبب هذا اللعن :
أن ابن طولون قطع خطبة الموفق وأسقط اسمه من الطرز .
فتقدم الموفق إلى المعتمد بلعنه، ففعل مكرهاً لأن هوى المعتمد كان مع ابن طولون . وفيها: كانت وقعة بين ابن أبي الساج والأعراب، ثم بيتهم فقتل منهم وأسر، ووجه بالرؤوس، والأسرى إلى بغداد.
وفيها في شوال : دخل ابن أبي الساج رحبة مالك بن طوق بعد أن قاتله أهلها فغلبهم وقتلهم، أحمد وهرب بن مالك بن طوق إلى الشام . ثم سار ابن أبي الساج إلى قرقيسياء فدخلها. وحج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي .
وفيها: خرج محمد بن الفضل أمير صقلية في عسكر إلى ناحية رمطة وبلغ العسكر إلى قطانية، فقتل كثيراً من الروم وسبى وغنم، ثم انصرف إلى بلرم في ذي الحجة .
وفيها: توفي أحمد بن مخالد مولى المعتصم - وهو من دعاة المعتزلة - وأخذ الكلام عن جعفر بن مبشر .
وفيها: توفي سليمان بن حفص بن أبي عصفور الأفريقي - وكان معتزلياً يقول بخلق القرآن - وأراد أهل القيروان فسلم لذلك، وصحب بشر المريسي، وأبا الهذيل وغيرهما من المعتزلة .
.وفيها : قتل الخبيث، وأسر سليمان بن جامع ، وإبراهيم بن جعفر الهمذاني .
وذلك بعد حروب كثيرة ومنازلات ،شديدة مباشرة للحروب منه ومن الموفق بأنفسهما ومخاطرات منهما عظيمة لم يكن في جميعها ما يستفاد منه سوى احتمال المكاره في الحروب والصبر على شدائدها وأخطارها .
وحُمِلَ رأس هذا الخائن إلى الموفق في صفر من هذه السنة، وهو يحارب وهو يحارب مع أهل الشدة وبالبأس من أصحابه فقتل وهو يجاهد على حاله غير مستسلم، ولا معط بيده.
وكان قد بذل له الأمان مراراً فأباه وأقام على حاله صابراً حتى أسلمه رجاله، وخانه ،ثقاته وداب دوباً حتى هلك ومضى مقتولاً .
ثم تتابع مجن الزنج الذين كانوا أقاموا مع الخبيث إلى آخر أمره، وصبروا معه حتى وافى ذلك اليوم الذي قتل فيه ألف من الأبطال .
فرأى الموفق أن يبذل لهم الأمان لما رأى من كثرتهم وشجاعتهم ولئلا يبقى منهم
بقية يخاف معرتهم ويجتمعون على رئيس يعظم خطبه بهم .
ثم وافى من الزنج في غد هذا اليوم خمسة آلاف ،زنجي، وانقطع منهم نحو ألفي
زنجي إلى البر، فماتوا عطشاً .
وظفر الأعراب بقوم منهم فاسترقوهم .
فأمامن قتل وغرق في الوقعة فخلق لا يوقف على عددهم .
وانتهى إلى الموفق خبر المهلبي وانكلاي ومقامهما بحيث أقاما فيه مع من تبعهما
من جلة قوادهم ورجالهم .
فبعث أبطال أصحابه في طلبهم، فلما علموا أن لا ملجأ لهم، أعطوا بأيديهم، فظفر بهم
الموفق، فلم يشد منهم أحد.
وأمر الموفق بحبس المهلبي وانكلاي والاستيثاق منهما (1)
وتقدم إلى أبي العباس ابنه أن يأتي الخصيب من ناحية دار المهلبي وفرق العساكر من جميع جهاته، وأضاف المستأمنة إلى شبل وأمره بالجد في قتال الخبيث.
وأمر الناس أن لا يزحف أحد حتى يحرك علماً أسود كان نصبه على دار الكرماني، وحتى ينفخ في بوق بعيد الصوت.
وكان عبوره يوم الاثنين لثلاث بقين من المحرم.
فعجل بعض الناس وزحف نحوهم، فلقيه الزنج فقتلوا منهم، وردوهم إلى مواقفهم، ولم يعلم سائر العسكر بذلك لكثرتهم، وبعد المسافة فيما بين بعضهم وبعض.
وأمر الموفق بتحريك العلم، والنفخ في البوق، فزحف الناس في البر والماء يتلو بعضهم بعضاً . فلقيهم الزنج وقد حشدوا واجترأوا بما تهيأ لهم على ما كان يسرع إليهم، فلقيهم الجيش بنيات صادقة وبصائر نافذة واشتد القتال والقتل وقتل من الفريقين جمع كثير، فانهزم أصحاب الخبيث وتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ويأسرون .
واختلط بهم ذلك اليوم أصحاب الموفق فقتل منهم ما لا يح- يحصى عدداً وغرق منهم مثل ذلك .
وحوى الموفق المدينة بأسرها فغنمها أصحابه واستنقذوا من كان بقي من الأسرى من الرجال، والنساء، والصبيان وظفروا بجميع عيال علي بن أبان ،المهلبي وبأخويه الخليل ومحمد وأولادهما، وعَبَرَ بهما إلى المدينة الموفقية .
ومضى الخبيث في أصحابه ومعه ابنه انكلاي وسليمان بن جامع وقواد الزنج وغيرهم هرباً عامدين إلى موضع كان الخبيث قد أعده ملجأ إذا غلب على مدينته وذلك المكان على النهر المعروف بالسفياني .
وكان أصحاب الموفق قد اشتغلوا بالنهب والإحراق وتقدم الموفق في الشذاوات نحو السفياني ،ومعه لؤلؤ وأصحابه.
فظن أصحاب الموفق أنه رجع فوافوا إلى سفنهم بما قد حووا .وانتهى الموفق ومن معه إلى عسكر الخبيث - وهم منهزمون - واتبعهم لؤلؤ في أصحابه حتى عبر السفياني فاقتحم لؤلؤ بفَرَسِهِ واتبعه أصحابه، حتى انتهى إلى النهر المعروف بالفربري، فوصل إليه لؤلؤ وأصحابه، فأوقعوا به وبمن معه فهزمهم حتى عبر نهر السفياني ولؤلؤ في أثرهم، فاعتصموا بجبل وراءه وانفرد وأصحابه باتباعهم إلى هذا المكان في آخر النهار .
فأمره الموفق بالانصراف، فعاد مشكوراً محموداً لفعله .
فحمله الموفق معه، وجدد له من البر والكرامة ورفعة المنزلة ما كان مستحقاً له . ورجع الموفق فلم ير أحداً من أصحابه بمدينة الزنج، فرجع إلى مدينته، واستبشر الناس بالفتح ، و هزيمة الزنج وصاحبهم .
وكان الموفق قد غضب على أصحابه بمخالفتهم أمره، وتركهم الوقوف حيث أمرهم. فجمعهم جميعاً ووبخهم على ذلك، واغلظ لهم فاعتذروا بما ظنوه من انصرافه، وأنهم لم يعلموا ،بمسيره، ولو علموا ذلك لأسرعوا نحوه، ثم تعاقدوا وتحالفوا بمكانهم على أن لا ينصرف منهم أحد إذا توجهوا نحو الخبيث حتى يظفروا به، فإن أعياهم أقاموا بمكانه حتى يحكم الله بينهم وبينه .
وسألوا الموفق أن يرد السفن التي يعبرون فيها إلى الخبيث ليتقطع الناس عن الرجوع ،فشكرهم وأثنى عليهم، وأمرهم بالتأهب وأقام الموفق بعد ذلك إلى الجمعة يصلح ما يحتاج الناس إليه . وأمر الناس عشية الجمعة بالمسير إلى حرب الخبثاء بكرة السبت وطاف عليهم هو بنفسه يُعرف كل قائد مركزه والمكان الذي يقصده .
وغدا الموفق يوم السبت لثلاثين خلت من صفر فعبر بالناس وأمر برد السفن، فردت وسار يقدمهم إلى المكان الذي قدر أن يلقاهم فيه .
وكان الخبيث وأصحابه قد رجعوا إلى مدينتهم بعد انصراف الجيش عنهم، وأملوا أن تتطاول بهم الأيام، وتندفع عنهم المناجزة فوجد الموفق المتسرعين من فرسان غلمانه والرجالة قد سبقوا الجيش، وأوقعوا بالخبيث وأصحابه وقعة هزموهم بها، وتفرقوا لا يلوي بعضهم على بعض وتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ويأسرون من لحقوا منهم، وانقطع الخبيث في جماعة من حماة أصحابه، وفيهم المهلبي وفارقه ابنه انكلاي وسليمان بن ،جامع، فقصد كل فريق منهم جمعاً كثيفاً من الجيش.
وكان أبو العباس قد تقدم فلقي المنهزمين في الموضع المعروف بعسكر ريحان فوضع
أصحابه فيهم السلاح .
ولقيتهم طائفة أخرى، فأوقعوا أيضاً، وقتلوا منهم جماعة، وأسروا سليمان بن جامع، فأتوا به الموفق من غير عهد ولا عقد فاستبشر الناس بأمره وكثر التكبير وأيقنوا بالفتح إذ كان أكثر أصحاب الخبيث عناً عنه و
وأُسر من بعده إبراهيم بن جعفر الهمذاني، وكان أحد أمراء جيوشه ، فأمر الموفق بالاستيثاق منه، وجعلهم في شدة لأبي العباس.
ثم إن الزنج الذين انفردوا مع الخبيث حملوا على الناس حملة أزالوهم عن مواقفهم ففتروا فأحس الموفق بفتورهم فجد في طلب الخبيث ، وأمعن، فتبعه أصحابه .
وانتهى الموفق إلى آخر نهر أبي الخصيب فلقيه البشير بقتل الخبيث، وأتاه بشير آخر ومعه کف ذكر أنها كفّه، فقوي الخبر عنده ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركض ومعه رأس الخبيث، فأدناه منه، وعرضه على جماعة من المستأمنة فعرفوه فخرَّ فعرفوه فخر لله ساجداً، وسجد معه الناس وأمر الموفق برفع رأسه على قناة فتأمله الناس فعرفوه وكثر الضجيج بالتحميد. وكان مع الخبيث لما أحيط به المهلبي وحده فولّى عنه هارباً، وقصد نهر الأمير، فألقى نفسه فيه يريد النجاة.
وكان انكلاي قد فارق أباه قبل ذلك وسار نحو الديناري.ورجع الموفق ورأس الخبيث بين يديه، وسليمان ،معه وأصحابه إلى مدينته وأتاه من الزنج عالم كثير يطلبون الأمان فأمنهم.
وانتهى إليه خبر انكلاي والمهلبي ومكانهم ومن معهما من مقدمي الزنج، فبث الموفق أصحابه في طلبهم، وأمرهم بالتضييق عليه فلما أيقنوا أن لا ملجأ أعطوا بأيديهم فظفر بهم وبمن معه، وكانوا زهاء خمسة آلاف فأمر بالاستيثاق من المهلبي وانكلاي وكان ممن هرب قرطاس الرومي الذي رمى الموفق بالسهم في صدره فانتهى إلى رامهرمز فعرفه رجل، فدل عليه عامل البلد، فأخذه وسيره إلى الموفق . فقتله أبو العباس.
.1) هذا كل ما ذكره المؤلف في مقتل الخبيث العلوي وأسر سليمان، وإبراهيم وجميع قواده، وقد فصل ابن الأثير الخير فحكي تفاصيل المعركة ووقعة قتل وأسر أصحابه وقواده فقال بعد مقدمة شرح فيها إجمالاً لما تقدم :
وفيها: استأمن در مويه الزنجي، وكان أحد الأنجاد والأبطال، وكان الخبيث قبل هلاكه بمدة طويلة وجهه إلى أواخر نهر الفرج وهي من البصرة في غربي دجلة، فلما هلك الخبيث أقام در مويه هناك في موضع وعر كثير الدغل والآجام متصل بالبطيحة، وكان يقطع الطريق بمن معه في زواريق خفاف اتخذوها فإذا طلبتهم الشذاوات ولجوا في الأنهار الضيقة واعتصموا بالأدغال، وإذا تعذر عليهم مسلك نهر لضيقه خرجوا من سفنهم وحملوها على ظهورهم وولجوا إلى هذه المواضع الممتنعة، وفي خلال ذلك يعبرون على ما قرب منهم من القرى ويسلبون من ظفروا به، وقد كان ذلك دأب در مويه قبل هلال الخبيث وبعده.
وقد كان ابتداء شرار الناس ونشأتهم يصيرون إليه للمقام معه وعلى مثل ما هو علیه.
وكان الموفق عزم على المقام عليه حتى وافاه رسوله يطلب الأمان لنفسه وأصحابه .
فرأى الموفق أن يؤمنه ليقطع مادة الشر الذي كان فيه الناس من الخبيث وأشياعه. ولما ورد عليه الأمان وافي منهم قطعة حسنة كثيرة العدد ولم يصبهم بؤس الحصار وضرّه لما كان يصير إليهم من أموال الناس.
فذكر أن درمويه لما أومن وأحسن إليه وإلى أصحابه أظهر كل ما في يده وأيديهم من أموال الناس وأمتعتهم، وردّ كل شيء ردّاً ظاهراً مكشوفاً، فظهرت أمانته.
فاستدعاه الموفق وقربه، وخلع عليه وعلى وجوه أصحابه ووصلهم وضمهم إلى ابنه أبي العباس .
وأقام الموفق بعد ذلك بالموفقية حتى أنس الناس وعادوا إلى أوطانهم ووثقوا بالراحة من أسباب الخبيث .
وولي البصرة والأبله وكور دجلة من حمد ،مذهبه، ووقف على حسن سيرته.
وولي قضاء البصرة والأبلة وكور دجلة محمد بن حماد.
ثم قدم ابنه أبا العباس [130/أ] إلى بغداد ومعه رأس الخبيث، وطيف (1)
وقَدِمَ ابنه العباس إلى بغداد ومعه رأس الخبيث ليراه السنة، فبلغها لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة.
.وكان خروج صاحب الزنج سنة خمس وخمسين ومائتين، وقتل سنة سبعين ومائتين(2)
وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين .
وكانت أيامه أربع عشرة سنة وأربع أشهر وستة أيام.
وقيل في أمر الموفق وصاحب الزنج أشعار كثيرة . . . وقد انقضى أمر الزنج .
.وفيها :
مات أحمد بن طولون والحسن بن زيد العلوي (3)
وفي هذه السنة : خرجت الروم في مائة ألف فنزلوا على فَلَمْيَةِ - وهي على ستة أميال من طرسوس - فخرج إليهم بازمار ليلاً فبيتهم في ربيع الأول، فقتل منهم فيما يقال : سبعين ألفاً، وقتل مقدمهم وهو بطريق البطارقة . وقتل أيضاً بطريق الباطليق، وأفلت بطريق قرّة وبه عدة جراحات .
وأخذ لهم سبع صلبان من ذهب وفضة وصليبهم الأعظم من ذهب مكلل بالجوهر. وأخذ خمسة عشر ألف دابة وبغل .
ومن السروج وغير ذلك، وسيوفاً محلاة، وأربع كراسي من ذهب ومائتي كرسي من فضة وآنية كثيرة نحواً من عشرة آلاف علم ديباج وديباجاً كثيراً، وبزيون وغير ذلك.
وفيها : توفي الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان في رجب، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر، وستة أيام.
وولي مكانه أخوه محمد بن زيد وكان الحسن جواداً امتدحه رجل، فأعطاه عشرة آلاف درهم . وكان متواضعاً لله تعالى حكي عنه أنه مدحه شاعر فقال : الله ،فرد وابن زيد فرد. فقال : بفيك الحجر يا كذاب هلا قلت :
الله فرد وابن زيد عبد
ثم نزل عن مكانه وخرَّ لله ساجداً وألصق خده بالتراب، وحرّم الشعر .
وكان عالماً بالفقه ،وبالعربية، مدحه شاعر فقال :
لا تقل بشرى ولكن بشریان*** غرة الداعي ويوم المهرجان
فقال له : الواجب أن تفتتح الأبيات بغير لا . فإن الشاعر المجيد يتخير لأول القصيدة ما يعجب السامع ويتبرك به ولو ابتدأت بالمصراع الثاني لكان أحسن .
فقال له الشاعر : ليس في الدنيا كلمة أجل من قول : لا إله إلا الله، وأولها : لا . فقال : أصبت وأجازه .
وحكي عنه أنه غَنّى عنده مغن بأبيات الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب التي أولها :وأنا الأخضرُ مَنْ يعرفُني*** أخضر الجلدَةِ من بيتِ العرب
فلما وصل إلى قوله :
برسولِ اللَّهِ وابن عَمِّهِ*** وبعباس بن عبد المطلب
غير البيت فقال :
لا بعباس بن عبد المطلب
فغضب الحسن وقال: يا ابن اللخناء تهجو بني عمنا بين يدي وتُحَرِّف ما مدحوا به، لئن فعلتها مرة ثانية لأجعلنها آخر غنائِكَ .
وفي هذه السنة توفي أحمد بن طولون صاحب مصر والشام والثغور الشامية، وكان سبب موته : أن نائبه بطرسوس وثب على بازمار الخادم وقبض عليه وعصى على أحمد، وأظهر الخلاف أحمد العساكر وسار إليه، فلما وصل أذنة كاتبه وراسله يستميله فلم يلتفت إلى رسالته، فجمع فسار إليه أحمد ونازله وحصره فخرق بازمار نهر البلد على منزلة العسكر، فكاد الناس يهلكون . فرحل أحمد مغيظاً حنقاً، وكان الزمان شتاء وأرسل إلى بازمار : إنني لم أرحل إلا خوفاً أن تخترق حرمة هذا الثغر فيطمع فيه العدو. فلما عاد إلى أنطاكية أكل لبن الجواميس فأكثر منه ، فأصابه منه ،هيضة واتصلت حتى صار منها ذرب، وكان الأطباء يعالجونه وهو يأكل سراً، فلم ينجع الدواء، فتوفي رحمه الله وكانت إمارته نحوست وعشرين سنة، وكان عاقلاً حازماً ، كثير المعروف والصدقة متديناً یحب العلماء وأهل الدين وعمل كثيراً من أعمال البر ومصالح المسلمين وهو الذي بنى قلعة يافا، وكانت المدينة بغير قلعة .
وكان يميل إلى مذهب الشافعي ويكرم أصحابه وولی بعده ابنه خمارويه، وأطاعه القواد وعصى عليه نائب أبيه بدمشق فسيَّر إليه العساكر، فأجُلوه، وساروا من دمشق إلى شيرز.
ذكر مسير إسحاق بن كنداجيق إلى الشام :
لما توفي أحمد بن طولون كان إسحاق بن كنداجيق على الموصل والجزيرة، فطمع هو وابن أبي الساج في الشام واستصغرا أولاد أحمد، وكاتبا الموفق بالله في ذلك، واستمداه .
فأمرهما بقصد البلاد ووعدهما إنفاذ الجيوش. فجمعا وقصدا ما يجاورهما من البلاد فاستوليا عليه وأعانهما النائب فى دمشق لأحمد بن طولون ووعدهما الانحياز إليهما. فتراجع من بالشام من نواب أحمد بأنطاكية، وحلب وحمص.
وعصى متولی ،دمشق واستولى إسحاق على ذلك.
وبلغ الخبر إلى أبي الجيش خمارويه بن أحمد فسيّر الجيوش إلى الشام فملكوا دمشق وهرب النائب بها .
وسار عسكر خمارويه من دمشق إلى شيزر لقتال إسحاق بن إسحاق كنداجيق وابن أبي الساج فطاولهم إسحاق ينتظر المدد من العراق .
وهجم الشتاء على الطائفتين وأضر بأصحاب ابن طولون فتفرقوا في المنازل بشيزر ووصل العسكر العراقي إلى كنداجيق وعليهم أبو العباس أحمد بن الموفق - وهو المعتضد بالله - فلما وصل سار مجدّاً إلى عسكر خمارويه بشيرز ، فلم يشعروا حتى كبسهم في المساكن، ووضع السيف فيهم فقتل منهم مقتلة عظيمة.
وسار من سَلِم إلى دمشق على أقبح صورة، فسار المعتضد إليهم فجَلُوا عن دمشق إلى الرملة وملك هو دمشق، ودخلها في شعبان سنة إحدى وسبعين ومائتين وأقام عسكر ابن طولون بالرملة فأرسلوا إلى خمارويه يعرفونه الحال، فخرج من مصر في عسكره قاصداً الشام.
وفيها في جمادى الأولى : توفي هارون بن الموفق ببغداد يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الأولى.
وفيها: كان فداء أهل سنديه على يد بازمار .
وفيها: في شعبان شعب أصحاب أبي العباس بن الموفق على صاعد بن مخلد - وهو وزير الموفق - وطلبوا الأرزاق وقاتلهم أصحاب صاعد، وكانت بينهم حرب شديدة قتل فيها جماعة، وأسر من أصحاب أبي العباس جماعة، ولم يكن أبو العباس حاضراً، كان قد خرج متصيداً، ودامت الحرب إلى بعد المغرب، ثم كف بعضهم عن بعض، ثم وضع العطاء من الغد واصطلحوا .
وفيها: كانت وقعة بين إسحاق بن كنداجيق وبين ابن ،دعباش وكان ابن دعباش بالرقة عاملاً ، عليها وعلى الثغور والعواصم لابن طولون وابن كنداجيق على الموصل للخليفة . وفيها: ابتدأ إسماعيل بن موسى بناء مدينة لاردة من الأندلس وكان مخالفاً لمحمد صاحب الأندلس ، ثم صالحه في العام الماضي .
فلما سمع صاحب برشلونة الفرنجي جمع وحشد وسار يريد منعه من ذلك، فسمع به إسماعيل فقصده، وقاتله، فانهزم المشركون، وقتل أكثرهم، وبقي أكثر القتلى في تلك الأرض دهراً طويلاً. وفيها توفي محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني الحافظ، ومحمد بن مسلم بن عثمان المعروف بابن وارة الرازي، وكان إماماً في الحديث وله فيه مصنفات .
وفيها : توفي داود بن علي الأصبهاني ،الفقيه إمام أصحاب الظاهر ، وكان مولده سنة اثنتين ومائتين . وفيها توفي مصعب بن أحمد بن مصعب أبو أحمد الصوفي الزاهد، وهو من أقران الجنيد.
وفيها: مات ملك الروم، وهو ابن الصقلبية.
وحج بالناس : هارون بن محمد بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس .
وفيها : توفي خالد أحمد بن خالد السدوسي الزهلي الذي كان أمير خراسان ببغداد، وكان قد قصد الحج، فقبض عليه الخليفة المعتمد وحبسه فمات بالحبس وهو الذي أخرج البخاري صاحب الصحيح من ،بخاری و خبره معه مشهور، فدعا عليه البخاري، فأدركته الدعوة.
.1) في الكامل :
2) في الكامل وكان خروج صاحب الزنج يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين .
3) وقد ذكر ابن الأثير في الكامل في أحداث تلك السنة حوادث كثيرة لم تذكر هنا وذكر خبر وفاة أحمد بن طولون وولاية ابنه مفصلاً، ووفاة الحسن بن زيد وولاية أخيه وذكر خبر ظفر المسلمين بالروم وأخبار أخرى فقال :
وفيها: كانت بين أبي العباس بن الموفق وبين خمارويه بن أحمد بن طولون وقعة
بالطواحين (1)
الطواحين : جمع طاحونة الدقيق : موضع قرب الرملة من أرض فلسطين بالشام كانت عنده الوقعة المشهورة بين خمارويه بن طولون والمعتضد بالله في سنة (271) انصرف كل واحد منهما مغلولاً، كانت أولاً على خمارويه، ثم كانت على المعتضد .
، فهزم(2)أبو العباس خمارويه .وركب خمارويه حماراً وهرب إلى مصر، ووقع أصحاب أبي العباس في النهب. وبدل أبو العباس مضرب خمارويه وهو لا يدري أنه بقي له طالب .
فخرج كمين كان كمنه وأصحاب أبي العباس قد وضعوا السلاح فنزلوا.
فشد کمین خمارويه عليهم فانهزموا وتفرق القوم .
ومضى أبو العباس إلى طرسوس منهزماً، وذهب كل ما في العسكرين عسكر أبي
العباس وعسكر خمارويه من السلاح والكراع والأثاث والأموال وانتهب الجميع (1)
وفي هذه السنة كانت وقعة الطواحين بين أبي العباس المعتضد، وبين خمارويه بن أحمد بنطولون، وسبب ذلک.
أن المعتضد سار من دمشق بعد أن ملكها نحو الرملة إلى عساكر خمارويه، فأتاه الخبر بوصول خمارويه إلى عساكره، وكثرة من معه من الجموع فهم بالعود فلم يمكنه من معه من أصحاب خمارويه الذين صاروا معه .
وكان المعتضد قد أوحش ابن كنداجيق وابن أبي الساج ونسبهما إلى الجبن حيث انتظراه ليصل إليهما، ففسدت نياتهما معه .
ولما وصل خمارويه إلى الرملة نزل على الماء الذي عليه ،الطواحين فملكه، فنسبت الوقعة إليه . ووصل المعتضد وقد عبى أصحابه، وكذلك أيضاً فعل خمارويه، وجعل له كميناً عليهم سعيداً الأيسر.
وحملت ميسرة المعتضد على ميمنة خمارويه فانهزمت .
فلما رأى ذلك خمارويه ولم يكن رأى مصافاً قبله ولى منهزماً في نفر من الأحداث الذين لا علم لهم بالحرب، ولم يقف دون مصر. ونزل المعتضد إلى خيام خمارويه، وهو لا يشك في تمام النصر .
فخرج الذين عليهم سعيد الأيسر ، انضاف إليهم من بقي من جيش خمارويه، ونادوا بشعارهم، وحملوا على عسكر المعتضد وهم مشغولون بنهب السواد .
ووضع المصريون السيف فيهم، وظن المعتضد أن خمارويه قد عاد فركب فانهزم ولم يلو على شيء. فوصل إلى دمشق، ولم يفتح له أهلها ،بابها ، فمضى منهزماً حتى بلغ طرسوس، وبقي العسكران يضطربان بالسيوف وليس لواحد منهما أمير .
وطلب سعيد الأيسر خمارويه، فلم يجده، فأقام أخاه أبا العشائر وتمت الهزيمة على العراقيين، وقتل منهم خلق كثير ، وأسر كثير .
وقال سعيد للعساكر: إن هذا أخو صاحبكم وهذه الأموال تنفق فيكم.
ووضع العطاء، فاشتغل الجند عن الشغب بالأموال وسيرت البشارة إلى مصر، ففرح خمارويه بالظفر وخجل للهزيمة غير أنه أكثر ،الصدقة وفعل مع الأسرى فعله لم يسبق إلى مثلها قبله، فقال لأصحابه :
إن هؤلاء أضيافكم، فأكرموهم، ثم أحضرهم بعد ذلك وقال لهم : من اختار المقام عندنا، فله الإكرام والمواساة، ومن أراد الرجوع جهزناه وسيرناه .
فمنهم من أقام ومنهم من سار مكرماً .
وعادت عساكر خمارويه إلى الشام ففتحته أجمع، فاستقر ملك خمارويه له .
ثم ذكر حوادث أخرى في هذه السنة فقال :
وفي هذه السنة عاشر ربيع الأول : كانت وقعة بين عساكر الخليفة وفيها أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، وبين عمرو بن الليث الصفار.
ودامت الحرب من أول النهار إلى الظهر فانهزم عمرو وعساكره، وكانوا خمسة عشر ألفاً بین فارس وراكب، وجرح الدرهمي مقدم جيش عمرو بن الليث وقتل مائة رجل من حماتهم، وأسر ثلاثة ألف أسير واستأمن منهم ألف ،رجل، وغنموا من معسكر عمرو من الدواب والبقر والحمير ثلاثين ألف رأس وما سوى ذلك فخارج عن الحد.
وفي هذه السنة : سَيّر محمد صاحب الأندلس جيشاً مع ابنه المنذر إلى مدينة بطليوس، فزال عنها ابن مروان الجليقي وكان مخالفاً كما ذكرنا ، وقصد حصن أشير غرة فتحصن، فأحرق المنذر بطليوس .
وسير محمد أيضاً جيشاً مع هاشم بن عبد العزيز إلى مدينة سرقسطة، وبها محمد بن لب بن ،موسى فملكها ،هاشم، وأخرج منها محمداً وكان معه عمر بن حفصون الذي ذكرنا خروجه على صاحب الأندلس فصالحه. فلما عادوا إلى قرطبة هرب عمر بن حفصون وقصد بربشتر مخالفاً،فاهتم صاحب الأندلس به على ما نذكره إن شاء الله تعالى .
وفيها سارت سرية للمسلمين عظيمة بصقلية إلى رمطة وخربت وغنمت، وسبت وأسرت كثيراً، وعادت .
وتوفي أمير صقلية، وهو الحسين بن أحمد فولي بعده سوادة بن محمد بن خفاجة التميمي، وقدم إليها ، فسار عسكر كبير إلى مدينة قطانية، فأهلك ما فيها وسار إلى طبرمين، فقال أهلهاوأفسد زرعهم وتقدم فيها، فأتاه رسول بطريق الروم يطلب الهدنة والمفاداة .
فهادنه ثلاثة أشهر، وفاداه ثلاثمائة أسير من المسلمين فرجع سواده إلى بلرم.
وفي هذه السنة : عقد لأحمد بن محمد الطائي على المدينة، وطريق مكة .
فوتب يوسف بن أبي الساج، وهو والي مكة على بدر غلام الطائي، وكان أميراً على الحاج فحاربه وأسره.
فسار الجند والحاج بيوسف فقاتلوه واستنفذوا بدراً، وأسروا يوسف، وحملوه إلى بغداد. وكانت الحرب بينهم على أبواب المسجد الحرام .
وفيها : خَرَّبت العامة الدير العتيق الذي وراء نهر عيسى وانتهبوا ما فيه، وقلعوا أبوابه . فسار إليهم الحسين بن إسماعيل صاحب شرطة بغداد من قبل محمد بن طاهر، فمنعهم من هدم ما بقي منه وكان يتردد هو والعامة إليه أياماً حتى كاد أن يكون بينهم حرب .
ثم بنى ما هُدم بعد أيام وكانت إعادة بنائه بقوة عبدون أخي صاعد مخلد .
وحج بالناس : هارون بن محمد بن إسحاق.
.1) هذا كل ما ذكره ابن مسكويه في الخبر وفي أحداث تلك السنة وذكر ابن الأثير هذا الخبر بأتممن ذلك فقال فيه :
وفيها : أخرج أهل طرسوس أبا العباس بن الموفق من طرسوس بخلاف وقع بين ماز مار (1)
وذكر ابن الأثير في أول أحداث هذه السنة الحرب بين أذكوتكين، ومحمد بن زيد العلوي فقال : في هذه السنة منتصف جمادى الأولى، كانت حرب شديدة بين أذكوتكين وبين محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان .
ثم سار أذكوتكين إلى الرّي ومعه أربعة آلاف ،فارس، وكان مع محمد بن زيد من الديلم ،والطبرية والخراسانية عالم كبير فاقتتلوا فانهزم عسكر محمد بن زيد وتفرقوا وقتل منهم ستة آلاف وأسِرَ ألفان .
وبينه .فخرج يريد بغداد فقدمها (2)
ثم سار أذكوتكين إلى الرّي ومعه أربعة آلاف ،فارس، وكان مع محمد بن زيد من الديلم ،والطبرية والخراسانية عالم كبير فاقتتلوا فانهزم عسكر محمد بن زيد وتفرقوا وقتل منهم ستة آلاف وأسِرَ ألفان . وغنم اذكوتكين وعسكره من أثقالهم وأموالهم ودوابهم شيئاً لم يروا مثله .
ودخل أذكوتكين الرّي، فأقام بها وأخذ من أهلها مائة ألف ألف دينار، وفرق عماله في أعمال الري.
.وفيها: قدم صاعد بن مخلد من فارس، ودخل واسطاً.
فأمر الموفق جميع أصحابه من القواد أن يستقبلوه، فترجلوا له وقبلوا يده وكمه (1)ثم قبض عليه الموفق وعلى أصحابه (2)
وفيها : خرج خارجي بطريق خراسان، وسار إلى بسكرة الملك فقتل.
وفيها: دخل حمدان بن حمدون وهارون الشاري مدينة الموصل، فصلى بهم الشاري في جامعها وفيها نقب المطبق من داخله، وأخرج منه الدوباني العلوي، وفتيان معه، فركبوا دواب أعدت لهم، وهربوا وأغلقت أبواب بغداد.
فأخذ الدوباني ومن معه فأمر الموفق، وهو بواسط أن تقطع يده ورجله من خلاف فقطع .
وفيها : نزل بنو شیبان ومن معهم بين الزانين من أعمال الموصل، وعاثوا في البلد وأفسدوا وجمع هارون الخارجي على قصدهم، وكتب إلى حمدان بن حمدون التغلبي في المجيء إليه إلى الموصل، فسار هارون نحو الموصل، وسار حمدان ومن معه إليه فعبروا إليه بالجانب الشرقي من دجلة، وساروا جميعاً إلى نهر الخازر وقاربوا حلل بني شيبان فوافقه طليعة لبني شيبان على طليعة ،هارون فانهزمت طليعة ،هارون، وانهزم هارون، وجلى أهل نينوى عنها إلا من تحصن بالقصور .
وفيها : زلزلت مصر في جمادى الآخرة زلزلة شديدة أخربت الدور والمسجد الجامع، وأحصى بها في يوم واحد ألف جنازة .
وفيها: غلا السعر ببغداد وكان سببه أن أهل سامرا منعوا من إعداد السفن بالطعام، ومنع الطائي أرباب الضياع من الدياس لتغلو الأسعار، ومنع أهل بغداد عن سامر الزيت، والصابون، وغير ذلك. واجتمعت العامة، ووثبوا بالطائي، فجمع أصحابه وقاتلهم فجرح بينهم جماعة .
وركب محمد بن طاهر وسكن الناس وصرفهم عنه .
وفيها : توفي إسماعيل بن برية الهاشمي في شوال وعبيد الله بن عبد الهاشمي . وفيها تحركت الزنج ،بواسط وصاحوا انكلاي يا ،منصور وكان هو والمهلبي، وسليمان بن جامع وجماعة من قوادهم في حبس الموفق ببغداد.
وكتب الموفق بقتلهم فقتلوا وأرسلت رؤوسهم إليه، وصلبت أبدانهم ببغداد.
وفيها: صلح أمر مدينة رسول الله لها ، وتراجع الناس إليها .
وفيها : غزا الصائفة بازمار .
وحج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق .
وفيها : سَيّر صاحب الأندلس إلى ابن مروان الجليقي - وهو بحصن أشير غرة - فحصروه وضيقوا عليه .
وسَيّر جيشاً آخر إلى محاربة عمر بن حفصون بحصن بَرْبُشْتَر .
وفيها: انقضت الهدنة بين سوادة أمير صقلية والروم، فأخرج سوادة السرايا إلى بلد الروم بصقلية، فغنمت وعادت .
وفيها قدم من القسطنطينية بطريق يقال له : أنجفور في عسكر كبير، فنزل على مدينة سبرينة فحصرها وضيق على من بها من المسلمين فسلموها على ،أمان ولحقوا بأرض صقلية .
ثم وجه أنجفور عسكراً إلى مدينة منتيه فحصروها حتى سلمها أهلها بأمان إلى بلرم من صقلية.
وفيها: مات أبو بكر محمد بن صالح بن عبد الرحمن الأنماطي المعروف بكنجلة وهو من أصحاب يحيى بن معين وهو لقبه .
وفيها: توفي أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن عطارد العطاردي التميمي وهو يروي مغازي ابن إسحاق عن يونس عن ابن إسحاق ومن طريقه سمعناه .
وفيها: توفي إبراهيم بن الوليد بن الخشخاش .
وفيها: توفي شعيب بن بكار الكاتب وله حديث عن أبي عاصم النبيل.
كلهم ببغداد ، وسُرَّ مَنْ رأى في يوم واحد -1) في الكامل بعدها وهو لا يكلمهم كبراً وتيها .
2) في المخطوط أسبابه والتصويب من الكامل وفيه وعلى جميع أهله وأصحابه، ونهب منازلهم : بعد أيام، وكان قبضه في رجب وقبض ابناه : أبو عيسى، وصالح، وأخوه عبدون ببغداد. واستكتب مكانه أبا الصقر إسماعيل بن بلبل واقتصر به على الكتابة دون غيرها . ثم ذكر ابن الأثير في أحداث تلك السنة : مما لم يذكره ابن مسكويه ما يلي، فقال: وفيها توفي سليمان بن وهب في جيش الموفق في صفر.
واستكتب الموفق إسماعيل بن بلبل .
وفيها : قيد أبو العباس لؤلؤ القادم عليه من مصر ووجد له أربع مائة ألف دينار فذكر لؤلؤ أنه لا يعرف لنفسه ذنباً إلا كثرة ماله وأثاثه (1)
ولم تزل أموره في إدبار إلى أن افتقر ولم يبق له شيء، ثم عاد إلى مصر في آخر أيام هارون بن خمارويه فريداً وحيداً بغلام واحد .
فكان هذا ثمرة العقل السخيف وكفر الإحسان .
.وفيها كانت بين أبي الساج وبين إسحاق بن كنداجيق وقعة فانهزم إسحاق ثم واقعه وقعة أخرى فانهزم إسحاق أيضاً (2)
في هذه السنة : فسد الحال بين محمد بن أبي الساج وإسحاق بن كنداجيق، وكانا متفقين في الجزيرة، وسبب ذلك أن ابن أبي الساج نافر إسحاق في الأعمال، وأراد التقدم، وامتنع عليه إسحاق .
فأرسل ابن أبي الساج إلى خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر، وأطاعه، وسار معه وخطب له بأعماله وهي قنسرين وسير ولده ديوداد إلى خمارويه رهينة.
فأرسل إليه خمارويه مالاً جزيلاً .ولقواده وسار خمارويه إلى الشام فاجتمع هو وابن أبي الساج ،ببالس وعبر ابن أبي الساج الفرات إلى الرقة، فلقيه ابن ،کنداج دارت بينهما الحرب فانهزم فيها ابن كنداج واستولى ابن أبي الساج على ما كان لابن كنداج. وغير خمارويه الفرات، ونزل الرافقة ومضى إسحاق منهزماً إلى قلعة ماردين، فحصره ابن أبى الساج، وسار عنها إلى زنجار فأوقع بها بقوم من الأعراب، وسار ابن كنداج من ماردين نحو الموصل .
فلقيه ابن أبي الساج ببر قعيد، فكمن كميناً، فخرجوا على ابن كنداج وقت القتال فانهزم عنها وعاد إلى ماردين فكان فيها.
وقوي ابن أبي الساج وظهر أمره ، واستولى على الجزيرة والموصل وخطب لخمارويه فيها، ثم لنفسه بعده .ثم ذكر ابن الأثير من أحداث تلك السنة وقعة بين عسكر ابن أبي الساج وشراة فقال : لما سار ابن أبي الساج على الموصل أرسل طائفة من عسكره مع غلامه : فتح - وكان شجاعاً مقداماً عنده إلى المرج من أعمال الموصل، فساروا إليها وجبوا الخراج منها. وكان اليعقوبية الشراة بالقرب منه ، فأرسل إليهم فهادنهم، وقال:
إنما مقامي بالمرج مدة يسيرة، ثم أرحل عنه .
فسكنوا إلى قوله وتفرقوا ، فنزل بعضهم بالقرب من سوق الأحد فأسرى إليهم فتح في الشحر ، فكبسهم ، فأخذ أموالهم، وانهزم الرجال عنه .
وكان باقي اليعقوبية قد خرجوا إلى أصحابهم الذين أوقع بهم فتح من غير أن يعلموا بالوقعة فلقيهم المنهزمون من أصحابهم فاجتمعوا وعادوا إلى فتح، فقاتلوه وحملوا حملة رجل واحد، فهزموه وقتلوا من أصحابه ثمانمائة رجل .
وكان أصحابه ألف ،رجل، فأفلت في نحو مائة رجل وتفرق مائة في القرى واختفوا وعادوا إلى الموصل متفرقين وأقاموا بها .
وفي هذه السنة توفي محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي صاحب الأندلس سلخ ،صفر، وكان عمره نحواً من خمس وستين سنة .
وكانت ولايته أربعاً وثلاثين سنة ، وإحدى عشر شهراً .
وكان أبيض مشرباً بحمرة ربعة أوقص يخضب بالحناء والكتم.
وخلف ثلاثة وثلاثين ولداً ذكوراً، وكان ذكياً فطناً بالأمور المشتبهة متعانياً منها. ولما مات ولي بعده ابنه المنذر بن محمد بويع له بعد موت أبيه بثلاث ليال وأطاعه الناس وأحسن إليهم. وفي هذه السنة : وثب أولاً ملك الروم على أبيهم فقتلوه، وملك أحدهم بعده . وفيها: ثار السودان بمصر وحصروا صاحب الشرطة، فسمع خمارويه بن أحمد بن طولون الخبر، فركب وفي يده سيف مسلول وقصد دار صاحب الشرطة وقتل كل من لقيه من السودان، فانهزموا منه وأكثر القتل فيهم. وسكنت مصر وأمن الناس.
وفيها: مات سليمان بن داود بن الأشعث السجستاني صاحب كتاب السنن، ومحمد بن زيد بن ماجه القزويني وله أيضاً كتاب السنن وكان عاقلاً إماماً عالماً .
وتوفي الفتح بن شحرف أبو داود الكشي الصوفي، وكان موته ، بغداد، وهو من أصحاب الأموال الشريفة .
وتوفي حنبل بن إسحاق .
.ولم تجر فيها حادثة تكتب . (1)
وقال فيها ابن الأثير في الكامل :
في هذه السنة : سار الموفق إلى فارس لحرب عمرو بن الليث الصفار، فبلغ الخبر إلى عمرو، فسيّر العباس بن إسحاق في جمع كبير من العسكر إلى سيراف، وأنفذ ابنه محمد بن عمرو إلى أرجان .
وسيّر أبا طلحة شركب صاحب جيشه على مقدمته فاستأمن أبو طلحة إلى الموفق، وسمع عمرو ذلك، فتوقف عن قصد الموفق .
ثم إن أبا طلحة عزم على العود إلى عمرو، فبلغ الموفق خبره فقبض عليه بقرب شيراز، وجعلماله لابنه المعتضد أبي العباس وسار يطلب عمراً فعاد عمرو إلى كرمان، ومنها إلى سجستان على المفازة فتوفي ابنه محمد بالمفازة، ولم يقدر الموفق على أخذ كرمان وسجستان من عمرو فعاد عنه.
وفي هذه السنة : غزا ،بازمار، فأوغل في أرض الروم، فأوقع فيها بكثير من أهلها وقتل وغنم ،وسبى وأسر، وعاد سالماً إلى طرسوس.
وفيها: دخل صديق الفرغاني دور سامرا فنهبها وأخذ أموال التجار منها، وأفسد. وكان صديق هذا يخفر الطريق ويحميه، ثم صار يقطعها . وحج بالناس : هارون بن محمد.
وفيها: توفي أبو العباس بن الكبش بن المتوكل وكان قد حبسه أخوه المعتمد ثم أطلقه .
وفيها :توفي الحسن بن مكرم وعلي بن عبد الحميد الواسطي.
وفيها : جمع إسحاق بن كنداج جمعاً كثيراً وسار نحو الشام، فبلغ الخبر خمارويه فسار إليه وقد عبر الفرات فالتقيا.
وجرى بين الطائفتين قتال شديد انهزم فيه إسحاق هزيمة عظيمة، لم يرده شيء حتى عبر الفرات وتحصن بها .
وسار خمارويه إلى الفرات، فعمل جسراً. فلما علم إسحاق بذلك سار من هناك إلى قلاع له قد أعدها وحصنها . وأرسل إلى خمارويه يخضع له ويبذل له الطاعة في جميع ولايته - وهي الجزيرة وما والاها - فأجابه إلى ذلك، وصالحه ابن أبي الساج، وجمع جمعاً كثيراً، وسار نحو الشام قاصداً منازعة خمارويه حيث كان أبعد إلى مصر .
فبلغ الخبر ،خمارويه فخرج عن مصر في عساكره فالتقيا في البثنية من أعمال دمشق، فاقتتلا قتالاً عظيماً انهزم فيه ابن أبي الساج، وعاد منهزماً حتى عبر الفرات. فأحضر خمارويه ولد ابن أبي الساج، وكان رهينة عنده فخلع عليه وأطلقه وسَيَّره إلى أبيه، وعاد إلى مصر.
1) كذا قال المؤلف رحمنا الله وإياه في أخبار وحوادث تلك السنة .
وفيها: حبس الموفق ابنه أبا العباس، فشعب أصحابه وحملوا السلاح، وركب غلمانه واضطربت بغداد .
فركب أبو أحمد الموفق حتى بلغ الرصافة، وقال لأصحاب أبي العباس :
ما شأنكم؟ أترونكم أشفق على ابني مني؟
هو ولدي واحتجت إلى تقويمه وانصرف الناس وهدأت بغداد (1)
وفي هذه السنة في شوال : قبض الموفق على ابنه المعتضد بالله أبي العباس أحمد وسبب ذلك : أن الموفق دخل إلى واسط، ونزل بها، ثم عاد إلى بغداد وتخلف المعتمد على الله بالمدائن. وأمر الموفق ابنه أن يسير إلى بعض الوجوه، فقال: لا أخرج إلا إلى الشام لأنها الولاية التي ولايتها أمير المؤمنين .
فلما امتنع عليه أمر بإحضاره، فلما حضر أمر بعض خدمه أن يحبسه في حجرة في داره.
فلما قام المعتضد تقدم إليه الخادم وأمره بدخول تلك الدار فدخل، ووكل به فيها.
وثار القواد من أصحابه ومن تبعهم وركبوا واضطربت بغداد لما رأوا السلاح والقواد فركب الموفق إلى الميدان، وقال لهم ثم ذكر ابن الأثير من أحداث تلك السنة ما يلي بادئاً بما سبق أن ختم به أحداث السنة السابقة من الخلاف بين خمارويه، وابن أبي الساج، فقال: قد ذكرنا اتفاق ابن أبي الساج وخمارويه بن طولون وطاعة ابن أبي الساج له، فلما كان الآن أي في أول تلك السنة خالف ابن أبي الساج على خمارويه. فسمع خمارويه الخبر، فسار عن مصر في عساكره إلى الشام فقدم إليه آخر سنة أربع وسبعين فسار ابن أبي الساج إليه، فالتقوا عند ثنية العقاب بقرب دمشق.
واقتتلوا في المحرم من تلك السنة، وكان القتال بينهما، فانهزمت ميمنة خمارويه، وأحاط باقي عسكره بابن أبي الساج ومن معه فمضى منهزماً واستبيح معسكره، وأخذت الأثقال، والدواب، وجميع ما فيه. وكان قد خلف بحمص شيئاً كثيراً. فسير إليه خمارويه قائداً في طائفة من العسكر جريدة فسبقوا ابن أبي الساج إليها، ومنعوه من دخولها والاعتصام بها، واستولوا على ماله فيها .
فمضى ابن أبي الساج منهزماً إلى حلب، ثم منها إلى الرقّة، فتبعه خمارويه، ففارق الرّقة .
فعبر خمارويه الفرات، وسار في أثر ابن أبي الساج، فوصل خمارويه إلى مدينة بلد، وكان قد سبقه ابن أبي الساج إلى الموصل.
فلما سمع ابن أبي الساج بوصوله إلى بلد سار عن الموصل إلى الحديثة وأقام خمارويه ببلد وعمل له سريراً طويل الأرجل، فكان يجلس عليه في دجلة .
هكذا ذكر أبو زكريا يزيد بن إياس الأزدي الموصلي، صاحب تاريخ الموصل ؛ أن خمارويه وصل إلى بلد وكان إماماً فاضلاً عالماً بما يقول، وهو يشاهد الحال.
ثم ذكر ابن الأثير الحرب بين ابن كنداج وابن أبي الساج فقال :
لما انهزم ابن كنداج من ابن أبي الساج - كما ذكرناه - أقام إلى أن انهزم ابن أبي الساج من خمارويه، فلما وافي خمارويه بلداً أقام بها وسير مع إسحاق بن كنداج جيشاً كثيراً، وجماعة من القواد ورحل يطلب ابن أبي الساج، فمضى بين يديه وابن كنداج يتبعه إلى كريت .
فعبر ابن أبي الساج دجلة وأقام ابن كنداج وجميع السفن ليعمل جسراً يعبر عليه . وكان يجري بين الفريقين ،مراماة، وكان ابن أبي الساج في نحو ألفي فارس، وابن كنداج في عشرين ألفاً. فلما رأى ابن أبي الساج اجتماع السفن سار عن تكريت إلى الموصل ليلاً، فوصل إليها في اليوم الرابع ، فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى. وسار ابن كنداج يتبعه فوصل إلى العزيق. فلما سمع ابن أبي الساج خبره سار إليه فالتقوا واقتتلوا عند قصر حرب فاشتد القتال بينهم، وصبر محمد بن أبي الساج صبراً عظيماً لأنه كان في قلة فنصره الله، وانهزم ابن كنداج وجمع عسكره ومضى منهزماً.
وكان أعظم الأسباب في الهزيمة بغيه، فإنه لما قيل له : إن ابن أبي الساج قد أقبل نحوك من الموصل ليقاتلك .
قال : استقبل الكلب.
فعد الناس هذا بغياً وخافوا منه .
فلما انهزم سار إلى الرّقة، وتبعه محمد إليها، وكتب إلى أبي أحمد الموفق يعرفه ما كان منه، ويستأذنه في عبور الفرات إلى الشام بلاد خمارويه.
فكتب إليه الموفق يشكره، ويأمره بالتوقف إلى أن يصله الإمداد من عنده .
وأما ابن كنداج، فإنه سار إلى خمارويه، فسير معه جيشاً فوصلوا إلى الفرات .
فكان إسحاق بن كنداج على الشام وابن أبي الساج ،بالرقة ووكل بالفرات من يمنع من عبورها، فبقوا مدة كذلك . ثم إن ابن كنداج سَيّر طائفة من عسكره فعبروا الفرات في غير ذلك الموضع، وساروا فلم تشعر طائفة من عسكر ابن أبي الساج كانوا طليعة إلا وقد أوقعوا بهم فانهزموا من عسكر إسحاق إلى الرقة .
فلما رأى ابن أبي الساج ذلك سار عن الرقة إلى الموصل، فلما وصل إليها طلب من أهلها المساعدة بالمال : وقال لهم : ليس بالمضطر مروءة .
فأقام بها نحو شهر وانحدر إلى بغداد فاتصل بأبي أحمد الموفق في ربيع الأول سنة ست من وسبعين ومائتين فاستصحبه معه إلى الجبل وخلع عليه ووصله بمال وأقام ابن كنداج بديار ربيعة وديار مضر من أرض الجزيرة .
وفيها: ظهر فارس العبدي في جمع فأخاف السبيل، وسار إلى دور سامرا، ونهب.
فسار إليه الطائي مقاتلاً ، فهزمه الطائي، وأخذ سواده.
ثم سار الطائي إلى دجلة ليعبرها، فدخل طيارة لهم، فأدركوا بعض أصحاب فارس فتعلقوا بكوثل الطيارة، فرمى الطائي نفسه في الماء، فلما خرج منه نفض لحيته وقال : إيش ظن العبدي أليس أسبح من سمكة؟ ثم نزل الطائي السن والعبدي بإزائه. وقال علي بن بسام في الطائي:
قد أقبل الطائي ما أقبلا*** يفتح في الأفعال ما أجملاً ***كأنه من لين ألفاظه ***صبية تمضع جهد البلا
وجهد البلا ضرب من النافظ يتعلك .
وفيها: قبض الموفق على الطائي، وقيده وختم على كل شيء ،له وكان يلي الكوفة وسوادها وطريق خراسان وسامرا والشرطة ببغداد وخراج بادوريا، وقطربل ومسكين .
وفي هذه السنة : سار الطائي إلى سامرا بسبب صديق فراسله وأمنه ودخل سامرا في جماعة من أصحابه فأخذهم الطائي وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف حملهم إلى بغداد.
وفيها : عزا بازمار في البحر، وغنم من الروم أربع مراكب.
وفي هذه السنة : سار رافع بن هرثمة إلى جرجان فأزال عنها محمد بن زيد.
وسار محمد إلى استراباز فحصره فيها رافع وأقام عليه نحو سنتين فعلت الأسعار، بحيث لم يوجد ما يؤكل وبيع وزن درهم ملح بدرهمين فضة.
وفارقها محمد بن زيد ليلا في نفر يسير إلى سارية .
فسير إليه رافع عسكراً، فتحاربا ، وسار محمد عن سارية، وعن طبرستان، وذلك في ربيع الأول سنة سبع وسبعين ومائتين .
واستأمن رستم بن قارن إلى رافع بطبرستان، فصاهره ابن قولة .
وقدم على رافع وهو بطبرستان علي بن الليث وكان قد حبسه أخوه عمرو بكرمان، فاختال حتى تخلص هو وابناء المعدل والليث، وأنفذ رافع إلى شالوس محمد بن هارون نائباً عنه، فأتاه بها علي بن كالي مستأمناً، فأتاهما محمد بن زيد وحصرهما بشالوس، وأخذ الطريق عليهما، فلم يصل منهما إلى رافع خبر، فلما تأخر خبرهما عنه أرسل جاسوساً يأتيه بأخبارهما، فعاد إليه، فأخبره بحصر محمد بن زيد إياهما بشالوس فعزم عليه وسار إليهما ، فرحل عنهما محمد بن زيد إلى أرض الديلم.
فدخل رافع خلفه أرض الديلم فخرقها حتى اتصل بحدود قزوين وعاد إلى الري، وأقام بها إلى أن توفي الموفق في رجب سنة ست وسبعين ومائتين .
وفيها في المحرم: توفي المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي صاحب الأندلس، وقيل في صفر.
وكانت ولايته سنة واحدة وأحد عشر شهراً، وعشرة أيام.وكان عمره نحواً من ستة وأربعين سنة، وكان أسمر طويلاً بوجهه أثر جدري جعداً كث
اللحية .
وخلف ستة ذكور، وكان جواداً يصل الشعراء، ويحب الشعر.
ولما توفي بويع أخوه عبد الله بن محمد بويع له يوم موت أخيه، وكنيته أبو محمد، أمه : أم ولد اسمها ،عشار توفيت قبل ابنها بسنة .
وفي أيامه امتلأت الأندلس بالفتى، وصار في كل جهة متغلب، ولم تزل كذلك طول ولايته .
وفيها : توفي أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروروذي - وهو صاحب أحمد بن حنبل ، وعبد الله بن يعقوب بن إسحاق العطار الموصلي التميمي وكان كثير الحديث والرواية، وكان معدلاً عند الحكام.
وفيها: توفي أبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبد الله البكري النحوي، اللغوي، المشهور صاحب التصانيف .
وقيل : توفي سنة سبعين، والأول أصح.
.1) هذا كل ما ذكره في أحداث تلك السنة وتلك الحادثة، غير أن ابن الأثير ذكر غير ذلك كثير ،وسأذكره إن شاء الله بعد ذكر سبب تلك الحادثة والتي قال فيها :
وفيها :شخص أبو أحمد من بغداد إلى الجبل.
وكان السبب في ذلك
أن الماذرائي كاتب إذكوتكين أخبره أن له هناك مالاً عظيماً، وأنه إن شخص صار ذلك [إليه ] (1).
فشخص أبو أحمد، فلم يجد من ذلك شيئاً فشخص من هناك إلى الكرخ، ثم إلى
أصبهان يريد أحمد بن عبد العزيز .
فتنحى له أحمد بن عبد العزيز عن البلد بجيشه وعياله وترك له داره بفرشها وآلتها لينزلها إذا قدم.
وكان مع الموفق محمد بن أبي الساج، وذلك أنه قدم عليه هارباً من ابن طولون قبل شخوص الموفق عن بغداد كان بينه وبين ابن طولون وقعات كثيرة ضعف ابن أبي الساج في آخرها عن مقاومته لقلة من كان معه وكثرت من مع ابن طولون فلحق بأبي أحمد، فخلع عليه أبو أحمد، وأخرجه معه إلى الجبل .
وفيها: ورد الخبر بانفراج تل بنهر الصلة (2)يعرف بتل بني شقيف عن سبعة أقبر فيها أبدان صحيحة عليها أكان جُدد لها أهداب يفوح منها رائحة المسك، أحدهم شاب له ،جمه ،وجبهته، وأذناه، وخدّاه وأنفه وشفتاه ورقبته وأشفار عينيه صحيحة وعلى
شفته بلل كأنه كان يشرب الماء. فأخرج الثقات لينظروا إلى ذلك، فأخبروا أنهم شاهدوا ذلك، وأن بعضهم جذب شعر بعضهم فوجده قوي الأصل قريباً من شعر الحيّ.
وكان هذا التل انفرج عن شبه حوض في حجر في لون المسن عليه كتاب لا يدري ما هو ؟
فأحضر أصحاب الأديان، فلم يعرف أحد منهم الخط (1)
في هذه السنة : جعلت شرطة بغداد إلى عمرو بن الليث، وكتب اسمه على الأعلام والترسة وغيرها .
وكان ذلك في شوال ثم ترتب في الشرطة عبید الله بن عبد الله بن طاهر من قبل عمرو، ثم أمره بطرح اسم عمرو عن الأعلام وغيرها في شوال من هذه السنة.
وفيها : استعمل الموفق بالله على أذربيجان ابن أبي الساج فسار إليها، فخرج إليه عبد الحسن الهمذاني صاحب مراغة ليصده عنها ، فحاربه فانهزم عبد الله وحصر وأُخِذَتْ منه سنة ثمانين ومائتين - كما نذكره - واستقر ابن أبي السَّاج لعمله .
وفيها : قتل عامل الموصل لابن كنداج إنساناً من الخوارج اسمه نعيم .
فسمع هارون مقدم الخوارج بذلك وهو بحديثه الموصل، فجمع أصحابه، وسار إلى الموصل يريد حرب أهلها، فنزل شرقي دجلة .
فأرسل إليه أعيانهم، ومقدموهم يسألونه ما الذي أقدمه؟
فذكر قتل ،نعيم فقالوا : إنما قتله عامل السلطان من غير اختيار منا وطلبوا منه الأمان ليحضروا عنده يعتذرون ويتبرأون من قتله فأمنهم ، فخرج إليه جماعة من أهل الموصل وأعيانهم وتبرأوا من قتله، فرحل عنهم .
وفيها : عاد حجاج اليمن عن مكة فنزلوا وادياً، فأتاهم السيل فحملهم جميعاً وألقاهم في البحر .
وفيها: توفي أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي البصري، وكان يسكن بغداد.
وحج بالناس: هارون بن محمد الهاشمي .
وفيها: توفي أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة صاحب كتاب أدب الكاتب، وكتاب المعارف، وهو كوفي، وإنما قيل له الدينوري لأنه كان قاضيها.
وقيل : مات سنة سبعين .
وأبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبد الله اليشكري النحوي الراوية، وكان مولده سنة اثنتي عشرة ومائتين .
وفيها : توفي محمد بن علي أبو جعفر القصاب، وهو من أقران السري، وصحبه الجنيد كثيراً .
.ولم يجر فيها ما يكتب(2)
وفي هذه السنة: دعا بازمار بطرسوس لخمارويه بن أحمد بن طولون، وسبب ذلك :
أن خمارويه أنفذ إليه ثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسمائة مطرف وسلاحاً كثيراً.
فلما وصل إليه دعا له، ثم وجه إليه بخمسين ألف دينار .
وفيها: في ربيع الآخر : كان بين وصيف خادم ابن أبي الساج والبرابرة أصحاب أبي الصقر فتنة، فاقتتلوا فقتل بينهم جماعة وكان ذلك ببلاد الشام.فركب أبو الصقر، ففرقهم.
وفيها : ولي يوسف بن يعقوب المظالم وأمر من ينادي من كانت له مظلمة قبل الأمير الناصر لدين الله الموفق أو أحد من الناس فليحضر.
وفيها: في شعبان : قدم بغداد قائد عظيم من قواد خمارويه بن أحمد بن طولون في جيش عظيم. وحج بالناس : هارون بن محمد بن عيسى الهاشمي .
وفيها: توفي أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي المثنى الموصلي، وكان كثير الحديث، وهو من أهل الصدق والأمانة .
وفيها : توفي أبو حاتم الرازي، واسمه محمد بن إدريس بن المنذر، وهو من أقران البخاري، ومسلم .
ومات فيها : يعقوب بن سفيان بن حَوَّان السّري، وكان يتشيع .
ويعقوب بن يوسف بن معقل الأموي والد أبي العباس الأصم.
وفيها: توفيت عُريب المغنية المأمونية وقيل : إنها ابنة جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، وكان
مولدها سنة إحدى وثمانين ومائة .
وفيها : توفي أبو سعيد الخراز واسمه أحمد بن عيسى .
وقيل : سنة ست وثمانين والأول أشبه بالصواب.
الخراز بالخاء المعجمة والراء والزاي.
.وفيها: انحدر وصيف خادم أبي الساج إلى واسط، بأمر أبي الصقر.
ذكر السبب في ذلك
كان سبب ذلك أن أبي الصقر أتلف ما في بيوت أموال أبي أحمد حتى لم يبق فيها شيء بالهبات والصلات العظام التي كان يجيز بها القواد والخلع التي يخلعها عليهم. فاستدعى وصيفاً هذا فيكون عدة له إن طالبه أبو أحمد، وكان أصنع وصيفاً وأجازه بجزائر كثيرة وأدر على أصحابه أرزاقهم ولما نفذ ما في بيوت الأموال طالب أرباب الضياع بخراج سنة ....(1)عن أرضهم وحبس بذلك جماعة .
وكان الذي يتولى ذلك المعروف بالدغل فعسف الناس .
وقدم الموفق قبل أن يقتطف آداء ذلك فشغل عنه بقدومه .
و انصرف أبو أحمد من الجبل إلى العراق، فاشتد به وجع النقرس(2)حتى لم يقدر على الركوب، فاتخذ له سريراً عليه قُبّة، فكان يقعد فيه يجلس معه خادم يُبَرِّد رجله بالأشياء الباردة بالثلج ، ثم صار به داء الفيل، وكان يحمل [130/ب] سريره أربعون رجلاً يتناوب عشرون عشرون .
فإذا اشتد به الألم أمرهم أن يضعوه، فقال يوماً للذين يحملونه وقد سمع مایدل منهم على ضجر : قد ضجرتم لحملي وبودي أن أكون كواحد منكم أحمل (1)على رأسي وأنا وراء النهروان (2). وتلقاه الناس فركب الماء في النهروان ثم في نهر دالي، ثم في دجلة.
ودخل داره لليلتين خلتا من صفر، فأرجف الناس بموته، وكان تقدم في حفظ أبي العباس فغلقت عليه أبواب دون أبواب وانصرف أبو الصقر إلى منزله واعترت أبا أحمد غشية ، فازداد أرجاف الناس بموته. فحمل المعتمد ولده فجيء بهم إلى داره ولم يصل أبو الصقر إلى الموفق .
فلما رأى غلمان أبي أحمد المائلون إلى أبي العباس والرؤساء من غلمان أبي العباس ما نزل بأبي كسروا الأبواب المغلقة على أبي العباس .
فذكر الغلام الذي كان مع أبي العباس في الحجرة أن أبا العباس إذا سمع صوت الأقفال تكسر قال : إنا لله ما يريد هؤلاء إلا نفسي فأخذ سيفاً كان عنده وقعد مستوقراً. فلما فتح الباب كان أول ما دخل عليه وصيف موشكير وهو غلامه، فلما رآه رمى بالسيف من يده وعلم أنهم لم يقصدوه إلا بخير .
فأخرجوه حتى اقعدوه عند أبيه، وكان أبوه بعقب غشية فلما فتح عينه بعد إفاقته رآه قربه وأدناه (3). ووافى المعتمد، وقد كان وجه إليه فحضر ومعه ابنه جعفر المفوض إلی الله ولي العهد وعبد العزيز وإسحاق، ومحمد ،بنوه فنزل على أبي الصقر . ثم بلغ أبا الصقر أن أبا أحمد مات فوجّه إسماعيل بن إسحاق يتعرف له الخبر. وجمع أبو الصقر القواد والجند وشحذ داره وما حولها بالرجال والسلاح.
فرجع إسماعيل، فأعلم أبا الصقر أن أبا أحمد حَيّ .
فأول من مضى إليه من القواد محمد بن أبي الساج، ثم جعل الناس يتسللون منهم من يعبر إلى باب أبي أحمد ومنهم من يرجع إلى منزله، ومنهم من يخرج إلى بغداد، فلما صح عند أبي الصقر حياة ابي احمد انحدر هو وابناه إلى دار أبي أحمد .
فما ذاكره أبو أحمد شيئاً مما جرى ولا سأله عنه وأقام هناك .
فانتهب دار أبي الصقر وكل ما حوته حتى خرج حرمه حفاة بغير أزر، وانتهب دور كتابه ،وأسبابه وكسرت أبواب السجون، فأخرج من كان في المطبق، وانتهب .
ثم خلع أبو أحمد على ابنه أبي العباس وعلى أبي الصقر، وركبا جميعاً، والخلع عليهما من سوق الثلاثاء إلى باب الطاق.
ومضى أبو الصقر مع أبي العباس إلى دار صاعد ثم انصرف إلى منزله، فلم يجد فيه شيئاً يجلس عليه حتى أتوه من دار الشاه بحصير حتى جلس عليه .
وولى أبو العباس غلامه بدراً الشرطة على الجانب الغربي (1)
واستخلف محمد بن غانم بن الشاه على الجانب الشرقي
.وفيها: توفي أبو أحمد الموفق، ودفن في الرصافة (2)
وكان عالماً بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك، وغير ذلك.
قال يوماً : إن جدي عبد الله بن العباس قال : إن الذباب ليقع على جليس فيؤذيني ذلك - وهذا نهاية الكرم - وأنا والله أرى جلسائي بالعين التي أرى بها إخواني والله لو تهيأ لي أن أغير أسماءهم لنقلتها من الجلساء إلى الأصدقاء والإخوان.
وقال يحيى بن علي دعا الموفق يوماً جلساءه فسبقهم وحده، فلما رآني وحدي أنشد يقول : واستصحب الأصحاب حتى إذا دنوا*** ومَلوا من الادلاج جئتكم وحدي
فدعوت ،له واستحسنت إنشاده في موضعه .
وله محاسن كثيرة ليس هذا موضع ذكرها .
.وجلس أبو العباس للتعزية، وبايع الغلمان والقواد لأبي العباس بولاية العهد بعد المفوض، ولقب : المعتضد بالله .
وأخرج العطاء للجند، وخطب يوم الجمعة للمعتمد ، ثم للمفوّض ثم للمعتضد.
وقبض على أبي الصقر وأسبابه وطلب بنو الفرات وكان إليهم ديوان السواد فاختفوا. وخلع على عبد الله بن سليمان بن وهب وولي الوزارة.
وبعث محمد بن أبي الساج إلى واسط ليرد غلامه وصيفاً إلى بغداد، فأبى وصيف، ومضى إلى الأهواز فعاث بالسوس وأنهب الطيب (3)
وأبى الرجوع إلى بغداد.
وفيها : قتل علي بن الليث أخو الصفار، قتله رافع بن هرثمة وكان قد يحنق به وترك أخاه .
وفيها غار ماء النيل فعلت الأسعار بمصر.
.وفيها: وردت الأخبار بحركة قوم يعرفون بالقرامطة بسواد الكوفة. وقد كان ابتداء أمرهم قدوم رجل من ناحية خوزستان سواد الكوفة فأظهر الزهد والتقشف وكان
يسف (1)الخوص ويأكل من كسبه ويكثر الصلاة فأقام على ذلك مدة، فإذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدين وزهده في الدنيا، وعلمه أن الصلاة المفترضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة حتى فشا ذلك عنه . فشا ذلك عنه. ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من
أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يزل على ذلك يقعد إليه جماعة فيخبرهم من ذلک بما يعلق قلوبهم .
وكان يقعد إلى بقال في القرية بموضع يقال له النهرين وكان بالقرب من البقال نخل اشتراه من التجار واتخذ حظيرة فيها ما صرموا من النخل .
وجاء التجار إلى البقال فسألوه أن يطلب لهم رجلاً يحفظ ما صرموا من النخل، فأومأ لهم إلى هذا الرجل وقال : إن أجابكم إلى حفظه فإنه بحيث يحيون.
فناظروه في ذلك، فأجابهم إلى حفظه بدراهم معلومة، وكان يحفظ لهم ويصلي أكثر نهاره، ويصوم ويأخذ عند إفطاره من البقال رطل تمر فيفطر عليه، ويجمع نوى ذلك التمر .
فلما حمل التجار تمرهم ساروا إلى البقال فحاسبوا أجيرهم هذا على أجرته فدفعوها إليه، فحاسب الأجير البقال على ما أخذه من التمر، وحط ، وحط من ذلك ثمن النوى . ورآه أولئك التجار، فوثبوا عليه (2)وضربوه وقالوا : ألم ترض إن أكلت تمرنا حتى بعت النوى؟
فقال لهم البقال : لا تفعلوا فإنه ما مَسَّ تمركم [131/ أ] فقص عليهم قصته .
فندموا على ضربهم إياه وسألوه أن يجعلهم في حل ففعل .
وزاد بذلك نبلاً عندهم لما وقفوا عليه من زهده .
ثم مرض فمكث مطروحاً على الطرق وكان في القرية رجل يحمل على ثور (3)له أحمر العينين وكان أهل القرية يسمونه : كرميئه (4)الحمرة عينيه - وهو بالنبطية أحمر العين - فكلم البقال الكرميته ](5)هذا أن يحمل العليل إلى منزله، ويوصي أهله بالإشراف عليه، ففعل، وأقام عنده حتى برأ. فكان يأوي إلى منزله ودعا أهل القرية ووصف لهم
1) أي يصنع منه الأشياء التي يستخدمها الإنسان في حمله أو الجلوس عليها وهو نسج الخوص . وقال ابن منظور في لسان العرب : سففت الخوص أسفه سَفًا، واسففته إسفافاً أي نسجته بعضه في بعض وكل شيء ينسج بالأصابع فهو الإسفاف .
2) في المخطوط عليهم، وهو تحريف.
3) في الكامل : أثوار .
4) فى الكامل كرميتة بالتاء المثناة من فوق .
5) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل والسياق يقتضيها لاحتمال سقوطها من الناسخ والسياق في الكامل أشبه بما هو هنا .
مذهبه فأجابه أهل تلك الناحية وكان يأخذ من الرجل إذا دخل في بيته، ويزعم أن ذلك للإمام .
فلما كثر أصحابه اتخذ منهم اثني عشر نقيباً، وأمرهم أن يدعوا الناس إلى دينهم، وقال لهم : أنتم كحواري عيسى ابن مريم فاشتغل أهل كور (1)تلك الناحية بالصلوات الخمسين التي وظفها عليهم.
وكان للهيضم في تلك الناحية ضياع فوقف على تقصير أكرته في العمارة، فسأل عن سبب ذلك، فأخبر بخبر هذا الرجل وأنه قد شغلهم بالصلاة وقطعهم عن أعمالهم .
فوجه إليه، وجئ به، فسأله أمره فأخبره فحلف أنه يقتله، وأمر به فحبس في عن بيت وأقفل عليه الباب ووضع المفتاح تحت وسادة وتشاغل بالشرب، وسمع بعض من في داره من الجواري منه فوقت له .
فلما نام الهيضم أخذت المفتاح من تحت وسادته وفتحت الباب وأخرجته، وردت المفتاح إلى موضعه .
فلما أصبح الهيضم طلب الرجل، فلم يجده، وشاع الخبر، ففتن به أهل تلك الناحية وقالوا : رفع.
ثم ظهر في موضع آخر، فقصده قوم من أصحابه يسألوه عن قصته، فكتمهم، وقال : ليس يمكن أحد من البشر أن يبدأني بسوء.
فعظم في عيونهم، ثم خاف على نفسه فخرج إلى الشام فلم يعرف له خبر وسمى باسم الرجل الذي كان في منزله كرميثه، ثم عرب وخفف ، فقيل : قرمط (2)
الكوفة يحمل غلة السواد على أثوار له واسمه حمدان.
ثم كثر مذهبه بسواد الكوفة، ووقف أحمد بن محمد الطائي وكان النظر إليه في سواد الكوفة على أمرهم. فوظف كل رجل منهم في كل سنة دينار فكان ذلك فيجتمع له منه مال يجبي جليل . ثم قدم قوم من الكوفة فرفعوا إلى السلطان أمر القرامط، وأنهم قد أحدثوا ديناً غير الإسلام وأنهم يرون السيف في أمة محمد إلا من بايعهم على دينهم، وأن الطائي يخفى أمره عن السلطان .فلم يلتفت إليهم ثم جاؤوا بكتاب فيه مذهبهم ونسخته :
ندِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يقول الفرج بن عثمان (1)
وهو من قرية يقال لها : نصرانة .
:«إنه داعية إلى المسيح وهو عيسى والكلمة وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد ابن الحنفية وهو جبريل ».
وحكى أن المسيح تصور له في جسم إنسان وقال له(2):
إنك الداعية وإنك ،الحجة، وإنك ،الناقة وإنك الدابة، وإنك روح القدس وإنك يحيى بن زكريا .
ثم توظف صلاة ، وتقرأ فيها شيئاً من القرآن وتذكر قِبْلَة غير قبلة المسلمين، وتحكي أشياء عن لسان الإمام، وتنسب إلى الله تسع أشياء، وتحرم النبيذ، ولا غسل من الجنابة ولا صوم إلا يومين في السنة يوم النيروز ويوم المهرجان، وكل من حاربه وجب قتله (3)
الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله - مرتين - أشهد أن آدم رسول الله، أشهد أن نوحاً رسول الله، أشهد أن إبراهيم رسول الله أشهد أن موسى رسول الله، أشهد أن عيسى رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن أحمد بن محمد ابن الحنفية رسول الله وأن يقرأ في ركعة الاستفتاح وهي من المُنَزَّل على أحمد بن محمد ابن الحنفية والقبلة إلى بيت المقدس، والحج إلى بيت المقدس، وأن الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شيء .
والسورة الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه المتخذ لأوليائه بأوليائه . قُل إن الأهلة مواقيت للناس، ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب والشهور، والأيام وباطنها أوليائي الذين عَرَّفُوا عبادي سبيلي اتقوني يا أولي الألباب وأنا الذي لا أسأل عما أفعل، وأنا العليم الحكيم وأنا الذي أبلو ،عبادي وأمتحن خلقي، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنتي ، واخلدته في نعمتي، ومن زال عن أمري وكذب رُسلي أخذته مهاناً في عذابي، وأتممت أجلي، وأظهرت أمري على السنة رُسلي، وأنا الذي لم يعلُ عَلَيَّ جَبَّار إلا وضعته ولا عزيز إلا أذللته وليس الذي أصر على أمري ودام على جهالته وقالوا : لن نبرح عليه عاكفين و به مقيمين أولئك هم الكافرون . ثم يركع ويقول في ركوعه : سبحان ربي رب العزة، وتعالى عما يصف الظالمون، يقولها مرتين .
فإذا سجد قال : الله أعلى الله أعلى الله أعظم الله أعظم.
ومن شريعته : أن يصوم يومين في السَّنة وهما المهرجان، والنيروز .
وأن النبيذ حرام والخمر حلال ولا غسل من جنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة وأن من حاربهم وجب قتله، ومن لم يحاربه ممن يخالفه أخذ منه الجزية .
ولا يؤكل كل ذي ناب ولا كل ذي مخلب .
.1) بعده في الكامل تعريف ببلد هذا الرجل فقال :
2) في المخطوط أنه . وهو تحريف والتصويب من الكامل.
3) هذا ما جاء ذكر فيما زُعِمَ عنه في هذا المؤلف، وفي الكامل فُصِّلَ في هذه المزاعم فقال : وذُكر أن المسيح تصور له في جسم إنسان وقال له : إنك الداعية وإنك ،الحجة، وإنك روح الناقة، وإنك الدّابة، وإنك يحيى بن زكريا، وإنك القدس. وعرفه أن الصلاة أربع ركعات ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان بعد غروبها وأن الأذان في كل صلاة أن يقول المؤذن :
وكان مصير قرمط إلى سواد الكوفة قبل قتل صاحب الزنج .
وحكي عن قرمط أنه قال صرت إلى صاحب الزنج، وقلت له :
إني على مذهب وورائي مائة ألف سيف فتناظرني، فإن اتفقنا على المذهب ملت بمن معي كلهم إليك، وإن تكن الأخرى انصرفت عنك وطلبت منه الأمان، فأعطانيه .
فناظرته إلى الظهر فبيّن في آخر مناظرته أنه مخالف فقام إلى الصلاة، وانسللت وخرجت من عنده إلى سواد الكوفة (1)
وكان قد أطاع خمارويه بن أحمد بن طولون فلما توفي خَلَفَه ابن عجيف وكتب إلى خمارويه يخبره بموته .
فأقره على ولاية طرسوس، وأمده ،بالخيل والسلاح والذخائر وغيرها. ثم عزله، واستعمل عليها ابن عمه محمد بن موسى بن طولون .
وفيها: ثار الناس بطرسوس بالأمير محمد بن موسى فقبضوا عليه، وسبب ذلك :
أن الموفق لما توفي كان له خادم من خواصه يقال له : راغب فاختار الجهاد، فسار إلى طرسوس على عزم المقام بها .
فلما وصل إلى الشام سَيْر ما معه من دواب وآلات وخيام وغير ذلك إلى طرسوس . وسار هو جريدة إلى خمارويه يزوره، ويعرفه عزمه .
فلما لقيه بدمشق أكرمه ،خمارويه وأحبَّه وأنس به ، واستحيا راغب أن يطلب منه المسير إلى طرسوس، فطال المقام عنده، فظن أصحابه أن خمارويه قبض عليه، فأذاعوا ذلك .
فاستعظمه الناس وقالوا يعمد إلى رجل قصد الجهاد في سبيل الله فيقبض عليه؟ ثم شغبوا على ،أميرهم محمد ابن عم خمارويه وقبضوا عليه وقالوا : لا يزال في الحبس إلى أن يطلق ابن عمك : راغباً، ونهبوا ،داره وهتكوا حرمه .
فبلغ الخبر إلى خمارويه، فأطلع راغباً عليه وأذن له في المسير إلى طرسوس .
فلما بلغ إليها، أطلق أهلها ،أميرهم، فلما أطلقوه قال لهم : قبح الله جواركم، وسار عنهم إلى البيت المقدس فأقام به، ولما سار عن طرسوس، عاد العجيفي إلى ولايتها.
وفيها: ظهر كوكب ذو جمة، وصارت الجُمْة ذؤابة .
رحج بالناس هذه السنة : هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي .
وتوفي فيها : عبد الكريم الدير عاقولي . وفيها : توفي إسحاق بن كنداج وولي مكان إليه من أعمال الموصل وديار ربيعة ابنه محمد. وتوفي إدريس بن سليم الفقعسي الموصلي، وكان كثير الحديث والصلاح .
.1) وزاد ابن الأثير في الكامل عدة حوادث حدثت في هذه السنة غير هذه فقال : فيها في جمادى الآخرة دخل أحمد العفيفي طرسوس وغزا مع بازمار الصائفة، فبلغوا شكند فأصابت بازمار شظية من حجر منجنيق في أضلاعه، فارتحل عنها بعد أن أشرف على أخذها فتوفي في الطريق منتصف رجب، وحمل إلى طرسوس فدفن بها .
وفيها: توفي المعتمد (1)
وفيها : توفي المعتمد على الله ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب ببغداد.
، وكان شرب على الشَّط في الحسني (2)ببغداد يوم الأحد.
وقال ياقوت عن الحَسَنِيّ المقصود هنا ما يلي قصر في دار الخلافة منسوب إلى الحسن بن سهل وهو المعروف اليوم بالتاج و به منازل الخلفاء ببغداد ثم أتم الخبر بأكثر مما هنا عن وفاته فقال : وأحضر المعتضد القضاة وأعيان الناس، فنظروا إليه وحمل إلى سامرا فدفن بها وكان عمره خمسين سنة وستة أشهر، وكان أسن من الموفق بستة أشهر. وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وستة أشهر .
وكان في خلافته محكوماً عليه قد تحكم عليه أخوه أبو أحمد الموفق وضيق عليه حتى أنه احتاج في بعض الأوقات إلى ثلاثمائة دينار، فلم يجدها ذلك الوقت، فقال:
أليس من العجائب أن مثلي يرى ماقل تنع عليه وتؤخذ باسمه الدنيا جميعاً وما من ذاك شيء في يديه إليه تُحمل الأموال طُرّاً*** ويمنع بعض ما يجبى إليه
وكان أول الخلفاء انتقل من سُرَّ مَنْ رأى مُذْ يُنيَت، ثم لم يعد إليها أحد منهم.
شرباً كثيراً ، وتعشى فأكثر، فاختنق ومات ليلاً.وبويع لأبي العباس المعتضد بالخلافة فولي غلامه بدراً الشرطة، وعبيد الله سليمان الوزارة .
ومحمد بن الشاه بن ميكال (3)الحرس .
وصالحاً الأمين حجبة الخاصة والعامة فاستخلف صالحاً خفيفاً السمرقندي.
وفيها: قدم على المعتضد رسول عمرو بن الليث الصفار بهدايا وسأل ولاية ،خراسان، فوصلوا إليه في شهر رمضان من هذه السنة، فخلع عليه ونصب اللواء في صحن داره ثلاثة أيام.
وورد الخبر بموت نصر بن أحمد [الساماني] (4)وقام مكانه بما كان إليه من العمل
وراء نهر بلخ أخوه إسماعيل بن أحمد (1)
أخوك فيك على خبر ومعرفة*** إن الذليل ذليل حيثما كانا
لولا زمان خؤون في تصرفه ***ودولة ظلمت ما كنت إنسانا
.وفيها: ورد من مصر الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصَّاص رسولاً لخمارويه بن أحمد بن طولون ومعه هدايا من العين عشرون حملاً على بغال وعشرة من الخدم وصندوقان فيهما تمران وعشرون غلاماً على عشرين نجيب بسروج محلاة بحلية فضة كثيرة ومعهم حراب ،فضة ، وعليهم أقبية الديباج والمناطق المحلاة، وسبع عشرة دابة بجلال مشهرة وخمسة أبغل بسروج ولُجُم وزرّافة .
فوصل المعتضد، فخلع عليه وعلى سبعة [131/ أ] نفر معه .
وسفر ابن الجصَّاص في تزويج بنت خمارويه من على ابن المعتضد.
فقال : أنا أتزوجها، فتزوجها (2).
وفيها: كتب إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف لمحاربة رافع بالري.
فزحف إليه أحمد فالتقوا فانهزم رافع، وجرى عن الري، ودخلها أحمد بن عبد العزيز (3)
وفيها: عزل المعتضد رافع بن هرثمة عن خراسان وسبب ذلك : أن المعتضد كتب إلى رافع بتخلية قرى السلطان بالري فلم يقبل فأشار على رافع أصحابه برد القرى لئلا يفسد حاله
بكتاب، فلم يقبل أيضاً .
ثم ذكر نحواً مما ذكر هنا ثم قال : وكتب إلى عمرو بن الليث بتولية خراسان، ثم إن أحمد بن عبد العزيز لقي رافعاً ، فقاتله فانهزم عن الري سار إلى جرجان ومات أحمد بن عبد العزيز سنة ثمانين ومائتين فعاد رافع إلى الري ، فلقاه عمرو، وبكر ابنا عبد العزيز، فاقتتلوا قتالا شديداً، فانهزم ،عمرو، وبكر، وقتل من أصحابها مقتلة عظيمة. ووصلوا إلى أصبهان في جمادى الأولى سنة ثمانين .
وأقام رافع بالري باقي سنته، ومات علي بن الليث معه في الري .
ثم إن عمرو بن الليث وافى نيسابور في جمادى الأولى سنة ثمانين واستولى عليها وعلى خراسان، فبلغ الخبر إلى رافع فجمع أصحابه واستشارهم فيما يفعل فقال لهم : إن الأعداء قد أحدقوا بنا ولا آمن أن يتفقوا علينا هذا محمد بن زيد بالديلم ينتظر فرصة لينتهزها، وهذا عمرو بن عبد العزيز قد فعلت به ما فعلت وهو يتربص الدوائر، وهذا عمرو بن الليث قد وافي خراسان بمجموعة، وقد رأيت أن أصالح محمد بن زيد وأعيد إليه طبرستان وأصالح ابن عبد العزيز، ثم أسير إلى عمرو فأخرجه عن خراسان .
فوافقوه على ذلك، وأرسل إلى ابن عبد العزيز فصالحه، واستقر الأمر بينهما في شعبان سنة ثمانين . ثم سار إلى طبرستان فوردها في شعبان سنة إحدى وثمانين وكان قد أقام بجرجان فأحكم أمرها، ولما استقر بطبرستان راسل محمد بن زيد وصالحه ووعده محمد بن زيد أن ينجده بأربعة آلاف رجل من شجعان الديلم وخطب لمحمد بطبرستان وجرجان في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين ومائتين .
وبلغ خبر مصالحة محمد بن زيد ورافع إلى عمرو بن الليث فأرسل إلى محمد يذكر ما فعل به ويحذره منه وغدره إن استقام أمره فعاد عن انجاده بعسكر.
فلما قوي عمرو وعرف لمحمد بن زيد ذلك، وخلع عليه طبرستان.
ولما أحكم رافع أمر محمد بن زيد سار إلى خراسان، فورد نيسابور في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وجرى بينه وبين عمرو ،شديدة، فانهزم فيها رافع إلى أبيورد، وأخذ عمرو منه المعدل والليث ولدا أخيه علي بن الليث وكانا عنده بعد موت أخيه علي . ولما ورد رافع أبيورد أراد المسير إلى هراة أو مرو، فعلم عمر بذلك، فأخذ عليه الطريقبسرخس .
فلما علم رافع مسير عمرو عن نيسابور سار على مضايق وطرق غامضة غير طريق الجيش إلى نيسابور فدخلها.
وعاد إليه عمرو من سرخس فحصره فيها، وتلاقيا.
واستأمن بعض قواد رافع إلى عمرو، فانهزم رافع وأصحابه، وأصحابه، وسير أخاه محمد بن هرثمة إلى محمد بن زيد يستمده ويطلب ما وعده من الرجال فلم يفعل ولم يمده برجل واحد وتفرق عن رافع أصحابه وغلمانه .
وكان له أربعة آلاف غلام، ولم يملك أحد من ولاة خراسان قبله مثله .
وفارقه محمد بن هارون إلى إسماعيل بن أحمد الساماني ببخارى .
وخرج رافع منهزماً إلى خوارزم منهزماً على الجمازات وحمل ما بقي معه من مال وآلة وهو في شرذمة قليلة، وذلك في رمضان سنة ثلاثة وثمانين ومائتين .
فلما بلغ رباط جبوه وجه إليه خوارزمشاه أبا سعيد الدرغاني ليقيم له الأنزال، ويخدمه إلى خوارزم، فرماه أبو سعيد في قلة من رجاله وغَدَرَ به وقتله لسبع خلون من شوال سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وحمل رأسه إلى عمرو بن الليث وهو بنيسابور، وأنفد عمرو الرأس إلى المعتضد بالله، فوصل إليه سنة أربع وثمانين ونصب ببغداد، وصفت خراسان إلى شاطئ جيحون لعمرو . وفيها ملك أحمد بن عيسى ابن الشيخ قلعة ماردين وكانت بيد محمد بن إسحاق بن
كنداجيق .
وحج بالناس هذه السنة هارون بن محمد وهي آخر حجة حجها .
وأول حجة حجها بالناس سنة أربع وستين ومائتين إلى هذه السنة .
وفيها : أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي السلمي بترمذ في رجب، وكان إماماً حافظاً له تصانيف حسنة منها الجامع الكبير في الحديث، وهو أحسن الكتب، وكان ضريراً.
وتوفي إبراهيم بن محمد المدبر غي لشوال و کان بلی دیوان الضیاع.
.وفيها: قبض المعتضد على عبيد الله (1)بن المهتدي ومحمد بن الحسن (2)بنسهل المعروف بشميلة (3).
وكان شميلة (1)هذا من أصحاب صاحب الزنج (2).
وكان سبب قبضه عليهما
أنه سعى بهما ساع إلى المعتضد وقال : إنه يدعو إلى رجل لم يوقف على اسمه، وأنه قد استفسد جماعة من الجند وغيرهم .
وأخذ معه رجل صيدناني فقرر(3)المعتضد فلم يقر شيء.
وسأله عن الرجل الذي يدعو إليه فلم يظهر عليه وقال : لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه ولو جعلتني كرذياك (4)ما أخبرتك به .
فأمر بنار فأوقدت، ثم شُدَّ على خشبة من خشب الخيم، وأدير على النار حتى تقطع جلده .
ثم ضرب عنقه وصلب على الجسر وحبس ابن المهتدي إلى أن وقف على رأيه، فأطلق.
وقال لشميلة (5): بلغني أنك تدعو إلى ابن المهتدي؟
فقال : المأثور عني غير هذا أنا أتولى آل أبي طالب .
وكان قرّر ابن أخيه فأقرّ .
قال : قد أقر ابن أخيك؟
قال : هذا غلام حدث تكلم بهذا خوفاً من القتل، فلا تقبل قوله .
فأطلقهما بعد مدة (6).
ثم شخص المعتضد من بغداد إلى بني شيبان، وكانوا بناحية من الجزيرة اتخذوها معقلاً.
فلما بلغهم (7)قصده إليهم ضموا أموالهم وعيالهم.
فأسرى إليهم المعتضد، فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير في الزابين . فأخذ النساء والذراري، وغنم أهل العسكر من أموالهم ما أعجزهم حمله
1) في المخطوط : شيلمة، وهو تحريف والتصويب من الكامل.
2) بعد هذا في الكامل : إلى آخر أيامه، ثم لحق بالموفق في الأمان فأمنه .
3) في المخطوط : فقره. وهو تحريف نتج عن سقط الراء الثانية من الناسخ والتصويب من الكامل .
4) كذا في المخطوط، وأحسب إن لم يكن هذا اسم لعلم معروف أن يكون الصواب كزكريا وقصة زكريا عليه السلام ويوحنا المعمدان معروفة ومشهورة .
5) في المخطوط : الشيلمة. وهو تحريف.
6) ذكر الخبر في الكامل مختصر عما هنا .
7) فى المخطوط : بلغه وهو تحريف والتصويب من الكامل.
وأخذ من غنمهم وإبلهم حتى بيعت الشاة ، بدرهم، والجمل بخمسة دراهم.
وأمر بحفظ النساء والذراري.
ثم لقيه بنو شيبان وسألوه الصفح عنهم، وبذلوا رهائنهم .
فأخذ منهم خمسمائة رجل [وعاد إلى بغداد ](1).
ووافاه أحمد بن أبي الأصبغ بما فارقه عليه أحمد بن عيسى ابن الشيخ من المال الذي أخذه من مال إسحاق بن كنداجيق وهدايا وبغال ودواب(2)
وأرسل إلى أحمد بن عيسى ابن الشيخ يطلب منه ما أخذه من أموال ابن كنداجيق بآمد فبعثه إليه ومعه هدايا كثيرة .
.وفيها: ورد الخبر بأن محمد بن أبي الساج افتتح المراغة (3)
قالوا: كانت المراغة تدعى : أفرار هروذ فعسكر مروان بن محمد بن الحكم وهو والي أرمينية وأذربيجان منصرفه من غزو موقان وجيلان بالقرب منها وكان فيها سرجين كثير فكانت دوابه ودواب أصحابه تتمرغ فيها فجعلوا يقولون : ابنو قرية المراغة، وهذه قرية المراغة . فحذف الناس القرية وقالوا المراغة وكان أهلها ألجأوها إلى مروان، فابتناها وتألف كلاؤه أهلها فكثروا فيها للتقرر وعمروها .
بعد حصار شديد، وحرب عظيمة .و أنه أخذ عبد الله بن الحسين بعد أن أمَّنَه ،وأصحابه فقيده وحبسه، وقرره بجمیع أمواله. ثم قتله.
وفيها ورد الخبر بوفاة أحمد بن عبد العزيز ثم قام بالأمر [بعده أخوه ](4).
عمر بن عبد العزيز .
وفيها: توفي جعفر بن المعتمد (5).
وفيها: ورد الخبر بغزو إسماعيل بن أحمد بلاد الترك وافتتاحه مدينة ملكهم وأسْرَهُ وأباه وامرأته ،خاتون ونحواً من عشرة آلاف وقتل خلقاً لا يحصى. وغنم من الأموال والدواب ما لا يوقف على عدده.
وأصاب الفارس من المسلمين من الغنيمة في المقسم ألف درهم(6)
وفي هذه السنة : خرج محمد بن عبادة ويُعرف بأبي حوزة وهو من بني زُهير من أهل قبراثا من البقعاء - على هارون وكلاهما من الخوارج.
وكان أول أمره فقيراً، وكان هو وابناه له يلتقطان الكمأة، ويبيعانها إلى غير ذلك الأعمال.
ثم إنه جمع جماعة وحكم فاجتمع إليه أهل تلك النواحي من الأعراب، وقوي أمره وأخذ عُشر الغلات وقبض ..الزكاة وسار إلى معلثايا، فقاطعه أهلها على خمسمائة دينار وجبى
الأعمال وعاد.
وبنى عند سنجار حصناً، وحمل إليه الأمتعة وجعل فيه ابنه أبا هلال ومعه مائة وخمسون رجلاً من وجوه بني زهير وغيرهم. ووصل خبرهم إلى هارون الشاري فاجتمع رأيه ورأى وجوه أصحابه على قصد الحصن أولاً فإذا فرغوا منه ساروا إلى محمد بن عبادة فجمع أصحابه، فبلغوا مائة راجل وألف ومائتي فارس .
فسار إليه مبادراً وأحدق به وحصره، ومحمد بن عبادة في قبراثا لا يعلم بذلك.
وجَد هارون في قتال الحصن، وكان معه سلالیم قد أخذها، وزحف إليه .
وكان أصحابه قد منعوا أحداً يخرج رأسه من ا أحداً يخرج رأسه من أعلى السور، فلما رأى من معه من بني تغلب تغلبه على الحصن، أعطوا من فيه من بني زهير الأمان بغير أمر هارون فشق عليه ولم يقدر على تغيير ذلك إلا أنه قتل أبا هلال بن محمد بن عبادة، ونفراً معه قبل الأمان وفتحوا الحصن وملكوا ما فيه .
وسار محمد - وهو بقبراثا - فلقوه وهو في أربعة آلاف رجل، فاقتتلوا فانهزم هارون ومن معه . فوقف بعض أصحابه ونادى رجالاً بأسمائهم فاجتمعوا نحو أربعين رجلاً، وحملوا على ميمنة محمد بن عبادة فانهزمت الميمنة وعادت الحرب فانهزم محمد ومن معه ووضعوا السيوف فيهم، فقتل منهم ألف وأربعمائة رجل وحجز بينهم الليل وجمع هارون مالهم فقسمه بين أصحابه وانهزم محمد إلى آمد فأخذه صاحبها أحمد بن عيسى ابن الشيخ بعد حرب، فظفر به،فأخذه أسيراً وسيره إلى المعتضد فسلخ جلده كما يسلخ الشاة.
وفيها : افتتح محمد بن ثور ،عمان وبعث برؤوس جماعة من أهلها.
وفيها : دخل عمرو بن الليث نيسابور في جمادى الأولى.
وفيها : وجه محمد بن أبي السَّاج ثلاثين نفساً من الخوارج من طريق الموصل فضربت أعناق أكثرهم وحُبِسَ الباقون . وفيها : دخل أحمد بن أبا طرسوس للغزاة من قبل خمارويه بن أحمد بن طولون، ودخل بعده بدر الحمامي فغزوا جميعاً مع العجيني أمير طرسوس حتى بلغوا البلقسون... وفيها توفي راشد مولى الموفق بالدينور وحُمِل في تابوت إلى بغداد في رمضان، وفي شوال مات مسرور البلخي .
وفيها : غارت المياه بالري وطبرستان حتى بلغ الماء ثلاثة أرطال بدرهم وغلت الأسعار. و في شوال : انكسف القمر وأصبح أهل دبيل والدنيا مظلمة ودامت الظلمة عليهم، فلما كان عند العصر هَبَّت ريح سوداء فدامت إلى ثلث الليل فلما كان ثلث الليل زلزلوا، فخرجت المدينة ولم يبق من منازلهم إلا قدر مائة دار ، وزلزلوا بعد ذلك خمس مرار : وكان جملة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسون ألفاً كلهم موتى . وحج بالناس هذه السنة : أبو بكر محمد بن هارون بن إسحاق المعروف بابن ترنجة . وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن يوسف أبو إسماعيل الترمذي في رمضان وله تصانيف حسنة .
وأحمد بن سيار بن أيوب الفقيه المروزي، وكان زاهداً عالماً .
وأبو جعفر أحمد بن عمران الفقيه الحنفي بمصر.
.1) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل والسياق فيه بنحو مما هنا .
2) الخبر في الكامل على هذا النحو :
3) قال ياقوت في معجم البلدان مَرَاغة بلدة مشهورة عظيمة ،أعظم وأشهر بلاد أذربيجان ...
4) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل.
5) في الكامل الخبر على النحو التالي: وفيها توفي جعفر بن المعتمد في ربيع الآخر وكان ينادم المعتضد .
6) وذكر ابن الأثير من الأحداث في هذه مما لم یذکره المولف هنا ما یلی:
وفيها: شخص المعتضد إلى الجبل فقصد ناحية الدينور (1)، وقلد ابنه أبا محمد علي (2)بن المعتضد الرّي ،وقزوين ،وزنجان، وأبهر ، وقم، والدينور(3)، وقلد کتیبه(4)أحمد بن أبي الأصبغ عسكره وقلد عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف أصفهان، ونهاوند والكرخ .
وتعجل الانصراف من أجل غلاء السعر .
وفيها: خرج المعتضد الخرجة الثانية إلى الموصل قاصداً لحمدان (5)بن حمدون.
وذلك أنه بلغه أنه مائل إلى هارون الشاري داع له فورد كتابه على نجاح الجري بذكر الوقعة (6):
بسم الله الرحمن الرحيم
کتابی هذا وقت المعتمد ليلة الجمعة، وقد نصر الله وله الحمد على الأعراب والأكراد، وأظفرنا بعالم منهم، وبعيالاتهم، وقد رأيتنا نسوق البقر والغنم كما كُنَّا نسوقها عام أول، ولم تزل السيوف والأسنة تأخذهم حتى حال بيننا وبينهم الليل، ومن غد يومنا يقع الاستتمام وكان وقعنا بهم وقتلنا لهم خمسين ميلاً فلم يبق منهم مخبر، والحمد لله كثيراً وصلى الله على محمد وآله وسلم ».
وكانت الأعراب والأكراد لما بلغهم خروج المعتضد تحالفوا أنهم يقتلون على دم واحد واجتمعوا وعبّوا عسكرهم بثلاثة كراديس، فكان من أمرهم ما ذكرت .
ثم قصد المعتضد قلعة ماردين، وكانت في يد حمدان بن حمدون، فلما بلغهخروج المعتضد إليها هرب وخلف ابنه فيها .
فنزل عسكر المعتضد على القلعة ذلك اليوم، فلما كان من الغد، ركب المعتضد ،وصعد حتى وصل إلى باب العامة ثم صاح بابن حمدان فأجابه .
فقال : افتح الباب ففتحه ولم يجر بينهما غير ذلك .
فقعد المعتضد في الباب ولم يدخل، وأمر من دخل فنقل ما في القلعة من المال والأثاث، ثم أمر بهدمها، فهدمت.
ويشبه أن يكون راسله قبل ذلك، ثم وجه خلف حمدان بن حمدون فطلب أشدّ الطلب، وأخذت أمواله فكانت مودعة . ثم ظفر به بعد.
ثم قصد المعتضد مدينة يقال لها الحسينية، وفيها رجل يقال له : شداد في جيش عظيم يقال إنه عشرة [132/ أ] آلاف، وكان له قلعة في المدينة فظفر به المعتضد فأخذوه وهدمت قلعته (1)
فيها: ورد تُرك بن العباس عامل المعتضد على ديار مضر من الجزيرة على بغداد ومعه نيف
وأربعون من أصحاب ابن الأغر صاحب سُميساط على جمال عليهم برانس و دراريع حرير فمضى بهم إلى الحبس، وعاد إلى داره.
وفيها :كانت وقعة لوصيف خادم ابن أبي السَّاج لعمر بن عبد العزيز فهزمه، ثم سار وصيف إلى مولاه محمد بن أبي الساج.
وفيها : دخل طغج بن جُف طرسوس لغزو الصائفة من قبل خمارويه بن أحمد بن طولون، فبلغ طرابزون، وفتح بلودية في جمادى الآخرة.
وفيها: مات أحمد بن محمد الطائي بالكوفة في جمادى .
وفيها :غارت المياه بالري وطبرستان . ... وفيها : استأمن الحسن بن علي كُوَرَة عامل رافع على الري علي بن المعتضد في زهاء ألف ،رجل، فوجهه ومن معه إلى أبيه .
وفيها : دخل الأعراب سامرا، فقتلوا ابن سيما في ذي القعدة.
وفيها : غزا المسلمون الروم، فدامت الحرب بينهم اثني عشر يوماً، فظفر المسلمون، وغنموا غنيمة كثيرة وعادوا.
وفيها: توفي عبيد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا صاحب التصانيف الكثيرة المشهورة.
.وفيها: أحدث المعتضد النيروز الذي يقع في اليوم الحادي عشر من حزيران و أشئت الکتب إلی جمیع العمال في النواحي والأمصار بترك افتتاح الخراج في النيروز الذي كان للعجم.
وورد الكتاب على يوسف بن يعقوب يعلمه : أنه إنما أراد بذلك الترفيه علىالناس والرفق بهم، وأمر أن يقرأ كتابه على الناس. ففعل(2).
وفيها: كتب المعتضد من الموصل إلى إسحاق بن أيوب، وحمدان بن حمدون
في المسير إليه [وهو في الموصل ](1).
فأما إسحاق بن أيوب فسارع إلى ذلك.
وأما حمدان بن حمدون فتحصن في قلاعه، وغيب أمواله وحرمه .
فوجه إليه المعتضد الجيوش (2)، فصادفوا الحسين بن حمدان، فلما رأى الحسين أوائل العسكر ،مقبلين طلب الأمان، فأمن وسلم القلعة. وسار المعتضد فأمر بهدمها، وأعد الجيش في طلب حمدان .
وكان قد سار بباسورين من دجلة (3)وهو نهر عظيم، وكان الماء زائداً، فعبر
الجيش كله إليه فهرب وقتل أكثر أصحابه وألقى حمدان نفسه في زورق في دجلة مع كاتبه وحمل معه مالاً وعبر إلى الجانب الغربي من ،دجلة وقدر اللحاق بالأعراب لما حيل بينه وبين الأكراد الذين كانوا معه في الجانب الشرقي.
وعبر في أثره نفر يسير من الجند فاقتفوا أثره حتى أشرفوا على دير كان نزله .
فلما أبصر بهم خرج هارباً ومعه كاتبه وألقيا أنفسهما في زورق وخلف المال في الدير فحمل إلى المعتضد.
وانحدر أصحاب السلطان في طلبه على الظهر، وفي الماء، فلحقوه، فخرج من الزورق حاسراً إلى الضيعة التي له في شرقي دجلة .
فرکب دابة لوكيله وسار ليله أجمع حتى وافى مضرب إسحاق بن أيوب في عسكر المعتضد مستجيراً ،به فأحضره إسحاق مضرب المعتضد، فأمر بالاحتفاظ به.
وبث الخيل في طلب أصحابه، وظفر بكاتبه وكثير من قراباته وغلمانه وتتابع الأكراد في الدخول في الأمان [وكان ذلك في المحرم ](4).
وفيها: نقلت بنت خمارويه بن أحمد إلى المعتضد (5)، ونودي في جانبي بغداد: أن يعبر أحد دجلة .
وغُلّقت الأبواب التي تلي الشط، ومد على الشوارع النافذة إلى دجلة الشدائخ ، ووكل بحافتي دجلة من يمنع الناس من أن يظهروا في دورهم على الشط. فلما صليت
1) زيادة من الكامل.
2) في الكامل مع وصيف موشكير ونصر الفشوري وغيرهما فصادفا الحسن بن عليّ كورة وأصحابه متحصنين بموضع يعرف بدير الزعفران من أرض الموصل .
3) في الكامل : فصار في ديار ربيعة .
4) زيادة من الكامل.
5) في الكامل : جاء الخبر مقتضب على النحو التالي : وفيها : عاد المعتضد إلى بغداد، وزُفّت إليه ابنة خمارويه في ربيع الآخر.
العتمة، وافت شذاة من دار المعتضد وفيها خدم معهم الشموع، فوقفوا بإزاء دار صاعد، وكانت أعدت حراقات شدت مع دار صاعد فلما جاءت الشذاة، حددت الحراقات وصارت الشذاة بين أيديهم وأقامت الحرة في يوم الاثنين في دار المعتضد، وجسبت علیه یوم الثلاثاء(1)
فقال :المعتضد بل أنا أتزوجها فتزوجها في سنة إحدى وثمانين ومائتين، ودخل بها هذه السنة،
وأصدقها ألف ألف درهم. قال صاحب النجوم الزاهرة :
يقال : إن المعتضد أراد بزواجها أن يفقر أباها خمارويه في جهازها، وكذا وقع . فإنه جهزها بجهاز عظيم يتجاوز الوصف حتى قيل : إنه دخل معها في جملة جهازها ألف هاون من الذهب . وغرض مارويه أن يجهز ابنته جهاز أيضاً يجهز ابنته جهاز أيضاً هي به نعمة الخلافة، فكان من جملة جهازها دكة أربع قطع من ذهب عليها قبة من ذهب مشبك في كل عين من التشبيك قرط معلق فيه حبة من جوهر لا يعرف لها قيمة إلى غير ذلك مما لم ير مثله، ولا يسمع به .
ولما دخل بها الخليفة المعتضد أحبها حباً شديداً لجمال صورتها وكثرة آدابها .
قيل : إنه خلا بها في بعض الأيام فوضع رأسه على ركبتها ونام وكان المعتضد كثير التحرز على نفسه ، فلما نام تلطفت به وأزالت رأسه عن ركبتها ووضعتها على وسادة، ثم تنحت عن مكانها وجلست بالقرب منه في مكان آخر، فانتبه المعتضد فزعاً ولم يجدها، فصاح بها فكلمته بالحال فعتبها على ما فعلت من إزالة رأسه عن ركبتها وقال لها :
أسلمت نفسي لك فتركتيني وحيداً وأنا في النوم لا أدري ما يفعل بي؟
فقالت : يا أمير المؤمنين ما جهلت قدر ما أنعمت به علي ولكن فيما أدبني به والدي خمارويه إني لا أجلس مع النيام، ولا أنام مع الجلوس.
فأعجبه ذلك منها إلى الغاية .
.وفيها: هرب يوسف بن أبي الساج فيمن أطاعه إلى أخيه محمد بالمراغة. ولقي مالاً للسلطان في طريقه فأخذه. فقال عبيد الله الله بن عبد بن طاهر طاهر، وكتب إلى المعتضد :
إمام الهدى أنصاركم [آل] (2)طاهر (3)*** بلا سبب يجفون (4)والدهر يذهب وقد خلطوا صبراً بشكر ورابطوا وغيرهم يُعطى ويُحبى ويهرب(5)
وفيها: وجه محمد بن زيد العلوي من طبرستان إلى محمد بن ورد العطار باثنين وثلاثين ألف دينار ليفرقها ببغداد والكوفة والمدينة على أهله.
فسعی به وأحضر دار ،بدر وسُئل عن ذلك، فاعترف به، وذكر أنه يوجه إليه في
كل سنة مثل هذا المال فيفرقه على من يأمره بالتفرقة عليهم من أهله فأعلم بدر المعتضدي صاحبه المعتضد ذلك وأعلمه أن الرجل والمال في يده .
فقال: المعتضد يا بدر أما تذكر الرؤيا التي ذكرتك بها؟
فقال : لا يا أمير المؤمنين .
فقال : ألا تذكر أن الناصر - يعني الموفق - دعاني ، وقال : إني أعلم أن هذا الأم الأمر سيصير إليك ، فانظر (1)كيف يكون مع آل أبي طالب؟ ثم قال : رأيت (2)في النوم كأني (خارج من بغداد أريد ناحية النهروان في جيش، وقد تشوف الناس إليّ، إذ مررت على رجل واقف على تل يُصلي لا يلتفت إليّ، فعجبت منه فلما فرغ من صلاته قال لي : أقبل ، فأقبلت إليه .
فقال : أتعرفني؟
قلت : لا .
قال : أنا علي بن أبي طالب خذ هذه المسحاة فاضرب بها الأرض - المسحاة بين يديه - فأخذتها، فضربت بها ضربات . فقال : إنه سيلي من ولدك هذا الأمر بقدر ما ضربت، فأوصهم بولدي خيراً قال :بدر فقلت بلى يا أمير المؤمنين قد ذكرت .
قال : فأطلق الرجل، وأطلق المال .
وتقدم إليه أن يكتب إلى صاحبه بطبرستان أن يوجه ما يوجه به إليه ظاهراً، وأن يفرق هذا الرجل ما يفرقه ظاهراً، وتقدم بمعونته على ما يلتمسه .
وفيها: ورد الخبر على المعتضد من مصر في أحد عشر يوماً على طريق البر :
أن خمارويه بن أحمد ذُبح على فراشه، ذبحه بعض خدمه (3).
و قتل (4): من خدمه الذين اتهموا بقتله نيفاً وعشرين [132/ ب] خادماً (5)
وكان سبب قتله أنه سعى إليه بعض الناس وقال له : إن جواري قد اتخذت كل واحدة منهن خصياً من خصيان داره لها كالزوج.
وقال : إن شئت أن تعلم صحة ذلك، فأحضر بعض الجواري، فأضربها وقرّرها حتى تعلم صحة ذلك .
فبعث من وقته إلى نائبه بمصر يأمره بإحضار عدة من الجواري ليعلم الحال منهن . فاجتمع جماعة من الخدم وقرروا بينهم الاتفاق على قتله خوفاً من ظهور ما قيل له وكانوا خاصته، فذبحوه ليلاً وهربوا فلما قتل اجتمع القواد وأجلسوا ابنه جيش بن خمارويه في
الإمارة - وكان معه بدمشق - وهو أكبر ولده، فبايعوه، وفرقت فيهم الأموال، وكان صبياً غراً . ومما ذكر ابن الأثير من أحداث تلك السنة ولم يذكره المؤلف ما يلي وليس على ترتيب ما ورد في الكامل :
خبر انهزام هارون الخارجي من عسكر الموصل : كان المعتضد بالله قد خلف بالموصل نصر القشوری یجبی الأموال، ويعين العمال على جبايتها .
فخرج عامل معلثايا إليها ومعه جماعة من أصحاب نصر، فوقع عليهم طائفة من الخوارج واقتتلوا إلى أن أدركهم الليل، ففرق بينهم وقتل من الخوارج إنسان اسمه جعفر وهو من أعيان أصحاب هارون، فعظم عليه قتله وأمر أصحابه بالإفساد في البلاد.
فكتب نصر القشوري إلى هارون الخارجي كتاباً يتهدده بقرب الخليفة، وإنه إن هَمَّ به أهلک وأهلك ،أصحابه وأنه لا يغتر بمن سار إلى حربه .
فعاد عنه بمكر وخديعة فكتب إليه هارون كتاباً منه :
أما ما ذكرت ممن أراد قصدي ورجع عني فإنهم لما رأوا جدنا واجتهادنا كانوا بإذن الله فراشاً متتابعاً وقصباً أجوف ومن صبر لنا منهم ما زاد على الاستتار بالحيطان، ونحن على فرسخ منهم، وما غرّك إلا ما أصبت به صاحبنا فظننت أن دمه ،مطلول، أو أن وتره متروك لك كلاً إن الله تعالى من ورائك وآخذ بناصيتك ومعين على إدراك الحق منك ولم تعيرنا بغيرك وتدع أن يكون مكان ذلك إبداء صفحتك، وإظهار عداوتك وأنا وإياك كما قيل:
فلا توعدونا باللقاء وأبرزوا*** إلينا سواداً نُلقه بسواد
ولعمر الله ما ندعو إلى البراز ثقة بأنفسنا ولا عن ظن أن الحول والقوة لنا، لكن ثقة بربنا واعتماداً على جميل عوائده عندنا.
وأما ما ذكرت من أمر سلطانك ؛ فإن سلطانك لا يزال منا قريباً وبحالنا عالماً فلا قدّم أجلاً، ولا أخره، ولا بسط رزقاً ولا ،قبضه قد بعثنا على مقابلتك، وستعلم عن قريب إن شاء الله تعالى . فعرض نصر كتاب هارون على المعتضد فجد في قصده وولي الحسن بن علي كورة الموصل، وأمره بقصد الخوارج، وأمر كافة مقدمي الولايات والأعمال بطاعته.
فجمعهم وسار إلى أعمال الموصل فخندق على نفسه، وأقام إلى أن رفع الناس غلاتهم، ثم سار إلى الخوارج وعبر الزاب إليهم، فلقيهم قريباً من المغلة وتصافوا للحرب فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانكشف الخوارج عنه ليفرقوا جمعه، ثم يعطفوا عليه .
فأمر الحسن أصحابه بلزوم مواقفهم ففعلوا فرجع الخوارج، وحملوا عليهم سبع عشرة حملة،
. فانكشفت ميمنة الحسن، وقتل من أصحابه وثبت هو، فحمل الخوارج عليه حملة رجل واحد، فثبت لهم، وضرب على رأسه عدة ضربات، فلم يؤثر فيه .
فلما رأى أصحابه ثباته تراجعوا إليه وصبر فانهزم الخوارج أقبح هزيمة، وقتل منهم خلق كثير، وفارقوا موضع المعركة ودخلوا أذربيجان .
وأما هارون فإنه تحير في أمره وقصد البرية ونزل عند بني تغلب ثم عاد إلى معلثايا، ثم عاد إلى البرية، ثم رجع وعبر دجلة إلى حرة، وعاد إلى البرية .
وأما وجوه أصحابه، فإنهم لما رأوا إقبال دولة المعتضد وقوته، وما لحقهم في هذه الوقعة راسلوا المعتضد يطلبون ،الأمان، فأمنهم ، فأتاه كثير منهم يبلغون ثلاثمائة وستين رجلاً .
وبقي معه بعضهم يجول بهم في البلاد إلى أن قتل سنة ثلاث وثمانين على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفي هذه السنة في ربيع الأول : قبض على بكتمر بن طاشتمر ، وقيد، وأُخذ ماله وضياعه،ودوره، وكان أميراً على الموصل فاستعمل بعد عليها الحسن بن علي الخراساني، ويعرف
ب کوره .
وفيها: سار المعتضد إلى الجبل فبلغ الكرخ وأخذ أموالاً لابن أبي دلف، وكتب إلى عمر بن عبد العزيز يطلب جوهراً كان عنده فوجه به إليه، وتنحى من بين يديه.
وفيها :أطلق لؤلؤ غلام ابن طولون وحمل على دواب وبغال .
وفيها: وجه المعتضد وزيره عبيد الله بن سليمان إلى ابنه بالري وعاد منها .
وفيها : توفي أبو طلحة منصور بن مسلم في حبس المعتضد . وفيها : ولدت جارية اسمها شعب للمعتضد ولداً سماه جعفراً، وهو المقتدر.
وفيها: توفي عثمان بن سعيد بن خالد أبو سعيد الداري الفقيه الشافعي أخذ الفقه عن
البویطي صاحب الشافعي والأدب عن ابن الأعرابي .
وفيها: توفي أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري اللغوي صاحب كتاب النبات وغيره.
وفيها: توفي الحارث بن أبي أسامة وله مسند يروى غالباً في زماننا هذا. وأبو العيناء محمد بن القاسم، وكان يروي عن الأصمعي.
.وجاء المعتضد ابن الجصاص إلى خمارويه بهدايا، فلما بلغ سُرَّ مَنْ رَأى، اتصل مهلك خمارويه بالمعتضد فكتب إليه يأمره بالرجوع فرجع.
وفيها: شخص المعتضد بسبب هارون الشاري إلى ناحية الموصل فظفر به .
ذكر هذا الظفر به
وجه الحسين بن حمدان بن حمدون في خيل من الفرسان والرجالة إليه .
فقال الحسين : نعم يا أمير المؤمنين إن أنا جئت به فلي ثلاث حوائج يقضيها لي أمير المؤمنين؟ قال : اذكرها .
فقال : أولها : إطلاق أبي وحاجتان أسألهما بعد مجيء أبي.
فقال المعتضد : ولك ذلك، فامض .
فقال الحسين: احتاج ثلاثمائة فارس انتخبهم أنا، فمکنه من ذلک، وأنفذهم مع موشكير . فقال : أريد أن يأمره أمير المؤمنين أن لا يخالفني فيما آمره به .
فأمر المعتضد موشكير بذلك.
فمضى الحسين حتى انتهى إلى محاضة في دجلة فتقدم إلى وصيف ومن معه بالوقف على المحاضة وقال ليس لهارون طريق إن هرب غير هذا، فلا تبرحن من هذا الموضع حتى يمر بك هارون (1)، أو أجيك، أو يبلغك أني قتلت.
ومضى حسين في طلب هارون، فلقيه وأوقعه، وكانت بينهما قتلى، وانهزم هارون .
1) بعدها في الكامل : فتمنعوه عن العبور .
وأقام هارون على المحاضة ثلاثة أيام فقال له أصحابه قد طال مقامنا بهذا القفر وأضرّ بنا، واستأمن أن يأخذ الحسين الشاري فيكون الفتح له دوننا، والصواب أن نمضي في آثارهم، فأطاعهم .
ومضى هارون منهزماً إلى المحاضة فعبر، وجاء حسين في أثره، فلم ير وصيفاً، ولا أحداً من أصحابه، ولا عرف لهم خبراً ، ولا رأى لهم أثراً وجعل يسأل عن خبر هارون حتى وقف على عبوره، فعبر في أثره.
وجاء إلى حي من أحياء العرب فسألهم عنه فكتموا أمره، فهم بالإيقاع بهم.
ثم قال : إن المعتضد في أثري فأعلموه أنه اجتاز بهم.
فأخذ بعض دوابهم ، وترك دوابه عندهم - وكانت قد كَلَّت، وأعييت -.
فاتبع أثره فلحقه بعد أيام والشاري في نحو من مائة .
فناشده الشاري وتوعده فأبى إلا محاربته ورمى حسين بن حمدان بنفسه عليه، وابتدره أصحاب الحسين، فأخذوه وجاؤوا به إلى المعتضد سليمان بغير عهد (1)ولا عقد. فأمر المعتضد حين بلغه الخبر بحل قيود حمدان بن حمدون، والتوسعة عليه إلى أن يقدم ابنه فيطلقه ويخلع عليه .
فلما وصل الشاري إلى المعتضد انصرف راجعاً إلى بغداد، فنزل باب الشماسية وعبى الجيش هناك وخلع على الحسين بن حمدان وطوقه بطوق ذهب، وخلع على جماعة من أهله، وزين الفيل.
وأدخل الشاري عليه شهيراً ببرنس من حرير طويل (2)
ولما صلب نادى بأعلى صوته : لا حكم إلا لله ولو كره المشركون. وكان هارون صفرياً .
.وفيها :ورد الخبر من طبرستان أن الصقالبة غزت الروم في خلق عظيم فقتلوا منهم وهزموا ملكهم حتى وصلوا إلى قسطنطينية وألجأوا الروم إليها .
ثم وجه ملك الروم إلى ملك الصقالبة : إن ديننا ودينك واحد فعلام نقتل الناس ببننا؟
وأجابه ملك الصقالبة : إن هذا ملك (3)آبائي ولست منصرفاً عنك إلا بغلبة أحدنا جمع من عنده من المسلمين، وسألهم
الآخر. فلما [لم] ) يجد ملك الروم (4)
معونته على الصقالبة فأجابوه إليه، فأعطاهم السلاح، فهزموا الصقالبة.
فلما رأى ملك الروم ذلك خافهم على نفسه، فبعث إليهم فردّهم وأخذ منهم السلاح وفرقهم في البلدان فرقاً من أن يحثوا عليه (1).
وورد الخبر من مصر : أن الجند وثبوا على جيش بن ،خمارويه وقالوا لا نرضى بك أميراً علينا، فتنح عَنَّا حتى نولّي عمك، فكلمهم كاتبه علي بن أحمد المارداني وسألهم أن ينصرفوا يومهم ذلک .
فانصرفوا وعادوا من غد فعدا جيش على عمه الذي ذكروا أنهم يأمرونه فضرب عنقه وعنق عَم له ،آخر فرمى برؤوسهما إليهم فهجم الجند على جيش بن خمارويه فقتلوه، وقتلوا ابنه وانتهبوا ،داره وانتهبوا مصر وأحرقوها .
ثم أقعدوا هارون بن خمارويه مكان أخيه (2)
فغيروا نيته على قواده وأصحابه وصار يقع فيهم، يذمهم ويظهر العزم على الاستبدال بهم،
وأخذ نعمهم وأموالهم .
فاتفقوا عليه ليقتلوه ويقيموا عمه، فبلغه ذلك، فلم يكتمه بل أطلق لسانه فيهم ففارقه بعضهم، وخلعه طغج بن جف أمير دمشق وسار القواد الذين فارقوه إلى بغداد، وهم: محمد بن إسحاق بن كنداجيق وخاقان ،المفلحي، وبدر بن جف أخو طغج، وغيرهم من قواد مصر. فسلكوا البرية، وتركوا أهليهم وأموالهم فتاهوا أياماً ومات من أصحابهم جماعة من العطش. وخرجوا فوق الكوفة بمرحلتين وقدموا على المعتضد، فخلع عليهم وأحسن إليهم وبقي سائر الجنود بمصر على خلافهم ابن خمارويه .
فسألهم كاتبه علي بن أحمد المارداني أن ينصرفوا يومهم ذلك، فرجعوا، فقيل جيش عمي له، وبكر الجند إليه فرمى بالرأسين إليهم، فهجم الجند عليه فقتلوه ونهبوا داره، ونهبوا مصر واحرقوها، وأقعدوا أخاه هارون في الإمرة بعده. فكانت ولايته تسعة أشهر.
.وفيها: ورد كتاب بدر بن عبيد الله بن سليمان وكانا بالجبل فقُرئ في مسجد الجامع ببغداد :
أن عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف سار إليهما في الأمان(3)منقاداً لأمير المؤمنين بالطاعة، وأن عبيد الله بن سليمان تلقاه وخلع عليه وعلى رؤساء أهل بيته وأخذ عليهم البيعة .
وكان بكر بن عبد العزيز قبل ذلك استأمن إليهما فولياه عمل أخيه عمر على أن
1) ذكر الخبر بالكامل بنحو مما هنا مختصراً .
2) جاء الخبر في الكامل على النحو التالي : وفي هذه السنة خرج جماعة من قواد جيش بن خمارويه ،عليه وجاهروا بالمخالفة، وقالوا: لا نرض بك أميراً، فاعتزلنا حتى نولي عمك الإمارة، وكان سبب ذلك : أنه لمّا وُلّى وكان صبياً، فقرّب الأحداث والسُّفّل وأخلد إلى استماع أقوالهم،
3) في الكامل في شعبان .
يمضي فيحاربه فلما دخل عمر في الأمان قالا لبكر إن أخاك قد دخل في طاعة السلطان، وإنما وليناك عمله على أنه عاص، والرأي لكما أن تمضيا إلى باب أمير المؤمنين ليرى رأيه في أمركما وولي عيسى النوشري أصفهان على أنه من قبل عمر .
فهرب بكر، وكتب إلى المعتضد يخبره فكتب إلى بدر يأمره بالمقام إلى أن يعرف خبر بكر .
وخرج الوزير عبيد الله سليمان إلى الري وبها علي بن المعتضد ولحق بالأهواز. فوجه المعتضد في طلبه وصيفاً موشكير(1)فخرج إليه (2)، فلما قرب منه بكر، ومضى إلى أصبهان (3)
وأحسب ذلك للسقط الذي ذكرت في الفقرة السابقة من الهامش والله أعلم .
[133/أ] ورجع وصيف إلى بغداد. فكتب المعتضد رجع إلى بدر يأمره بطلب بكر وحربه فقدم بدر إلى عيسى النوشري بمحاربته. فخرج إليه وحاربه، وقتل أصحاب بكر وهزم بكر (4)فأمر بدر عيسى النوشري بذلك فقال بكر :
عنى مَلامك ليس حين ملام هيهات أجدب زائد الأيام طارت عنايات الصبا عن مفرقي ومضى أوان شراستي وعُزامي ألقى الأحبة بالعراق عصيهم*** وبقيت نصب حوادث الأيام وتقا ذمت بأخي النوى ورمت بهورمی البعید قطیعة الأرحام فلأقرعن صفاة دهر نابهم قرعاً يهز رواسي الأعلام ولأضربن إلهام دون حريمهم ضرب القُدَارِ بقيعة القُدّام ولاتركن الواردين حياضهم بقرارة لمواطئ الأقدامَ يا بدر إنك لو شهدت مواقفي والموت يلحظ والسيوف دوامي لذممت رأيك في إضاعة حرمتي ولضاق ذرعك في اطراح ذمامي حركتني بعد السكون وإنما حركت من حصن الجبال تهام وعجمتني فعجمت مني من حمى خشن المناكب كل يوم زحام*** قل للأمير أبي محمد الذي*** يجلوبغرته دُجى الأظلام أسكنتني ظل العلا فسكنته في عيشة رغد وعز نامي*** حتى إذا خليت عني نابني نوب أنت وتنكرت أيامي فلأشكرن جميل ما أوليتني ما غردت في الأيك وُرْقُ حمام هذا أبو حفص يدي وذخيرتي*** للنائبات وعُدَّتي وسنامي ناديته فأجابني، وهززته فهززت حدّ الصارم الصمصام من رام أن يغض الجفون على القذى أو يستكين يروم غير مرامي ويخيم حين يرى الأسنة شُرّعاً والبيض مصلتة لضرب الهام
ثم أكمل ابن الأثير الخبر فقال : ثم إن النوشري انهزم عن بكر، فقال بكر يذكر هربه ويعير بالإحجام عنه ويتهدد بدراً في أبيات منها :
قد رأى النوشري حين التقينا*** من إذا أُشرع الرماح يفير جاء في قسطل لَهَام فصلنا صولة دونها الكماة تَهرُ*** وكوى النوشري آثار نار*** رؤيت عند ذلك بيض وسُمرُ*** غُرَّ بدر أحلمي وفضل أناتي ***واحتمالي للغر مما يَغُرُ ***سوف يأتيه من خيولي قُب ***لاحقات البطون جُون وشقرُ يتنادُونَ كالسعالي عليها من بني وائل أسود تكر لست بكراً إن لم أدعهم حديثاً ماسری کوکب وماكر دَهرُ
. ودخل عمر بن عبد العزيز قادماً من أصبهانفأمر المعتضد باستقباله، فاستقبله القاسم بن عبيد الله والقواد.
وقعد له المعتضد فوصل إليه وخلع عليه وحمل على دابة بسرج ولجام محلى بالذهب .
وخلع على ابنين كانا له، وعلى أخيه أحمد بن عبد العزيز، وعلى قوم من قواده وأنزل في دار كانت لعبيد الله بن عبد الله بن الجسر، وكانت فرشت له (1).
وفيها (2): ورد كتاب من عمرو بن الليث بأنه وقع رافع بن هرثمة فهزمه ووجه في أثره بقواده وكان سار إلى طوس من نيسابور فانهزم ولحق بخوارزم فقتل بخوارزم وأنه يحمل رأسه (3)
وفي هذه السنة : كان الفداء بين المسلمين والروم بين المسلمين والروم، فكان من جملة من قدي به من المسلمين الرجال والنساء والصبيان ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس.
وفي هذه السنة : أمر المعتضد بالكتابة إلى جميع البلدان أن يرد الفاضل من سهام المواريث إلى ذي الأرحام، وأبطل ديوان المواريث.
وفيها: في شوال مات علي بن محمد بن أبي الشوارب القاضي، وكانت ولايته للقضاء بمدينة : المنصور ستة أشهر .
وفيها: مات البحتري الشاعر واسمه الوليد بن عبادة بمنبج أو حلب، وكان مولده سنة ست ومائتين .
وفيها: توفي محمد بن سليمان أبو بكر المعروف بابن الباغندي .
وأبو الحسن علي بن العباس بن جريج الشاعر المعروف بابن الرومي.
وقيل : توفي سنة أربع وثمانين وديوانه معروف رحمه الله تعالى .
وفيها: توفي سهل بن عبد الله بن يونس بن رفيع السري .
ومولده سنة مائتين، وقيل: وثلاثين .
وفيها: قدم رسول عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة في المحرم.
فأمر المعتضد برفعه ونصبه في الجانب الشرقي، ثم تحويله إلى الجانب الغربي إلى الليل، ثم رده إلى دار السلطان (1)
وفيها سَيّر المعتضد إلى عمرو بن الليث الخلع، واللواء بولاية الزي وهدايا .
.وفي هذه السنة :
عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس (2).
فخوفه عبيد الله بن سليمان ذلك قال : إن العامة تضطرب، فلم يلتفت إليه . وكان أول ما ابتدأ به من ذلك أن تقدم إلى العامة بلزوم أعمالهم وترك الاجتماع ،والعصبية والشهادات عند السلطان وأن لا يسألوا عن شهادة كانت عندهم. ومنع القُصَّاص من الجلوس على الطرقات. وعمل بذلك نسخ قرئت في الجانبين بمدينة السلام وفي الأذياع والمحال والأسواق. ثم منع يوم الجمعة أهل الجانبين من أهل الحلق والفتيا وغيرهم من القعود في المسجد. ومنع الباعة من القعود في رحالهم (3).
ونودي في المسجد الجامع ينهى الناس من الاجتماع على قاض وغيره .
ثم نودي في الجانبين والجامعين بأن الذمة بريئة ممن اجتمع على مناظرة أو جدل، وأن من فعل ذلك أخل بنفسه. وتقدم إلى من يسقي الماء وأمثالهم في الجامعين أن لا يترحموا على معاوية ولا يذكروه.
ثم تقدم المعتضد إلى من خارج الكتاب الذي كان المأمون أمر بإنشائه وفيه مثالب معاوية ولعنه بعد ذلك فأخرج، وهو وهو كتاب طويل.
فحكي أن عبيد الله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب القاضي وأمره أن يعمل الحيلة في إبطال ما عزم عليه المعتضد خوفاً من فتنة تقع .
فمضى القاضي يوسف، وكلم المعتضد وقال : إني أخاف أن يحرك العامة .
1) لم يرد ذكر هذا الخبر في أحداث تلك السنة في الكامل بل جاء الخبر بالتسيير إلى عمرو بن الليث وولايته الرّي، فقال ابن الأثير :
2) قال ابن الأثير : وهو كتاب طويل قد أحسن كتابته، إلا أنه قد استدل فيه بأحاديث كثيرة عن وجوب لعنه عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم تصح ، وذكر في الكتاب يزيد وغيره من بني أمية، وعملت منه نسخ قرئت بجانبي بغداد.
3) في المخطوط رحاهلو . وهو تحريف.
[فقال ](1): إن(2)نطقت وضعت سيفي فيها فقال يا أمير المؤمنين، فما تصنع بالطالبيين الذين هم في كل ناحية يدرجون ويميل إليهم خلق كثير؟
وما أثرهم في هذا الكتاب؟
وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميل ، وكانوا هم أبسط السنة وأثبت حجة منهم اليوم فأمسك عنه المعتضد، فلم يرد عليهم جواباً، ولم يأمر بعد ذلك في الكتاب بشيء (3)
وكان عبيد الله من المنحرفة عن علي رضي الله عنه.
.وفيها: لحق بكر بن عبد العزيز بمحمد بن زيد العلوي بطبرستان وبدر مقيم بالجبل ينتظر أمر بكر إلى ماذا يوفك؟ فورده الخبر بعد زمان أنه مات بطبرستان وورد الخبر من أصبهان بوثوب ابن ليلى الحارث بن عبد العزيز على شفيع الخادم الموكل به فقتله .
ذكر الخبر عن ذلك
كان أخوه عمر أخذه فقيده وحمله إلى قلعة لأبي دلف بالزور، وحبسه فيها.
وكان ما كان لأبي دلف من مال ومتاع نفيس وجوهر كان في هذه القلعة.
وشفيع مولاهم يحفظ القلعة وكل ما فيها (4)، ومعه جماعة من غلمان عمر وثقاته. فلما استأمن عمر إلى السلطان، هرب بكر عاصياً للسلطان بقيت القلعة بما فيها في يد شفيع، وأبو ليلى مقيد مسلم إليه . فكلمه أبو ليلى في إطلاقه، فأبى، وقال: لا أخون صاحبي عمر .
فحكت جارية لأبي ليلى في الحبس أنه كان معه غلام صغير يخدمه، وآخر يخرج في حوائجه ولا يبيت عنده فأما الصغير فيبيت عنده فقال أبو ليلى لغلامه الذي يدخل ويخرج في حوائجه : احتل لي في مبرد كيف شئت، ففعل الغلام فأدخله في شيء من طعامه وكان شفيع يجيء في كل ليلة إذا أراد أن ينام إلى البيت الذي فيه أبو ليلى حتى يراه، ثم يقفل عليه البيت هو بنفسه ويمضي فينام، وتحت فراشه سيف مسلول وكان أبو ليلى قد سأل أن تدخل عليه جارية صغيرة السن، قد ذكر عن خلواء جارية أبي دلف ليلى عن هذه الجارية الصغيرة أنها قالت :
برد أبو ليلى مسمار قيده حتى كان يخرجه من رجله إذا شاء ويرده إذا شاء .
قالت: وجاء شفيع عشية من العشايا إلى أبي ليلى، فقعد معه يحدثه .
فسأله أبو ليلى أن يشرب معه أقداحاً، ففعل . ثم قام الخادم لحاجته .
فأمرني أبو ليلى ففرشت فراشه فجعل عامة / ثيابه في موضع الإنسان من [133/ ب الفراش وصيره كهيئة الرجل النائم وغطاها وأمر أن أقعد عند رجل ذلك الشيء المعمول من الثياب كأني أغمزه وقال : إذا جاء شفيع لينظر إلي فقولي : هو نائم ليغلق الباب على عادته، ويظن أني في الفراش. ثم خرج أبو ليلى واختفى في موضع متاع في صُفّة فيها ،باب هذا البيت وجاء شفيع فنظر إلى الفراش، وسأل الجارية عن خبر أبي ليلى فأخبرته أنه نائم وأقفل الباب .
فلما نام الخادم ومن معه في الدار التي في في الدار التي في القلعة خرج أبو ليلى، فأخذ سيفاً من تحت رأس شفیع وضربه حتی برد ووثب الغلمان الذين كانوا حوله نيام فزعين فاعتزلهم أبو ليلى والسيف في يده وقال لهم : أنا أبو ليلى وقد قتلت شفيعاً، ولئن تقدم إلي واحد منكم لأقتلنه ، وأنتم آمنون فأجمعوا من في هذه الدار أُكلمهم بما أريد، ففتحوا باب القلعة واجتمع كل من كان في القلعة فكلمهم ووعدهم بالإحسان وأخذ عليهم الأيمان .
فلما أصبح نزل ووجه إلى الأكراد وأرباب الروم فجمعهم وفرق فيهم مالاً،وخرج مخالفاً على السلطان .
ثم مضى إلى أصبهان فواقعه على النوشري فأصاب أبا ليلى سهم في حلقه فنحره فسقط إلى الأرض، وانهزم أصحابه فحمل إلى أصبهان (1)
بغداد.
ثم ذكر ابن الأثير عدة من حوادث تلك السنة، فقال:
وفي هذه السنة كانت فتنة بطرسوس بين راغب مولى الموفق وبين دميانة .
وكان سبب ذلك أن راغباً مولى الموفق ترك الدعاء لهارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، ودعا لبدر مولى المعتضد، واختلف هو وأحمد بن طوغان.
فلما انصرف أحمد بن طوغان من الفداء الذي كان سنة ثلاث وثمانين ركب البحر ومضى ولم يدخل طرسوس، وخلف دميانة للقيام بأمرها .
وأمده ابن طوغان فقوي بذلك، وأنكر ما كان يفعله راغب، فوقعت الفتنة، فظفر بهم ،راغب فحمل دميانة إلى بغداد.
وفيها في ربيع الأول : قلّد أبو عمر يوسف بن يعقوب القضاء بمدينة المنصور مكان علي بن
محمد بن أبی الشوارب.
وفيها: أخذ خادم نصراني لغالب النصراني، وشهد عليه أنه شتم النبي صلی الله علیه و آله وسلم ، فاجتمع أهل بغداد، وصاحوا بالقاسم بن عبيد الله، وطالبوه بإقامة الحد عليه، فلم يفعل، فاجتمعوا على ذلك إلى دار المعتضد فسُئِلُوا عن حالهم فذكروه للمعتضد فأرسل معهم إلى القاضي أبي عمر، فكادوا يقتلونه من كثرة ازدحامهم فدخل باباً وأغلقه ولم يكن بعد ذلك للخادم ذكر، ولا للعامة ذكر اجتماع في أمره.
وفيها: قدم قوم من أهل طرسوس على المعتضد يسألونه أن يولي عليهم والياً وكانوا قد أخرجوا عامل ابن طولون فسيّر إليهم المعتضد بن الإخشيد أميراً.
وفيها في ربيع الآخر: ظهرت بمصر ظُلمة وحُمْرة في السماء شديدة حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمر وكذلك الحيطان فمكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخرة، وخرج الناس من منازلهم يدعون الله تعالى ويتضرعون إليه.
وفيها: فتحت قرة من بلد الروم على يد راغب مولى الموفق وابن كلوب في رجب . وفيها في شعبان ظهر بدار المعتضد إنسان بيده سيف، فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو، فضربه بالسيف ،فجرحه وهرب الخادم ودخل الشخص في زرع في البستان فتوارى فيه فطلب باقي ليلته ومن الغد، فلم يعرف له خبر.
فاستوحش المعتضد وكثر الناس في أمره بالظنون حتى قالوا له : إنه من الجن.
وظهر مراراً كثيرة حتى وكُل المعتضد بسور داره وأحكمه ،ضبطاً، ثم أحضر المجانين والمعزمين بسبب ذلك الشخص، فسألهم عنه.
فقال :المعزمون: نحن نُعَلِّم على بعض المجانين، فإذا سقط سُئل الجِنِّي عنه، فأخبر خبره . فَعَزموا على امرأة مجنونة فصرعت والمعتضد ينظر إليهم، فلما صرعت أمرهم بالانصراف . وفيها وجه كرامة بن مر من الكوفة بقوم مقيدين ذكر أنهم من القرامطة، فقرروا بالضرب، فأقروا على أبي هاشم بن صدقة الكاتب أنه منهم، فقبض عليه وحبسه .
وفيها: كان المنجمون يوعدون بغرق أكثر الأقاليم إلا إقليم بابل، فإنه يسلم منه اليسير، وأن ذلك يكون بكثرة الأمطار، وزيادة الأنهار والعيون.
فقحط الناس وقلت الأمطار، وغارت المياه حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء، فاستسقوا في
بغداد مرات.
وفيها: ظهر اختلال حال هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون بمصر، واختلفت القواد وطمعوا فانحل النظام وتفرقت الكلمة، ثم اتفقوا على أن جعلوا مدبر دولته أبا جعفر بن أبان وكان عند والده وجده مقدماً كبير القدر.
فأصلح من الأحوال ما استطاع وكم جهد الصناع إذا اتسع الخرق.
وكان من بدمشق من الجند قد خالفوا على أخيه جيش كما ذكرنا .
فلما تولى أبو جعفر الأمور سَيّر جيشاً إلى دمشق عليهم بدر الجمالي، والحسين بن أحمد المارداني، فأصلحا حالها، وقرّرا أمور الشام واستعملا على دمشق طغج بن جف، واستعملا على سائر الأعمال، ورجعا إلى مصر والأمور فيها اختلال، والقواد قد استولى كل واحد منهم على طائفة من الجند، وأخذهم إليه .
وهكذا يكون انتقاض الدول، وإذا أراد الله أمراً فلا مرد لحكمه وهو سريع الحساب .
وحج بالناس هذه السنة : محمد بن عبد الله بن داود بن الهاشمي المعروف ب- : أترجه .
وفيها: توفي إسحاق بن موسى بن عمران أبو يعقوب الإسفرائيني الفقيه الشافعي .
والعتابي واسمه عبد العزيز بن معاوية من ولد عتاب بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين.
وفيها أيضاً: توفي أبو عبد الله محمد بن الوضاح بن ربيع بن الوضاح بن ربيع الأندلسي، وكان من العلماء المشهورين.
.1) ذكر ابن الأثير هذا الخبر بنحو مما هنا وزاد في آخره وحمل رأسه إلى أصبهان، ثم إلى
وفيها: خرج صالح بن مدرك على الحاج وجماعة من طيء بالأخفُر (1)
والأجْفُر بضم الفاء : جمع جفر، وهو البئر الواسعة لم تُطْوَ .
وهو موضع بين فَيد والخزيمة، بينه وبين فيد ستة وثلاثون فرسخاً نحو مكة .
وقال الزمخشري : الأجفر : ماء لبني يربوع انتزعته منهم بنو جذيمة
في المحرم. فحاربه الجني وكان أمير القافلة، فهزمه الأعراب وظفروا بالقافلة فأخذوا جميع ما فيها وأخذوا جماعة من النساء الحرائر (2)وأشار محقق الكامل إلى أنه في الطبري: جماعة من النساء الحرائر والمماليك .
.وبلغ قيمة ما أخذوا من الناس ألفي ألف دينار .
وحمل رأس أبو ليلى المقتول بأصبهان إلى بغداد.
فاستوهبه أخوه عمر من المعتضد، فوهبه له، فدفنه.
وخلع على ابن عمر في في هذا اليوم.
وفيها: ورد الخبر بوفاة محمد بن عيسى ابن الشيخ وقام ابنه محمد بن محمد بن عيسى بما كان في يد أبيه (3)بآمد على سبيل التغلب، فخرج إليه المعتضدقاصداً لحربه (4)
فسار المعتضد إلى آمد بالعساكر ومعه ابنه أبو محمد على المكتفي في ذي الحجة وجعل طريقه على الموصل، فوصل آمد وحصرها إلى ربيع الآخر من سنة ست وثمانين ومائتين، ونصب عليها المنجانيق .
فأرسل محمد بن أحمد بن عيسى يطلب الأمان لنفسه ولمن معه ولأهل البلد، فأمنهم المعتضد فخرج إليه وسلم البلد .
فخلع عليه ،المعتضد، وأكرمه، وهدم سورها ثم بلغه أن محمد ابن الشيخ يريد الهرب فقبض عليه وعلى ماله .
.وفيها: وجه هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ومعه رسلاً إلى المعتضد يلتمسون مقاطعتهم على ما في أيديهم من مصر والشام يسألونه إجراء هارون على ما كان يجري عليه مراتبه .
فرد المعتضد رُسله مع رسُول بمشافهات وشروط (5)
وفيها: كان بالبصرة ريح صفراء، ثم عادت خضراء، ثم سوداء، ثم تتابعت الأمطار بما لم يُر
: مثله، ثم وقع برد كبار وزن البَرَدَة مائة وخمسون درهماً فيما قيل .
وفيها: مات الخليل بن رمال بحلوان . وفيها : ولى المعتضد محمد بن أبي الساج أعمال أذربيجان وأرمينية، وكان قد تغلب عليها، وخالف، وبعث إليه بخلع .
وفيها : غزا راغب مولى الموفق في البحر فغنم مراكب كثيرة ، فضرب أعناق ثلاثة آلاف من الروم كانوا فيها، وأحرق المراكب، وفتح حصوناً كثيرة، وعاد سالماً ومن معه.
وفيها : غزا الأخشيد بأهل طرسوس ففتح الله على يديه، وبلغ إسكندرون.
وحج بالناس : محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي .
وفيها: توفي إبراهيم بن إسحاق الحربي ببغداد، وهو من أعيان المحدثين .
وإسحاق بن إبراهيم الدبري صاحب عبد الرزاق بصنعاء، وهو آخر من روى عن عبد الرزاق . وفيها : توفي أبو العباس محمد بن يزيد الأزدي اليماني الخوي المعروف ب-: المبرد، وكان قد
أخذ النحو عن أبي عثمان المازني .
.1) فى المخطوط الأحف. وهو تحريف، والتصويب من الكامل.
2) في الكامل : من النساء الجواري والمماليك .
3) في المخطوط ابنه وهو تحريف ظاهر .
4) وزاد ابن الأثير في الخبر فقال :
5) في الكامل بنحو ماهنا، وذكر ابن الأثير غير ذلك من الحوادث في هذه السنة فقال : وفيها : ولي عمرو بن الليث ما وراء النهر وعزل إسماعيل بن أحمد.وفيها : كان بالكوفة ريح صفراء، فبقيت إلى المغرب، ثم اسودت فتضرع الناس، ثم مطروا مطراً شديداً برعود هائلة، وبروق متصلة، ثم سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمد أباذ ونواحيها أحجار بيض وسود مختلفة الألوان في أوساطها طبق وحمل منها إلى بغداد فرآه الناس .
وفيها : وجه محمد بن أبي الساج ابنه المعروف بأبي المسافر إلى بغداد رهينة بما ضمن له من الطاعة والمناصحة .
وقدم في المحرم منها ومعه هدايا، والمعتضد غائب.
وكان المعتضد في السنة المتقدمة قد حمل إليه الخلع وكتب الولاية على ما كان تغلب عليه من بلاد أذربيجان (1).
وفيها: وصل المعتضد إلى آمد، فأناخ بجنده عليها .
وأغلق محمد بن أحمد ابن شيخ أبواب آمد على من فيها من أشياعه .
ففرق المعتضد جيوشه حولها وحاصرهم وذلك لأيام بقيت من شهر ربيع الأول ثم جرت بينهم حروب، ونصب أهل آمد على سورهم المجانيق وتراصوا بها .
وفي یوم السبت لإحدى عشر بقيت من جمادى الأولى توجه محمد بن أحمد بن شيخ في هذا اليوم ومن معه من أصحابه وأوليائه، فوصلوا إلى المعتضد فخلع عليه وعلى رؤساء أصحابه، وانصرفوا إلى مضرب قد أعد لهم. وتحوّل المعتضد من عسكره إلى منازل ابن عيسى ابن الشيخ ودوره .
وكتب بذلك كتاباً إلى مدينة السلام ووردت كتب هارون بن خمارويه ببدل
1) ورد الخبر في الكامل مختصراً عما هنا .
أعمال قنسرين وبالعواصم ويحمل إلى بيت المال بمدينة السلام في كل سنة أربعمائة خمسین ألف دينار. فسأل أن يجدد له ولاية مصر والشام وأن يوجه المعتضد بخادم من خدمه إليه بذلك .
فأجابه إلى ما سأل وسلم المعتضد أعمال قنسرين والعواصم من أصحاب هارون، وارتحل نحو الرّقة وخلف ابنه عليا (1)بآمد مع جيوش ضمهم إليه ليضبط الناحية، وأعمال ،قنسرين والعواصم، وديار ربيعة، ومصر.
وكان كاتب علي بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصراني (2)
حسین بن عمرو وعدو القرآ*** يصنع في العرب ما يصنع يقوم لهيبته المسلمو ن صفوفاً لفرد إذا يطلع*** فإن قيل قد أقبل الجائلي*** ق يحفّى له ومشى يطلع
.وأمر المعتضد بهدم سور له فهدم .
وفيها: وافت هدية عمرو بن الليث من نيسابور فكان مبلغ ما أنفذه أربعة آلاف ألف درهم، وعشرين من الدواب بالسروج واللجم المغرقة بالجلال المشهرة وكسوة وطيب بزادة (3).
وفيها: ظهر أبو سعيد الجنابي بالبحرين على مذهب القرامطة، فاجتمع إليه القرامطة والأعراب، فقوي ،أمره وكثر عبثه، وظهر أنه يريد البصرة. وكتب عامل البصرة إلى المعتضد بذلك . فكتب إليه بعمل سور على البصرة مقدرة النفقة عليه أربعة عشر ألف دينار وأمر ببنائه، فبني (4)
وكان ابتداء أمر القرامطة بناحية البحرين أن رجلاً يعرف بيحيى بن المهدي قصد قطيف فنزل على رجل يعرف بعلي بن المعلى بن حمدان مولى الزيديين، وكان يغالي في التشيع، فأظهر له يحيى أنه رسول المهدي، وكان ذلك سنة إحدى وثمانين ومائتين .
وذكر أنه خرج إلى شيعته في البلاد يدعوهم إلى أمره، وأن ظهوره قد قرب.
فوجه علي بن المعلى إلى الشيعية من أهل القطيف فجمعهم، وأقرأهم الكتاب الذي مع يحيى بن المهدي إليهم من المهدي . فأجابوه، وأنهم خارجون معه إذا ظهر أمره.
فوجه إلى سائر قرى البحرين بمثل ذلك فأجابوه .
وكان فيمن أجابه أبو سعيد الجنابي، وكان يبيع للناس الطعام ويحسب لهم بيعهم، ثم غاب عنهم يحيى بن المهدي مدة ثم رجع ومعه كتاب يزعم أنه من المهدي إلى شيعته فيه :
قد عرفني رسولي يحيى بن المهدي مسارعتكم إلى أمري فليدفع إليه كل رجل منهم ستة دنانير وثلاثين، ففعلوا ذلك .ثم غاب عنهم وعاد ومعه كتاب فيه : أن ادفعوا إلى يحيى خمس أموالكم، فدفعوا إليه الخمس .
وكان يحيى يتردد في قبائل قيس ويورد إليهم كتباً يزعم أنها من المهدي وأنه ظاهر، فكونوا على أهبة . وحكى إنسان منهم يقال له إبراهيم الصائغ :
أنه كان عند أبي سعيد الجنابي، وأتاه سعيد الجنابي، وأتاه يحيى، فأكلوا طعاماً.
فلما فرغوا خرج أبو سعيد من بيته وأمر امرأته أن تدخل إلى يحيى، وأن لا تمنعه إن أراد. فانتهى هذا الخبر إلى الوالي، فأخذ يحيى وضربه، وحلق رأسه ولحيته.
وهرب أبو سعيد الجنابي إلى جنابة .
وسار يحيى بن المهدي إلى بني كلاب وعقيل والجريس .
فاجتمعوا معه ومع أبي سعيد، فعظم أمر أبي سعيد.
ومما ذكر ابن الأثير من أحداث تلك السنة أن قال :
وفيها: توفي ابن الأخشيد أمير طرسوس واستخلف أبا ثابت على طرسوس .
وفيها : سار إلى الأنبار جماعة أعراب من بني شيبان وأغاروا على القرى، وقتلوا من لحقوا من الناس، وأخذوا المواشي.
فخرج إليهم أحمد بن محمد بن كمشجور متوليهم، فلم يطقهم. فكتب إلى المعتضد بذلك، فأمده بجيش فأدركوا الأعراب وقتلوهم .
فهزمهم الأعراب، وقتلوا فيهم، وغرق أكثرهم وتفرقوا وعاث الأعراب في تلك الناحية، وبلغ خبر الهزيمة إلى المعتضد فسير جيشاً آخر، فرحل الأعراب إلى عين التمر، فأفسدوا وعاثوا وذلك
في شعبان ورمضان .
فوجه إليهم عسكراً آخر إلى عين التمر وسرقوا البرية إلى نواحي الشام. فعاد العسكر إلى بغداد ولم يلقهم .
وفيها: استدعى المعتضد راغباً مولى الموفق من طرسوس، فقدم عليه وهو بالرقة فحبسه، وأخذ جمیع ما كان له فمات بعد أيام من حبسه ، وكان ذلك في شعبان .
وقبض على بكنون غلام راغب، وأخذ ماله بطرسوس .
وفيها : قلد المعتضد ديوان المشرق محمد بن داود بن الجراح، وعزل عنه أحمد بن محمد بن
الفرات .
وقلّد ديوان المغرب علي بن عيسى بن داود بن الجراح.
وفيها : توفي أبو جعفر محمد بن إبراهيم الأنماطي، المعروف بالمربع صاحب يحيى بن معين، وكان حافظاً للحديث. ومحمد بن يوسف الكريمي البصري .
وفيها: غلظ أمر القرامطة بالبحرين، وأغاروا على نواحي هجر وقرب بعضهم من نواحي البصرة.
وولي المعتضد العباس بن عمرو الغنوي اليمامة والبحرين، ومحاربة أبي سعيد الجنابي والقرامطة وضم إليه زهاء ألفي رجل .
فشخص العباس إلى البصرة ومنها إلى البحرين واليمامة(1)
فكتب أحمد الواثقي يسأل المدد فسير إليه سميريات فيها ثلاثمائة رجل وأمر المعتضد باختيار رجل ينفذه إلى البصرة .
وعزل العباس بن عمرو الغنوي عن بلاد فارس وأقطعه اليمامة والبحرين، وأمره بمحاربة القرامطة، وضم إليه زهاء ألفي رجل.
فسار إلى البصرة، واجتمع إليه جمع كثير من المتطوعة والجند والخدم.
ثم سار منها إلى أبي سعيد الجنابي فلقوه مساء، وتناوشوا القتال، وحجز بينهم الليل .
فلما كان الليل انصرف عن العباس من كان معه من أعراب بني ضبة، وكانوا ثلاثمائة إلى البصرة، وتبعهم متطوعة البصرة.
فلما أصبح العباس باكر الحرب، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، ثم حمل نجاح غلام أحمد بن عيسى ابن الشيخ من ميسرة العباس في مائة رجل علي ميمنة أبي سعيد فوغلوا فيهم فقتلوا عن آخرهم . وحمل الجنابي ومن معه على أصحاب العباس فانهزموا ، وأسر العباس، واحتوى الجنابي على ما كان في عسكره .
فلما كان من الغد أحضر الجنابي الأسرى فقتلهم جميعاً وحرقهم .
وكانت الوقعة آخر شعبان .
ثم سار الجنابي إلى هجر بعد الوقعة فدخلها وأمن أهلها .
وانصرف من سَلِم من المنهزمين وهم قليل إلى البصرة بغير زاد فخرج إليهم من البصرة نحو أربعمائة رجل على الرواحل، ومعهم الطعام والكسوة والماء، فلقوا بها المنهزمين . فخرج عليهم
بنو أسد، وأخذوا الرواحل وما عليها وقتلوا من سَلِم من المعركة، فأضربت البصرة لذلك . وعزم أهلها على الانتقال منها، فمنعهم الواثقي وبقي العباس عند الجنابي أياماً، ثم أطلقه، وقال :له امض إلى صاحبك وعرفه ما رأيت وحمله على رواحل، فوصل إلى بعض السواحل وركب البحر فوافي الأبلة ، ثم سار منها إلى بغداد، فوصلها في رمضان.
فدخل على المعتضد، فخلع عليه . بلغني أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال : عجائب الدنيا ثلاث :
جيش العباس بن عمرو يؤسر وحده وينجو وحده، ويقتل ويقتل جميع جيشه .
وجيش عمرو بن الصفار يؤسر وحده ويسلم جميع جيشه.
وأنا أنزل في بيتي وتولّى ابني أبو العباس الجسرين ببغداد.
ولما أطلق أبو سعيد العباس أعطاه درجاً ملصقاً، وقال له : أوصله إلى المعتضد، فإن لي فيه أسرار .
فلما دخل العباس على المعتضد عاتبه المعتضد فأوصل إليه العباس الكتاب فقال : والله ليس فيه شيء، وإنما أراد أن يعلمني إن أنفذتك إليه في العدد الكثير فردك فرداً.
ففتح الكتاب، وإذ ليس فيه شيء .
وفيها في ذي القعدة أوقع بدر غلام الطائي بالقرامطة على غرة منهم بنواحي ميسان وغيرها وقتل منهم مقتلة، ثم تركهم خوفاً أن تخرب السواد وكانوا فلاحيه .
وطلب رؤساءهم، وقتل من ظفر به منهم.
.1) هذا كل ما ذكره المؤلف في هذا الشأن، وقال ابن الأثير في هذا الخبر في الكامل ما يلي :وفي هذه السنة في ربيع الآخر : عظم أمر القرامطة بالبحرين وأغاروا على نواحي هجر وقرب بعضهم من نواحي البصرة .
وفيها (1): ورد الخبر على المعتضد بأن إسماعيل بن أحمد أسر عمرو الصفار [134/أ] واستباح عسكره .
1) في الكامل : في ربيع الأول.
ذكر الخبر عن ذلك
كان عمروسأل المعتضد أن يولّيه ما وراء النهر (1)، فولاه ذلك، ووجهه إليه (2)
نيسابور نحو بلخ، فأرسل إليه إسماعيل : إنك قد وليت دنيا عريضة . . .
وهو بنيسابور بالخلع واللواء.فخرج عمرو لمحاربة إسماعيل بن أحمد فكتب إليه إسماعيل :
إنك قد وليت دنيا عريضة، وإنما في يدي ما وراء النهر وأنا في [ثغر، فاقنع بما في] يدك [ ثغر ، فاقنع بما في](3)يدك واتركني بهذا الثغر . فأبى .
فذكر لعمرو، وأصحابه شدة العبور بنهر بلخ (4)، فقال :
لو شئت أن أسكره بيدر الأموال وأعبره لفعلت .
فلما يئس إسماعيل من انصرافه عنه جمع من معه من الجند والبُنَّاء والدهاقين ، وعبر النهر إلى الجانب الغربي .
وجاء عمرو، ونزل بلخ، وأخذ إسماعيل عليه النواحي، فصار كالمحاصر، وندم على ما فعل وطلب المحاجزة ، فأتى إسماعيل عليه [ وأتاه (5)من] النواحي فلم يكن بينهما كثير قتال حتى هزم عمرو فولى هارباً .
ومَرَّ بأجمة في طريقه قيل له : إنها أقرب [الطرق](6).
فقال لعامة من معه : امضوا في الطريق الواضح.
ومضى في نفر يسير، فدخل الأجمة فوحلت (7)دابته ولم يكن له في نفسه حيلة، ومضى من معه ، ولم يلووا عليه وجاء أصحاب إسماعيل وأخذوه أسيراً.
1) في الكامل : أن عمراً أرسل إلى المعتضد برأس رافع بن هرثمة وطلب منه أن يوليه ما وراء النهر.
2) في الكامل : ووجهه لمحاربة إسماعيل بن أحمد الساماني صاحب ما وراء النهر، ومحمد بن بشيروكان خليفته وحاجبه وأخص أصحابه بخدمته وأكبرهم عنده وغيره من قواده إلى آمل . فعبر إليهم إسماعيل جيحون فحاربهم فهزمهم وقتل محمد بن بشير في نحو ستة آلاف رجل، وبلغ المنهزمون إلى عمرو - وهو بنيسابور - وعاد إسماعيل إلى بخارى، فتجهز عمرو لقصد إسماعيل، فأشار إليه أصحابه بإنفاذ الجيوش ولا يخاطر بنفسه، فلم يقبل منهم، وسار عن
3) ما بين المعقوفين سقط من المخطوط وأثبته من الكامل.
4) العبارة في المخطوط على النحو التالي فأجابته، فذكر أنه لم يلخ وشدة عبوره. والتصويب من الكامل.
5) زيادة يتطلبها السياق .
6) زيادة من الكامل وسقطت من المخطوط.
7) وحلت أي غرست قوائمها في الطين فلم تستطع أن تخلصها فثبتت مكانها لا تتقدم ولا تتأخر.
وبلغ المعتضد (1)خبرهما فمدح إسماعيل وذم عمر (2)
ثم إن إسماعيل خير عمرو بين مقامه عنده أو إنفاذه إلى المعتضد.
فاختار المقام عند المعتضد فسيّره إليه، فوصل إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومائتين فلما وصل ركب على جمل وأدخل بغداد، ثم حبس، فبقي محبوساً حتى قتل سنة تسع وثمانين على ما
نذكره .
وأرسل المعتضد إلى إسماعيل بالخلع وولاه مكان بيد ،عمرو، وخلع على نائبه بالحضرة المعروب بالمرزوباني .
واستولى إسماعيل على خراسان و صارت بیده .
وكان عمرو أعور شديد الشمرة عظيم السياسة قد منع أصحابه، وقواده أن يضرب أحد منهم غلاماً إلا بأمر ، أو يتولى عقوبة الغلام ،نائبه أو أحد حجابه. وكان يشتري المماليك الصغار ويربيهم ويهبهم لقواده، ويجري عليهم الجرايات الحسنة سراً ليطالعوه بأحوال ،قواده ولا ينكتم عنه من أخبارهم عنهم ، فكان أحدهم يحذره وهو وحده.
حكي عنه أنه كان له عامل بفارس يقال له أبو حصين فسخط عليه ،عمرو، وألزمه أن يبيع أملاكه ويوصل ثمنها إليه ، ففعل ذلك .
ثم طلب منه مائة ألف درهم، فإن أداها في ثلاثة أيام وإلا قتله .
فلم يقدر على شيء منها، فأرسل إلى أبي سعيد الكاتب يطلب منه أن يجتمع به فأذن له، فاجتمع به وعرّفه ضيق يده فسأله أن يضمنه فيخرج من محبسه ويسعى في تحصيل المبلغ المطلوب منه ، ففعل .
وأخرجه، فلم يفتح عليه بشيء، فعاد إلى أبي سعيد الكاتب، فبلغ خبره عمراً فقال : والله ما أدري من أيهما أعجب من أبي سعيد فيما فعل من بذل مائة ألف درهم أم من أبي حصين كيف عاد وقد علم أنه القتل؟ ثم أمر بإطلاق ما عليه ورده إلى منزلته .
وحكي عنه أنه كان يحمل أحمالاً كثيرة من الجرب ولم يعل أحد ما مراده، فاتفق في بعض السنين، أنه قصد طائفة من العصاة عليه للإيقاع بهم، فسلك طريقاً لا تظن العصاة عليه أنهم يؤتون منه .
وكان في طريقه ،وادٍ فأمر بتلك الجرب فملئت تراباً وأحجاراً ونضد بعضها إلى بعض وجعلها طريقاً في الوادي، فعبر أصحابه عليها وأتاهم وهم آمنون فأثخن فيهم وبلغ منهم ما أراد .
وحكى أيضاً أن أكبر حجابه كان اسمه محمد بن بشير وكان يخلفه في كثير من أموره العظام فدخل عليه يوماً وأخذ يعدده عليه ذنوبه فحلف محمد بالله وبالطلاق والعتق أنه لا يملك إلا خمسين بدرة، وهو يحملها إلى الخزانة ولا يجعل له ذنباً لم يعلمه .
فقال عمرو : ما أعقلك من رجل أحملها إلى الخزانة .
فحملها فرضي عنه .
وما أقبح هذا الفعل وشره إلى أموال من أذهب عمره في خدمته .
.وفيها : ورد الخبر على المعتضد بأن وصيفاً خادم أبي الساج هرب من برذعة ومضى إلى ملطية مراغماً لمحمد بن أبي السّاج في أصحابه وكتب إلى المعتضد يأمره ،إليه فتباطأ، وكان يسأله بحضرة المعتضد فذكر أن المعتضد أمره بتقرير بأن يسير الرسل ليخبروه عن السبب الذي من أجله فارق وصيف صاحب ابن أبي الساج وقصد
الثغور؟ فأقروا بالضرب وذكروا أنه فارقه على مواطأة بينه وبين صاحبه على أنه إن استقر في موضعه الذي هو فيه لحق به صاحبه فسارا جميعاً إلى مضر (1)وتغلّبا عليها . وشاع ذلك في الناس، وتحدثوا به (2)
فسار المعتضد ،نحوه فنزل العين السوداء، وأراد الرحيل في طريق المصيصية، فأتته العيون فأخبروه أن وصيفاً يريد عين زربة.
فسأل أهل المعرفة بذلك الطريق، وسألهم عن أقرب الطرق إلى لقاء وصيف، فأخذوه وساروا به
نحوه .
وقدم جمعاً من عسكره بين يديه فلقوا وصيفاً فقاتلوه، وأخذوه أسيراً، فأحضروه عند المعتضد فحبسه، فأمر ونودي في أصحاب وصيف بالأمان وأمر العسكر برد ما نهبوه منهم، ففعلوا ذلك وكانت الوقعة لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة.
فلما فرغ منه رحل إلى المصيصية، وأحضر رؤساء طرسوس، فقبض عليهم لأنهم كاتبوا وصيفاً، وأمر بإحراق مراكب طرسوس التي كانوا يغزون فيها، وجميع آلاتها. وكان من جملتها نحو من خمسين مركباً قديمة قد أنفق عليها من الأموال ما لا يحصى ولا يمكن عمل مثلها، فأضر ذلك بالمسلمين وفت في أعضادهم وأمر الروم أن يغزوا في البحر، وكان إحراقها بإشارة دميانة غلام بازمار لشيء كان في نفسه على أهل طرسوس .
واستعمل على أهل الثغور الحسن بن علي كوره وسار المعتضد إلى أنطاكية وحلب وغيرهما وعاد إلى بغداد.
.وفيها: ولي حامد بن العباس أعمال فارس الخراج والضياع، وكانت في يد العباس بن عمرو الغنوي (3).
وفيها: خرج العباس بن عمرو الغنوي عن البصرة، ثم ضم إليه من الجند مع من خف معه من مطوعة البصرة نحو أبي سعيد فلقيتهم طلائع أبي سعيد.
فخلف العباس ،سواده، وسار نحوهم، فلقي أبا سعيد وأصحابه مساء فتناوشوا، ثم حجز الليل بينهم فانصرف كل فريق منهم إلى موضعه .
فلما جنّ الليل انصرف من كان مع العباس من الأعراب والمطوعة، وأصبح العباس، فغادا القرامطة الحرب، فاقتتلوا قتالاً شديداً. ثم إن صاحب ميسرة العباس حمل [في](4)زهاء مائة من أصحابه على ميمنة أبي سعيد فوغلوا فيهم، فقتل هو وجميع من معه .
وحمل الجنابي وأصحابه على العباس فانهزم أصحابه، واستأسر العباس، وأسرمن أصحابه زهاء سبعمائة رجل .
واحتوى الجنابي على ما في عسكر العباس، فلما كان الغد من يوم الوقعة أحضر الجنابي من أسر من أصحاب العباس فقتلهم جميعاً ، ثم أمر بحطب فطرح عليهم وأحرقهم.
وسار الجنابي إلى هجر وأمن أهلها وانصرف فلّ العباس يريدون البصرة، ولم يكن أفلت منهم إلا القليل بغير زاد فخرج عليهم جماعة من البصرة بنحو من أربعمائة راحلة عليها الأطعمة والكسي، والماء، فخرج عليهم بنو أسد، فأخذوا تلك الرواحل بما عليها، وقتلوا جماعة من كان مع تلك الرواحل ممن أفلت من أصحاب العباس بن ،عمرو، فاضطربت البصرة لذلك اضطراباً شديداً، وهموا بأن ينتفعوا عنها، وخافوا هجوم القرامطة عليهم .
ثم وردت على السلطان خريطة من الأبلة بموافاة العباس بن عمرو في مركب من مراكب البحر، وأن أبا سعيد أطلقه وخادماً له.
ثم ورد العباس بن عمرو مدينة السلام وسار إلى دار المعتضد بالثريا .
فذكر أنه بقي عند الجنابي أياماً بعد الوقعة ثم دعا به فقال : أتحب أن أطلقك؟
قال : نعم .
قال : امض وعرّف الذي وجه بك ما رأيت وحمله على رواحل، وضم إليه قوماً من أصحابه، وحملهم ما يحتاجون إليه من الزاد والماء، وأمر الرجال الذين وجههم معه أن يؤدوه إلى مأمنه فساروا به إلى بعض رواحل البحر، فصادف به مركباً فحمله حتی سار إلى الأبلة، فخلع عليه المعتضد وصرفه إلى منزله فتحدث القاضي أبو الحسين محمد بن عبد الواحد الهاشمي قال : سمعت العباس بن عمرو الغنوي يقول :
لما أسرني أبو سعيد الجنابي القرمطي، وكسر العسكر الذي كان أنفذه المعتضد لقتاله، وحصلت أسيراً في يده يئست من النجاة فإني يوماً على ذلك إذ جاءني رسوله فأخذ قيودي وغير ثيابي وأدخلني إليه، فسلمت وجلست .
فقال : أتدري لما استدعيتك؟
قلت : لا .
قال : أنت رجل عربي ومن المحال أني أستودعك أمانة نحو هؤلاء ولا سيما مع مني عليك بنفسك .
قلت هو: کذلک.
قال : إني نظرت في قتلك، فلم أر فيه طائلاً، وفي نفسي رسالة إلى المعتضد، ولا يجوز أن يؤديها غيرك، فرأيت إطلاقك وتحميلك إياها، فإن حلفت أن تؤديها سيرتك إليه .
فحلفت له .
فقال : تقول للمعتضد ؛ يا هذا لم تخرق هيبتك وتقتل رجالك، وتطع أعداءك في نفسك بإنفاذ الجيوش إليّ، وإنما أنا رجل في فلاة، لا زرع عندي ولا ضرع، ولا لي بلد، وقد رضيت بخشونة العيش والأنف على المعتد الغرّ [134/ب] بأطراف الرماح، وانظر فإني ما اعتصبتك بلداً كان في يدك ولا أزلت سلطانك عن عمل جليل، ومع هذا فوالله لو أنفذت إليّ جيشك كله ما جاز أن تظفر بي ولا تنالني ولا تنالني لأني رجل لأني رجل نشأت في هذا القشف فتعوته أنا ورجالي، فلا مشقة علينا فيه ونحن في أوطاننا مستريحون، وأنت تنفذ جيشك من الثلج والجيوش والرياحين والند، ثم يجيئون من مسافة بعيدة وطريق تتلف، وقد قتلهم السفر قبل قتالنا، وإنما غرضهم أن يبلوا عذراً في قتالنا ومواقعتنا ساعة ثم يهربون، فإن خفقوا مع ما لحقهم من وعثاء السفر وشدة الجهد كان ذلك أكبر أعواني عليهم، فما هو إلا أن حققت عليهم حتى ينهزموا وأكثر ما يقدرون أن يجثوا مستريحين، ثم تكون عدتهم كثيرة، وبصيرتهم قوية، فحينئذ لا يكون لي بهم قِبَل فانهزم فلا يقدر جيشك أن يتبعوني إلا مسافة قريبة، فما هو إلا أن أبعد عشرين فرسخاً أو ثلاثين وأجول في الصحراء شهراً أو شهرين، ثم أكبسهم على غرة حتى أقتل جمعهم، وإن لم يتم لي هذا وكانوا متحوزين فما يمكنهم، إن حولي البراري ولا ينبغي الطلب في البراري، ثم لا يحملهم البلد في المقام ولا الزاد إن كانوا كثيرين ولا بد أن ينصرف الجمهور ويبقى الأقل قتلى تستوفي في أول يوم نلتقي فيه هذا إن سلموا من وباء هذه الناحية ورداءة مائها وهوائها الذي نشأ وافى غيره وضدّه .
ففكر في هذا ،ونحوه، فانظر هل يفيء بعثك وتغريرك بعسكرك وجيشك وإنفاقك الأموال وتجهيزك الرجال وتكلفك هذه الأخطار بطلبي، وأنا هذا خالي الزرع منها سليم النفس والأصحاب من جميعها فأما هيبتك فتخرق وأما الأطراف فتنتقض وأما الملوك من الأعداء فتتجاسر، ثم لا تظفر من بلدي بطائل، ولا تصل مني إلى حال أو مال فإن اخترت بعدها محاربتي، فأقدم على بصيرة، وأنفذ من شئت، واضطرب كيف أحببت، وإن أمسكت فذلك إليك . قال : ثم جهزني، جهزني، وأنفذ معی عشرة من أصحابه إلى الكوفة، فسرت منها إلى الحصرة ودخلت على المعتضد فتعجب من سلامتي، وسألني عن خبري سؤالاً خفياً.
فقلت : أخبرك يا أمير المؤمنين سراً بشوق إليه، وخلاني، فلم أزل أقص عليه الخبر وهو يتمعظ غيظاً حتى ظننت أنه سيسير إليه بنفسه وخرجت من بين يديه فما رأيته بعد ذلك ذكره بحرف (1).
1) كانت في رسالة الجنابي حقيقة عسكرية صريحة وناجحة وهزيمة محققة للمعتضد، وكان في سلوك المعتضد حكمة وسياسة ذات فراسة .
وفيها: ورد الخبر على السلطان بأن محمد بن زيد العلوي (1)قتل.
ذکر مقتله
ذكر أن محمد بن زيد العلوي لما اتصل به أسر إسماعيل بن أحمد عمرو بن الليث خرج في جيش كثيف نحو خراسان طامعاً فيها ظناً منه أن إسماعيل لا يتجاوز عمله الذي كان يتولاه، وأنه لو دافع له عن خراسان إذ كان عمرو قد أسر ولا عامل للسلطان بها .
فلما سار إلى جرجان واستقر بها كتب يسأله الرجوع إلى طبرستان، وترك جرجان. فأبى ذلك محمد بن زيد فبدر إسماعيل له محمد بن هارون خليفة كان لرافع، وضم إليه جيشاً كثيفاً.
فشخص نحو ابن زيد، فالتقيا على جرجان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر محمد بن هارون .
ثم رجع محمد بن بكر وقد انتقضت صفوف العلوي فانهزم عسكر محمد بن زيد، وقتل منهم بشر كثير ، وأصابت محمد بن زيد وأصابت محمد بن زید ضربات وأسر ابنه زيد وحوى محمد بن هارون وعسكره. ثم مات زيد من تلك الضربات، و حمل ابنه إلى إسماعيل.
ودخل محمد بن هارون جرجان، ثم شخص إلى طبرستان (2)
ثم مات محمد بن زيد بعد أيام من جراحاته التي أصابته فدفن على باب جرجان و حمل ابنه زيد بن محمد إلى إسماعيل بن أحمد، فأكرمه ووسع في الإنزال عليه، وأنزله بخارى. وسار محمد بن هارون إلى طبرستان وكان محمد بن زيد ،فاضلاً أديباً شاعراً، عارفاً، حسن السيرة .
قال أبو عمر الاستراباذي كنت أورد على محمد بن زيد أخبار العباسيين، فقلت له : إنهم قد لقبوا أنفسهم، فإذا ذكرتهم عندك أسميهم أو ألقبهم؟
فقال : الأمر موسع عليك سمعهم ولقبهم بأحسن ألقابهم وأسمائهم وأحبها إليهم .
وقيل : حضر عنده خصمان، أحدهما اسمه معاوية، والآخر اسمه علي.
فقال : الحكم بينكما ظاهر . فقال معاوية : إن تحت هذين الاسمين خبراً .
قال محمد : وما هو؟
قال : إن أبي كان صادق الشيعة، فسماني معاوية ليكفني شر النواصب ، وإن أبا هذا كان ناصبياً فسماه عليّاً خوفاً من العلوية والشيعة .
فتبسم إليه محمد وأحسن إليه وقربه ، وقيل : استأذن عليه جماعة من أضراء الشيعة وقرائهم فقال : أدخلوا فإنه لا يحبنا إلا كلّ كسير وأعور .ثم ذكر ابن الأثير من أحداث تلك السنة مما لم يذكره المؤلف فيها ما يلي:
ذكر ولاية أبي العباس صقلية :
كان إبراهيم ابن الأمير أحمد أمير أفريقية قد استعمل على صقلية أبا مالك أحمد بن عمرو بن عبد الله، فاستضعفه فولي بعده ابنه أبا العباس بن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب.
فوصل إليها غزة شعبان من هذه السنة في مائة وعشرين مركباً، وأربعين حربي، وحصر طرابلس، واتصل خبره بعسكر المسلمين بمدينة بَلَرَم ، وهم يقاتلون أهل جرجان فعادوا إلى بلرم وأرسلوا جماعة من شيخوهم إليه بطاعتهم واعتذروا من قصدهم جرجان .
ووصل إليه جماعة من أهل جرجان وشكوا منهم، وأخبروه أنهم مخالفون إليه عليه، وأنهم إنما سيروا مشايخهم خديعة ومكراً، وأنهم لا أيمان لهم ولا عهد وإن شئت أن تعلم مصداق هذا، فاطلب إليك منهم فلاناً وفلاناً .
فأرسل إليهم يطلبهم، فامتنعوا من الحضور عنده وخالفوا عليه وأظهروا ذلك، فاعتقل الشيوخ الواصلين إليه منهم واجتمع أهل بلرم وساروا إليه منتصف شعبان مقدمهم مسعود الباجي، وأمير السفهاء منهم ركمويه وصحبهم .
ثم أسطول في البحر نحو ثلاثين قطعة فهاج البحر على الأسطول فعطب أكثره، وعاد الباقي إلى بلرم.
وأما العسكر الذين في البر فإنهم وصلوا إليه وهو على طرابلس، فاقتتلوا أشد القتال، فقتل من الفريقين جماعة، وافترقوا ثم أعادوا القتال في الثاني والعشرين، فانهزم أهل بلرم وقت العصر، وتبعهم أبا العباس إلى بلرم براً وبحراً فأعادوا قتاله عاشر رمضان من بكرة إلى العصر، فانهزم أهل البلد ووقع القتل فيهم إلى المغرب.
واستعمل أبو العباس على أرياضها، ونهبت الأموال وهرب كثير من الرجال والنساء إلى طبر مين وهرب ركمويه وأمثاله من رجال الحرب إلى بلاد ،النصرانية كالقسطنطينية وغيرها . وملك أبو العباس المدينة ودخلها وأمَّنَ أهلها وأخذ جماعة من وجوه أهلها، فوجههم إلى أبيه بأفريقية .
ثم رحل إلى طبرمين فقطع كرومها، وقاتلهم ثم رحل إلى قطانية فحصرها، فلم ينل منها غرضاً، فرجع إلى المدينة، فأقام إلى أن دخلت ثمان وثمانين فتجهز للغزو وطاب الزمان وعمر الأسطول وسيره أول ربيع الآخر. ونزل على دمشق ونصب عليها المجانيق وأقام أياماً ثم انصرف
إلى مسيني .
وجاز في الحربية إلى ريو، وقد اجتمع بها كثير من الروم، فقاتلهم على باب المدينة، وهزمهم، وملك المدينة بالسيف في رجب وغنم من الذهب والفضة ما لا يُحَدّ وشحن المراكب بالدقيق والأمتعة، ورجع إلى مسيني وهدم سورها، ووجدها بها مراكب قد وصلت من القسطنطينية،
فأخذ منها ثلاثين مركباً ورجع إلى المدينة وأقام إلى سنة تسع وثمانين.
فأتاه كتاب أبيه إبراهيم يأمره بالعودة إلى أفريقية فرجع إليها جريدة في خمس قطع شوابي. وترك العسكر مع ولديه : أبي مصر، وأبي معد.
فلما وصل إلى أفريقية استخلفه أبوه بها، وسار هو إلى صقلية مجاهداً عازماً على الحج بعد الجهاد، فوصلها في رجب سنة سبع وثمانين ومائتين، وقد ذكرنا خبره سنة إحدى وستين ومائتين .
وفي هذه السنة : جمعت طيء من قدرت عليه من الأعراب فخرجوا على قفل الحاج، فواقعوهم بالمعدن وقاتلوهم يومين بين الخميس والجمعة لثلاث بقين من ذي الحجة .
فانهزم العرب، وقتل كثير وسلم الحاج.
وفيها : مات إسحاق بن أيوب بن أحمد بن عمر بن الخطاب العدوي عدي ربيعة أمير ديار ربيعة من بلاد الجزيرة فولى مكانه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر .
وفيها :توفيت قطر الندى ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر، وهي امرأة المعتضد.
بالناس هذه السنة : محمد بن عبد الله بن داوود.
وحج وفيها : استعمل المعتضد عيسى النوشري وهو أمير أصبهان على بلاد فارس، وأمره بالمسير إليه .
وفيها: توفي فهد بن أحمد بن فهد الأزدي الموصلي، وكان من الأعيان .
وعلي بن عبد العزيز البغوي، توفي بمكة، وهو صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام.
.وفيها: توفي محمد بن أبي السَّاج (1)، فاجتمع غلمانه، وجماعة من أصحابه فأمَّروا عليهم [ابنه ](2)دیوداد بن محمد، واعتزلهم [عمه ](3)يوسف بن أبي السَّاج مخالفاً لهم (4)
فاجتمع إليه نفر يسير، فأوقع بابن أخيه ديوداد وهو في عسكر أبيه فهزمه .
وعرض عليه يوسف المقام معه، فأبى وسلك طريق الموصل إلى بغداد وكان ذلك في رمضان.
.وفيها : جيء بعمرو بن الليث، وذكر أن إسماعيل بن أحمد خيره بين المقام عنده وبين توجهه إلى باب أمير المؤمنين فاختار توجيهه فوجهه وأرسل المعتضد رسول إسماعيل مع رسوله وحمل معه إليه هدية وتاجاً وسيفاً من ذهب مركب على جميع ذلک الجوهر، وهدايا وثلاثة آلاف ألف درهم ففرقها في جيوش خراسان .
وقيل : كان المال عشرة آلاف ألف وجه بعض ذلك من بغداد وكتب باقيه على عمال الجبل وأمروا أن يدفعوا ذلك إلى الرسل.
وفيها: أوقع يوسف بن أبي الساج وهو بنفر يسير بابن أخيه ديوداد، فهزم عسكره، وبقي ديوداد وجماعة قليلة. فعرض عليه يوسف بن أبي الساج المقام فأبى وقال : امض إلى باب السلطان فحصل يسايره مدة ويسأله المقام معه فأبى، وأخذ طريق الموصل حتى وافى بغداد (5)
وفي هذه السنة وقع الوباء بأذربيجان فمات منهم خلق كثير إلى أن فقد الناس ما يكفنون به الموتى، وكانوا يتركونهم على الطرق غير مكفنين ولا مدفونين .
وفيها في صفر : دخل طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث بلاد فارس في عسكره وأخرجوا عنها عامل الخليفة .
فكتب الأمير إسماعيل بن أحمد الساماني إلى طاهر يذكر له أن الخليفة المعتضد قد ولاه سجستان، وأنه سائر إليها. فعاد طاهر لذلك.
وفيها : ولى المعتضد مولاه بدراً فارس وأمره بالشخوص إليها لما بلغه أن طاهر تغلب عليها . فسار في جيش عظيم في جمادى الآخرة فلما قرب من فارس تنحى عنها من كان بها من أصحاب طاهر، فدخلها ،بدر وجبى ،خراجها وعاد طاهر إلى سجستان كما ذكرناه من مراسلة
إسماعيل الساماني إليه بأنه يريد أن يقصد سجستان .
وفيها: تغلب بعض العلويين على صنعاء وقصده بنو يعفر في جمع كثير، فقاتلوه فهزموه ونجا هارباً في نحو خمسين فارساً وأسروا ابناً له ودخلها بنو يعفر وخطبوا فيها للمعتضد.
وفيها: سَيّر الحسين بن علي كورة وصاحبه نزار محمد إلى صائفة الروم وغزا وفتح حصوناً كثيرة للروم، وعاد ومعه الأسرى ثم إنهم ساروا في البر والبحر إلى ناحية كيسوم، فأخذوا من المسلمين أكثر من خمسة عشر ألفاً وعادوا .
وفيها: قرب أصحاب أبي سعيد الجنابي من البصرة فخاف أهلها وهموا بالهرب منهم، فمنعهم من ذلك واليهم .
وفيها: في ذي الحجة قتل وصيف خادم ابن أبي الساج وصلبت جثته في بغداد. وقيل: إنه مات ولم يقتل .
وحج بالناس هذه السنة : هارون بن محمد المكنى أبا بكر .
وفيها: في ربيع الآخر : توفي عبيد الله بن سليمان الوزير، فعظم موته على المعتضد، وجعل ابنه أبا الحسين القاسم بن عبيد الله بعد أبيه في الوزارة
وفيها: توفي إبراهيم الحربي .
وبشر بن موسى الأسدي، وهو من الحفاظ للحديث .
وفيها: في صفر : توفي ثابت بن قرة بن سنان الصابئ الطبيب المشهور، ومعاذ بن المثنى
العنبري .
.وفيها: انتشر القرامطة بسواد الكوفة . فوجه إليهم شبل غلام أحمد بن محمد الطائي فشخص إليهم، وظفر بجماعة منهم ، وظفر برئيس منهم يعرف بأبي الفوارس (1)،فدعا به المعتضد سائله(2)
قال : أقول إن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم مات وأبوكم العباس حي ، فهل طالب بالخلافة؟ أم هل بايعه أحد من الصحابة على ذلك؟
ثم مات أبو بكر فاستخلف عمر وهو يرى موضع العباس ولم يوص إليه .
ثم مات ،عمر وجعلها شورى في ستة أنفس ولم يوص إليه، ولا أدخله فيهم.
فبماذا تستحقون أنتم الخلافة، وقد اتفق الصحابة على دفع جدك عنها .
فأمر به المعتضد فعذب وخلعت عظامه، ثم قطعت يداه ورجلاه، ثم قتل.
ثم أمر به فقلعت أضراسه، ثم خلع إحدى يديه بكره، وعلق في الأخری صخره، وترك على حاله ثلاث ساعات ثم قطعت يداه ورجلاه من غد هذا اليوم وضربت عنقه وصلب .1) في المخطوط بأبي القوس، والتصويب من الكامل.
2) ذكر صاحب الكامل تفاصيل تلك الأسئلة فقال : فأحضره بين يديه وقال له أخبرني هل تزعمون أن روح الله تعالى، وأرواح أنبيائه تحل في أجسادكم فتعصمكم من الزلل وتوفقكم لصالح العمل ؟ فقال له : يا هذا إن حلت روح الله فینا فما يضرك؟ وإن حلت روح إبليس فما ينفعك ؟ فلا تسأل عما لا يعنيك، وسل عما يخصك فقال : ما تقول فيما يخصني؟
ومن سياسة المعتضد (1)التي يستفاد منها [1/135] تجربة : ما حدث به أبو الحسين محمد بن عبد الواحد الهاشمي :
أن شيخاً من التجار كان له على بعض القواد مال جليل، فلما (2)طلبه جحده .
قال : فعملت على التظلم إلى المعتضد لأني كنت تحملت عليه، وتظلمت إلى عبید الله بن سليمان، سلیمان، فلم ينفعني ذلك.
فقال لي بعض إخواني : علي أخذ المال ولا يحتاج إلى الظلامة إلى الخليفة، قم معی الساعة.
قال : فقمت معه، فجاء إلى خياط في سوق الثلاثاء وهو جالس يخيط ويقرأ القرآن في مسجد، فقص عليه قصتي فقام معنا .
فلما مضيت وتأخرت وقلت لصديقي : إنك عرضت هذا الشيخ ونفسك وإياي لمكروه عظيم. قال : كيف؟
قلت: لأنه قد استخف مراراً وبجماعة من شفعائي مراراً كثيرة ولم يلتفت إلى مثل فلان وفلان ولا إلى الوزير، وأخاف أن يضعفنا ضعفاً وجيعاً ويطردنا .
فضحك الرجل وقال : لا عليك امض (3)واسكت . فجئنا إلى باب القائد فحين رآه غلمانه أعظموه وأرادوا تقبيل يده فمنعهم وقالوا ما جاء بك أيها الشيخ فإن صاحبنا راكب؟
فقال : ادخل واجلس إلى أن يحضر .
فبادروا إلى الإذن له فأجلسوه في أرفع موضع فقويت نفسي .
وجاء الرجل، فلما رأى الخياط أعظمه إعظاماً شديداً، وقال: ما أنزع ثيابي حتى تأمر بأمرك . فخاطبه في أمري.
فقال : والله ما عندي إلا خمسة آلاف درهم فسله أن يأخذها في الوقت، ويأخذ رهناً بباقي المال إلى أن تجيئني غلتي . فبادرت إلى الإجابة .
فأحضر الدراهم وخرجنا فلما بلغنا موضع الخياط طرحت المال بين يديه
وقلت: يا شيخ، إن الله قد ردّ هذا المال عَلَي بسعيك وبركتك، فأحب أن تأخذ من المال نصفه أو ثلثه حتى تطيب نفسي.
فقال : ما أسرع ما كافأتني على الجميل بالقبيح، انصرف بمالك بارك الله لك فيه .
فقلت : قد بقيت لي حاجة .
قال : قل .
قلت : تخبرني عن سبب طاعته لك مع تهاونه بأكثر أهل هذه الدولة.
فقال : يا هذا قد بلغت مرادك فلا تقطعني عن شغلي ومعاشي .
فالححت عليه فقال: أنا رجل أؤم وأقري في هذا المسجد منذ أربعين سنة ومعاشي هذه الخياطة وكنت منذ دهر قد صليت المغرب، فخرجت أريد منزلي فإذا برجل تركي كان في هذه الدار قد تعلق بامرأة مجتازة، وكانت جميلة، وأدخلها إلى داره وهي تستغيث وليس أحد يغيثها .
قال : فرفقت بالتركي وسألته تركها فضرب رأس بدبوس، وشجني وشتمني، ويئست من المرأة ،وخلاصها وسرت إلى المنزل وغسلت الدم، وشددت الشجة واستروحت وخرجت أصلي العشاء الآخرة فلما فرغنا قلت لمن حضر قوموا معي إلى عدو الله هذا التركي لننكر عليه ولا نبرح حتى نخرج المرأة .
فقاموا معي وجئنا وصحنا على بابه، فخرج إلينا مع عدّة من غلمانه،وقصدنة من بين الجماعة، فضربني ضرباً مبرحاً كدت أتلف منه .
فحملني الجيران إلى منزلي وعالجني أهلي ونومت فلم أتم إلى نصف الليل، فقلت في نفسي : هذا قد شرب إلى الآن ولا يعرف الأوقات، فلو أذنت لوقع له أنه الفجر، فلعله يطلق عن المرأة - وكانت المرأة حين (1)تعلق بها قالت : إن زوجي حلف بطلاقي أن لا أبيت في (2)منزلي وأعظم ما علي أن أطلق وأبين منه .
فطمعت أن تحلق المرأة بمنزلها قبل الفجر وتسلم من أحد المكروهين .
فخرجت متحاملاً حتى صعدت المنارة، فأذنت وجلست اطلع منها إلى الطريق أراقب خروج المرأة، فإن خرجت وإلا أقمت للصلاة لئلا يشك في الصبح ويخرجها . فما مضيت إلا ساعة، فإذا الشارع قد امتلأ خيلاً ورجلاً ومشاعلاً وشموعاً، وهم يصيحون من هذا الذي أذن الساعة؟ أين هو ؟ ففزعت وسكت.
ثم قلت أخاطبهم - فلعلي استعين بهم على إخراج المرأة - فصحت من المنارة: أنا أذنت.
فقالوا : أنزل، فأجب أمير المؤمنين .
فقلت : قد دنا الفرج.
الجماعة فحملني، وأدخلني على المعتضد، فلما رأيته هبته، فإذا بدر مع وارتعدت فسكن مني وقال ما حملك على أن لا تقرّ المسلمين بأذانك في غير وقته فتخرج الحاجة في غير حينها، ويمسك المريد للصوم في وقت قد أبيح له الإفطار فيه، وينقطع امرؤ عن الطرق والحرص؟
قلت : يؤمني أمير المؤمنين لأصدق؟
قال : [أنت](1)آمن.
فقصصت عليه قصة التركي والمرأة وأريته الشجة وآثار الضرب بي .
فقال يا بدر عَلَيَّ بالغلام والمرأة الساعة فعزلت في موضع، ومضى بدر، وأحضر الغلام والمرأة، فسألها المعتضد عن الصورة، فأخبرته بمثل ما قلته .
فقال لبدر بادر بها الساعة إلى زوجها مع ثقة من الخدم يدخلها دارها، ويشرح لزوجها خبرها ويأمره حتى بالتمسك بها، والإحسان إليها .
ثم استدعاني فوقفت فجعل يخاطبني الغلام وأنا قائم أسمع، وكان فيما يخاطبهأن قال : كم جرايتك؟
فقال : كذا وكذا .
وقال : كم عطاؤك؟
قال : كذا
قال : فما كان في حرائرك (2)، وجواريك (3)في هذه النعمة الواسعة كفاية لك عن معصية الله تعالى؟ وعن خرق هيبة السلطان حتى استعملت الغجر وتجاوزت ذلك إلى [135 / ب ] الوثوب على أمرك بالمعروف .
فأسقط الغلام في يده، ولم يجر جواباً . فقال : هاتوا جوالقاً ، وقيداً، ومداق الجص .
فأتى بها كلها وأدخله (1)الجوالق وأمر الفراشين ،بدقه وأنا أرى ذلك كله، وهو يصيح ، ثم انقطع صوته ومات. وأمر به فغرق في دجلة.
فقدم إلي بدر بحمل ما في داره ووصلني بألف درهم.
ثم قال لي: يا شيخ أي شيء رأيت من أجناس المنكر ولو على هذا، وأشار بيده إلى بدر ،فأنكره، فإن لم يقبل فالعلامة بيننا أن تؤذن في هذا الموقف فإني أسمع صوتك واستدعيك وأفعل مثله بمن لا يقبل منك أو يؤديك.
قال: فدعوت له وانصرفت وانتشر الخبر في غلمان الدار والحاشية.
والأولياء، والجند والعامة. فما خاطبت أحداً منهم بعدها في إنصاف لأحد ، أو كف عن القبيح إلا طاوعني كما رأيت خوفاً من المعتضد .
وما احتجت أن أوذن إلى الآن(2).
وفيها : توفي المعتضد ليلة الاثنين من ربيع الآخر، وفي صبيحتها أحضر دار السلطانعبد الحميد بن عبد العزيز أبو حازم ويوسف بن يعقوب وأبو عمر محمد بن يوم يوسف.
وتولى الصلاة عليه يوسف بن يعقوب.
وحضر الصلاة عليه الوزير القاسم بن أبي عبيد الله، وأبو حازم، وأبو عمر، والخدم، والخاصة.
وجلس القاسم بن عبيد الله بن سليمان في دار السلطان، وأذن للناس، فعزوه
بالمعتضد، وهنؤوه بالمكتفي وتقدم في تجديد البيعة للمكتفي بالله، ففعلوا.
وكتب بالخبر للمكتفي، وكان بالرقة .
فتقدم إلى كاتبه بأخذ البيعة على من في عسكره ووضع العطاء لهم، ففعل .
وشخص إلى بغداد فدخلها وكنى بلسانه القاسم بن عبيد الله وخلع عليه(1)
وكان مولده في ذي الحجة من سنة اثنتين وأربعين ومائتين .
ولما اشتد مرضه اجتمع القواد منهم : يونس الخادم وموشكير وغيرهما، وقالوا للوزير القاسم بن عبيد الله : ليجدد البيعة للمكتفي، وقالوا : إنا لا نأمن فتنة فقال : إن هذا المال لأمير المؤمنين ولولده من بعده، وأخاف أن أطلق المال فيبرأ من علته فينكر عَلَيَّ ذلك .
فقال : أنا بريء من مرضه فنحن المحتجون والمناظرون، وإن صار الأمر إلى ولده فلا يلومنا ونحن نطلب الأمر له فأطلق المال وجدد عليه البيعة .
وأحضر عبد الواحد بن الموفق وأخذ عليه البيعة فوكَّل به وأحضر ابن المعتزل، ومضى ابن المؤيد، وعبد العزيز بن المعتمد، ووكل بهم .
فلما توفي أحضر يوسف بن يعقوب وأبا حازم وأبا عمر بن يوسف بن يعقوب فتولى غسله محمد بن يوسف، وصلى عليه الوزير ودفن ليلاً في دار محمد بن طاهر .
وجلس الوزير في دار الخلافة للعزاء، وجدد البيعة للمكتفي .
وكانت أم المعتضد واسمها ضرار قد توفيت قبل خلافته .
وكانت خلافته سبع سنين وتسعة أشهر، وثلاثة عشر يوماً.
وخلف من الولد الذكور عليّاً - وهو المكتفي - وجعفراً وهو المقتدر، وهارون.
ومن البنات إحدى عشر بنتاً، وقيل: سبع عشرة .ولما حضرته الوفاة أنشد :
تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى وحد صفوها ما إن صفت ودع الرنقا ولا تأمنن الدهر إني أمنتُهُ فلم يبق لي خلاً ولا يرع لي حقا قتلت صناديد الرجال ولم أدع8 عدواً ولم أمهل على طغيه خلقا* وأخليت دار الملك من كل نازع*** فشردتهم غرباً ومزقتهم شرقا*** فلما بلغت النجم عز ورفعة*** وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا*** رماني الردى سهماً فأخمد جمرتي*** فها أنا ذا في حُفرتي عاجلاً ألقى*** ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد لذي الملك والأحياء في حسنها رُفقا فيا ليت شعري بعد موتي ما ألقى*** إلى نعم الرحمن أم ناره ألقى
ثم ذكر ابن الأثير صفة المعتضد وسيرته فقال :
كان المعتضد أسمر نحيف الجسم معتدل الخلق، قد وخطه الشيب.
وكان شهماً شجاعاً مقداماً، وكان ذا عزم، وكان فيه شح.
بلغه خبر وصيف خادم ابن أبي الساج وعليه قباء ،أصفر، فسار من ساعته وظفر بوصيف وعاد،
فدخل انطاكية وعليه القباء .
فقال بعض أهلها الخليفة بغير سواد.
فقال بعض أصحابه إنه سار فيه ولم ينزعه عنه إلى الآن.
وكان عفيفاً، حكى القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فأطلت النظر إليهم، فلما قمت أمرني بالقعود.
فجلست فلما تفرق الناس قال : يا قاضي والله ما حللت سراويلي على غير حلال قط .
وكان هيباً عند أصحابه يتقون سطوته، ويكفون عن الظلم خوفاً منه .
.1) كذا جاء الخبر في الكتاب وقال صاحب الكامل: في هذه السنة من ربيع الآخر توفي المعتضدبالله أبو العباس أحمد بن الموفق بن المتوكل ليلة الأثنين لثمان بقين منه.
وفي اليوم الثاني من مقدمه : هلك عمرو بن الليث الصفار.
ذكر الخبر عن هلاكه
كان المعتضد لما امتنع عن الكلام عند موته أمر صافياً الجرمي بقتل عمروبالإشارة ،والإيماء، ووضع يده على عينيه، وعلى رقبته أي اذبح الأعور .
فلم يفعل ذلك صافي لقرب وفاة المعتضد، وكره قتله.
فلما دخل المكتفي سأل القاسم بن عبيد الله عمراً أحيُّ هو ؟
قال : نعم - فسُرَّ بحياته .
قال : أريد أن أحسن إليه، وكان عمرو يهدي إلى المكتفي ويبره براً كثيراً فأراد مكافأته وكره القاسم ذلك، ودَس إلى عمرو من قتله.
وفيها: كان مقتل بدر غلام المعتضد
(1) ذكر السبب في ذلك كان سبب ذلك أن القاسم بن عبد الله [قد] (1)هم بنقل الخلافة عن ولد المعتضد فناظر بدراً في ذلك بعد أن استكتمه واستحلفه، فامتنع بدراً،
1) زيادة من الكامل .
وقال : ما كنت لأصرفها عن ولد مولاي وولي نعمتي.
فلما علم القاسم أن لا سبيل له إلى مخالفة بدر إذ كان بدر صاحب الجيش والمستولي على أمر المعتضد والمطاع في خدمه [وغلمانه](1)فحقدها(2)على بدر.
فلما حدث الموت كان بدر بفارس، لأنه خرج إلى محاربة طاهر ابن محمد بن عمرو بن الليث، وكان طاهر قد تغلب على فارس .
فعقد القاسم للمكتفي عقد الخلافة وبايع له وهو بالرقة لما كان بين المكتفي وبين بدر وبعده بفارس .
وعمل القاسم (3)في هلاك بدر حذراً على نفسه أن يطلع بدر المكتفي إذا قدم على ما كان هم به القاسم .
فوجه المكتفي جماعة من القواد برسائل وكتب إلى القواد الذين مع ،بدر فأمرهم أن يفارقوا بدراً ويسيروا ،حضرته وذلك في السِّر من بدر، فوصلت الكتب إليهم.
ثم وجه إليه خادم الموفق ومعه عشرة آلاف ألف ليفرقها في عطاء أصحابه لبيعة المكتفي .
فخرج بها ياسر فلما كان بالأهواز وجه إليه بدر من قبض المال منه ، فرجع ياسر إلى بغداد .
ولما وصلت الكتب إلى القواد من المكتفي فارق بدراً جماعة منهم وانصرفوا عنه إلى مدينة السلام فلما دخلوا بغداد وصلوا إلى المكتفي وخلع على نيف وثمانين رجلاً، وأجاز جماعة من رؤساء كل واحد بمائة ألف وأجاز قوماً بدون ذلك، وخلع على بعضهم، ولم يخبره بشيء
(4). وانصرف بدراً قاصداً واسط واتصل الخبر بالمكتفي بإقبال بدر، فوکل بدار بدر وقبض على جماعة من أصحابه وقواده فحبسوا مثل تحرير الكبير، وغريب الختلي : وغيرهما. وأمر بمحو اسم بدر من الأعلام والتراس وكان عليها أبو النجم مولى المعتضد بالله .
1) زيادة من الكامل.
2) في المخطوط اصطنها. وهو تحريف والتصويب من الكامل.
3) في المخطوط : فلما تقدم على القاسم والتصويب من الكامل، وربما كان أصاب ما المخطوط سقط .
4) في الكامل : فوجه المكتفي محمد بن كشتمر برسائل إلى القواد الذين مع بدر يأمرهم بالمسير إليه ومفارقة بدر، ففارقه جماعة منهم : العباس بن عمرو الغنوي ومحمد بن إسحاق بن كنداج و خاقان ،المفلحي ،وغيرهم، فأحسن إليهم المكتفي .
ودعا المكتفي القواد وقال لهم : لست أومر عليكم أحداً، فمن كانت له حاجة فليلق الوزير فقد تقدمت إليه في قضاء حوائجهم .
وكتب بدر إلى المكتفي كتاباً على يد الديداق وحمله على الجمازات.
فلما وصل إلى المكتفي قبض عليه، ووكل به وأشخص جيشاً إلى واسط .
وقيل : إنه قدمهم مقدمة له .
وكان المكتفي أرسل إلى بدر حين يصل من أرض فارس يعرض عليه أي النواحي شاء إن أحب أصبهان أو الزي أو الجبل، ويأمره بالمسير إلى أي موضع أحب من هذه النواحي مع من أحب من الفرسان والرجال فيقيم بها والياً عليها معهم.
فأبى بدر وقال : لا بد لي من المسير إلى باب مولاي.
فوجد القاسم مساغاً للقول فيه وقال للمكتفي : عرضنا عليه الولايات، فأبى إلا المجيء، ثم خوفه غائلته وحرض المكتفي على محاربته وقال : لقد أظهر العصيان.
واتصل ببدر أنه قد وكل بداره وحبس غلمانه فأيقن بالشر، فوجه من يحتال في تخليص ابنه هلال وحدره إليه .
فوقف القاسم بن عبيد الله على ذلك، فأمر بالتحفظ به، ودعا أبا حازم القاضي على الشرقية وأمره بالميسر إلى بدر ولقائه وتطييب نفسه، وإعطائه الأمان من أمیر [136 / أ] المؤمنين حتى أوديه عنه .
فقال له : [لا](1)أنصرف حتى استأذن في ذلك أمير المؤمنين .
[فصرفه ] (2)ثم دعا بأبي عمر محمد بن يوسف وأمره بمثل الذي أمر به أبا حازم فسارع إليه وإلى اجابته .
ودفع القاسم إلى أبي عمر كتاب أمان عن المكتفي فمضى به نحو بدر.
فلما فصل بدر عن واسط أرقص عنه أصحابه وأكثر غلمانه وساروا إلى المكتفي في الأمان. وخرج المكتفي إلى مضربه بنهر دبالي ومعه جميع جيوشه فعسكر هناك.
ولقي أبو عمر محمد بن يوسف بدراً بالقرب من واسط، فدفع إليه الأمان، وخبره عن المكتفي بما قال له القاسم، وصاعد معه في حراقة بدر، واستقر الأمر بين بدر وبين أبي عمر على أن يدخل بغداد سامعاً مطيعاً.
وعبر بدر دجلة، وسار إلى النعمانية، وأمر أصحابه وغلمانه الذين بقوا معه أن
يطرحوا سلاحهم ولا يحاربوا أحداً، وأعلمهم ما ورد عليه أبو عمر من الأمان.
فبينا هو يسير إذ وافاه محمد بن إسحاق بن كنداجيق في شذاة ومعه جماعة من الغلمان، فتحول إلى الحرافة وسأله بدر عن الخبر فطيب نفسه، وقال قولاً جميلاً، وهم في ذلك يؤمرونه .
وكان القاسم وصاه وقال له : إذا اجتمعت مع بدر في موضع واحد فأعلمني.
فوجه [ إلى](1)القاسم فأعلمه، فدعا القاسم لؤلؤاً أحد غلمان السلطان النجباء،فقال له : قد ندبتك لأمر .
فقال : سمعاً وطاعة .
فقال له : امض فتسلم بدراً من كنداجيق وجئني برأسه .
فمضى في طيار حتى استقبل بدراً ومن معه بناحية سيت سعيد كوما فتحول من الطيار إلى الحرافة وقال لبدر قم .
قال : وما الخبر؟
قال : إنه لا بأس عليك فحوله إلى طيارة ومضى به إلى جزيرة، ونحى الناس، ودعا بالسيف فاستلمه، فلما أيقن بدراً بالقتل سأله أن يمهله حتى يصلي ركعتين، فأمهله فصلاهما ، ثم قدمه فضرب عنقه .
وذلك يوم الجمعة قبل الزوال لست خلون من شهر رمضان، ثم أخذ رأسه، ورجع إلى طياره، وترك جثته هناك، فبقيت أياماً ، ثم وجه عياله من أخذ جثته سراً فجعلوها في تابوت وحملوها أيام الموسم إلى مكة فدفنوه بها، وكان أوصى بذلك، واعتق قبل أن يقتل مماليكه كلهم.
وتسلم السلطان ضياع بدر ودوره ومستعملاته .
وورد الخبر على المكتفي بقتل بدر لتسع خلون من شهر رمضان، فرحل منصرفاً إلى مدينة السلام وجيء برأس بدر وأمر به فنظف ووضع في خزانة الرؤوس .
ورجع أبو عمر القاضي إلى داره حزيناً كئيباً، فتكلم الناس فيه، وقالوا أشعار كثيرة، فمما قيل فيه:
قل لقاضي مدينة المنصور*** يم أحللت أخذ رأس الأمير*** بعد إعطائه المواثيق والعهود*** وعقد الأمان في المنشور*** أين أيمانك التي يشهد الله*** على أنها يمين فَجُور
1) زيادة يتطلبها السياق .
يا قليل الحياء يا أكذب الأمه*** یا شاهداً شهادة الزور(1)
إن كفيك لا تفارق كفيه إلى أن ترى جليل السرير
ليس هذا فعل القضاة*** ولا يحسن أمثاله ولاة الجورفي أبيات كثيرة(2)
أي أمر ركبت في الجمعة الزهراء*** منه في خير هذي الشهور*** قد مضى من قتلت في رمضان*** صائماً بعد سجدة التعفير*** يا بني يوسف بن يعقوب أضحى*** أهل بغداد منكم في غرور*** بدد الله شملكم وأراني*** ذلكم في حياة هذا الوزير*** فأعدوا الجواب للحكم العدل*** ومن بعد منكر ونكير*** أنتم كلكم فدا لأبي حازم*** المستقيم كل الأمور
.وفيها ظهر بالشام رجل جمع جموعاً كثيرة من الأعراب وغيرهم فأتى بهم دمشق وبها طغج ابن جف من فل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون كانت بينه وبين طغج وقعات وقتل بينهما خلق كثير(3)
كان ابتداء حال هذا القرمطي أن ذكرويه بن مهرويه الذي ذكرنا أنه داعية قرمط لما رأى أن الجيوش من المعتضد متتابعة إلى من بسواد الكوفة من القرامطة وأن القتل قد أبادهم سعى في إغواء من قرب من الكوفة من الأعراب أسد ،وطيء، وغيرهما، فلم يجبه منهم أحد.
فأرسل أولاء إلى كلب بن وبرة فاستغووهم، فلم يجبهم منهم إلّا الفخذ المعروف ببني القُليص بن ضمضم بن عدي بن خباب ومواليهم خاصة، فبايعوا في آخر سنة تسع وثمانين ومائتين بناحية السماوة بن ذكرويه المسمى بيحيى المكنى أبا القاسم، فلقبوه الشيخ، وزعم أنه : محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب .
وقيل : لم يكن لمحمد بن إسماعيل ولد اسمه عبد الله .
وزعم أن له بالبلاد مائة ألف تابع وأن ناقته التي يركبها مأمورة، فإذا تتبعوها في مسيرها نصروا.
وأظهر عضداً له ،ناقصة، وذكر أنه ابنه وأتاه جماعة من بني الأصبغ وسُمّوا الفاطميين ودانوا ،بدينه فقصدهم شبل غلام المعتضد من ناحية الرصافة فاغتروه فقتلوه، وأحرقوا مسجد الرصافة واعترضوا كل قرية اجتازوا بها حتى بلغوا ولاية هارون بن خمارويه التي قوطع عليها طغج بن جف فأكثروا القتل بها والإغارة فقاتلهم طغج فهزموه غير مرة .
.كان زكرويه بن مهرويه داعية لقرمط فلما تتابعت من المعتضد توجه الجيوش إلى سواد الكوفة وألح في طلب القرامطة وأثخن فيهم القتل فرأى أنه لا مدفع عن انفسهم عند أهل السواد ولا غنى له عن استغواء من قرب من الكوفة أعراب أسد، وطيء، وتميم وغيرهم ودعاهم إلى رأيه وزعم أن سواد الكوفة من القرامطة يطابقونهم على
أمره إن استجابوا له، فلم يستجيبوا له .
وكانت جماعة من كلب تخفر الطريق على البر بالسماوة فيما بين الكوفة ودمشق على طريق تدمر وغيرها، فأرسل زكرويه أولاده إليهم فبايعوهم وخالطوهم وانتسبوا(1)إلى علي بن أبي طالب وإلى إسماعيل بن جعفر منهم، وذكروا أنهم خائفون من السلطان ، وأنهم لجأوا إليهم، فقبلوهم على ذلك، ويوافقهم بالدعاء إلى رأي القرامطة، ولم يُقبل ذلك منهم إلا الفخذ المعروفة ببني العليص ومواليهم خاصة، فبايعوا في آخر سنة تسع وثمانين ومائتين بناحية سماوة ابن زكرويه المسمى بيحيى والمكنى بالقاسم، ولقبوه الشيخ على ما موّه به وزعم لهم أنه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، وأن له بالسواد والمشرق والمغرب مائة ألف تابع وأن ناقته التي يركبها (2)مأمورة ، وأنهم إذا اتبعوها في سيرها ظفروا .
وتكهن لهم وانحازت إليه جماعة من بني الأصبغ وأخلصوا وتسموا بالفاطميين، ودانوا بدينهم. فقصدهم سبك الديلمي مولى المعتضد بناحية الرصافة في غربي الفرات ودیار مضر فاغتروه وقتلوه وحرقوا مسجد الرصافة واعترضوا كل قرية اجتازوا بها حتى اصعدوا إلى أعمال الشام فأناخ عليها وهزم كل عسكر لقيه طغج حتى حصره في مدينة دمشق قائد المضريون إليه بدر الكبير وأوقعوهم قريباً من دمشق .
وقتل يحيى بن [136 / ب] زكرويه .
ثم دارت الحرب على المضريين فانحازت واجتمعت موالي بني القليص ومن معهم من الأصبغيين على نصب الحسين بن زكرويه أخي المقتول، وزعم لهم أنه أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد وهو ابن نيف وعشرين سنة فبايعوه بعد أخيه .
وأظهر له شامة في جهة ذكر أنها آية وطرأ إليه ابن عمه عيسى ولقبه بالمدثر، وعهد إليه، وذكر أنه المعني بالسورة التي يذكرها بها المدثر .
وقلد غلاماً له قتل أسرى المسلمين ولقبه : المطوق .
وظهر على جند حمص وغيرها من أرض الشام، وسمي بأمير المؤمنين على منابرها.
وفيها : أوقع إسماعيل بن أحمد بمحمد بن هارون بالري فهزمه وكان في ثمانية
آلاف رجل، والمنهزمة إلى باب السلطان (1)
هذا وقد ذكر ابن الأثير خبر استيلاء، محمد بن هارون على الري في نفس السنة فقال :
وفي هذه السنة كاتب أهل الري محمد بن هارون الذي كان حارب محمد بن زيد العلوي وتولى طبرستان لإسماعيل بن أحمد.
وكان محمد بن هارون قد خلع طاعة إسماعيل، فسأله أهل الري المسير إليه ليسلموها إليه.
وکان سبب ذلك أن الوالي عليهم كان قد أساء السيرة فيهم .
فسار محمد بن هارون إليهم، فحاربه واليها وهو الدتمش التركي، فقتله محمد، وقتل ابنين له، وأخا كيغلغ وهو من قواد الخليفة ودخل محمد بن هارون الري واستولى عليها في رجب .
ثم ذكر ابن الأثير عدة حوادث في تلك السنة لم تذكر هنا منها مثلاً ذكر ولاية أبي العباس عبد الله بن إبراهيم إفريقية وغير ذلك أذكره بعد ذكر ولاية أبي العباس إن شاء الله تعالى، فقال فيها :
قد ذكرنا سنة إحدى وستين ومائتين أن إبراهيم بن أحمد أمير إفريقية عهد إلى ولده أبي العباس عبد الله سنة تسع وثمانين ومائتين وتوفي فيها .
فلما توفي والده قام بالملك بعده وكان أديباً لبيباً شجاعاً، أحد الفرسان المذكورين مع علمه بالحرب وتصرفها، وكان عاقلاً عالماً ، له نظر حسن في الجدل.
وفي أيامه عظم أمر أبي عبد الله الشيعي، فأرسل أخاه الأحول - ولم يكن أحول وإنما لقب بذلك لأنه كان إذا نظر دائماً ربما كسر جفنه فلقب بالأحول - إلى قتال أبي عبد الله الشيعي - فلما بلغه حركته خرج إليهم في جموع كثيرة، والتقوا عند كموشة وقتل بينهم خلق عظيم، وأنهزم الأحول إلا أنه أقام في مقابلة أبي عبد الله .
وكان أبو العباس أيام أبيه على خوف شديد من سوء أخلاقه واستعمله أبوه على صقلية ففتح فيها مواضع متعددة وقد تقدم ذكر ذلك أيام والده .
ولما ولي أبو العباس إفريقية كتب إلى العمال كتاباً يُقرأ على العامة يعدهم فيه الإحسان، والعدل، والرفق، والجهاد ففعل ما وعد من نفسه، وأحضر جماعة من العلماء ليعينوه على أمر الرعية، وله ،شعر فمن ذلك قوله بصقلية وقد شرب دواء :
شربت الدواء على غربةٍ بعيداً من الأهل والمنزل وكنت إذا ما شربت الدوا*** أطيب بالمسك والمنديل وقد صار شربي بحار الدما ونقع العجاجة والقسطل
واتصل بأبي العباس عن ولده أبي مُضر زيادة الله والي صقلية له اعتكافه على اللهو وإدمانه شرب الخمر، فعزله وولي محمد بن السرقوس وحبس ولده. فلما كان ليلة الأربعاء آخر شعبان من سنة تسعين ومائتين قتل أبو العباس قتله ثلاثة نفر من خدمه الصقالبة بوضع من ولده، وحملوا رأسه إلى ولده أبي مضر وهو في الحبس، فقتل الخدم وصلبهم، وكان هو الذي وضعهم. فكانت إمارته سنة واثنتين وخمسين يوماً، وكان سكناه وقتله رحمه الله بمدينة تونس. وكان كثير العدل أحضر جماعة كثيرة عنده ليعينوه على العدل ويعرفوه من أحوال الناس ما يفعل فيه على سبيل الانصاف وأمر الحاكم في بلده أن يقضي عليه وعلى جميع أهله وخواص أصحابه، ففعل ذلك .
فلما قتل ولي ابنه أبو مضر ، وكان من أمره ما نذكره سنة ست وتسعين ومائتين إن شاء الله تعالى .
وفي هذه السنة منتصف رمضان قتل عبد الواحد بن الموفق، وكانت والدته إذا سألت عنه قيل لها : إنه في دار المقتفي فلما مات المقتفي أيست منه، فأقامت عليه مأتماً .وفيها كانت وقعة بين أصحاب إسماعيل بن أحمد وبين بستان الديلمي بطبرستان فانهزم ابن
جستان .
وفيها: لحق إسحاق الفرغاني وهو من أصحاب بدر بالبادية وأظهر الخلاف على الخليفة المكتفي، وحاربه أبو الأغر فهزمه إسحاق، وقتل من أصحابه جماعة .
وفيها: سير خاقان المفلحي إلى الري في جيش كثيف ليتولاها .
وفيها: صلى الناس العصر بحمص وبغداد في الصيف، ثم هَبَّ هواء من ناحية الشمال فبرد الوقت واشتد البرد حتى احتاج الناس إلى النار ولبس الجباب وجعل البرد يزداد حتى جمد
الماء .
وفيها: زادت دجلة قدر خمسة عشر ذراعاً .
وفيها: خلع المكتفي على هلال بن بدر وغيره من أصحاب أبيه في جمادى الأولى.
وفيها : هَبَّت ريح عاصف بالبصرة، فقلعت كثيراً من نخلها، وخسف بموضع منها هلك فيه ستة
آلاف نفس، وزلزلت بغداد في رجب عدة مرات وتضرع أهلها في الجامع، فكشف عنهم.
وفیها حج بالناس : الفضل بن عبد الملك بن عبد الله العباس.
وفيها : مات أبو حمزة بن محمد بن إبراهيم الصوفي، وهو من أقران سرى السقطي .
.1) كذا الخبر هنا، وفي الكامل بنحوه وفيه أيضاً فانهزم محمد ولحق بالديلم مستجيراً بهم ودخل إسماعيل الري .
وفيها: ورد كتاب علي بن عيسى من الرقة يذكر فيه :
إن القرمطي بن زكرويه وافى في جمع كثير، فخرج إليه جماعة من أصحاب السلطان ورئيسهم سبك غلام المكتفي فواقعوه فقتل سبك، وانهزم أصحاب السلطان ، ثم إن طغج بن جف اخرج من دمشق جيشاً إلى القرمطي عليه غلام يقال له يشير فواقعه القرمطي فهزم الجيش وقتل بشيراً .
ثم خلع السلطان على أبي الأغر وبعث به لحرب القرمطي بناحية الشام فمضى في عشرة الآف إلى حلب .
ووردت كُتب التجار من دمشق إلى بغداد أن القرمطي هزم طغج غير مرة وقتل أصحابه إلا القليل وأنه بقي في قلة وامتنع من الخروج وإنما يجتمع العامة، ثم يخرج للقتال، وأنهم قد أشرفوا على الهلكة .
فاجتمع التجار ومضوا إلى يوسف بن يعقوب فأقرؤوه الكتاب، وسألوه أن يخبر الوزير ذلك (1)
فاجتمع جماعة من أهل بغداد وأنهوا ذلك إلى الخليفة، فوعدهم النجدة، وأمد المصريون أهل دمشق ببدر وغيره من القواد فقاتلوا الشيخ مقدم القرامطة فقُتل على باب دمشق رماه بعض المغاربة بمزراق وزرقه نقاط بالنار فاحترق وقتل منهم خلق كثير .
وكان هذا القرمطي يزعم أنه إذا أشار بيده إلى جهة من التي فيها محاربوه انهزموا . ولما قتل يحيى المعروف بالشيخ وقتل أصحابه اجتمع من بقي منهم على أخيه الحسين، وسمى نفسه أحمد، وكناه أبا العباس، ودعا الناس فأجابه أكثر أهل البوادي .
.1) في الكامل.
وفيها: قوطع صاحب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث على أموال فارس، وخلع على صاحبه وحمل إليه الخلع مع العقد (1).
وفيها: ورد الخبر وكتاب قرئ في جوامع بغداد أن يحيى بن زكرويه قتله المصريون على باب دمشق بعد أن اتصلت الحروب بينه وبين جند دمشق ومددهم من أهل مصر وأسر لهم جيوشاً وقتل منهم هذا خلقاً. وكان يحيى يدعي النبوة والكهانة فلما قتل يحيى انحاز أصحابه إلى أخيه الحسين بن زكرويه، فطلبوا أخاه في القتلى فلم يجدوه، وكان أخوه قد سبق إليه .
ودعا الحسين إلى مثل ما دعا إليه أخوه فأجابه أكثر أهل البوادي وغيرهم من سائر الناس واشتدت شكوته وظهر (2)
وأظهر شامة في وجهه، وزعم أنها آيته، وسار إلى دمشق ... فربما كان ذلك قد سقط من الناسخ .
، وسار إلى دمشق فصالحه أهلها على خراج دفعوه إليه، فانصرف عنهم .وسار إلى أطراف حمص، فغلب عليها وخطب له على منابرها(3)
وأتاه ابن عمه عيسى بن المهدي المسمى عبد الله أحمد بن بن محمد بن إسماعيل فلقبه المدثر وعهد إليه، وزعم أنه المدثر الذي في القرآن، ولقب غلاماً من أهله المطوق وقلده قتل أسرى المسلمين ... ثم ساق الخبر .
.ثم سار إلى حمص فأطاعه أهلها فأطاعه أهلها وفتحوا له بابها خوفاً على أنفسهم فدخلها.
ثم سار إلى حماة ومعرة النعماني وغيرهما فقتل أهلها، وقتل النساء والأطفال.
ثم سار إلى بعلبك، فقتل عامة أهلها حتى لم يبق منهم إلا اليسير . . .
ثم سار إلى سلمية، فحارب أهلها ومنعوه الدخول، ثم أعطاهم الأمان، ففتحوا له بابها فدخلها.
فبدأ بمن فيها من الهاشميين فقتلهم أجمعين وقتل بعدهم الرجال أجمعين، ثم قتل البهائم، وقتل صبيان الكتاتيب .
ثم خرج منها وليس فيها عين تطرف.
وسار فيما حولها بقتل ويسبي ويخيف السبيل وتكتب عنه حكايات في إباحة الفروج لأصحابه وأن جماعة منهم كانوا يجتمعون على امرأة واحدة إذا استحسنوها لا يتحامون ذلك فيما بينهم
جاءتني امرأة بعد ما دخل القرمطي صاحب الشامة ببغداد ، وقالت : أريد أن تعالج جرحاً في
كتفي .
فقلت : ههنا امرأة تعالج النساء، فانتظرتها فقعدت وهي باكية مكروبة، فسألتها عن قصتها . قالت: كان لي ولد طالت غيبته عني، فخرجت أطوف عليه البلاد، فلم أره، فخرجت من الرّقة في طلبه، فوقعت في عسكر القرمطي ،أطلبه فرأيته فشكوت إليه حالي وحال أخواته .
فقال : دعيني من هذا، أخبريني ما دينك؟
فقلت : أما تعرف ما ديني؟!
فقال : ما كُنَّا فيه باطل والدين ما نحن فيه اليوم.
فعجبت من ذلك، وخرج وتركني ووجه يخبز فلم أمسه حتى عاد فأصلحه.
وأتاه رجل من أصحابه فسألني : هل أحسن من أمر النساء شيئاً؟
فقلت: نعم.
فأدخلني دار ، فإذا امرأة تطلق فقعدت بين يديها وجعلت أكلمها ولا تكلمني حتى ولدت غلاماً، فأصلحت من شأنه، وتلطفت بها حتى كلمتني ، فسألتها عن حالها فقالت : أنا امرأة هاشمية أخذنا هؤلاء الأقوام فذبحوا أبي وأهلي جميعاً وأخذني صاحبهم، فأقمت عنده خمسة أيام، ثم أمر بقتلي، فطلبني منه أربعة أنفس من قواده فوهبني لهم فكنت معهم، فوالله ما أدري ممن هذا الولد منهم قالت فجاء رجل فقالت لي ،هنيه ،فهنيته فأعطاني سبيكة فضة، وجاء آخر، وآخر أهنئ كل واحد منهم ويعطيني سبيكة فضة.
ثم جاء الرابع ومعه جماعة، فهنيته، فأعطاني ألف درهم.
وبتنا، فلما أصبحنا قلت للمرأة : قد وجب حقي عليك، فالله الله عليك، فالله الله خلصيني.
قالت : ممن أخلصك ؟
فأخبرتها خبر ابني.
فقالت : عليك بالرجل الذي جاء آخر القوم .
فأقمت يومي، فلما أمسيت وجاء الرجل. قمت له وقبلت يده ورجله ووعدته أنني أعود بعد أن أوصل ما معي إلى نياقي. فدعا قوماً من غلمانه وأمرهم بحملي إلى مكان ذكره وقال : اتركوها فيه وارجعوا فساروا بي عشرة فراسخ فلحقنا ابني فضربني بالسيف، فجرحني ومنعه القوم وساروا بي إلى المكان الذي سماه له صاحبهم وتركوني، وجئت إلى ههنا. قالت ولما قدم الأمير بالقرامطة وبالأسارى رأيت ابني فيهم على جمل عليه برنس، وهو يبكي .
فقلت : لا خفف الله عنك ولا خلصك . ثم إن كتب أهل الشام ومصر وصلت إلى المكتفي يشكون ما يلقون من القرمطي من القتل والسبي، وتخريب البلاد فأمر الجند بالنهب، وخرج من بغداد في رمضان وسار إلى الشام وجعل طريقه على الموصل، وقدم بين يديه أبا الأغر في عشرة آلاف رجل فنزل قريباً من حلب فكبسهم القرمطي صاحب الشامة، فقتل منهم خلقاً كثيراً ، وسلم أبو الأغر، فدخل حلب في ألف رجل، وكانت هذه الوقعة في رمضان، وسار القرمطي إلى باب حلب.
.ولليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة أمر المكتفى بالله بإعطاء الجند أرزاقهم والتأهب للشخوص إلى حرب القرمطي بناحية الشام، فأطلق للجند في دفعة واحدة مائة ألف دينار وذلك أن أهل مصر والشام كتبوا يشكون ما لقوا من ابن
زكرويه المعروف بصاحب الشامة وأنه قد أخرب البلاد، وقتل الناس، وحكموا الناس بأشياء عظيمة مما لقوه منه ومن أخيه قَبلَهُ وقتله الرجال، وأنه لم يبق منهم إلا عدد قليل .
وأخرجت مضارب المكتفي فضربت بباب الشماسية ومعه قواده، وغلمانه، وجيوشه، ثم رحل وسلك طريق الموصل.
ومضى أبو الأغر فنزل وادي بطنان قريباً من حلب فلما استقر فنزل معه جميع من معه نزع أكثرهم ثيابهم ودخلوا الوادي بمائة، وكان يوماً شديد الحَرّ فبينا هم كذلك إذ وافاهم جيش القرمطي صاحب الشامة - وقد تقدمهم المطوّق فكبسهم على تلك الحال فقتل منهم خلقاً كثيراً، وانتهب العسكر، وأفلت أبو الأغر، فدخل حلب، وأفلت معه ألف رجل، وكانوا عشرة آلاف وسار القرمطي إلى باب حلب فحاربهم أبو الأغر فيمن بقي معه من أصحابه وأهل البلد، فذهبوا وانصرفوا عنه فأخذوا من عسكره من الكراع ،والسلاح، والأموال، والمتاع بعد حرب كانت بينهم.
ومضى المكتفي بمن معه من الجيوش حتى انتهى إلى الرّقة فنزلها وسرح الجيوش إلى القرمطي جيشاً بعد جيش . ثم ورد كتاب بدر الجماعي صاحب ابن طولون يخبر فيه : أنه واقع القرمطي صاحب الشامة فهزمه، ووضع في أصحابه السيف، ومضى من أفلت منهم نحو البادية وأن أمير المؤمنين [137/ أ] وجه في أثره الحسين بن حمدان ابن حمدون، وورد كتاب آخر من البحرين من ابن بانو يذكر فيه : أنه واقع قرابة لأبي سعيد الجنابي وَوَلّى عهده من بعده فهزمه، وكان مقامه بالقطيف فوجد قتيلاً بين القتلى، فاحتز رأسه وأنه افتتح القطيف فدخلها (1).
وفيها: وجه القاسم بن عبيد الله الجيوش إلى صاحب الشامة، وولى حربه محمد بن سليمان الكاتب وكان إليه ديوان الجيش وضم إليه جميع القواد [ وأمرهم)](2)بالانضمام إليه وأن يسمع الجميع له ويطيعوه (3)
وفيها : أخذ محمد بن هارون أسيراً وكان سبب ذلك :
أن المكتفي أنفذ عهداً إلى إسماعيل بن أحمد الساماني بولاية الريّ، فسار إليها، وبها محمد بن هارون، فسار عنها محمد إلى قزوين ،وزنجان ثم عاد إلى طبرستان، فاستعمل إسماعيل بن أحمد على جرجان بارس الكبير وألزمه بإحضار محمد بن هارون قسراً أو صلحاً، وكاتبه بارس وضمن هارون له إصلاح حاله مع الأمير إسماعيل، فقبل محمد قوله، وانصرف عن جستان الديلمي. وقصد بخاری، فلما بلغ مرو قيد بها، وذلك في شعبان سنة تسعين ومائتين . ثم
حمل إلى بخارى، فأدخلها على جمل وحُبس بها ومات بعد شهرين محبوساً .
وكان ابتداء أمره أنه كان خياطاً، ثم إنه جمع جمعاً من الرعاة، وأهل الفساد، فقطع الطريق بمفازة سرخس ،مدة، ثم استأمن إلى رافع بن هرثمة وبقي معه إلى أن هزم عمرو الصفار، فاستأمن إلى إسماعيل بن أحمد الساماني صاحب ما وراء النهر بعد قتل رافع، فسيره إسماعيل إلى قتال محمد بن ،زید على ما تقدم ذكره.
وقد ذكره الخوافي في شعره فقال :
كان ابن هارون خياطاً له ابن*** وراية سامها عشر بقيراط*** فانسل في الأرض يبغي الملك في عصب*** زط ونوب وأكراد وأنباط*** أنا ينال الثريا كف ملتزق*** بالترب عن ذروة العلياء هباط صبراً أميرك إسماعيل منتقم منه ومن كل غدار وخياط*** رأيت عيراً سما جهلاً على أسد*** يا عين ويحك ما أشقاك من شاطي
وفيها في ربيع الآخر : خلع على أبي العشائر أحمد بن نصر فولي طرسوس، وعزل عنها مظفر بن حاج لشكوى أهل الثغور منه .
وفيها في جمادى الأولى : هرب القائد أبو سعيد الخوارزمي الذي استأمن إلى الخليفة، وأخذ نحو طريق الموصل، فكتب إلى عبد الله المعروف بغلام نون بتكريت - وهو يتولى تلك النواحي - فعارضه عبد الله واجتمع به فخدعه أبو سعيد وقتله، وسار نحو شهرزور، واجتمع هو وابن الربيع الكردي ،وصاهره واجتمعا على عصيان الخليفة .
وفيها: أراد المكتفي البناء بسمراء ، وخرج إليها ومعه الصُنّاع، فقد روا له ما يحتاج إليه من
المال، وكان مالاً جليلاً، وطولوا له مدة الفراغ .
فعظم الوزير ذلك عليه، وصرفه إلى بغداد.
وحج بالناس هذه السنة : الفضل بن عبد الملك بن عبد الواحد بن عبدالله بن عبید الله بن عباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس.
وفيها: توفي محمد بن علي بن علوية بن عبد الله الفقيه الشافعي الجرجاني، وكان قد تفقه على المزني صاحب الشافعي وتوفي عبد الله بن أحمد بن حنبل في جمادى الآخرة، وكان مولده سنة ثلاث عشرة ومائتين.
.ولما توجه محمد بن سليمان مع جيوش المكتفي وتولى حرب صاحب الشامة والمكتفي بالرقة وكتب إليه بمناهضة صاحب الشامة بمن معه فنهض إليه .
فلما صار بينه وبين حماة اثني عشر ميلا (1)لقوا أصحاب القرمطي قدّم أصحابه وتخلف هو في جماعة لأجل حفظ مال كان جمعه وجعل سواده وراءه، فالتحمت الحرب بين العسكرين واشتدت فهزم أصحاب القرمطي، فقتلوا وأسر منهم خلق كثير ، وتفرق الباقون في البوادي، وتبعهم السلطان .
1) في الكامل : لست خلون من المحرم.
فلما رأى القرمطي هزيمة أصحابه حمل فيما قيل : أخا له يكنى أبا الفضل مالاً وتقدم إليه أن يلحق البوادي إلى أن يظهر في موضع فيسير إليه .
فركب هو وابن عمه المسمى المدثر والمطوّق، وصاحبه، وغلام له رومي، وأخذ دليلاً وسار يريد الكوفة عرضاً في البرية حتى انتهى إلى موضع يعرف بالدالية من أعمال الفرات، وقد نفذ ما كان معهم من الزاد، فوجه بعض من كان معه ليأخذ لهم بعض ما يحتاجون إليه .
فدخل الدالية المعروفة بدالية ابن طوق ليشتري ما يحتاج إليه، فانكر زيّه وسُئل عن أمره، فحمم واعلم المتولي مسلحة هذه الناحية، خبره، وكان يعرف بأبي حيرة خليفة ابن كشمرد عامل المكتفي بالرحبة وطريق الفرات فركب جماعة وسأل هذا الرجل عن خبره وهدده، فأخبره أن صاحب [الشامة ](1)خلف رابية هنالك في ثلاثة نفر.
فمضى إليهم، فأخذهم وسار بهم إلى صاحبه فوجه بهم ابن كشمرد إلى المكتفي بالرقة ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروا أكثر أولياء القرمطي واشياعه. وكتب محمد بن سليمان بالفتح وكان المباشر للحرب، وصاحب الظفر الحسين بن حمدان، وظفر محمد بن سليمان في كتاب الفتح وأثنى عليه وعلى أصحابه.
وأدخل(2)صاحب الشامة إلى الرقة ظاهراً للناس على فالج (3)، وعليه برنس حرير، ودراعة ديباج وبين يديه المدثر والمطوّق على جملين. ثم إن المكتفي خلف عساکره مع محمد بن سليمان و شخص هو في خاصته وغلمانه، وشخص معه القاسم بن عبيد الله من الرّقة إلى بغداد وحمل معه القرمطي والمدثر، والمطوق(4)، وحمل من أسر في الوقعة وذلك في أول صفر من هذه السنة.
وأراد المكتفي أن يدخل القرمطي إلى بغداد على دقل منصوب على ظهر الفيل، فلم يكن ذلك إلا بهدم طاقات الأبواب التي يجتاز بها الفيل مثل باب الطاق، وباب الرصافة فاستسمح الهدم، فعمل حينئذ كرسي نصب على ظهر الفيل وكان ارتفاع الكرسي ذراعين ونصفاً ودخل المكتفي بغداد وقدم الأسرى بين يديه على جمال مقيدين عليهم دراريع حریر و برانس حرير والمطوق وسطهم ما خرجت لحيته، وقد جعل في فيه خشبة مخروطة وشدت إلى قفاه كهيئة اللجام (5).
1) ما بين المعقوفين سقط من المخطوط وأكملته من الكامل.
2) في الكامل : وفي يوم الاثنين لأربع بقين من المحرم أدخل .
3) في الكامل : فالج هو الجمل ذو السنامتين.
4) في الكامل : وأدخل القرمطي بغداد على قيل.
5) الغرض من ذلك اسكاته ومنعه من قبيح القول لا نوعاً من التعذيب على الرغم مما فيه من التعذيب والامتهان .
وذلك أنه لما دخل الرقة [أخذ ](1)يشتم الناس إذا دعوا عليهم ويبصق عليهم [فخشي أن](2)يفعل ذلك بغداد.
ثم أمر المكتفي ببناء دكة في المصلى العتيق من الجانب الشرقي تكسيرها عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً، ارتفاعها نحو من عشرة أذرع وبنى لها درج يصعد إليها .
وكان محمد بن سليمان لما خلفه المكتفي بالرقة بلفظ من كان في تلك النواحي من قواد القرمطي وقضاته وأصحاب شرطه فأخذهم وقيدهم وانحدر مع من معه من الجيش إلى بغداد يتلقى محمد بن سليمان والدخول معه فدخل بغداد وبين يديه الأسرى حتى صار إلى الثريا فخلع عليه، وطوق بطوق من ذهب وخلع على جميع القواد وسوّروا.
ثم إن صاحب الشامة أخذ وهو في الحبس سكرجة عن المائدة التي تدخل إليه فكسرها
وأخذ شظية منها فقطع بها بعض عروقه من يد نفسه فخرج منه دم كثير، ثم شدّ يده .
فلما وقف المتولي لخدمته على ذلك منه سأله لما فعل ذلك؟
فقال : هاج بي الدم فأخرجته .
فنزل حتى صلح ورجعت إليه قوته، ثم أمر المكتفي القواد والغلمان بحضور الدكة التي أمر ببنائها .
وخرج من الناس خلق كثير لحضورها، فحصروها فحمل الأسرى، وقوم كانوا بغداد على رأي القرامطة وقوم من الدفوع من سائر البلدان من غير القرامطة، فجيء بهم على حمال ووكل بهم على كل رجل اثنان ويقال إنهم كانوا ثلثمائة وستين .
وجيء بالقرمطي الحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة وابن عمه المعروف بالمدثر على بغل عماريه وقد اسبل عليهما الغشاء ومعهما جماعة من الفرسان والرجالة فصعد بهما إلى الدكة وأقعد .
ثم قدموا (3)بين يديه فقطعت أيديهم وأرجلهم وضربت أعناقهم كان يؤخذ الواحد فيبطح على وجهه فيقطع يمني يديه ويحلّق [137/ب] بها إلى أسفل ليراها الناس، ثم رجله اليسرى ثم يده اليسرى، ثم رجله اليمنى، ويحلّق بها يقطع إلى أسفل، ثم يقعد فيمد رأسه فيضرب عنقه ویرمی رأسه وجثته، وكانت جماعة قليلة من الأسرى يصيحونويستغيثون ويزعمون أنهم ليسوا من القرامطة .
ثم قدم المدثر ففعل به كذلك (4).
ثم قدّم القرمطي فضرب مائتي سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه. وكوي(1)فغشي عليه، ثم أخذ خشب فاضرمت عليه النار ووضع (2)علی (3)خواصره وبطنه، فجعل یفتح عینیه، ثم یضمضها، فلما خافوا أن یموت ضربت عنقه. (4).
وانصرف القواد وأكثر النظارة، وأقام صاحب الشرطة إلى وقت العشاء الآخرة حتى ضرب أعناق باقي الأسرى ثم انصرف فلما كان الغد حملت الرؤوس إلى الجسر . بدر القرمطي هناك أعلى الجسر وحفرت للأجساد (5)والقتلى آبار إلى جانب الدكة فطرحت فيها وطمت ثم هدمت الدّكة عليها .
ثم استأمن قوم من القرامطة إلى القاسم بن سيما خوفاً من القاسم، فقتلوا واضربت(6)لهم الأرزاق .
فلما أمنوا هموا بالغدر فوضعت فيهم السيوف وقتلوا كلهم ثم نزلوا، وارتدع قوم من بني العليص ولزموا أرض السماوة مدة حتى راسلهم الخبيث زكرويه وأعلمهم أن مما أوحي إليه أن المعروف بالشيخ وأخوه يقتلان وأن أمامه الذي يوحى إليه يظهر بعدهما، ويظفر (7).
وفيها: خلع المكتفي على محمد (8)بن سليمان كاتب الجيش، وعلى جماعة من القواد منهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق وأبو الأغر خليفة بن المبارك وابن كيغلغ وغيرهم وأمرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن سليمان فخرجوا معسكرين نحو دمشق ومصر لقبض الأعمال من هارون بن خمارويه لما تبين من ضعفه وذهاب رجاله بقتل من قتل القرمطي .
وكان عدة [من](9)مع محمد بن سليمان لما رحل من باب الشماسية عشرة آلاف رجل (10)
وفيها : جاءت أخبار أن جُبَى وما يليها جاءها سيل فغرق نحو من ثلاثين فرسخاً، وغرق في ذلك خلق كثير، وغرقت المواشي ،والغلات وخربت القرى، وأخرج من الغرقى ألف ومائتا نفس سوى من لم يلحق منهم .
وفيها: خرجت الترك في خلق كثير لا يحصون إلى ما وراء النهر، وكان في عسكرهم سبعمائة قبة تركية ولا تكون إلا للرؤساء منهم، فوجه إليهم إسماعيل بن أحمد جيشاً كثيراً وتبعهم من المتطوعة خلق كثير فساروا نحو الترك، فوصلوا إليهم وهم ،غارون فكبسهم المسلمون مع الصبح فقتلوا منهم خلقاً عظيماً لا يحصون وانهزم الباقون، واستبيح عسكرهم، وعاد المسلمون سالمين غانمين .
وفيها : خرج من الروم عشرة صلبان مع كل صليب عشرة آلاف إلى الثغور فقصد جماعة منهم إلى الحدث، فأغاروا وسبوا وأحرقوا.
وفيها: سار المعروف بغلام زرافة من طرسوس نحو بلاد الروم، ففتح مدينة انطاكية وهي القسطنطينية، ففتحها بالسيف عنوة، فقتل خمسة آلاف ،رجل، وأسر مثلهم واستنقذ من الأساری خمسة آلاف وأخذ لهم ستين مركباً، فحمل فيها ما غنم لهم من الأموال والمتاع والرقيق.
وقدر نصيب كل رجل ألف دينار وهذه المدينة على ساحل البحر، فاستبشر المسلمون بذلك. وحج بالناس : الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس .
وفيها : توفي القاسم بن عبد الله وزير الخليفة في ذي القعدة وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوم يوماً .
ولما مات قال ابن سيار :
أمات ليحيا فما أن حيى وأفنى ليبقى فما أن بقى
وما زال في كل يوم يرى*** إمارة حتف وشيك وحى*** وما زال يسلح من دبره*** إلى أن خرى النفس فيما خرى
وفيها: مات أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الرحمن الماستواي الفقيه بنيسابور . ومحمد بن محمد الجزوعي قاضي الموصل ببغداد .
وفيها: توفي أبو العباس أحمد بن يحيى الشيباني النحوي، وكان عالماً بنحو الكوفيين وكان موته ببغداد .
.1) في المخطوط: لوى والتصويب من الكامل.
2) فى المخطوط: المخطوط وقع والتصويب من الكامل.
3) في المخطوط : في . والتصويب من الكامل .
4) بعد هذا في الكامل : ورفعوا رأسه على خشبة فكبر الناس لذلك، ونصب على الجسر.
5) فى المخطوط: الأجساد. وهو تحريف.
6) في المخطوط: اضرمت وهو تحريف .
7) بنحو مما هنا ذكر هذا الخبر أيضاً في الكامل.
8) في المخطوط : علي بن محمد بن سليمان ولفظ «ابن» الأولى بين علي ومحمد زائدة فحذفتها.
9) زيادة يتطلبها السياق .
10) وذكر ابن الأثير عدة من الأحداث أخرى في هذه السنة هي قوله :
المحرم منها : سار محمد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن خمارویه (1)
وسبب ذلك : أن محمد بن سليمان لما تخلف عن المكتفي، وعاد عن محاربة القرامطة واستقصى محمد في طلبهم .
فلما بلغ ما أراد عزم على العود إلى العراق فأتاه كتاب بدر الحمامي غلام ابن طولون وكتاب فائق - وهما بدمشق - يدعوانه إلى قصد البلاد بالعساكر ويساعدانه على أخذها .
فلما عاد إلى بغداد أنهى ذلك إلى المكتفي، فأمره بالعود وسير معه الجنود والأموال.
.ووجه المكتفي دميانه من بغداد وأمره بركوب البحر والمضي إلى مصر، ودخول النيل، وقطع الموادعين بمصر.
ففعل ذلك وضيق عليهم.
1) قال صاحب الكامل في هذا الخبر :
وزحف محمد بن سليمان إليهم في الجيوش على الظهر حتى دنا من الفسطاط، وكاتب القواد الذين بها .
فكان أول من خرج بدر الحمامي، وكان رئيس القوم، فسكرهم ذلك .
ثم تتابع من يستأمن إليه من القواد المصريين فلما رأى ذلك هارون [خرج في](1)بقية من معه زحفوا إلى محمد بن سليمان، فكانت بينهم وقعات .
ثم وقع من أصحاب هارون عصبة فاقتتلوا وخرج هارون، يسكنهم (2)فرماه (3)واحد بزانة(4)فقتله(5)
فلما قتل قام عمه شيبان بالأمر من بعده وبذل المال للجند، فأطاعوه وقاتلوا معه فأتتهم كتب بدر يدعوهم إلى الأمان، فأجابوه إلى ذلك.
فلما علم محمد بن سليمان بالخبر سار إلى مصر، فأرسل إليه شيبان يطلب الأمان فأجابه، فخرج إليه ليلاً، ولم يعلم به أحد من الجند، فلما أصبحوا قصدوا داره ولم يجدوه فبقوا حيارى . ولما وصل محمد مصر دخلها واستولى على دور آل طولون وأموالهم، وأخذهم جميعاً، وهم بضعة عشر رجلاً فقيدهم وحبسهم واستقصى أموالهم .
وكان ذلك في صفر :
وكتب بالفتح إلى المكتفي، فأمره بأشخاص آل طولون وأسبابهم من مصر والشام إلى بغداد، ولا يترك منهم أحداً، ففعل ذلك .
.وبلغ الخبر محمد بن سلیمان فدخل بمن معه الفسطاط واحتوى على آل طولون وأسبابهم ولم ينزل أحداً منهم بمصر ولا الشام. ففعل (6).
ثم إن قائداً من قواد مصر يعرف بالخلنجي تخلف عن محمد بن سليمان في آخر حدود مصر واستمال جماعة من الجند وعاد إلى مصر وحشر في طريقه جماعة من محبی الفتنة حتى كثر جمعه وواقع عامل السلطان بها وهو عيسى النوشري، فانحاز عنه ، وأخلى مصر فدخلها الخلنجي.
فندب السلطان لمحاربة الخلنجي فاتكاً مولى المعتضد وضم إليه بدر الحمامي وجعله مشيراً عليه يعمل به وضم إليه قواداً وجنداً كثيراً، وأمر بسرعة المسير (7)
فساروا في شوال نحو مصر .
ثم ذكر ابن الأثير عدداً من الحوادث في تلك السنة فقال : وفيها : أخذ بالبصرة رجل ذكروا أنه أراد الخروج، وأخذ معه ولده، وتسعة وثلاثون رجلاً،
وحملوا إلى بغداد فكانوا يبكون ويستغيثون، ويحلفون أنهم براء.
فأمر بهم المقتفي فحبسوا .
وفيها ؛ أغار أنذرونقس الرومي على مرعش ونواحيها، ونفر أهل المصيصة، وأهل طرسوس، فأصيب أبو الرجال بن أبي بكار في جماعة من المسلمين.
فعزل الخليفة أبا العشائر عن الثغور واستعمل عليهم رستم بن بردو .
وفيها : كان الفداء على يد رستم فكان جملة من فودي به من المسلمين ألف نفس ومائتي نفس.
وحج بالناس : الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن عباس بن محمد .
وفيها زادت دجلة زيادة مفرطة حتى تهدمت الدور التي على شاطئها بالعراق .
وفیها: العشرين من أيار طلع كوكب له ذَنَب عظيم جداً في برج الجزواء.
وفيها : وقع الحريق ببغداد بباب الطلق من الجانب الشرقي إلى طرق الصَّفارين فاحترق ألف دكان مملوءة متاعاً للتجار .
وفيها: توفي أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي، ويقال : الكشي. وفيها : توفي القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز أبو حازم قاضي المعتضد بالله ببغداد، وكان من أفاضل القضاة .
.1) زيادة من الكامل .
2) في المخطوط : فسكنهم والتصويب من الكامل.
3) في المخطوط فرمان والتصويب من الكامل.
4) في الكامل فرماه واحد من المغاربة بمزراق.
5) بعدها في الكامل :
6) هذه الكلمة تبين أنه قد حدث هنا سقط بالمخطوط، وقد ذكرت ما سقط بالهامش فيما ذكره ابن الأثير من تفاصيل الأحداث .
7) الخبر في الكامل بنحوه وبعده:
وفيها: ورد الخبر بأن الخلنجي المتغلب على مصر، واقع كيغلغ وجماعة من القواد بمصر من العريش فهزمهم أقبح هزيمة (1)
وفي هذه السنة في صفر وصل عسكر المكتفي إلى نواحي مصر، وتقدم أحمد بن كيغلغ في جماعة من القواد فلقيهم الخلنجي بالقرب من العريش فهزمهم أقبح هزيمة .
فندب جماعة من القواد إليهم ببغداد ، وفيهم إبراهيم بن كيغلغ ، فخرجوا في ربيع الأول فساروا نحو مصر، واتصلت الأخبار بقوة الخلنجي، فبرز المكتفي إلى باب الشماسية ليسير إلى مصر في رجب .
فوصل إليه كتاب فاتك في شعبان يذكر أنه والقواد رجعوا إلى الخلنجي، وكانت بينهم حروب كثيرة، قتل بينهم فيها خلق كثير ، وأن آخر حرب كانت بينهم قتل فيها معظم أصحاب الخليجي، وانهزم الباقون، وظفروا بهم وغنموا عسكرهم وهرب الخلنجي، فدخل فسطاط ،مصر، فاستتر بها عند رجل من أهل البلد، فدخلنا المدينة، فدلونا عليه فأخذناه، ومن استتر عنده وهم في الحبس.
فكتب المكتفي إلى فاتك في حمل الخلنجي ومن معه إلى بغداد.
وعاد المكتفي، فدخل بغداد وأمر برد خزائنه، وكانت قد بلغت تكريت فوجه فاتك الخلنجي إلى بغداد فدخلها هو ومن معه في شهر رمضان، فأمر المكتفي بحبسهم .
.وفيها: ورد بغداد قائد من أصحاب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث الصفار يعرف مستأمناً یعرف بأبي القابوس مفارقاً عسكر البحرية مع جماعة كثيرة من أصحابه .
ذكر السبب في ذلك
كان السبب في ذلك أن طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث تشاغل باللهو والصيد ومضى إلى سجستان للصيد والنزهة فاستولى على فارس الليث بن علي بن
1) كذا ورد الخبر بالكتاب وذكر تفصيله صاحب الكامل فقال :
الليث ، وسبكري (1)مولى عمرو بن الليث يدبر الأمور والاسم لطاهر.
فوقع بينهما وبين أبي قابوس خلاف فسار إلى بغداد (2)، فقبله [الخليفة](3)وخلع عليه وعلى جماعة معه وأكرمه وكتب طاهر إلى السلطان يسأله ردّ أبي قابوس إليه، ويذكر أنه استكفاه بعض أعمال ،فارس، وأنه جبی المال .
فخرج معه وتسلمه إن لم يرد إليه أن يحتسب له بما ذهب به من مال فارس مما صورد علیه.
فلم يجبه السلطان إلى شيء من ذلك .
وفيها ظهر أخ للحسين بن زكروية، صاحب الشامة من طريق الفرات، واجتمع إليه نفر من الأعراب .
فسار إلى ناحية دمشق على طريق البر فغاب وسلك سبيل أخيه (4)
فيها أنفذ زكرويه بن مهرويه، بعد أن قتل صاحب الشامة رجلاً كان يعلم الصبيان بالزَّابُوقة من الفلوجة يسمى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غانم فسمي نصراً .
وقيل : كان المنفذ ابن زكرويه فدار على أحياء العرب من كلب وغيرها، يدعوهم إلى رأيه، فلم يقبله منهم أحد إلا رجل من بني زياد يسمى مقدام بن الكيال واستغوى طوائف من الأصبغيين، المنتمين إلى الفواطم وغيرهم من العليصيين وصعاليق من سائر بطون كلب فقصد ناحية الشام والعامل بدمشق والأردن أحمد بن كيغلغ وهو بمصر يحارب الخلنجي.
فاغتنم ذلك ذلك عبد الله بن سعيد، فسار إلى بصرى وأذرعات والبثنية، فحارب أهلها ثم أمنهم، فلما استسلموا إليه قتل مقاتلهم وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم .
ثم قصد دمشق، فخرج إليهم نائب ابن كيغلغ وهو صالح بن الفضل فهزمه القرامطة، وأثخنوا فيهم ، ثم ،أمنوهم، وغدروهم بالأمان، وقتلوا صالحاً، وفضوا عسكره، وساروا إلى دمشق فمنعهم أهلها، فقصدوا طبرية، وانضاف إليه جماعة من جند دمشق افتتنوا به فواقعهم يوسف بن إبراهيم بن بغامردي وهو خليفة أحمد بن كيغلغ بالأردن، فهزموه وبذلوا له الأمان، وغدروا به وقتلوه ونهبوا ،طبرية وقتلوا خلقاً كثيراً من أهلها وسبوا النساء. فأنفذ الخليفة الحسين بن حمدان وجماعة من القواد . . .
.فندب للخروج إليه الحسين بن حمدان فخرج إليه في جماعة من الجند .
ثم ورد الخبر بمسير هذا القرمطي إلى طبرية، وأن أهلها امتنعوا عليه، فحاربهم، فقتل عامة من بها من الرجال والنساء (5)، ونهبها . وكان له (6)داعية بنواحي اليمن فسار إلى مدينة صنعاء فحاربه أهلها وظفر بهم وقتلهم ولم يفلت منهم إلا القليل، وتغلب
على سائر مدن اليمن (1). ثم إن زكرويه بن مهرويه بعدما قتل ابنه صاحب الشامة أنفذ صاحباً له معلماً كان يُعلم الصبيان، يُسمى(2)عبد بن سعيد ويكنى أبا غانم فسمّى (3)نصرا آخي (4)أمره، فاستغوى طائفة من بطون كلب وقوم من بني العليص فقصد [138 / أ] وأحمد بن كيغلغ يحارب ابن الخلنجي الذي ذكرنا أمره.
فاغتنم ذلك عبد الله وسار إلى مدينتي بصرى وأذرعات من كور حوران والسند فحارب أهلها ثم أمَّنْهُم .
فلما استسلموا إليه قتل مقاتليهم وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم .
فقصدوا طبرية، فواقعهم عامل أحمد بن كيغلغ فسكروه، ثم بدلوا الأمان فلما سكن(5)
ألا أيها البرق الذي بات يرتقي*** ويجلو دجى الظلماء ذكرتني نجدا وهيجتني من أذرعات وما أرى بنجد على ذي حاجة طربا بعداً*** ألم تر أن الليل يقصر طوله*** بنجد وتزداد الرياح به بردا
إليهم غدروا به وانتهبوا مدينة الأردن وسبوا النساء والصبيان وقتلوا الرجال.واتصل بهم سير الحسين بن أحمد ،نحوهم فخرجوا نحو السماوة وتبعهم الحسين في توبة السماواة، وهم ينتقلون من ماء إلى ماء ويغو ورونه حتى انقطع الحسين عن اتباعهم لعدم الماء، فعادوا إلى الرحبة (6).
وقال أبو بكر سميت هيت لأنها في هوة من الأرض، والأصل فيها هَوْت فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها وهذا مذهب أهل اللغة والنحو .
وذكر أهل الأثر أنها سميت باسم بانيها وهو هيت بن السبندي ويقال : البلندي بن مالك بن دغر بن بويب بن عنقا بن مدين بن إبراهيم عليه السلام.
وانتهب ربضها وقتلت واحترقت وانتهبت السفن1) زاد صاحب الكامل في هذا الخبر فقال : ثم اجتمع أهل صنعاء وغيرها فحاربوا الداعية فهزموه فانحاز إلى موضع من نواحي اليمن. وبلغ الخبر الخليفة فخلع على المظفر بن الحاج في شوال وسَيَّره إلى عمل باليمن وأقام بها إلى أن مات .
2) في المخطوط فسمى. وهو تحريف والتصويب من الكامل.
3) في المخطوط يسمى والتصويب من الكامل.
4) في المخطوط أخي . وهو تحريف.
5) قال ياقوت : أذريعات : بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان ينسب إليه الخمر . وقال الحافظ أبو القاسم : أذرعات مدينة بالبقاء. وقد ذكرتها العرب في أشعارها لأنها لم تزل من بلادها في الإسلام وقبله، قال بعض الأعراب :
6) في الكامل وهم ينتقلون في المياه يغورونها حتى لجأوا إلى مائين يعرف أحدهما بالدمعانة ، والآخر بالحبالة وانقطع ابن حمدان عنهم لعدم الماء وعاد إلى الرحبة.
7) فى المخطوط أسر والتصويب من الكامل.
8) قال ياقوت في معجم البلدان قال ابن السكيت سميت هيتُ هيت لأنها هوّة من الأرض انقلبتالواو ياء لانكسار ما قبلها .
التي في الفرات، وأوقرت ثلاثة آلاف راحلة كانت معها زهاء مائتي كرّ حنطة ومن البر والقطر والسفط جميع ما احتاجوا إليه، وأقاموا بها يومين ثم رحلوا عنها، وإنما أصابوا ما أصابوا من الربض وتحصن منهم أهل المدينة بسورها .
وندب لهم محمد بن إسحاق بن كنداجيق ثم اتبع بمؤنس الخازن .
فهرب القرامطة وكتب إلى الحسين بن حمدان من ناحية الرحبة ليجتمع هو وابني كندا جيق على الإيقاع بهم .
فلما أحس الكلبيون بالجند قد قصدوهم ائتمروا بينهم، فوثبوا على المسمى: نصراً وقتلوه، وتقربوا إلى السلطان - ورئيسهم رجل يعرف بالذئب [بن القائم](1)فأثبت له الجائزة وكفّ عن الطلب قومه فمكث أياماً ثم هرب. فكتب السلطان إلى الحسين بن حمدان في معاودتهم ، واجتثاث (2)أصولهم(3).
فبعث إليهم زكرويه داعية لهم (4)يعلمهم أن الذئب قد نفره عنهم، وثقل قلبه عليهم، وأنهم قد ارتدوا عن الدين وأن وقت ظهورهم قد حضر، وقد بايع له بالكوفة أربعون ألفاً، وأن يوم (5)موعدهم اليوم الذي ذكره الله تعالى، وهو يوم الزينة.
وأن زكرويه يأمرهم أن يخفوا أمرهم ويظهروا (6)الانقلاع نحو الشام، ثم يسيروا إلى الكوفة حتى يصبحوها يوم النحر فإنهم لا يمنعون منها (7)
ويأمرهم أن يخفوا أمرهم وأن يسيروا حتى يصبحوا الكوفة يوم النحر سنة ثلاث وتسعين ومائتين فإنهم لا يمنعون منها .
.وأنه يظهر لهم وينجز وعده الذي رسله كانت تأتيهم به وأن يحملوا داعيتهم وهو القاسم بن أحمد معهم .
وامتثلوا ،أمره ووافوا باب الكوفة، وقد انصرف الناس عن مصلاهم.
وكان إسحاق بن عمران عامل السلطان بها، فأوقعوا بمن لحقوه وسلبوهم، وبادر
1) زيادة من الكامل.
2) في المخطوط اجتناب والتصويب من الكامل.
3) في المخطوط : أحوالهم والتصويب من الكامل.
4) في الكامل اسمه القاسم بن أحمد ويعرف بأبي محمد .
5) في المخطوط: يوماً. وهو تحريف.
6) في المخطوط : طهروا وهو تحريف.
7) في الكامل على النحو التالي : وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفاً، وأن يوم موعدهم الذي ذكره الله شان موسى صلى الله عليه وسلم وعده فرعون إذ يقول :( قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضحی)[طه:59].
الناس إلى الكوفة وتبادروا السلاح (1)
فأظهروا الأعلام البيض وأرادوا استمالة رعاع الناس بالكوفة بذلك ، فلم يمل إليهم أحد. فأوقع القرامطة بمن لحقوه من أهل الكوفة، وقتلوا نحواً من عشرين نفساً .
.ونهض إسحاق بن عمران في أصحابه، فدخل مدينة الكوفة من القرامطة نحواً من مائة فارس من الباب المعروف بباب كندة .
و اجتمعت العوام وأصحاب السلطان فرموهم بالحجارة، وألقوا عليهم الستر فقتل منهم جماعة، وأخرجوهم من المدينة بالتمارس فلم تزل (2)الحرب قائمة إلى العصر، وانهزمت القرامطة، وأصلح أهل الكوفة السور والخندق، وكتب إسحاق يستمد السلطان، فأمده بجماعة من القواد فيهم وصيف بن صوارتكين (3)[التركي](4)، والفضل بن موسى بن بغا الصفواني وجماعة ،أمثالهم فشخصوا إلى زكرويه وخلّفوا إسحاق بن عمران بالكوفة لضبطها .
وساروا إلى قريب من القادسية إلى موضع يعرف بالصوان وهو في العرض، فلقيهم زكرويه قد كمن كميناً، فخرج الكمين عليهم فهزم أصحاب السلطان أقبح هزيمة، ووضع القرمطي فيهم السيف فقتلوهم كيف شاؤوا وصبر جماعة من غلمان الحجرية (5)
وكان زكرويه إذا خاف الطلب جعل تنوراً هنالك على باب الجب وقامت امرأة تسجره فلا يفطن إليه، وكان ربما أخفى في بيت خلف الدار التي كان بها ساكناً فإذا انفتح باب الدار انطبق على باب البيت فيدخل الداخل فلا يرى شيئاً . فلما استخرجوه حملوه على أيديهم وسموه ولي الله .
فقتلوا عن آخرهم بعدما أنكوا في القرامطة نكاية عظيمة.وأخذ السلطان من الجمازات التي عليها السلاح والآلة ثلاثمائة جمازة ومن البغال خمسمائة بغل وقتل من أصحاب السلطان نحو ألفي رجل فقوى القرمطي .
ثم تطرق البيادر فأخذ من الغلات ما حملت البغال .
ووافهم قوم من العرب بباب الكوفة فدخلوا أبياتها وكانوا ضربوا على الداعية
1) في الكامل : فامتثلوا رأيه ووافوا باب الكوفة وقد انصرف الناس عن مصلاهم وعاملهم إسحاق بن عمران ووصلوا في ثمانمائة فارس عليهم الدروع والجواشن والآلات الحسنة وقد ضربوا على القاسم بن أحمد قبة وقالوا هذا أثر رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، ودعوا يا لثارات الحسين - يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب ببغداد - وشعارهم يا أحمد يا محمد يعنون ابني زكرويه المقتولين .
2) في المخطوط : يرل. وهو تحريف .
3) في المخطوط صوانكى والتصويب من الكامل.
4) زيادة من الكامل .
5) في المخطوط : الحجر والتصويب من الكامل، ثم قال بعدها إتماماً للخبر . وأما القرامطة فإنهم أنفذوا واستخرجوا زكرويه من جب في الأرض كان منقطعاً فيه سنين كثيرة بقرية الدرية، وكان على الجب باب حديد محكم العمل .
الذي يقال له القاسم بن أحمد فيه ودعوا يا لثارات الحسين - يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب - وشعارهم يا أحمد يا محمد - يعنون ابني زكريا المقتولين.
وأظهروا أعلاماً بيضاً وقدروا أنهم يُسْتَتبَعُون الرعاع بالكوفة، فلما أظهروه أسرع إسحاق بن عمران ومن معه نحوهم فدفعهم وقتل من ثبت له منهم، وعاونه أهل البلد، فانصرف عنهم القرامطة وما تمت حيلتهم .
وكان زكرويه قد ظهر في قرية الصفوان ينقلونه على أيديهم ويسمونه ولي الله، فلما رأوه سجدوا له (1).
فقال لهم : إن القاسم بن أحمد أعظم الناس مِنّة عليكم فإنه ردكم إلى الدين بعد خروجكم، وتقدم إليهم أن يمتثلوا أمره فإنه حينئذ ينجز ما وعدهم ويبلغهم آمالهم (2)وتلا عليهم آيات من القرآن رمزها لهم فاعترفوا به وقویت قلوبهم، وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل(3).
وسار بهم وهو محجوب عنهم يدعونه السيد ولا يبرزونه لمن في عسكره والقاسم يتولى الأمر دونه يمضيها على رأيه .
وكان عنده أهل الكوفة وسوادها يخرجون إليه، فأعلم أصحابه بذلك .
وأقام نيفاً وعشرين يوماً ينتظر أهل السواد فلم يلحق به إلا خمسمائة ومن لحقته الشهوة بنسائهم وأولادهم.
وسَرّب إليه السلطان الجنود وتسرع إليه جماعة من القواد منهم جني الصفواني، وبشر الأفشيني، ورائق (4)[الخزري مولى](5)أمير المؤمنين، والحجرية والغلمان فأوقعوا بالقرامطة، وقتلوا جماعة من فرسانهم ورجالهم فانهزموا دخلوا البيوت، وتشاغلوا فعطف القرامطة عليهم فهزموهم وأعظم [138 / ب] الناس ما جرى على أصحاب السلطان بالصوان وغيرها.
وأهمّ السلطان أمر ابن الخلنجي، فأمر المكتفي بإخراج مضاربه إلى باب الشماسية
1) بعدها في الكامل : وحضر معه جماعة من دعاته وخاصته.
2) العبارة في المخطوط على النحو التالي : حينئذ يحرموا عنده وبلغهم آمالهم والتصويب على ضوء ما في الكامل .
3) العبارة في الكامل على النحو التالي: ورمز لهم رموزاً ذكر فيها آيات من القرآن نقلها عن الوجه الذي أنزلت فيه فاعترف له من رسخ حُبّ الكفر في قلبه أنه رئيسهم وكهفهم، وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل، وسار بهم وهو محجوب ...
4) في المخطوط ورانلومى والتصويب من الكامل.
5) زيادة من الكامل.
ووردت خريطة من قبل فاتك [في شعبان يذكر أنه والقواد رجعوا إلى](1)ابن الخلنجي فكانت بينهم وقعات وحروب كثيرة قتل فيها بينهم خلق كثير ](2). وفي آخرها هزم الخلنجي وقتل أصحابه وأنه هرب إلى مصر، ودخل الفسطاط، فاستتر بها عند رجل من أهل البلد .
واستثاروه(3)وجميع من كان في البلد فكتب إلى فاتك بحمل ابن الخلنجي ومن أسر معه إلى بغداد.
وردت مضارب المكتفي إلى بغداد فحمل ابن الخلنجي إلى بغداد مع إحدى وعشرين رجلاً مطي الجمال مشهرين ببرانس و دراريع حرير (4).وخلع المكتفي على وزيره العباس بن الحسن خلعاً لحسن تدبيره في هذا الفتح .
ثم حمل رأس القرمطي نصر الذي انتهب هيت على قناة وطيف به في الجانبین (5)
فسار إليها فقدمها أول المحرم ، فأقام بها يومه وخرج من الغد لعرض الرجال الذين قدموا معه كثيراً .
والذين بالموصل فأتاه الصريخ من نينوى بأن الأكراد الهذبانية ومقدمهم محمد بن بلال قد أغاروا على البلد وغنموا منه، فسار من وقته وعبر الجسر إلى الجانب الشرقي، فلحق الأكراد بالمعروبة على الخازر، فقاتلوه فقتل رجل من أصحاب اسمه سيما الحمداني فعاد عنهم. وكتب إلى الخليفة يستدعى النجدة، فأتته النجدة بعد شهور كثيرة .
وقد انقضت سنة ثلاث وتسعين ودخلت سنة أربع وتسعين ففي ربيع الأول منها ذكرت هذه الأحداث على الرغم من تصريحه بأنها كانت في سنة أربع وتسعين لكونه لم يذكرها في أحداث السنة المذكورة سار فيمن معه إلى الهذبانية وكانوا قد اجتمعوا في خمسة آلاف بيت، فلما رأوا جده في طلبهم ساروا إلى البابة التي في جبل السلق وهو مضيق في جبل عال مشرف على شهرزور فامتنعوا .
وغار مقدمهم محمد بن بلال وقرب من ابن حمدان وراسله في أن يطيعه ويحضر هو وأولاده ويجعلهم عنده يكونون رهينة ويتركون الفساد، فقبل ابن حمدان ذلك . فرجع محمد ليأتي بمن ذُكِرَ، فحثَّ أصحابه على المسير نحو أذربيجان وإنما أراد في الذي فعله مع ابن حمدان أن يترك الجد فى الطلب ليأخذ أصحابه أهبتهم ويسيرون آمنين.
فلما تأخر عوده محمد عن ابن حمدان عَلِمَ ،مراده، فجرَّدَ معه جماعة من جملتهم إخوته سليمان، وداود، وسعيد وغيرهم ممن يثق به وبشجاعته، وأمر النجدة التي جاءت من الخليقة أن يسيروا معه فتثبطوا فتركهم وسار يقفو أثرهم فلحقهم، وقد تعلقوا بالجبل المعروف بالقنديل فقتل منهم جماعة وصعدوا ذروة الجبل .
وانصرف ابن حمدان عنهم ولحق الأكراد بأذربيجان وأنهى ابن حمدان ما كان من حالهم إلى الخليفة والوزير، فأنجدوه بجماعة صالحة .
وعاد إلى الموصل فجمع رجاله وسار إلى جبل السلق وفيه محمد بن بلال ومعه الأكراد فدخله ابن حمدان والجواسيس بين يديه خوفاً من كمين يكون فيه، وتقدم من بين يدي أصحابه وهم يتبعونه، فلم يتخلف منهم أحد، وجاوزوا الجبل وقاربوا الأكراد وسقط عليهم الثلج، واشتد البرد وقلت الميرة والعلف عندهم وأقام على ذلك عشرة أيام.
وبلغ حمل التبن ثلاثين درهماً، ثم عدم عندهم وهو صابر . فلما رأى الأكراد صبرهم، وأنهم لا حيلة لهم في دفعهم لجأ محمد بن بلال وأولاده ومن لحق به واستولى ابن حمدان على بيوتهم وسوارهم ، وأهلهم وأموالهم، وطلبوا الأمان فأمنهم وأبقى عليهم وردهم إلى بلدٍ ،حرة، ورد عليهم أموالهم وأهليهم، ولم يقتل منهم غير رجل واحد، وهو الذي قتل صاحبه سيما الحمداني.
وأمنت البلاد معه، وأحسن السيرة في أهلها .
ثم إن محمد بن بلال طلب الأمان من ابن حمدان، فأمنه وحضر عنده وأقام بالموصل. وتتابع الأكراد الحميدية وأهل جبل داسن إليه بالأمان فأمنت البلاد واستقامت .
وفيها : أغارت الروم على قورس من أعمال حلب فقاتلهم أهلها قتالاً شديداً ثم انهزموا وقتلوا أكثرهم وقتلوا رؤساء بني تميم.
ودخل الروم قورس فأحرقوا جامعها وساقوا من بقي من أهلها.
وفيها : افتتح إسماعيل بن أحمد الساماني ملك ما وراء النهر مواضع من بلاد الترك ومن بلاد الديلم.
وحج بالناس : محمد بن عبد الملك الهاشمي .
وفيها توفي نصر بن أحمد الحافظ في رمضان، وأبو العباس عبد الله بن محمد الشاشاني الشاعر الكاتب الأنباري .
.1) في المخطوط من قبل فاتك يذكر أنهم إلى ابن الخلنجي. فأضفت ما سقط، وضبت العبارة وجعلتها بين معقوفين.
2) زيادة من الكامل.
3) ربما كانت الكلمة فأسروه فحرفت، وفي الكامل فأخذناه ومن استتر عنده .
4) في الكامل في شهر رمضان، فأمر المكتفي بحبسهم .
5) هذا ما ذكره ابن مسكويه في أحداث تلك السنة، وزاد عليه ابن الأثير في أحداثها أحداثاً فقال في هذه السنة : ولي المكتفي بالله الموصل وأعمالها أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي العدوي.
وفيها (1): ورد الخبر أن زكرويه بن مهرويه القرمطي ارتحل من موضعه (2)يريد الحاج.
فذكر أنه مضى في البر من جهة الشرق قريباً من الواصقة، ووافت القافلة لسبعخلون من المحرم.
فأنذرهم (3)أهل المنزل وأخبروهم أن بينهم وبين القوم أربعة ليال.
فلم يقيموا وارتحلوا، فخفوا وأمضت القافلة في السير .
وسار القرمطي إلى واقصة فسألهم (4)عن القافلة، فأخبروه أنها لم تقم بواقصة،
فاتهمهم بإنذارهم فقتل من العلافين بها جماعة، وأحرق العلف.
وتحصن أهلها في حصنهم، ثم ارتحل نحو زُبالة وسارت العساكر في طلب زكرويه مدة ثم انصرف عنه وعن زكرويه في طريقه بطوائف من بني أسد، فأخذها معه وقصد الحاج المنصرفين عن مكة وقصد الجادة، ثم اعترضهم يوم الأحد لإحدی عشره خلت من المحرم من هذه السنة بالعقبة من طريق مكة، فحاربوه حرباً شديداً.
فسألهم : أفيكم السلطان؟
قالوا: نعم معنا سلطان، ونحن الحاج.
فقال لهم : فامضوا فلست أريدكم .
فلما سارت القافلة تبعها، فأوقع بهم وجعل أصحابه ينخئون الجمال بالرماح ويعجرونها بالسيوف فتعرن فاختلطت القافلة، فأكب أصحاب زكرويه على الحاج فقتلوهم كيف شاؤوا فقتلوا الرجال والنساء وسبوا من النساء من أرادوا واحتووا على هذه القافلة علان بن كشمرد وكان في
قطعة من القافلة، وقد كان لقي من أفلت من فرسان جيش السلطان أنفذ لقصد القرامطة .
فسألهم عن الخبر فأعلموه ما نزل بقافلة الخراسانية، وقالوا: ما بينك وبين القوم إلا قليل والليلة أو في غد وافى القافلة الثانية، فإن رأوا علماً للسلطان قويت نفوسهم فالله الله فيهم.
فرجع علان من ساعته وأمر من معه بالرجوع وقال : لا أعرض أصحابالسلطان للقتل.
ثم أصعد زكرويه، ووافته القافلة الثانية والثالثة ومن كان فيها من القواد والكتاب مع جماعة من الرسل فتنكبوا طريق الجادة وكتبوا بخبر الفاسق وفعله بالحجاج، ويعلمهم بالتحرز منه والعدول عن الجادة نحو واسط، والبصرة أو الرجوع إلى فَيْد والمدينة، أو أن يلحق بهم الجيوش.
ووصلت الكتب إليهم، فلم يسمعوا ولم يلبثوا وتقدم أهل القافلة الثانية، وفيها المبارك التميمي وأحمد بن نصر العقيلي، فوافوا الفجرة وقد رحلوا عن الواقصة وغوروا مياهها وملأوا بركها وآبارها بجيف الإبل والدواب التي كانت معهم مشققة بطونها (1)
وأقام بالهبيرة ينتظر القافلة الثالثة، فساروا فصادفوه هناك فقاتلهم زكرويه ثلاثة أيام، وهم على غير ماء، فاستسلموا لشدة العطش، فوضع فيهم السيف وقتلهم عن آخرهم، وجمع القتلى كالتل.
.1) وأتم ابن الأثير فقال والحجارة والتراب بواقصة والثعلبية، والعقبة وغيرها من المناهل في جميع طريقهم .
وورد منزل العقبة لاثنتي عشرة خلت من ..المحرم فحاربهم أهل القافلة وكان أبو العشائر مع أصحابه في أول القافلة.
ومبارك القمي فيمن معه في ساقتها.
فجرت بينهم حرب شديدة حتى كشفوهم وأشرفوا على الظفر، فوجد الفجرة من ساقتهم غرة فركبوهم من جهتها، ووضعوا رماحهم في جنوب إبلهم وبطونها فحطمتهم(1)الإبل، فتمكنوا منهم ووضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم إلا من استبدوه .
ثم أنفذوا إلى ما دون العقبة فوارس لحقوا من كان أفلت من السيف فأعطوهم الأمان فرجعوا فقتلوهم عن آخرهم.
وسبوا من اختاروا من النساء، وحملوا الأموال والأمتعة وقتلوا مبارك القمي والمظفر ابنه وأسروا أبا العشائر .
وجمع القتلى، فوضع بعضهم على بعض حتى صاروا كالتل العظيمة . ثم قطعت يدا أبا العشائر ورجلاه وضربت عنقه وأطلقوا من النساء من لم يرغبوا فيها (2).
وأفلت من الجرحي قوم، ووقعوا بين القتلى فتحاملوا في الليل ومضوا فمنهم من مات في الطريق، ومنهم من نجا وهم قليل .
وكانت نساء القرامطة مع صبيانهن يطفن [بالماء] (3)في القتلى فمن كلمهن(4)منهم أجهزن (5)عليه.
وكان في القافلة زهاء عشرين ألف رجل قتل جميعهم غير نفر يسير، ممن قوي على العدو بغير زاد .
ومن وقع في القتلى وهو جريح، فأفلت يعدو، ومن استعبدوه لخدمتهم.
وكانت كتب النصرانيين بالعراق ترد أنهم يستعتبون وذاك أن طولون والقواد والمصريين الذين شخصوا إلى مدينة السلام ومن كان في مثل حالهم قد وجهوا في حمل ما لهم من مصر إلى مدينة السلام، وقد سبكوا أواني الفضة والذهب والحلي قفازاً وحمل إلى مكة ليوافوا مدينة السلام مع الحاج .
فحمل إلى القوافل الشاخصة إلى بغداد، فذهب ذلك كله.
ولما فرغ القرمطي من الحاج وأخذ الأموال واستباح الحرم رحل من وقته من
العقبة بعد أن ملأ البرك والآبار بالجيف من الناس والدواب (1)
وكان في جملة ما أخذوا فيها أموال الطولونية وأنشابهم، فإنهم لما عزموا على الانتقال من مصر إلى بغداد خافوا أن يستصحبوها فتؤخذ منهم فعملوا الذهب والنقرة سبائك وجعلوها في حدائج وجميع ما لهم من الحلي والجوهر، وسيروا الجميع إلى مكة سراً، وسار من مكة في هذه القافلة فأخذت .
.[1/139] وورد الخبر بذلك على السلطان، فاستعظم الناس جميعاً ذلك .
وندب السلطان أيوب بن محمد صاحب الخراج والضياع بالمشرف للخروج إلى الكوفة والمقام بها لإنفاذ الجيش إلى القرمطي .
فخرج وحمل أموالاً كثيرة لإعطاء الجند.
ثم سار زكرويه إلى زبالة فنزلها وبث طلائع أمامه ووراءه خوفاً من أصحاب السلطان المقيمين بالقادسية أن يلحقوه ومتوقعاً ورود القافلة الثالثة التي فيها الأموال والتجار.
ثم ساروا إلى التغلبية ثم إلى الشقوق وأقام هناك ينتظر القافلة، وفيها جماعة من القواد نفيس ومعه الشمسة، وكان المعتضد جعل في الشمسة جوهراً نفيساً .
وكان في القافلة جماعة من وجوه الكُتاب وغيرهم فلما سار أهل هذه القافلة إلى قيد بلغهم خبر زكرويه وأصحابه، وأقاموا بفيد أياماً ينتظرون تقوية لهم من قبل السلطان .
وسار زكرويه إلى فيد وبها عامل السلطان فلجأ منه إلى أحد حصنيها مع مائه،رجل، وشحن الحصن بالآخر والرجال .
فجعل زكرويه يراسل أهل فيد في أن يسلموا عاملهم ومن فيهم من الجند وأنهم إن فعلوا ذلك أمنهم .
فلم يجيبوه إلى ما قال فحاربهم فلم يظفر منهم بشيء .
فتنحى إلى النباح (2)[ثم ](3)إلى جعفر أبي موسى .
ثم أنهض المكتفي وصيف بن صوارتكين ومعه من القواد جماعة [فتوجه ](4)إليه .
فلقيه يوم السبت لثمان بقين [من] شهر ربيع الأول، فاقتتلوا يومهم، ثم حجز بينهم الليل فباتوا ليلتهم يتحارسون.
ثم عاودوهم القتال، فظفر بهم جيش السلطان فقتل منهم مقتلة عظيمة، وخلصوا إلى زكرويه فضربه بعض الجند بالسيف وهو مول على قفاه ضربة اتصلت بدماغه، فأخذ أسيراً وجماعة من أقربائه وخاصته منهم ابنه وكاتبه وزوجته .
وعاش زكرويه خمسة أيام ثم مات . . . . (1)
ثم حمل بهيئته وانصرف وصيف بمن كان جاء في يده من الأسرى .
ثم التقطت القرامطة، واستأمن قوم منهم(2)
وتتبع الخليفة القرامطة بالعراق، فقتل بعضهم وحبس بعضهم، ومات بعضهم في الحبس .
ثم ذكر ابن الأثير عدة حوادث في هذه السنة لم يذكرها ابن مسكويه فقال :
وفي هذه السنة : غزا ابن كيغلغ الروم من طرسوس، فأصاب من الروم أربعة آلاف رأس ودواب ومتاعاً. ودخل بطريق من بطارقة الروم في الأمان، وأسلم .
وفيها: غزا ابن كيغلغ الروم فبلغ شكند، وافتتح الله عليه، وسار إلى الليس فغنموا نحواً من خمسین ألف رأس وقتلوا مقتلة عظيمة من الروم وانصرفوا سالمين.
وكاتب اندرونقس البطريق المكتفي بالله يطلب منه الأمان، وكان على حرب أهل الثغور من قبل ملك الروم . فأعطاه المكتفي ما طلب فخرج ومعه مائتا أسير من المسلمين كانوا في حصنه .
وكان ملك الروم قد أرسل للقبض عليه فأعطى المسلمين سلاحاً وخرجوا معه فقبضوا على الذي أرسله ملك الروم ليقبض عليه ليلاً، فقتلوا ممن معه خلقاً كثيراً وغنموا ما في عسكرهم. فاجتمعت الروم على اندرونقس ليحاربوه فسار إليهم جمع من المسلمين ليخلصوه ومن معه من أسرى المسلمين فبلغوا قونية فبلغ الخبر إلى الروم، فانصرفوا عنه وسار جماعة من ذلك العسكر إلى اندرونقس وهو بحصنه، فخرج ومعه أهله وماله إليهم، وسار معهم إلى بغداد. وأخرب المسلمون قونية فأرسل ملك الروم إلى الخليفة المكتفي فطلب الفداء .
وفيها: ظهر بالشام رجل يدعي أنه السفياني فأخذ وحمل إلى بغداد فقيل : إنه موسوس. وفيها : كانت وقعة بين الحسين بن حمدان وبين أعراب من بني كلب وطيء واليمن، وأسد، وغيرهم .
وفيها: حاصر أعراب طيىء وصيف بن صوارتكين بفيد، وقد سيّره المكتفي أميراً على الموسم فحصروه ثلاثة أيام . ثم خرج فواقعهم فقتل منهم قتلى، ثم انهزمت الأعراب، ورحل وصيف بمن معه . وحج بالناس هذه السنة : الفضل بن عبد الله الهاشمي .
وفيها: توفي صالح بن محمد الحافظ الملقب بجزره البغدادي.
وأبو عبيد الله محمد بن نصر المروزي الفقيه الشافعي، وكان موته بسمرقند وله تصانيف كثيرة. وفيها: قتل محمد بن إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه بطرق مكة قتله القرامطة حين أخذوا الحاج .
قال سيد بن كسروي إلى هنا كان التمام من تحقيق ما وكل إلي بتحقيقه من كتاب تجارب الأمم المسكويه ابتداءاً من سنة أربع وثلاثين ومائتين إلى هذا الموضع شاكراً الله تعالى على الإتمام سائله سبحانه وتعالى لي ولسائر المسلمين حسن الختام بالموت على دين الإسلام اللهم آمين . اللهم امين . اللهم آمين .
.تم الجزء الرابع، ويليه الجزء الخامس
وأوله : خلافة المقتدر بالله
1) موضع النقط كلمة لم أتبين قراءتها هذا رسمها: «فسق». وقد تكون فشق، لكن السياق بعدها لا يقيد ذلك .
2) في الكامل : وعاش زكرويه خمسة أيام ومات فسيرت جيفته والأسرى إلى بغداد، وانهزم جماعة من أصحابه إلى الشام فأوقع بهم الحسين بن حمدان فقتلوهم جميعاً، وأخذوا جماعة من النساء والصبيان، وحُمِلَ رأس زكرويه إلى خراسان لئلا ينقطع الحجاج، وأخذ الأعراب رجلين من أصحاب زكرويه يعرف أحدهما بالحداد، والآخر بالمنتقم وهو أخو امرأة زكرويه كانا قد سارا إليهم يدعوانهم إلى الخروج معهم، فلما أخذوهما سيروهما إلى بغداد.
خلافة المعتصم العباسي ...3
ودخلت سنة تسع عشرة ومائتين ...4
ودخلت سنة عشرين ومائتين ...6
ذكر بابك ومخرجه ...7
ودخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين ...15
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين...20
ودخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين ...36
ذکر اتفاق سبي من كلام سبق...47
ذكر سوء تحفظ في القول كاد يهلكه ...51
ودخلت سنة أربع وعشرين ومائتين ...57
سبب فساد أمر مازيار ...6
ودخلت سنة خمس وعشرين ومائتين ...71
ذكر حِيَل هَمَّ بها الأفشين ...73
ذكر مناظرات وبخ بها الأفشين واحتجاجاته فيها ...75
ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين ...80
ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين ...84
وفاة المعتصم وخلافة الواثق ...86
ودخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين...89
ودخلت سنة تسع وعشرين ومائتين ...91
ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين ...93
ودخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين ...95
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ...101
ذکر اتفاق حسن ...102
خلافة المتوكل ...106
ودخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ...108
ذكر سوء نظر محمد بن عبد الملك وتحديه المتوكل حتى أهلكه وكان السبب في غضبه عليه ...108
ودخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين ...111
وكان سبب هر به أنه ...112
وحج في هذه السنة ايتاخ ...115
ودخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين ...116
ذكر سبب متقتله...116
ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائتين...120
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين ...122
ذكر السبب في ذلك ...122
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين ...124
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين ...125
ودخلت سنة أربعين ومائتين ...126
ودخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين ...127
ذكر ما آلت إليه أمورهم ...127
ودخلت سنة اثنين وأربعين ومائتين وثلاث ...130
ودخلت سنة أربع وأربعين ومائتين ...131
ودخلت سنة خمس وأربعين ومائتين ...132
ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائتين ...135
ودخلت سنة سبع سبع وأربعين ومائتين ...136
خلافة المنتصر ...141
ودخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين ...142
وفاة المنتصر ...145
ذكر السبب في ذلك بيعة المستعين والعدول عن ولد المتوكل ...146
ودخلت سنة تسع وأربعين ومائتين ...149
ودخلت سنة خمسين ومائتين ...152
ودخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين ...161
ذكر الفتنة التي وقعت من الأتراك وأهل بغداد وما انتهى إليه أمر المعتز والمستعين...163
ذكر رأي أشير به عليه صواب ...177
وكان سبب استجابة المستعين إلى الخلع ...190
خلافة المعتز...193
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين ...193
ذكر سبب وفاة المؤيد ...197
ودخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين ...200
ودخلت سنة أربع وخمسين ومائتين ...203
ودخلت سنة خمس وخمسين ومائتين ...297
خلافة المهتدي ...216
سبب ظهور قبيحة ...218
ذكر خبر العلوي صاحب الزنج ومبدأ أمره وسبب خروجه ...223
ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائتين ...235
ذكر السبب في ظهور صالح بن وصيف وقتل الموالي وموسى إياه...235
مقتل المهتدي وخلافة المعتمد ...244
ذكر سبب خلعه وقتاله الأتراك وظفرهم به وقتلهما إياه ...244
ذكر دخول الزنج الأهواز ...251
ودخلت سنة سبع وخمسين ومائتين ...253
ذكر الخبر عن دخول الزنج البصرة ...255
ودخلت سنة ثمان وخمسين ومائتين...259
ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائتين...263
ذكر دخول يعقوب نيسابور ...266
ودخلت سنة ستين ومائتين ...268
ودخلت سنة إحدى وستين ومائتين...272
ثم دخلت سنة اثنين وستين ومائتين...279
ودخلت سنة ثلاث وستين ومائتين ...288
ودخلت سنة أربع وستين ومائتين ...290
ودخلت سنة خمس وستين ومائتين ...295
ودخلت سنة ست وستين ومائتين ...299
ذكر عجلة وحرص كانتا سبب ترك الحزم...301
ودخلت سنة سبع وستين ومائتين ...304
ذكر حيلة للجبائي ما تمت له ...306
ودخلت سنة ثمان وستين ومائتين ...317
ودخلت سنة تسع وستين ومائتين ...322
ودخلت سنة سبعين ومائتين ...334
ودخلت سنة إحدى وسبعين ومائتين...340
ودخلت سنة اثنتين وسبعين ومائتين ...342
ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائتين ...344
ودخلت سنة أربع وسبعين ومائتين ...345
ودخلت سنة خمس وسبعين ومائتين ...346
ودخلت سنة ست وسبعين ومائتين...349
ودخلت سنة سبع وسبعين ومائتين...350
ودخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين...351
خلافة المعتضد...358
ودخلت سنة تسع وسبعين ومائتين...358
ودخلت سنة ثمانين ومائتين...360
ودخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين ...364
ودخلت سنة اثنتين وثمانين ومائتين ...365
ودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين ...370
ودخلت سنة أربع وثمانين ومائتين...375
ودخلت سنة خمس وثمانين ومائتين...379
ودخلت سنة ست وثمانين ومائتين ...380
ودخلت سنة سبع وثمانين ومائتين...382
ودخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين ...391
ودخلت سنة تسع وثمانين ومائتين...392
خلافة المكتفي...397
ذكر القرامطة ومبدأ أمرهم ومآله...402
ودخلت سنة تسعين ومائتين ...405
ودخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين...409
ذكر مسيره وظفره بالقرمطي...409
ودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائتين...413
ودخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين ...415
ودخلت سنة أربع وتسعين ومائتين...422