موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمة وترجمان القرآن جلد 18

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

مركز الأبحاث العقائدية - سلسلة ردّ الشبهات (5)

الخرسان، محمّد مهدي 1928م.

موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمة وترجمان القرآن/ تأليف السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان.

قم : مركز الأبحاث العقائدية، 1433ق = 1390

الفهرسة طبق نظام فيپا.

ابن عبّاس ، عبد الله بن عبّاس، 3 - 68ق.

مركز الأبحاث العقائدية.

1390 4خ / 17الف 8/ 92 Bp 1924/ 297

الرقم في المكتبة الوطنيّة 2556101

مركز الأبحاث العقائدية

● إيران - قم المقدّسة - صفائية - ممتاز - رقم34

ص. ب: 3331 / 37185

الهاتف: 37742088 (25)(0098)

الفاكس: 37742056 (25)(0098)

● العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول صلي الله عليه وآله

شار السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام

ص. ب: 729

الهاتف: 332679 (33)(00964)

● الموقع على الانترنيت: www.aqaed.com

● البريد الإلكتروني: info@aqaed.com

شابك (ردمك): 7 - 500 - 319 - 964 - 978/ دورة 21 جزءاً

شابك (ردمك) ج18 / 4 - 39 - 7100 - 600 - 978

موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن

تأليف

السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان

الجزء الثامن عشر

الطبعة الأُولى: 2000 نسخة

سنة الطبع: 1437ه-

الفلم والألواح الحسّاسة: تيزهوش

المطبعة: الوفاء

السعر 150000 ريال

*جميع الحقوق محفوظة للمركز *



اشارة

موسوعة عبدالله بن عباس

المعدلة

سلسلة رد الشبهات - 5

موسوعة عبدالله بن عباس

حبر الأمة و ترجمان القرآن

الحلقة الرابعة: ابن عبّاس في الميزان

الجزء الثامن عشر

في حديث بيت مال البصرة

الخرسان، محمّد مهدي 1928م.

موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمة وترجمان القرآن/ تأليف السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان.

قم : مركز الأبحاث العقائدية، 1433ق = 1390

الفهرسة طبق نظام فيپا.

ابن عبّاس ، عبد الله بن عبّاس، 3 - 68ق.

مركز الأبحاث العقائدية.

1390 4خ / 17الف 8/ 92 Bp 1924/ 297

الرقم في المكتبة الوطنيّة 2556101

مركز الأبحاث العقائدية

● إيران - قم المقدّسة - صفائية - ممتاز - رقم34

ص. ب: 3331 / 37185

الهاتف: 37742088 (25)(0098)

الفاكس: 37742056 (25)(0098)

● العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول صلي الله عليه وآله

شار السور جنب مكتبة الإمام الحسن عليه السلام

ص. ب: 729

الهاتف: 332679 (33)(00964)

● الموقع على الانترنيت: www.aqaed.com

● البريد الإلكتروني: info@aqaed.com

شابك (ردمك): 7 - 500 - 319 - 964 - 978/ دورة 21 جزءاً

شابك (ردمك) ج18 / 4 - 39 - 7100 - 600 - 978

موسوعة عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن

تأليف

السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان

الجزء الثامن عشر

الطبعة الأُولى: 2000 نسخة

سنة الطبع: 1437ه-

الفلم والألواح الحسّاسة: تيزهوش

المطبعة: الوفاء

السعر 150000 ريال

*جميع الحقوق محفوظة للمركز *

بسم الله الرحمن الرحيم

عن عليّ عليه السلام كان يقول:

(اللّهمّ ثبتنا على كلمة العدل في الرضا والصواب، وقوام الكتاب، هادين مهديين، راضين مرضيين، غير ضالين ولا مضلّين) (مسند ابن الجعد/26 ط العلمية بيروت).

قال سيّدنا أبو طالب رضي الله عنه في لاميته العصماء:

جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلا*** عقوبة شرّ عاجلاً غير آجل

بميزان قسط لا يخيس شعيرة*** له شاهد من نفسه غير عائل

(...لو قيل: إنّ هذا الرجل - ابن عبّاس - أفضل رجال الإسلام بعد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم والأئمّة الاثني عشر عليهم السلام، وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما، كان في محلّه) (المحقّق التستري في قاموس الرجال ج6/63 جاب مصطفوي 1384ه-).

تمهيد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وبه نستعين

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، ورضي الله عن جميع الصحابة المهتدين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد، لقد قرأنا في الجزء الثاني - السابق - من هذه الحلقة، أدلّة المثبتين، ونصوص المؤرّخين المؤكّدين على وقوع الجناية، ومن بعدهم تهافت الكتّاب المتجدّدون على مقالة طه حسين ومن بعده، في إثبات الإدانة، وأوجدت كتاباتهم لدى بعض القرّاء بلبلة، لم تتمخّض بغير الشكّ على أكثر تقدير، ولكن من يقرأ منهم أدلّة النافين، وقد مرّ ذكر ما قالوه، رأى حقائق مغيبة، تنفي مزاعم الأوّلين، فصار الفريقان على حدّ قول أبي الأسود:

يقولون أقوالاً ولا يعلمونها*** فإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا

وتوارث الخلف عن السلف موروثاً معثوثاً، وكلّما مرّ الزمان، تأكّد

في الأذهان تصوير اتّساع الفجوة بين ابن عبّاس وبين الإمام عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام، ودسّت عناصر التضبيب أنوفها، ونفخوا بأبواقها.

فبنو أُميّة وقد فقدوا سلطانهم بمجيء بني العبّاس، وهؤلاء من ذرّية ابن عبّاس.

وبنو الحسن عليه السلام وقد اختطف بنو العبّاس ثمرة أتعابهم ومؤتمرهم في الأبواء، وكانت المهاترات بين المنصور العبّاسي والنفس الزكية الحسني ما أصاب الآباء من قوارص الكلم.

وللخوارج دور لا ينسى في التعتيم، حتّى زعموا بأنّه فارق عليّاً عليه السلام وصار منهم ومدافعاً عنهم، كما مرّت الإشارة إلى هذا.

وهكذا كلّما اشتدّ التنازع السياسي، كان ابن عبّاس مستهدفاً لكلّ فرقة، وما أولانا بقول سيّدنا أبي طالب رضي الله عنه في قصيدته العصماء، حيث يقول:

جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلا *** عقوبة شرّ عاجلاً غير آجل

بميزان قسط لا يخيس شعيرة *** له شاهد من نفسه غير عائل(1)

إنّ موضوع تهمة ابن عبّاس بخيانة بيت مال البصرة، لا يمكن معالجته ببضع كلمات نفي، لا تفي بقناعة أصحاب الرأي الآخر، وقد لا تلاقي قبولاً تامّاً عند من يرى كثرة الصخب والجلب حوله، فلا يرى في المنقول إلاّ


1) - سيرة ابن هشام 1/277 بتحقيق: مصطفى السقا الأُستاذ بكلّية الآداب بجامعة القاهرة وإبراهيم الأباري مدير دار إحياء التراث القديم، وعبد الحفيظ شلبي مدير المكتبات الفرعية بدار الكتب المصرية الطبعة الثانية بالقاهرة سنة 1375ه-.

التأكيد لما هو الموروث المعثوث في النفوس، وأضحى كحقيقة ثابتة، ليس من السهل تخطّيها بمجرّد ثناء عاطر من محقّق ناصر، كما هو صنيع العلاّمة الحلّي قدس سره، ومن تبعه في مقولته: ((حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى، وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، وهو أجلّ من ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها، رضي الله عنه تعالى))(1).

وربّما أحسّ البعضُ بضيقٍ ممّا هو على خلاف قناعاته الموروثة، ولكن الحقيقة هي بنت البحث، وهي بغية الباحثين، فعليه أن يقرأ بإمعان، ويرفض ببرهان، ولا يكن إمّعة الرجال، مقلّداً لأصحاب الأقوال، فعندها يتّضح له الحال، وليس بكثير على من يطلب الحقّ أن يبذل الجهد المضني في سبيل تحصيله.

نسأله تعالى أن يرينا الحقّ حقّاً فنتبعه، والباطل باطلاً فنتجنبه، رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ(2).

ظاهرة غير طبيعية:

ومهما تضخّمت الصورة مع ازدياد البحث في قضية بيت مال البصرة، تتهاوى التهمة في حمل ابن عبّاس له بالصورة التي أرادها المثبتون، وتتبدّا من خلال النصوص صورة أخرى هي أجلى حجّة، وأنور محجّة، ولكنّها لم


1) - الخلاصة: 5، ط حجرية سنة 1310ه-.

2) - سورة آل عمران/8.

تخرجها عن إطارها الاجتماعي في شيوع الظاهرة غير الطبيعية، حين كانت خيانة العمّال كظاهرة في الولاة، لها شواهد من قبلُ ومن بعدُ، فهي على شذوذها ليست بغريبة في ذلك المجتمع الذي يضمّ بقايا الصحابة ووفرة التابعين، ولا يزال فيهم من أدرك محاسبة عمر لعمّاله الذين سرت فيهم ومنهم وإليهم عدوى الخيانة بعضهم من بعض، وجرت فيهم أحكام المشاطرة والعزل، وحتّى الضرب، فقد ضرب عمر أبا هريرة فأدمى ظهره، وقال له: ((يا عدوّ الله وعدوّ الإسلام! خنت مال الله.. قال ذلك ثلاث مرّات))، ويردّ عليه أبو هريرة، ((قال أبو هريرة: فغرمني اثني عشر ألفاً))، وأبى أن يعمل ثانية، وقال: ((أخاف أن أقول بغير حلم، وأقضي بغير علم، وأن يُضرب ظهري، ويُشتم عرضي، ويُؤخذ مالي))(1).

وقد ساءت الحال في أيام عثمان، حتّى كان أحد أسباب النقمة عليه سوء تصرف عمّاله في أعماله مع علمه وسكوته بإهماله.

وممّا يستطرف ذكره في المقام: أنّ رجلاً أثنى على عامل لعثمان، فحثا المقداد التراب في وجهه، فقال له عثمان: ما شأنك؟ قال: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب)(2).

أمّا الغرابة كلّ الغرابة! أن لا تحدث تلك الظاهرة غير الطاهرة في أيام خلافة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الذي كان شديداً في مراقبة عمّاله، ويقظاً حذار أن يسيء عامل في تصرفه، فكم من شواهد على


1) - فتوح مصر والمغرب، لابن عبد الحكم: 175، ط مكتبة الثقافة الدينية سنة 1415ه- .

2) - مسند ابن الجعد: 42، ط العلمية بيروت.

أخبار شائنة لبعض عمّاله بلغته، فكتب إليه موبّخاً على ما اجترح من السيئات، وفي (نهج البلاغة) نماذج من كتبه في هذا السبيل.

ففي كتابه إلى الأشعث بن قيس، وكان على أذربيجان منذ عهد عمر، وعنده الجمع والمال - كما قال حجر بن الأدبر - فكتب إليه: (... وإنّ عملك ليس لك بطعمة، ولكنّه في عنقك أمانة... وفي يديك من مال الله عزّ وجلّ، وأنت من خزّانه حتّى تسلّمه إلَيَّ، لعلّي ألاّ أكون شرّ ولاتك إليك، والسلام)(1)، وهذا الكتاب أغاظ الأشعث وتحمّل بقضّه وقضيضه، يريد معاوية، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام وأهمّه، وذهب حجر بن الأدبر إليه فعارضه في شهرزور فردّه عن مقصده وجاء به إلى الكوفة - وليته لم يأتها فقد أفسد أهلها كما سبق وإن هدد هو بهذا -.

وليس دون هذا زياد بن أبيه، خليفة عامله عبد الله بن عبّاس بالبصرة الذي ولاّه، فكتب إليه: (وإنّي أقسم بالله قسماً صادقاً، لئن بلغني أنّك خنت من فيء المسلمين شيئاً صغيراً أو كبيراً، لأشدنّ عليك شدّة، تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الأمر، والسلام)(2).

وكتابه إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني عامله على أردشير خرة: (...بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك، وأغضبت إمامك، إنّك تقسّم فيء المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم... فيمن إعتامك من أعراب قومك... ألا وإنّ حقّ من قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء


1) - شرح نهج البلاغة، للبحراني 4/ 350.

2) - شرح نهج البلاغة، للبحراني 4/ 399.

سواء...)(1).

وفي كتابه إلى المنذر بن الجاورد العبدي، وقد خان في بعض ما ولاّه من أعماله: (...أمّا بعد، فإنّ صلاح أبيك غرّني منك... فأقبل إليَّ حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله...)(2).

ولمّا بلغه عن يزيد بن حجية وقد كسر الخراج بالري ودستبي، وفرّ إلى معاوية، فقال: (اللّهمّ، إنّ يزيد بن حجية هرب بمال المسلمين ولحق بالقوم الفاسقين، فاكفنا مكره وكيده، وأجزه جزاء الظالمين)، فرفع القوم أيديهم يؤمنون على دعائه(3).

إلى غير هذا من وصاياه لعمّاله، وغضبه على من خان منهم، وإعلانه على المنبر خبرهم للتشهير بهم.

إذاً فمسألة خيانة العمّال ومحاسبتهم عليها، لم تكن كظاهرة غريبة في ذلك المجتمع المتهاوي الأخلاق إلاّ من عصم الله، وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(4)، وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(5).

أمّا أن تكون تهمة خيانة ابن عبّاس من أنماط من ذكرنا، فليس الحال


1) - شرح نهج البلاغة، للبحراني 5/ 94.

2) - شرح نهج البلاغة، للبحراني 5/ 227.

3) - شرح النهج، للمعتزلي 4/85، ط محقّقة.

4) - سورة سبأ/13.

5) - سورة يوسف/103.

كذلك، مهما تعدّدت فيها الأقاويل، من صحيح وأباطيل، في إدانة أو معاذير، لأنّ ابن عبّاس يختلف عن أولئك جميعاً بدءاً وختاماً، حرباً وسلاماً، مكانة ومقاماً، لذلك ستبقى التهمة على غرابتها، وفي ضوء التقدّم الهائل في كشوف كنوز التراث، تزداد المسألة تعقيداً وترديداً، تأييداً وتفنيداً.

إذاً لا بدّ من تغيير المنار نحو الزوايا الحادّة في تاريخه، والتي يحددّها علماء النفس وعلماء الاجتماع، فماذا عندهم؟

يقول علماء النفس في نظريتهم المقبولة: إنّ الإنسان - غالباً - محدود بمزاجه وطبيعته، ومحفوف بشاكلته في مجتمعه، سواء الأُسري أو التربوي أو البيئوي، فمن أبويه إلى عشيرته إلى أساتذته ومن يحوطونه برعايته، وفي جميع هؤلاء لم نقف على نشاز في طبيعته مؤثّر على ابن عبّاس في سلوكه ومزاجه - وإن وجد شاذّ - وأنّى - فهو لا يقاس عليه - .

والسؤال الذي يطرح نفسه: أو ما كان ابن عبّاس - المتّهم بالخيانة - محكوماً لغرائزه الموروثة والمكتسبة؟! سؤال ينبغي الإجابة عليه بوضوح وصراحة؟

ومن خلال مراجعة تاريخه الأُسري والتربوي، نجده في سلامة من الشذوذ الذي يساعد على انحدار نحو نزغات طائشة، أو رغبات مكبوته ممقوتة.

ولنترك علماء النفس الذين حكموا على الإنسان في عاداته من خلال مزاجه في مجتمعه العام والخاص، يعني البيئة والأسرة، ولننظر ماذا عند

علماء الاجتماع من جديد؛ إنّهم قالوا في الفرد: هو لبنة من لبنات مجتمعه في تركيبه العام، والمجتمع هو الجدير بالعناية والتربية، إذ لا تظهر محاسن الأخلاق في مساوئها في الفرد إلاّ من خلال مخائل الأُسرة أوّلاً، لأنّها الحاضنة الأوّلة لتفرّخ الأخلاق، حسنة أو سيئة، ومن بعدُ يُنظر في بُعدها الأوسع أفقاً، وهو الأفق التربوي التعليمي، حيث كرائم المبادئ، وحسنات العادات.

ولا منافاة بين النظريتين في تاريخ ابن عبّاس، وقد مرّ في الحلقات الثلاث كثير شواهد على هذا ممّا يظنّه القارئ فيه أنّه مفطور عليها، ومتأثّر بها.

ولا شكّ في أنّه كان موهوباً في ذكائه، حتّى قيل عنه وفيه ما يميّزه عن لداته وأبناء مجتمعه، وحتّى تفضّل على المشايخ في مجلس عمر، فهو إذاً يمتاز عن غيره من أترابه مضافاً إلى التصاقه نسباً وأدباً بمعدن الرسالة، فوعى فيما وعاه، حتّى حفظ المحكم وهو ابن عشر سنين، ومن سور المحكم سورة الشمس التي فيها قوله تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا _ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا _ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا _ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا(1)، فقد روى هو عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أنّه كان إذا تلاها، قال: (اللّهمّ آت نفسي تقواها، أنت وليّها ومولاها وخير من زكّاها)(2).


1) - سورة الشمس/7 - 10.

2) - الدرّ المنثور 8/484.

وابن عبّاس هو القائل في تفسير الآيات: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا: قد أفلح من زكى الله نفسه، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا: قد خاب من دسّ الله نفسه فأضلّه، وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا: لا يخاف من أحد تابعه(1).

فمن كان يقرأ هذه الآيات، ويفسّرها للناس، ويروي عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم دعاءه بعد تلاوتها، هل يعقل ويقبل ممّن يقول هذه رواية وإن كانت دراية أيضاً، أن يتخلّف عنها سلوكاً، أو يفتقدها غاية ورعاية؟!

إنّ الإجابة الصحيحة الصريحة على هذا السؤال بمقدار وضوحها، إلاّ أنّها بالغة الدقّة إلاّ إذا استحضرنا إجمالاً ما مرّ منّا في الحلقة الأولى (سيرة وتاريخ) في خصوصيات مال البصرة، مصادره ومصارفه(2).

بيت مال البصرة مصدراً ومصرفاً:

لقد مرّت بعض النصوص عن مصادر الأموال التي تجبى إلى بيت مال البصرة، وكشفاً بأسماء البلاد التي يتبع ولاتها إلى ولاية البصرة ويحملون الخراج إليها، وفي الرجوع إليها إعادة وإفادة، فإنّ من قرأ تاريخ البصرة إدارياً منذ عهد عمر حيث اختطّها عتبة بن غزوان وأسّس مسجدها، ثمّ استخلف عليها المغيرة بن شعبة، وسار إلى عمر فمات في الطريق، وأقرّ عمر المغيرة على البصرة، ثمّ شهد عليه أربعة بالزنا، خالف أحدهم وهو


1) - الدرّ المنثور 8/486.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع/حبر الأمّة وولايته على البصرة (طبيعة بيت مال البصرة وموارده).

زياد بن عبيد، فأمر عمر فجلدوا، وعزل المغيرة عن البصرة، واستخلف عليها أبا موسى الأشعري...(1).

إنّ أبا موسى الأشعري ولاّه عمر بن الخطّاب وبقي إلى عهد عثمان، لكنّه عزله وولّى عبد الله بن عامر بن كريز، وهو ابن خاله، وهذا بقي إلى أن أتاه خبر مقتل عثمان، فحمل ما في بيت المال وخرج من البصرة بعد أن ولّى عليها عبد الله بن عامر الحضرمي، فأرسل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عثمان بن حنيف والياً عليها، حتّى أتاها طلحة والزبير مع عائشة، وجرت بينهما خطوب، ووقعت حروب آخرها وقعة الجمل، وبعدها ولّى الإمام عليه السلام عليها عبد الله بن عبّاس، وبقي والياً عليها أيام الإمام عليه السلام، وحتّى أيام الإمام الحسن عليه السلام، فخرج عنها واستخلف أبا الأسود الدؤلي، فعين معاوية بسر بن أرطاة، ثمّ عزله وولّى عليها عبد الله بن عامر بن كريز - وهذه المرّة الثانية التي يلي فيها ابن عامر ولاية البصرة والتي دامت ثلاث سنين - ثمّ وليها زياد ابن أبيه، وبقيت في حوزة الأمويين إلى أن أتاها العبّاسيون في سنة 132ه- .

وقد ذكر ابن أعثم الكوفي في كتاب (الفتوح) خبراً عن جباية المال من البصرة وكورها أيام ولاية زياد من قبل معاوية، فقال: ((وكان - زياد - يجبي منها ومن كورتها ستّون ألف ألف درهم، ويعطي الذرّية ستّة عشر ألف ألف، وينفق في البنيان وما يحتاج إليه من العمارة ونحو ذلك ألفي ألف، ويدّخر في بيت المال ألفي ألف درهم، ويوجّه باقي ذلك إلى معاوية))(2). اه- .


1) - البدأ والتاريخ 5/175، ط بور سعيد المكتبة الثقافية.

2) - الفتوح 4/181 ذكر خطبة زياد بالبصرة.

فظهر من هذا التهالك على انتهاب بيت مال البصرة، وحرص معاوية على غزوها في أيام الإمام عليه السلام، فإنّ ثلثي أموال الجباية يصل إلى معاوية أيام ولايته. وبهذا نكتفي من التذكير بولاة البصرة.

ولا ريب في أنّ بني أُميّة أحكموا سيطرتهم على البصرة أيّ إحكام، لأنّها باب الشرق بأقطاره وأمصاره، وكثرة إدراره، وفي غلبة العثمانية على أهلها منذ حرب الجمل ما ساعد على نفوذهم، وكان الذين بها من الشيعة ينالهم الأذى من أولئك الولاة الطغاة، وفي مقدّمتهم من لمع اسمه وسطع نجمه كأبي الأسود الدؤلي، وديوان شعره مليء بمعاناته من الولاة والرعية، وله أبيات شعر تنبئ عن حالة معيّنة من تلك المعاناة يعنينا ذكرها في المقام، فقد قال:

ذكرتُ ابن عبّاس بباب ابن عامر*** وما مرّ من عيني ذكرتُ وما فضل

أميرين كانا صاحبيَّ كلاهما*** فكلّ جزاه الله عنّي بما عمل(1)

فإن كان خيراً كان خيراً جزاؤه*** وإن كان شرّاً كان شرّاً كما فعل

وقد ذكر أبو الفرج في (الأغاني)، قال: ((كان ابن عبّاس يكرم أبا الأسود الدؤلي لمّا كان عاملاً لعليّ بن أبي طالب عليه السلام على البصرة، ويقضي حوائجه، فلمّا ولي ابن عامر جفاه وأبعده ومنعه حوائجه، لِما كان يعلمه من هواه في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال فيه...))(2). وذكر الأبيات.


1) - (فعل).

2) - الأغاني 12/317، ط دار الكتب المصرية.

ونحن إذا قرأنا تاريخ ابن عامر نجده ولي البصرة مرّتين، أوّلها أيام عثمان، ولمّا علم بمقتله حمل ما في بيت المال وخرج، والثانية في أيام معاوية، ونجد اتّساع الفجوة بين أبي الأسود وبين ابن عامر في الولاية الثانية دون الأولى التي كانت وثيقة، حتّى استخلفه مرّة على الصلاة لمّا خرج ابن عامر إلى الغزو، وأوفى من ترجم لابن عامر هذا هو ابن سعد في الطبقات الكبير، فقد قال: ((...فتجهز وقطع البعوث، ثمّ سار واستخلف أبا الأسود الدؤلي على صلاتها، واستخلف على الخراج راشد الجديدي من الأزد...

فلمّا نشب الناس في أمر عثمان...

فلمّا رأى ذلك ابن عامر، حمل ما في بيت المال واستخلف على البصرة عبد الله بن عامر الحضرمي، ثمّ شخص إلى مكّة فوافى بها طلحة والزبير وعائشة، وهم يريدون الشام، فقال: لا، ائتوا البصرة فإنّ لي بها صنائع، وهي أرض الأموال وبها عدد الرجال، والله لو شئت ما خرجت منها حتّى أضرب بعض الناس ببعض، فقال له طلحة: هلاّ فعلت، أشفقت على مناكب تميم...

فلمّا كان من أمر الجمل ما كان وهزم الناس...

فلحق ابن عامر بالشام حتّى نزل دمشق...

ولم يزل عبد الله بن عامر مع معاوية بالشام، ولم يسمع له ذكر في صفّين، ولكن معاوية لمّا بايعه (؟) الحسن بن عليّ ولّى بسر بن أرطاة البصرة، ثمّ عزله فقال له ابن عامر: إنّ لي بها ودائع عند قوم، فإن لم تولّني

البصرة ذهبت، فولاّه البصرة ثلاث سنين، ومات ابن عامر قبل معاوية بسنة...))(1).

فهذا ابن عامر وتاريخه العامر بالغامر، يحمل بيت المال، ولا من نكير، ولم يسمع في ذلك شهيق أو زفير!! فأين هم رؤوس الأخماس ليعارضوه، كما رويت معارضتهم لابن عبّاس على ما قيل؟!

واللافت للنظر! سخط أبي الأسود وتبرّمه من أيام ولايته الثانية كما هو واضح، لأنّها بعد ولاية ابن عبّاس، فأين غاب شمم أبي الأسود عنه في ولاية ابن عامر الأولى لأنّه حين استخلفه على الصلاة، وما قاله أبو الفرج الأصبهاني وغيره: إنّما تنكّر له ابن عامر لِما كان يعلمه من هواه في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وهذا كان معلوماً منه أوّلاً وآخراً.

وأرجو أن لا يساء الظنّ به، إذ لم يذكر ابن عامر بسوء في ولايته الأولى لأنّه استخلفه على الصلاة، وكذا عند مفارقته البصرة وقد حمل بيت المال معه، وقد استخلف عبد الله بن عامر الحضرمي، فلم يُذكر لأبي الأسود أي دور يُذكر، وربّما أحنقه هذا؟

ومهما يكن فقد ولي ابن عامر ولايته الثانية بعد مقارضة ومفاوضة مع معاوية لاسترداد ودائعه في البصرة، ودامت ثلاث سنوات، فلم يذكر عن أبي الأسود ولا عن غيره أيّ معارضة، بل صارت البصرة تلقي بأفلاذ أكبادها إلى صحارى الشام وافدة على معاوية، وهو يستقبلهم بالمال، ومنهم


1) - الطبقات الكبرى 5/32 - 43، ط أفست أروبا، 7/53، ط1 نشر الخانجي تح الدكتور علي محمّد عمر.

أبو الأسود الدؤلي، فشدّ الرحال مع الرجال، ووفد على معاوية، وله معه نفثات ونوادر ليس يعنيني ذكرها، إنّما الذي عناني ذكر خبره هو حمل عبد الله بن عامر بيت مال البصرة في آخر ولايته الأولى، ولم يذكر لأبي الأسود ولا لغيره أيّ نكير على هذا الفعل! فأين الإحساس عند أولئك الناس؟! يحمل ابن عامر أموالهم، ويخرج آمناً مطمئناً بعد مقتل عثمان الذي ولاّه؟!

إنّها لحيرة المؤرّخ والقارئ! فوالٍ منهار حكمه، وقد خبا نجمُه، لماذا لا يعارضه من أهل البصرة أحد، ولهم في الوفود الناقمة على عثمان التي وفدت إلى المدينة مشاركة مذكورة؟!(1)

إنّها الحيرة! وهي تبعث على سوء الظنّ في الفكرة في أهل البصرة، فهل كان أبو الأسود ممّن لا يرى الحرج على الولاة في التطاول على بيت المال؟ أم في نفسه نوازع تطالبه بالتبرير لا التشهير ليصيب منهم؟ وإنّ في كتابه إلى النعمان بن عجلان الزرقي الأنصاري - وكان الإمام عليه السلام ولاّه على البحرين - فجعل يعطي كلّ من جاء من بني زريق ما يحمل على العجب لا الإعجاب! حيث قال فيه أبو الأسود:

أرى فتنة قد ألهت الناس عنكم*** فندلا زريق المال ندل الثعالب


1) - فقد جاء في تاريخ الطبري 4/349: ((وخرج أهل البصرة في أربع رفاق، وعلى الرفاق حكيم ابن جبلة العبدي وذريح بن عبّاد العبدي وبشر بن شريح بن الحكيم بن ضبيعة القيسي وابن المحرّش بن عبد بن عمرو الحنفي، وعددهم كعدد أهل مصر، وأميرهم جميعاً حرقوص بن زهير السعدي...)).

فإن ابن عجلان الذي قد علمتم*** يبدد مال الله فعل المناهب

يمرون بالدهنا خفافاً عيابُهم*** ويخرجن من دارين بُجر الحقائب(1)

أرى فتنة قد ألهت الناس عنكم*** فندلا زريق المال ندل الثعالب

فإنّ ابن عجلان الذي قد علمتم*** يبددّ مال الله فعل المناهب

وزاد في أسد الغابة 5/29 ولم ينسبه إلى أحد:

يمرون بالدهنا خفافاً عيابهم*** ويخرجن من دارين بُجر الحقائب

وورد في لسان العرب وتاج العروس (ندل) صدر البيت الأوّل هكذا: (على حين ألهى الناس جلّ أُمورهم) الخ، وقبله البيت الثالث من أسد الغابة ولم يذكر البيت الثاني فيهما وبدون تعيين الشاعر فيهما، وفي شرح شواهد الألفية لابن مالك للسيّد محمّد بن علي العاملي (تلميذ صاحب المدارك) ذكر البيتين كما في اللسان، وقال: يقال: إنّهما لأبي الأحوص، ويقال: إنّهما لأعشى همدان، ونسبهما الجوهري إلى جرير، وخير الأُمور أوسطها (أي: أعشى همدان) لِما في الحماسة، وكذا وردا منسوبين للأعشى في شرح شواهد ابن عقيل للجرجي ص99، ووردا مجهولي الشاعر في شرح شواهد ابن عقيل لقطّة العدوي ص100.

أقول: إنّما أطلت النقول، لأنّي أرى الشعر لأبي الأسود وكلّ من ذكر اسمه معه فهو متأخّر عنه زماناً، فلا يبعد أنّه استشهد به الشعر حين أنشده، فظنّوا أنّها له.

وفي هذا نحو إشارة إلى ما تنازعه نفسه، وكان هو أصرح قولاً في كتابه إلى حارثة بن بدر الغداني لمّا ردت إليه سرّق - كورة من كور الأهواز ومدينتها دورق - فكتب إليه:


1) - في المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، للدكتور جواد علي 9/751 نقلاً عن الإصابة 4/532 برقم 8748: وكان (علي بن أبي طالب) استعمل (النعمان) هذا على البحرين، فجعل يعطي كلّ من جاء من بني (زريق) فقال فيه (أبو الأسود) الدؤلي:

أحار بن بدر قد وليت إمارة*** فكن جرذا فيها تخون وتسرق

ولا تحقرن يا حار شيئاً وجدته*** فحظك من مال العراقين سرّق

وباه تميماً بالغنى إن بالغنى*** لسانا به العيُّ الهيوبةُ ينطق

فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب*** يقول بما تهوى وإمّا مصدّق

يقولون أقوالاً ولا يعلمونها*** فإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا(1)

وفي كتب الأدب والتراجم نوادر منقولة عن أبي الأسود، فيها اعتداد وعزّة نفس، كما أنّ في بعضها شعور بالنقص لما كان فيه من عاهات بدنية خلقية كالعرج والبخر، وخُلقية كالبخل، ومع هذا فهو يبقى معدوداً في طبقات المجتمع المنظورة من الناس، حتّى قيل عنه: مقدّم في الفضل عند جميعها، فهو معدود في التابعين، والفقهاء، والمحدّثين، والنحويين، والشعراء، والفرسان، والأشراف، ولم يبخل واصفوه من وصفه بالبخل، وذكروا له نوادر فيه، فمن كان في شأنه وسنّه كذلك، كيف لا يكون عاتباً ومعاتباً - إن لم يكن غاضباً ومغاضباً - على أولياء الحكم من الولاة الذين لم يرعوا فضله، ولم يلبوا حاجاته، وما أكثر العتب حين لا يلبى الطلب.

روى أبو الفرج في أغانيه، قال: كان عبد الله بن عامر مكرماً لأبي الأسود، ثمّ جفاه لِما كان عليه من التشيّع، فقال فيه أبو الأسود:

ألم تر ما بيني وبين ابن عامر*** من الودّ قد بالت عليه الثعالب

وأصبح باقي الودّ بيني وبينه*** كأن لم يكن والدهر فهي عجائب


1) - فتوح البلدان: 387، ط مصر سنة 1319، وأمالي المرتضى 2/50، وغيرهما.

إذا المرء لم يحببك إلاّ تكرّها*** بذلك من أخلاقه ما يغالب

فللنأي خير من مقام على أذى*** ولا خير فما يستقل المعاتب(1)

ولا عجب ولا غرابة في تغيّر ما بين الرجلين بتغيّر الظروف ما دامت المودّة لم تكن يشدّ أواصرها الدين وصدق المحبّة، بل كانت هي المصانعة حسب المصالح المتبادلة.

كما لا عجب في جفاء ابن عامر، فهو أمير أموي الهوى والولاء، وأبو الأسود مأمور وشيعي الهوى والولاء، وكلاهما معلن بما تكنّه النفوس، وتضمّه الجوانح، فكيف تصدق المودّة بينهما مع بُعد المزاجين وتفاوت الولائين؟

لكن الذي يثير العجب! ويزيد في العتب على أبي الأسود - خاصّة - وعلى بقيّة من كان على وتيرته من أهله وعشيرته، لماذا لم يظهر منهم موقف استنكار مع ابن عامر يوم حمل بيت مال البصرة في ولايته الأولى أيام عثمان، ولم يطالبه أي واحد منهم، كما لم يطالبه أي أحد من البصريين بذلك عند عودته في ولايته الثانية أيام معاوية؟!

ثمّ من هم الصنائع له في البصريين الذين أشار لهم في حديثه مع طلحة والزبير وعائشة فأطمعهم في البصرة؟ ومن هم الذين له عندهم ودائع، وأشار إليهم في حديثه مع معاوية، وقد طلب أن يولّيه على البصرة ثانياً لاستحصالها؟


1) - الأغاني 12/326، ط دار الكتب المصرية.

فلماذا كمّت الأفواه، وأخرست الرواة، ولم ينبس أبو الأسود ولا غيره ببنت شفة؟! بينما علا الشهيق والزفير في إشاعة تهمة ابن عبّاس في أخذه بيت مال البصرة! فدقّت الطبول، وتعدّدت النقول، بما فيه من مقبول ومرذول!!

إنّها المفارقات العجيبة التي تثير التساؤل؟!

ويبقى بيت مال البصرة عرضة للنهب والسلب، ولم يذكر لأبي الأسود في شأنه بيت شعر أو قول نثر، حتّى في آخر أيام خلافة الإمام عليه السلام بعد أن افتتحت مصر واستشهد محمّد بن أبي بكر رضي الله عنه، وطمع معاوية في البصرة، فأرسل عبد الله بن عامر الحضرمي إليها وكتب إلى عثمانية البصرة، وكان ذلك في غياب ابن عبّاس عنها، وقد ذهب إلى الكوفة مسلّياً ومعزّياً للإمام عليه السلام بمقتل محمّد بن أبي بكر رضي الله عنه، وقد استخلف زياد بن أبيه، ولكن زياداً ضعف عن التدبير حين جاء ابن الحضرمي فاستجار بالأزد فأجاروه وحمل معه بيت المال، ونزل عند صبرة بن شيمان الأزدي، وكتب إلى أميره عبد الله بن عبّاس يعلمه بما حدث، وأعلم هو الآخر الإمام عليه السلام بذلك، فأرسل الإمام - بعد خطاب وعتاب على شيعته - جارية بن قدامة السعدي في جريدة من الخيل خمسين رجلاً، فحاصروا ابن الحضرمي ومن معه، وألهبوا عليهم الدور التي كانوا فيها ناراً، فأحرقوهم جميعاً، وسمّي جارية محرّقاً، وأعادوا زياداً وبيت المال إلى مقرّه، وقد مرّ هذا الحديث في الحلقة الأولى(1)فراجع!


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع/حبر الأمّة وولايته على البصرة (فتنة ابن الحضرمي بالبصرة).

أقول: فلم يذكر لأبي الأسود في هذا الحدَث أيُّ دور يذكر، سوى استشارة زياد له في حديث عابر حول استجارته بالأزد، فأشار عليه بصواب رأيه في ذلك!

ويطول بنا غياب ذكر أبي الأسود عن بيت مال البصرة، على توالي الأحداث التي جرت عليه، وبعد انقضاء حكومة معاوية، وطمع ابن الزبير في إقامة حكم له، فأرسل أخاه مصعب إلى البصرة، ثمّ كتب إليه يعزله ويخليه عنها إلى ابنه حمزة، وعاد ذكر بيت مال البصرة إلى الظهور، فهو مطمع الولاة، ومطمع الأنفس، فاحتمله حمزة وكان أحمق، فشكاه الأحنف ابن قيس ووجوه أهل البصرة وكتبوا إلى أبيه الزبير بعزله وإعادة مصعب فاستجاب، فحمل حمزة بيت المال واعترضه مالك بن مسمع، وقال له: لا ندعك تخرج بأعطياتنا، فضمن له عبيد الله بن عبد الله بن معمر العطاء كاملاً فكفّ، وتخلّص حمزة بالمال، فترك أباه وأتى المدينة، فأودع المال رجالاً فذهبوا به، وما وفى له إلاّ يهودي، فقال أبوه: أبعده الله، أردنا أن نباهي به بني مروان فنكص(1).

فتبيّن أنّ بيت مال البصرة هو المخترق في كلّ حين، وهو المنطلق لخيانة الولاة الحاكمين، وقد تكرّر ذلك منهم؛ لكن اللافت للنظر! غياب ذكر أبي الأسود، وذكر رؤساء الأخماس وعشائرهم بالصورة رويت في تهمة خيانة ابن عبّاس، مع أنّ نوع المال واحد، وصورة كصورة، منع، ودفع كلا منع، فأين غابوا عن حمزة بن عبد الله بن الزبير؟


1) - أنساب الأشراف 5/257، ط أفست المثنى.

وما بال ابن الزبير يغرّد على المنبر بمكّة فيندّد بابن عبّاس وأنّه حمل بيت مال البصرة، ثمّ هو أخرس مخنس عن ذكر ابنه حمزة الذي حمل المال من البصرة ولم يأته به، بل أودعه رجال بالمدينة فذهبوا به إلاّ يهودياً وفى له؟!

ولولا ازوداجية المعايير من وراء التعبير بسوء التعيير والتشهير، وإلاّ فلا فرق بين المالين نوعاً وكيفاً، لكن ابن الزبير يبغض ابن عبّاس وبقية أهل البيت، وقال عن نفسه: إنّه يكتم بغضهم منذ أربعين سنة(1).

وأمّا عن ابنه حمزة فلم يزده بغير: ((أبعده الله، أردنا أن نباهي به بني مروان فنكص))(2).

ولندع حمزة الذي أخلف ظنّ أبيه فيه، فماذا كان من ابن الزبير في أخيه مصعب وقد حمل من بيت مال الكوفة من دون اعتراض أحد، ولا تعريض من أخيه، والخبر ثابت من دون شكّ أو تمريض، فقد رواه البلاذري - في عزل مصعب وتولية حمزة - قال: ((... فغضب مصعب وشخص إلى مكّة وحمل معه مالاً من مال الكوفة...))(3)، فما الذي قال فيه أخوه؟


1) - مروج الذهب 2/102، ط مصر الأولى، و3/89 تح محمّد محي الدين عبد الحميد، ط مصر، وراجع الجزء الخامس من الحلقة الأولى من هذه الموسوعة.

2) - جاء في أنساب الأشراف 5/258، ط أفست المثنى، عن مصعب بن زيد قال: وفرغنا يوماً من الخوارج ونحن بالأهواز، فخرج حمزة على فرسه مطلقاً برحات قبائه، فكأنّي أنظر إلى تكة سراويله قد بدت على قربوس سرجه وهو يركض، فكان وجهه إلى البصرة ولم يلق قتالاً... فهذا حمزة الأحمق الجبان الخوآن الذي أراد أبوه أن يباهي به بني مروان فنكص.

3) - أنساب الأشراف 5/195.

ولندع هذا أيضاً، وهلّم إلى قراءة عابرة، وإشارة معبّرة عن خيانات عمّال ابن الزبير، فقد ذكرهم ابن همام في قصيدة بعث بها إلى ابن الزبير، استعرض فيها أسماءهم، وما اختانوه، تحسن مراجعتها لطرافتها مشروحة جاء في أواخرها:

كانوا أتونا رجّالاً لا ركاب لهم*** فأصبحوا اليوم أهل الخيل والإبل(1)

وقد مرّ نحو هذا الحال من خيانة العمّال، في أيام عمر بن الخطّاب، غير أنّ عمر وطأ على صماخهم، فأغرمهم وشاطرهم، أمّا ابن الزبير فلم يصنع شيئاً، وإنّما كان هو مثلهم، فهمّه دراهم العراق، وهمّ بني مروان دراهم الشام على حدّ قول ابن عمر(2)، فليهرب من بني أُميّة وآل الزبير، فإنّهم يدعون إلى النار(3)، وزاد في حنق ابن الزبير على ابن عبّاس ما كان يبلغه عنه من التنديد به، وتخذيل الناس عنه، حتّى روى البلاذري في أنسابه: ((عن أبي حمزة، قال: قلت لابن عبّاس: إنّي بايعت ابن الزبير فأعطاني وحملني على فرس، أفأقاتل معه؟ قال: لا تقاتل معه وردّ عليه ما أعطاك، واشتر بغلاً أو بغلين وغلاماً، واغز المشركين، فإن قتلت على ذلك كنت شهيداً إن شاء الله تعالى، قال: فرددت على ابن الزبير ما أخذت منه))(4).


1) - أنساب الأشراف 5/191 - 194.

2) - أنساب الأشراف 5/195.

3) - أنساب الأشراف 5/195 - 196.

4) - أنساب الأشراف 5/196.

بدايات هل لها نهايات؟

لمّا كان لكلّ بداية نهاية إمّا مفرحة أو محزنة، مصيبة أو مخطئة، فما بال هذا العنوان فيه السؤال عن نهاية الحال؟

إنّه سؤال يتبعه سؤال، وآخر بلا آخر، لأنّ عناصر التضبيب إذا تجمّعت من كلّ صوب مثل قزع الخريف، يسوقها الهواء من كلّ حدب وصوب، فتتجمّع وتغيم السماء، فإن أمطرت فرذاذاً وسُرعان ما تتكشّف الأجواء ويعتدل الهواء.

فهل أنّ عناصر التضبيب حول ابن عبّاس كذلك؟ أم أنّها تجمّعت بداياتها ولم تتكشف نهاياتها؟ حتّى لقد أمطرت ابن عبّاس في سلوكياته بوابل اتهامات، فمن بدء حياته مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قالوا عنه وفيه ما يشين..

فقالوا: ((كيف ابن عشر سنين يروي من الحديث المئين؟)).

ثمّ قالوا عنه: هو من الذين أخذوا من أهل الكتاب، جعلوه مثل أبي هريرة؟ وجعله مثله خطأ من دون ارتياب! فأبو هريرة أكذبه من الصحابة عمر وضرب ظهره حتّى أدماه، وأكذبته عائشة، وأكذبه عليّ عليه السلام، وقد مرّ هذا ونحوه في الحلقة الثانية من الموسوعة(1)فراجع! ولم يرد في ابن عبّاس من أيّ من الصحابة مثل ذلك، بل العكس، فراجع ما قالوا عنه: كان عمر يقدّمه مع شيوخ الصحابة في مجلسه، فيسمع منه، ويستشيره فيشير، حتّى أنّه أراد أن يولّيه على حمص، لكنّه خشي أن يستحلّ الفيء على التأويل، وهذا بيت القصيد!


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السادس/ الباب الأوّل، الفصل الأوّل.

وهذه إحدى البدايات لحديث الخيانة، إذ لقحت الأذهان بأنّ ابن عبّاس ممّن يستحلّ الفيء على التأويل، فلا غرابة فيما روي عنه عملاً في بيت مال البصرة ما ليس يخفى عن المعذّرين!

وقالوا عنه: كان وسيط صلح، له مساعي حميدة في تنقية الجوّ ما بين زعيمي بني عبد مناف المتنافسين بين عثمان وبين عليّ منذ خدعة الشورى كما سمّاها الإمام عليه السلام، فهو في توسطه كان وسطاً، لكنّه هاشمي، فليحمل عليه غلطاً، فيقال: أنّه قال: (لو لم يطلب بثار عثمان لرموا بالحجارة من السماء)! فمن قال هذا كيف يحضر حرب الجمل وصفّين بسيفين؟!

وقالوا عنه لمّا بايع المسلمون ابن عمّه بالخلافة: كان معه مستشاراً ووزيراً، ووليّاً وحافظاً، لم يغب عنه في مشهد، ولم يخذله في موقف، ولم يتخلّف عنه في أمر، وقد ولاّه الإمام عليه السلام على البصرة وهي عثمانية الهوى، ثقة بكفائته وإدارته، وأثار هذا التعيين همزاً ولمزاً، حتّى قال من سخط: ((علام قتلنا الشيخ بالأمس؟!))، وقد مرّت الإشارة إلى هذا في الجزء الرابع من الموسوعة(1)فراجع!

تجد بدايات من بقع السياسة بدت في سماء البصرة أيام ولايته، وتزايدت مع مرور الزمان، من بعد صفّين والنهروان، وكثرت الخروقات والمروقات، وحتّى السروقات - إن صحّ التعبير - ممّا أغام سماء الخلافة فضلاً عن الولاية بركام لا بغمام، مستهدفة زعزعة الحكم، وتفلّت الأمر،


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع/حبر الأمّة وولايته على البصرة (لماذا قتلنا الشيخ بالأمس؟).

واستعصى الرتق، لكثرة الرشق واتساع الفتق، ففي كورة من كور الأهواز يكسر الخراج ويهرب به ناهبه إلى معاوية، وفي كورة أخرى يطرد والي الإمام عليه السلام وهو سهل بن حنيف..

وهكذا توالت الخروقات كما قلت، وابن عبّاس يومئذ بالكوفة وقد استخلف على البصرة زياداً على الخراج، وأبا الأسود على الصلاة، وما دام الحال في سفال، لماذا لا ينال ابن عبّاس من سوء المقال، وسوء الفعال، وثمّة أرضية صالحة لبذر ما يشين خميرة العجين، فيستخبز منها خبزاً نضيجاً، يشبع نهم الجائعين من الوضّاعين.

فبالأمس ما هو البعيد البعيد، وقبل أن يأتي ابن عبّاس البصرة، كان عبد الله بن عامر بن كريز والياً عليها من قبل عثمان، ولمّا نشب الأمر وقتل عثمان، حمل ابن عامر بيت مال البصرة وخرج سالماً آمناً، كما مرّت الإشارة إلى هذا من قبل، واليوم وقد سطع نجم وأفل آخر، وبدت أحداث الأطراف تتوالى، وابن عبّاس أهل أن تدور عليه الدوائر.

وفي تاريخ الوضّاعين ما يثبت هذا.. ألم يعترف أبو عصمة نوح بن أبي مريم بأنّه وضع الحديث الطويل العريض في فضل سور القرآن عن عكرمة عن ابن عبّاس، ولمّا سئل عن ذلك من أين لك هذا؟ قال: إنّي رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمّد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة؟!(1)


1) - تدريب الراوي، للسيوطي 1/282، ط2 تح عبد الوهاب عبد اللطيف، ط مصر.

وكان يقال لأبي عصمة هذا: (نوح الجامع)، قال ابن حبّان: ((جمع كلّ شيء إلاّ الصدق))(1).

وكم مثل هذا في مطايا العطايا، وسوء السجايا، وإن أعوزتهم النصوص، في معرفة الأسماء بالخصوص، ففي الرواية المجهولة السند كفاية، نحو: (عن شيخ من أهل اليمامة)، كما في رجال الكشي، أو: (غير جماعة)، كما في سند عمر بن شبّة البصري عند الطبري في تاريخه، أو: (سمعنا أشياخنا من أهل البصرة)، كما في قول الأزرق اليشكري عند ابن عبد ربّه الأندلسي في (العقد الفريد)، ونحو هذا ما يغني عن معرفة الرجال، ستراً على الحال، وأنّى يفتقر الكذبة وفيهم مثل الشعبي، والزهري، ومعلى ابن هلال، وقد مرّ في بعض التعقيبات، كشف حال بعض الرواة؛ فراجع!

إذاً ما دام التحريف والتصحيف أهون من الكذب - كما مرّ من قول (نوح الجامع) من التخريف - فليكن ابن عبّاس بدل ابن عامر، وثمّة خميرة يستخبز منها كما قلت ما يشبع نهم الوضّاعين، وليكن ابن عبّاس هو الضحية.

وهذه بداية يمكن أن يشار عليها من أطراف المحيط، فابن عبّاس أيام ولايته، كان معه زياد، وكان معه أبو الأسود، وقد استخلفهما في غيابه عن المصر في حرب صفّين، وحرب النهروان، وإقامة الموسم سنة (39ه-)، فهو وهما ثالوث مقدّس! أو ثالوث مدنّس! سؤال يحتاج إلى قراءة ما في التاريخ يومئذ بوعي؟


1) - المصدر نفسه.

وخير من قرأته قد أبان جانباً من الحقيقة هو ابن أعثم الكوفي (ت نحو 314ه-) في كتابه (الفتوح)، ولتنوير القارئ أذكر له تعريف ابن أعثم نقلاً عن (معجم الأدباء) لياقوت الحموي (ت626ه-):

((قال: أحمد بن أعثم الكوفي: أبو محمّد الأخباري المؤرّخ، كان شيعياً، وهو عند أصحاب الحديث ضعيف، وله كتاب التاريخ إلى آخر أيام المقتدر، ابتدأه بأيام المأمون، ويوشك أن يكون ذيلاً على الأوّل، رأيت الكتابين.

وقال أبو الحسين بن أحمد السلام البيهقي: أنشدني ابن أعثم الكوفي:

إذا أعتذر الصديق إليك يوماً*** من التقصير عُذرَ أخ مقرّ

فصنه عن جفائك وارضَ عنه*** فإن الصفح شيمة كلّ حرّ))(1)

وترجمه الصفدي في (الوافي بالوفيات)، فقال: ((أحمد بن أعثم الكوفي أبو محمّد الأخباري المؤرّخ الشيعي، قال ياقوت: هو عند أصحاب الحديث ضعيف، له كتاب (المألوف)، وكتاب (الفتوح) معروف ذكر فيه إلى أيام الرشيد، وله التاريخ إلى أيام المقتدر ابتدأه بأيام المأمون، ويوشك أن يكون ذيلاً على الأوّل))(2).

وأحسب بهذا المسطور ما يكفي في تعريفه، وإن كان السهمي المتوفى سنة (427ه-) ذكر في (تاريخ جرجان) رجلاً باسم أحمد بن أعثم


1) - معجم الأدباء 2/230 - 231، ط دار المأمون بمصر.

2) - الوافي بالوفيات 6/256.

ابن نذير بن الحباب بن كعب بن حبيب الأزري الكوفي، كان بجرجان وحدّث بها(1)... وذكر حديثه(2)فهل هو المعنيّ في المقام؟ وليس لي كثير اهتمام في تحقيقه، وإنّما الذي يعنيني ما قاله في تاريخه (الفتوح)، إذ ساق في الجزء الرابع خبر الثلاثة: ابن عبّاس، وزياد، وأبو الأسود، فقال:

((خبر عبد الله بن عبّاس وزياد بن أبيه وأبي الأسود الدؤلي(3)وما جرى بينهم:

قال: ثمّ بعث عليّ إلى عبد الله بن العبّاس وهو عامله على البصرة يأمره أن يخرج إلى الموسم فيقيم الحجّ للناس. قال: فدعا عبد الله بن عبّاس بأبي الأسود الدؤلي فاستخلفه على صلاة البصرة، ودعا بزياد بن أبيه فجعله على الخراج، وتجهز عبد الله بن عبّاس وخرج إلى الموسم. قال: وجرت بين أبي الأسود وزياد بن أبيه منافرة، فهجاه أبو الأسود، وقال فيه(4): [هذه الأبيات]:

ألاّ بلّغا عنّي زياداً رسالة*** يُحثّ إليه حيث كان من الأرض

فما لك من ورد إذا ما لقيتني*** يقطع دوني طرف عيني كالمغضي(5)

وما لي إذا ما أخلف الودّ بيننا*** أمر القوى منه (و) تعمل في النقض


1) - تاريخ جرجان: 50، ط حيدر أباد.

2) - وقد كتبت له ترجمة بنصوص المؤرّخين في أوّل كتابه الفتوح، ط دار الندوة الجديدة بيروت.

3) - اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، تابعي، انظر التجريد 1/301.

4) - ما بين الحاجزين من د وبر، وفي الأصل مكانه: شعراً.

5) - من بر، وفي د: كالغمض.

ألم تر أنّي لا أكوّن شيمتي*** يكوّن غول الأرض في الطول والعرض]

قال: ثمّ بلغ أبا الأسود بعد ذلك [أن] زياداً يشتمه ويقول فيه القبيح، فأنشأ يقول:(1)

[نبئت أنّ زياداً ظلّ يشتمني*** والقول يكتب عند الله والعمل

قد لقيت زياداً ثمّ قلت له*** من قبل ذلك ما جاءت به الرسل

حتام تذكرني في كلّ مجتمع*** عرضاً وأنت إذا ما شئت تنتقل

حتام تشتمني حتام تذكرني*** وقد ظلمت وتستعفي وتنتصل(2)

ثمّ(3)تعود وتنسى(4)ما يوافقني*** والعذر يندم (و) النسيان والعجلٍ]

قال: وقدم عبد الله بن العبّاس من الحجّ، فأقبل إليه زياد بن أبيه فشكى إليه أبا(5)الأسود الدؤلي وذكر أن قد هجاه، فأرسل إليه ابن عبّاس فدعاه فقال: أما والله، لو كنت من البهائهم لكنت جملاً، ولو كنت للجمل راعياً لما بلغت به المرعى ولا أحسنت(6)القيام عليه في الماء، ما لك وللأحرار! تهجوهم وتقول فيهم القبيح وتذكر أعراضهم بما لا يجب، أُخرج عنّي، فعل الله بك وفعل!


1) - ما بين الحاجزين من د وبر، وفي الأصل مكانه: شعراً.

2) - في د: يستعفي وينتصل، وفي بر بلا نقط.

3) - في د و بر: تمت.

4) - في د و بر: ينسى.

5) - في الأصل: أبو، وفي د و بر: أبى.

6) - في الأصل و د و بر: احنت - كذا.

قال: فخرج أبو الأسود من عند ابن عبّاس مغضباً، ثمّ كتب إلى عليّ ابن أبي طالب: أمّا بعد، فإنّ الله تبارك وتعالى قد جعلك يا أمير المؤمنين والياً مؤتمناً وراعياً مسؤولاً، ولقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للرعية، توفّر عليهم حقوقهم وتزجر نفسك عن دنياهم، ولا تأكل أموالهم ولا ترتشي في أموالهم، وأنّ ابن عمّك هذا قد أكل مال الله بغير حقّ، فلم يسعني(1)كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هاهنا وأكتب إليَّ برأيك فيما أحببت من ذلك - إن شاء الله -.

قال: فكتب إليه عليّ(رضي الله عنه): أمّا بعد: فمثلك نصح الإمام والأُمّة ودلّ(2)على الحقّ، وقد كتبت(3)إلى صاحبك فيما ذكرت من أمره ولم أعلمه بكتابك إليَّ، فلا تدعن إعلامي بما يكون بحضرتك ما فيه النظر لأُمّة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإنّه واجب عليك في دينك - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

قال: ثمّ كتب(4)عليّ إلى عبد الله بن العبّاس: أمّا بعد، يا بن العبّاس! فقد بلغني عنك أُمور الله أعلم بها، فإن تكن(5)حقّاً فلست أرضاها لك، وإن تكن باطلاً فإثمها على من اقترفها، فإذا ورد عليك كتابي هذا فأعلمني في


1) - في د: فلم يستسعني - كذا.

2) - من الطبري 6/81، وفي الأصل: ولى، وفي د و بر: والى.

3) - في الأصل و د و بر: كتب. والتصحيح من الطبري 6/82: كتبت.

4) - سقط من د.

5) - بر: فان تك.

جوابه ما أخذت من مال البصرة، من أين أخذته، وفيم وضعته.

قال: فكتب إليه ابن عبّاس: أمّا بعد، فقد علمتُ الذي بلغك عنّي، وإنّ الذي أبلغك الباطل، وإنّي لما(1)تحت يدي لضابط وحافظ، فلا تصدّق أقوال الوشاة ما لم يكن، وأمّا تعظيمك مرزأة(2)ما رزأته(3)من هذه البلدة، فو الله لئن ألقى الله عزّ وجلّ بما في الأرض [من لُجينها وعقيانها وعلى ظهرها من طلاعها أحبّ إليَّ من [أن -3] ألقاه وقد أرقتُ دماء الأُمّة؛ فابعث إلى عملك من أحببت فإنّي معتزل عنه - والسلام -.

قال: ثمّ اعتزل ابن عبّاس عمل البصرة وقعد في منزله، فكتب إليه عليّ ابن أبي طالب(4)(رضي الله عنه) بكتاب يعذله فيه على غضبه ويكذب من سعى به إليه وأعاده إلى عمله))(5).

أقول: وهذه نافذة تضيء ما خفي وراء التعتيم، على كثرة مصادر الإدانة، فعندها تلتقي أدلّة النافين، وتبقى الصورة تحت الفحص، ويبقى ابن عبّاس في الميزان، وتبقى رواية ابن أعثم هي الأتمّ لترفع عنه المأثم، ولكنّنا نعود إلى النصوص وفحصها، لمعرفة ما اتّفقت على روايته، وما تزيّد فيها من عناصر التضبيب.


1) - في د: الذي.

2) - في الأصل و د و بر: برزية، والتصحيح من الطبري 6/82.

3) - من بر.

4) - ليس في بر.

5) - الفتوح 4: 242.

من أوائل البدايات:

ما أجمل ذكريات الشباب الحوزوي حين يذكرها الشيخ - مثلي - فيتذكّر أيام التحصيل في شبابه، وفلتات التعطيل، وهو يردّد رجز ألفية ابن مالك، فمنه ممّا بقي لا يبارح ذهني من محفوظات الشباب، قول ابن مالك في باب التنازع في العمل:

إنّ عاملان اقتضيا في اسم عمل*** قبلُ فللواحد منهما العمل

والثاني أولى عند أهل البصرة*** واختار عكسا غيرهم ذا أسرة

قد لا تكون لفتة بارعة، ولكن لا تخلو من حكمة جامعة، وتذكرة نافعة، بأنّ أبا الأسود، وزياداً كلاهما بصريّان، ومن وجوه أهلها، ولكلّ منهما ما يميّزه عن صاحبه في المسالك والمدارك، بل وحتّى في الخَلق والخُلُق، فلا زياد يزاحم أبا الأسود فيما كان عنده وفيه من الصفات، حسنات أو سيئات، وكذلك أبو الأسود لا يزاحم زياداً فيما عنده من الهنات أو الهيئات، ويكفي أبا الأسود امتيازه بالعلم والأدب وطهارة المولد التي أهّلته لأنّ يستخلف في إقامة الصلاة، ويكفي زياداً تفرّده بحسن الإدارة والسياسة والدهاء، ليتولّى ما يتعلّق بها، فلا موجب للتنافس بينهما عادة، لكنّها - المنافسة - وقد يلقحها الحسد، ويوري نارها قالة السوء، فتلقحها شعواء إذا ما شبّت النار.

فإنّ النار بالعودين تذكى*** وإنّ الحرب أوّلها كلام

لقد روى المؤرّخون أنّ ابن عبّاس لمّا ذهب إلى الكوفة إلى حرب

صفّين، ولّى أبا الأسود على الصلاة وزياداً على الخراج، ولم يشرك بينهما في الولاية، ولم يخطئ في ذلك التعيين، فأبو الأسود للصلاة لأنّه عادل وطاهر المولد، بخلاف زياد بن سمية الذي يفتقد طهارة المولد، بينما يجدها ويعتمدها أبو الأسود.

وعيّن زياداً للإدارة والخراج، وهو الخبير بها علماً وعملاً، وقد كان من قبل كاتباً لمن سبق من ولاة البصرة، فهو بهذا من أهل الخبرة ممّا لم يُعرف به يوماً أبي الأسود، فلا تزاحم بينهما في موكب ولا منكب إذاً فلماذا الشحناء؟ ولماذا النفرة؟ ولماذا تكدّر جوّ الصفاء وحسن التعامل ما بين العامليَن، على ما بين أعمالهما من فرقة البين؟

قالوا: ولمّا عاد ابن عبّاس من حرب صفّين لم يجد النفار ظاهراً بين الرجلين ولا بدت واضحة معالمه، لكنّه لمّا خرج إلى إقامة الموسم سنة (39ه-) سار على نهجه الأوّل في التعيين، وجرى عند ابن عبّاس عتباً ولكن من دون عقاب، ولكن أبا الأسود كان سمّاعة لكلّ شاردة وواردة، فتهتاج قريحته الناقدة الحاردة، فصار يهجو زياداً علانية، فشكاه زياد إلى ابن عبّاس، فأغلظ له ابن عبّاس في العتاب، بما أفقده وجه الصواب، وكأنّه أراد أن ينتقم لنفسه ويثأر لكرامته، فقالوا: إنّه كتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام كتاباً اتّهم فيه ابن عبّاس بالخيانة - وأنا على شكّ من صحّة هذا الخبر، لِما سيأتي بيانه - فأبو الأسود أعقل من أن يكذب، فالكذب فجور وحبله قصير، وأمير المؤمنين عليه السلام أسمى من أن يطيش سهمه في غرب من دون سبب جليّ وثابت، ولا بدّ من تحقيق، فهذه بداية للقصّة المحبوكة المشكوكة، كما

سيأتي بيان في جوانب صدقها وكذبها، ونعود إلى أبي الأسود الذي تناول زياداً بالهجاء فأقذع، ثمّ لمّا تغيّرت الرياح فخضع وخنع، إنّها لطبيعة الشعراء ذوي النفس المهموزة والمهزوزة، وإنّا لنربأ بأبي الأسود عن هذا، ولكن هذا ما كان وحصل.

فلنقرأ ماذا قال أبو الأسود في هذا كما روته الرواة، - وما آفة الأخبار إلاّ رواتها - وحيث لا يوجد دخان من دون نار، فلا بدّ من صحّة بعض الأخبار.

ذكر أبو الفرج في (الأغاني) عن أبي بكر الهذلي، قال: كان عليّ بن أبي طالب عليه السلام استعمل أبا الأسود على البصرة واستكتب زياد بن أبيه على الديوان والخراج، فجعل زياد يسبع - يشتم - أبا الأسود عند عليّ ويقع فيه ويبغى عليه، فلمّا بلغ ذلك أبا الأسود، قال فيه:

رأيت زياداً ينتحيني بشرّه*** وأعرض عنه وهو باد مقاتله

وكلّ امرئ والله بالناس عالم*** له عادة قامت عليها شمائله

تعودّها فيما مضى من شبابه*** كذلك يدعو كلّ امرأ وائله

ويعجبه صفحي له وتجّملي*** وذو الجهل يحدو الجهل من لا يعاجله

فقلت له دعني وشأني إنّنا*** كلانا عليه معملٌ هو عامله

فلولا الذي قد يرتجى من رجائه*** لجرّبت منّي بعض ما أنت جاهله

لجرّبت أنّي أمنح الغيّ من غوى*** عليّ وأجزي ما جزى وأطاوله(1)


1) - الأغاني 12/311.

أفلا يدلّ قوله:

فقلت له دعني وشأني إنّنا*** كلانا عليه معملٌ هو عامله

على أنّ كلاًّ من زياد وأبي الأسود موظّف بوظيفة يعمل حسب وظيفته، ولا نجد حقبة من الزمان اشتركا فيها كموظفَين، جنباً إلى جنب، إلاّ في ولاية ابن عبّاس، عند غيابه عن البصرة، حيث يستخلف زياداً على الخراج، وأبا الأسود على الصلاة، وقيل: على القضاء، ولم يذكر - تاريخياً - حدوث نبوة بين العاملين في سفر من أسفار ابن عبّاس، إلاّ في سفره إلى إقامة الموسم سنة (39ه-)، وهو الحديث الذي ذكره ابن أعثم، وذكر لأبي الأسود أشعار هجاء في زياد.

وفي تهديد أبي الأسود ما يزيد بياناً ففي قوله:

فلولا الذي قد يرتجى من رجائه*** لجرّبت منّي بعض ما أنت جاهله

فثمّة من يرتجى وله سلطة تخوّله ردّ المعتدي، ولولا خوف ذلك المرتجى لكان لي معك شأن أنت جاهله، وهذا وعيد وتهديد بكامن القوّة عنده.

وقد ذكر القفطي في (إنباه الرواة)(1)هذا الخبر بزيادة وتفاوت؛ فراجع!

وذكر أبو الفرج في (الأغاني): وقال أبو الأسود لزياد بن أبيه أيضاً في ذلك:


1) - إنباه الرواة 1/18.

نبئت أنّ زياداً ظلّ يشتمني*** والقول يكتبُ عند الله والعمل

وقد لقيت زياداً ثمّ قلت له*** وقبل ذلك ما خبّت به الرسل

حتام تسرقني في كلّ مجمعة*** عرضي وأنت أنّا ما شئت منتقل

كلّ امرئ سائر يوماً لشيمته*** في كلّ منزلة يولي به الرجل

ولكن لمّا تغيّرت الرياح بعد مرور زمان، وادّعى معاوية زياداً وولاّه العراقين، كان أبو الأسود يأتيه فيسأله حوائجه، فربّما قضاها وربّما منعها، لِما يعلمه من رأيه وهواه في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وما كان بينهما في تلك الأيام، وهما عاملان، فكتب أبو الأسود يترضّاه ويداريه ما استطاع، ويقول في ذلك:

رأيت زياداً صدّ عنّي بوجهه*** ولم يك مردوداً عن الخير سائله

ينفّذ حاجات الرجال وحاجتي*** كداء الجوى في جوفه لا يزايله

فلا أنا ناس ما نسيتُ فآيسٌ*** ولا أنا راء ما رأيت ففاعله

وفي اليأس حزم للبيب وراحة*** من الأمر لا ينسى ولا المرء نائله(1)

وذكر أبو الفرج أيضاً عن بعض الرواة: إنّ أبا الأسود الدؤلي اعتذر إلى زياد في شيء جرى بينهما، فكأنّه لم يقبل عذره، فأنشأ يقول:

إنّني مجرم وأنت أحقّ الناس*** أن تقبل الغداة اعتذاري

فاعف عنّي فقد سفهتُ وأنت*** المرء تعفو عن الهناة الكبار


1) - الأغاني 12/312.

فتبسم زياد وقال: أمّا إذا كان هذا قولك فقد قبلت عذرك وعفوت عن ذنبك(1).

وروى أبو الفرج في (الأغاني) بسنده عن أبي عبيد معمر بن المثنى، قال: كان أبو الأسود الدؤلي كاتباً لابن عبّاس على البصرة، وهو الذي يقول:

وإذا طلبت من الحوائج حاجة*** فادع الإله وأحسن الأعمالا

فليعطينك ما أراد بقدرة*** فهو اللطيف لما أراد فعالا

إنّ العباد وشأنهم وأُمورهم*** بيد الإله يقلّب الأحوالا

فدع العباد ولا تكن بطلابهم*** لهجاً تضعضع للعباد سؤالا(2)

وتبّدا لي أنّ أبا الأسود كان قوّالاً في شعره أكثر منه فعّالاً في أمره، فالذي يقول ما تقدّم من الشعر لا يتوجّه إلى الحصين بن أبي الحرّ العنبري - جدّ عبد الله بن الحسن القاضي - وهو يلي بعض أعمال الخراج لزياد، وإلى نُعيم بن مسعود النهشلي، وكان يلي مثل ذلك، فوجّه إليهما برسول وكتب معه إليهما وأراد أن يُبرّاه، ففعل ذلك نُعيم بن مسعود، ورمى الحصين بن أبي الحرّ بكتاب أبي الأسود وراء ظهره، فعاد الرجل فأخبره، فقال أبو الأسود للحصين:

حسبت كتابي إذ أتاك تعرّضا*** لسيبك لم يذهب رجائي هنالكا

وخبّرني مَن كنتُ أرسلتُ إنّما*** أخذت كتابي معرضاً بشمالكا

نظرت إلى عنوانه فنبذته*** كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا


1) - الأغاني 12/332.

2) - الأغاني 12/301، ط دار الكتب.

نُعيم بن مسعود أحقّ بما أت*** ىوأنت بما تأتي حقيق بذلكا

يصيب وما يدري ويخطي وما درى*** وكيف يكون النوك إلاّ كذلكا(1)

وأفضح من هذا وأفضع، ما رواه أبو الفرج عن المدائني، قال: وكان أبو الأسود يدخل على عبيد الله بن زياد فيشكو إليه أنّ عليه ديناً لا يجد إلى قضائه سبيلاً، فيقول له: إذا كان غد فارفع إليَّ حاجتك، فإنّي أحبّ قضاءها، فيدخل إليه من غدّ، فيذكر له أمره ووعده، فيتغافل عنه، ثمّ يعاوده فلا يصنع في أمره شيئاً، فقال فيه أبو الأسود:

دعاني أميري كي أفوه بحاجتي*** فقلت فما ردّ الجواب وما استمع

فقمت ولم أحسس بشيء ولم أصن*** كلامي وخير القول ما صين أو نفع

وأجمعت يأساً لا لبانة بعده*** ولليأس أدنى للعفاف من الطمع(2)

وقد تبيّن لي أنّ هذا الإنسان في تعامله مع الولاة على حدّ قوله هو بما نصح به ولده أبا حرب - وكان له صديق من باهلة يكثر زيارته - فكان أبو الأسود يكرهه ويستريب منه، فقال:

أحبب إذا أحببت حبّاً مقاربا*** فإنّك لا تدري متى أنت نازع

وأبغض إذا أبغضت بغضاً مقاربا*** فإنّك لا تدري متى أنت راجع

وكن معدناً للعلم واصفح عن الخنا*** فإنّك راء ما عملت وسامع(3)


1) - الأغاني 12/307.

2) - الأغاني 12/313.

3) - الأغاني 12/317.

ولكن أبا الأسود قد بلغ به الحاجة، فيهم ولا يريهم، ومن الشواهد على هذا قصّته مع مولى كاتب عبد الله بن عامر، وقد أوصاه حاجة له، فضمن له قضاءها، ثمّ لم يصنع فيها شيئاً، فقال أبو الأسود:

لعمري لقد أوصيت أمس بحاجتي*** فتى غير ذي قصد عليَّ ولا رؤف

ولا عارف ما كان بيني وبينه*** ومن خير ما أدلى به المرء ما عرف

وما كان ما أمّلت منه ففاتني*** بأوّل خير من أخي ثقة صُرف(1)

فرحم الله أبا الأسود فقد كان موصوفاً بما فيه، ولم يوصف بأنّه مشاء بنميم، فما باله طفح به الكيل؟ ولكنّه شاعر وللشعر آفات ولقائله عثرات:

فما كان معصوماً ولا ذو براءة*** بل المرء إنسان يخبّ ويطلع

وران عليه نظمه الشعر طامعا*** كذلك قوّال إذا هو يطمع

فيرضى إذا أُعطي ويهجو بمنعه*** خطيئات قول الشعر يُعطي ويمنع

وأخيراً رحم الله ابن مالك الذي أذكرني قوله في باب التنازع في العمل، وحالة الإعراب عند الأعراب فلم أبتعد عن جوّه كثيراً، فأبو الأسود معلّم العربية، وزياد بن أبيه من دُهاة الأعراب، وهما قد تنازعا في قطر عمل، فتنافرا وتهاجرا وتناصرا بأميرها - ابن عبّاس - فأدال زياداً وأدان أبا الأسود، فناله ما ناله، فكان كما قيل فيه ممّا يحكي حاله:

ولّى ابن عبّاس أمير البصرة*** أعمالها ممّن ترجّى النصرة


1) - الأغاني 12/333.

ولي أبا الأسود للصلاة*** ثم زيادا الخراج والجباة

حاطتهما الظنون بالخيانة*** واحتكما الأمير بالإدانة

تنافرا وشاع ذا في الناس*** واحتكما الأمر فتى العبّاس

بينهما قد دُقّ عطر منشم*** بين الثلاث كلّهم لم يسلم

شراكة العمّال للتنافس*** مدعاة كلّ هاجس الوساوس

إن عاملان اشتركا قطرا عمل*** يغريهما تنافس فيما حصل

فهكذا جاءت به الرواية*** ما لابن عبّاس وذي الحكاية

فكلّ ما قيل لنا فيه نظر*** في رؤية التحقيق تصديق الخبر

مَن الوالي: زياد أو أبو الأسود؟

من الخير في التحقيق معرفة ماذا كانت ولاية زياد؟ وماذا كانت ولاية أبي الأسود؟ ثمّ من ولاّهما؟ هل هو الإمام أمير المؤمنين عليه السلام؟ أم هو ابن عبّاس عن أمره، أو بدون إذنه؟

ولمعرفة الجواب: نقرأ ما رواه البلاذري في (أنساب الأشراف) في ترجمة الإمام عليه السلام: ((قالوا: ولمّا بايع عليّ أهل البصرة أراد الشخوص إلى الكوفة، فاستخلف عليهم عبد الله بن العبّاس على البصرة. وخطب الناس

• فأمر أهلها بالسمع والطاعة له، وضمّ إليه زياد بن أبي سفيان كاتباً - وكان يقال له يومئذ زياد بن عبيد...))(1).

1) - أنساب الأشراف 2/271 تح المحمودي برقم 351.

ومعنى الاستكتاب هو: الاستيزار، ووظيفة الكاتب أنّه صاحب تدبير الأُمور، والنائب عنه في أُموره عند غيابه(1).

فهذا النص للبلاذري ذكر زياداً كاتباً لابن عبّاس بتعيين من الإمام عليه السلام، ولم يذكر لأبي الأسود مشاركة في الإدارة من قبل الإمام عليه السلام، غير أنّ ابن سعد ذكر في (الطبقات)، فقال: ((وكان عبد الله بن عبّاس لمّا خرج من البصرة استخلف عليها أبا الأسود الدؤلي فأقرّه عليّ بن أبي طالب))(2).

وهذا النص لا يخلو من إيهام، ومن دون اتّهام؛ فإنّ ابن عبّاس قد خرج من البصرة عدّة مرّات: فذهب إلى الكوفة في طريقه إلى صفّين، ثمّ ثانية إلى حرب الخوارج في النهروان، ثمّ ثالثة إلى مواساة الإمام وتعزيته بمقتل محمّد بن أبي بكر بمصر، ورابعة وخامسة إلى إقامة الموسم في الحجّ سنتي (38 و39ه-)، وقد مرّ تفصيل هذا كلّه في الحلقة الأولى(3).

فأيّ مرّة من تلك المرّات استخلف ابن عبّاس أبا الأسود على البصرة (لمّا خرج منها فأقرّه عليّ بن أبي طالب؟) كما يقول ابن سعد؟

ثمّ إنّ المرّات التي استخلف فيها ابن عبّاس أبا الأسود، فقد استخلفه على الصلاة فقط، واستخلف زياداً على الخراج، وإنّما فرّق بين شؤون الولاية بينهما، لأنّ الصلاة من الشؤون الدينية، وطهارة المولد مفقودة في


1) - انظر: موسوعة عبد الله بن عبّاس الجزء الرابع/ حبر الأُمّة وولايته على البصرة.

2) - الطبقات 9/98 نشر الخانجي بمصر.

3) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع/ حبر الأُمّة وولايته على البصرة.

زياد، فأبو الأسود أولى بها، بخلاف الشؤون الإدارية، فقد كان زياد ابن بجدتها، فهل أنّ ما ذكره ابن سعد أراد إحدى هذه المرّات؟ أو أراد - من طرف خفي - مغادرة ابن عبّاس مغاضباً ومفارقاً؟ واحتمال المراد هذه المرّة فبعيد غايته، وذلك إنّما كان أبو الأسود هو سبب الوشاية التي أدّت إلى المفارقة، وكانت المعاناة فكيف يستخلفه وهو مغاضب له؟!

وزاد في الطنبور نغمة لتأكيد التهمة، ما رواه أبو الفرج الأصبهاني في (أغانيه) - وقد مرّ في مدوّنات القرن الرابع(1)- وفيه قال: ((أخبرني محمّد بن العبّاس اليزيدي.. وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمّار... قالوا: لمّا خرج ابن عبّاس رضي الله عنه إلى المدينة من البصرة تبعه أبو الأسود في قومه ليردّه، فاعتصم عبد الله بأخواله من بني هلال فمنعوه، وكادت تكون بينهم حرب، فقال لهم بنو هلال: ننشدكم ا لله أن لا تسفكوا بيننا دماء تبقى معها العداوة إلى آخر الأبد، وأمير المؤمنين أولى بابن عمّه، فلا تدخلوا أنفسكم بينهما، فرجعت كنانة عنه، وكتب أبو الأسود إلى عليّ عليه السلام فأخبره بما جرى، فولاّه البصرة)). ومرّ التعقيب على ما في هذا سنداً ومتناً(2)فراجع!

وستبقى علامات الاستفهام تترى وتبرى مع رواية كلّ هُمزة ولُمزة من حذّاق الرواة في تكثيف الضبابية على الإدانة بحديث الخيانة.

وممّا زاد في ضبابية الرؤية التاريخية لحديث مال البصرة: ما مهّد له


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السابع عشر/ مدونات القرن الرابع عشر/ الخامس: الأغاني.

2) - المصدر نفسه.

ابن عبد ربّه الأندلسي (الناصبي) في (العقد الفريد) من ذكر محاورة عمر مع ابن عبّاس في شأن توليته حمص وقد مات عاملها، وقد مرّ هذا في مدونات القرن الرابع(1)فراجع!

فمن عناصر التضبيب: ذكر بطون تميم مع القبائل التي خرجت لمنع ابن عبّاس من حمل المال، وإصرارهم على القتال تمشيّاً مع تسلسل الحوادث السابقة، وتنمّر ابن عبّاس لهم سابقاً، وما ذكرهم مراراً إلاّ من حذق الرواة الذين نسجوا الحال والمقال، ونشروا الغسيل على الحبال.

ومن عناصر التضبيب: ما دار من حديث بين سليمان بن علي بن عبد الله بن عبّاس - أمير البصرة يومئذ - وبين عمرو بن عبيد - من رؤوس المعتزلة - حول قول صاحبه - الحسن البصري - في الإمام عليّ عليه السلام وفي ابن عبّاس من قول تجريح وتقبيح، فأنكر عمرو بن عبيد ذلك، وإنّ في زجّ اسم الحسن البصري يكشف عن دور له في ابتداع القصّة وتلميع الصورة، على أن لا نغفل عن كونه معدوداً من المدلّسين عند المحدّثين.

بل ترقّى ابن أبي الحديد فعدّه من المنحرفين عن عليّ عليه السلام ولم ينهض معه من المدينة، ولم يحضر البصرة إلاّ بعد انقضاء ولاية ابن عبّاس، فكلّ ما جاء عنه ممّا يوهم بحضوره كقوله: (خطبنا ابن عبّاس) - ليس يعني حضوره بشخصه وسماعه بإذنه، وقد اعتذر عنه أصحابه وأحبابه بأنّ المراد: (خطبنا) يعني: أهل البصرة، وليكن هذا من أنحاء تدليسه!


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السابع عشر/مدونات القرن الرابع عشر/الرابع: العقد الفريد.

وكلّ هذه الضبابيات لا تنافي وقوع نحو تصرّف من ابن عبّاس في بيت مال البصرة، أمّا متى؟ وكيف؟ وهل صحّ وقوع الخيانة؟ أو لم يصحّ فلا إدانة؟

والجواب: ما يجده القارئ في العنوان التالي (صدّقوا وكذّبوا) في أواخر هذا الجزء، إن شاء الله.

ولعلّ أهم ما تمسّك به الناقدون هو ما جاء في (نهج البلاغة) من كتاب الإمام عليه السلام إلى بعض عمّاله، وفي الكتاب ما دلّ على أنّ المكتوب إليه من أبناء عمّه، وله مقام رفيع ما كان معه يتوقّع منه ما جرى.

ولمّا كان الشريف الرضي رحمه الله لم يذكر سنداً له، ولم يعيّن المكتوب إليه باسمه، كما هو المتيقّن لخلوّ النسخ القديمة عن ذكره، وإن أُلحق في بعض المخطوطات في الهامش، أو كالشرح تحت العنوان!

ومن الغريب العجيب! الإصرار على صحّة ما فيه، وهو ينافي ما جاء في آخر الخطبة الشقشقية المعلوم زمانها ومكانها وراويها ابن عبّاس، حيث قال للإمام عليه السلام: ((لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت))، فقال له عليه السلام: (هيهات يا بن عبّاس! تلك شقشقة هدرت ثمّ قرت...)، ومعلوم أنّ الخطبة كانت في الكوفة وبعد واقعة النهروان، التي ورد ذكرها في الخطبة.

فإن صحّت الخطبة، بطل الكتاب جملة وتفصيلاً! لأنّه فيه ذكر مفارقة ابن عبّاس وحمله ما في بيت المال معه وسكناه بمكّة، وشراؤه مولِدات مكّة والطائف، فمتى كان زمان هذه المفارقة المزعومة؟

فإن قيل: بعد زمان الخطبة، فليس فيه متّسع لذلك! فإنّ ما بين الرجوع من النهروان وشهادة الإمام إلاّ أيام قليلة، كما سيأتي مزيد إيضاح حول هذا الموضوع.

ومهما يكن، فلا مناص لباحث أن يتخطّى معرضاً عمّا في (نهج البلاغة)، فهو وإن كان من الموروث المقدّس - وإن لم يقل ذلك مؤلّفه فيه - فلنقرأ ماذا عند شرّاحه، مع تناهي الغفلة من بعضهم عمّا مرّ التنبيه عليه من منافاة الوقوع لصحّة الخطبة الشقشقية التي رواها ابن عبّاس.

مع شرّاح نهج البلاغة

إنّ مشكلة تقديس الموروث على ما فيه وما بين دفتيه، تبقى قائمة عند البعض، لذلك لم يستطع كثير من أن يتهضّمها على الصعيد العملي التطبيقي، كما لم يستطع أن يتهضّم حقيقة أنّ صحّة السند تعني دائماً صحّة المتن بالضرورة، فكم في التراث آثار مروية بسند صحيح غير أنّ الحقيقة على خلاف ذلك، ومهما قيل في الاعتذار وللتقصي عن هذا الإشكال، فهو تمحّل في التوجيه لا يقنع، ولا يغني ولا ينفع.

ومشكلة كتاب (نهج البلاغة) ازدادت تعقيداً بين الغلوّ والتقصير، فمن منكر أنّه ليس من كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وساعده موروثه المغشوش العقائدي، إذ لم يتخلّ عن عقيدته في الصحابة وليس يرضى بأنّهم بشر مثل سائر البشر، وقد يصدر من بعضهم ما يشينه، ويضعه ذلك على المحكّ، فكيف يقول فيهم الإمام عليه السلام ما قال؟ وفي مقابل هذا المنكر المتشدّد، هناك من يجزم ويُلزم بصحّة جميع ما في (النهج) من ألفه إلى يائه، ولا يرضى بأن نقول له: حنانيك رويداً، فليس الشريف الرضي رحمه الله كان معاصراً لأمير المؤمنين عليه السلام فسمع منه جمع كلامه الذي كتبه، وإنّما أخذه عن طريق الروايات، وها هو يقول في مقدّمة كتابه بعد بيان غرضه في جمعه: ((...وربّما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردّد، والمعنى المكرّر، والعذر في ذلك أنّ روايات كلامه عليه السلام تختلف اختلافاً شديداً، فربّما اتّفق

الكلام المختار في رواية فنُقل على وجهه، ثمّ وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعاً غير موضعه الأوّل، إمّا بزيادة مختارة، أو لفظ أحسن عبارة، فتقتضي الحال أن يعاد استظهاراً للاختيار... وربّما بُعد العهد أيضاً بما اختير أوّلاً، فأعيد بعضه سهواً أو نسياناً، لا قصداً واعتماداً...)).

وورد مكرّراً في (النهج) ما أشار إليه الشريف في هذه المقدّمة من رواياته المرسلة.

كما في خطبة له قال: ((روي عن نوف البكالي، قال: خطبنا بهذه الخطبة وهو قائم على حجارة...))(1)الخ.

وفي خطبة له وفي كتاب كتبه لشريح بن الحارث قاضيه، وهو ثالث سلسلة كتبه في (النهج): ((روي أنّ شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين عليه السلام اشترى على عهده داراً بثمانين ديناراً فبلغه ذلك فاستدعاه، وقال له...))(2).

وقال الرضي: ((ومن كتابه له إلى طلحة والزبير، مع عمران بن الحصين الخزاعي، ذكره أبو جعفر الإسكافي في كتاب المقامات في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام))(3).

وقال الرضي تعقيباً على كلام له عليه برقم (23): ((وقد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدّم من الخطب، إلاّ أنّ فيه هاهنا زيادة أوجبت تكريره))(4).

وقال تعليقاً على (66): ((ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العبّاس،


1) - نهج البلاغة: 260 تحقيق صبحي صالح.

2) - نهج البلاغة: 356.

3) - نهج البلاغة: 446.

4) - نهج البلاغة: 379.

وقد تقدّم ذكره بخلاف هذه الرواية...))(1).

وقال تعليقاً على كتاب (74): ((ومن حلف له عليه السلام كتبه بين ربيعة واليمن، ونقل من خطّ هشام ابن الكلبي))(2).

وقال تعليقاً على كتاب (75): ((إلى معاوية في أوّل ما بويع له، ذكره الواقدي في كتاب الجمل))(3).

وقال تعليقاً على كتاب (78): ((ومن كتاب له إلى أبي موسى الأشعري، جواباً في أمر الحكمين ذكره سعيد بن يحيى الأموي في كتاب المغازي، إلى غير هذا ممّا صرّح بأخذه من الرواة))(4).

فعلى هذا البيان يبقى كتاب (نهج البلاغة) الذي جمعه الشريف الرضي كسائر الكتب التي يؤخذ منها ويترك، ولا غضاضة على الشريف رحمه الله ، فهو قد جمع ولم يستقص، وما كلّ ما جمع تفحّص إسناده، وليبق هو وكتابه على المحكّ، وقد مرّ منّي بعض هذا التعقيب على ما أورده في النهج (ومن كتاب له إلى بعض عمّاله)، وهو الذي أثار زوبعة النقد والردّ، فكان لشرّاح (النهج) مواقف متفاوتة.

وأنّى لمثلي قليل البضاعة، الإحاطة التامّة بما قاله جميع شارحوا (نهج البلاغة) في هذا المجال، لكثرتهم، وعدم الاطّلاع على جميع كتبهم، لذلك


1) - نهج البلاغة: 457.

2) - نهج البلاغة: 464.

3) - شرح نهج البلاغة، للبحراني 5/233.

4) - نهج البلاغة: 80 .

أكتفي في المقام بالميسور منها، فاخترت نخبة من المعاصرين، وأحسب في هذا ما يكفي القارئ اطّلاعاً على ما عندهم من آراء ومواقف حول حديث الخيانة - إن صحّت هوية المرسل إليه الكتاب - إمّا دفاعاً أو إدانة، أو لا هذا ولا ذاك، بل يبقى الاعتراف بالعجز عن قبول المنقول، وقبوله المعلول، فالوقوف عند الحيرة خير من اقتحام الغمرة.

ولمّا كانت الشروح المعروفة المشهورة: كشرح ابن أبي الحديد، وشرح ابن ميثم، والقطب الراوندي، وأمثالها، قد استفاض النقل عنها في كتب المتأخّرين، وهي كتب مطبوعة مكرّراً، ولا يعسر الحصول عليها، فسوف لا أذكر ما جاء فيها، وعلى الطالب الرجوع إليها، وأختار ثلاثة من المتأخّرين المعاصرين، وقد مضوا إلى رحمة ربّهم - وإنّا بهم وعلى هديهم لاحقون إن شاء الله تعالى - فهم حسب وفياتهم:

1- الشيخ محمّد باقر المحمودي (ت1427ه-).

2- الشيخ محمّد تقي التستري (ت1415ه-).

3- الشيخ محمّد جواد مغنية (ت1400ه-).

فإلى القارئ ما قالوه دون تعليق عليه إلاّ نادراً في الهامش:

مواقف دفاع من غير انقطاع

اشارة

لقد أدلى علماء الدفاع بحججهم كلّ على شاكلته، وأكثرهم حرصاً على الموائمة بين ما ورد في (نهج البلاغة) من قول الشريف (ومن كتاب له إلى بعض عمّاله)، وبين ما هو المعروف من مواقف ابن عبّاس في نصرة ابن عمّه في حياته وبعد شهادته، وهذه الموائمة من مشاكل تقديس الموروث، وقد يستغلق الأمر عليهم، ويعسر الوصول بهم إلى ما يريدون ممّا جمعوه وظنّوه حلاّل المشاكل، ونسوا أنّ قداسة الموروث ليست تحلّ مشكلة، وإنّما نقد الأصول وتحرّي الحقائق التاريخية وإيضاحها وعرضها كما هي على أساس تواريخها أمر ضروري لا محيص عنه، كما بيّنت هذا قريباً في عملي، ولمّا كان من وفّق لشرح (نهج البلاغة) قد ابتلي بالاختبار في حلّ المشكلة ليوائم بين ما أورده الشريف الرضي رحمه الله (ومن كتاب له إلى بعض عمّاله)، وبين السيرة الذاتية لابن عبّاس في إخلاصه وولائه لابن عمّه، وسلك كلّ مسلكاً منجاة له فيما حسبه، بناء على تفسير النص بلغة مفرداته بعد الاطمئنان بصحّته، وهذا لا يخلو من جهد يتوخّى صاحبه الموائمة بين قداسة الموروث وبين السيرة الذاتية لابن عبّاس، وأختار من هذا النمط ثلاثة من الشيوخ المعاصرين، وأذكرهم حسب صدور كتبهم:

الأول : العلامة الشيخ محمد باقر المحمودي و كتابه (نهج السعادة)

الأوّل :صديقنا المرحوم العلاّمة الشيخ محمّد باقر المحمودي

قال في الجزء الخامس من كتابه (نهج السعادة)(1):

(( ... -163-

ومن كتاب له عليه السلام

إلى عبد الله بن عبّاس رحمه الله وهو عامله على البصرة.

بسم الله الرّحمن الرحيم، من عبد الله عليٍّ أمير المؤمنين، إلى عبد الله بن عبّاس، أمّا بعد، فانظر ما اجتمع عندك من غلاّت المسلمين وفيئهم فاقسمه في من قبلك حتّى تغنيهم، وابعث إلينا بما فضل نقسمه فيمن قبلنا، والسلام(2).

كتاب صفّين ط مصر، ص156، ط2.

• 164 -

ومن كتاب له عليه السلام

إلى عبد الله بن العبّاس رحمه الله أيضاً.


1) - نهج السعادة 5/321 - 349، ط1 مطبعة النعمان النجف الأشرف.

2) - وقريب منه ذكره عليه السلام في كتابه إلى قثم بن العبّاس، كما في المختار (67) من كتب النهج. وتقدّم قريباً منه أيضاً في كتابه عليه السلام إلى سليمان بن صرد رحمه الله.

أمّا بعد، فاطلب ما يعنيك، واترك ما لا يعنيك(1)، فإنّ في ترك ما لا يعنيك درك ما يعنيك، وإنّما تقدّم على ما أسلفت لا على ما خلفت(2)، وابن ما تلقاه على ما تلقاه [كذا] والسلام.

المختار (148) من كلمه (عليه السلام) من كتاب تحف العقول ص152. ورواه عنه في البحار: ج17/131/ س9 عكسا، ط الكمباني.

• 165 -

ومن كتاب له عليه السلام

إلى العبد الصالح أبي الأسود الدئلي رحمه الله

قال الطبري: حدّثني عمر بن شبه، قال: حدّثني جماعة، عن أبي مخنف، عن سليمان بن راشد، عن عبد الرحمان بن عبيد أبي الكنود(3)، قال:


1) - يقال: (عنى يعني - من باب رمى - عناية وعناية وعنيا - كسحابة وحكاية وهوية -) الأمر فلاناً: شغله وأهمه.

2) - يقال: (قدم - من باب علم - قدوماً ومقدماً وقدماناً المدينة): أتاها. ومن سفره: عاد. والمصادر على زنة السرور، ومرحب وغلمان.

3) - وفى العقد الفريد: (وروى أبو مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمان بن عبيد، قال: مرّ ابن عبّاس على أبي الأسود الدؤلي، فقال له: لو كنت من البهائم لكنت جملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت المرعى له. فكتب أبو الأسود إلى عليّ: أمّا بعد، فإنّ الله جعلك والياً...) الخ، وفى أنساب الأشراف ص331: (فمرّ ابن عبّاس بأبي الأسود، فقال له: يا أبا الأسود! لو كنت من البهائم كنت جملاً، ولو كنت له راعياً ما بلغت به المرعى، ولا أحسنت مهنته في المشتى).

مرّ عبد الله بن عبّاس على أبي الأسود الدئلي، فقال: لو كنت من البهائم كنت جملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت من المرعى، ولا أحسنت مهنته في المشي(1).

قال: فكتب أبو الأسود إلى عليّ [أمير المؤمنين عليه السلام]:

أمّا بعد، فإنّ الله جلّ وعلا جعلك والياً مؤتمناً، وراعياً مستولياً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للرعية، توفر لهم فيأهم، وتظلف نفسك عن دنياهم فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وإنّ عاملك وابن عمّك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هناك، واكتب إليّ برأيك فيما أحببت أنته إليه (ظ) والسلام.

[فلمّا بلغ كتابه إلى أمير المؤمنين عليه السلام أجابه بما لفظه]:

أمّا بعد، فمثلك نصح الإمام والأُمّة، وأدى الأمانة، ودلّ على الحقّ(2)، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إليَّ فيه من أمره، ولم أعلمه أنّك كتبت [إليَّ]، فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك ممّا النظر فيه للأُمّة صلاح، فإنّك بذلك جدير، وهو حقّ واجب عليك، والسلام.

تاريخ الطبري: ج4 ص108، وفي ط ص81 ج6. وكتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج2 ص242، وفي ط2 ج3


1) - (المهنة) بكسر الميم وفتحها - مع سكون الهاء فيهما - وكجبلة ومرحة: الخدمة. الإصلاح.

2) - الأفعال الثلاثة إخبار يراد به الطلب والحث، أي أنّ مثلك فلينصح الإمام ويكون خالصاً في خدماته له، وليؤدّ الأمانة، وليدلّ على الحقّ.

ص120، تحت الرقم (17)، ونقله عنهما تحت الرقم (536) من جمهرة الرسائل: ج1 ص588، وذكره أيضاً مع الكتاب الآتي، وكتاب أبي الأسود المتقدّم، أعثم الكوفي، كما في المترجم من تاريخه ص308 ط الهند. ورواه أيضاً في أنساب البلاذري ص331 مرسلاً.

• 166 -

ومن كتاب له عليه السلام

إلى ابن عبّاس رحمه الله.

وبالسند المتقدّم في الهامش عن العقد الفريد - قال: ثمّ كتب [أمير المؤمنين] عليّ [عليه السلام] إلى ابن عبّاس:

أمّا بعد، فإنّه قد بلغني عنك أمرٌ إن كنت فعلته فقد أسخطت الله، وأخربت أمانتك، وعصيت إمامك، وخنت المسلمين(1).

بلغني أنّك خربت الأرض وأكلت ما تحت يدك(2)، فارفع إليَّ حسابك، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس(3)، والسلام.


1) - وفي المختار (40) من كتب نهج البلاغة: (إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك، وعصيت إمامك، وخزيت أمانتك) الخ.

2) - وفى المختار المتقدّم من نهج البلاغة: (بلغني أنّك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك، وأكلت ما تحت يديك).

3) - وينبغي أن يكون ما جعله الطبري أوّل كتبه عليه السلام إلى ابن عبّاس في هذه القصّة، مرتّباً على قوله عليه السلام هنا هكذا: (واعلم، أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس) فأعلمني ما أخذت من الجزية من أين أخذت، وفيم وضعت. (والسلام).

فكتب إليه ابن عبّاس:

أما بعد، فإنّ كلّ الذي بلغك باطل، وأنا لِما تحت يدي ضابط، وعليه حافظ، فلا تصدق الضنين. [الظنون (خ) الطبري].

وقريب منه في ترجمته (عليه السلام) من (أنساب الأشراف).

• 167 -

ومن كتاب له عليه السلام

إلى عبد الله بن عبّاس أيضاً جواباً لكتابه المتقدّم.

أمّا بعد، فإنّه لا يسعني تركك حتّى تُعلمني ما أخذت من الجزية من أين أخذته، وما وضعت منها فيم وضعته، فاتّق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك إياه(1)، فإنّ المتاع بما أنت رازمه قليلٌ، وتباعته وبيلة لا تبيد(2)

• كرمان - والمتاع مرزوم. والتباعة - على زنة الإشارة -: ما يترتّب على العمل ويلحقه من الخير، أو الشرّ، إلاّ أنّ استعماله في الشرّ أكثر، والوبيل: الشديد الوخيم. أي اتّق الله يا بن عبّاس ولا تغير بما تحوزه وتجمعه، فإنّ تمتعك بما أنت جامعه وتستولي عليه قليل، وما يترتّب على جمعك من غير استحقاق، من السوء والمؤاخذة وخيم لا نفاد له، بل مستمر.، والسلام.

وقريب منه في أنساب الأشراف، ص331.


1) - أي اتّق الله فيما جعلك أمينا عليه، وفيما طلبت حفظه ووقايته منك. يقال: (استرعاه الشيء): طلب منه حفظه.

2) - يقال: (رزم - من باب نصر - رزما) الشيء: جمعه وشدّه، فهو رازم والجمع رزام

• 168 -

ومن كتاب له عليه السلام

إلى ابن عبّاس أيضاً.

قال ابن عبد ربّه: وقال سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن عبيد، عن أبي الكنود [كذا]، قال: كنت من أعوان عبد الله بن عبّاس بالبصرة، فلمّا كان من أمره ما كان، أتيت عليّاً فأخبرته، فقال: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ(1)، ثمّ كتب معه إلى [ابن عبّاس](2)

وفى تذكرة سبط ابن الجوزي: (فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد حرب، والعدوّ قد كلب، وأمانة الناس قد خربت، والأُمّة قد افتتنت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، بمفارقته من المفارقين، وخذلانه مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من مال الأُمّة اختطاف الذئب فاردة المعزي.. الخ.

أقول: (كلب الزمان): اشتد. وكلب فلان: غضب وسفه. وكلب زيد على الأمر: حرص عليه. وكلب على الرجل: ألح عليه. وكلب في كذا: طمع فيه. وهو من باب (علم) ومصدره على زنة (فرس). ويقال: (حرد - من باب علم - حردا وحردا عليه): غضب، فهو حارد وحرد، كفرح - والمصدر كفرس وفلس. ويقال: حرب الرجل: اشتد غيظه، فهو حرب: شديد الغيظ، وجمعه حربي - كسلمي - وهو أيضاً من باب علم، ومصدره على زنة الفرس. وقلبت له ظهر المجنّ، أي أقدمت على ضرره، وقمت على خلافه كأقدام من يترك قائده في الحرب، ويتّصل بعدوّه ويهجما معاً عليه.

:

1) - سورة الأعراف/175.

2) - وفى رجال الكشي رحمه الله: قال شيخ من أهل اليمامة، يذكر عن معلى بن هلال، عن الشعبي، قال: لمّا احتمل عبد الله بن عبّاس، بيت مال البصرة، وذهب به إلى الحجاز، كتب إليه عليّ ابن أبي طالب عليه السلام. من عبد الله عليّ بن أبي طالب (أمير المؤمنين) إلى عبد الله بن عبّاس، أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، ولم يكن أحد من أهل بيتي في نفسي أوثق منك لمواساتي وموازرتي وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ عليه قد حرب، وأمانة الناس قد عزت، وهذه الأُمور قد فشت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ. وفارقته مع المفارقين، وخذلته أسوء خذلان الخاذلين.. الخ.

أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، ولم يكن من أهل بيتي رجلٌ أوثق عندي منك بمواساتي وموازرتي بأداء الأمانة، فلمّا رأيت الزّمان قد كَلبَ على ابن عمّك، والعدوّ قد حَردَ، وأمانة النّاس قد خربت، وهذه الأُمّة قد فتنت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوء خذلان، وخنته مع من خان، فلا ابن عمّك آسيت، ولا الأمانة أدّيت، كأنّك لم تكن على بينةٍ من ربّك(1)وإنّما كدت أمّة محمّد [صلّى الله عليه وآله] عن دنياهم، وغدرتهم عن فيئهم، فلَمّا أمكنتك الفرصة في خيانة الأُمّة، أسرعت الغدرة، وعاجلت الوثبة، فاختطفت ما قدرت من أموالهم، وانقلبت بها إلى الحجاز، كأنّك إنّما حزت على أهلك ميراثك من أبيك وأمّك(2)، فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد؟ أما تخاف الحساب، أما تعلم أنّك


1) - وفى رجال الكشي، بعد قوله: (الخاذلين) هكذا: (فكأنّك لم تكن تريد الله بجهادك، وكأنّك لم تكن على بينة من ربّك، وكأنّك إنّما كنت تكيد أُمّة محمّد صلي الله عليه وآله وسلم على دنياهم وتغري غرتهم) الخ.

2) - وفى رجال الكشي: (فلمّا أمكنتك الشدّة في خيانة أُمّة محمّد، أسرعت الوثبة، وعجلت العدوة، فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة، كأنّك - لا أبالك - إنّما جررت إلى أهلك تراثك من أبيك وأُمّك) أقول: الشدّة - بفتح أوّله -: الحملة، من قولهم: (شدّ - من باب مدّ، وفرّ - شدّ وشدوداً - كفلساً وفلوساً - وشدّة) على العدو: حمل عليه. والذئب الأزل: الخفيف الوركين، والذئب بهذا الوصف أسرع وثبة وأشدّ عدواً. والمعزى كالمعز، والمعيز، اسم لجنس معروف من الحيوان، وهو أخت الضأن. والدامية: الملطوخة بالدم، والكسيرة: المكسورة الأعضاء.

تأكل حراماً، وتشرب حراماً، وتشتري الإماء وتنكحهم بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين في سبيل الله التي أفاء الله عليهم(1)؟!

فاتّق الله وأدّ إلى القوم أموالهم، فإنّك والله لئن لم تفعل وأمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك، فوالله لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادةٌ(2)، ولما تركتهما حتّى آخذ للحقّ منهما، والسّلام.


1) - وفى التذكرة: (أما توقن بالمعاد، ولا تخاف ربّ العباد، أما يكبر عليك أنك تأكل الحرام، وتنكح الحرام، وتشتري الإماء بأموال الأرامل والأيتام) الخ. وفى الكشي: (سبحان الله! أما تؤمن بالمعاد، أو ما تخاف من سوء الحساب، أو ما يكبر عليك أن تشتري الإماء وتنكح النساء بأموال الأرامل والمهاجرين الذين أفاء الله عليهم هذه البلاد) الخ.

2) - وفى التذكرة: (أردد إلى المسلمين أموالهم، والله لئن لم تفعل لأعذرن الله فيك، فإنّ الحسن والحسين لو فعلا ما فعلت لما كان لهما عندي هوادة، والسلام). وفى رجال الكشي رحمه الله: (أردد إلى القوم أموالهم، فوالله لئن لم تفعل ثمّ أمكنني الله منك، لأعذرن الله فيك والله (كذا) فوالله لو أنّ حسناً وحسيناً فعلا مثل الذي فعلت، لما كان لهما عندي في ذلك هوادة ولا لواحد منهما عندي فيه رخصة، حتّى آخذ الحقّ وأزيح الجور عن مظلومهما، والسلام). وفى نهج البلاغة: (فاتّق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنّك إن لم تفعل ثمّ أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلاّ دخل النار، والله لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة، ولا ظفرا منّي بإرادة حتّى آخذ الحقّ منهما، وأزيل الباطل عن مظلمتهما، وأقسم بالله ربّ العالمين ما يسرني أنّ ما أخذته من أموالهم حلال لي أتركه ميراثاً لمن بعدي، فضح رويدا) الخ. أقول: الهوادة - كشهادة -: اللين والرفق. ما يرجى به الصلاح. الميل. المحاباة. المساهلة.

أقول: وهذا رواه أيضاً السيّد الرضي رحمه الله في المختار) (41 / أو 44) من الباب الثاني من نهج البلاغة مع زيادات جيدة منها ذيل المختار التالي.

ورواه أيضاً باختلاف طفيف الميداني في المثل المعروف: (قلب له ظهر المجنّ) من كتاب مجمع الأمثال، ورواه أيضاً في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الأشراف 333، إلاّ أنّه ذكر الجميع مرسلاً وبلفظ: قالوا.

• 169 -

ومن كتاب له عليه السلام

إلى ابن عبّاس أيضاً.

ولمّا وصل كتابه عليه السلام - المتقدّم - إلى ابن عبّاس أجابه بما لفظه:

أمّا بعد، فقد بلغني كتابك تعظم عليَّ إصابة المال الذي أصبت من بيت مال البصرة(1)، ولعمري، إنّ حقّي في بيت مال الله أكثر ممّا أخذت، والسلام(2).

فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام:

أمّا بعد، فإنّ العجب كلّ العجب منك، إذ ترى لنفسك في بيت مال الله


1) - وفي رجال الكشي: (فقد أتاني كتابك تعظم عليَّ إصابة المال الذي أخذته من بيت مال البصرة، ولعمري أنّ لي في بيت مال الله أكثر ممّا أخذت، والسلام). وقريب منهما في شرح المختار (41) من كتب النهج.

2) - ومن هذا يستفاد أنّ مقدار ما أخذه من بيت المال كان قليلاً بحيث يسري إليه شبهة الاستحقاق.

أكثر ممّا لرجلٍ من المسلمين(1)، قد أفلحت إن كان تمنّيك الباطل، وادّعاؤك ما لا يكون ينجيك من الإثم، ويحلّ لك ما حرّم الله عليك.

عمرك الله إنّك لأنت البعيد البعيد(2)، قد بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطناً، وضربت بها عطناً(3)، تشتري المولّدات من المدينة والطّائف، وتختارهنّ على عينك، وتعطي بها مال غيرك(4)، وإنّي أُقسم بالله ربّي وربّك وربّ العزّة ما أحبّ أنّ ما أخذت من أموالهم لي حلالاً أدعه ميراثاً لعقبي(5)، فما بال


1) - وفي رجال الكشي: (أمّا بعد، فالعجب كلّ العجب من تزيين نفسك أنّ لك في بيت مال الله أكثر ممّا أخذت، وأكثر ممّا لرجل من المسلمين، قد أفلحت) الخ. وفي أنساب الأشراف: (أمّا بعد، فان من أعجب العجب تزيين نفسك لك أنّ لك في بيت المال من الحقّ أكثر ممّا لرجل من المسلمين) الخ.

2) - كذا في العقد الفريد، وفى رجال الكشي رحمه الله: (عمرك الله أنّك لأنت العبد المهتدي إذن) ولا يبعد أن يكون ما في نسختي من العقد الفريد، محرّفاً، وصوابه: (أنّك لأنت السعيد السعيد). وقوله عليه السلام: (عمرك الله) دعاء له استعطافاً، وهذا اللفظ ونظيره ممّا شاع استعماله في الدعاء في عصرنا أيضاً، في لغة العرب والفرس معاً، يقولون: (أبقاك الله) ويقول الإيرانيون: (خدا عمرت بدهد).

3) - العطن - كفرس -: مبرك الإبل ومربض الغنم حول الماء - ومثله المعطن على زنة المجلس والمربع - وجمعه معاطن. وفى الكلام من المبالغة ما لا يخفى.

4) - المولدة - على زنة اسم المفعول -: الجارية المولودة بين العرب. و(على عينك) أي على نفسك، أي ترجح اقتناء الجواري وتملكهن على صلاح نفسك وشخصك. وفى رجال الكشي: (تشتري مولدات مكّة والطائف تختارهن على عينك، وتعطي فيهن مال غيرك) الخ.

5) - وفى رجال الكشي: (وإنّي لأقسم بالله ربّي وربّك ربّ العزّة ما يسرني أنّ ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبي ميراثاً) الخ. وفي التذكرة: (وإنّي أقسم بالله ما أحبّ أنّ ما أخذت من أموالهم حلالاً أدعه بعدي ميراثاً، فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك غداً بالمحل الأعلى الذي يتمنّى فيه المضيع للتوبة الخلاص، (ولات حين مناص).

اغتباطك به تأكله حراماً(1).

ضحّ رويداً(2)فكأنّك قد بلغت المدى [ودفنت تحت الثّرى (ن)] وعُرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي فيه المغترّ بالحسرة، ويتمنّى المضيّع التّوبة، والظالم الرجعة [ولات حين مناصٍ ((ن))]

أقول: وهذا الذيل - عدا ما وضعناه بين المعقوفين فإنّه من نهج البلاغة - رواه أيضاً ابن عساكر - في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق ص139، وفي النسخة المسندة: ج38 ص86 - عن أبي القاسم العلوي، عن رشا بن نظيف، عن الحسن بن إسماعيل، عن أحمد بن مروان، عن محمّد ابن عبد العزيز، عن محمّد بن الحرث، عن المدائني، قال: كتب عليّ بن أبي طالب إلى بعض عمّاله: (رويداً فكأن قد بلغت المدى) الخ. وقريب منه جدّاً في أنساب الأشراف.

-170-

ومن كتاب له عليه السلام

وهي الصورة الثانية من الكتاب المتقدّم.


1) - وفى رجال الكشي: (فلا غروا أشدّ باغتباطك تأكله، رويداً رويداً فكأن قد بلغت المدى، وعرضت على ربّك (با) لمحلّ الذي تتمنّى الرجعة (كذا) والمضيع للتوبة، ذلك وما ذلك ولات حين مناص، والسلام).

2) - أي تأنّ بنفسك تأنّياً ولا تعجل إلى الشهوات، يقال: (ضحى عن الأمر تضحية: تأنّى ولم يعجل عليه. و(ضح رويداً): لا تعجل. و(أورد أرواداً ورويداً): رفق وتمهل.

أمّا بعد، فإنّ من العجب أن تزيّن لك نفسك أنّ لك في بيت مال المسلمين من الحقّ أكثر ممّا لرجلٍ واحدٍ من المسلمين، فقد أفلحت إن كان تمنّيك الباطل وادّعاؤك ما لا يكون ينجيك من المآثمْ، ويحلّ لك المحرّم، إنّك لأنت المهتدي السّعيد إذاً.

وقد بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطناً، وضربت بها عطنا، تشتري بها مولّدات مكّة والمدينة والطّائف، تختارهنّ على عينك، وتعطي فيهن مال غيرك، فارجع هداك الله إلى رشدك، وتب إلى الله ربّك، واخرج إلى المسلمين من أموالهم فعمّا قليلٍ تفارق من ألفت، وتترك ما جمعت، وتغيب في صدعٍ من الأرض غير موسّدٍ ولا ممهّدٍ(1)، قد فارقت الأحباب، وسكنت التّراب، وواجهت الحساب، غنيّاً عمّا خلّفت، فقيراً إلى ما قدّمت، والسلام.

شرح المختار (41) من كتب نهج البلاغة، من ابن أبي الحديد: ج16 / 170، وفي ط ج3 / 72. وفي ط ج4 ص64.

-171-

ومن كتاب له عليه السلام

إلى ابن عبّاس رحمه الله لمّا تاب من زلّته وخرج من خطيئته، واستولت عليه الندامة، وتسيطرت عليه الكآبة.

قال اليعقوبي رحمه الله: وكتب أبو الأسود الدؤلي - وكان خليفة عبد الله ابن عبّاس بالبصرة - إلى [أمير المؤمنين] عليّ عليه السلام، يعلمه أنّ عبد الله أخذ من


1) - (صدع) - على زنة الفلس -: الشق. والجمع صدوع كفلوس.

بيت المال عشرة آلاف درهم(1)فكتب [أمير المؤمنين] عليه السلام إليه يأمره بردّها فامتنع، فكتب عليه السلام إليه يقسم له بالله لتردّنها، فلمّا ردّها عبد الله بن عبّاس، أورد أكثرها كتب إليه:

[بسم الله الرّحمن الرّحيم](2)أمّا بعد، فإنّ المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه(3)، فما أتاك من الدنيا فلا تكثر به


1) - وفى ترجمة ابن عبّاس من رجال الكشي: روى علي بن يزداد الصائغ الجرجاني، عن عبد العزيز بن محمّد بن عبد الأعلى الجزري، عن خلف المخزومي البغدادي، عن سفيان (سف خ) بن سعيد، عن الزهري، قال: سمعت الحارث يقول: استعمل عليّ صلوات الله عليه، على البصرة عبد الله بن عبّاس، فحمل كلّ مال في بيت المال بالبصرة، ولحق بمكّة وترك عليّاً عليه السلام، وكان مبلغه ألفي ألف (ألف ألف (خ)) درهم، فصعد عليّ عليه السلام المنبر حين بلغه ذلك فبكى وقال: هذا ابن عمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في علمه وقدره يفعل مثل هذا، فكيف يؤمن من كان دونه، اللّهمّ إنّي قد مللتهم فأرحني منهم واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول. وقال في العقد الفريد: ج3 ص121، وكان مبلغه فيما زعموا: ستّة آلاف ألف، فجعله في الغرائر الخ. وقال سبط ابن الجوزي: في التذكرة: قال هشام: كان الذي أخذه من بيت المال: أربعمائة ألف درهم. وقيل: سبع مائة ألف، ولمّا مضى إلى مكّة، كتب إليه أمير المؤمنين: سلام عليك، أمّا بعد فإنّي أشركتك الخ.

2) - كما في رواية نصر بن مزاحم، ورواية ابن عساكر عن أبي غالب بن البنا، وموفق بن أحمد في المناقب.

3) - وفى رواية الكليني رحمه الله: (ويحزنه ما لم يكن ليصيبه أبداً وإن جهد، فليكن سرورك بما قدمت من عمل صالح أو حكم أو قول، وليكن أسفك فيما فرطت فيه من ذلك، ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر عليه حزناً، وما أصابك منها فلا تنعم به سروراً) الخ. وقريب منه، ما في رواية نصر، في كتاب صفّين. وفى المختار (71، أو 66) من نهج البلاغة: (فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذّة أو شفاء غيظ، ولكن إطفاء باطل أو إحياء حقّ) الخ.

فرحاً، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً(1)، واجعل همّك لما بعد الموت، والسّلام.

فكان ابن عبّاس رحمه الله يقول: ما اتعظت بكلام قطّ اتّعاظي بكلام أمير المؤمنين عليه السلام(2).

تاريخ اليعقوبي: ج2 ص181، ط النجف، وقريب منه في كتاب صفّين ص107، ط مصر، وفي ط ص58 - كما في ثقافة الهند 57 - ونقله عنه في البحار: ج8، ص475، س7 عكسا، ومثله في المختار (29) من كلمه عليه السلام في تحف العقول ص138، وذكر قريباً منه أيضاً في المختار (123) منه، إلاّ أنّه لم يذكر في الموضع الثاني أنّه عليه السلام كتبه إلى ابن عبّاس، ورواه عنه في البحار: ج17، ص226 ط الكمباني س5 عكسا، ونقله أيضاً ابن مسكويه رحمه الله في الحكمة الخالدة ص179، ورواه أيضاً السيّد الرضي رحمه الله في المختار (22، و71) من كتب نهج البلاغة.

ورواه أيضاً الماوردي في كتاب أدب الدنيا والدين، ص64، أواخر


1) - وفى رواية القالي: (فما نالك من دنياك فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك منها فلا تتبعه أسفاً، فليكن سرورك على ما قدّمت، وأسفك على ما خلّفت، وهمّك فيما بعد الموت). وفى أدب الدنيا والدين: (فلا تكن بما نلته من دنياك فرحاً، ولا لما فاتك منها ترحاً، ولا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخّر التوبة لطول الأمل، فكأن قد، والسلام.

2) - وفى المختار (22) من كتب نهج البلاغة: (وكان يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله كانتفاعي بهذا الكلام). وفى أدب الدنيا والدين، للماوردي: قال: عبد الله بن عبّاس: ما انتفعت ولا اتعظت بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بمثل كتاب كتبه إليَّ عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه).

باب أدب العلم(1).

وذكره ابن عبد ربّه في كتاب الزمردة في المواعظ والزهد: ج2، ص93 ط2، ورواه التوحيدي في كتاب البصائر، ص353 - كما في ثقافة الهند، ص57 - ورواه أيضاً الباقلاني في إعجاز القرآن: ج1، ص195، ورواه أيضاً في المختار الأخير، من الباب الرابع من دستور معالم الحكم ص97. ورواه أيضاً محمّد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول ص117، وفي ط ص158، ونقله عنه في البحار: ج17، ص117، س7 عكسا. وقريب منه في أوائل ترجمته عليه السلام من أنساب الأشراف 318، قال: حدّثت عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، قال: كتب عليّ إلى عبد الله ابن عبّاس: (أمّا بعد)... الخ.

ورواه أيضاً ثقة الإسلام الكليني رحمه الله في الحديث (326) من روضة الكافي ص240، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عبّاس... الخ.

وقال القالي في أماليه: ج2 ص96: حدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله ، قال: حدّثني العكلي، عن أبيه، قال: بلغني عن ابن عبّاس رحمه الله أنّه قال: كتب إليَّ عليّ بن أبي طالب رضی الله عنه ، بموعظة ما سررت بموعظة سروري بها... الخ.

وفي الحديث (18) من الفصل (24) من مناقب الخوارزمي ص270: أخبرني أبو المظفر عبد الملك بن علي بن محمّد الهمداني نزيل بغداد،


1) - ورواه ابن الأثير في المثل السائر 1/104، ط مصر سنة 1354 وألحق به في آخره متصلاً به: (ولا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل ويؤخّر التوبة بطول أمل وكأن قد، والسلام) (الخرسان).

أخبرني قلندر بن عبد الرحمن بن شاذي، أخبرني أبو غانم حميد بن المأمون، أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، أخبرنا محمّد بن أحمد بن يعقوب، حدّثني الحسين بن جعفر بن عبد الله، حدّثني علي بن الحسن القطان، حدّثني الأصمعي، عن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن عبّاس، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال عبد الله بن عبّاس: ما انتفعت بشيء بعد النبيّ(ص) انتفاعي بكلمات كتب بهنّ إليَّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام كتب إليَّ: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد... الخ.

وقال ابن عساكر - في ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ دمشق: ج38 ص80 وفي نسخة ص134 - أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد، وأبو عبد الله الحسين بن علي بن أحمد السالنجي المقري، وأبو البركات يحي بن الحسن بن الحسين المدائني، وأبو بكر محمّد بن الحسن ابن دريد الأزدي سنة أربع عشرة ثلاثمأة [كذا] أنبأنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، عن يونس، قال: بلغني أنّ ابن عبّاس كان يقول: كتب إليَّ عليّ بن أبي طالب بموعظة ما سررت بموعظة سروري بها.

أمّا بعد، فإنّ المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته... الخ.

ثمّ قال ابن عساكر: ورويت من وجه آخر متصلة بابن عبّاس، أخبرنا بها أبو غالب ابن البنا، أنبأنا أبو محمّد الجوهري، أنبأنا عبيد الله بن عبد الرحمان الزهري (ظ) أنبأنا أبو عمر همزة بن القاسم بن عبد العزيز الهاشمي، أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله، حدّثني إبراهيم بن سعيد، حدّثني أمير المؤمنين المأمون، حدّثني أمير المؤمنين الرشيد، حدّثني أمير

المؤمنين المهدي، حدّثني أمير المؤمنين المنصور - حيلولة -.

وأخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، أنبأنا أبو الحسين بن النقور، وأبو القاسم بن البسري، وأبو منصور عبد الباقي بن محمّد، قالوا: أنبأنا أبو طاهر المخلص، أنبأنا عبد الواحد بن المهتدي، أنبأنا عبد الله بن الرراد (كذا) أنبأنا أبو إسحاق الصائغ، حدّثني المأمون، حدّثني الرشيد، حدّثني المهدي، حدّثني المنصور، حدّثني أبي، عن أبيه، قال: قال لي أبي: عبد الله بن عبّاس - وقال أبو غالب: ابن العبّاس -: ما انتفعت بكلام أحد بعد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم - وقال أبو غالب: رسول الله - إلاّ بشيء كتب به إلى عليّ بن أبي طالب، فإنّه كتب إليَّ - زاد أبو غالب: بسم الله الرحمن الرحيم -: أمّا بعد... الخ.

وقال سبط ابن الجوزي - في الفصل الثامن، من الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص، ص159 -: أخبرنا أبو الحسن بن النجار المقري، قال: أخبرنا محمّد بن أبي منصور، أخبرنا أحمد بن علي بن سوار، أخبرنا أحمد بن عبد الواحد بن محمّد الحريري، أخبرنا أحمد بن محمّد الجندي، أخبرنا أبو حامد محمّد بن هارون الخضرمي (كذا) حدّثني إبراهيم بن سعد الجوهري، حدّثنا المأمون: عبد الله بن هارون، عن أبيه هارون، عن أبيه محمّد المهدي، عن أبيه أبي جعفر المنصور، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه علي بن عبد الله بن عبّاس، قال: ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كانتفاعي بكلام كتب به [إلي] أمير المؤمنين، كتب إليَّ:

سلام عليك. أمّا بعد، فإنّ المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه... الخ.

ثمّ قال سبط ابن الجوزي: وقد روى السدّي هذا عن أشياخه(1)، وقال عقيبه: كان الشيطان قد نزع بين عليّ عليه السلام وبين ابن عبّاس مدّة، ثمّ عاد إلى موالاته، قال: وسببه أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ولىّ ابن عبّاس البصرة، فمرّ بأبي الأسود الدؤلي، فقال له: لو كنت من البهائم كنت جملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت به المرعي - إلى آخر ما تقدّم ذكره نقلاً عن الطبري - ثمّ نقل الكتب المتقدّمة بتقديم وتأخير، وباختلاف يسير في بعض الألفاظ، إلى أن قال: قال أبو أراكة(2)

ورد ذكر أبي أراكة في شرح النهج 1/261، وأنّه كان ختن جرير بن عبد الله البجلي على ابنته وهو أبو أراكة بن مالك بن عامر القسري، وقد هدم الإمام عليّ عليه السلام داره مع دور أقوام ممّن خرج مع جرير حيث فارق الإمام عليه السلام، قال: وموضع داره بالكوفة كان يعرف بدار أبي أراكة قديماً ولعلّها اليوم نسي ذلك الاسم. اه- (الخرسان).

في الاشتقاق لابن دريد ص517: إنّ أبا أراكة اسمه وهو مذكور في جمهرة ابن حزم ص388، وأنّه ابن عمرو بن يشكر بن علي بن مالك بن سعد بن نذير بن قمر زوج بنت جرير بن عبد الله البجلي، وهو صاحب دار أبي أراكة بالكوفة. وفي الاشتقاق: هو أبو أراكة بن مالك من رجال بجيلة صاحب دار أبي أراكة بالكوفة كان شريفاً، وأبو أراك هو اسمه، وبملاحظة ما سبق في ذيل الصفحة السابقة نقلاً عن شرح النهج نعرف أنّ الرجل ممّن فارق الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وهدم الإمام داره مع دور أقوام ممّن خرج مع جرر، فالرجل ليس من خواص أصحاب الإمام كما نقله المؤلّف؛ فلاحظ. (الخرسان).

: ثمّ ندم ابن عبّاس، واعتذر إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وقبل

1) - الظاهر أنّ السدّي هذا هو المفسّر المشهور، وهو إسماعيل بن عبد الرحمان الكوفي الشيعي السدّي الكبير المتوفى سنة 127ه-، من أصحاب الإمام السجاد والباقرين(عليهم السلام).

2) - الظاهر أنّه هو أبو أراكة البجلي الكوفي الذي ينقل عن أمير المؤمنين عليه السلام كلّمات كثيرة - كما دريت في باب الخطب - وعدّه البرقي رحمه الله على ما حكى عنه - من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام من اليمن. وذكره أيضاً شيخ الطائفة في أصحابه عليه السلام، وقال: كوفي. أقول: وذكره في الأخبار شائع مستفيض، ولكن لم أظفر عاجلاً على اسمه، إذ الظاهر أنّ هذا كنية له.

عليّ عذره(1).

تعقيب وتحقيق وفيه مواقع من الكلام

الموقف الأوّل:

في أنّه هل صدر من ابن عبّاس رضي الله عنه خيانة وأخذ لأموال بيت المال أم لا؟

الثاني: هل دار بينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام كتاب أم لا؟ فإن جرى بينهما فما هو الصحيح من الكتب التي قيل بجريانه بينهما؟

الثالث: هل تاب ابن عبّاس ورجع عن ذنبه أم أصرّ؟ فإن تاب فما هو الدليل على توبته؟

فنقول: قد استفاضت الأخبار من طريق الشيعة وأهل السُنّة أنّه رضي الله عنه أخذ ما في بيت مال البصرة، وأغضب أمير المؤمنين عليه السلام بفعله هذا، بل الأخبار في هذا المعنى متواترة تواتراً إجمالياً.

فإن قيل: إنّ جلالة ابن عبّاس وتفانيه في ولاء أمير المؤمنين عليه السلام واستقامته على ولائه حتّى مات مانعة من الأخذ بهذه الأخبار، فلا تعويل عليها حتّى على فرض صحّتها، مع أنّها بين مرسلات مجهولة الرواة، وبين مسندات ضعاف السند.

قلنا: قد أشرنا أنّ الأخبار متواترة إجمالاً، ولا يعتبر في الخبر المتواتر عدالة المخبر، أو كونه ثقة، فإنّ التواتر يفيد العلم، ولو لم يكن من يخبر به


1) - وفى حاشية التذكرة هكذا بدله: ((ثمّ ندم ابن عبّاس وعاد إلى موالاة أمير المؤمنين، وجاء من مكّة معتذراً إليه، وأخبره أنّه فرّق الأموال في أهلها)).

من أهل الثقة.

والحاصل، إنّ في مقام الإثبات والاحتجاج في أيدينا أخبار كثيرة مروية من طريق الشيعة وأهل السُنّة أنّ ابن عبّاس رضي الله عنه أخذ من بيت المال زائداً عن عطائه ونصيبه، ولا استحالة في ذلك في مقام الثبوت، ولا الإثبات معاً، فيتعيّن الأخذ بها، ولا موجب لردّها.

أمّا عدم استحالته في مرحلة الثبوت والواقع ونفس الأمر فظاهر، إذ لا يترتّب على تصرّف ابن العبّاس في بيت المال بلا مسوغ - أو بمسوّغ خيالي - دور ولا خلف ولا تسلسل ولا نقض غرض للعالم الحكيم المقتدر.

وأمّا عدم لزوم الاستحالة في مرحلة الظاهر، وعالم الخارج، فلأنّ ابن عبّاس من جهة قرابته القريبة بالنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ومن أجل أنّه كانت تنوبه نوائب كثيرة وهو مشتغل بأُمور الشريعة، كان يرى أنّ حقّه في بيت المال أكثر ممّا لسواد الناس من العطاء.

وأيضاً كان ابن عبّاس بمرأى ومسمع من تفرّق الناس عن عدل أمير المؤمنين عليه السلام واستيحاشهم من عمله على مرّ الحقّ، واستيناسهم بتسامح معاوية في أمر الدين، وقناعته باسمه، وتفضيله الأشراف والرؤساء على غيرهم من سواد الناس في العطاء والولاية وغيرها ممّا تحنّ إليه النفوس، فكان رضي الله عنه يرى بحدسه الصائب أنّهم عن غيّهم لا يرجعون، بل يوماً فيوماً في تكثر الضلال يزيدون، وعن إمامهم يفرّون، ويتفرّقون عنهم أشدّ تفرّق، ويلتزمون بحيل معاوية ووساوسه، وهو يقنع منهم باسم الدين ويتركهم وما يريدون إن لم تزاحم إرادتهم رئاسته وسياسته، وكان رضي الله عنه يرى أنّ معاوية

سوف يتّجر بأموال بيت المال في استيراد آلات اللهو والمزامير، ومبادلة المغنيات، وألبسة الحرير لرجال مملكته وأركان سياسته، وحمل روايا الخمر من بلد إلى بلد لأهل طربه - كما كان دأبه في أيام الخلفاء، لاسيّما في عهد عثمان فإنّه كان فاعلاً لما يشاء - وأنّه سوف يترك الهاشمين بلا بلغة، فعقيدة ابن عبّاس بما ذكر وحبّه للحياة وآماله الطويلة، حملته على حمل أموال بيت المال، وصرفها في حوائجه الشخصية، وبما أنّه كان من النفوس الزكية، تدارك عمله هذا لمّا وعظه أمير المؤمنين عليه السلام، فتاب من صنيعه، وعاد على ما كان عليه من العدالة، ولوازم علمه ومعرفته.

لا يقال: إنّ علمه وإخلاصه لأمير المؤمنين عليه السلام مانعان من الخيانة ومفارقة أمير المؤمنين.

لأنّا نقول: إنّه تحفظ على إخلاصه وموالاته لأمير المؤمنين عليه السلام، بالتوبة سريعاً وردّ أموال بيت المال، مع أنّه كان متأوّلاً - ولو كان منشأ تأوّله الحرص، وطول الأمل، وحبّ المال، وكلّ تأوّل كان كذلك لا يعذر صاحبه إن لم يتب - إلاّ أنّه رضي الله عنه لم يعلم أنّ الأمر يؤول إلى علم أمير المؤمنين بالقضية، وانكسار قلبه وانزجاره من عمله، ولمّا علم بمآل الأمر وسخط الله ووليه عليه تاب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له(1).

إن قيل: لو كان حمل ابن عبّاس ممّا في بيت مال البصرة حقّاً وصدقاً


1) - في آخر الصفحة السابقة ذكر المؤلّف أنّ ابن عبّاس صرف الأموال في حوائجه الشخصية، وهنا يقول ردّ أموال بيت المال! وهذا من التهافت؛ فلاحظ. (الخرسان).

لأشير إليه في الأخبار والآثار، ولكان أعداء الهاشميين من بني أُميّة وغيرهم ينقمونه على ابن عبّاس ويعيرونه به.

قلنا: قد أشير إليه في الأخبار، وروى أبو الفرج في مقاتل الطالبين أنّه لمّا فرّ عبيد الله بن عبّاس - وهو قائد لمقدّمة جيش الإمام الحسن عليه السلام لمّا خرج لحرب معاوية - إلى معاوية لأنّه وعده بأن يعطيه ألف ألف درهم إن دخل في طاعته - فصلّى قيس بن سعد بن عبادة بالناس فخطبهم، وقال: ((أيّها الناس لا يهولنكم ولا يعظمنّ عليكم ما صنع هذا الرجل، إنّ هذا وأباه وأخاه(1)لم يأتوا بيوم خير قطّ، إنّ أباه عمّ رسول الله خرج يقاتل ببدر، وأنّ أخاه ولاّه عليّ أمير المؤمنين على البصرة، فسرق مال الله ومال المسلمين فاشترى به الجواري وزعم أنّ ذلك له حلال، وأنّ هذا ولاّه على اليمن، فهرب من بسر بن أرطاة، وترك ولده حتّى قتلوا، وصنع الآن هذا الذي صنع...)) إلى آخر كلامه بتلخيص منّا.

وروى ابن أبي الحديد، في شرح المختار (458) من الباب الثالث من نهج البلاغة ج20 ص129: أنّ ابن الزبير خطب بمكّة، وابن عبّاس جالس تحت المنبر، فقال: إنّ هاهنا رجلاً قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أنّ متعة النساء حلال من الله ورسوله، ويفتي في القملة والنملة، وقد احتمل بيت مال البصرة بالأمس وترك المسلمين بها يرتضخون النوى... الخ.

فأجابه ابن عبّاس.. إلى أن قال: يا بن الزبير أمّا العمى فإنّ الله تعالى


1) - هذه زيادة في نسخة المقاتل التي وصلت إلينا، وإلاّ فابن أبي الحديد نقل عنها خطبة ليس في شرح النهج وليس فيها ذلك؛ فراجع. وكذلك في رجال الكشي ص113 طبع إيران تحقيق حسن المصطفوي؛ فراجع. (الخرسان).

يقول: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(1)، وأمّا فتياي في القملة والنملة، فإنّ فيها حكمين لا تعلمها أنت ولا أصحابك، وأمّا حملي المال، فإنّه كان مالاً جبيناه فأعطينا كلّ ذي حقّ حقّه، وبقيت بقية هي دون حقّنا في كتاب الله، فأخذناها بحقّنا، وأمّا المتعة فسل أُمّك أسماء إذا نزلت عن بردي عوسجة... الخ.

ولعلّ المتتبّع يقف على أكثر من هذا، مع أنّ جلّ الكتب التي الآن بأيدينا من مدونات عصر العبّاسيين، والكتّاب كانوا في خوف من ذكر ما يمسّ بكرامة أبي الخلفاء: عبد الله وأبيه، وبهذا تعرف قيمة إنكار عمرو بن عبيد قصّة أخذ أموال بيت المال، على ما ذكره الشريف المرتضى في المجلس (12) من أماليه: ج1/177.

وأمّا عدم تعيير بني أُميّة ابن عبّاس بذلك، فلأجل أنّ ابن عبّاس رضي الله عنه لم يستقم على خطأه، بل رجع عنه وتاب، مع أنّ ابن العبّاس لو كان لم يتب أيضاً لما كان عند بني أُميّة مطعونا فيه بهذا، أمّا أوّلاً فلأنّ ما أخذه ابن عبّاس بالنسبة إلى ما كان تأكله بنو أُميّة - كأكل البعير نبتة الربيع - كالقطرة إلى البحر، كما يوضح ذلك جليّاً ما كان يعطي عثمان أقرباءه ومن كان على هواه، فإنّه كان أعطى الأشعث بن قيس في كلّ سنة مائة ألف من خراج آذربايجان، وأعطى مروان خمس غنائم إفريقية، إلى غير ذلك من أعطياته وأعطيات معاوية ومن بعده من الأمويين.

وأمّا ثانياً فلأجل أنّهم كانوا يعلمون أنّهم إن عيروا ابن عبّاس بذلك،


1) - سورة الحجّ/46.

كان ذلك تقريضاً لأمير المؤمنين عليه السلام - بل ولابن عبّاس أيضاً حيث لم يداوم على خطيئته - وتخريباً لمرام خلفاءهم حيث إنّهم ما كانت عندهم مبالاة في صرف مال الله ووضعه أينما كان.

هذا خلاصة الكلام في الموقف الأوّل.

الموقف الثاني:

في أنّه هل دار بينه عليه السلام وبين ابن عبّاس كتب في هذه القصّة، أم لا؟ وإن دارت فما تلك الكتب، وكم عددها؟

فنقول: قد نقلت كتب عديدة عنهما عليهما السلام في هذا الموضوع، ولكن لا يصحّ جميعها كما أنّها ليست بباطل جميعاً، بل بعضها صحيح - أي مطابق للواقع وصدر منهما، لا أنّه صحيح السند - وبعضها ممكن، وبعضها باطل، فالصادر منها المطابق لنفس الأمر، الأربعة المذكورة هنا مع جوابها عن ابن عبّاس، فإنّها قد استفيض نقلها عن الثقات وغيرهم، ويكون الكلام فيها من سنخ كلام أمير المؤمنين عليه السلام.

وأمّا الباطل منها، فهو ما ذكره السبط ابن الجوزي، وابن أبي الحديد، والكشي، وجعلوه آخر كتاب لابن عبّاس إلى أمير المؤمنين عليه السلام(1)، وهو: أمّا بعد، فإنّك قد أكثرت عليَّ، ووالله لأن ألقى الله قد احتويت على كنوز الأرض كلّها ذهبها وعقيانها ولجينها أحبّ إليَّ من أن ألقاه بدم امرئ مسلم، والسلام(2).


1) - وأمّا ابن عبد ربّه فجعل هذا ذيلاً للجواب الثاني من ابن عبّاس للكتاب الثاني الذي كتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام.

2) - هذا اللفظ على رواية ابن أبي الحديد، وقريب منه في رواية الكشي وسبط ابن الجوزي.

فهذا وجوابه الذي ذكره السبط ابن الجوزي باطل، وكذا ما ذكره في العقد الفريد، من أنّ آخر ما كتب ابن عبّاس إلى أمير المؤمنين هكذا: والله لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملنه إلى معاوية يقاتلك به.

[قال ابن عبد ربّه: لمّا بلغ كتابه هذا إلى عليَّ] فكفّ عنه.

أقول: وهذا وما شابهه من الموضوعات، والاختلاقات، وكيف يمكن خارجاً أن يواجه ابن عبّاس أمير المؤمنين عليه السلام بهذه الكلمات وهو يعلم ويذعن أنّه وصيّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وأنّه صلي الله عليه وآله وسلم أمره بقتال الناكثين: طلحة والزبير، والقاسطين: معاوية وحزبه، والمارقين: أصحاب النهروان، كما يوضّح ذلك ويبرهنه الرجوع إلى احتجاجاته مع عمر بن الخطّاب، وعثمان وعايشة وطلحة والزبير، لاسيّما ملاحظة محاجاته مع عمر ومعاوية وابن الزبير، فإنّه رضي الله عنه في هذه المواضع قبل خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وفي أيام خلافته وبعدها كلّها كان يصرّح بصريح اللهجة، وصدق القول، والإصرار البليغ، والمبالغة الأكيدة بأنّ عليّاً وصيّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وأنّ ما يأتي به وما يذره فإنّما هو بعهد من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فكيف يعقل من هذا العلم الحبر أن يصرّ على خطيئته ويكتب إلى أمير المؤمنين صلي الله عليه وآله وسلم بهذه الكلمات؟! فلو جوّز قائل أن يكتب ابن عبّاس إلى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بأمثال هذه الكلمات، تعريضاً له بإراقة الدماء، وتعييراً له بقتل الأشقياء من الكفّار والمردة، فليجوّز كتابته بهذه الكلمات إلى أمير المؤمنين عليه السلام.

فإن قال قائل: ما الدليل على عدم صدور ما أشرت إليه من الكتب عن ابن عبّاس، وهو أمر ممكن غير ممتنع ذاتاً؟

قلنا: الإمكان لا يساوق الوقوع والفعلية خارجاً، وقد أشرنا إلى جهة

امتناعه خارجاً(1).

الموقف الثالث:

في أنّه هل تاب ابن عبّاس رضي الله عنه أم لا؟ وعلى فرض ثبوت التوبة منه واقعاً وفي نفس الأمر، فما دليلها في مرحلة الظاهر ومقام الإثبات والاحتجاج؟

فنقول: أوّلاً: أنّه قد تقدّم قول السدّي عن أشياخه: أنّ ابن عبّاس عاد إلى موالاة أمير المؤمنين عليه السلام.

وأيضاً قد دريت ممّا تقدّم تصريح اليعقوبي وأبي أراكة بتوبته، وأنّه ندم وردّ المال، فقبل أمير المؤمنين عليه السلام منه توبته.

وثانياً: المستفاد من الأغاني وغيره أنّه كان والياً على البصرة عند صلح الإمام الحسن عليه السلام، بل وقبله(2)، وكيف يمكن أن يبقى منصوباً من قبل أمير المؤمنين عليه السلام من لم يتب من خطيئته، ومن لم يتدارك ما أفرط فيه، وخان الله ورسوله والمؤمنين.

وثالثاً: أنّ ابن عبّاس رضي الله عنه كان إلى آخر عمره ممّن يقرض أمير المؤمنين عليه السلام ويمدحه، ويجاهر بذكر مثالب أعدائه وشانئيه، ومن أجل هذا كانوا يقطعون عطاءه تارة، ويتهددونه تارة أُخرى، وهذا غير معهود ممّن


1) - وغاية ما ذهب إليه المؤلّف هو الاستبعاد، ومن اختان بيت مال المسلمين، وأغضب إمام الحقّ وفارقه مغاضباً، لا مانع من أن يكتب إليه بكلّ ما نسب إليه. ولكن الكلام في أصل ثبوت الخيانة؛ فلاحظ. (الخرسان).

2) - بل وبعده أيضاً على ما صرّح به ابن عساكر في ترجمة خالد بن زيد أبي أيوب الأنصاري من تاريخ دمشق: 15/27.

أصرّ على ذنبه، وباع دينه ومروءته بالتافه الفاني، وممّن هو يحبّ المال حبّاً جمّاً، ويأكل مال المسلمين أكلاً لمّاً.

ورابعاً: أنّ ابن عبّاس رضي الله عنه وإن دنّس عرضه بلوث الخيانة، لكن لم تكن هذه من طبعه، ولم تكن نفسه من النفوس الشقية الخبيثة التي لم تتأثّر بالعظة، ولم ترج لله وقاراً، بل كانت من النفوس التي إذا مسّها طائف من الشيطان تذكّر، لاسيّما إذا توالت إليه من مثل أمير المؤمنين عليه السلام المواعظ التي تأخذ بالأعناق، ويرتعد منها جوانح الخاشعين، وأضلع المتذكّرين، وتأخذ بأنفاسهم إلى التراقي، وتصعد بروحهم إلى الخناق، كالكتب المتقدّمة، وإن أمعنت النظر في الكتاب الأخير المتواتر بين أهل العلم أنّه كتبه أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عبّاس، تجده أنّه كتاب إلى شخص كاد أن يتلف من الحزن، ويهلك من وجده على فوات مطلوبه وما كان يسرّه، وتستفيد استفادة قطعية أنّ المكتوب إليه يترشّح منه عرق الانفعال، ويسيل منه ماء الندامة والاتعاظ، وأنّه لمّا بلغه الكتاب سرّه وانتفع به، بما لم يسرّه أمر ولم ينتفع بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بشيء مثله، وهذا لا ينطبق على شيء من حالات ابن عبّاس إلاّ على الحالة المبحوث عنها(1).

-172-

ومن كتاب له عليه السلام


1) - ولعلّ في تلك القضية بعينها كتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام الكتاب التالي وتاليه، على ما يستشعر من ألفاظهما، ويستأنس من عباراتهما، لا سيّما الثاني.

إلى ابن عبّاس رحمه الله

قال ابن شهر آشوب السروي رحمه الله: وكتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عبّاس:

أمّا بعد، فلا يكن حظّك في ولايتك مالاً تستفيده(1)، ولا غيظاً تشفيه، ولكن إماتة باطلٍ وإحياء حقٍّ.

مناقب آل أبي طالب: ج1، ص307.

ورواه عنه المجلسي في الحديث العاشر من باب زهده عليه السلام: (98) من البحار: 9 ص501 ط الكمباني، وفي ط الحديثة: ج40 ص328.

-173-

ومن كتاب له عليه السلام

إلى عبد الله بن العبّاس رضي الله عنه أيضاً

أمّا بعد، فإنّك لست بسابقٍ أجلك؛ ولا مرزوقٍ ما ليس لك، واعلم بأنّ الدّهر يومان: يوٌم لك ويومٌ عليك، وأنّ الدّنيا دار دولٍ(2)، فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوّتك.

المختار (72) من كتب نهج البلاغة))(3).


1) - وفي بعض كلمه عليه السلام في غير المورد: (لا يكن همّك في ولايتك مالاً) الخ.

2) - أي لإثبات لها بل هي منقلبة دائماً تارة يأخذها شخص وأخرى يتناوشها عدوّه، والدول - بكسر الدال وضمها -: بجمع الدولة بفتح الدال وضمها.

3) - إلى هنا ينتهي النقل عن نهج السعادة 5/321 - 349.

الثاني : العلامة الشيخ محمد تقي التستري و كتابه (نهج الصباغة)

الثاني

العلاّمة الشيخ محمّد تقي التستري

قال في الجزء الثامن من كتابه (بهج الصباغة)(1):

(( - 9 -

الكتاب (40)

ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمّاله:

أمّا بعد، فقد بلغني عنك أمر، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك، وعصيت إمامك، وأخزيت أمانتك. بلغني أنّك جردّت الأرض، فأخذت ما تحت قدميك، وأكلت ما تحت يديك، فارفع إليَّ حسابك، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس.

أقول: جعله عقد ابن ربّه كتابه عليه السلام إلى ابن عبّاس فيما اشتهر عنه من الخيانة لمّا كان في البصرة، وجعل ما ننقله بعد في العنوان الآتي كتابه عليه السلام إليه بعد رحلته من البصرة إلى مكّة، فقال: روى أبو مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد: أنّ ابن عبّاس مرّ على أبي الأسود فقال له: لو كنت من البهائم كنت جملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت.


1) - نهج الصباغة في شرح نهج البلاغة 8/ 78 - 300، ط1 دار أمير كبير.

فكتب أبو الأسود إلى عليّ عليه السلام: إنّ الله جعلك والياً ومؤتمناً وراعياً مسئولاً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للأُمّة، توفّر لهم فيئهم، وتكفّ نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشي بشيء في أحكامهم، وابن عمّك قد أكل ما تحت يديه من غير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك.

قال: فكتب عليه السلام إليه: أمّا بعد، فمثلك نصح الإمام والأُمّة، ووالى على الحقّ وفارق الجور، وقد كتبت لصاحبك بما كتبت إليَّ فيه ولم أعلمه بكتابك إليَّ، فلا تدع إعلامي ما يكون بحضرتك ممّا النظر فيه للأُمّة صلاح، فإنّك بذلك جدير وهو حقّ واجب لله عليك.

وكتب عليه السلام إلى ابن عبّاس: أمّا بعد، فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت الله، وأخزيت أمانتك، وعصيت إمامك، وخنت المسلمين، بلغني أنّك خربت الأرض وأكلت ما تحت يدك، فارفع إليَّ حسابك، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس.

وفي (أنساب البلاذري): قالوا: واستعمل عليّ عليه السلام عبد الله بن عبّاس على البصرة، واستعمل أبا الأسود على بيت مالها، فمرّ ابن عبّاس بأبي الأسود... الخ مثله(1).

قول المصنّف: ((ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمّاله))، قد عرفت من (مستنده) أنّ المراد به ابن عبّاس كالعنوان الآتي، إلاّ أنّ الكلام في صحّته، ولعلّه لذا أجمله المصنّف، مع أنّك عرفت في أوّل الكتاب أنّ ابن ميثم لم


1) - أنساب الأشراف 2/169.

ينقله رأساً.

قوله عليه السلام ((أمّا بعد، فقد بلغني)) بكتابة أبي الأسود، ولم يذكره عليه السلام لئلا يوجب تشديد العداوة بينهما.

((عنك أمر إن كنت فعلته، فقد أسخطت ربّك، وعصيت إمامك، وأخزيت أمانتك)).

في (عيون ابن قتيبة): دخل مالك بن دينار على بلال بن أبي بردة وهو أمير البصرة، فقال له: إنّي قرأت في بعض الكتب عن الله تعالى: أيا راعي السوء دفعت إليك غنماً سماناً سحاحاً، فأكلت اللحم، وشربت اللبن، وائتدمت بالسمن، ولبست الصوف، وتركتها عظاماً تتقعقع.

وفيه أيضاً: في كتاب أبرويز إلى ابنه: اجعل عقوبتك على اليسير من الخيانة كعقوبتك على الكثير منها، فإذا لم يطمع منك في الصغير لم يجترئ عليك في الكبير.

وفيه أيضاً: قال أبرويز لصاحب بيت ماله: لا احتملك على خيانة درهم، ولا أحمدك على حفظ ألف ألف درهم، لأنّك إنّما تحقن بذلك دمك، وتعمّر به أمانتك، فإنّك إن خنت قليلاً خنت كثيراً، واحترس من الخصلتين: النقصان فيما تأخذ، والزيادة فيما تعطي.

((بلغني أنّك جردت الأرض)) أي: أكلتها كالجراد تأكل نبت الأرض، من جردت الجراد الأرض، وبه سمّي الجراد.

((فأخذت ما تحت قدميك وأكلت ما تحت يديك))، لا يخفى لطف الكلام.

وفي (العيون): ذكر أعرابي رجلاً خائناً، فقال: إنّ الناس يأكلون أماناتهم لقماً، وأنّ فلاناً يحسوها حسواً.

وولّى حارثة بن بدر، فسرق فكتب إليه أنس الدؤلي:

أحار بن بدر قد وليت ولاية*** فكن جرذاً فيها تخون وتسرق

وقدم بعض عمّال السلاطين من عمل، فدعا قوماً فأطعمهم وجعل يحدّثهم بالكذب، فقال بعضهم: نحن كما قال تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ(1).

((فارفع إليَّ حسابك، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس))، وفي (العيون): قدم معاذ بعد وفاة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من اليمن على أبي بكر، فقال له: ارفع حسابك. فقال: أحسابان! حساب من الله، وحساب منكم؟ لا ألي لكم عملاً أبداً.

• 10 -

الكتاب (41)

ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمّاله:

أمّا بعد: فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن رجلٌ من أهلي أوثق منك في نفسي، لمواساتي وموازرتي وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزّمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب،


1) - سورة المائدة/42.

وأمانة النّاس قد خزيت، وهذه الأُمّة قّد فتكت وشغرت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، ففارقته مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، وخنته مع الخائنين، فلا ابن عمّك آسيت، ولا الأمانة أدّيت، وكأنّك لم تكن الله تريد بجهادك، وكأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك، وكأنّك إنّما كنت تكيد هذه الأمّة عن دنياهم، وتنوي غرّتهم عن فيئهم، فلمّا أمكنتك الشدّة في خيانة الأُمّة أسرعت الكرّة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم، اختطاف الذّئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز، رحيب الصّدر بحمله، غير متأثّم من أخذه كأنّك - لا أبا لغيرك - حدرت إلى أهلك تراثاً من أبيك وأُمّك، فسبحان الله! أما تؤمن بالمعاد؟ أو ما تخاف نقاش الحساب!

أيّها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب، كيف تسيغ شراباً وطعاماً، وأنت تعلم أنّك تأكل حراماً، وتشرب حراماً، وتبتاع الإماء، وتنكح النساء، من مال اليتامى والمساكين، والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال، وأحرز بهم هذه البلاد! فاتّق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنّك إن لم تفعل ثمّ أمكنني الله منك لأعذرنّ إلى الله فيك، ولأضربنّك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلاّ دخل النّار! والله لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة، ولا ظفرا منّي بإرادة، حتّى آخذ الحقّ منهما وأزيح الباطل عن مظلمتهما.

وأقسم بالله ربّ العالمين، ما يسرّني أنّ ما أخذته من أموالهم حلالٌ لي أتركه ميراثاً لمن بعدي، فضحّ رويداً، فكأنّك قد بلغت المدى، ودفنت

تحت الثّرى، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة، ويتمنّى المضيّع فيه الرّجعة، ((ولات حِين مناصٍ!)).

أقول: هذا الكتاب على فرض صحّة نسبته إليه عليه السلام جمع من المصنّف بين كتابين منه عليه السلام إلى ابن عبّاس لمّا لحق بالحجاز على ما يظهر من خبري (عقد ابن ربّه)، و(رجال الكشي)، و(تذكرة سبط ابن الجوزي).

ففي الأوّل: قال سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن عبيد، عن أبي الكنود، قال: كنت من أعوان عبد الله بالبصرة، فلمّا كان من أمره ما كان، أتيت عليّاً عليه السلام فأخبرته، فقال: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ(1)، ثمّ كتب معي إليه:

أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، ولم يكن من أهل بيتي أوثق عندي منك بمواساتي ومؤازرتي بأداء الأمانة، فلمّا رأيت الزمان قد كلب على ابن عمّك، والعدوّ قد حرد، وأمانة الناس قد خربت، وهذه الأُمّة قد فتنت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوء خذلان، وخنته مع من خان، فلا ابن عمّك آسيت، ولا الأمانة إليه أديت، كأنّك لم تكن على بينة من ربّك، وإنّما كنت خدعت أُمّة محمّد عن دنياهم وغدرتهم عن فيئهم، فلمّا أمكنتك الفرصة في خيانة الأُمّة أسرعت الغدرة، وعاجلت الوثبة، فاختطفت ما قدرت عليه من أموالهم وأنفلت بها إلى الحجاز، كأنّك إنّما حزت على أهلك ميراثك من أبيك


1) - سورة الأعراف/175.

وأُمّك، سبحان الله! أو ما تؤمن بالمعاد، أما تخاف الحساب، أما تعلم أنّك تأكل حراماً وتشرب حراماً وتشتري الإماء وتنكحهن بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين في سبيل الله التي أفاء الله عليهم، فاتّق الله وأدّ إلى القوم أموالهم، فإنّك إن لم تفعل وأمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك، فوالله لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة، ولما تركتهما حتّى آخذ الحقّ منهما، والسلام.

فكتب إليه ابن عبّاس: فقد بلغني كتابك تعظم عليَّ أمانة المال الذي أصبت من بيت مال البصرة، ولعمري إنّ حقّي في بيت مال الله أكثر من الذي أخذت.

فكتب إليه عليّ عليه السلام: أمّا بعد، فإنّ العجب كلّ العجب منك إذ ترى لنفسك في بيت مال الله أكثر ممّا لرجل من المسلمين، قد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاءك ما يكون ينجيك من الإثم ويحلّ لك ما حرّم الله عليك عمرك إنّك لأنت البعيد، قد بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطناً، وضربت بها عطناً تشتري المولدات من المدينة والطائف تختارهنّ على عينك وتعطي بها مال غيرك، وإنّي أقسم بالله ربّي وربّك ربّ العزّة ما أحبّ أنّ ما أخذت من أموالهم لي حلالاً أدعه ميراثاً لعقبي، فما بال اغتباطك به تأكله حراماً، ضحّ رويداً فكأنّك قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي فيه المغترّ بالحسرة، ويتمنى المضيّع التوبة، والظالم الرحبة.

فكتب إليه ابن عبّاس: والله لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملنه إلى معاوية يقاتلك به.

فكفّ عنه عليّ عليه السلام.

وفي الثاني: ذكر شيخ من أهل اليمامة عن معلى بن هلال، عن الشعبي، قال: لمّا احتمل عبد الله بن عبّاس بيت مال البصرة وذهب به إلى الحجاز، كتب إليه عليّ عليه السلام:

أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، ولم يكن أحد من أهل بيتي في نفسي أوثق منك لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ عليه قد حرب، وأمانة الناس قد عزت، وهذه الأُمور قد فشت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، وفارقته مع المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين، فكأنّك لم تكن تريد الله بجهادك، وكأنّك لم تكن على بينة من ربّك، وكأنّك إنّما كنت تكيد أُمّة محمّد على دنياهم وتنوي غرتهم، فلمّا أمكنتك الشدّة في خيانة أُمّة محمّد أسرعت الوثبة وعجلت العدوة، فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الأزل رمية المعزى الكثير، كأنّك لا أباً لك جررت إلى أهلك تراثك من أبيك وأُمّك، سبحان الله! أو ما تؤمن بالمعاد، أو ما تخاف سوء الحساب، أو ما يكبر عليك أن تشتري الإماء وتنكح النساء بأموال الأرامل والمهاجرين الذين أفاء الله عليهم هذه البلاد؟ أردد إلى القوم أموالهم، فوالله لئن لم تفعل ثمّ أمكنني الله منك لأعذرن الله فيك، فوالله لو أنّ حسناً وحسيناً فعلا مثل الذي فعلت لما كان لهما عندي في ذلك هوادة ولا لواحد منهما عندي رخصة، حتّى آخذ الحقّ وأزيح الجور عن مظلومهما.

فكتب إليه ابن عبّاس: أتاني كتابك تعظم عليَّ إصابة المال الذي

أخذته من بيت مال البصرة، ولعمري، إنّ لي في بيت مال الله أكثر ممّا أخذت.

فكتب إليه عليّ عليه السلام: أمّا بعد، فالعجب كلّ العجب من تزيين نفسك أنّ لك في بيت مال الله أكثر ممّا أخذت، وأكثر ممّا لرجل من المسلمين. فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من الإثم، ويحلّ لك ما حرّم الله عليك - عمرك الله - إنّك لأنت العبد المهتدي إذاً! فقد بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطناً وضربت بها عطناً، تشتري مولدات مكّة والطائف، تختارهن على عينك وتعطي فيهن مال غيرك، وإنّي لأقسم بالله ربّي وربّك ربّ العزّة ما يسرّني أنّ ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبي ميراثاً، فلا غرور أشدّ من اغتباطك تأكله. رويداً رويداً، فكأن قد بلغت المدى وعرضت على ربّك في المحلّ الذي يتمنّى (فيه المجرم) الرجعة، والمضيّع التوبة، كذلك وما ذلك ولات حين مناص.

فكتب إليه ابن عبّاس: فقد أكثرت علَيَّ، فوالله لئن ألقى الله بجميع ما في الأرض من ذهبها وعقيانها أحبّ إليَّ من أن ألقى الله بدم رجل مسلم(1).

وفي الثالث: ولمّا مضى ابن عبّاس إلى مكّة كتب عليه السلام إليه:

أمّا بعد، فإنّي أشركتك في أمانتي، ولم يكن أحد من أهل بيتي أوثق في نفسي منك لمؤازرتي وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد حرب، والعدوّ قد كلب، وأمانة الناس قد خربت، والأُمّة قد


1) - اختيار معرفة الرجال: 60 ح110.

افتتنت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ بمفارقته مع المفارقين، وخذلانه مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من مال الأُمّة اختطاف الذئب فاردة المعزى، أما توقن بالمعاد ولا تخاف ربّ العباد، أما يكبر عليك أنّك تأكل الحرام وتنكح الحرام وتشتري الإماء بأموال الأرامل والأيتام، أردد إلى المسلمين أموالهم، ووالله لئن لم تفعل لأعذرن الله فيك، فإنّ الحسن والحسين لو فعلا ما فعلت لما كان لهما عندي هوادة.

فكتب إليه ابن عبّاس: حقّي في بيت المال أكثر ممّا أخذت منه.

فكتب إليه عليَّ عليه السلام العجب العجب من تزيين نفسك لك أنّك أخذت أقلّ ممّا لك، وهل أنت إلاّ رجل من المسلمين، وقد علمت بسوابق أهل بدر وما كانوا يأخذون غير ما فرض لهم، وكفى بك أنّك اتّخذت مكّة وطناً وضربت بها عطناً، تشتري من مولدات الطائف ومكّة والمدينة ما تقع عليه عينك وتميل إليه نفسك، تعطي فيهنّ مال غيرك، وإنّي أقسم بالله ما أحبّ أنّ ما أخذت من أموالهم حلالاً أدعه بعدي ميراثاً، فكأنّ قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك غداً بالمحلّ الأعلى الذي يتمنّى فيه المضيّع التوبة والخلاص، ولات حين مناص.

فكتب إليه ابن عبّاس: لأن ألقى الله بكلّ ما على ظهر الأرض وبطنها أحبّ إليَّ من أن ألقاه بدم امرئ مسلم.

فكتب إليه عليّ عليه السلام: إنّ الدماء التي أشرت إليها قد خضتها إلى ساقيك، وبذلت في إراقتها جهدك، ووضعت بإباحتها حظّك، وتقشعت عنها

فتياك، وإذ لم تستحي فافعل ما شئت(1).

ونقله القتيبي في عيونه مرفوعاً في باب خيانات العمّال، فقال: ووجدت في كتاب لعليّ عليه السلام إلى ابن عبّاس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ: إنّي أشركتك في أمانتي ولم يكن رجل من أهل بيتي أوثق منك في نفسي، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ بفراقه مع المفارقين، وخذلانه مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأُمّة اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى.

قال: وفي الكتاب: وضح رويداً فكأن قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي به ينادي المغترّ بالحسرة، ويتمنّى المضيّع التوبة، والظالم الرجعة.

وفي (أنساب البلاذري): قالوا لمّا قدم ابن عبّاس مكّة ابتاع من جبيرة مولى بني كعب من خزاعة ثلاثة مولدات: حورا، وفوز، وشادن، بثلاثة آلاف دينار، فكتب إليه عليّ بن أبي طالب:

أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك... الخ(2).

قول المصنّف: ((ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمّاله))، قال ابن أبي الحديد: اختلفوا في المكتوب إليه: فقال الأكثر: إنّه ابن عبّاس، ورووا في


1) - تذكرة الخواص: 151 و152.

2) - أنساب الأشراف 2/174.

ذلك روايات واستدلّوا بألفاظ من الكتاب، كقوله: (أشركتك في أمانتي، وجعلتك بطانتي وشعاري، وأنّه لم يكن في أهلي رجل أوثق منك)، وقوله: (رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب)، وهذه كلمة لا تقال إلاّ لمثله، فأمّا غيره من أفناء الناس فإنّ عليّاً كان يقول له: (لا أباً لك)، وقوله: (أيّها المعدود عندنا من أولي الألباب)، وقوله: (لو أنّ الحسن والحسين)، فهذا يدلّ على أنّ المكتوب إليه قريب أن يجري مجراهما.

وقد روى أرباب هذا القول أنّ ابن عبّاس كتب إليه جواب هذا الكتاب: فقد أتاني كتابك تعظّم عليَّ ما أصبت - إلى أن قال - كتب عليه السلام: فقد أفلحت أن كان تمنيك الباطل وادعاك ما لا يكون ينجيك من المأثم، ويحلّ لك المحرم، أنّك لأنت المهتدي السعيد إذاً - إلى أن قال - وأخرج إلى المسلمين من أموالهم فعما قليل تفارق من ألفت، وتترك ما جمعت، وتغيب في صدع من الأرض غير موسّد ولا ممهد، قد فارقت الأحباب، وسكنت التراب، وواجهت الحساب، غنياً عمّا خلفت، فقيراً إلى ما قدمت.

وقال الآخرون: هذا لم يكن، ولا فارق عبد الله عليّاً عليه السلام ولا خالفه، ولم يزل أميراً على البصرة إلى أن قتل عليّ، قالوا: ويدلّ على ذلك ما رواه أبو الفرج الأصبهاني من كتابه الذي كتبه إلى معاوية من البصرة لمّا قُتل عليّ عليه السلام وقد ذكرناه قبل، قالوا: وكيف يكون ذلك ولم يختدعه معاوية، ولم يجرّه إلى جهته، فقد علمتم كيف اختدع كثيراً من عمّاله عليه السلام واستمالهم إليه بالأموال، فمالوا وتركوا عليّاً، فما بال معاوية وقد علم النَبوة التي حدثت بينهما لم يستمل ابن عبّاس ولا اجتذبه إلى نفسه، وكلّ من قرأ

السير وعرف التواريخ يعرف مشاقة ابن عبّاس لمعاوية بعد وفاة عليّ عليه السلام فيما كان يلقاه من قوارع الكلام وشديده، وما كان يثني به عليه عليه السلام، ويذكر خصائله وفضائله، ويصدع به من مناقبه ومآثره، فلو كان بينهما غبار أو كدر لما كان الأمر كذلك، بل كانت الحال بالضدّ.

قال: وقد أشكل عليَّ أمر هذا الكتاب، فإن أنا كذبت النقل وقلت: هذا كلام موضوع عليه عليه السلام، خالفت الرواة، فإنّهم قد أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه، وقد ذكر في أكثر كتب السير، وإن صرفته إلى عبد الله، صدّني عنه ما أعلم من ملازمته لطاعته عليه السلام في حياته، وإن صرفته إلى غيره، لم أعلم إلى من أصرفه، فأنا في هذا الموضع من المتوقّفين(1).

قلت: المصنّف أيضاً كأنّه توقّف حيث قال هنا: وفي كتاب قبله قد ذكرناه في العنوان السابق ((ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عمّاله))، ولم يقل: ((إلى ابن عبّاس))، مع أنّه رأى أنّ من نقل الكتابين عيّنهما في عبد الله.

كما أنّ ظاهر أبي زيد التوقّف، ففي (تاريخ الطبري): قال أبو زيد: زعم أبو عبيدة أنّ ابن عبّاس لم يبرح من البصرة حتّى قُتل عليّ عليه السلام، فشخص إلى الحسن، فشهد الصلح بينه وبين معاوية، قال أبو زيد: ذكرت ذلك لأبي الحسن فأنكره، وزعم أنّ عليّاً قُتل وابن عبّاس بمكّة، وأنّ الذي شهد الصلح عبيد الله(2)، فتراه اقتصر على نقل قول أبي عبيدة وأبي الحسن،


1) - شرح ابن أبي الحديد 16/169 - 172.

2) - تاريخ الطبري 4/109 سنة 40.

ولم يفت بشيء وجعل قول كلّ منهما زعماً.

وكيف كان، فيقال في جواب ابن أبي الحديد: أنّه قاعدة عقلية إذا تعارض العقل والنقل يقدّم العقل، فإذا كان معلوماً ملازمته لطاعة أمير المؤمنين عليه السلام في حياته، واستمالة معاوية مع انتهازه الفرصة في مثل ذلك، نقطع بأنّ النقل باطل، وقد أبطل النقل بما قلنا عمرو بن عبيد أيضاً.

ففي (غرر المرتضى) قال أبو عبيدة: دخل عمرو بن عبيد على سليمان ابن علي العبّاسي، فقال له سليمان: أخبرني عن قول عليّ في ابن عبّاس:

يفتينا في القملة والقميلة

وطار بأموالنا في ليلة

فقال له عمرو: كيف يقول عليّ هذا وابن عبّاس لم يفارق عليّاً عليه السلام حتّى قُتل، وشهد صلح الحسن، وأي مال يجتمع في بيت مال البصرة مع حاجة عليّ عليه السلام إلى الأموال وهو يفرغ بيت مال الكوفة كلّ خميس ويرشه، وقالوا: إنّه كان يقيل فيه، فكيف يترك المال يجتمع بالبصرة، وهذا باطل(1).

ومن أين اتّفق النقل عليه، فقد عرفت في سابقه أنّ الأصل فيه رواية أبي مخنف عن جمع، مع أنّه روى أيضاً كونه بالبصرة لمّا قُتل عليّ عليه السلام، ولحوقه بالحسن بالكوفة، ففي المقاتل: لمّا خطب الحسن عليه السلام في صبيحة وفاة أبيه، قال أبو مخنف عن رجاله: قام ابن عبّاس بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته، فاستجابوا له وقالوا: ما أحبّه إلينا وأحقّه بالخلافة فبايعوه، ثمّ نزل


1) - أمالي الشريف المرتضى وهو كتاب الغرر 2/123 المجلس 12.

عن المنبر، ودسّ معاوية رجلاً من حمير إلى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة يكتبون إليه بالأخبار.

إلى أن قال: وكتب عبد الله بن العبّاس من البصرة إلى معاوية: أمّا بعد، فإنّك ودسك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل الذي ظفرت من يمانيتك، لكما قال أُميّة بن أشكر:

لعمرك أنّي والخزاعي طارقا*** كنعجة غار حفرها تتحفر

أثارت عليها شفرة بكراعها*** فظلت بها من آخر الليل تنحر

شمت بقوم من صديقك أهلكوا*** أصابهم يوم من الدهر أعسر

فأجابه معاوية: أمّا بعد، فإنّ الحسن بن عليّ قد كتب إليَّ بنحو ما كتبت - الخ(1).

وأمّا رواية الكشي للكتاب بسند آخر عرفته فنسخة كتابه مصحفة مختلطة سنداً ومتناً بحيث لا يوجب الاعتماد على ما تفرّد به كما برهنا عليه في الرجال كخبر آخر رواه، فقال: روى علي بن يزداد بن الصائغ الجرجاني، عن عبد العزيز بن محمّد بن عبد الأعلى الجزري، عن خلف المخزومي البغدادي، عن سفيان بن سعيد، عن الزهري، عن الحرث: استعمل عليّ عليه السلام على البصرة عبد الله بن العبّاس، فحمل كلّ ما في بيت مال البصرة ولحق بمكّة وترك عليّاً، وكان مبلغه ألفي ألف درهم، فصعد عليّ عليه السلام المنبر حين بلغه ذلك فبكى، وقال: هذا ابن عمّ النبيّ في علمه


1) - مقاتل الطالبيين: 32 و34.

وقدره يفعل مثل هذا فكيف يؤمن من كان دونه، اللّهمّ إنّي قد مللتهم واقبضني غير عاجز ولا ملول(1)- مضافاً إلى مجهولية رواته.

وأمّا ما في نسختنا من مقاتل أبي الفرج في ترك عبيد الله بن العبّاس عسكر الحسن عليه السلام ولحوقه بمعاوية، خطبهم قيس بن سعد بن عبادة، فقال: أنّ هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير - إلى أن قال - وأنّ أخاه ولاّه عليّ عليه السلام على البصرة، فسرق مال الله ومال المسلمين، فاشترى به الجواري وزعم أنّ ذلك له حلال... الخ(2). فالظاهر كونه من تصرف المحشين أخذاً من تلك الأخبار المتقدّمة، فخلط بالمتن، بدليل أنّ ابن أبي الحديد نقل عند عنوان النهج (ومن وصيته للحسن) جميع كلام أبي الفرج، وليس فيه أثر من ذلك، بل اقتصر على أنّ قيساً خطبهم، فثبتهم وذكر عبيد الله، فنال منه ثمّ أمرهم بالصبر(3)- ولم يذكر ذلك في تاريخ آخر.

مع أنّ اليعقوبي روى أنّ ابن عبّاس تصرف مقداراً من بيت المال، فكتب أمير المؤمنين عليه السلام بردّه، فردّه، وهذا لفظه: وكتب أبو الأسود - وكان خليفة ابن عبّاس بالبصرة - إلى عليّ عليه السلام يعلمه أنّ عبد الله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم، فكتب إليه يأمره بردّها، فامتنع، فكتب يقسم له بالله لتردّنها، فلمّا ردّها أو ردّ أكثرها كتب عليه السلام إليه: أمّا بعد، فإنّ المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما أتاك من


1) - اختيار معرفة الرجال: 60 ح109.

2) - مقاتل الطالبيين: 42.

3) - شرح ابن أبي الحديد 16/42، وقد لخّص كلام أبي الفرج.

الدنيا فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً، واجعل همّك لما بعد الموت(1).

ومثله نقل سبط ابن الجوزي عن السدّي وأبي أراكة، فروى مسنداً عن المأمون، عن آبائه، عن ابن عبّاس، قال: ما انتفعت بكلام أحد بعد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانتفاعي بكلام كتب أمير المؤمنين به إليَّ، كتب: سلام عليك، أمّا بعد، فإنّ المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، ويسرّه درك ما لم يكن ليفوته

• إلى أن قال - وقد روى السدّي هذا عن أشياخه وقال عقيبه: كأنّ الشيطان قد نزغ بين ابن عبّاس وبين عليّ عليه السلام مدّة ثمّ عاد إلى موالاته - وسببه أنّ أمير المؤمنين ولّى ابن عبّاس البصرة - إلى أن قال بعد ذكر الكتب المذكورة - ثمّ ندم ابن عبّاس واعتذر إلى عليّ عليه السلام وقبل عذره، وقيل: إنّه عاد إلى الكوفة(2).

ورواه أعثم الكوفي في (تاريخه) بطريق آخر، فقال ما معناه: أنّ عليّاً عليه السلام ولّى ابن عبّاس لمّا كان من قبله على البصرة الموسم، فطلب ابن عبّاس زياداً وأبا الأسود وقال لهما: أستخلفكما على البصرة حتّى أرجع - وجعل أبا الأسود على الصلاة بالناس، وزياداً على الخراج، فوقع بينهما بعد خروج ابن عبّاس تنافر، فهجا أبو الأسود زياداً، فلمّا رجع ابن عبّاس شكاه زياد وقرأ عليه أهاجيه فيه، فغضب ابن عبّاس وسبّ أبا الأسود، فاحتال أبو الأسود، فكتب إليه عليه السلام: إنّ ابن عمّك خان في بيت المال، فكتب عليه السلام إلى ابن عبّاس: بلغني عنك أُمور الله أعلم بها وهي غير منتظرة منك، فاكتب إليَّ


1) - تاريخ اليعقوبي 2/205.

2) - تذكرة الخواص: 150.

بمقدار بيت المال، فأجابه أنّ ذلك باطل، وانّي أعلم من كتب إليك ولا أتصدى بعد ذلك لعمل - واعتزل في بيته - فكتب عليه السلام إليه: لا تكن واجداً ممّا كتبت إليك، فإنّ ذلك كان من اعتمادي عليك، وتبيّن لي أنّ ما كتبوا إليَّ فيك باطل، فارجع إلى عملك، فلمّا وصل الكتاب إلى ابن عبّاس سرّ واشتغل بعمله(1).

وقد عرفت إنكار عمرو بن عبيد لذلك بكونه خلاف الدراية وبطلان خبر رووا أنّه عليه السلام قال: (يفتينا في القملة والنملة، وطار بأموالنا في ليلة)، ثمّ كيف يقول عليه السلام: (يفتينا)، فهل كان ابن عبّاس يفتيه عليه السلام، وكيف يقول: (وطار بأموالنا)، فإنّ تلك الأموال كانت من بيت المال لا ماله.

وقد أنكره أبو عبيدة، ففي (تاريخ الطبري) قال أبو عبيدة: إنّ ابن عبّاس لم يبرح من البصرة حتّى قُتل عليّ عليه السلام، فشخص إلى الحسن عليه السلام، فشهد الصلح بينه وبين معاوية، ثمّ رجع إلى البصرة وثقله بها، فحمله ومالاً من بيت المال قليلاً وقال: هي أرزاقي(2).

وبالجملة النقل فيه مختلف ومتعارض، وخبر الخصم خلاف العقل والدراية، فأيّ عبرة بمثله من الرواية حتّى يقول ابن أبي الحديد: إن كذبت النقل وقلت هذا كلام موضوع خالفت الرواة، وكم من رواياته لهم مخالفة للدرايات.


1) - الفتوح 4/74 - 75.

2) - تاريخ الطبري 4/109، سنة 40.

ومنها: كون زيد بن حارثة أميراً على جعفر الطيار(1)، فكيف تصحّ مع كونها على خلاف العقل، فأين جلال جعفر وأين زيد، مع أنّه كان يكذّبها أشعار حسان وغيره.

ومنها: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام خطب بنت أبي جهل، وأنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم غضب لذلك(2)، فإنّها مخالفة لما علم بالتواتر من عدم مخالفة أمير المؤمنين للنبيّ طرفة عين، فيعلم بقضية العقول أنّ جميعها مجعول.

والوجه في جعل خبر تأمير زيد دفع الطعن عن تأمير النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ابنه أسامة على أبي بكر وعمر، وفي جعل خبر خطبة بنت أبي جهل دفع الطعن عن فاروقهم في إغضابه النبيّ غير مرّة يوم صلاته صلي الله عليه وآله وسلم على ابن أُبي، ويوم الحديبية، ويوم وصيته صلي الله عليه وآله وسلم ونسبته إلى الهجر، فوضعوا ذلك دفعاً للطعن عن فاروقهم، ولم يبالوا بورود الطعن على النبيّ على فرض صحّته، فإذا كان النبيّ سخط من ذلك يكون الطعن عليه حيث أنّه لم يرض بما في شريعته وبما أنزله تعالى عليه في كتابه قوله: فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ(3)، كما أنّ الوجه في جعل خبر ابن عبّاس دفع الطعن عن عمر في عدم توليته لأقارب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في الظاهر لئلا يأخذوا الخمس من الغنائم، وفي الباطن لئلا يوجب ذلك انتقال الأمر إليهم، ففي العقد الفريد:


1) - رواه الواقدي في المغازي 2/756، وابن سعد في الطبقات 2/ق1/92، وابن هشام في السيرة 4/7، والطبري في تاريخه 2/319 سنة 8.

2) - رواه البخاري في صحيحه 2/189 و3/365، ومسلم في صحيحه 4/1902 - 1904 ح93 - 96.

3) - سورة النساء/3.

قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان ابن عبّاس من أحبّ الناس إلى عمر وكان يقدّمه على الأكابر من الصحابة ولم يستعمله قطّ، فقال له يوماً: كدت أستعملك ولكن أخشى أن تستحلّ الفيء على تأويل قوله تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى(1)استحله من قرابته من الرسول.

وفي (المروج): إنّ عمر أرسل إلى ابن عبّاس وقال له: إنّ عامل حمص هلك، وكان من أهل الخير، وهم قليل وقد رجوت أن تكون منهم، وفي نفسي منك شيء لم أره منك وأعياني ذلك، فما رأيك في العمل؟ قال: لن أعمل حتّى تخبرني بالذي في نفسك، قال: وما تريد من ذلك؟ قال: أريده فإن كان شيء أخاف منه على نفسي خشيت منه عليها الذي خشيت، وإن كنت بريئاً من مثله علمت أنّي لست من أهله، فقبلت عملك هنالك، فإنّي قلّما رأيت أو ظننت شيئاً إلاّ عاينته، فقال: يابن عبّاس! أن يأتي عليَّ الذي هو آت وأنت في عملك فتقول: هلم إلينا ولا هلم إليكم دون غيركم.

إلى أن قال: قال له عمر: فأشر عليَّ. قال: أرى أن تستعمل صحيحاً منك صحيحاً لك(2).

ثمّ الظاهر أنّ الجعل كان بعد وفاة ابن عبّاس زمان المروانيين، ولم يجترئوا على جعل مثله في حياته، بدليل أنّه لم ينقل طعن أحد فيه بذلك،


1) - سورة الأنفال/41.

2) - مروج الذهب 2/321.

مع كون معاوية وخواصه بصدد الطعن عليه وعلى باقي بني هاشم بما استطاعوا، بل نرى أنّ ابن عبّاس طعن في عمّال معاوية بالخيانة، وأنّه وباقي عمال أمير المؤمنين عليه السلام من أمثاله كانوا في غاية رعاية الأمانة.

فروى ابن عبد ربّه الذي روى خبر خيانته في كتاب أجوبة (عقده) أنّه اجتمعت قريش الشام والحجاز عند معاوية وفيهم ابن عبّاس - وكان جريئاً على معاوية حقّاراً له - فبلغه عنه بعض ما غمّه، فقال معاوية: رحم الله أبا سفيان والعبّاس كانا صفيين دون الناس، فحفظت الميت في الحيّ والحيّ في الميت، استعملك عليّ يابن عبّاس على البصرة، واستعمل أخاك عبيد الله على اليمن، واستعمل أخاك قثماً على المدينة، فلمّا كان من الأمر ما كان هنأتم ما في أيديكم، ولم أكشفكم عمّا وعت غرائركم، وقلت: آخذ اليوم وأعطي غداً مثله، وقلت: إن بدأ اللؤم يضرّ بعاقبة الكرم، ولو شئت لأخذت بحلاقيمكم وقيأتكم ما أكلتم، ولا يزال يبلغني عنكم ما لا تبرك له الإبل، وذنوبكم إلينا أكثر من ذنوبنا إليكم، خذلتم عثمان بالمدي، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وحاربتموني بصفّين، ولعمري لبنو تيم وعدي أعظم ذنوباً منّا إليكم إذ صرفوا عنكم هذا الأمر وسنّوا فيكم هذه السُنّة، فحتّى متى أغضى الجفون على القذى، وأسحب الذيول على الأذى، وأقول لعلّ وعسى.

فتكلّم ابن عبّاس إلى أن قال: ولكن من هنّأ أباك بأخاء أبي أكثر ممّن هنّأ أبي بأخاء أبيك، نصر أبي أباك في الجاهلية، وحقن دمه في الإسلام.

وأمّا استعمال عليّ عليه السلام إيّانا فلنفسه دون هواه، وقد استعملت أنت رجالاً لهواك لا لنفسك، منهم ابن الحضرمي على البصرة فقتل، وبسر بن

أرطأة على اليمن فخان، وحبيب بن مرّة على الحجاز فرد، والضحّاك بن قيس على الكوفة فحُصب، ولو طلبت ما عندنا لوقينا أعراضنا، وليس الذي يبلغك عنّا بأعظم من الذي يبلغنا عنك، ولو وضع أصغر ذنوبكم على مائة حسنة لمحقها، ولو وضع أدنى عذرنا على مائة سيئة إليكم لمحقها، وأمّا خذلاننا عثمان فلو لزمنا نصره لنصرناه، وأمّا قتلنا أنصاره يوم الجمل فعلى خروجهم ممّا دخلوا فيه، وأمّا حربنا إيّاك بصفّين فعلى ترك الحقّ وادّعائك الباطل، وأمّا اغراؤك إيانا بتيم وعدي، فلو أردناها ما غلبونا عليها، وسكت، فقال في ذلك ابن أبي لهب:

كأن ابن حرب عظيم القدر في الناس*** حّتى رماه بما فيه ابن عبّاس

ما زال يهبطه طوراً ويصعده*** حتّى استقاد وما بالحقّ من باس

لم يتركن خطة ممّا يذلله*** إلاّ كواه بها في فروة الرأس(1)

وأمّا ما قاله ابن أبي الحديد في ترجمة ابن الزبير - خطب ابن الزبير فقال: إنّ هاهنا رجلاً قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أنّ متعة النساء حلال من الله ورسوله، يفتي في القملة والنملة، وقد احتمل بيت مال البصرة بالأمس، وترك المسلمين يرتضخون النوى - إلى أن قال في جواب ابن عبّاس له - أمّا حملي المال فإنّه كان مالاً جبيناه وأعطينا كلّ ذي حقّ حقّه وبقيت بقية دون حقّنا في كتاب الله فأخذنا بحقّنا، وأمّا المتعة فاسأل أُمّك أسماء عن بردي عوسجة. فمع إرساله خبر دخيل، فإنّ أسماء لم تكن


1) - العقد الفريد 4/8 تحقيق أحمد أمين ورفيقيه، ط لجنة التأليف والنشر.

زوجة الزبير متعة بل دواماً، وإنّما كان ابن الزبير طعن في ابن عبّاس بمتعة الحجّ لكون عمر نهى عنها، فردّ عليه ابن عبّاس بما قال من أن أباه وأُمّه حجّا تمتعاً، وتمتع أبوه من أُمّه بعد العُمرة(1).

والمسعودي روى الخبر بدون ذكر من بيت المال، كما أنّه قال: قال ابن الزبير: ((يفتون في المتعة))، ثمّ حملها على متعة الحجّ لكون نكاح أسماء دواماً، وردّ على من حمله على متعة النساء، وبالجملة خبر خطبة ابن الزبير لم يكن فيه اسم من بيت المال كمتعة النساء(2).

وكيف كان فالعنوان كلامه عليه السلام كان أم لا نشرحه لكونه من النهج.

((أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي))، قال ابن أبي الحديد: سمّى عليه السلام الخلافة كما سمّى الله تعالى التكليف أمانة في قوله: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ(3).

قلت: بل كما سمّى الله تعالى الخلافة أيضاً أمانة في قوله ذاك، ففسّر عترته عليه السلام ((إنّا عرضنا الأمانة)) بالخلافة، وقوله: وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(4)بالمتصدّين لها بغير حقّ(5).


1) - شرح ابن أبي الحديد 20/129.

2) - مروج الذهب 3/81.

3) - شرح ابن أبي الحديد 16/168 والآية 72 من سورة الأحزاب.

4) - سورة الأحزاب/72.

5) - رواه الصفار في البصائر: 96 ح3، وابن طاووس في سعد السعود: 122، عن الباقر عليه السلام والكليني في الكافي 1/413 ح2، والصفار في البصائر: 96 ح2، والصدوق في معاني الأخبار: 110 ح2، ومحمّد بن العبّاس في تفسيره، عنه تأويل الآيات 2/470 ح40 عن الصادق عليه السلام والصدوق في المعاني: 110 ح3 والعيون 1/238 ح66 عن الرضا عليه السلام.

((وجعلتك شعاري))، الشعار ما ولي الجسد من الثياب، ((وبطانتي)) أي: وليجتي.

((ولم يكن رجل من أهلي)) هكذا في (المصرية)، والصواب: ((ولم يكن في أهل رجل)) كما في (ابن أبي الحديد وابن ميثم والخطّية)(1).

((أوثق منك في نفسي لمواساتي ومؤازرتي)) والوزر الملجأ، والأصل فيه الجبل، قال الشاعر:

وأخوان اتّخذتهم دروعاً*** فكانوها ولكن للأعادي

وخلتهم سهاماً صائبات*** فكانوها ولكن في فؤادي

وقالوا قد صفت منّا قلوب*** لقد صدقوا ولكن من ودادي

((وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب)) من ((كلب الشتاء)) اشتدّ بردّه، وقال الشاعر:

لمّا رأت أبلى قلّت حلوبتها*** وكلّ عام عليها عام تجتنب

((والعدوّ قد حرب)) من حرب الرجل: اشتدّ غضبه، وقال ثابت قطنة:

وصار كلّ صديق كنت آمله*** الباً عليَّ ورثّ الحبل من جاري

((وأمانة الناس قد خزيت)) أي: ذلّت وهانت، ((وهذه الأُمّة قد فتكت))، أي: تجرأت عليَّ، ((وشغرت)) أي: يدعيها كلّ أحد، من ((بلدة شاغرة برجلها))، إذا لم تمتنع من غارة أحد، وقد عرفت أنّ (العقد) رواه


1) - شرح ابن أبي الحديد 16/167، وشرح ابن ميثم 5/87 و88.

((وهذه الأُمّة قد فتنت)). وفي الخبر المستفيض أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال له: (إنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي)(1).

((قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ)) أي: الترس، وقلب ظهر المجنّ كناية عن الحرب مع من تحارب عنه.

وفي (كامل المبرّد): كتب الحجّاج إلى المهلب في حرب الخوارج: إنّك أقبلت على جباية الخراج وتركت قتال العدو، وإنّي وليتك وأرى مكان عبد الله بن حكيم المجاشعي، وعباد بن الحصين الحبطي، واخترتك وأنت من أهل عمان، ثمّ رجل من الأزد فالقهم يوم كذا، في مكان كذا، وإلاّ أشرعت إليك صدر الرمح.

فكتب إليه المهلب: وردّ عليَّ كتابك تزعم أنّي أقبلت على جباية الخراج وتركت قتال العدو، وزعمت أنّك وليتني، وأنت ترى مكان عبد الله وعباد، ولو وليتهما لكانا مستحقين لذلك في فصلهما وغنائهما وبطشهما، وأخترتني وأنا رجل من الأزد، ولعمري أن شرّاً من الأزد لقبيلة تنازعها ثلاث قبائل لم تستقر في واحدة منهنّ، وزعمت أنّي أن لم ألقهم في يوم كذا من مكان كذا أشرعت إليَّ صدر الرمح، فلو فعلت لقلبت إليك ظهر المجنّ(2).

((ففارقته مع المفارقين وخذلته مع الخاذلين وخنته مع الخائنين))، قال


1) - أخرجه جمع منهم الحاكم في المستدرك 3/140 و142 والبخاري في تاريخه 1: ق2/174، والخطيب في تاريخ بغداد 11/216.

2) - كامل المبرّد 8/76.

البحتري:

حاربتني الأيام حتّى لقد أصبح

حربي من كنت أعتد سلمي

أيضاً:

وكنت أرى عاصماً عاصماً

من الخطب أرهب أعضاله

وفي (العقد): لمّا أراد عبد الله المسير من البصرة دعا أخواله بني هلال ابن عامر بن صعصعة ليمنعوه، فجاء الضحّاك بن عبد الله الهلالي، فأجاره ومعه رجل منهم يقال له: رزين بن عبد الله - وكان شجاعاً بئيساً - فقالت بنو هلال: لا غنى بنا عن هوازن، وقالت هوازن: لا غنى بنا عن بني سليم، ثمّ أتتهم قيس، فلمّا رأى اجتماعهم له حمل ما كان في بيت مال البصرة وكان فيما زعموا ستّة آلاف ألف، فجعله في الغرائر، فحدّثني الأزرق اليشكري قال: سمعت أشياخنا من أهل البصرة قالوا: لمّا وضع المال في الغرائر ثمّ مضى به تبعته الأخماس كلّها بالطفّ على أربعة فراسخ من البصرة فواقعوه، فقالت لهم قيس: والله لا تصلوا إلينا وعين منّا تطرف، فقال ضمرة وكان رئيس الأزد: والله إنّ قيساً لإخواننا في الإسلام، وجيراننا في الدار، وأعواننا على العدو، إنّ الذي يذهبون به لو ردّ عليكم لكان نصيبكم منه الأقلّ، وهم خير لكم من المال، قالوا: فما ترى؟ قال: انصرفوا عنهم، فقال بكر بن وائل وعبد القيس: نعم الرأي رأي ضمرة واعتزلوهم، فقالت بنو تميم: والله لا نفارقهم ونقاتلهم عليه، فقال الأحنف: أنتم والله أحقّ ألاّ تقاتلوهم، وقد ترك قتالهم من هو أبعد رحماً منكم، قالوا: والله لنقاتلنهم، فقال: والله لا نشايعكم على قتالهم وانصرف عنهم - إلى أن قال - حتّى قدموا الحجاز،

فنزل مكّة، فجعل راجز لابن عبّاس يسوق له في الطريق ويقول:

آوي إلى أهلك يا رباب

آوي فقد حان لك الإياب

ويقول:

وهنّ يمشين بنا هميسا

إن يصدق الطير ننك لميسا

فقيل له: أمثلك يرفث في هذا الموضع؟ قال: إنّما الرفث ما يقال عند النساء - الخ.

((فلا ابن عمّك آسيت ولا الأمانة أديت))، كتب إبراهيم الصولي إلى ابن الزيات:

وكنت أخي بإخاء الزمان

فلمّا نبا صرت حرباً عواناً

وكنت أذم إليك الزمان

فأصبحت فيك أذم الزمانا

وكنت أعدك للنائبات

فها أنا أطلب منك الأمانا

((وكأنّك لم تكن الله تريد بجهادك، وكأنّك لم تكن على بينة من ربّك، وكأنّك إنّما كنت تكيد هذه الأُمّة عن دنياهم، وتنوي غرتهم عن فيئهم، فلمّا أمكنتك الشدّة)) بالفتح أي: الحملة ((في خيانة الأُمّة أسرعت الكرّة)) قال ابن أبي الحديد: لا يجوز أن يقال الكرّة إلاّ بعد فرّة، فكأنّه لمّا كان مقلعاً في ابتداء الحال عن التعرض لأموالهم كان كالفار عنها، فلذلك قال: ((أسرعت الكرة))(1).


1) - شرح ابن أبي الحديد 16/169.

قلت: على ما قاله: ((فلان كرّار غير فرّار)) ليس بصحيح، وإنّما ما قال معنى ((كرّ بعد ما فرّ)) لا معنى مطلق الكرّ، قال في القاموس: كرّ عليه عطف، والكرّة الحملة كالكرّى كبشرى - الخ(1). وقال امرؤ القيس في وصف فرسه:

مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاً*** كجلمود صخر حطه السيل من عل

أي: يصلح للكرّ والفرّ، ((وعاجلت الوثبة واختطفت))، أي استلبت ((ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم))، قال ابن السكيت: الأرامل المساكين من رجال ونساء، ((وأيتامهم اختطاف الذئب)) ولاختطافه كثيراً سمي خاطفاً، ((الأزل)) أي: الخفيف الوركين، وفي المثل: ((هو أسمع من الذئب الأزل))(2)، قال الجوهري: والسمع الأزل: الذئب الأرسح يتولّد بين الذئب والضبع، وهذه الصفة لازمة له كما يقال: ((الضبع العرجاء)).

((دامية)) اختلف في الدم هل أصله دمو بالتحريك كما قال بعضهم، أو دمي بالسكون كما قال سيبويه لجمعه على دماء، فيكون مثل ظبي وظباء، ودلو ودلاء، أو دمى بالتحريك كما قال المبرّد لكون تثنيته دميان(3).

((المعزى)) أي: المعز، قال سيوبيه: معزى مذكر ملحق بدرهم، وقال الفراء: مؤنثة ويشهد له وصفه(4)، ((الكسيرة فحملته إلى الحجاز)) أي: مكّة،


1) - القاموس المحيط 2/125 و126، مادّة (كرّ).

2) - أورده لسان العرب 11/308، مادّة (زلل).

3) - رواه عنهما ابن منظور في لسان العرب 14/268، مادّة (دمى).

4) - رواه عنهما ابن منظور في لسان العرب 5/410 و411 مادّة (معز).

((رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه)).

دخل أعرابي على هشام فقال له: عظني، فقال له: كفى بالقرآن واعظاً، ثمّ أخذ في قراءة سورة المطففين إلى قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(1)، ثمّ قال له: هذا جزاء من يطفف في الكيل والميزان، فما ظنّك بمن أخذه كلّه.

((كأنّك لا أباً لغيرك)) أي: أنزلت، ((إلى)) هذا في (المصرية) ونسخة ابن أبي الحديد، وفي (ابن ميثم والخطّية) ((على))(2)، ((أهلك تراثاً)) هكذا في (المصرية)، والصواب: ((تراثك)) كما في (ابن أبي الحديد وابن ميثم والخطّية)(3)((من أبيك وأُمّك)) في حليته، ((فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد))، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً(4)، ((أو ما تخاف نقاش الحساب)) أي: استقصاءه، وبه فسّر قوله تعالى: وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ(5).

((أيّها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب)) الذين لا يلتفتون إلى القشريات، قال الشاعر:


1) - سورة المطففين/6.

2) - لفظ شرح ابن أبي الحديد 16/167، وشرح ابن ميثم 5/88 ((إلى)).

3) - شرح ابن أبي الحديد 16/167، وشرح ابن ميثم 5/88.

4) - سورة آل عمران/30.

5) - سورة الرعد/21.

حسبتك لب الجود بذلاً وهمة

فأدخلت فيما كنت أحسبه وهنا

وكنت كما قدرت لب سماحة

ولكن كلب الجوز إذ فارق الدهنا

وقال آخر:

بالله يا ناقض العهود من

بعدك من أهل ودنا نثق

((كيف تسيغ)) قال الجوهري: يقال: ساغ الشراب يسوغ، أي: سهل مدخله في الحلق، وسغته أسوغه وأسيغه يتعدّى ولا يتعدى - الخ، وتبعه (القاموس)(1).

وقال ابن دريد: ساغ لي الشراب يسوغ إذا سهل لك شربه، وأسغته إذا شربته، ومثله الأساس(2)، والصواب: ما قال الأخيران، وعليه فتسيغ بضم التاء، قال تعالى: وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ(3)، ومقتضى كلام الأوّلين جواز الفتح.

((شراباً وطعاماً وأنت تعلم أنّك تأكل حراماً وتشرب حراماً)) كمن يسيغ شراباً وطعاماً وهو يعلم أنّه يأكل ويشرب مسموماً.

((وتبتاع الإماء)) في خبر (العقد) المتقدّم: فلمّا نزل مكّة اشترى من عطاء بن جبير مولى بني كعب ثلاث مولدات حجازيات، يقال لهم شادن وحوراء وفتون بثلاثة آلاف دينار.

((وتنكح من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين


1) - صحاح اللغة، والقاموس المحيط 3/108، مادّة (سوغ).

2) - جمهرة اللغة، وأساس البلاغة: 224 مادّة (سوغ).

3) - سورة إبراهيم/17.

أفاء الله عليهم هذه الأموال وأحرز بهم هذه البلاد))، روى (الاستبصار) أن الصفّار كتب إلى أبي محمّد عليه السلام: رجل اشترى ضيعة أو خادماً بمال أخذه من قطع الطريق أو من سرقة، هل يحلّ له ما يدخل عليه من ثمرة هذه الضيعة، أو يحلّ له أن يطأ هذا الفرج الذي اشتراه من سرقة أو قطع الطريق؟ فوقّع: لا خير في شيء أصله حرام، ولا يحلّ له استعماله(1).

((فاتّق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنّك إن لم تفعل ثمّ أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلاّ دخل النار))، قال شباب التستري بالفارسية وأجاد:

قضا زقهر خدا چونكه كشت آبستن*** بيك شكم دو بسر زاد ذو الفقار وسقر

هذا وفي (الطبري) في غزوة أحد: قال طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين: يا معشر أصحاب محمّد! إنّكم تزعمون أنّ الله يعجّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجّلكم بسيوفنا إلى الجنّة، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنّة، أو يعجلني بسيفه إلى النار، فقام إليه عليّ عليه السلام فقال: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتّى أعجلك بسيفي إلى النار، أو تعجلني بسيفك إلى الجنّة، فضربه، فقطع رجله، فسقط، فانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرحم يابن عمّ، فتركه فكبّر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم - الخ(2).


1) - الاستبصار 3/67، والتهذيب 7/138 ح85.

2) - تاريخ الطبري 2/194، سنة 3.

((والله لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة))، أي: صلح وميل، ((ولا ظفرا منّي بإرادة)).

هذا نظير ما روي أن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: لو سرقت فاطمة لقطعت يدها.

ففي (المناقب) عن صحيح الدارقطني: أمر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بقطع لصّ، فقال: قدمته في الإسلام وتأمره بالقطع، فقال: لو كانت ابنتي فاطمة، فسمعت فحزنت، فنزل جبرئيل بقوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ(1)، فحزن النبيّ فنزل: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا(2)، فتعجب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من ذلك فنزل جبرئيل، وقال: لو كانت فاطمة حزنت من قولك فهذه الآيات لموافقتها(3).

((حتّى آخذ الحقّ منهما وأزيل)) هكذا في (المصرية)، والصواب، ((وأزيح)) كما في (ابن أبي الحديد وابن ميثم والخطّية)(4)وإن كانا بمعنى.

((الباطل عن مظلمتهما، واقسم بالله ربّ العالمين ما يسرّني أن ما أخذته من أموالهم حلال لي أتركه ميراثاً لمن بعدي)) فيكون حسابه عليَّ والتمتع به لغيري.

((فضح رويداً)) قال الجوهري: ضح رويداً أي: لا تعجل، قال زيد الخيل:


1) - سورة الزمر/65.

2) - سورة الأنبياء/22.

3) - مناقب السروي 3/324.

4) - شرح ابن أبي الحديد 16/168، وشرح ابن ميثم 5/89.

ولو أن نصرا أصلحت ذات بينها*** لضحت رويدا عن مطالبها عمرو

ونصر وعمرو ابنا قعين بطنان من بني أسد.

وفي (النهاية): أنّ العرب كانوا يسيرون في ظعنهم، فإذا مروا ببقعة من الأرض فيها كلاء وعشب قال قائلهم: ألاّ ضحوا رويداً، أي: أرفقوا بالإبل حتّى يتضحى، أي: تنال من هذا المرعى - الخ(1).

وفي (أمثال العسكري): ضح رويداً، أي أرفق بالأمر، وضحّ من الضحى، وهو ارتفاع النهار، وأصل المثل في رعي الإبل ضحى، والضحى للإبل بمنزلة الغداء للإنسان.

وفي (أمثال الميداني): ضح رويداً، ضح أمر من التضحية، أي: لا تعجل في ذبحها، ثمّ استعير في النهي عن العجلة في الأمر، ويقال: ضح رويداً لم ترع، أي: لم تفزع، ويقال: ضح رويداً يدرك الهيجاء حمل، يعني حمل بن بدر، قال زيد الخيل:

فلو أنّ نصراً أصلحت ذات بينها*** لضحت رويداً عن مطالبها عمرو

ولكن نصراً ارتعت وتخاذلت*** وكانت قديماً من خلائقها الغفر(2)

((فكأنّك قد بلغت المدى)) أي: نهاية أجلك وانقضاء أيامك، ((ودفنت تحت الثرى)) أي: التراب، ((وعرضت عليك أعمالك)) وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ


1) - النهاية 3/76 مادّة (ضحا).

2) - مجمع الأمثال 1/419.

طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً _ اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً(1). ((بالمحلّ الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة)) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ(2)، ((ويتنمى المضيّع فيه)) أخذت المصرية ((فيه)) عن ابن أبي الحديد، وليست في (ابن ميثم)(3)، ((الرجعة)) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(4).

((ولات حين مناص))، والأصل فيه قوله تعالى: كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ(5)...

• 1-

الكتاب (22)

ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العبّاس وكان ابن عبّاس يقول: ما انتفعتُ بكلام بعد كلام رسول صلي الله عليه وآله وسلم كانتفاعي بهذا الكلام:

أمّا بعد، فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على


1) - سورة الإسراء/13 - 14.

2) - سورة الزمر/56.

3) - شرح ابن أبي الحديد 16/168، وشرح ابن ميثم 5/89.

4) - سورة الزمر/58.

5) - سورة ص/3.

ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعاً، وليكن همّك فيما بعد الموت.

الكتاب (66)

ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العبّاس، وقد تقدّم ذكره، بخلاف هذه الرواية:

أمّا بعد فإنّ المرء ليفرح بالشّيء الذي لم يكن ليفوته، ويحزن على الشّيء الذي لم يكن ليصيبه، فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذّةٍ أو شفاء غيظٍ، ولكن إطفاء باطلٍ أو إحياء حقٍّ، وليكن سرورك بما قدّمت وأسفك على ما خلّفت وهمّك فيما بعد الموت.

أقول: رواه نصر بن مزاحم في (صفّينه)، والكليني في (روضته)، واليعقوبي في (تاريخه)، وسبط بن الجوزي في (تذكرته)، ونقل عن (مجالس ثعلب)، و(أمالي القالي)، و(محاضرات الراغب)(1)، و(دستور القاضي القضاعي)(2).

قال الأوّل: وكتب عليّ عليه السلام إليه: أمّا بعد، فإنّ الإنسان قد يسرّه ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه وإن جهد، فليكن سرورك فيما قدّمت من حكم أو منطق أو سيرة، وليكن أسفك على ما فرّطت فيه من ذلك، ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر به حزناً، وما أصابك فيها فلا تبغ به سروراً، وليكن همّك فيما بعد الموت(3).


1) - المحاضرات، للراغب الأصفهاني 2/173.

2) - دستور القضاعي: 96، أمال القالي 2/94، وعبارة الأمالي تختلف عن النهج.

3) - وقعة صفّين: 107.

وقال الثاني: عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط رفعه، قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عبّاس: أمّا بعد، فقد يسرّ المرء ما لم يكن ليفوته، ويحزنه ما لم يكن ليصيبه أبداً وإن جهد، فليكن سرورك بما قدمت من عمل صالح أو حكم أو قول، وليكن أسفك على ما فرّطت فيه من ذلك، ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر عليه حزناً، وما أصابك منها فلا تنعم به سروراً، وليكن همّك فيما بعد الموت، والسلام(1).

وقال الثالث: وكتب أبو الأسود - وكان خليفة ابن عبّاس بالبصرة - إلى عليّ عليه السلام يعلمه أنّ عبد الله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم، فكتب عليه السلام إليه يأمره بردّها، فامتنع فكتب يقسم له بالله ليردّنّها، فلمّا ردّها أو ردّ أكثرها كتب إليه: أمّا بعد، فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً، واجعل همّك لما بعد الموت، والسلام(2).

فكان ابن عبّاس يقول: ما اتّعظت بكلام قطّ اتّعاظي بكلام أمير المؤمنين(3).

روى الرابع مسنداً عن المأمون، عن آبائه، عن ابن عبّاس، قال: ما انتفعت بكلام أحد بعد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانتفاعي بكلام كتب به أمير المؤمنين عليه السلام إليَّ: أمّا


1) - روضة الكافي 8/340، 327.

2) - مجالس ثعلب 1/155.

3) - تاريخ اليعقوبي 2/205.

بعد، فإنّ المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، ويسرّه درك ما لم يكن ليفوته، فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما فاتك من الدنيا فلا تأسفنّ عليه، وليكن همّك فيما بعد الموت.

وروى السدّي هذا عن أشياخه، وقال عقيبه: كان الشيطان قد نزغ بين ابن عبّاس وبينه عليه السلام ثمّ عاد إلى موالاته(1).

قول المصنّف: في الأوّل (وكان ابن عبّاس) هكذا في (المصرية)(2)، أخذاً عن (ابن أبي الحديد)، وفي (ابن ميثم): ((وكان عبد الله))(3).

(يقول ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله)، ومن كلامه صلي الله عليه وآله وسلم له الذي انتفع به ما رواه اليعقوبي عنه، قال: أردفني النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ثمّ قال لي: يا غلام! ألا أعلّمك كلمات ينفعك الله بهنّ. قلت: بلى، قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، أذكر الله في الرخاء يذكرك في الشدّة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جفّ القلم بما هو كائن، ولو جهد الخلق على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، فعليك بالصدق في اليقين، إنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلم أنّ النصر مع الصبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسراً(4).


1) - تذكرة الفقهاء: 150.

2) - نهج البلاغة 3/23 من الكتاب رقم22.

3) - شرح ابن أبي الحديد 15/140 وشرح ابن ميثم: 384 السطر الثالث هكذا.

4) - تاريخ اليعقوبي 2/263.

(كانتفاعي بهذا الكلام)، قد عرفت أنّه روى هذا الكلام عنه سبط بن الجوزي، وكذا اليعقوبي.

قوله في الثاني: (وقد تقدّم ذكره بخلاف هذه الرواية) هكذا في (المصرية)(1)، ولكن في (ابن أبي الحديد): ((وقد مضى هذا الكلام فيما تقدّم بخلاف هذه الرواية))، ومثله (ابن ميثم) لكن فيه (هذا الكتاب)(2)، وقد عرفت أنّ المقدّم رواية الأخيرين، وهذه رواية الأوّلين ممّن نقلنا كلامه.

قوله عليه السلام في الأوّل: (أمّا بعد، فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه)، وفي الثاني: (أمّا بعد، فإنّ المرء) هكذا في (المصرية)(3)، والصواب: (العبد)، كما في (ابن أبي الحديد وابن ميثم والخطّية)(4).

((ليفرح بالشيء الذي لم يكن ليفوته، ويحزن على الشيء الذي لم يكن ليصيبه)) معناهما واحد وإنّما اختلف لفظهما، والمراد أنّ سروره وفرحه وكذا مساءته وحزنه كانا هدراً وفي غير محلهما.

وفي (مطالب سؤول ابن طلحة الشافعي): قال عليّ عليه السلام: (الشيء شيئان: شيء قصر عنّي لم أرزقه فيما مضى ولا أرجوه فيما بقي، وشيء لا أناله


1) - نهج البلاغة 3/139 من الكتاب رقم/66.

2) - شرح ابن أبي الحديد 18/28.

3) - نهج البلاغة 3/23 من الكتاب رقم 22.

4) - شرح ابن أبي الحديد 18/28، ابن ميثم (الطبع الحجري) 458 هكذا.

دون وقته، ولو استعنت عليه بقوّة أهل السماوات والأرض، فما أعجب أمر هذا الإنسان يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، ولو أنه فكّر لأبصر، ولعلم أنّه مدبّر، واقتصر على ما تيسّر ولم يتعرّض لما تعسّر، واستراح قلبه ممّا استوعر، فبأيّ هذين أفني عمري، فكونوا أقلّ ما تكونون في الباطن أحوالاً أحسن ما تكونون في الظاهر أحوالاً، فإنّ الله تعالى أدّب عباده المؤمنين أدباً حسناً، فقال جلّ من قائل: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً(1)).

وفي الأوّل: ((فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك))، وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ(2).

((وليكن أسفك على ما فاتك منها))، ومن أسماء يوم القيامة التغابن، لأنّ الإنسان يرى مغبونيته فيما فاته من الآخرة.

((وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعاً))، قال تعالى: لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ(3).

وفي (الأغاني) قال أعشى همدان:


1) - سورة البقرة/273.

2) - سورة العنكبوت/64.

3) - سورة الحديد/23.

فلا تأسفنّ على ما مضى*** ولا يُحزنك ما يُدبرُ

فإنّ الحوادث تُبلي الفتى*** وإنّ الزمان به يعثُرُ

فيوماً يُساء بما نابه*** ويوماً يُسَرّ فيستبشرُ

ومن كلّ ذلك يَلقى الفتى*** ويُمنى له منه ما يُقدَرُ(1)

وفي الثاني: ((فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك بلوغ لذّة أو شفاء غيظ))، فإنّه يشارك في ذلك البهائم والسباع.

((ولكن إطفاء)) نار ((باطل أو إحياء حقّ)) ميت الذي هو عمل الأنبياء والأوصياء وهم العلماء والحكماء.

((وليكن سرورك بما قدمت))، وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً(2).

((وأسفك على ما خلفت))، وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ(3).

وفي الأوّل ((وليكن همّك))، وفي الثاني ((وهمّك))، وفيهما ((فيما بعد الموت))، فأغبط الناس من نام تحت التراب وأمن العقاب، وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ(4).

هذا، ونظير وعظه لعبد الله بن عبّاس وعظ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لأخيه الفضل بن


1) - الأغاني 6/38 (في أخبار أعشى همدان).

2) - سورة المزمل/20.

3) - سورة الأنعام/94.

4) - الحشر/18.

العبّاس، روى (الفقيه في نوادر آخره) عن الصادق، عن أبيه صلي الله عليه وآله وسلم، قال: قال الفضل: أُهدي إلى النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بغلة أهداها له كسرى أو قيصر، فركبها بحبل من شعر وأردفني خلفه، ثمّ قال، (يا غلام! احفظ الله...)(1)، مثل ما مرّ عن اليعقوبي في قول النبيّ لعبد الله بن عبّاس نفسه، والظاهر أصحّيّة ما في (الفقيه) من كون قوله صلي الله عليه وآله وسلم للفضل ولعلّ عبد الله سمعه من أخيه(2)))(3).


1) - فقيه 4/296 ح76.

2) - لقد مرّت الوصية وأسانيدها في ج4 من الحلقة الثالثة، فراجع تجد الرسالة الثانية عشرة (نور الاقتباس في مشكاة وصية النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لابن عبّاس)، تصنيف الحافظ ابن رجب الحنبلي: 795ه-، تحقيق محمّد بن ناصر العجمي.

3) - إلى هنا ينتهي النقل عن نهج الصباغة في شرح بهج البلاغة 8/78 - 300.

الثالث : الشيخ محمد جواى مغنية و كتابه (في ظلال شرح نهج البلاغة)

الثالث

الشيخ محمّد جواد مغنية

قال في كتابه (في ظلال شرح نهج البلاغة):

(( الرسالة

• 39 -

إلى بعض عمّاله:

أمّا بعد، فقد بلغني عنك أمرٌ، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك، وعصيت إمامك، وأخزيت أمانتك، وخنت المسلمين.

بلغني أنّك جرّدت الأرض، فأخذت ما تحت قدميك، وأكلت ما تحت يديك، فارفع إليَّ حسابك، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب النّاس، والسّلام.

المعنى:

لم يذكر بعض الشارحين هذه الرسالة، أو يشر إليها، والشريف الرضي قال: إلى بعض عمّاله، وابن أبي الحديد اكتفى بنقل طرف من الأقوال والنوادر عن الولاة والقضاة، منها: أنّ رجلاً أهدى سراجاً للمغيرة بن شعبة، وأهداه آخر بغلاً، ثمّ ترافعا لديه في خصومة، فجعل صاحب السراج يقول: إنّ حقّي أوضح من ضوء السراج، فلمّا أكثر قال له المعيرة، إنّ البغل يرمح

السراج فيكسره.

وقال الشيخ محمّد عبده: إنّ العامل المقصود بهذه الرسالة هو نفس العامل الذي عناه الإمام بالرسالة التالية بلا فاصل، أي: عبد الله بن عبّاس كما يأتي. (وأخزيت أمانتك) أي: أفسدتها، والمعنى كنت عندنا أميناً، وصرت الآن خائناً لا نأتمنك على شيء، (بلغني أنّك جردت الأرض) جعلتها خالية جرداء بعد أن أخذت ما في بيت المال، أو أكلت خيراتها وجعلتها خراباً يباباً تماماً كما يفعل الجراد.

الرسالة

-40-

قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ فقرة 12:

أمّا بعد: فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن من أهل بيتي رجلٌ أوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي، وأداء الأمانة إليَّ. فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرُب، وأمانة الناس قد خزيت، وهذه الأمّة قد فنكت وشغرت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ ففارقته مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، وخنته مع الخائنين، فلا ابن عمّك آسيت، ولا الأمانة أدّيت. وكأنّك لم تكن الله تريد بجهادك. وكأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك. وكأنّك إنّما كنت تكيد هذه الأُمّة عن دنياهم، وتنوي غرّتهم عن فيئهم، فلمّا أمكنتك الشدّة في خيانة الأُمّة، أسرعت الكرّة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من

أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم اختطاف الذئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز، رحيب الصدر بحمله، غير متأثّم من أخذه كأنّك - لا أبا لغيرك - حدَرتَ إلى أهلك تراثاً من أبيك وأُمّك، فسبحان الله! أما تؤمن بالمعاد؟ أو ما تخاف نقاش الحساب؟

اللغة:

الشعار: الثوب الملتصق بالجسم. وبطانتي: خاصتي. والمواساة: التسوية بالنفس. والمؤازرة: المناصرة. وكلب الزمان: اشتد. وحرب العدوّ - بكسر الراء - استأسد. وفنكت: كلبت. وشغرت: خليت. والمجنّ: الترس. وآسيت: ساعدت، وغرّتهم غفلتهم. والشدّة: القدرة، والذئب الأزلّ: سريع العدو، والكسيرة: مكسورة القائمة يدها أورجلها، وغير متأثم: غير مبالٍ باقتراف الذنوب والآثام، وحدرت: أسرعت.

الإعراب:

ابن عمّك مفعول آسيت، ورحيب حال من تاء المخاطب في جملته، وكذلك غير متأثّم، ولا أبا (لا) نافية للجنس، وأباً اسمها، أشبعت الفتحة فصارت ألفاً، ولغيرك خبر، ويقال هذا للتوبيخ مع التحامي من الدعاء على المخاطب.

المعنى:

أكثر الباحثين أو الكثير منهم قالوا: إنّ هذه الرسالة كتبها الإمام لابن عمّه عبد الله بن عبّاس، وكان قد اختاره لولاية البصرة، ولمّا اغتصب معاوية

مصر، وقتل عاملها محمّد بن أبي بكر خشي ابن عبّاس - كما نتصوّر - أن يطمع معاوية في البصرة، ويمثل فيها نفس الدور الذي مثله في مصر، ويكون مصير عاملها كمصير محمّد بن أبي بكر... فأخذ ما في بيت المال وتوجّه إلى مكّة، وقال: ((سلامات يا رأس)) ويومئ إلى ذلك قول الإمام: (فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ قد حرب... قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ) وهذه الكلمة تقال لمن كان سلماً لأخيه ثمّ صار حرباً عليه.

وابن عبّاس حبر وبحر علماً وفهماً، ما في ذلك ريب، ولكنّه غير معصوم، وحياة العامل للإمام هي حياة الزهد والحرمان من أكل المال بالباطل، والحساب العسير فما دونه.. ولا يطيق هذا إلاّ معصوم أو شبيه بالمعصوم بخاصّة أنّ عمّال معاوية غارقون إلى الآذان في الترف والنعيم.. وكلّنا يعلم أنّ ابن عبّاس قطع شوطاً بعيداً مع الإمام، وجاهد بين يديه جهاداً عظيماً، وأنّ له مواقف في نصرة الحقّ وأهله ومحاربة الباطل وأنصاره - يشكرها له الله ورسوله، بل أنّ الله سبحانه قد استخلفه هو ونفر في عصره لا يتجاوزون عدد الأصابع، استخلصهم لإعلان الحقّ على الملأ، وإذاعته والدعوة سرّاً وجهراً لحماة الدين وعصمة المؤمنين لا يبتغون جزاءً ولا شكوراً إلاّ الوسيلة إلى الله ورحمته والنجاة من غضبه وعذابه.

(أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي... الخ) إنّ الله سبحانه جعلني أمينا على مصالح عباده، واخترتك شريكا ومساعداً لي على أداء هذه الأمانة حين جعلتك والياً على البصرة، (ولم يكن رجل من أهلي... الخ) وثقت بك

دون الأقارب والأرحام، لأنّك كنت لي سنداً وعضداً وفياً بارّاً ولي مطيعاً، ثمّ عصيت وجفوت لمّا جفاني الدهر، فهل تريد أن تكون له عوناً على أقرب الناس إليك، وأكثرهم رأفة ورحمة بك؟

(وكأنّك لم تكن - إلى - الكسيرة) إنّ عملك يشبه عمل الجاهلين بدين الله، أو عمل المرائين الذين يرتقبون الفرصة حتّى إذا سنحت وثبوا وغدروا تماماً كما يثب الذئب على فريسة لا خلاص لها منه ولا فرار، (فحملته إلى الحجاز... الخ) أخذت مال المسلمين تتنعم به في بلدك أنت وأهلك كأنّك جنيته بكد يمينك، أو ورثته من قريبك! فأين خوفك من الله وحسابه يوم العذاب الأكبر.

ينادي الظالم بالحسرة.. فقرة 34:

أيّها المعدود كان عندنا من أولي الألباب كيف تسيغ شراباً وطعاماً؟ وأنت تعلم أنّك تأكل حراماً وتشرب حراماً؟ وتبتاع الإماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال وأحرز بهم هذه البلاد. فاتّق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنّك إن لم تفعل ثمّ أمكنني الله منك لأعذرنّ إلى الله فيك، ولأضربنّك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلاّ دخل النار، ووالله لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ولا ظفرا منّي بإرادة حتّى آخذ الحقّ منهما وأزيح الباطل عن مظلمتهما. وأقسم بالله ربّ العالمين ما يسرّني أنّ ما أخذت من أموالهم حلال لي أتركه ميراثاً لمن بعدي. فضحّ رويداً فكأنّك قد بلغت المدى، ودفنت تحت الثرى، وعرضت عليك

أعمالك بالمحلّ الذي ينادي فيه المغترّ بالحسرة، ويتمنّى المضيّع الرجعة ولات حين مناصٍ.

اللغة:

تسيغ شراباً: تبلعه ويسهل عليك شربه، وأفاء المال عليه: جعله غنيمة له، والهوادة: اللين والرفق. وضح: من ضحى الغنم إذا رعاها في الضحى، والمراد الأمر بالأناة. والمدى: الغاية، والمناص: المفر.

الإعراب:

كان عندنا (كان) زائدة دلّت على الزمان الماضي وكفى، وكيف تسيغ (كيف) حال، والمصدر من أنّ الحسن والحسين فاعل لفعل محذوف أي: لو ثبت كون الحسن والحسين، ومثل مفعول مطلق أو صفة لمفعول مطلق محذوف أي فعلا مثل الذي فعلت، وحين اسم لات، وخبرها محذوف، أي: ولات حين مناص كائن.

المعنى:

(أيّها المعدود كان عندنا من أولي الألباب) هذا تعبير ثان عن قوله المتقدّم: ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي (كيف تسيغ شراباً - إلى البلاد) إنّ المال الذي انتهبته ليس لك ولأبيك، إنّه للأرامل والأيتام، والفقراء والمساكين، والمجاهدين من أجل الإسلام، والمرابطين في ثغور المسلمين، يدافعون عنها بسلاحهم وأرواحهم، فكيف تتصرّف به، وتنفقه على طعامك وشرابك وخدمك ونسائك، (فاتّق الله واردد.. الخ) الأموال إلى أهلها وإلاّ

أدبتك بما تستحقّ، (ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلاّ دخل النار) لأنّي لا أشهره إلاّ على من أشرك وبغى، ولا أضرب به إلاّ من فسد وطغى.

(ووالله لو أنّ الحسن والحسين... الخ) أبداً لا فرق في الحقّ بين قريب وبعيد وسيّد ومسود، فهذا سيّد الكونين وخاتم النبيّين حين أحس بدنو أجله قام خطيباً، وقال: (أيّها الناس من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء من قبلي، فإنّها ليست من شأني)، وقال: لو سرقت فاطمة بنت محمّد لقطعت يدها، وليس هذا تواضعاً وكفى، وإنّما هو خلق الإسلام، وشريعة القرآن، وبه وحده نجد صلابة الإمام في الحقّ، والتزامه به، وحمله أهله وعمّاله عليه.

(واقسم بالله ربّ العالمين ما يسرني - إلى - بعدي) كان الإيثار أبرز صفات الإمام، ينفق على المحاويج معظم ما يملك حتّى الذي يجنيه بكد اليمين، ولا يبقي لنفسه وأهله إلاّ دون الكفاف عملاً بسُنّة رسول الله الذي قال: (ما أحبّ أن يكون لي مثل أحد ذهباً أنفقه في سبيل الله، أموت وأترك منه قيراطين)، هذا وهو حلال طيب، فكيف به إذا كان ناراً وجحيماً، كالمال الذي أخذه هذا العامل يتنعم به ويترك ما تبقى ميراثاً لأبنائه؟ (فضح رويداً... الخ) تمهل وانتظر.. فأمامك قبر ساكن مظلم، والحساب صعب عسير، وما للظالمين من قرار وأنصار))(1).


1) - في ظلال نهج البلاغة، لمحمّد جواد مغنية 3/556 - 563 .

عرض النصوص للتمحيص

1- جاء في طبقات ابن سعد (ت231ه-) في ترجمة أبي الأسود: ((...وكان عبد الله بن عبّاس لمّا خرج من البصرة استخلف عليها أبا الأسود الدؤلي، فأقرّه عليّ بن أبي طالب عليه السلام))(1).

فهذا ما تقدّم ذكره في أوّل (ماذا قال أصحاب الإدانة)(2)، وقلت فيه: لا يمكن أن يؤخذ به كمؤشّر على الإدانة، كما لا يدلّ على المفارقة المزعومة مغاضباً، فهو كما لم يفصح عن السبب في خروج ابن عبّاس من البصرة، لم يذكر الجهة التي ذهب إليها.. ومرّت المناقشة في هذا فلا نعيد.

2- جاء في معارف ابن قتيبة (ت276ه-) في ترجمة أبي الأسود: ((هو ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان... وكان عاقلاً حازماً بخيلاً، وهو أوّل من وضع العربية، وكان شاعراً مجيداً، وشهد صفّين مع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وولي البصرة لابن عبّاس، وفلج بالبصرة ومات بها وقد أسنّ...))(3).


1) - الطبقات الكبرى 7/99.

2) - انظر: موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء السابع عشر.

3) - المعارف: 434.

لقد أخطأ ابن قتيبة في هذا فذكر شهوده صفّين مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام وولى البصرة لابن عبّاس؟ فأين هذا ممّا مرّ في الجزء الرابع من الحلقة الأولى(1)نقلاً عن أنساب الأشراف للبلاذري (ت279ه-)، وهو من معاصري ابن قتيبة؟ فقد جاء: أنّ ابن عبّاس لمّا أراد الخروج إلى صفّين استخلف أبا الأسود على الصلاة وزياداً على الخراج.

أقول: وهذا هو الصحيح، ولو كان أبو الأسود شهد صفّين مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام كما قال ابن قتيبة لما خفي مقامه ومقاله، حتّى وإن كان أعرجاً ولا يغني ولا يسمن عند اصطكاك الأسنّة، لكن فلنجعله كعمرو بن الجموح الذي قال له النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم بسقوط الجهاد عن الأعرج، فقال: ((والله لأحفرن بعرجتي هذه الجنّة))(2).

ومهما يكن فالرجل لم يرد له ذكر في كتاب (وقعة صفّين) لنصر بن مزاحم (ت212ه-) إلاّ مرّة واحدة في ص131، حيث قال نصر: ((...فاستعمل ابن عبّاس على البصرة أبا الأسود الدئلي، وخرج حتّى قدم عليّ ومعه رؤوس الأخماس...)).

وليس معنى هذا أنّه لم يشارك مع المجاهدين من البصريين في ولاية ابن عبّاس، بل كان ابن عبّاس قد أرسله في ألف فارس ليتبع الخوارج الذي خرجوا مع مسعر بن فدكي فأدركهم بالجسر الأكبر - جسر تستر - فتواقفوا حتّى حجز


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع/حبر الأُمّة وولايته على البصرة/ نشاطه الإداري والسياسي.

2) - تفسير القرطبي 8/226.

الليل بينهم، وأدلج مسعر بأصحابه... فعاد أبو الأسود إلى ابن عبّاس فأخبره(1).

كما أنّ ابن عبّاس أمره فحشد الناس بالبصرة للخروج إلى حرب معاوية ثانية، فحشد ألفاً وسبعمائة(2).

ولمّا كانت الأحداث المؤلمة تتسارع وقوعاً، وكان ابن عبّاس يشارك الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في أحزانه فقد كتب إليه الإمام معزّياً ويخبره بمقتل محمّد بن أبي بكر - فهو ابن خالته أسماء - ويشكو إليه تخاذل شيعته عن نصرته، فأجابه برسالة تسلية جواباً على رسالة الإمام في التعزية، ثمّ سافر هو بنفسه إلى الكوفة زائراً ومسلّياً ومواسياً، ومشاركاً في ترتيب الأحوال المضطربة، واستخلف زياداً على البصرة، وفي هذه الفترة جرت حادثة ابن الحضرمي وقد مرّ ذكرها في الجزء الرابع من الحلقة الأولى نقلاً عن كامل ابن الأثير وغيره(3)، إلاّ أنّ جلّ من ذكرها من المتأخّرين يرجعون في روايتها إلى (غارات) إبراهيم بن محمّد الثقفي، فنقلتها عنهم قبل أن تطبع، والآن وقد طبعت محقّقة بتحقيق المرحوم السيّد جلال الدين المحدّث، وطبعت للمرّة الثانية في مجلدين برقم متسلسل واحد في سلسلة انتشارات أنجمن آثار ملي برقم (115)، وقد وثقّها محقّقها بمراجعة المصادر التي


1) - تقدّم في الجزء الرابع من الموسوعة/حبر الأُمّة وولايته على البصرة/عودة ابن عبّاس إلى البصرة، عن جامع البيان، للطبري 5/76 - 77، والأخبار الطوال: 205.

2) - تقدّم في الجزء الرابع من الموسوعة/حبر الأُمّة وولايته على البصرة/عودة ابن عبّاس إلى البصرة، عن جامع الإمامة والسياسة 1/121، وتاريخ الطبري 5/78.

3) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع/حبر الأُمّة وولايته على البصرة/فتنة ابن الحضرمي بالبصرة.

نقلت عنها، فكان خبر فتنة ابن الحضرمي في أوّل المجلد الثاني من ص373 إلى ص412، وقد بذل المحدّث جهداً بالغاً في تقويم النصّ وتحقيق ما يتعلّق به، ولمّا كان كتاب (غارات الثقفي) هو أقدم نصّ تصل نسخته إلينا، إذ كانت وفاته سنة (281ه-)، وهو أوثق رواية من معاصرَيه ابن قتيبة، والبلاذري، لهذا فقد آثرت إعادة الخبر بتوشيحاته من كتاب (الغارات)، فلقد أجهد المرحوم المحدّث نفسه في تحقيق الكتاب كما لا يخفى على القارئ، خصوصاً في مقدّمته الرائعة الجامعة النافعة.

لهذا ولغيره فقد اعتمدت الكتاب بتحقيقه، واخترت نقل خبر ابن الحضرمي، وكتاب الإمام عليه السلام إلى شيعته بالكوفة، كما ورد متناً وهامشاً(1)

منها: أنّ المتن لعالم عراقي من شيعة الكوفة فإحياء لذكراه، ومنها: سلامة المتن من وقوع التحريف والتصحيف كما عند ابن قتيبة والبلاذري، ومنها دقّة التحقيق التي تميّز بها المرحوم المحدّث، فيما خلّفه وخلّده من تحقيق التراث العلمي، ومنها: ما ينفع القارئ من هوامش تراثية أجهد المحقّق رحمه الله نفسه في لملمة شتاتها لغرض تقويم النص والتنبيه على ما في المصادر المعنية بهذا في المقام، ومنها ولعلّه أهمها: إطلاع القارئ على تردّي حال عصرنا وظهور التصحّر في الفراغ الذي خلّفه غياب السيّد المحدّث رحمه الله وأمثاله من أعلام المحقّقين الذين خلا الميدان منهم، مع وفرة الغثاء في الطحالب في الماء كالزبد الذي يذهب جفاء، أعاذنا الله تعالى من داء الأنا ومكذوب الثناء إنّه سميع بصير وبالإجابة جدير.

.

1) - ممّا حفزّني على ذكر الصفحات التالية من كتاب الغارات لأبي إسحاق إبراهيم بن محمّد الثقفي الكوفي المتوفى سنة 283ه- بطولها مع طول حواشيها بتحقيق المرحوم السيّد جلال الدين المحدّث عدّة أُمور:

(( بسم الله الرحمن الرحيم

خبر عبدالله الحضرمي من كتاب الغارات

خبر عبد الله بن عامر(1)الحضرمي بالبصرة(2)

قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب الغارات: (حدّثنا محمّد بن يوسف، قال: حدّثنا الحسن بن علي الزعفراني [قال: حدّثنا إبراهيم بن محمّد الثقفي] عن محمّد بن عبد الله بن عثمان، عن ابن أبي سيف، عن يزيد بن حارثة الأزدي، عن عمرو بن محصن (الحديث)، وقال المجلسي رحمه الله في ثامن البحار في باب ما جرى من الفتن (ص676 س5): (قال ابن أبي الحديد نقلاً من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمّد الثقفي ووجدته في أصل كتابه أيضاً، روى بإسناده عن عمرو بن محصن: أنّ معاوية (فذكر الحديث ملخّصاً) وقال الطبري في تاريخه عند ذكره وقائع سنة ثمان وثلاثين (ج6 ص63 من الطبعة الأولى بمصر) ما نصّه: (وفي هذه السنة وجه معاوية بعد مقتل محمّد بن أبي بكر عبد الله بن عمرو ابن الحضرمي إلى البصرة للدعاء إلى الإقرار بحكم عمرو بن العاص فيه، وفيها قتل أعين بن ضبيعة المجاشعي، وكان عليّ [رض] وجهه لإخراج ابن الحضرمي من البصرة) فقال: (ذكر الخبر عن أمر ابن الحضرمي وزياد وأعين وسبب قتل من قتل منهم - حدّثني عمر بن شبة قال: حدّثني علي بن محمّد قال: حدّثنا أبو الذيال عن أبي نعامة قال: لما قتل محمّد بن أبي بكر بمصر خرج ابن عبّاس من البصرة إلى عليّ [رض] بالكوفة واستخلف زياداً وقدم ابن - الحضرمي من قبل معاوية فنزل في بني تميم (فذكر القصّة مختصرة بإسقاط بعض الفقرات منها). وقال ابن الأثير في كامل التواريخ عند ذكره حوادث سنة 38 (ص143 من الجزء الثالث من طبعة مصر سنة ألف وثلاثمائة وثلاث) تحت عنوان (ذكر إرسال معاوية عبد الله ابن الحضرمي إلى البصرة) ما نصّه: (في هذه السنة بعد مقتل محمّد بن أبي بكر واستيلاء عمرو بن العاص على مصر، سيّر معاوية عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة، وقال له: إنّ جلّ أهلها يرون رأينا في عثمان، وقد قتلوا في الطلب بدمه، فهم لذلك حنقون، يودّون أن يأتيهم من يجمعهم وينهض بهم في الطلب بثأرهم ودم إمامهم، فأنزل في مضر وتودّد الأزد فإنّهم كلّهم معك، ودع ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم، لأنهم كلّهم ترابية فاحذرهم، فسار ابن الحضرمي حتّى قدم البصرة، وكان ابن عبّاس قد خرج إلى عليّ بالكوفة واستخلف زياد ابن أبيه على البصرة، فلمّا وصل ابن الحضرمي إلى البصرة نزل في بني تميم (القصّة باختصار أيضاً كالطبري) فكلّ ما نشير إليه في القصّة من التاريخين فهو من هذين الموضعين.


1) - كذا في شرح النهج والبحار أيضاً، لكن عبر عنه الطبري في تاريخه في جميع موارد ذكره بقوله: (عبد الله بن عمرو بن الحضرمي)، وهكذا ذكره ابن الأثير في كامل التواريخ في جميع موارد ذكره، وعنون القصّة بقوله: (ذكر إرسال معاوية عبد الله بن الحضرمي إلى البصرة).

2) - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج1 ص348 س23) في شرح كلام لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام أورده الرضي - رضي الله عنه - في باب المختار من الخطب من نهج البلاغة، وهو: (ولقد كنّا مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً ومضياً على اللقم وصبراً على مضض الألم وجداً في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منّا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرّة لنا من عدونا، ومرّة لعدونا منّا، فلمّا رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت وأنزل علينا النصر، حتّى استقر الإسلام ملقياً جرانه ومتبوءاً أوطانه، ولعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ولا اخضر للإيمان عود، وأيّم الله لتحتلبنها دماً، ولتتبعنها ندماً)، ما نصّه: (هذا الكلام قاله أمير المؤمنين عليه السلام في قصّة ابن الحضرمي حيث قدم البصرة من قبل معاوية واستنهض أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه إلى البصرة فتقاعدوا.

عن عمرو بن محصن(1): أنّ معاوية بن أبي سفيان لمّا أصاب محمّد


1) - لم نجد في كتب الرجال رجلاً بهذا العنوان إلاّ من ذكره الشيخ رحمه الله في رجاله في أصحاب أمير المؤمنين بهذه العبارة: (عمرو بن محصن يكنى أبا أحيحة أصيب بصفّين، وهو الذي جهز أمير المؤمنين عليه السلام بمائة ألف درهم في مسيره إلى الجمل)، إلاّ أنّ الترجمة لا تنطبق على ما نحن فيه، فإن غارة ابن الحضرمي قد كانت بعد وقعة صفّين كما هو صريح عبارة المتن فيما يأتي من قوله: (قال عمرو بن محصن: وكنت معه [أي: مع ابن - الحضرمي] حين خرج)، مضافاً إلى أن الرجل بناء على ذلك قد كان من أصحاب معاوية فتدبّر. وأمّا كلمة محصن ففي القاموس: (ورجل محصن كمكرم)، وفيه أيضاً: (المحصن كمنبر القفل والزبيل وابن وحوح صحابي)، وفي تنقيح المقال، للمامقاني: (محصن بالميم المضمومة والحاء المهملة الساكنة والصاد المهملة المكسورة والنون وفي بعض النسخ ياء مثناة تحتية بين الصاد والنون)، لكن في توضيح الاشتباه، للساروي: (عمرو بن محصن بالحاء والصاد المهملتين كمنبر يكنى أبا أحيحة (إلى آخر ما قال).

ابن أبي بكر بمصر وظهر عليها، دعا عبد الله بن عامر الحضرمي، فقال له: سِر إلى البصرة فإنّ جلّ أهلها يرون رأينا في عثمان ويعظمون قتله، وقد قتلوا في الطلب بدمه، وهم موتورون(1)حنقون(2)لِما أصابهم، ودّوا لو يجدون من يدعوهم ويجمعهم وينهض بهم في الطلب بدم عثمان، واحذر ربيعة وأنزل في مضر وتودّد الأزد، فإنّ الأزد كلّهم جميعاً معك إلاّ قليلاً منهم فإنّهم [إن شاء الله] غير مخالفيك، واحذر من تقدم عليه(3).


1) - كذا في شرح النهج لكن في الأصل: (موترون)، ففي الصحاح: (الموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه تقول منه: وتره يتره وتراً وترة)، وفي مجمع البحرين: (والموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، أي: صاحب الوتر الطالب بالثأر، ويقال: وتره يتره وتراً وترة، ومنه حديث الأئمّة(عليهم السلام): (بكم يدرك الله ترة كلّ مؤمن يطلب بها)، وفي الحديث: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وتر الأقربين والأبعدين في الله، أي: قطعهم وأبعدهم عنه في الله). أقول: ومن ذلك ما ورد في الزيارات في حقّ سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام بعنوان (الوتر الموتور)، وفي أساس البلاغة: (وترت الرجل قتلت حميمه فأفردته منه).

2) - في الصحاح: (الحنق الغيظ والجمع حناق مثل جبل وجبال، وقد حنق عليه بالكسر اغتاظ فهو حنق، وأحنقه غيره فهو محنق، وقالت (قتيلة بنت النظر أو أخته من أبيات ذكرها ابن أبي الحديد في شرح النهج 14/172/ الخرسان):

فقال له عبد الله بن عامر: أنا سهمك(1)في كنانتك، وأنا من قد جربت، وعدوّ أهل حربك، وظهيرك على قتلة عثمان، فوجّهني إليهم متى شئت، فقال له: أخرج غداً إن شاء الله، فودّعه وخرج من عنده(2).

فلمّا كان الليل جلس معاوية وأصحابه يتحدّثون، فقال لهم معاوية: في أي منزل ينزل القمر الليلة؟ فقالوا: بسعد الذابح(3)، فكره معاوية ذلك وأرسل إليه أن: لا تبرح حتّى يأتيك رسولي، فأقام.

ورأى معاوية أن يكتب إلى عمرو بن العاص، وكان عامله يومئذ على مصر يستطلع رأيه في ذلك فكتب إليه(4):


1) - في شرح النهج: (سهم).

2) - في الأصل: (فودّعه وأخذ بيده من عنده، وكأنّه كان في الأصل: (وخرج من عنده).

3) - في الصحاح: (وسعد الذابح منزل من منازل القمر وهما كوكبان نيران بينهما مقدار ذراع، وفي نحر واحد منهما نجم صغير قريب منه كأنّه يذبحه فسمّي ذابحاً) وفي - القاموس: (وسعود النجوم عشرة: سعد بلع، وسعد الأخبية، وسعد الذابح، وسعد السعود، وهذه الأربعة من منازل القمر، وسعد ناشرة، وسعد الملك، وسعد البهام، وسعد الهمام، وسعد البارع، وسعد مطر، وهذه الستّة ليست من المنازل كلّ منها كوكبان بينهما في المنظر نحو ذراع)، وشرح الزبيدي العبارة في تاج العروس وقال في شرح (سعد الذابح) ما نصّه: (قال ابن - كناسة: هو كوكبان متقاربان سمّي أحدهما ذابحاً لأنّ معه كوكباً صغيراً غامضاً يكاد يلزق به فكأنّه مكب عليه يذبحه، والذابح أنور منه قليلاً)، وفي الاشتقاق لابن دريد ما يقرب ممّا في القاموس (انظر ص57).

4) - نقل الكتاب وجوابه أحمد زكي صفوت في جمهرة رسائل العرب عن شرح النهج لابن أبي الحديد، وهو قد نقلهما عن الغارات (انظر ج1/572 - 573).

بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص: - وقد كان يسمّى بأمير المؤمنين بعد صفّين وبعد تحكيم الحكمين - سلام عليك، أمّا بعد، فإنّي قد رأيت رأياً هممت بإمضائه ولم يخذلني عنه إلاّ استطلاع رأيك، فإن توافقني أحمد الله وأمضه، وإن تخالفني فأستجير بالله(1)وأستهديه، إنّي نظرت في أمر أهل البصرة فوجدت عظم(2)أهلها لنا وليّاً، ولعليّ وشيعته عدوّاً، وقد أوقع بهم عليّ الوقعة التي علمت، فأحقاد تلك الدماء ثابتة في صدورهم لا تبرح ولا تريم(3)، وقد علمت أنّ قتلنا ابن أبي بكر [ووقعتنا بأهل مصر قد] أطفأت نيران أصحاب عليّ في الآفاق، ورفعت رؤوس أشياعنا أينما كانوا من البلاد. وقد بلغ من كان بالبصرة على مثل رأينا من ذلك ما بلغ الناس، وليس أحد ممّن يرى رأينا أكثر عدداً ولا أضرّ خلافاً على عليّ من أولئك، فقد رأيت أن أبعث إليهم عبد الله بن عامر الحضرمي فينزل في مضر، ويتودّد الأزد، ويحذر ربيعة وينعى(4)دم عثمان بن عفّان، ويذكّرهم وقعة عليّ بهم، التي أهلكت صالحي إخوانهم وآبائهم وأبنائهم، فقد رجوت عند ذلك أن يفسدوا على عليّ وشيعته ذلك


1) - في شرح النهج: (أستخير الله).

2) - في شرح النهج: (معظم).

3) - كذا في شرح النهج، لكن في الأصل: (لا تزيد) يقال: (رام مكانه زال عنه وفارقه، وعن الشيء تباعد عنه، وبالمكان أقام وثبت).

4) - في شرح النهج: (يبتغى).

الفرج(1)من الأرض، ومتى يؤتوا(2)من خلفهم وأمامهم يضلّ سعيهم ويبطل كيدهم، فهذا رأيي فما رأيك؟ فلا تحبس رسولي إلاّ قدر مضي الساعة التي ينتظر فيها جواب كتابي هذا، أرشدنا الله وإياك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية:

أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، فقرأته وفهمت رأيك الذي رأيته، فعجبت له! وقلت: إنّ الذي ألقاه في روعك وجعله في نفسك هو الثائر لابن عفّان والطالب بدمه، وإنّه لم يك منك ولا منّا منذ نهضنا في هذه الحروب ونادينا أهلها، ولا رأى الناس(3)رأيا أضرّ على عدوّك ولا أسر لوليك من هذا الأمر الذي ألهمته، فأمض رأيك مسدّداً، فقد وجهت الصليب الأريب الناصح غير الظنين، والسلام.

فلمّا جاءه كتاب عمرو، دعا ابن الحضرمي - [وقد كان ظنّ حين تركه معاوية أياماً لا يأمره بالشخوص أن معاوية قد رجع عن إشخاصه إلى ذلك الوجه(4)]


1) - الفرج هنا بمعنى الثغر، ففي النهاية: (في حديث عمر: قدم رجل من بعض الفروج يعني الثغور، وأحدها فرج).

2) - كذا في شرح النهج لكن في الأصل: (يوثروا).

3) - العبارة كذا في الأصل، وفي شرح النهج، فيكون نصب (رأياً) على الاشتغال، فكأنّ الأصل قد كان هكذا: (لم يكن منّا رأي ولا رأي الناس رأياً).

4) - ما بين المعقوفتين من شرح النهج.

فقال له: يا ابن الحضرمي سِر على بركة الله إلى أهل البصرة فأنزل في مضر، واحذر ربيعة وتودّد الأزد، وانع عثمان بن عفّان، وذكرهم الوقعة التي أهلكتهم، ومنّ لمن سمع وأطاع دنيا لا تفنى، وأثرة(1)لا يفقدها حتّى يفقدنا أو نفقده.

فودّعه، ثمّ خرج من عنده وقد دفع إليه كتاباً، وأمره إذا قدم أن يقرأه على الناس.

قال عمرو بن محصن: وكنت معه حين خرج، قال: فلمّا خرجنا فسرنا ما شاء الله أن نسير، سنح لنا ظبي أعضب(2)عن شمائلنا. قال: فنظرت إليه فوالله لرأيت الكراهية في وجهه، ثمّ مضينا حتّى نزلنا البصرة في بني تميم، فسمع بقدومنا أهل البصرة، فجاءنا كلّ من يرى رأي عثمان بن عفّان، فاجتمع إلينا رؤوس أهلها، فحمد الله ابن عامر الحضرمي وأثنى عليه، ثمّ قال:


1) - في النهاية: (فيه: قال للأنصار: إنّكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا، الأثرة بفتح الهمزة والثاء الاسم من: آثر يؤثّر إيثاراً إذا أعطى أراد أنّه، يستأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الفيء) وفي القاموس: (الأثر كعجز وكتف رجل يستأثر على أصحابه، أي: يختار لنفسه أشياء حسنة، والاسم الأثرة محرّكة، والأثرة بالضم وبالكسر وكالحسنى، وأثر على أصحابه كفرح فعل ذلك، والأثرة بالضم المكرّمة المتوارثة كالمأثرة [بفتح الثاء] والمأثرة [بضمها]، والأثرة البقية من العلم تؤثر كالأثرة [محركة] والإثارة [كسحابة]).

2) - في المصباح المنير: (عضبت الشاة عضباً من باب تعب انكسر قرنها، وبعضهم يزيد: الداخل، وعضبت الشاة والناقة عضباً أيضاً إذا شق أذنها، فالذكر أعضب والأنثى عضباء مثل أحمر وحمراء، ويعدى بالألف فيقال: أعضبتها وكانت ناقة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم تلقب العضباء لنجابتها لا لشق أُذنها).

أمّا بعد، أيّها الناس فإنّ عثمان إمامكم إمام الهدى قتله عليّ بن أبي طالب ظلماً، فطلبتم بدمه وقاتلتم من قتله، فجزاكم الله من أهل مصر خيراً، وقد أصيب منكم الملأ الأخيار، وقد جاءكم الله بإخوان لكم، لهم بأس شديد يتّقى، وعدد لا يحصى(1)، فلقوا عدوكم الذين قتلوكم فبلغوا الغاية التي أرادوا صابرين، فرجعوا وقد نالوا ما طلبوا، فمالؤوهم وساعدوهم، وتذكّروا ثأركم تشفوا(2)صدوركم من عدوكم.

فقام إليه الضحّاك بن عبد الله الهلالي(3)، فقال: قبح الله ما جئتنا به ودعوتنا إليه جئتنا والله بمثل ما جاء به صاحباك طلحة والزبير، أتيانا وقد بايعنا عليّاً عليه السلام واجتمعنا له وكلمتنا واحدة ونحن على سبيل مستقيم فدعوانا إلى الفرقة وقاما فينا بزخرف القول، حتّى ضربنا بعضنا ببعض عدوانا وظلما، فاقتتلنا على ذلك، وأيم الله ما سلمنا من عظيم وبال ذلك ونحن الآن مجتمعون على بيعة هذا العبد الصالح الذي قد أقال العثرة،


1) - في الأصل (عدد الحصى).

2) - في شرح النهج ، لابن أبي الحديد: (تشفوا).

3) - لم نجد له ترجمة في كتب الرجال، ويستفاد ممّا نقله الطبري عند ذكره أحداث سنة أربعين في سبب شخوص ابن عبّاس إلى مكّة وتركه العراق أنّه كان من بني أخوال ابن عبّاس، ونصّ عبارته (انظر ج6 من الطبعة الأولى بمصر ص22) هكذا: (ثمّ دعا ابن عبّاس أخواله بني هلال بن عامر، فجاءه الضحّاك بن عبد الله وعبد الله بن رزين بن أبي عمرو الهلاليان، ثمّ اجتمعت معه قيس كلّها فحمل مالاً (إلى آخر ما قال) والعجب من ابن الأثير فإنّه عبر عن الرجل عند ذكره القصّة بعنوان (الضحّاك بن قيس الهلالي).

وعفا عن المسيء، وأخذ بيعة غائبنا وشاهدنا، أفتأمرنا الآن أن نختلع(1)أسيافنا من أغمادها ثمّ يضرب بعضنا بعضاً(2)ليكون معاوية أميراً وتكون له وزيراً، ونعدل بهذا الأمر عن عليّ عليه السلام؟! والله ليوم من أيام عليّ عليه السلام مع النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم خير من بلاء معاوية وآل معاوية لو بقوا في الدنيا ما الدنيا باقية.

فقام عبد الله بن خازم السلمي(3)

عضت سيوف تميم حين أعضها*** رأس ابن عجلى فأضحى رأسه شذبا

ابن عجلى هو عبد الله بن خازم، وعجلى أُمّه وكانت سوداء وكان هو أسود وهو أحد غربان العرب، وسأل المهلب عن رجل يقدمه في الشجاعة، فقيل له: فأين ابن الزبير وابن خازم؟! فقال: إنّما سألت عن الإنس ولم أسأل عن الجنّ.

فقال: إنّه كان يوماً عند عبيد الله بن زياد وعنده جرذ أبيض، فقال: يا أبا صالح هل رأيت مثل هذا؟ ودفعه له، فنضا عبد الله وفزع واصفر، فقال عبيد الله، أبو صالح يعصي السلطان، ويطيع الشيطان، ويقبض على الثعبان، ويمشي إلى الأسد، ويلقى الرماح بوجهه، ثمّ يجزع من جرذ؟! أشهد أنّ الله على كلّ شيء قدير).

وقال ابن عساكر في تاريخه (ج7 ص376 - 378): (عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت بن حبيب بن حارثة أبو صالح السلمي أمير خراسان، أصله من البصرة، شجاع مشهور، ويقال: إنّ له صحبة (إلى أن قال): قال الدارقطني وابن سعيد: خازم بالخاء والزاي المعجمتين، وكان من أشجع الناس في زمانه، ولي خراسان عشر سنين وافتتح الطبسين، ثمّ ثار به أهل خراسان فقتله ثلاثة منهم: بحير الصريمي، ووكيع بن الدورقية، ويقال: إنّهم لم يقتلوه إلاّ في قدر ما تنحر جزور ويكشط عنها جلدها ثمّ تجزئ عشرة أجزاء (إلى آخر ترجمته المبسوطة).

وفي أسد الغابة لابن الأثير: (عبد الله بن خازم بن أسماء... أبو صالح السلمي أمير خراسان شجاع مشهور وبطل مذكور، روى عنه سعيد بن الأزرق وسعيد بن عثمان، قيل: له صحبة، وفتح سرخس وكان أميراً على خراسان أيام فتنة ابن الزبير، وأوّل ما وليها سنة أربع وستّين بعد موت يزيد بن معاوية وابنه معاوية، وجرى له فيها حروب كثيرة حتّى تم أمره بها، وقد استقصينا أخباره في كتاب الكامل في التاريخ، وقتل سنة إحدى وسبعين بخراسان في الفتنة).

فقال للضحّاك: اسكت فلست بأهل

1) - في الكامل: (أن ننتضي).

2) - في الأصل: (ثمّ نضرب بعضنا ببعض).

3) - في تقريب التهذيب: (عبد الله بن خازم بمعجمتين السلمي أبو صالح نزل البصرة وولّي إمرة خراسان، وقتل بها بعد قتل مصعب بن الزبير سنة إحدى وسبعين، يقال: أنّه الذي روى عنه الدشتكي، قال: رأيت رجلاً بخراسان عليه عمامة سوداء يقول: كسانيها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أخرجه د ت س/د ت س). وفي الإصابة لابن حجر العسقلاني: (عبد الله بن خازم بالمعجمتين بن أسماء بن الصلت بن حبيب بن حارثة... أبو صالح الأمير المشهور يقال: له صحبة وذكره الحاكم فيمن نزل خراسان من الصحابة وفي ثبوت ذلك نظر، وقد قال أبو نعيم: زعم بعض المتأخّرين أنّ له إدراكاً ولا حقيقة لذلك (إلى أن قال) كان عبد الله بن خازم من أشجع الناس، وولي خراسان عشر سنين (إلى أن قال)، وقال المبرّد في الكامل من قول الفرزدق:

أن تتكلّم في أمر العامّة، ثمّ أقبل على ابن الحضرمي، فقال: نحن يدك وأنصارك، والقول ما قلت، وقد فهمنا ما ذكرت، فادعنا إلى أي شيء شئت(1)، فقال له الضحّاك بن عبد الله(2): يا ابن السوداء! والله لا يعزّ من نصرت، ولا يذلّ من خذلت؛ فتشاتما.

والضحّاك هذا(3)هو الذي يقول:


1) - في شرح النهج: (فادعنا أنى شئت).

2) - في شرح النهج: (فقال الضحّاك لابن خازم).

3) - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج1 ص349): (قال صاحب كتاب الغارات: والضحّاك هذا (إلى آخر ما قال).

يا أيهذا السائلي عن نسبي*** بين ثقيف وهلال منصبي

أُمّي أسماء وضحّاك أبي*** وسيط منّي المجد من معتبي(1)

وهو القائل في بني العبّاس:

ما ولدت من ناقة لفحل*** بجبل(2)نعلمه وسهل

كستّة من بطن أُمّ الفضل*** أكرم بها من كهلة وكهل

عمّ النبيّ المصطفى ذي الفضل*** وخاتم الأبناء(3)بعد الرسل

فقام عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي ثمّ التيمي(4)

وذكر ابن الأثير في أسد الغابة نحوه. وذكره ابن حجر في الإصابة، فقال: (عبد الرحمن بن أبي عميرة، وقيل: ابن عميرة بالتصغير بغير أداة كنية وقيل: ابن عمير مثله بلا هاء، ويقال: فيه القرشي، قال أبو حاتم وابن السكن: له صحبة (إلى أن قال بعد ما نقل أحاديثه): وهذه الأحاديث وإن كان لا يخلو إسناد منها من مقال، فمجموعها يثبت لعبد الرحمن الصحبة، فعجب من قول ابن عبد البر: حديثه منقطع الإسناد مرسل لا تثبت أحاديثه ولا تصحّ صحبته (إلى آخر ما قال))، وقال ابن سعد في الطبقات فيمن نزل الشام من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (انظر الجزء الثاني من المجلد السابع من طبعة أوربا ص135)، (عبد الرحمن ابن أبي عميرة المزني وكان من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم نزل الشام وهو الذي روى في معاوية ما روى من حديث الوليد بن مسلم: حدّثنا شيخ من أهل دمشق، قال: حدّثنا يونس ابن ميسرة بن جليس، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني يقول: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: يكون في بيت المقدس بيعة هدى (إلى آخر ما قال)).

هذا، ويؤيّد الاحتمال المذكور قيامه وكلامه بقوله: (إنّا لم ندعكم إلى الاختلاف)، وكذا قوله: (ولكنا إنّما ندعوكم)، وقوله: (اسمعوا لهذا الكتاب الذي يقرأ عليكم)، وهو كتاب معاوية، وذلك أنّه يستفاد منها كونه شامياً قد قدم مع ابن الحضرمي، والله أعلم.

، فقال:

1) - المصراع الأخير في الأصل فقط.

2) - في شرح النهج: (في جبل).

3) - في الأصل وفي الطبعة القديمة من شرح النهج: (الأنبياء).

4) - في شرح النهج: (التميمي) فكأنّ المراد به من قال ابن عبد البرّ في حقّه: (عبد الرحمن بن أبي عميرة، وقال الوليد بن مسلم: عبد الرحمن بن عمرة، أو عميرة المزني، وقيل: عبد الرحمن ابن أبي عمير المزني، وقيل: عبد الرحمن بن عمير، أو عميرة القرشي، حديثه مضطرب لا يثبت في الصحابة وهو شامي، روى عن ربيعة بن يزيد عنه أنّه سمع رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يقول: وذكر معاوية: اللّهمّ اجعله هادياً مهدياً وأهده وأهد به، ومنهم من يوقف حديثه هذا ولا يعرفه ولا يصح مرفوعاً عندهم، وروى عنه أيضاً القاسم أبو عبد الرحمن مرفوعاً: لا عدوي ولا هام ولا صفر، وروى عنه علي بن زيد مرسلاً عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في فضل قريش وحديثه منقطع الإسناد مرسل لا يثبت أحاديثه ولا تصحّ صحبته).

عباد الله إنّا لم ندعكم إلى الاختلاف والفرقة، ولا نريد أن تقتتلوا ولا أن تتنابذوا، ولكنّا إنّما ندعوكم إلى أن تجمعوا كلمتكم وتوازروا إخوانكم الذين هم على رأيكم، وأن تلموا شعثكم(1)وتصلحوا ذات بينكم، فمهلاً مهلاً - رحمكم الله - اسمعوا(2)لهذا الكتاب الذي(3)يقرأ عليكم، ففضّوا كتاب معاوية، وإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل البصرة، سلام عليكم.


1) - في مجمع البحرين في (لمّ) ما نصّه: (لممت شعثه لمّا من باب قتل = أصلحت من حاله ما تشتت وتشعث، ومنه الدعاء: اللّهمّ ألمم به شعثنا)، وقال في (شعث): (الشعث بالتحريك انتشار الأمر يقال: لم الله شعثك، أي: جمع أمرك المنتشر، وفي الدعاء: تلم به شعثي، أي: تجمع به ما تفرّق من أمري، ولم الله شعثكم، جمع أمركم).

2) - هو من قولهم: (سمع له، أي: أصغى إليه)، ففي مجمع البحرين/ (سمعت الشيء وسمعت له سمعاً = أي أصغيت وتسمعت إليه).

3) - في شرح النهج: (استمعوا لهذا الكتاب وأطيعوا الذي).

أمّا بعد، فإنّ سفك الدماء بغير حلّها وقتل النفس(1)التي حرّم الله قتلها، هلاك موبق، وخسران مبين، لا يقبل الله ممّن سفكها صرفاً ولا عدلاً(2)، وقد رأيتم - رحمكم الله - آثار ابن عفّان وسيرته وحبّه للعافية(3)ومعدلته، وسدّه للثغور، وإعطاءه بالحقوق(4)، وإنصافه للمظلوم، وحبّه الضعيف، حتّى وثب الواثبون عليه، وتظاهر عليه الظالمون، فقتلوه مسلماً محرماً، ظمآن صائماً، لم يسفك فيهم دماً، ولم يقتل منهم أحداً، ولا يطلبونه بضربة سيف ولا سوط، وإنّما ندعوكم أيّها المسلمون إلى الطلب بدمه وإلى قتال من قتله، فإنّا وإياكم على أمر هدى واضح وسبيل مستقيم، إنّكم إن جامعتمونا طفئت النائرة، واجتمعت الكلمة، واستقام أمر هذه الأُمّة، وأقرّ الظالمون المتوثبون الذين قتلوا إمامهم بغير حقّ فأخذوا بجرائرهم وما قدمت أيديهم، إن لكم [علَيَّ(5)] أن أعمل فيكم بالكتاب، وأن أعطيكم في السُنّة عطاءين، ولا أحتمل [فضلاً(6)] من


1) - في شرح النهج: (وقتل النفوس).

2) - في النهاية: (فيه: لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، قد تكرّرت هاتان اللفظتان في الحديث، فالصرف التوبة، وقيل: النافلة، والعدل الفدية، وقيل: الفريضة) وفي مجمع - البحرين: (قوله تعالى: لا يستطيعون صرفاً ولا نصراً، أي: حيلة ولا نصرة، ويقال: لا يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم عذاب الله ولا انتصاراً من الله، والصرف التوبة، يقال: لا يقبل منه صرف ولا عدل، أي: توبة وفدية، أو نافلة وفريضة).

3) - في الأصل: (للعاقبة)، (بالقاف).

4) - في شرح النهج: (في الحقوق).

5) - هذه الكلمة أضفناها لاقتضاء المقام إيّاها.

6) - في شرح النهج فقط.

فيئكم عنكم أبداً، فنازعوا(1)إلى ما تدعون إليه - رحمكم الله - وقد بعثت إليكم رجلاً من الناصحين(2)، وكان من أمناء خليفتكم المظلوم ابن عفّان وعمّاله وأعوانه على الهدى والحقّ - جعلنا الله وإيّاكم ممّن يجيب إلى الحقّ ويعرفه، وينكر الباطل ويجحده - والسلام عليكم ورحمة الله.

فلمّا قرأ عليهم الكتاب، قال عظماؤهم(3): سمعنا وأطعنا(4).

عن أبي منقر الشيباني(5)، قال: [قال الأحنف بن قيس: لمّا قرأ عليهم الكتاب: أمّا أنا فلا ناقة لي في هذا ولا جمل(6)

وما هجرتك حتّى قلت معلنة*** لا ناقة لي في هذا ولا جملي

يضرب عند التبرء من الظلم والإساءة وذكروا (إلى آخر ما قال).

7- تأتي ترجمته مبسوطة في تعليقات آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. (انظر التعليقة رقم 44).

، واعتزل أمرهم ذلك.

وقال عمرو بن مرجوم(7) من عبد القيس: أيّها الناس الزموا طاعتكم،


1) - في شرح النهج: (فسارعوا).

2) - في شرح النهج: (من الصالحين).

3) - في شرح النهج: (معظمهم).

4) - نقل المكتوب أحمد زكي صفوت في جمهرة رسائل العرب عن شرح النهج لابن - أبي الحديد (ج1 ص574 - 575).

5) - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج1 ص350، س19): (قال: وروى محمّد بن عبد الله بن عثمان، عن علي أبي زهير، عن أبي منقر الشيباني، قال: قال الأحنف (الحديث)).

6) - من الأمثال المعروفة، قال الميداني في مجمع الأمثال: (لا ناقتي في هذا ولا جملي، أصل المثل للحارث بن عباد حين قتل جساس بن مرّة كليباً وهاجت الحرب بين الفريقين وكان الحارث اعتزلهما، قال الراعي:

ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم واقعة، وتصيبكم قارعة، ولا تكن لكم بعدها بقية، ألا إنّي قد نصحت لكم ولكن لا تحبّون الناصحين(1).

حدّثنا ثعلبة بن عباد(2): أنّ الذي كان سدّد لمعاوية رأيه في إرسال ابن - الحضرمي كتاب كتبه إليه صحار بن عبّاس العبدي(3)، وهو ممّن كان يرى رأي عثمان ويخالف قومه في حبّهم عليّاً عليه السلام ونصرتهم(4)إياه.

قال: فكتب إلى معاوية:


1) - ذيل آية/79 سورة الأعراف وصدرها: ayebazفَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ ayebaste.

2) - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج1 ص350 س22): (قال إبراهيم بن هلال: وروى محمّد بن عبد الله، عن ابن أبي سيف، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عباد: أنّ الذي (الحديث)) وفي تقريب التهذيب: (ثعلبة بن عباد بكسر المهملة وتخفيف الموحدة العبدي البصري مقبول من الرابعة/عخ عم)، وفي تهذيب التهذيب: (ثعلبة بن عباد العبدي البصري، روى عن أبيه وسمرة بن جندب، روى: عنه الأسود بن قيس أخرجوا له حديثاً في صلاة الكسوف. قلت: ذكره ابن المديني في المجاهيل الذين يروي عنهم الأسود بن قيس، وأمّا الترمذي فصحّح حديثه وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال ابن حزم: مجهول، وتبعه ابن القطّان، وكذا نقل ابن المواق عن العجلي).

3) - في الأصل، وفي شرح النهج لابن أبي الحديد، وفي الكامل لابن الأثير (عبّاس بن صحار العبدي)، والصحيح ما أثبتناه، ففي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي: (صحار بن صخر العبدي، ويقال: صحار بن عبّاس، بصري له صحبة أبو عبد الرحمن، روى عنه ابنه عبد الرحمن، سمعت أبي يقول ذلك). أقول: تأتي ترجمته على سبيل التفصيل في تعليقات آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. (انظر التعليقة رقم 45).

4) - في الأصل: (فقرهم)، والظاهر أنّه محرّف عن (نصرهم)، والتصحيح من شرح النهج.

أمّا بعد، فقد بلغنا وقعتك بأهل مصر الذين بغوا على إمامهم، وقتلوا خليفتهم ظلماً(1)وبغياً، فقرّت بذلك العيون، وشفيت بذلك النفوس، وثلجت(2)

لجمع لؤي منك ذلة ذي غمض*** لئن كنت مثلوج الفؤاد لقد بدا

(إلى أن قال) وثلجت فؤاده بالخير فثلج، وثلجت نفسه بكذا بردت وسرت (إلى آخر ما قال).

3- في شرح النهج: (ذكيا).

4- كذا في شرح النهج، لكن في الأصل: (مجتمعين).

5- في شرح النهج: (عن المصر)، فليعلم أنّ أحمد زكي صفوت قد نقل الكتاب وجوابه في جمهرة رسائل العرب (ص575 - 576) عن شرح النهج لابن أبي الحديد.

أفئدة أقوام كانوا لقتل عثمان كارهين، ولعدوّه مفارقين، ولكم موالين، وبك راضين، فإن رأيت أن تبعث إلينا أميراً طيباً زاكياً(3) ذا عفاف ودين يدعو إلى الطلب بدم عثمان فعلت، فإنّي لا أخال الناس إلاّ مجمعين(4) عليك، فإن ابن عبّاس غائب عن الناس(5)، والسلام.

فلمّا قرأ معاوية كتابه قال: لا عزمت رأياً سوى ما كتب به إليَّ هذا،


1) - في شرح النهج: (طمعاً).

2) - في شرح النهج: (بردت)، ففي النهاية: (في حديث عمر حتّى أتاه الثلج واليقين، يقال: ثلجت نفسي بالأمر تثلج ثلجاً، وثلجت تثلج ثلوجاً، إذا اطمأنت إليه وسكنت وثبت فيها ووثقت به، ومنه حديث ابن ذي يزن: وثلج صدرك)، وفي مجمع البحرين: (في الحديث: من لعن قاتل الحسين عليه السلام عند شرب الماء حشره الله ثلج الفؤاد، أي: مطمئن القلب، من قولهم: ثلجت نفسي بالأمر ثلوجاً، من باب قعد وتعب، أي: اطمأنت وسكنت، ومثله قوله عليه السلام: من نفّس عن مؤمن كربة خرج من قبره وهو ثلج الفؤاد)، وفي أساس البلاغة: (ثلج فواده، وهو مثلوج الفؤاد، قال كعب بن لؤي:

وكتب إليه جوابه: أمّا بعد، فقد قرأت(1)كتابك فعرفت نصيحتك، وقبلت مشورتك، فرحمك(2)الله وسدّدك - أثبت - هداك الله رأيك الرشيد، فكأنّك بالرجل الذي سألت قد أتاك، وكأنّك بالجيش قد أطل عليك، فسررت وحييت(3)وقبلت(4)، والسلام.

قال(5): لمّا نزل ابن الحضرمي ببني تميم أرسل إلى الرؤوس فأتوه، فقال لهم: أجيبوني إلى الحقّ وانصروني على هذا الأمر، وإنّ الأمير بالبصرة يومئذ زياد بن عبيد(6)، قد استخلفه عبد الله بن عبّاس وقدم على علي عليه السلام إلى الكوفة يعزيه عن محمّد(7)بن أبي بكر، قال: فقام إليه صحار(8)فقال: إي والذي له أسعى وإياه أخشى لننصرنك بأسيافنا وأيدينا.


1) - في الأصل: (رأيت).

2) - في شرح النهج: (رحمك).

3) - في الأصل: (حببت) (من حبب ببائين).

4) - في الأصل فقط.

5) - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج1 ص350 س31): (قال إبراهيم: وحدّثنا محمّد بن عبد الله، قال: حدّثني علي بن أبي سيف، عن أبي زهير، قال: لمّا نزل ابن الحضرمي في بني تميم (القصّة).

6) - في الكامل: (زياد بن أبيه).

7) - في الأصل: (على محمّد).

8) - في الأصل وفي شرح النهج: (ابن صخار) (بالخاء المعجمة هنا وفيما سبق)، وفي الكامل ، لابن الأثير: (ابن صحار) (بالحاء المهملة في الموضعين)، والصحيح: (صحار) من دون كلمة (ابن) قبله، ونص عبارة الكامل هكذا: (وكان عبّاس بن صحار العبدي مخالفاً لقومه في - حبّ عليّ)، ومن ثمّ قال أحمد زكي صفوت بعد نقل الكلمة في الجمهرة: (في الأصل صخار بالخاء المعجمة وهو تصحيف).

وقام المثنى بن مخربة(1)

أقول: الرجل من وجوه التوابين قد خرج مع سليمان بن صرد وأقرانه، لكنّه لم يستشهد فرجع إلى البصرة بعد شهادة التوابين، فلمّا خرج المختار بايع له سرّاً ووجهه المختار إلى البصرة ليدعو الشيعة هناك إلى الخروج معه وخرج معه، وتفصيل خروجه ومواقفه في تأريخ الطبري في أحداث سنة ستّ وستّين؛ فراجع إن شئت.

2- في شرح النهج والكامل ، لابن الأثير: (لنجاهدنك).

3- في القاموس: (وسمّوا صابراً وصبرة بكسر الباء [أي وبفتح الصاد]) وقال الزبيدي في شرحه: (منهم عامر بن صبرة الصحابي)، وفي كتاب صفّين لنصر بن مزاحم (ص131 من طبعة مصر سنة 1365ه-): وأجاب الناس إلى المسير ونشطوا وخفوا [أي دعوة ابن عبّاس أهل البصرة إلى صفّين] فاستعمل ابن عبّاس على البصرة أبا الأسود الدئلي، وخرج حتّى قدم على عليّ عليه السلام ومعه رؤوس الأخماس، خالد بن المعمر السدوسي على بكر بن وائل، وعمرو بن مرجوم العبدي على عبد القيس، وصبرة بن شيمان الأزدي على الأزد، والأحنف بن قيس على تميم وضبة والرباب، وشريك بن الأعور الحارثي على أهل العالية، فقدموا على عليّ عليه السلام بالنخيلة)، وقال ابن دريد في الاشتقاق عند ذكره قبائل زهران بن كعب (ص511): (ومن رجالهم صبرة بن شيمان بن عكيف بن كيوم كان رئيس الأزد يوم الجمل وهو الذي أجار زياداً، وكيوم من: كأمّ الفرس الحجر يكومها إذا نزا عليها، وعكيف أما من قولهم عكفت الطير حول القتيل، إذا حامت عليه، والعاكف الذي لا يبرح مكانه، ومنه الاعتكاف في المساجد)، وفي الإصابة لابن حجر في القسم الثالث من حرف الشين: (شيمان كالذي قبله [يعني: شيبان] إلاّ أنّ بدل الموحدة الميم، وهو ابن عكيف بن كلثوم بن عبد الأزدي ثمّ الحداني له إدراك، وكان ولده صبرة رأس الأزد يوم الجمل مع عائشة وله ذكر في ذلك، ذكره ابن الكلبي وتبعه أبو عبيد، وقال: إنّ صبرة قتل حينئذ وفيه نظر لأنّ ابن دريد ذكر في الاشتقاق أنّه أجار زياداً يوم الجمل، والمبرّد في الكامل ذكر أنّه وفد على معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين، في قصّة ذكرها، وهذا يدلّ على أنّه عاش بعد الجمل (ز) ونص القصّة التي ذكرها المبرّد هذه: (قال محمّد بن يزيد المبرّد: حدّثت أنّ صبرة بن شيمان الحداني دخل على معاوية والوفود عنده فتكلّموا، فقام صبرة فقال: يا أمير المؤمنين! إنّا حي فعال ولسنا بحي مقال، ونحن فأدنى فعالنا عند أحسن مقالهم، فقال: صدقت).

وذكر ابن سعد في الطبقات في ترجمة عبد الله بن عامر عند ذكره الطبقة الأولى من أهل المدينة من التابعين (ج5 من طبعة مصر): (ثمّ بعث [أي عبد الله بن عامر] صبرة بن شيمان الأزدي إلى هراة فافتتح رساتيقها ولم يقدر على المدينة).

العبدي، فقال: لا، والذي لا إله إلاّ هو لئن لم ترجع إلى مكانك الذي أقبلت منه لنأخذنك(2) بأسيافنا وأيدينا ونبالنا وأسنّة رماحنا، أنحن ندع ابن عمّ نبيّنا وسيّد المسلمين وندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاغ؟! والله لا يكون ذلك أبداً حتّى نسيّر كتيبة إلى كتيبة ونفلّق الهام بالسيوف.

قال: فأقبل ابن الحضرمي على صبرة(3) بن شيمان الأزدي، فقال: يا


1) - في القاموس: (مخربة بن عدي كمرحلة، ومخربة كمحدثة مدرك بن حوط الصحابي، وكذلك أسماء بنت مخربة، وسلامة بن مخربة بن جندل والمثنى بن مخربة العبدي)، وترجمه الزبيدي بقوله: (رفيق سليمان بن صرد، خرج مع التوابين في ثلاث مائة من أهل البصرة)، وقال ابن الأثير في الكامل: (المثنى بن مخربة بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المشددة وآخره باء موحدة).

صبرة! أنت رأس قومك، وعظيم من عظماء العرب، وأحد الطلبة بدم عثمان، رأينا رأيك ورأيك رأينا، وبلاء القوم عندك في نفسك وعشيرتك ما قد ذقت ورأيت، فانصرني وكن من دوني، فقال له: إن أنت أتيت(1)فنزلت في داري نصرتك ومنعتك، فقال: إنّ أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أنزل في قومه من مضر، فقال: اتّبع ما أمرك به، وانصرف من عنده.


1) - في شرح النهج: (إن أنت أتيتني).

وأقبل الناس إلى ابن الحضرمي، فكثر تبعه، ففزع لذلك زياد وهاله وهو في دار الإمارة، فبعث إلى الحضين بن المنذر(1)

أقول: يأتي شرح حاله بوجه أبسط من ذلك في تعليقات آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. (انظر التعليقة رقم 46).

2- هذا الرجل لم أجد له ذكراً في كتب الرجال، لكن قال الطبري في هذا الموضع: (وقال مالك: وكان رأيه مائلاً إلى بني أُميّة، وكان مروان لجأ إليه يوم الجمل)، ونحوه في الكامل. ويستفاد من عباراتهما في غير هذا المورد أيضاً أنّه كان موالياً لبني أُميّة حتّى أنّه كان يأمر الناس بعد وقعة الطفّ بتجديد البيعة ليزيد بن معاوية؛ فراجع إن شئت.

3- في كامل التواريخ والطبري: (هذا أمر لي فيه شركاء أستشير وأنظر).

4- في الطبري والكامل مكان الفقرة: (فلمّا رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف عليه ربيعة فأرسل إلى نافع أن أشر عليَّ، فأشار عليه نافع بصبرة بن شيمان الحداني، فأرسل إليه زياد (إلى آخر ما قال).

، ومالك بن مسمع(2)، فدعاهما، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّكم أنصار أمير المؤمنين وشيعته وثقته، وقد جاءكم هذا الرجل بما قد بلغكم فأجيروني حتّى يأتيني أمر أمير المؤمنين ورأيه، فأمّا مالك بن مسمع فقال: هذا أمر لي فيه نظر فأرجع إلى من ورائي وأنظر وأستشير في ذلك وألقاك(3)، وأمّا الحضين بن المنذر فقال: نعم، نحن فاعلون ولن نخذلك ولن نسلّمك.

فلم ير زياد من القوم ما يطمئن إليه(4)، فبعث إلى صبرة بن شيمان


1) - في كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي: (حضين بن المنذر أبو ساسان الرقاشي، وهو ابن المنذر بن الحارث بن وعلة، روى عن عثمان وعلي ومجاشع بن مسعود والمهاجرين قنفذ بصري، روى عنه الحسن وعبد الله الداناج وعبد العزيز بن معمر وعلي بن سويد بن منجوف، سمعت أبي يقول ذلك).

الأزدي، فقال: يا ابن شيمان! أنت سيّد قومك وأحد عظماء هذا المصر فإن يكن فيه أحد هو أعظم أهله فأنت(1)أفلا تجيرني وتمنعي؟ وتمنع بيت مال المسلمين - فإنّما أنا أمين عليه، فقال: بلى، إن أنت تحمّلت حتّى تنزل في داري منعتك، فقال له: إنّي فاعل فحمله، ثمّ ارتحل ليلاً(2)حتّى نزل دار صبرة بن شيمان، وكتب إلى عبد الله بن عبّاس(3)ولم يكن معاوية ادعى زياداً بعد لأنّه إنّما ادّعاه بعد وفاة عليّ عليه السلام:

للأمير(4)عبد الله بن عبّاس من زياد به عبيد:

سلام عليك.. أمّا بعد، فإنّ عبد الله بن عامر الحضرمي أقبل من قبل معاوية حتّى نزل في بني تميم ونعى ابن عفّان ودعا إلى الحرب، فبايعه جلّ أهل البصرة، فلمّا رأيت ذلك استجرت بالأزد(5)بصبرة بن شيمان وقومه لنفسي ولبيت مال المسلمين، فرحلت من قصر الإمارة، فنزلت فيهم وإنّ الأزد معي، وشيعة أمير المؤمنين من سائر(6)القبائل تختلف إليَّ، وشيعة عثمان تختلف إلى ابن الحضرمي، والقصر خال منّا ومنهم، فارفع ذلك إلى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه


1) - في شرح النهج: (فأنت ذاك).

2) - في الطبري مكان العبارة بعد كلمة (المسلمين): (فإنّه فيئكم وأنا أمين أمير المؤمنين؟ قال: بلى إن حملته إليَّ ونزلت داري قال: إنّي حامله فحمله).

3) - في الطبري: (ثمّ كتب زياد إلى عليّ أن ابن الحضرمي (إلى آخر الكتاب).

4) - في شرح النهج: (للأمين).

5) - يقال: (استجاره من فلان سأله أن يجيره منه ويعيذه، قال الله تعالى: ayebazوَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ayebaste، وبفلان استغاث به واستعان).

6) - في شرح النهج: (من فرسان).

ويعجّل عليَّ بالذي يرى(1)أن يكون فيه منه، والسلام(2).

قال: فرفع ذلك ابن عبّاس إلى عليّ عليه السلام، فشاع في الناس بالكوفة ما كان من ذلك، وكانت بنو تميم وقيس ومن يرى رأي عثمان قد أمروا ابن الحضرمي أن يسير إلى قصر الإمارة حين خلاه زياد، فلمّا تهيأ لذلك ودعا له أصحابه ركبت الأزد وبعثت إليه وإليهم: إنّا والله لا ندعكم تأتون القصر، فتنزلون به من لا نرضى ومن نحن له كارهون حتّى يأتي رجل لنا ولكم رضى، فأبى أصحاب ابن الحضرمي إلاّ أن يسيروا إلى القصر، وأبت الأزد إلاّ أن يمنعوهم، فركب الأحنف، فقال لأصحاب ابن الحضرمي: إنّكم والله ما أنتم بأحقّ بقصر الإمارة من القوم، وما لكم أن تؤمّروا عليهم من يكرهونه فانصرفوا عنهم، ففعلوا، ثمّ جاء إلى الأزد فقال: إنّه لم يكن ما تكرهون ولن يؤتى إلاّ ما تحبّون فانصرفوا - رحمكم الله - ففعلوا.

وعن الكلبي(3)[أنّ ابن الحضرمي لمّا أتى البصرة ودخلها نزل في بني تميم في دار سنبيل ودعا بني تميم وأخلاط مضر، فقال زياد لأبي الأسود الدئلي(4): أما ترى ما صغى أهل البصرة إلى معاوية وما في الأزد


1) - في شرح النهج: (وأعجل إليَّ بالذي ترى).

2) - في شرح النهج: (والسلام عليك ورحمة الله وبركاته). أقول: نقل أحمد زكي صفوت الكتاب في جمهرة رسائل العرب عن شرح النهج لابن أبي الحديد وتاريخ الطبري (انظر ص577).

3) - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج1/351 س24): (قال إبراهيم: وحدّثنا محمّد بن عبد الله [عن] ابن أبي سيف عن الكلبي أنّ ابن الحضرمي (الحديث).

4) - أبو الأسود الدئلي هو أعرف من أن تذكر له ترجمة هنا، فمن أرادها فليطلبها من مواردها.

لي مطمع، فقال: إن كنت تركتهم لم ينصروك، وإن أصبحت فيهم منعوك، فخرج زياد من ليلته(1)] وأتى الأزد ونزل على صبرة بن شيمان فأجاره، فبات ليلته، فلمّا أصبح قال له صبرة: يا زياد! ليس حسناً بنا أن تقوم فينا مختفياً أكثر من يومك هذا، فاتّخذ(2)له منبراً وسريراً في مسجد الحدان وجعل له شرطاً، وصلّى بهم الجمعة في مسجد الحدّان(3).

وغلب ابن الحضرمي على ما يليه من البصرة وجباها، واجتمعت الأزد على زياد، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:


1) - ما بين المعقوفتين قد سقط من الأصل وأضفناه من شرح النهج.

2) - في شرح النهج: (فأعد).

3) - في القاموس: (وبنو حدان بن قريع ككتان بطن من تميم منهم أوس الحداني الشاعر وبالضم الحسن بن حدان المحدّث، وذو حدان بن شراحيل وابن شمس وسعيد بن حدان التابعي وحدان بن عبد شمس)، وفي الاشتقاق لابن دريد عند ذكره قبائل زهران بن كعب (ص510): (فمن بني غالب بن عثمان الحدان، وحدان فعلان من الحدّ، فمن بني حدان بنو حاود ولهم خطة بالبصرة)، وفي معجم البلدان: (حدان بالضم إحدى محال البصرة القديمة يقال لها: بنو حدان سميت باسم قبيلة وهو حدان بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله - بن مالك بن نصر بن الأزد وسكنها جماعة من أهل العلم ونسبوا إليها (إلى آخر ما قال))، وفي الصحاح: (وحدان بالضم حي من العرب)، وفي لسان العرب: (وحدان حي من الأزد، وقال ابن دريد: الحدان حي من الأزد فأدخل عليه اللام، الأزهري: حدان قبيلة باليمن، وبنو حدان بالضم من بني سعد)، وفي الأنساب، للسمعاني: (الحداني بضم الحاء وتشديد الدّال المهملة وفي آخره نون بعد الألف، هذه النسبة إلى حدان وهم الأزد، وعامّتهم بصريون، وهم حدان بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن الأزد (إلى آخر ما قال).

يا معشر الأزد! أنتم(1)كنتم أعدائي فأصبحتم أوليائي وأولى الناس بي، وإنّي لو كنت في بني تميم وابن الحضرمي فيكم نازلاً لم أطمع فيه أبداً وأنتم دونه، فلا يطمع ابن الحضرمي فيّ وأنتم دوني، وليس ابن آكلة الأكباد في بقية الأحزاب وأولياء الشيطان بأدنى إلى الغلبة من أمير المؤمنين على في المهاجرين والأنصار، وقد أصبحت فيكم مضموناً وأمانة مؤداة، وقد رأينا وقعتكم يوم الجمل، فاصبروا مع الحقّ كصبركم مع الباطل، فإنّكم لا تحمدون إلاّ على النجدة، ولا تعذرون على الجبن.

فقام شيمان أبو صبرة ولم يكن شهد يوم الجمل وكان غائباً، فقال: يا معشر الأزد! ما أبقت عواقب الجمل عليكم إلاّ سوء الذكر(2)، وقد كنتم أمس على عليّ عليه السلام فكونوا اليوم له، واعلموا أنّ سلمكم(3)جاركم ذلّ وخذلكم(4)إياه عار، وأنتم حي مضماركم الصبر وعاقبتكم الوفاء(5)، فإن سار القوم بصاحبهم فسيروا بصاحبكم، وإن استمدوا معاوية فاستمدوا عليّاً، وإن وادعوكم فوادعوهم.

ثمّ قام صبرة بن شيمان، فقال: يا معشر الأزد! إنّا قلنا يوم الجمل:


1) - في شرح النهج: (إنكم).

2) - في الأصل: (ما تعرفون من عواقب الجمل إلاّ ذلّ الجنى ونفذ القتيل).

3) - في شرح النهج: (إسلامكم له).

4) - في شرح النهج: (خذلانكم).

5) - في الأصل: (الوقار).

نمنع مصرنا، ونطيع أُمّنا(1)، وننصر(2)خليفتنا المظلوم، فأنعمنا القتال(3)، وأقمنا بعد انهزام الناس حتّى قتل منّا من لا خير فينا بعده، وهذا زياد جاركم اليوم والجار مضمون ولسنا نخاف من عليّ عليه السلام ما نخاف من معاوية، فهبوا لنا أنفسكم وامنعوا جاركم أو فأبلغوه مأمنه(4). فقالت الأزد: إنّما نحن لكم تبع فأجيروه، فضحك زياد وقال: يا صبرة! أتخشون ألا تقوموا لبني تميم؟ فقال صبرة: إن جاؤونا بالأحنف جئناهم بأبي صبرة، وإن جاؤونا بالحتات(5)جئتهم أنا، وإن كان فيهم شبابٌ ففينا شباب كثير، فقال زياد: إنّما كنت مازحاً(6)

وذكر ابن الأثير في الكامل (ج3 ص144) القصّة نحو ما ذكره الطبري.

.

1) - في الأصل: (إمامنا).

2) - في شرح النهج: (نطلب دم).

3) - في شرح النهج: (فجددنا في القتال).

4) - في الأصل: (وإلاّ منعناه منه)، والمتن مأخوذ من قوله تعالى: ayebazوَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ayebaste التوبة/6.

5) - قال الزبيدي في تاج العروس في شرح قول صاحب القاموس: (حتات كغراب قطيعة بالبصرة وابن عمرو وابن يزيد لا زيد المجاشعي ووهم الجوهري صحابيان) ما نصّه: (حتات لقب واسمه بشر وفي الإصابة: الحتات بالضم هو ابن زيد بن علقمة بن جرى بن سفيان بن مجاشع بن دارم التميمي الدارمي المجاشعي، ذكره ابن إسحاق وابن الكلبي وابن هشام فيمن وفد من بني تميم على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ووجدت في هامش لسان العرب ما نصّه: وأورد الجوهري بيت الفرزدق في ترجمة فرع، وقال: الحتات بشر بن عامر بن علقمة؛ فليراجع).

6) - ذكر الطبري هذه القصّة هكذا (ج6/64): (وخرج زياد حتّى أتى الحدان ونزل في دار صبرة، وحول بيت المال والمنبر فوضعه في مسجد الحدان، وتحوّل مع زياد خمسون رجلاً منهم أبو أبي حاضر، وكان زياد يصلّي الجمعة في مسجد الحدان ويطعم الطعام، فقال زياد لجابر بن وهب الراسبي: يا أبا محمّد! إنّي لا أرى ابن الحضرمي يكفّ ولا أراه إلاّ سيقاتلكم ولا أدري ما عند أصحابك؟ فأمرهم وانظر ما عندهم، فلمّا صلّى زياد جلس في المسجد واجتمع الناس إليه فقال جابر: يا معشر الأزدّ تميم تزعم أنّهم هم الناس وأنّهم أصبر منكم عند البأس، وقد بلغني أنّهم يريدون أن يسيروا إليكم حتّى يأخذوا جاركم ويخرجوه من المصر قسراً، فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد آجرتموه وبيت مال المسلمين؟ - فقال صبرة بن شيمان وكان مفخماً: إن جاء الأحنف جئت، وإن جاء الحتات جئت، وإن جاء شبان ففينا شبان، فكان زياد يقول: إنّني استضحكت ونهضت وما كدت مكيدة قطّ كنت إلى الفضيحة بها أقرب منّي للفضيحة يومئذ لمّا غلبني من الضحك).

فلمّا رأت بنو تميم أنّ الأزد قد قاموا دون زياد [بعثت إليهم: أخرجوا صاحبكم ونحن نخرج صاحبنا فأي الأميرين غلب، عليٌ أو معاوية دخلنا في طاعته ولا نهلك عامّتنا، فبعث إليهم أبو صبرة: إنّما كان هذا يرجى عندنا قبل أن نجيره، ولعمري ما قتل زياد(1)]، وإخراجه(2)إلاّ سواءً، وإنّكم لتعلمون إنّا لم نجره إلاّ تكرّماً، فالهوا عن هذا.

عن أبي الكنود(3)

أقول: قد وقع الرجل في سند نصر بن مزاحم في كتاب صفّين في موارد كثيرة، وقد روى عنه في تلك الموارد الحارث بن حصيرة، وكذا الحال في أسانيد الطبري في غير مورد، لكن الأردبيلي والمامقاني - رحمهما الله - نقلاً أيضاً عن رجال الشيخ رحمه الله من أصحاب عليّ عليه السلام عبد الرحمن بن عبيد [مصغراً أو مكبراً] ابن الكنود، والمظنون قوّياً أنّه متّحد مع أبي الكنود الوائلي السابق الذكر فليتحقّق، وسيجيء الكلام عليه أيضاً في غارة سفيان بن عوف الغامدي.

4- في تقريب التهذيب: (شبث بفتح أوّله والموحدة ثمّ مثلثة ابن ربعي التميمي اليربوعي أبو عبد القدوس الكوفي مخضرم، كان مؤذّن سجاح، ثمّ أسلم، ثمّ كان ممّن أعان على عثمان، ثمّ صحب عليّاً، ثمّ صار من الخوارج عليه، ثمّ تاب فحضر قتل الحسين، ثمّ كان ممّن طلب بدم الحسين مع المختار، ثمّ ولي شرطة الكوفة، ثمّ حضر قتل المختار، ومات بالكوفة في حدود الثمانين/دس)، وخاض المامقاني رحمه الله وغيره من علمائنا في ترجمته، فمن أرادها فليراجع.

: أنّ شبث بن ربعي(4) قال لعليّ عليه السلام: يا أمير المؤمنين!

1) - ما بين المعقوفتين سقط من الأصل ونقلناه من شرح النهج.

2) - في الأصل: (خلعه).

3) - قال الأردبيلي رحمه الله في جامع الرواة والمامقاني رحمه الله في تنقيح المقال: (أبو الكنود الوائلي عدّه الشيخ رحمه الله كذلك في باب الكنى من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام).

ابعث إلى هذا الحيّ من تميم فادعهم إلى طاعتك ولزوم بيعتك، ولا تسلّط عليهم أزد عمان البعداء البغضاء، فإنّ واحداً من قومك خير لك من عشرة من غيرهم، فقال له مخنف بن سليم الأزدي(1)

أقول: الرجل مذكور في كتب الشيعة أيضاً.

2- هذه الفقرات مأخوذة من قول الله تعالى: ayebazوَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ayebaste الآية، (آية/103 من سورة آل عمران).

: إنّ البعيد البغيض من عصى الله وخالف أمير المؤمنين وهم قومك، وإن الحبيب القريب من أطاع الله ونصر أمير المؤمنين وهم قومي، وأحدهم خير لأمير المؤمنين من عشرة من قومك، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: مه، تناهوا أيّها الناس وليردعكم الإسلام ووقاره عن التباغي والتهاذي، ولتجتمع كلمتكم، والزموا دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره، وكلمة الإخلاص التي هي قوام الدين، وحجّة الله على الكافرين، واذكروا إذ كنتم قليلاً مشركين متفرّقين متباغضين فألف بينكم بالإسلام فكثرتم واجتمعتم وتحاببتم، فلا تفرّقوا بعد إذ اجتمعتم، ولا تباغضوا بعد إذ تحاببتم(2)،

1) - في تقريب التهذيب: (مخنف بكسر أوّله وبنون ابن سليم بن الحارث بن عوف الأزدي الغامدي صحابي نزل الكوفة وكانت معه راية الأزد بصفّين واستشهد بعين الوردة سنة أربع وستّين/4).

فإذا انفصل الناس وكانت بينهم الثائرة فتداعوا(1)إلى العشائر والقبائل فاقصدوا لهامهم ووجوههم بالسيوف، حتّى يفزعوا إلى الله وكتابه وسُنّة نبيّه، فأمّا تلك الحمية(2)من خطوات(3)الشيطان فانتهوا عنها لا أبا لكم تفلحوا وتنجحوا.

ثمّ إنّه عليه السلام دعا أعين بن ضبيعة المجاشعي(4)، فقال: يا أعين ما بلغك


1) - في شرح النهج والبحار: (وإذ رأيتم الناس بينهم النائرة وقد تداعوا).

2) - في الأصل بعد لفظة الحمية: (متى تكون في المسلمين).

3) - في شرح النهج: (من خطرات الشياطين).

4) - قال الساروي في توضيح الاشتباه: (أعين بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الياء المثناة التحتانية بن ضبيعة بضم الضاد المعجمة كجهينة)، وقال المامقاني رحمه الله في تنقيح المقال: (أعين بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الياء المثناة التحتانية والنون ابن ضبيعة بضم الضادّ المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة التحتانية وفتح العين المهملة بعدها هاء وزان جهينة تصغير ضبعة حيوان معروف سمي به جمع من الرجال الدارمي [قال ابن الأثير في اللباب: الدارمي بفتح الدالّ وسكون الألف وكسر الراء وبعدها ميم، هذه النسبة إلى دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم بطن كبير من تميم ينسب إليه خلق كثير من العلماء والشعراء والفرسان] المجاشعي بضم الميم وفتح الجيم ثمّ الألف والشين المعجمة المكسورة ثمّ العين ثمّ الياء نسبة إلى مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم لم أقف فيه إلاّ على عد الشيخ رحمه الله إياه في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، ويمكن استفادة حسن حاله بل وثاقته من إرسال أمير المؤمنين إياه إلى البصرة ليقاتل عبد الله الحضرمي الذي أرسله معاوية ليتملك له البصرة، فإنّ إرسال أمير المؤمنين الرجل يكشف عن كونه محلّ وثوقه واطمينانه، ثمّ إنّه قد قتل هو غيلة سنة ثمان وثلاثين، فأرسل أمير المؤمنين عليه السلام جارية بن قدامة التميمي السعدي ففرّق جمع ابن الحضرمي وأحرق عليه الدار التي تحصّن فيها فاحترق فيها).

أنّ قومك وثبوا على عاملي مع ابن الحضرمي بالبصرة يدعون إلى فراقي وشقاقي ويساعدون الضلال الفاسقين(1)علَيَّ؟! فقال: لا تستأ(2)يا أمير المؤمنين ولا يكن ما تكره، ابعثني إليهم فأنا لك زعيم بطاعتهم وتفريق جماعتهم ونفي ابن الحضرمي من البصرة أو قتله، قال: فاخرج الساعة، فخرج من عنده ومضى حتّى قدم(3)البصرة(4).


1) - في شرح النهج: (القاسطين).

2) - في شرح النهج: (لا تسأ) يقال: (ساءه فاستأى، فهو مطاوع ساء).

3) - في شرح النهج (دخل).

4) - قال ابن أبي الحديد بعد نقل قول الثقفي: (فخرج من عنده ومضى حتّى قدم البصرة): (هذه رواية ابن هلال صاحب كتاب الغارات، وروى الواقدي أنّ عليّاً عليه السلام استنفر بني تميم أياماً لينهض منهم إلى البصرة من يكفيه أمر ابن الحضرمي ويرد عادية بني تميم الذين أجاروه بها فلم يجبه أحد فخطبهم وقال: أليس من العجب أن تنصرني الأزد وتخذلني مضر؟! وأعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة بي وخلاف تميم البصرة عليَّ، وأن أستنجد بطائفة منها تشخص إلى إخوانها فتدعوهم إلى الرشاد، فإن أجابت وإلاّ فالمنابذة والحرب، فكأنّي أخاطب صماً بكماً لا يفقهون حواراً ولا يجيبون نداءً، كلّ هذا جنباً عن البأس وحبّاً للحياة، ولقد كنّا مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم نقتل آباءنا وأبناءنا (إلى آخر الخطبة المذكورة في النهج ونقلناها في ص373)، قال: فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي، فقال: أنا إن شاء الله أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخطب، وأتكفل لك بقتل ابن الحضرمي أو إخراجه عن البصرة، فأمره بالتهيؤ للشخوص فشخص حتّى قدم البصرة. قال إبراهيم بن هلال: فلمّا قدمها دخل على زياد (إلى آخر ما في المتن)). وقال المجلسي رحمه الله في أثناء ذكر القصّة بعد نقل قول أمير المؤمنين عليه السلام: (تفلحوا وتنجحوا) ما نصّه: (ثمّ قال ابن أبي الحديد: وروى الواقدي (فنقل الرواية إلى آخرها، ثمّ قال:) رجعنا إلى رواية الثقفي قال إبراهيم: فلمّا قدمها) (انظر 8/676).

ثمّ دخل على زياد وهو بالأزد(1)مقيم فرحّب به وأجلسه إلى جانبه فأخبره بما قال له عليّ عليه السلام وبما ردّ عليه، وما [الذي عليه] رأيه، فقال: فوالله إنّه ليكلمه وإذا بكتاب من أمير المؤمنين عليه السلام إلى زياد فيه(2):

بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد، سلام عليك، أمّا بعد، فإنّي قد بعثت أعين بن ضبيعة ليفرّق قومه عن ابن الحضرمي، فارقب ما يكون منه، فإن فعل وبلغ من ذلك ما يظنّ به وكان في ذلك تفريق تلك الأوباش فهو ما نحبّ، وإن ترامت الأمور بالقوم(3)إلى الشقاق والعصيان فانهض بمن(4)أطاعك إلى من عصاك، فجاهدهم فإن ظفرت فهو ما ظننت، وإلاّ فطاولهم وماطلهم، ثمّ تسمع بهم وأبصر(5)فكأن كتائب المسلمين قد أظلت(6)عليك(7)فقتل الله المفسدين الظالمين(8)ونصر المؤمنين المحقّين، والسلام.


1) - في البحار: (وهو بالأهواز)، وهو تصحيف قطعاً.

2) - نقله صاحب جمهرة رسائل العرب عن شرح ابن أبي الحديد والطبري (ص588).

3) - في الطبري والأصل: (وإن ترقت الأُمور بهم).

4) - في شرح النهج: (فانبذ من).

5) - كذا في الأصل والطبري، ويحتمل أنّ الصحيح: (أسمع بهم وأبصر)، كما في قول الله تعالى: ayebazأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ayebaste (آية/38 سورة مريم)، ففي مجمع البحرين قوله تعالى: أسمع بهم وأبصر، أي: ما أسمعهم وأبصرهم)، وعلى أي حال المراد بالكلمتين أن يكون زياد على التيقظ والحذر وعدم الغفلة من ابن الحضرمي وأتباعه.

6) - كذا في الأصل والبحار لكن في شرح النهج (أطلت) بالطاء المهملة، أي: أشرفت.

7) - في الطبري: (فكأنّ جنود الله قد أظلتك).

8) - في الطبري: (تقتل الظالمين).

فلمّا قرأه زياد، أقرأه أعين بن ضبيعة، فقال له أعين: إنّي لأرجو أن نكفي(1)هذا الأمر إن شاء الله، ثمّ خرج من عنده فأتى رحله فجمع إليه رجالاً من قومه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:

يا قوم على م(2)تقتلون أنفسكم وتهريقون(3)

أقول: ذكر مثل ذلك الفيومي في المصباح المنير وسائر اللغويين في كتبهم واستشهدوا له بقول امرء القيس في أوائل معلقته:

فهل عند رسم دارس من معول*** وإن شفائي عبرة مهراقة

ومنه ما ورد في الحديث: سُئل الصادق عليه السلام عن رجل معه إناءان وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو وليس يقدر على ماء غيرهما، قال: يهريقهما جميعاً ويتيمم (انظر - الوسائل، باب وجوب التيمم على من معه ماء نجس أو مشتبه بالنجس ص184 من ج1 من طبعة أمير بهادر).

دماءكم على الباطل مع

1) - في شرح النهج والبحار: (يكفي).

2) - في شرح النهج والبحار: (على ماذا).

3) - في الصحاح: (هراق الماء يهريقه بفتح الهاء هراقة أي صبه وأصله: أراق يريق إراقة، وأصل أراق أريق، وأصل يريق يريق وأصل يريق ياريق، وإنّما قالوا: أنا أهريقه وهم لا يقولون: أنا أريقه لاستثقالهم الهمزتين، وقد زال ذلك بعد الإبدال وفيه لغة أخرى: أهرق الماء يهرقه إهراقاً على أفعل يفعل، قال سيبويه: قد أبدلوا من الهمزة الهاء ثمّ الزمت فصارت كأنّها من نفس الحرف، ثمّ أدخلت الألف بعد على الهاء وتركت الهاء عوضاً من حذفهم حركة العين لأنّ أصل أهرق أريق، وفيه لغة ثالثة: أهراق يهريق إهرياقاً فهو مهريق والشيء مهراق ومهراق أيضاً بالتحريك وهو شاذ، ونظيره أسطاع يسطيع اسطياعاً بفتح الألف في الماضي وضم الياء في المستقبل لغة في أطاع يطيع فجعلوا السين عوضاً من ذهاب حركة عين الفعل ما ذكرناه عن الأخفش في باب العين وكذلك حكم الهاء عندي وفي الحديث أهريق دمه وتقدير يهريق بفتح الهاء يهفعل وتقدير مهراق بالتحريك مهفعل، وأمّا تقدير يهريق بالتسكين فلا يمكن أن ينطق به لأنّ الهاء والفاء جميعاً ساكنان، وكذلك تقدير مهراق وحكى بعضهم مطر مهرورق).

السفهاء الأشرار؟! وإنّي والله ما جئتكم حتّى عبيت إليكم الجنود، فإن تنيبوا إلى الحقّ يقبل منكم ويكف عنكم، وإن أبيتم فهو والله استئصالكم وبواركم.

فقالوا: بل نسمع ونطيع، فقال: انهضوا الآن على بركة الله، فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرمي(1)، فخرجوا إليه مع ابن الحضرمي فصافوه وواقفهم عامّة يومه(2)يناشدهم الله ويقول: يا قوم لا تنكثوا بيعتكم، ولا تخالفوا إمامكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً، فقد رأيتم وجربتم كيف صنع الله بكم عند نكثكم بيعتكم وخلافكم فكفوا عنه، ولم يكن بينه وبينهم قتال وهم في ذلك يشتمونه وينالون منه فانصرف عنهم وهو منهم منتصف.

فلمّا أوى(3)إلى رحله، تبعه عشرة نفر يظنّ(4)أنّهم خوارج فضربوه(5)بأسيافهم وهو على فراشه، ولا يظنّ أنّ الذي كان يكون، فخرج يشتد


1) - في الأصل: (إلى جماعة القوم).

2) - في الأصل: (عامّة يومهم).

3) - في المصباح المنير: (آوى إلى منزله يأوى من باب ضرب أوياً = أقام، وربّما عدى بنفسه فقيل: آوى منزله، والمأوى بفتح الواو لكلّ حيوان سكنه وسمع مأوى الإبل بالكسر شاذا ولا نظير له في المعتل وبالفتح على القياس، ومأوى الغنم مراحها الذي تأوي إليه ليلاً، وآويت زيداً بالمد في التعدي، ومنهم من يجعله ممّا يستعمل لازماً ومتعدّياً فيقول: أويته وزان ضربته، ومنهم من يستعمل الرباعي لازماً أيضاً، وردّه جماعة).

4) - في شرح النهج: (يظنّ الناس أنّهم خوارج)، وفي الطبري: (ودخل عليه قوم فقتلوه)، وفي الكامل: (فدخل عليه قوم قيل: إنّهم من الخوارج، وقيل: وضعهم ابن الحضرمي على قتله، وكان معهم فقتلوه غيلة).

5) - في الأصل: (فنعكوه).

عرياناً فلحقوه في الطريق فقتلوه، فأراد زياد أن يناهض ابن الحضرمي حين قتل أعين بجماعة من معه من الأزد وغيرهم من شيعة عليّ عليه السلام، فأرسلت بنو تميم إلى الأزد: والله ما عرضنا لجاركم إذ أجرتموه ولا لمال هو له ولا لأحد ليس على رأينا، فما تريدون إلى حربنا وإلى جارنا؟ فكأنّ الأزد عند ذلك كرهت قتالهم.

فكتب زياد إلى عليّ عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، يا أمير المؤمنين! فإنّ أعين بن ضبيعة قدم علينا من قبلك بجد ومناصحة وصدق ويقين فجمع إليه من أطاعه من عشيرته فحثهم على الطاعة والجماعة، وحذرهم الفرقة والخلاف، ثمّ نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه فواقفهم عامّة النهار، فهال أهل الضلال مقدمه(1)وتصدع عن ابن الحضرمي كثير ممّن كان معه يريد نصرته فكان كذلك، حتّى أمسى فأتى رحله فبيته نفر من أهل هذه(2)الخارجة المارقة فأصيب - رحمه الله - فأردت أن أناهض ابن الحضرمي(3)عند ذلك، فحدث أمر قد أمرت صاحب كتابي هذا أن يذكره لأمير المؤمنين، وقد رأيت إن رأى أمير المؤمنين أن يبعث(4)إليهم جارية بن قدامة، فإنّه نافذ البصيرة مطاع


1) - في شرح النهج: (فهال أهل الخلاف تقدّمه) وفي الطبري: (فهالهم ذلك).

2) - في شرح النهج: (من هذه).

3) - في الأصل: (فبادرت مناهضته).

4) - في شرح النهج: (وقد رأيت إن رأى أمير المؤمنين ما رأيت أن يبعث).

في العشيرة شديد على عدوّ أمير المؤمنين، فإن يقدم يفرق بينهم بإذن الله، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته(1).

فلمّا جاء الكتاب وقرأه عليّ عليه السلام دعا جارية بن قدامة(2)

• رضي الله عنه - جارية بن قدامة إليه فتحصّن منه ابن الحضرمي بدار تعرف ب (دار سنبيل) فأضرم جارية الدار عليه فاحترقت بمن فيها، وكان جارية شجاعاً فاتكاً).

وفي أسد الغابة: (جارية بن قدامة التميمي السعدي (إلى أن قال) وكان من أصحاب عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، وشهد معه حروبه، وهو الذي حصر عبد الله بن الحضرمي بالبصرة في دار ابن سنبيل وحرقها عليه، وكان معاوية أرسله إلى البصرة ليأخذها له فنزل ابن - الحضرمي في بني تميم وكان زياد بالبصرة أميراً فكتب إلى عليّ [رض] فأرسل عليّ إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي فقتل غيلة فبعث عليّ بعده جارية بن قدامة فأحرق على ابن الحضرمي الدار التي سكنها، أخرجه الثلاثة).

أقول نقل ابن عبد البرّ ترجمته في الاستيعاب وأورد فيها قريباً ممّا نقلناه عن أسد الغابة، وسيأتي ذكره أيضاً في قصّة غارة بسر بن أبي أرطاة.

وليعلم أنّ علماءنا أيضاً قد تصدّوا لترجمته في كتبهم وعدوّه من الصحابة تارة ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام أخرى.

، فقال: يا

1) - نقل الكتاب أحمد زكي صفوت في جمهرة رسائل العرب عن شرح النهج لابن - أبي الحديد وعن تاريخ الطبري (انظر ص579).

2) - في تقريب التهذيب: (جارية بن قدامة [بضم القاف وتخفيف الدّال المهملة] التميمي السعدي صحابي على الصحيح مات في ولاية يزيد/عس)، فقال في الإصابة ضمن ترجمته: (قال أبو عمرو: كان من أصحاب عليّ في حروبه وهو الذي حرق عبد الله بن الحضرمي في دار سنبيل بالبصرة، لأنّ معاوية بعث ابن الحضرمي ليأخذ له البصرة، فوجّه عليّ إليه أعين بن ضبيعة فقتل، فوجّه جارية بن قدامة فحاصر ابن الحضرمي ثمّ حرق عليه)، وفي الاشتقاق لابن دريد عند ذكره رجال بني سعد بن زيد مناة بن تميم (ص253): (ومنهم جارية بن قدامة كان شيعياً وكان من أصحاب عليّ عليه السلام وهو الذي تولّى إحراق عبد الله بن عامر الحضرمي)، وقال عبد السلام محمّد هارون في تعليقته على الاشتقاق في ذيل العبارة: (قال أبو أحمد العسكري: جارية بن قدامة تميمي شريف يكنّى أبا أيوب وأبا يزيد، وكان يقال له: المحرق لأنّه أحرق ابن الحضرمي بالبصرة، وكان ابن الحضرمي وجّه به معاوية إلى البصرة ينعى قتل عثمان ويستنفر أهل البصرة على قتال عليّ - كرم الله وجهه - ، فوجّه عليّ

ابن قدامة! تمنع الأزد عاملي وبيت مالي وتشاقني مضر وتنابذني، وبنا ابتدأها الله بالكرامة، وعرفها الهدى، وتدعو(1)إلى المعشر الذين حادوا الله ورسوله، وأرادوا إطفاء نور الله حتّى علت كلمة الله وهلك الكافرون(2)، قال: يا أمير المؤمنين! ابعثني إليهم واستعن بالله عليهم، قال: قد بعثتك إليهم واستعنت بالله عليهم.

قال كعب بن قعين(3): فخرجت مع جارية من الكوفة إلى البصرة في خمسين رجلاً من بني تميم ما كان فيهم يماني غيري، وكنت شديد التشيّع، قال: فقلت لجارية: إن شئت سرت(4)معك، وإن شئت ملت إلى قومي؟ فقال: بل سر معي وأنزل منزلي، فوالله لودّدت أن الطير والبهائم تنصرني عليهم فضلاً عن الإنس.


1) - كذا في شرح النهج لكن في الأصل: (وتداعوا).

2) - في البحار: (علت كلمته عليهم وأهلك الكافرين).

3) - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج1/353 س19): (قال إبراهيم: فحدّثنا محمّد بن عبد الله، قال: حدّثني ابن أبي سيف، عن سليمان بن أبي راشد، عن كعب بن قعين، قال: خرجت (القصّة)، وقال المجلسي رحمه الله في ثامن البحار (في باب ما جرى من الفتن من غارات أصحاب معاوية ص676 س34): (فروى إبراهيم بإسناده عن كعب بن قعين، قال: خرجت (الخبر)).

4) - في شرح النهج والبحار: (كنت).

وعن كعب بن قعين: أنّ عليّاً عليه السلام كتب مع جارية بن قدامة كتاباً، فقال: اقرأه على أصحابك، قال: فمضينا معه فلمّا دخلنا البصرة بدأ بزياد فرحّب به وأجلسه إلى جانبه، وناجاه ساعة وساءله، ثمّ خرج فكان أفضل ما أوصاه به أن قال: احذر على نفسك واتّق أن تلقى ما لقي صاحبك القادم قبلك، وخرج جارية من عنده فقام في الأزد، فقال: - جزاكم الله من حي خيراً - ما أعظم عناءكم وأحسن بلاءكم، وأطوعكم لأميركم، وقد عرفتم الحقّ إذ ضيعه من أنكره، ودعوتم إلى الهدى إذ تركه من لم يعرفه، ثمّ قرأ عليهم وعلى من كان معه من شيعة عليّ(عليه السلام) [وغيرهم] كتاب عليّ(1)، فإذا فيه:

من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من قرأ عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين والمسلمين: سلام عليكم، أمّا بعد، فإنّ الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البينة، ولا يأخذ المذنب عند أوّل وهلة، ولكنّه يقبل التوبة ويستديم الأناة ويرضى بالإنابة(2)ليكون أعظم


1) - نقل الشريف الرضي - رضي الله عنه - مختاراً من هذا الكتاب في باب المختار من كتب أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة ونص عبارته فيه هكذا (ج4/2 من شرح النهج لابن أبي الحديد): (ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل البصرة: وقد كان من انتشار حبلكم وشقاقكم ما لم تغبوا عنه، فعفوت عن مجرمكم ورفعت السيف عن مدبركم، وقبلت من مقبلكم، فإن خطت بكم الأُمور المردية وسفه الآراء الجائرة إلى منابذتي وخلافي فها أنا ذا قد قربت جيادي ورحلت ركابي، ولئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلاّ كلعقة لاعق، مع أنّي عارف لذي الطاعة منكم فضله ولذي النصيحة حقّه، غير متجاوز متّهماً إلى بري، ولا ناكثاً إلى وفي).

2) - كذا في شرح النهج لكن في الأصل: (يقبل التوبة ويستديم الإنابة).

للحجّة وأبلغ في المعذرة، وقد كان من شقاق جلكم(1)أيّها الناس ما استحققتم أن تعاقبوا عليه فعفوت عن مجرمكم، ورفعت السيف عن مدبركم، وقبلت من مقبلكم، وأخذت بيعتكم، فإن تفوا ببيعتي، وتقبلوا نصيحتي، وتستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب [والسُنّة] وقصد الحقّ وأقم(2)فيكم سبيل الهدى، فوالله ما أعلم أنّ والياً بعد محمّد صلي الله عليه وآله وسلم أعلم بذلك منّي [ولا أعمل(3)]، أقول قولي هذا صادقاً غير ذام لمن مضى ولا منتقصاً لأعمالهم، فإن خطت(4)بكم الأهواء المردية وسفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي، فها أنا ذا قربت جيادي ورحلت ركابي، وأيم الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل عندها إلاّ كلعقة لاعق(5)، وإنّي لظانّ أن لا تجعلوا إن شاء الله على أنفسكم سبيلاً(6)، وقد قدمت هذا الكتاب حجّة عليكم، ولن أكتب إليكم من بعده كتاباً إن أنتم استغششتم نصيحتي ونابذتم رسولي حتّى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء الله، والسلام(7).


1) - في البحار: (حبلكم).

2) - في البحار: (وأقيم).

3) - زيد من شرح النهج.

4) - قال ابن أبي الحديد: (هو من خطأ فلان يخطو خطوة وهو مقدار ما بين القدمين فهذا لازم فإن عديته قلت: أخطيت فلاناً وخطوت به، وهاهنا قد عداه بالباء).

5) - قال ابن أبي الحديد: (قوله: كلعقة لاعق، مثل يضرب للشيء الحقير التافه، ويروى بضم اللام وهي ما تأخذه الملعقة).

6) - في الأصل: (مع أنّي عارف أن لا تجعلوا عليكم سبباً).

7) - نقل أحمد زكي صفوت الكتاب في جمهرة رسائل العرب عن شرح ابن أبي الحديد ونهج البلاغة (انظر ج1/580 - 581).

فلمّا قرئ الكتاب على الناس قام صبرة بن شيمان، فقال: سمعنا وأطعنا، ونحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب، ولمن سالم أمير المؤمنين سلم، إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك، وإن أحببت أن ننصرك نصرناك، وقام وجوه الناس فتكلّموا بمثل ذلك، فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه ومضى نحو بني تميم.

فقام زياد في الأزد، فقال: يا معشر الأزد! إنّ هؤلاء كانوا أمس سلماً فأصبحوا اليوم حرباً، وإنّكم كنتم حرباً فأصبحتم اليوم سلماً، وإنّي والله ما اخترتكم إلاّ على التجربة، ولا أقمت فيكم إلاّ على التأمّل(1)، فما رضيتم أن آجرتموني حتّى نصبتم لي منبراً وسريراً، وجعلتم لي شرطاً وأعواناً، ومنادياً وجمعة، فما فقدت بحضرتكم شيئاً إلاّ هذا الدرهم لا أجيبه، فإن لم أجبه اليوم أجبه غداً إن شاء الله، واعلموا أنّ حربكم اليوم معاوية أيسر عليكم في الدين والدنيا من حربكم أمس عليّاً، وقد قدم عليكم جارية بن قدامة وإنّما أرسله عليّ عليه السلام ليصدع أمر قومه، والله ما هو بالأمير المطاع ولا بالمغلوب المستغيث(2)، ولو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أمير المؤمنين أو لكان لي تبعاً، وأنتم الهامة العظمى والجمرة الحامية فقدموه إلى قومه فإن اضطر إلى نصركم فسيروا إليه إن رأيتم ذلك(3).

فقام أبو صبرة بن شيمان، فقال: يا زياد! إنّي والله لو شهدت قومي


1) - في شرح النهج: (الأمل).

2) - في الأصل فقط.

3) - في الأصل: (إلا أن تروا غير ذلك).

يوم الجمل رجوت أن لا يقاتلوا عليّاً وقد مضى الأمر بما فيه، وهو يوم بيوم وأمر بأمر، والله إلى الجزاء بالإحسان أسرع منه إلى الجزاء بالسيئ، والتوبة مع الحقّ والعفو مع الندم، ولو كانت هذه فتنة لدعونا القوم إلى إبطال الدماء واستئناف الأُمور، ولكنّها جماعة دماؤها حرام وجروحها قصاص، ونحن معك فقدم هواك نحبّ [لك ما أحببت.

فعجب زياد من كلامه، وقال: ما أظنّ في الناس مثل هذا(1)].

ثمّ قام صبرة ابنه، فقال: إنّا والله ما أصبنا بمصيبة في دين ولا دنيا كما أصبنا أمس يوم الجمل، وإنّا لنرجو اليوم أن نمحص ذلك بطاعة الله وطاعة أمير المؤمنين، وأمّا أنت يا زياد، فوالله ما أدركت أملك فينا ولا أدركنا أملنا فيك دون ردّك إلى دارك، ونحن رادوك إليها غداً إن شاء الله تعالى، فإذا فعلنا فلا يكن أحد أولى بك منّا، فإنّك إن لم تفعل تأت ما لا يشبهك(2)، وإنّا والله نخاف من حرب عليّ في الآخرة ما لا نخاف(3)من حرب معاوية في الدنيا، فقدّم هواك وأخّر هوانا، فنحن معك وطوعك.

ثمّ قام جيفر العماني(4)

قلت: لا منافاة بين هذا وبين ما تقدّم من الإرسال إلى الجلندي، ولا مانع من أن يكون الجلندي قد شاخ وفوض الأمر لولديه والله أعلم)، ويشير به إلى ما ذكره قبيل ذلك في ترجمة أبيهما من أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قد بعث عمرو بن العاص إليه. وفي القاموس: (جيفر بن الجلندي ملك عمان أسلم هو وأخوه عبد الله على يد عمرو بن العاص لمّا وجهه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إليهما وهما على عمان)، وزاد عليه الزبيدي قوله: (ولا رؤية لهما). وفي تنقيح المقال: (جيفر بن الجلندي الأزدي العماني رئيس أهل عمان، عدّه ابن عبد البرّ وأبو موسى من الصحابة وهو مبني على صدق الصحابي على من أدرك زمانه صلي الله عليه وآله وسلم ولم يصل إليه ضرورة أنّ الرجل أسلم وهو على عمان بعد خيبر ولم يره صلي الله عليه وآله وسلم)، وفي قلائد الجمان، للقلقشندي (ص92): (ومن أزد عمان ابنا الجلندي ملك عمان كتب إليهما النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يدعوهما إلى الإسلام كتاباً فيه بعد البسملة: من محمّد بن عبد الله إلى جيفر وعبيد ابني الجلندي (إلى أن قال) فلمّا وصل عمرو عمان اجتمع بعبيد ثمّ ناجى جيفر فأسلما جميعاً وكان من كلام جيفر (إلى آخر ما قال))، وقال السمعاني في الأنساب: (العماني بضم العين المهملة وتخفيف الميم وفي آخرها النون، هذه النسبة إلى عمان وهي من بلاد البحر أسفل البصرة والمنتسب إليها من القدماء جيفر بن الجلندي العماني، كان رئيس أهل عمان هو وأخوه عبد أسلما على يدي عمرو بن العاص حين بعثه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم [إليها] ولم يريا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم هو ولا أخوه، وكان إسلامهما بعد خيبر) وقال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة: (جيفر بن الجلندي الأزدي رئيس أهل عمان، أسلم ولا رؤية له (س ب) )، ويريد بالحرفين أنّ صاحب الترجمة مذكور في الاستيعاب وكتاب أبي موسى المديني.

، وكان لسان القوم، فقال: أيّها الأمير! إنّك لو

1) - ما بين المعقوفتين في الأصل فقط.

2) - في شرح النهج: (فإنّك إن لا تفعل لم تأت ما يشبهك).

3) - في شرح النهج: (ما لا نخافه).

4) - في الأصل: (ثمّ حيفر الحمامتي)، وفي شرح النهج: (خنفر الحماني) (ج1/354). ففي الاستيعاب: (جيفر بن الجلندي العماني، كان رئيس أهل عمان هو وأخوه عبد بن الجلندي، أسلما على يد عمرو بن العاص حين بعثه النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم إلى ناحية عمان، ولم يقدما على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ولم يرياه، وكان إسلامهما بعد خيبر)، وفي أسد الغابة: (جيفر بن الجلندي بن المستكبر بن الحراز بن عبد العزى بن معولة بن عثمان بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان ابن نصر بن زهران الأزدي العماني كان رئيس أهل عمان (فذكر مثل كلام ابن عبد البرّ وزاد عليه) أخرجه أبو عمر، وأبو موسى). وفي الإصابة في القسم الثالث: (جيفر بوزن جعفر لكن بدل العين تحتانية ابن الجلندي الأزدي ملك عمان ذكره أبو عمر مختصراً، وقال العسكري: لم ير النبيّ هو ولا أخوه، وقد تقدّم ذكر أبيه، وروى ابن سعد من طريق عمرو بن شعيب عن مولى لعمرو بن العاص، قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: أسلمت عند النجاشي فذكر قصّة هجرته. قال: وبعثني رسول الله إلى جيفر وعبيد ابني - الجلندي، وكانا بعمان، وكان الملك منهما جيفرا، وكانا من الأزد، فذكر قصّة إسلامهما وأنّهما خليا بينه وبين الصدقة، فلم يزل بعمان حتّى مات النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وروى عبدان بإسناد صحيح إلى الزهري عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعباد ابني الجلندي أميري عمان فمضى عمرو إليهما، فأسلما وأسلم معهما بشر كثير ووضع الجزية على من لم يسلم.

رضيت منّا بما ترضى به من غيرنا لم نرض ذلك [ولو رضينا لك قد خناك لأنّ لنا عقداً مقدّماً وحمداً مذكوراً(1)] سر بنا إلى القوم إن شئت، وأيم الله ما لقينا يوماً قطّ إلاّ اكتفينا بعفونا دون جهدنا إلاّ ما كان أمس.

فلمّا أصبحوا أشارت الأزد إلى جارية أن: سِر بمن معك، ومضت الأزد بزياد حتّى أدخلوه دار الإمارة، وأمّا جارية فإنّه كلّم قومه وصاح فيهم فلم يجيبوه(2)، وخرج إليه منهم أوباش فناوشوه بعد أن شتموه وأسمعوه، فأرسل إلى زياد والأزد يستصرخهم ويأمرهم أن يسيروا إليه، فسارت الأزد بزياد حتّى أدخلوه دار الإمارة، ثمّ ساروا إلى ابن الحضرمي، وخرج إليهم ابن الحضرمي وعلى خيله عبد الله بن خازم السلمي(3)، فاقتتلوا ساعة فأقبل شريك بن الأعور الحارثي(4)وكان من شيعة عليّ عليه السلام وصديقاً لجارية بن قدامة(5)، فقال: ألا أقاتل معك عدوّك؟ فقال: بلى.


1) - ما بين المعقوفتين في الأصل فقط.

2) - المتن هنا كان مشوشا فلفقناه من عبارة الأصل وشرح النهج، فتفطن.

3) - قد مرّت ترجمته في تعليقاتنا على الكتاب وذكرنا هناك أيضاً ما له ربط بالمقام (انظر ص211).

4) - تأتي ترجمته في تعليقات آخر الكتاب إن شاء الله تعالى، (انظر التعليقة رقم 47).

5) - في الأصل: (وكان صديقا لجارية على رأي عليّ عليه السلام).

قال: فما لبثت بنو تميم أن هزموهم واضطروهم إلى دار سنبيل(1)

لمّا توقل في الكراع هجينهم*** هلهلت أثأر مالكا وصنبلا

وابن صنبل [كزبرج] رجل من أهل البصرة أحرق جارية بن قدامة وهو من أصحاب عليّ عليه السلام خمسين رجلاً من أهل البصرة في داره)، وفي تاج العروس: (ابن سنبل بالكسر ويقال بالصاد أيضاً رجل بصري أحرق جارية بن قدامة وهو من أصحاب عليّ - رضي الله تعالى عنه - خمسين رجلاً من أهل البصرة في داره)، وذكر في فصل الصاد أيضاً هذه العبارة، فمن أرادها، فليراجع الكتاب المشار إليه.

2- في شرح النهج: (والله لتنزلن أو لأتعرين).

3- في الكامل لابن الأثير (ج3 ص145): (وأقبل شريك بن الأعور الحارثي فصار مع جارية فانهزم ابن الحضرمي فتحصن بقصر سنبيل ومعه ابن خازم فأتته أمه عجلى وكانت حبشية فأمرته بالنزول، فأبى، فقالت: والله لتنزلن أو لأنزعن ثيابي فنزل ونجا، وأحرق جارية القصر بمن فيه، فهلك ابن الحضرمي وسبعون رجلاً معه وعاد زياد إلى القصر، وكان قصر سنبيل لفارس قديماً وصار لسنبيل السعدي، وحوله خندق، وكان فيمن احترق دراع بن بدر أخو حارثة بن بدر فقال عمرو بن العرندس:

رددنا زياداً إلى داره*** وجار تميم دخانا ذهب

لحى الله قوماً شووا جارهم*** ولم يدفعوا عنه حرّ اللهب

ثمّ ذكر أربعة أبيات لجرير سننقلها عن الطبري إن شاء الله تعالى.

السعدي، فحصروهم ذلك اليوم إلى العشي في دار ابن الحضرمي، وكان ابن خازم معه فجاءت أُمّه [وهي سوداء حبشية اسمها] عجلى فنادته فأشرف عليها، فقالت: يا بني انزل إليَّ، فأبى، فكشفت رأسها وأبدت قناعها وسألته النزول، فقالت: والله لئن لم تنزل لا تعرين(2) وأهوت بيدها إلى ثيابها، فلمّا رأى ذلك نزل فذهبت به(3)، وأحاط

1) - قال ابن منظور في لسان العرب: (ابن سنبل [كزبرج] رجل بصري أحرق جارية بن قدامة، وهو من أصحاب عليّ خمسين رجلاً من أهل البصرة في داره، ويقال: ابن صنبل وسنذكره في الصاد) وقال في فصل الصاد ما نصّه: (الصنبل الخبيث المنكر وصنبل اسم قال مهلهل:

جارية [وزياد(1)] بالدار، وقال جارية: عليَّ بالنار، فقالت الأزد: لسنا من الحريق بالنار في شيء وهم قومك وأنت أعلم، فحرق جارية الدار عليهم، فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلاً أحدهم عبد الرحمن بن [عمير بن(2)] عثمان القرشي ثمّ التيمي، وسمّي جارية منذ ذلك اليوم: محرّقاً، فلمّا أحرق ابن الحضرمي [وسارت الأزد بزياد حتّى أوطنوه قصر الإمارة ومعه بيت المال(3)]، قالت له(4): هل بقي علينا من جوارك شيء؟ - قال: لا، قالوا: فبرئنا من جوارك؟ - قال: نعم، فانصرفوا عنه إلى ديارهم، واستقام لزياد البصرة، وارتحل ببيت المال حتّى رجع إلى القصر.

وقال أبو العرندس العوذي(5)في زياد وتحريق ابن الحضرمي:


1) - زيد من شرح النهج والبحار.

2) - في شرح النهج فقط.

3) - ما بين المعقوفتين في شرح النهج والبحار.

4) - في الأصل: (قالت الأزد لزياد).

5) - في شرح النهج: (ابن العرندس الأزدي وفي تأريخ الطبري: (عمرو بن العرندس العودي)، وفي الكامل: (عمرو بن العرندس)، قال ابن الأثير في اللباب: (العوذي بفتح العين وسكون الواو وفي آخرها ذال معجمة، هذه النسبة إلى عوذ بن سود بن الحجر بن عمران بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بطن من الأزد ينسب إليه كثير منهم أبو عبد الله همام بن يحيى ابن دينار الأزدي العوذي (إلى آخر ما قال).

رددنا زياداً إلى داره*** وجار تميم ينادي الشجب

لحا الله قوماً شووا جارهم*** وللشاء بالدرهمين الشصب(1)

[ينادى الحباق(2)

ينادى الحباق وحمانها*** وقد شيطوا رأسه فالتهب

وقال ابن دريد في الاشتقاق عند عده رجال بني سعد بن زيد مناة بن تميم (ص252): (وأمّا ربيعة ابن كعب بن سعد فيلقبون الحباق بكسر الحاء، والحبق الضرط، قال أبو العرندس الأزدي:

ينادى الحباق وحمانها*** وقد حرقوا رأسه فالتهب

يعني ابن الحضرمي حيث أحرق في بني تميم)، وقال ابن أبي الحديد بعد الأبيات: (الحباق لقب قوم بني تميم).

3- قال ابن دريد في الاشتقاق عند عده قبائل بني سعد بن زيد مناة بن تميم (ص246): (ومن قبائلهم بنو حمان واسمه عبد العزى وإنّما سمّي حمانا لسواده كأنّه فعلان من الأحم، وقال قوم: إنّما سمّي حمانا لأنّه يحمم شفتيه أي يسودهما)، وفي اللباب لابن الأثير: (الحماني بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وفي آخرها نون، هذه النسبة إلى حمان وهي قبيلة من تميم وهو حمان بن عبد العزى بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم نزلوا الكوفة (إلى آخر ما قال))، وفي القاموس: (حمان بالكسر حي من تميم)، وشرحه الزبيدي بقوله: (هو حمان بن عبد العزى بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن - تميم (إلى آخر ما قال)).

4- في شرح النهج (وقد شيطوا رأسه باللهب)، وفي الطبري مكان: (شيطوا) (سمطوا)، ثمّ إنّ الطبري زاد على الأبيات أبياتا وهي:

ونحن أناس لنا عادة*** نحامي عن الجار أن يغتصب

حميناه إذ حل أبياتنا*** ولا يمنع الجار إلاّ الحسب

ولم يعرفوا حرمة للجوار*** إذ أعظم الجار قوم نجب

كفعلهم قبلنا بالزبير*** عشية إذ بزه يستلب

وقال جرير بن عطية الخطفى:

غدرتم بالزبير فما وفيتم*** وفاء الأزد إذ منعوا زيادا

فأصبح جارهم بنجاة عز*** وجار مجاشع أمسى رمادا

فلو عاقدت حبل أبي سعيد*** لذاد القوم ما حمل النجادا

وأدنى الخيل من رهج المنايا*** وأغشاها الأسنة والصعادا

(انتهى كلام الطبري)

وحمانها(3)*** وقد حرقوا رأسه فالتهب(4)]

1) - نقل المصراع ابن أبي الحديد في شرح النهج هكذا: (لعمري لبئس الشواء الشصب).

2) - في القاموس: (الحباق [بالحاء المهملة والباء الموحدة] ككتاب أو غراب أبو بطن من تميم) وفي تاج العروس في شرحه: (وعلى الأولى اقتصر ابن دريد وهو لقب له قال أبو العرندس العوذي من بني عوذ بن سود:

عن محمّد بن قيس(1)، عن ظبيان بن عمارة(2)

(ظبيان بن عمارة روى عن عليّ (ن) قال: أخبرنا محمّد بن عبيد، قال: حدّثني سويد بن نجيح أبو قطبة عن ظبيان بن عمارة، قال: أتى عليّاً ناس من عكل برجل وامرأة وجدوهما في لحاف وعندهما شراب وريحان، فقال عليّ: خبيثان مخبثان، قال: فجلدهما دون الحدّ (ن). وفي الجرح والتعديل: (ظبيان بن عمارة روى عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، روى عنه سويد بن نجيح أبو قطبة، سمعت أبي يقول ذلك)، وفي ميزان الاعتدال: (ظبيان بن عمارة الكوفي عن عليّ، وعنه أبو قطبة، قال الأزدي: لا يقوم حديثه)، وفي لسان الميزان بعد نقل عبارة الميزان: (وذكره ابن حبّان في الثقات ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحا)، وفي جامع الرواة وتنقيح المقال نقلاً عن رجال الشيخ رحمه الله : (ظبيان بن عمارة التميمي من أصحاب عليّ عليه السلام)، وفي كتاب صفّين لنصر بن مزاحم (ص172 من طبعة القاهرة سنة 1365 بتحقيق عبد السلام محمّد هارون): (وبكر عليهم [أي على أهل الشأم] الأشتر فقتل منهم عبد الله بن المنذر التنوخي، قتله ظبيان بن عمارة التميمي، وما هو يومئذ إلاّ فتى حديث السنّ وإن كان الشامي لفارس أهل الشام) ونقل - الطبري نحوه في تأريخه (انظر ج5 ص239)، وقال نصر أيضاً في كتاب صفّين (ص192): (نصر - عن عمر بن سعد عن رجل من آل خارجة بن الصلت أنّ ظبيان بن عمارة التميمي جعل يومئذ يقاتل وهو يقول:

ما لك يا ظبيان من بقاء*** في ساكني الأرض بغير ماء

لا، وإله الأرض والسماء*** فاضرب وجوه الغدر الأعداء

بالسيف عند حمس الوغاء*** حتّى يجيبوك إلى السواء

قال: فضربنا والله حتّى خلونا وإياه) ونقل الطبري أيضاً نحوه في تاريخه (انظر ج5 ص240).

أقول: الرجل من وجوه التوابين الذين قاموا بطلب ثأر الحسين عليه السلام وله مواقف حسنة في ذلك، فمن أرادها فليراجع المفصلات كتأريخ الطبري وغيره.

، قال: دعاني زياد

1) - المظنون أنّ المراد بمحمّد بن قيس المذكور هنا هو إمّا الهمداني المرهبي، أو اليشكري البصري، ففي تقريب التهذيب: (محمّد بن قيس المرهبي الكوفي مقبول من الرابعة / عس)، وأيضاً فيه: (محمّد بن قيس اليشكري البصري أبو سليمان مقبول من الثالثة / تمييز).

2) - في الطبقات لابن سعد عند ذكره الطبقة الأولى من أهل الكوفة ممّن روى عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام (ج6 من طبعة أوربا: ص160):

فكتب معي إلى عليّ عليه السلام: أمّا بعد، فإنّ جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك فناهض جمع ابن الحضرمي بمن نصره وأعانه من الأزد ففضّه واضطره إلى دار من دور البصرة في عدد كثير من أصحابه، فلم يخرج حتّى حكم الله بينهما، فقتل ابن الحضرمي وأصحابه؛ منهم من أحرق بالنار، ومنهم من ألقي عليه الجدار، ومنهم من هدم عليه البيت من أعلاه، ومنهم من قتل بالسيف [وسلم منهم نفر أنابوا وتابوا فصفح عنهم(1)] وبعداً لمن عصى وغوى،


1) - ما بين المعقوفتين أضيف من شرح النهج والبحار.

والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته(1).

[(2)فلمّا وصل كتاب زياد قرأه عليّ عليه السلام على الناس، فسرّ بذلك وسرّ أصحابه، وأثنى على جارية وعلى الأزد وذمّ البصرة، فقال: إنّها أوّل القرى خراباً، إمّا غرقاً وإمّا حرقاً، حتّى يبقى مسجدها كجؤجؤ سفينة، ثمّ قال لظبيان(3)

أقول: قال السيّد الرضي - رضي الله عنه - في باب المختار من الخطب من نهج البلاغة: (من كلام له عليه السلام في ذمّ أهل البصرة: كنتم جند المرأة وأتباع البهيمة، رغا فأجبتم، وعقر فهربتم، أخلاقكم دقاق، وعهدكم شقاق، ودينكم نفاق، وماؤكم زعاق، والمقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه، والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربّه، كأنّي بمسجدكم كجؤجؤ سفينة قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها، وغرق من في ضمنها (إلى آخر ما قال).

4- إلى هنا ينتهي ما نقل من كتاب الغارات.

: أين منزلك منها؟ فقلت: مكان كذا، فقال: عليك بضواحيها، عليك بضواحيها].

انقضى خبر ابن الحضرمي))(4).


1) - نقل الكتاب أحمد زكي صفوت في الجمهرة عن شرح النهج الحديدي (ص581).

2) - فليعلم أنّ ذيل هذه القصّة أعني قوله: (فلمّا وصل)، إلى قوله: (عليك بضواحيها) لم يذكر في الأصل، وإنّما ألحقناه لنقل ابن أبي الحديد إياه في شرح النهج وكذا المجلسي رحمه الله في ثامن البحار عن الغارات، مضافاً إلى أن سياق الكلام يقتضيه، وكيف كان فذيل الكلام أعني قوله عليه السلام في ذمّ البصرة، وقد مرّ سابقاً ضمن ما ذكر في الكتاب تحت عنوان (كلام من كلامه عليه السلام) (انظر ص191) يومي إلى كونه ساقطاً، مضافاً إلى ما ذكر من أن نقل المصنّف رحمه الله قوله - عليه السلام - في فضل الكوفة يستلزم عادة وجود ذمّ البصرة هنا حتّى يكون مقدّمة لنقله، فتفطنّ إنّه دقيق.

3) - كذا وسياق الكلام يقتضي كونه هكذا: (ثمّ قال لي)، أو (ثمّ قال لي: يا ظبيان) فإنّه الذي يروي الحديث.

ذكرت هذا الخبر بطوله وبحواشيه ليستدلّ به القارئ على تكذيب خبر الخيانة المزعومة..

فإنّ الأحداث التي جرت بين شهادة محمّد بن أبي بكر رضي الله عنه وبين آخر خبر ابن الحضرمي، أكثر من عشرة أحداث، ثمّ من بعدها إلى شهادة الإمام عليه السلام كذلك، ومعلوم أنّ الأُولى كانت في صفر سنة 38ه-، والثانية كانت في 19 شهر رمضان سنة 40ه-، ولكلّ حدث زمان حدوث، وله قسط من الزمن، ووجود ابن عبّاس في تلك الفترة بطولها بين البصرة والكوفة يمنع حدوث جفوة أو نبوة بينه وبين الإمام عليه السلام كما يزعمون، ولو سلّمنا لرواياتهم فالزمان لا يسعها جميعاً، كما سيأتي بحث هذا الجانب أيضاً.

ثمّ رأينا أنّ أبا الأسود وزياداً كانا على وئام كما في خبر المشاورة حول ما ينبغي عمله في ذلك الظرف العصيب والأمير ابن عبّاس بالكوفة، ورسالة زياد بما حدث وما جرى للأمير عبد الله بن عبّاس وهو بالكوفة تنبئ صريحاً عن عدم أي نفار بين أركان الحكم من الأمير وخليفته ومستشاره، فمتى وقعت الخيانة إذاً؟!

ولتنوير القارئ بمعرفة صحّة ما مرّ من تكذيب لها، هلمّ نذكر الأحداث، وتقدير زمان الحدث إجمالاً، بدءاًَ من شهادة محمّد بن أبي بكررحمه الله والتي كانت في صفر سنة 38ه-، مع الإشارة إلى المصادر.

1- شهادة محمّد بن أبي بكر في صفر سنة (38ه-)، كما في حياة الحيوان (الحمار).

2- وصول الخبر إلى الكوفة يحتاج إلى مدّة تقدر ب-(نحو شهر).

3- كتاب الإمام عليه السلام إلى ابن عبّاس ينعى فيه محمّد بن أبي بكر، وهذا يحتاج إلى مدّة قطع المسافة بين الكوفة والبصرة والتي تقدّر باثنتي عشر مرحلة، والمرحلة ما يقطعه المسافر في يومه.

4- جواب ابن عبّاس على الكتاب، وهذا كسابقه يحتاج وصوله إلى الكوفة قدر المسافة المتقدّمة اثنتي عشر مرحلة.

5- سفر ابن عبّاس إلى الكوفة معزيّاً ومسلّياً، كسابقه في قطع المسافة.

6- كتاب صحار بن عبّاس العبدي من البصرة إلى معاوية في الشام يستدعيه إرسال معتمد له لانتزاع البصرة من سلطة الإمام عليّ عليه السلام، وفي الكتاب تصريح بغياب ابن عبّاس عن المصر، وهذا يحتاج إلى تقدير المسافة بين البصرة والشام تزيد على عشرة الشهر.

7- كتاب معاوية من الشام إلى عمرو بن العاص بمصر، واستدعائه الجواب على عجل يستشيره حول إرسال ابن الحضرمي إلى البصرة، وبتقدير قطع المسافة بين الشام ومصر ذهاباً وإياباً أكثر من شهر.

8- إرسال معاوية عبد الله بن عامر الحضرمي من الشام إلى البصرة، وهذا كسابقه في تقدير المسافة.

9- كتاب زياد إلى ابن عبّاس بالكوفة يخبره خبر ابن الحضرمي، وهذا يحتاج إلى اثنتي عشرة مرحلة يقطعها الرسول حتّى يصل إلى الكوفة فيسلّم الكتاب إلى ابن عبّاس.

10- شيوع الخبر بالكوفة واستنفار الإمام عليه السلام بني تميم الذين في

الكوفة، فلم يجبه أحد، وهو عليه السلام يستنفرهم عدّة أيام، وهم لا يستجيبون، وفي هذه الفترة حدثت مشادّة بين شبث بن ربعي وآخرين حول الموضوع، وهذا كلّه يحتاج إلى تقدير زمن لوقوع تلك الأحداث.

11- مسير أعين بن ضبيعة المجاشعي إلى البصرة، ومعلوم المسافة بين الكوفة والبصرة اثنتا عشر مرحلة، والمرحلة ما يقطعه المسافر في يومه، وما جرى له حتّى مقتله، وهذا يحتاج إلى تقدير زمان يسع وقوع ما جرى.

12- اضطراب فارس وإخراج أهل الأحواز عامل الإمام سهل بن حنيف، فوصول الخبر بهذا يحتاج إلى تقدير زمان يسع وقوع الحدث ووصول الخبر به إلى الإمام عليه السلام.

13- إضافة زمان عودة ابن عبّاس إلى البصرة وإرسال زياد لضبط فارس.

14- مفارقة الخريّت، ومشاورة زياد بن خصفة مع الإمام عليه السلام في شأنه، ثمّ الخروج في أتباعه إلى أن وصل إلى البصرة، وهذا كلّه يحتاج إلى زمان وقوع الحدث وما تابعه.

15- خروج ابن عبّاس إلى الكوفة وحضوره حرب النهروان، وكانت الوقعة في صفر سنة 39ه- كما أوردناه في الجزء الرابع من الموسوعة(1)، وكانت بدايتها سنة 38 ه- .

16- كتاب ابن عبّاس إلى الإمام عليه السلام في شأن زياد بن خصفة، وهذا


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع/حبر الأمّة وولايته على البصرة (إلى النهروان).

يحتاج إلى اثنتي عشر مرحلة بين البصرة والكوفة حتّى يصل الكتاب إلى الإمام عليه السلام.

17- دعوة الإمام عليه السلام الناس إلى الخروج مع معقل بن قيس الرياحي، فبقي أياماً يخرج عليه السلام ويخطب، حتّى تمكّن من جمع ألفين أخرجهم مع قيس، وكتب إلى ابن عبّاس أن ينتخب رجلاً صلباً ليسند قيس، وهذا يحتاج إلى زمان كثير.

18- ندب ابن عبّاس الناس مع خالد بن معدان الطائي لمطاردة الخريت، وأرسل فيجا - الغلام الساعي على رجليه - لغرض سرعة الانجاز والإبلاغ.

19- فعل مصقلة بن هبيرة، وابن عبّاس بالبصرة، وقد طالب مصقلة بمال الكفالة، فاعتذر بأنّه يوصله إلى الإمام عليه السلام.

20- سفر مصقلة إلى الكوفة بحجّة دفع المال هناك، فسلّم قسماً، ثمّ هرب إلى معاوية!

21- رجوع ابن عبّاس إلى البصرة بعد حرب النهروان، وهذا حدث يحتاج إلى تقدير زمن يسع وقوع الحدث وما جرى في الحضر والسفر.

22- حضوره الكوفة وسماعه الخطبة الشقشقية، وهذا كسابقه.

23- وصول الخبر من الشام إلى إشاعة معاوية وأشياعه أنّ عليّاً عليه السلام ينتقص أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كما مرّ في الجزء الرابع من الموسوعة(1)، وهذا كسابقه.


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع/حبر الأمّة وولايته على البصرة (ثانياً: الصنو).

24- حضوره بالكوفة وسماعه كلام الإمام عليه السلام ليلاً في النخيلة وقد أمر أصحابه أن ينتظروه بالنخيلة، فخالفوه ودخلوا الكوفة وتركوه، وقد مرّ في الجزء الرابع من الموسوعة(1)، وهذا كسابقه لا بدّ من تقدير زمان له.

فهذه الأحداث إذا حسبنا لها مقادير زمان الوقوع تستغرق جميع أيام سنة 39ه-، وفيها كانت حرب النهروان، وإذا دقّقنا النظر في سبب كلام الإمام عليه السلام مع ابن عبّاس حول ما مرّ به من بعد وفاة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم على نحو كلامه في الشقشقية، نجد السبب ما مرّت الإشارة إليه هو إشاعة قالة السوء أنّ عليّاً عليه السلام ينتقص أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وهذا هو الذي أثار حفيظة بعض وجوه شيعة الإمام عليه السلام فدخلوا عليه وسألوه عن رأيه في أبي بكر وعمر، وهم: عمرو بن الحمق، وحجر بن عدي، وحبّة العرني، والحارث الأعور، وعبد الله بن سبأ... فوعدهم الجواب بكتاب يكتبه إليهم على أن يقرؤوه على شيعته، وقد أشرت إليه في الجزء الرابع من الموسوعة(2)، ولم أذكره، وقد حان وقت ذكره بنصّه عن أقدم مصدر وصل إلينا، وهو كتاب (الغارات) لإبراهيم بن محمّد الثقفي.

وإلى القارئ ذكره وذكر الأجواء التي سبقته، بدءاً من وصول خبر شهادة محمّد بن أبي بكر رضي الله عنه بمصر في صفر سنة 38ه- :

جاء في صفحة (1/289 - 322) من كتاب (الغارات):


1) - المصدر نفسه.

2) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع/حبر الأمّة وولايته على البصرة (ابن عبّاس في الكوفة).

ورود خبر شهادة محمد بن أبي بكر على الإمام علي عليه السلام

ورود قتل محمّد بن أبي بكر على عليّ عليه السلام

عن جندب بن عبد الله قال:

والله إنّي لعند عليّ جالس إذ جاءه عبد الله بن قعين جدّ كعب يستصرخ من قبل محمّد بن أبي بكر وهو يومئذ أمير على مصر، فقام عليّ عليه السلام فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ثمّ قال:

أمّا بعد، فهذا صريخ محمّد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر، وقد سار إليهم ابن النابغة عدوّ الله وعدوكم، فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشدّ اجتماعاً على باطلهم وضلالتهم منكم على حقّكم، فكأنّكم بهم قد(1)بدؤوكم وإخوانكم بالغزو فاعجلوا إليهم بالمواساة والنصر، عباد الله إن مصر أعظم من الشام خيراً(2)، وخيرٌ أهلا، فلا تُغلبوا على مصر، فإنّ بقاء مصر في أيديكم عزٌ لكم وكبت لعدوكم، اخرجوا إلى الجرعة [والجرعة بين الكوفة والحيرة(3)] لنتوافى هناك كلّنا(4)


1) - في شرح النهج والبحار: (وقد).

2) - في الطبري: (أعظم من الشام وأكثر خيراً).

3) - في معجم البلدان: (الجرعة بالتحريك موضع قرب الكوفة المكان الذي فيه سهولة ورمل وإليه يضاف الجرعة المذكورة في كتاب مسلم: وهو يوم خرج أهل الكوفة إلى سعيد بن العاص وقت قدم عليهم والياً من قبل عثمان، فردّوه وولوا أبا موسى، ثمّ سألوا عثمان حتّى أقرّه عليهم).

4) - في الطبري: (فوافوني بها هناك).

غداً إن شاء الله.

فلمّا(1)كان الغد(2)خرج يمشي فنزلها بكرة، فأقام بها حتّى انتصف النهار يومه ذلك، فلم يوافه منهم مائة رجل(3)فرجع، فلمّا كان العشي(4)بعث إلى الأشراف، فجمعهم، فدخلوا عليه القصر وهو كئيب حزين، فقال(5):

الحمد لله على ما قضى من أمر(6)، وقدّر من فعل(7)، وابتلاني بكم أيّتها الفرقة التي لا تطيع إذا أمرت(8)ولا تجيب إذا دعوت(9)لا أبا لغيركم(10)


1) - في شرح النهج والطبري والبحار: (قال: فلما).

2) - في الطبري: (من الغد).

3) - في الطبري: (رجل واحد).

4) - في الأصل: (كان العشاء)، وفي الطبري: (من العشي).

5) - فليعلم أنّ الشريف الرضي رحمه الله أورد في باب المختار من خطب أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب نهج البلاغة خطبة تشتمل على بعض هذه الفقرات فلنشر إليها وهي: ((من خطبة له عليه السلام: منيت بمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، لا أبا لكم ما تنتظرون بنصركم ربّكم، أما دين يجمعكم ولا حمية تحمشكم (إلى آخر ما هناك انظر ج1/212 من شرح النهج)) وسنشير إلى باقيها عن قريب إن شاء الله تعالى.

6) - في الطبري: (من أمري) و(من فعلي).

7) - في الطبري: (من أمري) و(من فعلي).

8) - في شرح النهج والبحار: (أمرتها) و(دعوتها).

9) - في شرح النهج والبحار: (أمرتها) و(دعوتها).

10) - في النهج: (لا أبا لكم).

ما تنتظرون بنصركم(1)[ربّكم(2)]، والجهاد على حقّكم؟! الموت أو الذلّ لكم في هذه الدنيا في غير الحقّ(3)، والله لئن جاءني الموت - وليئاتيّني فليفرقّنّ بيني وبينكم وإنّي لصحبتكم لقال(4).

ألا دين يجمعكم؟ ألا حمية تغضبكم؟(5)إذ أنتم سمعتم(6)بعدوكم ينتقص(7)بلادكم ويشن الغارة عليكم، أو ليس عجباً أنّ معاوية يدعو الجفاة الظلمة الطغام(8)فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة، فيجيبونه في السُنّة [المرّة و] المرّتين والثلاث إلى أي وجه شاء، ثمّ إنّي أدعوكم وأنتم أولوا النهى وبقية الناس [على المعونة وطائفة منكم على العطاء(9)] فتختلفون وتتفرّقون عنّي وتعصونني وتخالفون علَيَّ.


1) - في الطبري: (بصبركم).

2) - في النهج فقط.

3) - في شرح النهج والبحار: (لغير الحق)، وفي الطبري: (على غير الحق).

4) - في الطبري: (وأنا لصحبتكم قال، وبكم غير ظنين، لله أنتم؟!)، وفي شرح النهج (لتجدنني لصحبتكم جد قال) وفي البحار: (ولتجدنني لصحبتكم قاليا).

5) - في شرح النهج: (تحمشكم) وفى الطبري: (تحميكم).

6) - في شرح النهج والبحار: (ألا تسمعون).

7) - في الطبري: (يرد).

8) - في الطبري: (الجفاة الطغام) وفي شرح النهج والبحار: (الجفاة الطغام الظلمة).

9) - ما بين المعقوتين في الطبري فقط؛ وسياق الكلام يقتضي وجوده هنا.

فقام إليه مالك بن كعب الأرحبي(1)، فقال: يا أمير المؤمنين اندب الناس معي، فإنّه لا عطر بعد عروس(2)

ويعمل السيف صبيحات الباس*** كان عن الهمة غير نعاس

ثمّ قالت: يا عروس الأغر الأزهر، الطيب الخيم الكريم المحضر مع أشياء له لا تذكر، قال: وما تلك الأشياء؟ - قالت: كان عيوفا للخنى والمنكر، طيب النكهة غير أبخر، أيسر غير أعسر، فعرف الزوج أنّها تعرّض به، فلمّا رحل بها قال: ضمي إليك عطرك؛ ونظر إلى قشوة عطرها مطروحة، فقالت: لا عطر بعد عروس، فذهبت مثلاً.

ويقال: إنّ رجلاً تزوّج امرأة فأهديت إليه فوجدها تفلة فقال لها: أين الطيب؟ - فقالت: خبأته، فقال لها: لا مخبأ لعطر بعد عروس، فذهبت مثلاً، يضرب لمن لا يدخر عنه نفيس.

أقول: وقال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري في جمهرة - الأمثال: (قولهم لا مخبأ لعطر بعد عروس: يضرب مثلاً للشيء يستعجل عند الحاجة إليه وأصله: أنّ رجلاً تزوّج امرأة فهديت إليه، فوجدها تفلة، فقال: أين الطيب؟ فقالت: خبأته، فقال: لا مخبأ لعطر بعد عروس، والعروس اسم للرجل والمرأة، فإذا كان الرجل فجمعه عرس، وإذا كانت المرأة فالجمع العرائس). وفي القاموس: (تفل كفرح تغيرت رائحته، وهو تفل ككتف، وهي تفلة ومتفال).

، لمثل هذا اليوم

1) - في الجرح والتعديل: (مالك بن كعب الأرحبي روى عن.... وروي عنه.... سمعت أبي يقول ذلك، وورد ذكره في تأريخ الطبري في موارد وعبر عنه في بعض الموارد: مالك بن كعب الهمداني ثمّ الأرحبي، وفي تنقيح المقال، للمامقاني رحمه الله : مالك بن كعب الأرحبي كان عامل عليّ عليه السلام على عين التمر وأميره على الجيش الذي سيره إلى مصر لنصرة محمّد بن أبي بكر.. (إلى أن قال): ويأتي في النعمان بن بشير نقل قصّة لنعمان معه، وأنّه أغار على مالك في ألفين من أهل الشام، وكان مع مالك ألف رجل، وقد أذن لهم فرجعوا إلى الكوفة، ولم يبق معه إلاّ مائة أو نحوها، فكتب إلى عليّ عليه السلام يستصرخه فبينما عليّ عليه السلام يجهز العسكر له إذ ورد عليه الخبر بهزيمة النعمان ونصرة مالك. وفي تاج العروس: أنّ يزيد بن قيس وعمرو ابن سلمة ومالك بن كعب الأرحبيون من عمال سيّدنا عليّ(رضي الله عنه)، ويأتي ذكره مفصّلاً في الكتاب في غارة النعمان بن بشير الأنصاري على عين التمر فانتظر.

2) - قال المجلسي رحمه الله في المجلد الثامن من البحار (ص653): (قوله: فإنّه لا عطر بعد عروس، قال الزمخشري بعد إيراد المثل: ويروى: لا مخبأ لعطر بعد عروس وأصله أنّ رجلاً أهديت إليه امرأة فوجدها تفلة، فقال لها: أين الطيب؟ - فقالت: خبأته، فقال ذلك، وقيل: عروس اسم رجل مات فحملت امرأته أواني العطر فكسرتها على قبره وصبت العطر، فوبخها بعض معارفها فقالت ذلك، يضرب على الأوّل في ذمّ ادخار الشيء وقت الحاجة إليه، وعلى الثاني في الاستغناء عن ادخار الشيء لعدم من يدخر له. وقال الميداني: قال المفضل: أوّل من قال ذلك امرأة من عذرة يقال لها: أسماء بنت عبد الله، وكان لها زوج من بني عمّها يقال له: عروس، فمات عنها فتزوّجها رجل من قومها يقال له: نوفل، وكان أبخل أعسر أبخر بخيلاً دميماً، فلمّا أراد أن يظعن بها قالت له: لو أذنت لي فرثيت ابن عمّي وبكيت عند رمسه؟ فقال: افعلي، فقالت: أبكيك يا عروس الأعراس، يا ثعلباً في أهله وأسداً عند الباس، مع أشياء ليس يعلمها الناس، قال: وما تلك الأشياء؟ - قالت:

[كنت(1)] أدخر نفسي، وإنّ الأجر لا يأتي إلاّ بالكره(2).

[ثمّ التفت إلى الناس وقال:(3)] اتّقوا الله وأجيبوا إمامكم وانصروا دعوته وقاتلوا عدوكم، وأنا أسير(4)إليهم يا أمير المؤمنين.

قال: فأمر عليّ مناديه سعداً مولاه فنادى: ألا سيروا مع مالك بن كعب


1) - في الطبري فقط.

2) - في البحار: (إلاّ بالكرة) وضبطها فيه بتشديد الراء، أي بالحملة على العدو، وعلى تخفيفها أيضاً صحيح، فإنّ مفاد العبارة ما ورد في الحديث المعروف النبوي: (حفت الجنّة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات).

3) - في شرح النهج والبحار فقط.

4) - في البحار: (إنّا نسير).

إلى مصر(1)، وكان وجهاً مكروهاً، فلم يجتمعوا إليه شهراً، [فلمّا اجتمع له منهم ما اجتمع خرج بهم مالك بن كعب(2)] فعسكر بظاهر الكوفة(3)، ثمّ إنّه خرج وخرج معه أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، فنظروا فإذا جميع من خرج معه نحو من ألفي رجل، فقال عليّ عليه السلام: سيروا على اسم الله فوالله ما إخالكم(4)تدركون(5)القوم حتّى ينقضي أمرهم.

قال: فخرج مالك بهم وسار بهم خمس ليال.


1) - في الطبري: (فنادى في الناس: ألا انتدبوا إلى مصر مع مالك بن كعب).

2) - ما بين المعقوفتين مأخوذ من شرح النهج والبحار.

3) - في الأصل: (فخرج معسكراً).

4) - في النهاية لابن الأثير: (فيه: ما إخالك سرقت، أي: ما أظنّك؛ يقال: خلت اخال بالكسر والفتح، والكسر أفصح وأكثر استعمالاً، والفتح القياس)، وفي المصباح المنير: (وخال الرجل الشيء يخاله خيلاً من باب نال إذا ظنّه، وخاله يخيله من باب باع لغة، وفي المضارع للمتكلّم إخال بكسر الهمزة على غير قياس وهو أكثر استعمالاً، وبنو أسد يفتحون على القياس)، وفي الصحاح: (وتقول في مستقبله: إخال بكسر الألف وهو الأفصح وبنو أسد تقول: أخال بالفتح وهو القياس)، وفي القاموس: (وتقول في مستقبله [أي خال] إخال بكسر الهمزة وتفتح في لغية)، وقال في تاج العروس: (وإخال بكسر الهمزة هو الأفصح كما في العباب، زاد غيره وهو أكثر استعمالاً والفتح هي لغة بني أسد وهو القياس كما في العباب والمصباح، وقال المرزوقى في شرح الحماسة: (الكسر لغة طائية كثر استعمالها في ألسنة غيرهم حتّى صار أخال [بالفتح] كالمرفوض، وزعم أقوام أنّ الفتح هو الأفصح، وفيه كلام في شرح الكعبية لابن هشام، قاله شيخنا).

5) - في الطبري: (سر؛ فوالله ما إخالك تدرك) بالخطاب لمالك فقط.

ثمّ إنّ الحجّاج بن غزية الأنصاري(1)

أقول: الرجل مترجم حاله على سبيل التفصيل في كتب الفريقين، فمن أراده فليراجعها.

2- كذا في الأصل وشرح النهج والبحار لكن في الطبري: (عبد الرحمن بن شبيب الفزاري)، وأمّا ترجمته فلم نظفر بها في مظانها.

3- في الطبري فقط؛ وفي المصباح المنير: قال الأزهري: الوتيرة المداومة على الشيء والملازمة وهي مأخوذة من التواتر وهو التتابع، يقال تواترت الخيل إذا جاءت يتبع بعضها بعضاً؛ ومنه: جاؤوا تترى، أي: متتابعين وترا بعد وتر والوتر الفرد)، وفي الصحاح: (وتترى فيها لغتان تنون ولا تنون مثل علقى، فمن ترك صرفها في المعرفة جعل ألفها ألف تأنيث وهو أجود؛ وأصلها وترى من الوتر وهو الفرد، قال تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى) أي: واحداً بعد واحد، ومن نونها جعل ألفها ملحقة).

قدم على عليّ من مصر، وقدم عليه عبد الرحمن بن المسيب(2) الفزاري من الشام، فأمّا الفزاري فكان عينه عليه السلام بالشام، وأمّا الأنصاري فكان مع محمّد بن أبي بكر بمصر، فحدّثه الأنصاري بما عاين وشهد بهلاك محمّد، وحدّثه الفزاري أنّه لم يخرج من الشام حتّى قدمت البشرى من قبل عمرو بن العاص [تترى(3)] يتبع بعضها على أثر بعض بفتح مصر وقتل محمّد بن أبي بكر، وحتّى أذن معاوية بقتله

1) - في تقريب التهذيب: (حجّاج بن عمرو بن غزبة بفتح المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتانية الأنصاري المازني المدني صحابي وله رواية عن زيد بن ثابت وشهد صفّين مع عليّ رضي الله تعالى عنه)، وذكره في تهذيب التهذيب والإصابة بتفصيل أكثر من ذلك، وفي تنقيح المقال ضمن ترجمته المبسوطة: (وعن الاستيعاب: حجّاج بن عمرو بن غزبة الأنصاري من أهل المدينة شهد مع عليّ عليه السلام وهو الذي كان يقول: يا معشر الأنصار أتريدون أن نقول لربّنا إذا لقيناه: إنّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا؟ يا معشر الأنصار انصروا أمير المؤمنين آخراً كما نصرتم رسول الله أوّلاً، والله إنّ الآخرة لشبيهة بالأولى، إنّ الأولى أفضلهما [انتهى]).

على المنبر، فقال له: يا أمير المؤمنين! ما رأيت يوماً قطّ سروراً بمثل سرور(1)رأيته بالشام حتّى أتاهم هلاك(2)ابن أبي بكر، فقال عليّ عليه السلام: أمّا إنّ حزننا على قتله على قدر سرورهم به، لا بل يزيد أضعافاً.

قال: فسرّح عليّ عليه السلام عبد الرحمن بن شريح الشامي(3)إلى مالك بن كعب، فردّه(4)من الطريق.

قال: وحزن عليّ عليه السلام على محمّد بن أبي بكر حتّى رئي ذلك فيه وتبيّن في وجهه، وقام في الناس خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:

ألا وإنّ مصر قد افتتحها الفجرة أولياء الجور والظلم الذين صدّوا عن سبيل الله وبغوا الإسلام عوجاً، ألا وإنّ محمّد بن أبي بكر قد استشهد - رحمه الله - فعند الله نحتسبه، أما والله، لقد كان ما علمت(5)[لممن(6)] ينتظر


1) - كذا في شرح النهج والبحار، لكن في الأصل: (قوماً قطّ سروراً بمثل سرور وفي الطبري: قوماً قطّ أسر، ولا سرورا قطّ أظهر من سرور)، وهذا هو الأصحّ والأنسب للمقام.

2) - في شرح النهج والبحار: (قتل).

3) - كذا في الأصل، ولم يذكر (الشامي) في شرح النهج، ولكن في الطبري في - الطبعة الأولى بمصر: (اليامي)، وفي طبعة أوربا (الشبامي) هنا، وفي سائر موارد ذكره.

4) - في شرح النهج: (فطرده).

5) - قال المجلسي رحمه الله في ثامن البحار في (ص653): (قوله - عليه السلام -: لقد كان ما علمت؛ أي: ما دمت علمته وعرفته، أو علمت حاله، أو صرت عالماً بتنزيله منزلة اللازم، ويحتمل أن يكون ما موصولة بتقدير الباء، أي: بالذي علمت منه، أو بجعله خبر كان والأفعال بعده بدله، أو اسم كان والأفعال خبره، أي: كان الذي علمت منه تلك الصفات، والأوّل لعلّه أظهر).

6) - هذه الكلمة في الطبري فقط.

القضاء ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحبّ هين(1)المؤمن، وإنّي والله ما ألوم نفسي على تقصير ولا عجز، وإنّي بمقاساة الحرب لجد بصير(2)

ففي القاموس: (هو عالم جد عالم بالكسر متناه بالغ النهاية)، وفي الصحاح: (وقولهم: في هذا خطر جد عظيم أي عظيم جدّاً)، وفي لسان العرب: (هذا العالم جد العالم؛ وهذا عالم جد عالم، يريد بذلك التناهي وأنّه قد بلغ الغاية فيما يصفه من الخلال)، وفي المصباح المنير: (الجد في الأمر الاجتهاد وهو مصدر يقال منه: جد يجد من بابي ضرب وقتل، والاسم الجد بالكسر، ومنه يقال: فلان محسن جدّاً، أي: نهاية ومبالغة، قال ابن السكيت: ولا يقال: محسن جدا بالفتح)، وفي معيار اللغة: (وفلان محسن جدا كضدّ لا كمد أي متناه بالغ في الإحسان، وكذلك فلان عالم جد عالم بكسر الجيم، وفتح الدال، أي: بالغ الغاية في العلم، وقولهم: في هذا خطر جد عظيم، أي: عظيم جدّاً).

3- في شرح النهج والبحار: (غلى الحرب).

4- فليعلم أنّ بقية الخطبة التي نقلنا صدرها قبيل ذلك (انظر ص291)، وقلنا: سنشير إلى باقيها عن قريب هي هذه: (أقوم فيكم مستصرخاً، وأناديكم متغوثاً، فلا تسمعون لي قولاً، ولا تطيعون لي أمراً، حتّى تكشفت الأُمور عن عواقب المساءة، فما يدرك بكم ثار، ولا يبلغ بكم مرام، دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم جرجرة الجمل الأسر، وتثاقلتم تثاقل النضو الأدبر (الخطبة)). أمّا قول ابن أبي الحديد في شرح النهج: (هذا الكلام خطب به أمير المؤمنين عليه السلام في غارة النعمان بن بشير الأنصاري على عين التمر، ذكر صاحب الغارات: أنّ النعمان بن بشير قدم هو وأبو هريرة (إلى آخر ما نقل وسيأتي في الكتاب)، فهو كلام صادر عن اشتباه وذلك أنّ هذا الكلام وهذه الخطبة يناسب ما ذكره صاحب الغارات هنا، أعني وصول خبر قتل محمّد بن أبي بكر؛ لا ما ذكره ابن أبي الحديد، مضافاً إلى أنّه نفسه ذكر هذه الخطبة في قصّة وصول خبر قتل محمّد بن أبي بكر إلى عليّ عليه السلام كما أشرنا إليه من قبل، ويستفاد ذلك أيضاً بعد التدبر في القصّة، وذلك أنّ مالك بن كعب الأرحبي كان حاضراً عند قوله عليه السلام: وابتلاني بكم؛ وقام إليه عليه السلام وقال ما قال، والحال أنّه كان في غارة النعمان بن بشير في عين التمر أميراً على مسلحة أمير المؤمنين، وكتب من هناك إليه عليه السلام ما كتب كما سيجيء مبسوطاً في الكتاب في غارة النعمان بن بشير.

، وإنّي لأقدم على الأمر(3)، وأعرف وجه الحزم، وأقوم بالرأي المصيب(4)،

1) - كذا في الأصل، وفي الطبري: (هدى المؤمن)، وفي شرح النهج والبحار: (سمت المؤمن)، فكأنّه إشارة إلى قوله صلي الله عليه وآله وسلم: (المؤمن هين لين)، ففي النهاية: (فيه المسلمون هينون لينون؛ هما تخفيف الهين واللين، قال ابن الأعرابي: العرب تمدح بالهين اللين، مخففين وتذمّ بهما مثقلين، فهين فيعل من الهون وهو السكينة والوقار والسهولة فعينه واو، وشيء هين وهين، أي سهل، ومنه حديث عمر: النساء ثلاث فهينة لينة عفيفة).

2) - في الأصل: (لمقاساة الحرب لجد جدير)، وفي الطبري: (لمقاساة الحرب نجد خبير)، وفي البحار: (لمقاساة الحرب مجد بصير).

فأستصرخكم معلناً، وأناديكم نداء المستغيث معرباً(1)، فلا تسمعون لي قولاً، ولا تطيعون لي أمراً، تصيرون الأُمور إلى عواقب المساءة(2)، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثار، ولا تنقض بكم الأوتار(3)، دعوتكم إلى غياث(4)إخوانكم منذ بضع وخمسين يوماً(5)، فجرجرتم(6)علَيَّ جرجرة - الجمل الأشدق(7)

كتجافي الأسر فوق الظراب*** إنّ جنبي عن الفراش لناب

وفي القاموس: (وناقة بها السرر [محركة] وهو وجع يأخذ البعير في مؤخّر كركرته من دبرة، والبعير أسر)، وقال ابن أبي الحديد: (الجرجرة صوت يردده البعير في حنجرته وأكثر ما يكون ذلك عند الإعياء والتعب، والجمل الأسر الذي بكركرته دبرة، والنضو البعير المهزول، والأدبر الذي به دبر وهي العقور من القتب وغيره)، وقال ابن ميثم البحراني رحمه الله في شرحه على النهج (ص157 من الطبعة الأولى بطهران سنة 1276): (الجرجرة ترديد صوت البعير في حنجرته عند عسفه، والسرر داء يأخذ البعير في سرته يقال منه: جمل أسر، والنضو من الإبل البالي من تعب السير، والأدبر الذي به دبر وهي القروح في ظهره)، أمّا الأشدق ففي الصحاح: (الشدق جانب الفم يقال: نفخ في شدقيه والجمع أشداق، والشدق بالتحريك سعة الشدق يقال: خطيب أشدق بين الشدق)، وفي أساس البلاغة، للزمخشري: (هو أشدق واسع الشدقين وهما نهيتا - الفم من الجانبين وتقول: غضبوا فانقلبت أحداقهم أزبدت أشداقهم، ورجل أشدق واسع الشدق، وقوم شدق وفيهم شدق، ومن المجاز: خطيب أشدق مفوه كليم، ومنه قيل لعمرو بن سعيد: الأشدق).

،

1) - في شرح النهج والبحار: (وأناديكم مستغيثاً)، وفي النهج: (أقوم فيكم مستصرخاً، وأناديكم متغوثاً).

2) - في الطبري وشرح النهج والبحار: (حتّى تصير [بي] الأُمور إلى عواقب المساءة)، وفي النهج: (حتّى تكشف الأُمور عن عواقب المساءة).

3) - في النهج (بدلها): (ولا يبلغ بكم مرام).

4) - في النهج: (إلى نصر).

5) - في غير الأصل: (ليلة).

6) - في الأصل والطبري: (تجرجرتم).

7) - كذا في الأصل والطبري، أمّا النهج وشرح ابن أبي الحديد والبحار ففيها: (الأسر)، وفي النهج بعد العبارة: (وتثاقلتم تثاقل النضو الأدبر). ففي الصحاح: (بعير أسر إذا كانت بكر كرته دبرة بين السرر قال الشاعر:

وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نية في جهاد العدو، ولا رأي له في اكتساب الأجر، ثمّ خرج إليَّ منكم جنيد متذائب(1)ضعيف، كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ(2)، فأفٍ لكم، ثمّ نزل [فدخل رحله(3)].


1) - قال الرضي - رحمه الله - بعد تمام الخطبة: (قوله عليه السلام: متذائب، أي: مضطرب من قولهم: تذاءبت الريح، أي: اضطرب هبوبها، ومنه سمّي الذئب ذئباً لاضطراب مشيته وفي النهاية لابن الأثير: وفي حديث عليّ - رضي الله عنه - : خرج منكم إليَّ جنيد متذائب ضعيف، المتذائب المضطرب من قولهم: تذاءبت الريح، أي: اضطرب هبوبها).

2) - ذيل آية /6 سورة الأنفال وصدرها: ayebazيُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ayebaste.

3) - هذه الفقرة في شرح النهج والبحار فقط.

قال: كتب عليّ عليه السلام إلى عبد الله بن العبّاس وهو على البصرة(1)

ولمّا كان ما نقله السيّد مشتملاً على زيادات وفوائد أحببت أن أورده بعينه هنا، وبما أنّ المقام كان لا يسعه أوردناه في تعليقات آخر الكتاب. (انظر التعليقة رقم 37).

ثمّ لمّا بنينا الأمر على نقل الكتاب عن النهج بتمامه في تعليقات آخر الكتاب لم نشر هنا إلى موارد اختلاف الكلمات والألفاظ؛ فتفطّن!

2- في الطبري: (نحتسبه وندخره، وقد كنت قمت في الناس في بدئه وأمرتهم بغياثه).

3- في الأصل والطبري: (من أتى).

4- في الطبري: (من اعتل).

:

بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن العبّاس:

سلام عليك ورحمة الله وبركاته..

أمّا بعد، فإنّ مصر قد افتتحت، وقد استشهد محمّد بن أبي بكر، فعند الله عزّ وجلّ نحتسبه. وقد كنت كتبت إلى الناس وتقدّمت إليهم في بدء الأمر وأمرتهم بإغاثته(2) قبل الوقعة، ودعوتهم سرّاً وجهراً، وعوداً وبدءاً، فمنهم الآتي(3) كارهاً، ومنهم المعتل(4) كاذباً، ومنهم القاعد خاذلاً، أسأل الله


1) - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج2/35)، والمجلسي رحمه الله في ثامن البحار (ص651، س14): ((قال إبراهيم: فحدّثنا محمّد بن عبد الله، عن المدائني، قال: كتب عليّ عليه السلام إلى عبد الله بن العبّاس (الكتاب))). وقال الطبري في تاريخه في حوادث سنة ثمان وثلاثين (ج6/63 من الطبعة الأولى بمصر): ((وكتب إلى عبد الله بن العبّاس (الكتاب)))، وقال الشريف الرضي رحمه الله في باب المختار من الكتب من نهج البلاغة: ((ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العبّاس بعد مقتل محمّد بن أبي بكر: أمّا بعد، فإنّ مصر (الكتاب))).

تعالى أن يجعل لي منهم فرجاً [ومخرجاً]، وأن يريحني منهم عاجلاً، فوالله لولا طمعي عند لقاء عدوي في الشهادة وتوطيني نفسي على المنية، لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوماً واحداً، عزم الله لنا ولك [على الرشد و(1)] على تقواه وهداه، إنّه على كلّ شيء قدير، والسلام(2).

فكتب إليه عبد الله بن عبّاس:

[بسم الله الرحمن الرحيم (3)].

لعبد الله عليّ أمير المؤمنين من عبد الله بن عبّاس: سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته..

أمّا بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر وهلاك محمّد بن أبي بكر(4)وأنّك سألت الله ربّك أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجاً ومخرجاً، وأنا أسأل الله أن يعلى كلمتك، وأن يعينك(5)بالملائكة عاجلاً، واعلم أنّ الله صانع لك [ذلك] ومعزك ومجيب دعوتك وكابت عدوك، وأخبرك يا أمير المؤمنين أنّ الناس ربّما تباطؤوا ثمّ نشطوا(6)، فأرفق بهم يا


1) - في الطبري فقط.

2) - في شرح النهج والبحار: (والسلام عليك ورحمة الله وبركاته).

3) - في الطبري فقط.

4) - في الطبري في هذا الموضع: (فالله المستعان على كلّ حال، ورحم الله محمّد بن أبي بكر وآجرك يا أمير المؤمنين وقد سألت).

5) - في شرح النهج: (وأن يغشيك)، وفي الطبري: (وأن يعزك)، وفي البحار: (وأن يأتي بما تحبّه).

6) - في الطبري: (تثاقلوا ثمّ ينشطون).

أمير المؤمنين ودارهم(1)ومنّهم، واستعن بالله عليهم، كفاك الله المهم(2)، والسلام(3).

قال: وأخبرني ابن أبي سيف: أنّ عبد الله بن عبّاس قدم على عليّ عليه السلام من البصرة، فعزاه بمحمّد(4)بن أبي بكر رحمه الله .

عن مالك بن الجون(5)الحضرمي أنّ عليّاً عليه السلام قال:

رحم الله محمّداً، كان غلاماً حدثاً، أما والله لقد كنت أردت أن أولي المرقال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص مصر، والله لو أنّه وليها لما خلى لعمرو بن العاص وأعوانه(6)العرصة، ولما قتل إلاّ وسيفه في يده بلا ذمّ لمحمّد بن أبي بكر، فلقد أجهد(7)نفسه، وقضى ما عليه.


1) - في الطبري: (وداجنهم)، يقال: (داجنه مداجنة = داهنهم).

2) - في شرح النهج: (الهم).

3) - في شرح النهج والبحار: (والسلام عليك ورحمة الله وبركاته).

4) - في الأصل: (على محمّد)، وفي شرح النهج: (عن محمّد)، والمتن موافق للبحار. أمّا الحديث فنقله ابن أبي الحديد في شرح النهج (جٍ2/35) والمجلسي رحمه الله في ثامن البحار (ص651، س22).

5) - في الطبري: (مالك بن الجور) من دون وصفه بنسبة (الحضرمي)، وغير موجود في شرح النهج، والمتن موافق للبحار، ففي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي (ج8 ص208 من طبعة حيدرآباد دكن): (مالك بن الجوين الحضرمي، ويقال: مالك بن الجون، ويقال: أبو الحجّاج الأسلمي وهو خال سلمة بن كهيل، روى عن عليّ - رضي الله عنه - روى عنه عثمان بن المغيرة الثقفي، سمعت أبي يقول ذلك).

6) - في الطبري: (وأعوانه الفجرة).

7) - في الأصل: (جهد)، وفي الطبري: (اجتهد).

قال(1): فقيل لعليّ عليه السلام: لقد جزعت على محمّد بن أبي بكر جزعاً شديداً يا أمير المؤمنين...! قال: وما يمنعني؟ إنّه كان لي ربيباً وكان لبنيّ أخاً، وكنت له والداً أعدّه ولداً(2)

أقول: قد أشرنا فيما سبق في ابتداء ولاية قيس بن سعد إلى أنّ ابن أبي الحديد قال في شرح هذا الكلام ناقلاً عن كتاب الغارات مفصل هذه الوقائع إلى آخر ما وقع من مقتل محمّد بن أبي حذيفة (انظر ص208).

وليعلم أيضاً أنّ المجلسي رحمه الله نقل هذا الكلام في باب الفتن الحادثة بمصر بعد سرد الوقائع بقليل (ج8 ص655)، وأورد بياناً لما يحتاج إليه الكلام، وشرحه ابن أبي الحديد على سبيل التفصيل في شرح النهج؛ فراجعه إن شئت.

3- قال ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج2/35) تحت عنوان: (خطبة عليّ بعد مقتل محمّد بن أبي بكر): وروى إبراهيم، عن رجاله، عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه، قال: (خطب عليّ - عليه السلام - بعد فتح مصر وقتل محمّد بن أبي بكر فقال: أمّا بعد، فإنّ الله (الخطبة))، ونقلها المجلسي رحمه الله في ثامن البحار في باب الفتن الحادثة بمصر (ص651، س25) كما في المتن عن الغارات قائلاً: (وروى إبراهيم عن رجاله، عن عبد الرحمن بن جندب (إلى آخر ما في المتن)).

أقول: قد أورد الشريف الرضي رحمه الله بعض فقرات هذه الرسالة في نهج البلاغة في باب المختار من الخطب تحت عنوان (ومن خطبة له - عليه السلام -) وهي: (إنّ الله بعث محمّداً صلي الله عليه وآله وسلم) إلى قوله: (والآثام بكم معصوبة)، ثمّ صفح عن ذكر باقي الخطبة وذكر فقرات أخرى منتخبة سنشير إليها في محلّها. (انظر شرح النهج ، لابن أبي الحديد ج1 ص121 - 135). ونقلها أبو جعفر الطبري الشيعي رحمه الله في المسترشد مع زيادات (انظر ص95 - 103).

.

رسالة عليّ عليه السلام إلى أصحابه بعد مقتل محمّد بن أبي بكر رضي الله عنه

رسالة عليّ(3) عليه السلام إلى أصحابه بعد مقتل محمّد بن أبي بكر رضي الله عنه


1) - في شرح النهج والبحار: (قال المدائني).

2) - قال السيّد الرضي رحمه الله في نهج البلاغة في باب المختار من الخطب (ج2 شرح النهج لابن أبي الحديد ص21): (ومن كلام له - عليه السلام - لمّا قلد محمّد بن أبي بكر مصر فملكت عليه وقتل: وقد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة ولو وليته إياها لما خلى لهم العرصة، ولا أنهزهم الفرصة بلا ذم لمحمّد بن أبي بكر، فلقد كان إليَّ حبيباً، وكان لي ربيباً).

عن عبد الرحمن بن جندب(1)عن أبيه جندب، قال: دخل عمرو بن الحمق، وحجر بن عدي، وحبّة العرني، والحارث الأعور، وعبد الله بن سبأ على أمير المؤمنين عليه السلام بعد ما افتتحت مصر وهو مغموم حزين، فقالوا له: بيّن لنا ما قولك في أبي بكر وعمر؟

• فقال لهم عليّ عليه السلام: وهل فرغتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت، وشيعتي بها قد قتلت؟! أنا مخرج إليكم كتاباً أخبركم فيه عمّا سألتم، وأسألكم أن تحفظوا من حقّي ما ضيعتم، فاقرؤوه على شيعتي وكونوا على الحقّ أعواناً، وهذه نسخة الكتاب:

من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين: السلام عليكم؛ فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو.


1) - في جامع الرواة وتنقيح المقال نقلاً عن رجال الشيخ رحمه الله : (عبد الرحمن بن جندب من أصحاب عليّ عليه السلام)، وفي لسان الميزان: (عبد الرحمن بن جندب روى عن كميل بن زياد رحمه الله تعالى، روى عنه أبو حمزة الثمالي مجهول). وفي كتاب صفّين لنصر بن مزاحم (ص260 من طبعة القاهرة سنة 1365 ه ق): (نصر - عن عمر بن سعد، عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه، قال: لمّا كان غداة الخميس [لسبع خلون من صفر من سنة سبع وثلاثين] صلّى عليّ فغلس بالغداة، ما رأيت عليّاً غلس بالغداة أشدّ من تغليسه يومئذ (إلى آخر ما قال)). وأيضاً في باب مقدّم عليّ من صفّين إلى الكوفة: (ص607): (نصر - عن عمر عن عبد الرحمن بن جندب قال: لما أقبل عليّ من صفّين أقبلنا معه (الحديث)).

أمّا بعد، فإنّ الله بعث محمّداً صلي الله عليه وآله وسلم نذيرا للعالمين، وأميناً على التنزيل، وشهيداً على هذه الأُمّة، وأنتم يا معشر العرب يومئذ على شرّ دين وفي شرّ دار، منيخون على حجارة خشن وحيات(1)صمّ، وشوك مبثوث في البلاد، تشربون الماء الخبيث، وتأكلون الطعام الجشيب(2)، وتسفكون دماءكم، وتقتلون أولادكم، وتقطعون أرحامكم، وتأكلون أموالكم [بينكم] بالباطل، سبلكم خائفة، والأصنام فيكم منصوبة، [والآثام بكم معصوبة(3)] وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ(4)، فمنّ الله عليكم بمحمّد صلي الله عليه وآله وسلم فبعثه إليكم رسولاً من أنفسكم، وقال فيما أنزل من كتابه: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ(5)، وقال: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(6)، وقال: لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ(7)، وقال: ذَلِكَ


1) - في البحار: (جنادل).

2) - في النهج: (تشربون الكدر وتأكلون الجشب).

3) - هذه الفقرة في النهج فقط.

4) - آية/106 من سورة يوسف.

5) - آية/2 من سورة الجمعة.

6) - آية/128 سورة التوبة.

7) - صدر آية/164 سورة آل عمران وذيلها: ayebazيَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ayebaste.

فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(1)، فكان الرسول إليكم من أنفسكم بلسانكم، وكنتم أوّل المؤمنين تعرفون وجهه وشيعته وعمارته(2)، فعلمكم الكتاب والحكمة(3)، والفرائض والسُنّة، وأمركم بصلة أرحامكم وحقن دمائكم، وصلاح ذات البين، وأن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا(4)، وأن توفوا بالعهد، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها(5)، وأمركم أن تعاطفوا وتباروا وتباذلوا وتراحموا، ونهاكم عن التناهب والتظالم والتحاسد والتقاذف والتباغي، وعن شرب الخمر، وبخس المكيال ونقص الميزان، وتقدّم إليكم فيما أنزل عليكم: ألا تزنوا، ولا تربوا، ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلماً(6)، وأن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها، ولا تعثوا في الأرض مفسدين(7)، ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب


1) - آية 4 سورة الجمعة.

2) - من قوله: (وكنتم أوّل المؤمنين) إلى هنا في الأصل فقط، ولعلّ الصحيح: (وشعبه وعمارته) ففي النهاية: (وفيه: إنّه كتب لعمائر كلب وأحلافها كتاباً، العمائر جمع عمارة بالفتح والكسر وهي فوق البطن من القبائل، أوّلها الشعب، ثمّ القبيلة، ثمّ العمارة، ثمّ البطن، ثمّ الفخذ، وقيل: العمارة الحي العظيم يمكنه الانفراد بنفسه، فمن فتح فلالتفاف بعضهم على بعض كالعمارة العمامة، ومن كسر فلان بهم عمارة الأرض).

3) - عبارة شرح النهج هكذا: (فبعثه إليكم رسولاً من أنفسكم فعلمكم الكتاب والحكمة).

4) - من آية 58 سورة النساء.

5) - هاتان الفقرتان مأخوذتان من آية 91 سورة النحل.

6) - قال الله تعالى في سورة النساء: ayebazإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ayebaste.

7) - هذه الفقرة وقعت في موارد من الفرقان المجيد، منها آية 74 سورة الأعراف).

المعتدين(1)، وكلّ خير يدني إلى الجنّة ويباعد من النار أمركم به، وكلّ شرّ يباعد من الجنّة ويدني من النار نهاكم عنه(2).

فلمّا استكمل مدّته من الدنيا، توفاه الله إليه سعيداً حميداً، فيا لها مصيبة خصّت الأقربين وعمت جميع المسلمين، ما أصيبوا بمثلها قبلها، ولن يعاينوا بعد أختها(3).

فلمّا مضى لسبيله صلي الله عليه وآله وسلم، تنازع المسلمون الأمر بعده(4)

(ومن كتاب له - عليه السلام - إلى أهل مصر مع مالك الأشتر - رحمه الله - لمّا ولاه إمارتها: أمّا بعد، فإنّ الله سبحانه بعث محمّداً - صلّى الله عليه وآله - نذيراً للعالمين ومهيمنا على المرسلين، فلمّا مضى - صلّى الله عليه وآله - تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يلقي في روعي ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده - صلّى الله عليه وآله - عن أهل بيته، ولا أنّهم منحّوه عنّي من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت بيدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام؛ يدعون إلى محق دين محمّد صلّى الله عليه وآله، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه).

أقول: قد أورد السيّد رحمه الله قطعة أخرى من هذا الكتاب تشتمل على فقرات من الأصل بعدها وسنذكرها مقطعة في مواردها عن قريب إن شاء الله تعالى)، ونقل المجلسي رحمه الله هذا الكتاب من النهج في ثامن البحار في باب الفتن الحادثة بمصر (ص659، س14) مع توضيح لبعض فقراته التي تحتاج إليه، ونحن نذكر هنا من التوضيح ما يقتضيه المقام نقلاً عنه رحمه الله .

، فوالله ما كان

1) - من آية/190 سورة البقرة، وكذا ذيل آية/78 سورة المائدة.

2) - هذا المضمون قد ورد في الخطبة الغديرية التي خطب بها النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ففي المجلد الأوّل من البحار في باب أنّ لكلّ شيء حدّاً (ص114) نقلاً عن المحاسن، للبرقي رحمه الله : محمّد بن عبد الحميد، عن ابن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في خطبته في حجّة الوداع: أيّها الناس اتّقوا الله، ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلاّ وقد نهيتكم عنه وأمرتكم به. والمضمون وارد في سائر الكتب المعتبرة أيضاً).

3) - في الأصل: (مثلها).

4) - قال الرضي - رضي الله عنه - في نهج البلاغة في باب المختار من الكتب (ج4 شرح النهج بن أبي الحديد ص164 - 191):

يلقي في روعي(1)، ولا يخطر على بالي أنّ العرب تعدل(2)هذا الأمر بعد محمّد صلي الله عليه وآله وسلم عن أهل بيته، ولا أنّهم منحوه(3)عنّي من بعده، فما راعني(4)إلاّ انثيال الناس على أبي بكر وإجفالهم(5)إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي، ورأيت أنّي أحقّ بمقام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في الناس ممّن تولّى الأمر من بعده، فلبثت بذاك ما شاء الله، حتّى رأيت راجعة من الناس(6)رجعت عن الإسلام يدعون


1) - قال المجلسي رحمه الله : (الروع بالضم القلب أو سواده، وقيل: الذهن والعقل)

2) - في النهج: (تزعج هذا الأمر)، فقال المجلسي رحمه الله : (أزعجه = قلعه عن مكانه).

3) - قال المجلسي رحمه الله : (نحاه؛ أي أزاله ولعلّ الغرض إظهار شناعة هذا الأمر وأنّه ممّا لم يكن يخطر بباله بظاهر الحال فلا ينافي علمه بذلك بإخبار الرسول صلّى الله عليه وآله).

4) - قال المجلسي رحمه الله: (فما راعني؛ قال ابن أبي الحديد: تقول للشيء يفجأك بغتة: ما راعني إلاّ كذا؛ والروع بالفتح الفزع كأنّه يقول: ما أفزعني شيء بعد ذلك السكون الذي كان عندي والثقة التي اطمأننت إليها إلاّ وقوع ما وقع من انثيال الناس، أي: انصبابهم من كلّ وجه كما ينثال التراب على أبي بكر).

5) - قال المجلسي رحمه الله: (الإجفال = الإسراع).

6) - في النهج: (حتّى رأيت راجعة الناس)، فقال المجلسي رحمه الله في توضيح الفقرة: (أي الطائفة الراجعة من الناس التي قد رجعت عن الإسلام، يعني أهل الردّة كمسيلمة وسجاح وطليحة ابن خويلد، ويحتمل أن يكون المراد بهم المنافقين المجتمعين على أبي بكر، فإنّهم كانوا يغتنمون فتنة تصير سبباً لارتدادهم عن الدين رأساً).

إلى محق دين الله وملّة محمّد صلي الله عليه وآله وسلم وإبراهيم عليه السلام، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً وهدماً يكون مصيبته(1)أعظم عليَّ من فوات ولاية أُموركم(2)التي إنّما هي متاع أيام قلائل ثمّ يزول ما كان منها كما يزول السراب وكما يتقشع(3)السحاب، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتّى زاغ(4)الباطل وزهق وكانت (كلمة الله هي العليا)(5)ولو كره الكافرون(6).

فتولّى أبو بكر تلك الأُمور فيسر وشدد(7)، وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله [فيه] جاهداً، وما طمعت أن لو حدث به حدث(8)


1) - في البحار: (المصيبة بهما علي)، وفي شرح النهج: (المصاب بهما)، وفي النهج: (المصيبة به).

2) - في النهج: (من فوت ولايتكم).

3) - قال المجلسي رحمه الله: (كما يتقشع؛ أي: يتفرّق وينكشف).

4) - في النهج: (زاح) فليعلم أنّ السيّد رحمه الله أورد في النهج: بعد قوله: (حتّى زاح الباطل وزهق)، هذه الفقرة: (واطمأن الدين وتنهنه) ولم يذكر من الخطبة شيئاً حتّى قال: (ومن هذا الكتاب: إنّي والله لو لقيتهم)، وسنشير إلى هذا الأمر عند شروعه في النقل من العبارة المشار إليها.

5) - من آية/40 سورة التوبة.

6) - ذيل آيات منها آية/32 سورة التوبة.

7) - في شرح النهج والبحار: ((وسدد)) (بالسين المهملة).

8) - في شرح النهج: (حادث).

وأنا حيّ أن يردّ إليَّ الأمر الذي نازعته فيه طمع مستيقن، ولا يئست منه يأس من لا يرجوه، ولولا خاصّة ما كان بينه وبين عمر لظننت أنّه(1)لا يدفعها عنّي، فلمّا احتضر بعث إلى عمر فولاّه، فسمعنا وأطعنا وناصحنا، وتولّى عمر الأمر وكان مرضي السيرة(2)، ميمون النقيبة(3). حتّى إذا احتضر قلت في نفسي: لن يعدلها عنّي، فجعلني سادس ستّة، فما كانوا لولاية أحد أشدّ كراهية منهم لولايتي عليهم، فكانوا يسمعوني عند وفاة الرسول صلي الله عليه وآله وسلم أحاج أبا بكر(4)، وأقول: يا معشر قريش! إنّا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن ويعرف السُنّة ويدين دين(5)الحقّ، فخشي القوم إن أنا وليت عليهم أن لا يكون لهم في الأمر نصيب ما بقوا، فأجمعوا إجماعاً واحداً، فصرفوا الولاية إلى عثمان وأخرجوني منها رجاء أن ينالوها


1) - في الأصل: (أن).

2) - قال المجلسي رحمه الله : قوله عليه السلام: فكان مرضي السيرة، أي: ظاهراً عند الناس، وكذا ما مرّ في وصف أبي بكر، وآثار التقية والمصلحة في الخطبة ظاهرة، بل الظاهر أنّها من إلحاقات المخالفين).

3) - في المسترشد: (وكان مرضي السيرة ميمون النقيبة عندهم)(انظر ص98 من المسترشد المطبوع بالنجف)، وقال الجوهري في الصحاح: (أبو عبيد: النقيبة النفس يقال: فلان ميمون النقيبة إذا كان مبارك النفس، قال ابن السكيت: إذا كان ميمون الأمر ينجح فيما حاول ويظفر، وقال ثعلب: إذا كان ميمون المشورة)، وفي النهاية: (وفي حديث مجدي بن عمرو: إنّه ميمون النقيبة، أي: منجح الفعال مظفر المطالب، والنقيبة النفس، وقيل: الطبيعة والخليقة).

4) - في شرح النهج: (لجاج أبي بكر).

5) - في شرح النهج: (بدين).

ويتداولوها، إذ يئسوا أن ينالوا من(1)قبلي، ثمّ قالوا: هلم فبايع وإلاّ جاهدناك، فبايعت مستكرهاً، وصبرت محتسباً، فقال قائلهم(2)

وبما أنّ في هذه الخطبة وشرحها من ابن أبي الحديد فوائد نفيسة، جديرة بأنّ تذكر هنا وكان المقام لا يسعها ذكرناها في تعليقات آخر الكتاب).

(انظر التعليقة رقم 38).

3- في شرح النهج والبحار: (أينا أحرص؟ أنا الذي).

4- قال المجلسي رحمه الله : (فبهتوا، في بعض النسخ: فهبوا، أي انتبهوا لكن لم ينفعهم الانتباه)، أقول: هو من: (هب الرجل من النوم = انتبه واستيقظ).

5- ذيل آية/258 سورة البقرة.

6- قال الشريف الرضي - رضي الله عنه - في نهج البلاغة في باب المختار من الخطب تحت عنوان من كلام له عليه السلام ما نصّه (انظر شرح النهج ، لابن أبي الحديد (ج3 ص36): (اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم فإنّهم قد قطعوا رحمي، وأكفؤوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به من غيري، وقالوا: ألاّ إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحقّ أن تمنعه، فاصبر مغموماً أو مت متأسفاً، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية، فأغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشجى، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم، وآلم للقلب من حز الشفار)، قائلاً بعده: (وقد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدّمة، إلاّ أنّى ذكرته هاهنا لاختلاف الروايتين).

أقول: يريد رحمه الله بقوله هذا ما أورده فيما تقدّم من نقل المختار في ذلك الباب تحت عنوان من خطبة له عليه السلام: الحمد لله الذي لا توارى عنه سماء سماءاً، ولا أرض أرضاً، وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص.. (الخطبة) كما أشرنا إليه قبيل ذلك).

ثمّ لا يخفى أنّ الرضي رحمه الله قد أورد أيضاً شيئاً من هذا الكتاب في أوائل باب المختار من الخطب كما أشرنا إليه فيما تقدّم (انظر ص302).

: يا ابن أبي طالب! إنّك على هذا الأمر لحريص، فقلت: أنتم أحرص منّي وأبعد، أأنا أحرص إذا(3) طلبت تراثي وحقّي الذي جعلني الله ورسوله أولى به؟ أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه؟ وتحولون بيني وبينه؟! فبهتوا(4)، والله لا يهدي القوم الظالمين(5).

اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش(6) فإنّهم قطعوا رحمي،


1) - في الأصل: (ممّن).

2) - قال الرضي رحمه الله في باب المختار من الخطب من النهج تحت عنوان: (من خطبة له عليه السلام): (الحمد لله الذي لا توارى عنه سماء سماءا، ولا أرض أرضاً [منها]، وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص (الخطبة؛ ص495 ج2 شرح النهج)).

وأصغوا(1)

وقال المجلسي رحمه الله: (قال الجوهري: صغا يصغو، ويصغي صغوا أي مال، وأصغيت إلى فلان إذا ملت بسمعك نحوه، وأصغيت الإناء أملته، يقال: فلان مصغي إناؤه إذا نقص حقّه).

2- قال المجلسي رحمه الله: (قال الجوهري: الكمد الحزن المكتوم).

3- يقال: (توخم الطعام توخما = استوبله ولم يستمرئه).

4- من قولهم: (حنق عليه ومنه (من باب تعب) حنقاً اغتاظ فهو حنق ككتف وحنيق؛ وفي النهج: فاصبر مغموماً أو مت متأسفاً).

إنائي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به منهم فسلبونيه، ثمّ قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه وفي الحقّ أن تمنعه، فاصبر كمداً(2) متوخماً(3)، أو مت متأسفاً حنقاً(4)،

1) - في النهج: (وأكفأوا)، قال الميداني في مجمع الأمثال: (ما أصغيت لك إناءاً ولا أصفرت لك فناءاً، أي: ما تعرضت لأمر تكرهه، يعني: لم آخذ إبلك فيبقى إناؤك مكبوباً لا تجد لبنا تحلبه فيه، ويبقى فناؤك خالياً لا تجد بعيراً فتبرك فيه، وذكر عن عليّ عليه السلام أنّه قال: اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش فإنّهم أصغوا إنائي وصغروا عظيم منزلتي وقدري)، وقال ابن الأثير في النهاية: (ه-) في حديث الهرّة: أنّه كان يصغي لها الإناء، أي: يميله ليسهل له الشرب منه).

فنظرت(1)فإذا ليس معي(2)رافد ولا ذاب ولا مساعد إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن الهلاك(3)، فأغضيت على القذى، وتجرّعت(4)ريقي على الشجى، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم، وآلم للقلب من حزّ الشفار.

حتّى إذا نقمتم على عثمان، أتيتموه فقتلتموه، ثمّ جئتموني لتبايعوني، فأبيت عليكم وأمسكت يدي، فنازعتموني ودافعتموني، وبسطتم يدي فكففتها، ومددتم يدي فقبضتها، وازدحمتم عليَّ، حتّى ظننت أن بعضكم قاتل بعض أو أنّكم قاتلي، فقلتم: بايعنا لا نجد غيرك ولا نرضى إلاّ بك، فبايعنا لا نفترق(5)ولا تختلف كلمتنا، فبايعتكم ودعوت الناس إلى بيعتي، فمن بايع طائعاً قبلته منه، ومن أبى لم أكرهه(6)وتركته، فبايعني فيمن بايعني طلحة والزبير، ولو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما، فما


1) - هذه الفقرات قطعة أخرى من مختار كلامه في النهج التي أوردها الرضي رحمه الله ، وأشرنا إليها فيما مضى (انظر ص302)، وهي على ما أورده - رضي الله عنه - هذه: (فنظرت فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمر من طعم العلقم) (انظر شرح النهج ، لابن أبي الحديد، ج1 ص122).

2) - في النهج: (ليس لي).

3) - في النهج وشرحه وفي البحار: (عن المنية).

4) - في النهج: (وجرعت).

5) - في الأصل: (لا نتفرق) (من باب التفعل).

6) - في شرح النهج والبحار فقط.

لبثنا(1)إلاّ يسيرا حتّى بلغني أن خرجا(2)من مكّة متوجّهين إلى البصرة في جيش(3)ما منهم رجل إلاّ بايعني وأعطاني الطاعة، فقدما على عاملي وخزان بيت مالي وعلى أهل مصر كلّهم على بيعتي وفي طاعتي، فشتتوا كلمتهم وأفسدوا جماعتهم، ثمّ وثبوا على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم غدراً، وطائفة صبراً، وطائفة عصبوا بأسيافهم فضاربوا بها(4)

ونحن انتزعنا من شميط حياته*** جهارا وعصبنا شتيرا بمنصل)

والعبارة في شرح النهج والبحار هكذا: (ومنهم طائفة غضبوا لله ولي؛ فشهروا سيوفهم وضربوا بها وفي النهج: (وطائفة عضوا على أسيافهم)، وقال ابن أبي الحديد في شرحه: (وعضوا على أسيافهم كناية عن الصبر في الحرب وترك الاستسلام، وهي كناية فصيحة شبه قبضهم على السيوف بالعض، وقد قدمنا ذكر ما جرى، وأنّ عسكر الجمل قتلوا طائفة من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة بعد أن أمنوهم غدراً، وإنّ بعض الشيعة صبر في الحرب ولم يستسلم وقاتل حتّى قتل، مثل حكيم بن جبلة العبدي وغيره، وروى: وطائفة عضوا على أسيافهم؛ بالرفع، تقديره: ومنهم طائفة (إلى آخر ما قال)).

حتّى لقوا الله صادقين، فوالله، لو لم

1) - في الأصل: (لبثا).

2) - في شرح النهج والبحار: أنّهما قد خرجا.

3) - هذه الفقرات أيضاً نقلها السيّد الرضي - رضي الله عنه - تارة ضمن خطبة أشرنا إليها قبيل ذلك، وكان عنوانها (الحمد لله الذي لا توارى عنه) بهذه العبارة (ج2 ص496 من شرح النهج ، لابن أبي الحديد): (منها في ذكر أصحاب الجمل؛ فخرجوا يجرون حرمة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كما تجر الأمة عند شرائها متوجّهين بها إلى البصرة، فحبسا نساءهما في بيوتهما وأبرزا حبيس رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لهما ولغيرهما في جيش، ما منهم رجل إلاّ وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة طائعاً غير مكره، فقدموا على عاملي بها وخزان بيت مال المسلمين وغيرهم من أهلها، فقتلوا طائفة صبراً، وطائفة غدراً، فوالله إن لو لم يصيبوا من المسلمين إلاّ رجلاً واحداً معتمدين لقتله بلا جرم جره لحلّ لي قتل ذلك الجيش كلّه إذا حضروه فلم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسان ولا بيد، دع ما إنّهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدّة التي دخلوا بها عليهم)، وأخرى في ذلك الباب [ أي باب الخطب ] أيضاً تحت عنوان: (من كلام له عليه السلام في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه عليه السلام) بهذه العبارة (انظر ج3 من شرح النهج الحديدي؛ ص41): (فقدموا على عمّالي وخزان بيت مال المسلمين الذي في يدي وعلى أهل مصر كلّهم في طاعتي وعلى بيعتي، فشتتوا كلمتهم، وأفسدوا عليَّ جماعتهم، ووثبوا على شيعتي، فقتلوا طائفة منهم غدراً، وطائفة عضوا على أسيافهم فضاربوا حتّى لقوا الله صادقين).

4) - كذا في الأصل، ففي أساس البلاغة: (عصبه بالسيف مثل عمّمه به، قال ذو الرمة:

يصيبوا منهم إلاّ رجلاً واحداً متعمدين لقتله(1)[بلا جرم جره(2)] لحلّ لي به قتل ذلك الجيش كلّه(3)، فدع ما إنّهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدّة التي دخلوا بها عليهم، وقد أدال الله منهم(4)، فبعداً للقوم الظالمين(5).

ثمّ إنّي نظرت في أهل الشام(6)فإذا أعراب أحزاب، وأهل طمع جفاة طغام(7)، يجتمعون من كلّ أوب(8)، ومن كان ينبغي أن يؤدّب ويدرّب أو


1) - في الأصل والنهج: (معتمدين على قتله)، والمتن كشرح النهج والبحار.

2) - ما بين المعقوفتين في النهج فقط كما نقلنا عنه آنفاً.

3) - في شرح النهج والبحار: (بأسره)، وهو بمعناه.

4) - يقال: (أدال الله بني فلان من عدوّهم = جعل الكرة لهم عليه، وأدال زيداً من عمرو، أي نزع الدولة من عمرو وحولها إلى زيد).

5) - ذيل آية/41 سورة المؤمنين.

6) - في شرح النهج والبحار: (في أمر أهل الشام).

7) - في شرح النهج والبحار: (الطغاة)، وفي الصحاح: (الطغام أو غاد الناس، وأنشد أبو العبّاس: فما فضل اللبيب على الطغام؟! الواحد والجمع سواء).

8) - قال المجلسي رحمه الله : (وقال: جاؤوا من كلّ أوب، أي: من كلّ ناحية).

يولّى عليه(1)ويؤخذ على يديه(2)، ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار، ولا التابعين بإحسان، فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة، فأبوا إلاّ شقاقاً ونفاقاً(3)ونهوضاً(4)في وجوه المسلمين ينضحونهم بالنبل(5)، ويشجرونهم بالرماح(6)، فهناك نهدت إليهم بالمسلمين(7)، فقاتلتهم، فلمّا عظهم(8)السلاح ووجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما


1) - قال المجلسي رحمه الله : (أو يولى عليه؛ أي: من كان لقلّة عقله وسفاهته حرياً لأن يقوم عليه ولي يتولّى أُموره).

2) - في شرح النهج: (على يده).

3) - في شرح النهج والبحار: (فراقاً).

4) - في شرح النهج والبحار: (ونهضوا).

5) - في البحار: (ينظمونهم بالنبل)، وقال ابن الأثير في النهاية: (وفيه: أنّه قال للرماة يوم أحد: انضحوا عنّا الخيل لا نؤتى من خلفنا؛ أي: ارموهم بالنشاب، يقال: نضحوهم بالنبل إذا رموهم، وفي حديث هجاء المشركين: كما ترمون نضح النبل).

6) - في النهاية: (وفي حديث الشراة: فشجرناهم بالرماح، أي: طعناهم بها حتّى اشتبكت فيهم).

7) - في النهاية: (فيه: إنّه كان ينهد إلى عدوّه حين تزول الشمس، أي: ينهض، ونهد القوم لعدوّهم إذا صمدوا له وشرعوا في قتاله (ه-)، ومنه حديث ابن عمر: إنّه دخل المسجد فنهد الناس يسألونه، أي نهضوا).

8) - في شرح النهج والبحار: ((عضهم)) (بالضاد المعجمة)، ففي القاموس: (عظته الحرب كعضته)، وقال الزبيدي في تاج العروس: (ونقل شيخنا عن بعض فقهاء اللغة: كلّ عض بالأسنان فهو بالضاد، وما ليس بها كعض الزمان فهو بالظاء، وقال ابن السيّد في كتاب الفرق: العض والعظ شدّة الحرب أو شدّة الزمان ولا تستعمل الظاء في غيرهما، قال الفرزدق:

فيها، فأنبأتكم أنّهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأنّهم رفعوها غدراً ومكيدة(1)وخديعة ووهناً وضعفاً، فامضوا على حقّكم وقتالكم، فأبيتم عليَّ وقلتم: اقبل منهم، فإن أجابوا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من الحقّ، وإن أبوا كان أعظم لحجّتنا عليهم، فقبلت منكم(2)، وكففت عنهم إذ أبيتم وونيتم(3)، وكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين يحييان ما أحيا القرآن، ويميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما وتفرّق حكمهما، ونبذا ما في القرآن وخالفا ما في الكتاب، فجنبهما الله السداد ودلاهما في الضلال(4)، فنبذا حكمهما وكانا أهله(5)

قال الصدوق - رحمه الله في باب الشقاق من كتاب من لا يحضره الفقيه عند البحث عن حكم الحكمين المذكورين في قول الله تعالى: ayebazفَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا ayebaste ما نصّه: (قال مصنّف هذا الكتاب - رضي الله عنه -: لمّا بلغت هذا الموضع ذكرت فصلاً لهشام بن الحكم مع بعض المخالفين في الحكمين بصفّين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، فأحببت إيراده هنا وإن لم يكن من جنس ما وضعت له الباب).

قال المخالف: إنّ الحكمين لقبولهما الحكم كانا مريدين للإصلاح بين الطائفتين)، فقال هشام: بل كانا غير مريدين للإصلاح بين الطائفتين، فقال المخالف: من أين قلت هذا؟

قال هشام: من قول الله عزّ وجلّ في الحكمين حيث يقول: ayebazإِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا ayebaste، فلمّا اختلفا ولم يكن بينهما اتّفاق على أمر واحد ولم يوفق الله بينهما، علمنا أنّهما لم يريدا الإصلاح، وروى ذلك محمّد بن أبي عمير عن هشام بن الحكم).

،

1) - في الأصل: (مكيدة لهم).

2) - في شرح النهج والبحار: (منهم).

3) - في شرح النهج والبحار: (ونيتم وأبيتم).

4) - في شرح النهج والبحار: (دلاهما في الضلالة)؛ ففي مجمع البحرين: (ودلاهما بغرور قيل: قربهما إلى المعصية، وقيل: أطمعهما، قال الأزهري: أصله العطشان يدلي في البئر فلا يجد ماء فيكون مدلا بالغرور فوضع التدلية موضع الأطماع فيما لا يجدي نفعاً، وقيل: جرأهما على الأكل من الدل والدالة، أي: الجرأة، وقيل: دلاهما من الجنّة إلى الأرض، وقيل: أضلهما).

5) - قوله عليه السلام: (وكانا أهله) إشارة إلى أنّهما كانا أهل نبذ حكم الله تعالى، كما قال الله تعالى في عكس هذا المعنى في وصف المؤمنين: (وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها).

فانخزلت(1)فرقة منّا فتركناهم ما تركونا، حتّى إذا عثوا في الأرض يقتلون ويفسدون، أتيناهم فقلنا: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ثمّ كتاب الله بيننا وبينكم، قالوا: كلّنا قتلهم، وكلّنا استحلّ دماءهم ودماءكم، وشدّت علينا خيلهم ورجالهم، فصرعهم الله مصرع(2)الظالمين. فلمّا كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا(3)من فوركم ذلك إلى عدوّكم، فقلتم: كلّت سيوفنا، ونفدت نبالنا(4)، ونصلت(5)أسنّة رماحنا، وعاد أكثرها قصداً(6)، فارجع بنا إلى مصرنا لنستعد(7)بأحسن عدّتنا، وإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدّة من هلك منّا وفارقنا، فإنّ ذلك أقوى لنا


1) - في شرح النهج: فانحرفت، وانخزل الشيء انقطع).

2) - في شرح النهج والبحار: (مصارع).

3) - في الأصل: بأن (تمضوا).

4) - قد تقدّمت هذه الفقرات في أوائل الكتاب، (انظر باب قدوم عليّ عليه السلام إلى الكوفة عن حرب الخوارج ص24 - 36).

5) - قال المجلسي رحمه الله : (قال الجوهري: يقال: نصل السهم إذا خرج من النصل، ونصل السهم إذا ثبت نصله في الشيء، وهو من الأضداد، ونصلت السهم تنصيلا = نزعت نصله).

6) - قال المجلسي رحمه الله : (قال الجوهري: القصدة بالكسر القطعة من الشيء إذا انكسر، والجمع قصد يقال: القنا وقد انقصد الرمح وتقصدت الرماح = تكسرت، وقال الفيروزآبادي: رمح قصد ككتف وقصيد وأقصاد = متكسر).

7) - في الأصل هنا وفيما سبق في أوّل الكتاب: (نستعد) (بلا لام).

على عدونا، فأقبلت بكم، حتّى إذا أطللتم(1)على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة، وأن تلزموا معسكركم، وأن تضمّوا قواضبكم(2)، وأن توطنوا على الجهاد أنفسكم، ولا تكثروا زيارة أبنائكم ونسائكم، فإنّ أصحاب الحرب المصابروها، وأهل التشمير فيها الدين لا ينوحون(3)من سهر ليلهم، ولا ظمأ نهارهم، ولا خمص بطونهم، ولا نصب أبدانهم، فنزلت طائفة منكم معي معذرة(4)، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية، فلا من بقي منكم ثبت


1) - في الأصل وفي البحار: (ظللتم)، فكأنّها مصحفة ومحرّفة عن (أظللتم).

2) - في الأصل والبحار: قواصيكم (بالصاد المهملة والياء المنقطة بنقطتين من تحتها).

3) - كذا في الأصل بالنون من (ناح ينوح نوحا ونوحة)، ولعلّ الصحيح (يبوخون) بالباء الموحدة والخاء المعجمة، ففي الصحاح: (عدا حتّى باخ أي أعيا)، وفي القاموس: (باخ الرجل أعيا، وباح اللحم بؤوخا تغير)، فيكون المعنى: لا يعيون ولا يفترون، وفي شرح النهج والبحار: (لا ينقادون) [من الانقياد] وعلى هذا أيضاً لا يستقيم المعنى إلاّ بتجشم وتكلّف كما لا يخفى وأظنّ ظنّاً متاخماً للعلم أن (ينقادون) في كتابيهما مصحفة ومحرّفة عن (يتفادون) بالفاء من (ف د ى)، ففي الصحاح: (تفادى فلان من كذا إذا تحاماه وانزوى عنه، وقال: تفادى الأسود الغلب منه تفاديا).

4) - في المصباح المنير: (عذر في الأمر تعذيراً إذا قصر ولم يجتهد)، وفي مجمع البحرين: (قوله تعالى (آية 90 سورة التوبة)، أي: المقصرون، أي: الذين يزعمون أنّ لهم عذراً ولا لهم، قال الجوهري: المعذرون من الأعراب يقرأ بالتخفيف والتشديد، أمّا المعذّر بالتشديد فقد يكون محقّاً وقد يكون غير محقّ، فأمّا المحقّ فهو في المعنى المعتذر لأنّ له عذراً ولكن التاء قلبت ذالاً وأدغمت فيها وجعلت حركتها على العين [كما قرئ يخصمون بفتح الخاء؛ ويجوز كسر العين لاجتماع الساكنين، ويجوز ضمها اتباعاً للميم]، وأمّا المعذر على جهة المفعل لأنّه الممرض والمقصر يعتذر بغير عذر، وكان ابن عبّاس يقرأ: جاء المعذرون؛ مخففة من: أعذر، ويقول: والله لهكذا أنزلت، وكان يقول: لعن الله المعذرين، كأنّ الأمر عنده أنّ المعذر بالتشديد هو المظهر للعذر اعتلالاً من غير حقيقة له في العذر؛ وهذا لا عذر له، والمعذر الذي له عذر وقد بينا الوجه الثاني في المشدّد).

وصبر، ولا من دخل المصر عاد إليَّ ورجع، فنظرت إلى معسكري وليس فيه خمسون رجلاً، فلمّا رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فما قدرت على أن تخرجوا معي إلى يومنا هذا.

فما تنتظرون؟ أما ترون [إلى] أطرافكم قد انتقصت، وإلى أمصاركم(1)

أقول: المورد الأوّل من القطعة التي نقلها السيّد رحمه الله في النهج وأشرنا إليه في ص305 هذا (ونص عبارته في ج4 شرح النهج الحديدي ص191):

(ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت، وإلى أمصاركم قد افتتحت، وإلى ممالككم تزوى، وإلى بلادكم تغزى).

ولا يخفى أنّ ما ذكره السيّد رحمه الله من أنّ عليّاً عليه السلام قد كتب هذا الكتاب إلى أهل مصر لمّا ولّى مالكاً عليهم لا يستقيم على نسخة (مصركم)، فإنّ قوله عليه السلام (قد افتتحت) يدلّ صريحاً على أنّ هذا الكتاب صادر عنه عليه السلام بعد فتح مصر، وأنت خبير بأنّ مالكاً رحمه الله قد استشهد قبل افتتاحها.

لا يقال: إنّ إضافة مصر تخرجها عن العلمية فيكون المراد من (مصركم) غير المعهود؛ فإنّا نقول: الإضافة ليست بقصد التنكير، بل الإضافة هنا كما يومي إليه سياق الكلام للاختصاص بمعنى أنّ مصر قد كانت لكم.

2- قال المجلسي رحمه الله : (قوله عليه السلام: وإلى مسالحكم تعرى، أي: ثغوركم خالية عن الرجال والسلاح).

3- في الأصل: (ذو وعدد كثير وشوكة شديدة أولوا بأس مخوف).

قد افتتحت، وإلى شيعتي بها بعد قد قتلت، وإلى مسالحكم تعرى(2)، وإلى بلادكم تغزى، أنتم ذوو عدد كثير، وشوكة وبأس شديد(3)، فما بالكم؟ لله أنتم! من أين تؤتون؟ وما لكم [أنّى] تؤفكون؟ ! وأنّى تسحرون؟! ولو أنّكم

1) - كذا في نهج البلاغة، أمّا الأصل وشرح النهج والبحار: (وإلى مصركم).

عزمتم وأجمعتم لم تراموا، ألا إنّ القوم قد اجتمعوا(1)وتناشبوا(2)وتناصحوا، وأنتم قد ونيتم وتغاششتم وافترقتم، ما أنتم إن أتممتم عندي على ذي سعداء(3)، فأنبهوا نائمكم واجتمعوا(4)على حقّكم، وتجردوا لحرب عدوكم، قد بدت(5)الرغوة عن الصريح(6)

أقول: هو إشارة إلى مثل معروف؛ قال الميداني في مجمع الأمثال: (الصريح تحت الرغوة، قال أبو الهيثم: معناه أنّ الأمر مغطى عليك وسيبدو لك).

7- قال الميداني في مجمع الأمثال: (قد بين الصبح لذي عينين،؛ بين هاهنا بمعنى تبين يضرب للأمر يظهر كلّ الظهور).

8- في البحار: (فكان).

، وقد بين الصبح لذي عينين(7)، إنّما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء، وأولي الجفاء ومن أسلم كرهاً، وكان(8)

1) - في شرح النهج: (قد تراجعوا).

2) - في شرح النهج: (وتناسبوا) ففي القاموس: (تناشبوا تضاموا وتعلّق بعضهم ببعض، ونشبه الأمر كلزمه زنة ومعنى)، وفي النهاية: (في حديث العبّاس يوم حنين: حتّى تناشبوا حول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، أي: تضاموا؛ ونشب بعضهم في بعض أي دخل وتعلّق، يقال: نشب في الشيء إذا وقع فيما لا مخلص له منه، ولم ينشب أن فعل كذا، أي: لم يلبث؛ وحقيقته لم يتعلّق بشيء غيره ولا اشتغل بسواه).

3) - في شرح النهج: (ما إن أنتم إن ألممتم عندي على هذا بسعداء)، وفي البحار: (ما أنتم إن أتممتم عندي على هذا بمنقذين)، يقال: تم على أمره أمضاه، ومنه تم على صومك، أي: أمضه)، ويقال: ألم بالقوم وعلى القوم أتاهم ونزل بهم وزارهم زيارة غير طويلة).

4) - في شرح النهج: (فنبهوا نائمكم وأجمعوا)، وفي البحار: (فانتهوا عما نهيتم وأجمعوا).

5) - في شرح النهج والبحار: (أبدت).

6) - قال المجلسي رحمه الله : (الصريح اللبن الخالص إذا ذهبت رغوته؛ ذكره الجوهري).

لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أنف(1)الإسلام كلّه حرباً، أعداء الله والسُنّة والقرآن وأهل البدع والأحداث، ومن كانت بوائقه تتقى، وكان على الإسلام وأهله مخوفاً(2)، وأكلة الرشا وعبدة الدنيا، لقد(3)أنهي إلى أنّ ابن النابغة لم يبايع حتّى أعطاه [ثمناً(4)]، وشرط أن يؤتيه أتية هي أعظم ممّا في يده من سلطانه، ألا صفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا، وخزبت أمانة هذا المشترى نصرة فاسق غادر بأموال المسلمين، وإنّ فيهم لمن قد شرب فيكم الخمر وجلد الحدّ في الإسلام، ويعرف بالفساد في الدين والفعل السيء، وإنّ فيهم لمن لم يسلم حتّى رضخ له على الإسلام رضيخة(5)

أقول: المورد الثاني من المورد المشار إليها فيما سبق (ص305) هذا المورد، ونصّ عبارة السيّد في النهج هكذا (ج4 شرح النهج الحديدي ص191).

(فإنّ منهم الذي شرب فيكم الحرام وجلد حدّاً في الإسلام، وإنّ منهم من لم يسلم حتّى رضخت له على الإسلام الرضائخ).

قال المجلسي رحمه الله : (قال ابن أبي الحديد: المراد بمن شرب الخمر الوليد بن عقبة، وأمّا الذي رضخت له على الإسلام الرضائخ فمعاوية وأبوه وأخوه وحكيم بن حزام وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام وغيرهم، وهم قوم معروفون لأنّهم من المؤلّفة قلوبهم الذين رغبوا في الإسلام والطاعة بجمال ووشاء دفعت إليهم للأغراض الدنياوية والطمع، ولم يكن إسلامهم عن أصل ويقين)، وقال القطب الراوندي: يعني عمرو بن العاص، وليس بصحيح! لأنّ عمراً لم يسلم بعد الفتح، وأصحاب الرضائخ كلّهم صونعوا عن الإسلام بغنائم حنين، ولعمري إنّ إسلام عمرو كان مدخولاً أيضاً، إلاّ أنّه لم يكن عن رضيخة، وإنّما كان لمعنى آخر، والرضيخة شيء قليل يعطاه الإنسان يصانع به عن أمر يطلب منه كالأجرة (انتهى)).

.

1) - قال المجلسي رحمه الله : (قال الجوهري: أنف كلّ شيء أوّله وأنف البرد أشده).

2) - في شرح النهج: (على الإسلام مخوفاً).

3) - في الأصل: (فقد).

4) - قال السيّد الرضي رحمه الله بعد انتخاب القطعتين المشار إليهما فيما سبق من تلك الخطبة ما نصّه (ج1 من شرح النهج الحديدي؛ ص135): (منها: ولم يبالغ حتّى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمنا؛ فلا ظفرت يد البايع، وخزيت أمانة المبتاع؛ فخذوا للحرب أهبتها، وأعدّوا لها عدّتها، فقد شب لظاها وعلا سناها، واستشعروا الصبر فإنّه أدعى للنصر).

5) - في النهاية: (في الحديث عمر: وقد أمرنا لهم برضخ فأقسمه بينهم؛ الرضخ العطية القليلة، ومنه حديث عليّ - رضي الله عنه -: ويرضخ له على ترك الدين رضيخة هي فعيلة من الرضخ، أي: عطية، وعبارة النهاية إشارة إلى ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في عمرو بن العاص، ونص تعبيره عليه السلام على ما نقله الرضي رحمه الله في نهج البلاغة في باب الخطبة تحت عنوان ومن كلام له عليه السلام في ذكر عمرو بن العاص: (عجباً لابن النابغة يزعم لأهل الشام أنّ فيَّ دعابة وأنّه امرؤ تلعابة (إلى أن قال)، وإنّه لم يبايع معاوية حتّى شرط له أن يؤتيه أتية ويرضخ له على ترك الدين رضيخة) (انظر شرح النهج ، لابن أبي الحديد، ج2 ص99) (والأتية = العطية، والإيتاء = الإعطاء)).

فهؤلاء قادة القوم، ومن تركت ذكر مساويه من قادتهم مثل من ذكرت منهم، بل هو شرّ منهم، وهؤلاء الذين [ذكرت] لو ولوا عليكم ولا ظهروا(1)فيكم الفساد والكبر والفجور(2)والتسلط بالجبرية والفساد في الأرض، واتبعوا الهوى وحكموا بغير الحقّ، ولأنتم على ما كان فيكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلاً، فيكم العلماء والفقهاء والنجباء والحكماء، وحملة الكتاب، والمتهجدون بالأسحار، وعمّار المساجد بتلاوة القرآن، أفلا تسخطون وتهتمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم،


1) - في شرح النهج والبحار: (ويودّ هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم فأظهروا).

2) - في شرح النهج والبحار: (الكفر والفساد والفجور).

والأشرار الأراذل منكم.

فاسمعوا قولي - هداكم الله - إذا قلت، وأطيعوا أمري إذا أمرت، فوالله لئن أطعتموني لا تغوون، وإن عصيتموني، لا ترشدون، خذوا للحرب أهبتها وأعدّوا لها عدّتها، وأجمعوا إليها فقد شبت وأوقدت نارها(1)، وعلا شنارها(2)، وتجرّد لكم فيها الفاسقون كي يعذبوا عباد الله، ويطفؤوا نور الله.

إلاّ أنّه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والجفاء والكبر(3)بأولى بالجد في غيهم وضلالهم وباطلهم من أولياء الله، من أهل البرّ والزهادة والإخبات في حقّهم وطاعة ربّهم ومناصحة إمامهم، إنّي والله لو لقيتهم فرداً(4)وهم ملء الأرض(5)ما باليت ولا استوحشت(6)، وإنّي من ضلالتهم التي هم فيها والهدى الذي نحن عليه لعلى ثقة وبيّنة ويقين وصبر، وإنّي إلى


1) - في شرح النهج: (وأعدّوا لها عدّتها فقد شبت نارها).

2) - في النهج: (فخذوا للحرب أهبتها وأعدّوا لها عدّتها فقد شبّ لظاها وعلا سناها).

3) - في شرح النهج والبحار: (من أهل الطمع والمكر والجفاء).

4) - هذا المورد هو المورد الثالث من الموارد التي أشرنا إليها فيما تقدّم من أنّ الرضي رحمه الله قد أورده في النهج ونص عبارته (انظر شرح النهج الحديدي؛ ج4 ص191) هذا: (إنّي والله لو لقيتهم واحداً وهم طلاع الأرض كلّها ما باليت ولا استوحشت، وإنّي من ضلالهم الذي هم فيه والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربّي، وإنّي إلى لقاء الله لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر راج، ولكنّني آسي أن يلي أمر هذه الأُمّة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولا وعباده خولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً).

5) - في النهج: (وهم طلاع الأرض كلّها)، فقال المجلسي رحمه الله: (في النهاية: طلاع الأرض ذهبا، أي ما يملأها حتّى يطلع عنها ويسيل).

6) - قال المجلسي رحمه الله: (الاستيحاش ضدّ الاستيناس، وهنا كناية عن الخوف).

لقاء ربّي لمشتاق ولحسن ثواب ربّي(1)لمنتظر، ولكن أسفاً يعتريني(2)، وحزناً يخامرني(3)من أن يلي أمر هذه الأُمّة سفهاؤها وفجّارها فيتّخذوا مال الله دولا(4)، وعباد الله خولا(5)[والصالحين حرباً(6)] والفاسقين حزباً، وأيم الله لولا ذلك(7)

(فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وتأنيبكم وجمعكم وتحرضيكم، ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم (ثمّ ذكر جملات نقلناها سابقا إلى أن قال) انفروا رحمكم الله إلى قتال عدوكم، ولا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا بالخسف وتبوؤوا بالذلّ؛ ويكون نصيبكم الأخس، وإنّ أخا الحرب الأرق، ومن نام لم ينم عنه، والسلام).

8- قال المجلسي رحمه الله: (التأليب = التحريض، والتأنيب أشدّ اللوم).

ما أكثرت تأنيبكم وتأليبكم(8) وتحريضكم،

1) - في النهج وشرحه والبحار: (ولحسن ثوابه).

2) - في الأصل: (يريني) يقال: (اعترى فلاناً أمر = أصابه).

3) - في الأصل: (يعتريني) فقال المجلسي رحمه الله: (المخامرة المخالطة).

4) - قال المجلسي رحمه الله: (قوله عليه السلام: مال الله دولاً، في الصحاح: أنّ دولا جمع دولة بالضم فيهما، وفي القاموس: الدولة انقلاب الزمان والعقبة في المال ويضم، أو الضم فيه والفتح في الحرب، وأهما سواء، أو الضم في الآخرة والفتح في الدنيا؛ والجمع دول مثلثة).

5) - قال المجلسي رحمه الله: (في النهاية: كان عباد الله خولاً، أي: خدماً وعبيداً، يعني أنّهم يستخدمونهم ويستعبدونهم).

6) - هذه الفقرة غير موجودة في الأصل وشرح النهج والبحار، بل هي في النهج فقط، فقال المجلسي رحمه الله: (حرباً أي عدواً، وحزباً، أي: ناصراً وجنداً).

7) - هذا المورد أيضاً هو آخر الموارد التي أشرنا سابقاً، إلى أنّ السيّد الرضي رحمه الله أوردها في نهج البلاغة تحت عنوان من كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر) (انظر ص305)، ونص عبارة السيّد هكذا (انظر شرح النهج الحديدي ج4 ص191):

ولتركتكم إذ ونيتم(1)وأبيتم حتّى ألقاهم بنفسي متى حم(2)لي لقاؤهم، فوالله إنّي لعلى الحقّ، وإنّي للشهادة لمحبّ، فانفروا خفافاً وثقالاً، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون(3)، ولا تثاقلوا(4)إلى الأرض فتقروا بالخسف(5)وتبوؤوا(6)بالذلّ ويكن نصيبكم الأخسر(7)، إنّ أخا الحرب اليقظان الأرق(8)

أقول: قد مرّت هذه الفقرات مع شرح منّا في ص36 - 37؛ فراجع.

، ومن نام لم

1) - قال المجلسي رحمه الله: (الونى الضعف والفتور).

2) - قال المجلسي رحمه الله: قال الفيروزآبادي: حم الشيء، أي: قدر، وأحم، أي:- حان وقته.

3) - آية/41 سورة التوبة (أضيفت إلى أوّل كلمة منها الفاء لاقتضاء المقام إياها).

4) - قال المجلسي رحمه الله: ولا تثاقلوا، بالتشديد والتخفيف معاً إشارة إلى قوله تعالى: (مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ)، الآية، وقال الفيروزآبادي: تثاقل عنه تباطأ، والقوم لم ينهضوا للنجدة وقد استنهضوا لها).

5) - قال المجلسي رحمه الله: (في النهاية: الخسف النقصان والهوان).

6) - قال المجلسي رحمه الله: (في النهاية: أصل البوء اللزوم، وأبوء، أي: أقرّ وألتزم وأرجع).

7) - كذا في الأصل، وفي النهج الأخس من الخساسة، أما شرح النهج ففيه: الخسر، وفي البحار لآخر، ومن ثمّ قال مصحّح البحار - قدّس الله روحه ونور ضريحه - في هامش الكتاب مشيراً إلى الكلمة: في النهج: الأخس، لم يتعرّض [أي المجلسي رحمه الله] لشرح هذه الفقرة، وفيما عندنا من النسخ ليس شيء يطمئن إليه النفس، وآخر ما انتهى إليه نظري القاصر أنّ قوله: يكن، معطوف على: تقروا، أي: لا تثاقلوا فيكن نصيبكم لآخر، أي غيركم يعني معاوية.

8) - قال مصحّح البحار السيّد السند الجليل الميرزا محمّد خليل - قدّس الله روحه ونور ضريحه - في هامش الصفحة (ص653 ج8) أي: إنّ الرجل المحارب الذي يترك النوم والراحة، وقوله: الأرق، وصف من قولهم أرقت بالكسر أي سهرت فأنا أرق، وقال المجلسي رحمه الله في ثامن البحار ضمن توضيحه لعبارات كتاب نقله عن نهج البلاغة (ص660): في النهاية: الأرق هو السهر ورجل أرق إذا سهر لعلّة، فإن كان السهر من عادته قيل: أرق، بضم الهمزة والراء، وأخو الحرب ملازمه.

ينم عنه(1)، ومن ضعف أودى(2)، ومن ترك الجهاد [في الله] كان كالمغبون المهين.

اللّهمّ اجمعنا وإياهم على الهدى، وزهدنا وإياهم في الدنيا، واجعل الآخرة خيرا لنا ولهم من الأولى، والسلام(3)

أقول: الكتاب مذكور في الإمامة والسياسة ، لابن قتيبة (ج1 ص161 - 166).

فليعلم أنّ ابن أبي الحديد قد أطال الكلام في شرح هذا الكتاب وخاض في بيانه بما يقتضيه المقام من الحلّ والعقد والنقض والإبرام، فمن أراد الاطّلاع على ذلك فليراجع الشرح المذكور (ج4 ص164 - 199).

4- إلى هنا ينتهي ما نقل من كتاب الغارات.

))(4).

1) - قال المجلسي رحمه الله: ومن نام لم ينم عنه؛ لأنّ العدوّ لا يغفل عن عدوّه.

2) - قال المجلسي رحمه الله نقلاً عن الجوهري: (أودى فلان هلك فهو مود).

3) - هنا تم الكتاب الذي ذكرنا سنده فيما سبق (أعني302).

صدقوا وكذبوا

اشارة

عنوان فيه مغزى ليس هو منّي، بل هو من ابن عبّاس، قاله ابن عبّاس لأبي الطفيل وقد سأله عن طواف النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وسعيه:

((قال: قلت له: يزعم قومك أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم رَمل بالبيت، وأنّ ذلك سُنّة؟

فقال: صدقوا وكذبوا.

قلت: وما صدقوا؟ وما كذبوا؟

قال: صدقوا رَمل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بالبيت، وكذبوا ليس بسُنّة، إنّ قريشاً قالت زمن الحديبية: دعوا محمّداً وأصحابه حتّى يموتوا موت النغف، فلمّا صالحوه على أن يقدموا من العام المقبل ويقيموا بمكّة ثلاثة أيام، فقدم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم والمشركون من قبَل قيقعان، فقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لأصحابه: (أرملوا بالبيت ثلاثاً، وليس بسُنّة).

قلت - والقائل أبو الطفيل -: ويزعم قومك أنّه طاف بين الصفا والمروة على بعير، وأنّ ذلك سُنّة؟

فقال: صدقوا وكذبوا.

فقلت: وما صدقوا؟ وما كذبوا؟

فقال: صدقوا قد طاف بين الصفا والمروة على بعير، وكذبوا ليست

بسُنّة، كان الناس لا يُدفعون عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ولا يُصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه ولا تناله أيديهم.

قلت - والقائل هو أبو الطفيل -: ويزعم قومك أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم سعى بين الصفا والمروة، وأنّ ذلك سُنّة؟

قال: صدقوا وكذبوا...)).

والخبر طويل أخرجه أئمّة الحديث، ومنهم: أحمد بن حنبل في مسنده(1).

أمّا أنا وحاجتي في هذا الحديث استعارة قول ابن عبّاس في لفظه ومعناه، فأنا لست ابن عبّاس في علمه وفهمه، فذلك ترجمان القرآن وحبر الأُمّة، ولكنّي أمتح من قليبه، وأرد من معينه، وقد تعلّمت منه كيف يمكن معالجة ما استبهم فهمه على السائل ممّن كان كأبي الطفيل، وكم له من أمثال في كلّ زمان ومكان.

فأنا أقوله في جواب من يسألني عن موضوع بيت مال البصرة، وتهمة ابن عبّاس بحمله، فأنا لست مع المثبتين في جميع رواياتهم، ولكنّي لست ضدّهم في جميعها، كما إنّي مع النافين، ولكنّي لا أسايرهم في خطواتهم، ولا مع المتردّدين أيضاً، كيف وأنا على ما عندي على يقين من صحّته، فلذلك صحّ لي أن أجيب من يقول كيف ذا؟ فأجيبه بما أجاب ابن عبّاس نفسه أبا الطفيل على مسائله حين قال له: يزعم قومك... فقال: صدقوا وكذبوا.


1) - مسند أحمد 4/247 برقم 2707، ومرّة أخرى في 4/302 برقم 2843.

وأنا أقول عمّا يزعم المثبتون ويزعمه النافون لكلّ منهم: صدقوا وكذبوا. وسيأتي بيان ذلك بتفصيل، يقطع جهيزة أصحاب القال والقيل، لأنّ الموضوع بالغ الدقّة، ويحتاج إلى شيء من التأمّل وفهم التأويل، ويزداد بحثه صعوبة كلّما حُشدت فيه كتب وبحوث، ولا ريب أنّ منها زاهرة فاخرة، ومنها فاترة فاقرة، ولا أزعم لنفسي أنّي قرأت ما غاب عن جمهرة الدارسين، ولكنّي جمعت ثمّ جَمّعت، وأعني أنّي جمعت أوّلاً ما تناثر في بطون الكتب، فألفت بين متنافرها ومتناثرها، فتوصّلت في نهاية الطريق إلى ما هو الحقّ الحقيق، وأولى بالتصديق، بعد مزيد من التحقيق.

إذ فككت التشابك، ونبذت الفوضى، فيما أسيئ فيه الطرح فانهدم عليهم الصرح، ومن الطبيعي أن لا يساء الفهم بعد الهدم، لأنّ ما وعيته في هذا الباب ممّا لا يأباه التاريخ، كما لا تأباه سُنّة الحياة، ولا ينافي الشرع الإسلامي، قال تعالى: وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ(1)، وبهذا جمعت من الأخبار بالتقميش، وكتبت ما جمعت به بين الأخبار والآثار بعد التفتيش، من دون تهميش أو تشويش.

لقد اعتمد المثبتون ما مرّ ذكره من نصوص تاريخية، فاعتبرت أدلّة ثبوتية، وهي لو سلمت ممّا تخلّلها من فجوات واسعة، لأمكن الاستدلال بها، ومتابعة أصحابها القائلين بثبوتها، ولا لوم على من اعتمد أدلّتهم بالمتابعة، ابتداءً من كتاب أبي الأسود إلى الإمام عليه السلام يعلمه بخيانة ابن عمّه


1) - سورة الإسراء/35.

في بيت المال، ومروراً بمراحل رحلة المفارقة، وانتهاءً بسكنى ابن عبّاس بمكّة المكرّمة، وختاماً بكفّ الإمام عليه السلام عن المطالبة والمحاسبة بعد التهديد بحمل المال إلى معاوية ليقاتله به.

ولكن هذه - جميع نصوصه التاريخية - لم تسلم من مناقشة، وفيما بينها من تعارض ينقض الأساس، وتنهار أمامها جميع أحكام المثبتين، فلا تغني أسانيد الرواة - على أنّها غير سليمة - ولا تغنيه كثرة المدونات، ولا قناعة المؤرّخين الذين أرسلوها إرسال المسلّمات.

وقد مرّت الإشارة من ذي قبل في التعقيب على النصوص، ما نستهدي به إلى بواطن الخلل بين لبنات البناء الذي لم يحكم أساسه، وليست الحاجة فعلاً إلى معرفة أصحاب النصوص الذين لهم دور في إشاعة الحدَثَ، والأولى بنا تنبيه القارئ إلى وجود منافذ نور يسعه بنفسه تقصّي الحقائق على ضوئها، فيميّز الصحيح من العليل، والأصيل من الدخيل، وأهمّها في نظر هذا الباحث اثنتا عشرة عيناً معيناً تنبجس منها منافذ النور، وهي على النحو التالي:

المعين الأوّل:اختلاف صور الحديث في المصادر المسندة.

وقد تقدّم عرضها عرضاً شاملاً، وهذا الاختلاف ليس من قبيل التفاوت في اللفظ الذي لا يغيّر من جوهر المعنى، بل في بعضها ما يمس جوهر القضية من تزيّد متعمّد، أو تمهيد ممّهد، وفي بعضها سكوت لا عن

إغفال، وإهمال لما يقتضيه الحال، وكلّ هذا يوحي بعدم صحّة الحديث، وحسب القارئ ملاحظة الاختلاف في مقدار المال المأخوذ.

المعين الثاني: ظاهرة الإرسال عند أكثر المؤرّخين، بما يوهم ثبوت الحادثة.

على أنّ الإرسال نفسه عيب في الرواة، ولا فرق بين المحدّثين والمؤرّخين.

المعين الثالث: عدم سلامة حال الرواة عند المسندين.

كما مرّت الإشارة إلى بعض هذا في التعقيبات على النصوص، وسيأتي غيرها أيضاً.

المعين الرابع: مناقشة المتون من بدء الرواية إلى نهايتها.

اشارة

وأهمّها من أين اطّلع الراوي الواحد على ما دار من كتب بين أصحابها، وهو ليس منهم، ولا هو الرسول الذي حملها جميعاً، اطّلع عليها وقرأها؟

فكيف يصدّق راوٍ كأبي الكنود الذي زعم أنّ الإمام عليه السلام كتب معه

إلى ابن عبّاس - كما في رواية العقد الفريد - فلو أغمضنا النظر عن زعمه، أليس من حقّنا أن نسأل منه: هل كان هو الحامل لبقية ما دار بينهما من كتب؟

وإذا كان هو الحامل فمن أين له الاطّلاع على ما فيها؟

وهل أنّ المرسِل والمرسَل إليه أطلعاه على رسائلهما؟

وهل يعقل أنّ أبا الأسود، أو الإمام عليه السلام، أو ابن عبّاس كلّهم أطلعوه على ما دار بينهم من كتب؟ أم أنّ الرسل بينهم اختانوهم فاطلعوا على كتبهم من دون علمهم! هذا إذا لم يكن هو رسول واحد لا غيره، فمن أين له الاطّلاع على ما حمله أو حملوه من كتب؟

وبعد الإغماض عن مناقشة جميع ما تقدّم، هل وسع الزمان المتيقّن لحدوث القضية بجميع ملابساتها ومتطلباتها، وهذا الجانب لم تسبق منّي الإشارة إليه، ولم أعهد من بحثه أحد قبلي، وهو خير دليل على نفي الحدث جملة وتفصيلاً، إذا قبلت رواية من ذكرها بطمّه ورمّه، ولا بدّ لي من وقفة إيضاح في هذا المقام، فأقول:

لمّا كان لكلّ حادثة زمان حدوث يفترض تعيينه، ليترتّب عليه معرفة الصحّة وعدمها نفياً أو إثباتاً، وحادثة أخذ ابن عبّاس لبيت مال البصرة لم تؤرّخ يوماً أو شهراً أو سنة، إلاّ ما ذكره أصحاب الحوليات من ذكرها في في حوادث سنة (39ه-)، أو سنة (40ه-).

إذاً لا بدّ لها من تحديد زمان وقوع، ولا يمكن حصر تعيين زمانها إلاّ باستعراض الحوادث المعلومة التاريخ التي كانت قبلها أو بعدها، فإنّ

تسلسل تلك الحوادث، يحصر حادثة الخيانة بفترة زمنية محدودة بدءاً ونهاية، ونحن مع المؤرّخين في عرض المدونات المؤرّخة أياماً وشهوراً وسنة، والتي كانت تذكر ابن عبّاس بذاتية خاصّة له فيها، وحالة معيّنة في يوم أو شهر أو سنة.

فقالوا: إنّه كان في سنة (39ه-) قد ذهب ليقيم فرض الحجّ للناس، وحدثت تلك السنة المشادّة مع يزيد بن شجرة الرهاوي الذي أرسله معاوية ليتولّى إمارة الحجّ في الموسم، وكادت أن تقع الفتنة، لولا توسط أقوام منهم أبو سعيد الخدري على اعتزال طرفي النزاع، ويقيم الموسم شيبة بن عثمان الجمحي كما في الطبري وغيره(1).

وهذا آخر مشهد لابن عبّاس فيه ذاتية الولاء والطاعة للإمام عليه السلام ظاهرة!

فإذا عرفنا أنّه كان في حجّ سنة (39ه-) أمير الموسم من قبل الإمام عليه السلام، فلا بدّ من تدقيق الحساب في الفترة الزمنية بين موسم حجّ عام (39ه-)، وبين شهادة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في 21 رمضان سنة (40ه-)، فهي المدّة التي يمكن دعوى حدوث الخيانة فيها.

وهذه المدّة لا تزيد على تسعة أشهر ونصف على أكثر تقدير، مع فرض تمامية جميع الشهور الهلالية، وهذا ما لم يقع خارجاً فيما أحسب.


1) - تاريخ الطبري، والكامل ، لابن الأثير في حوادث سنة 39، والبداية والنهاية ، لابن كثير 7/321، وشذرات الذهب ، لابن العماد الحنبلي 1/48، وغيرها.

فهذه الفترة الزمنية المحدودة في المبدأ منذ موسم حجّ عام (39ه-)، والمحدودة في النهاية بشهادة الإمام عليه السلام في 21 رمضان، لا تسع لوقوع جميع ما جرى من أحداث في حديث الخيانة، بجميع أطرافه، وما يمت إليه، ممّا يلزم أخذه بنظر الاعتبار.

فإنّا إذا نظرنا إلى الحديث فيما يرويه الرواة، بدقّة فاحصة، نجد مجموعة أحداث يحتاج كلّ منها إلى حصّة خاصّة به من الزمن المفروض بين المبدأ والمنتهى، وقد تكون وحداته تقرب من عشرين، بالبيان التالي:

1- إمارة الموسوم في سنة (39ه-)، فهو بمكّة، وبقي بها إلى اليوم الخامس عشر، كما يأتي بيانه.

2- الرجوع من مكّة إلى البصرة.

3- وقوع الخيانة بالبصرة.

4- علم أبي الأسود بذلك.

5- كتاب أبي الأسود إلى الإمام عليه السلام في ذلك والإمام عليه السلام في الكوفة.

6- كتاب الإمام عليه السلام من الكوفة إلى ابن عبّاس بالبصرة يأمره برفع كشف بالحساب.

7- جواب ابن عبّاس من البصرة إلى الإمام عليه السلام بالكوفة بنفي التهمة وتكذيب الوشاية.

8- كتاب الإمام عليّ عليه السلام من الكوفة إلى ابن عبّاس بالبصرة مصّراً على رفع الحساب.

9- جواب ابن عبّاس من البصرة إلى الإمام عليه السلام بالكوفة معلناً عزمه على المفارقة.

10- أخذ ابن عبّاس الأموال ومعارضة الأخماس له، وحماية قيس له بالبصرة.

11- ذهابه إلى مكّة المكرّمة.

12- إقامته بمكّة وشراؤه من مولدات مكّة والطائف.

13- وصول الخبر بذلك من مكّة إلى الإمام عليه السلام بالكوفة.

14- كتاب الإمام عليه السلام من الكوفة إلى ابن عبّاس بمكّة موبّخاً توبيخاً عنيفاً.

15- جواب ابن عبّاس من مكّة إلى الإمام عليه السلام بالكوفة متهاوناً بما جرى.

16- كتاب الإمام عليه السلام من الكوفة إلى ابن عبّاس بمكّة مؤنّباً ومهدداً بسوء العاقبة لعظم الجناية.

17- جواب ابن عبّاس من مكّة إلى الإمام بالكوفة معيّراً بإراقة الدماء.

18- كتاب الإمام عليه السلام من الكوفة إلى ابن عبّاس مجيباً.

19- جواب ابن عبّاس من مكّة إلى الإمام عليه السلام بالكوفة مهدّداً بحمل المال إلى معاوية.

20- كفّ الإمام عليه السلام عنه على مضض.

فكلّ مفردة من هذه الوحدات تحتاج إلى قسط من الزمان، وسأذكر لكلّ واحدة منها ما يفرضه علماء الشريعة وعلماء البلدان والجغرافية من

زمن محدود.

أوّلاً: إمارة الموسم: قال الماوردي الشافعي، وأبو يعلى الحنبلي في كتابيهما (الأحكام السلطانية):

((الباب العاشر: في الولاية على الحجّ، وهذه الولاية ضربان: أحدهما أن تكون على تسيير الحجيج، والثاني على إقامة الحجّ))، وذكرا لكلّ منهما شروطاً تخصّ الوالي، ومن جملة ما ذكراه في شروط ولاية الثاني، فقالا:

((وتكون مدّة ولايته مقدرّة بسبعة أيام، أوّلها من صلاة الظهر في اليوم السابع من ذي الحجّة، وآخرها يوم الحلاق، وهو النفر الثاني في اليوم الثالث عشر من ذي الحجّة...))(1).

وقالا: ((فلا ينفر إلاّ بعد استكمال المناسك))(2).

كما ذكروا في شروط ولاية الأوّل، فقالا: ((فإذا قضى الناس أمهلهم الأيام التي جرت بها العادة في إنجاز علائقهم ولا يرهقهم في الخروج))(3).

ولا شكّ أنّ ولاية ابن عبّاس على الموسم من قبل الإمام عليه السلام كانت عامّة، وتشمل الضربين معاً، بمعنى أنّه كان والياً لتسيير الحاج العراقي عامّة، أو للبصري خاصّة، إذ لا يعقل أن يكون هو أمير الموسم من قبل الإمام عليه السلام ويتولّى غيره تسيير الحاج العراقي أو البصري.


1) - الأحكام السلطانية، للماوردي: 95، والأحكام السلطانية، للفراء الحنبلي: 96.

2) - الأحكام السلطانية، للماوردي: 98، الأحكام السلطانية، للفراء: 98.

3) - الأحكام السلطانية، للماوردي: 95، الأحكام السلطانية، للفراء: 95.

كما أنّ ولايته على إقامة الموسم معلومة بفرض إرساله أميراً على الموسم. فإذاً لم يخرج ابن عبّاس من مكّة إلاّ بعد اليوم الرابع عشر على أقل تقدير، ولنفترض خروجه في اليوم الخامس عشر.

ثانياً: الرجوع إلى البصرة، فمن أي طريق سلك؟

لم أقف على نص يعيّن لنا الطريق التي سلكها ابن عبّاس عند رجوعه إلى البصرة بعد انقضاء الموسم، فإنّ الطرق المحتمل سلوكها أربع، تتفاوت أبعادها قُصراً وطولاً، فلم يبق لدينا غير الحدس والتخمين بعد تعذّر التعيين، والطرق المحتمل سلوكها أربع هي:

1- طريق مكّة - البصرة.

2- طريق مكّة - المدينة - البصرة.

3- طريق مكّة - المدينة - الكوفة - البصرة.

4- طريق مكّة - الكوفة - البصرة.

ونظراً لمقام ابن عبّاس العلمي والعملي، وعلاقته النسبية والسببية، فيبعد سلوكه الطريق الأوّل دون التشرف بزيارة القبر النبوي الشريف، لأنّ زيارة قبر الرسول صلي الله عليه وآله وسلم بعد الحجّ سُنّة مؤكّدة، لِما ورد عنه صلي الله عليه وآله وسلم قال: (من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني)(1)، فإنّ ابن عبّاس أولى من يقيم هذه السُنّة، مضافاً إلى صفته الرسمية، وهي إمارة الموسم من قبل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.


1) - موسوعة أطراف الحديث النبوي 8/232، ط عالم التراث بيروت.

وقد تقدّم أنّ ولاية الحجّ على ضربين:

أ- تسيير الحاج.

ب - إقامة المشاعر.

وقلنا أنّ ولاية ابن عبّاس كانت جامعة للقسمين، أمّا تسير الحجيج - فللعراقي عامّة، وللبصري خاصّة، فهو وظيفته الرسمية، وأمّا إقامة مشاعر الحجّ وما يليها من السنن فكذلك هي ثابتة، إن لم تكن لجميع حجّاج المسلمين - لتنازع ابن شجرة الرهاوي في أهل الشام معه فيها - فهي ثابتة للحاج العراقي ومن والاهم، ومهما كانت مخالفة أهل الشام له، فلا نزاع لهم معه في تسيير الحاج العراقي في عودتهم على طريق المدينة لزيارة قبر الرسول صلي الله عليه وآله وسلم، رعاية لحرمته، وقياما بحقوق طاعته(1)؟

فإذاً من المستبعد رجوعه من مكّة إلى البصرة من دون زيارة قبر الرسول صلي الله عليه وآله وسلم.

ويبقى احتمال سلوكه إحدى الطرق الثلاث الباقية: طريق مكّة - المدينة البصرة، أو طريق مكّة - المدينة - الكوفة - البصرة، أو طريق مكّة - الكوفة - البصرة، والثالث عطفاً على الأوّل سابقاً لما مرّ من وجه استبعاده.

فهو إذاً جاء من مكّة إلى المدينة، ومنها إمّا إلى البصرة رأساً، وإمّا إلى الكوفة، ثمّ منها إلى البصرة، وهذا هو الأقرب ترجيحاً، نظراً لما تمليه طبيعة ذلك الظرف ممّا يستدعي اللقاء مع الإمام عليه السلام لشرح الحال فيما مرّ،


1) - الأحكام السلطانية، للماوردي: 95، الأحكام السلطانية، للفراء الحنبلي: 95.

وللتشاور حول معالجة خطط معاوية وغاراتها العدوانية التي سبّبت الاضطراب في أطراف البلدان الشرقية للخلافة الإسلامية، ولِما كان ابن عبّاس من أبرز عمّال الإمام عليه السلام وإليه ترجع تولية العمّال في تلك البلاد التي تمثل أكثر من نصف البلاد التي يحكمها الإمام عليه السلام، وحدث له بمكّة نزاع مع ابن شجرة الرهاوي المرسل من قبل معاوية؛ فمن المقبول جدّاً، والمعقول أيضاً أن يكون رجوعه من المدينة إلى البصرة من طريق الكوفة، ثمّ منها إلى البصرة، للاجتماع بالإمام عليه السلام واطّلاعه على سير ما حدث له وصادفه من معارضة، وانشقاق في صفوف وصنوف الحاج هذا العام من موالين وأعداء.

وهذا هو الأوجه، وبسلوك الوالي مع الخليفة أشبه.

وسواء استوجهنا هذا الاحتمال، أو الذي قبله، فلا بدّ لنا من إحاطة القارئ بمعرفة المسافات بين كلّ من مكّة والمدينة والكوفة والبصرة، لأنّنا نحتاج إلى معرفة أبعاد ما بينها من مسافات لتقدير الزمان في سلوكها عند ذكر الوحدات في مفردات حديث الخيانة بجميع أطرافه، فنقول:

أبعاد المسافات بين مكّة وبين البلدان الثلاثة: المدينة، والكوفة، والبصرة:

1- المسافة بين مكّة والمدينة.

قال الإصطخري الكرخي: ((ومن المدينة إلى مكّة نحو عشر مراحل))(1).


1) - المسالك والممالك: 27، ط ليدن، وص28، ط مصر.

وقال اليعقوبي: ((ومن المدينة إلى مكّة عشر مراحل آهلة))(1).

وقال ياقوت: ((ومن المدينة إلى مكّة نحو عشرة مراحل عامرة في طريق الجادة))(2).

والمرحلة: ما يقطعها المسافر في يومه(3).

فتكون المدّة التي يقضيها المسافر بين الحرمين هي عشرة أيام.

ويؤكّد صحّة هذا التقدير: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم لمّا سار إلى فتح مكّة، خرج من المدينة لعشر مضين من شهر رمضان، ودخل مكّة لعشر بقين منه(4)، والشواهد كثيرة.

2- المسافة بين مكّة والكوفة.

قال الإصطخري الكرخي: ((فإنّ من الكوفة إلى المدينة نحو من 20 مرحلة، ومن المدينة إلى مكّة نحو 10 مراحل، وطريق الجادة من الكوفة إلى مكّة أقصر من هذا الطريق بنحو من 3 مراحل))(5).

وقال اليعقوبي: ((فمن الكوفة إلى المدينة نحو عشرين مرحلة، ومن المدينة إلى مكّة نحو عشر مراحل في طريق الجادة من الكوفة إلى مكّة


1) - البلدان، لليعقوبي: 313، ط أوربا.

2) - معجم البلدان 7/300، 320.

3) - المصباح المنير، للفيومي: 303، ط بولاق.

4) - العقد الثمين، للفاسي 1/154 - 157.

5) - المسالك والممالك: 27، ط ليدن، وص28، ط مصر.

أقصر من هذا الطريق نحو ثلاث مراحل))(1).

فهذا التقدير يعني أنّ المسافة بين مكّة والكوفة تقطع بسبعة وعشرين يوماً، كما أنّ المسافة التي بين المدينة ومكّة تقطع بعشرين يوماً.

3- المسافة بين مكّة والبصرة.

قال ابن رستة في (الأعلاق النفيسة): ((فجميع ما بين البصرة ومكّة 25 مرحلة))(2).

4- المسافة بين البصرة والمدينة.

قال الإصطخري في (المسالك والممالك): ((وأمّا طريق البصرة فهو إلى المدينة نحو 18 مرحلة))(3)، ونحو هذا في (معجم البلدان) لياقوت الحموي(4).

5- المسافة بين البصرة والكوفة.

قال السلطان عماد الدين صاحب حماة في (تقويم البلدان): ((ومن البصرة إلى الكوفة نحو اثنتي عشر مرحلة))(5).

وقال ابن رستة في (الأعلاق النفيسة) بعد ذكر المنازل بين البصرة


1) - معجم البلدان 7/300.

2) - الأعلاق النفيسة: 181.

3) - المسالك والممالك: 28.

4) - معجم البلدان 7/432.

5) - تقويم البلدان في بلوغ الإرب 1/186.

والكوفة: ((هذا هو الطريق الذي كان يسلكه العمّال أيام بني أُميّة، ومسافة هذا الطريق 85 فرسخاً))(1).

فتبيّن من مجموع ما تقدّم: أنّ بين البصرة ومكّة 25 مرحلة يقطعها المسافر في 25 يوماً، وأن بينها وبين المدينة 18 مرحلة يقطعها المسافر في 18 يوماً، وأنّ بينها وبين الكوفة 12 مرحلة، يقطعها المسافر في 12 يوماً، حسب السير المتعارف يومئذ.

وإذا انتهينا من تقدير المسافات ومعرفة ما تستغرقه الرحلة من أيام، نعود إلى التطبيق في توزيع عدد الأيام، الذي حدّدناه مبدءاً من موسم الحجّ سنة (39ه-)، ومنتهى بشهادة الإمام عليه السلام 21 رمضان.. وهل يصحّ فرض وقوع الخيانة فيه؟ وهل يتّسع لجميع المفردات من وحدات الحَدَث كما سبق ذكرها؟

توزيع الزمان على مفردات الحَدَث على ضوء ما تقدّم من تقدير المسافات:

فلو أنا افترضنا أنّ ابن عبّاس:

1- خرج من مكّة في يوم 15 ذي الحجّة بعد انتهاء الموسم، وتوجّه إلى المدينة فأمضى عشرة أيام في الطريق فوصل يوم 25، ولنفترض أنّه أقام ثلاثة أيام للراحة، إذ لا يعقل مواصلة السير في يوم وصوله ولا في غده


1) - الأعلاق النفيسة: 180، ط ليدن.

وبعد غده، لأنّه سيقطع مسافة عشرين مرحلة في عشرين يوماً - إذا كان قاصدا الكوفة - أو ثماني عشرة مرحلة إذا كان قاصداً البصرة، فيكون خروجه من المدينة يوم 28 ذي الحجّة.

وإذا تم ما افترضناه من توجيه احتمال مجيئه إلى الكوفة، فيكون وصوله إليها يوم 18 محرم الحرام سنة (40ه-)، ولنفترض لإقامته ثلاثة أيام اجتمع فيها مع الإمام عليه السلام وأخبره بما جرى له في رحلته، وقرّر العودة إلى مقر عمله، (البصرة) فخرج يوم 22 محرم، ووصل البصرة يوم 4 صفر.

ولنفترض أنّه أخذ المال في ذلك اليوم، ومرّ على أبي الأسود وقال له: لو كنت جملاً...الخ، وعلم أبو الأسود بالخيانة، فبادر في ذلك اليوم أيضاً وكتب إلى الإمام عليه السلام يعلمه بالخيانة، وكلّ ذلك كان في يوم واحد؟!

• وهذا فرض غير يسير تصديقه - فيكون إرسال أبي الأسود كتاب الوشاية في يوم 5 صفر، وبإضافة زمن المسافة، فيكون وصول الكتاب إلى الإمام عليه السلام في يوم 17 صفر.

ولنفترض أيضاً أنّ الإمام عليه السلام كتب في يومه ذلك إلى ابن عبّاس يأمره برفع الحساب، وأرسل الكتاب في ذلك اليوم مع حامله الذي جاء به، سواء كان هذا مقبولاً أو لا، إذ لا يعقل أن يجشمه الإمام عليه السلام عناء الرحلة الشاقة في العودة وهو بعده لم يستقر يوماً للراحة.

ومهما يكن، فلنفترض بأنّ الإمام عليه السلام أرسل الكتاب يوم 17 صفر، وبإضافة زمن الرحلة المسير 12 يوماً، فيكون وصول الكتاب إلى ابن عبّاس يوم 29 صفر.

ولنفترض أنّ ابن عبّاس سارع في نفي التهمة، فكتب في ذلك اليوم إلى الإمام عليه السلام وأنفذ كتابه مع رسول ما، وبإضافة 12 يوماً للطريق، فيكون وصول جواب ابن عبّاس في يوم 11 ربيع الأوّل، فكتب الإمام عليه السلام مصرّاً على رفع الحساب وفيه تخويف ووعيد، فكان وصول هذا الكتاب إلى ابن عبّاس بإضافة أيام الرحلة 12 يوماً يوم 23 ربيع الأوّل.

ولنفترض أنّ ابن عبّاس (الخائن؟)(1)كتب إلى الإمام عليه السلام في ذلك اليوم أنّه ظاعن عن عمله بالبصرة ومفارق لإمارته وإمامه؟

ولنفترض أيضاً أنّ ابن عبّاس المشاقّ لإمامه كتب الكتاب، ولم يتريث ليرى أثره في نفس الإمام عليه السلام وردة فعله في هذه المغاضبة، بل أزمع على الرحيل من يومه، وبدأ بتهيئة رواحله، وحمل المال في الغرائر، وبعث خلف قيس فاحتمى بهم، ثمّ تحمّل بأهله وثقله، كلّ ذلك في نفس اليوم الذي أرسل به كتاب المغاضبة - وهذا ممّا لا يقبل بالتصديق إلاّ على أبعد الأحوال إن لم يكن من المستحيل - ومهما يكن فقد خرج فعارضته الأخماس، وجرى ما تقدّم ذكره من اعتزال ناس وإصرار آخرين، وأنّهم تحاجزوا أخيراً ففاتهم ابن عبّاس.

ولا بدّ من فرض زمان لجريان تلك الأُمور منذ أزمع على المفارقة


1) - من الآن وحتّى نهاية الحديث فلنتجوّز في تسمية ابن عبّاس كما شاء المثبتون (الخائن)، وإن لم نسمّه فإنّا نلاحظ عليه ما تقتضيه طبيعة الخيانة، فإنّ في ملاحظة ذلك بدقّة يبدّد كثيراً من الأوهام التي صورتها بعض الروايات كحقائق ثابتة.

وحتّى مضى، ولا أقلّ من ثلاثة أيام، فيكون انفكاكه عن ولاية البصرة في 27 ربيع الأوّل، وبإضافة 25 يوماً ليقطع المسافة إلى مكّة (البلد الحرام) فيكون وصوله إليها يوم 22 ربيع الثاني.

وحيث روى الرواة بعض كتب الإمام فجاء فيه: (اتّخذت مكّة وطناً، وضربت بها عطناً، تشتري المولدات من المدينة والطائف...)، ولنفترض أقل مدّة للإقامة الشرعية هي عشرة أيام، ولا نفترض أقلّ منها، لتعدّد ما قام به ابن عبّاس المتّهم بالخيانة، المفارق إمامه مغاضباً، ولا بدّ من إثارة الشبهات حوله، فبالأمس القريب كان أمير الموسم، واليوم قد عاد إلى مكّة مفارقاً لإمامه، ومعه أموال ليست من حلّ، فكيف يشتري بها المولدات من المدينة والطائف، فالهمز واللمز إن يحدثا اليوم فلا يذهب النسيان بهما غداً، بل يبقى عند قالة السوء ومن يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ما يزداد يوماً بعد يوم، ومهما فرضنا لهذا من قلّة زمان، فلا يمكن خفض الفترة إلى دون الشهر، لأنّ شيوع شرائه المولدات ووصول الخبر إلى الإمام بالكوفة، وكتابه في هذا إلى ابن عبّاس، يحتاج إلى مضاعفة مدّة الطريق أوّلاً لوصول الشهرة بشراء المولدات، وثانياً لوصول الكتاب فيها إلى ابن عبّاس، فتكون عشرة أيام للإقامة مضافاً وصول الخبر إلى العراق بشراء المولدات 27 يوماً، فيكون بإضافتها إلى ما سبق، أعني تاريخ وصوله إلى مكّة في 22 شهر ربيع الثاني، فيكون يوم وصول الخبر إلى الإمام عليه السلام يوم 29 جمادى الأولى.

ولنفترض أنّ الإمام كتب في ذلك اليوم إلى ابن عبّاس كتابه المطوّل

بالتوبيخ لابن عبّاس، وهو المذكور في (النهج)، وبإضافة 27 يوماً مدّة الطريق فيكون وصوله إلى ابن عبّاس في 26 جمادى الثانية.

وليكن ابن عبّاس بادر بإرسال الجواب في يوم وصول الكتاب، فبإضافة 27 يوماً للطريق، يكون وصول الجواب إلى الإمام عليه السلام في 23 رجب.

ولنفترض أنّ الإمام عليه السلام كتب ثانية موبّخاً ومخوّفاً، وأرسل الكتاب في ذلك اليوم 23 رجب، وبإضافة 27 يوماً للطريق، فيكون وصوله إلى ابن عبّاس في يوم 20 شعبان.

ولنفترض كذلك أنّ عبّاس كتب جواب ذلك معيّراً بإراقة الدماء - مع أنّه خاضها بسيفين، كما قيل عنه - وأرسل كتابه في يوم وصول كتاب الإمام إليه، وذلك في 20 شعبان، وبإضافة 27 يوماً للطريق يكون وصوله إلى الإمام عليه السلام في 17 رمضان.

ولنفترض أنّ الإمام عليه السلام كتب جواب هذا التعيير في اليوم الذي وصل إليه الكتاب، وبإضافة 27 يوماً للطريق، فيكون وصوله إلى ابن عبّاس في 14 شوال.

فأغاض ابن عبّاس ذلك، فكتب مهدّداً بحمل المال إلى معاوية إن لم يكفّ الإمام عليه السلام عنه، وبإضافة 27 يوماً للطريق، فيكون وصول هذا الكتاب إلى الإمام يوم 11 ذي القعدة. وهذا آخر ما روي من الكتب، وقالوا أنّ الإمام عليه السلام كفّ عنه.

هكذا يروي الرواة الغواة! فكيف لنا أن نصدّق أخبارهم حين يقولون: أنّ ابن عبّاس كتب كتاب التهديد - على ما افترضنا - يوم 14 شوال، أي: بعد شهادة الإمام عليه السلام 21 يوماً؟! وهل يعقل ويقبل أن يقال عن ابن عبّاس كتب؟!

ثمّ هو ألم يعلم بخبر الشهادة؟ وهذا ممّا يضحك الثكلى! كيف لم يبلغه الخبر وهو بمكّة، وقد بلغ المدينة ومكّة وبلاد المسلمين!

ألم تكن أُمّ المؤمنين عائشة سمعت به فتمثلت بقول الشاعر:

فألقت عصاها واستقّر بها النوى*** كما قرّ عينا بالإياب المسافر

قال الطبري: ((ولمّا انتهى إلى عائشة قتل عليّ(رضي الله عنه) قالت:

فألقت عصاها واستقّر بها النوى*** كما قرّ عينا بالإياب المسافرُ

فمن قتله؟ فقيل: رجل من مُراد. فقالت:

فإن يكُ نائياً فلقد نعاه*** غلام ليس في فيه التراب

فقالت زينب ابنة أبي سلمة: ألعليّ تقولين هذا؟

فقالت: إنّي أنسى، فإذا نسيت فذكروني))(1).

فكيف تسمع عائشة بالنبأ الفادح، ولا يسمع به ابن عبّاس؟! ولعظم الرزية فيه فقد أسمعت من به صمم، كما يقال. وقد مرّ في الجزء الرابع من الحلقة الأولى ما كان من ابن عبّاس في الكوفة من مشاركة في تجهيز


1) - في تاريخه 5/150.

الإمام عليه السلام وتأبين وحزن وبكاء(1)فراجع!

وبهذا العرض الشامل للكتب وفرض تقدير المسافات، نجد وصول آخر كتاب من ابن عبّاس - وهو التهديد بحمل المال إلى معاوية ليقاتل به عليّاً عليه السلام في 11 ذي القعدة، وبوصوله قال الرواة: فكفّ عنه الإمام عليه السلام، أي: إنّ ذلك كان بعد خمسين يوماً من شهادة الإمام عليه السلام ودفنه عليه السلام! لأنّه توفي في 21 شهر رمضان، فهل يعقل ذلك؟!

وقد يناقش جدلاً: بأنّ ابن عبّاس لم يسلك من مكّة طريق المدينة، ثمّ الكوفة، ومنها إلى البصرة، بل سار من مكّة إلى البصرة رأساً.

ولنسلّم جدلاً بهذا ولا ضير، ومعه فإنّ الزمن المحدّد لِما بقي من مفردات حديث الخيانة لا يسع جميعها!

فإنّا إذا خصمنا عشرة أيام للطريق بين الحرمين، وثلاثة أيام لإقامة المدينة، و20 يوماً للطريق بين المدينة والكوفة، وثلاثة أيام لإقامته بالكوفة، واثنتي عشر يوماً للطريق منها إلى البصرة، فيكون مجموع ذلك 48 يوماً، فلو حذفنا منها 25 يوماً للطريق من مكّة إلى البصرة، لكان ما بقي ممّا يخصم من المجموع 23 يوماً، وهذا يعني أنّ كفّ الإمام عليه السلام حين وصل إليه كتاب التهديد - وهو آخر الكتب من ابن عبّاس - كان في 18 شوال!

فلاحظ - أيّها القارئ العزيز - هذا بدقّة، لترى أنّ الكتاب بفرض


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع/حبر الأمّة وولايته على البصرة (مأساة الشهادة).

وصوله في 18 شوال بعد شهادة الإمام بسبعة وعشرين يوماً، أيقبل هذا ساذج التفكير سطحي القراءة، فضلاً عن النبيه الخبير؟!

وقد افترضنا في أفراد الرُسل الذين كانوا يحملون الرسائل من وإلى، كانوا يسيرون نفس الطريق الجادة المتعارف السير عليها يومئذ، ومع فرض التسامح أيضاً بأنّ الرسل كانوا متعدّدين، فإنّا لم نعثر على أسمائهم جميعاً سوى ذكر أبي الكنود الذي زعم أنّ الإمام عليه السلام كتب معه إلى ابن عبّاس(1)، ومهما يكن حال الرسل، فإنّا لم نفترض لهم في سلوكهم بين الكوفة ومكّة مرورهم بالمدينة للزيارة، على أنّ احتمال مرورهم من القوّة بمكان، وإذا أضفنا قسطاً من الزمن لذلك، يكون وصول آخر كتاب من ابن عبّاس وفيه التهديد بحمل المال إلى معاوية، وكفّ الإمام عليه السلام عنه في 9 ذي الحجّة الحرام أو بعده؟! وهو كما ترى!

ومع هذا كيف يمكن التصديق بحديث الخيانة بجميع مفرداته، مع وضوح ما فيه من تلفيق وتنسيق؟!!

وعلى الرغم من وضوح دقّة الحساب فيما مرّ، فثمّة رجال يتذرّعون بالتاريخ في المقام.

فقال بعضهم بالتواتر المعنوي للحَدَث التاريخي - خيانة ابن عبّاس - لتأييد نظرهم، دون التبصر فيما ينبغي التصديق به، ولا تروٍ في الاستنتاج، ولو كلّف بعضهم نفسه مشقّة الاستشارة التاريخية، لرأى في التاريخ ما لم


1) - العقد الفريد 4/357 تح أحمد أمين، وأحمد الزين، وإبراهيم الأبياري.

ينطق به الواقع، وهذا من الضعف في فهم الحقيقة فيوقع في الشطط والغلط، وكثير من طلبة التاريخ في هذا العصر نراهم على النصف من قول أبي حاتم الرازي التي هي مدعاة للتأمّل والإمتثال.

قال أبو حاتم - من أعيان القرن الثالث الهجري -: ((إذا كتبت فقمّش، وإذا حدّثت ففتش))(1)، ومعنى التقميش: هو الجمع من هنا وهناك، والقُماش: ما على وجه الأرض من فتات الأشياء، وتقمش الرجل: أكل ما وجد وإن كان دونا(2). وهذا النصف الذي عليه جلّ محقّقي العصر.

أمّا النصف الثاني من كلمة أبي حاتم الرازي: ((وإذا حدّثت ففتش))، فقليل ما هم الذين يُعنّون أنفسهم في معاملة النصوص التي قمّشوها معاملة الصيارفة لتفتيش البهرج والزيف في النقود.

ولئن تجاوزت في رأيي هذا نابتة عصرنا، فلأنّي على شكّ من الباقين، وهم الكبار. فلقد قال علماء التاريخ: ((شكّ المؤرّخ رائد الحكمة))، كما قالوا: ((الأصل في التاريخ الاتهام لا براءة الذمّة)).

وبهذا ننهي الحديث في مناقشة المتون زماناً ومكاناً، ونهيب الآن بالقارئ مراجعة المعين الخامس من منافذ النور، وهو المعارضة بما هو أقوى ثبوتاً، وأوضح دلالة.


1) - مقدّمة ابن الصلاح: 211.

2) - المحيط في اللغة (قمش).

المعين الخامس: وهو الأقوى في المعارضة بما هو أقوى ثبوتاً وأوضح دلالة.

اشارة

وفيه عشرة شواهد فيها منافذ نور، يستهدي بها من يعارض حديث الخيانة، بإمارات الأمانة وقوّة الديانة.

ويمكن تلخيص تلك الحوادث المعارضة، لما فيها من شواهد ثبوتية وإيجابية في حُسن مواقف ابن عبّاس رضي الله عنه، ويجمعها وجود ابن عبّاس في الكوفة في شهر رمضان سنة (40ه-) من الهجرة، وهو الشهر الذي استشهد فيه الإمام عليه السلام، وهي ناهزت العشرة، وفي قراءتها تبصرة لمن يعيش الصورة المحيّرة التي عليها قترة، وهي كما يلي:

1- عشاء الإمام عليه السلام عنده في بعض الليالي.

2- كلامه مع الإمام عليه السلام بعد ما ضربه ابن ملجم وقد امتنع عن الطعام.

3- مسائله التي أحجم عن ذكرها رعاية لحال الإمام عليه السلام.

4- ولادة ابنه علي بالكوفة في شهر رمضان سنة (40ه-).

5- حضوره بالكوفة بعد شهادة الإمام عليه السلام.

6- مشاركته في تغسيل الإمام عليه السلام.

7- تأبينه للإمام عليه السلام في مسجد الكوفة.

8- دعوته الناس واستكشاف دخائلهم في مبايعة الإمام الحسن عليه السلام.

9- خطبته بين يدي أبي محمّد الحسن عليه السلام.

10- تولية الإمام الحسن عليه السلام له ثانياً على البصرة.

ومن بعد هذا ستأتي شواهد غيرها ممّا تدلّ على وجوده بالبصرة أيضاً طيلة خلافة الإمام الحسن عليه السلام.

فعودة بنا إلى شواهد وجوده بالكوفة:

الأوّل: عشاء الإمام عليه السلام عنده في بعض ليالي شهر رمضان.

فقد روى ذلك أبو نعيم الفضل بن دكين: ((عن عبد الجبار بن العبّاس، عن عثمان بن المغيرة، قال: لمّا دخل شهر رمضان، كان أمير المؤمنين عليه السلام يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن العبّاس، وكان لا يزيد على ثلاث لقم، فقيل له: ليلة من تلك الليالي في ذلك، فقال: (يأتيني أمر الله وأنا خميص، إنّما هي ليلة أو ليلتان)، فأصيب في آخر الليل)).

أخرج هذا عن أبي نعيم الفضل بن دكين بسنده، عن عثمان بن المغيرة، جماعة من أعلام المحدّثين والمؤرّخين منهم:

1- يعقوب بن سفيان البسوي (ت277ه-)، وعنه في (كنز العمّال) ج6/413، ط حيدر آباد الأولى.

2- الشيخ المفيد (ت413ه-) في كتابه (الإرشاد 18)، ط حجرية سنة 1308ه-، وص8 ط حجرية سنة 1320ه-، وص15 ط الحيدرية، وقد وقع سهو النساخ في اسم عبد الجبار بن العبّاس - أحد الرواة - فذكر باسم (حيان ابن العبّاس) فلينتبه إلى تصحيحه، كما جاء صحيحاً في أسانيد ابن عساكر،

والخوارزمي، والحمويني، وغيرهم.

3- ابن عساكر (ت573ه-) في (تاريخ مدينة دمشق) في ترجمة الإمام عليه السلام ج3/294، تحقيق المحمودي، وعنه في (كنز العمّال) ج6/413 ط الأولى حيدر آباد، وج15/174 ط الثانية حيدر آباد.

4- أخطب خوارزم الحنفي (ت568ه-) في كتابه (المناقب) ص322 ط حجرية سنة 1313ه-، وعنه الإربلي في (كشف الغمّة) ج1/414، نشر مكتبة الشريف الرضي بدمشق.

5- ابن منظور الأنصاري (ت711ه-) في (مختصر تاريخ دمشق) 18/88 ط1 سنة 1402ه-.

6- شيخ الإسلام الحمويني (إبراهيم بن محمّد الجويني) (ت730ه-)، فقد رواه في كتابه (فرائد السمطين) في الباب السبعين ج1/387 تح المحمودي.

7- جمال الدين محمّد بن يوسف الزرندي الحنفي (ت750ه-)، رواه في كتابه (نظم درر السمطين) ص136 ط القضاء في النجف الأشرف سنة 1377ه-، عن عثمان بن المغيرة، ولم يذكر طريقه إليه.

ولمّا كان هذا ثابتاً، فقد رواه جماعة من متأخّري الأصحاب مرسلاً:

منهم الشيخ الجليل هاشم بن محمّد من أعلام القرن السادس، في كتابه (مصباح الأنوار) ج2 باب34 (مخطوط) بمكتبة السّادة آل الخرسان.

ومنهم الشيخ الفتال النيسابوري الشهيد (508ه-) في كتابه (روضة

الواعظين) ص135 ط الحيدرية، بتقديمي.

ومنهم السيّد علي خان المدني الشيرازي (ت1120ه-)، في كتابه (الدرجات الرفيعة) ص118، فقال:

قال المؤلّف عفا الله عنه: وممّا يدلّ على أنّ ابن عبّاس لم يفارق

أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن قُتل، ما رواه المؤيد الخوارزمي في مناقبه عن عثمان بن المغيرة - ثمّ ذكر الخبر، ثمّ قال - وروى ذلك مصنّف كتاب (زهد عليّ بن أبي طالب عليه السلام).

أقول: لمّا كان هذا الاسم أحد أسماء عدّة كتب في الزهد كتبها الشيخ الصدوق (ت281ه-) مؤلّف (من لا يحضره الفقيه)، فقد كتب ثلاثة عشر كتاباً، جعل كلّ كتاب خاصّاً بزهد أحد المعصومين عليه السلام بدءاً من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ثمّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ فاطمة الزهراء عليه السلام، ثمّ باقي الأئمّة، حتّى الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليهم أجمعين(1)، فالمظنون قوّياً هو مراد السيّد المدني رحمه الله.

ومنهم الشيخ أبو الحسن الفتوني (ت1138ه-) في كتابه (ضياء العالمين) (نسخة مصورة) بمكتبتي.

ومنهم الشيخ المجلسي (ت1111ه-)، في (بحار الأنوار) نقلاً عن أصحاب المصادر المتقدّمة.

وأخيراً منهم المحدّث الشيخ عبّاس القمّي (ت1359ه-) في كتابه


1) - راجع الذريعة 12/65، ومقدّمة كتاب من لا يحضره الفقيه ج1 س أ س، ط النجف.

(الأنوار البهية) ص30.

ومن الخير تعريف القارئ برجال السند عند المسندين للخبر كما تقدّم، فأقول:

إنّ أبا نعيم الفضل بن دكين وثقه أحمد، وقال: كان يقظاناً في الحديث عارفاً به، وقال: إذا مات أبو نعيم صار كتابه إماماً إذا اختلف الناس في شيء فزعوا إليه.

وقال ابن عمّار: أبو نعيم متقن حافظ، إذا روى عن الثقات فحديثه أرجح ما يكون.

وقال العجلي: أبو نعيم الأحول كوفي ثقة ثبت في الحديث.

وقال النسائي في الكنى: أبو نعيم ثقة مأمون.

وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: كان أبو نعيم مزاحاً ذا دعابة مع تدّينه وثقته وأمانته(1).

ومن الطرافة ما رواه أبو الفرج الأصبهاني في (الأغاني)(2)في ترجمته نصيب، والخطيب في (تاريخ بغداد)(3)، واللفظ له بسنده أنّ أحمد بن ميثم بن أبي نعيم، قال: قدم جدّي أبو نعيم الفضل بن دكين بغداد ونحن معه،


1) - راجع بشأن هذه الأقوال وغيرها: تهذيب التهذيب ، لابن حجر 8/270 - 276، ط أفست حيدر آباد.

2) - الأغاني 14/10، ط بولاق بمصر.

3) - تاريخ بغداد 12/350 - 351.

فنزل الرملية، ونصب له كرسي عظيم، فجلس عليه ليحدّث، فقام إليه رجل ظننته من أهل خراسان، فقال: يا أبا نعيم أتتشيع؟ فكره الشيخ مقالته وصرف وجهه، وتمثل بقول مطيع بن إياس:

وما زال بي حبّيك حتّى كأنّني*** برجع جواب السائلي عنك أعجم

لأسلم من قول الوشاة وتسلمي*** سلمت وهل حيّ من الناس يسلم

فلم يفقه الرجل مراده، فعاد سائلاً، فقال: يا أبا نعيم أتتشيع؟

فقال الشيخ: يا هذا كيف بليت بك؟ وأي ريح هبت إليّ بك، سمعت الحسن بن صالح يقول: سمعت جعفر بن محمّد يقول: (حبّ عليّ عبادة، وأفضل العبادة ما كتم).

وروى هذا أيضاً عماد الدين أبو جعفر محمّد بن علي الطبري الإمامي (من علماء القرن السادس) بسند آخر وتفاوت يسير في كتابه (بشارة المصطفى لشيعة المرتضى)(1).

ومات أبو نعيم يوم السبت ليومين من شهر رمضان سنة 219ه-، وفي (تاريخ بغداد) في ترجمته ذكر الاختلاف في وفاته ولا يعنينا تحقيق ذلك، إنّما الأهم ما عرفناه من ثناء أعلام المحدّثين على أبي نعيم وعلى كتابه، وهو روى خبر عشاء الإمام عليّ عليه السلام في شهر رمضان ليلة عند ابن عبّاس نقلاً عن:


1) - بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: 86، ط الثانية بالحيدرية.

عبد الجبار بن العبّاس الشيباني الهمداني الكوفي، قال فيه أحمد: أرجو أن لا يكون فيه بأس، وكان يتشيّع.

وقال ابن معين وأبو داود: ليس به بأس، وقال الجوزجاني: كان غالياً في سوء مذهبه.

وقال أبو حاتم: ثقة، وقال البزّار: أحاديثه مستقيمة إن شاء الله تعالى.

وقال العقيقي: لا يتابع على حديثه، يفرط في التشيّع.

أقول: قال علماء الدراية: ما دام الجرح مفسّراً لا يمنع من قبوله، ولمّا كان الإفراط في التشيع ليس بعلّة عند من ليس في صدورهم علّة(1)، والرجل مقبول أن روى عشاء الإمام عليه السلام ليلة في شهر رمضان عند ابن عبّاس، وليس في هذا إفراط في التشيّع، فخبره مقبول، وهو يرويه عن:

عثمان بن المغيرة، وهو أبو المغيرة، ويقال له عثمان الأعشى، قال صالح بن أحمد: كوفي ثقة، ووثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وعبد الغني بن سعيد والعجلي وابن نمير، وغيرهم(2).

وقد ورد خبر العشاء في تراث الزيدية، الذين هم على خلاف مع العبّاسيين، ولو لم يصحّ عندهم لشهرته لما ذكروه، ففي (الإرشاد إلى نجاة العباد) للعنسي ص61، قال: وقد روي أنّ عليّاً عليه السلام كان يفطر في شهر رمضان الذي استشهد فيه عند ثلاثة، ليلة عند الحسن بن عليّ عليه السلام وليلة عند


1) - راجع تهذيب التهذيب 6/102 - 103.

2) - تهذيب التهذيب 7/155 - 156.

عبد الله بن جعفر، وليلة عند ابن عبّاس لا يزيد على ثلاث لقمات، فقيل له في ذلك، فقال: أحبّ أن ألقى خميصاً(1).

ولا يفوتني التنبيه أنّ ابن الأثير ذكر الخبر في كتابه (أسد الغابة) في ترجمة الإمام عليه السلام، وفيه ذكر ابن جعفر مكان ابن عبّاس، وقال لمكان زينب بنت الإمام عليه السلام، وهذا على وجاهة ما ذكر من وجهه، غير أنّ المصادر المتقدّمة التي ذكرت ابن عبّاس أكثر عدداً وأقوى سنداً، ولا مانع من الجمع بين الجميع، بأنّه عليه السلام كان يفطر عند الجميع.

الثاني: الدال على وجوده بالكوفة عند الإمام عليه السلام بعد ما ضربه ابن ملجم لعنه الله، كلامه مع الإمام عليه السلام، وقد امتنع عن الطعام وقد ذكره الشيخ هاشم ابن محمّد في كتابه (مصباح الأنوار) ج2 باب36 (مخطوط)، فقال: إنّ ابن عبّاس قال: يا أمير المؤمنين! ما يمنعك من الطعام؟ قال: لأحبّ أن ألقى ربّي جائعاً، وهذا غير ما مرّ في ذكر العشاء، فإنّ ذلك كان قبل أن يضربه ابن ملجم، وهذا بعده، ولم أقف عليه في غير المصدر المذكور.

الثالث: الدال على وجوده بالكوفة عند شهادة الإمام عليه السلام، هو: مسائل ابن عبّاس التي أحجم عن سؤال الإمام عليه السلام رعاية لحاله وشفقة عليه، وهذا ما ورد في بعض المصادر المتأخّرة ك-(مقتل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب) للشيخ الخطي ص62 ط بمبي، و(مرجح الميزان) للمرحوم


1) - أخرجه الإمام الموفق بالله في الاعتبار وسلوة العارفين نقلاً عن هامش المصدر.

جدّي الأعلى السيّد موسى الخرسان في ج1 منه (مخطوط): ففيهما أنّ الإمام عليه السلام قال: سلوني قبل أن تفقدوني، وخففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم، وكانت عند ابن عبّاس أربعون مسألة، فأحجم إشفاقاً على الإمام عليه السلام، فابتدأه الإمام عليه السلام بذكر مسائله وجواباتها، وهذا وإن كان من جهة المصدر ليس ما يمكن الاحتجاج به وحده، ولكنّه منضماً إلى ما مرّ يكون شاهداً على الحضور. وأقوى الشهود دلالة في الظهور هو ما يلي من حديث ولادة ابنه علي في الكوفة، ومباركة الإمام عليه السلام لابن عبّاس بولادته، ثمّ تسميته وتكنيته التي لا تخلو من إخبار غيبي. فإلى الحديث عن هذا:

الرابع: ولادة ابنه علي بالكوفة في شهر رمضان سنة 40ه- .

ذكر المبرّد (ت285ه-) في كتابه (الكامل) - وهو كامل كاسمه فيه من النوادر ما يخلو عنه مشهور المصادر - قال: ((يروى عن عليّ بن أبي طالب (رحمة الله تعالى عليه) أنّه افتقد عبد الله بن العبّاس رحمه الله في وقت صلاة الظهر.

فقال لأصحابه: ما بال أبي العبّاس - وهي كنية عبد الله بن عبّاس - لم يحضر؟

فقالوا: ولد له مولود.

فلمّا صلّى رحمه الله ، قال: امضوا بنا إليه، فأتاه فهنأه، فقال: شكرت الواهب وبورك في الموهوب، ما سمّيته؟

قال: أو يجوز لي أن أُسمّيه حتّى تسمّيه!

فأمر به فأخرج إليه، فأخذه وحنكّه ودعا له، ثمّ ردّه إليه، وقال: خذ

إليك أبا الأملاك، قد سمّيته عليّاً، وكنيته أبا الحسن، فلمّا قام معاوية، قال لابن عبّاس: ليس لكم اسمه وكنيته، قد كنيته أبا محمّد فجرت عليه))(1).

وقد نقل هذا عن المبرّد غير واحد معتمدين روايته المجهولة السند، كابن خلكان في (وفيات الأعيان)(2)، وابن أبي الحديد في (شرح النهج)(3)، وابن حجر في (تهذيب التهذيب)(4)، وحكاه عن المبرّد وغيره؛ وذكر تغيير الكنية من قبل عبد الملك بن مروان، كما سيأتي.

وثمّة من المؤرّخين مَن ذكر ولادته ليلة قتل عليّ بن أبي طالب عليه السلام، كما في (تاريخ خليفة بن خيّاط)(5).

وكذلك ابن سعد في (الطبقات)، وزاد على هذا بقوله: ((ولد ليلة قتل عليّ بن أبي طالب (رحمة الله عليه) في شهر رمضان سنة أربعين، فسمّي باسمه، وكنّي بكنيته أبي الحسن، فقال له عبد الملك بن مروان: لا والله لا احتمل لك الاسم والكنية جميعاً، فغيّر أحدهما، فغيّر كنيته فغيّرها أبا محمّد))(6). ونقلها عنه النووي في (تهذيب الأسماء واللغات)(7).


1) - الكامل في اللغة والأدب 2/217.

2) - وفيات الأعيان 3/74 تح إحسان عبّاس.

3) - شرح نهج البلاغة 7/148 - 150 تح محمّد أبو الفضل إبراهيم.

4) - تهذيب التهذيب 7/358.

5) - تاريخ خليفة بن خيّاط 1/183.

6) - الطبقات الكبرى 5/299.

7) - تهذيب الأسماء واللغات 1/350.

وذكر نحو هذا الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في (حلية الأولياء)(1)، ونقله عنه ابن خلكان أيضاً، وتعقبّه بقوله: ((قلت: وإنّما قال له عبد الملك هذه المقالة لبغضه في عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)، فكره أن يسمع اسمه وكنيته))(2).

أقول: فلا لوم على من لعن معاوية وعبد الملك لقول الرسول صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: (لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق)، وإنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار، فقد أخرج مسلم في صحيحه: ((قال عليّ عليه السلام: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبيّ الأُمّي إليَّ أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق)))(3).

وفي (تاريخ بغداد) عن ابن مسعود، قال: ((قال رسول الله عليه السلام: (من أحبّني فليحبّ عليّاً، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله عزّ وجلّ، ومن أبغض الله أدخله النار)))(4).

وفي (الرياض النضرة)، قال: ((نظر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلى عليّ عليه السلام فقال: (لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق، من أحبّك فقد أحبّني ومن أبغضك فقد أبغضني، وحبيب حبيبي الله، وبغيضي بغيض الله، ويل لمن أبغضك بعدي)))(5).


1) - حلية الأولياء 3/207.

2) - وفيات الأعيان 3/274.

3) - صحيح مسلم 5/643.

4) - تاريخ بغداد 4/41 و13/32.

5) - الرياض النضرة 2/218 و220.

أقول: رحم الله أبا حيان الأندلسي الذي قال لبدر الدين بن جماعة: ((قد روى عليّ، قال: (عهد إليَّ النبيّ لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق)، هل صدق في هذه الرواية؟

فقال له ابن جماعة: نعم.

فقال: فالذين قاتلوه والسيوف في وجهه كانوا يحبّونه أو يبغضونه؟!))، أخرجه في (الدرر الكامنة) في ترجمة أبي حيّان(1).

وإذا لم يجبه، أو أجابه ولم يصل إلينا جوابه، فأنا أقول له:

فويلٌ ثمّ ويل ثمّ ويل*** لابن هند وابن مروان الذويل

ولمن دافع عنهم*** بنهار أم بليل

أمّا مصعب الزبيري في (نسب قريش) فقد ذكر أنّه ولد - علي بن عبد الله بن عبّاس - ليلة سبع عشرة من رمضان من سنة40 فسمّي باسمه(2).

وجاء في (تاريخ الطبري) في حوادث سنة 118ه- عند ذكر علي بن عبد الله، فقال: ((وقيل: أنّه ولد في الليلة التي ضرب فيها عليّ بن أبي طالب، وذلك ليلة سبع عشرة من رمضان من سنة40، فسمّاه أبوه عليّاً، وقال: سمّتيه باسم أحبّ الخلق إليَّ وكنّاه أبا الحسن، فلمّا قدم على عبد الملك بن مروان...))، ثمّ ذكر تغيير الكنية(3).


1) - الدرر الكامنة 4/308 - 309، ط حيدر آباد.

2) - نسب قريش: 28.

3) - تاريخ الطبري 8/230 حوادث سنة 118.

وذكر نحو هذا في (ذيل المذيّل)(1)، ومثل ذلك في (تاريخ الكامل) لابن الأثير(2).

وقال الواقدي: ((ولد أبو محمّد المذكور - يعني علي بن عبد الله بن العبّاس - في الليلة التي قتل فيها عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)))(3).

وقال اليعقوبي في (تاريخه): ((وكان مولده في الليلة التي قتل في صبيحتها عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)))(4).

ونحو هذا في (مرآة الجنان) لليافعي(5)، وكأنه أخذ هذا من خليفة بن خياط حيث ذكره في تاريخه (ج1/183).

أمّا ابن كثير فقد جمع بين القولين في (البداية والنهاية) بقوله: ((وكان مولد علي - ابن عبد الله بن العبّاس - هذا يوم قتل عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فسمّاه أبوه باسمه وكنّاه بكنيته، وقيل: إنّه ولد في حياة عليّ وهو الذي سمّاه وكنّاه ولقبه بأبي الأملاك، فلمّا وفد على عبد الملك - فذكر تغيير الكنية-))(6).

وهكذا نجد نحوه مبثوثاً في كثير من كتب السير والتراجم، وليس في


1) - ذيل المذيّل: 47.

2) - الكامل في التاريخ 5/78.

3) - انظر: وفيات الأعيان 3/275.

4) - تاريخ اليعقوبي 3/62.

5) - مرآة الجنان 1/256.

6) - البداية والنهاية 9/318.

شيء منها ما يشعر بولادته بمكّة المكرّمة التي اتّخذها أبوه وطناً وضرب بها عطناً، المقرّ الذي اتّخذه كما قال أصحاب الإدانة بحديث الخيانة، ولم أقف على من قال ببلد غير الكوفة، وقد ورد ذكر تاريخ الولادة، وأهمل الكثير ذكر مكانها، على نحو ما جاء في (مختصر تاريخ الخلفاء/طبع موسكو سنة 1967 في ورقة/241/ب)، ويقال: أنّه ولد في اليوم الذي طعن فيه أمير المؤمنين عليّ في غده.

فتبيّن من جميع ما تقدّم: أنّ قسماً من المؤرّخين صرّحوا بمكان الولادة في الكوفة، كما مرّ عن المبرّد، وابن حجر، وابن كثير، وابن الوردي، وابن العماد، وابن أبي الحديد، وغيرهم.

والقسم الآخر أهملوا ذكر المكان صراحة، لكن ذكروا الزمان.

وهؤلاء وأولئك جميعاً اتّفقوا على تسميته ب-(علي)، وكنيته ب-(أبي الحسن)، وهذا ما لا شكّ فيه..

فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوّة: مَن الذي سمّاه وكنّاه؟

فإن كان الجواب هو: الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، كما مرّ في النصوص المصرّحة بهذا، وهي القسم الذي فيه ذكر المكان والزمان كما مرّ، فإن تمّ فهو المطلوب.

وإن كان الذي سمّاه هو: أبوه، تيمّناً وتبرّكاً وتخليداً لذكراه، وامتداداً لحياة ذلك الاسم والكنية، فهما اللّذان أزعجا الأمويّن من معاوية إلى عبد الملك بن مروان وأخيه الوليد.

وهذا يدلّ: على أنّ الولادة كانت بالكوفة ولكن من طرف خفي! إذ لا يعقل أنّ ابن عبّاس سمّى آخر أبنائه بعلي وكنّاه بأبي الحسن، وهو مفارق لعليّ بن أبي طالب عليه السلام صاحب الاسم والكنية.

واحتمال أنّه سمّاه من دون ملازمته الحضور بالكوفة، بل بعد علمه بنبأ مقتل الإمام عليه السلام، كما سمّى ابنه الأكبر بالعبّاس إحياءً لذكرى أبيه، وابنه محمّد باسم النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، هذا الاحتمال واهٍ؛ إذ يكشف عن تناقض في سلوك ابن عبّاس! فبينا هو يفارق عمله، ويكاتب غير متأثّم ولا مستعظم، وإذا به يسمّي ابنه عليّاً باسم عليّ عليه السلام، ويكنيه أبا الحسن بكنية ابن عمّه عليه السلام، إنّه تناقض في السلوك!

ثمّ هو يقول: (سمّيته باسم أحبّ الخلق إليَّ)، كما مرّ في رواية الطبري، فكيف يهدّد هذا - أحبّ الخلق إليه - أن يحمل المال الذي اختانه من البصرة إلى معاوية ليحارب به عليّاً عليه السلام على أحبّ الخلق إليه؟! إنّه يكون حياله المثل الشائع الذائع: (أكوس عريض اللحية)، مفارق ومغاضب لمن هو أحبّ الخلق إليه.

والذي أراه في صحّة ولادته على هذا بالكوفة، أنّ الإمام عليه السلام هو الذي سمّاه وكنّاه، وقال لأبيه عبد الله بن عبّاس: (خذ إليك أبا الأملاك)، كما في المصادر الآتية:

1- الكامل، للمبرّد (ت285ه-) ج2/217.

2- تاريخ ابن خلكان (ت681ه-) ج3/74، تح إحسان عبّاس.

3- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزلي (ت656ه-) ج7/148، وج2/334، ط بتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.

4- البدء والتاريخ، لمطهر بن طاهر المقدس (ت507ه-) ج6/57، ط أفست أوربا.

5- الجوهرة، للبُري (كان حيّاً سنة 654ه-) ج2/22، ط الرياض.

6- العقد الفريد، لابن عبد ربّه (ت328ه-) ج5/103، ط محقّقة أحمد أمين ورفاقه.

7- تهذيب التهذيب، لابن حجر (ت852ه-) ج7/358، ط أفست حيدر آباد.

8- تاريخ ابن الوردي (ت749ه-) ج2/282، ط الحيدرية في حوادث 614ه-.

9- التذكرة الحمدونية، لابن حمدون (ت562ه-) ج1/107، ط دار صادر.

10- السيرة الحلبية، لبرهان الدين بن الحلبي (ت1044ه-) ج12/66، ط البهية بمصر سنة 1320ه- .

11- شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي (ت1089ه-) ج1/138.

12- مرآة الجنان لليافعي (ت768ه-) ج1/245، ط أفست الأعلمي.

13- قطر الولي على حديث الولي، للشوكاني (ت1250ه-) ص507، حققه إبراهيم هلال، نشر دار الكتب الحديثة بمصر.

قال: ومن ذلك قول عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) كما في صحيح مسلم وغيره: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبيّ الأُمّي: أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق)، ومن ذلك قصّة المخدّج الذي قتل من الخوارج في النهروان، وأمرهم أن يبحثوا عنه فلم يجدوه، فقام فوجده، فقال له أبو عبيدة السلماني: الله، إنّه لعهد النبيّ إليك؟ قال: نعم، بل ثبت في الصحيح: أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قام مقاماً فما ترك شيئاً من الأُمور المستقبلة حتّى أخبره به من قوّاد الفتن، وأخبر جماعة من الصحابة كأبي ذرّ وأبي هريرة وغيرهما بشيء من الأُمور المستقبلة، كما ذكره أهل الحديث والسير والتاريخ، وكما قال لعبد الله بن عبّاس لمّا وصل إليه بابنه علي ليبرك عليه: (خذ إليك أبا الأملاك)، فكأنّه أوّل من ملك من أولاده السفاح عبد الله بن محمّد.

تعقيب وتصويب

لقد مرّ في بعض المصادر المتقدّمة ذكر محاولة استبدال الاسم والكنية كانت مع ابن عبّاس أيام معاوية، فلم يفلح في الاسم، ولكنّه في الكنية، قالوا: ((كنّاه أبا محمّد فجرت عليه))، وفي هذا نحو تضبيب على واقع ما جرى كما سيأتي بيانه..

فقد جاء في بعض المصادر: أنّ المحاولة كانت ثانية من عبد الملك ابن مروان مع علي بن عبد الله بن عبّاس، وأنّه هو الذي أبى تغيير الاسم، وغيّر الكنية بنفسه.

والذي يعلم بأنّ الاسم لم يتغيّر ولم يستبدل لا في أيام معاوية ولا في أيام عبد الملك، لكن اللافت للنظر ما جاء في (مختصر تاريخ دمشق) لابن منظور، في ترجمة علي بن عبد الله بن عبّاس، قال: ((لمّا وُلد علي بن عبد الله وُلد معه في تلك السنة لعبد الله بن جعفر غلام، فسمّاه عليّاً، وكنّاه بأبي الحسن، فبلغ معاوية فوجّه إليهما أن انقلا اسم أبي تراب وكنيته عن ابنيكما، وسمّياهما باسمي، وكنّياهما بكنيتي، ولكلّ واحد منكما ألف ألف درهم، فلمّا قدم الرسول عليهما بهذه الرسالة سارع إلى ذلك عبد الله بن جعفر فسمّى ابنه معاوية، وأخذ ألف ألف درهم (؟)، وأمّا عبد الله بن عبّاس، فإنّه أبى ذلك، وقال: حدّثني عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: (ما من قوم يكون فيهم رجل صالح، فيموت، فيخلف فيهم مولود فيسمّونه باسمه إلاّ خلفهم الله بالحسنى، وما كنت لأفعل ذلك أبداًُ).

فأتى الرسول معاوية، فأخبره بخبر ابن عبّاس، فردّ الرسول وقال: فانقل الكنية عن كنيته ولك خمسمائة ألف، فلمّا رجع الرسول إلى ابن عبّاس بهذه الرسالة، قال: أمّا هذا فنعم، فكنّاه بأبي محمّد (؟).

وقيل: إنّ علي بن عبد الله بن عبّاس لمّا قدم على عبد الملك بن مروان من عند أبيه، قال له عبد الملك: ما اسمك؟ قال: علي، قال: أبو من؟ قال: أبو الحسن، قال: لا تجمعهما علَيَّ، حوّل كنيتك ولك مائة ألف درهم، قال: أمّا وأبي حيّ فلا، فلمّا مات عبد الله بن عبّاس كنّاه عبد الملك أبا محمّد(؟)))(1).


1) - مختصر تاريخ دمشق 5/454، ط بيروت.

أقول: قد لا يرى القارئ العابر أيّ اهتمام في معرفة الجواب الصحيح على الأسئلة التي تبدو عديمة الجدوى بالنسبة إليه، فمتى ولد علي بن عبد الله بن عبّاس؟ وأين ولد؟ ومن سمّاه عليّاً، وكنّاه أبا الحسن؟ ومن الذي أراد تغيير الاسم والكنية ففشل؟ ومن الذي حاول ذلك من جديد فنجح في الكنية وفشل في الاسم؟

هذه هي التي يراها الباحث لها أهمية بالغة في تسليط منافذ النور التي يستهدي بها إلى حقيقة مضيّعة في غيابات التضبيب السياسي، وبالنتيجة براءة ابن عبّاس من تهمة الخيانة كما أرادها المثبتون.

الخامس: أخرج ابن أبي الدنيا (ت282ه-) في كتابه (مقتل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام) عن ابن عبّاس، قال: ((سمعت عليّاً بالكوفة وأتي بابن ملجم، فقيل: يا أمير المؤمنين! ما تقول في هذا الأسير؟

قال: أرى أن تحسنوا ضيافته حتّى تنظروا على أي حال أكون، فإن أهلك فلا تلبثوه بعدي ساعة))(1).

السادس: مشاركته في تغسيل الإمام عليه السلام.

فقد ذكر أبو الفرج الأصبهاني بسنده ذلك، فقال: ((حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن (الحسين) بن نصر، قال، حدّثنا زيد بن المعدّل، قال: عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، عن فضيل بن خديج، عن


1) - موسوعة ابن أبي الدنيا 5/360، ط المكتبة العصرية شركة أبناء شريف الأنصاري صيدا - بيروت.

الأسود الكندي والأجلح، قالا: توفي أمير المؤمنين عليه السلام وهو ابن أربع وستّين سنة، سنة أربعين في ليلة الأحد لإحدى وعشرين ليلة مضت من شهر رمضان، وولي غسله ابنه الحسن بن عليّ وعبد الله بن العبّاس، وكفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وصلّى عليه ابنه الحسن، وكبّر عليه خمس تكبيرات))(1).

وهذا ما نقله أيضاً أبو طالب الهاروني (ت424ه-) في أماليه (تيسير المطالب في أمالي الأمام أبي طالب) بسنده، فقال: ((أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمّد البغدادي، قال: أخبرنا أبو الفرج...))(2)، وساق السند والخبر كما تقدّم.

كما نقله عن أبي الفرج ابن أبي الحديد (ت656ه-) في (شرح النهج)(3).

السابع: تأبين ابن عبّاس للإمام عليه السلام في مسجد الكوفة.

روى فرات بن إبراهيم الكوفي المفسّر - من علماء القرن الرابع - بسنده عن سليمان بن يسار، قال: ((رأيت ابن عبّاس لمّا توفي أمير المؤمنين بالكوفة، وقد قعد محتبياً، ووضع مرفقه على ركبته وأسند به تحت خده، وقال: يا أيّها الناس! إنّي قائل فاسمعوا قولي، من شاء فليؤمن ومن شاء


1) - مقاتل الطالبيين: 25.

2) - تيسير المطالب في أمالي الأمام أبي طالب: 85 الباب الرابع، ط الأعلمي بيروت 1395ه- .

3) - شرح نهج البلاغة 2/45.

فليكفر، سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (إذا مات عليّ وأخرج من الدنيا ظهرت في الدنيا خصال لا خير فيها)، فقلت: وما هي يا رسول الله؟ فقال: (تقلّ الأمانة، وتكثر الخيانة، حتّى يركب الرجل الفاحشة وأصحابه ينظرون إليه، والله لتضايق الدنيا بعده بنكبة، ألا وأنّ الأرض لا تخلو منّي ما دام عليّ عليه السلام حيّاً في الدنيا، بقية من بعدي عليّ في الدنيا، عوض من بعدي عليّ، كلحمي عليّ، عظمي عليّ، كدمي عليّ، عروقي عليّ، أخي ووصي في أهلي وخليفتي في قومي ومنجز عداتي، وقاضي دَيني، وقد صحبني عليّ في ملمّات أمري، وقاتل معي أحزاب الكفّار، وشاهدني في الوحي، وأكل معي طعام الأبرار، وصافحه جبرئيل عليه السلام مراراً، نهاراً جهاراً، وقبّل جبرئيل خدّ عليّ اليسار، وشهد جبرئيل وأشهدني أنّ عليّاً من الطيبين الأخيار، وأنا أُشهدكم معاشر الناس لا تتسائلون من علم أمركم ما دام عليّ عليه السلام فيكم، فإذا فقدتموه فعند ذلك تقوم الآية: لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ(1)))(2).

الثامن: دعوته الناس لاستكشاف دخائل نفوسهم وما انطوت عليه سرائرهم حول بيعة الإمام الحسن عليه السلام:

روى ابن أبي الحديد في (شرح النهج) عن المدائني، قال: ((خرج عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب إلى الناس، فقال: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام


1) - سورة الأنفال/42.

2) - تفسير فرات: 51.

توفّي، وقد ترك خَلَفاً فإن أحببتم خرج إليكم، وإن كرهتم فلا أحد إلى أحد، فبكى الناس وقالوا: بل يخرج إلينا، فخرج الحسن عليه السلام وخطبهم))(1).

التاسع: خطبته بين يدي الإمام الحسن عليه السلام، ودعوة الناس إلى مبايعته.

وهذا رواه أبو الفرج في (مقاتل الطالبيين)(2)، وابن أبي الحديد في (شرح النهج)(3)

وقد حاول بعض الباحثين إنكار وجود عبد الله بن عبّاس بالكوفة وادّعى أنّه من الاشتباه بعبيد الله، وصرف تلك النصوص إليه، ولا أدري كيف يتمّ له توجيه هذا النصّ في الموقف التاسع، ولم يذكر في شيء من المصادر أنّ عبيد الله تولّى البصرة يوماً؛ فلاحظ كتاب (صلح الحسن ص58، و105)، للمرحوم الشيخ راضي آل يس طيّب الله ثراه.

4- الفصول المهمّة: 145.

5- نزهة المجالس 2/192.

6- الإرشاد: 188.

7- كشف الغمّة 2/153.

، وابن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمّة)(4)، والصفوري في (نزهة المجالس)(5)، وهؤلاء ليسوا من الشيعة الذين يتّهمهم غيرهم في المقام.

أمّا من ذكر هذا الموقف من الشيعة فهم كُثر، وحسبك منهم الشيخ المفيد (ت413ه-) في كتابه (الإرشاد)(6)، والإربلي في (كشف الغمّة)(7)،


1) - شرح نهج البلاغة 4/8.

2) - مقاتل الطالبيين: 52.

3) - شرح نهج البلاغة 4/11 طبعة مصر الأولى، ووقع سهو فيه فذكر عبيد الله، والصواب هو عبد الله، بدلالة ما تقدّم منه في ص7، ويدلّ على هذا أيضاً أنّه نقل ذلك عن أبي الفرج، والموجود في المقاتل هو عبد الله لا عبيد الله؛ فلاحظ!

والمجلسي في (البحار)(1)، وفي (جلاء العيون)(2)، والسيّد عبد الله شبر في كتابه (جلاء العيون)(3)، والشيخ عبّاس القمّي في كتابيه (الأنوار البهية)(4))، و(منتهى الآمال)(5)، والشيخ الخطّي في (مقتله)(6)، وغيرهم وغيرهم.

واللفظ للمفيد: قال: ((خطب الحسن بن عليّ عليهما السلام في صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين عليه السلام، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ثمّ قال: لقد قُبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل، ولم يدركه الآخرون بعمل...) إلى آخر الخطبة.

قال: ثمّ جلس فقام عبد الله بن العبّاس رحمه الله بين يديه فقال: معاشر الناس! هذا ابن بنت نبيّكم ووصيّ إمامكم فبايعوه، فاستجاب له الناس، فقالوا: ما أحبّه إلينا وأوجب حقّه علينا، وبادروا إلى البيعة له بالخلافة...)).

العاشر: تولية الإمام الحسن عليه السلام له ثانياً على البصرة.

فقد ذكر الشيخ المفيد رحمه الله: أنّ الإمام الحسن عليه السلام رتّب العمّال، وأمّر الأمراء، وأنفذ عبد الله بن العبّاس إلى البصرة، ونظر في الأُمور.. هذا ما


1) - بحار الأنوار 43/462.

2) - جلاء العيون: 119.

3) - جلاء العيون 1/341.

4) - الأنوار البهية: 30.

5) - منتهى الآمال 1/226.

6) - مقتل الشيخ الخطّي: 88 - 89.

ذكره المفيد(1)، وقد اعتمده مَن بعده فذكره ابن شهر آشوب في (المناقب)(2)، والإربلي في (كشف الغمّة)(3)، والمجلسي في (البحار)(4)، وذكره أيضاً في (جلاء العيون)(5)، والسيّد عبد الله شبر في كتابه (جلاء العيون)(6)، والشيخ عبّاس القمّي في كتابه (منتهى الآمال)(7)، والشيخ الخطّي في (مقتله)(8).

فهذه عشرة شواهد ومواقف تدلّ على وجوده بالكوفة إلى جانب الإمام عليه السلام، بدءاً من عشاء الإمام عليه السلام عنده، وانتهاءً بتولية الإمام الحسن عليه السلام له ثانياً على البصرة، ويؤيّدها:

الحادي عشر: وممّا يدلّ على وجوده في البصرة: ما جاء في خبر الجاسوسين اللذين أرسلهما معاوية ليتجسّسا له، أحدهما من حمير أرسله إلى الكوفة، والآخر من بني القين إلى البصرة، فأُخذا وقُتلا، وجرت مكاتبات بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية، وبين ابن عبّاس ومعاوية في شأنهما.


1) - الإرشاد: 188.

2) - مناقب آل أبي طالب 3/194، ط النجف.

3) - كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 2/161.

4) - البحار الأنوار 43/363، و44/54.

5) - جلاء العيون (فارسي): 119.

6) - جلاء العيون (عربي) 1/341.

7) - منتهى الآمال 1/227.

8) - مقتل الشيخ الخطّي: 90.

وإلى القارئ الخبر، كما رواه أبو الفرج في (الأغاني)، و(المقاتل)، بسنده عن أبي مخنف يرفعه إلى سعيد بن رويم، وغيره، قال: لمّا بلغ معاوية مصاب أمير المؤمنين - عليه السلام - دسّ رجلاً من بني القين إلى البصرة يتجسّس الأخبار ويكتب بها إليه، ورجلاً من بني حمير إلى الكوفة، فدّل على الحميري عند لحّام جرير، ودلّ على القيني بالبصرة في بني سليم فأُخذا وقُتلا. وكتب الإمام الحسن عليه السلام إلى معاوية في ذلك...

وكتب عبد الله بن العبّاس من البصرة إلى معاوية: أمّا بعد، فإنّك ودسّك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثلما ظفرت به من يمانيتك، فكما قال أُميّة بن الأسكر:

لعمرك إنّي والخزاعي طارقا*** كنعجة عادٍ حتفها تتحفّر

أثارت عليها شفرة بكراعها*** فظلت بها من آخر الليل تنحر

شمتّ بقوم من صديقك أهلكوا*** أصابهموا يوم من الدهر أصفر

فأجابه معاوية: أمّا بعد، فإنّ الحسن بن عليّ قد كتب إليَّ بنحو ما كتبتَ به، وأنبأني بما لم (أجز) ويحقق سوء ظنّ ورأي فيّ، وإنّك لم تصب مثلكم ومثلي، ولكن مثلنا ما قاله طارق الخزاعي يجيب أُميّة عن هذا الشعر:

فوالله ما أدري وإنّي لصادق*** إلى أيّ من يظُنّني أتعذّر

أعنّف إن كانت زبيبة أهلكت*** ونال بني لحيان شرّ فأنفروا(1)

الثاني عشر: وثمّة شاهد آخر دلّ على وجوده بالبصرة أيام خلافة


1) - مقاتل الطالبين: 33، الأغاني 21: 19.

الإمام الحسن عليه السلام، وهو كتابه إلى الإمام الحسن عليه السلام بعد حادثة تجسّس معاوية، فقد كتب إليه الكتاب التالي الذي رواه جملة من المؤرّخين مصرّحين بأنّ عبد الله بن عبّاس كتب إلى الإمام الحسن عليه السلام يستحثه على مناجزة معاوية، ويعرض فيه جملة نصائح في سياسة الأُمور بعد أن تبدّلت الأجواء عمّا كانت عليه أيام أمير المؤمنين عليه السلام، وهو كتاب يرسم سياسة الأمر الواقع، وقد رواه جملة من المؤرّخين كابن أعثم الكوفي في (الفتوح)، وقد صرّح بأنّه من البصرة، ورواه ابن قتيبة، وابن عبد ربّه، وابن شهر آشوب، وابن أبي الحديد، والنويري، وأبو الفداء، وغيرهم.

واللفظ للأوّل، مع إضافة من (شرح النهج) لابن أبي الحديد المعتزلي، قال ابن أعثم:

((فأقام الحسن بالكوفة بعد وفاة أبيه شهرين كاملين لا ينفذ إلى معاوية ولا يذكر المسير إلى الشام.

قال: وإذا بكتاب من عبد الله بن عبّاس قد ورد عليه من البصرة، وإذا فيه:

لعبد الله الحسن أمير المؤمنين من عبد الله بن عبّاس: أمّا بعد، يا ابن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فإنّ المسلمين ولّوك أمرهم بعد أبيك (عليّ عليه السلام)، وقد أنكروا أمر قعودك عن معاوية، وطلبك لحقّك، فشمّر للحرب وجاهد عدوك، ودار أصحابك (واشتر من الظنين دينه بما لا يثلم لك دينا)، وولّ أهل البيوتات والشرف ما تريد من الأعمال، فإنّك تشتري بذلك قلوبهم، (وتستصلح به عشائرهم، حتّى يكون الناس جماعة، فإنّ بعض ما يكره الناس ما لم يتعدّ

الحقّ وكانت عواقبه تؤدّي إلى ظهور العدل وعزّ الدين، خير من كثير ممّا يحبّه الناس إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور وذلّ المؤمنين وعزّ الفاجرين) واقتد بما جاء عن أئمّة العدل من تأليف القلوب والإصلاح بين الناس، (فقد جاء عنهم أنّه لا يصلح الكذب إلاّ في حرب أو إصلاح بين الناس).

واعلم، بأنّ الحرب خدعة، ولك في ذلك سعة ما كنت محارباً، ما لم ينتقص مسلماً حقّاً هو له، وقد علمت أنّ أباك عليّاً إنّما رغب الناس عنه وصاروا إلى معاوية لأنّه واسى بينهم في الفيء، وسوى بينهم في العطاء، فثقل ذلك عليهم، واعلم بأنّك إنّما تحارب من قد حارب الله ورسوله (في ابتداء الإسلام) حتّى أظهر الله أمره، فلمّا أسلموا ووحدّوا الربّ، ومحق الله الشرك وأعزّ الدين، أظهروا الإيمان، وقرأوا القرآن وهم بآياته يستهزؤن، وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى، وأدوا الفرائض وهم لها كارهون، فلمّا رأوا أنّه لا يعزّ في هذا الدين إلاّ الأتقياء الأبرار، والعلماء الأخيار، وسمّوا أنفسهم بسيماء الصالحين، ليظنّ بهم المسلمون خيرا، وهم عن آيات الله معرضون، (فما زالوا بذلك حتّى شركوهم في أماناتهم وقالوا حسابهم على الله، فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين، وان كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين).

وقد منيت أبا محمّد بأولئك وبأبنائهم وأشابههم، والله ما زادهم طول العمر إلاّ غيّاً، ولا زادهم ذلك لأهل الدين إلاّ غشا، (مقتا) فجاهدهم رحمك الله، ولا ترضى منهم بالدنيّة، فإنّ أباك عليّاً(رضي الله عنه) لم يجب إلى

الحكومة في حقّه حتّى غلب على أمره، فأجاب وهو يعلم أنّه أولى بالأمر إن حكم القوم بالعدل، فلمّا حكموا بالهوى رجع إلى ما كان عليه، وعزم على حرب القوم حتّى وافاه أجله، فمضى إلى ربّه رحمه الله.

فانظر رحمك الله أبا محمّد! ولا تخرجنّ من حقّ أنت أولى به من غيرك، (حتّى يحول الموت دون ذلك)، وإن أتاك دون ذلك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

قال: فلمّا ورد كتاب عبد الله بن عبّاس وقرأه، سرّه ذلك، وعلم أنّه بايعة [تابعه على رأيه وناصحه/ظ]، وأنّه قد أمره بما يجب عليه في حقّ الله، دعا كاتبه وأمره أن يكتب إلى معاوية...))(1).

الثالث عشر: كتاب معاوية إلى ابن عبّاس يتهدّده بعد أمر الصلح، وقد بلغه من قبل كتاب ابن عبّاس إلى الإمام الحسن عليه السلام يحرّضه على حرب معاوية، ويبدو أنّ الكتاب قد شاع خبره وذاع ذكره وعلم به معاوية، فاضطغنه على ابن عبّاس حتّى إذا تمّ أمر الصلح بينه وبين الإمام الحسن عليه السلام كتب إلى ابن عبّاس كتاباً يدعوه فيه إلى بيعته، ويتهدّده بعدم الصلح معه، جاء فيه كما في (شرح النهج) ج4/58 ط مصر الأولى:

((ولعمري، لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضا، وأن يكون رأياً صواباً، فإنّك من الساعين عليه والخاذلين له، والسافكين دمه، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك منّي ولا بيدك أمان.


1) - الفتوح 4/248، ط دار المسيرة بيروت.

فكتب إليه ابن عبّاس جواباً طويلاً يقول فيه:

(... وأمّا قولك: إنّي من الساعين على عثمان والخاذلين له والسافكين دمه، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك منّي، فأقسم بالله، لأنت المتربص بقتله، والمحبّ لهلاكه، والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث بك، ويستصرخ فما حفلت به، حتّى بعثت إليه معذراً بآخر، أنت تعلم أنّهم لن يتركوه حتّى يُقتل، فقُتل كما أردت، ثمّ علمت عند ذلك أنّ الناس لن يعدلوا بيننا وبينك، فطفقت تنعى عثمان، وتلزمنا دمه، وتقول قتل مظلوماً، فإن يك قتل مظلوماً فأنت أظلم الظالمين، ثمّ لم تزل مصوّباً ومصعّداً، وجاثماً ورابضاً، تستغوي الجهّال، وتنازعنا حقّنا بالسفهاء حتّى أدركت ما طلبت، رَبَّنَا وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(1)))(2).

هذه جملة شواهد مختلفة تدلّ بمجموعها الثلاثة عشر موقفاً وشاهداً على وجود ابن عبّاس في العراق بين الكوفة والبصرة، وهي بدلالتها تعارض دعوى المفارقة المزعومة.

وممّا يؤيّد ما سبق من وجود ابن عبّاس في البصرة أيام خلافة الإمام الحسن عليه السلام، ما رواه الخوارزمي في (مقتل الحسين عليه السلام)، في حديث طويل


1) - سورة الأنبياء/111.

2) - شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 4/58، وقد مرّت الإشارة إليه منّي في 4/360 من هذه الموسوعة وليت ابن أبي الحديد ذكر الجواب بطوله.

جاء فيه:

((ودسّ معاوية إلى أهل البصرة فطردوا وكيل الحسن، وقالوا: لا تحمل فيئنا إلى غيرنا، يعنون خراج فسا ودار أبجرد...))(1).

فمن كان وكيل الحسن يومئذ غير ابن عبّاس؟! وهذا ما مرّت الإشارة إليه في الجزء الخامس من الحلقة الأولى من هذه الموسوعة بعنوان (طرد أو مطاردة)؛ فراجع.

وممّا يكذّب زعم الخيانة والمفارقة، ما كان يجري أيام حكومة العبّاسيين بين بعض رجال من بني العبّاس مع غيرهم ممّن يتهمونه بعدم موالاتهم ممّا كانوا يخوضون فيه في شأن ابن عبّاس مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، نحو ما مرّت الإشارة إليه من حديث عمرو بن عبيد - رأس المعتزلة بالبصرة - مع سليمان بن علي بن عبد الله بن العبّاس أيام ولايته بالبصرة.

فقد قال له سليمان: أخبرني عن صاحبك - يعني الحسن - يزعم أنّ عليّاً عليه السلام قال: إنّي وددت أنّي كنت آكل الحشف بالمدينة ولم أشهد مشهدي هذا - يعني يوم صفّين -؟

فقال له عمرو بن عبيد: لم يقل هذا لأنّه ظنّ أنّ أمير المؤمنين شكّ، ولكنّه يقول: ودّ أنّه كان يأكل الحشف بالمدينة ولم تكن هذه الفتنة.

قال: فقوله في عبد الله بن العبّاس: يفتينا في القملة والقميلة، وطار


1) - مقتل الحسين عليه السلام 1/133، ط الأولى بمطبعة الزهراء في النجف سنة 1367ه- .

بأموالنا في ليلة؟

فقال له: فكيف تقول هذا، وابن عبّاس لم يفارق عليّاً حتّى قتل وشهد صلح الحسن عليه السلام؟! وأيّ مال يجتمع في بيت مال البصرة مع حاجة عليّ إلى الأموال، وهو يفرّغ بيت مال الكوفة في كلّ خمس ويرشه، وقالوا: إنّه كان يقيل فيه، فكيف يترك المال يجتمع بالبصرة؟! هذا باطل(1).

وأيضاً نحو ما رواه الزبير بن بكار في الأخبار (الموفقيات)(2)من قول شريك بن عبد الله، وقد قال له المهدي العبّاسي: ما تقول في عليّ بن أبي طالب؟

قال: ما قاله فيه جدّاك العبّاس وعبد الله.

قال: وما قالا فيه؟

قال: أمّا العبّاس فمات وهو عنده أفضل أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وقد شاهد كبراء الصحابة والمهاجرين يحتاجون إليه في الحوادث ولم يحتج إلى أحد منهم حتّى خرج من الدنيا.

وأمّا عبد الله بن عبّاس رحمه الله ، فضارب معه بسيفين، وشهد حروبه، وكان فيها رأساً متبّعاً وقائداً مطاعاً، فلو كانت إمامته جوراً كان أوّل من يقعد عنه


1) - أمالي المرتضى 1/123، ط مصر سنة 1325ه- بتحقيق السيّد محمّد بدر الدين النعساني الحلبي.

2) - كشف الغمة، للإربلي 1/399، ط مكتبة الشريف الرضي بقم. وهذا الخبر أحد أخبار نيفت على العشرة ممّا يستدرك بها على المحقّق العاني حيث فاتته تلك الأخبار المنقولة عن الأخبار الموفقيات، وليس لها أثر في المطبوع بتحقيقه وألحقتها في أواخر نسختي طبعة أوقاف بغداد.

أبوك، لعلمه بدين الله وفقهه في أحكام الله(1).

أقول: ولو كان خبر المفارقة صحيحاً لردّ به المهدي على شريك!

والآن إلى قراءة جادّة في حادثة لا يمكن إغفال أيّ جانب من جوانبها الثلاثة، وبالأحرى تسمية رموز مفرداتها مثلثاً غير متساوي الأضلاع، ولكنّها بمجموعها تسدّ ثغرات في التاريخ، يصعب اجتيازها، لتحقيق الهدف المنشود - وهو إبطال حديث الخيانة - ففي دلالتها العامّة تفسير تحليلي لذلك الحديث المصنوع من حقائق وأباطيل، خفي على كثير من الباحثين الاستفادة منه.

المعين السادس:ضيافة ابن عبّاس لأبي أيوب الأنصاري في البصرة أيام معاوية.

اشارة

هذا معين ثرّ، فيه ينابيع صافية ضافية، لا تكدير فيها ولا تزوير، تفجّرت منه الينابيع بأكثر من اثنتي عشرة عيناً، فليرد منها القارئ ما يشاء فيما يحتاجه إلى مزيد من التنوير في التفكير، لما فيها من حقائق ثابتة بالدليل، لا تحتاج إلى مزيد إيضاح أو تعليل، فيها مفردات مترابطة الأجزاء تهدي من استهدى إلى تمام المعاني سبيلا.

إذ (من الممكن نظرياً أن يصار إلى تجزيء كلّ حادثة إلى وحدات حدثية أصغر، لكلّ منها دور افتتاحي وآخر اكتمالي وأخير


1) - وفيات الأعيان 2/467.

ختامي، تتسلسل في غضون فترة معلومة من الزمان، فليس الطول الزماني للحادثة هو الذي يجعل منها حادثة، وليس هناك حدود قصوى ودنيا لطول الحوادث، بل إنّ ما يجدّد حدثيّة الحادثة هو اكتمالها بأبعادها، واكتفاء الأفعال الداخلة فيها، والمروية عنها بذاتها، بحيث أنّ غياب أحداث أخرى لا يؤثّر على ذلك الذي يحدث، والذي يكتمل من الامتناع إلى الاختتام، ذلك الذي يعني أنّ ما يشكّل الحادثة في إطار النفوذ هو كونها وحدة أداء إخباري)(1).

ومن هنا يتبيّن لنا بوضوح من أنّ بنية حادثة الضيافة، حركة اكتمال بين نقطتين متباعدتين، إلاّ أنّها تجمع بينهما مع تباعد الحدّين زماناً ومكاناً، فتهمة الخيانة في أيام خلافة الإمام عليه السلام وهو بالكوفة، وضيافة ابن عبّاس بالبصرة لأبي أيوب في أيام حكم معاوية - وهو بالشام - وبين الحكمين والحدّين زماناً ومكاناً ما لا يخفى من تباعد، ولكن نقطة الاكتمال هي عند ابن عبّاس في ضيافته لأبي أيوب الأنصاري - بالبصرة - ولاكتمال الصورة واضحة جلّية من دون تغبيش أو تشويش، لا بدّ من ذكر أبي أيوب وتعريفه، ولا بدّ أيضاً من كشف صحائف معاوية وعنجهيته مع رعايا البلاد التي كانت تابعة لحكم الإمام عليه السلام، وعلى الشيعة، ثمّ معرفة أبو أيوب، ثمّ معرفة ابن عبّاس والسبب الذي دعاه إلى الضيافة.. فهنا عناصر ثلاثة يترتّب منها كشف المعين السادس، لتبديد الموروث المعثوث


1) - الكتابة التاريخية والمعرفة التاريخية - مقدّمة - في أصول التاريخ العربي: 46، ط1 بيروت.

جملة وتفصيلاً.

فإلى القارئ بيان أولئك الرموز ومن هم:

أوّلاً: فمن هو أبو أيوب الأنصاري الذي ضيّف رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في بيته عند هجرته؟

والجواب: هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة... ينتهي نسبه إلى زيد بن كهلان، فهو الخزرجي الأنصاري مضيّف رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو صاحبه، منذ بيعة العقبة قبل الهجرة، ولمّا هاجر النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم نزل عليه.

وكان ينكر المنكر إذا رآه، فقد أخرج الطبراني في الكبير(1)بسنده عن سالم بن عبد الله، قال: ((أعرستُ في عهد أبي فأذن أبي الناس، وكان أبو أيوب فيمن آذنّاه، وقد ستروا بيتي ببجاد أخضر، فأقبل أبو أيوب فدخل فرآني قائماً، فاطلّع فرأى البيت مستتراً ببجاد أخضر، فقال: يا عبد الله! أتسترون الجدُر؟ قال أبي - واستحيى -: غلبنا النساء يا أبا أيوب. قال: من خشي أن يغلبه النساء فلم أخش أن يغلبنك، ثمّ قال: لا أطعم لكم طعاماً، ولا أدخل لكم بيتاً، ثمّ خرج رحمه الله))(2).

وأخرج أيضاً(3)بسنده: ((عن محمّد بن كعب القرظي، عن أبي أيوب:


1) - المعجم الكبير 4/118 برقم 3853.

2) - قال في مجمع الزوائد 4/55 رجاله رجال الصحيح.

3) - المعجم الكبير 4/156 برقم 3993.

أنّه كان خالف مروان بن الحكم في صلاته، فقال له مروان: ما يحملك على هذا؟ فقال: إنّي رأيت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يصلّي صلاة إن وافقته وافقتك، وإن خالفته صلّيت وانقلبت إلى أهلي))(1).

وأخرج أيضاً بسنده عن أبي أيوب الأنصاري، قال: ((نهانا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، فلمّا قدمنا الشام وجدنا مرافقهم مراحيض قد استقبل بها القبلة، فنحن ننحرف ونستغفر الله عزّ وجلّ))(2).

وأخرج أيضاً بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: ((قدم معاوية فأبطأت الأنصار عن تلقيه فلم يصنع بهم شيئاً، فقال أبو أيوب: صدق الله ورسوله قال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (ستصيبكم أثرة فاصبروا حتّى تلقوني)، قال معاوية: فاصبروا إذن، فقال أبو أيوب: نصبر كما أمرنا الله والله لا نقيلكها))(3).

قال الخطيب البغدادي: ((وحضر أبو أيوب العقبة، ونزل عليه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم حين قدم المدينة في الهجرة، وشهد مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بدراً والمشاهد كلّها، وكان مسكنه بالمدينة، وحضر مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام حرب الخوارج بالنهروان، وورد المدائن في صحبته، وعاش بعد ذلك زماناً طويلاً، حتّى مات ببلاد الروم، غازياً في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقبره في أصل سور القسطنطينية))(4).


1) - قال في مجمع الزوائد ورجاله ثقات.

2) - المعجم الكبير 4/138 برقم 3921.

3) - المعجم الكبير 4/122 برقم 3861.

4) - تاريخ بغداد 1/153.

وقد ذكر الحاكم في (المستدرك)(1)سبب مجيء أبي أيوب إلى ابن عبّاس، وأنّه كان ذهب إلى معاوية في حاجة فلم يقضها ودار بينهما كلام، فخرج منه أبو أيوب مغضباً وأتى ابن عبّاس في البصرة، فصنع به مثل ما صنع هو برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.

وذكر ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية)(2)نحو ذلك.

ولم يغفل الذهبي ذكر هذا في (سير أعلام النبلاء)(3).

ولعلّ أبا نعيم في ذكر (أخبار أصبهان)(4)، أوضح في البيان حين ذكر أنّ ابن عبّاس فرّغ له بيته، وقال: لأصنعنّ بك ما صنعت برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، كم عليك من الديون؟ قال: عشرون ألفاً، فأعطاه أربعين ألفاً وعشرين مملوكاً، وقال: لك ما في البيت كلّه.

وقال ابن عساكر في (تهذيب تاريخ مدينة دمشق): ((وولاّه عليّ رضي الله عنه على المدينة فاستخلف رجلاً من الأنصار حتّى قتل عليّ ولم يشهد معه صفّين، ولكنّه شهد معه يوم النهر.

وقال أبو صادق: قدم أبو أيوب العراق فأهدت له الأزد جزراً فبعثوا بها معي، فدخلت فسلّمت عليه وقلت له: قد أكرمك الله بصحبة نبيّه ونزوله


1) - المستدرك 3/459، و460.

2) - البداية والنهاية 3/202.

3) - سير أعلام النبلاء 3/236.

4) - أخبار أصبهان 2/65.

عليك فمالي أراك تستقبل الناس تقاتلهم، تستقبل هؤلاء مرّة وهؤلاء مرّة، فقال: إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) عهد إلينا أن نقاتل مع عليّ الناكثين فقد قاتلناهم، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين، فهذا وجهنا إليهم - يعني معاوية وأصحابه - وعهد إلينا أن نقاتل مع عليّ المارقين فلم أرهم بعد))(1).

وفي رواية الطبراني في (المعجم الكبير)(2): ((عن أبي صادق، عن مخنف بن سليم، قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري وهو يعلف خيلاً له بصعنبى، فقلنا عنده، فقلت له: أبا أيوب قاتلت المشركين مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ثمّ جئت تقاتل المسلمين؟ قال: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أمرني بقتال ثلاثة: الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فقد قاتلت الناكثين، وقاتلت القاسطين، وأنا أقاتل إن شاء الله المارقين، بالشُعفات، بالطرقات، بالنهراوات، وما أدري ما هم))(3).

وعن حبيب بن أبي ثابت: أنّ أبا أيوب قدم البصرة على ابن عبّاس، ففرغ له بيته وقال: لأصنعنَ بك ما صنعتَ برسول الله، كم عليك من الدين؟ قال: عشرون ألفاً فأعطاه أربعين ألفاً وعشرين مملوكاً، وقال: لك ما في البيت كلّه))(4).


1) - تهذيب تاريخ مدينة دمشق 5/44 - 47.

2) - المعجم الكبير 4/172 برقم 4049.

3) - أخرجه ابن عساكر في ترجمة الإمام عليه السلام 3/172 بتح المحمودي.

4) - أخبار أصبهان 2/65.

ورواه الحافظ، والبيهقي بلفظ آخر، وهو: ((وأتى معاوية فشكا إليه أنّ عليه ديناً، فلم ير منه ما يحبّ - ورأى أمراً كرهه - فقال سمعت رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) يقول: إنّكم سترون بعدي أثرة، قال: فأي شيء قال لكم؟ قال: اصبروا، قال: فوالله لا أسألك شيئاً أبداً، وقدم البصرة فنزل على ابن عبّاس، ففرّغ له بيته...))، الحديث (الأثرةِ: بفتح الهمزة والثاء الاسم من أثر يؤثّر إيثاراً إذا أعطى، أراد أنّه يستأثر عليكم فيفضّل غيركم في نصيبه من الفيء، والاستئثار الانفراد بالشيء).

ورواه الطبراني عن حبيب بزيادة، وهي: إنّه غزا أرض الروم فمرّ على معاوية فجفاه، فانطلق ثمّ رجع من غزوته فمرّ عليه فجفاه ولم يرفع به رأساً، فأتى ابن عبّاس بالبصرة وقد أمّره عليّ عليها، فقال له: إنّي أريد أن أخرج عن مسكني كما خرجتَ لرسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، وأمر أهله فخرجوا، وأعطاه كلّ شيء أغلق عليه الدار، فلمّا كان انطلاقه، قال: حاجتك؟ قال: حاجتي عطائي وثمانية أعبد يعملون في أرضي، وكان عطاؤه أربعة آلاف، فأضعفها له خمس مرّات فأعطاه عشرين ألفاً وأربعين عبداً.

وقدم يوماً على معاوية فأجلسه على السرير معه، فجعل معوية يتحدّث ويقول: فعلنا وفعلنا وأهل الشام حوله، ثمّ التفت إلى أبي أيوب وقال له: من قتل صاحب الفرس البلقاء التي جعلت تجول يوم كذا وكذا؟ فقال أبو أيوب: أنا قتلته إذ أنت وأبوك على الجمل الأحمر معكما لواء الكفر، قال: فنكس معاوية، وتنمّر أهل الشام لأبي أيوب، فرفع معاوية رأسه وقال: مه

مه، وإلاّ، فلعمري ما عن هذا سألناك ولا هذا أردنا منك.

وأخرج الحافظ، والخطيب: عن عمارة بن غزيّة، قال: دخل أبو أيوب على معاوية، فقال: صدق رسول الله: إنّكم سترون بعدي أثرة فعليكم بالصبر، فبلغت معاوية فقال: صدق رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أنا أوّل من صدّقه، فقال أبو أيوب: أجراءة على الله وعلى رسوله، لا أكلمه أبداً، ولا يأويني وإياه سقف بيت، ثمّ خرج من فوره ذلك إلى الصائفة فمرض، فأتاه يزيد بن معاوية يعوده وهو على الجيش، فقال هل لك من حاجة؟ أتوصي بشيء؟ فقال: ما ازددت عنك وعن أبيك إلاّ غنى، إن شئت أن تجعل قبري ممّا يلي العدوّ في غير ما يشقّ على أحد من المسلمين...

إنّه لمّا كان عند انقضاء مغزاهم حيث يراهم العدوّ فلم يجدوا متقدّماً حضر أبا أيوب الموت، فدعا أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) والناس ومعهم عمرو بن العاص، فقال: إذا أنا قبضت فلتركب الخيل بالسلاح والرجال ثمّ سيروا حتّى تلقوا العدوّ فيردوكم حتّى لا يجدوا متقدّماً، فإذا فعلتم ذلك فاحفروا لي قبراً، ثمّ ادفنوني، ثمّ سوّوا قبري فلتطأ الخيل والرجال عليه حتّى يسوى، فلا يعرف مكانه، فإذا رجعتم فأخبروا الناس: أنّ نبيّ الله(صلّى الله عليه وسلّم) أخبرني أنّه لا يدخل النار أحد يقول: لا إله إلاّ الله.

وأخرج من طريق ابن سعد، عن أيوب بن محمّد، قال: شهد أبو أيوب بدراً، ثمّ لم يتخلّف عن غزاة المسلمين إلاّ هو في أخرى، إلاّ عاماً واحداً، فإنّه استعمل على الجيش رجل شاب فقعد ذلك العام، فجعل بعد ذلك يتلهف ويقول: ما علي من استعمل علّي، وما علّي من استعمل عليّ.

وقال محمّد بن عمر: لقد بلغني أنّ الروم يتعاهدون قبره ويرمّونه ويستسقون به إذا قحطوا.

وحكى الأصمعي، عن أبيه، عن جدّه: إنّ أبا أيوب لمّا دفن وبني عليه، أصبحوا فأشرف عليهم الروم، فقالوا: يا معشر العرب! قد كان لكم الليلة شأن؟ فقالوا: مات رجل من أكابر أصحاب نبيّنا، والله لئن نبش لا يضرب لكم ناقوس ببلاد العرب، فكان الروم إذا أمحلوا كشفوا عن قبره فأمطروا.

وروي أنّ أهل القسطنطينية قالوا ليزيد ومن معه: ما هذا ننبشه غداً، فقال يزيد: هذا صاحب نبيّنا لأن فعلتم لأنزلن بكلّ جيش بأرض العرب ولأهدمنّ كلّ كنيسة، قالوا: إنّما أردنا أن نعرف مكانه منكم لنكرمه لصحبته ومكانه، فبنوا عليه قبة بيضاء وأسرجوا عليه قنديلاً.

قال أبو سعد المعطي: وأنا دخلت عليه القبة في سنة مائة ورأيت قنديلها، فعرفنا أنّه لم يسرج حتّى نزلنا بهم، وحكى شيخ من أهل فلسطين أنّه رأى بنيّة بيضاء دون حائط القسطنطينية فأتى تلك القبة فرأى بها قبراً وعليه قنديل معلّق بسلسلة، وهو قبر أبي أيوب(1)، واختلف في سنة وفاته، فقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: اثنتين، وقيل: خمس بعد الخمسين، وحسبنا بهذا معرفة بأبي أيوب على حقيقته.


1) - فليقرأ هذا القبوريون - كما يسمّيهم الوهابيون - وليحتجّوا به على مَن ناواهم وعاب عليهم البناء على القبور والإسراج عليها.

والآن إلى معرفة معاوية على حقيقته:

ثانياً: من هو معاوية بن أبي سفيان الذي مرّ به أبو أيوب فجفاه؟ ولماذا جفاه؟

هل هناك من لا يعرف معاوية بن أبي سفيان وهو ابن هند، ذلك المسخ من كلّ إنسانية فضلاً عن دين؟

ومن هو ذاك الذي كان يترفّع عن ذكره في مجلس عبد الرزاق صاحب (المصنّف) ويقول لمن ذكره عنده: ((لا تقذّر مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان))(1).

ولكنّي أذكره كما هو وعنه، فهو من حكّام المسلمين الذين طالت أيامه حاكماً في الشام أربعين عاماً: عشرين والياً وعشرين خليفة؟ وماذا جنا المسلمون فضلاً عن الإسلام من معاوية الطليق ابن الطليق، والوثني بن الوثني على حدّ ما قاله الدكتور النشّار كما سيأتي: ((وما الذي جناه الإسلام والمسلمون من معاوية غير العداوات والحزازات، وتفريق الصفوف، وتشتيت القوّة، وترسيخ الخلاف))(2).

ما هي انجازات معاوية التي يستطيع المسلمون أن يفخروا بها أمام خصومهم، ويرفعوا بها هاماتهم؟


1) - العقيلي في كتابه الضعفاء، وعنه الذهبي في ميزان الاعتدال 2/115، ط الهند سنة 1311 و3/610، ط مصر وفي سير أعلام النبلاء 8/369، ط دار الفكر.

2) - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 2/19.

ألم يقدّم معاوية لخصوم الإسلام ما يتحجّجون به عليهم في مجال حقوق الإنسان، وهو الذي كان يدفن الناس أحياءً لمجرّد حبّهم لعليّ بن أبي طالب الذي يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله؟

أو ليس معاوية هو الذي أسّس لثقافة الحقد والكراهية، وشرّع سبّ الأموات بصورة رسمية؟

أو لم يمنع معاوية المسلمين من تسمية أبنائهم عليّاً وحسناً وحسيناً؟

وأمّا الذين يدافعون عن معاوية باسم الدين وعدالة الصحابة، وأُمور من هذا القبيل، فيقال لهم بالحرف الواحد: ما جاء في سورة النساء: هَاأَنتُمْ هَ-ؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً(1). (هكذا قال عبد الباقي قرنة الجزائري).

ولئن فاته ذكر سياسة التجويع التي ابتدعها معاوية في هذا المقام، فلأنّه قد سبق له ذكرها من قبل، فقال(2): سياسة التجويع:

وسياسة التجويع عمل غير إنساني يقوم به أناس لا خلاق لهم، يحاولون من خلاله الضغط على الطرف المقابل.. وقد كان معاوية يفعل ذلك قبال المعارضين لسياسته.

قال الخطيب البغدادي: ((انصرف ثابت بن قيس إلى منزله فيجد الأنصار مجتمعة في مسجد بني ظفر يريدون أن يكتبوا إلى معاوية في


1) - سورة النساء/109.

2) - في ص238 من كتابه معاوية، ط1 سنة 1426ه-.

حقوقهم أوّل ما استخلف، وذلك أنّه حبسهم سنتين، أو ثلاثة لم يعطهم شيئاً، فقال: ما هذا؟ فقالوا: نريد أن نكتب إلى معاوية، فقال: ما تصنعون أن يكتب إليه جماعة، يكتب إليه رجل منّا، فإن كانت كائنة برجل منكم، فهو خير من أن تقع بكم جميعاً، وتقع أسماؤكم عنده، فقالوا: فمن ذلك الذي يبذل نفسه لنا؟ قال: أنا.

قالوا: فشأنك، فكتب إليه وبدأ بنفسه، فذكر أشياء منها نصرة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وغير ذلك، وقال: حبست حقوقنا واعتديت علينا فظلمتنا، وما لنا إليك ذنب إلاّ نصرتنا للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فلمّا قدم على معاوية دفعه إلى يزيد فقرأه، ثمّ قال له: ما الرأي؟ فقال: تبعث فتصلبه على بابه، فدعا كبراء الشام فاستشارهم، فقالوا: تبعث إليه حتّى تقدّم به هاهنا، وتقفه لشيعتك ولأشراف الناس حتّى يروه ثمّ تصلبه، فقال: هل عندكم غير هذا؟ قالوا، فكتب إليه قد فهمت كتابك وما ذكرت للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وقد علمت أنّها كانت ضجرة لشغلي، وما كنت فيه من الفتنة التي شهرت فيها نفسك، فانظرني ثلاثاً، فقدم كتابه على ثابت فقرأه على قومه، وصبّحهم بالعطاء في اليوم الرابع.

قال: وكان ثابت بن قيس بن الخطيم شديد النفس، وكان له بلاء مع عليّ بن أبي طالب، واستعمله عليّ بن أبي طالب على المدائن، فلم يزل بها حتّى قدم المغيرة بن شعبة الكوفة، وكان معاوية يتقي مكانه))(1).

وبهذه السياسة الرعناء أجرى حكمه العسيف على المسلمين، خصوصاً البلاد التي وقفت ضدّه في حرب صفّين، فقد أخذ الشيعة والقبائل


1) - تاريخ بغداد 1/167، ط الأوّل بمصر.

الموالية لعليّ بن أبي طالب عليه السلام بأشدّ ما أتيح له من وسائل الانتقام لإبادتهم، قتلاً بالسيف، وتجويعاً حتّى الموت، وتشريداً في البلاد وتطريداً، وإذا أراد الانتقام أمعن في الظلم، فعمّ الأخضر واليابس.

فقد روى البكري (ت478ه-) في كتابه (معجم ما استعجم): ((إنّ معاوية لمّا حبس الميرة عن أهل البصرة، كتب إليه أهلها، فلم يقرأ من كتبهم إلاّ كتاب الأحنف بن قيس، فكان فيه: (يا أمير المؤمنين! خبزاً خبزاً، فإنّ الجائع أدنى همّه نجران، وأنّ الشبعان لا يجاوز همّه سفوان)، فأمر بإطلاق الميرة))(1).

هذا جانب من سياسة المنعوت كذباً بالحلم، ولم تكن أهل بلاد أشدّ بلاء من البلاد التي كانت تحت حكومة الإمام عليه السلام، فحملة بسر بن أرطاة المدمّرة التي جاس فيها بلاد الحجاز واليمن، فأورثها رعباً وذلاًّ شاملاً فقد أتى المدينة المنورة، وعامل عليّ عليه السلام على أهل المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري، ففّر منهم أبو أيوب، فأتى عليّاً بالكوفة، ودخل بُسر المدينة، فصعد منبرها ولم يقاتله بها أحد، فنادى على المنبر: يا دينار.. ويا نجّار.. ويا ذريق.. شيخي شيخي، عهدي به بالأمس، فأين هو؟ يعني عثمان، ثمّ قال: يا أهل المدينة! والله لولا ما عهد إليَّ معاوية، ما تركت بها محتلماً إلاّ قتلته...(2)

قال ابن أبي الحديد: ودعا الناس - أي بسر بن أبي أرطاة - إلى بيعة معاوية، فبايعوه ونزل فأحرق دوراً كثيرة، منها: دار زرارة بن حرون أحد بني


1) - معجم ما استعجم 3/740، ط بيت المغرب بتحقيق مصطفى السقّا.

2) - تاريخ الطبري 5/139، ط محقّقة.

عمرو بن عوف، ودار رفاعة بن رافع الزرقي، ودار أبي أيوب الأنصاري(1).

فهذا معاوية الحليم الكريم كما يريده أنصاره، وهذه سيرته مع شيعة عليّ عليه السلام، ومنهم أبو أيوب الذي كان عامله على المدينة ففرّ منها خوفاً من بطش بُسر الذي قال عنه ابن أبي الحديد: ((وكان قاسي القلب فظّاً سفّاكاً للدماء، لا رأفة عنده ولا رحمة، فأمره - معاوية - أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكّة، حتّى ينتهي إلى اليمن، وقال له: لا تنزل على بلد أهله على طاعة عليّ إلاّ بسطت عليهم لسانك حتّى يروا أنّهم لا نجاء لهم، وإنّك محيط بهم، ثمّ اكفف عنهم وأدعهم إلى البيعة لي، فمن أبى فاقتله، واقتل شيعة عليّ حيث كانوا))(2).

هذه سيرة معاوية التي ساس البلاد بها، وهو ذاك المسخ الإنساني، الذي وصفه أبناء السُنّة فضلاً عن الشيعة، بما هو فيه من كوامن الحقد والكفر، فأنّى يكون لأبي أيوب الأنصاري حرمة في ميزانه ليرعاه، وهو لم يرع للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم حرمة، فقال عنه ما حدّث به المغيرة بن شعبة كما سيأتي، وأنّى تكون دار أبي أيوب دار أمان، لأنّها منزل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو لم يرع حرمة لمدينة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وزاد أوار حقد معاوية ما كان يرويه أبو أيوب في فضائل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ومعاوية قد منع تلك الأحاديث، وإلى القارئ بعض ذلك:


1) - شرح النهج 2/10.

2) - في شرح النهج 2/9.

انتقاء أحاديث أبي أيوب في الإمام عليّ عليه السلام:

أوّلاً: عن عباية بن ربعي، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة عليها السلام : (أما علمت أنّ الله عزّ وجلّ اطّلع على أهل الأرض فاختار منهم أباكِ فبعثه نبيّاً، ثمّ اطّلع الثانية فاختار بعلكِ، فأوحى إليَّ فأنكحته واتّخذته وصيّاً)(1).

ثانياً: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعليّ: (إنّ لك لأضراساً ثواقب: أمرت بتزويجك من السماء، وقتلك المشركين يوم بدر، وتقتل من بعدي على سُنّتي وتبريء ذمّتي)(2).

ثالثاً: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لقد صلّت الملائكة عليَّ وعلى عليّ سبع سنين، وذلك أنّه لم يصلّ معي رجل غيره)(3).

رابعاً: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول لعمّار: (يا عمّار! تقتلك الفئة الباغية، وأنت إذ ذاك مع الحقّ والحقّ معك، يا عمّار بن ياسر إن رأيت عليّاً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره فاسلك مع عليّ فإنّه لن يدليك في ردى، ولن يخرجك من هدى، يا عمّار من تقلّد سيفاً أعان به عليّاً على عدوّه، قلّده الله يوم القيامة وشاحين من درّ، ومن


1) - أخرجه الطبراني في الكبير 4/171.

2) - أخرجه ابن عساكر في ترجمة الإمام عليه السلام بتحقيق المحمودي 1/242 وابن المغازلي في المناقب برقم 145.

3) - أخرجه ابن عساكر في ترجمة الإمام عليه السلام 1/69 - 70 تح المحمودي، وأخرجه السيوطي في اللئالي 1/166 ط1.

تقلّد سيفاً أعان به عدوّ عليّ عليه قلّده الله يوم القيامة وشاحين من نار)(1).

خامساً: عن أبي أيوب: أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال لعليّ: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى)(2).

سادساً: عن رياح بن الحارث، قال: كنّا قعوداً مع عليّ رضي الله عنه فجاء ركب من الأنصار عليهم العمائم، فقالوا: السلام عليكم يا مولانا، فقال عليّ رضي الله عنه: أنا مولاكم وأنت قوم عرب؟ قالوا: نعم سمعنا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه)، وهذا أبو أيوب فينا، فحسر أبو أيوب العمامة عن وجهه، قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه)(3).

سابعاً: عن أبي أيوب الأنصاري قال: دخلت على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم والحسن والحسين رضي الله عنه يلعبان بين يديه وفي حجره، فقلت: يا رسول الله! أتحبّهما؟ قال: (وكيف لا أحبّهما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمّهما)(4).

فكيف يطيق معاوية الطليق سماع متحدّث كأبي أيوب الأنصاري يروي للناس ما سمعه في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، ومعاوية الحقود


1) - تاريخ بغداد 13/176.

2) - المعجم الكبير، للطبراني 4/184.

3) - المعجم الكبير، للطبراني 4/173 - 174، وقال في الهامش: رواه أحمد (5/419)، قال في المجمع (9/104) ورجال أحمد ثقات.

4) - المعجم الكبير، للطبراني 4/156 برقم 3990.

الحسود العنيد الكنود، الذي لم يؤمن حقيقة، وإنّما استسلم مخافة الصمصام، فعدّ من طلقاء الإسلام.

آراء صريحة في كفر معاوية الذي سخر من رواية أبي أيوب:

1- قال ابن أبي الحديد في (شرح النهج): ((ومعاوية مطعون في دينه عند شيوخنا رحمهم الله، يرمى بالزندقة، وقد ذكرنا في نقض السفيانية عن شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلامية عنه من الإلحاد والتعرّض للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وما تظاهر به من الجبر والإرجاء، ولو لم يكن شيء من ذلك، لكان في محاربة الإمام ما يكفي في فساد حاله، لاسيّما على قواعد أصحابنا، وكونهم بالكبيرة الواحدة يقطعون على المصير إلى النار، والخلود فيها، إن لم تكفرّها التوبة))(1).

أقول: فإنّا مهما زايلنا المعتزلة في بعض الفروع، فإنّا لا نشكّ في كفر معاوية لِما رواه المغيرة بن شعبة.

2- فقد جاء في الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار بسنده عن المطرف ابن المغيرة بن شعبة، قال: دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه فيتحدّث معه، ثمّ ينصرف إليَّ، فيذكر معاوية وعقله، ويعجب ممّا يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء- ورأيته مغتمّاً، فانتظرته ساعة وظننت أنّه أمر حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتمّاً منذ الليلة؟ فقال: يا بني جئت من أكفر الناس وأخبثهم، قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنّك قد


1) - شرح نهج البلاغة 1/340.

بلغت سنّاً يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً فإنّك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوانك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك ممّا يبقي لك ذكره وثوابه، فقال: هيهات هيهات، أيّ ذكر أرجو بقاءه، ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك، حتّى هلك ذكره إلاّ أن يقول قائل: قال أبو بكر، ثمّ ملك أخو عدي، فاجتهد وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك، حتّى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: قال عمر.

وإنّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرّات (أشهد أنّ محمّد رسول الله)، فأيّ عمل يبقى؟ وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أباً لك، لا والله إلاّ دفناً دفنا(1).

3- وفي (شرح النهج) للمعتزلي(2)نقلاً عن شيخه أبي القاسم البلخي في حديث السرار بين معاوية وعمرو بن العاص، قوله: دعني، كناية عن الإلحاد بل تصريح به، أي: دع هذا الكلام لا أصل له، فإنّ اعتقاد الآخرة أنّها لا تباع بعَرَض الدنيا من الخرافات.

وقال رحمه الله تعالى: وما زال عمرو بن العاص ملحداً، تردّد في الإلحاد والزندقة وكان معاوية مثله، ويكفي من تلاعبهما بالإسلام حديث السرار...


1) - شرح نهج البلاغة 2/176، وكشف الغمة، للإربلي 1/566، ومروج الذهب 4/40 في أواخر أخبار المأمون العبّاسي والنصائح الكافية.

2) - شرح نهج البلاغة 2/65.

4- فعلى هذا لا غرابة في قول الدكتور علي سامي النشّار، حيث قال في كتابه (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام):

(العثمانية) و(الأمويّة) الذين كرهوا الإسلام أشدّ الكراهية، وامتلأت صدورهم بالحقد الدفين نحو رسول الله وآله وأصحابه، كرهوا أبا بكر وعمر كما كرهوا عليّاً سواء بسواء، ولكن واتتهم الفرصة حين قُتل عثمان، وباسم الشيخ الشهيد وأمام جمهور أهل الشام قاموا يعلنون أنّهم يغضبون لدم صاحب من أصحاب رسول الله مضى رسول الله وهو عنه راض، ومضى الشيخان وهما عنه راضيان، قد أهدر دمه وهم أولياؤه، وخُدع أهل الشام حقّاً، وتبعوا الكذب والخداع، ولم يعلموا حينئذ أنّ من يتمسَّحون بالشيخين كانوا أشدّ أعداء الشيخين، وأنّهم خضعوا لهما خلال حكمهما خوفاً من سطوة المسلمين وتمكينا فقط لأقدامهم في المجتمع الجديد، وقد كانوا بالأمس فقط (الطلقاء) و(المؤلّفة قلوبهم)(1).

وقال أيضاً: وكان خليفة دمشق غارقاً لأذنيه في جاهليته الأولى، بين جواريه ومغانيه وملاهيه وطربه، يرتكب الكبائر سرّاً أو علانية، ويحطّم بناء المجتمع الإسلامي، وأنّه أشاع الفاحشة بين الناس، فعاد واقعهم إلى الخمر والنساء والرذائل العادية والشاذّة، وأنّه أنهكهم بما حملهم من أوزار وخطايا، وبهذا يسهل عليه حكمهم، ظنّ خطأ أنّ الناس على دين ملوكهم، وأنهم لا يفعلون غير ما يفعل، ولا يأتمرون إلاّ بما يأمر...(2)


1) - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1/229، ط السابعة، دار المعارف سنة 1977م.

2) - المصدر السابق 1/231.

وقال أيضاً: ثمّ ظهر غنوصي عنيف، اعتنق الزندقة - أي الإيمان بالاثنين - على صورة عنيفة، وهذا الغنوصي هو أبو سفيان بن حرب، ولم ينتبه الباحثون إلى سبب عداوته الكبرى وضغنه المرير على الإسلام، سواء في جاهليته أو بعد أن أرغم على اعتناق الإسلام، غداة فتح مكّة، أمّا السبب في هذا فهو أنّه كان في الجاهلية زنديقاً(1)، ونحن نراه يشهد حنيناً مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم (وكانت الأزلام معه يستقسم بها)، وكان كهفاً للمنافقين، وكان يتشفّى في المسلمين إذ كُشفوا بعض الكشف يوم اليرموك، فلم يؤمن حتّى بعروبته.

ويظهر أبو سفيان عقيدته المتزندقة حين دخل على عثمان بن عفّان رضي الله عنه وقد صارت إليه الخلافة، فقال: ((قد صارت إليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أُميّة، فإنّما هو الملك، ولا أدري ما جنّة ولا نار))(2). وقد طرده عثمان ونهره، ولكن (عثمان) ما لبث أن وقع في أحابيل هذه الأسرة المتزندقة، وحين تولّت هذه الأسرة الأمويّة الحكم أظهرت نفثاتها المسمومة على الإسلام كدين في أكثر الأحايين(3).

وقال في مقدّمة الطبعة الثانية: وقد كان عليّ بن أبي طالب أنشودة الإسلام الكبرى - منذ مطلع الإسلام - في جبال فاران، حتّى مصرعه العنيف


1) - النزاع والتخاصم، للمقريزي: 29، وقال النشار في كتابه المذكور 2/66: وكان من أخطر الزنادقة أبو سفيان الأموي وعدوّ الإسلام العتيد.

2) - النزاع والتخاصم: 31.

3) - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1/198.

في الكوفة في عام نحس أغبر، في عام ظلامٍ مدلهم، كتب السواد والفرقة على المسلمين لأحقاب طوال تعاقبت بعده، كان الفتى الصغير أوّل أصحاب الرسول الأعظم وأوّل حوارييه، لقد مدّ يده الصغيرة الجميلة في موالاة حرّةٍ أبيّة، معاهداً محمّد بن عبد الله على تفديته بالنفس، وبيعته بالموت، ومشيخة بني هاشم والشيخ الكبير أبو طالب بينهم ينظرون.

وتتابعت الأحداث في مكّة والحواري الصغير يخطو للشباب، وحين هاجر الرسول وصاحبه العظيم أبو بكر الصديق كان الحواري الصغير - صامتاً - في فراش الرسول، وهو يعلم أن سيوف شياطين قريش ستنوشه بعد قليل، ولكنّه لم يكن يأبه ولم يكن يرتاع، بل كانت روحه في مسرى الرسول الأكبر وصاحبه، وبعد أيام قلائل يستعد الفتى الصغير لهجرته إلى الله ورسوله، غير هيّاب قريشاً ولا أعداء الرسول في الطريق الشاق إلى يثرب الطيبة، ويحمل معه وديعة الرسول الكبرى في مكّة - فاطمة الزهراء - زهرة الدنيا اليانعة وروح الحياة المتفتحة، والتي انبثقت منها دوحة محمّد الوارفة.

كانت هي وعليّ يسريان في صحراء العرب الكبرى، يخترقان الوهاد والنجاد والسهول، والرسول الأعظم وأصحابه في المدينة في صلاة ابتهالية أن يبعث الله عليهما سكينته وسلامه.

وها هما عليّ وفاطمة في المدينة في مهجر النبوة آخر الأمر، ويردُّ عليّ وديعة الرسول، ثمّ تكون له بعد، ويعيش في رحاب النبوّة... وأخيراً يموت صريعاً على يد خارجي.

تلك حقيقة عليّ، آمن بها أهل السُنّة كما آمن بها أهل الشيعة، ولكن

الشيعة - كما قلت - آمنت به وحده، وآمن به أهل السُنّة كما آمنوا بالصاحبين القديمين الشيخين أبو بكر وعمر وتولّوهما...

ولو عاد الأمر - بعد عليّ إلى المسلمين الخلّص لكي يحكموا المسلمين، وحرم منه ابنا فاطمة الزهراء - لما تضخمت المسائل وكبر الحبّ وعظم، وكبرت السخيمة وعظمت.

ولكن الأمر عاد إلى معاوية بن أبي سفيان، ولم يكن المسلمون بعد قد تناسوا أباه هذا الغنوصي القائم، هذا الثنوي المجوسي الذي لم يؤمن أبداً، وسرعان ما أطلقوا على معاوية الطليق بن الطليق والوثني ابن الوثني، ومهما قيل في معاوية، ومهما حاول علماء المذهب السلفي المتأخّر وبعض أهل السُنّة من وضعه في نسق صحابة رسول الله، فإنّ الرجل لم يؤمن أبداً بالإسلام، ولقد كان يطلق نفثاته على الإسلام كثيراً، ولكنّه لم يستطع أكثر من هذا، وبدأ أبناء فاطمة يكتبون بدمائهم أكبر الملاحم(1).

وقال أيضاً: ولستُ أبرئ معاوية من سمّ الحسن، فلم يكن الرجل أبداً مسلماً تام الإسلام، كان جاهلياً بمعنى الكلمة، وكان على استعداد لارتكاب كلّ موبقة في سبيل ولده يزيد... ومات الطليق آخر الأمر بعد أن قتل جماعة من كبار الصحابة صبراً، كحجر بن عدي وأصحابه، مات بعد أن بايع الناس بالخلافة لابنه يزيد، وانتهى الأمر إلى ملك غاشم جاهلي يتوارثه الأمويون واحداً بعد واحد(2).


1) - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 2/18 - 19.

2) - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 2/46.

5- ولم ينقص عن هذا عبّاس محمود العقاد في تقويمه لمعاوية حيث قال في كتابه (معاوية في الميزان): لقد كان قيام الدولة الأمويّة بعد عصر الخلافة حادثاً جللاً بالغ الخطر في تاريخ الإسلام وتاريخ العالم(1).

وقال أيضاً: ونشأة الدولة الأمويّة على مفترق هذين الطريقين - طريق الخلافة الإسلامية، وطريق الهرقلية الكسروية - هي الحادث الجلل في صدر الإسلام، وهي الحادث الجلل الذي يقرّر تبعتها في التاريخ الإسلامي، بل في التاريخ العالمي كلّه(2).

وقال أيضاً: فليس أضلّ ضلالاً ولا أجهل جهلاً من المؤرّخين الذين سمّوا سنة (إحدى وأربعين هجرية) بعام الجماعة، لأنّها السنة التي استأثر فيها معاوية بالخلافة فلم يشاركه أحد فيها، لأنّ صدر الإسلام لم يعرف سنة تفرّقت فيها الأُمّة كما تفرّقت في تلك السنة، ووقع فيها الشتات بين كلّ فئة من فئاتها كما وقع فيها(3)، إذ كانت خطة معاوية في الأمن والتأمين قائمة على فكرة واحدة وهي التفرقة بين الجميع...(4).

وقال أيضاً: فلو أنّه استطاع أن يجعل من كلّ رجل في دولته حزباً


1) - معاوية في الميزان 3/542، ضمن موسوعة العقاد، ط دار الكتاب العربي بيروت.

2) - معاوية في الميزان 3/543.

3) - لقد سبق الجاحظ العقاد بذلك، فقال في كتابه بني أُميّة: وما كان (عام الجماعة)، بل كان عام فُرقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكا كسروياً والخلافة منصباً قيصرياً، ولم يعدُ ذلك أجمع الضلال والفسق.

4) - معاوية في الميزان 3/663.

منابذاً لغيره من رجال الدولة كافّة لفعل، ولو حاسبه التاريخ حسابه الصحيح لما وصفه بغير مفرِّق الجماعات(1).

وقال: واحتاج أن يقول مرّة كما جاء في الطبري مسنداً إلى سعيد بن سويد: ((ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلّوا ولا لتحجُّوا ولا لتزكّوا. قد عرفت أنّكم تفعلون ذلك، ولكن إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم))، وهي قولة لم يقلها أحد غيره من المطبوعين على الصولة والزعامة، لأنّهم لا يحتاجون إليها، ولكنّه قالها لأنّها جثمت على صدره لطول ما صبر على مجابهة هذا ومصانعة ذاك، وتذكر المذكرين إياه أنّه لم يملكهم عنوة ولا فتحاً، بل ملكهم بالمشارطة والاتفاق... فنفّس عن صدره بتلك الكلمة، ولم يحدث من غيره أنّه شعر بالحاجة إلى تنفيس كذلك التنفيس.

لقد كان في الرجل مشابهة للجمل الصبور، ولم تكن فيه مشابهة للأسد الهصور...(2).

وقال أيضاً: تميّزت لبني أُميّة في الجاهلية وصدر الإسلام خلائق عامّة يوشك أن تسمّى - لعموماً بينهم - (خلائق أمويّة)، وهي تقابل ما نسمّيه في عصرنا بالخلائق الدنيوية أو النفعية، ويراد بها أنّ المرء يؤثّر لنفسه وذويه، ولا يؤثّر عليها وعليهم في مواطن الإيثار...

وهذه الخلائق الأمويّة دنيوية نفعية تميل بالمتخلقين بها إلى مناعم


1) - معاوية في الميزان 3/575.

2) - معاوية في الميزان 3/611.

الحياة، وتحبّب إليهم العيش الرغد والمنزل الوثير، وتغريهم بالنعم واللّذات، يغدقونها على أنفسهم وعلى الأقربين، فهي عندهم قسطاس البر بمن يحبّون كما يحبّون.

وقد عرف خيارهم ديناً وصلاحاً بهذه الخلائق الأمويّة، كما عرف بها كثيرون منهم لم يشتهروا بدين ولا صلاح...

ثمّ ذكر ما كان عليه عثمان وعمر بن عبد العزيز من مظاهر الترف وبلهنية العيش(1).

6- وأعطف على من سبق الدكتور محمود الخالدي (أُستاذ الثقافة الإسلامية المساعد، كلية الآداب - جامعة اليرموك، الأردن)، حيث قال في كتابه (الأصول الفكرية للثقافة الإسلامية):

ثمّ كان ظهور نظام الخلافة بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وآله وسلم، فأصبح نظاماً جديداً فريداً... وفتح باب الاجتهاد، فأصبحت موضع بحث وجدل واجتهاد بين المسلمين جميعاً، فظهرت آراء ونظريات عديدة حولها، واختلفت الفرق والجماعات السياسية والدينية حول شكل الخلافة وطريقة اختيار الخليفة والبيت الذي يختار منه، وأدّى هذا كلّه إلى ظهور أشكال ونماذج مختلفة من الخلافة فكانت مرحلة الخلفاء الراشدين... ثمّ كانت مرحلة الخلافة الأمويّة حيث انحصرت الخلافة في البيت الأموي، وأصبحت تتبع مبدأ الوراثة(2).


1) - معاوية في الميزان 3/613.

2) - الأصول الفكرية للثقافة الإسلامية 3/16 نشر دار الفكر عمّان، ط الأولى سنة 1404ه-.

وقال أيضاً: وقد وقف كبار الصحابة رضوان الله عليهم من بيعة يزيد ابن معاوية يوم أن اغتصبت السلطة من المسلمين لأوّل مرّة، موقف الرفض والثورة المسلحة، لمّا أراد معاوية بن أبي سفيان أخذ الحكم لابنه يزيد بالإكراه عن غير رضا المسلمين، وكان ذلك نتيجة مشورة من المغيرة بن شعبة والي معاوية على الكوفة، فكان بذلك أوّل من حضّ على ارتكاب جريمة اغتصاب السلطة في الإسلام لأوّل مرّة(1).

وقال أيضاً: وإنّ من كان في قلبه مثقال ذرّة من فهم ليدرك أنّ العقيدة الإسلامية قد جاءت بنظام للحكم لا يدانية نظام في الكون، ولا يصل مواضع قدميه أرفع ما شرّعه الإنسان، ذلك هو نظام الخلافة الإسلامية الذي انبثق من العقيدة الإسلامية، وقام عليه الدليل من الكتاب والسُنّة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم(2).

وقال أيضاً: إذا كان نصب الخليفة قد ثبت شرعاً بالكتاب والسُنّة وإجماع الصحابة، فإنّه كذلك لمن المعلوم من الدين بالضرورة أنّه يجب شرعاً إقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، وتعبئة الجيوش، وتقسيم الغنائم، وتوزيع الزكاة، ونصب القضاة، وإظهار الشعائر الدينية، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، بمعنى إيجاد الإسلام عملياً في معترك الحياة، وإن ذلك كلّه لا يتم له وجود إلاّ بوجود أمير لجماعة المسلمين له حقّ الطاعة


1) - الأصول الفكرية للثقافة الإسلامية 3/95.

2) - الأصول الفكرية للثقافة الإسلامية 3/62.

والنصرة، فتطبيق الأحكام الشرعية متوقّف على وجود الإمام، (فإذا صحّ إيجاب الله تعالى إقامة الحدود وغيرها، وكان لا طريق إليه إلاّ بإقامة الإمام وجبت إقامته)(1)(2).

وقال أيضاً: والواقع الذي تعيشه الأُمّة الإسلامية اليوم لدليل قاطع على استحالة أن تقوم للإسلام قائمة إلاّ بالخلافة... فالأحكام معطّلة، والأعراض منتهكة، ولم تعد للجهاد راية، وقسمت بلاد المسلمين إلى عشرات الدويلات، وأنشب الكفر أظافره في خيرات المسلمين، وجعل الاستعمار من دولة إسرائيل مؤدّباً لخير أُمّة أخرجت للناس... (3).

7- واقرأ ما قال الدكتور صبحي الصالح (أُستاذ الإسلاميات وفقه اللغة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية)، فقد قال في كتابه (النظم الإسلامية نشأتها وتطورها):

لقد كانت بيعة أبي بكر للخلافة أوّل فتنة أو (فلتة) وقى الله المسلمين شرّها، وكانت مقدّماتها كنتائجها ذات طابع سياسي يتلخّص في اختيار شخص دون شخص للخلافة(4).

وقال وهو يتحدّث عن تولية أبي بكر لعمر واختلاف الناس فيه: على أنّ نفراً من الناس في تلك الفترة العصيبة بدؤوا يعتقدون أنّ السلطة الدينية


1) - المغني في أبواب التوحيد 2/ 47 من القسم الأوّل.

2) - الأصول الفكرية للثقافة الإسلامية 3/54.

3) - الأصول الفكرية للثقافة الإسلامية 3/55.

4) - النظم الإسلامية نشأتها وتطورها: 87، ط الأولى، دار العلم للملايين بيروت.

يجب أن تفرضها على الناس سلطة إلهية، فجعلوا السلطة بذلك مفروضة لا منتخبة، تعيّنها إرادة السماء كما تعيّن الأنبياء وتصطفي المرسلين(1).

وقال أيضاً وهو يتحدّث عن (الشورى): إنّ الفتنة الكبرى في عهد عثمان إنّما ترتد إلى طريقة اختياره، فقد كانت شورية فتحت الباب أمام أصحاب الآراء الحرّة ولو أرادوا بها النزاع والشقاق، وإذا لاحظنا أنّ أبا بكر انتُخب بشبه إجماع، وأنّ عمر قد نصّ على خلافته أبو بكر وأخذ له البيعة، فإنّ عثمان لم ينتخب بإجماع ولا بشبه إجماع، ولم ينتخبه الخليفة، ولم يكن ليبرز على الناس أو يظهر بعلمه كعليّ، أو حزمه كعمر، أو سياسته كأبي بكر، وإنّما أعانه على تولي الخلافة أمويته وقرشيته، حتّى أنّ المسلمين لمّا تساءلوا عن الدوافع التي تحملهم على الرضا به خليفة لم يجدوها إلاّ دعوة قرآنية عامّة إلى طاعة أولي الأمر، والقضاء على كلّ نزاع في المهد(2).

وقال أيضاً: وبمصرعه - الإمام عليّ - انتهت خلافة الراشدين، وخلا الجوّ لمعاوية ليعلن خلافته بالشام، ويُدخل على نظام الحكم مبدأ الوراثة الذي ينافي روح الإسلام(3).

وقال أيضاً: وعندما فكّر معاوية بتوريث ابنه يزيد الخلافة من بعده استحدث للنظم الإسلامية تقليداً جديداً غيّر به سنّة السلف، وتشبّه بملوك


1) - النظم الإسلامية نشأتها وتطورها: 89.

2) - النظم الإسلامية نشأتها وتطورها: 90.

3) - النظم الإسلامية نشأتها وتطورها: 265.

الفرس والبيزنطيين، وحوّل الخلافة - كما قال الجاحظ - إلى ملك كسروي وعصب قيصري(1).

وقال أيضاً: فكلّ ما ارتكب باسم الإسلام من تسلط وجبروت في عهود الخلفاء الجائرين فدين الله منه براء، وإنّما إثمه يوم القيامة على الذين اقترفوه(2).

8- وكالسابقين كان مصطفى الرافعي (دكتور في الحقوق من جامعة باريس)، قال في حديثه عن العصر الأموي في كتابه (الإسلام نظام إنساني):

وفي هذا العصر تلاحظ انقلاباً شاملاً بل جذرياً في تطبيق الخلافة كنظام للحكم، فبالإضافة إلى تحوّلها إلى السياسة وابتعادها عن جوهرها الأوّل - كعمل ديني - فقد أخذ الخليفة في هذا العصر ليغرف من مظاهر الأبهة غرفاً، فاتّخذت (السّرر)، وأقيمت (الشرطة)، كما أصبح من مبتدعات هذا النظام أن يكون للخليفة (مقصورة خاصّة) في المسجد، يقوم حولها الحرس حين أداء الصلاة، وفي هذا العصر أيضاً بدأ معاوية السُنّة الجديدة في (توريث الملك)، واستعمل في إقرارها كلّ أنواع الحيل والدهاء، حتّى أصبح هذا النظام متّبعاً عند المسلمين منذ ذلك الحين(3).

وقال في ملاحظات على العصر الأموي: يظهر لنا بوضوح وجلاء أنّ


1) - النظم الإسلامية نشأتها وتطورها: 267.

2) - النظم الإسلامية نشأتها وتطورها: 279.

3) - الإسلام نظام إنساني: 30.

هذا النظام الجديد - بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى - والذي استحدثه معاوية كانت له نتائج ظاهرة في الشعب الإسلامي، وهذه النتائج تتلخّص فيما يلي:

1- ظهرت العداوة من بدعة تعيين ولي العهد وحصر الخلافة في بيت واحد، وتفشّت أمراض المنافسة والحقد بين أفراد البيت الأموي، ولقيت المؤامرات في (البلاط) أرضها الخصيبة، وهذا - في نظرنا - كان له أكبر الأثر في زوال الدولة الأمويّة.

2- يتبين لنا دون عناء في الدرس والتمحيص أنّ النظام الأموي كان نظاماً لا يمت إلى الخلافة الحقيقية بصلة - تلك الطريقة التي عرفناها في العهد الراشدي، إذ أنّها كانت غير (شورية) وديكتاتورية بالمعنى الحديث.

3- في هذا العصر ظهر جلياً أثر البيئة في (تطور نظام العامّة)، إذ أنّه لمّا كانت المدينة حاضرة الدولة العربية في العهد الراشدي كانت السيادة والنفوذ فيها للعنصر العربي، وقام ذلك النظام الذي يتّفق مع طبيعة العرب في بيئتهم الأصلية، فلمّا أصبحت (دمشق) حاضرة الدولة العربية تأثّر العرب بالبيئة التي عاشوا فيها، وكان من الطبيعي أن يتحوّل نظامهم الشوري إلى نظام ملكي أو قيصري بكلّ ما فيه من تجديدات كانت مجهولة لدى الشعوب العربية، وبالتالي فقد كادت أن تنتفي (الصفة الدينية) للخليفة، وأصبح عمله (سياسياً بحتاً)(1).


1) - الإسلام نظام إنساني: 31.

وقال أيضاً: على أنّنا نسجل في هذا البحث العلمي اعترافنا بأنّ الخلافة حينما آلت إلى بني أُميّة ومن بعدهم إلى من خلفهم من الناس قُضي عليها كنظام خاص، وأصبحت طيّعة للبيئة، تنقلها من اليمين إلى اليسار، وملكاً للأهواء السياسية، تقلب مفاهيمها رأساً على عقب، وبذلك زالت عنها صفة الديموقراطية، واتّسمت بسمات الدكتاتورية، يدلّنا على ذلك قول عبد الملك بن مروان وهو على المنبر: من قال لي بعد عامي هذا: (اتّق الله) ضربت عنقه(1).

9- وليس دون من سبق المستشار عبد الجواد ياسين. فقد قال في كتابه (السلطة في الإسلام: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ): ((كانت السلطة الأمويّة ترفع راية جبرية صريحة، تبرّر تحتها مظالم الحكم ومفاسده الشائعة، فضلاً عن تبرير شرعية وجودها أصلاً، باعتبار أنّ ذلك كلّه إنّما كان قضاءً من الله وقدراً مقدوراً، فعندما قتل عبد الملك بن مروان منافسه عمرو بن سعيد أمر برأسه أن يطرح إلى أنصاره من أعلى القصر، ثمّ هتف عليهم الهاتف ينادي: إنّ أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم، بما كان من القضاء السابق، والأمر النافذ(2)

وقد بدأ الجبر الأموي مبكراً على لسان معاوية، فقد كان يبرّر خروجه لقتال علي بقضاء الله، فمن خطبته في جموع جيشه بصفّين: وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض، ولفّت بيننا وبين أهل العراق، فنحن من الله بمنظر، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ayebazوَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَ-كِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ayebaste (سورة البقرة/253) (انظر شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 2/497).

وجاء من بعده يزيد، فقال: الحمد لله الذي ما شاء صنع، من شاء أعطى ومن شاء منع، ومن شاء خفض ومن شاء رفع. (انظر المرجع السابق 4/53، وانظر الطبري - السابق - 5/526 رسالة البيعة التي أرسلها مروان بن محمّد إلى الوليد بن يزيد يقول فيها: وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه، حتّى آزره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أصلاً، ونهض مستقلاً بما حمل منها، مثبتة ولايته في سابق الزُبر بالأجل المسمى خصّه الله بها على خلقه.

أمّا الوليد بن يزيد فقد عقد البيعة لولديه عثمان والحكم، ثمّ كتب يهدّد الناس بأنّه: لا يستخف بولايتهم ويتّهم قضاء الله فيهم أحدُ إلاّ أمكنهم الله منه، وسلّطهم عليه، وجعله موعظة ونكالاً (لغيره).

وقد انتقلت هذه الفكرة من حكام بني أُميّة إلى شعرائهم، يقول جرير لعبد الملك بن مروان:

والله ليس لما قضى تبديل

الله طوقك الخلافة والهدى

ويقول في قصيدة أخرى:

خير البرية وارتضاك المرتضى

والله قدّر أن تكون خليفةً

ويقول:

مُلِّكتَ فاعْلُ على المنابر واسْلمِ

ذو العرشِ قدّر أن تكون خليفةً

ويقول في خلافة عمر بن عبد العزيز:

كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ

نال الخلافة إذ كانت له قدرٌ

أمّا كثير بن عبد الرحمن الخزاعي فيقرّر أنّ (الخلافة) شأن قدري محض لا دخل فيه للإمام الحاكم ولا للشعب المحكوم، فيقول لعمر بن عبد العزيز:

ولا أنت فاشكره يثّبك مثيب*** وما الناس أعطوك الخلافة والتقى

ما فيك معطٍ للجزيل وهوب*** ولكنما أعطاك ذلك عالمٌ

انظر فضلاً عن ديواني جرير وكثير، ديوان الأخطل والفرزدق، وديوان النابغة الشيباني، وديوان رؤبة بن العجاج، وانظر الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.

. ومن هنا فقد استشعر الأمويون في الخطر

1) - الإسلام نظام إنساني: 41.

2) - الإمامة والسياسة 2/27 مكتبة مصطفى البابي الحلبي، طبعة 1969م.

الكامن في آراء الجهني - يعني معبد الجهني - الذي كان يعرّض بأباطيل السلطة، وينفي أنّ الظلم والفساد من الله، مقرّراً مسؤولية الإنسان عن أفعاله من حيث أنّه مريد لها قادر عليها))(1).

وقال أيضاً: ((لقد ظل باب النظرية السُنّية في الخلافة مفتوحاً على الدوام حتّى منتصف القرن الرابع على الأقلّ، وقد أبدت النظرية في هذا الصدد قدراً مذهلاً من المرونة، استطاعت من خلاله أن تستوعب داخل إطارها دولة الراشدين الشورية [؟] ودولة الأمويين الوراثية الاستبدادية، ودولة العبّاسيين الأولى بطابعها الدموي، ودولة العبّاسيين الثانية بحكوماتها السلطانية التي فرّغت (الخلافة) من مضمونها الحقيقي، وفي سبيل ذلك فقد استطاعت - وهي تتلوى مع التاريخ - أن تقرّ مبدأ الاختيار الطوعي من الأُمّة للحاكم، ثمّ تقبل من أبي بكر مبدأ (الاستخلاف الفردي)، ومن عمر (الاستخلاف الجماعي، وتقبل من تجربة عثمان مبدأ (تأييد الولاية)، ثمّ تقبل من الأمويين مبدأ توريث السلطة أو (الأسرة المالكة)، وتقرّر من خلال الواقع العبّاسي مبدأ (ولاية المتغلّب) من السلاطين والوزراء، حتّى إذا ما صارت الخلافة في نهاية الأمر ضرباً من السلطة الدينية ذات طابع رمزي فاتيكاني، فإنّ النظرية فيما يبدو لم تبد اعتراضاً.

إذاً فقد تأخّر التنظير للخلافة، لأنّ الواقع السياسي هو الذي كان يكتب


1) - السلطة في الإسلام: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ: 132 - 133، ط الأولى سنة 1998، نشر المركز الثقافي العربي، بيروت.

النظرية، وكان الواقع السياسي يكتب الأكثرية، لأنّ النص كان غائباً))(1).

10- المستشار محمّد سعيد العشماوي.

قال في كتابه (الإسلام السياسي): ((وقد بدت نزعة غريبة تزعم أنّ التاريخ الإسلامي قد زُيّف، إذ عهد العبّاسيون إلى تشويه أعمال الأمويين، وسعى خلفاء العبّاسيين إلى الإساءة لأعمال هؤلاء... وقصد الشيعة إلى العبث بكلّ أفعال وأقوال السُنّة، وهكذا...

إنّ دعوى تزييف التاريخ الإسلامي لإخفاء وقائع ضدّ الإسلام تعمل - من حيث تدري أو لا تدري - على توطيد احتمالات عودة مثل هذه الوقائع وتكرارها ما دامت لا تستنكرها ولا تستهجنها ولا تعرف أنّها ضدّ الإسلام ذاته، هذا فضلاً عن أنّها تبدأ حركة خطيرة قد تمتد إلى كلّ التراث الإسلامي فتتهمه بالتزييف والتحريف، وتعمل على إلقائه جانباً وعدم التعويل على أي شيء منه))(2)...

وقال أيضاً: ((إنّ هذا الاتهام غير صحيح على الإطلاق، وليفقأ عينه من يشاء، لكن الحقيقة ستبقى واضحة وإنّ من عمل المسلم الحقّ - وصحيح إيمانه - أن يرفض كلّ ما هو مضادّ للإسلام منافٍ للشريعة، حتّى ولو كان من صاحب شأن أو مكانة، أو كان قد تكرّر على مدى التاريخ الإسلامي حتّى أخفى وراءه الحقيقة. لقد صاحب هذا الإنكار دفاع حارّ عن الأمويين


1) - المصدر السابق: 228 - 229.

2) - الإسلام السياسي: 3، ط الرابعة، الناشر مدبولي الصغير.

وغيرهم من الطغاة، كأنّما ذكر مظالم الظالمين دون التبرؤ منها يسيء إلى الإسلام ولا يطهره منها ومنهم.

ويقول القائل: إنّ ثمّة رجلاً دخل على معاوية بن أبي سفيان، وقال له: السلام عليك أيّها (الأجير)(1)

ونظم ذلك أبو العلاء المعري، فقال:

أمرت بغير صلاحها أمراؤها*** ملّ المقام فكم أُعاشر أُمّةٌ

فعدوا مصالحها وهُم أجراؤها*** ظلموا الرعية واستجازوا كيدَها

(تفسير المنار 5/215 - 216، ط الرابعة.

وأفضع من ذلك ما كان يجري من السخرية بعقول الناس والاستهانة بكرامتهم ممّا كان يصيبهم من معاوية وعمرو بن العاص ومن لفّ لفّهما، ثمّ يجد من فقهاء التبرير من يخرّجه لهم تخريجاً حسناً، وما أدري كيف يخرّجون ما أخرجه لنا ابن جرير، وابن الأثير، وابن كثير، والبلاذري، وغيرهم - واللفظ للأوّل - كما في بداية ابن كثير، قال: وذكر ابن جرير أنّ عمرو ابن العاص قدم في وفد أهل مصر إلى معاوية - فقال لهم في الطريق: إذا دخلتم على معاوية فلا تسلّموا عليه بالخلافة، فإنّه لا يحبّ ذلك. فلمّا دخل عليه عمرو قبلهم قال معاوية لحاجبه: أدخلهم وأوعز إليه أن يخوّفهم في الدخول ويرعبهم، وقال: إنّي لأظنّ عمراً قد تقدّم إليهم في شيء، فلمّا أدخلوهم عليه - وقد أخافوهم - جعل أحدهم إذا دخل يقول: السلام عليك يا رسول الله فضحك معاوية - كما عن البلاذري - فلمّا نهض عمرو من عنده، قال: قبّحكم الله، نهيتكم عن أن تسلّموا عليه بالخلافة فسلّمتم عليه بالنبوّة. وهكذا انتهى الحديث بجرّة من القلم، وضحكة من معاوية، وغضبة من ابن العاص على تلك الذقون، دون أي تعقيب ممّن رواه وكأنّه قد ارتضاه.

ولقد روى البلاذري في أنساب الأشراف 1/ق4/24 برقم 78 بسنده، قال: دخل سعد بن أبي وقّاص على معاوية، فقال: السلام عليك أيّها الملك، فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا إسحاق رحمك الله لو قلت: أمير المؤمنين. فقال: أتقولها جذلان ضاحكاً؟ والله ما أحبّ أنّي وليتها بما وليتها به. (قارن ابن عساكر 6/102، وشرح النهج 1/201).

. وهكذا بجملة واحدة أخذها معاوية مزاحاً أو

1) - يشير إلى دخول أبي مسلم الخولاني على معاوية، فقال: السلام عليك أيّها الأجير. فقال - الحرس -: قل السلام عليك أيّها الأمير. فقال: السلام عليك أيّها الأجير. فأعادوا قولهم وأعاد قوله، فقال معاوية: دعوا أبا مسلم، فإنّه أعلم بما يقول.

قبلها في (ساعة رضا) صحّحت كلّ المظالم، واعتدلت كلّ الموازين، ولم يعد معاوية ظالماً مغتصباً، ولا عاد نزاعه مع عليّ بن أبي طالب افتئاتاً وطمعاً وإفساداً، ولا صار تحويله إلى ملك عضوض خطأ أو انحرافاً؟

فهل يستقيم منطق بعد هذا المنطق؟ وهل يصحّ تاريخ بعد هذا القول؟))(1).

وإلى هنا ننهي هذه الجولة بين أقوال أساتذة الفكر السُّني في العصر الحديث الذين اتّقفت آراؤهم على أنّ الانحراف الأموي أودى بالمسلمين في مهاوي سحيقة من التخبّط، وإن لم يصرّح جميعهم بأنّ الخلافة كانت من حقّ الإمام عليّ عليه السلام، ولكن تداولها الأوّلون بالطرق التي أشاروا إليها على استحياء.

أمّا الدكتور هشام جعيّط فيقولها بصراحة ودون مواربة: ((ولم يكن العقائديون الشيعيون هم الوحيدين الذين فكّروا بالأمر، ولن يظلّوا الوحيدين، لقد اغتُصب حقّ عليّ في الخلافة، إنّها فكرة شائعة حتّى في أيامنا في الضمير الإسلامي قاطبة عند الشيعة والسنيين معاً، كما أنّ من الصعب على السنيين أن يتّبعوا عقيدتهم التي تضع عليّاً بعد عثمان من حيث الفضل(2).


1) - الإسلام السياسي: 31 - 32.

2) - الأشعري، مقالات الإسلاميين: 294 أعطى للعقيدة شكلها النهائي.

في الواقع يتمتع عليّ بحبّ المسلمين كافة، إمّا لأنّ التشيع فرض رؤيته للإنسان - في إفريقية، في مصر، في العراق - بعد مروره فيها، وإمّا نتيجة الأسطورة الملحمية الحيّة على الدوام التي اتّخذت عليّاً موضوعها، وإمّا لأنّه تعذّب من جرّاء رفضه وخسارته بينما كان حبيب النبيّ.

إنّ البويهيين - الذين كانوا شيعيين - وكذلك السلاجقة - الذين كانوا سنيين - كانوا مزخرفين سيوفهم بصورة عليّ، تلك الصورة الخيالية التي ما زالت متناقلة حتّى أيامنا في الرسم تحت الزجاج))(1).

وقال خالد محمّد خالد في كتابه (في رحاب عليّ): ((لقد كانت حياته - الإمام عليّ - في دورها الأخير وقفاً على قضية كبرى... أن يعيد للإسلام حقيقته، وللمسلمين وحدتهم، وللدولة الإسلامية تماسكها، وشرعتها واستقامتها.

أجل، كانت القضية التي نذر لها حياته هي ذي: أن يردّ الإسلام إلى حقيقته، وأن يردّ المسلمين إلى الإسلام، ولم يترك سلماً ولا حرباً يبلغن به غايته النبيلة هذه إلاّ توصّل بهما في عدالة وشرف، ولقد كانت قضيته واضحة المحيّا، مشرقة الجبين، ناصعة الحجّة، طاهرة الضمير، وإن عظمتها لتتجلّى عندما جاء ذلك اليوم الذي وقف فيه (معاوية) يأخذ البيعة بحدّ السيف لابنه (يزيد)؟ يزيد؟! نعوذ بالله بكلماته التامات من شرّ ما خلق...!!


1) - الفتنة، جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر، د. هشام جعيّط (تونسي)، ترجمة خليل أحمد خليل، أُستاذ المعرفة والفلسفة - الجامعة اللبنانية، بمراجعة المؤلّف، نشر دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط الثالثة سنة 1996م.

إنّه لو كان يأخذها لواحد من صلحاء بني أُميّة وفضلائهم، ما جاز له حمل المسلمين عليها بالرهبة والقوّة، فكيف وهي (ليزيد)، يزيد وكفى؟!

لقد كشف هذا العمل من معاوية عن أحد وجوه القضية الجليلة التي كان الإمام يقاتل دونها.

هنا الوجه المتمثل في ألاّ تصير خلافة المسلمين إلى طلقاء بني أُميّة أبداً... وأن تظلّ في الصالحين الأوّلين من المهاجرين والأنصار. أجل يومئذ تكشّف هذا الوجه من القضية الكبرى التي نذر البطل لها حياته، فألقى ضوءه على وجوه القضية كلّها..

ولم يبق من المسلمين أحد إلاّ بحّ صوته ترحّماً على الإمام عليّ، ووقف واحد من كبار الصحابة يومها يقول: (ما أجدني آسي على شيء فاتني في حياتي إلاّ على أنّي لم أقاتل مع (عليّ) الفئة الباغية. يعني بذلك عبد الله بن عمر))(1).

وقال محمّد رشيد رضا في (تفسير المنار) وهو يتحدّث عن الشورى في زمن خلافة الراشدين بحسب حالهم: ((وكيف أفسد الأمويون بعد ذلك حكومة الإسلام، وهدموا قواعدها، وسنّوا للمسلمين سنّة الحكومة الشخصية المؤبّدة بعصبة الحاكم، فعليهم وزرها ووزر من عمل ويعمل بها إلى يوم القيامة))(2).


1) - في رحاب عليّ: 180 دار الأندلس، بيروت.

2) - تفسير المنار 5/188.

وقال أيضاً وهو يتحدّث عن الشورى في الحكم في الإسلام في زمن الخلافة الراشدة: ((ولكن ملوك المسلمين زاغوا بعد ذلك عن هذا الصراط المستقيم إلاّ قليلاً منهم، وشايعهم علماء الرسوم المنافقون، وخطباء الفتنة الجاهلون، حتّى صار المسلمون يجهلون هذه القاعدة الأساسية لحكومة دينهم))(1).

وقال أيضاً: ((قال أحد كبار علماء الألمان في الأستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكّة: إنّه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا (برلين). قيل له: لماذا؟ قال: لأنّه هو الذي حوّل نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلبة، ولولا ذلك لعمّ الإسلام العالم كلّه، ولكُنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا عرباً مسلمين))(2).

وبعد هذا العرض المحيط بمقالات المسلمين من قدامى ومحدّثين وكلّهم من السنيين يشهدون أنّ الذي أوقف مسيرة الإسلام فحرّفها عن مسارها الصحيح هو معاوية بن أبي سفيان، فبعد هذا كلّه لا يحقّ لأحد أن يغضب أو يصعّر خدّه محمراً حنقاً، أو يتمعّر وجهه مصفراً نزقاً، حين يقرأ ما ورد في أنّ معاوية يموت على غير ملّة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كما في الحديث الذي أخرجه البلاذري في (أنساب الأشراف)، قال:


1) - المصدر السابق 11/266.

2) - المصدر السابق 11/260.

((362- وحدّثني إسحاق وبكر بن الهيثم، قال: حدّثنا عبد الرزاق بن همام، أنبأنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كنت عند النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فقال: (يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل يموت على غير ملّتي). قال: وكنت تركتُ أبي قد وضع له وضوء، فكنت كحابس البول مخافة أن يجيء، قال: فطلع معاوية، فقال النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم: (هو هذا).

363- وحدّثني عبد الله بن صالح، حدّثني يحيى بن آدم، عن شريك، عن ليث، عن طاووس، عن عبد الله بن عمرو، قال: كنت جالساً عند النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم فقال: (يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل يموت يوم يموت على غير ملّتي). قال: وكنت تركت أبي يلبس ثيابه، فخشيت أن يطلع، فطلع معاوية))(1).

فلنا أن نقول كما قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في لعنه معاوية وأبيه وأخيه، حيث قال: (اللّهمّ العن الراكب والقائد والسائق).

1- أخرجه القاضي النعمان المغربي في (شرح الأخبار)(2).

2- تاريخ الطبري: قد رأى رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أبا سفيان مقبلاً على حمار ومعاوية يقود به ويزيد ابنه يسوقه، قال: (لعن الله القائد والراكب والسائق)(3).


1) - أنساب الأشراف 1/ق 4/126 تحقيق الدكتور حسان عبّاس، ط بيروت سنة 1440ه-. وهذا ما رواه الطبري في تاريخه 3/2171، ط أفست أوربا، ورواه ابن أبي الحديد في شرح النهج 3/444، والراغب الأصفهاني في محاضراته 1/45، وغيرهم.

2) - شرح الأخبار 2/147 برقم 447، في الغدير 10/139، و2/252

3) - تاريخ الطبري 10/58 حوادث سنة 28، 11/357.

3- (شرح نهج البلاغة): في خطبة الإمام الحسن عليه السلام، قال لمعاوية: (وأنشدك الله يا معاوية أتذكر يوم جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده فرآكم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقال: (اللّهمّ العن الراكب والقائد والسائق)(1).

فمن كان هكذا كيف يرجى منه خير لأبي أيوب، فلا غرابة لو تركه

أبو أيوب وتوجّه إلى ابن عبّاس وهو بالبصرة.

وهنا نلفت نظر القارئ إلى أنّ معرفتنا بوجود ابن عبّاس بعدُ بالبصرة في أيام حكم معاوية، ألا يناقض زعم حديث الخيانة والمفارقة أيام الإمام عليه السلام؛ فلاحظ وتأمّل!

عودة إلى وفادة أبي أيوب على ابن عبّاس فهي ذات معنى ومغزى..

لم يكن ثمّة يومئذ مَن يمكن أن يفد عليه أبو أيوب ليسدّ حاجته، لأنّ البلاد الإسلامية بعد شهادة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ومهادنة الإمام الحسن عليه السلام صارت لمعاوية وتحت قبضته، وليس ثمّة مَن هو خارج عنها إلاّ ابن عبّاس الذي تريّث وبقي في البصرة على ولايته من قبل الإمام الحسن عليه السلام الذي صار هو عليه السلام لا يملك مع سياسة معاوية أيّ حول أو طول، فلا مناص لأبي أيوب من منجى وملجأ سوى ابن عبّاس.


1) - شرح نهج البلاغة، للمعتزلي 2/102، عن المفاخرات، للزبير بن بكار 6/289، وعنه في جمهرة خطب العرب 2/22.

ثالثاً: فمن هو ابن عبّاس الذي وفد عليه أبو أيوب فقام بضيافته أحسن قيام؟

وعلينا أن نعرض تحديد زمان ومكان الوفادة، ولقد عرفنا سبب الوفادة، ولماذا كانت على ابن عبّاس؟ واستدللنا على صحّتها بما وقفنا عليه في حديثها برواية الحاكم في (المستدرك)، والطبراني في (المعجم الكبير)، والهيثمي في (مجمع الزوائد)، والذهبي في (تلخيص المستدرك)، و(سير أعلام النبلاء)، وابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق)، وابن منظور في (مختصر تاريخ مدينة دمشق)، وأخيراً لا آخراً ابن بدران في (تهذيب تاريخ ابن عساكر)، وهؤلاء كلّهم من رجال العامّة غير متّهمين في المقام.

فإلى القارئ مضافاً إلى ما مرّ بعض أخبار أبي أيوب التي كان يحدّث بها في شأن عليّ عليه السلام وذمّ من حاربه:

فمن ذلك ما رواه ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق)(1)بسنده: عن عتاب بن ثعلبة، حدّثني أبو أيوب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطّاب، قال: أمرني رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام(2).

ومن ذلك ما رواه بسنده: عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفّين فقلنا له: يا أبا أيوب! إنّ الله أكرمك بنزول محمّد صلي الله عليه وآله وسلم وبمجيء ناقته تفضّلاً من الله وإكراماً لك حتّى


1) - تاريخ مدينة دمشق 42/472، ط تح علي شيري.

2) - البداية والنهاية 7/339.

أناخت ببابك دون الناس، ثمّ جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلاّ الله؟! فقال: يا هذان الرائد لا يكذب أهله، وأنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أمرنا بقتال ثلاثة مع عليّ، بقتال: الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فأمّا الناكثون فقد قاتلناهم وهم أهل الجمل طلحة والزبير، وأمّا القاسطون وهذا منصرفنا من عندهم يعني معاوية وعمراً، وأمّا المارقون فهم أهل الطرفاوات وأهل السعيفات وأهل النخيلات وأهل النهروانات، والله ما أدري أين هم، ولكن لا بدّ من قتالهم إن شاء الله.

قال: وسمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول لعمّار: (يا عمّار! تقتلك الفئة الباغية، وأنت مذ ذاك مع الحقّ والحقّ معك، يا عمّار بن ياسر إن رأيت عليّاً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره فاسلك مع عليّ، فإنّه لن يدليك في رُكى، ولن يخرجك من هدى، يا عمّار! من تقلّد سيفاً أعان به عليه على عدوّه قلّده الله يوم القيامة وشاحين من درّ، ومن تقلّد سيفاً أعان به عدوّ عليّ قلّده الله يوم القيامة وشاحين من نار)(1).

قلنا: يا هذا حسبك رحمك الله، حسبك رحمك الله.

وقال في خبر سؤال عمارة بن حزم وأخيه قدما في وفد على معاوية، فلمّا أذن لهما قالا: إنّا نحبّ أن ندخل عليه لعلية خالياً نذكر له حاجتنا، فقيل له، فقال: نعم فليأتيا في ساعة كذا، فدخل أكبرهما، فقال: يا أمير المؤمنين! قد كبرت سنّك ودقّ عظمك واقترب أجل، فأحببت أن أسألك عن رجال


1) - رواه الخطيب في تاريخ بغداد 13/186 في ترجمته.

قومك وعن الخليفة من بعدك.

وكان معاوية يشتدّ عليه أن يقال كبرت سنّك، أو يشكّ في الخليفة بعده أنّه يزيد، فقال معاوية: نعيتَ لأمير المؤمنين نفسه، وسألته عن خَبيّ سرّه، وشككت في الخليفة بعده، أخرجوه، فلمّا خرج قال له أخوه: ما أردت بهذا؟ ما لهذا قدمت، قال معاوية: نبئوه يرجع إلى أهل المدينة فيقول سألت أمير المؤمنين عن شيء يعني به، فقال: ادخلوه، فدخل، فقال: سألتني عن رجال قومي فأعظمهم حلماً الحسن بن عليّ، وفتاهم عبد الله بن عامر، وأشدّ خبّاً هذا الضبّ - يعني ابن الزبير - والخليفة بعدي يزيد.

قال: وقال له أبو أيوب الأنصاري: اتقّ الله ولا تستخلف يزيد، قال: امرؤ ناصح، وإنّما أشرت برأيك، وإنّما هم أبناؤهم فابني أحبّ إليَّ من أبنائهم، ثمّ قال: يا أبا أيوب! أرأيت الفرس البلقاء التي كان من أمرها كذا وكذا مَن قتل صاحبها؟ قال: أنا قتلت صاحبها، وأنت وأبوك يومئذ بأيديكما لواء الكفر، قال معاوية: عمرك الله ما أردتُ هذا(1).

وقال: جاء أبو أيوب الأنصاري يريد أن يسلّم على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فجاء مروان وهو كذلك فأخذ برقبته، فقال: هل تدري ما تصنع؟ فقال: دريتُ أنّي لم آت الحُجر ولا الخدر، ولكنّني جئت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: لا تبكوا على الدين ما وليه أهله، ولكن ابكوا على


1) - تاريخ مدينة دمشق 34/320، رواه البخاري في التاريخ الكبير 6/497 ومختصر تاريخ دمشق 5/483.

الدين إذا وليه غير أهله(1).

وأخرج الحاكم في المستدرك(2)بسنده عن مقسم: أنّ أبا أيوب أتى معاوية فذكر له حاجة، قال: ألستَ صاحب عثمان؟ قال: أما إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قد أخبرنا أنّه سيصيبنا بعده أثرة، قال: وما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر حتّى نرد عليه الحوض، قال: فاصبروا، قال: فغضب أبو أيوب وحلف أن لا يكلّمه أبداً، ثمّ إنّ أبا أيوب أتى عبد الله بن عبّاس فذكر له، فخرج له عن بيته كما خرج أبو أيوب لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن بيته، وقال: أيش تريد؟ قال: أربعة غلمة يكونون في محلّي، قال: لك عندي عشرون غلاماً.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجّاه.

وذكره الذهبي في تلخيص المستدرك بهامشه وصحّحه.

وأخرج الحاكم في المستدرك(3)، والذهبي في التلخيص بهامشه عن حبيب بن أبي ثابت: أنّ أبا أيوب قدم على ابن عبّاس البصرة ففرغ له بيته وقال: لأصنعنّ بك كما صنعت برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، وقال: كم عليك من الدين قال: عشرون ألفاً، فأعطاه أربعين ألفاً وعشرين مملوكاً، وقال: لك ما في البيت.


1) - فليقرأ هذا القبوريون - كما يسمّيهم الوهابية - فهو حجّة لهم، وليقرؤه كذلك خوارج العصر فهو حجّة عليهم، وهم رووا: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم، أليس كذلك؟ والقبوريون يقتدون بأبي أيوب، فلماذا الشهيق والزفير والنهيق والنكير؟

2) - المستدرك 3/459.

3) - المستدرك 3/460.

وأخرج الحاكم والذهبي هذا الخبر بزيادة فيه، فقال بسنده: عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس، عن أبيه، عن ابن عبّاس: إنّ أبا أيوب خالد بن زيد الذي كان رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم نزل في داره، غزا أرض الروم فمرّ على معاوية، فجفاه معاوية، ثمّ رجع من غزوته فجهله ولم يرفع به رأساً، قال أبو أيوب: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أنبأنا أنّا سنرى بعده أثرة.

قال معاوية: فيما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر، قال: فاصبروا إذاً.

فأتى عبد الله بن عبّاس (رضي الله عنهما) بالبصرة، وقد أمّره عليّ (رضوان الله عليه) عليها، فقال: يا أبا أيوب! إنّي أريد أن أخرج لك عن مسكني كما خرجت لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فأمر أهله فخرجوا، وأعطاه كلّ شيء كان في الدار، فلمّا كان وقت انطلاقه قال: حاجتك؟ قال: حاجتي عطائي

• وكان عطاؤه أربعة آلاف - فأضعفها له خمس مرار، وأعطاه عشرين ألفاً وأربعين عبداً.

ثمّ قال الحاكم: قد تقدّم هذا الحديث بإسناد متّصل، وأعدته للزيادات فيه بهذا الإسناد.

وأنا أقول كقول الحاكم في إعادة ذكره ولا غضاضة: ففي هذا الخبر - وفادة أبي أيوب على ابن عبّاس بالبصرة، وإكرامه له - خير دليل على كذب خبر الخيانة والمفارقة والمكاتبات التي لم يسلم شيء منها سنداً، ولا متناً، وإنّها من مفتريات النواصب، وإن رواها من لم ينظر عواقب ما فيها بنظر ثاقب، كما في نسخة الكتاب - المجهول الهوية - المتداول بعدّة أسماء:

(رجال محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشي)(1)، (اختيار الكشي)(2)، (اختيار الرجال)(3)، (اختيار معرفة الرجال)(4)، (معرفة الرجال)(5)، كما في مصوّرات النسخ الخمس التي عندي، عدا المطبوعات الثلاث التي طبعت في بلدان مختلفة متباعدة، فأوّلها طبعة بمبي سنة 1317ه- باسم (معرفة أخبار الرجال)، والثانية باسم (رجال الكشي) طبع مؤسّسة الأعلمي كربلاء - بدون تاريخ - والثالثة باسم (اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي) لشيخ الطائفة ط دانشكاه مشهد، وسيأتي مزيد تعريف بهذا الكتاب عند ذكر بقية ما فيه من تجريح لابن عبّاس.


1) - كما في نسخة مصورة (ج).

2) - مصورة نسخة (ه-).

3) - مصورة نسخة (د).

4) - مصورة نسخة (أ).

5) - مصورة نسخة (ب)

والآن عودة إلى ما قلناه عنوانا

(صدقوا وكذبوا)

فإن كان ما تقدّم من كلام فيه دفاع عن ابن عبّاس حيث ورد تكذيب خبر الخيانة بالصورة التي رسمها المثبتون، فأين إذاً كلامي (كذبوا وصدقوا)؟

والجواب: هو صدقهم في ذكر وشاية أبي الأسود، إذ لها ظلّ من الحقيقة وإن كان باهتاً، وكذلك روايتهم مطالبة الإمام عليه السلام برفع الحساب إليه، كذلك أيضاً، وفي جواب ابن عبّاس بتكذيب الوشاية وأنّه ضابط لما تحت يديه، أيضاً كذلك، وإصرار الإمام عليه السلام على رفع الحساب أيضاً صحيح، ولكن الذين ذكروا ذلك كلّه على ما فيه من فجوات فقد فاتهم ذكر خبر التميمي الذي أرسله ابن عبّاس مع ستمائة ألف درهم فضلت من عطايا أهل البصرة، وهو خبر يبدد كثيراً من الأوهام، ويصحّح كثيراً من الأغاليط في التاريخ، ويكشف عن معالي سيرة الإمام عليه السلام.

فقد أخرج الحافظ محمّد بن سليمان الكوفي القاضي - من أعلام القرن الرابع الهجري - في كتابه (مناقب الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام) تحقيق محمّد باقر المحمودي - رحمه الله تعالى - في الجزء

الأوّل، قال:

((خبر التميمي الذي كان رسولاً إلى أمير المؤمنين عليه السلام ورفض أن يتعشّى مع الناس، وأراد أن يتعشى مع عليّ(رضي الله عنه).

[وبالسند المتقدّم] حدّثنا محمّد، قال: حدّثنا العبّاس بن بكار، قال: حدّثنا أبو بكر الهذلي، عن الحسن، قال: حدّثني رجل من بني تميم، قال: وجهّني عبد الله بن عبّاس إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو بالكوفة بستمائة ألف درهم فضلت من عطايا أهل البصرة، فقدمت عليه وهو يعشّي الناس في شهر رمضان.

فقال: يا أخا بني تميم! اجلس فأصب مع الناس.

فقلت: بل أقوم معك وأعينك حتّى يفرغوا.

قال: ذلك إليك، فلمّا فرغوا قبض على ذراعي [وذهب بي إلى بيته]، فلمّا دخل منزله جلس، ثمّ قال: يا قنبر! ائتني بالمزود، فجاءه بمزود مختوم، فنظرت إلى ختمه، فقلت في نفسي: هذا مال يريد أن يدفعه لي، ففتحه فأخرج لي كسر خبز يابس فبلّه بماء، وأتي بزيت وملح فصبّ عليه، وقال: أدن يا أخا بني تميم.

فقلت: أقلني يا أمير المؤمنين، ردّني إلى أصحابي؟

قال: هيهات فاتك أصحابك، يا قنبر! إئت الحسن بن عليّ فقل له: إنّه نزل بنا ضيف، فإن يكن عندك غياث فأغثه.

[قال: فذهب قنبر إلى بيت الحسن عليه السلام] فجاء بصحفة فيها مرق ولحم

وأرغفة، فوضع بين يدي فجعلت آكل.

فقال: يا أخا بني تميم! إنّك لحاذق بأكل هذا!

فقلت: [و] أنت والله حاذق بأكل فلق الخبز.

فبكى عليه السلام ثمّ قال: يا أخا بني تميم! متى ساويناهم في طعامهم سألنا الله عن ذلك، ثمّ قام إلى حبّ على الفرات فشرب منه ماءً، ثمّ قال: الحمد لله الذي أطعمني وسقاني.

فلمّا أصبح دعا الحسن، وقال: يا بني! ضيفنا إليك، فأنت أرفق له منّا.

قال التميمي: فحدّثني قنبر، قال: دعاني الحسن فقال: يا قنبر! إنّ عندي أربع نسوة حرائر ما في بيت واحدة منهنّ فضل عن قوتها، فاستسلف لي درهماً طعاماً لهذا الضيف.

قال: فاستسلفت له درهماً فاشتريت له طعاماً.

فقال: هذا طعام فأين الأدام؟

فقلت له: من أين؟

فقال: إنّ زقاق عسل جاءت من اليمن فأعطنا منها مقدار ما يأتدم به الضيف.

فقلت: وكيف أعطيك ولم يقسمها أمير المؤمنين؟

قال: إنّ لنا فيها حقّاً، فإذا أعطانا حقّنا رددنا ما أخذنا.

[قال قنبر]: فقمت إلى زق منها ففتحته فأخذت منه قدر رطل وأرجح [فأتيت به إلى ضيفنا التميمي].

قال التميمي: فتأدمت به، فلمّا كان من الغد دعا عليّ ليقسم العسل، فنظر إلى ذلك الزق. قال: يا قنبر! قد حدث في هذا الزق حدث.

فقلت: يا أمير المؤمنين كان من قصّته كيت وكيت.

فغضب ثمّ قال عليَّ بالحسن، فدعي له ورفع الدرة ليضربه، فقال [له الحسن]: بحقّ عمّي جعفر - وكان إذا سُئل بحقّ جعفر يسكن - فقال له: ما حملك على أن أخذت من هذا العسل قبل أن نقسمه؟

قال: يا أمير المؤمنين! إنّ لنا فيه حقّاً، فإذا أعطيتنا حقّنا رددنا من حقّنا.

قال: فداك أبوك وإن كان لك فيه حقّ، فليس لك أن تنتفع بحقّك منه قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، لولا أنّي رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقبّل ثنيتّك لأوجعتك ضرباً.

ثمّ دفع إلى قنبر درهما، فقال: اشتر أجود عسل تقدر عليه بالكوفة [فذهب قنبر واشترى العسل وجاء به]، فكأنّي أنظر إلى يدي عليّ على الزّق وقنبر يقلب العسل فيه، ثمّ شدّه وجعل يبكي ويقول: اللّهمّ اغفرها للحسن فإنّه لم يعلم، ثمّ قسّم العسل(1)

قال عقيل: والله لكأنّي أنظر إلى يدي عليّ وهي على فم الزّق وقنبر يقلب العسل فيه، ثمّ شدّه وجعل يبكي ويقول: اللّهمّ اغفر لحسين فإنّه لم يعلم.

فقال معاوية: ذكرت من لا ينكر فضله، رحم الله أبا حسن، فقد سبق من كان قبله، وأعجز من يأتي بعده، هلمّ حديث الحديدة؟

قال: نعم، أقويت وأصابتني مخمصة شديدة، فسألته، فلم تندَ صَفاتُه، فجمعت صبياني وجئته بهم، والبؤس والضرّ ظاهر عليهم، فقال: ائتني عشية لأدفع لك شيئاً، فجئته يقودني أحد ولدي، فأمره بالتنحي، ثمّ قال: ألا فدونك، فأهويت حريصاً قد غلبني الجشع، أظنّها صرّة - فوضعت يدي على حديدة تلتهب ناراً، فلمّا قمبضتها نبذتها، وخرت كما يخور الثور تحت يد جازره. فقال لي: ثكلتك أُمّك أهذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا فكيف بك وبي غداً إن سُلكنا في سلاسل جهنّم، ثمّ قرأ: ayebazإِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ayebaste غافر/71، ثمّ قال: ليس لك عندي فوق حقّك الذي فرضه الله لك ألا ما ترى، فانصرف إلى أهلك.

فجعل معاوية يتعجّب، ويقول هيهات هيهات، عقمت النساء أن يلدن مثله.

.

1) - لقد ورد خبر العسل في هذه الضيافة في شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 11/253 برواية عقيل بن أبي طالب، وقد (سأل معاوية عقيلاً عن قصّة الحديدة المحماة المذكورة فبكى وقال: أنا أحدّثك يا معاوية عنه، ثمّ أحدّثك عمّا سألت عنه: نزل بالحسين ابنه ضيف فاستسلف درهماً اشترى به خبزاً، واحتاج إلى الأدام فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقاً من زقاق عسل جاءتهم من اليمن، فأخذ منه رطلاً، فلمّا طلبها عليه السلام ليقسمها، قال: يا قنبر! أظنّ أنّه حدث بهذا الزقّ حدث؟ فأخبره، فغضب عليه السلام، وقال: عليَّ بحسين، فرفع عليه الدرّة، فقال: بحقّ عمّي جعفر - وكان إذا سُئل بحقّ جعفر سكن - فقال له: ما حملك أن أخذت منه قبل القسمة؟ قال: إنّ لنا فيه حقّاً، فإذا أعطيناه رددناه، قال: فداك أبوك وإن كان لك فيه حقّ، فليس لك أن تنتفع بحقّك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، أما لولا أنّي رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقبّل ثنيتك لأوجعتك ضرباً، ثمّ دفع إلى قنبر درهماً كان مصروراً في ردائه وقال: اشتر به خير عسل تقدر عليه.

ثمّ جلست على الفرات، فأتاه رجل أعرابي من بني أسد، فقال: يا أمير المؤمنين! والله ما تركت في بيتي سبداً ولا لبداً، ولا ثاغية ولا راغية(1)

والسَبَد - كفرس - القليل من الشعر، واللبد - أيضاً محركة - الصوف المتلبد، والثاغية ما تحدث الثغاء وهو صوت الغنم، والراغية التي تبث الرغا - بضم الراء - وهو صوت البعير ونحوه.

، وقد

1) - هاتان الجملتان كلام يقال لمن لا شيء عنده من الفراش ومواده ولا ممّا ينتفع به من الأنعام من الشياه والنياق.

أتيتك فأعطني.

فقال له [أمير المؤمنين]: أليس قد أعطيتك عطاءك؟

قال: بلى، ولكنّه قد نفد.

فقال له: لا يجوز أن أعطيك حتّى نعطي الناس.

قال: أعطني من مالك؟

قال: والله ما أصبح في بيتي فضل عن قوتي.

فوَلّى الأعرابي وهو يقول: ليسألنك الله عن موقفي بين يديك، فبكى [علي] ثمّ قال: يا قنبر! إئتني بدرعي الفلاّس فأتاه بها.

فقال: ادفعها إلى الأعرابي، فدفعها إليه، فقال [له]: لا تخدعنّ عنها، فطال ما كشفت بها الكرب عن وجه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.

فقال له قنبر: يا أمير المؤمنين! كان يجزي بها عشرون درهماً أو أقلّ.

قال: يا قنبر! والله ما يسرنّي أنّ لي أودية الدنيا ذهباً وفضّة فتصدقت به وقبله منّي، وأنّه سألني عن موقف هذا بين يدي))(1)، انتهى الخبر.

إنّ فيه إضاءات تنويرية لقراءة حديث الإدانة بالخيانة، إذ يجدون فيه تبديد جوانب من الضبابية التي اكتنفت ابن عبّاس من عناصر التضبيب.

فمنها مثلاً: أنّ مالاً يبعث به ابن عبّاس مع رجل من بني تميم، وهذا يدلّ على استقامة الأُمور بينه وبين بني تميم، بعد أن كانت الأجواء بينهما مشحونة بالبغضاء والضغينة.


1) - مناقب الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام 1/77 برقم 570.

ومنها: ضخامة المال ومبلغه ستمائة ألف درهم، وهذا مبلغ ضخم، وهو ما فضل من بعد عطايا أهل البصرة، وإذا استذكرنا أنّ عدد مقاتلتهم في الديوان ستّون ألفاً سوى عبدانهم كلّهم يأخذون العطاء - كما مرّ في خطبة لابن عبّاس حين أمر بحشرهم وإخراجهم إلى حرب صفّين - عرفناهم وأدركنا ضخامة المال الذي كان يجبى من الولايات الشرقية إلى بيت مال البصرة، والذي صيح نهباً في حجراته أيام ولاية ابن عامر عامل عثمان، وقد مرّ خبره.

ومنها: مرّ في حديث التميمي مشاهدته الإمام وهو يعشّي الناس في شهر رمضان، ودعوة الإمام عليه السلام له أن يتعشى، فأبى، وما ذكره من رغبته في أن يتعشّى مع الإمام عليه السلام، فجاء معه ودعا بالمزود المختوم فظنّ فيه مالاً يريد أن يدفعه الإمام عليه السلام له، فتبيّن أنّه مختوم على كسرات الخبز، فبلّها الإمام عليه السلام وأتي بزيت وملح فصبّه عليه، ودعاه ليأكل فأبى، وطلب العودة إلى الذين كانوا يتعشّون، فقال له الإمام عليه السلام: هيهات هيهات فاتك أصحابك، وهذا مشهد غير مألوف له، ولا معروف عن الولاة والخلفاء مهما تعاظمت فيهم الأقاويل، ولا هو موصوف لغير الإمام عليه السلام أن يساوي ضعفة المسلمين في جشوبة العيش.

ومنها: مدى اهتمام الإمام بضيفه، حتّى دعا قنبر فأرسله إلى ابنه الحسن عليه السلام، فإن كان عنده غياث أغاثه. فذهب فجاء بصحفة فيها مرق ولحم وأرغفة، فوضع بين يدي التميمي، ولمّا كان للإمام عليه السلام عدّة أزواج حرائر وأُمّهات أولاد، فلو كان عند واحدة غياث لما أرسل إلى الإمام

الحسن عليه السلام.

ومنها: ما جرى من ملاطفة الإمام لضيفه حين صار يأكل من الصحفة، وقوله له: يا أخا بني تميم! إنّك لحاذق بأكل هذا، فأجابه التميمي: وأنت حاذق بأكل فلق الخبز، فبكى عليه السلام وقال: يا أخا بني تميم متى ساويناهم في طعامهم سألنا الله عن ذلك، وفي هذا القول عبرة لمعتبر.

ومنها: نقرأ في بقية حديث التميمي من النكات ما يعجب ويطرب، فحين دعا الإمام ولده الحسن عليها السلام ، فقال: يا بني! ضيفنا إليك، فأنت أرفق له منّا، وهذه بداية قد لا تسترعي كثير انتباه، ولكن هلم إلى ما بعدها.

قال التميمي: فحدّثني قنبر فذكر ما جرى بينه وبين الإمام الحسن عليه السلام في شأن هذا الضيف، إذ قال له الحسن: يا قنبر! إنّ عندي أربع نسوة حرائر ما في بيت واحدة منهنّ فضل عن قوتها، فاستسلف لي درهماً طعاماً لهذا الضيف...

وهنا ارتجف الساعد وارتعش القلم، هل هذا الذي حدّث به قنبر وعنه التميمي صحيح؟ فإن صحّ، كيف قال المخرّفون: إنّ الإمام الحسن عليه السلام هو (صاحب الجفنة والخوان)؟ وكيف قال المرجفون: إنّ الحسن كان (نكّاح النساء)؟ فأين هي الجفنة والخوان، وهو يعسر عليه إضافة التميمي فيأمر قنبر يستسلف له درهما طعاماً له؟!

إنّها الحقائق المغيّبة تكشف عنها الأكاذيب المرتّبة، وليس عنده إلاّ أربع نسوة حرائر ما في بيت واحدة منهنّ فضل عن قوتها!

وأعجب من هذا وذلك، ما جاء في بقية الخبر من قول قنبر:

فاستسلفت له درهما فاشتريت له طعاماً، فقال - الحسن عليه السلام - هذا طعام فأين الأدام؟ فقلت له: من أين؟ فقال: إنّ زقاق عسل جاءت من اليمن فأعطنا منها مقدار ما يأتدم به الضيف، فقلت: وكيف أعطيك ولم يقسمها أمير المؤمنين؟ قال: إنّ لنا فيها حقّاً فإذا أعطانا حقّنا رددنا ما أخذنا. قال قنبر: فقمت إلى زق منها فأخذت منه قدر رطل أو أرجح، فأتيت به إلى ضيفنا التميمي. قال التميمي فتأدمت به، فلمّا كان من الغد دعا عليّ ليقسم العسل، فنظر إلى ذلك الزق قال: يا قنبر! قد حدث في هذا الزق حَدَث؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! كان من قصّته كيت وكيت، فغضب، ثمّ قال: عليَّ بالحسن، فدعي له، فرفع الدرّة ليضربه، فقال له الحسن: بحقّ عمّي جعفر، وكان إذا سُئل بحقّ جعفر يسكن، فقال له: ما حملك على أن أخذت من هذا العسل قبل أن نقسمه؟ قال: يا أمير المؤمنين! إنّ لنا فيه حقّاً فإذا أعطينا حقّنا رددنا من حقّنا، قال: فداك أبوك وإن كان لك فيه حقّ، فليس لك أن تنتفع بحقّك منه قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، لولا أنّي رأيت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقبّل ثنيتك لأوجعتك ضرباً. ثمّ دفع إلى قنبر درهماً، فقال: اشتر به أجود عسل تقدر عليه بالكوفة، فذهب قنبر واشترى العسل وجاء به، قال - التميمي الضيف الثقيل - فكأنّي أنظر إلى يدي عليّ على الزق وقنبر يقلب العسل فيه، ثمّ شدّه وجعل يبكي ويقول: اللّهمّ اغفر للحسن فإنّه لم يعلم. ثمّ قسّم العسل.

أقول: كم في هذا المقطع من خبر التميمي ما يستوقف النظر ويحيّر الفكر؟ وأين ولاة الأُمور في سلوكهم المعوج من استقامة هذا النهج؟ عليّ عليه السلام هو الذي أحال الضيف على الحسن عليه السلام في ضيافته، ولم يعطه

دانقاً في هذا، والحسن عليه السلام لم يجد درهماً يشتري به طعاماً لضيفه فيستسلف له قنبر درهماً لشراء الطعام ويحتار بالأدام، وجرى من خبر العسل ما مرّ، ولو كان الأمر عند غير الإمام عليه السلام لما جرى الذي كان من حديث التميمي عن قنبر، وكم فيه من عبَر، وما أخبر به في آخر مشهد شهده مع الإمام عليه السلام هو حديث الأعرابي من بني أسد، حيث قال للإمام: يا أمير المؤمنين! والله ما تركت في بيتي سبد ولا لبد ولا ثاغية ولا راغية، وقد أتيتك فأعطني.

فقال له عليه السلام: أليس قد أعطيتك عطاءك؟ قال: بلى ولكنّه قد نفد، فقال له: لا يجوز أن أعطيك حتّى نعطي الناس، فقال: أعطني من مالك، قال: والله ما أصبح في بيتي فضل عن قوتي.

فولّى الأعرابي وهو يقول: ليسألنك الله عن موقفي بين يديك، فبكى علي عليه السلام ثمّ قال: يا قنبر! ائتني بدرعي الفلاّس، فأتاه بها، فقال: ادفعها إلى الأعرابي، فدفعها إليه فقال له: لا تخدعنّ عنها، فطالما كشفت بها الكرب عن وجه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال له قنبر: يا أمير المؤمنين! كان يجزي بها عشرون درهماً أو أقلّ، قال: يا قنبر! والله ما يسرني أنّ لي أودية الدنيا ذهباً وفضّة، فتصدّقت به وقبله الله منّي وأنّه سألني عن موقف هذا بين يدي.

أين أنت اليوم يا عليّ! يا صوت العدالة الإنسانية! من رعاة الأُمّة الإسلامية، وممّا جرى ويجري في تاريخ المسلمين من ظلم الراعي للرعية، وإنّ منهم الذين يزعمون أنّهم على نهجك أو من شيعتك، وجميع الولاة من الأوّلين والآخرين ليس فيهم مثل ما عندك يا عليّ من عدل، فإلى أين المصير؟!

تنوير وتبصير:

قال الطبرسي في (مكارم الأخلاق) في آداب اللباس، في ترقيع الثياب: ((عن عبد الله بن عبّاس: لمّا رجع من البصرة وحمل المال ودخل الكوفة وجد أمير المؤمنين عليه السلام قائماً في السوق، وهو ينادي:

معاشر الناس! من أصبناه بعد يومنا هذا يبيع الجري والطافي والمارماهي علوناه بدرّتنا هذه، - وكان يقال لدرتّه السبتية -.

قال ابن عبّاس: فسلّمت عليه، فردّ عليَّ السلام.

ثمّ قال: يا بن عبّاس! ما فعل المال.

فقلت: ها هو يا أمير المؤمنين، وحملته إليه. فقرّبني ورحّب بي.

ثمّ أتاه منادٍ ومعه سيفه ينادي عليه بسبعة دراهم.

فقال: لو كان في بيت مال المسلمين ثمن سواك أراك ما بعته، فباعه، واشترى قميصاً بأربعة دراهم، وتصدّق بدرهمين، وأضافني بدرهم ثلاثة أيام))(1).

أقول: هذان الخبران يكمل بعضهما الآخر، ويبصّران من به عمّه أو عمى بسلوك الإمام عليه السلام في حرصه على حفظ ورعاية أموال المسلمين، وهما معاً في المقام شاهدا عدل على كذب حديث الخيانة.

وهنا يأتي دور كتاب الإمام عليه السلام إلى ابن عبّاس الذي رواه العشرات من الرواة وأصحاب المصادر، ومنهم الشريف الرضي رحمه الله ، فقد رواه في


1) - مكارم الأخلاق: 48، ط مصر سنة 1369 وص130، ط إيران سنة 1376ه-، و112، ط النجف سنة 1391ه- بتقديمي.

(النهج) بروايتين بينهما بعض التفاوت في اللفظ.

وإلى القارئ ما ذكره الشريف الرضي:

الصورة الأولى: قال الرضي رحمه الله: ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن عبّاس رحمه الله - وكان ابن عبّاس يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كانتفاعي بهذا الكلام -:

(أمّا بعد، فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك فلا تأس عليه جزعاً، وليكن همّك فيما بعد الموت)(1).

الصورة الثانية: قال الرضي رحمه الله :

ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العبّاس، وقد تقدّم بخلاف هذه الرواية: (أمّا بعد، فإنّ العبد ليفرح بالشيء الذي لم يكن ليفوته، ويحزن على الشيء الذي لم يكن ليصيبه، فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذةٍ أو شفاء غيظ، ولكن إكفاء باطل أو إحياء حق، وليكن سرورك بما قدّمت، وأسفك على ما خلّفت، وهمّك فيما بعد الموت)(2).

ويبقى هذا الكتاب يتمتع بالأرجحية على ما رواه الرضيّ من كتاب


1) - نهج البلاغة (محمّد عبده) 3/24، ط الاستقامة بمصر، وشرح الصالح: 378، ط دار الكتاب اللبناني بيروت سنة 1378 ه- .

2) - نهج البلاغة (محمّد عبده) 3/139، وشرح الصالح: 457.

الإدانة بالخيانة، لروايته له مرّتين بروايتين، وهذه ميزة للتفضيل بالأسبقية في مقام الترجيح، مضافاً إلى كثرة المصادر التي اكتنفها الغموض، إذ لم تذكر السبب الذي دعا الإمام عليه السلام أن يكتب إلى ابن عبّاس هذا الكتاب الجامع النافع، الذي قال فيه ابن عبّاس أنّه لم ينتفع بكلام بعد كلام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم كانتفاعه به، وهي كلمة لها دلالتها ينبغي الالتفات إليها.

ولقد أبان المؤرّخ اليعقوبي المتوفى سنة 292ه- السبب، وكشف الحُجب فأزال متراكم الريَب، حين قال: ((وكتب أبو الأسود الدئلي - وكان خليفة عبد الله بن عبّاس بالبصرة - إلى عليّ عليه السلام يعلمه أنّ عبد الله بن عبّاس أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم، فكتب إليه عليه السلام يأمره بردّها، فامتنع، فكتب يقسم له بالله لتردّنها، فلمّا ردّها عبد الله أو ردّ أكثرها، كتب إليه عليّ عليه السلام (أمّا بعد، فإنّ المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحاً، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً، واجعل، همّك لما بعد الموت والسلام)، فكان ابن عبّاس يقول: ما اتعظت بكلام قطّ اتعاظي بكلام أمير المؤمنين عليه السلام)).

وإلى هنا تبيّن بوضوح كذب مفارقة ابن عبّاس لابن عمّه مغاضباً له، وأنّه قد حمل بيت مال البصرة وذهب به إلى مكّة، وهذا هو جواب الجزء الأوّل من العنوان (كذبوا وصدقوا)، فهم - الرواة - كذبوا على ابن عبّاس في حمل المال أيام ولايته على البصرة من قبل الإمام عليه السلام، وفي حياته مفارقاً له وذهب إلى مكّة، إذاً كيف صدقوا؟! ومتى صدقوا؟!

إنّ زمان صدق روايتهم بحمل المال متأخّر عن زمان كذبهم بنحو عام

من شهادة الإمام عليه السلام، كما مرّ بيان هذا بتفصيل دقيق، في الجزء الرابع من الحلقة الأولى من الموسوعة(1)، بما عالجت فيه الإشكالية حول بيت مال البصرة، ولمّا بعُد العهد بها على القارئ، لذلك أعيد طرفاً منها ممّا يصلح جواباً على سؤال: متى صدقوا؟ وأحيل القارئ على مراجعة بقية المعالجة في محلّها، فثمّة فوائد وعوائد تنير الدرب لمن يسلك متاهات التاريخ مع السائرين السادرين، من دون وعي نبيه لما فيه من فجوات وعثرات، وقانا الله شرّ ذلك، وهدانا إلى سواء السبيل، فهو خير دليل:

طرد أو مطاردة:

روى البلاذري المتوفى سنة 279ه- في (أنساب الأشراف)، قال:

((كتب معاوية كتاباً نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم, هذا كتاب للحسن بن عليّ من معاوية بن أبي سفيان.

إنّي صالحتك على أنّ لك الأمر من بعدي, ولك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم, وأشدّ ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد (أن) لا أبغيك غائلة ولا مكروهاً, وعلى أن أعطيك في كلّ سنة ألف ألف درهم من بيت المال, وعلى أنّ لك خراج (فسا)، و(دار أبجرد)، تبعث إليهما عمّالك, وتصنع بهما ما بدا لك.

شهد عبد الله بن عامر، وعمرو بن سلمة الهمداني، وعبد الرحمن بن


1) - موسوعة عبد الله بن عبّاس، الجزء الرابع، حبر الأُمّة وولايته على البصرة/ طرد أو مطاردة.

سمرة، ومحمّد بن الأشعث الكندي.

وكتب في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين.

فلمّا قرأ الحسن الكتاب، قال: يطمعني في أمرٍ لو أردته لم أسلّمه إليه...))(1).

هذا أقدم نصّ ورد إلينا فيه ذكر خراج (فسا)، و(دار أبجرد) يكون خالصاً للإمام الحسن عليه السلام يبعث إليهما عمّاله, ويصنع بهما ما بدا له. ولكن بعد تمام الصلح تبدّل الحال وخان معاوية جميع ما أعطى من عهود وذمم, وليس بمستغرب ذلك من ابن آكلة الأكباد، فقد روى ابن عساكر الشافعي(2)، والخوارزمي الحنفي(3): أنّ معاوية دسّ إلى أهل البصرة فطردوا وكيل الحسن، وقالوا له: لا تحمل فيئنا إلى غيرنا, يعنون خراج (فسا)، و(دار أبجرد).

وأكّد ذلك ابن الأثير، فقال: ((وأمّا خراج دار أبجرد، فإنّ أهل البصرة منعوه منه، وقالوا: هو فيئنا لا نعطيه أحداً, وكان منعهم بأمر معاوية أيضاً))(4).

ولم يبعد ابن خلدون في تاريخه عن ذلك(5), إلاّ أنّه تستّر على معاوية فلم يذكر أنّ المنع بأمره.


1) - أنساب الأشراف 3/41 تح المحمودي

2) - تهذيب تاريخ مدينة دمشق ، لابن عساكر بتهذيب ابن بدران 4/221، ط بيروت.

3) - مقتل الحسين عليه السلام، للخوارزمي 1/133، ط الحيدرية النجف.

4) - الكامل ، لابن الأثير 3/175، ط بولاق.

5) - تاريخ ابن خلدون /1137، ط دار الكتاب اللبناني

ولا بدّ لنا من وقفة عابرة عند كلمة (فطردوا)! فهل صحيح حصل طردٌ من أهل البصرة لوكيل الحسن عليه السلام؟

ولا شكّ أنّه لم يكن له وكيل في البصرة سوى عامله عليها وهو: عبد الله بن عبّاس.

كما لا شكّ بأنّه هو الذي حمل معه المال.

ولا شكّ أنّه حصلت مناوشات في شأن ذلك - كما سيأتي - فهل تعني كلمة (فطردوا)، يعني: فطاردوا؟ إذ أنّ المعنى اللغوي لكلمة (الطرد) هو: الإبعاد, وهذا لم يحصل, والذي حصل هو المطاردة, وهي حمل الأقران بعضهم على بعض(1), ولا يبعد أن يكون التصحيف في الخطّ, أو سوء الفهم في القراءة أخذ مكانه في النصّ, خصوصاً إذا لاحظنا قواعد الخطّ القديم حيث تحذف الألف المشالة في وسط الكلمة ويعوّض عنها مكانها بألف صغيرة كما في (الصلوة والزكوة). وهذا فيما أرى قريباً من واقع الحَدَث، كما رواه البلاذري أيضاً في ترجمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حيث ذكر مسألة حمل ابن عبّاس لبيت مال البصرة في عهد الإمام, وأنّه فارقه.

ولمّا كنّا أشرنا سابقاً إلى أنّا سوف نبحث ذلك في الحلقة الرابعة (ابن عبّاس في الميزان)، فلا نتعجّل التفاصيل الآن، ونكتفي بما رواه في خصوص المطاردة.

قال: ((ولمّا أراد ابن عبّاس الخروج دعا أخواله من بني هلال ليعينوه,


1) - راجع القاموس المحيط: طرد.

فجاءه الضحّاك بن عبد الله الهلالي - وهو كان على شرطة البصرة - وعبد الله ابن رزين الهلالي, وقبيصة بن عبد عون الهلالي وغيرهم من الهلاليين, فقال الهلاليون: لا غناء بنا عن إخواننا من بني هوازن, ولا غناء بنا عن إخواننا من بني سليم، فاجتمعت قيس كلّها.

وصحب ابن عبّاس أيضاً سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي, والحصين ابن أبي الحر العنبري, والربيع بن زياد الحارثي، فلمّا رأى عبد الله مَن معه, حمل المال وهو ستّة آلاف ألف في الغرائر(1)ثمّ سار.

واتبعه أخماس البصرة كلّهم، فلحقوه بالطفّ على أربعة فراسخ من البصرة, إرادة أخذ المال منه.

فقالت قيس: والله لا يصلون إليه ومنّا عين تطرف.

فقال صبرة بن شيمان بن عكيف - كذا - وهو رأس الأزد: يا قوم! إنّ قيساً إخواننا وجيراننا في الدار, وأعواننا على العدو, ولو ردّ عليكم هذا المال كان نصيبكم منه الأقلّ، فانصرفوا.

وقالت بكر بن وائل: الرأي والله ما قال صبرة بن شيمان, واعتزلوا أيضاً.

فقالت بنو تميم: والله لنقاتلنهم عليه.

فقال لهم الأحنف: أنتم والله أحقّ ألاّ تقاتلونهم وقد ترك قتالهم مَن هو أبعد منكم رحماً.


1) - الغرائر بالكسر شبه العدل. المصباح المنير غرر.

فقالوا: والله لنقاتلنّهم عليه.

فقال الأحنف: والله لا أساعدكم وانصرف عنهم.

فرأسوا عليهم رجلاً يقال له ابن الجذعة وهو من بني تميم, وبعضهم يقول: ابن المخدعة.

فحمل عليهم الضحّاك بن عبد الله الهلالي فطعن ابن الجذعة فصرعه, وحمل سلمة بن ذويب على الضحّاك فطعنه, فاعتنقه عبد الله بن رزين الهلالي فسقطا إلى الأرض يعتركان, وكان ابن رزين شجاعاً, وكثرت الجرحى بينهم, ولم يقتل من الفريقين أحد.

فقال من اعتزل من الأخماس: والله ما صنعتم شيئاً حيث اعتزلتم وتركتموهم يتناحرون. فجاؤا حتّى صرفوا وجوه بعضهم عن بعض, وحجزوا بينهم, وقالوا لبني تميم: والله لنحن أسخى أنفساً منكم, تركنا لبني عمّكم شيئاً أنتم تقاتلونهم عليه, فخلّوا عن القوم وعن ابن أختهم, ففعلوا ذلك...

ومضى عبد الله بن عبّاس ومعه من وجوههم نحو من عشرين سوى مواليهم ومواليه, ولم يفارقه الضحّاك بن عبد الله, وعبد الله بن رزين, حتّى وافى مكّة...

وكان ابن عبّاس يعطي في طريقه مَن سأله ومن لم يسأله من الضعفاء, حتّى قدم مكّة.

ويقال: أنّه كان استودع حصين بن الحرّ مالاً فأدّاه إليه...))(1).


1) - أنساب الأشراف (ترجمة الإمام أمير المؤمنين) 2/174 تح المحمودي.

هذا ما ذكره البلاذري، وهو أقدم نصّ وصل إلينا عن تلك المطاردة.

ثمّ رواه الطبري عن عمر بن شبة، عن جماعة، عن أبي مخنف, بتفاوت في اللفظ, واتساق في المعنى مع ما ذكره البلاذري من حديث الخيانة والمفارقة والمطاردة، إلى آخر ما سيأتي بحثه بتفصيل في الحلقة الرابعة.

وفي (الأغاني) لأبي الفرج، خبر فيه: ((تبع أبو الأسود ابن عبّاس حين خرج من البصرة إلى المدينة ليردّه, فأبى واعتصم بأخواله من بني هلال فمنعوه))(1).

وجرى التالون على ما أسّس الأوّلون(2).

إذاً فثمّة كانت مطاردة من بعض أهل البصرة لابن عبّاس - وهو وكيل الحسن لأنّه الوالي من قبله - لمنعه من حمل ما في بيت مال البصرة يعنون خراج (فسا)، و(دار أبجرد), وبالتالي تمكّن من الاستعانة بأخواله بني هلال ومن معه أن يحمله معه, وكان يعطي في طريقه من سأله ومن لم يسأله من الضعفاء...

والآن لنقرأ شيئاً عن طبيعة ذلك المال لنعرف لماذا الإصرار من ابن عبّاس على حمله؟ ولماذا الإصرار من بني تميم على منعه؟

طبيعة بيت مال البصرة وموارده:

لقد مرّ بنا في الحديث عن ولاية ابن عبّاس على البصرة في المحورين الأوّل والثاني التعرّف على طبيعة التركيبة الجغرافية والسكانية والبلاد التابعة


1) - الأغاني 12/301، ط دار الكتب.

2) - لاحظ ابن عبد ربّه في العقد الفريد 4/354 - 359، ط لجنة التأليف والترجمة والنشر, وابن الأثير في الكامل 3/167 - 168، ط بولاق وغيرهما.

في ولايتها للبصرة, وما يجبى منها من خراج, وكان منها ولاية فارس، وهي تشمل فيما تضم (فسا)، و(دار أبجرد)، ولمّا كانت بلاد فارس منها ما فتح عنوة، ومنها ما فتح صلحاً. فأمّا التي فتحت عنوة فغنائمها لمن قاتل عليها بعد تخميسه, وأمّا التي فتحها المسلمون صلحاً فهي من مختصات الإمام لأنّها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.

وبلاد (فسا)، و(دار أبجرد) قد فتحت صلحاً، كما في (فتوح البلدان)، قال البلاذري: ((وأتى عثمان بن أبي العاص دار أبجرد, وكانت شادروان علمهم ودينهم وعليها الهربذ, فصالحه الهربذ على مال أعطاه إياه, وعلى أنّ أهل دار أبجرد كلّهم أسوة من فتحت بلاده من أهل فارس...))(1).

إذاً فخراج دار أبجرد يكون شأنه شأن البلاد التي فتحت صلحاً على عهد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ممّا لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب مثل فدك، وذلك خاصّ بالنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في أيامه, ثمّ من بعده يناط أمرها بالإمام أمير المؤمنين وأهل بيته عليه السلام، لقوله تعالى: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ(2).

ولمّا كان الإمام الحسن عليه السلام, هو إمام الخلق بالحقّ, وعليه أن يتّبع سنة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم في الأراضي المفتوحة صلحاً, كما له أن يرتزق ويرزق من مال المصالحة بالوجه الذي يراه، لذلك اشترط أخذ خراج (دار أبجرد) لأنّه له


1) - فتوح البلدان، للبلاذري: 395، ط الأولى سنة 1319 بمطبعة الموسوعات بمصر.

2) - سورة الحشر /7.

ومن حقّه وحده صرفه في موارده كما يرى, بخلاف بقية وجوه أموال بيت المال من خراج البلاد المفتوحة عنوة والصدقات والعشور والجزية وغيرها, ممّا ينزّه نفسه عنها, وأحبّ كذلك أن ينزّه عنها من أراد إعطاءهم من أبناء الذين قُتل آباؤهم مع أبيه في الجمل وصفّين, لذلك قيل: ((لدار أبجرد خطب في شأن الحسن عليه السلام بخلاف جميع فارس)).

وإلى هذا الوجه ذهب الشيخ الصدوق ابن بابويه المتوفى سنة 381ه- في (علل الشرائع) حيث ذكر جواب الشيخ محمّد بن بحر الشيباني في كتابه المعروف بكتاب (الفروق بين الأباطيل والحقوق) في معنى موادعة الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام لمعاوية.

إلى أن قال عليه السلام: ((فإن قال - السائل - ما تأويل اختيار مال دار أبجرد على سائر الأموال لما اشترط أن يجعله لأولاد من قتل مع أبيه صلوات الله عليه يوم الجمل وبصفّين؟

قيل: لدار أبجرد خطب في شأن الحسن بخلاف جميع فارس, وقلنا: إنّ المال مالان: الفيء الذي ادّعوا أنّه موقوف على المصالح الداعية إلى قوام الملّة وعمارتها من تجييش الجيوش للدفع عن البيضة ولأرزاق الأسارى. ومال الصدقة الذي خصّ به أهل السهام، وقد جرى في فتوح الأرضين بفارس والأهواز وغيرهما من البلدان ممّا فتح منها صلحاً وما فتح عنوة, وما أسلم أهلها عليها هنات وهنات, وأسباب وأسباب, بإيجاب الشرائط الدالّة لها...

ولا بدّ أن يكون أولاد من قتل من أصحاب عليّ صلوات الله عليه

بالجمل وبصفّين من أهل الفيء ومال المصلحة ومن أهل الصدقة والسهام... فخاف الحسن عليه السلام أنّ كثيراً منهم لا يرى لنفسه أخذ الصدقة من كثير منهم, ولا أكل صدقةً كثير منهم, إذا كانت غسالة ذنوبهم, ولم يكن للحسن عليه السلام في مال الصدقة سهم... فخصّ الحسن عليه السلام ما لعلّه كان عنده أعفّ وأنظف من مال أردشيرخرّه لأنّها حوصرت سبع سنين حتّى اتّخذ المحاصرون لها في مدّة حصارهم إياها مصانع وعمارات, ثمّ ميّزوها من جملة ما فتحوها بنوع من الحكم, وبين الاصطخر الأوّل والاصطخر الثاني هنات علمها الربّاني الذي هو الحسن عليه السلام فاختار لهم أنظف ما عرف))(1).

وإذ عرفنا الوجه في خصوص ذلك المال, وأنّه من أعفّ وأنظف وجوه الأموال الأخرى, لذلك استثناه الإمام الحسن عليه السلام من بين بقية الأموال, عرفنا أيضاً وجه إصرار ابن عبّاس على حمله لأنّه وكيل الإمام وواليه, ولم تسقط ولايته إلاّ بعد الصلح والتسليم, والمال قد كانت جبايته في ولايته وسلطته الشرعية من قبل الإمام الحقّ العادل، سواء كان في أيام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أو في أيام ابنه الإمام الحسن, ولمّا كان قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه, وبقيت تلك البقية التي كان سابقاً يرسلها إلى الإمام في الكوفة كما في عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فاليوم وبعد أن تمّت الموادعة, فليس من المنطق المعقول ولا الشرع المقبول, أن يترك ذلك المال لمعاوية وأشياعه, يعيثون فيه فساداً.


1) - انظر علل الشرائع 1/278، ط مكتبة الشريف الرضي، قم.

وهذا هو منطق الصواب في الجواب في شرعية فعله, وقد ردّ به على ابن الزبير يوم ندّد به فقال: ((وأمّا حمل مال البصرة, فإنّه كان مالاً جبيناه, ثمّ أعطينا كلّ ذي حقّ حقّه, وبقيت منه بقية هي دون حقّنا في كتاب الله وسهامه))(1).

وبهذا الجواب أُخرس ابن الزبير فلم يردّ عليه بشيء, ولم يذكر التاريخ أنّ أحداً من الحاضرين في المسجد الحرام - حيث وقعت المشادّة والمحادّة - أنكر على ابن عبّاس جوابه, فتبيّن لنا وجه إصرار ابن عبّاس على حمل المال معه, وصحّة رأيه.

لفت نظر!

هنا جانب مغفول عنه، وهو لا يخلو من أهمية، وذلك لملاحظة قدر المال الذي حمله ابن عبّاس من بيت مال البصرة - كما قيل مغاضباً لإمامه، أو مفارقاً لعمله من بعده - فقد قيل: أنّه ستّة آلاف ألف حمله في الغرائر - جمع غِرة بالكسر تشبه العِدل - وهذا مبلغ كبير وكثير، ومهما قيل عنه أنّه كان يعطي منه الفقراء في طريقه من سأله ومن لم يسأله، فهل تمّ إنفاقه جميعه بهذا السبيل؟ وهذا لا يقتضي التشهير به والتحامل عليه بأنّه إختان بيت مال المسلمين بالبصرة، فهو حمله لئلا يستولي عليه معاوية في سلطانه ويفرّقه في شأنه، ولا يخلو رأيه في هذا من سداد، وإن قيل: لم ينفقه


1) - أنساب الأشراف ترجمة ابن عبّاس (نسختي المخطوطة بقلمي).

جميعه، بل بقيت بقية تذكر فتنكر، لذا ندّد به ابن الزبير فيما روي، فأجاب بما ألقمه حجراً، ولم يذكر أنّ ابن عبّاس كان ذا ثروة أثرى من ذلك المال، فكان له من الضياع والرباع ما كان لغيره من وجوه الصحابة كطلحة، والزبير، وعثمان، وغيرهم، ولم يخلّف مالاً يذكر فيشّهر به كمن خلّف من الذهب ما يكسّر بالفؤوس كعبد الرحمن بن عوف.

وغاية ما قيل عنه ذمّاً وفيه كيفاً وكمّا: أنّه اشترى ثلاث من مولدات الطائف والمدينة بثلاثة آلاف دينار، فهل هذه الفرية - إن صحّت - استهلكت جميع المال؟ إنّها أحاديث (طسم) تجعل القلب ساهياً!

من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال

لمّا كان (نهج البلاغة) من خيرة كتب التراث الأدبي الإسلامي، فقد تجاذبته أساطين العلم والأدب، بالقراءة والرواية والتدوين، والشرح، وإنّهم لأنماط مختلفة علماً وأدباً، وديناً ومذهباً، فمن الشيعي الملتزم إلى السنّي والمعتزلي، وحتّى إلى المسيحي المنسجم مع صور الإعجاز البياني فغلب عليه الإعجاب.

فقال أحدهم وهو الصحافي القدير أمين نخلة: ((إذا شاء أحد أن يشفي صبابة نفسية من كلام الإمام فليقبل عليه في (النهج) من الدفّة إلى الدفّة، وليتعلّم المشي على ضوء (نهج البلاغة)))(1).


1) - مصادر نهج البلاغة وأسانيده 1/262.

وخلّ عنك رأي الأُستاذ الشهير جورج جرداق صاحب كتاب (صوت العدالة الإنسانية) الذي كتب (روائع نهج البلاغة)، إذ قال عنها: ((سوف نسوق في هذا الكتاب روائع ستبقى ما بقي الإنسان الخيّر، وإنّها لطائفة تؤلّف نهجاً في الأخلاق الكريمة، والأحلام العظيمة، والتهذيب الإنساني الرفيع الذي أراده، انبثاقاً عن ثورة الحياة وخير الوجود...)) الخ(1).

ولقد ذكر شيخنا المغفور له صاحب (الذريعة) عشرات الشروح ل-(نهج البلاغة) منذ عهد الشريف رحمه الله وإلى عهده، سوى التي كتبت بعده قدس سره، وسيبقى (نهج البلاغة) تتجاذبه أرباب الثقافات الأدبية، عُكّفاً عليه، فمنه ينهلون ما يروي ظمأهم، على أنّهم ليسوا كلّهم على وتيرة واحدة فيما يعشقون فيكتبون، وليس كلّ ما كتبوه حظي بالقبول لدى غيرهم من أصحاب العقول، ومع احترامي المستدام لعالي المقام الشريف الرضي رحمه الله وكتابه (نهج البلاغة) فالذين دخلوا عرينه لم يكونوا كلّهم بمستوى عين الرضا الواحدة عن الرضي فيما أرى، لأنّه قدس سره لم يزعم لنفسه العصمة، ولم يبرّئها عن السهو والخطأ كما قاله في المقدّمة، فلا يرضى المغالاة فيه، ومع هذا فقد غدا الذي يشير إلى ملاحظة ما تنال جانباً من مواضيعه، يُساء فهمه، وقد يُشهر به، وهذه من نتائج الغلوّ غير المستحب، مع أنّ اختلاف الرأي لا يفسد في الودّ قضية - كما قال شوقي - ومن مميزّات أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام احترام الرأي الآخر حتّى لو كانت المسألة في العقائد، وكم من


1) - مصادر نهج البلاغة وأسانيده 1/266.

الشواهد على هذا، ويكفي ملاحظة عابرة على كتاب (الذريعة) الجزء العاشر الصفحة 173 فما بعدها.

فيقرأ قول شيخنا صاحبها قدس سره: ((ثمّ إنّ كثيراً ممّا اطّلعنا عليه من كتب الردود الممحّضة له عنوان خاص به تذكر بعنوانه في محلّه، ونذكر بعض تلك الكتب في حرف النون بعنوان النقض لشهرته به، وما لم نطّلع على عنوان خاص له نذكره في المقام بالعنوان العام...))، ثمّ ذكر أكثر من ثلاثمائة عنوان باسم (الردّ على...).

فعلى هذا البيان ليس من المستغرب قول القائل إنّ في كتاب الشريف الرضي (نهج البلاغة) بعض ما يؤاخذ عليه، نحو ما ذكره في (ج2/222 نهج البلاغة/ برقم 226): ومن كلام له عليه السلام: (لله بلاء فلان فقد قوّم الأود، وداوى العمد، وأقام السُنّة، وخلّف البدعة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرّها، أدّى إلى الله طاعته، واتّقاه بحقّه، رحل وتركهم في طرق متشعّبة، لا يهتدي فيها الضال ولا يستيقن المهتدي).

أقول: من المتيقّن أنّ الإمام عليه السلام - إن كان هو القائل - فقد ذكر اسم المعني في كلامه، ولم يقل (فلان)، وقد أحدث هذا التغيير بعد ذلك مختلف التفاسير، فقيل: هو عمر، كما قيل: أبو بكر، كما قيل: إنّ الكلام ليس للإمام عليه السلام وإنّما هو قول ابنة أبي حنتمة، أو هي: عاتكة نادبة عمر، وأنّ المخبر للإمام بقولها، فقال عليه السلام: (والله ما قالت ولكنّها قوّلت)، كما في رواية ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق)(1)، وإن كان في (تاريخ


1) - تاريخ مدينة دمشق 44/457 - -458.

الطبري)(1): أنّ المغيرة بن شعبة هو الذي أتى الإمام عليه السلام بذلك عن ابنة أبي حنتمة..

وسواء كان ذلك من قولها أو قوّلت، فهو ليس من قول الإمام عليه السلام! ولذا فقد أربك شرّاح (النهج)، خصوصاً ابن ميثم(2)، وابن أبي الحديد(3). فصاحب هذا الكلام لا يقول الشقشقية، ومن قال الشقشقية لا يقول هذا، وسيبقى قارئ (النهج) في حيرة من أمر الشريف قدس سره، فليس الشريف بمعصوم عن السهو والنسيان، ولا كتابه هو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

بل الصحيح: إنّه كسائر كتب التراث يؤخذ منه ويترك ولا غضاضة، وأولى من هذا عطف شروح كتابه عليه، فإنّ الذين تولّوا شرحه، أُناس أدركوا فضله وأعجبهم فعله، فانبروا إلى بيان معانيه، والكلّ له مبانيه، ووجهة هو مولّيها، وربّنا أعلم بمن هو أهدى سبيلا، فهم في آرائهم في ابن عبّاس من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال جمعاً ونفعاً وتوضّعاً، وقد مرّ ذكر بعضهم، كما أعرضت عن ذكر الآخرين لعدم الحاجة بذكرهم، وليس لديهم من جديد.

إلاّ أنّي رأيت متأخّراً كتاب (مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة)، لمؤلّفه (سيّد محمّد تقي النقوي)، طبع (انتشارات قائن)، فرأيت صاحبه قد


1) - تاريخ الطبري 5/48.

2) - شرح النهج، ، لابن ميثم 4/97.

3) - شرح النهج، لابن أبي الحديد م/3/92.

تحامل على ابن عبّاس تحاملاً مُشيناً، حتّى أخرجه عن حظيرة التشيع، ممّا حملني على عرضه والردّ عليه، لغرض فهم ابن عبّاس على حقيقته، وفهم الشيء على حقيقته فيه إبداع وإقناع، ونصرة حقّ مضاع، لئلا ينتهي القارئ من قرائته فلا يرى نفسه إلاّ أسيراً لحزن عميق من قراءة كتاب النقوي، وكيف تخفي النفوس المضطربة بالقلق وجه الحقيقة، فلا يهتدي إلى رؤية بيّنة يتجلّى فيها وجه الحقّ المضاع، ولا أقول هذا رجماً بالغيب، بل لأنّي لم أرَ مثل ابن عبّاس في تاريخ التشيع مثله في عصره منذ أيام الصحبة النبوية الشريفة، وحتّى انقطاع النفس الأخير منه في الطائف يوم أسلم النفس لبارئها، ناصراً ومؤيّداً ومدافعاً وناشراً لفضل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ولم أرَ غيره أصرح نصراً ولا أوضح حجّة منه في هذا السبيل.

ولمّا كان قد استهدفته للدفاع عنه بعض الأقلام، فلم تغن شيئاً، لهشاشة العرض وضعف الحجّة، وكان بعض شرّاح (نهج البلاغة) يعيش في دوّامة الحيرة بين قداسة الموروث، فلا يجرأ على الخدشة فيه، وبين إشكالية السند بين مطعون فيه، وبين مجهول لا يعبأ به، فيعترف بحيرته، ويقول: إنّه من المتوقّفين كما صنع ابن أبي الحديد.

أمّا ما كان من البعض الآخر، فقد أعرض عن الآفات السندية، فانساب مع قداسة الموروث، ولم يعالج الإشكالية، بل تجاوز الخطوط الحمراء - على ما يقال - فركب رأسه لتناول ابن عبّاس متحاملاً عليه كمن له فيه ومعه ترات وعداء، فكان كراكب العجفاء في الطخياء - الليلة الظلماء - نعوذ بالله من زلل الأهواء، والآراء.

والى القارئ ما قال السيّد النقوي بعد ذكره ما يتعلّق باللغة والمعنى:

((ولنرجع إلى ما وعدناك في صدر الكلام من أنّ المكتوب إليه بهذا الكتاب من هو، فنقول:

قد ظهر لنا ولك من ألفاظ الكتاب أنّه عليه السلام كتب هذا الكتاب إلى واحد من بني أعمامه الذين كانوا في حكومته عليه السلام مُتصدّين لأمر الولاية والإمارة من قِبله، وقد قلنا أنّ بني أعمامه الموصُوفين بما وصفناه عبد الله، وعبيد الله، وقثم، فالمكتوب إليه لا يكون خالياً عنهم.

أمّا قثم بن العبّاس فكان والياً على مكّة، ولا يمكن أن يكون الكتاب راجعاً إليه، وذلك لأنّ ألفاظ الكتاب يدلّ على أنّ المكتوب إليه سرق المال وحمله إلى الحجاز، ولا معنى لحمل المال من الحجاز إلى الحجاز، فلا مُحالة حمله من مكانٍ آخر إليه.

والدليل على ما ذكرناه: قوله عليه السلام: (فحملته إلى الحجاز)، هذا مضافاً إلى أنّه لم يقل أحد من المؤرّخين بكونه مكتوباً إليه، فالأمر يدور بين عُبيد الله، وعبد الله، والأوّل كان والياً على اليمن، والثاني على البصرة.

نقل المعتزلي في شرحه عن الراوندي أنّه قال: المكتوب إليه هذا الكتاب هو عُبيد الله بن العبّاس.

ثمّ قال المُعتزلي: وليس بصحيح! فإنّ عبيد الله كان عامل عليّ على اليمن، ولم ينقل أحد أنّه أخذ مالاً ولا فارق طاعة. انتهى.

أقول: ما ذكره حقّ فإنّا بعدما تفحصنا الكُتب علمنا أنّه ليس بمراد، فلم

يبق لنا في المقام إلاّ عبد الله بن العبّاس الذي كان والياً على البصرة، ومع ذلك كان من نُدبائه وتلامذته، وعبد الله هذا، كان عالماً فاضلاً شجاعاً خطيباً، وهو الذي كان عليّ عليه السلام يحبّه ويقرّبه، وقد أراد عليه السلام في قصّة الحكمين أن يجعله حكماً من قِبَله فكان أبي [كذا] موسى الأشعري، إلاّ أنّ المنافقين خالفوه فيه ولم يرضوا إلاّ بأبي موسى المنافق.

وبالجملة، قصّة الرجل مع أمير المؤمنين مشهورة عند الخاصّة والعامّة، وهذا ممّا لا كلام فيه.

إنّما الكلام في أنّ عبد الله مع هذه المكانة والمنزلة والعلم والفهم كيف أقدَم على هذه الخيانة والسرقة من بيت مال المسلمين؟! وهذا هو الذي جعل العقول حيارى والأفهام صرعى، ومنهم الشارح المعتزلي، حيث رجّح في شرحه قول النافين، واستدلّ عليه بما رواه أبو الفرج من كتابه الذي كتبه إلى معاوية من البصرة بعد قتل عليّ عليه السلام، وأنّ معاوية لم يقدر على أن يخدعه ويجّره إلى جهته، مع أنّه اختدع كثيراً من عمال عليّ عليه السلام واستمالهم بالأموال، فمالوا... إلى آخر ما قال.

وقال المعتزلي بعد نقله مقالة أبي الفرج ما لفظه: وهذا عندي هو الأمثل والأصوب، انتهى.

ثمّ قال في آخر كلامه: وقد أشكل علَيَّ أمر هذا الكتاب! فإن أنا كذّبت النقل وقلت: هذا كلام موضوع على أمير المؤمنين، خالفت الرواة! فإنّهم قد أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه، وقد ذُكر في أكثر كتب السير، وإن صرفته إلى عبد الله بن عبّاس، صدّني ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير

المؤمنين في حياته وبعد وفاته، وإن صرفته إلى غيره، لَم أعلم إلى من أصرفه من أهل أمير المؤمنين، والكلام يُشعر بأنّ الرجل المخاطب من أهله وبني عمّه، فأنا في هذا الموضع من المُتوقّفين، انتهى كلامه.

وأنا أقول - ولا يزال القول للنقوي -: لا إشكال عندي عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً في كون المكتوب إليه به هو عبد الله بن العبّاس! وأيّ محذور فيه بعدما علمنا بأنّ عبد الله كغيره من الناس؟! وقد ثبت أنّ الإنسان يصيب ويخطئ، ويطيع ويذنب، ويصدق ويكذب، إلاّ من عصمه الله..

ومع ذلك نستدلّ على جواز الانتساب بالعقل والنقل:

أمّا العقل: فحاصله: أنّه قد ثبت عنه بالأدلّة العقلية أنّ الإنسان محلّ السهو والنسيان، والطاعة والعصيان، والصواب والخطأ، إلاّ من عصمه الله، ونعبر عنه ب-(المعصوم)، فإنّه خارج عن هذه القاعدة العامّة بالأدلّة المذكورة في محلّها، والمتيقّن من المعصومين الأنبياء بعد البعثة عند العامّة، وقبلها وبعدها عندنا، والأوصياء أيضاً كذلك على مذهبنا، وأمّا العامّة فلا يقولون بعصمتهم، ولا بحث لنا معهم في هذا المقام، وأمّا الأنبياء فعليهم الاتّفاق في باب العصمة.

وعليه فنقول: عبد الله بن العبّاس لم يكن من المعصومين قطعاً بإجماع الفريقين، فأي إشكال عقلاً في جواز الخطأ عليه، بل العقل يعطي جوازه ووقوعه في حقّه كما في حقّ غيره، فيمكن أن يكون الإنسان في بَدو الأمر محسناً ثمّ مسيئاً وبالعكس، وعبد الله لم يكن خارجاً عن القاعدة، أو مستثنياً عنها، فالعقل لا يأبى الانتساب، وهو المطلوب.

وأمّا النقل: فقد روى المجلسي قدس سره في البحار بأسناده عن الزهري، قال: سمعت الحرث يقول استعمل عليّ على البصرة عبد الله بن عبّاس، فحمل كلّ ما في بيت المال بالبصرة ولحق بمكّة وترك عليّاً، وكان مبلغه ألفي ألف درهم، فصعد عليّ عليه السلام المنبر حين بلغه ذلك وبكى، فقال: هذا ابن عمّ رسول الله في علمه وقدره يفعل مثل هذا! فكيف يُؤمن من كان دونه، اللّهمّ أنّي قد مللتهم، فأرحني منهم، وأقبضني إليك غير عاجز ولا ملول، انتهى.

قال الكشي: شيخ من اليمامة يذكر عن معلّى بن هلال، عن الشعبي، قال: لمّا احتمل عبد الله بن عبّاس بيت مال البصرة وذهب به إلى الحجاز، كتب إليه عليّ بن أبي طالب: من عبد الله بن عليّ بن أبي طالب إلى عبد الله ابن عبّاس.

أمّا بعد، فإنّي قد كنتُ أشركتك في أمانتي... الكتاب.

والحاصل: أنّه لا غُرو في هذا الفعل وأمثاله منه ومن غيره، فإنّ الناس عبيد الدنيا، وإذا محصّوا بالبلاء قلّ الدّيانون.

ومجرّد تجليل أمير المؤمنين عليه السلام عنه لا يدلّ على عدم جواز الذنب منه، مضافاً إلى أنّ الإنسان ما دام كونه على الحقّ يستحقّ التعظيم والتجليل، وأمّا بعد خروجه عنه فلا. والذي قال عليه السلام في مدحه كان قبل اختلاسه بيت المال، وأمّا بعده فلَم يمدحه أصلاً، بل ذمّه كما ترى في هذا الكتاب، وله نظائر كثيرة في الإسلام، ألا ترى أنّ حسّان بن ثابت الأنصاري كان في بدو إسلامه شاعراً لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ومادحاً له ولأهل بيته، ثمّ بعد وفاة الرسول

صار معانداً لأهل البيت، وهكذا أمثاله..

هذا كلّه إذا أردنا تنزيه الرجل، وإلاّ فنقول:

عبد الله بن عبّاس لَم يكن من خواصّ شيعته حتّى نحتاج إلى هذه التكلّفات في تنزيه ساحته، بل تشيّعه لم يثبت عندنا، فضلاً عن كونه من الخواصّ.

أليس عبد الله هذا بايع أبا بكر قبل عليّ، فلمّا قال به [كذا والصواب له]: لِمَ بايعت؟ قال: بايعه الناس فبايعته.

أليس من ندماء عمر بن الخطّاب في خلافته؟ ولعثمان هكذا.

فإنّا لم نجد في الكتب منه طعناً على الخلفاء الثلاثة أصلاً، مع أنّ عمّار ابن ياسر، وأبا ذر، والأشتر، وغيرهم من شيعة عليّ كانوا طاعنين عليهم، ولاسيّما على عثمان، كما لا يخفى على المتتبّع الخبير.

وفيما ذكرناه كفاية للناقد البصير))(1).

أقول: إنّ جميع ما ذكره السيّد النقوي فهو كلام غير نقي ولا يخلو من المناقشة! وبدا لي منه عدم اطّلاعه على ما ورد من محاورات احتجاجية من ابن عبّاس مع الخلفاء الثلاثة المذكورين، ومع معاوية وأصحابه، ومع ابن الزبير وأضرابه من النواصب والخوارج، ممّا لم يرد بعضه عن الذين سمّاهم من رجالات الإسلام وأقطاب التشيع.

ألم يقرأ تاريخ الأحداث التي مرّ بها المسلمون منذ السقيفة وإلى


1) - مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة 15/296 - 300 ط قائن.

الشورى، وما رواه ابن عبّاس عنها وهو في مصادر التراث عند الفريقين من الشيعة والسُنّة؟!

ولو أنّه اطّلع على ما مرّ ذكره في الحلقة الأولى من الموسوعة، وقرأ عن مواقف ابن عبّاس الجهادية مع الحاكمين لكان له رأياً آخر، ولبدّل نظرته البلهاء من خلال نظارته السوداء..

وما ذكره نقلاً عن المجلسي والكشي فهو مقدوح فيه سنداً ومتناً، فكيف استدلّ به لإثبات رأيه! مع معرفته بظلمة الإسناد لحال الزهري صنيعة الأمويين، وجهالة حال شيخ من أهل اليمامة؟!

ولولا احترامي لسيادته وللنهج، لألقيت مقالته كلّها في سلّة المهملات، لأنّ ما ذكره باطل، وما بني على باطل فهو باطل.

وممّا يضحك الثكّلى - وشرّ البلية ما يضحك - قوله عن ابن عبّاس: ((بل تشيّعه لم يثبت عندنا، فضلاً عن كونه من الخواصّ))، وهذا ممّا يثير العجب!! بل والسخرية من قائله! فمن كان من الشيعة مثله جناناً، ولساناً، وبياناً؟!

فيقول لعمر بن الخطّاب - وهو في شدّته وعنفوانه - حين قال له: ما أرى صاحبك إلاّ مظلوماً؟ فقال له: (فاردد إليه ظلامته).

ومن كان يومئذ من رجال الشيعة يجرأ أن يقول لعمر بن الخطّاب: (هلاّ استحدثتم سنّه يوم الخندق؟ وهلاّ سبقتموه في الإسلام)؟

ومن كان يومئذ من رجال الشيعة يجرأ أن يقول لعمر بن الخطّاب: (والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من صاحبك أبي بكر)؟

إلى غير هذا من محاورات ابن عبّاس مع عمر، التي كان يُعجزه في ردّ الجواب عليه، فكان يقول: ((واهاً لابن عبّاس ما لاحى أحداً إلاّ خصمه))..

وقد ذكرت في الجزء التاسع من هذه الموسوعة ستّة عشر محاورة بين ابن عبّاس وعمر فقط، كان الغالب فيها ابن عبّاس باعتراف عمر المغلوب، وكلّها في نصرة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام والدفاع عنه؛ فمن كان غيره يقوى على هذا؟

ألم يرو لنا البياضي في كتابه (الصراط المستقيم) مسنداً عن ابن عبّاس، أنّه قال يوم الشورى: (كم تمنعون حقّنا، وربّ البيت إنّ عليّاً هو الإمام والخليفة، وليملكنّ من ولده أئمّة أحد عشر، يقضون بالحقّ...)، وساق الحديث بطوله، وقد سُئل من أين لك هذا؟ فقال: إنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم علّم عليّاً ألف باب فتح له من كلّ باب ألف، وإن هذا من ثَمّ(1).

إنّها كبوة النقوي في قوله: ((بل تشيعه لم يثبت عندنا))، ألا يقظة ضمير في ساعة صحو مرّت بهذا القائل، فقرأ ما كان يجري من محاورات بين ابن عبّاس وبين معاوية وأشياعه، ومع الخوارج والرهط الذين كانوا يسبون الإمام عليه السلام، وغيرهم!

وأخيراً، ما ختم به آخر ساعة من حياته في الطائف، حيث قال: (اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بولاية الشيخ عليّ بن أبي طالب)، فما زال يكرّرها حتّى وقع إلى الأرض(2).


1) - الصراط المستقيم 2/151، ط المكتبة المرتضوية، وقد مرّ ذكره في 2/130 من الموسوعة؛ فراجع.

2) - كفاية الأثر،، للخزّاز: 20 ما جاء عن عبد الله بن عبّاس من النصوص، وانظر: الموسوعة، الجزء الخامس، الفصل الثالث/ حبر الأُمّة أيام ابن الزبير والمروانيين/ حديث الخاتمة.

وفي رواية الكشي: (اللّهمّ، إنّي أحيى على ما حيي به عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وأموت على ما مات عليّ بن أبي طالب)(1).

كلّ هذا لا يثبت تشيّعه عند هذا القائل الفائل(2)؟!! إنّها لأحدى الكبُر..

فمن مثله من الشيعة المخلصين لأمير المؤمنين عليه السلام من الصحابة أجمعين؟!

وحسبنا شاهداً على هذا: كثرة أحاديثه المرفوعة والموقوفة في فضل الإمام عليه السلام وأهل بيته الكرام، ولم يرو عن غيره عشر العشير بالنسبة إليه، وسيأتي في الجزء الخامس من هذه الحلقة (ابن عبّاس في رحاب أهل البيت عليهم السلام) ممّا رواه المجلسي رحمه الله في (البحار)، وهو مقبول عند القائل وأضرابه، ومهما كان ذلك كمّاً وكيفاً، فليس بمقنع للآخرين، ولعلّه تقنعه روايات أمثال الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وغيرهم من أضرابهم..

فهذا ابن عدي روى في (الكامل) بسنده عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: (ستكون فتنة، فإن أدركها أحدهم فعليه بخصلتين: كتاب الله وعليّ بن أبي طالب، فإنّي سمعتُ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: - وهو آخذ بيد عليّ - (هذا أوّل من آمن بي، وأوّل من يصافحني، وهو فاروق هذه الأُمّة، يفرق بين الحقّ


1) - اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): 56 رقم 106، وانظر الموسوعة، الجزء الخامس، الفصل الثالث/ حبر الأُمّة أيام ابن الزبير والمروانيين/ حديث الخاتمة.

2) - في الصحاح (فبل) رجل فال، أي: ضعيف الرأي، مخطئ الفراسة، قال الشاعر:

والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة، وهو الصدّيق الأكبر، وهو بابي الذي أوتى منه، وهو خليفتي من بعدي)(1).

وحديثه الآخر أخرجه ابن عدي أيضاً في (الكامل) بسنده عن ابن عبّاس: عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (إنّ مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق)(2).

وما أخرجه ثالثاً بسنده عن ابن عبّاس: عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، قال لأُمّ سلمة: (يا أُمّ سلمة! إنّ عليّاً لحمه لحمي، ودمه من دمي، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى)(3).

فهل مع هذه الأحاديث التي رواها ابن عبّاس عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ورواها عنه من لا يُتهم بممالاة ولا محاباة يبقى شكّ في تشيّعه كما يزعم النقوي سامحه الله تعالى وإيانا عن هفوات الجنان وسقطات اللسان.

وليتني أدري هل يقبل النقوي بنقاوته وتقاوته كما في اسمه شهادة العلَمَين العالِمَين من أقطاب الشيعة، وهما: العلاّمة الحلّي، والشيخ ابن داود، وهما من أعلام الطائفة وخرّيتي الصناعة في علمي الرجال والدراية؟

فقال الأوّل عن ابن عبّاس: ((من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، كان محبّاً لعليّ عليه السلام وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر


1) - الكامل 4/229.

2) - الكامل 2/306.

3) - الكامل 4/209.

من أن يخفى.

وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمن قدحاً فيه، وهو أجل من ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها رضي الله تعالى عنه))(1).

وقال الثاني في رجاله: ((عبد الله بن العبّاس (ل، ي) - يعني من أصحاب الرسول صلي الله عليه وآله وسلم وأصحاب علي عليه السلام - رضي الله عنه، حاله أعظم من أن يشار إليه في الفضل والجلالة، ومحبّة أمير المؤمنين عليه السلام وانقياده إلى قوله))(2).

وإذا لم يقبل النقوي بهما شاهدي عدل، وقولهما فصل:

فليس يصحّ في الأفهام شيء*** إذا احتاج النهار إلى دليل

وأخيراً، فليقرأ النقوي ومن يشايعه على رأيه في ابن عبّاس، ما رواه سليم بن قيس في كتابه(3)، قال: ((إنّه لمّا قتل الحسين بن عليّ عليه السلام بكى ابن عبّاس بكاءً شديداً، ثمّ قال: ما لقيت هذه الأُمّة بعد نبيّها، اللّهمّ إنّي أشهدك أنّي لعليّ بن أبي طالب وليّ ولولده، ومن عدوّه وعدوّهم بريء، وإنّي أسلّم لأمرهم))، وهذا رواه المجلسي في (البحار)، نقلاً عن (فضائل شاذان)، و(كتاب الروضة)(4).


1) - خلاصة الأقوال: 190 الفصل (18).

2) - رجال ابن داود: 121 رقم 880، معجم رجال الحديث 10/239، ط النجف سنة 1974 مطبعة الآداب.

3) - كتاب سليم بن قيس 1/915.

4) - بحار الأنوار 28/84 برقم 32.

فهل يقول هذا غير غريق في الولاء، وصادق في الموالاة؟

ونستودع السيّد النقوي بقول علمَين هما أقرب إليه صقعاً من العلاّمة الحلّي، وابن داود، وهما: القاضي نور الله التستري، الذي قال في كتابه (مجالس المؤمنين): ((أمّا أنا فاعتقد إيمانه، وأمّا أجوبة العلاّمة في كتابه الكبير فلم أقف عليها...))(1).

والثاني السيّد علي خان المدني الشيرازي، الذي قال في (كتابه الدرجات الرفيعة): ((الذي أعتقده في ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه كان من أعاظم المخلصين لأمير المؤمنين وأولاده، ولا شكّ في تشيعه وإيمانه، وستقف على ما نذكره من أخباره على ما تحقّق معه ذلك إن شاء الله تعالى))(2).

وما أولاني بقول المرحوم الدكتور أحمد حسن الباقوري رحمه الله في ختام مقدّمته لكتاب (المختصر النافع في فقه الإمامية)، وقد قرّر تدريسه في مصر: ((ونحن المسلمين بحاجة ماسّة إلى أن نبني علاقاتنا على هذه الأُسس - سعة العلم وصدق الإيمان ومتانة الخلق وبراءة النفس من العُقد والعلل - وأن نزيح من طريقنا إلى المستقبل الطيب ما خلّفته الأيام والأهواء من عقبات، والله ولي التوفيق، وهو المسؤول أن يتدارك برحمته أُمّتنا وأن يقيها عوادي السوء ومغبّات التفرّق والانقسام)).


1) - انظر: الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: 100.

2) - الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: 101، ط الحيدرية سنة 1382ه- - 1962م.

فلسطيني متشيّع يفقد اتّزانه العَقَدي في ابن عبّاس

لقد مرّ بنا تعريف الشيعي والتشيّع نقلاً عن أبان بن تغلب، وهو شيعي عدل، ومن خيرة أهل الفضل، وذكرت أنّ قوله هو الفصل، وعلى ما ذكره من ميزان في المقام أعيد ذكر ما قال، ليُعرف مَن هو الشيعيّ حقّاً، ومَن هو المتشيّع صدقاً، ومَن هو الزاعم كذباً وإن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.

لقد روى الشيخ النجاشي في رجاله في ترجمة أبان بن تغلب بسنده: ((عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: كنّا في مجلس أبان بن تغلب فجاء شاب، فقال: يا أبا سعيد! أخبرني كم شهد مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام من أصحاب النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم؟

قال: فقال له أبان: كأنّك تريد أن تعرف فضل عليّ عليه السلام بمن تبعه من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟

قال: فقال الرجل: هو ذلك.

فقال: والله ما عرفنا فضلهم إلاّ باتّباعهم إياه.

قال: فقال أبو البلاد: عضَ ببظر أُمّه رجل من الشيعة في أقصى الأرض وأدناها يموت أبان لا يدخل مصيبته عليه.

قال: فقال أبان له: يا أبا البلاد! تدري مَن الشيعة؟ الشيعة الذين إذا اختلف الناس عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أخذوا بقول عليّ عليه السلام، وإذا اختلف الناس

عن عليّ عليه السلام أخذوا بقول جعفر بن محمّد عليه السلام))(1)اه- .

ونحن على هذا الميزان قد تعاملنا في هذه الحلقة - الرابعة - فجعلنا (ابن عبّاس في الميزان).

فكان كما قرأناه في الحلقات الثلاث على حدّ ما قاله المحقّقون من علماء الشيعة:

فقد قال العلاّمة الحلّي: ((كان محبّاً لعليّ عليه السلام وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى، وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، وهو أجل من ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير، وأجبنا عنها رضي الله عنه وأرضاه))(2).

وقال ابن داود: ((عبد الله بن العبّاس رضي الله عنه، حاله أعظم من أن يشار إليه في الفضل والجلالة، ومحبّة أمير المؤمنين عليه السلام وانقياده إلى قوله))(3).

فهذان عَلَمان مبرّزان، عالمان من أقطاب مدرسة الرجال والدراية عند الشيعة، يشهدان لابن عبّاس بالتشيّع المحض الخالص الراقي، وأنّه من النمط الأعلى في الرعيل الأوّل من الشيعة من الصحابة.


1) - تهذيب المقال 1/215.

2) - خلاصة الأقوال: 190 الفصل (18)، وكذا ط حجرية.

3) - رجال ابن داود: 121 رقم 880، معجم رجال الحديث 10/239، ط النجف سنة 1974 مطبعة الآداب، و 208 برقم 864، ط دانشكاه طهران.

ولست الآن بقصد البحث في هذا الجانب لوضوحه لِما قد مرّ في سيرته وتاريخه في الحلقة الأولى بأجزائها الخمسة ما يغني ويقني، وربّما ازداد القارئ به هدياً ودلالة على عظيم منزلته بما جاء في الحلقة الثانية أيضاً، وفيهما هدى لمن استهدى، أمّا من أعرض وتولّى لرواسب موروثة، ولا يعي إلاّ الموروث المعثوث كهذا الزاعم بأنّه شاب فلسطيني اسمه (علي)، وعمره (17 سنة)، وثقافته (جامعي)، ومذهبه (مستبصر)، ولمّا كانت هذه كلّها - مزاعمه المهلهلة - مورد تشكيك في صحّتها، لِما نمّ على نفسه بكذبها كما ستأتي الإشارة إليها، وقد كشف عن غباء وجهل مركّب، فهملج وزبرج، ثمّ هرّج وعرّج على ما قيل في ابن عبّاس ممّا أشار إليه العلاّمة الحلّي من (أخبار الكشي)، فصار يصول ويجول بين كتب التراث في الرجال والحديث، وقد أحاط علماً - بقدرة قادر - بجميع ما يتعلّق بابن عبّاس في (تفسير القمّي)، و(كافي الكليني)، وكتب الصدوق من (التوحيد) وغيره، و(تفسير العياشي)، و(الاختصاص) للمفيد، وأخيراً غاص في (بحار المجلسي).

فإنّه لو صدقت الأحلام، وبقدرة الملك العلام، لقد فاق الأنام وهو غلام، فصار من نوابغ عصره ومصره! أليس كذلك؟! فشاب ابن 17 سنة لم يزل بعد في سنّ المراهقة - وما أدراك ما أخطارها - يقفز حبائل الشيطان، فيلعب على الحبال بعقول الرجال، فيقول عن كتاب (الكافي): ((الذي هو عندنا (؟) الأصل في رواياته الصحّة (؟) لمدحه (؟) وتوثيقه الإجمالي (؟) من إمام العصر (صلوات الله عليه) (؟) إلاّ أن يقوم الدليل القطعي القوّي

على طرح بعضها، ويبقى المطروح تحت إمكان التوجيه والحمل لردّ الاعتبار))؟

إنّها الألمعية النادرة، واللوذعية القادرة التي تفتّحت عند هذا الشاب الفلسطيني - كما يزعم - آفاق العلم والمعرفة، فاطّلع - سرعان - على جميع ما قيل ويقال في ابن عبّاس مدحاً أو قدحاً في كتب التراث الشيعي؟ فصار أهلاً ليناقش ويحاكم بين الروايات المتناقضة وهو بعد في سنّ المراهقة!

فصار كتاب (الكافي) الذي لم تره عين فلسطيني من قبل، فيقول: ((الذي هو عندنا))..

لمن يعود الضمير أيّها المستبصر المستهتر؟!

ومن أين ثبت عندكم أنّ (الأصل في رواياته الصحّة)؟ فقلت: ((لمدحه وتوثيقه الإجمالي من إمام العصر (صلوات الله عليه)))؟

ومن روى هذا؟!

وأين وجد؟!

إنّها مقولة الأخباريين.

إنّك نادرة العصر في الكذّابين، شأن المنافقين لاستخذائك واستخفائك وادعائك اسم (علي)، وفي زعمك الكاذب في السنّ والبلد والمذهب والثقافة ما ينمّ عن إخباريتك الفاشلة، وأرضيتك القاحلة.

ولئلا نتجنّى عليك، فإلى القارئ صورة ما نشرته على موقعك بنصّه وفصّه، بدءاً من تعريفك بنفسه، ومروراً بما قلت وصلت، وانتهاءً بما ذكرت

من قياس بين جابر الأنصاري وابن عبّاس، ممّا كشف به عن متاهتك في التاريخ والرجال، وهبوطك إلى صف وصنف السطحيين في قراءة الأحداث، فضلاً عن التحليل والمحاكمة، فلم تميّز بين الطمّ والرمّ، فخلطت الحابل بالنابل كما يقال.

فهاكموا اقرأوا ما قاله، وعلى الله حسابه..

والآن إلى قراءة ما كتبه المستبصر الفلسطيني الزاعم؟(1)

((الاسم: علي.

الدولة: فلسطين.

العمر: 17.

الرتبة العلمية: جامعي.

الدين والمذهب: مستبصر.

السؤال: إنّه [أي: ابن عبّاس] مذموم في الروايات، ومنعوت بالخائن، والخاسر، والحائر، والمدّعي، والمنتحل، وغير ذلك..

ومن تلكم الروايات: ما عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر الباقر (صلوات الله عليه) أنّه قال: (أتى رجل أبي عليه السلام، فقال: إنّ فلاناً - يعني عبد الله بن


1) - يبدو لي أنّ صاحب المقال أخباري جاهل حتّى بمبادئ التاريخ والحديث فضلاً عن الإحاطة بما تقتضيه قواعد الجدل في البحث، ولولا رغبة من أتاني بهذه الأوراق في الردّ عليه لما ضيّعت وقتي في قراءته والتعليق عليه في الهوامش، وبعلامات استفهام تنبئ عن جهل صاحب المقال جهلاً مركّباً.

العبّاس - يزعم أنّه يعلم كلّ آية نزلت في القرآن، في أي يوم نزلت، وفيم نزلت!

قال: فسله في من نزلت: وَمَن كَانَ فِي هَ-ذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(1)؟ وفيم نزلت: وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ(2)؟ وفيم نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ(3)؟

فأتاه الرجل، وقال: وددت الذي أمرك بهذا واجهني به فأسأله! ولكن سله: ما العرش؟ ومتى خلق؟ وكيف هو؟

فانصرف الرجل إلى أبي، فقال له ما قال.

فقال: وهل أجابك في الآيات؟

قال: لا!

قال: ولكنّي أجيبك فيها بنور وعلم غير المدّعي والمنتحل.

أمّا الأوّليان فنزلتا في أبيه، وأمّا الأخيرة فنزلت في أبي وفينا، وذكر الرباط الذي أمرنا به بعد وسيكون ذلك من نسلنا المرابط ومن نسله المرابط. فأمّا ما سألك عنه فما العرش؟ فإنّ الله عزّ وجلّ جعله أرباعاً لم يخلق قبله شيئاً إلاّ ثلاثة أشياء: الهواء، والقلم، والنور، ثمّ خلقه من ألوان مختلفة من ذلك النور الأخضر الذي منه اخضرت الخضرة، ومن نور أصفر اصفرت منه الصفرة، ونور أحمر احمرت منه الحمرة، ونور أبيض وهو نور الأنوار ومنه


1) - سورة الإسراء/72.

2) - سورة هود/34.

3) - سورة آل عمران/200.

ضوء النهار، ثمّ جعله سبعين ألف طبق غلظ كلّ طبق كأوّل العرش إلى أسفل السافلين، وليس من ذلك طبق إلاّ يسبح بحمده ويقدسّه بأصوات مختلفة وألسنة غير مشتبهة، ولو سمع واحداً منها شيء ممّا تحته لا نهدم الجبال والمدائن والحصون ولخسف البحار ولهلك ما دونه. له ثمانية أركان ويحمل كلّ ركن منها من الملائكة ما لا يحصى عددهم إلاّ الله يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولو أحسّ شيء ممّا فوقه ما قام لذلك طرفة عين، بينه وبين الإحساس الجبروت والكبرياء والعظمة والقدس! والرحمة ثمّ (القلم) العلم، وليس وراء هذا مقال. لقد طمع الخائن في غير مطمع، أما إنّ في صلبه وديعة قد ذرئت لنار جهنم سيخرجون أقواماً من دين الله أفواجاً كما دخلوا فيه، وستصبغ الأرض بدماء الفراخ من فراخ آل محمّد، تنهض تلك الفراخ في غير وقت وتطلب غير ما تدرك، ويرابط الذين آمنوا ويصبرون لما يرون حتّى يحكم الله وهو خير الحاكمين. (انظر تفسير القمّي ج2/23، والاختصاص ص71، والتوحيد للصدوق ص238، وكذا راجع كلّ تراجم الرجال ومنها: رجال الكشي ج1/273، وتفسير العياشي ج2/305، وعنهم نقل العلاّمة المجلسي في البحار ج58/24، واختلاف النعوت من اختلاف ألفاظ الرواية).

والمعنى المستفاد من هذه الرواية، أنّ ابن عبّاس ادّعى منزلة فوق منزلته، وطمع أن يكون إماماً يستغني الناس بعلمه دون الأئمّة المعصومين(صلوات الله عليهم)، وهو ليس سوى مدّعٍ زاعم، ومنتحل لولاية أهل البيت(عليهم الصلاة والسلام)، وخائن خاسر أو حائر.

وقد ناقش بعض الرجاليين في سند هذه الرواية، وضعّفوها من جهة بعض الرواة أملاً في إسقاطها، والحال أنّ بعض من ضعّفوه - كإبراهيم بن عمر اليماني - موثّق عند آخرين كالنجاشي وغيره، كما أنّ الرواية مروية بطرق مختلفة تنتهي إلى الباقر (صلوات الله عليه)، وليس في رواتها مذموم، بل مجهول أو مسكوت عنه أو ضعيف، وتعدّد الإسناد يجبرها مع وجود النظائر، ويُطمأن إلى صدورها عن المعصوم (عليه السلام)، ولذا تجد المحقّق الداماد يقول عنها: ((وبالجملة: هذا الحديث الشريف طريقه صحيح على الأصحّ، ومسائله الغامضة من الحكمة منطوية في متنه))(اختيار معرفة الرجال - أو رجال الكشي - ج1/274).

ونحن كما سبق وبيّنا لا نميل إلى إعمال الشدّة في فحص السند في أمثال هذه الروايات التي لا يترتّب عليها حكم تكليفي خاصّ أو عامّ، فذلك غير ملزم، وبعيد عمّا انتهى إليه الرأي العلمي في الاستنتاج التاريخي الذي ينبني على حصول الاطمئنان بالقرائن والشواهد التاريخية أكثر، إلاّ من باب الترجيح حال التعارض بلا مرجّح أوّلي كقول معصوم، ولذا نناقش هاهنا السند لحصول هذا التعارض، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

ومن روايات ذمّه أيضاً ما رواه الشيخ الكليني رحمه الله : ((عن الحسن بن عبّاس بن حريش، عن أبي جعفر الجواد عليه السلام، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال: بينا أبي - الباقر عليه السلام- وعنده نفر إذ استضحك حتّى اغرورقت عيناه دموعاً، ثمّ قال: هل تدرون ما أضحكني؟

فقالوا: لا.

قال: زعم ابن عبّاس أنّه من الذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا! فقلت له: هل رأيت الملائكة يابن عبّاس تخبرك بولائها لك في الدنيا والآخرة مع الأمن من الخوف والحزن؟

فقال: إنّ الله تبارك وتعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ(1)، وقد دخل في هذا جميع الأُمّة!

فاستضحكت! ثمّ قلت: صدقت، يابن عبّاس! أنشدك الله هل في حكم الله جلّ ذكره اختلاف؟

فقال: لا.

فقلت: ما ترى في رجل ضرب رجلاً أصابعه بالسيف حتّى سقطت، ثمّ ذهب وأتى رجل آخر فأطار كفّه، فأتي به إليك وأنت قاضٍ؛ كيف أنت صانع به؟

قال: أقول لهذا القاطع: أعطه ديّة كفّه، وأقول: لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت وأبعث به إلى ذوي عدل!

قلت: جاء الاختلاف في حكم الله عزّ ذكره، ونقضت القول الأوّل! أبى الله عزّ ذكره أن يحدث في خلقه شيئاً من الحدود، فليس تفسيره في الأرض، اقطع قاطع الكفّ أصلاً، ثمّ أعطه ديّة الأصابع، هكذا حكم الله ليلة تنزّل فيها أمره، إن جحدتها بعد ما سمعت من رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فأدخلك الله النار كما أعمى بصرك يوم جحدتها عليّ بن أبي طالب!


1) - سورة الحجرات/10.

قال: فلذلك عمي بصري!

قال: وما علمك بذلك، فوالله إنّ عمى بصري إلاّ من صفقة جناح الملك!

ثمّ تركته يومه ذلك لسخافة عقله، ثمّ لقيته، فقلت: يا بن عبّاس! ما تكلّمت بصدق مثل أمس؟ قال لك عليّ بن أبي طالب: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، وأنّه ينزل في تلك الليلة أمر تلك السنة، وإنّ لذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقلت: من هم؟ فقال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون، فقلت: لا أراها كانت إلاّ مع رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فتبدّا لك الملك الذي يحدّثه، فقال: كذبت يا عبد الله، رأت عيناي الذي حدّثك به عليّ عليه السلام ولم تره عيناه ولكن وعى قلبه ووقر في سمعه، ثمّ صفقك بجناحيه فعميت!

قال: فقال ابن عبّاس: ما اختلفنا في شيء فحكمه إلى الله تعالى!

فقلت له: فهل حكم الله في حكم من حكمه بأمرين؟

قال: لا.

فقلت: هاهنا هلكت وأهلكت!))(الكافي ج1/247).

فهنا ترى كيف أنّ ابن عبّاس زعم أنّه من المستقيمين، والإمام الباقر (صلوات الله عليه) يثبت العكس، فيبيّن جهله ويصفه بسخافة العقل، ويكشف أنّ ملكاً من الملائكة أعماه يوم ردّ على المولى أمير المؤمنين(صلوات الله عليه) وأنكر نزول الأوامر الإلهية على أهل البيت في ليلة القدر بعد مضي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، ثمّ ينبئه الإمام بأنّه هالك في النار، وسيهلك معه خلقاً أيضاً.. ولهذا تجد العامّة قد أخذوا منه كثيراً حتّى أسموه

(حبر الأُمّة) وتركوا أهل البيت(صلوات الله عليهم)، وكلّ من أخذ العلم من غير أهل البيت هلك.

وهاهنا تمايز ينبغي أن تكون ملتفتاً له، بين خطّ أهل البيت عليهم السلام وخطّ ابن عبّاس وأشباهه، - كالحسن البصري - الذين طالما ادّعوا موالاة أهل البيت ليصعدوا في الأُمّة، غير أنّك إذا تفحّصت ما جاءوا به وجدته مغايراً لتعاليم الأئمّة(صلوات الله عليهم) ومتمايزاً عنها، ومجرّد قبول العامّة بهم كلّ هذا القبول وتقديسهم، كلّ هذا التقديس، يجعل ذا اللبّ والخبرة يرتاب في شأنهم، فإنّ المخالفين كانوا يبتعدون عن كلّ من ينتسب إلى أهل البيت(صلوات الله عليهم) ويتلقّى العلم منهم، ولهذا صنعوا لأنفسهم فقهاء بديلين، كان من أوائلهم ابن عبّاس وأمثاله، ومن أواخرهم أبو حنيفة وأضرابه؛ فتأمل!

وقد ناقش بعض الرجاليين في سند هذه الرواية أيضاً من جهة تضعيف الحسن بن العبّاس بن حريش، مع أنّ الراوي ليس بمتّهم في شيء، ومع ذا نقول إنّها مشمولة بالاعتبار لورودها في الكافي الشريف الذي هو عندنا الأصل في رواياته الصحّة لمدحه وتوثيقه الإجمالي من إمام العصر(صلوات الله عليه) إلاّ أن يقوم الدليل القطعي القوّي على طرح بعضها، ويبقى المطروح أيضاً تحت إمكان التوجيه والحمل لردّ الاعتبار.

وأمّا محاولة بعضهم إسقاط هذه الرواية من باب أنّ الباقر(صلوات الله عليه) لم يكن عمره آنذاك يتجاوز الحادية عشرة فكيف يتخاطب وابن عبّاس المسنّ ويجتمع إليه الناس، والحال أنّه لم يكن إلاّ صغير السنّ حينها

وقبل إمامته؟

فأقول: إنّ المحاولة هذه واهية! إذ كيف خفي على المحاول أنّ الأئمّة المعصومين(عليهم الصلاة والسلام) كان الناس يجتمعون إليهم والمسنّون يختلفون عليهم وهم في أقلّ من هذا السنّ، كالجواد(صلوات الله عليه) في الثامنة؟! فالعمر بالنسبة إلى المعصومين لم يكن يوماً من الأيام بحاجب الناس عنهم، بل الجميع كان يتعامل معهم على أنّهم كبار، بل عمالقة لا أطفال أو صبيان - معاذ الله - كما أنّ التاريخ حدّثنا عن اختلاف بعض الناس ومحاورات بعض الأئمّة مع رموز المخالفين قبل امتلاكهم زمام الإمامة - كما وقع بين الكاظم عليه السلام وأبي حنيفة (لعنه الله)، والكاظم كان حينها صغيراً أيضاً وقد أبهره بعلمه - وعليه فلا يستبعد صدور هذا الحديث سيّما وأنّه من جنس ذلك الحديث، إذ الغرض فيه تبيان علم الإمام - ولو كان صغيراً وقبل إمامته - في مقابل علم غير الإمام ولو كان كهلاً أو شيخاً مسنّاً، كما أنّه لا مانع من التحقيق في أشباه هذا الحديث، فلعلّ الغلط وقع من النسّاخ وكان المقصود بلفظ (أبي) السجّاد لا الباقر(صلوات الله عليهما)، ومن هذا القبيل كثير في مصادرنا كما لا يخفى.

وممّا ورد في ذمّه: ما رواه الكشي عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: اللّهمّ العن ابنيّ فلان - أي العبّاس - وأعمِ أبصارهما كما أعميت قلوبهما الآجلين (الآكلين) في رقبتي، واجعل عمى أبصارهما دليل على عمى قلوبهما). غير أني لا اعتمد على هذا الحديث كثيراً، إذ قد نسلّم بأنّ اللعنة تشمل عبد الله بن عبّاس بعد حادثة

سرقته لبيت مال البصرة وهروبه إلى الحجاز - كما سيأتي إن شاء الله - بيد أنّه كيف يمكن التسليم بلعنه عليه السلام لعبيد الله بن عبّاس وقد استعمله الحسن عليه السلام فيما بعد على الجيش ولم يكن قد صدر منه شيء بعد حال توليه اليمن؟ ولو كان ملعوناً على لسان الأمير علناً لما استعمله المجتبى أبداً، إلاّ أن يوجّه أحد الرواية بتوجيه آخر لم يصل إليه نظري القاصر.

كما قد وردت روايات أخرى في ذمّه منها: رواية (الجراد) التي يقول فيها الحسن(صلوات الله عليه) لابن عبّاس: (أما والله، لولا ما نعلم، لأعلمتك عاقبة أمرك ما هو، وستعلمه، ثمّ إنّك بقولك هذا مستنقص في بدنك، ويكون الجرموز من ولدك، ولو أذن لي في القول لقلت ما لو سمع عامّة هذا الخلق لجحدوه وأنكروه)(اختيار معرفة الرجال - أو رجال الكشي - ج1/276). والجرموز على الظاهر هو أحد طغاة بني العبّاس، وفي الجزء الأخير من الرواية ما يدلّ على تعاظم شعبيته في أوساط المخالفين حتّى أنّه لو قال الإمام الحسن(صلوات الله عليه) فيه القول الحقّ وعرّفهم حقيقته لجحدوا قوله وأنكروه، وفي هذا مزيد دلالة على أنّ الرجل هو صاحبهم لا صاحبنا، وعلى هذا تدلّ السيرة ومجريات التاريخ.

أمّا سرقته لبيت مال البصرة عندما كان والياً عليها بأمر أمير المؤمنين(صلوات الله عليه) وهروبه بالمال إلى الحجاز، فشهير ومعروف، فقد نقل التاريخ لنا كتاب أمير المؤمنين(صلوات الله عليه) الذي عنّفه وتوعّده فيه بالعذاب العظيم من الله تعالى، وفيه: (من عبد الله عليّ بن أبي طالب إلى عبد الله بن عبّاس: أمّا بعد، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي، ولم

يكن أحد من أهل بيتي في نفسي أوثق منك لمواساتي ومؤازرتي وأداء الأمانة إليَّ، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ عليه قد حرب، وأمانة الناس قد عزت، وهذه الأُمور قد فشت، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ وفارقته مع المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان الخاذلين، فكأنّك لم تكن تريد الله بجهادك، وكأنّك لم تكن على بينة من ربّك، وكأنّك إنّما كنت تكيد أُمّة محمّد صلي الله عليه وآله وسلم على دنياهم، وتنوي غرّتهم، فلمّا أمكنتك الشدّة في خيانة أُمّة محمّد أسرعت الوثبة وعجّلت العدوة، فاختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة كأنّك - لا أبا لك - إنّما جررت إلى أهلك تراثك من أبيك وأُمّك! سبحان الله! أما تؤمن بالمعاد؟! أو ما تخاف من سوء الحساب؟! أو ما يكبر عليك أن تشتري الإماء وتنكح النساء بأموال الأرامل والمهاجرين الذين أفاء الله عليهم هذه البلاد؟! فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإن لم تفعل ثمّ أمكنني الله منك لأعذرنّ الله فيك، ولأضربنّك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلاّ دخل النار! ووالله لو أنّ حسناً وحسيناً فعلا مثل الذي فعلت لما كانت لهما عندي في ذلك هوادة، ولا لواحد منهما عندي فيه رخصة، حتّى آخذ الحقّ وأزيح الجور عن مظلومهما، والسلام).

فكتب إليه عبد الله بن عبّاس: (أمّا بعد، فقد أتاني كتابك تعظّم عليَّ إصابة المال الذي أخذته من بيت مال البصرة، ولعمري إنّ لي في بيت مال الله أكثر ممّا أخذت! والسلام)!

فكتب إليه أمير المؤمنين(صلوات الله عليه): (أمّا بعد، فالعجب كلّ

العجب من تزيين نفسك أنّ لك في بيت مال الله أكثر ممّا أخذت وأكثر ممّا لرجل من المسلمين! فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل، وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من الإثم، ويحلّ لك ما حرم الله عليك. عمرك الله إنّك لأنت العبد المهتدي إذن! فقد بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطناً، وضربت بها عطناً، تشتري مولدات مكّة والطائف، تختارهنّ على عينك، وتعطي فيهم مال غيرك! وانّي لأقسم بالله ربّي وربّك، ربّ العزّة، ما يسرّني أنّ ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبي ميراثاً، فلا غرو أشدّ باغتباطك تأكله رويداً رويداً، فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة، ويتمنّى المضيّع الرجعة، ولات حين مناص، والسلام).

فكتب إليه عبد الله بن عبّاس: (أمّا بعد، فقد أكثرت عليَّ، فوالله لئن ألقى الله بجميع ما في الأرض من ذهبها وعيقانها أحبّ إليَّ من أن ألقى الله بدم رجل مسلم)(راجع نهج البلاغة ج3/65، واختيار معرفة الرجال - أو رجال الكشي - ج1/280، وشرح النهج لابن أبي الحديد ج16/168، وغيرهما).

وقد رُوي أنّ أمير المؤمنين(صلوات الله عليه) عندما بلغته سرقته صعد المنبر وبكى، وقال: (هذا ابن عمّ رسول صلي الله عليه وآله وسلم في علمه وقدره يفعل مثل هذا! فكيف يؤمن من كان دونه؟! اللّهمّ إنّي قد مللتهم فأرحني منهم، وأقبضني إليك غير عاجز ولا ملول)(المصدر السابق).

وقد حاول بعضهم التشكيك في هذا الخبر من جهة أنّه مروي عن طريق الشعبي المنحرف.

غير أنّا نقول: إنّ الخبر يُطمأن لصدوره لاشتهاره، حتّى أدرجه الشريف الرضي في النهج(1)، وكونه وارداً من طرق أهل الخلاف مع جلالة قدر ابن عبّاس عندهم يساعد على هذا الاطمئنان، والمحدّثون من أصحابنا(2)لم يشكّكوا فيه لاشتهاره، ولذا تراهم عبّروا عن التوقّف فيه والحيرة، ولم يقدروا على دفعه، لأنّ من أوضح الواضحات أنّ الكتاب يفصح عن لسان أمير المؤمنين(صلوات الله عليه) لا لسان غيره، وحتّى المحدّث الخبير الشيخ عبّاس القمّي رحمه الله رغم أنّه اعتبر ابن عبّاس من جملة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، إلاّ أنّه عبّر عن حيرته وتوقّفه في شأن سرقته لبيت مال البصرة، إذ قال: ((أمّا قصّة حمله المال من بيت مال البصرة وذهابه إلى مكّة، وكتابة أمير المؤمنين عليه السلام إليه بهذا الخصوص، وجوابه له، وبهذه العبارات الجسورة، فأمر حيّر المحقّقين))(منتهى الآمال ج1/288).

وقد حاول بعضهم أيضاً ادّعاء أنّ هذا الكتاب من الأمير عليه السلام إنّما وجهه إلى عبيد الله بن عبّاس، لا عبد الله.

وهو قول غير دقيق، لأنّ عبيد الله إنّما كان على اليمن والياً لا البصرة، كما أنّه لو كان كذلك لما أمّره الحسن المجتبى(صلوات الله عليه) على الجيش، كما أسلفنا، إذ تكون جريمته ظاهرة.

فهذه جملة من روايات ذمّه وإظهار فساده وانحرافه، بل وارتداده


1) - أين ذكره في النهج؟ لماذا التلبيس والتدليس؟!

2) - ومتى كان (المحدّثون من أصحاب) هذا الشاب الفلسطيني الكذاب ليقول (أصحابنا)؟

وهلاكه، وتقابلها بضع روايات في مدحه..

ولو سلّمنا بوقوع التعارض، فنقول: إنّ روايات مدحه كلّها غير صحيحة، وقد أقرّ بذلك السيّد الخوئي في (المعجم) رغم ميلانه إلى حفظ ابن عبّاس من الخدش والجرح، فقال: ((ونحن وإن لم نظفر برواية صحيحة مادحة، وجميع ما رأيناه من الروايات في إسنادها ضعف، إلاّ أنّ استفاضتها أغنتنا عن النظر في إسنادها، فمن المطمأن به صدور بعض هذه الروايات عن المعصومين إجمالاً، وبإزاء هذه الروايات روايات قادحة))(معجم رجال الحديث ج11/250).

ونحن إنّما نتمسّك بالطائفة الأولى من الروايات حتّى وإن لم تعدّ عندهم صحيحة سنداً، ونغض النظر في إسنادها اعتماداً على ما قرّروه من الاطمئنان بصدورها إجمالاً عن المعصومين بعد الاستفاضة، وهذا متحقّق فيها.

وأمّا ترجيحنا لها على الطائفة الثانية فمن واقع ملاحظة السيرة ومجريات التاريخ، حيث لا نجد لابن عبّاس موقعاً حقيقياً في التشيّع، بل نرى موقعه عند أهل الخلاف أعظم، وخدمته لابن الخطّاب(لعنة الله عليه)(1)حتّى كان مستشاره الأوّل تثير الريب أكثر!

ولا يُقال: إنّ ذلك كان كأمر سلمان(عليه السلام) في قبوله الاستعمال.

فإنّ الفرق بيّنٌ بين المثالين، فسلمان كان مجازاً من الأمير عليه السلام على


1) - متى كان فلسطيني الأمس وشيعي اليوم يستسيغ اللعن؟! إنّها خدعة كخدعة الصبي عن ثدي أُمّه عند الفطام، وإمام الشيعة لم يرض باللعن لمن حاربه ونهى من مارسه عن فعله.

الأظهر(1)، وقد خدم الإسلام لا ابن الخطّاب، في حين أنّ ابن عبّاس لم يُجَز، ونراه قد أضحى له خير ظهير ومعاون يخدمه ويمتدحه ويترحّم عليه.

هذا ولا نجد له ذكراً في الدفاع عن الزهراء البتول(صلوات الله عليها) يوم أن تعرّضت للهجوم!

وحتّى إن قيل: أنّه كان يومذاك في مقتبل الفتوة، فكيف يُرجى منه ذلك؟

فنقول: وما كان يمنعه أن يصنع كما صنع أسامة بن زيد(2)وهو يقاربه في العمر؟!

ولو أدرنا الوجه عن ذلك، سألنا عن سبب كثرة رواياته عن طرق أهل الخلاف ومحدوديتها عن طرقنا؟ وهذا وحده كافٍ لتبيان موقعه، وعلى أي الطرفين هو محسوب، إذ لو كان من رجال التشيّع حقّاً لطغت رواياته من طرقنا(3)على التي من طرقهم، إلاّ أنّ الواقع يكشف عن أنّه من رجالهم وأصحابهم؟

ويزيدك يقيناً في هذا أنّ الروايات المادحة له عندنا والتي عرفت أنّها ضعيفة، إنّما هي واردة من طرقهم وفي مصادرهم! كزعم أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم


1) - الحمد لله الكبير المتعال الذي مَنَّ على هذا المستخفي باسم المستبصر بنعمة العلم فاضحى بين عشية وضحاها يفتي ويحاكم ويقول على الأظهر.

2) - ماذا صنع؟! وأين له ذكر في نصرة الإمام عليه السلام؟ أليس هو ممّن امتنع عن بيعة الإمام، ولم يخرج معه إلى البصرة. فراجع ترجمته!

3) - وهل رواية الخاتمة المروية من طرقهم وطرقنا تجد لها مثيلاً عن غيره؟! يا أيّها المستتر باسم المستبصر؟ زادك الله بصيرة لتعلم أنّ بعد اليوم حساب، فاستعد للجواب.

دعا له بالعلم ومعرفة التأويل، وما أشبه ذلك، فكون هذه الروايات واردة من طرقهم وفي مصادرهم يكفي في طرحها مقابل روايات الذمّ الواردة من طرقنا وفي مصادرنا بملاك جلالة قدره عندهم، وذلك لمّا قُرّر في محلّه في علم الرواية والدراية: أنّ من مسوّغات الطرح وجود النظير في كتب أهل الخلاف، فيكون الأمر مشمولاً بقاعدة: (دعوا ما وافق القوم فإنّ الرشد في خلافهم)، كما ورد عن المعصوم(عليه السلام)(1).

ويزيدك: أنّه لم يطلق عليه أحد من الأئمّة(صلوات الله عليهم) ألقابه المشتهرة عند أهل الخلاف، ك-(حبر الأُمّة)، أو (ترجمان الوحي)، وما أشبه، بل ليس له أدنى مقام عندهم، ولاحظ في هذا الشأن روايات الأئمّة اللاحقين(صلوات الله عليهم)، وقارنها مثلاً بما تحدّثوا به عن جابر بن عبد الله الأنصاري(رضوان الله عليه)، لتقف على الفرق.

وبالمثال، لاحظ أنّه لم يرد إلينا خبر تردّده على الأئمّة المعصومين كالحسن والحسين، والسجّاد، والباقر(صلوات الله عليهم) بالمستوى الذي نرى فيه جابراً يتردّد عليهم، وكلاهما كانا مكفوفين، فما بال جابر يصل في خدمة السجاد والباقر(صلوات الله عليهما) ويتمسّح بأعتابهما طلباً للنجاة


1) - ما رأي المستخفي باسم علي من فلسطين ابن 17 سنة جامعي في رواية الكشي في ترجمة ابن عبّاس عن أبي عبد الله عليه السلام: (إنّ ابن عبّاس لمّا مات وأخرج، خرج من كفنه طير أبيض يطير ينظرون إليه يطير نحو السماء حتّى غاب عنهم)، فقال: (وكان أبي يحبّه حبّاً شديداً، وكانت أُمّه تلبسه ثيابه وهو غلام فينطلق إليه في غلمان بني عبد المطلب، قال: فأتاه بعدما أصيب ببصره، فقال: من أنت؟ قال: أنا محمّد بن عليّ بن الحسين، فقال: حسبك من لم يعرفك فلا عرفك).

ورغبة في العلم مع قدمه وصحبته(1)

فلم أرها أمثالها يوم جلت*** مررت على أبيات آل محمّد

...الخ الأبيات.

وكذلك عبيد الله بن الحرّ الجعفي، وقد ذكر ابن الأثير في الكامل 4/23 وفاته سنة 68 وشيئاً من ترجمته، وما جرى بينه وابن زياد، فخرج واجتمع إليه أصحابه، ثمّ خرج حتّى أتى إليه أصحابه، ثمّ خرج حتّى أتى كربلاء، فنظر إلى مصارع الحسين عليه السلام ومن قتل معه، فاستغفر لهم، ثمّ مضى إلى المدائن، فقال في ذلك:

إلاّ كنت قاتلت الحسين بن فاطمة*** يقول أمير غادر وابن غادر

فإنّ كانت الزيارة هي حضور الزائر عند المزور بأي قصد ولأي غرض، فقد كان لمن ذكرت أسماءهم شرف الزيارة، فإنّهم جاؤوا إلى الحسين عليه السلام قبل مجيء جابر - إن صحّ - وزعم مجيئه ناقش فيه السيّد ابن طاووس في كتابه إقبال الأعمال/589 ط/2 دار الكتب الإسلامية في أعمال شهر صفر وص61، ط حجرية سنة 1324ه- فقد قال: فصل: ووجدت في المصباح: إنّ حُرم الحسين عليه السلام وصلوا المدينة مع مولانا عليّ بن الحسين عليه السلام يوم العشرين من صفر، وفي غير المصباح إنّهم وصلوا كربلاء أيضاً في عودهم من الشام يوم العشرين من صفر، وكلاهما مستبعد! لأنّ عبيد الله بن زياد(لعنه الله) كتب إلى يزيد يعرّفه بما جرى ويستأذنه في حملهم، ولم يحملهم حتّى عاد الجواب إليه، وهذا يحتاج إلى نحو عشرين يوماً أو أكثر منها، ولأنّه حملهم إلى الشام، روي أنّهم أقاموا فيها شهراً في موضع لا يكنّهم من حرّ ولا برد، وصورة الحال يقتضي أنّهم تأخّروا أكثر من أربعين يوماً من يوم قتل الحسين عليه السلام إلى أن وصلوا العراق أو المدينة، وأمّا جوازهم في عودهم على كربلاء فيمكن ذلك، ولكنّه ما يكون وصولهم إليها يوم العشرين من صفر، لأنّهم اجتمعوا على ما روى جابر بن عبد الله الأنصاري، فإنّ كان جابر وصل زائراً من الحجاز فيحتاج وصول الخبر إليه ومجيئه أكثر من أربعين يوماً، وعلى أن يكون جابر وصل من الكوفة أو غيرها، انتهى ما قاله السيّد ابن طاووس في تحقيق زيارة أهل البيت عليهم السلام وزيارة جابر في العشرين من صفر، وهو تحقيق رشيق وحريّ بالتصديق، هذا بعض ما يؤاخذ به المرحوم المحقّق الطباطبائي في اندفاعه العاطفي ودفاعه التشريفي عن جابر في سوء أدبه في تعبيره مع الإمام الحسين عليه السلام. فهذا شاهد أدب جابر وموالاته التي تهالك الشاب الفلسطيني الزاعم لاستبصاره في جعله نموذجاً عالياً في التشيّع يقاس عليه، مفضّلاً له على ابن عبّاس، وفاته أنّ جابر - هذا - قد روى عن الإمام الباقر عليه السلام عن ابن عبّاس كلام أمير المؤمنين معه في النخيلة بما قاساه وعاشه من آلام من بعد وفاة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، بثه أشجانه وأحزانه، ممّا لم يكن منه مع جابر أو غير جابر، وهذا رواه صاحب البحار فيه 8/261، ط حجرية؛ فليرجع إليه المستخفي بهويته، والمستبصر إن شاء الله مستقبلاً برؤيته وروايته، ليجد أنّ ذلك ممّا رواه السيّد ابن طاووس في كتابه (اليقين في إمرة أمير المؤمنين عليه السلام في الباب/122، ط الحيدرية سنة 1369ه-)، وقد ذكرته في ج4 من الحلقة الأولى ص286، فليرجع إليه، ولا يغيضه لو قلت له: إنّك تعيش الموروث المعثوث، كمن يخبط خبط عشواء في دياجير الظلماء.

، ثمّ هو يتحمّل المشقّة لزيارة قبر أبي

1) - ليس هناك من يشكّ في صحبة جابر وإخلاصه لأهل البيت عليهم السلام - وهذا ما كان عليه غالب الأنصار - لكن الذي يبعث الريبة في هذا الموروث ما رواه ابن سعد في كتابه (الطبقات الكبير) في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام ص88 رقم/157 بتحقيق صديقنا المرحوم المحقّق الطباطبائي رحمه الله ، فقد قال ابن سعد: أخبرنا محمّد بن عمر، قال: حدّثنا إبراهيم بن الفضل، عن أبي عتيق، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: شهدنا حسن بن عليّ يوم مات، فكادت الفتنة تقع بين حسين بن عليّ ومروان بن الحكم، وكان الحسن قد عهد إلى أخيه أن يدفن مع رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) فإن خاف أن يكون في ذلك قتال فليدفن بالبقيع، فأبى مروان أن يدعه، ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية بذلك - فلم يزل مروان عدواً لبني هاشم حتّى مات - قال جابر: فكلّمت يومئذ الحسين بن عليّ، فقلت: يا أبا عبد الله! اتّق الله فإنّ أخاك كان لا يحبّ ما ترى، فادفنه بالبقيع مع أُمّه، [ففعل]. قال المحقّق الطباطبائي رحمه الله في الهامش (123) رواه ابن عساكر في تاريخه برقم 349 عن ابن سعد، وأورده ابن كثير في تاريخه 8/44 عن الواقدي، وما بين المعقوفين منهما. ولم يزد هذا المحقّق على ما ذكر شيئاً مع أنّ كلمة جابر مع الإمام الحسين عليه السلام إن صحّت لا تخلوا من سوء أدب في المخاطبة، ولم تكن هفوة نادرة من جابر وعابرة، بل له نحوها مرّة ثانية، وهي أشدّ إيلاماً من الأولى في المخاطبة، فقد روى ابن سعد في ترجمة الإمام الحسين عليه السلام في الطبقات - بتحقيق الطباطبائي أيضاً ص58 - فقال: وقال جابر بن عبد الله: كلّمت حسيناً، فقلت: اتّق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فوالله ما حمدتم ما صنعتم؟ فعصاني. ولمّا كان كلام جابر لا يخلو من سوء أدب في التعبير، فقد انبرى المرحوم المحقّق الطباطبائي إلى التبرير والتعذير انسياقاً مع الموروث، فقال في الهامش: هذا تقوّل على جابر وافتراء، فإنّ جابر يجلّ عن مثل هذا الكلام، وقد ورد في رواياتنا في مدحه عن الصادق عليه السلام: (كان رجلاً منقطعاً إلينا أهل البيت)، وقد شهد هو صفّين مع أمير المؤمنين عليه السلام، فكيف ينسب إليه هذا الهذيان؟! ثمّ كان جابر(رحمه الله) أوّل من زار قبر الحسين عليه السلام قصده من المدينة إلى كربلاء ووافاه يوم الأربعين من مصرعه عليه السلام، ولعلّه صدر عن بعض الأمويين أو الخوارج أو بعض المنافقين فنسبه الراوي خطأ إلى جابر. انتهى ما قاله صديقنا المحقّق في الهامش، وهو لا يخلو من دفاع عاطفي، ودفاع تشريفي مؤاخذ عليه فيما ذكره من دون توثيق، من حضوره صفّين مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا ليس فيه منقبة لجابر رحمه الله ، فلقد حضر صفّين مع الإمام عليه السلام من الصحابة والتابعين الكثير الكثير، ولمّا محصّوا بالبلاء في رفع المصاحف قلّ الديّانون، فكان الخوارج، وكان الأشعث وأمثاله من المنافقين، فحضوره بصفّين مع الإمام عليه السلام ليس ممّا يحمل إشارة مميزة، وأمّا كونه أوّل من زار قبر الحسين عليه السلام، فليس كذلك، بل الذين دفنوه من بني أسد حظوا بشرف الحضور والدفن، وأعطف عليهم سليمان بن قتة الذي رثى الحسين عليه السلام، وقيل عنه: أوّل من رثى فقده، كما في ترجمته من أدب الطفّ 1/54، وكان منقطعاً إلى بني هاشم، فإنّه مرّ بكربلاء بعد قتل الحسين عليه السلام وأصحابه بثلاث، فنظر إلى مصارعهم واتكأ على قوس له عربية، وأنشأ يقول:

عبد الله(صلوات الله عليه) في كربلاء، ويحدّث عن الأئمّة بما لا يسع المرء إلاّ اعتباره من أعلام التشيّع، وابن عبّاس غائب عن ذلك كلّه وكأنّه يرى نفسه أعظم شأناً من الأئمّة المعصومين(صلوات الله عليهم أجمعين)، فيفسّر القرآن برأيه، ويفتي بهواه، ويدخل الأُمّة في مهالك الظنون؟!(1)

أمّا عن القول: بأنّه لا زم أمير المؤمنين(صلوات الله عليه)، وكان


1) - أعاذنا الله من شرور الفتون بما يفترون.

يختلف عليه طلباً للعلم، فلا شأن له بما نحن بصدده، إذ أنّ جمعاً عظيماً كان يأخذ من الأمير ومن الأئمّة(صلوات الله عليهم)، وحتّى الحسن البصري كان يأخذ ما يساعده على الترويج لنفسه(1)واكتساب الشهرة، حتّى وُصف على لسان الإمام عليه السلام بأنّه سامريّ هذه الأُمّة، وحتّى أبو حنيفة كان يصنع ذلك، فمن هم من هذا الصنف تراهم يخالطون أهل بيت الوحي عليه السلام للاستفادة والتآكل ليس إلاّ، وليكتسبوا شيئاً من العلم يكون لهم زاداً في باطلهم عندما يضيفون إليه آرائهم وظنونهم ويكيّفونه بأهوائهم.

فمن هذه القرائن وغيرها، يثبت أنّ الرجل كان أقرب إليهم، ولم نرَ في تاريخه انسجاماً مع رجال التشيّع وأعلامه في التواصي والتواصل والمخالطة كما لمسناه فيما بينهم، وحيث قد بان لنا أنّه في طريق يغاير الطريق العام لأهل البيت(صلوات الله عليهم)، فإنّنا نرجّح روايات الذمّ ونجدها أقرب إلى العقل وتصديق الواقع(2).

وعلى فرض التنزّل، فإنّ التعارض وحده كافٍ لإعمال التساقط، فلا


1) - لم لا تذكر المصدر توثيقاً لِما تزعم، وهذا الذي ذكرته عن الحسن البصري وقول الإمام عليه السلام فيه أنّه سامري هذه الأُمّة، رواه صاحب الاحتجاج مرسلاً سنداً، والخبر مكذوب متناً، وذلك أنّه - الحسن البصري - لم يصحّ له سماع من الإمام عليه السلام، ولا معه اجتماع، وقد قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 5/458، ط دار الفكر في ترجمة الحسن البصري: وقد روى بالإرسال عن طائفة كعليّ، وأُمّ سلمة، ولم يسمع منهما، ولا من ابن عبّاس، ولا... فكيف تذكر من الواهيات والموضوعات وتسوّد بها الصفحات؟! تريني السُهى وأريك القمر.

2) - جواب هذا الهراء والافتراء في أصل سليم، فليرجع إليه، تجد اجتماع الشيعة عند ابن عبّاس وهو يحدّثهم حديث السقيفة وما جرى بعدها.

تكون له جلالة، ويُتوقّف على الأقلّ في أمره.. وعليك أن تكون نبيها في أنّ اشتباه بعض الأعلام في مدحه وتوثيقه وتجليله إنّما جاء ممّا ورد من بعض مواقفه التي يُستشف منها نصرة أهل البيت عليهم السلام، كموقفه مع عائشة(عليها لعائن الله) بعد حرب الجمل، وموقفه منها يوم جنازة الحسن(عليه صلوات الله)، وبعض مواقفه مع معاوية(لعنه الله)، وما أشبه، لكنّك إذ عرفت أنّه من المتأكلين، فليس بالوسع استبعاد أنّه إنّما صنعها به في أعين الناس.

وحتّى لو سلّمنا أنّ مواقفه تلك كانت صادقة، فلا يبعد أن يكون حاله حال الزبير(لعنه الله) الذي ساءت عاقبته بعد الاستقامة، وبعد أن كان سيفاً طالما كشف الكرب عن وجه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، كما ورد.

فإن قيل: إنّ الأمير عليه السلام اختاره بدوا لمناظرة عمرو بن العاص(عليهما اللعنة) في التحكيم بعد صفّين، وهو ما يشهد على جلالته ووثاقته.

قلنا: إنّ ترتيب هذا على ذاك غير صحيح! وإلاّ لكان اختيار الحسن(صلوات الله عليه) لعبيد الله بن عبّاس وتأميره إيّاه على الجيش شاهداً على جلالته ووثاقته، ولا يقول بهذا قائل. وإنّما كان اختيار الأمير عليه السلام لابن عبّاس للمناظرة لِما رآه فيه من فطنة وكياسة في الخصم، والاستعانة بذوي الفطنة حتّى وإن لم يكونوا من أهل الإيمان الخالص جائز من أجل تحقيق المصلحة الإسلامية العليا، ولذا استعان النبيّ الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم ببعضهم مع الاجتماع على كونهم منافقين أو منحرفين.

وابن عبّاس مشمول بحديث الارتداد الشهير الذي فيه أنّ الناس بعد استشهاد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم ارتدّوا وكفروا إلاّ ثلاثة، ليس ابن عبّاس من بينهم،

فعن أبي جعفر الباقر(صلوات الله عليه) أنّه قال: (ارتدّ الناس بعد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلاّ ثلاثة نفر؛ المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي(1)

وحذيفة بن اليمان لم يذكر! وخزيمة ذو الشهادتين لم يذكر! وأبو أيوب الأنصاري لم يذكر! وجابر بن عبد الله لم يذكر! سوى بقية بني هاشم بما فيهم العبّاس، وسائر بقية بني هاشم بما فيهم العبّاس وباقي بنيه، وعقيل وأبناء جعفر، وسائر بقية بني هاشم الذين لم يبايعوا أبا بكر إلاّ بعد موت فاطمة الزهراء عليها السلام ، فضرع الإمام عليه السلام للبيعة، فبايع بنو هاشم، والرواية في البخاري وعن عائشة والزهري وكلّهم غير متّهمين في المقام، فما بال هذا المستخفي بنسج العنكبوت عن العين اللوامة يهرفُ بما لا يعرف ويخبط خبط عشواء، ويزعم - كاذباً - أنّه فلسطيني، ولم نجد له اسماً في قائمة المستبصرين من أهل فلسطين، لاحظ (موسوعة المستبصرين) التي أصدرها مركز الأبحاث العقائدية ستجد الأسماء التالية...

وأخيرا لماذا لم نجد لك اسماً مع أسماء الفلسطينين الذين تشيعوا؟ ولو كنتَ صادقاً في زعمك لما تخفّيت! ولورد اسمك في (موسوعة المستبصرين) التي أصدرها مركز الأبحاث العقائدية، فهذه أسماء جماعة عرفنا أسماءهم من متشيعة فلسطين:

1- (أسعد وحيد القاسم) ولد سنة 1965 في فلسطين، لديه شهادة البكالوريوس في الهندسة، والماجستير في إدارة الإنشاءات والدكتوراه في الإدارة، تشيّع وكتب (حقيقة الشيعة الإمامية الاثني عشرية) مطبوع، وقد ذكر فيه قصّة تشيّعه.

2- (الدكتور زهير عزاوي)، صاحب كتاب (المؤسسات الدينية والقضية الفلسطينية ابن باز مثلاً).

3- (إبراهيم كرام)، شاب فلسطيني من بيت لحم.

4- (سعيد يعقوب)، شافعي ولد سنة 1947 في عطا بفلسطين من أسرة الحجازي، دكتورا في الفلسفة من أمريكا، ودرس الطبّ وأصبح متخصّصاً بالأمراض العصبية والنفسية.

ومهما يكن الصحيح في أمرك، نسأله تعالى أن يطيل في عمرك لتزداد استبصاراً وتعي قوله تعالى: ayebazوَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ayebaste سورة البقرة/42.

، ثمّ إنّ الناس عرفوا ولحقوا بعدُ)(الاختصاص للمفيد ص6).

وملاحظة تاريخ الرجل في ما بعد توجب استبعاده عن المعرفة


1) - فعمّار لم يذكر أيضاً! فهل يزعم هذا الأحمق أنّه ممّن ارتد بموجب هذا الخبر؟!

واللحوق، فإنّما كان يلتصق بالسلطان لينال منه نصيباً من الدنيا، ولمّا أن عادت الخلافة إلى أمير المؤمنين(صلوات الله عليه) التصق به أيضاً، حاله حال الخوارج الذين عظّموا أبا بكر وعمر(عليهما اللعنة)(؟)، ولما أصبحت السلطة بيد عليّ(صلوات الله عليه) والّوه، ثمّ لمّا وجدوه يناقض تطلعاتهم عادوه، فهم ليسوا إلاّ متأكّلين.

فإن قيل: إنّ له مواقف وملاسنات مع عمر(لعنه الله)(؟) ممّا ينبئ عن اعتقاده بالولاية وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام وأحقيته بالخلافة.

قلنا: إنّ عمر نفسه وفي تلك المحاورات أو الملاسنات كان يعترف بحقّ الأمير ولا ينكره، بل وحتّى أبو سفيان وأمثاله(عليهم اللعنة)، فكيف يدفع الحقّ ابن عبّاس مع أنّه ابن عمّه ومن أوائل المستفيدين من إثباته؟!

وهذا الإقرار منه بمجرّده ليس كافياً لتعديله أو توثيقه أو مدح شأنه، فلطالما أقرّ أعداء أهل البيت عليهم السلام بحقّهم، حتّى كأمثال معاوية عليه لعائن الله، أضف إلى هذا أنّ العصبية الجاهلية كانت آنذاك سائدة لا تزال في المجتمع الإسلامي، فعندما يحين موعد الانتصار للقوم والعشيرة كان عرق التعصب ينبض، وإنّما كان أمثال ابن عبّاس من بني هاشم يجرّونها إلى أنفسهم، كما رفع بنو العبّاس أنفسهم في ما بعد شعار الولاية لآل محمّد وآل عليّ(صلوات الله عليهم)، وإنّما كانوا يجرّونها إلى أنفسهم.

والحصيلة: إنّه بملاحظة هذه السيرة وهذا التاريخ، وبالتمعّن في القرائن والشواهد، نستبعد تماماً كونه من الأجلاء اعتماداً على روايات غير صحيحة ومنحولة وأصلها من طريق أهل الخلاف، ونأخذ بما صحّ معنى

واستفاض رواية في ذمّه على لسان أهل بيت الوحي(صلوات الله عليهم) فيكون ابن عبّاس منحرفا وخائنا)).

ونحن أيضاً نقول: والحصيلة: حسبناك كُنيفَ أسرار وجهينة أخبار، ولكن فال الرأي فلست جُهينة، بل وجدناك جُهيلة.

بطلان القياس بين جابر وابن عبّاس!

لمعرفة اختلال التوازن الفكري عند المستخفي بعنوان (المستبصر) فذكر تفضيل جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله على ابن عبّاس رضي الله عنه، بزعم كثرة روايات جابر عن أهل البيت عليهم السلام على روايات ابن عبّاس، وأنّ صلات جابر بأهل البيت عليهم السلام أكثر، وأقوى من صلات ابن عبّاس، وأنّ ابن عبّاس زيدت رواياته من أهل السنّة تزيّدوها له ليرفعوا بضبعه.. إلى غير هذا من خبط وغمط.

ولئلا تُغفل الحقائق، فهذا كشف مقارنة وموازنة بين المواقف مع أهل البيت عليهم السلام من ذينكم الصحابيين الجليلين في النقاط التالية:

أوّلاً: كثرة روايات جابر عن أهل البيت عليهم السلام بخلاف روايات ابن عبّاس، دعوى بلا برهان!

ولدى الرجوع إلى كتاب بحار الأنوار الذي هو بمثابة دائرة معارف شيعية، وهو صحيح في اسمه (بحار الأنوار) ففيه الدرّ وفيه الصدف، فقد راجعت فهارس تلك الموسوعة الكبيرة، والتي أعدّها: (مركز الدراسات والبحوث العلمية) فرأيت آثار ابن عبّاس على النحو التالي:

أ - ففي فهرس الأعلام كان ذكر ابن عبّاس ما يناهز الألف، بينما كان ذكر جابر دون الربع من ذلك.

ب - وفي فهرس رجال السند ج9، كان ذكر ابن عبّاس في ثلاثة مواضع:

1- بعنوان ابن عبّاس، في سبع صفحات ذات حقلين من 180 إلى 186.

2- وبعنوان عبد الله بن عبّاس، في صفحتين ذات حقلين من ص220 إلى 221.

3- وبعنوان عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب، في ص221.

بينما ورد ذكر جابر في موضعين بعنوانين هما:

1- جابر الأنصاري، في ص269.

2- جابر بن عبد الله الأنصاري، في ص272.

ولم يبلغ جميع ما في العنوانين سدس ما جاء عن ابن عبّاس، فليراجع الشاب المستخفي باسم (المستبصر) عسى أن يهتدي إلى الحقّ ما دام بعد في سعة من العمر.

ثانياً: مواقف الرجلين مع أهل البيت عليهم السلام.

ولمّا كانت حياتهما تشترك في المعاشرة لهم عليهم السلام منذ عهد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وإلى عهد أيام الإمام الباقر عليه السلام، وعرض جميع ما يصلح للموازنة يطيل الكلام في المقام، لكنّي أكتفي بنماذج تحكي وتكفي في الدلالة والتفضيل:

فمنها في عهد الرسول صلي الله عليه وآله وسلم، فاتصال ابن عبّاس رضي الله عنه نسباً وسبباً وحضوراً ما يفضل به جابر مهما كان ومن كان، فقد روى ثلاث مواقف لم يضارعه فيها جابر ولا غيره من الصحابة، وقد مرّت الإشارة إليها في ج1 من الموسوعة؛ فراجع ص221 - 141.

ومنها في عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فقد كان ابن عبّاس معه منذ صحبته معه من بعد عهد الرسالة وحتّى وفاته، وهذا لم يكن لجابر مثله ولا لغيره بعضه، ويكفي أنّ ابن عبّاس حضر مع الإمام عليه السلام حروبه الثلاثة: الجمل، وصفّين، والنهروان، سفيراً وقائداً ومحاوراً، ولم يذكر لجابر حضور إلاّ في صفّين على ما قيل.

ومنها في عهد الإمام الحسن عليه السلام، فلم أجد لجابر مثل ما كان لابن عبّاس من حضور، فقد كان ابن عبّاس واليه على البصرة، وحاضراً معه في المدينة، وقد كان الإمام عليه السلام وأخوه الحسين عليه السلام يأتيانه في بعض حيطانه للنزهة، فيقوم بما يليق بهما، حتّى إذا ركبا عند الانصراف، قام فسوّى عليهما ثيابهما، وقال لمن قال له في ذلك وقد أمسك للحسن والحسين الركاب وسوّى عليهما ثيابهما، فقال: أنت أسنّ منهما تمسك لهما بالركاب؟ فقال: وما تدري من هذان؟ هذان ابنا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، أوليس ممّا أنعم الله عليَّ به أن أمسك لهما وأسوّي عليهما(1).


1) - ابن كثير في البداية والنهاية 8/37، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق في ترجمة الإمام الحسن عليه السلام، وفي مختصر تاريخ دمشق لابن منظور أيضاً.

ولم أجد لجابر اجتماع معهما في موقف ذي شأن يشار إليه، بل ولا رواية واحدة رواها جابر عن الإمام الحسن عليه السلام، بينما روى ابن عبّاس عنه حديث ما هو مكتوب على جناح الجرادة، والذي حرّف حتّى جُعل الحديث من جملة ما يقدح في ابن عبّاس، وسيأتي ذكره في الجزء الرابع من هذه الحلقة والجواب عنه وتصحيح الخطأ في روايته.

أمّا عن جابر رحمه الله ، فقد ذكر ابن سعد في طبقاته كلاماً له مع الإمام الحسين عليه السلام عند موت الحسن عليه السلام عندما كادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أُميّة، فقال جابر للحسين عليه السلام: اتّق الله. وفي موقف آخر له مماثل مع الحسين عليه السلام حين عزم على الخروج إلى العراق. وقد مرّ ذكره في بعض الهوامش؛ فراجع.

بينما نجد مواقف ابن عبّاس على غير هذا في نصرة أهل البيت عليهم السلام، فكلامه مع عائشة ومروان في يوم دفن الإمام الحسن عليه السلام، فقد مرّ ذكره في ج5 من الحلقة الأولى، فراجع.

وموقفه في النصح وعرض الرأي في خروج الإمام الحسين عليه السلام أيضاً قد مرّ ذكره.

ومن قرأ ما قاله ابن عبّاس، يجده على خلاف ما قاله جابر، ولا قياس، ومن أبى إلاّ المفاضلة فليس له إلاّ المباهلة، لأنّه مصرّ على العناد، والتدجيل باسم التشيّع، والذي كان من رعاته ودعاته ابن عبّاس، كما مرّ في ج9 و10 من الموسوعة جملة من محاوراته واحتجاجاته على الحاكمين وغيرهم في نصرة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ولم نقف على مواقف مماثلة لجابر كذلك

مع الحاكمين أو غيرهم.

نعم، كان من رواة الحديث المشهور في فضل الإمام عليه السلام، وهو حديث: (عليّ خير البشر ومن أبى فقد كفر)، فهو راويه، ومعلن به في تلك الأجواء المحمومة، وهذا موقف يحسب له ويؤجر عليه، ولكنّه لا يرقى إلى كثرة ما روي عن ابن عبّاس من أقوال موقوفة فضلاً عن المرفوعة، وقد روى سليم بن قيس في كتابه خبراً طويلاً، قال فيه: ((قلت لعبد الله بن العبّاس

• وجابر بن عبد الله الأنصاري إلى جنبه - : شهدت النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عند موته؟

قال: نعم...))، فساق الخبر بطوله، وقد مرّ في ج2/40 من الموسوعة.

فجابر كان يأتي ابن عبّاس ويسمع منه ما يرويه في فضل الإمام عليه السلام، نحو قوله وقد سئل عنه، فقال: ((رحمة الله على أبي الحسن، كان والله علم الهدى، وكهف التقى، وطور النهى، ومحلّ الحجى، وغيث الندى، ومنتهى العلم للورى، ونوراً أسفر في الدجى، وداعياً إلى المحجّة العظمى، ومستمسكاً بالعروة الوثقى، اتقى من تقمّص وارتدى، وأكرم من شهد النجوى بعد محمّد المصطفى، وصاحب القبلتين، وأبو السبطين، وزوجته خير النساء، فما يفوقه أحد، لم تر عيناي مثله، ولم أسمع بمثله، فعلى من أبغضه لعنة الله ولعنة العباد إلى يوم التناد))(1).

فأين لجابر موقف كموقف ابن عبّاس مع أبي بكر حين أتاه يهودي فسأله مسائل فعجز عن جوابه، وقال: هذه مسائل الزنادقة، فقال ابن عبّاس:


1) - ذخائر العقبى: 78.

ما أنصفتم الرجل، فقال أبو بكر: أما سمعت ما تكلّم به؟ فقال ابن عبّاس: إن كان عندكم جواب، وإلاّ فاذهبوا به إلى عليّ عليه السلام يجيبه، فإني سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول لعليّ بن أبي طالب عليه السلام (اللّهمّ اهد قلبه وثبّت لسانه)(1).

وأنّى لجابر ولغيره من الصحابة تلك الشجاعة التي تحمله على أن يقول لعمر وهو في عنفوان خلافته وشدّته، وقد سأل ابن عبّاس: هل بقي في نفس ابن عمّك - يعني عليّاً عليه السلام - شيء من أمر الخلافة؟ فقال له: نعم، قال - عمر - أيزعم أنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم نصّ عليه؟ قال - ابن عبّاس -: نعم، وأزيدك سألت أبي عمّا يدّعيه فقال: صدق(2).

ومن كان يقوى على عمر فيذّله ويدّله على مكمن الخطأ عنده في أمر الخلافة، فيقول له في حديث وكان في سمر عنده، قال ابن عبّاس: فجعل لا يسألني عن شيء إلاّ أخبرته، فأعجب بذلك، ثمّ قال: لو قلت: إنّك سيّد بني هاشم لصدقت.

قال ابن عبّاس: فقلت: كلا، فأين أنت عن سيّديّ وسيّديّك، وسيّدي شباب أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين؟

قال: ومن هذان ويحك؟!

قلت: الحسن والحسين ابنا فاطمة بنت محمّد صلي الله عليه وآله وسلم.

قال عمر: فأبوهما؟

قلت: هيهات، ذلك بحيث لا تحسّ به الظنون كرماً، ولا تدركه


1) - ج9/82 من الموسوعة.

2) - ج9/99 من الموسوعة.

الصفات فضلاً، أبانه رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من أهل بيته بفضله، كما أبان أهل الفضل بفضلهم من غيرهم.

فقال عمر: أبيت إلاّ وجداً به كوجد النصارى، قالت في عيسى فكذبت.

قال ابن عبّاس: فإنّا نقول في صاحبنا ولسنا مبطلين ولا كذّابين، وما عسى أن نبلغ بقولنا ما قاله محمّد نبيّنا صلي الله عليه وآله وسلم، والله لئن قلت ذلك لقد سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (من أحبّك يا عليّ فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أبغضك فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله)، وقال: (إنّي باب وعليّ مفتاحه فمن أرادني فليأته)(1).

فأنّى لجابر وغير جابر أن يقول هذا لعمر، ثمّ هو يسلم من طائلة العتاب إن لم يكن هو العقاب؟ ولابن عبّاس مع عمر ست عشرة محاورة، فراجع المصدر المذكور.

ولابن عبّاس مع عثمان أكثر من عشر محاورات، ومع المارقين في البصرة نحوا من ذلك، وهكذا وهكذا، ممّا ليس لجابر فيه حول ولا طول ولا بعض ذلك، ولا يساويه في منكب ولا موكب، فراجع ج9 و10 من الموسوعة تجد أضعاف ما مرّ ممّا لم يرو عن غيره مثله.

ويكفي هذا في بطلان القياس بين جابر وابن عبّاس: (وإن لم يكن من مذهبنا القياس)، وحسبنا ما مرّ ما نقلناه عن أبان بن تغلب، وقد مرّ في أوّل هذا المبحث فهو ميزان صحيح في تقويم التقدير في عالم التنظير، وغاية


1) - انظر الجزء التاسع من الموسوعة/ ابن عبّاس والاحتجاج (ولو سكت سكتنا).

التفكير في تمييز الغلوّ والتقصير.

وختاماً نستودع القارئ في بطلان القياس بين جابر وابن عبّاس بذكر موقفين لهذين الصاحبين، وقد امتحنا فيهما معاً امتحاناً عسيراً في حكومة يزيد بن معاوية(لعنه الله) وذلك من بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام.

الأوّل: موقف جابر من يزيد من بعد واقعة الطف.

لمّا ثار أهل المدينة على يزيد وأرسل إليهم مسرف بن عقبة بجيش أهل الشام فأوقع بهم في وقعة الحرّة بكلّ قسوة وأباح المدينة ثلاثاً، وبعدها أخذ البيعة من أهلها على أنّهم عبيد ليزيد له الحقّ فيهم يتصرّف كيف شاء استرقّ أو أعتق، وكان جابر بن عبد الله ممّن أصاب رجله حجر فأدمى إصبعه، فقال: تعسَ من أخاف رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، فقال له ابنه محمّد: يا أبت ومَن يخيف رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟ قال أشهد على رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (من أخاف هذا الحيّ من الأنصار فقد أخاف ما بين هذين، ووضع يديه على خاصرتيه) وقد والله أخافنا هؤلاء، فلمّا سمعوا كلامه حمل عليه بعض أهل الشام ليقتلوه، فيقال أنّ مروان خلصّه منهم(1).

الثاني: موقف ابن عبّاس من يزيد من بعد واقعة الطفّ.

مرّ في ج1/261 - 266 من الموسوعة ذكر كتاب ابن عبّاس إلى يزيد


1) - وقعة الحرة: 165 فاضل عبد الجليل الزاكي، نقلاً عن الروض الأنف 3/403، الآحاد والمثاني 4/70، تاريخ دمشق 58/109.

جواباً على كتابه إليه، وسيأتي ذكر مصادره، والإشارة إلى ما بينها من تفاوت، وقد اعتمدت رواية الهيثمي في (مجمع الزوائد 7/250 ط المقدسي بمصر).

قال: ((فكتب يزيد بن معاوية: أمّا بعد: إنّه بلغني أنّ الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته ليدخلك في طاعته فتكون على الباطل ظهيراً وفي المأثم شريكاً, فامتنعت عليه, وانقبضت, لما عرّفك الله في نفسك من حقّنا أهل البيت, فجزاك الله أفضل ما جزى الواصلين عن أرحامهم, الموفين بعهودهم, ومهما أنس من الأشياء فلن أنس برّك وصلتك وحسن جائزتك التي أنت أهلها, في الطاعة والشرف والقرابة لرسول الله صلي الله عليه وآله وسلم, فانظر مَن قبلك من قومك ومن يطرأ عليك من أهل الآفاق ممّن يسحره ابن الزبير بلسانه وزخرف قوله, فخذّلهم عنه, فإنّهم لك أطوع, ومنك أسمع منهم للملحد والخارق المارق، والسلام.

فكتب ابن عبّاس إليه: أمّا بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه دعاء ابن الزبير إيّاي للذي دعاني إليه, وإنّي امتنعت عليه معرفة لحقّك, فإن يكن ذلك كذلك، فلست برّك أرجو بذلك، ولكن الله بما أنوي به عليم.

وكتبت إليَّ أن أحثّ الناس عليك وأجذبهم عن ابن الزبير فلا, ولا سروراً ولا حبوراً, بفيك الكثكث(1)، ولك الأثلب(2)، إنّك العازب إن منّتك


1) - صغار الحجارة والتراب.

2) - الحصى والحجر.

نفسك, وإنّك لأنت المفقود المثبور.

وكتبت إليَّ بتعجيل بري وصلتي, فاحبس أيّها الإنسان عنّي برّك وصلتك, فإنّي حابس عنك ودّي ونصرتي. ولعمري ما تعطينا ممّا في يدك لنا إلاّ القليل, وتحبس منه الطويل العريض لا أباً لك.

أتراني أنسى قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطلب, مصابيح الدجى ونجوم الأعلام، وغادرتهم خيولك بأمرك, فأصبحوا مصرّعين في صعيد واحد, مزمّلين بالدماء, مسلوبين بالعراء, لا مكفّنين ولا موسّدين, تسفيهم الرياح, وتغزوهم الذئاب, وتنتابهم عوج الضباع, حتّى أتاح الله لهم قوماً لم يشركوا في دمائهم فكفنوهم وأجنّوهم.

وبهم والله وبي منّ الله عليك فجلست في مجلسك الذي أنت فيه.

ومهما أنس من الأشياء فلست أنسى تسليطك عليهم الدعيّ ابن الدعّي, الذي كان للعاهرة الفاجرة, البعيد رحماً, اللئيم أباً وأُمّاً, الذي اكتسب أبوك في ادّعائه له العار, والمأثم والذلّة, والخزي في الدنيا والآخرة, لأنّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر), وإنّ أباك يزعم أنّ الولد لغير الفراش, ولا يضير العاهر ويلحق به ولده كما يلحق ولد البغي الرشيد, ولقد أمات أبوك السُنّة جهلاً, وأحيى الأحداث المضلّة عمداً.

ومهما أنس من الأشياء فلست أنس تسييرك حسيناً من حرم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلى حرم الله, وتسييرك إليه الرجال. وإدساسك إليهم إن هو نذر بكم فعاجلوه, فما زلت بذلك وكذلك, حتّى أخرجته من مكّة إلى أرض الكوفة, تزأر إليه خيلك وجنودك زئير الأسد, عداوة منك لله ولرسوله

ولأهل بيته, ثمّ كتبت إلى ابن مرجانة يستقبله بالخيل والرجال والأسنة والسيوف, ثمّ كتبت إليه بمعاجلته وترك مطاولته, حتّى قتلته ومن معه من فتيان بني عبد المطلب أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

نحن أولئك لا كآبائك الأجلاف الجفاة أكباد الحمير, ولقد علمت أنّه كان أعزّ أهل البطحاء بالبطحاء قديماً, وأعزّه بها حديثاً لو ثوى بالحرمين مقاماً, واستحلّ بها قتالاً, ولكنّه كره أن يكون هو الذي يستحلّ حرم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وحرمة البيت الحرام, فطلب الموادعة, وسألكم الرجعة, فاغتنمتم قلّة أنصاره، واستئصال أهل بيته, كأنّكم تقتلون أهل بيت من الترك أو كابل.

وكيف تحدوني على ودّك وتطلب نصري, وقد قتلت بني أبي, وسيفك يقطر من دمي, وأنت أحد ثاري, فإن يشأ الله لا يطلّ لديك دمي, ولا تسبقني بثاري, وإن تسبقنا به, فقبلنا ما قُتلت النبيّون وآل النبيّين, فطلّت دماؤهم في الدنيا, وكان الموعد الله، وكفى بالله للمظلومين ناصراً, ومن الظالمين منتقماً.

والعجب كلّ العجب وما عشت يريك الدهر العجب! حملك بنات عبد المطلب وحملك أبناءهم أغيلمة صغاراً إليك بالشام, تُري الناس أنّك قد قهرتنا, وأنّك تذلّنا, وبهم والله وبي منّ الله عليك وعلى أبيك وأُمّك من السباء.

وأيم الله، إنّك لتصبح وتمسي آمناً لجراح يدي, وليعظمن جرحك

بلساني وبناني, ونقضي وإبرامي فلا يستعزّنك(1)الجذل, فلن يمهلك الله بعد قتلك عترة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إلاّ قليلاً, حتّى يأخذك الله أخذاً أليماً, ويخرجك من الدنيا آثماً مذموماً, فعش لا أباً لك ما شئت فقد أرداك عند الله ما اقترفت.

فلمّا قرأ يزيد الرسالة، قال: لقد كان ابن عبّاس مضبّاً(2)على الشرّ)).

ولقد ذكر هذا الكتاب غير واحد من المؤرّخين والمحدّثين, وبين رواياتهم تفاوت في الألفاظ فمن شاء مزيد الاطلاع، فليرجع إلى المصادر التالية:

1- المعرفة والتاريخ، للفسوي(ت277): 1/531، ط الأوقاف ببغداد.

2- أنساب الأشراف، للبلاذري(ت279): 1ق4/305 تح إحسان عبّاس وذكر شطراً من الكتاب.

3- تاريخ اليعقوبي(ت بعد 292): 2/220 مطبعة الغري بالنجف الأشرف.

4- المعجم الكبير، للطبراني(ت360): 10/241 ط الثانية بالموصل.

5- مقتل الحسين، للخوارزمي(ت568): 2/77 ط الزهراء في النجف الأشرف.


1) - في جملة من المصادر تصحيف, والصواب ما أثبتناه, ومعناه لا يغلب عليك, يقال استعزّ به الحال أي غلب عليه.

2) - في جملة من المصادر تصحيف, والصواب ما أثبتناه, ومعناه أخفى غلّه في قلبه وأمسكه.

6- تاريخ ابن الأثير(ت630): 4/54 ط بولاق.

7- تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي(ت654): 155 ط حجرية و274ط منشورات الشريف الرضي.

8- مجمع الزوائد، للهيثمي(ت807): 7/250 ط القدسي.

9- تطهير الجنان، لابن حجر الهيتمي - بالتاء المثناة - (ت974): /135 بهامش الصواعق المحرقة.

10- بحار الأنوار، للمجلسي(ت1111): 45/323.

فهذه عشرة كاملة وحسبي بها, فضلاً عن مصادر ثانوية كثيرة ك-(الدرجات الرفيعة)، و(أعيان الشيعة)، و(المجالس السنية)، و(إقناع اللائم)، و(مشكوة الأدب)، و(ناسخ التواريخ/فارسي)، وغيرها. وقد ورد في جملة من المصادر الأوّلية أنّ يزيد لمّا وصلت إليه رسالة ابن عبّاس غضب غضباً شديداً وهمّ بقتل ابن عبّاس, ولكن الله شغله بأمر ابن الزبير ثمّ أخذه أخذ عزيز مقتدر, فمات السكران بحوارين.

وقد جاءت الرسالة في بلاغتها كأنّها مستقاة من نهج إمامه وابن عمّه سيّد البلغاء في (نهج البلاغة), في قوّة الحجّة وبليغ الكلام.

كما أنّها تعتبر وثيقة تاريخية تدين يزيد بجرائمه, وتدمغ الذين برؤوه من جريمة القتل وأدانوا بها ابن زياد.

وأخيراً، فقد كانت آخر ما عُرف عن ابن عبّاس من موقف سياسي مع يزيد, ولم يكد جور السلطة الأمويّة ينتهي بموته, فإنّه سيأتي لابن عبّاس مع عبد الملك بن مروان ما سنذكره, ولقد أعجبت الرسالة بعضهم، فقال:

نصرت ابن عبّاس حسين بن فاطم فاطم*** بحدّ لسان ما عن السيف ينقص

دعتك إليه شيمة هاشمية*** لعمرك أنت الهاشمي المخلّص(1)

غداة ابن هند أسلس القول طامعاً*** بودّك حاشا الله ودّك ينكص

فلقّ-يته صعباً شديداً مراسه*** فتى ثأر أهليه به يتربّ-ص

وتالله لولا حكمة الله لانثنت*** لكم غارة منها السماء تقلّص(2)

والآن، فللقارئ حقّ المقارنة بين مواقف الرجلين الصحابيين وتأثيرها في التأريخ الشيعي ومدى تأثّرها بولاء أهل البيت عليهم السلام.

وليكن مسك الختام في المقام ما قاله الحافظ ابن البطريق المتوفى سنة (523ه-)، مستدلاً بما ختم به ابن عبّاس حياته، حيث قال عند موته: (اللّهمّ إنّي اتقرّب إليك بولاية عليّ بن أبي طالب)، حيث قال في ص364 من كتابه (عمدة عيون صحاح الأخبار)(3):

((وهذا القول من ابن عبّاس من أدلّ دليل على أنّ الميت يسأل عن معرفة الله ومعرفة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وولاء أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، لأنّه قد ثبت عند من يعلم ومن لا يعلم أنّ منكراً ونكيراً ومبشّراً وبشيراً ليسألان الميت عند نزول قبره، عن ربّه ونبيّه وإمامه، وهذا من أدلّ دليل على سؤال الملائكة عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام.


1) - الدرجات الرفيعة: 145، ط الحيدرية.

2) - زيادة في مجموع المرحوم السيّد جعفر الخرسان بخطه (عندي).

3) - طبع محقّقاً بتحقيق الشيخ مالك المحمودي والشيخ إبراهيم البهادري في مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام بقم سنة 1412ه- .

ولولا ذلك لما جعلها ابن عبّاس خاتمة عمله، لأنّه كان أعلم أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بعد أمير المؤمنين عليّ عليه السلام بلا خلاف، وقد كان يقول له

أمير المؤمنين عليه السلام دائماً: (أنت كُنيف(1)

قال الأزهري: شبّه قلب ابن مسعود بكنف الراعي لأن فيه كلّ ما تريد، راجع غريب الحديث ، لابن الجوزي 2/302 (كنف) والصحاح، للجوهري (كنف).

مملوء علماً). اه- .

ولو لم يتحقّق في ذلك حالاً من النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، لما كان قد جعل غاية تقرّبه إلى الله، وهو آخر كلام يكتب له ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

ولو لم يعلم أنّ فيها النجاة لما جعلها آخر عمله، وهذا ممّا يوجب على كافّة خلق الله تعالى أن يأتوا بمثل ما أتى به ابن عمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وأعلمهم. اه- .

وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ _ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ _ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ _ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ _ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ _ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(2). ونحن أيضاً نختم هذا الجزء (الثالث) من الحلقة الرابعة من (موسوعة


1) - الكنف الوعاء الذي يضع الرجل فيه أداته، وتصغيره على جهة المدح له (لسان العرب، كنف). قد قال عمر في ابن مسعود كُنيف ملئ علماً.

2) سورة القصص 51-56

عبد الله بن عبّاس حبر الأُمّة وترجمان القرآن) بما ختم به صاحبنا من التوسل والتقرب إلى الله تعالى، فنقول: (اللّهمّ إنّا نتقرّب إليك بولاية عليّ ابن أبي طالب عليه السلام)، وهذا من أفضل ما تقرّب به إليك عبادك الصالحون، فاختم لنا به صحائف أعمالنا يوم نلقاك إنّك حميد مجيد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة الهداة المهتدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وقد تمّ تبييضه ليلة الأحد وهي ليلة ميلاد خاتم الأنبياء صلي الله عليه وآله وسلم 12 ربيع الأوّل وأنا في عافية ونعمة الجوار لمولاي أمير المؤمنين عليه السلام، اللّهمّ لا تسلبني ما أنا فيه، واجعل بلدنا آمنا نحيى ونموت فيه، وارزق أهله والمسلمين جميعاً نعمة الأمان من شرور آخر الزمان إنّك رؤوف رحيم.

حرّره الراجي عفو ربّه المنان

محمّد مهدي السيّد حسن الموسوي الخرسان