ghaemiyeh.com
تَجَارِبُ الأُمَم
وَتَعَاقُبُ الِهمَم
تأليف
أَبي علي أَحمد بن محمَّد بن يَعقوب مِسْكَوَيه
المتَوفي سنة 421 ه-
تحقيق
سَيِّد كسروي حسن
الجُزء الثالِث
يحتوي على حوادث القصر العباسي من خلافة أَبي العباس السفاح سنة 132ه-
إِلى آخر خلافة المأمون العباسي سنة 218 ه-
مَنشورات
محمَّدعلي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
محرر الرقمي: علي رضايي
منشورات محمَّدعلي بيضون
دار الكتب العلمية
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظ
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناش خطياً
Exclusive rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher.
Droits exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطبعة الأولى
2003 م . 1424ه-
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس : 804810/11/12/13 (9615+) صندوق بريد: 9424 - 11 بيروت - لبنان
ISBN 2-7451-3414 - 0
90000 >
9782745134141
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Raml Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg. 1st Floor Head office
Aramoun - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg.
Tel & Fax: (+9615) 804810 / 11 / 12 / 13
P.O.Box: 11-9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kutub Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Raml Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, 1er Étage
Administration général
Aramoun - Imm. Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Tel & Fax: (+961 5) 804810/11/12/13
P.P: 11-9424 Beyrouth - Liban
بِسمِ اللّه الرَّحمنِ الرَّحيم
ابتداء دولة بني العباس
خلافة أَبي العباس السفاح
وفي هذه السنة : بويع لأَبي العباس عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب ليلة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شهر ربيع الآخر. وقيل : كان ذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة .
ذكر الخبر عن خلافة أَبي العباس وسببها
كان بدو ذلك فيما ذكر رسول اللّه صلّی اللّه علیه وسلّم أَعلم العباس علمه أن الخلافة تؤول إِلى ولده.
فلم يزل ولده يتوقعون ذلك، ويتداولون أَخبار أَبيهم ويسمون محمد بن علي أَبا الأَملاك. ولما خالف ابن الأَشعث وكتب الحجاج إِلى عبد الملك أَرسل عبد الملك إِلى خالد بن يزيد فأَخبره فقال : أَما إِذا كان الفيف(1)من سجستان فليس عليك بأس ، إِنما كنا نتخوف لو كان من خراسان .
وكان محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس ينتظر أوقاتاً معلومة عنده، وينتظر الأَمر لولده، ولا يسمي أحداً.
وكنا أَخبرنا خبر محمد بن علي وخبر الدعاة الذين وجههم إِلى خراسان، ثم مات محمد بن علي وجعل وصيته من بعده إِبراهيم بن محمد فبعث إِبراهيم أَبا سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع وكتب معه إِلى النقباء بخراسان، فقبلوا كتبه إِلى أن قام بأَمرهم أَبو مسلم .
ثم كان من وقوع كتاب إِبراهيم إِلى أَبي مسلم في يد مروان ما كان، وقد ذكرناه . فوجه إِليه مروان وهو بالحميمة، فأَخذه وحبسه فحكي أن عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان قال لمروان بن محمد هل تتهمني؟
قال : لا .
1) الفيف : المفازة .
قال : اتحطك مصاهرة إِبراهيم بن محمد بن علي؟
قال : لا .
قال : فإني أَرى أَمره يتبع فأَنكحه، وأَنكح إِليه، فإن ظهر كنت أَعلقت بينك وبينه سبباً لا يريبك معه، وإن كفيته لم يشتك صهره . فقال : ويحك لو علمته صاحب ذلك سبقت إِليه، ولكن ليس بصاحبه.
فذكر أن إِبراهيم حين أَخذ ليمضي به إِلى مروان نعى نفسه إِلى أَهل بيته حين شيعوه، وأَمرهم بالمسير إِلى الكوفة مع أَخيه أَبي العباس عبد اللّه بن محمد بن علي، وأَوصى إِلى أَبي العباس أَخيه، وجعله الخليفة من بعده ، وتقدم إِلى الباقين له بالسمع والطاعة .
فشخص أَبو العباس عند ذلك ومن معه من أَهل بيته(1)
وابن عمه ،داود وابن أَخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس حتى قدموا الكوفة في صفر وشيعتهم من أَهل خراسان بظاهر الكوفة بحمام أعين فأنزلهم أَبو سلمة الخلال دار ...
حتى قدموا الكوفة في صفر، فأَنزلهم أَبو سلمة دار الوليد بن سعيد مولى بني هاشم في بني أود(2)، وكتم أَمرهم من جميع القواد والشيعة نحواً من أَربعين ليلة .وأَراد أَبو سلمة فيما ذُكر تحويل الأَمر إِلى آل أَبي طالب لما بلغه موت إِبراهيم بن محمد .
فأَتى أَبا سلمة أَبو الجهم وقال له : ما فعل الإِمام ؟ قال : لم يقدم بعد.
ثم عاوده أَبو الجهم وألح عليه في السؤال .
قال : قد أَكثرت وليس هذا زمان خروجه.(3)
فلما دخل عليهم سأل أَبو حميد من الخليفة منهم؟
فقال داود بن علي هذا إمامكم وخليفتكم، وأَشار إِلى أَبي العباس، فسلم عليه بالخلافة وقَبْلَ يديه ورجليه، وقال مُرْنا بأَمرك .
1) في الكامل ومنهم : أخوه أَبو جعفر المنصور وعبد الوهاب ومحمد ابنا أَخيه إِبراهيم، وأعمامه: داود ،وعيسى وصالح وإسماعيل وعبد اللّه وعبد الصمد بنو علي بن عبد اللّه بن عباس .
2) في الكامل بني داود وما هو في المخطوط موافق لما هو في الطبري حسب ما ذكر محقق الكامل .
3) في الكامل بعد هذا وكان أَبو سلمة إذا سُئل عن الإِمام يقول : لا تعجلوا . فلم يزل ذلك من أمره حتى دخل أَبو حميد محمد بن إِبراهيم الحميري - من حمام أعين - يريد الكناسة فلقي خادماً لإِبراهيم يقال له : سابق الخوارزمي فعرفه فقال له : ما فعل إِبراهيم الإِمام ؟ فأَخبره أن مروان قتله، وأن إِبراهيم أَوصى إِلى أَخيه أَبي العباس واستخلفه من بعده، وأنه قدم الكوفة ومعه عامة أَهل بيته . فسأله أَبو حميد أن ينطلق به إِليهم. فقال له سابق : الموعد بيني وبينك غداً في هذا الموضع وكره سابق أن يدله عليهم إلا بإذنه فرجع أَبو حميد إِلى أَبي الجهم فأَخبره وهو في عسكر أَبي سلمة، فأمره أن يلطف للقائهم . فرجع أَبو حميد من الغد إِلى الموضع الذي وعد فيه سابقاً. فلقيه فانطلق به إِلى أَبي العباس، وأَهل بيته
فلقي أَبو الجهم(1)خادماً لأَبي العباس، يقال له : سابق الخوارزمي، فسأله عن(2)أَصحابه، فأَخبره أَنهم بالكوفة وأَن أَبا سلمة أَمرهم أَن يختفوا فجاء بهم إِلى أَبي الجهم، فأَخبروه خبرهم فسرح أَبو الجهم [28/ب] أَبا حميد مع سابق حتى عرف منزلهم بالكوفة .
ثم رجع ومعه إِبراهيم بن سلمة، فأَخبر أَبا الجهم عن منزلهم، ونزول الإِمام في بني أود شكاً أَنه أَرسل الإِمام حين قدموا إِلى أَبي سلمة يسأله مائة دينار لأجرة الحمالين، فلم يفعل فحمل أَبو الجهم وأَبو حميد على يد إِبراهيم مائتي دينار إِلى الإِمام .
ثم مضوا إِلى أَبي سلمة وسألوه عن الإِمام فقال : ليس هذا وقت خروجه واسط بعد ما فتحت فاجتمع الشيعة على أَن يلقوا الإِمام وأتمروا بينهم وقالوا: قد شاع في العسكر أَن مروان قد قتل إِبراهيم وأن أَخاه أَبو العباس هو الخليفة من بعده.
ومشى القواد والشيعة تلك الليلة ثم تسللوا من الغد فمضى جماعة منهم إِلى الإِمام .
وبلغ أَبا سلمة وأتى القوم أَبا العباس فقالوا: أيكم عبد اللّه بن محمد بن الحارثة ؟
قالوا :هذا.
فسلموا عليه بالخلافة، ورجع أَبو الجهم، وموسى بن كعب، وأَقام الباقون عند الإِمام .
فأَرسل أَبو سلمة إِلى أَبي الجهم : أَين كنت (3)؟ قال: ركبت إِلى إمامي . فحينئذٍ ركب أَبو سلمة إِليهم. فأَرسل أَبو الجهم إِلى أَبي حميد أَن أَبا سلمة (4)قد أَتاكم، فلا يدخلن على الإِمام إلا وحده.
فلما انتهى إِليهم أَبو سلمة، منعوه أَن يدخل معه أحد، فدخل وحده، وسلم بالخلافة على أَبي العباس وخرج أَبو العباس على برذون أبلق الجمعة، فصلى يوم الجمعة بالناس.
فيقال : إن أَبا سلمة لما سلم على أَبي العباس بالخلافة قال له أَبو حميد رغم على أنفك يا ماص بظر (1)
قلت وهذا من مستقبح القول الذي كان يجب على أَهل التواريخ والسير إغفاله أو الإعراض عنه لما فيه في خدش الحياء الذي لا فائدة من ذكره غير إثارة النفس ضد إحدى الطائفتين في حين أنهما أمة قلت خلت وأفضوا إِلى ما قدموا .
أمه .فقال أَبو العباس : مَه ، [ وأمر أَبا سلمة بالعود إِلى معسكره فعاد](2)
وروي من عدة وجوه: أَن أَبا العباس السفاح قدم هو وأَهله سراً على أَبي سلمة الخلال بالكوفة فستر أَمرهم، وعزم على أن يجعلها شورى بين ولد علي والعباس حتى يختاروا من أَرادوا ثم قال أَخاف أن لا يتفقوا فعزم أن يعدل بالأَمر إِلى ولد الحسن والحسين عليهما السلام فكتب إِلى ثلاثة نفر منهم جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي وعمر بن علي بن الحسين بن علي وعبد اللّه بن الحسن بن الحسين بن علي عليهم السلام.
ووجه بكتبهم مع رجل من موإِليهم من ساكن الكوفة فبدأ بجعفر بن محمد فلقيه ليلاً فأعلمه أنه رسول أَبي سلمة، وأن معه كتابا إِليه .
فقال : وما أَنا وأَبو سلمة هو شيعة لغيري؟
فقال الرسول : تقرأ الكتاب وتجيب بما رأيت .
فقال جعفر لخادمه : قَرُب السراج مني، فقربه، فوضع عليه كتاب أَبي سلمة فأحرقه .
قال : ألا تجيبه؟
قال : رأيت الجواب (3).
1) في المخطوط : فطر، وهو تحريف.
2) زيادة من الكامل.
3) هذه تصرفات كثيراً ما تصدر منا في أن نعجل بأحكام قياساً على أسباب سابقة ناسين أو جأَهلين أن الأمور تتغير من حين لآخر وقد تأتي بعكس ما كانت عليه أو ما كُنا نظنه والعاملون في حقل السياسة لهم كلمة مشهورة كثيراً ما يرددونها وهي تعريف موضوعي للسياسة وأن أمورها دائماً غريبة ومفاجئة وهي قولهم : السياسة يوم في السجن ويوم في الرئاسة . ولنا نحن المصريين في ذلك دليل واضح هو الرئيس السابق محمد أنور السادات، وغيره كثير مثل مانديلا الذي قضى في السجن أكثر من سبعة وعشرين عاماً ثم خرج ليكون رئيساً للجمهورية ثم تنحى عنها بعد حوالي عشرة أعوام . والمراد من قولي هذا هو النظر في الأمور مرة أخرى بعد علمنا بما كانت عليه فلربما تكون قد تغيرت دون علم منا، ولنا في قول اللّه تعالى التأسي والامتثال : (أن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ )
ثم أتى عبد اللّه بن الحسن، فقرأ كتابه وركب إِلى جعفر بن محمد، فقال له جعفر :أمر جاء بك يا أَبا محمد، لو أعلمتني مجيئك؟
قال : وأي أمر هو مما يجل عن الوصف.
قال : وما هو؟
قال : هذا كتاب أَبي سلمة يدعوني إِلى الخلافة فتراني أحق الناس به وقد جاء به شيعتنا من خراسان؟
فقال جعفر عليه السلام ومتى صاروا شيعتك؟ أَنت وجهت أَبا مسلم إِلى خراسان وأمرته بلبس السواد هل تعرف أحداً منهم باسمه ونسبه، كيف يكونون شيعتك وأَنت لا تعرف أحداً منهم، ولا يعرفونك؟
فقال له عبد اللّه : ما هذا الكلام منك إلا لشيء؟
فقال له جعفر : قد علم اللّه [أني] أوجب النصح على نفسي لكل مسلم، فكيف أدخره عنك؟! فلا تمننين نفسك الأَبا طيل، فإن هذه الدولة تتمنَّ لكم، وما هي لأحد من ولد أَبي طالب، وقد جاءني ما جاءك، فلم أجب إلا بما ستعرف خبره حين انصرف فانصرف غير راض بما قاله .
وأما عمر بن علي بن الحسين، فإنه رد الكتاب وقال ما أعرف كاتبه، وأبطأه، أمر أَبي مسلم على أَبي العباس ومن معه . فخرج أصحاب له يطوفون بالكوفة، فلقي حميد بن قحطبة ومحمد بن صول - رجلاً من موإِليهم فعرفناه أنه كان يحمل كتب محمد بن علي وإِبراهيم بن محمد إِليهما، فسألاه عن الخبر، وأعلمهما أن القوم قد قدموا منذ أيام، وأنهم في سرداب يعرف بين فضالة [فجاء ] (1)إِلى الموضع وسلما عليه وقالا : أيكما عبد اللّه؟
فقال أَبو العباس، وأَبو جعفر كلانا عبد اللّه .
فقال : أَيكم ابن الحارثية؟
فقال أَبو العباس : أَنا .
قال : السلام عليك يا أَمير المؤمنين ودنوا منه، فبايعاه وأَخرجاه إِلى المسجد الجامع .
فصعد أَبو العباس المنبر فحصر فصعد عمه داود بن علي، وقام دونه عرقاه وخطب خطبته المشهورة.
1) زيادة يتطلبها السياق.
أول خطبة خطبها [2/29] أَبو العباس السفاح رضي اللّه عنه :
ولما صعد أَبو العباس المنبر حين بويع له بالخلافة قام في أَعلاه، فقال:
الحمد للّه الذي اصطفى الإِسلام لنفسه فكرَّمه وشرفه [وعظمه](1)، واختاره لنا، وأَيدنا به(2)، وجعلنا أَهله، وكهفه وحصنه، والقوَّام به، والذابِّين عنه، والناصرين له، وأَلزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أَحق بها وأَهلها، وخصنا بِرَحِم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقرابته، وأَنشأنا من آبائه وأَنبتنا من شجرته، واشتقنا من نبعته، وجعله من أَنفسنا عزيزاً عليه ما عنتنا حريصاً [علينا](3)بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، وأَنزلنا(4)من الإِسلام وأَهله بالموضع الرفيع، وأَنزل كتاباً يتلى(5)، فقال تبارك وتعالى [فيما أَنزل من محكم كتابه ] (6): (إِنما يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهل الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) [الأحزاب: 32].
وقال [ تعالى ](7): (وقُل لَا أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [الشورى: 23].
وقال: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) [الشعراء: 214].
وقال: (ما أَفَاءَ اللّه عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهل الْقُرَى فَللّه وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى ) [الحشر: 7] وقال: (وَاعْلَمُوا إِنما غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للّه خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى) ](8)[الأنفال : 41] . فأعلمهم جل وعزّ فضلنا وأَوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمة علينا وفضلاً (9)،( وَاللّه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) [الحديد: 57] ثم ذكر جور بني أمية وظلمهم.(10)
وقد زدتكم(11)في أعطياتكم مائة درهم فاستعدوا ، فأنا السفاح المبيح الثائر المنير(12).
وكان موعوكاً فاشتد به (13)الوعك [ فجلس ] (14)على المنبر، وصعد داود بن علي
1) زيادة من الكامل.
2) في الكامل : فأيده بنا وجعلنا أَهله.
3) زيادة من الكامل.
4) في الكامل ووضعنا .
5) في الكامل : وأنزل بذلك على أَهل الإسلام كتابا يتلى عليهم.
6) زيادة من الكامل.
7) زيادة من الكامل.
8) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وأثبته من الكامل.
9) في الكامل : تكرمة لنا وفضلاً علينا .
10) ذكر ابن الأثير ما قاله في جور بني أمية وآثرت ترك ذكره .
11) سقطت هذه العبارة من المخطوط وجاء موضعها كلمة : «وعد» فاستبدلتها بما هو مذكور من الكامل.
12) في الكامل : «المنيح» .
13) في الكامل : عليه.
14) من الكامل .
فقام دونه على مراقي [المنبر ](1)وقال :
الحمد للّه، شاكراً (2)الذي أَهلك عدونا وأَصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم، أَيها الناس الآن أقتشعت حناديس (3)الدنيا، وانكشف غطاؤها، وأَشرقت أَرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها وبزغ القمر من مبزغه، وأَخذ القوس باريها، وعاد السهم إِلى منزعه، ورجع الحق في نصابه (4)في [أَهل بيت نبيكم[ (5)أَهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم .
أَيها الناس، إنَّا واللّه ما خرجنا في هذا الأَمر لنكثر الذهب واللجين(6)، ولا لنحفر نهراً أو نبني قصراً، وإِنما أَخرجتنا (7)الأنفة من هدارهم(8)حقنا، والغضب لبني عمنا، وما كرهنا من أمورنا (9)ونهضنا من شؤونكم . ثم وعد الناس خيراً وقال :
أَيها الناس إِن أَمير المؤمنين نصره اللّه نصراً عزيزاً إِنما(10)قطعه عن استمام الكلام شدة الوعك، فادعوا اللّه لأَمير المؤمنين بالعافية (11)
فعج الناس له بالدعاء .
ثم قال : أَيها الناس إنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا أَمير المؤمنين علي بن أَبي طالب وأَمير المؤمنين هذا (12)، وأَشار بيده إِلى أَبي العباس واعلموا أن هذا الأَمر فينا ليس بخارج منا حتى نسلمه إِلى عيسى ابن مريم عليه السلام ] والحمد للّه على ما أبلانا وأولانا ] (13). ثم نزل داود بن علي، ونزل أَبو العباس(14)حتى دخل القصر وأجلس أَبا جعفر أخاه يأخذ البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل
1) زيادة من الكامل والعبارة فيه على النحو التالي : وقام عمه داود على مراقي المنبر .
2) في الكامل : شكراً .
3) في الكامل : حنادس.
4) هذه الكلمات الثلاثة من أمثال العرب السائرة.
5) من الكامل .
6) في الكامل : لنكثر لجيناً .
7) في المحفوظ أَخرجت، والتصويب من الكامل.
8) في الكامل : ابتزازهم .
9) في الكامل أموركم، وساق بعدها كلامنا كثيراً .
10) جاء بعدها في الكامل : عاد إِلى المنبر بعد الصلاة لأَنه كاره أَن يخلط بكلام الجمعة غيره وإِنما قطعه ...
11) فذكر بعد ذلك كلاماً كثيراً إِلى أن قال: ألا إنه ما صعد منبركم هذا خليفة
12) بدل اسم الإِشارة صرح في الكامل باسمه بأن قال أَمير المؤمنين عبد اللّه بن محمد
13) زيادة من الكامل.
14) في الكامل قدم الثاني على الأول.
يأخذها [عليهم] (1)حتى صلّى بهم العصر، ثم صلّى بهم المغرب وجنهم (2)الليل فدخل(3). وذكر(4)أَن داود بن علي وابنه كانا بالعراق أو بغيرها، فخرجا يريدان السراة، فلقيهما أَبو العباس، ومعه أَخوه أَبو جعفر، ومعهما عبد اللّه بن علي، وعيسى بن موسى ،وصالح، وعبد الصمد، وإسماعيل، وعبد اللّه بنو علي، ويحيى بن محمد، وعبد الوهاب، ومحمد ابنا إِبراهيم، وموسى بن داود، ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، ونفر من موإِليهم بدومة الجندل.(5)
وقال أَبو عبيد السكوني دومة الجندل حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبلي طيء كانت به بنو كنانة من كلب.
قال : ودمة من القريات من وادي القرى إِلى تيماء أربع ليال والقريات دومة، وشكاكة، وذو القارة .
فأما ،دُومة فعليها سورة يتحصن به وفي داخل السور حصن منيع يقال له: مارد وهو حصن أكيدر بن عبد الملك بن عبد الحي بن أعيا بن الحارث بن معاوية بن خلاوة بن أَبامة بن سلمة بن شكامة بن شيب بن السكون بن أشرس بن ثور بن عفير وهو كندة السكوني الكندي كان النبي صلّی اللّه علیه وسلّم وجه إِليه خالد بن الوليد من تبوك وقال له : استلقاه يصيد الوحش». وجاءت بقرة وحشية فحككت قرونها بحصنه فنزل إِليها ليلاً ليصيدها فهجم عليه خالد، فأسره، وقتل أخاه حسان بن عبد الملك، وافتتحها خالد عُنوة وذلك في سنة تسعة للّهجرة، ثم إن النبي اللّه صالح أُكيدر على دومة وآمنة وقرر عليه وعلى أَهل الجزية، وكان نصرانياً، فأسلم أخوه حريث، فأقره النبي صلّی اللّه علیه وسلّم على ما في يده ونقض أُكيدر الصلح بعد النبي صلّی اللّه علیه وسلّم ، فأجلاه عمر رضي اللّه عنه من دومة فيمن أجلى من مخالفي دين الإسلام إِلى الحيرة، فنزل في موضع منها قرب عين التمر، وبنى به منازل، وسماها دومة، وقيل دوماء باسم حصنه بوادي القرى، وهو قائم يعرف إلا أنه خراب.
فقال لهم :داود أَين تريدون؟ وما قصتكم؟ فقصَّ عليه أَبو العباس قصتهم، وأَنهم يريدون الكوفة ليظهروا بها، ويظهر [وا أَمرهم ] .(6)
فقال :داود يا أَبا العباس تأتي الكوفة وشيخ بني مروان بحران؟! - يعني مروان بن محمد - وهو مطل(7)على العراق في أَهل الشام والجزيرة، وشيخ العرب يزيد بن عمر بن هبيرة بالعراق في حيلة (8)العرب .
1) زيادة من الكامل.
2) أي أظلم عليهم ومضى منه الكثير
3) ثم ذكر كلاماً كثيراً .
4) في الكامل وقد قيل .
5) الكلام السابق ذكر في الكامل بالمعنى ودومة الجندل على سبع مراحل من دمشق بينها وبين مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وقال أَبو سعد: دومة الجندل غائط في من الأرض في خمسة فراسخ . وسميت دُومة الجندل لأن حصنها مبني بالجندل .
6) زيادة من الكامل.
7) في المخطوط مصل والتصويب من الكامل.
8) في الكامل في جند.
فقال له أَبو العباس : يا عم من أَحب الحياة ذل ثم تمثل قول الأعشى:
فما ميتَةٌ إِن مِتُّها غَيْرَ عَاجِز *** بعار إذا مَا غَالب النَّفْسَ غُولُها
فالتفت داود إِلى ابنه موسى فقال : صدق واللّه ابن عمك ارجع بنا معه نعش غزازاً أو نموت كراماً، فرجعوا [29/ب] معه .
وكان عيسى بن موسى إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول :
إن ركباً أَربعة عشر خرجوا من دارهم وأَهليهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة هممهم، كبيرة أَنفسهم، شديدة قلوبهم.
وخرج أَبو العباس، فعسكر بحمام أَعين في عسكر أَبي سلمة، ونزل معه في حجرته. وحاجب أَبي العباس عبد اللّه بن بسام. واستخلف على الكوفة وأَرضها داود بن علي وبعث عمه عبد اللّه بن علي إِلى أَبي عون وبعث ابن أَخيه عيسى بن موسى إِلى الحسن بن قحطبة ، وهو يومئذٍ بواسط، محاصر ابن هبيرة. وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس إِلى حميد بن قحطبة بالمدائن.
وبعث أَبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إِلى بسام بن إِبراهيم بن بسام بالأَهواز .
وبعث سلمة عمرو بن عثمان إِلى مالك بن طوق .
وأَقام أَبو العباس في العسكر شهراً ثم ارتحل لمنزل المدينة الهاشمية في قصر الإِمارة، وقد كان تنكر لأَبي سلمة قبل تحوله حتى عرف بذلك .
ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها
كان أَبوعون وجه قحطبة إِلى شهرزور وبها عثمان بن سعيد من قبل مروان ،فقتله أَبو عون وأَقام ناحية الموصل.
وبلغ ذلك مروان، فأَقبل من حَرّان حتى سار إِلى الموصل، فنزل على الزاب وحفر خندقاً فتبادر إِليه أَبو عون فنزل الزاب ووجه أَبو سلمة إِليه مدداً، وعدة من القواد ، فلما ظهر أَبو العباس بعث إِليه أيضاً عدة من القواد ومدداً آخرين.
ثم قال أَبو العباس : من يسير إِلى مروان من أَهل بيتي؟
فقال عبد اللّه بن علي : أَنا .
فقال : سِرْ على بركة اللّه.
فسار عبد اللّه بن علي حتى قدم على أَبي علي حتى قدم على أَبي عون فتحول له أَبو عون عن سرادقه، وخلاله بما فيه.
فسأل عبد اللّه بن علي عن مخاضه، فَدُلّ عليها بالزاب.(1)
وأما الزاب الأَسفل : فمخرجه من جبال السَّلَق سلق أَحمد بن روح بن معاوية من بني أود ما بین ،شهرزور وأذربيجان ثم يمر إِلى ما بين دقوقا وإربل وبينه وبين الزاب الأعلى مسيرة يومين أو ثلاثة ثم يمتد حتى يفيض في دجلة عند السن وعلى هذا الزاب كان مقتل عبيد اللّه بن زياد ابن أَبيه ... وبين بغداد وواسط زابان آخران أيضاً ويسميان الزاب الأعلى والزاب الأَسفل، أَما الأعلى فهي عند قوسين وأَظن مأخذه من الفرات ويصب عند زرفامية وقصبة كورته النعمانية على دجلة.
وأما الزاب الأَسفل من هذين فقصبته نهر سابس قرب مدينة واسط.
وزاب النعمانية أَراد الحيص بيص أَبو الفوارس الشاعر بقوله :
أجأ وسلمى أم بلاد الزاب *** وأَبو المظفر أم غضنفر غاب؟
وعلى كل واحد من هذه الزوأَبي عدة قرى وبلاد.(معجم البلدان).
فأمر عيينة بن موسى فعَبَر في خمسة آلاف وانتهى إِلى عسكر مروان فقاتلهم حتى أَمسوا ورفعت لهم النيران فتحاجزوا .
فرجع عيينة إِلى عسكر عبد اللّه بن علي، فأَصبح مروان فعقد جسراً، وسرّح ابنه عبد اللّه وقال : امض حتى تكون أَسفل من عسكر أَبي علي، وتبعث من ورائه من يشغله . ففعل ذلك، وبعث عبد اللّه بن علي : المخارق بن عفان في أَربعة آلاف نزل على خمسة أَميال من عسكر عبد اللّه بن مروان بن الوليد بن معاوية .
وسار إِليه ،مروان فقال مروان : فلما التقى العسكران قال مروان لعبد العزيز بن عمر(2): إن زالت الشمس اليوم فلم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إِلى عيسى ابن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال، فإنا للّه، وإنا إِليه راجعون.
وأَرسل مروان إِلى عبد اللّه بن علي، فسأله الموادعة.
فقال عبد اللّه : كذب ابن زريق ولا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء اللّه تعالى .
فقال مروان لأَهل الشام لا تبدؤوهم وجعل ينظر إِلى الشمس.
1) الزابُ : هى الزاب الأعلى بين الموصل وإربل ومخرجه من بلاد مشتكهر، وهو حد ما بين أذربيجان ،بابغيش، وهو ما بين قطينا والموصل من عين في رأس جبل ينحدر إِلى واد، وهو شديد الحمرة، ويجري في جبال ،وأودية وحُزُونة وكلما جرى صفا قليلاً حتى يصير في ضيعة كانت لزيد بن عمران أخي خالد بن عمران الموصلي بينها وبين مدينة الموصل مرحلتان وتعرف بباشزا وليست التي في طريق نصيبين، فإذا وصل إِليها صفا جداً، ثم يقلب في أرض حفيتون من أرض الموصل حتى يخرج من كورة المرج من كور الموصل، ثم يمتد حتى يفيض في دجلة على فرسخ من الحديثة، وهذا هو المسمى بالزاب المجنون لشدة جريه .
2) في المخطوط : فقال مروان ما التقى العسكران لعبد العزيز بن عمر . والتصويب من الكامل .
فحمل الوليد بن معاوية بن مروان وهو ختن مروان علی ابنته فغضب وشتمه وتمم الوليد حملته فهزم أَبا عون، فانحاز إِلى عبد اللّه بن معاوية بن علي.
فقال موسى بن كعب: مُر الناس أَن ينزلوا، فنودي: الأَرض الأَرض، فنزل الناس وأَسرعوا الرماح وجثوا على الركب .
فحمل أَهل الشام كأنهم جبال ،حديد ومالوا على أصحاب عبد اللّه بن على كأنهم سحابة، فصبروا لهم على حالهم .
فقيل : إن مروان كان لا يريد شيئاً إلا عرض فيه خلل وفساد حتى قال : أَخرجوا إِلى الناس الأموال فأَخرجت .
وقال للناس: اصبروا، وقاتلوا، وهذه الأموال لكم فجعل ناس يصيبون من ذلك المال. فأَرسل إِليه : أَن الناس قد مالوا إِلى هذا المال ولا نأمنهم أن يذهبوا به؟
فأَرسل إِلى ابنه عبد اللّه : أَن سر إِلى مؤخر عسكرك ، فمن مر بك ومعه شيء من المال فاقتله وامنعه .
فمال عبد اللّه برايته واتبعه أَصحابه .
فقال الناس : الهزيمة فانهزموا .
وفي هذه السنة : كان قتل إِبراهيم بن محمد بن عبد اللّه بن علي بن العباس [30/ أ ] وقد اختلف الناس فيه(1)
فقدم مروان منهزماً من الزاب فجاء فخلى عنهم . وقيل : إن مروان هدم على إِبراهيم بيتاً فقتله.
، فقال بعضهم : لم يقتل ولكن مات في السجن من الطاعون.وقيل : انهزم مروان بالزاب [و] عاد إِلى حران فاستعرض أَهل السجن، فوجدهم قد هلكوا وقتل خليفة مروان بعضهم، فأَطلق مروان من بقي منهم ، وكان إِبراهيم ممن هلك .
ويقال : بل هدم عليه بيتاً فقتله.
وحكى بعض خدام إِبراهيم ممن كان معه يخدمه في مجلسه قال :
1) ومما قال ابن الأثير في الكامل في قصته : إن مروان حبسه بحران وحبس سعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان وعبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز والعباس بن الوليد بن عبد الملك، وأَبا محمد السفياني هلك نهم في وباء وقع بحران العباس بن الوليد وإِبراهيم بن محمد بن علي الإِمام وعبد اللّه بن ،عمر، فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب بجمعة خرج سعيد بن هشام وابن عمه ومن معه من المحبوسين فقتلوا صاحب السجن وخرجوا، فقتلهم أَهل حران ومن فيها من الغوغاء، وكان فيمن قتلة أَهل حران شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك، وعبد الملك بن بشر التغلبي، وبطريق أرمينية الرابعة واسمه كوشان وتخلف أَبو محمد السفياني في الحبس، فلم يخرج فيمن خرج ومعه غيره لم يستحلوا الخروج من الحبس .
كان معه في الحبس عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز، وشراحيل، وكانا يتزاوران فأتاه رسول من شراحيل يوماً ،بلبن فقال : يقول لك أَخوك إِني شربت من هذا اللبن فاستطبته فأَحببت أَن تشرب منه .
فتناوله، فشرب منه فتوصب من ساعته وتكسر جسده، وكان يوماً يأتي فيه شراحيل، فأبطأ عليه فأَرسل إِليه : جعلت فداك قد أبطأت فما حبسك ؟
فأَرسل إِليه : إِني شربت اللبن الذي أَرسلت به إليَّ، اخلفني.
فأتاه شراحيل مذعوراً وقال: لا واللّه الذي لا إله إلا هو، ما شربت اليوم لبناً، ولا أَرسلت به إليك، فإِنّا للّه وإِنّا إِليه راجعون، احتيل، بك، واللّه.
قال : فما لبث إلا ليلة وأَصبح من الغد ميتاً .
وفي هذه السنة: قتل مروان بن محمد.(1)
فيها ابتداء دولة العباسيين، وبويع أَبو العباس السفاح عبد اللّه بن محمد بن علي بن عباس بالكوفة. وجهز عمه عبد اللّه بن علي لمحاربة مروان بن محمد الجعدي فزحف مروان إِليه في مائة ألف إِلى أن نزل بالزاب دون الموصل، فالتقوا في جمادى الآخرة فانكسر ،مروان واستولى عبد اللّه بن علي على الجزيرة وطلب الشام وهرب مروان إِلى مصر فاتبعهم أيضاً فأَدركهم بفلسطين فأَوقع بهم بضعاً وثمانين رجلاً، ثم عبر مروان النيل طالب الحبشة، فلحقه صالح بن علي عم السفاح فأدركه بقرية من قرى الفيوم من أرض مصر يقال لها بوصير، فوافاه صائماً وقد قدم له الفطور فسمع الصائح فخرج وسيفه مصلت فجعل يضرب بسيفه ويتمثل بقول الحجاج ابن حكيم :
متقلدین صفائحاً هندية *** يتركن من ضربوا كأن لم يولد
وإذا دعوتهم ليوم كريهة *** وافوك بين مكبر وموحد
فقصدته الخيول من كل جانب فقتلوه .
وكان أَهله وبناته في كنيسة هناك، فأَقبل خادمه بالسيف مصلتاً يريد الدخول عليهم، فأخذ وسئل عن مراده فقال : إِن مروان أَمرني إذا تيقنت موته أن أضرب رقاب نسائه وبناته، فأَرادوا قتله، فقال : إِن قتلتموني لتفقدن ميراث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
قالوا: فدلنا على ذلك إن كنت صادقاً، فخرج بهم إِلى رمل هناك فكشفوه، فإذا فيه القضيب، ،والبرد ،والقعب والمصحف، فأخذوه. وكان الذي تولى قتله : عامر بن إسماعيل الخراساني، وهو صاحب مقدمة صالح .
ولما قتله دخل بيته، وركب سريره ودعا بعشائه، وجعل رأس مروان في حجر ابنته، وأقبل يوبخها . فقالت له يا عامر إن دهراً أنزل مروان عن فراشه وأقعدك عليه حتى تعشيت عشاءه لقد أبلغ في موعظتك، وعمل في إيقاظك وتنبيهك إن عقلت وفكرت ثم قالت واأبتاه واأَمير المؤمنيناه. فأخذ عامراً الرعب من كلامها وبلغ ذلك أَبا العباس السفاح فكتب إِلى عامر يوبخه ويقول : أما في أدب اللّه ما يخرجك عن عشاء مروان والجلوس على مهاده؟!
وقتل مروان وله تسع وخمسون سنة ، وقيل : سبع وستون وإمارته خمس سنين وتسعة أَشهر وأَيام .
1) قال ابن العماد في شذرات الذهب في أحداث هذه السنة :
ذكر الخبر عن مقتل ،مروان وما عومل به في طريقه وهو هارب وما لقي من أَصحابه.
حكى أَبو هاشم مخلد بن محمد قال : لما هزم مروان بن محمد بالزاب، كتب في عسكره، وكان معه مائة وعشرون ألفاً، وكان عبد اللّه بن علي بعشرين ألفاً. فلما انهزم مروان سار إِلى الموصل وعليها هشام بن عمرو وبشر بن خزيمة، فقطعا الجسر ومنعاه فناداهم أَهل الشام : هذا مروان.
قالوا :كذبتم أَمير المؤمنين لا يفر .
فسار إِلى بلد فعبر دجلة، ثم أتى إِلى دمشق وخلف بها الوليد بن معاوية.
وقال قائلهم حتى يجتمع أَهل الشام، ومضى مروان إِلى فلسطين، فنزل نهر أَبي فطرس، وقد غلب على فلسطين الحكم بن صنعان الخذامي وسود.
فأَرسل مروان إِلى عبد اللّه بن يزيد بن روح بن زنباع فأَجازه .
وكتب أَبو العباس إِلى عبد اللّه بن علي يأمره باتباع مروان.
فسار عبد اللّه إِلى الموصل، فتلقاه هشام بن عمرو، وبشر بن خزيمة وقد سود في أَهل الموصل، وفتحوا له المدينة .
ثم سار إِلى حران، وولى الموصل ابن صول، فهدم الدار التي حبس فيها إِبراهيم بن محمد. ثم سار من خراسان إِلى منيح وقد سودوا فنزل مدينة منيح، وقدم عليه أَبو حميد المروزي، وبعث إِليه قنسرين ببيعتهم. كما أَتاه عنهم أَبو أمية .
وقدم عليه عبد الصمد بن علي آمده به أَبو العباس في أَربعة آلاف فأَقام يومين بعد قدوم عبد الصمد.
ثم سار إِلى قنسرين فأتاها وقد سود أَهلها وأَقام يومين .
ثم سار حتى نزل حمص وأَقام بها حتى بايع أَهلها .
ثم سار إِلى بعلبك فأَقام يومين.
ثم ارتحل فنزل مرة قرية من قرى ،دمشق وقدم عليه صالح بن علي مدداً، فنزل مرج عسكراً في ثمانية آلاف وفرق أَصحابه على أَبواب دمشق، وحاصروها والبلقاء وتعصب الناس بالمدينة وقتل بعضهم بعضاً وقتلوا الوليد وفتحوا المدينة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وكان أَول من صعد السور من باب الشرقي عبد اللّه الطائي، ومن قبل باب الصغير بسام بن إِبراهيم، فقاتل فيها ثلاث ساعات ثم أمر بالكف.
وأَقام عبد اللّه بن علي بدمشق ثمانية عشر يوماً، ثم سار يريد فلسطين فنزل بهم السكوة، ووجه منها يحيى بن جعفر الهاشمي إِلى المدينة. ثم ارتحل إِلى الأُردن فأتوه ، وقد سودوا . ثم سار إِلى مرج الروم، ثم سار إِلى نهر أَبي فطرس، ومعه ابن قبان وعامر بن إسماعيل وأَبو عون وقدم أَبا عون على مقدمته . وسار فنزل الرملة، ثم سار فنزل ساحل البحر وجمع صالح بن علي [30/ ب] السفن وتجهز يريد مروان وهو بالعراء، فسار على الساحل والسفن حذاءه في البحر حتى نزل العريش. وبلغ مروان فأحرق ما كان حوله من علف وطعام وهرب.
ومضى صالح بن علي فنزل النيل، ثم سار حتى نزل الصعيد.
وبلغه أن لمروان خيلاً بالساحل [وأَنهم](1)يحرقون الأَعلاف فوجه إِليهم قواداً، فأخذوا رجالاً وقدموا بهم على صالح، وهو بالفسطاط.
فعبر مروان النيل وقطع الجسر وحرق ما حوله.
ومضى صالح يتبعه، فالتقى هو وخيل لمروان فأَصاب منهم طرفاً وهزمهم .
ثم ارتحل فنزل موضعاً يقال له: ذات الساحل، وقدم أَبي عون ومعه شعبة بن كثير المازني فلقوا خيلاً لمروان فهزموهم، فأسرا منهم رجالاً فقتلوا بعضهم واستحيوا بعضاً وسألوهم عن مروان؟
فقالوا : إِن أَمنتمونا دللناكم على مكانه، فأمنوهم به، فساروا فوجدوه نازلاً في كنيسة ببوصير(2)
وقال أَبو عمرو الكندي : قُتل مروان ببوصير من كورة الاشمونين.
وقال لي المفضل بن الحجاج بُوصير قوريدس : من كورة البوصيرية .
وإِلى بوصير قوريدس ينسب أَبو القاسم هبة اللّه بن علي بن مسعود بن ثابت بن غالب بن هاشم الأنصاري الخزرجي، كتب إِلى أَبي الربيع سليمان بن عبد اللّه التميمي المكي في جواب كتاب كتبته إِليه من حلب أَسأَله عنه فقال: سأَلت ابن الشيخ البوصيري عن سلفه ونسبه وأَصله فأَخبرني أَنهم من المغرب من موضع يسمى المُنَستير . قال : وبالمغرب موضعان يسميان المنستير، أحدهما بالأندلس بين لقنت وقرطاجنة في شرق الأندلس، والآخر بقرب سوسة من أرض إفريقية، بينه وبينها اثنا عشر ميلاً، قال : ولم يعرفني والدي من أَيها ،نحن وكان أول قادم منا إِلى مصر جد والدي ،مسعود فنزل بوصير قوريدس، فأولد بها جدي عليا، ودخل علي مصر فأَقام بها، فأَولد بها أَبي القاسم ولم يخرج من الإقليم إِلى سواه إِلى أن توفي في ليلة الخميس الثاني من صفر سنة (598) أخبرني بالوفاة الحافظ الزكي عبد العظيم المنذري (معجم البلدان) .
ووافوه في آخر النهار فهرب الجند، وخرج إِليهم مروان في نفر يسير، فأَحاطوا به فقتلوه .ومن عجيب الأُمور التي جرت هناك : أَن أَبا عون عامر بن إسماعيل تحدث فقال : لقينا مروان ببوصير ونحن في جماعة كبيرة، فشدوا علينا، فأنصبوا بنا إِلى نخيل، ولو يعلمون بقلتنا لأَهلكونا فقلت لأصحابي : إن أصبحنا فرأونا ونحن نفر يسير لم ينج منا أحد، وذكرت قول بكير بن هامان أَنت واللّه تقتل مروان كأبي إسماعيل، تقول: دهند يا حوا سكان فكسرت جفن سيفي وكسر أصحابي جفون سيوفهم وقلت : دهند ياحوا سكان، وكأنها نار صبت عليهم، فانهزموا وحمل رجل على مروان، فضربه بسيفه فقتله وكتب عامر بن إسماعيل إِلى صالح بن علي، فكتب صالح بن أَبي علي إِلى أَمير المؤمنين أَبي العباس :
إنّا اتبعنا عدو اللّه الجعدي حتى أَلجأناه إِلى أَرض عدو اللّه شبهة فرعون فقتله بأَرضه، ، وبعث صالح برأسه مع يزيد بن هانئ وكان على شرطة أَبي العباس يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين ومائة ورجع صالح إِلى الفسطاط، ثم انصرف إِلى الشام فدفع الغنائم إِلى أَبي عون السلاح، والأموال والرقيق إِلى أَبي الفضل بن دينار.
وخلف أَبا عون على مصر، وقتل مروان وهو ابن نيف وستين سنة، واختلف الناس في النيف، فلذلك لم أثبته .
وكانت ولايته من حين بويع إِلى أَن قتل خمسين سنة وعشرة أَشهر وستة عشر يوماً. وكانت أمه أمة لإِبراهيم بن الأَشتر أصابها محمد بن مروان بن الحكم يوم قتل ابن الأَشتر فأخذها ثقله، من وهي مسن فولدت مروان على فراشه.
ولما بُويع أَبو العباس دخل عليه ابن عياش المستوف فقال :
الحمد للّه الذي أَبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمه النجع، ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم و ابن عبد المطلب .
وفي هذه السنة: خلع أَبو الورد أَبا العباس بقنسرين فبيض وبيضوا معه .
ذكر الخبر في تبييض أَبي الورد وانتفاض تلك النواحي كلها وما آل إِليه(1)أَمرهم
كان سبب ذلك أن أَبا الورد واسمه مجزاة(2)بن الكوثر بن زفر بن الحارث
الكلابي [ و ] (1)كان من أصحاب مروان وفرسانه (2)وقواده(3).
فلما هزم مروان وأَبو الورد بقنسرين قدمها عبد اللّه بن علي فبايعه، فدخل فيما دخل فيه الناس من الطاعة .
وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس(4)والناعورة .
فقدم بالس قائد من قواد عبد اللّه بن علي من الأزد مروية في مائة وخمسين فارساً، فتعرض لنساء مسلمة بن عبد الملك، وعبث بولد مسلمة فشكا بعضهم ذلك إِلى أَبي الورد، وذكره الحق والحرمة فخرج من مزرعة له تعرف بحساف في عدة من أَهل بيته حتى هجم على ذلك القائد، وهو نازل حصن مسلمة، فقاتله حتى قتله ومن معه.
وأظهر التبييض(5)والخلع والدعاء لأَهل قنسرين(6)
قال أَحمد بن يحيى سار أَبو عبيدة بن الجراح بعد فراغه من اليرموك إِلى حمص فاستقراها ثم أتى قنسرين وعلى مقدمته خالد بن الوليد فقاتله أَهل مدينة قنسرين ثم لجؤوا إِلى حصنهم وطلبوا الصلح فصالحهم وغلب المسلمون على أرضها وقراها.
وقال ابن الأنباري : أخذت من قول العرب :قنسري: أي مُسِنٌ . (معجم البلدان).
إِلى ذلك فتسارعوا إِليه وبيضوا بأَجمعهم وعبد اللّه بن علي مشغول بحرب ابن حبيب بن مرة في إيلة بأَرض البلقاء والبثنية (7)وحوران .وكان قد لقيه عبد اللّه بن علي في جموعه [أ/31] فقاتله وكان بينه وبينهم وقعات وقعات، وكان من قواد مروان وفرسانه. وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه فبايعته قيس وغيرهم ممن يليهم من أَهل تلك الكور .
فلما بلغ عبد اللّه بن علي تبييض أَهل قنسرين دعا حبيب بن مرة إِلى الصلح، فصالحه وآمنه ومن معه، وخرج متوجهاً نحو قنسرين للقاء أَبي الورد.
فمر بدمشق فخلف عليها أَبا الغنائم عبد الحميد بن ربعي في أَربعة آلاف رجل من جنده .
1) زيادة من الكامل.
2) في المخطوط وفرسان وهو تحريف .
3) في المخطوط وقواي وهو تحريف وتصويبه من الكامل.
4) بَالِس بلدة بالشام بين حلب والرَّقة سميت فيما ذكر ببالس بن الروم بن اليَقَن بن سام بن نوح عليه السلام وكانت في ضفة الفرات الغربية، فلم يزل الفرات يشرق عنها قليلاً قليلاً حتى صار بينهما في أيامنا هذه أَربعة أميال.
5) التبييض أي التبيين وإظهار الحق وتوضيحه وتنويره.
6) قال صاحب الزيج : ... في جبلها مشهد يقال إنه قبر صالح النبي عليه السلام وفيه آثار أقدام الناقة، ولصحيح أن قبره باليمن بشبوة، وقيل بمكة، واللّه أعلم. وكان فتح قنسرين على يد أَبي عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنه سنة (17) وكانت حمص وقنسرين شيئاً واحداً.
7) البنيْنَة : مُصغراً بلفظ صاحب جميل، هضبة على طريق السفر بين البحرين والبصرة.
وكان بدمشق يومئذٍ امرأة عبد اللّه بن علي أم البنين بنت محمد بن عبد المطلب النوفلية وأمهات الأولاد لعبد اللّه بن علي وثقله [فلما قدم حمص انتفض ](1)له .
فلما قدم حمص في وجهه انتفض عليه بعده أَهل دمشق، فبيضوا ونهضوا مع عثمان بن عبد اللّه بن مراقة الأزدي فنهضوا إِلى أَبي غانم ومن معه، فقاتلوه، وهزموه، وقتلوا من أَصحابه مقتلة عظيمة، وانتهبوا ما كان عبد اللّه بن علي خلفه من ثقله و متاعه ولم يعرضوا لأَهله، وبيض أَهل دمشق واستجمعوا على الخلاف .
ومضى عبد اللّه بن علي، وقد كان تجمع مع أَبي الورد جماعة من أَهل قنسرين، وكاتبوا من يليهم من أَهل حمص وتَدْمُر.(2)
وهي من عجائب الأبنية موضوعة على عمد الرخام زعم قوم أنها من بناية الجن لسليمان عليه السلام ونعم الشاهد في ذلك قول النابغة الذبياني :
إلا سليمان إذ قال الإله له : *** قم في البرية فاحددها عن الفند
وخَيِّسِ الجنَّ إني قد أذنت لهم *** يبنون تدمر بالصفاح والعمد
وأَهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود عليهما السلام بأكثر مما بيننا وبين سليمان عليه السلام، ولكن الناس إذا رأوا بناءاً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إِلى سليمان وإِلى الجن . (معجم البلدان) .
فقدم منهم ألوف وعليهم أَبو محمد بن عبد اللّه بن يزيد بن معاوية بن أَبي سفیان، فرأسوا عليهم أَبا محمد ودعوا إِليه وقالوا : هو السفياني الذي كان يُذَكَّرونهم، وهم نحو من أَربعين ألفاً فلما دنا منهم عبد اللّه بن علي، وأَبو محمد معسكر لجماعتهم في مرج يقال له : مرج الأخرم، وأَبو الورد المتولي لأمر العسكر، وهو صاحب القتال والوقائع .
وجه عبد اللّه بن علي أخاه، عبد الصمد بن علي في زهاء عشرة آلاف فارس.
فناهضهم أَبو الورد ولقيهم بين العسكرين واستمر القتال في الفريقين وثبت القوم حتى انهزم عبد الصمد ومن معه، وقتل منهم يومئذ ألوف.
وأقبل عبيد اللّه حيث أتاه عبد الصمد ومعه حميد بن قحطبة وجماعة من معه من القواد، فالتقوا واقتتلوا بأبند بمرج الأخرم قتالاً شديداً، فانكشفت منهم جماعة ممن كان مع عبد اللّه. ثم تأَبوا وثبت لهم عبد اللّه وحميد بن قحطبة فهزموهم.
وثبت أَبو الورد في نحو من خمسمائة من(3)أَهل بيته وقومه فقتلوا جميعاً، وهرب أَبو محمد ومن معه حتى لحقوا بتدمر وأمَّنَ عبد اللّه أَهل قنسرين، وسودا
وبايعوه . ثم انصرف راجعاً إِلى أَهل دمشق، ولما كان من تبييضهم عليه وثوبتهم على أَبي غانم، فلما دنا من دمشق هرب الناس وتفرقوا ولم يكن منهم وقعة، فأمن عبد اللّه أَهلها بايعوه، ولم يأخذهم بما كان منهم .
وأما أَبو محمد فلم يزل متغيباً ولحق بأرض الحجاز(1)
وبقي كذلك إِلى أيام المنصور.
. وبلغ زياد بن عبد اللّه بن الحارثي - عامل أَبي جعفر على المدينة - مكانه الذي فيه فوجه إِليه خيلاً فقاتلوه حتى قتل وأخذوا ابنين(2)له فبعث بهما إِلى[ أَبي](3)جعفر وهو يومئذ أَمير [أَبي] المؤمنين فأمر بتخلية سبيلهما وأمنهما .(4)وفي هذه السنة : نهض أَهل الجزيرة وخلعوا أَبا العباس.
ذكر [الخبر ](5)عن ذلك
كان الناس يظنون المودّة أَنها ترد عليهم سُنّة الصدر الأول، فلما رأوا [أن](6)سيرتهم شبيهة بسيرة من تقدمهم ثم هجم عليهم عسكر غريب عنهم لهم معرات وأطماع تبرّموا بهم فلما خرج فلما خرج أَبو داود لغيرته وحميته على نساء مسلمة انتفض الناس من كل ناحية.
وكان بحران يومئذ موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من الجند صاحب عبد اللّه بن علي وسار إِليه الناس منتهضين من كل وجه فحاصروه ومن معه وأَمرهم مشت- وأَمرهم مشتت ليس عليهم رأس تجمعهم، وقدم على بقية ذلك إسحاق بن مسلم [العقيلي] من أرمينية كان شخَصَ عنها حين بلغته هزيمة مروان، فرأسته(7)جنود الجزيرة حتى موسى بن كعب .
فوجه أَبو العباس أخاه أَبا جعفر بمن معه من الجنود التي كانت معه بواسط، محاصرة ابن هبيرة، فمضى حتى مَرَّ بقرقيسيا وأَهلها (8)[31/ ب] منتضون (9)قد غلقوا أَبوابها دونهم .
ثم قدم مدينة الرقة وهم على مثل ذلك، وبها بكار بن مسلم، فمضى نحو حرّان .
1) بعدها في الكامل :
2) في المخطوط ابنينا والتصويب من الكامل.
3) زيادة يتطلبها السياق وقد سقط من المخطوط .
4) بعد هذا في الكامل : وقيل : إن حرب عبد اللّه ، وأَبي الورد كانت سلخ ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومائة .
5) زيادة يتطلبها السياق .
6) زيادة من الكامل.
7) أي جعلته رأساً أو رئيساً أو أَميراً أو إماماً لهم يقاتلون وراءه وتحت رايته وقيادته وإمرته .
8) في المخطوط : أَهل، وهو تحريف.
9) قال ابن منظور في لسان العرب: نضا ثوبه عنه :نضواً : أي خلعه وألقاه عنه . ونضوت ثيابي عني إذا ألقيتها عنك ونضاه من ثوبه : جرده . قلت : والمراد هنا أنهم قد نفضوا أيديهم مما هم فيه واخلدوا إِلى الراحة وتحققوا من ثيابهم.
ورحل إسحاق أَبو مسلم إِلى الرها في سنة ثلاث وثلاثين ومائة .
وخرج موسى بن كعب فيمن معه مدينة حران فلقوا أَبا جعفر .
وقدم بكار على أَخيه مسلم بن عقيل فوجّه إِلى رجل من الحرورية يقال له : بريكة وهو في جماعة ربيعة .
فصمد له أَبو جعفر فقاتلوا قتالاً شديداً، وقتل بريكة، وانصرف بكار إِلى أَخيه بالرّها فخلفه إسحاق بها، ومضى إِلى سَمَيْسَاط(1)
ولها قلعة في شق منها يسكنها الأرمن ومالكها في هذا الزمان الملك الأفضل علي ابن الملك الناصر يوسف بن أيوب صلاح الدين. (معجم البلدان) .
، فخندق على عسكره، وأَقبل أَبو جعفر حتى قاتله بكار بالرها وكانت بينهم وقعات .وكتب أَبو العباس إِلى عبد اللّه بن علي في المسير بجنوده إِلى إسحاق بسميساط فأقبل حتى نزل عليه وهم في ستين ألفاً من أَهل الجزيرة جميعاً، وبينهما الفرات. وأقبل
أَبو جعفر من الرها فكاتبهم إسحاق، وطلب الصلح، فأَبوا، وطلب الأمان فأجابوه . وكتبوا إِلى أَبي العباس فأَمرهم أَن يأمنوا ومن معه فكتبوا بينهم كتابا ويقولوا له فيه، فخرج أَبو إسحاق إِلى أَبي جعفر وتم الصلح وكان إسحاق بن مسلم العقيلي حيث حاصره أَبو جعفر يقول : في عنقي بيعة ولست أدعها حتى أعلم أن صاحبها قد مات أو قتل.
فأَرسل إِليه أَبو جعفر : أَن مروان قد قتل.
فقال : حتى أتيقن .
ثم لما طلب الصلح قال: قد أَيقنت(2)أَن مروان قد قتل وولى أَبو العباس أَبا جعفر الجزيرة وأرمينية(3)
فالأولى: بيلقان وقبله وشروان وما انضم إِليها عُد منها.
والثانية : جُرْزان وصغد بيل وباب فيروز قباذ واللكز.
والثالثة : المُسْفُرجان ودبيل وسراج طير ويغروند والتّشَوَى .
والرابعة وبها قبر صفوان بن المعطل .
وأذربيجان ولا يزل عليها حتى استخلف.وفي هذه السنة: شخص أَبو جعفر إِلى خراسان لاستطلاع رأي أَبي مسلم في
قتل أَبي سلمة جعفر بن سليمان يقال الذي [هو ] (1)
صاحب رسول اللّه صلّی اللّه علیه وسلّم، وهو قرب حصن زياد عليه شجرة نابتة لا يعرف أحد من الناس ما هي، ولها حمل يشبه اللوز يؤكل بقشره، وهو طيب جداً.
وزير آل محمد.ذكر السبب في مسيره إِلى جعفر وما كان من أَمره وأَمر أَبي مسلم
فلما ذكر تنكر أَبي العباس لأَبي سلمة وما كان به، فحكى أَبو جعفر قال:
لما ظهر أَبو العباس سمرنا ذات ليلة فذكرنا صنيع أَبي سلمة، فقال رجل منا [ما] (2)يدريكم لعل ما صنع أَبو سلمة كان عن رأي أَبي مسلم .
فلم ينطق منا أحد .
فقال أَمير المؤمنين أَبو العباس : لئن كان هذا عن إِباء تعوض بلاء إلا أن يدفعه اللّه عنا .
فأَشار عليه داود بن علي بأَن يكتب لأَبي مسلم ما هَمَّ به من الغش وما عامله من القبيح وما يتخوفه منه ففعل .
فأَجاب أَبو مسلم : إِن كان أَمير المؤمنين قد اطلع على ذلك فليقتله.
فقال داود بن علي لأَبي العباس : لا تفعل يا أَمير المؤمنين، فإن أَبا مسلم يحتج بهذا، وكذلك أَهل خراسان الذين معك [ أَصحابه ](3)وحاله فيهم حاله، ولكن ابعث إِلى أَبي مسلم من يعرف بنيته ويطلع على سريرته، ثم تكلفه أن يبعث هو إِلى أَبي سلمة من يقتله . (4)
قال أَبو جعفر : فأَرسل إلي أَبو العباس وقال: ما ترى؟
فقلت : الرأي رأيك .
فقال : إِنه ليس أَحد أَخص إِلى أَبي مسلم منك فأَخرج إِليه حتى تعلم ما رأيه؟ فليس يخفى عليك لو قد لقيته، فإن كان عن رأيه صدر أَبو سلمة احتلنا لأَنفسنا، وإن لم يكن عن رأيه طابت أَنفسنا .
فخرجت على رَحُلٍ ،شديد فلما انتهيت إِلى الري إذا صاحب أَبي سلمة قد أَتاه كتاب أَبي مسلم : أَنه بلغني أن عبد اللّه بن محمد قد توجه إليك، فإذا قدم فأشخصه [من](5)ساعة يقدم عليك.
فأقرأني كتابه، وأَمرني بالرحيل، فازددت وجلاً، وخرجت من الري وأَنا خائف حذر، فسرت، فلما كنت بنيسابور إذا عاملها قد أتاني بكتاب أَبي مسلم :
إذا قدم عليك أَبو جعفر، فأشخصه ولا تدعه يقيم، فإن أرضك أرض خوارج(1)، ولا آمن عليه .
فطابت نفسي، وقلت: أراه يُعْنَى بأمري، فسرت، فلما كنت من مرو على فرسخين تلقاني أَبو مسلم في الناس.
فلما دنا مني نزل وأقبل يمشي إليّ حتى قبل يدي فقلت: اركب، فركب، ودخلت مرو، ودخلت داراً أفردها لي، ومكثت ثلاثة أيام لا يسألني عن شيء، ثم قال لي في اليوم الرابع : ما أقدمك ؟ فأَخبرته .
فقال : إِني قد كاتبت أَمير المؤمنين [في] ذلك.(2)
فقلت أَمير المؤمنين يحب أَن تلي أَنت منه ما ترى.
فقال : سمعاً وطاعة .
ثم دعا مرار بن أَنس الضبي، فقال [32/أ] انطلق إِلى الكوفة، فاقتل أَبا سلمة حيث لقيته (...)(3)في ذلك إِلى رأي الإِمام .
فقدم الكوفة، وكان أَبو سلمة بسمرقند عند أَبي العباس، فقعد له في طريقه، فلما خرج ،قتله قالوا: قتلته الخوارج .
فقال سليمان بن المهاجر: إن الوزير وزير آل محمد أودى ممن يشناك كان وزيراً.
وكان يقال لأَبي سلمة وزير آل محمد ولأَبي مسلم أمين(4)آل محمد.
فحكي عن سالم :قال صحبت أَبا جعفر من الري إِلى خراسان وكنت حاجبه وكان أَبو مسلم يأتيه فينزل على الباب ويجلس في الدهليز، ويقول لي: استأذن عليه .
فغضب أَبو جعفر عليّ وقال : ويلك إذا رأيته فافتح له الباب، وقل له يدخل على
1) كانت طائفة الخوارج تكن لبني أمية وبني العباس أشد العداء لما كان من أَمرهم مع سيدنا علي وما كان من أمر سيدنا علي مع سيدنا معاوية وأمر التحكيم وما إِلى ذلك مما هو مشهور .
2) زيادة يتطلبها السياق .
3) موضع النقط كلمة جاءت في المخطوط على هذا الرسم (دآبيه).
4) في المخطوط اختلط قول الناسخ فيها بين أَمير وأمين فجاءت الكلمتان متراكبتان وهي إِلى أمين أقرب فأثبتها مستدلاً بما عند الطبري حيث إنها في الكامل أَمير وأَشار محققه إِلى أنها في الطبري أمين وهو ما يأتي موافق دائماً لما في مخطوط هذا الكتاب وكأنه نقل عنه، واللّه أعلم.
دابته، فلما رأيته مقبلاً قلت لأَبي مسلم إنه قال كذا كذا، وفتحت له الباب قال : نعم وإن قال أعلمه واستأذن لي عليه .
وفي هذه السنة : وجّه أَبو العباس أخاه أَبا جعفر لحرب يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط.
ذکر آراء أشير بها على ابن هبيرة فخالفها
لما انهزم ابن هبيرة وتفرق عنه الناس خلف على أثقاله قوماً فذهبوا بتلك الأموال .
فقال له حوثرة : أين تذهب وقد قتل صاحبهم - يعني قحطبة - امض(1)إِلى الكوفة فمعك جند كثير فقاتلهم حتى [تقتل](2)أو تظفر .
فقال : بل آتي واسطاً، فانظر واستعد.
فقال له : إنك ما تزيد(3)على أن تمكنه من نفسك حتى تضعف وتقتل .
وقال له يحيى بن حصين : إنك لا(4)تأتي مروان بشيء أحب إِليه من هذه الجنود والزم الفرات(5)حتى تقدم عليه (6)، وإياك وواسطاً، فتصير في حصار، وليس بعد الحصار إلا القتل .
فأَبى لأَنه(7)يخاف مروان، وذاك أَنه يكتب إِليه في الأَمر فيخالفه، فخافه(8)، فأَتى واسطاً وتحصن .
وسَرّح إِليه أَبو سلمة(9)الحسن بن قحطبة فخندق الحسن ونزل بين الزاب ودجلة وكانت بينهم وقائع.(10)
ثم وجه أَبو العباس أَخاه جعفر لحرب ابن هبيرة.
وكتب إِلى الحسن(11): أَن أَمر الجند إليك ولكني أَحببت أن يكون أخي حاضراً.
1) في الكامل : أتمضي، وأَشار محققه إِلى أنه في الطبري : امض كما هنا .
2) ما بين المعقوفين سقط من المخطوط وأثبته من الكامل.
3) الكامل تريد وما هنا هو الأصوب والأوفق للسياق.
4) في الكامل : «لو» . وما هنا أوفق للسياق .
5) في المخطوط : الفراة. وهو تحريف .
6) في الكامل حتى تأتيه .
7) فی الكامل : وكان .
8) في الكامل : فخاف أن يقتله.
9) في الكامل : وسير أَبو سلمة إِليه الحسن ابن قحطبة.
10) ذكر ابن الأثير هذه الوقائع في الكامل وآثرت تركها حتى لا أطيل ثم لأني لست من أنصار سرد تلك الوقائع بتفاصيلها .
11) ابتداء من هنا مذكور أيضاً في الكامل بنحوه .
فلما قدم أَبو جعفر واسطاً تحول له الحسن حجرته فقابلهم أَبو نصر مالك الخزاعي يوماً فخرج إِليه أَهل واسط وحاربوه.
ثم انهزم أَهل الشام وقد أمكنوا (1)معن بن زائدة وغيره، فلما جازهم أَهل خراسان(2)خرجوا عليهم فقتلوا منهم فترجل أَبو نصر واقتتلوا عند الخندق ورفعت لهم النيران وابن هبيرة على برج باب الخلالين (3)فبقوا يقتتلوا ما شاء اللّه من الليل . وسَرّح ابن هبيرة [و] (4)قد هَمَّ أن يدعو إِلى أَحمد بن عبد اللّه بن حسن فكتب إِليه وأبطأ عليه الجواب وجرت السفراء بينه وبين أَبي جعفر في الصلح حتى جعل له أمان (5)وكتب به كتابا فمكث يشاور فيه العلماء أربعين يوماً حتى رضيه .
ثم أنفذه إِلى أَبي جعفر فأنفذه أَبو جعفر إِلى أَبي العباس، فأمر بإمضائه.
وكان أَبو العباس لا يقطع أمراً دون أَبي مسلم وكان أَبو الجهم عيناً لأَبي مسلم على أَبي العباس فكتب إِليه بأَخباره فكتب أَبو مسلم إِلى أَبي العباس:
أن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فَسُدَ ولا واللّه ما صلح ملك (6)فيه ابن هبيرة. [ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة] (7)إِلى أَبي جعفر في ألف وثلاثمائة من البخارية، فأَراد أَن يدخل الحجرة ،بدابته فقام إِليه سلام بن سليم فقال مرحباً أَبا خالد، انزل راشداً .
وقد أطاف بالحجرة نحو من عشرة آلاف من أَهل ،خراسان، فنزل وأَجلسه على وسادة ثم دعا له بالقواد فدخلوا عليه.
ثم قال سلام: ادخل أَبا خالد.
فقال: أَنا ومن معي؟
فقال : إِنما استأذنت لك وحدك، فقام ودخل، فوضعت له وسادة، فجلس عليها وحدثه ساعة، ثم قام، ثم مكث يقيم عنه يوماً(8)ويأتيه يوماً في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل .
فقال يزيد بن حاتم أَيها الأَمير إن إِبراهيم ليأتي فتضعضع له العسكر، وما
1) في المخطوط امكثوا وهو تحريف وفي الكامل وقد كمن معن وأَبو يحيى الجذامي.
2) في الكامل : أصحاب مالك .
3) في الكامل : على برج الخلالين .
4) ساقطة من المخطوط والسياق يقتضيها .
5) في المخطوط أياماً وهو تحريف والتصويب من الكامل.
6) في الكامل : طريق .
7) سقط من المخطوط، وأكملته من الكامل.
8) في الكامل : ثم مكث يأتيه يوماً .
نقص من سلطانه شيء.
فقال أَبو جعفر لسلام: قل لابن هبيرة يدع هذه الجماعة، ويأتينا في حاشية.
فقال له ذلك سلام [32/ ب] فتغير وجهه [ فكان يأتي](1)في نحو من ثلاثين من حاشيته، فقال له سلام: كأنك تأتينا مباهياً .
فقال : إِن أَمرتمونا أَن نمشي إليكم مشينا .
فقال : ما أَردنا بك استخفافاً، ولكن نظراً لك .
فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة نفر .
فيقال : إِن ابن هبيرة كلم يوماً أَبا جعفر، فقال: يا هناه ، ثم قال : إيه للّه أَنت، ثم رجع فقال: أَيها الأَمير إن عهدي (2)بكلام الناس بمثل [ما](3)خاطبتك به لقريب(4)فسبقني لساني إِلى العادة ولم أردّه .
فتبسم أَبو جعفر، فقال: صدقت.
وألح أَبو العباس على أَبي جعفر في قتل ابن هبيرة وهو يراجعه، حتى كتب إِليه، واللّه لتقتلنه أو لأَرسلن إِليه من يخرجه من حجرتك(5)ويتولى قتله [فعزم على قتله ].(6)
فتقدم أَبو جعفر يختم بيوت الأموال، ثم بعث إِلى وجوه من معه، فلما حضروا نزعت سيوفهم، وكتفوا ثم أَرسل إِلى(7)ابن هبيرة : إنا نريد حمل المال.
فقال ابن هبيرة لحاجبه : يا أَبا عثمان دلهم(8)عليه، فوكلوا بكل بيت نفراً، ثم جعلوا ينظرون في نواحي الدار، ومع ابن هبيرة ابنه داود، وكاتبه، وحاجبه وعدة من موإِليه، وبني له صغير في حجره، فجعل ينكر ،نظرهم وقال : أقسم باللّه، إن في وجوه القوم الشراً.
فأقبلوا نحوه، فقام حاجبه في وجوههم، فقال: وراءكم.
1) ما بين المعقوفين سقط من المخطوط وأتممته المخطوط وأتممته من الكامل.
2) في الكامل : فقال له ابن هبيرة يا هناه أو يا أَيها المرء، ثم رجع فقال أَيها الأَمير، إن عهدي .
3) سقط من المخطوط وأضفته من الكامل.
4) في المخطوط قريب والتصويب من الكامل .
5) فى المخطوط : من حجرك، والتصويب من الكامل
6) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل
7) تكرر هذا اللفظ في المخطوط فحذفت التكرار.
8) في المخطوط فدلهم وهو تحريف .
فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه وقاتل ابنه داود فقتل، وقتل موإِليه ونحى ابن هبيرة الصَّبي في حجرة وقال : دونكم هذا الصبي وخرَّ ساجداً، فقتل وهو ساجد فمضوا برؤوسهم إِلى أَبي جعفر فنادى بالأمان في الناس.(1)
وقال أَبو العطاء السندي يرثيه :
ألا إن عيناً لم تَجُدْ يومَ واسط *** عليك بجاري(2)دمعها لجَحُودُ(3)
عشية قام النائحاتُ شققنَ(4)*** جيوب(5)بأيدي مأتم وخدودُ
فإن يمس(6)مهجورَ الفناءِ فربما *** أَقام به بعد الوفودِ وفودُ
وإنك لم تبعد على متعهد *** بلى كل من تحت التراب بعيد
وقال منقذ بن عبد الرحمن الهلالي يرثيه :
منع العزاء حرارة الصدر *** والحزن عقد عزيمة الصبر
أفتى الحماة العزاز عرضت *** دون الوفاء حبائل الغدر
مالت حمائل أَمرهم بفتی *** مثل النجوم حففن بالبدر
عالي يبعثهم فقلن له *** مهلاً أتيت لصحبة الحشر
من للمنابر بعد هلكهم *** أم من يسد مكارم الفخر
قتلى بدجلة ما تحيتهم *** إلا عباب زواخر البحر
وفي هذه السنة : وجّه أَبو العباس عمه عيسى بن علي [إِلى] (7)فارس وكان عليها لمحمد بن الأَشعث من قِبل أَبي مسلم، فهم بعيسى فحذره ثقاته. وقالوا له : هذا لا يسوغ لك .
فقال : بلى أَمرني أَبو مسلم إلا أن يقدم علي أحد يدعي الولاية من غيره إلا ضربت عنقه . ثم ارتدع عن ذلك، واستدعى عيسى .
فاستحلفه بالأيمان (8)المحرجة ألا يعلو منبراً يتقلد بسيف إلا في جهاد.
1) أي أمان؟ أي عهود؟ وأي مواثيق؟ كلها شعارات ترفع منذ قديم الزمن إِلى يومنا هذا فليت شعري أي الطريق لقد ادلهم الظلام وكفت الأبصار واختمرت العقول وحار اللبيب، فاللّهم خذ بأيدينا إِلى سبيلك فليس لها من دونك يا اللّه كاشفة اللّهم آمين .
2) في الكامل : بخارى، وأَشار محققه إِلى أنها في الطبري كما هنا .
3) فى الكامل لجمود
4) في الكامل: صفقت .
5) في الكامل: أكف
6) في الكامل : تنس.
7) زيادة يتطلبها السياق
8) في المخطوط بالأمان، والمقصود الأيمان المغلظة التي لا تحتمل أي تأويل غير ما هو مستحلف عليه وعلى ما يفهمه السامع للقسم والمقسم له.
فلم يلي عيسى بعد ذلك عملاً ولا تقلد سيفاً إلا في غزوة.
ثم استعمل بعد ذلك إسماعيل بن علي والياً على فارس.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة
وفيها: قتل داود بن علي من وجد من بني أمية بمكة والمدينة (1)
ولما أَراد قتلهم قال له عبد اللّه بن الحسن بن الحسن: يا أخي إذا قتلت هؤلاء فمن تباهي بملكه ؟! أما يكفيك أن يروك غادياً ورائحاً فيما يذلهم ويسؤوهم. فلم يقبل منه وقتلهم.
.وفيها: مات داود بن علي بالمدينة.
وفيها: خرج شريك شيخ المهري على أَبي مسلم بخراسان ببخاری، وقال:
ما على هذا اتبعنا آل محمد أَن نسفك الدماء ونعمل بغير الحق. وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفاً .
فوجه إِليه أَبو مسلم زياد بن صالح فقاتله وقتله. وخرج جماعة على أَبي مسلم فقتلهم .
ولم يجر في حروبهم ما يستفاد منه تجربة بل كان والإقبال، فتركنا ذكرها وكان إسماراً فقط (2)
وفي هذه السنة : أقبل قسطنطين ملك الروم إِلى ملطية، وكمخ فنازل كمخ، فأَرسل أَهلها إِلى أَهل ملطية يستنجدونهم فسار إِليهم منها ثمإِنما ئة مقاتل فقاتلهم الروم فانهزم المسلمون ونازل الروم ملطية وحصروها والجزيرة يومئذ مفتوحة بما ذكرناه وعاملها موسى بن كعب بحران فأَرسل قسطنطين إِلى أَهل ملطية إني لم أحصركم إلا على علم من المسلمين واختلافهم فلكم الأمان وتعودون إِلى بلاد المسلمين حتى احترث ملطية فلم يجيبوه إِلى ذلك، فنصب المجانيق فأذعنوا وسلموا البلد على الأمان وانتقلوا إِلى بلاد الإسلام وحملوا ما أمكنهم حمله وما لم يقدروا على حمله القوة في الأَبا ر والمجاري، فلما ساروا عنها أخبر بها الروم ورحلوا عنها عائدين وتفرق أَهلها في بلاد الجزيرة وسار ملك الروم إِلى قاليقلا فأنزل مرج الخصى وأَرسل كوشان الأرمني فحصرها فنقب إخوان من الأرمن من أَهل المدينة ردماً كان في سورها فدخل كوشان ومن معه المدينة وغلبوا عليها وقتلوا رجالها وسبوا النساء، وساق القائم إِلى ملك الروم.
وفي هذه السنة :وجه السفاح عمه سليمان والياً على البصرة وأعمالها، وكور دجلة، والبحرين، وعمان ومهرجانقذق، واستعمل عمه إسماعيل بن علي على الأهواز .
وفيها : مات داود بن علي بالمدينة . قلت : وهذا الخبر ذكره ابن مسكويه غير أنه اقتصر في ذكره على ذلك، لكن ابن الأثير فسره وزاد فيه فقال : بالمدينة في شهر ربيع الأول واستخلف حين حضرته الوفاة ابنه موسى.
ولما بلغت السفاح وفاته استعمل على مكة والمدينة والطائف واليمامة خاله يزيد بن عبيد اللّه بن المدان الحارثي .
ووجه محمد بن يزيد بن عبيد بن عبد المدان على اليمن.
فلما قدم زياد المدينة وجه إِبراهيم بن حسان السلمي - وهو أَبو حماد الأبرص بن المثنى - إِلى يزيد بن عمر بن هبيرة وهو باليمامة فقتله وقتل أَصحابه .
وفيها: توجه محمد بن الأشعث إِلى إفريقية فقاتل أَهلها قتالاً شديداً حتى فتحها.
وفيها : توجه أَبو داود خالد بن إِبراهيم إِلى الختل فدخلها ولم يمتنع عليه حبيش بن الشبل ملكها بل تحصن منه هو وأناس من الدهاقين فلما ألح عليه أَبو داود خرج من الحصن هو ومن معه من دهاقینه وشاكريته حتى انتهوا إِلى أرض فرغانة، ثم دخلوا بلد الترك وانتهوا إِلى ملك الصين، وأخذ أَبو داود من ظفر به منهم فبعث بهم إِلى أَبي مسلم .
وفيها : قتل عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بالموصل قتله سليمان الذي يقال له : الأسود بأمان كتبه له .
وفيها: وجه صالح بن علي سعيد بن عبد اللّه ليغزو الصائفة وراء الدروب.
وفيها: عزل يحيى بن محمد عن الموصل، واستعمل مكانه إسماعيل بن علي، وإِنما عزل يحيى لقتله أَهل الموصل وسوء أثره فيهم .
وحج بالناس هذه السنة: زياد بن عبيد اللّه الحارثي، وكان العمال من ذكرنا إلا الحجاز، واليمن والموصل، فقد ذكرنا من استعمل عليها .
وفيها : تخالف أخشيد فرغانة وملك الشاش فاستمد أخشيد ملك الصين فأمده بمائة ألف مقاتل فحصروا ملك الشاش، فنزل على حكم ملك الصين، فلم يتعرض له ولأَصحابه بما يسؤوهم. وبلغ الخبر أَبا مسلم فوجه إِلى حربهم زياد بن صالح فالتقوا على نهر طراز فظفر بهم المسلمون، وقتلوا منهم زهاء خمسين ألفاً، وأسروا نحو عشرين ألفاً، وهرب الباقون إِلى الصين . وكانت الوقعة في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين .
وفيها: توفي مروان بن أَبي سعيد وابن المعلى الزرقي الأنصاري وعلي بن بذيمة مولى جابر بن سمرة السوائي .
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة
وفيها: خالف بسام بن إِبراهيم بن بسام وخلع وكان من فرسان خراسان(1)
فكَرَّ راجعاً فسألهم عما كان من نزول المغيرة بهم - وكان من قواد بسام -.
فقالوا : مَرَّ بنا رجل مجتاز لا نعرفه فأَقام [33/أَ] في قريتنا الليلة ثم خرج عنها . فقال : أَنتم أَخوال أَمير المؤمنين، ويأتيكم عدوه فيأمن في قريتكم فهلاً اجتمعتم
فأخذتموه ؟ فأغلظوا له الجواب .
فأَمر بهم فضربت أَعناقهم جميعاً، وهدمت ،دورهم، نهبت أموالهم، ثم انصرف إِلى أَبي العباس .
وبلغ ما كان من فعل حازم اليمانية، فأعظموا ذلك واجتمعت كلمتهم، فدخل اللّه زياد بن عبد بن الربيع الحارثي وعثمان بن نهيك وأمثالهم، فقالوا :
يا أَمير المؤمنين إن حازماً اجترأ عليك بأمر لم يكن أقرب ولد أَبيك ليجترئ عليك به من قبل أخوالك الذين قطعوا البلاد إليك معتزين بك طالبين معروفك، حتى إذا صاروا إِلى جوارك، وثب عليهم حازم فضرب أعناقهم، وهدم دورهم ونهب أموالهم، وأخرب ضياعهم بلا حدث أحدثوه .
فهم بقتل حازم .
فبلغ ذلك موسى بن كعب، وأَبا الجهم بن عطية فدخلا عليه، وفشلا عن رأيه، قالا : نعيذك باللّه يا أَمير المؤمنين من الإصغاء إِلى من يحملك على قتل حازم مع طاعته وسابقته وعنائه وهو يحمل لك ما صنع لكيت وكيت(1)
ما صنع فإن شيعتكم من أَهل خراسان قد آثروكم على الأقارب والأولاد والأَباء والإخوان وقتلوا من خالفكم وأنت أحق من تعمد إساءة مسيئهم، فإن كنت لا بد فاعلاً . . .
فإن كنت لا بد مجمعاً على قتله، فلا تتولى ذلك بنفسك، وعرضه من المباعث لما إن قتل فيه كنت قد بلغت منه الذي أردت وإن ظفر كان ظفره لك .وأَشار عليه بأن يوجهه إِلى عمان وبها الجلندي والخوارج معه، وإِلى الخوارج الذين بجزيرة كاوان (2)مع شيبان بن عبد العزيز اليشكوني(3).
فأمر أَبو العباس بتوجيهه مع سبعمائة رجل، وكتب إِلى سليمان بن علي وهو على البصرة يحملهم في السفن إِلى جزيرة ابن كاوان(4)، وعمان . فشخص إِلى هناك مع ابنه خزيمة، فأوقع ممن فيها من الخوارج، وعمل على ما قرب منها من البلدان، وقتل شيبان الخارجي .
ذكر السبب في ذلك والحيلة التي تمت له عليهم
أما في أول مقدمه، فإنه لما أرسى إِلى ساحل عمان لقيهم الجلندي، وأَصحابه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وكثر القتل في أصحاب خازم ، وقتل أخ له من أمه مع تسعين رجلاً .
ثم أَشار عليه رجل ممن كان وقع إِلى تلك الناحية أن يجعلوا على أطراف أسنتهم(1)المشاقة، ويروونها من النفط ويشعلوا فيها النيران ثم يمشوا بها (2)حتى تضرموها في بيوت الجلندي وكانت من خشب .
فلما فعل ذلك وأُضرمت بيوتهم بالنيران وشغلوا فيها وبمن فيها من أَولادهم وأَهاليهم ، وشد عليهم خازم وأَصحابه فوضعوا فيهم السيوف وهم غير ممتنعين .
وقتل الجلندي فيمن قتل، وبلغ عدة من قتل عشرة آلاف، وبعث [برؤوسهم إِلى البصرة فأَرسلها سليمان إِلى السفاح. ومكث ] (3)حازم شهراً شهراً حتى أتاه كتاب أَبي العباس بإقفاله، فقفلوا .
وفي هذه السنة : وجه أَبو العباس موسى بن كعب إِلى الهند(4)جمهور في اثني عشر ألفاً فهزمه، فمضى ومات عطشاً في الرمال(5).
وفي هذه السنة: تحول أَبو العباس من الحيرة إِلى الأنبار (6)
وفيها: ضربت المنار(7)
ثم هذا كل ما ذكره ابن مسكوية في أحداث تلك السنة، وزاد ابن الأثير :
وفي هذه السنة : غزا أَبو داود خالد بن إِبراهيم أَهل كش فقتل الاخريد ملكها وهو سامع مطيع وقتل أَصحابه وأخذ منهم من الأواني الصينية المنقوشة المذهبة ما لم ير مثلها، ومن السروج، ومتاع الصين كله من الديباج والطرق شيئاً كثيراً، فحمله إِلى أَبي مسلم وهو بسمرقند، وقتل عدة من دهاقينهم، واستحيا طاران أخا الاخريد وملكه على كش .
وانصرف أَبو مسلم إِلى مرو بعد أن قتل في أَهل الصغد وبخارى وأمر ببناء سور سمرقند واستخلف زياد بن صليح عليها وعلى ،بخارى ورجع أَبو داود إِلى بلخ .
وفيها : توفي محمد بن يزيد بن عبد اللّه وهو على اليمن، فاستعمل السفاح مكانه على ابن الربيع بن عبيد اللّه .
وحج بالناس في هذه السنة : عيسى بن موسى وهو على الكوفة وكان على قضاء الكوفة ابن أَبي ليلي.
وعلى المدينة ومكة والطائف واليمامة زياد بن عبيد اللّه .
وعلى اليمن: علي بن الربيع الحارثي وعلى البصرة وأعمالها، وكور دجلة وعمان: سلیمان بن علي وعلى قضائها عباد بن منصور .
وعلى السند: موسی بن کعب .
وعلی خراسان والجبال: أَبو مسلم .
وعلى فلسطين: صالح بن علي . وعلى مصر : أَبو عون .
وعلى الموصل : إسماعيل بن علي
وعلى أرمينية : يزيد بن أسيد .
وعلى أذربيجان محمد بن صول. وعلى ديوان الخراج خالد بن برملك .
وعلى الجزيرة : أَبو جعفر المنصور وكان عامله على أذربيجان وأرمينية من ذكرنا .
وعلى الشام عبد اللّه بن علي . وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن سعد بن أَبي وقاص وسعد بن عمر بن سليم الزرقي .
من الكوفة إِلى مكة والاميال.1) في المخطوط اسنهم والتصويب من الكامل.
2) في المخطوط فيها والتصويب من الكامل.
3) ما بين المعقوفين سقط من المخطوط وأثبته من الكامل.
4) في الكامل : السند .
5) في الكامل : وقيل : أصابه بطنه فمات وسمع خليفته على السند بهزيمته فرحل بعيال منصور وثقله فدخل بهم بلاد الخزر .
6) في ذي الحجة .
7) أي العلامات الدالة على الطريق أو الحدود وغيرها ليهتدي بها الناس في سيرهم ويعرفوا مواقعهم وكم مرحلة قطعوا وكم مرحلة تبقى .
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة
ولم يجر فيها شيء يستفاد منه تجربة في جملة ما انتهى إلينا(1)
فيها: خرج زياد بن صالح وراء النهر ، فسار أَبو مسلم من مرو مستعداً للقائه، وبعث أَبو داود خالد بن إِبراهيم نصر بن راشد إِلى ترمذ مخافة أن يبعث زياد بن صالح إِلى الحصن والسفر ،فيأخذها، ففعل ذلك نصر، وأَقام بها .
فخرج عليه ناس من الطالقان مع رجل يكنى أَبا إسحاق، فقتلوا نصراً.
فلما بلغ ذلك أَبو داود بعث عيسى بن ماهان في تتبع قتلة نصر، فتبعهم فقتلهم.
ومضى أَبو مسلم مسرعاً حتى انتهى إِلى آمل ومعه سباع بن النعمان الأزدي، وهو الذي كان قد أَرسله السفاح إِلى زياد بن صالح، وأمره إن رأى فرصة أن يثب على أَبي مسلم فيقتله فأَخبر أَبو مسلم بذلك فحبس سباعاً بآمل وعبر أَبو مسلم إِلى بخارى فلما نزلها أتاه عدة من قواد زياد قد خلعوا زياداً فأَخبروا أَبا مسلم أن سباع بن النعمان هو الذي أفسد زياداً، فكتب إِلى عامله بآمل أن يقتله
ولما أسلم زياداً قواده ولحقوا بأَبي مسلم لجأ إِلى دهقان هناك فقتله وحمل رأسه إِلى أَبي مسلم . وتأخر أَبو داود عن أَبي مسلم لحال أَهل الطالقان، فكتب إِليه أَبو مسلم يخبر بقتل زياد، فأتى كش وأَرسل عيسى بن ماهان إِلى بسام وبعث جنداً إِلى شاغر فطلبوا الصلح إِلى ذلك، وأما بسام فلم يصل عيسى إِلى شيء منه .
وكتب عيسى إِلى كامل بن مسفر صاحب أَبي مسلم يعتب أَبي داود وينسبه إِلى العصبية.
فبعث أَبو مسلم بالكتاب إِلى أَبي داود وكتب إِليه أن هذه كتب العلج الذي صيرته عدل نفسك فشأنك به .
فكتب أَبو داود إِلى عيسى يستدعيه فلما حضر عنده حبسه وضربه ثم أَخرجه فوتب عليه الجند فقتلوه، ورجع أَبو مسلم إِلى مرو.
وفي هذه السنة : غزا عبد اللّه بن حبيب جزيرة صقلية وغنم بها وسبى وظفر بها ما لم يظفر أحد قبله بعد أن غزا تلمسان واشتغل ولا إفريقية بالفتنة مع البربر فأمن الصقلية وعمرها الروم من جميع الجهات وعمروا فيها الحصون والمعاقل، وصاروا يخرجون كل عام مراكب تطوف بالجزيرة وتذب عنها وربما طارقوا تجاراً من المسلمين فيأخذونهم .
وحج بالناس هذه السنة : سليمان بن علي وهو على البصرة، وأعمالها، وكان العمال من تقدم ذكرهم .
وفيها : مات أَبو خازم الأعرج، وقيل: سنة أربعين، وقيل: سنة أربع وأربعين.
وفيها: مات عطاء بن عبد اللّه مولى المطلب . وقيل : مولى المهلب .
وقيل : هو عطاء بن ميسرة ويكنى أَبا عثمان الخراساني. وقيل : سنة أربع وثلاثين.
وفيها: مات يحيى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بفارس، وكان أَميراً عليها، وكان قبل ذلك أَميراً على الموصل.
وفيها: توفي ثور بن زيد الدولي، وكان ثقة وزياد بن أَبي زياد مولى عبد اللّه بن عياش بن أَبي ربيعة المخزومي، وكان من الأبطال .
.1) كذا قال في ذكره لهذه السنة، في حين أن ابن الأثير ذكر فيها من الأحداث ما يلى :
ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة
وفيها: قدم أَبو مسلم العراق من خراسان وكان استأذن العباس في القدوم عليه، وفي الحج بعد ذلك، فأذن له .
وتوجه إِلى أَبي العباس في جماعة عظيمة من أَهل خراسان، ومن معه من غيرهم .
فكتب إِليه أقبل في ألف فإِنما أنت في سلطان أَهلك ودولتك وطريق مكة لا يتحمل العسكر.
وكان في ثمانية آلاف ففرقهم في الري، وقدم بالأموال والخزائن فتركها بالري وجمع أموال الجبل (1)وشخص منها في ألف .
فلما قرب تلقاه القواد والناس حتى دخل على أَبي العباس، فأعظمه وأكرمه.
ثم استأذن في الحج ، فقال : لولا أن جعفر (2)يحج (3)لاستعملناك على الموسم.
وكان ما بين أَبي جعفر، وأَبي مسلم متباعداً لأن أَبا العباس لما صفت له الأمور بعث أَبا جعفر إِلى خراسان بعهد أَبي مسلم على خراسان بالبيعة لأَبي العباس ولأَبي جعفر من بعده، فبايع له (4)أَبو مسلم وأَهل خراسان، فأَقام أَبو جعفر إِلى أن [33/ب] أحكم أمره .
فجرى عليه من أَبي مسلم استخفاف، فلما عاد شكاه إِلى أَخيه فلما قدم أَبو مسلم هذه القدمة للحج قال أَبو جعفر لأَبي العباس : يا أَمير المؤمنين، أطعني(5)وأقتل أَبا
مسلم ، فواللّه إن لفي رأسه لغدرة.
قال : يا أَخي قد عرفت بلاءه (1)وما كان منه .
فقال أَبو جعفر : إِنما كان بدولتنا واللّه لو بعثت سنوراً (2)لقام مقامه وبلغ ما بلغ .
فقال أَبو العباس : كيف نقتله؟
قال : إذا دخل عليك وحادثته، وأَقبل عليك فتعلقته ضربته من خلفه ضربة أتيت بها (3)على نفسه . فقال أَبو العباس : فكيف بأَصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم؟
قال : يؤول ذلك كله إِلى ما تريد وعلي إصلاحه (4)
قال أَبو جعفر : لو قتل لتفرقوا وذلوا فأمره بقتله .
قال : عزمت عليك إلا كففت عن هذا الحديث .
قال : أخاف اللّه، إن لم تتغده اليوم أن يتعشاك غداً.
قال: دونكه .
فلما دخل أَبو مسلم على أَبي العباس بعث أَبو العباس خصيا له .
فقال : اذهب فانظر ما يصنع أَبو جعفر؟
فأتاه فوجده محتبياً بسيفه. (5)
فقال الخصي: أجلس (6)الأَمير؟
قال : إنه قد تهيأ للجلوس، ثم رجع الخصي إِلى أَبي العباس فأَخبره بما رأى منه ، فرده إِلى أَبي جعفر فأتاه وقال له : قل له الأَمر الذي عزمت عليه لا تفعله (7)
لا تنفذه وفي الكامل فأمر أَبا جعفر بالكف عنه .
فكف أَبو جعفر .
وفي هذه السنة : حج أَبو جعفر المنصور بالناس، وحج معه أَبو مسلم. وفيها : توفي أَبو العباس أَمير المؤمنين بالأنبار لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة (8)
وكانت وفاته فيما قيل بالجدري، وكان سنّه ثلاثة وثلاثين سنة .(1)
وكانت ولايته من لدن قتل مروان إِلى أن توفي أربع سنين .
ومن لدن بويع له بالخلافة إِلى أن مات أربع سنين وثمانية أشهر(2).
وكان طويلاً، أَبيض اللون أقنى الأنف، حسن الوجه واللحية ذا شعرة جعدة .
وأمه : ريطة بنت [ عبيد اللّه بن (3)] عبد اللّه بن عبد المدان الحارثي وكان وزيره أَبو الجهم بن عطية.(4)
يا آل مروان إن اللّه مهلککم *** ومبدل بكم خوفاً وتشريدا
لا عَمَّرَ اللّه من إنشائكُم أحداً *** وبتكم في بلاد الخوف تطريدا
قال : فعلت ذلك، فدخلت قلوبهم مخافة .
ولما حضرته الوفاة أمر الناس بالبيعة لعبد اللّه بن محمد أَبي جعفر.
فبايع الناس له بالأنبار، وقام بأمر الناس عيسى بن موسى.
وأَرسل موسى إِلى أَبي جعفر وهو بمكة رسولاً بموت أَبي العباس بالبيعة له .
فلما أتاه الكتاب كتب إِلى أَبي مسلم العَجَل العجل، فقد حدث أمر، وكان بينه وبين أَبي مسلم منزل (....) (5)، فجاءه أَبو مسلم .
فلما جلس إِليه ألقى إِليه الكتاب، فبكى واسترجع ثم نظر أَبو مسلم إِلى أَبي جعفر وقد جزع جزعاً شديداً.
فقال: ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟
قال : أتخوف شر [ عمي ](6)عبد اللّه بن علي وشيعته.
قال : لا تخفه أنا أكفيك أمره إن شاء اللّه إِنما عامة جنده ومن معه من أَهل ،خراسان وهم لا يعصونني.
فَسُرِّي عن أَبي جعفر، وبايع له أَبو مسلم وبايع الناس، وأقبل حتى ورد الكوفة .
1) في الكامل : وقيل : ثمان وعشرون سنة
2) في الكامل وقيل وتسعة أشهر منها ثمانية أشهر يقاتل مروان .
3) زيادة من الكامل .
4) بعد هذا في الكامل : وصلى عليه عمه عيسى بن علي ودفنه بالأنبار العتيقة في قصره، وخلف تسع جباب وأَربعة أقمصة وخمسة سراويلات وأَربعة طيالسة، وثلاثة مطارف خز، قال ابن النقاح بيتين من شعر ووجه برجل إِلى عسكر مروان ليقدم على الخيل ليلاً فصيح فيها وشمس في الناس ولا يوجد وهما:
5) كلمة هذا رسمها في المخطوط : ابدا .
6) زيادة من الكامل.
خلافة أَبي جعفر المنصور .
وفي هذه السنة :
بعث عيسى بن علي، وأَبو الجهم إِلى عبد اللّه بن علي ببيعة المنصور، فبايع لنفسه وأبى بيعة المنصور(1)
وثار بها أيضاً عامر العبدري وجمع جمعاً ، واجتمع مع الحباب على الصميل ، وقاما بدعوة بني العباس . فلما اشتد الحصار على الصميل كتب إِلى قومه ليستمدهم فسارعوا إِلى نصرته واجتمعوا وساروا إِليه، فلما سمع الحباب بقربهم سار الصميل عن سرقسطة ،وفارقها فعاد الحباب إِليها وملكها، واستعمل يوسف الفهري الصميل على طليطلة.
وكان على الكوفة : عيسى بن موسى .
وعلى الشام عبد اللّه بن علي .
وعلى مصر: صالح بن علي .
وعلى البصرة : سليمان بن علي.
وعلى المدينة : زياد بن عبيد اللّه الحارثي .
وعلى مكة : العباس بن عبد اللّه بن معبد.
وفيها مات ربيعة بن أَبي عبد الرحمن - وهو ربيعة الرأي - وقيل : مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: سنة اثنين وأربعين ومائة .
وفيها مات عبد اللّه بن أَبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
وفيها توفي عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي الفرسي، وإِنما قيل له الفرس بالفاء نسبة إِلى فرس له.
وعطاء بن السائب، وعروة بن رويم.
وفي هذه السنة قدم أَبو جعفر المنصور أَمير المؤمنين من مكة فدخل الكوفة، فصلى بأَهلها الجمعة وخطبهم، وسار إِلى الأنبار، فأَقام بها وجمع إِليه أطرافه.
وكان عيسى بن موسى قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدواوين حتى قدم عليه أَبو جعفر فسلم الأَمر إِليه .
.ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة
كان نفذ إِلى عبد اللّه بن علي أَبو غسان واسمه يزيد بن زياد، وهو حاجب أَبي العباس أمر أَبي العباس بأمر أَبي العباس قبل موته ليبايع أَبا جعفر .
1) ذكر ابن الأثير هذا الخبر بأوسع مما هو هنا في الكامل وزاد في أحداث تلك السنة عما هنا فقال : وفي هذه السنة : خرج في الأندلس الحباب بن رواحة بن عبد اللّه الزهري ودعا إِلى نفسه واجتمع إِليه جمع من اليمانية فصار إِلى الصميل - وهو أَمير قرطبة - فحصره بها، وضيق عليه، فاستمد الصميل يوسف الفهري أَمير الأندلس - فلم يفعل لتوالي الغلاء والجوع على الأندلس ولأن يوسف قد كره الصميل واختار هلاكه ليستريح منه.
وكان عبد اللّه قد ادْرَبَ متوجهاً إِلى الروم، فلما قدم عليه أَبو غسان جمع، ونادى مناديه : الصلاة جامعة (1)
واجتمع إِليه القواد ،والجند، فقرأ عليهم الكتاب بوفاة أَبي العباس .
ودعا الناس إِلى نفسه وأخبرهم أن أَبا العباس حين أَراد أن يوجه الجنود إِلى مروان بن محمد دعا بني أمية وأَرادهم على المسير إِلى مروان.
وقال : من انتدب منكم وسار إِليه فهو ولي عهدي.
فلم ينتدب له غيري وعلى هذا خرجت من عنده، وقتلت من قتلت .
فقام أَبو غانم الطائي وخفاف بن المروروذي في عدة قواد فشهدوا له بذلك، فبايعه أَبو غانم، وخفاف وأَبو الأصبع، وتتابع القواد عليه، فيهم حميد بن قحطبة وغيرهم من أَهل ،خراسان والشام والجزيرة (2)
إلا أن حميداً فارقه على ما نذكره
.فلما فرغ من البيعة ارتحل فنزل حرّان وبها مقاتل العكي وكان أَبو جعفر استخلفه لما قدم على أَبي العباس [34/ أ] فلم (3)يجبه ، فلم يزل به حتى استنزله من حصنه وقتله (4) .
وسَرَّح أَبو جعفر لقتال عبد اللّه بن علي أَبا مسلم.
فلما بلغ عبد اللّه إقبال أَبي مسلم أَقام بحران وجمع إِليه الجنود والسلاح، وخندق وأعد الطعام والأعلاف وما يصلحه.
ومضى أَبو مسلم ولم يتخلف عنه أحد من القواد وبعث على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعي وكان معه الحسن وحميد ابنا قحطبة .
وكان حميد فارق عبد اللّه بن علي لأنه أَخافه وأَراد قتله.(4)
وكان أَبو مسلم استخلف على خراسان خالد بن إِبراهيم أَبا داود.
وكان عبد اللّه بن علي خشي أن لا يناصحه أَهل خراسان، فقتل منهم نحواً من
1) بدأ ابن الأثير سرد الخبر أكثر وضوحاً من هنا فقال : قد ذكرنا مسير عبد اللّه بن علي إِلى الصائفة في الجنود وموت السفاح وإرسال عيسى بن موسى إِلى عمه عبد اللّه بن علي يخبره بموته ويأمره بالبيعة لأَبي جعفر المنصور - وكان السفاح قد أمر بذلك قبل وفاته - فلما قدم الرسول على عبد اللّه بذلك لحقه بدلوك - وهي بأفواه الدروب - فأمر منادياً فنادى الصلاة جامعة .
2) بعد هذا في الكامل :
3) تكرر هذا اللفظ بآخر الصفحة [32/ ب] وأول الصفحة [34/أ] فحذفت المكرر وسقت الكلام.
4) حدث هنا سقط استكمله من الكامل حيث قال : قد استخلفه أَبو جعفر لما سار إِلى مكة فتحصن منه ،مقاتل، فحصره أربعين يوماً وكان أَبو مسلم قد عاد من الحج مع المنصور كما ذكرناه، فقال للمنصور: إن شئت جمعت ثيأَبي ومنطقتي وخدمتك، وإن شئت أتيت خراسان فأمددتك بالجنود وإن شئت سرت إِلى حرب عبد اللّه بن علي فأمره بالمسير لحرب عبد اللّه.
سبعة عشر ألفاً ضروب القتل، وكتب لحميد بن قحطبة كتابا ووجّه إِلى حلب وعليها : زفر بن عاصم، وفي الكتاب : إذا ورد عليك حميد بن قحطبة فاضرب عنقه .
فسار حميد ثم فكر في كتابه فلم ير من الصواب له أن يوصله ولم يقرأه.
ففك الطومار ،وقرأه، فلما عرف ما فيه دعا قوماً من خاصته فأفشى إِليهم (1)أمره وشاورهم وقال من أَراد أن ينجو ويهرب فليسر معي، فإني أريد طريق العراق (2)ومن لم يحمل نفسه على السير فلا يفشين سري وليذهب حيث أحب واتبعه قوم وفوَّز (3)بهم ونجا، ولما وافى أَبو مسلم مكان عبد اللّه بن علي وهو بنصيبين مخندق، لم يعرض له وأخذ طريق الشام.
وكتب إِلى عبد اللّه : إني لم أومر بقتالك ولم أوجه له ولكن أَمير المؤمنين ولأني الشام وأنا أريدها فقال : من كان مع عبد اللّه : كيف نقيم اللّه : كيف نقيم معك وهذا يأتي بلادنا وفيها حرمنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا من رجالنا ويسيبي ذرارينا؟
ولكنا نخرج إِلى بلادنا فنمنعه ونقاتله إن قاتلنا.
فقال لهم: عبد اللّه بن علي، واللّه ما يريد الشام وما وجّه إلا إِلى قتالكم وإن أقمتم ليأتينكم .
فلم تطب أنفسهم، فأَبو إلا المسير إِلى الشام، وكان أَبو مسلم قد عسكر قريباً منه فارتحل عبد اللّه بن علي متوجهاً إِلى الشام، وتحول أَبو مسلم حتى نزل عسكر عبد اللّه بن علي في موضعه وغوِّر (4)ما كان حوله من المياه وألقى فيها الجيف.
وبلغ عبد اللّه بن علي ذلك، فقال لهم : ألم أقل لكم؟
ثم أقبل عبد اللّه فلم يجد في غير موضع عسكر (5)أَبي مسلم الذي كان به، فاقتتلوا ستة (6)أشهر.
فحكى من شهد مع أَبي مسلم هذه(7)الحرب : أنه لما كان بعد ستة أشهر التقينا
1) في المخطوط : إِليه. وهو تحريف.
2) في المخطوط : العراب وهو تحريف.
3) فَوَّز بهم : أي سار بهم في مفازات الصحراء، وهي الطرق الغير مطروقة والدروب الغير مسلوكة وقل أن ينجو منها إلا من له خبرة كبيرة بطرق الصحراء وشعابها وعلم بالنجوم ليلاً في الاهتداء إِلى مراده .
4) أي طَمَّ أو ردم الأَبار التي كانت حوله حتى لا يستفيد بها خصمه وما لم يطمه ألقى فيه النتن حتى لا ينتفع بمائة أيضاً.
5) في المخطوط موضع عسكر موضع . والثانية زائدة فحذفتها .
6) في الكامل : خمسة أشهر .
7) في المخطوط : هذا. وهو تحريف.
فحمل علينا أصحاب عبد اللّه فصدمونا صدمة أزالونا عن مواقفنا، وانصرفوا، وشد علينا عبد الصمد في خيل مجرده فقتلوا منا قوماً، ثم رجعوا ثم اجتمعوا ورموا بأنفسهم علينا، فأزالوا صفَّنا.
وجلنا جولة فقلت لأَبي مسلم : لو حركت دابتي حتى أشرف على هذا التل فأصيح بالناس فقد انهزموا(1)
فقال : إن أَهل الحجى .
.فقال : إن أَهل الحجى لا يعطفون دوابهم في مثل هذه الحال [وأمر منادياً ف-](2)نادی [يا] أَهل ،خراسان ارجعوا إن العاقبة للمتقين .
ففعلت فتراجع الناس، وارتجز أَبو مسلم :
مَنْ كَانَ يَنْوِي أَهلهُ فَلاَ رَجِعْ *** فَرَّ مِنَ المَوْتِ وَفِي المَوْتِ وَقَعْ
وقد كان عمل لأَبي مسلم عريشاً يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إِلى القتال، فإن كان رأى خللاً في الميمنة والميسرة أَرسل إِلى صاحبها أن في ناحيتك انتشار فاتق اللّه ولا نؤتي من قِبلَكَ، افعل كذا، قدم خيلك إِلى موضع كذا، تأخر إِلى موضع كذا.
فإِنما رسله تختلف برأيه إِليهم حتى ينصرف بعضهم عن بعض .
فلما كان يوم(3)التقوا، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فلما رأى ذلك أَبو مسلم، مكر بهم، فأَرسل إِلى الحسن بن قحطبة وكان على ميمنته : أن أعز ميمنتك وضم أكثرها إِلى الميسرة ، وليكن في الميمنة حماة أصحابك وأشداءهم.
فلما رأى ذلك أَهل الشام أعروا ميسرتهم وانضموا إِلى ميمنتهم بإزاء ميسرة أَبي ،مسلم ثم أَرسل أَبو مسلم إِلى الحسن : أن مُر أَهل القلب فليحملوا مع من بقي في الميمنة على ميسرة أَهل الشام.
قال : [34/ ب] فحملوا عليهم فحطموهم.
وجاء أَهل القلب والميمنة وركبهم أَهل خراسان وكانت الهزيمة(4).
1) في الكامل : فقلت لأَبي مسلم : لو حولت دابتك إِلى هذا التل ليراك الناس فيرجعوا فإنهم قد انهزموا .
2) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل
3) في الكامل يوم الثلاثاء والأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين التقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً .
4) هكذا يجب أن يكون القادة من حسن القيادة والتدبير وإدارة المعارك ومباشرتها للقتال للوقوف على حقيقة الموقف وسرعة التصرف والنجدة والإنقاذ.
فحكى ابن سراقة الأزدي قال : كنت عند عبد اللّه بن علي فقال لي: يا [ابن ](1)سراقة، ما ترى؟
قلت : أَرى أَن تسير وتقاتل، فإن الفرار قبيح بمثلك حتى تقتل وقد عتبه على مروان.
قلت: قبح اللّه مروان جزع من الموت ففر.
قال : بلى أتى العراق .
فقلت: فإني معك، فانهزم مع الناس وتركوا عسكرهم، فاحتواه أَبو مسلم وكتب إِلى [أَبي](2)جعفر بالفتح.
فأَرسل أَبو جعفر أَبا الخصيب مولاه يُحصي ما أصأَبوا في عسكر عبد اللّه بن علي فغضب من ذلك أَبو مسلم ولم يظهر غضبه .
فأما عبد اللّه بن علي فإنه أتى سليمان بن علي بالبصرة.
وأما عبد الصمد فقدم الكوفة، فاستأمن له عيسى بن موسى فأمَّنَهُ أَبو جعفر(3).
وأمر أَبو مسلم الناس بالكفّ فلم يقتل أحد بعد الهزيمة، وبقي عبد اللّه بن علي متوارياً .
وفي هذه السنة : قتل أَبو مسلم.
حكى مسلم بن المغيرة : أنه كان مع الحسن بن قحطبة بأرمينية.
فلما توجه أَبو مسلم إِلى الشام كتب أَبو جعفر إِلى الحسن أن يوافيه ويسير معه .
فقدمنا على أَبي مسلم وهو بالموصل، فأَقام أياماً، فلما أَراد أن يسير استأذنته في المسير إِلى العراق، قلت : أنتم تسيرون إِلى القتال وليس بك إلي حاجة .
قال نعم قال : اعلمني إن أردت الخروج قلت نعم فتهيأت فلما فرغت أعلمته ،وقلت : أتيتك مودعاً .
قال : قف بالباب حتى أَخرج إليك .
فخرجت فوقفت فخرج وقال : أريد أن ألقي إليك شيئاً لتبلغه أَبو أيوب، ولولا ثقتي بك لم أخبرك ، فأَخبر أَبا أيوب أني قد رأيت بأَبي مسلم منذ قدمت عليه، أنه يأتيه
1) ما بين المعقوفين سقط من المخطوط والسياق يقتضيه .
2) زيادة يتطلبها السياق وقد سقطت من المخطوط.
3) في الكامل : وقيل: بل أَقام عبد الصمد بن علي بالرصافة حتى قدمها جمهور بن مرار العجلي في خيول أَرسلها المنصور، فأخذه فبعث به إِلى المنصور موثقاً مع أَبي الخصيب فأطلقه وأما عبد اللّه بن علي فأتى أتاه سليمان بن علي بالبصرة فأَقام عنده زماناً متوارياً
الكتاب من أَمير المؤمنين فيقرأه ثم يلوي شدقيه ويرمي بالكتاب إِلى أَبي نصر مالك بن الهيثم ، فيقرأه ثم يضحكان ويستهزئان به .
قلت نعم أفعل (1)، فلما التقيت أَبا أيوب (2)وأنا أرى أني قد أتيته بشيء [فلما ] (3)أخبرته ضحك.
قال : نحن لأَبي مسلم أشد تهمة منا لعبد اللّه بن علي إلا أنا نرجو واحده نعلم أن أَهل خراسان لا يحبون عبد اللّه، وقد قتل منهم من قتل.(4)
ذكر مقتل أَبي مسلم صاحب الزاب(5)وسبب ذلك
لما ظفر أَبو مسلم بعسكر عبد اللّه بن علي بعث أَبو جعفر يقطين بن موسى، وأمره بإحصاء ما في العسكر، فلما قدم عليه وكان يسميه يابك دين، قال له أَبو مسلم : يابك دين أمين على الدماء خائن على الأموال وشتم أَبا جعفر، فبلغه يقطين ذلك .(6)
فلما أتاه الكتاب غضب وقال : يوليني الشام ومصر وخراسان لي، فكتب الرسول إِلى المنصور بذلك .
وأقبل أَبو مسلم من الجزيرة مجمعاً على الخلاف .
وأقبل أَبو مسلم من الجزيرة مجمعاً على الخلاف، وخرج من وجهه معارضاً يريد خراسان. وخرج أَبو جعفر من الأنبار إِلى المدائن، وكتب إِلى أَبي مسلم في المصير إِليه.
وكتب أَبو مسلم وهو على الرواح(7)إِلى طريق حلوان : أنه لم يبق لأَمير المؤمنين أكرمه اللّه عدو إلا مكنه اللّه منه، وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان : أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون (8)من قربك حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت حريون بالسمع والطاعة لك، غير أنها من بعيد حيث تفارقها (9)السلامة، فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن (10)عبيدك، وإن أَبيت إلا أن تعطي نفسك
1) في المخطوط:عنه .وهو تحريف وربما كان هناك سقط في العبارات .
2) في الكامل : فلما ألقيت الرسالة إِلى أَبي أيوب ضحك وقال .
3) زيادة يتطلبها السياق .
4) في الكامل بعدها وكان قد قتل منهم سبعة عشرة ألفاً .
5) في المخطوط الرواب. ووضع فوق الواو هذه العلامة : (2) وهو ما يفيد أن هذا الحرف زائد يجب حذفه فحذفته وضبط الكلمة .
6) بعد هذا في الكامل : فخاف أن يمضي أَبو مسلم إِلى خراسان، فكتب إِليه : إني قد وليتك مصر والشام فهي خير لك من خراسان، فوجه إِلى مصر من أحببت وأقم بالشام، فتكون بقرب أَمير المؤمنين فإن أحب لقاءك أتيته من قريب .
7) كذا في المخطوط، وفي الكامل : وهو بالزاب .
8) في المخطوط : نافذون بالذال المعجمة، وهو تحريف والتصويب من الكامل.
9) كذا في المخطوط، وفي الكامل : يقارنها .
10) في المخطوط : كأخس ... والتصويب من الكامل.
إِرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضناً بنفسي.
فلما وصل الكتاب إِلى المنصور، كتب إِلى أَبي مسلم قد فهمت كتابك وليست [صفتك] (1)صفة (2)أولئك الوزراء الغششة (3)ملوكهم الذين يتمنون اضطراب حال(4)الدولة لكثرت جرائمهم، فإِنما راحتهم في انتشار نظام الجماعة ، فَلِمَ سويت نفسك بهم وأنت في طاعتك، ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأَمر على ما أنت به وليس مع الشريطة التي أوجبت سمع وطاعة وقد حمل إليك أَمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكن إِليها إن أصغيت وأسأل اللّه أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك فإنه لم يجد بأَبا يفسد به نيتك [35/ أ] أوكد عنده وأقرب من ظنه من الباب الذي فتحه عليك (5)
وخرج أَبو مسلم مراغماً مشاقاً، وسار المنصور من الأنبار إِلى المدائن، وأخذ أَبو مسلم طريق حلوان .
فقال المنصور: لعمه عيسى بن علي ومن حضر من بني هاشم اكتبوا إِلى أَبي مسلم فكتبوا إِليه يعظمونه .
.وأمر أَبو جعفر عيسى بن موسى ومن حضر أن اكتبوا إِليه تعظمون أمره، وتشكرون ما كان منه وتسألونه أن يتم ما كان منه وعليه بالطاعة، ويحذرونه عاقبة الغدر ويأمرونه بالرجوع إِلى أَمير المؤمنين، وأن يلتمس رضاه.
ودعا أَبا حميد، ثم قال له: كلم أَبا مسلم بألين ما تكلم به أحداً ومنه وأعلمه أني رافعه وصانع به ما لم يصنعه أحد بأحد إن هو راجع ما أحب، فإن أبى أن يرجع، فقل له : يقول لك أَمير المؤمنين نفيت من العباس، وأنا بريء(6)من محمد صلى اللّه عليه وسلم إن مضيت مشاقاً ولم تأتني إن وكلت أمرك إِلى أحد سواي وإن لم ألِ طلبك وقتالك إلا بنفسي، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك، ولا تقولن هذا الكلام حتى تيأس منه ومن رجوعه، ولا تطمع منه في في خير .
1) ما بين المعقوفين زيادة يتطلبها السياق، وهي من الكامل.
2) في المخطوط : صفته . وهو تحريف والتصويب من الكامل بعد إضافة ما سقط .
3) كذا في المخطوط ، وهو موافق للسياق، وموافق لما في الطبري على ما ذكره محقق الكامل وهي فيه : الغشيشة .
4) في الكامل والمخطوط حبل، وأثبت ما هو أقرب إِلى الفهم.
5) جاء بعد هذا في الكامل وقيل: بل كتب إِليه أَبو مسلم : أما بعد : فإني اتخذت رجلاً إماماً ودليلاً على ما افترض اللّه على خلقه وكان في محلة العلم نازلاً وفي قرابته من الرسول اللّه الا اللّه قريباً فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعاً في قليل قد نعاه اللّه إِلى خلقه، فكان كالذي دلى بغرور، وأمرني أن أجرد السيف، وأرفع الرحمة، ولا أقبل المعذرة، ولا أقبل العثرة، ففعلت توطئة لسلطانكم حتى عرفكم اللّه من كان يجهلكم، ثم استنقذني اللّه تعالى بالتوبة، فإن يعف عني فقدما عرف به ونسب إِليه، وإن يعاقبني فيما قدمت يداي فما اللّه بظلام للعبيد.
6) في المخطوط وأما ترى والتصويب من الكامل.
فسار أَبو حميد في ناس من أَصحابه ممن يثق بهم حتى دخل على أَبي مسلم فدفع إِليه الكتاب، ثم قال:
إن الناس يبلغونك عن أَمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه فيك حسداً وبغياً يريدون إزالة هذه النعمة وتغييرها فلا تفسد ما كان منك .
وكلمه بأَشباه هذا، وقال:
يا أَبا مسلم إنك لم تزل أمين آل محمد يعرفك بذلك الناس، وما ذخر اللّه لك من الأجر عنده أعظم مما أَنت فيه من دنياك فلا تحبط أجرك، ولا تستهوينك الشياطين .
قال له أَبو مسلم : متى [كنت] (1)تكلمني بهذا الكلام (2)
فقال : إنك دعوتنا إِلى هذا الأَمر وطاعة أَهل بيت النبي اللّه بني العباس، وأمرتنا بقتال من خالف ذلك، فدعوتنا من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة فجمعنا اللّه على طاعتهم وألف ما وألف ما بين قلوبنا وأعزنا بنصرنا لهم، ولم نلق منهم رجلاً إلا بما قذف اللّه في قلوبنا حتى أتيناهم في بلادهم ببصائر نافذة وطاعة خالصة أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أملنا أن تفسد أمرنا وتفرق كلمتنا وقد قلت لنا من خالفكم فاقتلوه، وإن خالفتكم فاقتلوني. فأقبل أَبو مسلم على أَبي نصر مالك بن الهيثم فقال : أما تسمع ما يقول لي هذا؟ ما كان بكلامه يا مالك .
؟!وأَقبل على أَبي نصر مالك بن الهيثم فقال : يا مالك ألا تسمع ؟
ذكر آراء أُشير بها على أَبي مسلم فخالفها
قال : لا تسمع قوله ولا يهولنك هذا منه، فلعمري لقد صدقت ما هذا بكلامه، فامض لأمرك ولا ترجع، فواللّه لقد وقع في نفسه منك شيء لا يأمنك معه أبداً .
فقال للرُّسُل : قوموا فنهضوا ، فأَرسل أَبو مسلم إِلى بيرك (3)وقال : يا بيرك(4)، إني ما رأيت طويلاً أعقل منك ، فما ترى؟ فقد جاءت هذه الكتب، وقد قال القوم ما قالوا .
قال : لا أَرى أَن تأتيه (5)، وأَرى أَن تأتي الري فتقيم بها فيصير ما بين خراسان والري لك وهم جندك لا يخالفك أحد، فإن استقام لك استقمت، وإن أبى كنت في جندك، وكانت خراسان من ورائك فرأيت رأيك .
فدعا أَبا حميد فقال : ارجع إِلى صاحبك فليس من رأيي أن آتيه.
قال : لقد اعتزمت على خلافه؟
قال : نعم .
قال : لا تفعل.
قال : ما أريد أن ألقاه .
فلما آيسه من الرجوع قال : ما أمره به أَبو جعفر .
فوجم طويلاً ثم قال : قم فكره (1)ذلك القول ورعبه .
وكان أَبو جعفر قد كتب إِلى أَبي داود - وهو خليفة أَبي مسلم على خراسان حين اتهم أَبا مسلم - أن لك إمرة خراسان ما بقيت.
فكتب أَبو داود إِلى أَبي مسلم : إنك لن تخرج (2)لمعصية خلفاء اللّه وأَهل بيت نبيه فلا تخالفن إمامك، ولا ترجعن إلا بإذنه.
فوافاه كتابه على تلك الحال فزاده رعباً وهماً وأَرسل إِلى أَبي حميد، وأَبي فقال لهما : إني مالك(3)قد كنت معتزماً على المضي إِلى خراسان، ثم رأيت أن أوجه أَبا إسحاق إِلى أَمير المؤمنين فيأتيني برأيه فإنه من(4)أثق به .
فوجهه، فلما قدم أَبو إسحاق تلقاه بنو (5)هاشم بكل ما أحب .
وقال له أَبو جعفر: اصرفه عن وجهه ولك ولاية خراسان، وأجازه.
فرجع أَبو إسحاق إِلى أَبي مسلم فقال له ما أنكرت شيئاً رأيتهم معظمين لحقك يرون لك ما يرون لأنفسهم.
ثم أَشار إِليه بأن ترجع إِلى أَمير المؤمنين فتعذر إِليه مما كان منه(6).
فأجمع أَبو مسلم على ذلك (7)، فقال له نيزك : قد أجمعت على الرجوع؟
قال: نعم، وتمثل :
مَا لِلرِّجَالِ مِنَ القَضَاءِ مَحَالَة *** ذَهَبَ القَضَاءُ بِحِيلَةِ الْأَقْوَامِ
وقال : أما إذا عزمت على هذا فاحفظ عني واحدةً خار اللّه لك، إذا دخلت عليه فاقتله، ثم بايع لمن شئت، فإن الناس لا يخالفونك
وكتب أَبو مسلم إِلى أَبي [35/ ب] جعفر يخبره أنه منصرف إِليه.(1)
وسار نحوه واستخلف أَبا نصر على عسكره وقال له : أقم حتى يؤتيك كتابي فإن أتاك بنصف خاتم فأنا كتبته وإن أتاك بخاتم كله فلم أختمه، وقدم المدائن في ثلاثة آلاف رجل، وخلف الناس بحلوان ولما ورد كتاب أَبي مسلم أن يقتلوا المنصور ويقتلوه معه، فدعا سلمة بن سعيد بن جابر وقال : هل عندك شكر؟ .
قالوا : فقال أَبو أيوب: فدخلت على أَبي جعفر وهو في خباء شعر بالرومية جالساً على مصلى بعد العصر، وبين يديه كتاب أَبي مسلم فرمى به إلي فقرأته .
ثم قال : واللّه لئن ملئت عيني منه لأقتلنه.
فقلت في نفسي: إنا للّه وإنا إِليه راجعون، طلبت الكتابة حتى إذا بلغت غايتها فصرت كاتباً للخليفة هذا الناس ما أرى أنه قبل برضى أَصحابه بقتله ولا يدعون ومع بین هذا حُبًّا ولا أحد ممن يتصل به وامتنع مني النوم .
ثم قلت : لعل الرجل يقدم وهو آمن فإن كان آمناً فعسى أن ينال ما يريد وهو حذر لم يقدر ما عليه فلو التمست حيلة .
ذكر حيلة احتال بها أَبو أيوب المرزباني على أَبي مسلم حتى ترك التحرز
قال أَبو أيوب: فأَرسل إِلى سلمة بن سعيد بن جابر وكان يأنس به أَبو مسلم فقلت : هل عندك شكر؟
قلت : نعم .
قال : إن وليتك ولاية تصيب منها ما [مثل] (2)يصيب صاحب العراق، تدخل معك أخي حاتماً إِلى ابن أَبي سليمان؟
قال : نعم(3).
قلت : وأردت أن تطمع ولا تنكر منه شيئاً، وتجعل له النصف؟
قال : نعم (4).
قلت : إن كسكر كانت عام الأول كذا وكذا وفيها العام أضعاف ما كان عام أول، فإن دفعت إليك بحالتها (5)التي كانت عام ،أول أو بالأمانة، أصبت ما يضيق به ذرعاً .
قال : فكيف لي بهذا [المال](1)؟
قلت : تأتي أَبا مسلم، فتلقاه وتكلمه، وتسأله أن يجعله فيما يرفع من حوائجه أن تولاها أنت بما كانت في العام الأول، فإن أَمير المؤمنين يريد أن يوليه إذا قدم ما وراء بابه ويريح نفسه.
قال : فكيف لي في لقائه ومن لي بهذا؟
قلت: أَنا ودخلت إِلى أَبي جعفر وحدثته الحديث كله، فلم أخرم منه شيئاً .
قال : فدع سلمة، فدعوته.
فقال له : إن أَبا أيوب استأذن لك أفتحب أن تلقى أَبا مسلم؟
قال : نعم .
قال : فقد أذنت لك، فأقريه السلام، وأعلمه تشوقنا إِليه .
قال : فخرج سلمة حتى لقي أَبا مسلم فقال له: إن لي حاجة، ثم قصَّ عليه حديث كسكر، وقال له : أَمير المؤمنين أَحسن الناس فيك رأياً فطابت نفسه وكان قبل ذلك كثيباً .
فلما قدم عليه من سلمة ما قدم سرى عنه وصدَّقه .
فلما دنا أَبو مسلم من المدائن أمر أَمير المؤمنين الناس فتلقوه (2).
فلما كان عشية قدم دخلت على أَمير المؤمنين فقلت : هذا الرجل يدخل العشية، فما تريد أن تصنع ؟
قال : أريد أن أقتله حين أنظر إِليه .
قلت : أنشدك اللّه إنه يدخل معه الناس وقد علموا ما صنع، فإن دخل عليك ولم يخرج لم آمن البلاء ولكن إذا دخل عليك، فأذن له حتى ينصرف، فإذا غدا عليك رأيت رأيك .
وما أردت إلا دفعه بها، وما ذاك إلا من خوفي عليه وعلينا جميعاً من أصحاب أَبي مسلم .
فدخل عليه من عشيته وسلم وقام قائماً بين يديه.(3)
فقال : انصرف يا أَبا عبد الرحمن فأرح نفسك وادخل الحمام فإن للسفر قشقاً، ثم اغد عَلَيّ.
فانصرف أَبو مسلم وانصرف الناس فافترى أَمير المؤمنين حين خرج أَبو مسلم وقال : متى أقدر على هذه الحالة منه التي رأيته قائماً على رجليه ولا أدري ما يحدث في ليلتي.
فانصرف، فلما أصبحت، غدوت عليه، فلما رآني قال : يا ابن اللخناء لا مرحباً بك، واللّه ما أغمضت(1)الليلة، ثم سمني(2)حتى خفت أن يقتلني، ثم قال : ادع لي عثمان بن نهيك، فدعوته .
فقال يا عثمان كيف بلاء أَمير المؤمنين عندك ؟
قال : يا أَمير المؤمنين إِنما أنا عبدك، واللّه لو أمرتني أن اتكئ على سيفي حتى يخرج من ظهري لفعلت .
قال : كيف أَنت إن أمرتك بقتل أَبي مسلم؟
فوجم ساعة لا يتكلم .
فقال : ما لك لا تتكلم؟
فقال قولة ضعيفة : اقتله .
قال : انطلق فجئني بأَربعة من وجوه الحرس جلداً.
فمضى، فإذا كان عند الرواق ناداه ؛ یا عثمان ،ارجع، فرجع .
قال: اجلس، فجلس.
قال أَرسل إِلى من تثق به من الحرس فليحضر منهم أَربعة .
فقال : لوصيف له: انطلق فادع شبيب بن واج، وادع أَبا حنيفة حتى عدد أَربعة ، فدخلوا .
فقال لهم أَمير المؤمنين [36/أ] نحواً مما قال لعثمان، فقالوا : نقتله.
فقال : كونوا خلف الرواق، فإذا صفقت فأَخرجوا إِليه فاقتلوه .
ثم أَرسل إِلى أَبي مسلم رُسُلاً بعضهم على إثر ،بعض فقالوا: قد ركب، وأتاه، وصيف فقال له: إنه أتى عيسى بن موسى .
فقلت يا أَمير المؤمنين ألا أَخرج فأطوف في العسكر، فانظر ما يقول الناس؟
هل ظن أحد ظناً أو تكلم أحد بشيء؟
قال: بلى.
فخرجت فتلقاني أَبو مسلم داخلاً، فتبسم، وسلمت عليه، ودخل، ورجعت، فإذا هو منبطح لم ينتظر به رجوعي .
ودخل أَبو الجهم، فلما رآه مقتولاً قال : إنا للّه وإنا إِليه راجعون.
فأقبلت على أَبي الجهم، فقلت له : أمرته بقتله حين خالف حتى إذا قتل، قلت هذه المقالة، فنبهت رجلاً غافلاً فتكلم بكلام أصلح ما كان منه .
قال : يا أَمير المؤمنين ألا أرد الناس؟
قال: بلى.
قال : فأمر بمتاع يحول لك إِلى رواق آخر من أرواقك هذه، فأمر بفرش فأَخرجت ،مكانه يريد أن يتهيأ لرواق آخر .
فخرج أَبو الجهم فقال : انصرفوا فإن الأَمير (1)يريد أن يقيل عند أَمير المؤمنين، ورأى المتاع ينقل فظنوه صادقاً، فانصروا.
ولما دخل أَبو مسلم قال له : أخبرني عن نعلين أصبتهما في متاع عبد اللّه بن علي . قال : هذا أحدهما الذي عَلَيَّ.
قال : أرنيه، فانتضاه فناوله، فهزه أَبو جعفر ثم وضعه تحت فراشه، وأقبل عليه يعاتبه، ويعد ذنوبه .
فقال : أخبرني عن كتابك إِلى أَبي العباس تنهاه عن الموات، أردت أن تعلمنا الدين؟
قال : ظننت أنه لا يحل وكان كتب إليَّ فأجبته بما عندي .
قال : فأَخبرني عن مقدمك إياي في طريق مكة؟
قال : كرهت أن نجتمع على الماء، فيضر ذلك بالناس فتقدمت توطئة والتماس المرفق .
أتاك الخبر بموت أَبي العباس لمن أَشار عليك أن تنصرف إِلى فقال : فقولك حين أن تقدم فترى [ما] رأيناه، ومضيت فلا أقمت حتى ألحقك ، ولا أنت رجعت إليّ قال : سبقني من ذلك ما أخبرتك به من طلب المرفق للناس، وقلت : نقدم الكوفة وليس عليه مني خلاف .
قال : فجارية عبد اللّه بن علي أردت أن تتخذها؟
1) في المخطوط أَمير المؤمنين وهو تحريف والتصويب من الكامل.
قال : لا ولكني خفت ضياعها، فحملتها في قبة، ووكلت بها من يحفظها .
قال: فمراغمتك إياي، والخروج إِلى خراسان؟
قال : خفت أن يكون دخلك شيء مني، فقلت: آتي خراسان، وأكتب بعذري وإِلى ذاك ما قد ذهب ما في نفسك علي .
قال : فلِمَ قتلت سليمان بن قتلت سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا، وهو أحد ثقاتنا ؟
قال : إِنما أَراد الخلاف فقتلته .
قال : تقتله وحاله عندنا حالة تهمة لم نتحققها؟!
قال : ألست الكاتب إليَّ تبدأ بنفسك؟
والكاتب إليَّ تخطب أمينة بنت علي، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد اللّه بن عباس؟
فقال أَبو مسلم، يا أَمير المؤمنين، لا يتحفظ على أَمثال هذه بعدي وبلائي، وما كان مني؟
وكان أَبو مسلم قتل في دولته وحروبه ستمائة ألف إنسان صبراً .
فقال له : يا ابن الخبيثة واللّه لو كان أمة مكانك لأجزأت إِنما عملت ما عملت تريحنا وفي دولتنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلاً.
ثم قال أَبو جعفر : إنك لتزيدني بكلامك واحتجاجك غيظاً.
وصفق بيده، وكانت العلامة بينه وبين الحرس، فخرجوا عليه وضربوه حتى قتلوه .
وأدرج في بساط، وأمر أَبو جعفر لأَصحابه بمال ونثر دراهم لبقية جنده، فاشتغلوا بها، ورمى إِليهم برأسه.
ثم دعا أَبو جعفر بأَبي إسحاق صاحب حرس أَبي مسلم فقال : أقسم باللّه لئن قطعوا طنباً (1)من أَطنابك لأضربن عنقك، ثم لأجاهدنهم .
فخرج إِليهم أَبو إسحاق وهم يشغبون فقال : انصرفوا يا كلاب.
وكان أَبو مسلم خلف أَبا نصر في ثقله وقال : قم حتى يأتيك كتابي.
قال : فاجعل بيني وبينك علامة أعرفها، وأثق بكتابك معها.
قال : إِن أَتاك كتابي مختوماً بنصف خاتمي فأَنا كتبته ، وإِن أَتاك بختمي كله فلم أكتبه ولم أختمه فلما دنا من المدائن تلقاه رجل من قواده فسلم عليه وقال : أطعني
1) هو وتر الخيمة. ويريد منه أن يسكن الناس ولا يحدثوا نفوراً أو قلقاً على قتل أَبي مسلم وينصرفوا هادئين وإلا فعل به ما حذره منه .
وارجع فإنه إِن عاينك قتلك .
قال : أَما وقد قربت من القوم، فإني أَكره الرجوع وكتب أَبو جعفر كتابا على لسان أَبي مسلم إِلى أَبي نصر [36/ب] يأمره بحمل ثقله وما خلف عنده وأَن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أَبي مسلم .
فلما رأى أَبو نصر نقش الخاتم تاماً، علم أن أَبا مسلم لم يكتب به قال أفعلتوها ؟ ! !
وانحدر إِلى همذان وهو يريد خراسان .
فكتب أَبو جعفر [لأَبي نصر] (1)بعهده على شهرزور، ووجه إِليه رسولاً بالعهد أَنه قد توجه إِلى خراسان.
فكتب إِلى زهير بن التركي، وهو على همذان إن مَرَّ بك أَبو نصر، فاحبسه، ثم كتب إِليه كتابا آخر : إن كنت أخذت أَبا نصر فاقتله .
وقدم صاحب العهد بالكتاب فوصلت الكتب إِلى زهير وأَبو نصر بهمذان (2)، فأخذه وحبسه، ثم خلاه لهواه فيه ، واحتج بأن كتاب العهد سبق إلي فخليت سبيله .
وفي هذه السنة : وَلَّى أَبو جعفر أَبا داود خالد بن إِبراهيم خراسان، وكتب إِليه بعهده .
وفيها: خرج سنباذ بخراسان يطلب بدم أَبي مسلم .
وكان هذا الرجل مجوسياً وأَظهر غضباً لأَبي مسلم فطلب بثأره وكثر اتباعه(3)فيسمى بفيروز أصفهيد (4)، وغلب على نيسابور وقومس والري وقبض خزائن أَبي مسلم التي خلفها إِليه جمهور بن مرار (5)العجلي في عشرة آلاف، فالتقوا بين همذان والري (6)، فهزم سنباذ ، وقتل من أَصحابه نحو من ستين ألفاً وسبيت ذراريهم ونساءهم .
1) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل.
2) بعد هذا في الكامل : فقال له زهير قد صنعت لك طعاماً فلو أكرمتني بدخول منزلي، فحضر عنده فأخذه زهير وحبسه ثم ذكر الخبر مطولاً في الكامل إِلى أن ذكر بأخر القصة تولية المنصور لأَبي داود على خراسان .
3) في الكامل : وكان عامتهم من أَهل الجبال .
4) كذا في المخطوط وفي الكامل وتسمى فيروز أصبهبذ .
5) في المخطوط جمهور بن مران والتصويب من الكامل.
6) في الكامل زيادة على طرق المفازة وعزم جمهور على مطاولته، فلما التقوا قدم سنباذ السبايا من النساء المسلمات على الجمال فلما رأين عسكر المسلمين قمن في المحامل ونادين وامحمداه ، ذهب الإسلام ووقعت الريح في أثوابهن فنفرت الإبل وعادت على عسكر سنباذ، فتفرق العسكر، وكان ذلك سبب الهزيمة .
ثم قتل سنباذ بين طبرستان وقومس .
وكان بين خروجه إِلى يوم قتل سبعون ليلة (1).
وفي هذه السنة : خرج ملبد بن حرملة الشيباني فحكم بناحية الجزيرة.
فخرج إِليه ألف رجل من روابط الجزيرة، فقتلهم وهزمهم .
ثم سار إِليه روابط الموصل، فهزمهم .
ثم سار إِليه يزيد بن حاتم المهلبي فهزمه ملبد بعد قتال شديد وقتلِ ذَرِيع(2).
ثم وجه إِليه أَبو جعفر المهلهل بن صفوان في نخب الجند فهزمهم ملبد، واستباح عسكرهم .
ثم خرج إِليه نزار في عدة من قواد خراسان فقتله ملبد وهزم أَصحابه .
ثم توجه إِليه زياد بن مشكان في جمع كثير فهزمهم ملبد.
ثم وجه صالح بن صبيح في عسكر كثيف وعدة من صناديد فهزمهم ملبد.
ثم سار إِليه حميد بن قحطبة [وهو على الجزيرة يومئذ ](3)، فلقيه ملبد فهزمه وتحصن حميد منه وأعطاه مائة ألف درهم على أن يكف عنه(4)
ثم زاد ابن الأثير في أحداث تلك السنة ما يأتي: لم يكن للناس في هذه السنة صائفة لشغل السلطان بحرب سنباذ.
وحج بالناس هذه السنة : إسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن عباس وهو على الموصل.
وكان على المدينة : زياد بن عبيد اللّه .
وعلى مكة : العباس بن عبد اللّه بن معبد .
ومات العباس عند انقضاء الموسم، فضم إسماعيل عمله إِلى زياد بن عبيد اللّه وأقره المنصور عليه .
وكان على الكوفة : عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها: سليمان بن علي، وعلى قضائها عمر بن عامر السلمي.
وعلى خراسان: أَبو داود خالد بن إِبراهيم.
وعلى مصر: صالح بن علي .
وعلى الجزيرة حميد بن قحطبة .
وعلى الموصل : إسماعيل بن علي بن عبد اللّه وهي على ما كانت عليه من الاجتدال.
.1) في الكامل بعد هذا وكان سبب قتله : أنه قصد طبرستان ملتجئاً إِلى صاحبها، فأَرسل إِلى طريقه عاملاً له اسمه طوس فتكبر عليه سنباذ فضرب طوس عنقه، وكتب إِلى المنصور بقتله وأخذ ما معه من الأموال وكتب المنصور إِلى صاحب طبرستان يطلب منه الأموال فأنكرها فسير الجنود إِليه فهرب إِلى الديلم.
2) بعد هذا في الكامل وأخذ جارية له كان يطؤها .
3) زيادة من الكامل .
4) بعدها في الكامل : وقيل : إن خروج ملبد كان سنة ثمان وثلاثين ومائة .
ثم دخلت سنة ثماني وثلاثين ومائة
وفيها دخل قسطنطين ملك الروم ملطية عنوة فملك سورها وهدمه، ثم عفى عمن فيها (1).
وفيها : غزى العباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس [الصائفة](2)مع صالح بن علي، فوصله صالح بأربعين ألف دينار.
وخرج معهم عيسى بن علي (3)فوصله أيضاً بأربعين ألف دينار فبنى صالح بن علي ما كان من هدم صاحب الروم من مطليه.
وفي هذه السنة: خلع جمهور بن مرار(4)العجلي المنصور، وكان سبب ذلك :
أن جمهور لما هزم سنباد وحوى ما في عسكره وفي جملته خزائن أَبي مسلم خاف فخلع، فأنفذ إِليه المنصور محمد بن الأشعث الخزاعي، فلقيه فقاتله قتالاً شديداً فهزم جمهور وقتل خلق كثير من أَصحابه (5)، وهرب جمهور إِلى أذربيجان فأخذ بعد ذلك [ فقتل ] (6)بأسباذروا(7)
وقتل في هذه السنة : الملبد الخارجي، قتله خازم بن خزيمة بعد قتال شديد.
وحروب كثيرة لا يستفاد [منها ] (8)تجربة (9)
وتراجع أصحاب خازم من الميمنة والميسرة ثم رشقوا ملبداً وأَصحابه بالنشاب فقتل ملبد في ثمإِنما ئة رجل ممن ترجل، وقتل منهم قبل أن يترجلوا زهاء ثلاثمائة وهرب الباقون، وتبعهم فضلة فقتل منهم مائة وخمسين رجلاً .
وفي هذه السنة : و وسع المنصور المسجد الحرام .
وحج بالناس هذه السنة : الفضل بن صالح بن علي.
وكان على المدينة ،ومكة والطائف زياد بن عبيد اللّه الحارثي .
وعلى الكوفة وسوادها: عيسى بن موسى.
وعلى البصرة: سليمان بن علي وعلى قضائها سوار بن عبد اللّه .
وعلى خراسان: أَبو داود.
وعلى مصر : صالح بن علي .
وفيها :توفي السواد بن رفاعة بن أَبي مالك القرطبي، وسعيد بن جمهان أَبو حفص الأسلمي يروي عن سفينة حديث «الخلافةثلاثون». ويونس بن عبيد البصري وقيل : توفي سنة تسع وثلاثين ومائة .
.1) بعدها في الكامل من المقاتلة والذرية .
2) زيادة من الكامل.
3) بعد هذا في الكامل وقيل : كانت سنة تسع وثلاثين .
4) في المخطوط مرات والتصويب من الكامل.
5) في المخطوط وخلق كثير قتل من أَصحابه فغيرت العبارة على ما يتبادر إِلى الذهن مباشرة.
6) زيادة من الكامل.
7) بعدها في الكامل : قتله أَصحابه وحملوا رأسه إِلى المنصور .
8) زيادة يتطلبها السياق .
9) كذا قال وقال ابن الأثير في خبر قتله : قد ذكرنا خروجه في السنة التي قبلها وتحصن حميد منه، أخا ولما بلغ المنصور ظفر ملبد وتحصن حميد منه وجه إِليه عبد العزيز بن عبد الرحمن عبد الجبار وضم إِليه زياد بن مشكان فأكمن له ملبد مائة فارس فلما لقيه عبد العزيز خرج عليه الكمين فهزموه وقتلوا عامة أَصحابه فوجه إِليه خازم بن خزيمة في نحو ثمانية آلاف المروروذية فسار خازم حتى نزل الموصل وبعث إِلى ملبد بعض أَصحابه وعبر ملبد دجلة من بلد وسار نحو خازم وعلى مقدمته وطلائعه فضلة بن نعيم بن خازم بن عبد اللّه النهشلي، وعلى ميمنته زهير بن محمد العامري وعلى ميسرته أَبو حماد الأبرص وخازم في القلب، فلم يزل يساير ملبداً وأَصحابه إِلى الليل وتواقعوا ليلتهم، فلما كان الغد سار ملبد نحو كورة حزه، وخازم وأَصحابه يسايرونهم حتى غشيهم الليل، وأصبحوا من الغد فسار ملبد كأنه يريد الهرب فخرج خازم في أثره وتركوا خندقهم، وكان حازم قد خندق على أَصحابه بالحسك، فلما خرجوا منه حمل عليهم ملبداً ،وأَصحابه فلما رأى ذلك خازم ألقى الحسك بين يديه ويدي أَصحابه، فحملوا على ميمنة خازم فطووها ثم حملوا على الميسرة فطووها، ثم انتهوا إِلى القلب - وفيه خازم - فنادى خازم في أَصحابه: الأرض الأرض فنزلوا ونزل ملبد وأَصحابه وعقروا عامة دوابهم، ثم اضطربوا بالسيوف حتى تقطعت وأمر خازم فضلة بن نعيم أن إذا سطع الغبار ولم يبصر بعضنا بعضاً فارجع إِلى خيلك وخيل أصحابك فاركبوها ، ثم ارموهم بالنشاب، ففعل ذلك .
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة
وفي هذه السنة : صار عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان [ إِلى] (1)الأندلس فملكه أَهلها أَمرهم فولده وُلاتها إِلى اليوم(2)
وقد ذكر ابن الأثير في هذا الخبر في الكامل أَخبار الأندلس مجمعة من بدايتها إِلى أن دخلها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام في خبر طويل فقال بعد أن ذكر تسلسل ولاتها وأيامها :
أما سبب مسیر عبد الرحمن إِلى الغرب، فإنه يحكى عنه
أنه لما ظهرت الدولة العباسية وقتل من بني أمية من قتل ومن شيعتهم، فرّ منهم من نجا في الأرض، وكان عبد الرحمن بن معاوية بذات الزيتون، ففرّ منها إِلى فلسطين، فأَقام هو ومولاه بدر يتجسس الأَخبار .
فحكي عنه أنه قال : لما أعطينا الأمان، ثم نكث بنا بنهر أَبي فطرس وأَبيحت دماؤنا أتانا الخبر وكنت منتبذاً من الناس، فرجعت إِلى منزلي آيساً ونظرت فيما يصلحني وأَهلي، وخرجت خائفاً حتى صرت إِلى قرية على الفرات ذات شجر وغياض، فبينا أنا ذات يوم بها، وولدي سليمان يلعب بين يدي وهو يومئذ ابن أربع سنين، فخرج عني، ثم دخل الصبي من باب البيت باكياً فزعاً، فتعلق بي وجعلت أدفعه وهو يتعلق في، فخرجت لأنظر ، وإذا بالخوف قد نزل بالقرية، وإذا بالرايات السود مخطة عليها، وأخ لي حدث السن يقول لي النجاء، النجاء، فهذه رايات المسودة فأخذت دنانير معي ونجوت بنفسي وأخي وأعلمت أخواتي بمتوجهي، فأمرتهن أن يلحقنني مولاي بدر وأحاطت الخيل بالقرية فلم يجدوا لي أثراً . فأتيت رجلاً من معارفي وأمرته فاشترى لي دواب وما يصلحني، فعدل علي عبد له العامل فأقبل في خيله يطلبني، فخرجنا على أرجلنا ،هرأَبا والخيل ،تبصرنا فدخلنا في بساتين على الفرات، فسبحنا الخيل إِلى الفرات فأما أنا فنجوت والخيل ينادوننا بالأمان ولا أرجع .
وأما أخي فإنه عجز عن السباحة في نصف الفرات فرجع إِليهم بالأمان، فأخذوه فقتلوه، وأنا أنظر إِليه وهو ابن ثلاثة عشر سنة، فاحتملت فيه ثكلاً ومضيت لوجهي فتواريت في غيضة أشبة حتى انقطع الطلب عني، وخرجت فقصدت المغرب فبلغت أفريقية ثم إن أخته أم الأصبغ ألحقته بدراً ومولاه ومعه نفقة له وجوهر، فلما بلغ أفريقية لج عبد الرحمن بن حبيب بن أَبي عبيدة الفهري - قيل : هو والد يوسف أَمير الأندلس - وكان عبد الرحمن عامل أفريقية في طلبه واشتد عليه فهرب منه ، فأتى مكناسة - وهم قبيل من البربر - فلقي عندهم شدة يطول ذكرها ثم هرب من عندهم فأتى نفزاوة، وهم أخواله وبدر معه.
وقيل : أتى قوماً من الزناتيين فأحسنوا قبوله فاطمأن فيهم، وأخذ في تدبير المكاتبة إِلى الأمويين من أَهل الأندلس يعلمهم قدومه ويدعوهم إِلى نفسه، ووجه بدراً مولاً إِليهم، وأَمير الأندلس حينئذ يوسف بن عبد الرحمن الفهري فسار بدر إِليهم، وأعلمهم حال عبد الرحمن ودعاهم إِليه فأجأَبوه ووجهوا إِليه مركباً فيه ثمامة بن علقمة ووهب بن الأصفر، وشاكر بن أَبي الأسمط، فوصلوا إِليه وأبلغوه طاعتهم ،له والأندلس فارسي في المنكب في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائة، فأتاه جماعة من رؤسائهم من أَهل إشبيلية وكانت أيضاً نفوس أَهل اليمن حنقة على الصميل ويوسف الفهري، فأتوه .
ثم انتقل إِلى كورة رية فبايعه عاملها عيسى بن مساور.
ثم أتى شذونة فبايعه غياث بن علقمة اللخمي .
ثم أتى موزور فبايعه إِبراهيم بن شجرة عاملها .
ثم أتى إشبيلية، فبايعه أَبو الصباح يحيى بن يحيى.
ونهض إِلى قرطبة فبلغ خبره إِلى يوسف وكان غائباً عن قرطبة بنواحي طليطلة، فأتاه الخبر وهو راجع إِلى قرطبة ، فسار عبد الرحمن نحو قرطبة، فلما أتى قرطبة تراسل هو ويوسف في الصلح، فخادعه نحو يومين أحدهما يوم عرفة ولم يشك أحد من أصحاب يوسف أن الصلح قد ابترم، وأقبل على إعداد الطعام ليأكله الناس على السماط يوم الأضحي.
وعبد الرحمن مرتب خيله ورجله وعبر النهر في أَصحابه ليلاً، فشب القتال ليلة الأضحى وصبر الفريقان إِلى أن ارتفع النهار ، وركب عبد الرحمن على بلغ لئلا يظن الناس أنه يهرب، فلما رأوه كذلك سكنت نفوسهم وأسرع القتل في أصحاب يوسف، وانهزم وبقي الصميل يقاتل مع عصابة من عشيرته، ثم انهزموا، فظفر عبد الرحمن.
ولما انهزم يوسف أتى ماردة وأتى عبد الرحمن ،قرطبة، فأَخرج حشم يوسف من القصر على عودة، ودخله بعد ذلك .
ثم سار في طلب يوسف، فلما أحس به يوسف خالفه إِلى قرطبة فدخلها وملك قصرها، فأخذ جميع أَهله وماله ولحق بمدينة البيرة. وكان الصميل لحق بمدينة شوذر .
وورد إِلى عبد الرحمن الخبر، فرجع إِلى قرطبة طمعاً في لحاقه بها، فلما لم يجده عزم على النهوض إِليه.
فسار إِلى البيرة، وكان الصميل قد لحق بيوسف وتجمع لهما هناك جمع.
فتراسلوا في الصلح، فاصطلحوا على أن ينزل يوسف بأمان هو ومن معه، وأن يسكن مع عبد الرحمن بقرطبة ورهنه يوسف ابنيه : أَبا الأسود محمداً، وعبد الرحمن.
وسار يوسف مع عبد الرحمن، فلما دخل قرطبة تمثل :
فبينا نسوس الناس والأَمر أمرنا *** إذا نحن فيهم سوف نتنصف
واستقر عبد الرحمن بقرطبة، وبنى القصر، والمسجد الجامع، وأنفق فيه ثمانين ألف دينار، ومات قبل تمامه .
وبنى مساجد الجماعات، ووافاه جماعة من أَهل بيته وكان يدعو للمنصور .
وقد ذكر أَبو جعفر أن دخول عبد الرحمن كان سنة تسع وثلاثين .
وقيل سنة ثمان وثلاثين على ما ذكرنا، وهذا القدر كافٍ في ذكر دخوله الأندلس لئلا نخرج عن الذي قصدنا له من الاختصار.
.وفيها: عزل سليمان بن علي عن البصرة(1)، وولى سفيان بن معاوية، فتوارى(2)عبد اللّه بن علي وأَصحابه .
فبعث أَبو جعفر إِلى سليمان وعيسى ابني علي وكتب إِليهما في أَشخاص عبد اللّه بن علي وعزم عليهما أَن يفعلا ذلك ولا يؤخراه وأعطاهما من الأمان لعبد اللّه ما رضياه ووثقا به.
وجرى في ذلك ما سنذكره إن شاء اللّه تعالى .
ثم استحثهما بالخروج بعبد اللّه (3)وبقاء قواده (4)وخواص أَصحابه، فخرجا بعبد اللّه والجماعة التي التمسها حتى قدموا على المنصور فلما دخل سليمان [37/أ] وعيسى على المنصور سألاه في عبد اللّه بن علي وأعلماه حضوره، فأنعم لهما وشغلاهما بالحديث .
وقد كان هيأ لعبد اللّه محبساً في قصره وأمر أن يُصرف إِليه بعد دخول سليمان و عيسى، ففعل ذلك به.
ثم نهض أَبو جعفر، وقال لسليمان وعيسى سارعا بعبد اللّه(5).
فلما خرجا افتقدا عبد اللّه بن علي من المجلس الذي خلفاه فيه .
فعلما أَنه قد حبس فانصرفا راجعين إِلى أَبي جعفر فحيل بينهما وبين الوصول إِليه، وأخذت عند ذلك سيوف من حضر من أصحاب عبد اللّه بن علي من عواتقهم، وحبسوا(6)
فلما أخذت سيوفهم وحبسوا جعل خفاف يضرط في لحية نفسه ويتفل في وجه أَصحابه، ثم أمر المنصور بقتل بعضهم ،بحضرته وبعث الباقين إِلى أَبي داود خالد بن إِبراهيم بخراسان فقتلهم بها .
ومما ذكر ابن الأثير أيضاً من أحداث تلك السنة أنه قال :
وفي هذه السنة : فرغ صالح بن علي، والعباس بن محمد من عمارة ما أخربه الروم من ملطية . ثم غزوا الصائفة من درب الحدث فوغلا في أرض الروم.
غزا مع صالح أختاه أم عيسى ولبابة وكانتا نذرتا إن زال ملك ولبابة، وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن تجاهدا في سبيل اللّه .
وغزا من درب ملطية جعفر بن حنظلة المهراني .
وفي هذه السنة: كان الفداء بين المنصور وملك الروم، فاستفدى المنصور أسرى قإِلى قلا وغيرهم من الروم وبناها وعمرها ورد إِليها أَهلها وندب إِليها جنداً من أرض الجزيرة وغيرهم، فأَقاموا بها وحموها.
ولم يكن بعد ذلك صائفة فيما قيل إلا سنة ست وأربعين لاشتغال المنصور بابني عبد اللّه الحسن بن الحسن بن علي.
إلا أن بعضهم قال : إن الحسن بن قحطبة غزا الصائفة مع عبد الوهاب بن إِبراهيم الإِمام في سنة أربعين، وأقبل قسطنطين ملك الروم في مائة ألف فبلغ جيحان فسمع كثرة المسلمين فأحجم عنهم، ثم لم يكن بعدها صائفة إِلى سنة ست وأربعين .
وحج بالناس في هذه السنة : العباس بن محمد بن علي.
وكان على مكة، والمدينة، والطائف: زياد بن عبيد اللّه الحارثي.
وعلى الكوفة : عيسى بن موسى .
وعلى البصرة : سفيان بن معاوية، وعلى قضائها سوار بن عبد اللّه .
وعلى خراسان: أَبو داود.
وفيها: مات عبد ربه سعيد بن قيس الأنصاري ، وقيل : سنة إحدى وأربعين .
وفيها مات العلاء بن عبد الرحمن مولى الخرقة، ومحمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن أَبي صعصعة المازني.
ويزيد بن عبد اللّه بن شداد بن الهاد الليثي وكان موته بالإسكندرية .
.1) في الكامل: وقيل: سنة أربعين، واستعمل عليها سفيان بن معاوية في رمضان.
2) في الكامل : فاختفى أخوه عبد اللّه بن علي، ومن معه من أَصحابه، فبلغ ذلك المنصور، فأَرسل إِلى سليمان وعيسى بن علي بن عبد اللّه بن عباس.
3) في المخطوط : لعبد اللّه، والتصويب من الكامل.
4) في الكامل : لعبد اللّه وقواده وموإِليه حتى قدموا على المنصور في ذي الحجة.
5) فی الكامل : خذا عبد اللّه معكما .
6) وأتم ابن الأثير القصة في الكامل فقال : وقد كان خفاف بن منصور حذرهم ذلك وندم على مجيئه معهم وقال : إن أطعتموني شددنا شدة واحدة على أَبي جعفر فواللّه لا يحول بيننا وبينه حائل حتى نأتي عليه ولا يعرض لنا أحد إلا قتلناه وننجو بأنفسنا، فعصوه.
ثم دخلت سنة أربعين ومائة
فما جرى فيها غير هلاك أَبي داود خالد بن إِبراهيم عامل خراسان بخطيئة أخطأها على نفسه .
وذلك أن ناساً من جنده مروا به ليلاً وهو نازل بباب کشمهان(1)من مدينة مرو حتى وصلوا إِلى المنزل الذي هو فيه فأشرف أَبو داود من الحائط وجعل ينادي أَصحابه ليعرفوا صوته ووطئ حرف آجرة خارجة عن الحائط فانكسرت الآجرة (2)، ووقع على سرة ،أمامها، فانكسر ظهره ومات.
وقام عصام صاحب شرطة أَبي داود بخلافته حتى قدم عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي (1)
أن عبد الرحمن كان يضع عليه من يهينه وينازعه في أملاكه ، فإذا أظهر حجة الشريعة لا يعمل بها، ففطن لما يراد منه فقصد ماردة واجتمع عليه عشرون ألفاً، فسار نحو عبد الرحمن، وخرج عبد الرحمن من قرطبة نحوه إِلى حصن المدور .
ثم إن يوسف رأى أن يسير إِلى عبد الملك بن عمر بن مروان وكان والياً على إشبيلية، وإِلى ابنه عمر بن عبد الملك وكان على المدور فسار نحوهما وخرجا إِليه فلقياه فاقتتلا قتالاً شديداً، فصبر الفريقان، وانهزم أصحاب يوسف وقتل منهم خلق كثير ، وهرب يوسف وبقي متردداً في البلاد فقتله بعض أَصحابه في رجب من سنة اثنتين وأربعين بنواحي طليطلة، وحمل رأسه إِلى عبد الرحمن فنصبه بقرطبة، وقتل ابنه عبد الرحمن بن يوسف الذي كان عنده رهينة ونصب رأسه مع رأس أَبيه وبقي أَبو الأسود بن يوسف عند عبد الرحمن الأموي رهينة وسيأتي ذكره وأما العميل فإنه لما فرَّ يوسف من قرطبة لم يهرب معه فدعاه الأَمير عبد الرحمن وسأله عنه فقال : لم يعلمني بأمره، ولا أعرف خبره .
فقال : لا بد أن تخبر.
فقال : لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، فسجنه مع ابني يوسف.
فلما هربا من السجن أنف من الهرب والفرار فبقي في السجن.
ثم أدخل إِليه بعد ذلك مشيخة مضر فوجدوه ميتاً وعنده كأس ونقل فقالوا: يا أَبا جوشن قد علمنا أنك ما شربت ولكنك سقيت ودفع إِلى أَهله فدفنوه .
وفي هذه السنة : هلك إذفنش ملك جليقية وملك بعده ابنه ،تدويليه وكان أشجع من أَبيه وأحسن سياسة للملك وضبطاً له وكان ملك أَبيه ثماني عشرة سنة ولما ملك ابنه قوي أمره وعظم سلطانه وأَخرج المسلمين من ثغور البلاد وملك مدينة لك، وبرطقال وشلمنقة، وشمورة، وأيلة، وشقوبيه وقشتيالة، وكل هذه من الأندلس.
وفيها :سَرَّ المنصور عبد الوهاب ابن أَخيه إِبراهيم الإِمام والحسن بن قحطبة في سبعين ألفاً من المقاتلة إِلى ملطية فنزلوا عليها وعَمْروا ما كان خربه .
الروم منها ففرغوا من العمارة في ستة أشهر، وكان للحسن في ذلك أثر عظيم.
وأسكنها المنصور أَربعة آلاف من الجند وأكثر فيها من السلاح والذخائر، وبنى حصن قلوذية .
ولما سمع ملك الروم بمسير عبد الوهاب والحسن إِلى ملطية سار إِليهم في مائة ألف مقاتل فنزل جيحان فبلغه كثرة المسلمين فعاد عنهم ولما عمرت ملطية عاد إِليها من كان باقياً من أَهلها .
وفيها: حج المنصور، فأحرم من الحيرة، فلما قضى حجه توجه إِلى بيت المقدس، وسار منه إِلى الرقة فقتل بها منصور بن جعونة العامري وعاد إِلى هاشمية الكوفة .
وفيها: أمر المنصور بعمارة مدينة المصيصة على يد جبرائيل بن يحيى وكان سورها قد تشعث من الزلازل وأَهلها قليل فبنى السور وسماها المعمورة وبنى بها مسجداً جامعاً، وفرض فيها لألف ،رجل، وأسكنها كثيراً من أَهلها.
وفيها : توفي سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة.
وعمرو بن يحيى بن أَبي حسن الأنصاري .
وعمارة بن غزية الأنصاري وكان ثقة. وأَبو العلاء أيوب القصاب.
وأَبو جعفر محمد بن عبد اللّه الأسكافي وهو من متكلمي المعتزلة وأئمتهم، وله طائفة تنسب إِليه .
وأسماء بن عبيد بن مخارق، والد حويزة بن أسماء .
.1) كذا ذكر ابن مسكويه هذا الخبر، وأتمه ابن الأثير وذكر بعده عدة حوادث فقال في تمامه أولاً، عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي عامل خراسان . فلما قدمها أخذ جماعة من القواد اتهمهم بالدعاء إِلى ولد علي بن أَبي طالب منهم مجاشع بن حريث الأنصاري عامل ،بخارى وأَبو المغيرة خالد بن كثير مولى بني تميم عامل قوهستان والحريش بن محمد الذهلي وهو ابن عم داود فقتلهم وحبس جماعة غيرهم وألح على عمال أَبي داود في استخراج ما عندهم من الأموال . وفي هذه السنة : نكث يوسف الفهري الذي كان أَمير الأندلس على عهد عبد الرحمن الأموي، وكان سبب ذلك :
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة
وأجرى في هذه السنة أمر الراوندية وما كان من أَبي جعفر في أَمرهم.
ذكر أَخبار الراوندية وخروجهم ومقتلهم
الراوندية : قوم كانوا من أَهل خراسان على رأي أَبي مسلم صاحب دعوة بني هاشم يقولون بتناسخ الأرواح(1)
وصنفان آخران ظهرا في دولة الإسلام أحدهما من جملة القدرية، والآخر من جملة الرافضة الغالية .
فأصحاب التناسخ من السمنية : قالوا بقدم العالم. وقالوا أيضاً بإبطال النظر والاستدلال، وزعموا أنه لا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس وأنكر أكثرهم المعاد والبعث بعد الموت .
وقال فريق منهم بتناسخ الأرواح في الصور المختلفة، وأجازوا أن ينقل روح الإنسان إِلى كلب وروح الكلب إِلى إنسان وقد حكي فلو طرخس مثل هذا القول عن بعض الفلاسفة، وزعموا أن من أذنب في قالب ناله العقاب على ذلك الذنب في قالب آخر، وكذلك القول في الثواب عندهم، ومن أعجب الأشياء دعوى السمنية في التناسخ الذي لا يعلم بالحواس مع قولهم: إنه لا معلوم إلا من جهة الحواس.
وقد ذهب المانوية أيضاً إِلى التناسخ، وذلك أن ماني قال في بعض كتبه : إن الأرواح التي تفارق الأجسام نوعان : أرواح الصديقين، وأرواح أَهل الضلال.
فأرواح الصديقين : إذا فارقت أجسادها سرت في عمود الصبح إِلى النور الذي فوق الفلك فبقيت ذلك العالم على السرور الدائم .
وأرواح أَهل الضلال : إذا فارقت الأجساد وأَرادت اللحوق بالنور الأعلى رُدَّت منعكسة إِلى أسفل فتتناسخ في أجسام الحيوانات إِلى أن تصفو من شوائب الظلمة ثم تلتحق بالنور العالي.
وذكر أصحاب المقالات عن سقراط وأفلاطون واتباعهما من الفلاسفة، أنهم قالوا بتناسخ الأرواح على تفصيل قد حكيناه عنهم في كتاب «الملل والنحل» .
وقال بعض إِليهود بالتناسخ وزعم أنه وجد في كتاب دانيال أن اللّه تعالي مسخ بختنصر في سبع صور من صور البهائم والسباع وعذبه فيها كلها ثم بعثه في آخرها موحداً .
وأما أَهل التناسخ في دولة الإسلام فإن البيانية، والجناحية، والخطابية والراوندية من الروافض الحلولية كلها قالت بتناسخ روح الإله في الأئمة بزعمهم.
وأول من قال بهذه الضلالة السبئية من الرافضة، لدعواهم أن عليا صار إلهاً حين حل روح الإله فيه .
، ويزعمون أن روح آدم في عثمان بن نهيك .1) قال عبد القادر الأسفرائيني في كتابه الفرق بين الفرق (270) في ذكر أصحاب التناسخ من أَهل الأهواء وبيان خروجهم عن فرق الإسلام القائلون بالتناسخ أصناف، صنف من الفلاسفة وصنف من السمنية وهذان الصنفان كانا قبل دولة الإسلام.
وأن جبرائيل هو الهيثم بن معاوية .
وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو أَبو جعفر المنصور.
ويعددون أرواح قوم مضوا فيدعون أنها الآن منتقلة في أجساد آخرين فلان وفلان ولا تزال تنتقل في كل زمان إِلى أجساد قوم تعاقب فيها أو تثاب.
وكانوا أتوا قصر المنصور، فجعلوا يطوفون ويقولون : هذا قصر ربنا .
فحكى أَبو بكر الهذلي قال : إني لواقف بباب أَمير المؤمنين إذ طلع فقال لي رجل إِلى جانبي : هذا باب العزة هذا الذي يرزقنا ويطعمنا ويسقينا .
فلما رجع أَمير المؤمنين، ودخل الناس، ودخل وخلا وجهه قلت له : سمعت اليوم عجباً، فحدثته، فنكت في الأرض، وقال: يا هذلي يدخلهم اللّه عزّ وجلّ النار في طاعتنا ويقتلهم أحب إلينا من أن يدخلهم الجنة بمعصيتنا .
قال : وأتوا قصر المنصور للطواف حتى شاع خبرهم فأَرسل المنصور إِلى رؤسائهم، فحبس منهم مائتين، فغضب أَصحابهم وقالوا : علا ما حبسوا؟
وأمر المنصور، أن لا يجتمعوا .
فأعدوا نعشاً وحملوا السرير، وليس في النعش أحد، ثم مروا بالمدينة الهاشمية بالكوفة حتى صاروا على باب السجن [فدخلوا السجن ] (1)فأخرجوا أَصحابهم، وقصدوا نحو المنصور يريدونه، وهم يومئذ ستمائة رجل .
فنادى الناس، وغلقت أَبواب المدينة فلم يدخل أحد، فخرج المنصور فخرج المنصور من القصر ماشياً ولم يكن في القصر دابة - فجعل بعد ذلك يرتبط فرساً يكون في دار الخلافة معه في قصره - ولما خرج المنصور أتي بدابة فركبها وهو يريدهم، وجاء معن بن زائدة وانتهى إِلى المنصور، وقال: أنشدك اللّه يا أَمير المؤمنين إلا رجعت فإنك تكفي .
وجاء أَبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب القصر وقال : أَنا اليوم بواب.
ونودي في السوق فرموهم وقاتلوهم حتى أثخنوهم وفتح باب المدينة، ودخل الناس، وجاء خازم بن خزيمة على فرس مخذوق فقال : يا أَمير المؤمنين أقتلهم؟
قال : نعم .
فحمل عليهم حتى ألجأهم إِلى حائط ثم كروا على خازم حتى كشفوه وأَصحابه، ثم كر عليهم فاضطروهم إِلى حائط المدينة .
وقال الهيثم بن شعبة : إذا كروا علينا فاسبقهم إِلى الحائط، وإذا رجعوا فاقتلهم .
1) زيادة من الكامل.
فحملوا على حازم فاضطرهم وصار الهيثم بن شعبة من ورائهم فقتلوا [37/ ب] جميعاً وجاءهم يومئذٍ عثمان بن نهيك فكلمهم، فرموه فرجع فرموه بنشابة وقعت بين كتفيه، فمرض أياماً ومات.
وأبلى يومئذ برز بن المصمغان ملك ديباوند وكان خالف أخاه، وقدم على أَبي جعفر وأكرمه وأجرى عليه رزقاً .
فلما كان يومئذٍ أتى المنصور فكَفَّرَ له، ثم قال : أقاتل هؤلاء؟
قال له : نعم .
فقاتلهم، فكان إذا ضرب رجلاً فصرعه تأخر تأخر عنه فلما قتلوا، وصلى المنصور دعا بالعشاء (1)
وأحسب أن لفظة الظهر فيه محرفة أو زائدة على السياق حيث من المعلوم العشاء يكون ليلاً، والغداء ظهراً أو وسط النهار .
وقال : اطلبوا معن بن زائدة .وأَمسك عن الطعام حتى جاءه معن فقال لقثم تحول إِلى هذا الموضع معناً مكان قثم.
فلما فرغوا من العشاء قال لعيسى بن علي يا أَبا العباس أسمعت بأشد الرجال؟
قال : نعم .
قال : لو رأيت معناً علمت أنه من تلك الآساد قال : قال معن؛ واللّه يا أَمير المؤمنين لقد أتيتك وإني لوجل القلب، فلما رأيت ما عندك من الاستهانة بهم وشدة الإقدام عليهم ورأيت أمراً لم أره من خلق في حرب فشد ذلك من قلبي وحملني على ما رأيت مني(2)
وقيل : كان معن متخفياً من المنصور لما كان منه لما كان منه من قتاله مع ابن هبيرة كما ذكرناه، وكان اختفاؤه عند أَبي الخصيب حاجب المنصور، وكان على أن يطلب له الأمان، فلما خرجت الراوندية جاء
معن فوقف بالباب فسأل المنصور أَبا الخصيب من بالباب؟ فقال : معن بن زائدة.
فقال المنصور: رجل من العرب شديد النفس عالم بالحرب كريم الحسب، أدخله، فلما دخل قال : إيه يا معن ما الرأي؟ قال: الرأي أن تنادي في الناس، فتأمر لهم بالأموال.
فقال : وأين الناس والأموال؟ ومن يقدم على أن يعرض لنفسه لهؤلاء العلوج ؟! لم تصنع شيئاً يا معن الرأي أن أَخرج فأقف للناس فإذا رأوني قاتلوا وتراجعوا إلي، وإن أقمت تهاونوا وتخاذلوا .
فأخذ معن بيده وقال : لا يا أَمير المؤمنين إذا واللّه تقتل الساعة، فأنشدك اللّه في نفسك.
فقال له أَبو الخصيب مثلها .
فجذب ثوبه منهما وركب دابته وخرج معن آخذ بلجام دابته، وأَبو الخصيب مع ركابه، وأتاه رجل فقتله معن حتى قتل أَربعة في تلك الحالة حتى اجتمع إِليه الناس فلم يكن إلا ساعة حتى أفناهم، ثم تغيب ،معن فسأل المنصور عنه أَبا الخصيب عنه فقال : لا أعلم مكانه .
فقال المنصور: أَظن معن أن لا أغفر ذنوبه بعد بلائه أعطه الأمان وأدخله علي، فأدخله إِليه، فأمر له بعشرة آلاف درهم ثم ولاه اليمن.
.قال الفضل بن الربيع، قال : حدثني أَبي قال سمعت المنصور يقول :
أخطأت ثلاث خطيات، وقى اللّه شَرَّها :
*قتلت أَبا مسلم وأَنا في حرق ومن حولي تقدم طاعته على طاعتي يؤثرها، ولو هتكت الحرق لذهبت ضياعاً .
*وخرجت يوم الراوندية، ولو أصابني سهم عزب لذهبت ضياعاً .
*وخرجت إِلى الناس ولو اختلفت السِّيفان بالعراق لذهبت الخلافة ضياعاً .
وفي هذه السنة : خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن عامل أَبي جعفر على خراسان .
ذكر الخبر عن خلع عبد الجبار وما آل إِليه أمره
بلغ المنصور أن عبد الجبار يقتل رؤساء أَهل خراسان، وكاتبه بعض قواده بكتاب فيه : قد نَغِلَ الأديم(1)
فقال لكاتبه ، أَبي أيوب(2): إن عبد الجبار قد أفنى شيعتنا، وما فعل هذا إلا وهو يريد أن يخلع.
فقال له : ما أيسر حيله أكتب إِليه أَنك تريد غزو الروم فيوجه إليك الجنود من خراسان وعليها فرسانهم ووجوههم(3)، فإذا خرجوا منها فابعث إِليه من شئت فليس به امتناع.
فكتب إِليه بذلك، فأجابه: إن الترك قد جاشت (4)، وإن فرقت الجنود ذهبت خراسان .
فألقى الكتاب إِلى أَبي أيوب وقال له: ما ترى؟
قال : أمكنك من قياده أكتب إِليه : إن خراسان أهم إلي من غيرها وأنا موجه إليك الجنود من قبلي.
ثم وجه الجنود ليكونوا بخراسان، فإن هم بخلع أخذوا بعنقه.
فلما ورد على عبد الجبار هذا الكتاب، كتب إِليه : إن خراسان لم يكن قط أسوء
حالاً منها في العام، وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من غلاء السعر .
فلما أتاه الكتاب ألقاه إِلى أَبي أيوب فقال : قد أبدى صفحته، وقد خلع، فلا تناظره .
فوجه إِليه محمد ابنه وقدم لحربه خازم بن خزيمة، ثم شخص محمد المهدي فنزل بنيسابور .
وتوجه خزيمة بن خازم إِلى عبد الجبار، وبلغ ذلك أَهل مرو، فقاتلوه وجاهدوه حتى هرب وتوارى ثم طلبوه حتى أخذوه أسيراً(1).
فلما قدم خازم أتاه [به](2)، فألبسه خازم مدرعة (3)صوف وحمله على بعير، وجعل وجهه من قبل عجز البعير(4)حتى انتهى به إِلى المنصور ومعه ولده وأَصحابه فبسط عليهم العذاب حتى استخرج ما قدر عليه من الأموال .
ثم أمر المسيب بقطع يدي عبد الجبار ورجليه وضرب عنقه، ففعل المسيب.
وأمر المنصور بتسيير ولده إِلى دهلك، وهي جزيرة بناحية اليمن.(5)
فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند فسبوهم فيمن سبوا ، ثم فودوا بعد ذلك، وكان ممن نجا منهم عبد الرحمن بن عبد الجبار فصحب الخلفاء ومات أيام الرشيد سنة سبعين ومائة . وقيل : كان أمر عبد الجبار سنة اثنتين وأربعين في ربيع الأول، وقيل: سنة أربعين .
ولما وجه المنصور محمد المهدي إِلى قتال عبد الجبار بن عبد الرحمن، فكفى المهدي أمر عبد الجبار بمن حاربه وكره المنصور أن يبطل نفقاته التي انقضت على المهدي وجنوده .
فكتب إِليه أن يغزو طبرستان، وينزل الري.
وتوجه أَبا الخصيب(6)، وخازم بن خزيمة والجنود إِلى الأصفهيد(7).
والأصفهيد يومئذٍ محارباً للمصمغان ملك دنباوند معسكراً بإزائه .
فبلغه أن الجنود دخلت بلاده، وأن الخصيب دخل سارية (8).
1) في الكامل : فانهزم منهم ولجأ إِلى معطنة، فتوارى فيها، فعبر إِليه المحشر بن مزاحم من أَهل مرو الروذ، فأخذه أسيراً .
2) زيادة من الكامل
3) في الكامل : جبة، والمعنى واحد أو قريب.
4) إهانة له، وقد كنا نلعب ذلك على الدواب ونحن صغار من باب بيان مهارة الركوب أو التمكن .
5) بعد ذلك في الكامل :
6) في الكامل : أَبا الخطيب.
7) في الكامل في كل المواضع المذكور هنا الأصبهبذ وسرت على ما في المخطوط واكتفيت بهذه الإِشارة .
8) في الكامل : فلما بلغه دخول الجنود بلاده ودخول أَبي الخصيب سايره فقال المصمغان للأصبهبذ : متى .
[38/أ] فسار للمصمغان ذلك وقال للأصفهيد متى [قهروك](1)صاروا إليّ . فاجتمعا على محاربة المسلمين وانصرف الأصفهيد إِلى بلاده فحارب المسلمين وطالت الحروب، فأَشار بدرزين أخو المصمغان على المنصور بتوجيه عمر بن وكان برزين قد عرف عمر أَيام رستقباذ وأَيام الراوندية .
وقال أَمير المؤمنين : إِن عمر أَعلم الناس ببلاد طبرستان، فوجهه.
وعمر بن العلاء هو الذي يقول فيه بشار:
فقل للخليفة أن جئته *** نصيحاً ولا خير في المتهم
إذا أيقظتك حروب العِدَى *** فنبِّه لها عمراً: ثم نَمْ
فتَى لا ينام على دمنة *** ولا يشرب الماء إلا بدَم (2)
فوجهه(3)المنصور وضم إِليه خزيمة بن خازم، فدخل الرويان وفتحها، وأخذ قلعة الطاق(4)وما فيها .
وطالت الحرب ، فألح خزيمة على القتال ففتح طبرستان وقتل منهم فأكثر .
وصار الإصفهيد على قلعته (5)وطلب الأمان [على] (6)أن يسلم القلعة بما فيها من ذخائره
فكتب بذلك المهدي إِلى أَبي جعفر فوجه أَبو جعفر بصالح (7)صاحب المصلى وعدة معه فأحصوا ما في الحصن ثم انصرفوا .
فبدا للأصفهيد، فدخل بلاد جيلان من الديلم فمات بها، وأخذت ابنته، فهي أم إِبراهيم بن محمد [بن العباس بن محمد ](8).
وحمدت الجيوش للمصمغان، فظفروا به، وبالبحترية أم منصور بن المهدي، وقميصرا على ابن ريطة بنت المصمغان .
فهذا فتح طبرستان الأول(9)
في هذه السنة : عزل زياد بن عبيد اللّه الحارثي عن مكة والمدينة، والطائف، واستعمل على المدينة : محمد بن خالد عبداللّه بن عبد القسري في رجب.
وعلى الطائف ومكة الهيثم بن معاوية العتكي من أَهل خراسان .
وفيها: توفي موسى بن كعب، وهو على شرطة المنصور، وعلى مصر والهند.
وخليفته على الهند: عيينة ابنه، وكان قد عزل موسى عن مصر، ووليها محمد بن الأشعث، ثم عزل عنها ووليها نوفل بن محمد بن الفرات.
وحج بالناس هذه السنة : صالح بن علي بن عبد اللّه بن عباس، وهو على الشام.
وعلى الكوفة : عيسى بن موسى .
وعلى البصرة : سفيان بن معاوية .
وعلى خراسان :المهدي وخليفته بها السري بن عبداللّه.
وعلى الموصل : إسماعيل بن علي .
وفيها : مات سعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الأنصاري.
وأَبان بن تغلب القارئ .
.1) زيادة من الكامل.
2) لم يذكر في الكامل إلا البيت الثاني من هذا الشعر
3) في المخطوط: فوجه وهو تحريف .
4) في الكامل : قلعة الطلق .
5) فى المخطوط : قلعة. وهو تحريف .
6) سقط من المخطوط، وأثبته من الكامل.
7) في المخطوط يصلح . والتصويب من الكامل.
8) زيادة من الكامل.
9) زاد ابن الأثير في أحداث تلك السنة ما يلي:
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة
وفيها : كان نقض أصفهيد طبرستان العهد بينه وبين المسلمين، وقتل من كان ببلاده من المسلمين .
فبلغ ذلك المنصور، فوجه خازم بن خزيمة وروح بن حاتم وأَبا الخصيب مولى أَبي جعفر(1)
فأَقاموا على الحصن يحاصرونه وهو فيه، وهم يقاتلونه .
فقاتلوهم حتى طال عليهم .فاحتال أَبو الخصيب في ذلك، وقال لأَصحابه : اضربوني، واحلقوا رأسي ولحيتي .
ففعلوا ذلك به، ولحق بالأصفهيد صاحب الحصن، وقال : إنه رُكب مني ما ترى بتهمة ألحقوها بي وظنوا أن هواي فيك، فأَخبره أنه اليوم . ،معه وأنه يدله على عورة العسكر .
فقبل الأصفهيد ذلك وجعله في خاصته، وألطفه (2)
وكان باب حصنهم من حجر يلقى القاء يرقعه الرجال وتضعه عند فتحه وإغلاقه، وكان الأصبهبذ يوكل به ثقات أَصحابه نوباً بينهم.
، ووكل به من يتعرف أَخباره، فصبر ولم يزل يظهر طاعته ونصيحته حتى وثق به (3)فلما وثق الأصبهبذ إِلى أَبي الخصيب وكله بالباب فتولى فتحه وإغلاقه حتى أنس به، ثم كتب أَبو الخصيب إِلى روح وخازم ، وألقى الكتاب في سهم وأعلمهم أنه قد ظفر بالحيلة وواعدهم ليلة في فتح الباب فلما كان تلك الليلة فتح لهم.
، وتمكن مما أَراد ، فراسل أَصحابه بل كاتبهم في شأنه وواعدهم أن يفتح لهم الباب يوماً بعينه، ففعل.فدخلوا فقتلوا من فيها وسبوا الذراري، وظفروا ببنت الأصفهيد، وبشكلة أم إِبراهيم بن المهدي، وهي بنت كاتب المصمغان . ومَصَّ الأصفهيد خاتماً فيه سم فقتل نفسه(1)
ثم ذكر ابن الأثير عدة أحداث أخرى في تلك السنة فقال :
وفي هذه السنة : خلع عيينة بن موسى بالسند وكان عاملاً عليها، وسبب خلعه :
أَن أَباه كان استخلف المسيب بن زهير على الشرط، فلما مات موسى أَقام المسيب على ما كان يلي من الشرط، وخاف أَن يحضر المنصور وعيينة فيوليه ما كان إِلى أَبيه ، فكتب إِليه ببيت شعر، ولم ينسب الكتاب إِلى نفسه :
فأرضك أرضك إن تأتنا *** تنم ليلة ليس فيها حلم
فخلع الطاعة، فلما بلغ الخبر إِلى المنصور سار بعسكره حتى نزل على جسر البصرة، ووجه عمر بن حفص بن أَبي صفراء العتكي عاملاً على السند، والهند.
فحاربه عيينة فسار حتى ورد السند، فغلب عليها .
وفيها: مات سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس، وهو على البصرة في جمادى الآخرة، وعمره تسع وخمسون سنة، وصلى عليه أخوه عبد الصمد.
وفيها: عزل نوفل بن الفرات عن مصر ووليها حميد بن قحطبة.
وحج بالناس : إسماعيل بن علي بن عبد اللّه وكان العمال من تقدم ذكرهم .
وولى المنصور الثغور والعواصم أخاه العباس بن محمد.
وعزل المنصور عمه إسماعيل بن علي عن الموصل فاستعمل عليها مالك بن الهيثم الخزاعي جد أَحمد بن نصير الذي قتله الواثق، وكان خير أَمير .
وفيها: مات يحيى بن سعيد الأنصاري أَبو سعيد قاضي المدينة ، وقيل : سنة ثلاث ، وقيل : سنة
أربع وأربعين.
وفيها: مات موسى بن عقبة مولى آل جبير .
وفيها : توفي أيضاً عاصم بن سليمان الأحول وقيل : سنة ثلاث وأربعين.
وفيها: مات حميد بن أَبي حميد طرخان.
وقيل : مهران مولى طلحة بن عبد اللّه الخزاعي وهو حميد الطويل - يروي عن أنس بن مالك
وعمره خمس وسبعون سنة .
.ودخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة
ولم يجر فيها ما يستفاد منها تجربة (2)
في هذه السنة : ثار الديلم بالمسلمين فقتلوا منهم مقتلة عظيمة فبلغ ذلك المنصور، فندب الناس إِلى قتال الديلم وجهادهم .
وفيها: عزل الهيثم بن معاوية عن مكة، والطائف، وولي ذلك السري بن عبد اللّه بن الحارث بن العباس - وكان على اليمامة وسار إِلى مكة .
واستعمل المنصور على اليمامة قثم بن عباس بن عبد اللّه.
وفيها: عزل حميد بن قحطبة عن مصر واستعمل عليها نوفل بن الفرات، ثم عزل نوفل واستعمل عليها يزيد بن حاتم .
وحج بالناس هذه السنة : عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه، وكان إِليه ولاية الكوفة .
وفيها: ثار بالأندلس رزق بن النعمان الغساني على عبد الرحمن وكان رزق على الجزيرة الخضراء، فاجتمع إِليه خلق عظيم فسار إِلى شذونة ،فملكها، ودخل مدينة إشبيلية .
وعاجله عبد الرحمن فحصره فيها، وضيق على من بها فتقربوا إِليه بتسليم رزق إِليه، فقتله فأمنهم ورجع عنهم .
وفيها: مات عبد الرحمن بن عطاء صاحب الشارعة - وهي نخل -
وسلیمان بن طرخان التيمي.
وأشعث بن سوار .
ومجالد بن سعيد .
.ودخلت سنة أربع وأربعين ومائة
وفيها : أهَمَّ أَبا جعفر المنصور أمر(1)
وفيها: استعمل المنصور على المدينة رياح بن عثمان المري وعزل محمد بن خالد بن عبد اللّه القسري عنها .
وكان سبب عزله وعزل زياد قبله : أن المنصور أهمه أمر محمد، وإِبراهيم ابني عبد الحسن بن الحسن بن علي.
محمد وإِبراهيم ابني عبد اللّه بن حسن بن علي بن أَبي طالب عليه السلام وكانا قد تخلفا عنه عام حج في حياة أَخيه ولم يحضرا مع من حضر من بني هاشم .وكان يقال : إن أَبا جعفر كان بايع محمد بن عبد اللّه ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة، وذلك حين اضطرب أمر بني مروان .
فلما كان بعد ذلك واستخلف أَبو جعفر لم يكن له همة إلا طلب محمد والمسألة عنه وعن أَخيه (2).
فسأل بنو هاشم عنهما رجلاً رجلاً يختلهم فيسألهم، فيقولون: يا أَمير المؤمنين قد علم أنك عرفته بطلب هذا الشأن قبل اليوم، فهو يخافك على نفسه وهو لا يريد خلافاً، ولا يحب لك معصية، وما أشبه هذا من الكلام .
إلا حسن بن زيد فإنه أخبره خبره وقال واللّه ما آمن وثوبه عليك فإنه ممن لا يغفل عنك في رأيك .
فأيقظ من لا ينام وأخذ في تتبعه، ودعا زياد بن عبيد اللّه وكان خليفة محمد بن خالد القسري على المدينة فبحث عن أمر محمد وسأل عنه وعن أَخيه فقال زياد ما يهمك من أَمرهما؟
أَنا آتيك بهما، فرده وضمنه محمد وإِبراهيم .
وكان يحيى بن خالد بن برمك (1)يقول : اشترى أَبو جعفر رقيقاً من رقيق الأعراب، ثم أعطى الرجل منهم البعير والبعيرين وربما أعطى الرجل الذود، وفرقهم في طلب محمد في ظهر المدينة.
وكان الرجل منهم يرد الماء كالمار [38/ ب] وكالضال فينفرون عنه ويتجسسون(2)
ثم ألح المنصور على عبد اللّه بن الحسن في إحضار ابنه محمد سنة حج فقال عبد اللّه لسليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس : يا أخي بن عباس يا أخي بيننا من الصهر والرحم ما تعلم فما ترى؟ فقال سليمان: واللّه لكأنني أنظر إِلى أخي عبد اللّه بن علي حين حالت المنية بينه وبيننا، وهو يشير إلينا هذا الذي فعلتم بي. فلو كان عافياً عفا عن عمه .
فقبل عبد اللّه رأي سليمان وعلم أنه قد صدقه ولم يظهر ابنه .
.ومما احتال به أَبو جعفر حتى وقف على أَخبارهم كان عمر بن حفص أوفد وفداً من السند منهم عقبة بن أسلم، فدخلوا على أَبي جعفر، فلما قضوا حوائجهم فأَرادوا والنهوض ونهضوا.
استرد عقبة، ثم أجلسه، ثم قال : من أنت؟
قال رجل من جند أَمير المؤمنين وخدمه :
صحبت عمر بن حفص .
قال : ما اسمك؟
قال : عقبة بن سلم بن نافع . قال : ممن أنت؟
قال : من الأزد من بني هناة .
قال : إني لأرى لك هيئة وموضعاً، وإني لأريدك، ولأمر أنا به مُعَنّى :قال أرجو أن أصدق ظن أَمير المؤمنين فيّ .
قال : فاخف شخصك، واستر أمرك، وأتني في يوم كذا وكذا .
فأتاه في ذلك الوقت، فقال : إن بني عمي هؤلاء قد أَبوا إلا نكداً لملكنا واغتيالاً له، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ويرسلون إِليهم بصدقات أموالهم وألطاف
بلادهم، فأَخرج بكتبي مع ألطاف وعين حتى تأتيهم (1)متنكراً بكتاب تكتبه عن أَهل هذه القرية، ثم تسيرنا ناحيتهم تسيرنا ناحيتهم، فإن كانوا [ نزعوا ] (2)عن رأيهم فأحبب واللّه بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك وكنت على حذر.
فأشخص حتى تلقى عبد اللّه بن حسن متقشفاً متخشعاً فإن جبهك - وهو فاعل فاصبر، وعاوده وإن عاد فاصبر حتى يأنس بك وتلين لك ناحيته فإذا أظهر لك ما قبله فاعجل إليّ .
فشخص حتى قدم على عبد اللّه بن حسن فلقيه بالكتاب، فأنكره ونهره وقال: ما أعرف هؤلاء القوم .
فلم ينصرف وتردد إِليه حتى قبل (3)كتابه وألطافه وأنس به، فسأله عقبة الجواب .
فقال : أما الكتاب فإني لا أكتب إِلى أحد ولكن أنت كتابي إِليهم، فأقرئهم السلام، وأخبرهم أن ابني خراجان لوقت كذا وكذا (4).
قال : فشخص عقبة حتى قدم على أَبي جعفر فأَخبره الخبر، وبأشياء كان ينتظرها منه .
فقال أَبو جعفر : إني أريد الحج، فإذا صرت بمكان كذا وكذا لقيني بنو حسن وفيهم عبد اللّه، فأنا أبجله وأرفع مجلسه(5)وادع بالغداء، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فأمثل بين يديه فإنه سيصرف بصره عنك ، فَدر حتى تغمس ظهرة بهام رجلك حتى يملأ عينه منك، عينه منك ، ثم حسبك، وإياك أن يراك ما دام يأكل .
فخرج حتى إذا ترفع في البلاد لقيه بنو حسن فأجلس عبد اللّه إِلى جانبه، ثم دعا بالغداء، فأصأَبوا منه، ثم أمر به فرفع.
فأقبل على عبد اللّه فقال : يا أَبا محمد، قد علمت ما أعطيتني من العقود والمواثيق أن لا تبغيني سوء، ولا تكيد لي سلطاناً.
قال : أَنا على ذلك يا أَمير المؤمنين .
قال : فلحظ(6)أَبو جعفر عقبة، فاستدار حتى قام بين يدي عبد اللّه، فأعرض عنه ، ثم استدار حتى قام من وراء ظهره فغمزه بأصبعه، فرفع رأسه فملأ عينه منه، ثم
1) في المخطوط تلهيهم، وهو تحريف.
2) زيادة من الكامل وقد سقطت أو معناها من المخطوط .
3) في المخطوط أقبل وهو تحريف، والتصويب من الكامل
4) في الكامل : وأعلم أنني خارج لوقت كذا وكذا، وما في المخطوط موافق لما في الطبري على ما ذكر محقق كتاب الكامل.
5) العبارات هنا بالمعنى في الكامل وهذه الكلمة في الكامل محلته .
6) في المخطوط : فلحض، وهو تحريف لتقارب مخارج الحروف .
وثب حتى حبا بين يدي أَبي جعفر فقال : أقلني يا أَمير المؤمنين أقالك اللّه . قال : لا أقالني اللّه إن أقلتك(1)، وأمر بحبسه(2)
وكان محمد قد قدم قبل ذلك البصرة، فنزلها في بني راسب يدعو إِلى نفسه وقيل : نزل على عبد اللّه بن شيبان أحد بني مرة بن عبيد ثم خرج منها . فبلغ المنصور مقدمه البصرة، فسار إِليها مجداً، فنزل عند الجسر الأكبر، فلقيه عمرو بن عبيد فقال له يا أَبا ،عثمان هل بالبصرة أحد تخافه على أمرنا؟
قال : لا . قال : فاقتصر على قولك وانصرف؟ قال : نعم .
وكان محمد قد سار عنها قبل مقدم المنصور ، فرجع المنصور، واشتد الخوف على محمد وإِبراهيم ابني عبد اللّه فخرجا حتى أنيا عدن، ثم سار إِلى السند ، ثم إِلى الكوفة، ثم إِلى المدينة .
، فحكى أَبو حُنين قال: دخلت على عبد اللّه بن حسن وهو محبوس فقال : هل حدث اليوم خبر؟قلت: نعم، قد أَمر ببيع متاعك ورقيقك ولا أَرى أَحداً يقدم على شرائه .
فقال : ويحك يا حُنين؟ واللّه لو خرج بي وببناتي مسترقين لاشْتُرينا ! ! !
فشخص أَبو جعفر، وبقي عبد اللّه بن الحسن في الحبس ثلاث سنين.
وكان أَخوه محمد وأَصحابه أَجمعوا على اغتيال أَبي جعفر في سنة أَربعين لما حج.
وقال لهم الأشتر ، عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه : أَنا أَكفيكموه .
فقال محمد : لا واللّه لا أقتله أبداً غيلة حتى أدعوه .
فنقض أَمرهم ذلك وما كانوا أجمعوا عليه، وكان دخل معهم قائد من قواد أَبي جعفر من أَهل خراسان قيم إسماعيل بن جعفر بن محمد الأعرج (3)، فدخل المنصور في طلب القائد فلم يظفر به وأفلت مع غلام له بمال، فأتى محمداً به فَقُسم بين فَقُسم بين أَصحابه .
وكان سبب ذلك
أَن أَباجعفر أنفذ عيناً له، وكتب معه كتابا على ألسن الشيعة لعلامات لهم وقف عليها، يذكرون موالاتهم وحسن طاعتهم ومعه مال .
فقدم الرجل المدينة على عبد اللّه بن حسن فسأله عن محمد، وأعطاه العلامات(4).
فذكر له أنه في جبل جهينة، وقال : أمرر في طريقك بعلي بن الحسن الرجل
1) في المخطوط أقتلك. وهو تحريف والتصويب من الكامل.
2) زاد ابن الأثير بعده في الكامل:
3) في الكامل : اسمه خالد بن حسان يدعى أَبا العساكر على ألف ،رجل، فنمى الخبر إِلى المنصور فطلب فلم يظفر به.
4) في الكامل : فسأله عن ابنه محمد فذكر له فكتم له خبره فتردد الرجل إِليه وألح في المسألة، فذكر أنه في جبل جهينة . . .
الصالح الذي يُدعى الأغرّ ، فإِنه يرشدك .
فأَتاه، فأَرشده .
وكان لأَبي جعفر كاتب [39/أ] على سرّه، وكان متشيعاً.
فكتب إِلى عبد اللّه بن الحسن بأَمر (1)ذلك العين وما بعث له .
فقدم الكتاب على عبد اللّه بن الحسن فارتاع [له وبعث ](2)أَبا هبار إِلى علي بن الحسن وإِلى محمد يحذرهم الرجل .
فخرج أَبو هبار حتى نزل بعلي بن الحسن فسأله عن الرجل، فأَخبره أَن قد أَرشده. فقال أَبو هبار فجئت محمد فلما رآني ظهر عليه بعض النكرة (3)، وجلست مع القوم فتحدثت ملياً، ثم أصغيت إِلى محمد فقلت إن لي حاجة، فنهضت معه فأَخبرته خبر الرجل فاسترجع وقال : فما الرأي؟ فقلت إحدى ثلاث أَيها شئت فافعل .
قال : وما هي؟
قلت : تدعني حتى أقتل الرجل.
قال: سبحان اللّه ما أقرب دماً إلا وأنا مكره، أو ماذا؟
قلت :توقره حديداً أو تنقله حيث انتقلت .
قال : وهل بنا فراغ (4)له مع الخوف والإعجال، أو ماذا؟
قلت :تشدّه أو تضعه عند بعض أَهل ثقتك من جهينة .
قال : هذه إذاً .
فرجعنا وقد ندر (5)الرجل وهرب .
فقلت : أين الرجل؟
قالوا : قام ببكوة فاصطب بزكوة ماء، ثم توارى بهذا الطريق(6)يتوضأ .
1) في الكامل : يخبره بذلك العين.
2) زيادة يتطلبها السياق ومعناها في الكامل.
3) في الكامل : ثم سار إِلى محمد بن عبد اللّه في موضعه الذي هو به فإذا هو جالس في كهف ومعه جماعة من أَصحابه، وذلك العين معهم أعلاهم صوتاً وأشدهم انبساطاً فلما رأى أَبا هبار خافه، فقال أَبو هبار لمحمد لي حاجة ...
4) في الكامل : قرار .
5) في الكامل فرجعا، فلم يريا الرجل.
6) في المخطوط الطرب والتصويب من الكامل والفقرة فيه على النحو التالي : فقال محمد : أين الرجل؟ قالوا : تركوه مهملاً وتوارى بهذه الطريق يتوضأ .
قال : فجلنا وما حوله وكأن الأرض التأمت عليه .
وكان يسعى على قدميه حتى شرع على الطريق فمر به أعراب معهم حمولة (1)إِلى المدينة.
فقال لبعضهم : فرغ هذه الغرارة فأدخلنيها أكن عدلاً لصاحبها (2)ولك كذا وكذا.
قال: نعم، ففرغها وحمله إِلى المدينة، ثم قدم على أَبي جعفر، فأَخبره الخبر كله، وعمي(3)عن اسم أَبي هبار ،وكنيته وعلق وبراً.
فكتب أَبو جعفر في طلب، وبر المري (4)، فحمل إِليه رجل يدعى وبراً، فسأله عن قصة محمد، وما حكى عن العين .
فخلف أنه ما يعرف من ذلك شيئاً، فأمر به فضرب سبعمائة سوط وحبس حتى مات (5)[المنصور ](6).
ومن الحكايات الغريبة له في ذلك الوقت: أن المنصور كان عند قوم يتكهنون فيخبرونه بموضع محمد.
فكتب بعض أصحاب محمد ممن كان يتشيع ويصحب أَبا جعفر :
لا تقيمن في موضعك إلا قدر فيما يسير إليك البريد من العراق.
وكان يقال لأَبي جعفر: ترى محمداً ببلاد فيها الأبراج والأعناب، فيكون بالمدينة، وينتقل ثم يرونه بالبيضاء، وهو وراء الغابة على عشرين ميلاً، وهي لأشجع.
فكتب إِليها، فيقال له قد خرج.
ثم يقال له : إنه ببلاد الجبال والفلات فيطله .
فيقال: خرج .
ثم يقال له : إنه ببلاد الحب والقطران .
فيقول : هذه بلاد رضوی، فيطلبه، ولا يجده.
وكان الناس يقولون : عند أَبي جعفر مرآة ينظر فيها، فيعلم الغيب منها، ويكثرون
1) في المخطوط حمول والتصويب من الكامل.
2) في الكامل : لصاحبتها .
3) في الكامل ونسي وهو معنى ما هنا وقال وبار.
4) في الكامل وبار المري.
5) كم عانت أناس من مثل هذا الأَمر وكم دفع أناس ثمن أفعال غيرهم للّه الأَمر من قبل وبعد ونسأله سبحانه وتعالى أن يحفظنا ما بقينا وأن يرزقنا حسن الختام.
6) الزيادة من الكامل.
الأحاديث(1)ولأشكون في أن أَبا جعفر يطلع الغيب ويعملون لذلك خرافات مختلفة من أَخبار الجن والمرآة التي ذكرتها .
ولما طلب محمد في شعاب رضوى من جبل جهينة (2)بخيل ورجال، فزع محمد، وكان هناك، فأحصر ببيداء، فأفلت .
وكان له ابن صغير ولد في خوفه ذلك، وكان مع جارية به، فهوى من الجبل فتقطع، فقال محمد:
مُنْخَرقُ السِّرْبَالِ يَشْكُو الوَجَى *** تُنكيهُ فِي أَطْرَاقُ مروِ حِدَادِ
شَرْدَهُ الخَوْفُ فَأَزْرَى بِهِ *** كَذَاكَ مَنْ يَكْرَهُ حَرَّ الجِلاَدِ
قَدْ كَانَ فِي المَوْتِ لَهُ رَاحَةٌ *** وَالمَوْتُ حَتْم فِي رِقَابِ العِبَادِ
وقال محمد لما ظهر: بينا أنا بالحرة مصعداً ومنحدراً إذ أنا بخيل أَبي جعفر ورجله وعليهم رياح بن عثمان يطلبني، فعدلت إِلى بئر ، فوقفت بين قرنيها أستقي، فلقني رياح صفعاً، فقال : قاتله اللّه أعرأَبياً ما أحسن ذراعه(3).
وحكى بعض أصحاب محمد قال :
غدوت يوماً مع محمد وعليه قميص غليظ ورداء حوفي مفتول، فخرجنا من موضع كان فيه، وذكر حتى إذا كان قريباً التفت فإذا رياح في جماعة أَصحابه ركبان .
فقلت : إنا للّه وإنا إِليه راجعون هذا رياح.
فقال غير مكترث: امضه، فمضيت وما تقلني رجلاي وتنحى هو عن الطريق، فجلس، وجعل ظهره مما يلي الطريق، وسدل هدب ردائه على وجهه - وكان جسيماً - فلما حاذاه رياح قال لأَصحابه : امرأة رأتنا فاستحيت، فأعرض ومضى .
ولما أعيا المنصور محمد وإِبراهيم من بني حسن بن حسن، فأخذ رياح وكان
1) كثيراً ما تكثر هذه الأحاديث أو الشائعات والحكايات عند حدوث بعض الأمور التي تشغل الرأي العام، وكثيراً ما يروج لها أصحاب الأهواء أو المصالح ويصدقها دائماً العامة ونسبة قليلة جداً من المثقفون، ثم إن ما ينسب هنا إِلى أَبي جعفر المنصور عار من الصحة تماماً حيث إن هذه الأحداث كانت في القرن الثاني الهجري، وهو من خير القرون ثم أن أَهل هذا الزمان كانوا حسني العقيدة بعيدين كل البعد عن مثل هذه الخرافات وإن كانوا مختلفين في الوجهات السياسية للدولة، فيجب الانتباه إِلى ذلك وعدم تصديقه .
2) كان الطالب له هو رياح بن عثمان بن حيان المري، وقد جد في طلبه، فأَخبر أنه في شعب من شعاب رضوي جبل بجهينة - وهو من عمل النبع - فأمر عامله في هذه الجهة بطلبه، فهرب منه محمداً راجلاً، فأفلت .
3) ذكر هذا ابن الأثير في خبر طويل احتال فيه المأمون بأن يقبض على محمد دون أن يسيء إِلى أبناء عمومته وأَهل بيته خصوصاً بمن هو عدو لهما، فولى رياح بن عثمان هذا على اليمن لهذا الهدف دون أن يكون أَهلاً للولاية وفطن رياح لذلك أيضاً.
[39/ ب] وَالي المدينة حسن بن حسن بن حسن بن حسن، وإِبراهيم أخاه، وحسن بن جعفر بن حسن، وسليمان، وعبد اللّه بن داود بن حسن، وعباس بن حسن بن حسن، وكان صغيراً.
فقالت أمه عائشة بنت طلحة بن عمر بن عبيد اللّه بن معمر دعوني اسمه، وكان أخذه من باب داره .
فقالوا: لا واللّه ما كنت حية، وجلس معهم موسى بن عبد اللّه، وعلي بن محمد بن عبد اللّه، وحملوا إِلى أَبي جعفر، وكان محمد أتى أمه هند، فقال: إني حَمَّلت أَبي وعمومتي ما لا طاقة لهم ما لا طاقة لهم به، وقد هممت أن أضع يدي في أيديهم، فعسى أن يخلّي عنهم.
فتنكرت ولبست أطماراً ثم جاءت السجن فعرفها بعضهم، فقام إِليها، فأَخبرته عن محمد.
فقالوا: كلا بل نصبر، فإنا نرجو أن يفتح اللّه له خيراً، قولي له يدع إِلى أمره وليجد فيه، فإن فرجنا بيد اللّه ،فانصرفت، وتم محمد على يقينه .
وكان محمد وإِبراهيم يراسلان أَبا هما، ويستأذناه في الخروج (1)، فيقول : لا تعجلا، إن منعكما أَبو جعفر أن تعيشا كريمين [فلا يمنعكما أن تموتا كريمين ](2).
ووردت على المنصور كتب عماله بخراسان: أن أَهل خراسان قد تقاعسوا عنا وطال عليهم أمر محمد بن عبد اللّه .
فأمر (3)أَبو جعفر بمحمد بن عبد اللّه بن عمر بن عثمان فضربت عنقه، وبعث برأسه إِلى خراسان وحلف أنه رأس محمد بن عبد اللّه .
وكان المنصور قد ضربه بالسوط قبل ذلك وعذبه وكان عليه قميص وإزار وثوب رقيق تحت قميصه فلما وقف قال : أَيها يا ديوث قال محمد يا سبحان اللّه واللّه لقد عرفتني بغير ذلك صغيراً وكبيراً.
قلت : فممن حملت ابنتك [رقية ] (4)وكانت تحت إِبراهيم بن عبد اللّه وقد أعطتني الأيمان بالطلاق والعتاق أن لا تغشني ولا تمالئ علي عدوي، ثم أنت
1) في الكامل : وكان محمد وإِبراهيم ابنا عبد اللّه يأتيان كهيئة الأعراب فيتساران مع أَبيهما ويستأذنان بالخروج ويقول لهما : لا تعجلا حتى يمكنكما ذلك .
2) زيادة من الكامل، ثم جاء بعدها في الكامل فلما وصلوا إِلى الربذة أدخل محمد بن عبد اللّه العثماني على المنصور وعليه قميص وإزار ،رقيق فلما وقف بين يديه قال : أَيها . .
3) في المخطوط فأَقام وهو تحريف .
4) زيادة من الكامل.
تدخل على ابنتك متخضبة متعطرة، ثم تراها حاملاً يعجبك حملها، فأنت بين أن تكون(1)، حانثاً أو ديوثاً، وأيم اللّه، إني لأهم برجمها .
فقال محمد : أما أيماني فهي على إن كنت دخلت لك في أمر غش علمته، وأما ما رميت به بهذه الجارية فإن اللّه أكرمها عن ذلك بولادة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إياها ولكنني ظننت حين ظهر حملها أن زوجها ألم بها على حين غفلة منا .
فاحتفظ المنصور كلامه(2)، وأمر بشق قميص كان عليه عن أزراره، فكشف عن عورته(3)، ثم أمر به فضرب خمسمائة سوط (4)فبلغت منه كل مبلغ، وأَبو جعفر يغري(5)عليه ولا يكنى فأصاب سوطاً منها وجهه فقال : ويحك اكفف عن وجهي، فإن له حرمة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (6).
قال : فأغرى أَبو جعفر بأن يقول للجلاد: الرأس الرأس.
فضرب على رأسه نحواً من ثلاثين، وكان السوط ينثني فيصيب وجهه، فأصاب بعضها إحدى(7)عينيه فندرت(8).
ثم أَخرج في ساجور شد في عنقه وقيود في رجليه حتى ردّ إِلى أَصحابه (9)
قال : بلى جزيت خيراً واللّه إنك لشقوق إزاري أشد علي من الضرب .
.وكان أول ما حصل في قلب أَبي جعفر منه أن رياحاً قال له يوماً: يا أَمير المؤمنين، أما أَهل خراسان فشيعتك وأنصارك، وأما أَهل العراق فشيعة آل أَبي طالب، وأما أَهل الشام ما عَلِيٌّ عندهم إلا كافر وما يقتدون بأحدٍ من ولده ولكن أخاهم محمد بن عبد اللّه بن عمرو، ولو دعا أَهل الشام ما تخلف عنه أحد منهم .
فوقعت في نفس أَبي جعفر إِلى أن حج،فكان من أمره ما كان (10)
ثم إن المنصور أخذهم وسار بهم من الربذة فمر بهم على بغلة شقراء فناداه عبد اللّه بن الحسن : يا أَبا جعفر ما هكذا فعلنا بأسرائكم يوم بدر، فأخسأه أَبو جعفر وثقل عليه ومضى. فلما قدموا إِلى الكوفة قال عبد اللّه لمن معه أما ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذه الطاغية؟ قال: فلقيه الحسن وعلى ابني أَخيه مشتملين على سيفين فقالا له قد جئناك يا ابن رسول اللّه فمرنا بالذي تريد قال : قد قضيتما ما عليكما ولن تغنيا في هؤلاء شيئاً فانصرفا. ثم إن المنصور أودعهم بقصر ابن هبيرة شرقي الكوفة، وأحضر المنصور محمد بن إِبراهيم بن الحسن وكان أحسن الناس صورة ، فقال له : أنت الديباج الأصفر؟ .
.1) في الكامل : وأنت ترى ابنتك حاملاً وزوجها غائب وأنت بین أن تكون .
2) أي أثار حفيظته، وفي الكامل فاغتاظ المنصور من كلامه وكلا المعنيين واحد .
3) في المخطوط : عورة، وهو تحريف .
4) في الكامل : فأمر بضربه خمسين ومائة سوط .
5) أي يحرض الضارب. وفي الكامل يفتري .
6) كذا في المخطوط وهو موافق لما في الطبري على ما ذكر محقق الكامل، وما هنا موافق لما في الكامل.
7) في المخطوط أحد ، والتصويب من الكامل.
8) في الكامل فسالت.
9) في الكامل : ثم أَخرج وكأنه زنجي من الضرب وكان من أحسن الناس وكان يسمى الديباج لحسنه فلما أَخرج وثب إِليه مولى له فقال ألا أطرح ركاني عليك .
10) فصل ابن الأثير هذه العبارة فأكمل الخبر فقال: فأمر المنصور به فأخذ معهم وكان حسن الرأي فيه قبل ذلك، ثم إن أَبا عون كتب إِلى المنصور أن أَهل خراسان قد تغاشوا عني وطال عليهم أمر محمد بن عبد اللّه فأمر المنصور بمحمد بن عبد اللّه بن عمرو العثماني فقتل، وأَرسل رأسه إِلى خراسان وأَرسل معه من يحلف أنه رأس محمد بن عبد اللّه، وأمه فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما قتل قال أخوه عبد اللّه بن الحسن : إنا للّه وإنا إِليه راجعون إن كنا لنأمن منه في سلطانهم، ثم قد قتل بنا في سلطاننا.
وكان محمد بن إِبراهيم بن حسن بن حسن يقال له : الديباج، فلما دخل على أَبي جعفر نظر إِليه وقال : أنت الديباج ؟
قال : نعم .
قال : واللّه لأقتلنك قتلة ما قُتِلَها أحد من أَهل بيتك .
ثم أمر بأسطوانة مبنية فعرقبت، وأمر حتى أدخل فيها، ثم بنى عليه وهو حيّ، وكان محمد هذا ممن يختلف إِليه الناس ينتظرون إِلى حسنه .
ثم إن أَبا جعفر المنصور كان يسقي واحداً بعد واحد فماتوا جميعاً إلا ثلاثة نفر .
فأما عبد اللّه [40/ أ] بن حسن، فاختلف فيه : فقال قوم: قتل .
وقال آخرون : بل دس إِليه المنصور من أخبره أن محمداً ابنه قد ظهر، وقتل : فانصدع قلبه فمات(1)
وفي هذه السنة: سير أَبو جعفر الناس من الكوفة والبصرة، والجزيرة، والموصل إِلى غزو الديلم واستعمل عليهم محمد بن أَبي العباس السفاح .
وفيها : رجع المهدي من خراسان إِلى العراق وبني بريطة ابنة عمه السفاح .
وفيها: حج المنصور واستعمل على عسكره والميرة خازم بن خزيمة ...
وكان على مكة هذه السنة : السري بن عبد اللّه .
وعلى المدينة : رياح بن عثمان .
وعلى الكوفة: عيسى بن موسى .
وعلى البصرة : سفيان بن معاوية .
وعلى مصر : يزيد بن حاتم بن قتيبة بن المهلب بن أَبي صفرة وهو الذي قال فيه يزيد بن ثابت يمدحه ويهجو يزيد بن أسيد السلمي :
لشتان ما بين اليزيدين في الندى *** يزيد سليم والأغر بن حاتم
في أَبيات كثيرة. وكان ممدحاً جواداً .
وفيها: ثار هشام بن غدرة الفهري وهو من بني عمرو، ويوسف بن عبد الرحمن الفهري بطليطلة على الأَمير عبد الرحمن الأموي فاتبعه من فيها فسار عبد الرحمن فحاصره وشدد عليه الحصار فمال إِلى الصلح وأعطاه ابنه أفلح رهينة فأخذه عبد الرحمن ورجع إِلى قرطبة فرجع هشام وخلع عبد الرحمن فعاد إِليه عبد الرحمن وحاصره، ونصب عليه المجانيق فلم يؤثر فيها لحصانتها، فقتل ابنه أفلح ورمى برأسه في المجانيق ورحل إِلى قرطبة ولم يظفر بهشام .
وفيها: مات عبد اللّه بن شبرمة .
وعمرو بن عبيد المعتزلي - وكان زاهداً .
وبريد بن أَبي مريم مولى سهل ابن الحنظلية وعقيل بن خالد الأيلي صاحب الزهري وكان موته بمصر فجأة .
ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي أَبو الحسن المدني .
وهاشم بن هاشم بن عتبة بن أَبي وقاص المدني.
1) هذا ما ذكر المؤلف وزاد ابن الأثير في أحداث تلك السنة . فقال :
ودخلت سنة خمس وأربعين ومائة
وفيها: ظهر محمد بن عبد اللّه من المدينة (1)في مائتين وخمسين رجلا وجاء حتى استبطن السوق وأتى السجن فدقه وأَخرج من كان فيه .
وقيل(2)
وقيل بل خرج محمد لميعاده مع أَخيه، وإِنما أخوه تأخر لجدري لحقه، وكان عبيد اللّه بن عمرو بن أَبي ذئب وعبد الحميد بن جعفر يقولون لمحمد بن عبد اللّه ما تنتظر بالخروج ؟ .
: إن عبد اللّه بن عمر وابن أَبي ذئب وعبد الحميد بن جعفر، دخلوا على محمد قبل خروجه، وقالوا ما تنتظر بالخروج، واللّه ما نجد في هذه الأمة أشأم عليها منك؟ ما يمنعك أن تخرج وحدك ؟ فلما خرج أقبل إِلى الدار فامتنعت عليه فجعل يقول لأَصحابه : لا تقصدوا وادخلوا باب المقصورة فأتوها وحرقوا الباب فلم يستطع أحد أن يجتاز .فوضع رزام مولى القسري ترسه على النار، ثم تخطى عليه فصنع الناس ما صنع، فدخلوا فأفلت (3)قوم وأخذ قوم.
وتعلق رياح في مشرفة في دار مروان وأمر بدرجها فهدمت، فصعدوا إِليه فأنزلوه وحبسوه في دار مروان مع أَخيه العباس بن عثمان وكان محمد بن خالد القسري، وابن أَخيه النذير بن يزيد ورزام في الحبس، فأَخرجهم محمد وأمر النذير بالاستيثاق
1) في الكامل : لليلتين بقينا من جمادى الآخرة. وقيل: رابع عشر شهر رمضان .
2) ثم ذكر ابن الأثير قبل تلك الرواية وأمور هي قوله : قد ذكرنا فيما تقدم من أَخباره وتبعته، وحمل المنصور أَهله إِلى العراق فلما حملهم وسار بهم ردّ رياحاً إِلى المدينة أَميراً عليها فألح في طلب محمد وضيق عليه وطلبه حتى سقط ابنه فمات، وأرهقه الطلب يوماً فتدلى في بئر بالمدينة يناول أَصحابه الماء فانغمس في الماء إِلى حلقه، وكان بدنه لا يخفى لعظمه، وبلغ رياحاً خبر محمد وأنه بحيث لم يره رياح رجع إِلى دار مروان وكان الذي أعلم رياحاً سليمان بن عبد اللّه بن أَبي سبرة، فلما اشتد الطلب بمحمد خرج قبل وقته الذي واعد أخاه إِبراهيم على الخروج فيه .
3) في المخطوط : فأقبلت، وهو تحريف.
من رياح وأَصحابه .
فقال رزام للنذير : دعني وإياه، فقد رأيت عذابه لي.
قال : شأنك به، وقام ليخرج فتعلق بثوبه رياح وضرع إِليه وقال له : يا قبس، قد كنت أفعل (1)بكم ما أفعل، وأنا بسؤددكم عالم.
فقال له النذير : فعلت ما كنت أَهله ونفعل ما نحن أَهله.
وخرج فتناوله رزام فلم يزل رياح يطلب إِليه حتى كف وقال : واللّه إن كنت لبطراً عند القدرة، ولئيم عند الغلبة.
ولما صعد محمد المنبر حمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال :
أَما بعد، أَيها الناس، فإنه كان من أمر هذا(2)الطاغية عدو اللّه أَبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء التي بناها معانداً للّه في ملكه وتصغيراً لكعبة اللّه تعالى الحرام(3)، وأنا أحق الناس في القيام بهذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين، اللّهم إنهم قد أحلوا ،حرامك، وحروا حلالك أمنوا من أخفت وأخافوا من أمنت، اللّهم فاحصهم عدداً واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً .
أَيها الناس، إِني واللّه ما خرجت بين أَظهركم وأَنتم عندي أَهل قوة وشدة، ولكن اخترتكم لنفسي، واللّه ما جئت هذه وفي الأَرض مصر يعبد اللّه فيه إلا وقد أخذ لي [فيه البيعة ](4)ونزل . ثم استعمل على المدينة عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب المخزومي.
وعلى ديوان العطاء عبد اللّه بن جعفر بن المسور بن مخرمة [وعلى بيت السلاح عبد العزيز الدراوردي ](5). وعلى الشرط أَبا القلمس عثمان بن عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب (6).
وأَرسل محمد إِلى إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر وكان قد بلغ عُمراً طويلاً، فدعاه إِلى البيعة له ، فقال : يا ابن أَخي أَنت واللّه مقتول وكيف أَبا يعك؟ فارتدع الناس قليلاً.
1) في المخطوط : أقل . وهو تحريف
2) في المخطوط: هذه، وهو تحريف .
3) بعد هذا في الكامل . وإِنما أخذ اللّه فرعون حين قال :( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) ، وأن أحق .
4) زيادة من الكامل، وجاء بعدها أيضاً وكان المنصور يكتب إِلى محمد على ألسن قواده يدعونه إِلى الظهور ويخبرونه أنهم معه فكان محمد يقول : لو التقينا مال إِلى القواد كلهم. واستولى محمد على المدينة، واستعمل عليها عثمان بن محمد .
5) زيادة من الكامل.
6) في الكامل : وقيل : كان على شرطته عبد الحميد بن جعفر فعزله.
وحكى عن محمد بن خالد القسري قال :
لما ظهر محمد وأَنا محبوس أطلقني، ولما سمعت دعوته التي دعا إِليها على المنبر، قلت: هذه دعوة حق، واللّه لأبلين فيها بلاءاً حسناً .
فقلت يا أَمير المؤمنين، إنك قد خرجت بهذا البلد، وواللّه لو وقف على نقب من أنقابه [أحد] (1)مات أَهلها جوعاً ، وعطشاً، فانهض معي، وإِنما هي عشرة حتى أضرب بمائة ألف سيف، فأبى، علي، فإني لعنده يوماً إذ قال : ما وجدنا من حرّ(2)المتاع أجود من شيء وجدناه عند أَبي فروة (3)ختن أَبي الخصيب، وكان انتهبه.
قال : فقلت في نفسي: ألا أراك قد أبصرت حَرّ(4)المتاع، فكتبت إِلى أَمير المؤمنين، فأَخبرته بقلة من معه، فعطف عليَّ فحبسني حتى أطلقني عيسي بن موسى بعد قتله إياه (5).
وكان محمد أدم شديد الأدمة، أدلم جسيماً عظيماً. وكان يلقب القارئ من أدمته، حتى كان أَبو جعفر يسميه مُحَمَّماً (6)
وكان سميناً شجاعاً كثير الصوم والصلاة شديد القوة
.وقال إِبراهيم بن زياد بن عنبسة :
كان محمد عظيم الخلق، ما رأيته رقى المنبر قط إلا سمعت بقعقعة من تحته، وإني لبمكاني ذلك .
وتحدث جماعة حضروه أن محمداً خطب يوماً فاعترض في حلقه ،بلغم فتنحنح فذهب ثم عاد فتنحنح فذهب، ثم عاد فتنحنح ونظر فلم ير مو فتنحنح، ونظر فلم ير موضعاً، [40/ ب] فرمى بنخامته [في](7)سقف المسجد فألصقها به.
ولما خرج محمد جزع أَبو جعفر ، وأشفق منه ، فجعل الحارثي المنجم (8)يقول له : يا
1) سقط من المخطوط، وأثبته من الكامل
2) في الكامل: خير.
3) في الكامل : ابن أَبي فروة.
4) في الکامل: خير.
5) في الكامل : بعد قتله بأيام
6) في الكامل: في ذكر صفة محمد والأَخبار بقتله بعد ذلك .
7) زيادة من الكامل
8) اتخاذ الملوك والحكام والرؤساء لهؤلاء الناس عادة قديمة مستمرة حتى أيامنا هذه فمعظم الملوك والرؤساء يعتقد في قولهم إِلى حدٍ كبير وقليل منهم الذي لا يتخذون هؤلاء العرافين أو المنجمين ولا أَظن أن المنصور كان ممن يعترفون بمثل هؤلاء الناس مهما كان من حسن سياسته أو سوئها، فإن عقيدته كانت سليمة ولا يمكن أن يخدشها بمثل هذه الأمور الظاهرة البطلان.
أَمير المؤمنين، ما يجزعك منه ، فواللّه لو ملك الأرض ما لبث إلا تسعين يوماً (1).
ولما ظهر محمد، وإِبراهيم ابنا عبد اللّه، أَرسل أَبو جعفر إِلى عمه عبد اللّه بن علي وهو محبوس وقال إنه لذو رأي، فاستشاره، وقال له :
إن هذا الرجل قد خرج فإن كان عندك رأي فأشر بِهِ [علينا](2).
فقال : إن المحبوس محبوس الرأي، فأَخرجني يخرج رأيي.
فأَرسل إِليه أَبو جعفر لو جاءني يضرب بأَبي ما أَخرجتك وأنا خير لك منه، وهو ملك أَهل بيتك .
فأَرسل إِليه عبد اللّه : ارتحل الساعة حتى تأتي الكوفة، فاجثم على أكبادهم(3). فإنهم شيعة [أَهل](4)هذا البيت وأنصارهم، ثم أحففها بالمسالح ، فمن خرج منها أو أتاها فاضرب عنقه، ثم ابعث إِلى سلمة بن قتيبة ينحدر إليك وكان بالري .
واكتب إِلى أَهل الشام ومرهم أن يوجهوا(5)إليك أَهل البأس والنجدة ما حمل البريد فأحسن جوائزهم ووجههم مع سلم، [ففعل ] (6)
وقيل : أَرسل المنصور إِلى عبد اللّه مع إخوته يستشيرونه في أمر محمد وقال لهم : لا يعلم عبد اللّه أني أَرسلتكم إِليه .
فلما دخلوا عليه قال : لأمر ما جئتم، ما جاء بكم جميعاً وقد هجرتموني مذ دهر؟
قالوا : إنا استأذنا أَمير المؤمنين، فأذن لنا .
قال: ليس هذا بشيء، فما الخبر؟
قالوا : خرج محمد بن عبد اللّه.
قال : فما ترون ابن سلامة صانعاً - يعني المنصور المنصور - قالوا لا ندري واللّه .
قال : إن البخل قد قتله .
. ثم قال : أَرسل أَبي جعفر [إِلى عبداللّه ](7)إخوته [فقال لهم ](8): ويحكم إن البخل قد قتله، فمروه فليخرج الأموال وليعط الأجناد ، فإن (9)غلب فما أوشك ما يعود إِليه ماله وإن غلب لم يقدم صاحبه على درهم.وتحدث محمد بن يحيى قال : نسخت هذه الرسائل من محمد بن بشر وكان
1) انظر هل يعرف مثل هذه الغيبيات ،أحد، وإن كانت السياسة قد تقدر مدة سيطرتها على الأمور أو استعادت سلطان الدولة على وجه التقريب لا التحديد في كثير من الأحيان.
2) زيادة من الكامل.
3) في الكامل : أكنافهم .
4) زيادة من الكامل.
5) في الكامل : يحملوا .
6) زيادة من الكامل، وجاء بعدها :
7) زيادة يتطلبها السياق .
8) زيادة من الكامل
9) في المخطوط فمن وهو تحريف والتصويب من الكامل.
يصححها وحدثنيها غير واحد من كتاب العراق وكانوا يصححونها ، قالوا : وردت رسالة المحمد على أَبي جعفر، فقال أيوب الحوري كاتبه دعني أجيبه (1)عنها . فقال : لا إذا تقارعنا على الأحساب فدعني وإياه، وكتب إِليه :
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحیم
من عبد اللّه [بن ](2)عبد اللّه أَمير المؤمنين إِلى محمد بن عبد اللّه :
(إِنَّما جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّه وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْى في الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ اللّه إلا الَّذِينَ تَأَبوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [المائدة: 33، 34].
ولك على اللّه وعده وميثاقه وذمته وذمة رسوله صلّی اللّه علیه وسلّم له إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك (3)، أن أؤمنك وجميع ولدك [وإخوتك](4)وأَهل بيتك ومن اتبعكم، على دمائكم وأموالكم، وأسوغك ما أصبت من دم أو مال وأعطيك ألف ألف [درهم](5)، وما سألت من الحوائج وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسي من أَهل بيتك، وأن أؤمن كل من جاءك أو بايعك واتبعك أو دخل في شيء من أمرك ثم لا أتبع أحد منهم بشيء كان منه أبداً، فإن أردت أن توقف لنفسك، فوجه إليَّ بمن أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق وثق به [والسلام](6).
وكتب على العنوان :
من عبد اللّه بن عبد اللّه أَمير المؤمنين إِلى محمد بن عبد اللّه (7).
فكتب :
إِلى محمد بن عبد اللّه بن محمد :
(طسم تِلْكَ ابَتُ الكِتَبِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهلهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ) إِلى قوله: (وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ ) [القصص: 1-8] .
وأَنا أَعرض عليك من الأَمان مثل ما عرضت فإن الحق حقنا، وإِنما ادعيتم هذا [الأَمر ] (1)بنا وخرجتم له بشيعتنا وخطرتم (2)بفضلنا (3)، وأن أَبانا عَليَّ وكان الوصي، وكان الإِمام ، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟
ثم قد علمت أَنه لم يطلب هذا الأَمر أَحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا، لسنا من أَبناء اللعناء ولا الطرداء، ولا الطلقاء، وليس يمُت أَحد من بني هاشم بمثل الذي نمت [به](4)من القرابة والسابقة والفضل فإنا بنو أُم (5)رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاطمة بنت عمرو في الجاهلية، وبنو بنته فاطمة في الإسلام دونكم، إن اللّه اختارنا [ واختار لنا ] (6)، فوالدنا من النبيين محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أَفضلهم، ومن (7)السلف أوّلهم إسلاماً عَلِيّ، ومن الأزواج أفضلهن خديجة الطاهرة وأول من صلى [إِلى](8)القبلة، ومن البنات فاطمة خيرهن (9)سيدة نساء العالمين وأَهل الجنة (10)وأن هاشماً [41/أ] ولد عليّاً ،مرتين، وأن عبد المطلب ولد حسناً مرتين و أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولدني مرتين من قبل حسن وحسين، فإني أوسط بني هاشم [نسباً] (11)وأصرحهم أَباً لم يعرف في العجم ولم يُنازع في أمهات الأَولاد، فما زال اللّه يختار لي الأَبا ء والأمهات [في](12)الجاهلية والإِسلام حتى اختار لي في النار (13)، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة وابن أهونهم عذابا في النار، وأَنا ابن ختن الأَخيار وابن خير الأَشرار وابن خير أَهل الجنة، وابن خير أَهل النار(14)، ولك اللّه إن دخلت في طاعتي، وأحببت دعوتي، أن أؤمنك على نفسك ومالك، وعلى كل أمر أحدثته إلا حداً من حدود اللّه، أو حقاً لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمك (15)من ذلك وأنا أولى بالأَمر منك وأوفى بالعهد لأنك
1) زيادة من الكامل.
2) في الكامل : وحظيتم .
3) في الكامل : بفضله .
4) زيادة من الكامل.
5) في المخطوط : أمر . والتصويب من الكامل.
6) زيادة من الكامل.
7) في الكامل : ومنهم .
8) سقط من المخطوط، وأثبته من الكامل .
9) في المخطوط : خيرهن فاطمة خيرهن، فحذفت التكرار.
10) بعدها في الكامل : ومن المولودين في الإسلام حسن وحسين سيدا شباب أَهل الجنة، وأن هاشماً
11) زيادة من الكامل.
12) سقطت من المخطوط، وأتممتها من الكامل.
13) في الكامل : الأشرار.
14) من أول قوله : وأنا ابن ختن الأخيار إِلى موضع العلامة لم يرد في الكامل.
15) في الكامل ما يلزمني .
أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالاً ،قبلي فأي الأمانات تعطيني؟! أأمان ابن هبيرة ؟ أم أمان عمك عبد اللّه بن علي ؟ أم أمان أَبي مسلم؟!
فكتب إِليه أَبو جعفر :
بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
أما بعد :
فقد بلغني كلامك، قرأت كتابك ، فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء لتصل به الجفاة، والغوغاء، ولم يجعل اللّه النساء كالعمومة والآباء، كالعصبة والأولياء، لأن اللّه جعل العم أَباً ، بدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا، ولو كان اختيار اللّه لهن، على قدر قرابتهن، كانت آمنة أقربهن رحماً، وأعظمهن حقاً وأول من يدخل الجنة غداً، ولكن اختار اللّه تعالى لخلفه على عمله الماضي فيهم(1)، واصطفائه لهم(2).
وأما ما ذكرت من فاطمة أم أَبي طالب وولادتها فاللّه لم يرزق أحداً من ولدها الإسلام لا ابنة (3)ولا ابناً ولو أن أحداً من ولدها رزق الإسلام(4)بالقرابة، رزقه عبد اللّه بن عبد المطلب [ولكان ](5)أولاهم(6)بكل خير في الدنيا والآخرة.
ولكن الأَمر إِلى اللّه ليختار لدينه من يشاء(7)وهو أَعلم بالمهتدين(8)، ولقد بعث اللّه محمداً صلى اللّه عليه وسلم ، وله عمومه [أَربعة ]، فأنزل اللّه : (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين) [الشعراء: 214] ، فدعاهم(9)وأنذرهم.
فأجاب اثنان أحدهما [أَبي ، وأبى اثنان أحدهما ] (10)أَبوك ، فقطع اللّه ولايتهما منه ، ولم يجعل بينه وبينهما إلأ ولا ذمة، ولا ميراثاً، وزعمت أنك [ابن ] (11)خير أَهل النار (12)،
1) في الكامل : على علمه فيما مضى منهم .
2) في المخطوط لهما، وهو تحريف .
3) في الكامل : لا بنتاً.
4) في الكامل : ولو أن رجلاً رزق الإسلام.
5) ما بين المعقوفين من الكامل.
6) فى المخطوط أولادهم وهو تحريف والتصويب من الكامل.
7) بعدها في الكامل : قال اللّه تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللّه يَهْدِي مَن يَشَاءُ )[القصص : 56] .
8) لم ترد هذه العبارة بالكامل.
9) في المخطوط : فدعاهم إِلى ولفظه إِلى زائدة فحذفتها .
10) ما بين المعقوفين سقط من المخطوط، وأثبته من الكامل .
11) زيادة يتطلبها السياق .
12) لم ترد هذه العبارة في الكامل، وتقدمت العبارة التي تلي التي بعدها على التي بعدها، ثم استمر السياق كما هنا .
وأنك ابن خير الأشرار وابن أخف أَهل النار عذابا ، وليس في الكفر باللّه صغير، ولا في عذاب اللّه خفيف ولا يسير، وليس في الشر خيار، ولا ينبغي لمؤمن يؤمن باللّه أن يفخر بالنار، وسترد فتعلم : (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَى مُنقَلَبِ يَنقَلِبُونَ ) [الشعراء: 227] .
وأما ما فخرت به من فاطمة أم علي، وأن هاشماً ولده (1)، ومن فاطمة أم حسن(2)، وأن [ عبد ] (3)المطلب ولده مرتين، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ولدك مرتين، فخير الأولين والآخرين، رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يلده هاشم إلا مرة ولا عبد المطلب إلا مرة .
وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسباً (4)وأصرحهم أَبا ، وأَنه لم تلدك العجم، ولا تعرف فيك أمَّهات الأولاد، فقد رأيتك فخرت على بني هاشم [طرّاً](5)فانظر ويحك أين أنت من اللّه غداً (6)؟ فإنك قد تعديت طورك، وفخرت على من هو خير منك .نفساً (7)، وأَبا ، وأولاً وآخراً (8)إِبراهيم ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى والده(9)، وما خيار بني أَبيك خاصة وأَهل الفضل منهم إلا بنو أمهات الأولاد ما ولد فيكم بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أفضل من علي بن الحسين وهو لأم ولد ولهو خير من جدك حسن بن حسين وما كان فيكم بعده مثل محمد بن علي وجدته أم ولد ولهو خير من أَبيك، ولا مثل ابنه جعفر وجدته أم ولد ولهو خير منك .
وأَما قولك إِنكم بنو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإن اللّه عزّ وجلّ قال في كتابه : (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ) [الأحزاب: 40] .
ولكنكم بنو ابنته، وإِنها لقرابة قريبة، ولكنها لا تحوز الميراث، ولا ترث الولاية، ولا تجوز لها الإِمامة، وكيف تورث بها؟ ولقد طلبها [أَبوك ](10)بكل وجه، فأَخرجها جهاراً(11)، ومرضها سراً، ودفنها (12)ليلاً، فأبى الناس إلا الشيخين وتفضيلهما، ولقد [41 / ب] جاءت السُّنَّة التي لا خلاف فيها بين المسلمين : أن الجَدْ أَب لازم(13)، والخال
1) من بعد الآية حتى موضع هذه الأَشارة لم يرد في الكامل.
2) كذا في المخطوط ، وفي الكامل : وأما أمر الحسن.
3) في المخطوط وأن طلب المطلب والتصويب من الكامل.
4) لم ترد الكلمة في الكامل.
5) زيادة من الكامل.
6) في المخطوط : عذاباً ، وهو تحريف والتصويب من الكامل.
7) في المخطوط : نفلنا . وهو تحريف والتصويب من الكامل.
8) في الكامل وأولاداً وأخاً.
9) لم يرد قوله وعلى والده في الكامل.
10) سقط من المخطوط، وأثبته من الكامل.
11) في الكامل : فأَخرج فاطمة نهاراً.
12) في المخطوط وادفنها . والتصويب من الكامل.
13) في الكامل : أن الجد أَبا الأم.
والخالة لا يرثون (1)، ولا يورثون.
وأما ما فخرت به من عَلِيّ وسابقته فقد حضرت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوفاة، فأمر غيره بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلاً بعد رجل ولم يأخذوه وكان في الستة فتركوه كلهم دفعاً له عنها، ولم يروا له حقاً، أما عبد الرحمن فقدم عليه ،عثمان، وقتل عثمان (2)وهو له متهم، وقاتله طلحة والزبير وأَبي سعيد(3)ببعثه، وأغلق دونه بابه، ثم بايع معاوية ،بعده ثم طلبها بكل وجه فقاتل عليها، وتفرق عنه أَصحابه وشك فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكم حكمين رضي بهما وأعطاهما عهده(4)وميثاقه فاجتمعا على خلعه .
ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم ولحق بالحجاز، وأسلم شيعته بيد معاوية، ودفع الأَمر إِلى غير أَهله وأخذ مالاً من غير ولاته(5)ولا حِلّه فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه (6)وأخذتم ثمنه [ثم خرج ](7)عمك حسين على ابن مرجانة، وكان الناس معه عليه حتى قتلوه وأتوه برأسه (8)، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل، وأحرقوكم بالنيران ونفوكم من البلدان حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان ثم قتلوا رجالكم وأسروا الصبية والنساء وحملوهم بلا وطاء في المحامل كالسبي المجلوب إِلى الشام حتى خرجنا عليهم وطلبنا ثأركم وأدركنا بدمائكم فأورثناكم أرضهم وديارهم، [وسنَيْنا سلفكم، وفضلناه ](9)فاتخذت ذلك علينا حجة وظننت أنا إِنما ذكرنا أَبا ك وفضلناه (10)للتقدمة مِنَّا له على حمزة والعباس، وجعفر، : وليس ذلك كما ظننت ولكن خروج هؤلاء من الدنيا سالمين مُتَسَلِّماً منهم مجتمعاً عليهم بالفضل وابتلى أَبوك بالقتال والحروب، وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة الصلاة في المكتوبة، فاحتججنا له (11)، وذكرناهم ،فضله، وعنفناهم وظلمناهم فيما نالوا منه .
ولقد علمت مكرمتنا في الجأَهلية، سقاية الحجيج(12)الأعظم، وولاية بئر(13)
1) زائدة عما في الكامل.
2) عبارة وقتل عثمان سقطت من الكامل .
3) فى المخطوط وأَبا سعيد وهو تحريف والتصويب من الكامل.
4) في الكامل : عهد اللّه
5) في الكامل: ولاية .
6) في المخطوط ،بعتوه والتصويب من الكامل.
7) زيادة من الكامل.
8) في الكامل : وأتوا برأسه إِليه .
9) ما بين المعقوفين من الكامل.
10) زائدة عما في الكامل.
11) لفظة: «له» لم ترد بالكامل.
12) في الكامل : الحاج.
13) لم ترد لفظة : (بئر)
زمزم، فصارت للعباس من بين إخوته (1)، فتنازعا فيها أَبوك فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها (2)في الجأَهلية والإسلام.
ولقد قحط أَهل المدينة، فلم يتوسل عمر إِلى ربه، ولم يتقرب إِليه إلا بأَبينا(3)، حتى نعشهم (4)اللّه تعالى وسقاهم الغيث، وأَبوك حاضر لم يتوسل به، ولقد علمت أنه لم يبق أحد من [بني] (5)عبد المطلب بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم غيره، وكان وارثه من عمومته .
ثم طلب هذا الأَمر غير واحد من بني هاشم فلم ينله إلا ولده، فالسقاية سقايته، و ميراث النبي صلى اللّه عليه [وسلم له](6)والخلافة في ولده .
فلم يبق شرف، ولا فضل في جأَهلية ولا إسلام في دنيا ولا آخرة إلا والعباس وارثه ومورثه. وأما ما ذكرت من بدر، فإن الإسلام جاء والعباس يمون آل أَبي طالب وعياله وينفق عليهم للأزمة التي أصابتهم، ولولا أن العباس أَخرج إِلى بدر كارهاً لمات طالب وعقيل جوعاً، وللحسا جفان عتبة وشيبة، ولكنه كان من المطعمين، فأذهب اللّه عنهم العار والسُّبَّة وكفاهم المؤنة والنفقة ، ثم فدى عقيلاً يوم بدر.
فكيف تفخر [علينا ] (7)وقد علناكم في الكفر ، وفديناكم في الأسر، وحزنا عليكم مكارم الأَباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم، وأدركنا منه ما عجزتم عنه، ولم تدركون بأنفسكم(8)؟
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته (9)
وندب أَبو جعفر عيسى بن موسى لقتال محمد وقال : لا أَبا لي أيهما قتل صاحبه (10)
نزورُ امرءاً لا يمخض القوم سِرُّهُ *** ولا يَنْتَجِي الأدنَيْنِ عَما يُحَاوِلُ
إِذَا مَا أَتَى شَيْئاً مَضَى كالَّذِي أَتَى *** وَإِنْ قَالَ إِنِّي فَاعِل فَهُوَ فَاعِلُ
فقال المنصور: امض أَيها الرجل، فواللّه ما يراد غيري ،وغيرك وما هو إلا أن تشخص أَنت أَو أشخص أنا، فسار وسير معه الجنود، وقال المنصور لما سار عيسى : لا أَبا لي أيهما قتل صاحبه.
وضم إِليه أَربعة آلاف من الجند.1) في المخطوط : أخونيه . وهو تحريف.
2) في المخطوط: يزل يليها. والتصويب من الكامل .
3) في المخطوط: بآياتنا . والتصويب من الكامل.
4) في الكامل : يغيثهم .
5) زيادة من الكامل.
6) زيادة من الكامل.
7) زيادة من الكامل.
8) في المخطوط: بأنفسكم، والتصويب من الكامل.
9) لفظ : «وبركاته». لم يرد في الكامل .
10) قال ابن الأثير في الكامل في ذكر مسير عيسى بن موسى إِلى محمد بن عبد اللّه وقتله : ثم إن المنصور أحضر أبن أَخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس وأمره بالمسير إِلى المدينة لقتال محمد ، فقال : شاور عمومتك يا أَمير المؤمنين، ثم قال : فأين قول ابن هرثمة :
وكان أَبو جعفر دعا جعفر بن حنظلة البهراني، وكان أبرص طوالاً، أعلم الناس بالحروب، وقد شهد مع مروان حروبه فقال له أَبو جعفر قد ظهر محمد فما عندك؟
قال : وأين ظهر؟
قال : بالمدينة .
قال : فأَحمد اللّه، ظهر حيث لا مال ولا رجال ولا سلاح ولا كراع، ابعث مولی لك تثق به حتى تنزل بوادي القرى فيمنعه ميرة الشام فيموت مكانه جوعاً ففعل فلما دنا عیسی بن موسی، حفر محمد خندق النبي صلّی اللّه علیه وسلّم الذي كان حفره للأحزاب .
وركب إِليه وعليه قباء أَبيض ومنطقه وركب معه الناس، فلما أتى الموضع نزل فبدأ هو فحفره فأَخرج [42/أ] لبنة من خندق رسول اللّه صلّی اللّه علیه وسلّم ، فكبر وكبر الناس معه، وقال : ابشروا بالنصر، هذا خندق جدي رسول اللّه صلّی اللّه علیه وسلّم.
ويقال : إنه اجتمع مع محمد جمع لم ير أكثر منه حتى قال عثمان بن محمد الزهري : إني لأحسبنا كنا مائة ألف فلما قرب عيسى [وقف](1)خطيباً فقال :
أَيها الناس إن هذا الرجل قد قرب منكم في عدد وعدة قد حللتكم من بيعتي فمن أحب المقام فليقم ومن الانصراف فلينصرف فتسللوا حتى بقي في شرذمة ليست بالكثرة(2).
وحكي أن محمداً دعا الغاضري فقال له : أَنا أَعطيك سلاحاً، فهل تقاتل معي قال: نعم إِن أَعطني رمحاً أَطعنهم وهم بالأَعوض.
قال الغاضري: ثم قال لي: ما تنتظر ؟ قلت ما هو أَهون عليك، أبقاك اللّه أَن أقتل ويمروا بي، فيقال : واللّه إن كان لنا .(3)
قال : ويحك قد بيض (4)أَهل الشام وأَهل العراق وأَهل خراسان .
قلت : اجعل الدنيا ربد وأنا في صون ،الدواة ما ينفعني هذا عيسى بن موسى بالأعوض.
وكان وجه أَبو جعفر مع عيسى بن موسى بن الأصم ينزله المنازل فلما قدموا
1) سقط من المخطوط والسياق يقتضيه .
2) في الكامل بعد هذا فأمر أَبا القلمس برد من قدر عليه فأعجزه كثير منهم فتركهم .
3) موضع النقط كلمة غير مقروءة هذا رسمها ( د_ ا ) وقبلها سهم يشير إِلى الهامش مما يفيد أنها بعض كلمة كان تتمتها بالهامش غير أن الهامش لم يظهر به شيء فربما محي من عوامل الزمن أو لسوء تصوير الأصل.
4) كذا بالمخطوط وأَظن أن صوابها نبض أي تحرك.
نزلوا على ميل من مسجد رسول اللّه صلّی اللّه علیه وسلّم.
فقال ابن الأصم : إن الخيل لا عمل لها مع الرجالة (1)إني أخاف إن كشفوكم أن يدخلوا عسكركم فرفعهم(2)إِلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجرف وهي على أَربعة أميال من المدينة وقال : لا يهرول الرجل أكثر من ميلين أو ثلاثة ثلاثة حتى تأخذه الخيل .
فتحدث محمد بن أَبي الكرام بن عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه [بن](3)
فلما بلغته الرسالة قال عيسى : ليس بيننا وبينه إلا القتال. وقال محمد للرسول : علام تقتلونني
جعفر قال : أَرسلني عيسى لما قرب من المدينة بأمانه إِلى محمد [فقال](4)فلما بلغته الرسالة قال عيسى : ليس بيننا وبينه إلا القتال. وقال محمد للرسول : علام تقتلونني
: علام تقاتلون وتستحلون وإِنما أنا رجل فَرَّ من أن يقتل .قال : فقلت : إن القوم يدعونك إِلى الأمان فإن أَبيت إلا قتالهم قاتلوك على ما قاتل خير أَبائك على طلحة والزبير على نكث بيعتهم وكيد ملكهم والسعي عليهم(5).
فبلغ ذلك أَبا جعفر فقال لي: يا عدو اللّه(6)، واللّه ما سَرَّني أنك قلت له غير ذلك، وإن لي ملك كذا وكذا.
وبقي عيسى ثلاثة أيام يبرز ويدعو أَهل المدينة إِلى الأمان، ويقول: نحن إخوانكم المسلمون فلا تهرقوا بيننا الدماء ادخلوا في الأمان(7)وأَخرجوا من المدينة آمنون وخلوا بيننا وبين صاحبنا [فإما لنا وإما له](8). فشتموه الشتمة القبيحة حتى حارب اليوم الثالث فلقي أَبو محمد بن عثمان أخا أسد بن المرزبان بسوق الحطابين، فاجتلدا سيفيهما حتى تقطعا ثم تراجعا إِلى مواقفهما .
وأَخذ أَخو أَسد سيفاً، وأَخذ أَبو القلمس في ركابيه ثم ضرب بها صدره وصرعه ونزل فاحتز رأسه .
1) في المخطوط: الرجال ،والتصويب من الكامل.
2) في الكامل : فتأخروا .
3) سقط من المخطوط، وذكر ابن الأثير قبله قصة إرسال الرسول دون ذكر اسمه فقال : وأَرسل عيسى خمسمائة رجل إِلى بطحاء بن أزهر على ستة أميال من المدينة، فأَقاموا بها، وقال : أخاف أن ينهزم محمد فيأتي مكة فيرده هؤلاء فأَقاموا بها حتى قتل، وأَرسل عيسى إِلى محمد يخبره أن المنصور قد أمنه وأَهله فأعاد الجواب يا هذا إنك لك برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرابة قريبة، وإني أدعوك إِلى كتاب اللّه وسنة نبيه والعمل بطاعته، وأحذرك نقمته وعذابه، وإني واللّه ما أنا منصرف عن هذا الأَمر حتى ألقى اللّه عليه، وإياك أن يفتنك من يدعوك إِلى اللّه فتكون شر قتيل أو تقتله فيكون أعظم لوزرك .
4) سقط من المخطوط، وذكر ابن الأثير قبله قصة إرسال الرسول دون ذكر اسمه فقال : وأَرسل عيسى خمسمائة رجل إِلى بطحاء بن أزهر على ستة أميال من المدينة، فأَقاموا بها، وقال : أخاف أن ينهزم محمد فيأتي مكة فيرده هؤلاء فأَقاموا بها حتى قتل، وأَرسل عيسى إِلى محمد يخبره أن المنصور قد أمنه وأَهله فأعاد الجواب يا هذا إنك لك برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرابة قريبة، وإني أدعوك إِلى كتاب اللّه وسنة نبيه والعمل بطاعته، وأحذرك نقمته وعذابه، وإني واللّه ما أنا منصرف عن هذا الأَمر حتى ألقى اللّه عليه، وإياك أن يفتنك من يدعوك إِلى اللّه فتكون شر قتيل أو تقتله فيكون أعظم لوزرك .
5) قوله : «والسعي عليهم» لم ترد في الكامل .
6) فى المخطوط: بعدد اللّه، وهو تحريف.
7) في المخطوط : الأيمان، وهو تحريف .
8) زيادة من الكامل والفقرة فيه بالمعنى الذي هنا .
وبرز رجل من أَهل المدينة مولى لآل الزبير يدعى القاسم بن وائل فدعي للبراز، فبرز له رجل أكمل عدة منه، فلما رآه آيل وابل انصرف عنه.
قال : فوجد أصحاب محمد من ذلك وجداً شديداً، فإني لعلى ذلك إذ سمعت خفيف رجل ورائي، فالتفت فإذا هو أَبو القلمس يقول :
لعن اللّه أمن السفهاء إن ترك هذا اجترأ علينا، وإن خرج رجل خرج إِلى أمر عسى أن لا يكون من شأنه .
ثم برز له فقتله، وكان الرجل هذا ...... (1)وضربه أَبو القلمس على حبل عاتقه فقتله وقال : خذها وأنا ابن الفاروق
فسمعت رجلاً من أصحاب عیسی [صاح](2)به : قتلت خيراً من ألف فاروق .
ثم قال عيسى قال عيسى الحميد بن قحطبة : تقدم فتقدم في مائة كلهم راجلين غيره ، معهم القسي والنشاب والترسة .
فلم يلبثوا أن زحفوا إِلى جدار دون الخندق عليه أناس من أصحاب محمد فكشفوهم ووقفوا عند الجدار.
وأَرسل حميد إِلى عيسى أن يهدم الجدار. قال: فأَرسل إِلى فَعَلَةٍ فأَرسلهم، فأَرسلهم . قال : فهدموه، وانتهوا إِلى الخندق، فأَرسل إِليه عيسى : أن اطرح حقائب الإبل في الخندق وأمر ببابي دار سعد بن مسعود التي في الثنية، فطُرحا على الخندق، فجازت الخيل فالتقوا عند منائح خشرم، واقتتلوا إِلى العصر وانصرف محمد يومئذ قبل الظهر حتى جاء إِلى دار مروان فاغتسل وتحنط ، ثم خرج. فدنا منه عبد اللّه بن جعفر ، فقال : بأَبي أنت [وأمي ] (3)واللّه ما لك بما رأيت طاقة، وما معك أحد يصدق القتال [42 / ب] فأَخرج الساعة حتى تلحق بمكة، فإن بها الحسن بن معاوية ومعه جلة أصحابك .
فقال أيا أَبا جعفر: واللّه لو خرجت لقتل أَهل المدينة حتى لا يبقى بها صافر(4)، ولست أرجع حتى أقتل وأغلب، وأنت في حل مني وسَعَةٍ، فاذهب حيث شئت (5). قال: فخرجت معه حتى جاء إِلى دار ابن مسعود في سوق الظهر.
وركضت، فأخذت على الرمانتين، ومضى إِلى الثنية وقتل أَصحابه بالنشاب
وجاءت العصر، فصلى.
قال: فرأيت محمداً راكباً وإِلى جانبه ابن خضير يناشده اللّه أن لا يمضي إِلى البصرة أو غيرها .
ومحمد يقول : واللّه لا يبتلون بي(1)مرتين، ولكن اذهب [أنت] (2)حيث شئت فأنت في حل.
فقال ابن خضير: وأين المذهب عنك؟! ثم مضى فأحرق الديوان(3)، وقتل رياحاً (4). ثم لحقه بالتثنية، وقاتل بين يديه حتى قتل وكان ابن خضير ذبح رياحاً ولم يجهز عليه فجعل يضرب برأسه الجدار حتى مات أقبح ميتة .
ثم صلى محمد العصر، ونزل عن دابته، وكسر غمد سيفه، ولم يبق معه أحد إلا وكسروا أغماد سيوفهم، ثم أقبل على ابن خضير فقال : أحرقت الديوان؟
قال : نعم خفت أن يؤخذ الناس عليه.
قال : أصبت، ثم حمل . قال :أزهر : فحدثني أخواي قالا : هزمنا يومئذ أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثاً، ولكنا لم نعرف الهزيمة، ولقد سمعنا يزيد بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر يقول : قد هزمنا ويل أمه... .. (5)لو كان له رجال، فبينا هم كذلك إذ صعد رجل إِلى ظهر سلع(6)ومعه رمح قد نصب عليه رأس متصل بحلقومه وكبده وأعماج بطنه(7)، فرأيت منظراً هائلا (8)، وذعر منه الناس، والأعاريب ، فجفلت (9)هارباً حتى أسهلت (10)، وعلا (11)الرجل الخيل ونادى أَصحابه رطانة (12)لهم بالفارسية : كوهبان .
فصعد إِليه أَصحابه حتى علوا سلعاً، فنصبوا راية سوداء، ثم انصبوا إِلى المدينة،
1) في المخطوط : في . والتصويب من الكامل.
2) زيادة من الكامل.
3) في الكامل : فأحرق الديوان الذي فيه أسماء من بايعه .
4) في الكامل : وقتل رياح بن عثمان وأخاه عباس بن عثمان وقتل ابن مسلم بن عقبة المري، ومضى إِلى محمد بن القسري وهو محبوس ليقتله فعلم به فردم الأَبواب دونه، فلم يقدر عليه، فرجع إِلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل .
5) موضع النقط كلمة لم أتبين قراءتها .
6) جبل مشهور بالمدينة إِلى جوار الخندق .
7) أي أحشائه أو أمعائه .
8) أي مرعباً أو فظيعاً تقشعر منه الأبدان.
9) أى خفت من بشاعته .
10) أي صرت في السهل من الأرض.
11) في المخطوط على وهو تحريف.
12) أي تكلم بلغة غير عربية .
فدخلوها. وأمرت أسماء بنت حسن بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب - وكانت تحت عبيد اللّه بن حسن بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس- بخمار أسود فنصب على منارة مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا ؛ دخلت المدينة وهربوا .
وبلغ الناس الذين ندوا دخول الناس من ناحية سلع.
فقال الناس الذين مع محمد : لكل قوم جبل يعصمهم، ولنا جبل لا نؤتى إلا منه، وكان ابن خضير يحمل راجلاً ويخالط العدو وكانت الخراسانية إذا نظروا إِلى ابن خضير يحمل راجلاً ينادي بينهم خضيراً مه خضيراً مه فيتضعضعون إِلى أن خالط الناس مرة، فضرب على حجاج عينه، وخرّ فابتدره (1)القوم فحزوا رأسه (2).
وأقبل محمد راجلاً فجعل يقاتل على جثته فضربه رجل على أذنه اليمنى فبرك لركبته، وتعادوا عليه(3)، وصاح حميد بن قحطبة لا تقتلوه، فكفوا، وجاء حميد فاحتز رأسه .
وحكى الفضل بن سليمان النميري قال: كنا مع محمد قد أطفنا، وكان قد أطاف بنا أربعون ألفاً وأكثر، وكانوا حولنا كالحرة السوداء فقلنا له: لو حملت لانفرجوا عنك.
قال : إن أَمير المؤمنين لا يحمل إنه لو حمل لم يكن بقية .
حتى أصاب ابن خضير ما أصابه ،محمد والتقوا عليه فقتلوه .
قال أَبو الحجاج الجمال : كنت يوماً قائماً على رأس أَبي جعفر وهو يسائلني عن مخرج محمد إذ أتاه الخبر: أن عيسى هزم، وكان متكئاً فجلس، فضرب بقضيب معه مصلاه وقال كَلاً، فأين لعب [أصحابنا ] (4)وصبياننا بها على المنابر ومشورة النساء؟! ما أتى كذلك (5)
وكان قتل محمد وأَصحابه يوم الاثنين بعد العصر لأربع عشرة خلت من شهر رمضان.
بعد .ولما قتل محمد هجم الناس على دور المدينة، فقتل خلق كثير إِلى أن قتل أَبو الشدائد، وجيء برأسه .
فاستعظم من كان عند عيسى ذلك واسترجعوا ثم قالوا ما بقي بالمدينة أحد بعد
قتل هذا .
فأمر عيسى بألوية ففرقها على باب من أَبواب العباسيين وأَهل الفقه من عرفهم، وقال : لينادي المنادي .
من دخل تحت لواء منها، أو دخل داراً من هذه الدور فهو آمن.
وقال : من جاء برأس ضربنا رأسه
فتحدث قال: حدثتني أم سنين بنت عبد اللّه بن محمد بن علي بن الحسين قال: قلت لعمي جعفر بن محمد: إني فديتك ما أمر محمد هذا؟ قال : فتنة يقتل [43/أ] محمد بن عبد اللّه عند بيت رومي.
ويقتل أخوه إِبراهيم بالعراق، وحوافر فرسه في ماء.
وحمل رأس محمد إِلى أَبي جعفر، وهو بالكوفة، فأمر فطيف به في طبق أَبيض(1)وتحدث الحسن بن زيد قال :
غدوت يوماً على أَبي جعفر فإذا هو قد أمر بعمل دكان (2)، ثم أَقام عليه جلاداً ، وأتى بعلي بن أَبي المطلب بن عبد اللّه بن حنطب فضرب خمسمائة سوط . ثم أتى بعبد العزيز بن إِبراهيم بن عبد اللّه بن مطيع فأمر به فضرب خمسمائة سوط، فما تحرك واحد منهما .
فأقبل عَلَيَّ وقال لي: هل رأيت أصبر من هذين قط؟! واللّه إنَّا لنؤتى بالذين قاسوا غلظ المعيشة وكدرتها فما يصبرون هذا الصبر وهؤلاء أَهل الخفض والكر والنعمة !! قال : فقلت : يا أَمير المؤمنين هؤلاء قومك وأَهل الشرف والقدر .
فأعرض عني وقال: أَبيت إلا العصبية .
فلما كان بعد أيام عاد عبد العزيز بن إِبراهيم ليضربه .
فقال (3): يا أَمير المؤمنين اللّه اللّه فينا إني لمكب على وجهي منذ أربعين يوماً ما صليت للّه صلاة قال : فالعفو إذاً، ثم خلى سبيله
1) في الكامل : فأَرسل عيسى الرأس إِلى المنصور مع محمد بن أَبي الكرام بن عبد أَبي الكرام بن عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن جعفر بن أَبي طالب وبالبشارة مع القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أَبي طالب وأَرسل معه رؤوس بني شجاع، فأمر المنصور فَطَيَّف برأس محمد في الكوفة وسيره إِلى الآفاق ولما رأى المنصور رؤوس بني شجاع ، قال : هكذا فليكن الناس طلبت محمداً فاشتمل عليه هؤلاء.
2) أي مكان مرتفع قدر الكرسي يصنع عادة من الطين ليظهر عليه الجالس أو القائم عن أقرانه .
3) تكرر هذا اللفظ في المخطوط.
ذكر وثوب السودان بالمدينة والسبب الذي هيج ذلك
كان رياح بن عثمان استعمل أَبا بكر بن أَبي سبرة على صدقة قوم فلما خرج محمد صار إِليه أَبو بكر بما كان جنى وشمر معه .
فلما قدم عيسى وهزم محمداً استخلف كثير بن خضير على المدينة (1)، فأخذ كثير أَبا بكر بن أَبي سبرة فضربه سبعين سوطاً وقيده وحبسه . ثم قدم عبد اللّه بن الربيع والياً من قبل أَبي جعفر المنصور (2).
وكان الجند ينازعون التجار، ويتعدون عليهم فاجتمعوا إِلى أَميرهم ابن الربيع، فشكوا ذلك إِليه فنهاهم وشتمهم فطمع فيهم الجند إِلى أن صاروا يأخذون من بين أيديهم الشيء فلا يعطونهم الثمن، ولا ينكر عبد اللّه ذلك (3)فجاء يوماً رجل من الجند جمعة، ثم أبى أن يعطيه الثمن وشهر عليه السيف فخرج لحماً يوم فاشترى من جزار لحماً عليه الجزار من تحت الوضم بشفرة فطعن بها خاصرته، فخر عن دابته، واعتوره ،الجزارون فقتلوه وتنادى السودان على الجند وهم يروحون إِلى الجمعة فقتلوهم بالعُمْدِ (4)في كل ناحية ولم يزالوا على ذلك حتى أمسوا .
فلما كان من الغد هرب ابن الربيع، ونفخ السودان في بوق لهم، فذكر أن أَهل المدينة أنه كان الأسود يكون في بعض عمله يسمع نفخ البوق فيصغي له حتى ينتقمه يوخس، بما في يده ويؤم نحو الصوت حتى يأتيه .
فلما اجتمعوا غدوا على ابن الربيع، فخرج إِليهم والناس في الجمعة فاعجلوه عن الصلاة واستطردوا له حتى أتى السوق فمر بخمسة من المساكين يسألون في الطريق فحمل عليهم بمن معه حتى قتلوهم.
ثم مَرَّ بأصبية على سطح، فاستنزلهم وأمنهم فلما نزلوا ضرب أعناقهم .
ثم وقف عند الحناطين وحمل عليه السودان فأجلى هارباً واتبعوه حتى صاروا إِلى البقيع ورهقوه فنثر لهم دراهم فشغلوا بها، ومضى على وجهه حتى نزل ببطن نخل على
1) في الكامل : ولما قتل محمد قام عيسى بالمدينة أياماً ثم سار عنها صبح تسع عشرة خلت من رمضان يريد مكة معتمراً، واستخلف على المدينة كثير بن خضير فأَقام بها شهراً، ثم استعمل المنصور عليها عبد اللّه بن الربيع الحارثي .
2) في الكامل : وقدمها لخمس بقين من شوال.
3) في الكامل : فتزايد طمع الجند فيهم فعدوا على رجل صيرفي فنازعوه كيسه، فاستعان بالناس فخلص ماله منهم وشكا أَهل المدينة ذلك منهم ، فلم ينكره ابن الربيع .
4) في الكامل: ونفخوا في بوق لهم فسمعه السودان من العالية والسافلة، فأقبلوا واجتمعوا وكان رؤساؤهم ثلاثة نفر وثيق ويعقل وزمعة، ولم يزالوا على ذلك من قتل الجند حتى أمسوا.
ليلتين من المدينة ورُوما (1)السودان وثبوا على طعام وأمتعة لأَبي جعفر المنصور فانتهبوه، وأغاروا على دار مروان وفيها طعام وأشياء للجند فانتهبوه وباعوا الحمل من الدقيق بدرهمين وراويت الزيت بأَربعة دراهم وقتلوا الجند فهأَبوهم حتى إن كان الفارس ليلقى الأسود، وما على الأسود إلا خرقتان على عورته، فيولي الفارس دبره احتقاراً ،له ثم ما يلبث أن يعود عليه بعمود من عمد السوق التي تقرب منه فيقتله به . فكانوا يقولون ما هؤلاء إلا شياطين يعنون السودان.
ثم مضى السودان حتى أَخرجوا أَبا بكر بن أَبي سيرة (2)فخطب الناس ودعاهم إِلى الطاعة، وصلى بالناس.
ثم أَرسل إِلى محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز، فاجتمعوا عنده فقال: أنشدكم اللّه وهذه البلية التي وقعت فواللّه لئن ثَبَتَتْ علينا عند أَمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى أنه لاصطلام (3)البلد وأَهله وهؤلاء العبيد بأجمعهم في السوق فأنشدكم اللّه إلا ذهبتم [43 / ب] إِليهم فكلمتموهم في الرجعة والفيئة لطاعتكم فإنهم لا نظام لهم، ولم يقوموا بدعوة وإِنما هم قوم أَخرجتهم الحمية .
فذهبوا إِلى العبيد فكلموهم .
فقالوا: مرحباً بكم يا موالينا، واللّه ما قمنا إلا آنفاً لكم مما عمل بكم، فأيدينا في أيديكم، وأمرنا إليكم فأقبلوا بهم إِلى المسجد فقالوا : أَيها الناس إنه قد وقع الأَمر بكم بما ترون ونعلم أنهم لا يبقون علينا فدعونا نشفيكم وأنفسنا . فأَبينَا ، ولم يزل بهم حتى تفرقوا.
وقيل: لو... (4)بعقل الجزار إِلى من تعمدنا ...... (5)قال : إِلى أَربعة من بني هاشم وأَربعة من قريش، وأَربعة من الأنصار، وأَربعة من الموالي، ثم الأَمر شورى .
فقال ابن عمران أسأل الذي ولى أمرنا أن يُرَفِّقنا (6)عليك، ويعطف بقلبك علينا. قال : فقد ولانيه اللّه فلما حضرت العشاء الآخرة، وقد ثاب الناس واجتمع القرشيون في المقصورة وأَقام الصلاة المؤذن، قال المؤذن للقرشيين في المقصورة من يصلي منكم بالناس؟ فلم يجبه أحد .
1) كذا جاء رسم هذه الكلمة بالمخطوط بالتشكيل. ولا أعرف معناها وربما كانت محرفة أو سقط من حروفها شيء.
2) في الكامل : فلما كان من السودان ما كان خرج في حديده من الحبس، فأتى المسجد
3) في الكامل : لهلاك. والمعنى واحد .
4) موضع النقط كلمات لم أتبين قراءتها في المخطوط.
5) موضع النقط كلمات لم أتبين قراءتها في المخطوط.
6) في المخطوط يرزقنا . وهو تحريف
فقال : ألا تسمعون؟
فلم يجيبوه فقال يا ،عمران و یا فلان، فلم يجبه أحد .
فقام الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، فقال: أنا الذي أُصلي بالناس على طاعة أَبي جعفر، فردد ذلك مرتين أو ثلاثاً، ثم لين فصلى بهم(1).
ثم أجمع القرشيون فركبوا إِلى ابن الربيع وهو بنخل فناشدوه اللّه أن لا يرجع إِلى عمله ،فیابی، فخلا به عبد العزيز ولم يزل به حتى سكر ورجع فهدأ الناس.
وفي هذه السنة : أسست مدينة السلام وهي التي تدعى مدينة المنصور.
ذكر السبب في بناء أَبي جعفر بغداد
لما ثارت الراوندية بأَبي جعفر في مدينته(2)التي تسمى الهاشمية التي بناها إِلى جنب الكوفة والمدينة التي سماها الرصافة كره سكناها ولم يأنس (3)أَهلها ، فأَراد أن يبعد(4)، فتردد بين الموصل وجرجرايا (5)، واختار موضع بغداد .
وقال: هذا موضع معسكر صالح، هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين، يأتينا فيها كل ما في البحر، وتأتينا الميرة من الجزيرة ،وأرمينية وما حول ذلك فنزل وضرب عسكره على الصراة وخط المدينة، ووكل بكل] (6)ريع قائد .
وكان الناس أَشاروا عليه بموضع قريب من بادوريا(7)، وذكروا له عنه عزاً وطيباً.
فخرج إِليه بنفسه حتى نظر إِليه وبات فيه فرآه موضعاً طيباً، فدعا الجماعة من أَصحابه، وقال لهم ما آراءكم في هذا الموضع ؟
فقالوا: ما رأينا مثله، وهو طيب صالح.
فقال: صدقتم، هو كذا ولكنه لا يحمل الجند والناس والجماعات .
وإِنما أريد موضعاً يرتفق به الناس، ويوافقهم مع موافقته لي ولا تغلو عليهم
1) بعد هذا في الكامل على غير هذه النهاية إذ قال : فلما كان من الغد قال لهم ابن أَبي سبرة : إنكم قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم ونهبتم طعام أَمير المؤمنين فلا يبقين عند أحد منه شيء إلا رده ،فردوه ورجع ابن الربيع من بطن نخل فقطع يد وثيق، ويعقل، وغيرهما.
2) في المخطوط : مدينة وهو تحريف .
3) في المخطوط : ياس. وهو تحريف .
4) في المخطوط : يعبد وهو تحريف .
5) بلد من أعمال النهروان الأَسفل بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي.
6) زيادة من يتطلبها السياق .
7) في المخطوط : بارما . والتصويب من الكامل وقال محققه :بادوريا طوسج من كورة الاستان بالجانب الغربي من بغداد.
الأسعار فإني إن أقمت في موضع لا يجلب إِليه في البر والبحر غلت الأسعار، وقلة المائدة، فاشتدت المؤنة، وشق ذلك على الناس .
ثم عاد إِلى موضع بغداد، وأحضر جماعة من سكان القرى التي حوإِليها، وصاحب بغداد فيهم (1)، فيسألهم عن مواضعهم، وكيف هي في الحر والبرد والأمطار والوحل، والبق والهوام، فأَخبره كل واحد بما عنده .
فوجه من قِبَلِهِ رجالاً حصفاً، فبات كل رجل منهم، ثم تَخَبَّرَ أَخبارهم واختيارهم. فاجتمعوا على صاحب بغداد.
فيحكى أن الراهب الذي كان قريباً من بغداد قال لأَبي جعفر : إن الذي بين هنا مدينة اسمه : مقلاص .
قال أَبو جعفر : فأنا واللّه كنت أدعي في حداثتي مقلاصاً ثم انقطعت عني.
ووجه المنصور في شكر الصَّنَّاع والفَعَلَة من الشام والموصل، وأَهل الجبل ومن الكوفة والبصرة وسائر المدن.
وأمر باختيار قوم من أَهل الأمانة والديانة والفقه والمعرفة (2)
وأمر باختيار قوم من ذوي الفضل والعدالة والفقه، وأمر باختيار قوم من ذوي الأمانة والمعرفة بالهندسة، وحفر الأساس وضرب اللبن وطبخ الآجر .
.فكان ممن أحضر الحجاج بن أرطأة وأَبو حنيفة النعمان بن ثابت، وأمر بخط المدينة،
وحضر الأساسات وضرب اللبن وطبخ الأجر ، فبدأ بذلك سنة خمس وأربعين ومائة . ثم خطّت له بالرماد ، فدار عليها، وعلى سورها وسككها، وخنادقها، فلما فعل ذلك مراراً أمر أن يجعل على تلك الخطوط من الرماد وحب القطن ويصب عليه النفط .
فنظر إِليها والنار تشتعل فيها ففهمها وعرفها وعرف ،رسمها، وأمر بحفر أساسها وبنائها، وإحكام الأساس.
وأمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعاً، وجعل في البناء حوار قصب مكان الخشب في كل [44/أ] طوفة .
فلما بلغ الحائط مقدار قامة أتاه خروج محمد فقطع البناء (3)
ثم أَقام بالكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأَخيه إِبراهيم، ثم رجع إِلى بغداد فأتم بناءها، وأقطع فيها القطائع لأَصحابه .
.وكان المنصور قد أرضى أصحاب القرى والمزارع وأما مدينته وهي بغداد وكانت لستين رجلاً، فأعطاهم العوض عنها، وأرضاهم.
وأما ما كان من حوإِليهم فكانت قرى متصلة فأقطعها قواده، واشتروها، ثم اشترى الناس .
وقال المنصور يكتب إِلى مصر بقطع المادة عن الحرمين ما دام بها محمد قائماً هم في مثل خرجه إذا انقطعت عنهم .
وأمر بالكتاب إِلى الجزيرة وغيرها أن يمده في كل يوم بمقدار عيله (1)من الرجال .
وكذلك كتب إِلى أَمير الشام وقال : لو ورد عَلَيَّ في كل[ يوم](2)رجل واحدٍ من كل واحد منكم كثر به من معي وإن بلغ الخبر الكذاب كثرة ذلك .
وفي هذه السنة خرج إِبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن حسن، أخو محمد ،بالبصرة فحارب المنصور.
ذكر الخبر عن خروجه وسبب ذلك مقتله (3)
لما قبض أَبو جعفر على عبد اللّه بن حسن أشفق محمد وإِبراهيم فافترقا وتواريا، وتقلب إِبراهيم في البلدان (4)، فحكى إِبراهيم لبعض أَصحابه قال: اشتد الطلب لي وأنا بالموصل فاضطرني الزمان حتى دخلت وجلست على موائد أَبي جعفر، وذاك أنه كان قدمها وطلبني فتحيرت ولفظتني الأرض، وجعلت لا أجد مساغاً، ودعا الناس إِلى عدائه، ودخلت فيمن دخل والطرق مشحونة بمن يطلبني، فجلست، فأكلت، ثم خرجت وقد كف الطلب .
وتحدث عبد اللّه بن محمد البواب قال : أمر أَبو جعفر ببناء قنطرة العتيقة (5)خرج ينظر إِليها، فوقعت عينه على إِبراهيم وخنس (6)إِبراهيم فذهب في الناس، فأتى
1) المراد بمقدار من يعولهم من الجند أو بمقدر مؤنتهم وهو ما يسمى في أيامنا هذه بالإمداد والتموين أو التعيين اليومي أو يومية اليعيين أي الأكل اليومي للأفراد أو الجنود.
2) زيادة يتطلبها السياق .
3) في المخطوط ، وسبب ذلك عن مقتله ولفظة : عن أراها زائدة فحذفتها .
4) في الكامل : حكت جارية له : أنه لم تقرَّهم أرض خمس سنين مرة بفارس ومرة بكرمان ومرة بالجبل ومرة بالحجاز ومرة باليمن ومرة بالشام، ثم إنه قدم الموصل وقدمها المنصور ،فی طلبه فحكى إِبراهيم قال : اضطرني الطلب بالموصل حتى جلست على مائدة المنصور .
5) في الكامل : قنطرة الصراة العتيقة .
6) في الكامل : فجلس أي خفض رأسه وانصرف في الزحام والمعنى واحد.
قامسياً (1)، فلجأ (2)إِليه . فأصعده غرفة له .
وجَدَّ أَبو جعفر في طلبه، ووضع المراصد فثبت إِبراهيم في مكانه، وطلبه أَبو جعفر أشد ما يكون الطلب.
وكان مع إِبراهيم رجل من بني القمي (3)، فتحدث القمي (4)هذا ، وقال :
قلت :لإِبراهيم: قد نزل ما ترى ولا بد من التعزير والدخول تحت المخاطرة، فأنت وذلك . قال : فأقبلت إِلى الربيع فسألته الأذن [على المنصور ](5). قال : ومن أنت؟
قال :سفيان القمي (6)، فأدخله على أَبي جعفر، وكان أَبو جعفر يعرفه بصحبة إِبراهيم، فلما رآه شتمه .
فقال : يا أَمير المؤمنين، أَنا أَهل لما تقول [غير أني] (7)أتيتك نازعاً تائباً . قال : ولك عندي كل ما تحب إن تعطني ما أسألك .
قال: فما لي عندك إن فعلت؟
قال : كل ما تشاء، فأين إِبراهيم؟
قال : دخلت بغداد وهو داخلها عن قريب فإني تركته يعد شيء، فاكتب لي جوازاً ولغلام واحملني على البريد .
فكتب له جوازاً وضم إِليه جنداً، وقال هذا ألف دينار فاستعن به .
قال : لا حاجة لي فيه كله فأخذ ثلاثمائة دينار، وأقبل حتى [أتى] (8)إِبراهيم وهو في غرفة وعليه مدرعة صوف زي العبيد فصاح :به یا فلان فوثب كالمفزع وجعل يأمره وينهاه(9)حتى قدم المدائن فمنعه صاحب القنطرة، فدفع إِليه جوازه.
قال : فأين غلامك؟
قال : هذا .
فلما نظر إِلى وجهه قال : واللّه ما هذا بغلام وإنه لإِبراهيم، ولكن اذهب راشداً، فأطلقهما . فهربا وركبا سفينة حتى قدما البصرة، فجعل يأتي [ بالجند](10). الدار لها بابان،
1) كذا فى المخطوط، والكامل.
2) في المخطوط: فالجأ، وهو تحريف .
3) في المخطوط : العمى والتصويب من الكامل وقال : فقال له صاحبه سفيان بن حيان القمي.
4) في المخطوط : العمى والتصويب من الكامل وقال : فقال له صاحبه سفيان بن حيان القمي.
5) زيادة من الكامل .
6) في المخطوط : العمى والتصويب من الكامل وقال : فقال له صاحبه سفيان بن حيان القمي.
7) زيادة من الكامل.
8) زيادة يتطلبها السياق .
9) بعدها في الكامل : وسار على البريد وقيل : لم يركب البريد ، وسار حتى قدم المدائن فمنعه .
10) زيادة من الكامل.
فيقعد العشرة منهم على أحد البابين ويقول : لا تبرحوا حتى آتيكم ثم يدخل الدار فيخرج من الباب الآخر، ويتركهم حتى فرق الجند عن نفسه وبقي وحده، واختفى.
حتى بلغ سفيان بن معاوية وهو على البصرة خبر الجند، فأَرسل إِليهم فجمعهم وطلب القمي (1)، فأعجزه .
وحكى الحسن بن حبيب الدئلي قال :
كان إِبراهيم مختفياً عندي على شاطئ دجيل في ناحية مدينة الأهواز، وكان محمد بن الحصين يطلبه.
فقال يوماً: إن أَمير المؤمنين كتب إليَّ يخبرني أن المنجمين يخبرونه أن إِبراهيم نازل في جزيرة بين نهرين وقد عزمت أن أطلبه غداً في المدينة .
فقلت : لعل أَمير المؤمنين يعني بين دجيل والمسرقان .
قال : قال : فأتيت إِبراهيم فقلت : أنت غداً مطلوب في هذه الناحية .
قال : فأقمت معه يومي، فلما غشني الليل خرجت به حتى أنزلته في دست أربل دون الكث، ورجعت من ليلتي، فأقمت أنتظر محمداً أن يغدو في طلبه، فلم يفعل، فتصرم النهار كله وطلعت الشمس فخرجت وجئت إِبراهيم فأقبلت به، فوافينا المدينة مع العشاء [44 / ب] الآخرة، ونحن على حمارين.
فلما دخلنا المدينة وصرنا عند الجبل المقطوع لقينا أوائل خیل ابن حصین، فرمی إِبراهيم بنفسه عن حماره، وتباعد وجلس يبول(2)
فسأل ابن الحصين الحسن بن حبيب عن مجيئه ، فقال : من عند بعض أَهلي فمضى وتركه .
وطوتني الخيل فلم تُعَرِّج عَلَيَّ أحد منهم، حتى ضرب لي ابن حصين، فقال لي: يا محمد من أين في هذا الوقت؟قلت : فإني مستبيت عند بعض أَهلي.
قال : ألا أَرسل معك من يبلغك ؟
قلت : لا بل قد قربت من أَهلي.
فمضى يطلب وتوجهت على سُنَّتي حتى انقطع آخر أَصحابه، ثم كررت راجعاً إِلى إِبراهيم والتمست حماره حتى وجدته، فركب وانطلقنا فبتنا في أَهلنا (3)
فقال له إِبراهيم : واللّه لقد بلت دماً ....
.فقال إِبراهيم : تعلم واللّه لقد بليت البارحة دماً، فأَرسل من ينظر.
فأتيت الموضع فوجدته قد بال دماً(1)
وكان الذي أقدمه، وتولى قراءه في قول بعضهم يحيى بن زياد بن حيان النبطي، وأنزله في داره في بني ليث .
وقيل : نزل في دار أَبي فروة ودعا الناس إِلى بيعة أَخيه وكان أول من بايعه نميلة بن مرة العبشمي، وعفو اللّه بن سفيان وعبد الواحد بن زياد وعمرو بن سلمة الهجيمي وعبد اللّه بن يحيى بن حصين الرقاشي.
.وقال أَبو جعفر : ما زال يظهر أمر إِبراهيم لي حتى اشتملت عليه طفوق البصرة، وحصل إِبراهيم بالبصرة فدعا واستجاب له خلق، واستتر في راسب. وكان سفيان بن معاوية عامل المنصور يومئذ على البصرة قد مالأ إِبراهيم بن عبد اللّه على أمره، فلا ينصح لصاحبه .
فتحدث جماعة من أشياخ البصرة : أنهم شدّوا دقيق بن أسد مولى يزيد بن حاتم إِلى سفيان بن معاوية قبل خروج إِبراهيم بليلة .
فقال : ادفع إليَّ فوارس آتك بإِبراهيم وبرأسه .
قال : أو ما لك عمل اذهب إِلى عملك. فخرج دقيق من ليلته، فلحق بيزيد بن حاتم بمصر .
وقال عدّة من الأزد :
أن جابر بن حماد كان على شرطة سفيان فأتاه قبل خروج سفيان بيوم وقال : إني مررت في مقبرة بني يشكر فصاحوا بي ورموني بالحجارة.
فقال له : أما كان لك طريق آخر .
فمر سفيان بعد قتل إِبراهيم وانقضاء تلك الأيام بأَبي جعفر المنصور في سفينة له، وأَبو جعفر مشرف من قصره فقال : إن هذا سفيان؟
قالوا: نعم.
قال : واللّه للعجب كيف يقتلني هذا ابن الفاعلة وكان المنصور أنفذ قائدين كبيرين أَصحابهما إِلى سفيان مدداً ،له فلما قدما عليه صيرهما بالقرب منه، فلما واعده إِبراهيم الخروج أَرسل إِليهما، فاحتبسهما عنده تلك الليلة حتى خرج فأحاط به وبهما، فأخذهم وقيد سفيان وحبسه في القصر(2)
وقيده بقيد خفيف ليعلم المنصور أنه محبوس، وبلغ جعفراً، ومحمداً ابني سليمان بن علي ظهور إِبراهيم، فأتى في ستمائة رجل فأَرسل إِليهما إِبراهيم المضاء بن القاسم الجزري في خمسين رجلاً، فهزمهما ونادى منادي إِبراهيم: لا يتبع مهزوم، ولا يذفف ...
، يرى أَبا جعفر أنه برئ من التهم .وكان أَبو جعفر المنصور يبعث إِلى سفيان كل يوم قوماً إِلى البصرة، فجعلوا يتزيدون ويترددون ويردون.
فأشفق إِبراهيم أن يكثروا بها فظهر، وبلغ جعفراً، ومحمداً بن سليمان بن علي، وكانا يومئذ بالبصرة، مصير إِبراهيم إِلى دار الإمارة ....(1)سفيان فأقبلا فيما قال غير واحد في ستمائة من الرجالة والفرسان يريدانه فوجه إِليهما المضاء بن القاسم في ثمانية عشر فارساً وثلاثين راجلاً فهزمهم المضاء.
ولحق محمداً رجل من أصحاب المضاء فطعنه في فخذه.
ونادى منادي إِبراهيم: لا تتبعوا مدبراً (2). وأصاب إِبراهيم في بيت المال ألفي ألف درهم فقوي بذلك، وفرض لكل رجل خمسين ووجه إِبراهيم، ابن المغيرة (3)إِلى الأهواز في نحو مائتي رجل وعامل الأهواز يومئذ من قبل أَبي جعفر محمد بن الحصين فلما بلغه دنق فلما بلغه المغيرة خرج إِليه في أَربعة آلاف، فالتقوا على ميل من قصبة الأهواز بموضع يقال له دست أربك فانكشف ابن حصين وأَصحابه ودخل المغيرة الأهواز (4)ويقال : إن أصحاب ابن حصين قد كانوا واطأوا إِبراهيم.
ووجه إِبراهيم إِلى فارس عمرو بن شداد عاملاً عليها، فلما قرب من ،فارس بلغ إسماعيل بن علي وكان عاملاً عليها من قبل أَبي جعفر، ومعه أخوه عبد الصمد بن علي . [ فخرجا ] (5)لقتال عمرو بن شداد [ فهزمهما ] (6)فبادرا إِلى دار الجرد فتحصنا بها، وكانا بأصطخر .
وصارت ،فارس والأهواز والبصرة في سلطان إِبراهيم .(7)
وأَرسل المنصور لحربه عامر بن إسماعيل المسلي في خمسة آلاف، وقيل: في عشرين ألفاً، وقد كانت بينهما ،وقعات ثم تهادنوا على ترك الحرب حتى ينظروا ما يكون من إِبراهيم والمنصور.
فلما قتل إِبراهيم هرب مروان بن سعيد عنهما فاختفى حتى مات.
فلم يزل إِبراهيم بالبصرة يفرق العمال والجيوش حتى أتاه نعى أَخيه محمد قبل عيد الفطر، بثلاثة أيام، فخرج بالناس يوم العيد وفيه الانكسار فصلى بهم، وأخبرهم بقتل محمد فازدادوا في قتال المنصور بصيرة.
وأصبح من الغد فعسكر واستخلف على البصرة، وخلف ابنه حسناً معه .
1) موضع النقط كلمة لم أتبين قراءتها .
2) بعدها في الكامل: ومضى إِبراهيم بنفسه إِلى باب زينب بنت سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس، وإِليها ينسب الزينبيون من العباسيين فنودي بالأمان، وأن لا يعرض لهم أحد، فصفت له البصرة، ووجد في بيت مالها . . .
3) في المخطوط : ابن المغيرة وفي الكامل المغيرة .
4) في الكامل بعد هذا: وقيل : إِنما وجه المغيرة بعد مسيره إِلى باخمرى.
5) ما بين المعقوفين يتطلبه السياق .
6) ما بين المعقوفين يتطلبه السياق .
7) كذا بالمخطوط، وفي الكامل. فبلغهما دنو عمرو وهما بإصطخر ، فقصدا دارا بجرد فتحصنا بها وصارت فارس في يدي عمرو .- قلت والمعنى واحد أو قريب حيث إن عمرو من ولاة إِبراهيم - وأَرسل إِبراهيم مروان بن سعيد العجلي في سبعة عشر ألفاً إِلى واسط وبها هارون بن حميد الأيادي من قبل المنصور فملكها العجلي .
ولما ظهر محمد بالمدينة أَرسل أَبو جعفر إِلى جعفر بن حنظلة، وكان ذا رأي، فقال : هات رأيك .
قال : وجه الأجناد إِلى البصرة.
فقال : انصرف حتى أَرسل إليك .
وقال أَبو جعفر : اختل واللّه جعفراً أسأله عن المدينة فيجيبني عن البصرة.
فلما صار إِبراهيم إِلى البصرة، قال: إياها خفت بادرة بالجنود.
قال : [45/أ] وكيف خفت البصرة؟
قال : لأن محمداً ظهر بالمدينة وليسوا بأَهل حرب حسبهم أَن يقيموا شأن أَنفسهم ، وأَهل الكوفة تحت قدمك، وأَهل الشام أعداء آل أَبي طالب، فلم يبق إلا البصرة. ولما شخص إِلى جعفر ومحمد ابنا سليمان من البصرة أَرسلا إِلى أَبي جعفر، وأخبراه خبرهما . فقال أَبو جعفر : واللّه ما أدري كيف أصنع ؟ واللّه ما عسكري إلا ألفا رجل فرقت جندي، فمع المهدي بالري ثلاثون ألفاً، ومحمد بن الأشعث بأفريقية أربعون ألفاً، والباقون مع عيسى بن موسى ولئن سلمت من هذه لا تفارق عسكري ثلاثون ألفاً. وقال عبد اللّه بن راشد.
ما كان في عسكر أَبي جعفر كثير أحد، ما هم إلا سودان، وناس يسير، وكان يأمر بالحطب فيجزم، ثم يوقد بالليل فيراه الرائي فيحسب [أن](1)هناك ناساً، وما هى إلا النار تضرم وليس عندها أحد.
وكتب أَبو جعفر إِلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة : إذا قرأت كتابي فأقبل ودع ما أنت فيه(2). فلم يلبث (3)أن قدم فوجهه على الناس وكتب إِلى مسلم بن قتيبة فقدم عليه من الري فضمه إِلى جعفر بن سليمان.
فحکی سلم بن قتيبة قال : لما دخلت على أَبي جعفر قال لي : خرج ابنا عبد اللّه بن حسن، فاعمد لإِبراهيم ولا يروعنك جمعه ، فواللّه إنهما لجملا بني هاشم المقتولان جميعاً، فابسط يدك وثق بما أعلمتك، فستذكر مقالتي لك .
قال : واللّه ما هو إلا أن قتل إِبراهيم، فجعلت أتذكر مقالته (1)فأعجب .
وكتب المنصور إِلى المهدي وهو يومئذ بالري يأمره بتوجيه خازم [إِلى](2)الأهواز (3)، فأَباحها ثلاثاً.
وحكى السندي قال :
كنت وصيفاً أيام حرب محمد، فكنت أقوم على رأس المنصور بالمدينة فرأيته لما كشف أمر إِبراهيم وغلظ أَقام على مصلى نيفاً وخمسين ليلة ينام عليه ويجلس عليه، وعليه جبّة مُلوّنة، قد اتسخ جيبها (4)، وما تحت لحيته ، منها، ما غير الجبة، ولا هجر المصلى حتى فتح اللّه عليه، إلا أنه إذا كان ظهر للناس [لبس](5)على الجبة السواد، وقعد على الفراش، فإذا بطن عاد إِلى هيئته.
قال : فأتته (6)في تلك الأيام امرأتان من المدينة إحداهما : فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد اللّه .
والأخرى : أمة الكريمة(7)بنت عبد اللّه من ولد خالد بن خالد بن أسيد بن أَبي العيص، فلم ينظر إِليهما .
فقيل له : يا أَمير المؤمنين، إن هاتين المرأتين قد خبثت نفسهما وساءت ظنونهما لما ظهر من جفاك بهما .
فقال : ليست هذه الأيام من أيام النساء، لا سبيل إِليهما حتى أعلم رأس إِبراهيم لي أو رأسي لإِبراهيم.
فهذه كانت عزيمة أَبي جعفر .
فأما إِبراهيم فذكر أَبو عبيد : أن يونس الجرمي كان يقول :
1) في المخطوط : مقاتلته، وهو تحريف .
2) سقط من المخطوط، والسياق يقتضيه .
3) بعد هذا في الكامل : فسيره في أَربعة آلاف فارس فوصلها وقاتل المغيرة، فرجع المغيرة إِلى البصرة، واستباح خازم الأهواز ثلاثاً .
4) في المخطوط : جنبها، وهو تحريف، والتصويب من الكامل. والجيب هو فتحة الصدر التي منها تخرج الرأس في الثوب .
5) زيادة يتطلبها السياق ومعنى ذلك في الكامل.
6) في الكامل، وأهديت إِليه امرأتان .
7) في الكامل : أم الكريم .
قدم هذا يريد إِبراهيم، وهو يقصد إزالة ملك فالهينة (1)بنت عمر بن سلمة عَمَّا جاء له .
وكان إِبراهيم تزوج بعد قدومه البصرة ب- : هكنة بنت عمر بن سلمة، وكانت تأتيه في مُصَيّغاتها وألوان ثيابها .
وورد کتاب من جعفر(2)، ومحمد ابني(3)سليمان يعلمانه خروجهما من البصرة، وكان كتابهما في قطعة جراب، ولم يقدرا على شيء يكتبان فيه عن ذلك.
فلما وصل الكتاب إِليه، فرآه قطعة جراب بيد الرسول، قال: خلع واللّه أَهل البصرة مع إِبراهيم ثم قرأ الكتاب، ودعا بعبد الرحمن الحلي وبأَبي يعقوب ختن مالك بن الهيثم فوجههما في خيل كثيفة إِليهما، وأَمرهما أن يحبساهما حيث لقياهما، وأن يعسكر معهما ويسمعا ويطيعا لهما .
وكتب إِليهما بعجزهما ويضعفهما ويوبخهما على طمع إِبراهيم في الخروج إِلى ،مصرهما، واستتار خبره عنهما حتى ظهر وكتب في آخر كتابه : أبلغ بني هاشم عني مغلغلة، فاستيقظوا أن هذا فعل نوّام تعدى الذئاب على من لا كلاب له وتتقي المستنفر الحامي .
قال أَبو جعفر بن ربيعة : قال الحجاج :
لقد دخلت على المنصور في ذلك اليوم مسلماً وما أَظنه أن يقدر على ردِّ السلام لتتابع الفتوق والخروق عليه والعساكر المحيطة به ولمائة ألف سيف كانت له بالكوفة (4)بإزاء عسكره ينتظرون به صيحةً واحدةً [45 / ب] فيثبون [عليه](5)فوجدته صقراً أحوزياً مشمراً قد قام إِلى ما نزل به من النوائب يعركها ويمرسها، فقام بها ولم تقعد به نفسه(6)
نفس عصام سوَّدت عصاماً *** وعلمته الكر والإقداما
وصیرته ملكاً هماما
ثم وجه المنصور إِلى إِبراهيم عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفاً، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة .
.1) كذا هنا في المخطوط ،فالهينة وفي الموضع القادم بعد قليل هكنة بنت عمر بن مسلمة، ولا أدى أيهما أصح فإني لم أقف على ترجمتها .
2) في المخطوط من جعفر بن محمد ولفظي ابن محمد زيادة في السياق فحذفتهما .
3) في المخطوط : ابن، وهو تحريف والصواب ما أثبته لأنه من المعروف أن أبناء سليمان بن علي هما جعفر، ومحمد
4) في الكامل : قال حجاج بن قتيبة : لما تتابعت الفتوق على المنصور دخلت مسلماً عليه وقد أتاه خبر البصرة، والأهواز وفارس وعساكر إِبراهيم قد ،عظمت وبالكوفة مائة ألف سيف . بإزاء ...
5) زيادة يتطلبها السياق .
6) في الكامل بعد هذا وإنه كما قال الأول :
ذكر آراء أشير بها على إِبراهيم
كان معه خمسة عشر ألفاً، وجعل على مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف.
فأراد إِبراهيم الشخوص نحو أَبي جعفر، فدخل إِليه جماعة من قواده فقالوا له :
إنك قد ظهرت على أَهل البصرة ،والأهواز ،وفارس وواسط، فقم بمكانك، ووجه الأجناد، فإن هزم لك جند أمددتهم بجند فخيف مكانك، واتقاك عدوك، وجبيت الأموال، وثبتت وطأتك، ثم رأيك بعد .
فقال له المتاييم الكوفيون (1): أصلحك اللّه إن بالكوفة رجالاً لو رأوك ماتوا دونك وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتى، والرأي أن تخرج .
فقال له آخر: إن هذه بلادي وبلاد قومي، وأنا أعلم بها، فلا تقصد عيسى بن موسى ومعه هذه العساكر التي ضمت إِليه ولكن دعني أسْلُك (2)بك طريقاً لا يشعر بك أَبو جعفر إلا وأنت بالكوفة، فأبى عليه .
قال : فإنَّا معشر(3)ربيعة أَصحاب بيات، فدعني أَبيت أصحاب عيسى .
قال : فإني أكره البيات .
تأخذ الكوفة،
فقال له هزيم : أصلحك اللّه إنك غير ظاهر على هذا الرجل حتى وإن صارت لك تحصنه بها يقم لك بها [على](4)بعد أَهل ، فدعني أسير إِليها مختفياً، فأدعو إليك في السر ، ثم اجهر، فإن القوم إن سمعوا داعياً أجابوه، وإن سمع أَبو جعفر الهيعة بأرجاء الكوفة وليس معه رجال لم يرد وجهه بشيء دون حلوان.
فأقبل على بشير الرحال وقال : ما ترى يا أَبا محمد؟
فقال : إِنَّا لو كنا وثقنا بالذي يصف لكان رأياً، ولكنا لا نأمن أن تجيبك طائفة منهم ، فيرسل إِليهم أَبو جعفر خيلاً فتطأ النطف والصغير والكبير، فتكون قد تعرضت لمأثم، ولم تبلغ منه ما أملت.
قال هزیم : فقلت لبشير أفخرجت حين خرجت لقتال أَبي جعفر وأَصحابه وأنت تتوقى الصغير والضعيف والمرأة والرجل، أو ليس قد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوجه السرية فتقاتل فيكون في ذلك نحو ما كرهت؟
قال : إن أولئك كانوا مشركين وإن هؤلاء أَهل ملتنا ودعوتنا وقبلتنا حكمهم غير حكم أولئك .
فاتبع إِبراهيم رأيه وسار حتى نزل باخمری (1)فلما نزل أَرسل إِليه سلم بن قتيبة حكيم بن عبد الكريم : [فقال](2): إنك قد أصحرت ومثلك أنفس به على الموت، فخندق على نفسك حتى لا تؤتى إلا من مأتى واحد.
فإن أنت لم تفعل فقد أغرى أَبو جعفر عسكره فتخفف في طائفة حتى تأتينه فتأخذ بقفاه. فدعا إِبراهيم أَصحابه، فعرض ذلك عليهم. فقالوا : أتخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم؟! لا واللّه لا نفعل .
قال : فنأتيه؟
قالوا: و لِمَ وهو في أيدينا متى أردناه؟
فقال لي إِبراهيم : قد سمعت [فارجع راشد ](3)قال حكيم فانصرفت وقد تحققت ضعفه باستسلامه لأَصحابه .
وحكى إِبراهيم بن سلم عن أَخيه قال : قال حدثني أَبي قال :
التقينا مع عيسى بن موسى، فخرجت من بين صفهم، وقلت لإِبراهيم: إن الصف إذا انهزم بعضه تداعى، فلم يكن له نظام فاجعلهم كراديس، فإن انهزم كردوس ثبت کردوس(4)
فصف إِبراهيم أَصحابه صفاً واحداً، فأَشار عليه بعض أَصحابه بأن يجعلهم كراديس، فإذا انهزم كردوس
.فنادى : لا إلا قتال أَهل الإسلام، يريد قوله : (وإِنَّ اللّه يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ، صَفًّا كَأَنَّهُم بِنْيَنٌ مَرْصُوصٌ)(5)
فاقتتل النّاس قتالاً شديداً، وانهزم حميد بن قحطبة وانهزم الناس معه فعرض لهم عيسى يناشدهم اللّه والطاعة .
[الصف : 4] .وقال المضاء : لما نزلنا باخمرى أتيت إِبراهيم فقلت : إن هؤلاء مصبحوك بما يسد عليك مغرب الشمس من السلاح، وإِنما معك رجال عراة من أَهل البصرة، فدعني أَبيته فواللّه لأستنن جموعه .
فقال : إني أكره القتل.
فقلت : تريد الملك، وتركه القتل.
فالتقوا بباب حمزى على ستة عشر فرسخاً من الكوفة فاقتتلوا بها قتالاً شديداً.
وانهزم حميد بن قحطبة، وكان على مقدمة عيسى وانهزم الناس فعرض لهم عيسى يناشدهم اللّه والطاعة، فلا يلوون ويمرون منهزمين.
وأقبل حميد بن قحطبة منهزماً ، فقال له عيسى بن موسى : يا حميد اللّه اللّه والطاعة .
قال : لا طاعة في الهزيمة وفرّ الناس كلهم فلم [46/ أ] يبق مع عيسى [إلا نفر يسير ] (1)ينهزم ، وكان يحفظ وصية لأَبي جعفر وهو أنه لما أَراد توجيهه قال عيسى قال لي المنصور :
إن هؤلاء الجبناء - يعني المنجمين - يزعمون أنك لاقي الرَّجل وإن لك جولة حين تلقاه، ثم تفيء إليك أصحابك، وتكون العاقبة لك.
وكان كما قال لم يبق معي إلا ثلاثة فأقبل عليَّ مولى لي وقال : جعلت فداك علام تقيم وقد ذهب أصحابك؟ فقلت: لا واللّه لا ينظر أَهل بيتي إِلى وجهي أبداً وقد انهزمت بعدوتهم فواللّه ما كان عندي أكثر من أن أقول لمن مَرَّ بي ممن أعرف من المنهزمة؟ اقرئوا أَهل بيتي مني السلام، وقولوا لهم : إني لم أجد فداءً لكم أفديكم به أعز علي من نفسي وقد بذلتها دونكم(2)
فبينا هم على ذلك لا يلوي أحد على أحد إذ أتى جعفر، ومحمد ابنا سليمان بن علي من ظهور أصحاب إِبراهيم، ولا يشعر باقي أَصحابه الذين يتبعون المنهزمين حتى نزل نظر بعضهم فرأى القتال من ورائهم، فعطفوا نحوه ورجع أصحاب المنصور يتبعونهم فكانت الهزيمة على أصحاب إِبراهيم، فلولا جعفر ومحمد لتمت الهزيمة .
.قال : فواللّه إنَّا على ذلك منهزمون ما يلو أحدٌ على أحدٍ وكان محزماً ليكون قتاله من وجه واحد.
وقيل : بل فخر آل طلحة .
ذكر اتفاق عجيب وهو شيء اتفق على إِبراهيم بعد أن ظفر حتى هزم وقتل
حكى إسحاق بن عيسى بن علي قال :
سمعت عيسى بن موسى يومئذ يقول لأَبي : واللّه يا أَبا العباس لولا ابنا سليمان يومئذ لافتضحنا، وذلك أن من صنع اللّه كان لنا أَن أَصحابنا لما انهزموا اعترض لهم نهر ذو ثنيتين مرتفعتين فحال بينهم وبين الوثوب، ولم يجدوا مخاضة فكروا راجعين بأجمعهم على عرض النهر ، فظن القوم أنها كرة فانهزموا ، وتبعهم ابنا سليمان ومعهما موإِليه، ونظر إِليه أصحابنا ورأوا هزيمة الأعداء بين يديه فكروا بأجمعهم، وأقبل حميد بن قحطبة نحو إِبراهيم لا يعرج على شيء حتى خالط القوم، وجعل يرسل بالرؤوس إِلى عيسى(1)
وجاء إِبراهيم سهم عائر، فوقع في حلقه فنحره فتنحى من موقفه، وقال: أنزلوني فأنزلوه عن مركبه ، وهو يقول : (وَكَانَ أَمْرُ اللّه قَدْرًا مَقْدُورًا ) [الأحزاب: 38] أردنا أمراً وأَراد اللّه غيره .
، حتى كثرت الرؤوس إِلى أن أتى برأس معه جماعة كثيرة وضجة وصياح فقالوا رأس إِبراهيم، فدعا عيسى بن موسى ابن أَبي الكرام الجعفري فأراه إياه فقال : ليس به (2)ومكث منذ خرج إِلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام.
وقيل : كان سبب انهزام أَصحابه أنهم لما هزموا أصحاب المنصور، وتبعوهم نادى منادي إِبراهيم أن لا تتبعوا مديراً فرجعوا .
فلما رآهم أصحاب المنصور راجعين ظنوهم منهزمين فعطفوا في آثارهم، وكانت الهزيمة .
، وجعلوا يقتلون يومهم ذلك .فذكر عبد الحميد أنه سأل أَبا صلابة : كيف قتل إِبراهيم ؟
فقال : اسمعه ممن نظر إِليه وعاينه . كان واقفاً على دابته ينظر إِلى أصحاب عيسى وقد ولوا وانهزموا بأجمعهم، ونكص عيسى دابته القهقرى وأَصحابه يقتلونهم، ولم يبق لهم بقية حتى رأيت قوماً ينصرون ويكبرون ليسوا بشيء، وكان على إِبراهيم قباء زرد، فآذاه الحر، فحَلّ إزرار قباءه وشال الزرد حتى خسر عن لبته وأتته نشابة غائرة، فأصابته في لبته فرأيته اعتنق ،فرسه وكرّ راجعاً فأطافت به الزيدية وأَصحابه يحمونه، فرأى حميد بن قحطبة اجتماعهم فأنكره وقال لأَصحابه شدوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه فشدوا عليهم وقاتلوهم أشد قتال حتى أفرجوهم عن إِبراهيم فحزوا رأسه وأتوا به إِلى عيسى فأراه ابن أَبي الكرام الجعفري، فقال : نعم هذا رأسه .
فنزل عيسى إِلى الأرض فسجد وبعث به إِلى أَبي جعفر .
وذكر أن أوائل المنهزمين من أصحاب عيسى دخلوا الكوفة، وتأخر أَبو جعفر فقال لحاجبه : لا تكشفن ذلك، وأعدد على كل باب من أَبواب المدينة إبلاً ودواب فإن
أُتينا من ناحية صرنا إِلى الناحية الأخرى فسُئل سلم بن فرقد حاجبه : إِلى أين أَراد أَبو جعفر يذهب إذ (1)دهمه أمر ؟
قال : كان عزم على إتيان الري، فبلغني أن سخت (2)المنجم دخل على أَبي جعفر فقال له : يا أَمير المؤمنين الظفر لك وستقتل إِبراهيم، فلم يقبل ذلك منه
ف.قال له : احبسني عندك، فإن لم يكن الأَمر كما قلت فاقتلني.
فبينا هو كذلك إذ جاءه الخبر بهزيمة إِبراهيم [فتمثل] (3)ببيت معمر البارقي(4):
فألقت عصاها واستقرت بها النوى *** كما قرَّ عيناً بالإياب المسافر
واقطع سخت المنجم [ألفي] (5)جريب بنهر حويزة (6)ويقال : إن أَبا جعفر لما أُتي برأس إِبراهيم بن عبد اللّه فوضع بين يديه بكي، ثم قال : أما واللّه لقد كنت كارهاً لهذا، ولكني ابتليت بك، وابتليت بي .
وحكى صالح مولى المنصور :
إن المنصور لما أُتي برأس إِبراهيم بن عبد اللّه ووضع [46/ب] بين يديه وجلس مجلساً وأذن للناس وكان الداخل يدخل فيسلم ويتناول إِبراهيم فيُسِيءُ فيه القول، ويذكر القبيح منه التماس الرضى أَبي جعفر، وأَبو جعفر ممسك متغير لونه، حتى دخل جعفر بن حنظلة البهراني(7)، فوقف، فسلم، ثم قال :
عظم اللّه أجرك يا أَمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه حقك .
فاصفر لون أَبي جعفر فأقبل عليه وقال : يا أَبا خالد هنا مرحباً وأَهلاً، فعلم الناس أن ذلك وقع منه ، فدخلوا فقالوا : مثل ذلك (8)
وقيل : لما وضع الرأس بصق في وجهه رجل من الحرس، فأمر به المنصور فضرب بالعمد، فهشمت أنفه ووجهه وضرب حتى خمد وأمر به فجروا رجله، فألقوه خارج الباب . وقيل : نظر المنصور إِلى سفيان بن معاوية بعد مدة راكباً فقال : للّه العجب، كيف يقتلني ابن الفاعلة؟
قلت: هذا ما ذكر المؤلف رحمنا اللّه وإياه في أحداث تلك السنة، وزاد ابن الأثير فيها ما وفيها خرجت الترك والخز بباب الأَبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة .
وحج بالناس هذه السنة السري بن عبد اللّه بن الحارث بن العباس، وكان على مكة.
وكان على المدينة : عبد اللّه بن الربيع .
وعلى الكوفة : عيسى بن موسى .
وعلى البصرة : سلم بن قتيبة الباهلي، وعلى قضائها : عباد بن منصور .
وعلى مصر: يزيد بن حاتم .
وفيها: عزل المنصور مالك بن الهيثم عن الموصل بابنه جعفر بن أَبي جعفر المنصور، وسير معه حرب بن عبد اللّه، وهو من أكابر ،قواده وهو صاحب الحربية ببغداد .
وبني بأسفل الموصل قصراً وسكنه، وهو يعرف إِلى اليوم أي - أيام ابن الأثير - بقصر حرب، ،وفيه، ولدت زبيدة بنت جعفر زوجة الرشيد .
وعنده يومنا هذا - أي أيام ابن الأثير - قرية كانت ملكاً لنا فبنينا فيها رباطاً للصوفية، ووقفنا القرية عليهم، وقد جمعت كثيراً من هذا الكتاب في هذه القرية في دار لنا بها وهي من أنزه المواضع ،وأحسنها وأثر القصر باق بها إِلى الآن، سبحان من لا يزول ولا تغيره الدهور.
وفيها: مات عمرو بن ميمون بن مهران والحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أَبي طالب، وكان موته في حبس المنصور لأنه أخذه من المدينة كما ذكرناه وهو عم محمد، وإِبراهيم .
وفيها: مات عبد الملك بن أَبي سليمان العرزمي.
ويحيى بن الحارث الزماري وله سبعون سنة .
وإسماعيل بن أَبي خالد البجلي .
وحبيب بن الشهيد مولى الأزد، وكنيته أَبو شهيد.
.1) في المخطوط : أو . وهو تحريف .
2) كذا في المخطوط، وفي الكامل: نويخت.
3) زيادة من الكامل، وهذا من المبالغات التي تمتلئ بها كتب التواريخ والسير ، فلا يلتفت لمثل هذا .
4) في المخطوط البارني. وهو تحريف والبيت من الأشعار التي تسري مسرى الأمثال فهو مثل شعري، ولم أضمن هذا النوع من الأمثال موسوعتي التي أعددتها للأمثال العربية والعامية والتي تحتوي على حوالي عشرين ألف مثل عربي وعامي .
5) زيادة من الكامل.
6) بعدها في الكامل : وحمل رأس إِبراهيم إِلى المنصور، فوضع بين يديه فلما رآه بكى حتى خرجت دموعه على خد إِبراهيم، ثم قال: أما واللّه .
7) كذا في المخطوط ، وفي الكامل : الدارمي
8) وقال ابن الأثير بعد هذا :
ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة
لما فرغ المنصور من أمر إِبراهيم، ومحمد عاود بناء بغداد وإتمامه، وكان خالد بن برمك خط المدينة وأَشار بها، واحتاج المنصور إِلى الآلات والإنقاض لأن ما كان جمعه قبل ذلك من ساج وغيره أحرقه مولّى له يقال له سلم، وذلك حين بلغه أن إِبراهيم هزم أَبا جعفر .
فقال أَبو جعفر الخالد ما ترى في نقض بناء كسرى بالمدائن، وحمل نقضه إِلى مدينتي هذه؟ فقال له :خالد ما أرى ذلك يا أَمير المؤمنين .
قال : ولِمَ؟
[فقال ] (1): لأنه علم من أعلام الإسلام يستدل به الناظر على أنه لم يكن إنزال مثل أَصحابه عنه بأمر دنيا إِنما هو أمر دين ومع هذا يا أَمير المؤمنين فيه مصلى علي بن أَبي طالب رضي اللّه عنه .
فقال : هيهات يا خالد، أَبيت إلا الميل إِلى أصحابك العجم.
1) ما بين المعقوفين زيادة يتطلبها السياق .
فأمر أن ينقض القصر الأَبيض.
فنقض ناحية منه، ونظر في مقدار ما يلزمهم من النفقة للنقض والحمل؟
فوجدوا ذلك أكثر من الجديد لو عمل .
فرفع ذلك إِلى المنصور، فدعا بخالد فأعلمه ذلك وقال : ما ترى؟
قال : يا أَمير المؤمنين قد كنت أرى قبل أن لا تفعل فأما (1)إذ بدأت فأرى أن تتم وتهدمه حتى تلحق بقواعده لئلا يقال : عجزت عن هدم ما بناه غيرك.
فأعرض عنه المنصور، وأمر أن لا يهدم(2)
ونقل أَبواب مدينة واسط فجعلها على بغداد، وبأَبا جاء به من الشام، وبأَبا آخر جيء به من الكوفة، كان عمله خالد بن عبد اللّه القسري وجعل المدينة مدوّرة لئلا يكون بعض الناس أقرب إِلى السلطان من بعض، وعمل لها سورين السور الداخلي أعلى من الخارجي، وبنى قصره في وسطها، والمسجد الجامع بجانب القصر .
وكان الحجاج بن أرطأة هو الذي خط المسجد وقبلته غير مستقيمة يحتاج المصلي أن ينحرف إِلى باب البصرة لأنه وضع بعض القصر، وكان القصر غير مستقيم على القبلة، وكان اللبن الذي يُبنى به ذراع في ذراع .
.وكان اللبن لبنة المنصور اللبنة منها ذراع في ذراع، وقد وزنت لبنة منها بعد ما تهدم السور، وكانت لبنة مكتوبة بمغرة وزنها مائة وسبعة عشر رطلاً، فلما وزنت وجدت كما كان مكتوباً عليها .
ولما استتم المنصور بناؤها قدم عليه بطريق من البطارقة وافداً، فأمر الربيع أن يطوف به في المدينة وما حولها ليرى العمران والبناء، فطاف به الربيع.
فلما انصرف، قال: كيف رأيت؟
وقد كان أصعد إِلى السُّور وقباب الأَبواب .
فقال : رأيت بناءاً حسناً إلا أني رأيت أعداءك معك في مدينتك . قال : فمن هم؟
قال : السوقة .
فأضب عليها أَبو جعفر، فلما انصرف البطريق أمر بإخراج السوق من المدينة .
ويقال : إن السبب في إخراج التجار من المدينة إِلى الكرخ وما قرب منها، أنه قيل لأَبي جعفر : إن الغرباء وغيرهم يبيتون فيها، ولا يؤمن أن يكون فيها جواسيس أو تفتح أَبواب المدينة ليلاً لموضع السوق.
فأمر بإخراج السوق من المدينة وجعلها للشرط والحرس .
وهيأ (1)للتجار باب الكرخ وباب الشام، وطاق الحراني، وباب الشعير، وباب المحول .
ولما طاف أَبو جعفر مدينته وأبنيتها استحسن الجميع واستلطفه (2)غير أنه استكثر النفقة، وكان مبلغ ذلك على ما وجد في خزائن المنصور ودواوينه أنه أنفق على مدينة بغداد ومسجد جامعها وقبابها وأَبوابها أَربعة آلاف درهم وثمإِنما ئة درهم وثلاثون درهماً .
ولمبلغها من الفلوس مائة ألف فلس وثلاثة وعشرون ألف فلس.
وذلك أن الأستاذ من البنائين كان الرجل منهم يعمل بقيراط فضة.
والروز جائين(3)بحبتين إِلى ثلاث حبات، وذلك لرخص الأسعار وعوز الفضة لأن المنصور جعل الأموال في خزائنه (4)
وفيها: سار العلاء بن مغيث اليحصبي من أفريقية إِلى مدينة بناحية من الأندلس ولبس السواد وقام بالدولة العباسية وخطب للمنصور واجتمع للمنصور واجتمع إِليه خلق كثير، فخرج إِليه الأَمير عبد الرحمن الأموي، فالتقيا بنواحي إشبيلية، ثم تحاربا أياماً فانهزم العلاء وأَصحابه، وقتل منهم في المعركة سبعة آلاف وقُتل العلاء .
وأمر بعض التجار بحمل رأسه ورؤوس جماعة من مشاهير أَصحابه إِلى القيروان وإلقائها بالسوق سراً ففعل ذلك .
ثم حمل منها شيء إِلى مكة فوصلت وكان بها المنصور، وكان مع الرؤوس لواء أسود وكتاب كتبه المنصور للعلاء.
في هذه السنة : عُزل سلم بن قتيبة عن البصرة وكان سبب عزله :
أن المنصور كتب إِليه يأمره بهدم دور من خرج مع إِبراهيم وبعقر نخلهم.
فكتب سلم بذلك أبدأ بالدور أم النخل ؟
فأنكر المنصور ذلك عليه وعزله واستعمل محمد بن سليمان فعاث بالبصرة وهدم دار أَبي مروان ودار عون بن مالك، ودار عبد الواحد بن زياد وغيرهم.
وغزا الصائفة هذه السنة جعفر بن حنظلة البهراني.
وفيها : عزل عن المدينة عبد اللّه بن الربيع الحارثي، وولي مكانه جعفر بن سليمان فقدمها في ربیع الأول.
وفيها : عزل عن مكة السري بن عبد اللّه ووليها عبد الصمد بن علي.
وحج بالناس هذه السنة : عبد الوهاب بن إِبراهيم الإِمام .
وفيها: مات هشام بن عروة بن الزبير ، وقيل : سنة سبع وأربعين في شعبان .
وعوف الأعرابي، وطلحة بن يحيى بن عبيد اللّه التيمي الكوفي.
وفيها : غزا مالك بن عبد اللّه الخثعمي الذي يقال له : مالك الصوائف - وهو من أَهل فلسطين - بلاد الروم فغنم غنائم كثيرة، ثم قفل فلما كان من درب الحدث على خمسة عشر ميلاً بموضع يدعى الرهوة نزل بها ثلاثاً، وباع الغنائم، وقسم سهام الغنيمة فسميت تلك الرهوة رهوة مالك .
وفيها : توفي ابن السائب الكلبي النسابة .
دخلت سنة سبع وأربعين ومائة
وفي هذه السنة : كان مهلك عبد اللّه بن علي عم أَبي جعفر .
ذكر السبب في ذلك
حج أَبو جعفر سنة سبع بعد تقدمته المهدي على ابن عيسى [46/ب] بن ،موسی وسنذكر ذلك فيما بعد.
وكان عزل عيسى بن موسى عن الكوفة (1)
كان المنصور قد أحضر عيسى بن موسى بعد أن خلع نفسه، وسلم إِليه عمه عبد اللّه بن علي وأمره بقتله وقال له : إن الخلافة صائرة إليك بعد المهدي، فاضرب عنقه وإياك أن تضعف وساق الخبر بنحو مما هنا .
وأرضها ، ووَلّى مكانه محمد بن سلیمان بن علي واستدعاه ورفع إِليه عبد اللّه بن علي سرًا في جوف الليل، ثم قال له يا عيسى إن هذا أَراد أن يزيل النعمة عني وعنك وأنت ولي عهدي بعد المهدي والخلافة صائرة إليك فخذه إليك ،واقتله وإياك أن تحول وتضعف فتنتقص عَلَى أمري الذي ،دبرت ثم مضى لوجهه من الحج .وكتب إِليه من طريقه ثلاث مرات يسأله ما فعل في الأَمر الذي أوعز إِليه؟
فكان يكتب إِليه : قد أنفذت ما أمرت به فلم يشك أَبو جعفر في أنه قتل عبد اللّه بن علي .
وكان عيسى حين دفعه ستره ودعا كاتبه يونس بن فروة وقال له : هذا الرجل دفع إليّ عمه، وأمرني فيه بكذا وكذا؟ فقال : أَراد أن يقتلك وتقتله إنه أمرك بقتله [ سراً ] (2)، ثم يدعي عليك علانية، ثم يقيدك به . قال : فما الرأي؟
قال : أن تستره في منزلك ولا يطلع عليه أحد فإن طلبه منك علانية دفعته إِليه علانية ولا تدفعه إِليه سراً أبداً .
ففعل ذلك عيسى، وقدم المنصور ودس على عمومته من يحركهم على مسألته
هبة عبد اللّه بن علي(1)وأطمعهم (2)في أنه سيفعل وجاؤوا إِليه وكلموه ودفعوه وذكروا له الرحم.
فقال : نعم، عَلَي بعيسى بن موسى.
فأتاه ، فقال عيسى : قد علمت أني قد دفعت إليك عمي وعمك عبد اللّه بن علي قبل خروجي إِلى الحج وأمرتك أن يكون في منزلك؟
قال : قد فعلت ذلك .
قال : فقد كلمني فيه عمومتك، فرأيت الصفح عنه وتخلية سبيله فأتنا به .
قال : يا أَمير المؤمنين، ألم تأمرني بقتله ؟ فقتلته قال: لا، ما أمرتك بقتله، وإِنما أمرتك بحبسه عندك . قال : قد أمرتني بقتله.
قال له المنصور : كذبت، ثم قال لعمومته : إن هذا قد أقرّ لكم بقتل أخيكم وادعى أني أمرته بذلك، وقد كذب قالوا (3): فادفعه إلينا فإنا نقيده به . قال : شأنكم به فأَخرجوه إِلى الرحبة (4)، فاجتمع الناس وشهر الأَمر.
فقام أحدهم وشهر سيفه وتقدم إِلى عيسى ليضربه .
فقال له عيسى : أفاعل أنت؟
قال : إي واللّه .
قال : فلا تعجل فإن عمي حَيٌّ، ردوني إِلى أَمير المؤمنين.
فردوه إِليه فقال : إِنما أردت أن تقتله فتقتلني (5)، هذا عمك حي سواء فإن(6)أمرتني بدفعه إليك دفعته .
قال : ائتنا به، فأتاه به فجعله في بيت وكان من أمره ما كان من سقوط البيت
1) في الكامل : من يحركهم على الشفاعة في أَخيهم عبد اللّه، ففعلوا وشفعوا فشفعهم.
2) في المخطوط، وأطعمهم . وهو تحريف .
3) في المخطوط : قال : وهو تحريف.
4) الرحبة مكان تقام فيه الحدود ويتم فيه القود والقصاص وهو عبارة عن ساحة كبيرة وعادة ما تكون في وسط المدينة أو أمام قصر الحكم أو أمام المسجد الجامع، وعادة ما يحضر حشد كبير من الناس أثناء تنفيذ الأحكام والتي يكون قد أعلن عنها سلفاً دائماً وأكثر ما يكون التنفيذ يوم الجمعة بعد الصلاة .
5) في الكامل : إِنما أردت بقتله أن تقتلني
6) فى المخطوط دفعنا . وهو تحريف.
عليه فمات وهو ابن اثنتين وخمسين سنة(1)
قال: ائتنا به فأتاه به قال يدخل حتى أرى رأيي فيه ثم انصرفوا .
ثم أمر به فجعل في بيت أساسه ملح وأجرى الماء في أساسه فسقط عليه فمات، فدفن في مقابر باب الشام، فكان أول من دفن فيها، وكان عمره اثنتين وخمسين عاماً .
.وحكي أن المنصور ركب يوماً بعد موت عبد اللّه بن علي، ومعه ابن عياش(2)المنتوف فقال له وهو يحادثه : هل تعرف ثلاثة خلفاء مبدأ أسمائهم العين؟
قال : لا أعرف إلا ما تقول العامة : إن عليا قتل عثمان وكذبوا، وعبد الملك قتل عبد اللّه بن الزبير، وعبد الرحمن بن الأشعث، وسقط البيت على عبد اللّه بن علي، فقال له المنصور : سقط البيت على عبد اللّه بن علي، فأنا ما ذنبي؟
قال : قلت لك ذنباً؟! (3)
قيل: ركب المنصور يوماً ومعه ابن عياش المنتوف فقال له المنصور: تعرف ثلاثة خلفاء أسماؤهم على العين قتلت ثلاثة خوارج تبدأ أسماؤهم على العين؟
قال : لا أعرف إلا ما يقول العامة : إن عليا قتل عثمان ،وكذا وعبد الملك قتل عبد الرحمن بن الأشعث،عبداللّه بن الزبير قتل عمرو بن سعيد، وعبد اللّه بن علي سقط عليه البيت.
قال المنصور : إذا سقط عليه فما ذنبي أنا ؟ !
قال : ما قلت إن لك ذنباً .
قوله ابن الزبير قتل عمرو بن سعيد ليس بصحيح إِنما قتله عبد الملك.
وفي هذه السنة :
خلع المنصور عيسى بن موسى، وبايع لابنه المهدي، وجعله ولي عهده بعد المهدي.
ذكر الخبر عن ذلك والحيلة فيه
كان أَبو جعفر أقر عيسى على ما كان أَبو العباس وكان له مكرماً مبجلاً إِلى أن عزم على تقديم المهدي في الخلافة عليه .
فلما عزم المنصور على ذلك كلم عيسى بن موسى(4)في تقديم المهدي عليه
1) فى الكامل بيان لكيفية سقوط البيت عليه حيث قال ابن الأثير :
2) في المخطوط عباس والتصويب من الكامل، وقال ابن الأثير في آخر الحدث : عياش بالياء المثناة من تحت والشين المعجمة .
3) أصاب هذه الفقرة سقط واضطراب وصوابها من الكامل على النحو التالي:
4) بدأ الخبر في الكامل على النحو التالي : وفيها خلع عيسى بن موسى بن محمد بن علي من ولاية العهد وبويع للمهدي محمد بن المنصور، وقد اختلف في السبب الذي خلع لأجله نفسه، فقيل : إن عيسى لم يزل على ولاية العهد، وإمارة الكوفة من أيام السفاح إِلى الآن، فلما كبر المهدي وعزم المنصور على البيعة له، كلم عيسى بن موسى في ذلك .
برقيق الكلام ولطيفه . فقال عيسى يا أَمير المؤمنين فكيف بالإمارة والمواثيق عَلَيَّ وعَلَى المسلمين لي من الطلاق والعتاق وغير ذلك من مؤكد الأيمان، ليس إِلى ذلك سبيل يا أَمير المؤمنين .
فلما رأى أَبو جعفر ذلك باعده كل المباعدة وقصر به في منزلته وكان يؤذن لعيسى بعد جماعة ويجلس دون منزلته وكانت مرتبته عن يمين أَبي جعفر، ثم يخلط عليه في أمثال هؤلاء الأشياء، وعيسى صامت لا يشتكي ولا يستغيث ثم صار إِلى أغلظ من ذلك، وكان يكون في المجلس ومعه ولده فيسمع الحفر في أصل الحائط ويخاف أن يخر عليه وينثر التراب عليه وربما نظر [47/ب] إِلى الخشب من سقف المجلس الذي يجلس فيه قد حفر عن أحد طرفيه فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه فيأمر من معه من ولده بالتحول ويقوم هو إِلى الصلاة ثم يأتيه الإذن فيقوم بهيئته والتراب عليه لا ينقضه.
فإذا رآه المنصور قال له يا عيسى ما يدخل على أحد بمثل هيئتك من كثرة الغبار والتراب عليك أفكل هذا من الشارع؟!
فيقول : أحسب ذلك يا أَمير المؤمنين وإِنما يكلمه بذلك ليستعظمه أن يشكو إِليه شيئاً فلا يشكو . وكان المنصور قد أَرسل إِليه في بعض أحواله من يقتله من السموم أو دَسَّهُ إِليه بحضرته فنهض من المجلس
فقال له المنصور: إِلى أين (1)؟
قال : أجد غمز (2).
قال: الذي أجد أشد من أن أقيم معه في الدار(5).
ونهض فصار إِلى حرافته، ونهض المنصور في أثره متفزعاً إِلى الحرافة، فاستأذنه عيسى في المسير(6)إِلى الكوفة .
فقال بل تقيم فتعالج ،هاهنا، فأبى وألح، فأذن له.
وكان الذي حداه إِلى ذلك طبيبه بختيشوع(1)
توفي سنة (156) ، وكان طبيب جماعة من الخلفاء العباسيين، وصنف كتاب التذكرة في الطب، وانظر ترجمته في :
ديوان الإسلام بتحقيقي (314) ، هدية العارفين (1/231) .
، فإنه قال له : أنت مسموم . واللّه ما اجترئ على معالجتك بالحضرة، فاستأذنه، فأذن له. وبلغت العلة بعيسى كل مبلغ حتى تمغط شعره، ثم أفاق .ويقال : إن عيسى إِنما كان يمتنع على أَبي جعفر لأنه كان يُربض (2)الأَمر لابنه موسى، فبعث أَبو جعفر إِلى موسى من يخوّفه على نفسه وعلى ابنه.
فقال موسى : إني قد أرى ما يُسام (3)
وفي الكامل : ما يُسْئِمُ والمعنى في كليهما واحد.
أَبي من إخراج هذا الأَمر من عنقه وتصييره للمهديوقد نصبت عليه وجوه الحتوف من السم مرة، وهدم الحيطان مرة وبضروب الإهانات وليس (4)يعطى على هذا شيئاً ولكن هاهنا وجه ولعله يعطى عليه إن أعطى وإلا فلا.
قال له : الواسطة بينه وبين أَبي جعفر وما هو ؟ قال : إِنما قوله : إذا أمنت على نفسي، وإِنما هو روحي أجله في يده ولا بد لي أن أثق به وأطمئن إِليه . فأعطاه كل ما أحب من ذلك .
فقال : يقبل عليه أَمير المؤمنين وأنا شاهده فيقول :له يا عيسى، إني قد علمت أنك لست تضن بهذا الأَمر على المهدي بنفسك لتعالي سِنَّك وإِنما تضن به لمكان ابنك أتراني أدع ابنك يبقى بعدك، كلا واللّه لآتين عليه وأنت تنظر إِليه حتى تيأس منه ثم تأمرني، فإما خنقت وإما شهر سيف فإن أجاب إِلى شيء فعسى أن يفعل في ذلك الوقت وإلا فلا.
فقال له: جزاك اللّه خيراً فديت أَبا ك بنفسك نِعْمَ الرأي رأيت، ونعم المسلك سلكت ثم أتى أَبا جعفر فأَخبره فجزى موسى خيراً وقال : قد واللّه أحسن وأجمل، وسأفعل ما أَشار به ويسره اللّه بعافية ذلك إن شاء اللّه تعالى .
فلما اجتمعوا(5)
فلما اجتمعوا عنده كان عيسى بن علي حاضراً فقام ليبول، فأمر عيسى بن موسی ابنه موسی
ليقوم معه يجمع عليه ثيابه فقام معه فقال له عيسى بن علي بأَبي أنت وأَبي أب ولدك واللّه إني لأعلم أنه لا خير في هذا الأَمر بعدكما وإنكما لأحق به، ولك المرء مغرى بما تعجل.
فقال موسی في نفسه: أمكنني هذا واللّه من مقاتله، وهو الذي يغري بأَبي، واللّه لأقتلنه، فلما رجع قال موسى لأَبيه ذلك سِرّاً، فاستأذنه في أن يقول للمنصور ما سمع منه، فقال له أَبوه : إن لهذا رأياً ومذهباً أيأتمنك عمك على مقالة أَراد أن يسرك بها فجعلتها سبباً لمكروهه، لا يسمعن هذا أحد ارجع إِلى مكانك فلما رجع إِلى مكانه أمر المنصور الربيع فقام إِلى موسى فخنقه .
أقبل المنصور إِلى عيسى بن موسى وقال : يا عيسى إني لا أجملمذهبك الذي فيه الذي تضمره ولأمدك الذي تجري إِليه فإن الأَمر الذي سألتك إِنما تريد هذا الأَمر لابنك هذا المشؤوم عليك وعلى نفسه أما واللّه لأعجلن لك فيما يسوءك يا ربيع اخنق موسى بحمائله حتى تأتي على نفسه، وقد كان واطأ الربي- على الرفق به فضم الربيع حمائله على عنقه فجعل يخنقه خنقاً رويداً وموسى يصيح: اللّه اللّه في يا أَمير المؤمنين وفي دمي، فواللّه إني لبعيد مما تظن، وما يبالي عيسى أن تقتلني، وله بضعة عشر ذكر كلهم مثلي أو يتقدمني وهو يقول : اشدد يا ربيع انت على نفسه.
والربيع يريهم أنه تلفه يريد وهو يراخي خناقه وموسى يصيح صياح من بلغت نفسه التراقي. فلما رأى ذلك عيسى قال : يا أَمير المؤمنين واللّه ما ظننت أن الأَمر يبلغ منك هذا كله فمر بالكفّ عنه، فإني لم أكن لأرجع إِلى أَهلي وقد قتل بهذا الأَمر عبد من عبيدي، فكيف بولدي؟!
فها أنا ذا أشهدك أن نسائي طوالق ومماليكي أحرار، وما أملك في سبيل اللّه تصرف ذلك فيمن رأيت يا أَمير المؤمنين قد قضيت حاجتي هذه كارهاً ولي حاجة ، أحب أن تقضيها، فتغسل بها ما في نفسي من الحاجة الأولى.
قال : وما هي يا أَمير المؤمنين؟
[ 48 / أ] قال : تجعل الأَمر من بعد المهدي لنفسك .
قال : ما كنت لأدخل فيها بعد إذ خرجت عنها فلم يدعه هو ومن حضر من أَهل بيته حتى قال : وأَمير المؤمنين أعلم .
وقال بعض أَهل الكوفة وقد مَرَّ به عيسى في مواكبه : هذا الرجل الذي كان غداً، فصار بعد غدٍ(1)
هذه يدي بالبيعة للمهدي، فبايعه للمهدي، ثم جعل عيسى بن موسى بعد المهدي، فقال بعض أَهل الكوفة : هذا الرجل .
وقد قيل : إن المنصور وضع الجند وكانوا يسمعون عيسى بن موسى فشكا ذلك من فعلهم ، فنهاهم المنصور عنه ، وكانوا يكفون، ثم يعودون ، ثم إنهما تكاتبا مكاتبات أغضبت المنصور. وعاد الجند معه لأشد ما كانوا منهم أسد بن المرزبان وعقبة بن مسلم، ونصر بن حرب بن عبداللّه وغير فكانوا يمنعونه من الدخول عليه ويسمعونه فشكاهم إِلى المنصور، فقال له : يا ابن أخي أنا واللّه أخافهم عليك وعلى نفسي، فإنهم يحيون هذا الفتى، فلو قدمته بين يديك لكفوا، فأجاب عيسى إِلى ذلك.
.1) وفي الكامل بعد قوله : تصرف ذلك فيمن رأيت يا أَمير المؤمنين :
وقد قيل في وجه خلع المنصور عيسى قول آخر وذلك أنهم ذكروا :
أن عيسى لما امتنع أن يجيب المنصور إِلى ما أَراد وأعياه الأَمر بعث إِلى خالد بن برمك فقال له : كَلَّمْهُ يا خالد فقد اشتد امتناعه وإن كانت عندك حيلة فيه فذكرها فقد جفل عنا وجه الرأي فيه.
قال : نعم، يا أَمير المؤمنين تضم إِلى ثلاثين رجلاً من كبار الشيعة ممن تختاره فركب خالد وركبوا معه فساروا إِلى عيسى، فأبلغوه رسالة أَبي جعفر .
فقال : ما كنت لأخلع نفسي، وقد جعل اللّه لي الأَمر.
فأداره خالد في كل وجه من وجوه الطمع والحذر، فأبى عليه .
فخرج خالد عنه وخرج الشيعة ،بعده فقال خالد ما عندكم في أمره؟
قالوا : تبلغ أَمير المؤمنين أَنه أَجاب وأَشهد عليه إِن أَنكره.
[فقال : تفعلوا؟](1).
فقالوا: نفعل .
فقال لهم : ذا هو الصواب، وأَبلغ أَمير المؤمنين فيما حاول وأَراد.
قال : فصاروا إِلى أَبي جعفر وخالد معهم، فأعلموه أنه قد أجاب .
فخرج التوقيع بالبيعة للمهدي وكتب بذلك إِلى الآفاق.
قال : وأتى عيسى بن موسى لما بلغه الخبر أَبا جعفر منكراً لما ادعى عليه من الإجابة إِلى تقديم المهدي على نفسه، وذكرهم اللّه فيما هَمَّ به .
فدعاهم (2)أَبو جعفر فسألهم، فقالوا نشهد عليه أنه قد أجاب، وليس له أن يراجع .
فأمضى أَبو جعفر الأَمر، وشكر لخالد ما كان منه .
وكان المهدي يعرف ذلك ويصف جزالة الرأي منه فيه .
ولما رأى عيسى الأَمر ، ثم راسل المنصور فقال : يا أَمير المؤمنين، أما وقد أَبيت، فاجعل لرضائي فيه نصيباً. فوجّه إليك خالد بن برمك، فقرر أمره على عشر آلاف ألف درهم ،له وثلاثمائة ألف درهم بين أولاده وسبعمائة ألف لنسائه. وحضر عيسى مجلس المنصور وحضر معه جماعة الوجوه والأشراف والجند.
فتكلم عيسى وقال : اشهدوا أني خلعت نفسي مما كان إلي من ولاية العهد
وسلمته للمهدي محمد ابن أَمير المؤمنين، وقدمته على نفسي . فقال له أَبو عبد اللّه كاتب المهدي، ليس هكذا أعز اللّه الأَمير، ولكن قبل ذلك بحقه وصدقه، وأخبر بما رغبت فيه وأعطيته .
قال: نعم، بعث نفسي من ولاية العهد من عبد اللّه أَمير المؤمنين لابنه محمد المهدي ابن أَمير المؤمنين بعشرة آلاف ألف وثلاثمائة ألف لولدي وسبعمائة ألف لنسائي، وسماهم واحداً واحداً بطيب من نفسي، وحب لتصيرها إِليه لأنه أولى بها وليس لي بحق التقدمة قليل ولا كثير، فما ادعيته بعد يومي هذا منها فإني مبطل لا حق لي فيه ولا دعوى ولا طلب .
وكان ربما ترك الشيء ء بعد الشيء فيوقفه عليه أَبو عبد اللّه حتى كتب الكتاب، وختم وشهد عليه الشهود(1)
وكانت مدة ولاية عيسى بن موسى الكوفة ثلاث عشرة سنة، وعزله المنصور واستعمل محمد بن سليمان بن علي عليها ليؤذي عيسى ويستخف به فلم يفعل ولم يزل معظماً له مبجلاً .
وزاد ابن الأثير في أحداث تلك السنة :
وفيها : أغار استرخان الخوازمي في جمع من الترك على المسلمين بناحية أرمينية وسبى من المسلمين، وأَهل الذمة خلقاً، ودخلوا تفيس، وكان حرب مقيماً بالموصل في ألفين من الجند لمكان الخوارج الذين بالجزيرة، وسير المنصور إِلى محاربة الترك جبرائيل بن يحيى، وحرب بن عبداللّه ، فقاتلوهم فهُزِمَ ،جبرائيل، وقتل حرب، وقُتِل من أصحاب جبرائيل خلق كثير .
وفي هذه السنة : ولى المنصور محمداً ابن أَخيه أَبي العباس السفاح البصرة فاستعفى منها، فعافاه،
فانصرف إِلى بغداد واستخلف بها نخبة بن سالم، فأقره عليها، فلما رجع إِلى بغداد مات بها.
وحج بالناس هذه السنة : المنصور، وكان عامله على مكة والطائف عمه عبد الصمد بن علي.
وعلى المدينة : جعفر بن سليمان.
وعلى مصر :يزيد بن حاتم المهلبي .
وفيها : أغزى عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس مولاه بدراً، وتمام بن علقمة طليطلة وبها هاشم بن عذرة وضيَّقا عليه، ثم أسراه هو وحياة بن الوليد اليحصبي، وعثمان بن حمزة بن عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب وأتيا بهم إِلى عبد الرحمن في جباب صوف وقد خلقت رؤوسهم ولحاهم، وقد أركبوا الحمير وهم في السلاسل، ثم صلبوا بقرطبة.
وفيها : قدم رسول عبد الرحمن الذي أَرسله إِلى الشام في إحضار ولده الأكبر سليمان فحضر سليمان ،معه وكان قد وُلِدَ لعبد الرحمن بالأندلس وَلَده هشام فقدمه الأَمير عبد الرحمن على سليمان، فحصل بينهما حقدٌ وغِلٌ أوجبا ما نذكره فيما بعد.
وفيها: تناثرت النجوم.
وفيها : مات أشعث بن عبد الملك الحمراني البصري .
وهشام بن حسان مولى لِعَتِيك .
وقيل : مات سنة ثمان وأربعين.
وعبد الرحمن بن زبيد بن الحارث اليامي أَبو الأشعث الكوفي.
1) في الكامل :
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة
ولم يجر فيها شيء مما بلغنا يستفاد منه تجربة (1)
وفيها: خرج حسان بن مجالد بن يحيى بن مالك بن الأجدع الهمداني، ومالك هذا هو أخو مسروق بن الأجدع .
وكان خروجه بنواحي الموصل بقرية تسمى بافخارى قريب من الموصل على دجلة فخرج إِليه عسكر الموصل وعليها الصقر بن نجدة - وكان قد وليها بعد حرب بن عبد اللّه - فالتقوا، واقتتلوا، وانهزم عسكر الموصل إِلى الجسر ، وأحرق الخوارج أصحاب حسان السوق هناك ، ونهبوه، ثم إن حسان سار إِلى الرقة ومنها إِلى البحر ودخل إِلى بلد السند وكانت الخوارج من أَهل عمان يدخلونهم ويدعونهم، فاستأذنهم في المسير إِليهم فلم يجيبوه، فعاد إِلى الموصل فخرج إِليه الصقر أيضاً والحسن بن صالح بن حسان الهمداني، وبلال القيسي فالتقوا فانهزم الصقر وأسِرَ الحسن صالح ،وبلال فقتل حسان بلالاً واستبقى الحسن لأنه من همدان ففارقه بعض أَصحابه لهذا .
وكان حسان قد أخذ رأي الخوارج عن خاله حفص بن أشيم وكان من علماء الخوارج وفقهائهم، ولما بلغ المنصور خروج حسان قال خارجي من همدان قالوا إنه ابن أخت حفص بن أشيم فقال : فمن هناك، وإِنما أنكر المنصور ذلك لأن عامة همدان شيعة لعلي وعزم المنصور على إنفاذ الجيوش إِلى الموصل والفتك بأَهلها فأحضر أَبا حنيفة، وعزم المنصور على إنفاذ الجيوش إِلى الموصل شرطوا إِلى أنهم يخرجون عليّ، فإن فعلوا حلت دماؤهم وأموالهم، وقد خرجوا فسكت أَبو حنيفة وتكلم الرجلان وقالا : رعيتك فإن عفوت فأَهل ذلك أنت وإن عاقبت فيما يستحقون، فقال لأَبي حنيفة: أراك سكت يا شيخ فقال يا أَمير المؤمنين أَبا حوك ما لا يملكون أرأيت لو أن امرأة أَبا حت فرجها بغير عقد نكاح وملك يمين أكان يجوز أن توطأ؟
قال : لا ؟ وكفّ عن أَهل الموصل، وأمر أَبا حنيفة وصاحبه بالعود إِلى الكوفة .
وفيها: استعمل المنصور على الموصل خالد بن برمك، وسبب ذلك أنه بَلَغَهُ انتشار الأكراد بولايتها وإفسادهم.
فقال : من لها؟
فقالوا المسيب بن زهير، فأَشار عمارة بن غمرة بخالد بن ،برمك فولاه وسيره إِليها وأحسن إِلى الناس، وقهر المفسدين وكفّهم، وهابه أَهل البلد هيبة شديدة مع إحسانه إِليهم.
وفيها : ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك لسبع بقين من ذي الحجة قبل أن يولد الرشيد بن المهدي بسبعة أيام فأرضعته الخيزران أم الرشيد بلين ابنها، فكان الفضل بن يحيى أخا الرشيد من الرضاعة ولذلك يقول سلم الخاسر :
أصبح الفضل والخليفة هارو*** ن رضيعي لبان خير النساء
وقال أَبو الجنوب :
كفى لك فضلاً أن أفضل حرة *** غذتك بثدي والخليفة واحد
ولما بلغ المنصور خروج محمد بن الأشعث من إفريقية بعث إِلى الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمي عهداً بولاية إفريقية وكان هذا الأغلب ممن قام مع أَبي مسلم الخراساني، وقدم إفريقية مع محمد بن الأشعث، فلما أتاه العهد قدم القيروان في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائة، وأَخرج جماعة من قواد المضرية وسكن الناس.
وخرج عليه أَبو قرة في جمع كثير من البربر فسار إِليه الأغلب فهرب أَبو قرة من غير قتال، وسار الأغلب يريد ،طنجة، فاشتد ذلك على الجند وكرهوا المسير وتسللوا عنه إِلى القيروان فلم يبق معه إلا نفر يسير .
وكان الحسن بن حرب الكندي بمدينة تونس وكاتب الجند، ودعاهم إِلى نفسه فأجأَبوه فسار حتى نزل القيروان من غير مانع وبلغ الأغلب الخبر فعاد مجداً، فقال له بعض أَصحابه : ليس من الرأي أن تعدل إِلى لقاء العدو في هذه العدة القليلة ولكن الرأي أن تعدل إِلى قابس فإن أكثر من معه يجيء إليك لأنهم إِنما كرهوا المسير إِلى طنجة لا غير، وتقوى بهم وقاتل عدوك .
ففعل ذلك وكثر جمعه وسار إِلى الحسن بن حرب فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم الحسن وقتل من أَصحابه جمع كثير، ومضى الحسن إِلى تونس في جمادى الآخرة سنة خمسين ومائة، وولي المخارق إفريقية في رمضان ووجه الخيل في طلب الحسن فهرب الحسن من تونس إِلى كتامة فأَقام شهرين، ثم رجع إِلى تونس فخرج إِليه من بها من الجند فقتلوه . وقد قيل : إن الحسن قتل بعد قتل الأغلب لأن أصحاب الأغلب ثبتوا بعد قتله في المعركة، فقتل الحسن بن حرب أيضاً وولى أَصحابه منهزمين وصلب الحسن ودفن الأغلب وسُمِّيَ الشهيد، وكانت هذه الوقعة في شعبان سنة خمسين ومائة .
وفي هذه السنة : خرج سعيد اليحصبي المعروف بالمطري بالأندلس بمدينة لبلة، وسبب ذلك : أنه سكر يوماً فتذكر من قتل من أَصحابه اليمانية مع العلاء - وقد ذكرناه - فعقد لواء .
فلما صحا رآه معقوداً فسأل عنه فأَخبر به فأَراد ،حله ثم قال : ما كنت أعقد لواء ثم أحله بغير شيء، وشرع في الخلاف فاجتمعت اليمانية إِليه وقصد إشبيلية وتغلب عليها، وكثر جمعه فبادره عبد الرحمن صاحب الأندلس في جموعه فامتنع المطري في قلعة زعواق لإحدى عشرة الأول فحصر عبد الرحمن فيها وضيق عليه ومنع أَهل الخلاف من الوصول ليلة خلت من ربيع إِليه، وكان قد وافقه على الخلاف غياث بن علقمة اللخمي، وكان بمدينة شدونة وقد انضاف إِليه جماعة من رؤساء القبائل يريدون إمداد المطري وهم في جمع كثير ، فلما سمع عبد الرحمن ذلك سَيَّرٍ إِليهم بداراً مولاه في جيش، فحال بينهم وبين الوصول إِلى المطري فطال الحصار عليه، وقلت رجاله بالقتل ففارقه ببعضهم، فخرج يوماً من القلعة وقاتل فقتل وحمل رأسه إِلى عبد الرحمن .
فقدم أَهل القلعة عليهم خليفة ابن مروان فدام الحصار عليهم فأَرسل أَهلها يطلبون الأمان من عبد الرحمن ليسلموا إِليه خليفة، فأجابهم إِلى ذلك وأمنهم فسلموا إِليه الحصن وخليفة، فخرب الحصن، وقتل خليفة ومن معه ثم انتقل إِلى غياث وكان موافقاً للمطري على الخلاف فحصرهم وضيق عليهم وعاد إِلى قرطبة فلما عاد إِليها خرج عليه عبد اللّه بن خراشة الأسدي. بكورة جيان فاجتمعت إِليه جموع فأغار على قرطبة فسير إِليه عبد الرحمن جيشاً فتفرق جمعه فطلب الأمان فبذله له عبد الرحمن ووفى له.
وفيها: عسكر صالح بن علي بدابق ولم يغز، وحج بالناس أَبو جعفر المنصور وكان ولاه الأمصار من تقدم ذكرهم .
وفيها: مات جعفر بن محمد الصادق وقبره بالمدينة يزار هو وأَبوه وجده في قبر واحد مع الحسن بن علي بن أَبي طالب.
وفيها: مات زكريا بن أَبي زائدة وأَبو أمية عمرو بن الحارث بن يعقوب مولى قيس بن سعد بن عبادة ، وقيل غير ذلك . وكان مولده سنة تسعين .
وعبد اللّه بن يزيد مولى الأسود بن سفيان ويقال : مولى تميم وهو ثقة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أَبي ليلى القاضي ومحمد بن الوليد الزبيدي .
ومحمد بن عجلان المدني .
وعوام بن حوشب بن يزيد بن رويم الشيباني الواسطي
ويحيى بن أَبي عمرو الشيباني من أَهل الرملة .
.1) هذا ما ذكره المؤلف في تلك السنة وقال ابن الأثير فيها في الكامل:
ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة
ولم يجر فيها شيء يستفاد منه تجربة ولا يكتب(1)
فيها : غزا العباس بن محمد الصائفة أرض الروم، ومعه الحسن بن قحطبة، ومحمد بن الأشعث، فمات محمد في الطريق .
وفيها استتم المنصور بناء سور مدينة بغداد وخندقها وفرَّغ جميع أمورها وسار إِلى حديثة الموصل ثم عاد .
حج بالناس: محمد بن إِبراهيم بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس.
وفيها : عُزل عبد الصمد بن علي عن مكة في قول بعضهم واستعمل محمد بن إِبراهيم.
وكان عمال الأمصار من تقدم ذكرهم سوى مكة والطائف .
وفيها : أغزى عبد الرحمن صاحب الأندلس بدراً مولاه إِلى بلاد العدو، فجاوز إِليه وأخذ جزيتها .
وكان أَبو الصباح حيي بن يحيى على إشبيلية فعزله، فعاد إِلى الخلاف .
فأنفذ إِليه عبد الرحمن وخدعه حتى حضر عنده، فقتله .
وفيها: سلم بن قتيبة الباهلي بالري، وكان مشهوراً عظيم القدر. و کهمس بن الحسن أَبو الحسن التميمي البصري.
وفيها: توفي عيسى بن عمر الثقفي النحوي المشهور، وعنه أخذ الخليل النحو، وله فيه تصنيف .
ودخلت سنة خمسين ومائة فيما جرى فيها:
خروج استاذسيس في أَهل هراة وباذغيس وسجستان وغيرها من الكور بخراسان .
فكان فيما ذكر في زهاء ثلاثمائة ألف مقاتل فغلبوا على عامة خراسان.
وخرج إِليهم جماعة أَهل بلدان وأمراء فهزموهم ، وقتلهم(2)
وسار حتى التقوا هم وأَهل مروالروذ، فخرج إِليهم الأجشم المروروذي في أَهل مرو الروذ، فقاتلوه قتالاً شديداً فقتل الأجشم وكثر القتل في أَصحابه وهُزِمَ عدة من القواد منهم معاذ بن مسلم، وجبرائيل بن يحيى وحماد بن عمرو، وأَبو النجم السجستاني، وداود بن كرار .
.فوجه المنصور خازم بن خزيمة إِلى المهدي فولاه المهدي محاربة استاذسيس وضم إِليه القواد وكان المهدي يومئذ بنيسأَبور وكان كاتب المهدي أَبو عبيد اللّه وزیره وهز ابن خازم يخرج الكتب إِلى خازم وغيره من القواد بالأَمر والنهي حيلة [48/ب] حازم في ذلك .
فاعتل خازم في عسكره بشرب الدواء. ثم ركب البريد حتى قدم على المهدي،
وأَبو عبيد اللّه يظنه في العسكر ولا يعرف خبره .
فلما قدم خازم نيسابور ودخل على المهدي استخلاه ، فدخل أَبو عبيد اللّه فأمسك خازم .
فقال المهدي : لا عين عليك من معاوية، فقل ما بدا لك.
وأَبي خازم أن يخبره أو يكلمه حتى قام أَبو عبيد اللّه فلما خلا به شكا إِليه أَبا عبيد اللّه معاوية، وأخبره بعصبيته وتحامله وما كانت ترد من كتبه عليه وعلى من قبله من ،القواد وما صاروا إِليه بذلك من الفساد .....(1)والناس بأنفسهم والاستبداد بآرائهم وقلة السمع والطاعة وأن أمر الحرب لا يستقيم إلا برأس، ولا يكون في عسكره لواء يخفق على رأس أحدٍ إلا لواءه، أو لواء هو عقده.
وأخبره أنه غير راجع إِلى قتال استاذسيس إلا بتفويض الأَمر إِليه وإعفائه من معاوية أَبي عبيد اللّه، وأن يسمع منه أو يداخله فيما يدبره وأن يكتب إِليهم بالسمع والطاعة له فأجابه المهدي إِلى كل ما سأل .
فانصرف خازم إِلى عسكره فعمل برأيه وحلّ لواء من رأى حل لوائه من
القواد وعقد لمن أَراد وضم إِليه من كان انهزم من الجند وجعلهم حشواً يكثر به من معه في أخريات الناس ولم يتقدمهم لما في قلوبهم من روعة الهزيمة [وكان معه](2)من هذه الطبقة اثنتين وعشرين ألفاً، ثم انتخب ستة آلاف من الجند فضمهم إِلى اثني عشر ألفاً كانوا معه منحازين منحازين (3)وكان بكار بن مسلم(4)العقيلي فيمن انتخب. ثم تعبى للقتال ،وخندق وكان بكار على مقدمته وسمى لميمنته وميسرته من ارتضاهم(5)
فتعبى للقتال فجعل الهيثم بن شعبة بن ظهر على ميمنته ونهار بن حصين السعدي على ميسرته، وبكار بن سلم العقيلي في مقدمته، وكان لؤلؤة مع الزبرقان فمكر بهم وراوغهم في أن ينقلهم من موضع إِلى موضع وخندق إِلى خندق حتى قطعهم، وكان أكثرهم رجاله ثم سار خازم إِلى موضع فنزله ...
. ثم سار إِلى موضع اختاره ،فنزله وخندق عليه، وأدخل خندقه ما أَراد، وأدخل إِليه جميع أَصحابه، وجعل له أَربعة أَبواب وعلى كل باب منها [ألفاً](6)من أَصحابه الذين انتخبهم وهم أَربعة آلاف رجل مع صاحب مقدمته وهو بكار ألفين تكملة لثمانية عشرألفاً فأقبل الأعداء معهم المرور والزبل والفؤوس (1)يريدون دفن الخندق، ثم الهجوم عليه فأتوا الخندق من قبل بكار بن مسلم فشدوا عليهم شدة لم تكن لأصحاب بكار نهاية دون أن انهزموا حتى دخلوا عليهم الخندق .
فلما رأى ذلك بكار رمى بنفسه فترجل على باب الخندق، ثم نادى أَصحابه: يا بني الفواجر من قبلي يؤتى المسلمون !!
فترجل معه من عشيرته وأَهله نحو من خمسين رجلاً، فمنعوا بابهم حتى أجلوا الناس عنه، وأقبل إِلى الباب الذي كان عليه خازم رجلٌ كان مع استاذسيس من أَهل سجستان يقال له : الحريش وهو الذي كان يدبر أَمرهم حيلة لخازم حتى هزم عدوه .
فلما رآه خازم مقبلاً بعث إِلى الهيثم بن شعبة وهو في الميمنة : أن أَخرج من بابك الذي أنت عليه فخذ غير الطريق الذي يوصلك إِلى الباب الذي عليه بكار ، فإن القوم قد شغلوا بالقتال وبالإقبال علينا، فإذا علوت فجزت مبلغ أبصارهم فأتهم من خلفهم .
وقد كانوا في تلك الأيام يتوقعون قدوم أَبي عون وعمر بن مسلم بن قتيبة(2)من طخارستان.
وبعث خازم إِلى بكار بن مسلم، إذا رأيت رايات الهيثم بن شعبة قد جاءتك من خلف فكبّروا، وقولوا قد جاء أَهل طخارستان، ففعل ذلك الهيثم وخرج خازم في القلب على الحريش السجستاني فاجتلدوا بالسيوف جلاداً شديداً وصبر بعضهم لبعض فبيناهم على تلك الحال إذ نظروا إِلى الأعلام(3)
فتنادوا بينهم جاء أَهل طخرستان.
، ونظر من كان بإزاء بكار بن مسلم فشد عليهم أصحاب خازم فكشفوهم ولقيهم أصحاب الهيثم وطعنوهم بالرماح ورموهم بالنشاب وخرج عليهم أصحاب الميسرة (4)، وبكار بن مسلم وأَصحابه من ناحيتهم فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف فقتلهم المسلمون وأكثروا، وكان [عدد](5)من قتل منهم في تلك المعركة نحو [49/أ] سبعين ألفاً، وأسروا أَربعة عشر ألفاً .والتجأ (6)استاذسيس إِلى جبل في عدة من أَصحابه يسيرة .
فقدم خازم الأَربعة عشر ألفاً فضرب أعناقهم، وسار إِلى المكان الذي لجأ إِليه
1) المرور والزبل والفؤوس هي أدوات الحفر والطم أو الردم لمن أَراد أن يشق أو يحفر شيئاً من الأرض أو يردمه والمرو جمع مروة، وهي أداة أصغر من الفأس وهو تشبهه .
2) في الكامل : عمرو بن سلم بن قتيبة .
3) بعدها في الكامل :
4) في الكامل : وخرج عليهم نهار بن حصين من ناحية الميسرة .
5) زيادة من الكامل.
6) في الكامل، ونجا.
استاذسيس من الجبل فحصره حتى نزلوا على حكم أَبي عون. وكان أَبو عون قدم بعد الوقعة وقالوا : لا نرضى إلا بأَبي عون فرضي خازم وأعطاهم النزول على حكم أَبي عون . فلما نزلوا أمر أَبو استاذ سيس وبنوه وأَهل بيته بالحديد، وأن يعتق الباقون وهم ثلاثون ألفاً.
فأنفذ ذلك خازم من حكم أَبي عون [ وكسا كل رجل ثوبين](1)وكتب خازم بالفتح إِلى المهدي وكتب به المهدي إِلى المنصور.(2)
وقيل : إن خروج أستاذسيس ادعى النبوة وأظهر أَصحابه الفسق، وقطع السبيل .
وقيل : إنه جدّ المأمون أَبو أمه مراجل وابنه غالب خال المأمون، وهو الذي قَتَلَ ذا الرياستين الفضل بن سهل لمواطأة من المأمون، وسيرد ذكره إن شاء اللّه تعالى .
وفي هذه السنة: عزل المنصور جعفر بن سليمان عن المدينة وولاها الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي.
وفيها :خرج بالأندلس غياث بن المسير الأسدي بنائحة، فجمع العمال لعبد الرحمن جمعاً كثيراً، وسار إِلى غياث ،فواقعه فانهزم غياث ومن معه . وقتل غياث وبُعث برأسه إِلى عبد الرحمن بقرطبة.
وفيها: مات جعفر بن أَبي جعفر المنصور، وصلى عليه أَبوه ودفنوه ليلاً في مقابر قريش، ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة .
وحج بالناس : عبد الصمد بن علي، وكان هو العامل على مكة في قول بعضهم .
وقال بعضهم: بل كان العامل: محمد بن إِبراهيم وكان على الكوفة : محمد بن سليمان بن علي وعلى البصرة : عُقبة بن سلم وعلى قضائها سوار .
وعلى مصر: يزيد بن حاتم .
وفي هذه السنة : مات الإِمام الأعظم أَبو حنيفة النعمان بن ثابت .
ومعمر بن راشد، وعمر بن ذر.
وقيل : مات عمر سنة خمس وخمسين ومائة ، وكان من الصالحين، يقول بالإرجاء.
وفي سنة خمسين: مات عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.
ومحمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي.
وقيل : مات سنة إحدى وخمسين .
وفيها: مات مقاتل بن سليمان البلخي المفسر، وكان ضعيفاً في الحديث.
وأَبو جناب الكلبي .
وعثمان بن الأسود.
وسعيد بن أَبي عروبة، واسم أَبي عروبة مهران مولى بني يشكر وكنيته أَبو النضر .
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة
وفيها : بنى المنصور الرصافة في الجانب الشرقي من بغداد لابنه المهدي.
ذكر السبب في ذلك
انصرف المهدي من خراسان إِلى بغداد وشغب الراوندية، وحاربوه على باب
الذهب (1)، فدخل قثم بن العباس بن عبد اللّه بن العباس، على المنصور وهو يومئذ شيخ كبير مقدم عند القوم.
فقال له أَبو جعفر أما ترى ما نحن فيه من التياث الجند علينا؟! قد خفت أن تجمع كلمتهم فيخرج هذا الأَمر عنا فما ترى؟
قال : يا أَمير المؤمنين، عندي في هذا رأي إن أنا أظهرته (2)لك فسد وإن (3)تركتني أمضيه صلحت لك خلافتك، وهابك جندك . قال : أَفَتُمْضِي في خلافتي أمراً لا تعلمني ما هو ؟
فقال : إن كنت (4)عندك متهماً على دولتك فلا تشاورني، وإن كنت مأموناً عليها فدعني أمضي رأيي.
قال له: فأمضه .
قال : فانصرف قثم إِلى منزله، فدعا غلاماً له، فقال : إذا كان غداً فتقدمني واجلس في دار أَمير المؤمنين فإذا رأيتني قد دخلت وتوسطت أصحاب (5)المراتب، فخذ بعنان بغلتي (6)واستوقفني، واستحلفني بحق رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم ، وحق العباس، وحق أَمير المؤمنين إلا ما وقفت (7)لك وسمعت مسألتك، وأجبت عنها (8).
فإني أنتهرك وأغلظ لك القول، فلا يهولنك ذلك مني، وعاودني بالمسألة، فإني سأشتمك، فلا يهولنك وعاودني القول والمسألة فإني سأضربك بالسوط فلا يشقن ذلك عليك وقل: أي الحيين أشرف اليمن أم مُضَر؟
فإذا أجبتك فخل عنان بغلتي وأنت حُرٌّ .
قال : فغدا الغلام فجلس حيث أمره مولاه من دار الخليفة، فلما جاء الشيخ فعل الغلام ما أمر به وفعل المولى ما كان قال له : أي الحيين أشرف اليمن أم مُضَر؟
فقال له قثم : مُضر منها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وفيها كتاب اللّه، وفيها بيت اللّه،
1) في الكامل : وفي هذه السنة قدم المهدي من خراسان في شوال فقدم عليه أَهل بيته من الشام والكوفة والبصرة وغيرها فهنأوه بمقدمه، وكان سبب بنائها أن بعض الجند شغبوا على المنصور وحاربوه على باب الذهب ..
2) في المخطوط : أظهر به وهو تحريف.
3) في المخطوط واان . وهو تحريف .
4) في المخطوط : انكنت. وهو تحريف .
5) في المخطوط أصحابك، وهو تحريف .
6) في المخطوط : بلغتي. وهو تحريف .
7) في المخطوط : لما والتصويب من الكامل والمعنى واحد إلا أن ما في الكامل أكثر قُرباً إِلى الفهم.
8) في المخطوط فيها وما ذكرت من الكامل .
ومنها خليفة اللّه.
قال : فامتعضت اليمن إذ لم يكن يذكر لها (1)شيئاً من شرفها. فقال قائد من قواد أَهل اليمن لغلامه : قم فخذ بعنان بغلة الشيخ فاكبحها كبحاً عنيفاً يُطامن منه .
وفعل الغلام ما أمر به مولاه حتى كان يقعيها على عواقيبها. فامتعضت من ذلك مُضر وقالت : ليفعلن هذا بشيخنا ؟!!
فأمر رجل منهم ،غلامه ، فقال : اقطع يد العبد.
فقام إِلى الغلام اليماني فقطع يده .
فنفر الحَيَّان وضرب قثم (2)بغلته ، ودخل إِلى أَبي جعفر، وافترق الجند، فصارت مُضر فرقة واليمن فرقة وربيعة فرقة، والخراسانية فرقة.
فقال : قد فرقت بين جندك وجعلتهم أحزأَبا كل حزب منهم يخاف أن يحدث حدثاً عليك فتضربه بالحزب الآخر .
وقد بقي عليك في التدبير بقيته
قال : وما هي؟
قال : اعبر بابنك فاضرب له في ذلك الجانب قصراً وحول معه من جيشك قوماً فيصير ذلك بلداً وهذا بلداً، فإن فسد عليك هذا الجانب ضربتهم بأَهل ذلك الجانب، وإن فسد عليك مُضر ضربتها بمن أطاعك من اليمن وربيعة والخراسانية، وإن فسد عليك اليمن ضربتها بمن أطاعك من مُضر وغيرها.
فقَبِلَ رأيه ومشورته، فاستوى له ملكه وكان [ذلك هو ] (3)السبب في بناء الجانب الشرقي وهي الرصافة أولاً وإقطاع القواد هناك (4)
فيها أغار الكرك على جدة.
وفيها : عَزَل المنصور عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أَبي صفرة المعروف بهزار مرد - يعني ألف رجل - عن السند واستعمل عليها هشام بن عمرو التغلبي واستعمل عمر بن حفص على إفريقية .
وكان سبب عزله عن السند: أنه كان عليها لما ظهر محمد، وإِبراهيم ابنا عبد اللّه بن الحسن، فوجه محمد ابنه عبد اللّه المعروف بالأشتر إِلى البصرة، فاشترى منها خيلاً عتاقاً ليكون سبب وصولهم إِلى عمر بن حفص لأنه كان فيمن بايعه من قواد المنصور وكان يتشيع .
وساروا في البحر إِلى السند، فأَمرهم عمر أن يحضروا .
فقال له بعضهم: إن جئناك بما هو خير من الخيل وبما لك فيه خير الدنيا والآخرة، فأعطنا الأمان، إما قلبت منا، وإما سترت وأمسكت عن أذانا حتى نخرج عن بلادك راجعين.
فأمنه، فذكر له حالهم وحال عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه أَرسله أَبوه إِليه، فرحب بهم وبايعهم ، وأنزل الأشتر عنده مختفياً ودعا كبراء أَهل البلد ، وقواده وأَهل بيته إِلى البيعة، فأجأَبوه . فقطع ألويتهم البيض وهيأ لبسه من البياض ليخطب فيه، وتهيأ لذلك يوم الخميس، فوصله مركب لطيف في رسول من امرأة عمر بن حفص تخبره بقتل محمد بن عبد اللّه، فدخل على الأشتر فأَخبره وعزاه فقال له :الأشتر : إن أمري قد ظهر ، فدمي في عنقك، فانظر لنفسك أو دع.
قال عمر : قد رأيت رأياً، ههنا ملك من ملوك السند عظيم الشأن كثير المملكة وهو على شوكة، أشد الناس تعظيماً لرسول اللّه له ، وهو وفي أَرسل إِليه فاعقد بينك وبينه عقداً فأوجهك إِليه، تكون عندي، فلست ترام معه .
ففعل ذلك، وسار إِليه الأشتر فأكرمه وأظهر ،بره وتسللت إِليه الزيدية حتى اجتمع معه أربعمائة إنسان من أَهل البصائر، فكان يركب فيهم، ويتصيد في هيئة الملوك وآلاتهم.
فلما انتهى ذلك إِلى المنصور، بلغ منه ما بلغ، وكتب إِلى عمر بن حفص يخبره ما بلغه، فقرأ الكتاب على أَهله، وقال لهم : إن أقررت بالقصة عزلني، وإن سرت إِليه قتلني، وإن امتنعت حاربني .
فقال له رجل منهم : ألق الذنب عليّ وخذني وقيدني، فإنه سيكتب في حملي إِليه، فاحملني، فإنه لا يقدم علي لمكانك في السند وحال أَهل بيتك بالبصرة فقال عمر: أخاف عليك خلاف ما تظن قال : إن قتلت فنفسي فداء لنفسك. فقيده وحبسه وكتب إِلى المنصور بأمره، فكتب إِليه المنصور يأمره بحمله فلما صار إِليه ضرب عنقه، ثم استعمل على السند هشام بن عمرو التغلبي.
وكان سبب استعماله: أن المنصور كان تفكر فيمن يوليه السند فبينا هو راكب، والمنصور ينظر إِليه إذ غاب يسيراً، ثم عاد فاستأذن على المنصور، فأدخله .
فقال : إني لما انصرفت من الموكب لقيتني أختي فلانة فرأيت من جمالها وعقلها ودينها ما رضيتها لأَمير المؤمنين .
فأطرق، ثم قال : أَخرج يأتك أمري فلما خرج قال المنصور لحاجبه الربيع : لولا قول جرير :
لا تطلبن خؤولة في تغلب *** فالزنج أكرم منهم أخوالا
لتزوجت إِليه، قل له : لو كان لنا حاجة في النكاح لقبلت، فجزاك اللّه خيراً، وقد وليتك السند فتجهز إِليها وأمره أن يكاتب الملك بتسليم عبد اللّه، فإن سلمه وإلا حاربه .
وكتب إِلى عمر بن حفص بولايته إفريقية فسار هشام إِلى السند ،فملكها وسار عمر إِلى إفريقية فوليها.
فلما صار هشام بالسند كره أخذ عبد اللّه الأشتر وأقبل يُري الناس أنه يكاتب ذلك الملك، واتصلت الأَخبار بالمنصور بذلك، فجعل يكتب إِليه يستحثه فبينا هو كذلك إذ خرجت خارجة من بلاد السند، فوجه هشام أخاه سفنجاً، فخرج في جيشه وطريقه بجنبات ذلك الملك.
فبينا هو يسير إذ غبارة قد ارتفعت فظن أنهم مقدمة العدو الذي يقصده فوجه طلائعه، فذحفت إِليه فقالوا : هذا عبد اللّه بن محمد العلوي يتنزه على شاطئ مهران فمضى يريده .
فقال نصحاؤه، هذا ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد تركه أخوك متعمداً مخافة أن يبوء بدمه، فلم يقصده .
فقال : ما كنت لأدع أخذه ولا ادع أحداً يحظي بأخذه وقتله عند المنصور .
وكان عبد اللّه في عشرة فقصده، فقاتله عبد اللّه وقاتل أَصحابه حتى قتل، وقتلوا جميعاً، فلم يفلت منهم مخبر، وسقط عبد اللّه بين القتلى، فلم يشعر به .
وقيل : إن أَصحابه قذفوه في مهران حتى لا يحمل رأسه .
وكتب هشام بذلك إِلى المنصور، فكتب إِليه المنصور يشكره، ويأمره بمحاربة ذلك الملك، فحاربه حتى ظفر به وقتله وغلب على مملكته .
وكان عبد اللّه قد اتخذ سراري، فأولد واحدة منهن ولداً، وهو محمد بن عبد اللّه الذي يقال له ابن الأشتر.
فأخذ هشام السراري والولد معهن فسيرهن إِلى المنصور، فسير المنصور الولد إِلى عامله بالمدينة، وكتب معه بصحة نسبه وتسليمه إِلى أَهله.
وفى هذه السنة : استعمل المنصور على إفريقية أَبا جعفر عمر بن حفص من ولد قبيصة بن أَبي صفرة أخي المهلب وإِنما نسب إِلى بيت المهلب لشهرته .
وكان سبب مسيره إِليها : أن المنصور لما بلغه قتل الأغلب بن سالم خاف على إفريقية فوجه إِليها عمر والياً، فقدم القيروان في صفر سنة إحدى وخمسين ومائة في خمسمائة فارس، فاجتمع وجوه ،البلد ،فوصلهم وأحسن إِليهم، وأَقام والأمور مستقيمة ثلاث سنين .
فسار إِلى الزاب لبناء مدينة طبنة بأمر المنصور واستخلف على القيروان حبيب بن حبيب المهلبي، فخلت إفريقية من الجند فثار بها البربر ، فخرج إِليهم حبيب فقتل، واجتمع البربر بطرابلس، وولوا عليهم أَبا حاتم الأَباضي واسمه : يعقوب بن حبيب مولى كندة، وكان عامل عمر بن حفص على طرابلس الجنيد بن بشار الأسادي، وكتب إِلى عمر يستمده، فأمده بعسكر فالتقوا، وقاتلوا أَبا حاتم الأَباضي فهزمهم، فساروا إِلى قابس وحصرهم أَبو حاتم وعمر مقيم بالزاب على عمارة طبنة وانتقضت إفريقية من كل ناحية . ومضوا إِلى طبنة فأحاطوا بها في اثني عشر عسكراً، منهم أَبو قرط الصفري في أربعين ألفاً، وعبد الرحمن بن رستم في خمسة عشر ألفاً، وأَبو حاتم في عسكر كثير، وعاصم السدراتي الأَباضي في ستة آلاف المسعود الزناتي الأَباضي في عشرة آلاف ،فارس، وغير من ذكرنا فلما رأى عمر بن حفص إحاطتهم به عزم على الخروج إِلى قتالهم، فمنعه أَصحابه وقالوا إن أصبت تلف العرب، فعدل إِلى أعمال الحيلة فأَرسل إِلى أَبي قرة مقدم الصفرية يبذل له ستين ألف درهم ليرجع عنه فقال : بعد أن سلم علي بالخلافة أربعين سنة أَبيع حربكم بعرض قليل من الدنيا، ولم يجبهم إِلى ذلك، فأَرسل إِلى أخي أَبي قرة فدفع إِليه أَربعة آلاف درهم، وثيابا على أن يعمل في صرف أَخيه الصفرية فأجابهم، وارتحل من ليلته وتبعه العسكر منصرفين إِلى ،بلادهم، فاضطر أَبو قرة إِلى اتباعهم .
فلما سارت الصفرية سير عمر جيشاً إِلى ابن رستم وهو في تهوذا - قبيلة من البربر - فقاتلوه ، فانهزم ابن رستم إِلى تاهرت، فضعف أمر الأَباضية عن مقاومة عمر، فساروا عن طبنة إِلى القيروان محصرها أَبو حاتم وعمر بطبنة ليصلح أمورها ويحفظها ممن يجاوره من الخوارج، فلما علم ضيق الحال بالقيروان سار إِليها، ولما سار عمر بن حفص إِلى القيروان استخلف على طبنة عسكراً، فلما سمع أَبو قرة بمسير عمر بن حفص سار هو إِلى طبنة فحصرها، فخرج إِليه من بها من العساكر وقتلوه فانهزم منهم وقتل من عسكره خلق كثير .
وأما أَبو حاتم فإنه لما حصر القيروان كثر جمعه ولازم ،حصارها وليس في بيت مالها دينار ولا في إهرائها شيء من الطعام فدام الحصار ثمانية أشهر، وكان الجند يخرجون فيقاتلون الخوارج طرفي النهار حتى جهدهم الجوع وأكلوا دوابهم وكلابهم ولحق كثير من أَهلها بالبربر ولم يبق غير دخول الخوارج إِليها، فأتاهم الخبر بوصول عمر بن حفص من طبنة فنزل الهريش وهو في سبعمائة ،فارس فزحف الخوارج إِليه بأجمعهم وتركوا القيروان فلما فارقوها، سار عمر إِلى تونس، فتبعه البربر فعاد إِلى القيروان مجداً، وأدخل إِليها ما يحتاج من طعام ودواب، وحطب، وغير ذلك، ووصل أَبو حاتم والبربر إِليه، فحصروه فطال الحصار حتى أكلوا دوابهم وفي كل سنة يوم يكون بينهم قتال وحرب فلما ضاق الأَمر بعمر وبمن معه قال لهم : الرأي أن أَخرج من الحصار وأغير على بلاد البربر وأحمل إليكم الميرة. قالوا: إنا نخاف بعدك .
قال: فأَرسل فلاناً وفلاناً يفعلون ذلك.
فأجأَبوه فلما قال للرجلين قالا : لا نتركك في الحصار ونسير عنك .
فعزم على إلقاء نفسه إِلى الموت. فأتى الخبر أن المنصور قد سير إِليه يزيد بن حاتم بن قتيبة بن المهلب في ستين ألف مقاتل، وأَشار عليه من عنده بالتوقف عن القتال إِلى أن يصل العسكر، فلم يفعل وخرج وقاتل فقتل منتصف ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومائة .
وقام بأمر الناس حميد بن صخر، وهو أخو عمر لأمه، فوادع أَبا حاتم وصالحه على أن حميداً ومن معه لا يخلعون المنصور ولا ينازعهم أَبا حاتم في سوادهم وسلاحهم، وأجابهم إِلى ذلك. ففتحت له القيروان وخرج أكثر الجند إِلى طبنة، وأحرق أَبو حاتم أَبواب القيروان وثلم سورها وبلغه وصول يزيد بن حاتم فسار إِلى طرابلس، وأمر صاحبه بالقيروان بأخذ سلاح الجند، وأن يفرق بينهم فخالف بعض أَصحابه، وقالوا: لا نغدر بهم .
وكان المقدم على المخالفين عمر بن عثمان الفهري، وقام في القيروان وقتل أَبي حاتم، فعاد أَبو حاتم فهرب عمر بن عثمان من بين يديه إِلى تونس وعاد أَبو حاتم إِلى طرابلس ليقاتل يزيد بن حاتم .
فقيل : كان بين الخوارج والجنود من الذين قتلوا عمر بن حفص إِلى انقضاء أَمرهم ثلاثمائة وخمس وسبعون وقعة .
لما بلغ المنصور ما حَلَّ بعمر بن حفص من الخوارج جهز يزيد بن حاتم بن قبيصة بن أَبي صفرة في ستين ألف فارس وسيره إِلى إفريقية، فوصلها سنة أربع وخمسين ومائة، فلما قاربها، سار إِليه بعض جندها واجتمعوا به وساروا معه إِلى طرابلس، فسار أَبو حاتم الخارجي إِلى جبال نفوسة، وسير يزيد طائفة من العسكر إِلى قابس فلقيهم أَبو حاتم فهزمهم فعادوا إِلى يزيد، ونزل أَبو حاتم في مكان وعر وخندق على عسكره وعبى يزيد أَصحابه، وسار إِليه، فالتقوا في الأول سنة خمس وخمسين، فاقتتلوا أشد قتال فانهزم البربر، وقتل أَبو حاتم، وأَهل ربيع نجدته وطلبهم يزيد في كل سهل وجبل فقتلهم قتلاً ذريعاً وكان عدة من قتل في المعركة ثلاثين ألفاً، وجعل آل المهلب يقتلون الخوارج ويقولون : يا لثارات عمر بن حفص، وأَقام شهراً يقتل الخوارج، ثم رحل إِلى القيروان.
فكان عبد الرحمن بن حبيب بن عبد الرحمن الفهري مع أَبي حاتم فهرب إِلى كتامة فسير إِليهم يزيد بن حاتم جيشاً، فحصروا البربر وظفروا بهم، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وهرب عبد الرحمن، وقتل جميع من كان معه .
وصفت إفريقية وأحسن يزيد السيرة، وأمن الناس إِلى أن انتقضت ورفجومة سنة أربع وستين ومائة بأرض الزاب - وعليها أيوب الهواري - فسير إِليهم عسكراً كثيراً واستعمل عليهم يزيد بن مجزا المهلبي فالتقوا واقتتلوا، فانهزم يزيد وقتل كثير من أَصحابه، وقتل المخارق بن عقار صاحب الزاب، فولي مكانه المهلب بن يزيد المهلبي وأمدهم يزيد بن حاتم بجمع كثير، واستعمل عليهم العلاء بن سعيد المهلبي، وانضم إِليهم المنهزمون ولقوا ،ورفجومة واقتتلوا واشتد القتال فانهزمت البربر، وأيوب، وقتلوا بكل مكان حتى أتى على آخرهم، ولم يقتل من الجند أحد.
ثم مات يزيد في رمضان سنة سبعين ومائة وكانت ولايته خمس عشرة سنة وثلاثة أشهر واستخلف ابنه داود على إفريقية .
وفي هذه السنة : سار عقبة بن سلم من البصرة، واستخلف عليها نافع بن عقبة إِلى البحرين، فقتل سليمان بن حكيم وسبى أَهل البحرين وأنفذ بعض السبي والأسارى إِلى المنصور فقتل بعضهم، ووهب الباقين للمهدي، فأطلقهم وكساهم، ثم عزل عقبة عن البصرة لأنه لم يستقص على أَهل البحرين. وزعم بعضهم أن المنصور استعمل معن بن زائدة الشيباني على سجستان هذه السنة .
وحج بالناس هذه السنة : محمد بن إِبراهيم الإِمام ، وكان هو العامل بمكة، والطائف.
وعلى المدينة : الحسن بن زيد.
وعلى البصرة : جابر بن توبة الكلابي.
وعلى الكوفة : محمد بن سليمان.
وعلى مصر : يزيد بن حاتم .
وفيها: ثار في الشرق من الأندلس رجل من بربر مكناسة كان يعلم الصبيان، وكان اسمه شقنا عبد الواحد، وكانت أمه تسمى فاطمة وادعى أنه من ولد فاطمة عليها السلام ثم من ولد الحسين عليه السلام وتسمى بعبد اللّه بن محمد، وسكن شنت برية واجتمع عليه خلق كثير من البربر، وعزموا أَمرهم، وسار إِليه عبد الرحمن الأموي فلم يقف له، وراغ في الجبال، فكان إذا أمن انبسط، وإذا خاف صعد الجبال بحيث يصعب طلبه .
فاستعمل عبد الرحمن على طليطلة حبيب بن عبد الملك، فاستعمل حبيب على شنت برية سليمان بن عثمان بن مروان بن أَبان بن عثمان بن عفان فأمره بطلب شقنا، فنزل شقنا إِلى سنت برية وأخذ سليمان فقتله واشتد أمره وطار وغلب على ناحية قورية، وأفسد في الأرض فعاد عبد الرحمن الأموي، فغزاه في سنة اثنتين وخمسين ومائة بنفسه، فلم يثبت له، فأعياه أمره، فعاد عنه وسير إِليه سنة ثلاث وخمسين بدر ،مولاه فهرب شقنا وأخلى حصنه شيطران، ثم غزاه عبد الرحمن الأموي بنفسه سنة أربع وخمسين ومائة فلم يثبت له شقنا، ثم سير إِليه سنة خمس وخمسين أَبا عثمان عبيد اللّه بن عثمان، فخدعه شقنا، وأفسد عليه جنده فهرب عبيد اللّه، وغنم شقنا عسكره وقتل جماعة من بني أمية كانوا في العسكر .
وفي سنة خمس وخمسين أيضاً سار شقنا بعد أن غنم عسكر عبيد اللّه إِلى حصن الهواريين المعروف بمدائن و به عامل لعبد الرحمن فمكر به شقنا حتى خرج إِليه فقتله شقنا، وأخذ خيله وسلاحه، وجميع
ما كان معه .
وفي هذه السنة : قتل معن بن زائدة الشيباني بسجستان، وكان المنصور قد استعمله عليها، فلما وصلها أَرسل إِلى رتبيل يأمره بحمل القرار الذي عليه كل سنة، فبعث إِليه عروضاً وزاد في ثمنها فغضب ،معن وسار إِلى الرخج، وعلى مقدمته ابن أَخيه مزيد بن زائدة، فوجد رتبيل قد خرج عنها إِلى زابلستان ليصيف بها، ففتحها وأصاب سبياً كثيراً، وكان في السبي فرج الرخجي، وهو صبي وأَبوه زيات فرأى معن غباراً ساطعاً أثارته حُمر الوحش فظن أنه جيش أقبل ليخلص السبي ،والأسرى ، فأَخرج بوضع السيف فيهم فقتل منهم عدة كثيرة، ثم ظهر له أمر الغبار فأمسك .
فخاف معن الشتاء وهجومه، فانصرف إِلى بست وأنكر قوم من الخوارج سيرته فاندسوا مع فَعَلَةٍ كانوا يبنون في منزله فلما بلغوا التسقيف أخفوا سيوفهم في القصب، ثم دخلوا عليه بيته وهو يحتجم ففتكوا به وشق بعضهم بطنه فخنجر كان معه وقال أحدهم لما ضربه : أنا الغلام الطاقي، والطاق رستاق بقرب زرنج فقتلهم يزيد بن مزيد، فلم ينجو منهم أحد .
ثم إن يزيد قام بأمر سجستان واشتدت على العرب والعجم من أَهلها وطأته، فاحتال بعض العرب فكتب على لسانه إِلى المنصور كتابا يخبره فيه أن كتب المهدي إِليه قد حيرته، وأدهشته ويسأله أن يعفيه من معاملته، فأغضب ذلك المنصور وشتمه وأقر المهدي كتابه فعزله، وأمر بحبسه وبيع كل شيء له، ثم إنه كُلَّم فيه فأشخص إِلى مدينة السلام فلم يزل بها مجفواً حتى لقيه الخوارج على الجسر ، فقاتلهم فتحرك أمره قليلاً ثم وجه إِلى يوسف البرم بخراسان، فلم يزل في ارتفاع إِلى أن مات .
وفي هذه السنة : غزا الصائفة عبد الوهاب بن إِبراهيم الإِمام .
وفيها : استعمل المنصور على الموصل إسماعيل بن خالد بن عبد اللّه القسري. وفيها : مات عبد اللّه بن عون وكان مولده سنة ست وستين .
وفيها : مات أسيد بن عبد اللّه في ذي الحجة، وهو أَمير خراسان وحنظلة بن أَبي سفيان الجمحي .
وعلي بن صالح بن حبي أخو الحسن بن صالح، وكانا تقيين فيهما تشيع .
ثم دخلت سنة اثنين وخمسين ومائة
ولم يجر فيها ما يستفاد تجربة (1)
فيها : غزا حميد بن تُخطبة كابل وكان قد استعمله المنصور على خراسان سنة إحدى وخمسين . وغزا الصائفة عبد الوهاب بن إِبراهيم.
وقيل : أخوه محمد بن إِبراهيم الإِمام ولم يدرب .
وفيها : عَزَل المنصور جابر بن توبة عن البصرة واستعمل عليها يزيد بن منصور . وفيها قتل المنصور هاشم بن الأساجيج كان قد خالف وعَصا بإفريقية فحمل إِليه فقتله.
وحج بالناس هذه السنة : المنصور.
وفيها: عزل يزيد بن حاتم عن مصر واستعمل عليها : محمد بن سعيد .
وكان عمال الأمصار سوى ما ذكرنا الذين تقدم ذكرهم.
وفيها: مات محمد بن عبد اللّه بن مسلم بن عبد اللّه بن شهاب، وهو ابن أخي محمد بن شهاب الزهري، روى عنه عمه.
وفيها :مات يونس بن يزيد الأيلي، روى عن الزهري أيضاً.
وفيها: مات طلحة بن عمرو الحضرمي .
وإِبراهيم بن أَبي عبلة واسم أَبي عبلة شمر بن يقظان بن عامر العقيلي.
ثم دخلت سنة [49/ب] ثلاث وخمسين ومائة
ولم يجر فيها أيضاً ما يستفاد منه تجربة (2)
وفيها : عاد المنصور من مكة إِلى البصرة، فجهز جيشاً في البحر إِلى الكرك الذين تقدم ذكر إغارتهم على جدة.
وفيها: قبض المنصور على أَبي أيوب المورياني، وعلى أَخيه وبني أَخيه، وكانت منازلهم المناذر ، وكان قد سعى به كاتبه أَبان بن صدقة ، وقيل : كان سبب قبضه : أن المنصور في دولة أمية ورد على الموصل وأَقام به مستتراً، وتزوج امرأة من الأزد، فحملت منه ثم فارق الموصل، وأعطاها تذكرة وقال لها : إذا سمعت بدولة لبني هاشم، فأَرسلي هذه التذكرة إِلى صاحب الأَمر، فهو يعرفها .
فوضعت المرأة ولداً سمته جعفراً فنشأ وتعلم الكتابة وما يحتاج إِليه الكاتب. وولي المنصور الخلافة، فقدم جعفر إِلى بغداد واتصل بأَبي أيوب، فجعله كاتباً بالديوان، فطلب المنصور يوماً من أَبي أيوب كاتباً يكتب له شيئاً، فأَرسل جعفراً إِليه، فلما رآه المنصور مال إِليه ،وأحبه فلما أمره بالكتابة رآه حاذقاً ماهراً، فسأله من أين هو ؟ ومن أَبوه؟
فذكر له الحال، وأراه التذكرة وكانت معه، فعرفها المنصور، وصار يطلبه كل وقت بحجة الكتابة، فخافه أَبو أيوب .
ثم إن المنصور أحضره يوماً، وأعطاه مالاً وأمر أن يصعد إِلى الموصل ويحضر والدته، فسار من بغداد، وكان أَبو أيوب قد وضع عليه العيون يأتونه بأَخباره، فلما علم مسيره سير وراءه من اغتاله في الطريق فقتله فلما أبطأ على المنصور أَرسل إِلى أمه بالموصل من يسألها عنه، فذكرت له أنها لا علم لها به إلا أنه ببغداد يكتب في ديوان الخليفة .
فلما علم المنصور ذلك أَرسل من يقص أثره فانتهى إِلى موضع وانقطع خبره، فعلم أنه قتل هناك، وكشف الخبر، فرأى أن قتله من يد أَبي أيوب فنكبه، وفعل به ما فعل، وقبض المنصور أيضاً على عباد ،مولاه وعلى هرثمة بن أعين بخراسان وأحضرا ،مقيدين، لتعصبهما لعيسى بن موسی .
وفيها : أخذ المنصور الناس بتلبيس القلانس الطوال المفرطة الطول فقال أَبو دلامة:
وكنا نرجي من إمام زيادة *** فزاد الإِمام المصطفى في الفلانس
وفيها: توفي عبيد ابن بنت أَبي ليلى قاضي الكوفة، فاستقضى مكانه شريك بن عبد اللّه النخعي .
وفيها : غزا الصائفة معيوف بن يحيى الحجوري، فوصل إِلى حصن من حصون الروم ليلاً وأَهله نيام ،فسبى وأسر من كان فيه، ثم قصد اللاذقية الخراب فسبى منها ستة آلاف رأس سوى الرجال البالغين .
وحج بالناس هذه السنة: المهتدي وكان أَمير مكة: محمد بن إِبراهيم .
وأَمير المدينة : الحسن بن زيد.
وأَمير مصر: محمد بن سعيد .
وكان يزيد بن منصور على اليمن في قول بعضهم. وعلى الموصل: إسماعيل بن خالد بن عبد اللّه بن خالد.
وفيها: مات هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي ، وقيل : سنة ست وخمسين وقيل: تسع و خمسين . والحسن بن عمارة.
وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر .
وثور بن يزيد.
وعبد الحميد بن جعفر بن عبد اللّه الأنصاري.
والضحاك بن عثمان بن عبد اللّه بن خالد بن حازم من ولد أخي حكيم بن حازم.
وفطر بن خليفة الكوفي .
.ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة
ولم يجر فيها أيضاً ما يستفاد منه تجربة (1)
وفيها: ملك أَبو أيوب المورياني وأخوه خالد.
وأمر المنصور بقطع يدي ابني أَخيه وأرجلهم وضرب أعناقهم . وفيها : استعمل على البصرة عبد الملك بن ظبيان النميري . وغزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي، فبلغ الفرات .
وحج بالناس : محمد بن إِبراهيم، وهو على مكة . وكان على إفريقية يزيد بن حاتم.
وكان والعمال من تقدم ذكرهم .
وفيها : مات أَبو عمرو بن العلاء ، وقيل : مات سنة سبع وخمسين وكان عمره ست وثمانين سنة .
ومحمد بن عبد اللّه الشعيثي النصري.
وفيها : مات عثمان بن عطاء .
وجعفر بن برقان الجزري.
وأشعب الطماع
وعلي بن صالح بن حبي .
وعمر بن إسحاق بن يسار أخو محمد بن إسحاق .
ووهب بن الورد المكي الزاهد .
وقرة بن خالد أَبو خالد السدوسي البصري .
وهشام الدستوائي وهو هشام بن أَبي عبد اللّه البصرى .
.1) كذلك قال المؤلف في هذه السنة، وقال فيها ابن الأثير : في هذه السنة : سار المنصور إِلى الشام وبيت المقدس، وسَيَّر يزيد بن قبيصة بن المهلب بن أَبي صفرة إِلى إفريقية في خمسين ألف لحرب الخوارج الذين عمر بن حفص وأَراد المنصور بناء الرافقة فمنعه أَهل الرافقة، فهم بمحاربتهم، وسقطت في هذه السنة الصاعقة فقتلت بالمسجد خمسة نفر .
ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة
وفيها: بنى المنصور مدينة الرافقة ووجه ابنه المهدي ،لبنائها، فبناها على مدينة بغداد في أَبوابها وقفولها ورحابها (1)وشوارعها. وخندق أَبو جعفر على الكوفة والبصرة، وجعل ما أنفق على ذلك من أموال أَهلها.
فيحكى أنه لما أَراد بناء سور الكوفة، وحفر الخندق لها، أمر بقسمة خمسة دراهم خمسة دراهم على الكوفة، وأَراد بذلك عددهم، فلما عرف عددهم أمر بجبايتهم أربعين درهماً من كل إنسان، فجبوا.
ثم أمر بإنفاق ذلك على السور وحفر الخندق لها، فقال شاعرهم :
يالقومي مالقينا *** من أَمير المؤمنينا
قَسَّمَ الخمسة فينا *** جبانا الأربعينا
وفيها : عزل المنصور يزيد بن أسيد عن الجزيرة وولاها أخاه العباس بن محمد.
فشكا يزيد إِلى أَبي جعفر، فقال : يا أَمير المؤمنين إن أخاك أساء ،عزلي وشتم عرضي .
فقال له المنصور : اجمع بين إحساني إليك وإساءة أخي، يعتدلا .
1) في المخطوط: ورحاها. وهو تحريف، والمراد بالرحاب هي الميادين والساحات.
فقال يزيد: يا أَمير المؤمنين، إذا كان احسانكم جزاء بإساءتكم كانت طاعتنا لكم تفضلاً منا عليكم(1)
فقال عيسى بن موسى للمنصور : يا أَمير المؤمنين أرى آل علي بن عبد اللّه وإن كانت نعمك عليهم سابغة أنهم يرجعون إِلى الحسد لنا فمن ذلك أنك غضبت على إسماعيل بن علي منذ أيام، فضيقوا عليك حتى رضيت عنه وأنت غضبان على أخيك العباس منذ كذا وكذا، فما كلمك فيه أحد منهم فرضي عنه. وكان المنصور قد استعمل العباس على الجزيرة بعد يزيد بن أسيد، فشكا يزيد منه وقال : إنه أساء عزلي وشتم عرضي ... وزاد ابن الأثير في أحداث تلك السنة ما يلي :
وفيها : عُزل محمد بن سليمان عن الكوفي واستعمل عمرو بن زهير الضَّب أخا المسيب بن زهير
وقيل : إِنما عُزل سنة ثلاث وخمسين وكان عزله لأسباب بلغته عنه منها :
أنه قتل عبد الكريم بن أَبي العوجاء وكان قد حبسه على الزندقة، وهو خال معن بن زائدة الشيباني، فكثر شفاؤه عند المنصور ولم يتكلم فيه إلا طنين منهم .
فكتب إِلى محمد بن سليمان بالكف عنه إِلى أن يأتيه رأيه .
وكان ابن أَبي العوجاء قد أَرسل إِلى محمد بن سليمان يسأله أن يؤخره ثلاثة أيام ويعطيه مائة ألف فلما ذكر لمحمد أمر بقتله، فلما أيقن أنه مقتول قال : واللّه لقد وضعت أَربعة آلاف حديث حللت فيها الحرام وحرمت فيها الحلال، واللّه لقد فطرتكم يوم صومكم وصومتكم يوم فطركم، فقتل .
وورد كتاب المنصور إِلى محمد يأمره بالكف عنه، فوصل وقد قتله، فلما بلغ المنصور غضب وقال : واللّه لقد هممت أن أقيده به .
ثم أحضر عمه عيسى بن علي، وقال له : هذا عملك أنت أشرت بتولية هذا الغلام الغرّ قتل فلاناً بغير أمري، وقد كتبت بعزله وتهديده.
فقال له عيسى إن محمداً إِنما قتله على الزندقة فإن كان أصاب فهو لك . وإن أخطأ فعليه ولئن عزلته على أثر ذلك ليذهبن بالثناء والذكر ولترجعن بالمقالة من العامة عليك فمزق الكتاب.
وفي هذه السنة: أنكرت الخوارج الصفرية المجتمعة بمدينة سجلماسة على أَميرهم عيسى بن جرير أشياء فشدوه وثاقاً، وجعلوه على رأس الجبل، فلم يزل كذلك حتى مات، وقدوا على أنفسهم أَبا القاسم سمكو بن واسول المكناس جد مدرار.
وفيها : ولد أَبوسنان الفقيه المالكي بمدينة القيروان من إفريقية.
وفيها: عزل الحسن بن زيد بن الحسن بن علي عن المدينة ،واستعمل عليها عمه عبد الصمد بن علي.
وكان على مكة والطائف : محمد بن إِبراهيم.
وعلى الكوفة : عمرو بن زهير .
وعلى البصرة: الهيثم بن معاوية .
وعلى مصر : محمد بن سعيد .
وعلى إفريقية : يزيد بن حاتم .
وعلى الموصل : خالد بن برمك، وقيل موسى بن كعب بن سفيان الخثعمي
وفي هذه السنة : مات مسعر بن كدام الكوفي الهلالي.
1) كذا جاء الخبر هنا أما في الكامل فعلى النحو التالي: عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة، وغضب عليه وغرَّمه مالاً ، فلم يزل ساخطاً عليه حتى غضب على عمه إسماعيل بن علي فشفع فيه عمومة المنصور وضيقوا عليه حتى رضي عنه .
ودخلت سنة ست ...(1)وخمسين ومائة
ولم يجر فيهما ما يستفاد منه تجربة(2)
وفي هذه السنة : سار عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس إِلى حرب شقنا وقد حصن شيطران، فحصره وضيق عليه فهرب إِلى المفازة كعادته وكان قد استخلف على قرطبة ابنه سليمان، فأتاه كتابه يخبره بخروج أَهل إشبيلية مع عبد الغفار وحيوة بن ملابس عن طاعته وعصيانهم عليه، فاتفق من بهما من اليمانية معهما، فرجع عبد الرحمن ولم يدخل قرطبة وهاله ما سمع من اجتماعهم وكثرتهم فقدم ابن عمه عبد الملك بن عمر وكان شهاب آل مروان وبقي عبد الرحمن خلفه كالمدد له، فلما قارب عبد الملك أَهل اشبيلية قدم ابنه أمية ليعرف حالهم، فرآهم مستيقظين، فرجع إِلى أَبيه فلامه أَبوه على الوهن وضرب عنقه، وجمع أَهل بيته وخاصته وقال لهم طردنا من المشرق إِلى أقصى هذا الصقع ونحسد على لقمة تبقى الرمق، أكسروا جفون السيوف فالموت أولى أو الظفر، ففعلوا، وحمل بين أيديهم فهزم اليمانية، وأَهل اشبيلية، فلم تقم بعدها لليمانية قائمة وخرج عبد الملك، وبلغ الخبر إِلى عبد الرحمن، فأتاه وجرحه يجري دماً، وسيفه يقطر دماً، وقد لصقت يده بقائم سيفه، فقبله بين عينيه وجزاه خيراً. وقال : يا ابن عم قد أنكحت ابني وولي عهدي هشاماً ابنتك فلانة وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا، وأولادك كذا، وأقطعتك وإياهم، ووليتكم الوزارة .
وعبد الملك هذا هو الذي ألزم عبد الرحمن بقطع خطبة المنصور، وقال له : اقطعها وإلا قتلت نفسي وكان قد خطب له عشرة أشهر فقطعها .
وكان عبد الغفار وحيوة بن ملابس قد سلما من القتل، فلما كانت سنة سبع وخمسين ومائة سار عبد الرحمن إِلى اشبيلية فقتل خلقاً كثيراً ممن كان مع عبد الغفار وحيوة ورجع.
وبسبب هذه الواقعة وغش العرب مال عبد الرحمن إِلى اقتناء العبيد.
ذكر الفتنة بإفريقية مع الخوارج :
قد ذكرنا هرب عبد الرحمن بن حبيب الذي كان أَبوه أَمير إفريقية مع الخوارج، واتصاله بكتامة وتسيير يزيد بن حاتم أَمير إفريقية العسكر في أثره، وأنهم قتلوا كتامة .
فلما كانت هذه السنة سَيّر يزيد عسكراً آخر مدداً للذين يقاتلون عبد الرحمن، فاشتد الحصار على عبد الرحمن فمضى هارباً وفارق مكانه فعادت العساكر عنه .
ثم ثار في هذه السنة على يزيد بن حاتم أَبو يحيى بن فانوس الهواري بناحية طرابلس فاجتمع عليه كثير من البربر وكان بها عسكر ليزيد بن حاتم مع عامل للبلد، فخرج العامل والجيش معه، فالتقوا على شاطئ البحر من أرض هوارة فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم أَبو يحيى بن فانوس، وقتلوا عامة أَصحابه وسكن الناس بأفريقية وصفت ليزيد بن حاتم .
وفي هذه السنة : ظفر الهيثم بن معاوية عامل البصرة بعمرو بن شداد الذي كان عامل إِبراهيم بن عبید اللّه على ،فارس، وسبب ظفره به أنه ضرب غلاماً له فأتى الهيثم، فدله عليه، فأخذه، فقتله، وصلبه بالمبريد.
وفيها : عُزِلَ الهيثم عن البصرة استعمل سوار القاضي على الصلاة مع القضاء، واستعمل سعيد بن دعلج على شرط البصرة وأحداثها .
ولما وصل الهيثم إِلى بغداد مات بها وصلى عليه المنصور.
وفيها : غزا المنصور الصائفة زفر بن عاصم الهلالي .
وحج بالناس : العباس بن محمد بن علي. وكان على مكة محمد بن إِبراهيم الإِمام .
وعلى الكوفة عمرو بن زهير .
وعلى الأحداث والجوالي والشرط بالبصرة سعيد بن دعلج وعلى الصلاة والقضاء سوار بن عبد اللّه .
وعلى كور دجلة والأهواز وفارس: عمارة بن حمزة.
وعلى كرمان والسند: هشام بن عمرو .
وعلى مصر: محمد بن سعيد .
وفيها : سخط عبد الرحمن الأموي على مولاه بدر لفرط إدلاله عليه، ولم يرع حق خدمته وطول صحبته، وصدق مناصحته فأخذ ماله وسلبه نعمته ونفاه إِلى الثغر ، فبقي به إِلى أن هلك .
وفيها: مات عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قاضي ،إفريقية وقد تكلم الناس في حديثه .
وفيها: توفي حمزة بن حبيب الزيات المقرئ أحد القراء السبعة .
.ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة
لم يجر فيها ما يستفاد منه تجربة (1)
وفي هذه السنة: بنى المنصور قصره الذي يدعى الخلد .
وفيها: حول المنصور الأسواق إِلى الكرخ وغيره.
وقد تقدم سبب ذلك، واستعمل سعيد بن دعلج على البحرين فأنفذ إِليها ابنه تميماً، وعرض المنصور جنده في السلاح والخيل وجلس لذلك، وخرج هو لابساً درعاً وبيضة .
وفيها: مات عامر بن إسماعيل السلمي بمدينة السلام وصلى عليه المنصور.
وتوفي سوار بن عبد اللّه قاضي البصرة، واستعمل مكانه عبد اللّه بن الحسن بن الحصين العنبري وعزل محمد بن سليمان الكاتب عن مصر واستعمل مولاه مطراً واستعمل معبد بن الخليل على السند، وعزل هشام بن عمرو وغزا الصائفة يزيد بن أسيد السلمى فوجه سناناً مولى البطال إِلى حصن فسبى وغنم.
وقيل : إِنما غزا الصائفة زفر بن عاصم .
وحج بالناس : إِبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، وكان على مكة. وقيل : كان عليها عبد الصمد بن علي وعلى الأمصار من ذكرنا .
وفيها: قتل المنصور يحيى بن زكريا المحتسب وكان يطعن على المنصور، ويجمع الجماعات فيما قيل.
وفيها: مات عبد الوهاب بن إِبراهيم الإِمام .
وقيل : سنة ثمان وخمسين .
وفي سنة سبع وخمسين : مات الأوزاعي الإِمام الفقيه واسمه عبد الرحمن بن عمرو وله سبعون سنة. ومصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير بن العوام جد الزبير بن بكار .
وفيها : أَخرج سليمان بن يقظان الكلبي قارِلَة ملك الأفرنج إِلى بلاد المسلمين من الأندلس، ولقيه بالطريق وسار معه إِلى سرقسطة، فسبقه إِليها الحسين بن يحيى الأنصاري من ولد سعد بن عبادة، وامتنع بها، فاتهم قارِلَة ملك الأفرنج سليمان فقبض عليه وأخذه معه إِلى بلاده، فلما أبعد من بلاد المسلمين واطمأن هجم عليه مطروح وعيشون أبناء سليمان في أَصحابهما فاستنقذا أَبا هما ورجعا به إِلى سرقسطة ودخلوا مع الحسين ووافقوا على خلاف عبد الرحمن.
1) سبق أن ذكرت أني سأفصل بين السنتين في التعليق على السنة التي قبلها حيث ضمهما المؤلف تحت عنوان وتعليق واحد ، فتكلمت عن السنة السابقة وذكرت قول ابن الأثير فيها، وها أنا أذكر ما ذكر ابن الأثير في أحداث تلك السنة، فقال:
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة
وفيها : غضب المنصور على محمد بن إِبراهيم بن محمد بن علي وكان أَمير مكة .
وكان السبب في ذلك
إن المنصور كتب إِليه يأمره بحبس رجل من آل أَبي طالب، وبحبس الثوري، وابن جريج وعباد بن كثير(1)
أَبو عبد اللّه، الإِمام، الحافظ الكوفي، التابعي الشهير بالثوري.
ولد سنة : (97) ، وتوفي سنة (161) ، مصادر ترجمته كثيرة انظر منها :
هدية العارفين (387/1)، ديوان الإسلام (1103) ، الأعلام (104/3)، معجم المؤلفين (4) ،(234 العبر (1 /23) تهذيب الكمال (515)، تهذيب التهذيب (111/4) ، التاريخ الكبير (92/4) ، التاريخ الصغير (154/2) ، الجرح والتعديل (55/1 طبقات المدلسين (9) ، طبقات المفسرين (186/1) وغير ذلك كثير .
وأما ابن جريح فهو : عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي، الأموي، المكي، أَبو خالد، وأَبو الوليد الإِمام الحافظ شيخ الحرم ، وأول من دون العلم بمكة مولى أمية بن خالد ومن مصادر ترجمته سير أعلام النبلاء (325/6) ، طبقات خليفة (283)، تاريخ البخاري (4225 ، التاريخ الصغير ،(98/2)، تاریخ بغداد (10/ (400)، وفيات الأعيان (3) ) 163 تهذيب الكمال ،(857) ، تهذيب التهذيب (402/6 میزان الاعتدال (659/2)، العقد الثمين 508/5)، وغير ذلك . أما عباد بن كثير فهو الثقفي البصري نزيل مكة الزاهد العابد ، ولم يكن في الحديث شيء، ومن مصادر ترجمته:
سير أعلام النبلاء (106/7) ، التاريخ الكبير (43/6) ، التاريخ الصغير (104/2) ، المعرفة والتاريخ (126/2) ، تاريخ الطبري (58/8) ، المجروحين (166/2) ، تهذيب الكمال (652)، تهذيب التهذيب (5 100) ، تاريخ الإسلام (206/6) ، ميزان الاعتدال (371/2)، العقد الثمين (90/5 ) ، وغير ذلك كثير.
، فحبسهم .وكان له سُمَّار بالليل فلما كان وقت سمره أبلس وأكب على الأرض ينظر إِليها ولم ينطق بحرف حتى تفرقوا .
قال (2): فدنوت منه فقلت : قد رأيت ما بك فما لك؟
[قال] (3): قد عمدت إِلى ذي رحم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحبسته وإِلى عيون من عيون المسلمين فحبستهم، ويقدم أَمير المؤمنين السند فلا أدري ما يكون ولعله يأمر بقتلهم،
1) هؤلاء الثلاثة من أعلام علماء الإسلام ف- : الثوري؛ هو سفيان بن سعيد بن مسروق ابن حبيب بن رافع بن عبد اللّه بن موهبة بن أَبي عبد عبد اللّه منقذ بن بن نصر بن الحارث بن ثعلبة بن عامر بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان . . .
2) سقط من المخطوط اسم رواي الخبر .
3) زيادة يتطلبها السياق .
فیقوی سلطانه وأَهلك ديني.
قال : فقلت : فتصنع ماذا ؟
قال : أوثر اللّه تعالى، وأطلق القوم .
اذهب إِلى إبلي وخذ راحلة منها وخذ خمسين ديناراً، فأت بها الطالبي فأقرئه السلام وقل له ابن عمك يسألك أن تحله من ترويعه إياك، وتركب هذه الراحلة، وتأخذ هذه النفقة .
فلما أحس بي جعل يتعوذ من شري، فلما أبلغته الرسالة.
قال: هو في حل ولا حاجة إِلى النفقة ولا إِلى الراحلة.
قال : فقلت له : إن أطيب لنفسه أن تأخذها ففعل .
ثم جئت إِلى ابن جريج، وأَبي سفيان وعباد فأبلغتهم ما قال.
قالوا: هو في حل .
قال : قلت لهم : لا يظهرن أحد منكم ما دام المنصور مقيماً .
فلما قرب المنصور، وجهني محمد بن إِبراهيم بالطاف.
فلما أخبر المنصور، أن رسول محمد بن إِبراهيم قد أمر بالإبل فضربت وجوهها، فلما صار إِلى مير ميمون لقيه محمد بن إِبراهيم، فلما أخبر بذلك، أمر بدوابه فضربت وجوهها، فعدل محمد وكان يسير بناحية، وعدل أَبو جعفر عن الطريق فأنيخ به ومحمد واقف قباله ومعه طبيب له .
فلما ركب أَبو جعفر وسار أمر محمداً الطبيب فمضى إِلى مناخ أَبي جعفر، فرأى فحوه، فقال لمحمد رأيت فحو رجل لا تطول به الحياة. فلما دخل مكة لم يلبث أن مات وسلم محمد ولما مات المنصور، وكان ذلك لست خلون من ذي الحجة (1)لحتمه الربيع، وأحضر أَهل بيته وذوي الأسنان منهم، ثم أحضر عامتهم، وأخذ بيعتهم للمهدي، ثم لعيسى بن موسى من بعده.
فلما فرغ من بيعتهم دعا بالقواد حتى بايعوا ولم يتكلم أحد غير ابن عيسى بن ماهان فإنه أبى عند ذكر عيسى بن موسى أن يبايع، ، فلطمه محمد بن سليمان وأمضه وقال : من هذا العلج وهَمَّ (2)بضرب عنقه فبايع، ثم تتابع (3)الناس بالبيعة.
وتوفي وله نيف وستون سنة، واختلف في النيف .
وكانت ولايته اثنين وعشرين سنة .
ذكر بعض سيرة المنصور
ذكر الفضل بن الربيع حكاية عن أَبيه قال: بينا أنا قائم بين يدي المنصور إذ أتى بخارجي قد هزم له جيوشاً له جيوشاً، فأَقامه ليضرب [1/50] عنقه ثم اقتحمت عينه، فقال : يا ابن الفاعلة مثلك يهزم الجيوش ؟ !
فقال له الخارجي : ويلك وسوأة (1)لك بيني وبينك أمس السيوف والقتل والدم، واليوم القذف والسَّب ما كان يؤمنك أن لا أرد عليك وقد يئست من الحياة فلا تستقبلها (2)أبداً .
قال: فاستحيا منه المنصور وأطلقه، وما رأى أحد وجهه حَوْلاً (3).
وحكى سلام بن الأبرش قال :
كنت وأنا وصيف وغلام آخر نخدم المنصور وكان من أحسن عباد اللّه خُلُقاً ما لم يخرج للناس وأشدهم احتمالاً لما يكون من عبث الصبيان، فإذا لبس ثيابه تغير لونه وتَرَبَّد وجهه، وأحمرت عيناه فيخرج ويكون منه ما يكون، فإذا رجع عاد لمثل ذلك فيستقبله في ممشاه، فربما عاتبنا وقال لي يوماً : يا بني إذا رأيتموني قد لبست ثيأَبي أو رجعت من مجلسي، فلا يدنو أحد منكم [مني مخافة أن](4)أعزه بشر .
وقال المنصور: يوماً ما كان أحوجني أن يكون على بأَبي أَربعة نفر لا يكون أعفّ منهم .
قيل : ومن هم(5)يا أَمير المؤمنين؟
قال : هم أركان الملك، ولا يصلح الملك إلا بهم، كما أن الأَمر لا يصلح إلا بأربع قوائم إن نقصت قائمة واحدة لم يستقم.
أما أحدهم : فقاض لا تأخذه في اللّه لومة لائم .
والآخر صاحب شرطة يأخذ للضعيف من القوي .
1) في المخطوط: سوت. وهو تحريف .
2) في المخطوط: يستقبلها. وهو تحريف .
3) هذا كما قال قائلهم : لفظك سعدك، وقولهم : الكلام الزين يسد الدين، وقوله صلى اللّه عليه وسلم : ذهب حسن الخلق بالخير الكثير .
4) ما بين المعقوفين معناه من الكامل، وفي المخطوط : منكم فلا أعزه بشر، وقد أثبت ما يعطي المعنى المباشر من الكامل بالتقريب لأن الخبر فيه متقارب الألفاظ مما هنا .
5) في المخطوط: ومنهم. وهو تحريف.
والثالث : صاحب خراج مستقصى لي ولا يظلم الرعية فإني غني عن ظلمهم .
ثم عض على إصبعه السبابة وقال : آه آه(1).
قيل : يا أَمير المؤمنين من هو الرابع؟
قال: صاحب بريد يكتب إليّ بخبر هؤلاء على الصحة .
وقدم إِلى المنصور رجلان أحدهما: شامي والآخر عراقي، وقد ولاهما خراج ناحيتهما، فقال للشامي بعدما وصاه وتقدم إِليه بما أَراد ما أعرفني بما في نفسك، كأني بك وقد خرجت من عندي فقلت : الزم الصحة يلزمك العمل .
وقال للعراقي بعدما وصاه : فلا . . . . (2)أَخرج عني واذهب إِلى عملك وواللّه لئن تعرضت لذلك لأبلغن من عقوبتك ما تستحقه .
قال : فوليا جميعاً ناصحاً.
وذكر إسحاق بن عيسى بن موسى
أن المنصور وَلَّى رجلاً من العرب حضرموت وكتب إِليه صاحب البريد أنه يكثر الخروج في طلب الصيد، وقد أعد بزاة (3)وكلابا كثيرة . فكتب إِليه :
ثكلتك أمك وعدمتك عشيرتك، ما هذه العدّة التي جمعتها لنكاية الوحوش إِنما استكفيناك أمور المسلمين ولم نستكفك أمور الوحش، سَلّم ما كنت تلي من عملتك إِلى فلان والحق بأَهلك ملوماً مدحوراً.
وذكر الهيثم بن عدي أن ابن عباس حدثه :
أن ابن هبيرة أَرسل إِلى المنصور وهو محصور بواسط والمنصور بإزائه : أني خارج يوم كذا وكذا وداعيك إِلى المبارزة، فقد بلغني تجبينك إياي .
فكتب إِليه :
يا ابن هبيرة [إنك](4)تتعد طورك جارٍ في عنان غيك يعدل الشيطان ما اللّه مكذبه ويقرب لك واللّه مباعده، فرويداً تتم الكلمة ويبلغ الكتاب أجله، وقد ضربت لك مثلي ومثلك : أن أسداً لقي خنزيراً، فقال له الخنزير: قاتلني.
فقال له الأسد : إِنما أنت خنزير ولست لي بكفؤ ولا نظير، ومتى فعلت الذي دعوتني إِليه فقتلتك، قيل قتل الأسد خنزيراً، فلم اعتقد بذلك فخراً ولا ذكراً، فإن نالني
1) في الكامل : ثم عض على إصبعه السبابة ثلاث مرات يقول في كل مرة : آه آه .
2) موضع النقط كلمة في المخطوط هذا رسمها «ا-حر» وربما كانت أتحيز واللّه أعلم .
3) الباز: طير من الطيور الجارحة التي تدرب على الصيد مثل الصقور والكلاب.
4) سقط من المخطوط ، واثبته من الكامل والعبارات شبه ما هي بالكامل مع اختلاف يسير جداً.
منك شيء كان سبة عَلَيَّ .
فقال : إن أنت لم تفعل رجعت إِلى السباع فأعلمتها أنك نكلت عني وجبنت عن قتالي .
فقال الأسد : احتمالي عار كذبك أيسر من لطخ شاربي بدمك وذكر لأَبي جعفر تدبير هشام بن عبد الملك في حرب كانت له، فبعث إِلى رجل يصحبه قديماً ينزل الرصافة هشام - يسأله عن تلك الحرب، فقدم عليه فقال : أنت صاحب هشام؟
قال : نعم يا أَمير المؤمنين.
قال : فأَخبرني كيف صنع في حرب دبرها في سنة كذا؟
فقال له : عمل فيها رحمة اللّه عليه كذا وكذا، ثم اتبع بأن فعل رضي اللّه عنه كذا وكذا .
فحفظ(1)[50/ب] ذلك المنصور فقال : قم غضب اللّه عليك تطأ بساطي، وتترحم على عدوي.
فقام الشيخ، وهو يقول : إن لعدوك قلادة في عنقي ومنة في رقبتي لا ينزعها إلا غاسلي(2). فأمر برده، وقال: اقعد كيف قلت؟
وما صنع بك؟
فقال : إنه كفاني الطلب وصان وجهي عن السؤال، فلم أقف على باب عربي ولا عجمي منذ رأيته، أفلا يجب عَلَيَّ أن أذكره بخير واتبعه ثنائي؟
قال : بلى واللّه، للّه أُمّ نهضت عنك (3)، وليلة أديك ، أشهد أنك نهيض حر، وغراس كريم.
ثم استمع منه وأمر له ببر(4).
فقال : يا أَمير المؤمنين، ما أخذ لحاجة وما هو إلا تشرف بجنابك ونجح بصلتك، وأخذ الصلة، وخرج.
فقال المنصور : لمثل هذا تحسن الصنيعة، ويوضع المعروف، ويجاد بالمصون،
1) أي أثار غضبه وجلى عن حفيظته ما كانت تضمر ولا تريد أن تظهر ما في مكنونها .
2) أي من يتولى غسلي بعد موتي يريد لا أنساها له طول حياتي أو مدى عُمري .
3) أي قامت عنك عند ولادتك، وهو نحو قولهم في العامية المصرية: هذا ولد ما ولدته ولادة. أي لا تلد النساء مثله أو قلّ أن تلد النساء مثله فطنة وذكاء ونبلاً وشجاعة وكرماً وجوداً .
4) أي صلة وإكرام تقديراً له .
وأين في عسكرنا مثله .
فأبطأ المنصور عن الخروج للناس والركوب .
فقال الناس هو عليل وأكثروا .
قال : فدخل الربيع عليه فقال : يا أَمير المؤمنين لك طول البقاء، الناس يقولون .
[قال] (1): ما يقولون؟
قال : يقولون عليل.
قال : فأطرق قليلاً، وقال: يا ربيع ما لنا والعامة؟! إِنما العامة تحتاج إِلى ثلاث خلال، فإذا فعل فما حاجتهم إذا أقيم لهم من ينظر في أحكامهم، وينصف بعضهم من بعض، ويؤمن سلبهم حتى [لا] (2)يخافوا ليلهم ونهارهم، ويسد ثغورهم وأطرافهم حتى لا يجيئهم عدوهم، وقد فعلنا ذلك بهم . [ثم ] (3)مكث أياماً وقال : يا ربيع اضرب (3) الطبل، فركب حتى رآه العامة.
وظفر المنصور برجل من كبراء بني أمية فقال : إني سائلك عن أشياء فاصدقني ولك الأمان .
قال : نعم .
فقال له المنصور : من أين أتي بنو أمية حتى انتشر أَمرهم؟
قال : من تضييع الأَخبار(4)
قال : أي الأموال وجدوها أنفع؟
قال : الجوهر .
قال: فعند من وجدوا الوفاء؟
قال : عند موإِليهم .
فأَراد المنصور أن يستعين في الأَخبار بأَهل بيته فقال: أضع منهم فاستعان بموإِليه .
.وكان المنصور يقول : ليس بإنسان أُسْدِيَ إِليه معروف فنسيه قبل الموت.
وكان يقول : العرب تقول : العرى القادح خير من الزِّي الفاضح(5).
ودخل على المنصور رجل من أَهل العلم فازدراه واقتحمته عينه، فجعل لا يسأله عن شيء إلا وجده عنده .
فقال له : أنّى لك هذا العلم؟
قال : لم أبخل بعلم علمته، ولم استح من علم أتعلمه قال : فمن هناك؟!
وكان المنصور كثيراً ما يقول: من فعل تدبير وقال في غير تقدير لم يعدم من الناس هازئاً ولا حياً .
وكان المنصور يقول : الملوك تحمل كل شيء من أَصحابها إلا ثلاثاً: إفشاء السر، والتعرض للحرمة والقدح بالملك .
ولما حمل عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي إِلى المنصور بعد خروجه عليه قال له : يا أَمير المؤمنين، قتلة كريمة.
قال: تركتها وراءك يا ابن اللحناء(1).
وخطب يوماً بمدينة السلام سنة اثنين وخمسين ومائة فقال :
لا تظالموا فإنها ظلمة يوم القيامة، واللّه لولا يد خاطئه، وظلم ظالم لمشيت بين أظهركم وأسواقكم ، ولو علمت مكان من هو أحق مني بهذا الأَمر لأتيته حتى أدفعها إِليه .
وقال يوماً :من علم أنه إِنما صنع إِلى نفسه لم يستبط الناس في شكرهم، ولم يستزدهم في ،مودته فلا تلتمس من غيرك فى شكر ما أتيته إِلى نفسك ووفيت به عرضك، واعلم أن طالب الحاجة إليك يكرم وجهه عن مسألتك، فأكرم وجهك عنه ردّه (2).
وخطب يوماً فقال :
الحمد للّه أَحمده وأستعين به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له .
فاعترض معترض عن يمينه ، فقال : أَيها الإنسان أذكرك ما ذَكَّرْتَ به .
فقطع الخطبة فقال : سمعاً سمعاً لمن حفظ عن اللّه وذكر به، وأعوذ باللّه أن
1) يريد تركت القتل الكريم فإِنما مكانه ميدان القتال وساحة الجهاد التي تركتها فهناك يكون القتل كريماً شريفاً، ولكن في مثل هذا الموضع فلا بد أن تصحبه المهانة والمذلة.
2) عفواً عانينا كثيراً من هؤلاء ظللنا عمرنا إِلى الآن لا نردهم فإذا بهم يظنون أن ذلك سذاجة منا لا كرم ولا كرامة ولا حسن عشرة لهم بل عدوها سفهاً منا حتى أظهرت لنا الأيام مقاصدهم فقليل هم الذين يصونون وجوههم أو يكرمونها قبل المسألة إن لم يكونوا قد عدموا، فاللّه أسأل أن يديم علينا نعيمه ولا يحوجنا إِلى سواه ما أبقانا ولا يجعلنا ممن يرد كريم الوجه والقصد والنية اللّهم آمين .
أكون جباراً عنيداً، وأن تأخذني العزة بالإثم، لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين . وأنت أَيها القائل، فواللّه ما أردت بهذا اصلاحاً، ولكنك حاولت أن يقال : قام فلان فقال فعوقب فصبروا وأهون بها ويحك لو هممت فاهتبلها إذ عفوت وإياكم أَيها الناس وأختها، فإن الحكمة علينا [51/أ] نزلت ومن عندنا فُصِّلَتْ، فردوا الأَمر إِلى أَهله بوروده و بصدوده.
ثم عاود في خطبته، فكإِنما يقرأها من راحته :
وأشهدت محمداً عبده ورسوله.
وخطب المنصور بالمدائن عند قتل أَبي ،مسلم فقال : أَيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إِلى وحشة المعصية ولا تُسروا غش الأئمة، فإن لم يُسر أحد منكم قط منكرة إلا ظهرت في أتريده (1)وفلتات لسانه وأبداها اللّه لإمامه بإعزاز دينه وإعلاء حقه أنا لم نبخسكم(2)حقوقكم ، ولم يُبخس الدين حقه عليكم إنه من نازعنا عروة هذا القميص أحرزناه جنى هذا الغمد(3).
وأن أَبا مسلم بايعنا وبايع لنا على أنه من نكث بنا فقد أَبا ح دمه، ثم نكث بنا فحكمنا عليه حكمه على غيره لنا (4).
ولم تمنعنا رعاية الحق له من أَقامتنا الحق عليه. وكتب صاحب أرمينية إِلى المنصور :
أن الجند شغبوا عليه وكسروا أقفال بيت المال، فأخذوا ما فيه .
فوقع في كتابه اعتزل عملنا مذموماً، ولو عقلت لم يشغبوا ولو قويت لم ينتهبوا.(5)
وهذا وما تقدم من كلامه ووصاياه يدل على فصاحته وبلاغته، وقد تقدم له أيضاً من الكتب وغيرها ما يدل على أنه كان واحد زمانه إلا أنه كان يبخل .
خلافة المهدي العباسی
وفي هذه السنة : بويع للمهدي واسمه : محمد بن عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس رضي اللّه عنه (1)
في هذه السنة : عزل المنصور موسى بن كعب عن الموصل، وكان قد بلغه عنه ما أسخطه عليه فأمر ابنه المهدي أن يسير إِلى الرقة وأظهر أنه يريد بيت المقدس وأمره أن يجعل طريقه على الموصل، فإذا صار بالبلد أخذ موسى وقيده واستعمل خالد بن برمك .
وكان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم، وأجله ثلاثة أيام فإن أحضر المال، وإلا قتله، فقال لابنه يحيى :
يا بني الق إخواننا عمارة بن حمزة، ومبارك عمارة بن حمزة ومباركاً التركي، وصالحاً صاحب المصلى وغيرهم وأعلمهم حالنا قال يحيى فأتيتهم، فمنهم من منعني من الدخول عليه، ووجه المال ومنهم من تجهمني بالرد ووجه المال سراً إلي .
قال : فأتيت عمارة بن حمزة ووجهه إِلى الحائط، فما أقبل به عليَّ، فسلمت فردَّ رداً ضعيفاً وقال : كيف أَبوك؟ فعرفته الحال وطلبت قرض مائة ألف .
فقال : إن أمكنني شيء فسيأتيك ، فانصرفت وأنا ألعنه من تيهِهِ، وحدثت أَبي بحديثه، وإذ قد أنفذ المال.
قال : فجمعنا في يومين ألف ألف وسبعمائة ألف وبقي ثلاثمائة ألف تبطل الجميع يتعذرها .
قال : فعبرت على الجسر وأنا مهموم، فوثب إليَّ زاجر فقال: فرح الطائر أخبرك، فطويته فلحقني، وأخذ بلجام دابتي وقال لي : أنت مهموم ، وواللّه لتفرحن ولتمرن غداً في هذا الموضع واللواء بين يديك فعجبت من قوله .
فقال : إن كان ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم؟
فقلت: نعم، وأنا استبعد ذلك، وورد على المنصور انتقاض الموصل والجزيرة، وانتشار الأكراد بها . فقال : من لها؟
فقال المسيب بن زهير عندي يا أَمير المؤمنين رأي أعلم أنك لا تقبله مني، وأعلم أنك ترده عليّ، ولكني لا أدع نصحك .
قال : قل - قلت :ما لها مثل خالد بن برمك .
قال : فكيف يصلح لنا بعد ما فعلنا؟ قال : إِنما قوَّمته بذلك، وأنا الضامن له .
قال : فليحضرني غداً.
فأحضره فصفح له عن الثلاثمائة ألف الباقية وعقد له، وعقد لابنه يحيى على أذربيجان، فاجتاز يحيى بالزاجر، فأخذه معه ، وأعطاه خمسين ألف درهم. وانفذ خالد إِلى عمارة بالمائة ألف التي أخذها منه ابنه يحيى، فقال له صيرفياً كنت لأَبيك!! قم عني لا قمت .
فعاد بالمال، وسار مع المهدي، فعزل موسى بن كعب ،وولأهما، فلم يزل خالد على الموصل، وابنه يحيى على اذربيجان إِلى أن توفي المنصور.
فذكر أَحمد بن محمد بن سوار الموصلي قال : ما هبنا أَميراً قط هيبتنا خالداً من غير أن يشتد علينا ولكن هيبة له كانت في صدورنا.
ذكر صفة المنصور وأولاده :
كان اسمر نحيفاً خفيف العارضين ولد بالحميمة من أرض الشراة.
وأما أولاده فالمهدي واسمه محمد، وجعفر الأكبر، وأمهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور الحميدي، وكانت تكنى أم موسى ومات جعفر قبل المنصور. ومنهم سليمان وعيسى ويعقوب أمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد اللّه . وجعفر الأصفر وأمه أم ولد كردية وكان يقال له ابن الكردية .
وصالح المسكين، أمه أم ولد رومية.
والقاسم مات قبل المنصور، وله عشر سنين، أمه أم ولد تعرف بأم القاسم، ولها بباب الشام بستان يعرف ببستان أم القاسم . والعالية، أمها امرأة من بني أمية .
أما تفاصيل خبر ولاية المهدي التي ذكر ما المؤلف هنا ،مختصرة فقد فصلها لنا ابن الأثير فقال: ذكر علي بن محمد النوفلي عن أَبيه، قال: خرجت من البصرة حاجاً فاجتمعت بالمنصور، بذات عرق وكنت أسلم عليه كلما ركب وقد أشفى على الموت، فلما صار ببئر میمون نزل به ودخلنا مكة، فقضيت عمرتي، وكنت أختلف إِلى المنصور، فلما كان في الليلة التي مات فيها ولم نعلم صليت الصبح بمكة وركبت أنا ومحمد بن عون بن عبد اللّه بن الحارث، وكان من مشايخ بني هاشم وسادتهم، فلما صرنا بالأبطح لقينا العباس بن محمد و محمد بن سليمان في خيل إِلى مكة فسلمنا عليهما ومضينا فقلت لمحمد أحسب الرجل قد مات فكان كذلك ثم أتينا العسكر فإذا موسى بن المهدي قد صدر عند عمود السرادق، والقاسم بن المنصور في ناحية من السرادق وقد كان قبل ذلك يسير بين المنصور وبين صاحب الشرطة ورفع الناس إِليه القصص.
فلما رأيته علمت أن المنصور قد مات وأقبل الحسن بن زيد العلوي، وجاء الناس حتى ملؤوا السرادق وسمعنا همساً من بكاء، وخرج أَبو العنبر خادم المنصور مشق الأقبية وعلى رأسه التراب، وصاح وأَمير المؤمنيناه فما بقي أحد إلا قام ثم تقدموا ليدخلوا عليه، فمنعهم الخدم . وقال ابن عياش المنتوف سبحان اللّه أما شهدتم موت خليفة قط، اجلسوا فجلسوا وقام القاسم فشق ثيابه ووضع التراب على رأسه، وموسى جالس على حاله، ثم خرج الربيع وفي يده قرطاس ففتحه، فقرأه، فإذا فيه :
بِسمِ اللّهِ الرَّحمن الرَّحيم
من عبد اللّه المنصور أَمير المؤمنين إِلى من خلف بعده من بني هاشم وشيعته من أَهل خراسان، وعامة المسلمين، ثم ألقى القرطاس من يده وبكى وبكى الناس ثم قال : قد أمكنكم البكاء فأنصتوا رحمكم اللّه ثم قرأ:
أما بعد: فإني كتبت كتابي هذا وأنا حي في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة أقرأ عليكم السلام وأسأل اللّه أن لا يفتنكم بعدي، ولا يلبسكم شيعاً، ولا يذيق بعضكم بأس بعض. ثم أخذ
في وصيتهم بالمهدي، وإذكارهم البيعة له وحثهم على الوفاء بعهده، ثم تناول يد الحسن
ابن زيد، وقال: قم فبايع، فقام إِلى موسى فبايعه، ثم بايعه الناس الأول فالأول ثم أدخل بني هاشم على المنصور وهو في أكفانه مكشوف الرأس فحملناه حتى أتينا به مكة ثلاثة أميال، فكأني أنظر إِليه والريح تحرك شعر صدغيه، وذلك أنه كان وفّر شعره للحلق، وقد نصل خضابه حتى أتينا به حفرته .
وكان أول شيء ارتفع به علي بن عيسى بن ماهان أن عيسى بن موسى أبى من البيعة، فقال علي بن عيسى بن ماهان : واللّه ليتابعن أو لأضر بن عنقك، فبايع. ثم وجه موسى بن المهدي والربيع إِلى المهدي خبر وفاة المنصور وبالبيعة له مع منارة مولى المنصور، وبعث أيضاً بالقضيب وبُردة النبي ، وبخاتم الخلافة وخرجوا من مكة .
فقدم الخبر على المهدي مع منارة منتصف ذي الحجة، فبايعه أَهل بغداد.
وقيل : إن الربيع كتم موت المنصور والبَسَه وسَنَدَه، وجعل على وجهه كلة خفيفة يرى شخصه منها ، ولا يفهم أمره، وأدنى أَهله منه أمره، وأدنى أَهله منه، ثم قرَّب منه الربيع كأنه يخاطبه ثم رجع إِليهم وأَمرهم عنه بتجديد البيعة للمهدي، فبايعوا، ثم أَخرجهم، وخرج إِليهم باكياً مشقق الجيب لاطماً رأسه .
فلما بلغ ذلك المهدي أنكره على الربيع وقال : أما منعتك جلالة أَمير المؤمنين إن فعلت به ما فعلت؟!
وقيل ضربه ولم يصح ضربه .
وفي هذه السنة : عزل المنصور المسيب بن زهير عن الشرطة وحبسه مقيداً وسبب ذلك :
أنه ضرب أَبان بن بشير الكاتب بالسياط حتى قتله لأنه كان شريك أَخيه عمرو بن زهير في ولاية الكوفة، واستعمل على شرطته الحكم بن يوسف صاحب الحراب .
ثم كلم المهدي في المسيبي فرضي عنه، وأعاده إِلى شرطته .
وفيها استعمل المنصور نصر بن حرب بن عبد اللّه على ثغر فارس .
وفيها : عاد المهدي من الرقة في شهر رمضان.
وفيها : غزا الصائفة معيوف بن يحيى من درب الحدث فلقي ،العدو، فاقتتلوا ثم تحاجزوا.
وفي هذه السنة غزا عبد الرحمن صاحب الأندلس مدينة قورية وقصد البربر الذين كانوا خلقاً أسلموا عامله إِلى شقنا فقتل منهم من أعيانهم واتبع شقنا حتى جاوز القصر الأَبيض، والدرب، ففاته .
وفيها :مات أورالي ملك جليقية، وكان ملكه ست سنين، وملك بعده شيالون . وفيها توفي مالك بن مغول الفقيه البجلي بالكوفة .
وحيوة بن شريح بن مسلم الحضرمي المصري. وكان العامل على مكة، والطائف إِبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد اللّه وعلى المدينة : عبد الصمد بن علي .
وعلى الكوفة : عمرو بن زهير الضبي .
وقيل: إسماعيل بن إسماعيل الثقفي، وعلى قضائها شريك بن عبد اللّه النخعي، وعلى خراجها ثابت بن موسى.
وعلى خراسان: حمید بن قحطية .
وعلى قضاء بغداد عبد اللّه بن محمد بن صفوان وعلى الشرطة بها عمر بن عبد الرحمن أخو عبد الجبار بن عبد الرحمن. وقيل : موسى بن كعب.
وعلى خراج البصرة وأرضها عمارة بن حمزة وعلى قضائها والصلاة عبيد اللّه بن الحسن العنبري .
وأصاب الناس هذه السنة وباء عظيم.
1) هذا كل ما ذكره المؤلف في أحداث تلك السنة وقد ترك كثير من أهم أحداثها وأنا أنقل من الكامل بعضاً من تلك الأحداث إذ قال ابن الأثير :
ودخلت سنة تسع وخمسين ومائة
وفيها: أمر المهدي بإطلاق من كان في سجن المنصور، إلا من كان قبله تباعة في دم أو من كان معروفاً بالبغي في الأرض بالفساد، وكان لأحد قبله مظلمة أو حق، فأطلقوا .
وكان ممن أطلق من المطبق يعقوب بن داود مولى بني سليم، وكان معه في ذلك السجن محبوساً الحسن بن إِبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن طالب عليه السلام فلم يطلق . وارتفع يعقوب بن داود واختص بالمهدي حتى سماه أخاً في اللّه .
ذكر السبب في ذلك
لما أطلق يعقوب بن داود ولم يطلق الحسن بن إِبراهيم، ساء ظن الحسن وخاف على نفسه، فالتمس مخرجاً لنفسه وخلاصاً فبعث إِلى بعض ثقاته، فحفر له سرباً من موضع مسامت (1)الموضع الذي هو فيه محبوس، وكان يعقوب بن داود بعد أن أطلق يطيف بابن علاثة وهو قاضي المهدي بمدينة السلام ويلزمه حتى أنس، وعرف يعقوب ما عزم عليه الحسن بن إِبراهيم من الحرب فأتى ابن علاثة فأَخبره أن عنده نصيحة للمهدي وسأله إيصاله إِلى أَبي عبيد اللّه، فسأله عن تلك النصيحة فإنه لم يجزه فوتها.
فانطلق ابن علاثة إِلى أَبي عبيد اللّه فأَخبره خبر يعقوب وما جاء به، فأمر بإدخاله عليه فلما دخل على المهدي شكر له بلاء عنده في إطلاقه إياه، ثم أخبره أن له عنده نصيحة، فسأله عنها بمحضر أَبي عبيد اللّه وابن علاثة، فاستخلاه منهما .
فأعلمه المهدي ثقته بهما ، فأبى أن يبوح له بشيء حتى يقوما.
فأَقامهما المهدي وخلاه ، فأَخبره خبر الحسن بن إِبراهيم، وما أجمع به، وأن ذلك كائن من ليلته المستقبلة .
فوجه المهدي من يثق به ليأتيه بخبره فأتاه بتحقيق ذلك ما أخبره به يعقوب.
فأمر بتحويله إِلى نصر، فلم يزل في محبسه إِلى أن احتال أو احتيل ،له فخرج هارباً، وافتقد فشاع هر به فلم يظفر به .
وتذكر المهدي دلالة يعقوب إياه كانت عليه فرجا عنده من الدلالة عليه مثل الذي كان منه في أمره.
1) أي مقابل أو بإزاء الموضع الذي هو فيه حتى يتمكن من الخروج منه والهرب.
فسأل أَبا عبيد اللّه عنه فأَخبره أنه ماض وقد كان لزم أَبا عبيد اللّه، فدعا به المهدي خالياً، فذكر له ما كان فعله في أمر الحسن بن إِبراهيم أولاً ونصحه له فيه وأخبره بما حدث من أمره.
فأَخبره يعقوب أنه لا علم له بمكانه وأنه إن أعطاه أماناً يثق به ضمن له أن يأتيه به على أن يتم له على أمانه ويصله ويحسن إِليه .
فأعطاه المهدي ذلك في مجلسه وضمنه له فقال له يعقوب: فأله(1)يا أَمير المؤمنين عن ذكره ودع طلبه، فإن ذلك يوحشه ودعني وإياه حتى احتال لك فآتيك به . وأعطاه [51/ب] المهدي ذلك .
قال يعقوب: يا أَمير المؤمنين، قد بسطت عدلك لرعيتك وانصفتهم وعممتهم بخيرك وفضلك فعظم رجاءهم وانفسحت ،آمالهم وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لم يدع النظر فيها بمثل ما فعلت في غيرها، وأشياء مع ذلك خلف بابك يعمل بها لا تعلمها، فإن جعلت لي السبيل إِلى الدخول عليك، وأذنت لي في رفعها إليك فعلت .
فأعطاه المهدي ذلك كله وجعله إِليه وصير سليماً الخادم الأسود خادم المنصور وسببه واعلام المهدي بمكانه كلما أَراد الدخول. وكان يعقوب يدخل على المهدي ليلاً ويرفع إِليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمر الثغور وبناء الحصون، وتقوية الغزاة، وتزويج العزاب وفكاك الأساري والمحبوسين والقضاء عن الغارمين، والصدقة على المتعففين فحظي(2)
وعلت منزلته حتى سقطت منزلة أَبي عبيد اللّه وحبس وكتب المهدي توقيعاً بأنه قد اتخذه أخاً في اللّه ووصله بمائة ألف .
بذلك عنده ، وربما رجا أن ينال به من الظفر بالحسن ابن إِبراهيم، واتخذه أخاً في اللّه تعالى .وأَخرج بذلك توقيعاً يثبت في الدواوين، ووصله بمائة ألف، وكانت أول صلة وصله بها.
فلم تزل منزلته تنمي وتعلو وتصعد إِلى أن يصير الحسن بن إِبراهيم في يد المهدي.
وفي هذه السنة :
تحرك قوم من الشيعة ووجوه أَهل ،خراسان وسعوا في خلع عيسى بن موسى، وتصير ولاية العهد لموسى بن المهدي.
فكتب المهدي على عيسى بن موسى وهو بالكوفة بالقدوم عليه .
فأحس عيسى بما يُراد منه، فامتنع حتى خشي من انتقاضه، وألح المهدي عليه حتى كتب إِليه :
إنك إذا(1)امتنعت من المجيء استحللت منك لمعصيتك ما يستحل من العاصي، وإن أجبتني وخلعت نفسك حتى أَبا يع لموسى وهارون عوضتك ما هو أجدى عليك وأعجل نفعاً .
فأجابه فبايع لهما وأمر له بعشرة آلاف درهم وقيل بعشرين ألف ألف، وقطائع.
وامتنع وراوغ، فوجه إِليه محمد بن فروخ وهو أَبو هريرة القائد في ألف رجل من أَصحابه ذوي البصائر في التشيع وجعل مع كل رجل منهم طبلاً وأَمرهم أن يضربوا جميعاً ،بطبولهم فراع ذلك عيسى بن موسى ورعاً شديداً.
ثم دخل عليه أَبو هريرة فأمره بالشخوص، فاعتل بالشكوى، فلم يقبل ذلك منه وأشخصه من ساعته إِلى مدينة السلام (2)
وذكر ابن الأثير أحداث أخرى كثيرة لم يذكرها المؤلف هنا وهي قول ابن الأثير:
وفي هذه السنة : قبل موت حميد بن قحطبة ظهر المقنع بخراسان وكان رجلاً أعور قصيراً من أَهل مرو، ويسمي حكيماً، وكان اتخذ وجهاً من ذهب فجعله على وجهه لئلا يُرى، فسمي: المقنع، وادعى الألوهية ولم يظهر ذلك إِلى جميع أَصحابه .
وكان يقول : إن اللّه خلق آدم فتحول في صورته، ثم في صورة نوح، وهلم جرا إِلى أَبي مسلم الخراساني ثم تحول إِلى هاشم.
و هاشم في دعواه هو المقنع ويقول بالتناسخ، وتابعه خلق من ضلال الناس وكانوا يسجدون له من أي النواحي كانوا وكانوا يقولون في الرحب يا هاشم أعنا.
واجتمع إِليه خلق كثير وتحصنوا في قلعة بسيام وسنجردة وهي من رساتيق كش. وظهرت المبيضة ببخارى والصغد معاونين له وأعانه كفار الأتراك وأغاروا على أموال المسلمين، وكان يعتقد أن أَبا مسلم أفضل من النبي صلى اللّه عليه وسلم.
وكان ينكر قتل يحيى بن زيد وادعى أنه يقتل قاتليه واجتمعوا بكش وغلبوا على بعض قصورها وعلى قلعة نواكث وحاربهم أَبو النعمان والجنيد وليث بن نصر مرة بعد مرة وقتلوا حسان بن تميم بن نصر بن سيار ومحمد بن نصر وغيرهما وأنفد إِليهم جبرائيل بن يحيى، وأخاه يزيد فاشتغلوا بالمبيضة الذين كانوا ببخارى فقاتلوهم أَربعة أشهر في مدينة بومجكت ونقبها عليهم فقتل منهم سبعمائة وقتل الحكم ولحق منهزموهم بالمقنع وتبعهم جبرائيل وحاربهم ثم سير المهدي أبا عون لمحاربة المقنع فلم يبالغ في قتاله واستعمل معاذ بن مسلم.
وفي هذه السنة : عزل المهدي إسماعيل عن الكوفة واستعمل عليها إسحاق الصباح الكندي، ثم الأشعني وقيل عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب .
وفيها : عُزل سعيد بن دعلج عن أحداث البصرة، وعبيد اللّه بن الحسن عن الصلاة، واستعمل مكانهما عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري وأمره بإنصاف من تظلم من سعيد بن دعلج ، ثم صرفت الأحداث فيها إِلى عمارة بن حمزة فولاها المسور بن عبد اللّه الباهلي . وفيها عُزل قثم بن العباس عن اليمامة عن سخطه فوصل كتاب ،عزله وقد مات واستعمل مكانه بشر بن المنذر البجلي .
وفيها : عُزل الهيثم بن سعيد عن الجزيرة، واستعمل عليها الفضل بن صالح .
وفيها: أعتق المهدي الخيزران أم ولده، وتزوجها وهي أم الهادي والرشيد، وتزوج أم عبد اللّه بنت صالح بن علي أخت الفضل وعبد الملك.
وفيها: احترقت السفن عند قصر عيسى ببغداد بما فيها، واحترق ناس كثير .
وفيها : عُزل مطر مولى المنصور عن مصر، واستعمل عليها أَبو ضمرة محمد بن سليمان .
وفيها : غزا العباس بن محمد الصائفة الرومية، وعلى مقدمته الحسن الوصيف فبلغوا أنقرة وفتحوا مدينة للروم ومطمورة، ولم يصب من المسلمين أحد، ورجعوا سالمين.
وفيها : ولي حمزة بن يحيى سجستان وجبرائيل بن يحيى سمرقند فبنى سورها وحفر خندقها.
وفيها : عزل عبد الصمد بن علي عن المدينة واستعمل عليها محمد بن عبد اللّه الكثيري، ثم ،عزله واستعمل مكانه محمد بن عبيد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان الجمحي .
وفيها: بنى المهدي سور الرصافة، ومسجدها، وحفر خندقها.
وفيها : توفي معبد بن الخليل بالسند، وهو عامل المهدي عليها واستعمل مكانه روح بن حاتم، أَشار به أَبو عبيد اللّه وزير المهدي .
وفيها: توفي حميد بن قحطبة وهو عامل المهدي على خراسان واستعمل المهدي بعده عليها أَبا عون عبد الملك بن يزيد.
وحج بالناس هذه السنة : يزيد بن منصور خال المهدي عند قدومه من اليمن. وكان المهدي قد كتب إِليه بالقدوم عليه، وتوليته الموسم .
وكان أَمير المدينة عبد اللّه بن صفوان الجمحي، وعلى أحداث الكوفة : اسحاق بن الصباح الكندي، وعلى خراجها ثابت بن موسى وعلى قضائها شريك .
وعلى صلاة البصرة عبد الملك بن أيوب وعلى أحداثها عمارة بن حمزة وعلى قضائها عبيد اللّه بن الحسن .
وعلى كور دجلة، وكور الأهواز وكور فارس عمارة بن حمزة.
وعلى السند: بسطام بن عمرو.
وعلى اليمن: رجاء بن روح.
وعلى اليمامة : بشر بن المنذر .
و على خراسان: أَبو عون عبد الملك بن يزيد، وكان حميد بن قحطبة قد مات فيها فولى المهدي أَبا عون .
وكان على الجزيرة: الفضل بن صالح. وعلى أفريقية : يزيد بن حاتم.
وعلى مصر : أَبو ضمرة محمد بن سليمان.
وفيها :كان شقنا قد انتشر في نواحي شنت برية فسير إِليه عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشاً ففارق مكانه وصعد الجبال كعادته فعاد الجيش عنه .
وفيها : مات محمد بن عبد الرحمن بن أَبي ذئب الفقيه بالكوفة ، وهو مدني وعمره تسع وسبعون سنة . وفيها توفي عبد العزيز بن أَبي ،رواد مولى المغيرة بن المهلب .
ويونس بن أَبي اسحاق السبيعي الهمداني، ومخرمة بن بكير بن عبد اللّه بن الأشج المصري. وحسين بن واقد مولى ابن عامر وكان على قضاء مرو، وكان يشتري الشيء من السوق فيحمله إِلى عياله
.ودخلت سنة ستين ومائة
وفيها : قدم(1)
فلم يقدم عليه، وخيف انتفاضة، فوجه إِليه المهدي عمه العباس بن محمد برسالة وكتب يستدعيه فلم يحضر معه فلما عاد العباس وجه المهدي إِليه أَبا هريرة محمد بن فروخ القائد في ألف من في أَصحابه ذوي البصائر في التشيع للمهدي، وجعل مع كل واحد منهم طبلاً، وأَمرهم أن يضربوا طبولهم جميعاً عند قدومهم إِليه، فوصلوا ،سحراً، وضربوا طبولهم فارتاع عيسى روعاً شديداً، ودخل عليه أَبو هريرة، وأمره بالشخوص معه فاعتل بالشكوى، فلم يقبل منه، وأخذه معه، فلما قدم عيسى بن موسى نزل دار محمد بن سليمان في عسكر المهدي فأَقام أياماً يختلف إِلى المهدي ولا يكلم بشيء ... ثم ساق الخبر كما هنا .
قلت: لا ضير فإن كل العصور تذخر بصناع الفتاوى والذين يقومون بتفصيلها حسب المقاس والطلب وهوى الحاكم وهوى من يدفع لهم أكثر مثل هذا ما تراه بآخر تلك القصة، فهو تلفيق إن كنت لا أقر الموضوع إجمالاً غير أني أعتبر ولا أتعجب فقد أفناهم جميعاً الموت وأمام اللّه وقفوا جميعاً حكاماً ومفتين سائلاً اللّه لي وللمسلمين حسن الختام.
عيسى بن موسى مع أَبي هريرة لست خلون من المحرم، وأَقام أياماً يختلف على المهدي على رسمه لا يُكلم ولا يرى جفوة ولا مكروهاً حتى نسي بعض الأنس، ثم حضر الدار يوماً قبل جلوس المهدي، فدخل مجلساً كان يكون للربيع في مقصورة صغيرة عليها باب وقد اجتمع رؤساء الشيعة في ذلك اليوم على خلعه والوثوب به .ففعلوا ذلك وضربوا الباب بحديدهم وعمدهم فهشموا الباب وكادوا يكسرونه وشتموه أقبح شتم.
فأظهر المهدي إنكاراً لذلك، فلم يرعهم ذلك بل زادوا إِلى أن كاشفة ذو الأسنان من قومه وأَهل بيته بحضرة المهدي وأَبوا إلا خلعه وشتموه في وجهه، وكان أشدهم عليه محمد بن سليمان.
فلما رأى المهدي ذلك من رأيهم أمر عيسى بموافقتهم ودعاه إِلى الخروج مما له من العهد في أعناق المسلمين وتحليلهم منه، فأبى وذكر أن عليه أيماناً محرجة في ماله .وأَهله فأهزله من الفقهاء والقضاة منهم محمد بن عبد اللّه بن علاثة وغيرهم من أثناه بأن يبتاع أَمير المؤمنين ماله في أعناق الناس بماله فيه رضاه بما يخرج له من ماله لما
1) قال ابن الأثير قبل ذلك في الكامل : كان جماعة من بني هاشم وشيعة المهدي قد خاضوا في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد والبيعة لموسى الهادي بن المهدي، فلما علم المهدي بذلك سَرَّهُ، وكتب إِلى عيسى بن موسى بالقدوم عليه وهو بقرية الرحبة من أعمال الكوفة، فأحس عيسى بالذي يراد منه فامتنع من القدوم، فاستعمل المهدي على الكوفة روح بن حاتم للإضرار به، فلم يجد روح إِلى الإضرار به سبيلاً لأنه كان لا يقرب البلد إلا كل جمعة أو يوم عيد، وألح المهدي عليه وقال له : إنك إن لم تجبني إِلى أن تنخلع من ولاية العهد لموسى، وهارون استحللت منك بمعصيتك ما يستحل من أَهل المعاصي، وإن أجبتني عوضتك منها ما هو أجدى عليك وأعجل نفعاً .
يلزمه من الحث في ثمنه وهو عشرة آلاف ألف درهم وضياع بالزاب الأعلى وكسكر، فقبل ذلك عيسى وخلع نفسه على المنبر وبويع لموسى بعد المهدي وكتب عليه بذلك كتابا قرئ بحضرة الأشراف والقضاة والعدول فاعترف وبذل خطه فيه وشهد فيه أربعمائة وثلاثون رجلاً من بني هاشم [52/أ] وأَصحابه من قريش والموالي والوزراء، والكتاب والقضاة.
وفي هذه السنة: حج المهدي بالناس وحج معه ابنه هارون وجماعة من أَهل بيته(1)
وحج بالناس هذه السنة المهدي واستخلف على بغداد ابنه موسى وخاله يزيد بن منصور، واستصحب معه جماعة من أَهل بيته وابنه هارون الرشيد وكان معه يعقوب بن داود . . .
، وكان ممن شخص معه يعقوب بن داود على منزلته الرفيعة التي كانت عنده فأتاه حين وافى مكة بالحسن بن إِبراهيم بن عبد اللّه، الذي كان استأمن له فأحسن المهدي صلته وجائزته، وأقطعه مالاً من القوافي بالحجاز .وفيها: نزع المهدي كسوة الكعبة التي كانت عليها وكساها كسوة جديدة.
وذلك أن حجبة الكعبة رفعوا إِليه أنهم يخافون أن تهدم لكثرة ما عليها من الكسوة. فأمر بتنحية ما عليها حتى بقية مجردة، ثم طلي البيت بالخلوق وكسي .
وحكي أنهم لما بلغوا كسوة هاشم وجدوها ديباجاً ثخيناً، ووجدوا كسوة من كان قبله عامتها من متاع اليمن.
وتسلم المهدي في هذه السنة مالاً عظيماً من مكة والمدينة.
فذكر أنه قسم في تلك السفرة ثلاثين ألف ألف درهم حملت معه .
ووصل إِليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار فوهب ذلك
كله وفرق من الثياب مائة ألف وخمسين ألف ثوب ووسع مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (2)، وأمر بنزع المقصورة التي في المسجد فنزعت وأَراد أن ينفض منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيعيده إِلى ما كان عليه، ويلقى منه ما كان معاوية زاد فيه، فشاور في ذلك مالك بن أنس، فقيل له : إن المسامير قد شكلت في الخشب الذي أحدثه معه في الخشب الأول، وهو عتيق، ولا تأمن إن خرجت المسأَمير التي فيه وزعزعت أن يتكسر، فتركه المهدي على ذلك (3)
وقد قيل : إنه كان حرورياً وتغلب على بوشنج وعليها مصعب بن زريق جد طاهر بن الحسين فهرب منه وتغلّب أيضاً على مروا الروذ، والطالقان، والجوزجان وقد كان من جملة أَصحابه أَبو معاذ الفريابي فقبض معه .
ذكر فتح مدينة باريد :
كان المهدي قد سيَّر سنة تسع وخمسين ومائة جيشاً في البحر وعليهم عبد الملك بن شهاب المسمعي إِلى بلاد الهند في جمع كثير من الجند والمقطوعة، وفيهم الربيع بن صبيح فساروا حتى نزلوا على ،باربد فلما نزلوها حصروها من نواحيها وحرّض الناس بعضهم بعضا على الجهاد وضايقوا أَهلها ففتحها اللّه عليهم هذه السنة عنوة، واحتمى أَهلها باليد الذي لهم فأحرقه المسلمون عليهم فاحترق بعضهم وقتل الباقون واستشهد من المسلمين بضعة وعشرون رجلاً، وأفاءها اللّه عليهم، فهاج عليهم البحر ، فأَقاموا إِلى أن يطيب فأصابهم مرض في أفواههم يقال له حمام ،قر فمات منهم نحو من ألف رجل فيهم الربيع بن صبيح، ثم رجعوا فلما بلغوا ساحلاً من فارس يقال له : بحر حمران عصفت بهم الريح ليلا فانكسر عامة مراكبهم فغرق البعض ونجا البعض.
قيل :وفيها جعل أَبا ن بن صدقه كاتباً للّهارون الرشيد، ووزيراً له.
وفيها : عزل أَبو عون عن خراسان عن سخطة واستعمل عليها معاذ بن مسلم.
وفيها : غزا ثمامة بن العبس الصائفة وغزا الغمر بن العباس الخثعمي بحر الشام.
وفي هذه السنة : أمر المهدي برد نسب آل أَبي بكرة من ثقيف إِلى ولاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وسبب ذلك : إن رجلاً منهم رفع في ظلامته إِلى المهدي وتقرب إِليه فيها بولاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
فقال له المهدي : إن هذا نسب ما يقرون به إلا عند الحاجة والاضطرار إِلى التقرب إلينا.
فقال له : من جحد ذلك، يا أَمير المؤمنين؟ فإنا سنقر، وأنا أسألك أن تردني ومعشر آل أَبي بكرة إِلى نسبنا من ولاء رسول اللّه ، وتأمر بآل زياد فيخرجوا من نسبهم الذي ألحقوا به، ورغبوا عن قضاء رسول اللّه ، أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ويردوا إِلى عبيد في موالي ثقيف .
فأمر المهدي برد آل أَبي بكرة إِلى ولاء رسول اللّه له و كتب فيه إِلى محمد بن موسى بذلك، وأن من أقرّ منهم بذلك ترك ماله بيده، ومن أَبا ه اصطفى ماله ،فعرضهم فأجابوه جميعاً إلا ثلاثة نفر .
وكذلك أيضاً أمر برد نسب آل زياد إِلى عبيد، وأَخرجهم من قريش.
فكان الذي حمل المهدي على ذلك مع الذي ذكرناه : أن رجلاً من آل زياد قدم عليه يقال له : الصغدي بن سلم بن حرب بن زياد .
فقال له المهدي : من أنت ؟
فقال : ابن عمك ؟
فقال : أي بني عمي أنت؟
فذكر نسبه .
فقال المهدي : يا ابن سمية الزانية متى كنت ابن عمي؟ وغضب وأمر به فوجئ في عنقه، وأَخرج . وسأل عن استلحاق زياد ثم كتب إِلى العامل بالبصرة بإخراج آل زياد من ديوان قريش والعرب، وردهم إِلى ثقيف، وكتب في ذلك كتابا بالغاً، يذكر فيه استلحاق زياد ومخالفة حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه .
فأسقطوا من ديوان قريش، ثم إنهم بعد ذلك رشوا العمال حتى ردوهم إِلى ما كانوا عليه، فقال خالد النجار إن زياداً ونافعاً وأَبا بكرة عندي من أعجب العجب ذا قرشي كما يقولون وذا ...
مولی وهذا يزعمه عربي .
وفيها : أَرسل عبد الرحمن الأموي بالأندلس أَبا عثمان عبيد اللّه بن عثمان وتمام بن علقمة إِلى شقنا فحاصروه شهوراً بحصن شيطران وأعياهما أمره فقفلا عنه، ثم إن شقنا بعد عودهما عنه خرج من شيطران إِلى قرية شنت برية راكباً على بغلته التي تسمى الخلاصة، فاغتاله أَبو معن، وأَبو خزيم، وهما من أَصحابه فقتلوه، ولحقوا بعبد الرحمن ومعهما رأسه، فاستراح الناس من شره.
وفيها : داود بن نصير الطائي ،الزاهد وكان من أصحاب أَبي حنيفة .
وعبد الرحمن بن عبد اللّه بن عتبة بن عبد اللّه بن مسعود المسعودي أيضاً وشعبة بن الحجاج أَبو بسطام وكان عمره سبعاً وسبعين.
وإسرائيل بن يونس بن أَبي إسحاق السبيعي وقيل : توفي سنة أربع وستين .
وفيها :توفي الربيع بن مالك بن أَبي عامر عم مالك بن أنس الفقيه، كنيته أَبو مالك، وكانوا أَربعة أخوه أكبرهم أنس والد مالك، ثم أوس جد إسماعيل بن أوس ، ثم نافع، ثم الربيع.
وفيها : توفي خليفة بن خياط العصفري الليثي وهو جد خليفة بن خياط .
وفيها: توفي الخليل بن أَحمد البصري الفراهيدي النحوي الإِمام المشهور في النحو استاذ سيبويه .
.1) في الكامل بدأ الخبر على النحو التالي :
2) زاد ابن الأثير بعد ذلك فقال : وأخذ خمسمائة من الأنصار يكونون حرساً له بالعراق واقطعهم بالعراق وأجرى عليهم الأرزاق وحمل إِليه محمد بن سليمان الثلج إِلى مكة وكان أول خليفة حمل إِليه الثلج إِلى مكة، ورد المهدي على أَهل بيته وغيرهم وطائفهم التي كانت مقبوضة عنهم .
3) لم يرد ذكر هذا الخبر بالكامل، وزاد ابن الأثير في أحداث تلك السنة، فقال: في هذه السنة : خرج يوسف بن إِبراهيم المعروف ب- البرم بخراسان منكراً هو ومن معه على المهدي سيرته التي يسير بها واجتمع معه بشر كثير فتوجه إِليه يزيد بن مزيد الشيباني وهو ابن أخي معن بن زائدة فلقيه فاقتتلا حتى صارا إِلى المعانقة، فأسره يزيد بن مزيد وبعث به إِلى المهدي، وبعث معه وجوه أَصحابه، فلما بلغوا النهروان حمل يوسف على بعير قد حول وجهه إِلى ذنبه وأَصحابه مثله فأدخلهم الرصافة على تلك الحال، وقطعت يدا يوسف، ورجلاه، وقتل هو وأَصحابه وصلبوا على الجسر.
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة
وفيها: خرج حكيم بن المقنع بخراسان وكان يقول : بتناسخ الأرواح فاستغوى بشراً كثيراً وقوي وسار إِلى ما وراء النهر .
فوجه المهدي لقتاله عدة من القواد منهم معاذ بن مسلم، وهو يومئذ على خراسان، ثم أفرد المهدي لمحاربته سعيد الحرشي، وضم إِليه هؤلاء القواد، وابتدأ في جمع الطعام في خلعه....(1)عدة للحصار (2)
وطال الحصار على المقنع فطلب أَصحابه الأمان سراً منه فأجابهم الحرشي إِلى ذلك، فخرج نحو ثلاثين ألفاً، وبقي معه زهاء ألفين من أرباب البصائر .
وتحول رجاء بن معاذ وغيره فنزلوا خندق المقنع في أصل القلعة وضايقوه، فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وأَهله وسقاهم السم، فأتى عليهم وأمر أن يحرق هو بالنار لئلا يقدر على جثته .
وقيل: بل أحرق كل ما في قلعته من دابة وثوب وغير ذلك، ثم قال : من أحب أن أحب أن يرتفع معي إِلى السماء فليلق نفسه معي في هذه النار، وألقى بنفسه مع أَهله ونسائه وخواصه فاحترقوا ودخل العسكر القلعة فوجدوها خالية خاوية، وكان ذلك مما زاد في افتتان من بقي من أَصحابه الذين يسمون المبيضة بما وراء النهر من أَصحابه إلا أنهم يسرون اعتقادهم.
وقيل : بل شرب هو أيضاً من السم فمات فأنفذ الحرش رأسه إِلى المهدي، فوصل إِليه بحلب سنة ثلاث وستين ومائة في غزواته .
1) موضع النقط كلمة بالمخطوط هذا رسمها : «نكس». فربما سقط قبلها شيء، وربما تحرفت.
2) هذا ما ذكر المؤلف في قصته وقال ابن الأثير : في هذه السنة سار معاذ بن مسلم وجماعة من القواد والعساكر إِلى المقنع، وعلى مقدمته سعيد الحرشي، وأتاه عقبة بن مسلم من زم فاجتمع به بالطواويس وأوقعوا بأصحاب فهزموهم فقصد المنهزمون إِلى المقنع بستام فعمل خندقها وحصنها وأتاهم معاذ فحاربهم فجرى بينه وبين الحرش نفرة، فكتب الحرشي إِلى المهدي يقع في معاذ، ويضمن له الكفاية إن أفرده بحرب المقنع، فأجابه المهدي إِلى ذلك، فانفرد الحرشي بحربه، وأمده معاذ بابنه رجاء في جيش وبكل ما التمسه منه .
وفيها : ظفر نصر بن محمد بن الأشعث الخزاعي بعبد اللّه بن مروان بالشام ،فقدم به على المهدي، فجلس المهدي مجلساً عاماً في الرصافة وقال : من يعرف هذا؟
فقام عبد العزيز بن مسلم العقيلي فصار معه قائماً، ثم قال : أنا الحكم؟
قال : نعم .
قال : كيف كنت بعدي؟ ثم التفت إِلى المهدي فقال : نعم يا أَمير المؤمنين هذا عبد اللّه بن مروان .
فعجب الناس من جوابه ولم يعرض له المهدي بشيء.
ثم جاء بعد ذلك بأيام عمرو بن سهلة الأشعري فادعى أن عبد اللّه بن مروان [قتل أَباه وحاكمه عند ](1)
ثم جاء بعد ذلك بأيام عمرو بن سهلة الأشعري فادعى أن عبد اللّه بن مروان إِلى عافية القاضي وادعى إِليه فتوجه الحكم أن يقاد به وأَقام عليه البينة.
عافية القاضي [ فتوجه الحكم على عبد اللّه](2).فلما كاد الحكم يبرم، جاء عبد العزيز بن مسلم العقيلي إِلى عافية القاضي يتخطى رقاب الناس حتى صار إِليه فقال : زعم عمرو(3)بن سهلة أن اللّه عبد بن مروان قتل أَباه، كذب واللّه ما قتل أَباه ،غيري أنا قتلته بأمر وعبد اللّه بن مروان برئ من دمه فزالت عن عبد اللّه بن مروان الحكومة، ولم يعرض المهدي لعبد العزيز بن مسلم لأنه قتله بأمر مروان
وفيها : أمر المهدي يعقوب بن داود بتوجيه الأمناء في جميع الآفاق ففعل، وكان [لا](4)ينفذ المهدي كتاباً (5)إِلى عامل فيجوز حتى يكتب يعقوب بن داود بتوجيه إِلى ثقته وأمينه بإنفاذ (6)ذلك .
[وفيها]: اتضعت منزلة أَبي عبيد اللّه وزير المهدي.
ذكر السبب في ذلك
كان الربيع يخلف أَبا عبيد اللّه عند المنصور بجميع أيام مقامه بالري مع المهدي،
1) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل وقد أصاب النص في المخطوط سقط واضطرب فجاء السياق فيه على النحو التإِلى
2) ما بين المعقوفين زيادة من الكامل وقد أصاب النص في المخطوط سقط واضطرب فجاء السياق فيه على النحو التالى ثم جاء بعد ذلك بأيام عمرو بن سهلة الأشعري فادعى أن عبد اللّه بن مروان إِلى عافية القاضي وادعى إِليه فتوجه الحكم أن يقاد به وأَقام عليه البينة.
3) في المخطوط: عمر. وهو تحريف
4) زيادة من الكامل.
5) في المخطوط: كتاب والتصويب من الكامل
6) في الكامل : حتى يكتب يعقوب إِلى أمينه بانفاذ ذلك .
وكان الموالي يشنعون [على] أَبي عبيد اللّه عند المهدي، وكان أَبو عبيد اللّه يخاف تغير رأي المهدي له، فيكتب إِلى الربيع ولا تنقطع رسله عنه فلا يزال الربيع بذكره بجميل عند المنصور ويعلمه ثقته وكفايته...(1)الكتب من المنصور إِلى المهدي بالوصاية به وترك [52/ب] قبول قول الموالي فيه .
قال الفضل بن الربيع: لما حج أَبي مع المنصور، في هذه السنة التي مات فيها وقام أَبي بما قام فيه من أمر البيعة وتلا فيه بنفسه تلك الأمور وتجديده البيعة للمهدي على أَهل بيت أَمير المؤمنين والقواد والموالي وقدم فلقيته(2)بعد المغرب، فلم أزل معه حتى تجاوز منزله ونزل دار أَمير المؤمنين، ومضى أَبي عبيد اللّه . فقلت له : تترك أَمير المؤمنين وتأتي أَبا عبد اللّه؟!
فقال : يا بني هو وزير الرجل وليس ينبغي [أن] (3)نعامله بما كنا نعامل به، ولا نحاسبه بما كان منابه ونصرتنا له . قال : فمضينا حتى أتينا باب أَبي عبيد اللّه فما زال واقفاً حتى صليت العتمة، فخرج الحاجب فقال : إِنما استأذنت لك وحدك يا أَبا الفضل .
قال: فاذهب فأَخبره أن الفضل معي، ثم أقبل عليّ فقال : هذا أيضاً من ذاك فخرج الحاجب، فأذن لنا جميعاً، فدخلنا فإذا أَبو عبيد اللّه في صدر مجلسه متكئ، فقلت سيقوم إِلى أَبي فيتلقاه فلم يقم ، فقلت : يستوي جالساً إذا دنا، فلم يفعل. فقلت : يدعو له بمصلى فلم يفعل .
قال : فقعد أَبي(4)بين يديه على البساط، وهو متكئ، فجعل يسأله عما كان منه في أمر المهدي وتجديده بيعته، فأعرض ذلك فذهب أَبي يبتدي بذكره .
فقال : قد بلغنا بنوكم .
قال : فذهب أَبي لينهض فقال له : لا أرى الدروب إلا وقد غلّقت فلو أقمت .
فقال أَبي : إن الدروب لا تغلق دوني.
فقال : بلى، قد غلقت.
قال : فظن أَبي أنه يريد أن يحبسه ليسكن من مسيره ثم يسأله .
فقال : يا غلام اذهب فهيىء لأَبي الفضل في منزل محمد بن عبيد اللّه مبيتاً.
فلما رأى أنه يريد أن يخرج من الدار قال : فليس تغلق الدروب دوني، ثم قام .
فلما خرجنا من الدار أقبل عليّ فقال : يا بني أنت أحمق .
قلت : وما حمقى؟
قال : قلت في نفسك كان ينبغي أن لا تجيء أن لا تجيء، وكان ينبغي إذ جئت فحجبنا أن لا تقيم حتى صليت العتمة وأن تخرج فتصرف ولا تدخل وكان ينبغي إذ دخلت فلم يقم لك أن ترجع ولا تقيم عليه، ولا تجلس بين يديه .
ولم يكن الصواب إلا ما عملته كله ولكن واللّه الذي لا إله إلا هو، واستغلق في اليمين لأخلفن جاهي وأنفقن مالي حتى أبلغ مكروه أَبي عبيد اللّه .
قال : ثم جعل يضطرب بجهده فلا يجد مساغاً إِلى مكروهه ويحتال الحيل حتى ذكر التستري الذي كان أَبو عبيد اللّه حجبه، وكان هذا الرجل في مسامري المهدي بنيسابور وبالري، وفيمن يأنس به فعارض أَبا عبيد اللّه يوماً بين يدي المهدي في أمر، فتقدم أَبو عبيد اللّه بأن يحجب عن المهدي وأسقط اسمه، فأَرسل إِليه أَبي فجاء.
فقال له : إنك قد علمت ما ركبك به أَبو عبيد اللّه وقد بلغ مني كل غاية من المكروه، وقد أذعت أمره بجهدي، فما وجدت عليه طريقاً، فعندك حيلة في أمره؟
فقال : إِنما يؤتى أَبو عبيد اللّه من أحد وجوه أذكرها لك .
يقال : إنه جاهل في صناعته، فأَبو عبد اللّه أحذق الناس.
أو يقال : هو ظنين فيما يتقلده فأَبو عبيد اللّه أعف الناس لو أن مات المهدي في حجره كان نهز موضعاً.
أو يقال : هو يميل أن يخالف السلطان، فليس يؤتى أَبو اللّه عبيد من ذلك إلا ابنه يميل إِلى الغدر .
أو يقال : هو متهم في اللّه فأَبو عبيد اللّه ذو عقل وثيق.
ولكن هذا كله يجتمع لك في ابنه.
قال : فتناوله الربيع فقبل بين عينيه، ثم دب لابن أَبي عبيد اللّه، فواللّه ما زال يحتال ويدس إِلى المهدي ويتهمه ببعض حرم المهدي، ويحقق عليه الزندقة حتى استحكم عند المهدي الظنة لمحمد بن أَبي عبيد اللّه .
فأمر فأحضر وأَخرج أَبو عبيد اللّه فقال : يا محمد اقرأ القرآن فذهب ليقرأ فاستعجم عليه
فقال : يا معاوية ألم تعلمني أن ابنك [1/53] جامع للقرآن؟
قال : قد أخبرتك يا أَمير المؤمنين ولكنه فارقني منذ سنين، وفي هذه المدة نسي القرآن .
قال : فقم فتقرب إِلى اللّه بدمه .
قال : فذهب يقوم فوقع .
فقال العباس بن محمد: إن رأيت يا أَمير المؤمنين أن تعفي الشيخ، فإنه يضعف عن ذلك ففعل. فأمر به، فأَخرج وضربت عنقه .
قال : واتهمه المهدي في نفسه، فقال له الربيع قتلت ابنه، وليس ينبغي أن يكون معك، ولا تثق به.
قال : فأوجس المهدي منه، وكان من أمره ما كان، وبلغ ما أَراد، وأشفى وزاد(1)
وفي هذه السنة، وقيل في سنة ستين:
عبر عبد الرحمن بن حبيب الفهري المعروف بالصقلي - وإِنما سمي به لطوله وزرقته وشقرته - من أفريقية إِلى الأندلس محارباً لهم، ليدخلوا في الطاعة للدولة العباسية، وكان عبوره في ساحل تدمر .
وكاتب سليمان بن يقظان بالدخول في أمره ومحاربة عبد الرحمن الأموي، والدعاء إِلى طاعة المهدي.
وكان سليمان ببرشلونة، فلم يجبه فاغتاظ عليه وقصد بلده فيمن معه من البربر، فهزمه سليمان فعاد الصقلبي إِلى تدمر، وسار عبد الرحمن الأموي نحوه في العدد والعدة، وأحرق السفن تضييقاً على الصقلبي في الهرب فقصد الصقلبي جبلاً منيعاً بناحية بلنسه، فبذل الأموي ألف دينار لمن أتاه برأسه، فاغتاله رجل من البربر، فقتله وحمل رأسه إِلى عبد الرحمن، فأعطاه ألف دينار. وكان قتله سنة اثنتين وستين ومائة .
وفيها : غزا الصائفة ثمامة بن الوليد فنزل بدابق وجاشت الروم مع ميخائيل في ثمانين ألفاً فأتى عمق مرعش فقتل وسبى وغنم وأتى مرعش فحاصرها فقاتلهم فقتل من المسلمين عدة كثيرة، وكان عيسى بن علي مرابطاً بحصن ،مرعش فانصرف الروم إِلى جيهان.
وبلغ الخبر المهدي فعظم عليه لغزو الروم على ما سنذكره سنة اثنتين وستين ومائة فلم يكن للمسلمين صائفة من أجل ذلك .
وفيها : أمر المهدي ببناء القصور بطريق مكة أوسع من القصور التي بناها السفاح من القادسية إِلى زُبالة، وأمر باتخاذ المصانع في كل منهل، وبتجديد الأميال والبرك، وبحفر الرعايا وولّى ذلك يقطين بن موسى وأمر بالزيادة في مسجد البصرة، وتقصير المنابر في البلاد وجعلها بمقدار منبر النبي إِلى اليوم.
وفيها :ولي نصر بن محمد بن الأشعث السند، ثم عُزل بعبد الملك بن شهاب، فبقي عبد الملك ثمانية عشر يوماً ، ثم غزل، وأُعيد نصر من الطريق. وفيها استقضى المهدي عافية القاضي مع ابن علاثة بالرصافة وفيها عُزل الفضل بن صالح عن الجزيرة واستعمل عليها عبد الصمد بن علي، واستعمل عيسى بن لقمان على مصر . ويزيد بن منصور على سواد الكوفة.
وحسان الشروي على الموصل.
وبسطام بن عمرو التغلبي على أذربيجان .
وفيها: توفي نصر بن مالك من فالج أصابه وولى المهدي بعده شرطته حمزة بن مالك، وصرف أَبا ن بن صدقة عن هارون الرشيد، وجعل مع موسى الهادي، وجعل مع هارون يحيى بن خالد بن برمك .
وفيها: عزل محمد بن سليمان أَبو ضمرة عن مصر في ذي الحجة، ووليها سلمة بن رجاء .
وحج بالناس: موسى الهادي وهو ولي عهد.
وكان عامل مكة والطائف واليمامة : جعفر بن سليمان .
وعامل اليمن علي بن سليمان.
وكان علي سواد الكوفة : يزيد بن منصور، وعلى أحداثها إسحاق بن منصور.
وفيها توفي سفيان الثوري، وكان مولده سنة سبع وتسعين .
وزائدة بن قدامة أَبو الصلت الثقفي الكوفي . وإِبراهيم بن أدهم بن منصور أَبو اسحاق الزاهد، وكان مولده ببلخ، وانتقل إِلى الشام فأَقام به مرابطاً، وهو من بكر بن وائل ذكره أَبو حاتم البستي .
.1) هذا كل ما ذكر المؤلف من أحداث في تلك السنة، وزاد ابن الأثير فيها فقال :
ودخلت سنة اثنتين وستين ومائة
وتتابعت السنون إِلى سنة ست وستين ومائة ولم يجر فيها ما يكتب ويستفاد منه شيء(1)
وفي هذه السنة: وضع المهدي ديوان الأزمة أي ما يسمى في عصرنا مجلس الوزراء، وهو أن يتولى كل عمل من أعمال الدولة رجل واحد يناط به كل شؤون ذلك العمل ويحاسب عليه ويجمع كل ذلك في يد رئيس المجلس ويحاسب كل فرد منهم على ما ولي ما كلف به. وولى عليها عمرو بن مريع ،مولاه وأجرى المهدي على المجذمين وأَهل السجون الأرزاق في جميع الأفاق .
وفيها: خرجت الروم إِلى الحدث فهدموا سورها.
وغزا الصائفة الحسن بن قحطبة في ثمانين ألف مرتزق سوى المتطوعة فبلغ حمه أذروليه وأكثر التحريق والتخريب في بلاد الروم ولم يفتح حصناً ولا لقي جمعاً، وسمته الروم التنين وقالوا : إِنما أتى الحمه ليغتسل من مائها للوضع الذي به ورجع الناس سالمين.
وفيها : غزا يزيد بن أسيد السلمي من ناحية ،قالبقلا، فغنم وافتتح ثلاثة حصون وسبى .
وفيها :عُزل علي بن سليمان عن اليمن واستعمل مكانه عبد اللّه بن سليمان. وعُزل سلمة بن رجاء من مصر ووليها عيسى بن لقمان في المحرم ، وعُزل عنها في جمادى الآخر، ووليها واضع مولى المهدي، ثم عزل في ذي القعدة ووليها يحيى الحرشي .
وفيها: خرجت المحمرة بجرجان عليها رجل اسمه عبد القهار فغلب عليها وقتل بشراً كثيراً، فغزاه عمر بن العلاء من طبرستان فقتله عمر، وأَصحابه
وكان العمال من تقدم ذكرهم. فكانت الجزير مع عبد الصمد بن علي.
وطبرستان والرويان مع سعيد بن دعلج . وجرجان مع مهلهل بن صفوان.
وفيها : أَرسل عبد الرحمن صاحب الأندلس شهيد بن عيسى إِلى دحية الغساني، وكان عاصياً في بعض حصون البيرة فقتله وسَيَّر بدراً مولاه إِلى إِبراهيم بن شجرة البرلسي وكان قد عصى فقتله .
وسَيَّر أيضاً ثمامة بن علقمة إِلى العباس البربري، وهو في جمع من البربر، وقد أظهر العصيان فقتله أيضاً، وفرق جموعه .
وفيها: سَيّر جيشاً مع حبيب بن عبد الملك القرشي إِلى القائد السلمي، وكان حسن المنزلة عند عبد الرحمن أَمير الأندلس فشرب ليلة وقصد باب القنطرة ليفتحه على سكر منه، فمنعه الحرس، فعاد، فلما صحا خاف فهرب إِلى طليطلة، فاجتمع إِليه كثير ممن يريد الخلاف والشر، فعاجله عبد الرحمن بإنفاد الجيوش إِليه فنازله في موضع قد تحصن فيه وحصره.
ثم إن السلمي طلب البراز فبرز إِليه مملوك أسود فاختلفوا ضربتين، فوقعا صريعين ثم ماتا جميعاً .
وفيها : توفي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قاضي أفريقية، وقد جاوز تسعين سنة، وسبب موته أنه أكل عند يزيد بن حاتم سمكاً، ثم شرب لبن وكان يحيى بن ماسويه الطبيب حاضراً، فقال: إن كان الطب صحيحاً مات الشيخ الليلة فتوفي من ليلته تلك واللّه أعلم .
1) هذا ما قاله مسكويه رحمنا اللّه وإياه في أحداث تلك السنوات، وأنا أذكرها سنة سنة من الكامل وقد ذكر هال ابن الأثير مختصرة فقال في أحداث سنة اثنتين وستين ومائة في هذه السنة : قتل عبد السلام بن هاشم اليشكري بقنسرين، وكان قد خرج بالجزيرة فاشتدت شوكته وكثر اتباعه فلقيه عدة من قواد المهدي فيهم عيسى بن موسى القائد، فقتله في عدة ممن ،معه وهزم جماعة من القواد فيهم شبيب بن واج ،المرورذي فندب المهدي إِلى شبيب ألف فارس وأعطى كل رجل منهم ألف درهم معونة، فوافوا شبيباً، فخرج بهم في طلب عبد السلام، فهرب منه، فأدركه بقنسرين، فقاتله فقتله بها .
[سنة ثلاث وستين ومائة ] (1)
في هذه السنة: تجهز المهدي لغزو الروم، فخرج وعسكر بالبردان وجَمَعَ الأجناد من خراسان وغيرها وسار عنها، وكان قد توفي عيسى بن علي بن عبد اللّه بن عباس في جمادى الآخرة .
وسار المهدي من الغد واستخلف على بغداد ابنه موسى الهادي واستصحب معه ابنه هارون الرشيد وسار على الموصل والجزيرة وعزل عنها عبد الصمد بن علي في مسيره ذلك، ولما حاذى قصر مسلمة بن عبد الملك، قال العباس بن محمد بن علي المهدي : إن المسلمة في أعناقنا منة .
كان محمد بن علي مَرَّ به فأعطاه أَربعة آلاف دينار وقال له : إذا نفذت فلا تحتشمنا.
فأحضر المهدي ولد مسلمة وموإِليه وأمر لهم بعشرين ألف دينار وأجرى عليهم الأرزاق، وعبر الفرات إِلى حلب وأَرسل وهو بحلب، فجمع من بتلك الناحية من الزنادقة فجمعوا فقتلهم وقطع كتبهم بالسكاكين.
وسار عنها مشيعاً لابنه هارون الرشيد حتى جاز الدرب وبلغ جيجان فسار هارون ومعه عيسى بن موسى وعبد الملك بن صالح والربيع والحسن بن قحطبة والحسن، وسليمان بن برمك، ويحيى بن خالد بن برمك، وكان إِليه أمر العسكر والنفقات والكتابة وغير ذلك .
فساروا فنزلوا على حصن سمالو فحصره هارون ثمانية وثلاثين يوماً ونصب عليه المجانيق، ففتحه اللّه عليهم بالأمان ووفى لهم وفتحوا فتوحاً كثيرة .
ولما عاد المهدي من الغزاة زار المقدس ومعه يزيد بن منصور والعباس بن محمد بن علي والفضل بن صالح بن علي وعلي بن سليمان بن علي، وقفل المسلمون سالمين إلا من قتل منهم . وعزل المهدي إِبراهيم بن صالح عن فسلطين، ثم رده . وفي هذه السنة : وَلّى المهدي ابنه هارون المغرب كله وأذربيجان وأرمينية، وجعل على الخراج ثابت بن موسى، وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك .
وفيها: عزل زفر بن عاصم عن الجزيرة، واستعمل عليها عبد اللّه بن صالح .
وفيها : عزل المهدي معاذ بن مسلم عن خراسان واستعمل عليها المسيب بن زهير الضبي .
وعزل يحيى الحرشي عن أصبهان وولّى مكانه الحكم بن سعيد .
وعزل سعيد بن دعلج عن طبرستان والرويان وولاهما عمر بن العلاء.
وعزل مهلهل بن صفوان عن جرجان وولاها هشام بن سعيد .
وكان على مكة، والمدينة، والطائف، واليمامة : جعفر بن سليمان.
وكان على الكوفة : إسحاق بن الصباح.
وعلى البصرة وفارس والبحرين والأهواز محمد بن سليمان.
وعلى السند : نصر بن محمد بن الأشعث وعلى الموصل محمد بن الفضل .
وحج بالناس هذه السنة : علي بن المهدي.
وفيها : أظهر عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس التجهز للخروج إِلى الشام بزعمه لمحو الدولة العباسية وأخذ ثأره منهم. فعصى عليه سليمان بن يقظان والحسين بن يحيى بن سعيد بن سعد بن عثمان الأنصاري بسرقسطة، واشتد أَمرهما فترك ما كان عزم عليه .
وفيها: مات موسى بن علي بن رباح اللخمي .
وفيها : مات إِبراهيم بن طهمان ، وكان عالماً فاضلاً، وكان مرجئاً من أَهل نيسأَبور، ومات بمكة . وفيها توفي أَبو الأشهب جعفر بن حيان بالبصرة. وفيها توفي بكار بن شريح قاضي الموصل بها وكان فاضلاً، وولي القضاء بها أَبو مكرز الفهري، ، واسمه يحيى بن عبد اللّه بن كرز.
1) زيادة من الكامل، وقال في أحداثها :
[سنة أربع وستين ومائة ](1)
وفي هذه السنة : غزا عبد الكير بن عبد المجيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب من درب الحدث، فأتاه ميخائيل البطريق، وطازاذ الأرمني البطريق في تسعين ألفاً، فخاف عبد الكبير، ومنع الناس من القتال، ورجع بهم، فأَراد المهدي قتله، فشفع فيه فحبسه .
وفيها : عزل المهدي محمد بن سليمان عن البصرة وسائر أعماله واستعمل صالح بن داود مكانه .
وفيها : سار المهدي ليحج ، فلما بلغ العقبة ورأى قلة الماء خاف أن الماء لا يحمل الناس وأخذته أيضاً حُمى فرجع وسير أخاه صالحاً ليحج بالناس.
ولحق الناس عطش شديد حتى كادوا يهلكون، وغضب المهدي على يقطين لأنه صاحب المصانع .
وفيها : عزل عبد اللّه بن سليمان عن اليمن عن سخطة ووجه من يستقبله ويفتش متاعه ويحصي ما معه، واستعمل على اليمن منصور بن يزيد بن منصور .
وعلى إفريقية : يزيد بن حاتم .
وكان العمال من تقدم ذكرهم.
وعلى الموصل : محمد بن الفضل .
وفيها: سَيَّر عبد الرحمن الأموي إِلى سرقسطة بعد أن كان قد سير إِليها ثعلبة بن عبيد في عسكر كثيف.
وكان سليمان بن يقظان، والحسين بن يحيى قد اجتمعا على خلع طاعة عبد الرحمن كما ذكرنا وهما بها، فقاتلهما ثعلبة قتالاً شديداً وفي بعض الأيام عاد إِلى مخيمه فاغتنم قار له ملك الأفرنج، ووعده بتسليم البلد وثعلبة إِليه.
فلما وصل إِليه لم يصح بيده غير ثعلبة، فأخذه وعاد إِلى بلاده وهو يظن أنه يأخذ به عظيم الفداء، فأهمله عبد الرحمن مدة ثم وضع من طلبه من الفرنج، فأطلقوه فلما كان هذه السنة سار عبد الرحمن إِلى سرقسطة وفرق أولاده في الجهات ليدفعوا كل مخالف، ثم يجتمعون بسرقسطة ، فسبقهم عبد الرحمن إِليها .
وكان الحسين بن يحيى قد قتل سليمان بن يقظان وانفرد بسرقسطة، فوافاه عبد الرحمن على أثر ذلك، فضيق على أَهلها تضييقاً شديداً، وأتاه أولاده من النواحي، ومعهم كل من كان خالفهم، وأخبروه عن طاعة غيرهم.
فرغب الحسين في الصلح وأذعن للطاعة، فأجابه عبد الرحمن ،وصالحه، وأخذ ابنه سعيداً رهينة، ورجع عنه .
وغزا بلاد الفرنج ،فدوخها ذهب وسبى وبلغ قلهرة وفتح مدينة فكيرة، وهدم قلاع تلك الناحية وسار إِلى بلاد البشكنس ونزل على حصن مثمين الأقرع ، فافتتحه، ثم تقدم إِلى ملدوتون بن أطلال وحصر قلعته، وقصد الناس ،جبلها، وقاتلوهم فيها، فملكوها عنوة، وخربها ، ثم رجع إِلى قرطبة .
وفيها : ثارت فتنة بين بربر بلنسية وبربر شنت برية من الأندلس، وجرى بينهم حروب كثيرة قتل فيها خلق كثير من الطائفتين وكانت وقائعهم مشهورة .
وفيها: مات شيبان بن عبد الرحمن أَبو معاوية التميمي النحوي البصري .
وعبد العزيز بن عبد اللّه بن أَبي سلمة الماجشون .
عيسى بن علي بن عبد اللّه بن عباس عم المنصور وقيل : مات سنة ثلاث وستين وكان عمره ثمانياً وسبعين سنة . وقيل : ثمانين سنة .
وسعيد بن عبد العزيز الدمشقي وسلام بن مسكين النمري الأزدي أَبو روح والمبارك بن فضالة بن أَبي أمية القرشي مولى عمر بن الخطاب.
1) زيادة تصنيفية وسبق أن ذكرت أنني أذكر السنين من الكامل فقال فيها :
[سنة خمس وستين ومائة ](1)
في هذه السنة : سَيَّر المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم صائفة في جمادى الآخرة في خمسة وتسعين ألفاً وتسعمائة وثلاثة وتسعين ومعه الربيع، فأوغل هارون في بلاد الروم، ولقيه عسكر نقيظاً قومس القوامسة، فبارزه يزيد بن مزيد الشيباني، فأثخنه يزيد، وانهزمت الروم، وغلب يزيد على عسكرهم، وساروا إِلى دمشق وهو صاحب المسالح فحمل لهم مائة ألف دينار، وثلاثة وتسعين ألفاً وأربعمائة وخمسين ديناراً، ومن الورق واحداً وعشرين ألف ألف درهم وأَربعة عشر ألف وثمإِنما ئة درهم.
وسار الرشيد حتى بلغ خليج القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذ أغطسة امرأة أليون، وذلك أن ابنها كان صغيراً قد هلك أَبوه وهو في حجرها، فجرى الصلح بينها وبين الرشيد على الفدية، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في الطريق، وذلك أنه دخل مدخلاً ضيقاً مخوفاً فأجابته إِلى ذلك ومقدار الفدية سبعون ألف دينار كل سنة، ورجع عنها، وكانت الهدنة ثلاث سنين، وكان مقدار ما غنم المسلمون إِلى أن اصطلحوا خمسة آلاف رأس سبي، وستمائة وثلاثة وأربعين .
ومن الدواب الذلل بأدواتها عشرين ألف رأس. وذبح من البقر والغنم : بمائة ألف رأس. وقتل من الروم في الوقائع : أَربعة وخمسون ألفاً. وقتل من الأسرى صبراً : ألفان وتسعون أسيراً.
وفي هذه السنة : عزل خلف بن عبد اللّه عن الري، ووليها عيسى مولى جعفر .
وحج بالناس هذه السنة : صالح بن المنصور.
وكان العمال من تقدم ذكرهم غير أن البصرة كان على أحداثها والصلاة بها روح بن حاتم .
وكان على كور دجلة، والبحرين ،وعمان ،وكسكر ،والأهواز ،وفارس وكرمان : المعلى مولى المهدي .
وكان على الموصل: أَحمد بن اسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن عباس.
وفيها: غدر الحسين بن يحيى بسرقسطة، فنكث مع عبد الرحمن فسيّر إِليه عبد الرحمن غالب بن ثمامة بن علقمة في جند كثيف، فاقتتلوا، فأسر جماعة من أصحاب الحسين فيهم : ابنه يحيى، وفسيرهم إِلى الأَمير عبد الرحمن فقتلهم، وأَقام ثمامة بن علقمة على الحسين يحصره.
ثم إن الأَمير عبد الرحمن سار سنة ست وستين ومائة إِلى سرقسطة بنفسه فحصرها وضايقها، وتصب عليها المجانيق ستة وثلاثين منجانيقاً، فملكها عنوة وقتل الحسين أقبح قتلة، ونفى أَهل سرقسطة منها ليمين تقدمت منه، ثم ردهم إِليها .
وفيها: مات يزيد بن منصور بن عبد اللّه بن يزيد بن شهر بن مثوب، وهو من ولد شهر ذي الجناح الحميري خال المهدي، وقد كان ولي اليمن والبصرة والحج.
وفيها : توفي فتح بن الوشاح المصلي الزاهد .
فلما كانت
1) زيادة تصنيفية، وقال ابن الأثير في هذه السنة في الكامل :
سنة ست وستين ومائة
غضب المهدي على يعقوب بن داود.
ذكر السبب في ذلك
كان يعقوب بن داود محبوساً في المطبق حتى مَنَّ عليه المهدي، وسبب حبسه:
أن أَباه داود بن طهمان وإخوته كتبوا(1)كتابا لنصر بن سيار ولما كانت أيام يحيى بن زيد كان يدس إِليه وإِلى أَصحابه من إِليه وإِلى أَصحابه من (2)يسمع من نصر ويحذرهم، فلما خرج أَبو مسلم يطلب بدم يحيى ويقتل قتلته (3)والمعينين [عليه] (4). أتاه داود بن طهمان مطمئناً إِليه لما كان يعلم مما جرى بينهما، فأمنه أَبو مسلم ، ولم يعرض له في نفسه لكن أخذ أمواله التي استفادها أيام نصر وترك له ضيعة كانت له قديمة .
فلما مات ،داود، وخرج ولده أَهل أدب وعلم بأيام الناس وسيرهم وأشعارهم، ونظروا فإذا ليس لهم عند أَبي العباس منزلة فلم يطمعوا في خدمتهم لحال أَبيهم من كتابة نصر، فأظهروا مقالة الزيدية ودنوا من آل الحسن طمعاً آل الحسن طمعاً في أن يكون لهم دولة،..... (5)فكان يعقوب منفرداً يجول البلاد وكان مع إِبراهيم بن عبد اللّه أحياناً في طلب البيعة لمحمد بن عبد اللّه
فلما ظهر إِبراهيم بالبصرة كان معه فلما قتل محمد وإِبراهيم تواروا.
فأمر المنصور بطلبهم، فأخذ يعقوب وأخوه علي فحبسهما في المطبق، فبقوا أيام حياة المنصور إِلى أن من المهدي عليهم وأطلقهما (1)
وكان معهما الحسن بن إِبراهيم، فاتصل إِلى المهدي بسببه كما تقدم ذكره .
وقيل : اتصل به بالسعاية بآل علي، ولم يزل أمره يرتفع حتى استوزره .
وكان المهدي يقول : وصف لي يعقوب في منامي فقيل لي ،استوزره فلما رأيته رأيت الخلقة التي وصفت لي، فاتخذته وزيراً.
فلما ولي الوزارة أَرسل إِلى الزيدية فجمعهم وولاهم الخلافة في المشرق والمغرب ولذلك قال
بشار بن برد:
بني أمية هبوا طال نومكم *** إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا*** خليفة اللّه بين الناي والعود
فحسده موالي المهدي وسعوا به.
.ثم لم تزل منزلته ترتفع عند المهدي حتى استوزره وتجاوز مرتبة الوزراء حتى فوض إِليه أمر الخلافة فأَرسل إِلى الزيدية، فأتى بهم من كل أوب وولاهم من أمور الخلافة فى الشرق والغرب كل عمل جليل نفيس [وصارت ] (2)، الدنيا كلها بيده، فكثر وسعى عليه الموالي حتى قيل للمهدي : إن الشرق والغرب في يد يعقوب وأَصحابه، وقد كاتبهم، وإِنما يكفيه أن يكتب إِليهم فيثوروا في يوم واحد على ميعاد فيأخذوا الدنيا كلها لمن شاء. وكان ذلك ملأ قلب المهدي وكان يعقوب بن داود قد عرف من المهدي خلفاً، واستهتاراً بذكر النساء ، والجماع، وكان يعقوب يصف له من تُغنيه شيئاً كثيراً، وكذلك كان المهدي.
فيقول خدم المهدي هو على أن يصيح فيثور يعقوب بيعقوب غدا [حتى إذا غدى ](3)عليه وقد بلغ الخبر فإذا نظر إِليه تبسم ويقول : إن عندك لخبراً؟
فيقول : نعم .
فيقول : اقعد بحياتي فحدثني .
فيقول : خلوت بجاريتي فلانة ،وكان ،وقالت وقلت كذلك حديثاً .
فيتحدث المهدي مثل ذلك ويفترقان على الرضى فيبلغ ذلك من يسعى على يعقوب فيتحبب منه .
ذكر السبب في تمكن السعاة على يعقوب مع حظوته
خرج ليلة يعقوب من عند المهدي وقد ذهب من الليل أكثره، وعليه طيلسان يتقعقع، فصادف غلاماً آخذاً بعنان دابَّةٍ أشهب، وقد دنا الغلام، فذهب يعقوب يسوي طيلسانه فتقعقع فنفر البرذون، وسقط يعقوب ودنا منه فاستدبره وضربه على ساقه فكسرها، وسمع [53 / ب] المهدي الوجبة، فخرج صافياً ؛ فلما رأى ما به أظهر الجزع والتفزع ، ثم أمر به فحمل في محفّة إِلى منزله، ثم غدا عليه المهدي مع الفجر، وبلغ ذلك الناس فغدوا عليه فعادوه ثلاثة متتابعة مع أَمير المؤمنين .
ثم قعد عن عيادته، وأقبل يرسل إِليه يسأله عن حاله، فلما فقد وجهه، تمكن السعاة من المهدي، فلم تأت عاشرة حتى عاشرة حتى أظهر سخطه .
أما السبب الذي تحدث به يعقوب عن نفسه بعد موت المهدي
فهو ما حكاه ابنه علي بن يعقوب عن أَبيه قال:
بعث المهدي إليّ يوماً فدخلت عليه، فإذا هو في مجلس مفروش بفرش مورد مبناه في السر(1)وعلى بستان فيه شجر رؤوس(2)الشجر مع صحن المجلس، وقد اكتسى ذلك الشجر بالأوراد (3)والأزهار من الخوخ والتفاح وكل ذلك مورد يشبه فرش المجلس الذي كان فيه، فما رأيت شيئاً أحسن منها ، ولا أشد قواماً ولا أحسن اعتدالاً عليها نحو تلك الثياب فما رأيت أحسن من جملة ذلك .
فقال لي : يا يعقوب كيف ترى مجلسنا هذا؟(4)
فقال لي: يا يعقوب كيف.
فأحسب أن ذلك قد سقط من المخطوط، واللّه أعلم.
فقلت : على غاية الحسن فمتع اللّه به أَمير المؤمنين وهناه .
قال : هو لك أحمله بما فيه وهذه الجارية ليتم سرورك .
قال : فدعوت له بما يحب .
قال : ثم قال لي: يا يعقوب، ولي إليك حاجة .
قال : فوثبت قائماً وقلت : يا أَمير المؤمنين [قل](1).
قال : لا ولكن أحب أن تضمن لي قضاءها فإني لم أسلكها(2)حيث تتوهم، وإِنما قلت ذلك على الحقيقة، فأحب أن تضمن لي هذه الحاجة أن تقضيها لي.
قلت : الأَمر لأَمير المؤمنين وعلي السمع والطاعة.
قال : واللّه .
قلت : واللّه .
قال : ثلاثاً .
[ قلت : ثلاثاً ] (3).
قال : وحياة رأسي.
قلت : وحياة رأسك.
قال : فضع يدك عليه واحلف به .
قال : فوضعت يدي عليه وحلفت به لأعملن بما قال ولأقضين حاجته(4).
فلما استوثق مني في نفسه قال: هذا فلان ابن فلان من ولد علي، أحب أن تكفيني مؤنته وتريحني منه وتعجل ذلك.
فقلت : أفعل .
قال : فخذه إليك .
فحولته إليّ، وحوّلت الجارية وجميع ما كان في البيت والمجلس من فرش وآلة، وأمر لي بمائة ألف درهم.
قال : فحملت ذلك جملة ومضيت فلشدة سروري بالجارية صيرتها في مجلس بيني وبينها ستر وبعثت إِلى العلوي فأدخلته إلي وسألته عن حاله فأَخبرني بها، وإذا ألب الناس وأحسنهم أَبانة [عن نفسه ثم ] (5)قال لي في بعض ما يقول: ويحك يا يعقوب، تلقى اللّه بدمي وأنا رجل(6)من ولد فاطمة بنت محمد صلّی اللّه علیه و آله ؟
قال : قلت : لا واللّه، فهل فيك أنت خير؟
قال : إن فعلت خيراً شكرت ولك (1)عندي دعاء، واستغفار .
قال : فإني أطلقك فأي الطريق أحب إليك؟
قال : طريق كذا .
قلت : فمن هاهنا ممن تأنس به وتثق بموضعه؟
قال : فلان[ وفلان ](2).
قلت فابعث إِليهما وخذ هذا المال وامض معهما مصاحباً في ستر اللّه،وموعدك موعدهما للخروج من داري إِلى موضع كذا وكذا الذي اتفقنا عليه في وقت كذا وكذا من الليل .
فإذا الجارية قد حفظت عليّ قولي فبعثت به إِلى خادم لها إِلى المهدي، وقالت : هذا جزاؤك من الذي آثرته على نفسك صنع وفعل حتى ساقت الحديث كله.
قال : وبعث المهدي من وقته فشحن تلك الطرق والمواضع التي وصفها يعقوب والعلوي بالرجال، فلم يلبث أن جاؤوه بالعلوي بعينه وصاحبه والمال على النسخة التي حكتها عليه الجارية .
وأصبحت من غد ذلك اليوم، فإذا الرسول المهدي يستحضرني.
قال : وكنت خالي الدرع غير ملق إِلى أمر العلوي بالاً حتى دخل المهدي وحده على كرسي في يده ،محضرة ، فقال : [یا](3)يعقوب، ما حال الرجل؟
قلت : يا أَمير المؤمنين، قد أراحك اللّه منه .
قال : مات .
[54/أ] قلت : نعم .
قال : واللّه .
قلت : واللّه .
قال : فقم وضع يدك على رأسي.
قال : فوضعت يدي على رأسه وحلفت له به .
قال : فقال : يا غلام، أَخرج إلينا ما في هذا البيت.
قال : ففتح بابه عن العلوي وصاحبيه (1)والمال بعينه .
قال : فبقيت متحيراً وسقط في يدي، وامتنع مني الكلام، وما أدري ما أقول.
قال : فقال المهدي : لقد حلّ لي دمك لو أردت (2)إراقته، ولكن احبسوه في المطبق [ ولا أذكر به ](3).
فاتخذت لي فيه بئر فدليت فيها (4)، فكنت كذلك إذ دُعِيَ بي فمضيت وحملت إِلى حيث لا أعلم أين هو ، فلم أعد أن قيل لي سَلّم على أَمير المؤمنين، فسلمت قال : أي أَمير المؤمنين أنا؟
قلت : المهدي .
قال : رحم اللّه المهدي.
قلت : الهادي؟
قال: رحم اللّه الهادي .
قلت : الرشيد؟
قال : نعم .
قلت : وما أشك في وقوف أَمير المؤمنين على خبري وعلتي وما تناهت إِليه حالي؟
قال : أجل كل هذا قد عرف أَمير المؤمنين، فاسأل حاجتك .
قلت : المقام بمكة .
قال : تفعل ذاك، فهل غير ذاك؟
قال : قلت : فما بقي في مستمتع لشيء ولا بلاغ.
قال : فراشداً .
قال: فخرجت وكان وجهي إِلى مكة.
1) كذا هنا بصيغة المثنى مرة أخرى فاللّه أعلم بالصواب، وفي الكامل الخبر بصيغة المفرد على الاستمرار.
2) في المخطوط: أثرت، وأثبت ما هو أقرب للفهم.
3) زيادة من الكامل.
4) بعدها في الكامل: فبقيت مدة لا أعرف عددها وأصبت ببصري وطال شعري حتى استرسل كهيئة البهائم ، قال : فإني لكذلك إذ دُعِي بي، وقيل لي سلم على أَمير المؤمنين ..
قال ابنه : ولم يزل بمكة، ولم تطل أيامه بها حتى مات(1)
وكان يعقوب قد ضجر بموضعه قبل حبسه، وكان أصحاب المهدي يشربون عنده، فكان يعقوب ينهاه عن ذلك ويعظه، ويقول : ليس على هذا استوزرني ولا عليه صحبتك أبعد الصلوات الخمس في المسجد الجامع يشرب عندك النبيذ، فضيق علي المهدي حتى قيل :
فدع عنك يعقوب بن داود جانباً *** واقبل على صهباء طيبة النشر
وقال يعقوب يوماً للمهدي في أمر أَراده : هذا واللّه السرف.
فقال المهدي: ويحك يا يعقوب، إِنما يحسن السرف بأَهل الشرف، ولولا السرف لم يعرف المكثرون من المقلين.
ثم ذكر ابن الأثير عدة حوادث في هذه السنة لم يتعرض لها المؤلف رحمنا اللّه وإياه فقال :
في هذه السنة : أخذ المهدي البيعة لولده هارون الرشيد بولاية العهد بعد أَخيه موسى الهادي، ولقبه الرشيد.
وفيها : عزل عبيد اللّه بن الحسن العنبري عن قضاء البصرة، واستقضى خالد بن طليق بن عمران بن حصين فاستعفى أَهل البصرة منه .
وفي هذه السنة : سار المهدي إِلى جرجان وجعل على قضائه أَبا يوسف يعقوب بن إِبراهيم.
وفيها : أمر المهدي بإِقامة البريد بين مكة، والمدينة، واليمن ببغال وإبل ولم يكن هنالك بريد قبل
ذلك .
وفيها : اضطربت خراسان على المسيب بن زهير فولاها الفضل بن سليمان الطوسي أَبا العباس وأضاف إِليه سجستان، فاستخلف على سجستان تميم بن سعيد دعلج بأمر المهدي.
وفيها : أخد المهدي داود بن روح بن حاتم وإسماعيل بن مجالد، ومحمد بن أَبي أيوب المكي، ومحمد بن طيفور في الزندقة فاستتابهم.
وفيها: استعمل إِبراهيم بن يحيي بن محمد بن علي بن عبد اللّه على المدينة .
وكان على مكة والطائف عبيد اللّه بن قثم .
وفيها: عُزل منصور بن يزيد بن منصور عن اليمن واستعمل عليها مكانه عبد اللّه بن سليمان الربعي.
وفيها : أطلق المهدي عبد الصمد بن علي من محبسه.
وحج بالناس: إِبراهيم بن يحيى .
وكان على الكوفة هاشم بن سعيد.
وعلى البصرة روح بن حاتم .
وعلى قضائها خالد بن طليق .
وعلى كور دجلة ،وكسكر، وأعمال البصرة، والبحرين ،والأهواز، وفارس، وكرمان المعلى مولى المهدي وعلى مصر إِبراهيم بن صالح .
وعلى أفريقية يزيد بن حاتم .
وعلى طبرستان ،والرويان، جرجان: يحيى الحرشي .
وعلى دنباوند، و قومس: فراشة مولى المهدي .
وعلى الري: سعد مولاه .
وعلى الموصل : أَحمد بن إسماعيل الهاشمي، وقيل: موسى بن كعب الخثعمي .
وعلى قضائها علي بن مسهر بن عمير .
ولم يكن في هذه السنة صائفة للّهدنة التي كانت فيها .
وفيها : قتل بشار بن برد الشاعر الأعمى على الزندقة، وكان خلق ممسوح العينين .
وفيها : توفي الجراح بن مليح الرؤاسي، وهو والد وكيع.
وفيها: توفي المبارك بن فضالة. وحماد بن سلمة البصري.
وفيها : قَتَل عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس ابن أَخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية بن هشام، وهذيل بن الصميل، وسمرة بن جبلة لأنهم اجتمعوا على خلعه مع العلاء بن حميد القشيري فتقرب بهم.
.1) زاد ابن الأثير على الخبر فقال :
ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة
ولم يجر فيها على ما بلغنا شيء يستفاد منه تجربة (1)
في هذه السنة: سار موسى الهادي إِلى جرجان في جمع كثيف وجهاز لم يتجهز أحد بمثله،: المحاربة ونداء هرمز وشروين صاحبي طبرستان. وجعل المهدي على رسائل موسى أَبان بن صدقة، ومحمد بن جميل على جنده، ونفيعاً مولى المنصور على حجابته، وعلي بن عيسى بن ماهان علی حرسه .
فسيّر الهادي الجنود إِليهما، وأمَّرَ عليهم يزيد بن مزيد فحاصرهما.
وفيها: توفي عيسى بن موسى بالكوفة، فأشهد روح بن حاتم على وفاته القاضي، وجماعة من الوجوه، ودفن، وكان عمره خمساً وستين سنة، ومدة ولايته العهد ثلاثاً وعشرين سنة، وقد تقدم ذكر ولايته العهد وعزله عنه .
وفيها : جدَّ المهدي في طلب الزنادقة والبحث عنهم في الآفاق وقتلهم، فأخذ يزيد بن الفيض، فأقر فحبس، فهرب، فلم يقدر عليه .
وكان المتولي لأمر الزنادقة الكلوذاني .
وفيها : عزل المهدي أَبا عبيد اللّه معاوية بن عبيد اللّه عن ديوان الرسائل وولاه الربيع .
وفيها :كان الوباء ببغداد ،والبصرة، وفشى في الناس سُعال شديد .
وفيها : توفي أَبا ن بن صدقة كاتب الهادي فوجه المهدي مكانه أَبا خالد الأحول .
وفيها: أمر المهدي بالزيادة في المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فدخلت فيه دور كثيرة، وكان المتولي لبنائه يقطين بن موسى فبقي البناء فيه إِلى أن توفي المهدي .
وكذلك أمر بالزيادة في المسجد الجامع بالموصل، ورأيت لوحاً فيه ذكر ذلك وهو في حائط الجامع سنة ثلاث وستمائة، وهو باق .
وفيها: عزل يحيى الحرشي عن ،طبرستان ،والرويان وما كان إِليه ووليه عمر بن العلاء، وولي جرجان فراشة مولى المهدي.
وفيها : أظلمت الدنيا لثلاث مضين من ذي الحجة حتى تعالى النهار. ولم يكن صائفة للّهدنة التي كانت بين المسلمين والروم.
وحج بالناس : إِبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عباس، وهو على المدينة، ثم توفي بعد فراغه من الحج بأيام، وتولى مكانه إسحاق بن عيسى بن علي.
وفيها: طعن عقبة بن سلم الهنائي، اغتاله رجل بخنجر، فمات ببغداد.
وكان على اليمن: سليمان بن يزيد الحارثي .
وعلى اليمامة : عبد اللّه بن مصعب الزبيري .
وكان على البصرة : محمد بن سليمان، وعلى قضائها عمر بن عثمان التيمي .
وعلى الموصل : أَحمد بن إسماعيل الهاشمي، وقيل: موسى بن كعب. وباقي الأمصار كما تقدم.
وفي هذه السنة : توفي جعفر الأحمر أَبو شيبة .
والحسن بن صالح بن حبي، وكان شيعياً عابداً .
وسعيد بن عبد اللّه بن عامر التنوخي وحماد بن سلمة وعبد العزيز بن مسلم .
وفيها : أفسد العرب في بادية البصرة بين اليمامة والبحرين، وقطعوا الطريق وانتهكوا المحارم، وتركوا الصلاة.
فأَرسل إِليهم المهدي جيشاً فقاتلهم، واشتد القتال، وصبر العرب، فظفروا، وقتلوا عامة العسكر المنفذ إِليهم، فقويت شوكتهم وزاد شرهم.
.1) وذكر ابن الأثير في أحداثها ما يلي:
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة
تلك سبيلها (1)
فوجه علي بن سليمان، وهو على الجزيرة وقنسرين يزيد بن البدر البطال في خيل فغنموا وظفروا .
وفيها:خرج بأرض الموصل خارجي اسمه: ياسين من بني تميم، فخرج إِليه عسكر الموصل فهزمهم، وغلب على أكثر ديار ربيعة والجزيرة وكان يميل إِلى مقالة صالح بن مسرح الخارجي، فوجه إِليه المهدي أَبا هريرة محمد بن فروخ القائد وهرئمة بن أعين مولى بني ضبة، فحارباه، فصبر لهما حتى قتل وعدة من أَصحابه، وهزم الباقون.
وفي هذه السنة : ثار أَبو الأسود محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الفهري بالأندلس وكان من حديثه : أنه كان في سجن عبد الرحمن بقرطبة من حين هرب أَبوه وقتل أخوه عبد الرحمن على ما تقدم وحبس أَبو الأسود، وتعامى في الحبس، وصار يحاكي العميان، ولا يطرف عينه لشيء، وبقي دهراً طويلاً حتى صح عند الأَمير عبد الرحمن الأموي ذلك وكان في أقصى السجن سرداب يقضي إِلى النهر الأعظم يخرج منه المسجونون فيقضون حوائجهم من غسل وغيره.
وكان الموكلون يهملون أَبا الأسود لعماه، فإذا رجع من النهر يقول : من يدل الأعمى على موضعه .
وكان مولى له يحادثه على شاطى النهر ، ولا ينكر عليه فواعده أن يأتيه بخيل يحمله عليها . فخرج يوماً ومولاه ينتظره فعبر النهر سباحة وركب الخيل، ولحق بطليطلة، فاجتمع له خلق كثير، فرجع بهم إِلى قتال عبد الرحمن الأموي فالتقيا على الوادي الأحمر بقسطلونة، واشتد القتال، ثم انهزم أَبو الأسود، وقتل من أَصحابه أَربعة آلاف سوى من تردى في النهر، واتبعه الأموي يقتل من لحق حتى جاوز قلعة الرباح .
ثم جمع إِلى قتال الأموي في سنة تسع وستين فلما أحس بمقدمة الأموي انهزم أَصحابه، وهو معهم، فأخذ عياله وقتل أكثر رجاله، وبقي إِلى سنة سبعين، فهل بقرية من أعمال طليطلة.
وقام بعده أخوه ،قاسم وجمع جمعاً فغزاه الأَمير ، فجاء إِليه بغير أمان، فقتله.
وفيها : هلك شيلون ملك جليقية، فولوا مكانه إذفونش، فوثب عليه مورقاط فقتله، فاختل أَمرهم هم، فدخل عليهم نائب عبد الرحمن بطليطلة في عساكره وغنم وسبى، ثم عاد سالماً .
وفيها: توفي أَبو القاسم بن واسول مقدم الخوارج الصفرية فجأة في صلاة العشاء، وكانت إمارته اثنتا عشرة سنة وشهراً، وولي بعده ابنه إلياس.
وفيها: سير المهدي سعيد الحرشي في أربعين ألفاً إِلى طبرستان.
وفيها : مات عمر الكلوذاني صاحب الزنادقة وولي مكانه محمد بن عيسى بن حمدويه، فقتل من الزنادقة خلقاً كثيراً .
وحج بالناس : علي بن المهدي الذي يقال له : ابن ريطة .
وفيها: توفي يحيى بن سلمة بن كهيل .
وعبيد اللّه بن الحسن العنبري، قاضي البصرة، ومندل بن علي، ومحمد بن عبد اللّه بن علاثة بن علقمة القاضي.
والحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أَبي طالب وكان قد استعمله المنصور على المدينة خمس سنين، ثم عزله، وحبسه ببغداد، وأخذ ماله فلما ولي المهدي أَخرجه وردّ عليه ماله، وكان جواداً إلا أنه كان منحرفاً عن أَهل بيته مائلاً إِلى المنصور.
وفيها : توفي بشر بن الربيع، وعبثر بن القاسم .
1) أي يريد لم يجر فيها ما يستفاد منه تجربة وما لا يستحق أن يدون وقال فيها ابن الأثير في الكامل : في هذه السنة في رمضان: نقض الروم الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين، وكان من أوله إِلى أن نقضوه اثنان وثلاثون شهراً.
ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة
وفيها كانت وفاة المهدي .
وكان سبب ذلك
أنه كان عزم على تقديم ابنه هارون علی ابنه موسى فبعث إِليه وهو بجرجان، و فداد هرمز، و شروین صاحبي طبرستان، وكان وجهه المهدي في جيش كثيف لم ير مثله وهيئة لم ير أحسن منها .
فلما استدعاه علم ما يريد منه، فأبى عليه فبعث إِليه رسولاً من الموالي فضربه موسى، فخرج المهدي بسبب موسى فتوفي في طريقه(1)
كأني بهذا القصر قد باد أَهله *** وأوحش منه ربعه ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجة ***ملک إِلى قبر عليه جنادله
فلم يبق إلا ذكر وحديثه *** تنادی علیه معولات حلائله
فبقي بعد ذلك عشرة أيام ومات وقد اختلف في سبب موته .
.واختلف في سبب وفاته فذكر عن واضح.
قهرمانه أنه قال :
خرج المهدي يتصيد بماسبذان بقرية يقال لها الزد فطردت الكلاب صيداً وأَظنه قال : ظبياً - فلم يزل يتبعها، فاقتحم الظبي باب خربة، واقتحمت الكلاب
1) وفي الكامل : فضرب الرسول وامتنع من القدوم عليه، فسار المهدي يريده، فلما بلغ ماسبذان أكل طعاماً، ثم قال : إني داخل إِلى البهو أنام، فلا توقظوني حتى أكون أنا الذي أنتبه، فدخل فنام، ونام أَصحابه، فاستيقظوا ببكائه فأتوه مسرعين، فقال: وقف على الباب رجل فقال :
واقتحم الفرس خلف الكلاب فدق ظهره في باب الخربة، فمات من ساعته (1)
وقيل : بل بعثت جارية من جواريه إِلى ضرة لها بإناء فيه سم فدعا به المهدي، فأكل منه، فخافت الجارية أن تقول : إنه مسموم فمات من ساعته.
ثم ذكر القصة التي سيذكرها المؤلف بعد تلك التي سردها .
.وذكر غيره :
أن المهدي كان جالساً في علية قصر بماسبذان يشرف من منظره فيها على سفله، وكانت جاريته حسنة قد عمدت إِلى كمثري كبار فجعلته في صينية وسمت واحدة منها وهي أحسنها وأنضجها بأن نزعت قمعها الذي في أسفلها، وأدخلت فيه سمّاً ثم ردت القمع فيه ووضعتها على أعلى الصينية، وكان المهدي يعجبه الكمثرى وأَرسلت بذلك مع وصيفة لها إِلى جارية للمهدي كان يتحظاها تريد بذلك ،قتلها، فلما مَرَّت الوصيفة بالصينية التي أَرسلتها حسنة رآها المهدي من المنظرة فدعاها ومد يده إِلى الكمثرى، وأخذ الكمثراية التي في في أعلى الصينية وهي المسمومة فأكلها، فلما وصلت إِلى الجوف صرخ: جوفي، وسمعت حسنة الصوت، وأخبرت الخبر، فجاءت تلطم وجهها وتبكي وتقول : أردت أن أنفرد بك فقتلتك يا سيدي، فمات من يومه(2)
ورجعت حسنة وعلى قبتها المسوح فقال أَبو العتاهية في ذلك :
رُحن في الوشي وأقبل- *** -ن علیهن المسوحُ
کل نطاح من الدن- *** -یاله یوم نطوحُ
لست بالباقي ولو ع- *** -مرت مماعمر نوحُ
فعلى نفسك نخ إن *** كنت لا بد تَنُوحُ
وكان موته في المحرم لثمان بقين منه. وكانت خلافته عشر سنين وشهراً. وقيل: عشر سنين وتسعاً وأربعين يوماً، وتوفي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها، وصلى عليه ابنه الرشيد وكان أَبيض طوالاً ، وقيل : أسمر بإحدى عينيه نكتة بياض.
.فكانت خلافته: عشر سنين وكسراً .
ومات وهو ابن ثلاث واربعين سنة .
ولم توجد له جنازة يحمل عليها، فحمل على باب .
و دفن تحت جوزة .
ذكر بعض سیره
كان المهدي إذا جلس للمظالم قال : أدخلوا علي القضاة، فلو لم يكن ردي المظالم إلا للحياء منهم [لكفى](3).
وجلس المهدي يوماً يعطي جوائز تقسم بحضرته في خاصة من أَهل بيته وقواده، وكان يقرأ عليه الأسماء فيأمر بزيادة عشرة آلاف وعشرين ألفاً وما أشبه [54/ب] ذلك، فعرض عليه بعض القواد ، فقال : هذا يحط خمسمائة درهم.
قال : لِمَ حططتني يا أَمير المؤمنين؟
قال : لأني وجهتك إِلى عدو لنا فانهزمت .
قال : كان يسرك أن أقتل ولا ينفعك؟
قال : لا .
[قال] (1): فواللّه الذي أكرمك بالخلافة لو ثبت لقتلت، فاستحي منه المهدي.
فقال: رده خمسمائة درهم. وتحدث مسور بن مساور قال : ظلمني وكيل المهدي وغصبني ضيعة لي، فأتيت سلاماً صاحب المظالم، فتظلمت، فأوصل لي رقعة إِلى المهدي وعنده عمه العباس بن محمد، وابن علاثة القاضي، وعافية القاضي.
قال : فقال لي المهدي : ادن.
فدنوت، فقال : فما تقول؟
قلت: ظلمني .
قال : فترضى بأحد هذين؟
قلت : نعم .
قال : فادن مني .
فدنوت منه حتى التزقت بالفراش .
قال : تكلم .
قلت : أصلح اللّه القاضي، سَلهُ صارت الضيعة له قبل الخلافة أو بعدها؟
قال ،فسأله ما تقول يا أَمير المؤمنين؟
قال: صارت إِلى بعد الخلافة .
قال : فأطلقها له.
قال : قد فعلت .
فقال العباس : واللّه يا أَمير المؤمنين لهذا المجلس أحب إليَّ من عشرين ألف درهم.
1) زيادة يتطلبها السياق .
وقال أَبو الخطاب : لما حضر القاسم بن مجاشع التيمي من أَهل مرو الوفاة أَوصى إِلى المهدي فكتب : (شَهِدَ اللّه أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَيْكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَابِمَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّه الْإِسْلَم) [آل عمران : 19،18] .
ثم كتب: والقاسم بن مجاشع يشهد بذلك ويشهد بذلك، ويشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّی اللّه علیه وآله .
وأن ابن أَبي طالب وصيه ووارث الإِمامة بعده.
فعرضت الوصية على المهدي، فلما بلغ هذا الموضع رمى بها ، ولم ينظر [ما] بها (1).
قال : فلم يزل في قلب أَبي عبيد، فلما حضرته الوفاة كتب في وصيته هذه الآية ؛ وقال المهدي يوماً: ما توسل إِلى أحد بوسيلة ولا تذرع بذريعة هي أقرب من تذكيره إياي يداً سلفت مني إِليه اتبعها أختها فاحسن ربها، فإن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل(2)
قال الحسن الوصيف : أصابتنا ريح شديدة أيام المهدي حتى ظننا أنها تسوقنا إِلى المحشر، فخرجت أطلب المهدي، فوجدته واضعاً خدَّه على الأرض، وهو يقول: اللّهم احفظ محمداً في أمته، اللّهم لا تشمت بنا أعداءنا من الأمم، اللّهم إن كنت أخذت هذا العالم بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك .
قال: فما لبثنا إلا يسيراً حتى انكشفت الريح وزال عنا ما كنا فيه ...
وقال الربيع: رأيت المهدي يصلي في بهو له في ليلة مقمرة فما ليلة مقمرة فما أدري أهو أحسن أم البهو أم القمر أم ثيابه، فقرأ : (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِعُوا أَرْحَامَكُمْ )[محمد : 22].
قال : فأتم صلاته ثم التفت إليَّ وقال : يا ربيع، قلت: لبيك
قال: موسى.
قلت في نفسي : من موسى؟ ابنه ؟ أم موسى بن جعفر؟ وكان محبوساً عندي، فجعلت أفكر فقلت : ما هو إلا موسى بن جعفر ،فأحضرته فقطع صلاته، ثم قال يا موسى، إني قرأت هذه الآية، فخفت أن أكون قد قطعت رحمك فوثق لي أنك لا تخرج علي قال : نعم فوثق له، فخلاه . . . وخرج المهدي يطوف بالبيت ليلاً فسمع أعرأَبية تقول : قومي مقترون، نبت عندهم العيون، فدحتهم الديون وعضتهم ،السنون، بادت رجالهم وذهبت أموالهم، وكثرت عيالهم أبناء سبيل، وانضاء طريق وصية اللّه ووصية الرسول، فهل من آمر لي بخير كَلاهُ اللّه في سفره وخَلَفَهُ فى أَهله ؟ قال : فأمر لها بخمسمائة درهم .
وماتت الياقوتة بنت المهدي وكان معجباً بها لا يطيق الصبر عنها حتى أنه كان يلبسها لبسة الغلمان ويركبها معه فلما ماتت وجد عليها وأمر أن لا يحجب عنه أحد، فدخل الناس يعزونه، وأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزية أبلغ ولا أوجز من تعزية شبيب بن شيبة فإنه قال : يا أَمير المؤمنين ما عند اللّه مما عندك خير لها منك ، وثواب اللّه خير لك منها، وأنا أسأل اللّه أن لا يخزيك ولا يفتنك وأن يعطيك على ما رُزنَتْ أجراً ويعقبك صبراً، ولا يجهد لك بلاء، ولا ينزع منك نعمة، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إِلى رده . .
.خلاقة موسى الهادي
وفي هذه السنة : بويع لموسى الهادي بماسبذان.
ذكر رأي سديد رآه خالد بن يحيى
في تلك الحال اجتمع القواد ووجوه الموالي إِلى هارون يوم توفي المهدي فقالوا له : إن علم الجند بوفاة المهدي لم يأمن الشغب (1)، والرأي أن تتحرك وتنادي في الجند بالقفل حتى تواريه ببغداد .
فقال هارون: ادعوا إلي أَبي يحيى بن خالد، وكان المهدي ولى هارون المغرب كله من الأنبار إِلى أفريقية وأمر يحيى بن خالد أن يتولى ذلك، وكانت إِليه أعماله ودواوينه إِلى أن توفي فسار يحيى بن خالد إِلى هارون، فقال له: يا أبه ما تقول فيما يقول عمر بن بزيع ونصير والمفضل؟
قال: وما قالوا؟
فأَخبره، قال : ما أرى ذلك .
قال : ولِمَ؟
قال : لأن هذا لا يخفى ولا آمن إذا علم الجند أن يتعلقوا بمحمله، ويقولوا: لا نخليه حتى يعطي لثلاث سنين ويتحكمون وينشطوا (2).
ولكن أرى أن يوارى رضى اللّه عنه ،هاهنا وتوجه نصيراً إِلى أَمير المؤمنين الهادي بالخاتم والقضيب والتهنئة والتعزية فإن البريد إِلى نصير فلا ينكر خروجه أحد إذ كان على بريد الناحية .
وأن تأمر لمن معك من الجند بجوائز مائتين مائتين وتنادي فيهم بالقفول، فإنهم إذا قبضوا الدراهم لم يكن لهم همة سوى أهإِليهم وأوطانهم ولا عرجة على شيء دون بغداد.
قال : ففعل ذلك، وصاح الجند لما قبضوا الدراهم ،بغداد بغداد ينادون إِليها، ويبعثون على الخروج من سبذان .
فلما وافوا بغداد وعلموا أمر الخليفة ساروا إِلى باب الربيع، فأحرقوه، وطالبوا
بالأرزاق وضجوا .
وقدم هارون بغداد، فبعثت الخيزران إِلى الربيع وإِلى يحيى بن خالد يشاورهما في ذلك، فأما الربيع : فدخل عليها .
وأما يحيى فلم يفعل ذلك [55/أ] لعلمه بشدة غيرة موسى.
قال وجمعت الأموال حتى أعطى الجند لسنتين، فسكنوا.
وبلغ الخبر إِلى الهادي، فكتب إِلى الربيع كتابا يتوعده(1)فيه، وكتب إِلى يحيى يجزيه بالخير ويأمره بأن يقوم بأمر هارون بما لم يزل يقوم به وأن يتولى أموره وأعماله على ما لم يزل يتولاه .
قال : فبعث الربيع بن يحيى بن خالد - وكان يوده ويثق به ويعتمد على رأيه – [فقال له](2): يا أَبا علي ما ترى فإنه لا يصيرني عن حد الحديد؟
قال : أرى أن لا تبرح موضعك، وأن توجه الفضل ابنك ليستقبله ومعه من الهدايا والطرف ما أمكنك فإني أرجو ألا - وقد كُفِيتَهُ ما - تخاف إن شاء اللّه .
ولما رأى(3)هارون الجند قد شغبوا على الربيع، وأَخرجوا من كان في حبسه، وكان العباس بن محمد وعبد الملك بن صالح، ومحرز بن إِبراهيم حضروا، أن يرضوا وتطيب أنفسهم، وتفرق جماعتهم بإعطائهم أرزاقهم فبذل ذلك لهم، فلم يرضوا ولم يتفرقوا بما ضمن لهم من ذلك حتى ضمنه محرز بن إِبراهيم فقنعوا بضمانه فتفرقوا .
فوفى لهم، فأعطوا أرزاق ثمانية عشر شهراً، وأخذ هارون البيعة لموسى الهادي، وله بولاية العهد من بعده، وضبط أمر بغداد .
ثم قدم الهادي، وكان في نفسه على الربيع ما ذكرناه من اعطائه قبل قدومه .
ولما وجه الربيع ابنه الفضل فتلقاه بما أعد له من الهدايا بهمذان أدناه وقربه، وقال : كيف خلفت مولاي؟
فكتب بذلك إِلى أَبيه، فاستقبله الربيع فعاتبه الهادي، فاعتذر إِليه، وأعلمه السبب الذي دعاه إِلى ذلك، وولاه الوزارة مكان عبد اللّه بن زياد بن أَبي ليلى، وضم إِليه ما كان عمر بن بزيع يتولاه من الزمام .
وهلك الربيع في هذه السنة(1)
وفيها: اشتد طلب المهدي للزنادقة، فقتل منهم جماعة منهم : علي بن يقطين .
وقتل أيضاً يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
وكان سبب قتله أنه أتى به إِلى المهدي، فأقر بالزندقة فقال : لو كان ما تقول حقاً لكنت حقيقاً أن لا تتعصب لمحمد، ولولا محمد ما كنت أما واللّه لولا أني جعلت على نفسي أن لا أقتل هاشمياً لقتلتك ثم قال للّهادي : أقسمت عليك إن وليت هذا الأَمر لتقتلنه، ثم حبسه .
فلما مات المهدي قتله الهادي، وكذلك أيضاً كان عهد إِليه بقتل ولد لداود بن علي بن عبد اللّه بن عباس كان زنديقاً، فمات في الحبس قبل الهادي .
ولما قتل يعقوب أدخل أولاه على الهادي، فأقرت ابنته فاطمة أنها حبلى من أَبيها، فخوِّفت فماتت من الفزع .
وفي هذه السنة : ظهر الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أَبي طالب بالمدينة، وهو المقتول بفخ عند مكة، وكان سبب ذلك :
أن الهادي استعمل على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، فلما وليها أخذ أَبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن، ومسلم بن جندب الشاعر الهذلي، وعمر بن سلام مولى آل عمر، على نبيذ له، فأمر بهم فضربوا جميعاً، وجعل في أعناقهم حبال وطيف بهم في المدينة، فجاء الحسين بن علي العمري وقال له: قد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم،لأن أَهل العراق لا يرون بأساً، فلم تطوف بهم .
فأمربهم فردوا، وحبسهم .
ثم إن الحسين بن علي، ويحيى بن عبد اللّه بن الحسن كفلا الحسن بن محمد، فأَخرجه العمري من الحبس، وكان قد ضمن بعض آل أَبي طالب بعضاً، وكانوا يعرضون، فغاب الحسن بن محمد عن العرض يومين، فأحضر الحسين بن علي، ويحيى بن عبد اللّه، وسألهما عنه، وأغلظ لهما .
فحلف له يحيى أنه لا ينام حتى يأتيه ،به أو يدق عليه باب داره، حتى يعلم أنه جاء به.
فلما خرجا قال له الحسين سبحان اللّه ما دعاك إِلى هذا؟
ومن أين تجد حسناً؟ حلفت له بشيء لا تقدر عليه.
فقال : واللّه لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف.
فقال له الحسين : إن هذا ينقض ما كان بيننا وبين أصحابنا من الميعاد .
وكانوا قد تواعدوا على أن يظهروا بمنى، وبمكة في الموسم.
فقال يحيى : قد كان ذلك .
فانطلقا وعملا في ذلك من ليلتهم، وخرجوا آخر الليل، وجاء يحيى حتى ضرب على العمري باب داره ،فلم يجده، وجاؤوا فاقتحموا المسجد وقت الصبح ، فلما صلى الحسين وقت الصبح أتاه الناس، فبايعوه على كتاب اللّه وسنة نبيه للمرتضى من آل محمد. وجاء خالد البربري في مائتين من الجند، وجاء العمري، ووزير بن إسحاق الأزرق، ومحمد بن واقد الشروي، ومعهم ناس كثير . فدنا خالد منهم فقام إِليه يحيى، وإدريس ابنا عبد اللّه بن الحسن فضربه يحيى على أنفه فقطعه ودار له إدريس من خلفه فضربه فصرعه، ثم قتلاه، فانهزم أَصحابه .
ودخل العمري في المسودة، فحمل عليهم أصحاب الحسين فهزموهم من المسجد، وانتهبوا بيت المال وكان فيه بضعة عشر ألف دينار وقيل سبعون ألفاً وتفرق الناس وأغلق أَهل المدينة أَبوابهم .
فلما كان الغد اجتمع إِليه شيعة بني العباس فقاتلوهم وفشت الجراحات في الفريقين واقتتلوا إِلى الظهر، ثم افترقوا .
ثم إن مباركاً التركي أتى شيعة بني العباس من الغد، وكان قدم حاجاً، فقاتل معهم، فاقتتلوا أشد قتال إِلى منتصف النهار ثم تفرقوا ورجع أصحاب الحسين إِلى المسجد وواعد مبارك الناس في الرواح إِلى القتال فلما غفلوا عنه ركب رواحله وانطلق وراح الناس، فلم يجدوه، فقاتلوا شيئاً من قتال إِلى المغرب، ثم تفرقوا .
وقيل : إن مباركاً أَرسل إِلى الحسين يقول له : واللّه لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير أيسر عليَّ من أن تشوكك شوكة أو أقطع من رأسك شعرة، ولكن لا بد من الأعذار، فبيتني، فإني منهزم عنك . فوجه إِليه الحسن، وخرج إِليه في نفر، فلما دنوا من عسكره صاحوا وكبروا فانهزم وأَصحابه .
وأَقام الحسين وأَصحابه أياماً يتجهزون فكان مقامهم بالمدينة إحدى عشر يوماً، ثم خرجوا لست بقين من ذي القعدة، فلما خرجوا عاد الناس إِلى المسجد، فوجدوا فيه العظام التي كانوا يأكلون وآثارهم فدعوا عليهم، ولما فارق المدينة قال :
يا أَهل المدينة لا أخلف اللّه عليكم بخير، فقالوا : بل أنت لا أخلف اللّه عليك، ولا ردك علينا . وكان أَصحابه يحدثون في المسجد، فغسله أَهل المدينة .
ولما أتى الحسين مكة أمر فنودي : أيما عبد أتانا، فهو حُرٌّ .
فأتاه العبيد، فانتهى الخبر إِلى الهادي، وكان قد حج تلك السنة رجال من أَهل بيته منهم : سليمان بن المنصور ومحمد بن سليمان بن علي والعباس بن محمد بن علي، وموسى وإسماعيل ابنا عيسى بن موسى .
فكتب الهادي إِلى محمد بن سليمان بتوليته على الحرم ، وكان قد سار بجماعة وسلاح من البصرة الخوف الطريق، واجتمعوا بذي طوى وكانوا قد أحرموا بعمرة .
فلما قدموا مكة طافوا وسعوا وحلوا من العمرة وعسكروا بذي طوى.
وانضم إِليهم من حج من شيعتهم وموإِليهم وقوادهم، ثم إنهم اقتتلوا يوم التروية فانهزم أصحاب الحسين وقتل منهم وجرح وانصرف محمد بن سليمان ومن معه إِلى مكة ولا يعلمون ما حال الحسين، فلما بلغوا ذا طوى لحقهم رجل من أَهل خراسان يقول : البشرى البشرى هذا رأس الحسين فأَخرجه وبجبهته ضربة طولى وعلى قفاه ضربة أخرى.
وكانوا قد نادوا: الأمان فجاء الحسن بن محمد بن عبد اللّه أَبو الزفت، فوقف خلف محمد بن ،سليمان والعباس بن محمد فأخذه موسى بن عيسى، وعبد اللّه بن العباس بن محمد فقتلاه. فغضبت محمد بن سليمان غضباً شديداً وأخذ رؤوس القتلى فكانت مائة رأس ونيفاً، وفيها رأس الحسن بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن علي وأخذت أخت الحسين فتركت عند زينب بنت سليمان اختلط المنهزمون بالحاج. وأتي الهادي بستة أسرى، فقتل بعضهم واستبقى بعضهم، وغضب على موسى بن عيسى في قتل الحسن بن محمد وقبض أمواله فلم تزل بيده حتى مات .
وغضب على مبارك التركي وأخذ ماله وجعله سائس الدواب فبقي كذلك حتى مات الهادي.
وأفلت من المنهزمين إدريس بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي، فأتى مصر وعلى بريدها واضح مولى صالح بن المنصور، وكان شيعياً لعلي فحمله على البريد إِلى أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة بمدينة وليلة، فاستجاب له من بها من البربر، فضرب الهادي عنق واضح وصلبه.
وقيل : إن الرشيد هو الذي قتله وأن الرشيد دس إِلى إدريس الشماخ اليمامي مولى المهدي ،فأتاه ، وأظهر أنه من شيعتهم وعظمه وآثره على نفسه فمال إِليه إدريس وأنزله عنده.
ثم إن إدريس شكى إِليه مرضاً في أسنانه فوصف له دواء، وجعل فيه سماً وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر .
فأخذه منه وهرب الشماخ، ثم استعمل إدريس الدواء فمات منه فولى الرشيد الشماخ بريد مصر .
ولما مات إدريس بن عبد اللّه خلف مكانه ابنه إدريس بن إدريس، وأعقب بها، وملكوها ونازعوا بني أمية في أمارة الأندلس على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.
وحملت الرؤوس إِلى الهادي، فلما وضع رأس الحسين بين يدي الهادي قال : كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت إن أقل ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم، فلم يعطهم شيئاً .
وكان الحسين شجاعاً كريماً قدم على المهدي فأعطاه أربعين ألف دينار ففرقها في الناس ببغداد، والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه إلا فرواً ليس تحته قميص .
وغزا الصائفة هذه السنة معيوف بن يحيى من درب الراهب، وقد كانت الروم قبل ذلك جاؤوا مع بطريقهم إِلى الحديثة فهرب الوالي وأَهل السوق فدخلها الروم فقصدهم معيوف فبلغ مدينة أشنة فغنم وسبى .
وحج بالناس هذه السنة : سليمان بن منصور .
وكان على المدينة : عمر بن عبد العزيز العمري .
وعلى مكة، والطائف : عبيد للّه بن قثم .
وعلى اليمن : إِبراهيم بن سلم بن قتيبة .
وعلى اليمامة والبحرين: سويد بن أَبي سويد القائد الخراساني .
وعلى عمان: الحسن بن نسيم الحواري.
وعلى الكوفة : موسى بن عيسى .
وعلى البصرة: محمد بن سليمان.
وعلى جرجان: الحجاج مولى الهادي.
وعلى قومس: زیاد بن حسان .
وعلى طبرستان، والرويان: صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي .
وعلى أصبهان: طيفور مولى الهادي.
وعلى الموصل: هاشم بن سعيد بن خالد، فأساء السيرة في أَهلها، فعزله الهادي، وولاها عبد الملك بن صالح الهاشمي .
وفيها: خرج بالجزيرة حمزة بن مالك الخزاعي، وعلى خراجها، منصور بن زياد، فسير جيشاً إِلى الخارج، فالتقوا بباعربايا من بلاد الموصل، فهزمهم الخارجي، وغنم أموالهم، وقوي أمره فأتى رجلان وصحباه، ثم اغتالاها فقتلاه .
وفيها: مات مطيع بن أياس الليثي الكناني الشاعر .
وأَبو عبيد اللّه معاوية بن عبد اللّه بن بشار الأشعري مولاهم، وكان وزير المهدي. وقيل: مات سنة سبعين ومائة .
وفيها : توفي نافع بن عبد الرحمن بن أَبي نعيم المقري، صاحب القراءة أحد القراء السبعة . والربيع بن يونس حاجب المنصور مولاه .
.1) وزاد ابن الأثير في هذه السنة من الأَخبار ما يلي فقال :
ثم دخلت سنة سبعين ومائة
وفيها: كانت وفاة الهادي موسى.
وكانت وفاته من قبل جوارٍ لأمه الخيزران كانت أمرتهن بقتله.
ذكر السبب في ذلك وما حملها على قتل ابنها
لما صارت الخلافة إِلى الهادي كانت الخيزران تفتات عليه في أموره، وتسلك به مسلك أَبيه من قبله في الاستبداد بالأَمر والنهي.
فأَرسل إِليها : لا تخرجي من حفرة الكفاية إِلى بلادة التبذل فإنه ليس من قدر(1)النساء الاعتراض في أمر الملك، عليك بصلاتك وسبحتك ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك.
وكانت كثيراً ما تكلمه في أمر أصحاب الحوائج فكان يجيبها إِلى كل ما تسأل حتى مضى لذلك أَربعة أشهر من خلافته.
وانثال الناس عليها وطمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إِلى بابها فكلمته يوماً في أمر لم يجد لإجابتها فيه سبيلاً، فاعتل بعلة .
فقالت: لا بد من إجابتي .
قال : لا أفعل.
قالت : فإني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد اللّه بن مالك .
قال : فغضب موسى وقال ويلي على ابن الفاعلة قد علمت أنه صاحبها واللّه لا قضيتها لك.
قالت : إذا واللّه [ أسألك حاجة أبداً .
قال:لا](2)أَبا لي رحمي وغضب.
فقامت مغضبة .
فقال : مكانك حتى تستوعبي كلامي، واللّه وإلا أنا نفي من قرابتي من رسول اللّه صلّی اللّه علیه و آله لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي أو أحد من خاصتي وخدمي الأضر بن ،عنقه ولأقبضن (3)ماله فمن يلتزم ذلك ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إِلى بابك كل يوم،أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك ، أو بيت يصونك؟ إياك أن تفتحي بابك لملى أو ذمي.
فانصرفت وهي لا تعقل ما تطأ عليه، فلم تنطق عنده بحلوه ولا مره بعدها.(4)
فحكت خالصة : أنه لما صارت الخلافة إِلى الهادي صرت إِليه وقلت له : إن أمك تستكسيك .
فأمر لها بالخزانة مملوءة كسوة .
قالت: ووجه للخيزران في منزلها من قراقر الوشي ثمانية عشر قرقرة.
وحكى بعضهم : أنه سمع خالصة تقول للعباس بن الفضل [55/ب] بن الربيع :
بعث موسى إِلى أمه الخيزران بارزة وقال : استطبتها، وذلك بعد سخطه عليها، وذكر أنه أكل منها فتنغص لها خالصة وقالت لها : أمسكي تنظري، فإني أخاف أن يكون فيها شيء، فاطعمتها [ كلب](1)فتساقط لحمه .
فأَرسل إِليها بعد : كيف رأيت الأرز؟
قالت : وجدتها غير طيبة.
فقال : لِمَ لا تأكلي، ولو تأكلي لاسترحت منك ، متى أفلح خليفة له أم .
ثم إن الهادي جمع قواده يوماً وذلك لما أعياه هذا الأَمر (2)، فقال لهم : أيما خير أنا أم أنتم؟
قالوا: بل أنت يا أَمير المؤمنين .
قال : فأيما خير أمي أم أمهاتكم؟
قالوا : بل أمك يا أَمير المؤمنين .
قال : فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، فيقولوا فعلت أم فلان؟
فقالوا: ما أحد منا يحب ذلك .
قال : فما بال رجال يأتون أمى فيتحدثون إِليها، ثم ينقلون حديثها .
فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتة، فشق عليها ذلك، فاعتزلته، وحلفت أن لا تكلمه فما دخلت إِليه حتى حضرته الوفاة.
وهمَّ موسى بخلع هارون، ثم جدَّ فيه، وكان يحيى بن خالد بن برمك يلي لهارون أعمال الغرب فلما جدَّ موسى الهادي في البيعة لابنه جعفر بن موسى، وتابعه القواد مثل يزيد بن مزيد وعبد اللّه بن مالك وعلي بن عيسى وما أشبههم، وخلعوا هارون، ودسوا إِلى الشيعة فتكلموا في أمره، وتنقصوه، وقالوا: لا نرضى به.
ولما ظهر ذلك، أمر الهادي ألا يسار قدام الرشيد بحربة، فأحبسه الناس وتركوه،
فلم يجترئ أحد أن يسلم عليه ولا يقربه .
وكان يحيى بن خالد يقوم بإنزال الرشيد وينزل منه منزلة الوالد ويسميه أَبي، فكان يشير عليه بأن يدافع ولا يستجيب للخلع، فسعى بيحيى (1)إِلى الهادي، وقيل له : ليس عليك (2)من هارون خلاف، وإِنما يفسده يحيى فابعث إِليه وتهدده بالقتل وأرقه بالكفر.
فبعث الهادي إِلى يحيى ليلاً، فيئس من نفسه، وودع أَهله، وتحفظ وجدد ثيابه ولم يشك أنه يقتله فلما دخل عليه .
قال: يا يحيى ما لي ولك؟
قال : أنا عبدك يا أَمير المؤمنين .
[ قال](3): فما يكون من العبد إِلى مولاه إلا الطاعة .
[قال : نعم ] (4)
فقال : لِمَ تدخل بيني وبين أخي وتفسده عليَّ؟
قال: ما أَمير المؤمنين من أنا أدخل بينكما؟!
إِنما صيرني المهدي معه، وأمرني بالقيام بأمره ، ثم أمرتني بذلك ، فانتهيت إِلى أمرك .
[ فسكن غضبه ] (5).
قال : فما الذي صنع هارون؟ طاب نفساً بالخلع ؟
فقال له يحيى : لا يفعل.
قال هارون: أليس ينزل إِلى الهيبة والمزية؟ فمهما يسعاني واعبس.
فقال يحيى: وأين الهيبة والمزية من الخلافة ولعل ألا يترك هذا في يدك؟
وكان يحيى ينادم الهادي بعد ذلك، فكلمه الهادي في أمر الرشيد وخلعه .
فقال : يا أَمير المؤمنين، إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك، ثم بايعت لجعفر من بعده كان ذلك أوكد لبيعته .
قال : لقد صدقت، ونصحت، ولي في هذا الأَمر تدبير (6).
1) في المخطوط يحيى، وهو تحريف والسياق يقتضي ما أثبت.
2) فى المخطوط : ليس عليك لك عليك، فحذفت الزيادة من السياق.
3) زياد من الكامل.
4) زيادة يتطلبها السياق .
5) زيادة من الكامل.
6) في الكامل : قال : صدقت وسكت عنه فعاد أولئك الذين بايعوه من القواد والشيعة فحملوه على معاودة الرشيد بالخلع، فأحضر يحيى وحبسه فكتب إِليه : إن عندي نصيحة ...
وكان محمد بن يحيى بن خالد يقول : كان أَبي يقول : ما كلمت أحد من الخلفاء أعقل من موسى.
وقال : كان حبسني موسى الهادي على ما أَراده من خلع الرشيد، فرفعت إِليه رقعة : إن عندي نصيحة.
فدعاني فقال : هات ما عندك .
فقلت : فاخلني [بك] (1)، فخلاني.
فقلت: يا أَمير المؤمنين، أرأيت إن كان الأَمر الذي أسأل اللّه أن لا تبلغه، وأن يقدمنا ،قبله أتظن أن الناس يسلمون لجعفر وهو لم يبلغ الحنث؟ أو يرضون به الصلاتهم وحجهم وغزواتهم؟
قال : واللّه ما أَظن ذلك .
قلت : فتأمن يا أَمير المؤمنين أن يسموا إِليها أكابر أَهلك وجلتهم مثل فلان وفلان ثم يطمع فيها غيرهم فتخرج من ولد أَبيك ؟
فأطرق، ثم قال: نبهتني يا يحيى عن أمر لم أكن انتبه له .
قال : فقلت : لو أن هذا الأَمر لم يعقد لأخيك أما كان ينبغي أن تعقده له؟ فكيف أن تحله وقد عقده المهدي؟ ولكن تقر الأَمر على حاله يا أَمير المؤمنين فإذا بلغ جعفر، وبلغ اللّه به أتيته بالرشيد فخلع نفسه ،له وكان من يبايعه ويعطيه [1/56] صفقة يده.
فقبل الهادي قوله : وأطلقه (2)
ثم إن أولئك القواد عاودوا القول فيه، فأَرسل الهادي إِلى الرشيد في ذلك وضيق عليه، فقال له يحيى : استأذنه في الصيد، فإذا خرجت فأبعد ودافع الأيام، ففعل ذلك، وأذن له فمضى إِلى قصر بني مقاتل، فقام أربعين يوماً، فأنكر الهادي أمره ،وخافه فكتب إِليه بالعود، فتعلل عليه، فأظهر الهادي شتمه وبسط موإِليه وقواده فيه ألسنتهم، فلما طال الأَمر عاد الرشيد.
.فلما كان بعد أيام خرج الهادي إِلى الحدثية حدثيَّة الموصل فمرض بها، وانصرف بعدما كتب إِلى جميع عماله شرقاً وغرباً بالقدوم وعليه فلما ثقل اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه، فقالوا : إن صار الأَمر إِلى يحيى قتلنا ولم يستبقنا وتآمروا على أن يذهب بعضهم إِلى يحيى بأمر الهادي فيضرب عنقه . ثم قال بعضهم: إن أَمير المؤمنين ما بلغ حَدَّ اليأس منه فلعله يفيق من مرضه فما عذرنا عنده؟ فأمسكوا .
ثم بعثت الخيزران إِلى جواريها بالجلوس على وجهه وغممنه حتى يموت، لأنها أشفقت أن يفيق فيخلع هارون، ففعلن ذلك .
وبعثت إِلى يحيى تعلمه أن الرجل لُمَّ به فجد في أمرك ولا تقصر .
فأمر يحيى بإحضار الكتاب فحضروا وجمعوا في منزل الفضل بن يحيى فكتبوا ليلتهم كتباً من الرشيد إِلى العمال بوفاة الهادي وأنه قد ولاهم الرشيد ما كانوا يلون ولما أصبحوا أنفذوها على البُرد.
وقد روي عن هرثمة بن أعين في موت الهادي ما رواه علي بن هشام المعروف بأَبي قيراط عن محمد بن أَحمد بن الفضل الجرجاني المعروف بقلنسوة، وكان وزير المتوكل، قال حدثني خالي الحسن بن رجى بن الضحاك قال حدثني الحسن بن سهل قال حدثني أَبو حاتم هرثمة بن أعين بمرو :وقال كنت اختصصت بموسى الهادي، وكنت مع ذلك شديد الحذر منه لإقدامه على الدماء، فاستدعاني في نصف نهار يوم حر شديد قبل أكلي فارتعت وبادرت إِليه فدخلت من دار إِلى دار حتى قربت من دار حرمه ثم نحى عنا جميع من كان بحضرته وقال لي : أَخرج فأغلق باب هذه الحجرة ،وعد فازددت جزعاً، وفعلت وعُدّت (1)
قتل برسم المادة الخليفة وتوقية هارون الرشيد .
فقال لي : قد تأذيت بهذا الكلب الملحد يحيى بن خالد، ليس له شغل إلا تضريب الرجال واحتدامهم إِلى صاحبه هارون يريد أن يقتلني ويسوق الخلافة إِليه، وأريد منك أن تمضي الليلة إِلى هارون فتقبض عليه وتجيء برأسه إمّا أن تحتاط في التدبير حتى لا يفوتك، وتفعل ذلك به في دارك أو تخرجه من داره برسالة مني تستدعيه فيها إِلى حضرتي، ثم تعدل به إِلى حيث تقتله فيه وتجيئني برأسه.
فورد عليّ أمر عظيم وقلت : يأذن أَمير المؤمنين في الكلام؟
قال : قل .
قلت: يا أَمير المؤمنين، أخوك وابن أمك وأَبيك . وله عهد بعدك، فكيف تكون صورتنا عند اللّه أولاً، ثم عند الناس .
قال : عليك أن تسمع لي وتطيع وإلا ضربت عنقك .
فقلت : السمع والطاعة .
قال : وإذا فرغت من هذا أَخرجت جميع الطالبين من المجلس فضربت أعناقهم، وغرقت من يبقى إن كثر عددهم .
فقلت : السمع والطاعة .
قال : ثم ترحل إِلى الكوفة بجميع من معك من الجيش تضم إِليهم من ترى من
1) جاء بهامش المخطوط حذاء هذا السطر كلام بغير خط الناسخ هذا نصه :
الجند المقيمين بالباب فتخرج من تجد فيها من العباسيين وشيعتهم والعمال المتصرفين معهم، ثم تنهب ما فيها من الأموال وتضربها بالنار حتى تحترق هي وجميع من فيها وتخربها حتى لا يبقى لها أثر .
فقلت: يا مولاي هذا أمر عظيم، ففكر فيه .
فقال : لا بد من ذلك فإن كل آفة ترد على ملكنا إِنما هي من هذه الجهة. ثم قال : لا تبرح من مكانك حتى إذا انتصف الليل بدأت بهارون.
فقلت: سمعاً وطاعة .
ونهض من موضعه، ودخل إِلى دار النساء وجلست مكاني، ولم أشك أنه قد قبض عليّ، وأنه سيقتلني ويدبر هذا الأَمر على يد غيري لما ظهر من جزعي في كل باب والرد عليه والتخطئة لرأيه، ثم اجابتي إياه كارهاً .
وكنت يعلم اللّه قد علمت على أني أركب فرسي من حضرته وألحق بطرف من الأرض، وأَخرج من نعمتي وأكون بحيث لا يصل إلي حتى يموت أحدنا .
فلما دخل دار النساء عرض لي أنه قد قبض عليّ ليقتلني لئلا يفشو السر، فورد عليّ غم شديد وذهب عني أمري فلما انتصف الليل، جاءني خادم وقال : أجب أَمير المؤمنين، فقمت وأنا أستند ومشيت مع الخادم إِلى ممر فسمعت فيه كلام النساء، فقلت : عزم علي قتلي بحجة وهو يدخلني دور الحرم، ثم يقول من [56/ب] أذن لك في الدخول على مرمى.
فوقفت، فقال الخادم: ادخل، فقلت: لا أدخل.
فقال : ويحك ادخل .
فصحت وقلت : لا واللّه لا أدخل حتى أسمع كلام مولاي أَمير المؤمنين بالإذن لي في الدخول.
فإذا امرأة تصيح، فتقول : ويلك يا هرثمة أنا الخيزران، وقد حدث أمر عظيم استدعيتك له، فادخل.
فورد عليّ ما لم أر في حياتي ،وتحيرت فدخلت، فإذا ستارة ممدودة.
فقالت لي من ورائها: إن موسى قد مات، وقد أراحك اللّه والمسلمين منه ، فقم فانظر إِليه .
فإذا هو مسجى فمسیت مجسه ،وقلبه ومناخره، فإذا هو ميت .
ثم قالت الخيزران : إني كنت بحيث أسمع كلامه لك في أمر ابني هارون وغيره،
فلما دخل استعطفته، ثم سألته أن لا يفعل ما هَمَّ به، فصاح عليّ ، فكشفت له رأسي وبكيت وأقسمت عليه أن لا يفعل، فانتهرني، وقال : إن امسكت والا ضربت عنقك، فخفته، وقمت فصليت وتضرعت إِلى اللّه في قبضه إِليه، فما كان بأسرع مما شرق فتداركناه بكرز ،ماء فازداد شرقه حتى تلف فقم إِلى يحيى بن خالد، فعرفه ما كان خاطبك به والخبر كله، وعجل بهارون قبل أن ينشر الخبر، وخذله البيعة .
قال : فقمنا ففعلت ذلك، وما أصبحنا حتى فرغنا من البيعة، واستقام أمره، وكفاني اللّه والناس شره.
ولما أتى الخيزران الخبر بوفاة موسى وجاءها به الرسول قالت : وما أصنع به .
فقالت له خالصة: قومي وامشي إِلى ابنك فليس هذا وقت تعتب .
فقالت : أعطوني ماءً أتوضأ للصلاة.
ثم قالت : أما إنَّا كُنَّا نتحدث أنه يموت في هذه الليلة خليفة ويملك فيها خليفة، ويولد فيها خليفة فمات موسى وملك هارون، وولد المأمون(1)
وكانت الخيزران قد أخذت العلم عن الأوزاعي، وكان الهادي بعيسا باذ. قلت: كيف يستساغ مثل هذا القول عنها وقد أخذت العلم عن مثل هذا الشيخ الجليل الذي ينكر كغيره من كل علماء الإسلام أقوال المنجمين ويكذبونهم وإن صادق كلامهم في بعض الظروف حقيقة .
.وكانت ولايته أَربعة عشر شهراً ومات وهو ابن ست وعشرين سنة.(2)
وقيل : لأربع عشرة خلت من ربيع الأول.
وقيل : لست عشرة منه .
قيل : وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر.
وقيل : كانت أَربعة عشر شهراً.
وكان عمره ستاً وعشرين سنة وقيل ثلاثاً وعشرين سنة وصلّى عليه الرشيد، وكانت كنيته أَبا محمد، وأمه الخيزران أم ولد ودفن بعيسأَبا ذ الكبرى في بستانه .
وكان طويلاً جسيماً أَبيض مشرباً حمرة. وكان بشفته العليا نقص وتقلص وكان المهدي قد وكل به خادماً يقول له: موسى أطبق فيضم شفته فلقب موسى أطبق.
وكان له أولاد تسعة، سبعة ذكور وابنتان، فمن الذكور : جعفر - وهو الذي كان يريد البيعة له -،والعباس، وعبد اللّه ،وإسحاق، وإسماعيل، وسليمان وموسى بن موسى الأعمى، كلهم لأمهات أولاد .
وابنتان أم عيسى كانت عند المأمون، وأم العباس وكانت تلقب نونة .
ذكر بعض سيرته
ذكر عن عبد اللّه بن مالك أنه قال : كنت على شرطة المهدي، وكان المهدي يبعث إليَّ في ندماء الهادي ومعنيه في ضربهم وحبسهم صيانة له عنهم، فبعث إليَّ الهادي يسألني
الرفق بهم والترفيه لهم، فلا ألتفت إِلى ذلك، وأمضي لما يأمرني به المهدي .
فلما ولي الهادي الخليفة أيقنت بالتلف، فبعث إليَّ يوماً، فدخلت إِليه متكفناً متحنطاً، وإذا هو على كرسي والنطع بين يديه فسلمت .
فقال : لا سلام اللّه على الآخر تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحراني، وما أمربه أَمير المؤمنين رضي اللّه عنه من ضربه وحبسه فلم تجبني، وفي فلان، وفي فلان، فجعل يعد ندماءه، فلم تلتفت إِلى قولي ،وأمري؟ قلت نعم يا أَمير المؤمنين، أيسرك أنك وليتني ما ولاني أَبوك فأمرتني بأمر فبعث إلي بعض بنيك بأمر يخالف به أمرك،
فاتبعت أمرك ؟
قال : لا .
قلت : فكذلك أنا لك، وكذلك كنت لأَبيك .
فاستدناني، فقبلت يده، فأمر بخلع فصبت عليّ، وقال: قد وليتك ما كنت مولاه، فامض راشداً.
فخرجت من عنده، فصرت إِلى منزلي مفكراً في أمري وأمره وقلت: حدث يشرب والقوم الذين عصيته في أَمرهم ندماؤه ووزراؤه وكُتابه، وكأني به حين تغلب عليه الشراب قد أزالوه عن رأيه وحملوه على ما كنت أتخوفه .
قال : [فإني] لجالس وبين يدي بنية لي في وقتي ذلك، والكانون(1)بين يدي، ورقاق أشطره بكامخ (2)وأسخنه وأطعمه الصبية، حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت وزلزلت لوقع الحوافر وكثرت الضوضاء.
فقلت : هاه كان واللّه ما ظننت ووافاني من أمره ما تخوفت، فإذا الباب قد فتح وإذا الخدم قد دخلوا، وإذا أَمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم.
فلما رأيتهم، وثبت من مجلسي مبادراً، فقبلت يده ورجله، وحافر حماره.
فقال لي: يا عبد اللّه إني فكرت في أمرك فقلت : يسبق إِلى قلبك أني إذا شربت وحولي أعداؤك أزالوا ما حسن من رأيي فيك فأقلقك، وأوحشك [1/57] فصرت إِلى منزلك لأونسك، وأعلمك أن السخيمة قد زالت من قلبي لك ، فهات وأطعمني ما كنت تأكل، وافعل فيه ما كنت تفعل لتعلم أني قد تحرّمت بطعامك، وأنت بمنزلك، فيزول
خوفك ووحشتك
فأدنيت إِليه ذلك الرقاق والسكرجة التي فيها الكامخ(1)فأكل منها .
ثم قال: هاتوا الزلة التي أزللتها لعبد اللّه من مجلسي.
فادخل إليَّ أربعمائة بغل موقرة دراهم وقال هذه زلتك فاستعن بها على أمرك، واحفظ لي هذه البغال عندك لعلي احتاج إِليها لبعض أسفاري، ثم قال : أظلك اللّه بخير، ثم انصرف راجعاً. فذكر موسى بن عبد اللّه بن مالك : أن أَبا ه أعطاه بستانه الذي كان وسط ،داره، ثم بنى حوله معالف لتلك البغال وكان هو يتولى النظر إِليها والقيام عليها أيام حياة الهادي كلها .
وأتى موسى برجل فجعل يقرره بذنوبه، وتهدده .
فقال الرجل : اعتذاري يا أَمير المؤمنين بما تقرعني به ردّ عليك، واقراري يوجب علي ذنباً، ولكني أقول : إذا كنت ترجو في العقوبة رحمة فلا تزهدن عند المعافاة(2)في الأجر، فأمر بإطلاقه .
وقد كنا حكينا عن موسى الهادي ما حقده على الربيع من دخوله على أمه، فلما تجاوز عنه وجد أعداء (3)الربيع طريقاً إِليه من طريق غير الهادي. وكان الربيع أهدى إِلى المهدي جارية حسناء فائقة الجمال حسنة القد والشعر ناهدة ،الثدي، فلما رآها المهدي قال : هذه تصلح لموسى فوهبها له، فشغف بها الهادي واستولدها، فهي أم أكابر أولاده.
فقال حساد الربيع ؛ يا أَمير المؤمنين إن الربيع يتفوه في خلوته بما أعظم مما أنكرته .
قال : وما هو؟
قال : إنه يقول : ما وضعت بيني وبين الأرض أطيب من فلانة يعني أم أولاد الهادي فالتهب الهادي وتركه حتى إذا كان يوم أنسه دعا الربيع إِلى مجالسته، وسقاه بيده كأساً مسموماً.
فأحس الربيع بذلك، وبما رقى إِليه من كلامه فلم يقدر على الامتناع، ويخاف أن يمتنع بضرب عنقه، فشرب الكأس فتوصب من ساعته .
وقام فأظهر الهادي شفقته عليه، وعرض عليه المقام فأبى .
قال : ما أجده يا أَمير المؤمنين أكثر من أن أقيم معه، ثم بادر إِلى منزله، فأَوصى ومات من ليلته (1)
فقال لعلي بن صالح : ائذن للناس على الجفلى لا النقرى .
فخرج من عنده ولم يفهم قوله، ولم يجسر على مراجعته فأحضر أعرأَبياً فسأله عن ذلك. فقال : الجفلى أن تأذن لعامة الناس. فأذن لهم فدخل الناس عن آخرهم ونظر في أمورهم إِلى الليل فلما تقوَّض المجلس قال له علي بن صالح ما جرى له وسأله مجازاة الأعرابي .
فأمر له بمائة ألف درهم .
فقال علي : يا أَمير المؤمنين إنه أعرابي ويغنيه عشرة آلاف.
فقال : يا علي أجود أنا وتبخل أنت .
وقيل : خرج يوماً إِلى عياد أمه الخيزران، وكانت مريضة .
فقال له عمر بن ربيع: يا أَمير المؤمنين ألا أدلك على ما هو أنفع لك هذا ؟
تنظر في المظالم، فرجع إِلى دار المظالم، وأذن للناس وأَرسل إِلى أمه يتعرف أَخبارها. وقيل: كان يعقوب بن داود يقول : ما لعربي ولا لعجمي عندي ما لعلي بن عيسى بن ماهان، فإنه دخل إِلى الحبس وقال لي : أمرني أَمير المؤمنين الهادي أن أضربك مائة سوط، فأقبل يضع السوط على يدي ومنكبي، ويمسني به مساً إِلى أن عد مائة سوط، ثم خرج . فقال له الهادي : ما صنعت به؟ قال : صنعت الذي أمرتنى به، وقد مات الرجل .
فقال الهادي: إنا للّه وإنا إِليه راجعون، فضحتني واللّه عند الناس، يقولون: قتل يعقوب بن داود .
فلما رأى شدة جزعه قال: هو واللّه حتي يا أَمير المؤمنين.
قال : الحمد للّه على ذلك.
1) ومما ذكر ابن الأثير أيضاً في سيرته أن قال : تأخر الهادي عن المظالم ثلاثة أيام فقال له الحراني : يا أَمير المؤمنين، إن العامة لا تحتمل من هذا.
خلافة هارون الرشيد
وفي هذه السنة: استخلف هارون بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب الرشيد فبويع له ليلة الجمعة وهي الليلة التي توفي فيها الهادي وكانت سنّه يوم ولي اثنين وعشرين سَنَة، وأمه أم ولد يمانية (1)حرشية(2)،يقال لها: الخيزران. وولد بالري سنة تسع وأربعين ومائة(3)
وقيل : ولد مستهل محرم سنة تسع وأربعين. وكان مولد الفضل بن يحيى البرمكي قبله بسبعة أيام، وأرضعت أم ابن يحيى الرشيد وأرضعت الخيزران الفضل بلبان الرشيد. ولما مات الهادي كان يحيى بن خالد البرمكي محبوساً في قول بعضهم، وكان الهادي عازماً على قتله، فجاء هرثمة بن أعين إِلى الرشيد فأَخرجه للخلافة فأَرسل الرشيد إِلى يحيى فأَخرجه من الحبس واستوزره ، وأمر بإنشاء الكتب إِلى الأطراف بجلوسه للخلافة وموت الهادي.
.وكان هرثمة بن أعين هو الذي أَخرج هارون الرشيد ليلاً فاقعده للخلافة .
ويقال : إن هارون لما جلس للخلافة حلف أن لا يصلى الظهر إلا ببغداد، وأنه لا يصلي بعيسابا ذ إلا على المهدي، وأنه لا يصلي ببغداد إلا ورأس أَبي عصمة بين يديه .
ثم ثيابه وخرج فصلى على أَخيه، وقدّم أَبا عصمة فضربت عنقه، وشد حمته في رأس قباةٍ، ودخل بها .بغداد وذلك أنه كان مضى هو وجعفر بن موسى الهادي راكبين فبلغا قنطرة من قناطر عيسابا ذ فالتفت أَبو عصمة إِلى هارون فقال له : مكانك حتى يجوز ولي العهد .
فقال هارون: السمع والطاعة للأَمير، فوقف حتى جاز جعفر، وكان هذا سبب قتل أَبي عصمة(4)
قيل : لما مات الهادي جاء يحيى بن خالد إِلى الرشيد وهو نائم في فراشه فقال له : قم يا أَمير المؤمنين.
فقال : كم تروعني إعجابا منك بخلافتي، فكيف يكون حالي مع الهادي إن بلغه هذا؟ فأعلمه بموته وأعطاه خاتمه، فبينما هو يكلمه إذ أتاه رسول آخر يبشره بمولود، فسماه عبد اللّه . وهو المأمون - ولبس ثيابه وخرج فصلى على الهادي بعيساباذ، وقتل أَبا عصمة وسار إِلى بغداد وكان سبب قتل أَبي عصمة أن الرشيد كان سائراً هو وجعفر بن الهادي فبلغ قنطرة. عيساباذ .... فذكر القصة كما هنا، ثم أتم الخبر بدخوله بغداد فقال : فلما وصل الرشيد إِلى بغداد وبلغ الجسر، دعا الغواصين وقال : كان المهدي قد وهب لي خاتماً شراؤه بمائة ألف دينار - يسمى الجبل - فأتاني رسول الهادي يطلب الخاتم وأنا هاهنا، فألقيته في الماء فغاصوا عليه، وأَخرجوه فسر به.
ولما مات الهادي هجم خزيمة بن خازم ...
ويقال إنه لما توفي موسى هجم خزيمة بن خازم في تلك الليلة فأخذ جعفراً من فراشه وكان خزيمة في خمسة آلاف من موإِليه معهم السلاح، فقال: واللّه لأضربن عنقك أو تخلعها، وذاك أن موسى قد كان أمر جماعة فبايعوه.
فلما كان الصبح ركب الناس إِلى باب جعفر فأتى به خزيمة فأَقامه على باب الدار في العلو والأَبواب خلفه، فأقبل جعفر [57/ب] ينادي : يا معشر الناس من كانت لي في عنقه بيعة فقد أحللته منها والخلافة لعمي هارون، ولا حق لي فيها.
وكان سبب مشي عبد اللّه بن مالك الخزاعي إِلى مكة على اللبود.
وحظي خزيمة عند الرشيد.
وقلد هارون يحيى بن خالد الوزارة، وقال له: قد قلدتك أمر الرعية، وأَخرجته من عنقي إليك فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب واستعمل من رأيت وأمض الأمور على ما ترى، ودفع إِليه خاتمه .
وكانت الخيزران هي الناظرة في الأمور، وكان يحيى يعرض عليهم ويصدر عن رأَيها(1)
وفيها: استوزر الرشيد يحيى بن خالد وقال له قد قلدتك أمر الرعية فاحكم . فقال إِبراهيم الموصلي :
ألم تر أن الشمس كانت سقيمة *** فلما ولي هارون أشرق نورها
بيمن أمين اللّه هارون ذي الندى *** فهارون وإِليها ويحيى وزيرها
وفيها : توفي يزيد بن حاتم المهلي والي أفريقية واستخلف عليها ابنه داود. وانتقضت جبال باجة .
وخرج فيها الأَباضية، فسير إِليهم داود جيشاً فظفر بهم الأَباضية وهزموهم، فجهز إِليهم جيشاً آخر، فهزمت الأَبا ضية، فتبعهم الجيش فقتلوا منهم فأكثروا .
وبقي داود أَميراً إِلى أن استعمل الرشيد عمه روح بن حاتم المهلي أَميراً على أفريقية وكانت إمارة داود تسعة أشهر .
وفيها : عزل الرشيد عمر بن عبد العزيز العمري عن المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام واستعمل عليها إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس .
وفيها: ظهر من مكان مستخفياً منهم: طباطبا، وهو إِبراهيم بن إسماعيل، وعلي بن الحسين بن إِبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن، وبقي نفر من الزنادقة لم يظهروا منهم، يونس بن فروة، ويزيد بن الفيض.
وفيها: عزل الرشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزاً واحداً وسميت العواصم .
وأمر بعمارة طرسوس على يد فرج الخادم التركي ونزلها الناس .
وحج بالناس: الرشيد، وقسّم بالحرمين عطاء كثيراً.
وقيل : إنه غزا الصائفة بنفسه، وغزا الصائفة سليمان بن عبد اللّه البكائي، وكان على مكة والطائف : عبد اللّه بن قثم وعلى الكوفة موسى بن عيسى وعلى البصرة، والبحرين، واليمامة وعمان والأهواز وفارس محمد بن سليمان بن علي. وكان على خراسان الفضل بن سليمان الطوسي . وعلى الموصل : عبد الملك .
وفيها : أوقع عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس ببرابر نفزة فأذلهم، قتل فيهم.
وفيها: أمر عبد الرحمن ببناء جامع قرطبة، وكان موضعه كنيسة، وأَخرج عليه مائة ألف دينار.
.1) هذا ما ذكر المؤلف في تلك السنة، وزاد ابن الأثير في أحداثها فقال : وفيها ولد الأمين - واسمه محمد - في شوال، فكان المأمون أكبر منه .
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة
ثم دخلت سنة إحدى...(1)وسبعين ومائة
ولم يجر فيها ما يستفاد منه تجربة (2)
فيها : مات عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك صاحب الأندلس في ربيع الآخر .
وقيل : سنة اثنتين وسبعين ومائة وهو وكان مولده بأرض دمشق.
وقيل : بالعلياء من ناحية تدمر سنة ثلاث عشرة ومائة . وكان موته بقرطبة وصلى عليه ابنه عبد اللّه . وكان عهد إِلى ابنه ،هشام، وكان ابنه هشام بمدينة ماردة والياً عليها .
وكان ابنه سليمان بن عبد الرحمن - وهو الأكبر - بطليطلة والياً عليها ، فلم يحضرا موت أَبيهما، وحضره عبد اللّه المعروف بالبلنسي وأخذ البيعة لأَخيه هشام، وكتب إِليه ينعي أَبيه، وبالإمارة فسار إِلى قرطبة وكانت دولة عبد الرحمن ثلاثاً وثلاثين سنة وأشهراً، وكانت كنيته أَبا المطرف :وقيل أَبا سليمان وقيل : أَبا زيد وكان له من الولد أحد عشر ذكراً، وتسع بنات وكانت أمه بربرية من سبي إفريقية. وكان أصهب خفيف العارضين طويل القامة، نحيف الجسم، أعور، له ضفيرتان. وكان فصيحاً شاعراً حليماً عالماً، حازماً سريع النهضة في طلب الخارجين عليه لا يخلد إِلى راحة، ولا يسكن إِلى دعة ولا يكل الأمور إِلى غيره، ولا ينفرد في الأمور برأيه، شجاعاً، مقداماً، يعيد الغور شديد الحذر، سخياً جواداً، يكثر لبس البياض، وكان يقاس بالمنصور في حزمه وشدته وضبط المملكة وبنى الرصافة بقرطبة تشبيهاً بجده هشام حيث بنى الرصافة بالشام، ولما سكنها رأى فيها نخلة منفردة فقال :
تبدت لنا وسط الرصافة نخلة *** تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي في التغرب والنوى *** وطول التنائي عن بني وعن أَهلي
نشأت بأرض أنت فيها غريبة *** فمثلك في القصاء المنتأى مثلي
سقتك من غوادي المزن من صوبها الذي *** يسح ويستمري السماكين بالوبل
وقصده بنو أمية من المشرق، فمن المشهورين عبد الملك بن عمر بن مروان وهو قعدد بني أمية، وهو الذي كان سبب قطع الدعوة العباسية بالأندلس على ما تقدم وكان معه أحد عشر ولداً له . إمارة ابنه هشام: كان عبد الرحمن قد عهد إِلى ابنه هشام ولم يكن أكبر ولده، فإن سليمان كان أكبر منه، وإِنماكان يتوسم فيه الشهامة الاضطلاع بهذا الأَمر فلهذا عهد إِليه ولما توفي أَبوه كان هو بماردة متولياً لها وناظراً في أمرها، وكان أخوه سليمان وهو أكبر منه بمدينة طليطلة، وكان يروم الأَمر لنفسه، ويحسد أخاه هشاماً على تقديم والده له عليه وأضمر له الغش والعصيان. وكان أخوه عبد اللّه المعروف بالبلنسي حاضراً بقرطبة عند والده فلما توفي جدد عبد اللّه البيعة لأَخيه هشام بعد أن صلى على والده، وكتب إِلى أَخيه هشام يعرفه موت والده والبيعة له .
فسار من ساعته إِلى قرطبة فدخلها في ستة أيام، واستولى على الملك، وخرج عبد اللّه إِلى داره مظهراً الطاعة وفي نفسه غير هذا، وسنذكر ما كان منه إن شاء اللّه تعالى.
وفيها : خرج الصحصح الخارجي بالجزيرة وكان عليها أَبو هريرة، فوجه عسكراً إِلى الصحصح، فلقوه فهزمهم، وسار الصحصح إِلى الموصل، فلقيه عسکرها ،بیاجرمي فقتل منهم كثيرا، ورجع إِلى الجزيرة فغلب على ديار ربيعة، فسير الرشيد إِليه جيشاً، فلقوه بدورين فقتلوه، وعزل الرشيد أَبا هريرة عن الجزيرة .
وفيها: استعمل الرشيد على صدقات بني تغلب روح بن صالح الهمداني، وهو من قواد الموصل فجرى بينه وبين تغلب خلاف فجمع جمعا وقصدهم فبلغهم الخبر فاجتمعوا وساروا إِلى روح ،فبيتوه فقتل هو وجماعة من أَصحابه . فسمع حاتم بن صالح - وهو بالسكير - فجمع جمعاً كثيراً، وسار إِلى تغلب فبيتهم وقتل منهم خلقا كثيراً وأسر مثلهم .
وفيها : عزل الرشيد عبد الملك بن صالح الهاشمي عن الموصل، واستعمل عليها إسحاق بن محمد . وفيها: استعمل الرشيد على أفريقية روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أَبي صفرة لما بلغه وفاة أَخيه يزيد بن حاتم بها على ما ذكرناه، فقدمها في رجب .
وكان دواد بن يزيد أَخيه على أفريقية فلما وصل عمه روح سار داود إِلى الرشيد، فاستعمله.
قال روح :كنت عاملاً على فلسطين، فأحضرني الرشيد، فوصلت وقد بلغه موت أخي يزيد، فقال : احسن اللّه عزاءك في أخيك وقد وليتك مكانه، لتحفظ صنائعه، وموإِليه .
فسار إِليها، ولم تزل البلاد معه آمنة ساكنة من الفتنة لأن أخاه يزيد كان قد أكثر القتل في الخوارج بأفريقية، فذلوا .
ثم توفي روح بالقيروان ودفن إِلى جانب قبر أَخيه يزيد .
وكانت وفاته في رمضان سنة أربع وسبعين ومائة .
ولما استعمل المنصور يزيد بن حاتم على أفريقية، استعمل أخاه روحاً على السند، فقيل له : يا أَمير المؤمنين، لقد باعدت ما بين قبريهما .
فتوفي يزيد بالقيروان ، ثم وليها روح فتوفي بها ، ودفن بها إِلى جانب أَخيه يزيد، وكان روح أشهر بالشرق من يزيد ويزيد أشهر بالغرب من روح لطول مدة ولايته وكثرة حرويه فيها، والخارجين عليه .
فيها: قدم أَبو العباس الفضل بن سليمان الطوسى من ،خراسان واستعمل الرشيد عليها جعفر بن محمد بن الأشعث، فلما قدم خراسان سير ابنه العباس إِلى كابل فقاتل أَهلها حتى افتتحها .
ثم افتتح ،سانهار وغنم ما كان بها .
وفيها : قتل الرشيد أَبا هريرة محمد بن فروخ وكان على الجزيرة فوجه إِليه الرشيد حرب بن قيس، فأحضره إِلى بغداد فقتله .
وفيها : أمر الرشيد بإخراج الطالبيين من بغداد إِلى مدينة النبي صلّی اللّه علیه و آله ، خلال العباس بن الحسن بن عبد اللّه بن عباس .
وفيها :خرج الفضل بن سعيد الحروري فقتله أَبو خالد المروروذي .
وفيها: قدم روح بن حاتم أفريقية .
وحج بالناس هذه السنة : عبد الصمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس .
.[ثم دخلت سنة ] اثنتين [وسبعين ومائة ]
[ولم يجر فيها ما يستفاد منه تجربة ](1)
في هذه السنة : وقيل في سنة ثلاث وسبعين ومائة وهو الصحيح.
خرج سليمان وعبد اللّه ابنا عبد الرحمن بن معاوية بن هشام أَمير الأندلس عن طاعة أَخيهما هشام بالأندلس ، وكان هشام قد ملك بعد أَبيه كما ذكرناه، فلما استقر له الملك، كان معه أخوه عبداللّه المعروف بالبلنسي، وكان هشام يؤثره، ويبره، ويقدمه، فلم يرض عبداللّه إلا بالمشاركة في أمره، ثم إنه خاف من أَخيه هشام فمضى هارباً إِلى أَخيه سليمان، وهو بطليطلة. فلما خرج من قرطبة أَرسل هشام جمعاً في أثره ليردوه ، فلم يلحقوه، فجمع هشام عساکره وسار إِلى طليطلة، فحصر أخويه بها. وكان سليمان قد جمع وحشد خلقاً كثيراً فلما حصرهما هشام سار سليمان من طليطلة وترك ابنه وأخاه عبد اللّه يحفظان البلد، وسار هو إِلى قرطبة يملكها.
فعلم هشام الحال، فلم يتحرك، ولا فارق طليطلة، بل أَقام يحصرها .
وسار سلیمان فوصل إِلى شقندة فدخلها وخرج إِليه أَهل قرطبة مقاتلين مدافعين عن أنفسهم.
ثم إن هشاماً سير في أثره ابنه عبد الملك في قطعة من الجيش، فلما قاربه، مضى سليمان هارباً، فقصد مدينة ماردة، فخرج إِليه الوالي بها ،لهشام ،فحاربه فانهزم سلیمان، وبقي هشام على طليطلة شهرين وأياماً محاصراً لها، ثم عاد عنها، وقد قطع أشجارها، وسار إِلى قرطبة، فأتاه أخوه عبد اللّه بغير أمان فأكرمه وأحسن إِليه .
فلما دخلت سنة أربع وسبعين: سَيْر هشام ابنه معاوية في جيش كثيف إِلى تدمير، وبها سليمان فحاربه وخرَّبوا أعمال تدمير ودوّخوا أَهلها ومن بها وبلغوا البحر فخرج سليمان من تدمير هارباً، فلجأ إِلى البرابر بناحية بلنسة فاعتصم بتلك الناحية الوعرة المسلك، فعاد معاوية إِلى قرطبة، ثم إن الحال استقر بين هشام وسليمان أن يأخذ سليمان أَهله وأولاده، وأمواله ويفارق الأندلس، وأعطاه هشام ستين ألف دينار مصالحة عن تركة أَبيه عبد الرحمن، فسار إِلى بلد البرابر، فأَقام بها .
وفيها : خرج بالأندلس أيضاً سعيد بن الحسين بن يحيى الأنصاري بشاغنت من أقاليم طرطوشة في شرق الأندلس وكان قد التجأ إِليها حين قتل أَبوه كما تقدم، ودعا إِلى اليمانية، وتعصب له، فاجتمع له خلق كثير، وملك مدينة طرطوشة، وأَخرج عامله يوسف القيسي، فعارضه موسى بن فرتون وقام بدعوة هشام ووافقته مضر، فاقتتلا فانهزم سعيد وقُتل .
وسار موسى إِلى سرقسطة فملكها فخرج عليه مولى للحسين بن يحيى اسمه جحدر في جمع كثير، فقاتله، وقتل موسى.
وخرج أيضاً مطروح بن سليمان بن قطان بمدينة برشلونة، وخرج معه جمع كثير، فملك مدينة سرقسطة، ومدينة وشقة، وتغلب على تلك الناحية، وقوي ،أمره وكان هشام مشغولاً بمحاربة أخويه سليمان، وعبد اللّه .
وفيها : عزل الرشيد إسحاق بن محمد عن الموصل، واستعمل سعيد بن سلمة الباهلي وعزل الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة وهو ابن أخي معن بن زائدة عن أرمينية، واستعمل عليها أخاه عبيد اللّه بن المهدي.
وفيها : غزا الصائفة إسحاق بن سليمان بن علي .
وفيها: وضع الرشيد على أَهل السواد العشر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف. وحج بالناس: يعقوب بن المصنور .
وفيها: مات الفضل بن صالح بن علي بن عبد صالح بن علي بن عبد اللّه بن عباس، وهو أخو عبد الملك. وتوفي سليمان بن بلال مولى ابن أَبي عتيق وتوفي أَبو يزيد رياح بن يزيد اللخمي الزاهد بمدينة القيروان، وكان مجاب الدعوة .
.1) ما بين المعقوفين زيادة تصنيفية لما يستفاد من العنوان في السنة السابقة، وأنا أذكر هنا أحداث تلك السنة نقلاً عن الكامل حيث لم يذكر المؤلف فيها هنا شيئاً، فقال ابن الأثير :
ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة
وفيها: كانت وفاة محمد بن سليمان بالبصرة فوجه الرشيد إِلى كل ما خلفه رجلاً، أمره باصطفائه،(1)فأَرسل إِلى ما خلف من الصفات من قبل بيت ماله رجلاً، وإِلى الكسوة بمثل ذلك، وإِلى الفرش والرقيق والدواب والخيل، والإبل، والطيب والجواهر وكل آلة برجل من الذي يتولى كل صنف من الأصناف، فأخذوا جميع ما كان لمحمد مما يصلح للخلافة ولم يتركوا شيئاً إلا بالحرثى الذي لا يصلح للخلفاء، وأصابوا له ستين ألف ألف فحملوها مع ما حمل.
فلما صارت في السفن أخبر الرشيد بمكان السفن التي حملت ذلك .
فأمر أن يدخل جميع ذلك خزائنه إلا المال فإنه أمر باصكاك فكتب للندماء وكتب للمغنين صكاك صغار لم تدون في الديوان ثم رفع إِلى كل رجل صك بما رأى أن يهب له فأَرسلوا وكلاءهم إِلى السفن فأخذوا المال على ما أَمرهم به الصكاك أجمع لم يدخل بيت المال منه درهم واحد، واصطفى صُناعه.(2)
وكان الرشيد يأمر بالاحتفاظ بكتبه فلما توفى محمد بن سليمان أَخرجت كتبه إِلى جعفر أَخيه، واحتج عليه بها، ولكن لم يكن له أخ لأَبيه وأمه غير جعفر، فأقر بها فلهذا قبضت أمواله.
وفيها: ماتت ،الخيزران فخرج الرشيد عليه جبة سعيدية، وطيلسان خرق أزرق قد شد به وسطه، وهو آخذ بقائمة السرير حافياً يمشي في الطين حتى مقابر (3)قريش، فغسل رجليه ودعا نجف وصلى عليها ودخل قبرها فلما خرج دعا الفضل بن الربيع وقال له وحق المهدي وكان لا يحلف به إلا إذا اجتهد - إني لأهم لك من الليل بشيء من التولية وغيرها، فتمنعني هذه رحمها اللّه، وأطيع أمرها .
وولاه نفقات العامة والخاصة وبادوريا، والكوفة، ولم يزل حاله ينمي إِلى سنة
1) في الكامل : فأَرسل الرشيد من قبض تركته وكانت عظيمة من المال والمتاع، والدواب فحملوا منه ما يصلح للخلافة وتركوا ما لا يصلح، وكان من جملة ما أخذوا ستون ألف ألف، فلما قدموا بذلك عليه أطلق منه للندماء والمغنين شيئاً كثيراً ودفع الباقي إِلى خزانته .
2) في الكامل : وكان سبب أخذ الرشيد تركته أن أخاه جعفر بن سليمان كان يسعى به إِلى الرشيد حسداً ،له ويقول: إنه لا مال ولا ضيعة إلا وقد أخذ أكثر من ثمنها ليتقوى به على ما تحدث به نفسه - يعني الخلافة - وأن أمواله حل طلق الأَمير المؤمنين .
3) في مقابل هذه الكلمة بهامش المخطوط كلمة : «قابل»، وفوقها رمز (ط) وفوق الكلمة في المتن نفس الرمز، مما يفيد أنه كان بالمتن : «قابل» فصوبها الكاتب.
سبع وثمانين(1)
وفيها: استقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الأشعث من خراسان، واستعمل عليها ابنه العباس بن جعفر .
وحج بالناس الرشيد أحرم من بغداد.
وفيها: مات مورقاط ملك جليقية من بلاد الأندلس وولي بعده برمندين قلوريه القس، ثم تبرأ من المُلْكِ وترهّب وجعل ابن أَخيه في الملك، وكان ملك ابن أَخيه سنة خمس وسبعين ومائة .
وفيها: توفي سلام بن أَبي مطيع - بتشديد اللام - وجويرية بن أسماء بن عبيد البصري.
ومروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري أَبو عبد اللّه ، وكان موته بمكة فجأة.
.ودخلت سنة أربع وسبعين ومائة
ولم يجر فيها على ما بلغنا شيء يليق بهذا الكتاب إثباته (2)
فيها : استعمل الرشيد إسحاق بن سليمان على السند ومكران.
وفيها : استقضى الرشيد يوسف بن أَبي يوسف وأَبوه حي.
وفيها: هلك روح بن حاتم .
وسار الرشيد إِلى الجودي، ونزل باقردى وبازيدى من أعمال جزيرة ابن عمر فابتني بها قصراً .
وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح.
وحج بالناس: الرشيد، فقسَّم في الناس مالاً كثيراً .
وفيها: عُزل علي بن مسهر عن قضاء الموصل، وولي القضاء بها إسماعيل بن زياد الدولابي.
.ودخلت سنة خمس وسبعين ومائة
وفيها: عقد الرشيد لابنه محمد ولاية العهد من بعده وأخذ له بذلك(3)بيعة القواد ،والجند، وسماه الأمين، وله يومئذ خمس سنين، وكان جماعة من بني العباس قد مدوا أعناقهم للخلافة بعد الرشيد لأنه لم يكن له ولي عهد (4)
وفيها: استقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الأشعث من خراسان، واستعمل عليها ابنه العباس بن جعفر .
وحج بالناس الرشيد أحرم من بغداد.
وفيها: مات مورقاط ملك جليقية من بلاد الأندلس وولي بعده برمندين قلوريه القس، ثم تبرأ من المُلْكِ وترهّب وجعل ابن أَخيه في الملك، وكان ملك ابن أَخيه سنة خمس وسبعين ومائة .
وفيها: توفي سلام بن أَبي مطيع - بتشديد اللام - وجويرية بن أسماء بن عبيد البصري.
ومروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري أَبو عبد اللّه ، وكان موته بمكة فجأة.
. .ولما بويع له أنكروا بيعته لصغر سنه ولما سار الفضل بن يحيى إِلى خراسان فرّق هناك أموالاً عظيمة، وأعطى الجند أعطيات متتابعة، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد، فبايع له الناس وسماه الأمين، فلما تناهى إِلى الرشيد خبره أن أَهل الشرف بايعوا لمحمد كتب إِلى الآفاق، فبويع له في جميع الأمصار (5)
وفيها : عزل الرشيد عن خراسان العباس بن ،جعفر وولاها خالداً الغطريف بن عطاء. وغزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، فبلغ أقريطية.
وقيل : غزاها عبد الملك نفسه فأصابهم برد شديد سقط منه كثير من أيدي الجند وأرجلهم.
وفيها : سار يحيى بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن علي إِلى الديلم فتحرك هناك.
وحج بالناس هذه السنة : هارون الرشيد .
وفيها: فرغ هشام بن عبد الرحمن صاحب الأندلس من أخويه سليمان عبد اللّه، وأجلاهما عن الأندلس، فلما خلا سره منهما انتدب لمطروح بن سليمان بن يقظان، فسير إِليه جيشاً كثيفاً، وجعل عليهم أَبا عثمان عبيد اللّه بن عثمان، فساروا إِلى مطروح وهو بسرقسطة، فحصروه بها، فلم يظفروا به فرجع أَبو عثمان عنه، ونزل بحصن طرسونة بالقرب من سرقسطة، وبث سراياه على أَهل سرقسطة يغيرون ويمنعون عنهم الميرة، ثم إن مطروحاً خرج في بعض الأيام آخر النهار يتصيد فأَرسل البازي على طائر، فاقتنصه، فنزل مطروح ليذبحه بيده، ومعه صاحبان له قد انفرد به عن أَصحابه فقتلاه ، وأخذا رأسه وأتيا به أَبا عثمان .
فسار إِلى سرقسطة، فكاتبه أَهلها بالطاعة فقَبِلَ منهم، وسار إِليها فنزلها، وأَرسل رأس مطروح إِلى هشام .
ثم إن أَبا عثمان لما فرغ من مطروح أخذ الجيش وسار بهم إِلى بلاد الإفرنج، فقصد ألية والقلاع ، فلقيه العدو، فظفر بهم، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وفتح اللّه تعالى عليه .
وفيها: سير هشام أيضاً يوسف بن بخت في جيش إِلى جيليقية، فلقي ملكهم وهو برمند الكبير، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزمت الجلالقة، وقتل منهم عالم كثير .
وفيها : انقاد أَهل طليطلة إِلى طاعة الأَمير هشام فأمنهم.
وفيها : سجن هشام أيضاً ابنه عبد الملك لشيء بلغه عنه، فبقي مسجوناً حياة أَبيه، وبعض ولاية أَخيه، فتوفي محبوساً سنة ثمان وتسعين ومائة .
وفيها :خرج بخراسان حصين الخارجي، وهو من موالي قيس بن ثعلبة من أَهل أوق.
وكان على سجستان: عثمان بن عمارة فأَرسل جيشاً فلقيهم حصين فهزمهم، ثم أتى خراسان وقصد بادغيس وبوشنج وهراة.
وكتب الرشيد إِلى الغطريف في طلبه، فسيّر إِليه الغطريف داود بن يزيد في اثنا عشر ألفاً فلقيهم سبع حصين في ستمائة فهزمهم وقتل منهم خلقاً كثيراً، ثم سار في خراسان إِلى أن قتل سنة وسبعين ومائة .
وفيها: مات الليث بن سعد الفقيه بمصر، ومحمد بن إسحاق بن إِبراهيم أَبو العنبس الشاعر . وفيها توفي المسيب بن زهير بن عمر بن مسلم الضبي وقيل سنة ست وسبعين وكان على شرط المنصور والمهدي وولاه المهدي خراسان .
وفيها : ولد إدريس بن إدريس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أَبي طالب.
1) وزاد ابن الأثير في أحداثها ما يلي : ولما فرغ من دفنها أعطى الخاتم الفضل بن الربيع وأخذه من جعفر بن يحيى بن خالد.
2) كذا قال، وقال ابن الأثير نحوه حيث لم يذكر فيها أمراً ذا بال إذ قال فيها :
3) في الكامل: وكان سبب البيعة أن خاله عيسى بن جعفر بن المنصور جاء إِلى الفضل بن يحيى بن خالد فسأله: في ذلك وقال له : إنه ولدك وخلافته لك، فوعده بذلك، وسعى فيها حتى بايع الناس له بولاية العهد.
4) وزاد ابن الأثير في أحداثها ما يلي : ولما فرغ من دفنها أعطى الخاتم الفضل بن الربيع وأخذه من جعفر بن يحيى بن خالد.
5) زاد ابن الأثير في أحداث تلك السنة فقال :
ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة
وفيها ظهر يحيى بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن علي (1)أَبي طالب رضي اللّه عنه، فنزع إِليه الناس من الأمصار واشتدت شوكته وقوي أمره فاغتم لذلك الرشيد، فندب إِليه الفضل بن يحيى في خمسين ألف رجل ومعه صناديد القواد وولاه(2)كور الري ،والجبل وجرجان ،وطبرستان ،وقومس ،و دنباوند والرويان، وحملت معه من الأموال شيء كثير .
فشخص الفضل، واستخلف منصور بن زياد بباب أَمير المؤمنين تجري كتبه على يده وينفذ الجوأَبا ت عنها، وكانوا يتقون بمنصور وابنه في جميع أمورهم لقديم صحبته لهم وحرمته بهم .
ثم مضى من معسكره ولم تزل كتب الرشيد تتابع عليه بالبر، واللطف والجوائز، والخلع .
وكاتب يحيى ورفق به واستماله ،به وناشده وحذره وأَشار عليه وبسط أمله .
وكاتب [58/أ] صاحب الديلم، وجعل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى إِلى ما قبله وحملت إِليه .
فأجاب يحيى إِلى الصلح والخروج على يديه على أن يكتب له الرشيد أماناً بخطه على نسخة، ويبعث بها إِليه .
فكتب الفضل بذلك إِلى الرشيد فسيَّره وعظم موقعه، وكتب ليحيى أماناً وأشهد عليه الفقهاء، والقضاة، وجلّة بني هاشم ومشايخهم منهم عبد الصمد بن علي والعباس بن محمد، وموسى بن عيسى، ومحمد بن إِبراهيم ومن أشبههم ووجه معه جوائز وكرامات وهدايا .
فوجه الفضل بذلك إِليه فقدّم يحيى بن عبد اللّه إِليه، وورد به الفضل بغداد فلقيه الرشيد بكل ما أحبّ وأمر له بمال كثير وأجرى له أرزاقاً ،سنية وأنزله منزلاً سرياً أن بعد أَقام في منزل يحيى بن خالد أياماً، وكان يتولى أمره بنفسه، ولا يكل ذلك إِلى غيره.
وبلغ الرشيد الغاية في إكرام الفضل ومدحه الشعراء فأكثروا، فمنها ما قاله مروان بن أَبي حفصة:
ظفرت فلا شلت يد برمكية *** رتقت بها الفتق الذي بين هاشم
على حين أعل(1)الراتقين التأمه *** فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم
فأصبحت قد فازت يداك بخطة *** من المجد باقٍ ذكرها في المواسم
وما زال قدح الملك يخرج فايزاً *** لكم كلما ضمت قداح المساهم (2)
فقال محمد : الأمان صحيح، فحاجه الرشيد.
فقال محمد : وما يصنع بالأمان لو كان محارباً ثم وَلي وكان آمناً؟
وقال أَبو البختري : هذا أمان منتقض من وجه كذا . فمزقه الرشيد.
وتركت ذكر غيره من المديح لأنها كثيرة ولا طائل فيها من جهة الاختيار.
فحكى أَحمد بن محمد بن جعفر بن عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن حسن بن حسن قال : لما قدم يحيى من الديلم أتيته وهو في دار علي بن أَبي طالب رضي اللّه عنه فقلت له : ما بعدك مخبر، ولا بعدي مخبر، فاعلمني خبرك .
فقال : يا ابن أخي واللّه إن كنت إلا كما قال حيي بن أخطب :
لعمرك ما لامَ ابن أخطب نَفْسَهُ *** ولكنه من يخذل اللّه يخذل
أجاهد حتى أبلغ النفس عذرها *** وقلقل يبغي العز كل مقلقل
ذكر عقوبة سريعة على عقب إقدام على يمين كاذبة
وحكى بعض المشايخ من النوفليين قال :
وُشي بيحيى بن عبد اللّه فحبسه الرشيد قال : فدخلنا على عيسى بن جعفر وقد وضعت له وسائد بعضها فوق بعض وهو قائم متكيء عليها، وإذا هو يضحك من شيء في نفسه متعجباً منه .
فقلنا : ما الذي يضحك الأَمير أدام اللّه سروره؟
قال : لقد دخلني اليوم سرور ما دخلني قط .
قلنا : تمم اللّه للأَمير سروره.
قال : واللّه لأحدثنكم به إلا قائماً واتكى على فرش كانت هناك قائماً وهو قائم فقال :
كنت اليوم عند أَمير المؤمنين، فدعا بيحيى بن عبد اللّه فأَخرج من السجن مكبلاً بالحديد وعنده بكار بن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير وكان بكار هذا شديد البغض لآل أَبي طالب، وكان يبلغ هارون الرشيد عنهم ويشي بهم وكان الرشيد ولاه المدينة، وأمره بالتضييق عليهم.
فلما دعا يحيى قال له الرشيد : هيه هيه متضاحكاً، وهو أيضاً يزعم أننا سممناه.
فقال يحيى : ما معنى يزعم؟ ها هو ذا لساني، وأَخرج لسانه أخضر مثل السلق.
قال: فتزيد هارون واشتد غضبه .
فقال يحيى : يا أَمير المؤمنين إن لنا قرابة ورحماً ولسنا نترك ولا دَيلم، يا أَمير المؤمنين، إنَّا وأنتم أَهل بيت واحد فأذكرك اللّه، والقرابة والرحم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علام تعذبني وتحبسني؟
قال : فرق له الرشيد
وأقبل بكار الزبيري على الرشيد فقال : يا أَمير المؤمنين لا يغرك كلامه، فإنه شاق عاص، وهذا منه منكر وخبث وأن هذا أفسد علينا مدينتنا وأظهر فيها العصيان .
قال : فأقبل يحيى عليه فواللّه ما استأذن أَمير المؤمنين في الكلام حتى قال : أفسدوا عليكم مدينتكم، ومن أنتم عافاكم اللّه؟
قال الزبيري : هذا كلامه قدامك، فكيف إذا غاب عنك؟ يقول : عافاكم اللّه استخفافاً بنا؟!!
قال : فأقبل يحيى عليه فقال : نعم ومَن أنتم عافاكم اللّه؟ المدينة كانت مهاجر عبد اللّه بن الزبير أم مهاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟
ومَن أنت حتى تقول : أفسدوا علينا مدينتنا؟ وإِنما ،بآبائي، وأَباء هذا [جاء](1)أَبوك إِلى المدينة. ثم قال : يا أَمير المؤمنين إِنما الناس نحن وأنتم، فإن خرجنا عليكم قلنا : أكلتم وأجعتمونا ولبستم وأعريتمونا، وركبتم وأرجلتمونا، فوجدنا بذلك مقالاً فيكم، ووجدتم بخروجنا عليكم مقالاً فينا، فتكاففنا القول، ويعود [58/ب] أَمير المؤمنين على أمل فيه بالفضل يا أَمير المؤمنين فلم يجترىء هذا وضرباؤه على أَهل بيتك يسعى بنا عندك، إنه واللّه ما يسعى بنا إليك نصيحة (2)ميل لك، وإنه ليأتينا فيسعى بك عندنا عن غير نصيحة منه لنا، يريد أن يباعد بيننا ويشفي من بعض بغض، واللّه يا أَمير المؤمنين لقد جاء هذا لي حيث قتل أخي محمد بن عبد اللّه، فقال: لعن اللّه قاتله، وأنشد فيه مرثية قالها نحواً من عشرين بيتاً، وقال إن تحركت في هذا الأَمر فأنا أول مَن يبايعك وما نمنعك أن تلحق بالبصرة فأيدينا مع يدك.
قال : فتغير وجه الزبيري، واسود.
وأقبل عليه هارون فقال : أي شيء تقول يا هذا؟ قال كاذب يا أَمير المؤمنين، ما كان مما قال حرف واحد .
قال: فأقبل على يحيى بن عبد اللّه فقال : تروي القصيدة التي رثي بها؟
قال : نعم يا أَمير المؤمنين أصلحك اللّه، فأنشدها إياه .
فقال الزبيري : واللّه يا أَمير المؤمنين الذي لا إله إلا هو، إني على اليمين الغموس ما كان مما قال شيء، ولقد يقول علي ما لم أقل . قال : فأقبل الرشيد على يحيى بن عبد اللّه فقال : قد حلف فهل من بَيِّنة،
[ أنهم ](1)سمعوا هذه المرثية منه؟
قال : لا يا أَمير المؤمنين ولكني أستحلفه بما أريد.
قال : فاستحلفه .
قال : قل أنا بريء من حول اللّه ،وقوته موكل إِلى حولي وقوتي إن كنت قلته .
قال الزبيري : يا أَمير المؤمنين أي شيء هذا من الحلف؟! أحلف باللّه الذي لا إله إلا هو ويستحلفني بشيء لا أدري ما هو؟!
قال يحيى بن عبد اللّه : يا أَمير المؤمنين، إن كان صادقاً فما عليه أن يحلف بما استحلف به؟
فقال هارون: احلف له ويلك، فقل أنا بريء من حول اللّه وقوته موكل إِلى حولي وقوتي، قال واضطرب منها وأرعد.
فقال يا أَمير المؤمنين ما أدري أي شيء هذه اليمين الذي يستحلفني بها، وقد حلفت باللّه أعظم الأشياء.
قال : فقال هارون: لتحلفن له أو لأصدقن قوله عليك ولأعاقبنك .
قال : فقال : أنا بريء من حول اللّه وقوته موكل إِلى حولي وقوتي إن كنت قلته .
قال : فخرج من عند هارون فضربه اللّه بالفالج فمات من ساعته .
فقال : فقال عيسى بن جعفر، وما يسرني أن يحيى يقصد حرفاً مما كان جرى بينهما ولا قصر في شيء من مخاطبته إياه(2).
وذكر أَبو يونس قال : سمعت عبد اللّه بن العباس بن علي الذي يعرف بالخطيب قال : كنت يوماً على باب الرشيد أنا وأَبو جعفر، وحضر ذلك اليوم [من](3)الجند والقواد ما لم أرَ مثلهم على باب خليفة قط ولا قبله ولا بعده.
فخرج الفضل بن الربيع إِلى أَبي فقال له ادخل فدخلت [معه](4)، فإذا الرشيد معه امرأة يكلمها فأومى إِلى أَبي أنه لا يريد القوم أن يدخل أحد وإِنما استأذنت لك
لكثرة من رأيت حضر الباب، فإذا دخلت هذا المدخل زادك ذلك نبلاً عند الناس .
فما مكثنا إلا قليلاً ثم جاء الفضل بن الربيع فقال مصعب : إن عبد اللّه بن الزبير يستأذن في الدخول .
فقال : إني لا أريد أن أدخل اليوم أحداً إليَّ .
فقال : إنه يقول إن عندي شيئاً أذكره .
فقال : قل له : يقتله لك .
قال : قلت له : ذاك، فزعم أنه لا يقوله (1)إلا لك .
قال : أدخله .
وخرج ليدخله وعادت المرأة فشغلا بكلامها وأقبل على أَبي فقال : إنه ليس عنده شيء يذكره وإِنما أَراد الفضل بهذا أن يُوهم من على الباب أن أَمير المؤمنين زوجته وابنه وجاريته التي تلي فراشه وخادمته (2)التي تلي ثيابه، وأخص خلق اللّه به من قواده وأبعده منه .
قال : فرأيته قد تغيّر لونه وقال له : مما ذا ؟
قال : جاءتني دعوة يحيى بن عبد اللّه بن حسن فعلمت أنه لم يبلغني من العداوة بيننا وبينهم حتى لم يبقَ على بابك أحد إلا وقد أدخله في الخلاف عليك .
فقال : أتقولون هذا في وجهه؟
قال : نعم .
قال الرشيد: علي بيحيى فدخل، فأعاد القول بحضرته .
فقال يحيى: واللّه يا أَمير المؤمنين لقد جاء بشيء لو قيل لمن هو دونك فيمن هو أكبر مني، وهو قادر عليه، لما أفلت منه أبداً، ولكن لي رحم وقرابة، فلو أخرت هذا الأَمر، ولم تعجل أكفيت مؤنتي بغير يدك ولسانك وعسى بك أن [1/59] تقطع، وإني بأَهل بين يديك وتصبر قليلاً.
فقال عبد اللّه : قم، فصلِّ إن رأيت ذلك .
قام يحيى فاستقبل القبلة، وصلى ركعتين، ثم برك يحيى وقال : أبرك، ثم شبك ثمانية في ثمانية ثم قال :
«اللّهم إن كنت تعلم أني دعوت عبد اللّه بن مصعب إِلى الخلاف على هذا ووضع يده عليه وأَشار إِليه، فاستحثني بعذاب من عندك، وكلني إِلى حولي وقوتي، وإلا فكله إِلى حوله وقوته واستحثه بعذاب من عندك، آمين يا رب العالمين».
فقال : آمين يا رب العالمين .
فقال يحيى بن عبد اللّه لعبد اللّه بن مصعب : قل كما قلت .
فقال عبد اللّه : «اللّهم إن كنت تعلم أن يحيى بن عبد اللّه لم يدعني إِلى الخلاف على هذا فكلني إِلى حولي وقوتي، واستحثني بعذاب من عندك، وإلا فكله إِلى حوله وقوته، واستحثه بعذاب من عندك، آمين يا رب العالمين» وتفرقا .
فأمر الرشيد بيحيى بن عبد اللّه فحبس في ناحية الدار، فلما خرج، وخرج عبد اللّه بن مصعب أقبل الرشيد على أَبي فعدّد عليه مننه على يحيى وأياديه عليه.
فكلّمه بما لا يدفع به عن عصفور خوفاً على نفسه، فأمرنا بالانصراف، فانصرفنا.
فدخلت مع أَبي أنزع عنه سواده وكان ذلك عادتي فبينا أنا أحل منطقته إذ دخل عليه الغلام فقال رسول عبد اللّه بن مصعب.
فقال : أدخله .
فدخل وقال : [يقول] (1)لك مولاي أنشدك باللّه إلا بلغت إليّ .
فقال أَبي : قل له: أجد سن تعب، وقد وجهت إليك بعبد اللّه، فما أردت أن تلقيه إلي فألقه إِليه.
فخرج الغلام وقال : إِنما دعاني لتستعين بي على الإفك، فإن أعنته قطعت رحم رسول اللّه صلّی اللّه علیه وسلّم ، وإن خالفته سعى بي فاذهب إِليه، وكل ما قال لك، فليكن جوابك له أخبر أَبي .
وخرجت في أثر الرسول، فلما صرت في بعض الطريق وأنا مغموم بما أقدم عليه قلت للرسول : ويحك ما أمره وما أزعجه بالإرسال إِلى أَبي الفضل في مثل هذا الوقت؟
فقال : إنه جاء من الدار، فهو الذي نزل عن الدابة فصاح : بطني بطني .
قال : فما حفلت(2)بقول الغلام، فلما ضرب(3)على بابه وكان في درب لا منفذ له، ففتح البابين وإذا النساء خرجن منثورات الشعور متحزمات بالحبال يلطمن وجوهههن وينادين بالويل وقد مات الرجل .
فعجبت من ذلك وعطفت راجعاً أركض ركضاً لم أركض مثله قبله، والغلام والحشم ينظرونني لتعلق قلب الشيخ بي، فلما رآني دخلوا يتعادون فاستقبلني أَبي
مرعوباً في قميص ومنديل ينادي: ما وراءك يا بني؟
قلت : إنه قد مات .
قال : الحمد للّه الذي قتله، وأراحك وإيانا منه .
فما قطع كلامه حتى ورد خادم للرشيد يأمر أَبي بالركوب وإياي معه .
قال أَبي ونحن نسير : لو جاز أن يدعي ليحيى بنوه لادعاها أَهله له رحمه اللّه ، وعند اللّه ،نحتسبه ولا واللّه ما نشك أنه قتل .
فمضينا حتى دخلنا على الرشيد، فلما نظر إلينا قال يا عباس أما عندك الخبر؟
فقال أَبي : بلى يا أَمير المؤمنين فالحمد للّه الذي صرعه بلسانه .
وقال : يا أَمير المؤمنين قطع أرحامك؟
فقال الرشيد : الرجل واللّه سليم على ما يجب، ورفع الستر، فدخل يحيى.
وأنا واللّه أتبين ارتياع الشيخ .
فلما نظر إِليه الرشيد صاحبه يا أَبا محمد إن اللّه قد قتل عدوك الجبار .
قال الحمد اللّه الذي أَبان لأَمير المؤمنين كذب عدوه عَلَيَّ وعافاه من قطع رحمة اللّه ، يا أَمير المؤمنين لو كان هذا الأَمر مما أطلبه وأصلح له وأريده ولم يكن الظفر به إلا بالاستعانة به، ثم لم يبقَ في الدنيا غيري وغيرك وغيره، ما تقويت به عليك أبداً، فكيف وأنا لا أطلب هذا الأَمر، ولا أريده، ولا أصلح له.
ثم قال : وهذا واللّه من إحداثاتك - وأَشار إِلى الفضل بن الربيع - واللّه لو وهبت له عشرة آلاف درهم، ثم طمع في زيادة ثمرة لباعك بها فقال: أما العباس فلا تقل فيه إلا خيراً .
وأمر له في هذا اليوم بمائة ألف دينار، وكان حبسه بعض يوم(1).
وفي هذه السنة : هاجت العصبية بالشام بين : النزارية(2)، واليمانية.
فقتل بينهما بشر كثير ، فولى الرشيد موسى بن يحيى بن خالد الشام [59/ب] وضم إِليه من القواد ...(3)الكتاب جماعة
فلما ورد الشام أصلح بين أَهلها وسكنت الفتنة.
فردّ الرشيد الحكم فيهم إِلى يحيى فعفى عنهم وصفح عن جناياتهم.
فمدحه الشعراء وأكثروا(1)
وفي هذه السنة: هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية، وكان رأس المضرية أَبو الهيذام واسمه عامر بن عمارة بن خريم الناعم بن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أَبي حارثة بن مره بن نشبة بن غيث بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان المري أحد فرسان العرب المشهورين.
وكان سبب الفتنة أن عاملاً للرشيد بسجستان قتل أخاً لأَبي الهيذام فخرج أَبو الهيذام بالشام وجمع جمعاً عظيماً وقال يرثي أخاه :
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا *** فإن بها ما يدرك الطالب الوطرا
ولسنا كمَن ينعي أخاه بعيرة *** يعصرها من ماء مقلته عصرا
وإِنَّا أُناس ما تفيض دموعنا *** على هالك منا وإن قصم الظهرا
ولكنني أشفي الفؤاد بغارة *** ألهب في قطري كتائبها جمرا
قيل : إن هذه الأَبيات لغيره، والصحيح أنها له.
ثم إن الرشيد احتال عليه بأخ له كتب إِليه فرغبه ثم شدَّ عليه، فكتفه وأتى به الرشيد، فمَنَّ عليه وأطلقه .
وقيل : كان أول ما هاجت الفتنة في الشام أن رجلاً من بني القين خرج بطعام له يطحنه في الرحى بالبلقاء ، فمرّ بحائط رجل من لخم أو جذام وفيه بطيخ وقناء، فتناول منه، فشتمه صاحبه، وتضاربا، وسار القيني فجمع صاحب البطيخ قوماً من أَهل اليمن ليضربوه إذا عاد .
فلما عاد ضربوه وأعانه قوم آخرون فقتل رجل من اليمانية، وطلبوا بدمه، فاجتمعوا لذلك.
وكان على دمشق حينئذ عبد الصمد بن علي، فلما خاف الناس أن يتفاقم ذلك اجتمع أَهل الفضل والرؤساء ليصلحوا بينهم، فأتوا بني ،القين فكلّموهم، فأجأَبوهم إِلى ما طلبوا .
فأتوا اليمانية، فكلّموهم فقالوا : انصرفوا عنا حتى ننظر .
ثم ساروا فبيتوا بني القين، فقتلوا منهم ستمائة، وقيل: ثلاثمائة .
فاستنجد بنو القين قضاعة وسليحاً، فلم ينجدوهم، فاستنجدوا قيساً فأجأَبوهم وساروا معهم إِلى الصواليك من أرض البلقاء ، فقتلوا من اليمانية ثمإِنما ئة وكثر القتال بينهم، فالتقوا مرات .
وعزل عبد الصمد عن دمشق، واستعمل عليها إِبراهيم بن صالح بن علي فدام ذلك الشر بينهم نحو سنتين والتقوا بالبثنية، فقتل من اليمانية نحو ثمإِنما ئة ، ثم اصطلحوا بعد شر طويل .
ووفد إِبراهيم بن صالح على الرشيد وكان ميله مع اليمانية، فوقع في قيس عند الرشيد.
فاعتذر عنهم عبد الواحد بن بشر النصري من بني نصر فقبل ،عذرهم رجع واستخلف إِبراهيم بن صالح على دمشق ابنه إسحاق وكان ميله أيضاً مع اليمانية، فأخذ جماعة من قيس فحبسهم وضربهم وحلق لحاهم، فنفر الناس، ووثبت غسان برجل من ولد قيس بن العبسى فقتلوه، فجاء أخوه إِلى ناس من الزواقيل بحوران واستنجدهم ،فأنجدوه، وقتلوا من اليمانية نفراً .
ثم ثارت اليمانية بكليب بن عمرو بن الجنيد بن عبد الرحمن وعنده ضيف له فقتلوه، فجاءت أم الغلام بثيابه إِلى أَبي الهيذام فألقتها بين يديه .
فقال: انصرفي حتى ننظر، فإني لا أخبط خبط العشواء حتى يأتي الأَمير ونرفع إِليه دماءنا، فإن نظر فيها، وإلا فأَمير المؤمنين ينظر فيها .
ثم أَرسل إسحاق، فأحضر أَبا الهيذام، فحضر فلم يأذن له .
ثم إن ناساً من الزواقيل قتلوا رجلاً من اليمانية، فقتلت اليمانية رجلاً من سليم، ونهبت أَهل تلفيانا، وهم جيران محارب.
فجاءت محارب إِلى أَبي الهيذام فركب معهم إِلى إسحاق في ذلك، فوعدهم الجميل فرضي.
فلما انصرف أَرسل إسحاق إِلى اليمانية يغريهم بأَبي ،الهيذام فاجتمعوا، وأتوا أَبا الهيذام من باب الجابية، وخرج إِليهم في نفر كثير ، فهزمهم واستولى على دمشق، وأَخرج أَهل السجون عامة . ثم إن أَهل اليمانية استجمعت واستنجدت كلباً وغيرهم، فأمدوهم.
وبلغ الخبر أَبا الهيذام، فأَرسل إِلى المضرية، فأتته الأمداد، وهو يقاتل اليمانية عند باب توما، فانهزمت اليمانية .
ثم إن اليمانية أتت قرية لقيس عند دمشق فأَرسل أَبو الهيذام إِليهم الزواقيل فقاتلوهم، فانهزمت اليمانية أيضاً.
ثم لقيهم جمع آخر فانهزموا أيضاً، ثم أتاهم الصريخ : أدركوا باب توما، فأتوه فقاتلوا اليمانية،
فانهزمت أيضا، فهزموهم في يوم واحد أربع مرات .
ثم رجعوا إِلى أَبي الهيذام، ثم أَرسل إسحاق إِلى أَبي الهيذام يأمره بالكف ففعل .
وأَرسل إِلى اليمانية قد كففته عنكم فدونكم الرجل فهو غار، فأتوه من باب شرقي متسللين.
فأتى الصريخ أَبا الهيذام، فركب في فوارس من أَهله، فقاتلهم فهزمهم .
ثم بلغه خبر جمع آخر لهم على باب توما، فأتاهم فهزمهم أيضاً.
ثم جمعت اليمانية أَهل الأردن ،والخولان وكلباً ،وغيرهم وأتى الخبر أَبا الهيذام، فأَرسل من يأتيه بخبرهم، فلم يقف لهم على خبر في ذلك، وجاؤوا من جهة أخرى، كان أمناً منها لبناء فيها.
فلما انتصف النهار ولم ير شيئاً، فرق أَصحابه فدخلوا المدينة، ودخلها معهم، وخلف طليعة.
فلما رآه إسحاق قد دخل أَرسل إِلى ذلك البناء فهدمه، وأمر اليمانية بالعبور ففعلوا، فجاءت الطليعة إِلى أَبي الهيذام فأَخبروه الخبر، وهو عند باب الصغير ودخلت اليمانية المدينة، وحملوا على أَبي الهيذام، فلم يبرح ، وأمر بعض أَصحابه أن يأتي اليمانية من ورائهم ففعلوا، فلما رأتهم اليمانية تنادوا الكمين الكمين، وانهزموا وأخذ منهم سلاحاً وخيلاً.
فلما كان مستهل صفر، جمع إسحاق الجنود فعسكروا عند قصر الحجاج، وأعلم أَبو الهيذام أَصحابه، فجاءته بنو القين وغيرهم واجتمعت اليمن إِلى إسحاق .
فالتقى بعض العسكر، فاقتتلوا فانهزمت اليمانية وقتل منهم، ونهب أصحاب أَبي الهيذام بعض داريا وأحرقوا فيها ،ورجعوا وأغار هؤلاء فنهبوا وأحرقوا واقتتلوا غير مرة فانهزمت اليمانية أيضاً، فأَرسلت ابنة الضحاك بن رمل السكسكي - وهي يمانية - إِلى أَبي الهيذام تطلب منه الأمان فأجابها وكتب لها ونهب القرى التي لليمانية بنواحي دمشق وأحرقها.
فلما رأت اليمانية ذلك، أَرسل إِليه ابن خارجة الحرشي وابن عزة الخشني وأتاه الأوزاع والأوصاب، ومقرا وأَهل كفرسوسية والحميرون، وغيرهم يطلبون الأمان، فأمنهم، فسكن الناس وأمنوا.
وفرق أَبو الهيذام أَصحابه، وبقي في نفر يسير من أَهل دمشق فطمع فيه إسحاق، فبذل الأموال للجنود ليواقع أَبا الهيذام، فأَرسل العذافر الكسكي في جمع إِلى أَبي الهيذام، فقاتلوهم فانهزم العذافر.
ودامت الحرب بين أَبي الهيذام وبين الجنود من الظهر إِلى المساء، وحمل خيل أَبي الهيذام على الجند فجالوا ثم تراجعوا وانصرفوا وقد جرح منهم أربعمائة، ولم يقتل منهم أحد، وذلك نصف صفر.
فلما كان الغد لم يقتتلوا إِلى المساء، فلما كان آخر النهار تقدّم إسحاق في الجند، فقاتلهم عامة الليل، وهم بالمدينة.
واستمد أَبو الهيذام أَصحابه، وأصبحوا من الغد فاقتتلوا، والجند في اثني عشر ألفاً، وجاءتهم اليمانية وخرج أَبو الهيذام من المدينة، فقال لأَصحابه وهم قليلون انزلوا، فنزلوا، وقاتلوهم على باب الجابية حتى أزالوهم عنه .
ثم إن جمعاً من أَهل حمص أغاروا على قرية لأَبي الهيذام فأَرسل طائفة من أَصحابه إِليهم، فقاتلوهم فانهزم أَهل حمص وقتل منهم بشر كثير ، وأحرقوا قرى في الغوطة لليمانية وأحرقوا داريا.
ثم بقوا نيفاً وسبعين يوماً لم تكن حرب .
وقدم السندي مستهل ربيع الآخر في الجنود من عند الرشيد فأتته اليمانية، تغريه بأَبي الهيذام وأَرسل أَبو الهيذام إِليه يخبره أنه على الطاعة، فأقبل حتى دخل دمشق، وإسحاق بدار الحجاج.
فلما كان الغد أَرسل السندي قائداً في ثلاثة آلاف، وأَخرج إِليهم أَبو الهيذام ألفاً، فلما رآهم القائد رجع إِلى السندي فقال : أعط هؤلاء ما أَرادوا ، فقد رأيت قوماً الموت أحب إِليهم من الحياة .
فصالح أَبا الهيذام، وأمن أَهل دمشق والناس وسار أَبو الهيذام إِلى حوران، وأَقام السندي بدمشق ثلاثة أيام.
وقدم موسى بن عيسى والياً عليها فلما دخلها أَقام بها عشرين يوماً، واغتنم غرة أَبي الهيذام فأَرسل مَن يأتيه ،به فكبسوا ،داره فخرج هو وابنه ،خريم وعبداً له فقاتلوهم ونجا منهم وانهزم الجند، وسمعت خيل أَبي الهيذام فجاءته من كل ناحية وقصد بصری، وقتل جنود موسى بطرف اللجاة، فقتل منهم، وانهزموا .
ومضى أَبو الهيذام فلما أصبح أتاه خمسة فوارس فكلّموه، فأَوصى أَصحابه بما أَراد، وتركهم ومضى وذلك لعشر بقين من رمضان سنة سبع وسبعين ومائة .
وكان أولئك النفر قد أتوه من عند أَخيه يأمره بالكف ففعل، ومضى معهم، وأمر أَصحابه بالتفرق .
وكان آخر الفتنة، ومات أَبو الهيذام سنة اثنتين وثمانين ومائة .
هذا ما أردنا ذكره على سبيل الاختصار.
.1) كذا جاء الخبر هنا، وفي الكامل فَصَّل الخبر فأطال وعدد الأقوال فيه فقال :
وفيها: عزل الرشيد موسى بن عيسى عن مصر وولى جعفر بن يحيى بن خالد [بن ](1)برمك مصر ، فولاها جعفر عمر بن مهران.
ذكر السبب في ولايته وما كان منه
كان قد بلغ الرشيد أن موسى بن عيسى قد تجبر بمصر وعزم على الخلع .
فقال : واللّه لا أعزله إلا بأحسن من علي بأَبي(2)، فانظروا لي رجلاً.
فذكر عمر بن مهران، وكان إذ ذاك يكتب للخيزران، ولم يكتب قط لغيرها، وكان رجلاً أحول مشوّه الوجه وكان لباسه خسيساً أرفع ثيابه طيلسانة، وكانت قيمته ثلاثین ،در هماً، وكان يشمر ،ثيابه ويقصر أكمامه، ويركب بغلاً، وعليه رسن ولجام حديدي، ويردف غلامه خلفه .
فدعا به وولاه مصر حربها وخراجها وضياعها
فقال : يا أَمير المؤمنين أتولاها على شريطة .
قال : وما هي؟
قال : يكون إذني إلي إذا أصلحت البلد انصرفت.
فجعل له ذلك، فمضى إِلى مصر، واتصلت ولاية عمر بموسى بن عيسى وكان يتوقع قدومه .
فدخل عمر بن مهران مصر على بغل وغلامه أَبو دَرَّة على بغل، فقصد دار موسی والناس عنده فدخل وجلس في أخريات الناس فلما تفرّق الناس قال موسى بن عيسى : ألك حاجة يا شيخ؟
قال: نعم، وأَخرج الكُتب، فدفعها إِليه .
قال : يقدم أَبو حفص أبقاه اللّه تعالى .
قال أنا أَبو حفص
قال : أنت عمر بن مهران؟
قال : نعم .
قال : لعن اللّه فرعون حين قال : أليس لي ملك مصر ثم سلم إِليه العمل، ورحل .
فتقدّم عمر بن مهران إِلى غلامه أَبي ،درّة فقال : لا تقبل من الهدايا إلا ما يدخل في الجراب لا تقبل دابة ولا جارية ولا غلاماً وجعل الناس يبعثون الهدايا والألطاف فلا يقبل إلا المال والثياب ويأتي بها عمر فيوقع عليها بأسماء من بعث بها .
ثم وضع الجباية، وكان بمصر قوم قد اعتادوا المطل وكسر الخراج، فبدأ برجل منهم، فَلواه فقال : واللّه لا أديت ما عليك من الخراج إلا في بيت المال بمدينة السلام إن سلمت .
قال : فإني أودي، وتحمل عليه.
فقال: قد حلفت، ولا أحنث، فأشخصه مع ثلاثة من الجند، وكتب معهم إِلى الرشيد وكان العمال يومئذ يكاتبون الخليفة :
إني دعوت فلان بن فلان وطالبته بما عليه من الخراج، فلواني واستنظر فأنظرته، ثم دعوته فدافع ولواني فعل ذلك مراراً، فاليت إلا يؤديه إلا في [بيت](1)المال بمدينة السلام وجملة ما عليه من المال كذا وكذا، وقد أنقذته مع فلان وفلان
1) سقط من السياق في المخطوط .
فإن رأى أَمير المؤمنين أن يكتب إلي بوصوله فعل إن شاء اللّه تعالى.
فلم يلوه أحد بشيء من الخراج فاستأذي النجم الأول والنجم الثاني، فلما كان النجم الثالث وقعت المطالبة والمطل(1)، فأمر بإحضار الهدايا التي بعث بها إِليها فنظر في الأكياس وأحضر الجَمَعَة(2)، فوزن ما فيها وأجراها عن أَهلها، ثم دعا بالأسفاط، فنادى على ما فيها فباعها وأجرى أثمانها عن أَهلها ثم قال : حفظت هداياكم إِلى وقت حاجتكم إِليها، فأدوا إلينا مالنا .
فأدوا إِليه حتى أغلق مال مصر .
فانصرف ولا يُعلم أنه أغلق مال مصر غيره .
فانصرف وخرج على بغل وأَبو درّة على بغل، وكان إذنه إِليه (3)
في هذه السنة: غزا عبد الملك بن عبد الواحد بجيش صاحب الأندلس بلاد الفرنج، فبلغ ألبة والقلاع فغنم وسلم .
وفيها: استعمل هشام ابنه الحكم على طليطلة، وسيره إِليها فضبطها وأَقام بها، وولد له بها ابنه عبد الرحمن بن الحكم وهو الذي ولي الأندلس بعد أَبيه .
وفيها: استعمل الرشيد على الموصل الحاكم بن سليمان.
وفيها: خرج الفضل الخارجي بنواحي نصيبين فأخذ من أَهلها ،مالاً، وسار إِلى دارا، وآمد، وأرزن، فأخذ منهم مالاً، وكذلك فعل بالخلاط ثم رجع إِلى نصيبين، وأتى الموصل، فخرج إِليه عسكرها فهزمهم على الزاب ثم عادوا لقتاله فقتل الفضل وأَصحابه .
وفيها: مات الفرج بن فضالة .
وصالح بن بشير المري القارىء، وكان ضعيفاً في الحديث.
وفيها: توفي عبد الملك بن محمد بن أَبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أَبو طاهر الأنصاري، وكان قاضياً ببغداد.
وفيها: توفي نعيم بن ميسرة النحوي الكوفي .
وأَبو الأحوص، وأَبو عوانة، واسمه: الوضاح مولى يزيد بن عطاء الليثي، وكان مولده سنة اثنتين وتسعين .
ودخلت سنة سبع وسبعين ومائة
ولم يجرِ فيها على ما بلغنا شيء يكتب في هذا الكتاب(4)
فيها : سَيَّر هشام صاحب الأندلس جيشاً كثيفاً، واستعمل عليهم عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث فدخلوا بلاد العدو فبلغوا أربونة وجرندة فبدأ بجرندة - وكان بها حامية الفرنج - فقتل رجالها وهَدَم أسوارها ،وأبراجها وأشرف على فتحها، فرحل عنها إِلى أربونة، ففعل مثل ذلك، وأوغل في بلادهم ووطى أرض شرطانية، فاستباح حريمها، وقتل مقاتلتها وجاس البلاد شهوراً يخرّب الحصون ويحرق ويغنم، قد أجفل العدو من بين يديه هارباً، وأوغل في سالماً معه من الغنائم ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى وهي من أشهر مغازي المسلمين بلادهم ورجع بالأندلس.
وفي هذه السنة : استعمل الرشيد على إفريقية الفضل بن روح بن حاتم، وكان الرشيد لما توفي روح استعمل بعده حبيب بن نصر المهلبي.
فسار الفضل إِلى باب الرشيد وخطب ولاية إفريقية ،فولاه فعاد إِليها، فقدم في المحرم سنة سبع وسبعين ومائة فاستعمل على مدينة تونس ابن أَخيه المغيرة بن بشر بن روح - وكان غارا - فاستخف بالجند، وكان الفضل أيضاً قد أوحشهم، وأساء السيرة معهم بسبب ميلهم إِلى نصر بن حبيب الوالي قبله، فاجتمع من بتونس وكتبوا إِلى الفضل يستعفون من أَخيه، فلم يجبهم عن كتابهم.
فاجتمعوا على ترك طاعته، فقال لهم قائد من الخراسانية يقال له محمد بن الفارسي : كل جماعة لا رئيس لها فهي إِلى الهلاك أقرب، فانظروا رجلاً يدبر أمركم .
قالوا: صدقت، فاتفقوا على تقديم قائد منهم يقال له : عبد اللّه بن الجارود، يعرف بعبدويه الأنباري فقدموه عليهم وبايعوه على السمع والطاعة، وأَخرجوا المغيرة عنهم، وكتبوا إِلى الفضل
يقولون : إنا لم نخرج يداً عن طاعته، ولكنه أساء السيرة فأَخرجناه، فول علينا من نرضاه.
فاستعمل عليهم ابن عمه عبد اللّه بن يزيد بن حاتم ، وسَيَّره إِليهم، فلما كان على مرحلة من تونس أَرسل إِليه ابن الجارود جماعة لينظروا في أي شيء قدم، ولا يحدثوا حدثاً إلا بأمر، فساروا إِليه .
وقال بعضهم لبعض : إن الفضل يخدعكم بولاية هذا، ثم ينتقم منكم بإخراجكم أخاه، فعدوا على عبد اللّه بن يزيد فقتلوه، وأخذوا من معه من القواد أسارى.
فاضطر حينئذ عبد اللّه بن الجارود ومن معه الجارود ومن معه إِلى القيام والجد في إزالة الفضل .
فتولّى ابن الفارسي الأَمر، وصار يكتب إِلى كل قائد بإفريقية، ومتولي مدينة يقول له : إنا نظرنا في صنيع الفضل في بلاد أَمير المؤمنين وسوء سيرته فلم يسعنا إلا الخروج عليه لنخرجه عنا، ثم نظرنا فلم نجد أحداً أولى بنصيحة أَمير المؤمنين لبعد صوته وعطفه على جنده منك، فرأينا أن نجعل نفوسنا دونك، فإن ظفرنا جعلناك ،أَميرنا وكتبنا إِلى أَمير المؤمنين نسأله ولايتك، وإن كانت الأخرى لم يعلم أحد أننا أردناك، والسلام.
فأفسد بهذا كافة الجند على الفضل وكثر الجمع عندهم .
فسيَّر إِليهم الفضل عسكراً كثيراً فخرجوا إِليه فقاتلوه فانهزم عسكره وعاد إِلى القيروان منهزماً وتبعهم أصحاب ابن الجارود، فحاصروا القيروان يومهم ذلك.
ثم فتح أَهل القيروان الأَبواب ودخل ابن الجارود وعسكره في جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين ومائة، وأَخرج الفضل من القيروان ووكل به وبمن معه من أَهله أن يوصلهم إِلى قابس فساروا يومهم ، ثم ردَّهم ابن الجارود وقتل الفضل بن روح بن حاتم .
فلما قتل الفضل غضب جماعة من الجند واجتمعوا على قتال ابن الجارود.
فسير إِليهم عسكراً فانهزم عسكره وعاد إِليه بعد قتال شديد واستولى أولئك الجند على القيروان، فوصل إِليهم ابن الجارود، فلقوه واقتتلوا فهزمهم ابن الجارود، وقتل جماعة من أعيانهم فانهزموا فلحقوا بالأربس وقدموا عليهم العلاء بن سعيد والي بلد الزاب وساروا إِلى القيروان.
ذكر ولاية هرثمة بن أعين بلاد إفريقية
اتفق وصول يحيى بن موسى من عند الرشيد لما قصد العلاء ومن معه القيروان.
وكان سبب وصوله أن الرشيد بلغه ما صنع ابن الجارود وإفساده إفريقية.
فوجَّه هرثمة بن أعين ومعه يحيى بن موسى لمحلة عند أَهل ،خراسان، وأمر أن يتقدّم يحيى فيتلطّف بابن الجارود ويستميله ليعاود الطاعة قبل وصول هرثمة.
فقدم يحيى القيروان فجرى بينه وبين ابن الجارود كلام كثير ورفع إِليه كتاب الرشيد.
فقال: إنَّا على السمع والطاعة، وقد قرب مني العلاء بن سعيد ومعه البربر، فإن تركت القيروان وثب البربر فملكوها، فأكون قد ضيعت بلاد أَمير المؤمنين ولكني أَخرج إِلى العلاء فإن ظفر بي فشأنكم والثغور، وإن ظفرت به انتظرت قدوم ،هرثمة، فأسلم البلاد إِليه، وأشير إِلى أَمير المؤمنين .
وكان قصده المغالطة فإن ظفر بالعلاء منع هرثمة عن البلاد.
فعلم يحيى ذلك، وخلا بابن الفارس وعاتبه على ترك الطاعة، فاعتذر وحلف أنه عليها، وبذل من نفسه المساعدة على ابن الجارود.
فسعى ابن الفارسي في إفساد حاله واستمال جماعة من أجناده فأجابوه وكثر جمعه، وخرج إِلى قتال ابن الجارود.
فقال ابن الجارود لرجل من أَصحابه اسمه طالب : إن توافقنا فإنني سأدعو ابن الفارسي لأعاتبه، فاقصده أنت - وهو غافل - فاقتله .
فأجابه إِلى ذلك.
وتواقف العسكران ودعا ابن الجارود ومحمد بن الفارسي وكلّمه وحمل طالب عليه وهو غافل فقتله وانهزم أَصحابه .
و توجه يحيى بن موسى إِلى هرثمة بطرابلس.
وأما العلاء بن سعيد فإنه لما علم الناس بقرب هرثمة منهم كثر جمعه وأقبلوا إِليه من كل ناحية وسار إِلى ابن الجارود، فعلم ابن الجارود أنه لا قوة له به فكتب إِلى يحيى بن موسى يستدعيه ليسلم إِليه القيروان، فسار إِليه في جند طرابلس في المحرم سنة تسع وسبعين ومائة .
فلما وصل قابساً تلقاه عامة الجند، وخرج ابن الجارود من القيروان مستهل صفر .
وكانت ولايته سبعة أشهر.
وأقبل العلاء بن سعيد ويحيى بن موسى يستبقان إِلى القيروان كل منهما يريد أن يكون الذكر له فسبقه ودخلها وقتل جماعة من أصحاب ابن الجارود، وسار إِلى هرثمة، وسار ابن الجارود أيضاً إِلى هرثمة، فسيَّره هرثمة إِلى الرشيد وكتب إِليه يعلمه أن العلاء كان سبب خروجه .
فكتب الرشيد يأمره بإرسال العلاء إِليه ، فسيَّره.
فلما وصل لقيه صلة كثيرة من الرشيد، وخُلع، فلم يلبث بمصر إلا قليلاً حتى توفي . وأما ابن الجارود فإنه اعتقل ببغداد.
وسار هرثمة إِلى القيروان فقدمها في ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة فأمن الناس وسكنهم وبنى القصر الكبير بالمنستير سنة ثمانين ومائة ، وبنى سور مدينة طرابلس مما يلي البحر .
وكان إِبراهيم بن الأغلب بولاية الزاب فأكثر الهدية إِلى هرثمة ولاطفه فولاه هرثمة ناحية الزاب فحسن أثره فيها .
ثم إن عياض بن وهب الهواري، وكليب بن جمع الكلبي جمعا جموعاً وأَرادا قتال هرثمة، فسير إِليهما يحيى بن موسى في جيش كثير ففرق جموعهما وقتل كثيراً من أَصحابهما وعاد إِلى القيروان .
ولما رأى هرثمة ما بإفريقية من الاختلاف واصل كتبه إِلى الرشيد يستعفي فأمره بالقدوم عليه إِلى العراق، فسار إِلى إفريقية في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة فكانت ولايته سنتين ونصفاً .
وفيها: خالف العطاف بن سفيان الأزدي على الرشيد - وكان من فرسان أَهل الموصل - واجتمع عليه أَربعة آلاف رجل وجبى الخراج.
وكان عامل الرشيد على الموصل : محمد بن العباس الهاشمي ، وقيل : عبد الملك بن صالح.
والعطاف غالب على الأَمر كله وهو يجبي الخراج وأَقام على هذا سنتين حتى خرج الرشيد إِلى الموصل، فهدم سورها بسببه .
وفي هذه السنة : عَزَلَ الرشيد جعفر بن يحيى عن مصر ، واستعمل عليها إسحاق بن سليمان .
وعَزّل حمزة بن مالك عن خراسان واستعمل عليها الفضل بن يحيى البرمكي، مضافاً إِلى ما كان
إِليه من الأعمال وهي: الري، وسجستان وغيرهما
وفيها : غزا الصائفة عبد الرزاق بن عبد الحميد الثعلبي.
وفيها في المحرم هاجت شديدة وظلمة ثم عادت مرة ثانية في صفر .
وحج بالناس: الرشيد.
وفيها: توفي عبد الواحد بن زيد.
وقيل: سنة ثمان وسبعين .
وفيها: توفي شريك بن عبد اللّه النخعي .
وجعفر بن سليمان .
.1) في المخطوط : المطلب. وهو تحريف .
2) أي الحَسَبَة .
3) كذا تكون الولاة، وكذا يكون النصح للرعية وكذا يحفظ التارخ سر هؤلاء الحكام ليكونوا نبراساً يهتدي بهم من أَراد اللّه واليوم الآخر، فاللّهم ارحمهم وارزقنا أمثالهما وألحقنا بهم على الإيمان آمين . هذا ما ذكر المؤلف من أحداث تلك السنة وزاد ابن الأثير في أحداثها فقال :
4) كذا قال المؤلف رحمنا اللّه وإياه في هذه السنة، وقال فيها ابن الأثير ما يلي:
ودخلت سنة ثمان وسبعين ومائة
وفيها: ولى الفضل بن يحيى بن خالد خراسان مضافاً إِلى ما كان إِليه من ولاية الجبل وجرجان وطبرستان.
فأحسن فيها السيرة وبنى المساجد والرباطات .
وغزا ما وراء النهر(1)، فخرج إِليها خار آخرة ملك أشروسنة(2)، وكان ممتنعاً.
واتخذ الفضل بن يحيى جنداً من عجم خراسان سماهم العباسية وجعل ولاءهم له، وبلغت عدتهم خمسمائة رجل وقدم بغداد منهم عشرون ألف (3)رجل فسمُّوا ببغداد الكرينية. وخلف الباقي بخراسان على أسمائهم ودفاترهم.
وفرق الفضل من الأموال ما هو بالشرف أليق منه بالجود، وقد ذكرنا من [60/أ] ذلك طرفاً فمما جرى له من هذا النمط :
إن إِبراهيم بن جبريل كان قد خرج مع الفضل مكرهاً، فحفظ الفضل ذلك عليه .
قال إِبراهيم : فدعاني يوماً بعدما أغفلني حيناً، فلما صرت بين يديه، سلمت، فما ردْ عَلَيَّ السلام.
فقلت في نفسي: شرّ واللّه وكان مضطجعاً فاستوى جالساً، ثم قال : ليفرّج روعك يا إِبراهيم فإن قدرتي عليك تمنعني منك .
قال : ثم عقد لي على سجستان، فلما حملت ،خراجها وهبه لي، وزادني خمسمائة ألف، وكان عمه إِبراهيم فوجهه إِلى كابل فافتتحها وغنم غنائم كثيرة، ووصل إِليه في ذلك الوجه سبعة آلاف ألف درهم، فلما قدم بغداد وبنى داره استزاد الفضل أمر به نعمته عليه وأعد له الهدايا والطرف وآنية الذهب والفضة، وأمر بوضع أَربعة آلاف ألف في ناحية من الدار فلما قام الفضل بن يحيى قدّم إِليه الهدايا، فأبى أن لا يقبل منها شيئاً وقال : لم آتك لأستلبك .
قال : إنها نعمتك أَيها الأَمير.
قال : ولك عندنا مزيد فلم يأخذ من جميع ذلك إلا سوطاً سحريا، وقال: هذه من آلة الفرسان .
فقال له : هذا المال من مال الخراج؟
قال: هو لك..
فأعاد عليه .
قال : أما لك بيت يسعه؟ وانصرف .
ولما قدم الفضل بن يحيى من خراسان خرج الرشيد إِلى بستان أم جعفر يستقبله، وتلقاه بنو هاشم والناس على مراتبهم فجعل يصل الرجل بألف ألف وخمسمائة ألف درهم.
وأعطى الشعراء فأكثر .
فحكى مروان بن أَبي حفصة وقد زاره:
أنه وصل إِليه مدة مقامه سبعمائة ألف درهم(1)
في هذه السنة: وثب الحوفية بمصر على عاملهم إسحاق بن سليمان وقاتلوه، وأمده الرشيد بهرثمة بن أعن وكان عامل ،فلسطين، فقاتلوا الحوفية وهم من قيس وقضاعة، فأذعنوا بالطاعة وأدوا ما عليهم للسلطان .
فعزل الرشيد إسحاق عن مصر واستعمل عليها هرثمة مقدار ،شهر ثم عزله واستعمل عليها عبد الملك بن صالح.
وفيها: خرج الوليد بن طريف التغلبي بالجريرة ففتك بإِبراهيم بن خازم من خزيمة بنصيبين ثم قويت شوكة الوليد فدخل إِلى أرمينية وحصر خلاط عشرين يوماً وافتدوا منه أنفسهم بثلاثين ألفاً .
ثم سار إِلى أذربيجان ثم إِلى حلوان، وأرض السواد، ثم عبر إِلى غرب دجلة، وقصد مدينة ،بلد فافتدوا منه بمائة ألف وعاث في أرض الجزيرة.
فسير إِليه الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، وهو ابن أخي معن بن زائدة .
فقال الوليد :
ستعلم یا پيزيد إذا التقينا *** بشط الزاب أي فتى يكون
فجعل يزيد يخالته ويماكره، وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد فقالوا للرشيد : إِنما يتجافى يزيد عن الوليد للرحم، لأنهما كلاهما من وائل، وهوّنوا أمر الوليد.
فكتب إِليه الرشيد كتاب مغضب وقال له : لو وجهت أحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به، ولكنك مداهن متعصب، وأقسم باللّه إن أخرت مناجزته لأوجهن إليك من يحمل رأسك.
فلقي الوليد عشية خميس في شهر رمضان سنة تسع وسبعين فيقال : جهد عطشاً حتى رمى بخاتمه في فيه، وجعل يلوكه ويقول : اللّهم إنها شدة شديدة فاسترها .
وقال لأَصحابه : فداكم أَبي وأمي إِنما هي الخوارج ولهم حملة فاثبتوا ، فإذا انقضت حملتهم فاحملوا عليهم فإنهم إذا انهزموا لم يرجعوا .
فكان كما قال فحملوا عليهم حملة فثبت يزيد ومن معه من عشيرته، ثم حمل عليهم فانكشفوا . فيقال: إن أسد بن يزيد كان شبيهاً بأَبيه جدا لا يفصل بينهما إلا ضربة في وجه يزيد تأخذ من قصاص شعره منحرفة على جبهته، وكان أسد يتمنى مثلها فهوت إِليه ضربة فأَخرج وجهه من الترس، فأصابته في ذلك الموضع فيقال : لو خطت على ضربة أَبيه ما عدا .
واتبع يزيد الوليد بن طريف فلحقه فأخذ رأسه فقال بعض الشعراء :
وائل بعضهم يقتل بعضاً *** لا يقل الحديد إلا الحديد
فلما قتل الوليد صبحتهم أخته ليلى بنت طريف مستعدة عليها الدرع فجعلت تحمل على الناس ،فعرفت فقال يزيد : دعوها .
ثم خرج إِليها فضرب بالرمح قطاة فرسها، ثم قال : اعزبي أعزب اللّه عليك فقد فَضَحْتِ العشيرة. فاستحت فانصرفت وهي تقول ترثي الوليد:
بتل تبانا رسم قبر كأنه *** على علم فوق الجبال منيف
تضمن جوداً حاتميا ونائلاً *** وسورة مقدام وقلب حصيف
ألا قاتل اللّه الجثي كيف أضمرت *** فتى كان بالمعروف غیر عفیف
فإن يك أَراده يزيد بن مزید *** فيارب خيل فضها وصفوف
ألا يا لقوم للتوائب والردى *** ودهر ملح بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب قد هوى *** وللشمس همت بعده بكسوف
فيا شجر الخابور ما لك مورقاً *** كأنك لم تجزع على ابن طریف
فتى لا يحب الزاد إلا مِنَ التَّقى *** ولا المال إلا من قنا وسيوف
ولا الخيل إلا كل جردا شطية *** وكل حصان باليدين عروف
فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني *** أرى الموت نزالاً بكل شريف
فقدناك فقدان الربيع فليتنا *** فديناك من دهمائنا بألوف
وقال مسلم بن الوليد، في قتل الوليد، ورفق يزيد في قتاله من قصيدة هذه الأَبيات:
يفتر عند افترار الحرب مبتسماً *** إذا تغير وجه الفارس البطثل
موف على مُهج في يوم ذي رهج *** كأنه أجل يسعى إِلى أمل
ينال بالرفق ما تعي الرجال به *** كالموت مستعجلاً يأتي على مهل
وهي حسنة جدا .
وفيها: سَيَّر هشام صاحب الأندلس عسكراً مع عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث إِلى بلاد الفرنج فغزا البا ،والقلاع فغنم وسلم .
وسَيَّر أيضاً جيشاً آخر مع أَخيه عبد الملك بن عبد الواحد إِلى بلاد الجلالفة فخرب دار ملكهم أذفونش وكنائسه، وغنم.
فلما قفل المسلمون ضل الدليل بهم، فنالهم مشقة شديدة ومات منهم بشر كثير، ونفقت دوابهم، وتلفت ،آلاتهم، ثم سلموا، وعادوا.
وفيها : هاجت فتنة تاكرتا بالأندلس وخلع بربرها الطاعة وأظهروا الفساد، وأغاروا على البلاد وقطعوا الطريق .
فسيَّر هشام إِليهم جنداً كثيفاً عليهم عبد القادر بن أَبان بن عبد اللّه مولى معاوية بن أَبي سفيان، فقصدوها وتابعوا قتال من فيها إِلى أن أَبادوهم قتلاً ،وسبياً وفرّ من بقي منهم، فدخل في سائر القبائل، وبقيت كورة تاكرتا جبالها خالية من الناس سبع سنين .
وفيها : غزا الصائفة معاوية بن زفر بن عاصم .
وغزا الشاتية سليمان بن راشد، ومعه البند بطريق صقلية .
رحج بالناس هذه السنة : محمد بن إِبراهيم بن محمد بن علي .
وفيها: فوّض الرشيد أمور دولته كلها إِلى يحيى بن خالد البرمكي .
وفيها: توفي عبد الوارث بن سعيد والمفضل بن يونس وجعفر بن سليمان الضبعي .
.1) هذا ما ذكر في أحداث هذه السنة وزاد ابن الأثير في أحداثها فقال :
ودخلت سنة تسع وسبعين ومائة
وفيها: رجع الوليد بن طريف الثاري(1)إِلى الجزيرة واشتدت شوكته وكثر تبعه فوجه الرشيد إِليه يزيد بن مزيد الشيباني، فراوغه يزيد إِلى أن ظن أنه كرهه، ثم التمس غرته حتى وجدها فقتله وجماعة كانوا معه وتفرّق الباقون .
وقالت الفارعة أخت الوليد بن طريف :
أيا شجر الخابور ما لك مورقا *** كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى *** ولا المال إلا من قنا وسيوف(2)
واعتمر الرشيد في هذه السنة في شهر رمضان شكراً للّه على ما أبلاه في الوليد بن طريف، ثم انصرف إِلى المدينة فأَقام بها إِلى وقت الحج، ثم حجّ بالناس فمشى من مكة إِلى منى ثم إِلى عرفات وشهد المشاهد كلها والمشاعر ماشياً [ ورجع على طريق البصرة](3)
وزاد ابن الأثير في أحداث هذه السنة فقال :
فيها : سَير هشام صاحب الأندلس جيشاً كثيفاً عليهم عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث إِلى جليقية، فساروا حتى انتهوا إِلى أسترقه، وكان أذفونش ملك الجلالقة قد جمع وحشد، وأمده ملك البشكنس وهم جيرانه ومَن يليهم من المجوس وأَهل تلك النواحي، فصار في جمع عظيم، فأقدم عليه عبد الملك، فرجع أذفونش هيبة له وتبعهم عبد الملك يقفو أثرهم ويهلك كل من تخلف منهم، فدوّخ بلادهم، وأوغل فيها وأَقام فيها يغنم ويقتل ويُخَرِّب، وهتك حريم أذفونش ورجع سالماً.
وكان قد سيَّر هشام جيشاً آخر من ناحية أخرى فدخلوا أيضاً على ميعاد من عبد الملك فأخربوا ونهبوا وغنموا، فلما أَرادوا الخروج من بلاد العدو اعترضهم عسكر للفرنج فنال منهم وقتل نفراً من المسلمين، ثم تخلّصوا وسلموا وعادوا سالمين سوى من قتل منهم .
وفيها: عاد الفضل بن يحيى من خراسان فاستعمل الرشيد منصور بن يزيد بن منصور الحميري خال المهدي.
وفيها: خرج بخراسان حمزة بن أترك السجستاني .
وفيها: توفي حماد بن يزيد بن درهم الأزدي مولاهم أَبو إسماعيل .
ومالك بن أنس الأصبحي الإِمام أستاذ الشافعي .
وفيها: توفي مسلم بن خالد الزنجي أَبو عبد اللّه الفقيه المكي، وصحبه الشافعي قبل مالك، وأخذ عنه الفقه، وقيل له الزنجي لأنه كان أَبيض مشرباً بحمرة .
وعباد بن حبيب بن المهلب بن أَبي المهلب بن أَبي صفرة المهلبي البصري .
وأَبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي .
ودخلت سنة ثمانين ومائة
وفيها: هاجت العصبية بالشام بين أَهلها وتفاقم أمرها، فقلق الرشيد واغتم لذلك وقال لجعفر بن يحيى : إما أن تخرج أنت، وإما أن أَخرج أنا؟
فقال له :جعفر أفتدك (1)بنفسي .
فشخص في جلة القواد والكراع والسلاح وعقد له(2)على الشام .
فلما أتاهم أصلح بينهم وقتل ذوي قيلهم والمتلصصة منهم، ولم يدع بها رمحاً، ولا فرساً.
فعادوا إِلى الأمن والطمأنينة، وأطفأ النار .
وعاد جعفر واستخلف على الشام عيسى بن العلي.
فزاد الرشيد في إكرامه ومدحه الشعراء .
ويقال : إنه لما ومثل بين يدي الرشيد قبل يديه ورجليه ثم مثل بين يديه فقال: الحمد للّه الذي آنس وحشتي يا أَمير المؤمنين وأجاد دعوتي، ورحم تضرعي ونسأ في أجلي حتى أراني وجه سيدي وأكرمني بقربه، وامتن علي بتقبيل يده وردني إِلى خدمته فواللّه إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي بين المقادير التي أزعجتني، فأعلم أنها كانت بمعاص لحقتني وخطايا قد أحاطت بي، ولو طال مقامي عنك يا أَمير المؤمنين لخفت أن يذهب عقلي إشفاقاً علي بقربك، وأسفاً على فراقك وأن يعجل بي عن أذى الاشتياق إِلى رؤيتك .
فالحمد للّه الذي عصمني في حال الغيبة وأمتعني بالعافية، ومسكني بالطاعة، وحال بيني وبين المعصية، ولم أشخص إلا عن رأيك ولم أقدم إلا عن إذنك ولم يخترمني أجلي دونك .
واللّه يا أَمير المؤمنين فلا أعظم من اليمين باللّه لقد عانيت ما لو تعرض لي الدنيا كلها لاخترت ولما رأيتها عوضاً عن المقام معك .
ثم أثنى عليه ثناءً طويلاً (1)، ثم ولى الرشيد جعفراً خراسان وسجستان، فاستعمل جعفراً عليها محمد بن الحسن بن قحطبة(2)
وكانت إمارته سبع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام.
وقيل : تسعة أشهر ، وقيل : عشرة أشهر
وكان عمره تسعة وثلاثين سنة، وأَربعة أشهر، وكنيته أَبو الوليد .
وكانت أمه أم ولد.
وكان أَبيض أشهل مشرباً بحمرة بعينيه حول، وخلف خمس بنين.
وكان عاملاً حازماً ذا رأي، وشجاعة، وعدل خيراً، محبا لأَهل الخير والصلاح، شديداً على الأعداء، راغباً في الجهاد.
ومن أحسن عمله : أنه أَخرج مصدقاً يأخذ الصدقة على كتاب اللّه وسنة نبيه أيام ولايته.
وهو الذي أتم بناء الجامع بمدينة قرطبة وكان أَبوه قد مات قبل فراغه منه، وبنى عدة مساجد معه .
وبلغ من عز الإسلام في أيامه، وذلّ الكفر، أن رجلاً مات في أيامه وكان وصى أن يفك أسير من المسلمين من تركته فطلب ذلك، فلم يوجد في دار الكفار أسير يشتري ويفك لضعف العدو وقوة المسلمين.
ومناقبه كثيرة قد ذكرها أَهل الأندلس كثيراً وبالغوا حتى قالوا كان يشبه في سيرته بعمر بن عبد العزيز رحمه اللّه .
ولما مات استخلف بعده ابنه الحكم، وكان الحكم صارماً حازماً، وهو أول من استكثر من المماليك بالأندلس، ورابط الخيل ببابه، وتشبه بالجبابرة، وكان يباشر الأمور بنفسه، وكان فصيحاً شاعراً .
ولما وَلِيَ خرج عليه عماه سليمان، وعبد اللّه وكانا في بر العدوة الغربية، فعبر عبد اللّه البلنسي إِلى الأندلس، فتولى بلنسية، وتبعه أخوه سليمان - وكان بطنجة - وأقبلا يؤلبان الناس على الحكم ويثيران الفتنة .
فتحاربوا مدة والظفر للحكم، ثم إن الحكم ظفر بعمه سليمان فقتله سنة أَربعة وثمانين ومائة .
وأما عبد اللّه، فأَقام ببلنسة وقد كفَّ عن الفتنة وخاف فراسل الحكم في الصلح، فأجابه إِلى ذلك، فوقع الصلح بينهما سنة ست وثمانين، وزوّج أولاد عبد اللّه بإخوته وسكنت الفتنة. ولما اشتغل الحكم بالفتنة مع عمه اغتنم الفرنج الفرصة فقصدوا بلاد الإسلام، وأخذوا مدينة برشلونة واتخذوها ،داراً، ونقلوا أَصحابهم إِليها . وتأخرت عساكر المسلمين عنها، وكان أخذها سنة خمس وثمانين ومائة .
في هذه السنة : سير الحكم صاحب الأندلس جيشاً مع عبد الكريم بن مغيث إِلى بلاد الفرنج فدخل البلاد، وبعث السرايا ينهبون ويقتلون ويحرقون البلاد، وسَيَّر سرية فجازوا خليجاً من البحر كان الماء قد جزر عنه، وكان الفرنج قد جعلوا أموالهم وأَهليهم وراء ذلك الخليج ظنا منهم أن أحداً لا يقدر أن يعبر إِليهم، فجاءهم ما لم يكن في حسابهم، فغنم المسلمون جميع مالهم وأسروا الرجال وقتلوا منهم فأكثروا ، وسبوا الحريم، وعادوا سالمين إِلى عبد الكريم.
وسَيَّر طائفة أخرى، فخرجوا كثيراً من بلاد فرنسية وغنم أموال أَهلها وأسروا الرجال، فأَخبره بعض الأسرى أن جماعة من ملوك الفرنج قد سبقوا المسلمين إِلى واد وعر المسلك على طريقهم .
فجمع عبد الكريم عساكره وسار على تعبية وجد السير، فلم يشعر الكفار إلا وقد خالطهم المسلمون، فوضعوا السيف فيهم، فانهزموا وغنم ما معهم، وعاد سالماً هو ومن معه.
وفيها: عزل الرشيد منصور بن يزيد عن خراسان واستعمل عليها علي بن عيسى بن ماهان فولى عشر سنين .
وفي ولايته خرج حمزة بن أترك الخارجي أيضاً، فجاء إِلى بوشنج فخرج إِليه عمرويه بن يزيد الأزدي - وكان على هراة - في سنة آلاف فقاتله، فهزمه حمزة، وقتل من أَصحابه جماعة ومات عمرويه في الزحام فوجّه إِليه علي بن عيسى ابنه الحسين في عشرة آلاف فلم يحارب حمزة، فعزله وسيَّر عوضه ابنه عيسى بن علي فقاتل حمزة فهزمه حمزة، فردّه أَبوه إِليه أيضاً، فقاتله بباخرز - وكان حمزة بنيسابور - فانهزم حمزة وقتل أَصحابه وبقي في أربعين رجلاً فقصد قهستان.
وأَرسل عيسى أَصحابه إِلى ،أوق وجوين فقتلوا من بها من الخوارج وقصد القرى التي كان أَهلها يعينون حمزة، فأحرقها، وقتل من فيها حتى وصل إِلى زرنج فقتل ثلاثين ألفاً.
ورجع وخلف بزرنج عبد اللّه بن العباس النفسي فجبى الأموال، وسار بها فلقيه حمزة بأسفزار، فقاتله فصبر له عبد اللّه ومن معه من السغد فانهزم حمزة، وقتل كثير من معه من السغد فانهزم ،حمزة، وقتل كثير من أَصحابه، وجرح في وجهه واختفى هو ومَن سلم من أَصحابه في الكروم.
ثم خرج وسار في القرى يقتل ويبقي على أحد .
وكان علي بن عيسى قد استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج فسار إِليه حمزة وانتهى إِلى مكتب فيه ثلاثون غلاماً فقتلهم وقتل معلمهم.
وبلغ طاهراً الخبر، فأتى قرية فيها قعد الخوارج، وهم الذين لا يقاتلون ولا ديوان لهم، فقتلهم طاهر، وأخذ أموالهم، وكان يشد الرجل منهم في شجرتين يجمعهما، ثم يرسلهما فتأخذ كل شجرة نصفه .
فكتب القعد إِلى حمزة بالكف فكف، ووعدهم.
وأمن الناس مدة، وكانت بينهم وبين أصحاب علي بن عيسى حروب كثيرة
وفيها : أخذ الرشيد الخاتم من جعفر فدفعه إِلى أَبيه يحيى بن خالد. وفيها ولّى جعفر خراسان وسجستان، ثم عزله عنها بعد العشرين ليلة واستعمل عليها عيسى بن جعفر .
وولّى جعفر بن يحيى الحرس .
وفيها: هدم الرشيد سور الموصل بسبب العطاف بن سفيان الأزدي، سار إِليها بنفسه، وهدم سورها، وأقسم ليقتلن من لقيه من أَهلها فأفتاه القاضي أَبو يوسف ومنعه من ذلك.
وكان العطاف قد سار عنها نحو أرمينية، فلم يظفر به الرشيد، ومضى إِلى الرقة، فاتخذها وطناً وفيها : عزل هرثمة بن أعين عن إفريقية واستقدمه إِلى بغداد واستخلفه جعفر بن يحيى على الحرس .
وفيها: كانت بمصر زلزلة عظيمة سقط منها رأس منارة الإسكندرية.
وفيها : خرج خراشة الشيباني بالجزيرة، فقتله مسلم بن بكار العقيلي .
وفيها: خرجت المحمرة بجرجان .
وفيها: عزل الفضل بن يحيى عن طبرستان والرويان ووليها عبد اللّه بن خازم وولّي سعيد بن سليم الجزيرة .
وغزا الصائفة محمد بن معاوية بن زفرة بن عاصم .
وفيها: سار الرشيد إِلى الحيرة وابتنى بها المنازل، فأقطع أَصحابه القطائع، فثار بهم أَهل الكوفة، وأساؤوا مجاورته فعاد إِلى بغداد.
وحج بالناس هذه السنة :موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي.
وفيها: استعمل الرشيد على الموصل يحيى بن سعيد الحرشي، فأساء السيرة في أَهلها وظلمهم، وطالبهم بخراج سنين مضت فجلا أكثر أَهل البلد .
وفي هذه السنة : توفي المبارك بن سعيد الثوري أخو سفيان .
وسلمة الأحمر، وسعيد بن خيثم، وأَبو عبيدة عبد الوارث بن سعيد وعبد العزيز بن أَبي حازم وتوفي وهو ساجد.
وأَبو حمزة أنس بن عياض الليثي المدني .
وفيها: أمر الرشيد بناء مدينة عين زربة وحصنها وسَيَّر إِليها جنداً من أَهل خراسان وغيرهم، فأقطعهم بها المنازل.
.ودخلت سنة إحدى....(1)وثمانين ومائة
ولم يجرِ فيها (2)على ما بلغنا ما يليق ذكره بهذا الكتاب(3)
وفي هذه السنة : استعمل الرشيد على إفريقية محمد بن مقاتل بن حكيم العكي، لما استعفى منها هرثمة بن أعين على ما ذكرناه سنة سبع وسبعين ومائة . وكان محمد هذا رضيع الرشيد، فقدم القيروان أول ،رمضان فتسلمها وعاد هرثمة إِلى الرشيد، فلما استقر فيها لم يكن بالمحمود السيرة، فاختلف الجند عليه، واتفقوا على تقديم مخلد بن مرة الأزدي، واجتمع كثير من الجند، والبربر، وغيرهم.
فسير إِليه محمد بن مقاتل جيشاً فقاتلوه، فانهزم مخلد واختفى في مسجد فأُخذ وذُبح. وخرج عليه بتونس تمام بن تميم التميمي في جمع كثير وساروا إِلى القيروان في رمضان سنة ثلاث وثمانين وخرج إِليه محمد بن مقاتل العكي في الذين معه فاقتتلوا بمنية الخيل، فانهزم ابن العكي إِلى القيروان وسار ،تمام فدخل ،القيروان وأمن ابن العكي على أن يخرج عن إفريقية . فسار في رمضان إِلى طرابلس، فجمع إِبراهيم بن الأغلب التميمي جمعاً كثيراً، وسار إِلى القيروان منكراً لما فعله تمام فلما قاربها سار عنها إِلى تونس ودخل إِبراهيم القيروان، وكتب إِلى محمد بن مقاتل يعلمه الخبر، ويستدعيه إِلى عمله، فعاد إِلى القيروان.
فثقل ذلك على أَهل البلد، وبلغ الخبر إِلى تمام فجمع جمعاً وسار إِلى القيروان ظنا منه أن الناس يكرهون محمداً ويساعدونه عليه، فلما وصل قال الأغلب لمحمد : إن تماماً انهزم مني وأنا في قلة، فلما وَصَلْتُ البلاد تجدّد له طمع لعلمه أن الجند يخذلونك، والرأي أن أسير أنا ومن معي من أصحأَبي فنقاتله.
ففعل ذلك وسار إِليه فقاتله، فانهزم تمام وقتل جماعة من أَصحابه ولحق بمدينة تونس، فسار إِبراهيم بن الأغلب إِليه ليحصره فطلب منه الأمان فأمنه .
ولاية إِبراهيم بن الأغلب:
لما استقر الأَمر لمحمد بن مقاتل ببلاد ،إفريقية وأطاعه ،تمام كره أَهل البلاد ذلك، وحملوا إِبراهيم بن الأغلب على أن كتب إِلى الرشيد يطلب منه ولاية إفريقية فكتب إِليه في ذلك، وكان على ديار مصر في كل سنة مائة ألف دينار تحمل إِلى إفريقية معونة .
فنزل إِبراهيم عن ذلك وبذل أن يحمل كل سنة أربعين ألف دينار فأحضر الرشيد ثقاته، واستشارهم فيمن يوليه إفريقية، وذكر لهم كراهة أَهلها ولاية محمد بن مقاتل .
فأَشار هرثمة بإِبراهيم بن الأغلب، وذكر له ما رآه من عقله ودينه وكفايته، وأنه قام بحفظ إفريقية على ابن مقاتل فولاه الرشيد في المحرم سنة أربع وثمانين ومائة فانقمع الشر وضبط الأَمر، وسير تماماً، وكل من يتوثب على الولاة إِلى الرشيد، فسكنت البلاد، وابتنى مدينة سماها العباسية بقرب القيروان، وانتقل إِليها بأَهله وعبيده.
وخرج عليه سنة ست وثمانين ومائة رجل من أبناء العرب بمدينة تونس اسمه ،حمدیس فنزع السواد، وكثر جمعه، فبعث إِليه ابن الأغلب عمران بن مخلد في عساكر كثيرة، وأمره لا يبقي على أحد منهم إن ظفر بهم .
فسار عمران ،والتقوا ،واقتتلوا وصار أصحاب حمديس يقولون : بغداد بغداد.
وصبر الفريقان فانهزم حمديس ومن معه، وأخذهم السيف فقتل منهم عشرة آلاف رجل، ودخل عمران تونس.
ثم بلغ ابن الأغلب : أن إدريس بن إدريس العلوي قد كثر جمعه بأقصى المغرب، فأَراد قصده فنهاه أَصحابه وقالوا : اتركه ما تركك .
فأعمل الحيلة وكاتب القيم بأمره من المغاربة، واسمه بهلول بن عبد الواحد وأهدى إِليه، ولم يزل به حتى فارق إدريس، وأطاع إِبراهيم، وتفرّق جمع إدريس فكتب إِلى إِبراهيم يستعطفه ويسأله الكف عن ناحيته، ويذكر له قرابته من رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم ، فكف عنه .
ثم إن عمران بن مخلد - المقدَّم ذكره - كان من بطانة إِبراهيم بن الأغلب وينزل معه في قصره، ركب يوماً مع إِبراهيم وجعل يحدثه، فلم يفهم من حديثه شيئاً لاشتغال قلبه بمهم كان له، فاستعاد الحديث من ،عمران فغضب، وفارق إِبراهيم، وجمع جمعاً كثيراً، وثار عليه. فنزل بين القيروان والعباسية وصارت القيروان وأكثر بلاد إفريقية معه فخندق إِبراهيم على العباسية، وامتنع فيها ودامت الحرب بينهما سنة كاملة .
فسمع الرشيد الخبر، فأنفذ إِلى إِبراهيم خزانة ،مال فلما صارت إِليه الأموال أمر منادياً ينادي :
مَن كان من جند أَمير المؤمنين فليحضر لأخذ العطاء، ففارق عمران أَصحابه وتفرقوا عنه، فوثب عليهم أصحاب إِبراهيم فانهزموا . فنادى إِبراهيم بالأمان والحضور لقبض العطاء، فحضروا، فأعطاهم وقلع أَبواب القيروان، وهدم سورها.
وأما عمران، فقد سار حتى لحق بالزاب فأَقام به حتى مات إِبراهيم وولى ابنه عبد اللّه، فأمن عمران، فحضر عنده، وأسكنه وأسكنه معه .
فقيل لعبد اللّه : إن هذا ثأر بأَبيك ولا تأمنه عليك فقتله .
ولما انهزم عمران سكن الشر بإفريقية، وأمن الناس، فبقي كذلك إِلى أن توفي إِبراهيم في شوال سنة ست وتسعين ومائة وعمره ست وخمسون سنة ، وإمارته اثنتا عشرة سنة ، وأَربعة أشهر وعشرة أيام.
ولاية عبد اللّه بن إِبراهيم بن الأغلب إفريقية :
لما توفي إِبراهيم بن الأغلب ولي بعده ابنه عبد اللّه وكان غائباً بطرابلس قد حصره البربر - على ما نذكره سنة ست وتسعين ومائة - فعهد إِليه أَبوه بالإمارة، ففارق طرابلس ووصل إِلى القيروان فاستقامت الأمور، ولم يكن في شر، ولا حرب وسكن الناس فعمرت البلاد، وتوفي في ذي الحجة سنة إحدى ومائتين.
وفي هذه السنة: خالف بهلول بن مرزوق المعروف بأَبي الحجاج في ناحية الثغر من بلاد الأندلس، ودخل سرقسطة وملكها فقدم على بهلول فيها عبد اللّه بن عبد الرحمن عم صاحبها الحكم ويعرف بالبلنسي ، وكان متوجهاً إِلى الفرنج.
وخالف فيها بطليطلة عبيدة بن حميد .
وأمر الحكم القائد عمروس بن يوسف وهو بمدينة طلبيرة أن يحارب أَهل طليطلة، فكان يكثر قتالهم وضيق عليهم، ثم إن عمروس بن يوسف كاتب رجالاً من أَهل طليطلة يعرفون ببني مخشي واستمالهم، فوثبوا على عبيدة بن حميد وقتلوه، وحملوا رأسه إِلى عمروس، فسيَّر الرأس إِلى الحكم ، وأنزل بني مخشي عنده وكان بينهم وبين البربر الذين بمدينة طلبيرة ذحول، فتسوّر البربر عليهم فقتلوهم .
فسير عمروس رؤوسهم مع رأس عبيدة إِلى الحكم، وأخبره الخبر من باب آخر فمن دخل منهم عدل به إِلى موضع آخر فقتلوه حتى قُتِلَ منهم سبعمائة رجل، فاستقامت تلك الناحية.
وفيها : غزا الرشيد أرض الروم، فافتتح حصن الصفصاف.
وفيها : غزا عبد الملك بن صالح أرض الروم، فبلغ أنقرة، وافتتح مطمورة.
وفيها : توفي حمزة بن مالك .
وفيها: غلبت المحمرة على خراسان .
وفيها: أحدث الرشيد في صدر كتبه الصلاة على رسول اللّه صلّی اللّه علیه وسلّم.
وحجّ بالناس : الرشيد .
وفي هذه السنة : كان الفداء بين الروم والمسلمين، وهو أول فداء كان أيام بني العباس، وكان القاسم بن الرشيد هو المتولي له ، وكان الملك فغفور، ففرح بذلك الناس، ففودي بكل أسير في بلاد الروم، وكان الفداء باللامس على جانب البحر بينه وبين طرسوس اثنا عشر فرسخاً، وحضر ثلاثون ألفاً من المرتزقة مع أَبي سليمان، فخرج الخادم متولي طرسوس، وخلق كثير من أَهل الثغور وغيرهم من العلماء والأعيان، وكان عدة الأسرى ثلاثة آلاف وسبعمائة، وقيل: أكثر من ذلك .
وفيها : توفي الحسن بن قحطبة، وهو من قواد المنصور، هو وأَبوه ، وكان عمره أربعاً وثمانين سنة . وعبد اللّه بن المبارك المروزي، توفي في رمضان بهيت وعمره ثلاث وستون سنة .
وعلي بن حمزة أَبو الحسن الأزدي المعروف بالكسائي المقرىء النحوي بالري.
وقيل: مات سنة ثلاث وثمانين .
وفيها : توفي مروان بن سليمان بن يحيى بن أَبي حفصة الشاعر وكان مولده سنة خمس ومائة .
وفيها : توفي أَبو يوسف القاضي - واسمه يعقوب بن إِبراهيم - وهو أكبر أصحاب أَبي حنيفة . وفيها توفي يعقوب بن داود بن عمر بن طهمان مولى عبد اللّه بن خازم السلمي، وكان يعقوب وزير المهدي .
وهشام بن البريد بن زريع.
وحفص بن ميسرة الصنعاني من صنعاء دمشق.
1) موضع النقط في المخطوط : وسنة اثنتين فحذفت تلك العبارة لأذكر ما ذكر فيها ابن الأثير من الأحداث بعد ذكر ما ذكر هنا من أحداث إن شاء اللّه تعالى.
2) في المخطوط: فيهما . فذكرت بالمفرد لأتكلم عن أحداث هذه السنة وحدها ثم أذكر أحداث الأخرى بعدها إن شاء اللّه تعالى.
3) كذا قال المؤلف، وقال ابن الأثير عنها :
[ ودخلت سنة ] اثنتين [وثمانين ومائة
ولم يجرِ فيها على ما بلغنا ما يليق ذكره بهذا الكتاب ](1)
وفي هذه السنة : بايع الرشيد لعبد اللّه المأمون بولاية العهد بعد الأمين .
وولاه خراسان وما يتصل بها إِلى همدان، ولقبه المأمون وسلّمه إِلى جعفر بن يحيى.
وهذا من العجائب فإن الرشيد قد رأى ما صنع أَبوه وجده المنصور بعيسى بن موسى حتى خلع نفسه من ولاية العهد.
وما صنع أخوه الهادي ليخلع نفسه من العهد فلو لم يعاجله الموت لخلعه .
ثيم هو بعد ذلك يبايع للمأمون بعد الأمين، وحُبُّكَ الشيء يعمي ويصم .
وفيها :حملت ابنة خاقان ملك الخزر إِلى الفضل بن يحيى فماتت ببرذعة، فرجع من معها إِلى أَبيها، فأَخبروه أنها قتلت غيلة، فتجهز إِلى بلاد الإسلام.
وغزا الصائفة : عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، فبلغ أفسوس مدينة أصحاب الكهف .
وفيها: سلمت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن أليون وأقروا أمه ريني، وتلقب أغسطة .
وحج بالناس: موسى بن عيسى بن موسى.
وكان على الموصل هرثمة بن أعين .
وفيها: جاز سليمان بن عبد الرحمن صاحب الأندلس إِلى بلاد الأندلس من الشرق، وتعرّض لحرب أَخيه الحكم بن هشام بن عبد الرحمن صاحب البلاد.
فسار إِليه الحكم في جيوش كثيرة، وقد اجتمع لسليمان كثير من أَهل الشقاق، ومن يريد الفتنة، فالتقيا واقتتلا، واشتدت الحرب فانهزم ،سليمان، واتبعه عسكر الحكم.
وعادت الحرب بينهما ثانية في ذي الحجة فانهزم فيها سليمان واعتصم بالوعر والجبال، فعاد الحكم ، ثم عاد سليمان فجمع برابر وأقبل إِلى جانب إستجة .
فسار إِليهم الحكم ، فالتقوا، واقتتلوا سنة ثلاث وثمانين ومائة واشتد القتال فانهزم سليمان واحتمى بقرية، فحصره الحكم وعاد سليمان منهزماً إِلى ناحية قريش.
وفيها :كان بقرطبة سيل عظيم، فغرق كثير من ريضها القبلي، وخرب كثير منه وبلغ السيل شقندة .
وفي هذه السنة : مات جعفر الطيالسي المحدث وعمار بن محمد ابن أخت سفيان الثوري .
وعبد العزيز بن محمد بن أَبي عبيد الدراوردي مولى جهينة، وكان أَبوه من دار ، أبجرد فاستثقلوا نسبته إِليها، فقالوا دراوردي.
وفيها: توفي دراج أَبو السمح، واسمه عبد اللّه بن السمح.
وقيل : عبد الرحمن بن السمح بن أسامة التجيبي المصري.
وكان مولده سنة خمس وعشرين ومائة .
وعفيف بن سالم الموصلي .
.ودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة
[ 60 / ب] وفيها : خرج ملك الخزر [ بسبب ابنة خاقان ] (2)من باب الأَبواب،
فأوقعوا(1)بالمسلمين هناك وأَهل الذمة، وسبيهم أكثر من مائة ألف، فانتهكوا، وانتهبوا أمراً عظيماً، لم يسمع في الأرض بمثله .
وكان سبب ذلك : أن الفضل بن يحيى خطب بنت خاقان الخزر، فحملت إِليه فماتت ببرذعة .
وكان على أرمينية يومئذ سعيد بن سلم بن قتيبة فرجع من كان معها من الطراخنة إِلى أَبيها، فأَخبروه أن ابنته قتلت غيلة فحنق لذلك وعمل ما عمل .
فولى الرشيد أرمينية يزيد بن مزيد مع أذربيجان وضمّ إِليه قواد الجند، ووجهه وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين ردا لأَهل أرمينية .
وقيل : إن سبب دخول الخزر أرمينية في زمن هارون كان أن سعيد بن سلم ضرب عنق المنجم السلمي بفارس، فدخل ابنه بلاد الخزر فاستجاشهم فدخلوا أرمينية من الثلمة فانهزم سعيد ونكحوا المسلمات، وأَقاموا سبعين يوماً.
[فوجه الرشيد خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد ] (2)فلما سار يزيد بن مزيد إِلى أرمينية خرج الخزر، وسدت الثلمة.
وفيها: استقدم الرشيد علي بن عيسى بن هامان من خراسان.
وكان سبب ذلك : أنه بلغه عنه أمور عظام .
وقيل : إنه أجمع على الخلاف، فاستخلف علي بن عيسى ابنه يحيى، ووافي حضرة الرشيد بأموال عظيمة .
فردَّه الرشيد إِلى خراسان من قبل ابنه المأمون لحرب أَبي الخصيب فرجع(3)
وفيها: خرج بنسا خراسان أَبو الخصيب وهيب بن عبد اللّه النسائي .
وحج بالناس : العباس بن الهادي .
وفيها: مات موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أَبي طالب ببغداد في حبس الرشيد. وكان سبب حبسه :
أن الرشيد اعتمر في شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة فلما عاد إِلى المدينة على ساكنها الصلاة والسلام دخل إِلى قبر النبي صلّی اللّه علیه و سلّم يزوره ومعه ناس فلما انتهى إِلى القبر، وقف فقال : السلام عليك يا رسول اللّه يا ابن عم . افتخاراً على من حوله .
فدنا موسى بن جعفر فقال : السلام عليك يا أبتِ .
فتغير وجه الرشيد، وقال: هذا الفخر يا أَبا الحسن جدَّاً.
ثم أخذه معه إِلى العراق فحبسه عند السندي بن شاهك، وتولّى حبسه أخت السندي .
ابن شاهك وكانت تتدين، فحكت عنه :
أنه كان إذا صلّى العتمة حمد اللّه، ومجده، ودعا إِلى أن يزول الليل، ثم يقوم يصلي حتى يصلي الصبح ، ثم يذكر اللّه تعالى حتى تطلع الشمس، ثم يقعد حتى، ثم يرقد ويستيقظ قبل الزوال، ثم يتوضأ ويصلي حتى يصلي العصر، ثم يذكر اللّه حتى يصلي المغرب، ثم يصلي المغرب، ثم يصلي ما بين المغرب والعتمة فكان هذا دأبه إِلى أن مات .
وكانت إذا رأته قالت: خاب قوم تعرّضوا لهذا الرجل الصالح .
وكان يلقب الكاظم، لأنه كان يحسن إِلى من يسيء إِليه، كانت هذه عادته أبداً.
ولما كان محبوساً بعث إِلى الرشيد رسالة أنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا ينقضي عنك معه يوم من الرخاء حتى ينقضيا جميعاً إِلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون .
وفيها: كانت بالأندلس فتنة وحرب بين قائد كبير يقال له : أَبو عمران وبين بهلول بن مرزوق وهو من أعيان الأندلس ، وكان عبد اللّه البلنسي مع أَبي عمران، فانهزم أصحاب بهلول، وقتل كثير منهم .
وفيها: توفي يونس بن حبيب النحوي المشهور أخذ العلم عن أَبي عمرو بن العلاء وغيره، وكان عمره قد زاد على مائة سنة
وفيها: مات موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس.
ومحمد بن صبيح أَبو العباس مولى بني عجل المذكور المعروف بابن السماك.
و هشيم بن بشير الواسطي، توفي في شعبان وكان ثقة إلا أنه كان يصحف.
ويحيى بن زكريا بن أَبي زائدة قاضي المدائن بها، وكان عمره ثلاثاً وستين سنة .
ويوسف بن يعقوب بن عبد اللّه بن أَبي سلمة الماجشون.
ودخلت سنة أربع وثمانين ومائة
ولم يجر فيها ما يكتب (1)
وفيها : ولى الرشيد حماداً البربري اليمن، ومكة.
وولى داود بن يزيد بن حاتم المهلبي السند.
ويحيى الحرشي الجبل.
و مهرويه الرازي طبرستان .
وقام بأمر إفريقية إِبراهيم بن الأغلب، فولاه إياها الرشيد
وفيها : خرج عمرو الشاري فوجّه إِليه زهيراً القصاب، فقتله بشهر زور .
وفيها :طلب أَبو الخصيب الأمان، فأمنه على ابن عیسی بن ماهان.
وحج بالناس: إِبراهيم بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن علي .
وكان على الموصل وأعمالها يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني .
وفيها: سار عبد اللّه بن عبد الرحمن البلنسي إِلى مدينة أشقة من الأندلس، فنزل بها مع أَبي عمران ومع العرب فسار إِليهم بهلول بن مرزوق وحاصرهم فيها، فتفرق العرب عنهم، ودخل بهلول مدينة أشقة .
وسار عبد اللّه إِلى مدينة بلنسة، فأَقام بها .
وفيها: توفي المعافى بن عمران الموصلي الأزدي.
وقيل سنة خمس وثمانين .
وفيها: توفي عبد اللّه بن عبد العزيز بن عمر بن الخطاب الذي يقال له : العابد.
وعبد السلام بن شعيب بن الحبحاب الأزدي وعبد الأعلى بن عبد اللّه الشامي المصري من بني شامة بن لؤي . وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي أَبو محمد.
.1) كذا قال المؤلف رحمنا اللّه وإياه، وقال ابن الأثير في الكامل :
وكذلك سنة خمس وثمانين ومائة (1)
في هذه السنة : قَتَل أَهل طبرستان مهرويه الرازي وهو وإِليها فولّى الرشيد مكانه عبد اللّه بن سعيد الحرشي .
وفيها : قَتَل عبد الرحمن الأنباري أَبا ن بن قحطبة الخارجي بمرج القلعة .
وفيها: عاث حمزة الخارجي بباذغيس من خراسان فقتل عيسى بن علي بن عيسى من أَصحابه عشرة آلاف وبلغ عيسي كابل وزابلستان، والقندهار. وفيها : غدر أَبو الخصيب ثانية وغلب على أَبيورد ،وطوس ونیسابور وحصر مرو، ثم انهزم عنها، وعاد إِلى سرخس، وعاد أمره قويًّا.
وفيها: استأذن جعفر بن يحيى في الحج والمجاورة، فأذن له فخرج في شعبان، واعتمر في ،رمضان وقام بجدة مرابطاً إِلى أن حجّ .
وفيها: جمع الحكم الأندلس عساكر، وسار إِلى عمه سليمان بن عبد الرحمن، وهو بناحية قریش ،فقاتله فانهزم سلیمان وقصد مارده فتبعه طائفة من عسكر الحكم، فأسروه، فلما حضر عند الحكم ،قتله، وبعث برأسه إِلى قرطبة.
وكتب إِلى أولاد سليمان وهم بسرقسطة كتاب ،أمان واستدعاهم، فحضروا عنده بقرطبة .
وفيها: وقعت في المسجد الحرام صاعقة قتلت رجلين .
وحج بالناس فيها: منصور بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن علي .
وفيها: مات عبد الصمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس ولم يكن سقط له سن .
وقيل : كانت أسنانه قطعة واحدة من أسفل وقطعة واحدة من فوق - وهو قعدد بني عبد مناف - لأنه كان في القرب إِلى عبد مناف بمنزلة يزيد بن معاوية وبين موتهما ما يزيد على مائة وعشرين سنة .
وفيها ملك الفرنج لعنهم اللّه مدينة برشلونة بالأندلس، وأخذوها من المسلمين، ونقلوا حماة ثغورهم إِليها، وتأخر المسلمون إِلى ورائهم .
وكان سبب ملكهم إياها :
اشتغال الحكم صاحب الأندلس بمحاربة عميه عبد اللّه، وسليمان على ما تقدّم.
وفيها: سار الرشيد من الرقة إِلى بغداد على طريق الموصل.
وفيها: مات يقطين بن موسى ببغداد.
وفيها أيضاً : توفي يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، وهو ابن أخي معن بن زائدة، بمدينة برذعة، وولّى مكانه أسد بن مزيد وكان يزيد ممدحاً جواداً كريماً شجاعاً، وأكثر الشعراء مراثيه ومن أحسن ما قيل في المراثي ما قاله أَبو محمد التميمي يرثيه به فأثبته لجودته :
أحقاً أنه أودى يزيد *** تبين أَيها الناعي النشيدُ
أتدري مَن نعيت وكيف فاهت *** به شفتاك كان به الصعيدُ
أحامي المجد والإسلام أودى *** فما للأرض ويحك لا تميدُ
تأمل هل ترى الإسلام مالت *** دعائمه وهل شاب الوليدُ
وهل مالت سوف بني نزار ***وهل وضعت عن الخيل اللبودُ
وهل تسقى البلاد عشار مزن *** بدرتها وهل يخضر عودُ
أما هُدت لمسرعه نزار *** بلى وتقوّض المجد المشيدُ
وحلّ ضريحه إذ حَلَّ فيه *** طريق المجد والحسب التليدُ
أما واللّه ما تنفك عینی *** عليك بدمعها أبداً تجودُ
فإن تجمد دموع لئيم قوم *** فليس لدمع ذي حسب جمودُ
أبعد يزيد تختزن البواكي *** دموعاً وأو يصان لها خدودُ
لتبكك قبة الإسلام لما *** وهت أطنابها ووهى العمودُ
ويبكك شاعر لم يبق دهراً *** له نسباً وقد كسد القصيدُ
فمَن يدعو الإِمام لكل خطب *** ينوب وكل معضلة تؤودُ
ومن يحمي الخميس إذا تعايا *** بحيلة نفسه البطل النجيدُ
فإن يهلك يزيد فكل حي *** فريس للمنية أو طريدُ
ألم تعجب له أن المنايا *** فتکن به وهن له جنودُ
قصدن له وكن يحدن *** إذا ما الحرب شبّ لها وقودُ
لقد عزى ربيعة أن يوماً *** علیها مثل يومك لا يعودُ
وكان الرشيد هذه المرثية بكى، وكان يستجيدها، ويستحسنها.
وفيها: توفي محمد بن إِبراهيم الإِمام ابن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس ببغداد.
وعبد اللّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير .
والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش المخزومي ويعرف بالحزامي، وكان مولده سنة أربع وعشرين ومائة .
وحجاج الصواف وهو ابن أَبي عثمان ميسرة .
1) وقال فيها ابن الأثير فى الكامل :
ودخلت سنة ست وثمانين ومائة
وفيها: خرج علي بن عيسى من مرو لحرب أَبي الخصيب إِلى نسا، فقتله بها، و سبی نساءه ،وذراريه واستقامت خراسان .
رجع هارون الرشيد، وأَخرج معه ابنيه محمد الأمين وعبد اللّه المأمون ولي عهده، فبدأ بالمدينة وأعطى أَهلها ثلاثة أعطية كانوا يقدمون إِليه فيعطيهم عطاء، ثم إِلى محمد فيعطيهم عطاء ثانياً، ثم إِلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثاً .
ثم سار إِلى مكة، فأعطى أَهلها، فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار. وكان الرشيد عقد لابنه محمد بن زبيدة سماه الأمين، وضم إِليه الشام والعراق في خمس وسبعين ومائة .
ثم بايع لعبد اللّه المأمون في ثلاث وثمانين ومائة وولاه من همدان إِلى آخر المشرق .
وكان القاسم بن الرشيد في حجر عبد الملك بن صالح يسأله في أَبيات شعر أن
يجعل القاسم ثالثاً في ولاية العهد.
فبايع له وسماه المؤتمن وولاه الجزيرة والثغور والعواصم .
ولما قسَّمَ الأرض بين أولاده الثلاثة، قال بعض الناس : قد أحكم أمر الملك.
وقال : بل ألقى بأسهم بينهم وسيختلفون .
وقال بعضهم :
رأي الملك الرشيد أضل رأي *** بقسمته الخلافة والبلاد
أَراد به ليقطع عن بنيه *** خلافهم ويبتدلوا الوداد
فقد غرس العداوة غير آل *** وأَرَثَّ شمل أُلفتهم بدادا
فويل للرعية من قليل *** لقد أهدى لها الكرب الشداد
ستجري من دمائهم بحور *** زواخر لا يرون لها نفادا
ولما قضى هارون الرشيد مناسكه تقدّم إِلى الفقهاء والقضاة وأَهل العلم أن يجتهدوا آراءهم في كتابين أحدهما على محمد الأمين يشترط عليه الوفاء لعبد اللّه المأمون بما إِليه من الأعمال، وما صير له من الضياع، والجواهر والأموال نسخته البيعة التي أخذتها على الخاصة والعامة.
والشروط على محمد وعبد اللّه من الأحكام والسياسات، وأشهد أَهل بيته ووزراءه وقواده وموإِليه، وكتابه ومَن كان في الكعبة معه وكان جميع ذلك في البيت الحرام .
ثم رأى أن يعلق الكتاب في الكعبة(1)، فلما رفع سقط .
قال الناس : هذا أمر سريع الانتقاض لا يتم ونسخة هذين الكتابين فيها طول، وهي موجودة في كتب التواريخ ،وغيرها، فلم أشتغل بنسخها .
وكتب كتابا بذلك إِلى سائر العمال والأمصار (2)
في هذه السنة : اتفق الحكم بن هشام بن عبد الرحمن أَمير الأندلس وعمه عبد اللّه بن عبد الرحمن البلنسي.
وسبب ذلك :
أن عبد اللّه لما سمع بقتل أَخيه سليمان عظم عليه وخاف على نفسه، ولزم بلنسة ولم يفارقها،
ولم يتحرك لإثارة فتنة وأَرسل إِلى الحكم يطلب المسالمة والدخول في طاعته وقيل : بل الحكم أَرسل إِليه رُسُلاً، وكتب إِليه يعرض عليه المسالمة ويؤمنه ، وبذل له الأرزاق الواسعة ولأولاه.
فأجاب عبد اللّه إِلى الاتفاق واستقرت القاعدة بينهم على يد يحيى بن يحيى صاحب مالك وغيره من العلماء .
وزوّج الحكم أخواته من أولاد عمه عبد اللّه، وسار إِليه عبد اللّه فأكرمه الحكم، وعظم محله وأجرى له ولأولاه الأرزاق الواسعة والصلات السنية .
وقيل : إن المراسلة في الصلح كانت هذه السنة، واستقر الصلح سنة سبع وثمانين ومائة .
وفيها: توفي خالد بن الحارث، وبشر بن المفضل، وأَبو إسحاق إِبراهيم بن محمد الفزاري.
وفيها: مات عبد اللّه بن صالح بن علي بن عبد اللّه بن عباس بسلمية في ربيع الأول.
وفيها : توفي علي بن عباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس في رجب وعمره خمس وستون سنة وستة أشهر، وهو ابن أخي السفاح والمنصور.
وفيها: توفي عمرو بن يونس منصرفه من الحج باليمامة .
وفيها: توفي عباد بن عباد بن العوام، الفقيه ببغداد .
وتوفي شقران بن علي الزاهد بالأندلس، وكان فقيهاً.
وفيها: توفي راشد مولى عيسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أَبي طالب، وكان قد دخل المغرب مع إدريس بن عبد اللّه بن الحسن وقام بعده بأمر البربر أَبو خالد يزيد بن إلياس .
.ودخلت سنة سبع وثمانين ومائة
وفيها: قَتَل الرشيد جعفر بن يحيى، وأوقع بالبرامكة .
ذكر السبب في ذلك
كانت أسباب تغيره لهم كثيرة فمن ذلك :
أن الرشيد سلّم يحيى بن عبد اللّه بن حسن بن حسن [61/أ] إِلى جعفر فحبسه عنده .
ثم دعا به ليلة فسأله عن شيء من أمره، فأجابه إِلى أن قال:
اتقِ اللّه في أمري ولا تتعرض أن يكون خصمك غداً محمد ، فواللّه ما أحدثت حدثاً ولا آويت محدثاً .
فرق له وقال له : اذهب حيث شئت من بلاد اللّه تعالى .
فقال : كيف أذهب ولا آمن أن أؤخذ فأرد إليك أو إِلى غيرك؟
فوجه معه من يؤديه إِلى مأمنه .
وبلغ الخبر الرشيد من عيون كانت له عليه(1)فدعاه، ودعا بالغداء، فأكلا وجعل يلقمه ويحادثه إِلى أن كان آخر ما دار بينهما أن :قال ما فعل يحيى بن عبد اللّه؟
1) في الكامل : وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له من خواص جعفر فرفعه إِلى الرشيد، فقال : ما أنت وهذا؟ فعله عن أمري. ثم أحضر جعفراً للطعام...
قال بحاله يا أَمير المؤمنين في الحبس والضيق والأكبال الثقيلة .
قال : بحياتي؟
فأحجم جعفر، وكان من أدق الناس ذهناً، وأصحهم فكراً، فهجس في نفسه أنه قد علم بما جرى في أمره.
فقال : لا وحياتك يا سيدي، ولكن أطلقته لما علمت أنه لا جناة به ولا مكروه عنده .
قال : نعِمّا فعلت ما عدوت ما كان في نفسي .
فلما خرج أتبعه بصره حتى كاد يتوارى عن عينيه وقال قتلني اللّه إن لم أقتلك(1).
ومن أسباب ذلك : أن الرشيد قلب جارية ارتضى عقلها وأدبها وكانت حسنة الغناء جزلة الشعر مليحة الكتابة بارعة الجمال، فلما رأى ،كمالها، استام(2)صاحبها فيها، فاستام بها بمائة ألف دينار وقال يا أَمير المؤمنين علي يمين يعتقها إن لم انتقصها من ذلك فقدم بإطلاق ذلك لمولاها .
فقال جعفر لابنه وأَخيه : إن هذا إن قدم على مثل هذه الأشياء أفنى بيوت الأموال، وقد رأيت أن أتقدم بحمل قيمة هذه الدنانير دراهم فتوضع في طريقه مبدرة، فإنه الآن لا يعلم ما قيمة ما أطلق، وإذا رآها حَلَتْ في عينه ، ولعله أن ينصرف عن هذا الرأي .
ففعل ذلك وأمر بالمال فوضع في ممر له فلما نظر إِليه الرشيد قال : من أين هذا الحمل ؟ قال له الخازن : إنه ليس بحمل ولكنه أَخرج من الخزانة، وهو ثمن الجارية، وقد أحل مكانه ببيت المال.
فأمر بعض خدمه أن يرفعه عنه، وأودعه بيتاً وسماه بيت مال العروس .
وبحث عن الأموال فوجد البرامكة قد استهلكوها فتغير لهم حتى أوقع بهم .
وكان أيضاً من أسباب ذلك : ما حدّث به إِبراهيم بن المهدي قال :
أتيت جعفر بن يحيى يوماً فقال : أنا أتعجب من منصور بن زياد.
قلت : فيما ذا؟
قال : سألته : هل ترى في داري عيباً؟
قال: نعم، ليس فيها لبنة ولا صنوبرة.
قال إِبراهيم فقلت : الذي يعيبها عندي أنك أنفقت عليها عشرين ألف ألف وهي شيء لا آمنه عليك غداً عند أَمير المؤمنين .
قال : هو يعلم أنه قد وصلني بأضعاف ذلك سوى ما عرضني له.
قال : قلت : إن العدو إِنما يأتيه في هذا من وجهه أن يقول يا أَمير المؤمنين إذا أنفق على دار عشرين ألف ألف فأين نفقاته وصلاته وأين النوائب التي تنوبه؟ وما ظنك يا أَمير المؤمنين بما وراء ذلك؟
وهذه خلة سريعة إِلى القلب والوقوف على الحاصل منها صعب.
فقال جعفر: اسمع مني، إن لأَمير المؤمنين نعماً قد كفروها بالستر لها أو بإظهار القليل من كثيرها، وأنا رجل نظرت إِلى نعمته عندي فوضعتها في رأس جبل، ثم قلت للناس : تعالوا فانظروا
قلت: نعم أنا ناظرك .
قلت: وكان من أسباب ذلك أيضاً : أن الرشيد كان لا يصبر على الجد، ويح الأنس، وكان قد أنس بجعفر، وكان لا يصبر عن أخته (1)بنت المهدي، وكان يحضر هما إذا جلس للشرب، وذلك بعد أن أعلم جعفراً قلة صبره عنه وعنها .
وقال الجعفر : أزوجكها ليحل لك النظر إِليها إذا أحضرتها مجلسي، وتقدم إِليه أن لا يمسها ولا يكون منه شيء مما يكون من الرجل إِلى زوجته فزوجها منه على ذلك.
وكان يحضرها مجلسه إذا جلس للشرب، ثم يقوم عن مجلسه ويخليهما فيثملان من الشراب وهما شابان فيقوم إِليها جعفر فيجامعها حتى حملت منه، وولدت ولداً ذكراً، فخافت على نفسها من الرشيد إن علم بذلك .
فوجهت بالولد حواضن من مماليكها إِلى مكة، فلم يزل الأَمر مستتراً عن هارون إِلى أن وقع بين العباسة وبين بعض جواريها شيء، فأنهت أمرها وأمر الصبي [إِلى الرشيد ](2)وأخبرته بمكانه ومع من هو من جواريها، وما معه من الحلي الذي زينته أمه به .
فأمسك هارون، وحجّ هذه الحجّة التي ذكرتها ، فأَرسل إِلى الموضع الذي كانت فيه الجارية أخبرته واستدعى الصبي ومن معه من الحواضن.
فلما أحضروا [61/ب] سأل اللواتي مع الصبي فأَخبرنه بمثل القصة التي أخبرته الرافعة على العباسة، فأَراد قتل الصبي، ثم تحوب من ذلك .
وكان جعفر يتخذ للرشيد طعاماً كلما حجّ بعسفان فلما كان في هذه السنة اتخذ
الطعام على الرسم واستزار الرشيد، فاعتل عليه ولم يحضر طعامه ولم يزل معه حتى جرى عليه ما جرى وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء اللّه .
وقد كان الرشيد قبل إقدامه بالقتل على جعفر بن يحيى وجلسه ليحيى وأولاده تنكر لهم حتى عرف ذلك أكثر من يليه وعرفه البرامكة أيضاً، فمن ذلك ما ذكر بختيشوع بن جبريل(1)عن أَبيه أنه قال :
إني لقاعد يوماً في مجلس الرشيد [ فدخل ] (2)يحيى بن خالد، وكان فيما مضى فدخل يدخل بلا إذن فلما دخل فصار بالقرب من الرشيد وسلّم ردّ عليه رداً ضعيفاً، فعلم يحيى أن أَمرهم قد تغيّر.
ثم أقبل عليَّ الرشيد وقال : يا جبريل، أيُدخَل عليك وأنت في منزلك أحد بلا إذن؟ فقلت : لا واللّه، ولا يطمع في ذلك.
قال: فما بالنا يدخل إلينا بلا إذن؟!
فقام يحيى ، فقال : يا أَمير المؤمنين، قدمني اللّه قبلك، واللّه ما ابتدأت ذلك الساعة، وما هو إلا شيء كان خصني به أَمير المؤمنين، ورفع به ذكري حتى أني كنت لأدخل وهو في فراشه مجرداً حيناً، وحيناً في بعض إزاره وما علمت أن أَمير المؤمنين كره ما كان يحب، وقد علمت، فإني أكون في الطبقة الثانية من أَهل الأذن أو الثالثة إن أمرني سيدي بذلك.
فاستحيى وكان من أرق الخلفاء وجهاً وعيناه في الأرض ما يرفع طرفه إِليه، ثم قال: ما أردت ما تكره ولكن الناس يقولون : قال :جبريل فظننت أنه لم يسنح له جوابا يرضيه فأجاب بهذا القول .
ثم أمسك عنه وخرج يحيى.
ومن ذلك : أن الرشيد رأى يحيى بن خالد يوماً وقد دخل الدار، فقام الغلمان له.
فقال الرشيد المسرور الخادم : مُز (3)الغلمان أن لا يقوموا ليحيى إذا دخل الدار .
فلما دخل بعد ذلك لم يقم له أحد فارتد له فكان الغلمان والحجاب بعد إذا رأوه أعرضوا عنه، وكان ربما استسقى الماء وغيره فلا يسقونه وبالحري إن سقوه أن يكون ذاك بعد أن يدعو بها مراراً.
ومن ذاك: ما تحدّث به إِبراهيم بن المهدي وكان مختصاً به لأن جعفراً هو الذي قدمه وقرَّبه من الرشيد وكان صاحبه وولي نعمته .
قال إِبراهيم: قال لي جعفر يوماً : إني قد استربت بأمر هذا الرجل - يعني الرشيد - وقد ظننت أن ذلك شيء سبق إِلى نفسي منه، فأردت أن أعتبر ذلك بغيري، فكنت أنت فأرمق ذلك في يومك هذا، وأعلمني منه.
قال : ففعلت ذلك في يومي، فلما نهض الرشيد من مجلسه كنت أول أَصحابه نهض عنه حتى صرت إِلى شجر في طريقي فدخلتها ومن معي فأمرتهم بإطفاء الشمع، وأقبل الندماء يمرون بي واحداً بعد واحد فأراهم ولا يرونني حتى إذا لم يبق منهم أحد إذ أنا بجعفر قد طلع، فلما حاذى الشجر قال : أَخرج يا حبيبي، فخرجت.
فقال : ما عندك ؟
فقلت : حتى تعلمني كيف علمت أني بها هنا؟
قال : قد عرفت عنايتك بي وبما اعتنى به، وأنك لم تكن لتصرف إلا (1)وتعلمني ما رأيت منه وعلمت أنك تكره أن تُرى واقفاً في هذا الوقت وليس في طريقك موضع أستر منه، فقضيت بأنك فيه.
قلت : نعم .
قال : فهات ما عندك .
قلت : رأيت الرجل يهزل إذا جدّدت ويجد إذا هزلت .
قال: هكذا هو، فانصرف يا حبيبي، فانصرفت.
ذكر الخبر عن مقتله
لما انصرف الرشيد من مكة فوافى الخبر في المحرم سنة سبع وثمانين، أَقام في قصر عون العبادي أياماً، ثم شخص في السفر حتى نزل العمر الذي بناحية الأنبار، فلما كانت ليلة السبت لانسلاخ المحرم أَرسل مسرور الخادم في جماعة من خواصه، وقال: اذهب فأتني بجعفر، وانظر أن لا يحسّ حتى يقيده أولاً، ثم تأتيني برأسه .
قال مسرور : فأتيته وعنده أَبو زكار الأعمى المغني وهو في لهو ويغنيه أَبو زكار :
فلاتبعد فكل فتى سيأتي *** عليه الموت يطرق [62 / أ] أو يغادي(2)
وكل ذخيرة لا بد يوماً *** وإن كرمت تصير إِلى نفاد
قال : فقلت له : يا أَبا الفضل، الذي جئت له من ذلك، قد واللّه طرقك، فأجب أَمير المؤمنين .
قال: فرفع يديه، ثم وقع على رجلي يقبلهما، وقال: حتى أدخل وأوصي.
قلت : أما الدخول فلا سبيل إِليه ، ولكن أوص بما شئت.
فقدّم في وصيته بما أَراد ، ثم أعتق مماليكه .
ثم أتتني رسل أَمير المؤمنين تستحثني به.
قال : فمضيت به إِليه .
قال : فلما عرف أنه مقتول، قال: واللّه يا أَبا هاشم واللّه ما أمرك بما أمرك به إلا وهو سكران فدافع بالأَمر حتى يصح فإنه سيندم ويؤاخذك بي.
فقلت : لا أجسر على ذلك .
قال : فراجعه في ثانية.
فغدوت لأؤامره، فلما سمع حتي قال يا ماص بظر أمه ائتني برأس جعفر .
فعدت إِلى جعفر فقال : عاوده ،ثالثة فعدت فحذفني ،بعمود ثم قال: نفيت من المهدي لئن لم يأتني برأسه لأَرسلن إليك من يأتيني برأسك أولاً .
قال : فخرجت فأتيته برأسه .
وأمر الرشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده وموإِليه من كان منه بسبيل، فلم يفلت منهم أحد، وأخذ ما وجد لهم من مال،وضياع ومتاع وغير ذلك، و[أَرسل] (1)
فلما أصبح أَرسل جيفة جعفر إِلى بغداد، وأمر أن ينصب رأسه على جسر، ويقطع بدنه قطعتين تنصب كل قطعة على جسر .
ولم يتعرّض الرشيد لمحمد بن خالد بن برمك وولده، وأسبابه.
لأنه علم براءته مما دخل فيه أَهله .
وقيل : كان يسعى بهم، ثم حبس يحيى، وبنيه: الفضل ،ومحمداً، وموسى محبساً سهلاً، ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم ولا ما يحتاجون إِليه من جارية وغيرها ولم تزل حالهم سهلة حتى قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح فعمّهم بسخطه، وجدّد له ولهم التهمة عند الرشيد فضيَّق عليهم .
ولما قُتل جعفر بن يحيى قيل لأَبيه : قتل الرشيد ابنك .
قال : كذلك يقتل ابنه .
قيل : وقد أخرب ديارك .
قال : كذلك تخرب دياره .
فلما بلغ ذلك الرشيد قال : قد خفت أن يكون ما قاله، لأنه ما قال شيئاً إلا ورأيت تأويله .
قال سلام الأبرش : دخلت على يحيى وقت قبضه وقد هتكت الستور، وجمع المتاع فقال : هكذا تقوم القيامة .
قال : فحدثت الرشيد، فأطرق مفكراً .
وكان قتل جعفر ليلة السبت مستهل صفر، وكان عمره سبعاً وثلاثين سنة، وكانت الوزارة إِليهم سبع عشرة سنة .
ولما نكبوا قال الرقاشي، وقيل أَبو نواس :
الآن استرحنا واستراحت رکابنا *** وأمسك مَن كان يحدي ومن كان يحتدي
فقل للمطايا قد أمنت من السرى *** وطي الفيافي فدفدا بعد فدفدِ
وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر *** ولن تظفري بعده بمسود
وقل للعطايا بعد فضل تعطلي *** وقل للرزايا كل يوم تجددي
ودوتك سيفاً برمکيا مهندا *** أصيب بسيف هاشمي مهند
وقال يحيى بن خالد لما نكب: الدنيا دول، والمال عارية ولنا بمن قبلنا أسوة وفينا لمن بعدنا عبرة.
ووقع يحيى على قصة محبوس : العدوان أوبقه، والتوية تطلقه .
وقال جعفر بن يحيى: الخط سمط الحكمة، به يفصل شذورها، وينظم منثورها، قال نمامة : قلت لجعفر : ما البيان؟
قال : إن يكون الاسم محيطاً بمعناك، مخبراً عن مغزاك مخرجاً من الشركة غير مستعان عليه بالفكرة .
مع أَهل العسكر أن يخرج منهم خارج إِلى1) أتمّ الخبر ابن الأثير في الكامل فقال: ورقيقهم، وأسبابهم، وكل مالهم.
أَهل مدينة السلام وإِلى غيرها .
ووجه من ليلته قوماً إِلى الرقة في قبض أموالهم .
وكتب إِلى جميع البلدان وإِلى العمال باقي قبض أموالهم وأخذ وكلائهم .
وتحدث السندي بن شاهك قال :
إني لجالس فإذا أنا بخادم قد قدم على البريد ودفع إلي كتابا صغيراً ففضته، فإذا كتاب الرشيد بخطه فيه:
بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
يا سندي، إذا نظرت في كتابي، فإن كنت قاعداً، فقم وإن كنت قائماً فلا تقعد حتى تسير إليّ .
قال السندي : فدعوت بدوابي ومضيت وكان الرشيد بالعمر .
فحدثني العباس بن الفضل بن الربيع قال: جلس الرشيد في الزورق بالفرات ينتظرك حتى ارتفعت عبرة فقال لي: يا عباس ينبغي أن يكون هذا السندي وأَصحابه.
فقلت : ما أشبه أن يكون يا أَمير المؤمنين .
قال : فطلعت .
قال السندي : فأَرسل إليّ الرشيد ادن فسرت إِليه ووقفت ساعة بين يديه .
فقال لمن كان عنده من الخدم : قوموا .
فقاموا، فلم يبقَ إلا العباس بن أَبي الفضل ،وأنا فمكث ساعة، ثم قال للعباس : اخرج ومن بديع التحاتح المطروحة على الزورق (1)، ففعل ذلك .
فقال لي: ادن مني .
فدنوت منه فقال : تدري فيما أَرسلت إليك؟
قلت: لا واللّه يا أَمير المؤمنين .
قال : في أمر لو علم به زر قميصي لرميت به ،الفرات يا سندي من أوثق قوادي عندي؟
قلت هرثمة بن أعين .
قال : صدقت.
قال : فمن أوثق خدمي عندي؟
قلت: مسرور الخادم الكبير .
قال: صدقت. امض من ساعتك هذه وجد في مسيرك حتى توافي مدينة السلام فاجمع ثقات أصحابك وأرباعك، ومرهم أن يكونوا على أهبة، فإذا انقطعت الرجل، فسر إِلى دار البرامكة فوكل بكل باب من أَبوابهم صاحب ربع ومره أن يمنع من يدخل ويخرج إلا باب محمد بن خالد يأتيك رأيي.
قال : ولم يكن قد حرك البرامكة في ذلك الوقت.
قال السندي : فجئت أركض حتى أتيت مدينة السلام، فجمعت أصحابي، وفعلت ما أمرني به فلم ألبث أن قدم على هرثمة بن أعين ومعه جعفر بن يحيى على بغل أكاف بضروب العتق، وإذا كتاب أَمير المؤمنين، فأمرني أن أشطره باثنتين وأن أصلبه على جانبي الجسر(2). ففعلت ذلك .
ولم يزل مصلوباً حتى أَراد الرشيد الخروج إِلى خراسان، فمضيت فنظرت إِليه،
فلما مَرَّ به الرشيد التفت إلي فقال : ينبغي أن تحرق هذا - يعني جعفراً ..
فلما مضى الرشيد أحرقه .
فمن غريب ما سمع من أمره أن بعض الكُتّاب قال :
كنت أنظر في ديوان النفقات وما يخرج من الجرائر، فانتهيت يوماً إِلى ورقة فيها :
وفي هذا اليوم أَخرج إِلى الأَمير الفضل جعفر بن يحيى أدام اللّه كرامته ما أمر أَمير المؤمنين بإخراجه من الورق كذا ومن العين كذا، ومن الفرش كذا، ومن الكسوة كذا حتى بلغ مقدار ثلاثون ألف ألف درهم.
ثم تصفّحت الأوراق وانتهيت إِلى ورقة فيها :
وفي هذا اليوم أَخرج في ثمن البواري والنفط الذي أحرق به جعفر بن يحيى أَربعة دراهم ونصف درهم وربع .
وقال سلام(1): لما دخلت على يحيى في ذلك الوقت وقد هتكت الستور، وجمع المتاع قال لي : [يا] (2)أَبا سلمة، هكذا تقوم القيامة . قال سلام فحدثت بذلك الرشيد بعدما انصرفت إِليه [63/ب] فأطرق (3)رأسه وبقي مفكراً.
ووجدت في بعض الكتب: أن البرامكة قصدت عبد اللّه بن مالك الخزاعي بالعداوة، وكان الرشيد حسن الرأي فيه وكانوا يغرونه به حتى قال : لا بد من نكبته .
فقال : ما كنت لأنكبه ، ولكني أبعده عنكم .
فقالوا ينفي .
قال : لا ولكني أوَّليه ولاية دون قدره عندي، وأَخرجه إِليها.
فرضوا بذلك وكتبوا له على حرّان والرّها فقط، وأمروه عن الخليفة بالخروج .
قال عبد اللّه : فردعته واحداً واحداً حتى إذا سرت إِلى جعفر لأودعه قال : ما على الأرض عربي أنبل منك يا أَبا العباس يغضب عليك الخليفة فيوليك(4).
1) في الكامل : سلام الأبرش.
2) زيادة يتطلبها السياق .
3) يلاحظ أن الصفحة [62 / ب]، وكذا الصفحة [1/63] جاء بهما أَبيات شعر بغير خط الناسخ وهما عبارة عن ورقتان وضعتا داخل الكتاب مخالفتان لرسمه وخطه وربما كان أحد قد وضعهما للاحتفاظ بهما فصُوِّرتا وهما ليسا من موضوع الكتاب في شيء فتركت ما فيهما .
4) في المخطوط : فوليتك . وهو تحريف .
قلت : فما ذنبي حتى ... (1)أي شيء جرى ذنبي الذي يرضى أن يعمل بي، فاستشاط من قوتي.
ثم قال : ينبغي أن يضرب وسطك، وتصلب نصفاً في جانب، ونصفاً في جانب آخر.
فنهضت من عنده مغضباً، وأقبلت أتردد في أمري إلا أني لم أجد بُدا من الخروج فقطعت طريقي بالهم والغم لأني كنت لا آمنهم مع غيبتي على السعاية بي.
فبينا أنا عشية على باب الدار التي كنت نزلتها جالساً على كرسي إذ أقبل إلي مولى ، فقال سرًا : قد قتل جعفر بن يحيى البرمكي.
فتوهمت أنه قد دَسَّه إلي جعفر ليجد عليَّ حجة بكلام ينكبني بها فبطحته وضربته ثلاثمائة مقرعة وحبسته ليلة طويلة على سطح داري .
فلما كان في السحر إذا صوت حلق البريد، فارتفعت ونزلت عن السطح، وقلت في نفسي : إن هجم عليَّ صاحب البريد فهي نكبة عظيمة، وإن ترجل، واستأذن ففرح.
فلما بصرني صاحب البريد ترجّل فطابت نفسي ودفع إلي كتابا من الرشيد يخبرني فيه بقتله البرامكة، وقبضه عليهم، ويأمرني بالشخوص إِليه، فشخصت.
فلما وصلت عاملني على الإنعام والإكرام، وزاد على أمنيتي، فخرجت، وأتيت الجسر، فوجدت جعفراً قد ضرب وسطه نصفه من جانب والنصف الآخر بالجانب الآخر، فأكثرت حمد اللّه، وعجبت من الصنع اللطيف، ورجوع الكيد عليه .
قال أيوب بن هارون بن سليمان: كنت (2)أميل إِلى يحيى وأنزل أميل إِلى يحيى وأنزل معه تلك العشية
فلما كان في السحر وافانا خبر مقتل جعفر وزوال أَمرهم.
قال : فكتبت إِلى يحيى ،أعزّيه فكتب إليّ : أنا بقضاء اللّه راض، وبالخيار منه عالم، ولا يؤاخذ اللّه العباد إلا بذنوبهم (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ).
وأكثر الشعراء في مراثيهم، وأطالت.
وفي هذه السنة : غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه .
ذكر السبب في ذلك
كان لعبد الملك بن صالح ابن يقال له: عبد الرحمن من رجال البأس له لسان على فاه فيه، وكان كاتبه قمامة يصادقه فجرت بينهما وبين أَبيه وحشة .
فواطأ الكاتب قمامة فسعيا به إِلى الرشيد وقالا له : إنه يطلب الخلافة، ويطمع فيها .
فذكر أنه دخل على الرشيد فقال له أكفراً (1)بالنعمة، وجحوداً لجليل المنّة والتكرمة ؟ فقال : يا أَمير المؤمنين، لقد بؤت إذاً بالندم وتعرضت لاستحلال النقم، وما ذاك إلا بغي حاسد نافسني فيك مودّة القرابة وتقدم الولاية، إنك يا أَمير المؤمنين خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أمته وأمينه على عترته لك عليها فرض الطاعة وأداء النصيحة، ولها عليك العدل في حكمها، والتثبت في حادثها، والغفران لذنوبها.
فقال له الرشيد : أتصنعُ لي من لسانك وترفع لي من جناحك؟
هذا كاتبك قمامة يخبر عنك فعلك وفساد نيتك، فاسمع كلامه .
فقال عبد الملك : أعطاك ما ليس في عقده، ولعله لا يقدر أن يعضهني أو يبهتني بما لم يعرفه مني . فأحضر قمامة، فقال له الرشيد: تكلم غير هائب ولا خائف.
قال : نعم يا أَمير المؤمنين إنه عازم على الغدر بك والخلاف عليك .
فقال عبد الملك : أهو كذلك يا قمامة؟
قال قمامة : نعم لقد أردت ختل أَمير المؤمنين.
فقال عبد الملك : كيف لا يكذب(2)عليّ من خلفي وهو يبهتني في وجهي؟
فقال له الرشيد : وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوّك وفساد نيتك، ولو أردت أن أحتج عليك بحجة لم أجد أعدل من هذين [الاثنين ] (3)لك فَلِمَ تدفعهما (4)عنك؟
فقال عبد الملك :مأمور أو عاق مجبور، فإن كان مأموراً فمعذور، وإن [64/أ] كان عاقا ، ففاجر كفور، أخبر اللّه بعداوته وحذر منه بقوله: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ ) [التغابن : 14] .
قال : ونهض الرشيد وهو يقول : أما أمرك فقد وضح، ولكني لا أعجل حتى أعلم الذي يرضى اللّه فيك، فإنه الحكم بيني وبينك .
فقال عبد الملك : رضيت باللّه حكماً وبأَمير (5)المؤمنين حاكماً، فإني أعلم أنه يُؤثر كتاب اللّه على هواه وأمر اللّه على رضاه.
فلما كان بعد ذلك جلس مجلساً آخر، فسلّم لما (1)دخل، فلم يرد عليه .
فقال عبد الملك : ليس هذا يوماً أحتج فيه ولا أجاذب منازعاً وخصماً.
قال : ولِمَ؟
قال : لأن(2)أوله جرى على غير السنة، فأنا أخاف آخره.
قال : وما ذاك؟
قال : لم يردّ عليّ السلام أُنْصَف نِصْفَة العوام.
قال : السلام عليك اقتداءً بالسنة وإيثاراً للعدل واستعمالاً للتحية .
ثم التفت نحو سليمان بن أَبي جعفر فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك :
أريد حياته ويريد قتلي *** عذيرك من خليلك من مراد
ثم قال: أما واللّه لكأني أنظر إِلى شؤبوبها قد همع ، وعارضها وقد لمع(3)، كأَبي بالوعيد قد أورى ناراً تسطع (4)، فأقلع عن [ براجم بلا معاصم] (5)وتزاحم رؤوس بلا غلاصم فمهلاً مهلاً [ بني هاشم ] (6)فبي (7)[ واللّه ] (8)سهل (9)لكم الوعر وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أثنا (10)أزمتها فنذار (11)لكم نذار قبل حلول داهية خبوط باليد لبوط بالرجل.
فقال عبد الملك : اتقِ اللّه يا أَمير المؤمنين فيما ولاك وفي رعيته التي استرعاك، ولا تجعل الكفر مكان الشكر ولا العقاب موضع الثواب، فقد نحلت لك النصيحة و محضت (12)لك الطاعة، وشددت (13)أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم، وتركت عدوك مشغولاً بنفسه، فاللّه اللّه في رحمك (14)أن تقطعه بعد أن تللته(15)بظن (16)
1) في المخطوط: فلما. والفاء زائدة فحذفتها .
2) في المخطوط : لئن. وهو تحريف.
3) في الكامل : بلع .
4) في الكامل : زناداً يسطع .
5) زيادة من الكامل.
6) زيادة من الكامل.
7) في المخطوط: في . والتصويب من الكامل .
8) زيادة من الكامل.
9) فى المخطوط: عهل، والتصويب من الكامل.
10) لم ترد في الكامل .
11) في المخطوط: وندر. والتصويب من الكامل.
12) في المخطوط: ومحضه. والتصويب من الكامل.
13) في المخطوط: وسدت. والتصويب من الكامل
14) في الكامل : «في دمي إِلى رحمك»، وأَشار محققه إِلى أنه في الطبري: في ذي رحمك .
15) في الكامل : وصلته .
16) في المخطوط : بطن . والتصويب من الكامل.
أفصح (1)الكتاب لي (2)بعضه أو يبغي باغ ينهس اللحم ويلغ (3)الدم، فقد واللّه سهلت لك الوعر ، وذللت [لك] (4)الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور، فكم من ليل تمام فيك كابدته ومقام ضيق لك قمته وكنت فيه كما قال أخو بني جعفر بن كلاب [ يعني لبيداً] (5)
ومقام ضيق فرجته *** ببناني ولساني وجدل
لو يقوم الفيل أو فياله *** زلَّ عن مثل مقامي وزحل(6)تطلقه ولكن تحبسه محبساً (7)كريماً يشبه محبس مثلك(8)
وذكر زيد بن علي بن الحسين العلوي قال : لما حبس الرشيد عبد الملك بن صالح دخل عليه عبد اللّه بن مالك وهو يومئذ على شرطته قال :
أفي إذن أن أتكلّم؟
قال : تكلم .
قال : فلا واللّه العظيم الرحمن الرحيم يا أَمير المؤمنين ما علمت عبد الملك إلا ناصحاً، فعلام حبسته؟
قال : ويحك[ بلغني عنه ما ] (9)أو حشني حتى لم آمنه بيني وبين ابني هذين - يعني الأمين والمأمون - فإن كنت ترى أن [نطلقه أطلقناه . فقال : أما إذا حبسنه فلست أرى في قرب المدة أن ](10)تطلقه ولكن تحبسه محبساً (11)كريماً يشبه محبس مثلك(12).
قال : فإني أفعل.
قال : فدعى الرشيد الفضل بن الربيع فقال : امض إِلى عبد الملك بن صالح إِلى محبسه، وقل له : انظر ما تحتاج إِليه فأقيم له (13)
فأمر الفضل بن الربيع أن يمضي إِليه، وينظر ما يحتاج إِليه، فيوظفه له، ففعل.
وساق الخبر كما هنا مع تقديم وتأخير في بعض فقراته .
.1) في الكامل: أوضح.
2) لم يرد هذا اللفظ في الكامل، وأَشار محققه إِلى أنه موجود في الطبري .
3) في المخطوط: وبالغ . والتصويب من الكامل.
4) زيادة من الكامل .
5) زيادة من الكامل .
6) بعد هذا في الكامل: فقال له الرشيد: واللّه لولا إبقائي على بني هاشم لضربت عنقك، ثم أعاده إِلى محبسه، فدخل عبد اللّه بن مالك على الرشيد، وكان على شرطته . . ذكر نحواً مما هنا .
7) في المخطوط : مجلساً. وهو تحريف والتصويب من الكامل.
8) قوله : يشبه محبس مثلك لم ترد في الكامل .
9) زيادة من الكامل.
10) بعد هذا في الكامل: فقال له الرشيد: واللّه لولا إبقائي على بني هاشم لضربت عنقك، ثم أعاده إِلى محبسه، فدخل عبد اللّه بن مالك على الرشيد، وكان على شرطته . . ذكر نحواً مما هنا .
11) في المخطوط : مجلساً. وهو تحريف والتصويب من الكامل.
12) قوله : يشبه محبس مثلك لم ترد في الكامل .
13) في الكامل :
وقال الرشيد يوماً لعبد الملك بن صالح فيما كلمه : ما أنت لصالح.
قال : فلمَن أنا؟
قال : لمروان الجعدي .
قال : ما أَبا لي أي الفحلين غلب عَلَي .
ولم يزل محبوساً حتى توفي الرشيد، فأطلقه على الشام محمد وأطلقه (1)على الشام .
وكان مقيماً بالرقة وجعل لمحمد بن عبد اللّه وميثاقه لئن قتل وهو حي لا يعطي المأمون طاعة أبداً ، فمات قبل الأمين(2)
وكان مما قال للأمين : إن خفت فالجأ إِلى، فواللّه لأصوننك.
فدفن في دار من دور الإمارة، فلما صار الأَمر إِلى المأمون أَرسل إِلى ابن له حول أَبا ك من داري، فنبش وحوّل .وكان الرشيد بعث في بعض أيامه إِلى يحيى بن خالد بن عبد الملك بن صالح أَراد الخروج عليّ ومنازعتي في الملك، وقد صح عندي ذلك، فأعلمني ما عندك فيه، فإنك إن صدقتني أعدتك إِلى حالك .
فقال : واللّه يا أَمير المؤمنين ما اطلعت من عبد الملك على شيء من هذا ولو اطلعت عليه لكنت صاحبه دونك لأن ملكك كان ملكي، وسلطانك كان سلطاني، والخير والشر كان فيه عليّ [ولي] (3)فكيف يجوز لعبد الملك أن يطمع في ذلك مني؟ وهل كنت إذا فعلت به ذلك يفعل بي أكثر من فعلك بي؟ أعيذك باللّه أن تظن في هذا الظن ولكنه كان رجلاً محتملاً يسرني أن يكون في أَهلك مثله، فوليته لما أَحمدته من مذهبه(4)، وملت إِليه من أدبه واحتماله.
قال (5): فلما أتاه الرسول بهذا أعاده إِليه، فقال: إن أنت لم تقرّ عليه قتلت الفضل ابنك .
فقال له : أنت مُسلط [64/ب] علينا (6)، فافعل ما أردت عليّ، إنه كان من هذا الأَمر شيء فالذب لي فيه، فما يَدْخُل الفضل في هذا.
فقال الرسول للفضل : قم فإنه لا بد (7)لي من إنفاذ [أمر ] (8)أَمير المؤمنين فيك .
خلافة هارون الرشيد
فلم يشك أنه قاتله (1)، فودّع أَباه ، وقال : ألست راضياً [عني](2)
«فافعلي ما أردت، فأخذ الرسول الفضل فأَقامه فودَّع أَباه، وقال: ألست راضياً عني؟».
؟قال: بلى فرضي اللّه عنك .
ففرق بينهما ثلاثة أيام، فلما لم يجد عندهما (3)في ذلك شيئاً جمعهما (4)كما كانا (5).
وكان يأتيهم منه أغلظ رسائل لما كان أعداءهم يفرقونهم(6)به .
وكان عبد الملك حاضر الجواب جيد الرؤية، وهو الذي قال للرشيد وقد مَرّ به بمنبج مستقر عبد الملك، فسأله : أهذا منزلك؟
قال : هو لك يا أَمير المؤمنين ولي بك.
قال : كيف هو ؟
قال : دون بناء أَهلي، وفوق منازل منبج .
فقال : كيف ليلها ؟
قال : سَحَرٌ كله .
وفي هذه السنة: انتقض الصلح بين المسلمين وبين الروم لأن ملك الروم الذي كان صالح المسلمين على الجزية، وحمل مال الصلح .
قيل : وملك الروم يقفور (7)، وكان يقفور هذا من أولاد جفنة من بني غسان(8)
وفي هذه السنة: دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان فأناخ على قرة وحصرها، ووجه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث فحصر حصن سنان حتى جهد أَهلها، فبعث إِليه الروم ثلاثمائة وعشرين أسيراً من المسلمين على أن يرحل عنهم، فأجابهم ورحل عنهم صلحاً .
ومات علي بن عيسى في هذه الغزاة بأرض الروم. وكان يملك الروم حينئذ امرأة اسمها ريني فخلعتها الروم وملكت نقفور، وتزعم الروم أنه من أولاد جفنة بن غسان.
وكان قبل أن يملك يلي ديوان الخراج وماتت رينى بعد خمسة أشهر من خلعها.
فلما استوثقت الروم لنقفور كتب إِلى الرشيد من نقفور ملك الروم إِلى هارون ملك العرب، أما بعد ، فإن الملكة التي كانت قبلي أَقامت مقام الرُّخ ، وأَقامت نفسها مقام البيدق فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أضعافه إِليها، ولكن ذلك لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالها وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك .
.1) في المخطوط : إن قابله. وهو تحريف.
2) زيادة من الكامل. والصيغة في الكامل على النحو التالي :
3) في المخطوط: عنده. والتصويب من الكامل.
4) فى المخطوط: بأجمعهما. والتصويب من الكامل.
5) إِلى هنا انتهى الخبر في الكامل .
6) أي يخوفونهما بهذه الرسائل أو التهديدات.
7) في المخطوط في كل المواضع : يقفور بالياء المثناة من تحت في أوله، وفي الكامل «نقفور»، في كل المواضع بالنون في أوله .
8) جاء ابتداء الخبر في الكامل بتمهيد على هذا النحو :
فلما ملك واستوثقت له الأمور كتب إِلى الرشيد :
من يقفور ملك الروم إِلى هارون ملك العرب، أما بعد، فإن الملك الذي كان قبلي كان يحمل إليك من أمواله ما كنت حقيقاً بحمل أمثاله إِليه، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أمواله وافتدِ نفسك بما تقنع بالمصادرة لك وإلا فالسيف بيننا وبينك» .
فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب حتى لم يمكن أحد أن ينظر إِليه دون أن يخاطبه، وتفرّق جلساؤه خوفاً من زيادة قول تكون منهم.
واستعجم الرأي على الوزير أن يشير عليه أو يتركه .
ثم إنه دعا هارون بدواة وكتب على ظهر الكتاب :
بِسمِ اللّهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
«من هارون أَمير المؤمنين إِلى يقفور كلب الروم: قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام».
ثم شخص من يومه وسار حتى أناخ بباب هرقلة ففتح وغنم واصطفى وأفاد و اصطلم وخرب وأحرق وطلب الموادعة على خراج يؤديه كل سنة فأجابه إِلى ذلك.
فلما رجع من غزوته وصار بالرقة، نقض العهد وخان الميثاق، وكان البرد شديداً، فأمن (1)يقفور من رجعته إِليه .
وجاءه الخبر بارتداده عما أخذ عليه فما تهياً أَخباره بذلك إشفاقاً عليه وعلى أنفسهم من الكرة في مثل تلك الأيام، واحتيل بشاعر(2)فقال :
نقض(3)الذي أعطيته نقفور *** فعليه دائرة البوار تدور
[أبشر أَمير المؤمنين فإنه *** فتح أتاك به الإله كبير
فتح يزيد على الفتوح يؤمنا *** بالنصر فيه لواؤك المنصور ] (4)
في أَبيات كثيرة .
فلما فرغ من إنشاده قال : أوقد فعل يقفور؟
وعلم أن الوزراء قد احتالوا له بذلك فكر راجعاً في أشد محنة وأعظم كلفة حتى أناخ بفنائه، فلم يبرح حتى رضي وبلغ ما أَراد .
وفي هذه السنة: قتل إِبراهيم بن عثمان بن نهيك .
ذكر السبب في ذلك
كان إِبراهيم بن عثمان كثيراً ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة فيبكي جزعاً عليهم وحبًا لهم إِلى أن خرج من حد البكاء ودخل في باب طالبي الثأر والأجر.
وكان إذا خلا بجواريه وشرب وقوي عليه النبيذ قال: يا غلام سيفي ذو المنية .
فيجيبه غلامه بسيفه، ثم يقول : واجعفراه ،واسيداه واللّه لأقتلن قاتلك ولأثأرن بدمك .
فلما كثر هذا من فعله، جاء ابنه عثمان إِلى الفضل بن ربيع، فأَخبره بقوله، فدخل الفضل وأخبر الرشيد.
فقال: هاته، فدخل.
فقال : ما الذي قال الفضل عنك؟
فأَخبره بقول أَبيه وفعله .
فقال له الرشيد: فهل سمع أحد هذا معك ؟
قال : نعم خادمه نوال.
فدعی خادمه نوال.
سرًا فسأله فقال : قد قال غير مرة.
قال الرشيد : ما يحل أن أقتل وليا من أوليائي بقول غلام وخصي لعلهما تواطأ على ذلك بمنافسة الابن على المرتبة، ومعاداة الخادم ومللّه طول الصحبة، فترك ذلك أياماً .
ثم أَراد أن يمتحن إِبراهيم بن عثمان بمحنة تزيل الشك عن قلبه والخاطر عن وهمه فدعا الفضل بن الربيع فقال : إني أريد محنة إِبراهيم بن عثمان [1/65] فيما رفع ابنه إِليه ، فإذا رفع الطعام، فادع بالشراب وقل له : أحبّ أَمير المؤمنين أن ينادمك إذ كنت بالمحل الذي أنت به فإذا شرب فانصرف وخلني وإياه ففعل ذلك الفضل بن الربيع.
وقعد إِبراهيم للشرب، ثم وثب حين وثب الفضل للقيام .
فقال له الرشيد: إِلى الغلمان، فتنحُّوا عنه .
ثم قال: يا إِبراهيم كيف موضع السرّ منك؟
قال : يا سيدي إِنما أنا عبيدك وأطوع خدمك .
قال : إن في نفسي أمراً من الأمور أريد أن أودعك، وقد ضاق صدري وأسهرت له ليلي.
قال : يا سيدي إذاً لا يرجع عني إليك أبداً وأخفيه عن جنبي ونفسي.
قال : ويحك إني قد ندمت على قتل جعفر ندامة ما أحسن أن أصفها، فوددت أني خرجت من ملكي وأنه كان بقي لي، فما وجدت طعم النوم منذ فارقته، ولا لذة العيش منذ قتله .
قال : فلما سمعها إِبراهيم أسبل دموعه، وأدرى عبرته ولم يملك نفسه وقال : رحم اللّه أَبا الفضل، وتجاوز عنه، واللّه يا سيدي لقد أخطأت في قتله وأوطأت(1)العشوة في أمره ولم يوجد في الدنيا مثله، وكان منقطع القرين زيناً في الناس أجمعين.
فقال الرشيد : قُم عليك لعنة اللّه يا ابن الفاجرة.
فقام ما يعقل ما يطأ، فانصرف إِلى أمه، فقال : يا أُم واللّه ذهبت نفسي.
قالت : كلا إن شاء اللّه، وما ذاك يا بني؟
قال : إن الرشيد امتحنني محنة، واللّه لو كانت لي ألف نفس لم أنجح بواحدة منها.
فما كان بين هذا، وبين أن أدخل عليه فضرب بالسيف إلا [ليال](2)قليلة(3)
وفي هذه السنة : ملك الفرنج مدينة طليطلة بالأندلس، وسب ذلك :
أن الحكم صاحب الأندلس استعمل على ثغور الأندلس قائداً كبيراً من أجناده اسمه عمروس بن يوسف، فاستعمل ابنه يوسف على طليطلة .
وكان قد انهزم من الحكم أَهل بيت من الأندلس أولوا قوة وبأس، لأنهم خرجوا عن طاعته ، فالتحقوا بالمشركين فقوي ،أَمرهم واشتدت شوكتهم، وتقدّموا إِلى مدينة طليطلة، فحصروها وملكوها من المسلمين .
فأسروا أَميرها يوسف بن عمروس وسجنوه بصخرة قيس.
واستقر عمروس بن يوسف بمدينة سرقسطة ليحفظها من الكفار وجمع العساكر وسيرها مع ابن عم له،فلقي المشركين وقاتلهم، ففض جمعهم وهزمهم ، وقتل أكثرهم، ونجا الباقون منكوبين .
وسار الجيش إِلى صخرة قيس فحصروها، وافتتحوها، ولم يقدر المشركون على منعها منهم لما نالهم من الوهن بالهزيمة، ولما فتحها المسلمون خلصوا يوسف بن عمروس أَمير الثغر وسيروه إِلى أَبيه وعظم أمر عمروس عند المشركين، وبعد صوته فيهم ، وأَقام في الثغر أَميراً عليه .
إيقاع الحكم بأَهل قرطبة
كان الحكم في صدر ولايته تظاهر بشرب الخمر، والانهماك في اللذات، وكانت قرطبة دار علم وبها فضلاء في العلم والورع منهم يحيى بن يحيى الليثي راوي موطأ مالك عنه وغيره، فثار أَهل قرطبة، وأنكروا فعله ورجموه بالحجارة، وأَرادوا قتله، فامتنع منهم بمن حضر من الجند وسكن الحال .
ثم بعد أيام اجتمع وجوه أَهل قرطبة وفقهاؤها، وحضروا عند محمد بن القاسم القرشي المرواني عم هشام بن حمزة، وأخذوا له البيعة على أَهل البلد، وعرفوه أن الناس قد ارتضوه كافة، فاستنظر ليلة ليرى رأيه ويستخير اللّه سبحانه وتعالى، فانصرفوا .
فحضر عند الحكم وأطلعه على الحال، وأعلمه أنه على بيعته، فطلب الحكم تصحيح عنده، فأخذ معه بعض ثقات الحكم، وأجلسه في قبة في داره، وأخفى أمره، وحضر عنده القوم يستعلمون منه هل تقلد أَمرهم أم لا؟ فأراهم المخافة على نفسه، وعظم الخطب عليهم، وسألهم : تعداد أسمائهم ومَن معهم، فذكروا له جميع من معهم من أعيان البلد وصاحب الحكم يكتب أسماءهم .
فقال لهم محمد بن القاسم: يكون هذا الأَمر يوم الجمعة إن شاء اللّه في المسجد الجامع .
ومشى إِلى الحكم مع صاحبه - وكان ذلك يوم الخميس-
فما أتى عليه الليل حتى حبس الجماعة المذكورين عن آخرهم، ثم أمر بهم بعد أيام فصلبوا عند قصره، وكانوا اثنين وسبعين رجلاً، ومنهم أخو يحيى بن يحيى، وابن أَبي كعب.
وكان يومهم يوماً شنيعاً فتمكنت عداوة الناس للحكم.
وفي هذه السنة: هاجت العصبية بالشام بين المضرية واليمانية، فأَرسل الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم .
وفيها: زلزلت المصيصة، فانهدم سورها ونضب ماؤها ساعة من الليل.
وفيها: خرج عبد السلام بآمد، فحكم فقتله يحيى بن سعيد العقيلي.
وفيها : أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة وهبه للّه، وجعله قرباناً له، وولاه العواصم.
وحجّ بالناس هذه السنة : عبد اللّه بن العباس بن محمد بن علي.
وفيها: توفي الفضيل بن عياض الزاهد، وكان مولده بسمرقند، وانتقل إِلى مكة، فمات بها .
وفيها: توفي المعمر بن سليمان بن طرخان التيمي أَبو محمد البصري وكان مولده سنة ست أو سبع ومائة.
وعمر بن عبيد الطنافسي الكوفي.
وفيها: توفي أَبو مسلم معاذ الهراء النحوي، وقيل : كنيته أَبو علي وعنه أخذ الكسائي النحو، وولد أيام يزيد بن عبد الملك.
.ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة
ولم يجر فيها ما يثبت(1)
وقال ابن الأثير في الكامل :
في هذه السنة : غزا إِبراهيم بن جبريل الصائفة، فدخل أرض الروم من درب الصفصاف، فخرج إِليه نقفور ملك الروم، فأتاه من ورائه أمر صرفه عنه، ورائه أمر صرفه عنه، ولقي جمعاً من المسلمين فجرح ثلاث جراحات وقتل من الروم - فيما قيل - أربعون ألفاً وسبعمائة .
وفيها : رابط القاسم بن الرشيد بدابق.
وحجّ بالناس فيها الرشيد، فقسم أموالاً كثيرة، وهي آخر حجة حجها في قول بعضهم.
وفيها: توفي جرير بن عبد الحميد الضبي الرازي وله ثمان وسبعون سنة وفيها توفي العباس بن الأحنف الشاعر ، وقيل : سنة ثلاث وتسعين.
ومات أَبوه الأحنف سنة خمسين ومائة .
وفيها : توفي شُهَيْدُ بن عيسى بالأندلس وعمره ثلاث وتسعون سنة، وكان دخوله الأندلس مع عبد الرحمن بن معاوية .
.1) كذا قال المؤلف رحمنا اللّه وإياه .
ودخلت سنة تسع وثمانين ومائة
وفي هذه السنة : شخص الرشيد إِلى الري.
وكان سبب ذلك : أن الرشيد كان استشار يحيى في تولية علي بن عيسى بن ،ماهان فأَشار عليه أن لا يفعل فإنه غشوم.
فخالفه الرشيد وولاه إياها فلما شخص على ابن عيسى إِليها ظلم الناس وعسف بهم وجمع مالاً جليلاً، ووجه إِلى هارون منها هدايا لم ير مثلها قط من الخيل والرقيق والثياب والمسك، والأموال.
فقعد هارون بالشماسية على دكان مرتفع حين وصل إِليه ما بعث به علي إِليه، وأحضرت تلك الهدايا، فعرضت عليه فعظمت في عينه وجلّ قدرها عنده، وإِلى جانبه يحيى بن خالد فقال له : يا أَبا علي هذا الذي كنت تشير علينا أن لا نوليه هذا الثغر، فقد خالفناك فيه، فكان في خلافك البركة، وهو كالمازح معه، وكان إذ ذاك على مرتبته الجليلة، وموضعه اللطيف - فقد ترى الآن ما صح من رأينا فيه، وقال من رأيك.
فقال يحيى: يا أَمير المؤمنين، جعلني اللّه فداك، أنا وإن كنت أحب أن أصيب رأيي، وأوفق في مشورتي، فأنا أحب مع ذلك أن يكون رأي أَمير المؤمنين أعلى، وفراسته أثقب، وعلمه أكثر من علمي ومعرفته فوق معرفتي، وما أحسن هذا وأكثره إن لم يكن وراءه ما يكره أَمير المؤمنين وكما أسأل اللّه أن يعيذه من سوء عاقبته وسياع مكروهه .
قال : وما ذاك؟
قال : إني أحب هذه الهدايا ما جمعت له حتى ظلم فيها الأشراف، وأخذ أكثرها ظلماً وتعدياً، ولو أمرني أَمير المؤمنين لآتينه بأضعافها الساعة من بعض تجار الكرخ .
قال : وكيف ذاك؟
قال : قد سألوا منا عوناً على السفط الذي جاءنا به الجواهر، فأعطينا به سبعة آلاف فأبى أن يبيعه فأبعث به الساعة بحاجبي فأمر أن يرده إلينا لنعيد فيه نظرنا، فإذا جاء به جحدناه وربحنا سبعة آلاف ألف، ثم نفعل هذا بتاجرين من كبار التجار، على أن هذا أسلم عاقبة وأستر أمراً من فعل علي بن عيسى في هذه بأَصحابها، فاجمع لأَمير المؤمنين في ثلاث ساعات أكثر من قيمة هذه الهدايا بأهون [65/ب] سعي وأيسر
أمر وأجمل جناية كما جمع علي في ثلاث سنين .
فوقرت في نفس الرشيد وأمسك عن ذكر علي بن عيسى.
فلما عاث علي بن عيسى بخراسان، ووتر أَهلها وأشرافها، فأخذ أموالهم، واستخف برجالهم خفت رجال من كبرائها إِلى الرشيد وكتب جماعة من كورها إِلى أَصحابها وأقربائها ببغداد تشكوا سوء سيرته وخبت طعمته ورداءة مذهبه وتسأل أَمير المؤمنين أن يبدلها به من أحب من كفاته وأنصاره، وأبناء دولته وقواده .
فدعا يحيى بن خالد وشاوره في أمر عيسى وفي صرفه.
وقال : أشر عليّ برجل ترضاه لذلك الثغر يصلح ما أفسد الفاسق ويرتق ما فتق.
فأَشار علیه بیزید بن مزید .
فلم يقبل مشورته(1)
في هذه السنة سار الرشيد إِلى الري، وسبب ذلك : أن الرشيد لما استعمل علي بن عيسى بن ماهان على خراسان ظلم أَهلها وأساء السيرة فيهم .
فكتب كبراء أَهلها وأشرافها إِلى الرشيد يشكون سوء سيرته، وظلمه واستخفافه بهم، وأخذ أموالهم .
وقيل للرشيد : إن علي بن عيسى قد أجمع على خلافك .
فسار إِلى الري في جمادى الأولى ومعه ابناه : عبد اللّه المأمون والقاسم، وكان قد جعله ولي عهده بعد المأمون وجعل أمره إِلى المأمون إن شاء أقرّه، وإن شاء خلعه، وأحضر القضاة والشهود، وأشهدهم أن جميع ما في عسكره من الأموال والخزائن والسلاح، والكراع، وغير ذلك للمأمون وليس له فيه شيء .
وأقال الرشيد بالري أَربعة أشهر حتى أتاه علي بن عيسى من خراسان، فلما قدم عليه أهدى له الهدايا الكثيرة، والأموال العظيمة وأهدى لجميع من معه من أَهل بيته، وولده، وكتابه، وقواده من طرف ،والجواهر وغير ذلك، ورأى الرشيد خلاف ما كان يظن فردّه إِلى خراسان ولما قام الرشيد بالري سير حسيناً الخادم إِلى طبرستان، وكتب معه أماناً لشروين أَبي قارن، وأماناً لوندا هرمز جد مازيار وأماناً لمرزبان بن جستان صاحب الديلم فقدم جستان ووندا هرمز، فأكرمهما وأحسن إِليهما، وضمن وندا هرمز السمع والطاعة وأداء الخراج عن شروين، ورجع الرشيد إِلى العراق، ودخل بغداد في آخر ذي الحجة .
فلما مَرّ بالجسر أمر بإحراق حبشة جعفر بن يحيى، ولم يزل ببغداد، ومضى من فوره إِلى الرقة، ولما جاز بغداد قال :
واللّه إني لأطوي مدينة ما وضع بشرق ولا غرب مدينة أيمن ولا أيسر منها، وإنها لدار مملكة بني العباس ما بقوا وحافظوا عليها ولا رأى أحد من أَبا ئي سوءاً ولا نكبة منها ولنعم الدار هي ولكني أريد المناخ على ناحية أَهل الشقاق والنفاق والبغض، لأئمة الهدى، والحب لشجرة اللعنة بني أمية مع ما فيها من المارقة والمتلصصة ومخيفي السبيل ولولا ذلك ما فارقت بغداد ما حييت .
فقال العباس بن الأحنف في طي الرشيد بغداد:
ما أنحنا حتى ارتحلنا فما نف ***-رق بين المناخ والارتحال
سألونا عن حالنا إذ قدمنا *** فقر أنا وداعهم بالسؤال
وفي هذه السنة: كثر شعب أَهل طرابلس الغرب على ولاتهم، وكان إِبراهيم بن الأغلب أَمير إفريقية قد استعمل عليهم عدة ولاة فكانوا يشكون من ولاتهم فيعزلهم ويولي غيرهم.
واستعمل عليهم هذه السنة سفيان بن المضاء - وهي ولايته الرابعة - فاتفق أَهل البلد على إخراجه عنهم، وإعادته إِلى القيروان فزحفوا إِليه فأخذ سلاحه وقاتلهم هو وجماعة ممن معه، وأَخرجوه من داره فدخل المسجد الجامع، فقاتلهم فيه فقتلوا أَصحابه ثم أمَّنوه، فخرج عنهم في شعبان من هذه السنة .
فكانت ولايته سبعاً وعشرين يوماً .
واستعمل الجند الذين بطرابلس على البلد وأَهله إِبراهيم بن سفيان التميمي .
ثم وقع بين الأبناء بطرابلس أيضاً وبين قوم يعرفون ببني أَبي كنانة وبني يوسف حروب كثيرة وقتال حتى فسدت طرابلس .
فبلغ ذلك إِبراهيم بن الأغلب فأَرسل جماعة من الجند، وأَمرهم أن يحضروا الأبناء وبني أَبي كنانة، وبني يوسف، فأحضروهم عنده بالقيروان في ذي الحجة.
فلما قدموا عليه سألوه العفو عنهم في الذي فعلوه فعفا عنهم، فعادوا إِلى بلدهم.
وفيها: كان الفداء بين المسلمين والروم، فلم يبقَ بأرض الروم مسلم إلا فودي به.
وحج بالناس : العباس بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس.
وفيها: ولى الرشيد عبد اللّه بن مالك ،طبرستان ،والري ،و دنباوند وقومس، وهمذان، وهو متوجه إِلى الري ، فقال أَبو العتاهية في مسيره إِليها، وكان الرشيد ولد بها :
إن أمين اللّه في خلقه *** حن به البر إِلى مولده
ليصلح الري وأقطارها *** ويمطر الخيربها من يده
وفيها: مات محمد بن الحسن الشيباني الفقيه، صاحب أَبي حنيفة.
وحميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي أَبو عوف .
وسابق بن عبد اللّه الموصلي، وكان من الصالحين البكائين من خشية اللّه تعالى.
.1) كذا قال المؤلف رحمنا اللّه وإياه في هذا الخبر غير أن ابن الأثير ساقه في الكامل على نحو غير هذا فقال:
ثم دخلت سنة تسعين ومائة
وفي هذه السنة : ظهر رافع بن الليث بن نصر بن سيار بسمرقند، مخالفاً هارون، وخالعاً له، ونزع يده من
طاعته .
ذكر السبب في ذلك
كان يحيى بن الأشعث بن يحيى الطائي تزوج بخراسان بنتاً لعمه [أَبي النعمان ](1)، وكانت ذات يسار فأَقام بمدينة السلام وتركها بسمرقند، وبلغه أنه قد اتخذ أمهات أولاد وطال عليها ،أمره فالتمست شيئاً للتخلص منه فعيى عليها، وبلغ رافعاً خبرها فطمع فيها وفي مالها، فدسّ إِليها من قال لها إنه لا سبيل لها إِلى التخلص من صاحبها إلا أن تشرك باللّه، وتحضر لذلك قوماً عدولاً، وتكشف شعرها بين أيديهم، ثم
1) زيادة من الكامل.
تتوب، فتحل للأزواج . ففعلت ذلك .
وتزوجها رافع، وبلغ الخبر يحيى بن الأشعث فرفع ذلك إِلى الرشيد، فكتب إِلى علي بن عيسى يأمره أن يفرق بينهما وأن يعاقب رافعاً بجلده الحد ويقيده، ثم يطوف به مدينة سمرقند مقيداً على حمار، حتى يكون عظة لغيره، فدرأ سليمان بن حميد الأزدي الحد عنه وحمله على حمار مقيداً حتى طلقها، ثم حبسه في حبس سمرقند، فهرب من الحبس ليلاً من عند حميد بن المسبح وهو يومئذ على شرطة سمرقند.
فلحق بعلي بن عيسى ببلخ، فطلب الأمان فلم يجبه إِلى طلبه، وهمَّ بضرب عنقه، فكلمه فيه ابنه عيسى بن علي وجدّد طلاق المرأة، وأذن له في الانصراف إِلى سمرقند فانصرف إِليها .
ووثب سليمان بن حميد عامل يحيى بن عيسى فقتله.
فوجه إِليه علي بن عيسى ابنه، فمال إِلى سباع بن مسعدة، فوثب على رافع فقيده فاجتمع الناس عليه فقيدوه، ورأسوا رافعاً وبايعوه، وطابقه من كان بوراء النهر.
ووافاه هلال بن علي بن عيسى فلقيه رافع فهزمه، ثم قتله .
فأخذ علي بن عيسى في فرض الرجال والتأهب للحرب [ وانقضت السنة ](1).
وفي هذه السنة: فتح الرشيد هرقلة بأرض الروم ، وكان دخلها في مائة وخمسة وثلاثين ألف مرتزق سوى الأتباع وسوى المطوعة ومن لا ديوان له.
ووجه داود بن عيسى بن موسى سائحاً في أرض الروم في سبعين ألف.
وأخرب هارون الرشيد هر قلة، وسبى أَهلها، بعد مقام ثلاثين يوماً عليها .
وولى حميد بن معيوف سواحل بحر الشام إِلى مصر .
فبلغ حميد قبرص، فهدم، وحرق وسبى من أَهلها ستة عشر ألفاً، فأقدمهم الرافقة فتولى بيعهم البختري القاضي .
وباع أسقف قبرص بألفي دينار.
وبعث يقفور إِلى الرشيد بالخراج والجزية عن رأسه، وولي عهده، وبطارقته، وأَهل بلده خمسين ألف دينار منها عن رأسه أَربعة دنانير، وعن رأس ابنه ،دينارين وعن الباقين على حسب مراتبهم .
وكتب يقفور مع بطريق من بطارقته في جارية [66/أ] من سبي هرقلة كتابا نسخته :
1) زيادة من الكامل.
«لعبد اللّه هارون ابن أَمير المؤمنين، من يقفور ملك الروم، سلام عليك أَيها الملك، إن لي حاجة لا تضرك (1)في دينك ولا دنياك هيئة يسيرة، أن تهب لابني جارية من بنات هرقلة قد كنت خطبتها على ابني، فإن رأيت أن تسعفني بحاجتي فعلت، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته ».
واستهداه طيباً وسرادقاً من سرادقاته .
فأمر الرشيد بطلب الجارية، فأحضرت وزينت وأجلست على فراش في مضربه الذي كان نازلاً فيه، وسلمت الجارية والمضرب بما فيه من الآنية والمتاع إِلى رسول يقفور وبعث إِليه بما سأل...(2)وبعث إِليه من التمور، والزبيب، والأخبصة والترياق، فسلّم ذلك إِليه رسول الرشيد .
فأعطاه يقفور وفر دراهم إسلامية وحمله على برذون كميت، فكان مبلغ المال خمسين ألف درهم ومائة ،ثوب وديباج ومائتي ثوب برثون، واثني عشر بازياً، وأَربعة أكلب من كلاب الصيد، وثلاثة براذين.
وكان يقفور يخرب ذا الكلاع ، ولا صلة ولا حصن سنان.
واشترط الرشيد عليه أن لا يعمر هرقلة وعلى أن يحمل يقفور ثلاثمائة ألف دینار(3)
و خرج في هذه السنة خارجي من ناحية عبد القيس يقال له : سيف بن بكير .
فوجه إِليه الرشيد محمد بن يزيد بن مزيد فقتله بعين النورة.
وفيها: نقض أَهل قبرص العهد، فغزاهم معيوف بن يحيى فسبى أَهلها.
وحجّ بالناس : عيسى بن موسى الهادي.
وفيها: أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون .
وقيل : بل أسلم أَبوه سهل على يد المهدي وكان محبوساً.
وقيل : أسلم الفضل، وأخوه الحسن على يد يحيى بن خالد، فاختاره يحيى لخدمة المأمون .
فلهذا كان الفضل يرعى البرامكة ويثني عليهم، ولقب بذي الرياستين لأنه تقلد الوزارة والسيف. وكان يتشيّع وهو الذي أَشار على المأمون بالعهد لعلي بن موسى الرضا عليه السلام .
وكان على الموصل هذه السنة: خالد بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، ولما دخل الموصل انكسر لواؤه في باب المدينة، فتطير منه .
وكان معه أَبو الشيص الشاعر فقال في ذلك:
ما كان منكسر اللواء لطيرة *** تخشى ولا أمر يكون موبلا
لكن هذا الرمح أضعف ركنه *** صغر الولاية فاستقل الموصلا
فسري عن خالد .
وفيها : غزا الرشيد الصائفة، واستخلف المأمون بالرقة، وفوّض إِليه الأمور، وكتب إِلى الآفاق بذلك، ودفع إِليه خاتم المنصور تيمناً به، ونقشه : اللّه ثقتي آمنت به .
وفيها :خرجت الروم إِلى عين زربة والكنيسة السوداء، وأغاروا، فاستنقذ أَهل المصيصة ما كان معهم من الغنيمة .
وفيها: توفي أسد بن عمرو بن عامر أَبو المنذر البجلي الكوفي صاحب أَبي حنيفة .
وفيها : توفي يحيى بن خالد بن برمك محبوساً بالرافقة في المحرم، وعمره سبعون سنة . وعمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري.
دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة
وفيها قوي رافع بن الليث، واشتدت شوكته. وقد ذكرنا قتل هلال بن علي بن عيسى ولما قتل ابنه خرج من بلخ حتى أتى مرو مخافة أن يسير إِليها رافع بن الليث فيستولي عليها.
وكان ابنه عيسى دفن في بستان داره ببلغ مالاً عظيماً قيل : إنه ثلاثون ألف ألف درهم ولم يعلم بها علي بن عيسى، ولا اطلع عليها أحد إلا جارية كانت له.
فلما شخص علي عن بلخ أطلعت الجارية على بعض الخدم، وتحدّث به الناس.
فاجتمع قراء أَهل بلخ ووجوهها، فدخلوا البستان وانتهبوه، وأَبا حوا العامة.
وبلغ الرشيد الخبر، فقال: خرج علي عن بلخ عن غير أمري، وخلف مثل هذا المال وهو يزعم أنه قد أمضى إِلى حلي نسائه فيما أنفق على محاربة رافع، فعزله عند ذلك، وولى هرثمة بن أعين واستصفى أموال علي بن عيسى، فبلغت ثمانين ألف ألف ووردت خزائنه التي أخذت على الرشيد، وكانت على ألف وخمسمائة بعير .
وكان علي بن عيسى قد أذل جبابرة أَهل خراسان وأشرافهم حتى خرج منهم مثل الحسن بن مصعب إِلى مكة واستجار بالرشيد من علي بن عيسى، فأجاره .
وأظهر مثل هذا هشام بن فرخسرو(1)
فقال للحسين : لا سلّم اللّه عليك يا ملحد ابن الملحد، واللّه إني لأعرف ما أنت عليه من عداوة الإسلام، والطعن في الدين، ولم أنتظر بقتلك إلا أمر الخليفة، ألست المرجف بي في منزلي هذا بعد أن ثملت من الخمر، وزعمت أنك جاءتك كتب من بغداد بعزلي؟ أَخرج إِلى سخط اللّه لعنك اللّه فعن قريب ما يكون منها .
فاعتذر إِليه، فلم يقبل منه، وأمر بإخراجه فأَخرج.
وقال لهشام بن فرخسرو: صارت دارك دار الندوة، يجتمع إليك السفهاء، تطعن على الولاة، سفك اللّه دمي، إن لم أسفك دمك، فاعتذر إِليه، فلم يعذره، فأَخرجه .
فأما الحسين فسار إِلى الرشيد، فاستجار به، وشكا إِليه فأجاره .
وأما هشام فإنه قال لبنت له إني أخاف الأَمير على دمي، وأنا مفض إليك بأمر إن أنتِ أظهرته قُتِلْتُ، وإن أنتِ كتمته سَلِمْتُ .
قالت : وما هو ؟
قال : قد عزمت على أن أظهر أن الفالج قد أصابني، فإذا كان في السحر، فاجمعي جواريك واقصدي فراشي وحركيني، فإذا رأيت حركتي ثقلت، فصيحي أنت وجواريك، واجمعي إخوتك، فأعلميهم علتي .
ففعلت ما أمرها، وكانت عاقلة، فأَقام مطروحاً على فراشه حيناً لا يتحرك إِلى أن جاء هرثمة والياً، فركب إِلى لقائه، فرآه علي بن عيسى بن ماهان، فقال : إِلى أين؟
فقال : أتلقى الأَمير أَبا حاتم .
قال : ألم تكن عليلاً؟ فقال : وهب اللّه العافية وعزل الطاغية في ليلة واحدة.
وعلى هذا تكون ولاية هرثمة ظاهرة.
وقيل: بل كانت ولايته سرًا، ولم يطلع الرشيد أحداً، فقيل : إنه لما أَراد عزل علي بن عيسى استدعى هرثمة وأسر إِليه ذلك ... وساق نحو ما هنا.
وأن الفالج قد أصابه حتى أمكنه لزوم منزله .1) في المخطوط : هشام بن فرحنو. والتصويب من الكامل، وقد قال ابن الأثير ذاكراً بعض مساوىء حكمه فمن ذلك : أنه دخل عليه يوماً الحسين بن مصعب والد طاهر بن الحسين، وهشام بن فرخسرو، فسلّما عليه.
وكانت كتب حموية وردت على هارون أن رافعاً لم يخلع ولا نزع السواد ولا مَن شايعه وأن غايتهم عزل علي بن عيسى الذي سامهم المكروه.
ولما عزم الرشيد على عزل علي بن عيسى، دعا هرثمة بن أعين مستخلياً به، فقال : إني لم أشاور فيك أحداً ولم أطلعه على سري فيك غيرك، وقد اضطرب عليّ ثغر المشرق وأنكر أَهل خراسان أمر علي بن عيسى إذ خالف عهده، ونبذه وراء ظهره.
قد كنت تستمد وتستجير، وأنا كاتب إِليه، فأَخبره أني أمده بك وأوجه إِليه معك من الأموال والسلاح والقوة والعدة ما يطمئن إِليه ،قلبه، وتتطلع إِليه نفسه، وأكتب معك كتابا بخطي فلا تفضه ولا تطلعن فيه حتى تصير إِلى مدينة نيسابور فإذا نزلتها فاعمل بما فيه، ولا تجاوزه إن شاء اللّه، وأنا موجه معك رجاء الخادم بكتاب أكتبه إِلى علي بن عيسى بخطي لنعرف ما يكون منك ومنه، ومور عنه أمر علي فلا تظهرنه عليه ولا تعلمنه ما عزمت عليه فيه وتأهب للمسير، وأظهر لخاصتك وعامتك أني أو جهك مدداً [66/ب] لعلي بن عيسى وعوناً له، ثم كتب إِلى علي بن عيسى كتابا بخطه نسخته :
«يا ابن الزانية (1)، رفعت من قدرك ، ونوهة باسمك، وأوطأت سادة العرب عقبك وجعلت أبناء ملوك العجم خولك ، فكان من جزائي أن خالفت عهدي، ونبذت وراء ظهرك أمري، حتى عثت في الأرض وظلمت الرعية وأسخطت اللّه وخليفته بسوء تدبيرك وسيرتك وراء طعمتك، وظاهر حياتك، وقد وليت هرثمة بن أعين مولاي ثغر خراسان، وأمرته أن يشدد وطأته عليك وعلى ولدك وكُتابك وعمالك، ولا يترك وراء ظهورهم درهماً واحداً ولاحقاً لمسلم ولا معاهد إلا أخذكم به حتى يرده إِلى أَهله، فإن
1) هذه كلمة ما أَظن الرسالة تضمنتها ولا تليق بحاكم ذا مكنة فضلاً عن أَمير من أمراء المسلمين.
أَبيت ذلك وأَباه ولدك وعمالك فله أن يبسط عليكم العذاب ويصب عليكم السياط ويحل بكم ما يحل بمن نكث وغير وبدل وخالف وظلم، وتعدّى وغشم انتقاماً للّه بادئاً، ولخليفته ثانياً، وللمسلمين والمعاهدين ثالثاً ولا تعرض نفسك للتي لا سوى لها، وأَخرج ما يلزمك طائعاً ومكرهاً».
وكتب عهده لهرثمة بخطه : هذا ما عهد هارون الرشيد أَمير المؤمنين إِلى هرثمة بن أعين حين ولاه ثغر خراسان وأعماله وخراجه، أمره بتقوى اللّه وطاعته ورعاية أمر اللّه وموافقته، وأن يجعل كتاب اللّه تعالى إماماً في جميع ما هو بسبيله فيحل حلاله ويحرّم حرامه ويقف عند متشابهه ويسأل عن أولي الفقه في دين اللّه وأولو العلم بكتاب اللّه أو يرده إِلى إمامه ليريه اللّه فيه رأيه، ويعزم على رشده، وأمره أن يستوثق من الفاسق علي بن عيسى وولده وعماله وكُتابه وأن يشدد عليهم وطأته ويحل بهم سطوته ويستخرج منهم كل مال يصح عليهم من خراج أَمير المؤمنين وفي المسلمين، فإذا استطف ما عندهم وقبلهم، نظر في حقوق المسلمين والمعاهدين وأخذهم بحق كل ذي حق حتى يؤدوه إِليه، فإن ثبت قبلهم حق لأَمير المؤمنين وحقوق المسلمين فدافعوا بها أو جحدوها أن يصب عليهم سوط عذاب اللّه وأليم نقمته حتى يبلغ بهم الحال إِلى أن يحاطوا بأدنى أدب تلفت أنفسهم وبطلت أرواحهم، فإذا أَخرجوا من حق كل ذي حق أشخصتهم كما يشخص العصاة من خشونة الوطاء، وخشونة المطعم والمشرب وغلظ الملبس مع الثقات من أَصحابه إِلى باب أَمير المؤمنين إن شاء اللّه فاعمل يا أَبا حاتم بما عهدت إليك فإني آثرت اللّه وديني على هواي وأَرادتي فكن كذلك، وعليه فليكن عملك وأمرك، ودبر في أعمال الكور التي تمر بها وعمالها في صعودك بما لا يستوحشون معه إِلى أمر يريبهم وظن يرعهم، فابسط من آمال أَهل ذلك الثغر ومن أمانيهم وعذرهم، ثم اعمل ما يرى اللّه فيك وخليفته ومن ولاك أمره إن شاء اللّه ، هذا عهدي وكتابي بخطي وأنا أشهد اللّه وملائكته وحملة عرشه وسكان سماواته وكفى باللّه شهيداً وكتب أَمير المؤمنين بخطه ولم يحضره إلا اللّه والملائكة .
ثم أمر أن تكتب كتب هرثمة إِلى عيسى بن علي في معاونته وتقوية أمره والشد على يديه، فكتب وظهر الأَمر بها(1)
وكان وصول هرثمة إِلى خراسان سنة اثنتين وتسعين فلما فرغ هرثمة من أخذ أموالهم : أخذ أموالهم، أَقامهم لمطالبة الناس، وكتب إِلى الرشيد بذلك، وسيَّر على بن عيسى إِليه على بعير بغير وطاء ولا غطاء.
ثم ذكر ابن الأثير عدة حوادث أخرى لم يذكرها المؤلف رحمنا اللّه وإياه من أحداث تلك السنة فقال : في هذه السنة : أوقع الأَمير الحكم بن هشام الأموي صاحب الأندلس بأَهل طليطلة، فقتل منهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل من أعيان أَهلها وسبب ذلك :
أن أَهل طليطلة كانوا قد طمعوا في الأَمراء، وخلعوهم مرة بعد أخرى، وقويت نفوسهم بحصانة ،بلدهم، وكثرة أموالهم، فلم يكونوا يطيعوا أمراءهم طاعة مُرضية .
فلما أعيا الحكم شأنهم، أعمل الحيلة في الظفر بهم فاستعان في ذلك بعمروس بن يوسف المعروف بالمولد، وكان قد ظهر في هذا الوقت بالثغر الأعلى، فأظهر طاعة الحكم ودعا إِليه، فاطمأن إِليه بهذا السبب - وكان من أَهل مدينة وشقة - فاستحضره فحضر عنده، فأكرمه الحكم وبالغ في إكرامه ، وأطلعه على عزمه في أَهل طليطلة، وواطأه على التدبير عليهم، فولاه طليطلة، وكتب إِلى أَهلها يقول :
«إني قد اخترت لكم فلاناً وهو منكم لتطمئن قلوبكم إِليه، وأعفيتكم ممن تكرهون من عمالنا وموالينا، ولتعرفوا جميل رأينا فيكم» .
فمضى عمروس إِليهم ودخل طليطلة فأنس به أَهلها واطمأنوا إِليه وأحسن عشرتهم، وكان أول ما عمل عليهم من الحيلة أن أظهر لهم موافقتهم على بغض بني أمية وخلع طاعتهم، فمالوا إِليه ووثقوا بما يفعله .
ثم قال لهم : إن سبب الشر بينكم وبين أصحاب الأَمير، إِنما هو اختلاطهم بكم، وقد رأيت أن أبني بناءً أعتزل فيه أنا وأصحاب السلطان، رفقاً بكم، فأجأَبوه إِلى ذلك، فبنى في وسط البلد ما أَراد فلما مضى لذلك مدة كتب الأَمير الحكم إِلى عامل له على الثغر الأعلى سرا يأمره أن يرسل إِليه يستغيث من جيوش الكفرة وطلب النجدة ،والعساكر، ففعل العامل ذلك .
فحشد الحكم الجيوش من كل ناحية واستعمل عليهم ابنه عبد الرحمن، وحشد معه قواده ووزراءه، فسار الجيش واجتاز بمدينة طليطلة، ولم يعرض عبد الرحمن لدخولها، فأتاه وهو عندها الخبر من ذلك العامل : أن عساكر الكفرة قد تفرقت وكفى اللّه شرها فتفرق العسكر .
وعزم عبد الرحمن على العودة إِلى قرطبة، فقال عمروس عند ذلك لأَهل طليطلة :
قد ترون نزول ولد الحكم إِلى جانبي، وأنه يلزمني الخروج إِليه، وقضاء حقه، فإن نشطتم لذلك والا سرت إِليه وحدي فخرج معه وجوه أَهل طليطلة، فأكرمهم عبد الرحمن وأحسن إِليهم .
وكان الحكم قد أَرسل مع ولده خادماً له، ومعه كتاب لطيف إِلى عمروس، فأتاه الخادم،وصافحه، وسلّم الكتاب إِليه من غير أن يحادثه .
فلما قرأ عمروس الكتاب رأى فيه كيف تكون الحيلة على أَهل طليطلة فأَشار عليه أعيان أَهلها بأن يسألوا عبد الرحمن الدخول إِليهم ليرى هو وأَهل عسكره كثرتهم ، ومنعتهم وقوتهم، فظنوه ينصحهم، ففعلوا ذلك، وأدخلوا عبد الرحمن البلد ونزل مع عمروس في داره وأتاه أَهل طليطلة أرسالاً يسلمون عليه.
وأشاع عمروس أن عبد الرحمن يريد أن يتخذ لهم وليمة عظيمة، وشرع في الاستعداد لذلك وواعدهم يوماً ذكره، وقرر معهم، أنهم يدخلون من باب، ويخرجون من آخر ليقل الزحام، ففعلوا ذلك .
فلما كان اليوم المذكور أتاه الناس أفواجاً فكان كلما دخل فوج أخذوا وحملوا إِلى جماعة من الجند على حفرة كبيرة في ذلك القصر، فضربت رقابهم عليها، فلما تعالى النهار أتى بعضهم فلم یرَ أحداً فقال: أين الناس؟
فقيل : إنهم يدخلون من هذا الباب ويخرجون من الباب الآخر.
فقال : ما لقيني منهم أحد وعلم الحال، وصاح، وأعلم الناس هلاك أَصحابهم، فكان سبب نجاة مَن بقي منهم .
فذلت رقابهم بعدها، وحسنت طاعتهم بقية أيام الحكم، وأيام ولده عبد الرحمن، ثم الجبرت مصيبتهم، وكثروا، فلما هلك عبد الرحمن وولى ابنه محمد عاجلوه بالخلع على ما نذكره .
وفيها: عصى أصبغ بن عبد اللّه، ووافقه أَهل مدينة ماردة من الأندلس على الحكم، وأَخرجوا عامله، واتصل الخبر بالحكم، فسار إِليها وحاصرها، فبينما هو مجد في الحصار، أتاه الخبر عن أَهل قرطبة أنهم أعلنوا بالعصيان ،له فرجع مبادراً، فوصل إِلى قرطبة في ثلاثة أيام، وكشف عن الذين أثاروا الفتنة، فصلبهم منكسين، وضرب أعناق ،جماعة، فارتدع الباقون لذلك، واشتدت كراهيتهم له.
ولم يزل أَهل ماردة تارة يطيعون، ومرة يعصون إِلى سنة اثنتين وتسعين، فضعف أمر أصبغ، لأن الحكم تابع إرسال الجيوش إِليه، واستمال جماعة من أعيان أَهل ماردة وثقاته من أَصحابه فمالوا إِليه، وفارقوا أصبغ حتى أخوه .
فتحيّر أصبغ وضعفت نفسه، فأَرسل يطلب الأمان، فأمنه الحكم، ففارق ماردة، وحضر عند الحكم، وأَقام عنده بقرطبة .
وفي هذه السنة: تجهز لذريق ملك الإفرنج بالأندلس، وجمع جموعه، ليسير إِلى مدينة طرطوشه ليحصرها
فبلغ ذلك الحكم فجمع العساكر وسيرها مع ولده عبد الرحمن، فاجتمعوا في جيش عظيم وتبعهم كثير من المتطوعة، فساروا، فلقوا الإفرنج في أطراف بلادهم قبل أن ينالوا من بلاد المسلمين شيئاً، فاقتتلوا وبذلوا كل من الطائفتين جهده، واستنفذ وسعه فأنزل اللّه تعالى نصره على المسلمين، فانهزم الكفار وكثر القتل فيهم والأسر ، ونهبت أموالهم، وأثقالهم، وعاد المسلمون ظافرين غانمين.
وفي هذه السنة : خالف حزم بن وهب بناحية باجة ووافقه غيره، وقصدوا الشبونة .
وكان الحكم يسمى حزماً في كتبه: النبطي، فلما سمع الحكم خبره، سير إِليه ابنه هشاماً في جمع كثير، فأزله ومن معه، وقطع الأشجار وضيق عليهم حتى أذعنوا لطلب الأمان، فأمنه .
وفيها: خرج خارجي يقال له : ثروان بن سيف بناحية حولايا، وتنقل في السواد فوجه إِليه طوق بن مالك، فهزمه طوق وجرحه، وقتل عامة أَصحابه .
وفيها: خرج أَبو النداء بالشام فسيَّر الرشيد في طلبه يحيى بن معاذ وعقد له على الشام .
وفيها : ظفر حماد البربري بهيصم اليماني .
وفيها : أَرسل أَهل نسف إِلى رافع بن الليث يسألونه أن يوجه إِليهم من يعينهم على قتل عيسى بن علي، وعلي بن عيسى فأَرسل إِليهم جمعاً، فقتلوا عيسى وحده في ذي القعدة ولم يعرضوا لأَصحابه.
وفيها : غزا يزيد بن مخلد الهبيري أرض الروم في عشرة آلاف فأخذت الروم عليه المضيق، فقتلوه وخمسين رجلاً وسلم الباقون، وكان ذلك على مرحلتين من طرسوس .
وفيها : استعمل الرشيد على الصائفة هرثمة بن أعين قبل أن يوليه خراسان، وضم إِليه ثلاثين ألفاً من خراسان.
ورتب الرشيد بدرب الحدث : عبد اللّه بن مالك .
وبمرعش : سعيد بن سلم بن قتيبة .
فأغارت الروم عليها فأصابوا من المسلمين وانصرفوا ولم يتحرك سعيد من موضعه وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إِلى طرسوس .
وأَقام الرشيد بدرب الحدث ثلاثة أيام من رمضان، وعاد إِلى الرقة.
وأمر الرشيد بهدم الكنائس بالثغور، وأخذ أَهل الذمة بمخالفة هيئة المسلمين في لباسهم، وركوبهم .
وأمر هرثمة ببناء طرسوس، وتمصيرها، ففعل، وتولّى ذلك فرج الخادم بأمر الرشيد .
وسيّر إِليها جنداً من أَهل خراسان ثلاثة آلاف، ثم أشخص إِليهم ألفاً من أَهل المصيصة، وألفاً من أَهل أنطاكية، وتم بناؤها سنة اثنتين وتسعين ومائة، وبنى مسجدها .
وحجّ بالناس هذه السنة : الفضل بن العباس بن محمد بن علي، وكان أَميراً على مكة.
وكان على الموصل : محمد بن الفضل بن سليمان .
وفيها: توفي الفضل بن موسى السيناني أَبو عبد اللّه المروزي مولى قطيعة، وكان مولده سنة خمس عشرة ومائة .
(السيناني) . . . منسوب إِلى سينان وهي قرية من قرى مرو.
.1) قال ابن الأثير بعد أن لخص ذلك الحدث كله : فسار هرثمة ولا يعلم بأمره أحد حتى ورد نيسابور فلما وردها استعمل أَصحابه على كورها وسار مجداً يسبق الخبر فأتى مرو والتقاه علي بن ،عیسی، فاحترمه هرثمة وعظمه حتى دخل البلد، ثم قبض عليه وعلى أَهله وأَصحابه، وأتباعه وأخذ أمواله فبلغت ثمانين ألف ألف وكانت خزائنه وأثاثه على ألف وخمسمائة بعير، فأخذ الرشيد ذلك كله .
ودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة
وفيها: شخص هرثمة بن أعين إِلى خراسان والياً عليها .
وكان ذلك في اليوم السادس، اليوم الذي كتب له الرشيد عهده، وشيعه الرشيد ووصاه بما احتاج إِليه .
فمضى وبعث إِلى علي في الظاهر أموالاً وسلاحاً وطيباً، حتى إذا نزل بنيسابور، جمع جماعة من فصحاء أَصحابه، وأولي السن والتجربة منهم، فدعا كل رجل منهم سرًا، وخلا ،به ثم أخذ عليهم العهود والمواثيق أن يكتموا أمره ويطووا سِره.
وولى كل رجل منهم كورة على نحو ما كانت منزلته عنده [1/67] وأمر كل رجل منهم بعد أن رفع إِليه عهده بالمسير إِلى عمله ولاه على أخفى الحالات ،وأسترها والتشبه بالمختارين في ورودهم إِلى الوقت الذي سمى لهم.
ثم مضى حتى إذا صار من مرو على مرحلة دعا جماعة من ثقات أَصحابه، وكتب لهم أسماء ولد علي بن عيسى وأَهل بيته وكتابه وغيرهم في رقاع، ودفع إِلى كل رجل منهم وقعهم باسم من [يريد أن ](1)يحفظه إذا هو دخل عليه مرو خوفاً من أن يهربوا إذا ظهر أمره.
ثم وجّه إِلى علي بن عيسى إني أحب لأَمير المؤمنين (2)أكرمه اللّه أن يوجه ثقاته لقبض ما معي من أموال ففعل فإنه إذا تقدمني المال كان أروح لقلبي وأفت في عضد أعدائه، وأجدر أن لا يشيع به الخبر، وأيضاً فإني لا آمن عليه إن خلفته وراء ظهري أن يطمع فيه بعض من تسمو نفسه أن يقطع بعضه ويغتنم غفلتنا عند دخول المدينة.
فوجّه علي بن عيسى جهابذته وفهارمته لقبض المال.
وقال هرثمة لخزانه اشغلوهم هذه الليلة واعتلوا عليهم بعلة تقرب من أطماعهم، وتزيل الشك عن قلوبهم، ففعلوا .
وقال لهم الخزان: حتى نؤامر أَبا حاتم في دواب المال والبغال .
ثم ارتحل نحو مدينة مرو ، فلما صار منها على ميلين تلقاه علي بن عيسى فی ولده وأَهل بيته وقواده بأحسن لقاء ،وآنسه فلما وقعت عين هرثمة عليه ثنى رجله لينزل عن دابته .
فصاح علي بن عيسى : واللّه لئن نزلت لأنزلن .
فثبت على سرجه ودنا كل واحد من صاحبه فاعتنقا وصار علي يسأل هرثمة عن أمرة الرشيد وحاله وهيئته، وحال ،خاصته وقواده وأنصار ،دولته، وهرثمة يجيبه حتى إذا صار إِلى قنطرة لا يجوزها إلا ،فارس، فحبس هرثمة لجام دابته وقال لعلي : سر على بركة اللّه تعالى، فقال علي: لا واللّه لا أفعل حتى تمضي أنت.
فقال : إذاً واللّه لا أمضي وأنت الأَمير، وأنا الوزير .
فمضى وتبعه هرثمة حتى دخلا مرو وسارا إِلى منزل علي ورجاء الخادم ما يفارق هرثمة في ليل ولا نهار ولا ركوب ولا جلوس.
فدعا علي بالغداء فطعما وأكل رجاء الخادم معهما، وكان عازماً أن لا يأكل معهما، فغمزه هرثمة .
فلما رفع الطعام قال له علي : قد أمرت أن يفرغ لك قصر علي الماشان، فإن رأيت تسير إِليه فعلت .
فقال له هر ثمة :معي من الأمور ما لا يحتمل تأخير المناظرة فيها .
ثم أوماً إِلى رجاء الخادم وقال : ادفع الكتاب إِليه .
فأَخرج رجاء كتاب الرشيد إِليه فدفعه إِليه وأبلغه رسالة .
فلما فضّ الكتاب فنظر في أول حرف فيه سقط في يده، وعلم أن قد حلّ به ما يحذره .
ثم أمر هرثمة بتقييده وتقييد ولده، وكتابه، وعماله
وقد كان حصل عنده ثقاته وجهابذته وخزانه، ووكل به كما حكينا قبل دخوله مرو .
وكان معه رجل يصحبه وقر قيود وأغلال فلما استوثق منه سار إِلى المسجد الجامع، فخطب وبسط من آمال الناس، وأخبر أن أَمير المؤمنين ولاه ثغورهم لما انتهى
إِليه من سوء سيرة الفاسق علي بن عيسى، وما أمرني به وفي أعوانه من كل ما سأنتهي إِليه، ومن أنصاف العامة والخاصة وحملهم على الحق وأمر بقراءة عهده عليهم.
فأظهر الناس السرور بذلك وانفسحت آمالهم وعظم رجاؤهم، وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم، وأكثروا الدعاء لأَمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء.
ثم انصرف ودعا بعلي بن عيسى ،وولده وعماله وكتابه فقال: اكفوني مؤنتكم واعفوني من الإقدام بالمكروه عليكم .
ونادى في أصحاب ودائعهم براءة الذمة من رجل كانت لعلي عنده وديعة ولأحد من وله أو كتابه أو عماله فأخفاها ولم يظهر عليها .
فأحضره الناس ما كانوا أودعوا، إلا رجلاً من أَهل مرو وكان من أبناء المجوس فإنه لم يزل يتكلّف للوصول إِلى علي حتى صار إِليه فسر إِليه وقال : لك عندي مال ، فإن احتجت إِليه احتملته إليك أو لأوليائك، وصيّرت للقتل إيثاراً [67/ب] للوفاء وطلباً للجميل من الثناء وإن استغنيت عنه حبسته عليك حتى ترى فيه رأيك .
فتعجب عليه منه وقال : لو اصطنعت مثلك قوماً مع طمع في السلطان ولا الشيطان أبداً.
ثم سأل عن قيمة ما عنده .
فذكر أنه أودعه مالاً وثيابا ومسكاً، وأنه لا يدري قيمة ذلك، غير أن ما أودعه بختمه وأنه محفوظ لم يشذ منه شيء.
فقال له : دعه، فإن ظهر عليه ونجوت بنفسك، وإن سلمت به رأيت فيه رأيي وجزاء الخير وشكر له فعله ذلك أحسن شكر ، وكافأه عليه ،وبره وكان يضرب به المثل وبوفائه .
فذكر أنه لم يشذ على هرثمة من مال علي بن عيسى إلا ما كان أودعه هذا الرجل ، وكان يقال له : العلاء بن ماهيار .
فاستنطف هرثمة ما وراء ظهورهم حتى حلي نسائهم، وحتى إن الرجل كان يضرب يده إِلى مغائر المرأة وأرفاغها فيطلب فيها ما يظن أنها قد سترته .
فلما أحكم هذا كله وجّه علي بعير في وطاء تحته في عنقه سلسلة، وفي رجليه قيود ،ثقال، ما يقدر معها على نهوض واعتمال .
ويقال : إنه لما فرغ هرثمة من مطالبة علي بن عيسى وأولاده، أَقامهم لمظالم الناس وكان إذا برز الرجل [له](1)عليه حق أو على أحد أولاده وأَصحابه قال: أَخرج
1) زيادة يتطلبها السياق .
للرجل من حقه وإلا بسطت عليك العذاب.
فيقول علي : أصلح اللّه الأَمير أحبلني (1)يوماً أو يومين.
فيقول : ذاك إِلى صاحب الحق فإن شاء فعل
فيقبل (2)على الرجل فيقول : أترى أن تدعه؟
فإن قال : نعم .
[قال](3): فانصرف وعد إِليه .
فيبعث علي إِلى العلاء بن ماهيار فيقول : صالح فلاناً عني من كذا وكذا على كذا وكذا، وعلى ما رأيت فيصالحه، ويصلح أمره.
وذكر أنه قام إِلى هرثمة رجل فقال : أصلح اللّه الأَمير: إن هذا الفاجر أخذ مني ورقة تنبيتية لم يملك أحد مثلها فاشتراها على كره مني، ولم أرد بيعها بثلاثة آلاف ،درهم فأتيت قهرمانه أطلب ثمنها فلم يعطني، فأقمت حولاً أنتظر ركوبه، فلما ركب عرضت له وصحت أَيها الأَمير، أنا صاحب الدرقة، ولم آخذ لها ثمناً إِلى هذه الغاية . فقذف أي ولم يعطني حقي فخذ لي بحقي من ماله قذفه أمي.
فقال : لك بينة؟
قال : جماعة حضروا كلامه وأحضرهم، فشهدوا على دعواه .
فقال هرثمة : وجب عليك الحد .
قال : ولِمَ؟
قال : بقذفك أم هذا.
قال : فمَن فهمك وعلمك هذا؟
قال : هذا دين المسلمين .
قال: فأشهد أن أَمير المؤمنين قذفك غير مرة ولا مرتين وأشهد أنك قد قذفت بنتك ما لا أحصي مرة حاتماً ومرة أعير، فمَن يأخذ لهؤلاء بحدودهم منك؟ ومَن يأخذ من مولاك؟
قال : فالتفت هرئمة إِلى صاحب الدرقة ، فقال : أرى لك أن تطالب هذا الشيطان
بدرقتك أو ثمنها وتترك مطالبته بقذف أمك (1)
فيها: سار الرشيد من الرقة إِلى بغداد يريد خراسان لحرب رافع بن الليث - وكان مريضاً - واستخلف على الرقة ابنه القاسم وضم إِليه خزيمة بن خازم.
وسار من بغداد إِلى النهروان لخمس خلون من شعبان واستخلف على بغداد ابنه الأمين .
وأمر المأمون بالمقام ببغداد.
فقال الفضل بن سهل للمأمون حين أَراد الرشيد المسير إِلى خراسان لست تدري ما يحدث بالرشيد وبخراسان ولايتك، ومحمد الأمين المقدم عليك، وإن أحسن ما يصنع بك أن يخلعك وهو ابن زبيدة وأخواله بنو هاشم وزبيدة وأموالها .
فاطلب إِلى أَمير المؤمنين أن تسير معه .
فطلب إِليه ذلك، فأجابه بعد امتناع فلما سار الرشيد سايره الصباح الطبري فقال له : يا صباح لا أَظنك تراني أبداً، فدعا ، فقال : ما أَظنك تدري ما أجد .
قال الصباح: لا واللّه، فعدل عن الطريق واستظل بشجرة، وأمر خواصه بالبعد، فكشف عن بطنه فإذا عليه عصابة حرير حوالي بطنه .
فقال : هذه علة أكتمها الناس كلهم، ولكل واحد من ولدي علي رقيب، فمسرور رقيب المأمون، وجبرائيل بن بختیشوع رقيب الأمين وما منهم أحد إلا وهو يحصي أنفاسي ويستطيل دهري وإن أردت أن تعلم ذلك فالساعة أدعو ،بدابة فيأتوني بدابة أعجف ،قطوف لتزيد بي علتي فاكتم علي ذلك .
فدعا له بالبقاء، ثم طلب الرشيد دابة فجاؤوا بها على ما وصف فنظر إِلى الصباح وركبها .
وفيها: تحركت الخرمية بناحية آذربيجان فوجه إِليهم الرشيد عبد اللّه بن مالك في عشرة آلاف فقتل وسبى وأسر، ووافاه بقرماسين.
فأمره بقتل الأسرى وبيع السبي.
وفيها: قدم يحيى بن معاذ على الرشيد بأَبي النداء فقتله.
وفيها: فارق جماعة من القواد رافع بن الليث وساروا إِلى هرثمة منهم عجيف بن عنبسة وغيره.
وفيها: استعمل الرشيد على الثغور ثابت بن نصر بن مالك وغزا، فافتتح مطمورة.
وفيها: كان الفداء بالبذندون .
وفيها: خرج ثروان الحروري بطف البصرة فقاتل عامل السلطان بها.
وفيها: مات عيسى بن جعفر بن المنصور بالدسكرة، وهو يريد اللحاق بالرشيد .
وفيها: قتل الرشيد الهيصم الكناني.
وحج بالناس هذه السنة : العباس بن عبد اللّه بن جعفر بن المنصور.
وفيها: كان وصول هرثمة إِلى خراسان كما تقدّم وحصر هرثمة رافع بن الليث بسمرقند ،وضايقه واستقدم طاهر بن الحسين فحضر عنده وخلت خراسان لحمزة الخارجي حتى دخلها وصار يقتل ويجمع الأموال ويحملها إِليها عمال هراة وسجستان فخرج إِليه عبد الرحمن النيسابوري فاجتمع إِليه نحو عشرين ألفاً، فسار إِلى حمزة فقاتله قتالاً شديداً، فقتل من أصحاب حمزة خلقاً، وسار خلفه حتى بلغ هراة وكان ذلك سنة أربع وتسعين، فكتب إِليه المأمون فردّه وأدام هرثمة على حصار سمرقند حتى فتحها على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى وقتل رافع بن الليث وجماعة من أقاربه واستعمل على ما وراء النهر ابن يحيى فعاد، وكان قتله رافعاً سنة خمس وتسعين .
وفي هذه السنة : توفي عبد اللّه بن إدريس بن يزيد الأودي الكوفي.
ويوسف بن أَبي يوسف القاضي.
وفيها: كان الفداء الثاني بين المسلمين والروم وكان القيم به ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي.
وكان عدة الأسرى من المسلمين ألفين وخمسمائة أسير .
.1) هذا ما ذكر المؤلف رحمنا اللّه وإياه في أحداث تلك السنة، وذكر ابن الأثير في أحداثها في الكامل غير هذا غير أنه لم يذكر فيها ذلك الحدث، فقال فيما ذكر فيها :
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة
وفيها: قدم هارون من الرقة إِلى مدينة السلام، واستخلف ابنه محمداً بمدينة السلام واستخلف ابنه القاسم بالرقة وضمّ إِليه خزيمة بن خازم، فأَشار ذو الرئاستين على المأمون أن يطلب إِلى الرشيد في أن يشخصه معه(1)
وذو الرئاستين هو الفضل بن سهل وسمي بذلك لتوليه الوزارة مرتين .
.ذكر رأي سديد راه ذو الرئاستين
قال له إن أَمير المؤمنين شاخص لحرب رافع ولا ندري ما يحدث به، وخراسان ولايتك، ومحمد المقدم عليك، وإن أحسن ما يصنع بك أن يخلعك، وهو ابن زبيدة، وأخواله بنو هاشم، وزبيدة وأموالها.
فاطلب إِليه أن يشخصك معه.
فسأله الإذن، فأبى.
فقال له : عُدْ إِليه وقل له : أنت عليل، وإِنما أردت أن أخدمك، ولست أكلفك شيئاً من مؤني، فأذن له.
ذكر منام عجيب رآه الرشيد
قال جبريل بن بختیشوع: كنت مع الرشيد بالرقة، وكنت أول من يدخل كل غداة، أتعرَّف أحواله في ليلته، فإن أنكر شيئاً ،وصفه وربما انبسط، فحدثني بما عمله في ليلته، ومقدار شربه، وجلوسه، ويسألني عن أَخبار العامة .
فدخلت [1/68] يوماً فلم يرفع طرفه إليَّ ، ورأيته مفكراً مهموماً، فوقفت بين يديه مليا فلما طال ذلك، أقدمت عليه ، فقلت : يا أَمير المؤمنين جعلني اللّه فداك ما حالك؟ أعلة؟ فأَخبرني بها فلعل عندي دواءها، أو حادث لا يستطاع دفعه فليس إلا التسليم والعمر لا دل فيه ، أو فتق ورد عليك في ملكك ، فلم يخل الملوك من ذلك، فتروح بالمشورة.
فقال : ويحك يا جبريل ليس بي شيء مما ذكرت، ولكن رؤيا رأيتها في ليلتي
1) يلاحظ أن تلك الأحداث قد ذكرها ابن الأثير ضمن أحداث السنة السابقة لهذه في الكامل، وقد ذكرتها بالهامش هناك، وأَشار إِلى خبر هر ثمة أَشارة مقتضية جدا فيها .
هذه، قد أفزعتني وملأت صدري.
قال : فرجعت عني يا أَمير المؤمنين، ودنوت فقبلت رجله ، فقلت : أهذا الغمّ كله لرؤيا، وإِنما تكون من خاطر تقدم أو بخارات رديئة من أطعمة وأخلاط، ومن تهاويل السوداء .
قال : فأقصها عليك، رأيت كأني جالس على سريري هذا إذ بدت من تحتي ذراع أعرفه، وكف أعرفها ولا أفهم اسم صاحبها، وفي الكف تربة حمراء .
فقال قائل أسمعه ولا يرى شخصه هذه التربة التي تدفن فيها .
فقلت: وأين هي؟
قال (1): بطرسوس، وغابت اليد، وانقطع(2)الكلام، وانتبهت .
فقلت : يا سيدي واللّه هذه رؤيا بعيدة ملبسة، أَظنك أخذت مضجعك ففكرت في أمر خراسان وفي حروبها وما ورد عليك من انتقاض بعضها .
قال : قد كان ذلك .
قلت : فذلك الفكر ولد هذه الرؤيا فلا تحفل بها جعلني اللّه فداك، واتبع هذا الهم سروراً يخرجه من قلبك ولا يولد علة (3).
قال: فما برحت أطيب نفسه بضروب من الحِيَل حتى سلا وانبسط، وأمر بإعداد ما يشتهيه ويزيد في ذلك اليوم في لهوه .
ومرت الأيام ونسي ونسينا تلك الرؤيا ثم رحل الرشيد، وكان أهم هرثمة بن أعين فوجه ابنه المأمون قبل وفاته بثلاثة وعشرين ليلة، ومعه : عبد اللّه بن مالك، ويحيى بن معاذ وأسد بن يزيد بن مزيد وجماعة أمثالهم.
وابتدأ بهارون المرض، وكانت بين هرثمة وأصحاب رافع وقعة ففتح فيها بخارى، فأسر أخاً لرافع يقال له : بشر بن الليث، فبعث به إِلى الرشيد، وقد بلغ طوس .
1) في المخطوط : قلت. وهو تحريف .
2) في المخطوط: وانقطعت : وهو تحريف.
3) قلت الرؤيا حق، وبختيشوع طبيب نصراني وقد ألفت في الرؤيا كتاب أسميته : «فتح العلام في تفسير أحلام هذه الأيام» ومشهور تجاريًا باسم : منتهى الكلام في تفسير الأحلام تعرضت فيه لتأويل الرؤى العصرية ولما استجد في حياتنا من المخترعات كالساعات والأجهزة الكهربائية والألعاب الرياضية والسيارات وما شابه ذلك، ويترجم الكتاب الآن إِلى اللغة الإنجليزية، والمقصود أن الرؤيا حق فلا يغتر مغتر بأقوال أعداء الإسلام كفرويد وغيره وقد علمنا جميعاً رؤيا إِبراهيم ويعقوب عليهما السلام ورؤيا فرعون موسى وملك يوسف عليهما السلام والأذان والسعي بين الصفا والمروة ومناسك الحج ما بني أغلبها إلا على الحج.
قال : فأُدخل إِليه وهو على سرير في بستان وفي يده مرآة ينظر فيها، وهو يقول : إنا للّه وإنا إِليه راجعون.
وكأنه كان أنكر شيئاً من لونه، ثم رفع رأسه إِلى أخي رافع، وقال: أما واللّه يا ابن اللخناء إني لأرجو أن لا يفوتني حامل بريد رافعاً كما لم تفتني.
فقال له: يا أَمير المؤمنين، قد كنت لك حرباً وقد أظفرك اللّه بي، فافعل ما تحب من العفو والصفح، ولعل اللّه يلين قلب رافع إذا علم أنك قد مننت عليّ.
فغضب وقال : لو لم يبقَ من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت اقتلوه، ثم دعا بقصاب فقال : لا تشحذ ،مديتك اتركها على حالها وفَضِّل أعضاء هذا الفاسق وعجل، ولا يحضرن أجلي وعضواً من أعضائه في جسمه.
ففصله حتى جعله أشلاء .
فقال : عُدُّوا أعضاءه .
فإذا هي أَربعة عشر فرفع يديه إِلى السماء وقال : اللّهم كما مكنتني من ثأرك وعدوك فبلغت فيه رضاك، فمكني من أَخيه .
ثم أغمي عليه وتفرّق من حضره.
قال جبريل : فلما أفاق ذكر تلك الرؤيا فوثب متحاملاً يقوم ويسقط، فاجتمعنا إِليه كل يقول : يا سيدي ما حالك؟ وما دهاك؟ وليس يخطر لأحد منا تلك الرؤيا ببال .
فقال : يا جبرائيل تذكر رؤياي بالرقة في طوس؟ هذه واجبتها، تلك التربة، ثم رفع رأسه إِلى مسرور فقال: جئني من تربة في كفه حاسراً عن ذراعه، فلما نظر إِليه قال : هذه واللّه الذراع التي رأيتها في منامي وهذه واللّه الكف بعينها، وهذه واللّه التربة الحمراء بعينها ما خرمت شيء. وأقبل على البكاء والنحيب ثم مات بعد ثالثة، ودفن في ذلك البستان.
وتحدّث سهل بن صاعد قال :
كنت عند الرشيد في اليوم الذي قبض فيه مع خواصه، وجعل يجود بنفسه ويقاسي كرب الموت فدعا بملحفة، فاحتبى بها فنهضت .
فقال لي : اقعد يا سهل.
فقعدت وجهل يكلمني [68 / ب] والملحفة تنحل فيعيد الاختباء بها، فلما طال جلوسي نهضت .
فقال لي: يا ابن أَبي سهل [أقعد] (1).
فقلت: يا أَمير المؤمنين ما يتسع قلبي أن أراك [و] ما تعاني من العلة، فلو اضطجعت يا أَمير المؤمنين كان أودع لك.
قال : فضحك ضحك صحيح ثم قال يا سهل إني أذكر في هذا الحال قول الشاعر :
وإني لمن قوم کرام یزیدهم *** شماساً وصبراً وشدة الحدثان
وتوفي ليلة الأحد غرة جمادى الأولى.
وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين .
وكانت سنه سبعاً وأربعين سنة وخمسة أشهر، [وخمسة](2)
وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين ويمانية عشر يوماً .
وقيل : ملك ثلاثاً وعشرين سنة وشهراً وشهراً وستة عشر يوماً ... وكان في بيت المال لما توفي
تسعمائة ألف ونيف.
ومما ذكر ابن الأثير في وفاته وقصتها ما يلي :
وفي هذه السنة : مات الرشيد أول جمادى الآخرة لثلاث خلون منه، وكانت قد اشتدت علّته بالطريق بجرجان فسار إِلى طوس فمات بها . . .
وقال أَبو جعفر : لما سار الرشيد عن بغداد إِلى خراسان بلغ جرجان في صفر - وقد اشتدت علته - فسير ابنه المأمون إِلى مرو وسير معه من القوّاد عبد اللّه بن مالك، ويحيى بن معاذ وأسد بن يزيد والعباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث والسندي الحرشي، ونعيم بن حازم. وسار الرشيد إِلى طوس، واشتد به الوجع حتى ضعف عن الحركة، فلما أثقل أرجف به الناس فبلغه ذلك، فأمر بمركوب ليركبه ليراه الناس، فأتي بفرس فلم يقدر على النهوض فأتي ببرذون فلم يطق النهوض، فأتي بحمار، فلم ينهض
فقال : ردُّوني، ردُّوني صدق واللّه الناس .
ووصل إِليه بطوس بشير بن الليث أخو رافع أسيراً. فقال الرشيد : واللّه لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت اقتلوه ثم دعا بقصاب فأمر به ففصل أعضاءه، فلما فرغ منه أغمي عليه وتفرّق الناس عنه . فلما آيس من نفسه أمر بقبره فحضر في موضع من الدار التي كان فيها، وأنزل إِليه قوماً فقرأوا فيه القرآن حتى ختموا، وهو في محفة على شفير القبر يقول : ابن آدم تصير إِلى هذا. وكان يقول في تلك الحال واسوأتاه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
وقال الهيثم بن عدي : لما حضرت الرشيد الوفاة غشي عليه، ففتح عينيه منها فرأى الفضل بن الربيع على رأسه فقال : يا فضل :
أحين دنا ما كنت أرجو دُنُوَّهُ *** رمتني عيون الناس من كل جانب
فأصبحت مرحوماً وكنت محسداً *** فصبراً على مكروه أمن العواقب
سأبكي على الوصل الذي كان بيننا *** وأندب أيام السرور الذواهب
أيام.وكان جميلاً وسيماً، جعداً، قد خطّه الشيب .
ذكر بعض سيرة الرشيد ومستحسن أَخباره
ذكر عن يحيى بن خالد: أنه ولّى رجلاً بعض أعمال الخراج بالسواد فدخل إِلى الرشيد فودعه، وعنده يحيى ،وجعفر فقال الرشيد ليحيى وجعفر أوصياه .
فقال له يحيى : وفر وأعمر .
وقال له جعفر : أنصف وانتصف.
فقال له الرشيد: اعدل واحمل .
وحكى بعض حجبة البيت قال لما حج الرشيد دخل الكعبة وقام على أصابعه وقال :
«يا مَن يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمير الصامتين، فإن لكل مسألة منك ردًّا حاضراً وجوابا عتيداً، ولكل صامت منك علم محيط ،باطن مواعيدك الصادقة وأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة صلِّ على محمد وآله واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا، يا من لا تضره العيوب ولا تخفى عليه الغيوب، ولا تنقصه مغفرة الذنوب يا مَن خشعت له الأصوات بألوان اللغات يسألونك ،الحاجات إن من حاجتي إليك أن تغفر لي إذا توفيتني وصرت في لحدي وتفرَّق عني أَهلي وولدي، اللّهم لك الحمد حمداً يفضل كل حمد كفضلك على جميع الخلق اللّهم صل على محمد وآله صلاة تكون لك رضاء، وصل على محمد صلاة تكون له جزاء، وأجزه عنا الجزاء الأوفى، اللّهم أحينا ،سعداء، وتوفَّنا شهداء، واجعلنا سعداء مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء محرومين ».
وذكر الفضل بن الربيع: أن الرشيد أمره أن يحضر ابن السماك ليعظه، قال: وأحضرته، واستأذنته في الدخول إِليه، فقال : أدخله .
فلما دخل قال له: عظني.
قال : يا أَمير المؤمنين اتقِ اللّه وحده لا شريك له، واعلم أنك موقوف غداً بين يدي ربك ثم مصروف إِلى إحدى منزلتين لا ثالث لهما جنة أو نار .
فبكى هارون حتى اخضلت لحيته.
فأقبل الفضل على ابن السماك، فقال : يا سبحان اللّه، وهل يتخالج أحد شك في أن أَمير المؤمنين مصروف إِلى الجنة إن شاء اللّه تعالى لقيامه بحق اللّه وعدله في عباده وفعله .
قال : فلم يحمل بذلك ابن السماك، ولم يتلفت إِليه، وأقبل على الرشيد، فقال: يا أَمير المؤمنين، إن هذا - يعني الفضل بن الربيع - ليس واللّه معك ولا عندك في ذلك
اليوم فاتقِ اللّه وانظر لنفسك .
قال : فبكى هارون حتى أشفقنا عليه وأفحم الفضل، فلم ينطق بحرف .
واستدعي يوماً آخر: فبينما هو عنده إذ استسقى الرشيد ماء، فلما حمل إِليه وأهوى بالإناء إِلى فيه قال له ابن السماك : على رسلك يا أَمير المؤمنين بقرابتك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟
قال : بنصف ملكي.
قال : اشرب هناك اللّه .
فلما شربها قال : فأسألك بقرابتك من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتريها؟
قال: بجميع ملكي
قال ابن السماك : إن ملكاً قيمته شربة ماء لجدير أن لا ينافس فيه .
فبكى هارون حتى أَشار الفضل إِلى ابن السماك بالانصراف، فانصرف .
وذكر بعضهم أنه كان مع الرشيد بالرقة : فخرج يوماً إِلى الصيد، فعرض له رجل من النساك ، فقال : يا هارون اتق اللّه.
فقال لإِبراهيم بن عثمان بن نهيك : خذ هذا الرجل إليك حتى أنصرف .
فلما رجع دعى بغدائه، ثم أمر أن يطعم (1)[الرجل ](2)من خاصة طعامه، فلما أكل وشرب دعا به [فقال] (3)تصغي في المخاطبة والمسألة؟
قال : ذلك أقل ما يجب(4).
قال : فأَخبرني [69/أ] أنا امرؤ أخبث أم فرعون؟
قال : [ فرعون] (5)قال : (وأَنا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) .
وقال : (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى) .
قال: صدقت، فأَخبرني(6)، فمن خير فمَن خير أنت أم موسى بن عمران؟
قال : موسى بن عمران کلیم اللّه وصفيه اصطفاه لنفسه وائتمنه على وحيه وكلمه بين خلقه.
قال: صدقت، أفما تعلم أنه لما بعثه اللّه وأخاه إِلى فرعون قال لهما : (فَقُولَا لَهُ قولا لَيْنَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) فذكر المفسرون أنه أَمرهما أن يكنياه، وهذا هو في عتوه وجبروته على ما قد علمت وأنا بهذه الحال الذي علمت أؤدي أكثر الفرائض علي، ولا أعبد أحداً سواه وأقف عند أكثر حدوده وأمره ونهيه، فوعظتني بأغلظ الألفاظ وأبشعها وأخشن الكلام ،وأقطعه فلا بأدب اللّه تأدبت ولا بأخلاق الصالحين أخذت فما كان يومئذ أن أسطو بك، فإذا أنت عرضت نفسك لما كنت عنه غنيا .
فقال له الزاهد : أخطأت يا أَمير المؤمنين، وأنا أستغفر اللّه .
قال : غفر اللّه لك، وأمر له بعشرين ألف درهم، فأبى أن يأخذها .
وقال : لا حاجة لي في الأموال أنا رجل سائح.
فقال هرثمة وزجره: ترد على أَمير المؤمنین یا جاهل صلته؟!
فقال الرشيد : أمسك عنه ثم قال : لم نعط هذا المال لحاجتك، ولكن من عادتنا أن لا يخاطب الخليفة أحداً ليس من أوليائه ولا من أعدائه إلا وصله ومنحه فأقبل من صلتنا ما شئت وضعها حيث أحببت
فأخذ من المال ألفي درهم وفرقها على الحجاب ومَن حضر الباب.
وحكي :
أن الرشيد قال يوماً لابنه القاسم، وقد دخل عليه : أليس (1)المأمون بعض لحمك هذا ؟
فقال : ببعض حظه .
وقال يوماً للقاسم قبل البيعة: قد أوصيت بك الأمين والمأمون.
فقال : أما أنت يا أَمير المؤمنين فقد توليت النظر لهما، ووكلت النظر [في](2)إِلى غيرك.
ومات هارون وفي بيت المال تسعمائة ألف ألف ونيف.
وكتب حمويه مولى المهدي صاحب البريد بطوس إِلى سلام - مولاه وخليفته ببغداد - على البريد وعلى الأَخبار يعلمه وفاة الرشيد فدخل محمد، فعزَّاه وهَنَّاه ،بالخلافة، وكان أول الناس فعل ذلك .
ثم قدم عليه رجاء الخصي يوم الأربعاء لأربع عشرة خلت من جمادى الآخرة،
وكان أنفد صالح بن الرشيد، فانتقل محمد من قصره بالخلد(1)إِلى قصر أَبي جعفر بالمدينة وأمر الناس بالحضور ليوم الجمعة .
فحضروا وصلى بهم، ثم صعد المنبر فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه، ونعى الرشيد وعزى نفسه، ووعدهم خيراً، وبسط الأمان للأسود والأَبيض (2)، وبايعه جل أَهل بيته ، وخاصته، وموإِليه، وقوّاده.
ثم دخل، ووكل ببيعته على مَن بقي عنه سليمان بن أَبي جعفر (3)
قيل : تزوج زبيدة - وهي أم جعفر بنت جعفر بن المنصور - وأعرس بها سنة خمس وستين ومائة، فولدت محمداً ،الأمين وماتت سنة ست وعشرين ومائتين. وتزوج أمة العزيز، أم ولد الهادي، فولدت له علي بن الرشيد .
وتزوج أم محمد بنت صالح المسكين .
وتزوج العباسية بنت سليمان بن المنصور .
وتزوج عزيزة ابنة خاله الغطريف .
وتزوج العثمانية وهي ابنة عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان، وجدة أَبيها فاطمة بنت الحسين بن علي .
ومات الرشيد عن أربع مهائر :
زبيدة، وأم محمد بنت صالح، وعباسية، والعثمانية.
وكان قد ولد له من الذكور محمد الأمين من زبيدة.
وعبد اللّه المأمون لأم ولد اسمها مراجل .
والقاسم المؤتمن .
وأَبو إسحاق محمد المعتصم .
وصالح، وأَبو عيسى محمد وأَبو يعقوب محمد وأَبو العباس محمد، وأَبو سليمان محمد وأَبو علي محمد وأَبو محمد وهو اسمه، وأَبو أَحمد محمد كلهم لأمهات أولاد.
وله من البنات :
سكينة، وأم أروى، وأم الحسن ،وأم محمد وهي حمدونة، وفاطمة، وأم أَبيها، وأم سلمة، وخديجة، وأم القاسم ،ورملة وأم جعفر وأم علي والغالية وريطة، كلهن لأمهات أولاد. قيل : كان الرشيد يصلي كل يوم مائة ركعة إِلى أن فارق الدنيا إلا من مرض .
وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم بعد زكاته .
وكان إذا حج، حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم فإذا لم يحج أحد ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة، والكسوة الطاهر .
وكان يطلب العمل بآثار المنصور إلا في بذل المال فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال .
وكان يضيع عنده إحسان محسن، ولا يؤخر ذلك .
وكان يحب الشعر والشعراء ويميل إِلى أَهل الأدب والفقه ويكره المراء في الدين .
وكان يحب المديح لا سيما من شاعر فصيح، ويجزل العطاء عليه
ولما مدحه عمران بن أَبي حفصة بالقصيدة التي منها :
وسدت بهارون الثغور فأحكمت *** به من أمور المسلمين المرائر
أعطاه خمسة آلاف دينار وخلعه وعشرة من الرقيق الرومي، وبرذوناً من خاص مركبه .
وقيل : كان مع الرشيد ابن أَبي مريم المديني، وكان مضحاكاً فكها يعرف أَخبار أَهل الحجاز، وألقاب الأشراف، ومكايد المجان .
وكان الرشيد لا يصبر عنه وأسكنه في قصره، فجاء ذات ليلة وهو نائم، فقام الرشيد إِلى صلاة الفجر، فكشف اللحاف عنه، فقال : كيف أصبحت؟
فقال : ما أصبحت بعد اذهب إِلى عملك.
قال : قم إِلى الصلاة.
قال : هذا وقت صلاة أَبي الجارود، وأنا من أصحاب أَبي يوسف.
فمضى الرشيد يصلي، وقام ابن أَبي مريم وأتى الرشيد، فرآه يقرأ في الصلاة:(وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنى) . فقال : ما أدري واللّه؟
فما تمالك الرشيد، أن ضحك، ثم قال، وهو مغضب: في الصلاة أيضاً؟!
قال : ما صنعت ؟!
قال : قطعت عليّ صلاتي
قال : واللّه ما فعلت إِنما سمعت منك كلام غمني حين قلت : (وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي)
فقلت: لا أدري.
فعاد الرشيد الضحك، ثم قال له : إياك والقرآن ،والدين، ولك ما شئت بعدهما .
وقيل : لما مات وظهرت الفتن وكان من المأمون ما حمل الناس عليه من القول بخلق القرآن قالوا : الشيخ أعلم بما تكلم به .
وقال محمد بن منصور البغدادي :
لما حبس الرشيد أَبا العتاهية جعل عليه عيناً يأتيه بما يقول، فرآه يوماً قد كتب على الحائط :
أما واللّه إن الظلم لؤم *** وما زال المسيء هو الظلوم
إِلى ديان يوم الدين نمضي *** وعند اللّه تجتمع الخصوم
فأخبر بذلك الرشيد فبكى وأحضره واستحله، وأعطاه ألف دينار.
وقال الأصمعي :
صنع الرشيد يوماً طعاماً كثيراً، وزخرف مجالسه وأحضر أَبا العتاهية وقال له : صنف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا، فقال:
عش ما بدا لك سالماً *** فی ظل شاهقة القصور
فقال : أحسنت، قال: ثم ماذا؟
قال :
يُسعى عليك بما اشتهی- *** لدى الرواح وفي البكور
قال أحسنت، ثم ماذا؟ فقال:
فإذا النفوس تقعقعت *** في ظل حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً *** ما کنت إلا في غرور
فبكى الرشيد.
وقال الفضل بن يحيى : بعث إليك أَمير المؤمنين لتسره، فأحزنته.
فقال : دعه، فإنه رآنا في عَمَى فكره أن يزيدنا .
.خلافة الأمين العباسي
وفي هذه السنة : بدأ الخلاف بين الأمين والمأمون وعزم كل واحد منهما بالخلاف على صاحبه فيما كان ولاهما ،هارون، وأخذ عليهم بالعمل به في الكتاب الذي ذكرناه أنه كان كتب بينهما .
ذكر السبب الذي أوجب اختلافهما
كان الرشيد جدّد حين شخص إِلى خراسان البيعة للمأمون على القوّاد الذين معه، وأشهد مَن معه من القوّاد وسائر الناس غيرهم : أن جميع من جميع من معه من القوّاد والجند مضمومون إِلى المأمون، وأن جميع ما معه من المال والسلاح وآلة وغيره ذلك للمأمون.
فلما بلغ محمد الأمين أن أَباه قد اشتدت علته وأنه لمائت بعث من يأتيه بخبره في كل يوم، وأَرسل بكر بن المعتمر وكتب معه كتباً، وجعلها في قوائم صناديق(1)وألبسها جلود البقر ، وقال : لا يظهرن أَمير المؤمنين ولا أحد ممن في عسكره على شيء من أمرك وما توجهت فيه ولا على ما معك ولو قتلت حتى يموت أَمير المؤمنين، فإذا مات فادفع إِلى كل إنسان منهم كتابه .
فلما قدم بكر بن المعتمر طوس بلغ هارون ،قدومه، فدعی به فسأله ما أقدمك ؟ قال : بعثني محمد لأعلمه خبرك وأنبه به .
قال : فهل معك [كتاب] (2)؟
قال : لا .
فأمر بما معه ففتش فلم يصيبوا معه شيئاً، فهدده بالضرب، فلم يُقر بشيء، وأمر به فحُبس به وقُيّد .
فلما كان في الليلة التي مات فيها هارون أمر الفضل [بن الربيع بتقريره، فإن أقر، وإلا أضرب عنقه، فقرره فلم يقر بشيء، ثم غشي على الرشيد، فصاح النساء، فأمسك الفضل عن قتله ] (3)وسار إِلى [69/ب] هارون ليحضره، ثم أفاق وهو ضعيف، قد
شغل عن بكر وعن غيره لحس الموت .
ثم غشي عليه غشية أخرى، وارتفعت الصيحة، فأَرسل بكر بن المعتمر برقعة إِلى(1)الفضل بن الربيع يسأله أن لا تعجلوا بأمري، ويُعلم أن معه أشياء يحتاجون إِلى عملها.
وكان بكر محبوساً عند حسين الخادم، فلما توفي هارون، دعا الفضل ببكر في الوقت والساعة فسأله عما عنده فأنكر أن يكون عنده شيء، وخشي على نفسه من أن يكون هارون حيا حتى صح عنده موت هارون، وأدخله.
فأَخبره أن عنده كتباً من أَمير المؤمنين محمد وأنه لا يجوز له إخراجها وهو على حاله [هذه ] (2)من قيوده وحبسه ، فأطلقه الفضل.
فأتاهم بالكتب من قوائم المطابخ المجلدة بجلود البقر، فدفع إِلى كل إنسان منهم كتابه، وكان في تلك الكتب :
من محمد بن هارون إِلى الحسين الخادم بخطه يأمره بتخلية سبيل بكر بن المعتمر، وإطلاقه، فدفعه إِليه.
وكتاب إِلى المأمون، فاحتبس كتاب المأمون عنده(3)
وكتاب إِلى أَخيه صالح يأمره بتسيير العسكر واستصحاب ما فيه، وأن يتصرف هو ومن معه برأي الفضل .
وكتاب إِلى الفضل يأمره بالحفظ والاحتياط على ما معه من الحرم والأموال وغير ذلك.
وأقرّ كل مَن كان إِليه عمل كصاحب الشرطة والحرس والحجابة.
فلما قرأوا الكتب تشاوروا هم والقواد في اللحاق بالأمين فقال الفضل بن الربيع : لا أدع ملكاً حاضراً لآخر ما أدري ما يكون من أمره.
، لتغيبه بمرو.فأَرسلوا إِلى صالح [بن ] (4)
وكتاب إِلى أَخيه صالح يأمره بتسيير العسكر واستصحاب ما فيه، وأن يتصرف هو ومن معه برأي الفضل .
وكتاب إِلى الفضل يأمره بالحفظ والاحتياط على ما معه من الحرم والأموال وغير ذلك.
وأقرّ كل مَن كان إِليه عمل كصاحب الشرطة والحرس والحجابة.
فلما قرأوا الكتب تشاوروا هم والقواد في اللحاق بالأمين فقال الفضل بن الربيع : لا أدع ملكاً حاضراً لآخر ما أدري ما يكون من أمره.
الرشيد، وكان مع أَبيه بطوس، وكان أكبر يحضر هارون من ولده .فأتاهم في تلك الساعة فسألهم عن أَبيه هارون فأعلموه، فجزع جزعاً شديداً، فدفعوا إِليه كتاب أَخيه الذي جاء به.
وكان الذين حضروا وفاة هارون هم الذين وُلُوا غسله وتجهيزه .
وصلّى عليه ولده صالح.
ولما قرأ الذين وردت عليهم كتب محمد بطوس من القوّاد والجند وأولاد هارون، فشاوروا في اللحاق بمحمد وأحبوه لأجل أَهليهم ومنازلهم .
1) في المخطوط : مع، وهو تحريف.
2) زيادة يتطلبها السياق .
3) جاء في الكامل : وكتاب إِلى أَخيه المأمون يأمره بترك الجزع، وأخذ البيعة على الناس لهما، ولأَخيهما المؤتمن ، ولم يكن المأمون حاضراً كان بمرو .
4) جاء في الكامل : وكتاب إِلى أَخيه المأمون يأمره بترك الجزع، وأخذ البيعة على الناس لهما، ولأَخيهما المؤتمن ، ولم يكن المأمون حاضراً كان بمرو .
وقال الفضل بن الربيع : لا أدع ملكاً حاضراً لآخر ما يُدرى ما يكون من أمره وأمر الناس بالرحيل .
فوافقهم ذلك وسُرُّوا به، وتركوا العهود التي أخذت عليهم للمأمون .
فانتهى الخبر بذلك من أَمرهم إِلى المأمون بمرو، فجمع من معه من قواد أَبيه، وكان فيهم : عبد اللّه بن مالك، ويحيى بن معاذ، وشبيب بن حميد بن قحطبة ،والعباس بن شبيب بن زهير، وهو على شرطته، وأيوب بن أَبي سمير .
ومعه من أَهل بيته :
عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، وذو الرئاستين [وهو ](1)من أعظم الناس قدراً فشاورهم.
ذكر آراء أشير بها على المأمون في تلك الحال
فأَشار عليه أكثرهم أن يلحقهم بنفسه في ألفي فارس جريدة فيردهم.
فعمل على ذلك، وسمى له قوماً، فدخل عليه ذو الرئاستين فقال له : إن فعلت ما أَشاروا به عليك جعلك هؤلاء هدية إِلى محمد ولكن الرأي أن تكتب إِليه كتابا وتوجه إِليهم ،رسولاً ، فيذكرهم البيعة ويسألهم الوفاء ويحذرهم الحنث وما يلزمهم في ذلك في الدين والدنيا .
وقال : قلت له : إن كتابك ورسلك تقوم مقامك فتستبرىء ما عند القوم، وتوجه سهل بن صاعد - وكان على قهرمته - فإنه ما يألك، ويرجو أن ينال أمله فلن يألوك نصحاً، وتوجه نوفلاً الخادم مولى موسى أَمير المؤمنين، وكان عاقلاً.
فكتب كتابا ووجههما فلحقاهم بنيسابور وقد رحلوا ثلاث مراحل.
قال سهل بن صاعد: فأوصلت إِلى الفضل بن الربيع كتابه ، فقال : إِنما أنا واحد منهم .
قال سهل: فشد علي عبد الرحمن بن جبلة الأنباري (2)بالرمح، فأمَرَّه على جنبي، ثم قال لي: قل لصاحبك : واللّه لو كنت حاضراً لوضعت الرمح [في](3)فيك هذا جوابي(4).
قال ذو الرئاستين: فقلت للمأمون : أعداء قد استرحت منهم، ولكن أفهم عني ما أقول لك .
إن هذه الدولة لم يكن قط أعز منها أيام المنصور أَبي جعفر، فخرج عليه المقنع وهو يدعي الربوبية.
وقال بعضهم : طلب بدم أَبي مسلم ، فتضعضع له خروجه من خراسان، ثم كفاه اللّه المؤنة .
ثم خرج بعده يوسف البرم وهو عند بعض المسلمين كافر [ فتضعضعوا أيضاً له ] (1)فكفاه اللّه المؤنة . أستاذ سيس يدعو إِلى الكفر ، فسار المهدي من (2)الري [70/أ] إِلى ثم خرج نیسابور فكفوا المؤنة .
ولكن ما صنع أكثر عليك، أخبرني كيف رأيت الناس حينئذ وقد ورد عليهم [خبر رافع ](3)؟ قال : رأيتهم اضطربوا اضطرابا شديداً.
قلت : فكيف بك، وأنت نازل في أخوالك وبيعتك في أعناقهم؟! كيف يكون اضطراب (4)أَهل بغداد؟ اصبر، فأنا أضمن لك الخلافة .
قال : قد فعلت، وجعلت الأَمر إليك، فقم به .
قال : فقلت : واللّه لأصدقنك، إن عبد اللّه بن مالك، ، ويحيى بن معاذ ومَن سميناه من الرؤساء إن قاموا لك بالأَمر كانوا أنفع لك مني برئاستهم المشهورة، ولما عندهم من القوة على الحرب فمن قام بالأَمر كنت خادماً له حتى يصير إِلى محبتك وترى رأيك فيّ.
قال : نعم .
فلقيتهم في منازلهم، وذكرتهم البيعة التي كانت في أعناقهم، وما يجب عليهم من الوفاء فتكرهه الكل .
وقال بعضهم : هذا لا يحل أَخرج(5).
وقال بعضهم : مَن [الذي ] (6)يدخل بين أَمير المؤمنين وأَخيه؟
فجئت، فأَخبرته فقال : قم بالأَمر .
قال : قلت :[له] (1)قد قرأت القرآن، وسمعت الأحاديث، وتفقهت في الدين، فالرأي أن تبعث من بالحضرة من الفقهاء، فيدعوهم إِلى الحق والعمل به، وإحياء السنّة، وتقعد على اللبود وترد المظالم .
ففعلنا وبعثنا إِلى الفقهاء وأكرمنا القواد وأبناء الملوك، فكنا نقول للتميمي : نقيمك مقام موسى بن كعب، وللربعي : نقيمك مقام أَبي داود خالد بن إِبراهيم ونقول لليماني : نقيمك مقام قحطبة ومالك بن الهيثم وكل هؤلاء نقباء الدولة العباسية حتى استمكن من قلوب الرؤساء والملوك، وحططنا عن خراسان ربع الخراج فحسن موقع ذاك وسروا به.
وقالوا :ابن أختنا وابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
قال : فكان شغلنا هذا وأشباهه، فأما الأمين فإنه أشغل باللعب، وأمر ببناء الميدان حول قصر أَبي جعفر في المدينة للصوالحة، واللعب(2)
بَنَى أمین اللّه ميدانا *** وصَيَّر الساحة بستانا
وكانت الغزلان فيه بانا *** يهدي إِليه فيه غزلانا
.وأخذنا في الجد، ورأى المأمون أن يهادن أخاه، فبعث له بهدية، وتواترت كتب المأمون إِلى محمد بالتعظيم وأهدى طرف خراسان (3)
في هذه السنة : مات الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في الحبس بالرقة .
وكانت علته أنه أصابه ثقل في لسانه وشقه فعولج أشهراً قبراً .
وكان يقول : ما أحب أن يموت الرشيد لأن أمري قريب من أمره .
فلما صح من علته، وتحدّث عادته العِلَّة، واشتدت عليه، وانعقد لسانه، وطرفه، فمات المحرم ، وصلى عليه إخوانه في القصر الذي كانوا فيه ، ثم أَخرج فصلّى عليه الناس، وجزع الناس .
وكان موته قبل الرشيد بخمسة أشهر وهو ابن خمس وأربعين سنة .
وكان من محاسن الدنيا لم ير في العالم مثله ولاشتهار ، أَخباره وأَخبار أَهله، وحسن سيرتهم لم نذكرها.
وفيها : مات سعيد الطبري المعروف بالجوهري.
وفيها: دخل هرثمة بن أعين حائط سمرقند، فأَرسل رافع بن الليث إِلى الترك، فأتوه، وسار هر ثمة بن أعين إِلى الترك، ثم إن الترك انصرفوا، فضعف رافع .
وفيها : قدمت زبيدة امرأة الرشيد من الرقة إِلى بغداد فلقيها ابنها الأمين بالأنبار ومعه جمع من بغداد من الوجوه وكان معه إخوة ابن الرشيد.
وفيها : قُتل نقفور ملك الروم في حرب ،برجان، وكان ملك سبع سنين وملك بعده ابنه استبراق، وكان مجروحاً فبقي شهرين، ومات.
فملك بعده میخائیل بن جورجس ختنه على أخته .
وفيها : عزل الأمين أخاه القاسم المؤتمن عن الجزيرة وأقره على قنسرين والعواصم واستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم.
وحجّ بالناس هذه السنة : داود بن عيسى بن موسى بن محمد - وهو أَمير مكة .
وفيها : توفي صقلاب بن زياد الأندلسي - وهو من أصحاب مالك - وكان فقيهاً زاهداً .
وفي هذه السنة : مات مروان بن معاوية الفزاري.
وقيل: سنة أربع وتسعين في ذي الحجة .
وفيها: توفي إسماعيل ابن علية.
وأَبو بكر بن عياش وله ست وتسعون سنة .
ودخلت سنة أربع وتسعين ومائة
وفي هذه السنة : عزل محمد الأمين أخاه القاسم عن جميع ما كان أَبوه هارون قد ولاه من عمل الشام ،وقنسرين والعواصم والثغور وولى مكانه خزيمة بن خازم وأمره بالمقام بمدينة السلام.
وفيها : تنكّر كل واحد من محمد الأمين، وعبد اللّه المأمون لصاحبه وظهر الفساد بينهما .
وكان السبب في ذلك : أن الفضل بن الربيع فكّر بعد مقدمه العراق ناكثاً للعهود التي كان الرشيد أخذها عليه لابنه المأمون فعلم أن الخلافة إن أفضت إِلى المأمون يوماً من الدهر وهو حي لم يبقَ عليه، وكان في ظفره به عَطَبَه .
فسعى في حث محمد على خلعه وصرف ولاية العهد من بعده لابنه موسى، ولم يكن ذلك من رأي محمد ولا عزمه، فأدخل معه في الرأي علي بن عيسى بن(1)ماهان، والسندي وغيرهما فصغَّروا شأن عبد اللّه المأمون عن الأمين وقال له الفضل : يا أَمير المؤمنين، اخلع عبد اللّه ،والقاسم ، فإن البيعة كانت لك مقدمة، وإِنما ادخلا فيها بعدك .
وعلم المأمون أن عزل الأمين للقاسم أَخيه وإقدامه مدينة السلام وأمره بالدعاء لابنه موسى بالأَمرة ومكاتبته الأمصار بذلك تدبير عليه في خلعه(2)
فيها بعدك : . . .
فرجع الأمين إِلى قولهم ثم أحضر عبد اللّه بن خازم فلم يزل في مناظرته حتى انقضى الليل. وكان مما قال عبد اللّه : أنشدك باللّه يا أَمير المؤمنين أن لا تكون أول الخلفاء نكث عهده، ونقض ميثاقه، وردّ رأي الخليفة قبله.
فقال : اسكت فعبد الملك كان أفضل منك رأياً وأكمل نظراً يقول : لا يجتمع فحلان في أجمة .
ثم جمع القوّاد وعرض عليهم خلع المأمون، فأَبوا ذلك، وربما ساعده قوم حتى بلغ خزيمة بن خازم فقال : يا أَمير المؤمنين لم ينصحك من كذبك، ولم يغشك من صدقك، لا تجرىء القواد على الخلع فيخلعوك ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإن الغادر ،مخذول والناكث مغلول .
فأقبل الأمين على عليّ بن عيسى بن ،ماهان فتبسم وقال : لكن شيخ الدعوة ونائب هذه الدولة لا يخالف على إمامه ولا يوهن طاعته، ثم رفعه إِلى موضع لم يرفعه إِليه قبلها لأنه كان هو والفضل بن الربيع يعينانه على الخلع .
وولّج الأمين في خلع المأمون حتى أنه قال يوماً للفضل بن الربيع : يا فضل، أحياة مع عبد اللّه؟ لا بد من خلعه .
والفضل يغريه ويقول : فمتى ذلك إذا غلب على خراسان وما فيها ؟
فأول ما فعله : أن كتب جميع العمال بالدعاء لابنه موسى بالأَمرة بعد الدعاء للمأمون وللمؤتمن .
فلما بلغ ذلك المأمون، مع عزل المؤتمن عما كان بيده أسقط اسم الأمين من الطرز وقطع البريد عنه . . .
فقطع البريد عن محمد وأسقط اسمه من الطرز ودور الضرب .
وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيار لما انتهى إِليه حسن سياسة المأمون وسيرته رعيته بعث في طلب الأمان لنفسه، وكان هرثمة يحاربه، فلما طلب الأمان سارع هرثمة إِليه.
وخرج رافع ولحق بالمأمون وهرثمة بعد مقيم بسمرقند، فأكرم رافعاً.
وكان مع هرثمة في حصار رافع طاهر بن الحسين ثم استأذن هرثمة المأمون [70/ب] في القدوم عليه فأذن له فتلقاه الناس، وولاه المأمون الحرس .
فأنكر ذلك الأمين، وكتب إِلى العباس بن عبد اللّه بن مالك، وكان عامل المأمون على الري - وهو آخر حرة من خراسان - يأمره أن يبعث إِليه بغرائب غروس الري، وأَراد امتحانه .
فبعث إِليه بما أمره، وكتم ذلك المأمون، وذا الرئاستين، فبلغ ذلك المأمون، فعزله [بالحسن بن علي المأموني](1).
ثم وجّه الأمين إِلى المأمون ثلاثة أنفس رُسلاً أحدهم : العباس بن موسى، والآخر : صالح صاحب المصلى، والثالث : محمد بن عيسى بن نهيك، وكتب معهم كتاباً .
فبلغ الخبر بذلك ذا الرئاستين، فوجه رسولاً وكتب إِلى صاحب الري: أن استقبلهم بالعدة والسلاح الظاهر .
وكتب إِلى والي قومس ونیسابور و سرخس بمثل ذلك، ففعلوا.
ثم وردت الرسل ،مرو، وقد أعد لهم من السلاح وضروب العدد والعتاد.
ثم ساروا إِلى المأمون فأبلغوه رسالة محمد بمسألة تقديم موسى على نفسه،
1) زيادة من الكامل.
ويذكر أنه سماه الناطق بالحق فردّ المأمون ذلك وأَباه .
فقال العباس بن موسى(1)
فأحضره واستشاره، فقال له : إِنما أخذت علينا على أن لا نخرج من خراسان، فمتى فعلت ذلك فلا بيعة لك في أعناقنا والسلام عليك يا أَمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته، ومتى هممت بالمسير إِليه تعلقت بك ،بيميني، فإذا قطعت تعلقت بيساري، فإذا قطعت تعلقت بلساني، فإذا ضربت عنقي كنت أديت ما عليَّ فقوي عزم المأمون على الامتناع.
فأحضر العباس وأعلمه أنه لا يحضر وأنه لا يقدم موسى على نفسه .
فقال العباس بن موسى: ما عليك أَيها الأَمير.
: ما عليك أَيها الأَمير من ذلك فهذا جدي عيسى بن موسی قد خلع نفسه فما ضرّه ذلك، ولا طاب عيشه إلا بعد الخلع .قال : فصاح عليه ذو الرئاستين قال: اسكت فإن جدك كان في أيديهم أسيراً، وهذا بين شعبه وأخواله وعشيرته .
قال ذو الرئاستين: فأعجبني ما رأيت من ذكاء العباس بن موسى، فخلوت به وقلت : يذهب عليك في فهمك وذكائك أن تأخذ لحظك من الإِمام .
قال : وسمي المأمون في ذلك اليوم الإِمام ، ولم يسم بالخلافة، وإِنما سمي بذلك لما جاءه من خلع محمد له .
قال : فقال لي العباس : وقد سميتموه الإِمام قال : قلت : قد يكون إمام المسجد القبيلة، فإن وفيتم لم يضركم اسمه، وإن غدرت فهو ذاك .
ثم قلت للعباس : لك عندي ولاية الموسم فلا ولاية أشرف منها، ولكن مواضع الأموال بمصر فما شئت.
قال : فما برح حتى أخذت عليه البيعة للمأمون بالخلافة وكان بعد ذلك يكتب إلينا بالأَخبار، ويشير علينا بالرأي ومضى القوم متصرفين إِلى محمد فأَخبروه بامتناعه .
وألحّ الفضل بن الربيع وعلي بن عيسى على محمد في البيعة لابنه، وخلع المأمون، وبذل الفضل الأموال حتى بايع لابنه ،موسى وسماه الناطق بالحق.
وأحضنه عيسى بن علي، وولاه العراق، وأسقط ذكر عبد اللّه المأمون، والقاسم، والمؤتمن(2)من المنابر .
ووجه رسولاً إِلى مكة، فأخذ من الحجبة الكتابين اللذين كتبهما هارون وجعلهما في الكعبة، وتكلم في ذلك الحجبة، فلم يحفل بهم وخافوا على أنفسهم، ومزق
الكتابين وأبطلهما .
وكان محمد الأمين كتب إِلى المأمون قبل المكاشفة يسأله أن يتجاوز ويتجافى له عن كور من كور خراسان سماها ،له وأن يوجه العمال من قبل محمد وأن يحتمل رجلاً من قبله يوليه البريد عليه ليكتب إِليه بخبره .
فلما ورد على المأمون الكتاب بذلك كبر ،عليه ،واشتد وبعث إِلى الفضل بن سهل، وإِلى أَخيه الحسن، فشاورهما، فأحجما، وقالا : الأَمر مخطر ولك شيعة وبطانة، وأَهل ولاء.
فكان يقال : تشاور في طلب الرأي من تثق منه بمنيحته وتألف العدو فيما لا التأم له بمشاورته .
ذكر آراء (1)الناس فيما شاورهم فيه المأمون
ثم أحضر المأمون الخاصة من الرؤساء والأعلام وقرأ عليهم الكتاب.
فقالوا جميعاً : أَيها الأَمير (2)، شاورت في أمر خطر، فاجعل لبديهتنا حظًا من الروية .
قال المأمون : هو الحزم، وأجلهم ثلاثاً.
ثم اجتمعوا فقال أحدهم: أَيها الأَمير إنك قد حملت على كرهين ولست أرى حظا تعجل مكروه أخرهما.
وقال الآخر : إذا كان الأَمر مخطراً فإعطاؤك مَن نازعك طرفاً من بغيته أمثل من أن يصير بالمنع [70/أ مكرر] إِلى مكاشفته .
وقال آخر : كان يقال: إذا كان علم الأمور مغيّباً عنك، فخذ ما أمكنك من هديته يومك، فإنك لا تأمن أن يكون فساد يومك راجعاً بفساد غدك .
وقال آخر : لئن خيفت للتبدل عاقبة أن أشديهما ما يبعث ألا تأمن الفرقة .
وقال آخر : لا أرى مفارقة منزلة السلامة، فلعلي أعطي منها العافية .
فقال الحسن بن سهل : قد وجب حقكم باجتهادكم، وإن كنتم معذورين، فإن رأيي مخالف لرأيكم .
فقال له المأمون : فناظرهم.
قال : لذلك ما كان الاجتماع.
وأقبل عليهم الحسن فقال : هل تعلمون أن محمداً يجاوز إِلى طلب الشيء ليس له بحق؟
فقالوا: نعم، ويحتمل ذلك لما يخاف من ضرر منعه .
قال : هل تثقون (1)بأن يكف إذا أعطيناه ما سأل، فلا يتجاوز بالطلب إِلى غيرها؟
قالوا: لا، ولعل السلامة تقع دون ما نخاف ونتوقع .
قال : فإن تجاوز بعدها بالمسألة فما ترون قد يوهن بما بذل من نفسه فيها؟
قالوا: ندفع بمحذور لأجل محذور العاجل.
قال : فإن الحكماء قبلنا قالوا : استصلح عاقبة أمرك باحتمال ما عرض في مكروه يومك ولا تلتمس بهدية يومك بأخطار أدخلته على نفسك في غدك.
فأقبل المأمون على الفضل وقال : ما تقول فيما اختلفوا فيه؟
قال : هل يؤمن محمد أن يكون طالبك بفضل قوتك لتستظهر بها غداً على مخالفتك؟ وهل يصير الخادم إِلى فضله من عاجل الدعة بخطر يتعرّض له في العاقبة؟
بل إِنما أَشار الحكماء بحمل أثقل عاجل فيما يرضون فيما يرجون به صلاح عواقب أمورهم .
فقال المأمون : بإيثار دعة العاجل سار من سار إِلى فساد العاقبة في أمر دنيا وآخرة(2)
وأنفذ المأمون ثقته إِلى الحد فلا يمكن أحداً من العبور إِلى بلاده إلا ثقة من ناحيته.
وحصر أَهل خراسان أن يُستمالوا برغبة أو رهبه، وضبط الطرق بثقات أَصحابه، فلم يمكنوا من دخول خراسان إلا من عرفوه وأتى بجواز أو كان تاجراً معروفاً وفتشت الكتب .
وقيل : لما أَراد الأمين أن يكتب إِلى المأمون يطلب بعض كور ،خراسان، قال له إسماعيل بن صبيح:
يا أَمير المؤمنين إن هذا مما يقوّي التهمة، وينبه على الحذر، ولكن اكتب إِليه، فأعلمه حاجتك وما تحب من قُربه والاستعانة به على ما ولاك اللّه تعالى واسأله القدوم عليك لترجع إِلى رأيه فيما تفعل .
فكتب إِليه بذلك وسَيَّر الكتاب مع نفر وأَمرهم أن يبلغوا الجهد في إحضاره.
وسير معهم الهدايا الكثيرة، فلما حضر الرسل عنده وقرأ الكتاب أَشاروا عليه بإجابة الأمين وأعلموه ما في إجابته في المصلحة العامة والخاصة.
فأحضر ذا الرئاستين وأقرأه الكتاب واستشاره فأَشار عليه بملازمة خراسان، وخَوّفه من القرب من الأمين.
فقال : لا يمكنني ،مخالفته، وأكثر القواد والأموال معه والناس مائلون إِلى الدرهم والدينار لا يرغبون في حفظ عهد، ولا أمانة، ولست في قوة حتى أمتنع .
وقد فارق جيغويه الطاعة والتوى خاقان ملك التبت وملك كابل قد استعد للغارة على ما يليه ، وملك أترادبندة قد منع الضريبة .
وما لي بواحد من هذه الأمور ،بد وأنا أعلم أن محمداً لم يطلب قدوم إلا لشر يريده ولا أرى إلا تخلية ما أنا فيه واللحاق بخاقان ملك الترك والاستجارة ،به لعلي آمن على نفسي.
فقال ذو الرئاستين: إن عاقبة الغدر شديدة، وتبعة البغي غير مأمونة، ورب مقهور قد عاد قاهراً، وليس النصر بالكثرة ،والقلة والموت أيسر من الذل والضيم وما أرى أن تسير إِلى أخيك متجراً من قوادك وجنودك كالرأس الذي فارق ،بدنه فتكون عنده كبعض رعيته يجري عليك حكمه من غير أن تبدي عذراً في قتال.
واكتب إِلى جيغويه ،وخاقان فولهما ،بلادهما وابعث إِلى ملك كابل بعض هدایا خراسان ووادعه، واترك لملك أترادبندة ضريبته، ثم اجمع إليك أطرافك وضم جندك، واضرب الخيل بالخيل والرجال بالرجال، فإن ظفرت وإلا لحقت بخاقان .
فعرف المأمون ،صدقه ففعل ما أَشار به فرضي أولئك الملوك العصاة، وضم جنده وجمعهم عنده وكتب إِلى الأمين :
أما بعد: فقد وصل إليَّ كتاب أَمير المؤمنين، وإِنما أنا عامل من عمالك، وعون من أعوانك، أمرني الرشيد بلزوم الثغر ولعمري إن مقامي به أرد على أَمير المؤمنين وأعظم غناء للمسلمين من الشخوص إِلى أَمير المؤمنين، فإن كنت مغتبطاً بقربه مسروراً بمشاهدة نعمة اللّه عنده، فإن رأى أَمير المؤمنين أن يقرّني على عملي، ويعفيني من الشخوص إِليه، فعل إن شاء اللّه .
فلما قرأ الأمين كتاب المأمون علم أنه لا يتابعه على ما يريد.
فكتب إِليه يسأله أن ينزل عن بعض كور خراسان كما تقدم ذكره .
فلما امتنع المأمون أيضاً من إجابته إِلى ما طلب أَرسل جماعة ليناظروه في منع ما طُلب منه ، فلما وصلوا إِلى الري ،منعوا ووجدوا تدبيره محكماً، وحفظوا في حال سفرهم وأَقامتهم من أن يستخبروا ويخبروا وكانوا معدّين لوضع الأَخبار في العامة، فلم يمكنهم ذلك، فلما رجعوا أخبروا الأمين بما رأوا .
قال القوم فمبلغ الرأي واللّه للأَمير بالتوفيق.
فقال : اكتب يا فضل إِليه :
قد بلغني كتاب أَمير المؤمنين يسأل التجافي عن مواضع سماها مما أثبته الرشيد في العقد، وجعل أمره إلي وما أمر رآه أَمير المؤمنين مما يتجاوز، غير أن الذي جعل إِلى الطرف الذي أنا فيه كان غير ظنين بالنظر لعامته، ولا جأَهل مما أسند إلي من أمره ولو لم يكن ذلك شيئاً بالعهود والمواثيق المأخوذة، ثم كنت على إشراف عدو مخوف الشوكة، وعامة لا تتألف إلا عن هضمة، وأجناد لا تستتبع طاعتها إلا بالأموال والطرف من الأوصال لكان في نظر أَمير المؤمنين لعامته، وما يجب من لم أطرافه ما يوجب عليه أن يقسم له كثير من عنايته، وأن يستخلصه ببذل كثير من ماله فكيف بمسألة ما أوجبه الحق؟
وإني لأعلم أن أَمير المؤمنين لو علم من الحال ما علمت لم يطلع بمسألته ما كتب إليّ .
ثم أنا على ثقة من القبول بعد البيان إن شاء اللّه تعالى.
واستشار أيضاً محمداً أَصحابه فيما هم به.
ذكر آراء أشير بها على الأمين
قال يحيى بن سليم وقد دعاه الأمين واستشاره : يا أَمير المؤمنين كيف بذلك مع تأكيد الرشيد بيعته وأخذه الأيمان والمواثيق في الكتب؟
فقال محمد: إن رأي الرشيد كان فلتة من الخطأ شبه عليه جعفر بن يحيى بسحره، فغرس لنا غرساً مكروهاً لا ينفعنا ما نحن فيه إلا بقطعه، ولا تستقيم الأمور ولا تصح إلا باجتثاثه والراحة منه.
فقال: أما إذا كان رأي أَمير المؤمنين خلعه، فلا يجاهره فيستكبرها الناس، ويستشفعها العامة، ولكن تستدعي الجند بعد الجند، والقائد بعد القائد، وتؤنسه بالألطاف والهدايا، وتُفرِّق ثقاته ومن معه وترغبهم بالأموال وتستميلهم بالأطماع ، فإذا وهنت قوته ولم يبقَ له منعة (1)أمرته بالقدوم عليك، فإن قدم صار إِلى ما تريد، وإن أبى كنت قد تناولته وقد كَلَّ حَدُّه، وهيض جناحه .
فقال محمد: ما قطع أمراً كصريمة، أنت مهذار خطيب ولست بذي رأي مصيب، 70 / ب مكرر ] فزل عن هذا الرأي إِلى رأي الشيخ الموفق والوزير الناصح ، قم فالحق بمدادك وأقلامك.
فقال يحيى : غضب لتوبة صدق وتجلية نصيحة أحب إلي من رضى يخلطه جهل وتحلية جهل.
وبعث الفضل إِلى أحد من رضي عقله وآراءه فاستشاره، فعظم الرجل عليه أمر البيعة للمأمون وقبح الغدر والنكث .
فقال الفضل: صدقت ولكن عبد اللّه أحدث الحدث الذي وجب به نقض ما عقده الرشيد وأَمير المؤمنين يرى لنفسه اليوم ولرعيته ما لم يره الرشيد يومئذ .
فقال : فتثبت الحجة له بمأخوذ عهده .
قال : لا .
فقال : فأحدث هذا الحدث عندكم بما يوجب نقض عهدكم، ولم يكن حَدَث ولا كان معلوماً؟
قال : نعم .
1) في المخطوط: منه . وهو تحريف .
فقال الرجل ورفع صوته: تاللّه ما رأيت كاليوم رأي رجل يشاور في دفع ملك في يده بالحجة، ثم يصير إِلى مطالبته بالعناد والمغالبة .
قال : فأطرق الفضل مليا، ثم قال: صدقتني الرأي، ولكن أخبرني، إن نحن أغمضنا في قبالة العامة، ووجدنا مساعدين من شيعتنا وأجنادنا فما القول أصلحك اللّه؟ [قال ] (1): وهل أجنادك إلا من أخذ
عامتك في بيعتهم وتمكن برهان الحق في قلوبهم، فليسوا وإن أعطوا ظاهر طاعتهم مع ما تأكد من وثائق العهد في معارفهم وعلمهم بباطن أمورهم .
قال : لا طاعة دون ما ثبت من البصائر ؟
قال: ترغبهم بتشريف حظوظهم .
قال : إذاً يصيروا إِلى الثقل، ثم إِلى خذلانك عند حاجتك إِلى مناصحتهم .
قال : فما ظنك بعامة قوم كانوا في بلوى عظيمة من تحيف ولا تهم في أموالهم ،وأنفسهم صاروا به إِلى الأمنة في المال والرفاعة في المعيشة، فهم يدافعون عن نعمة حادثة لهم، ويتذكرون بلية لا يأمنون العودة في مثلها.
قال : ما أراك أبقيت لنا موضع رأي في اعتزالك أجنادنا، ثم أشد من ذلك ما قلتُ به من وهنة أجنادنا وقوة أجناده وما تسخو نفس أَمير المؤمنين يترك ما يعرف من حقه، ولا تنسى بالهدنة مع ما أقدمت عليه من أمره، وربما أقبلت الأمور مشرفة بالمخافة، ثم تكشف عن الفلاح والدرك في العاقبة.
ذكر الحزم والجد الذي أخذ فيه المأمون حتى بلغ ما أَراد
أذكى العيون، وأَقام الحرس على رأس الحدود، فلا يحوز رسول من العراق حتى يوجهوه مع ثقات من الأمناء، ولا يدعه يستعمل خبراً ولا يستتبع بالرغبة ولا بالرهبة أحداً ولا أحداً قولاً ولا كتابا .
فحصن أَهل خراسان من أن يستمالوا برغبة أو أن تودع قلوبهم رهبة .
ثم وضع على مراصد الطرقات ثقات من الأحراس لا يجوز عليهم إلا من لا تدخله الظنة في أمره فمَن أتى بجواز في مخرجه إِلى دار ماء به أو تاجر معروف مأمون في نفسه ودينه ومنع ...(2)من جواز السبيل والقطع بالمتاجر والوعل في البلدان وفي هيئة المطارنة والسائلة.
وفُتشت، وكانت ترد من قبل محمد الرسل والجماعات، فإذا صاروا إِلى حد أَقامتهم من أن يخبروا أو يستخبره وكتب يجزهم من مكانهم، فيجيء الإذن بحملهم فيحملون محروسين لا خبر يصل إِليهم ولا غيرهم يطلع خبراً من عندهم حتى يصيروا باب المأمون .
وذكر سهل بن هارون:
إن المأمون قال يوماً لذي الرياستين إن ،ولدي وأَهلي ومالي أفرده الرشيد لي بحضرة محمد وهو مائة ألف ألف وأنا محتاج إِليها وهي قبله فما ترى في ذلك؟
فقال له ذو الرئاستين: إن كتبت كتاب غرمة فمنعك صار إِلى خلع عهدك، فإن فعل حملك ولو بالكره على محاربته، وأنا أكره أن تكون المستفتح باب الغرفة ما ارتجى اللّه دونك، ولكن تكتب كتاب طالب بحقك، وتوجه [71/أ] أَهلك على ما لا يوجب عليه المنع نكثاً لعهدك، فإن أطاع فنعمة وعافية، وإن أَبا ها لم يكن بعثت على نفسك حرباً ومشاقة .
قال : فاكتب إِليه كما ترى فكتب عنه :
أما بعد: فإن نظر أَمير المؤمنين للعامة نظر من لا يقتصر على عطاء النصفة من نفسه حتى يتجاوزها إِليهم ببره وصلته وإذا كان ذلك رأيه في عامته فأحرى بأن يكون على مجاوزة ذلك لصنوه وقسيم نسبه وقد تعلم يا أَمير المؤمنين حالاً أنا عليها من ثغور حللت بين لهواتها وأجناد لا تزال موقنة بتسرعها وبنكث آرائها وبقلة الخراج قبلي، والولد والأَهل والمال قبل أَمير المؤمنين وما للأَهل وإن كانوا في كفاية من بر أَمير المؤمنين، وكان لهم ولا بد من الإشراف والنزوع إِلى كنفي ومالي بالمال والقوة والظهر علي لَم ،شعثي، وقد وجهت لحمل العيال وحمل ذلك فرأى أَمير المؤمنين في إجازة . . .(1)إِلى الرقة في حمل ذلك المال والأَمر بمعونته إِليه غير مخرج له فيه إِلى صفة تقع بمخالفته أو حامل له على رأي يكون على غير موافقته إن شاء اللّه
فكتب إِليه محمد في الجواب :
أما بعد: فقد بلغني كتابك بما ذكرت مما عليه رأي أَمير المؤمنين في عامته فضلاً عما يوجب من حق ذي حرمته وخليط نفسه ومحلك من لهوات ثغور، وحاجتك المحلك بينها إِلى فضله من المال لنائبة أمرك والمال الذي سمي لك من مال اللّه عزّ وجل وما ينكر أَمير المؤمنين من حق اللّه ،قرابته وذوي نسبه، وما ذاك بداع
1) موضع النقط كلمة مختلطة المداد لم أتبين قراءتها.
أَمير المؤمنين إِلى ترك الاستظهار لدينه وعامته وبه إِلى ذلك.
ذكرت حاجة في تحصين أَمير المؤمنين وكان أولى به إجراؤه على فرائضه، ورده في مواضع حقه، وليس بخارج من نفعك ما عاد بنفع العامة من رعيتك. أما ما ذكرت من حمل أَهلك، فإن يدي المشرفة على أمورهم، وإن كنت بالمحل الذي أنت به من حق القرابة ولم أرَ من حملهم على سفرهم مثل الذي عرضتهم له بالسفر من شهم، وأن أر ذلك من ذي قبل أوجههم إليك من الثقة من رسلي إن شاء اللّه .
ولما ورد الكتاب على المأمون قال : لط دون حقنا يريد أن يوهي بالمنع قوماً، ثم يتمكن من الفرصة بمخالفتنا
ورأى المأمون والفضل أن يختارا رجلاً يكتب معه إِلى أعيان العسكر ببغداد، فإن أحدث الأمين بالمأمون خلعاً صار إِلى التلطف لعلم حال أَهلها بالكتب التي معه(1)
وكان ذو الرئاستين الفضل بن سهل قد اتخذ قوماً يثق بهم ببغداد يكاتبونه بالأَخبار، وكان الفضل بن الربيع قد حفظ الطرق، وكان أحد أولئك النفر إذا كاتب ذا الرئاستين بما تجدّد ببغداد سَيّر الكتاب مع امرأة وجعله في عود أكفاف وتسير كالمجتازة من قرية إِلى قري.
فلما ألح الفضل بن الربيع في خلع المأمون، أجابه الأمين إِلى ذلك، وبايع لولده موسى في صفر .
وقيل : في ربيع الأول سنة خمس وتسعين ومائة على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى، وسماه الناطق بالحق، ونهى عن ذكر المأمون والمؤتمن على المنابر ، وأَرسل إِلى الكعبة بعض الحجبة، فأتاه بالكتابين الذين وضعهما الرشيد في الكعبة ببيعة الأمين والمأمون فأحضرهما عنده فمزقهما الفضل، فلما أتت الأَخبار المأمون بذلك .
وإن لم يفعل من ذلك شيئاً، لبس في جفنة وأمسك عن اتصالها، وكان نسخة الكتاب :أما بعد: فإن أَمير المؤمنين كأعضاء البدن تحدث العلة في بعضها فيكون كره ذلك مؤلماً لجميعها، وكذلك الحدث في المسلمين يكون في بعضهم فيصل كره ذلك إِلى سائرهم الذي يجمعهم من شريعة دينهم ويلزمهم من حصة إخوتهم مثل ذلك من الأئمة أعظم للمكان الذي به الأئمة من سائر أممهم ، وقد كان من الخبر ما أحسبه إلا سيغرب عن مغنيه، ويسفر عما استتر من وجهه وما اختلف مختلفان فكان أحدهما مع أمر اللّه إلا كان أولى بمعونة المسلمين وموالاتهم في ذات اللّه، وأنت يرحمك اللّه من الأَمر بمرأى ومسمع وبحيث إن قلت إذن لقولك، وإن لم تجد للمقول مساغاً فأمسكت عن مخوف اقتدى فيه بك، ولن يضيع على اللّه ثواب الإحسان مع ما يجب- علينا من حقك بالإحسان وبحظ جار لك النصيبين أو أحدهما أمثل من الأشراف لأخذ الحظين مع التعرض لعدمهما ، فاكتب إلي برأيك وأعلم ذلك رسولي الذي توجه عنك
1) في الكامل تفسير لهذا الخبر إذ قال ابن الأثير :
إن شاء [ اللّه ](1).
فوافق قدوم هذا الرسول بغداد بعدما أمر به من الكف عن الدعاء للمأمون في الخطبة، وكان الرسول بمحل ثقة من كل [71/ب] مَن كتب إِليه .
فلما أوصلها كان منهم مَن أمسك عن الجواب وأعرب للرسول عما في نفسه، ومنهم من أجاب عن كتابه وكان نسخة كتاب أحدهم :
أما بعد: فقد بلغني كتابك وللحق برهان على نفسه تثبت به الحجة على كل مَن صار إِلى مفارقة وكفى غيناً بإضاعة حظ من حظ العاقبة لمأمول حظ من عاجلة، وأَبين في الغبن إضاعة عاقبة مع التعرُّض للنكبة ،والوقائع ولي في العلم بمواضع حظي ما أرجو أن يحسن معه النظر لنفسي وتضع عني مؤنة استزادتي .
وكتب الرسول الذي توجه بهذه الكتب إِلى بغداد إِلى المأمون وذي الرئاستين:
أما بعد: فإني وافيت البلدة، وقد أعلن خليطك بتنكره، وقدم علماً من أغراضه ومفارقته، وأمسك عما يجب ذكره وتوفيته بحضرته، ودفعت كتبك، فوجدت أكثر الناس ولاة السرائر وبغاة العلانية ووجدت المسرفين بالرغبة لا يحوطون غيرها، ولا ينالون ما احتملوا فيها والمنازع مختلج الرأي لا يجد دافعاً منه عن همة ولا داعياً إِلى لزوم حجة والمحلون بأنفسهم يحيون تمام الحديث ليسلموا من منهدم حدثهم، والقوم على جد فلا تجعلوا للتواني في أمركم نصيباً، والسلام.
فلما جاء الخبر المأمون موافقاً لسائر ما ورد عليه من الكتب، قد شهد بعضها لبعض قال لذي الرئاستين: هذه أمور قد كان الرأي أخبر عن غيبها، ثم هذه طوالع تخبر عن أواخرها، وكفانا أن نكون مع الحق، ولعل كرهاً يسوق خيراً.
ثم أشخص طاهر بن الحسين وضم إِليه ثقات قواده وأجناده .
فسار طاهر معدّا لا يلوي على شيء حتى ورد الري ،فنزلها ووكل بأطرافها ووضع مسالحه وبثّ عيونه وطلائعه(2)
في هذه السنة : خالف أَهل حمص على الأمين وعلى عاملهم إسحاق بن سليمان، فانتقل عنهم إِلى سلمية، فعزله الأمين، واستعمل مكانه عبد اللّه بن سعيد الحرشي، فقتل عدة من وجوههم، وحبس عدة، وألقى النار في نواحيها، فسألوا الأمان فأجابهم، ثم هاجوا بعد ذلك، فقتل عدة منهم.
وفي هذه السنة :عصى عمران بن مجالد الربيعي وقريش بن التونسي بتونس على إِبراهيم بن الأغلب أَمير ،إفريقية، واجتمع فيها خلق كثير، وحصر إِبراهيم بن الأغلب بالقصر وجمع مَن أطاعه وخالف عليه أيضاً أَهل القيروان في جمادى الآخرة، فكانت بينهم ،وقعة وحرب قتل فيها جماعة من رجال ابن الأغلب.
وقدم عمران بن مجالد فيمن معه فدخل القيروان عاشر ،رجب وقدم قريش من تونس إِليه فكانت بينهم وبين ابن الأغلب وقعة في رجب، فانهزم أصحاب ابن الأغلب، ثم التقوا في العشرين منه فانهزموا ثانية أيضاً، ثم التقوا ثالثة فيه أيضاً فكان الظفر لابن الأغلب، وأَرسل عمران بن مجالد إِلى أسد بن الفرات الفقيه ليخرج معهم فامتنع فأعاد الرسول يقول له : تخرج معنا وإلا أَرسلت إليك مَن يجرّ برجلك .
فقال أسد للرسول : قل له : واللّه إن خرجت لأقولن للناس إن القاتل والمقتول في النار فتركه .
وفي هذه السنة : عاود أَهل ماردة الخلاف على الحكم بن هشام أَمير الأندلس وعصوا عليه فسار بنفسه إِليهم وقاتلهم ولم تزل سراياه وجيوشه تتردد إِلى مقاتلتهم هذه السنة، وسنة خمس، وسنة ست وتسعين ومائة .
وطمع الفرنج في ثغور المسلمين وقصدوها بالغارة والقتل والنهب والسبي، وكان الحكم مشغولاً بأَهل ،ماردة، فلم يتفرّغ للفرنج فأتاه الخبر بشدة الأَمر على أَهل الثغور وما بلغ العدو منهم، وسمع أن امرأة مسلمة أخذت سبية فنادت واغوثاه يا حكم، فعظم الأَمر عليه، وجمع عسكره واستعد، وحشد، وسار إِلى بلد الفرنج سنة ست وتسعين ومائة، وأثخن في بلادهم، وافتتح عدة حصون وخرب البلاد ونهبها وقتل الرجال وسبى الحريم ونهب الأموال، وقصد الناحية التي بها تلك المرأة، فأمر لهم من الأسرى بما يفادون به أسراهم، وبالغ في الوصية في تخليص تلك المرأة، فتخلصت من الأسر، وقتل باقي الأسرى، فلما فرغ من غزاته، قال لأَهل الشغور : هل أغائكم الحكم؟
فقالوا: نعم وعوا له وأثنوا عليه خيراً، وعاد إِلى قرطبة مظفراً .
وفيها: وثبت الروم على ملكهم ميخائيل فهرب وترهب وكان ملك نحو سنتين، وملك بعده أليون القائد، وكان على الموصل إِبراهيم بن العباس استعمله الأمين .
وفي هذه السنة : قتل شقيق البلخي الزاهد في غزاة كولان في بلاد الترك. وفيها مات الوليد بن مسلم صاحب الأوزاعي وقيل : سنة خمس وتسعين، وكان مولده سنة سبع عشرة ومائة .
وفيها: توفي عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وكان مولده سنة عشرة ومائة وكان قد اختلط في آخر عمره، وكان حديثه صحيحاً إِلى أن اختلط .
وفيها: توفي سيبويه النحوي واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر أَبو بشير .
وقيل : كان توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة .
قيل : وكان عمره قد زاد على أربعين سنة .
وقيل : كان عمره اثنتين وثلاثين سنة .
وفيها : توفي يحيى بن سعيد بن أَبان بن سعيد بن العاص وعمره أربع وسبعون سنة.
.ودخلت [سنة] (1)خمس وتسعين ومائة
وفيها :عقد الأمين لابنه موسى على جميع ما استخلف عليه وجعل صاحب أمره علي بن عيسى بن هامان.
وأسقط ما كان ضرب باسم أَخيه المأمون بخراسان من الدنانير والدراهم في سنة لأن المأمون أمر أن لا يثبت فيها اسم محمد ونهى محمد عن الدعاء له، ثم من بعده لابنه موسى يومئذ طفل صغير، وسمّاه الناطق بالحق وجميع ما فعل مَن كان على رأي
1) سقط اللفظ من المخطوط والسياق يقتضيه .
الفضل بن الربيع، وبكر بن المعتمر .
وبلغ المأمون ذلك، فتسمّى بإمام المؤمنين وكوتب بذلك .
وعقد محمد الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان على كور الجبل كلها؛ نهاوند، و همذان ،وقم، وأصبهان [وولاه ] (1)حربها وخراجها، وضم إِليه جماعة من القوّاد، وأمر لهم بمائتي ألف دينار ولولده بخمسين ألف دينار، وأعطاه للجند مالاً عظيماً، وأمر له من السيوف المحلاة بألفي سيف وسبعة آلاف ثوب للخلع .
وأحضر محمد أَهل بيته وموإِليه وقواده المقصودة بالشماسية، وصلّى الجمعة، ودخل وأجلس ابنه موسى في المحراب ومعه الفضل بن الربيع وجميع من حضر، فقرأ على جماعتهم كتابا من محمد يعلمهم رأيه فيهم وحقه عليهم، وما سبق إلي من البيعة مفرداً وما أحدث عبد اللّه من التسمّي بالإِمام ة والدعاء إِلى نفسه، وقطع البريد، وقطع ذكره من دور الضرب والطرز، وأن ذلك ليس له .
وحنّهم على الطاعة والتمسك ببيعته .
وتكلم سعيد بن الفضل الخطيب قائماً، فصدق ما في الكتاب، وتكلم بمثله .
ثم تكلم الفضل بن الربيع وهو جالس فأبلغ في القول وأكثر وذكر أنه لا حق لأحد في الأمانة والخلافة إلا لأَمير المؤمنين محمد الأمين، وقال في آخر كلامه : إن الأَمير موسى ابن أَمير المؤمنين قد أمر لكم يا معشر أَهل خراسان من صلب ماله بثلاثة آلاف ألف درهم، تقسم بينكم وانصرف [72/أ] الناس .
وفي هذه السنة : خرج علي بن عيسى بن ماهان إِلى الحرب، وتوجه إِلى الري وتوجه لحرب المأمون يوم الجمعة عشية السبت لست بقين من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وكان معه قيد فضة ليقيد به المأمون ابن عمه(2)
فلما عزم على المسير من بغداد ركب إِلى باب زبيدة أم الأمين ليودعها، فقالت له : يا علي، إن أَمير المؤمنين وإن كان ولدي وإِليه انتهت شفقتي، فإني على عبد اللّه منعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى، وإِنما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه الكريم يأكل لحمه ويمقيه غيره، فاعرف لعبد اللّه حق ولادته وأخوته ولا تجبهه بالكلام فإنك لست نظيره، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد ولا غل ولا تمنع عنه جارية ولا خادماً، ولا تعنف عليه في السير، ولا تساوه في المسير ولا تركب ،قبله وخذ ،بركابه وإن شتمك فاحتمل منه، ثم دفعت إِليه قيداً من ،فضة وقالت : إن صار إليك فقيده بهذا القيد . فقال لها: سأفعل مثل ما أمرت.
ثم خرج علي بن عيسى في شعبان وركب الأمين يشيعه ومعه القواد والجنود.
وذكر مشایخ بغداد أنهم لم يروا عسكراً أكثر رجالاً وأفره كراعاً ، وأتم عدة وسلاحاً من عسكره، ووصاه الأمين، وأمره إن قاتله المأمون أن يحرص على أسره ثم سار فلقيه القوافل عند جلولاء فسألهم : فقالوا له : إن طاهراً مقيم بالري يعرض أَصحابه ويرم آلته، والأمداد تأتيه من خراسان وهو يستعد للقتال .
.وشيَّعه أَمير المؤمنين محمد الأمين إِلى النهروان فعرض الجند وأَقام يومه بالنهروان، ثم انصرف إِلى مدينة السلام وأَقام علي بن عيسى بالنهروان إِلى ثلاثة أيام، ثم شخص حتى نزل همذان .
وكان محمد كاتب من كان بها وبغيرها بالانضمام إِلى علي بن عيسى.
ثم عقد لعبد الرحمن بن جبلة الأنباري وهو الذي طعن رسول المأمون يوم أنفذه خلف الفضل بن الربيع وتكلم بما كتبناه على الدينور، فأمره بالمسير إِلى أَصحابه، ووجّه معه ألف ألف درهم إِلى علي بن عيسى سوى ثلاثة آلاف ألف درهم حملت إِليه قبل ذلك .
فسار علي بن عيسى من همذان إِلى الري قبل ورود عبد الرحمن بن جبلة عليه فسار على تعبئته
فلقيه طاهر بن الحسين في أقل من أَربعة آلاف.
وكان استأمن إِلى علي بن عيسى من عسكر طاهر ثلاثة أنفس يتقربون إِليه، فسألهم : مَن هم؟ ومن أي البلدان هم؟ فأَخبره أحدهم أنه كان من جند أَبيه الذي قتله رافع .
قال : فأنت من جندي، فأمر به فضرب مائتي سوط، واستخف بالرجلين.
وانتهى الخبر إِلى أصحاب طاهر فازدادوا جدًّا في محاربته ونفوراً منه .
وأقبل علي بن عيسى في جيشه، فامتلأت الصحراء بيضاً وصفرةً من السلاح والذهب، وجعل على ميمنته الحسين بن علي وعلى ميسرته القاسم بن علي بن إدريس .
قال أَحمد بن هشام - وكان إذ ذاك على شرطة طاهر - فما لبثنا أن هزمونا حتى دخلوا العسكر ، فخرج إِليهم الأتباع والسامية فهزموهم .
فقال طاهر لما رأى عسكر علي بن عيسى بن ماهان : هذا ما لا قبل لنا به، ولكن نجعلها خارجية (1)، فقصد قصد القلب في سبعمائة رجل من الخوارزمية انتخبهم .
قال أَحمد بن هشام : فقلت لطاهر ألا تذكر علي بن عيسى البيعة التي أخذها هو علينا للمأمون خاصة معاشر خراسان؟
1) من المعلوم أن الخوارج من أصبر الناس على القتال وأشجعهم قلوباً وأطلبهم للشهادة أو النصر مما يجعلهم يندفعون نحو عدوهم بكل جسارة وإقدام .
فقال : بلى.
فعلقنا ذلك على رمح وقمت بين الصفين فقلت : الأمان، لا ترمونا ولا نرميكم.
فقال علي بن عيسى : لك ذلك.
فقلت: يا علي ألا تتقي اللّه ؟! أليس هذه نسخة البيعة التي أخذتها أنت علينا خاصة، اتق اللّه فقد بلغت باب قبرك.
فصاح علي بن عيسى : يا أَهل خراسان من جاء به فله ألف درهم.
قال : وكان معي قوم بخارية، فرموه.
فقالوا : نقتلك ونأخذ مالك .
وبرز من عسكر علي بن عيسى العباس بن الليث مولى المهدي فشدّ عليه طاهر وجمع يديه على مقبض السيف فضربه فصرعه
وشدّ داود شاه عَلَى علي بن عيسى فصرعه وهو لا يعرفه .
فقال :داود «يا ربي إيشان كنتم»(1)، فعرفه رجل يُعرف بطاهر الصغير بن الناجي، فقال : أنت علي بن عيسى؟
فقال : أنا علي بن عيسى وظنّ أنه يصاب فلا يقدم عليه فشدّ عليه فذبحه بسيفه .
وكانت ضربة طاهر هي الفتح، فسمي يومئذ : ذا اليمينين. لأنه أخذ السيف بيديه جميعاً.
ولما بُشِّر طاهر بن الحسين بقتل علي بن عيسى وقد شدّ أعتق من كان بحضرته من غلمانه شكراً.
ثم جاؤوا بعلي بن عيسى وقد شُدَّ الأعوان يديه إِلى رجليه وحمل على خشبة تدهق كما يحمل الحمار الميت .
فأمر به خلف في لبد وألقي في بئر، وكتب بالبشارة إِلى ذي الرئاستين، فسارت الخريطة وبين مرو، وذلك الموضع نحو من خمسين ومائتي فرسخ ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، ووردت عليهم يوم الأحد.
ولما ورد الكتاب بالفتح على ذي الرئاستين فضَّهُ فإذا فيه :
«أطال اللّه بقاءك وكبت [72/ ب] أعداءك، وجعل من يشناك فداك كتابي إليك، ورأس علي بن عيسى بين يدي، وخاتمه في أصبعي، والحمد اللّه والحمد للّه رب العالمين».
1) كذا جاء رسم هذه العبارة في المخطوط فربما أصابها تحريف أو كانت كلمة فارسية فاللّه أعلم .
فدخل به على المأمون حتى قرأه .
فأمر بإحضار أَهل بيته وقواده، ووجوه الناس، فدخلوا فسلّموا عليه بالخلافة، ثم ورد رأس علي يوم الثلاثاء، فطیف به خراسان.
وحكى غير واحد:
أنه لما جاء نعي علي بن عيسى إِلى محمد بن زبيدة وكان وقته ذلك على الشط يصيد السمك مع خادمه كوثر، فقال للذي أخبره ويلك دعني، فإن كوثراً قد اصطاد سمكتين وأنا بعد ما صدت شيئاً .
ولما نهض عن مجلسه ذلك بعث إِلى الفضل، ومحمد فأنفذ إِلى وكيل المأمون ببغداد وقيمه في أَهله وولده فأخذ منه المائة ألف ألف درهم التي كان الرشيد واصل بها المأمون، وقبض ضياعه وغلاته .
ووجّه عبد الرحمن بن جبلة الأنباري بالعدة، والقوة فنزل همذان .
ذكر الحيلة التي احتال بها ذو الرئاستين حتى اختار محمد لحربه علي ابن عیسى دون غيره
كانت كتب ذي الرئاستين تتردد إِلى دسيسه الذي كان الفضل بن الربيع يشاوره في أمره [فقال]: أَبي القوم إلا عزمة الخلاف .
فقال : فخف لأن يجعلوا أمره لعلي بن عيسى.
وإِنما خص عليا بذلك لسوء أثره في أَهل خراسان واجتماع رأيهم على ما كره وأن العامة ترى حربه .
فلما شاور الفضل الرجل الذي كان يشاوره قال علي بن عيسى إن فعل فلم نرمهم بمثله في بعد صوته وسخائه ومكانه من بلاد خراسان في طول ولايته عليهم وكثرة صنائعه فيهم، ثم شيخ الدعوة .
فأجمعوا على توجيه علي وكان من أمره ما كان(1)
وكان مقصوده أن ابن ماهان لما وَلِيَ خراسان أيام الرشيد أساء السيرة في أَهلها، فظلمهم، فعزله الرشيد بذلك، ونفر أَهل خراسان عنه وأبغضوه .
فأَراد ذو الرئاستين أن يزداد أَهل خراسان جدًّا في محاربة الأمين وأَصحابه .
.وروي : أن الأمين لما عزم على خلع المأمون أَشار عليه نصحاؤه أن يكاتبه، ويسأله القدوم، فإن ذلك أبلغ وأحرى أن يبلغ فيما يوجب طاعته وإجابته، فكتب إِليه :
1) في الكامل بيان لسبب اختيار ذو الرئاستين لعلي بن عيسي فقال :
من عبد اللّه الأمين أَمير المؤمنين إِلى عبد اللّه بن هارون أَمير المؤمنين، أما بعد:
فإن أَمير المؤمنين وافى أمرك والموضع الذي أنت فيه من ثغرك وما يؤمل في قربك من المعاونة والمكاتفة على ما حمله اللّه، وقلّده من أمور العباد والبلاد فكر فيما كان أَمير المؤمنين الرشيد أوجب لك من الولاية، وأمر به من إفرادك بها وإقرارك على ما صير إليك منها فرجى أَمير المؤمنين أن لا تدخل عليه وكف في دينه ولا نكث في يمينه إذ كان إشخاصه إياك فيما يعود على المسلمين نفعه ويصل إِلى عامتهم صلاحه وفضله، وعلم أَمير المؤمنين أن مكانك بالقرب منه أشد للثغور وأصلح للجنود، وأرد للفيء، وأرد على العامة من مقامك بلاد خراسان منقطعاً عن أَهل بيتك مغيباً عن أَمير المؤمنين وما يحب الاستمتاع به من رأيك وتدبيرك، وقد رأى أَمير المؤمنين أن يتولى ابنه موسى فيما تقلّده من خلافتك ما تحث إِليه من أمرك ونهيك فأقدم على أَمير المؤمنين على بركة اللّه وعونه بأبسط أمل وأفسح رجاء وأَحمد أثر وأفقه بصيرة، فإنك أولى من استعان به أَمير المؤمنين على أموره واحتمل عنه النصب فيما فيه صلاح لأَهل ملته وذمته، والسلام.
ودفع الكتاب إِلى العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي.
وإِلى عيسى بن جعفر بن أَبي جعفر.
وإِلى محمد بن عيسى بن نهيك.
وإِلى صالح صاحب المصلى.
وأَمرهم أن يخرجوا إِلى المأمون، وأن لا يدعوا وجهاً من الرفق إلا بلغوه، وسهلوا عليه فيه .
وحمل معهم من الألطاف، والهدايا والبر شيئاً كثيراً .
وذلك في سنة أربع وتسعين ومائة .
فتوجهوا بكتابه، فلما وصلوا إِلى عبد اللّه أذن لهم، فدفعوا إِليه كتاب محمد وما كان بعث معهم من الأموال والهدايا .
ثم تكلم العباس بن موسى بن عيسى فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال:
أَيها الأَمير [73/ أ] إن أخاك قد تحمّل من الخلافة ثقلاً عظيماً، ومن النظر في أمور الناس عبئاً جليلاً، وقد صدقت نيته في الخبر، فاعتوره الوزراء والأعوان والكفاة على العدل، وقليل ما يأنس بأَهل بيته فأنت أخوه وشقيقه، وقد فرغ إليك في أموره وأملك المواددة والمكانفة ولسنا نستبطيك في بره أَيها ماً لنظرك له، ولا نحضك على طاعتك تخوفاً الخلافتك عليه، وفي قدومك عليه أنس عظيم لدولته وسلطانه فأجب أَيها الأَمير دعوة أخيك
وآثر طاعته عزم اللّه على الرشيد في أموره، وجعل له الخيرة في عواقب رأيه .
وتكلم عيسى بن جعفر بكلام قريب المعنى من هذا الكلام.
وكذلك محمد بن عيسى بن نهيك .
وصالح صاحب الصلاة، فلما قضوا كلامهم وسكتوا .
تكلم المأمون فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال:
إنكم عرفتموني من حق أَمير المؤمنين أبقاه اللّه تعالى ما لا أنكره، ودعوتموني إِلى البر والإحسان والمؤازرة والمعونة إِلى ما أوثره ولا أدفعه وأنا بالطاعة الأَمير المؤمنين خليق، وعلى المسارعة إِلى ما سرّه ووافقه حريص وفي الرؤية بتبيان الرأي وفي إعمال الرأي يتضح الاعتزام والأَمر الذي دعاني إِليه أَمير المؤمنين أمر لا أتأخر عنه تثبيطاً ومدافعة ولا أتقدم عليه اعتسافاً وعجلة وأنا في ثغر من ثغور المسلمين كلب عدوة شديدة شوكته فإن أهملت أمره لم آمن دخول المكروه والضرر على الجند والرعية وإن أقمت عليه لم آمن فوت ما أحب ومؤنة أَمير المؤمنين وإيثار طاعته، فانصرفوا حتى أنظر في أمري، ويصح رأيي مما أعتزم عليه من مسيري إن شاء اللّه .
ذكر مشاورة المأمون أَصحابه وما أَشار به الفضل بن سهل
ولما انصرف القوم تعاظم المأمون ما ورد عليه وأكبره، ودعا الفضل بن سهل، وقال : ما عندك من الرأي؟
قال : رأيي أن تتمسك بموضعك، ولا تمكن من نفسك، ولا تجعل عليك سبيلاً، وأنت تجد من ذلك بُدَّا.
قال : وكيف يمكنني التمسُّك بموضعي مع كثرة جنود محمد وعظم خزائنه وكثرة أمواله ، مع مع ما فرق في أَهل بغداد من صلاته، وإِنما الناس مع الذهب والفضة منقادون لها لا يرغبون في وفاء ولا أمانة .
فقال الفضل : إذا وقعت التهمة حق الاحتراس وإِنما أنا متخوف عليك من محمد ومن شرهه إِلى ما في يديك ولا تكون في جندك وعزك مقيماً بين ظهراني أَهل ولايتك أحرى ، فإن دهمك منه أمر جددت له وناجذته ،وكابدته فإما أعطاك اللّه تعالى الظفر عليه، وإما متّ محافظاً متكرماً غير ملقٍ يديك ولا ممكن عدوك من الاحتكام في دينك.
قال المأمون : لو كان أتاني ذلك وأنا في قوة من أمري وصلاح من الأمور لكان خطبه يسير، والاحتيال في دفعه ممكناً، ولكنه أتاني بعد انتشار خراسان واضطراب عامرها وغامرها ومفارقة جيغويه الطاعة والتواء خاقان وتهيؤ ملك كابل للغارة على ما يليه من بلاد خراسان وامتناع ملك إيراد بنده بالضريبة وما لي بواحدة من هذه بُد،
وأنا أعلم أن محمداً لم يطلب قدومي إلا لشر يريده بي وما أرى إلا تخلية ما أنا فيه واللحاق بخاقان ملك الترك والاستجارة به فبالحري أن آمن على نفسي وأمتنع مما أَراد قهري والغدر بي.
فقال له الفضل: أَيها الأَمير، إن عاقبة الغدر شديدة ومغبة الظلم والبغي غير مأمون شرها ورب مستذل قد عاد عزيزاً ومقهور عاد مستطيلاً، وليس النصرة بالكثرة، وجرح الموت أيسر من جرح الذل والضيم، وأما جيغوية وخاقان فاكتب إِليهما وولهما بلادهما وعهدهما التقوية لهما على محاربة الملوك، وأما ملك كابل فابعث إِليه بعض طُرَف ،خراسان، وهادنه وسله الموادعة، تجده حريصاً على ذلك .
وأما ملك أترادبنده فسلّم إِليه ضريبته في هذه السنة وصيرها صلة منك له، وصله بها ثم اجمع إليك أطرافك [73/ب] واضمم إليك مَن شدّ [من] (1)جندك ، ثم اضرب الخيل بالخيل والرجال بالرجال، فإن ظفرت فذاك، وإلا فأنت على اللحاق بخاقان قادر.
فقال المأمون : أنا أعمل في هذا وغيره مما ترى وفرّق الكتب والرسل إِلى أولئك العصاة، فأذعنوا ورضوا، وكتب إِلى قواده وجنوده في الأطراف فأقدمهم عليه .
وكتب إِلى طاهر بن الحسين وكان يومئذ بالري عاملاً من قبل المأمون أن يضبط ناحيته ويجمع إِليه أطرافه ويكون حذر من جيش إن طرقه وعدو إن هجم عليه .
وكان الفضل نظر إِلى النجوم، وكان جيد المعرفة بأحكامها (2)، ورأى الغلبة لعبد اللّه فوطّن نفسه على محاربته محمد الأمين ومناجزته .
فلما فرغ المأمون مما ذكرناه، كتب إِلى محمد:
لعبد اللّه محمد الأمين أَمير المؤمنين من عبد اللّه بن هارون، أما بعد:
فقد وصل إليَّ كتاب أَمير المؤمنين، وأنا عامل من عمال أَمير المؤمنين، وعون من أعوانه أمرني الرشيد أَمير المؤمنين بلزوم هذا الثغر ومكايدة من كاد أَهله من عدو أَمير المؤمنين ولعمري إن مقامي به أردّ عن أَمير المؤمنين، وأعظم عناء عن المسلمين من الشخوص إِلى أَمير المؤمنين وإن كنت مغتبطاً بقربه مسروراً بمشاهدة نعم اللّه عليه، فإن رأى أَمير المؤمنين أن يقرَّني على عملي، ويعفيني من الشخوص إِليه، فعل إن شاء اللّه (3)
1) زيادة يتطلبها السياق .
2) للنجوم فوائد وخصائص كثيرة ولها علماء متخصصون في حركتها وتكوينها وفوائدها ولكن ليس من بين فوائدها معرفة الغيوب ولم يقل بهذا عاقل فضلاً عن عالم .
3) سبق أن ذكرت هذه التفاصيل في أحداث سنة (194) نقلاً عن ابن الأثير في الكامل حيث ذكر جميع أحداث السنة التي أشرت إِليها ولم يذكرها في هذه، فاللّه أعلم .
ثم دعا العباس بن موسى بن عيسى، وعيسى بن جعفر، وصالحاً فدفع الكتاب إِليهم وأحسن صلتهم وجوائزهم، وحمل إِلى محمد ما تهيأ له من الألطاف الموجودة بخراسان، وسألهم أن يحسنوا أمره عنده ويقوموا بعذره.
فلما يئس محمد من انقياد عبد اللّه ندب له علي بن عيسى في خمسين ألف فارس وراجل ومكنه من بيوت الأموال والسلاح.
فلما أَراد علي الشخوص إِلى خراسان ركب إِلى باب زبيدة أم جعفر فودعها، فقالت :
يا علي إن أَمير المؤمنين وإن كان ولدي إِليه تناهت شفقتي وعليه تكامل حذر فإني على عبد اللّه منعطفة مشفقة لما يحدث إِليه من مكروه وأذى وإِنما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه وعازه على ما في يده والكريم يأكل لحمه ويمنعه غيره، فاعرف لعبد اللّه حق ولادته وأخوته ولا تجبهه بالكلام فلست بنظير له، ولا تقسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد غل ولا تمنع عنه جارية ولا غلام ولا تعنف عليه في السر. ولا تساوره في السير ولا تركب ،قبله ولا تنتقل على دأبتك حتى تأخذ بركابه، وإن شتمك فاحتمل منه وإن سفه عليك فلا ترده.
ثم دفعت إِليه قيداً من فضة وقالت : إذا صار بيدك فتقيّده بهذا القيد .
فقال لها : سأقبل قولك، وأعمل بطاعتك (1).
فلما ركب علي بن عيسى إِلى معسكره بالنهروان وخرج معه يشيعه وحُشر الأنواق، والضياع والقلعة وبلغ عسكره فرسخاً بفساطيطه وأبنيته وأثقاله.
فذكر مشايخ بغداد أنهم لم يروا عسكراً قط كان أكثر رجالاً وافره كراعاً وأظهر سلاحاً وأتم عدّة، وأكمل هيئة من عسكره. فذكر أن منجمه أتاه فقال : أصلح اللّه الأَمير لو انتظرت بمسيرك صلاح القمر فإن النحوس عليه؟
فقال : لا ندري فساد القمر من صلاحه غير أنه [من ](2)نازلنا نازلناه ومَن وادعنا وادعناه، ومَن قاتلنا ،قاتلناه ولم يكن عندنا إلا إرواء السيف من دمه وإنا لا نعتد بفساد القمر ما وطَّنَّا أنفسنا على صدق اللقاء .
ثم سار علي بن عيسى مستهيناً بمَن يلقاه فإذا لقيته القوافل من خراسان سألها، فيقولون له : طاهر بالري مقيم يعرض أَصحابه ويرم آلته .
فيضحك، ثم يقول لأَصحابه : وما طاهر واللّه ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف إلا أن يبلغه عبورنا عقبة ،همذان، وهل مثل طاهر يتولى الجيوش ويتلقى الحروب؟
وهل يقوى السخال على نطاح الكباش أو تصبر الثعالب على لقاء الأسد(1).
ثم أمر أَصحابه بطي المنازل وانتشر نظامهم، وتفرقت جماعتهم.
ثم أنفذ الكتب إِلى ملوك الديلم، وأهدى إِليها التيجان والأسورة، والسيوف المحلاة بالذهب، ووعدها الصلات [1/74] والجوائز وأَمرهم أن يقطعوا طريق خراسان ويمنعوا من أَراد الوصول إِلى طاهر من المدد، فأجابوه إِلى ذلك.
وسار حتى صار إِلى أول بلاد الري أتاه صاحب ،مقدمته فقال : اتقي اللّه لو كنت (2)الأَمير أذكيت العيون، وبعثت بالطلائع وارتدت موضعاً نعسكر فيه، ونتخذ خندقاً كان أبلغ في الرأي وآنس للجند .
فقال : لا ، ليس مثل طاهر [لا](3)استعد له بالمكايدة والتحفظ، إن حال طاهر تؤول إِلى أحد أمرين :
إما أن يتحصن بالري فيثبت (4)به أَهلها فيكفونا مؤنته .
أو يخليها ويدبر راجعاً لو قد قربت منه .
وأتاه يحيى بن علي فقال: أَيها الأَمير اجمع عسكرك فإنه متفرق، واحذر البيات فإن العساكر لا تيأس بالتواني، والحروب لا تدبر بالاغترار ولا تكل(5)المحارب إِلى ظاهر، فالشرارة (6)الخفية ربما صارت ضراماً، والثلمة من السيل ربما تهوون بها فصارت بحراً عظيماً، وقد قربت عساكرنا من طاهر ، فلو كان رأيه الهرب لما كان يتأخر إِلى يومه هذا.
1) زاد بعدها في الكامل : وإن أَقام تعرّض لحد السيف وأسنة الرماح، وإذا قابلنا بالري ودنونا منهم فتّ ذلك في أعضادهم .
2) في المخطوط : لو كنت أتقي اللّه ،الأَمير وهو تقديم وتأخير فضبط العبارة.
3) زيادة يتطلبها السياق .
4) في المخطوط: فيثبت . وهو تحريف وفي الكامل فيبيته والخبر فيه بنحو مما هنا في كثير من فقراته
5) في المخطوط : ثقل . وهو تحريف .
6) في المخطوط : فالشرر . وهو تحريف .
قال: اسكت، فإن طاهراً ليس في هذا الموضع الذي ترى، وإِنما يحفظ الرجال إذا التقيت أقرانها وتستعد إذا كان المناوىء لها أكفاؤها ونظراؤها .
واستشار طاهر أَصحابه لما قرب منه علي فأَشاروا عليه أن يقيم بمدينة الري ويدفع القتال ما قدر عليه إِلى أن يأتيه من خراسان المدد من الخيل ومن يتولى الحرب دونه .
وقالوا : مقامك من الري أرفق بك وبأصحابك، وأقدر لهم على الميرة، وأكن من البرد ، وأقوى لك على المماطلة والمطاولة إِلى أن يأتيك مدد.
فقال طاهر: إن الرأي ليس ما رأيتم إن أَهل الري لِعَلِيّ هائبون ومن موته متقون، ولست آمن إن حاصرنا أن يدعوا أَهلها خوفه إِلى الوثوب بنا ومعاونته على قتالنا،مع أنه لم يكن قوم قط زوحموا في ديارهم والتورد عليهم إلا وهنوا وذلُّوا واجترأ عليهم عدوهم، وما الرأي إلا أن نصير مدينة الري وراء ظهورنا فإن أعطانا اللّه تعالى الظفر، وإلا عوّلنا عليها فقاتلنا في سككها وتحصنًا بمنفعتها إِلى أن يأتينا مدد من خراسان .
فقالوا : الرأي ما رأيت .
فنادى طاهر في أَصحابه : أَخرجوا فعسكروا على خمسة فراسخ من الري.
وأتاه محمد بن العلاء فقال له: أَيها الأَمير إن جندك قد هابوا هذا الجيش، و امتلأت قلوبهم خوفاً ورعباً منه، فلو وقفت حتى يشامهم أصحابك، ودافعت بالقتال إِلى أن يأنسوا بهم ويعرفوا أوجه المآخذ في قتالهم فقال : إني لا أوتى من تجربة وحزم، وإن أصحابي قليل والقوم عظيم سوادهم كثير عددهم، فإن دافعت بالقتال، وأخرت المناجزة لم آمن أن يطلعوا على قلتنا وعورتنا، وأن يستميلوا من معي رغبة أو رهبة فينفض عني أصحابي ويخذلني أَهل الحفاظ والصبر.
ولكن ألقى الرجال بالرجال والخيل بالخيل، وأعتمد على الطاعة والوفاء، وأصبر فإن رزق اللّه الظفر والفلاح، فذلك الذي نريد ونرجوا، وإن تكن الأخرى، فلست بأول من قاتل فقتل، وما عند اللّه أجزل وأفضل (1).
وقال علي بن عيسى لأَصحابه : بادروا القوم فإن عددهم قليل ولو قد زحفتم إِليهم لم يصيروا على حرارة السيوف، ووقع السهام، وطعن الرماح .
وعبيء جنده ،ميمنة وميسرة ،وقلباً وصيّرها كثيفة عظيمة.
ثم نصب عشر رايات في كل راية ألف رجل وقدّم الرايات راية راية، وصيّر بين كل راية وراية ،غلوة، وأمر أمراؤها إذا قاتلت الراية الأولى فصبرت، وحمت وطال بها
1) هو بنحوه في الكامل.
القتال، أن تتقدم التي تليها وتتأخر التي قاتلت حتى يرجع إِليها نفسها، وتستريح وتنشط للمحاربة والمعاودة.
ثم صيّر أصحاب الدروع والجواشن والحيزة أمام الراية .
ووقف علي في القلب في غرز أَصحابه أَهل البأس والحفاظ والنجدة منهم .
وكتب طاهر بن الحسين كتائبه وجعلهم كراديس صفوفاً، وجعل يمر بقائد قائد وجماعة جماعة ، ويقول :
يا أولياء اللّه يا أَهل الوفاء إنكم لستم كهؤلاء الذين ترون من أَهل الغدر والنكث، إن هؤلاء ضيعوا ما حفظتم ونكثوا الأيمان التي رعيتم فلو [74/ب] قد غضضتم الأبصار وتبتّم الأقدام لا يخزكم اللّه وعده وفتح لكم أَبواب عزه ونصره، فجالدوا عواطيب الفتنة ويعاسيب النار وادفعوا بحقكم باطلهم، فإِنما هي ساعة حتى يحكم اللّه بيننا وهو خير الحاكمين .
وقلق قلقاً شديداً وحرص حرصاً عظيماً وجعل يقول يا أَهل الوفاء والصدق الصبر الصبر والحفاظ، فهو على ذلك، وثب أَهل الري وأغلقوا أَبواب المدينة، فنادى طاهر يا أولياء اللّه اشتغلوا بمن أمامكم عمّن خلفكم (1)فإنه لا ينجيكم إلا الجد والصدق .
ثم كان من أَمرهم ما حكيناه من قبل (2).
ولما ورد الخبر بغداد بقتل علي بن عيسى كثرت الأراجيف ومشى القواد بعضهم إِلى بعض (3)فقالوا : إن عليا قد قتل، ولسنا نشك أن محمداً سيحتاج إِلى الرجال، واصطناع الصناع، وإِنما ترفع الرجال رؤوسها في وقت البأس، فليأمن كل رجل منكم جنده بالشغب وطلب الأرزاق والجوائز فلعلنا نصيب في هذه الحرة مكنة ما يصلحنا ويصلح ،جندنا، فاتفق رأيهم على ذلك، وأصبحوا بباب الجسر فكبروا، وطلبوا الأرزاق .
وبلغ الخبر عبد اللّه بن خازم فركب في أَصحابه في جماعة كثيرة من قواد العرب فتراموا بالنشاب والحجارة واقتتلوا قتالاً شديداً.
وسمع محمد الضجة ،والتكبير فأَرسل من يأتيه ،بالخبر فأعلمه أن الجند قد اجتمعوا وشغبوا لطلب أرزاقهم .
قال : فهل يطلبون شيئاً غير ذلك؟
قال : لا .
قال : فما أهون ما طلبوا، ارجع إِلى عبد اللّه بن خازم فمره أن ينصرف، ويواقف الناس على أن يبذلهم أرزاقهم، فيواقفهم على أرزاق أَربعة أشهر، ورفع من كان دون الثمانين إِلى الثمانين وأمر للقواد والخلاص بالصلات والجوائز .
وفي هذه السنة : وجّه محمد المخلوع عبد الرحمن بن جبلة الأنباري إِلى همذان لحرب طاهر.
وانتخب عشرين ألف رجل من الأبناء فضمهم إِليه، وحمل معه الأموال، وقواه بالسلاح والخيل، وأجازه بجوائز، وولاه ما بين حلوان إِلى ما غلب عليه من أرض خراسان وأمره أن يسيق طاهراً إِلى همدان ويخندق عليه ويجمع إِليه آلة الحرب، وبسط يده، ويقدم إِليه في التحفظ والاحتراز وترك ما عمل به من الاغترار والتضجيع .
فتوجه عبد الرحمن حتى نزل همذان فضبط طرقها وحصن سورها وأَبوابها، وسدّ ثلمها، وحشر إِليها الأسواق والصناع وجمع فيها الآلات والمير، واستعد للقاء طاهر ومحاربته .
وكان يحيى بن علي بن عيسى لما قتل أَبوه أَقام بين الري وهمذان، فكان لا يمر به أحد من قبل أَبيه إلا احتبسه وكان يرى أن محمداً يوليه مكان أَبيه، ويوجه إِليه الخيل والرجال وكتب إِلى محمد يستمده ويستنجده فأجابه محمد يعلمه توجيه عبد الرحمن بن جبلة الأنباري ويأمره بالانضمام إِليه فيمن معه .
ولما بلغ طاهر خبر عبد الرحمن توجه إِليه فلما قرب(1)من يحيى قال يحيى لأَصحابه : هذا طاهر صاحبكم بالأمس، ولست آمن أن لقيته بمن معي أن يصدعنا صدعاً يدخل وهنه على من خلقنا، ويعمل عبد الرحمن بذلك ويقلدني بذلك وزر (2)العجز عند أَمير المؤمنين، فإن أنا استنجدته، لم آمن أن يمسك عنا ضنا برجاله وإبقاء عليهم.
والرأي أن نتزاحف إِلى مدينة همذان فنعسكر (3)قريباً من عبد الرحمن، فإن نحن استعنَّاه قرب منا ،عونه وإن احتاج إلينا أعناه، وقاتلنا معه .
فقالوا : الرأي ما رأيت.
فانصرف نحو همذان، فلما قرب منها خذله أَصحابه وتفرّقوا عنه وأشرف طاهر على مدينة همذان .
ونادى عبد الرحمن في أَصحابه فخرجوا على تعبئة فصادف طاهراً، فاقتتلوا قتالاً شديداً فصبر الفريقان وكثر القتلى والجرحى فيهم.
ثم إن عبد الرحمن انهزم ودخل همذان، وأَقام بها أياماً حتى اندمل جراح أَصحابه وقووا، ثم أمر بالاستعداد وزحف إِلى طاهر، فلما رآه طاهراً غلامه وأوائل خيله قال لأَصحابه :
إن عبد الرحمن يتراءى لنا [75/أ] حتى تقرب منه يقاتلنا، فإن هزمناه دار إِلى المدينة فدخلها وقاتلكم على خندقها وامتنع بسورها وإن هزمنا اتسع له المجال فهلموا نقف له حتى يقرب منا ، ويبعد من خندقه أصحاب طاهر .
فوقف طاهر مكانه وظن عبد الرحمن أن الهيبة بطأت به عن لقائه والنفوذ إِليه فبادر واقتتلوا قتالاً شديداً، وصبر فجعل عبد الرحمن يقول : يا معشر الأبناء الموت وإلفاف السيوف، إنهم العجم، وليسوا بأصحاب مطاولة ولا صبر، فاصبروا لهم فداكم أَبي وأمي .
وقاتل بيده قتالاً شديداً، وحمل حملات منكرات، فلا يزول أحد من أصحاب طاهر.
ثم إن صاحباً لطاهر حمل على أصحاب عبد الرحمن، فقتل صاحب عَلَمَهُ. وزحمهم أصحاب طاهر زحمة شديدة ،فولوا، فوضعوا فيهم السيوف حتى دخلوا همذان يقتلونهم، ويأسرونهم.
وأَقام طاهر على باب المدينة، محاصراً، فكان يخرج عبد الرحمن ويقاتل على أَبواب المدينة، ويرمي أَصحابه من فوق السور حتى اشتد بهم الحصار .
وتأذى بهم أَهل المدينة ويأسوا من الحرب (1)والقتال، وقطع طاهر عنهم من كل وجه فهلك أصحاب عبد الرحمن وتخوّفوا أن يثب بهم أَهل همذان .
فأَرسل عبد الرحمن فيمن كان معه من أَصحابه وأصحاب يحيى [إِلى طاهر يطلب الأمان لنفسه ولمن معه، فأمنه، فخرج عن همذان] (2).
وطرد طاهر عمال محمد عن ،قزوين وسائر كور الجبال(3)
لما نزل طاهر بباب همذان وحصر عبد الرحمن بها تخوّف أن يأتيه كثير بن قادرة من ورائه
وكان بقزوين - فأمر أَصحابه بالقيام وسار في ألف فارس نحو قزوين فلما سمع به كثير بن قادرة - وكان في جيش كثيف - هرب من بين يديه وأخلى قزوين، وجعل طاهر فيها جنداً، واستعمل عليها رجلاً من أَصحابه وأمره أن يمنع من أَراد دخولها، واستولى على سائر أعمال الجبل معها.
.وفي هذه السنة : قُتل عبد الرحمن بن جبلة الأنباري بالأسترأَباذ.
ذكر السبب في مقتله
لما وجه محمد بن عبد الرحمن الأنباري إِلى همذان أتبعه بعبد اللّه، وأَحمد ابني الحرشي في خيل عظيمة، وأَمرهما أن ينزلا قصر اللصوص وأن يسمعا ويطيعا لعبد الرحمن، ويكونا مدداً له إن احتاج إِليهما.
فلما خرج عبد الرحمن إِلى طاهر في الأمان، كان رأي طاهراً وأَصحابه أنّه مسالم لهم راضٍ بعهودهم .
ذكر غفلة من طاهر وأَصحابه
حتى هجموا عليهم فوضعوا فيهم السيوف والنشاب فثبت لهم رجالة طاهر بالتراس والسيوف وجثوا على الركب، فقاتلوه كأشد ما يكون القتال، ولم تزل الرجالة تدافعهم إِلى أن أخذت الفرسان عدتها وصدقوهم القتال فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى تكسرت السيوف وتقصفت الرماح وهرب معظم أصحاب عبد الرحمن .
فترجّل هو في ناس من أَصحابه، فقاتل حتى قتل من أَصحابه مقتلة عظيمة، واستبيح عسكره وانتهى من أفلت من أَصحابه إِلى عسكر عبد اللّه، وأَحمد ابني الحرشي، فدخلهم الوهن والقتل، وامتلأت قلوبهم خوفاً ورعباً، فولوا منهزمين لا يلوون على شيء حتى صاروا إِلى بغداد.
وأقبل طاهر قد خلت له البلاد يحوز بلدة بعد بلدة وكورة كورة حتى نزل بقرية من قرى حلوان يقال لها شاملان (1)، فخندق بها وحصن عسكره (2)
وأمه : نفيسة بنت عبيد اللّه بن العباس بن علي بن أَبي طالب، وكان يقول : أنا من شيخي صفين - يعني عليا ومعاوية - وكان يلقب بأَبي العميطر، لأنه قال يوماً لجلسائه : أي شيء كنية الحرذون؟ قالوا لا ندري .
قال : هو أَبو العميطر، فلقبوه به .
ولما خرج دعا لنفسه بالخلافة في ذي الحجة وقوي على سليمان بن المنصور عامل دمشق ، فأَخرجه عنها وأعانه الخطاب بن وجه الفلس مولى بني أمية، وكان قد تغلب على صيدا، فلما خرج سير إِليه الأمين الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان فبلغ الرقة، ولم يسر إِلى دمشق.
وكان عُمر أَبي العميطر حين خرج تسعين سنة، وكان الناس قد أخذوا عنه علماً كثيراً وكان.
حسن السيرة، فلما خرج ظلم وأساء السيرة فتركوا ما نقلوا عنه وكان أكثر أَصحابه من كلب، وكتب إِلى محمد بن صالح بن بيهس الكلابي يدعوه إِلى طاعته ويتهدده إن لم يفعل، فلم يجبه إِلى ذلك .
فأقبل السفياني على قصد القيسية فكتبوا إِلى محمد بن صالح، فأقبل إِليهم في ثلاثمائة فارس من الضباب وموإِليه .
واتصل الخبر بالسفياني فوجّه إِليه يزيد ابن هشام في اثني عشر ألفاً، فالتقوا، فانهزم يزيد ومَن معه ، وقتل منهم إِلى أن دخلوا أَبواب دمشق زيادة على ألف رجل وأسر ثلاث آلاف فأطلقهم ابن بيهس وحلق رؤوسهم ولحاهم .
وضعف السفياني وحصر بدمشق، ثم جمع جماعة، وجعل عليهم ابنه القاسم، وخرجوا إِلى ابن بيهس، فالتقوا فقتل القاسم، وانهزم أصحاب السفياني، وبعث رأسه إِلى الأمين، ثم جمع جمعاً آخر وسيَّرهم مع مولاه المعتمر، فلقيهم ابن بيهس فقُتل ،المعتمر، وانهزم أَصحابه، وهن أمر أَبي العميطر، وطمع فيه قيس.
ثم مرض ابن بيهس فجمع رؤساء بني نمير فقال لهم : ترون ما أصابني من علتي هذه فأرفقوا ببني مروان وعليكم بمسلمة بن يعقوب بن محمد بن سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، فإنه ركيك، وهو ابن أختكم واعلموا أنكم لا تتبعون ببني أَبي سفيان وبايعوه بالخلافة وكيدوا به السفياني .
وعاد ابن بيهس إِلى حوران واجتمعت نمیر علی مسلمة وبذلوا له البيعة، فقبل منهم وجمع موإِليه ودخل على السفياني، فقبض عليه وقيده، وقبض على رؤساء بني أمية، فبايعوه وأدنى قيساً، وجعلهم خاصته.
فلما عوفي ابن بيهس عاد إِلى دمشق فحصرها فسلّمها إِليه القيسية وهرب مسلمة، والسفياني في ثياب النساء إِلى المزة، وكان ذلك في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة ودخل ابن بيهس دمشق وغلب عليها، وبقي بها إِلى أن قدم عبد اللّه بن طاهر ،دمشق، ودخل إِلى مصر، وعاد إِلى ،دمشق فأخذ ابن بيهس معه إِلى العراق .
وكان العامل على مكة والمدينة لمحمد الأمين داود بن عيسى بن موسى، وهو الذي حَجَّ بالناس سنة ثلاث وتسعين أيضاً .
وكان على الكوفة العباس بن الهادي للأمين وعلى البصرة له أيضاً منصور بن المهدي.
وفيها مات محمد بن خازم أَبو معاوية الضرير وكان يتشيّع، وهو ثقة في الحديث.
وفيها : توفي أَبو نواس الحسن بن هانىء الشاعر المشهور، وكان عمره تسعاً وخمسين سنة، و دفن بالشونيزي ببغداد.
ومحمد بن فضل بن غزوان بن جرير الضبي مولاهم.
ويوسف بن أسباط أَبو يعقوب.
[76/أ] ثم (1)دخلت سنة ست وتسعين ومائة
ثم إن محمداً ندب أسد بن يزيد بن مزيد، فاشتد عليه في طلب الأموال فحبسه .
وندب عمه عمه أَحمد بن مزيد، وعبد اللّه بن حميد بن قحطبة إِلى حلوان، لحرب طاهر.
وكان الخبر عن حبس أسد .
1) يلاحظ أن صفحة [75/ب] بيضاء بالمخطوط نظراً لنهاية القسم الأول منه .
وسبيه:
قال أسد بن يزيد بن مزيد: بعث إليَّ الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد اللّه بن جبلة، فأتيته .
فلما دخلت إِليه، وجدته قاعداً في صحن داره رقعة وقد قرأها وقد احمرّت عيناه واشتد غضبه، وهو يقول :
ينام نوم الطيربان(1)، وينتبه انتباه الذئب، همه بطنه وفرجه (2)، يختال (3)الرعاة، والكلاب ،ترصده ولا يفكر في زوال نعمة، ولا يروى في إمضاء رأي، قد ألهته(4)كأسه، وشغله قدحه، فهو يجري في لهوه، والأيام توضع في هلاكه.
ثم وصف عبد اللّه وتيقظه (5)
قد شمّر له عبد اللّه عن ساق وفوق له أصوب أسهمه يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ، والموت القاصد، وقد عبّى له المنايا على ظهور الخيل، وناط له البلاء في أسنة الرماح، وشفار السيوف.
، وتمثل بشعر للبعيث(6)ومجدولة جدل العنان خريدة *** لها شعر جعد ووجه مقسم
وثغر نقي اللون عذب مذاقه *** تضيء له الظلماء ساعة تبسم
وثديان كالحقين والبطن ضامر *** خميص ووجه ناره تتضره
لهوت بها ليل التمام ابن خالد *** وأنت بمرو الروذ غيظاً تجرمُ
أظل أناغيها وتحت ابن خالد *** أمية نهد المركلين عثمثمُ
طواه طراد الخيل في كل غارة *** لها عارض فيه الأسنة ترزمُ
يقارع أتراك ابن خاقان ليلة *** إِلى أن يرى الأصباح ما يتلعثم
فيصبح من طول الطراد وجسمه *** نحيل وأضحى في النعيم أصمُ
أَباكِرُها صهباء كالمسك ريحها *** لها أرج في دنّها حين يرسم
فشتّان ما بيني وبين ابن خالد *** أمية في الرزق الذي اللّه يقسم
.ثم التفت إليّ وقال : [أَبا الحارث ](7)إياي وإياك نجري إِلى غاية إن قصرنا عنها دممنا، وإن اجتهدنا في بلوغها (8)انقطعنا ، وإِنما نحن شعب من أصل، إن قوي قوينا، وإن ضعف ضعفنا .
إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء، يشاور النساء، ويعول(1)على الرؤيا وقد أمكن مسامعه (2)من أَهل اللّهو والخسارة (3)فهم يعدونه الظفر، ويمنونه عقب الأيام، والهلاك أسرع إِليه من السيل إِلى قيعان الرمل .
وقد خشيت أن نهلك بهلاكه [ ونعطب بعطبه ] (4)وأنت فارس العرب وابن فارسها، [ وقد ] (5)فزع إليك في [هذا الأَمر ] (6)ولقاء هذا الرجل، وأطعمه فيما قبلك أمران:
أحدهما: صدق طاعتك (7)[ وفضل النصيحة ] (8).
والآخر : [ يمن نقيبتك ] (9)وشدّة بأسك .
وقد أمرني بإزاحة علتك (10)وبسط يدك فيما أحببت. غير أن الاقتصار رأس النصيحة ومفتاح اليمن والبركة، فأنجز حوائجك، وعجل المبادرة إِلى عدوك، فإني أرجو أن يوليك اللّه شرف هذا الفتح، ويلم بك شعث هذه الخلافة.
فقلت : أنا [لطاعة ] (11)أَمير المؤمنين - أعزه اللّه تعالى (12)- وطاعتك مقدم، وعلى كل ما دخل به (13)الوهن والذل (14)على عدوكما (15)حريص، غير أن المحارب لا يعمل بالغدر، ولا يفتتح أمره بالتقصير ، والخلل (16)، وإِنما ملاك المحارب بالجنود، وملاك الجنود المال، وقد ملأ (17)أَمير المؤمنين أيدي من شهده من العساكر وتابع لهم الأرزاق والصلات، فإن سرت بأصحأَبي وقلوبهم متطلعة إِلى من خلفهم من إخوانهم لم أنتفع بهم في لقاء من أمامي، وقد فضَّل أَهل السلام على أَهل الحرب، وأجاز بأَهل الذمة والخفض منازل أَهل النصب والمشقة .
والذي أسأل أن يأمر لي بما يقيمني ويقيم أصحابي الذين تخرجونهم معي بما لا يتطلعون معه إِلى ما خلفهم.
1) في الكامل: ويعتزم .
2) في المخطوط: ما معه. والتصويب من الكامل.
3) في الكامل: الجسارة.
4) زيادة من الكامل .
5) زيادة من الكامل .
6) زيادة من الكامل .
7) في الكامل : الطاعة .
8) في الكامل : ما عليك .
9) زيادة من الكامل .
10) في الكامل : ما عليك .
11) زيادة من الكامل .
12) لم ترد هذه العبارة في الكامل
13) في الكامل : «فيه».
14) لم ترد هذه الكلمة في الكامل.
15) في الكامل : عدوه وعدوك .
16) زيادة من الكامل .
17) من قوله : وقد ملأ . . إِلى قوله : أَهل النصب والمشقة. هذه الفقرة لم ترد في الكامل، ثم ما بعدها جاء معناه أو مضمونه وليس فيه نصه .
قال : وما هو؟
قلت: رزق سنة تطلق لأصحأَبي، يحمل معهم رزق سنة، ويخص مَن لا خاصة له من أَهل العناء والبلاء .
وأحمل ألف رجل من أصحأَبي الذين معي على الخيل.
ولا أُسأل عن محاسبة ما افتتحت من المدن والكور(1).
قال : قد أشطط، ولا بد من مناظرة أَمير المؤمنين.
ثم ركب وركبت معه، ودخل قبلي [على الأمين](2)، ثم أذن لي فدخلت .
فما دار بيني وبين محمد إلا كلمتان حتى غضب، وأمر بحبسي .
فذكر بعض خاصة محمد: أن أسد قد اقترح على محمد أن يسلم إِليه ولدَيّ عبد اللّه المأمون، حتى يكونا أسيرين في يدي.
قال : أعطاني الطاعة وألقى بيده وإلا عملت فيهما بحكمي .
فقال محمد: أنت أعرأَبي مجنون تدعو إِلى الخرف والتخليط، وتقترح فوق قدرك، وأمر به فحُبس(3).
ثم قال محمد: هل في بيت هذا من يقوم مقامه فإني أكره أن أستفسدهم مع سابقتهم وما تقدّم من طاعتهم ونصيحتهم؟
قالوا: نعم، فيهم أَحمد بن يزيدة عمه، وهو أحسنهم طريقة، وأصلحهم نية وله مع هذا بأس ونجدة وبصر بسياسة الجنود ومباشرة الحروب.
فأنفذ إِليه محمد يزيداً فأقدمه عليه .
قال أَحمد : فلما دخلت بغداد بدأت بالفضل بن الربيع، فقلت: أسلم عليه واستعين بمنزلته ومحضره محمد.
فلما أذن لي دخلت عليه، وإذا عنده عبد اللّه بن حميد بن قحطبة، وهو يريده على الشخوص إِلى طاهر وعبد اللّه يشط عليه في طلب المال والسلاح، والإكثار من الرجال .
فلما رآني رَحَّبَ بي، وأخذ بيدي، فرفعني حتى صيَّرني معه على صدر المجلس ثم أقبل على عبد اللّه يمازحه ويداعبه، ثم تبسم في وجهه، ثم قال :
إنا وجدنا لكم إذرت حبلكم *** من آل شيبان أما دونكم وأَبا
الأكثرون إذا عد الحصى عدداً *** والأقربون إلينا منكم نسبا
فقال عبد اللّه : إنهم لكذلك، وإن فيهم لسد الخلل، ونكاء العدو.(1)
ثم أقبل على الفضل فقال : إن أَمير المؤمنين أجرى ذكرك، فوصفتك له بحسن الطاعة وفضل الصيحة والشدّة على أَهل المعصية، فأحب اصطناعك، والتنويه بك، وأن يرفعك إِلى منزلة لم يبلغها أحد من أَهل بيتك.
ثم التفت إِلى خادمه وقال : مُرّ بإسراج دوابي.
فلم ألبث أن أسرجت له ومضى ومضيت معه حتى دخلنا على محمد، وهو في صحن داره على سرير ،ساج فلم يزل يدنيني حتى كدت ألاصقه.
فقال : إنه قد كثر علي تخليط ابن أخيك، وطال خلافه حتى أوحشني ذلك منه، وولد في قلبي التهمة له وصيّرني بسوء مذهبه، وخبث طاعته إِلى أن تناولته من الحبس بما لم أكن أحب تناوله به وقد وُصفت لي بخير، ونسبت إِلى جميل وأحببت أن أرفع ،قدرك، وأعلي منزلتك وأقدمك على أَهل بيتك وأوليك جهاد هذه الفئة الباغية، وأعرضك للأجر والثواب في قتالهم ولقائهم فانظر كيف تكون، وصحح نيتك، وأعن أَمير المؤمنين [76/ب] على اصطناعك وتشريفك فقلت : أبذل في طاعة أَمير المؤمنين مهجتي وأبلغ جهاد عدوه أفضل ما أفضله وما أمله عندي ورجاه من غنائي وكفايتي إن شاء اللّه تعالى.
فقال : يا فضل ادفع إِليه دفاتر أصحاب أسد، واضمم إِليه من شهد العسكر من رجال الحرس والأعراب.
وقال لي : امش على أمرك، وعجل المسير إِلى عدوك.
فخرجت، فانتخبت الرجال، فبلغت عدة من صححت اسمه عشرين ألف رجل، ثم توجهت بهم إِلى حلوان .
وكان محمد ،وصّاه، فقال: إياك والبغي...(2)النصر، ولا تقدم رجلاً إلاّ باستخارة، ولا تشهر سيفاً إلا بعد إعذار، وأحسن صحابة من معك، وطالعني أَخبارك في كل يوم ولا تخاطر بنفسك طلباً للزلفة عندي ولا تستبقها فيما يتخوّف رجوعها عليّ، وكن لعبد اللّه بن حميد أخاً مصادقاً، أحسن صحبته ومعاشرته، ولا تخذله إن استنصرك، ولا تبطىء عليه إن استصرخك، وتكن أيديكما واحدة وكلمتكما متفقة.
ثم قال : سل حوائجك وعجل السراح إِلى عدوك.
فدعا له أَحمد وقال : يا أَمير المؤمنين تكثر الدعاء لي ولا تقبل في قول باغ، ولا .. (1)قبل المعرفة بموضع قدمي، ولا تنقض عليّ ما أستجمع من رأيي، ومنْ عليّ بالصفح عن ابن(2)أخي .
قال : ذلك لك .
فبعث إِلى أسد فحل قيوده وخلى سبيله .
فخرج أَحمد بن مزيد في عشرين ألف رجل من الأبناء، وقد وصيا بالتواد وبالتحاب (3).
فتوجها حتى نزلا قريباً من حلوان بموضع يقال: جانقين.
وأَقام طاهر بموضعه وخندق عليه .
ذكر ما احتال(4)به طاهر عليهما حتى اختلفا
ثم إن طاهراً دسّ إِليهما ،قوماً، فكانوا يأتون العسكرين بالأَخبار الباطلة والأراجيف الكاذبة، بأن محمداً قد وضع العطاء لأَصحابه وقد أمر لهم من الأرزاق بكذا وكذا، ولم يزل يحتال في وقوع الاختلاف والشغب بينهم حتى اختلفوا، وقاتل بعضهم بعضاً .
فأجلوا خانقين من غير أن يلقوا طاهراً حتى نزل حلوان، فلم يلبث طاهر بعد دخوله حلوان إلا يسيراً حتى أتاه هرثمة بن أعين كتاب المأمون والفضل بن سهل يأمرانه بتسليم ما حوى من المدن والكور إِليه والتوجه إِلى الأهواز، وفتحها.
فسلّم ذلك إِليه، وأَقام هرثمة بحلوان فحصنها ووضع المسالح والمراصد في طرقها وجبالها وتوجه طاهر إِلى الأهواز .
وفي هذه السنة: لما انتهى إِلى المأمون قتل علي بن عيسى تسمى، وسلّم عليه الفضل بذلك، وصح عنه الخبر بقتل طاهر عبد الرحمن بن جبلة الأنباري، وغلبته على عسكره.
فدعا الفضل بن سهل وعقد له على المشرق من جبل همذان إِلى جبل سفيان والتبت طولاً، ومن بحر فارس إِلى بحر الديلم [ وجرجان ](5)عرضاً وجعل له عمالة ثلاثة آلاف [ألف درهم](6)
وعقد له لواء على سنان ذي شعبتين وسماه ذا الرئاستين(1)
ولقبه ذا الرئاستين رئاسة الحرب، والقلم.
وحمل اللواء علي بن هشام وحمل القلم نعيم بن حازم.
وولي الحسن بن سهل ديوان الخراج .
.وفي هذه السنة : ولى محمد الأمين عبد الملك بن صالح بن علي، على الشام .
السبب في ذلك : أن طاهر لما قوي، واستعلى أمره، وهزم قواد محمد وجيوشه، وخلّ عبد الملك ابن صالح على محمد، وقد كان عبد الملك محبوساً [في أيام](2)الرشيد، فأطلقه محمد، وكان عبد الملك يشكر ذلك لمحمد ويوجب به على نفسه طاعته ومحبته .
ذكر الرأي (3)الذي أَشار به عبد الملك
فقال : يا أَمير المؤمنين (4)، إني أرى الناس قد طمعوا فيك، وأَهل العسكر قد أعيتهم [الهوام ] (5)ومضاة طعنوا بذلك، وقد بذلت سماعتك، فإن أتممت على عادتك أفسدتهم وأبطرتهم، وإن كففت يدك عن العطاء أسخطتهم وأغطبتهم وليس تملك الجنود بالإمساك ولا تبقى بيوت المال على الإنفاق والسرف.
مع هذا فإن جندك قد رعبتهم الهزائم ، وأضعفتهم الحروب، وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوهم ...(6)
فإن سيرتهم إِلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم وهزم بقوة نيته ضعف نياتهم، وأَهل الشام قوم قد ضرستهم الحروب وأدبتهم الشدائد وكلهم (7)منقاد إلي مسارع(8)إِلى طاعتي فإن وجهني أَمير المؤمنين اتخذت له منهم جنداً تعظم نكايتهم في عدوه.
فقال محمد : فإني موليك ومقويك بما سألت من مال وعدة فعجل الشخوص إِلى ما هناك، واعمل عملاً يظهر أثره ، وأَحمد بركة نظرك فيه.
فولاه الشام، واستحنّه استحثاثاً شديداً ووجه معه كثفاً من الجند .
1) بعد هذا تفسير في الكامل لهذه الكلمة فقال ابن الأثير:
2) زيادة يتطلبها السياق .
3) في المخطوط: رأي، وهو تحريف .
4) في المخطوط : فقال يا أَمير المؤمنين ذكر رأي أَشار به عبد الملك وهو تقديم وتأخير، فضبط السياق على ما يناسب المعنى .
5) زيادة من الكامل .
6) ثلاث كلمات لم أتبين قراءتها في المخطوط.
7) في المخطوط: وعليهم . والتصويب من الكامل .
8) في الكامل : متنازع .
فلما قدم عبد الملك الرقة أَرسل كتبه ورسله إِلى رؤساء أجناد الشام، ووجّه . . . (1)فلم يبق أحد ممن يرجى ويذكر جهاده إلا وعده وبسط أمله فقدموا عليه رئيس بعد رئيس، وفوج بعد فوج، فأجازهم وخلع على كل من قصده ووصله، وأتاه.
وأقبل الشام والأعراب من كل فج فاجتمعوا وكثروا .
ذكر اتفاق سيئ
واتفق أن بعض جند خراسان نظر إِلى دابة كانت أخذت منه في وقت سليمان بن أَبي جعفر تحت بعض الزواقيل فتعلّق بها وتصافحا واجتمعت جماعة من الزواقيل والجند فأغار كل واحد منهم [على] (2)صاحبه وتضاربوا بالأيدي .
ومشوا الأبناء بعضهم إِلى بعض وقالوا إن صبرنا لهم ركبوا بمثل هذا كل يوم، ،واستعدوا، وأتوا الزواقيل (3)، وهم غارون فوضعوا فيهم السيوف وذبحوهم في رحالهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة .
وتنادى الزواقيل فركبوا ونشبت الحرب، وبلغ عبد [77/ أ] الملك [الخبر ] (4)، فأنفذ رسولاً يأَمرهم بالكف ووضع السلاح فرموه بالحجارة.
وبلغ عبد الملك من قبل الزواقيل بأنهم خلق كثير مطروحون.
وكان مريضاً، فضرب بيد على يد ثم قال : واذلاه ، تستضام(5)العرب في دورها ،وبلادها وتقتتل هذه المقتلة.
فغضب من كان أمسك عن الشر [من الأبناء] (6)وتفاقم الأَمر فتنادى الناس، فقالوا (7): الهرب أولى من العطب والموت أهون من الذل اليقين قبل أن ينقطع الشمل ويفوت المطلب، ويعسر المهرب.
وقام رجل من كلب فقال :
1) موضع النقط كلمة لم أتبينها في المخطوط .
2) زيادة يتطلبها السياق .
3) في المخطوط : الزوايل والتصويب مما قبله وبعده من اسم هذه الفئة.
4) زيادة يتطلبها السياق .
5) في المخطوط: يتضام. والتصويب من الكامل .
6) زيادة من الكامل.
7) في الكامل : فقام رجل من أَهل حمص فقال يا أَهل حمص الهرب أهون من العطب، والموت أهون من الذل إنكم قد بعدتم عن بلادكم ترجون الكثرة بعد القلة والعزة بعد الذلة، ألا وفي الشر وقعتم وفي حومة الموت أنختم إن المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم النفير النفير قبل أن ينقطع السبيل، وينزل الأَمر الجليل، ويفوت المطلب، ويعسر المهرب.
شرّ يؤب حرب خاب من يصلاها *** قد أشرفت فرسانها قفاها
فأوردوا من لظى فناها *** إن عمرت كلب بها لحاها
ثم نادى: يا معشر كلب أَيها الراية السوداء واللّه ما ولت ولا ذل ناصرها، وإنكم آخر قوم مواقع سيوف خراسان في رقابكم فاعتزلوا الشر قبل أن يعظم، وتخطوه قبل أن يضطرم الناس شامكم شامكم، داركم داركم الموت الفلسطيني خير من العيش الحرري، ألا إني راجع، فمن أَراد الانصراف فلينصرف معي، وسار معه أَهل الشام.
وأقبلت الزواقيل حتى أضرموا ما كان جمعه التجار من جمعوا من الأعلاق بالنار (1)
ثم توفي عبد الملك بن صالح بالرقة هذه السنة
، وتفرّق ذلك العسكر .ثم اتفق موت عبد الملك بن صالح في الأيام فلم يبق لذلك الجند خبر .
وفي هذه السنة: خُلع محمد بن هارون الأمين وأخذت البيعة لأَخيه عبد اللّه المأمون ببغداد، وجلس محمد في قصر أَبي جعفر مع أم جعفر بنت جعفر بن أَبي جعفر وهي زبيدة.
ذكر السبب في ذلك
لما توفي عبد الملك بن صالح بالرقة ونادى الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان في الجند فصيَّر الرجالة في السفن والفرسان على(2)الظهر(3)ووصلهم، وقوّى ضعفاءهم خمدهم حتى أَخرجهم من بلاد الجزيرة، وذلك في سنة ست وتسعين ومائة .
فلما وصلوا بغداد تلقاه الأبناء بالتكرمة والتعظيم وضربوا له القباب واستقبله الرؤساء، وأَهل الشرف، ودخل منزله في أفضل كرامة وأحسن هيئة .
فلما كان في جوف الليل، بعث إِليه محمد يأمره بالركوب إِليه .
فقال للرسول : ما أنا بمعْنُ ولا مُضْحِك ، ولا صاحب جسارة، ولا جرى له على
1) زاد ابن الأثير بعد هذا فقال في الكامل : وأقبل نصر بن شبث العقيلي، ثم حمل وأَصحابه فقاتل قتالاً شديداً، وصبر الجند لهم، وكان أكثر القتل في الزواقيل لكثير بن قادرة وأَبي القيل، وداود بن موسى بن عيسى الخراساني. وانهزمت الزواقيل، وكان على حاميتهم يومئذ نصر بن شبث وعمرو بن عبد العزيز السلمي، والعباس بن زفر الكلابي.
2) في المخطوط: في . وهو تحريف.
3) في الكامل بعد هذه الكلمة قال : في رجب
يدي مال، ولا وليت له، ولأي شيء يريدني في هذه الساعة، انصرف، فإذا أصبحت غدوت إِليه إن شاء اللّه فانصرف الرسول .
وأصبح الحسين فوافي باب الجسر، واجتمع إِليه الناس.
فأمر بإغلاق الباب الذي يخرج منه إِلى قصر عبد اللّه بن علي، وباب سوق يحيى .
ثم قال : يا معشر الأبناء اسمعوا مني، إن خلافة اللّه لا تُجاور بالبطر، ونعمه لا تستصحب بالتجبر .
وإن محمداً يريد أن يوتغ (1)أديانكم (2)وينكث بيعتكم، وهو صاحب الزواقيل بالأمس، أَراد أن ينقل عزكم إِلى غيركم وباللّه لئن طالت به المدة ليرجعن وبال ذلك عليكم، فاقطعوا أثره قبل أن تنقطع (3)آثاركم ، وضعوا عزه قبل أن يضيع عزكم .
واللّه لا ينصره منكم ناصر إلا ذل، ولا يمنعه مانع إلا قل (4).
وما لأحد عند اللّه هوادة، ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده والحنث (5)بأيمانه .
ثم أمر الناس بعبور الجسر، فعبروا واجتمعت الحرسة وأَهل الأرياض،وتسرّعت إِليه خيول (6)محمد، فاقتتلوا.
وأمر الحسين من كان معه من خواص أَصحابه بالنزول فنزلوا، وصدقوا القتال حتى شفوهم.
فخلع الحسين محمد يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من رجب سنة [ست](7)وتسعين ومائة .
وأخذ البيعة لعبد اللّه المأمون من غد يوم الاثنين إِلى الليل.
وغدا محمد يوم الثلاثاء .
وقد كان العباس بن موسى الهاشمي قد دخل على محمد فأَخرجه من قصر الخلد (8)إِلى قصر أَبي جعفر، وحبسه هناك، وكذلك فعل بأم جعفر، فأبت أن تخرج،
1) في المخطوط: يوقع. والتصويب من هامش الكامل وقال محققه الوتع الإثم والهلاك والمهانة .
2) في الكامل: يوقع إذلالكم .
3) ينقطع في المخطوط وهو تحريف .
4) في المخطوط : قتل وهو تحريف والتصويب من الكامل.
5) في المخطوط : الخيول. وهو تحريف .
6) في المخطوط : قتل وهو تحريف والتصويب من الكامل.
7) زيادة يتطلبها السياق .
8) في المخطوط: قصر الجلد، وهو تحريف والتصويب من الكامل.
فقنَّعها بالسوط، وأغلظ لها في القول حتى جلست في محفة وأدخلت مع ابنها المدينة .
فلما أصبح الناس، طلبوا من الحسين الأرزاق وماج الناس بعضهم في بعض .
فقام محمد بن أَبي خالد بباب الشام، فقال: أَيها الناس، واللّه ما أدري بأي سبب تأمر (1)الحسين بن علي علينا، وتولى هذا الأَمر دوننا؟
ما هو أكبرنا سنَّا، ولا أكرمنا حسباً، ولا أعظمنا غني، وفينا من لا يرضى بالمدينة، ولا ينقاد للمخادعة، وإني أول من نقض عهده ، وأنكر فعله فمن كان رأيه رأيي فليعتزل (2)[معي](3)
وأقبل شيخ على فرس
.وقام كل رئيس ،قوم فتكلم وأنكر خلع محمد وأسره.
وأقبل شيخ كبير على فرس، فصاح : [أَيها ] (4)الناس اسكتوا، فسكتوا .
فقال : أَيها الناس، هل تعتدون على محمد بقطع منه لأرزاقكم؟
قالوا : لا
قال : فهل قصر بأحد من رؤسائكم؟
قالوا : لا .
قال : فهل عزل أحد من قوادكم عن قيادته؟
قالوا : لا .
قال : فما بالكم خذلتموه حتى خُلع وأُسر؟
أما واللّه ما قتل قوم خليفتهم إلا سلط اللّه تعالى عليهم السيف القاتل والحتف الجارف انهضوا إِلى خليفتكم فادفعوا عنه وقاتلوا من أَراد خلعه والفتك به.
ثم نهضت الحربية، وخف معهم عامة أَهل الأرباض في العدة الحسنة، فقاتلوا الحسين بن علي، وأَصحابه قتالاً شديداً عظيماً منذ ارتفاع النهار إِلى انكسار الشمس حتى هزموهم وأسروا [77/ب] الحسين بن علي.
ودخل الأسد الحربي على محمد فكسر قيوده وأقعده في مجلس الخلافة.
1) في المخطوط: يأمر . والتصويب من الكامل.
2) في المخطوط على هذا الرسم: فليغيرك، والتصويب من الكامل.
3) زيادة من الكامل، وزاد بعدها فقال : وقال أسد الحربي : يا معشر الحربية، هذا يوم له ما بعده، إنكم قد نمتم فطال نومكم، وتأخرتم فتقدّم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام بخلع الأمين فاذهبوا أنتم بذكر فكه وإطلاقه .
4) زيادة من الكامل .
فنظر محمد إِلى قوم ليس عليهم لباس الجند ، ولا عليهم سلاح.
فأَمرهم أن أخذوا السلاح من الخزائن قدر حاجتهم.
وانتهب الغوغاء بذلك السبب سلاحاً كثيراً، ومتاعاً آخر.
وأُتي بالحسين بن علي أسيراً، فلامه محمد ووبخه، وقال: ألم أملأ يده من الأموال؟ ألم أشرّق أقداركم، وأرفعكم على غيركم من القواد؟
قالوا: بلى.
قال : فبما استحققت منك أن تخلع طاعتي، وتغلب الناس عليّ؟
قال: خذلان اللّه يا أَمير المؤمنين، وأنت أكرم من عفى، فاصفح وتفضل .
قال : فإن أَمير المؤمنين قد فعل بك ذلك .
فاطلب بثأر أَبيك ومَن قُتل من أَهل بيتك، فقد وليتك ذلك .
ثم دعا بخلعه فخلعها (1)عليه وحمله على مراكب وولاه ما وراء بابه، وأمره بالمسير إِلى حلوان .
وخرج الحسين، وهنأه الناس، ثم خرج معه نفر من خاصته وموإِليه حتى عبر الجسر، ووقف حتى خف الناس، ثم قطع الجسر وهرب .
فنادی محمد في الناس، فركبوا في طلبه فأدركوه بمسجد كوثر على فراسخ (2)من بغداد في طريق هرمز فلما بصر بالخيل نزل فتحرّم وصلى ركعتين، وحمل عليهم حملات في كلها يهزمهم، ويقتل منهم حتى عثر به فرسه ،فسقط، فابتدره الناس طعناً، وضرباً حتى قتلوه(3).
فقال علي بن جبلة الحربي :
قاتل اللّه الأولى كفروا به *** وفازوا برأس الحسين
لقد أودوا منه قناة صليبة *** بشطب يماني ورمح رديني
وجافى خلاف الحق عن أوامره *** فألبسه التأصيل خف حنين
وفي هذه السنة : رحل طاهر بن الحسين حين قدم عليه هرثمة من حلوان إِلى الأهواز ، فقتل عامل محمد عليها ، وكان عامله محمد بن يزيد بن حاتم المهلبي.
1) في المخطوط : ثم عاد بخلعه فجعلها عليه والتصويب من الكامل.
2) في الكامل : فرسخ .
3) بعد هذا في الكامل : فسقط عنه فقتل وأخذوا رأسه . وقيل : إن الأمين كان استوزره وسلّم إِليه خاتمه، وجدّد الجند البيعة للأمين بعد قتل الحسين بيوم . وكان قتله خامس عشر رجب، فلما قتل الحسين بن علي هرب الفضل بن الربيع واختفى .
وكان السبب في ذلك : أن محمد بن يزيد المهلبي جمع جيوشاً كثيرة حين توجّه إِليه طاهر، وأقبل حتى نزل سوق عسكر مكرم، وصيّر العمران والماء وراء ظهره .
وخاف طاهر أن يعجل إِلى أَصحابه فجمعهم وسار ...(1)فجمع محمد بن يزيد أَصحابه وقال : ما ترون أطال القوم وأماطلهم اللقاء أم أناجزهم كانت لي أم علي؟
فواللّه لا أرجع إِلى أَمير المؤمنين أبداً وأنصرف عن الأهواز .
فقالوا: الرأي أن ترجع إِلى الأهواز .
فشخص لها وتفادى طاهراً اللقاء ، وتراوحه، وبعث فتفرض بها الفرض، وتستجيش بمَن قدرت عليه من قومك، فقبل ما أَشاروا به عليه، وتابعه قومه فرجع إِلى سوق الأهواز .
فحرص طاهر أن يسبقه إِليها قبل أن يتحصن بها، فلم يقدر على ذلك، وسبق محمد بن يزيد إِلى المدينة فدخلها وأسند إِلى ،عمران وعبىء أَصحابه، ودعا بالأموال فصبت بين يديه وقال لأَصحابه : من أَراد منكم المجايز والمنزلة فليعرفني أثره، وقاتل الناس بين يديه حتى ترادوا ورآهم محمد بن يزيد منهزمين .
فقال محمد بن يزيد لنفر كانوا معه من مواليه :
ما ترون؟
قالوا : في ماذا؟
قال : أرى من معي قد انهزم ولست آمل ،رجعتهم ولا آمن خذلان من بقي، وقد عزمت على النزول والقتال [بنفسي] (2)، حتى يقضي اللّه ما هو قاض، فمن أَراد منكم الانصراف فلينصرف .
فقالوا: واللّه ما أنصفناك، إذ عتقتنا من الرق، ورفعتنا من الضعة، وأغنيتنا بعد القلة لنضرك وقت الشدة، ثم نخذلك على هذه الحال، بل نقدم أمامك، ونموت تحت رحابك، فلعن اللّه الدنيا بعدك.
فنزلوا فعرقبوا دوابهم، وحملوا على أصحاب طاهر، وكان المتولي لقتاله قريش بن شبل فأكثروا فيهم القتل .
فانتهى بعض أصحاب قريش إِلى محمد بن يزيد، فطعنه بالرمح فقتله(3)
فمالت نفسي غير أني لم أطق *** حراكاً وإني كنت بالضرب مثخنا
ولو سلمت كفاي قاتلت دونه *** وضاربت عنه الطاهري الملعنا
فتى لا يرى أن يخذل السيف في الوغى *** إذا أدرع الهيجاء في النقع واكتنى
فحكى الهيثم بن عدي قال :
دخل ابن أَبي عيينة المهلبي على طاهر، فأنشده:
ما أساء ظني إلا لواحدة *** في الصدر محصورة عن الكلم
فتبسّم طاهر ثم قال : أما واللّه لقد ساءني من ذاك ما ساءك وآلمني منه [ما](1)آلمك، ولقد كنت كارهاً لما كان غير أن الحتف واقع والمنايا (2)نازلة، ولا بد من قطع الأوامر، والتنكر للأقارب في تأكيد الخلافة، والقيام بحق الطاعة.
قال : فظنينا أنه يريد محمد بن يزيد بن حاتم .
وأَقام طاهر بالأهواز حتى أنفذ العمال إِلى كورها وولّى اليمامة والبحرين وعمان مما يلي الأهواز ومما يلي البصرة.
ثم توجّه على طريق البر إِلى واسط، فجعلت المسالح تقوض مسلحة مسلحة، وعاملاً عاملاً ، كلما قرب منهم طاهر تركوا أعمالهم وهربوا حتى دخلوا واسط .
ووجه قائداً من قواده يقال له : أَحمد بن المهلب نحو الكوفة، وعليها يومئذ العباس [بن موسى] (3)الهادي .
فلما بلغه توجه خيل طاهر إِليه خلع محمداً وكتب بطاعته وبيعته إِلى طاهر(4).
ثم كتب منصور بن المهدي وكان عاملاً لمحمد على البصرة إِلى طاهر بطاعته .
كتب إِليه المطلب بن عبد اللّه وكان بالموصل ببيعته للمأمون وخلعه محمداً (5).
فأقرهم طاهر على ولايتهم وأعمالهم .
وكان طاهر نازلاً جرجرايا، ولما رآها قال نِعْمَ موضع العسكر، وعقد بها جسراً، وخندق (6)
فلما بلغ الأمين خبر عامله بالكوفة، وخلعه والبيعة للمأمون، وجّه محمد بن سليمان القائد ومحمد بن حماد البربري وأَمرهما أن يبيتا الحارث بن هشام وداود بالقصر، فبلغ الحارث الخبر، فركب هو وداود فعبرا في مخاضة في سوراء إِليهم فأوقعا بهم وقعة شديدة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزم أَهل بغداد ووجه الأمين أيضاً الفضل بن موسى بن عيسى الهاشمي عاملاً على الكوفة في خيل .
فبلغ طاهر الخبر، فوجه محمد بن العلاء في جيش إِلى طريقه، فلقي الفضل بقرية الأعراب، فبعث إِليه الفضل : إني سامع مطيع ، وإِنما كان مخرجي كيداً مني لمحمد الأمين.
فقال له ابن العلاء: لست أعرف ما تقول، فإن أردت طاهراً، فأرجع وراءك فهو أسهل الطريق، فرجع الفضل .
فقال محمد بن العلاء كونوا على حذر فلا آمن مكره، ثم إن الفضل رجع إِلى ابن العلاء وهو يظن أنه على غير أهبة فرآه متيقظاً حذراً، فاقتتلوا قتالاً شديداً كأشد ما يكون القتال فانهزم الفضل وأَصحابه.
.فلما وردت عليه كتب أَهل هذه المدائن بالتسليم سار منها إِلى نهر صرصر وعقد بها جسراً .
وأخذ أصحاب طاهر المدائن .
فحكي أن : [78/أ] طاهراً لما توجه إِلى المدائن كان فيها خيل كثيرة لمحمد وعليهم البرمكي، وقد تحصن بها والمدد يأتيه في كل يوم، والصلات والخلع .
فلما قرب (1)طاهر منها ، قدم قريش بن شبل على مقدمته .
فلما سمع أصحاب البرمكي طبوله أسرجوا الدواب وأخذ البرمكية في تعبية الرجال، وجعل من في أوائل الناس يضم إِلى آخرهم فيردهم البرمكي، ويسوي صفوفهم، فكلما سوّى صفا انتفض عليه، فقال:
«اللّهم إنا نعوذ بك من الخذلان».
ثم التفت إِلى صاحب ساقته ، وقال : خلّ سبيل الناس فإني أرى جنداً لا خير عندهم.
فركب بعضهم بعضاً نحو بغداد.
ونزل طاهر بن الحسين المدائن وقدم قريش بن شبل، والعباس بن نجار أخذاه إِلى دار ريحان .
وكان نصر بن المنصور بن نصر بن مالك، وأَحمد بن سعيد الحرشي معسكرين بنهر دبالي، فمضى أصحاب البرمكي من الجوارة إِلى بغداد.
وتقدّم طاهر حتى سار إِلى دار ریحان جبال ،نصر، وأَحمد، ثم صيّر إِليهما الرجال في السفن للقتال، فلم يجرِ بينهم قتال حتى انهزموا وأخذ طاهر نحو اليسار إِلى نهر صرصر، فعقد بها جسراً ونزلها .
وفي هذه السنة : خلع داود بن عيسى بن موسى عامل مكة والمدينة محمد وبايع
1) في المخطوط قدم والتصويب من الكامل.
المأمون وأخذ البيعة بهما على الناس وكتب بذلك إِلى طاهر بن الحسين ثم خرج بنفسه
ذكر السبب في ذلك
إن محمد كتب إِلى داود بن عيسى بخلع عبد اللّه المأمون والبيعة لابنه موسى وبعث بجند إِلى الكتابين الذين كتبهما هارون وخلفهما في الكعبة فأخذهما .
فلما بلغه في هذا الوقت غلبة طاهر على البلاد وقتله من قتل، جمع حجبة الكعبة وأَهل الشرف والفقهاء فذكرهم عهد الرشيد إِليهم والمواثيق التي أخذها عند بيت اللّه الحرام عليهم حين بايع لابنه أن لنكونن (1)مع المظلوم منهما على الظالم.
ثم قال : وقد رأيتم محمداً كيف بدأ بالظلم والبغي على إخوته؟
وكيف بايع لابنه هو طفل رضيع لم يفطم ؟
واستخرج الكتابين من الكعبة غاصباً ظالماً فحرقهما بالنار .
وقد رأيت خلعه، ومبايعة عبد اللّه المأمون بالخلافة إن كان مظلوماً مبغيًا عليه .
فقال القوم بأجمعهم : رأينا رأيك.
فوعدهم صلاة الظهر، فأَرسل إِلى فجاج مكة صائحاً يصيح الصلاة جامعة .
فلما اجتمع الناس صلّى بهم الظهر، وكان وضع له المنبر بين الركن والمقام فصعده، وكان داود فصيحاً جهراً، فخطب خطبة حسنة ذكرهم فيها بالشرف والتقدمة، وأن المسلمين وفود اللّه إليكم، وبكم تأتم الناس.
ثم ذكّرهم عهد الرشيد وما جرى في الكتابين وعظم عليهم الأَمر ودعاهم إِلى خلع محمد والبيعة للمأمون .
وقال : إني قد خلعت (2)محمداً كما خلعت(3)قلنسوتي هذه ورمى ورمى بها بها عن عن رأسه إِلى بعض الخدم تحته - وكانت من خز وحبرة حمراء مسلسلة - وأتي بقلنسوة سوداء هاشمية فلبسها [وقال] (4): وقد بايعت لعبد اللّه المأمون أَمير المؤمنين ألا فقوموا إِلى البيعة .
فصعد إِليه من قرب من الوجوه والأشراف رجلاً رجلاً إِلى وقت العصر.
ثم نزل وصلّى بالناس وجلس ناحية وتتابع الناس عليه جماعة جماعة تقرأ كتاب البيعة ويصافحونه، فعل ذلك أياماً .
وكتب إِلى ابنه سليمان بن ،داود وكان خليفته على المدينة يأمره أن يفعل بالمدينة
كما فعل هو بمكة .
ثم رحل يريد المأمون بمرو، فمرّ على البصرة، ثم مرّ على فارس، ثم على كرمان حتى صار إِلى المأمون بمرو(1)فسر به وتيمّن ببركة مكة والمدينة، وكتب إِليهم كتابا لطيفاً يعدهم فيه الخير .
وأمر أن يكتب لداود عهدان على مكة والمدينة ،وأعمالهما، وزيد [إِليه](2)ولاية عك، وعقد له على ذلك ألوية .
وكتب إِلى الري بمعونة خمسمائة ألف درهم.
وورد داود ومن معه بغداد، فنزل على طاهر بن الحسين، فأكرمه وقربه، ووجه معه يزيد بن جرير بن خالد بن عبد اللّه القسري.
وعقد له طاهر على ولاية ،اليمن، وبعث معه خيلاً كثيفاً، وكان ضمن له يزيد بن جرير أن يستميل قومه وعشيرته من ملوك اليمن حتى يخلعوا محمداً ويبايعوا المأمون. وساروا جميعاً، فأَقام داود على عمله بمكة ومضى يزيد بن جرير إِلى اليمن، فدعا أَهلها إِلى البيعة للمأمون وخلع ،محمد وقرأ عليهم كتاب طاهر، وأعلمهم عدل المأمون وإنصافه، ووعدهم ومناهم فأجابه أَهل اليمن واستبشروا، فسار فيهم يزيد بأحسن سيرة، وكتب بإجابتهم وبيعتهم .
وفي هذه السنة : عقد محمد(3)نحو أربعمائة لواء القواد شتى، وأمَّرَ على جميعهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك.
وأَمرهم بالمسير إِلى هرثمة بن أعين فساروا والتقوا .. (4)وهزمهم ،هرثمة، وأسر علي بن محمد بن نهيك فبعث به [إِلى المأمون، ورحل ] (5)هرثمة فنزل النهروان .
واستأمن إِلى محمد جماعة من أصحاب طاهر، ففرّق فيهم محمداً مالاً عظيماً، وقود(6)منهم جماعة وغلف (7)لحاهم بالغالية (8)، فسُمُوا قواد الغالية .
1) في المخطوط : بمن وهو تحريف.
2) زيادة من الكامل.
3) في الكامل بعدها في رجب وشعبان .
4) كلمة غير مفهومة المعنى في هذا الموضع من السياق هي: «تحللنا». وفي الكامل : فالتقوا بنواحي النهروان في رمضان، فانهزموا .
5) زيادة من الكامل .
6) أي صيرهم قادة ورؤساء.
7) في المخطوط : علل والتصويب من الكامل.
8) نوع جيد جدا من الطيب غالي الثمن زكي الرائحة .
سبب استئمان أصحاب طاهر
ما كان يبلغهم من عطاء محمد وبذله الأموال والكسى.
فخرج من عسكر طاهر نحو من خمسة آلاف رجل من أَهل ،خراسان فسُرَّ بهم محمد ووعدهم ومناهم وأثبت أسماءهم في الثمانين .
ودسّ محمد إِلى أصحاب طاهر، وفرّق فيهم [78/ب] الجواسيس، وأطمعهم، ورغبهما، فشغبوا على طاهر(1)
وستأمن كثير منهم إِلى الأمين، فانضموا إِلى عسكره وساروا حتى أتوا صرصراً .
فعبّى طاهر أَصحابه كراديس، وسار فيهم يمنيهم، ويحرضهم ويعدهم النصر .
ثم تقدّم فاقتتلوا ملياً من النهار، فانهزم أصحاب الأمين، وغنم عسكر طاهر ما كان لهم من السلاح، والدواب وغير ذلك .
وبلغ ذلك الأمين، فأَخرج الأموال وفرقها وجمع أَهل الأرباض ، وقود منهم جماعة، وفرق فيهم الأموال، وأعطى كل قائد منهم قارورة غالية، ولم يفرّق في أجناد القواد شيئاً.
فبلغ ذلك طاهراً فراسلهم ، ووعدهم واستمالهم، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم فشغبوا على الأمين في ذي الحجة، فصعب الأَمر عليه فأَشار عليه أَصحابه باستمالتهم والإحسان إِليهم فلم يفعل رأمر بقتالهم جماعة من المستأمنة والمحدثين فقاتلوهم.
.وأَرسل طاهر عيونه وجواسيس بغداد بأن يغري أصاغرهم بأكابرهم، لأنه فرّق بالأكابر خاصة ،مال فشغبوا على محمد.
ثم أَخرج محمد المستأمنة مع خلق كثير مع كل عشرة منهم طبل إِلى طاهر، فأرعدوا وأجلبوا حتى أشرفوا على نهر صرصر .
فعبّى طاهر أَصحابه كراديس، وجعل يمرّ على كردوس [كردوس ](2)فيقول : لا يغرنكم كثرة ما ترون فإن النصر مع الصدق والفلاح مع الصبر .
ثم أَمرهم بالتقدّم فصبر الفريقان ، ثم انهزم أَهل بغداد، وانتهبهم أصحاب طاهر.
ثم كثر الشعب على محمد، ونقب (3)أَهل السجون سجونهم، وخرجوا، وفتن الناس، ووثب [الشطار ] (4)على أَهل الصلاح والدعاء فعن الفاجر وذلّ المؤمن واختل الصالح، وساءت حال الناس إلا من كان في عسكر طاهر لتفقده الأمور.[ وأخذه على أيدي السفهاء ] (5)وغادي القتال ورواحه حتى خربت بغداد، وتواكل
الفريقان، وقاتل الأخ أخاه والابن أَباه وأخرب الناس(1)
وحج بالناس هذه السنة : العباس بن موسى بن عيسى بن موسى ودعا للمأمون بالخلافة، وهو أول موسم دُعِي له فيه بالخلافة بمكة والمدينة .
وفي هذه السنة :ثار أَبو عاصم ومَن وافقه على إِبراهيم بن الأغلب أَمير إفريقية، فحاربهم إِبراهيم فظفر بهم .
وفيها: استعمل ابن الأغلب ابنه عبد اللّه على طرابلس الغرب، فلما قدم إِليها ثار عليه الجند فحصروه في داره، ثم اصطلحوا على أن يخرج عنهم .
فخرج عنهم، فلم يبعد عن البلد حتى اجتمع إِليه كثير من الناس، ووضع العطاء، فأتاه البربر من كل ناحية .
وكان يعطي الفارس كل يوم أَربعة دراهم، ويعطي الراجل في اليوم در همين.
فاجتمع له عدد كثير فزحف بهم إِلى طرابلس فخرج إِليه الجند ،فاقتتلوا فانهزم جند طرابلس ودخل عبد اللّه المدينة، وأمَّنَ الناس وأَقام بها .
ثم عزله أَبوه واستعمل بعده سفيان بن المضاء، فثارت هوارة ،طرابلس، فخرج الجند إِليهم ،والتقوا، واقتتلوا، فهزم الجند إِلى المدينة، فتبعهم هوارة فخرج الجند هاربين إِلى الأَمير إِبراهيم بن الأغلب ودخلوا المدينة، فهدموا أسوارها .
وبلغ ذلك إِبراهيم بن الأغلب، فسيّر إِليهم ابنه أَبا العباس عبد اللّه في ثلاثة عشر ألف فارس، فاقتتل هو والبربر فانهزم البربر، وقتل كثيراً منهم ودخل طرابلس وبنى سورها .
وبلغ خبر هزيمة البربر إِلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم وجمع البربر وحرّضهم، وأقبل بهم إِلى طرابلس، وهم جمع عظيم عصباً للبربر ونصرة لهم ، فنزلوا على طرابلس، وحصروها .
فسَدَّ أَبو العباس عبد اللّه بن إِبراهيم باب زناتة وكان يقاتل من باب هوارة، ولم يزل كذلك إِلى أن توفي أَبوه إِبراهيم بن الأغلب وعهد بالإمارة إِلى ولده عبد اللّه .
فأخذ أخوه زيادة اللّه بن إِبراهيم له العهود على الجند، وسير الكتاب إِلى أَخيه عبد اللّه يخبره بموت أَبيه وبالإمارة له فأخذ البربر الرسول والكتاب، ودفعوه إِلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم فأمر بأن ينادي عبد اللّه بن إِبراهيم بموت أَبيه .
فصالحهم على أن يكون البلد والبحر لعبد اللّه وما كان خارجاً من ذلك يكون لعبد الوهاب . وسار عبد اللّه إِلى القيروان فلقيه الناس وتسلّم الأَمر.
وكانت أيامه أيام سكن ودِعَةٍ .
.ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة
وفي هذه السنة حاصر طاهر وهرثمة بن أعين وزهير بن المسيب محمداً ببغداد
أما زهير: فنزل قصراً ببرقة كلواذي، ونصب المجانيق والعرادات وحفر الخنادق، وكان يخرج في الأيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر فيرمي بالعرادات من أقبل ومن أدبر ، ويعشر أموال التجار ويجتبي السفن، وأذى الناس، وبلغ بهم كل مبلغ، [وبلغ] (2)أمره طاهر وأَباه الناس فشكوا ما نزل من أمر زهير .
ثم قصده الناس بالحرب، وبلغ ذلك هرثمة، فأمدّه بالجند، فقد كاد يؤخذ، فأمسك عنه الناس.
وأما هرثمة: فنزل نَهْر بيْنَ، وعمل عليه خندقاً وسوراً، ونزل عبيد اللّه بن الوضّاح بالشماسية، ونزل طاهر بالبستان الذي بباب الأنبار .
فلما نزله شقّ ذلك على الأمين، وتفرّق ما كان بيده من الأموال.
فأمر ببيع ما كان في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذهب والفضة دنانير ودراهم ليفرقها في أَصحابه، وفي نفقاته (1).
واستأمن إِلى طاهر بن الحسين سعيد بن مالك بن ،قادم فولاه ناحية من الأسواق وشاطىء دجلة وما اتصل به أمامه إِلى جسور دجلة .
وأمر بحفر الخنادق وبناء الحيطان في كل ما غلب عليه من الدور، والدواب، والنفقات والفعلة ،والفرسان والسلاح.
وكثر الخراب والهدم حتى درست محاسن بغداد.
وأَرسل إِلى أَهل الأرباض من طريق الأنبار، وباب الكوفة، وما يليها .
فكلما أجابه أَهل ناحية خندق عليها، ووضع مسالحه وأعلامه، ومن أبى إجابته والدخول في طاعته ناصبه وقاتله وأحرق منزله وفعل ذلك قواده وفرسانه ورجالته حتى أوحشت بغداد، وقال الشعراء في ذلك أشياء كثيرة، لم نجد فيه ما نختاره (2)
أتسرع الرحلة أغذاذا *** عن جانبی بغداد أماذا
أما ترى الفتنة قد ألفت *** إِلى أولي الفتنة شذاذا
وانتقضت بغداد عمرانها *** عن رأي لا ذاك ولا هذا
هدماً وحرقاً قد أَبا د أَهلها *** عقوبة لاذت بمَن لاذا
ما أحسن الحالات إن لم تعد *** بغداد في القلة بغداذا
.وسمّى طاهر الأرباض التي خالفه سكانها، ومدينة أَبي جعفر، الشرقية، وأسواق الكرخ ، وما والاها دار النكث .
وقبض ضياع مَن لم يخرج(3)إِليه من بني هاشم والقوّاد والموالي، وغلاتهم حيث كانت من عمله .
فذلُّوا، وانكسروا، وتواكلت الأجناد عن القتال إلا باعة الطريق، والعداة، وأَهل السجون والأوباش، والطرارين [ فكانوا ينهبون أموال الناس].
وكان الأمين قد تقدّم إِلى خالد بن أَبي الصفراء والهرش بإبا حتهم النهب، والاستعانة بهم على قتال طاهر .
وكان محمد بن عيسى بن نهيك صاحب شرطة محمد يقاتل مع الأفارقة وأَهل السجون والأوباش .
وكان محمد بن عيسى غير مداهن في أمر محمد، وكان مهيباً في الحرب.
وكان من يجري مجراه من أصحاب محمد على إقرارهم، وكان موكلاً بقصر صالح وسليمان بن أَبي جعفر، وفي يده مجانيق وعرادات تحفظ بها في يده من تلك النواحي على حد الجسور.
فأمر الباعة والغوغاء، والعراة باتخاذ تراس من البواري وبالرمي بالمقاليع وما أشبهها .
وكانوا يقاتلون، ويؤثرون في أصحاب طاهر، وهرثمة . ومحمد قد أقبل على اللّهو والشرب، ووكل الأَمر كله إِلى محمد بن عيسى بن نهيك، وإِلى الهرش .
فأما الفضل بن الربيع فإنه استتر واختفى أمره قبل أن ينتهي بهم الأَمر إِلى هذا بزمان كثير .
فاستكلب الهبارون والعراة وسلبوا من قدروا عليه من الرجال والنساء والضعفاء وأَهل الذمة والملة .
وكان منهم في ذلك ما لم يبلغنا أن مثله كان في شيء من الأوقات المتقدمة (1)
فلما طال ذلك بالناس خرج عن بغداد من كانت به قوة .
وكان أحدهم إذا خرج أمن على ماله ونفسه، وكان مثلهم كما قال اللّه تعالى: (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) [الحديد: 13] .
و خرج عنها قوم بعلة الحج ففي ذلك يقول شاعرهم :
أظهر الحج وما ينوونه *** بل من الهرش يريدون الهرب
كم أناس أصبحوا في غبطة *** دخل الهرش عليهم بالعطب
وقال بعض فتيان بغداد:
بكيت دماً على بغداد لما *** فقدت غضارة العيش الأنيق
تبدلنا هموماً من سرور *** ومن سعة تبدلنا بضيق
أصابتنا من الحسّاد عين *** فأفنت أَهلها بالمنجنيق
وقوماً أحرقوا بالنار قسراً *** ونائحة تنوح على غريق
وصائحة تنادي وأصباحاً *** وباكية لفقدان الشقيق
وحوراء المدامع ذات دَلّ *** مضمخة المجاسد بالخلوق
تفرّ من الحريق إِلى انتهاب *** ووالدها يفرّ إِلى الحريق
وسالبة الغزالة مقلتيها *** مضاحكها كلألاء البروق
حيارى هكذا ومفكرات *** عليهن القلائد في الحلوق
ينادين الشفيق ولا شفيق *** وقد فُقد الشفيق من الشفيق
[وقوم أَخرجوا من ظل دنيا *** متاعهم يباع بكل سوق]
ومغترب قريب الدار ملقى *** بلا رأس بقارعة الطريق
توسط من قتالهم جميعاً *** لمايدور من أي الفريق
فما ولد يقيم على أَبيه *** وقد فرّ الصديق عن الصديق
ومهما أنس من شيء تولى *** فإني ذاكر دار الرفيق
.1) ذكر ابن الأثير طرفاً من ذلك في الكامل فقال بعد ذلك :
فأما في المستأنف فقد جرت أمور عظام قبيحة مثل هذا، وأقبح منه سنذكرها إذا بلغنا إِليها إن شاء اللّه تعالى .
فطال ذلك على الناس، وضاقت بغداد بأَهلها استأمن محمد بن عيسى صاحب الشرطة وعلى أفرادهم والي طاهر .
فضعف أمر محمد جدَّا وأيقن بالهلاك، وخرج من بغداد كل من كانت به قوة بعد العذر القادح، وبعد المصانعة العظيمة والخطر الفاحش.
وكان الرجل أو المرأة إذا تخلّص من أصحاب الهرش، وصار إِلى أصحاب طاهر ذهب عنه الروع ، وأمِنَ وأظهرت المرأة ما معها من حليها وغير ذلك، وكذلك الرجل .
ولما صارت الحرب بين العيارين وبين أصحاب طاهر خرج قائد من قواد خراسان ممن كان مع طاهر بن الحسين من أَهل البأس والنجدة فنظر إِلى قوم [79/أ] عراة لا سلاح معهم فاستهان بهم واستحقرهم وقال لأَصحابه ما يقاتلنا إلا من هزاري ، قالوا :نعم هؤلاء الذين تستحقرهم هم البلاء والآفة (1).
قال : أفٍّ لكم حين تنهزمون (2)عن هؤلاء، وتنكصون عنهم، وأنتم في السلاح الظاهر والعدة [والقوّة ] (3)، وأنتم أصحاب الشجاعة والبسالة، وما عسى أن يبلغ كيد هؤلاء بلا سلاح ولا جنة [تقيهم] (4)؟
ثم أوتر قوسه، وتقدّم ووضعه عينه على بعضهم فقعد نحوه وفي يده بارية(5)مقيرة، وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة .
فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر بالجفنة فكلما وقع في ترسه سهم أخذه، وصاح دانق، أي ثمن الشاب (1)دانق قد أحرزه . :
فلم يزل حال الخراساني، وحال العيار تلك حتى أنفد الخراساني سهامه .
ثم حمل على العيار ليضربه بسيفه فأَخرج العيار من مخلاته حجراً فجعله في
مقلاعه ورماه فما أخطأ به عينه ثم ثناه صريعاً، فكاد يصرعه عن فرسه لولا تحامله وكرَّ راجعاً، وهو يقول : ما هؤلاء بأنس.
فحُدِّث طاهر بحديثه، فاستضحك وأعفى الخراساني من الخروج إِليهم.
وقال بعض الشعراء :
خرجت هذه الحروب رجالاً *** لا لقحطانها ولا لنزار
معشر في جواشن الصوف يعدون *** إِلى الحرب كالأسود الضواري
عليهم مغافر الخوص بحربهم *** على البيض والتراس والبواري
ليس يدرون ما الفرار إذ *** الأبطال عادوا من القنا بالفرار
واحد منهم يشتد على ألفين *** عرياناً ما له من إزارِ
ويقول الفتى إذا طعن الطعنة *** خذها من الفتى العيار
في أَبيات كثيرة، ووصفهم الشعراء كثيراً.
وأخذ طاهر في الهدم والحرق على من خالفه، ومنع الملاحين وغيرهم من إدخال شيء إِلى بغداد، ووضع الرصد عليهم .
وكان يحوي في كل يوم ناحية بعد ناحية ويخندق عليها، ويقيم عليها المقاتلة.
فكان أصحاب محمد ينقصون ، حتى لقد كان أصحاب طاهر يهدمون الدار وينصرفون ، فيقلع أَبوابها وسقوفها أصحاب محمد، فيكونون أضر عليهم من أصحاب طاهر(2)
لنا كل يوم ثمة لا تسدُّها *** يزيدون فيما يطلبون وننقص
إذا هدموا داراً أخذنا سقوفها *** ونحن لأخرى غيرها نتربص
فإن حرصوا يوماً على الشر جهدهم *** فغوغاؤنا منهم على الشر أحرص
فقد ضيَّقوا من أرضنا كل واسع *** صار لهم أَهل بها وتعرّصوا
يثيرون بالطبل القنيص فإن بدا *** لهم وجة صيد من قريب تقنصوا
لقد أفسدوا شرق البلاد وغربها *** علينا فما تدري إِلى أين نشخص
إذا حضروا قالوا بما يعرفونه *** وإن لم يروا شيئاً قبيحاً تخرصوا
وما قتل الأبطال مثل مجرب *** رسول المنايا ليلة يتلصّص
في أَبيات غيرها .
.ولما منع طاهر الميرة من بغداد، وكان يأخذ من كل سفينة وتحمل دقيقاً أو غيره مالاً [ فاشتد ذلك عليهم و] (1)غلت الأسعار، وصار أمر الناس إِلى القنوط واليأس من القرح، وحسد المقيم منهم من قد خرج عنها (2).
وآل أمر محمد أن أمر غلامه زريح ببيع الأموال، فطلبها عند من وجدها، وأمر الهرش بطاعته.
وكان يهجم على الناس في منازلهم ويبيتهم ليلاً، ويأخذ بالظنَّة (3)
ووقعة بالشماسية خرج فيها حاتم بن الصقر في العيارين وغيرهم إِلى عبيد اللّه بن الوضاح فأوقعوا به، وهو لا يعلم فانهزم عنهم، وغلبوه على الشماسية.
فأتاه هر ثمة يعينه، فأسره بعض أصحاب الأمين ، وهو لا يعرفه، فقاتل عليه بعض أَصحابه حتى خلصه . وانهزم أصحاب هرثمة فلم يرجعوا يومين .
، فجبى بذلك السبب أموالاً كثيرة وأَهلك خلقاًثم إن حاتم بن الصقر - من قواد محمد - كان قد واعد أَصحابه العرّادون [وقد] واقعوا عبيد اللّه بن الوضاح ليلاً، فمضوا إِلى عبيد اللّه مفاجأة وهو لا يعلم، فأوقعوا به وقعة أزالوه عن موضعه وولّى منهزماً ، فأصابوا له خيلاً وسلاحاً.
الخبر عن هزيمة هرثمة
وبلغ الخبر هرثمة، فأقبل في أَصحابه لنصرته وليرد العسكر إِلى موضعه .
فوافاه أصحاب محمد، ونشبت الحرب بينهم، فأسر رجل من العراة هرثمة ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب (4)هرثمة على العريان فقطع يده وخلص هرثمة منهم (5).
وبلغ خبره أَهل عسكره فتقوّض بما فيه وخرج أَهله هاربين على وجوههم.
وحجز الليل أصحاب محمد عن الطلب والنهب والأسر، فلم يتراجع أصحاب هر ثمة إلا بعد يومين أو ثلاثة .
وقويت العراة بما صار في أيديهم، وقيلت في هذه الوقعة أشعار كثيرة .
وبلغ طاهر هزيمة (6)عبيد اللّه بن الوضاح وهرثمة وما صار إِلى العراة من سلاحهم وأموالهم .
1) زيادة من الكامل.
2) تكررت بعدها عبارة وصار أمر الناس إِلى القنوط ، وقد سبقت قبل قليل .
3) في الكامل الخبر بعد ذلك على نحو ما هنا إلا أنه فيه أوضح وأظهر فقال ابن الأثير : ثم كان بينهم وقعة بدرب الحجارة، قتل فيها من أصحاب طاهر خلق كثير .
4) في المخطوط : أَصحابه. وهو تحريف.
5) في المخطوط: منهزماً. وهو تحريف والتصويب من الكامل.
6) فى المخطوط: هرثمة، وهو تحريف .
واشتدّ عليه وقام منه وقعد ووجّه إِلى أَصحابه وعبأهم، وأمر بعقد جسر فوق الشماسية . وخرج معهم إِلى الجسر، فعبروا إِليهم واقتتلوا أشد قتال يكون حتى ردُّوا أصحاب محمد، وأزالوهم عن الشماسية ورد إِليها جند عبيد اللّه(1)، وهرثمة.
وكان محمد...(2)تنقص قصوره مجالسته بالخيزرانية (3)
ألف ألف درهم .
النفقة عليها بلغت عشرين ألف ألف وقتل من العيارين كثير ، فضعف أمر الأمين، فأيقن بالهلاك، وهرب منه عبد اللّه بن خازم ...
ثم إن الهرش خرج ومعه لفيفة وجماعة إِلى جزيرة العباس، وكانت ناحية لم يقاتل فيها، فخرج إِليه بعض أصحاب طاهر فقاتلوه، فقوي عليهم، فأمدهم طاهر بجند آخر فأقعوا بالهرش وأَصحابه وقعة شديدة فغرق منهم بشر كثير ، وضجر الأمين وخاف حتى قال يوماً : وددت . . .
بعد ظفر العراة بألفي ألف درهم في مواضعها وقد كانت النفقة عليها ألف ألف درهم، فحرقها أصحاب طاهر، وكانت السقوف مذهبة .وهرب عبد اللّه بن خازم بن خزيمة لأن محمداً اتهمه، وتحامل عليه قوم من السفلة والغدّارين فخافهم على نفسه .
فلحق بالمدائن ليلاً في السفن بعياله وولده وأَقام بها، ولم يحضر شيئاً من القتال.
وفعل ذلك بمواطأة طاهر .
وضاق على محمد أمره، ونفذ ما كان عنده ولم تبق له حيلة، وطلب الناس الأرزاق.
فقال عند ضجره بذلك : وددت أن اللّه قتل الفريقين جميعاً وأراحني منهم فما منهم إلا عدو، أما هؤلاء فيريدون مالي ولم يبقَ .
وأما هؤلاء فيريدون نفسي(4)
وحج بالناس هذه السنة : العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إياه على الموسم بأمر أَمير المؤمنين المأمون.
وفيها: سار المؤتمن بن الرشيد ومنصور بن المهدي إِلى المأمون بخراسان .
فوجّه المأمون أخاه المؤتمن إِلى جرجان .
وفيها: كان بالأندلس غلاء شديد وكان الناس يطوون الأيام، ويتعللون بما يضبط النفس .
وفيها: مات وكيع بن الجراح الرؤاسي بفيد وقد عاد عن الحج .
وبقية بن الوليد الحمصي ، وكان مولده سنة عشر ومائة .
ومحمد بن مليح بن سليمان الأسلمي
ومعاذ بن معاذ أَبو المثنى العنبري وله سبع وسبعون سنة .
.ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة
وفيها : كاتب طاهر خزيمة بن خازم يذكر له أن الأَمر إن انقطع بينه وبين محمد ولم يكن له أمن في نصرته لم يقصر في مكروهه فأما صاحبتنا عن قليل فاختر لنفسك ولنا .
فكتب إِلى طاهر بطاعته وأخبره أنه لو كان هو النازل في الجانب الشرقي في مكان هرثمة لكان يحمل نفسه على كل هول ، وأعلمه [قلّة ] (1)ثقته بهرثمة، ويناشده أن لا يحمله على مكروه عظيم إلا أن يضمن له القيام ،دونه ووعده بإدخال هرثمة وقلع [79/ ب] الجسر، وأنه يتبع هواه، وتؤثر رضاه وأنه إن لم يضمن ذلك له (2)، فليس يسعه تعريضه للسفلة والغوغاء والرعاع والتلف.
فكتب طاهر إِلى هرثمة يلومه ويعجزه، ويقول :
جمعت الأجناد، وأتلفت الأموال دون أَمير المؤمنين ودوني في مثل حاجتي إِلى النفقات، وقد توقفت عن أمر هيئة شوكته (3)يسير أمره توقف المحجم الهائب له فاستعد للدخول [إِليهم] (4)فقد أحكمت الأَمر على دفع (5)العسكر ، وقطع الجسور، وأرجو أن لا يختلف عليك [اثنان] (6)في ذلك إن شاء اللّه .
فأجابه هرثمة :
أنا عارف ببركة رأيك، ويُمن مشورتك، فمنّي بما أحببت، فلن أخالفك .
قال : فكتب بذلك طاهر إِلى خزيمة .
وكان كتب طاهر إِلى محمد بن علي بن عيسى بمثل ذلك.
قيل: فلما كانت ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علي بن عيسى على جسر دجلة فقطعاه وركزا أعلامهما عليه ودعوا لعبد اللّه المأمون وسكن أَهل الجانب الشرقي، ولزموا منازلهم، وأسواقهم من يومهم ذلك.
ولم يدخل هرثمة حتى تقدّمه ،قوم، وعادوا إِليه، فحلفوا أنه لا يرى مكروهاً،
فدخل حينئذ (1)
فقال الحسين الخليع في ذلك :
علينا جميعاً من خزيمة منة *** بما أخمد الرحمن ثائرة الحرب
تولى أمور المسلمين بنفسه *** فذت وحامى عنهم أشرف الذَّبُ
وباكر طاهر من غد ذلك اليوم، وهو يوم الخميس المدينة، وأرباضها، والكرخ وأسواقها، وهدم قنطرة في الهراة العتيقة والحديثة واشتدّ عندها القتال، وباشر طاهر القتال بنفسه وقاتل بين يدي أَصحابه، حتى هزم أصحاب محمد وفرُّوا على وجوههم لا يلوي أحد على أحد حتى دخل قسراً بالسيف.
وأمر مناديه [فنادى] (2)بالأمان لمن (3)لزم منزله [ فهو آمن] (4)ووضع بقصر الوضاح وسوق الكرخ والأطراف قواداً وجنداً في كل موضع على قدر حاجته منهم.
وقصد إِلى مدينة أَبي جعفر، فأحاط بها بقصر زبيدة، وقصر الخلد من لدن الجسر إِلى باب ،خراسان وباب الشام وباب الكوفة، وباب البصرة وشاطىء الصراة إِلى مصبها في دجلة بالخيول والسلاح.
وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر، والهرش [والأفارقة](5)فنصب المجانيق خلف السور على المدينة، وبإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد، ورماه .
فخرج محمد بأمه وولده إِلى مدينة أَبي جعفر وتفرّق عنه عامة جنده وخصيانه وجواريه في المسالك والطرق لا يلوي منهم أحد على أحد، وتفرّق الغوغاء، والسفلة.
وتحصّن محمد بالمدينة هو ومَن يقاتل معه
وحصره طاهر، وأخذ عليه الأَبواب، ومنع منه، ومن أَهل المدينة الدقيق والماء، وغيرهما(6)
وبلغ خبر هذه الوقعة عمرو الوراق فقال لمخبره: ناولني قدحاً، ثم تمثل :
خذها فللخمرة أسماء *** لها دواء ولها داء
يصلحها الماء إذا أصفقت *** يوماً وقد يفسدها الماء
وقائل کانت لهم وقعة *** فی يومنا هذا وأشياء
قلت له أنت امرؤ جاهل *** فيك من الخيرات إبطاء
اشرب ودعنا من أحاديثهم *** يصطلح الناس إذا شاؤوا
.فحكى طارق الخادم: وكان من خاصة محمد ، وكان المأمون بعد ذلك أيضاً يقدمه :
إن محمداً سأله يوماً من الأيام - وهو محصور، وقال في آخر يوم من أيامه - أن أطعمه شيئاً .
قال : فدخلت المطبخ فلم أجد شيئاً، فجئت إِلى حمزة العطارة، وكانت خازنة الجوهر، فقلت لها : إن أَمير المؤمنين جائع، فهل عندك شيء؟ فإني لم أجد شيئاً في المطبخ .
فقالت الجارية لها : أي شيء عندنا ؟ فجاءت بدجاجة، ورغيف.
فأتيته بهما، فأكل، وطلب ما يشربه فلم يجد في خزانة الشراب ماء، فأمسى وكان عزم على لقاء ،هرثمة فما شرب ماء حتى أتى عليه
ذكر اتفاقات عجيبة
حكى إِبراهيم بن المهدي: أنه كان نازلاً مع المخلوع محمد في مدينة المنصور في قصره بباب الذهب لما حصره طاهر .
قال فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن ينفرج من الضيق الذي هو فيه فسار إِلى قصر القرار في قرن الصراة في جوف الليل، ثم أَرسل إليّ فسرت إِليه ، فقال : يا إِبراهيم أما ترى طيب هذه الليلة وحسن هذا القمر ، وضوءه في الماء .
ونحن حينئذ على(1)شاطىء دجلة، هل لك في الشراب؟
قلت : شأنك جعلني اللّه فداك .
قال: فدعا برطل ،فشربه، ثم أمر فسقيت مثله .
قال : ابتدأت أغنيه من غير أن يسألني لعلمي بسوء خلقه فغنيت ما كنت أعلم أنه يحبه
قال لي : فما تقول فيمن يضرب عليك؟
فقلت : ما أحوجني إِلى ذلك.
فدعا ،بجارية متقدمة عنده يقال لها ضعف، فتطيرت من اسمها ونحن في تلك الحال التي هو عليها .
فلما صارت بين يديه قال لها : غَنّي، فغنّت بشعر النابغة الجعدي :
1) في المخطوط : في . وهو تحريف
كليب لعمري كان أكثر ناصراً *** وأيسر جرماً منك ضرج بالدم
قال : فاشتد عليه ما غنّت وتطيَّر منه . فقال لها غني غير هذا فغنّت :
أبكي فراقهم عيني فارقها *** إن التفريق للأحباب بكاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم *** حتى تناؤوا (1)وريب الدهر عداء
فقال لها : لعنك اللّه أما تعرفين من الغناء شيئاً سوى هذا المغنى(2)؟
فقالت : يا سيدي، ما تغنّيت إلا بما ظننت بأنك تحبه وما أدري ما تكرهه؟ وما هو إلا شيء جاءني، ثم أخذت تغني :
أما ورب السكون والحرك *** إن المنايا كثيرة الشرك
ما اختلف الليل والنهار ولا (3)*** دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل السلطان من ملك *** عادت بسلطانه (4)إِلى ملك
ملك ذي العرش دائم أبداً *** ليس بفانٍ ولا بمشترك
فقال لها : قومي غضب اللّه عليك، ولعنك، فقامت.
وكان له قدح من بلور حسن الصنعة، وكان محمد يسميه : زبَّ رباح، وكان موضوعاً بين يديه .
فقامت الجارية منصرفة ، فسحبت عليه رداءها فكسرته(5).
فقال تعس وانتكس الشيطان .
فقال إِبراهيم فقال لي : ويحك يا إِبراهيم أما ترى [80] ما جاءت به هذه الجارية ؟! ثم ما كان من كسر القدح واللّه ما أَظن أمري إلا وقد قرب.
فقلت : يطيل اللّه بقاءك، ويعز ملكك ويديم نعمتك ويكبت عدوك.
فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتاً من دجلة (قُضِيَ الأَمر الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) .
فقال لي: يا إِبراهيم، أما سمعت؟
[ما سمعت؟
قلت: ما سمعت شيئاً، وكنت قد سمعت ] (1).
قال : تسمع حسّا؟
قال : فدنوت من الشط (2)، فلم أرَ شيئاً .
ثم عاودته الحديث، فعاد الصوت (قُضِيَ الأَمر الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ).
فوثب من مجلسه ذلك مغتمَّا ، ثم ركب ورجع إِلى موضعه بالمدينة.
فما كان بعد هذا إلا ليلة أو ليلتان حتى ما حدث من قتله .
مقتل الأمين وخلافة القامون
وفي هذه السنة : قتل محمد بن هارون الأمين.
ذكر ما أشير به على محمد فلم يقبله وما تأدّى إِليه الأَمر من قتله
لما سار محمد[ بن] (1)حاتم بن الصقر قواده أنه ليس لهم ولا له فيها عدة للحصار، وخافوا أن يظفر بهم دخل على [محمد] (2)محمد [بن] (3)حاتم بن الصقر، ومحمد بن إِبراهيم بن الأغلب الإفريقي، وقواده فقالوا له : قد آلت حالك وحالنا إِلى ما ترى، قد رأينا رأياً نعرضه عليك فانظر فيه واعتزم عليه، فإنا نرجوا يكون صوابا إن شاء اللّه .
قال : وما هو ؟
قالوا :قد تفرّق جندك عنك، وأحاط عدوك بك من كل جانب، وقد بقي من خيلك سبعة آلاف فرس من خيارها وأجيادها سوى مراكبك فنرى أن تختار ممن عرفناه بمحبتك من الأبناء سبعة آلاف رجل، فتحملهم على هذه الخيل ونخرج ليلاً على باب من هذه الأَبواب، فإن الليل لأَهله فنخرج ولن يثبت لنا أحد، وتسير حتى نلحق بالشام والجزيرة، فتفرض الفروض وتجبي الأموال وتصير في مملكة واسعة، وملك جديد، فيسارع إليك الناس من كل إرب، وتنقطع الجنود عن (4)طلبك، وإِلى ذاك ما قد يحدث(5)في مكر الليل والنهار أموراً.
فقال لهم : نِعْمَ ما رأيتم، واعتزم على ذلك.
وخرج الخبر إِلى طاهر .
فكتب إِلى سليمان بن أَبي جعفر، وإِلى محمد بن عيسى بن نهيك، وإِلى السندي بن شاهك :
قد بلغني عزيمة محمد، وواللّه لئن لم تردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة
إلا قبضتها، ثم لا يكون لي همة إلا نفوسكم، فإن هؤلاء الذين يسيرون معه صعاليك لا يخلفون شيئاً يشفقون عليه، فاعملوا (1)على ما رسمته إن شاء اللّه .
فدخلوا على محمد وقالوا نذكرك اللّه في نفسك، فإن هؤلاء صعاليك، وقد ضاق عليهم الحصار ، وهم يرون أن الأمان لهم على أموالهم وأنفسهم عند أخيك وعند طاهر لما قد انتشر عنهم من مباشرة الحرب والجد فيها ، ولسنا (2)نأمن إذا برزوا بك يجعلوك سبب ،أمانهم، وضربوا لك في ذلك الأمثال.
حتى قنع(3)وغيّر عزمة رأيه .
وكان أَصحابه الذين أَشاروا بما أَشاروا أولاً جلوساً في رواق البيت فسمعوا جميعاً ما قاله سليمان وأَصحابه فهموا جميعاً بقتل سليمان، وأَصحابه، ثم قالوا : حرب من داخل وحرب من خارج فأمسكوا .
ثم أَشار عليه هؤلاء وقالوا قد بذل لك الأمان، فاقبله فإِنما غايتك اليوم السلامة واللّهو، وليس يخلعك أخوك من ذلك وينزلك حيث شئت، ويفردك بمن تحب وتهوى وليس عليك منه بأس ولا مكروه فركن إِلى ذلك، وأجابهم إِلى الخروج إِلى هر ثمة [لا إِلى] (4)طاهر ، وكان استشعر خوفاً من طاهر .
وكان جماعة من أَصحابه يكرهون هرثمة لأنهم كانوا من أَصحابه، وقد عرفهم وعرفوه، وخافوا أن يحقرهم ولا يجعل لهم مراتب .
ودخلوا على محمد فقالوا : أما إذا أَبيت ما أشرنا به وهو الصواب، وقبلت رأي هؤلاء وهو الخطأ، فالخروج إِلى طاهر خير لك من الخروج إِلى هرثمة .
فقال لهم محمد : ويحكم إني أكره طاهراً، وذلك أني رأيت في منامي [كأني](5)قائم على حائط من آجر شاهق في السماء عريض الأساس وثيق ولم أر حائطاً يشبهه في الطول والعرض والوثاقة وعلي ،سوادي ومنطقتي (6)، وسيفي، وقلنسوتي، وخفي، وكان طاهر في أصل ذلك الحائط بيده . . . (7)يضرب به أصل الحائط فما زال يضرب أصله حتى سقط الحائط وسقطت وندرت قلنسوتي عن رأسي.
وأنا أتطير منه وأكره الخروج إِليه، وهرثمة ،مولانا وبمنزلة الوالد، وأنا أشد به ثقة (1).
ولما هَمَّ محمد بالخروج إِلى هرثمة، وسعى له في ذلك وأجابه إِلى ما أَراد، شدّ ذلك على طاهر، وأبى أن يرفّه عنه ويدعه يخرج وقال : هو في جندي (2)، والجانب الذي أنا فيه وأنا أَخرجته(3)بالحرب والحصار حتى طلب الأمان، فلا أرضى أن يخرج إِلى هرثمة دوني، فيكون الفتح له.
فلما رأى هرثمة والقواد ذلك اجتمعوا في منزل خزيمة بن خازم.
فسار إِليهم طاهر في خاصة قواده وحضر محمد بن عيسى بن نهيك، والسندي بن شاهك، وأداروا(4)الرأي بينهم ، فأَخبروا طاهراً أنه لا يخرج إِليه أبداً، وأنه [ إن](5)لم يحب إِلى ما سأل، لم يؤمن أن يجري في أمره ما جرى مثله أيام الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان .
وقالوا له : يخرج ببدنه إِلى هرثمة إذ كان يأنس به وثيق بناحيته، ويدفع الخاتم والقضيب والبردة (6)، وذلك هو الخلافة إليك، فلا [ 80/ب] تفسد هذا الأَمر واغتنمه .
فأجاب طاهر إِلى ذلك ورضي(7)
ثم أن الهرش لما علم بالخبر، أَراد التقرب إِلى طاهر فأَخبره أن الذي جرى بينهم مكر، وأن الخاتم والقضيب والبردة يحمل مع الأمين إِلى هرثمة فاغتاظ منه، وجعل حول قصر الأمين، وقصور الخلد قوماً معهم العمل والفؤوس، ولم يعلم بهم أحد.
.ولما تهيأ محمد ،للخروج خرج إِلى صحن القصر، فقعد على كرسي، وقام بين يديه بالأعمدة (8)
فلما أمسى ليلة الأحد لخمس بقين من محرم سنة ثمان وتسعين ومائة، خرج بعد العشاء الآخرة إِلى صحن الدار وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود، فأَرسل إِليه هرثمة وافيت للميعاد ...
خادمه.وجاء خادم فقال: يا سيدي أَبو حاتم يقرأ عليك السلام - يعني هرثمة - ويقول لك يا سيدي : وافيت بالميعاد لحملك، ولكني رأيت أن لا تخرج الليلة، فإني قد رأيت
1) بعدها في الكامل : فأَرسل يطلب الأمان فأجابه هرثمة إِلى ذلك وحلف له أن يقاتل دونه إن هَمَّ المأمون بقتله.
2) في المخطوط: خيري. والتصويب من الكامل.
3) في المخطوط : أَخرجه والتصويب من الكامل.
4) في المخطوط: واراردوا والتصويب من الكامل
5) زيادة من الكامل
6) في المخطوط: البرد والتصويب من الكامل.
7) بعد هذا في الكامل :
8) في الكامل على النحو التالي: فلما تهيأ الأمين للخروج إِلى هرثمة عطش قبل خروجه عطشاً شديداً، فطلب له في خزانة الشراب ماء، فلم يوجد .
دجلة والشط أمراً قد رابني، وأخاف أن أغلب فتؤخذ من يدي أو تذهب نفسك ونفسي، ولكن أقم بمكانك حتى أرجع وأستعد ثم آتيك [الليلة ] (1)القابلة، فأَخرجك، فإن حوربت دونك حاربت معي عدتي .
قال : فقال محمد [للرسول ](2): ارجع إِليه، فقل : لا يبرح فإني خارج إليك الساعة لا محالة .
قال : وقَلِقَ [ وقال ](3): إنه قد تفرّق عني الناس وَمَنْ مَنْ عَلَي أَبي من الموالي والحرس ولا آمن إن أصبحت وانتهى خبري إِلى طاهر أن يدخل علي فيأخذني .
ثم دعا بفرس له أدهم أغر محجل كان يسميه الزهيري، ودعا بابنيه، فضمهما إِليه وقبلهما (4)، وقال : أستودعكما اللّه ودمعت عيناه فجعل يمسح دموعه بكمه.
ثم قام فوثب على الفرس، وخرجنا بين يديه إِلى باب القصر حتى ركبنا دوابنا، وبين يديه شمعة واحدة حتى خرجنا إِلى المشرعة فإذا حراقة هرثمة، فنزل في الحراقة، ورجعنا إِلى المدينة فدخلناها وأمرنا بالباب، فأُغلق، وسمعنا الرعيد، فصعدنا القبة التي على الباب نَتسَمَّع الصوت.
فذكر أَحمد بن سلام صاحب المظالم أنه قال :
كنت مع هرثمة مع قواده في الحراقة، فلما دخل محمد الحراقة، قمنا على أرجلنا إعظاماً، وجثا هرثمة على ركبتيه وقال : يا سيدي لا أقدر على القيام لمكان النقرس الذي في ثم احتضنه وصيّره في حجره، وجعل يقبل يديه ورجليه](5)وعينيه، ويقول يا سيدي ومولاي، وابن سيدي ومولاي.
وجعل محمد يتصفّح وجوهنا، ونظر إِلى عبيد اللّه بن الوضاح فقال: أيهم أنت؟
فقلت : أنا عبيد اللّه اللّه بن الوضاح (6).
قال : نعم جزاك اللّه خيراً، فما أشكرني لما كان منك في أمر الثلج، ولو قد لقيت أخي أبقاه اللّه لم أدع شكرك عنده .
قال : فبينا نحن كذلك، وقد أمر هرثمة بالحراقة أن تدفع، إذ شدّ علينا أصحاب
طاهر في الزواريق، وعطعطوا، وتعلّقوا بالسكان وبعض يثقب العراقة، وبعض يرمي بالنشاب فتثقب الحرافة سريعاً ودخلها الماء وغرقت وسقط هرثمة إِلى الماء، وسقطنا كلنا، فتعلّق الملاح بشعر هرثمة فأَخرجه وكل واحد منا على حاله لقربنا من الشط .
ورأيت محمداً في تلك الحال، وقد شقّ عنه ثيابه، ورمى بنفسه إِلى الماء.
فأما أنا فتعلّق بي رجل من أصحاب طاهر ومضى بي إِلى رجل قاعد على كرسي على شط دجلة وبين يديه نار توقد فقال له بالفارسية : هذا رجل أَخرج من الماء ممن غرق من أَهل الحراقة .
فقال لي ممن أنت؟ فقلت من أصحاب هرثمة أنا أَحمد بن سلام صاحب المظالم، مولى أَمير المؤمنين.
قال : كذبت فاصدقني.
قلت : قد صدقتك .
قال : فما فعل المخلوع؟
قلت: رأيته حين شقّ عنه ثيابه وقذف بنفسه في الماء.
قال : قدِّموا دابتي، فقدموا ،دابته، فركب وأمرني أن أجنب(1)، فجعل في عنقي حبل وخنقت وأخذ في درب الزبيد ،به ولما عدوت ساعة، انتهرت، فلم أقدر على العدو، فقمت .
فقال الذي خلفي : قد قام هذا الرجل وليس (2)يعدو .
قال : انزل فخذ رأسه .
قلت : جعلت فداك، ولم تقتلني وأنا رجل اللّه عليّ نعمة، ولا أقدر على العدو، وأنا أفدي نفسي بعشرة آلاف درهم.
فلما سمع ذكر العشرة آلاف قال للرجل(3)الذي أمره بقتلي أمسك .
قال : وكيف بالعشرة آلاف.
قلت: تحبسني عندك حتى تصبح، ثم تدفع إليّ رسولاً أَرسل إِلى وكيلي في منزلي في عسكر المهدي، فإن لم يأتك بالعشرة آلاف فاحتز عنقي .
قال : قد أنصفت .
وأمر بحملي فحملت ردفاً، فمضى بي إِلى دار أَبي صالح الكاتب، وأمر غلمانه أن يحتفظوا بي، وتفهم مني خبر محمد ووقوعه في الماء، ومضى إِلى طاهر ليخبره . هو وإِبراهيم البلخي(1).
قال: فصيَّرني غلمانه في بيت من بيوت الدار فيه بواري ووسادتان وفي زاوية من زواياه حصر مدرجة .
قال: فقعدت في البيت وصيَّروا فيه سراجاً وتوثقوا من الباب وقعدوا يتحدثون، فلما ذهب من الليل ساعة إذ نحن بحركة الخيل فدفعوا الباب ففتح لهم وهم يقولون : ابن زبيدة .
قال : فدخل إليّ رجل عريان، عليه سراويل وعمامة متلثم بها، وعلى كتفيه خرقة خَلِقة، فصيَّروه معي، وتقدّموا إِلى مَن في الدار بحفظه، وخلفوا معه قوماً آخرين منهم أيضاً .
قال : فلما استقر في البيت حسر العمامة عن وجهه، فإذا هو محمد، فاستعبرت، واسترجعت فيما بيني وبين نفسي، وجعل ينظر إليّ، ثم قال : أيهم أنت؟
[ قلت ] (2): أنا مولاك يا سيدي .
قال : وأي الموالي؟
قلت : أَحمد بن سلام صاحب المظالم .
قال : أعرفك بغير هذا كنت تأتيني وتلاطفني كثيراً، لست مولاك ولكنك أخي.
ثم قال : يا أَحمد .
قلت: لبيك يا سيدي
قال : ادنُ مني وضمني إليك، فإني أجد وحشة شديدة.
قال : فضممته إليّ، فإذا قلبه يخفق حتى كاد يخرج من صدره، فلم أزل أضمه إليّ وأسكنه .
قال : ثم قال : يا أَحمد ما فعل أخي؟
قلت : هو حَيّ.
قال : قبح اللّه صاحب بريدهم ما أكذبه، كان يقول : قد مات شبه المعتذر من محاربته.
قال : قلت : سبحان اللّه ففي [81/أ] أي شيء إذا رفضنا، قبحه اللّه وزراءك.
قال : لا تقل لوزرائي إلا خيراً، فما لهم ذنب ولست أول من طلب أمراً فلم يقدر عليه .
ثم قال: يا أَحمد ما تراهم يصنعون في ؟ تراهم يقتلوني أو يفون لي بأمانهم؟
قال :قلت بل يفون لك يا سيدي.
قال : وجعل يضم على نفسه الخرقة التي على كتفيه ويضعها ويمسكها بعضديه يُمنة ويُسرة .
قال : ونزعت مبطنة كانت عليّ وقلت يا سيدي ألقِ هذه عليك .
اللّه قال : ويحك دعني فهذا من لي في هذا الموضع خير [كثير ] .
قال : وبينا نحن كذلك إذ دق باب الدار، ففتح فدخل علينا رجل عليه سلاحه، فتطلع في وجهه متثبتاً له فلما أثبته معرفة انصرف انصرف، وأغلق الباب، وإذا هو محمد بن حميد الطاهري .
قال : فعلمت أن الرجل مقتول .
قال : وكان بقي علي من صلاتي الوتر فخفت أن أقتل معه ولم أُوتر .
قال : فقمت أوتر .
فقال لي: يا أَحمد لا تباعد عني وصل إِلى جانبي، فإني أجد وحشة شديدة.
قال : فاقتربت (1)منه، فلما انتصف الليل، أو قارب سمعت حركة الخيل، ودق الباب ففتح فدخل الدار قوم من العجم بأيديهم السيوف مسألة، فلما رآهم قام قائماً، وجعل يقول : إنا للّه وإنا إِليه راجعون، ذهبت واللّه نفسي في سبيل نفسي (2)، أما من حيلة؟ أما من مغيث؟ أما من أحد من الأبناء؟
قال : وجاؤوا حتى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه، فأحجموا عن الدخول، وجعل بعضهم يقول البعض : تقدم، ويدفع بعضهم بعضاً .
فقمت قصرت خلف الحصر المدرجة في زاوية البيت.
وقام محمد وأخذ بيده وسادة، وجعل يقول: ويحكم إني ابن عم رسول اللّه صلّی الله علیه وسلّم ، أنا(3)ابن هارون (4)، أنا أخو المأمون، اللّه، اللّه في دمي.
فدخل عليه رجل منهم يقال له : جيرويه غلام لقريش الديداني مولى طاهر فضربه على مقدم رأسه، وضرب محمد وجهه بالوسادة التي كانت في يده واتكأ عليه ليأخذ سيفه من يده فصاح بالفارسية: قتلني، قتلني.
قال : فدخل منهم جماعة فنخسه (1)واحد بالسيف في خاصرته، وركبوه، وذبحوه ذبحاً من قفاه وأخذ[وا رأسه ومضوا به إِلى طاهر وتركوا جثته، فلما كان السحر أخذوا جثته فأدرجوها ](2)في جل وحملوها.
قال: فأصبحت فقيل هات العشرة آلاف درهم.
قال : فبعثت إِلى وكيلي فأتاني بها، فدفعتها إِليه.
ولما أصبح طاهر، نصب رأس محمد على البرج، برج حائط البستان الذي يلي باب الأنبار، وفتح باب الأنبار .
وخرج من أَهل بغداد للنظر إِليه ما لا يحصى عددهم.
وأقبل طاهر يقول : هذا رأس المخلوع (3).
وذكر محمد بن عيسى أنه قال : رأى المخلوع على ثوبه قملة، فقال: ما هذا؟
قالوا: شيء يكون في ثياب الناس .
فقال : أعوذ[ باللّه ] (4)من زوال النعمة، فقتل من يومه .
وبعث طاهر برأس محمد إِلى المأمون مع البردة والقضيب، والمصلى - وهو من سعف مبطّن - مع محمد بن [الحسين بن ] (5)مصعب ابن (6)عمه (7)، فأمر له (7) المأمون بألف ألف درهم .
قال : فرأيت ذا الرئاستين، وقد أدخل رأس محمد على ترس بيده إِلى المأمون.
فلما رآه سجد(8)
ولما بلغ أَهل المدينة أن طاهراً أمر مولاه قريشاً فقتله قال شيخ من أَهل المدينة : سبحان اللّه كنا نرى أنه يقتله قريش فذهبنا إِلى القبيلة، فوافق الاسم.
ولما قتل الأمين نودي في الناس بالأمان، فأمن الناس كلهم، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة، فصلّى بالناس وخطب للمأمون وذم الأمين .
وكتب إِلى المعتصم وقيل : إِلى ابن المهدي، أما بعد: عزيز عليَّ ...
.1) في الكامل: فنسخه وما هنا أصوب وأنسب .
2) سقط من المخطوط وأكملته من الكامل.
3) بعدها في الكامل : فلما قتل ندم جند ،بغداد وجند طاهر على قتله لما كانوا يأخذون من الأموال .
4) زيادة يتطلبها السياق .
5) زيادة من الكامل.
6) في المخطوط : ابني والتصويب من الكامل.
7) بعدها في الكامل : وكتب معه بالفتح.
8) بعد هذا في الكامل :
وكتب طاهر إِلى إِبراهيم بن المهدي بعد قتل المخلوع :
أما بعد: فإنه عزيز عليّ أن أكتب إِلى رجل من أَهل بيت الخلافة بغير الأَمير، ولكنه بلغني أنك تميل بالرأي وتصغي بالهوى إِلى الناكث المخلوع، فإن كان فكثير ما كتبت به إليك وإن كان غير ذلك، فالسلام عليك أَيها الأَمير ورحمة اللّه وبركاته(1)
ولما قتل الأمين قال إِبراهيم بن المهدي يرثيه :
عَوَجَا بمعنى الطلل الدائر *** بالخلد ذات الصخر والآخر
والمرمر المنسوب يطلي به *** والباب باب الذهب الناضر
عَوْجا بها فاستيقنا عندها *** على يقين قدرة القادر
وأبلغا عني مقالاً إِلى ال- *** مولى على المأمور والآمر
قولا له يا ابن أَبي الناصر *** طهّر بلاد اللّه من طاهر
لم يكفه أن حزَّ أوداجه *** ذبح الهدايا بمدى الجازر
حتى أتى يسحب أوداجه *** في شطن هذا مدى السائر
قد برد الموت على جنبه *** قطرفه منكسر الناظر
فلما بلغ المأمون قوله اشتد عليه .
.وفي هذه السنة: وثب الجند بعد قتل محمد، بطاهر فهرب منهم، وتغيَّب أياماً حتى أصلح أَمرهم .
ذكر الخبر عن ذلك وسببه وما استحله طاهر من الحزم قبله
إن أصحاب طاهر بعد قتل محمد بخمسة أيام طلبوا أرزاقهم، ووثبوا به.
ولم يكن في يده مال فضاق به أمره، وظنّ أن ذلك بمواطأة أَهل الأرباض إياهم، وأنهم معهم عليه، ولم يكن يحرك في ذلك من أَهل الأرباض أحد، فاشتدت شوكتهم.
وخشي طاهر على نفسه فهرب من البستان .
وانتهبوا بعض متاعه، ومضى إِلى عاقرقوف (2)، فكان مما قدم الحزم فيه أن حفظ أَبواب المدينة، وباب القصر لما فرغ من قتل (3)محمد، وحوّل بيده موسى وعبد اللّه ابني محمد إِلى قصر الخلد ليلاً وحملهم في حراقة إِلى همينيا على العربي من الزاب الأعلى، ثم أمر بحمل موسى وعبد اللّه إِلى عمهما بخراسان على طريق الأهواز فارس.
فلما وثب الجند بطاهر، وطلبوا الأرزاق، أحرقوا باب الأنبار الذي على الخندق،
وباب البستان وشهروا السلاح ونادوا :موسى يا منصور، وبقوا يومهم كذلك الغد.
ومن فتبيّن صواب رأي طاهر في إخراج موسى وعبد اللّه، وكان طاهر انحاز ومن معه من القواد وتعبّى لقتالهم ومحاربتهم .
فلما بلغ ذلك الوجوه والقواد من شعب صاروا إِليه واعتذروا وأحال على سفهاء الجند ،وأحداثهم، وسألوه الصفح عنهم، وقبول عذرهم، والرضا، وضمنوا له أن لا يعودوا لمكروهه ما أَقام معهم .
وأتاهم مشايخ الأرباض فحلفوا له (1)بالمغلظة من الأيمان أنه لم يتحرك في هذه الأيام أحد من أبناء الأرباض ، ولا كان ذلك عن رأيهم، ولا أَرادوه، وضمنوا له أن يقوم له كل إنسان منهم في ناحية مما يجب عليه حتى لا يأتيه من ناحيته أمر يكرهه . وأتاه عميرة أَبو شيخ الأسدي في مشيخة من الأبناء، فلقوه بمثل ذلك، وأعلموه حسن رأي [81/ب] من خلفهم من الأبناء .
فطابت نفسه إلا أنه قال : واللّه العظيم ما اعتزلت عنهم إلا لوضع السيف فيهم، وأقسم باللّه إن عدتم لمثلها إلا عدت إِلى رأي فيكم، ولأَخرجن إِلى مكروهكم.
فکسرهم بذلك، وأمر لهم برزق أَربعة أشهر وانصرف إِلى عسكره بالبستان .
ودعا بوجوه أَصحابه سعيد بن مالك وقال :
إنه لا مال عندي، وقد أطلقت للقوم أرزاقهم فما الوجه؟
قال سعيد : أنا أحمل عشرين ألف دينار، فطلبت منه ، وحمل غيره حتى أرضى أَصحابه .
وقال :السعيد إني أحتملها حتى أن تكون دينا عليّ .
فقال : بلى هي هدية، وقليلة لعلامك، وفيما أوجب اللّه من حقك .
وسكن الجند(2).
[خلافة محمد الأمين وعمره وصفته ](3)
وكان عمره كله ثمانياً وعشرين سنة .
وكان سبطاً أنزع أَبيض أقنى جميلاً طويلاً بعيد ما بين المنكبين صغير العينين(1)
قيل : إن محمداً ولي يوم الخميس لإحدى عشر ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة .
وقتل ليلة الأحد لست بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة .
وكنيته: أَبو موسى، وقيل: أَبو عبد اللّه .
وهو ابن الرشيد هارون بن أَبي عبد اللّه المهدي بن أَبي جعفر المنصور.
وأمه : زبيدة ابنة جعفر الأكبر بن المنصور.
وكانت خلافته : أربع سنين وثمانية أشهر، وخمسة أيام.
وقيل : كانت ولايته فى النصف من جمادى الآخرة.
وكان عمره ثمانياً وعشرين سنة .
وكان سبطاً أنزع صغير العينين، أقنى جميلاً طويلاً عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين .
وكان مولده بالرصافة
ولما وصل خبر قتله إِلى المأمون أذن للقواد وقرأ الفضل بن سهل الكتاب عليهم، فهنؤوه بالظفر، ودعوا له .
وكتب إِلى طاهر وهرثمة بخلع القاسم المؤتمن من ولاية العهد.
فخلعاه في شهر ربيع الأول من هذه السنة .
وأكثر الشعراء في مراثي الأمين وهجائه تركنا أكثره لأنه خارج عن التاريخ.
.وذكر الموصلي : أن طاهراً لما بعث برأس محمد إِلى المأمون بكى ذو الرئاستين وقال : سل علينا سيوف الناس وألسنتهم أمرنا أن يبعث به أسيراً، فبعث به عقيراً.
فقال له المأمون : إنه قد مضى ما مضى فاحتل في الاعتذار منه .
وكتب الناس، فأطالوا، وجاء أَحمد بن يوسف بيسير قرطاس فيه :
أما بعد: فإن المخلوع، وإن كان قسيم أَمير المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرّق اللّه بينه وبينه في الولاية والحرمة بمفارقته عصم الدين وخروجه عن الأَمر الجامع للمسلمين، يقول اللّه عزّ وجل حين اقتص نبأ ابن نوح [عليه السلام]: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهلكَ إِنَّهُ عَمَل غَيْر صَلح) ، ولا طاعة لأحد في معصية ولا قطيعة إذا كانت القطيعة في جنب اللّه ، وكتابي هذا إِلى أَمير المؤمنين وقد قتل اللّه المخلوع ورداه رداء نكبة، وأحصد لأَمير المؤمنين أمره، وأنجز له وعده ، وما ينتظر من صادق أمره حين ردّته الألفة بعد فرقتها، وجمع الأمة بعد شتاتها، وأحي به الأعلام من الإسلام بعد دروسها (2)
وفي هذه السنة : أظهر نصر بن سيار بن شبث العقيلي الخلاف على المأمون، وكان نصر بن بني عقيل يسكن كيسوم ناحية شمال حلب وكان في عنقه بيعة للأمين، وله فيه هوى.
فلما قتل الأمين أظهر نصر الغضب لذلك، وتغلب على ما جاوره من البلاد، وبلغ سميساط. واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب، وأَهل الطمع وقويت نفسه وعبر الفرات إِلى الجانب الشرقي، وحدثته نفسه بالتغلب عليه فلما رأى الناس ذلك منه كثرت جموعه وزادت عما كانت، وكان من أمره ما نذكره إن شاء اللّه تعالى .
وفي هذه السنة : استعمل المأمون الحسن بن سهل أخا الفضل على كل ما كان افتتحه طاهر من كور الجبال والعراق وفارس والأهواز والحجاز واليمن بعد أن قتل الأمين وكتب إِلى طاهر تسليم طاهر إِليه .
فقدم الحسن بين يديه علي بن أَبي طاهر سعيد، فدافعه طاهر بتسليم الخراج إِليه، حتى وافى الجند أرزاقهم، وسلّم إِليه العمل .
وقدم الحسن سنة تسع وتسعين وفرق العمال وأمر طاهراً أن يسير إِلى الرقة لمحاربة نصر بن سيار بن شبث العقيلي وولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب.
فسار طاهر إِلى قتال نصر بن سيار بن شبث وأَرسل إِليه يدعوه إِلى الطاعة . .
وكتب المأمون إِلى هرثمة يأمره بالمسير إِلى خراسان .
وحج بالناس : العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد .
وفي هذه السنة : كانت بقرطبة الوقعة المعروفة بالربض، وسيبها :
أن الحكم بن هشام الأموي صاحبها كان كثير التشاغل باللّهو والصيد والشرب وغير ذلك مما يجانسه .
وكان قد قتل جماعة من أعيان ،قرطبة فكرهه أَهلها وصاروا يتعرّضون لجنده بالأذى والسب، إِلى أن بلغ الأَمر بالغوغاء أنهم كانوا ينادون عند انقضاء الأذان : الصلاة يا مخمور الصلاة.
وشافهه بعضهم بالقول، وصفقوا عليه بالأكف .
فشرع في تحصين قرطبة وعمارة أسوارها وحفر خنادقها، وارتبط الخيل على بابه واستكثر المماليك، ورتب جمعاً لا يفارقون باب قصره بالسلاح، فزاد ذلك في حقد أَهل قرطبة، وتيقنوا أنه يفعل ذلك للانتقام منهم .
ثم وضع عليهم عشر الأطعمة كل سنة من غير خرص، فكرهوا ذلك .
ثم عمد إِلى عشرة من رؤساء سفهائهم، فقتلهم وصلبهم .
فهاج لذلك أَهل الربض ، وانضاف إِلى ذلك أن مملوكاً سلّم سيفاً إِلى صيقل ليصقله فمطله، فأخذ المملوك السيف فلم يزل يضرب الصيقل به إِلى أن قتله، وذلك في رمضان من هذه السنة.
فكان أول مَن شهر السلاح أَهل الربض واجتمع أَهل الأرباض جميعهم بالسلاح، واجتمع الجند ،والأمويون، والعبيد بالقصر، وفرق الحكم الخيل والأسلحة، وجعل أَصحابه كتائب، ووقع القتال بين الطائفتين ....
وفيها : كانت الوقعة المعروفة بالميدان بالموصل بين الميدانية والنزارية، وكان سببها :
أن عثمان بن نعيم البرجمي سار إِلى ديار مُضر فشكا الأزد واليمن، وقال: إنهم يتهضموننا، ويغلبوننا على حقوقنا واستنصرهم .
فسار معه إِلى الموصل يقارب عشرين ألفاً .
فأَرسل إِليهم علي بن الحسن الهمداني، وهو حينئذ متغلب على الموصل، فسألهم عن حالهم، فأَخبروه فأجابهم إِلى ما يريدون، فلم يقبل عثمان ذلك .
فخرج إِليهم عليّ من البلد في نحو أَربعة آلاف رجل فالتقوا، واقتتلوا قتالاً شديداً عدة وقائع، فكانت الهزيمة على النزارية وظفر بهم علي، وقتل منهم خلقاً كثيراً.
وفي هذه السنة : خرج الحسن الهرشي في جماعة من سفلة الناس معه خلق كثير من الأعراب، ودعا إِلى الرضا من آل محمد، وأتى النيل، فجبى الأموال، ونهب القرى .
وفيها : مات سفيان بن عيينة الهلالي ،بمكة وكان مولده سنة تسع ومائة .
وفيها: توفي عبد الرحمن بن المهدي وعمره ثلاث وستون سنة .
ويحيى بن سعيد القطان فى صفر، ومولده سنة عشرين ومائة.
.ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة
وفيها: قدم الحسن بن سهل العراق من عند المأمون وإِليه الحرب والخراج، وفرّق عماله في الكور والبلدان (1).
وفيها: خرج بالكوفة محمد بن إِبراهيم بن إسماعيل بن إِبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أَبي طالب رضي اللّه عنهما (2).
يدعو إِلى الرضا من آل محمد صلى اللّه عليه وسلم والعمل بالكتاب والسنة .
وهو الذي يقال له : ابن طباطبا.
وكان المقيم بأمره في الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه أَبو السرايا واسمه السري بن منصور(3)
وكان يذكر أنه من ولد هاني بن قبيصة بن هاني بن مسعود الشيباني .
.ذكر السبب في خروجه
كان سبب خروجه صرف المأمون طاهر بن الحسين عما كان إِليه من أعمال البلدان التي افتتحها، وتوجيه ذلك إِلى الحسن بن سهل أخا الفضل بن سهل.
وذلك أن الناس بالعراق تحدّثوا بينهم أن ابن سهل قد غلب على المأمون، وأنه قد أنزله قصراً حجبه فيه عن أَهل بيته ووجوه قواده من الخاصة والعامة .
وأنه يبرم الأمور على هواه، ويستبد بالرأي دونه.
فغضب لذلك من بالعراق من بني هاشم ووجوه الناس وأبقوا من عليه الفضل على المأمون، واجترؤوا على الحسن بن سهل بذلك، وهاجت الفتن في الأمصار.
وكان أول مَن خرج بالكوفة ابن طباطبا (4)
فلما عزل أسد عن أرمينية سار أَبو السرايا إِلى أَحمد بن مزيد، فوجهه أَحمد طليعة إِلى عسكر هرثمة في فتنة الأمين والمأمون، وكانت شجاعته قد اشتهرت فراسله هرثمة يستميله فمال إِليه، فانتقل إِلى عسكره وقصد العرب من الجزيرة، واستخرج لهم الأرزاق من هرثمة معه نحو ألفي فارس ،و راجل فصار يخاطب بالأَمير .
فلما قتل الأمين نقصه هرثمة من أرزاقه وأرزاق أَصحابه، فاستأذنه في الحج، فأذن له، وأعطاه عشرين ألف درهم، ،درهم ففرقها في أَصحابه ومضى وقال لهم : اتبعوني متفرقين، ففعلوا، فاجتمع معه منهم نحو من مائتي فارس فسار بهم إِلى عين التمر وحصر عاملها وأخذ ما معه من المال، وفرقه في أَصحابه.
وسار فلقي عاملاً آخر ومعه مال على ثلاثة بغال فأخذها وسار فلحقه عسكر قد سيَّره هرثمة خلفه، فعاد إِليهم وقاتلهم فهزمهم ودخل البرية وقسم المال بين أَصحابه وانتشر جنده، فلحق به مَن تخلّف عنه من أَصحابه وغيرهم فكثر جمعه .
فسار نحو دقوقا، وعليها أَبو ضرغامة العجلي في سبعمائة ،فارس، فخرج إِليه فلقيه، فاقتتلوا، فانهزم أَبو ضرغامة ودخل قصر دقوقا، فحصره أَبو السرايا، وأَخرجه من القصر بالأمان، وأخذ ما عنده من الأموال.
وسار إِلى الأنبار عليها إِبراهيم الشروي مولى المنصور فقتله أَبو السرايا، وأخذ ما فيها، وسار عنها ثم عاد إِليها بعد إدراك الغلال فاحتوى عليها ثم ضجر من طول السري في البلاد، فقصد الرقة فمرّ بطوق بن مالك التغلبي وهو يحارب القيسية، فأعانه عليهم، وأَقام معه أَربعة أشهر يقاتل على غير طمع إلا للعصبية للربعية على المضرية، فظفر طوق وانقادت له قيس.
وسار عنه أَبو السرايا إِلى الرقة، فلما وصلها لقيه محمد بن إِبراهيم المعروف بابن طباطبا قبايعه وقال له انحدر أنت في الماء، وأسير أنا في البر نوافي الكوفة، فدخلاها، وابتدأ أَبو السرايا بقصر العباس بن موسى بن عيسى فأخذ ما فيه من الأموال والجواهر وكان عظيماً لا يحصى وبايعهم أَهل الكوفة .
الذي ذكرت .1) سبق ذكر الخبر بهامش أحداث السنة السابقة حيث ذكر تولية المأمون له والكتابة بذلك إِلى طاهر، وإخراجه طاهر إِلى الرقة لمحاربة نصر بن سيار بن شبث في سنة (198) ابن الأثير في الكامل.
2) في الكامل : لعشر خلون من جمادى الآخرة بالكوفة .
3) في الكامل بعد هذا :
4) في الكامل : قيل وكان سبب اجتماع ابن طباطبا بأَبي السرايا أن أَبا السرايا كان يكري الحمير ثم قوي حاله، فجمع نفراً فَقَتل رجلاً من بني تميم بالجزيرة، وأخذ ما معه فطلب، فاختفى وعبر الفرات إِلى الجانب الشامي، فكان يقطع الطريق في تلك الناحية ثم لحق بيزيد بن الشيباني بأرمينية ومعه ثلاثون فارساً فقوده فجعل يقاتل معه الخرمية وأثر فيهم وفتك، وأخذ منهم غلامه أَبا الشوك .
وكان سبب خروجه: أن أَبا السرايا كان من رجال (1)هرثمة، فطلبه بأرزاقه وأخره بها، فغضب أَبو السرايا ومضى إِلى الكوفة، فبايع ابن طباطبا الناس .
فوجّه الحسن بن سهل زهير بن المسيب في أَصحابه إِلى الكوفة في عشرة آلاف فارس وراجل فتهيؤوا للخروج إِليه، فلم تكن بهم قوة على الخروج، فأَقاموا حتى بلغ زهير قرية شاهي، ثم واقعهم ابن طباطبا، فهزمهم واستباح عسكرهم وأخذوا ما كان معه من مال وسلاح وأدوات (2)وغير ذلك (3).
فلما كان ظفره بزهير واستباحته عسكره، مات فجأة.
فتحدّث الناس، أن أَبا السرايا ،سَمَّه وأنه إِنما فعل ذلك لأن ابن طباطبا لم أحرز ما في عسكر زهير بن المسيب من المال والسلاح والكراع منعه أَبو السرايا، وخطره ،عليه وكان الناس له مطيعين .
فعلم أَبو السرايا أنه لا أمر له [معه ] (1)فسمه فلما مات ابن طباطبا أَقام مكانه أَبو السرايا غلاماً أمرد حدثاً وهو:
محمد بن محمد بن مزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أَبي طالب رضي اللّه عنهم .
وكان أَبو السرايا هو الذي ينفذ الأمور (2).
وكان الحسن بن سهل قد وجّه عبدوس بن [82/أ] محمد بن خالد المروزي(3)إِلى النّيل حين وجه زهيراً إِلى الكوفة .
فلما هزم أَبو السرايا زهيراً خرج عبدوس إِلى الكوفة بأمر الحسن بن سهل حتى بلغ الجامع وزهير مقيم بالقصر .
فتوجه أَبو السرايا إِلى عبدوس فواقعه بالجامع (4)فقتله ، وأسر هارون بن أَبي خالد واستباح عسكره وكان في أَربعة آلاف فلم يفلت منهم أحد كانوا بين أسير وقتيل .
وانتشر الطالبيون (5)
فولّى البصرة العباس بن محمد بن عيسى بن محمد الجعفري .
وولى مكة الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي الذي يقال له الأفطس، وجعل إِليه الموسم.
وولى اليمن إِبراهيم بن موسى بن جعفر .
وولی فارس إسماعيل بن موسى بن عفر وولى الأهواز زيد بن موسى بن جعفر، فسار إِلى البصرة وغلب عليها وأَخرج عنها العباس بن محمد الجعفري، ووليها مع الأهواز .
ووجّه أَبو السرايا محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن عَلي عَلَى المدائن، وأمره أن يأتي بغداد من الجانب الشرقي، فأتى المدائن وأَقام بها وسير عسكره إِلى ديالي .
وكان بواسط عبد اللّه بن سعيد الحرشي والياً عليها من قبل الحسن بن سهل، فانهزم من أصحاب أَبي السرايا إِلى بغداد فلما رأى الحسن أن أَصحابه لا يلبثون لأصحاب أَبي السرايا .
وانحاز زهير إِلى نهر الملك.وأقبل أَبو السرايا حتى نزل قصر ابن هبيرة بأَصحابه، وكانت طلائعه تأتي الكوفة .
ثم وجه أَبو السرايا جيوشه إِلى البصرة وواسط فدخلوها، وكان بواسط وأعمالها عبد اللّه بن سعيد الحرشي والياً عليها من قبل الحسن بن سهل.
فواقعه جيش أَبي السرايا قريباً من واسط فهزموه فانصرف راجعاً إِلى بغداد،
1) زيادة يتطلبها السياق .
2) بعده في الكامل : ورجع زهير إِلى قصر ابن هبيرة فأَقام به ووجه الحسن بن...
3) كذا، وفي الكامل : المروروذي .
4) في الكامل : لثلاث عشر ليلة بقيت من رجب.
5) بعد هذا في الكامل وانتشر الطالبيون في البلاد، وضرب أَبو السرايا الدراهم بالكوفة، وسير جيوشه إِلى البصرة وواسط، ونواحيها.
وقتل أَصحابه، وأسروا .
فلما رأى الحسن بن سهل أن أَبا السرايا هزم عساكره، ولا يتوجه إِلى بلد إلا افتتحها، ولم يجد في قواده من يكفيه حربه تذكر هرثمة وكان هرثمة لما قدم الحسن بن سهل العراق والياً عليها من قبل المأمون سَلَّم إِليه ما كان بيده من الأعمال، وتوجّه نحو خراسان مغاضباً فبلغ حلوان، وبعث إِليه الحسن، السندي، وصالحا صاحب المصلى يسألاه الانصراف إِلى بغداد لحرب أَبي السرايا، فامتنع وأبى، وقال: يذكروننا عند البلاء .
فانصرف رسل الحسن إِليه بأَبا ئه ،وبمنعه، فعاد إِليه السندي بكتب لطيفة، ورسائل تشبه الكتب فأجاب وانصرف إِلى بغداد فقدمها في شعبان، وتهيأ للخروج .
وأمر الحسن علي بن أَبي سعيد (1)أن يخرج إِلى ناحية المدائن، فدخلها أَصحابه في شهر رمضان، وتقدّم هو بنفسه حتى نزل [بنهر ](2)صر صر .
وكان هرثمة أنفذ منصور بن المهدي إِلى الياسرية، فخرج وعسكر بها .
فلما قدم هرثمة خرج فعسكر بالسفينتين بين يدي ،منصور، ثم شخص إِلى نهر صرصر إزاء أَبي السرايا والنهر بينهما .
وتوجه علي بن سعيد من طريق كلواذى إِلى المدائن، فقاتل أَبي السرايا وهزمهم وأخذ المدائن، وبلغ أَبي السرايا فرجع من نهر صرصر إِلى قصر ابن هبيرة .
وأصبح هرثمة، فجد في طلبه فوجد جماعة كثيرة، فقتلهم وبعث رؤوسهم إِلى الحسن بن سهل .
ثم سار إِلى قصر ابن هبيرة، وكانت بينه وبين أَبي السرايا ،وقعة، قتل فيها من أصحاب أَبي السرايا خلق كثير .
فانحاز أَبو السرايا إِلى الكوفة، فوثب محمد بن محمد و[ من معه ](3)من الطالبيين على دور بني العباس ومن إِليهم وأتباعهم، فانتهبوها وحرقوها وخربوا ضياعهم، وأَخرجوهم من الكوفة، وعملوا في ذلك عملاً قبيحاً جدًّا، واستجرجوا الودائع التي كانت [لهم] (4)عند الناس
وتوجه علي بن أَبي سعيد بعد (5)أخذه المدائن إِلى واسط فأخذها.
ثم توجه إِلى البصرة [فلم يقدر ] (1)
ووجّه إِلى مكة داود بن عيسى بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس رضی اللّه عنهم.
وكان الذي وجّه أَبو السرايا إِلى مكة حسين بن الحسن الأفطس بن علي بن علي بن الحسن بن علي.
ووجّه أيضاً إِلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن علي، فدخلها ولم يقاتله بها أحد .
ولما بلغ داود بن عيسى توجيه أَبي السرايا حسين بن حسن إِلى مكة لأَقامة الموسم جمع أصحاب بني العباس وموإِليهم .
وكان مسرور الكبير قد حج في تلك السنة في مائتي ،فارس، فتعبّى للحرب وقال لداود : أقم إلي شخصك أو بعض ولدك، وأنا أكفيك.
فقال : لا أستحل القتال في المحرم، واللّه لئن دخلوها من كل فج لأَخرجن من غيره.
وانحاز داود إِلى ناحية المشاش وافترق الجمع الذي كان داود بن عيسى جمعهم، وخاف مسرور أن يقاتلهم فخرج في أثر داود راجعاً إِلى العراق.
وبقي الناس بعرفة، فصلى بهم رجل من عرض الناس بغير خطبة ودفعوا من عرفة بغير إمام.
وكان حسين بن حسن يسرف يخاف دخول مكة حتى خرج إِليه قوم أخبروه أن مكة قد خلت من بني العباس، فدخلها في عشرة أنفس، فطافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ومضوا إِلى عرفة، فوقفوا ليلاً، ثم رجعوا إِلى مزدلفة، فصلّى بالناس الصبح وأَقام بمنى أيام الحج، وبقي بمكة إِلى أن انقضت السنة .
وكذلك أيضاً أَقام محمد بن سليمان بالمدينة حتى انقضت السنة .
وأما هرثمة : فإنه نزل بقرية شاهي ورد الحاج، واستدعى منصور بن المهدي إِليه، وكاتب رؤساء أَهل الكوفة .
وأما علي بن سعيد : فإنه توجه من المدائن إِلى واسط فأخذها، وتوجه إِلى البصرة فلم يقدر على أخذها هذه السنة .
وفيها: قوي أمر نصر بن شبث العقيلي بالجزيرة، وكثر جمعه، وحصر حران .
وأتاه نفر من شيعة الطالبين، فقالوا له : قد وترت بني العباس، وقتلت رجالهم، وأغلقت عنهم العرب، فلو بايعت لخليفة كان أقوى لأمرك .
فقال : من أي الناس؟
فقالوا : تبايع لبعض آل علي بن أَبي طالب.
فقال : أَبا يع بعض أولاد السوادات، فيقول: إنه هو خلقني ورزقني؟!
فقالوا : بايع لبعض بني أمية .
فقال : أولئك قد أدبر أَمرهم والمدير لا يقبل أبداً ولو سلم عَلَي رجل مدير لأعداني إدباره، وإِنما هواي في بني العباس، وإِنما حاربتهم محاماة عن العرب لأنهم يقدمون عليهم العجم.
وفي هذه السنة: توفي الحسين بن مصعب بن زريق أَبو طاهر بن الحسين بخراسان، وكان طاهر بالرقة، وحضر المأمون جنازته ونزل الفضل بن سهل ،قبره ووجه المأمون إِلى طاهر يعزيه بأَبيه .
وفيها : توفي أَبو عون معاوية بن أَحمد الصمادحي مولى آل جعفر بن أَبي طالب الفقيه المغربي الزاهد . وفيها : توفي سهل بن شاذويه أَبو هارون وعبد اللّه بن نمير الهمداني الكوفي، وكنيته أَبو هاشم وهو والد محمد بن عبد اللّه بن نمير شيخ البخاري ومسلم.
على أخذها حتى انقضت سنة تسع .1) زاد ابن الأثير في أحداث السنة وفي هذا الخبر فقال بعد قوله : واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس وكان هرثمة يخبر الناس أنه يريد الحج، وحبس من قدم للحج من خراسان وغيرها ليكون هو أَمير الموسم.
ثم دخلت سنة مائتين
وفيها : هرب أَبو السرايا من الكوفة ودخلها هرثمة، ومنصور بن المهدي، فأمنوا أَهلها ولم يعرضوا لأحد.
ثم إن أَبا السرايا عبر دجلة أسفل واسط، فأتى عبدوس فوجد فيها مالاً كان حمل من الأهواز، فأخذه ثم مضى حتى أتى السوس فنزلها وأَقام بها أَربعة أيام، وجعل يعطي الفارس ألفاً والراجل خمسمائة (1)
هرب أَبو السرايا من الكوفة، وكان قد حصره فيها ومن معه هرثمة، وجعل يلازم قتالهم حتى ضجروا وتركوا القتال، فلما رأى ذلك أَبو السرايا تهيأ للخروج من الكوفة فخرج في ثمإِنما ئة فارس ومعه محمد بن محمد بن زید.
ودخلها هرثمة فأمن أَهلها ولم يتعرّض إِليهم.
وكان هر به سادس عشر من المحرم وأتى القادسية، وسار منها إِلى السوس بخوزستان، فلقي مالاً قد حمل من الأهواز، فأخذه وقسمه بين أَصحابه وأتاه الحسن بن علي المأمون وجرحه، وتفرّق أَصحابه .
.فلما كان اليوم الرابع أتاهم الحسن بن علي الباذغيسي المعروف بالمأموني.
فأَرسل إِليهم : اذهبوا حيث شئتم فإنه لا حاجة لي في قتالكم إذ أنتم خرجتم من عملي فليس أتبعكم فأبى أَبي السرايا إلا قتاله .
فقاتلهم فهزمهم الحسن واستباح عسكرهم .
وخرج أَبي السرايا في جراحة شديدة فهرب واجتمع هو ومحمد بن محمد، وأَبو الشوك فأخذوا ناحية الجزيرة يريدون منزل أَبي السرايا برأس العين .
فلما انتهوا [إِلى جلولاء] (2)أتاهم حماد (3)فأخذهم فجاء بهم إِلى الحسن بن سهل وكان مقيماً بالنهروان حتى ضربه الحربة فضرب عنق أَبي السرايا .
وكان الذي تولّى ضرب رقبته هارون بن محمد بن أَبي خالد الذي كان أسيراً في يده فلم ير أحد عند القتل أشد جزعاً من أَبي السرايا كان يضرب بيديه ورجليه ويصيح أشد ما يكون من الصياح فجعل في رأسه حبل وفي رجليه حبل، وهو في ذلك يضطرب ويتلوّى ويصيح حتى ضُربت عنقه .
ثم بُعث برأسه وطيف به وبُعث بجسده إِلى بغداد فصلب على الجسرين في
کل جسر نصف نصف (1)
وسيَّر محمد بن محمد إِلى المأمون.
وأما هرثمة : فإنه أَقام بالكوفة يوماً واحداً وعاد واستخلف بها غسان بن أَبي الفرج أَبا إِبراهيم بن غسان صاحب حرس والي خراسان وسار علي بن سعيد إِلى البصرة ..
.وكان بين خروجه وقتله عشرة أشهر .
وتوجه علي بن أَبي سعيد إِلى البصرة فافتتحها وكان الذي بها من الطالبيين زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أَبي طالب رضي اللّه عنهم وهو يقال له : زيد النار .
وإِنما سمي بذلك لكثرة ما حرق من الدور بالبصرة، وكان إذا أتي برجل من السود كانت عقوبته أن يحرقه بالنار .
فأسره علي بن أَبي سعيد مع جماعة من قواده، وبعث بهم إِلى الحسن بن سهل.
وفي هذه السنة :خرج إِبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أَبي طالب رضي اللّه عنهم إِلى اليمن.
ذكر السبب في خروجه
وكان سببه أن أَبي السرايا تغلب على الكوفة فتجاسر الناس على الحسن بن سهل حدث هذا نفسه باليمن وكان بها من قبل المأمون إسحاق بن موسى [82/ب] ابن عيسى، فلما سمع بإقبال إِبراهيم بن موسى العلوي وأَهل بيته إِليه، كره قتالهم . وخرج بجميع من في عسكره من الخيل والرجال، فخلى لإِبراهيم (اليمن)(2)
فسار منها نحو مكة فأتى المشاش فعسكر بها، واجتمع بها إِليه جماعة من أَهل مكة هربوا من العلويين، واستولى إِبراهيم على اليمن ...
.فدخل إِبراهيم بلاد اليمن، وقتل خلقاً، وسبى، وأخذ أموالاً عظيمة فسمي إِبراهيم الجزار .
وفي هذه السنة: حبس حسين بن حسن الأفطس، وكان خرج من قبل أَبي السرايا، فجلس على نمرقة صينية خلف المقام، فأمر بثياب الكعبة التي عليها فجُرِّدت منها حتى لم يبقَ عليها شيء، وبقيت حجارة مجرّدة .
ثم كساها ثوبين من قز رقيق(3)، وجه بهما أَبو السرايا، مكتوب عليهما :
«مما أمر به الأصغر بن الأصغر أَبو السرايا داعية آل محمد لكسوة بيت اللّه، وأن
يطرح عنه كسوة الظلمة من ولد العباس ليطهر من كسوتهم وكتب في سنة تسع وتسعين ومائة» (1).
ثم أمر الحسين بالكسوة التي كانت على الكعبة فقسمت بين أَصحابه من من العلويين وأتباعهم وعمد إِلى ما في خزانة الكعبة من مال فأخذه ومَن (2)لم يجد عنده شيئاً أخذه فحبسه وعاقبه حتى يفتدي بقدر طَوْلِه حتى افتقر خلق، وهرب كثير من أَهل النعم فتعقبهم يهدم دورهم حتى سار أَصحابه إِلى أخذ الحرم وأخذ أبناء الناس، ويهتكوا.
وجعلوا يحكون الذهب الرقيق الذي في أسافل رؤوس أساطين المسجد الحرام، فيخرج من الأسطوانة بعد التعب الشديد قدر مثقال ذهباً .
وقلعوا الحديد الذي في الشباك كُوى المسجد، وقطعوا شباك زمزم وباعوها فاعتزلهم الناس ولعنوهم.
وبلغهم أن أَبا السرايا ،قتل وطرد من كور العراق الطالبيون، وأن الولاية رجع بها لولد العباس .
فعلم حسين أنه لا ثبات له ولا لأَصحابه لسوء السيرة التي ظهرت منهم، فاجتمعوا إِلى محمد بن جعفر بن محمد الصادق وكان شيخاً ورعاً يروي العلم عن أَبيه جعفر بن محمد رضي اللّه عنه، وينتابه الناس يكتبون عنه، وكان له سمت وزهد، وفارق ما عليه أَهل بيته، وكان محباً في الناس.
فلما اجتمع إِليه الحسين وأَصحابه قالوا له : قد تعلم حالك في الناس، فابرز شخصك نبايع لك بالخلافة فليس يختلف عليك اثنان .
فأبى أَباء شديداً، فلم يزل به ابنه (3)علي وحسين بن الحسن الأفطس حتى غلبا الشيخ على رأيه، فأجابهم فأَقاموه يوم الجمعة فبايعوه بالخلافة، وحشروا الناس إِليه من أَهل مكة، والمجاورين، فبايعوه وسموه أَمير المؤمنين فأَقام شهوراً ليس له من الأَمر إلا اسمه.
وابنه علي وحسين وجماعة معهما أسوء ما كانوا سيرة .
فوثب حسين بن الحسن على امرأة من قريش ولها زوج، وكانت ذات جمال ،بارع فانتزعها، وأخاف زوجها حتى توارى واغتصبها نفسها بعد أن كسر عليها بابها وحملت حملاً إِلى حسين .
ووثب علي بن محمد وهو ابن أَمير المؤمنين محمد بن جعفر على غلام من
قريش ابن قاضي بمكة يقال له : إسحاق بن محمد كان جميلاً بارعاً في الجمال، فاقتحم عليه بنفسه نهاراً وجهاراً وفي داره على الصفا مشرفاً على المسعى حتى حمله على فرسه في السرج، وركب على عجز الفرس، وخرج به يشق السوق، فلما رآه أَهل مكة ومن بها من المجاورين خرجوا، فاجتمعوا في المسجد الحرام، وغُلّقت الدكاكين، ومال معهم أَهل الطواف بالكعبة حتى أتوا أَبا محمد بن جعفر فقالوا له : لنخلعنك ولنقتلنك أو ترد إلينا هذا الغلام الذي أخذه ابنك جهرة وأغلق بابه، وكلمهم من شباك الشارع في المسجد وقال واللّه ما علمت فأمهلوني.
ثم أَرسل إِلى حسين بن حسن الأفطس، وسأله أن يركب إِلى ابنه فيستنقذ الغلام من يده .
فأبى ذلك حسين وقال : واللّه إنك لتعلم أني لا أقوى على ابنك ولو جئته لقاتلني في أَصحابه .
فلما رأى محمد بن جعفر ذلك قال لأَهل مكة أمنوني حتى أركب إِليه وآخذ الغلام، فأمنوه.
فركب بنفسه حتى سار إِلى ابنه، فأخذ الغلام منه، وسلّمه إِلى أَهله.
فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى أقبل إسحاق بن موسى العباس إِليهم [من اليمن فنزل المشاش ] (1).
واجتمع العلويون إِلى محمد بن جعفر، وقالوا هذا إسحاق بن موسى مقبلاً إلينا في الخيل والرجال وقد رأينا أن تخندق خندقاً، وتبرز شخصك ليراك الناس فيحاربوا معك .
وبعثوا إِلى مَن حولهم من الأعراب ففزعوا لهم وخندقوا بأعلى مكة.
فورد إسحاق وقاتلهم أياماً، ثم كره إسحاق الحرب، وخرج يريد العراق فلقيه ورقاء بن جميل ومَن كان معه من أصحاب الجلودي، فقالوا لإسحاق : ارجع معنا إِلى مكة ونحن نكفيك القتال، فرجع معهم .
واجتمع إِلى محمد بن جعفر من كان معه فتقاتلوا عند بئر ميمون يوماً، ثم عاودهم بعد ذلك بيوم وكانت الهزيمة على أصحاب محمد بن جعفر .
فبعث محمد بن جعفر رجالاً من قريش منهم قاضي مكة يسألون لهم الأمان حتى يخرجوا من مكة ويذهبوا حيث شاؤوا .
1) زيادة من الكامل.
فأجابهم إسحاق، وورقاء، وتفرّق الطالبيون وأخذ كل قوم ناحية (1)
فلما انقضى الموسم طلب الأمان من الجلودي ومن رجاء بن جميل - وهو ابن عمه الفضل بن سهل - فأمنه وضمن له الرجاء عن المأمون وعن الفضل الوفاء بالأمان، فقبل ذلك.
فأتى مكة لعشر بقين من ذي الحجة فخطب الناس وقال : إنني بلغني أن المأمون مات وكانت له في عنقي بيعة، وكانت فتنة عمّت الأرض فبايعني الناس، ثم إنه صح عندي أن المأمون حي صحيح، وأنا أستغفر اللّه من البيعة، وقد خلعت نفسي من البيعة التي بايعتموني عليها كما خلعت خاتمي هذا هذا من إصبعي فلا بيعة لي في رقابكم، ثم نزل.
وسار سنة إحدى ومائتين إِلى العراق فسيَّره الحسن بن سهل إِلى المأمون بمرو، فلما سار المأمون إِلى العراق ،صحبه فمات بجرجان.
.وفي هذه السنة : شخص هرثمة من معسكره إِلى المأمون بمرو.
ذکر خروج هرثمة ومَن اغتمه للحسن والفضل وما آل [إِليه] أمره
لما فرغ من أمر أَبي السرايا ومحمد بن محمد العلوي ودخل الكوفة، فأَقام في عسكره أياماً، ثم أتى نهر صرصر، والناس يظنون بأن الحسن بن سهل بالمدائن، فلما بلغ نهر صرصر خرج على عقرقوف (2)، ثم أتى البَرَدَان (3)ثم سار حتى أتى خراسان [83/أ] فاستقبلته كتب من المأمون في غير منزل أن ارجع قبل الشام والحجاز .
فأبى وقال : لا أرجع [حتى] (4)آتي أَمير المؤمنين إدلالاً منه عليه لما كان يعرف من نصيحته له ولأَبا ئه.
وأَراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل بن سهل وما يكتم عنه من الأَخبار وألا يدعه حتى يرده إِلى بغداد دار خلافة أَبا ئه وملكهم ليتوسط سلطانه ويشرف على أطرافه .
فعلم (5)الفضل ما يريد فقال للمأمون (6): إن هرثمة أفعل (7)عليك البلاد، وظاهر
1) زاد ابن الأثير في الكامل في تفاصيل الخبر وإكماله فقال : ودخل العباسيون مكة في جمادى الآخرة وتفرق الطالبيون من مكة . أما محمد بن جعفر فسار في نحو الجحفة، فأدركه بعض موالي بني العباس فأخذ جميع ما معه ، وأعطاه دريهمات يتوصل بها فسار نحو بلاد جهينة فجمع بها وقاتل هارون بن المسيب والي المدينة عند الشجرة وغيرها عدة دفعات فانهزم محمد وفقئت عينه بنشابة وقتل من أَصحابه بشر كثير ورجع إِلى موضعه.
2) عقرقوف : قال عنها صاحب معجم البلدان قرية من نواحي دجيل بينها وبين بغداد أَربعة فراسخ .
3) قال ياقوت :البردان بالتحريك مواضع كثيرة من قرى بغداد على سبعة فراسخ منها قرب صرفين، وهي من نواحي دجيل .
4) سقط من المخطوط وأتممته من الكامل.
5) في المخطوط : فلم والتصويب من الكامل.
6) في المخطوط: المأمون والتصويب من الكامل.
7) في الكامل : أثفل .
عليك عدوك، وعادى وليك، ولقد دَسَّ أَبا (1)السرايا، وإِنما هو بعض حوله (2)، حتى عمل ما عمل، ولو شاء هرثمة أن لا يفعل ذلك أَبو السرايا ما فعله ولقد كتبت إِليه [یا](3)أَمير المؤمنين عدة (4)كتب أن يرجع قبلي الشام، والحجاز، فأبى، وقد رجع إِلى باب أَمير المؤمنين عاصياً ميثاقنا (5)الغليظ، ويتوعد بالأَمر الجليل، وإن أطلق هذا كان مفسدة لغيره .
فاشر أب قلب أَمير المؤمنين عليه، وأبطأ هرثمة في المسير، فلم يصل إِلى خراسان إلا في شهور .
فلما بلغ مرو، خشي أن يكتم المأمون قدومه، فضرب بالطبول لكي يسمعها المأمون .
فسمعها، فقال: ما هذا؟
قالوا :هرثمة قد أقبل برعد وبرق وظنّ هرثمة أن قوله هو المقبول .
فأمر بإدخاله فلما دخل كان قد أشرب قلب المأمون.
فقال له: يا هرثمة مالات أَهل الكوفة والعلويين وداهنت ودسست إلي أَبا السرايا حتى بلغ وعمل ما عمل، وكان رجلاً من أصحابك، ولو أردت أن تأخذهم جميعاً لفعلت، ولكنك أرخيت خناقهم، وأجردت لهم رسنهم.
فذهب هرثمة ليتكلم ويعتذر ويدفع عن نفسه ما فرّق، فلم يقبل منه، وأمر به فوجىء على أنفه، وديس في بطنه وسحب من بين يديه.
وكان تقدم الفضل بن سهل إِلى الأعوان في الغلظة عليه والتشديد حتى حبس .
[فمكث في الحبس أياماً ](6)ثم دس إِليه بعد أن أذله من قتله وقالوا مات .
وفي هذه السنة : هاج الشغب ببغداد بين الحربية، والحسن بن سهل.
ذكر السبب في ذلك
لما خرج هرثمة إِلى خراسان وثبوا وقالوا لا نرضى حتى نطرد الحسن بن سهل وعماله عن بغداد.
وكان من عماله بها: محمد بن أَبي خالد وأسد بن أَبي الأسد، فخرجوهم وطردوا أسبابهم، وصيَّروا إسحاق بن موسى بن المهدي خليفة المأمون ببغداد واجتمع أَهل الجانبين على ذلك ورضوا به.
وكان الحسن بن سهل مقيماً بالمدائن منذ شخوص هرثمة إِلى خراسان، وإِلى أن اتصل بأَهل بغداد خبر هرثمة، وما صنع المأمون.
فلما علم الحسن بن سهل أن أَهل بغداد [شغبوا على عماله] (1)[بعث إِلى علي بن هشام وهو والي بغداد ](2)من قبله : أن أمطل جند الحربية والبغداديين أرزاقهم، ومَنِّهم ولا تعطيهم.
ولما وثبت أَهل بغداد بأَصحابه دَسَ إِلى قوم من قوادهم أن يشغبوا على إسحاق بن موسى فشغبوا .
فحول الحربية (3)إسحاق إِليهم، وأنزلوه على دجيل.
وبعث الحسن بن سهل علي بن هشام من الجانب الآخر، وجاءه هو ومحمد بن أَبي خالد وقوادهم ليلاً حتى دخلوا بغداد [في شعبان] (4).
فقاتل الحربية ثلاثة أيام على قنطرة الصراة العتيقة والجديدة والأرجاء، ثم إنه وعد الحربية أن يعطيهم رزق ستة أشهر إذا أدركت العلة .
فسألوه أن يجعل لهم خمسين درهماً لكل رجل لينفقوها من شهر رمضان. فأجابهم إِلى ذلك ثم دفعهم ولم يف لهم بإعطاء الخمسين(5).
فشدُّوا على علي بن هشام فطردوه وكان المتولي ذلك والقيم من الحربية محمد بن أَبي خالد .
وذلك أن علي بن هشام كان يستخف به، ويضع من مقداره.
ووقع بين محمد بن أَبي خالد وأزهر بن زهير بن المسيب ،كلام فقنّعه بالسوط
1) زيادة يتطلبها السياق .
2) زيادة من الكامل يتطلبها السياق لسقوط بعد عبارات من المخطوط .
3) في المخطوط: الحربه والتصويب من الكامل.
4) زيادة من الكامل.
5) في الكامل بعد هذا: حتى أتاهم خبر زيد بن موسى من البصرة المعروف بزيد النار، وكان هرب من الحبس وكان عند علي بن سعيد، فخرج بناحية الأنبار هو وأخو أَبي السرايا في ذي القعدة سنة مائتين فبعثوا إِليه، فأتي به إِلى علي بن هشام وهرب علي بن هشام بعد جمة من الحربية، ونزل بصر صر لأنه لم يف لهم بإعطاء الخمسين إِلى أن جاء الأضحى، وبلغهم خبر هرثمة وأَخرجوه، وكان القيم بأمر هرثمة محمد بن أَبي خالد لأن علي بن هشام كان يستخف به، فغضب من ذلك وتحوّل إِلى الحربية .
فغضب محمد، وتحوّل إِلى الحربية، واجتمع إِليه الناس فلم يقربهم علي بن هشام حتى أَخرجوه من بغداد.
وتقدّم المأمون بإحصاء ولد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفاً، ما بين ذكر وأنثى (1)
وقيل : كان السبب في شعب الأبناء أن الحسن بن سهل جلد عبد اللّه بن علي بن ماهان الحد، فغضب الأبناء وخرجوا .
في هذه السنة : وجّه إِبراهيم بن موسى بن جعفر من اليمن رجلاً من ولد عقيل بن أَبي طالب في جند ليحج بالناس.
فسار العقيلي حتى أتى بستان ابن ،عامر فبلغه أن أَبا إسحاق المعتصم قد حج في جماعة من القوّاد فيهم حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان - وقد استعمله الحسن بن سهل على اليمن - فعلم العقيلي أنه لا يقوى له، فأَقام ببستان بن عامر فاجتازت به قافلة من الحاج ومعهم كسوة الكعبة وطيبها فأخذ أموال التجار وكسوة الكعبة وطيبها وقدم الحجاج مكة عراة منهوبين .
فاستشار المعتصم أَصحابه، فقال الجلودي : أنا أكفيك ذلك.
فانتخب مائة ،رجل، وسار بهم إِلى العقيلي.
فصحبهم فقاتلهم، فانهزموا ، وأسر أكثرهم، وأخذ كسوة الكعبة، وأموال التجار إلا ما كان مع من هرب قبل ذلك، فردّه وأخذ الأسرى فضرب كل واحد منهم عشرة أسواط ، وأطلقهم فرجعوا إِلى اليمن يستطعمون الناس، فهلك أكثرهم في الطريق جوعاً وعرياً.
وفيها :وقعت الفتنة بالموصل بين بني سامة وبني ثعلبة فاستجارت ثعلبة بمحمد بن الحسين الهمداني، وهو أخو علي بن الحسين أَمير البلد، فأَمرهم بالخروج إِلى البرية، ففعلوا فتبعهم بنو سامة في ألف رجل إِلى العوجاء فحصروهم فيها .
فبلغ الخبر عليّا ومحمداً ابني الحسين، فأَرسل الرجال إِليهم، واقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل من بنی سامة جماعة وأسر جماعة منهم ومن بني تغلب وكانوا معهم، فحبسوا في البلد.
ثم إن أَحمد بن عمر بن الخطاب العدوي التغلبي أتى محمداً وطلب إِليه المسالمة، فأجابه إِليها، وصلح الأَمر وسكنت الفتنة .
وفي هذه السنة: جهز الحكم أَمير الأندلس جيشاً مع عبد الكريم بن مغيث إِلى بلاد الفرنج بالأندلس، فسار بالعساكر حتى دخل بأرضهم وتوسط بلادهم فخربها ونهبها، وهدم عدة من حصونها كلما أَهلك موضعاً وصل إِلى غيره، فاستنفذ خزائن ملوكهم .
فلما رأى ملكهم فعل المسلمين ببلادهم كاتب ملوك جميع تلك النواحي مستنصراً بهم، فاجتمعت إِليه النصرانية من كل أوب فأقبل في جموع عظيمة بإزاء عسكر المسلمين بينهم ،نهر، فاقتتلوا قتالاً شديداً عدة أيام المسلمون يريدون أن يعبروا النهر ، وهم يمنعون المسلمين من ذلك .
فلما رأى المسلمون ذلك تأخروا عن النهر فعبر المشركون إِليهم، فاقتتلوا أعظم ،قتال فانهزم المشركون إِلى النهر ، فأخذهم السيف والأسر ، فمَن عبر النهر ،سلم، وأسر جماعة من جنودهم وملوكهم وقمامصتهم .
وعاد الفرنج ولزموا جانب النهر يمنعون المسلمين من جوازه، فبقوا كذلك ثلاثة عشر يوماً، يقتتلون كل يوم، فجاءت الأمطار، وزاد النهر وتعذر جوازه، وقفل عبد الكريم عنهم سابع ذي الحجة .
وفي هذه السنة : خرج خارجي من البربر بناحية مورور من الأندلس، ومعه جماعة، فوصل كتاب العامل إِلى الحكم بخيره فأخفى الحكم خبره واستدعى من ساعته قائداً من ،قواده فأَخبره بذلك سرًّا، وقال له : سِرْ من ساعتك إِلى هذا الخارجي فأتنا برأسه، وإلا فرأسك عوضه، وأنا قاعد مكاني هذا إِلى أن تعود.
فسار القائد إِلى الخارجي، فلما قاربه سأل عنه فأَخبر عنه باحتياط كثير، واحتراز شديد.
ثم ذكر قول الحكم إن قتلته وإلا فرأسك عوضه .
فحمل نفسه على سبيل سلوك المخاطرة فأعمل الحيلة حتى دخل عليه وقتله، وأحضر عند الحكم، فرآه مكانه ذلك لم يتغير منه وكانت غيبته أَربعة أيام .
فلما رأى رأسه أحسن إِلى ذلك القائد ووصله، وأعلى محله .
وفي هذه السنة: قتلت الروم ملكها ،أليون وكان ملكه سبع سنين وستة أشهر وملكوا عليه میخائیل بن جورجيش ثانية .
وفيها: خالف علي بن أَبي سعيد على الحسن بن سهل فبعث المأمون إِليه بسراج الخادم وقال له : إن وضع يده في يده الحسن بن سهل أو شخص إِليه بمرو وإلا فاضرب عنقه .
فسار إِليه سراج، فأطاع وتوجه إِلى المأمون بمرو مع هرثمة .
وفيها: قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل لأنه قال له : يا أَمير الكافرين.
وحج بالناس هذه السنة : المعتصم .
وفيها: توفي القاضي أَبو البختري وهب بن وهب .
ومعروف الكرخي الزاهد .
وصفوان بن عيسى الفقيه .
والمعافى بن داود الموصلي، وكان فاضلاً عابداً.
.1) هذا ما ذكر ابن مسكويه في أحداث تلك السنة، وزاد ابن الأثير في هذا الخبر وفي أحداث تلك السنة فقال :
ودخلت سنة إحدى ومائتين
وفيها: راود أَهل بغداد منصور بن المهدي على الخلافة فامتنع من ذلك، فراودوه على الأَمرة عليهم على أن يدعو للمأمون بالخلافة، فأجابهم (1)إِلى ذلك .
ذكر السبب في ذلك
لما خرج أَهل بغداد على ابن هشام منها واتصل الخبر الحسن بن سهل، وكان بالمدائن، انهزم حتى سار إِلى واسط [ وذلك في أول سنة إحدى ومائتين] (2)فتبعه محمد بن أَبي خالد مخالفاً له قد تولى القيام بأمر الناس وولى سعد بن الحسن بن قحطبة الجانب الغربي ونصر بن حمزة بن مالك الجانب الشرقي وكان(3)ببغداد منصور بن المهدي وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع(4)
وقدم عيسى بن محمد بن أَبي خالد من الرقة من عند طاهر في هذه الأيام فوافق أَبا ه على قتال الحسن بن سهل فمضيا ومن معهما إِلى قرية أَبي قريش قريب واسط .
ولقيهما في طريقهما عساكر الحسن في غير موضع فهزماهم.
ولما انتهى محمد إِلى دير العاقول أَقام به ثلاثاً، وزهير بن المسيب مقيم بإسكاف بني الجنيد عاملاً للحسن علي جوخي، وهو يكاتب قواد بغداد.
فركب إِليه ،محمد وأخذه أسيراً، وأخذ كل ماله وسيره أسيراً إِلى بغداد وحبسه عند أَبيه جعفر.
ثم تقدّم محمد إِلى واسط ووجّه محمد ابنه هارون من دير العاقول إِلى النيل، وبها نائب للحسن فهزمه ،هارون وتبعه إِلى الكوفة .
ثم سار المنهزمون من الكوفة إِلى الحسن بواسط، ورجع هارون إِلى أَبيه وقد استولى على النيل، وسار ،محمد وهارون نحو واسط فسار الحسن عنها، ونزل خلفها، وكان الفضل بن الربيع مختفياً إِلى الآن.
- وقد كان الفضل بنالربيع مختفياً قبل قتل المخلوع [إِلى الآن] .
فلما رأى محمد بن أَبي خالد قد بلغ واسطاً، بعث إِليه يطلب منه الأمان، فأعطاه إياه، وظهر.
وقدم علي بن محمد بن أَبي خالد للقتال وتقدّم هو وابنه عيسى مع أَصحابهما حتى صاروا على ميلين من واسط فوجّه إِليهم الحسن (1)أَصحابه وقواده، فاقتتلوا قتالاً شديداً عند أَبيات واسط.
فلما كان بعد العصر هبت ريح شديدة وغبرة حتى اختلط القوم بعضهم ببعض، وكانت الهزيمة على أصحاب محمد بن أَبي خالد فثبت فأصابته جراحات شديدة في [83 / ب ] ،يده فانهزم هو وأَصحابه هزيمة شديدة حتى قتل أصحاب الحسن منهم ونهبوا (2)، حتى بلغوا فم الصلح .
وقلعت الريح ما كان معهم من السفن فيها متاع وسلاح حتى أدخلها واسطا(3)، فأخذها أصحاب الحسن، وتبعوه ولم يزل يقاتلهم في كل مكان بالنهار، ثم يرتحل بالليل حتى بلغ جرجرایا فاشتدت به الجراحات فأمر قواده أن يقيموا في عسكره، فحمله ابنه المعروف بأَبي زنبيل حتى أدخله بغداد (4)، ومات محمد من ليلته، ودفن في داره سرا .
وكان زهير بن المسيب محبوساً عند جعفر بن محمد بن أَبي خالد، فلما قدم أَبو زنبيل مضى إِلى خزيمة بن خازم فأعلمه خبر أَبيه وأوصل إِليه كتابا على أَخيه عيسى .
فبعث خزيمة إِلى بني هاشم والقواد فأعلمهم الخبر، وقرأ عليهم كتاب عيسى
مكان أَبيه (1)، وانصرف أَبو زنبيل من عند خزيمة بن خزيمة حتى أتى زهير بن ،المسيب، فأَخرجه من محبسه(2)، وضرب عنقه(3)، ونصب رأسه على رمح وأخذوا جسده، فشدوا في رجله حبلاً، وطافوا به على دوره ودور أَهل بيته، ثم داروا به في الكرخ وردوه إِلى باب الشام، ولمَّا جَنَّ الليل رموه في دجلة ورجع أَبو زنبيل إِلى أَخيه عيسى إِلى فم الصراة .
وبلغ الحسن بن سهل موت محمد (4)بن أَبي خالد فخرج من واسط، ووجه حميد بن عبد الحميد الطوسي، وسعيد بن الساجور وغيره من القواد فلقوا أَبا زنبيل بقم الصراة وهزموه مع أَخيه هارون (5)فخرجا هاربين إِلى المدائن .
وبلغ الخبر بني هشام، وقواد ،بغداد، فجدُّوا في الخلاف على الحسن بن سهل، وقالوا لا نرضى بالمجوس بن سهل حتى نطرده ونرجع إِلى خراسان ونخلع المأمون .
وتراضوا أياماً، ثم أَرادوا منصور بن المهدي على أن يعقدوا الخلافة له، فأبى عليهم، فما زالوا حتى صيّروه أَميراً وخليفة المأمون بالعراق .
وقوي أمر عيسى بمَن ذكرنا وكثر جنده، فأمر بإحصائهم، فكانوا مائة ألف وخمسة وعشرين ألفاً بين فارس وراجل فأعطى الفارس أربعين درهماً والراجل فأعطى [ عشرين ] (6)در هما(7)
وكتب عيسى إِلى أَهل بغداد :
إني مشغول بالحرب عن جباية الخراج فولوا رجلاً من بني هاشم، فولوا منصور بن المهدي.
وقال : أنا خليفة أَمير المؤمنين المأمون حتى يقدم أو يولي من أحب فرضي به الناس .
وعسكر منصور بكلواذي، وبعث غسان بن عباد بن أَبي الفرج إِلى ناحية الكوفة، فنزل بقصر ابن هبيرة، فلم يشعر غسان إلا وقد أحاط به حميد الطوسي، فأخذه أسيراً، وقتل من أَصحابه، وذلك لأَربعة خلون من رجب .
وسيَّر منصور بن المهدي محمد بن يقطين في عسكر إِلى حميد، فسار حتى أتى كوثى، فلم يشعر بشيء حتى هجم عليه ،حميد وكان بالنيل فقتله قتلاً شديداً.
وانهزم ابن يقطين وقتل من أَصحابه وأسر، وغرق بشر كثير .
ونهب حميد ما حول كوثى من القرى، ورجع حميد إِلى النيل، وابن يقطين أَقام بنهر صرصر .
وأحصى عيسى بن محمد بن أَبي خالد من في عسكره . . .
1) في الكامل: وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد إِليه يبذل فيه القيام بأمر الحرب مقام أَبيه، فرضوا به، وصار مكان أَبيه .
2) في المخطوط: مجلسه. وهو تحريف.
3) في الكامل : فذبحه ذبحاً .
4) في الكامل: وبلغ الحسن بن سهل موت محمد فسار إِلى المبارك، فأَقام به، وبعث في جمادى الآخرة جيشاً له، فالتقوا بأَبي زنبيل بقم الصراة فهزموه، وانحاز إِلى أَخيه هارون بالنيل، فتقدم جيش الحسن إِليهم فلقوهم فاقتتلوا ساعة وانهزم هارون وأَصحابه، فأتوا المدائن، وذهب أصحاب الحسن النيل ثلاثة أيام وما حولها من القرى .
5) في المخطوط: أَخيه أَبي زنبيل وهو سهو.
6) سقط ما بين المعقوفين من المخطوط، وأتممته من الكامل.
7) كذا جاء الخبر في تجارب الأمم، وزاد صاحب الكامل في تفاصيله فقال : وقيل : إن عيسى لما ساعده أَهل بغداد على حرب الحسن بن سهل علم الحسن أنه لا طاقة له به فبعث إِليه وبذل المصاهرة ومائة ألف دينار والأمان له ولأَهل بيته ولأَهل بغداد وولاية أي النواحي أحب، فطلب كتاب المأمون بخطه .
وفي هذه السنة : تجرّدت المتطوعة المنكرين على الفسّاق ببغداد ورئيسهم خالد الدريوش، وسهل بن سلامة الأنصاري من أَهل خراسان .
ذكر السبب الذي فعلت المطوعة له ذلك
كان فُسّاق الحربية والشطار (1)الذين كانوا ببغداد والكرخ آذوا الناس أذى شديداً، وأظهروا قطع الطريق، وأخذوا الغلمان والنساء علانية من الطرق، وكانوا يأتون الرجل فيأخذوا ابنه فيذهبون به، ولا يقدر أن يمتنع عليهم.
وكانوا يجتمعون فيأتون القرى فيكايرون أَهلها ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغيره.
لا سلطان يمنعهم ولا يقدر على ذلك منهم، لأن السلطان كان لا يقدر أن يمنعهم من فسق يركبونه .
وكانوا يجبون المارة في الطريق والسفن، وكانوا يخفرون البساتين، وكان الناس منهم في بلاء عظيم.
وخرجوا يوماً إِلى قطربل فانتهبوها علانية، وأخذوا المتاع، والذهب والفضة، والبقر والغنم، وغير ذلك، فأدخلوها ،بغداد، وجعلوا يبيعونها علانية.
فلما رأى الناس ذلك وظهر البغي والفسق والنهب وأن السلطان لا يغيره، مشى بعضهم إِلى بعض وقام الصلحاء [من] (2)كل ربض ودرب فمشى بينهم أمثالهم.
وقالوا: يا قوم، إِنما في كل درب فاسق، واثنان إِلى عشرة، وعددكم بعد أكثر، فلو اجتمعتم حتى يكون أمركم واحد لقمعتم هؤلاء الفسّاق واحتشموكم .
فقام رجل من طريق الأنبار يعرف بالدريوش فدعا جيرانه وأَهل محلته على أن يعاونوه على الأَمر بالمعروف والنهي فأجأَبوه إِلى ذلك، فشدّ على من يليه من الفساق والشطار فمنعهم مما كانوا يصنعون، فامتنعوا عليه، فقاتلهم وهزمهم، وأخذ
بعضهم فضربهم وحبسهم(1).
ثم قام بعده رجل آخر [من الحربية ] (2)يقال له : سهل بن سلامة الأنصاري من أَهل خراسان ويكنى أَبا حاتم فدعا الناس إِلى الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل بكتاب اللّه وسنّة نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم (3)[و] علق مصحفاً في عنقه، ثم بدأ بجيرانه وأَهل محلته، فأَمرهم ونهاهم، فقبلوا منه، ثم دعا الناس جميعاً إِلى ذلك الشريف منهم والوضيع .
وجعل ديوناً ثبت فيه اسم من بايعه على ذلك، وقتال من خالفه كائناً ما كان، فأتاه خلق كثير فبايعوه .
أنه طاف ببغداد ،وأسواقها وأرباضها وطرقها ومنع كل من يخفره ويجبي المارة ، وقال : لا خفارة في الإسلام.
والخفارة : أن الرجل منهم كان يأتي إِلى من له دار أو بستان أو تجارة، فيقول: أنت في خفرتي لا يتعرّض أحد لمالك ادفع من أَرادك بسوء، ولي في عنقك كل شهر كذا وكذا ،درهماً، فيعطيه (4). وقوي على ذلك وقمع أَهل الشر .
وكان يخالفه الدريوش في أنه كان لا يغير على السلطان شيئاً لا يخالفه ولا يقاتله، ويقول : إنا لا نرضى مخالفة أمر السلطان بشيء.
1) في المخطوط: وجلسهم. وهو تحريف وزاد صاحب الكامل ورفعهم إِلى السلطان إلا أنه كان لا يرى أن يغير على السلطان شيئاً .
2) زيادة من الكامل.
3) زيادة من الكامل.
4) هذه الخفارة عايشتها وأنا طفل في قريتي العاقولة تبع كفر المداور مركز مفاغة محافظة المنيا بمصر، فكانت على موصف المؤلف هاهنا تماماً وكنت أعرف هؤلاء الخفراء وكانوا يلاعونني في طفولتي، وكنت أحبهم كثيراً غير أنه كان يكمن داخلي منهم خوف شديد، وكنت كثيراً ما أسأل رحمها اللّه تعالى : ما يعمل هؤلاء الناس، وذلك أني كنت أراهم يروحون، ويغدون في السلاح وكانت قريتي وبالأحرى نجعي لأنهم كانوا يطلقون عليه نجع العاقولة فيما بينهم والنجع هو المكان النائي عن الطريق القليل عدد الدور، وهو أقل من العزبة والعزبة أقل من القرية والقرية أقل من البندر كما هو معروف - وكان منظر هذا السلاح يدخل في نفسي الخوف كما أنه يدخل فيها حب القوة والعزة والمنعة والهيبة مما يجعلني أحبهم وأخاف منهم فكانت أسئلتي لأمي عن أي نوع من العمل يقوم به هؤلاء الشاكون في السلاح، فكانت تقول إنهم الخفراء، ووصفت لي من حالهم ما وصف المؤلف هاهنا، ثم أنني كبرت شيئاً ما فرأيتهم يأتون إِلى الفلاحين والفلاحين هنا غير أَهل قريتي - فالخفراء كانوا من أَهل قريتي أو نجعي فهم الذين يفرضون تلك الخفارة على زروع المجاورة لقريتي من أَهل القرى المجاورة، فكانوا يأتوهم وقت الحصاد فيأخذون ما يسمونه بالخفارة، وإذا امتنع أحد عن إعطائهم ما طلبوا فهو أمام أحد أمرين إما أن يمنع تماماً من دخول أرضه، ولا يقدر على ذلك فعلاً ولا تستطيع الحكومة أن تمكنه من ذلك ،وإما أن يفسدوا عليه زرعه بالإتلاف أو الحرق أو السرقة للمحصول أو للدواب التي يملكها، وكان لكل خفير من هؤلاء ما يسمونه بالزمام أي دائرة النفوذ.
و قال سهل بن [سلامة ] (1): إنَّا نرى (2)قتال من خالف الكتاب والسنة كائناً من كان(3)
وكان قيام سهل لأربع خلون من رمضان .
وقيام الدريوش قبله بيومين أو ثلاثة .
.وقوي أمره وضعف منصور بن المهدي، وعيسى بن محمد بن أَبي خالد لأن معظم أَصحابهم الشطار ومَن لا خير فيسه، فكسرهم ذلك .
ودخل منصور بن المهدي ،بغداد فكاتب الحسن بن سهل، وسأله الأمان له ولأَهل بيته (4).
[ فأجابه الحسن إِلى الأمان له ولأَهل بغداد وأن يعطي جنده، وأَهل بغداد رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلة .
ورحل عيسى فدخل بغداد لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال وتفرقت العساكر، فرضي أَهل بغداد بما صالح عليه ](5).
[84 / أ].....(6)الحسن بن سهل في ولاية السواد، وأعمال بغداد، وكان عسكر المهدي مخالفين لعيسى فوثب المطلب بن عبد اللّه بن مالك الخزاعي يدعو إِلى المأمون، وإِلى الفضل والحسن بن سهل.
فامتنع عليه سهل بن سلامة وقال ليس على هذا بايعتني .
وتحوّل منصور بن المهدي والفضل بن الربيع وكانوا بايعوا سهل بن سلامة على ما يدعو إِليه من العمل بالكتاب والسنّة، فنزلوا بالحربية هرباً من المطلب .
وجاء سهل بن سلامة إِلى الحسن وبعث إِلى المطلب فأبى أن يجيبه .
فقاتله سهل أياماً قتالاً شديداً ، ثم اصطلح عيسى والمطلب .
فدسّ عيسى إِلى سهل من اغتاله وضربه بالسيف(7)ضربة لم تعمل(8)كثير عمل .
فلما اغتيل سهل رجع إِلى منزله، وقام عيسى بأمر الناس فكفوا عن القتال .
1) سقط من المخطوط، والسياق يقتضيه.
2) في المخطوط :ري. وهو تحريف.
3) في الكامل :
4) آخر صفحة [83/ب].
5) زيادة من الكامل لتعطي معنى سطر سقط من أول الصفحة [84/أ] .
6) موضع النقط سطر غير مقروء بأول الصفحة نظراً لاختلاط مداد الكلمات فلم تظهر منه إلا الكلمة الأخيرة بالسطر .
7) تكرر في المخطوط عبارة وضربه بالسيف.
8) في المخطوط: تعلم وهو تحريف لا أدري لماذا يتكرر في هذا المخطوط كثير بهذه الطريقة وهي تقديم حرف على حرف في الكلمة.
ثم بعث عيسى إِلى سهل بن سلامة فاعتذر إِليه مما صنع، وبايعه وأمره أن يعود إِلى ما كان عليه .
وفي هذه السنة: جعل المأمون علي بن موسى بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أَبي طالب رضي اللّه عنهم ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده، وسمّاه الرضى من آل محمد (1).
وأمر (2)جنده بطرح السواد ولبس ثياب الخضرة، وكتب بذلك إِلى الآفاق .
ذكر الخبر عن ذلك وسببه وما آل إِليه الأَمر
بينا عيسى بن محمد بن أَبي خالد يعرض أَصحابه منصرفه من عسكره إِلى بغداد، إذ وَرَدَ عليه كتاب الحسن بن سهل يعلمه أن أَمير المؤمنين قد جعل علي بن موسى ولي عهده من بعده، وأنه نظر في بني العباس وبني علي، فلم يجد أفضل، ولا أورع، ولا أعلم منه ، وأنه سماه الرضا من آل محمد ، وأمره بطرح السواد ولبس ثياب الخضرة.
وذلك في شهر رمضان (3)من سنة إحدى ومائتين ويأمره أن يأمر من قبله من أَصحابه والجند [ والقواد ] (4)وبني هاشم بالبيعة ،له وأن يأخذهم بلبس الخضرة [من] أقنعتهم، وقلانسهم وأعلامهم ويأخذ أَهل بغداد [جميعاً] بذلك. فلما أتى عيسى ذلك، دعا أَهل بغداد إِلى ذلك على أن يجعل لهم رزق شهرين، والباقي إذا أدركت الغلة (5)فقال بعضهم : لا نبايع ولا نخرج هذا الأَمر من ولد العباس، وإِنما هذا دسيس من قبل الفضل بن سهل . وغضب بنو العباس ومشى بعضهم إِلى بعض وقالوا: نولي بعضنا ونخلع المأمون، وكان المتكلم في هذا والساعي له المنصور وإِبراهيم بن المهدي.
وفي هذه السنة : بايع أَهل بغداد إِبراهيم بن المهدي بالخلافة، وخلعوا المأمون.
ذكر السبب في ذلك
قد ذكرنا ما أنكر العباسيون ببغداد على المأمون حتى أَخرجوا الحسن بن سهل عن بغداد .
1) زيادة يقتضيها الأدب عند ذكر رسول اللّه اللّه وإعمالاً لقوله تعالى : (ولا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ ينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا) وقوله: (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
2) في المخطوط : أمره. وهو تحريف.
3) في الكامل : وذلك لليلتين خلتا من شهر رمضان ...
4) زيادة من الكامل.
5) في المخطوط على هذا السياق: على شهرين والباقي إذا ذلك على أن يجعل لهم رزق شهرين والباقي إذا أدركت الغلة. فحذفت المكرر .
فلما ورد أمره بالبيعة لابن موسى، ولبس الخضرة، وأخذ الناس به، أَرادوا أن يبايعوا إِبراهيم بالخلافة (1)، فخلعوا المأمون، وبذلوا للجند عشرة دنانير لكل واحد منهم.
فاضطرب الناس، وأقبل بعضهم ورضي، وأبى قوم وامتنعوا.
فاجتمعوا وأمروا رجلاً يقول يوم الجمعة حين يؤذن المؤذن : إنَّا نريد أن ندعوا للمأمون ومن بعده إِبراهيم يكون خليفته والنائب عنه .
ودسُّوا قوماً آخرين يقولون إذا قام هذا الرجل وقال ما عنده : لا نرضى أن تبايعوا لإِبراهيم بالخلافة وتخلّصوا المأمون أتريدون أن تأخذوا أموالنا كما صنع منصور، ثم تجلسوا في بيوتكم؟!
فقال يوم الجمعة هذا الرجل ما وصُّوا به، وقام الآخر وقال ما وصُّوا به، وماج الناس ولم يصلوا تلك الجمعة ولا خطب أحد، وإِنما صلّى الناس بعدما خشوا الفوت أربع ركعات وانصرفوا [وكان ذلك لليلتين بقيتا من ذي الحجة السنة ] (2).
وفي هذه السنة : تحرك بابك الخُرَّمِيّ في الجاويدانية أصحاب جاويدان بن سهل، صاحب البذ(3)، وادّعى أن روح جاويدان دخلت فيه، وأخذ في العيث والفساد (4)
وتفسير جاويدان : الدائم الباقي.
ومعنى خُرَّم: فَرْج.
وهي مقالات المجوس، والرجل منهم ينكح ،أمه وأخته وابنته، ولهذا يسمون دِينَ الفَرْجِ، ويعتقدون مذهب التناسخ، وأن الأرواح تنتقل من حيوان إِلى غيره .
وزاد ابن الأثير فى أحداث هذه السنة فقال :
وفي هذه السنة: افتتح عبد اللّه بن خرداذبه والي طبرستان ،اللارز والشيرز من بلاد الديلم وافتتح بلاد ،طبرستان فأنزل شهريار بن شروين عنها.
وأشخص مازيار بن قارن إِلى المأمون . وأسر أَبا ليلى ملك الديلم.
وفي هذه السنة سادس ذي الحجة: توفي أَبو العباس عبد اللّه بن إِبراهيم بن الأغلب أَمير إفريقية، وكانت إمارته خمس سنين ونحو شهرين.
وكان سبب موته: أنه حَدَّد على كل فدان في عمله ثمانية عشر دينار كل سنة، فضاق الناس لذلك وشکى بعضهم إِلى بعض .
فتقدم إِليه رجل من الصالحين اسمه حفص بن عمر الجزري مع رجال من الصالحين، فنهوه عن ذلك ووعظوه، وخوّفوه العذاب في الآخرة، وسوء الذكر في الدنيا وزوال النعمة، فإن اللّه تعالى اسمه وجلّ ثناؤه لا (لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (وَإِذَا أَراد اللّه بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرد لم وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَال )
فلم يجبهم أَبو العباس عبد اللّه بن إِبراهيم بن الأغلب أَمير إفريقية المذكور إِلى ما طلبوه، وخرجوا من عنده إِلى القيروان .
فقال لهم حفص: لو أننا نتوضأ للصلاة ونصلي ونسأل اللّه تعالى أن يخفف عن الناس، ففعلوا ذلك .
فما لبث إلا خمسة أيام حتى خرجت قرحة تحت أذنه، فلم ينشب أن مات منها .
وكان من أجمل أَهل زمانه ولما مات ولي بعده أخوه زيادة اللّه بن إِبراهيم، وبقي أَميراً رخي البال وادعاً والدنيا عنده آمنة .
ثم جهز جيشاً في أسطول البحر وكان مراكب كثيرة إِلى سردانية - وهي الروم - فعطب بعضها بعد أن غنموا من الروم، وقتلوا كثيراً .
فلما عاد من سلم منهم أحسن إِليه زيادة اللّه ووصله .
فلما كان سنة سبع ومائتين خرج عليه زياد بن سهل المعروف بابن الصقلبية، وجمع جمعاً كثيراً، وحصر مدينة باجة، فسيّر إِليه زيادة اللّه العساكر، فأزالوه عنها وقتلوا مَن وافقه على المخالفة .
وفي سنة ثمانية ومائتين نُقل إِلى زيادة اللّه أن منصور بن نصير الطنبذي يريد المخالفة عليه بتونس، وهو يسعى في ذلك، ويكاتب الجند.
فلما تحقق سير إِليه قائداً اسمه محمد بن حمزة في ثلاثمائة ،فارس وأمره أن يخفي خبره ويجد السير إِلى تونس، فلا يشعر به منصور حتى يأخذه فيحمله إِليه .
فسار محمد، ودخل تونس، فلم يجد منصوراً بها، كان قد توجّه إِلى قصره بطنبذة، فأَرسل إِليه محمد قاض تونس، ومعه أربعون شيخاً يقبحون له الخلاف وينهونه عنه، ويأمرونه بالطاعة .
فساروا إِليه واجتمعوا به وذكروا له ذلك .
فقال منصور: ما خالفت طاعة الأَمير وأنا سائر معكم إِلى محمد ومن معه إِلى الأَمير، ولكن أقيموا معي يومنا هذا حتى نعمل له ولمن معه ضيافة .
فأَقاموا عنده، وسير منصور لمحمد ولمن معه الأَقامة الحسنة الكثيرة من الغنم والبقر وغير ذلك من أنواع ما يؤكل . فكتب إِليه يقول : إنني صائر إليك مع القاضي والجماعة .
فركن محمد إِلى ذلك، وأمر بالغنم ،فذبحت، وأكل هو ومن معه، وشربوا الخمر.
فلما أمسى منصور سجن القاضي ومن معه، وسار مجدا فيمن عنده من أَصحابه سِرّا إِلى تونس، فدخلوا دار الصناعة وفيها محمد وأَصحابه، فأمر بالطبول ،فضربت وكبّر هو وأَصحابه، فوتب محمد وأَصحابه إِلى سلاحهم وقد عمل فيهم الشراب، وأحاط بهم منصور ومن معه، وأقبلت العامة من كل مكان فرجموهم بالحجارة واقتتلوا عامة الليل.
فقتل مَن كان مع محمد ، ولم يسلم منهم إلا من نجا إِلى البحر، فسبح حتى تخلص، وذلك في صفر .
وأصبح منصور، فاجتمع عليه الجند :وقالوا: نحن لا نثق بك، ولا نأمن أن يخليك زيادة اللّه ، ويستميلك بدنياه، فتميل إِليه، فإن أحببت أن نكون معك، فاقتل أحداً من أَهله ممن عندك.
فأحضر إسماعيل بن سفيان بن سالم بن عقال - وهو من أَهل زيادة اللّه - فكان هو العامل على ،تونس، فلما حضر أمر بقتله .
فلما سمع زيادة اللّه الخبر، سَيَّر جيشاً كثيفاً واستعمل عليهم غلبون، واسمه الأغلب بن عبد اللّه بن الأغلب، وهو وزير زيادة اللّه إِلى منصور الطنبذي، فلما ودّعهم زيادة اللّه تهدّدهم بالقتل إن انهزموا .
فلما وصلوا إِلى تونس، خرج إِليهم منصور فقاتلهم فانهزم جيش زيادة اللّه عاشر زيادة اللّه .
فقال القوّاد الذين فيه لغلبون: لا نأمن زيادة اللّه على أنفسنا، فإن أخذت لنا أماناً حضرنا عنده وفارقوه، واستولوا على عدة مدن فأخذوها منها ،باجة والجزيرة وصطفورة، ومنير والأربس ،وغيرها، فاضطربت ،إفريقية واجتمع الجند كلهم إِلى منصور، وأطاعوه لسوء سيرة زيادة اللّه .
فلما كثر جمع منصور، وسار إِلى القيروان فحضرها في جمادى الأولى، وخندق على نفسه، وكان بينه وبين زيادة اللّه وقائع كثيرة ، وعَمَّرَ منصور سور القيروان فوالاه أَهلها، فبقي الحصار عليه أربعين يوماً .
ثم إن زيادة اللّه عبّى أَصحابه وجمعهم وسار معهم الفارس والراكب، فكانوا خلقاً كثيراً، فلما رآهم منصور راعه ما رأى وهاله ولم يكن يعرف ذلك من زيادة اللّه لما كان فيه من الوهن.
فزحف منصور إِليه بنفسه أيضاً، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزم منصور ومن معه، ومضوا ،هاربين وقتل منهم خلق كثير ، وذلك منتصف جمادى الآخرة .
وأمر زيادة اللّه أن ينتقم من أَهل القيروان بما جئوه من مساعدة منصور والقتال معه وبما تقدّم أولاً من مساعدة عمران بن مجالد لما قاتل أَبا ه إِبراهيم بن الأغلب فمنعه أَهل العلم والدين، فكفْ عنه، وخرب سور القيروان.
ولما انهزم ،منصور فارقه كثير من أَصحابه الذين ساروا معهم منهم عامر بن نافع وعبد السلام بن المفرج إِلى البلاد التي تغلبوا عليها .
ثم إن زيادة اللّه سيَّر جيشاً سنة تسع ومائتين إِلى مدينة سبيبة واستعمل عليهم محمد بن عبد اللّه بن الأغلب، وكان بها جمع من الجند الذين صاروا مع المنصور عليهم عمر بن نافع فالتقوا في العشرين من المحرم، واقتتلوا فانهزم ابن الأغلب، وعاد هو ومن معه إِلى القيروان، فعظم الأَمر على زيادة اللّه ، وجمع الرجال وبذل الأموال، وكان عيال الجند الذين مع منصور بالقيروان، فلم يعرض لهم زيادة اللّه .
فقال الجند المنصور: الرأي أن تحتال في نقل العيال من القيروان لنأمن عليهم .
فسار بهم منصور إِلى القيروان .
وحصر زيادة اللّه ستة عشر يوماً، ولم يكن منهم قتال .
وأَخرج الجند نساءهم وأولادهم من القيروان وانصرف منصور إِلى تونس، ولم يبق بيد زيادة اللّه من إفريقية كلها إلا قابس والساحل ونفزاوة وطرابلس، فإنهم تمسكوا بطاعته .
وأَرسل الجند إِلى زيادة اللّه : أن ارحل عنا وخل إفريقية، ولك الأمان على نفسك ومالك، وما ضمه قصرك .
فضاق به وغمّه الأَمر، فقال له سفيان بن سوادة : مكني من عسكرك لأختار منهم مائتي فارس، وأسير بهم إِلى نفزاوة، فقد بلغني أن عامر بن نافع يريد قصدهم فإن ظفرت كان الذي تحب، وإن تكن الأخرى عملت برأيك .
فأمره بذلك، فأخذ مائتي فارس وسار إِلى نفزاوة، فدعا برابرها إِلى نصرته، فأجابوا وسارعوا إلیه.
وأقبل عامر بن نافع في العسكر إِليهم فالتقوا واقتتلوا فانهزم عامر ومن معه، وكثر القتل فيهم.
ورجع عامر إِلى قسطيلية فجبي ،أموالها ليلاً ونهاراً في ثلاثة أيام وسار عنها، واستخلف عليها مَن يضبطها، فهرب أيضاً خوفاً من أَهلها، فأَرسل أَهل قسطيلية إِلى ابن سوادة وسألوه أن يجيء إِليهم ، فسار إِليهم وملك قسطيلية وضبطها .
وقد قيل : إن هذه الحوادث مذكورة سنة ثمان وتسع ومائتين.
إِنما كانت سنة تسع وعشر ومائتين .
وفي هذه السنة :
مات محمد بن محمد، صاحب أَبي السرايا .
وفيها: أصاب أَهل خراسان وأصبهان والري مجاعة شديدة، وكثر الموت فيهم .
وحج بالناس هذه السنة : إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس .
.ودخلت سنة اثنتين ومائتين
[وفيها] (1): لما كان يوم الجمعة لخمس خلون من المحرم (2)أظهروا أمر إِبراهيم، وصعد إِبراهيم على المنبر .
وكان أول مَن بايعه عبيد اللّه بن العباس بن محمد بن منصور بن المهدي ثم سائر بني هاشم.
وكان المتولي لأخذ البيعة المطلب بن عبد اللّه بن مالك، وقام في ذلك السندي، وصالح صاحب المصلى، وسحاب ونصير الوصيف وسائر الموالي . إلا أن هؤلاء كانوا الرؤساء غضباً منهم على المأمون حين أَراد خروج (3)ولد العباس من الخلافة،ولتركه لباس آبائه.
ولما فرغ من وعد الجند أن يعطيهم أرزاقهم لستة أشهر، فدافعهم بها .
فلما رأوا ذلك شغبوا عليه، فأعطى كل رجل منهم مائتي درهم وكتب لبعضهم إِلى السواد بقيمة ماله حنطة وشعيراً.
فخرجوا في قبضها، فلم يمروا بشيء إلا انتهبوا ، وأخذوا النصيبين جميعاً.
وخرج على إِبراهيم بن المهدي، مهدي بن علوان الحروري(4)، فحكم وظهر بمروج سابور وغلب علي والراذانين .
فوجه إِبراهيم إِليه أَبا إسحاق بن الرشيد [ وهو المعتصم في جماعة من القواد و ] (5)غلمان له أتراك، فلقوا الشراة فطعن رجل من الأعراب أَبا إسحاق، فحامي عنه غلام تركي وقال [84 / ب] له يا مولاي مُر أشناس.
فسماه يومئذ أشناس.
وأنفذ الحسن بن سهل العباس بن موسى بن جعفر - وهو أخو علي بن موسى الرضا - إِلى الكوفة، وأمره لباس الخضرة، وأن يدعو أولاً للمأمون ومن بعده لأَخيه علي بن موسى الرضا، وأعانه بمائة ألف درهم .
وقال له : قاتل عن أخيك، فإن أَهل الكوفة تقلده الأَمر وقيامه بإمرة المؤمنين، وخلع المأمون.
ونفذت الكتب من جهة الحسن بن سهل بما رآه المأمون، وكثر الخلاف .
وكانت لهم أَخبار لا يليق ذكرها بهذا الكتاب إذ كانت قتالاً شديداً لا تجرة فيها، وحروباً يقتل فيها بعض الناس بعضاً من غير نذير لطيف ولا مكر بديع، وإِنما كان مغالبات بالسيوف، فمرة يكون لهؤلاء، [ومرة يكون لهؤلاء] (1).
فلما بلغ خبر العباس بن موسى بن جعفر العلوي الكوفة، أجابه قوم كثيرون.
وقال قوم آخرون: إن كنت إِنما تدعو إِلى المأمون، ثم من بعده لأخيك، فلا حاجة لنا في دعوتك .
وإن كنت تدعو إِلى أخيك أو إِلى نفسك أجبناك .
فقال : إِنما أدعو إِلى المأمون، ثم من بعده لأخي.
فقعد عنه المتبصرون في التشيع، وكان ظهر أن حميداً نائبه، ويعينه ويقويه، وأن الحسن بن سهل يوجه إِليه قوماً مدداً له، فلم يأته منهم أحد (2).
وتوجه إِليه أصحاب إِبراهيم بن المهدي فهزموه وكان كل فريق من أصحاب الخضرة والسواد ينهبون ويحرقون .
ثم أمر إِبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد بن أَبي خالد أن يسير إِلى ناحية واسط على طريق النيل .
وأمر جماعة أن يسيروا مما يلي حوضي حتى عسكروا قرب مما يلي السيادة، وعليها عيسى بن محمد بن أَبي ،خالد فتحصن بهم الحسن بن سهل، وكان لا يخرج إِليهم، ثم تهيأ بعد أيام الحسن للقتال فظنّ الناس أن ذلك لنظره في النجوم.
ثم اختار يوماً فخرجوا إِليه، فاقتتلوا قتالاً شديداً إِلى الظهر.
ووقعت الهزيمة على عيسى وأَصحابه فانهزموا فأخذ أصحاب الحسن جميع ما
كان في عسكرهم من سلاح ومتاع، ودواب وغير ذلك.
وفي هذه السنة : ظفر إِبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوعي فحبسه وعاقبه .
ذكر السبب في ذلك
أن عيسى لما انهزم أقبل هو وإخوته وأَصحابه نحو سهل بن سلامة لأنه كان يذكرهم بأسوأ أعمالهم، ويسميهم الفسّاق ليس لهم عنده اسم غيره، وكان أَصحابه الذين بايعوه على الكتاب والسنّة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
وقد عمل كل رجل منهم على باب داره برجاً بجص وآجر، وقد نصب عليه السلاح والمصاحف حتى بلغوا من الحربية إِلى باب الشام...(1)مَن أجاب من الكرخ وسائر الناس.
فلما قصده عيسى لم يمكنه الوصول إِليه، فأعطى أصحاب الدور التي تقرب منه الألف درهم على أن يتنحوا له عن الدروب، فأجأَبوا إِلى ذلك.
وكان يصيب الرجل الدرهم والدرهمان ونحو ذلك .
فلما كان يوم السبت لخمس بقين من شعبان تهيؤوا من كل وجه، وخذله أَهل الدروب حتى وصلوا إِليه، فاختفى منهم وألقى سلاحه، واختلط ودخل بين النساء، فدخلوا منزله، فلم يظفروا به، وأذكوا عليه العيون، فلما كان في الليل أخذوه في بعض الأزقة، فأتوا به إسحاق بن موسى الهادي، وهو ولي عهد عمه إِبراهيم، وهو بمدينة السلام، فكلّمه وحاجه، وجمع بينه وبين أَصحابه وقال له : خرّجت علينا الناس، وعبت أمرنا . فقال له : إِنما كانت دعوى عباسية، وإِنما كنت أدعو إِلى العمل بالكتاب والسنة، وأنا على ما كنت عليه أدعوكم إِليه الساعة .
فقالوا: لا نقبل ما تقول، أَخرج إِلى الناس وقال لهم : إن ما كنت أدعوكم إِليه باطل.
فقال : نعم .
فخرج إِلى الناس فقال : يا معشر الناس قد علمتم ما كنت أدعوكم إِليه من العمل بالكتاب والسنّة، وأنا أدعوكم إِليه الساعة.
فلما قال لهم هذا، وجأوا في عنقه، وضربوا وجهه.
فقال لهم: يا معشر الحربية المغرور من غررتموه.
1) كلمة لم أتبين قراءتها في المخطوط.
فأخذوه ودخلوا به إِلى إسحاق فقيده ثم أَخرجوه إِلى إِبراهيم بن المهدي بالمدائن فحبسه مع قوم من أَصحابه، وأشاعوا أن عیسی قتله تخوفاً من الناس أن يعلموا بمكانه فيخرجوه.
وكان بین خروجه وبین أخذه اثنتي عشر شهراً .
وفي هذه السنة : سار المأمون من مرو يريد العراق .
السبب في ذلك : أن علي بن موسى بن جعفر الرضى أخبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه محمد وربما كان الفضل بن سهل يستره(1)عنه من أَخبار الناس وأن أَهل بيته قد نقموا عليه أشياء وأنهم يقولون : إنه مسحور مجنون، وأنهم لما رأوا ذلك بايعوا إِبراهيم بن المهدي بالخلافة وإِنما صيَّروه أَميراً يقوم بأمره على ما كان أخبره به الفضل .
فأعلمه أن الفضل قد كذّبه وغشّه ، وأن الحرب قائمة بين إِبراهيم، والحسن، وأن الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أَخيه [الفضل ومكاني] (2)ومكان بيعتي من بعدك .
فقال : ومَن يعلم هذا؟
قال : يحيى بن معاذ، وعبد العزيز بن ،عمران وعدة من وجوه أَهل العسكر، فقال له : أدخلهم عَلَي حتى أسألهم عما ذكرت .
فأدخلهم عليه، وهم هؤلاء وجماعة آخرون فيهم علي بن أَبي سعيد، وهو ابن أخت الفضل .
فسألهم المأمون عما أخبره به علي بن موسى الرضى .
فأَبوا أن يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل بن سهل أن لا يعرض لهم.
فضمن ذلك لهم، فكتب لكل رجل منهم كتابا بخطه ودفعه إِليه .
فأَخبروه بما فيه الناس من الفتن [85/أ] وبينوا له ذلك، وأخبروه بغضب أَهل بيته وقواده في أشياء كثيرة، وبما موه عليه الفضل من هرثمة وأن هرثمة إِنما جاء لنصحه وليبين له يعمل عليه وأنه إن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة من يده ومن أَهل بيته، [ وأن] (3)الفضل دَسَ إِلى هرثمة من قتله، حين أَراد نصحه .
وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما أبلى وافتتح وقاد إِليه الخلافة من يومه، حتى إذا وطأ له الأَمر أَخرج من ذلك كله، وصير في راوية الأرض بالرقة، وقد
قترت عليه الأموال حتى ضعف أمره، وشعب عليه جنده، ولو أنه كان خلافتك ببغداد لضبط الملك ولم يجترىء عليه بمثل ما اجترى عليه من الحسن بن سهل.
وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارها وأن طاهر بن الحسين قد...(1)شيء في هذه السنين منذ قتل محمد وهو بالرقة لا يستعان به في شيء من هذه الحروب.
وسألوا المأمون الخروج إِلى بغداد وقالوا إن بني هاشم، والموالي، والقواد، لو قد رأوا غرتك سكنوا ولخضعوا بالطاعة لك.
فلما تحقق ذلك عنده أمر بالرحيل إِلى بغداد.
فلما أمر بذلك علم الفضل بن سهل ببعض أَمرهم فتعقبهم حتى ضرب بعضهم بالسياط وحبس ،بعضاً، ونتف لحى [بعض ](2)
فعاوده علي بن موسى في أَمرهم وأعلمه ما كان من ضمانه لهم .
فقال : إني أداري أمري وسأبلغ ما فيه الصلاح بمشيئة اللّه .
ثم ارتحل من مرو، فلما أتى سرخس، وثب (3)قوم على ابن سهل وهو في الحمام فضربوه حتى مات وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان سنة اثنتين ومائتين، وكان الذين قتلوه أَربعة نفر من حشم المأمون غالب بن الأسود المسعودي، و قسطنطين الرومي، وفرج الديلمي، وموفق الصقلبي(4).
وقتل الفضل وله ستون سنة، وهربوا، فبعث المأمون في طلبهم، وجعل لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار.
فجيء بهم (5)، فسألهم المأمون.
فقال بعضهم : إن علي بن سعيد ابن أخت الفضل دسهم [عليه](6).
ومنهم من أنكر (7).
وقد حكي أن منهم من قال : أنت أمرتنا بقتله .
فأمر المأمون بهم، فضربت أعناقهم.
ثم بعث إِلى عبد العزيز بن عمران وعلي بن مؤنس وغيرهم ممن كانوا سعوا بالفضل إِليه، فسألهم، فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك، فلم يقبل منهم، وأمر بهم فقتلوا وبعث برؤوسهم إِلى الحسن بن سهل إِلى واسط وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل، وأنه قد صيّره(1)مكانه [فوصله الخبر في رمضان] (2).
ورحل المأمون من سرخس نحو العراق (3)، وقد كان المطلب بن عبد اللّه [ابن ] (4)مالك يدعو في السر إِلى المأمون، وإِلى خلع إِبراهيم على أن منصور بن المهدي خليفة المأمون، فأجابه ،منصور وخزيمة وجماعة من القوّاد، وكاتب المطلب حميداً، وعلي بن هشام أن يقدما .
فينزل حميد بصرصر، وعلي بالنهروان
وتحقق عند إِبراهيم الخبر، فخرج من المدائن نحو بغداد (5)، وطلب المطلب [ فمنعه ] (6)أَصحابه، فامتنع المطلب.
فنادى [منادي إِبراهيم ] (7): من أَراد النهب فليأت دار المطلب
فانتهبوا ،داره ودور أَهل بيته ولم يظفر به (8).
وبلغ الخبر حميداً، وابن هشام.
فأما حميد: فبعث من جهته من أخذ المدائن وقطع الجسر، ونزلها .
وأما علي بن هشام: فبعث من جهته من أتى نهروان وقطع الجسر.
[وندم إِبراهيم حيث صنع بالمطلب ما صنع ، ثم لم يظفر به ] (9)
ثم إن ابن الأثير زاد في أحداث تلك السنة أحداثاً أخرى فقال :
وفي هذه السنة: قتل علي بن الحسين الهمداني وأخوه أَحمد وجماعة من أَهل بيته، وكان متغلباً على الموصل. وسبب قتله أنه خرج ومعه جماعة من قومه ومن الأزد، فلما نظر إِلى رستاق نينوى والمرج.
قال : نِعم البلاد لإنسان واحد .
فقال بعض الأزد : فما نصنع نحن؟
قال : تلحقون بعمان .
فانتشر الخبر أن عليًّا أخذ رجلاً من الأزد يقال له : عون بن جبلة فبنى عليه حائطاً، فمات فيه، وظهر خبره .
فركب الأزد وعليهم السيد ابن أنس فاقتتلوا واستنصر علي بن الحسين بخارجي يقال له : مهدي بن علوان فأتاه فدخل البلد، وصلّى بالناس ودعا لنفسه، واشتدت الحرب، وكانت أخيراً عَلَى عَلِيّ بن الحسين وأَصحابه، فخرجوا عن البلد إِلى الحديثة، فتبعهم الأزد إِليها، فقتلوا عليا وأخاه ،أَحمد وجماعة من أَهلهما وسار أخوهما محمد إِلى بغداد فنجا، وعادت الأزد إِلى الموصل، وغلب السيد عليها وخطب للمأمون وأطاعه .
وفيها: تزوّج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل . وفيها أيضاً : زوّج المأمون ابنته أم حبيب من علي بن موسى الرضا.
وزوّج ابنته أم الفضل من محمد بن علي الرضا بن موسى.
وحجّ بالناس هذه السنة : إِبراهيم بن موسى بن جعفر، ودعا لأَخيه بعد المأمون بولاية العهد، ومضى إِلى اليمن.
وكان حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان قد غلب على اليمن .
وفيها في ربيع الآخر : ظهرت حمرة في السماء ليلة السبت رابع عشر ربيع الآخر، وبقيت إِلى آخر الليل، وذهبت الحُمرة، وبقي عمودان أحمران إِلى الصبح .
وفيها : توفي أَبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي اليزيدي المقرىء صاحب أَبي عمرو بن العلاء، وإِنما قيل له اليزيدي لأنه صحب يزيد بن منصور خال المهدي، وكان يعلم ولده.
وفيها: توفي والد ذي الرئاستين بعد قتل ابنه بستة أشهر وعاشت أمه حتى أدركت عرس بوران ابنة ابنها .
.1) في المخطوط: صيرت والتصويب من الكامل.
2) زيادة من الكامل .
3) بعد هذا في الكامل: فكان إِبراهيم بن المهدي وعيسى وغيرهما بالمدائن، وكان أَبو البط وسعيد بالنيل يراوحون القتال ويغادونه وكان المطلب بن عبد اللّه بن مالك قد عاد من المدائن ، فاعتل بأنه مريض، فأتى بغداد وجعل يدعو في السر إِلى المأمون .
4) سقط من السياق وأثبته من الكامل.
5) بعد هذا في الكامل : فنزل زندورد منتصف صفر .
6) زيادة يتطلبها السياق.
7) زيادة من الكامل.
8) في الكامل : وذلك لثلاث عشرة بقيت من صفر .
9) زيادة من الكامل.
ودخلت سنة ثلاث ومائتين
وفي هذه السنة: مات علي بن موسى الرضا بطوس.
ذكر الخبر عن ذلك
لما سار إِليها المأمون أَقام عند قبر أَبيه أياماً ثم إن علي بن موسى على ما حكي أكل عنباً فأكثر منه فمات فجأة، فأمر به المأمون فدفن عند قبر الرشيد(1).
وكتب إِلى الحسن بن سهل بذلك وإِلى وجوه بني (2)العباس، والموالي يعلمهم(3)أنهم إِنما نقموا بيعته من بعده، ويسألهم الدخول في طاعته(4).
ودخل المأمون إِلى بغداد، فلما سار إِلى الري أسقط طبقتها إِلى ألفي ألف درهم (5).
1) في الكامل : وقيل : إن المأمون سَمَّه في عنب وكان علي يحب العنب، وهذا عندي بعيد.
2) في المخطوط: أَبي، وهو تحريف والصواب ما هو في الكامل والذي عنه صحت.
3) في المخطوط: بعروهم والتصويب من الكامل.
4) جاء بعد ذلك في الكامل : فكتبوا إِليه أغلظ جواب.
5) بعد هذا في الكامل : وكان مولد علي بن موسى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة .
وفي هذه السنة: غلبت السواد على الحسن بن سهل حتى شُدَّ في الحديد وحُبس، وكتب بذلك قواد الحسن إِلى المأمون.
فأتاهم الجواب :
أن يكون على عسكره دينار بن عبد اللّه ويُعلم أنه قادم على أثر كتابه .
وفي هذه السنة(1): ضرب إِبراهيم بن المهدي عيسى بن أَبي خالد، وحبسه.
ذكر السبب في ذلك
كان عيسى بن محمد يكاتب حميداً والحسن ويظهر لإِبراهيم طاعته ونصيحته .
وكلما قال له :إِبراهيم: تهيأ لقتال أَحمد (2)، تعلّل عليه بأرزاق الجند(3)وأشباه ذلك حتى وافق الحسن وحميداً على أن يسلم إِبراهيم إِليهم يوم الجمعة المدينة انسلاخ شوال .
وسعي بعيسى بعض (4)أَهله إِلى إِبراهيم، وكان عيسى سأل إِبراهيم أن يصلي الجمعة بالمدينة، فأجابه إِلى ذلك .
فلما تكلم عيسى بما بلغه وسعى إِليه، حذر، وبعث إِلى عيسى يماله أن يسير إِليه ليناظره في بعض أموره.
فلما سار إِليه عاتبه (5)ساعة، فأخذ عيسى ينكر بعض ما يقول، فلما وافقه على أشياء وعلامات أمر به فضُرب وحبس، وأخذ أم ولد وصبياناً صغاراً فحبسهم (6)وطلب خليفة له يقال له : العباس فاختفى
فلما عرف أَهل بيت عيسى وإخوته وأَصحابه خبره مشى بعضهم إِلى بعض، وحرَّضوا الناس على إِبراهيم فاجتمعوا وكان رأسهم العباس خليفته، فشدوا على عامل إِبراهيم على الجسر ، وطردوا كل عامل لإِبراهيم في الكرخ وغيره في الجانب الغربي.
وكتب العباس إِلى حميد يسأله أن يقدم عليهم حتى يسلّموا إِليه بغداد.
فجاء حميد حتى نزل صرصر طريق الكوفة، وخرج إِليه قواد أَهل بغداد [85/ب] فوعدهم ومناهم.
فقبلوا ذلك منه(1)، ووعدهم أن يضع لهم العطاء [يوم السبت ] (2)في الياسرية على أن يصلوا يوم الجمعة فيدعوا للمأمون، ويخلعوا إِبراهيم، فأجابوه إِلى ذلك.
فبلغ ذلك إِبراهيم، أَخرج (3)عيسى من الحبس ، وسأله أن يكفيه أمر هذا الجانب وأخذ منه كفيلاً.
فعبر إِليهم عيسى وإخوته مع قواد الجانب الشرقي، وعرض عليهم العطاء، فشتموه وقالوا لا نرضى إِبراهيم، ثم تكاثر الناس على عيسى فانصرف نحو باب خراسان ثم كأنه رجع عیسی يريد قتالهم واحتال حتى صار في أيديهم شبه الأسير، فأخذه بعض،قواده فأتى به منزله ورجع الباقون إِلى إِبراهيم (4)
وهو تحريف أو سهو والتصويب فيما بعده من الكامل.
[فأَخبروه الخبر فاغتم لذلك ] (5).ثم كان المطلب متستراً وظهر ليلحق بحميد فغمز به فأخذ وحمل إِلى إِبراهيم فحبسه ثم عرف انحراف الأَمر فأطلقه وأطلق سهل بن سلامة - وكان عند الناس أنه مقتول ..
فلما دخل حميد بغداد أَخرجه إِبراهيم فكان يدعو في مسجد الرصافة كما كان يدعو، فإذا كان الليل رده إِلى حبسه .
فلما كان بعد أيام خلّى سبيله، فذهب واستتر، وكثر العبث ببغداد، وظهر الشطار والعيارون، واختفى الفضل بن الربيع وأخذ القواد، وبنو هاشم ثم يلحقون بجميل واحداً واحداً.
فسقط في يد إِبراهيم وشتى عليه مداراة أمره.
ذكر الخبر عن هرب إِبراهيم ابن المهدي واستتاره
وأخذ إِبراهيم يداري أَصحابه يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين .
فلما جنّه الليل هرب واستتر وبعث المطلب إِلى حميد :
إني قد أحدقت بدار إِبراهيم.
وكتب إِلى علي بن هشام بمثل ذلك، فأقبلوا إِلى إِبراهيم فطلبوه فيها، فلم يجدوه .
ولم يزل إِبراهيم متوارياً حتى قدم المأمون، وكان من أمره ما كان وكانت أيامه كلها سنة واحدة وإحدى عشر شهراً، واثني عشر يوماً .
وغلب علي بن هشام على شرقي بغداد وحميد بن عبد الحميد على غربيها (1)
وفي هذه السنة: انكسفت الشمس لليلتين بقيتا من ذي الحجة حتى ذهب ضوءها، وغاب أكثر من ثلثيها .
ووصل المأمون إِلى همذان في آخر ذي الحجة .
وحج بالناس : سليمان بن عبد اللّه بن سليمان بن علي .
وكانت بخراسان زلازل عظيمة دامت مقدار سبعين يوماً، وكان معظمها ببلخ والجوزجان، والفارياب والطالقان وما وراء النهر فخربت البلاد وتهدمت الدور وهلك فيها خلق كثير .
وفيها ظهر بالأندلس رجل يُعرف بالولد وخالف على صاحبها فصيَّر إِليه جيشاً، فحصروه بمدينة باجة وكان استولى عليها فضيقوا عليه فملكوها وقيد .
وفيها: ولي أسد بن الفرات الفقيه القضاء بالقيروان.
وفيها: توفي محمد بن جعفر الصادق بجرجان، وصلى عليه المأمون - وهو الذي بايعه الناس بالخلافة بالحجاز.
وفيها: خزيمة بن خازم التميمي في شعبان وهو من القواد المشهورين، وقد تقدم من أَخباره ما يعرف به محله .
ويحيى بن آدم بن سليمان، وأَبو أَحمد الزبيري.
ومحمد بن بشير العبدي الفقيه بالكوفة .
والنضر بن شميل اللغوي المحدث، وكان ثقة.
.ودخلت سنة أربع ومائتين
وفيها: قدم المأمون العراق، وانقطعت مواد الفتن(2)ببغداد .
ذكر الخبر عن ذلك
لما سار المأمون إِلى النهروان أَقام ثمانية أيام وخرج إِليه أَهل بيته، وقواده، ووجوه الناس كان كتب إِلى طاهر بالرقة أن يوافيه إِلى النهروان .
فوافاه بها (3)، ثم دخل مدينة السلام ولباس أَصحابه وأقبيتهم وقلانسهم وطرزهم وأعلامهم كلها الخضرة، وطاهر معهم (4)
فلما قدم بغداد نزل الرصافة، ثم تحوّل فنزل قصره على شاطيء دجلة وأمر القواد أن يقيموا في معسكرهم ، وكان الناس يدخلون عليه فى الثياب ،الخضر وكانوا يخرقون كل ملبوس يرونه من السواد على إنسان فمكثوا بذلك ثمانية أيام، فتكلم بنو العباس، وقواد أَهل خراسان، وقيل: إنه أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه فكان أول حاجة سأله أن يلبس السواد . .
.فلم يكن يدخل إِليهم أحد من القواد والناس كافة إلا في ثياب حضرة مدة .
ثم تكلم في ذلك بنو العباس خاصة، وخاطبوا ابن الحسين وكاتبه أيضاً قواد خراسان .
وكان المأمون أمر طاهراً أن يسأله حوائجه، وكان أول حوائجه أن يرجع إِلى لبس السواد وذي دولة الأَباء.
فلما رأى المأمون طاعة الناس له في لباس الخضرة مع كراهتهم لها جمع الناس، ثم دعا بسواد فلبسه ، ودعا بخلعة سوداء، فألبسها طاهراً، ثم دعا لقواده بخلع السواد، وطرح الناس الخضرة (1)
فعاد الناس إِليه، وذلك لسبع بقين من صفر .
ولما كان سائراً قال له أَحمد بن أَبي خالد الأحول : يا أَمير المؤمنين فكرت في هجومنا على أَهل بغداد، وليس معنا إلا خمسون ألف درهم مع فتنة غلبت قلوب الناس، فكيف يكون حالنا إذا هاج هائج أو تحرك متحرك؟
فقال يا أَحمد ،صدقت، ولكن أخبرك أن الناس على طبقاتٍ ثلاث في هذه المدينة ،ظالم ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم.
فأما الظالم : فلا يتوقع إلا عنونا.
وأما المظلوم : فلا يتوقع إلا أن ينتصف بنا.
وأما الذي ليس بظالم ولا مظلوم فبيته يسعه وكان الأَمر على ما قال.
وفيها: أمر المأمون بمقاسمة أَهل السواد على الخمسين وكانوا يقاسمون على النصف.
واتخذ القفيز الملحم ، وهو عشرة مكاكيك بالمكوك الهاروني كيلاً مرسلاً .
وفيها: واقع يحيى بن معاذ بابك فلم يظفر واحد منهما بصاحبه، وولّى المأمون أَبا عيسى أخاه الكوفة، وصالحاً أخاه البصرة، واستعمل عبيد اللّه بن الحسين بن عبيد اللّه بن العباس بن علي بن أَبي طالب الحرمين.
وحج بالناس : عبيد اللّه .
وفيها: انحدر السيد ابن أنس الأزدي من الموصل إِلى المأمون، فتظلم منه محمد بن الحسن بن صالح الهمداني، وذكر أنه قتل إخوته وأَهل بيته فأحضره المأمون.
فلما حضر قال : أنت السيد ؟
قال : أنت السيد يا أَمير المؤمنين، وأنا ابن أنس، فاستحسن ذلك .
فقال : أنت قتلت إخوة هذا؟
قال: نعم، ولو كان معهم لقتلته لأنهم أدخلوا الخارجي بلدك، وأعلوه على منبرك، وأبطلوا دعوتك . فعفا عنه، واستعمله على الموصل.
وكان على القضاء بها الحسن بن موسى الأشيب.
وفي هذه السنة : مات الإِمام محمد بن إدريس الشافعي رضي اللّه عنه، وكان مولده سنة خمسين ومائة والحسن بن زياد اللؤلؤي الفقيه أحد أصحاب أَبي حنيفة .
وأَبو داود سليمان بن داود الطيالسي صاحب المسند ، ومولده سنة ثلاث وثلاثين ومائة .
وهشام بن محمد بن السائب الكلبي النسابة .
وقيل: مات سنة ست ومائتين .
وفيها: توفي محمد بن عبيد بن أَبي أمية المعروف بالطنافسي.
وقيل : سنة خمس ومائتين.
.1) زاد ابن الأثير في هذا الخبر فقال :
ودخلت سنة خمس ومائتين
وفيها: ولّى المأمون طاهر بن الحسين من مدينة السلام إِلى أقصى عمل المشرق .
ذكر السبب في ذلك
كان المأمون ولاه الجزية والشرط وجانبي ،بغداد ومعادن السواد(1)، فاتفق أن محمد بن أَبي العباس ناطق علي بن الهيثم بين يدي المأمون في التشيع، ودار الكلام بينهما إِلى أن قال محمد لعلي : يا نبطي، ما أنت والكلام.
وكان المأمون متكئاً، فجلس وقال : الشتم في والبذاء لوم، وقد أبحنا (2)الكلام فمَن قال الحق حمدناه ، ومن جميل ،وفقناه فاجعلا بينكما أصلاً ترجعان إِليه .
فعادا إِلى المناظرة، وعاد محمد لعلي بالسَّفَه.
فقال على لولا جذالة مجلسه وما وهب اللّه تعالى له من رأفته وما نهى عنه آنفاً لعرفت جيفتك، وكفاك من جهلك غسلك المنبر بالمدينة .
فجلس المأمون وكان متكئاً ، فقال : وما غسلك المنبر لتقصير مني في أمرك، إِنما (3)لتقصير المنصور في أمر أَبيك لولا أن الخليفة إذا وهب استحى ، أن يرجع فيه ولكان أقرب شيء بيني وبينك إِلى الأرض رأسك، قم وإياك ما عدت .
فخرج محمد بن [أَبي](4)بن العباس، ومضى إِلى طاهر وهو زوج أخته، فقال له : كان من قصتي كيت وكيت - وكان يحجب المأمون على الشراب فتح الخادم وحسين بسيفه - فركب طاهر إِلى الدار ، ودخل فتح، فاستأذن له.
فقال المأمون : إنه ليس من أوقاته، ولكن ائذن له .
فدخل طاهر فسلّم، فردّ عليه السلام وقال : اسقوه رطلاً، فأخذه في يده اليمنى.
وقال له اجلس فجلس وشربه.
ثم شرب المأمون وقال : اسقوه الثاني .
ففعل كفعله الأول، ثم نهض.
فقال له المأمون : اجلس .
[ فقال : ليس لصاحب الشرطة أن يجلس عند سيده .
فقال المأمون : ذلك في](1)مجلس العامة، وأما في مجلس الخاصة [فله ذلك ](2)قال : فبكى المأمون، وتغرغرت عيناه بالدموع ](3).
فقال له طاهر: يا أَمير المؤمنين لا تبكِ عيناك، فواللّه لقد دانت لك البلاد، وأذعن لك العباد، وصرت إِلى المحبة في كل أمرك .
فقال : أبكي لأمر ذكره ذُل ، وستره حزن ولن يخلو أحد من شجن، فتكلم بحاجتك التي جئت لها .
فقال : يا أَمير المؤمنين، محمد بن أَبي العباس أخطأ فقله عثرته، وارض عنه . قال : قد رضيت عنه وأمرت بصلته، ورددت عليه منزلته [1/86] ولولا أنه ليس من أَهل الأنس لأحضرته .
قال : وانصرف طاهر.
ثم دعا طاهر بهارون بن جيعوية ، فقال : إن أَهل خراسان يتعصب بعضهم لبعض وإن لي إليك حاجة خذ معك ثلاثمائة ألف درهم، فأعط الحسين مائتي ألف درهم، وأعط كاتبه محمد بن هارون مائة ألف وسله أن يسأل المأمون لم بكى.
قال : ففعل ذلك، فلما تغدّى المأمون قال : يا حسين اسقني .
قال : لا واللّه لا أسقيك أو تقول لي لِمَ بكيت حين دخل عليك طاهر بن حسين.
[قال] (4): وكيف عنيت بهذا حتى سألتني عنه؟
قال : لغمي بذلك.
قال : يا حسين أمر إن خرج من رأسك قتلتك(5).
قال: يا سيدي ومتى أَخرجت لك سرّا .
قال : إني ذكرت محمداً أخي، وما ناله(6)من الذل فخنقتني العبرة، واسترحت إِلى الإفاضة ، ولن(7)يفوت طاهر مني ما يكره.
فأَخبر حسين طاهراً بذلك .
فركب طاهر إِلى أَحمد بن أَبي خالد فقال له : إن الثناء مني ليس برخيص، وإن المعروف عندي ليس بضائع فغيبني عن عينه .
فقال له : سأفعل .
فبكر علي غداً، وركب ابن أَبي خالد إِلى المأمون، فلما دخل إِليه قال له: ما نمت البارحة .
فقال له : ولم ويحك؟
قال : لأنك وليت خراسان غسان وهو ومن معه أكلة رأس وأخاف أن تخرج عليه خارجة من الترك فتصطلمه .
قال : لقد فكرت في ذلك، فمن ترى؟
قال : طاهر بن الحسين.
قال : ويحك يا أَحمد، هو واللّه خالع .
قال : أنا الضامن له .
قال : فأنفذه .
قال : فدعا طاهراً من ساعته، فعقد له وأشخصه من ساعته، فنزل من بستان خليل يحمل إِليه في كل يوم أَقام به مائة ألف فأَقام شهراً، ثم شخص إِلى خراسان(1)
ثم ذكر ابن الأثير قول آخر في ولايته فقال : وقيل : كان سبب ولايته أن عبد الرحمن المطوعي جمع جموعاً كثيرة بنيسابور ليقاتل بهم الحرورية بغير أمر والي خراسان فتخوّف أن يكون ذلك الأصل عمل عليه .
وكان غسان بن عباد يتولّى خراسان من قبل الحسن بن سهل - وهو ابن عمه - فلما استعمل طاهر على خراسان كان صارماً للحسن بن سهل.
وسبب ذلك أن الحسن ندبه لمحاربة نصر بن شبث فقال: حاربت خليفة وسقت الخلافة إِلى خليفة، وأؤمر بمثل هذا إِنما كان ينبغي أن يتوجه إِليه قائد من قوادي، وصارمه.
.وكان طاهر استخلف ابنه بالرقة على قتال نصر بن شبث .
ذكر نادرة لكاتب صارت سبباً لإصلاح حاله وحال الكتاب ببغداد
يحكي محمد بن محمد بن زردي المدائني الكاتب قال :
1) في الكامل : فنزل ظاهر البلد، فأَقام شهراً فحمل إِليه عشرة آلاف ألف درهم التي تحمل لصاحب خراسان، وسار من بغداد لليلة بقيت من ذي القعدة .
كان مخلد يلقب : لبد لطول عمره فحدثني :
أن المأمون أول ما أَقام العراق خطر أن لا يقلد الأعمال إلا الشيعة الذين قدموا معه من خراسان .
فطالت عطلة بكتاب السواد وعماله، وكانوا يحضرون دائرة في كل يوم ساءت حال أكثرهم .
فخرج يوماً بعض مشايخ الشيعة وكان مغفلاً فتأمل وجوههم، فلم ير فيهم أسن من مخلد، فجلس إِليه ثم قال له : إن أَمير المؤمنين قد أمرني أن أتخير ناحية من نواحي الخراج صالحة المرفق ليوقع بتقليدي إياها، فاختر لي أنت ناحية.
فقال : إني (1)لا أعرف لك عملاً أولى من يريدان البحر، وصدقات الوحش وخراج ويسار .
فقال : اكتبه إليَّ بخطك .
فكتب ذلك بخطه، فذهب الشيعي حتى عرض الرقعة على المأمون وسأله تقليده ذلك العمل .
فقال له : مَن كتب لك هذه الرقعة ؟
قال: شيخ من الكتاب يحضر الدار كل يوم .
قال : هلمه .
فلما دخل قال له المأمون: ما هذا يا جاهل؟ قد بلغ بك الفراغ إِلى مثل هذا؟!
فقال : يا أَمير المؤمنين أصحابنا هؤلاء ثقات يصلحون لحفظ ما يحصل استخراجه وصار في أيديهم، فأما شروط الخراج وحكمه وما يجب الاحتساب به، فلا يعرفونه، وتقليدهم يعود بإهاب ،الارتفاع، فإن كنت يا أَمير المؤمنين لا تثق بنا، فمُر بأن يضم إِلى واحداً من الشيعة، وضمّ مخلد إِلى ذلك الشيخ، فقلّده ناحية جليلة.
وفيها : ولّى المأمون عيسى بن محمد بن أَبي خالد أرمينية وأذربيجان لمحاربة كل واحد منهم بابك (2)
وفيها: قدم عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بغداد من الرقة وكان أَبوه استخلفه بها وأمره بقتال نصر بن شبث ، فلما قدم إِلى بغداد جعله المأمون على الشرطة بعد مسير أَبيه .
وولّى المأمون يحيى بن معاذ الجزيرة.
وفيها: مات السري بن الحكم بمصر، وكان وإِليها .
وفيها: مات داود بن يزيد عامل السند فولاها المأمون بشير بن داود على أن يحمل كل سنة ألف ألف درهم.
وفيها : ولّى المأمون عيسى بن يزيد الجلوذي محاربة الزط .
وحج بالناس : عبيد اللّه بن الحسن أَمير مكة والمدينة.
وفيها: زادت دجلة زيادة عظيمة فتهدّمت المنازل ببغداد وكثر الخراب بها .
وفي هذه السنة: توفي يزيد بن هارون الواسطي، ومولده سنة تسع عشرة ومائة، والحجاج بن محمد الأعور الفقيه، وشبابة بن سوار الفزاري الفقيه وعبد اللّه بن نافع الصائغ، ومحاضر بن الموزع وأَبو يحيى إِبراهيم بن موسى الزيات الموصلي سمع هشام بن عروة، وغيره.
ودخلت سنة ست ومائتين
وفيها : وَلّى المأمون عبد اللّه بن طاهر الجزيرة (1)إِلى مصر .
ذكر السبب في ذلك
كان يحيى بن معاذ في الجزيرة فمات في هذه السنة فدعا المأمون عبد اللّه بن طاهر، فقال يا عبد اللّه، إني أستخير اللّه عزّ وجل منذ شهر، وأرجو أن يخير اللّه لي، إن الرجل يصف ابنه (2)ليطريه لرأيه [فيه] (3)وليرفعه، وقد رأيتك فوق ما وصف أَبوك، وقد مات يحيى بن معاذ، واستخلف ابنه وليس بشيء، وقد رأيت توليتك مصر(4)ومحاربة نصر بن شبث .
فقال : السمع والطاعة [ وأرجو أن يجعل اللّه ] (5)لأَمير المؤمنين الخيرة وللمسلمين .
فعقد له، وأمر أن يقطع حبال القصارين عن طريقه، وتنحى عن الطرقات المطال لئلا يكون في طريقه ما يرد لواءه .
ثم عقد له لواء مكتوب عليه بصفرة ما يكتب على الألوية وزاد فيه المأمون يا منصور .
فركب إِليه الفضل بن الربيع، فأكرمه عبد اللّه وقال له : لقد تقدّم أَبي وأمر إلي أن لا أقطع أمراً دونك، وأحتاج أن أستطلع رأيك، وأستضيء بمشورتك، فأَقام عنده إِلى الليل، وسأله المبيت فأبى ،واعتذر ، ومشى معه عبد اللّه إِلى صحن داره وودّعه (6).
وفي هذه السنة: ولّى عبد اللّه بن طاهر إسحاق بن إِبراهيم [بن الحسين بن ،مصعب، وهو ابن عمه ](1)أمر الجسر، وجعله خليفة على ما كان أَبوه طاهر استخلفه فيه من الشرطة، وأعمال بغداد.
و شخص هو إِلى الرقة لحرب نصر بن شبث (2)
ولما استعمله المأمون كتب إِليه أَبوه طاهر كتابا جمع فيه كل ما يحتاج إِليه الأَمراء من الأدب، والسياسة وغير ذلك، وقد أثبت منه أحسنه لما فيه من الأدب والحث على مكارم الأخلاق ومحاسن السيم لأنه لا يستغني عنه أحد من مَلِكِ وسوقه وهو :
بِسمِ اللّهِ الرَّحمن الرَّحيم
أما بعد:
فعليك بتقوى اللّه وحده لا شريك له وخشيته ومراقبته عزّ وجل ومزايلة سخطه وحفظ رعيتك في الليل والنهار والزم ما ألبسك اللّه من العافية بالذكر لمعادك وما أنت سائر إِليه وموقوف عليه، ومسؤول عنه، والعمل في ذلك كله بما يعصمك اللّه عزّ وجل وينجيك يوم القيامة من عقابه وأليم عذابه، فإن اللّه سبحانه وتعالى قد أحسن إليك، وأوجب عليك الرأفة بمَن استرعاك أَمرهم من ،عباده وألزمك العدل عليهم والقيام بحقه وحدوده فيهم والذب عنهم، والدفع عن حريمهم، وبيضتهم والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم، وإدخال الراحة عليهم في معيشتهم، ومؤاخِذُكَ بما فرض عليك، وموقفك عليه، ومسائلك عنه، ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت.
ففرّغ لذلك فهمك وعقلك، ونظرك، ولا يشغلك عنه شاغل، وأنه رأس أمرك وملاك شأنك وأول ما يوفقك اللّه عزّ وجل به لرشدك .
وليكن أول ما تُلزم به نفسك وتنسب إِليه أفعالك ، المواظبة على ما افترض اللّه عز وجل عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس فأتِ بها في مواقيتها على سنتها وقحط إسباغ الوضوء لها، وافتتاح ذكر اللّه عزّ وجل فيها، وترَتِّل في قراءتك، وتمكّن في ركوعك وسجودك وتشهدك ، وليصدق فيها رأيك ونيتك واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك، وادأب عليها، فإنها كما قال اللّه عزّ وجل : إن الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت : 45] ثم أتبع ذلك بالأخذ بسنن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والمثابرة على خلافته، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده ، وإذا ورد عليك أمر، فاستعن عليه باستخارة اللّه عزّ وجل وتقواه، ولزوم ما أنزل اللّه عزّ وجل في كتابه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه وائتمام ما جاءت به الآثار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قم فيه بما يحق للّه عز وجل عليك ولا تمل من العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو بعيد .
وآثر الفقه وأَهله والدين وحمَلَته وكتاب اللّه عزّ وجل والعاملين به فإن أفضل ما تزين به المرء الفقه في الدين والطلب ،له والحث عليه والمعرفة بما يتقرب به إِلى اللّه، فإنه الدليل على الخير كله والقائد له والأَمر به والناهي عن المعاصي والموبقات كلها مع توفيق اللّه عزّ وجل، يزداد العبد معرفة للّه عزّ وجل وإجلالاً ،له ودركاً للدرجات العُلى في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك والهيبة لسلطانك والأنس بك والثقة بعدلك .
وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، فليس شيء أَبين نفعاً ولا أخص أمناً ولا أجمع فضلاً منه. والقصد داعية إِلى الرشيد والرشد دليل على التوفيق والتوفيق قائد إِلى السعادة وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد وآثره في دنياك كلها ولا تقصر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة والسنن المعروفة ومعالم الرشد ، ولا غاية للاستكثار في البر والسعي له إذ كان يطلب به وجه اللّه تعالى ومرضاته وموافقة أوليائه في دار كرامته .
واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز ويحصن من الذنوب وأنه لن تحوط لنفسك ومن بليك،
ولا تستصلح أمورك بأفضل منه فأته واهتد به تتم أمورك وتزد مقدرتك وتصلح خاصتك وعامتك .
وأحسن الظن باللّه عز وجل تستقيم لك رعيتك، والتمس الوسيلة إِليه في الأمور كلها تستدم به النعمة عليك ولا تتهمن أحداً من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشف أمره، فإن إيقاع التهم بالبداء والظنون السيئة بهم مأثم، فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء الظن بهم وارفضه فيهم يغنك ذلك عن اصطناعهم ورياضتهم ولا يجدن عدو اللّه الشيطان في أمرك مغمزاً ، فإنه إِنما يكتفي بالقليل من وهنك، ويدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك ، واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة وتكتفي به ما أحببت كفايته من أمورك وتدعو به الناس إِلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها لك، ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك، والرأفة برعيتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك، ولتكن المباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية والنظر فيما يقيمها ويصلحها، والنظر في حوائجهم، وحمل مؤناتهم اثر عندك مما سوى ذلك فإنه أقوم للدين وأحيا للسنة، وأخلص نيتك في جميع هذا.
وتفرّد بتقويم نفسك تفرُّد من يعلم أنه مسؤول عما صنع ومجزي بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن اللّه عزّ وجل جعل الدين حرزاً وعزا، ورفع من اتبعه وعزّزه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقة الهدى، وأقم حدود اللّه عزّ وجل في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه ولا تعطل ذلك ولا تهاون ،به ولا تؤخر عقوبة أَهل العقوبة، فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك، واعتزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب البدع والشبهات، يسلم لك دينك، وتقم لك مروءتك .
وإذا عاهدت عهداً ففِ به، وإذا وعدت خيراً فأنجزه واقبل الحسنة، وادفع بها، واغمض عينيك عن عيب كل ذي عيب من رعيتك .
واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وابغض أَهله واقص أَهل النميمة فإن فساد أول أمورك في عاجلها وآجلها تقريب الكذوب، والجراءة على الكذب لأن الكذب رأس المأثم والزور، والنميمة ،خاتمتها، لأن النميمة لا يسلم صاحبها وقائلها ولا يسلم له ،صاحب، ولا يستقم لمطيعها أمر .
وأحب أَهل الصلاح والصدق، وأعن الأشراف بالحق، وأس الضعفاء وصل الرحم وابتغ بذلك وجه اللّه تعالى وإعزاز ،أمره والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة، واجتنب سوء الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك في ذلك لرعيتك، وأنعم بالعدل سياستهم، وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إِلى سبيل الهدى .
وأملك نفسك عند الغضب، وأظهر الوقار والحلم، وإياك والحدة، والطيرة، والغرور فيما أنت بسبيله، وإياك أن تقول أنا مسلّط أفعل ما أشاء، فإن ذلك سريع إِلى نقص الرأي، وقلة اليقين باللّه عزّ وجل، وأخلص للّه وحده لا شريك له النية فيه، واليقين به، واعلم أن الملك للّه سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة إِلى أحد أسرع منها إِلى حملة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة، إذا كفروا نعم اللّه عزّ وجل ،وإحسانه واستطالوا بما آتاهم اللّه عز وجل من فضله ودع عنك شره ،نفسك، ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم والتفكر لأمورهم ، والحفظ لدهمائهم، والإغاثة الملهوفهم.
واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت في الخزائن لا تنمو وإذا كانت في صلاح الرعية وإعطاء حقوقهم، وكف مؤنة عنهم رَبَتْ وَزَكَتْ ونَمَتْ وصلحت به العامة، وتزينت به الولاية، وطاب به الزمان واعتقد في العز والمنعة فليكن كنز خزائنك في تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأَهله، ووفر منه على أولياء أَمير المؤمنين قبلك حقوقهم، وأف رعيتك من ذلك حصصهم ،وتعهد ما يُصلح أمورهم ومعاشهم، فإنك إذا فعلت ذلك كرّت النعمة عليك واستوجبت المزيد من اللّه عزّ وجل، وكنت بذلك على جباية خراجك، وجمع أموال رعيتك، وعملك أقدر وكان الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك أساس لطاعتك وأطيب نفساً لكل ما أردت .
واجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب، ولتعظم حسنتك فيه، وإِنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل اللّه واعرف للشاكرين شكرهم وأثبهم عليه .
وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة، فتتهاون بما يحق عليك فإن التهاون يورث التفريط، والتفريط يورث البوار .
وليكن عملك للّه عزّ وجل وارج الثواب فيه فإن اللّه سبحانه وتعالى قد أسبغ عليك نعمته، وأسبغ لديك فضله واعتصم بالشكر وعليه فاعتمد يزدك اللّه خيراً، وإحساناً، فإن اللّه عز وجل يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين، ولا تحقرن ذنباً، ولا تمالئن حاسداً، ولا ترحمن فاجراً، ولا تصلن كفوراً، ولا تداهنن عدواً، ولا تصدقن تماماً، ولا تأمنن غداراً، ولا تولين فاسقاً، ولا تبتغين عادياً، ولا تحمدن مرائياً، ولا تحقرن إنساناً، ولا تردن سائلاً فقيراً، ولا تحبن ،باطلاً، ولا تلاحظن مضحكاً، ولا تخلفن ،وعداً ولا ترهقن ،هجراً، ولا تركن سفها، ولا تظهرن غضباً، ولا تأسن مدحاً، ولا تمشين مرحاً، ولا تفرطن في طلب الآخرة، ولا تدفع الأنام عتابا ، ولا تغمضن عن ظالم رهبة منه أو محابة ولا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا .
وأكثر مشاورة ،الفقهاء واستعمل نفسك بالحلم وخذ عن أَهل التجارب وذوي العقل، والرأي والحكمة، ولا تدخلن مشورتك أَهل الذمة، والنحل، ولا تسمعن لهم قولاً، فإن ضررهم أكثر من ،منفعتهم وليس شيئاً أسرع فساداً لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح.
واعلم أنك إذا كنت حريصاً كنت كثير الأخذ قليل العطية، وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلاً، فإن رعيتك إِنما يعقد على محبتك بالكف عن أموالهم، وترك الجور عليهم .
وابتدىء مَن صفا لك من أوليائك بالإفضال عليهم وحسن العطية لهم، واجتنب الشح، واعلم أنه أول ما عصي الإنسان به ربه ، وأن العاصي بمنزلة خزي وتدبّر قول اللّه عزّ وجل: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأَوَلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
واجعل للمسلمين كلهم من بينك حظاً ونصيباً وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فاعدده لنفسك خلقاً، وسهل طريق الجود بالحق، وارض به عملاً ومذهباً .
وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم ، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووسع عليهم في معايشهم، يذهب اللّه عزّ وجل بذلك فاقتهم، فيقوي لك ،أَمرهم وتزيد به قلوبهم في طاعتك، وأمرك خلوصاً وانشراحاً.
وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة في عدله، وحيطته، وإنصافه، ،وعنايته وشفقته وبره وتوسيعه فزايل مكروه إحدى البليتين باستشعار فضيلة الباب الآخر ولزوم العمل به تلق إن شاء اللّه تعالى نجاحاً وصلاحاً وفلاحاً.
واعلم أن القضاء بالعدل من اللّه تعالى بالمكان الذي يعدل به شيء من الأمور، لأنه ميزان اللّه الذي يعتدل عليه أحوال الناس في الأرض، وبأَقامة العدل في القضاء والعمل، تصلح أحوال الرعية، وتأمن السبل وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة ويؤدي حق الطاعة، ويرزق اللّه العافية والسلامة ويقوم الدين وتجري السنن والشرائع على مجاريها .
واشتد في أمر اللّه عزّ وجل، وتوزع عن القصف وامض لأَقامة الحدود، وأقلل العجلة وابعد عن الضجر والقلق واقنع بالقسم، وانتفع بتجربتك وانتبه في صمتك، وسدد في منطقك، وانصف الخصم، وقف عند الشبهة وأبلغ في الحجة، ولا يأخذك في أحد من رعيتك محأَبا ة، ولا محاماة، ولا لوم لائم، وتثبت وتأنّ وراقب وانظر الحق على نفسك، فتدبر، وتفكر، واعتبر، وتواضع لربك، وأرأف بجميع الرعية فتسلّط الحق على نفسك، ولا تسرعن إِلى سفك دم، فإن الدماء من اللّه عزّ وجل بمكان عظيم انتهاكاً لها بغير حقها.
وانظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية، وجعله اللّه للإسلام عِزّا ،ورفعة، ولأَهله توسعة ،ومنعة لعدوه وعدوهم كبتاً وغيظاً، ولأَهل الكفر من معانديه ذلاً وصغاراً.
فوزّعه بين أَصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه، ولا ترفعن منه شيئاً عن شريف لشرفه ، ولا عن غني لغناه ولا عن كاتب ولا عن أحد من خاصتك وحاشيتك، ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له ولا تكلف أمراً فيه شطط واحمل الناس كلهم على مرّ الحق، فإن ذلك أجمع لأفتهم، وألزم لرضا العامة، واعلم أنك جعلت بولايتك خازناً، وحافظاً، وراعياً، وإِنما سمّي أَهل عملك رعيتك لأنك راعيهم وقيمهم، تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم، وتنفذه في قوام أَمرهم وصلاحهم، وتقويم أودهم، فاستعمل عليهم ذوي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف ووسع عليهم في الرزق، فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت، وأسند إليك، ولا يشغلك عنه شاغل ولا يصرفك عنه صارف، فإنك متى آثرته، وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحَسَّن الأحدوثة في عملك، وأحرزت به المحبة من رعيتك، وأعنت على الصلاح، ودرّت الخيرات في بلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب في كورك، وكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك وكنت محمود السياسة، مرضي العدل في ذلك عند عدوك، وكنت في أمورك كلها ذا عدل وآلة وقوة وعدة فنافس في ذلك، ولا تقدم عليه شيئاً تحمد فيه مغبة أمرك إن شاء اللّه تعالى.
واجعل في كل كورة من عملك أميناً يخبرك أَخبار عمالك، ويكتب إليك بسيرتهم، وأعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأموره كلها، فإن أردت أن تأَمرهم بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والصنع فامضه، وإلا فتوقف عنه رواجع أَهل البصيرة والعلم به، ثم خذ فيه عدته، فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أموره قدره وأتاه على ما يهوى، فأغواه ذلك وأعجبه فإن لم ينظر في عواقبه أَهلكه ونقض عليه أمره فاستعمل الحزم في كل ما أردت وباشره بعد عون اللّه عزّ وجل بالقوة.
وأكثر في استخارة ربك في جميع أمورك وافرغ من عمل يومك ولا تأخره لغدك، وأكثر مباشرته بنفسك، فإن لغدٍ أمور وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت.
واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، وإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمور يومين، فيشغلك ذلك حتى تعرض عنه، وإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك وأحكمت أمور سلطانك .
وانظر أحرار الناس وذوي السِّن منهم ممن تستيقن صفاء طويتهم، وشدة مودتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح، والمخالصة على أمرك فاستخلصهم وأحسن إِليهم.
وتعاهد أَهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة فاحتمل ،مؤنتهم، وأصلح حالهم، حتى لا يجدوا لخلتهم مسّا.
وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومَن لا يقدر على رفع مظلمة إليك، والمحتقر الذي لا علم له يطلب حقه فسل عنه أخفى مسألة، ووكل بأمثاله أَهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر فيها بما يصلح اللّه به أَمرهم.
وتعاهد ذوي البأساء وأيتامهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقاً من بيت المال، اقتداء بأَمير المؤمنين أعزه اللّه في العطف عليهم والصلة لهم، ليصلح اللّه بذلك عيشهم، ويرزقك به بركة وزيادة .
وأجر للأضراب من بيت المال وقدّم حملة القرآن منهم، والحافظين لأكثره في الجرائد على غيرهم.
وانصب لمرضى المسلمين دوراً تأويهم وقواماً يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إِلى سرف في بيت المال .
واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم، وفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك، ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إِلى ولاتهم طمعاً في نيل الزيادة، وفضل الرفق منهم، وربما تبرّم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل ذهنه وفكره قليلاً عما يناله به من مؤنة ومشقة.
وليس من يرغب في العدل ويعرف محاسن أموره في العاجل، وفضل ثواب الآجل كالذي يستقل بما يقربه إِلى اللّه تعالى، ويلتمس رحمته .
وأكثر الإذن للناس عليك، وابرز لهم وجهك وسكن لهم حواسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بِشْرَك، ولن لهم في المسألة، والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك، وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، والتماس للصنيعة والأجر من غير تكدير ولا امتنان، فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء اللّه تعالى .
واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى قبلك من أَهل السلطان والرياسة في القرون الخالية، والأمم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر اللّه، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسننه وأَقامة دينه وكتابه واجتنب ما فارق ذلك، وخالف ما دعي إِلى سخط اللّه عز وجل.
واعرف ما تجمع عمالك من الأموال وينفقون منها، ولا تجمع حراماً، ولا تنفق إسرافاً .
وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم، وليكن هواك اتباع السنن وأَقامتها وإيثار مكارم الأمور ومعإِليها .
وليكن أكرم دخلاتك وخاصتك عليك من إذا رأى عيباً فيك لم تمنعه هيبتك عن إنهاء ذلك إليك في سرك وإعلانك وما فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك، ومظاهرين لك .
وأنظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك ، وَوَقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتاً، يدخل فيه عليك بكتبه ومؤامراته وما عنده من حوائج عمالك، وأمور كورك ورعيتك، ثم فرّغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان موافقاً للحق والحزم ،فامضه واستخر اللّه عزّ وجل فيه، وما كان مخالفاً لذلك، فاصرفه إِلى التثبت فيه والمسألة عنه.
ولا تمتن على رعيتك ولا غيرهم بمعروف تؤتيه إِليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أَمير المؤمنين ولا تدعن المعروف إلا على ذلك.
وتَفَهَّمْ كتابي إليك، وأكثر النظر فيه، والعمل به .
واستعن باللّه على جميع أمورك واستخره فإن اللّه عزّ وجل مع الصلاح وأَهله .
وليكن أعظم سيرتك، وأفضل عيشك ما كان فيه للّه عزّ وجل رضاً ولدينه نظاماً، ولأَهله عِزّا، وتمكيناً، وللذمة، وللملة عدلاً وصلاحاً.
وأنا أسأل اللّه أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك، وكلاءتك، والسلام.
فلما رأى الناس هذا الكتاب تنازعوه وكتبوه وشاع ،أمره وبلغ المأمون خبره فدعا به، وقرىء عليه فقال : أما أبقى أَبو الطيب - يعنى طاهراً - شيئاً من أمر الدنيا والدين والتدبير والرأي والسياسة، وإصلاح الملك والرعية، وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء، وتقويم الخلافة إلا وقد أحكم وأَوصى به.
وأمر المأمون فكتب به إِلى جميع العمال في النواحي وسار عبد اللّه إِلى عمله فاتبع ما أمر به، وعهد إِليه وسار بسيرته .
وفي هذه السنة: مات الحكم بن هشام بن عبد الرحمن صاحب الأندلس لأربع بقين من ذي الحجة، وكانت بيعته في سفر سنة ثمانين ومائة وكان عمره اثنتين وخمسين سنة، وكنيته : أَبو العاص وهو لأم ولد.
وكان طويلاً أسمر نحيفاً، وكان له تسعة عشر ذكراً، وله شعر جيد .
وهو أول من جند بالأندلس الأجناد ،المرتزقين وجمع الأسلحة والعدد واستكثر من الحشم والحواشي، وارتبط الخيول على بابه وشابه الجبابرة في أحواله واتخذ المماليك، وجعلهم في المرتزقة، فبلغت عدتهم خمسة آلاف مملوك، وكانوا يسمون : الغرس لعجمة ألسنتهم .
وكانوا يوماً على باب قصره، وكان يطلع على الأمور بنفسه، ما قرب منها وما بعد.
وكان له نفر من ثقات أَصحابه يطالعونه بأحوال الناس فيرد عنهم المظالم، وينصف المظلوم .
وكان شجاعاً مقداماً مهيباً، وهو الذي وطأ لعقبه الملك بالأندلس.
وكان يقرب الفقهاء، وأَهل العلم .
ولما مات الحكم بن هشام قام بالملك بعده ابنه عبد الرحمن، ويكنى أَبا المطرف.
واسم أمه: حلاوة .
وكان بِكر والده، ولد بطليطلة أيام كان أَبوه الحكم يتولاها لأَبيه ،هشام، ولد لسبع أشهر، وُجِدَ ذلك بخط أَبيه .
وكان جسيماً، وسيماً، حسن الوجه، فلما وَلِيَ خرج عليه عم أَبيه : عبد اللّه البلنسي، وطمع بموت الحكم، وخرج من بلنسية يريد ،قرطبة، فتجهز له عبد الرحمن.
فلما بلغ ذلك عبد اللّه ،خاف وضعفت نفسه، فرجع إِلى بلنسية، ثم مات في أثناء ذلك سريعاً، ووقى اللّه ذلك الطرف شره .
فلما مات نقل عبد الرحمن أولاده وأَهله إِليه بقرطبة وخلصت الإمارة بالأندلس لولد هشام بن عبد الرحمن.
وفيها : عزل الحسن بن موسى الأشيب عن قضاء الموصل، فانحدر إِلى بغداد، وتولى القضاء بها علي بن أَبي طالب الموصلي.
وفيها: وَلّى المأمون داود بن ماسحور محاربة الزط، وأعمال البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين .
وفيها : كان المد عظيماً غرق فيه السواد وكسكر، وقطيعة أم جعفر، وهلك فيه من الغلات كثير .
وفيها: نكب بابك الخرمي عيسى بن محمد بن أَبي خالد.
وحج بالناس هذه السنة : عبيد اللّه بن الحسن العلوي، وهو أَمير الحرمين.
وفيها: غزا المسلمون من إفريقية جزيرة سردائية فغنموا، وأصابوا من الكفار، وأصيب منهم ثم عادوا .
وفيها: توفي الهيثم بن عدي الطائي الأَخباري وكان عابداً ضعيفاً في الحديث .
وعبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن أَبي أمية الموصلي، وهو من أصحاب سفيان الثوري .
وفيها: توفي محمد بن المستنير المعروف بقطرب النحوي أخذ النحو من سيبويه وفيها توفي أَبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني اللغوي .
1) زيادة من الكامل
2) زاد ابن الأثير في خبر ولاية عبد اللّه بن طاهر وصية والده له حين تولى فرأيت من المفيد إثباتها هنا لما تحتوي عليه من الفوائد والعظات على الرغم مما فيها من الطول، فكثيراً ما نطيل نحن فيما ليس من ورائه طال ، فلِمَ لا نتركه يطيل فيما عساه أن ينفعنا فيقول ابن الأثير رحمنا اللّه وإياه :
ودخلت سنة سبع ومائتين
وفيها: كانت وفاة ذي اليمينين طاهر بن الحسين من حُمّى وحرارة أصابته (1).
وذكر : أنه وجد في فراشه ميتاً .
فحکی خواصه، وعمه علي بن مصعب : أنهم ساروا إِليه يعودونه، فسألوا الخادم عن خبره [86/ب] وكان يغلس بصلاة الصبح، فقال الخادم: هو نائم لم ينتبه، فانتظروه ساعة، فلما تأخر قالوا للخادم : أيقظه .
قال :لا أجسر.
فقالوا له : طرق لنا لندخل إِليه، فدخلوا، فوجدوه ملتفا في دواج قد أدخله تحته وشدّ عليه من عند رأسه ورجليه فحركوه، فلم يتحرك، فكشفوا عن وجهه، فوجدوه قدمات، ولم يعلم أحد الوقت الذي توفي فيه .
وذكره ابن سعد [ عن ] (2)كلثوم بن ثابت قال : كنت على بريد خراسان، ومجلسي يوم الجمعة في أصل المنبر، فلما كانت سنة سبع ومائتين بعد ولاة طاهر بن الحسين لسنين حضرت الجمعة، فصعد طاهر المنبر ، فخطب فلما بلغ إِلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له وقال : اللّهم أصلح أمة محمد[صلّی اللّه علیه و سلّم ] بما أصلحت به أولياءك واكفها مؤنة من بغى عليها (3)أو أَرادها بمكروه، [وحشد فيها ] (4)بلَمُ الشعث، وحقن الدماء وإصلاح ذات البين .
فقلت في نفسي : أنا أول مقتول، لأني لا أكتم الخبر .
فانصرفت، فاغتسلت ،ووصیت واتزرت ،بازار ولبست قميصاً وارتديت رداء وطرحت السواد وكتبت إِلى المأمون.
قال : فلما ردُّوه، وقد خرجت فردوني.
وقال : هل كتبت بما كان؟
قلت : نعم .
قال : فاكتب بوفاته، وأعطاني مالاً وثيأَبا فكتبت بوفاته، وقيام طلحة بالجيش.
قال : فوردت الخريطة على المأمون بخلعه .
فدعا ابن أَبي خالد فقال : اشخص الآن فأتِ به كما زعمت وضمنت فقال: أَبيت ليلتي .
قال : لا لعمري، ولا تبيت إلا على الظهر.
فلم يزل يناشده حتى أذن لي في المبيت ووافت الخريطة بموته ليلاً.
فأمر كاتبه طلحة، وأَقامه مقامه، فبقي طلحة والياً على خراسان في أيام المأمون سبع سنين بعد موت طاهر، ثم توفي .
وولي عبد اللّه خراسان(1)
ولما ورد موت طاهر على المأمون قال : لليدين وللفم الحمد للّه الذي قدمه وأخرنا، وكان طاهر ،أعور ، وفيه يقول بعضهم :
يا ذا اليمينين وعين واحده *** نقصان عين ویمین زائده
يعني أن لقبه كان ذا اليمينين وكانت كنيته أَبا الطيب .
وقد قيل : إن طاهراً لما مات انتهب الجند بعض خزائنه، فقام بأَمرهم سلام الأبرش الخصي وأعطاهم رزق ستة أشهر .
وقيل : استعمل المأمون على عمله جميعه ابنه عبد اللّه بن طاهر فسَيَّر إِلى خراسان أخاه طلحة، وكان عبد اللّه بالرقة على حرب نصر بن شبث فلما توجه طلحة إِلى خراسان سيّر المأمون إِليه أَحمد بن أَبي خالد ليقوم بأمره، فعبر أَحمد إِلى ما وراء النهر.
وافتتح أشروسنة ، وأسَرَ كاوس بن صار،خره وابنه الفضل وبعث بهما إِلى المأمون.
ووهب طلحة لأَحمد بن أَبي خالد ثلاثة آلاف ألف درهم، وعروضاً بألفي ألف درهم.
ووهب لإِبراهيم بن العباس كاتب أَحمد خمسمائة ألف درهم .
وذكر بعض خواص المأمون قال : شهدت مجلساً للمأمون، وقد أتاه نعي(2)طاهر فقال : لليدين وللفم الحمد للّه الذي قدمه وأخرنا ثم وجّه المأمون أَحمد بن أَبي خالد إِلى خراسان للقيام بأمر طلحة، فشخص أَحمد إِلى ما وراء النهر، فافتتح أشروسنة، وأسر كاوس، وابنه وبعث بهما إِلى المأمون.
ووهب طلحة لأَحمد ثلاثة آلاف ألف درهم(3)
وفي هذه السنة :
خرج عبد الرحمن بن أَحمد بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن علي بن أَبي طالب رضي اللّه عنهم
، ببلاد عك في اليمن يدعو إِلى الرضا اليمن يدعو إِلى الرضا من آل محمد صلّی اللّه علیه و سلّم، وكان سبب خروجه : أن العمال باليمن أساؤوا السيرة فيهم، فبايعوا عبد الرحمن هذا .
فلما بلغ المأمون ذلك وجّه إِليه دينار بن عبد اللّه في عسكر كثيف، وكتب معه بأمانه، فحضر دينار الموسم، وحج .
ثم سار إِلى اليمن فبعث إِلى عبد الرحمن بأمانه فقبله، ودخل في طاعة المأمون، ووضع يده في يد دينار، فخرج به إِلى المأمون، فمنع المأمون عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه وأَمرهم بلبس السواد، وذلك لليلتين بقيتا من ذي القعدة.
وفي هذه السنة : وقع عبد الرحمن بن الحكم صاحب الأندلس بجند البصراة وأَهلها، وهي الوقعة المعروفة بوقعة بالس.
وكان سببها : أن الحكم كان قد بلغه عن عامل اسمه ربيع أنه ظلم أبناء أَهل الذمة، فقبض عليه وصلبه قبل وفاته
فلما توفي ولى ابنه عبد الرحمن سمع الناس بصلب ربيع، فأقبلوا إِلى قرطبة من النواحي يطلبون الأموال التي كان ظلمهم بها ظنا منهم أنها تُرد إِليهم ، وكان أَهل البيرة أكثرهم طلباً والحاحاً فيه فتألّبوا، فبعث إِليهم عبد الرحمن من يفرقهم ويسكتهم، فلم يقبلوا ودفعوا من أتاهم، فخرج إِليهم جمع من الجند ، وأصحاب عبد الرحمن فقاتلوهم، فانهزم جند البيرة ومن معهم، وقتلوا قتلاً ذريعاً، ونجا الباقون منهزمين ثم طلبوا بعد ذلك فقتلوا كثيراً منهم .
وفيها: ثارت بمدينة تدمير فتنة بين المضرية واليمانية، فاقتتلوا ،بلورفة، وكان بينهم وقعة تُعرف بيوم المضارة، قتل منهم ثلاثة آلاف رجل ودامت الحرب بينهم سبع سنين وفوكل بكفهم ومنعهم يحيى بن عبد اللّه بن خالد وسيره في جميع الجيش فكانوا إذا أحسوا بقرب يحيى تفرّقوا وتركوا القتال، وإذا عاد عنهم رجعوا إِلى الفتنة والقتال حتى عيي أَمرهم .
وفيها: كان بالأندلس مجاعة شديدة ذهب فيها خلق كثير ، وبلغ المد في بعض البلاد ثلاثين ألف دينار.
وفيها : غلا السعر بالعراق حتى بلغ القفيز من الحنة بالهاروني أربعين درهماً إِلى خمسين.
وفيها: ولى محمد بن حفص ،طبرستان ،والرويان، ودُنباوند .
وحجّ بالناس : أَبو عيسى بن الرشيد .
وفيها: أمر المأمون السيد بن أَبي أنس والي الموصل، قصد بني شيبان وغيرهم من العرب لإفسادهم في البلاد، فسار إِليهم وكبسهم بالدسكرة فقتلهم ونهب أموالهم وعاد.
وفيها: توفي وهب بن جرير الفقيه، وعمر بن حبيب العدوي القاضي وعبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد وعبد العزيز بن أَبان القرشي قاضي واسط وجعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي الفقيه، وبشر بن عمر الزاهد الفقيه وكثير بن هشام، وأزهر بن سعيد السمّان، وأَبو النضر هشام بن القاسم الكناني .
وفيها: توفي محمد بن عمر بن واقد الواقدي، وكان عمره ثمانياً وسبعين سنة، وكان عالماً بالمغازي واختلاف العلماء، وكان يضعف في الحديث.
وفيها: توفي محمد بن أَبي رجاء القاضي، وهو من أصحاب أَبي يوسف صاحب أَبي حنيفة وفيها توفي محمد بن أَبي عبد اللّه بن عبد الأعلى المعروف بابن كناسة، وهو ابن أخت إِبراهيم بن أدهم وكان عالماً بالعربية والشعر، وأيام الناس.
وفيها: توفي يحيى بن زياد أَبو زكريا الفراء النحوي الكوفي، وأَبو غانم الموصلي، وزيد بن علي بن أَبي خداش الموصلي، وهو من أصحاب المعافى بن كثير الرواية عنه.
ودخلت سنة ثمان ومائتين
ولم يحدث فيها حدث ينتج في هذا الكتاب (1)
وفيها : استقضى إسماعيل بن حماد بن أَبي حنيفة .
وفيها : عزل محمد بن عبد الرحمن المخزومي عن قضاء عسكر المهدي، ووليه بشر بن الوليد الكندي، فقال بعضهم :
يا أَيها الرجل الموحد ربه *** قاضيك بشر بن الوليد حمار
ينفي شهادة من يدين بما به *** نطق الكتاب وجاءت الآثار
ويعدُّ عدلاً مَن يقول بأنه *** شيخ يحيط بجسمه الأقطار
وفيها: مات موسى بن الأمين، والفضل بن الربيع في ذي القعدة.
وحج بالناس : صالح بن الرشيد.
وفيها : هلك إليسع بن أَبي القاسم صاحب سجلماسة، فولّى أَهلها على أنفسهم أخاه المنتصر بن أَبي القاسم .
وأسول المعروف بمدرار، وقد تقدم ذكرهم .
وفيها: سيَّر عبد الرحمن بن الحكم صاحب الأندلس جيشاً إِلى بلاد المشركين واستعمل عليها عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث فساروا إِلى إلية والقلاع فنهبوا بلاد إلية، وأحرقوها وحصروا عدة من الحصول ففتحوا بعضها وصالحه بعضها على مال وإطلاق الأسرى من المسلمين فغنم أموالاً جليلة القدر، واستنقذوا من أسارى المسلمين وسبيهم كثيراً، فكان ذلك في جمادى الآخرة، وعادوا سالمين.
وفيها: توفي عبد اللّه بن عبد الرحمن الأموي المعروف بالبلنسي صاحب بلنسية من الأندلس، وقد تقدّم من أَخباره مع أَخبار هشام ابن أَخيه الحكم بن هشام كثير .
وفيها: توفي عبد اللّه بن أَبي بكر بن حبيب السَّهمي الباهلي ويونس بن محمد المؤدب والقاسم بن الرشيد وسعيد بن تمام بالبصرة وعبد اللّه بن جعفر بن سليمان بن علي، والحسن ابن موسی الأشيب، وقد كان سار ليتولى قضاء طبرستان فمات بالري وتوفي علي بن المبارك الأحمر النحوي صاحب الكسائي . وقيل : توفي في سنة ست وثمانين.
1) كذا قال ابن مسكويه وقال ابن الأثير في أحداثها : في هذه السنة : سار الحسن بن الحسين بن مصعب من خراسان إِلى كرمان فعصى بها فسار إِليه أَحمد بن أَبي ،خالد فأخذه وأتى به المأمون فعفا عنه .
ودخلت سنة تسع ومائتين
وفيها: حصر عبد اللّه بن طاهر قصر ابن شبث وضيق عليه حتى طلب الأمان.
ويقال إن ثمامة حكى :
أن المأمون سأله أن يحمل إِليه رجلاً له [ عقل ] (1)وبيان يحمله رسالة إِلى نصر بن شبث.
قال : فحملت إِليه رجلاً من بني عامر [يقال له : جعفر بن محمد ] (2).
فقال جعفر بن محمد: أحضرني المأمون بين يديه، فكلّمني بكلام كثير، ثم أمرني أن أبلغه نصراً .
قال : فأثبت نصراً بسروج بموضع يقال له كفرعون، فأبلغته رسالته، فأذعن وشرط شروطاً منها :
أن لا يطأ له بساطاً .
قال : فأتيت المأمون، فأَخبرته .
فقال : لا أجيبه إِلى هذا أبداً ولو أفضيت إِلى بيع ما عليّ حتى يطأ بساطي، ما له ينفر مني ؟!
فقلت : لجرمه بما تقدّم منه .
قال : أفتراه (1)أعظم (2)جرماً عندي من الفضل بن الربيع، ومن عيسى بن أَبي خالد؟!
أتدري ما صنع بي الفضل ؟
أخذ قوادي ،وأموالي وجنودي، وسلاحي وجميع مالي مما أَوصى به لي، فذهبت به إِلى محمد وتركني بمرو بعيداً، وأسلمني، وأفسد علي أخي حتى كان من أمره ما كان [ فكان أشد عليّ من كل شيء](3).
أتدري ما صنع بي عيسى بن أَبي خالد؟
طرد خليفتي من مدينة أَبائي وذهب بخراجي، وفيئي (4)، وأخرب علي داري(5)، وأقعد إِبراهيم خليفة بإزائي، ودعاه باسمي .
قال : قلت: يا أَمير المؤمنين تأذن لي في الكلام؟
[ قال] (6): تكلم .
قال : قلت : الفضل بن الربيع وضيعكم(7)ومولاكم، وحال سلفه حالهم فترجع إِليه بضروب كلها تردك إِليه .
وعيسى بن أَبي خالد من أَهل ،دولتك وسابقته [ وسابقة ] (8)من مضى من سلفه سابقتهم(9).
وهذا رجل لم يكن له يد قط فيحمل عليها ولا لمن مضى من سلفه، إِنما كانوا
جند بني أمية .
قال : إن ذلك لكما تقول، فكيف بالحق والغيظ ؟ لست أقلع عنه حتى يطأ بساطي.
فأتيت نصراً، فأَخبرته بذلك .
قال : فصاح بالخيل صيحة، فجالت عليه .
ثم قال : ويلي علي وهو لم يقوَ على أربعمائة ضفدع تحت جناحه - يعني الزط (1)- يقوى على حلبة العرب !!
فذكر أن عبد اللّه بن طاهر لما جاده (2)القتال، بلغ منه حتى طلب الأمان،فأعطاه، وبعثه إِلى المأمون (3)
فطلب الأمان فأجابه إِليه، وتحوّل من معسكره إِلى الرقة إِلى عبد اللّه .
وكان مدة حصاره ومحاربته خمس سنين .
فلما خرج إِليه أخرب عبد اللّه حصن كيسوم وسير نصراً إِلى المأمون، فوصل إِليه في صفر سنة عشر ومائتين.
وفيها: ولى المأمون علي بن صدقة المعروف بزريق على أرمينية، وأذربيجان وأمره بمحاربة بابك، وأَقام بأمره أَحمد بن الجنيد الإسكافي فأسره بابك فولّى إِبراهيم بن الليث بن الفضل أذربيجان .
وحج بالناس : صالح بن العباس بن محمد بن علي.
وفيها: مات ميخائيل بن جورجيس ملك الروم، وكان ملكه تسع سنين، وملك ابنه توفيل.
وفيها :خرج منصور بن نصير بإفريقية عن طاعة الأَمير زيادة اللّه ، وكان منه ما ذكرناه سنة اثنتين ومائتين .
وفيها: توفي أَبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي، وقيل سنة عشر، وكان يميل إِلى مقالة الخوارج، وكان عمره ثلاثاً وتسعين سنة .
وقيل : مات سنة ثلاث عشرة وعمره ثمان وتسعون سنة .
وفيها: توفي يعلى بن عبيد الطنافسي أَبو يوسف.
والفضل بن عبد الحميد الموصلي المحدث.
ودخلت سنة عشر ومائتين
وفيها : أُخِذَ إِبراهيم بن المهدي ليلة الأحد لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر وهو منتقب بين امرأتين في زي امرأة أخذه حارس أسود ليلاً.
فقال : مَن أنتن وأين تردن في هذا الوقت؟
فأعطاه إِبراهيم خاتم ياقوت كان في إصبعه له قدر عظيم وقال له: خلنا ولا
عليك أن تعلم من نحن .
فلما نظر الحارس إِلى الخاتم استراب وقال في نفسه هذا خاتم رجل له شأن.
فرفعهن إِلى صاحب المسلحة، فأمرهن أن يسفرن، فتمنع إِبراهيم، فجذبه فبدرت لحيته، فرفعه إِلى صاحب الجسر، فدفعه وذهب به إِلى باب المأمون فأعلم به .
فأمر بالاحتفاظ به في الدار فلما كان غداة الأحد قعد في دار [87/أ] المأمون لينظر إِليه بني هاشم والقواد والجند.
وصيَّروا المقنعة التي كان منتقباً بها في عنقه، والملحفة في صدره، ليراه الناس، ويعلموا كيف أخذ؟
فلما كان يوم الخميس حول إِلى منزل أَحمد بن أَبي خالد فجلس عنده .
وفي هذه السنة : بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل في شهر رمضان.
وكاتب (1)الحسن بالصلح، فشخص المأمون إِلى الصلح، وأمر بحمل إِبراهيم بن المهدي خلفه (2)، وقد تقدّم أَباه على الظهر، ووافى المأمون في وقت العشاء، فأفطر هو ،والحسن والعباس، ودينار بن عبد اللّه قائم على رجليه حتى فرغوا من الإفطار .
فدعا المأمون بشراب، فأتى بجام ذهب فيه شرب ومدية بجام فيه شراب إِلى الحسن فبطأ عنه فغمزه دينار بن عبد اللّه .
فقال الحسن : يا أَمير المؤمنين أشرب بإذنك؟
فقال له : لولا أمري لم أمد يدي إليك بها .
فأخذ الجام، فشربه.
فلما كان في الليلة دخل على بوران، فلما جلس المأمون معها نثرت عليها جدتها ألف دُرّة كانت في صينية ذهب وكان تختها ذهب معمول على السامان .
فقال المأمون : قاتل اللّه أَبا نواس كأنه حاضر هذا المنظر في قوله :
حصباء دُرّ على أرض من الذهب
ثم أمر المأمون أن يجمع، وسألها عن عدد الدر كم كان؟
فقالت : ألف حبة .
فأمر بعدها فنقصت عشراً .
فقال : مَن أخذها فليردها .
فقال ختين :رحله يا أَمير المؤمنين إِنما نثر لنأخذه، وإلا فالعقد أولى به.
قال : ردّها، فإني أخلفها عليها.
فردّت فجمعها المأمون في الآنية كما كانت ووضع في حجرها، وقال: هذه نحلتك، وسلّي حاجتك. فأمسكت .
فقالت جدتها: كلمي سيدك واسإِليه حوائجك، فقد أمرك .
فسألته الرضا عن إِبراهيم بن المهدي فقال : قد فعلت، وسألته الإذن لأم جعفر بالحج، فأذن لها وألبستها أم جعفر البدنة [اللؤلؤية ](1)الأموية .
وابتنى بها من ليلته، وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منا في تور ذهب.
فأنكر المأمون ذلك عليهم وقال : هذا سرف.
فلما كان من الغد دعا إِبراهيم بن المهدي فجاء يمشي من شاطيء دجلة .
فلما دخل على المأمون قال : هيه يا إِبراهيم؟
فقال : يا أَمير المؤمنين ولي الثأر مُحَكّم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومَن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشفاء أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك اللّه تعالى فوق كل ذي ذنب كما جعل [كل] (2)ذي ذنب دونك، فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك
قال : بل أعفو يا إِبراهيم.
فكبر، وسجد، وقال إِبراهيم يمدح المأمون :
يا خير من [رَفَلَتْ] (3)يمانية به *** بعد النبي لآيس أو طائع(4)
[وأبر من عبد الإله على التقى *** غيباً وأقوله بحق صادع ](5)
عسل الفوارع ما أُطعت فإن تهج *** فالصاب يمزج بالسمام الناقع(6)
غسل القوارع ما اطلعت فإن *** مهج بمسرح السمام النافع
[متيقظاً حذراً وما تخشى العدى *** تيهان من وسنان ليل الهاجع]
ملئت قلوب الناس منك مخافة *** وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع
بأَبي وأمي فدية وأَبيهما (1)*** من كل معضلة وذنب واقع
ما ألين الكنف (2)الذي بوّأتني *** وطنا(3)وأمرع رتعه(4)للرائع(5)
[للصالحات أخاً جعلت وللتقى *** وأَبا رؤوفاً للفقير القانع]
نفسي فداؤك (6)إذ تضل (7)معاذري *** وألوذ منك بفضل حلم واسع
أملاً لفضلك والفواضل شيمة *** رفعت بناءك للمحل(8)اليافع(9)
[ فبذلت أفضل ما يضيق ببذله *** وسع النفوس من الفعال البارع]
وعفوت عمن لم يكن عن مثله *** عفو ولم يشفع إليك بشافع
إلا العلو عن العقوبة بعدما *** ظفرت يداك (10)بمستكين خاضع
فرحمت أطفالاً كأفراخ القطا *** وعويل عانسة كقوس النازع
[و عطفت آمِرَةٌ عَلَيَّ كما وَهَى *** بعد انهياض الوثى عظم الظالع]
اللّه يعلم ما أقول فإنها (11)*** جهد الأليَّةِ من حنيف راكع
ما إن عصيتك والغواة تمدني(12)*** أسبابها إلا بنية طائع
حتى إذا علقت حبائل شقوتي *** بردي إِلى حفر المهالك هائع
لم أدر أن لمثل جُرمي غافر (13)*** فوقفت أنظر أي حتف صارعي
رد الحياة [عَلَيَّ ] (14)بعد ذهابها *** ورع (15)الإِمام القادر المتواضع
1) في المخطوط : وبنيهما
2) فى المخطوط: الكف .
3) في الكامل : وظنا .
4) في المخطوط: ربعة .
5) في المخطوط : للرابع
6) في المخطوط : كذاوك .
7) في المخطوط : تظل
8) في المخطوط: بالمحل .
9) في المخطوط : النافع .
10) في المخطوط : بذاك
11) في الكامل : كأنها .
12) في الكامل : تقودني .
13) الشطر الأول في المخطوط على النحو التالي : لم إن أرد أن الحرم مثلي عامرا
14) من الكامل.
15) في المخطوط : ودع.
أحياك مَن ولاك أطول (1)مدة *** ورمى عدوك في الوتين بقاطع
[كم من يد لك لم تحدثني بها *** نفسي إذا آلت إِلى مطامعي
أسديتها عفوا إليَّ هنيئة *** وشكرت مصطنعاً لأكرم صانع
إلا يسيراً عندما أوليتني *** وهو الكبير لديّ غير الضائع
إن أنت جدت بها عليَّ تكن لها *** أَهلاً وإن تمنع فأكرم مانع](2)
إن الذي قسم الخلافة (3)حازها *** من صلب آدم للإمام السابع
جمع القلوب عليك جامع أمرها *** وحوى رداؤك كل خير جامع
فقال المأمون حين أنشده إِبراهيم هذه القصيدة : أقول ما قال يوسف [عليه السلام] لإخوته : (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّه لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين) .
فأما الحسن بن سهل، فإنه أضاف المأمون وجميع من معه، وخلع على القوّاد على مراتبهم، وحملهم، ووصلهم .
وكان مبلغ ما لزمه عليهم خمسين ألف ألف درهم، سوی ما نثره.
وكان كتب رقاعاً فيها أسماء ضياعه على القواد وبني هاشم، فمن وقعت في يده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلّمها .
وفي هذه السنة: افتتح عبد اللّه بن طاهر مصر، واستأمن إِليه عبد العزيز بن السري بن الحكم.
ذكر الخبر عن ذلك
لما فرغ عبد اللّه بن طاهر من نصر بن شبث [سار ] (4)
كان سبب مسيره : أن عبيد اللّه قد تغلب على مصر، وخلع الطاعة، وخرج جمع من الأندلس فتغلبوا على الإسكندرية، واشتغل عبد اللّه بن طاهر عنهم بمحاربة نصر بن شبث، فلما فرغ منه سار نحو ،مصر، فلما قرب منها .
إِلى مصر .فلما قرب منها قدَّم قائداً من قواده ليرتاد لعساكره فيه، وقد خندق ابن السري على نفسه خندقاً .
فاتصل الخبر عن مسير القائد إِلى ما قرب منها فخرج بمن استجاب له من
أَصحابه إِلى القائد الذي كان يطلب موضع العسكر، فأبرد القائد إِلى عبد اللّه بن طاهر بريداً يخبره بخروج ابن السري إِليه.
فحمل عبد اللّه رجاله على البغال على كل بغل رجلين بآلاتها [87/ب] وجنبوا (1)الخيل وأسرعوا السير حتى لحقوا القائد [ وهو يقاتل ] (2)ابن السري وأَصحابه .
فلم يكن من أصحاب عبد اللّه إلا حملة واحدة حتى انهزم [ابن السري ](3)وأَصحابه، وتساقطت عامة أَصحابه في الخندق فمَن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض في الخندق [أكثر ممن قتله الجند بالسيف] (4)، فانهزم ابن السري، فدخل الفسطاط، وأغلق على نفسه وأَصحابه ومَن فيها الباب .
فحاصره عبد اللّه بن طاهر، فلم يعاوده ابن السري الحرب حتى خرج إِليه في الأمان.
فحكى ابن ذي القلمين قال: بعث ابن السري إِلى عبد اللّه بن طاهر لما ورد مصر وأمن دخلوها، بألف ألف وصيف ،ووصيفة مع كل واحد منهم ألف دينار في كيس حرير، وبعث بهم إِليه ليلاً.
قال: فردّهم عليه عبد اللّه، وكتب إِليه :
لو قبلت هديتك نهاراً لقبلتها ليلاً : ( بَلْ أَنتُم بِهَدِيَتِكُمْ نَفْرَحُونَ ارْجِعْ إِليهمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُورٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةٌ وَهُمْ صَغِرُونَ )
قال : فحينئذ طلب الأمان، وخرج إِليه(5)
وذكر أَحمد بن حفص بن أَبي الشماس قال :
خرجنا مع عبد اللّه بن طاهر إِلى مصر حتى إذا كنا بين الرملة ودمشق إذ نحن بأعرأَبي قد اعترض، فإذا شيخ على بعير له فسلّم علينا فرددنا عليه السلام.
قال : وكنت أنا وإسحاق بن إِبراهيم الرافقي، وإسحاق بن أَبي ربعي ونحن نسايرالأمیر ، وكنا الأم أفْرَة منه دابة، وأجود كسوة .
قال : فجعل الأعرأَبي ينظر إِلى وجوهنا .
قال : فقلت: يا شيخ قد ألححت في النظر، أعرفت شيئاً أنكرته؟
قال : لا واللّه ما عرفتكم قبل يومي هذا ولكني رجل حسن الفراسة في الناس .
قال : فأشرت إِلى إسحاق بن أَبي ربعي قلت: ما تقول في هذا؟
قال :
أرى كاتباً داهي الكتابة بَيِّنٌ *** عليه وتأديب العراق منير
له حرکات قد يشاهدن أنه *** عليم بتقسيط الخراج بصير
ونظر إِلى إسحاق بن إِبراهيم فقال :
ومطهر نسك ما علیه ضمیره *** يحب الهدايا بالرجال مكور
أخال به جُنباً وبخلاً وشيمَةً *** تخبرعنه أنه لوزيرُ
ثم نظر إليَّ وقال :
وهذا نديم للأَمير ومؤنس *** يكون له بالقرب منه سرور
وأحسبه للشعر والعلم راوياً *** فبعض ندیم مسرَّةً وسمير
ثم نظر إِلى الأَمير وقال :
وهذا الأَمير المرتجى سيب كفه *** فما إن له في العالمين نظير
عليه رداء من جمال وهيبة *** ووجه بإدراك النجاح بشير
لقد عظم الإسلام منه بذي يد *** فقد عاش معروف ومات نكيرُ
ألا إِنما عبد الإله بن طاهر *** لنا والد بَرَّ بِنَا وأَمير
قال : فوقع ذلك من عبد اللّه أحسن موقع وأعجبه ، وأمر للشيخ بخمسمائة دينار وأمره أن يصحبه .
وفي هذه السنة : خلع أَهل قم السلطان، ومنعوا الخراج.
ذكر سبب ذلك
كان المأمون وقت اجتيازه بالري حطّ عن أَهلها من الخراج على ما ذكر فطمع أَهل قم في ذلك (1)، وكان خراجهم ألفي ألف درهم، فكانوا يستكثرونها فرفعوا إِلى المأمون يشكون ثقل الخراج ويسألونه الحط ، فلم يجبهم المأمون، فامتنعوا ولم يؤدوا شيئاً .
فوجّه المأمون إِليهم علي بن هشام، ثم أمده بعجيف(2)[بن عنبسة ] ، فحاربهم فظفر بهم، وقتل يحيى بن عمران وهدم سور ،قم، وجباها سبعة آلاف ألف بعدما كانوا
يتظلمون من ألفي [ألف] (3)درهم (4)
فيها : ظفر المأمون بإِبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إِبراهيم الإِمام ، المعروف بابن عائشة، ومحمد بن إِبراهيم الأفريقي، ومالك بن شاهي ومَن كان معهم ممن كان يسعى في البيعة لإِبراهيم بن المهدي.
وكان الذي أطلعهم عليهم، وعلى صنيعهم عمران القطريلي، وكانوا تعهدوا أن يقطعوا الجسر إذا خرج الجند يطلبون نصر بن شيث فنمَّ عليهم ،عمران فأخذوا في صفر .
ودخل نصر بن شبث ولم يلقه أحد من الجند، فأخذ ابن عائشة فأقيم على باب المأمون ثلاثة أيام في الشمس، ثم ضربوا بالسياط وحبس، وضرب مالك بن شاهي وأَصحابه فكتبوا للمأمون بأسماء من دخل معهم في هذا الأَمر من سائر الناس فلم يعرض لهم المأمون، وقال: لا أن أن يكون هؤلاء قذفوا قوما براء.
ثم إنه قتل ابن عائشة، وابن شاهي ورجلين من أَصحابه وكان سبب قتلهم : أن المأمون بلغ أنهم يريدون أن ينقبوا السجن، وكانوا قبل ذلك بيوم قد سدوا باب السجن، فلم يدعوا أحداً يدخل عليهم .
فلما بلغ المأمون خبرهم ركب إِليهم بنفسه فأخذهم فقتلهم صبراً، وصلب ابن عائشة .
وهو أول عباسي صلب في الإسلام.
ثم أنزل وكُفّن، وصلى عليه، ودفن في مقابر قريش.
وفي هذه السنة : أَخرج عبد اللّه مَن كان تغلب على الإسكندرية من أَهل الأندلس بأمان، وكانوا قد أقبلوا في مراكب من الأندلس في جمع، والناس في فتنة ابن السري وغيره فأَرسلوا بالإسكندرية، ورئيسهم يدعى أَبا حفص، فلم يزالوا بها حتى قدم ابن طاهر، فأَرسل يؤذنهم بالحرب إن هم لم يدخلوا في الطاعة.
فأجابوا، وسألوا الأمان على أن يرتحلوا عنها إِلى بعض أطراف الروم التي ليست من بلاد الإسلام.
فأعطاهم الأمان على ذلك، فرحلوا ونزلوا بجزيرة أقريطش، واستوطنوا وأَقاموا بها فأعقبوا، وتناسلوا .
قال يونس بن عبد الأعلى: أقيل إلينا فتى حدث من المشرق - يعني ابن طاهر - والدنيا عندنا مفتونة قد غلب على كل ناحية من بلادنا غالب، والناس في بلاء، فأصلح الدنيا، وأَمَّنَ البر، وأخاف السقيم، واستوثق له الرعية بالطاعة .
في هذه السنة : سَيّر عبد الرحمن بن الحكم سرية كبيرة إِلى بلاد الفرنج واستعمل عليها عبيد اللّه المعروف بابن البلنسي ، فسار ودخل بلاد العدو، وتردّد فيها بالغارات والسبي والقتل والأسر ولقي الجيوش الأعداء في ربيع الأول، فاقتتلوا، فانهزم المشركون، وكثر القتل فيهم، وكان فتحاً عظيماً . وفيها: افتتح عسكر سيره عبد الرحمن أيضاً حصن القلعة من أرض العدو، وتردد في الغارات منتصف شهر رمضان .
وفيها: أمر عبد الرحمن ببناء المسجد الجامع بجيان .
وفيها: أخذ عبد الرحمن رهائن أَبي الشماخ محمد بن إِبراهيم مقدم اليمانية بتدمير ليسكن الفتنة بين المضرية واليمانية فلم ينزجروا، ودامت الفتنة، فلما رأى عبد الرحمن ذلك، أمر العامل بتدمير أن ينقل منها ، وأن يجعل مرسية منزلاً ينزله العمال ففعل ذلك وصارت مرسية هي قاعدة تلك البلاد من ذلك الوقت ودامت الفتنة بينهم إِلى ثلاثة عشر ومائتين .
فسَيَّر عبد الرحمن إِليهم جيشاً فأذعن أَبو الشماخ، وأطاع عبد الرحمن، وسار إِليه، وصار من جملة ،قواده وأَصحابه، وانقطعت الفتنة من ناحية تدمير .
وفي هذه السنة : مات شهريار بن شبروين صاحب جبال طبرستان وصار في موضعه ابنه سأَبور، فقاتله مازیار بن ،قارن ،فأسره وقتله وصارت الجبال في يد مازيار .
وحج بالناس في هذه السنة : صالح بن العباس بن محمد، وهو والي مكة.
وفيها: توفيت علية بنت المهدي ومولدها سنة ستين ومائة وكان زوجها موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس، فولدت منه .
.ودخلت سنة إحدى عشرة ومائتين
وفيها : قال بعض إخوة المأمون للمأمون (1)
في هذه السنة أدخل عبيد اللّه بن السري بغداد وأنزل مدينة المنصور، وأَقام ابن طاهر بمصر والياً عليها وعلى الشام والجزيرة .
: يا أَمير المؤمنين، إن عبد اللّه بن1) سبق ذلك في الكامل :
طاهر يميل إِلى ولد أَبي طالب، فكذا كان أَبوه قبله .
قال : فدفع المأمون ذلك وأنكره ثم عاد لمثل هذا القول، فدسّ إِليه رجلاً وقال له امضِ في هيئة القراء (1)والنساك (2)إِلى مصر، فادع جماعة من كبرائها إِلى القاسم بن إِبراهيم بن طباطبا واذكر مناقبه وعلمه وفضائله.
ثم سر بعد ذلك إِلى بعض بطانة عبد اللّه بن طاهر، فادعه (3)ورغبه في استجابته له وابحث عن دفين نيته بحثاً شافياً، وأتني بما تسمع منه.
قال: ففعل الرجل ما قاله له، وأمره به حتى إذا دعا جماعة من الرؤساء، والأعلام.
فقعد (4)يوماً بباب عبد اللّه بن طاهر، وركب إِلى عبد اللّه بن السري بعد صلحه وأمانه، فلما انصرف قام إِليه الرجل فأَخرج من كمه رقعة فدفعها إِليه، فأخذها بيده.
قال :فما هو إلا أن دخل، وخرج لحاجته فأدخله عليه وهو قاعد على بساطه ما بينه وبين الأرض [شيء] (5)ومد رجليه، وحفان فيهما ، فقال له : قد فهمت ما في رقعتك من جملة كلامك، فهات ما عندك .
قال لي أمانك، وذمة من اللّه معك ؟
قال : لك ذلك .
فأظهر له ما أَراد، ودعاه إِلى القاسم، وأخبره بفضائله، وعلمه، وزهده.
فقال له عبد اللّه أتنصفني؟
قال : نعم .
قال : هل يجب شكر اللّه على العباد ؟
قال : هل يجب شكر بعضهم على بعض عند الإحسان والمنة، والتفضل؟
قال : نعم .
قال : فتجيء إليَّ وأنا على هذه الحالة التي يرى لي خاتم في المشرق، وجائز وخاتم في المغرب كذلك، وفيما بينهما أمري مطاع، وقولي مقبول، ثم ما ألتفت يميني ولا شمالي ولا ورائي ولا قدامي إلا رأيت نعمة لرجل أنعمها عَلَيَّ، ومِنْة ختم بها
رقبتي، ويداً لائحة بيضاء ابتدأني بها كرماً وتفضلاً فتدعوني إِلى الكفر بهذه النعم وهذا الإحسان، وتقول : اغدر بمَن كان أولى(1)لهذا ، وأحرى (2)، واسع في إزالة خيط رقبته (3)، وسفك (4)دمه، تراك لو دعوتني إِلى الجنة عياناً من حيث أعلم أكان اللّه عزّ وجل يوجب (5)[ عليّ ] (6)أن أغدر به، وأكفر إحسانه ومننه، وأنكث بيعته؟
فسكت الرجل فقال له عبد اللّه : أما إنه قد بلغني أمرك، وباللّه (7)ما أخاف عليك إلا نفسك فارحل عن هذا البلد فإن السلطان الأعظم إن بلغه أمر [ذلك](8)كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك .
[فلما أيس منه ] (9)عاد الرجل إِلى المأمون، فأَخبره الخبر (10)، فاستبشر وقال : ذاك غرس يدي وألف أدبي [ وقراب تلفحي] (11).
ولم يظهر من حديثه هذا شيء لأحد إلا بعد موت المأمون (12).
وكتب إِلى عبد اللّه طاهر بن وهو بمصر كتابا بخطه وكان في أسفله هذه الأَبيات:
أخي أنت ومولاي *** وأشكر نعماه
فما أحببت من أمر *** فإني الدهر أهواه
وما تكره من شيء *** فإني لست أرضاه
لك اللّه على ذاك *** لك اللّه لك اللّه
وفي هذه السنة : قدم عبد اللّه بن طاهر مدينة السلام من المغرب، وتلقاه العباس بن المأمون وأَبو إسحاق المعتصم، وسائر طبقات الناس، وقدم معه المتغلبين على الشام .
وفيها: أمر المأمون منادياً فنادى برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير [ أو فضّله على أحد أصحاب رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم ](13)
1) في المخطوط : أولاً، والتصويب من الكامل.
2) في المخطوط: آخراً. والتصويب من الكامل
3) في الكامل : عنقه .
4) في الكامل : منعك .
5) في المخطوط : يحب . والتصويب من الكامل.
6) زيادة من الكامل.
7) قوله : إنه قد بلغني أمرك، وباللّه . لم ترد العبارة بالكامل.
8) زيادة من الكامل.
9) زيادة من الكامل.
10) لم ترد هذه الكلمة بالكامل.
11) زيادة من الكامل.
12) في الكامل : ولم يظهر ذلك ولا علمه ابن طاهر إلا بعد موت المأمون. وكان هذا القائل للمأمون المعتصم، فإنه كان منحرفاً عن عبد اللّه.
13) زيادة من الكامل.
وأظهر القول بخلق القرآن، وبفضل علي رضي اللّه عنه (1)
وفيها : قتل السيد ابن أنس الأزدي أَمير الموصل، وسبب قتله :
أن زُريق بن علي بن صدقة الأزدي الموصلي، كان قد تغلب على الجبال ما بين الموصل وأذربيجان، وجرى بينه وبين السيد حروب كثيرة، فلما كان هذه السنة جمع زُريق جمعاً كثيراً، قيل : كانوا أربعين ألفاً وسيرهم إِلى الموصل لحرب السيد.
فخرج إِليهم في أَربعة آلاف، فالتقوا بسوق الأحد.
فحين رآهم السيد حمل عليهم وحده، وهذه كانت عادته أن يحمل وحده بنفسه، وحمل عليه رجل من أصحاب زُريق فاقتتلا فقتل كل واحد منهما صاحبه، ولم يقتل غيرهما، وكان هذا الرجل قد حلف بالطلاق إن رأى السيد أن يحمل عليه، فيقتله أو يقتل دونه، لأنه كان له على زُريق كل سنة مائة ألف درهم .
فقيل :له بأي سبب تأخذ هذا المال؟
فقال : لأنني متى رأيت السيد قتلته وحلف على ذلك، فَوَفَّى به .
فلما بلغ المأمون قتله، غضب لذلك، وولى محمد بن حميد الطوسي حرب زريق، وبابك الخرمي واستعمله على الموصل.
وفي هذه السنة : وقع الاختلاف بين عامر بن نافع ومنصور بن نصر بإفريقية وسبب ذلك أن منصوراً كان كثير الحسد وسار بهم من تونس إِلى منصور، وهو بقصره بطنبذة فحصره حتى فني ما كان عنده من الماء .
فراسله منصور، وطلب منه الأمان على أن يركب سفينة ويتوجه إِلى المشرق، فأجابه إِلى ذلك.
فخرج منصور أول الليل مختفياً يريد الأرْبُس.
فلما أصبح عامر ، ولم ير لمنصور أثراً طلبه حتى أدركه فاقتتلوا وانهزم منصور، ودخل الأرْبُس فتحضن بها .
فحصره عامر، ونصب عليه مجانيقاً، فلما اشتد الحصار على أَهل الأرْبُس قالوا لمنصور: إما أن تخرج ،عنا وإلا سلمناك إِلى عامر ، فقد أضر بنا الحصار .
فاستمهلهم حتى يصلح أمره، فأمهلوه وأَرسل إِلى عبد السلام بن المفرج، وهو من قواد الجيش يسأله الاجتماع به فأتاه فكلمه منصور من فوق السور واعتذر ، وطلب أن يأخذ له أماناً من عامر حتى يسير إِلى المشرق.
فأجابه عبد السلام إِلى ذلك، واستعطف له عامر وأمنه على أن يسير إِلى تونس ويأخذ أَهله، وحاشيته، ويسير بهم إِلى المشرق.
فخرج إِليه فسيّره مع خيل إِلى تونس وأمر رسوله سرا أن يسير به إِلى مدينة جربة ويسجنه بها، ففعل ذلك، وسجن معه أخاه حمدون .
فلما علم عبد السلام ذلك عظم عليه، وكتب عامر إِلى أَخيه، وهو عامله على جربة يأمره بقتل منصور، وأَخيه حمدون، ولا يراجع فيهما.
فحضر عندهما وأقرأهما الكتاب، فطلب منصور منه دواة، وقرطاساً ليكتب وصيته .
فأمر له بذلك، فلم يقدر أن يكتب وقال : فاز المقتول بخير الدنيا والآخرة .
ثم قتلهما، وبعث برأسيهما إِلى أَخيه واستقامت الأمور لعامر بن نافع.
ورجع عبد السلام بن مفرج إِلى مدينة باجة وبقي عامر بن نافع بمدينة تونس، وتوفي سلخ ربيع الآخر سنة أربع عشرة ومائتين.
فلما وصل خبره إِلى زيادة اللّه قال : الآن وضعت الحرب أوزارها وأَرسل بنوه إِلى زيادة اللّه .
يطلبون الأمان، فأمَّنَهم وأحسن إِليهم.
وفيها: مات موسى بن حفص، فولي ابنه طبرستان، وولي حاجب بن صالح السند فهزمه بشر بن داود، فانحاز إِلى كرمان . وفيها مات أَبو العتاهية الشاعر .
وحجّ بالناس : صالح بن العباس، وهو والي مكة.
وفيها : خرج بأعمال تاكرنا من الأندلس طوريل فقصد جماعة من الجند قد نزلوا ببعض قرى تاكرنا ممتارين فقتلهم، وأخذ دوابهم وسلاحهم وما معهم، فسار إِليه عاملها .
وفيها: مات الأخفش النحوي البصري .
وفيها: مات طلق بن غنام النخعي .
وأَحمد بن إسحاق الحضرمي
وعبد الرحيم بن عبد الرحمن بن محمد المحاربي.
وفيها: توفي عبد الرزاق بن همام الصنعاني المحدث، وهو من مشايخ أَحمد بن حنبل، وكان يتشيع .
وفيها: توفي عبد اللّه بن داود الخريبي البصري، وكان يسكن الخريبة بالبصرة فنسب إِليها .
1) زاد ابن الأثير في أحداث تلك السنة فقال :
ودخلت سنة اثنتي عشرة ومائتين(1)
الذي اعتمدت عليه ما نصه : كذا في النسخة ثلاثة عشر بعد أحد عشرة . اه- .
فرأيت إثباتها من الكامل بين معقوفين.
وربما كانت هي التي ذكرت في الفقرة الأخيرة من أحداث السنة السابقة عند قوله : وفي هذه السنة قدم عبد اللّه بن طاهر مدينة السلام . .
إِلى قوله : وأظهر خلق القرآن وبفضل علي رضي اللّه عنه فآثرت ذكر هذه السنة بتفاصيلها من الكامل .
وفيها: وجّهه المأمون محمد بن حميد الطوسي إِلى بابك الخرمي لمحاربته، وأمره أن يجعل طريقه على الموصل ليصلح أمرها ويحارب زُريق بن علي.
فسار محمد إِلى الموصل، ومعه جيشه وجمع ما فيها من الرجال من اليمن والمربعية، وسار لحرب زريق، ومعه محمد ابن السيد ابن أنس الأزدي، فبلغ الخبر إِلى زریق فسار نحوهم فالتقوا على الزاب .
فراسله محمد بن حميد يدعوه إِلى الطاعة فامتنع فناجزه محمد، واقتتلوا، واشتدّ قتال الأزدي مع محمد ابن السيد طلباً بثأر السيد، فانهزم زُريق وأَصحابه. ثم أَرسل يطلب الأمان فأمنه محمد، فنزل إِليه فسيَّره إِلى المأمون.
وكتب المأمون إِلى محمد يأمره بأخذ جميع مال زريق من قرى ورستاق، ومال وغيره .
فأخذ ذلك لنفسه، فجمع محمد أولاد زريق، وإخوته وأخبرهم بما أمر به
1) لم ترد هذه السنة بالمخطوط، وقد سقطت من المخطوط الأصل حيث جاء بهامش المخطوط
المأمون، فأطاعوا لذلك .
فقال لهم : إن أَمير المؤمنين قد أمرني ،به وقد قبلت ما حباني منه ورددته عليكم .
فشكروه على ذلك .
ثم سار إِلى أذربيجان واستخلف على الموصل محمد ابن السيد، وقصد المخالفين المتغلبين على أذربيجان فأخذهم منهم يعلى بن مرة، ونظراؤه، وسيرهم إِلى المأمون، وسار نحو بابك الخرمي لمحاربته.
وفي هذه السنة خلع أَحمد بن محمد العمري المعروف بالأجمر «العين» المأمون باليمن
فاستعمل المأمون على اليمن محمد بن عبد الحميد المعروف بأَبي الرازي وسَيَّره إِليها .
وفيها: أظهر المأمون القول بخلق القرآن، وتفضيل علي بن أَبي طالب على جميعالصحابة .
وقال هو أفضل الناس بعد رسول اللّه صلّی اللّه علیه و سلّم، وذلك في ربيع الأول.
وحجّ بالناس : عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن محمد.
وفيها: كانت باليمن زلزلة شديدة، فكان أشدها بعدن فتهدمت المنازل وخربت القرى، وهلك فيها خلق كثير .
وفيها: سير عبد اللّه صاحب الأندلس جيشاً إِلى بلد المشركين، فوصلوا إِلى برشلونة، ثم ساروا إِلى جرندة وقاتل أَهلها في ربيع الأول، فأَقام الجيش شهرين ينهبون ويخربون.
وفيها: كانت سيول عظيمة ،وأمطار متتابعة بالأندلس فخربت أكثر الأسوار بمدائن ثغر الأندلس، وخربت قنطرة سرقسطة ، ثم جددت عمارتها وأحكمت .
وفيها :توفي محمد بن يوسف بن واقد بن عبد اللّه الضبي المعروف بالفريابي، وهو من مشايخ البخاري(1)
ودخلت سنة ثلاثة عشر ومائتين
وفيها : مات طلحة بن طاهر بن الحسين بخراسان .
1) هذا كل ما ذكره ابن الأثير في الكامل من أحداث تلك السنة نقلته كاملاً وذلك لترك الناسخ سهواً لتلك السنة فمن المخطوط سهواً كما أشرت سابقاً .
وفيها: ولّى أخاه أَبا إسحاق الشام ومصر وولى ابنه العباس بن المأمون الجزيرة، وأمر لكل واحد منهما ولعبد اللّه بن طاهر بخمسمائة ألف درهم، فقيل : إنه لم يفرق في ساعة يوم من المال مثل ذلك(1)
وفي هذه السنة: خلع عبد السلام، وابن جليس المأمون بمصر في القيسية، واليمانية، وظهرا بها، ثم وثبا بعامل المعتصم، وهو ابن عميرة بن الوليد البادغيسي فقتلاه في ربيع الأول سنة أربع عشرة ومائتين.
فسار المعتصم إِلى مصر وقاتلهما فقتلهما، وافتتح مصر فاستقامت أمورها واستعمل عليها عماله.
وفيها: مات طلحة بن طاهر بخراسان .
وفيها : استعمل المأمون غسان بن عباد على السند.
وسبب ذلك :
أن بشر بن داود خالف المأمون وجبى الخراج فلم يحمل منه شيئاً، فعزم على تولية غسان.
فقال لأَصحابه : أخبروني عن غسان فإني أريده لأمر عظيم.
فأطنبوا في مدحه، فنظر المأمون إِلى أَحمد بن يوسف وهو ساكت فقال : ما تقول يا أَحمد؟
فقال : يا أَمير المؤمنين ذلك رجل محاسنه أكثر من مساوئه لا يصرف به إِلى طبقة إلا انتصف منهم، ، فمهما تخوّفت عليه فإنه لن يأتي أمراً يعتذر منه، فأطنب فيه.
فقال : لقد مدحته على سوء رأيك فيه ؟!
قال : لأني كما قال الشاعر :
كفى شكراً لما أسدَيتُ أنّي *** صدقتك في الصديق وفي عِداتي
قال : فأعجب المأمون من كلامه وأدّبه .
وحجّ بالناس في هذه السنة : عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن محمد بن علي.
وفيها: قتل أَهل ماردة من الأندلس عاملهم فثارت الفتنة عندهم ، فسَيَّر إِليهم عبد الرحمن جيشاً فحصرهم وأفسد ،زرعهم وأشجارهم فعاودوا الطاعة وأخذت رهائنهم، وأعاد الجيش بعد أن خربوا سور المدينة .
ثم أَرسل عبد الرحمن إِليهم بنقل حجارة السور إِلى النهر لئلا يطمع أَهلها في عمارته .
فلما رأوا ذلك عادوا إِلى العصيان وأسروا العامل عليهم، وجدّدوا بناء السور، وأتقنوه .
فلما دخلت سنة أَربعة عشر سار عبد الرحمن صاحب الأندلس في جيوشه إِلى ماردة، ومعه رهائن أَهلها .
فلما بارزها راسله أَهلها وافتكوا رهائنهم بالعامل الذي أسروه وغيره.
وحصرهم، وأفسد بلادهم، ورحل عنهم ، ثم سير إِليهم جيشاً سنة سبعة عشر ومائتين فحصروها، وضيقوا عليها، ودام الحصار، ثم رحلوا عنهم .
فلما دخلت سنة ثمانية عشر سَيّر إِليهم جيشاً ففتحها وفارقها أَهل الشر والفساد.
وكان من أَهلها إنسان اسمه محمود بن عبد الجبار الماردي، فحصروا عبد الرحمن بن الحكم في جمع كثير من الجند فصدقوه القتال فهزموه وقتلوا كثيراً من ،رجاله، وتبعتهم الخيل في الجبل، فأفنوهم قتلاً وأسراً وتشريداً .
ومضى محمود بن عبد الجبار الماردي فيمن سلجم معه من أَصحابه إِلى منت سالوط فسير إِليه عبد الرحمن جيشاً سنة عشرين ومائتين فمضوا هاربين عنه إِلى حلقب في ربيع الآخر منها، فأَرسل سرية في طلبهم ، فقاتلهم محمود، فهزمهم وغنم ما معهم ومضوا لوجهتهم فلقيهم جمع من أصحاب عبد الرحمن مصادفة فقاتلهم ثم كفّ بعضهم عن بعض، وساروا فلقيهم سرية أخرى فقاتلوهم فانهزمت السرية، وغنم محمود ما فيها .
وسار حتى أتى مدينة مينة فهجم عليها وملكها، وأخذ ما فيها من دواب وطعام، وفارقوها فأَرسلوا إِلى بلاد المشركين فاستولوا على قلعة لهم، فأَقاموا بها خمسة أعوام، وثلاثة أشهر فحصرهم أذفونس ملك الفرنج، فملك الحصن وقتل محموداً ومن معه، وذلك سنة خمس وعشرين ومائتين في رجب، وانصرف من فيها.
وفيها: توفي إِبراهيم الموصلي المُغَنّي، وهو إِبراهيم بن ،ماهان والد إسحاق بن إِبراهيم وكان كوفيا، وسار إِلى الموصل، فلما عاد قيل له : الموصلي، فلزمه.
وعلي بن جبلة بن مسلم أَبو الحسن الشاعر وكان مولده سنة ستين ومائة وكان قد أضر .
ومحمد بن عرعرة بن البوند أَبو عبد الرحمن المقرىء المحدّث.
وعبد اللّه بن موسى العباس الفقيه - وكان شيعيا - وهو من مشايخ البخاري في صحيحه .
1) وزاد ابن الأثير في أحداثها فقال :
ودخلت سنة أربع عشرة ومائتين
وفيها: استفحل أمر بابك وقتل محمد بن حميد، وفضّ عسكره، وقتل أكثر من كان معه(1)
وسبب ذلك : أنه لما فرغ من أمر المتغلبين على طريقه إِلى بابك سار نحوه وقد جمع العساكر والآلات والميرة فاجتمع معه عالم كثير من المتطوعة من سائر الأمصار فسلك المضائق إِلى بابك، وكان كلما جاوز مضيقاً أو عقبة ترك عليه مَن يحفظه من أَصحابه إِلى أن نزل بهشتادسر، وحفر خندقاً، وشاور في دخول بلد بابك، فأَشاروا عليه بدخوله من وجه ذكروه له .
فقبل رأيهم وعبّى أَصحابه، وجعل على القلب محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الطائي المعروف بأَبي سعيد وعلى الميمنة السعدي بن أصرم، وعلى الميسرة العباس بن عبد الجبار اليقطيني.
و وقف محمد بن حميد خلفهم في جماعة ينظر إِليهم ، ويأَمرهم بسد خلل رآه .
فكان بابك يشرف عليهم من الجبل وقد كَمَّن لهم الرجال تحت كل صخرة.
فلما تقدّم أصحاب محمد وصعدوا في الجبل مقدار ثلاث فراسخ، خرج عليهم الكمناء وانحدر بابك إِليهم فيمن معه وانهزم الناس فأَمرهم أَبو سعيد ومحمد بن حميد بالصبر، فلم يفعلوا ومرُّوا على وجوههم، والقتل يأخذهم، وصبر محمد بن حميد مكانه، وَفَرَّ مَن كان معه غير رجل واحد .
وسارا يطلبان الخلاص فرأى جماعة وقتالاً، فقصدهم فرأى الخرمية يقاتلون طائفة من أَصحابه .
فحين رآه الخرمية قصدوه، لما رأوه من حسن هيئته فقاتلهم وقاتلوه، وضربوا فرسه بمزراق فسقط إِلى الأرض، وأكبوا على محمد بن حميد فقتلوه.
وكان محمد ممدوحاً جواداً فرثاه الشعراء وأكثروا منهم الطائي .
فلما وصل خبر قتله إِلى المأمون عظم ذلك عنده، واستعمل عبد اللّه بن طاهر على قتال بابك، فسار نحوه .
.وفيها : بعث المأمون إِلى عبد اللّه بن طاهر إسحاق بن إِبراهيم، ويحيى بن أكثم یخیرانه بین ،خراسان والجبال ،وأرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك .
1) ذكر ابن الأثير في الكامل سبب قتله له فقال :
فاختار خراسان وشخص إِليها(1)
أن أخاه طلحة لما مات ولي خراسان علي بن طاهر خليفة لأَخيه عبد اللّه ، وكان عبد اللّه بالدينور يجهز العساكر إِلى بابك وأوقع الخوارج بخراسان بأَهل قرية الحمراء من نيسابور فأكثروا فيهم القتل .
واتصل ذلك بالمأمون، فأمر عبد اللّه بن طاهر بالمسير إِلى خراسان، فسار إِليها فلما قدم نيسابور وكانوا أَهلها قد قحطوا فمطروا قبل وصوله إِليها بيوم واحد فلما دخلها قام إِليه رجل بزّاز فقال :
قد قحط الناس في زمانهم *** حتى إذا جئت بالدرر
غيثان في ساعة لنا قدما *** فمرحباً بالأَمير والمطر
فأحضره عبد اللّه وقال له : أشاعر أنت؟
قال : لا ولكنى سمعتها بالرقة فحفظتها.
فأحسن إِليه وجعل إِليه أن لا يُشترى له شيئاً من الثياب إلا بأمره.
ثم ذكر ابن الأثير عدة حوادث أخرى جرت في تلك السنة، فقال:
وفي هذه السنة : خرج بلال الغساني الشاري فوجّه إِليه المأمون ابنه العباس في جماعة من القواد فقتل بلال .
وفيها: قتل أَبو الرازي باليمن .
وفيها : تحرك جعفر بن داود القمي، فظفر به عزیز مولى عبد اللّه بن طاهر، وكان هرب من مصر فَرُدَّ إِليها .
وفيها : ولي علي بن هشام الجبل وقم، وأصبهان، وأذربيجان.
وفيها: توفي إدريس بن إدريس بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أَبي طالب رضي اللّه عنهم بالمغرب، وأَقاموا بعده ابنه محمد بأمر مدينة فاس فولى أخاه القاسم البصرة،وطنجة، وما يليهما، واستعمل باقي إخوته على مدن البربر .
وفيها : سار عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس إِلى مدينة باجة وكانت عاصية عليه من حين فتنة منصور إِلى الآن فملكها عنوة .
وفيها : خالف هاشم الضراب بمدينة طليطلة من الأندلس على صاحبها عبد الرحمن، وكان هاشم ممن خرج من طليطلة لما أوقع الحكم بأَهلها فسار إِلى قرطبة فلما كان الآن سار إِلى طليطلة ، فاجتمع إِليه أَهل الشر وغيرهم، فسار بهم إِلى وادي نحويبة فأغار على البربر وغيرهم، فطار اسمه واشتدت شوكته واجتمع له جمع عظيم، وأوقع بأَهل شنت برية، وكان بينه وبين البربر وقعات كثيرة .
فسيَّر إِليه عبد الرحمن هذه السنة جيشاً، فقاتلوه، فلم تستظهر إحدى الطائفتين على الأخرى، وبقي هاشم كذلك، وغلب على عدة مواضع وجاوز بركة العجوز وأخذت غارة خيله، فسيّر إِليه عبد الرحمن جيشاً كثيفاً سنة ست عشرة ومائتين.
فلقيهم هاشم بالقرب من حصن سَمسطا بمجاورة رورية ، فاشتدت الحرب بينهم ودامت عدة أيام . ثم انهزم ،هاشم، وقتل هو وكثير ممن معه من أَهل الطمع والشر، وطالبي الفتن، وكفى اللّه شرهم .
وحج بالناس: إسحاق بن العباس بن محمد .
وفيها: توفي أَبو هاشم النبيل، واسمه الضحاك بن محمد الشيباني، وهو إمام في الحديث.
وفيها: توفي أَبو أَحمد حسين بن محمد البغدادي.
.1) ذكر ابن الأثير سبب مسيره إِليها فقال : كان سبب مسيره إِليها :
ودخلت سنة خمس عشرة ومائتين
وفيها: شخص المأمون من مدينة السلام لغزو الروم في المحرم فافتتح(1)[88/أ] بها حصوناً، وعاد إِلى دمشق(2)
في هذه السنة : سار المأمون إِلى الروم في المحرم فلما سار استخلف على بغداد إسحاق بن إِبراهيم بن مصعب وولاه مع ذلك السواد، وحلوان، وكور دجلة.
فلما صار المأمون بتكريت قدم عليه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أَبي طالب رضي اللّه عنه من المدينة فلقيه ،بها فأجازه، وأمره بالدخول بابنته الفضل، وكان زوجها منه، فأدخلت عليه .
فلما كان أيام الحج سار بأَهله إِلى المدينة، فأَقام بها .
وسار المأمون على طريق الموصل حتى صار إِلى منبج، ثم إِلى دابق ثم إِلى أنطاكية، ثم إِلى المصيصة وطرسوس، ودخل منها إِلى بلاد الروم في جمادى الأولى.
ودخل ابنه العباس من ملطية، فأَقام المأمون على حصن قرة حتى افتتحه عنوة، وهدمه، لأربع بقين من جمادى الأولى.
وقيل : إن أَهله طلبوا الأمان فأمنهم المأمون .
وفتح قبله حصن ماجدة بالأمان
ووجه أشناس إِلى حصن سندس، فأتاه برئيسه .
ووجه عجيفاً وجعفراً الخياط إِلى صاحب حصن سناذ، فسمع وأطاع .
وفيها: عاد المعتصم من مصر، فلقي المأمون قبل دخوله الموصل، ولقيه منويل، وعباس بن المأمون برأس عين.
وفيها: توجّه المأمون بعد خروجه من بلاد الروم إِلى دمشق.
وحج بالناس: عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن محمد .
وفيها: توفي قبيصة بن عقبة السوائي وأَبو يعقوب إسحاق بن الطباخ الفقيه، وعلي بن الحسن ابن شقيق صاحب ابن المبارك، وثابت بن محمد الكندي العابد المحدث، وهوذة بن خليفة بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن أَبي بكرة أَبو الأشهب ، وأَبو جعفر محمد بن الحارث الموصلي، وأَبو سليمان الدردائي الزاهد توفي بداريا ومكي بن إبراهم التيمي البلخي ببلخ، وهو من مشايخ البخاري في صحيحه وقد قارب مائة سنة، وأَبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري اللغوي النحوي، وكان عمره ثلاثاً وتسعين سنة .
وفيها: توفي عبد الملك بن قريب بن عبد الملك أَبو سعيد الأصمعي اللغوي البصري، وقيل:
سنة ست عشرة .
ومحمد بن عبد اللّه بن المثنى بن عبد اللّه بن أنس بن مالك الأنصاري قاضي البصرة.
.وكان سبب ذلك :
ورود الخبر إِلى المأمون بقتل ملك الروم قوماً من طرسوس والمصيصة، وكانوا نحو ألفي رجل (1)فشخص المأمون حتى دخل بلاد الروم (2)، فما نزل(3)على حصن ، إلا خرج إِليه أَهله على صلح حتى افتتح ثلاثين افتتح ثلاثين حصناً، حتى أغار على طوانة، وسبى، ،وقتل ،وأحرق وارتحل إِلى دمشق(4)
وقيل : كان سبب دخوله إِليها أن ملك الروم كتب إِليه فبدأ بنفسه، فسار إِليه ولم يقرأ كتابه، ثم ساق الخبر على نحو مما هنا، ثم قال :
وفيها: ظهر عبدوس الفهري بمصر فوثب على عمال المعتصم، فقتل بعضهم في شعبان، فسار المأمون من دمشق إِلى مصر منتصف ذي الحجة .
وفيها: قدم الأفشين من برقة، فأَقام بمصر.
وفيها:كتب المأمون إِلى إسحاق بن إِبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا فبدأ بذلك منتصف ،رمضان فقاموا قياماً وكبروا وكبروا ثلاثاً، ثم فعلوا ذلك في كل صلاة مكتوبة .
وفيها: غضب المأمون على علي بن هاشم ووجّه عجيفاً، وأَحمد بن هاشم وأمر بقبض أمواله وسلاحه.
وفيها: ماتت أم جعفر زبيدة أم الأمين ببغداد.
وفيها: قدم غسان بن عباد من السند ومعه بشر بن داود مستأمناً، وأصلح السند واستعمل عليها عمران بن موسى العتكي.
وفيها: هرب جعفر بن داود القمي إِلى قم وخلع الطاعة بها.
وحج بالناس في قول بعضهم: سليمان بن عبد اللّه بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس.
وقيل حج بهم: عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عباس بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهم، وكان المأمون ولى اليمن، وجعل إِليه ولاية كل بلد يدخله . فسار من دمشق فقدم بغداد فصلى بالناس يوم الفطر، وسار عنها فحج بالناس .
وفيها: توفي أَبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني ببغداد، ومحمد بن عباد بن عباد بن حبيب ابن المهلب المهلبي أَمير البصرة بها، ويحيى بن يعلى المحاربي، وإسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي.
.ودخلت سنة سبع عشرة ومائتين
[ وفيها ] (5): عاد المأمون (6)إِلى أرض الروم.
وكان سبب ذلك :
كتاب ورد عليه من ملك الروم يسأله الموادعة، وبدأ فيه بنفسه.
1) في الكامل : أن ملك الروم قتل ألفاً وستمائة
2) في الكامل: في جمادى الأولى، فأَقام إِلى منتصف شعبان .
3) في المخطوط : فما ترك. وهو تحريف بدليل ما بعده.
4) زاد ابن الأثير في هذا الخبر وفي أحداث تلك السنة فقال :
5) زيادة تصنيفية دأب عليها المؤلف وتركها الناسخ هنا سهواً على ما أَظن
6) في المخطوط : عاد إِلى المأمون إِلى فحذفت اللفظ الزائد وهو «إِلى» الأولى من العبارة.
فغزا المأمون هذه الغزوة بحنق وأنزل ابنه بطوانة من أرض الروم، ووجّه معه الفعلة، وابتدأ بها في بناء عظيم وجعل سورها على ثلاثة فراسخ وجعل لها أَربعة أَبواب، وبني على كل باب حصناً.
وكتب إِلى أَخيه أَبي إسحاق أن يفرض على جند دمشق وما والاها أَربعة آلاف رجل، وأنه يجري على الفارس مائة درهم وعلى الراجل أربعين درهماً .
وفرض على مصر وغيرها من البلدان .
وكتب إِلى إسحاق بن إِبراهيم وهو خليفة ببغداد، وفرض على أَهل بغداد فرضاً (1)
في هذه السنة: ظفر الأفشين بالفرما من أرض مصر ونزل أَهلها بأمان على حكم المأمون، ووصل المأمون إِلى مصر في المحرم من هذه السنة فأتي بعبدوس الفهري، فضرب عنقه، وعاد إِلى الشام.
وفيها: قتل المأمون علي بن هشام .
وكان سبب ذلك : أن المأمون كان استعمله على أذربيجان وغيرها كما تقدم ذكره، فبلغه ظلمه، وأخذ الأموال، وقتله الرجال، فوجّه إِليه عجيف بن عنبسة، فثار به علي بن هشام وأَراد قتله واللحاق ببابك وظفر به عجیف و قدم به على المأمون فقتله وقتل أخاه حبيباً في جمادى الأولى، وطيف برأس علي في العراق وخراسان والشام ومصر، ثم ألقي في البحر .
وفيها: سار المأمون إِلى سلغوس .
وفيها: بعث علي بن عيسى القمي إِلى جعفر بن داود القمي فقتل.
وحج بالناس: سليمان بن عبد اللّه بن سليمان بن علي .
وفيها: توفي الحجاج بن المنهال بالبصرة، وسريج بن النعمان.
وسعدان بن بشر الموصلى يروي عن الثوري.
وفيها: توفي الخليل بن أَبي رافع المزني الموصلي وكان عالماً عابداً، وأَبوه جعفر بن محمد بن أَبي يزيد الموصلي، وكان فاضلاً.
.[ودخلت سنة ثمان عشرة ومائتين] (2)
وفي هذه السنة: كتب المأمون إِلى إسحاق بن إِبراهيم في امتحان القضاة والمحدثين والفقهاء فيمن لم يقل منهم بنفي التشبيه، وبخلق القرآن .
فأشخصهم إِليه مقيدين، وكتب في ذلك كتابا بليغاً، فيه آيات منتزعة من القرآن وتهديد كثير، مع رفق في مواضع وطعن على أصحاب الحديث الذي لا يفقهون ولا يعقلون .
فأشخص إِليه جماعة فيهم :
محمد بن سعد كاتب الواقدي، ومستملي يزيد بن هارون.
ويحيى بن معين .
وزهير بن حرب، وعدة يجرون مجراهم.
فامتحنهم، وسألهم عن القرآن فأجابوا جميعاً: أن القرآن مخلوق.
وامتحن إسحاق بن إِبراهيم جماعة فمنهم بشر بن الوليد وقال : ما تقول في القرآن؟
قال : أقول إنه كلام اللّه .
قال : لم أسألك عن [هذا ] (1)أمخلوق (2)هو ؟
قال: اللّه خالق كل شيء .
قال : فالقرآن شيء .
[قال : نعم ] (3).
قال : وهو مخلوق؟
قال : ليس بخالق .
قال : أهو(4)مخلوق؟
قال : ما أحسن غير هذا.
ثم كلّم جماعة من وجوه الفقهاء والقضاة، فقالوا قريباً من قول بشر.
فكتب مقالات القوم رجل رجل إِلى المأمون .
فكتب إِليه المأمون في الجواب :
يستجهر واحداً واحداً ويحاجه ويشتم كل واحد بما يعرفه فيه، ويأمر في آخر الكتاب بأن من لم يرجع عن شركه يسفك دمه، أما بشر بن الوليد، فابعث برأسه إليّ، وكذلك إِبراهيم بن الحسن، وأما الباقون فأحملهم في قيود وأغلال لينفذ فيهم أمري.
فأجاب القوم كلهم : إن القرآن مخلوق، إلا اثنان أَحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فشدّا في الحديد، ووجهها إِلى طرسوس.
ثم بلغ المأمون أن بشر بن الوليد والجماعة تأوّلوا قوله عزّ وجل: ﴿إِلَّا مَنْ أكرة وَقَلْبُهُ مُطْمَين بالإيمن ).
فكتب المأمون إِلى إسحاق بن إِبراهيم: أن قد فهم أَمير المؤمنين ما كتب به صاحب الخبر أن بشراً تأوّل الآية التى ذكرت وقد أخطأ التأويل، إِنما عنى اللّه عزّ وجل بهذه الآية من كان معتقداً الإيمان مظهراً الشرك، فأما من كان معتقداً الشرك مظهراً الإيمان، فليس هذه له.
فأشخص نحواً من عشرين رجلاً مع بشر بن الوليد من وجوه الفقهاء والقضاة، وأصحاب الحديث.
فلما بلغوا الرقة أتاهم وفاة المأمون، فردُّوا إِلى مدينة السلام، فأَمرهم إسحاق بلزوم منازلهم .
وفي هذه السنة : نفذت الكتب من المأمون إِلى عماله في البلدان :
«من عبد اللّه المأمون أَمير المؤمنين، وأَخيه الخليفة من بعده أَبي إسحاق ابن أَمير المؤمنين الرشيد» .
وقيل : إن ذلك لم يكتبه المأمون، وإِنما مرض بالبذندون(1)وهو نهر بأرض الروم فلما أفاق أمر أن يكتب إِلى العباس ابنه وعبد اللّه بن طاهر، وإِلى إسحاق :
أنه حدث بي حدث الموت في مرضه، فالخليفة من بعده أَبو إسحاق بن الرشيد فكتب بذلك محمد بن يزداد وختم الكتب وأنفذها .
فكتب أَبو إسحاق إِلى عماله :
من أَبي إسحاق أخي أَمير المؤمنين، والخليفة بعده أَمير المؤمنين أَمرهم بحسن السيرة، وتحفيف المؤنة .
وكتب إِلى جميع مَن في أعماله من أجناد الشام جند حمص، والأردن، وفلسطين بمثل ذلك .
فلما كان يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين صلى إسحاق بن يحيى بن معاذ في مسجد دمشق، فقال في خطبته بعد دعائه لأَمير المؤمنين : اللّهم وأصلح الأَمير أخا أَمير المؤمنين والخليفة من بعده أَمير المؤمنين أَبا إسحاق بن الرشيد أَمير المؤمنين .
وفي سنة ثماني عشرة ومائتين : توفي المأمون بالبذندون.
1) في المخطوط : بالبيديدون والتصويب من الكامل، وكذا في جميع المواضع القادمة في الخبر .
ذكر وفاته
حكى سعد (1)[بن] (2)العلاف القارىء قال : أَرسل إلي المأمون، وهو ببلاد الروم وكان دخلها من طرسوس فحملت إِليه وهو بالبذندون، وكان يستقربني فدعاني يوماً فجئته ، فوجدته جالساً على شاطىء البذندون، وأَبو إسحاق المعتصم جالس عن يمينه، فأمرني فجلست نحوه منه فإذا هو وأَبو إسحاق مدليان أرجلهما في البذندون.
فقال : دل رجلك في الماء ،وذقه هل رأيت مثل هذا قط؟
ما [ 88 / ب ] أشد برداً ، ولا أعذب وأصفى صفاء منه .
ففعلت، فقلت: يا أَمير المؤمنين ما رأيت مثل هذا قط .
قال : أي شيء يطيب أن يؤكل ويشرب هذا الماء عليه؟
فقلت : أَمير المؤمنين أعلم.
فقال : الرطب الإزاذ .
فبينما هو يقول هذا، إذ سمع وقع لجم ،البريد فالتفت، فإذا بغال البريد على أعجازها [ الحقائب]، تسعى بسلتين فيهما (3)رطب إزاذ كإِنما جنى من النخل تلك الساعة، فأظهر شكر اللّه تعالى، وكثر تعجبنا منه .
فقال : ادن فكُل .
فأكل هو، وأَبو إسحاق وأكلت معهما، فشربنا جميعاً من ذلك الماء، فما قام منا أحد إلا وهو محموم ، وكانت منية المأمون من تلك العلة .
ولم يزل المعتصم عليلاً حتى دخل العراق، ولم أزل عليلاً حتى كان قريباً.
ولما اشتدت بالمأمون علته بعث إِلى ابنه العباس وهو يظن أن لن يأتيه لشدة مرضه، فأتاه، وقام عند أَبيه .
وقد وضى قبل ذلك إِلى أَخيه أَبي إسحاق، ثم أعاد الوصية بحضرة العباس، والقضاة، والفقهاء والقواد (4)
إني مُقر بذنب أرجو وأخاف إلا أني إذا ذكرت عفو اللّه ،رجوت، وإذا مت فوجهوني ،وغمضوني، وأسبغوا وضوئي وطهوري وأجيدوا كفني، ثم أكثروا حمداً للّه على الإسلام ومعرفة حقه عليكم في محمد صلى اللّه عليه وسلم إذ جعلنا من أمته المرحومة ثم أضجعوني على سريري، ثم عجلوا بي وليصل علي أقربكم نسباً، وأكبركم سنا، وليكبر خمساً ، ثم احملوني، وابلغوا بي حفرتي لينزل بي أقربكم قرابة وأودكم محبة، وأكثروا من حمد اللّه وذكره، ثم ضعوني على شقي الأيمن، واستقبلوا بي القبلة، ثم حلوا كفني عن رأسي ورجلي، ثم سدوا اللحد وأَخرجوا عني وخلوني وعملي وكلكم لا يغني عني شيئاً، ولا يدفع عني مكروهاً، ثم قفوا بأجمعكم، فقولوا خيراً إن علمتم، وأمسكوا عن ذكر شر إن كنتم عرفتم، فإني مأخوذ من بينكم بما تقولون، ولا تدعوا بآلية عندي، فإن المعول عليه يعذب، رحم اللّه عبداً اتعظ وفكر في ما حتم اللّه على خلقه من الغناء، وقضى عليهم من الموت الذي لا بد منه، فالحمد للّه الذي توحد بالبقاء، وقضى على جميع خلقه الفناء لينظر ما كنت فيه من عز الخلافة، هل أغنى عني ذلك شيئاً إذ جاء أمر اللّه؟
لا واللّه ولكن أضعف على به ،الحساب فياليت عبد اللّه بن هارون لم يكن بشراً بل ليته لم يكن خلقاً.
يا أَبا إسحاق ادن مني واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن والإسلام واعمل في الخلافة إذا طوقكها اللّه عمل المريد اللّه الخائف من عقابه وعذابه ولا تغتر باللّه ومهلته وكأنه قد نزل بك الموت .
ولا تغفل أمر الرعية والعوام فإن الملك بهم وبتعهدك لهم . اللّه اللّه فيهم وفي غيرهم من المسلمين .
ولا ينتهين إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا قدمته وآثرته على غيره من هواك، وخذ من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم في شيء، وانصف بعضهم من بعض بالحق بينهم وقربهم وتأن بهم، وعجل الرحلة عني والقدوم إِلى دار ملكك بالعراق، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم، ، فلا تغفل عنهم في كل وقت والخرمية فأغزهم ذا حرمة، وصرامة وجلد وأكفنه بالأموال والجنود، فإن طالت مدتهم فتجرّد لهم فيمن معك من أنصارك، وأولياءك، واعمل في ذلك عمل مقدم النية فيه رجاء ثواب اللّه عليه .
ثم دعا المعتصم بعد ساعة حين اشتدّ الوجه وأحس بمجيء أمر اللّه ، فقال : يا أَبا إسحاق عليك عهد اللّه وميثاقه وذمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لتقو من بحق اللّه في عباده، ولتؤثرن طاعة اللّه على معصيته إذ أنا نقلتها من غيرك إليك .
قال : اللّهم نعم .
قال : هؤلاء بنو عمك من ولد أَمير المؤمنين عَلِيّ صلوات اللّه عليه، فأحسن صحبتهم وتجاور عن مسيئهم، وأقبل من محسنهم، ولا تغفل صلاتهم في كل سنة عند محالها، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتى، (يَأَيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه حَقَّ تُقَائِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ ) واتقوا اللّه واعملوا له واتقوا اللّه في أموركم كلها ، أستودعكم اللّه ونفسي وأستغفر اللّه ما سلف مني إنه كان غفاراً فإنه ليعلم كيف ندمي على ذنوبي، فعليه توكلت من ،عظيمها، وإِليه أنيب، ولا قوة إلا باللّه حسبي ونعم الوكيل وصلى اللّه على محمد نبي الهدى والرحمة .
وفي هذه السنة : توفي المأمون لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب.
فلما اشتد مرضه وحضره الموت كان عنده مَن يلقنه فعرض عليه الشهادة وعنده ماسويه الطبيب، فقال لذلك الرجل : دعه فإنه لا يفرق في هذه الحال بين ربه وماني، ففتح المأمون عينيه وأَراد أن يبطش به فعجز عن ذلك، وأَراد الكلام فعجز عنه ، ثم إنه تكلم فقال : يا مَن لا يموت ارحم مَن يموت، ثم توفي من ساعته .
ولما توفي حملة ابنه العباس وأخوه المعتصم إِلى طرسوس فدفناه بدار خاقان خادم الرشيد .
1) في المخطوط : سعيد. والتصويب من الكامل.
2) زيادة من الكامل .
3) في المخطوط: فيها. والتصويب من الكامل وأحسب أن سقطاً وقع هنا، والخبر في الكامل : فإذا بغال البريد عليها الحقائق فيها الألطاف، فقال لخادم انظر إن كان في هذه الألطاف رطب إزاذ فأت به فمضى وعاد ومعه سلتان فيهما إزاذ كإِنما جُني ..
4) ذكر ابن الأثير نص وصية المأمون فقال في الكامل : وكانت وصيته بعد الشهادة والإقرار بالوحدانية والبعث والجنة والنار، والصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والأنبياء :
ولما توفي حمله ابنه العباس، وأخوه أَبو إسحاق إِلى طرسوس فدفناه في دار خاقان خادم الرشيد وصلّى عليه أخوه أَبو إسحاق .
فكانت خلافته عشرين سنة وستة أشهر سوى سنتين كان دعى له فيهما بمكة، وأخوه الأمين محمد بن الرشيد محصور ببغداد (1)
وكانت خلافته عشرين سنة، وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً سوى سنين كان له دعى فيها بمكة وأخوه الأمين محصور ... وكان كنيته أَبا العباس.
.وكان ولد يوم النصف من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وكان ربعة أَبيض جميلاً [طويل اللحية رقيقها قد وَخَطها الشيب] (2).
وقيل : كان أسمر تعلوه ،صفرة أقنى أعين طويل اللحية رقيقها أشيب [ ضيق الجبهة ] (3)
وكانت خلافته عشرين سنة، وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً سوى سنين كان له دعى فيها بمكة وأخوه الأمين محصور ... وكان كنيته أَبا العباس.
. بخده خال أسود.وأما سيرته :
فمشهورة لا تخفى على أحد جودة، وعطاء، وسماحة أخلاقه وحلمه ولكنا نحكي عن العبسي صاحب إسحاق بن إِبراهيم أنه قال :
كنت مع المأمون بدمشق، وكان قد قَلَّ المال عنده حتى أضاق وشكا ذلك إِلى أَبي إسحاق المعتصم فقال : يا أَمير المؤمنين كأنك بالمال قد وافاك بعد جمعه.
قال : فكان حمل إِليه ثلاثون ألف ألف درهم من خراج ما كان يتولاه أَبو إسحاق .
قال : فلما ورد عليه ذلك المال، قال المأمون ليحيى بن أكثم أَخرج بنا ننظر إِلى المال .
قال: فخرجنا، ووقفنا فنظر إِليه وقد كان هيأه بأحسن هيئة وحليت أَبا عره وألقت الأحلاس التي وشيت والجلال المصبغة وقلدة الرهن وحلبت البدر بالحرير الصيني الأحمر والأخضر والأصفر، وأبديت رؤوسها .
قال : فنظر المأمون إِلى شيء حسن واستكثره، وعظم في عينه واستشرفه الناس ينظرون إِليه ويعجبون منه .
فقال المأمون ليحيى: يا أَبا محمد، ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة [يعودون] (4)خائبين إِلى منازلهم، وننصرف نحن بهذه الأموال، قد ملكناها دونهم إنّا
إذاً للثام .
ثم دعا محمد بن يزداد فقال وقع لفلان بألف ألف، ولآل فلان بمثلها أو بخمسمائة ألف
قال : فواللّه ما زال كذلك حتى فرق أَربعة وعشرين حتى فرق أَربعة وعشرين ألف ألف، ورجله في الركاب .
ثم قال : ادفع الباقي إِلى المعلى بن أيوب يعطِ جندنا .
قال العبسي : فجئت حتى قمت بنصب عينيه، وحدقت نحوه، فلم أرَ طرفي عينيه لا تلحظني إلا وإني في تلك الحال فقال : يا محمد، وقع لهذا بخمسين ألف درهم من السنة ألف ألف لا تحكر ناظري، فلم يأت علي ليلتان حتى أخذت المال.
وللمأمون شعر كثير فمن مشهور شعره:
بعثتك مرتاداً ففزت بنظرة *** وأغفلتني حتى أسأت بك الظنّا
فناجيت مَن أهوى وكنت مباعداً *** فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى
أرى أثراً منه بعينيك بيّنا *** لقد أخذت عيناك من عينه حسناً (1)
قيل : وإِنما أخذ المأمون هذا المعنى من العباس بن الأحنف فإنه أَخرج هذا المعنى فقال :
إن تشق عيني بها فقد سعدت *** عين رسولي وفزت بالخَبَرِ
وكلما جاءني الرسول لها *** وددت عهداً في عينه نظري
خذ مقلتي يا رسول عارية *** فانظر بها واحتكم على بصري
قيل : وشكا اليزيدي يوماً إِلى المأمون ديناً لحقه.
فقال : ما عندي في هذه الأيام ما إن أعطيناك بلغت به ما تريد.
فقال : يا أَمير المؤمنين إن غرمائي قد أرهقوني .
قال : انظر لنفسك أمراً تنال به نفعاً
فقال : إن لك ندماء فيهم من أن حركته نلت به نفعاً .
قال: أفعل .
قال : إذا حضروا عندك فمر فلاناً الخادم يوصل رقعتي إليك، فإذا قرأتها، فأَرسل إلي دخولك في هذا الوقت متعذر ولكن اختر لنفسك من أحببت .
قال : أفعل، فلما علم اليزيدي جلوس المأمون مع ندمائه وتيقن أنهم قد أخذ الشراب منهم، أتى الباب فدفع إِلى الخادم رقعته، فإذا فيها :
يا خير إخواني وأصحابي *** هذا الطفيلي على البابِ
أخبر أن القوم فی لذة *** یصبوا إِليها كل أوّابِ
فصيروني واحداً منکم *** أو أَخرجوا لي بعض أترابي
فقرأها المأمون عليهم، وقالوا ما ينبغي أن يدخل علينا على مثل هذه الحال .
فأَرسل إِليه المأمون دخولك في هذا الوقت متعذر فاختر لنفسك مَن أحببت تنادمه .
فقال : ما أريد إلا عبد اللّه بن طاهر.
فقال له المأمون : قد اختارك فسر إِليه .
قال يا أَمير المؤمنين وأكون شريك الطفيلي؟!!
فقال : ما يمكن رد أَبي محمد عن أمرين فإن أحببت أن تخرج إِليه وإلا فافتد نفسك منه.
فقال : عليّ عشرة آلاف.
قال : لا يقنعه .
فما زال يزيد عشرة عشرة والمأمون يقول : لا ينفعه حتى بلغ مائة ألف.
فقال له المأمون: فعجلها .
فكتب بها إِلى وكيله ووجه معه ،رسولاً، وأَرسل إِليه المأمون قبض هذه الدراهم في هذه الساعة أصلح من منادمته وأنفع لك.
وقال عمارة بن عقيل: قال لي عبد اللّه بن أَبي السمط أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر؟
قلت : ومَن يكون أعلم منه؟ فواللّه إنا لننشده أول البيت فيسبقنا إِلى آخره.
قال : إني أنشدته بيتاً أجدت فيه فلم يتحرك له .
قلت : وما هو ؟ قال :
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً *** بالدين والناس بالدنيا مشاغل
قال: فقلت: واللّه ما صنعت شيئاً هل زدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها، فإذن من الذي يقوم بأمر الدنيا إذا تشاغل عنها وهو المطوق بها؟ ألا قلت كما قال جدي جرير في عبد العزيز بن الوليد :
فلا هو في الدنيا يُضيع نصيبه *** ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله
فقال : الآن علمت أني قد أخطأت.
قال أَبو العباس أَحمد بن عبد اللّه بن عمار :
كان المأمون شديد الميل إِلى العلويين والإحسان إِليهم وخبره مشهور معهم وكان يفعل ذلك طبعاً لا تكلفاً، فمن ذلك أنه توفي في أيامه يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين العلوي، فحضر الصلاة عليه بنفسه، ورأى الناس عليه من الحزن والكآبة ما تعجبوا منه .
ثم إن ولداً لزينب بنت سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس - وهي ابنة عم المنصور - توفي بعده، فأَرسل له المأمون كفناً وسَيَّر أخاه صالحاً ليصلي عليه وليعزي أمه، فإنها كانت عند العباسيين بمنزلة عظيمة فأتاها وعزاها عنه واعتذر عن تخلفه عن الصلاة عليه، فظهر غضبها وقالت لابن ابنها : تقدّم فصل على أَبيك ؛ وتمثلت :
سبكناه ونحسبه لجينا *** فأبدى الكير عن خبث الحديدِ
ثم قالت لصالح : قل له يا ابن مراجل أما لو كان يحيى بن الحسين بن زيد، لوضعت ذيلك على فيك وعدوت خلف جنازته .
فيا ليتني كنت الرسول وكفيتني *** فكنت الذي يقضي وكنت الذي أدنى
1) وذكر ابن الأثير كثير من سيرته وأَخباره قبل هذا الخبر ،وبعده وأنا أذكر لك ما ذكره ابن الأثير من سيرته بعد هذا الشعر حيث قال :
تم الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع
وأوله : خلافة المعتصم العباسي
ابتداء دولة بني العباس...3
خلافة أَبي العباس السفاح ...3
ذكر الخبر عن خلافة أَبي العباس وسببها...3
ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها ...11
ذكر الخبر عن مقتل مروان، وما عومل به في طريقه وهو هارب وما لقي من أَصحابه ... 15
ذكر الخبر في تبييض أَبي الورد وانتفاض تلك النواحي كلها وما آل إِليه أَمرهم ...17
ذكر آراء أشير بها على ابن هبيرة فخالفها...24
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة ...28
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة ...29
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة... 32
ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة... 33
خلافة أَبي جعفر المنصور ...36
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة...36
ذكر مقتل أَبي مسلم صاحب الزاب وسبب ذلك ...41
ذكر آراء أُشير بها على أَبي مسلم فخالفها ...43
ذكر حيلة احتال بها أَبو أيوب المرزباني على أَبي مسلم حتى ترك التحرز ...45
ثم دخلت سنة ثماني وثلاثين ومائة ...52
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة ...53
ثم دخلت سنة أربعين ومائة ...56
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة ...58
424
ذكر أَخبار الراوندية وخروجهم ومقتلهم ...58
ذكر الخبر عن خلع عبد الجبار وما آل إِليه أمره ...61
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة ...64
ودخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة ...65
ودخلت سنة أربع وأربعين ومائة ...66
ودخلت سنة خمس وأربعين ومائة ...76
ذكر وثوب السودان بالمدينة والسبب الذي هيج ذلك ...92
ذكر السبب في بناء أَبي جعفر بغداد...94
ذكر الخبر عن خروجه وسبب ذلك مقتله...96
ذكر آراء أشير بها على إِبراهيم ...104
ذکر اتفاق عجیب وهو شيء اتفق على إِبراهيم بعد أن ظفر حتى هزم وقتل ...106
ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة ...109
ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة ...112
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة ...120
ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة ...122
ودخلت سنة خمسين ومائة فيما جرى فيها ...122
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة ...125
ثم دخلت سنة اثنين وخمسين ومائة ...132
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة ...132
ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة ...133
ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة ...134
ودخلت سنة ست وخمسين ومائة ...136
ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة ...137
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة ...138
ذكر بعض سيرة المنصور ...140
خلافة المهدي العباسي ...146
ودخلت سنة تسع وخمسين ومائة ...149
و دخلت سنة ستين ومائة ...153
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة ...156
ودخلت سنة اثنتين وستين ومائة ...161
سنة ثلاث وستين ومائة ...162
سنة أربع وستين ومائة ...163
سنة خمس وستين ومائة ...164
سنة ست وستين ومائة ...165
ذكر السبب في تمكن السعاة على يعقوب مع حظوته ...167
أما السبب الذي تحدث به يعقوب عن نفسه بعد موت المهدي ...167
ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة ...172
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة ...173
ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة ...174
ذكر بعض سيره ... 175
خلافة موسى الهادي ...178
ذكر رأي سديد راه خالد بن يحيى ...178
ثم دخلت سنة سبعين ومائة ...182
ذكر السبب في ذلك وما حملها على قتل ابنها ...183
ذكر بعض سيرته ...189
خلافة هارون الرشيد ...193
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة ...195
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة ...197
ودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة ...198
ودخلت سنة أربع وسبعين ومائة ...199
ودخلت سنة خمس وسبعين ومائة ...199
ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة ...200
ذكر عقوبة سريعة على عقب إقدام على يمين كاذبة ...202
ذكر السبب في ولايته وما كان منه ...210
ودخلت سنة سبع وسبعين ومائة ...212
ودخلت سنة ثمان وسبعين ومائة ...215
ودخلت سنة تسع وسبعين ومائة ...218
ودخلت سنة ثمانين ومائة ...219
ودخلت سنة إحدى وثمانين ومائة ...222
ودخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة ...225
ودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة ...225
ودخلت سنة أربع وثمانين ومائة ...227
وكذلك سنة خمس وثمانين ومائة ...228
ودخلت سنة ست وثمانين ومائة ...229
ودخلت سنة سبع وثمانين ومائة ...231
ذكر الخبر عن مقتله ...235
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة ...249
ودخلت سنة تسع وثمانين ومائة ...250
ثم دخلت سنة تسعين ومائة ...252
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة ...255
ودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة ...260
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة ...265
ذكر رأي سديد رآه ذو الرئاستين ...265
ذكر منام عجیب رآه الرشيد ...265
ذكر بعض سيرة الرشيد ومستحسن أَخباره ...269
خلافة الأمين العباسي ...274
ذكر السبب الذي أوجب اختلافهما ...274
ذكر آراء أشير بها على المأمون في تلك الحال ...276
ودخلت سنة أربع وتسعين ومائة ...279
ذكر آراء الناس فيما شاورهم فيه المأمون ...282
ذكر آراء أشير بها على الأمين ...285
ذكر الحزم والجد الذي أخذ فيه المأمون حتى بلغ ما أَراد ...286
ودخلت سنة خمس وتسعين ومائة...290
ذكر الحيلة التي احتال بها ذو الرئاستين حتى اختار محمد لحربه علي ابن عيسى دون غيره ...294
ذكر مشاورة المأمون أَصحابه وما أَشار به الفضل بن سهل...296
ذكر السبب في مقتله ...304
ذكر غفلة من طاهر وأَصحابه ...304
ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة ...305
ذكر ما احتال به طاهر عليهما حتى اختلفا ...310
ذكر الرأي الذي أَشار به عبد الملك ...311
ذكر اتفاق سيّئ ...312
سبب استثمان أصحاب طاهر ...322
ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة ...323
الخبر عن هزيمة هرثمة ...328
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة ...330
ذكر اتفاقات عجيبة ...332
مقتل الأمين وخلافة المأمون ...335
ذكر ما أشير به على محمد فلم يقبله وما تأتى إِليه الأَمر من قتله ...335
ذكر الخبر عن ذلك وسببه وما استحله طاهر من الحزم قبله ...343
خلافة محمد الأمين وعمره وصفته ...344
ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة ...347
ذكر السبب في خروجه ...347
ثم دخلت سنة مائتين ...352
ذكر السبب في خروجه ...353
ذكر خروج هرثمة ومَن اغتمه للحسن والفضل وما آل [إِليه] أمره ...356
ودخلت سنة إحدى ومائتين ...360
ذكر السبب الذي فعلت المطوعة له ذلك ...363
ذكر الخبر عن ذلك وسببه وما آل إِليه الأَمر ...366
ودخلت سنة اثنتين ومائتين ...370
و دخلت سنة ثلاث ومائتين ...376
ذكر الخبر عن هرب إِبراهيم ابن المهدي واستتاره ...378
و دخلت سنة أربع ومائتين ...379
و دخلت سنة خمس ومائتين ...381
ذكر نادرة لكاتب صارت سبباً لإصلاح حاله وحال الكتاب ببغداد ...383
ودخلت سنة ست ومائتين ...385
ودخلت سنة سبع ومائتين ...392
ودخلت سنة ثمان ومائتين ...394
و دخلت سنة تسع ومائتين...395
و دخلت سنة عشر ومائتين ...397
حصباء دُرّ على أرض من الذهب ...398
ودخلت سنة إحدى عشرة ومائتين ...404
ودخلت سنة اثنتي عشرة ومائتين ...408
ودخلت سنة ثلاثة عشر ومائتين ...409
ودخلت سنة أربع عشرة ومائتين ...411
ودخلت سنة خمس عشرة ومائتين ...413
ودخلت سنة ست عشرة ومائتين ...413
ودخلت سنة سبع عشرة ومائتين ...414
ودخلت سنة ثمان عشرة ومائتين ...415
ذكر وفاته ...418